فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار

1

الأذان

بين الاصالة والتحريف

فهرست عناوين
الإهداء 5
مقدمة المؤلف 7
بحوث تمهيدية
الأذان لغة واصطلاحاً 24
تاريخ الأذان 25
بدأ الأذان عند أهل السنة والجماعة 27
أهل البيت وبدء الأذان 41
وقفة مع أحاديث الرويا 59
تحقيق في ما وراء نظرية الرويا 73
مع الرسول وروياه 84
المجتهدون الأوائل ودورهم في التشريع 87
المجتهدون الأوائل والأذان 94
الأمويون والأذان 97
الأمويون ورسول الله 101
الله ورفعه لذكر الرسول 109
أهل البيت ورفع ذكر رسول الله 112
القدرة الاِلهية وفشل المخططات 120
من هم الثلاثة أو الاربعة 127
الأذان إعلام للصلاة أم بيان لاصول العقيدة 149
الأذان وآثاره في الحياة الاِجتماعية 161
توقيفية الأذان 164
الخلاصة 169
الباب الأول
حي على خير العمل
الشرعية والشعارية
الفصل الأوّل : جزئية حي على خير العمل 177
القسم الأوّل : إتفاق الفريقين على اصل شرعيتها 181
القسم الثاني : تأذين الصحابة وأهل البيت 209
1ـ بلال بن رباح الحبشي 209
2ـ علي بن أبي طالب 210
3ـ أبو رافع 217
4ـ عقيل بن أبي طالب 218
5ـ الحسن بن علي بن أبي طالب 218
6ـ أبو محذورة 219
7ـ الحسين بن علي بن أبي طالب 223
8ـ زيد بن أرقم 224
9ـ عبدالله بن عباس 224
10ـ عبدالله بن عمر 225
11ـ جابر بن عبدالله الانصاري 234
12ـ عبدالله بن جعفر 234
13ـ محمّد بن علي بن أبي طالب 234
14ـ أنس بن مالك 235
15ـ علي بن الحسين بن علي 236
16ـ أبو اُمامة بن سهل بن حنيف 248
17ـ محمد بن علي الباقر 249
18ـ زيد بن علي 251
19ـ يحيى بن زيد بن علي 252
20ـ محمّد بن زيد بن علي 253
21ـ محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب 253
22ـ إبراهيم بن عبدالله بن الحسن 254
23ـ جعفر بن محمّد الصادق 255
24ـ الحسين بن علي صاحب فخ 257
25ـ موسى بن جعفر الكاظم 258
26ـ علي بن موسى الرضا 258
27ـ علي بن جعفر بن محمّد بن علي 259
28ـ أحمد بن عيسى 259
29ـ الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي 260
القسم الثالث : اجماع العترة 263
الفصل الثاني : حذف الحيعلة ، وامتناع بلال عن التأذين 275
الفصل الثالث : حي على خير العمل ، دعوة إلى الولاية 297
بعض أدلة الولاية 303
عود على بدء 323
ما وراء حذف الحيعلة الثالثة 326
الفصل الرابع : حيّ على خير العمل ، تاريخها العقائدي والسياسي 339
طبرستان ( سنة 250 هـ ) 356
حمص مصر بغداد ( سنة 290 هـ ) 359
الاندلس ( ما بعد سنة 300 هـ ) 365
حلب مصر ( سنة 347 هـ ) 366
القاهرة ( سنة 356 هـ ) 368
القاهرة ( سنة 358 هـ ) 370
جامع بن طولون مصر ( 359 هـ ) 373
دمشق ( سنة 360 هـ ) 376
حلب ( سنة 367 هـ ) 278
ملتان الهند ( قبل سنة 380 هـ ) 379
مصر ( سنة 393 هـ ) 380
اليمامة ( سنة 394 هـ ) 382
المدينة مصر ( سنة 400 هـ ) 382
بغداد (سنة 441 ـ 442 هـ ) 384
بغداد ( سنة 443 هـ ) 386
بغداد (سنة 444 ـ 445 هـ ) 389
بغداد ( سنة 448 هـ ) 390
بغداد ( سنة 450 هـ ) 393
مكة حلب ( سنة 462 هـ ) 395
الشام ( سنة 468 هـ ) 397
مصر ( سنة 478 هـ ) 399
مصر ( سنة 524 هـ ) 400
حلب ( سنة 543 هـ ) 404
حلب ( سنة 552 هـ ) 406
مصر ( سنة 565 هـ ) 407
مصر ( سنة 567 هـ ) 408
حلب ( سنة 570 هـ ) 409
مكة ( سنة 579 و 582 و 617 و 702 هـ ) 410
ايران ( سنة 707 هـ ) 412
المدينة ( القرن الثامن) 413
القطيف ( سنة 729 هـ ) 413
مكة ( سنة 793 هـ ) 414
صنعاء ( سنة 900 هـ ) 414
حضرموت ( سنة 1070 هـ ) 415
نجد ( سنة 1224 هـ ) 416
النتيجة 417
الخلاصة 431
وفي الختام 433
فهرس مصادر الحيعلة الثالثة 435


3

التشريع وملابسات الأحكام

عند المسلمين

(7)

الأذان

بين الإصالة والتحريف

(1)

حي على خير العمل

الشرعية والشعارية

تأليف

علي الشهرستاني


4

بسم الله الرحمن الرحيم


5

الاهداء

إلى من آمن بالله والناس مشركون.

إلى من تحمّل كلّ شيء من أجل الرسول والرسالة.

إلى من صبر على أذى قريش وهو يقول : أحد ، أحد.

إلى من رفع نداء التوحيد وحطّم بتكبيره شوكة قريش.

إلى من لم يؤذن لاحد بعد رسول الله إلاّ للزهراء والحسنين.

إلى من أُبعد أو ابتعد عن مجريات الأحداث بعد رسول الله صلى الله عليه وآله .

إلى من وقف أمام التحريف داعياً إلى الأصالة.

إلى مؤذن رسول الله ومحبّ عترته وآل بيته.

إلى الصحابي الجليل بلال الحبشيّ رضوان الله تعالى عليه.

أهدي دراستي هذه .

المؤلف


6


7

مقدّمة المؤلف

مرّ الفقه الإسلامي بمراحل وأدوار متعددة ، وكُتب بأساليب ورؤى مختلفة ، وطبق مناهج خاصة لفقهاء الإسلام ، فالبعض أجمل فيه ، والآخر فصّل ، وثالث عُني بذكر الأدلّة ، ورابع بتكثير الفروع ، وخامس بمسائل الخلاف ، وسادس بفقه الوفاق ، واهتمّ غيرهم بجوانب أُخرى منه.

وقد دُوّنت تلك المصنّفات تارة أصلاً ومتناً ، واُخرى تعليقاً وشرحاً ، وثالثة نظماً وشعراً ، وغير ذلك.

وقد اختططتُ منهجاً بين تلك المناهج ، مسلِّطاً الضوء على العلل والأسباب التي أدّت إلى اختلاف المسلمين في الأحكام الشرعيّة ، موضّحاً فيه ملابسات التشريع ، غير مُتناسٍ منهج الأقدمين في دراسة الفروع ، آخذاً بنظر الاعتبار ما يلائم عقليّة المسلم المعاصر من التعرّف على جذور الخلاف وأسبابه.


8

فالفقيه لو جمع إلى أدلّته القرآنيّة والحديثيّة شيئاً من تاريخ التشريع وملابسات الأحكام الشرعية لاتّضح للسامع والقارئ حقائق كثيرة في هذا السياق. وكذا المؤرّخ عليه أن يدرس الأحداث دراسة تحليلية استنباطية كما يفعل الفقيه بالأحاديث ، وأن لا يكتفي بنقل البلاذري والطبري والواقدي وابن سعد وغيرهم من أعلام المؤرِّخين.

وقد أوضحنا بعض معالم منهجنا في مقدمة كتابنا (وضوء النبيّ) وأكّدنا على ضرورة دراسة المتن والسند معاً ، مع بيان الجذور السياسية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية للأحداث ، وأن لا يكتفي المؤرّخ أو الفقيه بواحد منها دون الآخر ؛ لأن اتّخاذ أحد الأسلوبين (القديم أو الجديد) ربما لا يقنع المطالع وخصوصاً في القضايا الخلافية ، فالبحوث الإسنادية مثلاً هي بحوث تخصّصية بحتة لايستسيغها الأكاديمي (الجامعي) ، وقد تثقل على مسامع غير المتخصّصين. وكذلك الحال بالنسبة إلى البحوث التاريخية التشريعية ، فرّبما لا يرى الطالب الحوزوي والأزهري كثير فائدة في طرحها ، ومن هنا سَعَينا أن نجمع ـ في دراساتنا ـ بين الأسلوبين ، كي نخاطب أكبر عدد ممكن من القراء الأعزاء ، مبسطين العبارة والفكرة بقدر المستطاع. وأشرنا إلى بعض أهدافنا صراحةً بالقول :

وقد انتهجنا هذا الأسلوب في دراستنا واتّبعناه لا لشيء إلاّ لتطوير وإشاعة مثل هذه الدراسات في معاهدنا العلمية وجامعاتنا الإسلامية ، على أمل تعاون المعنيّين معنا في ترسيخ هذه الفكرة وتطويرها ، وأن لا يدرسوا الفقه دراسة إسنادية متنية فقط دون معرفة ملابسات الحكم بكافة نواحيها ، ونرى في طرح مثل هذه الدراسات رُقيّاً للمستوى الفقهي


9

والأُصولي لدى المذاهب الإسلامية ، وتقريباً لوجهات النظر بين المسلمين ، وترسيخاً لروح الانفتاح فيهم ، ومحاولة للقضاء على مختلف النزعات العاطفية وإبعادها عن مجالات البحث العلمي ، وعدم السماح لتحكّم الخلفيات الطائفية ، والرواسب الذهنية في هذه البحوث العلمية النظرية.

ولو اتّبعنا مثل هذا الأُسلوب في جميع أبواب الفقه لوصلنا إلى حقيقة الفقه الإسلامي من أيسر طرقه وأسلمها ، ولوقفنا على تاريخ التشريع وملابساته ، ولاتّضحت لنا خلفيات صدور بعض الأحكام ، وعرفنا حكم الله الواحد الذي ينشده الجميع.

وممّا يجب التأكيد عليه أنّ مشروعنا سيطبّق ـ إن شاء الله تعالى ـ في إطارين :

1 ـ الإطار التأسيسي.

2 ـ الإطار التطبيقي.

ولنا دراسات عن السنّة النبوية ، والقراءات القرآنية ، والنسخ وأساسيّات نقاط الافتراق بين المذاهب الإسلامية كالعصمة ، والقياس ، والاستحسان وسواها.

وقد قدّمنا سابقاً بعض النماذج التطبيقية للفكرة ، فكان (وضوء النبيّ) هو الأوّل ، ثمّ أردفناه بالأذان ، آملين أن نُلحق به الصلاة والحجّ والزكاة وغيرها بإذن الله تعالى.

ولا نقصد من عملنا هذا إعطاء وجهة نظر فقهيه خاصّة بنا ، بل كانت تلك الدراسات بياناً لكليّاتٍ عقائدية تاريخية فقهية ينبغي أن يعرفها ويتعرّف عليها كلّ مسلم غير جامدٍ على منهجٍ خاصّ ونسق معروف عند طبقة خاصّة من


10

الفقهاء والمؤرّخين والكتّاب.

وقد عنيتُ في عملي هذا برفع الغامض وحلّ المبهم من المسائل ، وأردت أن أنتقل بالقارئ الكريم إلى واحات العلم ، وميادين المعرفة ، من غصن إلى غصن ، ومن فنن إلى فنن على شجرة المعرفة لنقتطف من الثمار أحلاها... من الفقه ، إلى التفسير ، إلى التاريخ ، إلى الرجال ، إلى الحديث ، إلى اللغة ، وإلى كلّ شيء يمتّ للبحث بصلة.

فالغاية من دراساتنا اذاً هي بيان كليّات وأمّهات المسائل لا جزئيّاتها وسننها ومستحباتها ، فلا تعني بحوثنا بمثل فضل الأذان والمؤذّن ، أو جواز أذان المرأة والصبيّ وعدمهما ، أو جواز إعطاء الأجرة على الأذان أم لا ، وغيرها من عشرات المسائل المطروحة.

وكذلك مايتّصل بالوضوء ، فلم تكن الدراسة متجهة إلى البحث عن الأسباب والموجبات والنواقض والمستحبات ، بل متجهة إلى بيان حدود الأعضاء المغسولة والممسوحة ، وكيفيّة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله .

وهكذا الحال بالنسبة إلى دراساتنا اللاحقة ـ إن وفّق الله لإتمامها ـ فهي بحوث عن الكليّات والأمّهات لا عن التشعبّات والتفريعات وما يتعلّق بالآداب والسنن.

هذا ، وقد جعلت دراستي عن الأذان عما هو الأصيل منه والمحرَّف ، فجاءت في ثلاثة أبواب.

الباب الأول : « حيّ على خير العمل » الشرعية والشعارية.

الباب الثاني : « الصلاة خير من النوم » شِرعة أم بِدعة ؟.

الباب الثالث : « أشهد أن عليّاً ولي الله » بين الشرعية والابتداع.

وقدمت لهذه الأبواب ببعض البحوث التمهيدية ، كالأذان لغة واصطلاحاً ،


11

وكَبيان ما قاله أهل السنّة والجماعة بمذاهبهم الأربعة ، والشيعة ـ بفرقها الثلاث ـ في بدء الأذان ، ثمّ كانت لنا وقفه مع أحاديث الرؤيا ، ثمّ تحقيق في ما وراء نظرية الرؤيا.

منبهاً القارئ الكريم على أن هذه الدراسة هي مواضيع مترابط بعضها ببعض ترابطاً وثيقاً ، فلا يمكن فهم مكانة الشهادة الثالثة في الأذان إلاّ بعد قراءة « حيّ على خير العمل ».

ونظير هذا ما يتعلق بالحَيعَلة الثالثة « حيّ على خير العمل » ، فإن معناها لايتّضح كاملاً إلاّ بعد قراءة الشهادة الثالثة « أشهد أن عليّاً وليّ الله ».

أمّا « الصلاة خير من النوم » فهي الجدار الحائل بين البابَين ، والموضح لأسرار محاربة شرعية وشعارية الشهادة والحيعلة الثالثتين.

وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين


12


13

بحوث تمهيدية

الأذان لغة واصطلاحاً

تاريخ الأذان

بدء الأذان عند أهل السنّة والجماعة

أهل البيت وبدء الأذان

وقفة مع أحاديث الرؤيا

تحقيق فيما وراء نظرية الرؤيا

الأذان إعلام للصلاة أم بيان لأصول العقيدة ؟

الأذان وآثاره في الحياة الاجتماعية


14


15

الأذان نغمة الوحي في سماء الدنيا ، يُرتّلها المؤذِّن آناء الليل وأطراف النهار ، داعياً عباد الله إلى عبادته جلّ شأنه ، ناطقاً بالحقيقة الخالدة ، معلناً حقائق الدين الحنيف بكلّ صراحة ووضوح ، مُذَكِّراً بحلول وقت مناجاة الربّ الكريم ، والدخول في حضرة الجليل.

كلمات تهزّ المشاعر والعواطف وتشدّ الأرواح إلى مالكها الذي اليه الرُّجعى وإليه المصير.

أسماء مباركة تردّدها شفاه المؤمنين ، فتزيد المؤمن إيماناً ، والكافر عناداً وخسراناً.

إنّه دعوة الرحمن أولياءه إلى الطاعة والرحمة والمغفرة ، وهو نداء ملائكة السماء ، وأُنشودة المؤمنين إلى قيام يوم الدين.


16

وما أن يتمّ المؤذن نداءه للظهر ثم العصر ، حتّى يحلّ الغروب وظلام الليل ، وإذا بتراتيل الإسلام :

أشهدُ أن لا إله الاَّ الله ، أشهدُ أن لا إله الاَّ الله.

أشهدُ أن محمّداً رسول الله ، أشهدُ أن محمّداً رسول الله تعلو من المآذن.

فالأذان حينذاك إعلام لإقامة الصلاة في غسق الليل ، وما أن يتمّ المؤمن صلاته ومناجاته مع ربّه حتّى ينصرف إلى الرقاد ، وإذا بالصبح يطلع عليه بفجره الصادق هاتفاً المؤذن فيه باسم الربّ الجليل وباسم الرسول الأمين تارة أُخرى :

أشهد أن لا إله الاَّ الله ، أشهد أن لا إله الاَّ الله.

أشهد أنّ محمداً رسول الله ، أشهد أنّ محمداً رسول الله.

ليقيم ما أمر به الله في كتابه ﴿ أقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشَّمسِ إلى غَسَقِ الليلِ وقرآن الفجرِ إن قرآنَ الفجرِ كانَ مَشهوداً (1).

والأذان من السنن المؤكّدة التي حثّ عليها الشارع المقدّس ، وهي دعوة الخالق لعباده إلى الدخول في أجواء رحابه المباركة اللامتناهية فُرادى أو مجتمعين ، متراصّين متحابّين ، مؤمنين ، في زمان معيّن ومكان واحد ، وباتّجاه محور وقبلة واحدة ، يرهبون باجتماعهم أعداء الله وجند إبليس.

إنّه إذاً من أعظم الشعائر الإسلاميّة ؛ لكونه دعوة الحيّ القيّوم لتنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وتذكير الناسين ، بل هو من مصاديق قوله جلّ شأنه : ﴿ ومن أحسنُ قَولاً ممّن دعا إلى الله وعَمِلَ صال ـ حاً وقالَ إنّ ـ ني من المسلمين (2).

ولعلّ من الغرابة بمكان أن نرى وقوع الاختلاف في أمر بديهيّ وإعلاميّ

(1) الإسراء : 78.

(2) فصّلت : 23.


17

كالأذان الذي ينادي به مؤذّنو المسلمين في كلّ يوم وليلة عدّة مرات ـ على اختلاف ألسنة الناس ـ بلسان عربي مبين ، ومن على المآذن وبصوت عال يسمعه الجميع.

فنتساءل عن سبب الاختلاف والتنازع في فصول هذه الشَّعيرة الإسلاميّة ؟ ولماذا يكون اختلاف في مثل هذه المسألة بين المذاهب الإسلاميّة ؟

بل لماذا تذهب الشافعيّة إلى تربيع التكبير بخلاف المالكيّة القائلة بتثنيته ؟

وهل هناك أُمور خفيّة وراء اختلافهم في إفراد أو تثنية الإقامة ؟!

وهل حقاً أنّ هناك تثويباً(1)أوَّلا وتثويباً ثانياً ؟

وهل يجب أن يؤتى بالتثويب في أثناء فصول الأذان ، أم بعدها قبل الإقامة ؟ بل ما هو المعني بالتثويب ؟ هل هو : « الصلاة خير من النوم » أو « قد قامت الصلاة » أو : « حيّ على خير العمل » أو هو شيء آخر ؟

ثُمَّ لماذا اختلفت رواية عبدالله بن زيد بن عبدربّه بن ثعلبة الأنصاري في الأذان(2)ة عن رواية أبي محذورة القرشي ؟

ولماذا تجيز المذاهب الأربعة الأذان قبل الوقت لصلاة الفجر خاصّة ، مع تأكيدهم المبرم على عدم جواز ذلك في سائر الأوقات المعيّنة ؟

(1) التثويب من ثاب يثوب ، ومعناه : العَود إلى الإعلام بعد الإعلام ، كقول المؤذّن ( حيّ على الصلاة ) ، فإنّه يعود ويرجع إلى دعوته تارة أخرى فيقول ( قد قامت الصلاة ) أو( الصلاة خير من النوم ) أو ( الصلاة الصلاة يرحمك الله ) أو أيّ شيء آخر.

وقالوا عن ( الصلاة خير من النوم ) إنّه التثويب الأوّل ، وما يقوله المؤذّن بعد الأذان مثل ( السّلام عليك أيّها الأمير ، حيّ على الصلاة ) وأمثاله إنّه التثويب الثاني.

(2) كما سيأتي في صفحه 30.


18

و كيف يمكن تصحيح خبر تأذين ابن أُمّ مكتوم الأعمى للفجر ، وتضعيفهم لروايات صحيحة أخرى تطابق العقل والشرع في أنه كان يؤذّن بالليل وفي شهر رمضان خاصة ؟

بل كيف يقولون بتأذين ابن أُم مكتوم مع قولهم بكراهة تأذين الأعمى ؟

أضف إلى ذلك كله أنّه ما الداعي إلى اختلاف أذان أهل مكّة عن أذان أهل المدينة ، واختلاف الأذانين عن أذاني أهل الكوفة وأهل البصرة ؟

ولماذا يختلفون فيما هو ـ واللفظ لابن حزم ـ « منقول نقل الكافّة بمكّة وبالمدينة وبالكوفة ، لأنّه لم يمرّ بأهل الإسلام يوم إلاّ وهم يؤذّنون فيه في كلّ مسجد من مساجدهم خمس مرّات فأكثر ، فمثل هذا لا يجوز أن يُنسى ولا أن يُحرّف »(1).

فلماذا نُسي أو حُرّف هذا الأذان واختُلف فيه بين مصر وآخر ؟

ولو صحّ ما قاله ابن حزم ـ من صحّة جميع منقولات الأذان على اختلافها ـ عند جمعه بين الوجوه في الأذان ؛ فكيف يمكننا أن نوفّق بين وحدة الشريعة وبين تعدّدية الأذان ؟ فهل كان رسول الله قد صحّح الجميع ؟ أم وقع في الأذان تغيير يشهد به إحداث عثمان بن عفان للأذان الثالث يوم الجمعة(2) ؟.

قال ابن حزم جامعاً بين كلّ تلك الوجوه :

« ... كلّ هذه الوجوه قد كان يُؤذّن بها على عهد رسول الله بلا شكّ ، وكان الأذان بمكّة على عهد رسول الله يسمعه عليه السلام إذا حجّ ، ثمّ يسمعه أبو بكر وعمر ، ثم عثمان بعده عليه السلام ... فمن

(1) المحلَّى لابن حزم 3 : 153.

(2) انظر : تحفة الأحوذي 3 : 41 / أبواب الجمعة ـ باب ما جاء في أذان الجمعة ؛ عون المعبود 3 : 302.


19

الباطل الممتنع المحال الذي لا يحلّ أن يظنّ بهم أنّ أهل مكّة بدّلوا الأذان وسمعه أحد هؤلاء الخلفاء رضي الله عنهم ، أو بلغه والخلافة بيده فلم يغيّر...

وكذلك فُتحت الكوفة ونزل بها طوائف من الصحابة رضي الله عنهم ، وتداولها عمّال عمر بن الخطاب ، وعمّال عثمان رضي الله عنهما ، كأبي موسى الأشعري ، وابن مسعود ، وعمّار ، والمغيرة ، وسعد بن أبي وقّاص. ولم يَزَل الصحابة الخارجون عن الكوفة يؤذّنون في كلّ يوم سفرهم خمس مرات ، إلى أن بَنَوها وسكنوها ، فمن الباطل المحال أن يُحال الأذان بحضرة من ذكرنا ويخفى ذلك على عمر وعثمان أو يعلمه أحدهما فيقرّه ولا ينكره.

ثم سكن الكوفة عليّ بن أبي طالب إلى أن مات ، وأنفذ العمّال من قِبله إلى مكّة والمدينة ، ثمّ الحسن ابنهُ رضي الله عنه إلى أن سلّم الأمر لمعاوية ، فمن المحال أن يُغيَّر الأذان ولا ينكر تغييره عليّ ولا الحسن ، ولو جاز ذلك على عليّ لجاز مثله على أبي بكر وعمر وعثمان ، وحاشا لهم من هذا فما يَظنُّ هذا بهم ولا بأحد منهم مسلمٌ أصلاً.

فإن قالوا : ليس أذان مكّة ولا أذان الكوفة نقل كافّة.

قيل لهم : فإن قالوا لكم : بل أذان أهل المدينة ليس هو نقل كافة ، فما الفرق ؟

فإنِ ادّعوا في هذا محالاً ادُّعي عليهم مثله.

فإن قالوا : إن أذان أهل مكّة وأهل الكوفة يرجع إلى قوم


20

محصور عددهم.

قيل لهم : وأذان أهل المدينة يرجع إلى ثلاثة رجال لا أكثر ، مالك وابن الماجشون وابن أبي ذئب فقط ، وإنّما أخذه أصحاب هؤلاء عن هؤلاء فقط.

فإن قالوا : لم يختلف في.. »(1).

إلى غيرها من عشرات الأسئلة التي طرحها ابن حزم وسعى لرفعها ، لكن المشكلة بقيت كما هي ، فما الذي تكتنفه هذه المسألة من الملابسات إذاً ؟

وهل يُعدّ هذا الاختلاف حقاً من الاختلاف المسموح به في الشريعة ، أم أنّه شيء آخر ؟.

بل لِم اشتدّ أُوار النزاع بين المسلمين في أمور بديهية ، كالوضوء والأذان ـ مثلاً ـ وهما من الأمور العبادية التي يؤدّيها كلّ مسلم عدّة مرّات في اليوم والليلة ؟

قال ابن حزم : « أربعة أشياء تَنازَع الناسُ فيها : الوضوء ، والأذان ، والإقامة ، والطواف بالبيت »(2).

وهل يمكن جعل معيار الاختلاف في الأذان بمثابة الاختلاف في تعيين المُدِّ والصاع والوسق الذي يُختلف فيه بين منطقة وأُخرى ، أو يُغيَّر ـ أي يُحدَثُ فيه من قبل الأمير والخليفة لحاجةٍ له فيه ؟

كلا « ليس هذا من المدّ والصاع والوسق في شيء ، لأنّ كل مدّ أو قفيز أُحدث بالمدينة وبالكوفة قد عُرف ، كما عُرف

(1) المحلّى لابن حزم 3 : 154 ـ 155.

(2) المحلّى لابن حزم 3 : 161 ضمن بحثه عن جواز التقديم والتأخير في الأذان والإقامة وعدمه.


21

بالمدينة مُدّ هشام الذي أُحدِث ، والمدّ الذي ذكره مالك في مُوطّئه : أن الصاع هو مدّ وثلث بالمدّ الآخر ، وكمدّ أهل الكوفة الحجّاجي ، وكصاع عمر بن الخطّاب. ولا حرج في إحداث الأمير أو غيره مدّاً أو صاعاً لبعض حاجته ، وبقي مُدُّ النبيّ وصاعه ووسقه منقولاً إليه نقل الكافّة إليه »(1)!

فكيف يختلفون في الأذان إذاً ، فيذهب بعضهم إلى أنّه شُرّع في السماء ، ويقول الآخر إنّه شُرّع بعد رؤيا رآها صحابيٌّ أو عدد من الصحابة ؟

وهل يصحّ تشريع العبادة بمنام يراه أحد الناس ، أم أنّ تشريعها يجب أن يكون بوحي من الله ؟

وكيف يسوغ تشريع الأذان أستناداً إلى رؤيا رآها عبدالله بن زيد بن عبد ربه في منامه ، أو ركوناً إلى اقتراح الصحابة(2) ، ويرجح هذا الفهم وهذه الرؤية على أن يكون تشريع الأذان من الحكيم العليم ؟

ألا تحمل هذه الرؤية نَيْلاً من قدسية الأمور العبادية الإلهيّة ، وتقلل من منزلتها المعنويّة ؟!

ثمّ مَن هو الذي رأى في المنام ،هل هو : عبدالله بن زيد(3) ؟ أو : عمر

(1) المحلّى لابن حزم 3 : 156 ـ 157.

(2) سنن أبي داود 1 : 134 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ح 498 ، مصنف عبدالرزاق1 : 456/1775 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.

(3) هو المشهور عند أهل السنّة والجماعة ، وفيه روايات كثيرة.


22

ابن الخطّاب(1) ؟ أو : أبو بكر(2) ؟ أو : أُبَي بن كعب(3) ؟ أو : سبعة من الصحابة(4) أو : أربعة عشر منهم(5) ؟ أو أكثر من هذا العدد أو أقلّ ؟

وكيف يراه هؤلاء ولا يراه النبيّ المرسل الصادق الرؤيا بلا شكّ وريب ؟

وماذا نقول عن : « الصلاة خير من النوم » و : « حيّ على خير العمل » ؟ وهل ثمّةَ ترابط بين رفع « حيّ على خير العمل » ووضع « الصلاة خير من النوم » ؟ أم أنّ الأمر جاء بشكل عفوي دون تدبير ؟!

وإذا كان الأمر عفويّاً ، فلماذا نرى أنّ من يقول بشرعيّة « حيّ على خير العمل » لا يقول بشرعيّة « الصلاة خير من النوم » ، ومن يقول بشرعيّة « الصلاة خير من النوم » يرفع « حيّ على خير العمل » من الأذان ؟

وهل أنّهما شرعيان ؟ أم أنّ أحدهما شرعيّ والاخر بِدْعيّ ؟ فأيّهما الشرعي وأيّهما البدعي إذاً ؟

وما هو حكم الشهادة الثالثة التي تقول بها الشيعة الإمامية « أشهدُ أنّ عليّاً وليُّ الله » ، فهل هي من الشرع أم أنّها بدعة ؟

وما هو عدد التكبيرات في أوّل الأذان ، أهي أربع تكبيرات أو تكبيرتان ؟

ثمّ ما هي خاتمة الأذان ، هل هي « الله أكبر » أو « لا إله إلاَّ الله » ؟

وهل أن الأذان بيان لأصول العقيدة وكلّيّات الإسلام من : التوحيد ، والنبوة

(1) سنن أبي داود 1 : 134 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ح 498.

(2) مجمع الزوائد 1 : 329 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ، جامع المسانيد 1 : 299 ،تفسير القرطبي 6 : 225 المائدة الآية 58.

(3) علل الشرائع : 312 ح 1 وعنه في بحار الأنوار 81 : 354.

(4) المبسوط للسرخسي 1 : 128 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.

(5) السيرة الحلبية 2 : 300 باب بدء الأذان ومشروعيّتة.


23

و... ، أم أنّه مجرّد إعلام لوقت الصلاة خاصّة ؟

ولماذا الاختلاف في أمر بديهيّ وإعلاميّ كهذا ؟

تُرى ، هل نشأ هذا الخلاف في عصر الصحابة الذين يقال عن قرنهم إنّه خير القرون ، أو حدث في عهد التابعين وتابعي التابعين ومَن تَلاهُم ؟ وهل ثمة ملابسات لهذه الأمور في الصدر الأوّل ؟ أم أنّها جاءت في العصور اللاحقة ؟!

لقد نقل الصنعاني كلام بعض المتأخّرين ـ وهو يسعى لرفع الخلاف في أَلفاظ الأذان ـ بقوله :

« هذه المسألة من غرائب الواقعات يقلّ نظيرها في الشريعة ، بل وفي العبادات ؛ وذلك أنّ هذه الألفاظ في الأذان والإقامة قليلة محصورة معيّنة يُصاح بها في كلّ يوم وليلة خمس مرّات في أعلى مكان ، وقد أُمر كلّ سامع أن يقول كما يقول المؤذّن ، وهم خير القرون ، في غرّة الإسلام ، شديدو المحافظة على الفضائل ، ومع هذا كلّه لم يذكر خوض الصحابة ولا التابعين واختلافهم فيها ، ثمّ جاء الخلاف الشديد من المتأخّرين ، ثمّ كلّ من المتفرّقين أدلى بشيء صالح في الجملة وإن تَفاوَت »(1).

ترى ما مدى مصداقية هذا الكلام وقربه من الواقع ؟ وهل من الصحيح أنّ الصحابة لم يختلفوا في الأذان كما ادّعى هذا القائل من المتأخرين ؟! بل هل يصحّ ما قاله ابن حزم عن الصحابة ، كما مرّ بنا قبل قليل(2) ؟.

للإجابة عن أهمّ الملابسات والتساؤلات ، لابُدّ من البحث وتنقيح المطالب ووضع النقاط على الحروف ، فنقول مستعينين بالله :

(1) سبل السلام 1 : 122.

(2) مر في صفحة 18.


24

الأذان لغة واصطلاحاً

من المفيد قبل البدء في تفاصيل هذه الدراسة أن نتعرّف على المعنى اللغويّ والمفهوم الاصطلاحي للأذان ، وبيان تاريخ تشريعه وما قيل في الملابسات الدائرة حوله.

الأذان في اللغة ، هو : مطلق الإعلام.

وفي الشرع : الإعلام والنداء للفريضة الواجبة ـ الصلاة ـ بفصول معهودة في أوقات مخصوصة ، قال تعالى : ﴿ وإذا نادَيْتُم إلى الصلاةِ اتَّخذوها هُزُواً ولَعِباً ذلك بأنَّهم قَومٌ لا يَعقِلون (1).

وقال جلّ جلاله : ﴿ يا أيها الذينَ آمنوا إذا نُودِي للصلاةِ من يَومِ الجُمُعَةِ فاسْعَوا إلى ذِكرِ الله وذَرُوا البَيعَ ذلكُم خيرٌ لكم إن كُنْتُم تَعلمون (2).

وقال عزَّ مِن قائل : ﴿ ربّنا إننا سَمِعنا مُنادياً ينادي للإيمانِ أنْ آمِنوا بربِّكُم فآمنّا (3) .

وقد وردت لفظة الأذان بمعناها اللغوي في الذكر الحكيم ، كما في قوله تعالى : ﴿ وأذّنْ في الناس بالحجِّ يأتُوكَ رِجالاً... (4) ، وقوله : ﴿ وأذان من الله ورسولهِ إلى الناس يَومَ الحجِّ الأكبر... (5)وغيرها من الاستعمالات الكثيرة الدالَّة على معنى الإعلام والنداء.

منبهين القارئ الكريم على أن الأذان وإن كان إعلاماً للفريضة الواجبة ، إلاّ

(1) المائدة : 58.

(2) الجمعة : 9.

(3) آل عمران : 193.

(4) الحجّ : 27.

(5) التوبة : 3.


25

أنّه يحمل في طيّاته جوانب أُخرى وفوائد كثيرة للمرء المسلم ، سنذكر بعضاً منها ، ممّا يؤكد لنا أنَّ الأذان ليس إعلاماً محضاً للصلاة ، بل هو فصول لها أكثر من واقع في الحياة الإسلاميّة ، تَجمَع تحت ألفاظها معانيَ الإسلام وأصولَه وعقيدته.

تاريخ الأذان

هناك أقوال متعدِّدة ومتفاوتة في تاريخ تشريع الأذان من حيث الزمان والمكان :

أحدها : تشريعه في الإسراء والمعراج ، حيث أذَّن جبرئيل وأقام ، ثمّ صلَّى رسول الله صلى الله عليه وآله بالأنبياء(1).

ثانيها : تشريعه بمكّة قبل الهجرة(2).

ثالثها : تشريعه في المدينة المنورة في السنة الأُولى للهجرة(3) ، وذلك بعد بناء النبيّ صلى الله عليه وآله مسجده المبارك ، وهذا القول هو المشهور عند أهل السنة والجماعة.

(1) مجمع الزوائد 1 : 328 ، الأوسط للطبراني 10 : 114 ح 9243 ، نصب الراية1 : 260 ، السيرة الحلبية 2 : 93.

(2) قال ابن عابدين في حاشية ردّ المحتار 1 : 413 : في حاشية الشبراملسي على شرح المنهاج للرملي عن شرح البخاري لابن حجر إنّه وردت أحاديث تدلّ على أنّ الأذان شرّع بمكة قبل الهجرة : منها للطبراني أنّه لما أُسري بالنبي صلى الله عليه وآله اُوحي إليه الأذان فنزل به فعلّمه بلالاً ، وللدارقطني في الإفراد من حديث أنس أنّ جبرئيل أمر النبيّ صلى الله عليه وآله بالأذان حين فُرضت الصلاة... الخ.

(3) صحيح ابن خزيمة 1 : 190 ، السيرة الحلبية 2 : 93.


26

رابعها : تشريعه في السنة الثانية للهجرة(1).

خامسها : أن جبرئيل أوَّل مَن أذَّن به في السماء(2) ، لكنَّ تشريعه في الأرض جاء بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة.

(1) انظر : فتح الباري 2 : 62.

(2) وسائل الشيعة 5 : 439 ح 7028 عن عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 238.


27

بدء الأذان عند أهل السنّة

والجماعة

هناك تقولات وأقوال مختلفة في بدء الأذان وكيفيّته ، مذكورة في الصحاح والسنن ، المشهور منها ـ الذي قد استقرّ عليه رأيهم ـ أنَّه قد شُرِّع في المدينة المنوّرة في السنة الأُولى من الهجرة المباركة ، على أثر منام رآه بعض الصحابة ، وإليك أهمّ تلك الأقوال :

* الأوّل :

تشريعه باقتراح من الصحابة ، وخصوصاً عمر بن الخطّاب :

* أخرج البخاريّ ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم ـ والنصّ للأوّل ـ عن عبدالله بن عمر ، أنّه قال : كان المسلمون حين قَدِموا المدينة يجتمعون ، فيتحيّنون الصلاة ، ليس يُنادى لها ، فتكلّموا يوماً في ذلك ، فقال بعضهم : اتَّخِذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بُوقاً مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة ؟ فقال رسول الله : يا بلال! قم فنادِ بالصلاة(1).

(1) صحيح البخاري 1 : 306 كتاب الأذان باب بدء الأذان ح 570 ، صحيح مسلم1 : 285/1 ، سنن الترمذي 1 : 362 ـ 363 أبواب الصلاة باب ما جاء في بدء الأذان ح190 ، سنن النسائي 2 : 2 ـ 3 كتاب الأذان باب بدء الأذان ، مسند أحمد 2 : 148 ، مسند عبدالله بن عمر بن الخطّاب.


28

* قال ابن خزيمة في صحيحه في باب « ذكر الدليل على أنّ بدء الأذان إنّما كان بعد هجرة النبيّ إلى المدينة ، وأنّ صلاته بمكّة إنّما كانت من غير نداء لها ولا إقامة » : « قال أبو بكر ، في خبر عبدالله بن زيد : كان رسول الله حين قَدِمَ المدينة إنّما يجتمع الناس إليه للصلاة بحين مواقيتها بغير دعوة »(1).

وهذا الرأي يشير إلى أن الأذان شُرّع بالمدينة وإن كانت الصلاة قد شُرّعت بمكّة :

قال ابن المنذر : هو [ صلى الله عليه وآله ] كان يصلّي بغير أذان منذ فُرضت الصلاة بمكّة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور(2).

لكن السيوطي في الدرّ المنثور ـ ضمن تفسير قوله تعالى : ﴿ ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلَى اللهِ وعَمِلَ صالحاً ـ روى عن عائشة أنّها قالت : ما أرى هذه الآية نزلت إلاّ في المؤذّنين(3). وهذه الآية مكّيّة(4).

ثمّ علّق الحلبي في سيرته على هذا بقوله : والأذان إنّما شُرّع في المدينة فهي ممّا تأخّر حكمه عن نزوله(5).

وقد سئل الحافظ السيوطي : هل ورد أن بلالاً أو غيره أذّن بمكّة قبل الهجرة ؟ فأجاب بقوله : ورد ذلك بأسانيد ضعيفة لا يُعتمد عليها ، والمشهور

(1) صحيح ابن خزيمة 1 : 190 كتاب الصلاة باب الأذان والإقامة ح 365.

(2) السيرة الحلبية 2 : 296.

(3) الدرّ المنثور 5 : 364 ، المصنّف لابن أبي شيبة 1 : 204 ، باب في فضل الأذان وثوابه ح 2347.

(4) انظر : تفسير القرطبي 15 : 360 ، وتفسير الثعالبي 5 : 139.

(5) السيرة الحلبية 2 : 297.


29

الذي صحّحه أكثر العلماء ودلّت عليه الأحاديث الصحيحة أن الأذان شُرّع بعد الهجرة وأنّه لم يؤذِّن قبلها لا بلال ولا غيرُه(1).

هذا ، وإن النووي بعد أن أتى بخبر ابن عمر الدالّ على مشاورة الرسول للصحابة ، تساءل عن هذه المشاورة هل هي واجبة على رسول الله أم لا ؟! فقال : « ... واختلف أصحابنا ، هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله أم كانت سُنّة من حقّه كما في حقّنا ؟ والصحيح عندهم وجوبها ، وهو المختار.

قال الله تعالى : ﴿ وشاورهم في الأمر (2) ، والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحقّقو أهل الأُصول أنَّ الأمر للوجوب ، وفيه أنّه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلٌّ منهم ما عنده ، ثمّ صاحبُ الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة ، والله أعلم(3).

الثاني :

جاء تشريع الأذان بعد منامات رآها بعض الصحابة :

* أخرج أبو داود بإسناده عن أبي عمير بن أنس ، عن عُمومةٍ له مِن الأنصار ، قال : « اهتمّ النبيّ للصلاة كيف يجمع الناس لها ؛ فقيل : انصِبْ رايةً عند حضور الصلاة ، فإذا رأوها آذَنَ بعضُهم بعضاً ، فلم يعجبه ذلك ، فذُكِر له القَنْع ـ يعني الشبّور ، وقال زياد : شبّور اليهود ـ فلم يعجبه ذلك ، وقال : هو مِن أمرِ اليهود.

قال : فذُكِر له الناقوس ، فقال : هو مِن أمرِ النصارى.

(1) السيرة الحلبية 2 : 296.

(2) آل عمران : 159.

(3) شرح النوويّ على مسلم 3 ـ 4 : 318 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.


30

فانصرف عبدالله بن زيد وهو مهتمٌّ لهمِّ رسول الله ، فأُرِيَ الأذانَ في منامه ، فغدا على رسول الله فأخبره ، فقال : يا رسول الله! إنّي لَبينَ نائمٍ ويقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان.

قال : وكان عمر بن الخطّاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً. قال : ثمّ أخبر النبيّ ، فقال له : ما منعك أن تخبرني ؟ فقال : سبقني عبدالله بن زيد فاستحييت.

فقال رسول الله : يا بلال! قم فانظر ما يأمرك به عبدالله بن زيد فافعله ، قال : فأذَّنَ بلال.

قال أبو بشر [ وهو من رواة الخبر ] : فأخبرني أبو عمير أنّ الأنصار تزعم أنَّ عبدالله بن زيد لولا أنّه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول الله مؤذِّناً(1).

* وأخرج الترمذيّ ، وأبو داود ، عن عبدالله بن زيد أنّه قال ـ والنصّ للثاني ـ : لمَّا أمر رسول الله بالناقوس يُعمَل ليضرب به للناس لجمع الصلاة ، طاف بي ـ وأنا نائم ـ رجل يحمل ناقوساً في يده ، فقلت : يا عبدالله! أتبيع الناقوس ؟

قال : وما تصنع به ؟

قلتُ : ندعو به إلى الصلاة.

قال : أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك ؟

فقلتُ : بلى.

فقال : تقول : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر

أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله.

أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله.

(1) سنن أبي داود 1 : 134 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.


31

حيّ على الصلاة ، حي على الصلاة.

حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح.

الله أكبر ، الله أكبر.

لا إله إلاَّ الله.

قال : ثمّ استأخر عنّي غير بَعيدٍ ، ثمّ قال : وتقول إذا أقمت الصلاة :

الله أكبر ، الله أكبر.

أشهد أن لا إله إلاَّ الله.

أشهد أنّ محمّداً رسول الله.

حيّ على الصلاة.

حيّ على الفلاح.

قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة.

الله أكبر ، الله أكبر.

لا إله إلاَّ الله.

فلمّا أصبحتُ أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت ، فقال : إنَّها لَرُؤيا حقّ إن شاء الله تعالى ، فقُم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فَلْيُؤذِّن به ، فإنّه أندى صوتاً منك ، فقمتُ مع بلال فجعلتُ أُلقيه عليه ويُؤذِّن به.

قال : فسمع ذلك عمر بن الخطّاب وهو في بيته ، فخرج يجرُّ رداءه ، ويقول : والذي بعثك بالحقِّ يا رسول الله! لقد رأيتُ مثل ما رأى ، فقال رسول الله : فللَّه الحمد(1).

(1) الجامع الصحيح للترمذي 1 : 358 أبواب الصلاة ، باب : « ما جاء في بدء الأذان » ،سنن ابي داود 1 : 135 كتاب الصلاة ، باب « كيف الأذان » وفيه قال أبو داود : هكذا رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبدالله بن زيد ، وقال فيه ابن إسحاق عن الزهري : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، وقال معمر ويونس عن الزهري فيه : الله أكبر ، الله أكبر لم يثنيّا ، وانظر : : صحيح ابن خزيمة 1 : 193.


32

* وأخرج أبو داود عن ابن أبي ليلى ، قال : أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، قال : وحدّثنا أصحابنا أنّ رسول الله قال : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين ـ أو قال : المؤمنين ـ واحدة حتّى لقد هَمَمتُ أن أبثّ رجالاً في الدُّور ينادون الناس بحين الصلاة ، وحتّى هَمَمت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة حتّى نَقَسُوا أو كادوا [ أن ] ينقسوا.

قال : فجاء رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله! إنّي لمّا رجعتُ ـ لِما رأيتُ من اهتمامك ـ رأيتُ رجلاً كأنَّ عليه ثوبَين أخضرَين ، فقام على المسجد فأذَّن ثمّ قعد قعدة ، ثمّ قام فقال مثلها إلاَّ أنّه يقول : قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقول الناس ـ قال ابن المثنّى : أن تقولوا ـ لقلتُ إنّي كنتُ يقظاناً غير نائم.

فقال رسول الله : لقد أراك الله عزّوجلّ خيراً ـ كما في رواية ابن المثنّى ، ولم تأتِ هذه العبارة في رواية عمرو ـ فَمُرْ بلالاً فليؤذِّن.

قال : فقال عمر : أما إنّي فقد رأيتُ مثل الذي رأى ، ولكنّي لمّا سُبِقتُ استَحيَيت(1).

* وأخرج مالك في الموطّأ : حدّثني يحيى ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد أنّه قال : كان رسول الله (ص) قد أراد أن يتّخذ خشبتَين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة ، فأُرِيَ عبدالله بن زيد الأنصاريّ ثمّ من بني الحارث بن الخزرج خشبتَينِ في النوم ، فقال : إنَّ هاتين لَنحو ما يريد رسول الله ، فقيل : أفلا تُؤَذِّنون للصلاة ؟ فأتى رسول الله ، حين استيقظ ، فذكر له ذلك ، فامر رسولُ الله

(1) سنن أبي داود 1 : 139 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ح 506.


33

بالأذان(1).

* وفي مصنّف عبدالرزّاق بإسناده عن إبراهيم بن محمّد ، عن أبي جابر البياضيّ ، عن سعيد ، عن عبدالله بن زيد ـ أخي بني الحارث بن الخزرج ـ أنّه : بينما هو نائم إذ رأى رجلاً معه خشبتان ، قال : فقلتُ له في المنام : إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله يريد أن يشتري هذين العُودَينِ يجعلهما ناقوساً يضرب به للصلاة.

قال : فالتفتَ إلَيَّ صاحبُ العودينِ برأسه فقال : أنا أدلّكم على ما هو خير من هذا (فبلَّغه رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم ، فأمره بالتأذين)(2).

فاستيقظ عبدالله بن زيد ؛ قال : ورأى عمر مثل رؤيا عبدالله بن زيد ، فسبقه عبدالله بن زيد إلى النبيّ ، فأخبره بذلك ، فقال له النبيّ : قم فأذِّن ، فقال : يارسول الله! إنّي فضيع الصوت ، فقال له : فعلِّمْ بلالاً ما رأيتَ ، فعلَّمه فكان بلال يُؤَذِّن(3).

* وأخرج عبدالرزّاق أيضاً في مصنّفه عن ابن جريج : « قال عطاء : سمعتُ عبيد بن عمير يقول : ائتمر النبيّ وأصحابه كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها ، فائتمروا بالناقوس ، قال : فبينا عمر بن الخطّاب يريد أن يشتري خشبتينِ للناقوس إذ رأى في المنام : أن لا تجعلوا الناقوس بل أذِّنوا بالصلاة ، قال : فذهب عمر إلى النبيّ ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبيّ الوحي بذلك ، فما راع عمر إلاّ بلال يؤذِّن ، فقال النبيّ : قد سبقك بذلك الوحي ، حين

(1) الموطّأ 1 : 67 كتاب الصلاة ، باب « ما جاء في النداء للصلاة ».

(2) ما بين القوسين ساقط من كنز العمّال.

(3) مصنّف عبدالززّاق 1 : 460/1787 كتاب الصلاة باب بدء الأذان كذلك كنز العمال8 : 329 كتاب الصلاة الباب الخامس ح 23140.


34

أخبره بذلك عمر »(1).

* وفي جامع المسانيد لأبي حنيفة ومجمع الزوائد ـ والنصّ للأوّل ـ : « عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، أنَّ رجلاً من الأنصار مرَّ برسول الله فرآه حزيناً ، وكان الرجل ذا طعام يُجتمَع إليه ، فانطلق حزيناً لِما رأى من حزن رسول الله ، وترك طعامه وما كان يجتمع إليه ، ودخل مسجده يصلِّي ، فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آتٍ في النوم ، فقال : هل علمت ما حَزَّن رسولَ الله ؟

فقال : لا.

قال : فهو لهذا الناقوس ، فائْتِهِ فمُرْه أن يأمر بلالاً أن يؤذِّن ، فعلَّمه الأذان : اللهُ أكبر اللهُ أكبر مرّتين ، أشهد أن لا إله إلاّ الله مرّتين ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله مرّتين ، حيّ على الصلاة مرّتين ، حيّ على الفلاح مرّتين ، اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، لا إله إلاّ الله..

ثمّ عَلّمه الإقامة مثل ذلك ، وقال في آخره : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، لا إله إلاّ اللهُ ، كأذان الناس وإقامتهم.

فأقبل الأنصاريّ فقعد على باب رسول الله ، فمرّ أبو بكر فقال : استأذن لي ، فدخل أبو بكر وقد رأى مثل ذلك ، فأخبر به النبيَّ ، ثمَّ استأذن للأنصاريّ فدخل وأخبر بالذي رأى ، فقال النبيُّ : قد أخبرنا أبو بكر بمثل ذلك ، فأمر بلالاً يؤذِّن بذلك(2) .

فهذه النصوص النصوص : وإن كانت مختلفة العبارات لكنّها تشير إلى رؤية متقاربة ؛

(1) مصنّف عبدالرزّاق 1 : 456/1775 كتاب الصلاة باب بدء الأذان. هذه الرواية وان كانت ترتبط بالأذان عن طريق الوحي لكنا أتينا بها هنا لارتباطها بروايات المنامات.

(2) جامع المسانيد 1 : 299 ، مجمع الزوائد 1 : 329 كتاب الصلاة باب كيف الأذان.


35

فالنصّ الأوّل يشير إلى أن تشريع الأذان جاء على أثر رؤيا رآها عبدالله بن زيد حينما رأى رسول الله مهموماً مغموماً. ويظهر أنّ رؤياه كانت ليلاً لقوله : « ... فأُرِيَ الأذان في منامه ، فغدا على رسول الله فأخبره » وكذا النصّ الثاني ، ففيه « فلمّا أصبحتُ أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت ».

لكن النصّ الذي رواه أبو حنيفة في جامع المسانيد فيه : أنّ الرجل لمّا رأى حزن رسول الله دخل المسجد يصلّي « فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آتٍ في النوم.... فأقبل الأنصاري فقعد على باب رسول الله فمرّ أبو بكر فقال : استأذن لي.... » وهو يختلف عن الأوّل.

ويضاف إليه أن الرجل الأنصاري في نصّ جامع المسانيد كان « ذا طعام يُجتَمع إليه ، فانطلق حزيناً لِما رأى من حزن رسول الله ، وترك طعامه وما كان يجتمع إليه » وهذا لم يشتهر عن عبدالله بن زيد بن عبدربّه بن ثعلبة الذي أُري النداء لعلّه أبي بن كعب الآتي ذكره .

نعم ، اشتهر عن سعد بن عبادة وغيره من الأنصار الذين استضافوا رسول الله عند دخوله صلى الله عليه وآله المدينة ، وكانوا من الأغنياء المعروفين بالجود والكرم مع أنّ نص جامع المسانيد يدّعي أنّ أبا بكر سبق الأنصاري بالرؤيا وإخباره للنبي (ص) بذلك ، وهو يخالف باقي النصوص التي سَجّل قدمَ السبق للأنصاري .

أما النصّ الثاني ـ أي ما أخرجه الترمذي وأبو داود ـ فيشير إلى أن رسول الله أمر بالناقوس يُعمل ليضرب للناس ، فرأى عبدالله في المنام الأذان ، فأمر صلى الله عليه وآله بلالاً أن يأخذ بما قاله عبدالله ؛ وهذا لا يتّفق مع عدم ارتضائه صلى الله عليه وآله للناقوس!!

وفي النصّ الثالث نراه صلى الله عليه وآله يقول : « لقد هَمَمتُ أن أبثّ رجالاً في الدُّور ينادون الناس بحين الصلاة حتّى هَمَمت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون بحين الصاة ، حتّى نقسوا أو كادوا [ أنج ينقسوا ، فجاء رجل من الأنصار... » ، وهذا لا يتّفق مع ما قيل عن الرجل الأنصاري في كتب


36

الحديث.

وفي موطّأ مالك : « كان رسول الله قد أراد ان يتّخذ خشبتين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة ، فأُري عبدالله خشبتين في المنام... ».

وهذا أيضاً لا يتّفق مع ما رواه عبدالرزّاق عن ابن جريج ، إذ فيه : أنّ عمر أراد « أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام : أن لا تجعلوا الناقوس بل أذّنوا للصلاة ».

هذه بعض النصوص الدالّة على القول الثاني ، وقد حاولنا أن نوحدها ـ رغم اختلافاتها ـ بقدر المستطاع تحت عنوان واحد.

* الثالث :

نزول الأذان تدريجياً ، وإضافة عمر الشهادة بالنبوّة إليه :

جاء في صحيح ابن خزيمة : حدّثنا بُندار ، حدّثنا أبو بكر ـ يعني الحنفيّ ـ حدّثنا عبدالله بن نافع عن أبيه ، عن ابن عمر : أنَّ بلالاً كان يقول أوَّل ما أذَّن : أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، حيّ على الصلاة ؛ فقال له عمر : قل في إثرها : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ؛ فقال رسول الله : قل كما أمرك عمر(1).

* الرابع :

الأذان وحيٌ من الله تلقّاه الرسول من جبرئيل :

جاء في نصب الراية للزيلعي تحت باب « أحاديث في أنَّ الأذان كان وحياً

(1) صحيح ابن خزيمة 1 : 189 ، كتاب الصلاة باب في بدء الأذان والإقامة ح 362 . وانظر : السيرة الحلبية 2 : 303 ، كنز العمّال 8 : 334 كتاب الصلاة الباب الخامس ح23150.


37

لا مناماً » : روى البزّار في مسنده : حدّثنا محمّد بن عثمان بن مخلّد الواسطيّ ، حدّثنا أبي ، حدّثنا زياد بن المنذر ، عن محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال :

« لمّا أراد الله أن يُعَلِّم رسوله الأذانَ أتاه جبرئيل بدابّة يقال لها البُراق ، فذهب يركبها فاستصعبت ، فقال لها [جبرئيل] : اسكُني ، فوالله ما رَكِبَك عبدٌ أكرم على الله من محمّد.

قال : فركبها حتّى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى ، فبينما هو كذلك إذ خرج مَلَكٌ مِن الحجاب ، فقال رسول الله : يا جبرئيل! مَن هذا ؟

قال : والذي بعثك بالحقِّ ، إنّي لأَقرب الخَلْق مكاناً ، وإنَّ هذا المَلَك ما رأيته منذ خُلِقتُ قبل ساعتي هذه.

فقال المَلَك : الله أكبر ، الله أكبر.

قال : فقيل له مِن وراء الحجاب : صَدَقَ عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر.

ثمّ قال المَلَك : أشهد أن لا إله إلاَّ الله.

قال : فقيل له مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا لا إله إلاَّ أنا.

ثمّ قال المَلَك : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله.

فقيل له مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أرسلتُ محمّداً.

ثمّ قال المَلَك : حيَّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح [ وفي مجمع الزوائد زيادة : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ]. ثمَّ قال الملك : الله أكبر ، الله أكبر.

فقيل له مِن وراء الحجاب : صَدَق عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر.


38

ثمّ قال : لا إله إلاَّ الله.

قال : فقيل مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا لا إله إلاَّ أنا.

قال : ثمّ أخذ المَلَك بيد محمّد فقدَّمه فأمَّ أهل السماء ، فيهم آدم ونوح.. انتهى.

[ وفي مجمع الزوائد زيادة : قال أبو جعفر محمّد بن عليّ : فيومئذٍ أكمل الله لمحمّد الشرف على أهل السماوات والأرض ](1).

وروى الطبرانيّ في الأوسط عن ابن عمر : « أنَّ النبيّ لمّا أُسرِيَ به إلى السماء أُوحي إليه بالأذان ، فنزل به فعلَّمه جبرئيلَ »(2).

وروى ابن مردويه عن عائشة مرفوعاً : لمّا أسري بي أذّن جبرئيل فظنّت الملائكة أنّه [ أي جبرئيل ] يصلّي بهم ، فقدّمني فصلّيت(3).

* الخامس :

إنّ عمر أوّل من سمع أذان جبرئيل ثمّ بلال :

جاء في مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد العشرة للبوصيري : عن كثير ابن مرة الحضرميّ ، أنَّ رسول الله قال : أوّل مَن أذَّن في السماء جبرئيل عليه السلام ، قال : فسمعه عمر وبلال ، فأقبل عمر فأخبر النبيَّ بما سمع ، ثمّ أقبل بلال فأخبر النبيَّ بما سمع ، فقال له رسول الله : سبقك عمر يا بلال ، أذِّن كما سمعت ، قال : ثمَّ أمره رسول الله أن يضع إصبعَيه في أُذنَيه استعانةً بهما على الصوت . رواه الحارث بن أُسامة مرسلاً بسند ضعيف لضعف سعيد

(1) نصب الراية 1 : 260 ، مجمع الزوائد 1 : 328 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.

(2) الأوسط للطبرانيّ10 : 114 ح 9243 ، مجمع الزوائد 1 : 329 كتاب الصلاة باب بدء الأذان وفيه : « رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه طلحة بن زيد ونسب إلى الوضع ».

(3) السيرة الحلبية 2 : 296 وفيه : قال الذهبي : حديث منكر بل موضوع.


39

ابن سنان(1).

* السادس :

إنّ الأذان نزل به جبرئيل على آدم لمّا استوحش :

جاء في كشف الغُمَّة للشعراني : ... وكان كعب الأحبار يقول : قال رسول الله : لمَّا نزل آدم بأرض الهند استوحش فنزل جبرئيل فنادى بالأذان ، فزالت عنه الوحشة.

فقال جبرئيل : الله أكبر اللهُ أكبر ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ـ مرّتين ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ـ مرّتين.

قال آدم : مَن محمّد ؟

قال : آخِر ولدك مِن الأنبياء(2).

قال عليّ بن برهان الدين الحلبي في سيرته : أقول : ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل أنّ جبرئيل نادى بالأذان لآدم حين أُهبط من الجنَّة(3).

ثمّ قال الحلبي :

(1) إتحاف السادة المهرة 1 ـ 2 : 317 كتاب الأذان باب بدء الأذان وصفته ح 983 ، السيرة الحلبية 2 : 302 وفيه : « وروي بسندٍ واهٍ أن أوّل من أذن بالصلاة جبرئيل في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال رضي الله عنهما فسبق عمر بلالاً فاخبر النبي ثمّ... ».

(2) كشف الغمّة 1 : 96 كتاب الصلاة باب الأذان وفضله. وانظر : قريباً منه في حلية الأولياء 5 : 107 ترجمة عمرو بن قيس الملائي عن أبي هريرة.

(3) السيرة الحلبية 2 : 297.


40

وبهذا يعلم ما في الخصائص الصغرى « خُصّ صلى الله عليه وآله بذكر اسمه في الأذان في عهد آدم وفي الملكوت الأعلى » والله أعلم(1).

هذا ما قاله أهل السنّة والجماعة في بَدء الأذان ، ولكنْ.. ما هي رؤية أهل البيت عليهم السلام في قضيّة بدء تشريع الأذان ؟ هذا ما سنتعرّف عليه في الصفحات التالية.

(1) السيرة الحلبية 2 : 302.


41

أهل البيت وبدء الأذان

اتّفقت نصوص أهل بيت النبوّة ـ المرويّ منها عن طريق الإماميّة الاثني عشريّة أو الإسماعيليّة أو الزيديّة ـ على أنّ بدء الأذان قد كان في الإسراء ، وإليك بعض نصوصهم في هذا السياق.

الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (ت 40هـ ) :

جاء في صحيفة الرضا عليه السلام ، عن آبائه ، قال : « قال عليّ بن أبي طالب : لمّا بُدِي رسول الله بتعليم الأذان ، أتى جبرئيل بالبُراق فاستعصت عليه ، فقال لها جبرئيل : اسكُني برقة! فما ركبك أحد أكرم على الله منه ، فسكنت. قال رسول الله : فركبتها حتّى انتهيت إلى الحجاب الذي يلي الرحمن عَزَّ [ ربُّنا ] وجَلَّ ، فخرج مَلَكٌ مِن وراء الحجاب ، فقال : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فقال صلى الله عليه وآله : قلت : يا جبرئيل! مَن هذا المَلَك ؟

قال [جبرئيل] : والذي أكرمك بالنبوّة ما رأيتُ هذا الملَك قبل ساعتي هذه.

فقال المَلَك : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فنودي مِن وراء الحجاب : صَدَق عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر.

قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : أشهد أن لا إله إلاَّ اللهَ ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ؛ فنُودِي مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، [أنا الله] ، لا إله إلاَّ أنا.

فقال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ؛ فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أرسلتُ محمّداً رسولاً.


42

قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ؛ فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، ودعا إلى عبادتي.

قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، ودعا إلى عبادتي ، فقال الملك : قد أفلحَ مَن واظب عليها.

قال صلى الله عليه وآله : فيومئذٍ أكمل الله عزَّوجلَّ لي الشرف على الأوّلين والآخرين »(1).

الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام ( ت 50هـ ) :

عن سفيان بن الليل ، قال : لمّا كان من أمر الحسن بن عليّ ومعاوية ما كان قَدِمتُ عليه المدينةَ وهو جالس في أصحابه ، فذكر الحديث بطوله ، فقال : فتذاكرنا عنده الأذان ، فقال بعضنا : إنّما كان بدء الأذان برؤيا عبدالله بن زيد.

فقال له الحسن بن عليّ : « إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك ، أذّنَ جبرئيل في السماء مَثْنى مَثْنى وعلَّمه رسولَ الله ، وأقام مرّة مرّة فعلَّمه رسولَ الله » ، فأذَّن به الحسن حتّى ولّى(2).

الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام ( ت 61هـ ) :

جاء في الجعفريّات : أخبرنا محمّد ، حدّثني موسى ، قال : حدّثنا أبي ، عن أبيه ، عن جدّه جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه عليّ بن الحسين ، عن

(1) صحيفة الرضا صلى الله عليه وآله 65 ـ 66 ح 115 ، وعنه في بحار الأنوار 81 : 151. وقد مرّ عليك قبل قليل في صفحة 37 ما أخرجه البزّار ( انظر : نصب الراية 1 : 260 ).

(2) نصب الراية 1 : 261 ، عن المستدرك للحاكم 3 : 171 كتاب معرفة الصحابة ، باختلاف يسير.


43

الحس ـ ين بن عليّ عليهم السلام أنَّه سئل عن الأذان وما يقول الناس ، قال : « الوحيُ ينزل على نبيّكم ، وتزعمون أنَّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد ؟ بل سمعتُ أبي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام يقول : أَهـ بَطَ اللهُ عزَّ وجلَّ مَلَكاً حين عُ ـ رِج برس ـ ول الله فأذَّن مَثْنى مَثْ ـ نى ، وأقام مَثْ ـ نى مَثْ ـ نى ، ثمّ قال له جبرئ ـ يل : يا محمَّ ـ د! هك ـ ذا أذان الص ـ لاة »(1)َ.

وفي دعائم الإسلام ـ وهو من كتب الإسماعيليّة ـ : روينا عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن الحسين بن عليّ عليهم السلام أنّه سئل عن قول الناس في الأذان ، إنَّ السبب كان فيه رؤيا رآها عبدالله بن زيد فأخبر بها النبيَّ صلى الله عليه وآله ، فأمر بالأذان!

فقال الحسين عليه السلام : « الوحيُ يتنزَّل على نبيّكم ، وتزعمون أنَّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد ؟ والأذان وجه دينكم! » ، وغضب عليه السلام ثمّ قال : « بل سمعتُ أبي عليّ بن أبي طالب يقول : أهبَطَ اللهُ عزّوجلّ مَلَكاً حين عرج برسول الله صلى الله عليه وآله » ـ وذكر حديث الإسراء بطوله ، اختصرناه نحن ها هنا ـ قال فيه : « وبعث ملكاً لم يُرَ في السماء قبل ذلك الوقت ولا بعده ، فأذَّن مَثْنى وأقام مَثْنى » ، وذكر كيفيّة الأذان « وقال جبرئيل للنبيّ صلى الله عليه وآله : يا محمّد! هكذا أذِّن للصلاة »(2).

محمّد بن علي بن أبي طالب ( ابن الحنفيّة ت 73 ـ 93هـ ) :

عن أبي العلاء ، قال : قلت لمحمّد بن الحنفيّة : إنّا لَنتحدّث : أنّ بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه.

قال : ففزع لذلك محمّد بن الحنفيّة فزعاً شديداً ، وقال : عَمَدتُم إلى ما هو

(1) الجعفريّات : 42 ، مستدرك الوسائل 4 : 17.

(2) دعائم الإسلام 1 : 142 ذكر الأذان والإقامة.


44

الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه إنّما كان رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام!

قال : فقلتُ ( له ) : هذا الحديث قد استفاض في الناس!

قال : « هذا والله هو الباطل ». ثمّ قال : « وإنّما أخبرني أبي : أنَّ جبرئيل عليه السلام أذَّن في بيت المقدس ليلة الإسراء وأقام ، ثمّ أعاد جبرئيل الأذان لمّا عرج بالنبيّ إلى السماء... »(1).

وفي معاني الأخبار : عن عليّ بن عبدالله الورّاق ، وعليّ بن محمّد بن الحسن القزويني ، قالا : حدّثنا سعد بن عبدالله ، قال : حدّثنا العبّاس بن سعيد الأزرق ، قال : حدّثنا أبو نصر ، عن عيسى بن مهران ، عن يحيى بن الحسن بن الفرات ، عن حمّاد بن يعلى ، عن عليّ بن الحزور ، عن الأصبغ بن نُباتة ، عن محمّد بن الحنفيّة أنَّه ذُكِرَ عنده الأذان فقال :

« لمّا أُسري بالنبيِّ إلى السماء ، وتناهز إلى السماء السادسة ، نزل مَلَكٌ من السماء السابعة لم ينزل قبل ذلك اليوم قطّ ، فقال : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فقال الله جَلَّ جلاله : أنا كذلك.

فقال : أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، فقال الله عزّوجلّ : أنا كذلك ، لا إله إلاَّ أنا.

فقال : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، فقال الله جلَّ جلاله : عبدي وأميني على خلقي ، اصطفيته على عبادي برسالاتي.

ثمّ قال : حيّ على الصلاة ، فقال الله جلَّ جلاله : فرضتها على عبادي وجعلتها لي دِيناً.

ثمّ قال : حيّ على الفلاح ، فقال الله جلَّ جلاله : أفلح مَن مشى إليها وواظب

(1) السيرة الحلبيّة 2 : 300 ـ 301 ، أمالي أحمد بن عيسى بن زيد 1 : 90 ، وعنه في الاعتصام بحبل الله 1 : 277.


45

عليها ابتغاء وجهي.

ثمّ قال : حيّ على خير العمل ، فقال اللهُ جلَّ جلاله : هي أفضل الأعمال وأزكاها عندي.

ثمّ قال : قد قامت الصلاة ، فتقدَّم النبيُّ صلى الله عليه وآله فأمَّ أهلَ السماء ، فَمِن يومئذٍ تمَّ شرف النبيّ صلى الله عليه وآله »(1).

وقد جاء ما يماثل هذا في طرق الزيدية ، وأخرجه الحافظ العلوي في ( الأذان بحيّ على خير العمل ) ، فقال :

حدّثنا أبو القاسم الحفص بن محمّد بن أبي عابد قراءةً ، حدّثنا زيد بن محمّد بن جعفر العامري ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن مروان ، حدّثنا أبي ، حدّثنا نصر بن مزاحم المنقري ، حدّثنا أيّوب بن سليمان الفزاري ، عن عليّ بن جردل ، عن محمّد بن بشر ، قال : جاء رجل إلى محمّد بن الحنفية فقال له : بلغنا أن الأذان إنّما هو رؤيا رآها رجل من الأنصار فقصّها على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأمر بلالاً فأذّن تلك الرؤيا!

فقال له محمّد بن الحنفية : إنّما يقول بهذا الجاهلُ من الناس ، إن أمر الأذان أعظم من ذلك.. إنّه لمّا أسري برسول الله صلى الله عليه وآله فانتُهي به إلى السماء السادسة جمع اللهُ له ما شاء من الرسل والملائكة ، فنزل مَلَك لم ينزل قبل ذلك اليوم ، عرفت الملائكة أنّه لم ينزل إلاّ لأمر عظيم ، فكان أوّل ما تكلّم به حين نزل ، قال : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال الله عزّوجلّ : أنا كذلك ، أنا الأكبر لا شيء أكبر مّني. ثمّ قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، فقال الله : أنا كذلك لا إله إِلاّ أنا . ثمّ قال : أشهد أن محمّداً رسول الله ، فقال الله : نعم ، هو رسولي بعثته برسالتي وأئتمنته على وحيي . ثمّ قال : حيّ على الصلاة ، فقال الله : أنا افترضتها على عبادي وجعلتها لي رضا . ثمّ

(1) معاني الأخبار ، للصدوق : 42 ح 4 ، وعنه في بحار الأنوار 81 : 141.


46

قال : حيّ على الفلاح ، فقال الله : قد أفلح من مشى إليها وواظب عليها ابتغاء وجهي . ثمّ قال : حيّ على خير العمل ، فقال الله : هي أزكى الأعمال عندي وأحبها إليَّ . ثمّ قال : قد قامت الصلاة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان عنده من الرسل والملائكة. وكان المَلَك يؤذّن مَثْنى مَثْنى ، وآخِر أذانه وإقامته : لا إله إلاّ الله. وهو الذي ذكر الله في كتابه : ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ . قال محمّد بن الحنفية : فتَمّ له يومئذٍ شرفُه على الخلق. ثمّ نزل فأمر أن يؤذَّن بذلك الأذان(1).

الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام ( ت 94هـ ) :

عن زيد بن عليّ ، عن آبائه ، عن عليّ : « أنَّ رسول الله عُلِّمَ الأذان ليلة المسرى ، وبه فُرِضَت عليه »(2).

وقال الإمام الهادي بالله ـ من أئمّة الزيديّة ـ في كتابه الأحكام : « قال يحيى ابن الحسين رضي الله عنه : والأذان فأصلُه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله عُلِّمَه ليلةَ المسرى ، أرسل اللهُ إليه مَلَكاً فعلَّمه إيّاه.

فأمّا ما يقول به الجهّال مِن أنّه رؤيا رآها بعض الأنصار فأخبر بها النبيَّ صلى الله عليه وآله فأمَرَه أن يُعَلِّمه بلالاً ، فهذا من القول محالٌ لا تقبله العقول ؛ لأنَّ الأذان من أُصولِ الدين ، وأُصولُ الدين لا يعلمها رسول الله على لسان بشر من العالمين »(3).

(1) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي 18 ـ 19. وبتحقيق عزّان 58 .

(2) كنز العمّال 12 : 350/35354 ، عن « ابن مردويه » .

(3) الأحكام ، للإمام الهادي بالله الزيديّ 1 : 84 .


47

الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام (ت 114هـ ) :

جاء في الكافي والتهذيب والاستبصار ـ والنصّ للأخيرينِ ـ بإسناد الشيخ الطوسي عن محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن عليّ بن السنديّ ، عن ابن أبي عُمير ، عن ابن أُذينة ، عن زُرارة والفُضيل بن يسار ، عن أبي جعفر [ الباقر ] عليه السلام ، قال :

« لمّا أُسري برسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة ، فأذَّن جبرئيل وأقام ، فتقدَّم رسول الله ، وصفَّ الملائكة والنبيّون خلف رسول الله صلى الله عليه وآله ».

قال : فقلنا له : كيف أذّن ؟

فقال : « اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، لا إله إلاَّ الله ، لا إله إلاَّ الله ؛ والإقامة مثلها إلاَّ أنَّ فيها : « قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة » بين : « حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل » ، وبين : « اللهُ أكبر اللهُ أكبر » ، فأمر بها رسولُ الله بلالاً ، فلم يَزَل يؤذِّن بها حتّى قَبض اللهُ رسولَه صلى الله عليه وآله »(1).

وفي الكافي : بإسناده عن أبي حمزة الثماليّ وأبي منصور ، عن أبي الربيع ، قال : « حَجَجنا مع أبي جعفر [ الباقر ] عليه السلام في السنة التي كان حجّ فيها هشام بن عبدالملك ، وكان معه نافع مولى عبدالله بن عمر بن الخطّاب ، فنظر نافع إلى أبي جعفر عليه السلام في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال : يا أمير المؤمنين ، مَن

(1) الكافي 3 : 302/1 وفيه صدر الحديث ، التهذيب 2 : 60/210 ، الاستبصار 1 : 305 / باب عدد فصول الأذان ح 3.


48

هذا الذي قد تَداكَّ عليه الناس ؟!

فقال : هذا نبيُّ أهل الكوفة ، هذا محمّد بن عليّ!

قال : أشهد لأَتينّه ولأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبيّ أو ابن نبيّ أو وصيّ نبيّ.

قال : فاذهب إليه وسَله لعلكّ تُخجِلُه!

فجاء نافع حتّى اتّكأ على الناس ثمّ أشرف على أبي جعفر ، فقال : يا محمّد ابن عليّ! إني قرأت التوراة ، والإنجيل ، والزّبور ، والفرقان وقد عرفتُ حلالها وحرامها وقد جئت أسألُك عن مسائل...

[ومنها] : من الذي سأل محمّدٌ (1) وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة ؟

قال : فتلا أبو جعفر عليه السلام هذه الآية ﴿ سبحان الذي أسرى بعبدهِ ليلاً مِن المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى الذي بارَكْنا حَولَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا (2) ، فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمّداً حيث أسري به إلى بيت المقدس أن حشر الله الأوّلين والآخرين من النبيّين والمرسلين ، ثمّ أمر جبرئيل فأذَّن شفعاً ، وأقام شفعاً ، وقال في أذانه : حيّ على خير العمل ، ثمّ تقدّم محمّدٌ وصلَّى بالقوم »(3).

وجاء في كتاب (الأذان بحيّ على خير العمل) للحافظ العلوي : أخبرنا عبدالله بن مخالد(4) ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد ، حدّثنا محمّد بن عمرو

(1) في قوله تعالى ﴿ فاسال مَن أرسلنا من قبلك .

(2) الإسراء : 1.

(3) الكافي 8 : 120 / 93 وعنه في بحار الأنوار 81 : 136 ، وسائل الشيعة 5 : 414 ، الاحتجاج 2 : 60.

(4) في تحقيق عزّان : مجالد البجلي ، وكذا في الاعتصام 1 : 306.


49

ابن عثمان ، حدّثنا محمّد بن سنان ، حدّثنا عمّار بن مروان ، عن المنتخل(1) ، عن جابر قال : سألت أبا جعفر عن الأذان : كيف كان بدؤه ؟ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أُسري به إلى السماء ، نزل إليه جبريل ، ومعه محملة من محامل الربّ عزّوجلّ ، فحمل عليها رسولَ الله صلى الله عليه وآله إلى السماء ، فأذّن جبريل ، فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لاإله إلاّ الله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أن محمّداً رسول الله ، [ أشهد أن محمّداً رسول الله ] ، حيّ على الصلاة ، [ حيّ على الصلاة ] ، حيّ على الفلاح ، [ حيّ على الفلاح ] ، حيّ على خير العمل ، [ حيّ على خير العمل ] ، وذكر الحديث(2).

وفي كتاب الاعتصام بحبل الله : .. وروى محمّد بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال : من جهالة هذه الأمّة أن يزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله إنّما علم الأذان من رؤيا رآها رجل ، وكذبوا والله. لما أراد الله أن يعلّم نبيّه الأذان جآءه جبريل عليه السلام بالبُراق ، وذكر الحديث بطوله(3).

ثمّ قال بعد ذلك : ... وفي الشفا للأمير الحسن ، روى الباقر محمّد بن عليّ السجّاد بن الحسين السبط الشهيد بن عليّ الوصيّ ، والقاسم بن إبراهيم والهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين الحافظ ، والناصر للحقّ الحسن بن عليّ عليهم السلام أن الله عَلَّمه رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة أُسرِيَ به ليلاً من المسجد الحرام إلى

(1) في تحقيق عزّان : المنخل. وفي الاعتصام 1 : 306 « المنتحل ».

(2) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 82 ، بتحقيق الفضيل ، وانظر : ص 21 و 28 من الكتاب نفسه وبتحقيق عزّان 60. والاعتصام بحبل الله 1 : 286. والزيادات من الاعتصام 1 : 306.

(3) الاعتصام بحبل الله 1 : 277.


50

المسجد الأقصى ؛ أمر الله مَلَكاً من ملائكته فعلّمه الأذان(1).

الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام ( ت 148هـ ) :

روى الكلينيّ بسنده عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عُمير ، عن حمّاد ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبدالله [ الصادق ] عليه السلام ، قال : « لمّا هبط جبرئيل بالأذان على رسول الله صلى الله عليه وآله كان رأسه في حِجر عليّ عليه السلام ، فأذَّن جبرئيل وأقام ، فلمّا انتبه رسول الله ، قال : يا عليّ! سمعت ؟

قال : نعم.

قال : حفظت ؟

قال : نعم.

قال : ادعُ بلالاً فعلِّمْه. فدعا عليّ بلالاً فعلَّمَه »(2).

وفي تفسير العيّاشيّ عن عبدالصمد بن بشير ، قال : ذُكِر عند أبي عبدالله بدء الأذان ، فقال : إنَّ رجلاً مِن الأنصار رأى في منامه الأذان ، فقصَّه على رسول الله فأمره الرسول أن يعلّمه بلالاً.

فقال أبو عبدالله : كذبوا ؛ إنَّ رسول الله كان نائماً في ظِلّ الكعبة ، فأتاه جبرئيل

(1) الاعتصام بحبل الله 1 : 278.

(2) الكافي 3 : 302/2 ، التهذيب 2 : 277/1099 مثله ، ورواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1 : 183/865 بإسناده عن منصور بن حازم ، ولا يخفى عليك بأن هذا النص لا يخالف ما ثبت عند أهل البيت وبعض أهل السنة والجماعة من كون تشريع الأذان كان في الاسراء والمعراج ، لأن التأذين في المعراج هو في مرحلة الثبوت ، أما التأذين في الأرض فهو في مرحلة الاثبات ، وسيتضح معنى كلامنا هذا اكثر في الباب الثالث من هذه الدراسة « اشهد ان عليّاً ولي الله ، بين الشرعية والابتداع » فانتظر.


51

ومعه طاس فيه ماء مِن الجنّة فأيقظه ، وأمره أن يغتسل به ، ثمّ وضع في محمل له ألف ألف لون مِن نور ، ثمّ صعد به حتّى انتهى إلى أبواب السماء ، فلمّا رأته الملائكة نَفَرت عن أبواب السماء ، وقالت : إلهانِ ! إلهٌ في الأرض ، وإله في السماء ؟!

فأمر اللهُ جبرئيلَ ، فقال : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، فتراجعت الملائكة عن أبواب السماء ، فقالت : إلهانِ ! إله في الأرض وإله في السماء ؟!

فقال جبرئيل : أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، فتراجعت الملائكة وعَلِمتْ أنّه مخلوق.

ثمّ فتح الباب فدخل ومَرَّ حتّى انتهى إلى السماء الثالثة ، فنَفَرت الملائكة عن أبواب السماء ، فقال جبرئيل : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، فتراجعت الملائكة ، وفتح الباب ومَرَّ النبيُّ حتّى انتهى إلى السماء الرابعة...

ـ إلى أن قال ـ : ... فلمّا فرغ من مناجاة ربّه رُدّ إلى البيت المعمور وهو في السماء السابعة بحذاء الكعبة ، قال : فجمع له النبيّين والمرسلين والملائكة ، ثمّ أمر جبرئيل فأتمَّ الأذان وأقام الصلاة ، وتقدّم رسول الله فصلّى بهم ، فلمّا فرغ التفت إليهم فقال الله له : ﴿ فسئل الذيِنَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ من رَّبِّكَ فَلأ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرين (1)، فسألهم يومئذ النبيّ صلى الله عليه وآله ، ثمّ نزل ومعه صحيفتان فدفعهما إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال أبو عبدالله عليه السلام : فهذا كان بدء الأذان »(2).

(1) يونس : 94.

(2) تفسير العيّاشيّ 1 : 157/530 ، المستدرك 4 : 42 ـ 43 وانظر : بيان المجلسيّ في بحار الأنوار 81 : 121.


52

وروى الصدوق باسناده عن الصباح المزنيّ وسدير الصيرفي ومحمّد بن النعمان الأحول وعمر بن أُذينة أنّهم حضروا عند أبي عبدالله عليه السلام ، فقال : « يا عمر بن أُذينة! ما ترى هذه الناصبة في أذانهم وصلاتهم ؟.

قال : جُعِلتُ فداك ؛ إنّهم يقولون : إنَّ أُبيّ بن كعب الأنصاريّ رآه في النوم.

فقال عليه السلام : كذبوا والله ، إنَّ دين الله تعالى أعَزُّ من أن يُرى في النوم. وقال أبو عبدالله : العزيز الجبّار عَرَج بنبيّه إلى سمائه ـ فذكر قصّة الإسراء بطولها ـ »(1).

وفي نصّ آخر ، قال عليه السلام : « ينزل الوحيُ على نبيِّكم فتزعمون أنَّه أخذ عن عبدالله بن زيد ؟! »(2).

وعن عليّ بن إبراهيم عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : « ما تروي هذه الناصبة ؟ ».

فقلت : جُعِلت فداك ؛ في ماذا ؟

فقال : « في أذانهم وركوعهم وسجودهم ».

فقلت : إنّهم يقولون : إنَّ أُبيَّ بن كعب رآه في النوم.

فقال : « كذبوا ، فإنَّ دين الله عزَّوجلّ أعَزُّ مِن أن يُرى في النوم ».

قال : فقال له سدير الصيرفيّ : جُعلت فداك ؛ فأحدِثْ لنا مِن ذلك ذِكراً.

فقال أبو عبد عليه السلام : « إنَّ الله عزّوجلّ لمّا عَرَج بنبيّه صلى الله عليه وآله إلى سماواته السبع ، أمّا أُولاهُنَّ فبارَك عليه ، والثانية علّمه فرضه فأنزل الله محملاً من نور فيه أربعون نوعاً من أنواع النور كانت مُحدِقة بعرش الله تغشي أبصار الناظرين...(3)

قال : ثمّ زادني ربّي أربعين نوعاً من أنواع النور لا تشبه الأنوار الأُولى ، ثمّ عرج

(1) انظر : علل الشرائع 312/1 ، وعنه في بحار الأنوار 8 : 354.

(2) وسائل الشيعة 5 : 370/6816.

(3) الحديث طويل أخذنا مقاطع منه.


53

بي إلى السماء الثالثة ، فنَفَرت الملائكة وخَرَّتْ سُجَّداً ، وقالت : سبُّوح قدُّوس ربُّ الملائكة والرُّوح ، ما هذا النور الذي يشبه نور ربّنا ؟!

فقال جبرائيل عليه السلام : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله.

فاجتمعت الملائكة وقالت : مرحباً بالأوّل ، ومرحباً بالآخِر ، ومرحباً بالحاشر ، ومرحباً بالناشر ، محمّد خير النبيّين وعليّ خير الوصيّين.

قال النبيُّ صلى الله عليه وآله : ثمّ سَلَّموا علَيَّ وسألوني عن أخي ، قلتُ : هو في الأرض ، أفتعرفونه ؟

قالوا : وكيف لا نعرفه وقد نَحجّ البيت المعمور كلَّ سنة وعليه رَقّ أبيض فيه اسم محمّد واسم عليّ والحسن والحسين [ والأئمة ] عليهم السلام وشيعتهم إلى يوم القيامة ، وإنّا لَنُبارِك عليهم كلّ يوم وليلة خمساً ـ يعنون في وقت كلّ صلاة ـ ...

قال : ثمّ زادني ربّي أربعين نوعاً من أنواع النور لا تشبه تلك الأنوار الأُولى ، ثمّ عرج بي حتّى انتهيت إلى السماء الرابعة ، فلم تَقُل الملائكة شيئاً ، وسمعت دَويّاً كأنّه في الصدور ، فاجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السماء وخرجت إليَّ شبه المعانيق ، فقال جبرئيل عليه السلام : حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ؛ حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح.

فقالت الملائكة : صوتان مقرونان معروفان.

فقال جبرئيل عليه السلام : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة...

ثمّ أوحى الله إليَّ : يا محمّد! ادنُ من صاد فاغسل مساجدك وطهّرها وصلِّ لربِّك.

فدنا رسول الله صلى الله عليه وآله من صاد(1) ، وهو ماءٌ يسيل من ساق العرش الأيمن ،

(1) وللشيخ الجوادي الآملي في كتابه « أسرار الصلاة » : 86 ، 22 بيان في ذلك فراجع.


54

فتلقّى رسول الله صلى الله عليه وآله الماء بيده اليمنى ، فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين.

ثمّ أوحى الله عزّوجل إليه أن : اغسل وجهك(1)...

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ « سورة بني اسرائيل » عن أبيه ، عن محمّد ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن الصادق عليه السلام ـ في خبر طويل جدّاً ـ قال فيه : « فإذا مَلَكٌ يُؤَذِّن لم يُرَ في السماء قبل تلك الليلة ، فقال : الله أكبر ، الله أكبر ؛ فقال الله : صدق عبدي أنا أكبر.

فقال : أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ؛ فقال الله تعالى : صدق عبدي ، أنا الله لا إله غيري.

فقال : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ؛ فقال الله : صدق عبدي ، إنَّ محمّداً عبدي ورسولي أنا بعثته وانتجبته.

فقال : حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ؛ فقال : صدق عبدي ، دعا إلى فريضتي ، فَمَن مشى إليها راغباً فيها محتسباً كانت كفّارة لِما مضى من ذنوبه.

فقال : حيّ على الفلاح [ حيّ على الفلاح ] ؛ فقال الله : هي الصلاح والنجاح والفلاح.

ثمّ أمَمتُ الملائكة في السماء كما أمَمتُ الأنبياء في بيت المقدس... »(2).

وقد أخرج الحافظ العلوي في كتابه ( الأذان بحيّ على خير العمل ) بقوله : حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسن ، حدّثنا عليّ بن الحسين بن يعقوب ،

(1) الكافي كتاب الصلاة باب النوادر 3 : 482 ـ 486/1 ، وللمزيد يمكن مراجعة خبرالإسراء في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي 2 : 11.

(2) تفسير القمّيّ 2 : 3 ـ 12 كما في مستدرك وسائل الشيعة 4 : 40 ، وفي تفسيرالعيّاشي 1 : 157 ح 530 عن عبدالصمد بن بشير عن الصادق في حديث المعراج ، إلى أن قال : ثمّ أمر جبرئيل فأتمّ الأذان واقم الصلاة.


55

أخبرنا أحمد بن عيسى العجلي ، حدّثنا جعفر بن عنبسة اليشكري ، حدّثنا أحمد بن عمر البجلي ، حدّثنا سلام بن عبدالله الهاشمي ، عن سفيان بن السمط ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه قال : أوّل مَن أذّن في السماء جبريل عليه السلام حين أُسري بالنبي صلى الله عليه وآله ، فقال : الله أكبر ، الله أكبر ؛ فقالت الملائكة : الله أكبر من خلقه.

فقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، فقالت الملائكة : ونحن نشهد أن لا إله إلاّ الله.

فقال ، أشهد أن محمّداً رسول الله ، أشهد أن محمّداً رسول الله ، فقالت الملائكة : عبد بُعِث.

فقال جبريل : حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ؛ فقالت الملائكة : أُمِر القوم بالصلاة ، فقال : حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ؛ فقالت الملائكة : أفلح القوم.

فقال : حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ؛ فقالت الملائكة : أُمِر القوم بخير العمل. وأقام الصلاة ، فقال النبيّ : يا جبريل ، تَقدّمْ صلِّ بنا ، فقال جبريل : يا محمّد ، إنّ الله عزّوجلّ أمرنا أن نسجد لأبيك آدم ، فلسنا نتقدّم ولدَه ، فتقدّم رسول الله صلى الله عليه وآله فصلّى بالملائكة(1).

وقد نقل محمّد بن مكّيّ ـ الشهيد الأوّل ـ في (ذكرى الشيعة) قول ابن أبي عقيل ، قال : أجمعت الشيعة عن الصادق عليه السلام أنَّه لَعَن قوماً زعموا أنَّ النبيَّ أخذ الأذان من عبدالله بن زيد ، فقال : « ينزل الوحي على نبيِّكم فتزعمون أنَّه أخذ الأذان من عبدالله بن زيد ؟! »(2).

(1) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 20 ، بتحقيق الفضيل ، وبتحقيق عزّان 59.

(2) ذكرى الشيعة 3 : 195 ، وعنه في وسائل الشيعة 5 : 370.


56

الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام ( ت 204هـ ) :

أخرج الصدوق في ( عيون أخبار الرضا ) و ( علل الشرائع ) بسنده إلى الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام ، قال : « قال رسول الله : لمّا عُرِج بي إلى السماء أذَّن جبرئيل مَثْنى مَثْنى وأقام مَثْنى مَثْنى »(1).

وجاء في الاعتصام بحبل الله عن صحيفة عليّ بن موسى الرضا : ... حدّثني أبي موسى بن جعفر قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد قال : حدّثني أبي محمّد ابن عليّ قال : حدّثني أبي عليّ بن الحسين بن عليّ قال : حدّثني أبي الحسين ابن عليّ قال : حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لمّا بُدئ رسول الله صلى الله عليه وآله بتعليم الأَذان ، أتى جبريل عليه السلام بالبُراق فاستصعب عليه ، فأتاني بدابّة يقال لها برقة ـ من حديث طويل ـ فقال لها جبريل : اسكُني برقة ـ من حديث طويل فيهـ : فخرج مَلَك من وراء الحجاب فقال : الله أكبر الله أكبر. قال : فقلت : يا جبريل ، من هذا المَلَك ؟ قال : والذي أكرمك بالنبوّة ، ما رأيت هذا المَلَك قبل ساعتي هذه ، فقال المَلَك : الله أكبر ألله أكبر.. فنُودِي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أكبر أنا أكبر. فقال الملك : أشهد أن لا إله إلاّ الله... الخبر(2).

الأذان في قول بعض الأعلام

قال الشيخ الطوسيّ : « الأذان مأخوذٌ من الوحي النازل على النبيِّ دون الرؤيا

(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1 : 204 باب ما جاء عن الرضا في زيد بن عليّ ح 22 ، علل الشرائع 1 : 6 وعنه في بحار الأنوار 81 : 108.

(2) الاعتصام بحبل الله 1 : 278.


57

والمنام »(1).

وقال السيّد محمّد العامليّ صاحب ( المدارك ) : « قد أجمع الأصحاب على أنَّ الأذان والإقامة وحيٌ من الله تعالى على لسان جبرئيل عليه السلام كسائر العبادات ، وأخبارُهم به ناطقة »(2).

وقال الشهيد في الذكرى : « وهما وحيٌ من الله تعالى عندنا كسائر العبادات على لسان جبرئيل عليه السلام »(3).

وهذه الرؤية النابعة من النصوص الدالّة على قداسة الأذان وأنّه بوحي من السماء لم تختصّ بمدرسة أهل البيت ، فقد حكى الداوديّ عن ابن إسحاق أنَّ جبرئيل أتى النبيَّ بالأذان قبل أن يراه عبدالله بن زيد وعمر بثمانية أيّام(4) ، ويؤيّده ما جاء عن عمر من أنّه ذهب ليشتري ناقوساً فأُخبِر أنَّ ابن زيد قد أُرِي الأذان في المنام ، فرجع ليخبر رسول الله ، فقال له : « سبقك بذلك الوحي »(5).

وقد روى عبدالرزّاق عن ابن جريج عن عطاء أنّه سمع عبيد بن عمير يقول : إنّ الأذان كان بوحي من الله(6).

وروى السيّد ابن طاووس ـ مِن علماء الشيعة الإماميّة ـ بإسناده إلى

(1) المبسوط 1 : 95.

(2) مدارك الأحكام 3 : 255 المقدّمة السابعة من الأذان.

(3) ذكرى الشيعة 3 : 195.

(4) سبل الهدى والرشاد 3 : 361 ، وانظر : تنوير الحوالك : 86 ، وفتح الباري2 : 65.

(5) تاريخ الخميس 1 : 360 ، وانظر : السيرة الحلبيّة 2 : 301 ـ 302.

(6) المصنَّف ، لعبدالرزّاق 1 : 456/1775 كتاب الصلاة بدء الأذان.


58

عبدالرزّاق عن معمر ، عن ابن حمّاد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبيِّ في حديث المعراج ، قال : « ثمّ قام جبرئيل فوضع سبّابته اليمنى في أذنه فأذّن مَثْنى مَثْنى ».. يقول في آخرها : « حيّ على خير العمل ، حتىّ إذا قضى أذانه أقام للصلاة مثنى مثنى »(1).

وفي كنز العمّال « مسند رافع بن خديج » : لمّا أُسرِي برسول الله إلى السماء أوحي إليه بالأذان ، فنزل به فعلّمه جبرئيل ( الطبراني في الاوسط عن ابن عمر )(2).

ولذلك حاول القسطلانيّ الشافعي في ( إرشاد الساري ) التخلّص من إشكال التشريع بالرؤيا ، فادّعى أنّ المشرِّع للأذان هو النصّ الذي أمَرَّ المنامَ لانفس المنام ، فقال : قوله تبارك وتعالى : ﴿ وإذا نادَيتُم إلَى الصلاةِ اتّخَذُوها هُزُواً ولَعِباً ذلكَ بأنهم قوم لايَعلَمون معانيَ عبادة الله وشرائعه ، واستدلّ على مشروعيّة الأذان بالنصّ لا بالمنام وحده لكنك تعلم أنّ الإشكال باقٍ بحاله ، إذ لا معنى للمنام في هذه الحالة (3).

وقال السرخسيّ ـ مِن أعلام الحنفيّة ـ في ( المبسوط ) : ... وروي أنَّ سبعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين رأوا تلك الرؤيا في ليلة واحدة ، وكان أبو حفص محمّد بن عليّ ينكر هذا ويقول : تعمدون إلى ما هو من معالم الدين فتقولون : ثَبَت بالرؤيا! كلاَّ ولكنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله حين أُسري به إلى المسجد الأقصى وجُمِع له النبيّون ، أذَّنَ مَلَكٌ وأقام ، فصلَّى بهم رسول الله. وقيل : نزل به جبرئيل عليه الصلاة والسلام ، حتَّى قال كثير بن مرة : أذَّن جبرئيل في السماء فسمعه عمر(4).

(1) سعد السعود 100 ، وفي متن بحار الأنوار 81 : 107 : فوضع سبّابته اليمنى في أذنه اليمنى.. حيّ على خير العمل مَثْنى مَثْنى... الخ.

(2) كنز العمّال 8 : 329 كتاب الصلاة فصل من الأذان ح 23138.

(3) إرشاد الساري 2 : 2 كتاب الأذان.

(4) المبسوط للسرخسيّ 1 : 128 كتاب الصلاة باب الأذان.


59

وقفة مع أحاديث الرؤيا

اتّضح بجلاء ـ من خلال ما مرّ بنا من أحاديث وأقوال وغيرها ـ أنّ القول بتشريع الأذان في الإسراء والمعراج ، ممّا لم ينفرد به الإماميّة الاثنا عشريّة ، وإنّما قالت به الشيعة الزيدية والإسماعيلية أيضاً ، إضافةً إلى أعلام من أهل السنّة ، وهذا يعني أنّ تشريع الأذان ـ بوصفه فعلاً تعبّدياً ـ كان سماوياً وعُلْوياً وليس مناماً وأرضياً ، وهذا القول ينسجم تماماً مع التشريعات السماوية الإلهية ، ومع الاعتقاد بالنبوّة والوحي ، التي هي واسطة في التشريع بين الله تعالى وبين خلقه.

أمّا القول بأنّه كان عبر منام رآه رجل واخبر به النبيَّ صلى الله عليه وآله فإنّه من منفردات بعض أهل السنّة ، والذي أمسى قولاً مشهوراً لديهم فيما بعد.

وإزاء اشتهار هذا القول عندهم ، تبرز طائفة من التساؤلات الملحّة التي تصدر من الرؤية الإسلاميّة لحقائق الاشياء وعمق التشريع الإلهي.

ومن هذه التساؤلات : هل يسوغ لهذا القول ـ الذي يُسنِد تشريع الأذان إلى رؤيا أحد الناس ـ أن يتلاءم وأصول الشريعة القائمة على تلقّي النبيّ صلى الله عليه وآله من الله سبحانه ؟

وهل يسوغ ـ في منطق الإسلام والوحي ـ أن تؤخذ الشريعة من الأحلام والمنامات والأقاصيص ، أو حتّى من المشاورة كما جاء في بعض أحاديث الأذان ؟

أوّلاً : إنّ المنام لا يصحّ أن يُستنَد إليه في القضايا الشرعيّة ، ولا يمكن أن


60

يُعتمَد عليه فى تشريع الأحكام.. اللهمّ إلاّ أن يكون رؤيا رآها رسول الله نفسه ؛ لأنّها جزء من الوحي.

إنّ التلّقي عن الله وحصر الاخذ عنه جلّ وعلا تنفي كلّ ما عدا الوحي الإلهي في التشريع ، وتؤكّد أنّ هذا الوحي هو وحده المنبع الذي ليس للنبيّ أن يبدّله أو يغيّر فيه من تلقاء نفسه ، كما عرّفنا الله سبحانه ذلك بقوله : ﴿ قل ما يكون لي أن أُبدِّلَهُ مِن تِلقاءِ نفسي إن أتَّبعُ إلاَّ ما يُوحى إليّ إنّي أخافُ إن عَصَيتُ ربّي عذابَ يوم عظيم (1).

وقال : ﴿ قل ما كُنتُ بِدعاً من الرُّسلِ وما أدري ما يُفعَلُ بي ولا بكم إن أتَّبعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ وما أنا إلاَّ نَذيرٌ مُبين (2).

وقال أيضاً : ﴿ قل إنما اتَّبعُ ما يُوحى إليَّ مِن ربّي هذا بَصائرُ مِن ربِّكُم وهُدىً ورحمةٌ لِقومٍ يُؤمنون (3).

وقال : ﴿ وما يَنطِقُ عَن الهوى * إن هُو إلاَّ وَحيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَديدُ القوى (4).

وقال في ملائكته : ﴿ بل عباد مكرَمونَ * لا يَسبِقونَهُ بالقَولِ وهم بأمرِه يعملون (5).

إنّ هذه الآيات الشريفة صريحة في أنّه ليس لرسول الله ولا لملائكته أن يسبقوه بالقول أو أن يُشرِّعوا من قِبَل أنفسهم ، إذ ليس لهم إلاّ الاستماع إلى

(1) يونس : 15.

(2) الأحقاف : 9.

(3) الأعراف : 203.

(4) النجم : 3 ـ 5.

(5) الأنبياء : 26 ـ 27.


61

الوحي وانتظاره ، وقد انتظر الرسولُ صلى الله عليه وآله الوحيَ في تغيير القبلة مدّة ستّة شهر أو سبعة حتّى نزل قوله تعالى : ﴿ قد نرى تقلُّبَ وجهِكَ في السماءِ فَلَنُولينّكَ قِبلةً ترضاها فَوَلِّ وجهَكَ شَطرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُ ما كُنتم فَولُّوا وجوهَكُم شطرَهُ... (1).

أمّا التشاور فهو أبعدُ ما يكون عن أن يتولّد منه حكم شرعيّ ، ذلك أنّ لله الدين الخالص وليس لغيره فيه من شيّ ، كما قال جلّ جلاله : ﴿ يقولون هل لنا من الأمرِ مِن شيء قُل إنّ الأمرَ كُلَّه لله (2). من هنا يكون قول الحقّ تعالى : ﴿ وشاوِرْهُم في الأمر دالاًّ على المشاورة في الموضوعات الخارجية وشئون الحياة اليومية ، والمواقف العملية من بعض الحوادث ، كالموقف في الحرب ومواجهة مكائد الأعداء وإمكانيّات سبل السلام ، وما إليها.

وهذه المشاورة ذات ثمرات صالحة ، منها : أنّها تُشعِر المشاوَرين بالمشاركة في صنع الموقف المسؤول ، ومنها أنّها تَهَبُهم طاقة للاندفاع في سبيل تنفيذ مقرّرات هذه المشاورة وتحمّل نتائجها. ومع ذلك كلّه تظلّ لرسول الله صلى الله عليه وآله الكلمة الأخيرة في مقرّرات المشاورة ، فهو الذي يحدّد ما ينبغي وما لاينبغي ، ويكون عزمه في المسألة هو الساري الجاري ﴿ فإذا عزمت فتوكَّلْ على الله .

إنّ الشورى ليس لها دخل في الأحكام ، ومتى تدخّلت في الحكم فإنّها تكون قد شاركت الوحيَ في التشريع ، وهَوَّنت من شأن النبوّة والنبيّ ، وفتحت باباً للتقوّل على الله.. ذلك التقوّل الذي هدّد اللهُ تعالى باجتراح ولو بعض منه.

ولقد حذّر اللهُ رسولَه ـ وهو أحبّ خلقه إليه ـ أيما تحذير ، وهدّده أيّما

(1) البقرة : 144.

(2) آل عمران : 154.


62

تهديد .. إذا ما غيّر حرفاً واحداً ، وذلك لمّا جاءه أهل قرية الناصرة بأحمال الذهب والفضّة والحرير وأرادوا إعطاءها رشوةً للنبي صلى الله عليه وآله في مقابل أن يُبدّل حرف الباء تاءً في لفظة « أبَوا » بعد نزول قوله تعالى : ﴿ حتى إذا أتيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يضَيِّفوهما (1). وعندئذ نزل التهديد الإلهيّ الحازم ليعلم الناس أنّ دين الله خالص نقيّ لا يجوز بحالٍ أن يشوبه شيء من رأي البشر ولو قَلّ وضَئُل إلى مستوى حرفٍ إستمع الى تعابير المواجهة والإنذار : ﴿ ولو تقوّل علينا بعضَ الأقاويلِ * لأَخَذْنا منه باليمينِ * ثمّ لَقَطعنا منه الوَتين * فما منكم مِن أحدٍ عنه حاجِزين (2) ، وهو الذي ﴿ لا يَنطِقُ عن الهوى * إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحى (3).

ثانياً : إنّ الأذان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بفريضة الصلاة التي هي « خيرُ موضوع » ، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهي عمود الدين وأساسه الجوهري.. إلى حدّ أن جعل الإمام الهادي الزيدي الأذان من أصول الدين! كما مرّ بنا سابقاً.

والأذان مقدّمة للصلاة ، وكلاهما عبادة خالصة لله عزّوجلّ صادرة عن حقيقة وجودية توحيدية عميقة. من هنا يكون من الغفلة الاعتقاد بأنّ الله عزّوجلّ قد أمر خاتم أنبيائه الكرام بإقامة الصلاة على وجهها الذي شرّعه الله تعالى ، ثمّ ترك شأن تعليم أذان الصلاة وإقامتها لأُناس عاديّين يقولون إنّهم رأوها في المنام! أو إنّهم قد أضافوا إليها من عندهم ما يكملها ، دون أن يُعلّمها رسولَه الذي هو مبلّغ الوحي وحامل راية الهدى لأجيال البشرية كافّة.

ثالثاً : تشير بعض النصوص السنيّة التي أوردتها كتب الصحاح والسنن في موضوع الأذان إلى أنّ رسول الله كان في حيرة من أمر الأذان ، ولم يكن يعلم

(1) الكهف : 77.

(2) الحاقّة : 44 ـ 47.

(3) النجم : 3.


63

الحكم الإلهيّ فيه أيّاماً ، حتّى شاور الصحابةَ في ذلك ، وأمر بناقوس النصارى ليكون إعلاماً لوقت الصلاة حتّى « كاد ينقس »!

وفي هذا الرأي من التوهين والتقليل من شأن رسول الله صلى الله عليه وآله ما لا خفاء فيه ، وهو ممّا يرفضه منطق القرآن الكريم ، ويرفضه المنطق الإيماني على وجه العموم ، ذلك أنّ هذا التوهين يعارض دعوةَ القرآن المسلمين إلى توقير رسول الله وتعظيمه ، ويضادّ نهي الذين آمنوا أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبيّ صلى الله عليه وآله ، تعريفاً بتميّزه وعلوّ مقامه : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تُقَدِّموا بين يدي الله ورسوله واتَّقوا الله إنَّ الله سميع عليم * يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيِّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (1) اهتماماً بمكانته صلى الله عليه وآله وشأنه.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الآية نزلت لمّا تنازع أبو بكر وعمر في تعيين مَن يكون موفد الرسول المصطفى إلى بني تميم.

فقال أبو بكر : القعقاع بن معبد ، وقال عمر : الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردتَ إلاَّ خلافي ، فقال عمر : ما أردت خلافك ، فتمارَيا حتّى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت في ذلك هذه الآيات الحكيمة(2).

فإذا كان الله سبحانه لا يرتضي التنازع ورفع الصوت بمحضر النبيِّ في أيّة قضيّة من القضايا احتراماً له وتوقيراً لمقامه ، فكيف يصحّ أن يُنسَب إليه التحيّر في شأن أمر تعبّدي كالأذان حتّى اختار ـ أو كاد أن يختار ـ ناقوس النصارى يُنقس به إعلاماً للصلاة ؟!

(1) الحجرات : 1 ـ 2.

(2) انظر : صحيح البخاريّ 6 : 290 كتاب المغازي ، باب وفد بني تميم ج 812 ، باب وفد بني تميم.


64

رابعاً : أهمل الشيخان البخاريّ ومسلم وكذا الحاكم النيسابوريّ في مستدركه ذِكْر أحاديث رؤيا عبدالله بن زيد ، بل في المستدرك عن (سفيان بن الليل عن الإمام الحسن السبط) ما يُسَخِّف تشريع الأذان بالمنام.

وقد أجاب الحاكم معلّلاً تركَ الشيخين أحاديث عبدالله بن زيد التي قصّها على رسول الله بقوله : (... وإنّما ترك الشيخان حديث عبدالله بن زيد في الأذان والرؤيا التي قصّها على رسول الله بهذا الإسناد(1) ، لتقدّم موت عبدالله بن زيد ، فقد قيل : إنَّه استُشهد بأُحد ، وقيل : بعد ذلك بيسير ، والله أعلم )(2).

(1) ليس فيما روي عن عبدالله بن زيد في الأذان ما رجاله على شرط الشيخين إلاّ ما رواه بشير بن محمد بن عبدالله بن زيد عن جدّه عبدالله بن زيد ، ولكن لم يخرجه الشيخان في صحيحيهما لأنّه منقطع ؛ فالحفيد بشير لم يدرك جدّه عبدالله بن زيد.

(2) المستدرك للحاكم 4 : 348 كتاب الفرائض ، باب ردّ الصدقة ميراثاً. قال ابن حجر في تلخيص الحبير 3 : 12.

( وقال الحاكم والبيهقي : الروايات عن عبدالله بن زيد في هذا الباب كلّها منقطعة ؛ لأنّ عبدالله بن زيد استشهد يوم أحد . ثمّ أسند عن الدراوردي عن عبيدالله بن عمر قال : دخلت ابنة عبدالله بن زيد على عمر بن عبدالعزيز فقالت : يا أمير المؤمنين ، أنا ابنة عبدالله بن زيد ، شهد أبي بدراً وقتل يوم أحد ، وفي صحّة هذا نظر ؛ فإن عبيدالله بن عمر لم يدرك هذه القصّة... وروى الواقدي عن محمد بن عبدالله بن زيد قال : تُوفّي أبي بالمدينة سنة اثنين وثلاثين ، وقال ابن سعد : شهد أحداً والخندق والمشاهد كلها ، ولو صحّ ما تقدم للزم أن تكون بنت عبدالله بن زيد صحابية ). عن تلخيص الحبير3 : 162 ـ 163.

أقول : الظاهر أنّ كلام الحاكم هو الصحيح ، فإنّ الراوي هو عبيدالله بن عمر العمري كما في الإصابة 2 : 312 ترجمة عبدالله بن زيد بن ثعلبة ، وهو عبيدالله بن عمر بن حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطّاب ، المتوفّى سنة 144 أو 145 أو 147هـ ، والمسند إليه صحيح بلحاظ الراوي والمروي عنه. انظر : تهذيب الكمال 19 : 124 ـ 130.


65

ويشير إهمال الشيخين لهذا الحديث إلى أنّه لا أصل لحديث عبدالله بن زيد عن رسول الله ، ويؤيّد ذلك ما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء في ترجمة عمر بن عبدالعزيز عن عبيدالله بن عمر ، قال : ( دَخَلتْ ابنة عبدالله بن زيد على عمر بن عبدالعزيز ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، أنا بنت عبدالله بن زيد ، أبي شهد بدراً وقُتِل يوم أحد ، فقال عمر :

تلك المكارِمُ لا قعبان من لَبنٍ شيبا بماء فعادا بَعدُ أبوالا

سَليني ما شئتِ ، فسألت فأعطاها ما سألت(1).

ولو ثبت بشكل قطعي أنَّ عبدالله رأى الأذان لَذَكرتْ ابنته هذه المكرمة له وعدّتها ضمن منقبتيه الأُوليين : حضوره بدراً وقتله بأُحد ، بل أن فضيلة رؤيا الأذان لو كانت واقعةً فعلاً لَما ضاهاها شيء ؛ إذ إنّ الوحي قد وافقه في هذه المسألة دون عموم بني البشر ، وهي أهمّ من حضوره بدراً وقتله بأُحد ، وذلك لمشاركة آخَرين له في هاتين الفضيلتين.

إنَّ عدم ذكر ابنة عبدالله بن زيد لهذه المنقبة ـ وهي في معرض استعطاف عمر بن عبدالعزيز ـ ليشير إلى عدم ثبوت هذه المكرمة له في العهد الأوّل.

خامساً : من الثابت عند أهل العلم أنّ رؤيا الأنبياء وحدهم حجّة ، لا رؤيا غيرهم. نعم ، إنّهم صحّحوا هذه الرؤيا والمنامات الأخرى بتطابق الوحي معها.

قال العسقلانيّ : ( وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبدالله بن زيد ، لأنَّ رؤيا غير الأنبياء لا يُبنى عليها حكم شرعيّ ، وأُجيب باحتمال مقارنة

(1) حلية الأولياء 5 : 322 ترجمة عمر بن عبدالعزيز ، وعنه في الإصابة 2 : 312 ترجمة عبدالله بن زيد بن عبد ربّه بن ثعلبة.


66

الوحي لذلك...)(1).

لكنّ هذا الجواب غير علميّ ولا دقيق ؛ لأنَّ مجرّد احتمال مقارنة الوحي لا يفيد ، إذ لو كان ذلك صحيحاً لذكرته الروايات المعتمدة في الباب ولم تنحصر باجتهادات أمثال ابن حجر.

ثمّ لماذا لم ينزل الوحي على رسول الله حينما كان متحيّراً في أوّل أمره (أي حينما قَدِم المدينة) حتّى أخبره عبدالله بن زيد بمنامه ، ثمّ تطابق الوحي مع الرؤيا بعد ذلك ؟!

إنَّ تعارض النصوص وتخالفها مع الثوابت الأُخرى تُخطِّئ هذه الرؤية ؛ لأنَّ القول بتشريع الأذان في المَسرى لا يتطابق مع حيرة النبيّ وسعيه لمشاورة الصحابة في المدينة ، وخصوصاً حينما نشم رائحة الغلوّ من بعض النصوص وادِّعاء نزول ما يشابه الوحي على عبدالله بن زيد ، أو على عمر ، أو بلال ، لقول عبدالله في بعض النصوص : « كأنّي وأنا بين نائم ويقظان » ، وفي آخر : « لولا أن يقول الناس لقلتُ بأنّي كنتُ يقظان غير نائم »!!

أو ما جاء في نصوص أُخرى : « إنَّ جبرئيل أذَّن في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال ، فسبق عمر بلالاً فأخبر النبيّ ثمّ جاء... » ، أفَلا ترى أنّ هذه النصوص ترفع من شأن عبدالله بن زيد ومن شأن عمرَ إلى مرتبة النبوّة ، وتغلو فيهما ؟!

بل العجب العجاب أن نرى إلقاء العبء الأكبر في الأذان على عبدالله بن زيد بن عبدربّه الخزرجي الأنصاري ، هذا الصحابي غير الواضح المعالم في التاريخ والفقه ، والذي لم يُعرَف ولم يشتهر إلاّ عبر هذه المفردة ، إذ عرف بـ « الذي أُرِيَ الأذان ». ومثل ذلك ما قيل في سَمِيّه عبدالله بن زيد بن عاصم

(1) فتح الباري 2 : 65 باب الأذان مثنى.


67

المازني الأنصاري « صاحب حديث الوضوء » الذي ألقوا على عهدته قسماً من الوضوء الثلاثي الغَسلي وادّعوا أن الأخبار الصحيحة جاءت عنه وهو منها بريء!

فلماذا هذان الصحابيان الأنصاريان الغامضا المعالم ؟! اللذان لا يعرفان إلاّ في حديثَي الأذان والوضوء ؟!

وبعد هذا ، لابدّ من الإشارة إلى إشكال آخر أثاره السُّهيليّ(1)والعسقلانيّ وغيرهما حاولوا الاجابة عنه.

قال ابن حجر في إرشاد الساري : ( فإن قلتَ : ما الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل ولم يكن بوحي ؟

أُجيب : لما فيه من التنويه بالنبيّ والرفع لذِكره ؛ لأنَّه إذا كان على لسان غيره كان أرفَعَ لذكره وأفخَرَ لشأنه ، على أنَّه روى أبو داود في المَراسيل أنَّ عمر لمّا رأى الأذان جاء ليخبر النبيّ فوجد الوحي قد ورد بذلك ، فما راعه إلاّ أذان بلال ، فقال له عليه السلام : سبقك بها الوحي. ورواة هذا الحديث خمسة ، وفيه التحديث والإخبار )(2).

وهذا التعليل عليل ، لأنَّه لو صحّ للزم لحاظ هذا الوجه في كلّ شيء ورد فيه ذِكر الشهادتين ، لأنَّ نقل ذلك على لسان غيره أرفع لذكره وأفخر لشأنه وأدفع لتهم أعدائه ، في حين نعلم بأنَّ الباري جَلَّ شأنه هو الذي رفع ذِكره بقوله : ﴿ ورفعنا لك ذكرك (3) ، وبعد هذا فلا يحتاج إلى أن يرفع ذكره بعد الباري جلّ شأنه أحدٌ.

(1) في الروض الانف 2 : 356.

(2) إرشاد الساري 2 : 4.

(3) الشرح : 4.


68

هذه أهمّ الأقوال التي قيلت في تشريع الأذان عند مدرسة أهل السنّة والجماعة ، وقد يمكن إرجاع بعضها إلى بعض ، وتقليص حجم اختلافاتها ، غير أنّ إعادة جميع النصوص إلى قول واحد محالٌ من القول ، لأنّ القول بتشريعها والتأذين بها في الإسراء والمعراج لايتّفق مع هَمِّ وغمّ رسول الله في المدينة وجلوسه مع أصحابه يستشيرهم في كيفيّة التأذين وطريقة جمع المسلمين على شيء واحد.

وهكذا الحال بالنسبة إلى ما جاء عن عمر وأنّه كان أوّل من سمع أذان جبرئيل في السماء ثمّ بلال ، أو ما حكي عنه من أنّه أضاف الشهادة بالنبوة في الأذان بعد أن كانت فيه الشهادة بالتوحيد فقط ، فإنّه لا يتّفق مع تشريع الأذان في المسرى.

وكذا القول بأنّ أبا بكر كان أوّل مَن أخبر رسولَ الله بالأذان ـ كما في خبر جامع المسانيد ـ فهو يخالف المشهور بين المحدّثين من أنّ عبدالله بن زيد الأنصاريّ كان أوّل مَن أخبر رسول الله بمنامه.

وكذا الحال بالنسبة إلى ما اشتهر عن عبدالله بن زيد وأنّه أخبر رسول الله في الصّباح ـ بعد أن نام بالليل ـ لقوله : ( فلمّا أصبحتُ أتيت رسول الله ) أو : ( فلما غدا... ) وهو يخالف ما قاله الحافظ الدمياطي في سيرته من أنّ عبدالله بن زيد أتى رسول الله ليلاً وأخبره(1).

وقد حاول الحلبيّ لجمع بين القولين ذاهباً إلى عدم المنافاة بينهما ؛ لأنّ جملة : ( فلمّا أصبحتُ ) أو : ( فلمّا غدا ) إشارة إلى مقاربة الوقت للصباح.

وهذا تأويل بعيد يخالف الظاهر ، لأن المتبادر من كلمة ( فلما اصبحت ) أو ( غدوت ) صريح في الصبح ، فكان على الحلبي أن يخطّئ نقل الحافظ

(1) انظر : السيرة الحلبية 2 : 299.


69

الدمياطي وهو خير له من أن يقول بهذا القول.

وكذا الحال بالنسبة إلى عمر بن الخطّاب ، ففي بعض النصوص نراه يخرج حينما سمع الأذان ( وهو في بيته يجرّ رداءه ) ، وفي بعض آخر نراه يقترح على رسول الله بقوله : ( أوَ لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة ؟ ) ، فـ ( فخرج يجر رداءه ) يختلف مع ( أو لا تبعثون ) لكون الثاني يشير إلى أنَّ الأذان شُرِّعَ باقتراح عمر ابن الخطّاب وأنَّه كان بمحضر الرسول ، أمّا جملة ( فخرج يجر رداءه ) فتشير إلى أنَّه سمع الأذان وهو في بيته.

قال القسطلاني في إرشاد الساري ـ بعد أن أتى بخبر ابن عمر السابق الذكر ـ : ( كان المسلمون حين قدموا المدينة ) ؛ قال الحافظ ابن حجر بأنَّ سياق حديث عبدالله بن زيد يخالف ذلك ، فإنَّ فيه أنَّه لمّا قصَّ رؤياه على النبيِّ ، قال : فسمع عمر الصوت فخرج فأتى النبيَّ فقال : رأيتُ مِثل الذي رأى . فدلَّ على أنَّ عمر لم يكن حاضراً لمّا قصَّ عبدالله.

قال : والظاهر أنّ إشارة عمر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه ، وأنَّ رؤيا عبدالله كانت بعد ذلك ؛ وتعقّبه العينيّ بما رواه أبو داود عن أبي بشر ، عن أبي عمير ، عن أنس ، عن عمومة له من الأنصار ، أنّ عبدالله بن زيد : قال ( إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان ، وكان عمر قد رآه قبل ذلك فكتمه ، فقال له النبيُّ : ما منعك أن تخبرنا... ) إلى آخره ، ليس فيه أنَّ عمر سمع الصوت فخرج ؛ فقال : فهو يُقَوي كلام القرطبيّ ويردّ كلام بعضهم ـ أي ابن حجر ـ انتهى.

وأجاب ابن حجر في انتقاض الاعتراض بأنَّه إذا سكت في رواية أبي عمير عن قوله : فسمع عمر الصوت فخرج ، وأثبتها ابن عمر ، إنّما يكون إثبات ذلك


70

دالاً على أنَّه لم يكن حاضراً ، فكيف يعترض بمثل هذا ؟!(1).

ومجمل الكلام أنّهم بهذه الوجوه سعوا للجمع بين بعض النصوص ، ولكن أنَّى لهم الجمع في مواردها الأخرى ؟ فانهم كلّما رقعوا منها جانباً انخرق منها جانب آخر ، ونحن تركنا مناقشة تلك الروايات سنداً خوفاً من الاطالة ، مكتفين بالتعليق على دلالة بعضها.

وخلاصة القول : أنَّ الأذان كغيره من الشرائع قد جرى فيه اتِّجاهان :

أحدهما : يقول بتشريعه في الإسراء والمعراج وأنَّه من الوحي الذي لا يجوز فيه الزيادة والنقصان.

وثانيهما : يعتقد بأنَّ تشريعه جاء على أثر منام رآه عبدالله بن زيد بن عبد ربّه ، أو أنّه شُرِّع بمشورة من الصحابة.

وقد اختلف الاتّجاهان في المفاهيم والأُصول ؛ لأنَّ القائل بتشريعه في الإسراء والمعراج يربطه بقضايا إلهيّة قدسيّة ، حيث إنَّ حقيقة الإسراء هي حقيقة عالية ترتبط بالغيب ، وإنَّ أهل بيت الرسالة وبعض الصحابة المتعبّدين كانوا هم المطّلعين بما دار في الإسراء والمعراج ، بعكس بعض قريش التي كانت تنكر حقيقة المسرى وتسخّف مغزاه ، فلم تكن تقبل بأن الرسول الأعظم تجاوز الحجب حتّى وصل إلى دار العظمة ، حاملاً معه مفاهيم ربانية وأفكاراً عالية لا يمكن الوصول إليها إلاَّ بالاستعانة بالقدرة الإلهيّة ، ولا يمكن معرفة دقائقها إلاّ عن أهل بيت الرسالة والوحي ، الذين وضحوا لنا المبهم من هذه الأمور.

أمّا القائل بتشريعه عن طريق رؤيا رآها عبدالله بن زيد ، أو سبعة آخرون من الصحابة ، فيعطي لفكرته مسحة عدم التوقيف ، ليكون له مساغ في أن يزيد

(1) إرشاد الساري 2 : 3.

`


71

في هذه الشعيرة المقدسة ، أو ينقص منها.

قال السرخسي في المبسوط : « ... بدليل ما روي عن إبراهيم أنَّ : أوّل مَن أفرد الإقامة معاوية. وقال مجاهد : كانت الإقامة مثنى كالأذان حتّى استخفّه بعض أمراء الجور فأفرده لحاجة لهم »(1).

وقال ابن عبدالبرّ ـ في فتح المالك بتبويب التمهيد على موطّأ مالك ـ وهو يريد أن يصحّح اختلاف أحاديث الأذان بقوله : ( روى عن النبيّ في قصَّة عبدالله بن زيد هذه في بدء الأذان جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعانٍ متقاربة ، وكلّها تتّفق على أنَّ عبدالله بن زيد أُري النداء في النوم ، وأنَّ رسول الله أمر به عند ذلك ، وكان ذلك أوّل أمر الأذان... )(2).

فهذا النصّ وما سبقه يتضح منهما أن غالب أهل السنّة والجماعة يقولون بعدم توقيفيّة الأذان بالنحو الذي تقوله الشيعة ، إذ العامة يستدلون على شرعيّة الأذان بمنام عبدالله بن زيد حتّى أنّ بعض أمراء الجور أفرد الإقامة لحاجة له.

والعجب في هذا الباب ما قاله ابن عبدالبرّ في موضع آخر من الكتاب المذكور : « في حديث هذا الباب لمالك وغيره من سائر ما أوردنا فيه من الآثار أوضح الدلائل على فضل الرؤيا وأنّها من الوحي والنبوّة ، وحسبك بذلك فضلاً لها وشرفاً ، ولو لم تكن وحياً من الله ما جعلها شريعة ومنهاجاً لدينه »(3).

(1) المبسوط 1 : 129 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ، وانظر : المصنف لعبدالرزّاق 1 : 463/1793.

(2) فتح المالك 2 : 3.

(3) فتح المالك 2 : 7.


72

قال أبو عمر(1) : « اختلفت الآثار في صفة الأذان وإن كانت متّفقة في أصل أمره ، كان من رؤيا عبدالله بن زيد ، وقد رآه عمر بن الخطّاب أيضاً(2)!!! »

أفلا يدل قوله هذا على أنّ لعبدالله بن زيد وعمر بعض النبوّة ؟!!

كانت هذه صورة مصغّرة عن اختلاف الآراء في مدرسة الخلفاء حول بدء تشريع الأذان ، وكيف اتفقت مدرسة أهل البيت ومعها الصحابة المتعبدون على أنّه كان في الإسراء بتعليم من الله العليّ العظيم.

(1) هو ابن عبدالبرّ.

(2) التمهيد لابن عبدالبر 24 : 27.


73

تحقيق في ما وراء نظريّة الرؤيا

بعد أن توصلنا إلى وجود اختلاف بين المسلمين في كيفيّة تشريع هذه الشعيرة الإسلامية ، وعلمنا أن أهل بيت النبوّة لا يقبلون فكرة الرؤيا ، حاولنا تحديد زمن النزاع بين المسلمين ، والدوافع الكامنة وراء طرح مثل هذه الآراء في الشريعة.

ممّا لا شك فيه أنّ قدرات المسلمين وأفهامهم وإدراكاتهم لحقيقة الإيمان والإسلام لم تكن بمرتبة واحدة.

فالبعضُ منهم كان يفهم مغزى الرسالة ومكانة الرسول وما يريده الله من أوامره ونواهيه بدقّة عالية فكان يتعبد بما قاله رسول الله ولا يرى لنفسه الخيرة من أمره.

والبعض الآخر كان يرى لنفسه حقّ التشريع وإبداء الرأي مسمّياً فعله بالاجتهاد.

وهناك اتّجاه ثالث أغرق في النزع ، فراح يتعامل مع الرسول كأنّه رجل حارب فانتصر!

ورابع وخامس و...

وقد وضحنا في دراستنا لأسباب « منع تدوين الحديث » ونتائجه هذه الاتجاهات وقلنا أنّها جميعاً تنخرط وتنتظم في نهجين هما :

1 ـ المتعبدون ‌ التعبد المحض.

2 ـ المجتهدون ‌ الاجتهاد بالرأي.

ونحن لا نريد أن نعود إلى ما كتبناه سابقاً ، بل نريد الإشارة إلى بعض الشيء


74

عن هذين النهجين ، مؤكدين الكلية التي رسمناها في دراسة ملابسات التشريع ، مبينين كيفية تطبيقها في مفردة الأذان ، وكيف ارتبطت قضية الأذان بالمنام بعد ثبوتها في الاسراء والمعراج ، وما هو ارتباطها بالرؤيا التي أقلقت النبيّ صلى الله عليه وآله ؛ تلك الرؤيا التي رأى صلى الله عليه وآله فيها بني أميّة يَنْزُون على منبره الشريف نَزْوَ القردة ؟

وقد رأينا تقديم شيء من خبر الإسراء والتحريفات الواقعة فيه ؛ لارتباطه ببيان رؤيتنا بصدد الرؤيا في الأذان ، وهو بيان لدواعي اختلاف المسلمين في بدء الأذان ، فنقول :

إنّ خبر الإسراء والمعراج ثابت لا كلام فيه ، وقد وردت سورة باسم الإسراء في الذكر الحكيم.

وقد اختلف المسلمون في يوم الإسراء ومكانه وكيفيّة عروجه صلى الله عليه وآله إلى السماء ، وما جرى في الإسراء والمعراج ، وهل أُسري به مرّة أو مرّتين(1)أو أكثر من ذلك(2) ، وهل كان عروجه بروحه وجسده أم بروحه فقط ؟ على أنّ هناك من فصل بين إسرائه ومعراجه ، فقال بأن إسراءَهُ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان بروحه وجسمه ، وأنّ عروجه إلى السماء كان بروحه فقط ؟

فالذين لا يدركون عمق الرسالة ومكانة الرسول شكّكوا في حقيقة الإسراء والمعراج وقالوا بأشياء لا تتفق مع رسالة الغيب والوحي ، وقد ارتدّ بعض من

(1) انظر : على سبيل المثال تفسير ابن كثير 3 : 22 حيث قال : وقد صرّح بعض من المتأخّرين بأنّه عليه السلام أُسري به مرّة من مكّة إلى بيت المقدس فقط ، ومرّة من مكّة إلىالسماء فقط ، ومرّة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء.

(2) الخصال : 600. وانظر : علل الشرائع : 149.


75

أَسلَمَ حينما سمع بخبر الإسراء ، وهناك من ثبت على الدين وصَدَّق بما قال الرسول وبما حكاه من مشاهدات ومغيّبات ، كبعض الصحابة المتعبدين المخلصين الذين شهد لهم التاريخ بصدقهم ووفائهم وبقائهم على العهد الذي فارقوا رسول الله صلى الله عليه وآله عليه.

نعم ، قد اختلفت النصوص في مكان الإسراء ، فالبعض منها صرحت بأنّه صلى الله عليه وآله أسري به من شعب أبي طالب(1) ، والأُخرى من بيت خديجة(2) ، وثالثة من بيت فاختة « أمّ هاني » بنت أبي طالب(3)أخت الإمام عليّ ، ورابعة من بيت عائشة(4).

ففي تفسير الطبري بإسناده عن أبي صالح بن ياذم ، عن أُمّ هاني بنت أبي طالب في مسرى النبيّ أنّها كانت تقول : ما أُسري برسول الله إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة ، فصلّى العشاء الآخرة ثمّ نام ونمنا ، فلما كان قُبيل الفجر أهبَّنا رسول الله ، فلمّا صلّى الصبح وصلّينا معه قال : يا أُمّ هاني ، لقد صلّيتُ معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي ، ثمّ جئتُ بيت المقدس فصلّيت فيه ، ثمّ صلّيت صلاة الغداة معكم الآن كما تَرَين(5).

(1) فتح الباري 7 : 160 كتاب أحاديث الأنبياء ، باب المعراج ، الدرّ المنثور 4 : 149سورة الإسراء عن ابن أبي حاتم عن قتادة.

(2) المجموع النووي 9 : 248 باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز ، فرع في مذاهب العلماء في بيع دور مكّة ، شرح الأزهار 1 : 199.

(3) المغني 10 : 616 كتاب الجزية ، الشرح الكبير 10 : 621 كتاب الجزية ، فتح الباري 7 : 160 ، تحفة الأحوذي 9 : 193.

(4) الدرّ المنثور 4 : 157 ، 154 سورة الإسراء الآية 1 ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 : 194.

(5) تفسير الطبري 15 : 3 سورة بني إسرائيل الآية 1.


76

وفي بعض الآثار أنّ أمّ هاني قالت : فقدتُه صلى الله عليه وآله ـ وكان نائماً عندي ـ فامتنع منّي النوم مخافةَ أن يكون عرض له بعض قريش. ويقال : أنّه تفرّقت بنو عبدالمطلّب يلتمسونه ، ووصل العبّاس إلى ذي طُوى وهو ينادي : يا محمّد ، يا محمّد ، فأجابه صلى الله عليه وآله .

فقال : يا ابن أخي ، أعيَيْتَ قومك! أين كنت ؟

قال : ذهبتُ إلى بيت المقدس.

قال : مِن ليلتك ؟!

قال : نعم.

قال : هل أصابك إلاّ خير ؟

قال : ما أصابني إلاّ خير ، وقيل غير ذلك(1).

وفي روضة الكافي عن الصادق عليه السلام قال : لمّا أسري برسول الله صلى الله عليه وآله أصبح فقعد فحدَّثهم بذلك ؛ فقالوا له : صِفْ لنا بيت المقدس. قال : فوصف لهم ، وإنّما دخله ليلاً فاشتبه عليه النعت ، فأتاه جبرئيل فقال : انظر هاهنا ، فنظر إلى البيت فوصفه وهو ينظر إليه ، ثمّ نعت لهم ما كان من عِير لهم فيما بينهم وبين الشام ، ثمّ قال : هذه عير بني فلان تَقدِم مع طلوع الشمس يتقدّمها جملٌ أورَق أو أحمر. قال : وبعثت قريش رجلاً على فرس ليردّها ، قال : وبلغ مع طلوع الشمس ، قال قرطة بن عبد عمرو : يا لَهفا!! ألاّ أكون لك جذعاً حين تزعم أنّك أتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك!(2) وفي أمالي الصدوق بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام قال : لمّا أسري برسول

(1) تفسير روح المعاني 15 : 6 سورة بني إسرائيل الآية 1 ، الدر المنثور 4 : 149 سورة الإسراء الآية 1.

(2) روضة الكافي 8 : 262 / الحديث 376. وانظر : الدرّ المنثور 4 : 148 ـ 149.


77

الله إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البُراق ، فأتَيا بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلّى بها وردّه ، فمرّ رسول الله في رجوعه بعِيرٍ لقريش ، وإذا لهم ماء في آنية وقد أضلّوا بعيراً لهم وكانوا يطلبونه ، فشرب رسول الله من ذلك الماء وأهرق باقيه.

فلما أصبح رسول الله قال لقريش : إنّ الله جلّ جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم ، وإنّي مررت بعِيرٍ لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيراً لهم فشربتُ من مائهم وأهرقتُ باقي ذلك ، فقال أبو جهل : قد أمكنتكم الفرصة منه ، فاسألوه : كم الأساطينُ فيها والقناديل ؟

فقالوا : يا محمّد ، إنّ ها هنا من قد دخل بيت المقدس ، فصِفْ لنا كم أساطينُه وقناديله ومحاريبه ؟

فجاء جبرئيل فعلّق صورة بيت المقدس تجاه وجهه ، فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه ، فلمّا أخبرهم ، قالوا : حتّى تجيء العير ونسألهم عمّا قلت ، فقال لهم رسول الله : تصديقُ ذلك أن العِير تطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جملٌ أورَق.

فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العَقَبة ويقولون : هذه الشمس تطلع [ علينا ] الساعة ، فبينما هم كذلك إذ طلعت عليهم العِير ، حتّى طلع القرص يقدمها جمل أورَق ، فسألوهم عمّا قال رسول الله فقالوا : لقد كان هذا ؛ ضلّ جمل لنا في موضع كذا وكذا ، ووضعنا ماءً فأصبحنا وقد أهريق الماء فلم يَزِدْهم ذلك إلاّ عُتوّاً(1).

وروى البغوي في تفسيره عن ابن عبّاس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله : لمّا كانت ليلة أُسري بي أصبحت بمكّة فضِقتُ بأمري وعرفتُ أنّ الناس

(1) أمالي الصدوق : 363 ، المجلس 69 ـ الحديث 1. وانظر : الدرّ المنثور 4 : 148.


78

يكذّبوني ، فروي أنّه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلاً حزيناً ، فمرّ به أبو جهل فجلس إليه ، فقال له كالمستهزئ : هل استفدتَ من شيء ؟

قال : نعم ، إنِّي أُسري بي الليلة.

قال : إلى أين ؟

قال : إلى بيت المقدس.

قال : ثمّ أصبحتَ بين ظَهرانينا ؟!

قال : نعم.

فلم يُرِهِ أبو جهل أنّه ينكر ذلك مخافة أن يجحده الحديث ، قال : أتُحدِّثُ قومك بما حدثتني به ؟

قال : نعم.

قال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤيّ ، هلمّوا. قال : فانقضّت إليه المجالس فجاؤُوا حتّى جلسوا إليهما ، قال : فحدِّثْ قومك بما حدّثتني ؟

قال : نعم ، أنّه أُسري بي الليلة.

قالوا : إلى أين ؟

قال : إلى بيت المقدس.

قالوا : ثمّ أصبحت بين ظهرانينا ؟

قال : نعم.

قال : فمِن بين مصفّق ، ومن بين واضعٍ يدَه على رأسه متعجّباً للكذب ، وارتدّ ناسٌ ممن كان آمن به وصدّقه...(1) قال ابن إسحاق : وحدِّثتُ عن الحسن : .... فلمّا أصبح صلى الله عليه وآله غدا على قريش

(1) تفسير البغوي 3 : 79. وانظر : مختصر تاريخ دمشق 17 : 189 ترجمة عليّ بن أحمد ابن المبارك.


79

فأخبرهم الخبر ، فقال أكثر الناس : هذا والله الأمر البيِّن! والله إنّ العِير لتطرد شهراً من مكّة إلى الشام ؛ مُدبرةً شهراً ومُقبلةً شهراً ، فيذهب ذلك محمّد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكّة!

قال : فارتدّ كثير ممن كان أسلم(1)...

كان هذا بعض الشيء عن الإسراء والمعراج وتكذيب قريش بهما ، وارتداد بعض المسلمين ، وقد سعت قريش وعن طريق حكّام بني أميّة وبعض علماء البلاط في العصور المتأخّرة إلى التشكيك في الإسراء والمعراج والتقليل من عظمة هذا الأمر الإلهيّ ومكانة الرسول بطرح تشكيكات ذات طابع جدلي ، كالقول باستحالة صعود الأجسام إلى العالم العلوي بهذه السرعة الخارقة للعادة بحيث يذهب في آخر الليل ويرجع إلى مكّة عند الفجر ، وعدم تطابق ما قيل في مقدمات هذا السفر الإلهي من شقّ الصدر وغسله بماء زمزم وركوبه صلى الله عليه وآله البراق و... مع العقل.

كلّ تلك التساؤلات بل قل التشكيكات جاءت مساوقة للتشكيك في مدلول قوله تعالى في الآية 60 من سورة الإسراء ؛ إذ قال سبحانه ﴿ وما جعلنا الرؤيا الّتي أريناكَ إِلاَّ فتنةً للناسِ والشجرةَ الملعونة حيث قالوا بأنّ الإسراء والمعراج كان بروحه صلى الله عليه وآله ـ لا بجسمه وروحه ـ كي يقللوا من واقع الإسراء ويعضّدوا القول بأنّه كان في المنام لا في اليقظة و...

فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عائشة رضى الله تعالى عنها ، قالت : ما فقدتُ جسدَ رسولِ الله ، ولكنّ الله أسرى بروحه(2).

(1) أحكام القرآن للقرطبي 10 : 285 سورة بني إسرائيل الآية 60.

(2) الدرّ المنثور 4 : 157. وفي تفسير الطبري 15 : 13 حدّثنا ابن حميد قال : حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق ، قال : حدّثني بعض آل أبي بكر أنّ عائشة كانت تقول : مافُقد جسدُ رسول الله ولكنّ الله أسرى بروحه.


80

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن معاوية بن أبي سفيان أنّه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله قال : كانت رؤيا صادقة(1).

قال القرطبي في تفسيره : وقد احتُجَّ لعائشة بقوله تعالى : ﴿ وما جعَلنا الرؤيا التي أريناك إلا فِتنةً للناس فسمّاها رؤيا.

وهذا يردّه قوله تعالى : ﴿ سبحان الذي أَسرى بعبدِه ليلاً ، ولا يقال في النوم : « أسرى » ، وأيضاً فقد يقال لرؤية العين « رؤيا »... وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أنّ الإسراء كان بالبدن...(2)

وقال ابن عطيّة الأندلسي : ... والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ، ولو كانت منامة ما أمكن قريشاً التشنيع ، ولا فضّل أبو بكر بالتصديق ، ولا قالت له أمّ هاني : لا تُحدِّث الناس بهذا فيكذبوك ، إلى غير هذا من الدلائل.

واحتجّ لقول عائشة بقوله تعالى : ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فِتنةً للناس ويحتمل القول الآخر ؛ لأنّه يقال لرؤية العين « رؤيا ». واحتجّ أيضاً بأنّ في بعض الأحاديث « فاستيقظت وأنا

(1) الدرّ المنثور 4 : 157. وفي تفسير الطبري 15 : 13 حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق ، قال : حدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنّ معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وآله قال : كانت رؤيا من الله صادقة!

(2) تفسير القرطبي 10 : 209 سورة الاسراء الآية 1.


81

في المسجد الحرام » ، وهذا محتمل أن يريد من الإسراء النوم.

واعترض قول عائشة بأنّها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدّثت عن النبي عليه السلام ، وأمّا معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال ، صغيراً ، ولم يحدّث عن النبيّ...(1)

وقال ابن كثير : ... فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء ، ولم يكن مستعظماً ، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه ، ولما ارتدّت جماعة ممّن كان قد أسلم ، وأيضاً فإن « العبد » عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال : ﴿ اسرى بعبدِه ليلاً ...(2)

ويجري مجرى قوله تعالى : ﴿ سبحان الذي أسرى بعبدِه ما في سورة النجم ، فقوله تعالى : ﴿ ما زاغ البصَرُ وما طغى * لقد رأى من آياتِ ربِّهِ الكُبرى (3)لا يتّفق مع الرؤيا ، بل الآية في سياق الامتنان وبيان آيات ربّه الكبرى ، أمّا الرؤيا فهي نحو من التخيّل يتفق للصالح والطالح ولا منزلة للرسول في القول بهذا.

هذا ويمكن إجابة كلّ التساؤلات والتشكيكات بأنّ الأمر كان معجزةً ، والمعجزةُ لا تدركها العقول البسيطة ، فهي من قبيل إحياء الأموات ، وتبديل العصى ثعباناً ، وكولادة عيسى من غير أَب ، وخروج ناقة صالح من الجبل الاصم ، وقوله تعالى : ﴿ فخذ أربعة مِن الطَّيرِ فصُرْهُنَّ إليكَ ثمّ اجعَلْ على كُلِّ جَبَلٍ منهُنَّ جُزءاً ثمّ ادعُهُنَّ يأتِينَكَ سَعْياً واعلَمْ أنّ اللهَ عزيز حكيم (4) ، وقوله تعالى :

(1) المحرر الوجيز 3 : 435 ، وانظر : تفسير الثعالبي 2 : 248.

(2) تفسير ابن كثير 3 : 23 سورة الإسراء آية 1.

(3) النجم : 17 ـ 18.

(4) البقرة : 260.


82

﴿ قالَ الذي عِندَهُ عِلمٌ من الكتابِ أنا آتِيكَ به قبلَ أن يَرتَدَّ إلَيكَ طَرفُكَ (1) صريحٌ بإحضار ( من عنده علم من الكتاب ) لعرش بلقيس من اقصى اليمن إلى اقصى الشام في مقدار لمح البصر ، وهو يشبه ما قاله سبحانه عن الرياح وأنّها كانت تسير بسليمان ﴿ غدوها شهرٌ ورَواحُها شَهر (2)في لحظة واحدة ، إلى غيرها من عشرات بل مئات الموارد.

إذاً رسالة الإسلام هي رسالة الغيب والإيمان بما خلق الله من الجنِ والملك والروح و... والمسلم هو الذي يؤمن بالغيب لقوله تعالى : ﴿ الذين يومنون بالغيب (3).

فلو كان معراج النبيّ محمّد في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول آدم من الجنّة وإصعاد عيسى إلى السماء ممتنعاً ، بل لسرى الشك في المعجزات لأنّها في أصلها خرقٌ للقوانين المادية.

وعليه فهذه الرؤية طرحت لبذر الشكّ في قلوب المؤمنين من قبل ﴿ الذين في قُلوبِهم مَرَض (4)أو ﴿ الذين لا يؤمنون (5)في حين أنّ رسالة السماء معناها الغيب والماورائيات وهي تتفق مع الإسراء وما جاء فيه ، وهذا ما لا تدركه عقول هؤلاء من الامتحان الإلهيّ الذي سُنّ ليمحّص الله به المؤمنين ويميزهم عن الكافرين والمنافقين.

هذا وقد أجاب العلاّمة الطباطبائي في ( الميزان ) عمّا قاله بعض المفسّرين

(1) النمل : 40.

(2) سبأ : 12.

(3) البقرة : 3.

(4) المائدة : 52 ، التوبة : 125 ، الأنفال : 49.

(5) النحل : 22.


83

من أنّ الشجرة الملعونة في القرآن تعني شجرة الزقّوم التي قال عنها الباري جلّ شأنه : ﴿ أذلكَ خَيرٌ نُزُلاً أم شَجَرةُ الزقُّوم * إنّا جَعَلناها فِتنةً للظالمين (1) ، بأنّ هذا الاحتمال بعيد جدّاً لأنّه جلّ شأنه لم يلعنها في موضع من القرآن الكريم ، ولو كان مجردّ كونها شجرةً تخرج من أصل الجحيم سبباً موجباً للعنها في القرآن الكريم لكانت النار وما أعدّ الله فيها من العذاب ملعونة وهذا ما لم يَقُله أحد ، ولكان ملائكةُ العذاب ـ الذين قال عنهم جل شأنه : ﴿ وما جعلنا أصحابَ النار إلا ملائكةً وما جَعَلنا عِدَّتَهُم إلاّ فِتنةً للذينَ كفروا (2) ـ ملعونين ، في حين نراه سبحانه قد أثنى عليهم بقوله : ﴿ عليها ملائكة غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعصُونَ اللهَ ما أمرَهُم ويَفعلونَ ما يُؤمَرون (3).

ولو صحّ هذا الاحتمال لكانت أيدي المؤمنين ملعونة كذلك ؛ لقوله : ﴿ قاتِلوهُم يُعَذّبْهُمُ اللهُ بأيدِيكُم (4).

ومثله حال بقية المعاذير التي ذكرها مفسروا أهل السنة والجماعة للتخلّص من كيفية صحّة لعن الشجرة ، ومحاولتهم صرف الآية الكريمة عن لعن شجرة بني أميّة(5)َ.

وإنكّ لو تدبّرتَ في تفسير قوله تعالى : ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أرَيناكَ إلاّ فتنةً للناسِ والشجرةَ الملعونةَ في القرآن لعرفت أنّ المقصود منها بنو أميّةِ ؛ لما فعلوه

(1) الصافّات : 62 ـ 63.

(2) المدّثر : 31.

(3) التحريم : 6.

(4) التوبة : 14.

(5) انظر : على سبيل المثال تفسير الميزان 13 : 141 ـ 143 ففيه جواب تلك المعاذيرالمطروحة.


84

من قبيح الأعمال ، ولا يصحّ ما قالوه بأنّ المعنيّ من الرؤيا هي الإسراء وغيرها من الأفكار الفاسدة.

وبهذا فقد عرفت أنَّ جهلهم بالاُمور الغيبية ومكانة الرسول لم يكن عن قصور أو تقصير بَدْويَّينِ ، بل إنَّ جذوره ترجع إلى خلفيات هي أعمق ممّا قالوه بكثير.

مع الرسول ورؤياه

قال الالوسي في تفسير آية الرؤيا : ...وأخرج ابن جرير ، عن سهل بن سعد ، قال : « رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بني أميّة يَنْزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، فما استجمع ضاحكاً حتّى مات عليه الصلاة والسلام ، وأنزل الله تعالى هذه الآية : ﴿ وما جعلنا الرؤيا وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بني أميّة على المنابر فساءه ذلك ، فأوحى الله إليه : إنّما هي دنيا أُعطُوها ، فقرّت عينه ، وذلك قوله تعالى : ﴿ وما جعلنا ... الخ.

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن يعلى بن مرّة ، قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : رأيت بني أميّة على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء ، واهتمّ عليه الصلاة والسلام لذلك ، فأنزل الله سبحانه : ﴿ وما جعلنا ... الآية »

وأخرج عن ابن عمر : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : « رأيتُ ولد الحَكَم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة ، وأنزل الله تعالى في ذلك ﴿ وما جعلنا ... الخ ، والشجرة الملعونة الحكم وولده » وفي عبارة بعض المفسرين : هي بنو أميّة.

وأخرج ابن مردويه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها : أنّها قالت لمروان بن الحكم : « سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لأبيك وجدّك : إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن ».


85

فعلى هذا معنى إحاطته تعالى بالناس إحاطة أقداره بهم ، والكلام على ما قيل على حذف مضاف ، أي « وما جعلنا تعبير الرؤيا » أو الرؤيا فيه مجاز عن تعبيرها ، ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبراً ، وبذلك فسره ابن المسيب.

وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا ، وعدلوا عن سنن الحقّ وما عدلوا ، وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم ، ممن كان عندهم عاملا وللخبائث عاملاً ، أو ممن كان من أعوانهم كيفما كان.

ويحتمل أن يكون المراد « ما جعلنا خلافتهم وما جعلناهم أنفسهم إلاّ فتنة » ، وفيه من المبالغة في ذمهم ما فيه. وجعل ضمير ﴿ نخوّفهم على هذا لما كان له أوّلاً ، أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو أميّة ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة ، والفروج المحصنة ، وأخذ الأموال من غير حلها ومنع الحقوق عن أهلها ، وتبديل الأحكام ، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام ، إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تُنسى ما دامت الليالي والأيام.

وجاء لعنهم في القرآن ، إما على الخصوص كما زعمته الشيعة ، أو على العموم كما نقول ، فقد قال سبحانه وتعالى : ﴿ إن الذين يؤذونَ اللهَ وَرسولَهُ لَعَنهُم الله في الدنيا والآخرة وقال عزّوجلّ : ﴿ فهل عسيتُم إن تَوَلَّيتُم أن تُفسِدوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحامَكُم أولئكَ الذينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فأصَمَّهُم وأعمى أبصارَهُم إلى آيات أخر ، ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولا أوّليّاً(1) ، انتهى موضع الحاجة من كلام الآلوسي.

(1) تفسير روح المعاني 15 : 107 ـ 108 ، هذا ومن المفيد الرجوع إلى التفسير الكبير للرازي 20 : 236 ـ 237 لملاحظة سائر الأقوال في الآية المباركة.


86

وقال القرطبي في تفسيره : « فنزلت الآية مخبرة أنّ ذلك من تملّكهم وصعودهم [ أي نَزْوِهِم على منبره نزو القردة ] يجعلها الله فتنة للناس وامتحاناً ، وقرأ الحسن بن عليّ في خطبته في شأن بيعته لمعاوية : ﴿ وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين . قال ابن عطية : وفي هذا التأويل نظر ، ولا يدخل في هذه الرؤيا ، عثمان ، ولا عمر بن عبدالعزيز ، ولا معاوية »(1).

وعليه فلا يصحّ ما قالوه من تكلّفات في كلمة الرؤيا والشجرة الملعونة في الآية ، مع وضوح أنّ الملعونين في القرآن هم جند إبليس واليهود ، والمشركون ، والمنافقون ، والذين ماتوا وهم كفار ، والذين يكتمون ما أنزل الله ، والذين يؤذون الله ورسوله وغيرها لا شجرة الزقوم ولا غيرها من التأويلات التي صيغت بأخرة لإبعاد الآية الكريمة عن معناها الحقيقي(2).

(1) تفسير القرطبي 10 : 283 سورة الاسراء.

(2) وللتاكيد انظر : كتاب المأمون العبّاسي في تاريخ الطبري 10 : 57 ـ 58 حتى تقف على الفهم السائد في القرون الأولى بالنسبة للشجرة الملعونة وأنّها تعني بني أميّه وأن أهل البيت هم العترة ـ والكتاب طويل نأخذ من قوله ـ : ... فجعلهم الله أهل بيت الرحمة وأهل بيت الدين ، أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيرا ، ومعدن الحكمة ، وورثة النبوة ، وموضع الخلافة ، وأوجب لهم الفضيلة ، وألزم العباد لهم الطاعة ، وكان ممن عانده ونابذه وكذّبه وحاربه من عشيرته العدد الأكثر ، والسواد الأعظم ، يتلقّونه بالتكذيب والتثريب ، ويقصدونه بالأذيّة والتخويف ، ويبادونه بالعداوة ، وينصبون له المحاربة ، ويصدّون عنه من قصده ، وينالون بالتعذيب مَن اتّبعه ، وأشدّهم في ذلك عداوة وأعظمهم له مخالفة ، وأوّلهم في كلّ حرب ومناصبة ، لا يرفع على الإسلام راية إلاّ كان صاحبها وقائدها ورئيسها في كلّ مواطن الحرب من بدر ، وأحد ، والخندق ، والفتح : أبو سفيان بن حرب ، وأشياعه من بني أميّة الملعونين في كتاب الله ، ثمّ الملعونين على لسان رسول الله في عدة مواطن وعدّة مواضع ؛ لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم ، ونفاقهم ، وكفر أحلامهم ، فحارب مجاهداً ، ودافع مكابداً ، وأقام منابذاً حتّى قهره السيف ، وعلا أمر الله وهم كارهون ، فتقوَّل بالإسلام غير منطوٍ عليه ، وأسرَّ الكفر غير مقلعٍ عنه ، فعرفه بذلك رسول الله والمسلمون وميّز له المؤلفة قلوبهم فقبله ، وولده على علم منه ، ممّا لعنهم الله به على لسان نبيه وأنزل به كتاباً قوله : ( والشجرةَ الملعونَة في القرانِ ونُخوّفهم فما يزيدهم إلاّ طغياناً كبيرا ) ولا اختلاف بين أحد أنّه أراد بها بني أميّة ، ومنه قول الرسول عليه السلام وقد رآه مقبلاً على حمار ، ومعاوية يقود به ، ويزيد ابنه يسوق به : لعن الله القائد ، والراكب ، والسائق...


87

المجتهدون الأوائل ودورهم في التشريع :

أبانت دراساتنا السابقة عن ( وضوء النبيّ ) و ( منع تدوين الحديث ) و( تاريخ الحديث النبوي الشريف )(1)بزور نهجين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا موجودَين في حياته :

أحدهما : يتّخذ المواقف من خلال الأصول ، ويتّبع القرآن والسنّة ، ولا يرتضي الرأي والاجتهاد مع وجود النصّ.

والآخر : يتّخذ الأصول من خلال مواقف الصحابة وإن خالفت النصوص ، فهؤلاء يشرّعون الرأي ويأخذون به مقابل النص ، ويتعاملون مع رسول الله كأنّه بشر غير كامل يصيب ويخطئ ويسبّ ويلعن ثمّ يطلب المغفرة للملعونين(2) ؛ أو أنّه صلى الله عليه وآله خفي عليه أمر الوحيٍ حتّى أخبره ورقة بن نوفل بذلك! وهذا يخالف ما ثبت من أنّ خاتم النبوة كان مكتوباً على كتفه.

وبين هؤلاء من رفع صوته ـ في ممارساته اليومية ـ فوق صوت

(1) طبع سابقا في مجلة تراثنا ( الأعداد 53 ـ 60 ) تحت عنوان ( السنّة بعد الرسول ).

(2) صحيح البخاري 8 : 435 / كتاب الدعوات ، باب 736 ، ح 1230 سورة الإسراء ، مسند أحمد 2 : 316 ـ 317 ، 419 ، و ج 3 : 40.


88

النبيّ ، واعترض على رسول الله في أعماله(1) ، وتعرّف المصلحة وهو بحضرته صلى الله عليه وآله ، وتنزّه في أمرٍ رخّص فيه ، أو تزهد في أمرٍ نهى عنه.

فجاء في كتاب الآداب من صحيح البخاري أنّ النبيّ رخّص في أمر فتنزّه عنه ناس ، فبلغ النبيّ فغضب ثمّ قال : ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إنّي لأعلمُهم وأشدّهم خشية(2).

وفي خبر آخر : أخبر رسول الله أنّ عبدالله بن عمرو بن العاص يقول : والله لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ، فقال له رسول الله : أنت الذي تقول : « لأصومنّ النهار ولأقومنّ الليل ما عشت » ؟!

قال : قد قلت ذلك يا رسول الله.

فقال رسول الله : إنّك لا تستطيع ذلك فصُمْ وأفطرِ ، ونَم وقُم ، وصُم من الشهر ثلاثة أيّام ، فإنّ الحسنة بعشر أمثالها ، وذلك مثل صيام الدهر.

قال ، قلت : إنّي أُطيق أفضلَ من ذلك.

فقال صلى الله عليه وآله : فصم يوماً وأفطِر يومين.

قال : قلت : إنّي أطيق أفضل من ذلك.

فقال : قال : فَصُم يوماً وأفطِر يوماً ، فذلك صيام داود عليه السلام وهو أفضل

(1) كاعتراض عمر بن الخطاب على رسول الله لمّا أراد أن يصلّي على المنافق ، وقوله له : أتصلّي عليه وهو منافق ؟! وإنكاره على رسول الله فعله في أخذ الفداء من أسرى بدر وغيرها. انظر : صحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، باب فضائل عمر.

(2) انظر : صحيح البخاري 8 : 353 كتاب الدوب ، باب من لم يواجه الناس بالعتاب ، ح 979.


89

الصيام.

فقلت : أطيق أفضل من ذلك.

فقال النبيّ : لا أفضل من ذلك(1).

إن مثل هذا التحكيم للرأي الشخصي في مقابل قول رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل في طياته مخاطر عديدة ، ويفتح مسارات للتحريف والتبديل ، ومن شأنه أن يحوّل الدين الالهي إلى دين مشوب بآراء الناس ووجهات نظرهم الشخصية ، وهو يجرّ من ثمّ إلى تجزيء الدين والى النزعة التلفيقية في الشريعة ، ومن هنا ظهرت في الصدر الأوّل وما بعده الأحكام المبتدعة والأهواء المتّبعة التي ليست من دين الله في شيء ، و لا تمت إلى الحياة الإسلامية النزيهة بصلة ، وهو الذي كان رسول الله يتخوف على اُمته منه. وقد صرّح الإمام عليّ في خطبة له بأنّه لو أتيحت له الفرصة لأرجع بعض الأُمور إلى أصلها ، فقال : ( ... وإنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، يتولّى فيها رجالٌ رجالاً... إلى أن يقول : .. أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله ، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة ، ورددت صاع رسول الله كما كان ، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وآله لأقوام لم تمض لهم ولم تنفذ ، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد(2) ، ورددت قضايا من الجور قضي بها(3) ، ونزعت نساء تحت رجال بغير حقّ فرددتهن إلى أزواجهن(4) واستقبلت بهنّ الحكم في الفروج والأحكام ، وسبيت ذراري

(1) انظر : صحيح البخاري 3 : 91 كتاب الصوم ، باب صوم الدهر ، ح 233.

(2) كأنّهم غصبوها وأدخلوها في المسجد.

(3) كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الإرث وسواهما.

(4) كمن طلّق زوجته بغير شهود وعلى غير طهر ، وقد يكون فيه إشارة إلى قوله بعد بيعته : ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال ، فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تزوج به . إلخ ، وانظر : نهج البلاغة 1 : 42 خ 14.


90

بني تغلب(1) ، ورددت ما قسّم من أرض خيبر ، ومحوت دواوين العطايا(2) وأعطيت كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي بالسويّة ، ولم أجعلها دولة بين الأغنياء. وألقيت المساحة(3) ، وسوّيت بين المناكح(4) ، وأنفذت خمس الرسول كما أنزل عزّوجلّ وفرضه(5) ، ورددت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ما كان عليه(6) ، وسددت ما فُتح فيه من الأبواب(7) ، وفتحت ما سُدّ منه ، وحرّمت المسح على

(1) لأنّ عمر رفع الجزية عنهم فهم ليسوا بأهل ذمّة ، فيحلّ سبي ذراريهم ، قال محيي السنّة البغويّ : روي أنّ عمر بن الخطّاب رام نصارى العرب على الجزية ، فقالوا : نحن عرب لا نؤدّي ما يؤدّي العجم ، ولكن خذ منّا كما يأخذ بعضكم من بعض ، بعنوان الصدقة . فقال عمر : هذا فرض الله على المسلمين. قالوا : فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية ، فراضاهم على أن ضعّف عليهم الصدقة.

(2) إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من وضعه الخراج على أرباب الزراعة والصناعة والتجارة لأهل العلم والولاة والجند ، بمنزلة الزكاة المفروضة ، ودوّن دواوين فيها أسماء هؤلاء وأسماء هؤلاء.

(3) راجع تفصيل هذا الأمر في كتاب الشافي للسيّد المرتضى.

(4) ربّما كان إشارة إلى ما ذهب إليه عمر من منع غير القرشيّ الزواج من القرشيّة ، ومنعه العجم من التزوّج من العرب.

(5) إشارة إلى منع عمر أهل البيت خُمسَهم.

(6) يعني أخرجت منه ما زاده عليه غصباً.

(7) إشارة إلى ما نزل به جبرئيل من الله تعالى بسدّ الأبواب المفضية إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلاّ باب عليّ.


91

الخفين(1) ، وحَدَدت على النبيذ ، وأمرت بإحلال المتعتين (2) ، وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات(3) ، وألزمتُ الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(4) ، وأخرجت من أُدخل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده ممّن كان رسول الله صلى الله عليه وآله أخرجه ، وأدخلت من أُخرج بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ممّن كان رسول الله صلى الله عليه وآله أدخله(5) ، وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنّة(6) ، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها (7) ، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها(8) ، ورددت أهل نجران

(1) إشارة إلى ما أجازه عمر في المسح على الخفّين ، ومخالفة عائشة وابن عبّاس وعليّ وغيرهم له في هذا الصدد.

(2) يعني متعة النساء ومتعة الحجّ.

(3) لِما كبّر النبيّ صلى الله عليه وآله خمساً في رواية حذيفة وزيد بن أرقم وغيرهما.

(4) والجهر بالبسملة ممّا ثبت قطعاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله في صلاتهِ ، وروى الصحابة في ذلك آثاراً صحيحة مستفيضة متظافرة.

(5) يحتمل أن يكون المراد إشارة إلى الصحابة المخالفين الذين أُخرجوا بعد رسول الله من المسجد في حين كانوا مقرّبين عند النبيّ صلى الله عليه وآله ، وكذا إنّه عليه السلام يخرج من أخرجه رسول الله صلى الله عليه وآله ، كالحكم بن العاص وغيره.

(6) ينظر عليه السلام إلى الاجتهادات المخالفة للقرآن وما قالوه في الطلاق ثلاثاً.

(7) أي من أجناسها التسعة ، وهي : الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والغنم والبقر.

(8) وذلك لمخالفتهم هذه الأحكام. وقد أوضّحنا حكم الوضوء منه في كتابنا ( وضوء النبيّ ) فراجع ، نأمل أن نوفّق في الكتابة عن الغسل والصلاة وغيرها من الأحكام الشرعية التي أشار الإمام علي بن أبي طالب إلى التحريف والابتداع فيها إنّ شاء الله تعالى.


92

إلى مواضعهم (1) ، ورددت سبايا فارس وسائر الأمم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله .. إذن لتفرّقوا عنّي (2) .

وقد أعلن الأئمّة من آل البيت أنهم كانوا يتبعون النصوص ولا يرتضون الرأي..

فعن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال لجابر : والله يا جابر لو كنّا نُفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ، ولكنّا نُفتيهم بآثارٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وأُصول علمٍ عندنا ، نتوارثها كابراً عن كابر ، نَكنِزُها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم(3).

وسأل رجلُ الإمام الصادق عليه السلام عن مسألةٍ فأجابه فيها ، فقال الرجل : أرأيتَ إن كان كذا وكذا ، ما يكون القول فيها ؟

فقال له : مَه! ما أجبتك فيه شيء فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، لسنا من « أرأيت » في شيء(4). وعن الإمام الباقر عليه السلام : ما أحدٌ أكذب على الله وعلى رسوله ممّن كذّبنا أهلَ البيت أو كذب علينا ؛ لأنّا إنّما نحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن الله. فإذا كُذّبنا فقد كُذّب الله ورسوله(5).

وقال : لو أنّا حدّثنا برأينا ضللنا كما ضلّ من كان قبلنا ، ولكنّا حدّثنا ببيّنة من ربّنا بيّنها لنبيّه فبيّنها لنا(6).

(1) وهم الذين أجلاهم عمر عن مواطنهم.

(2) الكافي 8 : 58 ، الروضة ح 21.

(3) بصائر الدرجات : 300 ح 4 والنص عنه ، و 299 ح 1.

(4) الكافي 1 : 58. كتاب فضل العلم باب البدع والرأي والمقاييس ح 21.

(5) جامع أحاديث الشيعة 1 : 181. باب حجيّة فتوى الأئمّة المعصومين ، ح 114.

(6) بصائر الدرجات : 299 ح 2 وانظر : 301 ح 1.


93

وعن أبي بصير ، قال : قلت للصادق : تَرد علينا أشياءُ ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنّة ، فننظر فيها ؟ قال : لا ، أما إنّك إن أصبتَ لم تُؤجَر ، وإن أخطأتَ كذبتَ على الله عزّوجلّ(1).

نعم ، إنّ نهج الاجتهاد كان له دعاة وأتباع استمدّوا جذورهم من مصدر غير التعبد والتسليم ، وهو أقرب إلى ما عرفوه في الجاهلية ممّا عرفوه في الإسلام وكان لهؤلاء وجود ملحوظ أيضاً في صدر الإسلام ، فقد اقترح بعض المشركين على رسول الله أن يبدل بعض الأحكام الشرعية وهو صلى الله عليه وآله يقول : ( ما يكونُ لي أن أُبدّله من تِلقاءِ نفسي إن أتّبعُ إلاّ ما يُوحى إلَيَّ )(2).

وقد أثبتنا سابقاً أنّ عمر بن الخطّاب كان من المجتهدين الأوائل الذين تعرّفوا المصلحة وهم بحضرة الرسول المصطفى ، فأنكر عليه أخذَه الفداءَ من أسارى بدر(3) ، واعترض عليه صلى الله عليه وآله في صلاته على المنافق (4) ، وواجه النبيّ بلسان حادّ في صلح الحديبية(5) ، وطالب النبيَّ أن يزداد علماً إلى علمه وأن يستفيد من مكتوبات اليهود في الشريعة(6)وقال لرسول الله في مرض موته :

(1) الكافي 1 : 56. كتاب فضل العلم باب البدع والرأي ح 11.

(2) يونس : 15.

(3) شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد 11 ـ 12 : 12 / 82 ، باب نكت من كلام عمرو سيرته وأخلاقه.

(4) صحيح مسلم 4 : 1865 كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عمر ح 25 و 1 : 2141كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ح 3.

(5) صحيح البخاري 4 / 381 كتاب الشروط ، باب الشروط في الجهاد والمصالحة ، ح 932.

(6) المصنّف لعبد الرزاق 10 : 313 كتاب أهل الكتابين ، باب هل يسأل أهل اليهود بشيء / ح 19213 ، مجمع الزوائد 1 : 174 باب ليس لاحد قول مع رسول الله صلى الله عليه وآله .


94

( إنه ليهجر ) أو غلبه الوجع (1) !

المجتهدون الاوائل والأذان!

والآن لنرى موقف عمر بن الخطاب وموقف غيره من المجتهدين في الأذان ، وهل لهؤلاء دور في هذا التغيير ، أم تقع تبعات التحريف على اللاحقين من بني أميّة وبني العبّاس ؟ وغيرهم من المتأخّرين حسب تعبير الصنعاني(2).

إنّ النّصوص السابقة أوقفتنا على وجود اتّجاه في الصحابة وموقف من الأذان يقترح على الرسول أن يتّخذ ناقوساً مثل ناقوس النصارى ، أو بُوقاً مثل بوق اليهود ، فيستاء رسول الله من هذا ويغتمّ لاقتراحات هذا الاتجّاه من الصحابة الذين وصل الأمر بهم إلى أن يقترحوا على الرسول المصطفى إدخال بعض أحكام وأفكار شريعتي موسى أو عيسى المحرَّفتين في منهج الإسلام ، وكأنّ اطروحة الإسلام غير قادرة على أن تفي بالأعباء ؛ فقد رووا عن عمر أنّه قال للنبي صلى الله عليه وآله « يا رسول الله إنّي مررتُ بأخٍ لي من يهود فكتب لي جوامع من التوراة ، أفلا أعرضها عليك ؟ فتغيّر وجه رسول الله.

فقال عمر : رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمّد رسولاً ، فسُرّي عن النبيّ ، ثمّ قال صلى الله عليه وآله : والذي نفسي بيده ، لو أصبح فيكم موسى فاتّبعتموه وتركتموني لضللتم ، إنّكم حظّي من الأمم وأنا حظّكم من النبيّين »(3).

(1) صحيح البخاري 1 : 39 كتاب العلم ، باب 82 ، ح 112 ، صحيح مسلم3 : 1257 ،1259 ، كتاب الوصية باب ترك الوصية...

(2) انظر : كلامه المتقدم في صفحه 23 من هذه الدراسة.

(3) المصنّف لعبدالرزّاق 10 : 313 رقم 19213 ، مجمع الزوائد 1 : 174 وفيه : يا رسول الله ، جوامع من التوراة أخذتها مع أخٍ لي من بني زُرَيق ، فتغيّر وجه رسول الله...


95

فهؤلاء المجتهدون في الصدر الأوّل كانوا يتعاملون مع الأحكام وفق ما عرفوه من الشرائع السابقة ، وكانوا يتصورون بأنّ الأمر بيدهم يفعلون ما يشاؤون ، فكانوا هم الذين اقترحوا على رسول الله البوق ، الناقوس « فتقسوا أو كادوا أن ينقسوا » حتى رأى عبد الله بن زيد أو غيره في المنام ....

إذاً فكرة كون تشريع الأذان كان ب ـ « رؤيا » جاءت من قبل الصحابة المجتهدين ، ثمّ تطوّرت حتّى وصل بها الأمر إلى ما وصل لاحقاً ، وهذا ما يجب الوقوف عليه في مطاوي بحوثنا..

إذ جاء عن كثير بن مرة الحضرمي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أوّل من أذّن في السماء جبرئيل عليه السلام ، قال : فسمعه عمر وبلال ، فأقبل عمر فأخبر النبيّ بما سمع ، ثمّ أقبل بلال فأخبر النبيّ بما سمع ، فقال له رسول الله : سبقك عمر يا بلال....

أو قول ابن عمر : إنّ بلالاً كان يقول أوّل ما أذّن : « أشهد أن لا إله إلاّ الله ، حيّ على الصلاة » ، فقال له عمر : قل في أثرها « أشهد أنّ محمّداً رسول الله »...

نعم إنّهم رفعوا بضبع الصحابة الحالمين الرائين للأذان إلى مرتبة النبوة والمعاينة الحقيقيّة حتّى قال عبدالله : « يا رسول الله ، إنّي لَبينَ يقظان ونائم » ، وفي آخر : « لقلت : إني كنت يقظاناً غير نائم » ، وبعكس ذلك نراهم يحطّون من منزلة النبيّ صلى الله عليه وآله عن المعاينة الحقيقية في المعراج ـ ﴿ دنى فتدلى فكانَ قابَ قوسَينِ أو أدنى ـ إلى مرتبة التشكيك ، مستخدمين العبارة نفسها « بين النائم واليقظان » ، ورووا ذلك في الصحيح!!

ففي صحيح مسلم بسنده عن قتادة ، عن أنس بن مالك ـ لعله قال : عن مالك بن صعصعة (رجل من قومه) ، قال ـ قال نبي الله صلى الله عليه وآله : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان ...

ثمّ أتيت بدابة أبيض يقال له البُراق فوق الحمار ودون البغل يقع خطوه عند


96

أقصى طرفه ، فحُمِلتُ عليه ، ثمّ انطلقنا حتّى أتَينا السماء الدنيا.... ثمّ سرد قصة المعراج(1).

بل في رواية شريك في حديثه عن أنس التصريح بأنّه صلى الله عليه وآله كان نائماً. قال : « وهو نائم بالمسجد الحرام » وذكر القصة الواردة ليلة الإسراء ، ثمّ قال في آخرها : « استيقظت » ـ أي انتبهت ـ من منامي وأنا في المسجد الحرام(2).

قال الصالحي الشامي : وهذا المذهب يعزى إلى معاوية بن أبي سفيان... ويُعزى أيضاً إلى عائشة(3).

بل صرّح إمام الشافعية القاضي أبو العبّاس بن سريج بوضع هذا الحديث على عائشة فقال : هذا حديث لا يصحّ وإنّما وُضِعَ ردّاً للحديث الصحيح(4).

ترى من هو الواضع ؟

وما هو غرضه من التحريف في مقابل ما هو أصيل ؟

ولماذا جَحْدُ منزلة النبيّ صلى الله عليه وآله ومحاولة جعل القضية مناماً عاديّاً ؟

ولماذا يختص ذلك بمعاوية وعائشة ؟!

وهل يكمن في ذلك إنكارٌ مُبَطَّن لرؤيا النبيّ بني أميّة ـ أو تيماً وعديّاً ـ

(1) صحيح مسلم 1 : 150 ، باب الإسراء من كتاب الإيمان ـ ح 264. وانظر : مثله في صحيح البخاري 4 : 549 ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم ، ح 1371.

(2) سبل الهدى والرشاد 3 : 69 والنص عنه. وانظر : رواية شريك في صحيح البخاري 9 : 824 ـ 826 / كتاب التوحيد / باب قوله ﴿ وكلم الله موسى تكليماً / ح 2316 ، وانظر : صحيح مسلم 1 : 148 ح 262 / كتاب الإيمان ـ باب الاسراء برسول الله.

(3) سبل الهدى والرشاد 3 : 69.

(4) سبل الهدى والرشاد 3 : 70 ، نقلاً عن المعارج الصغير لابن الخطاب بن دحية.


97

يردون الناس عن الإسلام القهقرى ؟!(1)إذ ليس في الرؤيا الماميّة كبير أمر ولا كثير طائل ، وإذا كان المعراج رؤيا فلماذا لم يَرَها الآخرون كما رأى الأذان سبعة أو أربعة عشر أو عشرون شخصاً ؟! لكي لا يكذّب المشركون النبيَّ صلى الله عليه وآله أو لكي لا يرتدّ من أسلم من المسلمين ؟ ألم يقولوا مثل هذا التعليل في سرّ رؤى الصحابة للأذان ؟!

فهذه النصوص ترفع هؤلاء إلى السماء وتجعلهم قرب الوحي ، وتحاول إنزال مقامات النبيّ صلى الله عليه وآله في المعراج إلى حدّ الرؤيا العادية ، فنحن لو لحظنا دور المجتهدين في الشريعة ووقفنا على اجتهادات الصحابة واقتراحاتهم على رسول الله في الأذان وغيرها ، وعرفنا الدواعي التي دفعت بعمر بن الخطّاب أن يرفع ( حيّ على خير العمل ) أو يضع ( الصلاة خير من النوم ) في الأذان لآمَنَّا بأن الشرارة الأولى لهذا التحريف جاءت من قبل هذا القسم من الصحابة ، وأن فكرة كون الأذان رؤيا تتّفق مع فكر هذا الصنف لا المتعبّدين ، وذلك لاجتهادهم وعدم تعبّدهم بالنصوص. ونظرة هؤلاء تختلف عن نظرة أهل البيت إلى الشريعة والإسراء والمعراج وغيرها.

الأمويّون والأذان

لقد تطوّرت فكرة الرؤيا وما جاء في تشريع الأذان في العهد الأموي وتأطّرت بإطارها الخاص ؛ إذ لو جمعنا القرائن والشواهد لعرفنا بأن معاوية ومن بعده هم الذين تبنوا هذه الفكرة وأنّهم كانوا قد سعوا لتثقيف الناس حسبما يريدونه ، وهذا ما نلاحظه في نصوص الأذان بعد الإمام عليّ ، إذ لم يشر عليّ عليه السلام إلى هذا التضاد في الأذان في ما رواه عن النبيّ ، بل لم يردنا خبرٌ

(1) الكافي 8 : 343 ـ 345 باب رؤيا النبيّ صلى الله عليه وآله .


98

صريحٌ في تكذيب الروايات المدّعية لثبوت تشريع الأذان بالرؤيا قبل الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام .

فأوّل ما تطالعنا النصوص بهذا الصدد هو كلام سفيان بن الليل حينما قدم على الإمام الحسن بعد الصلح ، قال : فتذاكرنا عنده الأذان فقال بعضنا : إنّما كان بدء الأذان برؤيا عبدالله بن زيد.

فقال له الحسن بن عليّ : إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك ، أذَّن جبرئيل..

وهذا يرشدنا إلى تذاكر المسلمين في أمر الأذان بعد الصلح لقوله ( لما كان من أمر الحسن بن عليّ ومعاوية ما كان قدمت المدينة وهو جالس في أصحابه ).

فبعضهم في هذا الخبر يقول : ( إنّما كان بدء الأذان برؤيا عبدالله ) ، لكنّ الإمام الحسن صحّح رؤيتهم الخاطئة قائلاً : إن شأن الأذان أعظم من ذلك.

ونحن لو واصلنا السير التاريخي وانتقلنا من خبر الإمام الحسن إلى ما جاء عن الإمام الحسين وأنه سئل عمّا يقول الناس ؟ فقال عليه السلام : « الوحي ينزل على نبيكم ، وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد » ؛ لعرفنا استمرار هذا النزاع بين الناس وأهل البيت في كيفية نشوء وبدء تشريع الأذان.

وقد مر عليك كلام أبي العلاء سابقاً حيث قال : قلت لمحمّد بن الحنفية : إنا لنتحدث أنّ بدء الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الانصار في منامه.

قال : ففزع لذلك محمّد ابن الحنفية فزعاً شديداً وقال : عمدتم إلى ما هو الاصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه إنّما كان رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه يحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام.

قال : فقلت : هذا الحديث قد استفاض في الناس ؟

قال : هذا والله هو الباطل...


99

فبدءُ النزاع العلني وانتشاره كان في زمن معاوية بعد صلح الإمام الحسن ، وفزعُ محمّد بن الحنفية الفزع الشديد ، وإخبارهم إياه باستفاضة هذا الحديث ، ليدلاّن على أنّ وضع تلك الأحاديث الأذانية أو بدء انتشارها كان في زمان معاوية بن أبي سفيان ، الّذي كان حسّاساً إلى درجة كبيرة من ذكر النبيّ صلى الله عليه وآله ، إذ كيف يقرن اسم بشر « محمد » باسم رب العالمين « الله » ؟! (1) مع أن كل الأنبياء الذين جاؤوا بشرائع سابقة لم يقرن اسم أحدهم باسم رب العزة في إعلامهم للطقوس الدينية ، بل كان الناقوس والبوق والشبّور .

إذن لم يكن معنىً ـ بنظر معاوية ـ لمقارنة اسم النبيّ لاسم الربّ في السماء وفي المعراج ، بل يكفي بذلك أن يكون مناماً ، أو اقتراحاً من عمر ، أو....

وعلى ذلك فلا ضير إذن في الزيادة أو الحذف في الأذان ، فلَكَ أن تحذف « حيّ على خير العمل » كما فعل عمر وتضع موضعها « الصلاة خير من النوم » ، ولك أن تفرد الإقامة ولا تثنّيها « لحاجة لَهُمْ » ، ولك أن تزيد النداء الثالث يوم الجمعة ، ووو.... إلى آخر هذه الاجتهادات ، إن كان لها آخِر.

ومن هذا الباب كان معاوية أوّل من أفشى مقولة التثويب الثاني ، وهي دعوة المؤذّن للخليفة أو الأمير ـ لكثرة مشاغله ـ إلى الصلاة بقوله « السلام على أمير المؤمنين ، الصلاة الصلاة رحمك الله » ، وسار المغيرة بن شعبة على نهج معاوية في هذا أيضاً ، بل قيل إنّه أوّل من فعل ذلك.

ولكن صرّح الأعلام بأنّ معاوية كان أوّل من أحدث هذا ، وتبعه المغيرة بن شعبة ومَن حذا حذوه(2).

فشاع الأمر واستفاض ، وصار كأنّه حقيقة لا مناص عن الإذعان لها ـ مع أنّ

(1) سيأتي خبر معاوية لاحقاً في صفحة 106/108 .

(2) انظر : الوسائل إلى معرفة الاوائل ، للسيوطي : 26.


100

الحقيقة الإسلامية هي شيء آخر ـ وراحت أصداء هذا الحدث الأذاني تمتد وتمتد إلى العصر العباسي ، ومنه وصلت إلى يومنا الحاضر.

روى عبدالصمد بن بشير ، قال : ذُكر عند أبي عبدالله [ الصادق ] بدء الأذان فقيل : إنّ رجلاً من الأنصار رأى في منامه الأذان ، فقصه على رسول الله فأمره رسول الله أن يعلّمه بلالاً ، فقال أبو عبدالله : كذبوا ، إنّ رسول الله كان نائماً في ظلّ الكعبة فأتاه جبرئيل ومعه طاس فيه ماء من الجنَّة(1)....

ولو تدبرنا في هذه النصوص وما جاء في تاريخ بني أميّة لعرفنا إمكان تطابق هذه الرؤية معهم لما يحملون من أفكار أكثر من غيرهم ، خصوصاً بعد أن وقفنا على تاريخ النزاع وأنّه بدأ في عهدهم ، وإنّك لو تتبّعت مجريات الاحداث لعرفت تضاد بني أميّة مع رسالة الإسلام وعدم تطابق مفاهيمهم مع مفاهيم الوحي ورسول الله ، وأنّهم كانوا على طرفي نقيض مع بني هاشم في الجاهلية وفي الإسلام ، إذ التزم بنو أميّة جانب المشركين أمام بني هاشم الذين لم يفارقوا الرسول في جاهلية ولا إسلام.

فقد قال رسول الله عن بني هاشم : « أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام ، وإنّما نحن وهم شيء واحد » وشبك بين أصابعه.(2)

نعم كان الأمر كذلك ، فرسول الله كان لا يرتضيهم ، وهُم لم يدخلوا الإسلام إلاّ مكرهين.

(1) تفسير العيّاشي 1 : 157 ، ح 530.

(2) سنن أبي داود 3 : 146 كتاب الخراج والامارة و.. ، باب في بيان مواضع قسم الخمس.. ، ح 2980 ، وانظر : سنن النسائي 7 : 131 كتاب قسم الفيء.


101

الأمويّون ورسول الله

لقد صحّ عن رسول الله أنّه لعن أبا سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وصفوان بن أميّة في قنوته(1)وهم من أقطاب قريش ، وفيهم أبو سفيان رأس بني أميّة.

وصحّ عنه صلى الله عليه وآله قوله لمّا أقبل أبو سفيان ومعه معاوية : اللهمّ العن التابع والمتبوع(2).

وفي آخر : اللهمّ العن القائد والسائق والراكب(3) ، وكان يزيد بن أبي سفيان معهم. وقوله صلى الله عليه وآله في مروان بن الحكم : اللهمّ العن الوَزغ بن الوزغ(4).

فبنو أميّة بعد عجزهم عن ردّ صدور أحاديث اللعن رووا عن أبي هريرة قوله صلى الله عليه وآله : اللّهم إني أتّخذ عندك عهداً لن تُخلفنيه ، فإنمّا أنا بشر ، فأيّ المؤمنين آذيته ، أو شتمته ، أو لعنته أو جلدته.. فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها يوم القيامة(5)!

ومن المعلوم أنّ هذه الروايات لا تّتفق مع أصول الإسلام والسير التاريخي والفكري لرسول الله ، وما جاء به من مفاهيم ، لأنّه قال : إني لم أُبعث لعّاناً وإنّما

(1) سنن الترمذي 5 / 227 كتاب تفسير القران ، باب سورة آل عمران ، ح 3004 . الفردوس 1 : 503/ ح 2060 ، انظر : صحيح البخاري 5 : 201 كتاب المغازي ، باب135 / ح 556 ، الإصابة 2 : 93 ترجمة سهيل بن عمرو بن عبد شمس.

(2) وقعة صفين : 217 ـ 217 ، باب ما ورد من الاحاديث في شأن معاوية ، وانظر : المحصول للرازي 2 : 165 ـ 166.

(3) وقعة صفّين : 220.

(4) انظر : تلخيص المستدرك للذهبي 4 : 479.

(5) صحيح مسلم 4 : 2007 ـ 2008 ، كتاب البرّ والصلة ، باب من لع ـ نه النبيّ صلى الله عليه وآله ح 2601 ، مسند أحمد 2 : 317.


102

بعثت رحمة(1).

فهو صلى الله عليه وآله لم يكن لعّاناً في سجيّته ، ولم يلعن من لم يكن مستحقّاً للّعنة ، بل لعنَ جماعات وأفراداً مخصوصين يستحقّون اللعنة من الله ورسوله في ضمن ملاكات الأحكام الشرعية والموازين الإلهية ، ومثل هذا اللعن والسبّ والجلد لا معنى لإََنْ يكون رحمة لصاحبه.

وهؤلاء القوم لم يسلموا إلاّ ليحقنوا دماءهم ، بعدما عجزوا عن الوقوف أمام الدعوة وطمس الإسلام فدخلوا الإسلام لتحريف بعض المفاهيم وإبدال مفاهيم أخرى مكانها ، وكان ضمن مخططهم التقليل من مكانة الرسول والتعامل معه كإنسان عاديّ يصيب ويخطئ ويسبّ ويلعن ، كما كان في مخطّطهم الاستنقاص من الإمام عليّ ، لأنّه كان قد وتر شوكة قريش وسعى لتحطيم سلطانهم.

فقد جاء في كتاب معاوية إلى عماله : « أن انظروا من قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه ، فَأَدنُوا مجالسهم وقَرِّبوهم وأَكرموهم ، واكتبوا إليَّ بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته ».

« فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا أحبّ إلي وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله »(2).

(1) صحيح مسلم 4 : 2007.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11 : 44 ـ 45 باب ذكر ما مُني به آل البيت من الأذى والاضطهاد.


103

نحن لو تأملنا تاريخ قريش وما فعلته مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بدء الدعوة وقضايا فتح مكّة لوقفنا على خبث الأمويين واستغلالهم لرحمة رسول رب العالمين فقد اشتهر عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه لما سمع قول القائل :

اليوم يوم الملحمة اليوم تسبَى الحرمة

فقال له صلى الله عليه وآله : لا تَقُلْ هذا بل قل :

اليوم يوم المرحمة اليوم تحفظ الحرمة (1)

وجاء عنه قوله يوم الفتح في أعدى عدوه : « من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن »(2) ، وقوله : « اذهبوا أنتم الطلقاء »(3) ، لكن قريشاً ومع كلّ هذه الرحمة كانوا يتعاملون مع الرسالة والرسول بشكل آخر.

قال الواقدي : ... وجاءت الظهر فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وآله بلالاً أن يؤذّن فوق ظهر الكعبة وقريشٌ في رؤوس الجبال ، ومنهم من قد تَغيّب وستر وجهه خوفاً من أن يُقتلوا ، ومنهم من يطلب الأمان ، ومنهم من قد أمن.

فلمّا أذّن بلال وبلغ إلى قوله « أشهد أن محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله » رفع صوته كأشدّ ما يكون.

فقالت جويرية بنت أبي جهل : قد لعمري « رفع لك ذِكرك » فأمّا الصلاة فسنصلّي ، ولكن والله لا نحب من قتل الأحبة أبداً ، ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمّداً من النبوة ، فردّها ، ولم يُرِدْ خلاف

(1) انظر : المبسوط للسرخسي 10 : 39.

(2) سنن أبي داود 3 : 162 كتاب الخراج باب ما جاء في خبر مكّة ، السنن الكبرى للبيهقي 9 : 118 كتاب السير ، باب فتح مكة.

(3) المبسوط للسرخسي 10 : 40.


104

قومه.

وقال خالد بن سعيد بن العاص : الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يدرك هذا اليوم.

وقال الحارث بن هشام : واثكلاه ، ليتني متّ قبل هذا اليوم ، قبل أن أسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة !

وقال الحكم بن أبي العاص : هذا والله الحدث العظيم ، أن يصيح عبد بني جُمحَ ، يصيح بما يصيح به على بيت أبي طلحة.

وقال سهيل بن عمرو : إن كان هذا سخطاً من الله تعالى فسيغيره وإن كان لله رضا فسيقرّه.

وقال أبو سفيان : أمّا أنا فلا أقول شيئاً ، لو قلت شيئاً لأخبَرَتْه هذه الحصباء ، قال : فأتى جبرئيل عليه السلام فأخبره مقالة القوم(1).

ولو تأملت في ما رواه لنا العبّاس في كيفية إسلام أبي سفيان لعرفت أنّه لم يسلم عن قناعة وإيمان ، إذ قال العباس : غدوت به على رسول الله فلما راه قال : ويحك يا أبا سفيان!! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلاّ الله ؟

قال : بلى ، بأبي أنت وأمي ، لو كان مع الله غيره لقد اغنى عني شيئاً.

فقال : ويحك! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟!

فقال : بأبي أنت وأمي ، أما هذه ففي النفس منها شيء.

قال العباس : فقلت له : ويحك! تشهد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك.

قال : فتشهد(2).

(1) شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد 17 : 283 عن الواقدي ، وانظر : سبل الهدى والرشاد 5/193 رواه عن البيهقي.

(2) الكامل في التاريخ 2 : 245.


105

فهنا يبدو واضحاً أن أبا سفيان كان أكثر بطئاً في قبول الشهادة الثانية من الاولى ، لأنّه كان يتصور بأن في الثانية تحطيم غروره وجبروته وموقعه السياسي والاجتماعي ، وذلك ما لا تعنيه كثيراً الشهادة الاولى بالنسبة له.

وقد ثبت عن أبي سفيان أنّه قال للعباس لما رأى نيران المسلمين وكثرة عددهم : لقد اصبح ملك ابن أخيك عظيماً.

فقال له العباس : ويحك! إنها النبوة.

فقال : نعم إذن.

وظل منظّر الفكر القرشي على هذه الوتيرة حتّى بعد وفاة النبي وخلافة الشيخين بل إن أبا محذورة كان يستحيي من الإباحة باسم رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل مكّة ، إذ جاء في المبسوط للسرخسي ـ عند بيانه لسبب الترجيع في الأذان ـ قوله : ... وقيل أن أبا محذورة كان مؤذّن مكّة ، فلما انتهى إلى ذكر رسول الله خفض صوته استحياءً من أهل مكّة لأنّهم لم يعهدوا ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وآله بينهم جهراً ، ففرك رسول الله صلى الله عليه وآله أذنَهُ وأمره أن يعود فيرفع صوته ليكون تاديباً له..(1)

فقد روي عن ابن عباس أنه قال : ... ولقد كنا في محفل فيه أبو سفيان وقد كف بصره وفينا علي صلوات الله عليه فأذن المؤذن فلما قال : أشهد ان محمداً رسول الله ، قال أبو سفيان : ها هنا من يحتشم ؟ قال واحد من القوم : لا . فقال : لله در أخي بني هاشم ، انظروا اين وضع اسمه ؟ فقال عليّ : أسخن الله عينك يا أبا سفيان ، الله فعل ذلك بقوله عز من قائل ﴿ ورفعنا لك ذكرك فقال أبو سفيان : اسخن الله عين من قال لي ليس ها هنا من يحتشم (2) .

(1) المبسوط للسرخسي 1 : 128.

(2) بحار الأنوار 18 : 107 ، 31 : 523 عن قصص الأنبياء بإسناده إلى الصدوق .


106

نعم ظلت نظرة قريش إلى النبيّ بعد البعثة مشوبة بهذا المنطق المزعوم مستغلين عطف النبي ورحمته صلى الله عليه وآله ، قال الواقدي : فكان سهيل بن عمرو يحدث فيقول : لما دخل محمّد صلى الله عليه وآله مكّة انقمعتُ فدخلتُ بيتي وأغلقته عليَّ ، وقلت لابني عبدالله بن سهيل : اذهب فاطلب لي جواراً من محمّد ، فإنّي لا آمن أن أقتل ، وجعلتُ أتذكّر أثري عنده وعند أصحابه فلا أرى أسوأ أثراً منّي ؛ فإنّي لقيته يوم الحديبية بما لم يلقه أحد به ، وكنت الذي كاتبه ، مع حضوري بدراً وأُحداً ، وكلّما تحركّت قريش كنت فيها.

فذهب عبدالله بن سهيل إلى رسول الله ، فقال : يا رسول الله ، أبي تؤمّنه ؟

قال : نعم ، هو آمن بأمان الله ، فليظهر ، ثمّ التفتَ إلى مَن حوله فقال : مَن لقي سهيل بن عمرو فلا يشدنّ النظر إليه ، ثمّ قال : قل له : فليخرج ، فلعمري إنّ سهيلاً له عقل وشرف ، وما مثل سهيل جهل الإسلام ، ولقد رأى ما كان يُوضَعُ فيه إن لم يكن له تتابع ، فخرج عبدالله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال سهيل : كان والله برّاً صغيراً وكبيراً.

وكان سهيل يقبل ويدبر غير خائف ، وخرج إلى خيبر مع النبيّ وهو على شركه حتّى أسلم بالجعرانة(1)...

هكذا تعامل رسول الله مع المشركين والطلقاء ، لكنّهم أضمروا النفاق للرسول والرسالة فانضووا تحت لوائه كي يغدروا بالإسلام ، بل سعوا بكل قواهم لطمسه ودفنه.

فقد جاء عن المغيرة أنّه طلب من معاوية ترك إيذاء بني هاشم ـ لمّا استقرّ له الأمر ـ لأنّه أبقى لذكره!!... فقال معاوية للمغيرة : هيهات! هيهات! أيّ ذكر

(1) شرح نهج البلاغة 17 : 284.


107

أرجو بقاءه ؟! مَلَك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل ، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره ، إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر.

ثمَّ ملك أخو عديّ ، فاجتهد وشمّر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره ، إلاّ أن يقول قائل : عمر.

وإنَّ ابن أبي كبشة لَيصاح به كلّ يوم خمس مرَّات : « أشهد أنَّ محمَّداً رسول الله » ، فأيّ عمل يبقى ؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا! لا أباً لك! لا والله إلاّ دفناً دفناً(1).

وجاء عن معاوية أنّه قال لما سمع المؤذّن يقول « أشهد أنَّ محمَّداً رسول الله » : لله أبوك يا بن عبدالله! لقد كنتَ عالي الهمَّة ، ما رضيتَ لنفسك إلاّ أن يُقرَنَ اسمك باسم ربِّ العالمين(2)!

ولا يستبعد هذا من معاوية وهو ابن أبي سفيان القائل لله درّ أخي بني هاشم . انظروا أين وضع اسمه ، والقائل : فوالذي يحلف به أبو سفيان.. لا جنَّة ولا نار(3) ، وهو الذي مرّ بقبر حمزة وضربه برجله ؛ وقال : يا أبا عمارة! إنَّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعّبون به(4)!

(1) الأخبار الموفّقيّات للزبير بن بكّار : 576 ـ 577 ؛ مروج الذهب 4 : 41 ؛ النصائح الكافية : 123 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5 : 130.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10 : 101. وفي المعمرين للسجستاني كما في النصائح الكافية : 126 سأل معاوية بن أبي سفيان يوماً امد بن لبد المعمر : فهل رايت محمداً . قال : من محمد ؟ قال معاوية : رسول الله . قال امد : ويحك افلا فخمته كما فخمه الله فقلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانظر كذلك كنز الفوائد : 261 وبحار الأنوار 33 : 276 .

(3) الاستيعاب 4 : 1679 ؛ الأغاني 6 : 371 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 45 والنصّ عنه.

(4) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 16 : 136.


108

وهو ابن هند آكلة كبد حمزة سيّد الشهداء(1) ، وهو أبو يزيد الذي هدم الكعبة(2) ، وقتل الحسين بن عليّ(3) وأباح المدينة لثلاثة أيّام(4) ، والذي سمّى المدينة الطيّبة بـ « الخبيثة » إرغاماً لأنوف أهل بيت النبيّ(5)!

فمعاوية ـ ومن قبله أبوه صخر ـ كانا يتصوّران بأنّ النبيّ هو الذي أدرج اسمه في الأذان ، فقال أبو سفيان : لله در أخي بني هاشم ، انظروا اين وضع اسمه ، وقال ابنه معاوية : لله أبوك يا ابن عبدالله! لقد كنت عالي الهمَّة ، ما رضيت لنفسك إلاّ أن تقرن اسمك باسم ربِّ العالمين(6) ، وهل هذان القولان إلاّ وجهٌ آخر للرواية التي وُضِعت وادَّعت أنّ بلالاً كان يؤذن « أشهد ان لا إله إلاّ الله ، حيّ على الصلاة » فقال عمر : قل في إثرها « أشهد أنّ محمّداً رسول الله » ؟! وعنوا بذلك أنّ ذكر اسمه صلى الله عليه وآله في الأذان لم يكن من الله ، بل كان باقتراحٍ فقط!!

وبعد هذا فلا يمكن تبرير فعل معاوية والقول بأنّه تعرّف على المصلحة أو

(1) أُسد الغابة 2 : 47 ، الطبقات الكبرى 3 : 12.

(2) سبل الهدى والرشاد 1 : 223 ، مختصر تاريخ دمشق 7 : 191.

(3) تاريخ الطبري 5 : 400 ـ 467 ، وغيره من كتب التاريخ.

(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 259.

(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 : 238.

(6) وقد استمرت هذه الرؤية عند البعض بعد معاوية ، فروى المفضل بن عمر أنه سمع في مسجد الرسول صاحب ابن أبي العوجاء يقول له : ان محمداً استجاب له العقلاء وقد قرن اسمه باسم ناموسه [ أي الله جل وعلا ]..

فقال ابن أبي العوجاء : دع ذكر محمد فقد تحير فيه عقلي وحدّثني عن الاصل الذي جاء به... « بحار الأنوار 4 : 18 ».

ومثل ذلك ما حكاه رشاد خليفة عن جماعة ان تكرار الشهادة الثانية « أشهد أن محمداً رسول الله » بجنب الشهادة الاولى « أشهد ان لا إله إلاّ الله » يعد شركاً أكبر « انظر القرآن والحديث والإسلام : 38 ،41 ،43 وكتابه الآخر قران أم حديث : 20 ،33 ».


109

اجتهد قبال النص ، بل الأمر تجاوز ذلك ، ودخل في إطار تكذيب الرسالة ، وتهرئة أصل من أكبر أصول الشريعة ، وهو الاعتقاد بنبوة محمّد المصطفى.

ومما يحتمل في الأمر هو أنّ هذه الرؤية تجاه ذكر اسم النبي في الأذان وأمثالها ، هي التي رسّخت فكرة كون الأذان مناماً ، وهي التي أقلقت الرسول المصطفى حتّى جعلته لا يُرى ضاحكاً بعد رؤياه التي رأى فيها الغاصبين ينزون على منبره نزو القردة .

وليس من الصدفة في شيء الترابط الموجود بين أن يرى رسول الله الشجرة الملعونة في منامه وبين أن يُسفّه الأمويّون مسألة الرؤيا ، ويغرون الإسراء والمعراج إلى رؤيا لا تعدو كونها مناماً!

الله جلّ وعلا ورفعه لذكر الرسول صلى الله عليه وآله

هذا ، ونحن نعلم بأنّ الذي رفع ذكرَ الرسول هو الله في محكم كتابه ، وإليك أقوال بعض العلماء والمفّسرين لتقف على المقصود ، وأنّه أمر ربّاني ، وليس كما تصوره أبو سفيان ومعاوية والأمويّون ومن لف لفهم :

قال الشافعي : أخبرنا ابن عيينة عن ابن نجيح ، عن مجاهد في قوله : ﴿ ورفَعنا لك ذِكرَك قال : لا أُذكَر إلاّ ذُكِرتَ معي « أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله »(1). يعني ـ والله أعلم ـ ذكره عند الإيمان والأذان ، ويحتمل ذكره عند تلاوة الكتاب وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية.

(1) الرسالة للإمام الشافعي : 16 ، المسند للإمام الشافعي : 233 ، المجموع 1 : 577 ، تلخيص وانظر : الحبير 3 : 435 ، تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني 3 : 437 ، وفي السنن الكبرى 3 : 209 ( باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبيّ في الخطبة ) وبعد ذكره لقول الشافعي قال : ويذكر عن محمد بن كعب القرظي مثل ذلك. وانظر : فيض القدير شرح الجامع الصغير 1 : 28.


110

وقال النووي في شرحه على مسلم ـ بعد ذكره المشهورَ عن الشافعي في رسالته ومسنده في تفسير قوله تعالى ﴿ ورفعنا لك ذكرَك ـ : « وروينا هذا التفسير مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عن ربّ العالمين... »(1).

وفي مصنف ابن أبي شيبة الكوفي : حدّثنا ابن عيينة ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد ﴿ وإنّه لَذِكرٌ لكَ ولِقَومك وسوف تُسألون يقال : ممن هذا الرجل ؟

فيقول : من العرب.

فيقال : من أيّ العرب ؟

فيقول : من قريش.

﴿ ورفَعنا لك ذِكرَك لا أُذكرُ إلاّ ذكرتَ « أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله »(2).

حدّثنا شريك بن عبدالله ، عن ابن شبرمة ، عن الحسن في قوله ﴿ ألم نشرح لك صدرَك : أي مُلِئ حكماً وعلماً ﴿ ووضعنا عنك وِزرَك * الذي أنقَضَ ظهَرك قال : ما أثقل الحمل الظهر ﴿ ورفعنا لك ذِكرَك بلى لا يذكر إلاّ ذكرت معه...(3).

وفي دفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي في قوله تعالى : ﴿ ورفعنا لك ذكرك قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : المراد الأذان والاقامة والتشهّد والخطبة على المنابر ، فلو أنّ عبداً عَبَد الله وصدّقه في كلّ شيء ولم يشهد أن محمّداً رسول الله لم يسمع منه ولم ينتفع بشيء وكان كافراً.

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : ثمّ إنّ النبيّ سأل جبرئيل عليه السلام

(1) شرح النووي على صحيح مسلم 1 : 160 باب مقدّمة الصحيح.

(2) المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 6 : 315 ، كتاب الفضائل ـ الحديث 31680.

(3) المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 6 : 315 ، كتاب الفضائل ـ الحديث 31681.


111

عن هذه الآية(1) ، فقال : قال الله عزّوجلّ : اذا ذكرتُ ذُكِرتَ معي.

وقال قتادة رضي الله عنه : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، وقيل : رفع ذكره بأخذ الميثاق على النبيين وألزمهم الإيمان به والإقرار به.

وقيل ﴿ ورفعنا لك ذِكرَك ليعرف المذنبون قدر رتبتك لديَّ ليتوسّلوا بك إليَّ فلا أردّ أحداً عن مسألته ، فأعطيه أياها إمّا عاجلاً وإمّا آجلاً ، ولا أخيّب من توسّل بك وإن كان كافراً(2).

وقال ابن كثير في البداية والنهاية : ﴿ ورفعنا لك ذكرك ، فليس خطيب ولاشفيع ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ، فقرن الله اسمه باسمه في مشارق الأرض ومغاربها ، وذلك مفتاحاً للصلاة المفروضة ، ثمّ أورد حديث ابن لهيعة ، عن درّاج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله في قوله ﴿ ورفعنا لك ذكرك قال : قال جبرئيل : قال الله : إذا ذكرتُ ذكرتَ(3).

وفي جامع البيان للطبري : حدّثنا ابن عبدالأعلى ، قال : حدّثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في قوله ﴿ ورفعنا لك ذِكرَك قال النبيّ صلى الله عليه وآله : ابدؤوا بالعبوديّة وثنّوا بالرسالة ، فقلت لمعمر : قال « أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده » فهو العبودية ، « ورسوله » أن تقول : عبده ورسوله.

حدّثنا بشر ، قال : حدّثنا يزيد ، قال : حدّثنا سعيد ، عن قتادة ﴿ ورفعنا لك ذكرَك : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها : « أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أن محمّداً رسول الله ».

(1) آية ( ورفعنا لك ذكرك ) .

(2) دفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي : 134.

(3) البداية والنهاية 6 : 288 باب القول فيما أُعطي إدريس عليه السلام .


112

حدّثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا عمرو بن الحرث ، عن درّاج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله أنّه قال : أتاني جبرئيل فقال : إنّ ربّي وربّك يقول : كيف رفعت لك ذِكرك ؟ قال : الله أعلم.

قال : إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي(1).

وفي زاد المسير لابن الجوزي : قوله عزّوجلّ ﴿ ورفعنا لك ذِكرَك فيه خمسة أقوال :

أحدها : ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله أنّه سأل جبرئيل عن هذه الآية فقال : قال الله عزّوجلّ : إذا ذُكرتُ ذكرتَ معي ؛ قال قتادة : فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ يقول : « أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله » ، وهذا قول الجمهور.

والثاني : رفعنا لك ذكرك بالنبوّة ؛ قاله يحيى بن سلام.

والثالث : رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا ؛ حكاه الماوردي.

والرابع : رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء.

والخامس : بأخذ الميثاق لك على الأنبياء وإلزامهم الإيمان بك والإقرار بفضلك ؛ حكاهما الثعلبي(2).

أهل البيت ورفع ذكر رسول الله

ومن هذا المنطلق كان أئمّة أهل البيت عليهم السلام يشيدون بهذه المفخرة ، ويجعلونها أكبر إرغام لأعداء النبيّ صلى الله عليه وآله وأعدائهم ، الذين أرادوا تحريف هذا الرفع للذكر وحطّه إلى مرتبة الأحلام والاقتراحات ، وأرادوا أن يطفئوا نور الله

(1) تفسير الطبري 30 : 151.

(2) زاد المسير لابن الجوزي 8 : 272.


113

فأبى الله إلاّ أنّ يتمّ نوره.

يريد الجاحدون ليطفؤوه ويأبى الله إلا أن يتمه

ففي الندبة الرائعة ـ التي وجّهها إمام البلاغة عليّ بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة الزهراء إلى ابن عمّه رسول الله صلى الله عليه وآله ، حيث أرسل دموعه على خدّيه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ـ قال فيما قال :

سلامٌ عليك يا رسول الله سلام مودّعٍ لا سَئمٍ ولا قالٍ ، فإنْ أنصرف فلا عن مَلالة ، وإن أقِم فلا عن سوء ظنٍّ بما وَعَد الله الصابرين ، والصبرُ أيمنُ وأجمل ، ولو لا غلبة المستولين علينا لجعلتُ المقام عند قبرك لِزاماً ، واللَّبثَ عنده معكوفاً ، ولأَعولتُ إعوالَ الثكلى على جليل الرزيّة ، فبعينِ الله تُدفَنُ ابنتُك سرّاً... ولم يَطُل العهد ، ولم يخل منك الذّكر ، فإلى الله يا رسول الله المشتكى ، وفيك أجمل العزاء ، وصلوات الله عليك وعليها ورحمة الله وبركاته(1).

وفي هذه الندبة التصريح بأنّ المستولين قلّلوا أو حاولوا التقليل من شأن الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته ، وذلك بعد وفاته مباشرة ولمّا يخلق الذكر ، وأنّ أمير المؤمنين علياً لو استطاع لجعل مقام رسول الله في محلّه الرفيع الذي وضعه الله فيه ، لكنّ الظروف القاسية التي كانت محيطة به لم تتح له الفرصة ، فقلّ ذكر النبيّ عند مَن اشتغلوا بمشاغل الدنيا وتركوا النبيّ وذكره أو كادوا ، وهذا ممّا جعل الإمام يقول : لجعلتُ المقام عند قبرك لزاماً ، واللبث عنده معكوفاً.

وقد أشارت فاطمة الزهراء في خطبتها التي خطبتها في مسجد رسول

(1) مصنّفات الشيخ المفيد 13 : 281 ـ 282 المجلس 33 ، ح 7 ، أمالي الطوسي : 110 ، الكافي 1 : 459 ، دلائل الإمامة 138.


114

الله صلى الله عليه وآله إلى هذه المسألة نفسها ، وأنّ هناك قوماً حاولوا إطفاء نور الله وخفض منزلة النبيّ صلى الله عليه وآله مع قرب العهد وحَداثة ارتحال النبيّ صلى الله عليه وآله ، فقالت :

فلمّا اختارَ اللهُ لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهرت فيكم حسكة النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين... هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، والرسول لمّا يُقبَر.... ثمّ أخذتم تورون وقدتَها ، وتهيجون جمرتَها ، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، وإطفاء أنوار الدين الجَليّ ، وإهمال سُنَن النبيّ الصفيّ(1)...

ولذلك كانت تبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتقول : لقد أصبت بخير الآباء رسول الله صلى الله عليه وآله ، واشوقاه إلى رسول الله ، ثمّ انشأت تقول :

إذا مات يوماً ميّت قلّ ذكرُهُ وذكر أبي مذ مات والله أكثر(2)

وأشارت بذلك إلى أنّ الله سبحانه وتعالى رفع ذكر نبيّه في حياته ، وقدّر له أن يرفع بعد وفاته ، وإن ظنّ من ظَنَّ أنّه أبترُ إذا مات انقطع ذكره ، وارتدّ مَن ارتدّ لعروجه ومقارنة اسمه باسم ربّ العالمين ، وغضب من غضب وحاول عزو ذلك إلى أنّه من اقتراح عمر أو من النبيّ نفسه وأراد له السحق والدفن ، كلّ تلك المحاولات التحريفية باءت بالفشل وخلد ذكر النبيّ في الأذان والتشهد وفي كلّ موطن يذكر فيه اسم رب العالمين.

ولو قرأت مقولة الإمام الحسن لمعاوية لما استنقص عليّاً وحاول الحطّ من ذكره لرأيت الأمر كذلك ؛ إذ قال له :

(1) الاحتجاج : 101 ـ 102 والنصّ عنه. وانظرها في دلائل الإمامة : 114 ـ 118 ، وشرح نهج البلاغة 16 : 251.

(2) كفاية الأثر : 198 (باب ما جاء عن فاطمة من النصوص).


115

أيها الذاكر علياً ، انا الحسن وأبي عليّ وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأُمّي فاطمة وأُمّك هند ، وجدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وجدّك حرب ، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة ؛ فلعن الله أخمَلَنا ذِكراً ، وألأمنا حَسَباً ، وشَرّنا قدماً ، وأقدمنا كفراً ونفاقاً.

فقال طوائف من أهل المسجد : آمين.

قال فضل : فقال يحيى بن معين : ونحن نقول : آمين ، قال أبو عبيد : ونحن أيضاً نقول : آمين ، قال أبو الفرج : وأنا أقول : آمين(1).

هذا وإن ماسأة كربلاء وقضية الإمام الحسين تؤكّد ما قلناه وأن الإمام خرج للإصلاح في أمة جدّه لما رأى التحريفات الواحدة تلو الآخرى تلصق بالدين ، وعرف بأنّهم يريدون ليطفئوا نور الله ورسوله.

والعقيلة زينب قد أشارت إلى هذه الحقيقة عندما خاطبت يزيد بقولها :

« كد كيدك ، واسْعَ سعَيك ، واجهَد جهدك ، فوالله الذي شرّفنا بالوحي والكتاب والنبوّة والانتخاب لا تُدرِك أمدَنا ، ولا تَبلُغ غايتنا ، ولا تمحو ذكرنا ، ولا تُميتَ وحينا ، ولا يرحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فَنَد ، وأيامك إلاّ عَدَد ، وجمعك إلاّ بَدَد ، يوم ينادي المنادي : ألا لعنةُ الله على الظالم العادي... »(2)

وكأنّ الإمام السجّاد عليّ بن الحسين أراد الإلماح إلى قضية الاختلافات الأذانيّة ، وعداء معاوية مع ذكر اسم النبيّ محمّد في الأذان ، حين عرّض بيزيد

(1) مقاتل الطالبيين : 70 والنص عنه ، الارشاد للمفيد 2 : 15 ، مناقب ابن شهرآشوب 4 : 36 ، شرح نهج البلاغة 16 : 47 ، كشف الغمة 1 : 542.

(2) الاحتجاج 309 ، بحار الأنوار 45 : 135 ، اللهوف لابن طاووس ومثير الأحزان وغيرها.


116

لمّا أمرَ المؤذن أن يؤذّن ليقطع خطبة الإمام عليّ بن الحسين في مسجد دمشق..

قالوا : قال الإمام عليّ بن الحسين : يا يزيد ، ائذَن لي حتّى أصعد هذه الأعواد... فأبى يزيد ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، ائذن له ليصعد فلعلّنا نسمع منه شيئاً ، فقال لهم : إن صعد المنبر هذا لم ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان ، فقالوا : وما قَدرُ ما يُحسِن هذا ؟! فلم يزالوا به فإذن له بالصعود ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال :

أيّها الناس ، أُعطينا سِتّاً وفُضّلنا بسبع ، أُعطينا العلم والحلم... وفُضّلنا بأنّ منّا النبي المختار محمّد ، ومنّا الصدّيق ، ومنّا الطيّار ، ومنا أسد الله وأسد الرسول ، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول ، ومنّا سبطا هذه الأمّة وسيّدا شباب أهل الجنة ، فمَن عَرَفني فقد عرفني ، ومَن لم يعرفني أنبأتُه بحسبي ونسبي : انا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ... أنا ابن من حمِلَ على البراق في الهوا ، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فسبحان من أسرى ، أنا ابن من بَلَغ به جبرئيل إلى سِدرة المنتهى ، أنا ابن مَن دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمّد المصطفى...(1)

قال : ولم يزل يقول : أنا أنا حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وخشي يزيد أن تكون فتنة ، فأمر المؤذن أن يؤذّن فقطع عليه الكلام وسكت.

فلمّا قال المؤذّن : « الله أكبر » قال علي بن الحسين : كبّرتَ كبيراً لا يقاس ،

(1) كفاية الأثر 198.


117

ولا يُدرَك بالحواس ، ولا شيء أكبر من الله.

فلما قال : « أشهد أن لا إله إلا الله » قال علي بن الحسين : شهد بها شعري وبَشري ولحمي ودمي ومخّي وعظمي.

فلما قال : « أشهد أن محمداً رسول الله » التفت علي بن الحسين من أعلى المنبر إلى يزيد وقال : يا يزيد! محمدٌ هذا جدّي أم جدّك ؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت ، وإن قلت أنّه جدّي فلم قتلتَ عِترته(1) ؟

وها هنا ثلاث ركائز مهمة في هذه الخطبة :

أولّها : إن يزيد خاف أن يذكر الإمامُ السجّادُ فضائحَ يزيد ومعاوية وآل أبي سفيان ، مع أنّ الإمام في خطبته هذه لم يذكر صريحاً شرك أبي سفيان ولا معاوية ولا كونهما ملعونين ، كما لم يذكر هنداً وما كان منها في الجاهلية من سوء السيرة ، ولا ما كان من بقرها بطن حمزة ولا ولا... فكانت الفضيحة لهم ببيان الحقائق النيّرة ، وما حرّفه المحرّفون ، وبيان مقامات النبيّ وعترته.

وثانيها : إنّ قسطاً مهمّاً من الخطبة انصبَّ على حقيقة الإسراء والمعراج ؛ إذ فيها العناية المتزايدة ببعض تفاصيلهما ، والتأكيد على أنّهما حقيقة عيانيّة بدنيّة كانت للنبيّ صلى الله عليه وآله ، لا أنّها رؤيا وحُلُم كما يدّعيه الأمويّون ، فكان الإسراء والمعراج فيهما رفع ذكر النبيّ وتشريع الأذان والصلاة ، وفيهما رفع ذكر آل النبيّ صلى الله عليه وآله تبعاً له.

كما أنّ في الخطبة حقيقة أنّ عليّاً هو الصدّيق لا غيره ، وأنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين ، لا كما حرّفوا من أنّ الصدّيق هو أبو بكر ، وأنّ اسمه على قائمة العرش ، مع أنّ الحقيقة هي أنّ عليّاً هو الصديق وأن اسمه مكتوب على العرش ـ كما سيأتيك بيانه لاحقاً ـ وأن الصدّيقة فاطمة الزهراء قد كذَّبت أبا بكر

(1) مقتل الحسين للخوارزمي 69 ـ 71 ، والفتوح لابن أعثم 3 : 155.


118

الصديق!!! وقالت له : لقد جئت شيئاً فَريا (1) وكذا الإمام عليّ فانه كذب من ادعى الصدّيقية في أبي بكر بقوله : أنا عبدَالله وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الاكبر ، لا يقولها بعدي إلاّ كذاب مفتري ، لقد صليت قبل الناس بسبع سنين(2).

وقال في آخر : أنا الصدّيق الأكبر ، والفاروق الأول ، أسلمت قبل إسلام أبي بكر ، وصليت قبل صلاته(3).

وعن معاذة قالت : سمعت عليّاً وهو يخطب على منبر البصرة يقول : أنا الصدّيق الأكبر ، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم [ أبو بكر ](4) ، فلا يعرفُ بعد هذا من هو الصادق ومن هو الكاذب ومن هو الصدّيق ومن هي الصدّيقة في قاموس القوم ؟ وقد مرّ عليك أنّ معاوية حرّف كلّ فضيلة لعليّ وجعلها في غيره.

وثالثها : أنّ يزيد لمّا أمر المؤذّن بالأذان ليقطع كلام الإمام ، كان الإمام السجّاد يوضّح كلّ فقرة من فقرات الأذان ، مُعرِّضاً بمن يتلفّظون بألفاظه دون وعي لمفاهيمه ، وهو ما سنقوله لاحقاً من أنّه يحتوي على مفاهيم الإسلام ،

(1) تثبيت الإمامة 30 ، بلاغات النساء 14 ، شرح نهج البلاغة 16 : 212 ،251 ، جواهر المطالب 1 : 161.

(2) مستدرك الحاكم 3 : 112 وقال : صحيح على شرط الشيخين وتلخيصه للذهبي ، وشرح نهج البلاغة 13 : 228 ، 1 : 30 ، سنن ابن ماجه 1 : 44 ح 120 قال في الزوائد : هذا اسناد صحيح ورجاله ثقات ، تاريخ الطبري 2 : 310 ، والآحاد والمثاني 1 : 148وغيرها.

(3) شرح نهج البلاغة 4 : 122 ،13 : 200 ، والمعارف لابن قتيبة 97. وفيه قال عليّ عليه السلام : أنا الصدّيق الأكبر آمنتُ قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر.

(4) شرح نهج البلاغة 13 : 228 ، وأنساب الاشراف بتحقيق المحمودي 146 ، الآحاد والمثاني 1 : 151 ، والمعارف لابن قتيبة 99.


119

وأنّه وجه الدين ، وأنّه ثبت بالوحي ، لا كما أرادوا تصويره بأنّه مجرّد إعلام قابل للزيادة والنقصان ، وُضع بأحلام واقتراحات من الصحابة!!

وفي قول السجّاد عليه السلام « يا يزيد! محمّد هذا جدّي أم جدّك » بيان لارتفاع ذكر النبيّ وآله ، وأنّ الأمويّين لم يفلحوا في حذف اسمه من الأذان وإخماد ذكره ، ومحاولة إدراج اسم « أمير المؤمنين »(1)!!! معاوية في آخر الأذان ، وإن نجحوا ظاهريّاً في إخماد ثورة الحسين وقتله وقتل عترة النبيّ صلى الله عليه وآله .

فالأذان المشرع من الوحي كان مفخرة آل النبيّ ، وبياناً لارتفاع ذكره وذكر آله ، لا كما قيل فيه من أنواع المختلقات.

ويؤكد ذلك أنّه لمّا قدم عليّ بن الحسين بعد قتل أبيه الحسين عليه السلام إلى المدينة استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله وقال :

يا عليّ بن الحسين ، مَن غَلَب ؟ وذلك على سبيل الشماتة

فقال له عليّ بن الحسين : إذا أردتَ أن تعلم من غَلَب ودخل وقت الصلاة فأذِّن ثمّ أقِم(2).

وذلك أنّ ذكر الرسول المصطفى خُلّد في الأذان والإقامة رغم نصب الناصبين وعداء المعادين ، وبه خلود ذكر آل النبيّ صلى الله عليه وآله ، فيكونون هم الغالبين لا بنو أميّة ولا من غصبوا الحقوق وحرَّفوا المعالم عن سُنَنها ومجاريها.

وفي العصر العباسي ، دخل الإمام عليّ الهادي عليه السلام يوماً على المتوكّل فقال له المتوكل : يا أبا الحسن مَن أشعر الناس ؟ ـ وكان قد سأل قبله عليّ بن الجهم ،

(1) مر عليك قبل قليل قول السيوطي في كتاب الوسائل إلى معرفة الأوائل 26 : ان أوّل من أمر المؤذن أن يشعره ويناديه فيقول : السلام على أمير المؤمنين الصلاة يرحمك الله ، معاوية بن أبي سفيان.

(2) أمالي الطوسي 687 ـ 688 ، مجلس يوم الجمعة السابع من شعبان 457هـ .


120

فذكر شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ـ فلما سأل الإمامَ قال : عليّ الحماني حيث يقول :

لقد فاخَرَتْنا من قريشٍ عصابةٌ بمـط خدود وامتـدادِ أصـابعِ

فلـمّا تَنازَعنا المقالَ قضى لنا عليهم بمـا نهوى نداءُ الصَّوامعِ

قال المتوكّل : وما نداء الصوامع يا أبا الحسن ؟ قال : « أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله » جدّي أم جدك ؟ فضحك المتوكل ثم قال : هو جدك لا ندفعك عنه(1).

ترانا سُكوتاً والشـهيدُ بفضلِنا تراه جهير الصوتِ في كلِّ جامعِ

بانّ رسـولَ اللهِ أحمـدَ جدُّنا ونحـن بنوه كالنجومِ الطَّوالعِ(2)

فكان الأذان وفيه اسم محمّد ، المرفوع ذكره ، المستتبع لرفع ذكر الأئمّة من أولاده(3) ، كان ذلك أكبر مفخرة للمسلم الحقيقي ، كما كان يؤذي أعداء الإسلام الذين ارتدوا بسبب المعراج ، ويؤذي من أرادوا جعل الأذان وفصوله أحلاماً واقتراحات ، ويؤذي معاوية الذي أرّقه ذكر اسم « محمّد » واقترانه باسم ربّ العالمين ، ويؤذي أولاد طلحة وقتلة الحسين عليه السلام ، كما كان يؤرق المتوكّل العباسي ، وكلّ رموز التحريف وأرباب الطموحات السلطويين ، وكلّهم من السلك القرشي المعادي لله وللرسول ولعترة الرسول صلوات الله عليهم أجمعين.

(1) أمالي الطوسي 293.

(2) انظر : ديوان عليّ الحمّاني 81 ، ومناقب ابن شهرآشوب 4 : 406 وفيه : « عليهم »بدل : « تراه ».

(3) لأنّه صلى الله عليه وآله أمر أن لا يصلوا عليه الصلاة البتراء.


121

القدرة الإلهيّة وفشل المخطّطات

إن قريشاً سعت للوقوف أمام الدعوة ودأبت على طمس معالم الإسلام ، لكن الله أبى إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون ﴿ يريدونَ أن يُطفئوا نُورَ اللهِ بأفواهِهم ويأبى اللهُ إلاّ أن يُتِمّ نُورَهُ ولو كَرِهَ الكافرون (1).

وقد مرّ عليك قول معاوية بن أبي سفيان : ( إلاّ دفناً دفناً ) في حين أن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ ورفعنا لك ذِكرَك .

وقال السدّي في تفسير قوله : ﴿ إن شانئك هو الأبتر : كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده : أبتر ، فلمّا مات ابنه صلى الله عليه وآله : القاسم ، وعبدالله بمكّة ، وإبراهيم بالمدينة ، قالوا : بُتِرَ ، فليس له من يقوم مقامه.

ثمّ إنّه تعالى بيّن أنّ عدوّه هو الموصوف بهذه الصفة ، فإنّا نرى أنّ نسل أولئك الكفرة قد انقطع ، ونسله عليه الصلاة والسلام يزداد كلّ يوم وينمو وهكذا إلى يوم القيامة(2).

فقد أشار الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى : ﴿ إنا أعطيناك الكوثر إلى أن الكوثر : أولاده صلى الله عليه وآله ، قالوا : لأنّ هذه السورة إنّما نزلت ردّاً على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد ، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان.

فانظر كم قُتل من أهل البيت ، ثمّ العالَم ممتلئ منهم ، ولم يبقَ من بني أميّة في الدنيا أحد يُعبأ به.

ثمّ انظر كم فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق

(1) التوبة : 32.

(2) التفسير الكبير 32 : 133.


122

والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكيّة وأمثالهم(1).

وكان الأمويون يحسدون آل البيت على ما آتاهم الله من فضله ، وقد جاء في تفسير قوله تعالى : ﴿ أم يحسدون الناسَ على... أنّها نزلت في عليّ عليه السلام وما خُصَّ به من العلم(2).

وعن ابن عبّاس في قوله : ﴿ أم يحسدون الناس قال : نحن الناس دون الناس(3).

وعن محمّد بن جعفر في قوله : ﴿ أم يحسدون الناس ، قال : نحن المحسودون ، وعن ابن عبّاس في قوله ﴿ أم يحسدون الناس قال : نحن الناس المحسدون و « فضله » النبوة(4).

فسبحانه جل شأنه رفع ذكرَ محمّد وآل محمّد بآيات التطهير والمودّة والمباهلة وسورة الدهر وبراءة وغيرها من السور والآيات الكثيرة ، ولو تدبّر المطالع في سورة الضحى لعرف نزولها في مدح النبيّ محمّد وأنّه جلّ شأنه ذكره بثلاثة أشياء تتعلق بنبوته ، منها : ﴿ ولسوف يعطيكَ ربُّك فتَرضى وفي سورة ألم نشرح شرّفه بثلاثة أشياء أوّلها : ﴿ ألم نشرح لك صدرك ، وثانيها : ﴿ ووضعنا عنك وزرك * الذي انقض ظهرك ، وثالثها : ﴿ ورفعنا لك ذكرك (5).

قال الإمام فخر الدين الرازي : جعل الله تعالى أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله مساوين له في خمسة أشياء :

أحدها : المحبة ؛ قال الله تعالى : ﴿ فاتّبعوني يُحبِبكُم الله ، وقال

(1) التفسير الكبير 32 : 124.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 : 220.

(3) المعجم الكبير 11 : 146 ، مجمع الزوائد 7 : 6 والنص له.

(4) شواهد التنزيل 1 : 183.

(5) التفسير الكبير 32 : 118.


123

لأهل بيته ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى .

والثانية : تحريم الصدقة ؛ قال صلى الله عليه وآله : لا تحل الصدقة لمحمّد ولا لآل محمّد ، إنّما هي أوساخ الناس.

والثالثة : الطهارة ؛ قال الله تعالى : ﴿ طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى أي يا طاهر ، وقال لأهل بيته : ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً .

والرابعة : في السلام ؛ قال : « السلام عليك أيّها النبيّ » ، وقال لأهل بيته ( سلام على آل يس )(1).

والخامسة : في الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله وعلى الآل في التشهّد(2).

وبهذا فقد عرفنا ـ وعلى ضوء الصفحات السابقة ـ بأن المجتهدين كانوا وراء فكرة الرؤيا ، وأنّ رأسها الأمويون ، استغلوا ما طرح في عهد الصحابة لما يريدون القول به لاحقاً.

فإنّ النصوص السابقة وضّحت لنا بأنّ الصحابة اقترحوا على رسول الله بأن يتخذ ناقوساً مثل ناقوس النصارى أو بوقاً مثل قرن اليهود ورسول الله لم يرضَ بذلك حتّى أُري عبدالله بن زيد أو غيره الأذان.

وجاء في كتاب ( من لا يحضره الفقيه ) عن الإمام عليه السلام أنّه قال : كان اسم

(1) قرأ نافع وابن عامر ويعقوب هذه الآية بفتح الهمزة ومدّها وقطع اللام من الياء كما في آل يعقوب ، « النشر في القراءات العشر 2 : 360 وتحبير التيسير : 170 » وللتأكيد أقر في مصحف المدينة النبوية برواية ورش عن نافع المدني والمطبوع في المملكة العربية السعودية صفحه 407 الآية : 130 من سورة الصافّات.

(2) انظر : نقل كلام الفخر الرازي في : نظم درر السمطين 240 ، والصواعق المحرقة 233 ـ 234 ، وينابيع المودّة 1 : 130 ـ 131 ، وجواهر العقدين 2 : 166.


124

النبيّ صلى الله عليه وآله يكرّر في الأذان ، فأوّل مَن حذفه ابن أروى(1). وهو عثمان بن عفّان.

وهذا يتّفق مع ما قاله محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم في كتاب العلل وهو يذكر علل فصول الأذان حتّى يقول : .... وقوله : ( حيّ على خير العمل ) أي حث على الولاية ، وعلّة أنّها خير العمل أن الأعمال كلّها بها تقبل.

الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، فألقى معاويةُ من آخر الأذان ( محمّد رسول الله ) فقال : أما يرضى محمّد أن يذكر في أوّل الأذان حتّى يذكر في آخره(2) »ِ.

وقد مر عليك ما رواه عبدالرزاق عن إبراهيم من أنّ أوّل من أفرد الاقامة معاوية ، وقال مجاهد : كانت الاقامة مثنى كالأذان حتّى استخفه بعض أمراء الجور فافرده لحاجة لهم(3).

بعد ذلك لا غرابة عليك في تصريح الصادق عليه السلام بأن الحكومات والنواصب

(1) من لا يحضره الفقيه 1 : 299 ، كتاب الصلاة باب الأذان والإقامة.

(2) بحار الأنوار 81 : 170 ، عن العلل لابن هاشم ، وقد علّق المجلسي على كلامه بقوله : ... وكون الشهادة بالرسالة في آخر الأذان غريب ، ولم أره في غير هذا الكتاب.

أقول : قد يكون المراد من الشهادة بالرسالة في آخر الأذان هو ما جاء في بعض الروايات من استحباب ذكر الرسول وجعله الوسيلة إلى الله في آخر الأذان ، وكلما سمع المسلم الشهادة بالنبوة في الأذان وغيره . وهذا ما حذفه معاوية ، قال الشرواني في حواشيه 3 : 54 (.. وصريح كلامهم أنّه لا يندب الصلاة على النبيّ بعد التكبير ، لكن العادة جارية بين الناس بإتيانها بها بعد تمام التكبير ، ولو قيل باستحبابها عملاً بظاهر ( ورفعنا لكَ ذِكرَك ) وعملاً بقولهم : إنّ معناه « لا أذكر إلاّ وتذكر معي » لم يكن بعيداً ، فتأمل.

(3) أبو الوفاء الأفغاني في تعليقته على كتاب الآثار 1 : 107 ، وانظر : المصنّف لعبد الرزاق 1 : 463/1793.


125

منهم على وجه التحديد حرّفوا أو حاولوا تحريف الحقائق ، فقد عرفنا سياسة التحريف عند الأمويين ومسخهم للحقائق وأنّ عملهم هذا يصب في المخطط الهادف إلى إبدال كلّ ما جاء من حقائق الإسلام وكلّ ما كان من فضائل الإمام عليّ وأصحاب نهج التعبد.

فقد روى القاسم بن معاوية خبراً قال فيه :

قلت لأبي عبدالله عليه السلام : هؤلاء يروون حديثاً في معراجهم أنّه لما أسري برسول الله رأى على العرش مكتوباً « لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، أبو بكر الصديق ».

فقال : سبحان الله ، غيروا كل شيء حتّى هذا ؟!!

قلت : نعم.

فقال الصادق عليه السلام ما ملخّصه : إنّ الله تعالى لمّا خلق العرش ، والماء ، والكرسي ، واللوح ، وإسرافيل ، وجبرائيل ، والسماوات والأرضين ، والجبال ، والشمس ، والقمر ، كان يكتب على كلّ منها « لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ أمير المؤمنين ». ثمّ قال عليه السلام : فإذا قال أحدكم « لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله » فليقل « عليّ أمير المؤمنين »(1).

فالقارئ البصير لو تدبّر في النصوص الصادرة عن الأئمة لعرف أنّ رسالتهم هي تصحيح للأفكار الخاطئة المبثوثة في الشريعة والتاريخ ، ويتأكد لك مدعانا لو طبق على ما نحن فيه ، من وجود تيار يحمي فكرة الرؤيا وهم النواصب وأعداء النبيّ والإمام عليّ بن أبي طالب ، وهؤلاء النواصب كانوا لا يستسيغون ذكر الرسول محمّد في الأذان ، أو يتصورون أنّ الشهادة الثانية من وضعه صلى الله عليه وآله ، فكيف يقبل

(1) انظر : الاحتجاج 158.


126

امثال هؤلاء بشرعية شيء فيه تنويه ورفعة لمنزلة آل الرسول صلى الله عليه وآله ، والنواصب هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويجعلون مكانها مفاهيم اُخرى ، وقد أشرنا سابقاً إلى بعضها ، وإليك نَصَّين آخرين في هذا السياق ؛ إذ جاء في أصل زيد النرسي ، عن الإمام الكاظم بأن الصلاة خير من النوم من بدع بني أميّة(1) ، وهي توكّد ما نريد الوصول إليه من حقيقة الأذان وكيفية وقوع التحريف فيه.

فقد روى الصدوق وعليّ بن إبراهيم ، عن عمر بن أُذينة ، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال :

يا عمر بن أُذينه ، ما ترى هذه الناصبة ؟

قال : قلتُ : في ماذا ؟

فقال : في أذانهم وركوعهم وسجودهم.

قال : قلت : إنّهم يقولون : إنّ أبيّ بن كعب رآه في النوم.

فقال : كذبوا ، فإنّ دين الله عزّوجلّ أعزّ من أن يُرى في النوم.

فقال سدير الصيرفي للإمام : جُعلت فداك ، فأَحِدث لنا من ذلك ذِكراً(2) ، فبدأ الإمام الصادق عليه السلام ببيان عروج الرسول إلى السماوات السبع وذكر لهم خبر الأذان والصلاة هناك.

ولو احببت الوقوف على ملابسات هذه الأمور أكثر فأكثر ، ومعرفة دور قريش واتباعهم من النواصب في تحريف النصوص وما يتعلق بالإمام عليّ على وجه التحديد ، فتمعن فيما نقوله تحت العنوان الآتي :

(1) أصل زيد النرسي54 ، وعنه في مستدرك الوسائل 4 : 44 ح 4140/2.

(2) الكافي كتاب الصلاة باب النوادر 3 : 482 ـ 486/1. وللمزيد من الاطّلاع يمكنك مراجعة خبر الإسراء في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي 2 : 3 ـ 12. وانظر : علل الشرايع2 : 313 باب علل الوضوء والأذان والصلاة ، وعنه في بحار الأنوار 18 : 354.


127

من هم الثلاثة أو الأربعة ؟

بعد أن وقفت على بعض تحريفات بني أميّة نوقفك الآن مع عبارة مبهمة تذكرها كتب الصحاح والسنن في خبر الإسراء ، مفادها أنّ جبريل لمّا نزل بأمر الإسراء رأى ثلاثة رجال نائمين ، فقال إسرافيل لجبرئيل : أيّهم هو ؟ فقال : أوسطهم.

وكان النائم في الوسط هو النبيّ محمّد ، فالآن نتساءل : من هما الاثنان الآخران يا ترى ؟ ولماذا الإبهام في اسميهما ؟

أخرج مسلم في صحيحه ، وأبو عوانة في مسنده ، والترمذي في سننه ، وابن خزيمة في صحيحه ، والنصّ للأول بسنده عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، لعلّه قال عن مالك بن صعصعة (رجل من قومه) ، قال : قال نبيّ الله : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول : أحد الثلاثة بين الرجلين...(1)

وفي مسند أحمد ، والمجتبى للنسائي ، والسنن الكبرى له أيضاً ، والنصّ للأوّل... عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن مالك بن صعصعة : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : بينا أنا عند الكعبة بين النائم واليقظان فسمعت قائلاً يقول : أحد الثلاثة... فأُتِيتُ بطست من ذهب .... ثمّ أُتيتُ بدابّة دون البغل وفوق الحمار ، ثمّ انطلقت

(1) صحيح مسلم 1 : 104 كتاب الإيمان 1 : 149 باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله إلىالسماوات وفرض الصلوات ح 264 ، مسند أبي عوانة 1 : 107 ، وصحيح ابن خزيمة1 : 153 ، كتاب الصلاة ، باب بدء فرض الصلوات الخمس ، تفسير القرطبي20 : 104 ، أسد الغابة 4 : 281 ، الديباج للسيوطي 1 : 207 ، وانظر : جامع البيان15 : 4 ، وسنن الترمذي 5 : 442 ح 3346 ، كتاب تفسير القرآن باب « من سورة ألم نشرح ».


128

مع جبرئيل عليه السلام ... الحديث(1).

على أنّ البخاري وغيره أرجعوا هذا الخبر إلى قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وآله ، فجاء في الصحيحين عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر : سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة أُسري بالنبيّ صلى الله عليه وآله من المسجد الكعبة : جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في مسجد الحرام ، فقال أوّلهم : أيّهم هو ؟ فقال : أوسطهم هو خيرهم ، وقال آخرهم : خذوا خيرهم ، فكانت تلك ، فلم يَرَهم حتّى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبيّ صلى الله عليه وآله نائمة عيناه ولا ينام قلبه.. فتولاّه جبرئيل ثمّ عرج به إلى السماء(2).

وفي هذه الضبابية وهذا الإبهام نرى كتب شروح الحديث عند أهل السنّة والجماعة لا توضّح إلّا بعض الشيء عن هؤلاء ، فحكى السندي في حاشيته على النسائي وضمن تفسيره لهذا الحديث .. « قالوا : هما حمزة وجعفر... »(3).

وفي شرح مسلم باب الإسراء : روي أنّه كان نائماً معه حينئذ عمّه حمزة بن عبدالمطّلب وابن عمّه جعفر بن أبي طالب(4) .

(1) مسند أحمد 4 : 207 ،210 ، سنن النسائي 1 : 217 ، السنن الكبرى 1 : 138.

(2) صحيح البخاري 5 : 33 ـ 34 / كتاب المناقب ـ باب « كان النبيّ تنام عينه ولا ينام قلبه ». وانظر : 9 : 824 ، كتاب التوحيد ـ باب « وكلّم الله موسى تكليما » ، وصحيح مسلم 1 : 148 ، كتاب الإيمان ، باب « الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله » ، وسنن البيهقي 7 : 62.

وقال ابن حجر في فتح الباري 13 : 409 : « وقوله : قبل أن يُوحى إليه » أنكرها الخطّابي وابن حزم وعبدالحقّ والقاضي عياض والنووي ، وعبارة النووي : وقع في رواية شريك هذه أوهام أنكرها العلماء ، أحدها قوله : قبل أن يوحى إليه ، وهو غلط لم يَوافَق عليه.

(3) حاشية السندي على النسائي 1 : 217 ، كتاب الصلاة باب فرض الصلاة وذكراختلاف الناقلين.

(4) هذا ما حكاه مهمّش تفسير القرطبي 20 : 104. ولم نقف عليه في مظانّه.


129

وفي فتح الباري بشرح صحيح البخاري : ... فقال أوّلهم : أيهم هو ، فيه إشعار بأنّه كان نائماً بين جماعة أقلّهم اثنان وقد جاء أنّه كان نائماً معه حينئذ حمزة ابن عبدالمطّلب وجعفر بن أبي طالب ابن عمّه(1).

وقال البناء في الفتح الربّاني(2)والمباركفوري في تحفة الأحوذي(3) ، والكلام للأوّل : قال الحافظ : والمراد بالرجلين ، حمزة وجعفر ، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله حين كان نائماً بينهما.

هكذا عرّفت كتب الشروح اسم الرجلين دون ذكر سندٍ أو رواية في ذلك ، لكنّ كتب الشيعة الإماميّة والإسماعيليّة والزيديّة رَوَت بأسانيدها أسماء الذين كانوا نائمين مع النبيّ صلى الله عليه وآله ، وهم : عليّ ، وحمزة ، وجعفر ، كانوا يحيطون به عن يمينه وشماله وتحت رِجلَيه..

روى عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبدالله بن المغيرة ، عن هشام بن الحكم ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله تعالى : ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ، قال : روي عن رسول الله أنّه قال : بينا أنا راقد بالأبطح ، وعليٌّ عن يميني ، وجعفر عن يساري ، وحمزة بين يَدَيّ ، وإذا أنا بخفق أجنحة الملائكة وقائل منهم يقول : إلى أيّهم بُعِثتَ يا جبرئيل ؟ فقال : إلى هذا ، وأشار إليّ. ثمّ قال : هو سيّد ولد آدم وحوّاء ، وهذا وزيره ووصيّه وختنه وخليفته في أمّته ، وهذا عمّه سيد الشهداء حمزة ، وهذا ابن عمّه جعفر له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة مع الملائكة ، دعه فلتنم عيناه ولتسمع أُذناه ولْيَعِ قلبه...(4)

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13 : 409 ـ 410 ، كتاب التوحيد.

(2) الفتح الربّاني 20 : 248.

(3) تحفة الأحوذي 9 : 193.

(4) تفسير عليّ بن إبراهيم 2 : 13 تأويل الآيات 1 : 269 ، تفسير نور الثقلين 3 : 100 عنه.


130

وروى القاضي النعمان في شرح الأخبار عن الطبري ؛ رفعه إلى حذيفة اليماني ، قال : خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً وهو حاملٌ الحسنَ والحسينَ عليهما السلام على عاتقه ، فقال : هذان خير الناس أباً وأمّاً ؛ أبوهما عليّ... إلى أن قال : إنّ الله عزّوجلّ اختارنا أنا وعليّا وحمزة وجعفر يوم بعثني برسالته وكنت نائماً بالأبطح ، وعليّ نائم عن يميني ، وحمزة عن يساري ، وجعفر عند رجلي ، فما انتبهت إلاّ بحفيف أجنحة الملائكة ، فنظرت فإذا أربعة من الملائكة وأحدهم يقول لصاحبه : يا جبرئيل ، إلى أيّ الأربعة أُرسِلتَ ؟ فرفسني برِجلي وقال : إلى هذا.

قال : ومَن هذا ؟!

قال : محمّد سيّد المرسلين.

قال : ومَن هذا عن يمينه ؟!

قال : عليّ سيّد الوصيّين.

قال : ومن هذا عن يساره ؟!

قال : حمزة سيّد الشهداء.

قال : ومن عند رجليه ؟

قال : جعفر الطيّار في الجنَّة.(1)

وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن إبراهيم بن صالح بن زيد بن الحسن ، عن أبيه ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : رقدتُ بالأبطح على ساعدي وعليٌّ عن يميني ، وجعفر عن يساري ، وحمزة عند رِجلي ، قال : فنزل جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، ففزعت لخفق أجنحتهم. قال : فرفعت رأسي فإذا

(1) شرح الأخبار 1 : 120 ـ 121 ح 46.


131

إسرافيل يقول لجبرئيل : إلى أيّ الأربعة بُعثتَ وبُعثنا معك ؟ قال : فرفس برِجله فقال : إلى هذا... إلى آخر الرواية(1).

وروى المرشد بالله يحيى بن الحسين الشجري ـ من الزيديّة ـ في الأمالي الخميسيّة بإسناده عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله في قول الله : ﴿ إنما يريد اللهُ لِيُذهِبَ عنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُم تَطهيرا فإنّا أهل بيت مُطهَّرون من الذنوب ، ألا وإن الله اختارني من ثلاثة من أهل بيتي على جميع أمّتي وأنّا سيّد الثلاثة ، وسيّد ولد آدم يوم القيامة ، ولا فخر.

قال أهل السدة : يا رسول الله ، سَمِّ لنا الثلاثة نعرفهم ؟ فبسط رسول الله كفَّه الطيّبة المباركة ثمّ حلق بيده ، قال : اختارني وعليّاً وحمزة وجعفراً ، كنا رقوداً بالأبطح ليس منّا إلاّ مسجّى بثوبه ، عليّ عن يميني ، وجعفر عن يساري ، وحمزة عند رجلي ، فما نبّهني من رقدتي غير حفيف أجنحة الملائكة وبرد ذراع عليّ تحت خدي ، فانتبهت من رقدتي ، وجبرئيل في ثلاثة أملاك ، فقال له بعض الأملاك الثلاثة : يا جبرئيل ، إلى أيّ هؤلاء الثلاثة أُرسِلتَ ؟

فحرّكني برجله وقال : إلى هذا وهو سيّد ولد آدم.

فقال له أحد الثلاثة : ومَن هو ، سمِّه ؟

فقال : هذا محمّد سيّد المرسلين ، وهذا عليّ خير الوصيّين ، وهذا حمزة سيّد الشهداء ، وهذا جعفر له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء(2).

ولو حقّقنا في رجال الخبر المروي في تفسير عليّ بن إبراهيم ـ والذي رواه

(1) الأمالي للطوسي : 731 مجلس يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي الحجّة سنة457هـ .

(2) الأمالي الخميسية 151.


132

المرحوم شرف الدين الحسيني (من أعلام القرن العاشر) مسنداً في تاويل الآيات ـ لرأيناهم ثقات لم يرد فيهم جرح ، ويؤيّده ما حكاه القاضي النعمان المصري في شرح الأخبار والطوسي والمرشد بالله في أماليهما ، فنحن لو جمعنا هذين النصين مع ما جاء في الإمام عليّ وأنّه أحد سادات أهل الجنّة السبعة بنص رسول الله صلى الله عليه وآله وأنّ مثاله كان في الجنَّة وقد رأى ذلك رسول الله حينما أسري به إلى السماء ، لعرفنا حقيقة أخرى كانت بنو أميّة تخفيها وتخاف نشرها وشيوعها بين الناس ، بل سعت لطمسها وإبدالها بأخبار أخرى في الصحابة.

وإذا أردتَ أن تقف على جلية الأمر ، فلاحِظْ أنّ هناك مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة ، ومجموعة من الآيات الكريمة فسّرها الرسول الأكرم ، وفيها تجد عليّاً وحمزة وجعفراً في إطار واحد لا ينفصلون ، وعلى نسقٍ فريد من الكرامة فيه لا يتفرقون.

فقد أخرج الحاكم وابن ماجة بسندهما عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال : نحن بنو عبدالمطلب سادة أهل الجنّة ؛ أنا وعليّ وجعفر وحمزة والحسن والحسين والمهدي ، ثمّ قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(1).

وقد روى ابن عساكر بسنده عن حبشي بن جنادة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : إنّ الله اصطفى العرب من جميع الناس ، واصطفى قريشاً من العرب ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني واختارني في نفر من أهل بيتي : عليّ وحمزة

(1) المستدرك على الصحيحين 3 : 211 والنصّ عنه ، وهو في سنن ابن ماجة 2 : 1368 باب خروج المهديّ ح 4087 ، وفيه : « نحن ولد عبدالمطّلب »... ونحو الأوّل في طبقات المحدّثين بإصفهان 2 : 291 ، وأيضاً في سبل الهدى والرشاد 11 : 7.


133

وجعفر والحسن والحسين(1).

وقد روى عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خير الناس حمزة وجعفر وعليّ(2).

وروى الحاكم الحسكاني بسنده عن عبدالله بن عباس ، في قول الله تعالى ﴿ أفمَن وَعَدناهُ وَعْداً حَسَناً فهو لاقِيه (3) ، قال : نزلت في حمزة وجعفر وعليّ ، وذلك ان الله سبحانه وتعالى وعدهم في الدنيا الجنّة على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله ، فهؤلاء يلقون ما وعدهم الله في الآخرة(4)...

وروى الحاكم الحسكاني أيضاً بسنده عن عبدالله بن عبّاس في قول الله تعالى ﴿ من المؤمنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ علَيه (5) ، يعني عليّاً وحمزة وجعفرا ﴿ فمنهُم مَن قَضى نَحَبهُ يعني حمزة وجعفرا ﴿ ومنهم من يَنتظِرُ يعني عليّاً كان ينتظر أجله والوفاء لله بالعهد والشهادة في سبيل الله ، فوالله لقد رزق الشهادة(6).

وبإسناده أيضاً عن زيد ، قال : سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ ، قلت له : أخبرني عن قوله تعالى ﴿ الذين أخرجوا مِن ديارِهِم بغيرِ حَقّ (7) ، قال : نزلت في عليّ وحمزة وجعفر(8)...

(1) كنز العمّال 11 : 756 ، ح 3368 ، عن ابن عساكر.

(2) شرح نهج البلاغة 15 : 72.

(3) القصص : 61.

(4) شواهد التنزيل 1 : 564 ، ح 601. وانظر : نهج الإيمان 514.

(5) الأحزاب : 23.

(6) شواهد التنزيل 2 : 6 ، ح 628. وانظر : التبيان 5 : 318 ، وتفسير القمّي 2 : 188.

(7) الحجّ : 40.

(8) شواهد التنزيل 1 : 521 ، ح 552.


134

فهؤلاء الثلاثة كانوا يحوطون النبيّ كما تحوط عين الناظر الهُدُبُ ، وكانوا هم عماد المدافعين عنه في أوائل الدعوة الإسلاميّة ، وقد أعلنوا إسلامهم بكل جرأة وتحدّ للحشود القرشية المتظافرة على الفتك برسول الله صلى الله عليه وآله ، وها قد رأيت الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية الكريمة كيف تعدهم لئالئ في سلك ونظام واحد ، فلماذا يحذف اسم « عليّ » من هذه الكوكبة ؟! ما يكون ذلك إلاّ من صنيع المبغضين له والأمويين ومن لفّ لفَّهم ، ويكفيك هذا دليلاً دامغاً على أنّ (نهج الأذان المنامي) حاول التعتيم على الحقيقة المحمدية العلوية ، وحاول القضاء على (نهج الأذان السماوي) ، فلم يتمكنوا من ذلك.

وهؤلاء الثلاثة ـ عليّ وحمزة وجعفر ـ كانت فضائلهم متماسكة متناسقة حتّى سارت على السنة الشعراء ، فقد قال الكميت في بائيته الرائعة :

أولاك نبيّ الله منهــم وجعفر
وحمزة ليث الفَيلقَين الُمجرَّبُ
همُ ما هُمُ وتراً وشَفعاً لقومِهم
لفقدانهم مـا يُعذَرُ المُتَحَوِّبُ
قتيل التَّجوبي الذي استوأرت به
يساق به سوقاً عنيفاً ويجنبُ

قال شارح القصيدة : قتيل التجوبي هو عليّ بن أبي طالب ، وتجوب قبيلة وهم في مراد(1).

ولمّا هجا أحدُ الشعراء ـ من ولد كريز بن حبيب بن عبد شمس ـ محمّد بن عيسى المخزومي ، أجابه شاعرٌ آخر فذكر معايب بني عبد شمس وأنهم لم يكن لهم ما يذكر في الجاهلية من أمر اللواء والندوة والسقاية والرفادة ، وذكر حقدهم على النبيّ وآل النبيّ صلى الله عليه وآله ، فقال :

لا لواءٌ يُعدّ يــا بــن كريــز
لا ولا رفد بيتِه ذي السَّناءِ

لا حجابٌ وليس فيكم سِوى الكبـ
ـر وبغض النبيِّ والشهداءِ

(1) الروضة المختارة 40.


135
بين حــاكٍ ومُخْلجٍ وطريدٍ
وقتيل يلعَنْهُ أهلُ السماءِ
ولهم زمزمٌ كذاك وجِبريـ
ـل ومجد السقايةِ الغَرّاءِ

قال ابن أبي الحديد : قال شيخنا أبو عثمان : فالشهداء عليّ وحمزة وجعفر ، والحاكي والمخلج هو الحكم بن أبي العاص... والطريد اثنان : الحكم بن أبي العاص ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص ، وهما جدّا عبدالملك بن مروان من قبل أمّه وأبيه(1)...

وعلى كلّ حال ، فإن المنصف لا يرتاب في أنّ الأذان كان تشريعه سماوياً لا رؤيؤياً ، وكان عليّ وحمزة وجعفر ، محيطين بالنبيّ صلى الله عليه وآله ، لكن الحكومات والسياسات حذفت اسم عليّ عليه السلام محاوِلةً إبعاد هذه المكرمة عنه وهي أقرب إليه من حبل الوريد ، وهذه ليست أوّل فعلة من فعلات المحرّفين ، بل لها نظائر ونظائر إلى ما شاء الله.

وما ذكرهم مثال بلال وغيره من الصحابة في خبر الإسراء والمعراج وتركهم ذكر مثال عليّ إلاّ شاهد آخر على ما حرفوا في الأذان السماوي ، الذي تبناه عليّ واولاده وأصحابه.

فقد روى مضمون ذلك جابر بن عبدالله الانصاري ، وأبو أمامة الباهلي ، وبريده ، وأنس بن مالك ، وأبو هريرة ، وسهل بن سعد الساعدي عن رسول الله بنصوص متقاربة.

فأمّا ما رواه جابر ـ فقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما(2) ، وأبو

(1) انظر : شرح نهج البلاغة 15 : 198 ـ 199.

(2) صحيح البخاري والنصّ عنه 5 : 70 ح 199 ، باب مناقب عمر بن الخطاب ، وانظر : صحيح مسلم 4 : 1908 ح 2457 باب من فضائل أمّ سليم أمّ أنس بن مالك وبلال ، وانظر : صحيح مسلم 4 : 1862 باب فضائل عمر بن الخطّاب ح 2394.


136

داود الطيالسي(1) ، وأحمد(2)في مسنديهما ، وابن حبان في صحيحه(3) ـ والنص للبخاري ـ وهو :

قال رسول الله : أُريتني دخلت الجنَّة ، فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة ، وسمعت خشفة فقلت : من هذا ؟

قال [جبرئيل] : هذا بلال. قال : ورأيت قصراً بفنائه جارية ، فقلت : لمن هذا ؟ فقال : لعمر ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك.

فقال عمر : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، أعليك أغار ؟!

وفي رواية أبي أمامة التي رواها أحمد في مسنده(4)والطبراني في الكبير(5) والهيثمي في مجمع الزوائد(6) ـ والنصّ عن أحمد ـ قال : قال رسول الله : دخلت الجنَّة فسمعت فيها خشفة بين يدي ، فقلت : ما هذا ؟ قال : بلال.

قال : فمضيت فإذا أكثر أهل الجنَّة فقراء المهاجرين(7)وذراري المسلمين ولم أرَ أحداً أقلّ من الأغنياء والنساء... ثمّ خرجنا من أحد أبواب الجنَّة الثمانية ، فلمّا كنت عند الباب أتيت بكُفّة فوُضعت فيها ووُضِعت أمّتي في كفّة ، فرجحتُ بها ، ثمّ أتي بأبي بكر فوضع في كفّة وجيء بجميع أمّتي في كفّه

(1) مسند أبي داود الطيالسي 238 ح 1715 و 1719 ، ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر.

(2) مسند أحمد 3 : 389 ـ 390.

(3) صحيح بن حبّان 15 : 309 في ذكر قصر عمر في الجنّة ، و ص 559 في ذكر ايجاب الجنّة لبلال و 16 : 161 في ذكر أمّ حرام في الجنّة.

(4) مسند أحمد 5 : 259.

(5) المعجم الكبير 8 : 281 ح 7923 باختصار ، مسند الروياني 2 : 277.

(6) مجمع الزوائد 9 : 59 ، 10 : 262.

(7) لا يفوتك عدم ذكر الأنصار في هذا الحديث.


137

فوضعوا فرجح أبو بكر ، وجيء بعمر فوضع في كفّة وجيء بجميع أمّتي فوضعوا فرجح عمر ، وعرضت أمّتي رجلاً رجلاً(1)فجعلوا يمرّون فاستبطأت عبدالرحمن بن عوف ، ثمّ جاء بعد الأياس...

وأما رواية عبدالله بن بريدة عن أبيه والتي أخرجها الطبراني في الكبير(2) وابن أبي شيبة في المصنّف(3)وابن حبّان في الصحيح(4)وأحمد في المسند(5). والترمذي في السنن(6)وابن خزيمة في الصحيح(7)والحاكم في المستدرك(8) ـ والنصّ للترمذي ـ فهي ، قال : أصبح رسول الله فدعا بلالاً ، فقال : يا بلال ، بم سبقتني إلى الجنَّة ؟ ما دخلت الجنَّة قطّ إلاّ سمعت خشخشتك أمامي.

وأما ما رواه أنس بن مالك ـ والذي جاء في مسند عبد بن حميد (9) ـ فهو : قال أنس : قال رسول الله : دخلت الجنة فسمعت خشفة فقلت : ما هذه ؟ فقالوا : هذا بلال ، ثم دخلت الجنة فسمعت خشفة ، فقلت : ما هذه ؟ قالوا : هذه الغميضاء بنت ملحان وهي أم سليم أم أنس بن مالك .

(1) لاحظ عدم ذكر عثمان وعليّ في هذا الحديث فقد يكون للخوارج يد في وضعه.

(2) المعجم الكبير 1 : 337 ـ 338 ح 1012.

(3) المصنّف لابن أبي شيبة 6 : 399 ح 32325.

(4) صحيح ابن حبّان 15 ـ 561 ،562.

(5) مسند أحمد 5 : 354 و 360.

(6) سنن الترمذي 5 : 620 ح 3689.

(7) صحيح ابن خزيمة 2 : 214 ح 1209.

(8) المستدرك على الصحيحين 1 : 313 و 3 : 285.

(9) منتخب مسند عبد بن حميد 399 ح 1346.


138

وأما ما رواه أبو هريرة ـ والذي أخرجه البخاري (1) ومسلم (2) وابن حبّان (3) في صحاحهم ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (4) ـ فهو : أن النبيّ قال لبلال عند صلاة الفجر : يا بلال ، حدّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام فإني سمعت دفّ نعلَيك بين يدَيّ في الجنَّة ، قال : ما عملت عملاً أرجى عندي أنيّ لم أتطهّر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلاّ صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلّي.

وأما رواية سهل بن سعد ففيها : قال : قال رسول الله : دخلت الجنَّة فإذا منظر آت فنظرت فإذا هو بلال(5)..

كلّ هذه النصوص ظاهرة في أنّه صلى الله عليه وآله رأى ذلك في معراجه إلى السماء ، وهناك نصّان آخران يوضحان ذلك ؛ فقد روى الطبراني في الكبير بإسناده عن وحشي بن حرب ، عن أبيه ، عن جدّه : أنّ رسول الله لمّا أسري به في الجنَّة سمع خشخشة ، فقال : يا جبرئيل ، ما هذه الخشخة ؟ قال : هذا بلال.

قال أبو بكر : ليت أمّ بلال ولدتني وأبو بلال وأنا مثل بلال(6)رواه الطبراني ورجاله ثقات.

(1) صحيح البخاري 2 : 499 كتاب التهجّد بالليل ، باب فضل الطهور بالليل والنهار ، ح1074 والنصّ عنه ، و ج 5 : 93 كتاب فضائل أصحاب النبيّ باب مناقب بلال بن أبي رباح.

(2) صحيح مسلم 4 : 1910 باب من فضائل بلال ح 2458.

(3) صحيح ابن حبّان 15 : 565.

(4) تاريخ دمشق 10 : 453 ـ 454.

(5) مسند أحمد 2 : 333.

(6) المعجم الكبير 22 : 137 ، مجمع الزوائد 9 : 299.


139

وفي مسند أحمد(1)ومجمع الزوائد(2)والأحاديث المختارة(3)وتفسير ابن كثير(4) عن ابن عبّاس ، والنصّ لأحمد : بسنده عن ابن عبّاس ، قال : ليلة أسري بنبيّ الله صلى الله عليه وآله ودخل الجنَّة فسمع من جانبها وَجساً ، قال : يا جبرئيل ، ما هذا ؟ قال : هذا بلال المؤذّن.

فهذه النصوص تشير إلى وجود مثال بلال في الجنّة وإن جدّ بعض الأعلام إلى تضعيفها(5) وحملها على كونها كانت في المنام لا اليقظة ، لكنّهم بهذا التعليل أو ذاك لا يمكنهم التقليل من حجيّتها عند القائلين بها ، وذلك لحجيّة رؤيا الأنبياء عند جميع المسلمين ، وقد يكون ما رآه الرسول معنى آخر لتجسّم الأعمال والذي يذهب إلى القول به جماعة من المسلمين.

وبعد هذا فلا مانع من أن نذكر بعض الروايات الدالّة على وجود اسم عليّ في العرش والكرسي ، والتي لا نستبعد أن تكون حكومة الأمويين وضعت الأحاديث الآنفة في مقابلها ، محاولةً منهم لطمس فضائل عليّ والتقليل من أهمّيتها ، وذلك طبق المنهج الذي رسموه وخططوه في ذلك كما تقدم بيانه ، إذ أن حديث رجحان كفّة أبي بكر وعمر على كفّة الناس أجمعين هو تحريف للحديث الثابت عن رسول الله : ضربة عليّ يوم الخندق تعدل عبادة

(1) مسند أحمد 1 : 257.

(2) مجمع الزوائد 9 : 300.

(3) الأحاديث المختارة 9 : 552.

(4) تفسير ابن كثير 3 : 14.

(5) فيض القدير 3 : 517 ، فتح الباري 3 : 26 ـ 27 ، نيل الاوطار 3 : 81 ، تحفة الاحوذي 10 : 120.


140

الثقلين(1) ، وإليك الان بعض تلك الروايات المشيرة إلى وجود اسم الإمام عليّ على ساق العرش :

روى الصدوق في « من لا يحضره الفقيه » عن عليّ عليه السلام ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال في وصية له : يا عليّ ، إنّي رأيت اسمك مقروناً باسمي في ثلاثة مواطن ، فأنست بالنظر إليه ، إني لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها « لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله ، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره ».

فقلت لجبرئيل : مَن وزيري ؟

قال : عليّ بن أبي طالب عليه السلام .

فلما انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدتُ مكتوباً عليها : « إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي ، محمّد صفوتي من خلقي ، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره » ، فقلت لجبرئيل : مَن وزيري ؟ فقال عليّ بن أبي طالب.

فلمّا جاوزتُ سِدرةَ المنتهى انتهيت إلى عرش ربّ العالمين جلّ جلاله ، فوجدت مكتوباً على قوائمه : « إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي ، صفوتي من خلقي ، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره » ، فقلت لجبرئيل : مَن وزيري ؟ فقال : عليّ بن أبي طالب.

فلمّا رفعت رأسي نظرت على بطنان العرش مكتوباً : « إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا ، محمّد حبيبي ، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره »(2).

(1) شرح المقاصد للتفتازاني 5 : 298.

(2) من لا يحضره الفقيه 4 : 373 ـ 374 ، وفي تاريخ دمشق 47 : 344 بسنده عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : لما عُرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً : لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله أيّدته بعليّ ونصرته بعليّ.


141

وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة للصدوق بإسناده إلى وهب بن منبّه ، رفعه عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله لعليّ : لمّا عرج بي ربيّ جلّ جلاله أتاني النداء : يا محمّد.

قلت : لبيّك ربَّ العظمة لبيّك ، فأوحى الله إليَّ : يا محمّد ، فيمَ اختصم الملأ الأعلى ؟

فقلت : إلهي ، لا علم لي.

فقال : يا محمّد ، هلاّ اتَّخذت من الآدميّين وزيراً وأخاً ووصيّاً من بعدك ؟

قلت : إلهي ، ومَن أتّخذ ؟ تخيَّرْ أنت يا إلهي. فأوحى الله إليّ : يا محمّد ، قد اخترتُ لك من الآدميّين عليّ بن أبي طالب.

فقلت : إلهي ، ابن عمّي ؟

فأوحى الله إليّ : يا محمّد ، إنّ عليّاً وارثك ووارث العلم من بعدك ، وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة ، وصاحب حوضك يسقي مَن ورد عليه من مؤمني أمّتك.

ثمّ أوحى الله إليّ : يا محمّد ، إنّي قد أقسمت على نفسي قسماً حقاً ، لا يشرب من ذلك الحوض مُبغض لك ولأهل بيتك وذريّتك الطيّبين الطاهرين ، حقّاً أقول يا محمّد : لأُدخِلنّ جميع أمّتك الجنَّة إلاّ مَن أبى من خلقي ، فقلت : إلهي ، هل واحد يأبى من دخول الجنَّة ؟

فأوحى الله إلي : بلى.

فقلت : وكيف يأبى ؟

فأوحى الله إلي : يا محمّد ، اخترتُك من خلقي ، واخترتُ لك وصيّاً من بعدك ، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدك ، وألقيت محبّته في قلبك ، فجعلته أباً لولدك ، فحقّه بعدك على أمّتك كحقّك عليهم في


142

حياتك ، فمن جحد حقّه فقد جحد حقّك ، ومن أبى أن يواليه فقد أبى أن يواليك ، ومن أبى أن يواليك فقد أبى أن يدخل الجنّة ، فخَرَرتُ لله ساجداً شكراً لما أنعم عليّ... والخبر طويل اكتفينا منه بهذا المقدار(1).

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي بردة الأسلمي ، قال : سمعت رسول الله يقول لعليّ : يا عليّ ، إنّ الله أشهَدَك معي في سبع مَواطن : أمّا أوّل ذلك فليلة أُسري بي إلى السماء ، قال لي جبرئيل : أين أخوك ؟

فقلت : خلّفته ورائي.

قال : ادعُ الله فليأتك به ، فدعوتُ الله وإذا مِثالُك معي وإذا الملائكة وقوف صفوف ، فقلت : يا جبرئيل ، من هؤلاء ؟ قال : هم الذين يباهيهم الله بك يوم القيامة ، فدنوت فنطقت بما كان وما يكون إلى يوم القيامة.

والثاني حين أُسري بي من المرّة الثانية ، فقال لي جبرئيل : أين أخوك ؟ فقلت : خلّفته ورائي ، فقال : ادعُ الله فليأتك به ، فدعوتُ الله فإذا مثالك معي ، فكُشِط لي عن سبع سماوات حتّى رأيت سُكّانها وعُمّارها وموضع كلّ ملك منها... إلى أن قال :

وأمّا السادس : لمّا أُسري بي إلى السماء جمع الله لي النبيّين فصلّيت بهم ومثالك خلفي(2).

وفي عيون أخبار الرضا ، بسنده عن أمير المؤمنين ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لمّا أسري بي إلى السماء أوحى إليّ ربّي جلّ جلاله فقال : يا محمّد ، إنّي اطّلعتُ إلى الأرض اطّلاعةً فاخترتك منها فجعلتك نبيّاً ، وشَقَقتُ لك من

(1) كمال الدين وتمام النعمة 250 ـ 251 وانظر : تفسير نور الثقلين 4 : 470.

(2) تفسير عليّ بن إبراهيم 2 : 335 ـ 336 في تفسير سورة النجم وعنه في تفسير نورالثقلين 5 : 158 سورة النجم ح 55.


143

اسمى اسماً ، فأنا المحمود وأنت محمّد.

ثمّ اطّلعت الثانية فاخترت منها عليّاً وجعلته وصيّك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريّتك ، وشَقَقْتُ له أسماً من أسمائي ؛ فأنا العليّ الأعلى وهو عليّ.

وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نوركما ، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة ، فمَن قَبِلها كان عندي من المقرّبين(1)..

وفي كمال الدين وتمام النعمة ، بإسناده إلى عبدالسلام بن صالح الهروي ، عن عليّ بن موسى الرضا ، عن آبائه ، عن عليّ عليهم السلام ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله في حديث طويل ، قال فيه : ... فنظرت ـ وأنا بين يَدَي ربّي ـ إلى ساق العرش ، فرأيتُ اثني عشر نوراً ، في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيائي ، أولهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم مهديّ أمّتي.

فقلت : يا ربّ ، أهولاء أوصيائي مِن بَعدي ؟ فنُوديتُ : يا محمّد ، هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي وحجّتي بعدك على بريّتي ، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك. وعزّتي وجلالي لأظهرنّ بهم دِيني ، ولأُعلينّ بهم كلمتي ، ولأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي ، ولأملّكنّه مشارق الأرض ومغاربها ، ولأسخرنّ له الرياح ، ولأذللنّ له الرقاب الصِّعاب ، ولأرقينّه في الأسباب ، ولأنصرنّه بجندي ، ولأمدنّه بملائكتي حتّى يُعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي ، ثمّ لأديمنّ ملكه ، ولأداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة(2).

وفي أصول الكافي ، بإسناده عن الإمام عليّ عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال : ... فإنه لمّا أسري بي إلى السماء الدنيا فنسبني جبرئيل لأهل السماء استودع الله

(1) عيون أخبار الرضا 2 : 61.

(2) كمال الدين وتمام النعمة 256.


144

حبّي وحبّ أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة ، فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة(1)...

وقد مر عليك خبر سدير الصيرفي وعمر بن أُذينة في الإسراء والمعراج ، وقول الإمام الصادق للاخير : يا عمر ، ما ترى هذه الناصبة في أذانهم وركوعهم وسجودهم ؟! نحن جئنا بهذه النصوص كي نؤكد على صحّة ما قاله الإمام الصادق عن النواصب ودورهم في تحريف الأمور وخصوصاً المسائل التي فيها اسم الإمام عليّ بن أبي طالب وأهل بيت الرسول ، وان تحريفاتهم لا تقتصر على مفردة أو مفردتين في التاريخ والشريعة ، بل شملت جميع مراحل التشريع من الاسراء حتّى ما لا نهايةُ وإنّك لو مررت بالتاريخ والحديث ودرستهما دراسة واقعية بعيداً عن التعصب لوافقتنا فيما قلناه وستقف على عشرات الروايات الدالّة على مكانة الإمام عليّ والتي سنتعرض لها في الشهادة الثالثة لاحقاً بإذن الله تعالى.

نحن لا نريد التفصيل في مثل هذه الموارد ، بل نذكّر القارئ الكريم بما مرّ عليه من كلام الشيخ ابن أبي الحديد من أنّ الأمويّين سعوا إلى تحريف الفضائل الثابتة في عليّ وجعلها في عثمان وأبي بكر وعمر ، ونحن لو تابعنا السير التاريخي لوقفنا على التحريف اللفظي والمعنوي لبني أميّة ، فكما أنهم جعلو اللعنة سمة وشرفاً للملعونين!! فقد أوّلوا كلام الرسول في معاوية (لا أشبع الله بطنك) بأنّه دعا له بأنّه سيأتي يوم القيامة خميص البطن لا شيء عليه(2).

(1) الكافي 2 : 46 كتاب الإيمان والكفر ، باب نسبة الإسلام ح 3.

(2) والاغرب من هذا ما قاله ابن كثير في البداية والنهاية 8 : 123 ، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه واخراه.

أمّا في الدنيا فإنّه لما صار إلى الشام اميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع اكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ويقول والله ما اشبع وانما اعيا ، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.

وأمّا في الآخرة... فإن رسول الله قال : اللهم انما أنا بشر فإيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة...وهذا الحديث فضيلة لمعاوية.


145

وخير مثال على التحريف المعنوي هو ما أشاعه معاوية في واقعة صفّين عند مقتل عمّار بن ياسر ـ لمّا تناقل الجند كلام رسول الله « تقتلك الفئة الباغية » ـ بأن الإمام عليّ بن أبي طالب هو القاتل له حيث أخرجه وزجّ به في المعركة ، ولما سمع الإمام عليّ بهذه المقالة قال ما مفاده : وعلى هذا الكلام يكون رسول الله هو الذي قتل حمزة لأنّه أخرجه لحرب المشركين!

وأقبح منه ما روي أنّه قال لأهل الشام : إنّما نحن الفئة الباغية التي تبغي دم عثمان(1)4لا!

فللأمويين تحريفات لفظية وتحريفات معنوية كثيرة ، وإنّ هذه الدراسة تريد أن توضح أمثال هذه الأمور في الشريعة والتاريخ وانعكاسها على الأذان هنا .

فلا يجوز حمل بعض التحقيقات حول الأمويين وعقيدتهم في الاسراء والمعراج و... على الإسهاب والخروج عن البحث ، بل ما كتبناه هو المقصود ، ولولاه لما فهمنا ملابسات التشريع الذي نحن بصدد بيانه.

بلى ، إنّهم لم يكونوا يحبّون آل الرسول ، بل لم يحبّوا كلّ من أحبّه الرسول ، بل كانوا يتعاملون مع آل الرسول بالشدة والبغض ، فقد ذكر المناوي في فيض القدير ، وكذا القرطبي في تفسيره واقعة دارت بين مروان بن الحكم وأسامة بن

(1) الإمامة والسياسة 1 : 146.


146

زيد.

وأسامة كان ممن يحبهم رسول الله ـ حسب نص القرطبي وغيره ـ وكان الخليفة عمر بن الخطاب أعطاه خمسة آلاف درهم ولابنه عبدالله ألفي درهم ، فسأل عبدالله عن سر ذلك فأجابه عمر أنّه فعل ذلك لمحبة رسول الله له. قال القرطبي : وقد قابل مروان هذا الواجب ( أي محبّة محبّ رسول الله ) بنقيضه ، وذلك أنّه مرّ بأسامة وهو يصلّي بباب بنت رسول الله.

فقال مروان : إنّما أردت أن تُري الناس مكانك ، فقد رأينا مكانك! فَعَل الله بك وفعل ، وقال قولاً قبيحاً.

وقال له أسامة : آذيتني وإنّك فاحش متفحّش ، وقد سمعتُ رسول الله يقول : إنّ الله يُبغض الفاحش المتفحش.

فانظر ما بين الفعلين وقِس ما بين الرجلين ، فلقد آذى بنو أميّة رسول الله في أحبابه وناقضوه في مَحابّه(1).

وعليه فالذي يجب القول به هنا ، هو أنّ خبر الإسراء ثابت بالكتاب ، والمعراج ثابت بالسنة ـ وإن لم يفرّق البعض بينهما فأطلق الإسراء على كليهما تساهلاً ـ وهذا ما جعل المجال مفتوحاً للإجمال والتفصيل والتلاعب والتشكيك في خبر المعراج أكثر من أخبار الإسراء.

فهل يرجع إجمالهم في نقل أخبار المعراج إلى عدم وقوفهم على نقول أهل بيت الوحي والنبوة ؟ أم يرجع إلى أنّهم أجملوا ذلك عن قصد وعمد ؟ لعلّك عرفت جواب هذا السؤال ممّا مرّ ، فأغنى ذلك عن الإطالة.

وبهذا يكون ما كتبناه هو أشارة إلى دواعي الأمويين ومن لفّ لفهم في

(1) تفسير القرطبي 14 : 240 ، وعنه في فيض القدير 1 : 618.


147

تحريف خبر الأذان ، وكيف ربطوا خبر الإسراء والمعراج بالشجرة الملعونة ، مدعين أنّها شجرة الزقوم ، بل كيف ربطوها بمسائل أخرى وقضايا مصيرية في الشريعة والتاريخ ، كلّ ذلك للتشكيك في مقام الرسول صلى الله عليه وآله والقول بأنّ منامه المعراجي هذا يشابه الأذان ويحتاج إلى شاهد لتثبيت صحته.

مطلبان

لنا هنا مطلبان يتضحان بعد طرحنا هذين السؤالين :

الأوّل : هل أنّ الأذان عبارة عن الإعلام للصلاة فقط ، أم هو بيان لأصول العقيدة وأركان الإسلام ؟

الثاني : هل أنّ أمر الأذان توقيفيّ ؟ وإذا كان توقيفيّاً ، فهل هناك فرق بين توقيفية الواجبات وتوقيفية المستحبّات أم لا ؟

وقبل الجواب عن السؤال الأوّل لابدّ من الإشارة إلى حقيقة هامّة في العبادات وغيرها ، وهي : أنَّ الأُمور العباديّة في الشرع لها ظاهر ومغزى ، فقد يمكن للإنسان أن يقف على ظاهر شيء ويؤدّيه دون أن يعرف كنهه ومغزاه والغاية القصوى منه ، فالمطالع مثلاً في ما جاء عن أهل بيت النبوة يقف على أسرار في الصلاة والصيام والزكاة والحجّ وغيرها ، ويتعرّف على أُمور كان لا يعرفها من ذي قبل ، ولم يتنبه لها في نظرته الأُولى ، من ذلك ما ذكره الصدوق في علل الشرائع ، حيث قال فيه :

إنّ نفراً من اليهود جاءوا إلى رسول الله فسألوه عن مسائل وكان فيما سألوه : أخبرنا يا محمّد لأيّ علَّة توضّأ هذه الجوارح الأربع وهي أنظف المواضع في الجسد ؟


148

فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله : « لمّا أن وسوس الشيطان إلى آدم دنا من الشجرة ونظر إليها ذهب ماء وجهه ، ثمّ قام ومشى إليها وهي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة ، ثمّ تناول بيده منها ممّا عليها فأكل فطار الحلي والحلل عن جسده ، فوضع آدم يده على [أُمِّ] رأسه وبكى ، فلمّا تاب الله عليه فرض عليه وعلى ذرّيّته غسل هذه الجوارح الأربع ، وأمره بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة ، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول منها ، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على أُمِّ رأسه ، وأمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة »(1).

ومعنى هذا النصّ أنّ العبد يجب عليه تطهير أعضائه حينما يريد التوجّه إلى الله ، وبما أنّ الوجه واليدين فيهما الحواسّ الخمس الظاهرة التي بها يُعصى الإله كان عليه أن يغسلهما قبل الدخول إلى حضرة الإله.

أمّا الرأس والقدمان فهما عنصران آليّان يتقوّى بهما المكلّف على المعصية أو الطاعة وهما ليسا من الحواسّ الخمس ، ففي الرأس القوّة المفكِّرة والخياليّة التي تبعث الفرد إلى ارتكاب المعاصي أو فعل الواجب ، وبالرِّجل يسعى إليهما ـ الطاعة أو المعصيّة ـ فأمر سبحانه المسح عليهما كي ينجو من الوساوس الشيطانيّة والأغلال النفسيّة ويدخل حضيرة القدس طاهراً نقيّاً من الأدناس ، ولأجل هذه الحقيقة فقد أكّدنا في كتابنا « وضوء النبيّ » على : أنَّ طهارة الوضوء هي طهارة حكميّة وليست بحقيقيّة ، لأنَّ المؤمن لا يُنَجِّسُه شيء ، وبالوضوء يُعرف مَن يطيع الله ومن يعصيه(2).

وبعد هذه المقدِّمة لابدّ من الإجابة عن السؤال الأوّل.

(1) علل الشرائع 1 : 280 الباب 191.

(2) انظر : وضوء النبيّ ، المدخل 428.


149

1 ـ الأذان إعلام للصلاة أم بيان لأصول العقيدة ؟

قال القاضي عياض : « اعلم أنّ الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان ، مشتمل على نوعه من العقليّات والسمعيّات ، فأوّله إثبات الذات وما يستحقّه من الكمال ، والتنزيه عن أضدادها ، وذلك بقوله « الله أكبر » ، وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالَّة على ما ذكرناه.

ثمّ صرّح بإثبات الوحدانيّة ونفي ضدّها من الشركة المستحيلة في حقّه سبحانه وتعالى ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد ، المقدّمة على كلّ وظائف الدين.

ثمّ صرح بإثبات النبوّة والشهادة بالرسالة لنبيّنا ، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانيّة وموضعها بعد التوحيد ، لأنّها من باب الأفعال الجائزة الوقوع ، وتلك المقدّمات من باب الواجبات ، وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليّات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقّه سبحانه وتعالى.

ثمّ دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات ، فدعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات النبوّة ، لأنَّ معرفة وجوبها من جهة النبيّ صلى الله عليه وآله لا من جهة العقل.

ثمّ دعا إلى الفلاح ، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم ، وفيه إشعار بأُمور الآخرة من البعث والجزاء ، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام.

ثمّ كرّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها ، وهو متضمّن لتأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان وليدخل المصلّي فيها على بيّنة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حقّ مَن يعبده وجزيل ثوابه... »(1).

(1) نقله عنه النووي في المجموع 3 : 75.


150

وقد نقل محمّد بن علان ـ شارح الأذكار النوويّة ـ كلام القاضي عياض بشيء من التصرّف ، كقوله :

ثمّ كرّر التكبير آخره إشارة إلى الاعتناء السابق ، لأنَّ هذا المقام هو الأصل المبنيّ عليه جميع ما تقرّر من العقائد والقواعد ، وختم ذلك بكلمة التوحيد إشارة إلى التوحيد المحض...(1).

وكان آخره اسم « الله » ليطابق البداءة ، إشارة إلى أنَّه الأوّل والآخِر في كلّ شيء ، قال القاضي : « ثمّ كرّر ذلك عند إقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها ، وفي ذلك تأكيد الإيمان وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان ، ليدخل المصلّي فيها على بيّنة من أمره وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظيم حقّ مَن عبده وجزيل ثوابه على عباده(2).

وقد علّق ابن علان على كلام القاضي عياض بقوله : ( قلتُ : قال ابن حجر في شرح المشكاة : وللاعتناء بشأن هذا المقام الأكبر كرّر الدالّ عليه أربعاً إشعاراً بعظيم رفعته ، وكأنّ حكمة خصوص الأربع أنَّ القصد بهذا التكرير تطهير شهود النفس بشهود ذلك عن شهواتها الناشئة عن طبائعها الأربعة الناشئة عن أخلاطها الأربعة.

وفي شرح العباب له : ( وكأنَّ حكمة الأربع أنَّ الطبائع أربعة لكلٍّ منها كمال ونقص يخصّه بإزاء كلّ منها كلمة من تلك ليزيد في كمالها ويطهّر نقصها ،

(1) وهو أن ( لا إله إلاّ هو ) ، معنى آخر لقوله ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ) أو قوله : ( وإلى ربّك المنتهى ).

(2) انظر : الفتوحات الربّانيّة على الأذكار النوويّة 2 : 84.


151

وكذا يقال بذلك في كلّ محلّ ورد فيه التربيع)(1).

وقال القرطبيّ وغيره : (الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة ، لأنّه بدأ بالأكبريّة وهي تتضمّن وجود الله وكماله ، ثمّ ثنّى بالتوحيد ونفي الشرك ، ثمّ بإثبات الرسالة لمحمّد صلى الله عليه وآله .

ثمّ إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة ، لأنّها لا تُعرف إلاَّ من جهة الرسول.

ثمّ دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم ، وفيه الإشارة إلى المعاد.

ثمّ أعاد ما أعاد توكيداً ، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت والدعاء إلى الجماعة وإظهار شعار الإسلام(2).

قال ابن خزيمة : فإذا كان المرء يطمع بالشهادة بالتوحيد لله في الأذان وهو يرجو أن يخلّصه الله من النار بالشهادة لله بالتوحيد في أذانه ، فينبغي لكلِّ مؤمن أن يارع إلى هذه الفضيلة طمعاً في أن يخلّصه الله من النار ، خلا في منزله أو في بادية أو قرية أو مدينة طلباً لهذه الفضيلة(3).

وقال القسطلانيّ ـ بعد نقله خبر أبي هريرة عن النبيِّ وقوله : « إذا نُودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتّى لا يُسمَع التأذين » ـ : ( لعظيم أمره لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شرائع الإسلام ، أوحى : لا يشهد للمؤذِّن بما سمعه إذا استشهد يوم القيامة ، لأنّه داخل في الجنّ والإنس المذكور في حديث : لا يسمع مدى صوت المؤذِّن جنّ ولا إنس ولا شيء إلاَّ شهد له يوم

(1) الفتوحات الربانية 2 : 83.

(2) فتح الباري 2 : 61 كتاب أبواب الأذان ، وعنه في بذل المجهود 4 : 3 ـ 4.

(3) صحيح ابن خزيمة 1 : 208.


152

القيامة)(1)..

وأخرج عبدالرزّاق عن معمر ، عن الزهريّ : أنَّ أبا بكر الصدّيق قال : الأذان شعار الإيمان(2)

ونقل الصدوق بسنده إلى الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام ، قال : كنّا جلوساً في المسجد ، إذ صعد المؤذِّن المنارة ، فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، فبكى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وبكينا لبكائه ، فلمّا فرغ المؤذّن ، قال : « أتدرون ما يقول المؤذِّن ؟ ».

قلنا : الله ورسوله ووصيّه أعلم.

فقال : « لو تعلمون ما يقول لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، فلِقوله : الله أكبر ، معانٍ كثيرة.

منها : أنَّ قول المؤذِّن : « الله أكبر » ، يقع على قِدَمِهِ ، وأزليّته ، وأبديّته ، وعلمه ، وقوّته ، وقدرته ، وحلمه ، وكرمه ، وجوده ، وعطائه ، وكبريائه.

فإذا قال المؤذِّن : اللهُ أكبر ، فإنّه يقول : الله الذي له الخلق والأمر ، وبمشيّته كان الخَلق ، ومنه كلّ شيء للخلق ، وإليه يرجع الخلق ، وهو الأوّل قبل كلّ شيء لم يَزَل ، والآخِر بعد كلّ شيء لا يزال ، والظاهر فوق كلّ شيء لا يُدرَك ، والباطن دون كلّ شيء لا يُحَدّ ، فهو الباقي ، وكلّ شيء دونه فانٍ.

والمعنى الثاني : « الله أكبر » ، أي : العليم الخبير ، عليم بما كان وما يكون قبل أن يكون.

والثالث : « اللهُ أكبر » ، أي : القادر على كلّ شيء ، يقدر على ما يشاء ، القويّ لقدرته ، المقتدر على خلقه ، القويّ لذاته ، وقدرته قائمة على الأشياء كلّها ، إذا

(1) إرشاد الساري 2 : 5.

(2) مصنّف عبدالرزّاق 1 : 483/1858.


153

قضى أمراً فإنّما يقول له : كن فيكون.

والرابع : « اللهُ أكبر » على معنى حلمه ، وكرمه ، يحلم كأنّه لا يعلم ، ويصفح كأنّه لا يرى ، ويستر كأنّه لا يُعصى ، لا يَعجَل بالعقوبة كرماً وصفحاً وحلماً.

والوجه الآخر في معنى الله أكبر : أي الجواد ، جزيل العطاء ، كريم الفِعال.

والوجه الآخر : الله أكبر فيه نفي صفته وكيفيّته ، كأنّه يقول : الله أجَلُّ من أن يُدرِك الواصفون قدرَ صفته ، الذي هو موصوف به ، وإنّما يصفه الواصفون على قدرهم لا على قدر عظمته وجلاله ، تعالى الله عن أن يُدرِك الواصفون صفته علوّاً كبيراً.

والوجه الآخر : الله أكبر ، كأنّه يقول : الله أعلى وأجلّ ، وهو الغنيُّ عن عباده ، لا حاجة به إلى أعمال خلقه.

وأمّا قوله : « أشهد أن لا إله إلاّ الله » : فإعلام بأنَّ الشهادة لا تجور إلاَّ بمعرفة من القلب ، كأنّه يقول : أعلمُ أنّه لا معبود إلاَّ الله عزّوجلّ ، وأنَّ كلّ معبود باطل سوى الله عزّوجلّ ، وأقِرُّ بلساني بما في قلبي من العلم بأنَّه لا إله إلاَّ الله ، وأشهد أنّه لا ملجأ من الله عزّوجلّ إلاّ إليه ، ولا منجى من شرّ كلّ ذي شرّ ، وفتنة كلّ ذي فتنة إلاّ بالله.

وفي المرّة الثانية : « أشهد أن لا إله إلاَّ الله » ، معناه : أشهد أن لا هادي إلاّ الله ، ولا دليل إلى الدين إلاّ الله ، وأُشهِدُ الله بأني أشهَدُ أن لا إله إلاّ الله ، وأُشهد سُكَّان السماوات ، وسكّان الأرضين ، وما فيهنّ من الملائكة والناس أجمعين ، وما فيهنّ من الجبال ، والأشجار ، والدوابّ ، والوحوش ، وكلّ رطب ويابس ، بأنّي أشهد أن لا خالق إلاَّ الله ، ولا رازق ، ولا معبود ، ولا ضارّ ، ولا نافع ، ولا قابض ، ولا باسط ، ولا معطي ، ولا مانع ، ولا ناصح ، ولا كافي ، ولا شافي ، ولا مُقدّم ، ولا مُؤخّر إلاّ الله ، له الخلق والأمر ، وبيده الخير كلّه ، تبارك الله ربّ العالمين.


154

وأمّا قوله : « أشهدُ أن محمّداً رسول الله » ، يقول : أشهد الله أنَّه لا إله إلاّ هو ، وأنَّ محمّداً عبده ورسولُه ، ونبيُّه ، وصفيُّه ، ونجيبُه ، أرسله إلى كافّة الناس أجمعين بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون ، وأشهد مَن في السماوات والأرض ، من النبيّين والمرسلين ، والملائكة والناس أجمعين أنَّ محمّداً سيّد الأوّلين والآخرين.

وفي المرّة الثانية : « أشهد أنَّ محمّداً رسول الله » ، يقول : أشهد أن لا حاجة لأحد [إلى أحد] إلاَّ إلى الله الواحد القهّار الغنيّ عن عباده والخلائق والناس أجمعين ، وأنّه أرسل محمّداً إلى الناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، فمن أنكره وجحده ولم يؤمن به أدخله الله عزّوجلّ نار جهنّم خالداً مُخَلَّداً ، لا ينفكُّ عنها أبداً.

وأما قوله : « حيّ على الصلاة » ، أي هلمّوا إلى خير أعمالكم ، ودعوة ربّكم ، وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم ، وإطفاء ناركم التي أوقدتموها على ظهوركم ، وفكاك رقابكم التي رَهَنتموها ، ليكفّر الله عنكم سيئاتكم ، ويغفر لكم ذنوبكم ، ويبدّل سيئاتكم حسنات ، فإنّه مَلِكٌ كريم ، ذو الفضل العظيم ، وقد أذِن لنا ـ معاشرَ المسلمين ـ بالدخول في خدمته ، والتقدّم إلى بين يديه.

وفي المرة الثانية : « حيّ على الصلاة » ، أي قوموا إلى مناجاة ربّكم وعرض حاجاتكم على ربكم ، وتوسّلوا إليه بكلامه ، وتشفعوا به وأكثروا الذكر والقُنوت ، والركوع والسجود ، والخضوع والخشوع ، وارفعوا إليه حوائجكم ، فقد أذن لنا في ذلك.

وأمّا قوله : « حيّ على الفلاح » ، فإنّه يقول : أَقْبِلُوا إلى بقاءٍ لا فناءَ معه ، ونجاةٍ لا هلاك معها ، وتعالوا إلى حياةٍ لا موت معها ، وإلى نعيم لا نفاد له ، وإلى مُلك لا زوال عنه ، وإلى سرور لا حزن معه ، وإلى أُنس لا وحشة معه ، وإلى نور لا


155

ظلمة معه ، وإلى سعة لا ضيق معها ، وإلى بهجة لا انقطاع لها ، وإلى غِنى لا فاقة معه ، وإلى صحّة لا سقم معها ، [وإلى عِزّ لا ذلّ معه] ، وإلى قوّة لا ضعف معها ، وإلى كرامة يا لها من كرامة ، وعَجِّلُوا إلى سرور الدنيا والعقبى ، ونجاة الآخرة والأُولى.

وفي المرّة الثانية : « حيّ على الفلاح » ، فإنّه يقول : سابقوا إلى ما دعوتكم إليه ، وإلى جزيل الكرامة ، وعظيم المِنَّة ، وسنيّ النِّعمة ، والفوز العظيم ، ونعيم الأبد في جوار محمّد صلى الله عليه وآله في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وأمّا قوله : « اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر » ، فإنّه يقول : الله أعلى وأجلّ من أن يعلم أحد من خلقه ما عنده من الكرامة لعبد أجابه وأطاعه ، وأطاع أمره وعبدَهُ وعرف وعيده ، واشتغل به وبذكره ، وأحبّه وآمن به ، واطمأنَّ إليه ووثق به وخافه ورجاه ، واشتاق إليه ، ووافقه في حكمه وقضائه ، ورضي به.

وفي المرّة الثانية : « اللهُ أكبر » ، فإنّه يقول : الله أكبر وأعلى وأجَلُّ من أن يَعلم أحدٌ مبلغ كرامته لأوليائه وعقوبته لأعدائه ، ومبلغ عفوه وغفرانه ونعمته لمن أجابه وأجاب رسوله ، ومبلغ عذابه ونَكاله وهوانه لمن أنكره وجحده.

وأمّا قوله : « لا إله إلاّ الله » ، معناه : لله الحجّة البالغة عليهم بالرسول والرسالة ، والبيان والدعوة ، وهو أجَلُّ من أن يكون لأحدٍ منهم عليه حجَّة ، فَمَن أجابه فله النور والكرامة ، ومَن أنكره فإنَّ اللهَ غنيٌّ عن العالمين ، وهو أسرع الحاسبين.

ومعنى « قد قامت الصلاة » في الإقامة ، أي حان وقت الزيارة والمناجاة ، وقضاء الحوائج ، ودرك المُنَى ، والوصول إلى الله عزّوجلَّ ، وإلى كرامته وغفرانه وعفوه ورضوانه.

قال الصدوق : إنّما تَرَكَ الراوي ذِكر « حيّ على خير العمل » للتقيّة ، وقد روي في خبر آخر أنَّ الصادق عليه السلام سئل عن معنى « حيّ على خير العمل » فقال : « خير


156

العمل : الولاية ».

وفي خبر آخر : « خير العمل : بِرُّ فاطمةَ وولدها عليهم السلام »(1).

قلتُ : سنفتح بإذن الله ملابسات هذه الرؤية وما يتلوها عن ابن عبّاس في البابين الأوّل « حيّ على خير العمل ، الشرعية والشعارية » ، والثالث « أشهد أن عليّاً وليّ الله بين الشرعية والابتداع » من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى. إذ لاخلاف عند جميع الفرق الشيعية إسماعيلية كانت ، أم زيدية ، أم إمامية اثني عشرية بجزئية الحيعلة الثالثة ، وأكّد الدسوقي وغيره ـ كما سيأتي ـ على تأذين الإمام عليّ بن أبي طالب بها ، فقد يكون ـ وكما احتمله الشيخ الصدوق ـ الراوي إنّما ترك ذكر ( حيّ على خير العمل ) للتقية وذلك للظروف التي كانت تمر بها الشيعة. ويؤيد ما قلناه في شرعية الحيعلة الثالثة وأنّها موجودة في الأخبار المنقولة عن الإمام عليّ وابن عباس ما روي عند الزيدية عن بن عبّاس عن عليّ بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : « لما انتُهي بي إلى سدرة المنتهى... وفيه : حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل »(2).

وروى الصدوق في معاني الأخبار بسنده عن عطاء ، قال : كنّا عند ابن عبّاس بالطائف ، أنا وأبو العالية ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، فجاء المؤذِّن فقال : « اللهُ أكبر اللهُ أكبر » ، واسم المؤذِّن قثم بن عبدالرحمن الثقفيّ.

فقال ابن عبّاس : أتدرون ما قال المؤذِّن ؟ فسأله أبو العالية ، فقال : أخبرنا

(1) معاني الأخبار 38 ـ 41 والنصّ عنه ، والتوحيد 238 ـ 241 كما في مستدرك وسائل الشيعة 4 : 65 ـ 70 ح 4187 / 1 ، وانظر : بيان المجلسيّ في بحار الأنوار 81 : 134 ـ 135 ، وتفسيره عليه السلام الأذان في جامع الأخبار : 171 كما في بحار الأنوار 81 : 153 ـ 155.

(2) انظر : الخبر بتفصيله في كتاب الاعتصام بحبل الله 1 : 290.


157

بتفسيره.

قال ابن عبّاس : (إذا قال المؤذِّن : « الله أكبر ، اللهُ أكبر » ، يقول : يا مَشاغيلَ الأرض ، قد وجبت الصلاة ، فتفرَّغوا لها.

وإذا قال : « أشهد أن لا إله إلاَّ الله » ، يقول : يقوم يوم القيامة ، ويشهد لي ما في السماوات وما في الأرض على أنّي أخبرتكم في اليوم خمس مرّات.

وإذا قال : « أشهد أنَّ محمّداً رسول الله » ، يقول : تقوم القيامة ومحمّد يشهد لي عليكم أنّي قد أخبرتكم بذلك في اليوم خمس مرّات ، وحجّتي عند الله قائمة.

وإذا قال : « حيّ على الصلاة » ، يقول : دِيناً قيِّماً فأقيموه ، وإذا قال : « حيّ على الفلاح » ، يقول : هَلُمُّوا إلى طاعة الله وخذوا سهمكم من رحمة الله ، يعني الجماعة.

وإذا قال العبد : « اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر » ، يقول : حرّمت الأعمال.

وإذا قال : « لا إله إلاَّ الله » ، يقول : أمانة سبع سماوات ، وسبع أرضين ، والجبال ، والبحار وضعت على أعناقكم إن شئتم فأقبلوا وإن شئتم فأدِبروا(1).

وقد مرّ عليك كلام الإمام الحسين « والأذان وجه دينكم » ، وقول محمّد ابن الحنفيّة : « عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم الدين »(2) ، وما جاء في ( مَن لا يحضره الفقيه ) بإسناده عن الفضل بن شاذان فيما ذكره من

(1) معاني الأخبار 41 كما في بحار الأنوار 81 : 141 ـ 143 ومستدرك وسائل الشيعة 4 : 71 ـ 72.

(2) جاء في كتاب الاعتصام بحبل الله 1 : 278 : قال الهادي إلى الحقّ [ من أئمّة الزيديّة ] : والأذان من أصول الدين ، وأصول الدين لا يتعلّمها رسول الله على لسان بشر من العالمين.


158

العلل عن الرضا عليه السلام أنّه قال :

« إنّما أُمِرَ الناس بالأذان لعلل كثيرة ، منها : أن يكون تذكيراً للناسي ، وتنبيهاً للغافل ، وتعريفاً لمن جهل الوقت واشتغل عنه ؛ ويكون المؤذِّن بذلك داعياً لعبادة الخالق ، ومرغِّباً فيها ، ومُقِرَّاً له بالتوحيد ، مجاهراً بالإيمان ، معلناً بالإسلام... ».

إلى أن يقول : « وجُعِل بعد التكبير الشهادتان ، لأنَّ أوّل الإيمان هو التوحيد والإقرار لله بالوحدانيّة ، والثاني الإقرار للرسول بالرسالة ، وأنَّ إطاعتهما ومعرفتهما مقرونتان ، ولأنَّ أصل الإيمان إنّما هو الشهادتان ، فجعل شهادتين شهادتين كما جعل في سائر الحقوق شاهدان ، فإذا أقرّ العبد لله عزّوجلّ بالوحدانيّة وأقرّ للرسول بالرسالة فقد أقرَّ بجملة الإيمان ؛ لأنّ أصل الإيمان إنّما هو بالله وبرسوله. وإنّما جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة ، لأنّ الأذان إنّما وضع لموضع الصلاة ، وإنّما هو نداء إلى الصلاة في وسط الأذان ودعاء إلى الفلاح وإلى خير العمل ، وجعل ختم الكلام باسمه كما فتح باسمه »(1).

وفي العلل لمحمّد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، قال : علّة الأذان أن تكبّر الله وتعظّمه وتقرّ بتوحيد الله وبالنبوّة والرسالة وتدعو إلى الصلاة وتحثّ على الزكاة ، ومعنى الأذان : الإعلام ، لقوله تعالى : ﴿ وأذان من اللهِ ورسولهِ إلى الناس (2) ، أي : إعلام ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « كنتُ أنا الأذان في الناس بالحجّ » ، وقوله : ﴿ وأذّن في الناس بالحجّ (3) ، أي : أعلِمهم وادعُهم.

(1) مَن لا يحضره الفقيه 1 : 299/914 ، علل الشرائع : 258/9 الباب 182 ، عيون أخبار الرضا 2 : 103 ـ 105.

(2) التوبة : 2.

(3) الحجّ : 28.


159

فمعنى « الله » أنّه يخرج الشيء من حدِّ العدم إلى حدِّ الوجود ويخترع الأشياء لا من شيء ، وكلّ مخلوق دونه يخترع الأشياء من شيء إلاَّ الله ، فهذا معنى « الله » وذلك فرق بينه وبين المحدث.

ومعنى « أكبر » ، أي : أكبر مِن أن يُوصَف في الأوّل ، وأكبر من كلِّ شيء لمّا خلق الشيء.

ومعنى قوله : « أشهد أن لا إله إلاَّ الله » : إقرار بالتوحيد ، ونفي الأنداد وخلعها ، وكلّ ما يعبدون من دون الله.

ومعنى « أشهد أنّ محمّداً رسول الله » : إقرار بالرسالة والنبوّة ، وتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وذلك قول الله عزّوجلّ : ﴿ ورفعنا لك ذكرك (1) ، أي : تُذكَر معي إذا ذُكِرتُ.

ومعنى « حيّ على الصلاة » ، أي : حثّ على الصلاة.

ومعنى « حيّ على الفلاح » ، أي : حثّ على الزكاة.

وقوله : « حيّ على خير العمل » ، أي : حثّ على الولاية ، وعلّة أنّها خير العمل أنَّ الأعمال كلّها بها تقبل.

اللهُ أكبر اللهُ أكبر ، لا إله إلاَّ الله ، محمّد رسول الله ، فألقى معاوية من آخر الأذان « محمّد رسول الله » ، فقال : أمَا يرضى محمّد أن يُذكر في أوّل الأذان حتّى يذكر في آخره ؟!

ومعنى الإقامة : هي الإجابة والوجوب ، ومعنى كلماتها فهي التي ذكرناها في الأذان ، ومعنى « قد قامت الصلاة » ، أي : قد وجبت الصلاة وحانت وأُقيمت ، وأمّا العلّة فيها ، فقال الصادق عليه السلام : « إذا أذَّنتَ وصلّيتَ صلَّى خلفك صفٌّ من الملائكة ، وإذا أذَّنت وأقمتَ صلَّى خلفك صفّان من الملائكة ، ولا يجوز ترك

(1) الانشراح : 4.


160

الأذان إلاّ في صلاة الظهر والعصر والعتمة ، يجوز في هذه الثلاث الصلوات إقامة بلا أذان ، والأذان أفضل ، ولا تجعل ذلك عادة ، ولا يجوز ترك الأذان والإقامة في صلاة المغرب وصلاة الفجر ، والعلة في ذلك أنّ هاتين الصلاتين تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار(1).

وقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء ـ ضمن بيانه لحكم وفضل الأذان ـ : « .. ولأنّه وضع لشعائر الإسلام دون الإيمان »(2).

فهذه النصوص تشير بوضوح إلى أنّ الأذان لم يكن إعلاماً بوقت الصلاة فقط ، بل هو بيان لكلّيّات الإسلام وأصول العقيدة والعقائد الحقة.

فلو كان بياناً لوقت الصلاة خاصّة ؛ لكان للشارع أن يكتفي بتشريع علامة كي تكون معلماً للوقت والمكان كما تفعله اليهود والنصارى والمجوس بالبوق والناقوس وإشعال النار وغير ذلك.

وعليه ، لم يكن الأذان لإعلام وقت الصلاة خاصّة ، ويؤيّد قولنا شموليّة التأذين لكثير من الأُمورالاجتماعيّة والحياتيّة ، ولو سلّطنا الضوء على آثار الأذان في الشريعة لوقفنا على جواب سؤالنا.

(1) انظر : بحار الأنوار 81 : 169. عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم.

(2) كشف الغطاء ، الطبعة القديمة 227 في بيان كيفيّة الأذان ، وسنعلِّق في الباب الثالث « اشهد ان عليّاً ولي الله بين الشرعية والابتداع » على كلامه رحمه الله تعالى.


161

الأذان وآثاره في الحياة الاجتماعية

من الثابت في الشريعة الإسلامية استحباب الأذان والإقامة لأمور حياتيّة واجتماعيّة كثيرة غير الصلاة ، نذكر موارد منها :

الأذان والمولود

عن عليّ عليه السلام : « مَن وُلِد له مولود فليؤذِّن في أُذنه اليمنى بأذان الصلاة ، وليقم في اليسرى ، فإنَّ ذلك عصمة من الشيطان الرجيم والإفزاع له »(1).

وفي سنن أبي داود بسنده عن عبيدالله بن أبي رافع ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله أذّن في أُذن الحسن بن عليّ حين ولدته فاطمة بالصلاة(2).

الأذان والعقم

شكا هشام بن إبراهيم إلى الرضا عليه السلام سقمه وأنّه لا يولد له ، فأمره أن يرفع صوته بالأذان في منزله ، قال : ففعلتُ ذلك ، فأذهب اللهُ عني سقمي ، وكثر ولدي(3) .

(1) النصّ في الجعفريّات ( الأشعثيّات ) : 32 ، وقريب منه في دعائم الإسلام 1 : 147 ، وعنه في بحار الأنوار 84 : 162 ـ 163. وانظر : وسائل الشيعة 21 : 405 ـ 406 كتاب النكاح باب استحباب الأذان في أذن المولود.

(2) سنن أبي داود 4 : 328 كتاب الأدب باب في الصبيّ يولد فيؤذّن في أذنه ح 5105 ، وسنن الترمذي 4 : 97 كتاب الأضاحي باب الأذان في اذن المولود ح 1514 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح.

(3) الدعوات للقطب الراونديّ : 189 ـ 190 ، وعنه في بحار الأنوار 81 : 156. ومستدرك وسائل الشيعة 4 : 39 كتاب الصلاة وانظر : كلام الشيخ يحيى بن سعيد في جامع الشرائع 73 ، والصدوق في من لا يحضره الفقيه 1 : 292 ح 903.


162

الأذان والمرض

عن جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام أنّه دخل عليه رجل من مواليه وقد وعك ، فقال له عليه السلام : « ما لي أراك متغيِّر اللون ؟ ».

فقلتُ : جُعِلتُ فداك ، وعكتُ وعكاً شديداً منذ شهر ، ثمّ لم تنقلع الحمّى عنّي ، وقد عالجتُ نفسي بكلّ ما وصفه لي المترفّقون فلم أنتفع بشيء من ذلك.

فقال له الصادق عليه السلام : « حلَّ أزرار قميصك ، وأدخل رأسك في قميصك وأذِّن وأقِم واقرأ سورة الحمد سبع مرات ».

قال : ففعلتُ ذلك ، فكأنّما نشطتُ من عقال(1).

وحكى العجلوني في كشف الخفاء عن الفقيه محمّد السيابا ـ فيما حكى عن نفسهـ أنّه هبّت ريح فوقعت منه حصاة في عينه وأعياه خروجها وآلمته أشدّ الألم ، وأنّه لمّا سمع المؤذّن يقول : أشهد أن محمّداً رسول الله ، قال ذلك ، فخرجت الحصاة من فوره(2).

الأذان وسعة الرزق

شكا رجل لأبي عبدالله الصادق عليه السلام الفقر ، فقال : « أذِّن كلَّما سمعتَ الأذان كما يُؤذّن المؤذّن »(3).

وقال سليمان بن مقبل المدينيّ : قلتُ لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام : [ لأيّ ] علّة يستحبّ للإنسان إذا سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذِّن ، وإن كان على البول والغائط ؟

(1) طبّ الأئمّة 52 ، كما في بحار الأنوار 81 : 75.

(2) كشف الخفاء 2 : 206 ـ 207.

(3) بحار الأنوار 81 : 174 عن الدعوات للراوندي.


163

فقال عليه السلام : « لأنَّ ذلك يزيد في الرزق »(1).

الأذان ووجع الرأس

ذكر الشيخ الطبرسيّ في عدّة السفر وعمدة الحضر : روي عن الأئمَّة عليهم السلام أنّه : « يكتب الأذان والإقامة لرفع وجع الرأس ويُعَلَّق عليه »(2).

الأذان وسوء الخُلق

عن الصادق عليه السلام : « إن لكلّ شيء قَرَماً ، وأنَّ قَرَم الرجل اللحم ، فَمَن تركه أربعين يوماً ساء خُلقه ، ومَن ساء خلقه فأذِّنّوا في أُذنه اليمنى »(3).

الأذان وطرد الشيطان

روى سليمان الجعفريّ أنّه سمع الإمام الصادق عليه السلام ، يقول : « أذِّن في بيتك ، فإنّه يطرد الشيطان ، ويستحبّ من أجل الصِّبيان »(4).

الأذان والغول

في دعائم الإسلام عن عليّ عليه السلام قال : « قال رسول الله : إذا تَغَوّلت لكم الغِيلان(5) فأذِّنوا بالصلاة »(6).

وعن أبي سعيد الخدريّ : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « لا يسمع مدى صوت المؤذِّن

(1) وسائل الشيعة 1 : 315 كتاب الطهارة أبواب أحكام الخلوة ، وانظر : 15 : 347 ـ 348 عن الإمام عليّ ، كتاب الجهاد أبواب جهاد النفس.

(2) مستدرك وسائل الشيعة 4 : 76 ، مستدرك سفينة البحار 1 : 65 في مادة « أذن » ، الطبعة القديمة.

(3) المحاسن 2 : 256 كتاب المآكل ح 1808 ، بحار الأنوار 81 : 151.

(4) الحدائق النضرة 7 : 366.

(5) الغول : نوع من الجنّ يغتال الإنسان ـ بحار الأنوار 81 : 119.

(6) دعائم الإسلام 1 : 147 كما في بحار الأنوار 81 : 162 ، ومستدرك وسائل الشيعة 4 : 62.


164

جنّ ولا إنس ولا شيء إلاَّ وشهد له يوم القيامة »(1).

وقال الخطاب الرعيني في مواهب الجليل نقلاً عن الناشري من الشافعيّة في الإيضاح : يستحبّ الأذان لمزدَحَم الجنّ ، وفي أُذُن الحزين ، والصبيّ عندما يولد في اليمنى ويقيم في اليسرى ، والأذان خلف المسافر والإقامة(2).

فتلخّص مما سبق ومن أقوال بعض علماء أهل السنّة والجماعة ، وجميع الشيعة بفرقها الثلاث أنَّ تشريع الأذان كان في المسرى وأنَّ تشريعه لم يكن لتعيين وقت الصلاة خاصّة ؛ لاكتناف هذه الشعيرة الإسلاميّة أسراراً عالية ومعاني باطنيّة عميقة ذكرنا بعضها ، وستقف على غيرها لاحقاً ، وستعرف بأنَّ السِّرَّ في رفع « حيّ على خير العمل » لم يكن لما علّلوه ، وكذا المقصود من جملة « الصلاة خير من النوم » لم يكن كما يفهمه عامّة الناس من العبارة ، بل هناك أسرار ومسائل تكتنف هذه الفصول سنرفع الستار عنها بإذن الله تعالى.

2 ـ توقيفيّة الأذان

وصل البحث بنا إلى طرح سؤال آخر وهو : هل الأذان توقيفيّ بمعنى لزوم إتيان فصوله كما هي ، أم إن لنا الحق في الزيادة والنقصان حسب ما تقتضيه المصلحة وهو المعني بعدم توقيفيته كما مرّت الإشارة إليه ؟ وهل هناك فرق بين الأمور التوقيفية العباديّة وغيرها ، وبين الواجبات والمستحبات ، أم لا ؟

بل ما هو حكم الأذان ، وهل توقيفيته كالقرآن لا يمكن الزيادة والنقيصة فيها ؟ أم أن توقيفيته هي بشكل آخر ؟

(1) صحيح البخاري 1 : 306 كتاب الأذان باب رفع الصوت بالأذان ح 575 ، سنن النسائي 2 : 12 كتاب الأذان باب رفع الصوت بالأذان.

(2) مواهب الجليل 2 : 85.


165

من الثابت المعلوم أن الأذان توقيفيّ ، وقد مرت عليك نصوص أهل بيت النبيّ الدالّة على أنّه شرّع في الإسراء والمعراج ، ومثله جاء في كتب بعض أهل السنة والجماعة.

لكن من حقّنا أن نتساءل : لو كان كذلك فكيف لنا أن نتعامل مع بعض الأحاديث والنصوص المشعرة بعدم التوقيفية ، وذلك لما فيها من الزيادة والنقصان ، وعلى أيّ شيء تدل ، هل على التخيير أم الرخصة أم على شيء آخر ؟

روى أبو بصير عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام ، قال : لو أنّ موّذناً أعاد في الشهادة وفي حيّ على الصلاة أو حيّ على الفلاح المرتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إماماً يريد به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به باس(1).

وعن أبي عبيدة الحذَّاء ، قال : رأيت أبا جعفر عليه السلام يكبّر واحدة واحدة في الأذان ، فقلت له : لِمَ تكبر واحدة واحدة ؟ فقال : لا باس به إذا كنتَ مستعجلاً في الأذان(2).

وروى الشيخ في الصحيح عن عبدالله بن سنان ، قال : سألت أبا عبدالله عن المرأة تؤذّن للصلاة ؟ فقال : حَسَنٌ إن فعلت ، وان لم تفعل أجزأها أن تكبّر وأن تشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمّداً رسول الله(3).

وعن أبي مريم الأنصاري في الصحيح ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : إقامة المرأة أن تكبّر وتشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله (4).

(1) الكافي 3 : 308 ح 34 والنصّ عنه ، وعنه في وسائل الشيعة 5 : 428.

(2) التهذيب 2 : 62 ح 216 ، الاستبصار 1 : 307 /1140 ، وسائل الشيعة 5 : 425.

(3) التهذيب 2 : 58 ح 202 ، وسائل الشيعة 5 : 405.

(4) الكافي 3 : 305 ، كتاب الصلاة باب بدء الأذان والإقامة.


166

وجاء في رواية البخاري ومسلم ، عن عبدالله بن الحارث ، قال : خَطَبنا ابنُ عبّاس في يوم ذي ردغٍ ، فأمرَ المؤذّن لمّا بلغ (حيّ على الصلاة) قال قل : « الصلاة في الرحال » ، فنظر بعضهم إلى بعض ، فكأنّهم أنكروا ، فقال : كأنّكم أنكرتم هذا ، إنَّ هذا فَعَلُه مَن هو خير منّي ـ يعني النبيّ صلى الله عليه وآله ـ وإنّها عزمة ، وإنّي كرهت أن أُحرجكم(1).

وجاء عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه كان يزيد في الفجر جملة « الصلاة خير من النوم »(2)!

فعلى أي شيء تدل هذه النصوص ؟ وما المعني بها ؟ وكيف يمكن تطابقها مع القول بتوقيفية العبادات ؟

وهل أنّ توقيفية الأذان تختلف عن غيره من الأحكام فيجوز إعادة (حيّ على الفلاح) ثلاث مرات أو أكثر في الأذان ، ولا يجوز الزيادة والنقيصة في أمر عبادي آخر ؟

وهل هناك فرق بين الواجب التوقيفيّ والمستحبّ التوقيفيّ ؟

إن التوقيفيّ معناه هو التعبّديّ ، أي التعبّد بما جاء به الشارع المقدّس دون زيادة ولا نقصان ، فلو صحّ مجيء « حيّ على الفلاح » في الأذان ثلاثاً فهو شرعيّ ويحمل إما على التخيير أو الرخصة لضرورة خاصة.

ولو لم يصح الخبر فلا يعمل به ، وليس هناك فرق بين التوقيفيّ في العبادات والتوقيفيّ في المعاملات ، وكذا لا فرق بين التوقيفيّ في الواجبات والمستحبّات ، فعلى المكلف أن يؤدّي ما سمعه وعقله على الوجه الذي أمر به

(1) صحيح البخاري 1 : 324 ـ 325 ، كتاب الأذان باب هل يصلي الإمام بمن حضر...في المطر ح 629 ، صحيح مسلم 1 : 485 ح 699 ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها.

(2) التهذيب 2 : 63 ح 222.


167

الشارع فقط ، ففي كمال الدين للصدوق ، عن عبدالله بن سنان ، قال : قال الصادق عليه السلام : ستصيبكم شبهة فتبقون بلا عَلَم يُرى ولا إمام هدىً ، لا ينجو منها إلاَّ من دعا بدعاء الغريق.

قلت : وكيف دعاء الغريق ؟

قال : تقول : يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب ، ثبّت قلبي على دينك..

فقلت : يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك.

فقال عليه السلام : إن الله عزّوجلّ مقلّب القلوب والأبصار ، ولكن قُل كما أقول : يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك(1).

بهذا النهج يتعلم المسلم لزوم التروّي والتأنّي والحيطة والحذر في النقل وضرورة رعاية النص كما هو دون زيادة ونقصان ، هذا ما علّمنا الشارع المقدّس التمسّك به.

نعم ، قد يختلف توقيفي عن توقيفي آخر ، وبلحاظ زاوية خاصة ، بمعنى أنّ توقيفية الأذان قد تختلف عن توقيفية الزواج والطلاق ، أي : أنّ توقيفية الزواج والطلاق تتعلّق بامر كلي لا بجزئيته ، أي يجب على المطلِّق أو العاقد أن يُنشئ عقدة الزواج والطلاق في كلامه دون التعبد بصيغة واحدةٍ خاصة ، فله أن يقول : ( أنكحت ) أو ( زوّجت ) أو ( متّعت ) ، فلو أتى العاقد بأي صيغة منها صح زواجه.

وكذا الحال بالنسبة إلى الطلاق فلو قال المطلِّق : زوجتي طالق ، أو فاطمة طالق ، أو امرأتي التي في ركن الدار طالق ـ لو كانت هناك مثلاً ـ صح طلاقه ، لأنّ المطلوب هو إنشاء علقة الزوجية في الزواج ، وقصد الإبانة في الطلاق

(1) كمال الدين وتمام النعمة 2 : 351 باب 43 ح 49 وعنه في بحار الأنوار 52 : 148 ح73.


168

دون التعبّد بصيغة مخصوصة ، وهذا بخلاف التعبد بنصوص القرآن وما شابهه ، لأن الثاني يأبى التغيير والتبديل ، فلا يجوز تقديم جملة من القرآن على أخرى ، فلا يجوز أن تقول : ( الرحيم الرحمن ) بدل ( الرحمن الرحيم ) ؛ لأن المطلوب أداء النصّ السماوي كما هو.

اذاً توقيفيات الأمور تختلف بحسب تعلّق الأحكام ، فتارة : تتعلّق بالحقيقة وذات الأمر ، وأخرى بلزوم التعبد بالنص المعهود دون زيادة ونقيصة ، وقد وضّحنا قبل قليل بأنّ توقيفية الزواج والطلاق مثلاً تتعلق بالحقيقة الكلية دون التعبد بصيغة بخصوصها ، بخلاف توقيفية القرآن فإنّها توقيفية بالنص فلا يجوز الزيادة والنقصان والتقديم والتأخير ، ومن القبيل الأوّل الأذكار المستحبة في القنوت ، فالقنوت مستحبّ يقيناً لكن لا يلحظ فيه ذكر مخصوص ، فللقانت أن يقنت بما شاء من تسبيح وتحميد وشكر و...

والآن نتساءل عن توقيفية الأذان وأنّه من أي القسمين ، وهل يجوز فيه الزيادة والنقيصة وتبديل كلمة باختها أم لا ؟ ولو جاز فإلى أي حد يسمح لنا الشارع بالتصرف ؟ وهل أنّه من قبيل الذكر المسموح به في القنوت أو من قبيل اختلاف صيغ التشهد وصلاة الخوف عند أهل السنة والجماعة أم هو شيء آخر ؟

نترك القارى معنا إلى الابواب اللاحقة كي نوقفه على حقيقة الأمر وما نريد قوله بهذا الصدد.


169

الخلاصة

بعد أن بيّنّا معنى الأذان لغة واصطلاحاً ، والأقوال التي قيلت في تأريخ تشريع الأذان ، عرضنا أشهر الأقوال الموجودة عند أهل السنة والجماعة في بدء الأذان فكانت ستّة :

1 ـ تشريعه باقتراح من الصحابة وخصوصاً عمر بن الخطّاب.

2 ـ تشريعه بمنامات رآها بعض الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعبد الله بن زيد وغيرهم.

3 ـ نزول الأذان تدريجياً ، ثمّ إضافة عمر الشهادة بالنبوّة.

4 ـ الأذان وحي من الله تلقّاه الرسول من جبرئيل في المعراج.

5 ـ إنّ عمر أوّل من سمع أذان جبرئيل في السماء ثمّ سمعه بلال.

6 ـ إنّ تشريع الأذان نزل به جبرئيل على آدم لمّا استوحش.

ثمّ أتينا برؤية أهل البيت في بدء الأذان ، وأكّدنا اتّفاقهم على كون تشريعه كان في المعراج ، ونقلنا نصوصاً عن :

1 ـ الإمام عليّ بن أبي طالب.

2 ـ الإمام الحسن بن عليّ.

3 ـ الإمام الحسين بن عليّ.

4 ـ محمّد بن عليّ بن أبي طالب (ابن الحنفية).

5 ـ الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين.

6 ـ الإمام محمّد بن عليّ الباقر.

7 ـ الإمام جعفر بن محمّد الصادق.


170

8 ـ الإمام عليّ بن موسى الرضا.

ثمّ ذكرنا أقوال بعض أعلام الإمامية كي نؤكّد إطباقهم على هذا الأمر وأنه مأخوذ من الوحي النازل على النبيّ دون الرؤيا.

وحيث أن القول بكونه وحياً قد ورد عند الفريقين بعكس القول بكونه مناماً الذي انفردت به أهل السنة والجماعة ، ألقينا بعض الضوء على هذه الرؤية فكانت لنا وقفة مع أحاديث الرؤيا ، ثمّ تحقيق في دواعي نشوء مثل هذه الفكرة عندهم ، واحتملنا ارتباط هذا الأمر مع قوله تعالى ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أرَيناكَ إلا فتنةً للناس المرتبط بلعن بني أميّة ، موضحين هناك بعض معالم الخلاف وجذوره ، مؤكدين على أن أهل البيت كانوا يشيرون في كلماتهم ومواقفهم إلى أن بني أميّة جدّوا للوقوف أمام انتشار ذكر محمّد وآله في الأذان والتشهد والخطبة ، ساعين للتقليل من مكانة الإسراء والمعراج والادّعاء بأنّه كان بالروح فقط ، أي أنّه كان في المنام لا في اليقظة ، وذلك طمساً لذكر الرسول المستتبع طمس ذكر مكارمه صلى الله عليه وآله وفضائله ، والأنكى من ذلك أنهم أغفلوا وجود الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ضمن المضطجعين مع النبيّ عند العروج أو البعثة وحرفوا نصوصاً ومشاهدات اُخرى كانت في المعراج وتسميتها بأسماء آخرين.

ومثله تناسيهم ذكر وجود مثاله في الجنَّة مع أنّهم ذكروا وجود أمثلة مَن هم أقلّ شأناً ومنزلة من عليّ بكثير وقد قلنا بأن فكرة الرؤيا استحكمت عند القوم بعد صلح الإمام الحسن مع معاوية لقول سفيان بن الليل : فتذاكرنا عنده ، فقال بعضنا : إنّما كان الأذان برؤيا عبدالله بن زيد ، فقال له الحسن بن عليّ : أنّ شأن الأذان أعظم من ذلك ، أذّن جبرئيل...

ثمّ ذكرنا ما حكي عن الإمام الحسين وأنّه سئل عما يقول الناس


171

فقال عليه السلام : الوحي ينزل على نبيكم وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد.

وما نقل عن محمّد بن الحنفية أنّه فزع لمّا سمع ما يُقال عن تشريع الأذان بالرؤيا وقوله : وعمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه كان رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه يحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث احلام.

قال [ الراوي ] : فقلت : هذا الحديث قد استفاض في الناس ؟

قال : هذا والله هو الباطل.

ثمّ نقلنا بعد ذلك كلمات الإمام عليّ والزهراء والحسن والحسين وعليّ بن الحسين وزينب ، المصرّح أو الملوّح فيها ببني أميّة ومن قبلهم ممن كانوا قد تصدو للخلافة!

ثمّ ركّزنا على خطبة الإمام السجاد في الشام فذكرنا قسماً منها إلى أن أذن المؤذن فقال (اشهد أن محمّداً رسول الله) فالتفت عليّ بن الحسين من اعلى المنبر إلى يزيد وقال : يا يزيد ، محمّدٌ هذا جدي أم جدك ، فإن زعمت أنّه جدك فقد كذبت ، وإن قلت أنّه جدي فلم قتلت عترته ، ولاحظنا سير محاولة الطمس وامتدادها إلى العصر العباسيّ من جانب الحكومات ، وفي مقابلها حرص ائمّة أهل البيت عليهم السلام على إتمام النور ورفع الذكر والافتخار باسم محمّد المرفوع في الأذان.

وأخيراً أشرنا إلى مطلبين آخرين :

أحدهما : أنّ الأذان ليس إعلاما محضاً للصلاة ، بل له أكثر من واقع في الحياة الإسلامية ، إذ تنطوي ألفاظه على معاني الإسلام وأصول العقيدة من التوحيد والنبوة والإمامة ـ بنظر الإمامية ـ ثمّ ذكرنا الأذان وآثاره في الحياة الإجتماعية.


172

ثانيهما : توقيفية الأذان..! وقد تركنا القارئ دون جواب متكامل هنا ، وذلك لأنّ هذا المطلب يحتاج إلى مقدمات ومزيد بيان للملابسات وما زيد في الأذان وما نقص منه ، فلابّد من مسايرة البحث للوقوف على الحقيقة . والآن مع أوّل باب من هذه الدراسة :


173

البابُ الأَوَّل

حيَّ عَلى خَيْرِ العَمَلِ

الشرعية والشعارية

أنّها جزء على عهد رسول الله

تأذين الصحابـة وأهل البيت بها

رفع الخليفــة الثانــي لهـا

بيان لمعنى الحيعلة وسبب حذفها

تاريخ المسألة والصراعات فيها


175


176

ويقع الكلام في هذا الباب في أربعة فصول :

الفصل الأوّل : الكلام في شرعيّة حيَّ على خير العمل ، وأنّها كانت جزءاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله .

الفصل الثاني : في تحديد زمن حذف هذه الحَيعَلة ، وامتناع بلال عن التأذين.

الفصل الثالث : في بيان معنى حيّ على خير العمل ، والأسباب التي دَعَتِ عمر بن الخطاب إلى حَذْفِها من الأذان.

الفصل الرّابع : بيان تاريخ المسألة وكيف صارت شعاراً لنهج التعبّد المحض ، وحذفُها شعاراً سياسيّاً لخصومهم في العصور المتأخّرة بعد ثبوت شرعيّتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله .


177


178

الفصل الأوّل
في
جزئية حيَّ على خير العمل


179


180

ويتلّخص الكلام فيه في ثلاثة أقسام :

القسم الأوّل : بيان اتّفاق الفريقين على أصل شرعيّة « حيَّ على خير العمل » وانفراد أهل السنة والجماعة بدعوى النَّسخ فيها من بعد.

القسم الثاني : أسماء من أذّن بـ « حيَّ على خير العمل » من الصَّحابة والتّابعين وأهل البيت.

القسـم الثالث : إجماع العترة.


180


181

القسم الأوّل
اتّفاق الفريقين على أصل شرعيّتها

من الثابت المسلّم الذي لا يقبل الشكّ هو ثبوت جزئيّة « حيَّ على خير العمل » في الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ؛ لأنّها مضافاً إلى وجودها في روايات الإمامية الاثني عشرية وفي روايات الزيّدية والإسماعيليّة ، رواها أهل السنة والجماعة بطرقهم ، وأنّ بلالاً كان يؤذّن بها في الصبح خاصّة ، بل كان جمّ غفير من الصحابة يؤذّنون بها.

وحكي عن بعض أئمّة المذاهب الأربعة أنّهم قالوا بالتأذين بها ، لكنّ عامّتهم ادّعوا أنّ رسول الله أمر بلالاً بحذفها من الأذان ووضع مكانها جملة « الصلاة خير من النوم ».

من هذا يتبيّن أنّهم لا ينكرون شرعيّتها في مبدأ الأمر ، لكنّهم يقولون بنسخها ، فما هو الناسخ إذاً ؟ ولِمَ تُنسخُ هذه الجملة بالخُصوص من الأذان ؟

للإجابة عن هذا السؤال لابدّ من ملاحظة أنّ أهل السنّة والجماعة انقسموا ـ في هذه المسألة ـ إلى فريقين ؛ فمنهم من قال إنّ الناسخ هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله لبلال : « اجعل مكانها الصلاة خير من النوم »(1) ، في حين لم يَرَ الفريقُ

(1) انظر : مجمع الزوائد 1 : 330 ، « وفيه : « رواه الطبراني في الكبير ، وفيه عبدالرحمن بن عمّار بن سعد وقد ضعّفه ابن معين ». والجدير بالذكر أن المتّقي الهندي ذكر رواية الطبراني في كنز العمال 8 : 342 ح 23174 بعد ذكر إسنادها قال : كان بلال يؤذّن بالصبح فيقول : حيَّ على خير العمل ، ولم يذكر فيه : « اجعل مكانها الصلاة خير من النوم ».


182

الآخر منهم بُدّاً من السُّكوت عن بيان الناسخ ؛ لضعف تلك الأخبار وعدم دلالتها على المقصود ، بل لاحتواء تلك الأسانيد على وقفات علميّة ؛ سَنَديّة ودلاليّة ، يجب بيانها إن اقتضى الحال.

قال السيّد المرتضى في الانتصار : وقد روت العامّة أنّ ذلك [ أي « حيّ على خير العمل » ] مما كان يقال في بعض أيام النبيّ ، وإنّما ادّعي أن ذلك نُسخ ورُفع ، وعلى مَن ادّعى النسخ الدلالة له ، وما يجدها(1).

وقال ابن عربي في الفتوحات المكية : ... وأمّا من زاد في الأذان حيَّ على خير العمل فإن كان فُعل في زمان رسول الله ـ كما روي أنّ ذلك دعا به في غزوة الخندق ؛ إذ كان الناس يحفرون ، فجاء وقت الصلاة وهي خير موضوع كما ورد في الحديث ، فنادى المنادي أهل الخندق « حيَّ على خير العمل » ـ فما أخطأ مَن جعلها في الأذان ، بل اقتدى إن صحّ الخبر ، أو سنّ سنّة حسنة(2).

وجاء في الروض النضير عن كتاب السنام ما لفظه : الصحيح أنّ الأذان شرّع بحيّ على خير العمل ، لأنّه اتُّفِق على الأذان به يوم الخندق ، ولأنّه دعاءٌ إلى الصَّلاة ، وقد قال صلى الله عليه وآله « خير أعمالكم الصلاة »(3). كما وردت روايات أخرى تفيد أنّ مؤذّني رسول

(1) الانتصار 137 ، باب « وجوب قول حيّ على خير العمل في الأذان ».

(2) الفتوحات المكية 1 : 400.

(3) هذا ما حكاه عزّان محقّق كتاب ( الأذان بحيّ على خير العمل ) 12 عن الروض النضير 1 : 542.


183

الله صلى الله عليه وآله وغيرهم من الصحابة استمرّوا على التأذين بها حتّى ماتوا(1).

وعليه فالفريقان شيعةً وسنةً متّفقان على ثبوت حكمها في الصدر الأوّل وعلى كونها جزء الأذان في بدء التشريع ، لكنّ أهل السنة والجماعة انفردوا بدعوى النسخ ، وهو كلام قُرِّر في العهود اللاحقة لأسباب تقف عليها لاحقاً.

فهذا الأمر يشير إلى أنّ شرعيتها وجزئيتها كانت ثابتة عند الفريقين من لدن عهد الرسول الأكرم ، ويضاف إلى ذلك أنّ الشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية لهم طرقهم الخاصَّة والصَّحيحة وكُلُّها تُؤكّد ثبوتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وعدم نَسْخها في حياته صلى الله عليه وآله ، « وأنّ رسول الله أمَرَ بلالاً أنْ يُؤذّن بها فلم يَزَلْ يُؤَذِّنُ بها حتّى قَبَضَ اللهُ رَسولَهُ »(2).

وهذا نص صريح يدل على عدم نسخ « حَيّ على خير العمل » وعلى كونها جُزء الأذان حتّى قَبَضَ الله رسوله.

ويؤيِّد هذا المروي عندنا عن بلال ما رواه الحافظ العلوي الزيدي(3)

(1) المصدر نفسه 50 ـ 56..

(2) انظر : من لا يحضره الفقيه 1 : 284/ ح 872 وعنه في وسائل الشيعة 5 : 416 ، والاستبصار 1 : 306 ح 1134 ، والأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي 91 .

(3) وهو أبو عبدالله محمد بن علي بن الحسن العلوي الشجري الكوفي ( الإمام المحدّث الثقة العالم الفقيه مسند الكوفة ) كما نصّ عليه الذهبي في العبر 3 : 212 وسير أعلام النبلاء 17 : 636 وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 3 : 274. مات بالكوفة في ربيع الأول سنة 445هـ ، ومولده في رجب سنة 367هـ .

قال ابن النرسي : ما رأيت من كان يفهم فقه الحديث مثلَه. وقال : كان حافظاً خرّج عنه الحافظ الصوري وأفاد عنه وكان يفتخر به ( سير اعلام النبلاء 17 : 636 ). وفي


184

( طبقات الزيدية 2 : 292 ) : الثقة العابد مسند أهل الكوفة ، وقد ترجم له الطهراني في طبقات أعلام الشيعة (أعلام القرن الخامس 170 ـ 172).

له كتاب « فضل الكوفة » و« فضل زيارة الحسين » و« تسمية من روى عن الإمام زيد من التابعين » ، و« التاريخ » ، و« التعازي » وكتاب « الجامع الكافي » وقد جمعه من بضع وثلاثين كتاباً من كتب الإمام محمد بن المنصور المرادي الزيدي ، وهو من أجلّ ما كتب في الفقه ونصوص الأئمّة الزيديّة ، وفيه بحث الأذان. وله كتاب على انفراد باسم « الأذان بحيَّ على خير العمل » له طرق متعدّدة عند الزيديّة ، وقد أشار محمد يحيى سالم عزّان إلى بعض طرقه إلى هذا الكتاب في مقدّمة تحقيقه ص (32) ، وكذا العلاّمة السيّد محمّد بن حسين بن عبدالله الجلال ، حيث قال في آخر نسخته : يقول الفقير إلى الله المعترف بالذنب والتقصير محمد بن حسين بن عبدالله الجلال :

أروي كتاب « الأذان بحيَّ على خير العمل » من عدّة طرق عن مشايخي رحمهم الله بطريق الإجازة العامّة ، وأرويه عن سيّدي العلاّمة قاسم بن حسين أبو طالب بالسماع من فاتحته إلى خاتمته إلاّ اليسير منه فبالإجازة العامّة ، وهو يرويه عن عدد من مشايخه ذكرتهم في مؤلّفي المسمّى ( الأنوار السنيّة في إسناد علوم الأمة المحمديّة )منهم شيخه العلاّمة عليّ بن حسين المغربي عن شيخه السيّد العلاّمة عبدالكريم بن عبدالله أبو طالب عن شيخه العلاّمة بدر الال... إلى آخر مشايخه ـ عن المؤلّف أبي عبدالله محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عبدالرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهم جميعاً.

وقد طبع هذا الكتاب في اليمن في شهر صفر عام 1399هـ ، السيّد يحيى عبدالكريم الفضل عن نسخة العلاّمة الجلال . قال المحقق في مقدّمته للكتاب : وقد روى التأذين بـ « حي على خير العمل » ، أكثر من عشرة من الصحابة ، وجاءت رواية الأذان من أكثرمن مائة طريق ، وكلّ منها بإسناد متصل ( انظر : المقدمة 5 ـ 6 ).

وقد نقل عن هذا الكتاب كثير من الأعلام أمثال الإمام القاسم بن محمّد في كتاب الاعتصام ، والشوكاني في نيل الأوطار ، وأخرج مسنده في كتابه ( إتحاف الأكابر ) ، ورواه وأخرج مسنده العلاّمة عبدالواسع الواسعي في كتابه ( درر الأسانيد ) ، وكذا العلامة مجد الدين المؤيد والعلامة الجلال وغيرهم .

ومن المؤسف أن النسخة المطبوعة التي بأيدينا مغلوطة ، ولم تعرض وتقابل مع نسخ خطية أخرى للكتاب ، وإن كتب على المطبوع حققه السيد يحيى عبد الكريم الفضل . ولأجله استعنت في بعض الأحيان بنسخة أخرى من تحقيق محمد يحيى سالم عزان ، وفي أحيان أخرى بكتاب الاعتصام بحبل الله المطبوع فيه كتاب الأذان بكامله . وقد أراني المحقق الحجة السيد محمد رضا الجلالي نسخة من كتاب ( الأذان بحي على خير العمل ) بخط العلامة المحدث السيد محمد بن الحسين الجلال مجيزاً له رواية هذا الكتاب ، وقد أخبرني بأنه يعزم على تحقيقه وطبعه فسرني عزمه آملين له التوفيق والسداد .


185

مسنداً إلى أبي محذورة من أنَّ رسول الله علّمه الأذان ، وفيه التَّأذين بحيَّ على خير العمل(1).

ومن المعلوم أنَّ أبا محذورة تَعَلَّمَ الأذان من رسول الله ـ حسبما يقولون ـ في أواخر السَّنَة الثامنة من الهجرة بعد رجوعه من حُنَين(2) ، ومعناه ثبوتُ حيّ على خير العمل وشرعيتُها حتّى ذلك التأريخ ، ولم يَأمر رسولُ الله بإبدالها بـ « الصلاة خير من النوم ».

ويضاف إلى ذلك أنَّ رواية الحافظ العَلوي عن بلال تنفي الزيادة التي جاء بها الطبراني والبيهقي عنه رضوان الله تعالى عليه ؛ لأنَّ الحافظ العَلوي كان قد

(1) انظر : « الأذان بحيّ على خير العمل » للحافظ العلوي 26 ـ 27 ،29. وكذا : تحقيقعزّان 50 ـ 54.

(2) سبل السلام 1 : 120 ، كتاب المسند للشافعي 31 ، مسند أحمد 3 : 408 ، سنن النسائي 2 : 5.


186

قال :

حدّثنا عليّ بن محمّد بن إسحاق المقري الخزّاز ، أخبرنا أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازي ، حدّثنا أبو بكر بن تومردا ، أخبرنا مسلم بن الحجّاج ، حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن عرعرة ، حدّثنا معن بن عيسى ، حدّثنا عبدالرحمن بن سعد المؤذِّن ، عن محمّد بن عمّار بن حفص بن عمر ، عن جدّه حفص بن عمر بن سعد ، قال : كان بلال يؤذِّن في أذان الصبح بحيَّ على خير العمل(1).

في حين نرى نفس هذا الحديث قد ورد في الطبراني والبيهقي(2)من طريق يعقوب بن حميد عن عبدالرحمن بن سعد [ المؤذّن ] عن عبدالله بن محمّد وعمر وعمّار ابنَي حفص ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن بلال : أنّه كان ينادي بالصبح فيقول : « حيَّ على خير العمل » ، إلاّ أنّ فيما أخرجه الطبراني والبيهقي زيادة :

فأمره النبيّ صلى الله عليه وآله أن يجعل مكانها « الصلاة خير من النوم » وترك « حيَّ على خير العمل ».

والمتأمِّل في رواية معن بن عيسى عن عبدالرحمن بن سعدٍ التي أوردها الحافظ العلوي يراها أوثق من رواية يعقوب بن حميد التي أوردها الطـبراني والبيهقي باتفاق الجميع ؛ لأنَّ معن بن عيسى ثقة ثبت وكذا غيره من رجال

(1) الأذان بحيّ على خير العمل 28. وبتحقيق عزّان 56. والاعتصام بحبل الله 1 : 290.

(2) المعجم الكبير 1 : 353 والنصّ عنه ، وفي السنن الكبرى 1 : 425 وفيه قال الشيخ : هذه اللفظه لم تثبت عن النبيّ صلى الله عليه وآله فيما علّم بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه وبالله التوفيق.


187

السند.

وممّا يحبذ هنا هو أنّ نقوم بتحقيق بسيط عن رجال الإسنادين وما رَوَوه عن بلال وأبي محذورة ، واختلاف النقل عنهما ، كي نتعرف على ملابسات مثل هذه الأمور في الشريعة والأحكام :

وقفه مع الحديثَين(1)

ذكرت كتب الحديث والتاريخ أسماء أربعة من الذين أذنوا على عهد رسول الله ، وهم :

1 ـ بلال بن رباح الحبشي

2 ـ أبو محذورة القرشي

3 ـ عبدالله بن أمّ مكتوم

4 ـ سعد القرظ

وقد أذّن أبو محذورة بعد السنة الثامنة من الهجرة(2) ، وقيل بعد فتح

(1) أحدهما : الذي رواه الطبراني والبيهقي بإسنادهما عن عبدالرحمن بن سعد القرظ ، وفيه : كان بلال يؤذّن في أذان الصبح بحيّ على خير العمل ، وأنّ رسول الله أمره أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم ، وهو يخالف ما رواه الحافظ العلوي من طريق مسلم بن الحجّاج والذي يخلو من هذه الزيادة.

الثانية : حديث أبي محذورة المختلف فيه ، والذي رواه رجال الصحاح والسنن ليس فيه « حيّ على خير العمل » ، أمّا الحافظ العلوي وأحمد بن محمّد بن السري فقد رَوَياه وفيه التأذين بحيّ على خير العمل ، وهو الذي يتّفق مع مرويّات أهل البيت ، وعليه إجماع العترة حسبما ستعرف بعد قليل.

(2) سبل السلام 1 : 120 ، كتاب المسند للشافعي 31 ، مسند أحمد3 : 408 ، سنن النسائي 2 : 5.


188

مكّة(1) ، ونقل عن سعد القرظ أنّه كان يؤذّن بِقُبا(2).

وربّما تكـون روايـات الأذان عند المـذاهب الأربعـة والاختلافات في فصوله وأعداده ، راجعة إلى اختلاف عمل هؤلاء الصـحابة في الأذان أو اختلاف النقل عنهم ، مضافاً إلى ما جاء عن عبدالله بن زيد بن ثعلبة بن عبدربه فيه.

فالاختلاف أمر ملحوظ في الأحاديث ، وقد يُنقَل عن الصحابي الواحد نقلان متخالفان ؛ فالتكبيرتان والأربع في أوّل الأذان مثلاً ورد كلّ منهما عن عبدالله بن زيد ، والتثويب وعدمه جاءا عن أبي محذورة ، واختص خبر الترجيع(3) بأبي محذورة دون غيره من المؤذنين ، فما سبب كلّ هذا الاختلاف والكل ينسب فعله إلى الصحابه ؟

« فمالك والشافعي ذهبا إلى أنّ الأذان مثنى مثنى والإقامة مرّة مرّة ، إلاّ أنّ الشافعيّ يقول في أوّل الأذان ( الله أكبر ) أربع مرات ويرويها محفوظاً عن عبدالله بن زيد وأبي محذورة ، وهي زيادة مقبولة والعمل بها في مكّة ومن تبعهم من أهل الحجاز.

لكن مالكاً وأصحابه ذهبا إلى تثنية التكبير ، وقد رووا ذلك من وجوهٍ صحاحٍ من أذان أبي محذورة ومن أذان عبدالله بن زيد وعليه عمل أهل المدينة من آل سعد القرظ »(4).

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 5 : 450.

(2) تلخيص الحبير 3 : 199 ، تهذيب الأسماء للنووي 1 : 55.

(3) الترجيع في الأذان هو تكرير الشهادتين جهراً ، هكذا فسره الصاغاني ، انظر : تاج العروس 5 : 351.

(4) انظر : فتح المالك 1 : 7.


189

واتفق مالك (1) والشافعي (2) على الترجيع في الأذان ، لكن الحنابلة (3) والأحناف (4) قالوا : لا ترجيع في الأذان . وكل استند فيما ذهب إليه إلى نقله عن بعض الصحابة !!

قال الأثرم : سمعت أبا عبدالله [ يعني أحمد بن حنبل ] يسأل : إلى أيّ الأذان يذهب ؟ قال : إلى أذان بلال...

قيل لأبي عبدالله : أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبدالله بن زيد ؛ لأنّ حديث أبي محذورة بعد فتح مكّة ؟

فقال : أليس قد رجع النبيّ إلى المدينة فأقرّ بلالاً على أذان عبدالله بن زيد(5).

بلى ، إنّ فِعل الصحابي كان هو الحجة رغم الاختلافات ، لكن لنا أنّ نتساءل عن هذا الاختلاف هل أنّه حصل بالفعل في زمن الصحابي ، أم أنّه من صنع المتأخرين ، وما هي ملابسات هذه الأحاديث المختلفة ؟ بل ما هي قيمة رجال إسنادها ؟!

ونحن إيماناً بضرورة دراسة مثل هذه الأمور سلّطنا بعض الضوء على رجال خبري بلال وأبي محذورة.

فقد ادّعي في طريق الطبراني والبيهقي أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لبلال : « اجعل مكانها الصلاة خير من النوم » ، مع أنّ هذه الزيادة غير موجودة في طريق

(1) فتح المالك 1 : 8.

(2) المجموع للنووي 3 : 90.

(3) المغني لابن قدامّة 1 : 416.

(4) المبسوط للسرخسي 1 : 128 ، الهداية شرح البداية 1 : 41 باب الأذان.

(5) المغني لابن قدامة 1 : 416 ـ 417.


190

الحافظ العلوي.

وفي رواية أبي محذورة « فاجعل في آخرها : الصلاة خير من النوم » ، وهي أيضاً غير موجودة في طريق الحافظ العلوي.

فأيّ النقلين هو الصواب إذن ؟!

مع ما رواه الطبراني والبيهقي عن بلال

قد مر عليك قبل قليل(1)ما رواه الطبراني عن شيخه محمّد بن عليّ الصائغ ، والبيهقي بإسناده عن أبي الشيخ الإصفهانيّ ـ في كتاب الأذان ـ عن محمّد بن عبدالله بن رسته ، كلاهما عن يعقوب بن حميد بن كاسب :

حدّثنا عبدالرحمن بن سعد بن عمّار بن سعد القرظ ، عن عبدالله بن محمّد ، وعمر وعمّار ابنَي حفص ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن بلال...

وفي هذا الإسناد : يعقوب بن حميد بن كاسب ، فهو أبو يوسف ، مدنيّ الأصل ، مكيّ الدار ؛ هذا ما قاله ابن أبي حاتم الرازي ، ثمّ قال : سألت يحيى بن معين عن يعقوب بن كاسب ، فقال : ليس بشيء.

وقال أبو بكر بن خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول وذكر ابن كاسب ، فقال : ليس بثقه ، قلت : من أين قلت ذلك ؟ قال : لأنّه محدود(2).

قلت : أليس في سماعه ثقة ؟ قال : بلى.

أخبرنا عبدالرحمن ، قال : سمعت أبي يقول : ضعيف الحديث.

(1) مرّ في صفحة : 182.

(2) المحدود : من أقيم عليه الحدّ.


191

أخبرنا عبدالرحمن قال : سألت أبا زرعة عن يعقوب بن كاسب ، فحرّك رأسه ، قلت : كان صدوقاً في الحديث ، قال : لهذا شروط . وقال في حديث رواه يعقوب : قلبي لا يسكن إلى ابن كاسب(1).

وقال أبو بكر : سمعت يحيى بن معين وذكر ابن كاسب يقول : ليس بثقة ، فقلت له : من أين قلت ذاك ؟ قال : لأنّه محدود ، قلت : أليس هو في سماعه ثقة ؟ فقال : بلى ، فقلت له : أنا أعطيك رجلاً تزعم أنّه وجب عليه حدٌّ وتزعم أنّه ثقة ، قال : من هو ؟ قلت : خلف بن سالم ، قال : ذلك إنما شتم بنت حاتم مرّة واحدة ، وما به بأس لولا أنّه سفيه.

قلت لمصعب الزبيري : إنّ يحيى بن معين يقول في ابن كاسب : إنّ حديثه لايجوز لأنّه محدود ، فقال : ليس ما قال ، إنما حده الطالبيّون في التحامل وليس حدود الطالبيين عندنا بشيء لجورهم ، وابن كاسب ثقة مأمون صاحب حديث ، أبوه مولى للخيزران ، وكان من أمناء القضاة زماناً(2).

وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : تفرّد بأشياء وله مناكير ، حدّث عنه البخاري وابن ماجة وعبدالله بن أحمد وإسماعيل القاضي ، وأبو بكر بن أبي عاصم وطائفة ، ذكره البخاري فقال : لم نرَ إلاّ خيراً ، وقال أبو حاتم : ضعيف(3).

وفي ميزان الاعتدال : قال البخاري : لم نرَ إلاّ خيراً ، هو في الأصل صدوق وشذّ مضر بن محمّد الاسدي فروى عن ابن معين : ثقة ، وروى عبّاس عن يحيى : ليس بثقه(4) ، فقلت : لم ؟

(1) الجرح والتعديل 9 : 206.

(2) التعديل والتجريح للباجي 3 : 1425.

(3) تذكرة الحفّاظ 2 : 466.

(4) في تهذيب الكمال 32 : 322 عن عباس الدوري عن ابن معين : ليس بشيء.


192

قال : لأنّه محدود...

والنسائي : ليس بشيء.

وأبو حاتم : ضعيف.

قال الذهبي : كان من علماء الحديث لكن له مناكير وغرائب ، وحديثه في صحيح البخاري في موضعين : في الصلح ، وفيمن شهد بدراً...

قال الحلواني : رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه ، فسألته عنه ، فقال : رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها ، فطالبناه بالأصول فدافعنا ، ثم أخرجها بَعدُ فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيَّرة بخطِّ طَرِيّ ؛ كانت مراسيل فأسنَدَها وزادَ فيها(1).

وفي سير أعلام النبلاء :

« ... وكان من أئمّة الأثر على كثرة مناكير له ـ إلى أنّ يقول ـ : وقال ابن عدي : لا بأس به وبرواياته ، هو كثير الحديث ، كثير الغرائب ، كتبت مسنده عن القاسم بن عبدالله عنه ، صَنّفه على الأبواب ، وفيه من الغرائب والنسخ والأحاديث العزيزة ، وشيوخ أهل المدينة ممّن لا يروي عنهم غيره... »(2).

وقال ابن حبّان في الثقات : مات سنة أربعين أو أحد وأربعين ومائتين ، كان ممّن يحفظ وممّن جمع وصنّف ، واعتمد على حفظه فربّما أخطأ في الشيء بعد الشيء ، وليس خطأ الإنسان في شيء يَهِمُ فيه ما لم يفحش ذلك منه بمُخْرِجِهِ عن الثقات إذا تقدّمت عدالته(3).

قلت : كيف يقول ابن حبّان هذا وهو يعلم بأن الخدشه فيه جاءت لكونه

(1) ميزان الاعتدال 7 : 276 ـ 277. وانظر : الضعفاء الكبير للعقيلي 4 : 446.

(2) سير أعلام النبلاء 11 : 158 وانظر : كلام ابن عدي في الكامل 7 : 151.

(3) الثقات لابن حبّان 9 : 285.


193

محدوداً لا من جهة حفظه ؛ لأنّ الثابت عدم قبول شهادة الفاسق وخصوصاً لو أفحش في التحامل على أهل البيت ، وخصوصاً الإمام عليّ بن أبي طالب ، وهذا يشير إلى نصبه بلا أدنى شك ؛ لأنّ الطالبيين حدّوه لنصبه ، وقد وقفت على سرّ الحد لقول الزبيري « إنّما حده الطالبيون في التحامل » وقول ابن معين في خلف بن سالم « ... إنّما شتم بنت حاتم مرّة واحدة وما به بأس » ، وهما يرشدان إلى أنّ الخدشة جاءت فيه من هذه الجهة ، وهي فسق بلا شك ، لا من جهة نسيانه ، وكيف لا يكون فاسقاً غير معتمد الرواية وهو يغير الأصول ويسند المراسيل ؟! أضف إلى كلّ ذلك أنّه كان « أبوه مولى للخيزران وكان من أمناء القضاة زماناً » ؟

وأما عبدالرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذّن.

فقد قال ابن أبي حاتم عنه : سئل يحيى بن معين عن عبدالرحمن المؤذّن ، فقال : مديني ضعيف ؛ روى عن أبي الزناد(1).

وقال ابن حجر في تقريب التهذيب : ضعيف من السابعة(2).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : وعبدالرحمن ضعيف(3).

وقال ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني : ضعيف(4).

وقال البخاري في تاريخه الكبير : عبدالرحمن بن سعد فيه نظر ، مولى بني مخزوم(5) .

(1) الجرح والتعديل 5 : 238.

(2) تحرير تقريب التهذيب 2 : 321.

(3) نيل الاوطار 3 : 346.

(4) الآحاد والمثاني 1 : 65.

(5) تاريخ البخاري الكبير 5 : 287.


194

وقال المارديني الشهير بابن التركماني في الجوهر النقي : منكر الحديث(1).

وضعّفه ابن أبي حاتم ، وقال ابن القطان : هو وأبوه وجدّه مجهولو الحال(2).

وقال الألباني في إرواء الغليل : عبدالرحمن بن سعد ضعيف وأبوه وجده لايعرف حالهم(3).

وأما عبدالله بن محمد فقد ضعفه ابن معين(4).

وسئل يحيى بن معين عن عبدالله بن محمّد وعمّار وعمر ابني حفص بن عمر بن سعد عن آبائهم عن أجدادهم كيف حال هؤلاء ؟ قال : ليسوا بشيء(5).

وأما عمر بن حفص بن عمر بن سعد القرظ .

فقد قال ابن معين : ليس بشيء(6).

وقال ابن حجر في تقريب التهذيب : عمر بن حفص بن عمر بن سعد القرظ المدني المؤذن فيه لين ، من السابعة(7).

وأما عمار بن حفص بن عمر بن سعد القرظ ، فهو أخو عمر ، وهو والد محمّد ،

(1) الجوهر النقي 3 : 286.

(2) الجوهر النقي 1 : 394.

(3) إرواء الغليل 3 : 120.

(4) الجوهر النقي 1 : 394 ،3 : 287.

(5) انظر : تاريخ ابن معين (الدارمي) 169 ، الكامل في الضعفاء 5 : 73 ، الضعفاء للعقيلي 2 : 300 ـ 301 ، والجرح والتعديل 6 : 103.

(6) الجوهر النقي 3 : 287 الجرح والتعديل 6 : 102 ، المغني في الضعفاء 2 : 464 ، تهذيب الكمال 21 : 302 ، تهذيب التهذيب 6 : 183.

(7) تحرير تقريب التهذيب 3 : 68.


195

روى عنه عبدالرحمن بن سعد(1).

قال البخاري : لم يصحّ حديثه(2).

وقال يحيى بن معين : ليس بشيء(3).

وأما حفص بن عمر بن سعد القرظ ، فلم يسمع من جدّه ولا غيره من الصحابة ، وربما نسب إلى جدّه فيتوهّمه الواهم أنّه تابعي(4).

وقد علّق ابن التركماني على أحد أحاديث حفص بن عمر في كتاب صلاة العيدين بقوله : إنّ حفصاً والد عمر المذكور في هذا السند إن كان حفص بن عمر المذكور في السند الأوّل فقد اضطربت روايته لهذا الحديث ، رواه ها هنا عن سعد القرظ ، وفي ذلك السند رواه عن أبيه وعمومته عن سعد القرظ ، فظهر من هذا أنّ الأحاديث التي ذكرها البيهقي في هذا الباب لا تسلم من الضعف. وكذا سائر الأحاديث الواردة في هذا الباب..(5) وحكى الزيلعي عن « الإمام » : وأهل حفص غير مُسمَّين ، فهم مجهولون(6)

كان هذا حال رجال هذا الإسناد.

(1) التاريخ الكبير 5 : 287.

(2) ميزان الاعتدال 5 : 211.

(3) لسان الميزان 4 : 271 ، الجرح والتعديل 6 : 392.

(4) معرفة علوم الحديث : 70 النوع الخامس عشر.

(5) الجوهر النقي 3 : 287.

(6) نصب الراية 1 : 265.


196

مع ما رواه الحافظ العلوي عن بلال

أمّا طريق الحافظ العلوي فهو أحسن من هذا بكثير ، وإن كان فيه بعض الملابسات ؛ لأنّ الحافظ خرّج حديثه من طريق مسلم بن الحجّاج ، وإن لم يكن في صحيحه :

حدثنا إبراهيم بن محمّد بن عرعرة ، حدثنا معن بن عيسى ، حدثنا عبدالرحمن بن سعد المؤذّن ، عن محمّد بن عمّار بن حفص بن عمر.

وهم خير من أولئك.

فمسلم بن الحجّاج ، صاحب الصحيح ، فهو إمام عند القوم.

وأما إبراهيم بن محمّد بن عرعرة بن البرند بن النعمان أبو إسحاق البصري فقال عنه بن أبي حاتم الرازي : سئل أبي عن إبراهيم بن أبي عرعره فقال : صدوق(1).

وحكى عن عليّ بن الحسين بن حبّان أنّه قال : وجدت في كتاب أبي بخطّ يده قلت له ـ يعني يحيى بن معين ـ : أبو عرعرة ؟

فقال : ثقة معروف الحديث ، كان يحيى بن سعيد يكرمه ، مشهور بالطلب ، كيّس الكتاب ؛ ولكنه يفسد نفسه ، يدخل في كلّ شيء(2). وجاء فيه بعض التليين.

وأما معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي مولاهم القزّاز أبو يحيى

(1) الجرح والتعديل 2 : 130.

(2) تاريخ بغداد 6 : 149 ـ 151 وفيه : سكن بغداد وحدّث بها عن يحيى بن سعيد القطّان وعبدالرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر و محمد بن بكر البرساني ومعن بن عيسى...


197

المدني ؛ فهو في طبقة يعقوب بن حميد بن كاسب ، فقد ترجم له المزّي في التهذيب(1) ، قال أبو حاتم : أثبتُ أصحاب مالك وأوثقهُم معن بن عيسى ، وهو أحب اليَّ من عبدالله بن نافع الصائغ ومن ابن وهب(2).

أما عبدالرحمن بن سعد المؤذن فضعيف حسبما عرفت.

وأما محمّد بن عمّار بن حفص بن عمر ، فهو أبو عبدالله المدني مؤذّن مسجد الرسول ، ويقال له : كشاكش ، وهو مولى الانصار ويقال : مولى عمّار بن ياسر(3) .

قال عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : ما أرى به بأس(4) ، وقال الدوري عن يحيى بن معين : لم يكن به باس(5).

وقال عليّ بن المديني : ثقة(6).

قال أبو حاتم : شيخ ليس به بأس ، يُكتب حديثه(7).

وقال ابن حجر : لا بأس به ، من السابعة(8).

وحفص بن عمر بن سعد القرظ قد عرفت حاله وهو مُتكلَّم فيه ، والخبر موقوف عليه وليس بحجة.

ومع كلّ هذه الملابسات نرى هذا الإسناد أنظف ممّا رواه الطبراني في الكبير والبيهقي عن أبي الشيخ الإصفهاني عن محمّد بن عبدالله بن رُسته في

(1) تهذيب الكمال 28 : 336.

(2) الجرح والتعديل 8 : 277 ـ 278 الترجمة 1271.

(3) تهذيب الكمال 26 : 163 ، تهذيب التهذيب 9 : 358 ، التاريخ الصغير 2 : 183.

(4) العلل لأحمد 2 : 485 ، بحر الدم فيمن مدحه أحمد أو ذمّ 141.

(5) تاريخ بن معين برواية الدوري 1 : 147.

(6) لسان الميزان 7 : 369 ـ 370 ، تهذيب الكمال 26 : 163.

(7) الجرح والتعديل 8 : 43.

(8) تحرير تقريب التهذيب 3 : 295.


198

السنن.

مع ما رواه السري عن أبي محذورة

ويعضد ثبوت الحيعلة الثالثة عن رسول الله ما رواه الحافظ العلوي بطرق متعددة ـ سيأتيك ذكرها تحت عنوان « تأذين الصحابة وأهل البيت » ـ عن أبي محذورة وأنّها اتفقت جميعاً على ثبوت الحيعلة الثالثة.

وأمّا رواية الحافظ العلوي بإسناده الذي فيه أحمد بن محمّد بن السري فإليك نصّها :

حدّثنا أبو القاسم عليّ بن الحسين العرزمي إملاءً من حفظه ، قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن السري التميمي ، حدّثنا أبو عمران موسى بن هارون بن عبدالله الجمال ، حدّثنا يحيى بن عبدالحميد الحماني ، حدّثنا أبو بكر بن عياش ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي محذورة ، قال : كنتُ غلاماً صيّتاً ، فأذّنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله لصلاة الفجر ، فلما انتهيت إلى « حيَّ على الفلاح » قال النبيّ صلى الله عليه وآله : ألحق فيها « حيَّ على خير العمل »(1).

وهذا النص ـ كما تـراه ـ واضـح لا مغمز في لفظه ولا معناه ، لكنّ المتأخّرين من علماء العامّة حرفوا النص عن وجهته فنقلوا الرواية بشكل آخر ، قالوا :

زعم أحمد بن محمد بن السري أنّه سمع موسى بن هارون عن الحماني عن أبي بكر بن عياش عن عبدالعزيز بن رفيع

(1) الأذان بحيّ على خير العمل 15 ـ 16.


199

عن أبي محذورة ، قال : كنت غلاماً فقال النبيّ : اجعل في آخر أذانك « حيّ على خير العمل »(1).

وبناء على هذا التلاعب قال الحافظ ابن حجر في خبر السري :

« وهذا حدثنا به جماعة عن الحضرمي عن يحيى الحماني وإنما هو : اجعل في آخر أذانك الصلاة خير من النوم »(2).

لكن كلامه باطل من عدة جهات :

الأولى : أنّ مكان « حيّ على خير العمل » عند من يقول بها هي وسط الأذان لا في آخره ، وأنّها من أصل الأذان لا زيادة فيه كالصلاة خير من النوم ، وإنّما سوغ لهم هذا التلاعب تحريفهم نص السري عن وجهته ، حيث جعلوا الحيعلة الثالثة في آخر الأذان ، ليتسنى لهم ادعاء أن الرواية وردت بجعل « الصلاة خير من النوم » في آخره لا الحيعلة الثالثة.

الثانية : أنّ زيادة « الصلاة خير من النوم » جاءت متأخّرة ، وقد قال مالك عنها أنّها ضلال(3) ، ورجع الشافعي عن القول بها في الجديد(4) ؛ لعدم ثبوت ذلك عن أبي محذورة ، وهو مؤشّر على عدم شرعيّتها في أصل الأذان ، فلو كان الأمر كذلك فالزيادة مشكوك فيها ولا يمكن الأخذ بها ، وقد جاء في

(1) ميزان الاعتدال 1 : 283 ـ 284.

(2) لسان الميزان 1 : 268.

(3) انظر : مواهب الجليل 2 : 83 كتاب الصلاة ، فضل الأذان والإقامة ، حيث صرّح بأن التثويب ضلال ، فتمحّل بعضهم وقالوا إن المراد بالتثويب « حيّ على خير العمل » وهو خنق للحقيقة ، خصوصاً وقد حكى عن مالك تجويزه الحيعلة الثالثة كما سيأتي في آخر القسم الثالث من هذا الفصل « جزئية حي على خير العمل » ، والباب الثاني من هذه الدراسة « الصلاة خير من النوم شرعة أم بدعة ».

(4) الأمّ 1 : 85.


200

مصنف ابن أبي شيبة عن الأسود بن يزيد قوله وقد سمع المؤذّن يقول « الصلاة خير من النوم » فقال : لا يزيدون في الأذان ما ليس سنّة(1).

الثالثة : إنّ ما زعمه ابن حجر من وضع حديث : نار تلتقط مبغضي آل محمّد ، واتّهم به أحمد بن محمّد بن السريّ ، فباطل.

إذ لا شاهد له على ذلك إلاّ استعظامه واستكباره أن يرد مثل هذا الحديث في فضل آل محمّد ، ولو أنصف لعلم أنّ مبغضي آل محمّد في النار وأنّه لا استكبار ولا استعظام. وهناك روايات كثيرة تشير إلى هذا المعنى ، فقد يكون أحمد بن محمّد بن السري نقل الحديث بالمعنى ، وهو جائز عند الفريقين ، ومحض الانفراد ـ لو صحّ ـ لا يدلّ على الوضع ، خصوصاً مع أنّ لحديثه هذا شواهد ومتابعات كثيرة ، وأحمد هذا ثقة بإجماعهم ، ولم يعيبوا عليه إلاّ شيئاً لايصح به قدح.

فأحمد بن محمّد بن السري المعروف بابن أبي دارم المتوفّى 351هـ قال عنه الحافظ محمّد بن أحمد بن حمّاد الكوفي ، بعد أنّ أرّخ وفاته : كان مستقيم الامر عامّة دهره ، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يُقرأ عليه المثالب ، حضرته ورجل يقرأ عليه : إنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت بمحسن.

وفي خبر آخر في قوله تعالى : ﴿ وجاء فرعون عمر : ﴿ ومن قبله أبو بكر ﴿ والمؤتَفكات عائشة وحفصة ، فوافقته على ذلك ؛ ثمّ أنّه حين أذَّن الناس بهذا الأذان المُحدَث وضع حديثاً متنه : تخرج نار من عدن(2)...

وعليه فالخدشة في ابن أبي دارم جاءت لروايته المثالب لا لسوء حفظه

(1) مصنّف ابن أبي شيبة 1 : 189.

(2) لسان الميزان 1 : 268. ودعوى ابن حجر وغيره انّ هذا من مختلقات السري لا يثبت أمام الحقيقة العلمية ، إذ روى هذا التأويل كثير من المحدثين ومن كتبوا في المثالب.


201

واختلاطه بأخَرَة و.. ، بل لروايته أشياء لا ترضي الآخرين من القول برفس فاطمة ، وشرعيّة حيّ على خير العمل ، وأنّ النار تلتقط مبغضي آل محمّد وغيرها.

وقد تلحض مما سبق : إمكان الخدش في خبرَي أبي محذورة وبلال المُدَّعِيَيْنِ لنسخ الحيعلة الثالثة ، والمُعَارَضَيْنِ بما رواه العلوي. ونلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ هذين الخبرين بمجردهما قد لا يصلحان لإثبات شرعية حيّ على خير العمل ، بل إن ثبوتها عندنا يرجع إلى ما عندنا من طرق صحيحة في ذلك ، ويؤيده تأذين أهل البيت والصحابة بذلك ، وهو ما ستعرفه بعد قليل ، الأمر الذي يتفق مع سيرة بلال وحياته الفكرية التي ستقف عليها في الفصل الثاني « حذف الحيعلة وامتناع بلال عن التأذين » من هذا الباب.

مشيرين إلى أنّ الملابسات العلمية التي تعرضنا لها آنفاً ينبغي أن تحدّ من إسراف من يدّعي النسخ ويلهج بوجود الناسخ بلا دليل مُرْضٍ ، وهذا هو الذي أشار إليه الشريف المرتضى « ت 436هـ » بقوله :

وقد روت العامة أنّ ذلك مما كان يقال من بعض أيّام النبيّ وإنّما ادُّعي أنّ ذلك نُسِخَ ورُفِعَ ، وعلى من ادّعى النسخ الدلالة له وما يجدها.

وممّا يضحك الثكلى أنّ البعض أسرف للغاية ؛ حيث رفض جزئية حيّ على خير العمل ، مدّعياً أنّ الشيعة هم الذين أوجدوها وحشروها في كتب أهل السنة والجماعة لأنّ بقيّة الفرق الإسلاميّة لا تقول بذلك ، كما أنَّ صحاحهم ومسانيدهم قد خلت من « حيّ على خير العمل ».

وأمام احتمال طرح مثل هذه الشبهة ، نقول : إنَّ هذه القضيّة لم تختصّ بالطالبيّين دون غيرهم على ما ضبطته لنا صفحات تاريخ السنّة والسيرة ، بل


202

أقرّها عدد من الصحابة وعملوا بها ، ويكفينا أن نذكر هنا اسم ابن عمر فقط لأنّه الصحابي الذي كان مورد اعتماد أهل السنة والجماعة في فترات متعاقبة من التاريخ ، حتّى أنَّ المنصور العبّاسيّ قد وجّه مالكاً حين تدوين كتاب « الموطّأ » بقوله : هل أخذت بأحاديث ابن عمر ؟

قال : نعم.

قال المنصور : خذ بقوله وان خالف عليّاً وابن عباس(1).

وعلى ضوء هذا الأمر الحكومي يمكننا القول إنّ الدولة العبّاسيّة قد اعتبرت فقه ابن عمر معياراً ومقياساً شاخصاً لتدوين السنّة ، لأنّه لم يكن شخصاً عاديّاً ، بل كانت شخصيته ذات أبعاد مبطّنة ، وفي هذا المجال رأيناه يضفي على حياته هالة من القدسيّة في اقتفاء آثار النبيّ ومتابعته.

ويتلخص إشكال أهل السنة والجماعة في ثلاث نقاط :

إشكالهم الأوّل : ادّعاء أنَّ مصادرهم الحديثيّة المعتبرة قد خلت من الروايات التي تؤكّد ثبوت « حيّ على خير العمل » في الأذان ، وأن السنن الكبرى للبيهقيّ ، ومصنّف ابن أبي شيبة ـ اللَّذين ضمّا بين طيّاتهما مثل تلك الروايات ـ ليسا من الكتب الرئيسيّة التسعة ، إذ هما من المصادر الثانويّة ، لذا فهم لا يقولون بشرعيّة « حيّ على خير العمل » لأنّ صحيحي البخاريّ ومسلم لم يذكرا روايات تؤيّد ذلك!

إشكالهم الثاني : ادعاء أنّ رواة تلك الروايات المثبِتة لـ « حيّ على خير العمل » هم من الضعفاء ، فتكون الروايات غير معتبرة من ناحية السند.

إشكالهم الثالث : إمكان القول بأنَّ عمل رسول الله هو الحجّة علينا لا عمل الصحابة ، فلا حجّيّة في التزام ابن عمر الإتيانَ بـ « حيّ على خير العمل » في

(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 4 : 147.


203

أذانه ، لأنّ المسلم مكلّف باتّباع رسول الله لا غيره!

هذه هي جملة إشكالاتهم

أمّا ما يخصّ إشكالهم الأوّل ـ من أنّ صحاحهم وسننهم المعتبرة لم تذكر روايات تؤيّد شرعيّة « حيّ على خير العمل » وعلى الأخصّ فيما تمّ تدوينه في كتابي الشيخين البخاريّ ومسلم ـ فقد أجاب أحد الزيديّة عليه إجابة نقضيّة بقوله :

« وقالوا إن صحّت في الأذان الأوّل فهي منسوخة بالأذان الثاني ، لعدم ذكره فيها.

وردّ هذا : بأنّه لا يلزم من عدم ذكره في الصحيحين عدم صحّته ، وليس كلّ السنّة الصحيحة في الصحيحين ، وبأنّه لو كان منسوخاً لما خفي على عليّ بن أبي طالب وأولاده كما في مسنداتهم ، وهم السفينة الناجية بقول جدّهم سيّد البريّة : « أهل بيتي فيكم كسفينة نوح : مَن رَكبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى ».

وما ذكره في كتاب ( الأذان بحيّ على خير العمل ) أنّها كانت ثابتة في الأذان أيّام النبيّ ، وفي خلافة أبي بكر ، وفي صدر من خلافة عمر ثمّ نهى عنها »(1).

وبعد ذكر جواب هذا الزيديّ على الإشكال الأوّل ، نقول : إنّ من الثابت المعلوم أَنْ ليس باستطاعة كتبهم التسعة أن تضمّ جميع الأحاديث والروايات المرويّة على مرّ التاريخ ، بل ولم يدَّعِ أصحاب تلك الكتب أنفسهم الإلمام بكلِّ ما رُوِي أو جمعهم لكل ما صح عن رسول الله.

(1) انظر : هامش مسند زيد بن علي : 84 عن الأذان بحيّ على خير العمل : 63 بتحقيق عزّان . والنص عن طبعة دار الحياة لمسند الإمام زيد.


204

بلى ، إنّهم ادعوا أنّ أحاديثهم منتقاةٌ من الأحاديث الصحيحة ، وبهذا المعنى صرح كلٌّ من النسائيّ والبخاريّ وابن ماجة وغيرهم ، فهذا يقول إنَّه انتقى صحيحه من ستمائة ألف حديث صحيح ، وذاك يقول إنّه أخذها من ثلاثمائة ألف حديث صحيح.. وهكذا.

وصحيح أنَّهم يصفون الأحاديث التي انتقوها بأنّها صحيحة ، ولكنّهم بذات الوقت لا ينكرون صحّة بقيّة الأحاديث المتروكة عندهم ـ التي لم يشملها تدوينهم ـ فهم والحال هذه لا ينفون وجود أحاديث صحيحة عند الآخرين.

فلو لاحظت أحاديث عبدالله بن زيد الأنصاري المعتمدة عندهم في تشريع الأذان فلا تجدها في صحيحي البخاري ومسلم ، ولم يأتِ بهما الحاكم في مستدركه ، فما يعني هذا اذاً ؟

ونحن قد بيّنّا أنّ ثمّة اتفاقاً بين الفريقين على ثبوت « حيّ على خير العمل » في عهد رسول الله واستمرّ ذلك إلى أن جاء المنع من قبل عمر بن الخطاب ، وبهذا تتأكّد شرعيّة وثبوت « حيَّ على خير العمل » إلى أنّ حكم عمر بن الخطّاب بعدم شرعيّتها ، وعلى هذا الأساس فإنّ « حيّ على خير العمل » هي السنّة الحقّة وما خالفها ليس من سنّة الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله .

أمّا الإجابة على إشكالهم الثاني فهي غير مبتورة عن الإجابة على الإشكال الأوّل ، إذ أنّ امتداد الإجابة بمثابة الردّ الفاصل على إشكالهم الثاني ، لأنّهم يقولون بأنّ الروايات التي وردت فيها الحيعلة الثالثة « حيّ على خير العمل » ضعيفة السند ، لأنّ أغلب رواتها من الضعاف... وهنا لابدّ لنا من الخوض في بحث منهجي مبنائيّ معهم ليكون حديثنا أكثر علميّة وأدقّ توجيهاً ، فنقول :

هل ضوابط الجرح والتعديل المتّبعة في توثيق وتضعيف الرجال هي


205

ضوابط قرآنيّة ، أو هي مبنيّة على الهوى والهوس ، أو تتحكّم بها الطائفيّة ، كأن يكون للشافعيّة ضوابطهم الخاصّة بهم ، وكذا للمالكيّة والحنفية وغيرهم.

فقد خدش ابن معين وأحمد بن صالح في الإمام الشافعيّ(1).

وذكر الخطيب البغداديّ أسماء الذين ردّوا على الإمام أبي حنيفة(2).

وقال الرازي في رسالة ترجيح مذهب الشافعيّ ما يظهر منه أنّ البخاري عدّ أبا حنيفة من الضعفاء في حين لم يذكر الشافعيّ(3) .

وحكي عن أبي عليّ الكرابيسيّ أنّه كان يتكلم في الإمام أحمد ، وكذا قدح العراقيّ شيخ ابن حجر في ابن حنبل ومسنده(4).

وذكر الخطيب في تاريخه أسماء عدّة قد خدشوا في الإمام مالك(5).

وقد خدشوا في الإمام البخاري والنسائي وغيرهما.

فما المعتبر في الجرح والتعديل اذاً ؟

في سياق جوابنا على إشكالهم الثاني ، نقول أيضاً : لو سلّمنا فرضاً بضعف تلك الروايات ، فإنّ كثرتها وتعدّد طرقها ، تجعلها معتبرة ، ويمكن الأخذ بها بناءً على قاعدة : ( الحديث الضعيف يقوّي بعضه بعضاً )(6). وأنّهم كثيراً ما أخذوا بروايات رجالها ضعفاء ، فمثلاً أنّهم عملوا بقوله صلى الله عليه وآله « على اليد ما

(1) انظر : هامش تهذيب الكمال 24 : 380.

(2) تاريخ بغداد 13 : 370 وفيه اسم 35 رجلاً تكلّموا في الإمام أبي حنيفة.

(3) طبقات الشافعية 2 : 118.

(4) انظر : فيض القدير 1 : 26.

(5) تاريخ بغداد 1 : 224 ، وتهذيب الكمال 24 : 415.

(6) نصب الراية 1 : 93 عن البيهقي أنّه قال : والآثار الضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض احدثت قوة فيما اجتمعت فيه من الحكم.


206

اخذت حتّى توديه »(1) على رغم ضعف سندها وانحصارها بسمرة بن جندب.

هذا كلّه بصرف النظر عن أنّ هناك جمّاً غفيراً من علماء المسـلمين ـ من طوائف الاثني عشرية والاسماعيلية والزيدية ـ رووا بطرق صحاح وحسان ثبوت الحيعلة الثالثة في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وعدم نسخها ، وحينئذٍ فنحن نرى انجبار الروايات الضعيفة بهذه الطرق الصحيحة والحسنة.

ويتأكد لك سبب ندرة الروايات الدالّة على الحيعلة الثالثة في مدرسة الخلفاء أو تضعيفهم لرواتها لو سايرت البحث معنا حتّى الفصل الرابع « حيّ على خير العمل تاريخها السياسي والعقائدي » إذ هناك ستقف على الأسباب السياسية الكامنة وراء هكذا أمور في الشريعة.

أمّا فيما يتعلّق بالإشكال الثالث من أنَّ عمل النبيّ الأكرم هو الحجّة وليس عمل الصحابة في المورد المشار إليه ، فليس لنا إشكال في أصل هذا الكلام والمبنى ، لكن فيه على أهل السنّة إيرادان : نقضيّ وحلّي ؛ إذ أنك ترى أهل السنّة يتّبعون عمل الصحابة ويجعلونه معياراً لهم في الأحكام الفقهيّة ، ولكنّهم اتّخذوا موقفاً مضادّاً لمنهجيّتهم الفقهيّة في مسألة « حيّ على خير العمل » على الرغم من دعم عمل الصحابة فيها بالنصوص الكثيرة الصريحة والشـواهد التاريخـيّة المؤيّـدة لها.

فعلى الرغم من التزام الصحابة بـ « حيّ على خير العمل » في أذانهم ، وعلى رغم

(1) مسند أحمد 5 : 8 ،12 ،13 ، سنن الدارمي 2 : 264 باب في العارية موداة ، ابن ماجة 2 : 802 باب العارية ، سنن أبي داود 2 : 115 باب في الرقبى ، سنن الترمذي 2 : 368 باب ما جاء في العارية موداة ، مستدرك الحاكم 2 : 47 ، السنن الكبرى للبيهقي 6 : 90 ،95 ،100 ، السنن الكبرى للنسائي 3 : 411.


207

كثرة الروايات التي تؤكّد شرعيّتها ، ترى بعضهم يستثنون حكم هذه المسألة على ضوء طريقتهم فيقولون : الحجّة ـ في هذه المسألة بالذات ـ عمل النبيّ الاعظم وليس عمل الصحابة ، مع أنّ مِن بينهم مَن يقول بأنَّ (فعل الصحابيّ يخصّص القرآن)(1).. وهذا تناقض واضح وصريح من جانبهم!

بينما تراهم في حين آخر يقولون بأنّ فعل الصحابيّ هو علامة أو انعكاس لفعل النبيّ الأكرم ، ولمّا كان ثمّـة خـلاف بين فقه عليّ عليه السلام وفقه عمر ، وبين ابن عمر وعمر نفسـه ، وبين الصحابـة الآخرين فيما بينهـم أيضاً ، فإنّ هذا مؤشر يدلّ دلالة واضحة على وجود مذهبين مختلفين : أحدهما يتبع رسول الله صلى الله عليه وآله والنصوص الواردة ، والآخـر يعطي لنفسه الاجتهاد ، ويتعبد بسيرة الشيخين وإن خالفت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله .

ولو نقّبت في الكتب وتتبّعت أقوال المورخين في ابن عمر لوقفت على أنّ المشهور عندهم أنّه كان يتحرّى آثار النبيّ الأكرم ، وقد سُطِّرَتْ في كتاب « منع تدوين الحديث » ثمان وثلاثون حالة اختلف فيها عبدالله بن عمـر مع أبيه.

إذ كان ابن عمر في أغلبها يحاول اتّباع سنّة رسول الله ، لكنّ عمر لم يأبه بكلام ابنه ، ملتزماً برأيه ، عاملاً بالقياس أو الاستحسان وما شابه ذلك..

فبماذا يُفَسَّر إذاً خلاف ابن عمر مع أبيه ؟ نحن لا نريد بكلامنا هذا القول بأنّ ابن عمر كان من أتباع نهج التعبد المحض ، أو أنّه لا يجتهد مقابل النص ، لكن الصبغة الغالبة عليه هي شهرته بتحري أثار رسول الله واتّباع سننه لا الاجتهاد والرأي.

ولمّا كان عمر هو الذي أمر بـ « الصلاة خير من النوم » ، وهو الذي نهى عن « حيّ على خير العمل » ، كان فعل الصحابة في هذا المورد هو الحاكم وهو الحجّة عندهم بخلاف ما يدّعون من أنَّ فعل النبيّ الأكرم هو الحجة لا غير.

(1) المذاهب الإسلاميّة لأبي زُهرة.


208

وبهذا ، فقد عرفنا شرعية الأذان بحيّ على خير العمل ، وانه لم ينسخ من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله كما يقولون ، وما ذُكِر من إشكالات كلّها كانت واهية لا تناهض الادلة ، بل وقفتَ ـ عزيزي القارئ الكريم ـ على بعض تحريفات الأمويين ومن اتبعوهم من العلماء ، وكيف حرّفوا قول أبي محذورة ( فلما انتهيت إلى حيّ على الفلاح قال النبيّ صلى الله عليه وآله : ألحِق فيها حيّ على خير العمل ) ، وأبدلوها بـ ( اجعل في آخر أذانك حيّ على خير العمل ) فان هذا الكلام باطل وتحريف صريح للنصوص. لأنّ « ألحِق فيها حيّ على خير العمل » يؤكد على أن مكان الحيعلة الثالثة هو بعد الحيعلتين لاكما يقولون بأنّها في آخر الأذان ، فـ « الصلاة خير من النوم » تتفق مع كونها آخر الأذان ، أما الحيعلة الثالثة فهي بعد الحيعلتين ، فتدبر.


209

القسم الثاني

تأذين الصحابة وأهل البيت

إنّ المطالع في كتب السير والتاريخ والحديث عند المذاهب الإسلاميّة يقف على أسماء عدة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يؤذّنون بـ « حيّ على خير العمل » وإن كانت بعض تلك النصوص تشير إلى تأذينهم بها في الفجر خاصة ، لكنّ هناك نصوصاً أخرى تدل على شموليتها لجميع الاوقات.

وإليك الآن أسماء بعض مَن أذّن بها للرسول الأكرم ، وأسماء بعض كبار الصحابة وأهل بيت النبوة ، جئنا بها من طرق الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، وطرق الزيدية ، والإسماعيلية وأهل السنة والجماعة ، اعتقاداً منا بضرورة الوقوف على جميع الطرق عند جميع المذاهب الإسلامية ، كي لا تكون رؤيتنا ضيقة منحصرة بمذهب دون آخر ، بل لتكون شموليّة موسّعة تكشف عن وجهات نظر الجميع.

1 ـ بلال بن رباح الحبشي ( ت 20هـ )

أخرج الطبراني في الكبير والبيهقي في سننه ، بسندهما عن عمّار وعمر ابنَي حفص بن عمر ، عن آبائهم ، عن أجدادهم ، عن بلال أنّه كان يؤذّن بالصبح فيقول : « حيَّ على خير العمل » ، فأمر النبيُّ أن يجعل مكانها « الصلاة خير من


210

النوم » وترك « حي على خير العمل » (1) .

وقد مرّ عليك قبل قليل كلام الحافظ العلوي وتحقيقنا في هذه الرواية ، وأن جملة (فأمره النبيّ...) إلى آخره ، لم تكن في الإسناد الأصلي ، ويؤيّد صحة كلام الحافظ العلوي وروايته ما روي ـ عندنا ـ عن أبي بصير ، عن أحدهما عليهما السلام أنّه قال : إنّ بلالاً كان عبداً صالحاً فقال : لا أؤذّن لأحد بعد رسول الله ، فتُرِكَ يومئذ « حيَّ على خير العمل »(2).

وعن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنّ خير أعمالكم الصلاة ، وأمر بلالاً أن يوذّن بحيّ على خير العمل ؛ حكاه في الشفاء(3).

وفي كنز العمّال : كان بلال يؤذن بالصبح فيقول « حيّ على خير العمل »(4).

2 ـ علي بن أبي طالب ( ت 40هـ )

روى الإمام المؤيد بالله الزيدي في كتابه شرح التجريد ، من طريق عباد بن يعقوب ، عن عيسى بن عبدالله ، عن آبائه ، عن عليّ عليه السلام أنّه قال : سمعت رسول الله يقول : « إن خير أعمالكم الصلاة » وأمر بلالاً أن يؤذّن بحيّ على خير العمل(5).

(1) المعجم الكبير 1 : 352 ، السنن الكبرى للبيهقي 1 : 425 مجمع الزوائد 1 : 330 كنز العمال 8 : 345/23188.

(2) من لا يحضره الفقيه 1 : 284 ، وسائل الشيعة 5 : 418 ، ولنا تحقيق عن بلال في الفصل الثاني من هذا الباب فراجع.

(3) البحر الزخار 2 : 191 ، وانظر : الشفاء 1 : 260.

(4) كنز العمّال 8 : 342 ، ح 23174.

(5) جواهر الأخبار والآثار 2 : 191 ، الاعتصام بحبل الله المتين 1 : 309.


211

وروى الحافظ العلوي بسنده عن عيسى بن عبدالله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب : حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كان أبي عليّ عليه السلام إذا خرج إلى سفر لا يَكِل الأذان إلى غيره ولا الإقامة ، وكان لا يَدَع أن يقول في أذانه : حيَّ على خير العمل(1).

وقد أخرج الحافظ العلوي ذلك بعدّة طرق عن الإمام عليّ ، منها :

حدّثنا محمّد بن الحسين التيملي قراءة ، حدّثنا(2)عليّ بن العبّاس البجلي ، حدّثنا بكّار بن أحمد ، حدّثنا حسن بن حسين ، عن عمرو بن ثابت ، عن محمّد ابن عبدالرحمن ، قال : كان ابن النباح يجيء إلى عليّ عليه السلام حين يطلع الفجر فيقول : حيَّ على الصلاة ، حيَّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، فيقول عليّ عليه السلام : مرحباً بالقائلين عدلاً ، وبالصلاة مرحباً وأهلاً ، يا ابن النباح : أقم.

حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم ، أخبرنا محمّد بن محمّد بن الحسين(3) في لقائه(4) ، أخبرنا محمّد بن القاسم بن زكريا ، حدّث عبّاد بن يعقوب ، أخبرنا عمرو بن ثابت ، عن ابن أبي ليلى : بنحوه.

حدّثنا محمّد ، أخبرنا محمّد بن عمّار العجلي ، حدّثنا عليّ بن محمّد بن حنينة(5) ، حدّثنا عباد بن يعقوب ، أخبرنا عمرو ، عن ابن أبي ليلى : بنحوه.

(1) الأذان بحيّ على خير العمل : 94 الحديث 74.

(2) في الاعتصام 1 : 291 : نبأنا.

(3) في تحقيق عزّان : بن كنانة وليس فيها (في لقائه).

(4) في الاعتصام : في كتابه.

(5) أثبت عزّان في المتن : نُجية ، وقال في الهامش : في ج : حنية وفي طـ : علي بن محمد بن حتينة ، والصواب ما اثبته ، انظر : ترجمته في المعجم [ الذي أعدّه في آخرالكتاب ]. أما في الاعتصام : حبية.


212

حدّثنا أحمد بن زيد بن بشّار ، وعليّ بن محمّد [ بن بنان ] الشيباني ، قالا : حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد الرفّاء المقري ، حدّثنا محمّد بن الحسن بن محسن الطريفي ، حدّثنا الحسن بن يحيى بن عبدالله ، حدّثني أبو بكر بن أبي أويس(1) ابن أخت مالك بن أويس ، عن حسين بن عبدالله بن ضميرة ، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول في أذان الصبح : حيَّ على خير العمل ، حيَّ على خير العمل.

حدّثنا ميمون بن عليّ بن حميد المقري ، حدّثنا أبو الحسن أحمد بن الحسن بن الحسين بن عيسى العلوي ، حدّثنا عبدالعزيز بن يحيى ، حدّثنا المغيرة بن محمّد ، حدّثنا إبراهيم بن محمّد وعبدالرحمن(2)حدّثنا عيسى بن عبدالله و(3)محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كان أبي عليٌّ عليه السلام إذا خرج إلى سفر لا يَكِل الأذان إلى غيره والإِقامة(4) ، وكان لا يدع أن يقول في أذانه : حيَّ على خير العمل.

حدّثنا(5) جعفر بن محمّد الجعفري ومحمّد بن عبدالله بن الحسين ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد ، حدّثنا يعقوب بن يوسف الضبي ، حدّثنا أبو جبارة حصـين بن المخارق ، عن يعقـوب بن عدي ، عن يحيى بن زيد ، عن آبائه ،

(1) أثبت عزّان في المتن بدل اويس « انس » واحال على ما ترجمه له في المعجم. وهو الموجود في الاعتصام 1 : 292 كذلك وفي آخره الحيعلة مرة واحدة.

(2) في متن عزّان : « بن عبدالرحمن » وقال في الهامش : وفي طـ : إبراهيم بن عبدالرحمن. وهو الموجود في الاعتصام 1 : 292.

(3) في الاعتصام : عبدالله بن محمد.

(4) في نسخة عزّان : ولا الإقامة . وهو الموجود في الاعتصام 1 : 292 كذلك.

(5) في الاعتصام : أخبرنا.


213

عن عليّ عليه السلام : أنـه كان يأمـر مـؤذنـه أن يـنادي في أذانـه بحـيَّ على خـير العمل.

حدّثنا(1) أحمد بن محمّد بن إبراهيم قراءةً ، أخبرنا محمد بن أبي العباس الورّاق ، حدّثنا محمّد بن القاسم بن زكريّا ، [ حدّثنا ](2)عبّاد بن يعقوب ، أخـبرنا نصر بن مزاحـم ، عن سـفيان بن إبراهـيم الحريري ، عن صباح المزني ، عن سـعيد ، عن الأصـبغ بن نباتـة ، قال : جـاء مـؤذنـو عليّ عليه السلام فحـيَّوه بالصـلاة ، فقال : مرحـباً بالقائلين عدلاً ، وبالصـلاة مرحـباً وأهـلاً. فلما تفرق المؤذّنون خرج علينا ، فقال : حيَّ على الصلاة ، حيَّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيَّ على الفلاح ، حيَّ على خـير العمل ، حيَّ على خـير العمل.

أخبرنا محمّد بن عبدالله بن الحسين قراءة ، حدّثنا الحسين بن محمّد الفزاري ، حدّثنا جعفر بن عبدالله المحمّدي ، حدّثنا مصبح بن الهاقان(3) ، حدّثنا إبراهيم بن محمّد ـ يعني ابن أبي يحيى ـ عن جعفر ، عن أبيه ، [ عن جده ](4)ضلا قال : كان عليّ عليه السلام يقول في أذانه : حيَّ على الفلاح ، حيَّ على خير العمل ، وذكر الحديث.

*طريق الإمام الصادق عليه السلام

أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن زيد بن بشّار ، وعليّ بن محمّد الشيباني ، قالا : حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد بن مسلم ، حدّثنا عليّ بن العبّاس وعليّ بن سلامة ، حدّثنا بكار بن أحمد ، حدّثنا نصر بن مزاحم ، عن الثقة إبراهيم بن أبي

(1) في نسخة عزّان : اخبرنا ، وقد سقط ما قبله.

(2) الزيادة من تحقيق عزّان. والاعتصام 1 : 292.

(3) في الاعتصام : الهلقان.

(4) الزيادة من الاعتصام.


214

يحيى ، عن جعفر بن محمّد عليه السلام : أن عليّاً عليه السلام كان يقول لكل صلاة : حيَّ على الفلاح ، حيَّ على خير العمل.

* طريق إبراهيم بن محمد

أخبرنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم قراءة ، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الورّاق في كتابه ، حدّثنا محمّد بن القاسم ، حدّثنا الحسن بن محمّد المزني ، حدّثنا هارون بن أبي بروة ، حدّثني حسين أخي ، عن إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى : أن عليّاً عليه السلام كان يقول لكل صلاة : حيَّ على الصلاة حي على الصلاة ، حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح ، حيَّ على خير العمل ، حيَّ على خير العمل(1).

* طريق الإمام الباقر عليه السلام

أخبرنا محمّد قراءةً ، حدّثنا محمّد [ قراءة ](2) ، حدّثنا حسن ، حدّثنا حسين ابن نصر ، حدّثنا خالد بن عيسى ، عن عاصم بن جميل(3) ، عن جعفر ، عن أبيه : أنّ عليّاً عليه السلام كان يقول في الأذان لكل صلاة : حيَّ على الصلاة حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح ، حيَّ على خير العمل حيّ على خير العمل.

أخبرنا محمّد [ بن أحمد ](4) ، أخبرنا محمّد [ بن أبي العباس ](5) ، أخبرنا

(1) وانظر : الاعتصام 1 : 293.

(2) الزيادة من الاعتصام 1 : 293.

(3) في تحقيق عزّان : بن حميد الخياط.

(4) الزيادة من عزّان.

(5) الزيادة من عزّان.


215

محمّد [بن القاسم](1) ، حدّثنا حسن [بن محمّد المزني](2) ، حدّثني هارون ابن أبي بردة ، عن وهب بن وهب ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه [ عن جده ](3) : أن عليّاً عليه السلام كان يُثنّي الإِقامة كما يُثنّي الأذان ، وأخبرنا أنه إن أذّن في الصبح قال : حيَّ على خير العمل.

أخبرنا(4) أحمد بن زيد بن بشّار ، حدّثنا الحسن [ بن ](5)محمّد الرفّا ، حدّثنا عليّ بن العبّاس وعليّ بن الحسين بن سلامة ، قالا : حدّثنا بكّار ، حدّثنا حسن(6) بن حسين [ العُرني ] ، عن صالح بن أبي الأسود ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : كان في أذان عليّ عليه السلام : حيّ على خير العمل.

.. حدّثنا ابن النحّاس ، حدّثنا عليّ ، حدّثنا بكار بهذا... وقال : كان في الأذان حيّ على خير العمل.

حدّثنا عبدالله بن مخالد(7)البجلي ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد ، حدّثني أحمد بن يحيى بن المنذر الحجري ، حدّثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى ، حدّثني الحسن بن عليّ الينبعي عن أبيه ، قال : سمعت محمّد بن عليّ عليه السلام يؤذن حيّ على خير العمل ، فقلت له : أيش هذا الأذان ؟ قال : هذا أذان خير البرية بعد النبيّ عليه السلام جدِّك عليّ بن أبي طالب عليه السلام (8).

(1) الزيادة من عزّان.

(2) الزيادة من عزّان.

(3) الزيادة من الاعتصام 1 : 293.

(4) في تحقيق عزّان : حدّثنا.

(5) الزيادة من تحقيق عزّان والاعتصام.

(6) في الاعتصام : حسين.

(7) في الاعتصام 1 : 294 : مجالد.

(8) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي : 48 ـ 53 ، وبتحقيق عزّان من ص 92 ـ 98. والاعتصام 1 : 294.


216

وجاء في حاشية الدسوقي ما نصه : « كان عليّ عليه السلام يزيد « حيَّ على خير العمل » بعد « حيَّ على الفلاح » وهو مذهب الشيعة الآن »(1).

ومعنى كلامه أنّه عليه السلام لم يَزِد شيئاً إضافياً على فصول الأذان ، بل إنّه كان يأتي بأمر لم يعمل به الخلفاء.

طرق أخرى

وفي الاعتصام بحبل الله : وقد ذكر الفقيه صالح بن الصديق النمازي في شرحه (الانهار على اثمار الازهار) قال ابن الرفعة من أصحاب الشافعي في مطلبه : قال القاضي حسين في التعليق : روي عن عليّ عليه السلام أنّه كان يقول « حيَّ على خير العمل » وبه أخذت الشيعة(2).

وروى الحافظ العلوي من طريق ابن عبّاس ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال : سمعت رسول الله يقول : لمّا انتهي بي إلى سدرة المنتهى ، فرأيت من جلال الله ما رأيت ، قال لي : يا محمّد « حيَّ على خير العمل » ، قلت : يا رب وما خير العمل ؟ قال : الصلاة قربان أمّتك...(3) وعن يحيى بن زيد ، عن آبائه ، عن عليّ عليه السلام أنّه كان يأمر مؤذّنه أن ينادي في أذانه بحيّ على خير العمل(4).

(1) حاشية الدسوقي 1 : 193.

(2) الاعتصام بحبل الله 1 : 308.

(3) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي : 61 بتحقيق عزّان . والاعتصام بحبل الله 1 : 290.

(4) كتاب الأذان بحيَّ علي خير العمل : 92 / الحديث 69 ، بتحقيق عزّان .


217

وعن حسين بن عبدالله بن ضميرة ، عن جدّه ضميرة ، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه كان يقول في أذان الصبح « حيَّ على خير العمل حي على خير العمل »(1) .

وروت الزيديّة عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه عليهم السلام : أنّ عليا عليه السلام كان يثنّي الإقامة كما يثنّي الأذان ، وأخبرنا أنّه إن أذّن في الصبح قال : حيّ على خير العمل.

وعنه أيضاً ، قال : إنّ علياً عليه السلام كان يقول لكل صلاة « حيّ على الفلاح ، حيَّ على خير العمل »(2).

وفي من لا يحضره الفقيه : وكان ابن النبّاح يقول في أذانه : « حيَّ على خير العمل حيَّ على خير العمل » فاذا رآه عليّ قال : مرحباً بالقائلين عدلاً ، وبالصلاة مرحباً وأهلاً(3)

3 ـ أبو رافع ( كان حيّاً في عهد الإمام الحسن )

قال الحافظ العلوي : أخبرنا عليّ بن محمّد [ إسحاق ](4)الخزّاز ، أخبرنا الحسن بن محمّد بن سعيد المُقرئ ، حدّثنا الحسن بن حيّاس(5) ، حدّثنا

(1) كتاب الأذان بحيَّ على خير العمل : 93 / الحديث 73 ، بتحقيق عزّان.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل : 96 الحديث 77 وقد مر آنفاً.

(3) من لا يحضره الفقيه 1 : 288 ح / 890 وانظر : كتاب الأذان بحيّ على خيرالعمل : 94 الحديث 75.

(4) الزيادة من الاعتصام 1 : 289.

(5) تحقيق عزّان : حباش . وفي الاعتصام 1 : 289 : حياش.


218

محمّد بن سليمان [لُوَين] ، حدّثنا شريك ، عن عاصم بن(1)عبيدالله ، عن عليّ ابن الحسين ، عن أبي رافع ، قال : كان النبيّ صلى الله عليه وآله إذا سمع الأذان قال كما يقول ، فإذا بلغ حيّ على خير العمل قال : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله(2).

4 ـ عقيل بن أبي طالب (ت في خلافة معاوية )

روى الحافظ العلوي بسنده عن عبيدة السلماني : أنّ عقيل بن أبي طالب كان يؤذن بـ « حيّ على خير العمل » إلى أن فارق الدنيا(3).

5 ـ الحسن بن عليّ بن أبي طالب ( ت 50هـ )

قال القاسم بن محمّد ـ وهو من أعلام الزيديّة ـ : ذكر في كتاب السنام ما لفظه : الصحيح أنّ الأذان شرع بحيّ على خير العمل ؛ لأنّه اتفق على الأذان به يوم الخندق ، ولأنّه دعاء إلى الصلاة ؛ وقد قال صلى الله عليه وآله : خير أعمالكم الصلاة ، وقد اتّفق أيضاً على أنّ ابن عمر والحسن والحسين عليهما السلام وبلالاً وجماعة من الصحابة أذّنوا به ، حكاه في شرح الموطأ وغيره من كتبهم(4).

وقد روى الحافظ العلوي عن محمّد بن أحمد بن إبراهيم ، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الوراق بحرانة ، حدّثنا محمّد بن القاسم ، حدّثنا حسن بن محمّد ، حدّثنا محمّد بن عليّ الكندي ، عن زكريّا بن يحيى ، عن عبدالرحمن بن أبي

(1) في الاعتصام 1 : 289 : عن.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 28 ، وبتحقيق عزّان : 55. الاعتصام 1 : 289 وفيما يلي عن الاعتصام 1 : 294 مثله .

(3) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 54 ، وتحقيق عزّان : 109.

(4) الاعتصام بحبل الله المتين 307 ـ 313. وانظر : الروض النضير 1 : 542.


219

حماد ، عن يوسف بن يعقوب ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : أذاني وأذان آبائي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والحسن والحسين وعلي بن الحسين .. حي على خير العمل حي على خير العمل (1) .

وفي الاعتصام 1 : 294 عن الأذان للحافظ العلوي : أخبرنا محمّد بن طلحة الثعالبي ببغداد حدّثنا محمّد بن عمر الجعابي القاضي ، حدّثنا إسحاق بن محمّد ـ يعني ابن مروان ـ حدّثنا أبي ، حدّثنا زيد بن المعدل ، حدّثنا عبدالله بن يزداد المرادي ، عن النعمان بن قيس ، عن عبيدة السلماني قال : كان عليّ بن أبي طالب ، والحسن ، والحسين ، وعقيل بن أبي طالب ، وابن عباس ، وعبدالله ابن جعفر ، ومحمّد ابن الحنفية عليهم السلام يؤذنون إلى ان فارقوا الدنيا فيقولون : حيّ على خير العمل ، ويقولون لم تزل في الأذان.

6 ـ أبو محذورة ( ت 59 وقيل 79هـ )

روى محمّد بن منصور في كتابه الجامع ، بإسناده عن رجال مرضيين ، عن أبي محذورة ـ أحد موذّني رسول الله صلى الله عليه وآله ـ أنّه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أقول في الأذان « حيَّ على خير العمل »(2).

وروى محمّد بن منصور : أنّ [ أبا ] القاسم عليه السلام أمره أن يؤذّن ويذكر ذلك [ يعني حيّ على خير العمل ] في أذانه ، قال : إنّ رسول الله أمره به ؛ هكذا في

(1) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي : 54 ، وبتحقيق عزّان : 136 الحديث171. والاعتصام 1 : 294.

(2) البحر الزخّار 2 : 192 ، أمالي أحمد بن عيسى 1 : 92 ، وكذلك ميزان الاعتدال1 : 139 ، لسان الميزان 1 : 268.


220

الشفاء(1).

وأخرج الحافظ العلوي من عدّة طرق خبر الحيعلة الثالثة ، منها طريق الحمّاني آنف الذكر ، والأخرى :

1 ـ حدّثنا أبو الطيب محمّد بن الحسين بن النحّاس(2)قراءة ، حدّثنا عليّ بن عبّاس البجلي ، [ حدّثنا بكار بن أحمد ، حدّثنا مخول بن إبراهيم ، عن(3) محمّد بن بكر ، عن زياد بن المنذر ، قال : حدّثني شيخ من أصحابنا ، عن رجل حدّثه عن أبي محذورة ، قال : أمرني رسول الله أن أقول في الأذان : حيّ على خير العمل(4).

2 ـ أخبرنا أحمد بن عليّ بن العطّار ومحمّد بن الحسين بن عزال قراءة عليهما ، قالا : حدّثنا عليّ بن أحمد بن عمرو ، حدّثنا محمّد بن المنصور المقري ، حدّثني أحمد بن عيسى ، عن محمّد بن بكر ، عن أبي الجارود مثله(5) .

3 ـ حدّثنا أحمد بن زيد بن يسار ، أخبرنا الحسن بن محمّد بن سعيد بن مسلم [ الرفّاء ] ، حدّثنا محمّد بن الحسن الأريسي(6) ، حدّثنا أحمد بن يحيى الصوفي ، حدّثنا مخول بن إبراهيم ، حدّثني محمّد بن بكر الأرحبي ، عن أبي

(1) جواهر الأخبار والآثار 2 : 191.

(2) في تحقيق عزّان : النخّاس.

(3) الزيادة عن تحقيق عزّان : 51 ح 2.

(4) الاعتصام بحبل الله 1 : 284.

(5) علق عزّان : 51 ح 3 اخرجه محمد بن منصور في الامالي 1 : 196 ( 234 راب الصدع ) وفيه : امرني رسول الله ان اقول في الأذان حيّ على خير العمل... وانظر : الاعتصام بحبل الله 1 : 284.

(6) في تحقيق عزّان : الاويسي انظر : : 52 ح 4.


221

الجارود ، قال : حدّثني يحيى ـ شيخ من أصحابنا ـ عن رجل حدّثه عن أبي محذورة قال : أمرني رسول الله أن أقول في الأذان حيَّ على خير العمل(1).

4 ـ حدّثنا محمّد بن الحسين بن النحّاس قراءة ، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي ، حدّثنا بكّار بن أحمد ، حدّثنا عثمان بن سعيد الأحول ، حدّثني هُذيل ابن بلال المدائني ، قال : سمعت [ ابن ](2)أبي محذورة يقول : حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل..

5 ـ حدّثنا(3) ـ أبو الطيب عليّ بن محمّد بن بنان ، حدثني أبو القاسم عبدالله بن جعفر بن محمّد النجّار الفقيه ، حدّثنا العبّاس بن أحمد بن محمود الرازي ـ قَدِم حاجِّاً في سنة ثلاث واربعين وثلاثمائهـ حدّثنا أبو جعفر(4)أحمد بن محمّد بن سلامة الأزدي بمصر ـ يعني الطحاوي الفقيه ـ حدّثنا يونس بن بكر (5) ، حدثنا ابن وهب ، حدثني عثمان [ بن الحكم الجذامي (6) ، عن أبن جريج ، عن ابن أبي محذورة ، عن آل أبي محذورة ] (7) ، عن أبي محذورة ، قال : قال رسول الله : اذْهَبْ فأذِّن عند المسجد الحرام وقل : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أن محمّداً رسول الله ، أشهد أن محمّداً رسول الله ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ،

(1) الاعتصام بحبل الله 1 : 284.

(2) من تحقيق عزّان : 54 ح 7. والاعتصام بحبل الله 1 : 284 ـ 290.

(3) في الاعتصام 1 : 289 اخبرنا.

(4) في الاعتصام 1 : 289 أبو هند.

(5) في الاعتصام : بكير.

(6) في الاعتصام : الحرامي.

(7) الزيادة من تحقيق عزّان : 52 ح 5.


222

حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلاّ الله(1).

6 ـ وبهذا الإسناد عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : تأذين من مضى يخالف تأذينَهم(2)اليوم ، وكان أبو محذورة يؤذّن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فأدركته أنا وهو يؤذن ، وكان يقول في أذانه بين الفلاح والتكبير حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل.

وروى الإمام المؤيّد بالله في شرح التجريد من طريق أبي بكر المقري ، قال : حدّثنا الطحاوي الفقيه ، قال : حدّثنا أبو بكر ، قال : حدّثنا أبو عاصم ، قال : حدّثنا ابن جريج ، قال : حدّثنا عثمان بن السائبة(3) ، قال : أخبرني أبي ، عن عبدالملك بن أبي محذورة ، عن أبي محذورة مؤذن النبيّ ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اذْهَبْ فأذِّن في المسجد الحرام وقل : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر... إلى أن ذكر « حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل »(4). وهو نفس

(1) في تحقيق عزّان : 53 زيادة ثمّ ارجع فمد صوتك بـ « الله أكبر » إلى أن تنتهي إلى الشهادتين ، ثمّ قل : حيَّ على الصلاة حيّ على الصلاة ، حيَّ على الفلاح ، حيَّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلاّ الله . وهذه الزيادة موجودة في الاعتصام 1 : 289 كذلك ، وفي أول الأَذان تكبيرتان.

(2) في الاعتصام 1 : 289 : تاذينكم.

(3) في الاعتصام 1 : 280 : السائب.

(4) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 27 وما في مسند المؤيّد بالله موجود في معاني الآثار المطبوع ، إلا أنّه سقط منه لفظ « حيّ على خير العمل » وهو يعني أن المويّد لم يَرو الرواية عن كتاب الطحاوي وإنما رواها عن طريق أبي بكر المقري عن الطحاوي ، وقد تابعه العبّاس بن أحمد بن محمود الرازي كما هو مذكور ، ويقوّيه ما أورد الحافظ المرادي ( انظر : حيّ على خير العمل لمحمد سالم عزّان : 20 ) . والاعتصام بحبل الله 1 : 280 وفيه علمني رسول الله الأَذان كما اوذن الآن الله أكبر ، الله أكبر ، وذكر فيها الحيعلة الثالثة ، ثمّ قال : وذكره الهادي بلفظه في الاحكام والمنتخب ، وقال في المنتخب الذي صح لنا عن رسول الله هذا.. وروي في الشفا مثل هذا عن ابن ابي محذورة.


223

خبر الحافظ العلوي الا أنّ العلوي رواه عن طريق يونس بن بكر ، حدّثنا ابن وهب ، حدّثني عثمان بن الحكم المدائني ، عن ابن جريج.

وقال الإمام يحيى بن حمزة من أئمّة الزيديّة في الانتصار : الحجّة التالية ما رواه محمّد بن منصور في كتاب الجامع بإسناده عن رجال مرضيّين ، عن أبي محذورة أحد مؤذّني رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال : أمرني رسول الله...

وقال الإمام محمّد بن المطهّر في المنهاج : وروِّينا أنّ أبا محذورة أمره النبيّ أن يقول « حيَّ على خير العمل حيَّ على خير العمل ».

وروى الحافظ العلوي بإسناده عن طريق يحيى بن حميد الحِمّاني ، قال : حدّثنا أبو بكر بن عيّاش ، عن عبدالعزيز بن رفيع ، عن أبي محذورة ، قال : كنت غلاماً صبيّاً فأذّنت بين يدَي رسول الله لصلاة الفجر ، فلمّا انتهيت إلى حيّ على الفلاح ، قال النبيّ : ألحِقْ بها « حيَّ على خير العمل »(1).

7 ـ الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( ت 61هـ )

قال القاسم بن محمّد ـ وهو من أعلام الزيدية ـ : ذكر في كتاب السنام ما لفظه : الصحيح أنّ الأذان شُرِّع بحيّ على خير العمل ؛ لأنّه اتّفق على الأذان به يوم الخندق ، ولأنّه دعاء إلى الصلاة ؛ وقد قال صلى الله عليه وآله : خير أعمالكم الصلاة ، وقد اتّفق أيضاً على أنّ ابن عمر والحسن والحسين عليهما السلام وبلالاً وجماعة من

(1) الأذان بحيّ على خير العمل تحقيق عزّان : 50. والاعتصام 1 : 283.


224

الصحابة أذّنوا به ، حكاه في شرح الموطا وغيره من كتبهم(1).

وقد روى الحافظ العلوي عن محمّد بن أحمد بن إبراهيم ، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الورّاق بحرانة ، حدّثنا محمّد بن القاسم ، حدّثنا حسن بن محمّد ، حدّثنا محمّد بن عليّ الكندي ، عن زكريا بن يحيى ، عن عبدالرحمن بن أبي حماد ، عن يوسف بن يعقوب ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : أذاني وأذان آبائي النبيّ صلى الله عليه وآله وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين : حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل(2).

8 ـ زيد بن أرقم ( ت ما بين 66 إلى 68هـ )

حكى الشوكانيّ في نيل الأوطار ، عن المحبّ الطبري في إحكام الأحكام : أنّ زيد بن أرقم كان يؤذّن بحيّ على خير العمل(3).

9 ـ عبدالله بن عبّاس ( ت ما بين 68 إلى 70هـ )

روى الحافظ العلوي عن محمّد بن طلحة الثعالبي(4)ببغداد ، حدّثنا محمّد ابن عمر الجعابي القاضي ، حدّثنا إسحاق بن محمّد ـ يعني ابن مروان ـ حدّثنا أبي ، حدّثنا زيد بن المعدلة(5) ، حدّثنا عبدالله بن نزار المرادي ، عن النعمان بن

(1) الاعتصام بحبل الله المتين 307 ـ 313. وانظر : الروض النضير 1 : 542.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي : 54 ، وبتحقيق عزّان : 136 الحديث171 . وقد مر عليك في صفحة 319 ما جاء في الاعتصام عن الحسن والحسين وغيرهم من الطالبيين .

(3) نيل الاوطار 2 : 44 ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 5 : 283.

(4) بتحقيق عزّان : النعالي.

(5) في تحقيق عزّان : المُعَدِّل.


225

قيس ، عن عبيدة السلماني ، قال : كان عليّ بن أبي طالب ، والحسن ، والحسين ، وعقيل بن أبي طالب ، وابن عبّاس ، وعبدالله بن جعفر ، ومحمّد بن الحنفية ، يؤذنون إلى أن فارقوا الدنيا ، فيقولون : حيّ على خير العمل.. ويقولون : لم يَزَل في الأذان(1).

10 ـ عبدالله بن عمر ( ت 73 وقيل 74هـ )

اختلفت الروايات عنه ، ففي بعضها أنّه كان يقول بحيّ على خير العمل دوماً ، وفي أخرى أنّه كان يقولها أحياناً أو في السفر خاصة. وقد وضّحنا في كتابنا وضوء النبيّ (البحث الروائي) سرّ مثل هذا الاختلاف في المرويّات ، وسيأتي مزيد توضيح إن اقتضى الأمر. فأما الآثار الدالّة على تأذين ابن عمر بها دوماً ، فهي :

1 ـ عن محمّد بن سيرين ، عن ابن عمر ، أنّه كان يقول ذلك في أذانه(2).

2 ـ وفي مصنّف عبدالرزّاق ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن رجل : انّ ابن عمر كان إذا قال في الأذان « حيّ على الفلاح » قال « حيّ على خير العمل » ثمّ يقول : الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله(3).

3 ـ وعن زيد بن محمّد ، عن نافع : أنّ ابن عمر كان إذا أذّن قال « حيّ على خير العمل »(4).

(1) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 54 ، وتحقيق عزّان : 109 وفيه : لم تزل في الأذان.

(2) السنن الكبرى للبيهقي 1 : 425 ، الاعتصام بحبل الله 1 : 308.

(3) المصنف 1 : 460/ ح 1786.

(4) الاعتصام بحبل الله 1 : 295.


226

4 ـ وعن ابن عون ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر إذا أذّن قال « حيّ على خير العمل » أخرجه المؤيد بالله(1).

وقال الحافظ محمّد بن إبراهيم الوزير : وروى ابن حزم في كتاب الإجماع ، عن ابن عمر أنّه كان يقول في أذانه « حيّ على خير العمل »(2).

ثمّ قال : وبحثت عن هذين الاسنادين في « حيّ على خير العمل » فوجدتهما صحيحين إلى ابن عمر وزين العابدين(3).

أما الأقوال المشيرة إلى تأذينه بها في بعض الأحيان ، فهي :

1 ـ مالك بن أنس ، عن نافع : كان ابن عمر أحياناً إذا قال « حيّ على الفلاح » قال على إثرها : « حيّ على خير العمل »(4).

2 ـ عن الليث بن سعد ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر لا يؤذّن في سفره ، وكان يقول : « حيّ على الفلاح » وأحياناً « حيّ على خير العمل ». ورواه محمّد بن سيرين عن ابن عمر أنّه كان يقول ذلك في أذانه ، وكذلك رواه نسير بن ذعلوق عن ابن عمر وقال : في السفر(5).

3 ـ وعن الليث بن سعد ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر ربّما زاد في أذانه « حيّ على خير العمل » ورواه أيضاً عطاء عن ابن عمر(6).

(1) أخرجه المؤيّد بالله في شرح التجريد ـ مخطوط ـ من طريق عمّار بن رجاء عن أزهر بن سعد انظر : الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي بتحقيق عزّان : 103.

(2) انظر : مراتب الإجماع ، لابن حزم : 27.

(3) الروض النضير 1 : 542 وانظر : الإحكام لابن حزم 4 : 593 ، ومقدمة الأذان بحيّ على خير العمل بتحقيق عزّان : 14.

(4) السنن الكبرى للبيهقي 1 : 424 ؛ الاعتصام بحبل الله 1 : 297 ،308 ،312.

(5) السنن الكبرى للبيهقي 1 : 424 ـ 425 ، وانظر : مصنف بن أبي شيبة 1 : 196.

(6) السنن الكبرى للبيهقي 1 : 424 ، الاعتصام بحبل الله 1 : 299 ،310.


227

4 ـ عبدالرزّاق ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنّه كان يقيم الصلاة في السفر يقولها مرّتين أو ثلاثاً يقول « حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة ، حيّ على خير العمل »(1).

قال ابن حزم : ولقد كان يلزم من يقول بمثل هذا عن الصاحب ـ فمثل هذا لايقال بالرأي ـ أن يأخذ بقول ابن عمر هذا ، فهو عنه ثابت بأصحّ إسناد(2).

وروى الحافظ زين الدين العراقي عن الإمام علاء الدين مغلطاي في كتاب ( التلويح شرح الجامع الصحيح ) أنّه قال ما لفظه : أمّا حيّ على خير العمل فذكر ابن حزم أنّه صحّ عن عبدالله بن عمر ، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف أنهما كانا يقولان في أذانهما حيّ على خير العمل . وقال مغلطاي : وكان عليّ بن الحسين يقولها(3)َ.

وقال المحقّق الجلال : وصحّح ابن دقيق العيد وغيره أن ابن عمر وعليّ بن الحسين ثَبَتا على التأذين بها إلى أن ماتا(4) .

وفي المختصر من شرح ابن دقيق العيد على العمدة ما لفظه : وقد صحّ بالسند الصحيح أن زين العابدين وعبدالله بن عمر أذنّا بحيّ على خَير العمل إلى أن ماتا(5).

وإليك الآن بعض الطرق التي ذكرها الحافظ العلوي في كتابه الأذان بحيّ على خير العمل ، عن عبدالله بن عمر بن الخطّاب.

(1) مصنّف عبدالرزّاق 1 : 464 / ح 1797.

(2) المحلى 3 : 160 ـ 161.

(3) الروض النضير 1 : 541. والاعتصام بحبل الله 1 : 311.

(4) ضوء النهار 1 : 468.

(5) الروض النضير 1 : 542.


228

* زيد بن نافع

أخبرنا أبو الطيّب محمّد بن الحسين التيملي قراءة ، حدّثنا أبو جعفر محمّد ابن عليّ بن مهدي العطّار ، حدّثنا قاسم بن وهب التميمي ، حدّثنا قاسم أبو بكر البجلي ، حدّثنا إسماعيل بن هارون الخزّار ، عن عاصم العمري ، عن زيد بن محمّد بن(1) نافع : أنّ ابن عمر كان إذا أذّن قال : حيّ على خير العمل.

* محمد بن عجلان عن نافع

حدّثنا محمّد بن حميد بن محمّد [ بن الحسين ](2)بن حميد اللخمي ، حدّثنا أبو بكر محمّد بن جعفر الآدمي القاري ، حدّثنا موسى بن إسحاق ، حدّثنا منجاب(3) بن الحارث ، عن عليّ بن شهر(4) ، عن حاتم ، عن محمّد بن عجلان ، عن نافع ، قال : سمعت ابن عمر يقول : حيّ على خير العمل.

حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسن المقري ، حدّثنا عليّ بن الحسين بن يعقوب ، حدّثنا عليّ بن أحمد بن حاتم ، حدّثنا محمّد [ بن أحمد ](5)بن مروان ، حدّثنا عثمان بن سعيد ، عن(6)حاتم ، بن إسماعيل ، عن محمّد بن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يقول : حيّ على خير العمل.

حدّثنا عبدالله بن بشر بن مخالد(7)البجلي ، أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن

(1) في الاعتصام : عن.

(2) الزيادة من الاعتصام.

(3) في الاعتصام 1 : 296 : مِنْجَاب ، وضبطه في الهامش : بكسر النميم وسكون النون وفتح الجيم التيمي ، أبو محمد الكوفي.

(4) في الاعتصام : مسهر.

(5) الزيادة من الاعتصام.

(6) في الاعتصام : حدّثنا بدل عن.

(7) في الاعتصام : مجالد.


229

محمّد بن سعيد ، حدّثنا أحمد بن يحيى بن المنذر الحجري ، حدّثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى ، حدّثني أبو بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يؤذّن فيقول : حيّ على خير العمل ، ويقول : كانت في الأذان ، فخاف عمر أن يتكل(1)الناس عن الجهاد.

أخبرنا محمّد بن طلحة الثعالي البغدادي ببغداد ، وكتبه أبي بخطه ، حدّثنا القاضي أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي الحافظ ، حدّثنا حامد بن سعيد بن زهير ، حدّثنا شريح بن يونس ، حدّثنا أبو سعيد الصنعاني ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنّه كان يقول ـ يعني في أذانه ـ : [ حيّ على الصلاة ](2) حيّ على خير العمل.

أخبرني محمّد بن طلحة الثعالي ، حدّثنا محمّد بن عمر الجعابي الحافظ ، حدّثنا أحمد المؤمّل ، حدّثنا محمّد بن عليّ بن خلف ، حدّثنا إسماعيل بن أبان حدّثني ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنّه كان يؤذن فيقول في أذانه : حيّ على خير العمل.

وقد رواه أيضاً جعفر بن محمّد الطبري عن ابن عمّار ، عن مؤمّل ، عن سفيان ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر.

* مالك بن أنس عن نافع

أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن زيد بن بشار قراءةً ، حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد المقري ، حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني البغدادي ، حدّثنا محمّد بن عليّ بن خلف ، حدّثنا عبدالوهّاب بن عطا الجفاف(3) ، أخبرنا مالك بن أنس ،

(1) في الاعتصام : ينكل.

(2) الزيادة من الاعتصام 1 : 296.

(3) في الاعتصام : الخفاف.


230

عن نافع : أن ابن عمر كان يقول في أذانه : حيّ على خير العمل(1).

* ابن عون عن نافع

حدّثنا ميمون بن حميد المقري ، أخبرنا إسحاق بن محمّد المقري ، حدّثنا أبو زيد الحسن بن [ محمّد بن ](2)السكن التميمي ، حدّثنا جعفر بن محمّد السَّدوسي ، حدّثنا أزهر بن سعدان ، حدّثنا ابن عون ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر إذا أذّن قال : حيّ على خير العمل(3).

حدثنا حسن بن حسين بن حبيش المقري ، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن مرزوق ، حدثنا أبو زيد الحسن بن محمد بن السكن : بهذا .

حدّثنا أبي ، حدّثنا عليّ بن سفيان(4)بن يعقوب الهمداني(5) ، حدّثنا أبو

(1) وانظر : الاعتصام 1 : 312 فانه وبعد ذكره اسناد البيهقي الشافعي عن مالك بن أنس عن ابن نافع... قال : ومن طريقهم إلى الطبري الشافعي في كتابه ( غاية الاحكام في احاديث الاحكام ) ما لفظه : حديث الحيعلة بحيّ على خير العمل أخرجه سعيد بن منصور قال الطبري : ورواه ابن حزم في كتاب ( الاجماع ) عن ابن عمر : أنّه كان يقول في أذانه : حيّ على خير العمل . انتهى ما ذكره في التوضيح ، وفي شرح العمدة لابن دقيق العيد.

(2) الزيادة من الاعتصام.

(3) جاء في الاعتصام 1 : 281 قال المؤيد بالله فيه أيضاً : أخبرنا أبو العباس الحسن قال : اخبرنا محمد بن علي الصباغ ، ويوسف بن محمد الكسائي ، وأحمد بن سعيد الثقفي قالوا اخبرنا عمار بن رجا قال : حدّثنا ازهر بن سعد عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر انه كان يقول في اذان : حيّ على خير العمل ، وهو في اُصول الاحكام والشفاء.

(4) في الاعتصام : شفير.

(5) في الاعتصام : الهمذاني.


231

زيد الحسن بن محمد بن السكن : بهذا .

* ابن جريج عن نافع

حدّثنا(1) أبو عمر عبدالواحد بن محمّد بن عبدالله بن محمّد بن مهدي البغدادي ، أخبرنا أبو عبدالله محمّد بن إسماعيل الفارسي قراءةً سنة تسع وعشرين وثلاثمائةً ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبّاد ، حدّثنا عبدالرزاق بن همّام الصنعاني ، عن ابن جريج ، عن نافع : أنّ ابن عمر كان يقول : ـ يعني في الأذان ـ حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل.

* عثمان بن مقسم عن نافع

أخبرنا محمّد بن طلحة التعالي(2) ، حدّثنا محمّد بن عمر بن زياد بن عجلان ، حدّثنا محمّد بن إِسماعيل الراشدي ، حدّثنا أميّة بن الحارث ، حدّثنا عثمان بن مقسم ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يقول في أذانه : حيّ على خير العمل.

* عبيد الله بن عمر عن نافع

أخبرنا محمّد بن أحمد بن إِبراهيم قراءةً ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن الهيثم في كتابه ، حدّثنا أبو عليّ الخراساني ، حدّثنا أبو بكر ، حدّثنا أبو أسامة ، حدّثنا عبيدالله ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر ربّما زاد في أذانه : حيّ على خير العمل.

أخبرنا محمّد(3) بن أبي العبّاس الورّاق ، حدّثنا محمّد بن الحسين بن

(1) في الاعتصام : اخبرنا.

(2) في الاعتصام : الثعالبي وبعده : حدّثنا محمد بن عمر الجعابي ، حدّثنا أحمد بن زياد ابن عجلان ، حدّثنا محمد بن إسماعيل الراشدي...

(3) في الاعتصام 1 : 298 اخبرنا محمد ، اخبرنا محمد بن العباس.


232

جعفر(1) » ، حدّثنا عبيدالله [ بن إسماعيل القرشي ، حدّثنا أبو اسامة ، حماد بن اسامة عن عبيدالله ](2)عن نافع ، قال : كان ابن عمر ربّما زاد في أذانه : حيّ على خير العمل.

أخبرنا عليّ بن محمّد الشيباني ، ومحمّد بن أحمد [ بن إبراهيم ](3)قراءةً عليهما ، قالا : أخبر الحسن بن محمّد بن إسماعيل بن إسحاق في كتابه ، حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني(4) ، حدّثنا عيسى بن مهران ، أخبرنا عبدالرحمن بن صالح الأزدي ، حدّثنا أبو مالك الحسني ، عن عبيدالله بن عمر ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر ربّما قال في أذانه : حيّ على خير العمل.

* جورية بن أسما عن نافع

أخبرنا عليّ بن محمّد بن بنان في كتابه ، حدّثني ثوابة بن أحمد بن عيسى بن ثوابة بن مهران(5)الأسدي الموصلي في الكوفة في مجلس السكوني ، حدّثنا أبو يعلى أحمد بن عليّ بن المثنى ، حدّثنا عبدالله(6)بن محمّد بن أسما ، حدّثنا جورية(7) ، عن نافع : أن ابن عمر كان لا يؤذّن في السفر ولكن يجعلها إِقامة ويقول : حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، مرتين.

أخبرنا عليّ بن محمّد الشيباني ، أخبرني الحسين بن محمّد الرفّاء ، حدّثني

(1) في الاعتصام : حفص.

(2) الزيادة من الاعتصام 1 : 298.

(3) الزيادة من الاعتصام.

(4) في الاعتصام 1 : 298 الجنبي وقال في الهامش : بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة اسمه عمرو بن هاشم انتهى من الطبقات.

(5) في الاعتصام : بهران.

(6) في الاعتصام : عبيدالله.

(7) في الاعتصام : جويرية.


233

جعفر بن محمّد الحسني ، حدّثنا عيسى بن مهران ، حدّثنا أبو غسان الهذلي ، حدّثنا جوريه بن أسما ، [ عن عتبة ](1) ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنّه كان يقول في أذانه : حيّ على خير العمل ، مرتين.

* يحيى بن أبي كثير عن نافع

أخبرنا عمر بن عبدالواحد بن مهدي البغدادي في كتابه إليَّ ، حدّثنا محمّد ابن إسماعيل الفارسي ، حدّثنا إِسحاق بن إِبراهيم بن عبادي(2) ، حدّثنا عبدالرزاق بن همام ، حدّثنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن رجل(3) : أنّ ابن عمر كان إذا قال : في الأذان : حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، قال : حيّ على خير العمل ، ثمّ يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إِله إلاّ الله.

* عطاء عن ابن عمر

أخبرنا محمّد بن طلحة التغالي ، وكتبه إلي بخطّه ، حدّثنا القاضي محمّد بن عليّ(4) الجعابي الحافظ ، حدّثنا إسحاق بن محمّد ـ يعني ابن مروان ـ حدّثنا أبي ، حدّثنا المغيرة بن عبدالله(5) ، عن مقاتل بن سليمان ، عن عطاء ، عن ابن عمر : أنه كان يؤذّن بحيّ على خير العمل ، ثمّ ترك ذلك وقال(6) : أخاف أن يتّكل الناس(7).

(1) لم توجد في الاعتصام 1 : 298.

(2) في الاعتصام : عباد.

(3) لم يذكر اسمه في الأصل ، وقال عزّان : ويبدو أنّه نافع لأنّ الرواية عنه.

(4) في الاعتصام : عمر.

(5) في الاعتصام : عبيدالله.

(6) القائل عمر بن الخطاب.

(7) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي : 55 ـ 62. وانظر : الطريق الاخير في صفحه 25 من الكتاب نفسه وبتحقيق عزّان من صفحه : 100 ـ 108.


234

11 ـ جابر بن عبدالله ( ت 68 إلى 79هـ )

قال الحافظ العلوي : أخبرنا محمّد بن جعفر التميمي مناولةً ، أخبرنا عبدالعزيز بن يحيى الجلودي ، حدّثنا محمّد بن سهل ، حدّثنا عمر بن عبدالجبار ، حدّثنا أبي ، حدّثنا عليّ بن جعفر ، عن أبيه ، عن جده ، عن جابر ، قال : كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يقول المؤذّن بعد قوله « حيّ على الفلاح » « حيّ على خير العمل » ، فلمّا كان عمر بن الخطاب في خلافته نهى عنه كراهة أن يُنْكَلَ عن الجهاد(1) ؟

12 ـ عبدالله بن جعفر ( ت 80 وقيل 90هـ )

روى الحافظ العلوي بسنده عن عبيدة السلماني : أن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب كان يؤذّن بـ « حيّ على خير العمل » إلى أن فارق الدنيا(2).

13 ـ محمد بن علي بن أبي طالب ( ت ما بين 73 ـ 93هـ )

روى الحافظ العلوي من طريق عليّ بن حزور ، عن محمّد بن بشر ، قال : جاء رجل إلى محمّد بن الحنفية ، فقال له : بلغنا أنّ الأذان إنّما هو رؤيا رآها رجل من الأنصار ، فقَصّها على رسول الله ، فأمر بلالاً فأذّن بتلك الرؤيا! فقال له محمّد بن الحنفية : إنّما يقول بهذا الجاهلُ من الناس ، إنّ أمر الأذان أعظم من ذلك ، إنّه لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله سمع ملكاً يقول : « الله أكبر الله أكبر » فقال عزّوجلّ : أنا كذلك أنا الأكبر لا شيء أكبر مني ، إلى أن قال :

ثمّ قال : « حيَّ على خير العمل » ، فقال الله : هي أزكى الأعمال عندي وأحبُّها

(1) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي : 30 ، والاعتصام 1 : 291.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 54 ، وتحقيق عزّان : 109 ، والاعتصام 1 : 294 .


235

إليَّ(1).

وروى الحافظ العلوي من طريق عبيدة السلماني ، عن محمّد بن الحنفية أنّه كان يؤذّن إلى أن فارق الدنيا فيقول : « حيّ على خير العمل »(2).

14 ـ أنس بن مالك ( ت ما بين 91 إلى 93هـ )

قال الحافظ العلوي : أخبرنا أبو الطيّب أحمد بن محمّد بن بنان ، أخبرنا الحسن بن محمّد بن الحسن اليشكري ، حدّثني أبو عبدالله الحسن(3)بن محمّد بن سعيد ببغداد ، حدّثنا محمّد بن الغيصي(4)بدمشق ، حدّثنا إِبراهيم بن عبدالله ، حدّثني عمّي عبدالرزّاق الإمام ، عن معمر بن(5)ثابت ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : بينا أنا نائم إذ أتاني جبريل فهمزني برِجله فاستيقظت ، فلم أر شيئاً ، ثمّ أتاني الثانيةَ فهمزني فاستيقظت فأخذ بضبعي ، فجعلني في شيء كوَكر الطير ، فما أطرفت بصري [ طرفة ] حتّى رجعت إلى الأرض ، فأتى بي مكاناً ، فقال [ لي ] : أتدري أين أنت ؟ فقلت : لا يا جبريل ، فقال : هذا بيت المقدس ، بيت الله الأقصى ، إلى(6)المحشر والمنشر ؛ ثمّ قام جبريل فجعل سبابته اليمنى في أذنه اليمنى ، وأذّن مثنى مثنى ، يقول في أحدها(7) : « حيّ على

(1) الأذان بحيّ على خير العمل : 57 بتحقيق عزّان ، والخبر طويل اقتطفنا منه بعض المقاطع. والاعتصام بحبل الله 1 : 285.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل بتحقيق عزّان : 109 الحديث 107.

(3) في الاعتصام 1 : 288 : الحسين.

(4) في الاعتصام : الفيض.

(5) في الاعتصام : عن.

(6) في الاعتصام : إليه.

(7) في الاعتصام : وقال في آخرها.


236

خير العمل » حتّى إذا مضى(1)أذانه أقام الصلاة مَثنى مَثنى ، وقال في آخرها : « قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة » ، فبرق نور من السماء ، ففتحت به قبور الأنبياء ، فأقبلوا من كلّ أوب يُلبّون دعوة جبريل ، فوافى أربعة آلاف نبيّ وأربعمائة وأربعة عشر نبيّاً ، وأخذوا مصافّهم ، ولا أشكّ أنّ جبريل سيتقدّمنا ، فلمّا استَووا في مصافّهم أخذ جبريل بضبعي فقال لي : تَقدّمْ يا محمّد فَصلِّ بإِخوانك ، فالخاتم أولى من المختوم ، وذكر بقية الحديث...(2)

15 ـ عليّ بن الحسين بن عليّ ( ت 94هـ )

جاء في مصنّف ابن أبي شيبة وسنن البيهقي ومصادر أخرى ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر ، عن أبيه ، ومسلم بن أبي مريم : إنّ عليّ بن الحسين عليه السلام كان يؤذّن فإذا بلغ : « حيَّ على الفلاح » قال : « حيَّ على خير العمل » ويقول : هو الأذان الأوّل(3).

وقال الحلبي في سيرته : ونقل عن ابن عمر وعليّ بن الحسين أنّهما كانا يقولان في أذانيهما بعد « حيَّ على الفلاح » ، « حيَّ على خير العمل »(4).

وجاء في الاعتصام بحبل الله : ... ومن شرح المختصر لابن دقيق العيد على

(1) في الاعتصام : قضى.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 26. والاعتصام 1 : 288 ـ 289.

(3) مصنّف ابن أبي شيبة 1 : 195 والنص عنه ، السنن الكبرى للبيهقي 1 : 425 ، الاعتصام بحبل الله 1 : 299 ، 308 ،31 وغيرهما. مسند زيد بن علي : 83 عن أبيه عليّ بن الحسين عليه السلام أنّه كان يقول... نحوه.

(4) السيرة الحلبية 2 : 305 باب الأذان ، المحلّى 3 : 160 ، وفيه وقد صح عن ابن عمر وأبي امامة بن سهل بن حنيف أنهم كانوا... دعائم الاسلام 1 : 145 ، جواهر الأخبار والآثار للصعدي 2 : 192.


237

العمدة ما لفظه : وقد صح بالسند الصحيح أن زين العابدين وعبدالله بن عمر أذّنا بحيّ على خير العمل إلى أن ماتا(1).

وقد أخرج الحافظ العلوي من عدة طرق أذان عليّ بن الحسين روايةً وإجازةً :

* حديث حاتم عن جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين.

أخبرنا أبو الطيب محمّد بن الحسين بن النخاس قراءة ، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي ، حدّثنا بكّار بن أحمد ، حدّثنا حسن بن حسين ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن جعفر ، عن أبيه : أن عليّ بن الحسين كان يؤذّن ، فإذا بلغ : « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأول(2).

حدّثنا محمّد بن عبدالله الجعفي ومحمّد بن الحسين بن غزال ، قالا : حدّثنا محمّد بن عمّار بن محمّد العجلي العطار لفظاً ، حدّثنا الحسين بن الحكم الحبري ، حدّثنا جندل بن [ والف ](3) ، عن حاتم بن إِسماعيل ، عن جعفر ، عن أبيه ، [ عن ](4)عليّ بن الحسين : أنه كان إذا بلغ في أذانه « حيّ على الفلاح » كان يقول : « حيّ على خير العمل » ، وكان يقول : هو الأذان الأوّل(5).

حدّثنا ميمون ، حدّثنا عليّ بن حميد المقري(6) أخبرنا إسحاق بن محمّد

(1) الاعتصام بحبل الله 1 : 312.

(2) الاعتصام 1 : 287.

(3) في تحقيق عزّان : والق.

(4) في تحقيق عزّان : أن.

(5) اخرجه بن أبي شيبة 1 : 195 ح 2239 عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن ابيه ومن طريق مسلم بن أبي مريم عن علي بن الحسين واخرجه البيهقي 1 : 425 من طريق موسى بن دواد عن حاتم به. والاعتصام 1 : 287.

(6) في الاعتصام 1 : 287 حدّثنا ميمون بن حميد ، اخبرنا إسحاق بن محمد المقري حدّثنا أبو زيد.


238

النجار المقري ، حدّثنا أبو زيد الحسن بن السكن التميمي ، حدّثنا جعفر بن محمّد السدوسي(1) ، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل المدني(2) ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، قال : كان عليّ بن الحسين إِذا أذن قال : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأوّل :

حدّثنا حسن بن حسين بن حبيش المقري ، أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن أحمد بن [ مرزقي ](3)المقري ، حدّثنا أبو زيد الحسن بن السكن : بمثله.

حدّثنا أبي رضي الله عنه ، حدّثنا محمّد [ بن الحسين ](4)بن سعيد الأزدي ، حدّثنا عبدالله بن زيدان ، حدّثنا محمّد [ بن ثوابة ](5) ، حدّثنا حفص الهلالي عن حاتم المدني(6) ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن عليّ بن الحسين ، قال : ذُكِر عنده « حيّ على خير العمل » ، قال : كان أذان الناس الأوّل.

حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني ، حدّثنا عيسى بن مهران ، أخبرنا العبد الصالح مخول بن إبراهيم ، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل ، عن جعفر ، عن أبيه ، قال : كان عليّ بن الحسين يزيد في أذانه ، إذا قال : « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل ». ويقول : يا بُنيّ ، هو الأذان الأوّل.

أخبرنا محمّد بن أحمد بن إِبراهيم ، أخبرنا أحمد بن محمّد الكندي ، حدّثنا

(1) في الاعتصام 1 : 287 الدوسي.

(2) في الاعتصام : المديني.

(3) في تحقيق عزّان : المرزوقي.

(4) الزيادة من الاعتصام 1 : 287 ، وفي تحقيق عزّان : الحسن.

(5) في الاعتصام 1 : 287 : بن نوار.

(6) في الاعتصام : المديني.


239

أبو عليّ الخراساني ، حدّثنا أبو بكر عبدالله بن محمّد العبسي ، حدّثنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، ومسلم بن أبي مريم : أنّ عليّ ابن الحسين كان يؤذن ، فإذا بلغ « حيّ على الفلاح » ، قال : « حيّ على خير العمل ». ويقول : [ هو ] الأذان الأوّل ، يعني أذان النبيّ صلى الله عليه وآله .

[ وفيما اجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ](1).

حدّثنا جعفر بن عليّ بن نجيح ، حدّثنا أبو غسان ، حدّثنا حاتم ، عن جعفر ابن محمّد [ عن أبيه ](2)ومسلم بن أبي مريم : أنّ عليّ بن الحسين كان يؤذّن ، فإِذا بلغ « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأوّل.

[ وفيما اجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ](3) حدّثنا محمّد بن أحمد بن النضر ، حدّثنا موسى بن داود ، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن عليّ بن الحسين ، قال : كان يؤذّن فإِذا بلغ « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأول.

حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسن المقري ، حدّثنا مسلم التميمي ، حدّثنا جعفر بن محمّد الأزدي(4) ، حدّثنا محمّد بن جميل ، حدّثنا إِبراهيم ـ يعني ابن محمّد بن ميمون ـ عن حاتم ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، ومسلم بن أبي

(1) الزيادة من الاعتصام 1 : 300.

(2) من الاعتصام 1 : 300.

(3) الزيادة من الاعتصام.

(4) في الاعتصام 1 : 301 : الاودي.


240

مريم : أن عليّ بن الحسين كان يؤذن ، فإِذا بلغ « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأول.

حدّثنا عليّ بن محمّد بن بنان ، حدّثنا الحسن بن محمّد السَّكوني ، حدّثنا الحضرمي ، حدّثنا محمّد بن عبيد النحّاس ، حدّثنا حاتم ، عن جعفر ، عن أبيه ، ومسلم بن أبي مريم : أن عليّ بن الحسين كان يؤذن ، فإذا بلغ حيّ على الصلاة ، « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأوّل.

أخبرنا أحمد بن زيد بن بشّار ، حدّثنا الحسن بن محمّد الرفّا ، حدّثنا جعفر ابن محمّد الأزدي(1) ، حدّثنا محمّد بن جميل ، حدّثنا إِبراهيم بن محمّد بن ميمون ، وحدّثنا حاتم : بمثله.

حدّثنا محمّد بن أحمد بن عبدالله قراءةً ، أخبرنا [ أحمد بن ](2)محمّد بن هارون في كتابه إلي ، أخبرنا محمّد بن الحسين بن حفص ، حدّثنا محمّد بن عبيد ، حدّثنا حاتم ، حدّثنا جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، ومسلم بن أبي مريم : أن عليّ بن الحسين كان يؤذن ، فإِذا بلغ « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأول ، يعني أذان النبيّ صلى الله عليه وآله .

أخبرنا محمّد بن أحمد قراءةً ، أخبرنا محمّد بن أحمد بن هارون في كتابه إليَّ(3) ، أخبرنا محمّد بن القاسم بن زكريا ، حدّثنا حسن بن عبدالواحد ، حدّثنا محمّد بن عليّ الكِندي ، حدّثنا زكريا بن يحيى ، حدّثنا عبدالرحمن بن أبي حمّاد ، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل ، أخبرني جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن عليّ ابن الحسين عليه السلام ، قال : الأذان الأول ـ يعني أذان النبيّ صلى الله عليه وآله ـ « حيّ على خير

(1) في الاعتصام 1 : 301 : الاودي.

(2) الزيادة من الاعتصام.

(3) ليس في الاعتصام 1 : 301 إليَّ.


241

العمل » ، وكان عليّ بن الحسين يقوله في أذانه.

[ قال وفيما أجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ](1) ، حدّثنا الحسن بن عليّ بن بويغ(2) ، حدّثنا إسماعيل بن أبان ، عن حاتم بن إِسماعيل ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، ومسلم بن أبي مريم : أن عليّ بن الحسين كان إذا بلغ « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأوّل.

أخبرنا زيد بن جعفر بن حاجب في كتابه إِليَّ ، حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ بن الوليد ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن عبيد المقري ، حدّثنا عبّاد بن يعقوب ، أخبرنا حاتم ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، ومسلم بن أبي مريم : أن عليّ بن الحسين كان يؤذن ، فإِذا بلغ « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » : ويقول هو الأذان الأوّل.

أخبرنا عليّ بن محمّد بن بنان ، حدّثنا ثوابة بن أحمد بن عيسى بن ثوابة بن مهران ، حدّثنا عليّ بن الحسين المستملي ، وجماعة ، قالوا : حدّثنا جعفر بن محمّد الغرباني(3) ، حدّثنا قتيبة بن سعد ، حدّثنا حاتم بن إِسماعيل ، عن جعفر ابن محمّد ، عن أبيه ، قال : كان عليّ بن الحسين يقول في أذانه : « حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأوّل.

حدّثنا زيد بن حاجب ، حدّثنا محمّد بن عمّار ، حدّثنا الحسين بن الحكم ،

(1) الزيادة من الاعتصام 1 : 302.

(2) وفي الاعتصام 1 : 302 : بريع وقال في الهامش : المشهور في كتب الحديث بزيغ ياء ثمّ زاي ثمّ غين معجمة وفي نسخة بريع انتهى عن هامش الاصل.

(3) في الاعتصام 1 : 302 : الفرياني.


242

حدّثنا جندل بن والف(1) ، عن حاتم بن إِسماعيل ، عن جعفر ، عن أبيه ، وعن ابن أبي مريم : عن عليّ بن الحسين : أنه كان إذا بلغ في أذانه « حيّ على الفلاح » قال : كان يقول : « حيّ على خير العمل » ، وكان يقول : هو الأذان الأوّل.

حدّثنا القاضي محمّد بن عبدالله الجُعفي ، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن أبي القاسم ، حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الحسين ، قال : سمعت القعنبي يقول : كان مالك يحسن الثناء على مسلم ابن أبي مريم ، قال : كان لا يكاد يرفع [ حديث ](2).

* يحيى بن العلي عن جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين (3) .

أخبرنا محمّد بن الحسين بن النحاس قراءةً [ حدّثنا ] عليّ بن العبّاس البجلي ، حدّثنا بكّار بن أحمد ، حدّثنا الحسن بن حسين وسعيد بن عثمان عن أبي يحيى بن العلي(4) ، عن جعفر ، عن أبيه ، قال : كان عليّ بن الحسين يقول في أذانه : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأوّل.

حدّثنا محمّد بن الحسين بن غزال ، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن عمّار العطار ، حدّثنا جعفر بن عليّ بن نجيح ، حدّثنا حسن بن حسين ، عن يحيى بن العلي(5) ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، قال : كان عليّ بن الحسين يقول في أذانه : « حيّ على خير العمل » ، ويقول : هو الأذان الأوّل.

(1) في الاعتصام 1 : 302 : والق.

(2) من الاعتصام 1 : 303.

(3) هذا السطر كتب بالاسود في الاعتصام.

(4) في الاعتصام : حسن بن حسين ، وسعيد بن عثمان عن يحيى بن العلاء.

(5) في الاعتصام 1 : 303 : العلا.


243

* عبدالله بكير وعمرو بن جميع عن جعفر عن علي بن الحسين.

أخبرنا محمّد بن الحسين بن النحّاس قراءةً ، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي ، حدّثنا بكار ، حدّثنا حسن بن حسين ، حدّثنا عبدالله بن بكير ، وعمرو بن جميع ، عن جعفر ، قال : كان عليّ بن الحسين يقول : « حيّ على خير العمل » بعد « حيّ على الفلاح ».

* حسين بن مخارق عن جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين عليهم السلام

أخبرنا محمّد بن عبدالله الجعفي قراءةً ، حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد ابن سعيد ، أخبرنا يعقوب بن يوسف بن زياد الضبّي ، حدّثنا أبو جُنادة حُصين ابن مخارق ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه : أن عليّ بن الحسين كان يقول : في أذانه : حيّ على خير العمل ، مرّتين.

* سفيان بن السمطّ عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده.

حدّثنا الحسين بن محمّد بن الحسين الخزّار ، حدّثنا عليّ بن الحسين بن يعقوب ، حدّثنا أحمد بن عيسى العجلي العطّار ، حدّثنا جعفر بن عنبسة اليشكري ، حدّثنا أحمد بن عمر البجلي ، حدّثنا سلام بن عبدالله الهاشمي ، عن سفيان بن السمط ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : أوّل من أذّن في السماء جبريل حين أسري بالنبيّ صلى الله عليه وآله فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، فذكره إلى قوله : « حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل » ، فقالت الملائكة : أُمِر القوم بخير العمل ، وأقام الصلاة ، وقال جبريل : يا محمّد ، إن الله أمرنا بالسجود لأبيك آدم فلسنا نتقدم ولده ، فتقدّم رسولُ الله صلى الله عليه وآله فصلّى بالملائكة(1).

* مندل بن علي عن جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين.

[ ومما أجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب بروايته عن أحمد بن محمّد بن

(1) الاعتصام 1 : 285 ، 304.


244

سعيد ](1) حدّثنا أحمد بن يوسف وأخبرني مندل بن [ محمّد قالا : حدّثنا الحسين بن محمّد ، حدّثنا مندل بن ](2)عليّ ـ واسمه عمرو بن عليّ ـ القرني(3) ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه : أن عليّاً ـ وهو عليّ بن الحسين ـ كان يقول حيّ على الصلاة ، حيَّ على الفلاح ، حيَّ على خير العمل.

* غياث بن إبراهيم بن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين.

أخبرنا جعفر بن محمّد بن حاجب إجازةً ، عن أحمد بن سعيد ، حدّثني محمّد بن الفضـل ، حدثـني أبي ، حدّثنا غياث ، عن جعفر ، عن أبيه : أن عليّ ابن الحسـين كان إذا أذن قال : حيّ على الفـلاح ، حيّ على خـير العـمل.. يقـول : أي بنـي هذا الأذان الأول ـ يعـني [ أذان النـبي ](4) ـ حتّـى نهـى عنـه عمر.

* عن عبدالله بن سنان عن جعفر عن عليّ بن الحسين عليهما السلام

أخبرنا جعفر بن محمّد بن حاجب إجازةً ، عن أبي العبّاس بن سعيد ، حدّثنا الحسن بن جعفر بن مدرار ، حدّثنا عمي طاهر بن مدرار ، حدّثنا عبدالله بن سنان ، عن جعفر بن محمّد ، قال : كان عليّ بن الحسين يقول في أذانه : حيّ على خير العمل ، ويقول : هو الأذان الأوّل.

* محمّد بن مسلم عن جعفر عن عليّ بن الحسين عليهما السلام

فيما أجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ، حدّثني الحسن بن جعفر بن مدرار ، حدّثنا العلاء بن رزين ، عن محمّد بن

(1) الاعتصام 1 : 304.

(2) الزيادة من الاعتصام.

(3) في الاعتصام : العنزي.

(4) الزيادة من الاعتصام 1 : 304.


245

مسلم ، عن أبي عبدالله ، قال : كان عليّ بن الحسين يقول في أذانه : حيّ على خير العمل.

* محمّد بن عبدالله بن عليّ بن الحسين عن جعفر.

فيما أجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ، أخبرني جعفر بن محمّد بن عمر قراءةً ، حدّثني عبدالله بن جميل ، حدّثني عبدالله بن محمّد ـ يعني ابن عبدالله بن عليّ بن الحسين ـ عن أبيه ، عن جعفر ابن محمّد ، قال : كان عليّ بن الحسين يقول في أذانه : حيّ على خير العمل.

* أبو العبّاس بن الفضل بن عبدالملك السقّاف عن جعفر بن محمّد.

فيما أجاز لي جعفر بن محمّد بن حاجب ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ، حدّثنا الحسن بن القاسم ، حدّثنا عبدالله بن صالح ، حدّثني داود بن حصين ، عن أبي العباس ، عن أبي عبدالله ، قال : كان عليّ بن الحسين يقول في الأذان : حيّ على خير العمل.

* أبو مريم عبدالغفّار بن القاسم الأنصاري عن جعفر بن محمّد.

أخبرنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم قراءةً ، أخبرنا محمّد بن محمّد بن هارون في كتابه ، حدّثنا محمّد بن القاسم بن زكريا ، حدّثنا حسن بن عبدالواحد ، حدّثنا حسن بن سعيد ، حدّثنا أبي ، حدّثنا أبو مريم ، حدّثنا جعفر ابن محمّد ، عن عليّ بن الحسين : أنه كان يقول إذا أذّن : حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، ويجعل في آخر أذانه وإِقامته « الله أكبر الله أكبر لا إله إلاّ الله ».

* عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبي جعفر بن علي بن الحسين .

حدّثنا عبدالله بن مخالد بن بشر البجلي ، أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد ، حدّثنا أحمد بن يحيى بن المنذر الحجري ، حدّثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى ،


246

حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن عليّ بن الحسين وأبي جعفر : أنّهما كانا يؤذّنان : حيّ على خير العمل.

* أبو الجارود زياد بن المنذر عن أبي جعفر عن عليّ بن الحسين.

أخبرنا أبو الطيب محمّد بن الحسين بن النحّاس قراءةً ، حدّثنا عليّ بن العباس ، حدّثنا بكّار(1) ، حدّثنا نصر بن مزاحم ، عن زياد بن المنذر ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ ، قال : سمعت أبي عليَّ بن الحسين يؤذّن : حيّ على الفلاح حيّ على خير العمل في الأذان والإِقامة.

حدّثنا أحمد بن زيد بن بشّار ، حدّثنا الحسن بن محمّد الرفّا ، حدّثنا جعفر ابن محمّد الأزدي ، حدّثنا محمّد بن جميل ، حدّثنا نصر : بنحوه.

حدّثنا محمّد بن عبدالله ومحمّد بن الحسين بن غزال ، قالا : حدّثنا(2) الحسين بن محمّد [بن](3)الفرزدق ، حدّثنا جعفر بن عبدالله المحمّدي ، حدّثنا محمّد بن صلة(4)الطحّان ، حدّثنا محمّد بن بكر الأرحبي وعكرمة بن يزيد الأحمسي ، عن أبي الجارود ، قال : سمعت أبا جعفر يقول : كان أبي عليّ ابن الحسين(5) إذا قال : « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل » ، قال :

(1) الاعتصام 1 : 286 وفيه : بكار بن أحمد بن أحمد ، حدّثنا علي بن أبي حنيفة ومخول ابن إبراهيم قالا : حدّثنا محمد بن بكر عن زياد بن المنذر قال : سمعت أبا جعفر يقول كان أبي علي بن الحسين عليه السلام يقول إذا أذن : حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، قال : وكانت من الأذان ، وكان عمر لما خاف أن يَتَثبَّطَ الناس عن الجهاد ويتكلوا ؛ امرهم فكفوا عنها.

(2) في الاعتصام 1 : 304 : اخبرنا.

(3) الزيادة من الاعتصام 1 : 305.

(4) في الاعتصام : جيلة.

(5) في الاعتصام : أبي الجارود قال : سمعت أبا جعفر يقول كان أبي عليّ بن الحسين...


247

وكانت في الأذان الأوّل ، وكان عمر لما خاف أن يتثبط الناس عن الجهاد ويتّكلوا على الصلاة أمرهم أن يكفوا عنها(1).

حدّثنا أحمد بن عليّ العطار ومحمّد بن الحسن(2)بن غزال قراءةً عليهما ، قالا : حدّثنا عليّ بن أحمد بن عمرو ، حدّثنا محمّد بن منصور ، حدّثني أحمد ابن عيسى ، عن محمّد بن بكر ، عن أبي الجارود ، قال : سمعت أبا جعفر يقول : كان عليّ بن الحسين إذا قال : « حيّ على الفلاح » [ حيّ على الفلاح ] ، قال : « حيّ على خير العمل » [ حيّ على خير العمل ](3) ، وكانت في الأذان فأمرهم عمر أن يكفّوا عنها مخافة أن يتثبّط الناس عن الجهاد ويتّكلوا على الصلاة.

حدّثنا أحمد بن زيد بن بشّار ، حدّثنا الحسن بن محمّد الرفّاء المقري ، حدّثنا جعفر بن محمّد الأزدي(4) ، حدّثنا محمّد بن جميل ، حدّثنا محمّد بن جبلة ، عن محمّد بن بكر ، عن أبي الجارود ، قال : سمعت أبا جعفر يقول : كان أبي عليّ بن الحسين إِذا قال : « حيّ على الفلاح » « حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل » ، قال : وكانت في الأذان ، وكان عمر لمّا خاف أن يتثبّط الناس عن الجهاد ، ويتّكلوا على الصلاة ، أمرهم يكفّوا عنها.

حدّثنا حسين بن محمّد البجلي ، حدّثنا محمّد بن [ مسلم ](5)بن محمّد بن

(1) الاعتصام 1 : 287 ، 305.

(2) في الاعتصام 1 : 286 : حسين.

(3) الزيادة من الاعتصام 1 : 281 وبدل : ان يكفوا عنها ( فكفوا عنها ).

(4) في الاعتصام 1 : 305 : الاودي.

(5) لا توجد هذه الزيادة في الاعتصام 1 : 305.


248

مسلم التميمي ، حدّثنا جعفر بن محمّد الأزدي(1)حدّثنا محمّد بن جميل : بمثله.

16 ـ أبو أمامة بن سهل بن حُنيف ( ت 100هـ )

ذكر المحبّ الطبري ـ إمام الشافعية في عصره ـ في كتابه المسمّى بـ (إحكام الأحكام) ما لفظه : ذكر الحيعلة بحيّ على خير العمل عن صدقة بن يسار عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنّه كان إذا أذّن قال : « حيّ على خير العمل ». أخرجه سعيد بن منصور(2).

وروى الحافظ العلوي من طريق صدقة بن يسار ، قال : كنت فيما بين مكّة [ والمدينة ] فصحـبت رجلاً ـ صحـبته سـائر يومي لم أدر مَن هـو ـ فإذا هـو أبو أمامة بن سهل بن حنـيف ، فسـمعته يؤذّن في أذانه « حيّ على خـير العمل »(3).

وفي الاعتصام بحبل الله ، عن الأذان للعلوي : حدّثنا محمّد ، أخبرنا محمّد ابن أبي العبّاس من كتابه ، قال : حدّثنا محمّد بن القاسم ، حدّثنا حسن بن محمّد ، حدّثنا حرب بن حسن المحاربي ، حدّثنا سفيان بن عيينة ، عن صدق ابن يسار المكي ، قال : صحبت ذات يوم أبا امامة بن سهل بن حنيف ، قال : فقال سائر القوم ابن بدري ، قال : فحضرت الصلاة : فسمعته يقول في اذانه : حيّ

(1) في الاعتصام 1 : 305 : الاودي.

(2) الاعتصام بحبل الله 1 : 309 ،311 ، الروض النضير 1 : 541 ، دلائل الصدق 3 : 100.

(3) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 55 بثلاثة طرق ، وصفحه 112 بتحقيق عزّان. والاعتصام بحبل الله 1 : 295.


249

على خير العمل ، حيّ على خير العمل(1).

وروى البيهقي : أنّ ذكر « حيّ على خير العمل » في الأذان رُوي عن أبي أمامة [ ابن سهل بن حنيف ](2).

وقد مر عليك كلام علاء الدين المتقي في كتاب التلويح في شرح الجامع الصحيح : وأمّا « حيّ على خير العمل » فذكر ابن حزم أنّه قد صحّ عن ابن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف أنّهم كانوا يقولون في أذانهم « حيَّ على خير العمل ».

وما أضافه صاحب التلويح على قوله هذا : وكان عليّ بن الحسين يقولها(3).

وكلام ابن حزم : قد صح عن ابن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف أنّهم كانوا يقولون في أذانهم « حيّ على خير العمل »(4).

17 ـ محمّد بن عليّ الباقر ( ت 114هـ )

روى الحافظ العلوي بسنده عن أحمد بن عيسى ، عن محمّد بن بكر ، عن أبي الجارود ، قال : سمعت أبا جعفر [الباقر] قال : كان أبي عليّ بن الحسين إذا قال : « حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح » قال : « حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل » ، قال : وكانت في الأذان فأمرهم عمر أن يكفّوا عنها مخافة أن يَثَّبَّط

(1) الاعتصام 1 : 295.

(2) سنن البيهقي 2 : 425.

(3) انظر : دلائل الصدق 3 : 100 ، والاعتصام بحبل الله 1 : 311 ، والمحلى 3 : 160.

(4) المحلى 3 : 160.


250

الناس عن الجهاد ويتّكلوا على الصلاة(1).

وفي الاعتصام عن الأذان للحافظ : أخبرنا أبو الطيب محمّد بن الحسين التملي قراءة ، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن الحسين الزهري ، وبكار بن أحمد ، قالا : حدّثنا حسن بن حسين ، عن خالد بن إسماعيل المخزومي ، عن جعفر بن محمّد عليهما السلام ، قال : كان أبي إذا أذن بالصلاة قال : حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، ثمّ يقول : يا بني هذا النداء الاوّل(2).

وروى الحافظ العلوي عن الباقر من اثنين وعشرين طريقاً ، منها من طريق جابر الجعفي عن أبي جعفر ، قال : أذاني وأذان آبائي ـ النبيّ صلى الله عليه وآله ، وعليّ ، والحسن ، والحسين ، وعليّ بن الحسين ـ « حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل »(3) .

وروى الإمام محمّد بن منصور المرادي المقري ، عن محمّد بن جميل ، عن نصر بن مزاحم ، عن أبي الجارود ، عن أبي جعفر ، أنّه كان يقول « حيّ على خير العمل » في الأذان والإقامة(4).

وقد مر عليك سابقاً ما أخرجه الشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار عن

(1) انظر : كتاب الأذان بحيّ على خير العمل : 22 ، وبتحقيق عزّان : 114 الحديث 113 وفيه الحَيعَلَتين مرّة مرّة ، وفي ص 21 عن زياد بن المنذر ، ورأب الصدع للمرادي 1 : 196 الحديث 235.

(2) الاعتصام بحبل الله 1 : 306.

(3) كتاب الأذان بحيّ على خير العمل : 54 ، وبتحقيق عزّان : 131 ـ 136.

(4) رأب الصدع 1 : 197 الحديث 238. وانظر : الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 78 ـ 82 ، وبتحقيق عزّان : 132 الحديث 160.


251

ابن أُذينة ، عن زرارة والفضيل بن يسار ، عن الإمام الباقر تحت عنوان « أهل البيت وبدء الاذان ».

18 ـ زيد بن عليّ ( ت 121هـ )

روى الحافظ العلوي من طريق طيبة بن حيان ، قال : كان زيد بن عليّ يأمر المؤذّن أن يقول في الأذان « حيّ على خير العمل ».

ومن طريق يزيد بن معاوية بن إسحاق ، قال : كنا بجبّانة سالم وقد أَمِنَّا أهلَ الشام ، فأمر زيدُ بن عليّ معاويةَ بن إسحاق ؛ فقال : أذِّن بـ « حيّ على خير العمل »(1).

وروى زيد بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، أنّه كان يقول في أذانه : « حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل »(2).

قال الحافظ أبو عبدالله محمّد بن عليّ بن الحسن بن عليّ في كتاب « الأذان بحيّ على خير العمل » : حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن زيد بن بشارة قراءةً ، قال : حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد ، حدّثنا الحسن بن محمّد الأوسي ، حدّثنا أحمد بن يزيد بن رشد ، حدّثنا أبو معمر سعيد بن جنتم(3) ، قال : سمعت زيد ابن عليّ يقول : إن عمر نحَّى من النداء في الأذان : « حيّ على خير العمل » وقد

(1) كتاب الأذان بحيّ على خير العمل ، بتحقيق عزّان : 37 الحديث 172 و 173.

(2) مسند الإمام زيد : 83.

(3) ما في المتن هو طبق نسخة الفضيل ، أما في تحقيق عزّان : حدّثنا أحمد بن زيد بن بشار البيسائي ، حدّثنا الحسن بن محمد بن سعيد الرَّفاء ، حدّثنا محمد بن الحسن بن عبدالحميد بن محسن الأوسي ، حدّثنا أحمد بن رشد ، حدّثنا أبو معمر سعيد بن خثيم قال...


252

أبلغت العلماء أنّها كان يُؤَذَّن بها رسول الله حتّى قبضه الله عزّوجلّ إليه ، وكان يؤذَّن بها لأبي بكر حتّى مات ، وطرفاً من ولاية عمر حتّى نهى عنها(1).

19 ـ يحيى بن زيد بن عليّ ( ت 125هـ )

قال الحافظ العلوي ، أخبرنا محمّد بن الحسين النحاس قراءة ، حدّثنا عليّ بن العبّاس البجلي ، حدّثنا بكار بن أحمد الهمداني ، حدّثنا مخول بن إبراهيم ، عن محمّد بن بكر الأرحبي ، عن زياد ابن المنذر ، قال : حدّثني حسان ، قال : أذَّنت ليحيى بن زيد بخراسان فأمرني أن أقول « حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل »(2).

أخبرنا أبو عبدالله أحمد بن عليّ بن العطار المقري ومحمّد بن الحسين بن غزال قراءةً عليهما ، قالا : حدّثنا عليّ بن أحمد بن عمرو الجنبي ، حدّثنا محمّد ابن منصور المقري ، حدّثني أحمد بن عيسى ، عن محمّد بن بكر ، عن أبي الجارود ، عن حسان ، قال : أذّنت ليحيى بن زيد بخراسان فأمرني أن أقول : « حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل ».

أخبرنا عليّ بن محمّد بن بنان ، حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمّد الرفّاء ،

(1) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 83 وبتحقيق عزّان : 138 وانظر : مسند الإمام زيد : 93 ثمّ اخرج هذا الخبر برجاله ومعناه ، وفي أمالي أحمد بن عيسى : فأمرني أن أقول : « حيّ على خير العمل ».

(2) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 86 وبتحقيق عزّان : 144 وانظر : أمالي أحمد بن عيسى 1 : 97 الحديث 236 ، وعنه في الاعتصام بحبل الله 1 : 281 ، وللإمام المهدي محمد بن المطهّر الزيدي في المنهاج الجلي إسناد آخر لهذه الروايات فراجع.


253

حدّثنا جعفر بن محمّد الحسني ، حدّثنا عيسى بن مهران ، حدّثنا مخول ، حدّثنا صباح المزني ، قال : أذّن رجل كان مع يحيى بن زيد بخراسان ، قال : ما زال مؤذّنهم ينادي بـ « حيّ على خير العمل » حتّى قتل(1).

20 ـ محمّد بن زيد بن عليّ ، ( لم نقف على وفاته )

قال الحافظ العلوي : حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم ، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الورّاق في كتابه إليّ ، قال : حدّثنا محمّد بن قاسم بن وهيب ، عن أحمد بن مفضل ، عن محمّد بن زيد بن عليّ [ قال : تقول ] في الأذان مرتين : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أن محمّداً رسول الله أشهد أن محمّداً رسول الله ، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلاّ الله.

حدّثنا عليّ بن محمّد بن بنان الشيباني ، أخبرنا عليّ بن الحسين بن يعقوب الهمداني ، حدّثني عليّ بن العبّاس ، حدّثنا قاسم بن وهيب ، حدّثنا أحمد بن مفضل ، قال : سألت محمّد بن زيد بن عليّ عن الأذان ، فقال : مرّتين مرّتين الله أكبر الله أكبر فذكر مثل ما قبله(2).

21 ـ محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ( ت 135هـ )

روى الحافظ العلوي ، عن محمّد بن الحسين بن النخاس قراءة ، حدّثنا عليّ

(1) انظر : كتاب الأذان بحيّ على خير العمل : 87.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 88 ، وبتحقيق عزّان : 146 ح 184 و 185.


254

ابن العباس ، حدّثنا بكار بن أحمد ، حدّثنا إسماعيل بن أبان ، عن غياث بن إبراهيم ، عن عبدالله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، عن أبيه : أنّه كان يقول في أذانه : « حيّ على خير العمل »(1).

وجاء في كتاب الاعتصام بحبل الله : وفي شرح التجريد قال : والدليل على صحة ما أخبرنا به أبو العبّاس الحسني رضي الله عنه ، قال : أخبرنا عليّ بن الحسين الظاهري ، قال : حدّثنا محمّد بن محمّد بن عبدالعزيز ، قال : حدّثنا عباد ابن يعقوب ، قال : أخبرنا عيسى بن عبدالله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ، قال : حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جده عليّ عليهم السلام قال : سمعت رسول الله يقول ( ان خير اعمالكم الصلاة ) وأمر بلالاً أن يؤذّن بحي على خير العمل(2).

قال الحافظ العلوي : أخبرنا أبي رضي الله عنه ، حدّثنا أبو عبدالله محمّد بن محمّد بن المحدد العطار ، حدّثنا أبي ، حدّثنا الحسن بن يحيى العلوي ، حدّثنا أبو الطاهر أحمد بن عيسى بن عبدالله ، عن الحسين بن زيد ، قال : رأيت محمّد ابن عمر بن عليّ بن أبي طالب يؤذّن بحيّ على خير العمل(3).

22 ـ إبراهيم بن عبدالله بن الحسن ( ت 145هـ )

قال الحافظ العلوي : حدّثنا عبدالله بن محمّد بن هشام ، وأبو القاسم ميمون ابن عليّ المقري ، قالا : أخبرنا إسحاق بن محمّد المقري ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك ، قال : حدّثنا عبّاد بن يعقوب ، حدّثنا سالم الخزّاز ، قال : كان

(1) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 84 ، وصفحه 138 بتحقيق عزّان.

(2) الاعتصام 1 : 281 عن شرح التجريد.

(3) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 84 ، وصفحه 138 الحديث 175 بتحقيق عزّان.


255

إبراهيم بن عبد الله بن الحسن يأمر أصحابه إذ كانوا في البادية يزيدون في الأذان « حي على خير العمل » (1) .

حدثنا الحسين بن محمد بن الحسن المقري ، حدثنا علي بن الحسين بن يعقوب الهمداني ، حدثنا علي بن إبراهيم بن وهيب القرشي ، حدثنا عباد عن سالم ، قال : كان إبراهيم بن عبد الله يأمرهم إذا كانوا في البادية أن يزيدوا في الأذان « حي على خير العمل » (2) .

23 ـ جعفر بن محمّد الصادق ( ت 148 هـ )

روى الحافظ العلوي من طريق معاوية بن عمّار ، قال : سمعت جعفر بن محمد يقول في الأذان « حي على خير العمل » (3) .

وفي الاعتصام بحبل الله عن كتاب الأذان : أخبرنا أبو العباس أحمد بن زيد ابن بشار ، وعلي بن محمد الشيباني ، قالا : حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد ابن مسلم ، حدثنا علي بن العباس وعلي بن سلامة ، حدثنا بكار بن أحمد ، حدثنا نصر بن مزاحم ، عن الثقة إبراهيم بن أبي يحيى ، عن جعفر بن محمد عليهما السلام كان يقول لكل صلاة : حي على الفلاح ، حي على خير العمل (4) .

ومن طريق عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله ، قال : سألته عن الأذان ، فذكره وقال فيه « حي على الفلاح حي على الفلاح » « حي على خير العمل حي على

(1) الاذان بحي على خير العمل ، للحافظ العلوي : 88 ، وبتحقيق عزان : 147 ح 186 .

(2) الأذان بحي على خير العمل ، للحافظ العلوي : 89 ، وبتحقيق عزان : 147 ح 187 .

(3) كتاب الأذان بحي على خير العمل : 85 .

(4) الاعتصام بحب الله 1 : 293 .


256

خير العمل » (1) .

وقد روى هذا الخبر الشيخ الطوسي بإسناده عن النضر ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله [ الصادق ] في التهذيب (2) والاستبصار (3) .

وعن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حماد بن عثمان ، عن إسحاق بن عمار ، عن المعلى بن خنيس ، قالت ، سمعت أبا عبد الله يؤذّن فقال : الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله (ص) أشهد أن محمداً رسول الله (ص) ، حي على الصلاة حي على الصلاة ، حي على الفلاح حي على الفلاح ، حي على خير العمل حي على

(1) كتاب الأذان بحي على خير العمل : 85 . وبتحقيق عزّان : 141 ، ثم قال الحافظ العلوي : وقد رى حديث الأذان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عليهما السلام جماعة قد تقدم أحاديثهم في باب علي بن الحسين . فاستغنينا عن إعادتها هنا ، منهم : هاني بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وأبو مريم الأنصاري ، ومندل بن علي العثربي ، ويحيى بن العلي الرازي ، وغياث بن إبراهيم ، وسفيان بن السمط ، وعبد لله بن بكير ، وعمرو بن جميع ، وحصين بن مخارق ، وعبد الله بن سنان ، ومحمد بن المسلم ، وأبو العباس ، وتخالد بن إسماعيل المخزومي .

ورواه عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه عن جدّه جماعة من الثقات منهم : حسن بن حسين المغربي ، ومخول بن إبراهيم ، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي ، وإبراهيم بن محمد بن ميمون ، ومحمد بن عبيد النحاس ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وعبد الرحمن بن أبي حماد ، وغسماعيل بن أبان ، وجندل بن والف [ والق ] الثعلبي ، وجعفر بن محمد السدوسي ، وموسى بن داود وقتيبة بن سعيد .

(2) التهذيب 2 : 59 ح 209 .

(3) الاستبصار 1 : 305 ح 1133 .


257

خير العمل ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله لا إله إلا الله (1) .

وعن فضاله ، عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي وكليب الاسدي ؛ جميعاً عن أبي عبد الله أنّه حكى لهما الأذان وفيه : « حي على خير العمل حي على خير العمل » (2) .

24 ـ الحين بن عليّ صاحب فَخّ (ت 169 هـ)

كان الحسين يؤذن بها ويأمر أصحابه بالتأذين بها ، قال الحافظ العلوي : أخبرنا محمد بن الحسين بن النحّاس قراءة ، حدّثنا عليّ بن العباس البجلي ، حدثنا بكّأر ، حدّثنا عنترة بن حسين العصافي ، قال : كان حسين بن عليّ صاحب فخّ يقول في اذانه « حي على خير العمل » (3) .

وروى أبو الفرج الاصفهاني خبر ( صاحب فخ ) مع الوالي العمري ، وفيه : ان الحسين بن علي ( صاحب فخ ) ويحيى بن عبد الله بن الحسن « قتل سنة 175 هـ في حبس الرشيد » .

وسليمان بن عبد الله بن الحسن « قتل بفخ سنة 169 هـ » .

وإدريس بن عبد الله بن الحسن « ت 177 هـ بالمغرب » .

وعبد الله بن الحسن الافطس « قتل ما بين 171 ـ 178 هـ » .

وإبراهيم بن إسماعيل طبابا .

وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن .

وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ « قتل بفخ

(1) الاستبصار 1 : 306 ح 1136 . وانظر : التهذيب 1 : 61 ح 212 .

(2) انظر : التهذيب 2 : 60 ح 211 ، والاستبصار 1 : 306 ح 1135 .

(3) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 89 ، وبتحقيق عزّان : 148 ح 188 .


258

169 هـ » .

وعبد الله بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب .

وجّهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم فاجتمعوا .. ستة وعشرين رجلاً من ولد علي ، وعشرة من الحاج ، ونفر من الموالي ، فكانوا جميعاً وراء التأذين العلني بحيّ على خير العمل (1) .

وسيأتي مزيد كلام عنه وما فعله بالوالي العمري بعد قليل (2) .

25 ـ موسى بن جعفر الكاظم ( ت 183 هـ )

سيأتي بعد قليل (2) ما رواه الصدوق عنه في العلل عنه عليه السلام وأنّه أجاب محمّد بن أبي عمير عن العلة الظاهرة والباطنة لـ « حي على خير العمل » .

26 ـ علي بن موسى الرضا ( ت 203 هـ )

روى الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان فيما ذكره من العلل عن الرضا عليه السلام في الأذان بالخصوص ، وقال فيما قال :... وإنّما هو نداء إلى الصلاة في وسط الأذان ودعاء إلى الفلاح وإلى خير العمل ، وجعل ختم الكلام باسمه كما فتح باسمه (4) .

وروى في العلل وفي عيون أخبار الرضا بأسانيد أخرى قوله « إنّما هو نداء

(1) انظر : مفصل الخبر في الفصل الرابع ( حي على خير العمل تأريها العقائدي والسياسي ) ومقاتل الطالبيين : 443 / 447 .

(2) في الفصل الرابع « حي على خير العمل ، تاريخها السياسي والعقائدي » .

(3) في الفصل الثالث « حي على خير العمل ، دعوة للولاية ةوبيان لاسباب حذفها » .

(4) من لا يحضره الفقيه 1 : 300 ح 914 ، علل الشرائع 1 : 259 .


259

إلى الصلاة ، فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الأذان ، فقدّم قبلها أربعاً : التكبيرتين والهادتين ، وأخّر بعدها أربعاً يدعو إلى الفلاح حثّاً على البرّ والصلاة ، ثم دعا إلى خير العمل مرغباً فيها وفي عملها وفي أدائها ، ثم نادى بالتكبير والتهليل ليتم (1) ...» .

27 ـ علي بن جعفر بن محمد بن علي ( ت 210 هـ )

قال الحافظ العلوي : حدثنا أبي رضي الله عنه ، حدثنا محمد بن جعفر المقري ، حدثنا محمد بن الحسين الأسناني (2) ، حدثنا أحمد بن جناب ، عن علي بن جعفر بن محمد ، قال : قال في الأذان : « حي على خير العمل ، حي على خير العمل » (3) .

28 ـ أحمد بن عيسى ( ت 247 هـ )

قال الحافظ العلوي : أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن علي العطار البجلي ، ومحمد بن علي بن الحسين بن غزال الحارثي قراءةً عليهما ، قالا : حدثنا علي ابن أحمد بن عمرو الحسني (4) ، حدثنا محمد بن منصور المقري ، قال : سألت أحمد بن عيسى ، قلت : إذ أذّنت تقول : « حي على خير العمل حي على خير العمل » ؟ قال : نعم .

(1) علل الشرائع 1 : 259 / الباب 182 . والنصّ نه ، عيون أخبار الرضا 2 : 104 . علة تشريع لاأذان .

(2) في تحقيق عزان : الاشناني .

(3) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 89 ، وبتحقيق عزّأن : 149 .

(4) في تحقيق عزّأن : الجبان .


260

قلت : في الاذان والإقامة .

قال : نعم ولكنّي أخفيها (1) .

وأخرى : قلت لأحمد بن عيسى ، تقول إذا أذّنت « حي على خير العمل » ؟

قال : نعم .

قلت : في الأذان والإقامة ؟

قال : نعم (2) .

29 ـ الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ ( ت 260 هـ )

قال الحافظ العلوي : أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن عليّ بن الحسن الهذلي قراءةً ، حدثنا علي بن أحمد بن عمرو الحسني ، حدثنا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ، قال : أجمع آل رسول الله (ص) على أن يقولوا في الأذان والإقامة : « حي على خير العمل » وأن ذلك عندهم سنة . وقد سمعنا في الحديث أن الله سبحانه وتعالى بعث ملكاً من السماء إلى الأرض بالأذان وفيه « حي على خير العمل » . ولم يزل النبيّ (ص) يؤذّن بحيّ على خير العمل حتى قبضه الله ، وكان يُؤذَّن بها في زمن أبي بكر ، فلمّا ولي عمر قال : دعوا « حي على خير العمل » لئلّا يشتغل الناس عن الجهاد ، فكان أوّل من تركها (3) >

وبعد كلّ هذا نقول : لو صح النسخ فلماذا نرى إصرار بعض الصحابة

(1) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 90 ، وبتحقيق عزّأن : 149 الحديث 190 .

(2) المصدر السابق .

(3) الأذان بحي على خير العمل ، للحافظ العلوي : 91 ، وبتحقيق عزّأن : 150 الحديث 192 .


261

والتابعين وكل أهل البيت على شرعيتها وضرورة الإتيان بها ؟

وهل يصح أن ينسخ حكم « حي على خير العمل » ولا يعلمه عبد الله بن عمر وعلي بن الحسين وأبو أمامة بن سهل بن حنيف سنوات بعد رسول الله ، فلو كان ثمة نسخ لَمَا خَفِي عليهم ، وما معنى كلام الإمام علي بن الحسين : « هذا هو الأذان الأول » ؟ أليس المعنيّ به هو الأذان الأول قبل الترحيف ؟

إنّ إجماع أهل البيت وتأذين بعض الصحابة بـ « حي على خير العمل » لَيؤكّد شرعيّة الإتيان بها وعدم نسخها .


262


263

القسم الثالث

إجماع العترة

مرّ عليك سابقاً في ( في تاذين الصحابة وأهل البيت ) أن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كان يقول ويأمر مؤذّنه أن يقول : حي على خير العمل .

والمدقق في حديث تشريع الأذان الذي رواه الإمام علي عن النبي يقف على جزئية « حي على خير العمل » فيه ، إذ جاء في حاشية الدسوقي ما نصه : ( كان علي يزيد حي على خير العمل بعد حي على الفلاح ، وهو مذهب الشيعة الآن ) (1) .

ومعنى كلامه أنّه عليه السلام كان يأتي بأمر أعرض عنه الخلفاء ، وهو فعل أبنائه من بعده كذلك حتى استقرّت السيرة به عند الشيعة للاعتقاد بعدم الفصل بين فعل الإمام علي ومذهب الشيعة الآن ، لأنّ الشيعة يستقون فقههم وأحكامهم من الإمام علي وأبنائه المعصومين عليهما السلام .

وقد روى الحافظ العلوي ( أبو عبد الله ) بإسناده عن عبيدة السلماني ، قال : كان علي بن أبي طالب ، والحسن ، ولاحسين ، وعقيل بن أبي طالب ، وابن عباس ، وعبد الله بن جعفر ، ومحمد بن الحنفية يؤذنون إلى أن فارقوا الدنيا فيقولون بـ « حي على خير العمل » ويقولون : لم تزل في الأذان (2) .

(1) حاشية الدسوقي 1 : 193 .

(2) الأذان بحي على خير العمل : 109 الحديث 107 . والاعتصام 1 : 294 .


264

وعنه كذلك عن الإمام الباقر عليه السلام قوله :

أذاني وأذان آبائي ـ علي ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ـ حي على خير العمل حي على خير العمل (1) .

وجاء في معجم الأدباء لياقوت الحمودي في ترجمة عمر بن إبراهيم بن محمد المتوفى سنة 539 ـ من أحفاد الإمام زيد الشهيد ـ نقلاً عن السمعاني أنّه قال :

وكان خشن العيش ، صابراً على الفقر ، قانعاً باليسير ، سمعته يقول : أنا زيدي المذهب ولكنّي أفتي على مذهب السلطان ـ يعني أبا حنيفة ـ إلى أن يقول السمعاني : وكنت ألازمه طول مقامي بالكوفة في الكور الخمس ، ما سمعت منه طول ملازمتي له شيئاً في الاعتقاد أنكرته ، غير أنّي كنت يوماً قاعداً في باب داره وأخرج لي شذرة من مسموعاته وجعلت أفتقد فيها حديث الكوفيين فوجدت فيها جزاءاً مترجماً بتصحيح الأذان بحي على خير العمل ، فأخذته لأطالعه ، فأخذه من يدي وقال : هذا لا يصلح لك ، له طالب غيرك ، ثم قال : ينبغي للعالم أن يكون عنده كل شي ، فإنّ لكلّ نوع طالباً (2) .

فلو جمعت هذا النص مع الذي مر عليك من كلام أنّ زيداً كان يأمر مؤذنه بالحيعلة الثالثة عندما يأمن أهل الشام ، وما مرّ من أنّ يحيى بن زيد كان يأمر مؤذنه بها أيام ثورته بخراسان ، وما مرّ من كلام إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وأنه كان يأمر أصحابه ـ غذا كانوا بالبادية ـ أن يزيدوا في الأذان حي على خير العمل (3) .

(1) مقدمة الأذان بحي على خير العمل لعزّان : 18 .

(2) معجم الأدباء 15 : 259 .

(3) حي على خير العمل بتحقيق عزّان : 147 ح 186 و 187 .


265

وما قاله أحمد بن عيسى في جواب من سأله عن التأذين بحيّ على خير العمل ؟

قال : نعم ، ولكن أُخفيها (1) .

فلو جمعت هذه النصوص بعضها إلى بعض لوقفت على الظروف التي كان يعيشها الطالبيون ، وهي ظروف لم تكن مؤاتية لإبداء آرائهم ، حتى ترى عمر ابن إبراهيم رغم كونه زيدياً يفتي على مذهب السلطان ؛ لأن الفقه السائد يومئذ كان فقه أبي حنفية ، فلا يرتضي أن يطّلع السمعاني على الجزء المصحّح بالأذان بحيّ على خير العمل ، فيأخذه منه ويقول له : « هذا لا يصلح لك ، وله طالب غيرك » ثمّ يعلل سر وجود مثل هذه الكتب والأجزاء مصحّحة عنده بأنّه ينبغي « للعالم أن يكون عنده كلّ شيء ، فإن لكل نوع طالباً » لأن عمر بن إبراهيم كان يعرف السمعاني واهتماماته ، وقد أشار السمعاني نفسه ÷إلى توجهاته الشخصية بقوله « ... وجعلت أفتقد فيهاه حديث الكوفيين فوجدت ... » وفي هذا كفاية لمن أراد التعرف على ملابسات التشريع وما دار بين الكوفة والشام والحجاز و.. من التخالف والتضاد .

هذا شيء عن ملابسات ( حي على خير العمل ) ، وهي تدلّ على دور الحكومة بعدم التأذين بها . والآن مع أقوال بعض العلماء عن إجماع العترة على التأذين بحيّ على خير العمل .

قال الشوكاني في نيل الأوطار : ( ... والتثويب زيادة ثابتة فالقول بها لازم ، والحديث ليس فيه ذكر « حي على خير العمل » ، وقد ذهبت العترة إلى إثباته وأنّه بعد قول المؤذّن « حي على خير العمل » ، قالوا : يقول مرّتين : حي على خير

(1) حي على خير العمل بتحقيق عزّأن : 150 ح 190 وأخرجه محمد بن منصور في الامالي [ لابن عيسى ] 1 : 194 رقم 237 قال سألت أحمد ... الخ .


266

العمل ، ونسبه المهديّ في البحر إلى أحد قولي الشافعي ، وهو خلاف ما في كتب الشافعية ، فإنّا لم نجد في شيء منها هذه المقالة (1) ، بل خلاف ما في كتب أهل البيت (2) .

قال في الانتصار : إن الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك ، يعني في أنّ « حي على خير العمل » ليس من ألفاظ الأذان ، وقد أنكر هذه الرواية الإمام عزّ الدين في شرح البحر وغيره ممّن له اطلاع على كتب الشافعيّة .

« احتج القائلون بذلك » بما في كتب أهل البيت ـ كامالي أحمد بن عيسى ، والتجريد ، والأحكام ، وجامع آل محمد ـ من إثبات ذلك سنداً إلى رسول

(1) يؤيّد صحّة كلام المهدّي ما قاله القاسم بن محمد بن علي نقلاً عن وضح المسائل للمقري « قد ذكر الروياني أنّ للشافعي قولاً مشهوراً بلاقول به » ، وما قاله الشافعي عن التثويب وأنّه لم يثبت عن أبي محذورة . ولو جمعنا هذين القولين وضممنا أحدهما إلى الآخر لاتّضح لنا ما نريد قوله من الملازمة وعدم الفصل بين القول ( بحي على خير العمل ) وعدم القول ( بالصلاة خير من النوم ) ، وكذا العكس ، إذ قد ثبت عن ابن عمر تأذينه بـ ( حيّ على خير العمل ) وكراهيته للتثويب ، ومثله الأمر بالنسبة إلى الإمام علي ، فالقائل بشرعية « حي على خير العمل » لا يقبل شرعية « الصلاة خير من النوم » ، والقائل بشرعية « الصلاة خير من النوم » ينكر شرعية « حي على خير العمل » ، فإنكار الشافعي للتثويب يرجع المنسوب إليه من القول بـ « حي على خير العمل » .

هذا وقد اشار الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى ( المتوفى 840 هـ ) في البحر الزخار 2 : 191 إلى أنّ أخير قولي الشافعي هو القول بالحيعلة الثالثة وذلك بعد أن اشار إلى إجماع العترة بذلك فقال : ( .. العترة جميعاً وأخير قولي الشافعي حيّ على خير العمل ) فتامل .

(2) هذا قصور أو تقصير من الشوكاني ، فقد عرفت إجماع العترة على التأذين بـ « حي على خير العمل » ، وكان ينبغي له أن يحقّق في المسألة قبل أن يقط برأيه هذا .


267

الله (ص) .

قال في الأحكام : وقد صحّ لنا أنّ « حي على خير العمل » كانت على عهد رسول الله يؤذّن بها ، ولم تطرح إلّا في زمن عمر . وهكذا قال الحسن بن يحيى ؛ روي ذلك عنه في جامع آل محمّد .

وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر أنّه كان يؤذّن بحيّ على خير العمل أحياناً .

وروى فيها عن عليّ بن الحسين أنّه قال : هو الأذان الأوّل .

وروى المحبّ الطبري في أحكامه عن زيد بن أرقم أنّه أذّن بذلك . قال المحب الطبري : رواه ابن حزم ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أبي أمامة ابن سهل البدري ، ولم يَرِو ذلك من طريق غير أهل البيت مرفوعاً ، وقول بعضهم : وقد صحّح ابن حزم والبيهقي والمحبّ الطبري وسعيد بن منصور ثبوت ذلك على عليّ بن الحسين ...» (1) .

توجاء في كتاب الاعصام بحبل الله : ... وفي الجامع الكافي : قال الحسن بن يحيى بن الحسين [ بن زيد المتوفّى 260 ] : أجمع آل رسول الله على أن يقولوا في الأذان والإقامة ( حيّ على خير العمل ) وأن ذلك عندهم سنّة ، قال : وقد سمعنا في الحديث أنّ الله سبحانه بعث ملكاً من السماء إلى الأرض بالأذان ، وفيه : حيّ على يخر العمل .. ولم يزل النبيّ (ص) يؤذن بحيّ على يخر العمل حتى قبضه الله إليه ، وكان يؤذّن بها في زمان أبي بكر ، فلما وَلِيَ عمر قال : دعوا حيّ على خير العمل لا يشتغل الناس عن الجهاد . وكان أوّل من تركها (2) .

وقال الاستاذ عزّان في مقدمة كتاب ( الأذان بحيّ على خير العمل ) :... وقال

(1) نيل الاوطار 2 : 43 ـ 44 .

(2) الاعتصام بحبل الله 1 : 278 عن الجامع الكافي مخطوط .


268

الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني ( المتوفى 411 هـ ) : ومذهب يحيى ت يعني الهادي ـ وعامة أهل البيت التأذين بحيّ على يخر العمل (1) .

وقال القاضي زيد بن محمّد الكلاري ـ وهو من أتباع المؤيد با لله ولم يعاصره ـ : التأذين به ـ أي بحيّ على خير العمل ـ إجماع أهل البيت لا يختلفون فيه ، ولم يرد عن أحد منهم منعه وإنكاره ، وإجماعهم عندنا حجّة يجب اتّباعها (2) .

وقال الإمام محمد بن المطهر المتوفى 728 هـ : ويؤذن بحيّ على خير العمل ، والوجه في ذلك اجماع أهل البيت (3) .

وقال العلامة صلاح بن أحمد بن المهيد المتوفى 1048 هـ أجمع أهل البيت على التأذين بحيّ على خير العمل (4) .

وقال العلامة الشرفي المتوفى 1055 : وعلى الجملة فهو ـ أي الأذان بحيّ على خير العمل ـ إجماع أهل البيت ، وإنّما قطعه عمر (5) .

وقال العلامة المحقق الحسن بن أحمد الحلال المتوفى 1084 هـ ـ بعد أن ذكر اتفاق العترة على التأذين بحيّ على خير العمل ـ : وإجماع العترة

(1) شرح التجريد مخطوط .

(2) شرح القاضي زيد لتحرير مخطوط .

(3) المنهج الحلي شرح منسد الإمام زين بن علي 1 : 77 مخطوط .

(4) شرح الهداية : 294 .

(5) ضياء ذوي الابصار مخطوط 1 : 61 .


269

وعليّ عليهم السلام ، وهما معصومان عن تعمد البدعة (1) .

وقال شيخنا (2) السيّد العلامة مجد الدين حفظه الله : وقد صحّ إجماع أله البيت عليهم السلام على الأذان بحي على خير العمل (3) .

وذكر في أمالي أحمد بن عيسى : ذهب آل محمد أجمع إلى أثبات حيّ على خير العلم مرّتين في الأذان بعد حيّ على الفلاح .

وفي شرح الأزهار : ومنهما : حيّ على خير العمل ، يعني أنّ من جملة ألفاظ الأذان والإقامة حي على خير العمل ؛ للأدلّة الواردة المشهورة عند أئمة التعترة وشيعتهم وأتباعهم وكثير من الأمّة المحمديّة التي شحنت بها كتبهم .

قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسن في الأحكام : وقد صحّ لنا أن حيّ على خير العمل كانت على عهد رسول الله يؤذّنون بها ، ولم تطرح إلّا في زمن عمر بن الخطاب ـ فإنه أمر بطرحها قال : أخاف أن يتّكل الناس عليها ويتركوا الجهاد ، وفي المنتخب : وأمّا « حي على خير العمل » فلم تزل على عهد رسول الله حتى قبضه الله ، وفي عهد أبي بكر حتّى مات ، وانما تركها عمر وأمر بذلك فقيل له : لم تركتها ؟ فقال : لئلا يتّكل الناس عليها ويتركوا الجهاد (4) . انتهى ما قاله عزّان .

وقال الصنعاني : إن صحّ إجماع أهل البيت ـ يعين على شرعية حيّ على خير

(1) ضوء النهار 1 : 469 .

(2) الكلام لعزّان .

(3) المنهج الاقوم في الرفع والضم : 35 .

(4) الأحكام 1 : 84 ، شرح الازهار 1 : 223 ، البحر الزخار 2 : 191 ، الأذان للعلوي بتحقيق عزّأن : 153 .


270

العمل ـ فهو حجة ناهضة (1) .

وقال المقبلي عن أئمة الزيدية ، ولو صح ما ادعي من وقوع إجماع أله البيت في ذلك لكان أوضح حجّة (2) .

ونحن في الفصل الرابع « حي على خير العمل وتاريخها العقائدي والسياسي » من هذا الباب سنوكّد هذا الإجماع عند أهل البيت ، وعند الشيعة بفرقها الثلاث ، ونوضح سير هذه المسألة وكيف صارت شعاراً لنهج التعبد المحض في العصور المتأخرة بعد أن اُذّن بها على عهد رسول الله (ص) ، وكيف صار حذفها وإبدالها بـ « الصلاة خير النوم » شعاراً لخصومهم ، وهو دليل قوي على ما نريد قوله من وقع الملابسات في هذه الشعيرة الإسلامية .

موكّدين بأنّا ببيانا لهذه الأقسام الثلاثة أردنا أن نوضح وجهة نظرنا في جزئية هذا الفصل من فصول الأذان ، ولا نريد أن نحكّم آراءنا فوق كلام الباري وأقوال الرسول كما يفعله بعض متعصبي المذاهب الذين يرجّحون كلام إمام مذهبهم على القرآن والسنة المطهرة ، مثل ما فعله الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين إذ قال :

« ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة ، والحديث الصحيح ، والآية ، فالخارجُ عن المذاهب الأبعة ضالٌّ مضلٌّ ، وربّما أدّاه ذلك للكفر ؛ لأنّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر » (3) .

(1) هذا ما حكاه عزّان في كتابه « حي على خير العمل بين الشرعية والابتداع » : 68 عن كتاب منحة الغفار المطبوع بهامش ضوء النهار .

(2) انظر : مقدمة الأذان بحيّ على خير العمل لعزّان : 17 .

(3) حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 3 : 10 ط دار احياء التراث العربي ، وقد رد الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي القاضي الأول بالمحكمة الشرعية بدولة قطر على كلام الصاوي في كتاب أسماه ( تنزيه السنة والقرآن عن كونهما مصدر الضلال والكفران ) هذا ما قاله العلّامة الخليلي مفتي سلطنة عمان في كتابه الحق الدامغ : 10 .


271

يستبين ممّا سبق أنّ الشيعة لم ينفردوا بهذا القول ، بل هناك نقول عن الشافعي وبعض الأعلام في القول بجزئية « حي على خير العمل » . ومن المفيد أن نقف قليلاً عند هذا الأمر لنؤكد على صحة ما قلناه من أنّ هذا الفصل « حي على خير العمل » كان جزءاً من الأذان على عهد رسول الله إذ أمر النبيّ مؤذّنه بالتأذين به ، لكن المقدرات السياسية بعد رسول الله (ص) شاءت محوه وإزالته .

ومما يؤيد قولنا هذا ما قاله القاسم بن محمد بن عليّ نقلاً عن « توضيح السمائل » لعماد الدين يحيى بن محمد بن حسن بن حميد المقرئ ما لفظه : ومنها غثبات حي على خير العمل ، قال : رواه الإمام المهدي أحمد بن يحيى في بحره عن أخير قولَي الشافعي قال : وقد ذكر الروياني أنّ للشافعي قولاً مشهوراً بالقول به . وقد قال كثير من علماء المالكية وغيرهم من الحنفية والشافعية إنّه كان « حي على خير العمل » من ألفاط الأذان .

قال الزركشي في كتابه المسمى بالبحر ما لفظه :

« ومنها ما الخلاف فيه موجود [ في المدينة ] كوجوده في غيرها ، وكان ابن عمر ـ وهو عميد أهل المدينة ـ يرى إفراد الاذان ويقول فيه « حي على خير العمل » انتهى بلفظه (1) .

إلى أن قال القاضي يحيى بن محمد بن حسن بن حميد [ المقري ] : فصحّ ما رواه الروياني أنّ للشافعي قولاً مشهوراً في إتيان « حي

(1) الاعتصام بحبل الله المتين 1 : 307 .


272

على خير العمل » (1) .

وفي الروض النضير : وقد قال كثير من علماء المالكية وغيرهم من الحنفية والشافعية أنّه كان « حي على خير العمل » من ألفاظ الأذان (2) .

وفي الاعتصام بحبل الله : وروى الإمام السروجي عن شرح الهداية للحنفية أحاديث « حي على خير العمل » بطرق كثيرة (3) .

وبعد هذا اتضح سقم ما انفرد به أله السنة والجماعة من القول بكراهة الإتيان بحيّ على خير العمل في الأذان ؛ لأنّ فعل ابن عمر وإن قلنا بعدم دوامه فهو بيان لجواز الإتيان بها ، وفعل أبي أمامة بن سهل بن حنيف يؤكد جزئيتها وأنّها كانت على عهد النبي (ص) وكذا تاذين الإمام عليّ وعليّ بن الحسين ، فهو دليل على مشروعية هذا الفصل ، ويضاف إليها أقوال العلماء فإنها تدل في أقل التقادير على عدم حرمة الإتيان بها .

ففي كتاب « الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر » على هامش

(1) الاعتصام بحبل الله 1 : 308 .

(2) الروض النضير 1 : 542 .

(3) الاعتصام 1 : 311 .


273

يواقيت الجاهر للشعراني ، التصريح بعدم الكراهية ، قال فيه [ أي الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية ] : ما عرفت مستند من كره قول المؤذن « حي على خير العمل » فإنّه روي أنّ رسول الله (ص) أمر بها يوم حفر الخندق ...

وحكى الشيخ فخر الدين التلمساني عن صاحب ( حاشية منهية ) من علماء الهند ، إنّ ابن تميمة زعم في منهاجه على بدعة « حي على خير العمل » في الأذان ، فهذا تشدّد منه نحن لا نوافق معه في ذلك (1) .

وقال مهمّش مراتب الإجماع ما هذا نصه : فلا يكون هذا : حيّ على خير العمل ـ بدعة الروافض كما يزعم ابن تيمية (2) .

وبهذا عرفت أنّ « حي على خير العمل » فصل قد أُذِّن به على عهد رسول الله (ص) وعمل به الصحابة وأهل البيت ، وذهب بعض الأعلم إلى شرعيته وعدم كراهة الإتيان به .

نعم ، إنّ أتباع النهج الحاكم تركوه ، ولم يرووا فيه إلّا القليل ، وقالوا عن الموجود أنّه قد نسخ ؟!

هذا وقد تمخض من كل ما سبق أُمور :

1 ـ اتفاق الفريقين على أصل شرعيتها في عهد رسول الله (ص) ، وانفراد أهل السنة والجماعة بدعوى النسخ ، وقد تحدى السيّد المرتضى أن يأتوه بالناسخ ، بقوله :

وإنّما ادعي أنّ ذلك نُسخ ورفع ، وعلى من ادعى النسخ الدلالة وما يجدها .

2 ـ ذكرنا في القسم الثاني الدليل الثاني من أدلّتنا على زئية الحيعلة الثالثة وهو فعل الصحابة وأهل البيت ، فذكرنا فيه اسم ثلاثين شخصاً أذّنوا بـ « حيّ

(1) حاشية منهية : 2 . انظر : كلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية 4 : 165 .

(2) مراتب الاجماع لابن حزم : 27 ، انظر : منهاج السنة النبوية 6 : 293 ـ 294 .


274

على خير العمل » من الصحابة والتابعين وأهل البيت .

3 ـ إجماع العترة واتفاق الشيعة بفرقها الثلاث على الحيعلة .

4 ـ واخيراً ختمنا الكلام عن جزئية الحيعلة الثالثة بما حكي عن الشافعي وبعض الاعلام من القول بجزئيتها . وسوف نُثبت لاحقاً ـ إن شاء الله ـ وجود ملازمة بين القول بـ « حي على خير العمل » وعدم القوب بـ « الصلاة خير من النوم » ؛ لأنّ القائل بشرعية أحدهما لا يقول بشرعية الآخر . وحيث ثبت عن الشافعي رجوعه ـ في أواخر أيام حياته ـ عن التثويب لعدم ثبوت صحة حديث أبي محذورة عنده يرجح المنسوب من القول بـ « حي على خير العمل » إليه ، ومثله الكلام عن مالك وغيرهم من الأحناف والمذاهب الأخرى .


275

الفصل الثاني

حذف الحيعلة

وامتناع بلال عن التأذين


276


277

قبل البدء في بيان بحوث هذا الفصل لابدّ من معرفة معنى ما قاله أحد الصادِقَيْن(1) فيما رواه عنه أبو بصير ، أنّه قال : إنّ بلالاً كان عبداً صالحاً فقال : لاأُؤَذِّنُ لأحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فتُرِكَ يومئذ « حيّ على خير العمل »(2).

ولو ثبت هذا الخبر وصح الحديث لصار زمن سقوط حيّ على خير العمل من الأذان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وفي عهد أبي بكر بالذات ، وهذا يخالف المشهور بين الطالبيين والمتّفق عليه عند الشيعة الإمامية ، والزيديّة ، والاسماعيليّة ، فإنّهم جميعاً قد أطبقوا على إسقاطها في عهد عمر بن الخطّاب ، فما يعني ما رواه أبو بصير إذاً ؟

الحديث الآنف هو بصدد التعريف ببلال الحبشي مؤذّن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه كان صلب العود شجاعاً في مبادئه ، وعبداً صالحاً ، ومعناه : لو كان بلال مؤذناً في العصور اللاَّحقة لما تُرك حيّ على خير العمل ؛ وذلك لإيمانه وتقواه وثباته على العقيدة ، لكن لما ترك بلال ـ بل اضطُرَّ إلى ترك ـ الأذان بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كان في ذلك فرصة للآخرين بالزيادة والنقيصة فيه(3).

ولك الحقّ أن تسأل عن علّة ترك بلال للأذان بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعن

(1) أي الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهم السلام .

(2) من لا يحضره الفقيه باب الأذان والإقامة 1 : 184 ح 872.

(3) كزيادة ( الصلاة خير من النوم ) فيه أو نقيصة ( حيّ على خير العمل ) منه.


278

الأقوال التي قيلت في ذلك ، وهل يصح حقاً ما نقل عن بلال بأنّه طلب من أبي بكر أن يذهب إلى الشام كي يرابط على ثغور المسلمين ، أو أنّه قال : لا أطيق أن أؤذّن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، أو غير ذلك ؟

إنّ الدقّة في معرفة سير الأحداث تفرض علينا أن نقول : إنّ ترك بلالٍ للأذان لم يكن لمجرّد حالة نفسية وردّة فعل تجاه وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنّ بلالاً كان أتقى وأورع من أن يترك منصباً نصبه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله طيلة حياته ، ذلك لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم ينصّبه مؤذِّناً شخصيّاً له ، بل أعطاه دور مؤذّن الإسلام ، فكيف يترك هذا الدَّور الشريف لمجرّد موت النبيّ صلى الله عليه وآله ؟! وهو أعلم الناس بما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في فضل الأذان والمؤذنين.

بل كيف تعقل صياغة عذر ترجيحه للجهاد في الشام على التأذين للمسلمين ، مع أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أمر المسلمين أن ينضووا تحت لواء أُسامة وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ، ومن الثابت أنّ بلالاً كان مستثنى من هذا الأمر الجهادي ، حيث أطبق التاريخ والمؤرّخون على أنّه كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذّن له حتّى آخر لحظة من لحظات حياته الشريفة ، فكيف ترك التأذين ورجّح الجهاد ؟!

إن هذا ما لا يعقل في حق بلالٍ ، خصوصاً وأنّه لم يُعهد عنه اتخاذه موقفاً مرتبكاً عند موت النبيّ صلى الله عليه وآله كما حدث ذلك لعمر بن الخطّاب(1) ، بل تلقّى الحادث كباقي المسلمين بألم وأسى ، واضعاً نصب عينيه قوله تعالى : ﴿ وما محمّدٌ إلاّ رسولٌ قد خَلَت من قَبِلِه الرُّسُلُ أفإن ماتَ أو قُتِلَ انقَلَبتُم على أعقابِكم (2) ، وقوله تعالى : ﴿ إنك ميت وأنهم

(1) تاريخ الطبري 3 : 202 ـ 203 في أحداث سنة 11هـ ، وأُسد الغابة 3 : 221.

(2) آل عمران : 144.


279
ميتون (1) .

فما قيل في ترك بلال للأذان لمجرّد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله لا يمكن الركون إليه بحال من الأحوال ، خصوصاً وأنّ بلالاً لو بقي على أذانه لكان ذلك أقوى للمسلمين وأثبت لنفوسهم ، حيث يظلّون يعيشون مع الرسول وذكرياته السماوية العطرة ، بل يكون ذلك أبْعَثَ للمسلمين على الجهاد ، لأنّه يذكّرهم بأيّام كان ينادي فيها بمحضر النبيّ بالصلاة جامعة للجهاد والخروج والقتال.

على أنّنا نرى أنّهم يستعيضون عن بلالٍ بسعد القرظ الذي لم يؤذن على عهد رسول الله إلاّ ثلاث مرّات بقباء ـ ان صح النقل ـ وأبي محذورة الذي كان يستهزئ بالأذان وبرسول الله(2) ، فلماذا لم يخرج سعد القرظ للجهاد إذا كان الجهاد أفضل من التأذين ؟!

وإذا كان بلال قد ترك الأذان لترجيح الجهاد عليه ، فلماذا لا نرى له أيّ مشاركة في قتال المرتدين ؟! ولماذا لم يرد اسمه مع أبي بكر في حروب الردّة ؟ ونحن نعلم بأنّ حروب الردة قد طالت ـ بين موت النبيّ صلى الله عليه وآله وبدء فتوح الشام ـ فاصلة زمنية تقارب سنة(3)أو أقل.

ولماذا لم يؤذِّن بلال في هذه المدّة لأبي بكر ، إذ كان بوسعه أن يؤذّن له ، حتّى إذا بدأت مسيرة جيوش المسلمين للشام تركه واشتغل بالجهاد ؟

إنّ بقاء بلال في المدينة ولو فترةً قصيرة لم يؤذّن فيها لأبي بكر ، إنّما يعني

(1) الزمر : 30.

(2) هذا ما سنوضحه لك في الباب الثاني من هذه الدراسة « الصلاة خير من النوم شرعة أم بدعة » فانتظر.

(3) بدأت حروب الردة بعد أربعين أو ستين أو سبعين يوماً من وفاة النبيّ ، وانتهت بمقتل مسيلمة في ربيع الاول سنة 12هـ .


280

شيئاً ؟ فما هو ؟ حتّى إذا بدأت الجيوش بالزحف نحو الشام ، خرج بلال ـ طائعاً أو مكرها ـ إلى الشام وبقي فيها.

وعليه لا يصح التبرير المطروح من ترك بلالٍ الأذانَ ترجيحاً للجهاد عليه ، بل يبدو أنّ هذا العذر والتبرير اختُلِقَ لدعم فكرة حذف الحيعلة الثالثة ترجيحاً للجهاد عليها ـ وهي فكرة عمر بن الخطّاب التي صرّحت بها روايات عديدة ـ بدعوى أنّ الجهاد ـ لا الصلاة ـ هو خير العمل ، ومعنى كلامهم أن بلالاً ترك الأذان ترجيحاً للجهاد عليه!!

فإذا لم يصح هذا التبرير فلنا أن نقول : إنّ هناك أمراً آخر دعاه إلى اتخاذ هذا الموقف فما هو ؟

يبدو أنّ وراء ترك بلال للأذان سرّاً كامناً ، لأنّه ترك الأذان بمجرّد تسلّم أبي بكر للخلافة ، ويظهر أنّه بقي في المدينة مدّة يسيرة قد لا تتجاوز وقت وفاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أو تتجاوزها بأيام قلائل.

وما قيل من أنّ بلالاً أذّن لأبي بكر مدّة خلافته ، ثمّ رجّح الجهاد في زمان عمر فهو شيء لا يصحّ ؛ لأنّ بلالاً كانت له مشاركات في فتوح الشام ، وهذا يعني أنّه كان مع جيوش المسلمين ، وقد تفطّن ابن كثير إلى ذلك قائلاً :

ولمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله ترك بلال الأذان ، ويقال : أذّن للصدّيق أيّام خلافته ، ولا يصحّ(1).

وكأنّ امتناع بلال من التأذين لأبي بكر بعد النبيّ صلى الله عليه وآله لم يَرُق لرجال النهج الحاكم ، لأنّه تبدو منه معالم معارضته للخلافة الجديدة ، من هنا وضعوا شتى المختلقات لتوجيه عدم تأذينه له ، وكأنّ الأقرب للواقع أنّه اضطُرّ إلى ترك المدينة متّجهاً نحو الشام ، إذ كانت الشام منفى المعارضين ، وكان ستار الجهاد

(1) البداية والنهاية 4 : 7/104 احداث سنة عشرين من الهجرة.


281

خير وسيلة لإبعاد المعارضين ، حيث ذهب سعد بن عبادة الأنصاري مكرهاً إلى الشام فقتل هناك غيلة ، ونفي في زمان عثمان أبو ذر ومالك الأشتر وغيرهما من المعارضين إلى الشام وحبوس معاوية(1) ، ولا يستبعَد أن يكون بلال قد رأى ـ نتيجة ضغوط أبي بكر وعمر عليه كما ستعلم ـ أنّ الذهاب إلى الشام أسلَمَ له ، وأبعد عن عيون السلطة.

ويؤكد لنا أنّ وراء امتناع بلال من التأذين لأبي بكر أمراً مخفيّاً ، عدمُ امتناعه من التأذين لأهل البيت ، حيث أذَّن لفاطمة الزهراء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله مرّة ، وأذّن لولديها الحسن والحسين عليهما السلام مرّة أخرى بعد وفاة فاطمة ، وذلك ما لم يختلف فيه المؤرخون وأرباب السير.

روى الصدوق : أنّه لما قُبض النبيّ صلى الله عليه وآله امتنع بلال من الأذان وقال : لا أؤذّن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن فاطمة قالت ذات يوم : إنّي أشتهي أن أسمع صوت مؤذّن أبي بالأذان ، فبلغ ذلك بلالاً فأخذ في الأذان ، فلمّا قال : « الله أكبر الله أكبر » ذكرت أباها صلى الله عليه وآله وأيّامه فلم تتمالك من البكاء ، فلمّا بلغ إلى قوله « أشهد أنّ محمّداً رسول الله » شَهِقت فاطمة شهقةً وسـقطت لوجـهها وغُشي عليها ، فقال الناس لبلال : أمِسـكْ يا بلال ، فقد فارقت ابنةُ رسول الله الدنيا ، وظنّوا أنّها قد ماتت ، فقَطَع أذانه ولم يُتمّه ، فأفاقت فاطمة وسألته أن يُتّم الأذان فلم يفعل ، وقال لها : يا سيّدة النسوان ، إني أخشى عليك مما تُنزلينه بنفسك إذا سمعتِ صوتي بالأذان ، فأعفته

(1) تاريخ اليعـقوبي 2 : 172 وفيه نفـي أبي ذر إلى الشـام ، وتاريخ الطبري 4 : 317 ـ 326 / احداث سنة 33 وذكر فيه تسير عثمان جماعة من أهل الكوفة إلى الشام منهم مالك الأشتر.


282

عن ذلك(1).

وهذا يدل على وجود بلال في المدينة قبل وفاة الزهراء عليها السلام ، ولم يكن قد خرج منها بعدُ إلى الشام ، وهذا يؤكد أنّ أبا بكر بقي أربعين يوماً(2) ـ على أقل التقادير ـ يدبّر أموره قبل أن يجهز لقتال المرتدين ، وظل يقاتل المرتدين مدّة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنة قبل أن يسيِّر الجيوش التي فتحت الشام بعد أن كان جيش أسامة رجع عن وجهة الشام دون قتال.

وقد علمتَ أنّ بلالاً لم يشارك في قتال المرتدين ، بل صرّحوا بأنّه أقام في المدينة إلى أن خرجت بعوث الشام(3).

كان بلال إذاً في المدينة ولم يؤذّن لأبي بكر ، فلماذا لم يؤذّن لأبي بكر ؟! إنّه تساؤل يفرض نفسه ، ويبحث عن اجابة.

روى إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء ، حدثني أبي محمد بن سليمان ، عن أبيه سليمان بن بلال ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : إنّ بلالاً رأى في منامه النبيّ صلى الله عليه وآله وهو يقول له : ما هذه الجفوة يا بلال ؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال ؟

فانتبه حزينا وجلاً خائفاً ، فركب راحلته وقصد المدينة [ من

(1) من لا يحضره الفقيه 1 : 298 / ح 907 ، وانظر : الدرجات الرفيعة : 365 ـ 366.

(2) وقيل : ستين يوماً ، وقيل سبعين يوماً ، انظر : تاريخ الطبري 3 : 241 ، واليعقوبي 2 : 127.

(3) انظر : كنز العمّال 13 : 305 ح 36873 ، مختصر تاريخ دمشق 5 : 265. بل قال ابن أبي حاتم أنّه خرج إلى الشام في خلافة عمر. انظر : المراسيل : 108 ، وعنه في تهذيب الكمال 17 : 373.


283

الشام ] ، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه.

فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمّهما ويقبِّلهما ، فقالا له : يا بلال ، نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذّنه لرسول الله صلى الله عليه وآله في السَّحَر ، ففعل ، فَعَلا سطح المسجد ، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه ، فلمّا أن قال : « الله أكبر الله أكبر » ارتجت المدينة .

فلما أن قال : « أشهد أن لا إله إلا الله » زاد تعاجيجها ، فلما أن قال : « أشهد أن محمداً رسول الله » خرج العواتق من خدورهنّ ، فقالوا : أبُعِث رسول الله صلى الله عليه وآله ؟! فما رؤي يوماً أكثر باكياً وباكية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك اليوم(1).

لقد ثبت أنّ بلالاً أذّن لفاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وقبل خروجه إلى الشام ، وأذّن للحسن والحسين بعد وفاة فاطمة عند رجوعه من الشام لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ، بل روي أنّه كان يرجع كلّ سنة مرّة إلى المدينة فينادي بالأذان للمسلمين إلى أن مات(2) ، فلماذا لم يؤذّن للخليفة الأوّل ، ومن بعده للثاني ؟!

إنّ حقيقة امتناع بلال من التأذين تتجاوز مسألة ترحيله إلى الشام للمشاركة في الجهاد ، بل إنّ المسألة لَتصل إلى معارضته لأصل خلافة أبي بكر وعمر

(1) تاريخ دمشق 7 : 136 ترجمة رقم 493 قال : انبأنا أبو محمد بن الاكفاني ، ناعبدالعزيز بن أحمد ، نا تمام بن محمد ، نا محمد بن سليمان ، نا محمد بن الفيض ، نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء ، ثم ذكر باقي الاسناد ، والنص عنه ، ومختصر تاريخ دمشق 4 : 118 ، 5 : 265 ، أسد الغابة 1 : 208. وانظر : تهذيب الكمال 4 : 289 ، حيث أبدل « الحسن والحسين » ب ـ « بعض الصحابة » .

(2) انظر : الدرجات الرفيعة : 367 ، نقلاً عن كتاب المنتقى.


284

ولأنّه أبى ـ كما يبدو ـ أن يؤذّن لهما بالأذان الذي بُدِّل فيه وغُيِّر ، والذي سخّروا له من بعد سعد القرظ مولى قريش ، الذي ظل مؤذّناً حتّى للحجّاج الثقفي ، ولم يكن له أيّ دور في المدينة في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله .

قال النووي في تهذيب الاسماء : جعل النبيّ صلى الله عليه وآله سعد القرظ مؤذناً بقباء ، فلما ولي أبو بكر الخلافة وترك بلالٌ الأذان نقله أبو بكر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ليؤذن فيه فلم يزل يؤذن فيه حتّى مات في أيّام الحجاج بن يوسف الثقفي ، وتوارث بنوه الأذان. وقيل : الذي نقله عمر بن الخطاب(1).

ولكن بلالاً مع ذلك لم يمتنع عن التأذين لأهل البيت والمسلمين المخلصين ـ ولذلك قال جعفر بن محمد : رحم الله بلالاً فإنه كان يحبنا أهل البيت (2) ـ ، بل إنه امتنع عن التأذين لرجال النهج الحاكم ورؤوس الخلافة وحدهم .

(1) تهذيب الأسماء 1 : 207.

(2) الاختصاص : 73. ويدل على اختصاص بلال بعليّ وأهل البيت وعدم إيمانه بشرعية خلافة أبي بكر ، ما روي في تفسير الحسن العسكري : في ان بلالاً كان يعظّم أمير المؤمنين عليه السلام ويوقره أضعاف توقيره لأبي بكر ، فقيل له في ذلك مع أنّ أبا بكر كان مولاه الذي اشتراه واعتقه من العذاب ، فأجاب من ذلك بأحسن جواب ، فكان فيما قال : ان حقَّ عليٍّ أعظم من حقه ، لأنّه أنقذني من رق العذاب الذي لو دام عليّ وصبرت عليه لصرت الى جنات عدن ، وعليّ انقذني من رق العذاب الأبد ، واوجب لي بموالاتي له وتفضيلي إيّاه نعيم الأبد « تفسير العسكري 621/ ح 365 ».

هذا وقد بقى بلال إلى آخر لحظات عمره الشريف موالياً لمحمّد وآل محمّد ، وقد ردد قبل موته نفس الشعار الذي ردده عمار في صفين من بعد :

غداً سنلقى الأحبّة محمداً وحزبه

« مختصر تاريخ دمشق 5 : 267 ».


285

روى الشيخ المفيد بسنده عن الصادق عليه السلام أنّه قال : وكان بلال مؤذّن رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله لزم بيته ولم يؤذّن لأحد من الخلفاء(1).

وقال المزّي : ويقال : إنّه لم يؤذّن بعد النبيّ صلى الله عليه وآله ، إلاّ مرّة واحدة ، في قَدمةٍ قَدِمها لزيارة قبر النبيّ صلى الله عليه وآله ، وطلب إليه الصحابة ذلك فأذّن ، ولم يُتمّ الأذان...(2)

وفي كتاب أصفياء أمير المؤمنين ، روى عن ابن أبي البختري ، قال : حدّثنا عبدالله بن الحسن : انّ بلالاً أبى أن يبايع أبا بكر ، وإنّ عمر جاء وأخذ بتلابيبه ، فقال : يا بلال ، إنّ هذا جزاء أبي بكر منك ؟! إنّه أعتقك فلا تجيء تبايعه ؟!

فقال بلال : إن كان أبو بكر أعتقني لله فليدعني له ، وإن كان أعتقني لغير ذلك فها أنا ذا(3).

وأمّا بيعته فما كنت أبايع أحداً لم يستخلفه رسول الله ، وإنّ بيعة ابن عمّه يوم الغدير في أعناقنا إلى يوم القيامة ، فأيّنا يستطيع أن يبايِع عَلَى مولاه ؟

فقال له عمر : لا أمّ لك ، لا تُقِمْ معنا!

(1) الاختصاص : 73.

(2) تهذيب الكمال 4 : 289 ، وقد يكون مقصود المزّي من جملة « طلب إليه الصحابة »هو طلب الحسن والحسين ، إذ لم يقل أحد بأنه أذن للصحابة على نحو العموم ، وكذا لا يصحّ ما قاله بأن بلالاً لم يؤذّن بعد النبيّ إلاّ مرّة واحدة ؛ لثبوت تأذينه لفاطمة الزهراء قبل رحلته إلى الشام . ويضاف إلى قول المزّي ما حكاه الحصني الشامي « ت 829 هـ » في كتابه دفع الشبه عن الرسول : 182 عن الحافظ عبدالغني المقدسي في كتابه الكمال في ترجمة بلال وأنّه قد قال بهذا القول قبل المزّي.

(3) لا يخفى عليك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي اشترى بلالاً وأعتقه ، لكن بواسطة أبي بكر إذ كانت عنده علاقات حسنة مع كفار قريش ولم يكن وَتَرهم.


286

فارتَحَلَ إلى الشام(1)...

وفي كتاب كامل البهائي ـ لعماد الدين الطبري(2) ـ : إنّ بلالاً امتنع عن بيعة أبي بكر والأذان له(3).

فعلى هذا يكون بلال قد عارض خلافة أبي بكر ، وامتنع من التأذين له مع بقائه بالمدينة ، لعدم إيمانه بشرعية خلافته ، ولأنّه وعمر أرادا منه ما يأباه خرج إلى الشام مكرهاً لا ترجيحاً للجهاد على منصبه النبوي في التأذين ، ولاردّة فعلٍ منه تجاه وفاة الرسول االمصطفى صلى الله عليه وآله .

فإنّ بلالاً لم يبايع لهما ، وبقي معارضاً للغاصبين في صفّ عليّ وغيره من عيون الصحابة ، وقد أذّن في هذه المدّة لفاطمة ، وكان على اتصال بأهل البيت ، ثمّ إنّهم بعد وفاة فاطمة وإجبار عليّ على البيعة ، ونفي سعد بن عبادة إلى الشام ، وكسرهم سيف الزبير ، ووو.... أجبروا بلالاً على مغادرة المدينة تحت غطاء القتال في جبهات الشام ، وكان قد عاد إلى المدينة لزيارة قبر النبيّ صلى الله عليه وآله ، فأذّن للحسن والحسين.

وبهذا ، فإنّ مختلقة تأذينه لعمر(4)في الجابية بالشام ، قد وضعت للتغطية

(1) الدرجات الرفيعة : 367 ، عن كتاب أصفياء أمير المؤمنين. وقد روى الوحيد البهبهاني قريبا من هذا في التعليقة ( انظر : معجم رجال الحديث 4 : 272 ) ..

(2) الذي فرغ من تأليفه سنة 675هـ . ق .

(3) الأربعين للماحوزي : 257 ، نقلاً عن كامل البهائي.

(4) وضعت روايات مفادها أنّ بلالاً أذّن لعمر في الجابية ، وقد وردت بأربعة طرق :

أوّلها : ما رواه الطبري في تاريخه 4 : 65 / أحداث سنة 17هـ ، قال : « كتب إلي السري ، عن شعيب ، عن سيف [بن عمر التميمي] ، عن مجالد عن الشعبي ». وهذا الإسناد فيه سيف بن عمر الوضاع المتّهم بالزندقة.

ثانيها : ما رواه البيهقي في سننه 1 : 419 ، وابن عساكر في تاريخه 10 : 471 ، والذهبي في سيره 1 : 357 ، وكلها تنتهي إلى « أبي الوليد أحمد بن عبدالرحمن القرشي ، حدّثنا الوليد بن مسلم ، قال : سألت مالك بن أنس... ». وهذا الإسناد فيه أحمد بن عبدالرحمن القرشي الذي لم يسمع من الوليد بن مسلم قط ، وكان شبه قاصٍّ ، وقالوا عنه : لا تقبل شهادته على تمرتين. ناهيك عن الوليد بن مسلم الذي كان رفّاعاً للحديث كثير الخطأ وروى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل ، وكان رديء التدليس.

ثالثها : ما ذكره البخاري في التاريخ الصغير والذهبي في سيرة 1 : 357 والنص عن البخاري : « حدّثنا يحيى بن نشر ، حدّثنا قراد ، أخبرنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ». وهذا الإسناد فيه هشام بن سعد الذي ضعفه أحمد بن حنبل وابن سعد ويحيى بن معين والنسائي ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يحتج به ، وقال ابن حبان : كان ممن يقلب الاسانيد وهو لا يفهم ، ويسند الموقوفات من حيث لا يعلم ، وبطل الاحتجاج به.

رابعها : ما أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة عن أولاد سعد القرظ.

وفي هذا الإسناد أولاد سعد القرظ المجهولون كما مرّ عليك.

ولا يفوتنّك أنّ أولاد سعد القرظ أرادوا التغطية على نزاع بلال مع الخلفاء الذي أدّى إلى تركه الأذان ، حتّى جاءوا بسعد القرظ فجعلوه بديلاً عن بلال رحمه الله ، واستمرّ التأذين الرسمي في ذريّته كما عرفت.


287

على نزاع بلال مع عمر في شأن كيفية توزيع الأراضي المفتوحة وأمثالها ، حيث قام بلال إلى عمر فقال : لتقسمنّها أو لنتضاربَنّ عليها بالسيف(1).

ولما أبى عمر ذلك ، ودعا على بلال ومن معه بالهلاك(2) ، سألَ بلال عمرَ البقاء في الشام واعتزال باقي الفتوحات ، ففعل ذلك عمر(3) ، فبقي بلال في

(1) السنن الكبرى للبيهقي 6 : 318.

(2) الروض الأنف 6 : 581 ، المبسوط للسرخسي 10 : 16.

(3) اسد الغابة 2 : 79 ، تاريخ دمشق 16 : 21 ، الاصابة 4 : 72.


288

دمشق إلى أن مات بها.

وقد كان أبو بكر قد أغضب بلالاً في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله ، فأمر النبيّ أبا بكر أن يترضّاه ، قالوا :

مرّ أبو سفيان ببلال وسلمان وصهيب ، فقالوا : ما أخَذَت سيوفُ الله من عُنُق هذا بعدُ مأخذها ، فقال أبو بكر الصديق : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ؟!

فذهب أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله : يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك ، قال : فرجع أبو بكر ، فقال : يا إخوة ، لعلّكم غضبتم . قالوا : يغفر الله لك يا أبا بكر(1)!

وقد كان بين بلال وعمر اختلاف في وقت الأذان ، أدّى بهم من بعد أن يختلقوا صحة أذان ابن أم مكتوم الأعمى في الفجر ، مخطّئين أذان بلال لعدم تشخيصه الفجر الصادق ، لضعف في بصره!!(2) روى الأوزاعي أنّ بلالاً أتى عمر بن الخطّاب فقال : الصلاة الصلاة ، فردّدها عليه ، فقال له عمر : نحنُ أعلمُ بالوقت منك ، فقال له بلال : لأَنا أعلم بالوقت منك ، إذ أنت أضلّ من حمار أهلك(3)!

وفي زحمة هذا التضادّ السياسي الفقهي بين بلال من جهة ، وأبي بكر وعمر وأتباعهما من جهة ، يبدو أنّهم طلبوا منه حذف « حيّ على خير العمل » وإبدالها ب ـ « الصلاة خير من النوم » ، فرفض بلال ذلك ، ولذلك رفضوا بلالاً

(1) مختصر تاريخ دمشق 5 : 261.

(2) هذا ما تقف عليه في الباب الثاني من هذه الدراسة : « الصلاة خير من النوم » فراجع.

(3) مختصر تاريخ دمشق 5 : 266 ـ 267.


289

ورفضهم ، ونسبوا إلى بلال ضعف البصر واللثَّغة في اللسان وغيرها من الأمور الجارحة ، وجاءوا بدله بسعد القرظ وأبي محذورة ، ووضعوا أحاديث نسبوها إلى بلال ، وكأنّه أذّن ب ـ « الصلاة خير من النوم » في زمان النبيّ ، مع أنّ الصحيح نسبته إلى بلال عكس ذلك ، فإنّه اذّن ب ـ « حيّ على خير العمل » لا الصلاة خير من النوم.

على أنّ بلالاً كان هو أقرب المشاهدين لما واجهوا به النبيَّ قبيل وفاته ، وكيف تخلفوا عن جيش أسامة ، وقدّموا أبا بكر للصّلاة.

كان بلال على علم بما يجري من حوله ، ولذلك اعتزل القوم ونجا بدينه وأذانه الذي رواه لنا أهل البيت عن جبرئيل عن الباري والذي ليس فيه « الصلاة خير من النوم ».

لكنّ عمر بن الخطّاب لمّا استتّب له الأمر ، سعى لتطبيق ما يرجوه ، فحذف الحيعلة الثالثة وأبدلها بالصلاة خير من النوم ، وهو الواقع الذي رواه الأعلام من المسلمين :

قال سعد التفتازاني في حاشيته على شرح العضد ، والقوشجي في شرح مبحث الإمامة وغيرهم : إنّ عمر بن الخطاب خطب الناس وقال : أيها الناس ، ثلاث كُنَّ على عهد رسول الله أنا أنهى عنهنّ وأحرمهنّ وأعاقب عليهن ، وهي : متعة النساء ، ومتعة الحجّ ، وحيّ على خير العمل(1).

وقال الحافظ العلوي : أخبرنا محمّد بن طلحة النعالي البغدادي ، حدّثنا محمّد بن عمر الجعابي الحافظ ، حدّثنا إسحاق بن محمّد [ بن مروان ] ، حدّثنا

(1) شرح التجريد : 374 ، كنز العرفان 2 : 158 ، الغدير 6 : 213 ، والبياضي في الصراط المستقيم 3 : 277 عن الطبري في المسترشد : 516.


290

أبي ، حدّثنا المغيرة بن عبدالله ، عن مقاتل بن سليمان ، عن عطاء ، حدّثنا أبي [ السائب بن مالك ] عن عمر أنّه كان يؤذن بحيّ على خير العمل ، ثمّ ترك ذلك وقال : أخاف أن يتكل الناس(1).

وجاء في كتاب الاحكام ـ من كتب الزيدية ـ : قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه : وقد صحّ لنا أنّ « حيّ على خير العمل » كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذن بها ولم تطرح إلاّ في زمن عمر بن الخطاب ، فإنّه أمر بطرحها وقال : أخاف أن يتّكل الناس عليها ، وأمر بإثبات « الصلاة خير من النوم » مكانها.

قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه : والأذان فأصله أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله عُلِّمهُ ليلة المسرى ، أرسل الله إليه ملكاً فعلّمه إيّاه ، فأما ما يقول به الجهال من أنّه رؤيا...(2).

وعن نافع ، عن ابن عمر : أنّه كان يؤذن فيقول : حيّ على خير العمل ، ويقول كانت في الأذان فخاف عمر أن ينكل الناس عن الجهاد.

وعن الباقر قال ، كان أبي عليّ بن الحسين يقول إذا أذّن : حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل. قال : وكانت في الأذان ، وكان عمر لمّا خاف ان يتثبط الناس عن الجهاد ويتكلوا ، أمرهم فكفوا عنها(3).

وعن الإمام زيد بن عليّ : أنّه قال : ممّا نقم المسلمون على عمر أنّه نحى من النداء في الأذان حيّ على خير العمل ، وقد بلغت العلماء أنّه كان يؤذّن بها

(1) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي ، بتحقيق عزّان : 99 ، وانظر : صفحه 63 منه.

(2) الإحكام 1 : 84.

(3) انظر : الأذان بحيّ على خير العمل : 79.


291

رسول الله حتّى قبضه الله عزّوجلّ ، وكان يؤذن بها لأبي بكر حتّى مات ، وطرفاً من ولاية عمر حتّى نهى عنها.

وعن جعفر بن محمّد قال : كان في الأذان حيّ على خير العمل ، فنقصها عمر »(1).

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، قال : كان الأذان بحيّ على خير العمل على عهد رسول الله ، وبه أمروا أيّام أبي بكر وصدراً من أيّام عمر ، ثمّ أمر عمر بقطعه وحذفه من الأذان والإقامة ، فقيل له في ذلك فقال : إذا سمع الناس أنّ الصلاة خير العمل تهاونوا بالجهاد وتخلفوا عنه. وروينا مثل ذلك عن جعفر بن محمّد ، والعامة تروي مثل هذا...(2)

وروى القاضي زيد الكلاري في شرح التحرير ، عن الإمام القاسم بن إبراهيم أنّه قال : فأمّا « حيّ على خير العمل » فكانت في الأذان ، فسمعها عمر يوماً فأمر بالإمساك فيه عنها وقال : إذا سمعها الناس ضيّعوا الجهاد لموضعها واتّكلوا عليها(3).

(1) النصوص عن ابن عمر والباقر ، وزيد ، وجعفر بن محمد موجودة في الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي بتحقيق عزّان : 63.

(2) دعائم الإسلام 1 : 142 ، بحار الأنوار 81 : 156.

(3) الأذان بحيّ على خير العمل بتحقيق عزّان : 153.


292

وقال في المنتخب : وأمّا « حيّ على خير العمل » فلم تَزَل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله حتّى قبضه الله عزّوجلّ ، وفي عهد أبي بكر حتّى مات ، وإنّما تركها عمر وأمر بذلك ، فقيل له : لم تركتها ؟

فقال : لئلاّ يتّكل الناس عليها ويتركوا الجهاد(1).

وعن الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ ، قال : لم يَزَل النبيّ صلى الله عليه وآله يؤذن بحيّ على خير العمل حتّى قبضه الله ، وكان يؤذّن بها في زمن أبي بكر ، فلمّا ولي عمر قال : دعوا « حيّ على خير العمل » لا يشتغل الناس عن الجهاد ، فكان أوّل من تركها(2).

وقال الفضل بن شاذان ( المتوفّى 260هـ ) مخاطباً أهل السنّة : ... ورويتم عن أبي يوسف القاضي ـ رواه محمّد بن الحسن عن أصحابه ـ وعن أبي حنيفة ، قالوا : كان الأذان على عهد رسول الله وعلى عهد أبي بكر وصدراً من خلافة عمر يُنادى فيه « حيّ على خير العمل ».

فقال عمر بن الخطاب : إنّي أخاف أن يتّكل الناس على الصلاة إذا قيل : « حيّ على خير العمل » ويَدَعُوا الجهاد ، فأمر أن يطرح من الأذان « حيّ على خير العمل »(3).

إنّ كل هذه النصوص دالّة على أنّ إسقاط « حيّ على خير العمل » من الأذان كان في عهد عمر بن الخطّاب ، وأنّ الصحابة كانوا قد أذّنوا بها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعلى عهد أبي بكر ، وصدراً من خلافة عمر ، وأنّ عمر سمعها يوماً

(1) الأذان بحيّ على خير العمل بتحقيق عزّان : 153.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي بتحقيق عزّان : 63 ـ 64.

(3) الايضاح : 206 وراجع كتاب العلوم 1 : 92 والاعتصام بحبل الله المتين1 : 296 ، 299 ، 304.


293

فأمر بالإمساك فيه عنها وقال : إذا سمعها الناس ضيّعوا الجهاد.

إنّ عمر نفَّذَ في أثناء تسلّمه أزمّة الأمور ما كان يطمح إليه من حذف « حيّ على خير العمل » التي كانت في أذان المسلمين ، وقد سمعت أنّ مما نقمه المسلمون على عمر حذفه « حيّ على خير العمل ».

ويبدو أنّه لم يتسنَّ لعمر أن يحذفها بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله مباشرة وإن حاول ذلك ، وكان الجهاد قائماً على سوقه أيضاً ، لكنّه نجح في ذلك عند استلامه الخلافة مسكتاً المعارضين بالقوة والشدة المعهودتين منه.

ومن هنا تعرف أن المقصود من كلمة بلال « لا أوذن لأحد بعد رسول الله » أنها تعني : أنني لا أوذن لأحد اغتصب الخلافة ظلماً بعد رسول الله ، ومن جدّ في حذف ما يدل على الإمامة والولاية وإسقاطها من الأذان (1) .

وبهذا فليس هناك تخالف بين مارواه أبو بصير وما قالته الشيعة ـ بفرقها الثلاث ـ وذلك للدور الذي لعبه عمر بن الخطاب ابان عهد الخليفة الأوّل في رسم الخطوط العامة للحكم الذي يرتضيانه ، إذ أقرّ تلك التطلعات بعد بسط نفوذه في خلافته ، ممّا دعا بلالا الى أن يترك الأذان ويقول : « لا أوذن لأحد بعد رسول الله » .

وخلاصة القول : أنّ الحيعلة الثالثة « حيّ على خير العمل » كانت على زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ، وزمن أبي بكر ، وصدراً من خلافة عمر ، ثمّ حذفها عمر في أيّام حكومته ، وأنّه كان يقصد إلى ذلك منذ حروب الردة ، ثمّ أراد تطبيقها بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله ، لكنّه اصطدام بمعارضة بلال مؤذن النبيّ صلى الله عليه وآله الذائع الصِّيت ، الذي رفض أنْ يؤذن لرموز الخلافة المغتصبة ، فأبعدوه وأبدلوه بسعد القرظ ، فتسنى لهم ما أرادوا من بعد ، فتمهّدت لهم الأرضية لذلك بعد إقصاء بلال عن

(1) هذا ما سنبحثه في الفصل القادم « حي على خير العمل دعوة إلى الولاية ».


294

منصبه الذي وضعه فيه النبيّ صلى الله عليه وآله . وقد دلّت كلّ النصوص والأحداث التاريخية على أنّ حذفها كان في حكومة عمر ، ودلَّ خبرُ أبي بصير عن أحد الصادقَين ـ الذي صدّرنا هذا الفصل به ـ على أنّ عمر كان قاصداً هذا القصد من قبل ، ثمّ نفّذهُ في أيّام استخلافه.

هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ـ كما ستعرف في الباب الثاني « الصلاة خير من النوم شرعة أم بدعة » ـ أنّ إضافة « الصلاة خير من النوم » أيضاً كانت من مبتكرات عمر بن الخطاب ، الذي رفع الحيعلة الثالثة وجعل مكانها « الصلاة خير من النوم » فسار الأمويّون والمجتهدون من بعده على مساره ، وأحكموا ما ذهب إليه عمر ، حتّى صار في العصور اللاحقة تلازم بين إثبات الحيعلة الثالثة ورفض التثويب عند نهج التعبد ، وفي المقابل ثمّة تلازم بين حذف الحيعلة الثالثة واثبات التثويب عند نهج الاجتهاد والحكومات. وقد تطور الأمر ـ كما سيأتيك ـ إلى أن صار ذلك شعاراً سياسيّاً لكل من طرفَي النزاع.

وفي هذا المقام نلحظ ما رواه زيد النرسي ـ في أصله ـ عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام ، حيث قال : « الصلاة خير من النوم » بدعة بني أمية ، وليس ذلك من أصل الأذان »(1) ، فإن الإمام الكاظم كان ناظراً إلى استفحال هذا التثويب وشيوعه واتخاذه طابع العموم والانتشار في زمن بني أميّة الذين ساروا في هذا المجال على خطى عمر بن الخطاب ، وأيّدوا نهج الاجتهاد والرأي في مقابل نهج التعبد المحض ، وبذلك لا يكون ثمة تخالف بين القول بأنّها بدعة وضعت في عهد عمر بن الخطاب والقول بأنّها بدعة أموية ؛ لأن الثانية حكّمت ما شرّع في عهد الشيخين.

(1) مستدرك الوسائل 4 : 44.


295

وبعد هذا نتساءل : هل تصحّ هذه العلّة « أي علّة الخوف من ترك الناس للجهاد » لحذف هذا الفصل من فصول الأذان ، أم أنّ هناك دافعاً آخر وراء هذا الأمر ؟ هذا ما سنوضحه في الفصل اللاحق.


296


297

الفصل الثالث
حي على خير العمل
دعوة الى الولاية ، وبيان لأسباب حذفها


298


299

ذكرت كتب الحديث والتاريخ أنّ لـ « حيّ على خير العمل » مَعْيَيَين : ظاهريّ وباطنيّ :

أمّا المعنى الظاهري لجملة « حيّ على خير العمل » فهو : أنّ خير الأعمال الصلاة والدعوة إلى إتيانها ، وهذا هو الفهم الأوّليّ المتبادر للذهن .

وتدلّ عليه رواية الصدوق في علل الشرائع وعيون أخبار الرضا فيما رواه من العلل عن الإمام الرضا عليه السلام ... فقال : أخبِرني عن الأذان ، لِم أُمروا به ؟

قال : لعلل كثيرة ، منها : أن يكون تذكيراً للساهي ، وتنبيهاً للغافل ، وتعريفاً لمن جهل الوقت... إلى أن يقول : فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الأذان ، فقدّم قبلها أربعاً : التكبيرتين والشهادتين ، وأخّر بعدها أربعاً : يدعو إلى الفلاح حثاً على البر والصلاة ، ثمّ دعا إلى خير العمل مرغّباً فيها وفي عملها وفي أدائها ، ثمّ نادى بالتكبير والتهليل ليتمّ بعدها أربعاً...(1).

أما المعنى الباطني المكنون ـ الذي يعرفه أهل البيت ومن نزل في بيوتهم الكتاب والوحي ـ فهو ما رواه الصدوق في معاني الأخبار وعلل الشرائع ، بإسناده عن محمّد بن مروان ، عن الباقر عليه السلام ، قال : أتدري ما تفسير « حيّ على خير العمل » ؟

قال ، قلت : لا.

(1) علل الشرائع : 259 الباب 182 ، عيون أخبار الرضا 2 : 103.


300

قال : دعاك إلى البرّ ، أتدري بِرُّ مَن ؟

قلت : لا.

قال : دعاك إلى برِّ فاطمة وولدها (1).

وقال الحافظ العلوي : أخبرنا محمّد بن أحمد قراءة ، أخبرنا محمّد بن أبي العبّاس الوراق في كتابه ، أخبرنا محمّد بن القاسم ، حدّثنا حسن بن عبدالواحد ، حدّثني حرب بن حسن ، حدّثنا الحارث بن زياد ـ يعني الطحان ـ حدّثنا محمّد بن مروان ، قال : سمعت أبا جعفر وسأله رجل عن تفسير الأذان قال ، فقال له : الله أكبر ، قال : فهو كما قال الله أكبر من كلّ شيء... حتّى بلغ : حيّ على خير العمل ، قال : أمّا قوله : حيّ على خير العمل ، قال : فأمرك بالبر ، تدري برّ مَن ؟

قال الرجل : لا.

قال : بر فاطمة وولدها (2).

وفي خبر آخر عن الصادق عليه السلام : سئل عن معنى « حيّ على خير العمل ». فقال : خير العمل الولاية (3).

هذا وقد علّل الإمام الكاظم سببَ حذف عمر بن الخطاب لهذه العبارة من الأذان بسبيين : ظاهري وباطني.

إذ روى الصدوق في كتاب علل الشرائع بسنده عن ابن أبي عمير أنّه سأل أبا الحسن ( الكاظم ) عن « حيّ على خير العمل » لِمَ تركت من الأذان ؟

(1) معاني الاخبار : 42 ، علل الشرائع :368 الباب 89 ، وعنهما في بحار الأنوار81 : 141.

(2) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي بتحقيق عزّان : 135 الحديث 169.

(3) التوحيد للصدوق : 241 ، وعنه في بحار الانوار 81 : 134.


301

قال : تريد العلة الظاهرة أو الباطنة ؟

قلت : أريدهما جميعاً.

فقال : أمّا العلة الظاهرة فلئلاّ يدع الناس الجهاد اتّكالاً على الصلاة ، وأمّا الباطنة فإنّ « خير العمل » الولاية ، فأراد مِن أمره بترك « حيّ على خير العمل » من الأذان أن لا يقع حثٌّ عليها ودعاءٌ إليها (1).

فما وجه الترابط بين الصلاة والدعوة إلى برّ فاطمة وولدها ؟

بل ما يُعنى بمجيء الولاية وبرّ فاطمة وولدها في الأذان للصلاة ؟

وهل حقاً أنّ جملة « خير العمل » هي الولاية أم أنّها : الصلاة ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟.. وهل هناك تناف بين الرؤيتين.

وهل يصح مضمون الرواية القائلة بأنّ عمر أراد من أمره بتركها أن لا يقع حثٌّ على الولاية ودعاءٌ إليها ؟ أم هناك شيء آخر ؟

وما هي المقدّمات التي تساعدنا على تفهّم مقصود الإمام أبي الحسن الكاظم في علّة حذف عمر بن الخطاب لعبارة « حيّ على خير العمل ».

بل بماذا تفسّر الشيعة هذه المقولة وما جاء عن أبي جعفر الباقر بأن الإسلام بُني على خَمس : الصلاة والصوم والزكاة والحجّ والولاية ، ولم يُنادَ بشيء كما نُودي بالولاية (2).

بل كيف تكون الولاية أهمّ من كلّ شيء ؟ وهل هي أهمّ من الشهادتين كذلك ؟ ولماذا تُرجع الشيعة كلَّ شيء إلى الولاية ؟

إنّ أئمّة أهل البيت قد أجابوا عن هذه التساؤلات ، وأنّ المعنيّ عندهم بـ « ما

(1) علل الشرائع : 368 العلة 89. وعنه في بحار الأنوار 81 : 140.

(2) المحاسن 1 : 445 ـ 446 باب الشرايع ، والكافي 2 : 18 باب دعائم الإسلام ح 1 و 3 و 8.


302

نُودي بشيء كالولاية » وأمثالها لا يعني أنّها أهم من الشهادتين ، بل إنّ أمر الشهادتين مفروغ منه ؛ لأن الإمام قال : ( بني الإسلام على خمس ) ومعناه : أنّ الإسلام المؤلّف من الشهادتين قد بني على خمس : الصلاة ، الصوم ، الزكاة ، الحج ، الولاية ، وأن الولاية أفضلها ، وما نودي بشيء كالولاية ، لكون الإمامة امتداداً للنبوّة ، لا أنّها قبال النبوة والتوحيد ـ كما يصوّره البعض ـ فلا يمكن معرفة الله إلاّ بالنبي ، ولا يمكن معرفة النبيّ صلى الله عليه وآله والله جل جلاله معرفةً مقبولة صالحة إلاّ بالإمام المفترض طاعته ، وهذا ما وضّحته كتب الإمامية ، وأشار إليه العلماء في كتبهم الكلامية.

إذ الاعتقاد بالإمامة لا يُترك بحال ، فهي ليست كالصلاة والصوم والزكاة والحجّ التي قد يرخّص في تركها في ظروف خاصة ؛ فالحائض مثلاً تترك الصلاة ، والمريض معفوّ عن الصوم ، والزكاةُ والحجّ ساقطان عن الفقير ، أما الولاية فهي واجبة على المكلّف سواء كان صاحياً أم مريضاً ، وذا مال أو معسراً (1)و... لأنّها من الأصول التي يبتني عليها قوام الشريعة ، وبها تقام الأحكام ، وقد مرّ عليك كلام الإمام الزيدي يحيى بن الحسين ـ في كتابه الأحكام ـ عن الأذان ، وأنّه من أصول الدين ، إشعاراً منه بمكانة هذه الشعيرة وما تحمله من مفاهيم وأفكار.

(1) جاء في الخصال : 278 ح 21 باب الخمسة بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال : « قال أبو جعفر عليه السلام : بني الإسلام على خمس : اقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم شهر رمضان ، والولاية لنا أهل البيت ، فجعل في أربع منها رخصة ، ولم يجعل في الولاية رخصة. من لم يكن له مال لم تكن عليه الزكاة ، ومن لم يكن له مال فليس عليه حج ، ومن كان مريضاً صلى قاعداً وافطر شهر رمضان ، والولاية صحيحاً كان أو مريضاً أو ذا مال أو لامال له فهي لازمه ».


303

فالأذان وإن كان من شعائر الدين ، لكنّ فصوله تنطوي على أهم أصول الدين ، والاعتقاد بالإمامة عندنا من أصول المذهب ، وقد وضّح الإمام الباقر عليه السلام مكانة الإمامة بين العبادات الخمس ، وقد سأله عنها زرارة بقوله : وأيّ شيء من ذلك أفضل ؟

قال : الولاية أفضل ؛ لأنّها مفتاحهنّ ، والوالي هو الدليل عليهنّ ـ إلى أن قال ـ إنّ أفضل الأشياء ما أنت عليه إذا فاتَكَ لم يكن منه توبة دون أن ترجع إليه فتؤدّيه...

وعليه فمبحث الإمامة والولاية من المسائل المهمة والمختلف فيها بين المسلمين ، بل من المسائل المتجذرة في تاريخ الإسلام ، وقد كتب فيها الأعلام مصنفات كثيرة ولا يسع هذه الدراسة الإحاطة بجوانبها ، لكننا نكتفي بالإشارة إلى قليل من مجموع مئات الأدلّة المستدلّ بها على الإمامة ، نأتي بها كي نوضّح معنى ومقصود الإمام الكاظم ، وكيف : أنّ الولاية خير من الجهاد والصلاة وسواهما.

بعض أدلّة الولاية

وليكن الكلام أولاً عن آية المودّة ؛ مفهومها ومعطياتها ، وهل تعني المحبة كما يقولون أم تعني شيئاً أكثر من مجرّد المحبة ؟

بل هل هناك اختلاف بين قوله ﴿ لا أسئلُكُم علَيهِ من أجر وقوله ﴿ قل لا اسئلكُم عليهِ أجراً إلاّ المودّة في القُربى ؟

وعلى أيّ شيء تدل هذه الآية الأخيرة بالتحديد ؟

وهل يعقل أن يحصر شخصٌ رساليٌّ عظيم كرسول الله صلى الله عليه وآله أجرَ رسالته ـ الّتي ما أوذي نبي مثل ما أوذي صلى الله عليه وآله هو عليها ـ بحبّ أقربائه وعشيرته ؟


304

وهل إنّ قرار الرسول هذا جاء لتحكيم أسرته وعشيرته وتقوية الروح القبلية والنزعة العشائرية التي كانت سائدة عند العرب في الجاهلية ـ والعياذ بالله ـ ؟

أم أنّه صلى الله عليه وآله أراد بذلك أموراً أخرى تعبّر عن إرادة السماء ؟

ثمّ مَن هم أقرباؤه المعنيّون في هذه الآية ؟

المعلوم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أوجب مودّة قرباه لا لتعظيم الجانب القبلي والعشائري ، إذ الثابت عن رسالة السماء أنّها تخالف هذه النزعة الجاهلية الضيّقة ؛ حيث ذمّ الباري عمَّ النبيّ وزوجة عمّه في سورة نزلت في عمّ رسول الله ، أبي لهب ؛ دون اعتبار لنسبه منه صلى الله عليه وآله : ﴿ تَبتْ يدا أبي لَهَبٍ وتَبّ * ما أغنى عنه مالُه وما كَسَب * سيصلى ناراً ذاتَ لَهب * وامراتُه حمّالة الحَطَب * في جِيدِها حبل من مَسَد .

إذاً لا يكون المعنيُّ بالقربى عشيرته وأقرباءَه بما هم أقرباؤه وعشيرته ، بل المعنيّ بذلك فئة خاصة منهم ، لهم سمات وخصائص تجعلهم أمناء على دين الله وواسطة للفيض الإلهي ، وهؤلاء هم الصادقون والمطهرون الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وقد نوّهنا بطرف من منزلتهم فيما مضى.

إذ لا يعقل أن يأمر اللهُ ورسولُه المؤمنين بالتودّد إلى مَن ليس بأهل للمودّة ، وإلى من هو منحرف عن الجادة ـ والعياذ بالله ـ بل إنّ أمره بالتودد إليهم يشير إلى أنّ لهؤلاء القربى خصائص يتميّزون بها ليست للآخرين ، كالعلم والفضل والتقوى والصبر و... وهذه المقوّمات هي التي جعلت من هؤلاء قدوة ، وقد عرّفهم سبحانه في آية التطهير وحصرهم بمن تحت الكساء وهم بعد النبيّ محمَّدٍ صلى الله عليه وآله : عليّ وفاطمة والحسن والحسين.

من يعرف الدين الإسلامي يعلم بأنّ الإسلام يهتم بالقيم والمثل لا العلائق والاتجاهات القبلية والعشائرية ، فقد جعل رسولُ الله سلمانَ الفارسي من أهل


305

بيته لما امتلكه من مؤهّلات وخصائص ذاتية ومعنوية مع عدم امتلاكه أي علائق مع النبيّ صلى الله عليه وآله من الوجهة القبلية والإقليمية.

قال أبو فراس في هذا المعنى من النَّسب الإيماني :

كانت مودّةُ سلمانٍ لَهُ رحماً ولم يكن بَينَ نوحٍ وابنِهِ رَحِمُ

المسألة إذاً أعظم مما تُصوِّره مدرسة الخلفاء ونهج الاجتهاد والرأي من أن الآية تعني المحبّة بما هي محبة مجرّدة ، وأنّ رسول الله أراد الاهتمام بعشيرته وأقربائه وذويه ، بل إنّ آية المودّة تشير إلى مبدأ آخر واضح للمفكّر اللّبيب ، لأنّ الشارع لا يأمر بمحبة من هو ليس بأهل أو بمحبة الفاسق والفاجر ـ والعياذ بالله ـ بل سبحانه يأمر بمودّة من له خصوصية أن يكون واسطة للفيض الإلهي وصيانة الأحكام ، وإجراء الحدود على وجهاتها الصحيحة ، وحفظ الثغور ، وتقسيم الفيء ، وردّ الشبهات ، وغيرها من مستلزمات صيانة الدين الحنيف وحفظه ، وهو دليل على سلامة القربى المعنيين في الآية من العيب والنقص ، إذ جعلهم عِدلاً للقرآن الذي لا يأتيه ريب ، وعلّق أجر رسالته ـ التي لاقى الصعاب من أجلها ـ على مودتهم.

قال الزمخشري في الكشاف بعد طرحه سؤالاً وجوابه : وروي أنّها لمّا نزلت ، [ قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ] قيل : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال : عليّ وفاطمة وابناهما. ويدل عليه ما روي عن عليّ رضي الله عنه : شكوت إلى رسول الله حسد الناس لي ، فقال : أما ترضى أن تكون رابع أربعة : أوّل من يدخل الجنَّة ، أنا وأنت والحسن والحسين ، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا ، وذريّتنا خلف أزواجنا(1).

(1) انظر : فضائل الصحابة ، لأحمد بن حنبل 2 : 624 ح 1068 وفيه زيادة : وشيعتنا من ورائنا.


306

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله : حرمت الجنَّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي. ومَن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبدالمطّلب ، ولم يُجازِه عليها ، فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة(1).

وروي أنّ الانصار قالوا : فَعَلنا وفَعَلنا ؛ كأنّهم افتخروا. فقال عبّاس ـ أو ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ: لنا الفضل عليكم ، فبلغ ذلك رسول الله فأتاهم في مجالسهم ، فقال : يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا أذلّة فأعزّكم الله بي ؟

قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : ألم تكونوا ضُلاّلاً فهداكم الله بي ؟

قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : أفلا تجيبوني ؟

قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟

قال : ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك ؟ أو لم يكذّبوك فصدّقناك ؟ أو لم يخذلوك فنصرناك ؟

قال : فما زال يقول حتّى جَثَوا على الرُّكَب ، وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله ، فنزلت الآية وقال رسول الله :

من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير ، ألا ومن مات على

(1) انظر : مسند زيد بن علي : 463 و 466 الباب 4 في فضل الحسنين ( نشر دار الحياة ) وهذا المطلب غير موجود في ما اعتمدناه في تخريج الروايات عن مسند زيد ، فانه ينتهي إلى آخر كتاب الفرائض ، وهو من منشورات دار الكتب العلمية .


307

حبّ آل محمّد يُزَفّ إلى الجنَّة كما تُزَف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فُتح له في قبره باباً إلى الجنّة ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه « آيس من رحمة الله » ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يَشمَّ رائحة الجنّة »....(1)

وقد نقل الرازي كلام الزمخشري في تفسيره معلقاً عليه بقوله :

وروى صاحب الكشّاف أنّه لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله ، مَن قرابَتُك هؤلاء الذين وَجَبت علينا مودّتُهم ؟

فقال : علي وفاطمة وابناهما.

فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبي ، وإذا ثَبَت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيدِ التعظيم ، ويدل عليه وجوه :

الأوّل : قوله تعالى : ﴿ إلاّ المودّةَ في القُربى ووجه الاستدلال به ما سبق.

الثاني : لا شكّ أنّ النبي كان يحبّ فاطمة ، قال صلى الله عليه وآله : فاطمةُ بضعةُ مِنّي يُؤذيني ما يُؤذيها ، وثبَت بالنقل المتواتر أنّه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين.

وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله ؛ لقوله ﴿ واتّبِعوه

(1) تفسير الكشاف 3 : 403 ، وفي تفسير القرطبي 16 : 21 ـ 23 في ذيل الآية حكى عن الثعلبي هذه الرواية فذيّله بـ ( ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له منشفاعتي ) .


308
لعلّكُم تَهتدون ولقوله تعالى : ﴿ فليحذر الذينَ يخُالِفونَ عن أمرِه ولقوله ﴿ قل إن كنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم اللهُ ولقوله سبحانه ﴿ لقد كان لكمْ في رسولِ اللهِ أسوةٌ حَسَنةٌ .

الثالث : إن الدعاء للآل مَنصب عظيم ، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة ، وهو قوله : « اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد ».

وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل ، فكلّ ذلك يدلّ على أن حبّ آل محمد واجب ، وقال الشافعي رضي الله عنه :

يا راكباً قِف بالُمحصَّبِ مِن مِنى واهتف بساكنِ خِيفهـا والناهضِ

سحَراً إذا فاضَ الحجيجُ إلى مِنى فيضاً كملْتَطَمِ الفراتِ الفــائضِ

إن كـانَ رَفضـاً حُـبُّ آل محمدٍ فليشهد الثّقلأنِ أنّـي رافضـي (1)

ولو تدبرت في خبر أبي عبيدة عن الإمام الصادق ـ والمروي في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي ـ لعرفت مزيّة فاطمة الزهراء على عائشة وعلى غيرها من نساء النبيّ ، قال الصادق عليه السلام : كان رسول الله يكثر تقبيل فاطمة عليها السلام ، فغضبت من ذلك عائشة ، وقالت يا رسول الله : إنك تكثر تقبيل فاطمة! فقال رسول الله :

يا عائشة ، إنه لمّا أسري بي إلى السماء دخلتُ الجنّة فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى وناولني من ثمارها فأكلته ، فلما هبطت إلى الأرض ، حوّل الله ذلك ماءً في ظهري ، فلمّا هبطتُ إلى الأرض فواقعتُ بخديجة فحملت بفاطمة ، فما قبّلتها قطّ إلاّ وجدت رائحة شجرة طوبى منها(2).

(1) التفسير الكبير للرازي 27 : 166 ، وديوان الشافعي :84.

(2) تفسير عليّ بن إبراهيم كما في نور الثقلين 3 : 131 ، مجمع الزوائد 9 : 202 ، وانظر :


309

وحسب هذا دليلاً لمعرفة صحة ما نقول من أنّ مودّتها ميزان للإسلام والإيمان.

وعليه ، فالأجر على الرسالة لابدّ أن يرتبط بأصل الرسالة ، ولا معنى لما يقال من إرادة التودّد العاطفي البحت لذوي القربى ، بل المعنيّ به هو أنّ هذه النخبة الصالحة هي التجسيد الواقعي للدين وصمّام الأمان للرسالة ، وأنّ التودّد إليهم سيعود بالنفع على الناس قبل النفع على القربى ، لأنّها لا تزيد القربى مقاماً ومنزلة إذ منزلتهم محفوظة من عند الله ، فهم مستودع العلم وظرف الرسالة ، وهذا ما صرّح به الذكر الحكيم بقوله ﴿ إلاّ المودّةَ في القُربى لا ﴿ المودة للقربى ، وفي هذا إيماء لطيف إلى أنّهم غير محتاجين إلى مودة الناس ، بل إنّ مودّتهم تؤدّي بالناس إلى الخير والصلاح ، لأنّ التودّد الذي تكون القربى ظرفاً له سيربطهم بالرسالة وصاحبها ارتباطاً وثيقاً ترجع خيراته إلى الناس ، وهو لطف من الله للبشر ، إذ جعل مودّة أهل بيتِ رسولِهِ سبباً لنجاتهم من الهلكة ، وهي من قبيل جعل حب الإمام عليّ وبغضه مقياساً لمعرفة المؤمن من المنافق ، وقد كان المنافقون من الصحابة يُعرَفُون ببغضهم لعليّ بن أبي طالب ، فقد ثبت عن أبي سعيد الخدري قوله :

« إنّا كنّا نعرف المنافقين ـ نحن معاشَر الأنصار ـ ببغضهم عليّ بن أبي طالب »(1).

وورد عن عُبادة بن الصامت قوله : كنا نبور أولادنا بحبّ عليّ بن أبي طالب ،

الدّر المنثور 4 : 153 والمستدرك للحاكم 3 : 156 ، والمناقب لابن المغازلي : 357 ، وتاريخ الخميس 1 : 277.

(1) أُسد الغابة 4 : 30.


310

فإذا رأينا أحداً لا يحبّه علمنا أنّه ليس منّا وأنّه لغير رشدة(1).

وجاء عن ابن مسعود قوله : ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب(2).

إذاً كان عليّ بن أبي طالب محكًّا للأنصار ولغيرهم(3) ، وهذا بخلاف قوله صلى الله عليه وآله في الأنصار ( لا يحبّهم إلاّ مؤمن ولا يبغضهم إلاّ منافق )(4).

ففي النص الأوّل كان شخص عليّ بن أبي طالب هو المعيار لمعرفة المؤمن من المنافق ، بخلاف الأنصار الذين يرجع حبّهم إلى ما فعلوه من نصرتهم لنشر الدين الإسلامي والسعي في إيواء المسلمين وقيامهم في مهمات الدين.

قال النووي في شرح مسلم ( إنّ من عرف مرتبة الأنصار.... وعرف من عليّ ابن أبي طالب قربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وحبّ النبيّ له ، وما كان منه في نصرة الإسلام وسوابقه ثمّ أحب الأنصار وعليّاً لهذا ، كان ذلك من دلائل صحّة إيمانه وصدقه في إسلامه ، لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله سبحانه وتعالى ورسوله ...)(5).

وكلام النووي كما تراه فيه غفلة عن الفرق الشاسع بين الأمر بحب عليّ عليه السلام

(1) الغريبين للهروي 1 : 222 مادة « بور » ، ذكر اول الحديث ، تاج العروس 3 : 61

(2) الدر المنثور 6 : 66.

(3) ومن هنا أنشأت عائشة تقول في حق علي عليه السلام :

إذا ما التِّبر حُكّ على محكٍّ تبيّن غشّه من غير شكِّ

وفينا التبر والذهب المصفّى عليّ بيننا شبـه المَحكِّ

الكنز المدفون للسيوطي : 68.

(4) صحيح مسلم 1 : 85 ح 129 كتاب الايمان.

(5) شرح مسلم 1 ـ 2 : 423 ـ 424 ، كتاب الايمان / باب 33.


311

والأمر بحب الانصار ، لأنّ حبّ عليّ عليه السلام مطلوب بذاته ، بخلاف حبّ الانصار فإنّه مطلوب لسوابقهم ، ويؤكد ذلك أنّ في الأنصار منافقين ومنحرفين وأصحاب ارتباطات باليهود ـ وإن كانت غالبيّتهم من أنصار الإمام عليّ عليه السلام ومخالفين لقريش ـ فلا يعقل أن يكون حبّهم جميعاً لذواتهم ، وإنّما كان الحب لهم كمجموعة لها مواقف محمودة.

ومثل الإمام عليّ كانت الصدّيقة فاطمة الزهراء ، إذ علّق الباري عزّوجلّ رضاه وغضبه على رضاها وغضبها ؛ لقوله صلى الله عليه وآله : « إنَّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك »(1) ، فصار رضى فاطمة معياراً لرضى الله ، وهو دليل على نزاهتها المطلقة وعصمتها وطهارتها التامّة من كلّ ما يشين ، إذ لا يعقل تعلق رضى الله برضى إنسان غير معصوم.

ولا يفوتنك ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي ذر الغفاري ، قال : قال رسول الله : « من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ، ومن عصى علياً فقد عصاني ».

وقال : هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(2).

وفي هذا الحديث دلالة على كمال الإمام عليّ وعصمته ، لأنا نعلم أن رسول الله لا يداهن ولا يجامل ولا يبالغ ، وبذلك يكون معنى الحديث أن إرادة الإمام عليّ منبعثة من إرادة الله ولا يمكن أن تتخلف عن إرادته جل وعلا ، وكراهته منبعثة عن كراهة الله ، ولا يمكن أن تتخلف إحداهما عن الأُخرى ، إذ لو أمكن التخلّف لكان قوله « من أطاعه فقد اطاع الله » غلطاً ، ولكان قوله : « من عصاه

(1) المعجم الكبير 1 : 108 و 22 : 401 ، مجمع الزوائد 9 : 203 ، مستدرك الحاكم3 : 154 ، الإصابة 8 : 266.

(2) المستدرك على الصحيحين 3 : 121.


312

فقد عصى الله » باطلاً ، معاذ الله(1) ، حيث إن طاعة الرسول هي طاعة لله ، وعصيانه هو عصيان لله ، فيكون من أطاع علياً فقد أطاع الله ورسوله ، ومن عصاه فقد عصى الله ورسوله..

وهكذا الحال بالنسبة إلى الإمامين الحسن والحسين ، فهما إمامان قاما أو قعدا ، وسيّدا شباب أهل الجنّة ، فهؤلاء هم القربى المعنيّون في آية المودّة.

وعلى هذا فالدعوة إلى المودّة في القربى ونقل فضائلهم هي مقدِّمة إلى لزوم الأخذ بنهجهم والاهتداء بهداهم ؛ لتعلّق أجر الرسالة بها ، بل هو تعبير آخر عمّا جاء في حديث الثقلين « ما إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً » لانّ مفهوم السنّة لغة : هو الطريق ، والصراط ، والجادّة ، واصطلاحاً : هو اتّباع الرسول قولاً وفعلاً وتقريراً.

وقد أرشَدَنا الرسول صلى الله عليه وآله إلى لزوم اتّباع العترة ، فيكون الابتعادُ عن هؤلاء ابتعاداً عن النبيّ صلى الله عليه وآله والإسلام ، وهو عين الضلالة والهلكة ، لأنّه لا هدى إلاّ بالقرآن والنبيّ والعترة ، فعلي مع القرآن ، والقرآن مع عليّ « لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض »(2).

ولو تأمّلت في هذه العبارة لعرفت مكانة الإمام عليّ ولرأيته في رتبة المعيّة مع القرآن ، وهي نسبة تقوم بطرفين ، ويستحيل أن تقوم بطرف واحد ، وعندما قال النبيّ : « عليّ مع القرآن » ، فقد أثبتها ، فلماذا أعاد إثباتها بصيغة أخرى ، فقال : « والقرآن مع عليّ » ؟

حاشا أفصح مَن نطق بالضاد مِن اللغو في كلامه ، وحاشا أفصح من نطق

(1) الحق المبين : 79 للمرجع الديني الشيخ الوحيد الخراساني.

(2) المستدرك 3 : 124 قال : صحيح ولم يخرجاه ، الجامع الصغير 2 : 177 ، كنز العمال11 : 603.


313

بالضاد من التكرار في كلامه ، [ دون معنى متوخّى ، فإنّه صلى الله عليه وآله ] أراد أن يُفهمنا أن مسألة معيّتهما [ هي ] معيّة من نوعٍ خاص ، ويشير إلى أبعادها العميقة ، ذلك أن المعيّة بين شيئين أو أكثر ، عندما تطلق ، فيقال : زيد مع عمرو ، فهي أعمّ من أن يكون هذا الطرف في الإضافة متقدّماً رتبة على ذاك أو متأخّراً عنه ، بل تدلّ على أنهما معاً بقطع النظر عن رتبة كلّ منهما.

وربما كان فيها إشارة إلى أنّ المَقْرون أقلّ رتبةً من المقرون به ، لهذا أعاد النبيّ صلى الله عليه وآله صياغة هذه المعية ، ليقول للمفكّرين : لا ينبغي أن تفهموا من قولي : « عليّ مع القرآن » أن عليّاً أقلّ رتبة من القرآن ، بل القرآن مع عليّ أيضاً ، فهما وجودان متعادلان »(1) ، ويؤيّد هذا الاستنتاج ما جاء عن النبيّ : « عليّ مني وأنا من عليّ »(2) ، وقوله صلى الله عليه وآله لعليّ : « أنت مني وأنا منك (3).

ولو جمعنا آية المودة ، مع آية التطهير ، مع حديث الثقلين ، وما جاء في أهل الكساء ، وقوله : لا يزال الدين عزيزاً حتّى يكون منهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش(4) ، وقوله : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية(5) ، وغيرها من الآيات والروايات ، لعرفنا دلالة هذه النصوص على الولاية التي هي بمعنى الإمامة ، لا بمعنى الصاحب والمُحبّ ، وما شابه ذلك من المفاهيم التي تطرحها

(1) الحقّ المبين : 105 للمرجع الديني الشيخ الوحيد الخراساني.

(2) سنن الترمذي 5 : 300 ح 3803 ، مصنف بن أبي شيبة 7 : 504 ح 58 ، سنن ابن ماجة 1 : 44 ح 119.

(3) صحيح البخاري 3 ـ 4 : 363 ـ 364 كتاب الصلح / باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان...

(4) صحيح مسلم 6 : 4 كتاب الامارة ، سنن بي داود 4 : 106 ح 4280.

(5) وسائل الشيعة 16 : 246 كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.


314

مدرسة الخلفاء ونهج الاجتهاد والرأي.

عرفنا إذاً أنّ الخطاب في آية المودّة هو لعموم المسلمين الذين آمنوا برسالة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله ، لا لخصوص المشركين من قريش حسبما قاله البعض ؛ لكون الآية مدنية وإن كانت السورة مكية ، فلا يُعقل أن يخاطب الرسول أعداءه من المشركين ويطلب منهم أجراً على رسالته.

وكذا لا يصحّ ما قاله البعض الآخر : من أنّ الآية تشير إلى معنى تودّد المسلمين في التقرّب إلى الله ، ومعنى كلامهم هذا أنّ القربى استعملت بمعنى مطلق التقرّب ، وهذا باطل لغوياً حيث لم يرد هذا المعنى في المعاجم.

ويضاف إليه : كيف يمكن للرسول أن يوقف أجر رسالته على نفسها ، لأنّ المسلم وباتّباعه الرسالة يحصل له القرب إلى الله ، فلا معنى للتودّد والإلحاح في القرب إليه ؛ لأنّه توقيف الشيء على نفسه ، وإن كان كذلك فلا يكون أجر الرسالة بل هو نتيجة الرسالة.

هذا ، وإنّك لو طالعت التاريخ الإسلامي لعرفت أنّ مفهوم القربى كان في الصدر الأوّل يطلق على عليّ وفاطمة والحسنين ، ثمّ أطلقت على أبنائهم المعصومين لاحقاً.

روى الحاكم النيسابوري في المستدرك عن الإمام الحسن قوله : وانا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كلّ مسلم فقال تبارك وتعالى ( قل لا أسئلُكُم أجراً إلاّ المودّةَ في القربى ومن يقترف حسنة نَزِدْ له فيها حُسناً ) فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت(1).

وقال أبو إسحاق السبيعي : سألت عمرو بن شعيب عن قوله تبارك وتعالى ﴿ قل لا أسئلُكُم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى فقال : قربى النبيّ ، رواهما ابن

(1) المستدرك على الصحيحين 3 : 173.


315

جرير الطبري (1).

وعن ابن عبّاس أنّه قال : لما نزلت هذه الآية ﴿ قل لا أسئلكُم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودّتهم ؟ قال : فاطمة وولدها عليهم السلام (2).

وثبت عن عليّ بن الحسين أنّه قال للشامي رداً على تنكيل الشامي به : أما قرأت كتاب الله عزّوجلّ ؟

قال الشامي : نعم.

فقال عليّ بن الحسين : أما قرأتَ هذه الآية ﴿ قل لا أسئلكُم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى .

قال : بلى.

فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام : فنحن أولئك ، فهل تجد لنا في سورة بني إسرائيل حقاً خاصّة دون المسلمين ؟

فقال : لا.

فقال عليّ بن الحسين : أما قرات هذه الآية ﴿ وآت ذا القربى حقَّه ؟

قال : نعم.

قال عليّ بن الحسين : فنحن أولئك الذين أمر الله عزّوجلّ نبيه أن يؤتيهم حقهم.

فقال الشامي : إنكم لأَنتم هُم ؟

فقال عليّ بن الحسين : نعم ، فهل قرأت هذه الآية ﴿ واعلموا أنّما غَنِمتُم مِن شيء فأنّ لله خُمُسَهُ وللرسولِ ولذي القُربى .

(1) تفسير ابن كثير 4 : 113 سورة الشورى.

(2) تفسير ابن أبي حاكم 10 ص 3277.


316

فقال الشامي : بلى.

فقال عليّ بن الحسين : فنحن ذوو القربى ، فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقّاً خاصّة دون المسلمين ؟

فقال : لا.

قال عليّ بن الحسين : أما قرأت هذه الآية ﴿ انما يريد اللهُ ليُذهِبَ عَنكُمُ الرَّجسَ أهلَ البيتِ ويطهّركم تَطهيرا .

قال : فرفع الشامي يده إلى السماء ثمّ قال : اللّهمّ إنيّ أتوب إليك ـ ثلاث مرات ـ اللّهمّ إني أتوب إليك من عداوة آل محمّد ، وأبرأ إليك ممن قتل أهل بيت محمّد ، ولقد قرأت القرآن منذ دهر فما شعرتُ بها قبل اليوم(1).

وهذا النص يؤكّد لنا وضوح دلالة هذه الآيات المباركة ، حيث إن الشيخ الشامي فهم معانيها بأدنى تأمّل ، وبمجرّد إيضاح الإمام السجّاد عليه السلام له المراد من هذه الآيات. هذا من جهة ، ومن جهة ثانية يبين هذا النص مدى التعتيم الإعلامي الأموي على أهل البيت ، وتحريفات السلطة لمعاني هذه الآيات المباركة ، ولذلك كأنّ الشيخ الشامي من قبل لم يشعر بها وبمعانيها. ولم يعرف المصداق الأكمل لها في زمانه.

ومثله روى حكيم بن جبير ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : كنت أجالس أشياخاً لنا إذ مر علينا عليّ بن الحسين وقد كان بينه وبين أناس من قريش منازعة في امرأة تزوّجها منهم لم يرض منكحها ، فقال أشياخ الأنصار : ألا دعوتنا أمس لما كان بينك وبين بني فلان ، إنّ أشياخنا حدّثونا أنّهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا : يا محمّد ، ألا نخرج إليك من ديارنا ومن أموالنا لِمَا أعطانا الله بك وفضّلنا بك وأكرمنا بك ؟ فأنزل الله تعالى ﴿ قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ

(1) الاحتجاج : 307 ، وتفسير ابن كثير 4 : 122 سورة الشورى.


317
الموَدَّةَ في القُربى ونحن ندلكم على الناس ، أخرجه ابن منده(1).

وجاء في الكافي في حديث طويل عن الباقر (ع) فيه قوله : ( قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم ) يقول : أجر المودة الذي لم اسألكم غيره فهو لكم تهتدون به وتنجون به من عذاب يوم القيامة ، وقال لاعداء الله ، اولياء الشيطان أهل التكذيب والانكار : ( قل ما اسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (2).

وبعد هذا فلنا أن نحتمل أنّ الله تعالى قد ألمح في قوله ﴿ قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى (3) ، إلى ما تُلاقيه هذه المجموعة الصالحة من قربى الرسول من أمّته بعده.

فعن خالد بن عرفطة ، قال : قال رسول الله : إنكم ستُبتَلَون في أهل بيتي من بعدي(4).

وقال الإمام الباقر : بَليةُ الناس علينا عظيمة ؛ إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا ، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا(5).

وجاء عن إبراهيم النظّام قوله : عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلم ؛ إن وفى حقَّه غلا ، وإن بخسه حقّه أساء ، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن حادة الشأن صعبة الترقي إلاّ على الحاذق الدين(6).

وقال الشعبي : ما ندري ما نصنع بعليّ ؛ إن أحببناه افتقرنا ، وإن أبغضناه كفرنا(7).

واشتهر عن محمّد بن إدريس الشافعي قوله : ماذا أقول في رجل أخفت أصدقاؤه فضائله خوفاً ، وأخفت أعداؤه فضائله حسداً ، وشاع لهُ من بين ذَين ما

(1) الكافي 8 : 379 | ح 574 ، البرهان 7 : 79 .

(2) اُسد الغابة 5 : 367.

(3) سورة الشورى الآية :23.

(4) كنز العمال 11 : 124/30877.

(5) الارشاد 2 : 167 ، مناقب آل أبي طالب 4 : 206 ، بحار الأنوار 46 : 288 ح 11 عن الارشاد.

(6) مناقب آل أبي طالب 3 : 215 باب في حساده.

(7) المناقب للخوارزمي : 350 الفصل 19 وعنه في بحار الأنوار 29 : 481.


318

ملأ الخافقين (1).

من هذا يتبيّن لنا أنّ آية المودة هي معنىً آخر لقوله تعالى ﴿ يا أيّها الرسولُ بلّغْ ما أُنزل إليك من رَبِّك وإنْ لَم تفعل فما بلّغتَ رسالته واللهُ يعصمك من النّاس (2) والأخيرة صريحة في نزولها في حجة الوداع ويوم غدير خُمّ.

ولا يصحّ ما قالوه من أنّها نزلت في أوّل البعثة لمّا خاف رسول الله صلى الله عليه وآله من التبليغ ، فهدّده الله وطمأنه.

أو ما قالوه من أنّها نزلت في مكّة قبل الهجرة فاستغنى بها النبيّ عن حراسة عمّه أبي طالب.

أو ما قالوه من نزولها في المدينة في السنة الثانية للهجرة بعد غزوة أحد.

لأن القول الأوّل يكذّبه كون السورة مدنية ؛ فلا يعقل أن يأتي خبرٌ كان في أوّل البعثة في آخر سورة من القرآن ، ولو صحّ ذلك القول وما يليه وأنّ الله كان قد عصم رسول الله صلى الله عليه وآله ، فما معنى صلاة الخوف وما فعله صلى الله عليه وآله مع الأعداء في السنوات الأخيرة من حياته الشريفة ؟

وأكثر من ذلك ، هو أنّ الرسول لو كان قد حُمِيَ هذه الحماية في بدء الدعوة واسـتغنى عن حماية أبي طالب ، فما معنى تلك النصوص الصـادرة عنه صلى الله عليه وآله إلى القـبائل والتي يطـلـب منهـم أن يحمـوه ؟ بـل مـا معـنى هـجرتـه من مكّة إلى المـدينة المـنوّرة ؟

(1) حلية الابرار 2 : 136 ( للبحراني ) ، مشارق أنوار اليقين للبرسي : 171 ، وقيل هي للخليل بن أحمد اللغوي الشهير كما جاء في ملحقات السيّد المرعشي على إحقاق الحق 3 : 406 ، 4 : 2. وقد نسب العلاّمة الحليّ هذه المقولة لأحد الفضلاء دون ذكر اسمه انظر : كشف اليقين :4.

(2) المائدة : 67.


319

فالآية صريحة في نزولها في آخر حياته الشريفة ، وبعد حجة الوداع ، إذ لو كانت في بدء الدعوة فلا معنى لعبارة ﴿ بلّغ ما أنزل اليك إذ لم ينزل إليه إلاّ الشيء اليسير ، وهذه الجملة تدلّ على الماضي الحقيقي وهو يتطابق مع نزولها في آخر حياته صلى الله عليه وآله ، وخصوصاً حينما نرى توقّف أمر الرسالة عليه ﴿ بلّغ ما أنزِلَ إليكَ من رَبِّكَ وإن لم تَفَعلْ فما بَلَّغت رسالَتَه !

وعليه فالآيتان ـ آية التبليغ وآية المودّة ـ دالتان على شيء واحد مرتبط بأجر الرسالة وتبليغها ، وهما أمران مَولَويّان من الباري جل شانه ﴿ قل لا أسألكم أجراً إلاّ المودة في القربى و ﴿ وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته ، وكلاهما يرتبط بأمر الولاية والخلافة الإلهية ، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخاف من رجوع أمّته القهقرى ـ وهي كائنة لا محالة ـ وذلك لاجتماع قريش على العصبية والقبلية وسعيهم لإبعاد الإمام عليّ عن الخلافة وإمرة المؤمنين ؛ لأنّه وَتَر قريشاً وكَسَر شوكتها وعظمتها.

على أنّك لو تأمّلت كلمات الأنبياء عليهم السلام قبل النبيّ محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله لرأيتهم يوقفون أجرهم على الله ، ففي سورة الشعراء حكاية عن قول نوح وهود وصالح ولوط وشعيب قولهم ﴿ إذ قال لهم أخوهُم نُوحٌ ألا تَتقون ، إنّي لكُم رسولٌ أمين ، فاتَّقوا الله وأطيعون ، وما أسالُكُم عليه من أجرٍ إن أجريَ إلاّ على ربِّ العالمين (1).

وقوله ﴿ إذ قال لهم أخوهُم هُودٌ ألا تَتَّقون ، إنّي لكم رسولٌ أمين ، فاتَّقوا الله وأطيعونِ ، وما أسالُكُم عليه من أجر إن أجريَ إلاّ على ربِّ العالمين (2).

وقوله ﴿ إذ قال لهم أخوهُم صالحٌ ألا تَتقّون ، إنّي لكم رسولٌ أمين ، فاتَّقوا الله

(1) الشعراء : 109.

(2) الشعراء : 127.


320
واطيعونِ ، وما أسالُكم عليه من أجرٍ إن أجريَ إلاّ على ربِّ العالمين (1).

وقوله ﴿ إذ قال لهم أخوهم لوطٌ ألا تتّقون ، إنّي لكم رسولٌ أمين ، فاتّقوا الله وأطيعون ، وما أسألكم عليه من أجرٍ إن أجري إلاّ على ربّ العالمين (2) .

وقوله ﴿ إذ قال لهم شُعَيبٌ ألا تَتَّقون ، إنّي لكم رسولٌ أمين ، فاتَّقوا اللهَ وأطيعونِ ، وما أسالُكم عليه من أجرٍ إن أجريَ إلاّ على ربِّ العالَمين (3).

وهكذا نجد أنّ كلمات هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم السلام كانت واحدة متطابقة تعبّر عن معنىً واحد محدّد معلوم ، هو أنّهم لم يطلبوا من الناس أجراً على الرسالة ، وإنّما أجرهم « على ربّ العالمين ».

أما الرسول المصطفى فيقول ﴿ قل لا أسئلكم عليهِ من أجرٍ إنْ هو إلاّ ذِكرٌ للعالَمين (4) وقال تعالى ﴿ وما تسئلهم عليهِ من أجرٍ إن هو إلاّ ذكرٌ للعالَمين (5).

وقال على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله : ﴿ قل ما أسئلكُم عليه من أجرٍ إلاّ من شاء أن يَتَّخذَ إلى ربّه سبيلاً (6)فما يعني ذلك ، وعلى أيّ شيء يدل ؟

إن المقدمة السابقة قد تكون وضحت جواب هذا الأمر ، خصوصاً بعدما عرفت أنّ رسالة المصطفى هي الرسالة الخاتمة ، فلا يمكن إبقاء هذه الرسالة إِلاَّ بـ ﴿ ذكر للعالمين و ﴿ من شاء أن يتّخذ إلى ربه سبيلا وهما القرآن والعترة ، وذلك لوجود نصوص كثيرة تشير إلى أنّ أهل البيت هم ( الذكر ) و ( السبيل )

(1) الشعراء : 145.

(2) الشعراء : 164.

(3) الشعراء : 180.

(4) الانعام : 90.

(5) يوسف : 104.

(6) الفرقان : 57.


321

إلى الله ، وهو ما اصطلح عليه في كلام النبيّ صلى الله عليه وآله بالثقلين ، فيصير معنى الآية وكلام النبيّ لزوم اتّخاذ السبيل إلى الله وهم القربى ، وأنّ اتّخاذ هذا السبيل سيعود نفعه على الناس ، ( عليكم ) . أمّا أجر رسول الله فهو على الله لقوله سبحانه في سورة سبا ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلاّ على الله وهو على كل شيء شهيد (1). ومعنى الآية : أني قمت بواجبي ، وأدّيت ما علَيَّ ، ولاأسألكم عليه من أجر بعد المودّة إن أجري إلاّ على الله ، لكن لو أردتم الانتفاع من هذه الرسالة والنجاة فاتصلوا بالسبب الممدود بين الأرض والسماء وهو القرآن والعترة.

وبهذا فلا تنافٍ بين قوله ﴿ لا أسئلكم عليه من اجر إلاّ المودة في القربى وبين قوله ﴿ قل ما سألتكم من اجر فهو لكم إن اجري إلاّ على الله (2).

إنّ هذا لَيقترب بنا من فهم المعنى العميق لـ « حيّ على خير العمل » الذي نصّ عليه أهل البيت عليهم السلام الذين هم أعلم الناس بدين الله بما فازوا به من تطهير الله تعالى إيّاهم تطهيراً شاملاً ، في المعرفة والمعتقد ، وفي المواقف والعمل. وهذا المعنى الذي يتضمنه « حيّ على خير العمل » هو الولاية أو برّ فاطمة وولدها أو ما شابه ذلك ، لما اتّضح لك في الصفحات السابقة من أنّ الأذان هو بيان لاُصول العقيدة ، ولمّا كانت الولاية امتداداً للرسالة فلا غرابة في أن تكون أجر الرسالة ، خصوصاً مع ما نعرف من تأكيدات رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل بيته وقرباه المنتجبين.

لقد أكّد رسول الله على العترة بدءًا من ﴿ وأنذر عشيرتَك الأقربين (3).

(1) سبأ : 47.

(2) للإمام الباقر توضح بهذا الصدد انظر : روضة الكافي 8 : 379.

(3) الشعراء : 214 ، وانظر : في تفسيرها كتب التفاسير والتواريخ اخبار أول البعثة.


322

ومروراً بحجة الوداع التي خطب فيها رسول الله خمس مرات ، وختماً بالكتاب الذي منعوه من كتابته في آخر حياته الشريفة.

قال الحلبي في سيرته : « خطب النبيّ خمس خطب : الأولى يوم السابع من ذي الحجة بمكة ، والثانية يوم عرفة ، والثالثة يوم النحر ، والرابعة يوم القرّ بمنى ، والخامسة يوم النَّفر الأوّل بمنى »(1).

وقد روى مسلم وأحمد وغيرهما ـ خطبته صلى الله عليه وآله عند مرجعه من حجة الوداع إلى المدينة ـ عن زيد بن أرقم ، قال : قام رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً خطيباً بماء يُدعى خُمّاً بين مكّة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكّر ، ثمّ قال : ألا أيّها الناس ، إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أوّلهما كتاب الله منه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال : وأهل بيتي ، أذكّركم في أهل بيتي ، أذكّركم في أهل بيتي ، أذكّركم في أهل بيتي.

فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟

قال : نساؤه من أهل بيته ؟! ولكنّ أهل بيته من حرم الصدقة بعده.

قال : ومن هم ؟

قال : هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس.

قال : كلّ هؤلاء حرم الصدقة ؟

قال : نعم(2)ِ.

وعن أبي هريرة : من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً ، وهو يوم غدير خُمّ لما أخذ النبيّ بيد عليّ بن أبي طالب فقال :

(1) السيرة الحلبية 3 : 333.

(2) صحيح مسلم 7 : 122 ، مسند أحمد 4 : 367.


323

ألستُ وليَّ المؤمنين ؟

قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه.

فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم! فأنزل الله عزّوجلّ ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً (1).

عَود على بدء

كانت هذه مقدمة أتينا بها كي نوضّح وجه أفضلية الولاية على العبادات الأربع الأخرى ، إذ الصلاة تتركها الحائض ، والصوم يتركه المريض ، والزكاة والحج ساقطان عن الفقير ، أمّا الولاية فهي واجبة على الصحيح والمريض والغني والمعسر ، لأنّها مفتاحهنّ ، وبأهل البيت تُعرف الأحكام ، وتُقبل العبادات ، ويُعبد الله ، فهم باب الله الذي منه يُؤتى « وبالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ، وتوفير الفيء والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف »(2)لأنّه الضمان الإلهي للشريعة . ونحن نعلم بأن الشريعة مرت بمرحلتين :

1 ـ التأسيس على يد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله .

2 ـ الصيانة من الانحراف ، وهو دور الأئمة المفترضي الطاعة ، وهو ما كان يؤكّد عليه الرسول للأمة ، يحذّرها من الابتعاد عنهم لان ذلك سيؤدّي بهم إلى الضلال.

(1) تاريخ دمشق 42 : 233 ، الدر المنثور 2 : 259 ، تاريخ بغداد 8 : 290.

(2) انظر : الكافي 1 : 224 ، اكمال الدين وتمام النعمة : 677 ، معاني الأخبار : 97.


324

وقد كان النهج الحاكم في تعارض مع هذه الصفوة الطاهرة ، فما من الصفوة إلاّ مقتول أو مسموم ، وقد ثبت في علم السياسة والاجتماع أنّ جميع الثورات الفكرية ، إذا مات زعماؤها ، وتولّى إدارتها غير الأكفاء انحرفت عن مسارها الذي اختطّه لها صاحبها ، أمّا إذا واصل المسيرة الأكفاء الذين يختارهم صاحب الثورة والتغيير ، فإنها تبقى حيّة نابضة ، ولا تنحرف عن منهاجها الأصلي. هذا عن القسم الأوّل من السؤال.

أمّا ارتباط برّ فاطمة وولدها بالأذان والصلاة ـ كما في بعض الروايات ـ (1) فهو معنى تفسيري للجملة ، ومن قبيل بيان المعاني المشكلة والمتشابهة أو الخفية والمجملة في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فالإمام قد يكون أراد بتوضيحه ذلك بيان ما هو المقصود في العلم الالهي ، وبيان ما حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله من عقوقٍ لفاطمة ؛ فبعد إقصاء عليّ عليه السلام عن الخلافة ـ أي ترك الولاية التي هي خير العمل ـ عقّوا فاطمة فغصبوا منها فدكاً(2) ، وروّعوها ، وهددوها بحرق دارها(3)حتّى ماتت غاضبة عليهما(4) ، كما عقّوا ولدها

(1) كرواية معاني الاخبار : 42 ، وعلل الشرائع 2 : 256.

(2) انظر : شرح نهج البلاغة 16 : 209 ـ 253 و 17 : 216 ، الاحتجاج 1 : 267 ،الاختصاص : 183.

(3) جاء في تاريخ الطبري 3 : 202 بسند معتبر ، قال : أتى عمر بن الخطاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين ، فقال : والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة. وقد كانت فاطمة في البيت ، فقالوا لعمر : إنّ في البيت فاطمة ! قال : وإنْ ( انظر الإمامة والسياسة 1 : 12 ، اعلام النساء 4 : 114 ).

(4) جاء في صحيح البخاري 2 : 504 كتاب الخمس باب 837 باب فرض الخمس ح1265 بسنده عن أم المؤمنين عائشة أنّها اخبرته : أن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله سألت ابا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله


325

فمضوا مسمومين مقتولين مشرّدين. ولو تمسك القوم بالولاية التي هي خير العمل لبَرّوا فاطمة وولدها ، ولما خرجت الخلافة من أهلها ، ومن هنا نعلم أن تفسير الحيعلة الثالثة تارة بالولاية ، وأخرى ببرّ فاطمة وولدها ، إنّما هما وجهان لعملة واحدة ، وعبارتان تدلان على معنى مشترك واحد ، وهو أنّ محمّداً وعليّاً واولادهم المعصومين هم خير البرية.

ولعل القارئ الكريم قد وقف على جذور هذا الأصل الديني من القرآن والعترة فيما وضّحناه سابقاً في البحوث التمهيدية ، من أنّ تشريع الأذان سماويٌّ ، وهو يحمل في طياته سمات معنوية وأسراراً عالية ، وأنّه بيان لأصول العقيدة وكليّات الإسلام ، لأنّ الأذان ليس إعلاماً لوقت الصلاة فقط ، بل إنّ آثاره تجري في عدة أمور ، فهو بيان لما ابتنى عليه الدين الإسلامي من التوحيد والنبوة ـ والإمامة في نظر الإمامية ـ .

إنْ إكمال الدين وإتمام النعمة لا يكون إلاّ بإمامة عليّ وولده ، وهذا ما دلّلت عليه الكتب الكلامية ، ودلّت عليه الآيات الكريمة التي منها آية التطهير وآية الولاية ﴿ إنّما وليّكم الله ... وآية المباهلة ، وسورة الدهر ، وغيرها من عشرات الآيات والأحاديث ـ إن لم نقل المئات ـ دالّة عليه ، وهذا ما يجب أن يعتقد به كلّ مسلم ؛ إذ عرفتَ أنْ لا صلاة كاملة ومقبولة إلاّ بولايتهم.

إنّ عبارة « حيّ على خير العمل » الدالة على الإمامة هي جزء من الأذان ؛ لما تظافرت به روايات الإمامية الاثني عشرية ، والزيدية ، والإسماعيلية ، ولوجودها حتّى في مصادر أهل السنّة ، وقد أذّن بها كبار الصحابة ، وحكي عن

ممّا أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، فغضبت فاطمة بنت رسول الله ، فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت ، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر.


326

الإمام الشافعي والإمام مالك القول بجزئيتها ، وسنزيد المسألة وضوحاً وجلاءً في الباب الثالث ( أشهد أنّ عليّاً ولي الله بين الشرعية والابتداع ) من هذه الدراسة ، ضمن بحثنا عن شرعية الشهادة الثالثة أو بدعيتها.

ما وراء حذف الحيعلة الثالثة

نصَّ التفتازاني والقوشجي وغيرهما على دافع الخليفة عمر بن الخطّاب إلى حذف هذا الفصل من الأذان ، واتّفق الزيديّة والإسماعيليّة والإماميّة على ثبوت هذا الحذف عنه ، في حين جرى التعتيم على هذه النقطة في أغلب كتب أهل السنّة ، على الرغم من تأكيد كثير من النصوص التاريخيّة والحديثية المتناثرة في المصادر على حذف عمر لحيّ على خير العمل للدافع الذي أعلنه.

إنّ ما ذكر من تعليلٍ لحذف الحيعلة الثالثة قد يكون وجيهاً عند عمر بن الخطّاب ؛ لانسجامه مع نفسيته ومنهجه في فهم النصوص ، وللظروف التي كان يعيشها من غزوات وحروب وتوسيعٍ لرقعة الدولة ، وهو ممّا يستوجب بالطبع جمع الطاقات وتوظيفها للغرض المنشود ، وعدم السماح للمتقاعدين في التشبث بعلل قد تبعدهم عن الجهاد ، من جملتها الاتكال على الصلاة أو الولاية باعتبارهما خير العمل.

لكنّ هذا السبب في منع عمر بن الخطاب ترد عليه عدة أمور :

أوّلها : إنّ الغزوات والحروب كانت أعظم وأكثر على عهد رسول الله ، وكانت ظروف انبثاق الدولة الإسلاميّة الفتيّة وبداية انطلاقها لنشر دين الله أدعى إلى حذف هذه الحيعلة من قِبل رسول الله صلى الله عليه وآله ـ لو صحّ هذا التعليل ـ من الظروف التالية التي عاشها الخليفة بعد استقرار أمور الدولة بشكلها الذي كانت


327

عليه. فلماذا لم يحذف رسولُ الله صلى الله عليه وآله هذا الفصل وحذفها عمر(1) ؟!

إنّ هذا لَيثير تساؤلاً حول صحّة هذا التعليل الذي فسّر به عمر حذفه هذا ، أو يومئ إلى وجود سبب آخر غير معلن في هذا السياق.

ثانيها : لو قبلنا التعليل السابق تنزّلاً لصحَّت مشروعية الحذف لفترة معينة ، لا أنّه يكون تشريعاً لكلّ الأزمان ، ذلك أن سريان المنع إلى يومنا هذا ربّما يشير إلى أمر آخر.

ثالثها : إنّ هذا التعليل من قبل الخليفة لا يتّفق مع ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله : « اعلموا أنّ خير أعمالكم الصلاة » وهو لا يتّفق أيضاً مع قوله صلى الله عليه وآله عن الصلاة : « إنّها عمود الدين إن قُبلت قُبل ما سواها وإن رُدَّت رُدّ ما سواها » ، فلو صحّ تعليل الخليفة وأنّه أراد أن لا يتّكل الناس على الصلاة ويَدَعُوا الجهاد ، للزم من ذلك تخطئة كلّ النصوص الدالة على أنّ الصلاة خيرُ موضوع وخير الأعمال ، وأنّها وسيلة لقبول الأعمال وردّها.

رابعاً : من المعلوم أنّ المسلمين صاروا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله نهجين : أحدهما : نهج الخلفاء ، والآخر نهج أهل البيت. وكان هؤلاء على تخالف في كثير من القضايا السياسية والفقهية ، فلمّا منع عمر الحيعلة الثالثة نَسَبَ نهجُ الخلفاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله المنعَ تأييداً للخليفة عمر بن الخطاب ، حتّى إذا جاء الخلفاء

(1) وهذا التعليل والرد ، ورد نظيرهما في إتمام عثمان للصلاة بمنى ، بحجّة خوفه أن يظن الناس أنّ صلاة القصر هي المفروضة ، فأجابه الصحابة بأن النبيّ صلى الله عليه وآله كان يقصر الصلاة وينبّه المسلمين على أنّ ذلك مخصوص بمنى. فلوصح تعليل عمر ، لكان يمكنه أن يقر الحيعلة الثالثة في الأذان وينبّه المسلمين على ضرورة الجهاد ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل ذلك. وهذا التشابه في أدوار الخليفتين الثاني والثالث يوقفك على مسار تيار الحكّام المجتهدين.


328

اللاحقون منعوا هذا الفصل من الأذان واستقبحوه من الناس ، ولأجله ترى انحسار الروايات الدالة على الحيعلة في كتب الجمهور ، لكنّ الطالبيِّين أصرّوا على الإتيان بها على الرغم من هذا المنع.

وبذلك تحزّب أبناء السنّة والجماعة لمذهب عمر بن الخطاب وحكمّوا رأيه في مقابل موقف الإمام عليّ وأولاده الذين خالفوا هذا المنع وأصرّوا على الحيعلة الثالثة رغم كلّ الظروف والمشاكل ، كما ستقف عليها لاحقاً.

خامساً : إنّ المطّلع على مجريات الأحداث في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ثمّ مَن بعده يقف على حقيقة جلية ، هي أنّ قريشاً لم تكن ترضى باجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم ، وكانت تطمع في الخلافة من بعده صلى الله عليه وآله ، فكانوا يشترطون على رسول الله أن يبايعوه بشرط أن يجعل لهم نصيباً في الخلافة من بعده ، لكنّه صلى الله عليه وآله كان يقول : « إن الأمر لله يجعله حيث يشاء »(1)وليس الأمر بيدي.

وجاء عن ابن عباس : إن عمر بن الخطاب قال له في أوائل عهده بالخلافة : يا عبدالله ، عليك دماء البُدن إن كتَمتَنيها.... هل بقي في نفسه [يعني عليّ بن أبي طالب] شيء من أمر الخلافة ؟

قلت : نعم.

قال : أيزعم أن رسول الله نصَّ عليه ؟

قلت : نعم. وأزيدك : سألتُ أبي عمّا يدّعيه ، فقال : صَدَق.

قال عمر : لقد كان من رسول الله في أمره ذَرْوٌ من قول لايثبت حجّة ولا يقطع عذراً ، وكان يَرْبَعُ في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح

(1) انظر : حديث عامر بن صعصعة في سيرة ابن هشام 2 : 289 ، وحديث قبيلة كندة في سيرة ابن كثير 2 : 159 ، وهما يدلاّن على ما نقوله.


329

باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام... فعلم رسول الله أنّي علمت ما في نفسه فأمسك(1).

ولو جمعنا ما جاء عن ابن عباس ، مع ما قاله عمر لرسول الله صلى الله عليه وآله عند مرضه ـ حينما قال صلى الله عليه وآله : ائتوني بدواة وقلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً ، فقال عمر : إنّ الرجل لَيَهجُر(2) ـ مع ما قاله رسول الله لعمر لمّا أتاه بجوامع من التوراة : والذي نفسُ محمّد بيده لو بدا لكم موسى فاتّبعتموه وتركتموني لَضللتُم(3). ، مع قول رسول الله في حديث الثقلين « ما إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا » ، لو جمعنا كل ذلك لوقفنا على حقائق مذهلة ، ولعرفنا موقف النهج الحاكم بعد رسول الله من أهل بيت الرسالة وموت الزهراء وهي واجدة على أبي بكر وعمر(4).

ولعرفنا أيضاً مدى المفارقة بين ترك برّ فاطمة وترك الدعوة للولاية وبين تأكيدات الرسول على الاهتمام بالعترة تلويحاً وتصريحاً ، مِن مِثل وقوفه صلى الله عليه وآله كلّ يوم ـ مدة ستة أشهر ـ على باب فاطمة بعد نزول آية التطهير يناديها للصلاة بقوله « الصلاة الصلاة ، إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم

(1) شرح ابن أبي الحديد 12 : 21 وقال : ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسنداً.

(2) وفي نص البخاري « إنّ الرجل قد غلب عليه الوجع » ، وكلاهما إساءة للرسول المصطفى.

(3) سنن الدارمي 1 : 115 باب ما يتقي من تفسير حديث النبي صلى الله عليه وآله ، مسند أحمد4 : 266 ، المصنف لعبد الرزاق 6 : 113 باب مسألة أهل الكتاب ، أسد الغابة 3 : 127.

(4) صحيح البخاري 5 ـ 6 : 253 ، كتاب المغازي باب غزوة خيبر ح 704 ، صحيح مسلم 3 : 1379 ، كتاب الجهاد باب قول النبي لا نورث إنما تركناه صدقة ، تاريخ المدينة لابن شبة 1 : 197.


330

تطهيراً » (1).

ومما يَحسُن بنا أن نتفطّن له هو أن هذا الموقف من رسول الله إنّما يُنبئ عن وجود ترابط عميق بين بر فاطمة وولدها ومسألة الصلاة ، وبمعنى آخر بين الولاية والعبادة ، إذ أنّ وقوف الرسول المصطفى على باب فاطمة لمدة ستة أشهر لا يمكن تصوّره لغواً بأيّ حال من الأحوال ؛ لأنّه صلى الله عليه وآله كان يقف داعياً المطهَّرين من عترته إلى الصلاة ، مُعلِماً بوجود لون من التواشج بين الصلاة والعترة.

ورسول الله حلقة الوصل والربط بين ركيزة التوحيد « الصلاة ، الصلاة » وبين الولاية ﴿ إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس... . ونلحظ في هذا النص : قول الله ، « القرآن » ، وفعل الرسول « الوقوف » ، ونتيجتهما لزوم الاعتقاد بمنزلة العترة والقربى وأن مودتهما عبادة منجية.

سادساً : إن الخلفاء المتأخّرين أيضاً أدركوا سرّ الحيعلة الثالثة فحرصوا أشدّ الحرص على حذفها ، ولم يرضوا بها ممن خطب لهم ولَبِسَ خِلَعَهم وانضوى تحت لوائهمَ ، بل أصرّوا على ضرورة حذفها ؛ لأنّها رمز يشير إلى بطلان حكوماتهم. وسيأتيك ذلك في الفصل الرابع لدى الكلام عن تاريخ الحيعلة في مكّة وحلب سنة 463هـ . وحسبك منها ما كان من القائم بأمر الله العباسي ، حين أخبره نقيب النقباء أبو الفوارس طرّاد بأنّ محمود بن صالح خطب له بحلب ولبس الخلع القائمية ، حيث قال له : أيّ شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذنون ب ـ « حيّ على خير العمل »!!

كلّ هذه النصوص توكّد أنّ المراد الأساسي من « خير العمل » هو بر فاطمة وولدها ،

(4) مسند أحمد 3 : 259 ،285 ، سنن الترمذي 5 : 351 ح 3205 ، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الاحزاب ، المستدرك للحاكم 3 : 158 ، مصنف ابن أبي شيبة 6 : 391 ح 32262 ، كتاب الفضائل باب في فضل فاطمة عليها السلام .


331

والولاية والإمامة التي بها قوام الصلاة والصوم والزكاة والحجّ وسواها... لاشيء آخر ، فصار الخليفة ـ حسب كلام الإمام المعصوم ، والاستقراء التاريخي ـ لا يرضى أن يقع ( دعاء إليها وتحريض عليها ) ، لأن ذلك يعني التشكيك بشرعيّة خلافته وخلافة مَن قبله ، وهو المعنيّ من كلامه عليه السلام ( ما نودي بشيء كالولاية ).

وجاء في الغَيبة للنعماني عن عبدالله بن سنان أنّه عليه السلام قال في معرض كلامه عن علامات ظهور القائم من آل محمّد عجل الله تعالى فرجه الشريف : وأنّه سيكون في السماء نداء « ألا إنّ الحقّ في عليّ وشيعته ».

قال عليه السلام فـ ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق وهو النداء الأوّل(1) ، ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض ، والمرضُ واللهِ عداوتُنا(2).

ولو قرأنا تفسير الأئمّة لقوله تعالى ﴿ إليه يصعد الكلمُ الطيّبُ والعملُ الصالح يرفعه لعرفنا المنزلة العظيمة للولاية وسبب معاقبة عمر للقائل بها ، لأنّ الكلم الطيّب لو كان قد صعد إليه سبحانه وتعالى بنفسه ، فما معنى العمل الصالح يرفعه إذن ؟!

روى الكليني بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى ﴿ إليه يصعد الكلم الطيّب والعمل الصالح يرفعه قال : ولايتنا أهل البيت ـ وأهوى بيده إلى صدره ـ فمن لم يتولّنا لم يرفع الله له عملاً(3).

وعن الرضا عليه السلام في قوله تعالى ﴿ إليه يصعد كلم الطيّب والعمل الصالح يرفعه قال : الكلم الطيب هو قول المؤمن : « لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ ولي الله

(1) دون النداء الثاني الذي ينادي به إبليس لعنه الله.

(2) الغيبة للنعماني 173 ـ 174 باب ما جاء في العلامات التي تكون قبل قيام القائم.

(3) الكافي 1 : 340.


332

وخليفة محمّد رسول الله حقاً حقا وخلفاؤه خلفاء الله » ، والعمل الصالح يرفعه ، فهو دليله ، وعمله اعتقاده الذي في قلبه بأنّ هذا الكلام صحيحٌ كما قلته بلساني (1). وبهذا يفضي بنا البحث إلى أنّ التعليل الحقيقي لمنع عمر بن الخطاب للحيعلة الثالثة هو اطلاعه على المقصود من عبارة « حيّ على خير العمل » في الأذان ، ودلالتها على ولاية أهل البيت ، لصرف الانتباه عنها ، وذلك بكتمانها وحذفها ، فمَنَعها تحت غطاء الحفاظ على كيان الدولة الإسلامية وتوسيع رقعتها بالجهاد ، لكن الطالبيين قد أدركوا هذا الأمر وأصرّوا على الإتيان بها رغم كلّ الظروف الحالكة ، وهذا ما ستقرأه بعد قليل إن شاء الله تعالى.

ولذلك كان الإمام عليّ عليه السلام في أيّام خلافته يلمح ويشير إلى أنّ حذف « حيّ على خير العمل » كان جوراً عليه وعلى الإسلام ، فكان إذا سمع مؤذّنه يقول « حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل » قال : مرحباً بالقائلين عدلاً(2) ، معرّضاً بمن رفعها ، لأنّ عليّاً هو خير العمل وهو العدل الذي يدور مع القرآن حيثما دار ويدور معه القرآن أيضاً.

والذين ظنوا أنّ الصلاة تقتصر على شكلها الظاهري دون المحتوى الذي هو الطاعة(3) سعوا إلى ترسيخ فكرة أن أهل البيت ومودّتهم ليست خير العمل ،

(1) تفسير الإمام العكسري 328 ح 184 وعنه في تأويل الآيات : 469 والنص عنه.

(2) الفقيه 1 : 288/ ح 890.

(3) أي طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة وليّه ، والأخيران منتزعان من الأولى ، وقد مرّ عليك قوله صلى الله عليه وآله : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصى علياً فقد عصاني ، وقوله صلى الله عليه وآله : فاطمة بضعة مني... فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله جلّ وعلا.


333

فكان لحذفها من الأذان مغزى عرفه أهل البيت فأنكروا حذفها ، كما عرفه مخالفوهم فأصروا على حذفها.

ومن خلال هذه الدلائل العديدة استبان لنا أنّ « خير العمل » كناية عن إمامة عليّ عليه السلام التي هي امتداد لنبوّة النبيّ ، وامتداد للتوحيد ، وهذا ما رواه الباقر والصادق عليهما السلام من أئمّة أهل البيت في قوله تعالى ﴿ فطرة الله التي فَطَر الناسَ عليها قالا : هو « لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليّ أمير المؤمنين وليّ الله » ، إلى ها هنا التوحيد(1).

(1) تفسير القمّي 2 : 155 عن الباقر ، ونحوه عن الصادق عليه السلام في التوحيد وبصائر الدرجات.

ولا يخفى عليك أن للتوحيد مراتب ، فهناك توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الطاعة ، فانّه سبحانه وتعالى مع كونه ﴿ لم يكن له كفواً أحد ـ و ﴿ هو الله الواحد القهار ، و ﴿ خالق كل شيء ، وهو الذي ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها ، ـ فإنّ هذا المعنى غيرُ معارَضٍ بمثل قوله تعالى : ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموتُ توفّته رُسُلنا .

وإن قوله تعالى ﴿ وإذا مَرِضتُ فهو يشفين لا يعارض ما جاء من الشفاء بالقرآن في قوله تعالى : ﴿ وننزل من القرآن ما هو شِفاء وبالعسل ﴿ فيه شفاء للناس .

وكذا قوله : ﴿ قل لا يَعْلمُ من في السماوات والأرض الغيبَ إلاّ الله فإنه لا يعارض قوله ﴿ وما كان الله ليُطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي من رُسُلِه مَن يَشاء وإلى غيرها منعشرات الآيات.

فلا تخالُفَ إذاً بين نسبة الافعال إلى الله جل جلاله ونسبتها في الوقت نفسه إلى غيره ، فلا يخالف قوله : ﴿ أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين مع قوله : ﴿ وارزقوهم فيها واكْسُوهُم وكلاهما من كلام الباري . ومن هنا تأتي مسألة التوحيد ، فتوحيد الطاعة هو يعني لزوم إطاعة من أمر الله بطاعته ، ومن لا يطيع الرسول وأولي الأمر المفروض طاعتهم فانه لم يطع الله لقوله تعالى : ﴿ وما ارسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله وهذا لايخالف قوله : ﴿ وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين فطاعة من أمر الله بطاعته


334

وقد سئل الشريف المرتضى : « هل يجب في الأذان بعد قول « حيّ على خير العمل » « محمّد وعلي خير البشر » ؟ فأجاب قائلا : « إن قال : محمّد وعلي خير البشر ـ على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان ـ جاز »(1).

وهذا يعني أنّ هذا التفسير لحي على خير العمل كان سائداً في لسان المتشرعة منذ زمن أهل البيت وحتّى يومنا هذا.

وقد أفتى القاضي ابن البرّاج باستحباب ذكر هذا التفسير ، فقال : ويستحب لمن أذّن أو أقام أن يقول في نفسه عند « حيّ على خير العمل » : « آل محمّد خير البرية » ، مرتين(2).

وكون عليّ عليه السلام هو المراد من « حيّ على خير العمل » ، والنبيّ من « حيّ على الفلاح » ، وطاعة الرب وعبادته من « حيّ على الصلاة » ، فيه من وجوه البلاغة ما لا يخفى ، إذ فيه من انواع البديع ما يسمّى بالتلميح ، وهو أن يشار في الكلام إلى آية من القرآن أو حديث مشهور أو شعر مشهور أو مثل سائر أو قصة أو معنى معروف ، من غير ذكر شيء من ذلك صريحاً. وأحسنه وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى المقصود.

قال الطيبي في التبيان : ومنه قوله تعالى : ﴿ ولقد بعض

هي طاعة لله ، ومن لم يطع الله ورسوله ومَن أَمر الله بطاعته لم يوحّد الله تعالى حق توحيده.

وعليه فطاعة أحدهما جاء على وجه الاستقلال ، والآخر على أنّه مظهر أمره سبحانه ، وليس هذا بشرك أو مغالاة كما يدّعون ، بل هو عين الإيمان وكمال الدين.

(1) رسائل المرتضى 1 : 279 ، مسأله 17 ، وجواهر الفقه لابن البراج : 257 مسألة 15.

(2) المهذب لابن البراج 1 : 90 باب الأذان والإقامة وأحكامهما.


335

النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً قال جارالله الزمخشري : قوله : ﴿ وآتينا داود زبوراً فيه دلالة على تفضيل محمّد صلى الله عليه وآله وهو خاتم الأنبياء ، وأنّ أمته خير الأمم ، لأنّ ذلك مكتوب في الزبور ، قال تعالى ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، قال : وهو محمّد صلى الله عليه وآله وأمته(1).

فهنا ألمح الله سبحانه وتعالى لعباده بأن الصلاة له لا لغيره ، وأنّ الفلاح الذي قامت به الصلاة هو اتباع رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله ، لا الاجتهاد مقابل النص ، وان خير العمل هو الإيمان بالإمامة والولاية لعلي عليه السلام التي هي امتداد للنبوة والتوحيد ، وبها قوام العبادات التي عمودها الصلاة.

وهناك عشرات إن لم تكن مئات الأدلّة على أنّ خير العمل ولاية عليّ ، وان ضربته يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين ، وأنّ الاعمال لا تُقبل إلاّ بولايته ، ومعانٍ أخرى متّصلة بهذا الموضوع . وقولنا في الأذان « حيّ على خير العمل » فيه تلميح لكل تلك المعاني التي صدع بها رسول الله صلى الله عليه وآله في حق عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه.

والواقع أن كون أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب هو خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إنّما هو معنىً قرآني نطقت به آية من سورة « البيّنة » المباركة ، وصرّح به النبيّ صلى الله عليه وآله في تفسير الآية ، وتداولته المصادر السنيّة ، وكان هذا المعنى ممّا آمن به كبار من الصحابة المعروفين ، حتّى صار في عهد النبيّ صلى الله عليه وآله جزءً من الثقافة

(1) انوار الربيع 4 : 266. ومن هذا الباب تلميح أبي العلاء المعري للشريف المرتضى بقصيدة المتنبي : لك يا منازل في القلوب منازل . انظر : أنوار الربيع 4 : 292 ـ 293 . هذا وقد أخذ الطيبي والزمخشري هذا عن تفسير النسفي 2 : 290 سورة الاسراء.


336

الإيمانيّة القرآنية السائدة.

فقد روى الطبري بإسناده عن محمّد بن عليّ الباقر لما نزل قوله تعالى ﴿ أولئك هم خير البرية قال النبيّ أنت يا عليّ وشيعتك(1).

والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب بإسناده عن جابر بن عبدالله مرفوعاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال : عليّ خير البشر من شك فيه فقد كفر(2).

وغيرها من عشرات الطرق والاسانيد عن الصحابة والتابعين.

وبعد كلّ هذا تعلم أنّ قول « محمّد وآل محمّد خير البرية » أو « محمّد وعليّ خير البشر » عند الحيعلة الثالثة أو بعدها إنّما هو توضيح لمعناها الذي حاول الحكام كتمه ، وأن هذا التوضيح والتفسير ما هو إلاّ استلهام من نصوص القرآن والسنّة ، وسيرٌ على الخطوات الصحيحة التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وآله لأمته.

وستعلم بما لا مزيد عليه ـ في الباب الثالث من هذه الدراسة « اشهد أن عليّاً ولي الله بين الشرعية والابتداع » ـ أن إتيان الأئمّة عليهم السلام وأتباعهم بهذه العبارات ما هو إلّا تفسير لمعنى الحيعلة الثالثة ، وهو من قبيل الإتيان بتفسير بعض الآيات تفسيراً مرتبطاً بنصّ الآية ونسقها ، وهذا النوع من التفسير ممّا تحفل به كتب الفريقين بلا أدنى ريب(3) ، وهو التفسير المقبول الذي اصطلح على تسميته

(1) تفسير الطبري 30 : 264 ، ورواه السيوطي في الدر المنثور 6 : 379 ، والحسكاني في شواهد التنزيل 2 : 459 ـ 473 ح 1125 ـ 1148 بأسانيد وطرق كثيرة.

(2) الفردوس 3 : 62 ح 4175 ، وانظر ترجمة الإمام عليّ لابن عساكر 2 : 457 ح 989 بأسناده عن عائشة.

(3) انظر : قراءه عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة للآية ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاةِ الوُسْطى هكذا ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين ).

وحديث عائشة موجود في صحيح مسلم ، كتاب المساجد ، باب الدليل لمن قال :


337

البعض ب ـ « التفسير السِّياقي ».

الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ، وسنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب وقت صلاة العصر ، وسنن الترمذي ، كتاب التفسير ، تفسير سورة البقرة ، وسنن النسائي ، كتاب الصلاة ، باب المحافظة على صلاة العصر ، وموطأ مالك ، كتاب الصلاة ، باب صلاة الوسطى ، وتفسير الآية في الدر المنثور 1 : 302 و 303 ، وفي فتح الباري 9 : 265 ، ومسند أحمد 6 : 73 و 878 منه.

أما حديث حفصة فانظر فيه : موطأ مالك كتاب الصلاة ، باب الصلاة الوسطى ، ومصنف عبدالرزاق ، كتاب الطهارة ، باب صلاة الوسطى ح 2202 ، وتفسير الطبري 2 : 343 ، والدر المنثور 1 : 302 ، والمصاحف لابن أبي داود : 85 ـ 86.

أما حديث أُم سلمة ، فانظر فيه : الدر المنثور 1 : 303 ، والمصاحف لابن أبي داود : 87.

وقد قرأ ابن عباس وابن مسعود وأبيّ بن كعب وعلي بن أبي طالب قوله تعالى ﴿ فما استمتعتم به منهنّ فاتوهنّ أجورهنّ إلى أجل مسمى .

وانظر : قراءة ابن عباس في المعجم الكبير 10 : 320 ، والسنن الكبرى 7 : 205 ، والمستدرك للحاكم 2 : 305 ، والجامع لاحكام القرآن للقرطبي 5 : 130 ، والكشاف1 : 519.

وفي قراءة ابن مسعود . انظر نيل الأوطار 6 : 274 ، وشرح النووي على صحيح مسلم 6 : 118.

وفي قراءة أبي بن كعب . انظر جامع البيان للطبري 5 : 19 ، والدر المنثور 2 : 139 . وهي قراءة علي كذلك .


338


339
الفصل الرابع
حيّ على خير العمل
تاريخها العقائدي والسياسي


340


341

قد يقترح البعض ضرورة إكثارنا من ذكر مصادر أهل السنة والجماعة حين الكلام عن جزئية « حيّ على خير العمل » وعدم الاكتفاء بما نقلناه ، بل عدم استساغة ما روته طرق الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، والزيدية ، والإسماعيلية وبعض علماء أهل السنّة عن أهل البيت والصحابة ، بزعم أنّ ذلك ليس ملزِماً للآخرين.

هذا الكلام قد يكون له مساغ لو ضربنا بمعطيات التاريخ عرض الجدار ؛ إذ الموقف تجاه المتغيّرات في التاريخ والحديث ، وما فعلته ريشة الحكام بالنصوص والموازين ، وخنقهم لكلّ ما هو أصيل مما لا يعجبهم ، وخصوصاً بعد أن اتّضح لنا دور الأمويين في التحريف والتعتيم ، كلّ ذلك يدلّك على سرّ انحسار مثل نصوص الحيعلة الثالثة في مدرسة الخلفاء.

بل إن تصريح الإمام الباقر والإمام زيد وغيرهما بأن عمر بن الخطاب كان وراء رفع « حيّ على خير العمل » إنّما ينم عن الظروف القاسية العصيبة التي جعلت المعاجم الحديثية العامية تكاد تخلو من أمثال هذه الأحاديث رغم ثبوتها على عهد رسول الله ؛ فرأينا أنّه لا محيص من الرجوع إلى التاريخ ، للوقوف على مجريات الأحداث ، ومنها الوقوف على صحّة وأصالة ما قالته الشيعة وما جاء


342

في الروايات اليتيمة في كتب الفقه والحديث عند أهل السنّة والجماعة ، ومن خلال عرضنا للمسألة من وجهة نظر تاريخية سيقف القارئ على جواب القول السابق وأمثاله.

إنّ ثبوت « حيّ على خير العمل » لم يقتصر على العلويين ـ حسنيين كانوا أم حسينيين ـ بل تعدّاهم إلى بعض أهل السنة والجماعة ، وقد مرّ عليك ما كان بأيديهم من بقايا هذا الأذان الأصيل.

من المعلوم أنّ المسلمين انقسموا بعد وفاة رسول الله إلى نهجين :

الأوّل : نهج الصحابة.

والثاني : نهج أهل البيت.

وعُرف النهجان بالتخالف فيما بينهما في كثير من المسائل ، بحيث تجاوز حدَّ النزاع حول الإمامة والخلافة ليشمل كافّة مجالات الشريعة وأحكامها.

وبمعنى آخر : إنّ الخلاف الحاصل بين النهجين قد تجاوز الصعيد السياسيّ ليشمل أصعدة أخرى فكريّة وعقائدية واجتماعية. وفي حال اعتبار مصدر تشريع الأحكام في الفقه من الأُمور المهمّة والحسّاسة جدّاً ، فلا عجب أن ترى بين قادة النهجين أحكاماً فقهيّة متضادّة ، قد تصل إلى حدّ التناقض في المسألة الواحدة ، فتجد ما يقوله عمر بن الخطاب يخالف ما يقوله عليّ بن أبي طالب تماماً ، فعلى الرغم من التزام وتعبّد عليّ عليه السلام بمنهج رسول الله في جواز المتعة مثلاً ، ترى اجتهاد عمر شاخصاً أمامك في قبال شريعة رسول الله ، محرّما للمتعتين ، قائلاً : « أنا أُحرمهما وأُعاقب عليهما ».

لقد أخذ أهلُ السنّة الكثيرَ من فقههم من مجتهدي الصحابة الاوائل ، وخصوصاً الخلفاء ، وانتهجوا سيرة الشيخين ، ولهذا فإنّ الكثير من موارد المنع في فقه أهل السنّة والجماعة يرجع أساساً إلى سنّه عمر بن الخطاب وغيره من


343

مجتهدي الصحابة. وقد تمحّل له علماء هذا النهج فحملوا كلّ ما لا يرتضونه من الروايات والأحكام المغايرة لاجتهادات السلف على النسخ والوضع. ولكي يضفوا صبغة شرعية على تلك الأحكام تراهم ينسبون روايات إلى رسول الله تؤيّد ما ذهبوا إليه.

وإيماناً منا بضرورة دراسة ملابسات مثل هذه الأمور في الشريعة ورفع الستار عنها ، خصصنا هذا الفصل كي نؤكّد على أن الصراع حول جزئية « حيّ على خير العمل » بين الطالبيين والنهج الحاكم له جذوره وأصوله العقائدية والتاريخية ، ولم يكن صراعاً سياسياً بحتاً ، وهذا إن دّل على شيء فإنما يدّل على عمق الخلاف بين الفريقين.

إذ إن استمرار الصراع العقائدي السياسي لمدة طويلة من الزمن ينبئ عن وجود أصل شرعي مُختلَف فيه عندهم.

ولمّا كان النهج الحاكم ـ على مرّ العصور ـ يدعو إلى « الصلاة خير من النوم » تبعاً للخليفة الثاني والأمويين من بعده ، ولمّا كان الطالبيون لا يؤمنون بشرعية هذا الجزء ، فمن المؤكد أن يكون عدم إتيان الحفّاظ والمحدّثين بما يدل على شرعيّة « حيّ على خير العمل » في الصحاح والسنن قد كان خاضعاً لأمور سياسية.

إنّ الطالبيّين قد وقفوا أمام مثل هذه الهجمات بكلِّ قوّة ، وبذلوا كلّ ما يمكنهم في التعبير عن عدم الرضوخ أمام تغيير السنّة ، وقد كلّفهم ذلك الكثير الكثير ، وتحمّلوا المصاعب العظام من أجل الحفاظ على سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله ومنها الإتيان بـ « حيّ على خير العمل » في أذانهم. وقد جرت بين الطرفين مناوشات كلامية اتّهم فيها كلّ طرف منهما الآخر بالانحراف والبدعة ، محافظاً على شعاريته ، ورافضاً شعارية الطرف الآخر بكل عنف.


344

ومن يتصفّح التاريخ يجد بين طيّاته صوراً حيّة لمدى قوّة تمسّك الطالبيّين بهذا الجزء من الأذان ، حتّى وصلت الحال في بعض الفترات إلى أن يكون هو الشعار المحرِّك للثوار والثورة في مراحل مختلفة من التاريخ.

لقد تمسّك الطالبيّيون بـ « حيّ على خير العمل » وقدّموا قرابين نفيسة من أجل إبقائها سنّة حتّى صارت شعاراً للشيعة في كلّ الأصقاع ، وصبغة عقائديّة يُميَّزون بها عن غيرهم ، وقد استمدّوا العزم من مواقف أمير المؤمنين عليّ عليه السلام الذي قال حين سمع أذان ابن النبّاح بـ « حيّ على خير العمل » : « مرحباً بالذي قال عدلاً ، وبالصلاة مرحباً وسهلاً »(1).

وقد تجلّت مواقف الشيعة بوضوح في موقف الحسين بن عليّ ـ صاحب فخّ ـ وغيره من الطالبيين(2)الذين أصرّوا على إعلانها جهاراً في الأذان.

(1) من لا يحضره الفقيه 1 : 288 ح 890 ، وانظر : كتاب الأذان بحيّ على خير العمل : 48 ،50 للحافظ العلوي.

(2) وإليك مجمل الحركات الشيعيّة في العصر العباسي الأول « 132 ـ 232 » :

1. حركة محمّد النفس الزكيّة في المدينة سنة 145هـ ، في عهد المنصور العباسي.

2. حركة إبراهيم ـ أخي النفس الزكية ـ في البصرة سنة 145هـ .

3. حركة الحسين بن علي ( صاحب فخّ ) في المدينة سنة 169هـ ، في عهد الخليفة الهادي.

4. حركة يحيى بن عبدالله ـ أخي النفس الزكيّة ـ في بلاد الديلم سنة 175هـ ، في عهد هارون الرشيد.

5. حركة إدريس بن عبدالله ـ أخي النفس الزكيّة ـ في بلاد المغرب سنة 172هـ ، في عهد الرشيد.

6. حركة محمّد بن إبراهيم وأبي السَّرايا في الكوفة سنة 199هـ ، في عهد المأمون.

7. حركة محمّد بن جعفر الصادق في مكة سنة 200هـ ، في عهد المأمون.


345

وعليه فلا يصح ما قاله البعض من عدم صحّة تلك الأخبار أو نسخها أو... ، بل الأمر يرجع إلى أمور أعمق مما يقولون ، والحوادث التاريخية تؤكّد ما قلناه.

إنّ متابعة السير التاريخيّ للأذان وما آل إليه في « حيّ على خير العمل » يكشف لنا عن أُمور عديدة متمادية الأطراف ترجع جذورها إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وآله . ويمكن تلمّس ذلك بوضوح من خلال دراسة التاريخ والسيرة والحديث ، وهذه المسألة من الأهميّة بمكان ، بحيث إنّك كلّما بحثت في مسألة من مسائلها تفتّحت لك أبواب مسائل أُخرى ذات ارتباط عميق بها ، ولا يمكنك تركها أو التهاون بها ، فالمسألة أكبر من كون « حيّ على خير العمل » شعار الشيعة و « الصلاة خير من النوم » شعار السنّة.

صحيح أنَّ الحركات التغييريّة التي قادها الشيعة عبر فترات التاريخ المختلفة تُبيِّنُ أنَّهم قد أظهروا مسألة « حيّ على خير العمل » في الأذان كعنصر تحدٍّ وتعاملوا معها كشعارٍ لهم ـ كما حصل في الدولة الفاطميّة في مصر ، والدولة الزيدية في طبرستان ، والبويهية في بغداد ، والحمدانية في حلب ـ إلاّ أنَّ ذلك لا يتجاوز ظاهر المسألة.

ذلك أنّ مصادر الحديث والتاريخ والسيرة تُظِهر لنا بأنّ « حيّ على خير

8. حركة أبي عبدالله ( أخي أبي السرايا ) في الكوفة سنة 202هـ ، في عهد المأمون.

9. حركة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب في اليمن سنة 200هـ ، في عهد المأمون.

10. حركة عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب في اليمن سنة 207هـ ، في عهد المأمون.

11. حركة محمّد بن القاسم بن عمر بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب في خراسان سنة 219هـ ، في عهد المعتصم.


346

العمل » لها جذور وأصالة شرعيّة ، فهي أوسع من أن تتضيق في زاوية كونها شعار فرقة أو طائفة أو مذهب.

نعم ، كان بلال يؤذِّن بها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد أذّن مرّة أو مرّتين للزهراء والحسنين في زمن أبي بكر ولم يُتمّ أذانه . ويظهر من جمع الأدلة المارّة وما قلناه أنّه كان يؤذن ب ـ « حيّ على خير العمل » ، ولذلك امتنع عن الأذان في زمن أبي بكر وبعده في زمن عمر بن الخطّاب ؛ إذ جاء في الخطط للمقريزيّ ( ت 845هـ ) وغيره : ( ... وأنَّ عمر أراده أن يؤذِّن له فأبى عليه ) (1) لماذا ؟!

إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما ذكره المقريزيّ في باب ( ذكر الأذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف ) وربطنا ذلك بما توصّلنا إليه من السير التاريخيّ لمسألة الأذان فيما يخصّ المسألة المبحوثة وشعاريّتها ، وما أُثير حولها من محاولات عامدة للحؤول دون ترسيخها في قلوب المسلمين ، وجمعنا ذلك مع ما بحوزتنا من رواياتنا ورواياتهم فسنحصل على ثمرة يانعة تشفي غليل المتطّلع الى الحقيقة ، وعلى نتيجة جليّة لا غبار عليها ، ويستبين عندئذ أنّها لا تتعدَّى كونها في أصلها شعيرة إلهيّة وشعاراً إسلاميّاً أصيلاً يحمل وراءه نهجاً إسلامياً فكرياً يتبع « الرمز » القدوة الحسنة الذي دعا القرآن الكريم إلى الاقتداء به ، ويرمي بعيداً كلّ ما يمتّ بِصلة إلى الاجتهاد بالرأي والاستحسان المقابل لمنهجيّة التعبّد المحض ؛ ذلك أن « حيّ على خير العمل » سنّة نبويّة ، أمّا « الصلاة خير من النوم » فهي دعوة مُستحدَثة لا تمثل جانباً من رؤية الإسلام.

ولدى مرورنا بالنصوص والأحداث سنوضح ـ وفق منهجنا ـ ملابسات المسألة خلال الصراع الأموي العلوي ثمّ الصراع العباسي العلوي ، والسلجوقي

(1) الخطط المقريزية 2 : 270. وانظر الفصل الثاني من هذا الباب « حذف الحيعلة ،وامتناع بلال عن التأذين ».


347

البويهي ، والأيوبي الفاطمي ، وكيفية نشوء الحركات الشيعية في الأمصار ، وذلك فيه التجسيم الحقيقي للصراع بين الرفض والإذعان ، أو قل صراع الأصوليين الإسلاميين ضد الحكّام الأمويين أو العباسيين ومن حذا حذوهم.

لأنّ أصحاب النهج الحاكم ـ أمويّين وعباسيّين و غيرهم ـ كانوا يَدْعُون إلى اتّباع سيرة الشيخيين على نحو الخصوص. أما الثوار والمعارضون من الطالبيين فكانوا يذهبون إلى شرعية خلافة الإمام عليّ وأولاده المعصومين ويَدْعون الناس إلى اتّباع نهج عليّ وولده.

وقد بدأ الخلاف بين النهجين أولاً في موضوع الخلافة ومن هو الأحّق بها ، وهل هناك تنصيب من الله ، أم أنّ الأمر شورى بين الأمة ـ أو أصحاب الحَلّ والعقد منهم ـ ؟ ثمّ انجرّ هذا الخلاف إلى الشريعة ، فوجدنا أحكاماً تُغيَّر وأخرى تُستحدَث ، إما دعماً لمواقف الخليفة ، أو للتعرف على رجال الطالبيين ، أو لغيرهما من العلل والأسباب.

وقد استفحل هذا الخلاف بعد مقتل عثمان بن عفان ، فانقسم المسلمون إلى فئتين كبيرتين :

فجلّ أهل البصرة وأهل الشام كانوا ذوي أهواء عثمانيّة في الانتماء الفكري والسياسي ، وأهل الكوفة والأنصار من أهل المدينة وعدد كبير من أهل الحجاز كانوا علويّي الفكرة والعقيدة.

وبعد استشهاد الإمام عليّ وصلح الإمام الحسن تم استيلاء معاوية بن أبي سفيان على الحكم ، فغلبت العثمانيّة على مجريات الأحداث وانحسر الطالبيّون فبدؤوا يعيشون حالة التقيّة.

وإنّما جئنا بهذا الكلام كي نوضح بأن عملنا في هذا الفصل سيكون في محورين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر ، لانهما وجهان لعملة واحدة ،


348

هما :

1 ـ المحور السياسي.

2 ـ المحور التشريعي.

فقد نفرض أن يتغاضى الحاكم الأموي عن شعارية « حيّ على خير العمل » في بعض الأحيان ، لكن ذلك لا يعني رضاه وسكوته عن ذلك في كلّ الحالات ، لأنّ الحيعلة الثالثة كما علمت لها جانبان تشريعي صلاتيّ وعقائدي سياسي ، فإذا كان الإتيان بها منحصراً في حدّ المسألة التشريعية سكت الحكام عنها على مضض ، وإن اتّخذت طابعها العقائدي السياسي قامت قيامتهم واستبدّ بهم الغيظ ؛ لأنّ معناها العقائدي السياسي هو فرع لمعناها التشريعي الصلاتي الذي هو « محمّد وآل محمّد خير البرية » و « الولاية » و « بِرّ فاطمة وولدها » ، وهذا البعد التشريعي يتلوه البعد السياسي الذي يعني أنّهم أحقّ بالخلافة والحكم من الآخرين.

فلو دعا الإمام الباقر أو الصادق إلى جزئيتها في العهد الأموي ، أو أتى بها عليّ بن الحسين ، فقد يسكت الحاكم عنه على مضض ، لكن ليس معنى هذا سكوتهم كذلك عن الطالبيين الثوار لو أذّنوا ب ـ « حيّ على خير العمل » ؛ لأنّ الأمويّين لو أرادوا معارضة الإمامين الصادق والباقر وقبلهما الإمام عليّ بن الحسين ، لفتحت أمامهم جبهة جديدة هم في غنى عنها في تلك المرحلة من تاريخ المعارضة ، ولدخل الأمر في إطاره السياسي قبل أوانه.

ذلك أنّ الأمة الإسلامية بدأت تعي الأوضاع بعد شهادة الإمام الحسين سنة 61هـ ، وأخذت تتّضح لها معالم الظلم والمكر الأموي وسعيه لهدم الإسلام ، لأنّ ما فعله يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بعترة رسول الله واستحلاله المدينة المنورة لثلاثة أيام وضربه مكّة وغير ذلك كان كلّ واحد منها كافياً لإحداث هذا


349

التحول الفكري لدى عامّة الناس .

نعم ، هاجت عواطف الشيعة وغيرهم بمقتل الإمام الحسين ، فتلاوموا وتنادموا لعدم إغاثتهم الإمام عليه السلام ، وقد كانت حصيلة هذا الهياج الجماهيري هو نشوء حركة شيعية باسم حركة التوّابين ( 61 ـ 64هـ ) (1) ثمّ تلتها حركة المختار ابن أبي عبيد الثقفي « 64 ـ 67هـ » ثمّ قيام زيد بن عليّ « 122هـ » بالعراق ، وابنه يحيى « 125هـ » بخراسان ، وعبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب الذي قاد حركته في سنة « 128هـ » في إصفهان.

فالامويون والعباسيّون في حدود المسألة التشريعيّة لا يمكنهم الوقوف أمام تأذين عليّ بن الحسين ومحمّد الباقر وجعفر الصادق بـ « حيّ على خير العمل » ، لوجود أمثال عبدالله بن عمر وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وغيرهما ممن أذّن بها.

على أنّه يمكن حمل سكوت الأمويين هذا على أنّهم استهدفوا من عملهم هذا هدفاً سياسياً ، وهو التعرّف على الطالبيين وتجمّعاتهم ، وقد وضحنا سابقاً في كتابنا ( وضوء النبيّ ) أنّ الطالبيين هم المعارضون الحقيقيون للحكومتين الأموية والعباسية.

واستقراراً على هدفهم هذا سعوا أن يجمعوا الأمة على فقه يخالف فقه الإمام عليّ بن أبي طالب ؛ الذي فيه الجهر بالبسملة ، والجمع بين الصلاتين ،

(1) وصف الطبري في تاريخه 5 : 558 هذه الحركة بقوله « فلم يَزَل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ، ودعاء الناس في السرّ من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين ، فكان يجيبهم القومُ بعد القوم ، والنّفرُ بعد النّفر ، فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتّى مات يزيد بن معاوية » عام 64هـ ، فالثوار قدموا ثورتهم بموته في حين كان ضمن مخططهم الثورة على يزيد وعلى النظام الحاكم عام 65هـ ، فلم يفلحوا في ذلك .


350

وعدم مسح الخفّين ، والمسح على الارجل ، والتكبير على الميت خمساً ، وغيرها من الأمور الشرعية ذات البُعد الشعاري التي استخدمها النهج الحاكم للتعرف على جماعات الطالبيين.

وفي هذه الظروف وهذا الخضمّ كان من الطبيعي أن تكون الحيعلة الثالثة من تلك المسائل الشرعية السياسية التي كان للحكام من وراء حذفها ومحاربتها هدف بل أهداف.

وفي قبالة ذلك التيار الجارف نجد أن الإمامين الباقر والصادق كانا يدعوان إلى الحيعلة الثالثة ، ويؤكّدان على شرعيتها بدون خوف واكتراث من السلطة ، لكن الأمر نفسه لم يكن عند الثوار في ظروف التعبئة السريّة ، بل كانوا يتّقون ويخافون من تعرف السلطة على مواقعهم العسكرية وتجمعاتهم الثورية ، فلم يقولوا ب ـ « حيّ على خير العمل » إلاّ في الصحراء وحين يأمنون مكر السلطة.

ومن المعلوم أنّ الدولة العباسية أُسست على شعار الرضا من آل محمّد(1) وأنهم قد تذرعوا بطلب ثار الشهداء من أبناء فاطمة : الحسين بن عليّ ، زيد بن عليّ بن الحسين ، وولده يحيى وسواهم.

لكنّهم سرعان ما قلبوا للعلويين ظهر المجنّ فلم يَفُوا بما عاهدوا عليه الأمة ، ولم يحافظوا على الدلالة الصادقة لمقولة « الرضا من آل محمّد » ، بل نقضوا ما بايعوا عليه محمّد بن عبدالله بن الحسن « النفس الزكية » قبل الانتصار.

وبعد خيانة العباسيين لشعار الرضا من آل محمّد ، ادّعَوا أنّهم أولى بالخلافة من العلويين ؛ لمكان العبّاس عم الرسول ، وأنه أولى بالنبي من عليّ وفاطمة وأبنائها! وهنا كان من الطبيعي أن تغيظهم الحيعلة الثالثة المشيرة إلى أولوية

(1) انظر : تاريخ الطبري 7 : 358 احداث سنة 129 و 7 : 390 احداث سنة 130 هـ وغيرهما.


351

عليّ وأولاده المعصومين بالخلافة من بني العبّاس وغيرهم.

وبما أنّ الحكومتين الأمويّة والعباسيّة كانتا تقدّمان الشيخين على الإمام عليّ وتأخذان بسيرتيهما ، فمن المنطقيّ جدّاً أن لا يرتضي العلويّون السكوت عما فعله هؤلاء من ظلم لأهل البيت ومن طمس لـ « خير العمل » ، فلذلك كان العلويون يقفون أمام الاجتهادات المُحدَثة من قبَلَ الخلفاء كحذف « حيّ على خير العمل » وتشريع صلاة التراويح ، والتكبير على الميّت أربعاً ، وإخفات البسملة. بل ربّما كان العلويّون يبعدون المرمى ويصيبون المقتل فيصرّحون بأنّ السبب الأوّل في ضياع حقهم في الخلافة وضياع أحكام الدين ما هو إلاّ ما فعله الشيخان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله .

من هنا جَدَّ العلويّون لإعادة السنّة إلى موضعها ـ كما كانت في عهد رسول الله وكما أرادها الإمام عليّ ـ فأخذوا يعلنون « حيّ على خير العمل » على المآذن ، ويجهرون بالبسملة ، ويكبّرون على الميّت خمساً ، وينادون بـ « من مات عن بنت وأخ وأخت فالمال كله لها » ويصرحّون بالصحيح من دين الله في عشرات المسائل التي حرّفها المحرّفون.

وهذا يشير إلى أنّ الخلاف بين الحكّام والعلويين كان أصولياً ، وليس كما يصوّره البعض بأنّه خلاف حول الخلافة بما هي خلافة فقط ، بل إنّ اختلافهم كان على الشريعة حكومةً وأحكاماً.

وقـوف الطـالبيين أمام الحكـام ما هو إلاّ انعكاس لنهج أصـيل يقـف في مواجهة الخـلفاء ، ومـا جزئـيّة « حيّ على خـير العمل » إلاّ نمـوذج مصغرَّ لهـذا الصـراع الفكـري العقائـدي في الشـريعة ، وإلـيك الآن بعض النصوص في ذلك :


352

زيد بن عليّ بن الحسين « 122هـ »

روى الحافظ العلوي بسنده إلى يزيد بن معاوية بن إسحاق ، قال : كنّا بجبّانة سالم(1) ، وقد أَمِنَّا أهل الشام ، فأمر زيدُ بن عليّ معاويةَ بن إسحاق فقال : أذِّن ب ـ « حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل »(2).

يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين « 125هـ »

أخرج الحافظ العلوي بسنده عن زياد بن المنذر ، قال : حدّثني حسّان ، قال : أذّنت ليحيى بن زيد بخراسان ، فأمرني أن أقول : حيّ على خير العمل ، [ حي على خير العمل ].

وبإسناده عن صباح المزني ، قال : أذّن رجل كان مع يحيى بن زيد بخراسان ، قال : ما زال مؤذنهم ينادي بحيّ على خير العمل حتّى قُتل(3).

إبراهيم بن عبدالله بن الحسن « 145هـ »

أخرج الحافظ العلوي باسناده عن سالم الخزاز ، قال : كان إبراهيم بن عبدالله ابن الحسن يأمر أصحابه إذا كانوا في البادية أن يزيدوا في الأذان « حيّ على

(1) أهل الكوفة يسمّون مكان دفن الأموات جبّانة ، كما يسميّها أهل البصرة المقبرة ، وجبانه سالم تنسب إلى سالم بن عمارة بن عبدالحارث (انظر : معجم البلدان 2 : 99 ـ 100).

(2) الأذان بحيّ على خير العمل : 83 للحافظ العلوي.

(3) الأذان بحيّ على خير العمل للحافظ العلوي : 87 وانظر : إمالي أحمد بن عيسى1 : 97 الحديث 236.


353

خير العمل »(1).

الحسين بن عليّ (صاحب فَخّ) « 169هـ »

روى أبو الفرج الإصفهانيّ أنّ إسحاق بن عيسى بن عليّ ، وَلِي المدينة في أيّام موسى الهادي ، فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطّاب ، يُعرف بعبد العزيز بن عبدالله ، فحمل على الطالبيّين ، وأساء إليهم ، وأفرط في التحامل عليهم ، وطالبهم بالعرض [ عليه ] كلّ يوم ، وكانوا يعرضون في المقصورة ، وأخذ كلّ واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه ، فضمن الحسينُ بن عليّ ، ويحيى ابن عبدالله بن الحسن : الحسنَ بن محمَّد بن عبدالله بن الحسن ، ووافى أوائل الحاجّ ، وقَدِم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها ، ولقوا حسيناً وغيرَه ، فبلغ ذلك العمري فأنكره ، وكان قد أخذ قبل ذلك الحسن بن محمّد بن عبدالله ، وابن جندب الهذلي الشاعر ، ومولى لعمر ابن الخطاب وهم مجتمعون ، فأشاع أنّه وجدهم على شراب ، فضرب الحسن ثمانين سوطاً ، وضرب ابن جندب خمسة عشر سوطاً ، وضرب مولى عمر سبعة أسواط ، وأمر بأن يدار بهم في المدينة مكشّفي الظهور ليفضحهم ، فبعثت إليه الهاشميّة ـ صاحبة الراية السوداء في أيام محمّد بن عبدالله ـ فقالت له : لا ولا كرامة ، لا تشهّر أحداً من بني هاشم ، وتشنّع عليهم وأنت ظالم ، فكفَّ عن ذلك وخلّى سبيلهم... إلى أن يقول : ثمّ عرضهم يوم الجمعة... فدعا باسم الحسن بن محمَّد ، فلم يحضر ؛ فقال ليحيى والحسين بن عليّ : لتأتياني به أو لأحبسنَّكما ، فإنَّ له ثلاثة أيّام لم يحضر العرض ، ولقد خرج أو تغيَّب... أريد

(1) الأذان بحيّ على خير العمل ، للحافظ العلوي : 88 ، 89 ، وبتحقيق عزّان : 147 ح 186 ،187.


354

أن تأتياني بالحسن بن محمَّد.

فقال له الحسين : لا نقدر عليه ، هو في بعض ما يكون فيه الناس ، فابعث إلى آل عمر بن الخطّاب ، فاجمعهم كما جمعتنا ، ثمَّ اعرضهم رجلاً رجلاً ، فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك ، فقد أنصفتنا.

فحلف [ العمريّ ] على الحسين بطلاق امراته وحريّة مماليكه ، أنّه لا يخلّي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته ، وأنّه إن لم يجئ به ليركبنّ إلى سويقِهِ فيخرّبها ويحرقها وليضربنَّ الحسين ألف سوط...

فوثب يحيى مُغضَباً ، فقال له : أنا أعطي الله عهداً.. ثمّ وجَّهَ [ الحسين ] فجاءهُ يحيى ، وسليمان ، وإدريس ـ بنو عبدالله بن الحسن ـ وعبدالله بن الحسن الأفطس ، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا ، وعمر بن الحسن بن عليّ بن الحسن بن الحسين بن الحسن ، وعبدالله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ ، وعبدالله بن جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.. ووجَّهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم ، فاجتمعوا.. ستّة وعشرين رجلاً من ولد عليّ ، وعشرة من الحاجّ ، ونفر من الموالي.

فلمَّا أذَّن المؤذِّن للصبح دخلوا المسجد ، ثمَّ نادوا : ( أحد ، أحد ) ، وصعد عبدالله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ صلى الله عليه وآله ، عند موضع الجنائز ؛ فقال للمؤذِّن : أذِّن ب ـ « حيَّ على خير العمل » ، فلمَّا نظر إلى السيف في يده أذَّن بها. وسمعه العمريّ ، فأحسَّ بالشرِّ ، ودهش... وولَّى هارباً... فصلَّى الحسين بالناس الصبح ؛ ودعا بالشهود العدول الذين كان العمريّ أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه ، ودعا بالحسن ؛ وقال للشهود : « هذا الحسن قد جئت به ، فهاتوا العمريّ وإلاّ والله خرجت من يميني ، وممَّا عَلَيَّ ». ولم يتخلّف


355

عنه أحد من الطالبيّين (1).

غير أنّهم حرّفوا الخلاف العقائدي السياسي إلى خلاف سياسي بحت ، فنراهم يشككون في أهداف ثورة صاحب فخ ويتّهمونه وكلَّ الثوار بأنّهم ثاروا للدفاع عن شخص سكّير ـ والعياذ بالله ـ وهو الحسن بن محمّد بن عبدالله بن الحسن ( ابن النفس الزكية )(2)!

ومثله قالوا عن ثورة الإمام زيد وشككوا في دواعي ثورته الخالصة ، زاعمين أنّها جاءت على أثر خلاف ماليّ بينه وبين بعض أعوان السلطة وهو خالد بن عبدالله(3) أو أنّه وابني الحسن تخاصما في وقف لعلي(4)أو ما شابه ذلك من التهم الفارغة التي تباين شخصية هؤلاء الأفذاذ ، وما هذا إلاّ كصنيع الأمويين مع النصوص والاحداث.

لقد سعت حكومة عمر بن الخطاب ومن بعده عثمان والحكومة الأموية ، تجريد الحيعلة الثالثة من طابعها السياسي ، بل حاولوا إدخالها في إطار اختلاف وجهات النظر والاجتهاد بين الصحابة كما يسمّونه ، لكنّ الأمر أخذ يختلف في

(1) مقاتل الطالبيّين : 443 ـ 447 وقد رويناه مختصراً.

(2) تاريخ الطبري 8 : 192 ،193 ، الكامل في التاريخ 5 : 74 ـ 75.

(3) تاريخ الطبري 7 : 160. وقد أجاب الإمام زيد عن هذه التهمة وقال ليوسف بن عمر : أنّى يودعني مالاً وهو يشتم آبائي على منبره.

فارسل [ يوسف ] إلى خالد فاحضره في عباءة فقال له : هذا زيد ، زعمت أنك قد أودعته مالاً ، وقد أنكر.

فنظر خالد في وجههما ثمّ قال : أتريد أن تجمع مع إثمك فيّ اثماً في هذا! كيف أودعه مالاً وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر ! قال : فشتمه يوسف ، ثمّ رده ، ( تاريخ الطبري 7 : 167 ).

(4) تاريخ الطبري 7 : 163 احداث سنة 121.


356

العهد العباسي الأول ثمّ من بعده في الحكومات اللاحقة ، إذ راح يتبلور أكثر فأكثر كون الحيعلة الثالثة شعاراً دينيَّاً سياسياً للثوار ، وأخذت الحكومة تتحسس منه ولا تستطيع خنقه.

فإبراهيم بن عبدالله بن الحسن ـ أخو النفس الزكية الذي خرج بالبصرة بعد شهادة أخيه ـ يأمر أصحابه أن يؤذّنوا بالحيعلة سراً كي لا يقف النهج الحاكم وجواسيسه عليهم . وهكذا حال الحسين صاحب فخ ، فإنّه لم يكن تأذينه وأتباعُهُ بالحيعلة الثالثة إلاّ معنى آخر للثورة وليعلنوا أنهم هم الأولى بالله ورسوله وخلافته .

طبرستان ( سنة 250هـ )

خرج بطبرستان الحسن بن زيد بن محمّد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.

وكان سبب ظهوره أنّ محمّد بن عبدالله بن طاهر لمّا ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين بالله العباسي من ضواحي السلطان بطبرستان قطائعَ ، منها قطيعة قرب ثغر الديلم وهما كلار وشالوس ، وكان بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية ، وترعى فيها مواشيهم ، ليس لأحد عليها ملك إنّما هي مَوات ، وهي ذات غياض ، وأشجار ، وكلأ.

فوجّه محمّد بن عبدالله نائبه لحيازة ما أُقطِع ، واسمه جابر بن هارون النصراني ، فلمّا قَدِم جابر عَمَد فحاز ما اتّصل به من أرضٍ مَوات يرتفق بها الناس.

وكان في تلك الناحية يومئذ أخوانِ لهما بأسٌ مذكوران بإطعام الطعام وبالإفضال ، يقال لأحدهما : محمّد ، وللآخر : جعفر ، وهما ابنا رستم ، فانكرا ما


357

فعل جابر من حيازة الموات وكانا مُطاعَين في تلك الناحية ، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات ؛ فخافهما جابر فهرب منهما فلحق بسليمان بن عبدالله بن طاهر وكان عامل طبرستان يومئذ ، وخاف محمّد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان ، فراسلوا جيرانهم من الدَّيلم يذكّرونهم العهد الذي بينهم ، ثمّ أرسل ابنا رستم ومن وافقهما إلى رجل من الطالبيين ـ اسمه محمّد بن إبراهيم كان بطبرستان ـ يدعونه إلى البيعة ، فامتنع ، وقال : لكنّي أدلّكم على رجل منّا هو أقوم بهذا الأمر منّي ، فدلّهم على الحسن بن زيد وهو بالري ، فوجّهوا إليه عن رسالة محمّد بن إبراهيم يدعونه إلى طبرستان ، فشخص إليها ، فأتاهم وقد صارت كلّ الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعته ، فبايعوه كلّهم وطردوا عمّال ابن أوس عنهم ـ وكان هذا من عمال سليمان بن عبدالله عامل طبرستان ـ فلحقوا بسليمان بن عبدالله ، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضاً جبال طبرستان.

ثمّ تقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل ثمّ سارية ، وقيل إنّ سليمان انهزم اختياراً لأنّ الطاهريّة كلّها كانت تتشيّع ، فلمّا أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثّم سليمان من قتاله لشدّته في التشيع ، وقال :

نبّئت خيل ابن زيد أبلـت خبباً تريدنا لتحسّينـا ألا مرّينــا

يا قوم إن كانت الأنباء صادقةً فالويل لي ولجميع الطاهريّينا

أما أنا فإذا اصطفّـت كتائبنـا أكون من بينهم راس المولّينا

فالعذر عند رسول الله منبسطٌ إذا احتسبت دماء الفاطميّينـا

فلما التقوا انهزم سليمان ، فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى « جندا » مع رجل من أهله يقال له الحسن بن زيد أيضاً ، فملكها وطرد عنها عامل الطاهرية ، فاستخلف بها رجلاً من العلويين يقال له محمّد بن جعفر وانصرف


358

عنها »(1).

وقد جاء في تاريخ طبرستان لابن اسفنديار الكاتب المتوفّى 613هـ قوله :

« استقر الداعي الكبير ابن زيد في آمُل ، وأعلن في أطراف طبرستان وكيلان والديلم أنّه : قد رأينا العمل بكتاب الله وسنّة رسوله وما صحّ عن أمير المؤمنين ، وإلحاق حيَّ على خير العمل ، والجهر بالبسملة ، والتكبير خمساً على الميت ، ومن خالف فليس منّا »(2).

وقد حكى الشيخ أغا بزرك الطهراني في الذريعة عن تاريخ طبرستان : 240 أن الداعي إلى الحق الحسن بن زيد كتب في سنة 252 منشورة عن آمل إلى سائر بلاده ، بإعلاء شعائر التشيع من تقديم أمير المؤمنين عليه السلام ، والأخذ بما صح عنه في جميع الأصول والفروع من قول « حيّ على خير العمل » والجهر بـ « بسم الله الرحمن الرحيم » وغير ذلك(3).

هكذا نجح الحسن بن زيد في تكوين هذه الدولة التي تُعرف بالدولة الزيدية بطبرستان ، واقتطع من ملك بني العبّاس وآل طاهر طرفاً عظيماً تحميه جبال طبرستان والديلم ، واستمرت هذه الحكومة نحو قرن كامل (250 ـ 355 هـ ) تولى فيها :

1 ـ الحسن بن زيد الداعي 250 ـ 270.

2 ـ محمّد بن زيد القائم بالحق 270 ـ 279.

(1) انظر : تفاصيل هذا الامر في الكامل لابن الأثير 5 : 314 ـ 317 حوادث سنة 250.

(2) تاريخ طبرستان لابن اسفنديار الكاتب : 239 وعنه في تاريخ طبرستان للمرعشي881 هـ .

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 17 : 270.


359

3 ـ احتلال الدولة السامية لطبرستان 279 ـ 301.

4 ـ تولي الحسن الأطروش بن عليّ بن عمر بن زين العابدين 301 ـ 304 على طبرستان مرّة أُخرى.

5 ـ الحسن بن القاسم بن عليّ بن عبدالرحمن ومعه أولاد الأُطروش 304 ـ 355.

ويبدو أنّ المنشور الذي أعلنه الداعي الكبير سنة 252هـ ظل ساري المفعول حتّى نهاية هذه الدولة العلوية الزيديّة ، فكانت المآذن تؤذن بـ « حيّ على خير العمل » لأكثر من قرن ، منبّهين على أنّ هذا المرسوم صدر في وقت مبكر جداً من أوائل حكومة هذا الداعي الكبير ، لما له من هيبة دينية وبُعد سياسي ، وما له من أثر في ترسيخ حكومة تقوم على أساس الدين من وجهة نظر علوية ، ويؤكد صحةَ هذا ما نراه اليوم وبعد أكثر من ألف عام في التراث الزيدي ، فلو راجعت كتبهم الفقهية والحديثية القديمة عرفت ثبوتها عندهم ، وهذا الموقف من الحسن بن زيد وغيره هو امتداد لشرعيتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله .

حمص / مصر / بغداد ( سنة 290هـ )

جاء في كتاب بغية الطلب في أخبار حلب لابن العديم المتوفى (660هـ ) :

« ... فصار [ صاحب الخال ] إلى حمص ودُعي له بكورها وأمرهم أن يصلوا الجمعة أربع ركعات ، وأن يخطبوا بعد الظهر ويكون أذانهم : أشهد أن محمّداً رسول الله ، أشهد أن عليّاً ولي الله ، حيّ على خير العمل »(1).

وجاء في كتاب « أخبار بني عبيد » لمحمد بن عليّ بن حماد في ترجمة

(1) بغية الطلب 2 : 944.


360

عبيدالله ( 322هـ ) ـ مؤسس الدولة العبيدية في مصر ـ :

... وكان مما أحدث عبيدالله أن قطع صلاة التراويح في شهر رمضان ، وأمر بصيام يومين قبله ، وقنت في صلاة الجمعة قبل الركوع ، وجهر بالبسملة في الصلاة المكتوبة ، وأسقط من أذان صلاة الصبح : « الصلاة خير من النوم » ، وزاد : « حيّ على خير العمل » ، « محمد وعلي خير البشر » ، ونص الأذان طول مدة بني عبيد بعد التكبير والتشهدين : حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح مرتين ، حيّ على خير العمل محمد وعلي خير البشر مرتين مرتين ، لا إله إلاّ الله مرة(1).

هذان نصان أحدهما عن الطالبيين في حلب والآخر في مصر ، وهما يؤكدان أنّ النزاع الفكري بين الطالبيين والنهج الحاكم كان مستمراً عبر جميع القرون ، ولم يختصّ ببلدة دون أخرى.

ويدلّ على أصالة الحيعلة الثالثة ، وامتداد التأذين بها زماناً ، وانتشارها مكاناً ، ما رواه القاضي التنوخي المتوفّى 384هـ عن أبي فرج الاصفهاني فيما حدث في بغداد في نفس تلك الفترة تقريباً ، قال :

أخبرني أبو الفرج الاصفهاني ( المتوفّى 356هـ ) قال : سمعت رجلاً من القطيعة(2) ، يؤذن : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله

(1) اخبار بني عبيد 1 : 50.

(2) رجّح محقق كتاب نشوار المحاضرة أن يكون المقصود من القطيعة هي قطيعة أمّ جعفر ، وهي محلّة ببغداد عند باب التبن وهو الموضع الذي فيه مشهد الإمام موسى ابن جعفر ، لكن ترجيحه ليس براجح بنظرنا ، لأن أبا الفرج لو أراد تلك القطيعة لقال : رجلُ من أهل القطيعة أو رجل من قطيعة أمّ جعفر ؛ وذلك لتمييزها عن القطائع الكثيرة >


361

إلاّ الله ، أشهد أن محمد رسول الله ، أشهد أن عليّاً ولي الله ، محمد وعلي خير البشر ، فمن أبى فقد كفر ، ومن رضي فقد شكر ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير

< الأخرى ـ والتي ذكرها صاحب معجم البلدان 4 : 376 ـ كقطيعة إسحاق ، وقطيعة الرقيق ، وقطيعة الربيع ، وقطيعة زهير ، وقطيعة العجم ، وقطيعة عيسى وغيرها.

وحيث لا يمكن الترجيح أو القول بأن القطيعة هي علم لقطيعة أم جعفر فلابدّ مناحتمال أن تكون القطيعة هي تصحيف للقطعية وهي الفرقة التي قطعت بموت موسى ابن جعفر وإمامة عليّ بن موسى الرضا عليهم السلام ، وهم في مقابل الواقفيّة التي وقفت على إمامة موسى بن جعفر الكاظم ولم تقل بإمامة مَن بعده ، ويترجّح احتمالنا حينما نرى التنوخي يأتي بـ « خبر أذان رجل من القطيعة » بعد خبر « حجّام يحجم بالنسيّة إلى الرجعة » وكلاهما يرتبط بأمر تقوله الشيعة الإماميّة الاثنا عشرية .

ويتقوى احتمالنا هذا حينما نرى الإصفهاني ـ الزيدي العقيدة ـ ينقل هذا الخبر ، وهو تأكيد لأذان الإمامية القطعية في الكاظمية ، وأنهم كانوا يؤذّنون بالشهادة الثالثة . ولو أحببت أن تتأكد بأن القطعية هو اصطلاح للشيعة الاثني عشرية راجع كتب الشيخ الصدوق ومقالات الإسلامين للأشعري 1 : 17 ، والملل والنحل للشهرستاني 1 : 29 ، وخاتمة المستدرك 4 : 248 عن النوبختي في كتاب مذاهب فرق أهل الامة.

وعلى فرض أن يكون المراد قطيعة أمّ جعفر ، فهي أيضاً كانت من الأماكن التي يقطنها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ، قال الحموي في معجم البلدان 4 : 448 ، وأهل الكرخ كلهم شيعة إمامية لا يوجد فيهم سنيّ ألبتة. وانظر : حول تشيعها الاثني عشري البداية والنهاية 11 : 307 / احداث سنة 379 ، وموسوعة العتبات المقدسة « الكاظمية » 9 : 115.

هذا وقد أضاف المحقق جملة من بعض النسخ تشمئز منها النفوس ولا تتفق مع السير التاريخي وارتباط هند وابن عمر بمسألة الأذان ، فراجع .


362

العمل ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلاّ الله(1)...

ولتأكيد وجود الخلاف الفقهي العقائدي في تلك البرهة من التاريخ إليك كلام المقريزي في ( المواعظ والاعتبار ) عند ذكره مذاهب أهل مصر ونِحَلِهم ، قال :

قال أبو عمر الكندي في كتاب ( أمراء مصر ) : ولم يَزَل أهل مصر على الجهر بالبسملة في الجامع العتيق إلى سنة ثلاث وخمسين ومائتين (253هـ ) ، قال : ومنع أرجون صاحب شرطة مزاحم بن خاقان أمير مصر من الجهر بالبسملة في الصلوات بالمسجد الجامع ، وأمر الحسين بن الربيع إمام المسجد الجامع بتركها وذلك في رجب سنة ثلاث وستّين ومائتين (263هـ ) ، ولم يَزَل أهل مصر على الجهر بها في المسجد الجامع منذ الإسلام إلى أن منع منها أرجون.

إلى أن يقول : ... إلى أن قدم القائد جوهر من بلاد إفريقية في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ( 358هـ ) بجيوش مولاه المعز لدين الله أبي تميم معدّ وبنى مدينة القاهرة ، فمن حينئذ فشا بديار مصر مذهب الشيعة ، وعمل به في القضاء وأنكر ما خالفه ، ولم يبقَ مذهب سواه ، وقد كان التشيّع بأرض مصر معروفاً قبل ذلك.

قال أبو عمر الكندي في كتاب الموالي ، عن عبدالله بن لهيعة أنه قال : قال يزيد بن أبي حبيب : نشأت بمصر وهي علويّة فقلبتُها عثمانية (2) .

ثمّ عمد المقريزي إلى شرح الأدوار التي مرت بها الشيعة في مصر وكيف

(1) نشوار المحاضرة للتنوخي 2 : 133.

(2) الخطط المقريزية 2 : 334.


363

كانت علويّة وصارت عثمانيّة حتّى يصل إلى صفحة 340 ، وفيها يذكر حوادث سنة ( 353 و 356هـ ) وأن « جوهراً » أعلن حيّ على خير العمل وفضل الإمام عليّاً وأولاده على غيره وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء رضوان الله عليهم ، ممّا سيأتي في ما ننقله عن حوادث مصر في تلك السنة.

هذا نموذج بسيط عن مسار الاتجاهين الفكري. وقد أكدنا اكثر من مرّة على أنّ لكلّ واحد من النهجين قادة وجماهير.

ولما حكم نهج الاجتهاد والرأي ـ في الحكومات الأموية والعباسية أو السلجوقية والأيوبية ـ حكّم آراء الخلفاء وفقههم في الشريعة.

أما النهج الشيعي فقد دعا إلى الأخذ بسنة رسول الله عن عليّ وأولاده ، وهؤلاء قد عارضوا النهج الحاكم في زمن الشيخين وعثمان وطيلة الحكم الاموي والعباسي . ولا ننسى أن شعارية « حيّ على خير العمل » وغيرها قد تجسدت في العصر العباسي الأول والثاني ، أي بنشوء الدول الشيعية كالدولة الإدريسية في المغرب والحمدانية في حلب ، والبويهية في بغداد ، والزيدية في طبرستان ، والفاطمية في مصر و...

وقد اتّخذ كلّ اتجاه أُصولا في عمله ، فأحدهم يمنع من تدوين الحديث والآخر يصرّ عليه وإن وضعت الصمصامة على عنقه.

والأوّل يذهب إلى عدم تنصيص النبيّ على أحد بل تَركَ الأمّة لتختار لإمامتها من تشاء ، والآخر يعتقد بلزوم الوصاية والخلافة وقد عيّن النبيُّ بالفعل علياً اماماً وخليفة من بعده.

والسنيّ يقول باجتهاد النبيّ ، والشيعي لا يرتضي ذلك .. وهلمّ جرّاً.

اذاً يمكن تلمس النهج السني في تصرف الدولتين الاموية والعباسية ، ثمّ


364

بعدهم السلجوقيّة والنوريّة والصلاحيّة والعثمانيّة ، وهذه الدول كانت تسعى لتطبيق ما شُرّع على عهد الخلفاء وما دوّن لهم في عهد عمر بن عبدالعزيز ـ لقول الزهري : ( كنّا نكره تدوين الحديث حتّى أكرهنا السلطان على ذلك ، فكتبناه وخفنا أن لا نكتبها للناس ) ـ وأخذوا بالمذاهب الأربعة فقط ، اعتقاداً منهم بأنّ أقوال أربابها هي الدين الحق ، غافلين عن دور الحكّام في تأصيل أصول تلك الأحكام الشرعية ، كتدوين الحديث ، وحصر المذاهب بالأربعة وسوى ذلك.

وفي المقابل نرى النهج العلوي بأمرائه وجماهيره وعلمائه وفقهائه يسعون ـ عند وصولهم إلى الحكم ـ لتطبيق ما عرفوه من سنة رسول الله ونهج الإمام عليّ ، فيصرّون على الإتيان بالحيعلة الثالثة مثلاً ويأبَون بِدعيتها ، وهكذا الأمر غيرها من المسائل المختلف فيها.

وهذا التخالف بين الجناحين يومئ إلى أنّ الخلاف بين الحكومات العلويّة الشيعيّة والحكومات السنيّة على مرّ التاريخ كان يدور في محاور عقائديّة فكرية استراتيجيّة ، مضافاً لما بينهما من خلاف حول الخلافة ، لأنّ كلّ واحد من الطرفين يستدل على صحّة عمله بأقوال وأفعال من يعتقد به من الصحابة أو أهل البيت.

وعليه فلا يجوز أن نتغافل عن جذور الحيعلة الثالثة وأشباهها في كتب الفقه والحديث والتاريخ ، بل بذكرنا خلافيات الفريقين يمكن الوقوف على جواب سؤالنا السابق ، وأن هذه الأمور هي تشريعات ذات أبعاد سياسية عقائدية.

ولا يمكننا أن ننكر أنّ الشيعة قد كانوا يَمَسّون الصحابة في بعض الأحيان ؛ لما وقفوا عليه في التاريخ من غصب حقّ الإمام عليّ ، ومنع الزهراء من فدك والهجوم على بيتها ، ولعن الإمام عليَّ على المنابر في زمن معاوية ومَن بعده ،


365

وضياع أحكام كثيرة من دين الله و...

وهذا يوضح أنّ لكلّ واحد من النهجين أصوله وشعائره ومقدساته. ويجب أن يتّضح لنا أنّ هذا الموقف من الاعتقاد الشيعي أو ذاك الموقف من الاعتقاد السنّي إنّما يبتني على ما يحمله كلّ طرف من المتبنّيات الفكرية الأيدلوجية والأصول التي اعتمد عليها ، والتي تدلّ على شرعيّته عنده وأنّه لم يكن وليد ساعته!

إنّ كلامنا هذا يرمي إلى بيان البُنَى التحتية للفريقين ، دون الخوض في أصل شرعية حكم الفاطميين أو عدم شرعية حكم العباسيين أو العكس وإلى البحث عن مدى صحّة ما روي عنه صلى الله عليه وآله : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ، أو أن حكم البسملة هو الجهر أم الإخفات ، وهل يجوز المسح على الخفين أم لا ؟ إذ أن شرعية هذه الأحكام وعدمها سبقت هذه المرحلة ، وإن ديمومية هذا الخلاف من قبل الفريقين ينبئ عن وجود أصل مختلف فيه بينهما ، لا كما يصورونه من عدم وجود أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، أو عن حكومات غير المتعبّدين.

الأندلس « ما بعد سنة 300هـ »

ذكر ابن حزم الاندلسي في ( نَقْط العروس في تواريخ الخلفاء ) تحت عنوان : مَن خَطَب لبني العبّاس أو لبني عليّ بالأندلس ، فقال :

عمر بن حفصون خطب في أعماله بريَّةَ(1)لإبراهيم بن قاسم بن إدريس بن عبدالله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب صاحب البصرة ، ثمّ خطب

(1) بناحية اكشونيت.


366

لعبيد الله صاحب افريقية ، وأذّن في جميع أعماله « بحيّ على خير العمل »(1).

حلب / مصر ( سنة 347هـ )

قال المقريزي في ( المواعظ والاعتبار ) : « ... وأوّل مَن قال في الأذان بالليل : « محمّد وعليّ خير البشر »(2)الحسين المعروف بأمير ابن شكنبة ، ويقال اشكنبة ، وهو اسم اعجميّ معناه : الكرش ، وهو : عليّ بن محمّد بن عليّ بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، وكان أوّل تأذينه بذلك في أيّام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة ، قاله الشريف محمّد بن أسعد الجوباني النسّابة.

ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه « حيَّ على خير العمل ، ومحمّد وعليّ خير البشر » إلى أيّام نور الدين محمود ، فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية استدعى أبا الحسن عليّ بن الحسن بن محمّد البلخي الحنفي إليها ، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء ، وألقى بها الدروس ، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان وقال لهم : مُرُوهم يؤذّنوا الأذان المشروع(3) ، ومن امتنع كُبّوه على رأسه ، فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به ، واستمر الأمر على ذلك.

وأمّا مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم [ يعني الشيعة الفاطميين ]

(1) رسائل ابن حزم الاندلسي 2 : 84 الرسالة الثانية ( نَقط العروس في تواريخ الخلفاء ) تحقيق احسان عباس بيروت 1987.

(2) هذا اشتباه من الكاتب ، ذلك ان الزيدية كانت تقول بهذا قبل هذا التاريخ حسبما وضحناه.

(3) يعني به الذي ليس فيه « حيّ على خير العمل ، المفسر بمحمد وعلي خير البشر »!


367

إلى أن استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوّب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية في سنة سبع وستيّن وخمسمائة ، وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ، فأبطل الأذان بـ « حيّ على خير العمل » وصار يؤذّن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكّة ، وفيه تربيع التكبير وترجيع الشهادتين ، فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر وانتشر مذهب أبي حنيفة في مصر ، فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنفيّة بأذان أهل الكوفة ، وتقام الصلاة أيضاً على رأيهم(1)...

ومما يجب الإشارة إليه أنّ دولة سيف الدولة الحمدانيّ المتوفّى سنة 356هـ اتّسعت وشملت حلب وانطاكيه وقنّسرين ومنبج وبالس ومعرّة النعمان ومعرّة مصرين ، وسرمين ، وكفر طاب ، وافامية ، وعزاز ، وحماة ، وحمص ، وطرطوس ، ثمّ تولى بعده أخوه ناصر الدولة وكانت دولة شيعية اثني عشرية تعلن عن معتقداتها وآرائها بدون عسفٍ وقَسْرٍ .

روى ابن ظافر في أحداث سنة أربع وخمسين وثلاثمائة أن سيف الدولة صاهر أخاه ناصر الدولة ، فزّوج ابنيه أبا المكارم وأبا المعالي بابنتَي ناصر الدولة ، وزوج أبا تغلب بابنته « ستّ الناس » وضرب دنانير كبيرة ، في كلّ دينار منها ثلاثون ديناراً وعشرون وعشرة عليها مكتوب : « لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله. أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب. فاطمة الزهراء. الحسن. الحسين. جبريل عليهم السلام ».

وعلى الجانب الآخر « أمير المؤمنين المطيع لله. الأميران الفاضلان : ناصر الدولة ، سيف الدولة. الأميران أبو تغلب وأبو المكارم »(2).

(1) خطط المقريزي 2 : 271 ـ 272.

(2) أعيان الشيعة 8 : 269.


368

وواضح ممّا تقدم أنّ الشيعة كانوا يعلنون عن معتقداتهم بكل رصانة وهدوء وبالدليل والمنطق حين تستقر بهم الأمور ، بخلاف مَن أمروا بإلقاء مَن يؤذّن بالحيعلة الثالثة وبفضل محمّد وآل محمّد من على رأس المنارة!!

وجاء في الكامل لابن الأثير وتاريخ الإسلام للذهبي في حوادث سنة 351 هـ : وفيها كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد : لَعَنَ الله معاوية ، ولَعَنَ من غَصَبَ فاطمةَ حقَّها من فَدَك ، ومَن منع الحَسَن أن يُدفن مع جدّه ، ومن نفى أبا ذَرٍّ. ثمّ إنَّ ذلك مُحي في الليل ، فأراد مُعِزُّ الدولة إعادته ، فأشار عليه الوزير المهلّبي أن يُكتَب مكان ما مُحي : « لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وآله » ، وصرّحوا بلعنة معاوية فقط(1).

وفي ثامن عشر ذي الحجّة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ( 352هـ ) عُمل عيد غدير خُمّ وضُربت الدبادب ، وأصبح الناس إلى مقابر قريش للصلاة هناك ، وإلى مشهد الشيعة(2).

القاهرة ( سنة 356هـ )

جاء في كتاب ( المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار ) للمقريزي : « ... وفي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة أُخذ رجل يعرف بابن أبي الليث يُنسَب إلى التشيع فضُرب مائتي سوط ودَرّة.

ثمّ ضرب في شوّال خمسمائة سوط ودَرّة ، وجُعل في عنقه غِلّ وحُبِس ، وكان يُتفقَّد في كلّ يوم لئلا يُخفّف عنه ، ويُبصَق في وجهه ، فمات في محبسه ،

(1) تاريخ الإسلام : 8 حوادث 351 ـ 380هـ ، الكامل في التاريخ 7 : 4 ، المنتظم 14 : 140.

(2) تاريخ الإسلام : 12 حوادث 351 ـ 380هـ .


369

فحُمل ليلاً ودفن.

فمضت جماعة إلى قبره ينبشوه وبلغوا إلى القبر ، فمنعهم جماعة من الاخشيديّة والكافوريّة فأبَوا وقالوا : هذا قبرُ رافضي ، فثارت فئة ، وضرب جماعة ونهبوا كثيراً حتّى تفرّق الناس.

وفي سنة ستّ وخمسين كتب في صفر على المساجد ذكر الصحابة والتفضيل ، فأمر الأستاذ كافور الإخشيدي بإزالته ، فحدّثه جماعة في إعادة ذكر الصحابة على المساجد فقال : ما أُحدِث ُفي أيّامي ما لم يكن ، وما كان في أيّام غيري فلا أزيله ، ثمّ أمر من طاف وأزاله من المساجد كلها.

ولما دخل جوهر القائد بعساكر المعزّ لدين الله إلى مصر وبنى القاهرة أظهر مذهب الشيعة ، وأذّن في جميع المساجد الجامعة وغيرها « حيّ على خير العمل » وأعلن بتفضيل عليّ بن أبي طالب على غيره ، وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء رضوان الله عليهم...

وفي ربيع الأوّل سنة اثنين وستّين عَزّر سليمانُ بن عروة المحتسب جماعة من الصيارفة ، فشغبوا وصاحوا : معاوية خال عليّ بن أبي طالب ، فهمّ جوهر أن يحرق رحبة الصيارفة لكن خشي على الجامع ، وأمر الإمام بجامع مصر أن يجهر بالبسملة في الصلاة ، وكانوا لا يفعلون ذلك ، وزِيدَ في صلاة الجمعة القنوت في الركعة الثانية ، وأمر في المواريث بالردّ على ذوي الارحام ، وأن لايرث مع البنت أخ ولا أخت ولا عمّ ولا جدّ ، ولا ابن أخ ولا ابن عم ، ولا يرث مع الولد الذكر أو الأنثى إلاّ الزوج أو الزوجة والأبوان والجدّة ، ولا يرث مع الأمِّ إلاّ من يرث مع الولد أو الأنثى إلاّ الزوج أو الزوجة والأبوان والجدّة ، ولا يرث مع الأم إلاّ من يرث مع الولد.

وخاطب أبو الطاهر محمّد بن أحمد ـ قاضي مصر ـ القائدَ جوهراً في بنت


370

وأخ ، وأنه حكم قديماً للبنت بالنصف وللأخ بالباقي ، فقال : لا أفعل ، فلمّا ألحّ عليه قال : يا قاضي ، هذا عداوة لفاطمة عليها السلام !! فأمسك أبو الطاهر فلم يراجعه بعد ذلك... (1)

القاهرة ( سنة 358هـ )

قال ابن خلّكان في وفيات الأعيان : أقيمت الدعوة للمعزّ في الجامع العتيق ، وسار جوهر إلى جامع ابن طولون ، وأمر بأن يؤذّن فيه بـ « حيّ على خير العمل » وهو أوّل ما أذّن ، ثمّ أذّن بعده بالجامع العتيق ، وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم(2).

وقال بعده : وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب الخطبة : اللّهم صلّ على محمّد المصطفى ، وعلى عليّ المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطَي الرسول ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، اللّهمّ صلّ على الأئمّة الطاهرين آباء أمير المؤمنين(3).

وجاء في ( المنتظم ) في حوادث سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة : .. ودخل جوهر إلى مصر يوم الثلاثاء لثلاث عشر ليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وخمسين ، وخطب لبني عبيد في الجامعين بفسطاط مصر وسائر أعمالها يوم الجمعة لعشر ليال بقين من شعبان هذه السنة ، وكان الخاطب في هذا اليوم عبدالسميع بن عمر العباسي.

(1) المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والأثار للمقريزي 2 : 340.

(2) وفيات الاعيان لابن خلكان 1 : 375 وانظر : أخبار بني عبيد 1 : 84.

(3) وفيات الأعيان ، لابن خلكان 1 : 379.


371

وقد أشار محقق الكتاب في الهامش إلى نصّ كتاب جوهر لأهل مصر نقتطف منه مقطع « ... وردّ المواريث إلى كتاب الله وسنّة رسوله ، وأن يقدم من أم مساجدكم وتزيينها ، وإعطاء مؤذنيها وقومتها ومن يؤمّ بالناس أرزاقهم ، وأن يجري فرض الأذان والصلاة وصيام شهر رمضان وفطره وقنوت لياليه والزكاة والحج والجهاد على ما أمر الله في كتابه وسنّة نبيّه ، وإجراء أهل الذمّة على ما كانوا عليه »(1).

وفي كتاب ( العبر في خبر من غبر ) : ... وجاءت المغاربة مع القائد جوهر المغربي ، فأخذوا ديار مصر ، وأقاموا الدعوة لبني عُبيد ، مع أنّ دولة معزّ الدولة [ البويهي ] هذه المدة رافضية ، والشعار الجاهلي يقام يوم عاشوراء ويوم الغدير(2).

وفي ( مآثر الإنافة ) للقلقشندي قال : ... دخل جوهر قائد المعزّ الفاطمي إلى مصر سنة 358 واستولى عليها وأذّن بـ « حيّ على خير العمل » وقطع الخطبة للعباسيين(3).

وفي ( تاريخ الخلفاء ) للسيوطي قال : ... لمّا مات كافور الاخشيدي صاحب مصر اختلّ النظام وقلّت الأموال على الجند ، فكتب جماعة إلى المعزّ [ الفاطمي ] يطلبون منه عسكراً ليسلّموا إليه مصر ، فأرسل مولاه جوهراً القائد في مائة ألف فارس فملكها... وقطع خطبة بني العبّاس ولبس السواد وألبس الخطباء البياض ، وأمر أن يقال في الخطبة : « اللّهم صلّ على محمّد المصطفى ، وعلى عليّ المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطي

(1) المنتظم 14 : 197.

(2) العبر في خبر من غبر 2 : 316.

(3) مآثر الانافة للقلقشندي 1 : 307.


372

الرسول ، وصلّ على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعزّ بالله »(1).

وفي ( سير أعلام النبلاء )(2)و ( نهاية الأرب )(3)والنصّ للأوّل : ... وضربت السكّة على الدينار بمصر وهي : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، عليٌّ خير الوصيين ، والوجه الآخر اسم المعز والتاريخ ، واعلن بـ « حيّ على خير العمل » ، ونودي : « من مات عن بنت وأخ وأخت فالمال كلّه للبنت » ، فهذا رأي هؤلاء.

قال الذهبي : ظهر في هذا الوقت الرفض وأبدى صفحته وشمخ بأنفه في مصر والحجاز والشام والمغرب بالدولة العبيديّة ، وبالعراق والجزيرة والعجم ببني بويه ، وكان الخليفة المطيع ضعيف الدست والرتبة مع بني بويه ، وأعلن الأذان بالشام ومصر بـ « حيّ على خير العمل ».

وفي ( البداية والنهاية ) لابن كثير... دخل أبو الحسين جوهر القائد الرومي في جيش كثيف من جهة المعزّ الفاطمي إلى ديار مصر يوم الثلاثاء لثلاث عشر بقيت من شعبان ، فلمّا كان يوم الجمعة خطبوا للمعزّ الفاطمي على منابر الديار المصريّة وسائر أعمالها ، وأمر جوهر المؤذنين بالجوامع أن يؤذنوا بـ « حيّ على خير العمل » وان يجهر الأئمّة بالتسليمة الأولى(4).

(1) تاريخ الخلفاء : 402.

(2) سير أعلام النبلاء 15 : 160 وتاريخ الإسلام.

(3) نهاية الارب في فنون الادب / الفن 5 / القسم 5 / الباب 12 اخبار الملوك العبيديون.

(4) البداية والنهاية 11 : 284.


373

جامع بن طولون / مصر ( سنة 359هـ )

قال النويري في ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) : ... وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة في يوم الجمعة لثمان خَلَون من شهر ربيع الآخر ، صلّى القائد جوهر في جامع ابن طولون وأذن بـ « حيّ على خير العمل » ، وهو أوّل ما أذّن به بمصر ، ثمّ أذن بذلك بالجامع العتيق بمصر في الجمعة(1).

وقال ابن خلدون في تاريخه : ... دخل جوهر جامع ابن طولون فصلّى فيه وأمر بزيادة « حيّ على خير العمل » في الأذان ، فكان أوّل أذان أُذِّن به في مصر(2).

وقال ابن الأثير في الكامل : ... وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة سار جوهر إلى جامع ابن طولون وأمر المؤذن فأذن بـ « حيّ على خير العمل » وهو أوّل ما أذن بمصر ، ثمّ أذن بعده في الجامع العتيق وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم(3).

وفي ( شذرات الذهب ) لابن العماد الحنبلي : ... في ثامن عشر من ربيع الآخر سنة 359 صلّى القائد جوهر في جامع ابن طولون بعسكر كثير ، وخطب عبدالسميع بن عمر العباسي الخطيب وذكر أهل البيت وفضائلهم رضي الله عنهم. ودعا للقائد جوهر ، وجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم ، وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة ، وأذن بـ « حيّ على خير العمل » وهو أوّل ما أُذّن به بمصـر... وقنت الخطـيب في صـلاة الجمعـة ، وفي جمـادى الأولى

(1) نهاية الارب في فنون الادب / الفن 5 / القسم 5 / الباب 12 اخبار الملوك العبيديون.

(2) تاريخ ابن خلدون 4 : 48.

(3) الكامل في التاريخ 7 : 31.


374

من السـنة المذكـورة أذنـوا في جامع مصـر العتـيق بـ « حيّ على خـير العمل »(1).

وقال المقريزي في ( المواعظ والاعتبار ) : ... وكان الأذان أولاً بمصر كأذان أهل المدينة وهو الله أكبر ، الله أكبر وباقيه كما هو اليوم ، فلم يزل الأمر بمصر على ذلك في جامع عمرو بالفسطاط ، وفي جامع العسكر ، وفي جامع أحمد ابن طولون وبقيّة المساجد إلى أن قَدِم القائد جوهر بجيوش المعزّ لدين الله وبنى القاهرة ، فلمّا كان في يوم الجمعة الثامن من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة صلّى القائد جوهر الجمعة في جامع أحمد بن طولون ، وخطب به عبدالسميع بن عمر العبّاسي بقلنسوة وسبنى ، وطيلسان دبسيّ ، وأذّن المؤذّنون « حيّ على خير العمل » وهو أوّل ما أذّن به بمصر.

وصلّى به عبدالسميع الجمعة ، فقرأ سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون ، وقنت في الركعة الثانية ، وانحطّ إلى السجود ، ونسي الركوع ، فصاح به عليّ بن الوليد قاضي عسكر جوهر : بطلت الصلاة ، أعد ظهراً أربع ركعات ، ثمّ أذّن بـ « حيّ على خير العمل » في سائر مساجد العسكر إلى حدود مسجد عبدالله(2).

وأنكر جوهر على عبدالسميع أنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كلّ سورة ، ولا قرأها في الخطبة ، فأنكره جوهر ومنعه من ذلك.

ولأربع بقين من جمادى الأولى المذكور أذّن في الجامع العتيق بـ « حيّ على خير العمل » ، وجهروا في الجامع بالبسملة في الصلاة ، فلم يزل الأمر على ذلك طول مدة الخلفاء الفاطميين ؛ إلاّ أنّ الحاكم بأمر الله في سنة أربعمائة أمر بجمع

(1) شذرات الذهب 3 : 100.

(2) انظر : قريباً منه في أخبار بني عبيد 1 : 85.


375

مؤذّني القصر ، وسائر الجوامع وحضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي ، وقرأ أبو عليّ العباسي سجلاًّ فيه الأمر بترك « حيّ على خير العمل » في الأذان ، وأن يقال في صلاة الصبح : الصلاة خير من النوم ، وأن يكون ذلك من مؤذّني القصر عند قولهم : « السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله »(1).

فامتثل ذلك ، ثمّ عاد المؤذّنون إلى قول « حيّ على خير العمل » في ربيع الآخر سنة أحد وأربعمائة ، ومنع في سنة خمس وأربعمائة مؤذّني جامع القاهرة ومؤذّني القصر من قولهم بعد الأذان : « السلام على أمير المؤمنين » وأمرهم ان يقولوا بعد الأذان : الصلاة رحمك الله... »(2).

وفي كتاب ( النجوم الزاهرة في أعلام مصر والقاهرة ) : ... ثمّ في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وثلاثمائة أذّنوا بمصر بـ « حيّ على خير العمل » واستمرّ ذلك ، ثمّ شرع جوهر في بناء جامعه بالقاهرة المعروف بجامع الأزهر ، وهو أوّل جامع بنته الرافضة بمصر(3).

وفي تاريخ الخلفاء : في ربيع الآخر سنة 359 أذّنوا بمصر بـ « حيّ على خير العمل »(4).

(1) مرّ عليك أنّ معاوية بن أبي سفيان هو أوّل من ابتدع هذه المقولة ورسّخ أركانها ( كما عن كتب الأوائل السيوطي : 26 ) . وقد كان لهذا الأمر جذر متجذر في زمان عمر ، ذلك أنّه لمّا قدم عمر مكّة أتاه أبو محذورة وقد أذّن ، فقال : الصلاة يا أمير المؤمنين ، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح ، قال : ويحك أمجنون أنت ؟! أما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك حتّى تأتينا. ( مصنف ابن أبي شيبة 1 : 307 ).

(2) المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 : 270 ـ 271.

(3) النجوم الزاهرة 4 : 32.

(4) تاريخ الخلفاء : 402.


376

دمشق ( سنة 360هـ )

قال الذهبي في تاريخ الإسلام : ... وفي صفر أعلن المؤذّنون بدمشق « حيّ على خير العمل » بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعزّ بالله ، ولم يجسر أحد على مخالفته ، وفي جمادى الآخرة أمرهم بذلك في الإقامة فتألم الناس لذلك فهلك لِعامِهِ والله أعلم(1).

وفي ( سير أعلام النبلاء ) : ... وفي سنة ستين تملّك بنو عبيد مصر والشام وأذنوا بدمشق بـ « حيّ على خير العمل » وغلت البلاد بالرفض شرقاً وغرباً وخفيت السنة قليلاً(2).

ثمّ قال في ( ج 16 : 467 ) : ... وقطعت الخطبة العباسية وألبس الخطباء البياض وأذنوا بـ « حيّ على خير العمل ».

وقال ابن كثير في ( البداية والنهاية ) : ... استقرّت يد الفاطميين على دمشق في سنة 360 ، وأذّن فيها وفي نواحيها بـ « حيّ على خير العمل » أكثر من مائة سنة ، وكتب لعنة الشيخين على أبواب الجوامع بها وأبواب المساجد.

وفي مصر خطب جوهر لمولاه وقطع خطبة بني العبّاس ، وذكر في خطبته الأئمّة الاثني عشر وأمر فأذّن بـ « حيّ على خير العمل »(3).

وقال بعد ذلك : وفيها أذن بدمشق وسائر الشام بـ « حيّ على خير العمل » ، قال ابن عساكر في ترجمة جعفر بن فلاح نائب دمشق : وهو أوّل من تأمّر بها عن الفاطميين :

(1) تاريخ الإسلام : 48 حوادث 351 ـ 380هـ .

(2) سير أعلام النبلاء 15 : 116 ، تاريخ الخلفاء : 402.

(3) البداية والنهاية 11 : 284.


377

أخبرنا أبو محمّد الأكفاني ، قال : قال أبو بكر أحمد بن محمّد بن شرام : وفي يوم الخميس لخمس خَلَونَ من صفر من سنة 360 أعلن المؤذّنون في الجامع بدمشق وسائر مآذن البلد وسائر المساجد بحيّ على خير العمل بعد حيّ على الفلاح ، أمرهم بذلك جعفر بن فلاح ولم يقدروا على مخالفته ، ولا وجدوا من المسارعة إلى طاعته بُدّاً.

وفي يوم الجمعة الثامن من جمادى الآخرة أُمر المؤذّنون أن يُثنّوا الأذان والتكبير في الاقامة مَثْنى مَثْنى ، وأن يقولوا في الإقامة « حيّ على خير العمل » ، فاستعظم الناس ذلك وصبروا على حكم الله(1).

وجاء في ( النجوم الزاهرة ) : ... وهي السـنة الثانـية لولاية جوهر... على مصر وهي سنة 360 ، وفيها عمل الرافضـة المآتـم ببغـداد في يوم عاشـوراء على العـادة في كلّ سـنة من النَّـوح واللطـم والبكـاء ، وتعليق المُسـوح ، وغلق الأسـواق ، وعملوا العيد والفرح يوم الغـدير وهو يـوم ثامن عشـر من ذي الحجّة.

وفي صفر أعلن المؤذّنون بـ « حيّ على خير العمل » بأمر القائد جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعزّ الفاطمي ، ولم يجسر أحد على مخالفته ، ثمّ في جمادى الآخرة أمرهم ابن فلاح المذكور بذلك في الإقامة فتألم الناس(2).

وقال أيضاً : ... وفيها ( أي سنة 360 ) قتل جعفر بن فلاح وهو أوّل أمير ولي دمشق لبني عبيد المغربي ، والعجب أن القرمطي أبا محمّد الحسن بن أحمد لمّا

(1) البداية والنهاية 11 : 287 ، وكلام ابن كثير يشير إلى عمل أهل السنة والجماعة بالتقية لو احسوا الضرورة لذلك ، كما يفعله اليوم الخط السلفي واتباع الطالبان ، فلا يرتضي أحد منهم أن يُنسَب إلى ابن لادن خوفاً من القتل والسجن!

(2) النجوم الزاهرة 4 : 57.


378

قتله بكى عليه ورثاه لأنهما يجمع بينهما التشيّع(1).

وقد كتب المقريزي عن المعزّ لدين الله : أنه لمّا دخل مصر أمر في رمضان سنة اثنين وستّين وثلاثمائة فكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر : « خير الناس بعد رسول الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام »(2).

حلب ( سنة 367هـ )

جاء في زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن أبي ب بابن العديم المتوفّى سنة 660 : ... وانهزم (بكجور) إلى القلعة فاستعصى بها وذلك في رجب سنة خمس وستّين وثلاثمائة ، ثمّ أقام سعد الدولة يحاصر القلعة مدة حتّى نفذ ما فيها من القوت ، فسلمها (بكجور) في شهر ربيع الآخر من سنة سبع وستين وثلاثمائة.

وولى سعد الدولة بكجور حمص وجندها ، وكان تقرير أمر بكجور بين سعد الدولة وبينه على يد أبي الحسن عليّ بن الحسين بن المغربي الكاتب والد الوزير أبي القاسم.

واستقرّ أمر سعد الدولة بحلب ، وجدّد الحلبيّون عمارة المسجد الجامع بحلب ، وزادوا في عمارة الأسوار في سنة سبع وستين. وغيَّر سعدٌ الأذانَ بحلب وزاد فيه : « حيّ على خير العمل محمّد وعليّ خير البشر » ، وقيل : أنه فعل ذلك في سنة تسع وستين وثلاثمائة ، وقيل : سنة ثمان وخمسين. وسير سعد الدولة في سنة سبع وستين وثلاثمائة الشريف أبا الحسن إسماعيل بن

(1) النجوم الزاهرة 4 : 57.

(2) المواعظ والاعتبار 2 : 340 ـ 341.


379

الناصر الحسني يهنّئ عضد الدولة بدخوله مدينة السلام(1).

وقال أبو الفداء في ( اليواقيت والضرب في تاريخ حلب ) : ... وأقام سعد الدولة يحاصر القلعة مدّة حتّى نفذ ما فيها من القوت ، فسلّمها بكجور إليه في شهر ربيع الآخر سنة 367 ، وولى سعد الدولة بكجور حمص وجندها. وكان تقرير أمر بكجور بين سعد الدولة وبينه على يد أبي الحسن عليّ بن الحسين المغربي الكاتب والد الوزير أبي القاسم.

واستقرّ أمر سعد الدولة بحلب ، وجدّد الحلبيّون عمارة المسجد الجامع بحلب ، وزادوا في عمارة الأسوار في سنة 367 وغيّر سعد الدولة الأذان بحلب وزاد فيه « حيّ على خير العمل » ، محمّد وعليّ خير البشر ، وقيل أنّه فعل ذلك في سنة 369 وقيل سنة 58(2).

ملتان ـ الهند ( قبل سنة 380هـ )

قال المقدسي المتوفّى ( 380هـ ) في كتابه ( أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم ) ضمن حديثه عن إقليم السند :

الملتان تكون مثل المنصورة غير أنّها أعمرة ليست بكثيرة الثمار غير أنّها رخيصة الأسعار ، الخبز ثلاثون منّاً بدرهم ، والفانيد ثلاثة أمنان بدرهم ، حسنة تُشاكل دور سيراف من خشب الساج طبقات ، ليس عندهم زنا ولا شرب خمر ، ومن ظفروا به يفعل ذلك قتلوه ، أو حدّوه ، ولا يكذبون في بيع ، ولايبخسون في كيل ، ولا يخسرون في وزن ، يحبّون الغرباء ، وأكثرهم عرب ،

(1) زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم المتوفّى 660هـ 1 : 159 ـ 160 ، تحقيق سامي الدهان ، طـ المعهد الفرنسي .

(2) اليواقيت والضرب لإسماعيل أبي الفداء : 134 ، تحقيق محمد جمال وفالح بكور.


380

شربهم من نهر غزير ، والخير بها كثير ، والتجارات حسنه ، والنعم ظاهرة ، والسلاطين عادلة ، لا ترى في الأسواق متجملة ، ولا أحد يحدّثها علانية... إلى ان يقول :

وأهل الملتان شيعة يحيعلون في الأذان ويُثنّون في الإقامة ، ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة وليس به مالكية ولا معتزلة ، ولاعمل للحنابلة ، إنّهم على طريقة مستقيمة ، ومذاهب محمودة ، وصلاح وعفّة ، قد أراحهم الله من الغلوّ والعصبيّة والهرج والفتنة(1).

مصر ( سنة 393هـ )

شرح ابن خلدون حال الحاكم بأمر الله العبيدي الذي ولي الخلافة ( 386 ـ 411 ) فقال : ... وأمّا مذهبه في الرافضة فمعروف ، ولقد كان مضطرباً فيه مع ذلك ، فكان يأذن في صلاة التراويح ثمّ ينهى عنها ، وكان يرى بعلم النجوم ويُؤثِره. ويُنقل عنه أنه منع النساء من التصرف في الأسواق ، ومنع من أكل الملوخيا ، ورفع إليه أن جماعة من الروافض تعرّضوا لأهل السنّة في التراويح بالرجم ، وفي الجنائز ، فكتب في ذلك سجلاً قُرئ على المنبر بمصر كان فيه : أمّا بعد ، فإنّ أمير المؤمنين يتلو عليكم من كتاب الله المبين ﴿ لا إكراه في الدّين ...

إلى أن يقول : يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون ، صلاة الخمس للدين بها جاءهم فيها يصلون ، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ، ولا هم عنها

(1) احسن التقاسم ومعرفة الاقاليم : 480 وفيه ( يهوعلون ) ويبدو أنّه تصحيف : يحوعلون أو يحيعلون ، ومعناه قولهم ( حيّ على خير العمل ) في الأذان.


381

يُدَفعون ، يخمّس في التكبير على الجنائز المخمّسون ، ولا يمنع من التكبير عليها المربّعون ، يؤذن بـ « حيّ على خير العمل » المؤذّنون ، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون... ولا يؤذن من بها لا يؤذنون... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة(1).

وقال ابن الأثير في الكامل عن سبب قتله « ... وقيل كان سبب قتله أنّ أهل مصر كانوا يكرهونه لما يظهر منه من سوء أفعاله ، فكانوا يكتبون إليه الرِّقاع فيها سَبّه ، ـ إلى أن يقول ـ : منها أنه أمر في صدر خلافته بسبّ الصحابة رضي الله عنهم ، وأن تكتب على حيطان الجوامع والأسواق ، وكتب إلى سائر عماله بذلك ، وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.

ثمّّ أمر في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة بترك صلاة التراويح ، فاجتمع الناس بالجامع العتيق ، وصلّى بهم [ إماماً ] جميع رمضان ، فأخذه وقتله ، ولم يصلِّ أحد التراويح إلى سنة ثمان وأربعمائة ، فرجع عن ذلك وأمر بإقامتها على العادة.

وبنى الجامع براشدة ، وأخرج إلى الجوامع والمساجد من الآلات والمصاحف ، والستور والحصر ما لم ير الناس مثله ، وحمل أهل الذمة على الإسلام ، أو المسير إلى مأمنهم ، أو لبس الغيار ، فأسلم الكثير منهم ، ثمّ كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له : إني أريد العود إلى ديني ، فيأذن له ، ومنع النساء من الخروج من بيوتهن...(2) وممّا يجب التنويه به هنا هو أن الحكام ـ بوصفهم حكّاماً ـ قد يتخذون بعض المواقف لمصلحة ، وقد تتدخل السياسة في بعض تصرفاتهم ، ولا

(1) تاريخ ابن خلدون 4 : 60 ـ 61.

(2) الكامل في التاريخ 7 : 305 حوادث سنة 411.


382

أستثني الفاطميين من العباسيين أو العكس ، فهم بشر كغيرهم لهم ميولاتهم ونزعاتهم ، ولا يمكن النجاة من ذلك إلاّ بالإمام المعصوم.

بل الذي ذكرناه أو نذكره ما هو إلاّ بيان لامتداد النهجين ، وإن استُغلّ من قبل الحكام في بعض الحالات.

اليمامة ( سنة 394هـ )

ذكر ناصر خسرو المروزي الملقّب بحجّة المتوفّى سنة 450هـ في رحلته وعند حديثه عن أحوال مدينة اليمامة : ... وأمراؤها علويّون منذ القديم ، ولم ينتزع أحد هذه الولاية منهم.... ومذهبهم الزيديّة ، ويقولون في الإقامة ( محمّد وعليّ خير البشر وحيّ على خير العمل )(1).

المدينة / مصر ( سنة 400هـ )

جاء في ( النجوم الزاهرة ) : أنّ الحاكم بأمر الله العبيدي أرسل إلى مدينة الرسول إلى دار جعفر الصادق مَن فتحها وأخذ منها ما كان فيها من مصحف وسرير والآت . وكان الذي فتحها ختكين العضدي الداعي ، وحمل معه رسوم الأشراف ، وعاد إلى مصر بما وجد في الدار . وخرج معه من شيوخ العلوية جماعة ، فلمّا وصلوا إلى الحاكم أطلق لهم نفقات قليلة وردّ عليهم السرير وأخذ الباقي ، وقال : أنا أحقّ به ، فانصرفوا داعين عليه ، وشاع فعله في الأمور التي خرق العادات فيها ودعي عليه في أعقاب الصلوات ، وظوهر بذلك فأشفق فخاف ، وأمر بعمارة دار العلم وفرشها ، ونقل إليها الكتب العظيمة وأسكنها من شيوخ السنّة شيخين يُعرف أحدهما بأبي بكر الأنطاكي ، وخلع

(1) سفر نامه ناصر خسرو : 122.


383

عليهما وقرّبهما ورسم لهما بحضور مجلسه وملازمته ، وجمع الفقهاء والمحدثين إليها وأمر أن يقرأَ بها فضائل الصحابة ، ورفع عنهم الاعتراض في ذلك ، وأطلق صلاة التراويح والضحى ، وغيَّر الأذان وجعل مكان « حيّ على خير العمل » « الصلاة خير من النوم » ، وركب بنفسه إلى جامع عمرو بن العاص وصلّى فيه الضحى ، وأظهر الميل إلى مذهب مالك والقول به.. وأقام على ذلك ثلاث سنين ، وفعل ما لم يفعله أحد.

ثمّ بدا له بعد ذلك فقتل الفقيه أبا بكر الانطاكي والشيخ الآخر وخَلقاً كثيراً من أهل السنّة ، لا لأمر يقتضي ذلك ، وفَعَلَ ذلك كلّه في يوم واحد ، وأغلق دار العلم ، ومنع من جميع ما كان فعله(1).

وقال المقريزي في ( المواعظ والاعتبار ) : ... وفي صفر سنة أربعمائة شُهِر جماعة بعد أن ضربوا بسبب بيع الفقاع والملوخيا(2)والدلينس والترمس ، وفي تاسع عشر شهر شوّال أمر الحاكم بأمر الله برفع ما كان يؤخذ من الخمس والزكاة والفطرة والنجوى ، وأبطل قراءة مجالس الحكمة في القصر ، وأمر بردّ التثويب في الأذان ، وأذّن للناس في صلاة الضحى وصلاة التراويح ، وأمر

(1) النجوم الزاهرة 4 : 222 ـ 223.

(2) لانه كان قد قرئ في سنة 395 سِجِلٌ فيه منع الناس من تناول الملوخيا أكلة معاوية ابن أبي سفيان المفضَّلة ومنعهم من أكل البقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة ومن المتوكّلية المنسوبة إلى المتوكّل ، والمنع من عجين الخبز بالرِّجل ، والمنع من أكل الدلينس ، وكان في هذا الكتاب أيضاً : المنع من عمل الفقاع وبيعه في الأسواق ، لما يؤثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من كراهية شرب الفقاع ، وضرب في الطرقات والأسواق بالجرس ونودي أن لا يدخل أحد الحمام إلاّ بمئزر ، ولا تكشف امراة وجهها في طريق ولا خلف جنازة ولا تتبرج ، ولا يباع شيء من السمك بغير قشر ولا يصطاده أحد من الصيادين . ( المواعظ والاعتبار 2 : 341 ) .


384

المؤذّنين بأسرهم في الأذان بأن لا يقولوا « حيّ على خير العمل » ، وأن يقولوا في الأذان للفجر : « الصلاة خير من النوم » ، ثمّ أمر في ثاني عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة بإعادة قول « حيّ على خير العمل » في الأذان وقطع التثويب وترك قولهم « الصلاة خير من النوم » ، ومنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح ، وفتح باب الدعوة ، وأعيدت قراءة المجالس بالقصر على ما كانت ، وكان بين المنع من ذلك والأذان فيه خمسة أشهر.

وضُرب في جمادى من هذه السنة جماعة وشُهروا بسبب بيع الملوخيا والسمك الذي لا قشر له وشرب المسكرات وتتبّع السكارى فضيّق عليهم(1).

وفي السادس والعشرين منه [ من المحرم سنة 401هـ ] قرئ بجامع مصر سجلّ يتضمن النهي عن معارضة الحاكم فيما يفعله وترك الخوض فيما لا يعني ، وإعادة « حيّ على خير العمل » إلى الأذان وإسقاط « الصلاة خير من النوم » والنهي عن صلاة التراويح والضحى...(2)

بغداد ( سنة 441 ـ 442هـ )

ذكر ابن الأثير في حوادث هذه السنة : ... وفيها مُنع أهل الكرخ من النَّوح ، وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء ، فلم يقبلوا وفعلوا ذلك ، فجرى بينهم وبين السنيّة فتنة عظيمة قُتل فيها وجرح كثير من الناس ، ولم ينفصل الشرّ بينهم حتّى عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم فكفّوا حينئذ.

ثمّ شرع أهل الكرخ في بناء سور على الكرخ ، فلمّا رآهم السنيّة من القلاّئين

(1) المواعظ والاعتبار 2 : 342.

(2) نهاية الارب في فنون الادب / الفن 5 / القسم 5 / الباب 12 اخبار الملوك العبيديون.


385

ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلاّئين ، وأخرج الطائفتان في العمارة مالاً جليلاً ، وجرت بينهما فتن كثيرة ، وبطلت الأسواق وزاد الشر حتّى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا به.

وتقدّم الخليفة إلى أبي محمّد بن النسوي بالعبور وإصلاح الحال وكفّ الشر ، فسمع أهل الجانب الغربي ذلك فاجتمع السنة والشيعة على المنع منه ، وأذّنوا في القلاّئين وغيرها بـ « حيّ على خير العمل » وأذّنوا في الكرخ بـ « الصلاة خير من النوم » وأظهروا الترحّم على الصحابة ، فبطل عبوره(1).

وفي ( المنتظم ) وضمن بيان حوادث سنة 442هـ : ... انّه ندب أبو محمّد النسوي للعبور وضبط البلد ، ثمّ اجتمع العامّة من أهلِ الكرخ والقلاّئين وباب الشعير وباب البصرة على كلمة واحدة في أنه متى عبر ابن النسوي أحرقوا أسواقهم وانصرفوا عن البلد ، فصار أهل الكرخ إلى باب نهر القلاّئين ، فصلّوا فيه وأذنوا في المشهد « حيّ على خير العمل » وأهل القلاّئين بالعتيقة والمسجد بالبزّازين بـ « الصلاة خير من النوم » واختلطوا واصطلحوا وخرجوا إلى زيارة المشهدين مشهد عليّ والحسين(2).

وفي ( تاريخ أبي الفداء ) : ... وقعت الفتنة ببغداد بين السنّة والشيعة ، وعَظُم الأمر حتّى بطلت الأسواق ، وشرع أهل الكرخ في بناء سور عليهم محيطاً بالكرخ ، وشرع السنّة من القلاّئين ومن يجري مجراهم في بناء سور على سوق القلائين ، وكان الأذان بأماكن الشيعة بـ « حيّ على خير العمل » وبأماكن السنة « الصلاة خير من النوم »(3).

(1) الكامل في التاريخ 8 : 53.

(2) المنتظم 15 : 325.

(3) تاريخ أبي الفداء 1 : 170.


386

وفي ( النجوم الزاهرة ) : ... فيها كان من العجائب أنّه وقع الصلح بين أهل السنّة والرافضة وصارت كلمتهم واحدة ، وسبب ذلك : أن أبا محمّد النسوي ولي شرطة بغداد وكان فاتكاً ، فاتّفقوا على أنّه متى رحل إليهم قَتَلوه ، واجتمعوا وتحالفوا ، وأُذّن بباب البصرة « حيّ على خير العمل » ، وقرئ في الكرخ فضائل الصحابة ، ومضى أهل السنة والشيعة إلى مقابر قريش ، فعدّ ذلك من العجائب ، فإنّ الفتنة كانت قائمة والدماء تُسكب والملوك والخلفاء يعجزون عن ردّهم حتّى ولي هذا الشرطة ، فتصالحوا على هذا الأمر اليسير(1).

بغداد ( سنة 443هـ )

قال ابن الأثير في ( الكامل ) : ... في هذه السنة في صفر تجدّدت الفتنة ببغداد بين السنّة والشيعة وعظمت أضعاف ما كانت قديماً ، فكان الاتفاق الذي ذكرناه في السنة الماضية غير مأمون الانتقاض لما في الصدور من الإحن ، وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرخ شرعوا في عمل باب السمّاكين ، وأهل القلاّئين في عمل ما بقي من باب مسعود ، ففرغ أهل الكرخ ، وعملوا أبراجاً كتبوا عليها بالذهب : « محمّد وعليّ خير البشر » ؛ وأنكر السنيّة ذلك وادّعوا أنّ المكتوب : « محمّد وعليّ خير البشر ، فمن رضي فقد شكر ، ومن أبى فقد كفر » ؛ وأنكر أهلُ الكرخ الزيادةَ وقالوا : ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا ، فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمّام نقيب العبّاسيّين ، ونقيب العلويّين وهو عدنان بن الرضي ، لكشف الحال وإنهائه ، فكتبا بتصديق قول الكرخيّين ، فأمر حينئذ الخليفة ونوّاب الرحيم بكفّ القتال ، فلم يقبلوا. وانتدب ابن المذهب القاضي ، والزهيريّ ، وغيرهما من الحنابلة أصحاب

(1) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 5 : 49.


387

عبد الصمد بحمل العامّة على الإغراق في الفتنة ، فأمسك نوّابُ الملك الرحيم عن كفّهم غيظاً من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة ، ومنع هؤلاء السُّنّة من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ ، وكان نهر عيسى قد انفتح بثقُهُ ، فعظم الأمر عليهم ، وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف ، وصبّوا عليه ماء الورد ، ونادوا : الماء للسبيل ؛ فأغروا بهم السُّنّة.

وتشدّد رئيس الرؤساء على الشيعة ، فمحوا : « خير البشر » ، وكتبوا : « عليهما السلام » ، فقالت السُّنّة : لا نرضى إلاّ أن يُقلع الآجرّ الذي عليه « محمّد وعليّ » وأن لا يؤذَّن : « حيَّ على خير العمل » ؛ وامتنع الشيعة من ذلك ، ودام القتال إلى ثالث ربيع الأوّل ، وقُتل فيه رجل هاشميّ من السنيّة ، فحمله أهله على نعش ، وطافوا به في الحربيّة ، وباب البصرة ، وسائر محالّ السُّنّة ، واستنفروا الناس للأخذ بثأره ، ثمّ دفنوه عند أحمد بن حنبل ، وقد اجتمع معهم خلق كثير أضعاف ما تقدّم.

فلمّا رجعوا من دفنه قصدوا مشهد باب التبن فأُغلق بابه ، فنقبوا في سوره وتهدّدوا البوّاب ، فخافهم وفتح الباب فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضّة وسُتور وغير ذلك ، ونهبوا ما في الترب والدور ، وأدركهم الليل فعادوا.

فلمّا كان الغد كثر الجمع ، فقصدوا المشهد ، وأحرقوا جميع الترب والآراج ، واحترق ضريح موسى ، وضريح ابن ابنه محمّد بن عليّ الجواد ، والقُبّتان الساج اللتان عليهما ، واحترق ما يقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بُوَيْه ، مُعزّ الدولة ، وجلال الدولة ، ومن قبور الوزراء والرؤساء ، وقبر جعفر بن أبي جعفر المنصور ، وقبر الأمين محمّد بن الرشيد ، وقبر أمّه زبيدة ، وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجرِ في الدنيا مثله.


388

فلمّا كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمّد بن عليّ لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل ، فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر ، فجاء الحفر إلى جانبه.

وسمع أبو تمّام نقيب العبّاسيّين وغيره من الهاشميّين السنيّة الخبرَ ، فجاؤوا ومنعوا عن ذلك ، وقصد أهل الكرخ إلى خان الفقهاء الحنفيّين فنهبوه ، وقتلوا مدرّس الحنفيّة أبا سعد السَّرَخْسيّ ، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء. وتعدّت الفتنة إلى الجانب الشرقيّ ، فاقتتل أهل باب الطاق وسوق بَجّ ، والأساكفة ، وغيرهم.

ولمّا انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دُبَيْس بن مَزيد عَظُم عليه واشتدّ وبلغ منه كلّ مبلغ ؛ لأنّه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل وتلك الولاية كلّهم شيعة ، فقُطعت في أعماله خطبةُ الإمام القائم بأمر الله ، فروسل في ذلك وعُوتب ، فاعتذر بأنّ أهل ولايته شيعة ، واتّفقوا على ذلك ، فلم يمكنه أن يَشُقّ عليهم كما أنّ الخليفة لم يمكنه كفّ السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا ، وأعاد الخطبة إلى حالها(1).

وقد ذكر ابن الجوزي هذه الحادثة في ( المنتظم ) إلى أن يقول : ... وفي يوم الجمعة لعشر بقين من ربيع الآخر خطب بجامع براثا وأسقط « حيّ على خير العمل » ودق الخطيب المنبر وقد كانوا يمنعون منه ، وذكر العبّاس في خطبته(2).

(1) الكامل في التاريخ 8 : 59 ـ 60 حوادث سنة 443.

(2) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 15 : 331 وتاريخ ابي الفداء 2 : 170 ـ 171 ، وتاريخ الإسلام 30 : 9.


389

بغداد ( سنة 444 ـ 445هـ )

ذكر ابن الأثير عدّة حوادث في هذه السنة ، وقال : « وفيها عُمل محضرٌ ببغداد يتضمّن القدح في نسب العلويّين أصحاب مصر ، وأنّهم كاذبون في ادّعائهم النسبَ إلى عليّ عليه السلام ، وعَزَوهم فيه إلى الدَّيصانيّة من المجوس ، والقدّاحيّة من اليهود ، وكتب فيه العلويّون ، والعبّاسيّون ، والفقهاء ، والقضاة ، والشهود ، وعُمل به عدّة نسخ ، وسُيِّر في البلاد ، وشُيّع بين الحاضر والباد....

وفيها حدثت فتنة بين السُّنة والشيعة ببغداد ، وامتنع الضبط ، وانتشر العيّارون وتسلّطوا ، وجَبَوا الأسواق ، وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال ، وكان مقدّمهم الطِّقطِقيّ والزَّيْبق ، وأعاد الشيعة الأذان بـ « حيّ على خير العمل » ، وكتبوا على مساجدهم : « محمّد وعليّ خير البشر » ؛ وجرى القتال بينهم ، وعظم الشرّ(1).

ثمّ صدّر حوادث سنة خمس وأربعين وأربعمائة بذكر الفتنة بين السنّة والشيعة ببغداد ، فقال :

في هذه السنة ، في المحرّم ، زادت الفتنة بين أهل الكرخ وغيرهم من السُّنّة ، وكان ابتداؤها أواخر سنة أربع وأربعين [ وأربعمائة ].

فلمّا كان الآن عظم الشرّ ، واطّرحت المراقبة للسلطان ، واختلط بالفريقَيْن طوائف من الأتراك ، فلمّا اشتدّ الأمر اجتمع القوّاد واتفقوا على الركوب إلى المحالّ وإقامة السياسة بأهل الشرّ والفساد ، وأخذوا من الكرخ إنساناً علويّاً وقتلوه ، فثار نساؤه ، ونَشَرنَ شعورهنّ واستَغَثنَ ، فتَبعهنّ العامّة من أهل الكرخ ، وجرى بينهم وبين القوّاد ـ ومَن معهم من العامّة ـ قتال شديد ، وطَرَح

(1) الكامل في التاريخ 8 : 64 ، وانظر كلام ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة 402 « الشذرات 3 : 162 ».


390

الأتراك النار في أسواق الكرخ ، فاحترق كثير منها ، وألحقتها بالأرض ، وانتقل كثير من الكرخ إلى غيرها من المحالّ.

وندم القوّاد على ما فعلوه ، وأنكر الإمام القائم بأمر الله ذلك ، وصلح الحال ، وعاد الناس إلى الكرخ ، بعد أن استقرّت القاعدة بالديوان بكفّ الأتراك أيديهم عنهم(1) .

وفي ( تاريخ أبي الفداء ) : ... وفي هذه السنة ( ت 444هـ ) كانت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة ، واعادت الشيعة الأذان « بحيّ على خير العمل » ، وكتبوا على مساجدهم : « محمّد وعليّ خير البشر »(2).

بغداد ( سنة 448هـ )

ذكر ابن الأثير في حوادث هذه السنة : ... وفيها أمر الخليفة بأن يؤذّن بالكرخ والمشهد وغيرها : « الصلاة خير من النوم » ، وأن يتركوا : « حيّ على خير العمل » ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوتها(3).

وقال ابن الجوزي في ( المنتظم ) : ... وفي هذه السنة أقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش ومشهد العتيقة ومساجد الكرخ بـ « الصلاة خير من النوم » ، وأزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان من « حيّ على خير العمل » وقلع جميع ما كان على أبواب الدور والدروب من « محمّد وعليّ خير البشر ».

ودخل إلى الكرخ منشدو أهل السنة من باب البصرة فأنشدوا الاشعار في

(1) الكامل في التاريخ 8 : 65.

(2) تاريخ أبي الفداء 2 : 172 ، البداية والنهاية 12 : 68 ، العبر في خبر من غبر 3 : 205 ، تاريخ الإسلام للذهبي 30 : 9.

(3) الكامل في التاريخ 8 : 79 ، وفي النجوم الزاهرة 5 : 59 مثله.


391

مدح الصحابة ، وتقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبدالله بن الجلاب شيخ البزّازين بباب الطاق ، لِما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض ، فقُتل وصلب على باب دكانه ، وهرب أبو جعفر الطوسي ونُهبت داره ، وتزايد الغلاء فبيع الكرّ الحنطة بمائة وثمانين ديناراً(1).

وفي ( البداية والنهاية ) : ... وفيها ألزم الروافض بترك الأذان بـ « حيّ على خير العمل » وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح وبعد حيّ على الفلاح ، « الصلاة خير من النوم » مرتين ، وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة : « محمّد وعليّ خير البشر » ، ودخل المنشدون.... ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة ، وذلك أنّ نوءً الرافضة اضمحلّ ، لأنّ بني بويه كانوا حكاماً وكانوا يقوونهم وينصرونهم ، فزالوا وبادوا وذهب دولتهم(2).

وفي ( السيرة الحلبية ) : ... وذكر بعضهم أنّ في دولة بني بويه كانت الرافضة تقول بعد الحيعلتين « حيّ على خير العمل » ، فلمّا كانت دولة السلجوقية منعوا المؤذنين من ذلك وأمروا أن يقولوا في أذان الصبح بدل ذلك « الصلاة خير من النوم » (3) .

وفي ( النجوم الزاهرة ) : وفيها أقيم الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ بـ « الصلاة خير من النوم » على رغم أنف الشيعة ، وأُزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من « حيّ على خير العمل »(4).

(1) المنتظم 16 : 7 ـ 8.

(2) البداية والنهاية 12 : 73.

(3) السيرة الحلبية 2 : 305.

(4) النجوم الزاهرة 5 : 59.


392

ومما يجب التنبيه عليه أنّ جماعة من السنة ببغداد قد ثاروا في سنة 447هـ وقصدوا دار الخلافة وطلبوا أن يسمح لهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر فأذن لهم وزاد شرهم ، ثمّ استأذنوا في نهب دور البساسيري [ ذي الميول الشيعية الذي أجاز الأذان بالحيعلة الثالثة ] وكان غائباً في واسط فأذن لهم الخليفة.

وهي تلك السنة التي وقعت فيها الفتنة بين الشافعية والحنابلة ببغداد وأنكرت الحنابلة على الشافعية الجهر بالبسملة والقنوت في الصبح والترجيع بالأذان(1) .

وذكر ابن الأثير بعض حوادث هذه السنة ، فقال : ... فتبعهم من العامة الجم الغفير وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ومنعوا من الترجيع في الأذان ، والقنوت في الفجر ، ووصلوا إلى ديوان الخليفة ، ولم ينفصل حال ، وأتى الحنابلة إلى مسجدٍ بباب الشعير ، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة فأخرج مصحفاً وقال : أزيلوها من المصحف حتّى لا أتلوها(2).

وهذا يشير إلى أن الخلاف الفقهي بين المسلمين لا ينحصر في الحيعلة الثالثة ولا ينحصر بالطالبيين ، فقد يذهب بعض أهل السنة إلى ذلك لثبوت شرعيتها عنده وهذا ما نريد قوله ، وهو وجود أصل متجذر للمختلف فيه بين المسلمين ، وأن الطالبيين كانوا جادّين في الحفاظ على ما تلقوه ورووه من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونهج أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام .

(1) تاريخ أبي الفداء 2 : 174.

(2) الكامل في التاريخ 8 : 72 ـ 73 حوادث سنة (447).


393

بغداد ( سنة 450هـ )

قال ابن الأثير في ( الكامل في التاريخ ) : .. ثمّ إن البساسيري(1)وصل إلى بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة غلام على غاية الضر والفقر ، وكان معه أبو الحسن بن عبدالرحيم الوزير ، فنزل البساسيري بمشرعة الروايا ، ونزل قريش بن بدران وهو في مائتي فارس عند مشرعة باب البصرة ، وركب عميد العراق ومعه العسكر والعوام وأقاموا بازاء عسكر البساسيري ، وعادوا وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر بالله العلوي صاحب مصر ، وأمر فأذن بـ « حيّ على خير العمل » وعقد الجسر وعبر عسكره إلى الزاهر(2).

وجاء في ( النجوم الزاهرة ) : ... ثمّ دخل الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيري بغداد في ثامن ذي القعدة بالرايات المستنصرية وعليها ألقاب المستنصر هذا صاحب مصر ، فمال إلى البساسيري أهل باب الكرخ وفرحوا به لكونهم رافضة ، والبساسيري وخلفاء مصر أيضاً رافضة ، فانضموا إلى البساسيري وتشفّوا من أهل السنة وشمخت أنوف المنافقين الرافضة وأعلنوا بالأذان بـ « حيّ على خير العمل » ببغداد.

واجتمع خلق من أهل السنة على الخليفة القائم بأمر الله العباسي وقاتلوا معه وفشت الحرب بين الفريقين في السفن أربعة أيام.

وخطب يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة ببغداد للمستنصر هذا صاحب

(1) كان البساسيري مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة [ البويهي ] ، تقلبت به الأمور حتّى بلغ هذا المقام المشهور ، واسمه أرسلان وكنيته أبو الحارث . انظر : الكامل لابن الأثير 8 : 87 احداث سنة 451.

(2) الكامل في التاريخ 8 : 83 ، وانظر : البداية والنهاية 12 : 82 ، تاريخ ابن خلدون 3 : 449.


394

الترجمة بجامع المنصور وأذّنوا بحيّ على خير العمل ، وعقد الجسر وعبرت عساكر البساسيري إلى الجانب الشرقي(1).

وذكر ابن الجوزي في المنتظم : ... وعاود أهل الكرخ الأذان بـ « حيّ على خير العمل » وظهر فيهم السرور الكثير وحملوا راية بيضاء ونصبوها في وسط الكرخ وكتبوا عليها اسم المستنصر بالله وأقام بمكانه والقتالُ يجري في السفن بدجله.

فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة دُعي لصاحب مصر في جامع المنصور ، وزيد في الأذان « حيّ على خير العمل » وشرع البساسيري في إصلاح الجسر(2).

وفي ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) عند ذكر استيلاء أبي الحارث البساسيري على العراق ، قال : ثمّ وصل البساسيري إلى بغداد في يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة غلام في غاية الضر والفقر ، فنزل بمشرعة دار الروايا وكان معه قريش بن بدران وهو في مائتي فارس ، فنزل مشرعة باب البصرة وركب عميد العراق ومعه العسكر والعوام وأقاموا بإزاء عسكر البساسيري وعادوا وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر العلوي صاحب مصر فأذن « حيّ على خير العمل » وعقد الجسر وعبر عسكره إلى الزاهر واجتمعوا فيه وخطب في الجمعة الثانية للمصري بجامع الرصافة...(3) وفي تاريخ بغداد : ... فلما كان يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة دعي لصاحب مصر في الخطبة بجامع المنصور وزيد في الأذان « حيّ على خير

(1) النجوم الزاهره 5 : 6.

(2) المنتظم 16 : 32 حوادث 450.

(3) نهاية الارب في فنون الادب 23 : 227.


395

العمل » ، وشرع البساسيري في إصلاح الجسر(1).

وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي : ... ثمّ قدم البساسيري بغداد في سنة خمسين ومعه الرايات المصرية ، ووقع القتال بينه وبين الخليفة ، ودعي لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور ، وزيد في الأذان « حيّ على خير العمل » ، ثمّ خطب له في كلّ الجوامع إلاّ جامع الخليفة ، ودام القتال شهراً ثمّ قبض البساسيري على الخليفة في ذي الحجة وسيّره إلى غابة وحبسه بها و...(2)

مكة / حلب ( سنة 462هـ )

قال ابن خلدون(3)والذهبي(4)والسيوطي(5) : إنّ محمّد بن أبي هاشم خطب بمكة للقائم بأمر الله وللسلطان ألب أرسلان(6) ، وأسقط خطبة العلوي صاحب مصر وترك « حيّ على خير العمل » من الأذان.

وقال ابن الأثير : ... وفيها ورد رسول صاحب مكّة محمّد بن أبي هاشم ومعه ولده إلى السلطان ألب أرسلان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر الله وللسلطان بمكة وإسقاط خطبة العلوي صاحب مصر ، وترك الأذان بـ « حيّ على خير العمل » ، فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعاً نفيسة وأجرى له

(1) تاريخ بغداد 9 : 401 ـ 402 ، ومثله في بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم 3 : 1352 ، والبداية والنهاية 12 : 84.

(2) تاريخ الخلفاء 1 : 418.

(3) تاريخ ابن خلدون 3 : 470.

(4) سير أعلام النبلاء 15 : 190.

(5) تاريخ الخلفاء 1 : 421.

(6) ولي هذا خراسان بعد وفاة والده طغري بك دواد سنة 452 ، وداود كان أخ السلطان ضغرليك السلجوقي المعروف.


396

كلّ سنة عشرة الآف دينار(1).

ثمّ ذكر في حوادث سنة 463 كيفية استيلاء السلطان ألب أرسلان على حلب ، إلى أن قال : ... وقد وصلها نقيب النقباء أبو الفوارس طِراد بالرسالة القائمية ، والخلع ، فقال له محمود ، صاحب حلب : أسالك الخروج إلى السلطان واستعفائه لي من الحضور عنده ، فخرج نقيب النقباء ، وأخبر السلطان بأنّه قد لبس الخِلَعِ القائمية وخطب ، فقال : أيّ شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذنون « حيّ على خير العمل » ؟ ولابد من الحضور ودوس بساطي فامتنع محمود من ذلك.

فاشتد الحصار على البلد ، وغلت الأسعار ، وعظم القتال وزحف السلطان يوماً وقرب من البلد ، فوقع حجر منجنيق في فرسه ، فلما عظم الأمر على محمود خرج ليلاً ، ومعه والدته منيعة بنت وثّاب النميري ، فدخلا على السلطان وقالت له : هذا ولدي فافعل به ما تحبّ ، فتلقاهما بالجميل وخلع على محمود وأعاده إلى بلده فأنفذ إلى السلطان مالاً جزيلاً(2).

وخطب محمود بن صالح بحلب للقائم بأمر الله وللسلطان ألب أرسلان... فأخذت العامة حُصُرِ الجامع ، وقالوا : هذه حُصُرُ عليّ بن أبي طالب ، فليأتِ أبو بكر بحُصُرٍ يصلّي عليها الناس(3).

وفي ( النجوم الزاهرة )(4)عن الشيخ شمس الدين بن قزاوغلي في المرآة قال : ... وضاقت يد أبي هاشم محمّد أمير مكّة بانقطاع ما كان يأتيه من مصر ،

(1) الكامل في التاريخ 8 : 107.

(2) الكامل في التاريخ 8 : 109.

(3) الكامل في التاريخ 8 : 108.

(4) في أحداث سنة 428.


397

فأخذ قناديل الكعبة وسقورها وصفائح الباب والميزاب ، وصادر أهل مكّة فهربوا ، وكذا فعل أمير المدينة مهنّأ وقَطَعَا الخطبة للمستنصر [ الفاطمي ] وخطبا لبني العبّاس ـ الخليفة القائم بأمر الله ـ وبعثا إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي حاكم بغداد بذلك ، وأنّهما أذّنا بمكة والمدينة الأذان المعتاد وتركا الاذان ب ـ « حيّ على خير العمل » ، فأرسل ألب أرسلان إلى صاحب مكّة أبي هاشم المذكور بثلاثين ألف دينار ، وإلى صاحب المدينة بعشرين ألف دينار ، وبلغ الخبر بذلك المستنصر فلم يلتفت إليه لشغله بنفسه ورعيته من عظم الغلاء(1)….

وفي أحداث سنة 464 قال : بعث الخليفة بأمر الله الشريف أبا طالب الحسن ابن محمّد أخا طرَّاد الزينبي إلى أبي هاشم محمّد أمير مكّة بمال وخلع ، وقال له : غيِّر الأذان وأبطل « حيّ على خير العمل » ، فناظره أبو هاشم مناظرة طويلة وقال له : هذا أذان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، فقال له أخو الشريف : ما صحَّ عنه وإنّما عبدالله بن عمر بن الخطاب روي عنه أنه أذّن به في بعض أسفاره ، وما أنت وابن عمر! فأسقطه من الأذان(2).

وجاء في تاريخ الخلفاء بأن الخطبة اُعيدت للعبيدي بمكة في سنة 467(3).

الشام ( سنة 468هـ )

جاء في ( مآثر الإنافة ) للقلقشندي : ... تغلّب على دمشق اتسز بن ارتق الخوارزمي المعروف بالاقسيس ، أحد أمراء السلطان ملكشاه السلجوقي [ ابن

(1) النجوم الزاهرة 5 : 23

(2) النجوم الزاهرة 5 : 89.

(3) تاريخ الخلفاء 1 : 423.


398

ألب ارسلان ] في سنة 468 وقطع الخطبة بها للمستنصر الفاطمي وخطب للمقتدي(1)

؟ العباسي ، ومنع الأذان بـ « حيّ على خير العمل » ولم يخطب بعدها بالشام لأحد من الفاطميين وبقي بها إلى ما بعد خلافة المقتدي(2).

وفي ( الكامل ) لابن الأثير : ... ودخلها هو [ أي الاقسيس ] وعسكره في ذي القعدة وخطب بها يوم الجمعة لخمس بقين من ذي القعدة للمقتدي بأمر الله الخليفة العباسي ، وكان آخر ما خطب فيها للعلويين المصريين ، وتغلب على أكثر الشام ، ومنع الأذان بـ « حيّ على خير العمل » ، ففرح أهلها فرحاً عظيماً ، وظلم أهلها وأساء السيرة فيهم(3).

وفي ( البداية والنهاية ) لابن كثير ، قال : ... الاقسيس هذا هو اتسز بن اوف الخوارزمي ، ويلقب بالملك المعظم ، وهو أوّل من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين وأزال الأذان منها بـ « حيّ على خير العمل » بعد أن كان يؤذن به على منابر دمشق وسائر الشام مائة وست سنين ( 106 سنة ) ، وكان على أبواب الجوامع والمساجد مكتوب لعنة الصحابة رضي الله عنهم ، فأمر هذا السلطان المؤذّنين والخطباء أن يترضّوا عن الصحابة أجمعين(4).

وفي تاريخ الخلفاء : ... خطب للمقتدي العباسي بدمشق وأبطل الأذان

(1) ولي المقتدي 467 بعد وفاة والده القائم بالله ، ومما يجب التنبيه عليه أنّ الخطبة للعلويين أعيدت بمكة بعد وفاة القائم بالله وقطع خطبة المقتدي وكانت مدة الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة اشهر ، ثمّ أعيدت في ذي الحجة سنة ثمان وستين وأربعمائة ( انظر : الكامل في التاريخ 8 : 121 ).

(2) مآثر الإنافة للقلقشندي 2 : 5.

(3) الكامل في التاريخ 8 : 122 احداث سنة 468هـ .

(4) البداية والنهاية 12 : 120 ،127.


399

بـ « حيّ على خير العمل » وفرح الناس بذلك(1).

وفي تاريخ ابن خلدون : ... وخطب فيها اتسز للمقتدي العباسي في ذي القعدة سنة ثمان وستين ، وتغلّب على أكثر الشام ، ومنع من الأذان بـ « حيّ على خير العمل » ، ثمّ سار سنة تسع وستين إلى مصر وحاصرها حتّى أشرف على أخذها ، ثمّ انهزم من غير قتال ، ورجع إلى دمشق وقد انتقضَ عليه أكثر الشام ، فشكر لأهل دمشق صونهم لمخلفه وأمواله ورفع عنهم خراج سنة ، وبلغه أنّ أهل القدس وثبوا بأصحابه...(2)

مصر ( سنة 478هـ )

ولي المستنصر بالله الفاطمي من سنة (428 ـ 487هـ ) وهو معد أبو تميم حفيد الحاكم بأمر الله ، وقد قرب هذا بدرَ الجماليَّ لولاية اُمور الحضرة.

قال صاحب ( النجوم الزاهرة ) : ... كان بدر الجمالي أرمني الجنس فاتكاً جباراً قتل خلقاً كثيراً من العلماء وغيرهم ، وأقام الأذان بـ « حيّ على خير العمل » ، وكبّر على الجنائز خمساً ، وكتب سبَّ الصحابة على الحيطان...(3) وفي ( المنتظم ) : وفي شهر ذي القعدة قبض بدر الجمالي ـ أمير مصر ـ على ولده الأكبر وأربعة من الأمراء... ونفى مذكِّري أهل السنة ، وحمل الناس أن يكبّروا خمساً على الجنائز ، وأن يسدلوا أيمانهم في الصلاة ، وأن يتختّموا في الأيمان ، وأن يثوّبوا(4)في صلاة الفجر « حيّ على خير العمل » ، وحبس أقواماً

(1) تاريخ الخلفاء 1 : 424.

(2) تاريخ ابن خلدون 3 : 473 ـ 474.

(3) النجوم الزاهرة 5 : 120.

(4) وقد عبّر ابن الجوزي عن الحيعلة الثالثة بالتثويب تساهلاً منه ؛ لأنّها حلّت محلّ


400

رووا فضائل الصحابة(1).

مصر ( سنة 524هـ )

ولي الحافظ لدين الله الفاطمي ( عبدالمجيد حفيد المستنصر بالله ) بعد قتل ابن عمه أبي عليّ منصور الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة.

قال العلاّمة أبو المظفر في مرآة الزمان : ... ولما استمر الحافظ في خلافة مصر ضعف أمره مع وزيره أبي عليّ أحمد بن الأفضل أمير الجيوش ، وقويت شوكة الوزير المذكور وخطب للمنتظر المهدي ، وأسقط من الأذان « حيّ على خير العمل » ، ودعا الوزير المذكور لنفسه على المنابر « بناصر إمام الحق ، هادي العصاة إلى اتّباع الحق ، مولى الأمم ، ومالك فضيلتي السيف والقلم » فلم يزل حتّى قتل الوزير(2).

وقد تكلم المقريزي في ( اتعاظ الحنفاء ) عن أبي عليّ أحمد بن الأفضل ، فقال : ( وكان إمامياً متشدّداً فالتفت عليه الإمامية ولعبوا به حتّى أظهر المذهب الإمامي وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم ، وحسّنوا له الدعوة للقائم المنتظر فضرب الدراهم باسمه ونقش عليها « الله الصمد ، الإمام محمّد » ... إلى أن يقول : ... وكان قد أسقط منذ إقامة الجند ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق الذي تنسب إليه الطائفة الإسماعيلية ، وأزال من الأذان قولهم فيه « حيّ على خير العمل محمّد وعليّ خير البشر » ، وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة ، واخترع

« الصلاة خير من النوم ».

(1) المنتظم في تاريخ الامم والملوك 16 : 242.

(2) النجوم الزاهرة 5 : 238.


401

لنفسه دعاءً يُدعى به على المنابر...(1)

وقال أبو الفداء في تاريخه : ... ثمّ دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة فيها قُتِلَ أبو عليّ بن الأفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ لدين الله العلوي ، وكان أبو عليّ المذكور قد حجر على الحافظ وقطع خطبة العلويين وخطب لنفسه خاصة وقطع من الأذان « حيّ على خير العمل » فنفرت منه قلوب شيعة العلويين وثار به جماعة من الممالك وهو يلعب الكرة فقتلوه ونهبت داره(2).

وفي ( وفيات الاعيان ) : ... وقبض على الحافظ المذكور واستقل بالأمر وقام به أحسن قيام ، وردّ على المصادرين أموالهم ، وأظهر مذهب الإمامية وتمسّك بالائمة الاثني عشر ، ورفض الحافظَ وأهلَ بيته ، ودعا على المنابر للقائم في آخر الزمان المعروف بالإمام المنتظر على زعمهم وكتب اسمه على السكة ، ونهى ان يؤذن بـ « حيّ على خير العمل » ، وأقام كذلك إلى أن وثب عليه رجل من الخاصّة بالبستان الكبير بظاهر القاهرة في النصف من المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة فقتله ، وكان بتدبير الحافظ ، فبادر الأجناد بإخراج الحافظ وبايعوه ولقبوه بالحافظ ودعي له على المنابر(3).

وفي ( بدائع الزهور في وقائع الدهور ) قوله : ... وكان قد أسقط منذ أقامه الجندُ ذِكْرَ اسماعيل بن جعفر الصادق الذي تنسب إليه الطائفة الإسماعيلية ، وأزال من الأذان قولهم فيه « حيّ على خير العمل محمّد وعليّ خير البشر » وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة ، واخترع لنفسه دعاءً يدعى به على المنابر(4).

(1) اتعاظ الحنفاء في تاريخ الائمة الخلفاء 3 : 143.

(2) تاريخ أبي الفداء 3 : 6.

(3) وفيات الاعيان 3 : 236. تاريخ ابن خلدون 4 : 71 ـ 72.

(4) بدائع الزهور في وقائع الدهور لمحمد بن أحمد بن إياس الحنفي طـ الهيئة المصرية العامة 1402هـ .


402

وفي ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) : قال المؤرخ : لما بويع الحافظ لدين الله ثار الجند الأفضلية وأخرجوا ابن مولاهم أبا عليّ أحمد بن الافضل الملقب بكتيفات ، وولّوه أمر الجيوش وذلك في يوم الخميس السادس من ذي القعدة منها ، فحكم ، واعتقل الحافظ صبيحة يوم بيعته ، ودعا للإمام المنتظر وقوي أمر ابن الأفضل.

وفي سنة خمس وعشرين رتّب أحمد بن الافضل في الأحكام أربعة قضاة : الشافعية ، والمالكية ، والإسماعيلية ، والإماميّة ، يحكم كلّ قاضي بمقتضى مذهبه ويورّث بمقتضاه ، فكان قاضي الشافعية الفقيه سلطان ، وقاضي المالكية اللبني ، وقاضي الاسماعيلية أبو الفضل ابن الأزرق ، وقاضي الإماميّة ابن أبي كامل.

وسار أحمد بن الأفضل سيرة جميلة بالنسبة إلى أيام الآمر ، وردّ على الناس بعض مصادراتهم ، وأظهر مذهب الإماميّة الاثني عشرية ، وأسقط من الأذان قولهم « حيّ على خير العمل » وأمر بالدعاء لنفسه على المنابر بدعاء اخترعه(1).

وفي تاريخ ابن خلدون : فأشار عليه الإمامية بإقامة الدعوة للقائم المنتظر ، وضرب الدراهم باسمه دون الدنانير ، ونقش عليها : « الله الصمد ، الإمام محمّد » وهو الإمام المنتظر. وأسقط ذِكْرَ إسماعيل من الدعاء على المنابر وذِكْرَ الحافظ ، وأسقط من الأذان « حيّ على خير العمل »(2).

وفي ( المواعظ والاعتبار ) : ... ولمّا تغلّب أبو عليّ بن كتيفات بن الأفضل

(1) نهاية الارب في فنون الادب : 7467.


403

شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي على رتبة الوزارة في أيام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبدالمجيد بن الأمير أبي القاسم محمّد بن المستنصر بالله في سادس عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة ، سجَنَ الحافظ وقيّده ، واستولى على سائر ما في القصر من الأموال والذخائر ، وحملها إلى دار الوزارة ، وكان إمامياً متشدّداً في ذلك ، خالف ما عليه الدولة من مذهب الإسماعيلية ، وأظهر الدعاء للإمام المنتظر ، وأزال من الأذان « حيّ على خير العمل » وقولهم « محمّد وعليّ خير البشر » ، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي تنتسب إليه الإسماعيلية ، فلما قتل في سادس عشر المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة عاد الأمر إلى الخليفة الحافظ وأعيد إلى الأذان ما كان أُسقط منه(1).

وفي بعض كلام المؤرخين هذا خطأ ؛ إذ المعروف عن الإمامية والثابت عندهم هو جزئية « حيّ على خير العمل » فلا يجوز رفعه إن كان كتيفات هذا إمامياً بالمصطلح.

واما الدعاء للإمام المنتظر وإسقاط ذكر إسماعيل بن جعفر من الخطبة فكانت خطوة سياسية احتمى بها ابن كتيفات ؛ لأنّه كان سنيّاً لكنّه أظهر التمسّك بالإمام المنتظر.

وهذا ما صرح به الذهبي في ( العبر في خبر من غبر ) بأن أبويه كانا سنييّن ، قال : ... فحجر على الحافظ ومنعه من الظهور ، وأخذ أكثر ما في القصر ، وأهمل ناموس الخلافة العبيدية ، لأنّه كان سنيّاً كأبيه ، لكنه أظهر التمّسك بالإمام المنتظر ، وأبطل من الأذان « حيّ على خير العمل » ، وغيرّ قواعد القوم ، فأبغضه

(1) المواعظ والاعتبار للمقريزي 2 : 271 ، وانظر : قصة قتل أبي علي بن كثيفات في الكامل في التاريخ 8 : 334 أحداث سنة 526هـ .


404

الدعاة والقواد وعملوا عليه(1).

وقال اليافعي في ( مرآة الجنان وعبرة اليقظان ) : ... وأهمل ناموس الخلافة العبيدية ؛ لأنّه كان سنياً كأبيه ، لكنّه أظهر التمسّك بالإمام المنتظر وأبطل من الأذان « حيّ على خير العمل » وغيّر قواعد القوم ، فأبغضه الدعاة والقوّاد وعملوا عليه ، فركب للعب الكرة في المحرم فوثبوا عليه وطعنه مملوك الحافظ بحربة..(2).

حلب ( سنة 543هـ )

جاء في ( زبدة الحلب من تاريخ حلب ) : ... وشرع نور الدين(3)في تجديد المدارس والرباطات بحلب ، وجلب أهل العلم والفقهاء إليها ، فجدّد المدرسة المعروفة بالحلاويين في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، واستدعى برهان الدين عليّ بن الحسن البلخي الحنفي وولاّه تدريسها ، فغيّر الأذان بحلب ، ومنع المؤذنين من قولهم « حيّ على خير العمل » ، وجلس تحت المنارة ومعه الفقهاء وقال لهم : من لم يؤذن الأذان المشروع فألقوه من المنارة على رأسه ، فأذنّوا الأذان المشروع واستمر الأمر من ذلك اليوم...(4)

(1) العبر في خبر من غبر 4 : 68 ، شذرات الذهب 2 : 78 ، سير أعلام النبلاء 19 : 509 ـ 510.

(2) مرآة الجنان وعبرة اليقظان 3 : 251.

(3) هو نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر ، المولود سنة 511هـ ، وكان حنفي المذهب داعية إلى مذهبه ، وهو مؤسس الدولة النورية في الشام.

(4) زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم 2 : 475 ـ 476.


405

قال الذهبي في سيرأعلام النبلاء(1)في ترجمة عليّ بن الحسن بن محمّد ابي الحسن الحنفي الفقيه : سمع بما وراء النهر وتنتسب إليه المدرسة البلخية ويلقب بالبرهان ، وهو الذي أبطل من حلب الأذان بـ « حيّ على خير العمل » ، مات سنة 548.

وكان المقدسي قد نوه عن إبطال الأذان بـ « حيّ على خير العمل » ، بقوله : ورد الخبر من ناحية حلب بأنّ صاحبها نور الدين بن أتابك أمر بإبطال « حيّ على خير العمل » في أواخر تأذين الغداة والتظاهر بسب الصحابة وأنكر ذلك إنكاراً شديداً ، وساعده على ذلك جماعة من السنة بحلب ، وعظم هذا الأمر على الإسماعيلية وأهل التَشَيُّع ..(2) وفي ( العبر في خبر من غبر ) قال : أبو الحسن البلخي عليّ بن الحسن الحنفي... وكان يلقّب برهان الدين... وهو الذي قام في ابطال « حيّ على خير العمل » من حلب(3).

وجاء في ( البداية والنهاية ) لابن كثير : افتتح نور الدين أبو القاسم التركي السلجوقي وكان حنفي المذهب.. وأظهر السنّة وأمات البدعة ، وأمر بالتأذين بـ « حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح » ، ولم يكن يؤذن بهما في دولتي أبيه وجدّه وإنّما كان يؤذن بـ « حيّ على خير العمل » لأن شعار الرفض كان ظاهراً بها(4).

(1) سير أعلام النبلاء 20 : 276.

(2) الروضتين في أخبار الدولتين 1 : 202.

(3) العبر في خبر من غبر 4 : 631 ، الدارس في تاريخ المدارس 1 : 368.

(4) البداية والنهاية 12 : 298.


406

وفي ( النجوم الزاهرة )(1)وكتاب الروضتين في أخبار الدولتين(2)وخطط الشام لمحمد كرد عليّ(3)وغيرها والنص للثاني : قال أبو يعلى التميمي : وفي رجب من هذه السنة [ أي 543هـ ] ورد الخبر من ناحية حلب بأنّ صاحبها نور الدين بن أتابك أمر بإبطال « حيّ على خير العمل » في أواخر تأذين الغداة ، والتظاهرِ بسب الصحابة ، وأنكر ذلك إنكاراً شديداً ، وساعده على ذلك جماعة من السنة بحلب ، وعظم هذا الأمر على الإسماعيلية وأهل التشيع ، وضاقت له صدورهم وهاجوا له وماجوا ، ثمّ سكنوا وأحجموا للخوف من السطوة النورية المشهورة والهيبة المحذورة...

حلب ( سنة 552هـ )

اشتد المرض في شهر رمضان بنور الدين وخاف على نفسه ، فاستدعى أخاه نصرة الدين أمير أميران ، وأسد الدين شيركوه ، وأعيان الأمراء والمقدمين ، وأوصى إليهم وقرر أن يكون أخوه نصرة الدين القائم في منصبه من بعده ويكون مقيماً في حلب ، ويكون أسد الدين في دمشق في نيابة نصرة الدين... واتّفق وصول نصرة الدين إلى حلب فأغلق والي القلعة مجد الدين في وجهه الأبواب وعصى عليه ، فثارت أحداث حلب... ، ودخل نصرة الدين في أصحابه وحصل في البلد ، وقامت الأحداث على والي القلعة باللوم والإنكار والوعيد ، واقترحوا على نصرة الدين اقتراحات من جملتها إعادة رسمهم في التأذين « حيّ على خير العمل ، محمّد وعليّ خير البشر » فأجابهم

(1) النجوم الزاهرة 5 : 282.

(2) الروضتين في اخبار الدولتين 1 : 201 ـ 202.

(3) خطط الشام لمحد كرد علي 2 : 21.


407

إلى ما رغبوا فيه وأحسن القول لهم والوعد..(1).

وفي ( زبدة الحلب من تاريخ حلب ) : ... ثمّ عاد نور الدين إلى حلب فمرض بها في سنة أربع وخمسين مرضاً شديداً بقلعتها ، وأشفى على الموت ، وكان بحلب أخوه الأصغر نصر الدين أمير اميران محمّد بن زنكي ، وأرجف بموت نور الدين ، فجمع أمير اميران الناسَ واستمال الحلبيّ وملك المدينة دون القلعة ، وأذِن للشيعة أن يزيدوا في الأذان « حيّ على خير العمل ، محمّد وعليّ خير البشر » على عادتهم من قبل ، فمالوا إليه لذلك(2).

مصر ( سنة 565هـ )

جاء في ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) : ... قال المورخ : ولعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة أمر الملك الناصر [ أي صلاح الدين الأيوبي ] أن يسقط من الأذان قولهم « حيّ على خير العمل ، محمّد وعليّ خير البشر » وكانت أول وصمة دخلت على الشيعة والدولة العبيدية ، ويئسوا بعدها من خير يصل إليهم من الملك الناصر ، ثمّ أمر أن يذكر في الخطبة بكلام مجمل ، ليلبس على الشيعة والعامة : اللّهم أصلح العاضد لدينك...(3) ونقل أبو شامه عن ابن أبي طي فيما جرى في مصر سنة 566هـ قوله : في هذه السنة شرع السلطان ـ يعني صلاح الدين ـ في عمارة سور القاهرة لأنه كان قد تهدّم أكثره وصار طريقاً لا يردّ داخلاً ولا خارجاً ، وولاّه لقراقوش الخادم ، وقبض على القصور وسلّمها إليه ، وأمر بتغيير شعار الإسماعيلية وقطع من

(1) الروضتين في اخبار الدولتين 1 : 347 ، بغية الطلب في تاريخ حلب 4 : 2024.

(2) زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن العديم 2 : 486.

(3) نهاية الارب في فنون الادب الفن 5/القسم 5/الباب 12 أخبار الملوك العبيديون.


408

الأذان « حيّ على خير العمل » وشرع في تمهيد أسباب الخطبة لبني العباس(1).

وجاء مثله عند ابن كثير في البداية والنهاية(2).

وقال ابن الاثير : كان السبب في ذلك أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه بمصر وأزال المخالفين له وضعف أمر العاضد وهو الخليفة بها.. كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة العباسية ، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى العلويين ، فلم يصغ نور الدين إلى قوله وأرسل إليه يلزمه إلزاماً لا فسحة له فيه(3).

مصر ( سنة 567هـ )

جاء في ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) : ... كان انقراض هذه الدولة عند خلع العاضد لدين الله ، وذلك في يوم الجمعة لسبع مضين من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة ، وكان سبب ذلك أنّ صلاح الدين يوسف لمّا ثبتت قدمه في صلب الديار المصرية واستمال الناس بالأموال ، قتل مؤتمن الخلافة جوهراً... ونصب مكانه قراقوس الأسدي الخصي خادم عمّه ، ثمّ كانت وقعة السودان فأفناهم بالقتل... ثمّ أسقط من الأذان قولهم « حيّ على خير العمل » ، وأبطل مجلس الدعوة ، وضعف أمر العاضد معه إلى الغاية ، فعند ذلك كتب الملك العادل نور الدين إلىالملك الناصر صلاح الدين يأمره بالقبض على

(1) الروضتين في اخبار الدولتين 2 : 184.

(2) البداية والنهاية 12 : 283.

(3) انظر الكامل 9 : 111 وعنه في الروضتين في اخبار الدولتين 2 : 190.


409

العاضد وأقاربه والخطبة للخليفة المستضيء بنور الله ، وكان المستضيء قد راسله في ذلك فامتنع صلاح الدين...(1) وذكر ابن العماد في الشذرات هذا الموضوع فيما جرى في سنة 569 ، فقال : وفيها مات نور الدين الملك العادل أبو القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر ، تملَّك حلب بعد أبيه ثّم أخذ دمشق فملكها عشرين سنة وكان مولده في شوال سنة 511.... وأزال الأذان بـ « حيّ على خير العمل » وبنى المدارس وسور دمشق(2).

حلب ( سنة 570هـ )

وفي هذه السنة عزم صلاح الدين الأيوبي الدخول إلى الشام [ وذلك بعد موت نور الدين ] ، فلما استقرّت له دمشق نهض إلى حلب ونزل على أنف جبل جوشن ، وكان على حلب آنذاك ابن نور الدين ، والأخير جمع أهل حلب وقال لهم : يا أهل حلب ، أنا ربيبكم ونزيلكم ، واللاجئ إليكم ، كبيركم عندي بمنزلة الأب ، وشابّكم عندي بمنزلة الأخ ، وصغيركم عندي يحلّ محلّ الولد ، قال : وخنقته العبرة ، وسبقته الدمعة ، وعلا نشيجه ، فافتتن النَّاس وصاحوا صيحةً واحدة ، ورمَوْا بعمائمهم ، وضجُّوا بالبكاء والعويل ، وقالوا : نحن عبيدك وعبيد أبيك ، نقاتل بين يديك ، ونبذل أموالنا وأنفسنا لك. وأقبلوا على الدُّعاء له ، والترحُّم على أبيه.

وكانوا قد اشترطوا على الملك الصَّالح أنه يُعيد إليهم شرقية الجامع يُصَلُّون فيها على قاعدتهم القديمة ، وأن يُجهر بـ « حيّ على خير العمل » في الأذان ،

(1) نهاية الارب في فنون الادب الفن 5/القسم 5/ الباب 12 أخبار الملوك العبيديون.

(2) انظر : شذرات الذهب 4 : 228.


410

والتذكير في الأسواق وقُدَّام الجنائز بأسماء الأئمة الإثني عشر ، وأن يصلُّوا على أمواتهم خمس تكبيرات ، وأن تكون عقود الأنكحة إلى الشريف الطَّاهر أبي المكارم حمزة بن زُهْرة الحسيني ، وأن تكون العصبية مرتفعة ، والنَّاموس وازع لمن أراد الفتنة ، وأشياء كثيرة اقترحوها مما كان قد أبطله نور الدين رحمه الله تعالى ، فأُجيبوا إلى ذلك.

قال ابن أبي طيّ : فأذّن المؤذّنون في منارة الجامع وغيره بـ « حيّ على خير العمل » ، وصلّى أبي في الشَّرْقية مُسْبِلاً ، وصلَّى وجوه الحلبيين خلفه ، وذكروا في الأسواق وقُدَّام الجنائز بأسماء الأئمّة ، وصلّوا على الأموات خمس تكبيرات ، وأُذِنَ للشريف في أن تكون عقود الحلبيين من الإمامية إليه ، وفعلوا جميع ما وقعتِ الأيمان عليه(1).

مكّة ( سنة 579هـ )

قال ابن جبير : وللحرم المكي أربعة أئمّة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية ، وأشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم ، وهم يزيدون في الأذان « حيّ على خير العمل » إثر قول المؤذن « حيّ على الفلاح » ، وهم روافض سبّابون والله من وراء حسابهم وجزائهم ، ولا يجمعون مع الناس إنّما يصلون ظهراً أربعاً ، ويصلّون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها ، فأوّل الأئمّة السنية الشافعي ، وإنّما قدمنا ذكره لأنّه المقدم من الإمام العباسي وهو أوّل من يصلي وصلاته خلف مقام إبراهيم إلاّ صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمّة يصلونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها ، يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة ثمّ يقيم مؤذنوا

(1) الروضتين في اخبار الدولتين 2 : 348 ـ 349 ، البداية والنهاية 12 : 309 وفيه : شرط عليه الروافض .


411

سائر الأئمّة ، وربما دخل في هذه الصلاة على المصلّين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كلّ جهة ، فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي ، أو سلم أحدهم بغير سلام إمامه ، فترى كلّ أُذُن مصغية لصوت إمامها أو صوت مؤذّنه مخافة السهو ، ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس.

ثمّ المالكي وهو يصلي قبالة الركن اليماني...(1)

مكّة ( سنة 582هـ )

وفيها دخل سيف الإسلام أخو صلاح الدين إلى مكّة وضرب الدنانير فيها باسم اخيه ، ومنع من قولهم « حيّ على خير العمل »(2).

مكّة ( سنة 617هـ )

وفيها توفي الشريف أبو عزيز قتاده بن إدريس الزيدي الحسني المكّي أمير مكّة .

كان شيخاً عارفاً منصفا ، نقمةً على عبيد مكّة المفسدين ، وكان الحاج في أيامه في أمان على أموالهم ونفوسهم ، وكان يؤذّن في الحرم بـ « حيّ على خير العمل » على قاعدة الرافضة ، وما كان يلتفتُ إلى أحد من خلق الله تعالى ، ولا وطئ بساط الخليفة ولا غيره ، وكان يحمل إليه من بغداد في كلّ سنة الذهب والخلع وهو بداره في مكّة ، وهو يقول : أنا أحق بالخلافة من الناصر لدين الله ،

(1) رحلة ابن جبير 1 : 84 ـ 85 ، وقد ذكر بعض ما يتعلق بأئمّة المذاهب الأربعة ، وأغفل ما يتعلق بإمام الزيدية!!

(2) النجوم الزاهرة 6 : 103 ، الروضتين في اخبار الدولتين 3 : 271.


412

ولم يرتكب كبيرة فيما قيل...(1)

مكّة ( سنة 702هـ )

جاء في ( الدرر الكامنة ) قوله : أبطل [ بزلغى التتري حينما كان على الحج ] الأذان بـ « حيّ على خير العمل » وجمع الزيدية ومنعهم من الامامة بالمسجد الحرام(2).

إيران ( سنة 707هـ تقريباً )

كان مذهب أهل السنة والجماعة هو الغالب على إيران إلاّ في مناطق معينة كطبرستان ، والريّ ، وقم ، وأقسام من خراسان ، وقد ذكر المؤرخون عللاً وأسباباً في تشيع إيران(3) ، إلاّ أنّ الثابت هو حدوثه في عهد العلاّمة الحلّي « الحسن بن يوسف » المتوفى 726هـ الذي كان السبب في تشيع السلطان الجايتو محمّد المغولي الملقّب بشاه خدابنده المتوفى 717 أو 719هـ .

فلما تشيع السلطان أمر في تمام ممالكه بتغيير الخطبة وإسقاط أسامي الثلاثة عنها ، وبذكر أسامي أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الأئمّة عليهم السلام على المنابر ، وبذكر « حيّ على خير العمل » في الأذان ، وبتغيير السّكّة ونقش الأسامي المباركة عليها(4).

(1) النجوم الزاهرة 6 : 249 ـ 250.

(2) الدرر الكامنة 2 : 9.

(3) طبع موخراً المؤرخ الحجة الشيخ رسول جعفريان رسالة الجايتو والتي ألفها باللغة الفارسية موضحاً فيها أسباب تشيعه فليراجع.

(4) روضة المتقين للعلاّمة المجلسي 9 : 30 احقاق الحق 1 : 11 ، أعيان الشيعة


413

المدينة [ القرن الثامن ]

نقل السمهودي في ( وفاء الوفاء ) : ... عن ابن فرحون المتوفى سنة 799هـ قوله : وقد تساهل من كان قبلنا فزادوا على الحجرة الشريفة مقصورة كبيرة... وكانت بدعة وضلالة يصلي فيها الشيعة... ولقد كنت أسمع بعضهم يقف على بابها ويؤذّن بأعلى صوته « حيّ على خير العمل » وكانت مواطن تدريسهم وخلوة علمائهم(1).

وذكر صاحب التحفة اللطيفة في ترجمة عزاز ؛ أحد الاشراف : كان يقف على باب المقصورة المحيطة بالحجرة النبوية ويؤذّن بأعلى صوته من غير خوف ولا فزع قائلاً « حيّ على خير العمل » ؛ قاله ابن فرحون في تاريخه(2).

القطيف ( سنة 729هـ )

ذكر ابن بطوطة في رحلته سفره إلى القطيف ، فقال : ثمّ سافرنا إلى مدينة القُطَيف ـ وضبط اسمها بضم القاف كأنه تصغير قَطِيف ـ وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير ، يسكنها طوائف العرب ، وهم رافضية غلاة ، يظهرون الرفض جهاراً لا يتّقون أحداً ، ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين : « أشهد أنّ عليّاً وليّ الله » ، ويزيد بعد الحيعلتين « حيّ على خير العمل » ويزيد بعد

5 : 396 ، مجالس المؤمنين 2 : 356. وانظر : خاتمة مستدرك الوسائل للنوري وغيرها.

(1) وفاء الوفاء للسمهودي 1 ـ 2 : 612 الفصل 27.

(2) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 2 : 260 الترجمة 2965.


414

التكبير الأخير : « محمّد وعليّ خير البشر من خالفها فقد كفر »(1).

مكّة ( سنة 793هـ )

جاء في صبح الاعشى : ... وولي ابنه صلاح [ بن عليّ بن محمّد ] وتابعه الزيدية ، وكان بعضهم ينكر إمامته لعدم استكمال الشروط فيه ، فيقول : « أنا لكم ما شئتم إمام أو سلطان » ، ثمّ مات سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة ، وقام بعده ابنه نجاح فامتنع الزيدية من بيعته... إلى أن يقول : قال في مسالك الأبصار : ولشيعة هذا الإمام فيه حُسْنُ الاعتقاد ، حتّى أنّهم يستشفون بدعائه ، ويُمرُّون يده على مرضاهم ، ويستسقون به المطر إذا اجدبوا ، ويبالغون في ذلك كلّ المبالغة ، ثمّ قال : ولا يَكْبُرُ لإمام هذه سيرته ـ في التواضع لله ، وحسن المعاملة لخلقه ، وهو من ذلك الأصل الطاهر والعنصر الطيب ـ أن يجاب دعاؤه ويتقبل منه ، قال : وزيُّ هذا الإمام وأتباعه زيّ العرب في لباسهم والعمامة والحنك ، وينادى عندهم بالأذان « حيّ على خير العمل »(2).

صنعاء ( سنة 900هـ تقريباً )

ذكر صاحب البدر الطالع في ترجمة محمّد بن الحسن بن مرغم الزيدي اليماني ( المولود 836 والمتوفى 931 ) ما نصّه : لما افتتح السلطان عامر بن عبدالوهاب صنعاء ومايليها من البلاد [ كان ] يجلّه ويقبل شفاعته لأجل اتصاله بالإمام الناصر الحسن بن عزالدين بن الحسن.

ولما صلّى السلطان عامرٌ بجامع صنعاء أوّلَ جمعة فأراد المؤذن أن يسقط

(1) رحلة ابن بطوطه : 186 / بعد ذكره لمدينة ( البحرين ).

(2) صبح الاعشى 7 : 358 ـ 359.


415

من الأذان « حيّ على خير العمل » فمنعه محمّد بن الحسن الزيدي ، فالتفت إليه جميع من في المسجد من جند السلطان وهم ألوف مؤلّفة ، وعُدَّ ذلك من تصلّبه في مذهبه(1).

حضرموت ( سنة 1070هـ )

جاء في كتاب ( سمط النجوم العوالي في أنباء الاوائل والتوالي ) للعاصمي : قوله :

وفي سنة 1065 جهز الإمام إسماعيل(2)ابنَ أخيه الإمام أحمدَ بن الحسن على حضرموت ونواحيها لكونهم لم يخطبوا له [بعد أن سيطر على أغلب اليمن] فالتقى هو والأمير حسين الرصاص ، لكون بلده أقرب البلدان إلى دولة الإمام إسماعيل ، وحصل منهم قتال ، فلما عجز الإمام أحمد بن الحسن اُرسل إلى قبيلة يافع ـ وهم قبائل كثيرون ـ بالأموال خفية ، وطلبوا منه أن يكونوا معه على الرصاص... فتجهزوا على الرصاص وأتوه على غرة... حتّى قتل... واستولى الزيدية على غالب حضرموت.

ثمّ في سنة 1070 استولى على حضرموت كلها ، وأمرهم أن يزيدوا في الأذان « حيّ على خير العمل » وترك الترضي عن الشيخين ... ثمّ لم يزل الإمام

(1) البدر الطالع 2 : 122.

(2) ابن المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن الرشيد بن أحمد بن الحسين بن عليّ بن يحيى بن محمد بن يوسف الاشل بن القاسم بن محمد بن يوسف الاكبر بن المنصور بن يحيى بن الناصر بن أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب .


416

إسماعيل قائماً بأعباء الإمامة الكبرى إلى أن توفّاه الله تعالى إلى رحمته سنة 1087هـ (1).

نجد ( سنة 1224هـ )

قال عبدالحي بن فخر الدين الحسيني ( المتوفى 1341هـ ) في ( نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر ) : ... الزيدية بعد ما خالف الشريف حمود ابن محمّد على أهل نجد سنة أربع وعشرين ومائتين وألف أن يزيد أهلها قول « حيّ على خير العمل » في ندائهم للصلوات ويَدَعُوا ما توارثوه من السلف في أذان الفجر من قولهم « الصلاة خير من النوم » فإنه كان يراها بدعة إنّما أحدثها عمر رضي الله عنه في إمرته(2).

وأختم حديثي بما نقله القلقشندي في صبح الأعشى عن الزيدية فقال : ... وهم يقولون : إن نَصَّ الأذَانِ بَدَل الحَيْعَلَتينِ(3) : « حَيّ على خَيْر العَمَلِ » يقولونها في أَذانِهم مرّتين بدل الحَيْعلَتَيْن ، وربَّما قالوا قبل ذلك : « محمدٌ وعَلِيٌّ خَير البَشَر ، وعِتْرتُهما خير العِتَر » ومن رأَى أنّ هذا بِدعةٌ فقد حاد عن الجَادَّة.

وهم يسوقون الإِمامة في أوْلاد عَلِيّ كَرَّم الله وَجْهَه من فاطمة عليها السلام ، ولا يُجوِّزونَ ثُبوتَ الإِمامة في غير بنيهما ؛ إلاّ أنَّهم جَوَّزُوا أن يكونَ كلُّ فاطميِّ عالِمٍ زَاهِدٍ شُجاعٍ خَرج لطَلَب الإِمامة إماماً مَعْصُوماً واجِبَ الطاعة ، سواء كان من ولد الحَسَنِ أو الحُسَينِ عليهما السلام ، ومَن خلع طاعتَه فقد ضَلَّ. وهم يَرَوْن أن الإِمام المَهْدِيَّ المُنْتَظَر من ولَد الحُسَين دون ولد الحسَن رضي الله عنهما ، ومن

(1) سمط النجوم العوالي 4 : 198 ـ 200.

(2) نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر : 1646.

(3) هذا غلط من القلقشندي فالزيدية تقول بالحيعلة الثالثة بعد الحيعلتين لا بدلهما.


417

خالف في ذلك فقد أخْطَأ. ومن قال : إِنَّ الشيخين أبا بَكْرٍ وعُمَر أفضلُ من عَلِيٍّ وبَنِيه فقد أخْطأَ عندهم وخالَف زَيداً في مُعْتَقَدِه. ويقولون : إنّ تَسْلِيم الحَسَنِ الأمْرَ لمعَاويةَ كان لمصْلَحةٍ آقتضاها الحال ، وإن كان الحقُّ له.

قال في « التعريف » : وأَيْمانُهم أَيْمانُ أهْلِ السُّنَّة ، يعني فيحلَّفون كما تقدّم ، ويزاد فيها : وإِلاَّ بَرِئْتُ من مُعْتَقَدِ زَيْد بن عَلِيّ ، ورأيتُ أنَّ قَوْلِي في الأذانِ : « حَيَّ على خَيْرِ العَمَل » بِدْعةٌ ، وخَلَعتُ طاعة الإِمام المعصوم الواجب الطَّاعة ، وآدّعَيْتُ أن المَهْدِيَّ المنتَظَر ليس من وَلَد الحُسَينِ بن عليّ ، وقلتُ بتَفْضِيل الشيخين على أمير المؤمنين عَلِيٍّ وبَنِيه ، وطعَنْتُ في رَأْي ابنِهِ الحسن لما اقتضته المَصْلَحةُ ، وطعَنتُ عليه فيه(1).

النتيجة

وعليه فشرعية « حيّ على خير العمل » ثابتة عند الشيعة بفرقها الثلاث : ـ الإمامية الاثني عشرية ، والزيدية ، والإسماعيلية ـ وعند بعض الصحابة ، وإنّ هذه الجملة هي أصل لما فُسّر في كلام الأئمّة عليهم السلام بـ « محمّد وعليّ خير البشر » و « محمّد وآل محمّد خير البرية » و « أنّ عليّاً وليّ الله » ، فتارة كانت الشيعة تصرح بهذا التفسير ، وأخرى لا تصرح به ، نتيجة للظروف القاسية التي كانت تمر بها.

ويؤكد التفسيرية التي قلناها ما أجاب به السيّد المرتضى رحمه الله ( ت436هـ ) فإنه سئل : هل يجب في الأذان بعد قول « حيّ على خير العمل » : « محمّد وعليّ خير البشر » ؟ فأجاب : إن قال « محمّد وعليّ خير البشر » على أنّ ذلك من قوله خارج من لفظ الأذان جاز ، فإنّ الشهادة بذلك صحيحة ، وإنّ لم

(1) صبح الاعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي 13 : 231.


418

يكن فلا شيء عليه(1).

وقال ابن البراج ( ت 481هـ ) في مهذبه : ويستحب لمن أذّن أو أقام أن يقول في نفسه عند « حيّ على خير العمل » : « آل محمّد خير البرية » مرتين(2).

وكذا يُفهم من كلام الشيخ الصدوق ( ت 381هـ ) أن الذين كانوا يأتون بهذه الصيغ الثلاث أو الأربع! كانوا يأتون بها على أنّها صادرة عن أئمّة أهل البيت ؛ لقوله رحمه الله : « وفي بعض رواياتهم... ومنهم من روى بدل ذلك... »(3)

فاختلاف الصيغ عند المؤذنين ، وإتيانها في بعض الأحيان بعد الحيعلة الثالثة وأخرى بعد الشهادة الثانية تشير إلى عدم جزئيتها وكونها تفسيرية.

إذاً عمل الشيعة وتفسيرهم هذا لم يكن عن هوى ورأي ، بل لما عرفوه ووقفوا عليه في مرويات ائمتهم الموجودة عندهم ، وهذا لو جمع إلى سيرة المتشرعة من الشيعة في كل الازمان والابقاع في « حيّ على خير العمل » وأنّ المعنيَّ به عندهم الولاية لوقفت على حقيقة أخرى لم تنكشف لك من ذي قبل(4).

وممّا يستأنس به لذلك أذان الشيعة بحلب سنة 367هـ حيث إنّهم كانوا يقولون في أذانهم « حيّ على خير العمل محمّد وعليّ خير البشر » ، وكذلك في أذانهم باليمامة سنة 394هـ ، ففيه « يقولون في الإقامة : محمّد وعليّ خير البشر وحيّ على خير العمل ».

(1) رسائل الشريف المرتضى 1 : 279. ومثله جواب القاضي ابن البراج في جواهر الفقه : 257.

(2) المهذب 1 : 90.

(3) من لا يحضره الفقيه 1 : 188 باب الأذان والإقامة وثواب المؤذنين ح 35.

(4) سنفصل هذا الأمر بإذن الله تعالى في الباب الثالث من هذه الدراسة « أشهد أن عليّاً ولي الله بين الشرعية والابتداع »


419

ومن هذا الباب ما ذُكر من أنّ الحسين بن عليّ بن محمّد... بن علي بن أبي طالب ( المعروف بابن شكنبة ) كان أوّل من جهر في الأذان بـ « محمّد وعليّ خير البشر » في زمن سيف الدولة الحمداني سنة 347هـ ، ولا يخفى عليك بأنّ هذا المؤذّن والحمدانيين شيعة اثنا عشرية ، وقد عرفت بأنّ الأذان بذلك في حلب كان قبل هذا التاريخ.

ويضاف إليه ما قلناه قبل قليل من أن الشيعة الاثني عشرية ( القطعية ) أذنوا في بغداد ( 290 ـ 356هـ ) بـ « أشهد أن عليّاً ولي الله » ، وأعلوا هذا الإعلان على المآذن في القرن الثامن في القطيف كذلك وغير ذلك من النصوص ، فكلها تؤكد التفسيرية التي كان يبوح بها الشيعة أيّام قوتهم ، وأنّ كلّ ما كانوا يقولونه مأخوذ من كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام ، وأنّ ذلك كله تفسير وتوضيح للحيعلة الثالثة(1)التي حذفها عمر وسار على نهجه الحذفيّ أتباعُهُ. ولذلك عظم على الرافضة !! وأهل التشيع حذف الحيعلة الثالثة من الأذان في سنة 369هـ من قبل نور الدين عم صلاح الدين الأيوبي.

وبهذا فقد تبيّن لنا من كلّ ما سبق أنّ لـ « حيّ على خير العمل » أصلاً شرعيّاً ثابتاً ، لكنَّ الظروف السياسيّة العصيبة ونهي عمر بن الخطّاب ، لعبا دوراً كبيراً في طرح شرعيّتها جانباً ـ وقد مرّت عليك بعض الروايات التي صُرّح فيها بحذف الحيعلة الثالثة للتقية من الرواة الذين كانوا يخافون على أرواحهم عند اشتداد سطوة الظالمين ـ ومع كلّ ذلك العسف ترى الصمود الشيعي في جانب آخر ، لذلك راح أتباع الحَذْفِ بعد أن لمسوا شدّة المتمسّكين بها يدّعون بأنّها منسوخة ، وعلى الرغم من شراسة الحملة الموجّهة ضدّ هذا الأصل الشرعيّ وعنف وقسوة رموزها ، إلاّ أنّ المنصفين لم يتمكّنوا من التجّرؤ والقول بأنّ « حيّ

(1) وقد تكون الشهادة الثالثة هي تفسير للشهادة الثانية كذلك وهذا ما سنوضحه لاحقاً في الباب الثالث « أشهد أن عليّاً ولي الله بين الشرعية والابتداع ».


420

على خير العمل » بدعة ، وأكثر ما توصّلوا إليه أن يقولوا عنها : إنّ ذلك الأمر لم يثبت ، و : ما لم يثبت فمن الأولى تركه وعدم الإتيان به!

ولكن ، هل مال جميع المسلمين إلى ذلك ؟

أبداً ، فكثير من الصحابة وكل أهل البيت وعدّة من التابعين أصرّوا إصراراً شديداً على التمسّك بالإتيان بـ « حيّ على خير العمل » في أذانهم والتأكيد الحازم الجازم على شرعيّة الإتيان بها ، وأن ليس من عامل شرعيّ قطعيّ دعا إلى طرحها وإسقاطها.. وقد مرّت في مطاوي البحوث شواهد كثيرة تؤيِّد صحّة ذلك بموضوعية ، وقد كان هذا الفصل هو الموضّح لكيفية « تحوّل هذا الأصل الشرعيّ » إلى شعار يميّز الشيعة عن غيرهم ، وقد اتّضحت بين ثناياه الدوافع التي دعت أهل السنّة لأن يتّخذوا من ( الصلاة خير من النوم ) شعاراً لهم ، حيث كانت لهذه الجملة أبعادٌ متصلة باجتهاد الخليفة عمر!! لا سنة رسول الله.

لقد تجسدت شعاريّة هذا الموضوع بوضوح في العصور المتأخِّرة ، ويمكن القول بأنّها تجلّت واضحة في العصر العبّاسيّ الأوّل(1) ، وعلى الخصوص في زمن أبي جعفر المنصور الدوانيقيّ ، كما وتجسّدت معالم شعاريّة « حيّ على خير العمل » بوضوح أيضاً بعد وفاة المنصور بعد أن صار جلياً وجود تيّارين متباينين ، أحدهما يصرّ بإلحاح جادّ على الإتيان بـ « حيّ على خير العمل » ، بينما يحاول الآخر منع ذلك بشتى الطرق ولا يرضى بالإتيان بها.

(1) هي الفترة السياسيّة لخلافة بني العبّاس ؛ من خلافة أبي العبّاس السفّاح إلى خلافة الواثق بالله ، أي خلافة : أبي العبّاس السفّاح ، والمنصور الدوانيقيّ ، والمهدي العبّاسيّ ، والهادي العباسيّ ، وهارون الرشيد ، والأمين ، والمأمون ، والمعتصم ، وآخرهم الواثق بالله ، ومن بعد وفاته إلى الغزو المغوليّ لبغداد ، اصطلح عليه بين المؤرّخين بالعصر العبّاسيّ الثاني.


421

وانطلاقاً من هذا الأساس المتشنّج كانت جميع الحركات الشيعيّة ودُولها في حال استلامها لزمام أُمور السياسة لا تتردّد في إعلاء « حيّ على خير العمل » من على المآذن في الأذان إعلاناً عن هويّتهم الحقيقيّة ، بل كان المدّ الجماهيري الشيعي في أحايين قوته يراهن على شرعيتها ، ولا يتنازل عن الهوية المحمدية العلوية.

نعم ، يمكن القول بذلك على أساس اتّخاذ الشيعة « حيّ على خير العمل » شعاراً لهم ، وإن كانت هذه الحيعلة الثالثة جزءاً من الأذان النبوي ، فشرعيتها أقدم من تاريخ شعاريتها بكثير ، حيث هي مسألة شرعيّة ثابتة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد بيّنّا ذلك بما فيه الكفاية.

وأمّا فيما يخصّ ذِكر أذان الإمام زين العابدين عليه السلام الثابت للجميع وليس ثمّة منكر له ، فله ميزة خاصّة ، وذلك لمكانته بين المسلمين عموماً ، فالإماميّة والزيديّة ، بل مختلف فرق الشيعة ـ باستثناء الكيسانية المنقرضة ـ تذعن له وتستسلم لأوامره ونواهيه الشرعيّة ، ويقرّون له عليه السلام بأنّه إمام للمسلمين وحجّة لله على خلقه ، وبالنسبة لباقي الفرق فهم يتعاملون معه كأحد علماء المدينة على أقل ما يقال .. فإتيان الإمام زين العابدين عليه السلام بـ « حيّ على خير العمل » يمثِّل ـ بلا ريب ـ شرعيّتها وامتداد جذورها إلى عصر الرسالة الأوّل ، وخصوصاً بعد وقوفنا على قوله عليه السلام « إنّه الأذان الأول » والذي يوضّح بأنّ الأذان شرّع في الإسراء والمعراج ، وأن « حيّ على خير العمل » ، إشارة إلى ولاية الإمام عليّ وولده ، والذي كتب على ساق العرش.

وكذا الحال بالنسبة إلى فعل ابن عمر ، فإنّ إتيانه بها في أذانه ـ وهو فقيه أهل السنة والجماعة ـ ليؤكد شرعيتها ، ونحن لو أضفنا هذين الموردين إلى ما أورده الدسوقيّ في حاشيته عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام وأنّه كان يأتي بها ،


422

وإلى ما ذُكر عن الإمامين الباقر والصادق عليهم السلام ، لاتّضح لنا ولغيرنا بأنّ هذه المسألة لها أصل أصيل في الدين ، بل هناك أصل لما نقول به في كتب أهل السنة والجماعة مستقى عن رسول الله صلى الله عليه وآله بيقين.

فـ « حيّ على خير العمل » أصلٌ من الأُصول الثابتة ، ذو جذور عريقة وراسخة تعود إلى عهد رسول الله ، وقد أتى بها الصحابة أيضاً ، إلاّ أنَّه قد دبّ الخلاف فيها منذ عهد عمر بن الخطّاب ، وهذا هو ما تثبته الأدلة والشواهد التاريخيّة والروائيّة ، إلاّ أنَّ التعصّب الأعمى دفع بالبعض دفاعاً عن اجتهاد عمر قبال السنّة النبويّة المباركة لأن يدّعي أنَّ الشيعة هم الذين أدخلوا هذه الروايات في كتبهم ، بل ودفع ذلك التعصب المقيت بالبعض الآخر لأن يدّعي ويزعم أنَّ كتبهم المعتبرة خالية من مثل هذه الروايات ، ولا ندري ما نقول لمن يريد إخفاء عين الشمس بغربال!

ونحن لو دققنا النظر في مسألة نهي عمر بن الخطاب عن متعة الحج ومتعة النساء وحيّ على خير العمل ـ على ما أورده القوشجي في « شرح التجريد » ـ لانكشف لنا الترابط فيما بين هذه المسائل الثلاث ، وأنّ مسألة « حيّ على خير العمل » تعني ارتباطها بمسألة هامة ترتبط بصميم الخلافة والإمامة ، وهذا ما أثبتناه بالأرقام في الصفحات السابقة(1) ، وقد عرفت كيف تحوّلت الحيعلة الثالثة إلى شعار للطالبيين ولشيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ومحبّي الزهراء البتول عليها السلام عبر القرون ، وأنّ ثبات الشيعة عليها وتمسّكهم بها يمثّل بحثا استراتيجيّاً بين الفريقين وحدّاً فاصلاً بينهما ، ولعلّ ما روي عن الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام عن تبيان علّتي النهي الظاهرة والخفية ـ التي مرّ ذكرها ـ جاء للكشف عن النوايا والتوجّهات الحكومية التي أرادت أن تطمس أنَّ خير العمل

(1) انظر : الفصل الثالث ( حيّ على خير العمل ، دعوة للولاية وبيان لاسباب حذفها ).


423

هو : « بر فاطمة وولدها ».

وبعد أن بينا تعاريف « خير العمل » في روايات أهل البيت عليهم السلام سابقاً ، وانها تعني : « الولاية » و « بر فاطمة وولدها » ، نصل إلى أنّ نهي الخليفة يمثّل إعلاناً عن عدم الاعتناء ببر فاطمة ، وهو ما يعود بالنتيجة إلى الولاية والخلافة وأن عمر بن الخطاب لا يريد الإشارة إلى خلافة غيره ، بل إنه لا يريد الإشارة إلى كلّ ما يتعلق بها.

وممّا يدعم هذا المعنى ما تنطوي عليه العقوبة التي فرضها عمر بن الخطاب على القائل بها ، فقوله ( أنهى عنها ) أو ( أُعاقِبُ عليها ) بمثابة اعتراف مبدئيّ منه بشرعيّة « حيّ على خير العمل » ، واعتراف ضمني على ما يجول في دواخله ، ولذلك فقد ربط نهيه عن « حيّ على خير العمل » بنهييه عن متعتَي النساء والحجّ ، اللَّذَيْنِ أكد الإمام عليّ وابن عبّاس ورعيل من الصحابة على شرعيتها ، بخلاف عمر والنهج الحاكم اللذين دعيا إلى تركها ، فترك هذه الثلاث عُمَرِيٌّ ، وأمّا لزوم الإتيان بها أو جوازه فهو علوي ، إذاً الأمر لم يكن اعتباطاً ، بل جاء لوجود رابطة وعلاقة متينة بين كلّ الأمور المنهيّ عنها.

لقد ، بلغ النزاع حول المسألة المبحوثة أوجه في القرنين الرابع والخامس الهجريّين ، حيث إنّ الصراع الفكريّ والاعتقاديّ في تلك الفترة الزمنيّة قد اشتدّ كثيراً ، فسيطر على الشارع العامّ جوٌّ من الخلاف الحادّ بين الشيعة والسنّة ، كلٌّ يدّعي أنَّ الحقّ في جانبه ، ولم يصلا لقاسم مشترك يرضي الطرفين في محاولة للعودة إلى حالة الألفة وعدم التنازع ، فكلٌّ منهما متمسِّك بصلابة بما توصّل إليه ؛ هؤلاء بأئمتهم ، وأولئك بحكوماتهم.

ولو ألقينا نظرة فاحصة على النصوص التي مرت في حوادث سنة 350 ـ 443هـ ، ودرسنا وضع شدّة النعرة الطائفية واستفحالها ، لشاهدنا بوضوح دور


424

مسألة « حيّ على خير العمل » الذي تزامن طرحها مع مسائل اعتقاديّة أُخرى بشكل لا يمكنك التفكيك بينها ، مثل مسألة الغدير ، ولبس السواد وما إلى ذلك. فلماذا يمنع أهل الكرخ وباب الطاق من النوح يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح ؟ ولماذا تقع الفتنة يوم الغدير ؟

قال الذهبيّ في أحداث سنة 389هـ : ( كانت قد جرت عادة الشيعة في الكرخ وباب الطاق بنصب القباب وإظهار الزينة يوم الغدير ، والوقيد(1)في ليلته ، فأرادت السنّة أن تعمل في مقابلة هذا أشياء ، فادّعت أنَّ اليوم الثامن من يوم الغدير كان اليوم الذي حصل فيه النبيّ وأبو بكر في الغار ، فعملت فيه ما تعمل الشيعة في يوم الغدير ، وجعلت بإزاء يوم عاشوراء يوماً بعده بثمانية أيّام إلى مقتل مصعب ... )(2).

فانظر إلى الأصالة والتحريف معاً ، وكيف تُغيّر الوقائع والأحداث عن مجرياتها وتحرّف عن أصالتها وتوضع باسم الآخرين!

ومن الحوادث التاريخيّة التي برزت فيها شعاريّة « حيّ على خير العمل » كرمز للشيعة والتشيّع ما أورده ابن الجوزيّ في « المنتظم » في أحداث سنة 417 هـ ، وما جاء في « مرآة الجنان » في أحداث سنة 420هـ ، حيث ذكرا بإنّ الصراع والصدامات بين الشيعة والسنّة في بغداد كانت على أشدّها ، وقد حاول السنّة بشتّى الأساليب التجرُّؤ على مكانة الإمام عليّ عليه السلام الرفيعة السامية ، وبذلوا كلّ ما باستطاعتهم من النيل منه ومحاولة إسقاط مقامه الشامخ أمام أنظار العوامّ ، وعلى هذا الغرار فقد بعث القادر العبّاسيّ ظاهراً ـ أحد وعّاظه ـ إلى مسجد

(1) أي إيقاد الشموع والقناديل والإضاءة.

(2) تاريخ الاسلام : 25 حوادث سنة 381 ـ 400هـ .


425

براثا(1) ـ مسجد الشيعة ـ في أحد أيّام الجُمَع ، وراح ينال من شخصية الإمام عليّ عليه السلام بكلّ ما لا يليق به لا من قريب ولا من بعيد ، الأمر الذي أثار الشيعة من الذين كانوا حاضرين في ذلك المسجد ، فلم يسكتوا على قباحة ذلك الخطيب ، وحدث لغط وثارت الحميّة الدينيّة ، فلم يكتفوا بالاعتراض اللفظيّ ، بل رموا ذلك الخطيب بكلّ ما كان قريباً من أيديهم فأصابوه وكسروا له أنفه(2) ، فكانت هذه الحادثة بمثابة الشرارة الاولى التي الهبت حالة الصـدامات فيما بين السـنّة والشيعة في بغداد في تلك السـنة ، وعلى أثر ذلك فقد كتب الشيعة على أبواب دورهم هذه العبارة : ( محمّد وعليّ خير البشر ، فَمَن رضى فقد شكر ، ومَن أبى فقد كفر ).

ومن خلال هذه الحادثة ومثيلاتها التي حدثت في بغداد على مرّ الأيّام يظهر لنا أنَّ « حيّ على خير العمل » أصبحت تُمَثِّل شعاراً للشيعة ، لأنَّ ديدن الجميع هو التأكيد والتركيز عليها ، وعدم التنازل عنها وذلك للاعتقاد الجازم بجزئيّتها ، بخلاف الحكومات التي خافت منها ومن معناها ومغزاها فدأبت على حذفها ، ولهذا يقول صاحب السيرة الحلبيّة : ( إنَّ الرافضة لم يتركوا « حيّ

(1) ومسجد براثا من المساجد العريقة والقديمة جدّاً ، وكان يومذاك بمثابة معقل الشيعة وحصنهم الحصين ، وتخرّج منه الكثير من الرجال الذين دخلوا تاريخ عالَم التشيّع ، حتّى قال عنه ابن كثير في البداية والنهاية 11 : 271 حوادث سنة 354هـ ، إنّه : ( عشّ الرافضة ) ، وكان ابن عقدة يعطي دروسه فيه ، ونقل عنه أنّه كان حافظاً لستمائة ألف حديث ، ثلاثمائة ألف حديث منها كانت في فضائل أهل البيت عليهم السلام ، هذا مضافاً إلى إيواء المسجد لعدد كبير من علماء الشيعة ، وكانوا على درجة عالية من الوعي والصلابة في الدين ، جعلت من أحد النواصب لأن يسمّيه بغضاً وتعنتاً بـ ( مسجد ضرار ) انظر البداية والنهاية 11 : 173.

(2) البداية والنهاية 12 : 28 ـ 29 حوادث سنة 420هـ .


426

على خير العمل » أيّام البويهيّين إلى أن تملّك السـلجوقـيّين سـنة 448هـ ، فألزموهـم بالتـرك وإبـدالها بالصـلاة خير من النـوم )(1).

وقد مرّ عليك تحت عنوان ( مكّة / حلب 462هـ ) كيف أن نقيب النقباء أبو الفوارس لمّا أبلغ القائم بأمر الله بأن محمود بن صالح [ والي حلب ] لبس الخلع القائمية وخطب للقائم.

قال له القائم : أيّ شيء تساوي خطبتهم وهم يؤذنون « حيّ على خير العمل »(2) ؟!

كما وقفت على المناظرة الطويلة التي ناظرها أبي هاشم أمير مكّة وقوله لهم :

هذا أذان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(3).

إذَنْ ، فقد قيّد التاريخ بين صفحاته بأنّ « حيّ على خير العمل » كانت شعاراً للشيعة على مرّ العصور ، ومؤشِّراً على تشيِّع حكومات وحركات ثورية عديدة ، مضافاً إلى الإجماع القاطع عليها من قَبِل أهل البيت ، وقد مرّ عليك أنّ حجّة شرعيّتها هو إجماع أهل البيت على الإتيان بها ، وقد نوه الشوكانيّ والأمير الصنعانيّ وغيرهما إلى حجية إجماع أهل البيت.

ومن المؤثّرات الأُخرى التي يمكن لنا أن نجعلها دليلاً شاخصاً على شعاريّة « حيّ على خير العمل » للشيعة هو ما كُتِب على المساجد والحسينيّات والتكايا القديمة ، التي هي اليوم من المعالَم الأثريّة والحضاريّة للمسلمين في مختلف بقاع العالَم ، وحتّى حديثاً فقد ذكر مؤلف كتاب تاريخ مسجد الكوفة ، بأنَّ أمجد عليّ شاه أمر بكتابة « محمّد وعليّ خير البشر ، فمَن رضى فقد شكر ،

(1) انظر السيرة الحلبيّة 2 : 305.

(2) الكامل 10 : 64.

(3) النجوم الزاهرة 5 : 92.


427

ومَن أبى فقد كفر » على مأذنة مسجد الكوفة ، وكذا الحال في روضة مسلم بن عقيل(1) ، كما يمكننا ملاحظة شعاريّة « حيّ على خير العمل » في آثار شمال أفريقيّا التاريخيّة في المغرب والجزائر وتونس ، إذ انتشر التشيّع هناك بعد شهادة محمّد بن عبدالله بن الحسن ذي النفس الزكيّة ، وذلك بعد أن تفرّق الشيعة في مختلف أرجاء المعمورة ، وراحوا يتنفسون الصعداء بعيداً عن سطوة الحكومات الجائرة.

وبهذا فقد ثبت لك مما سبق وجود اتجاهين عند المسلمين :

أحدهما : يتبع الخلفاء ويتّخذ الاجتهاد والرأي حتى على حساب القرآن والسنة في استنباطه.

والآخر : يأخذ بكـلام أهل البـيت والنص القـرآني والنبـوي ولا يرتضي الرأي.

وكان الاتجاهان على تضاد فيما بينهما ، فالذي لا يرتضي خلافة الإمام عليّ بن أبي طالب وولده لا يحبذ شعارية ( حيّ على خير العمل ).

أمّا الذي يعتقد بشرعية خلافة الأوصياء ، ويفهم من الحيعلة الثالثة أنّها دعوة إلى بر فاطمة وولدها الذين هم خير البرية بصريح الكتاب العزيز ـ أي

(1) قال الشيخ محمد رضا المظفر في ترجمته لصاحب جواهر الكلام الشيخ محمد حسن النجفي : ومن آثار الشيخ بناء مأذنة مسجد الكوفة وروضة مسلم بن عقيل... وكان ذلك ببذل ملك الهند أمجد علي شاه وقد أرخ الشيخ ابراهيم صادق ذلك من قصيدة مدح بها الشيخ والملك هذا ، فقال مؤرخاً للمأذنة في آخرها : .

واستنار الافق من مأذنه أذن الله بأن ترقى زحل

لهج الذاكر في تأريخها علناً حيّ على خير العمل

جواهر الكلام 1 : 21.


428

محمّد وعليّ والزهراء والحسن والحسين ـ فيصر على شعاريتها وإن كلفه ذلك الغالي النفيس.

وليس من الاعتباط أن نجد ارتباطاً تاريخياً بين القول بإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والقول بشرعية الحيعلة الثالثة ، وبين رفض إمامة أمير المؤمنين والقول برفع الحيعلة الثالثة ، فهي إذن تمثّل أهمّ المسائل الفارقة بين نهج التعبد المحض ، وبين نهج الاجتهاد والرأي.

إنّ ما تنطوي عليه الحيعلة الثالثة من حقيقة الإمامة حينما دخلت الصراع يكشف بلا ريب عن أنّ حلبة هذا الصراع أكبر من كونها نزاعاً حول فصل من فصول الأذان ، وما ( حيّ على خير العمل ) إلاّ نافذة من تلك النوافذ الكثيرة المعبرة عن أصالة نهج التعبد المحض ، شأنها في ذلك شأن التكبير على الجنائز خمساً أو أربعاً ، وحكم الأرجل في الوضوء هل هو المسح أو الغسل ، والقول بمشروعية المتعة وعدمه ، والإرسال أو القبض في الصلاة ، والتختم في اليمين أو الشمال ، والجهر بالبسملة أو إخفاتها ، وعدم شرعية صلاة التراويح والضحى أو شرعيتها ، وحرمة شرب الفقاع وأكل السمك الذي لا قشر له أو حليتهما ، وجواز لبس السواد في محرم والاحتفال بيوم الغدير أو بدعيتهما وإجراء أحكام المواريث والمناكح طبق هذا المذهب أو ذاك و...

فكل هذه المفردات تشير إلى وجود نهج يخالف الحكام وما سنوه من سنن تخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فندرة وجود ما يؤيد هذا النهج في مدرسة الخلفاء لا يخدش في شرعيتها ، بل يؤكّد أصالتها ، وإنّ ثبوتها وبعد أربعة عشر قرناً ـ رغم كلّ الظروف التي مرت بها ـ ليؤكّد ارتباطها واستقاءها من أهل البيت ، وهو الآخر قد وضح لك سر الاختلاف في الوضوء والأذان وغيرها من عشرات المسائل التي اختلف فيها المسلمون والتي لم يذكرها ابن حزم وغيره .


429

هذا ومما يجب التأكيد عليه هنا هو : أننا حينما نتخذ بعض الحكّام فاطميين كانوا أم عباسيين كنماذج للنهجين لا نريد أن نعتبرهم القدوة والأسوة ، مادحين هذا أو ماسّين بذاك ، فلا يحق لنا أن نسقط تصوّراتنا على هذا المذهب أو ذاك طبق ما عرفناه من أعمال هذا الحاكم أو ذاك ، فهؤلاء أناس لهم سلوكياتهم وتصرفاتهم ، وكلّ ما في الأمر أنهم يلتزمون نهجاً خاصاً ، فقد يكونون متعبدين بما عرفوه من ذلك النهج ، وقد يكونون متجاوزين على أصوله غير عاملين بأوامره ، فلا يمكن القول بأنّ كلّ حكام هذا الفريق كذا ، وحكام ذاك الفريق كذا ، لأن بعض هؤلاء تخطَّوا الموازين ، كما تخطى الطـرف الآخر كذلك ، لكنّ ما نريد بيانه في هذا الفصل هو وجود اتجاه ـ ين عند المسـلمين دون النظر إلى سلوكيات الأفراد والحكومات.


430


431

الخلاصة

تلخص ممّا سبق عدة اُمور :

أحدها : شرعية « حيّ على خير العمل » ؛ وذلك لاتفاق الفريقين على اصل مشروعيتها ، وانفراد أهل السنة والجماعة بدعوى النسخ ، وقد اثبتنا عدم وقوع النسخ ، ناقلين كلامَ السيد المرتضى :

وقد روت العامة أنّ ذلك ممّا كان يقال في بعض أيام النبيّ صلى الله عليه وآله ، وإنّما ادّعي أنّ ذلك نسخ ورفع ، وعلى من ادعى النسخ الدلالة له ، وما يجدها(1).

وتأذينَ أكثر من ثلاثين رجل من أهل البيت والصحابة بها ، بل وضّحنا إجماع العترة على ذلك ، حاكين في البين ما نقل عن الشافعي وبعض ائمّة المذاهب الأربعة من القول بجزئيتها.

ثمّ عرجنا في الفصل الثاني لبيان سقوطها على عهد عمر بن الخطّاب ، متسائلين عن موقف بلال الحبشي في الحيعلة الثالثة والصلاة خير من النوم ، وهل أنّه أذن للشيخين أم لا ؟ بل ما هو موقفه اتجاه أهل البيت ، وما موقف أهل البيت اتجاهه ؟ وقد توصلنا إلى كونه لم يؤذن إلاّ للزهراء والحسنين ، وأنّ

(1) الانتصار : 39.


432

خروجه إلى الشام كان اعتراضاً على السياسة الحاكمة.

هذا وقد تكلمنا في الفصل الثالث عن معنى « حيّ على خير العمل » وأنّها دعوة إلى الولاية ، مبينين الأسباب التي دعت عمر بن الخطاب لحذفها ، مشيرين إلى بعض العلل الخفية في هذا الأمر ، موضحين ذلك من خلال القرآن المجيد والسنة المطهرة وكلام الإمام الكاظم عليه السلام .

أمّا الكلام في الفصل الرابع فكان عن تاريخها العقائدي والسياسي وما حدث في بغداد وغيرها من الفتن ، مشيرين إلى التأذين بها في حلب ، وبغداد ، ومصر ، وحمص ، والاندلس ، والهند ، وإيران ، ومكّة ، والمدينة ، واليمامة ، والقطيف ، و... على مر العصور والأيّام.

كلّ ذلك ضمن بياننا للسير التاريخي للأحداث ، والدول التي حكمت البلدان ، فاطمية كانت أم عباسية ، بويهية كانت أم سلجوقية و.. مؤكدين بأن الحيعلة الثالثة ما هي إلاّ نافذة من النوافذ الكثيرة في التاريخ والشريعة كالجهر بالبسملة والجمع بين الصلاتين وعدم جواز المسح على الخفين و... والمشيرة إلى وجود اتجاهين بعد رسول الله : أحدهما أتباع أهل البيت ، والآخر أتباع الخلفاء ، وأن « حيّ على خير العمل » كانت شعار الشيعة والطالبيين على مر الدهور ، وكان حذفها وإبدالها بـ « الصلاة خير من النوم » شعار أهل السنة والجماعة.

وبهذا فقد انتهينا من بيان الباب الأول من هذه الدراسة على أمل أن نلتقي بالقارئ الكريم عند البابين الآخرين منها :

الباب الثاني : « الصلاة خير من النوم ، شرعة أم بدعة ».

والباب الثالث : « أشهد أن عليّاً ولي الله ، بين الشرعية والابتداع ».

نسأل الله أن يوفقنا لإكمالهما وإتمامهما بفضله ومنّه ، آمين رب العالمين.


433

وفي الختام

لابد لي أن أشكر كلّ من سايرني في هذه الرحلة الفكرية العقائدية المضنية ، سواء قرأ لي ، أو أشار عليّ بنكتة علمية ، أو لفتة أدبية ، أو ملاحظة فنية ، أو تخريجة ما ، وأخص بالذكر الباحثين الجليلين : الاستاذ الشاعر الشيخ قيس العطار ، والاخ الفاضل إبراهيم رفاعة لقرائتهما الكتاب وابدائهما بعض الملاحظات القيمة.

وكذلك اشكر الأخ الفاضل سمير الكرماني الذي ضبط لي النصوص ووحّد المصادر وطبعاتها ، ثمّ اعداده الفهرس النهائي للكتاب. فللَّه درهم وعليه أجرهم.

وأخيراً آمل من إخواني العلماء ومن يعنيه أمر الفكر والعقيدة أن يتحفوني بآرائهم حول الكتاب سلباً أو إيجاباً وصحّة أو سقماً ، ولهم منّا الشكر في كلتي الحالتين ، فإن وافقونا فسنستمد العزم لمواصلة الطريق ، وإن خالفونا فسنستفيد من آرائهم ونجعلها نصب أعيننا في بحوثنا المقبلة إن شاء الله تعالى.

اللّهم أرنا الحقَّ حقّاً فنتّبعه ، والباطل باطلاً فنجتنبه ، واجعل هوانا في طاعتك وطاعة نبيك وأوليائك المخلَصين ، واهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

اللّهم عرّفنا ما نجهل من كتابك ، وعلّمنا ما لا نعلم من سنّة نبيّك ، وبصّرنا بما لا نبصر من أسرار حكمك ، واجعلنا أبراراً أتقياء برحمتك يا أرحم الراحمين ، آمين ربَّ العالمين.


434


435

ثبت المصادر

1 ـ القرآن الكريم

2 ـ اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفاء 1/3 ( رحلي )

للمقريزي ، أحمد بن عليّ ، تقي الدين أبي العبّاس ( ت 845هـ )

تحقيق : الدكتور محمّد حلمي محمّد أحمد ، والدكتور جمال الدين الشيال

نشر : لجنة إحياء التراث الإسلامي ، المجلس الاعلى للشئون الامية / مصر

3 ـ الآثار 1/2

للشيباني ، محمّد بن الحسن ، أبي عبدالله ( ت 189هـ )

صحّحه وعلق عليه : أبو الوفاء الافغاني

نشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الثانية 1413هـ ـ 1993 م

4 ـ الآحاد والمثاني

لابن أبي عاصم ( ت 287هـ )

تحقيق : باسم فيصل أحمد الجوابرة

نشر : دار الدراية

الطبعة الأولى 1411هـ ـ 1991 م


436

5 ـ الاحاديث المختارة

للمقدسي الحنبلي ، محمّد بن عبدالواحد بن أحمد ، أبي عبدالله ( ت 643هـ )

تحقيق : عبدالملك بن عبدالله بن دهيش

نشر : مكتبة النهضة الحديثة ـ مكّة المكرمة

الطبعة الأولى 1410هـ

6 ـ الاحتجاج 1/2 ( في مجلد )

للطبرسي ، أحمد بن عليّ بن أبي طالب ، أبي منصور ( من اعلام القرن السادس الهجري )

تعليق وملاحظات : السيّد محمّد باقر الموسوي الخرسان

منشورات : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / بيروت

الطبعة الثانية 1403هـ ـ 1983 م

7 ـ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم

للمقدسـي ، محمـد بن أحمـد بن أبي بكـر ، شـمس الديـن ، أبي عبدالله ( ت 414 هـ )

طبع في مدينة ليدن بمطبعة بريل سنة 1904 م

اُوفسيت دار صادر ـ بيروت

8 ـ احقاق الحق وازهاق الباطل 1/32

للتستري ، القاضي نور الله الحسيني المرعشي ( ت 1019هـ )

مع ملحقات السيّد المرعشي النجفي

نشر : مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم ـ إيران


437

9 ـ الإحكام في أصول الأحكام 1/8 ( في مجلدين )

لابن حزم الاندلسي الظاهري ، عليّ بن أحمد بن سعيد ، أبي محمّد ( ت 456هـ )

تحقيق : لجنة من العلماء

نشر : دار الجيل ، بيروت ـ لبنان

الطبعة الثانية 1407هـ ـ 1987 م

10 ـ الاحكام في الحلال والحرام

للإمام الهادي إلى الحق ، يحيى بن الحسين الحسيني الحسني ( ت 566هـ )

نشر : دار التراث اليمني

الطبعة الأولى

11 ـ الأخبار الموفقيات

للزبير بن بكار ( ت 256هـ )

تحقيق : الدكتور سامي مكي العاني

نشر : منشورات الشريف الرضي

طبع : مطبعة أمير ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1416هـ

12 ـ أخبار بني عبيد ‌ أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم

لابن حماد ، محمّد بن عليّ بن حماد ، أبي عبدالله ( ت 628هـ )

تحقيق : التهامي نقرة ـ عبدالحليم عويس

نشر : دار الصحوة ـ القاهرة

الطبعة الاولى 1401هـ


438

13 ـ الاختصاص

للمفيد ، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي ، أبي عبدالله ( ت 413هـ )

تحقيق : الأستاذ عليّ أكبر غفاري

نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية ، قم ـ إيران

14 ـ الأذان بحي على خير العمل

للعلوي ، محمّد بن عليّ بن الحسن ، أبي عبدالله (ت 445هـ )

تحقيق : محمّد يحيى سالم عزان

نشر : مركز النور للدراسات والبحوث والتحقيق ـ صعدة ـ اليمن

الطبعة الثانية 1416هـ ـ 1995 م

وطبعة ثانية :

بتحقيق : يحيى عبدالكريم الفضيل

نشر : المكتبة الوطنية

الطبعة الأولى 1399هـ ـ 1979 م

15 ـ الاربعون حديثاً في إثبات إمامة أمير المؤمنين

للبحراني ، سليمان بن عبدالله الماحوزي ( ت 1121هـ )

تحقيق : السيّد مهدي الرجائي

نشر : المحقق ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1417هـ

16 ـ ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

للقسطلاني ، أحمد بن محمّد ، شهاب الدين ، أبي العبّاس (ت 923هـ )


439

اوفسيت دار إحياء التراث العربي ـ بيروت

17 ـ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 1/2

للمفيد ، محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي ، أبي عبدالله ( ت 413هـ )

تحقيق : مؤسسة آل البيت

الطبعة الثانية 1416هـ قم ـ إيران

18 ـ إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل

للألباني ، محمّد ناصر ( معاصر )

تحقيق : زهير الشاويش

نشر : المكتب الإسلامي ـ بيروت

الطبعة الثانية 1405هـ ـ 1985 م

19 ـ الاستبصار 1/4

للطوسي : محمّد بن الحسن ، أبي جعفر ( ت 460هـ )

تحقيق : السيّد حسن الموسوي

نشر : دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران

الطبعة الرابعة

20 ـ الاستيعاب في معرفة الاصحاب 1/4

لابن عبدالبر ، يوسف بن عبدالله بن محمّد بن عبدالبر ، أبي عمر ( ت 368 ـ 463هـ )

تحقيق : عليّ محمّد البجاوي

نشر : دار نهضة مصر للطبع والنشر ـ القاهرة ـ مصر


440

21 ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة 1/5

لابن الأثير الجزري ، عليّ بن محمّد ، أبي الحسن ( ت 630هـ )

دار احياء التراث العربي ـ بيروت

22 ـ الأشعثيات المعروف بالجعفريات للاشعث الكوفي ، محمّد بن محمّد الأشعث ، أبي عليّ ( من اعلام القرن الرابع الهجري )

المطبوع مع قرب الإسناد للحميري القمي

نشر : مكتبة نينوى الحديثة

طهران ـ إيران

23 ـ الإصابة في تمييز الصحابة 1/4

للعسقلاني ، أحمد بن عليّ بن حجر ، شهاب الدين ، أبي الفضل ( ت 852 هـ )

طبع الكتبخانه الخديوية المصرية

أوفسيت دار إحياء التراث العربي ـ بيروت

الطبعة الأولى سنة 1328هـ

24 ـ الاعتصام بحبل الله المتين 1/4

للقاسم بن محمّد ، الإمام الزيدي ( ت / 1029هـ )

نشر : مطابع الجمعية ، عمان ـ الأردن

طبع سنة 1403هـ

25 ـ أعيان الشيعة 1/11

للامين ، السيّد محسن العاملي ( ت 1371هـ )


441

تحقيق : حسن الأمين

نشر : دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت

26 ـ الاغاني 1/24

للاصفهاني ، أبي الفرج ( ت 356هـ )

شرحه ، كتب هوامشه : عبد عليّ مهنا

الطبعة الأولى 1407 ـ 1986

دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

27 ـ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 2/3

أسد حيدر ( ت )

الطبعة الثالثة 1411هـ

واعادت طباعته مكتبة الصدر ـ طهران ـ إيران

28 ـ الإمامة والسياسة

للدينوري ، عبدالله بن مسلم بن قتيبة ، أبي محمّد ( ت 276هـ )

تحقيق : عليّ شيري

نشر : منشورات الشريف الرضي

29 ـ الأمالي الخميسية

للمرشد بالله ، يحيى بن الحسين ( ت 479هـ )

طبع مصر ـ أعادته مكتبة المثنى ، بغداد

30 ـ أمالي الإمام أحمد بن عيسى

أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ ( ت 247هـ )

تحقيق : عليّ بن إسماعيل بن عبدالله المؤيد


442

نشر : دار النفائس ، بيروت

الطبعة الأولى

31 ـ أمالي الشيخ الطوسي

للطوسي ، محمّد بن الحسن ، أبي جعفر ( ت 460هـ ) ، وابنه أبو عليّ ( ت بعد سنة 515هـ )

مؤسسة الوفاء ـ بيروت

الطبعة الثانية 1401 ـ 1981

32 ـ أمالي الصدوق

لابن بابويه القمي ، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه ، أبي جعفر ( ت 381هـ )

قدم له : الشيخ حسين الاعلمي

منشورات الأعلمي للمطبوعات

الطبعة الخامسة 1400هـ ـ 1980 م

33 ـ أنساب الاشراف

للبلاذري ، أحمد بن يحيى بن جابر ( من أعلام القرن الثالث الهجري )

تحقيق : الشيخ محمّد باقر المحمودي

نشر : مؤسسة الأعلمي ـ بيروت

الطبعة الأولى 1394هـ

34 ـ الإيضاح

لابن شاذان النيسابوري ، الفضل بن شاذان الأزدي ، أبي محمّد ( ت 26هـ )

نشر : مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ـ بيروت


443

الطبعة الاولى 1402هـ ـ 1982 م

35 ـ البحر الزخار

للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى ( ت 840هـ )

طبع سنة 1316هـ

36 ـ بحار الانوار 1/110

للمجلسي ، الشيخ محمّد باقر ( ت 1111هـ )

نشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت

الطبعة الثانية 1403هـ ـ 1983 م

37 ـ بدائع الزهور في وقائع الدهور

لابن إياس الحنفي ، محمّد بن أحمد ( ت 930هـ )

نشر : الهيئة المصرية العامة ـ القاهرة

الطبعة الأولى 1402هـ

38 ـ البداية والنهاية 1/8

لابن كثير ، أبي الفداء ( ت 774هـ )

دقق أصوله وحققه : مجموعة من الأساتذة

نشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت

39 ـ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

للشوكاني ، محمّد بن عليّ ( ت 1250هـ )

نشر : دار المعرفة ـ بيروت

40 ـ بذل المجهود في حل أبي داود 1/20 ( في عشر مجلدات)

للسهار نفوري ، خليل أحمد ( ت 1346هـ )


444

نشر : مكتبة دار الباز ـ مكّة المكرمة

41 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد

للصفار القمي ، محمّد بن الحسن بن فروخ ، أبي جعفر ( ت 290هـ )

صححه وعلق عليه : الحاج ميرزا محسن كوجه باغي التبريزي

منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي

قم ـ إيران 1404هـ

42 ـ بغية الطلب في تاريخ حلب 1/12 مع الفهارس

لابن العديم ، عمر بن أحمد بن أبي جرادة ، كمال الدين ( ت 660هـ )

حققه وقدم له : الدكتور سهيل زكار

دار الفكر ـ بيروت

43 ـ بلاغات النساء

لابن طيفور ، أبي الفضل بن أبي طاهر ( ت 380هـ )

نشر : مكتبة بصيرتي ـ قم ـ إيران

44 ـ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة

شرف الدين الاسترآبادي ، عليّ بن الحسين الغروي ، السيد شرف الدين ( من علماء النصف الثاني من القرن العاشر )

تحقيق : حسين الأستاد ولي

نشر : مؤسسة النشر الإسلامي ـ إيران

الطبعة الثانية 1417هـ

45 ـ تاج العروس من جواهر القاموس 1/30

للزبيدي ، محمّد بن مرتضى الحسين الواسطي ( 1205هـ )


445

نشر : دار مكتبة الحياة ـ بيروت ـ لبنان

طبع بالأوفسيت عن الطبعة الاولى للمطبعة الخيرية ـ مصر سنة 1306هـ

46 ـ تاريخ ابن خلدون 1/7

لابن خلدون الحضرمي المغربي ، عبدالرحمن بن محمّد بن خلدون ( ت 808هـ )

نشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت

الطبعة الأولى 1391هـ ـ 1971 م

47 ـ تاريخ ابن معين 1/2

لابن معين ، يحيى معين بن عون المرّي الغطفاني البغدادي ( ت 223هـ )

برواية عثمان بن سعيد الدارمي ( ت 280هـ )

تحقيق : أحمد محمّد نور سيف

نشر : دار المأمون للتراث ـ دمشق ـ سوريا

48 ـ تاريخ يحيى بن معين برواية الدوري

لابن معين ، يحيى بن معين بن عون المري الغطفاني البغدادي ( ت 233هـ )

رواية : العبّاس بن محمّد بن حاتم الدوري البغدادي ( ت 271هـ )

تحقيق : عبدالله أحمد حسن

نشر : دار القلم ـ بيروت

49 ـ تاريخ أبي الفداء ‌ المختصر في أخبار البشر 1/4 ( في مجلدين )

لأبي الفداء ، إسماعيل بن نور الدين ، عماد الدين ( ت 732هـ )

مكتبة المتنبي ـ القاهرة


446

50 ـ تاريخ بغداد 1/14

للخطيب البغدادي ، أحمد بن عليّ ، أبي بكر (ت 463هـ )

نشر : المكتبة السلفية ، المدينة المنورة

51 ـ تاريخ الثقات

للعجلي ، أحمد بن عبدالله بن صالح ، أبي الحسن (ت 261هـ )

تحقيق : عبدالمعطي قلعجي

نشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الأولى ـ 1405هـ ـ 1984 م

52 ـ تاريخ الخلفاء

للسيوطي ، عبدالرحمن بن أبي بكر ( ت 911هـ )

تحقيق : محمّد محيي الدين عبدالحميد

نشر : مطبعة السعادة ـ مصر

الطبعة الاولى 1371هـ ـ 1952 م

53 ـ التاريخ الصغير

للبخاري ، محمّد بن إسماعيل ، أبي عبدالله ( ت 256هـ )

تحقيق : محمود إبراهيم زايد

نشر : دار المعرفة ـ بيروت

الطبعة الأولى 1406هـ

54 ـ تاريخ طبرستان ( باللغة الفارسية)

لابن اسفنديار الكاتب ، محمّد بن حسن بن اسفنديار ، بهاء الدين ( ت 613 هـ )


447

تصحيح : عبّاس إقبال الاشتيباني

الناشر : پديده ( خاور )

النشر : 1366هـ ش

55 ـ تاريخ الطبري ‌ ( تاريخ الأمم والملوك ) 1/11

للطبري ، محمّد بن جرير ، أبي جعفر (ت 310هـ )

تحقيق : محمّد أبو الفضل إبراهيم

نشر : دار التراث ، بيروت ـ لبنان

56 ـ التاريخ الكبير 1/8

للبخاري الجعفي ، محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم ( ت 256هـ )

نشر : دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان

57 ـ تاريخ المدينة المنورة ‌ اخبار المدينة النبوية 1/4

لابن شبّه ، عمر بن شبّه النميري البصري ، أبي زيد ( ت 262هـ )

تحقيق : فهيم محمّد شلتوت

نشر : دار التراث ـ بيروت

الطبعة الأولى 1410هـ ـ 1990

58 ـ تاريخ مدينة دمشق المعروف بتاريخ ابن عساكر

لابن عساكر الدمشقي ، عليّ بن محمّد الحسن بن هبة الله الشافعي ، أبي القاسم ( ت 571هـ )

تحقيق : عليّ شيري

نشر : دار الفكر ـ بيروت

الطبعة الأولى 1415هـ


448

59 ـ تاريخ اليعقوبي 1/2

لليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح ، الكاتب العبّاس ( ت 292هـ )

دار صادر ـ بيروت

أوفسيت مؤسسة نشر ثقافة أهل البيت عليهم السلام إيران

60 ـ تثبيت الإمامة

يحيى بن الحسين بن القاسم ، الإمام الزيدي اليمني ( ت 298هـ )

نشر : دار الإمام السجاد ـ بيروت

الطبعة الثانية : 1419هـ

61 ـ تحرير تقريب التهذيب 1/4

التقريب : للعسقلاني ، أحمد بن عليّ بن حجر ( ت 852 هـ )

والتحرير : لبشار عواد معروف ، شعيب الارنؤوط

نشر مؤسسة الرسالة ، بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1417هـ ـ 1997 م

62 ـ التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1/2

للسخاوي ، شمس الدين ( ت 902هـ )

نشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1414هـ ـ 1993 م

63 ـ تحفة الاحوذي بشرح جامع الترمذي 1/10 ( ومجلد للمقدمة )

للمباركفوري ، محمّد عبدالرحمن بن عبدالرحيم ، أبي العلا ( ت 1353هـ )

نشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت


449

الطبعة الاولى 1410هـ ـ 1990 م

64 ـ تذكرة الحفاظ 1/4 ( في مجلدين )

للذهبي ، شمس الدين ، أبي عبدالله ( ت 748هـ )

نشر : دار إحياء التراث العربي ؛ بيروت ـ لبنان

الطبعة الأولى 1374هـ

65 ـ التعديل والتجريح

للباجي المالكي ، سليمان بن خلف بن سعد ، أبي الوليد ( ت 474هـ )

تحقيق : أحمد البزار

66 ـ تفسير ابن أبي حاتم 1/12

لابن أبي حاتم ، عبدالرحمن بن محمّد بن إدريس الرازي ( ت 327هـ )

تحقيق : أسعد محمّد الطيب

نشر : مكتبة نزار مصطفى الباز ـ مكّة المكرمة ـ السعودية

الطبعة الاولى 1417هـ ـ 1997 م

67 ـ تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل 1/4

للبغوي الشافعي ، الحسين بن مسعود الفراء ، أبي محمّد ( ت 516هـ )

دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1414هـ ـ 1993 م

68 ـ تفسير الإمام العسكري المنسوب إلى الإمام العسكري

للحسن بن عليّ العسكري عليه السلام أبي محمّد ( ت 260هـ )

تحقيق ونشر : مدرسة الإمام المهدي عليه السلام ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1409هـ


450

69 ـ تفسير عبدالرزاق 1/3

للصنعاني ، عبدالرزاق بن همام ( ت 211هـ )

دراسه وتحقيق : دكتور محمود محمّد عبده

منشورات محمّد عليّ بيضون / دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان

الطبعة الأولى 1419 ـ 1999 م

70 ـ تفسير القرآن العظيم ‌ تفسير ابن كثير 1/4

لابن كثير الدمشقي ، إسماعيل بن كثير ، عماد الدين ، أبي الفداء ( ت 774هـ )

أعادت طبعه بالاوفسيت دار المعرفة ـ بيروت 1402هـ ـ 1982 م

71 ـ تفسير العياشي 1/2

للعياشي ، محمّد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي ، أبي النضر ( ت 320هـ )

تحقيق : السيّد هاشم الرسولي المحلاتي

نشر : المكتبة العلمية الإسلاميّة ـ طهران

72 ـ تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن 1/20

للقرطبي ، محمّد بن أحمد الانصاري ، أبي عبدالله ( ت 671هـ )

تصحيح : أحمد عبدالعليم البردوني

أعادت طبعه دار احياء التراث العربي ـ بيروت 1405هـ ـ 1985 م

73 ـ تفسير القمي

للقمي ، عليّ بن إبراهيم ، أبي الحسن ( من اعلام القرنين 3 ـ 4هـ )

صححه وعلق عليه : السيّد طيب الموسوي الجزائري

طبع : مطبعة النجف سنة 1387هـ


451

74 ـ التفسير الكبير 1/32 ( في ستة عشر مجلداً )

للفخرالرازي ، محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين ( ت 606هـ )

طبع : دار احياء التراث العربي بيروت ـ الطبعة الثالثة

75 ـ تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقاويل في وجوه التأويل 1 /4

للزمخشري ، جار الله محمود بن عمر ، أبي القاسم ( ت 538هـ )

نشر : دار المعرفة بيروت

76 ـ تفسير الميزان 1/21

للطباطبائي ، السيّد محمّد حسين ( ت هـ )

نشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت

الطبعة الثانية 1392هـ ـ 1972 م

77 ـ تفسير نور الثقلين 1/ 5

للحويزي ، عبدعليّ بن جمعة العروسي ( ت 1112هـ )

تعليق : هاشم الرسولي المحلاتي

أوفسيت الحوزه العلمية ـ قم ـ إيران

78 ـ التلخيص الحبير في تخريج الرافعي الكبير

للعسقلاني ، أحمد بن عليّ حجر ، أبي الفضل ( ت 852هـ )

نشر : دار الفكر ـ بيروت

79 ـ تلخيص المستدرك ‌ المطبوع بذيل المستدرك للحاكم النيسابوري

للذهبي ، محمّد بن أحمد ، أبي عبدالله ( ت 848هـ )

نشر : دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان


452

الطبعة الاولى 1398هـ ـ 1978 م

80 ـ التمهيد

لابن عبدالبر ، يوسف بن عبدالله بن عبدالبر ، أبي عمر ( ت 463هـ )

تحقيق : مصطفى بن أحمد العلوي ـ محمّد عبدالكبير البكري

نشر : وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلاميّة ـ المغرب

الطبعة الاولى 1387هـ

81 ـ تنوير الحوالك على موطأ مالك 1/2 ( في مجلد )

للسيوطي ، جلال الدين عبدالرحمن الشافعي ( ت 911هـ )

نشر : دار الندوة الجديدة ـ بيروت

82 ـ تهذيب الاحكام ‌ التهذيب 1/10

للطوسي ، محمّد بن الحسن ، أبي جعفر ( ت 460هـ )

حققه وعلق عليه : السيّد حسن الموسوي الخرسان

نشر : دار الكتب الإسلاميّة ـ إيران

83 ـ تهذيب التهذيب 1/12

للعسقلاني ، أحمد بن عليّ بن حجر ، أبي الفضل ( ت 852هـ )

نشر : مجلس دائرة المعارف النظامية ، حيدرآباد ـ الهند

الطبعة الاولى 1325هـ

84 ـ تهذيب الكمال 1/35

للمزي ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف ( ت 742هـ )

حققه وضبط نصه وعلق عليه : الدكتور بشار عواد

نشر : مؤسسة الرسالة ـ بيروت


453

الطبعة الاولى 1413هـ ـ 1992م

85 ـ التوحيد

لابن بابويه القمي ، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه ، أبي جعفر ( ت 381هـ )

تحقيق : السيّد هاشم الحسيني الطهراني

نشر : مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ـ إيران

86 ـ ثقات ابن حبان ‌ ( كتاب الثقات ) 1/9

لابي حاتم البستي ، محمّد بن حبان بن أحمد التميمي ( ت 354هـ )

نشر : مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن ـ الهند

الطبعة الاولى

87 ـ جامع أحاديث الشيعة 1/30

للبروجردي ، السيّد حسين الطباطبائي ( ت 1276هـ )

تأليف ونشر : الشيخ إسماعيل المعزي الملايري

طبع في مطبعة مهر / قم ـ إيران سنة 1413هـ

88 ـ جامع البيان في تفسير القرآن 1/30 ( في 12 مجلد )

للطبرسي ، محمّد بن جرير ، أبي جعفر ( ت 310هـ )

طبع : المطبعة الكبرى الاميرية ـ مصر ، أوفسيت دار المعرفة ـ بيروت 1409 هـ ـ 1989م

89 ـ جامع الأخبار ‌ معارج اليقين في أصول الدين

للسبزواري ، محمّد بن محمّد ، ( من أعلام القرن السابع الهجري )

تحقيق : علاء آل جعفر


454

نشر : مؤسسة آل البيت ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1414هـ

90 ـ الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير

للسيوطي ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر ( ت 911هـ )

نشر : دار الفكر ، بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1401هـ ـ 1981 م

91 الجامع للشرايع

يحيى بن سعيد ( ت 690هـ )

نشر : مؤسسة سيّد الشهداء ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1405هـ

92 ـ الجرح والتعديل للرازي 1/9

لابن أبي حاتم الرازي ، عبدالرحمن بن أبي حاتم محمّد بن ادريس بن المنذر التميمي الحنظلي ( ت 327هـ )

نشر : دار احياء التراث العربي ، بيروت

أوفسيت عن الطبعة الاولى لمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية ، حيدر آباد الدكن ـ الهند 1373هـ ـ 1952 م

93 ـ جواهر الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار

للصعدي ، محمّد بن يحيى بن محمّد بن أحمد ( ت 957هـ )

نشر : مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ لبنان

طبع سنة 1379هـ


455

94 ـ الجواهر الحسان في تفسير القران ‌ تفسير الثعالبي

للثعالبي ، عبدالرحمن ( ت 875هـ )

حققه وخرج أحاديثه : أبو محمّد الغماري الادريسي الحسني

طبعه دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1416 ـ 1996 م

95 ـ جواهر الفقه

لابن برّاج الطرابلسي ، عبدالعزيز بن برّاج ( ت 481هـ )

تحقيق : إبراهيم بهادري

نشر : مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم

الطبعة الاولى 1411هـ

96 ـ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 1/43

للنجفي ، الشيخ محمّد حسن ( ت 1266هـ )

تحقيق : الشيخ عليّ الآخوندي والشيخ عبّاس القوجاني وغيرهما

نشر : دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران ـ إيران

الطبعة الاولى 1392هـ

97 ـ جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

للباعوني الشافعي ، محمّد بن أحمد الدمشقي ( ت 871هـ )

تحقيق : الشيخ محمّد باقر المحمودي

نشر : مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1415هـ


456

98 ـ الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى)

لابن التركماني ، علاء الدين بن عليّ بن عثمان المارديني ( ت 745هـ )

نشر : دار المعرفة ، بيروت ـ لبنان

99 ـ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

للدسوقي ، محمّد بن عرفة ( ت 1230هـ )

نشر : دار احياء الكتب العربي ، بيروت لبنان

100 ـ حاشية السندي ( المطبوع بهامش سنن النسائي )

للسندي ، نور الدين بن عبدالهادي ، أبي الحسن ( ت 1138هـ )

نشر : دار احياء التراث العربي

101 ـ الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة

للبحراني ، الشيخ يوسف ( ت 1186هـ )

تحقيق : الشيخ محمّد تقي الايرواني

نشر : مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم ـ إيران

102 ـ حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الاطهار عليهم السلام

للبحراني ، السيّد هاشم ( ت 1107هـ )

تحقيق : الشيخ غلام رضا مولانا البحراني

نشر : مؤسسة المعارف الإسلاميّة ـ إيران

الطبعة الاولى 1411هـ

103 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1/10

للاصبهاني ، أحمد بن عبدالله ، أبي نعيم ( ت 430هـ )

نشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت


457

الطبعة الخامسة 1407هـ ـ 1987 م

104 ـ حيّ على خير العمل بين الشرعية والابتداع

لمحمد سالم عزّان ( معاصر )

نشر : النور للدراسات والبحوث والتحقيق ـ صعدة ـ اليمن

الطبعة الاولى 1419هـ ـ 1999 م

105 ـ الخصال

لابن بابويه القمي ، محمّد بن عليّ بن الحسين ، أبي جعفر ( ت 381هـ )

صححه وعلق عليه : الاستاذ عليّ أكبر الغفاري

نشر : جماعة المدرسين ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1403هـ

106 ـ خطط الشام 1/6 في ثلاثة مجلدات

لمحمد كرد عليّ ( ت 1953هـ )

نشر : مكتبة النوري ـ دمشق ـ سوريا

الطبعة الثالثة 1403هـ ـ 1983 م

107 ـ الدارس في تاريخ المدارس 1/2

للنعيمي الدمشقي ، عبدالقادر بن محمّد ( ت 978هـ )

تحقيق : إبراهيم شمس الدين

نشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1410هـ ـ 1990 م

108 ـ الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة

للشيرازي ، السيّد عليّ خان المدني ( ت 1120هـ )


458

نشر : مكتبة بصيرتي ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1397هـ

109 ـ الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة

لابي الفضل ، أحمد بن عليّ بن محمّد ( ت 852هـ )

تحقيق : محمّد عبدالمعيد خان

نشر : مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية ـ حيدرآباد ـ الهند

الطبعة الثانية 1972 م

110 ـ الدر المنثور 1/6

للسيوطي ، جلال الدين عبدالرحمن ( ت 911هـ )

منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي

قم ـ إيران ، 1404هـ

111 ـ دعائم الإسلام 1/2

للتميمي المغربي ، النعمان بن محمّد بن منصور بن حيون ، أبي حنيفة ( ت 363هـ )

تحقيق : آصف بن عليّ أصغر فيضي

نشر : دار المعارف ـ القاهرة 1383هـ ـ 1963 م

112 ـ الدعوات

للقطب الراوندي ، سعد بن هبة الله ، أبي الحسين ( ت 573هـ )

تحقيق ونشر : مدرسة الإمام المهدي ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1407هـ


459

113 ـ دفع الشبه عن الرسول والرسالة

للحصني ، أبي بكر بن محمّد بن عبدالمؤمن تقي الدين ( ت 829هـ )

تحقيق : جماعة من العلماء

نشر : دار إحياء الكتاب العربي ـ القاهرة

الطبعة الثانية 1418

114 ـ الديباج

للسيوطي ، عبدالرحمن بن أبي بكر ، أبي الفضل ( ت 911هـ )

تحقيق : أبو إسحاق الجويني الأثري

نشر : دار ابن عفان ـ الخبر ـ السعودية

الطبعة الاولى 1416هـ ـ 1996 م

115 ـ ديوان الشافعي

للشافعي ، محمّد بن إدريس ( ت 204هـ )

نشر : دار احياء التراث العربي

بيروت ـ لبنان

116 ـ ديوان الحماني

للحماني العلوي الكوفي ، عليّ بن محمّد بن جعفر بن عليّ ( ت 245هـ )

تحقيق : الدكتور محمّد حسين الاعرجي

طبع : دار صادر في بيروت

الطبعة الاولى سنة 1998هـ

117 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1/26

للطهراني ، آقا بزرك ( ت 1389هـ )


460

نشر: دار الاضواء ـ بيروت

الطبعة الثانية 1403هـ

118 ـ ذكرى الشيعة 1/4

للجزيني العاملي ، محمّد بن جمال الدين مكي ، المعروف بـ الشهيد الاول ، ( ت 786هـ )

تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

طبع: مطبعة ستارة ـ قم

الطبعة الاولى 1419هـ

119 ـ رأب الصدع ‌ العلوم

للمرادي المقرئ ، محمّد بن منصور ( ت 290هـ )

جمع فيه أمالي احمد بن عيسى مع إضافات حديثية

تحقيق: عليّ بن إسماعيل بن عبدالله المؤيد

نشر: دار النفائس ـ بيروت ـ الطبعة الاولى

120 ـ رحلة ابن بطوطة ‌ تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار

للواتي الطنجي ، محمّد بن عبدالله بن محمّد بن إبراهيم ( ت 777هـ )

نشر: دار الكتاب اللبناني

121 ـ رحلة ابن جبير

لابن جبير ، محمّد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي البلنسي ، أبي الحسين ( 614هـ )

نشر: دار الكتاب اللبناني


461

122 ـ الرسالة

للشافعي ، محمّد بن إدريس ، أبي عبدالله ( ت 204هـ )

تحقيق: أحمد محمّد شاكر

القاهرة ـ مصر 1358هـ ـ 1939 م

123 ـ رسائل الشريف المرتضى 1/3

للشريف المرتضى ، عليّ بن الحسين بن موسى ، أبي القاسم ( ت 436هـ )

تحقيق: السيد مهدي الرجائي

نشر: دار القرآن ـ إيران

الطبعة الاولى 1405هـ

124 ـ روح المعاني 1/30 في 15 مجلداً

للآلوسي البغدادي ، شهاب الدين السيّد محمود ، أبي الفضل ( ت 1270هـ )

عني بنشره وتصحيحه والتعليق عليه: محمود شكري الالوسي

طبع: ادارة الطباعة المنيرية ـ اوفسيت دار احياء التراث العربي ـ بيروت

الطبعة الرابعة 1405هـ ـ 1985 م

125 ـ الروض الأُنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام

للسهيلي الخثعمي ، عبدالرحمن بن عبدالله ( ت 581هـ )

تحقيق: مجدي منصور الشورى

نشر: دار الكتب العلمية ، بيروت

الطبعة الاولى 1418هـ ـ 1997 م

126 ـ الروض النضير

للسياغي ، شرف الدين ، الحسين بن أحمد ( ت 1221هـ )


462

نشر: مكتبة المؤيد ـ الطائف الطبعة الثانية

127 ـ الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية 1/4

لابي شامه المقدسي ، شهاب الدين عبدالرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم ( ت 665هـ )

تحقيق: إبراهيم الزيبق

نشر: مؤسسة الرسالة ـ بيروت

الطبعة الاولى 1997 م

128 ـ زاد المسير في علم التفسير

للجوزي القرشي ، جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد أبي الفرج ( ت 597هـ )

تحقيق: محمّد بن عبدالرحمن بن عبدالله

نشر: دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1407هـ

129 ـ زبدة الحلب من تاريخ حلب 1/2

لابن العديم ، كمال الدين ، عمر بن أحمد بن أبي جرادة ( ت 660هـ )

تحقيق: سهيل زكار

نشر: دار الكتاب العربي ـ دمشق والقاهرة

الطبعة الاولى 1418هـ ـ 1997 م

130 ـ سبل السلام 1/4 في مجلدين

للصنعاني ، محمّد بن إسماعيل الكحلاني المعروف بالأمير ـ ( ت 1182هـ )

تحقيق: محمّد عبدالعزيز الخولي


463

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت

الطبعة الرابعة 1379هـ ـ 1960 م

131 ـ سبل الهدى والرشاد

للصالحي الشامي ، محمّد يوسف ( ت 942هـ )

تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبدالموجود ، والشيخ عليّ محمّد معوض

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1414هـ

132 ـ سعد السعود

لابن طاووس ، عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس ، رضي الدين ، أبي القاسم ( ت 664هـ )

نشر: المطبعة الحيدرية ـ النجف

الطبعة الاولى 1369هـ

133 ـ سفر نامه حكيم ناصر خسرو قبادياني ( ت 4530هـ ) ( باللغة الفارسية )

تصحيح: غني زاده

نشر: انتشارات منوجهري

المطبعة: كلشن السنة: 1372هـ ش

134 ـ سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 1/4

للعصامي المكي ، عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي (ت 1111هـ )

تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبدالموجود والشيخ عليّ محمّد معوض

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت


464

الطبعة الاولى 1419هـ ـ 1998 م

135 ـ سنن أبي داود 1/4

للسجستاني الازدي ، سليمان بن الأشعث أبي داود ( ت 275هـ )

تحقيق: محمّد محيي الدين عبدالحميد

نشر: المكتبة العصرية ـ بيروت

136 ـ سنن ابن ماجة 1/2

للقزويني ، محمّد بن يزيد أبي عبدالله ( ت 275هـ )

تحقيق: محمّد فؤاد عبدالباقي

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

137 ـ سنن الترمذي 1/5

للترمذي ، محمّد بن عيسى بن سورة ، أبي عيسى ( ت 297هـ )

تحقيق وشرح: أحمد محمّد شاكر

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت 1357هـ ـ 1938 م

138 ـ السنن الكبرى 1/10 ( رحلي )

للبيهقي ، أحمد بن الحسين بن عليّ أبي بكر ( ت 458هـ )

نشر: دار المعرفة ـ بيروت

139 ـ سنن النسائي 1/8 في أربعة مجلدات

للنسائي ، أحمد بن شعيب بن عليّ بن بحر ، أبي عبدالرحمن ( ت 303هـ )

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت

140 ـ سير أعلام النبلاء 1/25 ( مع الفهارس )

للذهبي ، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان ( ت 748هـ ـ 1374 م)


465

تحقيق: شعيب الارنؤوط ، محمّد نعيم العرقسوسي

نشر: مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الرابعة 1406هـ ـ 1986 م

141 ـ السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون 1/3 ( رحلي )

للحلبي ، عليّ بن برهان الدين ( ت 1044هـ )

نشر: دار المعرفة ـ بيروت

الطبعة الاولى 1400هـ

142 ـ السيرة النبوية ‌ سيرة ابن هشام 1/4

لابن هشام الحميري ، عبدالملك بن هشام بن أيوب ( ت 213هـ أو 218هـ )

تحقيق: مصطفى السقا ، إبراهيم الابياري ، عبدالحفيظ شلبي

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان

143 ـ السيرة النبوية ‌ سيرة ابن كثير

لأبي الفداء ، إسماعيل بن كثير ( ت 774هـ )

تحقيق: مصطفى عبدالواحد

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان

144 ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب 1/8 في أربعة مجلدات

للحنبلي ، عبدالحي ابن العماد ، أبي الفلاح ( ت 1089هـ )

نشر: دار الافاق الجديدة ـ بيروت ـ لبنان

145 ـ شرح التجريد

للقوشجي ، علاء الدين ( ت 879هـ )

نشر: منشورات الرضي ـ ايران ـ قم


466

146 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار 1/3

للتميمي المغربي ، النعمان بن محمّد أبي حنيفة ( ت 363هـ )

تحقيق: السيّد محمّد حسين الجلالي

نشر: مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1409هـ

147 ـ شرح صحيح مسلم للإمام النووي 1/16 في 8 مجلدات

للنووي الشافعي ، يحيى بن شرف ، محيي الدين ، أبي زكريا ( ت 676هـ )

راجعه: الشيخ خليل الميس

نشر: دار القلم ـ بيروت

الطبعة الاولى 1407هـ ـ 1987 م

148 ـ الشرح الكبير ( المطبوع بهامش المغني ) 1/12

لابن قدامة المقدسي ، عبدالرحمن بن أبي عمر ، شمس الدين ، أبي الفرج ( ت 682هـ )

طبعة جديدة بالأوفسيت ، طبع دار الكتاب العربي ـ بيروت.

149 ـ شرح المقاصد

للتفتازاني ، مسعود بن عمر بن عبدالله ، الشهير بسعد الدين ( ت 793هـ )

تحقيق: عبدالرحمن عميرة

نشر: منشورات الشريف الرضي ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1409هـ ـ 1989 م


467

150 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/20 في عشرة مجلدات

لابن أبي الحديد المدائني ، عز الدين بن هبة الله بن محمّد بن محمّد بن الحسين بن أبي الحديد ، أبي حامد ( ت 655هـ أو 656هـ )

تحقيق: محمّد أبي الفضل إبراهيم

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت

الطبعة الثانية 1385هـ ـ 1965 م

151 ـ الشفا بتعريف حقوق المصطفى

للحصبي ، عياض ، أبي الفضل ( ت 544هـ )

نشر: دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1409هـ ـ 1988 م

152 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 1/3

للحسكاني ، عبدالله بن عبدالله بن أحمد المعروف بالحاكم

( من اعلام القرن الخامس )

تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي

نشر: مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ـ طهران ـ إيران

الطبعة الاولى 1411هـ ـ 1990 م

153 ـ صبح الاعشى في صناعة الإنشا 1/14

القلقشندي ، أحمد بن عليّ ( ت 821هـ )

تحقيق: نبيل خالد الخطيب

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1407هـ ـ 1987 م


468

154 ـ صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان

لابن بلبان الفارسي ، علاء الدين عليّ بن بلبان ( ت 739هـ )

تحقيق: شعيب الارنؤوط

نشر: مؤسسة الرسالة ـ بيروت

الطبعة الثالثة 1418هـ ـ 1997 م

155 ـ صحيح ابن خزيمة 1/4

لابن خزيمة السلمي النيسابوري ، محمّد بن إسحاق بن خزيمة ، أبي بكر ( ت 311هـ )

حققه وعلق عليه: الدكتور محمّد مصطفى الأعظمي

نشر: المكتب الإسلامي ـ بيروت

الطبعة الثانية 1412هـ ـ 1992 م

156 ـ صحيح البخاري 1/9 في اربعة مجلدات

للبخاري ، محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم ، أبي عبدالله ( ت 256هـ )

شرح وتحقيق: الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي

نشر: دار القلم ـ بيروت

الطبعة الاولى 1407هـ ـ 1987 م

157 ـ صحيح مسلم 1/4

للقشيري النيسابوري ، مسلم بن الحجاج ، أبي الحسين ( ت 261هـ )

تحقيق: محمّد فؤاد عبدالباقي

نشر: دار الفكر ـ بيروت

الطبعة الثانية 1389هـ ـ 1978 م


469

158 ـ صحيفة الإمام الرضا عليه السلام

تحقيق: الشيخ محمّد مهدي نجف

نشر: المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليه السلام

طبع الاستانة الرضوية ـ مشهد 1406هـ

159 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم 1/3

للبياضي ، عليّ بن يونس العاملي النباطي ، أبي محمّد ( ت 877هـ )

تحقيق: محمّد باقر البهبودي

نشر: المكتبة المرتضوية لاحياء الاثار الجعفرية ـ إيران

160 ـ الصواعق المحرقة

لليهثمي المكي ، أحمد بن حجر ( ت 899 هـ )

نشر: مكتبة القاهرة ـ مصر

161 ـ الضعفاء الكبير 1/4

للعقيلي المكي ، محمّد بن عمرو بن موسى بن حماد أبي جعفر ( ت 322 هـ )

تحقيق: عبدالمعطي أمين قلعجي

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الثانية 1418هـ

162 ـ الضعفاء والمتروكين

للذهبي الدمشقي ، شمس الدين بن عثمان بن قايماز ( ت 748هـ )

نشر: دار القلم ـ بيروت

الطبعة الاولى 1408هـ ـ 1988 م


470

163 ـ طب الأئمّة

للنيسابوريَّين ، عبدالله بن سابور الزيات ، والحسين بن بسطام ( ت 262هـ ) النيسابوريين

نشر: منشورات الرضي ـ قم ـ إيران

الطبعة ـ الثانية 1363 بالاوفسيت عن المطبعة الحيدرية ـ النجف الاشرف ـ العراق سنة 1385هـ ـ 1965 م

164 ـ طبقات أعلام الشيعة

للطهراني ، آغا بزرك ( ت هـ )

تحقيق ولده: عليّ نقي منزوي

نشر: مؤسسة اسماعيليان ، قم ـ إيران

الطبعة الثانية

165 ـ الطبقات الكبرى ‌ طبقات ابن سعد 1/9

لابن سعد ، محمّد بن سعد كاتب الواقدي ( ت 230هـ )

قدم له: الدكتور إحسان عباس

نشر: دار بيروت للطباعة والنشر ـ بيروت

1405هـ ـ 1985 م

166 ـ العبر في خبر من غبر

للذهبي ، محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز ( ت 748هـ )

تحقيق: صلاح الدين المنجد

نشر: مطبعة حكومة الكويت

الطبعة الثانية ( مصورة ) ، 1948 م


471

167 ـ علل الشرايع

للصدوق ، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي ، أبي جعفر ( ت 381هـ )

قدم له: السيّد محمّد صادق بحر العلوم

نشر: منشورات المكتبة الحيدرية ـ النجف

الطبعة الثانية 1385هـ ـ 1966 م

أعادت طباعته مكتبة الداوري ـ قم ـ إيران

168 ـ العلل ومعرفة الرجال 1/4

لاحمد بن محمّد بن حنبل ( ت 241هـ )

تحقيق: وصي الله بن محمّد عباس

نشر: المكتب الإسلامي ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1408هـ ـ 1988 م

169 ـ عيون أخبار الرضا 1/2

للصدوق ، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القميّ ، أبي جعفر ( ت 381هـ )

من منشورات المطبعة الحيدرية ـ النجف أوفسيت منشورات الاعلمي ـ طهران 1390هـ ـ 1970 م

170 ـ الغريبين في القرآن والحديث

للهروي ، أحمد بن محمّد صاحب الأزهري ـ أبي عبيد ( ت 401هـ )

تحقيق: أحمد فريد المزيدي

نشر: المكتبة العصرية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1419هـ ـ 1999 م


472

171 ـ الغدير في الكتاب والسنة والادب 1/11

للأميني النجفي ، عبدالحسين أحمد ( ت 1392هـ )

نشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الثالثة 1387هـ ـ 1967 م

172 ـ الغيبة

للنعماني ، محمد بن إبراهيم بن جعفر المعروف بابن أبي زينب ( ت 380هـ )

نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1403هـ ـ 1983 م

173 ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1/13

للعسقلاني ، أحمد بن عليّ بن محمّد شافع شهاب الدين ، أبي الفضل ( ت 852 هـ )

طبع: المطبعة البهية بمصر ، طبعة 1348هـ

أوفسيت: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1408هـ ـ 1988 م

174 ـ فتح المالك على موطأ الإمام مالك 1/10

لابن عبدالبر النمري القرطبي المالكي ، جمال الدين يوسف بن عمر بن عبدالبر ، أبي عمر ( ت 463هـ )

تحقيق: الاستاذ الدكتور مصطفى صميدة

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1418هـ ـ 1998 م


473

175 ـ الفتوح 1/3

لابن اعثم الكوفي ، أحمد بن أعثم ، أبي محمّد ( ت نحو 314هـ )

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1406هـ ـ 1986 م

176 ـ الفتوحات الربانية على الأذكار النووية 1/2

للصديقي الشافعي ، محمّد بن علان ( ت 1057هـ )

نشر: المكتبة الإسلاميّة ، مصر

أوفسيت دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان

177 ـ الفتوحات المكية

لابن عربي الحاتمي الطائي ، محمّد بن عليّ ( ت 638هـ )

نشر: دار صادر ـ بيروت ـ لبنان

178 ـ الفردوس بمأثور الخطاب 1/

للديلمي الهمداني ، شيرويه بن شهردار بن شيرويه ، أبي شجاع الملقب « الكيا » ( ت 509هـ )

تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول

دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1406هـ ـ 1986 م

179 ـ فضائل الصحابة 1/2

لاحمد بن حنبل ( ت 241هـ )

تحقيق: وصي الله محمّد عباس

نشر: مؤسسة الرسالة ، بيروت


474

الطبعة الاولى 1403هـ ـ 1983 م

180 ـ فضل الصلاة على النبيّ

للجضمي القاضي المالكي ، إسماعيل بن إسحاق ( ت 282هـ )

تحقيق: محمّد ناصر الدين الالباني

المركز الإسلامي ـ بيروت

الطبعة الثالثة 1397هـ

181 ـ فيض القدير شرح جامع الصغير 1/6

للمناوي ، محمّد المدعو بعبدالروؤف ( ت 1331هـ )

نشر: دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان 1391هـ ـ 1972 م

الطبعة الثانية

182 ـ الكافي 1/8

للكليني ، محمّد بن يعقوب بن إسحاق ( أبي جعفر ) ( ت 329هـ )

صححه وقابله: الاستاذ عليّ أكبر الغفاري

نشر: دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران

الطبعة الثانية

183 ـ الكامل في التاريخ 1/9

لابن الأثير الجزري ، محمّد بن محمّد بن عبدالكريم بن عبدالواحد الشيباني ( ت 630هـ )

نشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت

الطبعة الثالثة 1400هـ ـ 1980 م


475

184 ـ الكامل في ضعفاء الرجال 1/8

لابن عدي الجرجاني ، عبدالله بن عدي ، أبي أحمد ( ت 360هـ )

تحقيق: سهيل زكار

نشر: دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الثالثة 1409هـ ـ 1988 م

185 ـ كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس

للعجلوني ، اسماعيل بن محمّد ( ت 1162هـ )

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الثالثة 1408هـ ـ 1988 م

186 ـ كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء

لكاشف الغطاء ، الشيخ جعفر النجفي ( ت 1228هـ )

نشر: انتشارات مهدوي ـ اصفهان ـ إيران

طبعة حجرية

187 ـ كشف الغمة عن جميع الأمة 1/2

للشعراني ، عبدالوهاب ( ت 973هـ ـ 1565 م)

نشر: المكتبة العلمية ـ بيروت

188 ـ كشف الغمة في معرفة الأئمّة 1/2

للاربلي ، عليّ بن عيسى بن أبي الفتح ( ت 693هـ )

تعليق: هاشم الرسولي

اهتم بطبعة الحاج السيّد عليّ بني هاشمي


476

189 ـ كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين

للحلي ، الحسن بن يوسف بن المطهر ( ت 726هـ )

تحقيق: حسن الدركاهي

الطبعة الاولى 1411هـ ـ إيران

190 ـ كفاية الأثر في النص على الأئمّة الاثني عشر

للخزاز القميّ ، عليّ بن محمّد بن عليّ الخزاز ، أبي القاسم ( من أعلام القرن الرابع )

تحقيق: عبداللطيف الحسيني الكوه كمري النحوي

نشر: انتشارات بيدار ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1401هـ

191 ـ كمال الدين وتمام النعمة

لابن بابويه القمّي ، محمد بن عليّ بن الحسين بن بابوية ، أبي جعفر ( ت 381هـ )

تعليق: عليّ أكبر الغفاري

نشر: مكتبة الصدوق ـ طهران ـ إيران

192 ـ كنز العرفان في فقه القرآن

للسيوري ، جمال الدين المقداد بن عبدالله ( ت 826هـ )

نشر: المكتبة المرتضوية لاحياء الأثار الجعفرية ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1348هـ

193 ـ كنز العمال 1/16

للمتقي الهندي ، علاء الدين عليّ المتقي بن حسام الدين البرهان فوري


477

( ت 975هـ )

ضبطه وفسر غريبه: الشيخ بكري حياني

تصحيح: الشيخ صفوة السقا

نشر: مؤسسة الرسالة ـ بيروت

الطبعة الخامسة 1405هـ ـ 1985 م

194 ـ الكنز المدفون والفلك المشحون

للسيوطي ، جلال الدين عبدالرحمن ( 911هـ )

نشر: المطبعة اليمينية ـ مصر

الطبعة الاولى 1321هـ

195 ـ لسان الميزان 1/7

للعسقلاني ، أحمد بن عليّ بن حجر أبي الفضل ( 852هـ )

نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الثالثة 1406هـ ـ 1986 م

196 ـ مآثر الانافة في معالم الخلافة 1/3

للقلقشندي ، أحمد بن عبدالله ، صاحب كتاب صبح الاعشى ( 821هـ )

تحقيق: عبدالستار أحمد فراج

نشر: عالم الكتب ـ بيروت

قدم له: صلاح الدين المنجد

197 ـ المبسوط 1/30 في 15 مجلد

للسرخسي ، شمس الدين ( 490هـ )

قام بتصحيح الكتاب: جماعة من العلماء


478

نشر: دار المعرفة ـ بيروت 1406هـ ـ 1986 م

198 ـ المبسوط في فقه الإمامية 1/10

للطوسي ، محمّد بن الحسن بن عليّ ، أبي جعفر ( ت 460هـ )

صححه وعلّق عليه: السيّد محمّد تقي الكشفي

نشر: المكتبة الرضوية ـ طهران ـ أوفسيت عن طبعة المطبعة الحيدرية

الطبعة الثالثة 1387هـ

199 ـ مجالس المؤمنين 1/2 ( باللغة الفارسية )

للشـوشـتري ، القاضي نور الله المعروف بالشـهيد الثالث ( اسـتشهد سنة 1010هـ )

نشر: كتابفروشي اسلامية ، طهران 1354هـ ش

200 ـ المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين

للتميمي البستي ، محمّد بن حبان بن أحمد بن أبي حاتم ( ت 354هـ )

تحقيق: محمود إبراهيم زايد

نشر: دار المعرفة ، بيروت

الطبعة الاولى 1412هـ ـ 1992 م

201 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/10

للهيثمي ، عليّ بن أبي بكر ، نور الدين ( ت 807هـ )

وهو بتحرير الحافظين العراقي وابن حجر

نشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت

الطبعة الثالثة 1402هـ ـ 1982 م


479

202 ـ المجموع شرح المهذب 1/20

للنووي ، محيي الدين بن شرف ، أبي زكريا ( ت 676هـ )

طبع: دار الفكر ـ بيروت

203 ـ المحاسن 1/2

للبرقي ، أحمد بن محمّد بن خالد ، أبي جعفر ( ت 274هـ أو 280هـ )

تحقيق: السيّد مهدي الرجائي

نشر: المعاونية الثقافية للمجمع العلمي لأهل البيت عليهم السلام ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1413هـ

204 ـ المحرر الوجيز في كتاب الله العزيز 1/4

لابن عطية الاندلسي ، عبدالحق بن غالب بن عطيه ، أبي محمّد ( ت 546هـ )

تحقيق: عبدالسلام عبدالشافي محمّد

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 413 ـ 1993 م

205 ـ المحصول في علم أصول الفقه 1/2

لفخر الدين الرازي ، محمّد بن عمر بن الحسين ( ت 606هـ )

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة 1408هـ ـ 1988 م

206 ـ المحلى 1/11

لابن حزم الاندلسي ، عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم ، أبي محمد ( ت 456هـ )

تحقيق: لجنة احياء التراث العربي


480

نشر: دار الافاق الجديدة ـ بيروت

207 ـ مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 1/11

للبوصيري ، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني الشافعي ، شهاب الدين ، أبي العبّاس ( ت 840 هـ )

تحقيق: سيد كروي حسن

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1417 هـ ـ 1996 م

208 ـ مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 1/29

لابن منظور ، محمّد بن مكرم ( ت 711 هـ )

تحقيق: أحمد راتب ومحمّد ناجي العمر

نشر: دار الفكر ـ دمشق

الطبعة الاولى 1409 هـ ـ 1988 م

209 ـ مدارك الاحكام 1/8

للعاملي ، السيّد محمّد بن عليّ الموسوي ( ت 1009 هـ )

تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث ـ مشهد المقدسة

طبع في مطبعة مهر ـ قم

الطبعة الاولى 1410 هـ

210 ـ مرآة الجنان وعبرة اليقظان 1/4

لليافعي ، عبدالله بن أسعد بن عليّ بن سليمان اليمني المكي ( ت 768 هـ )

نشر: منشورات الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت

الطبعة الثانية 1390 هـ ـ 1970 م


481

أوفسيت عن مطبعة دائرة المعارف النظامية ـ حيدرآباد ـ الدكن سنة 1338 هـ

211 ـ المراسيل

لابن أبي حاتم الرازي ، عبدالرحمن بن محمّد بن إدريس ( 327 هـ )

تحقيق: أحمد عصام الكاتب

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1403 هـ ـ 1983 م

212 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر 1/4

للمسعودي ، عليّ بن الحسين بن عليّ ، أبي الحسن ( ت 346 هـ )

وضع فهارسها: يوسف أسعد داغر

الطبعة الثانية ـ دار الهجرة ـ 1404 هـ ـ 1984 م

أوفسيت عن الطبعة الاولى 1385 هـ ـ 1965 م

213 ـ مستدرك سفينة البحار 1/10

للنمازي الشاهرودي ، الشيخ عليّ ( معاصر )

نشر: قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسسة البعثة

الطبعة الاولى 1409 هـ

214 ـ المستدرك على الصحيحين 1/4

للحاكم النيسابوري ، محمّد بن عبدالله ، أبي عبدالله ( ت 405 هـ )

نشر: دار الفكر ـ بيروت

1398 هـ ـ 1978 م

215 ـ مستدرك الوسائل 1/18

للطبرسي النوري ، الحاج ميرزا حسين ( ت 1320 هـ )


483

نشر وتحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ـ إيران

الطبعة الاولى 1407 هـ

216 ـ المسترشد في امامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

للطبري ، محمّد بن جرير بن رستم ( ت اوائل القرن الرابع الهجري )

تحقيق: الشيخ أحمد المحمودي

نشر: المؤسسة الثقافية الإسلاميّة طبع في قم ـ إيران

الطبعة الاولى

217 ـ مسند أبي داود الطيالسي

للطيالسي ، أبي داود ( ت 204 هـ )

نشر: دار الحديث ـ بيروت

218 ـ مسند أبي عوانة

لابي عوانه الاسفراييني ، يعقوب بن إسحاق ( ت 316 هـ )

تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي

نشر: دار المعرفة ـ بيروت

الطبعة الاولى 1998 م

219 ـ مسند أحمد 1/6 ( رحلي )

لاحمد بن حنبل ، ( ت 241 هـ )

نشر: دار صادر ـ بيروت

220 ـ مسند زيد بن علي

لزيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ( ت 121 هـ )

جمعه: عبدالعزيز بن إسحاق البغدادي


483

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

221 ـ مسند الشافعي

للشافعي ، محمّد بن إدريس ، أبي عبدالله ( ت 204 هـ )

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

اُوفسيت عن مطبعة بولاق الاميرية

222 ـ مشارق انوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليهم السلام

للبرسي ، رجب ( ت 813 هـ )

نشر: منشورات الشريف الرضي ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1414 هـ

223 ـ المصنف 1/11

للصنعاني ، عبدالرزاق بن همام ، أبي بكر ( ت 211 هـ )

عني بتحقيقه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه: الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي

من منشورات المجلس العلمي ـ بيروت

224 ـ مصنفات الشيخ المفيد 1/14

للمفيد ، محمّد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي ، أبي عبدالله ( ت 413 هـ )

نشر: المؤتمر العالمي لألفية المفيد

الطبعة الاولى 1413 هـ ـ قم ـ إيران

225 ـ المصنف في الأحاديث والآثار 1/9

( مصنف بن أبي شيبة )


484

لابن أبي شيبة الكوفي العبسي ، عبدالله بن محمّد بن أبي شيبة ، أبي بكر ( ت 235 هـ )

ضبطه وصححه: محمّد عبدالسلام شاهين

دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1416 هـ ـ 1995 م

226 ـ المعارف

لابن قتيبة الدينوري ، عبدالله بن مسلم بن قتيبة ( ت 276 هـ )

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1407 هـ ـ 1987 م

227 ـ معاني الاخبار

للصدوق ، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابوية القميّ ( ت 381 هـ )

عنى بتصحيحه: عليّ أكبر الغفاري

انتشارات اسلامي ـ قم

الطبعة الثانية 1379 هـ

228 ـ معجم الأدباء 1/20 ( في عشر مجلدات )

للحموي ، ياقوت بن عبدالرومي ( ت 626 هـ )

نشر: دار الفكر

الطبعة الثالثة 1400 هـ ـ 1980 م

229 ـ المعجم الاوسط 1/11

للطبراني ، سليمان بن أحمد ، أبي القاسم ( ت 360 هـ )

تحقيق: الدكتور محمود الطحان


485

نشر: مكتبة المعارف ـ الرياض

الطبعة الاولى 1415 هـ ـ 1995 م

230 ـ معجم البلدان 1/5

للحموي ، ياقوت بن عبدالله الرومي البغدادي ، شهاب الدين ، أبي عبدالله ( ت 626 هـ )

نشر: دار صادر ـ بيروت

231 ـ معجم رجال الحديث 1/24

للخوئي ، السيّد أبي القاسم الموسوي ( ت 1413 هـ )

الطبعة الخامسة 413 هـ ـ 1992 م

232 ـ المعجم الكبير 1/25

للطبراني ، سليمان بن أحمد ، أبي القاسم ( ت 360 هـ )

حققه: حمدي عبدالمجيد السلفي

نشر: مكتبة ابن تيمية ـ القاهرة

233 ـ معرفة علوم الحديث

للحاكم النيسابوري ، محمّد بن عبدالله ( ت 405 هـ )

شرح ومراجعه: سعيد محمّد اللحام

نشر: دار ومكتبة الهلال ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1409 هـ ـ 1989 م

234 ـ المغني 1/12

لابن قدامة ، عبدالله بن أحمد بن محمود بن قدامة ، موفق الدين ، أبي محمّد


486

( ت 630 هـ )

طبعه جديد بالاُوفسيت

نشر دار الكتاب العربي ـ بيروت

235 ـ المغني في الضعفاء 1/2

للذهبي ، محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز ( ت 748 هـ )

تحقيق: نور الدين عتر

236 ـ مقاتل الطالبين

للاصفهاني ، أبي الفرج ( ت 356 هـ )

شرح وتحقيق: السيّد أحمد صقر

نشر: دار المعرفة ـ بيروت

237 ـ المناقب ‌ مناقب الخوارزمي

للخوارزمي ، الموفق بن أحمد بن محمّد المكي ( ت 568 هـ )

تحقيق: مالك المحمودي

نشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم ـ إيران

الطبعة الثالثة 1417 هـ

238 ـ المنتخب من مسند عبد بن حميد

لابي محمّد عبد بن حميد ( ت 249 هـ )

تحقيق: صبحي البدري السامرائي ـ محمود محمّد خليل الصعيدي

نشر: مكتبة النهضة العربية

الطبعة الاولى 1408 هـ ـ 1988 م


487

239 ـ من لا يحضره الفقيه 1/4

للصدوق ، محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القميّ ، أبي جعفر ( ت 381 هـ )

علق عليه: عليّ أكبر الغفاري

نشر: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية ـ قم ـ إيران الطبعة الثانية

240 ـ المنتظم في تاريخ الامم والملوك 1/16

لابن الجوزي ، عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد ابن الجوزي ( ت 597 هـ )

تحقيق: محمّد عبدالقادر عطا ـ مصطفى عبدالقادر عطا ـ نعيم زرزور

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت

الطبعة الاولى 1413 هـ ـ 1992 م

241 ـ منهاج السنة النبوية

لابن تيمية الحراني ، أحمد بن عبدالحليم بن تيمية ، أبي العباس ( ت 728 هـ )

تحقيق: محمّد رشاد سالم

نشر: مؤسسة قرطبة ـ مصر

الطبعة الاولى 1406

242 ـ المهذب

لابن براج الطبرابلسي ، عبدالعزيز بن البراج ( ت 481 هـ )

تحقيق: الشيخ جعفر السبحاني

نشر: جامعة المدرسين ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1406 هـ


488

243 ـ المواعظ والاعتبار ‌ الخطط المقريزية 1/2 ( رحلي )

للمقريزي ، أحمد بن عليّ ، تقي الدين ، أبي العبّاس ( ت 745 هـ )

أوفست دار صادر ـ بيروت

244 ـ الموطأ

مالك بن أنس ( ت 179 هـ )

تحقيق: محمّد فؤاد عبدالباقي

نشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت

245 ـ مواهب الجليل شرح مختصر خليل

للحطاب الرعيني ، محمّد بن محمّد بن عبدالرحمن المغربي ، أبي عبدالله ( ت 954 هـ )

تحقيق: زكريا عميرات

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1416 هـ ـ 1995 م

246 ـ ميزان الاعتدال في نقد الرجال 1/7

للذهبي ، محمّد بن أحمد ، شمس الدين ( ت 748 هـ )

تحقيق: عليّ محمّد معوض ، عادل أحمد عبدالموجود

نشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة الاولى 1416 هـ ـ 1995 م

247 ـ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة

للاتابكي ، يوسف بن تغري بردي ، أبي المحاسن ( ت 874 هـ )

نشر: المؤسسة المصرية العامة ـ مصر


489

248 ـ نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر 1/8

عبد الحي بن فخر الدين الحسيني ( ت 1341 هـ )

قام بمراجعته واكماله: أبو الحسن عليّ الحسني الندوي ـ ابن المؤلف

نشر: مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن الهند 1402 هـ

249 ـ نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 1/8

للتنوحي ، المحسن بن عليّ ، أبي علي ( ت 384 هـ )

تحقيق: عبود الشالجي

الطبعة الاولى 1391 هـ ـ 1971 م

250 ـ النصائح الكافية لمن يتولى معاوية

لمحمد بن عقيل بن عبدالله بن عمر بن يحيى العلوي ( ت 135 هـ )

الطبعة الاولى 1412 هـ ـ مطبعة دار الثقافة

نشر: دار الثقافة ـ قم ـ إيران

251 ـ نصب الراية لأحاديث الهداية 1/4

للزيلعي الحنفي ، عبدالله بن يوسف ، جمال الدين ، أبي محمّد ( ت 762 هـ )

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت

الطبعة الثالثة 1407 هـ ـ 1987 م

252 ـ نظم درر السمطين

للزرندي الحنفي ، محمّد بن يوسف بن الحسن بن محمّد ، جمال الدين ( ت 750هـ )

نشر: مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

الطبعة الاولى 1377 هـ ـ 1958 م


490

253 ـ نهاية الإرب في فنون الأدب

للنويري ، أحمد بن عبدالوهاب ( ت 733 هـ )

نشر: مطبعة دار الكتب المصرية ـ القاهرة

الطبعة الاولى 1369 هـ ـ 1949 م

254 ـ نيل الاوطار 1/8

للشوكاني ، محمّد بن عليّ بن محمّد ( ت 1255 هـ )

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت

الطبعة الاخيرة

255 ـ الهداية شرح البداية

للمرغيناني ، عليّ بن أبي بكر بن عبدالجليل ، أبي الحسين ( ت 593 هـ )

نشر: المكتبة الإسلاميّة ـ بيروت ـ لبنان

256 ـ الوسائل إلى معرفة الاوائل

للسيوطي ، عبدالرحمن ، جلال الدين ( ت 911 هـ )

تحقيق: عبدالرحمن الجوزو

نشر: دار مكتبة الحياة ـ بيروت

الطبعة الاولى 1408 هـ ـ 1988 م

257 ـ وسائل الشيعة 1/30

للحر العاملي ، الشيخ محمّد بن الحسن ( ت 1104 هـ )

تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1409 هـ


491

258 ـ وضوء النبي ( المدخل )

لمؤلف هذا الكتاب

نشر: مؤسسة جواد الأئمّة ـ مشهد ـ إيران

الطبعة الثانية 1417 هـ

259 ـ وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى

للسمهودي ، عليّ بن أحمد المصري ( ت 911 هـ )

تحقيق: محمّد محيي الدين عبدالحميد

نشر: دار احياء التراث العربي ـ بيروت

260 ـ وقعة صفين

للمنقري ، نصر بن مزاحم ( ت 212 هـ )

تحقيق وشرح: عبدالسلام محمّد هارون

نشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم ـ إيران

الطبعة الاولى 1403 هـ

261 ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان 1/8

لابن خلّكان ، أحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلكان ، شمس الدين ، أبي العبّاس ( ت 681 هـ )

تحقيق: احسان عباس

نشر: دار الثقافة ـ بيروت

262 ـ ينابيع المودة لذوي القربى

للقندوزي الحنفي ، سليمان بن إبراهيم ( ت 1294 هـ )

تحقيق: عليّ جمال أشرف الحسيني


492

نشر: دار الأسوة للطباعة والنشر

الطبعة الاولى 1416 هـ

263 ـ اليواقيت والضرب في تاريخ حلب

المنسوب إلى إسماعيل أبي الفداء ( ت 732 هـ )

المحقّقان: محمّد كمال وفالح البكور

نشر: دار القلم ـ حلب ـ سوريا

الطبعة الاولى 1410 هـ ـ 1989 م

فهرست آيات
أقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشَّمسِ إلى غَسَقِ الليلِ وقرآن الفجرِ إن قرآنَ الفجرِ كانَ مَشهوداً 16
ومن أحسنُ قَولاً ممّن دعا إلى الله وعَمِلَ صال ـ حاً وقالَ إنّ ـ ني من المسلمين 16
وإذا نادَيْتُم إلى الصلاةِ اتَّخذوها هُزُواً ولَعِباً ذلك بأنَّهم قَومٌ لا يَعقِلون 24
يا أيها الذينَ آمنوا إذا نُودِي للصلاةِ من يَومِ الجُمُعَةِ فاسْعَوا إلى ذِكرِ الله وذَرُوا ...24
ربّنا إننا سَمِعنا مُنادياً ينادي للإيمانِ أنْ آمِنوا بربِّكُم فآمنّا 24
وأذّنْ في الناس بالحجِّ يأتُوكَ رِجالاً... 24
وأذان من الله ورسولهِ إلى الناس يَومَ الحجِّ الأكبر... 24
ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلَى اللهِ وعَمِلَ صالحاً 28
وشاورهم في الأمر 29
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ 46
سبحان الذي أسرى بعبدهِ ليلاً مِن المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى الذي بارَكْنا حَولَهُ ...48
فاسال مَن أرسلنا من قبلك 48
فسئل الذيِنَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ من رَّبِّكَ فَلأ ...51
وإذا نادَيتُم إلَى الصلاةِ اتّخَذُوها هُزُواً ولَعِباً ذلكَ بأنهم قوم لايَعلَمون 58
قل ما يكون لي أن أُبدِّلَهُ مِن تِلقاءِ نفسي إن أتَّبعُ إلاَّ ما يُوحى إليّ إنّي أخافُ إن عَصَيتُ ...60
قل ما كُنتُ بِدعاً من الرُّسلِ وما أدري ما يُفعَلُ بي ولا بكم إن أتَّبعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ وما ...60
قل إنما اتَّبعُ ما يُوحى إليَّ مِن ربّي هذا بَصائرُ مِن ربِّكُم وهُدىً ورحمةٌ لِقومٍ يُؤمنون 60
وما يَنطِقُ عَن الهوى إن هُو إلاَّ وَحيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَديدُ القوى 60
بل عباد مكرَمونَ لا يَسبِقونَهُ بالقَولِ وهم بأمرِه يعملون 60
قد نرى تقلُّبَ وجهِكَ في السماءِ فَلَنُولينّكَ قِبلةً ترضاها فَوَلِّ وجهَكَ شَطرَ المسجدِ الحرامِ ...61
يقولون هل لنا من الأمرِ مِن شيء قُل إنّ الأمرَ كُلَّه لله 61
وشاوِرْهُم في الأمر 61
فإذا عزمت فتوكَّلْ على الله 61
حتى إذا أتيا أهلَ قَريةٍ استَطعَما أهلَها فأبَوا أن يضَيِّفوهما 62
ولو تقوّل علينا بعضَ الأقاويلِ لأَخَذْنا منه باليمينِ ثمّ لَقَطعنا منه الوَتين فما منكم مِن ...62
لا يَنطِقُ عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحى 62
يا أيها الذين آمنوا لا تُقَدِّموا بين يدي الله ورسوله واتَّقوا الله إنَّ الله سميع عليم يا أيها ...63
ورفعنا لك ذكرك 67
وما جعلنا الرؤيا الّتي أريناكَ إِلاَّ فتنةً للناسِ والشجرةَ الملعونة 79
وما جعَلنا الرؤيا التي أريناك إلا فِتنةً للناس 80
سبحان الذي أَسرى بعبدِه ليلاً 80
وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فِتنةً للناس 80
اسرى بعبدِه ليلاً 81
سبحان الذي أسرى بعبدِه 81
ما زاغ البصَرُ وما طغى لقد رأى من آياتِ ربِّهِ الكُبرى 81
فخذ أربعة مِن الطَّيرِ فصُرْهُنَّ إليكَ ثمّ اجعَلْ على كُلِّ جَبَلٍ منهُنَّ جُزءاً ثمّ ادعُهُنَّ ...81
قالَ الذي عِندَهُ عِلمٌ من الكتابِ أنا آتِيكَ به قبلَ أن يَرتَدَّ إلَيكَ طَرفُكَ 82
غدوها شهرٌ ورَواحُها شَهر 82
الذين يومنون بالغيب 82
الذين في قُلوبِهم مَرَض 82
الذين لا يؤمنون 82
أذلكَ خَيرٌ نُزُلاً أم شَجَرةُ الزقُّوم إنّا جَعَلناها فِتنةً للظالمين 83
وما جعلنا أصحابَ النار إلا ملائكةً وما جَعَلنا عِدَّتَهُم إلاّ فِتنةً للذينَ كفروا 83
عليها ملائكة غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعصُونَ اللهَ ما أمرَهُم ويَفعلونَ ما يُؤمَرون 83
قاتِلوهُم يُعَذّبْهُمُ اللهُ بأيدِيكُم 83
وما جعلنا الرؤيا التي أرَيناكَ إلاّ فتنةً للناسِ والشجرةَ الملعونةَ في القرآن 83
وما جعلنا الرؤيا 84
وما جعلنا 84
نخوّفهم 85
إن الذين يؤذونَ اللهَ وَرسولَهُ لَعَنهُم الله في الدنيا والآخرة 85
فهل عسيتُم إن تَوَلَّيتُم أن تُفسِدوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحامَكُم أولئكَ الذينَ لَعَنَهُمُ ...85
وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين 86
دنى فتدلى فكانَ قابَ قوسَينِ أو أدنى 95
وكلم الله موسى تكليماً 96
ورفعنا لك ذكرك 105
ورفَعنا لك ذِكرَك 109
ورفعنا لك ذكرَك 110
وإنّه لَذِكرٌ لكَ ولِقَومك وسوف تُسألون 110
ورفَعنا لك ذِكرَك 110
ألم نشرح لك صدرَك 110
ووضعنا عنك وِزرَك الذي أنقَضَ ظهَرك 110
ورفعنا لك ذكرك 110
ورفعنا لك ذكرَك 111
ورفعنا لك ذِكرَك 112
يريدونَ أن يُطفئوا نُورَ اللهِ بأفواهِهم ويأبى اللهُ إلاّ أن يُتِمّ نُورَهُ ولو كَرِهَ الكافرون 121
ورفعنا لك ذِكرَك 121
إن شانئك هو الأبتر 121
إنا أعطيناك الكوثر 121
أم يحسدون الناسَ على... 122
أم يحسدون الناس 122
ولسوف يعطيكَ ربُّك فتَرضى 122
ألم نشرح لك صدرك 122
ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك 122
ورفعنا لك ذكرك 122
فاتّبعوني يُحبِبكُم الله 122
قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى 123
طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى 123
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً 123
سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً 129
إنما يريد اللهُ لِيُذهِبَ عنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُم تَطهيرا 131
أفمَن وَعَدناهُ وَعْداً حَسَناً فهو لاقِيه 133
من المؤمنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ علَيه 133
فمنهُم مَن قَضى نَحَبهُ 133
ومنهم من يَنتظِرُ 133
الذين أخرجوا مِن ديارِهِم بغيرِ حَقّ 133
وأذان من اللهِ ورسولهِ إلى الناس 158
وأذّن في الناس بالحجّ 158
ورفعنا لك ذكرك 159
وما جعلنا الرؤيا التي أرَيناكَ إلا فتنةً للناس 170
وجاء فرعون 200
ومن قبله 200
والمؤتَفكات 200
وما محمّدٌ إلاّ رسولٌ قد خَلَت من قَبِلِه الرُّسُلُ أفإن ماتَ أو قُتِلَ انقَلَبتُم على أعقابِكم 278
إنك ميت وأنهم278
ميتون279
لا أسئلُكُم علَيهِ من أجر 303
قل لا اسئلكُم عليهِ أجراً إلاّ المودّة في القُربى 303
تَبتْ يدا أبي لَهَبٍ وتَبّ ما أغنى عنه مالُه وما كَسَب سيصلى ناراً ذاتَ لَهب وامراتُه حمّالة ...304
إلاّ المودّةَ في القُربى 307
واتّبِعوه307
لعلّكُم تَهتدون 308
فليحذر الذينَ يخُالِفونَ عن أمرِه 308
قل إن كنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم اللهُ 308
لقد كان لكمْ في رسولِ اللهِ أسوةٌ حَسَنةٌ 308
إلاّ المودّةَ في القُربى 309
المودة للقربى 309
قل لا أسئلُكُم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى 314
قل لا أسئلكُم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى 315
وآت ذا القربى حقَّه 315
واعلموا أنّما غَنِمتُم مِن شيء فأنّ لله خُمُسَهُ وللرسولِ ولذي القُربى 315
انما يريد اللهُ ليُذهِبَ عَنكُمُ الرَّجسَ أهلَ البيتِ ويطهّركم تَطهيرا 316
قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ316
الموَدَّةَ في القُربى 317
قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى 317
يا أيّها الرسولُ بلّغْ ما أُنزل إليك من رَبِّك وإنْ لَم تفعل فما بلّغتَ رسالته واللهُ يعصمك من ...318
بلّغ ما أنزل اليك 319
بلّغ ما أنزِلَ إليكَ من رَبِّكَ وإن لم تَفَعلْ فما بَلَّغت رسالَتَه 319
قل لا أسألكم أجراً إلاّ المودة في القربى 319
وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته 319
إذ قال لهم أخوهُم نُوحٌ ألا تَتقون ، إنّي لكُم رسولٌ أمين ، فاتَّقوا الله وأطيعون ، وما أسالُكُم ...319
إذ قال لهم أخوهُم هُودٌ ألا تَتَّقون ، إنّي لكم رسولٌ أمين ، فاتَّقوا الله وأطيعونِ ، وما أسالُكُم ...319
إذ قال لهم أخوهُم صالحٌ ألا تَتقّون ، إنّي لكم رسولٌ أمين ، فاتَّقوا الله319
واطيعونِ ، وما أسالُكم عليه من أجرٍ إن أجريَ إلاّ على ربِّ العالمين 320
إذ قال لهم أخوهم لوطٌ ألا تتّقون ، إنّي لكم رسولٌ أمين ، فاتّقوا الله وأطيعون ، وما أسألكم عليه من ...320
إذ قال لهم شُعَيبٌ ألا تَتَّقون ، إنّي لكم رسولٌ أمين ، فاتَّقوا اللهَ وأطيعونِ ، وما أسالُكم عليه ...320
قل لا أسئلكم عليهِ من أجرٍ إنْ هو إلاّ ذِكرٌ للعالَمين 320
وما تسئلهم عليهِ من أجرٍ إن هو إلاّ ذكرٌ للعالَمين 320
قل ما أسئلكُم عليه من أجرٍ إلاّ من شاء أن يَتَّخذَ إلى ربّه سبيلاً 320
ذكر للعالمين 320
من شاء أن يتّخذ إلى ربه سبيلا 320
قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلاّ على الله وهو على كل شيء شهيد 321
لا أسئلكم عليه من اجر إلاّ المودة في القربى 321
قل ما سألتكم من اجر فهو لكم إن اجري إلاّ على الله 321
وأنذر عشيرتَك الأقربين 321
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً 323
إنّما وليّكم الله ...325
إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس...330
يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت 331
إليه يصعد الكلم الطيّب والعمل الصالح يرفعه 331
فطرة الله التي فَطَر الناسَ عليها 333
لم يكن له كفواً أحد 333
هو الله الواحد القهار 333
خالق كل شيء 333
يتوفى الأنفس حين موتها 333
حتى إذا جاء أحدكم الموتُ توفّته رُسُلنا 333
وإذا مَرِضتُ فهو يشفين 333
وننزل من القرآن ما هو شِفاء 333
فيه شفاء للناس 333
قل لا يَعْلمُ من في السماوات والأرض الغيبَ إلاّ الله 333
وما كان الله ليُطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي من رُسُلِه مَن يَشاء 333
أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين 333
وارزقوهم فيها واكْسُوهُم 333
وما ارسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله 333
وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين 333
ولقد بعض هي طاعة لله ، ومن لم يطع الله ورسوله ومَن أَمر الله بطاعته لم يوحّد الله تعالى حق ...334
وآتينا داود زبوراً 335
ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون 335
أولئك هم خير البرية 336
حافظوا على الصلوات والصلاةِ الوُسْطى 336
فما استمتعتم به منهنّ فاتوهنّ أجورهنّ إلى أجل مسمى 337
لا إكراه في الدّين 380
فهرست اشعار
أولاك نبيّ الله منهــم وجعفر    =    وحمزة ليث الفَيلقَين الُمجرَّبُ134
همُ ما هُمُ وتراً وشَفعاً لقومِهم    =    لفقدانهم مـا يُعذَرُ المُتَحَوِّبُ134
قتيل التَّجوبي الذي استوأرت به    =    يساق به سوقاً عنيفاً ويجنبُ134
لا لواءٌ يُعدّ يــا بــن كريــز   =    لا ولا رفد بيتِه ذي السَّناءِ134
لا حجابٌ وليس فيكم سِوى الكبـ   =    ـر وبغض النبيِّ والشهداءِ134
بين حــاكٍ ومُخْلجٍ وطريدٍ    =    وقتيل يلعَنْهُ أهلُ السماءِ 135
ولهم زمزمٌ كذاك وجِبريـ    =    ـل ومجد السقايةِ الغَرّاءِ 135