فهرست عناوين

ارشاد الطالب الي التعليق علي المکاسب
فهرست عناوين
الفرق بين المكاسب والمتاجر 3
      قوله «ره» في المكاسب[1]. 3
المراد من أكل المال بالباطل 4
      قوله «ره»: وينبغي أوّلاً التيمّن بذكر بعض الأخبار[1]. 4
حديث تحف العقول 6
      قوله «ره»: روى في الوسائل والحدائق[1]. 6
      قوله «ره»: فقال جميع المعايش[2]. 6
      قوله «ره»: فأوّل هذه الجهات الأربع الولاية[1]. 7
      قوله «ره»: مما لا يجوز[2]. 7
      قوله «ره» فكلّ مأمور به[3]. 7
      قوله «ره»: فكلّ أمر يكون فيه الفساد[4]. 7
      قوله «ره»: يلي أمره[1]. 8
      قوله «ره»: أو يوجر نفسه[2]. 8
      قوله «ره»: من غير أن يكون[3]. 8
      قوله «ره»: أو قرابته[4]. 8
      قوله «ره»: أو وكيله في اجارته[5]. 8
      قوله «ره»: نظير الحمال[6]. 8
      قوله «ره»: والخنازير والميتة[7]. 8
      قوله «ره»: فيه أو له أو شيء منه[8]. 8
      قوله «ره»: إلا لمنفعة من استأجرته[1]. 9
      قوله «ره»: والعمل به وفيه[2]. 9
      قوله «ره»: وفي الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (ع)[3]. 9
      قوله «ره»: فحرام ضارّ للجسم[4]. 9
      قوله «ره»: وعن دعائم الإسلام[5]. 9
      قوله «ره»: في النبوي المشهور[1]. 9
      قوله «ره»: مع إمكان التمثيل[2]. 10
      قوله «ره»: بقصد ترتب الأثر المحرّم[1]. 10
      قوله «ره»: إلا من حيث التشريع[2]. 10
      قوله «ره»: يحرم المعارضة على بول[3]. 10
بيع الأبوال 12
      قوله «ره»: عدا بعض أفراده كبول الابل الجلالة[1]. 12
      قوله «ره»: فالظاهر جواز بيعها[1]. 12
      قوله «ره»: وبالجملة فالانتفاع بالشيء حال الضرورة[2]. 13
      لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم[1]. 13
      والجواب عنه مع ضعفه[2]. 13
      إمّا لجواز شربه اختياراً[3]. 13
      كما يدلّ عليه رواية سماعة[1]. 14
حرمة بيع العذرة 15
      يحرم بيع العذرة[2]. 15
      حمل خبر المنع على التقية[1]. 16
حرمة المعاوضة على الدم 17
      يحرم المعاوضة على الدم[1]. 17
      والظاهر أنّ حكمهم[1]. 17
بيع الميتة 19
      يحرم المعاوضة على الميتة[2]. 19
      ولكن الانصاف أنّه إذا قلنا بجواز الانتفاع[1]. 20
      ومما ذكرنا يظهر قوّة جواز بيع الميتة[1]. 20
بيع المشتبه بالميتة 23
      لم يجز بيعه أيضاً[1]. 23
      مع أنّ المروي عن أميرالمؤمنين (ع)[2]. 23
      فافهم[1]. 23
      ويمكن حملها على صورة قصد البايع[2]. 24
      وفي مستطرفات السرائر[3]. 24
      مع أنّها معارضة بما دلّ[1]. 24
      لوجود المقتضي وعدم المانع[2]. 24
بيع الكلب والخنزير 25
      يحرم التكسّب بالكلب الهراش والخنزير البريين[3]. 25
بيع الخمر 27
      وكل مسكر ومايع وفقاع[1]. 27
بيع المتنجس 30
      يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة[1]. 30
      قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها[1]. 30
بيع العبد الكافر 32
      يجوز بيع المملوك الكافر[2]. 32
      عدا ما يظهر من بعض الأساطين[1]. 32
      وإن كان عن فطرة على إشكال[2]. 32
      ثم ذكر المحارب الذي لا تقبل توبته[3]. 32
بيع الكلب 34
      ويؤيّد بما عن المنتهى[1]. 34
      وظاهر الفقرة الأخيرة[1]. 35
      لكون المنقول مضمون الرواية[2]. 35
      بل ظهور الاتفاق[3]. 35
      بأنّ الدية لو لم تدل[1]. 37
      وأمّا كلام ابن زهرة فهو مختل[1]. 38
المعاوضة على العصير العنبي 40
      الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي[1]. 40
بيع العصير العنبي 42
      وجب عليه غرامة الثلثين[1]. 42
      مثل قوله (ع) وإن غلى فلا يحلّ بيعه[1]. 42
شرب العصير بعد غليانه 45
بيع الدهن المتنجس 48
      وجعل هذا مستثنى[1]. 48
      وهو ظاهر غيره ممن عبّر بقوله جاز بيعه للاستصباح[1]. 48
      ويمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح[2]. 48
      وتعاملا من غير قصد[1]. 49
      وربما يتوهم من قوله(ع)[1]. 49
وجوب الاعلام بنجاسة الدهن 51
      فهل يجب مطلقاً[1]. 51
      لا إشكال في وجوب الاعلام[2]. 51
      مثل ما دلّ على أنّ من أفتى[3]. 51
      والحاصل أنّ هنا أُموراً أربعة[1]. 52
التسبيب إلى الحرام 53
      لأنّ استناد الفعل إلى السبب أقوى[1]. 53
      بأنّ النجاسة عيب خفي[1]. 53
بيع الدهن المتنجس للاستصباح 55
      عدا ما يدعى من مرسلة الشيخ «ره»[2]. 55
      ومنها قوله تعالى: «إنما الخمر والميسر»[1]. 56
جواز الانتفاع بالمتنجس 57
      انّ المراد هنا حرمة الأكل[1]. 57
      غاية الأمر التعدي من حيث غاية البيع[2]. 57
      من ظهور الاستثناء[3]. 57
      ومما تقدّم في مسألة جلد الميتة[1]. 57
جواز بيع الأعيان المتنجسة 59
      ويمكن حمل كلام من أطلق المنع[2]. 59
      وكيف كان فالحكم بعموم كلمات هؤلاء[1]. 59
      فهي نفس المنفعة لا الانتفاع[2]. 59
      مع احتمال أن يراد من جميع التقلب[3]. 60
      لكن مع تفصيل لا يرجع إلى مخالفة[1]. 60
      ولذا قيّد هو «قده»[2]. 60
      ثمّ انّ الانتفاع المنفي في الميتة[3]. 60
      وفي رواية اشعار بالتقرير[4]. 60
      ويمكن أن ينزل[5]. 60
      والظاهر ثبوت[6]. 60
      النوع الثاني مما يحرم التكسب به ما يحرم[1]. 62
بطلان بيع الصنم والصليب 64
      وحمله على الاتلاف[1]. 65
      ولعلّ التقييد في كلام العلاّمة[2]. 65
      ويدل عليه جميع ما تقدّم في هياكل العبادة[3]. 66
      وقوّى في التذكرة الجواز مع زوال الصفة[1]. 67
بيع مواد آلات القمار 68
      مثل ما يعملونه شبه الكرة[1]. 68
      بناءً على جواز ذلك[2]. 68
      بطل البيع[1]. 69
      وهذا بخلاف ما تقدّم من الآلات[2]. 69
بيع ما يقصد منه الحرام 70
      القسم الثاني ما يقصد منه المتعاملان[1]. 70
      والفرق بين مؤاجرة البيت[1]. 73
      مع أن الجزء أقبل للتفكيك بينه وبين الجزء الآخر[1]. 73
      ويحرم المعاوضة على الجارية المغنية[2]. 74
      يحرم بيع العنب ممن يعمله خمراً[1]. 75
بيع العنب ممن يعمله خمراً 77
      فقد يستدل على حرمة البيع[1]. 77
اعانة الغير على المحرم 81
      وقال المحقق الأردبيلي في آيات أحكامه[1]. 81
      فإذا بنينا على أنّ شرط الحرام حرام مع فعله توصلاً إلى الحرام[1]. 81
      فافهم[1]. 82
      إلا أن يريد الفحوى[2]. 82
      ثم انّه يمكن التقصير[3]. 82
بيع الشيء ممن يصرفه في الحرام 85
      ويمكن الاستدلال على حرمة بيع الشيء ممن يعلم أنّه يصرف المبيع في ...85
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 87
النهي عن المعاملة لا يوجب فسادها 89
      لتعلّق النهي بما هو خارج عن المعاملة[1]. 89
      ويحتمل الفساد لإشعار قوله (ع) في رواية تحف العقول[2]. 89
      الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأناً[1]. 90
بيع السلاح من الكفار 92
      وصريح الروايتين اختصاص الحكم بصورة قيام الحرب[1]. 92
      مع إمكان دعوى ظهور بعضها في ذلك[1]. 92
      مثل مكاتبة الصيقل[2]. 92
      كالمجن[3]. 92
      فالمقصود من بيع ما يمكن منهما[4]. 93
      ثمّ إنّ النهي في هذه الأخبار[1]. 93
اعتبار المالية في المبيع 95
      وليس كالاكتساب بالخمر والخنزير[1]. 95
      أمكن الحكم بصحة المعاوضة عليها لعمومات التجارة[1]. 96
      وأُخرى إلى قلّته[2]. 96
اختصاص الضمان بموارد الضمان 97
      وكان عليه مثله إن كان مثلياً[3]. 97
      النوع الرابع مما يحرم الاكتساب به[1]. 98
حكم عمل الماشطة 99
      نعم قد يشكل الأمر في وشم الأطفال[1]. 101
      بناءً على أن لا مصلحة فيه[2]. 101
      دلت على كراهة كسب الماشطة[3]. 101
حرمة لبس الحرير والذهب على الرجال 103
      تزيين الرجل بما يحرم عليه[1]. 103
      وفي دلالته قصور[1]. 103
      نعم في رواية سماعة[1]. 104
      بأنّ الظاهر عن التشبّه صورة علم المتشبّه[2]. 104
التشبيب بالمرأة 105
      التشبيب بالمرأة المعروفة[3]. 105
      نعم، لو قيل بعدم حرمة التشبيب بالمخطوبة[1]. 106
      وأمّا المعروفة عند القائل[2]. 106
      وأمّا التشبيب بالغلام[1]. 106
تصوير ذوات الأرواح وغيرها 107
      تصوير صور ذوات الأرواح حرام[2]. 107
      ويؤيّده أنّ الظاهر انّ الحكمة في التحريم[1]. 109
      وإن كان ما ذكره لا يخلو عن نظر[1]. 109
      ولكن العمدة في اختصاص الحكم[2]. 110
      فبها يقيّد بعض ما مرّ من الاطلاق[3]. 110
      فلا يقدح نقص بعض الأجزاء[1]. 110
      ولو اشتغل بتصوير حيوان فعل حراماً[2]. 110
حكم اقتناء الصور والكسب بها 112
      بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرّم عليه[1]. 112
      فهي معارضة بما هو الأظهر والأكثر[1]. 115
      مثل صحيحة الحلبي[2]. 115
      وعن قرب الاسناد عن علي بن جعفر[3]. 115
حرمة البخس 117
      أو المراد اتخاذه كسباً[1]. 117
      يدل عليه الأدلة[2]. 117
      ثم انّ البخس في العدو الذرع[1]. 117
      ولو وازن الربوي بجنسه فطفف في أحدهما[2]. 117
في التنجيم 119
      وهو كما عن جامع المقاصد الاخبار عن احكام النجوم[1]. 119
      ومعلوم من دين الرسول (ص) ضرورة[1]. 121
      ثم انّه لا فرق في أكثر العبارات[2]. 121
      الظاهر عدم الإشكال في كون الفرق الثلاث[3]. 121
      ومنه يظهر أنّ ما رتّبه (ع) على تصديق المنجّم[1]. 122
في كتب الضلال 123
      حفظ كتب الضلال حرام في الجملة[1]. 123
      نعم، المصلحة الموهومة[1]. 124
      قبل نسخ دينهما[2]. 124
      إذ ما من كاغذ إلا وله قيمة[1]. 124
      ولو كان باطلاً في نفسه خارجاً عن المالية[2]. 125
حكم حلق اللحية 126
الرشوة حرام 130
      وفي المستفيضة[1]. 130
      وفي رواية الأصبغ بن نباتة[2]. 130
      وعن الخصال في الصحيح[3]. 130
      وهذا المعنى هو ظاهر تفسير الرشوة[4]. 130
أخذ الأجرة على القضاء 132
      خلافاً لظاهر المقنعة[1]. 132
      للغاية أو للعاقبة[1]. 133
      وفصل في المختلف[2]. 133
      وأمّا الهداية[1]. 134
      وهل يحرم الرشوة في غير الحكم[2]. 134
      ويلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة[1]. 136
صور الرشاء في الحكم 137
      كالجعل والاجرة[1]. 137
      في اختلاف الدافع والقابض[1]. 137
حرمة سب المؤمن 139
      سبّ المؤمنين حرام[1]. 139
      ففي رواية أبي بصير[1]. 139
      وفي رواية أبي بصير[2]. 140
      وفي رواية ابن الحجاج[3]. 140
      وثالث أن تصف الشخص بما هو إزراء ونقص[1]. 140
      فالنسبة بينه وبين ا لغيبة عموم من وجه[2]. 140
      ويمكن أن يستثنى من ذلك ما إذا لم يتأثّر[1]. 141
في السحر وحكمه 143
      وكان آخر عهده بربه[1]. 143
      هو ما لطف مأخذه ودقّ[2]. 143
      أو رقية[1]. 144
      يؤثّر في بدن المسحور[2]. 144
      وفي محكي الدروس أنّ المعتبر في السحر الإضرار[3]. 144
      ثمّ انّ الشهيدين عدّا من السحر[1]. 145
      والظاهر أنّ المسحور فيما ذكراه[1]. 145
      وقال في الإيضاح إنّه استحداث الخوارق[2]. 145
      وأمّا ما كان على سبيل الاستعانة[3]. 146
      روى الصدوق في الفقيه في باب عقاب المرأة[4]. 146
      ويدخل في ذلك تسخير الحيوانات[1]. 146
      الشعبدة حرام[2]. 146
      الغش حرام[3]. 146
      فعن النبي[4]. 146
      قوله «ره» وفي رواية العيون بأسانيد[5]. 146
      وفي عقاب الأعمال[6]. 146
      وفي مرسلة هشام عن أبي عبداللّه[7]. 146
في حرمة الغش 148
      وفيه غش جملة ابتدائية[1]. 148
      ثم إنّ ظاهر الأخبار[2]. 148
      ثم إنّ في جامع المقاصد ذكر في الغش بما يخفى[1]. 150
      وما ذكر من وجهي الصحة والفساد[1]. 150
      وأمّا وجه تشبيه مسألة الاقتداء[1]. 151
      ثم انّه قد يستدلّ على الفساد[2]. 151
في حرمة الغناء 153
      الغناء لا خلاف في حرمته في الجملة[1]. 153
      وفيها ابن فضال[1]. 154
      مما يصف[1]. 154
      ورواية يونس[2]. 155
      ورواية محمد بن أبي عباد[1]. 155
      وفي رواية الأعمش[2]. 155
      وقوله (ع) قد سئل عن الجارية[3]. 155
      أنّه مدّ الصوت[1]. 156
      انّ الرحل المتستّر[1]. 156
      وربّما يبكي من خلال ذلك[2]. 156
      أما الأول فلأنّه حكي عن المحدِّث الكاشاني[3]. 157
حكم اللهو والباطل 159
      فإنّ مرجع أدلّة الاستحباب[1]. 160
الغناء في قراءة القرآن والرثاء 161
      الحداء بالضمّ كدعاء[1]. 161
      فجعل المؤمن أخاً[1]. 162
حرمة الغيبة 163
      وقوله تعالى: «ويل لكلّ همزة لمزة»[1]. 163
      وقوله: «إنّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة»[2]. 163
      بل أشدّ من بعضها[3]. 163
في اغتياب المتجاهر بفسقه 165
      فيجوز اغتياب المخالف[1]. 165
      وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم[1]. 165
      ثم الظاهر دخول الصبي المميز[2]. 165
المراد بالاغتياب 167
      الغيبة اسم مصدر[1]. 167
      ثم انّ الظاهر المصرّح به في بعض الروايات[1]. 169
      وإن كان بحيث يكره كلّهم[1]. 170
كفارة الاغتياب 171
      مقتضى كونها من حقوق الناس[2]. 171
موارد جواز الغيبة 173
      فاعلم انّ المستفاد من الأخبار المتقدّمة[1]. 173
      أحدهما ما إذا كان متجاهراً بالفسق[1]. 175
      وهل يجوز اغتياب المتجاهر في غير ما تجاهر به[1]. 177
      نعم لو تأذّى من ذمّه بذلك دون ظهوره[1]. 177
      الثاني تظلّم المظلوم وإظهار ما فعل به الظالم[2]. 178
      مع أنّ المروي عن الباقر (ع) في تفسيرها[1]. 179
      ويظهر من بعض الأخبار جواز الاشتكاء[2]. 179
      ويمكن الاستدلال عليه[3]. 179
      مدفوع بالأصل[1]. 179
      مضافاً إلى أدلّة النهي عن المنكر[2]. 179
حكم الاستماع الى الغيبة 181
      ويحرم استماع الغيبة[1]. 181
حقوق المؤمن على اخوانه 184
      ثم انّه قد يتضاعف عقاب المغتاب[1]. 184
      ويمكن القول بتعدّد العقاب[2]. 184
      روى في الوسائل[3]. 184
      يرحم عبرته[4]. 184
      يقيل عثرته[1]. 184
      ويرعى ذمّته[2]. 184
      يستنجح مسألته[3]. 184
      ويبر أنعامه[4]. 184
      ويصدق أقسامه[5]. 184
      قوله «ره» لا يسلمه[6]. 184
في القمار 186
      وهنا مسائل أربع[1]. 186
      ويؤيّد الحكم[1]. 187
      المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدة للقمار[1]. 187
      فقد استظهر بعض مشايخنا المعاصرين اختصاص الحرمة بما كان بالآلات ...188
المراهنة بغير الآلات 190
      نعم عن الكافي والتهذيب بسندهما عن محمد بن قيس[1]. 190
      ثم انّ حكم العوض من حيث الفساد[1]. 191
      إلا أن يقال بأنّ مجرّد التصرّف من المحرمات العلمية[1]. 191
حكم المغالبة بلا عوض 193
      الرابعة المغالبة بغير عوض[2]. 193
      قماراً[1]. 193
      ويشهد له اطلاق آلة القمار[2]. 193
حكم المبارات المتعارفة في عصرنا 195
في القيادة وحكمها 197
      القيادة حرام[1]. 197
      وفي المصباح هو الذي يعرف ا لآثار[1]. 197
      وفي المحكي عن الخصال[2]. 198
في حرمة الكذب وأنه من الكبائر 199
      الكذب حرام[1]. 199
      ويؤيّده ما روي عن النبي (ص)[1]. 200
      نعم في الأخبار ما يظهر منه عدم كونه على الاطلاق كبيرة[2]. 201
      فإنّ قوله ما من أحد يدلّ على أنّ الكذب[1]. 201
      وعن الحارث الأعور عن علي (ع)[2]. 201
في أقسام الوعد وحكمها 202
      لابد أن يراد به النهي عن الوعد مع إضمار عدم الوفاء[3]. 202
      ثمّ انّ ظاهر الخبرين الآخرين خصوصاً المرسلة حرمة الكذب حتى في ...203
في التورية وحكمها 204
      ثم انّه لا ينبغي الإشكال[1]. 204
      واعترض جامع المقاصد على قول العلاّمة[2]. 204
      ويدلّ على سلب الكذب عن التورية[1]. 204
في حقيقة الكذب 206
مجوزات الكذب 208
      أحدهما الضرورة إليه[1]. 208
الكذب لدفع الضرر 209
      ثم انّ أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب[1]. 210
      ويستحبّ تحمّل الضرر المالي الذي لا يجحف[1]. 211
      ثم انّ الأقوال الصادرة عن أئمّتنا[1]. 211
      الثاني من مسوغات الكذب إرادة الإصلاح[1]. 212
الكهانة وحكمها 214
      الكهانة حرام[1]. 214
      اللهو حرام[1]. 216
حكم المدح لغير مستحقه 218
      مدح من لا يستحقّ المدح[1]. 218
في حرمة معونة الظالم 219
      ومعونة الظالمين على ظلمهم حرام[1]. 219
      النَّجْش بالنون المفتوحة[1]. 221
النميمة وحرمتها 222
      النميمة محرّمة بالأدلّة الأربعة[1]. 222
      وقيل إنّ حد النميمة[1]. 223
في النياحة وأخذ الاجرة عليها 224
التولي عن الجائر 225
      الولاية من الجائر[2]. 225
في مجوزات الدخول في الولاية عن الجائر 227
      القيام بمصالح العباد[1]. 227
      ولو أمن من ذلك[1]. 228
      ويمكن توجيهه بأنّ نفص الولاية[1]. 228
      ويمكن توجيه عدم الوجوب[2]. 229
الاكراه على قبول الولاية 232
      الثاني مما يسوغ الولاية الإكراه عليه[1]. 232
      كما يباح بالإكراه[1]. 232
في الاكراه على اضرار الغير 233
      بالفرق بين المثالين في الصغرى[1]. 235
      الثاني انّ الإكراه يتحقّق[1]. 236
      وأمّا الاضرار بالعرض بالزنا ونحوه[1]. 237
      وإن كان متعلّقاً بالمال[1]. 237
      وإن كان متعلّقاً بالعرض[2]. 237
الاكراه على قبول الولاية 238
      الثالث ذكر بعض مشايخنا[3]. 238
      الرابع قبول الولاية مع الضرر المالي[1]. 239
الاكراه على قتل النفس 240
      الخامس لا يباح بالإكراه[2]. 240
      ولو كان المؤمن مستحقّاً لحد[1]. 241
      مما ذكرنا يظهر سكوت الروايتين عن حكم دماء أهل الخلاف[2]. 241
في هجاء المؤمن وهجره 243
      هجاء المؤمن حرام[1]. 243
      الهجر بالضمّ وهو الفحش[1]. 243
أخذ الأجرة على الواجب 245
      الخامس مما يحرم الاكتساب به ما يجب على الإنسان[1]. 245
في أخذ الاجرة على العبادة 247
      وأمّا تأتّي قصد القربة[1]. 247
      فإن قلت يمكن للأجير[1]. 248
      فإن قلت يمكن أن يكون[1]. 248
      نعم قد استدلّ على المطلب بعض الأساطين[1]. 249
أخذ الاجرة على الواجبات 251
      عدا الإجماع الذي لم يصرّح به إلا المحقق الثاني[1]. 251
      فالذي ينساق إليه النظر[2]. 251
      ثم انّه يفهم من أدلة وجوب الشيء[1]. 253
أخذ الاجرة على الصناعات الواجبة 255
      ثم إنّ في المقام إشكالاً مشهوراً[1]. 255
      فهو من قبيل رجوع الوصي بأُجرة المثل[1]. 256
أخذ الاجرة على المستحبات 257
      ثم زنّه كما يستحقّ الغير بالاجارة[1]. 258
طواف الأجير حال اطافة الغير 260
      قال في المسالك: هذا إذا كان الحامل[1]. 260
أخذ الاجرة على الأذان والاقامة 261
      ثم إنّه قد ظهر مما ذكرناه[1]. 261
      ومن هنا يظهر وجه ما ذكروه في هذا المقام[1]. 262
أخذ الاجرة على الشهادة وأدائها 263
      تحمل الشهادة[1]. 263
      بقي الكلام في شيء[1]. 264
حكم بيع المصحف 265
      صرّح جماعة[1]. 265
      بقي الكلام في المراد من حرمة البيع[1]. 266
بيع المصحف من الكافر 269
      ثمّ انّ المشهور بين العلاّمة[1]. 269
      المحترم لأسمائه[1]. 270
      الدراهم المضروبة[2]. 270
جوائز الجائر وعماله 271
      جوائز السلطان وعمّاله[3]. 271
      أمّا الثانية[1]. 272
حكم الجائزة المأخوذة من الجائر وعماله 274
      ثم انّهم ذكروا ارتفاع الكراهة بأُمور[1]. 274
      ومنها إخراج الخمس[2]. 274
      وإن كانت الشبهة محصورة[1]. 275
      وواضح ما في الباب[1]. 278
      فلا إشكال في حرمته حينئذ على الآخذ[2]. 278
صورة العلم بحرمة الجائزة 280
وجوب رد المال الى مالكه 282
      وعلى أيّ حال فيجب على المجاز ردّ الجائزة[1]. 283
وجوب الفحص عن المالك 285
حكم المال المجهول مالكه 286
في تعيين من يجب عليه التصدق بالمال المجهول مالكه 292
      ثم إنّ مستحقّ هذه الصدقة[1]. 293
في ضمان المتصدق 295
      ثم إنّ في الضمان لو ظهر المالك ولم يرض بالتصدّق[1]. 295
      وأمّا الصورة الرابعة[1]. 296
جريان الأحكام الخمسة على أخذ المال من الجائر 298
      اعلم أنّ أخذ المال[1]. 298
      من جملة ديونه[1]. 298
أخذ الخراج والمقاسمة من الجائر 300
تصرفات الجائر في الخراج 302
      وإن لم يعلم مستنده[1]. 302
      والأولى أن يقال[2]. 302
      وفي وصفه (ع) للمأخوذ بالحلّية[1]. 303
      هو مزارع الأرض[2]. 304
شراء الخراج والزكاة من السلطان 305
      وزاد عليه ما سكت[3]. 305
      ومنها رواية إسحاق بن عمار[1]. 306
      رواية أبي بكر الحضرمي[2]. 306
      منها الأخبار الواردة في أحكام تقبل الرجل الأرض[1]. 307
      ومنها الصحيح عن اسماعيل بن الفضل[1]. 307
      لا يخلو عن قصور في الدلالة[2]. 307
أخذ الخراج والمقاسمة من الجائر 309
      انّ ظاهر عبارات الأكثر[3]. 309
      الظاهر من الأصحاب في باب المساقاة[1]. 310
      وأمّا المأخوذ فعلاً[1]. 311
      الثاني يختصّ حكم الخراج[2]. 311
المعاملة على الزكاة والخراج مع الجائر قبل وصولها بيده 312
      مع أنّ في بعض الأخبار ظهوراً في جواز الامتناع[3]. 312
      مخالف لظاهر العام[1]. 312
شراء الخراج والزكاة من السلطان 314
      وفيما ذكر المحقق من الوجه الثاني[1]. 314
      ومن تأمّل“ إلخ، فهو استشهاد[1]. 314
      فلو أحاله بها وقبل الثلاثة[2]. 314
      يحرم على المالك المنع[3]. 315
      وقد عرف أنّ هذا مسلم نصّاً وفتويً[4]. 315
      ما ذكره من الوقف لا يناسب[1]. 315
      وأما مع عدم استيلائه[2]. 315
      وهو الذي يقتضيه نفي الحرج[3]. 316
      وهذا الدليل وإن كان فيه ما لا يخفى[1]. 316
      نعم بعض الأخبار[2]. 316
      مسوقة لبيان حكم آخر[3]. 316
      لأنّ المراد بشبهتهما[1]. 317
      فسّر صاحب إيضاح النافع[1]. 317
      لا يعتبر في حلّ الخراج المأخوذ أن يكون[2]. 318
في الخراج ومقداره 320
      السادس ليس للخراج قدر معيّن[1]. 320
من يجوز له أخذ الزكاة والخراج من الجائر 322
      السابع ظاهر اطلاق الأصحاب[1]. 322
في الأراضي الخراجية 324
      الأول كونها مفتوحة عنوة[1]. 324
      يثبت الفتح عنوة بالشياع[1]. 326
الحكم عند الشك في حال الأرض 329
      وأشكل منه إثبات ذلك باستمرار السيرة[1]. 329
ما يشترط في كون الأرض خراجية 331
      الثاني أن يكون الفتح بإذن الإمام (ع)[1]. 331
في اعتبار الحياة في الأرض حال فتحها 333
      الثالث أن يثبت كون الأرض المفتوحة[1]. 333
      نعم لو مات المحياة حال الفتح فالظاهر بقائها على ملك المسلمين[1]. 334
طروء الخراب على الأراضي الخراجية 335
      ومع الشك فيها فالأصل العدم[1]. 336
      فنيزل على أن كلّها كانت عامرة[1]. 336
هوامش الكتاب 337

2

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي أنزل القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، وهدانا إلى التفقّه في أحكام الدّين، وصلّى اللّه على خير خلقه وأفضل بريّته المبعوث رحمةً للعالمين، والناسخ بشريعته السمحاء شرايع الأولين، وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين، واللّعنة على أعدائهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

وبعد، فيقول المعترف بقصور باعه الراجي رحمة ربّه جواد بن علي التبريزي: إنّ من نعم اللّه سبحانه عليَّ أن فقّهني في الدين واجتمع إلى أبحاثي الفقهية فريق من أرباب الفضل وروّاد العلم الذين أخذوا على عاتقهم حفظ معالم الدين ونشر أحكامه، وقد أبدوا رغبتهم إلى ضبط محاضراتي التي كان محورها كتاب المكاسب تأليف المحقّق البارع وحيد عصره وفريد دهره سماحة آية اللّه العظمى وحجّته الكبرى الشيخ مرتضى الأنصاري تغمّده اللّه برحمته وأسكنه بحبوحة جنّته الذي نزلت عند نظره أنظار الفحول وأعاظم العلماء الأبرار ذوي الحظّ الوافر في حفظ آثار المتقدّمين وحاز قصب السبق في إحياء علوم الدين وإرشاد المؤمنين إلى ما فيه خير الدارين.

فنزلتُ عند رغبتهم وأجبت مسؤولهم، فجمعت محاضراتي في هذا المؤلَّف المتواضع وسمّيته «إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب» ليكون تذكرة.

واللّه تبارك وتعالى أسأل وإيّاه أرجو أن يجعله ذخراً ليوم فاقتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون وأن يتقبّله بقبوله الحسن، إنّه قريب مجيب، وبالإجابة جدير، وإيّاه أستعين فإنّه نعم المولى ونعم النصير.


3

الفرق بين المكاسب والمتاجر

قوله «ره» في المكاسب[1].

[1] عنوان الكتاب بالمكاسب أولى من عنوانه بالمتاجر، وذلك؛ فإنّ التجارة مصدر ثان لتجر أو اسم مصدر، ومعناها البيع والشراء بغرض الربح، فيطلق التاجر على من تكون حرفته البيع والشراء وتحصيل الربح بهما، وكيف كان فلا تعمّ التجارة ما إذا لم يكن البيع أو الشراء بقصد الربح، فضلاً عن الأعمال التي يكون الشخص أجيراً عليها، ويقع البحث في الكتاب عن حكم تحصيل المال بها.

وهذا بخلاف المكاسب، فإنّه جمع مكسب: بمعنى ما يطلب به المال، فيعمّ مثل تلك الأعمال.

لا يقال: قد وقع البحث في الكتاب عن حرمة بعض الأعمال وحلّها مع عدم تعارف كسب المال بها، كالبحث عن حرمة الغيبة وسبّ المؤمن، وكما يقال إنّ البحث فيها استطرادي، كذلك يمكن أن يكون المهمّ في المقام البحث في الأعيان المحرّم والمحلّل بيعها وشراؤها، وكذر غيرها للاستطراد، فلا موجب لعنوان الكتاب بالمكاسب.

فإنّه يقال: قد ذكرنا أنّ عنوان الكتاب بالمكاسب أولى لا أنّه متعيّن، مع أنّ الالتزام بكون المقصود بالبحث تلك الأعيان فقط غير سديد، وإلا لكان ذكرها في شرايط العوضين من كتاب البيع أولى من إفرادها، والبحث فيها مقابل كتاب البيع، وهذا بخلاف ما لو كان المقصود بيان المكاسب المحرّمة وتمييزها عن المحلّلة منها، سواء كان الكسب بالأعيان أو المنافع والأعمال، حيث أنّ افرادها والبحث فيها مستقلاً أنسب.


4

المراد من أكل المال بالباطل

قوله «ره»: وينبغي أوّلاً التيمّن بذكر بعض الأخبار[1].

[1] كان المناسب التيمّن قبل الأخبار بالكتاب المجيد المستفاد منه بعض الضوابط للكسب

الحرام، كقوله تعالى:

«لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم»(1).

فنقول: الأكل في الآية بمعنى وضع اليد والتملّك، لا الأكل الخارجي، حيث أنّ إضافته إلى الأموال موجبة لهذا الظهور، سواء كانت الاضافة إلى عنوان المال أو إلى مثل الدار والثوب من مصاديقه، فإذا قيل أكل زيد دار فلان أو ماله فظاهره وضع يده عليهما وتملكهما.

والحاصل أنّ النهي عن الأكل في الآية من قبيل النهي عن المعاملة، وظهوره فيها هو الارشاد إلى فسادها، كما أنّ ظهور النهي المتعلّق بالأفعال الخارجية هو تحريمها تكليفاً، وليس المراد أنّه لا يمكن النهي عن المعاملة تكليفاً، سواء كانت المعاملة بمعناها المصدري أو الاسم المصدري، فإنّ إمكان النهي عنها كذلك، بل وقوعه في الشرع كحرمة البيع وقت النداء أو حرمة بيع الخمر بمعنى كون بيعها مبغوضاً للشارع من الواضحات، كيف وقد وقع الكلام في أنّ النهي عن معاملة تكليفاً هل يقتضي فسادها أم لا.

بل المراد انّحمل النهي عن معاملة على التكليف يحتاج إلى قرينة، ومع عدم القرينة ظاهره الإرشاد إلى فسادها أي عدم إمضاء الشارع، فمثلاً ملاك النهي عن البيع يوم الجمعة ـ وهو إدراك صلاتها وعدم تفويتها ـ قرينة على الحكم التكليفي واللّعن الوارد على بايع الخمر ومشتريها قرينة عليها، كما أنّ قوله (ع) «ثمن الخمر سحت» دليل على فساد المعاملة عليها، حيث انّ مع صحتها لا يكون الثمن سحتاً.

وعلى الجملة (فتارةً) تكون المعاملة محرّمة تكليفاً فقط كالبيع وقت النداء، و(أُخرى) تكون محرّمة وضعاً فقط كبيع الميتة على ما سيأتي، (وثالثة) تكون محرّمة وضعاً وتكليفاً كبيع الخمر، والآية المباركة دالّة على أنّ أكل أموال الناس وتملكها بالباطل فاسد، والمراد بالتملّك بالباطل المحكوم بفساده هو التملك بالباطل ولو ببناء العقلا.


5

والحاصل أنّ وضع اليد على مال الغير بالنحو الباطل ـ ولو في اعتبار العقلاء ـ فاسد عند الشارع أيضاً، وليس المتعلّق للنهي هو خصوص التملّك بالباطل في اعتبار الشرع، حيث لا معنى للنهي عنه؛ لأنّه من اللغو الواضح، وأيضاً خطاب النهي عن وضع اليد على مال الغير وتملّكه بالباطل كساير الخطابات من قبيل القضية الحقيقية، والموضوع فيه مطلق التملّك بالباطل لا خصوص بعض أنواع التملّك، كالقهر على المالك، أو القمار، فمفاد الآية أنّه لا يكون وضع اليد على مال الغير مع انطباق عنوان الأكل بالباطل عليه موجباً للملك شرعاً، سواء كان سنخ ذلك الوضع في زمان صدور الآية أم لم يكن.

وما عن السيد الخوئي أطال اللّه بقاءه من كون الآية ناظرة إلى ما كان مرسوماً في ذلك الزمان من أنحاء التملّك والحكم عليها بأن كلّها باطلة إلا التجارة عن تراض فيه ما لا يخفى.

أمّا (أوّلاً): فلما ذكرنا من أنّ متعلّق النهي هو التملّك بالباطل لا التملّك مطلقاً، ولا خصوص بعض ما كان مرسوماً في ذلك الزمان.

وأمّا (ثانياً): فلأنّ التجارة عن تراض غير داخل في متعلّق النهي حتّى مع عدم ذكر الاستثناء، فيكون استثناؤها منقطعاً لا متصلاً.

وأمّا (ثالثاً): فلأنّ الموجب لأكل مال الغير شرعاً لا ينحصر بالبيع والشراء، فضلاً عمّا إذا كانا بقصد الربح، كما هو ظاهر التجارة، كيف؟ وموجبات التملّك كثيرة كالاجارة والصلح والمزارعة والمساقاة والمضاربة والوكالة والقرض إلى غير ذلك، والالتزام بالتخصيص ورفع اليد عن الحصر في هذه الموارد الكثيرة بعيد جدّاً.


6

حديث تحف العقول

قوله «ره»: روى في الوسائل والحدائق[1].

[1] لا يخفى أنّ الأخبار العامّة المذكورة في الكتاب كلّها ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد

عليها، نعم لا بأس بها لتأييد الحكم بعد استفادته من غيرها.

أمّا رواية تحف العقول ـ وإن قيل بأنّ الكتاب من الكتب المعتبرة وأنّ مؤلّفه شيخ صدوق كما عن صاحب الوسائل «ره» ـ فلا ريب في أنّها باعتبار إرسالها ضعيفة، فإنّ غاية الأمر أن يكون كتاب تحف العقول مثل بحار المجلسي أو وسائل الحر العاملي (قدس سرهما)، ومؤلفه كمؤلّفهما.

ومن الظاهر أنّ مجرّد اعتبار كتاب لا يقتضي قبول كلّ ما فيه، كما أنّ جلالة المؤلف لا تقتضي قبول كلّ رواياته والغمض عن رواتها الواقعة في إسناد تلك الروايات إلى الإمام (ع).

والحاصل أنّه لا يكفي في العمل بالرواية العدالة أو الوثاقة في خصوص الراوي الناقل لنا حتّى مع اعتبار الكتاب، بمعنى عدم وقوع الدسّ فيه، بل لابدّ من إحراز حال جميع رواتها.

ودعوى أنّ مؤلف تحف العقول قد حذف الأسانيد في غالب روايات كتابه للاختصار لا للإبهام لم يعلم لها شاهد، بل على تقديره أيضاً لا يمكن العمل بها، فإنّه لابدّ في العمل بالرواية من إحراز حال جميع رواتها كما مرّ، حيث من المحتمل اعتقاد المؤلف صدورها عن الإمام (ع) لأمر غير تامّ عندنا، لا حذفها لكون رواتها ثقات أو عدولاً.

فالمتحصّل أنّ حذف المؤلّف سند الرواية مع الاحتمال المزبور لا يكون توثيقاً أو تعديلاً لرواتها كما لا يخفى، ومثلها دعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور، وذلك فإنّ بعض الأحكام المذكورة فيها لم يعهد الافتاء به من فقيه فضلاً عن جلّ أصحابنا، ونحوهما دعوى وجود القرائن في الرواية الكاشفة عن صدق مضمونها كما عن السيد اليزدي «ره»، ولعلّ الصحيح هو العكس كما هو مقتضى اضطراب متنها، واشتباه. المراد وعدم كون العمل معهوداً لبعض ظاهرها كما سنشير إليه.

قوله «ره»: فقال جميع المعايش[2].

[2] المعايش جمع المعيشة، بمعنى ما يعيش به الإنسان مثلاً ويتحفّظ به على حياته، وكان منها المال المكتسب الذي يصرفه في حوائجه، ويكون قوله «مما يكون لهم فيه المكائب بياناً» للمعايش بمعنى أنّ المعايش التي يكون فيها كسب المال أربع جهات، ويمكن كونه

بياناً للمعاملة، أي: المعاملات التي يراد بها المال أربعة أقسام.


7

قوله «ره»: فأوّل هذه الجهات الأربع الولاية[1].

[1] لم يعلم وجه كون الولاية هو الأول والأخير هي الاجارات، كما لم يعلم الوجه في افراد الاجارات والسكوت عن مثل المزارعة والمساقاة والمضاربة والوكالة وغيرها، اللهمّ إلا أن يكون التعبير بالأوّل كلفظة ثمّ لمجرّد العطف والترتيب في الذكر، ولكن يبقى في البين وجه السكوت عن غير الاجارة.

(لا يقال): الوجه في عدم ذكرها دخولها في الصناعات والتجارات. (فإنّه يقال): التجارة معناه البيع والشراء بقصد الربح كما مرّ، فلا يدخل فيها مطلق البيع والشراء فضلاً عن غيرهما، ولو دخلت المزارعة وغيرها في الصناعات لكانت الاجارة أيضاً داخلة فيها، فإنّه لا فرق بين تسليم الأرض للعامل فيها بالمزارعة وبين إجارتها، كما لا يخفى.

قوله «ره»: مما لا يجوز[2].

[2] يتعلّق بالتفسير باشرابه معنى التمييز، أي تفسير وجوه الحلال من التجارات وتمييزها عمّا لا يجوز للبايع بيعه وللمشتري شراؤه.

قوله «ره» فكلّ مأمور به[3].

[3] ظاهر الرواية أنّ الموجب لحلّية البيع أحد أمرين، (الأوّل) أن تكون في المبيع مصلحة ضرورية للعباد، (الثاني) ما يكون فيه جهة صلاح مقصودة لهم، حيث أنّ الأوّل ظاهر قوله: فكلّ مأمور به“ إلخ، والثاني ظاهر قوله: وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات.

قوله «ره»: فكلّ أمر يكون فيه الفساد[4].

[4] لم يظهر الفرق بين هذا وبين المعطوف على ذلك فيما بعد من قوله: أو يكون فيه وجه من وجوه الفساد، إلا أن يقال الفرق هو أنّ المفروض في الأوّل كلّ أمر يكون فيه الفساد المحض، وفي الثاني كلّ شيء يكون فيه جهة الفساد ولو مع الصلاح أيضاً، وهذا الفرق مقتضى علطف الثاني على الأول بلفظة أو، وفيه انّ مجرّد اشتمال شيء على جهة فساد لا يوجب بطلان المعاوضة فيما إذا كانت معها جهة الصلاح أيضاً، وقد مرّ في بيان ضابط صحّة البيع وحلّيته أنّ الاشتمال على جهة صلاح كاف في حلّ بيع الشيء وشرائه.

نعم، لابدّ من كون جهة الصلاح من المنفعة المقصودة للعقلاء لظهور الصلاح في الشيء في ذلك، وإلا فلا يوجد شيء خال عن مصلحة ما إلا نادراً.


8

والحاصل أنّ الملاك الثاني لفساد البيع غير صحيح، فإنّه يصحّ بيع ما فيه الفساد فيما إذا كانت فيه جهة صلاح مقصودة أيضاً، ومع عدم جهة صلاح مقصودة محلّلة يدخل الشيء فيما فيه الفساد المحض، بل الموجب لبطلان البيع على ما يأتي خلوّ الشيء عن الجهة المقصودة للعقلاء المحلّلة شرعاً، سواء كانت فيه مفسدة أم لم تكن، وهذا الضابط لبطلان البيع لا يستفاد لا من المعطوف، ولا من المعطوف عليه، ولا من الأمثلة الواردة في الحديث، بل في بعضها لا يكون فساد إلا في نفس البيع لا في العوضين، كما في البيع الربوي، فإنّ المتجانسين لا فساد فيهما أصلاً، بل الفساد في نفس البيع بالزيادة، والفساد أو الحرمة في هذا القسم تابع للدليل الدالّ على ثبوت المنع، بخلاف ما إذا لم يكن في الشيء المنفعة المحلّلة المقصودة، أو كانت فيه المفسدة الخالصة، فإنّ الحكم بالفساد فيهما لا يحتاج إلى دليل آخر كما يأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ انّه قد ذكر في الحديث انّ في جلود السباع جهة الفساد، فلا يصحّ بيعها، ولعلّ هذا لا عامل به، وبهذا يظهر حال ما تقدّم من أنّ ضعف الحديث منجبر بعمل الأصحاب، ومثله المنع عن بيع ما لا يجوز نكاحه فلاحظ.

قوله «ره»: يلي أمره[1].

[1] معطوف على يملك، أي اجارته ما يملكه أو يلي أمره، الأول كما في اجارته عبده، الثاني اجارته من يكون له عليه ولاية، ودابته وثوبه معطوفان على نفسه في قوله فاجارة الإنسان نفسه.

قوله «ره»: أو يوجر نفسه[2].

[2] لعلّه من قبيل الخبر، يعني تفسير الاجارات أن يؤجر نفسه أو داره ونظيره قوله: فلا بأس أن يكون أجيراً، أي امّا تفسير الاجارات فلا بأس أن يكون أجيراً“ إلخ.

قوله «ره»: من غير أن يكون[3].

[3] يعتبر أن لا يكون في اجارة نفسه أو مملوكه أو من يلي أمره في جهة من المنافع المحلّلة داخلاً في عنوان الظلمة بأن يعد من أعوان الجائر وعمّاله، وإلا فلا تجوز.

قوله «ره»: أو قرابته[4].

[4] لا ولاية له على غير ولده من أقربائه، فيكون عطف القرابة على ولده بلا وجه، إلا أن يحمل على صورة الوصاية أو الوكالة، ولكنّهما لا تختصان بالقريب.

قوله «ره»: أو وكيله في اجارته[5].

[5] عطف على نفسه يعني لا بأس بأن يوجر نفسه أو وكيله في اجارته، والمراد بالوكيل الوكيل في العمل، والمراد بضمير الجمع في قوله لأنّهم وكلاء الأجير العاملون الذين يكونون وكلاء في العمل عن الذي يوجرهم من نفسه لا من عند السلطان حتّى يكون هو وهم داخلين تحت عنوان الظلمة.

قوله «ره»: نظير الحمال[6].

[6] مثال للموجر الذي يوجر نفسه أو وكيله من عنده لا من عند السلطان.

قوله «ره»: والخنازير والميتة[7].

[7] ولعلّ الخنازير والميتة معطوفتان على هدم المساجد، فيكون اجارة نفسه في الخنازير والميتة باعتبار العمل المناسب لهما.

قوله «ره»: فيه أو له أو شيء منه[8].


9

[8] لعلّ المراد بالأوّل كونه أجيراً في نفس العمل المحرّم بأن يوجده، والمراد بالثاني كونه أجيراً لعمل يكون ذلك مقدّمه للمحرم، بأن يكون غرض الأجير وصول المستأجر بما فعله إلى الفعل المحرم، والمراد بالثالث فعل الجزء من المركب المحرم، والمراد من الرابع الاجارة لعمل يكون ذلك مقدّمة للجزء من المركب المحرم، ثمّ انّ حرمة الاجارة في غير الفرض الأول مختصّة بما إذا قصد بمتعلّقها التوصّل إلى الحرام، وإلا فلا وجه للحرمة فضلاً عن فسادها.

قوله «ره»: إلا لمنفعة من استأجرته[1].

[1] ظاهره الاستثناء من قوله كلّ أمر منهيّ عنه، ولا يبعد أن يكون الصحيح استأجره بدل استأجرته و(التاء) زايدة، يعني كالذي يستأجر الأجير ليحمل الميتة وينحيها عن أذاه وأذى غيره.

قوله «ره»: والعمل به وفيه[2].

[2] لعل المراد بالأول تمام العمل وبالثاني بعضه.

قوله «ره»: وفي الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (ع)[3].

[3] لم يرد في الرواية ما انحصر المدرك فيه بها، ولو كان وارداً لما أمكن الاعتماد عليها حيث لم يثبت انّ الكتاب المزبور للإمام (ع)، ومجرّد دعوى السيد الفاضل الثقة المحدّث القاضي أميرحسين «ره» أنّه اطمئنّ من القرائن بذلك بعدما أخذه من القميين الذين جاءوا به إلى مكة لا يكون طريقاً معتبراً لنا خصوصاً مع قوة احتمال انّ الكتاب المزبور كان لوالد الصدوق «ره» ووقع الوهم باعتبار التعبير في الكتاب عن المؤلف «ره» بعلي بن موسى، ويؤيد ذلك توافق عباراته غالباً مع عبارات رسالته إلى ولده ولتفصيل الكلام محلّ آخر.

قوله «ره»: فحرام ضارّ للجسم[4].

[4] يعني فحرام بيعه وشراؤه وساير المعاملة عليه، وارتكابه ضار للجسم، وقلنا: إنّ المراد بالحرام حرمة بيعه حتّى لا يلزم التكرار اللغو، كما لا يخفى.

قوله «ره»: وعن دعائم الإسلام[5].

[5] الأمر في الرواية المزبورة كما مرّ في الفقه الرضوي، ولا يخفى أنّ ما في دعائم الإسلام على تقدير اعتبار مؤلفه رواية مرسلة حيث انّ المؤلف وهو نعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر المالكي أولاً كان في أيام الدولة الاسمعيلية، فلا يمكن روايته عن الصادق (ع) بلا واسطة، والواسطة مجهولة لنا، نعم ذكر في الكتاب أنّه حذف الأسانيد للاختصار، ولكن قد تقدّم عدم نفع مثل هذه الدعوى، ولا تدخل الرواية معها في موضوع دليل الاعتبار، حتّى فيما إذا صرّح المؤلف بأنّ الرواية كانت صحيحة، وذلك فإنّ الصحة في كلام القدماء لا يدلّ على توثيق الراوي، وإنّما يدلّ على اعتبارها عند من وصفها بها.

قوله «ره»: في النبوي المشهور[1].


10

[1] النبوي ضعيف سنداً، ولكنّه صحيح مضموناً، وذلك فإنّه إذا تعلّقت الحرمة بعين في خطاب الشرع فظاهره تحريم جميع الأفعال المقصودة منها، فيكون أخذ العوض عليها من أكل المال بالباطل، حيث مع التحريم المزبور لا منفعة محلّلة لها، وهذا بخلاف ما إذا تعلّقت الحرمة بفعل خاص من العين مع بقاء ساير الأفعال المقصودة منها على الحل، كما إذا ورد في الخطاب حرمة أكل التراب فإنّه مع بقاء ساير منافعه على الحلّ لا بأس بالمعاوضة عليه، كما هو كذلك في البلاد التي أراضيها رمل والتراب فيها عزيز.

قوله «ره»: مع إمكان التمثيل[2].

[2] لا يخفى أنّ المستحبّ هو نفس الرعي أو الزراعة لا الاكتساب بهما كما هو مورد الكلام، ولو اشتغل أحد براعي لنفسه أو لغيره تبرّعاً فعل المندوب، وكذا الحال في الزراة بل في الصناعة الواجبة أيضاً، حيث انّ الطملوب فيها فعل ما يتوقّف عليه نظام المسلمين ولو كان بنحو التبرّع، وربّما يقال المستحبّ كالاكتساب للتوسعة على العيال ورفع حوائج الناس، والواجب كالاكتساب الذي توقّف عليه الانفاق الواجب، وفيه انّ الكلام في المقام ليس في الكسب بمعناه المصدري بل في الأعيان أو الأعمال التي يكون كسب المال بها، وأنّ كسبه بأيّ منهما حرام أو حلال، وفي المذكور نفس الاكتساب مستحبّ، أوواجب من غير ملاحظة عين خاصّة أو عمل خاص كما لا يخفى.

قوله «ره»: بقصد ترتب الأثر المحرّم[1].

[1] لا يخفى أنّ حقيقة بيع الخمر وشرائه هو تمليكه للآخر بعوض وتملّك العوض من الآخر، وإذا فرض الدليل على حرمة بيعه وشرائه زايداً على الفساد كما هو مقتضى اللعن الوارد على بايعه ومشتريه يكون نفس إنشاء التمليك أو التملّك محرّماص، وعلى ذلك فتقييد متعلّق النهي بما إذا كان قاصداً لترتيب الأثر المحرّم بلا وجه، بل لو كان مشتريه مثلاً قاصداً شربه بعد تملّكه فهو أمر آخر داخل في التجرّي ولا يرتبط بحرمة نفس البيع والشراء.

قوله «ره»: إلا من حيث التشريع[2].

[2] لا يكون التشريع إلا بالالتزام بحكم شرعي من غير إحرازه بوجه معتبر، ومجرّد بيع الخمر مثلاً مع فرض فساده لا يكون تشريعاً، حيث انّ المتبايعين لا يلتزمان بصحّته شرعاً حتّى يكون البناء المزبور تشريعاً، بل غايته إقدامهما على البيع مع علمهما ببطلانه، نظير بيع الغاصب لنفسه، والحاصل أنّهما يلتزمان بالملكية في بنائهما ولا ينسبانها إلى الشرع حتّى يكون تشريعاً.

قوله «ره»: يحرم المعارضة على بول[3].

[3] استدلّ على بطلان بيع الأبوال النجسة بوجوه ثلاثة: الأوّل حرمة شربها فيدخل فيها تقدّم من أنّ المنهي عنه باعتبار أكله أو شربه لا يجوز بيعه وشراؤه، والثاني نجاستها وقد ذكر في حديث تحف العقول عدم جواز بيع أقسام النجس، والوجهان ضعيفان على ما مرّ، والثالث عدم الغرض المحلّل للعقلاء في الأبوال النجسة حتى يكون لها المالية المعبّر عنها بالقيمة.


11

أقول: الصحيح في عدم جواز بيعها هو هذا الوجه، وبهذا يظهر عدم الفرق بينها وبين الأبوال الطاهرة، لانتفاء المالية فيهما فعلاً، وما يظهر من المصنّف «ره» من الميل إلى جواز بيع أبوا ما يؤكل لحمها بناءاً على جواز شرب أبوالها اختياراً لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ شربها ما لم يكن بحيث يبذل باعتباره المال لا يصحّح البيع، بل يكون تملّك المال بازائها من أكله بالباطل المحكوم بالفساد في ظاهر الآية المباركة، وذكر السيد الخوئي أطال اللّه بقاءه أنّه لا دليل على حرمته بيع الأبوال النجسة وضعاً، فضلاً عن حرمته تكليفاً، وذلك فإنّ الآية المباركة ناظرة إلى أسباب تملّك مال الغير التي كانت متعارفة زمان الجاهلية، من بيع الحصاة والقمار ونحوهما وانّ تلك الأسباب كلّهاباطلة، إلا التجارة عن تراض، وأمّا أنّه يعتبر في ا لتجارة عن تراض المالية في المبيع فليست الآية في مقام بيان مثل تلك الجهة، بل يكفي في صحّة البيع تعلّق غرض المشتري بالمبيع حتّى لا يكون بذله المال بإزائه سفهياً، ثمّ ذكر أنّ هذا أيضاً لا يعتبر، فإنّه لا دليل على بطلان البيع السفهي، بل الدليل دلّ على بطلان بيع السفيه، وفيه أنّ عنوان أكل مال الغير بالباطل كساير العناوين التي تعلّق بها الحكم الشرعي في خطابات الشارع في كون مدلولها ثبوت الحكم لعنوان الموضوع بنحو القضية الحقيقة، فإنّ حمل الخطاب على ثبوت الحكم لعنوان بنحو القضية الخارجية أو 'لى أخذ العنوان مشيراً إلى عنوان آخر يكون هو الموضوع في الحقيقة يحتاج إلى قرينة.

والحاصل أنّ ظاهر الآية هو أنّ عنوان تملّك مال الغير بالباطل في اعتبار العقلاء فيماإذا تحقّق يكون محكوماً بالفساد شرعاً، وصدق العنوان على تملّك المال بإزاء بول الحمار مثلاً فضلاً عن الأبوال النجسة كبول الكلب لا يحتاج إلى تأمّل، ومعه لا يحصل فيه عنوان البيع حتّى يحكم بحلّه، فضلاً عن عنوان التجارة عن تراض.


12

بيع الأبوال

قوله «ره»: عدا بعض أفراده كبول الابل الجلالة[1].

[1] الاستثناء راجع إلى عدم النفع المحلّل، ولكنّه غير صحيح، وذلك فإنّ بول الإبل الجلالة أو الموطوئة بناءاً على نجاسته كما هو الحصيح يجري فيه ما جرى في ساير الأبوال النجسة حتّى الوجه الثالث، حيث أنّ تصوير جواز التداوي بالبول المزبول ـ في مورد الانحصار به وعدم التمكّن من بول الإبل الآخر ـ لا يوجب كونه من المنفعة المحلّلة التي توجب الماليّة، ثمّ انّ ظاهر كلام المصنّف «ره» أيضاً نجاسة البول المزبور كما هو مقتضى التعرض له في بيع الأبوال النجسة، نعم زعم عدم جريان الوجه الثالث فيه.

قوله «ره»: فالظاهر جواز بيعها[1].

[1] قد ذكرنا أنّ مجرّد جواز شرب شيء أو أكله لا يوجب جواز بيعه وأخذ المال بعوضه، كما أنّ مجرد عدم جواز أكل شيء أو شربه لا يوجب بطلان بيعه، بل لابدّ من كون الشرب أو الأكل منفعة مقصودة للقعلاء بحيث يبذلون العوض له بلحاظهما ولا يعتبر في المنفعة المقصودة عدم اختصاصهما بحال وعمومهما لجميع الأحوال، فلاحظ الأثر الظاهر للثوب السميك المنسوج من الصوف والوبر حيث انّ ذلك الأثر مقصود في حال البرد لا مطلقاً، ومن ذلك القيل الأدوية والعقاقير المتعارفة لأنّ المنفعة المقصودة منها مختصّة بحال المرض لا مطلقاً، ولو فرض عدم جواز استعمالها في غير حال المرض، فهذا النحو من تحريم الأكل والشرب لا يوجب بطلان بيعها وشرائها، بل الموجب له هو ما إذا كان التحريم راجعاً إلى المنفعة المقصودة كما ذكرنا.

ومما ذكرنا يظهر أنّه لو كانت المنفعة المقصودة من الشيء منحصرة بالانتفاع به في خصوص حالة الاضطرار الرافع للتكليف كفّت في جواز بيعه وشرائه، كما في المظلّة التي يستعملها الطيّار عند الاضطرار إلى الهبوط لاحتراق الطائرة ونحوه، ومن هذا القبيل الأدوية أو العقاقير المصنوعة لاستعمالها حالة الاضطرار إليها، مع كونها نجسة أو فيها ما لا يجوز أكله حتّى طباً في غير تلك الحالة، وعلى ذلك فلو كانت هناك رواية دالّة على أنّ حرمة أكلّ شيء أو شربه حال الاختيار موجبة لفساد بيعه، فلابد من رفع اليد عن عمومها في مثل العقاقير والأدوية، فإنّه لا يمكن الالتزام ببطلان المعاملات الجارية عليها ويكون كساير الموارد التي يرفع فيها اليد عن العمومات بالسيرة الجارية على خلافها في بعض أفرادها.


13

قوله «ره»: وبالجملة فالانتفاع بالشيء حال الضرورة[2].

[2] حاصل ما يذكره في الفرق بين الأدوية التي لا يجوز استعمالها حال الصحّة وبين مثل الأبوال الطاهرة التي لا يجوز شربها اختياراً انّ الحرمة في الأوّل ثابتة لاستعمالها بعنوان أنّها ضارة للجسم، ويتبدّل هذا العنوان حال المرض، فيكون استعمالها صلاحاً للجسم، وهذا بخلاف الأبوال، فإنّ حرمة شربها بعنوان أنّها من الخبائث، وليس انتفاء الحرمة عن شربها حال التداوي أو غيره لتبدّل ع نوان الخبيث بالطيب، بل باعتبار الاضطرار إلى المحرّم، فلا يوجب جواز البيع في الأدوية لثبوت المالية لها قياس الأبوال الطاهرة عليها حتّى فيما إذا استعملت للتداوي.

لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم[1].

[1] في كون المحرم علينا خصوص أكلها لا سائر الانتفاعات من الاسراج بها ونحوه، فيكون الفرق بين الشحوم واللحوم بأنّ حرمة الأكل في الأوّل لا توجب فساد البيع، بخلاف حرمة أكل الثاني، حيث انّ اللحوم منفعتها المقصودة منحصرة بالأكل.

والجواب عنه مع ضعفه[2].

[2] الجواب عنه مبتدأ وخبره لزوم تخصيص الأكثر، بمعنى أنّ الأخذ بظاهر النبوي المذكور يلازم تخصيص الأكثر، مع أنّه ضعيف سنداً ودلالةً، وقوله لقصورها تعليل لضعفه في جهة دلالته، ولكن تعليل ضعف دلالته به من قبيل أخذ المدّعى دليلاً عليه كما لا يخفى.


14
إمّا لجواز شربه اختياراً[3].

[3] تقدّم أنّ صحة البيع في شيء لا تدور مدار جواز شربه، بل اللازم كون شربه من المنفعة المقصودة منه بحيث لا يخرج أخذ المال بإزائه من أكله بالباطل. والظاهر أنّ الشرب حتّى في بول الإبل ليس كذلك، وأمّا حكم الشرب اختياراً وبلا حاجة إليه فمقتضى موثقة عمار(2) عدم الجواز في بول الإبل وغيره، قال: «سئل أبو عبداللّه (ع) عن بول البقر يشربه الرجل؟ قال: إن كان محتاجاً إليه يتداوى به يشربه وكذلك أبوال الإبل والغنم» حيث انّ ظاهر التعليق على الشرط انتفاء الجواز مع عدم الحاجة، وبه يرفع اليد عن إطلاق نفي البأس في مثل رواية أبي البختري(3) عن جعفر عن أبيه أنّ النبي (ص) قال: «لا بأس ببول ما أُكل لحمه» نعم في رواية الجعفري(4) قال: «سمعت أباالحسن موسى (ع) يقول: أبوال الإبل خير من ألبانها، ويجعل اللّه الشفاء في ألبانها» ومقتضى الحكم بكون أبوالها خيراً من ألبانها هو جواز شربه حتّى اختياراً، وبلا ضرورة، وبعد وقوع المعارضة بينها وبين المفهوم يرجع إلى أصالة الحلّية، ودعوى أنّ الرواية ناظرة إلى بيان حكم طبّي لا شرعي يدفعها أنّ حمل كلام الشارع على بيان مجرّد الحكم الطبي خلاف الظاهر، والعمدة في عدم إمكان رفع اليد بها عن المفهوم ضعفها سنداً، فإنّ في سندها بكر بن صالح وهو ضعيف، بل ولا يبعد مع فرض المعارضة الرجوع إلى عموم حرمة الخبائث فإنّ الأبواب منها حتّى من المأكول لحمه.

اللّهمّ إلا أن يقال لم يعلم شمول الخبائث للأبوال الطاهرة، حيث من المحتمل كون معناها الرجس المعبّر عنه بالفارسية بـ(بليد) فتختصّ بالنجسة منها، أضف إلى ذلك أنّه يمكن القول بعدم المفهوم للشرط الوارد في الموثقة، فإنّ اختصاص حرمة فعل بصورة عدم الحاجة إليه وحلّه معها غير معهود في الشرع، والشرط فيها باعتبار أنّه لا يكون للإنسان داع إلى شرب مثل البول من غير حاجة إليه كالتداوي به، ثمّ انّ جواز شرب البول مطلقاً أو مع الحاجة إلى التداوي به يختصّ بأبوال ما يؤكل لحمه، وأمّا الأبوال النجسة فلا يجوز شربها إلا مع الاضطرار الرافع للتكليف، ولا يجوز بمجرّد الحاجة، وعلى الجملة الأمر فيها كما في سائر المحرّمات.

كما يدلّ عليه رواية سماعة[1].

[1] لا دلالة لرواية سماعة(5) على عدم جواز الشرب مع عدم الحاجة حيث انّ الراوي فرض في سؤاله شربه عند الحاجة لا أنّه (ع) أخذه في الجواب قيداً للجواز كما لا يخفى.


15

حرمة بيع العذرة

يحرم بيع العذرة[2].

[2] المنسوب إلى الشهرة عدم جواز بيع العذرة مما لا يؤكل لحمه، ويستدّل عليه برواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبداللّه (ع) قال: «ثمن العذرة من السحت»(6) وفي سندها علي بن مسكين، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها، مع أنّها معارضة برواية محمد بن مضارب عن أبي عبداللّه (ع) قال: «لا بأس ببيع العذرة»(7) وقد جمع الطوسي «قده» بينهما بحمل الأولى على عذرة الإنسان، والثانية على عذرة البهائم، وذكر المصنّف «ره» في تقريب الجمع المزبور أنّ الرواية الأُولى نصّ في عذرة الإنسان وظاهرة في غيرها، بعكس الثانية، فيطرح ظاهر كلّ منهما بنصّ الأُخرى، وأيّد التقريب بموثقة سماعة قال: «سأل رجل أبا عبداللّه (ع) وأنا حاضر، فقال: إنّي رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها وثمنها، وقال: لا بأس ببيع العذرة»(8) باعتبار أنّ الجمع بين الحكم بعدم الجواز والجواز في كلام واحد للمخاطب الواحد دليل على أنّ الموضوع لعدم الجواز غير الموضوع للجواز، فتكون هذه الموثقة قرينة على أنّ تعارض الروايتين الاولتين ليس باعتبار العلم بعدم ثبوت الحكمين معاً، بل باعتبار دلالتهما، فلا يصح فيهما الرجوع إلى المرجحات السندية أو الخارجية، كما لا يصحّ القول بأنّ الحكم بعد فقد الترجيح هو التخيير بين المتعارضين، أو التساقط، لا طرح ظهور كلّ منهما كما عليه جمع الطوسي «قده».

أقول: لا يصحّ جعل الموثقة قرينة على ما ذكر، إذ يحتمل كونها من قبيل الجمع في الرواية، بأن سمع الراوي الحكمين في مجلسين وجمع بينهما في النقل، بل يمكن أيضاً كون المخاطب في أحدهما غير المخاطب في الآخر، فتكون الموثقة من الروايتين المتعارضتين، ويؤيّد ذلك تكرار (قال) وعطفه على الأوّل والإتيان بالاسم الظاهر بدل الضمير، حيث أنّه لو كان كلاماً واحداً لكان الأنسب أن يقول: (لا بأس ببيعها)، نعم كونها من الجمع في المروي محتمل أيضاً، ولكن اختلاف صدرها وذيلها يوجب اجمالها، هذا (أوّلاً).


16

و(ثانياً) أنّ المتيقّن في الإرادة من الخارج لا يوجب أن يكون أحد الدليلين نصّاً في ذلك المتيقن، وظاهراً في غيره ليجمع بينهما بالأخذ بذلك المتيقن، وطرح الظاهر، كما إذا ورد مثلاً الأمر بإكرام العلماء في خطاب، والنهي عنه في خطاب آخر، فإنّ حمل الأول على العادل، والثاني على الفاسق، بدعوى كون ذلك متيقناً بالإرادة منهما لا يوجب كون الحمل من الجمع العرفي، ومثل الجمع المزبور حمل حرمة البيع والثمن على الفساد، وحمل نفي البأس على الجواز تكليفاً، وذلك فإنّه ليس بأولى من حمل حرمة البيع وتحصيل الثمن على التكليف فقط، والأخذ بظاهر البأس وهو الإرشاد إلى صحّة البيع.

حمل خبر المنع على التقية[1].

[1] لا يخفى أنّ الحكم بجواز بيع العذرة لا يحتاج إلى الرواية،فإنّ وجود المنفعة المقصودة للعقلاء في شيء بحيث يبذلون بإزائه المال كاف في نفوذ بيعه، والمعاملة عليه، وقد تقدم أيضاً أنّ مجرد نجاسة شيء لا يوجب فساد بيعه، ولذا يتعين القول بالجواز، مع أنّ الترجيح للخبر الدال عليه، لأنّ معظم العامة على المنع. وما ذكره المنصف «ره» من أنّ رواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ مراده بالوجوه يمكن أن يكون ضعف الرواية سنداً بمحمد بن مضارب، ومخالفتها لفتوى المشهور بالمنع، وكذا مخالفتها للروايات العامة، حيث ذكر في بعضها عدم جواز بيع وجوه النجس، ولكن ضعف السند مشترك بين الرواية الدالّة على الجواز والدالة على المنع، ولم يعلم أنّ فتوى المشهور بالمنع هل كان لخلل في رواية الجواز غير المعارضة المزبورة، وغير ضعف سندها وخلافها للاحتياط كما أنّ الروايات العامّة لا تصلح للاعتماد عليها كما مرّ، وعلى الجملة لا فرق بين الأرواث الطاهرة والنجسة في أنّ المنفعة المحلّلة المقصودة كالتسميد بها واستعمالها وقوداً كافية في الحكم بجواز الاكتساب بها.


17

حرمة المعاوضة على الدم

يحرم المعاوضة على الدم[1].

[1] الأظهر جواز المعاوضة عليه فيما إذا فرضت له منفعة محلّلة، كما في يومنا هذا بالإضافة إلى دم الإنسان، فإنّه يستعمل في المعالجة بتزريقه لإنسان آخر يحتاج إليه، والإجماع التعبّدي في المقام غير حاصل، لاحتمال أنّ المدرك على تقدير الاتفاق بعض الروايات المتقدّمة التي علم حالها، ونقل الإجماع لا يزيد على محصله، وكذا الحال في غير دم الإنسان من الدماء النجسة المستعملة للتسميد في المزارع والبساتين، وأمّا مرفوعة أبي يحيى الواسطي(9) الدالّة على عدم جواز بيع الدم، فلضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها، قال: «مرّ أميرالمؤمنين (ع) بالقصّابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم والغدد وآذان الفؤاد والطحال والكبد“».

وما ذكره المصنّف «ره» وتبعه السيد الخوئي «دام بقاؤه» من كون الرواية ناظرة إلى بيع الدم للأكل، وحرمة البيع في هذا الفرض لا تحتاج إلى دليل خاص، فإنّه على القادة، لا يمكن المساعدة عليه، لإطلاق النهي في الرواية (أوّلاً)، و(ثانياً) أنّ قصد المشتري وعلم البايع باستعمال المبيع في المحرّم لا يزيد عن بيع العنب مع علم البايع باستعماله المشتري في التخمير، وقد التزموا فيه بالجواز.

والظاهر أنّ حكمهم[1].

[1] أي أنّ الحكم بأنّ الولد في الحيوانات تابع للأُم متفرّع على أنّ مني الحيوان لا يكون قابلاً لصيرورته ملكاً لأحد، ولو كان قابلاً له لكان الولد ـ كالزرع في ملك الغير ـ ملكاً لصاحب الفحل، وعلى ذلك فلو قيل بأنّ المني قابل للتملّك كما في مني الإنسان حيث أنّ الولد فيه تابع للفحل ويكون ملكاً لمالك الفحل، فلابدّ في الحكم بعدم جواز بيع المني الواقع في الرحم من التشبّث بنجاسته، ولكن هذا التشبّث أيضاً غير صحيح، وذلك فإنّ المني الخارج من الباطن إلى الباطن كالدم الموجود في الباطن لا دليل على نجاسته. وعلّل في الغنيمة عدم جواز بيع هذا القسم بالجهالة أو عدم القدرة على التسليم أيضاً كما في المني الموجود في صلب الفحل المعبّر عنه بالعسيب في مقابل الملاقيح المراد بها الواقع في الرحم. والمراد بالجهالة عدم العلم بتكوّن الولد منه، ويؤيّد في العسيب النبوي «أنّ رسول اللّه (ص) نهى عن خصال تسعة: عن مهر البغي وعن عسيب الدابة يعني كسب الفحل»(10).


18

أقول: ولكن الأظهر جوازه، فإنّ المني الموجود في صلب الفحل ـ نظير البذر الذي لا يعلم حاله من جهة نموّه وعدمه ـ قابل للبيع، ويكون تسليمه بإرساله للضرب، والرواية المزبورة ضعيفة سنداً، بل ودلالةً، فإنّ ظاهر كسب الفحل اجارته للضرب، وبما أنّ اجارته لذلك جائزة ـ كما هو مدلول بعض الروايات المعتبرة ـ فلابدّ من حمل النهي على الكراهة، وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قلت له: أجر التيوس، قال: إن كانت العرب لتعاير به ولا بأس»(11)، وبهذا يظهر الحال في بيع الملاقيح يعني المني المستقرّ في رحم الأُم فيما إذا كان المني تابعاً للفحل، وكان البيع فساده أو استحالته إلى الدم.


19

بيع الميتة

يحرم المعاوضة على الميتة[2].

[2] ذكر «ره» في وجه عدم جواز بيع الميتة وجوهاً:

الأوّل: الأخبار العامّة المتقدّمة كحديث تحف العقول، حيث ذكر فيه عدم جواز بيع النجس وما نهى عن الانتفاع به.

الثاني: أنّه لا يجوز الانتفاع بالميتة مطلقاً سواء كان الانتفاع بما هو مشروط بالطهارة كالأكل أو الشرب أو اللبس في الصلاة أو كان من غيره من سائر الانتفاعات، كما يظهر ذلك من الأخبار التي ذكر فيها أنّ الميتة لا ينتفع بها، وإذا كان الانتفاع ممنوعاً فتدخل فيما لا نفع فيه، فيكون أخذ الثمن في مقابلها من أكله بالباطل.

الثالث: رواية السكوني حيث عدّ فيها من السحت ثمن الميتة. ولكن يظهر من بعض الروايات جواز بيع الميتة، كرواية الصيقل قال: «كتبوا إلى الرجل: جعلنا اللّه فداك، إنّا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرّون إليها، وإنّما علاجنا جلود الميتة والبغال والحميل الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحلّ لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسّها بأيدينا وثيابنا ونحن نصلّي في ثيابنا، ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا؟ فكتب: اجعل ثوباً للصلاة“»(12)، وناقش «ره» في دلالتها على جواز بيع الميتة بما أشار إليه بقوله: «ويمكن أن يقال إنّ مورد السؤال“» وحاصله أنّه لم يفرض في الرواية تعلّق البيع بجلود الميتة أو غلاف السيوف مستقلاً أو في ضمن بيع السيوف حتّى يكون نفي البأس المستفاد من التقرير دليلاً على جواز بيع الميتة، بل غايته دلالتها على جواز الانتفاع بالميتة بجعلها غمداً للسيف الذي يباع بشرط الغمد.

أقول: مورد السؤال في الرواية شراء الجلود وبيعها ومسّ تلك الجلود بأيديهم وثيابهم، حيث أنّ الصيقل أو ولده لم يكن شغلهم شراء السيوف وبيعها، بل عملها وبيعها، كما أنّه لا معنى للسؤال عن مسّ السيوف بأيديهم وثيابهم وترك السؤال عن مسّ الجلود كما لا يخفى، وناقش «ره» (ثانياً) بأنّ دلالة الرواية على جواز بيع الميتة وشرائها بالتقرير ولا اعتبار به، فإنّه غير ظاهر في الرضا خصوصاً في المكاتبات المحتملة للتقية.


20

وفيه أنّ مورد السؤال ـ كما ذكرنا ـ استعمال الجلود وبيعها وشراؤها ومسها بالأيدي والثياب والصلاة في تلك الثياب، ونهى الإمام (ع) في الجواب عن الصلاة فيها والسكوت عن الباقي ظاهر في جواز غيرها، وهذا إطلاق مقامي، لا ترك للتعرّض لما يكون في ذهن السامع وإقراره عليه اعتقاده، كما هو المراد بالتقرير.

وربّما نوقش في الرواية بوجه ثالث وهو أنّ المفروض فيها الاضطرار إلى الاستعمال، والكلام في المقام في الاختيار، وفيه أنّ الاضطرار المفروض فيها بمعنى الحاجة، لا?الاضطرار الرافع للتكليف، مع أنّ الاضطرار إلى المعاملة الفاسدة لا يصحّحها، وبعبارة أُخرى عدم جواز بيع الميتة وضعي لا تكليفي، والاضطرار أو الإكراه يكون رافعاً للتكليف لا موجباً لصحّة المعاملة.

والصحيح في الجواب أنّ الرواية في سندها ضعف لجهالة الصيقل وولده فلا يمكن الاعتماد عليها.

لا يقال: راوي المكاتبة محمد بن عيسى لا الصيقل وأولاده، وإلا لكان هكذا قالوا كتبنا إلى الرجل، والحاصل أنّ ضمير الفاعل في قال يرجع إلى محمد بن عيسى فلا يضرّ باعتبارها جهالة الصيقل وأولاد.

فإنّه يقال: نعم، راوي المكاتبة محمد بن عيسى إلا أنّ نقل القضية الراجعة إلى الغير ومنها المكاتبة (تارةً) يكون بشهود الناقل وحضوره تلك الواقعة وفي مثل ذلك لا يضرّ جهالة ذلك الغير باعتبار الرواية، و(أُخرى) يكون نقلها بحسب حكاية نفس ذلك الغير، وفي مثل ذلك تكون جهالة ذلك الغير موجبة لسقوط النقل عن الاعتباد. ورواية محمد بن عيسى من قبيل الثاني، كما هو مقتضى كلمة «عن» الداخلة على أبي القاسم الصيقل وولده في سندها، وإلا لكان المتعيّن أن ينقل الطوسي «ره» الرواية هكذا: (محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى، قال: إنّ أبا القاسم الصيقل وولده كتبوا إلى الرجل).

ولكن الانصاف أنّه إذا قلنا بجواز الانتفاع[1].

[1] ثمّ ذكر «ره» أنّه لا بأس ببيع الميتة على تقدير الالتزام بجواز الانتفاع بها، كما هو الحال في الانتفاع بجلودها في غير ما هو مشروط بالطهارة، فإنّ حديث تحف العقول لا ينافي جواز البيع في الفرض، لأنّ النهي عن بيع أقسام النجس معلّل فيه بعدم جواز الانتفاع، فلا يشمل النجس الذي يجوز الانتفاع به، وكذا الحال في رواية دعائم الإسلام، حيث أنّها لا تشمل ما يجوز الانتفاع به. والإجماع على عدم جواز بيع النجس في فرض عدم جواز الانتفاع، كما يظهر ذلك مما ذكروه في جواز بيع الزيت النجس للاستصباح، وفي جواز بيع العبد الكافر وكلب الصيد ونحوه.

أقول: لم يذكر «ره» وجه رفع يده عن ظاهر رواية السكوني الدالّة على بطلان بيع الميتة، كما هو مقتضى كون ثمنها سحتاً.


21

ومما ذكرنا يظهر قوّة جواز بيع الميتة[1].

[1] الأظهر عدم جواز بيع الميتة مطلقاً حتّى مع جواز الانتفاع بها، أمّا جواز الانتفاع، فلأنّ المنع وإن كان ظاهر بعض الروايات، إلا أنّه لابدّ من رفع اليد عن ظهورها بحملها على كراهة الانتفاع، بقرينة ورود الترخيص في البعض الآخر من الروايات، وفي صحيحة علي بن المغيرة قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع): الميتة ينتفع منها بشي؟ فقال: لا“»(13)، وموثّقة سماعة، قال: «سألته عن جلود السباع أينتفع بها؟ فقال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده، وأمّا الميت فلا»(14)، وصحيحة الكاهلي، قال: «سأل رجل أبا عبداللّه (ع) وأنا عنده، عن قطع اليات الغنم؟ فقال: لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثمّ قال: إنّ في كتاب علي (ع) أنّ ما قطع منها ميت لا ينتفع به»(15) إلى غير ذلك، وربّما يحمل النهي فيها على الكراهة بشهادة رواية ابن إدريس عن جامع البزنطي صاحب الرضا (ع) قال: «سألته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من الياتها وهي أحياء، أيصلح أن ينتفع بما قطع؟ قال: نعم يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها»(16)، ورواها أيضاً في قرب الإسناد عن عبداللّه بنالحسن عن جدّه عن علي بن جعفر عن أخيه (ع).

ولكن مثل هذه الرواية لا تصلح لرفع اليد بها عن ظاهر ما تقدّم، فإنّ طريق ابن ادريس إلى جامع البزنطي غير معلوم لنا، وفي سند قرب الإسناد عبداللّه بن الحسن العلوي ولم يثبت حاله، كما لا تصلح لذلك رواية الصيقل المتقدّمة، لضعفها على ما تقدّم، وإن كانت دلالتها على جواز الانتفاع بل على جواز البيع تامّة، كما لا تصلح لرفع اليد عن ظهور ما تقدّم رواية أبي بصير، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الصلاة في الفراء؟ فقال: كان علي بن الحسين (ع) رجلاً صرداً فلا تدفئه فراء الحجاز، لأنّ دباغها بالقرظ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه، فكان يُسئَل عن ذلك، فيقول: إنّ أهل العراق يستحلّون لباس الجلود الميتة، ويزعمون أنّه دباغه ذكاته»(17).


22

والوجه في عدم صلاحها ضعف سندها (أوّلاً، وعدم ظهور جهة إلقاء الفرو المزبور (ثانياً)، فإنّ الفرو المفروض باعتبار أخذه من بلد الإسلام محكوم بالتذكية، والاحتياط لا يجري في أمثال المقام مما يعلم صحّة العمل حتّى مع النجاسة الواقعية أو لبس الميتة، كما هو مقتضى حديث «لا تعاد»، فلا يصحّ ما قيل من أنّ الإلقاء كان للاحتياط، كما أنّ التعليل والاستمرار على العمل لا يناسبان القول بأنّه (ع) كان عالماً بعلم الإمامة أنّ الفرو المزبور من الميتة، بل العمدة في الحمل على الكراهة صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (ع) قال: «سألته عن الماشية تكون لرجل، فيموت بعضها أيصلح له بيع جلودها ودباغها ويلبسها؟ قال: لا، وإن لبسها فلا يصلّي فيها»(18)، فإنّها ظاهرة في جواز لبسها في غير الصلاة، وأنّ قوله (ع) «وإن لبسها» استثناء عن النهي، وإلا لكان التعبير هكذا: (ولا يلبسها ولا يصلي فيها) ليستفاد منه حرمة اللبس والمانعية للصلاة أيضاً، ومثلها موثقة سماعة، قال: «سألته عن جلد الميتة المملوح وهو الكيمخت؟ فرخّص فيه، وقال: إن لم تمسّه فهو أفضل»(19)، حيث يحمل الترخيص على الانتفاع باللبس ونحوه لا ما يعمّ البيع بقرينة النهي عن بيع الميتة في الصحيحة المتقدّمة.

ويؤيّد جواز الانتفاع الروايات المتقدمة التي كان في سندها ضعف، وأمّا المنع عن بيع الميتة فمضافاً إلى صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة يقتضيه ما ورد في كون ثمن الميتة سحتاً(20)، ولكن في السند ضعفاً، لأنّ السكوني وإن كان لا بأس به على ما ذكره الشيخ في العدّة من أنّ الأصحاب قد عملوا برواياته، إلا أنّ الراوي عنه ـ وهو النوفلي ـ فيه كلام، ولكن ليس هوعلى نقل الصدوق في الخصال راوياً عن السكوني، إلا أنّ في السند موسى بن عمرو، وليس عندي توثيق له.

والحاصل أنّ الرواية مؤيّدة والعمدة في المنع الصحيحة، وهي لا تشمل الأجزاء التي لا تحلّها الحياة، ولا الميتة من الحيوان الذي لا يكون له دم، بل لو تمّ الاطلاق لما تحلّه الحياة، لرفع اليد عنه بمثل حسنة حريز، قال: «قال أبو عبداللّه (ع) لزرارة ومحمد بن مسلم: اللبن واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكلّ شيء يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصلِّ فيه»(21)، حيث أنّ ظاهرها أنّ مثل المذكورات محكومة بالذكاة، فيجوز أكلها أو لبسها في الصلاة، إلى غير ذلك من أحكام التذكية التي منها جواز البيع.


23

بيع المشتبه بالميتة

لم يجز بيعه أيضاً[1].

[1] بل الأظهر جواز بيع المذكى المشتبه من غير حاجة إلى دليل خاص عليه، والوجه في ذلك أنّ الانتفاع من الميتة بسائر الانتفاعات غير المشروطة بالطهارة والتذكية جائز كما تقدّم، سواء كانت الميتة مشتبهة أو ممتازة، كما أنّه لا بأس بمثل هذه الانتفاعات من المذكّى المشتبه بالميتة قطعاً، وهذه المنفعة المحلّلة توجب المالية، غاية الأمر أنّه يرفع اليد عن ذلك في الميتة بقيام الدليل على المنع عن بيعها، وأمّا في ناحية المذكّى المشتبه فلم يقم دليل على المنع، فيحكم بصحّة بيعه أخذاً بالاطلاق في مثل «أحلّ اللّه البيع»، وعلى ذلك فيقع البيع في الفرع المفروض على المذكّى، ويسلم البايع كلا المشتبهين إلى المشتري ليقبض ما يصحّ بيعه من غير فرق بين إسلام المشتري وكفره. ولعلّ ذكر المستحلّ في الصحيحتين باعتبار أنّ المسلم لا يقدم غالباً على شراء المذكّى بداعي الانتفاع بمثل تلك الانتفاعات، وهذا بخلاف المستحلّ فإنّه يشتريه، وعلم البايع بأنّ المشتري المستحلّ يستعمله في الأكل لا يضرّ بجواز البيع، كما يأتي في مسألة بيع العنب ممن يعلم أنّه يعمله خمراً.

مع أنّ المروي عن أميرالمؤمنين (ع)[2].

[2] رواه في المستدرك عن الجعفريات، أخبرنا محمد، حدّثني موسى، قال: «حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي (ع) أنّه سُئل عن شاة مسلوخة وأُخرى مذبوحة عن عمى على الراعي أو على صاحبها، فلا يدري التذكية من الميتة، قال: يرمي بها جميعاً إلى ا لكلاب» وظاهرها عدم جواز الانتفاع بالميتة أصلاً، فتكون من الروايات المحمولة على الكراهة.

فافهم[1].

[1] لعلّه إشارة إلى أنّ التفصيل بين المشتبهات وإن كان خلاف ما ذكره «ره» في الاصول من أنّها لا تجري في أطراف العلم الإجمالي، سواء كانت موافقة لمقتضى العلم الإجمالي بالتكليف ـ كما تقدّم ـ أو مخالفةله، باعتبار أنّ شمولها لأطرافه يوجب التناقض في مدلول دليلها، إلا أنّ القائل بجواز ارتكاب بعض أطراف العلم تخييراً يلتزم بالتفصيل الزبور، فالإشكال عليه بجريان استصحاب عدم التذكية في كلّ منهما مبنيّ على ذلك المسلك.


24

نعم لقائل أن يقول: إنّ موضوع عدم جواز البيع هي الميتة، لا غير المذكى، واستصحاب عدم التذكية لا يثبت عنوان الميتة، فلابأس باستصحاب عدم كون المبيع ميتة، بناءاً على عدم تساقط الأصلين المتنافيين معاً، للعلم بالتكليف، بل يجري أحدهما تخييراً، والحاصل أنّ مقتضى الأصل جواز بيع أحدهما. نعم القول بجواز ارتكاب بعض الأطراف في نفسه ضعيف، وتوضيحه موكول إلى محلّه.

ويمكن حملها على صورة قصد البايع[2].

[2] لا يخفى عدم الموجب لذلك، فإنّه لم يفرض في قوله (ع) «إذا اختلط الذكي بالميت» في صحيحة الحلبي اختلاط جميع أجزاء الحيوان أو اشتباه أحد الحيوانين بالآخر، ليقال: إنّ المراد منه قصد بيع الأجزاء التي لا تحلّها الحياة، بل الكلام المزبور يعمّ ما إذا كان هناك مقدار من اللحم أو الشحم بعضه مذكى وبعضه ميتة وقد اختلطا كما لا يخفى.

وفي مستطرفات السرائر[3].

[3] لم يظهر وجه ذكر الرواية في اشتباه المذكى بالميتة. ولعلّ هذا الكلام كان بعد التعرّض لرواية الصيقل وقبل قوله: «ولكن الانصاف أنّه إذا قلنا بجواز الانتفاع» حيث أنّه ربّما يقع الوهم بأنّ رواية البزنطي ـ مثل رواية الصيقل ـ منافية للأدلّة المانعة عن بيع الميتعة.

مع أنّها معارضة بما دلّ[1].

[1] ورواه الكليني عن الحسين بن محمد بن معلى بن محمد عن الحسن بن علي قال: «سألت أبا الحسن (ع)، فقلت: جعلت فداك: إنّ أهل الجبل تثقل عندهم إليات الغنم فيقطعونها؟ قال: «هي حرام»، قلت فنصطبح بها؟ قال: «أما تعلم أنّه يصيب اليد والثوب وهو حرام»(22). ولا يخفى أنّ هذه الرواية لا تصلح لمعارضة ما دلّ على جواز الانتفاع بالميتة، ومنه رواية جامع البزنطي، وذلك فإنّ ظاهر قوله (ع): «وهي حرام» حرمة أكل الاليات المقطوعة، ولذا أعاد السائل السؤال عن سائر الانتفاعات، ومقتضى قوله(ع) في الجواب ثانياً: «أما تعلم» كون النهي عن الانتفاعات المزبورة إرشادياً لئلا يبتلى الشخص المستعمل تلك الاليات بنجاسة البدن والثوب، وإلا فلا يكون إصابة اليد أو مسّ الميتة ولو عمداً حراماً تكليفاً، بل على تقدير كون المنع عن الانتفاع تكليفاً، يحمل على الكراهة جمعاً، كما تقدّم. وكون المراد بالحرام هي الكراهة ككون المراد بالوجوب الاستحباب غير عزيز في الروايات.

لوجود المقتضي وعدم المانع[2].

[2] لا يخفى أنّ المانع ما عدّ فيه ثمن الميتة من السحت، ولا عذر لمثل المصنّف «ره» الذي لا يلاحظ سند الروايات في الإغماض عنها، فإنّ الاطلاق فيه يعمّ ميتة ما لا نفس له، إلا أن يعتذر بعدم عمل المشهور بهذا الاطلاق.


25

بيع الكلب والخنزير

يحرم التكسّب بالكلب الهراش والخنزير البريين[3].

[3] يشهد لذلك مثل صحيحة محمد بن مسلم وعبدالرحمن بن أبي عبداللّه معاً عن أبي عبداللّه (ع) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت»(23) فإنّ الرواية لو لم تكن ظاهرة في خصوص الكلب الهراش فلا ريب في أنّها تعمّه، بل في ثبوت المالية لكلب الهراش الموجبة لخروج أخذ العوض عليه عن عنوان الأكل بالباطل تأمّل. نعم، لا ريب في جواز التكسّب به بمثل من يكون خبرته في جميع تلك الكلاب وقتلها تحصيلاً لراحة الناس، والتكسّب بهذا النحو خارج عن مدلول الرواية، وليس لدينا إجماع تعبّدي يمنع عن ذلك، وأمّا الخنزير فيستفاد فساد بيعه من مثل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: «سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمراً أو خنزيراً إلى أجل، فأسلما قبل أن يقبظا الثمن، هل يحلّ له ثمنه بعد الإسلام؟ قال: «إنّما له الثمن فلا بأس أن يأخذه»(24)، حيث أنّ ظاهر السؤال ارتكاز فساد بيع المسلم الخمر أو الخنزير، وإنّما سأل عن أخذ الثمن باعتبار فرض البيع حال الكفر، وظاهر الجواب أيضاً أنّ عدم وقوع البيع حالالإسلام وحدوث ملك الثمن حال الكفر موجب لعدم البأس بأخذه. وفي مرسلة ابن أبي عمير عن الرضا (ع) قال: «سألته عن نصراني أسلم وعنده خمر أو خنزير، وعليه دين هل يبيع خمره أو خنازيره ويقضي دينه؟ قال: لا»(25). نعم، في حسنة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) «في رجل كان له على رجل دراهم، فباع خمراً وخنازير وهو ينظر فقضاه، فقال: لا بأس به أما للمقتضي فحلال، وأمّا للبايع فحرام»(26)، ولكن لابدّ من حملها على بيع الكافر من مثله، بقرينة ذكر الخمر المحكوم بيعه بالبطلان جزماً، فيما إذا كا بايعه مسلماً.


26

والحاصل أنّه لا يمكن الأخذ باطلاق الرواية حتّى تقع المعارضة بينها وبين ما تقدّم، ومثلها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه (ع) «في الرجل يكون لي عليه الدراهم، فيبيع بها خمراً أو خنزيراً، ثمّ يقضي منها؟ قال: لا بأس به، أو قال: خذها»(27). وعلى الجملة، فلا بأس بالانتفاع بمثل جلد الخنزير وشعره كما هو مقتضى أصالة الحل، ولكن لا يجوز بيعه، كما تقدّم نظير ذلك في الميتة، وربّما يقال: إنّ جواز الانتفاع بمثل جلده بل جواز بيعه مقتضى بعض الروايات: (منها) رواية سليمان الاسكاف، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن شعر الخنزير يخرز به؟ قال: لا بأس به، ولكن يغسل يده إذا أراد أن يصلّي»(28). ورواية برد الاسكاف، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن شعر الخنزير يعمل به؟ قال: خذ منه فاغسله بالماء حتّى يذهب ثلث الماء ويبقى ثلثاه، ثم اجعله في فخارة جديدة ليلة باردة، فإن جمد فلا تعمل به، وإن لم يجمد فليس له دسم فاعمل به، واغسل يدك إذا مسسته عند كلّ صلاة، قلت: ووضوء؟ قال: لا، اغسل يدك كما تمسّ الكلب»(29) ونحوها غيرها.

ولكن لا يخفى عدم الدلالة فيها على جواز البيع أصلاً، فإنّ العمل بشعر الخنزير حتّى فيما إذا كان بنحو الصنعة يمكن وقوعه بنحو الاجارة، بأن يكون الشخص أجيراً للخرازة أو صنع الحمائل من شعر الخنزير، ولا ينحصر الكسب به بالبيع، وبما أنّ الروايات المشار إليها واردة في حكم العمل بشعر الخنزير، لا الكسب به، فلا يمكن دعوى إطلاقها وشمولها لبيع المصنوع من شعر الخنزير كما لا يخفى. وهذا مع الاغماض عن ضعفها سنداً بل دلالةً أيضاً، فإنّه لو جاز الانتفاع بشعر الخنزير، فلا يفرق بين كون الشعر دسماً أو لا، ولا أظنّ الالتزام بالتفصيل من أحد، وربّما يقال باستفادة جواز الانتفاع من صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه (ع) قال: «سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستسقى به الماء من البئر هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس»(30). وغير خفيّ أنّ الحكم بجواز الوضوء لا يلازم الحكم بجواز استعمال شعر الخنزير كالاستسقاء به من البئر، فإنّه يمكن أن يكون الوضوء بالماء المزبور جائزاً مع حرمة إخراج ماء البئر بذلك الحبل، كما هو الحال في الاستسقاء بحبل الغير، فإنّه يجوز الوضوء من ذلك الماء مع أنّه لا يمكن الالتزام بجواز إخراج الماء به بلا إذن مالكه، وبعبارة أُخرى لا يستلزم جواز الانتفاع بالوضوء من الماء المزبور على تقدير الاستسقاء جواز استعمار نفس ذلك الشعر والاستسقاء به، كما لا يخفى.


27

بيع الخمر

وكل مسكر ومايع وفقاع[1].

[1] بلا خلاف معروف أو منقول، وقد نزل الفقاع ـ بل كل مسكر ـ منزلة الخمر في بعض الروايات المعتبرة، ومقتضى هذا التنزيل ترتيب جميع آثار الخمر، وفي صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (ع) قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»(31).

وفي موثقة ابن فضال، قال: «كتبت إلى أبي الحسن (ع) أسأله عن الفقاع، فقال: هو الخمر وفيه حدّ شارب الخمر»(32)، وقريب منهما غيرهما، وكيف كان فيستفاد من بعض الروايات حرمة المعاملة على المسكر تكليفاً ووضعاً، ففي موثقة زيد بن علي عن آبائه (ع)، قال: «لعن رسول اللّه (ص) الخمر وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومشتريها وساقيها وآكل ثمنها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه»(33)، حيث أنّها دالّة على حرمة بيعها تكليفاً، كما هو ظاهر لعن بايعها ومشتريها، وفساده وضعاً كما هو مقتضى لعن آكل ثمنها، وفي مقابلها صحيحة جميل التي رواها ابن أبي عمير وعلي بن حديد جميعاً عنه قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع) يكون لي على الرجل الدراهم، فيعطيني بها خمراً؟ فقال: خذها ثم أفسدها، قال علي: وأجعلها خلاً»(34).

وظاهرها جواز أخذ الخمر ومعاوضتها بالدراهم، وقد حملها المصنّف «ره» على أحد أمرين:

الأوّل: إبراء المديون عمّا عليه من الدراهم وأخذ الخمر مجاناً والانتفاع بها بعد ذلك بجعلها خلاً.

والثاني: أخذ الخمر أمانة بأن ثبت الحقّ فيها لمعطيها، ثمّ يجعلها الآخذ خلاً ويتملّك ذلك الخلّ عن مالكه المديون وكالةً أو تقاصّاً، ولكن كلا الأمرين طرح لظهورها في مقام المعاوضة كما لا يخفى.


28

وذكر السيد الخوئي طال بقاؤه أنّ هذه الرواية عامّة من جهة بايع الخمر، أي: إنّها بإطلاقها تشمل كونه مسلماً أو كافراً، وخاصّة من جهة المعامل، حيث أنّها بقصد التخليل. وفي مقابل ذلك ما يدلّ على أنّه لا يجوز للمسلم بيع الخمر سواء كان بقصد التخليل أو غيره، وهذا خاص من جهة البائع وعامّ من جهة المعاملة، فتقع المعارضة بينهما في البايع المسلم فيما إذا كان بيعه للتخليل، وبعد تساقطهما يرجع إلى إطلاق قوله (ع): «ثمن الخمر سحت»، والرواية المزبورة رواية يونس في مجوسي باع خمراً أو خنازير إلى أن قال: «أسلم رجل وله خمر أو خنازير، ثمّ مات وهي في ملكه ـ إلى أن ذكر ـ وليس له ـ أي للمسلم ـ أن يبيعه وهو حيّ ولا يمسكه»(35). ونحوها مرسلة ابن أبي عمير أو أبي نجران(36) وفيه أنّ رواية يونس ضعيفة سنداً. نعم، مرسلة ابن أبي عمير لابأس بها على شهادة الشيخ «ره» في العدّة من أنّه لا يرسل ولا يروي إلا عن ثقة، حيث أنّ هذا الكلام منه «ره» توثيق عام لمشايخ ابن أبي عمير لا يرفع اليد عنه إلا في موارد علم فيها نقله عن غير الثقة، وليس لنا علم ـ ولو إجمالاً ـ بإرساله عن غير الثقة حتّى يمنع هذا العلم عن الأخذ بمرسلاته، نعم بالإضافة إلى رواياته المسندة فروايته فيها عن غير الثقة معلوم إجمالاً، ولكن هذا العلم ينحلّ بالظفر بأشخاص نحتمل انحصار غير الثقة من مشايخه بهم، ولكن سيأتي عدم تمامية ذلك وأنّه لا اعتبار لمرسلاته.

ومع الإغماض عن السند فلا يتمّ ما ذكر، لظهور صحيحة درّاج في جواز شراء الخمر مطلقاً، سواء كان بقصد التخليل أو لغاية أُخرى، والأمر بجعل الخمر خلاً حكم آخر في الرواية، وليس قيداً لجواز شرائها، فإنّه فرق بين قوله: «خذها واجعلها خلاً» كما في الرواية، وبين قوله: «خذها إذا جعلتها خلاً» حيث إنّ الأوّل كنظائره من الأمر بتغسيل الميت والصلاة عليه لا يوجب تقييداً في الحكم الأوّل، وعلى ذلك فظاهر الصحيحة جواز شراء الخمر وضعاً وتكليفاً، فتكون منافية لما دلّ على حرمة بيعها وفساده، والترجيح مع الأخبار الدالّة على المنع تكليفاً ووضعاً، لموافقتها للكتاب العزيز الدالّ على لزوم الاجتناب عن الخمر، باعتبار كونه رجساً، فإنّ لزوم الاجتناب يعمّ بيعها وشراءها كما لا يخفى.

وذكر الأيرواني «ره» أنّ تفسير الافساد بجعل الخمر خلاً من ابن أبي عمير لا من الإمام (ع)، ولا عبرة بفهم ابن أبي عمير فيما إذا كان ظاهر كلامه (ع) غيره، وظاهر إفساد الخمر جعلها بحيث لا يرغب فيها حسماً لمادة الفساد، فلا دلالة في الرواية على تجويزه (ع) أخذ الخمر بدلاً عن الدراهم، ليكون ذلك منافياً لما تقدّم من المنع عن بيعها وضعاً وتكليفاً.

أقول: لا ينبغي الريب في عدم وجوب إهراق الخمر وجواز جعلها خلاً، ويشهد لذلك غير واحد من الروايات كموثقة زرارة، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلاً؟ قال: لا بأس»(37)، وكيف كان فلا يجب إتلاف الخمر بإهراقها، بل يجوز إفسادها بجعلها خلاً، ولو لم يكن ظاهر إفسادها هو التخليل كما فسّره به علي بن حديد، فلا أقلّ من حمله على ما يعمّه جمعاً بينها وبين مثل الموثقة ممّا دلّ على جواز أخذها وتخليلها، كما أنّ ظاهر قوله (ع) : «خذها» في الجواب عن السؤال عن أخذها بدل الدراهم هو تجويز المبادلة، وإلا لكان اللازم أن يقول (ع) (خذها ولك ماعليه من الدراهم).

ثمّ لا يخفى أنّ تقييد المسكر بالمايع ـ في كلام المصنّف «ره» ليس باعتبار أنّه لا بأس ببيع المسكر الجامد، باعتبار أنّ الكلام في المقام في عدم جواز بيع النجاسات، والمسكر الجامد بالأصالة ـ باعتبار عدم نجاسته ـ خارج عن موضوع البحث، وداخل فيما يأتي مما يحرم التكسّب به باعتبار حرمة الانتفاع.


29
تنبيه:

لا يخفى أنّ ما ورد ـ من أنّ كلّ مسكر خمر حكماً أو موضوعاً ـ لا يوجب الحكم بحرمة بيع ما يعرف في زماننا هذا بالاسبيرتو (آلكل صنعتي) بل المايع المزبور محكوم بالطهارة للأصل، وبجواز البيع باعتبار المنفعة المقصودة المحلّلة فيه، وليس مسكراً بالفعل لتعمّه تلك الروايات، وعلاجه بالماء أو غيره لتصبح مسكراً غير محرز وعلى تقديره فلا يضرّ، لظهورها في أنّ الموضوع للنجاسة والحرمة هو ما يكون مسكراً بالفعل ومعدّاً للإسكار، فلاحظ.


30

بيع المتنجس

يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة[1].

[1] لو لم تكن للمتنجس منفعة محلّلة مقصودة، كما إذا كانت منفعته المقصودة الأكل أو الشرب، فحرمتهما مع عدم إمكان تطهيره توجب كون أخذ المال في مقابله من أكله بالباطل. والعجب من المصنّف «ره» أنّه لم يتعرّض لهذا الاستدلال، بل ذكر في وجه بطلان بيعه روايات تقدّم عدم صحّة الاعتماد عليها، بل مع الإغماض عمّا تقدّم، فلا يمكن الاستدلال بها على حكم المقام، فإنّه لم تتعلّق الحرمة في خطاب الشرع بنفس المتنجّس حتّى يعمّه قوله: «إذا حرّم اللّه شيئاً حرّم ثمنه» أو قوله في رواية دعائم الإسلام: «ما كان محرّماً أصله لم يجز بيعه وشراؤه» بل حرمة شرب المتنجّس أو أكله مستفادة مما ورد في أبواب مختلفة، كالنهي الوارد عن شرب الماء والمضاف المتنجسين، وكالأمر الوارد بإهراق المرق المتنجس وغسل لحمه، وغير ذلك مما هو إرشاد إلى عدم جواز تناول المتنجّس.

لا يقال: يكفي في تعلّق النهي بنفس المتنجّس مثل قوله سبحانه: «يحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث»(38).

فإنّه يقال: لم يعلم أنّ المراد بالخبائث الأعيان ليدّعى شمولها للأعيان المتنجّسة أيضاً، بل الظاهر أنّ المراد بها الأعمال القبيحة وذوات المفاسد، كما أنّ المراد بالطيّبات خلافها. وهذا مقتضى وصف النبي الأُمّي بأنّه يحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث، حيث أنّ التعرّض في مقام توصيفه لتحليله بعض المأكول والمشروب وتحريمه بعضهما الآخر دون سائر ما جاء به من الأحكام غير مناسب، ولو لم يكن ما ذكرنا ظاهراً فلا أقلّ من الاحتمال. كيف؟ وقد ذكر الخبائث في قوله سبحانه: «نجّيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث»(39) والمراد به الفعل القبيح بلا شبهة.

وعلى الجملة لم يثبت أنّ الخبيث نفس المتنجس، بل هو أكله وشربه، هذا كلّه بالإضافة إلى ما لا يقبل التطهير. وأمّا ما يقبل التطهير كالحليب المتنجّس يعمل جبناً ويطهر ذلك الجبن بالغسل، فلا بأس ببيعه، ولا يكون مجرد تنجسه مانعاً عنه، لأنّ المتنجّس لا يزيد على الأعيان النجسة التي ذكرنا صحة بيعها مع المنفة المقصودة المحلّلة لها.


31

قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها[1].

[1] قال في المبسوط: لا يجوز بيع الأعيان النجسة كالكلب والخنزير وجميع المسوخ، وفي الخلاف: لا يجوز بيع القرد للإجماع على أنّه مسخ نجس، وذكر في أطعمة الكتاب أنّ المسوخ كلّها نجسة، إنتهى. ولكنّ الأظهر طهارتها فإنّها مقتضى الأخبار المعتبرة الموجبة لحمل ما ورد في ترك سؤر المسوخ على التنزّه، وعليه فلو قيل بعدم جواز بيعها يكون محلّ التعرّض له القسم الثاني مما يجوز بيعه باعتبار عدم المنفعة المحلّلة المقصودة فيه.


32

بيع العبد الكافر

يجوز بيع المملوك الكافر[2].

[2] يجوز بيع الكافر بلا خلاف ظاهر، بل ادّعى الاجماع على الجواز، وليس الاجماع بعيداً، ويمكن تحصيله بالتتبع في الموارد المناسبة لمسألة جواز بيع العبد الكافر من جواز استرقاق الكفّار ولو بأسرهم، حيث أنّ الكافر يملك بالاسترقاق وجواز البيع من آثار الملك، ومن جواز شراء بعض الكفّار من بعضهم كما فيما إذا باع الكافر الحربي ولده، فيجوز للمسلم شراؤه، ومن أنّ العبد إذا أسلم على مولاه الكافر يباع عليه، فإنّه يستفاد من المذكور في تلك المسألة أنّه يجوز للكافر بيع عبده قبل إسلامه، ويجبر على البيع بعد إسلامه، ومن جواز عتق العبد الكافر الموقوف على تملّك العبد أوّلاً بالشراء أو غيره، ومن تجويزهم بيع المرتد، ومن حكمهم بخيار الفسخ للمشتري فيما إذا ظهر كفر العبد المشتري على ظاهر الإسلام، حيث أنّه لو لم يصحّ بيع الكافر لكان البيع باطلاً لا خيارياً إلى غير ذلك.

عدا ما يظهر من بعض الأساطين[1].

[1] كأنّ مراد بعض الأساطين أنّ المرتد الفطري لا يسقط عنه القتل، ولكن إذا تاب يحكم بإسلامه أي يجري عليه أحكام الإسلام. ومن تلك الأحكام طهارته، فيجوز بيعه، وأمّا إذا لم نقل بقبول توبته، أي بعدم جريان أحكام الإسلام عليه فلا يجوز بيعه حتّى بعد توبته، لكونه نجساً كسائر الكفّار.

وإن كان عن فطرة على إشكال[2].

[2] أي على إشكال في رهنه، ووجه الإشكال ـ على ما في جامع المقاصد ـ هو أنّ جواز بيع المرتد يوجب جواز رهنه بطريق أولى، باعتبار أنّ البيع من العقود اللازمة، فجوازه يوجب جواز العقد الجائز، ومن أنّ المقصود بالبيع مجرّد ملك العين. وهذا يحصل في المرتد أيضاً، بخلاف الرهن، فإنّها الوثيقة على الدّين والمرتد في معرض القتل، إمّا مطلقاً، كما في الفطري، أو مع عدم توبته، كما في الملّي، فلا يحصل الوثوق المعتبر في حقيقة الرهن.


33

ثم ذكر المحارب الذي لا تقبل توبته[3].

[3] المراد بالمحارب المحكوم بالقتل من شهر السلاح على الناس لإخافتهم في المصر أو خارجه، سواء كان مسلماً أو كافراً حرّاً أو عبداً، وإذا تاب هذا المحارب وأظهر الندم على فعله قبل القدرة عليه، سقط عنه الحد. وأمّا إظهاره الندم بعد القدرة عليه، فلا يوجب سقوط الحدّ، كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه: «إلا الّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم * فاعلموا أنّ اللّه غفور رحيم »(40).

ثمّ إذا كان المحارب عبداً يجوز بيعه، ولا يكون الحكم عليه بالقتل موجباً لسقوطه عن الملك والمالية رأساً، حيث أنّ له منفعة مقصودة وأقلّها عتقه في كفّارة ونحوها، فيكون نظير العبد المرتد الفطري كما لا يخفى.


34

بيع الكلب

من غير ظاهر اطلاق المقنعة والنهاية[1].

[1] أي: أنّ بيع كلب الصيد من غير السلوقي جائز إلا في ظاهر الكتابين، فإنّ المستفاد منهما عدم جواز بيع غير الكلب السلوقي، وهذا بإطلاقه يعمّ كلب الصيد غير السلوقي، ثمّ انّ الاطلاقات الدالّة على بطلان بيع الكلب وكون ثمنه سحتاً تامّة، ولابدّ في رفع اليد عنها من ثبوت الحجّة على تقييدها. والصحيح ثبوتها بالإضافة إلى كلب الصيد سلوقياً كان أو غيرها، كصحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه ومحمد بن مسم معاً عن أبي عبداللّه (ع) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت»(41)، فإنّ مقتضى التقييد بالذي لا يصيد جواز بيع كلب الصيد، وبمثلها يرفع اليد عن إطلاق مثل صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد، قال: «قلت لأبي الحسن الأوّل (ع): جعلت فداك، إنّ رجلاً من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن أربعة عشر ألف دينار، وقد جعل لك ثلثها، فقال: لا حاجة لي فيها، إنّ ثمن الكلب والمغنية سحت»(42)، ونحوها غيرها.

لا يقال: إنّ ما دلّ على جواز بيع كلب الصيد منصرف إلى السلوقي.

فإنّه يقال: لا موجب لتوهّم الانصراف إلا غلبة الاصطياد به خارجاً، والغلبة ممنوعة أوّلاً، ولا توجب الانصراف ثانياً، بل الموجب له كثرة الاستعمال وغلبته، بحيث توجب أنس الأذهان من المطلق به.

وذكر المصنّف «ره» أنّه على تقدير الانصراف بغلبة الوجود، فلا تتمّ دعوى الانصراف في مثل قوله (ع) في الصحيحة «ثمن الكلب الذي لا يصيد أو ليس بكلب الصيد» مما يكون الموضوع للفساد هو الكلب الذي يصلح سلب مبدأ الاصطياد عنه، فإنّه لا يصحّ سلب المبدأ عن كلب الصيد، ولو كان من غير السلوقي، وهذا بخلاف ما يكون فيه الموضوع لصحّة بيعه هو الكلب الموصوف بالاصطياد به أو المضاف إلى عنوان الصيد، فإنّ توهمّ الانصراف فيهما باعتبار غلبة الوجود ممكن.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإنّه لا فرق بين إثبات المبدأ والوصف وبين نفيهما، وذلك فإنّه لو كان الوصف أو المبدأ في طرف الإثبات منصرفاً إلى نوعه الغالب يكون في نفيه أيضاً كذلك، بمعنى أنّه يكون المسلوب ذلك النوع الخاص، والحاصل أنّه لا يصحّ نفي كلب الصيد عن غير السلوقي إذا كان في طرف إثباته منصرفاً إلى السلوقي.


35

ويؤيّد بما عن المنتهى[1].

[1] ذكر في المنتهى ما حاصله أنّ الموجود في كلام المفيد والشيخ «ره» جواز بيع الكلب السلوقي، ومرادهما بالسلوقي مطلق كلب الصيد، وذلك فإنّ غالب كلام السلوق وهي قرية في اليمن صيود، وبهذا الاعتبار ينسب كلب الصيد إلى تلك القرية، ويطلق على كلب الصيد أنّه سلوقي، ويحتمل أن يكون مراد المنتهى أنّ المذكور في كلام المفيد والشيخ وإن كان مطلق السلوقي، إلا أنّ مرادهما الصيود منه لا مطلق كلاب تلك القرية، وأطلق في العبارة ولم يقيّد السلوقي بالصيود باعتبار التغليب، حيث أنّ أكثر كلاب تلك القرية معلّمة، وهذا الاحتمال في عبارة المنتهى ضعيف، ولذا ذكر المصنّف «ره» أنّ الأظهر في عبارته هو الأوّل، والوجه في ضعفه أنّ الأنسب ـ على ذلك الاحتمال ـ أن يكون التفريع الموجود هكذا، فنسب الكلب إليها أي نسب كلب الصيد إليها. وبعبارة أُخرى عبّر عن مطلق كلب الصيد بالكلب السلوقي.

ثمّ إنّ مقتضى الاطلاقات عدم جواز بيع الصغار من الكلاب التي لا تصلح فعلاً للصيد وتصلح له بعد كبرها وتعليمها، والوجه في ذلك ظهور الوصف في الروايات المقيّدة في الصالح للصيد فعلاً، وأمّا الصالح بالإمكان ومعلّقاً على الكبر والتعليم، فباق في الاطلاقات المانعة والقاضية بأنّ ثمن الكلب سحت.

وظاهر الفقرة الأخيرة[1].

[1] المراد بالفقرة الأُولى (قوله لا بأس بشراء الكلب الصائد والحارس للماشية والزرع) كما أنّ المراد بالفقرة الأخيرة (قوله لا خير في الكلب فيما عدا الصيود والحارس) فإن كان مراد ابن الجنيد من الحارس في هذه الفقرة الأخيرة عين ما ذكره في الفقرة الأُولى فلازم ذلك اختصاص جواز البيع بالحارس للماشية والزرع، وعدم شموله الحارس لغيرهما، وإن كان مراده معناه المطلق، فيعمّ الجواز جميع أقسام الحارس.

لكون المنقول مضمون الرواية[2].

[2] يريد بيان قصور دلالة المرسلة. وتقريره أنّ المروي عن تقدير كونه منقولاً باللفظ أو بما يرادفه أو ترجمته ولو بلغة أُخرى يكون النقل مع ثقة الناقل حجّة، لأنّ احتمال الاشتباه في الترجمة أو الإتيان بغير المرادف مدفوع بسيرة العقلاء الجارية في الاعتناء بأخبار الثقات حتّى في مثل هذه الموارد، بخلاف ما إذا كان المنقول مضمون الكلام وحاصله، فإنّه لا يخلو من إظهار الرأي في كلام الغير، ولذا لو كان المخبر بالمضمون ثقة كمال الثقة لم يكن اعتبار قوله إلا من باب حجّية الرأي، ونقل الشيخ «ره» في المقام من هذا القبيل، فإنّ قوله «إنّه روي ذلك» لا يحتمل كونه متن الرواية، وعلى ذلك يكون فتوى المشهور بالجواز جائزة لقصور المرسلة في جهة دلالتها أيضاً حيث يظهر من إفتائهم أنّ تلك الرواية كانت ظاهرة في الجواز، وهذا بعد إحراز أنّ مستند حكمهم تلك الرواية بعينها.

بل ظهور الاتفاق[3].

[3] يعني قصور سند المرسلة ودلالتها منجبر بالإجماع الظاهر من قول الشيخ «ره» في كتاب الاجارة وهو أنّ أحداً لم يفرّق بين بيع هذه الكلاب وإجارتها مع ملاحظة الاتفاق على صحّة إجارتها، والظاهر من قول العلامة «ره» في التذكرة من أنّه يجوز بيع هذه الكلاب عندنا، والظاهر من الكلام المحكي عن الشهيد «ره» في الحواشي حيث ذكر فيها أنّ أحداً لم يفرّق بين الكلاب الأربعة.


36

أقول: قد ظهر مما ذكرنا إلى هنا أنّ مقتضى الأدلة الالتزام بعدم جواز بيع غير الكلب الصالح فعلاً للصيد وما تقدّم من مرسلة الشيخ «ره» لا يزيد على سائر المرسلات التي لا يمكن الاعتماد عليها.

لا يقال: لا يمكن التمسّك في إثبات بطلان بيع الكلب مطلقاً بمثل صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد، لعدم الاطلاق فيها باعتبار عدم ورودها في مقام بيان حكم بيع الكلب، بل في مقام تحقير الجارية المغنّية وتسوية ثمنها مع ثمن الكلب، وكذا لا يمكن التمسّك برواية السكوني عن أبي عبداللّه (ع) قال: «السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغي والرشوة في الحكم وأجر الكاهن»(43). والوجه في ذلك عدم الاطلاق لها أيضاً باعتبار أنّه لم ترد في بيان الحكم لثمن الكلب حتّى يؤخذ بإطلاقه، بل في مقام تعداد السحت نظير ما ورد في تعداد الحرام من الكذب والغيبة والتهمة والربا وغير ذلك، أو في تعداد الواجب من أنّها الصلاة والصوم والحج والزكاة إلى غير ذلك.

والحاصل أنّه كما لا دلالة فيما ورد في تعداد الحرام على كون الربا مثلاً بإطلاقه حراماً أو أنّ الحرام قسم خاصّ منه ولا دلالة فيما ورد في تعداد الواجب على وجوب الحجّ بإطلاقه أو أنّ له شرطاً، ولذا لا يمكن التمسّك عند الشكّ في جزئية شيء أو شرطيّته للصلاة مثلاً بالاطلاق المزبور في نفي جزئية ذلك المشكوك فيه أو شرطيته، كذلك لا دلالة فيما ورد في تعداد السحت، على أنّ السحت ثمن مطلق الكلب أو ثمن كلب خاص. وعى ذلك فلا يصحّ الحكم ببطلان بيع كلب الزرع أو الماشية أو الحارس أخذاً بالاطلاقات المزبورة، وأيضاً لا يمكن الحكم بفساد بيعها أخذاً بمفهوم الوصف في مثل صحيحة عبدالرحمن ومحمد بن مسلم معاً، وذلك فإنّ المراد بالذي يصيد ليس هو خصوص الكلب المعلّم للصيد حتّى يكون المراد بالذي لا يصيد غير المعلّم للصيد، بل المراد به معناه اللغوي وهو الذي يأخذ الحيوان الممتنع، سواء كان مأكول اللحم أو لا، حتّى إذا كان الأخذ المزبور من الكلب بمقتضى طبعه الذي من السباع، فالكلب الذي لا يصيد هو ما يكون مهملاً وعاطلاً عن مقتضى طبعه بالمرّة بحيث لا يأخذ الحيوان الممتنع، والحاصل أنّ الكلاب الأربعة كلّها من كلاب الصيد ويصحّ بيعها كما هو مقتضى وجوب الوفاء بالعقود وإطلاق دليل حلّ البيع، والفاسد بيعه هو الكلب الهراش العاطل عن مقتضى طبعه بالمرّة والساقط عن درجة كونه سبعاً.


37

فإنّه يقال: لابدّ من الحكم ببطلان بيع كلب الماشية أو الزرع أو الحارس ونحوهما بمقتضى الاطلاق فيما ورد في كون ثمن الكلب سحتاً وبمقتضى التقييد فيما ورد من عموم جواز بيع الكلب الذي لا يصيد، وذلك فإنّ الخطاب الدالّ على الحكم لموضوع يحمل على كون المتكلّم به في مقام البيان من جهة القيود المحتملة للحكم وموضوعه إلا مع القرينة على الخلاف، ومن القرينة على الخلاف ما إذا تعلّق الوجوب أو الحرمة بأفعال مختلفة ثمّ ورد خطاب آخر في تعداد تلك الواجبات والمحرّمات المبيّنة في الخطابات السابقة: وأمّا إذا كان بيان وجوبها أو حرمتها بذلك الخطاب الجامع فلا بأس بالأخذ بالاطلاق فيه في ناحية الحكم وموضوعه.

مثلاً إذا ورد في الخطاب أنّ من الحرام الرشاء في الحكم والغيبة والكذب والغناء حمل على كونه بياناً لحرمة تلك الأفعال، فيؤخذ بالاطلاق في ناحية الحرمة ومتعلّقها، لما تقدّم من أنّ الأصل في الخطاب الدالّ على الحكم وموضوعه صدوره في مقام بيان ذلك الحكم من جهة تمام قيوده وقيود موضوعه، ويمكن أيضاً قيام القرينة على عدم كونه في مقام البيان من جهة متعلّق الحكم، فيؤخذ بإطلاقه من سائر الجهات، كما إذا كان متعلّق الحكم في الخطاب من الأُمور التي لا يعرفها العرف كالعبادات، مثل ما ورد في بناء الإسلام على الخمس: «الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية» حيث أنّ عدم معرفة العرف بتلك العبادات قرينة على أنّها ليست في مقام بيانها من جهة أجزائها وشرائطها، بل في مقام بيان أهميتها بالإضافة إلى أنّها ليست في مقام بيانها من جهة أجزائها وشرائطها، بل في مقام بين أهمّيتها بالإضافة إلى سائر الوظائف والواجبات، ولذا يمكن التمسّك في إثبات كون الأهم كلّ الفرائض اليومية بلا فرق بين صلاة وأُخرى بإطلاق المتعلّق من هذه الجهة، كما لا يخفى.

والحاصل أنّه لا قرينة على أن مثل رواية السكوني الواردة في أنّ ثمن الميتة أو الخمر أو الكلب وغيرهما من السحت في مقام تعداد ما ثبت كونه سحتاً بالخطابات الأُخرى لنحتاج في تعيين ما هو السحت سعةً وضيقاً إلى ملاحظة تلك الخطابات، بل الظاهر أنّ الرواية في مقام بيان أنّ المذكورات محكومة بكونها سحتاً، فيؤخذ بالاطلاق في ناحية الخمر والكلب والميتة وغيرها، كما أنّ صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد ورودها في مقام الجواب عن سؤال ثمن الجارية المغنّية لا ينافي كونها في مقام بيان حكم ثمن الكلب أيضاً، وأيضاً ليس المراد بالصيد في مثل قوله (الكلب الذي لا يصيد أو يصيد) مطلق صيد الحيوان، فإنّه لا يقع البيع والشراء خارجاً على الكلاب المهملة السابطة عن مقتضى طبعها بالمرّة ليحتاج في المنع عن بيعها في الروايات المتعدّدة إلى التقييد المزبور، بل المراد بالذي يصيد هو الصالح لإرساله للصيد فعلاً، نظير ما يقال عن الحيوان الصالح فعلاً للركوب أنّه يركب، وفي مثل هذا يحتاج المنع عن بيع غيره إلى التقييد، فلاحظ.


38

بأنّ الدية لو لم تدل[1].

[1] الصحيح أنّه لا دلالة لتعيين الديّة على المالية ولا على عدمها وذلك لثبوت الدية في قتل العبد مع كونه مالاً وفي الحرّ مع عدم كونه ملكاً أو مالاً، نعم في الماليات مقتضى قاعدة الاتلاف ضمان القيمة في مورد لم تثبت فيه الدية، هذا مع أنّ في ثبوت الديّة في غير السلوقي تأمّلاً، لضعف الرواية الدالّة عليها، وأمّا الدالّة على أنّ ديّة السلوقي أربعون درهماً فرواية معتبرة(44).

وأمّا كلام ابن زهرة فهو مختل[1].

[1] وبيانه أنّ المصنّف «ره» قد صحّح فيما تقدّم كلام ابن زهرة بحمل الكلب المعلّم للصيد فيه على المثال ووجه التصحيح أنّ ابن زهرة ذكر في وجه عدم جواز بيع النجس عدم جواز الانتفاع به واستثنى عن حرمة بيعه شيئين (أحدهما) الكلب المعلّم للصيد، و(ثانيهما) الزيت، وقال بورود الترخيص في الانتفاع بالزيت المتنجس للاستصباح، وبما أنّ الانتفاع بكلب الماشية ونحوها ككلب الصيد جائز، فيكون مقتضى ذلك جواز بيعها أيضاً، فيحمل الكلب المعلّم للصيد في كلامه على المثال، ويذكر المصنّف فعلاً أنّ التصحيح غير مفيد، وكلان ابن زهرة مختلّ على كلّ حال، أي سواء حمل الكلب المعلّم للصيد فيه على المثال أو لا، فإنّه إذا لم يحمل على المثال فيرد عليه أنّه لا وجه لتخصيص جواز البيع بكلب الصيد مع جريان وجه الجواز عنده في كلب الماشية وغيرها أيضاً، وإن حمل على المثال بما يجوز بيعه من الكلاب فلا وجه لإهمال العبد الكافر والاقتصار في الاستثناء على كلب الصيد والزيت المتنجس.

اللهمّ إلا أن يدفع هذا الخلل بحمل كلب الصيد في كلامه على المثال لمطلق النجس الذي يجوز الانتفاع به، بحيث يعمّ العبد الكافر أيضاً ويكون ذكر الزيت بعد ذلك لورود النصّ الخاصّ في جواز الانتفاع به.

أقول: يمكن أن يكون ذكر كلب الصيد للمثال للكلاب الأربعة، وإهماله العبد الكافر لعدم قوله «ره» بنجاسته، فلابدّ من ملاحظة ما ذكره في مسألة نجاسة الكافر.


39

والمتحصّل في المقام أنّه لا يجوز بيع غير كلب الصيد من سائر الكلاب أخذاً بالاطلاق السابق وبمقتضى التقييد في مثل صحيحة عبدالرحمن المتقدّمة. نعم لا بأس بإجارتها أو هبتها إلى غير ذلك من المعاملات التي لا تندرج في عنوان البيع كما هو مقتضى عموم الوفاء بالعقود ونفوذ الصلح والهبة أو نحوها كما لا يخفى، بقي في المقام أمر وهو أنّه ليس المراد بالصيود والذي يصيد تلبّس الكلب فعلاً بالصيد بأن يكون حال البيع مرسلاً إلى الصيد للقطع بعدم اعتبار هذا التلبّس في جواز بيعه بل المراد هو الصالح للاستعمال في الصيد في مقابل ما لا يصيد، والمراد بكلب الصيد إمّا الكلب الذي يستعمل فعلاً في الصيد بحيث يكون شغله الفعلي هو الصيد نظير كلب الماشية أو الزرع حيث يكون ظاهرهما ما شغله حراسة الزرع أو الماشية، فيكون الصيود أو الذي يصيد أعمّ مطلقاً من كلب الصيد، ويكون المراد بكلب الصيد عين المراد من الصيود، وبينهما تساو، وعلى كلٍّ فموضوع عدم الجواز في صحيحة عبدالرحمن هو الكلب الذي لا يصيد أي لا يصلح لاستعماله في الصيد. وأمّا الصالح له فيجوز بيعه، سواء كان مع صلاحه له حارساً للزرع ونحوه أيضاً أو لا، والذي لا يجوز بيعه من كلب الماشية أو الزرع أو الحائط ما لا يكون صالحاً فعلاً لاستعماله في الصيد، وأيضاً الكلاب القابلة للصيد، بعد كبرها وتعليمها، باعتبار أنّ عدم فعليّة الصلاح فيها داخلة في المطلقات القاضية بأنّ ثمن الكلب سحت، بل يصحّ أن يقال إنّها لا تصيد، فيعمّها قوله (ع): «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت» واحتمال ـ كون المراد بالصيود معنى يعمّ ما له الاستعداد للصيد ولو لم يكن فعلاً صالحاً له ـ ضعيف. وعلى تقدير الاغماض يكون معنى الصيود أو الذي يصيد أو لا يصيد مجملاً مردّداً بين الأقلّ والأكثر، فيرجع في غير الصالح فعلاً إلى إطلاق ما دلّ على كون ثمن الكلب سحتاً.


40

المعاوضة على العصير العنبي

الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي[1].

[1] لا يخفى أنّه لا يحكم بنجاسة العصير العنبي بنشيشه أو غليانه، سواء كان ذلك بالنار أو بالشمس أو بنفسه، وإنّما يحكم بنجاسته، فيما إذا صار خمراً، والحكم بالطهارة مقتضى الأصل في الأشياء، ولكن المنسوب إلى المشهور نجاسته بنشيشه أو غليانه، وذلك لصحيحتين:

الاولى: صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): «الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العصل، والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر»(45).

وفيه أنّه ليس مفادها أن عصير الكرم بإطلاقه خمر، بل أنّ الخمر المحكوم بالنجاسة وحرمة الشرب وعدم جواز بيعها تحصل منه كحصولها من الأربعة الباقية، ولذا لا يمكن الالتزام بدلالتها على كون عصير العنب خمراً حتّى مع عدم غليانه، وكذا الحال في الزبيب وأنّه خمر فيما إذا ألقى في الماء حتّى يدخل الماء في جوفه ويصير نقيعاً.

والحاصل أنّ مفاد الرواية أنّ المأخوذ منغير الخمسة لا يكون خمراً ولا يختصّ الخمر بالمأخوذ من بعض هذه الخمسة، كما كان عليه فتاوى العامّة على ما قيل.

الثانية: صحيحة معاوية بن عمّار قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل من أهل المعرفة يأتيني بالبختج، ويقول قد طبخ على الثلث وأنا أعرفه أنّه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ قال: خمر لا تشربه»(46) حيث أنّ الحكم بكون العصير خمراً مقتضاه ثبوت جميع أحكامها له ومنها نجاستها وعدم جواز بيعها، وفيه: أوّلاً أنّ الموجود في رواية الكليني (فقال لا تشربه) بلا ذكر لفظ خمر، بل الظاهر أنّ نسخ التهذيب كانت مختلفة وكانت الزيادة في بعضها، ولذا نقل في الوسائل الرواية عن الكافي أولاً، ثمّ قال ورواه الشيخ «ره» بلا تعرّض منه لزيادة لفظ خمر في رواية التهذيب.


41

والحاصل أنّه لم تثبت لفظة خمر في رواية الشيخ «ره»، بل على تقديره يكون خلوّ رواية الكافي موجباً لعدم ثبوته لا لترجيح رواية الكافي، وكون رواياته أضبط حتّى لا يقال لا دليل على الترجيح، بعد كون كلّ منهما خبر عدل يدخل في دليل اعتبار خبر العدل لولا الآخر، بل باعتبار أنّ عدم اللفظ في أحد النقلين في المقام ليس من اختلافهما بالأقلّ والأكثر في النقل حتّى يؤخذ بالثاني، ويقال أنّ راوي الأقلّ لا ينفي الزايد فإنّ الظاهر في مثل المقام مما يوجب وجود للفظ في أحدهما اختلاف المضمون أنّ الراوي بلا زيادة ينفي وجودها.

أضف إلى ذلك أنّه على تقدير ثبوت لفظ الخمر في النقلين لا يصحّ الحكم بنجاسة العصير قبل ذهاب ثلثيه، وذلك فإنّ قوله خمر لا تشربه ليس بياناً للحكم الواقعي للعصي، بل الحكم الواقعي له كان معلوماً لدى السائل، وإنّما سأل الإمام (ع) عن الشبهة الموضوعية واعتبار إخبار ذي اليد فيها.

والحاصل أنّ الرواية غير ناظرة إلى بيان الحكم الواقعي للعصير بعد غليانه حتّى يؤخذ بإطلاق التنزيل وكونه خمراً، بل هي ناظرة إلى بيان الحكم الظاهري، وأنّه عند الجهل بحال العصير لا يعتني بإخبار ذي اليد الذي لا يعتقد حل العصير بذهاب ثلثيه. ومن الظاهر أنّ الحكم الظاهري تابع للحكم الواقعي، فإن كان التنزيل في خطاب الحكم الواقعي من جميع الجهات، كان الحكما لظاهري أيضاً كذلك، ولو كان من جهة حرمة شربه فقط، فلا يمكن كون الحكم الظاهري تنزيلاً مطلقاً، فلابدّ من ملاحظة خطاب الحكم الواقعي لا التمسّك بإطلاق خطاب الحكم الظاهري، فتدبّر.


42

بيع العصير العنبي

وجب عليه غرامة الثلثين[1].

[1] بل الأصحّ ضمان تفاوت قيمتي العصير بلحاظ قبل غليانه وبعده، وذلك فإنّ الأوصاف ـ ومنها غليان العصير وعدمه، وإن لم يكن بالنسبة إليها ضمان المعاوضة بمعنى أنّه لا يقع بعض الثمن في مقابل وصف المبيع وبهذا ـ يفترق الوصف عن جزء المبيع، إلا أنّها تدخل في ضمان اليد أو الاتلاف، وبعبارة أُخرى كما أنّ تلف الشيء أو بعضه في يده أو إتلافهما على الآخر يوجب ضمان المثل أو القيمة، كذلك النقص في الأوصاف. وقد اعترف المصنّف «ره» بأنّ غليان العصير في يد الغاصب ليس من تلف العين كانقلاب الخلّ خمراً حتى يكون ضامناً لأصل المال، وعليه يكون التالف هو وصف عدم الغليان، فيرجع إلى التفاوت بين القيمتين لا إلى غرامة الثلثين وأُجرة إذهابهما.

مثل قوله (ع) وإن غلى فلا يحلّ بيعه[1].

[1] كما في رواية أبي كهمس قال: «سأل رجل أبا عبداللّه (ع) عن العصير، فقال: لي كرم وأنا أعصره كلّ سنة وأجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي، قال: «لا بأس به، وإن غلا فلا يحلّ بيعه» ثمّ قال: «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنّه يصنعه خمراً»(46). وهذه لضعف سندها بعدم ثبوت توثيق لأبي كهمس لا يمكن الاعتماد عليها، مع أنّ ظاهرها بقرينة ما في ذيلها من قوله (ع): «نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنّه يصنعه خمراً» أنّ جهة سؤال الراوي إنّما هو بيع العصير ممن يجعله خمراً، والمذكور في الجواب التفصيل بين بيعه قبل غليانه وبيعه بعده بالجواز في الأوّل وعدم الجواز في الثاني، ومقتضى قوله: «فلا يحل» عدم الجواز حتى مع إعلام الحال للمشتري، ودعوى المصنّف «ره» ـ أنّها لا تشمل ما إذا كان البيع بقصد التطهير مع إعلام المشتري بالحال ـ لا يمكن المساعدة عليها.


43

وبهذا يظهر الحال في رواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمراً! قال: إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال، فلا بأس»(47) مع أنّ في سندها قاسم بن محمد الجوهري عن علي بن أبي حمزة، والظاهر أنّه البطائني،وذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ أبابصير في نظير الرواية مردّد بين ابن البختري وبين ليث المرادي وكلاهما كوفي ولم يكن في الكوفة في ذلك الزمان عنب كثير حتّى يباع عصيره ممن يجعله خمراً أو يطبخه دبساً، فالظاهر أنّ مراد السائل هو عصير التمر ولا ريب في جواز بيعه حتّى بعد غليانه وقبل كونه خمراً، فالرواية أجنبية عن المقام.

أقول: لا يخفى ما فيه: (أوّلاً) كون الراوي كوفيّاً بحسب الأصل لا يدلّ على أنّ سؤاله راجع إلى ما يكون في بلده. و(ثانياً) أنّه لا علم لنا بحال الكوفة في ذلك الزمان من قلّة العنب أو كثرته فيها. و(ثالثاً) أنّ تقييد الجواب بقوله «وهو حلال» ظاهر في اعتبار عدم الغليان، وإلا كان تأكيداً وإطلاق العصير ينصرف إلى عصير العنب. ويظهر ذلك بمراجعة ما ورد في حكم العصير. وأمّا مرسلة محمد بن الهيثم عن أبي عبداللّه (ع) قال: «سألته عن العصير يطبخ بالنار حتّى يغلى من ساعته أيشربه صاحبه؟ قال: إذا تغيّر عن حاله وغلى فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه»(48)، فمع ضعفها بالإرسال وغيره ظاهرها السؤال عن شرب العصير، وظاهر الجواب بنفي الخير غايته عدم جواز الشرب لا عدم جواز بيعه، فلا نظر في الرواية إلى المعاملة على العصير أصلاً.

والحاصل أنّ مقتضى القاعدة جواز بيع العصير بعد غليانه أخذاً بمقتضى اطلاق حلّية البيع ونفوذه حتّى فيما إذا قيل باعتبار حديث تحف العقول الوارد فيه النهي عن بيع وجوه النجس، أو باعتبار النبوي الدالّ على أنّ تحريم الشيء يلازم حرمة ثمنه وفساد بيعه، وذلك فإنّ النجاسة في العصير أو الحرمة طارئة ترتفع بذهاب الثلثين، وهذه النجاسة المعبّر عنها بقبول الشيء للطهارة غير داخلة في مدلول الحديث كسائر الأعيان المتنجسة القابلة لها، كما أنّ مثل الحرمة المزبورة غير داخلة في مدلول النبوي، ولذا يصحّ بيع ما يحرم في حال خاص كحال الاحرام، والحاصل أنّ ظاهر النبوي هو أنّ النهي عن شيء مطلقاً بحيث يعمّ جميع أحواله يلازم فساد بيعه.


44

ثمّ إنّه لا بأس بالإشارة في المقام إلى حكم العصير العنبي والزبيبي والتمري بعد الغليان من حيث الحلّ والحرمة، فنقول: لا ينبغي الريب في حرمة شرب العصير العنبي بعد غليانه سواء كان غليانه بالنار أو بنفسه أو بغير ذلك، بل لا أعرف خلافاً في ذلك. والأظهر حلّه حتّى فيما إذا كان غليانه بنفسه بذهاب ثلثيه؛ سواء كان الذهاب بالشمس أو بالهواء أو بالنار.

لا يقال: العصير إذا غلى بنفسه يصير خمراً ومسكراً فينحصر حلّه بانقلابه خلاً.

فإنّه يقال: مجرّد غليانه بنفسه لا يوجب كونه خمراً، ولو فرض بقاء العصير بعد غليانه بنفسه أو بغيره على حاله حتّى صار مسكراً فهو خارج عن مفروض الكلام.


45

شرب العصير بعد غليانه

وكيف كان فيشهد لما ذكرنا مثل صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبداللّه (ع) قال: «لا يحرم العصير حتّى يغلي»(49)، وفي معتبرته الأُخرى عنه (ع) قال: «سألته عن شرب العصير فقال: تشرب مالم يغل وإذا غلى فلا تشربه، قلت: وأيّ شيء الغليان؟ قال: القلب»(50)، وفي صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه (ع): «كلّ عصير أصابته النار فهو حرام حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه»(51) والمراد بإصابة النار الغليان بقرينة ما سبق، وفي موثّقة ذريح، قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول: إذا نش العصير أو غلى حرم»(52)، والمراد بالغليان فيها هو القلب بالنار، وبالنشيش ما لا يكون فيه القلب عادةً كالغليان بنفسه، فيكون حاصل الموثقة أنّه إذا غلى العصير بنفسه أو كان غليانه بالنار بنحو القلب فقد حرم، ويقتضي ذلك عطف الغليان على النشيش مع ملاحظة أنّ ما دلّ على اعتبار القلب ظاهره المورد الذي يمكن فيه وهو الغليان بالنار.

وما قيل من أنّ المراد بالنشيش هو الصوت الحاصل قبل الغليان غير ثابت، بل ظاهره هو الصوت الحاصل عند غليان الشيء بنفسه، ويؤيّد ذلك ما في موثّقة عمّار من قوله (ع): «فإذا كان أيّام الصيف وخشيت أن ينش“»(53) وذكرنا أنّه إذا ذهب ثلثا العصير بعد غليانه يصير حلالاً، سواء كان الذهاب بالنار أو بغيرها، ويقتضي ذلك قوله (ع) في صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدمة: «حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه» فإنّه ليس في البين ما يقتضي تقييد الذهاب بكون بالنار، نعم في صحيحته الأُخرى قال: «ذكر أبو عبداللّه (ع) أنّ العصير إذا طبخ حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثاه فهو حلال»(54)، ولكن بما أنّ ذهاب الثلثين يكون بالطبخ غالباً فلا يمنع ذلك عن الأخذ بإطلاق صحيحته الأُولى، كما هو الحال في جميع القيود الغالبية التي لا توجب رفع اليد عن المطلقات.


46

ولا يخفى أنّ المراد بالعصير في هذه الروايات العصير العنبي فلا يشمل العصير الزبيبي فضلاً عن التمري، والوجه في ذلك (أوّلاً) أنّ العصير يطلق على مايخرج من الشيء، أي على الماء المتكوّن في داخلالشيء بعد إخراجه، فلا يشمل المخرج من الزبيب والتمر مما لا يتكوّن في داخلهما، ولذا ذكّر في صحيحة عبدالرحمن ابن الحجاج في أقسام الخمر العصير من الكرم والنقيع من الزبيب والنبيذ من التمر(55)، وثانياً أنّ حمله على العموم غير ممكن حيث لا يصحّ لأحد الالتزام بحرمة كلّ عصير حتّى مثل عصير الجزر والبطيخ بالغليان، وحمله ـ على خصوص الثلاثة، أي: عصير العنب والزبيب والتمر بلا قرينة ـ غير ممكن، بل المتيقّن منه العصير العنبي والعموم باعتبار أفراده كما لا يخفى.

والحاصل أنّه لا يمكن التعدّي عن عصير العنب إلى ماء الزبيب والتمر، بل الأظهر فيهما حلهما حتّى بعد غليانهما، وليس في البين ما يقتضي حرمتهما بعد غليانهما، نعم ورد في الزبيب ما ربّما يقال بظهوره في حرمة مائه بعد غليانه كموثّقتي عمّار(56) ولكن بما أنّ المذكور فيهما من الأُمور الكثيرة غير دخيل في حلّ ماء الزبيب قطعاً، ولا مجال فيها لاحتمال استحباب رعايتها، فلابدّ من كون المراد دخالتها في حلّه مع بقائه مدّة طويلة، بحيث لا ينقلب فيها إلى الخمر. ويؤيّد ذلك رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي التي مثلهما في ذكر تلك الأُمور، وذكر في ذيلها وهو شراب طيّب لا يتغيّر إذا بقي إن شاء اللّه تعالى.

وأمّا رواية زيد النرسي في أصله، قال: «سُئل أبو عبداللّه (ع) عن الزبيب يدقّ ويُلقى في القدر ثمّ يصبّ عليه الماء ويوقد تحته؟ قال: لا تأكله حتّى يذهب الثلثان وبقى الثلث، فإنّ النار أصابته، قلت: فالزبيب كما هو في القدر ويصبّ عليه الماء ثمّ يطبخ ويصفّى عنه الماء، فقال: كذلك هو سواء إذا أدّت الحلاوة إلى الماء فصار حلواً بمنزلة العصير، ثمّ نشّ من غير أن تصيبه النار فقد حرم، وكذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد» رواها في المستدرك فدلالتها على جريان حكم العصير العنبي في ماء الزبيب واضحة، إلا أنّها لا تصلح للاعتماد عليها، حتّى ما لو قيل بأنّ زيد النرسي موثّق، باعتبار أنّ الراوي عنه هو محمد بن أبي عمير، وذكر الشيخ في عدّته أنّه لا يروي إلا عن ثقة، وهذا توثيق عام لمشايخ محمد بن أبي عمير، ويرفع اليد عنه في مورد ثبوت الخلاف لا مع عدمه كما في المقام، وحتّى ما لو قيل بأنّ أصل زيد النرسي معتبر كما عن النجاشي وغيره، ووجه عدم صلوحها عدم إحراز أنّ ما نقل عنه هذه الرواية وهي النسخة التي كانت بيد المجلسي «ره» هي أصل النرسي المعتبر، بل من المحتمل أنّها كانت مجعولة مدسوسة، ومجرّد اشتمالها على بعض الروايات التي ثبت أنّها لزيد لا يدلّ على أنّها بتمامها رواياته.


47

وبعبارة أُخرى النسخة التي كانت بيد المجلسي «ره» ونقل عنها هذه الرواية وكانت مصححة بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي لم يظهر لنا وسائطها إلى زيد، كما هو المألوف بين أصحاب الحديث لنعتمد عليها مع إحراز حال تلك الوسائط، ويزيد الشبهة ما عن الصدوق «ره» من أنّ أصل زيد النرسي وأصل زيد الزرّاد موضوعان وضعهما محمد بن موسى الهمداني ذكر ذلك محمد بن الحسن الوليد «ره».

لا يقال: قد ذكر المجلسي في البحار أنّه وجد في أوّل النسخة هكذا حدّثنا الشيخ أبو محمد هرون بن موسى التلعكبري أيّده اللّه، قال: حدّثنا أبوالعباس أحمد بن سعيد الهمداني، قال: حدّثنا جعفر بن عبداللّه العلوي أبو عبداللّه المحمدي، قال: حدّثنا محمد بن أبي عمير عن زيد النرسي والنسخة المزبورة كانت مصحّحة بخطّ الشيخ منصور بن الحسن الآبي، وهو نقله من خطّ الشيخ الجليل محمد بن الحسن القمي وكانت كتابتها سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وعلى ذلك فالنسخة مسندة بطريق مألوف.

فإنّه يقال: لم يظهر لنا حال منصور بن الحسن الآبي حتّى يثبت بنقله النسخة وإسنادها إلى زيد، وما حكي عن منتجب الدين أنّه عالم فاضل قرأ على الشيخ الطوسي غير المصحح للنسخة كما يشهد بذلك تاريخ التصحيح، مع أنّ شهادة صاحب البحار بكتابة منصور بن الحسن ليست بطريق قد وصل إلينا وسائطه، كما لا يخفى.


48

بيع الدهن المتنجس

وجعل هذا مستثنى[1].

[1] يعني عدّ الدهن المتنجس في المستثنى لعدم جواز بيع الأعيان النجسة مبني على كون الحكم المزبور للأعيان النجسة والمتنجسة بنحو العموم، كما إذا قيل بحرمة الانتفاع بالمتنجس، فيكون بيعه فاسداً باعتبار عدم ثبوت المنفعة المحلّلة له، أو قيل بجواز الانتفاع بهما، ولكن لا يجوز المعاملة عليهما، فإنّ الحكم بجواز بيع الدهن المتنجس يكون استثناء عن ذلك الحكم العام، وهذا بخلاف ما إذا قيل بعدم حرمة الانتفاع وعدم بطلان بيعهما إلا فيما يحرم كلّ الانتفاع المقصود منهما، فإنّه على ذلك لا يعمّ الحكم المذكور في طرف المستثنى منه الدهن المتنجس باعتبار خروجه عن موضوع ذلك الحكم من الأوّل.

أقول: لم يظهر وجه تخصيص انتفاع الاستثناء أو اتصاله بالدهن المتنجس، بل يجري ذلك في الكافر أيضاً، وحتّى في كلب الصيد، فإنّ جواز بيعه وإن كان من قبيل التقييد فيما دلّ على أنّ: ثمن الكلب سحت، إلا أنّ جواز بيعه استثناء من عدم جواز بيع الأعيان النجسة المستفاد من حديث تحف العقول يكون بنحو الانقطاع كما مرّ.

وهو ظاهر غيره ممن عبّر بقوله جاز بيعه للاستصباح[1].

[1] وجه الظهور أنّ قولهم للاستصباح باعتبار صحّة تعلّقه بالبيع لا يتعلّق بالجواز كما هو مقتضى قولهم: (القريب يمنع البعيد)، نعم لو كان متعلّقاً بالجواز كما هو تأويل المحقّق الثاني لكان مقتضاه القول الثالث وهو جواز بيع الدهن المتنجس مطلقاً بمعنى أنّه لا يعتبر اشتراط الاستصباح ولا قصده.


49

ويمكن أن يقال باعتبار قصد الاستصباح[2].

[2] ظاهره التفصيل بين الدهن الذي يكون الاستصباح بالإضافة إليه من المنفعة النادرة التي لا تكون ملاكاً للمالية في الأشياء، وبين الدهن الذي يكون الاستصباح به من المنفعة المتعارفة، وفي الأوّل يعتبر قصد الاستصباح في بيعه دون الثاني، ووجه الفرق هو أنّ الموجب للمالية في الأوّل وهي المنفعة الشايعة باعتبار نجاسة الدهن تكون محرّمة، وأخذ المال في مقابله بلحاظ تلك المنفعة أكلاً له بالباطل، كما أنّ أخذه بلحاظ منفعته النادرة المحلّلة كذلك، حيث أنّ المنفعة النادرة لا توجب المالية حتّى يخرج المأخوذ من عنوان الأكل بالباطل، نعم إذا ورد دليل على جواز أخذ المال بإزاء ذلك الدهن ليصرفه في منفعته المحلّلة النادرة يكون هذا حاكماً على خطاب حرمة أكل المال بالباطل، حيث أنّه بعد تجويز الشارع الأخذ لا يكون بيعه بإزاء الثمن من تملّك المال بالباطل، وهذا بخلاف القسم الثاني من الدهن المتنجس، فإنّ أخذ المال بإزائه حتّى بدون قصد المنفعة المحلّلة جائز، ولا يدخل في العنوان المنهي عنه، باعتبار أنّ الاسراج من المنفعة المحلّلة المقصودة الغالبة على منفعة الأكل أو المساوية له يوجب المالية للدهن المزبور. نعم، لو اشترطا استعماله للأكل يكون بيعه باطلاً، لا لأنّ الشرط الفاسد مفسد للمعاملة حتّى يمنع عنه، بل البطلان يعمّ ما كان استعماله في المحرّم من قصد المتبايعين فإنّه بقصد المزبور يكون تملّك الثمن بإزائه من أكله بالباطل، كما يشعر بذلك ما ورد من أنّ ثمن الجارية المغنّية سحت، فإنّ الجارية مع كونها ذات منفعة محلّلة مقصودة كالاستمتاع بها أو استخدامها لا وجه لفساد ثمنها، إلا إذا كان قصد استيفاء منفعة الغناء موجباً له، كما لا يخفى.

وتعاملا من غير قصد[1].

[1] وظاهر ذلك التسوية في الدهنين وعدم الفرق بينهما في مقام الثبوت بل الفرق بينهما في مقام المعاملة فقط، فيما إذا التفتا إلى منافعهما، ففي الأوّل مع عدم قصد المنفعة النادرة المحلّلة ينصرف العقد إلى لحاظ منفعته المحرّمة، فيحكم بفساده، بخلفا الثاني، وأمّا مع عدم التفاتهما إلى منفعتهما المحلّلة والمحرّمة، فيمكن تصحيح المعاملة في القسمين حتّى في الأوّل، باعتبار أنّ الدهن المزبور مال شرعاً وقع مورد المعاملة ولم يقصد منفعته المحرّمة حتّى يحكم بفساد بيعه استظهاراً مما ورد في ثمن الجارية المغنّية.

أقول: وفي كلامه موارد للنظر.

أوّلاً: أنّ المنفعة النادرة التي لا توجب المالية للشيء هي التي لا يلاحظها العقلاء حتّى مع عدم إمكان صرف ذلك الشيء في الجهة الأُخرى، مثلاً قطعات الكوز المكسور لا مالية لها، فإنّه لا يلاحظ استعمالها في البناء نظير استعمال قطعات اللبنة، حتّى مع عدم إمكان صرفها في منفعتها الغالبة أي خزن الماء فيها، وهذا بخلاف الدهن المتنجس، فإنّ مع عدم إمكان صرفه في الأكل مثلاً يلاحظ فيه جهة الاسراج به.

وبعبارة أُخرى: عدم لحاظ الاسراج به بلحاظ منفعته الأُخرى الأهمّ والأكمل وهي الأكل، ومثل ذلك لا يوجب سلب المالية عنه.

وثانياً: أنّه مع قيام الدليل على جواز البيع في القسم الأوّل يكون الدليل المزبور كاشفاً عن كون المنفعة النادرة عندنا من الغالبة عند الشارع، كما هو مقتضى حكومته على دليل حرمة الأكل بالباطل، فيكون للدهن المزبور مالية وباعتبارها يصحّ بيعه كما في القسم الثاني، من دون انصراف العقد إلى لحاظ منفعته المحرّمة وجعل العوض بلحاظها، فإنّ انصراف العقد إلى جعل العوض بلحاظ المنفعة المحرّمة بلا قصد من المتعاقدين غير معقول.

وثالثاً: أنّ مجرّد قصد المنفعة المحرّمة لا يوجب فساد البيع فيما إذا كان للشيء مالية باعتبار منفعته المحلّلة، فإنّ الثمن في المعاملة يقع بإزاء نفس الشيء لا منافعه. نعم ربّما يكون لحاظ بعض الأوصاف في تسعير الشيء موجباً لفساد بيعه، فيما إذا كان المترتب على تلك الصفة هو الحرام دائماً أو غالباً، كما في الجارية المغنّية، وهذا غير داخل في مورد الكلام، فإنّ المفروض في المقام مجرّد قصد صرف الشيء من منفعته المحرّمة، والدخيل في تسعير الشيء أوصافه لا استعماله في إحدى منفعتيه.


50

وربما يتوهم من قوله(ع)[1].

[1] وجه الوهم أنّ قوله (ع) «فيبتاع للسراج» تفريع على علم المشتري بحال الدهن، وأنّ مع تبين نجاسته له يشتريه للسراج، فتكون الجملة بمنزلة قوله (فلا تبعه إلا لمن يبتاعه للسراج) وظاهر ذلك اعتبار قصد الاسراج في جواز شرائه، وبهذا تفترق هذه الرواية ـ المذكور فيها حكم واحد وهو تجويز بيعه من المشتري المزبور ـ عن رواية معاوية بن وهب المذكور فيها حكمان: أحدهما جواز البيع، وثانيهما وجوب إعلام المشتري بنجاسة الدهن ولو بعد البيع ليصرفه في الاستصباح، وهذه تكون قرينة على أنّ الوارد في رواية الأعرج من الابتياع للسراج غاية للإعلام أيضاً، لا أنّه دخيل في صحّة البيع. والحاصل اعتبار المشتري المزبور باعتبار عدم لزوم محذور التسبيب إلى الحرام بصرف المشتري ذلك الدهن في الأكل بسبب جهله بحال الدهن كما نذكر توضيحه في الموضع الثاني.


51

وجوب الاعلام بنجاسة الدهن

فهل يجب مطلقاً[1].

[1] يجب الإعلام مطلقاً، أي سواءً قيل بكون البيع مشروطاً بالاستصباح أو بقصده أو غير مشروط بشيء منهما.

لا إشكال في وجوب الاعلام[2].

[2] لا يخفى أنّ قصد المشتري الاصباح بالدهن المزبور لا يلازمه إعلام البايع، بل النسبة بينهما عموم من وجه، فقد يظهر البايع حال الدهن ونجاسته ومع ذلك يكون المشتري قاصداً صرفه في الأكل، وقد يترك الإعلام ولكنّ المشتري يقصد شرائه لمثل الاسراج، وظاهر الروايات كون الإعلام تكليفاً على البايع لئلا يكون جهل المشتري بحال الدهن ونجاسته منشأ لصرفه في الأكل، قال (ع) في موثقة أبي بصير: «وإن كان ذائباً فأسرج به وأعلمهم إذا بعته»(57).

مثل ما دلّ على أنّ من أفتى[3].

[3] ما دلّ على ذلك أجنبي عن مسألة عدم جواز التسبيب إلى فعل الحرام أو ترك الواجب فإنّ الإفتاء بغير علم حرام حيث أنّه من الافتراء والكذب على اللّه سبحانه عمل بها أحد أو لم يعمل، وتحديد العقوبة بوزر من عمل بها على تقدير العمل لا يدلّ على أنّ حرمة الافتاء بغير علم لأجل التسبيب، فإنّ مثل الخبر يعمّ ما إذا لم يكن تسبيب، كما إذا كان العامل بها عالماً بأنّ المفتي ليست له أهلية الافتاء ومع ذلك أخذ بفتواه بداع من الدواعي النفسانية.


52

وأمّا ما ورد في تحمّل الإمام مع أنّه معارض بما يدلّ على عدم ضمانه بشيء وفي صحيحة زرارة قال: «سألته أحدهما (ع) عن الإمام يضمن صلاة المأموم؟ قال: لا»(58)، فلا يرتبط بالمقام، فإنّه لو فرض عدم نقص صلاة المأموم عن الصلاة الفريضة إلا في ترك القراءة فلا ينبغي الريب في عدم بطلان تلك الصلاة بذلك، فإنّ مقتضى حديث لا تعاد وغيره عدم بطلان الصلاة بترك القراءة فيها عن عذر، والتسبيب ـ في مثل ذلك مما يكون للعلم والاحراز دخل في حرمة الشيء تكليفاً أو عدم جوازه وضعاً ـ لا بأس به، ولذا لا يجب على البايع إعلام الغير بنجاسة الثوب الذي يشتريه، بخلاف نجاسة المبيع المأكول، والفرق أنّ نجاسة الثوبة لا تكون مانعة عن صحّة الصلاة إلا مع احرازها، بخلاف نجاسة المأكول، فإنّها موضوع لحرمة أكله، غاية الأمر ربما يكون الجهل عذراً في مخالفة التكليف الواقعي، نعم لو أحرز الإمام أنّ مأمومه يأتي في صلاته بما يكون مبطلاً لها حتّى مع العذر، كتعدّد الركوع في الركعة الواحدة الذي يكون عدم فساد الصلاة به في خصوص صلاة الجماعة في بعض الموارد، فمع علمه بهذا لا يجوز له التصدّي للإمامة مع فقده شرائطها.

والعمدة في حرمة التسبيب هو الفهم العرفي من خطابات المحرّمات وغيرها، فإنّه إذا ورد في خطاب حرمة أكل الميتة فأهل العرف لا يفهمون الفرق بين أكلها بالمباشرة أو أكل الغير بتسبيبه جهلاً أو إكراهاً، وهكذا ما ورد في نهي الجنب عن دخول المسجد، فانّهم لا يفرّقون بين الدخول والادخال إلى غير ذلك.

فقد ظهر مما ذكرنا انّ الكلام في عدم جوازالتسبيب إلى الحرام فيما إذا كان ذلك الحرام مطلقاً بحيث يكون مع الجهل مورد الاحتياط، وأمّا مدلول رواية أبي بصير فأجنبي عن ذلك، فإنّه لا تكون كراهة لأكل البهيمة أو الطفل حتّى يكون سقيهما أو إطعامهما من التسبيب إلى الكراهة، بل مدلولها حكم السقي أو الاطعام بما هو هو.

والحاصل أنّ هنا أُموراً أربعة[1].

[1] الفرق بين إكراه الغير على المحرم وبين تقديم الطعام المتنجس إلى الغير الجاهل بأنّ الأوّل من قبيل العلّة التامّة لصدور الحرام عن الغير، والثاني من قبيل السبب فيه ما لا يخفى. والصحيح أنّ كلاً من الإكلاه وتقديم الطعام المتنجس مثلاً إلى الجاهل المريد للأكل لا يكون موجباً لخروج الفعل عن كونه اختيارياً للمكرَه ـ بالفتح ـ أو المقدم زليه، وأنّ حرمة الإكراه أو التقديم لا تكون إلا من جهة التسبيب إلى الحرام، فإنّ العمدة في دليل حرمته كما مرّ هو الفهم العرفي، بأنّ المنهي عنه يعم إصدار الفعل عن الغير بالإكراه أو الإغراء، بل ولو بمثل صبّ الخمر في حلقه.

وأمّا القسم الثالث فإن كان ترغيباً للآخر إلى ارتكاب المحرّم وتحبيباً إليه لينقدح في نفسه الداعي إلى ارتكابه فيكفي في إثبات حرمته فحوى ما دلّ على وجوب نهي الغير عن المنكر، وكذا ما إذا كان موجباً للعناد كسبّ آلهة الكفّار الموجب لإلقائهم في سبّ الحق، وأمّا بيع مثل العنب ممن يعلم أنّه يعمله خمراً فسيأتي الكلام فيه مفصّلاً، وأمّا إرشاد الجاهل وإعلامه في غير موارد التسبيب فلا يجب إلا في الأحكام الشرعية الكلّية كما هو مقتضى ما دلّ على وجوب تبليغها إلى الجاهلين بها، وفي الجهل بالموضوعات فيما إذا وجب على المرشد التحفّظ فيها على الواقع، كالتحفّظ على دم مؤمن أو عرضه في مورد يريد الجاهل بإيمانه قتله أو هتكه ونحو ذلك.


53

التسبيب إلى الحرام

لأنّ استناد الفعل إلى السبب أقوى[1].

[1] لا يخفى أنّ وجه استقرار الضمان على من قدم الطعام المملوك للغير إلى الجاهل هي قاعدة الغرور لا مجرّد التسبيب، ولذا يكون لمالك الطعام الرجوع إلى الجاهل المتلف ولو كان من باب استناد الفعل إلى السبب لم يكن له الرجوع إلا إلى المقدم، والحاصل أنّ مقتضى تلكالقاعدة رجوع المغرور إلى غارّه ولا تجري هذه القاعدة في مورد الاكراه على إتلاف مال الغير، بل يكون الضمان فيه ابتداءاً على المكره ـ بالكسر ـ، الوجه في ذلك أنّه يستفاد من مثل ما ورد في ضمان الشاهد ما أتلف على المشهود عليه بشهادته الزور ضمان المكره بالكسر أيضاً، ومقتضى حديث الرفع نفي الضمان عن المكرَه ـ بالفتح ـ، ونفيه عنه مع فرض ثبوته للمكره ـ بالكسر ـ لا ينافي الامتنان.

فالمتحصل أنّ في مورد كون السبب أقوى يكون الضمان على ذلك الأقوى ابتداءً، كما إذا وضع قارورة تحت رجل نائم فانكسرت بتحريكه رجله في النوم، فإنّ الضمان في الفرض على واضعها لا على النائم، باعتبار أنّ الاتلاف يستند إليه لا إلى النائم، وهذا بخلاف مورد تقديم الطعام، فإنّ الاتلاف يكون من المباشر وعليه ضمانه والمقدِّم ـ بالكسر ـ ضامن أيضاً بضمان اليد، فللمالك الرجوع إلى كلٍّ منهما، وإذا رجع إلى المباشر فيرجع إلى غارّه كما مرّ، ولعلّه لذلك ذكر أنّ الإكراه علّة تامّة وتقديم الطعام سبب .


54

بأنّ النجاسة عيب خفي[1].

[1] ظاهر الروايات المتقدّمة وجوب الإعلام حتّى فيما لا يجب فيه بيان العيب كما إذا تبرّأ البايع من عيوب المبيع، حيث انّه يجب اظهار العيب الخفي، باعتبار أنّ عدم ذكره غش، ومع التبري لا غش. وأيضاً لا فرق كما يذكر المصنّف «ره» في وجوب الإعلام بنجاسة المأكول أو المشروب بين كونهما موردين للمعاوضة أو للهبة، ولو كان وجوبه باعتبار أنّ إخفاء نجاسته غشّ في المعاملة لاختصّ وجوبه بموارد المعاوضة، ولذا لا يجب بيان العيب للمتهب، هذا مع أنّ تناول المتنجس منكر واقعي شرعاً، فيجب إعلامه للجاهل الذي يريد تناول حتّى لو لم نقل بوجوب إظهار عيب المبيع، ووجه وجوبه حرمة التسبيب إلى الحرام وإلقاء الغير فيه، ولو اختصّ كون الشيء منكراً بصورة العلم بنجاسته، كما في لبس الثوب النجس في الصلاة لا يجب الإعلام، بل لا تكون نجاسته عيباً.


55

بيع الدهن المتنجس للاستصباح

عدا ما يدعى من مرسلة الشيخ «ره»[2].

[2] مرسلة الشيخ «ره» هي التي ذكرها في مبسوطه بقوله: روى أصحابنا أنّه يستصبح به تحت السماء، وهذه المرسلة مؤيّدة بشهرة الفتوى بمضمونها، وبالإجماع المذكور في كلام ابن ادريس، وإذا انجبر ضعفها بما ذكر يكون المقام من الموراد التي يرد فيها في مقابل خطاب المطلق خطاب آخر يدور أمر ذلك الخطاب الآخر بين كونه مقيّداً للمطلق أو محمولاً على الاستحباب أي أفضل الأفراد، وفي المقام يدور أمر المرسلة بين كونها مقيّدة للاطلاق في الروايات التي رخّص فيها في صرف الزيت المتنجس في الاستصباح وبين أن يكون التقييد الوارد فيها محمولاً على الاستحباب، بأن يكون المستحب في الاستصباح بالدهن المتنجس الاستصباح به تحت السماء أو يكون الأمر المستفاد من الجملة الخبرية محمولاً على الارشاد، وأنّ الاستصباح تحت السماء بلحاظ أن لا يتأثّر السقف بالدخان المتصاعد الذي يكون نجساً على ما ذكره الشيخ الطوسي «ره» باعتبار اشتماله على أجزاء دهنية متصاعدة معه.

ثمّ انّحمل الأمر بالاستصباح تحت السماء على الارشاد وبأن لا يتأثّر السقف أولى من تقييد الاطلاقات الكثيرة الواردة في مقام البيان، خصوصاً انّ تقييد تلك الاطلاقات واعتبار كون الاستصباح تحت السماء لا يكون إلا بالالتزام بعدم جواز تنجيس السقف أو كونه تعبداً محضاً، والأوّل مخالف لما عليه المشهور من طهارة دخان النجس أو المتنجس، والثاني بعيد جدّاً. ولعلّه لذلك أفتى الشيخ «ره» في مبسوطه مع نقله المرسلة بكراهة الإسراج تحت السقف.

والإنصاف أنّ الحكم في المقام لا يخلو عن إشكال لورود المطلقات في مقام البيان وعدم كون المرسلة صالحة لتقييدها، وفي مقابل ما ذكر من الشهرة المحقّقة والإجماع المنقول على اعتبار كون الاستصباح تحت السماء يكون الرجوع إلى أصالة البراءة عن اعتبار كون الاستصباح تحت السماء بعيداً عن الاحتياط، وجرأة على مخالفة المشهور.

وعن العلاّمة التفصيل بين صورة العلم بتصاعد أجزاء الدهن مع الدخان وعدمه واعتبر كون الاستصباح تحت السماء في الأول دون الثاني. وهذا التفصيل مبنيّ على حرمة تنجيس السقف ولكن لم يظهر له دليل، نعم من ذكر في ردّه بأنّ الاستصباح تحت السماء تعبّد محض لا لتنجيس السقف لأنّ الدخان المتصاعد طاهر، ظاهره قبوله حرمة التنجيس وإلا لذكر في الرد أنّ تنجيس السقف لا بأس به، انتهى تقرير كلامه في المقام.


56

أقول: استعمال الدهن المتنجس في الاستصباح لا يكون حكماً مولوياً حتّى يتكلّم في التقييد الوارد في مثل المرسلة التي لا يمكن الاعتماد عليها، على ما ذكرناه في بحث الأُصول، بل الأمر بالاستصباح به في الروايات للارشاد إلى عدم جواز استعماله في الأكل كما مرّ، وعلى تقدير كونه مولوياً فهو ترخيص لا حكم إلزامي واحد ليكون المقام من موارد لزوم حمل المطلق على المقيّد، ولا منافاة بين الترخيص في الإسراج بالدهن المتنجس مطلقاً وبين الترخيص في إسراجه تحت السماء، كما إذا أورد في خطاب الترخيص في شرب الخلّ مطلقاً وفي خطاب آخر الترخيص في شرب الخل في المساجد، وقد ذكر في باب المفاهيم أنّه لا مفهوم للوصف حتّى يوجب ذلك المفهوم تقييداً في خطاب المطلق.

ومنها قوله تعالى: «إنما الخمر والميسر»[1].

[1] كأن المستدلّ بالآية أراد أنّ الرجس فيها ينطبق على المتنجس أيضاً وأنّ الأمر بالاجتناب عنه يعمّه فالحكم بجواز الانتفاع به في مورد يحتاج إلى دليل خاص وذكر المصنّف «ره» في الجواب أنّ الرجس ما يكون كذلك في ذاته لا ما عرضت له النجاسة، فيختصّ بالأعيان النجسة ولا يعمّ المتنجّسات وإلا لزم تخصيص الأكثر باعتبار جواز الانتفاع بأكثر المتنجسات، هذا أوّلاً. وثانياً: أنّ المذكور في الآية كون الرجس من عمل الشيطان أي: من صنعه فيختصّ وجوب الاجتناب بمخترعات الشيطان ومبتدعاته سواء كان قذراً مادّياً كالخمر أو معنوياً كالميسر.

والحاصل أنّ مجرّد كون عين نجسة فضلاً عن المتنجس لا يوجب دخوله في صنع الشيطان ومخترعاته، وإن أُريد من عمل الشيطان هو الصادر عن المكلف بإغوائه ليكون الرجس عنواناً لنفس تلك الأعمال فكون الانتفاع بالمتنجسات رجساً وعملاً بإغواء الشيطان أوّل الكلام.

أقول: لفظ الرجس بمعنى النجس في مثل قوله سبحانه «إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّه رجس» وإن كان ممكناً إلا أنّه لا يمكن في المقام. وذلك بقرينة حمله على الميسر، حيث انّه فعل ولا يتصّف بالنجاسة، فلابدّ من حمله على معنى غير النجاسة المصطلحة. وصدق ذلك المعنى على مطلق المتنجس بل النجس أيضاً ممنوع.

وثانياً: أنّ الأمر بالاجتناب عن الرجس حتّى بمعنى يعمّ المتنجص ظاهره الاجتناب عن استعماله المتعارف ولا يعمّ جميع الانتفاعات، ومن هنا يظهر الحال في قوله عزّ من قائل «والرجز فاهجر»(59) بناءً على أنّه بمعنى الرجس كما قيل.


57

جواز الانتفاع بالمتنجس

انّ المراد هنا حرمة الأكل[1].

[1] لا دلالة في الآية على كون المراد بالخبائث الأعيان حتّى يقال إنّها تعمّ المتنجّس أيضاً، بل الظاهر منها ـ ولا أقلّ من الاحتمال كما مرّ سابقاً ـ كون المراد الأفعال المنكرة، كما ورد ذلك في قضية قوم لوط، قال عزّ من قائل: «ونجّيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث»(60)، وعلى تقدير كون المراد بها الأعيان، فلا ريب في أنّ ظهور تحريمها ـ بمناسبة الحكم والموضوع ـ حرمة الانتفاع المناسب للعين لا حرمة كلّ انتفاع، وما ذكره المصنّف «ره» من كون المراد من تحريم الخبائث حرمة أكلها بقرينة مقابلته لحلّ الطيبات، ففيه ما لا يخفى. قال سبحانه في وصف النبي الذي يؤمن به المتّقون «الرسول النبيُّ الأُمّي الذي يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم»(61) وظاهرها بقرينة المقام تحريم الأفعال المنكرة وتحليل المستحسنة منها، ولا يناسب مدحه مجرّد أنّه أحلّ المأكولات الطاهرة وحرّم أكل الأشياء النجسة.

غاية الأمر التعدي من حيث غاية البيع[2].

[2] أي: لا يعتبر في صحّة بيع الدهن المتنجس قصد الاستصباح فقط، بل يجوز بيعه لغاية أُخرى من قصد طلي الأجرب أو صنع الصابون ونحوهما.

من ظهور الاستثناء[3].

[3] هذا وجه لعدم جواز بيع سائر المتنجسات، والمراد الظهور الاطلاقي، أي عدم عطف متنجّس آخر على الدهن في كلماتهم حيث انّ مقتضاه عدم التزامهم بجواز البيع في سائر المتنجسات حتّى مع تحقّق النفع لها.


58

ومما تقدّم في مسألة جلد الميتة[1].

[1] هذا وجه لجواز بيع سائر المتنجّسات التي لها منفعة محلّلة كالدهن، حيث يظهر من كلماتهم في تلك المسألة أنّ جواز البيع دائر مدار تحقّق المنفعة المحلّلة، إلا أن يقوم دليل خاص على عدم جواز البيع حتّى مع تلك المنفعة كما في الإليات المقطوعة من الغنم، فإنّه لا يجوز بيعها مع جواز الإسراج بها أو عملها صابوناً، وكذا لا يجوز بيع مطلق نجس العين على كلام يأتي حتّى مع جواز الانتفاع بها، ويقتضي أيضاً جواز بيع سائر المتنجسات استصحاب الحكم الثابت لها قبل التنجس، حيث كان بيعها جائزاً وبعد التنجس الأصل بقاؤها على حالها، والجواز قبل التنجّس مقتضى القاعدة المستفادة من رواية تحف العقول وغيرها، وهي كون المناط في جواز بيع الشيء حصول الصلاح فيه.


59

جواز بيع الأعيان المتنجسة

ويمكن حمل كلام من أطلق المنع[2].

[2] هذا جواب عن الوجه المتقدّم لعدم جواز بيع سائر المتنجسات، وحاصله أنّ قولهم (لفائدة الاستصباح) تعليل للاستثناء لا قيد لبيع الدهن المتنجس، بمعنى أنّه يجوز ـ لتحقّق المنفعة المحلّلة وهي الاستصباح ـ بيع الدهن المتنجّس، نظير ما يقال: يجوز لتحقّق الاستشفاء ببول الإبل بيعه، نعم يحتمل أن يكون لفائدة الاستصباح في كلامهم قيداً وغاية للبيع، وحيث أنّ الغاية تكون في القصد مقدّماً وفي الحصول مؤخّراً يكون معنى كلامهم جواز بيع الدهن المتنجّس لغاية الاستصباح وقصده ولكن يؤيّد أنّ قولهم للاستصباح تعليل للاستثناء لا غاية وقيد لبيع الدهن ما ذكر في جامع المقاصد في شرح قول العلاّمة، ما حاصله أنّ قول العلاّمة للاستصباح تحت السماء خاصّة تعليل للاستثناء، لا قيد للبيع، لتكون في كلامه دلالة على حصر جواز البيع بفائدة الاستصباح، وأنّ قول العلاّمة خاصّة راجع إلى اعتبار كون الاستصباح تحت السماء، فلا يجوز تحت السقوف، لا أنّه لا يجوز بيع الدهن لسائر المنافع.

وكيف كان فالحكم بعموم كلمات هؤلاء[1].

[1] يعني استثنى جماعة ـ كما مرّ ـ الدهن المتنجّس لفائدة الاستصباح من عدم جواز بيع النجس، والحكم بأنّ مقتضى اقتصارهم في الاستثناء على الدهن هو عدم جواز بيع سائر المايعات النجسة حتّى مع حلّ الانتفاع المعتد به بها محلّ تأمّل، وإن ذكر ذلك في المسالك وقال: إنّ القوم لم يفرّقوا في عدم جواز بيع النجس بين ما يكون له نفع أو لا. ووجه التأمّل هي الملازمة بين حلّ الانتفاع المزبور وجواز البيع وباعتبار هذه الملازمة أورد المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد على كلام العلاّمة أي على قوله (ولا بأس ببيع ما عرض له التنجس مع قبوله الطهارة بمثل الأصباغ المتنجسة)، فإنّها لا تقبل التطهير ومع ذلك يجوز بيعها باعتبار عدم توقّف الانتفاع بها على طهارتها، والمحقّق وإن أجاب عن إيراده بأنّ الأصباغ بعد جفافها قابلة للتطهير، إلا أنّه لو لم تكن ملازمة بين جواز الانتفاع وجواز البيع لما صحّ الإيراد والجواب، اللهمّ إلا أن يقال إنّ إيراد المحقّق الثاني على العلاّمة مبنيّ على مختاره وهو قبول الملازمة بين الجوازين، وليس مراده أنّ الحكم الذي ذكره العلاّمة مشكل حتّى عند العلاّمة.


60

فهي نفس المنفعة لا الانتفاع[2].

[2] يعني مراد العلاّمة من المتنجس الذي يقبل التطهير قبوله للطهارة قبل الانتفاع به ولا يقبل الصبغ الطهارة قبل الانتفاع به، حيث أنّ اللون الباقي بعد غسل الثوب منفعة لا انتفاع، والمنفعة اسم مصدر والانتفاع مصدر. والحاصل أنّ الأصباغ قابلة للطهارة بعد الانتفاع بها، بل أنّها لا تقبل التطهير حتّى بعد الانتفاع، حيث أنّ القابل للطهارة هو الثوب الذي كان متنجساً بملاقاة ذلك الصبغ لا أجزاء ذلك الصبغ.

مع احتمال أن يراد من جميع التقلب[3].

[3] أي جميع أنواع التناول كالأكل أو الشرب بلا طبخ أو معه ومع خلطه بشيء آخر وعدمه إلى غير ذلك، كما أنّ المراد من إمساكه إمساكه للأكل أو الشرب.

لكن مع تفصيل لا يرجع إلى مخالفة[1].

[1] أي: لا يكون تفصيله تحريماً للانتفاع بالنجس رأساً.

ولذا قيّد هو «قده»[2].

[2] أي: حيث أنّ الممنوع في النصوص الانتفاع بالميتة ذكر في كلامه الانتفاع أوّلاً ثمّ قيّده بما يسمّى استعمالاً، وإلا كان المناسب أن يقول كالميتة التي لا يجوز استعمالها.

ثمّ انّ الانتفاع المنفي في الميتة[3].

[3] أي: ما ورد من أنّ الميتة لا ينتفع بها لا يعمّ جعل الميتة وقوداً أو سداً لساقية الماء، وليس وجه عدم العموم انصراف الانتفاع بالميتة إلى الانتفاع بها في المنافعة المقصودة منها كالأكل في المأكول والشرب في المشروب ونحوهما حتّى يقال إنّ مثل النكرة الواقعة في حيز النفي أو النهي لا ينصرف إلى بعض أفراده، بل وجه عدم العموم عدم عدّ مثل سدّ ساقية الماء بها انتفاعاً بها لا أنّه انتفاع ولكنّه غير مقصود كالإسراج بدهن اللوز، حيث أنّه إذا ورد في خطاب أنّه لا ينتفع بدهن اللوز المتنجس فلا وجه لدعوى أنّه لا يعمّ الاسراج به.

وفي رواية اشعار بالتقرير[4].

[4] أي: إشعار برضا الإمام (ع) باستعمال العذرة وعظام الموتى في بعض المنافع كإحراق الجصّ.

ويمكن أن ينزل[5].

[5] وحاصله أنّ ما ورد من أنّ الميتة أو غيرها من النجس لا ينتفع بها يراد استعمالها كاستعمال الطاهر حتّى مع البناء على تطهير ما أصابها من اليد والثياب للصلاة، ولا بُعد في الالتزام بحرمة هذا الاستعمال تكليفاً في الأعيان النجسة، كما يظهر ذلك من رواية الوشا، ويشير إليه قوله سبحانه «والرجز فاهجر». نعم، لا بأس بمثل هذا الاستعمال في المتنجّسات كاستعمال الدهن المتنجس بنحو يوجب تلويث الثوب والبدن.


61

والظاهر ثبوت[6].

[6] وحاصل ما ذكره «ره» في المقام أنّ من الأعيان النجسة ما ينتفع بها ولكن باعتبار عدم كون ذلك الانتفاع مقصوداً للعقلاء أصلاً لا يوجب ماليتها، وفي هذا القسم يثبت حقّ القاصص، ومنشأ ثبوت هذا الحقّ كون العين في السابق مالاً للمالك كما في الخلّ المنقلب إلى الخمر، أو حيازة تلك الأعيان وأخذها كما فيما إذا جمع العذرة حتّى صارت من الكثرة بحيث ينتفع بها في المزارع والبساتين. وكيف كان فلا بأس بالمصالحة على ذلك الحقّ بعوض ولا يعدّ ذلك العوض ثمناً لعين النجس حتّى يكون سحتاً. وأولى منها أخذ المال لرفع يده عن تلك العين، وبعد الاعراض يحوزها باذل المال، ومن هذا النحو بذل المال لمن يسبق إلى الأمكنة المشتركة، كما إذا جلس في مكان من المسجد أو السوق، أو يسبق إلى غرفة في المدرسة فللآخر بذل مال له ليرفع يده عن المكان أو الغرفة حتّى يسبق إليهما الباذل، وأولى من ذلك ما إذا جمع العذرة في مكانه المملوك وأخذ المال حتّى يأذن للباذل بدخول ذلك المكان لأخذ العذرة مجّاناً.

ثمّ انّه يعتبر في ثبوت حقّ الاختصاص بالحيازة أن يكون قصد الحائز الانتفاع بتلك العين كما يعتبر في ثبوت الحقّ بالسبق إلى المشتركات الانتفاع بذلك المكان بما يناسبه، ففي السوق الانتفاع به بالكسب فيه، وفي المدرسة الانتفاع بها بالكسنى، وفي المساجد والمشاهد الانتفاع بها للعبادة ونحوها، وأمّا إذا كان قصده إشغال المكان في المسجد أو السوق أو المدرسة حتّى يأخذ من الغير مالاً ليرفع يده عنه، فلا يوجب سبقه حقّاً، وعلى ذلك فإن لم يكن قصد من جمع العذرة الانتفاع بها بالبساتين مثلاً، فلا يثبت له حقّ الاختصاص، فالمتعيّن في حقّه ما ذكر أخيراً من جمع العذرة في مكانه المملوك وأخذ المال لاذنه في الدخول فيه.

أقول: يمكن أن يقال: إنّ النهي عن المعاملة على الشيء أو عدّ ثمنه سحتاً مقتضاه سقوط ذلك الشيء عن المالية شرعاً، لا سقوطه عن كونه ملكاً أيضاً، والملك أعمّ من المال، حيث يكون الملك من غير كونه مالاً كما في الحبّة والحبّتين من الحنطة أو قليل من التراب ونحوه، فيترتب عليه آثار الملك من عدم جواز التصرّف فيه بلا رضا مالكه، ولا يثبت مثل ضمان التلف في اليد أو الاتلاف فإنّه من آثار كون الشيء مالاً.

والحاصل أنّه لم يعلم الفرق بين الحبّة والحبّات من مثل الحنطة وبين الخمر الممكن انقلابه إلى الخلّ في كون الأوّل ملكاً والثابت في الثاني حقّاً ليقال لا دليل على حدوث هذا الحقّ بعد زوال الملك والمالية، بل الظاهر ولا أقلّ من أنّ مقتضى الاستصحاب كون الموجود فعلاً هو ملك من كان له في السابق، وعلى ذلك فلا بأس في مثل الخمر المزبور بالمصالحة على عوض أو أخذ المال للاعراض عنها، حتّى يملكها بإذن المال بالحيازة، حيث انّ المنهي عنه بيعها والسحت ثمنها والمصالحة والإعراض لا يكونان بيعاً، والعوض فيهما لا يكون ثمناً.


62

اللهمّ إلا أن يقال مقتضى سقوط الشيء عن المالية شرعاً كونه كسائر ما لا تكون له مالية في اعتبار العقلاء، وأنّ أخذ المال ولو بعنوان المصالحة عليه أو الإعراض عنه أكل لذلك المال بالباطل، وأيضاً لا بأس بالالتزام بحدوث الملك بالحيازة في المباحات القابلة للنقل أو المملوكة بعد إعراض مالكها عنها، وأنّ الأخذ في مثل ذلك يكون موجباً لدخولها في ملك آخذها، وعلى ذلك سيرة العقلاء، بل ربما يمكن أن يقال باستفادة ذلك من صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه (ع).

قال: «من أصاب مالاً أو بعيراً في فلاة من الأرض قد كلت وقامت وسيّبها صاحبها مما لم يتبعه، فأخذه غيره، فأقام عليها وأنفق نفقته حتّى أحياها من الكلال ومن الموت فهي له ولا سبيل له عليها وإنّما هي مثل الشيء المباح»(62) ولكنّ مفادها التملّك بالإحياء لا بمجرّد الأخذ، وهذه الرواية نظير ما ورد في الأراضي الميتة من كون إحيائها مملكاً، كما لا يخفى.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الاستيلاء على العذرة وجمعها بقصد تملّكها موجب لكونها ملكاً فيجوز المصالحة عليها أو الاعراض عنها بعوض، حتّى إذا كان الغرض من جمعها ذلك، وحتّى فيما إذا لم نقل بجواز بيعها. هذا إن لم نقل بما أشرنا إليه من أنّ مقتضى الغاء المالية عنها كون أكل المال ولو بعنوان المصالحة عليها أو الاعراض عنها من أكله بالباطل كما في سائر ما لا يكون مالاً في اعتبار العقلاء كما لا يخفى.

النوع الثاني مما يحرم التكسب به ما يحرم[1].

[1] الكلام في النوع الأول كان في أنّ نجاسة الشيء بالأصالة أو بالعرض هل تكون موجبة لعدم جواز الاكتساب به بحيث يكون الحكم بجواز البيع في مورد محتاجاً إلى قيام دليل عليه كما هو منسوب إلى المشهور، بل نسب إليهم عدم جواز الانتفاع إلا مع نص خاص فيه كالاسراج بالأدهان المتنجسة، أو أن مجرد نجاسة الشيء أو تنجسه في موارد ثبوت المنفعة المقصودة لا يمنع عن الاكتساب به، بل يحتاج المنع إلى دليل خاص، والكلام في هذا النوع في أن ترتب المنفعة المحرّمة على شيء يكون موجباً لعدم جواز الاكتساب به، وهذا على أقسام أشار إليها:


63

الأوّل: أن لا تكون المنفعة المترتبة عليه بما هو هو إلا الحرام، ولا يكون فيه بما هو غرض محلل آخر، كما في هياك العبادة وآلات القمار وغيره، ولو لم يكن في هذا القسم للشيء مالية بحسب مادّته أيضاً، كما في الصنم المصنوع من الجص أو الطين، حيث انّ الطين والجص الميت لا قيمة لهما فلا إشكال في بطلان المعاملة وعدم جواز أخذ المال بازائه، لأنّ انحصار المنفعة المقصودة منه بالمحرّم يكون موجباً لدخول أخذ المال بإزائه في عنوان أكل المال بالباطل، وإذا كانت لمادّته مالية كما في الصنم المصنوع من الخشب، فالمعاملة عليه بما هو صنم أيضاً باطلة، وذلك فإنّ الهيئة المزبورة في نظر العرف مقومة للمبيع، وإن كانت بنظر العقل من أوصافه، ولذا لو باع الشيء بعنوان السرير، فبان منبراً يحكم ببطلان البيع من غير أن يثبت للمشتري خيار تخلف الوصف، فالهيئة في المقام كسائر الأوصاف المقوّمة للمبيع داخلة في المعاملة، وبما أنّه ليس لها في مورد الكلام مالية شرعاً تكون المعاملة محكومة بالبطلان باعتبار أنّ تملّك العوض معه داخل في عنوان الأكل بالباطل.

ثمّ انّ المعاملة المزبورة لا تكون منحلّة إلى معاملتين بالاضافة إلى المادة والهيئة بأن المعاملة عليه في نظر العرف نظير بيع شيئين بصفقة واحدةحتّى يحكم بفسادها بالإضافة إلى الهيئة وبصحتها بالاضافة إلى المادة، ولذا لا تكون المادة ملكاً لأحد والهيئة ملكاً لآخر، وإذا صنع خشب الغير سريراً فإن كان ذلك بإذن منه فيستحقّ عليه اجرة المثل، ولا يملك هيئة السرير، فإن لم يأذن فيه بل صنعه من عنده فلا يستحقّ عليه شيئاً ولاا يملك هيئته، وهذا بخلاف موارد بيع شيئين بصفقة واحدة، فإنّه يمكن كون أحدهما ملكاً لشخص والآخر ملكاً لآخر، نعم في هذه الصورة تكون المعاملة عليه بعنوان المادة بلا دخل للهيئة في أخذ العوض محكومة بالصحّة، فإنّ كون المادة مالاً شرعاً وعرفاً يكون موجباً لدخول المعاملة عليها تحت الاطلاقات المقتضية لنفوذها، نظير ما إذا باع مقداراً من الحطب فظهر بعضه صنماً مصنوعاً من الخشب أو مقداراً من النحاس، فظهر بعضه آلة قمار مصنوعة منه وهكذا.


64

بطلان بيع الصنم والصليب

وذكر السيد اليزدي «ره» في تعليقته وجهاً آخر لبطلان المعاملة في صورة وقوعها على الصنم بما هم صنم، سواء كانت لمادته مالية أو لا وهو قوله سبحانه «فاجتنبوا الرجس من الأوثان»(63) فإنّ بيعها ينافي الاجتناب عنها، انتهى.

لا يقال: ظاهر الاجتناب في الأوثان عبادتها ولا يعمّ ترك بيعها أو ترك إمساكها مع أنّالأمر بالاجتناب في الأوثان ترك عبادتها ولا يعمّ تلك بيعها أو ترك إمساكها مع أنّ الأمر بالاجتناب تكليف لا وضع، وغاية دلالة الآية أنّه لو باع الوثن فعل حراماً وأمّا فساد البيع فلا دلالة لها عليه.

فإنّه يقال: قد تقدّم سابقاً انّ الأمر بالاجتناب عن الخمر يعمّ ترك بيعها وشرائها لعدّهما من مقدمات شربها خصوصاً إذا كان الشراء بقصد شربها، وعليه فلا يبعد كون الأمر بالاجتناب عن الأوثان أيضاً كذلك، فيعمّ الأمر به ترك بيعها وشرائها خصوصاً إذا كان الشراء بقصد عبادتها، ثم بما أنّ النهي عن المعاملة ظاهر في فسادها يكون الأمر بالاجتناب بالإضافة إلى غير المعاملة من سائر الأفعال تكليفاً وبالإضافة إلى البيع وسائر المعاملة وضعاً ولا مانع من الجمع بين التكليف والوضع في استعمال واحد، كما لا يخفى.

وذكر السيد الخوئي طال بقاؤه في وجه بطلان المعاملة في موارد دخل الهيئة فيها أنّ الهيئة باعتبار كون المترتب عليها هو الحرام فقط ليست بشيء عند الشارع، فتكون المعاملة عليها من بيع المعدوم.

أقول: هذا منه طال بقاؤه التزام باعتبار المالية في المبيع، وذلك فإنّه إن كان المراد بنفي الشيء عن الهيئة عدم تحققها خارجاً فالمفروض أنّها موجودة، وإن كان المراد أنّه لا نفع محلّل في تلك الهيئة فلا يكون مالاً عند الشارع، فهذا التزام باعتبار المالية حتى لا يكون أخذ المال بازاء تلك الهيئة من أكله بالباطل، هذا.


65

ويمكن الاستدلال على بطلان بيع الصنم والصليب بفحوى صحيحة عمر بن أُذينة، قال: «كتبت إلى أبي عبداللّه (ع) أسأله عن رجل له خشب، فباعه ممن يتّخذه برابط، فقال: لا بأس به، وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلباناً، فقال: لا»(64). حيث إنّ ظهور النهي في المعاملة فسادها، وإذا كان بيع الخشب للمشتري المزبور باطلاً فكيف يكون بيع الصنم أو الصليب منه صحيحاً، ونحوهما معتبرة عمور بن حريث(65)، ولكن سيأتي أنّ مقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو كون النهي عن بيع الخشب من المشتري المزبور تكليفاً وبملاك دفع فساد الشرك وسدّ الطريق إليه، كما لا يخفى.

بقي في المقام أمر ، وهو أنّه قد التزم المحقّق الأيرواني بالصحّة فيما إذا كانت لمادّة الصنم مالية حتّى مع فرض بيعها بعنوان الصنم، وذكر في وجهها أنّ المنفعة المحرّمة لا توجب بطلان البيع فيما إذا كان في المبيع منفعة محلّلة مقصودة أيضاً، ولا فرق بين أن يكون كلتا المنفعتين مترتبتين على الهيئة فقط أو تترتب إحداهما على المادة والأُخرى على الهيئة كما في المقام، فإنّ لمثل الصنم المصنوع من الصفر أو الخشب منفعة محلّلة باعتبار مادّته ومحرّمة باعتبار هيئته، ولا يخفى ما فيه فإنّه يصحّ البيع فيما إذا كانت المنفعتان مترتبتين على الهيئة، ولا يصحّ فيما إذا كان المترتب عليها هو المحرّم فقط، وذلك فإنّ مع ترتّب المنفعتين على الهيئة تكون لها مالية شرعاً، فلا يكون أخذ المال بازائها من أكله بالباطل، بخلاف ما إذا لم يكن المترتّب عليها إلا الحرام فقط حيث لا يكون لها في هذا الفرض مالية، فأخذ المال بإزائها أكل له بالباطل، والثمن وإن لم يقع بإزاء الهيئة فقط بل بإزاء مجموع المادة والهيئة، إلا أنّ عدم انحلال البيع بالاضافة إليهما يوجب بطلان البيع رأساً، نظير الثمن في مثل الحيوان، فإنّه وإن وقع في مقابل المجموع إلا أنّه لا يكون البيع بالإضافة إلى الأجزاء الخارجية للحيوان انحلالياً.

ويمكن الاستدلال على البطلان فيما كان لمادة الصنم بعد محو صورتها مالية بفحوى ما دلّ على بطلان بيع الجارية المغنية، حيث انّ كون الجارية مغنّية إذا أوجب بطلان بيعها باعتبار أنّ الوصف المزبور مادّة ومنشأ في الغالب للّهو الذي فساده دون فساد الشرك والوصف كما سيأتي لا يقابله الثمن، بل يكون داعياً إلى زيادته، فكيف يصحّ بيع الصنم الذي يقابل فيه الثمن الهيئة التي منشأ فساد عظيم. واستعماله بين قوم في أمر مباح لا يخرجه عن كونه إله المشركين ومعبودهم، فلا يجوز بيعه وشراؤه حتّى فيما إذا عدّوه من الأشياء العتيقة وادّخروه في مثل المتاحف لهذا الغرض، ولا يبعد ـ باعتبار كونه مادّة لهذا الفساد العظيم ـ الالتزام بوجوب محو صورته كما يظهر من كلماتهم.

وحمله على الاتلاف[1].

[1] بأن يزيل الغاصب هيئتها أولاً ويتلف مادتها بعد ذلك، وهذا الحمل تمحّل، أي تكلّف بلا موجب.


66

ولعلّ التقييد في كلام العلاّمة[2].

[2] وجه المصنّف «ره» تقييد جواز بيع المادة قبل إزالة هيئتها في كلام العلاّمة بكون المشتري ثقة في دينه ـ بأن دفع هيكل العبادة إلى المشتري مع عدم الوثوق بديانته تقويةً لوجه من وجوه المعصية، وظاهر حديث تحف العقول بطلان البيع معه، ثمّ أورد على ذلك بأنّ بيع المادّة ودفع الهيكل قبل إزالة هيئته إلى المشتري لا يزيد على الإعانة على الإثم التي بمجرّدها لا تكفي في الحكم ببطلان المعاملة، فإنّ انطباق العنوان المحرّم على المعاملة لا يكون موجباً لبطلانها، مع أنّ الإعانة إنّما تكون بدفعه إلى المشتري قبل إزالة الهيئة لا ببيع مادّته، ولو قبل إزالة الهيئة ثمّ يكسر ويدفع إلى المشتري، ولا بأس أيضاً بالكسر المزبور بعد البيع وبعد فرض دخوله في ملك المشتري، فإنّ المشتري لا يملك الهيئة ولا تكون مالاً، بل لا يبعد أن يقال بوجوب إزالة الهيئة كفائياً حسماً لمادّة الفساد، وإذا قام به المشتري سقط عن البايع وإلا يباشر بها قبل الدفع مع عدم الثقة.

لا يقال: لعلّ التقييد في كلام العلاّمة بكون المشتري موثوقاً في ديانته باعتبار عدم جواز بيع المادّة قبل إزالة الهيئة تكليفاً لا وضعاً، فلا يرد عليه ما ذكره المصنّف «ره».

فإنّه يقال: ظاهر قول العلاّمة «يجوز بيعها من المشتري المزبور» هو صحّته ونفوذه، فينتفي فيما إذا لم يكن المشتري موثوقاً في دينه، وهذا ظاهر الجواز أو عدم الجواز المضاف إلى المعاملات، مع أنّ الحرمة تكليفاً في دفع الهيكل إلى المشتري قبل إزالة هيئته لا في نفس البيع.

أقول: لو تمّ الدليل على بطلان بيع الخشب فيما إذا أحرز بايعه أنّ المشتري يصنعه صنماً أو صليباً لكان مقتضاه بطلان بيع مادّة الصنم، مع العلم بأنّ المشتري لا يزيل الهيئة، ولكن سيأتي أنّ عدم جواز بيعه تكليف فقط.

ويدل عليه جميع ما تقدّم في هياكل العبادة[3].

[3] أقول: يأتي في آلات القمار بأنواعها فيما إذا بيعت بعنوان أنّها آلة القمار ما تقدّم من كون أكل المال في مقابلها من أكله بالباطل، فيكون بيعها فاسداً حتّى فيما إذا كانت لموادها بعد إزالة هيئاتها مالى، وذلك لما تقدّم من عدم انحلال البيع بالإضافة إلى المادّة والصورة إلى بيعين حتّى يحكم بصحّة أحدهما وبفساد الآخر، وأمّا سائر الوجوه المتقدّمة فلا مجرى لها في المقام.

نعم، لا يبعد دعوى العلم فيها أيضاً بوجوب إزالة هيئتها حسماً لمادّة الفساد، وبما أنّ وجوب الإزالة في آلات القمار مجرّد تكليف فلا يوجب عدم إزالتها فساد البيع حتّى فيما إذا علم بأنّ مشتريها لا يزيل الهيئة، ولو باع قبل إزالتها ودفعها إلى المشتري المزبور كما هي فعل حراماً، بخلاف ما إذا أزالها قبل دفعها إليها أو دفع إلى المشتري الذي يثق بأنّه يزيلها، لأنّ وجوب الإزالة على تقديره واجب كفائي يكون قيام المشتري به كافياً في سقوط التكليف.


67

ثمّ إنّ هذا لا يجري في مثل أواني الذهب والفضة حتّى لو قيل بحرمة صنعهما وبفساد بيعهما، وأنّه لا تختصّ الحرمة بالأكل والشرب فيهما، ووجه عدم الجريان عدم الدليل على وجوب إزالة هيئتهما، ولو باع أحدهما بعنوان الذهب أو الفضة ودفعه إلى المشتري قبل إزالة الهيئة، فلا بأس حتى مع علمه بأنّ مشتريه لا يزيلها، فما في كلام جملة من الأصحاب من تسوية حكمهما مع حكم آلات القمار بل مع حكم الصنم والصليب فيه ما لا يخفى، بل الأظهر جواز بيعهما بما هي آنية ذهب أو فضة وجواز صنعهما وأخذ الاجرة عليه، لأنّ المحرّم استعمالهما في الأكل والشرب والطهارة لا الاقتناء والتزيين بهما. والحاصل أنّ لهما منفعة مقصودة محلّلة وباعتبارها تكونان من الأموال ولتمام الكلام فيهما محلّ آخر.

وقوّى في التذكرة الجواز مع زوال الصفة[1].

[1] إن كان المراد بزوال الصفة زوالها عند البايع بأن يبيع الآلات بعد زوال هيئتها فالأمر كما يذكر المصنف «ره» من عدم قائل بعدم الجواز في الفرض، ولا ينبغي جعله مورد الخلاف بين العلاّمة وغيره، وإن أراد زوالها عند المشتري بأن يكسرها المشتري فكسرها غير معتبر في صحّة بيعها بعنوان مكسورها كما تقدّم، والظاهر مراده الكسر عند المشتري واستفاد ذلك من كلام العلاّمة بحمل الثقة فيه على الطريقية.


68

بيع مواد آلات القمار

مثل ما يعملونه شبه الكرة[1].

[1] الترثة اسم لما يعملونه شبه الكرة، والصولجان هو العصا الذي يضربون به الترث عند اللعب، وحيث لم يكن في البين رهن لا يدخل اللعب في القمار حتّى يحكم بحرمته، فلا بأس ببيع ما كان من هذا القبيل مما يعد للعب فقط كان هنا رهن أو لا، ولا يدخل ذلك في المعاملة على الآلات المعدة للقمار، كما لا يخفى.

بناءً على جواز ذلك[2].

[2] أي بناءً على جواز مثل التزيين بها أو دفعها إلى الظالم، بأن يجوز إبقاؤها ولا يجب إتلافها، ولا يخفى أنّ مثل الدفع إلى الظالم لا يكون من المنفعة المقصودة الموجبة للمالية. نعم فائدة التزيين ونحوه من المنفعة المقصودة، كما أشرنا إلى ذلك في أواني الذهب والفضة. ثمّ إنّه يقع الكلام في الدراهم أو الدنانير المغشوشة كان غشّها من جهة مادّتها أو سكتها، بأن كانت السكّة فيها غير التي تكون بها المعاملة في جهتين؛ الأُولى: اقتناؤها، والثانية: صحّة المعاملة بها على تقديري جواز الاقتناء وعدمه.

أمّا الجهة الأُولى فقد يقال بعدم جواز الاقتناء ويستدلّ عليه برواية الجعفي، قال: «كنت عند أبي عبداللّه (ع)، فأُلقي بين يديه دراهم، فألقى إليّ درهماً منها، فقال: أيش هذا؟ فقلت: ستوق، فقال: وما الستوق؟ فقال: طبقتين فضّة وطبقة من نحاس وطبقة من فضّة، فقال: اكسرها فإنّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه»(66)، وظاهر الأمر بالكسر إزالة عنوان الدهرم أو الدينار وإسقاطه عن كونه معرضاً للبيع والإنفاق، ولكنّ الرواية في نفسها ضعيفة ومعارضة بما دلّ على جواز المعاملة بالمغشوش مع إعلام حاله حيث أنّ مقتضى جواز بيع المغشوش كذلك جواز اقتنائه، ففي صحيحة محمد بن مسلم المروية في الباب المزبور قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع): الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره، ثمّ يبيعها، قال: إذا بيّن (الناس) ذلك فلا بأس»(67) ونحوها غيرها.


69

ويستدلّ على عدم جواز الاقتناء برواية موسى بن بكر، قال: «كنّا عند أبي الحسن (ع)، وإذا دنانير مصبوبة بين يديه، فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثمّ قطعه بنصفين، ثمّ قال لي: ألقه في البالوعة حتّى لا يبقاع شيء فيه غش»(68)، والأمر بإلقائه في البالوعة ظاهر في وجوب إزالته، ويعمّ الوجوب كلّ ما فيه غش، ولو لم يكن درهماً كما هو مقتضى التعليل. هذا، ولكن لابدّ من حملها على صورة عدم كون مادّته مالاً، وإلا يكون إلقاؤه في البالوعة ـ خصوصاً بعد كسره ـ من تبذير المال، مع أنّها أيضاً باعتبار ضعف سندها غير قابلة للاعتماد عليها في مقابل ما تقدّم من المعتبرة الدالّة على جواز المعاملة بالمغشوش مع بيان حاله.

بطل البيع[1].

[1] ظاهر كلامه صورة وقوع المعاملة على الشخص لا الكلي، وإلا لكان للطرف الاستبدال لا بطلانها أو ثبوت الخيار، وإذا وقعت المعاملة على الشخص، فإن وقعت بعنوان الدرهم المسكوك بالسكة الرائجة، وكان الغش في السكة يحكم ببطلان المعاملة، فإنّ السكة الرائجة من الأوصاف المقوّمة للمال، فيكون تخلّفها موجباً لبطلانها، وكذا إذا كان الغش في المادة، بحيث يوجب انتفاء عنوان الدرهم عنه، وإلا كان للآخر خيار العيب، وأمّا إذا وقعت عليها المعاملة بعنوان الذهب أو الفضة، وكان الغش باعتبار السكة، فلا يوجب التخلّف خياراً لا العيب ولا التدليس، بل خيار التدليس غير خارج عن خيار العيب أو تخلّف الوصف المشروط، فما يظهر من كلامه «ره» ـ من ثبوت خيار التدليس في الفرض (أي في صورة وقوع المعاملة على المادة وثبوت الخلاف في السكّة) ـ لا يمكن المساعدة عليه.

وهذا بخلاف ما تقدّم من الآلات[2].

[2] لم يظهر لي وجه ربط هذا الكلام بما قبله، حيث أنّ الدرهم أيضاً إذا بيع بعنوان أنّه درهم مسكوك بالسكّة الرائجة فظهر غيره يحكم ببطلان بيعه، ولا يصحّ البيع بالإضافة إلى مادّته من الذهب أو الفضة، والوجه في ذلك ما ذكرناه من كونه مسكوكاً بها كالهيئة في الآلات والصنم مقوم للمبيع، وبما أنّ المبيع في الفرض بنظر العرف شيء واحد لا تعدّد فيه، وقد بيع بثمن، فإمّا يصحّ البيع مطلقاً أو يبطل مطلقاً، وإنّما يكون الانحلال في موارد تعدّد المبيع بنظر العرف، بحيث ينحلّ البيع إلى بيع كلّ واحد من لك المتعدّد، كما أنّه إذا لم يكن الوصف عنواناً مقوّماً للمبيع، بل كان من الأوصاف التي تكون داعية إلى زيادة القيمة، فإن ظهر التخلّف فيها يثبت خيار الفسخ، ولو كان الوصف أمراً فاسداً، فبطلان البيع مع اشتراطه مبنيّ على كون الشرط الفاسد مفسداً، نعم لا كلام في البطلان في مورد قيام دليل خاص عليه كما في بيع الجارية المغنّية على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.


70

بيع ما يقصد منه الحرام

القسم الثاني ما يقصد منه المتعاملان[1].

[1] وحاصله أنّ في المقام مسائل ثلاث:

الأُولى: ما إذا كان توافقهما على خصوص المنفعة المحرّمة.

الثانية: ما إذا كان الملحوظ كلتا المنفعتين المحلّلة والمحرّمة كما هو الحال في بذل الثمن للجارية المغنية.

الثالثة: ما إذا كانت المنفعة المحرّمة واستعمال الشيء في الحرام داعياً لهما إلى المعاملة، كما إذا اشترى العنب وكان قصدهما تخميره، ولكن بلا التزام منهما خارجاً أو اشتراطه في المعاملة.

ثمّ إنّه لا إشكال في فساد المعاملة وحرمتها في الأُولى، حيث أنّ المعاملة مع الالتزام والإلزام بالمنفعة المحرّمة تكون إعانة على الإثم، وأخذ العوض أكلاً له بالباطل، سواء ذكرا هذا الإلزام والالتزام في العقد بعنوان الشرط أم لا.

أقول: إثبات الحرمة للمعاملة المزبورة تكليفاً ووضعاً موقوف على حرمة مجرّد الإعانة على الاثم، وكون أكل الثمن فيها أكلاً له بالباطل، ولكن المحرّم هو التعاون على المعصية والعدوان، بأن يجتمع اثنان أو أكثر على تحقيق الحرام وإيجاده، وصدور الحرام عن شخص وتحقيق مقدّمة من مقدّماته من شخص آخر المعبّر عن تحقيق المقدّمة بالإعانة على الاثم لا يكون من التعاون على ذلك الحرام، ولو كان مجرّد الإعانة على الاثم محرّماً، لكان بيع العنب ممن يعمله خمراً حراماً تكليفاً، حتّى مع عدم اشتراط التخمير وعدم قصد البايع ذلك، وكذا لا يمكن الالتزام بالفساد، فإنّ الثمن في المعاملة لا يقع بإزاء الشرط أو المنفعة، بل إنّما يقع بإزاء نفس المبيع، وبما أنّ للمبيع منفعة محلّلة ومالية شرعاً يكون الحكم بالفساد مع اشتراط المنفعة المحرّمة مبنياً على كون الشرط الفاسد مفسداً للعقد، هذا كلّه بالإضافة إلى البيع.


71

وأمّا بالإضافة إلى الاجارة فإن كان الشرط راجعاً إلى تضييق مورد الاجارة وتقييدها بالمنفعة المحرّمة تكون باطلة باعتبار أنّ أخذ الاجرة بإزاء تلك المنفعة من أكل المال بالباطل، وهذا بخلاف ما إذا رجع الشرط إلى التزام زائد على أصل الاجارة بحيث يكون التخلّف من المستأجر في مثل الشرط موجباً لثبوت خيار الفسخ للموجر لا المطالبة بأُجرة المثل عمّا أتلفها عليه من المنفعة، فإنّ مع عدم تقييد مورد الاجارة تكون بطلانها باشتراط الحرام مبتنياً على مسألة فساد العقد بفساد الشرط، نعم في رواية جابر (صابر) قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل يؤاجر بيتاً فيباع فيه الخمر قال: حرام أجره»(69)، ولكنّها لو حملت على صورة تقييد المنفعة فهو، وإلا فلا يمكن الاعتماد عليها لضعفها سنداً ومعارضتها بحسنة ابن أُذينة، قال: «كتبت إلى أبي عبداللّه (ع) أسأله عن رجل يؤاجر سفينته ودابّته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر، والخنازير، قال: لا بأس»(70).

هذا، مع أنّ الروايتين غير ناظرتين إلى صورة الاشتراط، وما ذكره «ره» ـ في الجمع بين الروايتين من حمل الثانية على صورة اتفاق حمل الخمر أو الخنزير من غير أن يؤخذ ركناً أو شرطاً في العقد ـ لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ كون الحرمة متيقّنة ـ من رواية بالإضافة إلى أمر والجواز من رواية أُخرى بالإضافة إلى أمر آخر ـ لا يوجب كون كلّ منهما قرينة عرفية على التصرّف في الأُخرى، كما تقدّم ذلك في علاج المعارضة بين ما ورد من أنّ ثمن العذرة سحت، وما ورد من عدم البأس به ولعلّه إلى ذلك أشار «ره» في آخر كلامه بقوله «فتأمّل».

والحاصل أنّه لو تمّ الحكم بالبطلان في المسألة الثالثة الآتية ثبت في هذه المسألة أيضاً بالفحوى، والا فلا موجب للالتزام في المسألة بالفساد، بل ولا لحرمة المعاملة تكليفاً، نعم شراء المشتري العنب للتخمير داخل في التجري، وإلزام البايع داخل في ترغيب الناس للحرام، وهذا لا يوجب حرمة نفس المعاملة كما لا يخفى.

نعم، لا بأس بالالتزام بالحرمة تكليفاً في بيع العنب حتّى فيما إذا كان التخمير مما التزم به المتعاقدان خارجاً بلا اشتراطه في البيع بفحوى اللعن الوارد على غارس الخمر، ولكن الحرمة لا تقتضي فساده كما هو المقرّر في محلّه. وربّما يقال في وجه بطلان المعاملة ـ في مثل بيع العنب بشرط أن يصنعه خمراً ـ أنّ هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، ووجه منافاته له أنّه كما أنّ بيع الشيء مع اشتراط عدم الانتفاع به أصلاً مساوق لاشتراط عدم ملك المبيع للمشتري وعدم كونه مالاً له، كذلك اشتراط عدم الانتفاع به انتفاعاً حلالاً، حيث أنّ هذا الشرط مع انضمام منع الشارع عن التخمير مثلاً إسقاط للعنب عن كونه ملكاً ومالاً للمشتري من جهة التخمير ومن جهة سائر المنافع، فلا يتمّ البيع الذي حقيقته جعل المبيع ملكاً ومالاً للمشتري بإزاء الثمن، وهذا الفساد لا يرتبط بالقول بكون الشرط الفاسد مفسداً، فإنّ تلك المسألة فيما إذا لم يكن الشرط موجباً لفقد شرط أو ركن من أصل المعاملة، وإلا كان أصل العقد باطلاً حتّى مع الالتزام فيها بعدم الإفساد.


72

أقول: الموجب لبطلان الشرط بل بطلان المعاملة معه فيما إذا كان الشرط منافياً لمقتضى العقد هو عدم قصد إنشاء المعاملة مع الشرط المزبور، مثلاً في قول البايع بعتك هذه العين بكذا بشرط أن لا تدخل في ملكك كان الشرط باطلاً ومبطلاً للبيع، لرجوعه إلى عدم قصده تمليكها للمشتري، مع أنّ البيع هو تمليك العين بعوض، وأمّا إذا كان الشرط ملائماً لجعل الملك واعتبار دخول المبيع في ملك المشتري، كما إذا قال بعتك هذا المال على أن يخرج عن ملكك، فيدخل في مسألة كون الشرط الفاسد مفسداً أم لا. وهذا في المورد الذييكون الخروج عن الملك محتاجاً إلى سبب، وإلا فلا بأس بالشرط في مثل بيع العبد من ابنه الحرّ بشرط خروجه عن ملكه، واشتراط عدم الانتفاع بالمبيع أصلاً لا يلازم عدم دخول العين في ملك المشتري، بل يصحّ البيع والشرط معاً فيما إذا كان في الاشتراط غرض عقلائي، كما إذا باعه قطعة من الذهب واشترط أن لا ينتفع بها أصلاً، وكان غرضه بقاؤها حتّى تصل إلى ورثة المشتري. وأمّا إذا لم يكن فيه غرض عقلائي كان الشرط باطلاً، كما إذا باع العنب واشترط عدم الانتفاع به أصلاً، حيث أنّ الشرط ـ لكونه سفهائياً والعمل به تبذيراً للمال ـ باطل، ولكن لا ينافي هذا الاشتراط قصد دخول العنب في ملك المشتري.

لا يقال: العنب مع الشرط المزبور لا يكون مالاً، فيكون أكل الثمن بإزائه من أكل المال بالباطل.

فإنّه يقال: إنّما لا يكون العنب مالاً فيما إذا كان الشرط نافذاً، وأمّا مع إلغائه كما هو مقتضى كون الشرط سفهائياً، فلا يدخل تملّك الثمن بإزاء العنب في العنوان المزبور.

والحاصل: انّ اعتبار الملك للمشتري لا ينافي اشتراط عدم انتفاعه بالمبيع، بل الشرط المزبور ينافي كونه مالاً مع نفوذه ولزومه، والمفروض أنّه غير لازم وغير نافذ حتّى في اعتبار العقلاء، فيكون المبيع ملكاً ومالاً للمشتري، كما هو مقتضى اطلاق دليل حل البيع، وهذا فيما إذا اشترط في البيع عدم الانتفاع بالمبيع أصلاً بأيّ انتفاع، وأمّا إذا كان الشرط عدم الانتفاع المحلّل أو الانتفاع به بالمحرّم فلا ينافي الشرط الملك، ولا كون المبيع مالاً، وذلك فإنّ اعتبار شيء ملكاً للمشتري ومالاً له في اعتبار المتعاقدين لا يتوقّف على ثبوت المنفعة المحلّلة له، ولذا يتعاملون فيما بينهم على الخمر وغيرها مما لا منفعة محلّلة له. وعلى ذلك فبيع العنب مع اشتراط تخميره بيع في اعتبار العقلاء، وبما أنّ دليل إمضاء الشروط لا يعمّ اشتراط تخميره فالشرط المزبور ملغى، وبعد إلغائه لا مانع من شمول «أحلّ اللّهُ البيعَ» لبيع العنب واعتبار كونه ملكاً ومالاً للمشتري، لأنّ المفروض أنّ العنب مال حتّى شرعاً لثبوت المنفعة المحلّلة له، ولو كانت تلك المنفعة ملغاة عند المتعاقدين باشتراط التخمير.

وذكر السيد الخوئي طال بقاؤه أنّ المعاملة مع اشتراط المنفعة المحرّمة وإن كانت صحيحة، إلا أنّها محرّمة تكليفاً، وذكر في وجه ذلك أنّ إلزام الغير بالمحرّم ـ كإكراهه عليه ـ حرام، فالمعاملة المشتملة على الشرط الحرام بما أنّها إلزام للغير بالمحرم تكون محرّمة. ولكن حرمتها بهذا العنوان كحرمتها بسائر العناوين الطارئة عليها لا تكون موجبة لفسادها.


73

ولا يخفى ما فيه فإنّ الشرط في مثل التخمير من الأعمال ليس بنفسه إلزاماً للغير، بل هو التزام على نفسه للغير، وإذا تمّ هذا الالتزام يكون للغير حقّ إلزامه، فيكون الإلزام من آثار صحّة الشرط لا نفس الشرط الذي لا حرمة فيه إلا وضعاً. نعم هو قسم من التجرّي، والحاصل أنّ الإلزام في شرط الأعمال فعل للمشروط له وخارج عن أصل المعاملة وشرطها، وأثر لتمام الشرط فيها، فلا يترتب فيما إذا لم يتمّ الشرط، كما إذا كان المشروط عملاً محرّماً.

والفرق بين مؤاجرة البيت[1].

[1] كأنّه «ره» يريد دفع ما يمكن أن يقال من أنّه قد ورد المنع في رواية جابر المتقدّمة عن إيجار البيت ليباع فيه الخمر، وقد حمل «ره» تلك الرواية على صورة الاشتراط بأن يشترط في إيجارها استيفاء منفعة البيت ببيع الخمر فيها، أو أن يجعل تلك المنفعة ركناً، بأن يكون متعلق التمليك في الاجارة خصوص قابلية البيت لبيع الخمر فيه ولا يرضى «ره» أن يحمل على الاشتراط ما ورد في بيع الخشب ممن يصنعه صنما[ً أو صليباً، فما الفرق بينهما؟ وأجاب بالفرق بينهما وأنّ الاشتراط في مثل بيع الخشب بعيد عن المسلم، بخلاف اجارة البيت لبيع الخمر أو إحرازها فيه، بأن يجعل بيعها فيه أو إحرازها ركناً في عقد الاجارة أو شرطاً فيه، فإنّ صدور هذا النحو من الايجار من المسلم غير بعيد، كما إذا كانت الاجرة في مقابل تلك المنفعة زائدة على أُجرة سائر منافعها، وبما أنّ السائل يحتمل حرمة هذا الإيجار وفساده فسأل الإمام (ع) عن حكمه.

مع أن الجزء أقبل للتفكيك بينه وبين الجزء الآخر[1].

[1] كأنّه «ره» يريد بيان وجه بطلان المعاملة رأساً في مورد اشتراط صرف المبيع في الحرام، مع أنّ المفروض أنّ للمبيع منفعة محلّلة مقصودة. وحاصل الوجه أنّه قد تقدّم في بيع آلات القمار ونحوها بطلان المعاملة رأساً وعدم انحلالها إلى المعاملة على الهيئة والمعاملة على المادّة، حتّى تبطل الأُولى وتصحّ الثانية، مع أنّ كلاً من الهيئة والمادة جزء الشيء، وانحلال المعاملة على الكلّ إلى المعاملة على الأجزاء أولى مما نحن فيه، مما تكون المعاملة جارية على الشرط والمشروط. والمراد بالشرط المنفعة المحرّمة وبالمشروط نفس الشيء.

وبعبارة أُخرى لا يكون مع بذل الثمن على الشيء بلحاظ منفعته المحرّمة انحلال في المعاملة لتبطل بالاضافة إلى الشرط، وتصح بالاضافة إلى أصل المشروط.


74

أقول: هذا الكلام باطل ، والسرّ في ذلك أنّ الثمن في البيع لا يقع بإزاء الشرط أو المنفعة من غير فرق بين المحلّل منهما أو المحرّم، ولذا لا يثبت مع تخلّف الشرط أو المنفعة إلا الخيار لا تبعيض الثمن. وعلى ذلك ففي مورد بطلان الشرط الذي في نفسه التزام آخر غير أصل البيع لا موجب لبطلان نفس البيع، وهذا بخلاف صورة كون الهيئة مما لا يتموّل شرعاً، كآلات القمار، فإنّه لا يمكن فيها تصحيح البيع بالإضافة إلى المادّة بعد بطلانه بالإضافة إلى الهيئة، لما تقدّم من أنّ الثمن في بيعها يقع بإزاء الهيئة والمادة بما هما شيء واحد، فلا يصحّ البيع بالإضافة إلى أحدهما بعد بطلانه بالإضافة إلى الآخر، فلاحظ وتدبّر.

ويحرم المعاوضة على الجارية المغنية[2].

[2] حاصل ما أفاده «ره» أنّه إذا كانت في العين صفة يقصد منها الحرام ككون الجارية مغنّية والعبد ماهراً في القمار أو السرقة فللبيع صور ثلاث:

الأُولى: ما إذا جرت المعاملة على تلك العين ولوحظ فيها الوصف المزبور بأن زيد الثمن باعتباره، ويجعل ذلك الوصف شرطاً في تلك المعاملة، ففي هذه الصورة يحكم ببطلانها باعتبار أنّ تقسيط الثمن على الوصف غير متعارف، وإنّما يكون الوصف داعياً إلى زيادة الثمن، فيكون أخذ ذلك الثمن بإزاء تلك العين المشروط فيها الوصف المزبور من تملّكه بالباطل.

الثانية: ما إذا اشترى الجارية المغنّية بما هي جارية، أي لم يشترط في بيعها كونها مغنّية، بحيث لو فرض عدم ثبوت الوصف فيها واقعاً لم يثبت في اعتبار المتعاملين للمشتري خيار تخلّف الوصف، ففي هذه الصورة يصحّ البيع حتّى فيما إذا كان الوصف داعياً إلى شرائها، بل وبذل ثمن زائد عليها، حيث أنّ مع عدم اشتراط وصف كونها مغنّية لا يكون أخذ الثمن بإزائها من أكله بالباطل.

الثالثة: ما إذا جعل كونها مغنّية شرطاً في المعاملة وزيد ثمنها باعتبار الوصف، إلا أنّه لم يقصدا الحرام من ذلك الوصف بل جعلاه شرطاً باعتبار أنّه وصف كمال قد يصرف في المحلل، بأن يكون منشأ للحلال، كالغناء في الأعراس، ففي هذه الصورة مع كون المنفعة المحلّلة المترتبة على الوصف مقصودة للعقلاء ولم تكن نادرة فلا بأس بالبيع المزبور.


75

وأمّا إذا كانت نادرة فهل يكون الوصف المشروط المترتب عليه المنفعة الغالبة المحرّمة مع المنفعة النادرة المحلّلة على الفرض، كالعين التي لها منفعة غالبة محرّمة ومنفعة نادرة محلّلة، بأن لا يجوز البيع بمجرّد تلك المنفعة النادرة أو أنّه لا بأس باشتراط الوصف المزبور، ولا يقاس الوصف بالعين؟ ذكر «ره» أنّ الأقوى عدم الإلحاق والحكم بصحّة بيع الجارية المغنّية مع شرط كونها مغنّية بلحاظ أنّها صفة كمال تصرف في الحلال ولو نادراً. وما ورد من أنّ ثمن الجارية المغنية سحت منصرف إلى الغالب، يعني إلى البيع في الصورة الأُولى، ووجه القوّة أنّ الجارية لها منفعة مقصودة محلّلة كالاستمتاع بها واشتراط كونها مغنّية إنّما توجب كون المأخوذ في مقابلها أكلاً للمال بالباطل، فيما إذا كان المقصود من الصفة هو الحرام ومع عدم قصد الحرام لا توجب ذلك، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن في العين إلا المنفعة المحلّلة النادرة غير الملحوظة عند العقلاء، حيث يكون أكل الثمن بإزائها من أكله بالباطل.

أقول: إذا لم يكن الوصف من الأوصاف المقوّمة للمبيع يكون الثمن في المعاملة بإزاء نفس العين، حتّى في صورة اشتراطه في المعاملة، وليس شرط الوصف قيداً للمبيع، بل كما هو المقرر في محلّه التزام آخر غير أصل المعاملة، وحقيقة اشتراط الوصف هو جعل المشتري الخيار لنفسه في صورة تخلّف ذلك الوصف، ولو فرض بطلان هذا الجعل، فلا بأس بشمول «أحلّ اللّهُ البيعَ» لأصل المبادلة، وكيف يكون أخذ الثمن بإزاء الجارية من أكله بالباطل، مع أنّ الجارية ـ المفروض وقوع تمام الثمن بإزائها في نفسها ـ من الأموال.

والحاصل أنّ الحكم بالبطلان في المقام على خلاف القاعدة وللنص الوارد في أنّ ثمن الجارية سحت. والنصّ المزبور يعمّ الصورة الثالثة أيضاً. ودعوى انصرافه إلى الصورة الأُولى فقط بلا وجه. نعم لا يعمّ الصورة الثانية لظهوره في بيع الجارية المغنّية بما هي مغنّية، وفي تلك الصورة يكون بيعها بما هي جارية كما لا يخفى. وعلى ذلك، فإن أمكن الاطمئنان بعدم الفرق في الحكم بين بيع الجارية المغنّية وبين مثل بيع العبد الماهر في القمار يتعدّى عن مورد النصّ وإلا فيقتصر على مورده.

يحرم بيع العنب ممن يعمله خمراً[1].


76

[1] تعرّض «ره» أوّلاً لما إذا باع مثلاً العنب ممن يعمله خمراً ويكون داعيه إلى بيعه منه تخميره، ونفى في هذه الصورة الإشكال والخلاف في حرمة البيع، وظاهر الحرمة عند إضافتها إلى البيع، وإن كان هو الفساد، إلا أنّ تعليلها بكون البيع إعانة على الإثم قرينة على كون المراد هو التكليف. ثمّ تعرّض لما باع العنب مثلاً ممن يعمله خمراً من غير أن يكون داعيه إلى بيعه منه تخميره، بحيث يبيعه منه حتّى لو لم يعمله خمراً، وذكر أنّ الأكثر في هذا الفرض على الجواز لبعض الأخبار، كصحيحة عمر بن أُذينة، قال: «كتبت إلى أبي عبداللّه (ع) أسأله عن رجل له كرم، أيبيع العنب والتمر ممن يعلم أنّه يجعله خمراً أو سكراً؟ فقال: إنّما باعه حلالاً في الابان الذي يحلّ شربه أو أكله فلا بأس ببيعه»(71)، ورواية أبي كهمس، قال: «سأل رجل أبا عبداللّه (ع) عن العصير فقال: لي كرم وأنا أعصره كلّ سنة وأجعله في الدنان ـ إلى أن قال (ع) ـ هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنّه يصنعه خمراً»(72) ونحوهما غيرهما، وفي مقابلهما صحيحة ابن أُذينة ومعتبرة عمرو بن حريث، وفي الأُولى: «كتبت إلى أبي عبداللّه (ع) عن رجل له خشب، فباعه ممن يتخذه صلباناً قال: لا»(73)، وفي ثانيهما، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن التوت أبيعه ممن يصنع الصليب والصنم؟ قال: لا»(74)، وعن بعض الجمع بين الطائفتين بحمل الناهية على صورة اشتراط المنفعة المحرّمة على المشتري والمجوّزة على غير صورة الاشتراط. وأورد «ره» على ذلك بأنّه بعيد، فإنّه لا يكون للمسلم داع فيما إذا باع شيئاً إلى أن يشترط على مشتريه استعماله في الحرام ثمّ يسأل الإمام (ع) عن ذلك، فلا يمكن حمل صحيحة ابن أُذينة ونحوها على ذلك، وذكر «ره» وجهين آخرين في الجمع بينهما:

الأوّل: حمل الناهية على الكراهة بشهادة صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه (ع) أنّه «سُئل عن بيع العصير ممن يصنعه خمراً، فقال: بيعه ممن يطبخه أو يصنعه خلاً أحبُّ إليّ، ولا أرى بالأوّل بأساً»(75) حيث أنّ التعبير عن ترك البيع بالأحبّ ونفي البأس بعده قرينة على الكراهة.

والثاني: الالتزام بالمنع والتحريم في بيع الخشب ممن يصنعه صليباً أو صنماً، كما هو مفاد الطائفة الثانية وبالجواز في غيرهما، وقال: إنّ هذا الجمع قول فصل لو لم يكن قولاً بالفصل، يعني تفصيل في المسألة لو لم يكن خرقاً للإجماع المركّب.

أقول: المتعيّن هذا الوجه وحمل الجواز على كونه بنحو الكراهة غير ممكن، وذلك فإنّه قد ورد في صحيحة رفاعة قوله (ع): «ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شراباً خبيثاً»(76) حيث لا يمكن الالتزام باستمراره (ع) على ارتكاب المكروه، بل لا يمكن ذلك حتى في صحيحة عمر بن أُذينة فإنّه ذكر (ع) فيها جواز بيع الخشب ممن يصنعه برابط ثمّ منع عن بيعه ممن يعمله صنماً أو صليباً.

والحاصل أنّ المتعيّن هو الوجه الأخير، يعني أنّ بيع الشيء ممن يجعله هيكل عبادة صنماً أو صليباً لا يجوز تكليفاً كما مرّ، بخلاف البيع في غير ذلك فإنّه جائز بلا كراهة، نعم يستحبّ اختيار المشتري الذي يصرف الشيء في الحلال كما هو مقتضى التعبير بصيغة التفضيل في صحيحة الحلبي المتقدّمة التي جعلها «ره» شاهدة الجمع بين الطائفتين.


77

بيع العنب ممن يعمله خمراً

فقد يستدل على حرمة البيع[1].

[1] قد يقال: إنّ الأخبار المجوّزة لا يمكن الأخذ بها، بل لابدّ من إرجاع علمها إلى الأئمة (ع)، فإنّ جواز بيع مثل العنب ممن يعلم أنّه يصنعه خمراً مخالف لحكم العقل القطعي وللكتاب المجيد. أمّا العقد، فإنّه يستقلّ بقبح إعانة الغير في جرمه وتهيئة المقدّمة له، وإن شئت قلت إنّ تهيئة المقدّمة للجرم الصادر عن الغير بنفسه جرم، ولذا يؤخذ الشخص بها في المحاكم الدولية وفي القوانين الدارجة عند العقلاء، حتّى فيما لو فرض عدم صدق التعاون على ذلك الجرم، ألا ترى أنّ من أعان السارق وهيّأ له الأسباب يحكم عليه في تلك المحاكم بالجزاء. وقد ورد في الشرع أيضاً ـ فيما لو أمسك أحد شخصاً وقتله الآخر ورأهما ثالث ـ أنّ القاتل يقتل، والممسك يحبس والناظر تسمل عيناه. والظاهر عدم الفرق بين ما كانت تهيئة المقدّمات بداعي توصّل الغير إلى الجرم والحرام أو غيره، مثلاً تسليم السلم إلى السارق وبيعه منه قبيح، حتّى وإن لم يكن التسليم بداعي وصول السارق إلى جرمه. نعم القبح في صورة كون داعيه وصوله إليه أوضح.

والحاصل أنّ حكم العقل بقبح تهيئة مقدّمة الحرام الصادر عن الغير كاف في كشف عدم جوازه شرعاً.

أقول: الظاهر أنّه اشتبه على هذا القائل الجليل مسألة منع الغير عن المنكر الذي يريد فعله، ومسألة إعانة الغير على الحرام يعني فعل المكلّف ما هو مقدّمة للحرام الصادر عن الغير، حيث أنّ منع الغير عن المنكر مع التمكّن منه واجب.


78

ويمكن الاستدلال على وجوبه بحكم العقل باستحقاق الذمّ فيما إذا ترك المنع مع التمكّن منه ولزوم منعه عن جرمه مع التمكّن منه هو المراعى في تلك القوانين الدارجة عند العقلاء، كما إذا باع السارق سلماً مع علمه بأنّ السارع يستعمله في سرقة الأموال، فلا يؤخذ على بيعه فيما إذا ثبت أنّه لم يكن يترتّب على ترك بيعه ترك سرقتها، كما إذا كان السارق في بلد يباع في جميع أطرافه السلم، بحيث لو لم يبيع هذا السلم منه لأخذ السلم من غيره، ولو ممن لا يعرفه بأنّه سارق، وفي مثل ذلك لا يؤخذ البايع ببيعه بل يقبل اعتذاره عن البيع بما ذكر، مع ثبوته. وما ذكر من الرواية ناظر إلى هذه الجهة، وإلا لم يكن وجه لتسميل عيني الناظر، فإنّه لم يرتكب الجرم ولم يساعد عليه، بل إنّما لم يمنع عن القتل، ولا بُعد في كون الجزاء لعدم المنع مختلفاً بأنحاء عدم المنع.

وعلى الجملة، حكم العقل والمراعى في بناء العقلاء هو التمكّن من منع الغير عمّا يريده من الجرم، ونلتزم بذلك أيضاً ونقول بعدم جواز بيع الخشب أو العنب فيما لو لم يبعهما من المشتري المزبور لما يكون في الخارج خمراً أو آلة قمار.

وأمّا إذا أحرز أنّه لو لم يبعه لاشترى من غيره، فمثل ذلك يدخل في مسألة إعانة الغير على الحرام. ولا دليل على قبح هذه الاعانة ولا على حرمتها إلا في مورد الإعانة على الظلم، فإنّها غير جائزة شرعاً، كما سيأتي.

ويظهر أيضاً جوازها في غير ذلك المورد من بعض الروايات كموثقة ابن فضال، قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا (ع) أسأله عن قوم عندنا يصلّون ولا يصومون شهر رمضان، وربما احتجت إليهم يحصدون لي، فإذا دعوتهم إلى الحصاد لم يجيبوني حتّى أُطعمهم، وهم يجدون من يطعمهم، فيذهبون إليهم ويدعوني، وأنا أضيق من إطعامهم في شهر رمضان، فكتب بخطّه أعرفه أطعمهم»(77)، وحملها على صورة الاضطرار إلى الإطعام لا تساعده قرينة، فإنّ المذكور في الرواية احتياج المعطي إلى عملهم، والحاجة غير الاضطرار الرافع للتكليف، كما أنّ حملها على صورة كونهم معذورين في الإفطار يدفعه إطلاق الجواب وعدم الاستفصال فيه عن ذلك.

وأمّا مخالفة تلك الأخبار للكتاب المجيد، فقد قيل إنّها تخالف قوله سبحانه: «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان»(78)، وهذا الوجه على تقدير تماميته لا يقتضي إلا حرمة البيع المزبور تكليفاً لإفساده وضعاً، حيث إنّ انطباق عنوان محرّم على المعاملة مساوق لتعلّق النهي بها، ولكنّ النهي في الآية لا يكون تحريماً بل يناسب التنزيه، وقد ذكر في مقابل الأمر بالتعاون على البرّ والتقوى ولا ريب في أنّ البرّ والتقوى غير واجبين بإطلاقهما فضلاً عن التعاون عليهما.

أقول: هذا الإيراد ضعيف غايته، لما ذكرنا في الأُصول من أنّ قيام قرينة على رفع اليد عن ظهور بعض الخطاب لا يوجب رفع اليد عن ظهور بعضه الآخر، وفي المقام أيضاً الأمر ظاهر في الوجوب والنهي ظاهر في التحريم، ولكن قد علم أنّ متعلّق الأمر في الآية غير واجب، وباعتبار القرينة نرفع اليد عن ظهوره. وأمّا رفع اليد عن ظهور النهي في التحريم فهو بلا وجه.


79

الأمر الثاني: وهو الصحيح كما ذكرنا سابقاً، أنّ التعاون على الإثم غير الإعانة عليه، والمستفاد من الآية حرمة الأول لا الثاني، والتعاون على الإثم عبارة عن اجتماع اثنين أو أكثر على إيجاد الحرام، كما إذا اجتمع جماعة على هدم مسجد أو قتل شخص أو غير ذلك، مما يكون فيه كلّ بعض معيناً للبعض الآخر في تحقيق ذلك العمل. وأمّا إذا كان الحرام صادراً عن الغير فقط، والذي يفعله هذا الشخص دخيل ومقدّمة للحرام الصادر عن ذلك الغير، كما إذا أعطى الخشب لمن يريد صنع آلة القمار أو الغناء، فهذه إعانة على الإثم ولا دلالة في الآية المباركة على حرمتها. نعم لا شبهة في حرمة إعانة الظالم على ظلمه، فإنّ ذلك مقتضى غير واحد من الروايات، ففي صحيحة أبي حمزة عن علي بن الحسين: «إيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين»(79)، وفي رواية الحسين بن زيد عن الصادق (ع) قال: «ألا ومن علّق سوطاً بين يدي سلطان جعل اللّه ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من النار طوله سبعون ذراعاً»(80).

الأمر الثالث: ما أشار إليه المصنّف «ره» بقوله: «وقد يستشكل في صدق الإعانة» وحاصله أنّه يعتبر في صدق الإعانة على الإثم على فعل المكلّف قصده الحرام، بأن يكون داعيه إلى ذلك الفعل توصّل الغير ووصوله إلى الحرام. والمفروض في مثل مسألة بيع العنب ممن يعلم أنّه يعمله خمراً عدم قصد البايع ذلك، بل قصده وداعيه إلى البيع هو حصول ملك العنب للمشتري، سواء صرفه في الحلال أو الحرام. وربّما يضاف إلى اعتبار قصد الحرام اعتبار تحقّق ذلك الحرام من الغير، وإلا فلا يكون فعل الشخص إعانة للغير على الحرام، بل القصد إلى الإعانة وهو من التجري، كما لا يخفى.

وناقش المصنّف «ره» في هذا الأمر:

أوّلاً: بأنّه لا يعتبر في صدق عنوان الإعانة على الحرام على فعل الشخص تحقّق الحرام من الغير، ولو حصل الحرام منه لم يتعدّد عقاب الشخص من جهة التجرّي ومن جهة إعانة الغير على الحرام. والحاصل انّ الفعل من الشخص بقصد حصول الحرام من الغير إعانة لذلك الغير على الحرام حصل ذلك الحرام أم لا.

وثانياً: بأنّه يظهر من كلام الأكثر عدم اعتبار القصد المزبور أيضاً في صدق عنوان الإعانة على الحرام. مثلاً ذكر الشيخ «ره» في المبسوط في الاستدلال على وجوب بذل الطعام لمن يخاف تلفه قوله (ص): «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه هذا آيس من رحمة اللّه» حيث إنّ الممسك لطعامه لا يكون داعيه إلى الإمساك قتل الآخر، وأيضاً استدلّ في التذكرة على حرمة بيع السلاح من أعداء الدين بأنّ في البيع إعانة على الظلم أي على ظلمهم على أهل الدِّين، مع أنّ البايع لم يقصد من بيعه ذلك. واستدلّ المحقّق الثاني على حرمة بيع العصير المتنجس ممن يستحلّه بأنّ بيعه منه إعانة على الإثم، مع أنّ غرض البايع من بيعه منه ليس شرب المشتري. ويظهر عدم اعتبار القصد أيضاً من بعض الأخبار كما ورد في أكل الطين «من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه» مع أنّ داعي الإنسان إلى أكله لا يكون موته، ومن هذا القبيل بعض الأخبار الواردة في أعوان الظلمة.


80

أقول: لا ينبغي الارتياب في أنّه يعتبر في صدق عنوان الإعانة على الحرام على عمل المكلّف وإتيانه بالمقدمة صدور الحرام من الغير، وإلا فيكون الاتيان بها مع اعتقاده حصول الحرام تجرّياً، وكيف يكون إعانة للغير على الحرام، مع أنّ الغير لم يفعل الحرام على الفرض. نعم في كون التجرّي موجباً لاستحقاق العقاب كالعصيان كلام آخر. وأمّا اعتبار القصد في صدق الإعانة على الحرام على فعل المقدّمة، فإن أُريد الإتيان بالمقدمة لتوصل الغير بها إلى الحرام، فهذا غير معتبر قطعاً، بل يكفي في صدقها إحراز أنّ الغير يتوصّل بها إلى الحرام.

والحاصل أنّ عنوان الإعانة على الإثم لا يزيد على سائر الأفعال التي يعتبر في صدقها أو تعلّق الحكم بها التعمّد، كما إذا علم المكلّف في نهار شهر رمضان أنّه لو ذهب إلى المكان الفلاني يصبّ الماء في حلقه، وأنّه لو ألقى نفسه من الشاهق لارتمس في الماء يكون أكله أو ارتماسه تعمّديّاً ومفطراً للصوم.


81

اعانة الغير على المحرم

وقال المحقق الأردبيلي في آيات أحكامه[1].

[1] ذكر المحقّق الأردبيلي في كتابه (آيات الأحكام) أنّه لا يعتبر في صدق الإعانة على الحرام على فعل شخص خصوص القصد، أي كون داعيه إلى ذلك الفعل وصول الغير إلى الحرام، بل ربما تصدق عرفاً بدون ذلك القصد، كما في إعطاء العصا للظالم فيما إذا أراد ضرب المظلوم، ولكن لا يصدق العنوان المزبور على تجارة التجار فيما إذا علم بأنّ العشار سوف يأخذ منه العشور، ولا على الحاج فيما إذا علم أنّه يأخذ منه الظالم المال في الطريق ونحو ذلك، كما لا يصدق على بيع العنب ممن يعلم أنّه يصنعه خمراً أو الخشب ممن يصنعه آلة قمار، ولذا ورد في الرويات الصحيحة جواز ذلك.

وأورد عليه المصنّف «ره» بأنّه لا فرق في صدق الإعانة على الحرام بين إعطاء العصا للظالم مع إرادته ضرب المظلوم، وبين بيع العنب ممن يعلم أنّه يعمله خمراً أو بيع الخشب ممن يصنعه آلة القمار، حيث أنّ في كلّ منهما يحصل بفعل المكلف أمر يمكن للغير صرفه في الحرام أو الحلال، مع علم المكلّف بصرف ذلك الغير في خصوص الحرام، فدعوى الفرق بين إعطاء العصا في الفرض وبين بيع الخشب أو العنب ممنوعة. نعم فرق بينهما وبين مسألة تجارة التاجر أو مسير الحاج في صدق الإعانة على الأوّلين دون الأخيرة، وذلك فإنّ داعي المكلّف في الأوّلين إلى فعله هو تمكين الغير والإتيان بأمر له، بخلاف تجارة التاجر، فإنّ داعيه إلى تجارته كسب المال لنفسه لا للعشار. نعم يعلم بأنّه يأخذ من ذلك المال ظلماً. وبعبارة أُخرى: لا يكون في مثال التجارة أو السفر للحج غرض المكلف إلى الفعل وصول الغير إلى الحرام، ولا وصول الغير إلى ما هي مقدّمة لذلك الحرام، بخلاف الأوّلين فإنّ الداعي فيهما أي الغاية وصول ذلك الغير إلى مقدّمة الحرام، كما لا يخفى.

فإذا بنينا على أنّ شرط الحرام حرام مع فعله توصلاً إلى الحرام[1].


82

[1] غرضه من هذا الكلام توجيه صدق الإعانة على الحرام على فعل البايع وبيعه المبيع ممن يصرفه في الحرام حتّى فيما لو قيل في صدق الإعانة على بيعه باعتبار القصد، أي كون الداعي إلى بيعه وصول المشتري إلى الحرام. وحاصل التوجيه أنّ تملّك المشتري العنب مثلاً بقصد تخميره في نفسه حرام، كما أنّ تخميره حرام آخر، وكذا شربه، فيكون بيع البايع لغرض تملكّ المشتري العنب إعانة للمشتري على شرائه المحرّم. نعم لو لم يكن المشتري حال الشراء قاصداً تخميره، ولكن علم البايع بأنّه يبدو له ذلك، وأنّه سوف يريد تخميره لا يكون بيع العنب منه إعانةً على الشراء المحرّم، لعدم حرمة الشراء في الفرض. ومن هذا القبيل شراء الفسّاق الطعام، فإنّهم لا يريدون حين شرائه التقوّي به على الحرام والفسق، بل يريدون الفسق والفجور بعد تملّكهم أو تناولهم ذلك الطعام، فلا يكون بيعه منهم إعانة على الشراء المحرّم.

ولكن يرد على هذا التوجيه أنّه لا يصحّ إلا فيما إذا دلّ دليل خاصّ على حرمة الشراء بقصد التوصّل إلى الحرام، ولا يبعد قيامه في تملّك العنب بقصد تخميره، حيث يقتضيه فحوى لعن غارس الخمر. وأمّا في غيره كشراءالخشب بقصد صنعه آلة القمار مثلاً فليس في الشراء إلا التجري، والتجري يكون بقصد صنع آلة القمار. ومن الظاهر أنّ بيع البايع ليس إعانةً للمشتري على تجرّيه، أي قصده صنع آلة القمار.

لا يقال: نفس الشراء وإن لم يكن تجرّياً إلا أنّه مقدّمة للتجرّي فيكون محرّماً باعتبار كونه مقدّمة له، ويكون بيع البايع إعانة على ذلك الشراء المحرّم المفروض كونه مقدّمة للتجري.

فإنّه يقال: إنّما تكون مقدمة الحرام محرّمة فيما إذا قصد الفاعل التوصّل بها إلى الحرام. وفيما نحن فيه لا يمكن للمشتري قصد التوصّل بالشراء إلى تجرّيه، حيث أنّ لازم ذلك أن يكون تجرّيه أي قصده صنع آلة القمار مثلاً ناشئاً عن قصد آخر، وهذا يستلزم التسلسل كما هو المقرّر في محلّه.

فافهم[1].

[1] لعلّه إشارة إلى أنّه لو كان التجرّي بإرادة فرضاً لما كان نفس الشراء محرّماً أيضاً؛ لأنّ متعلّق الحرمة على الفرض هو الشراء مقيّداً بقصد التوصّل إلى التجرّي، لا نفس الشراء مطلقاً. والتجرّي ليس بمحرّم شرعاً حتّى تكون مقدّمته محرّم، بل غاية الأمر كونه موجباً لاستحقاق الذمّ والعقاب، كما لا يخفى.

إلا أن يريد الفحوى[2].

[2] لم يظهر وجه الفحوى، فإنّ حرمة الإعانة على قتل مسلم أو الإضرار به لا يلازم وجوب إنقاذ حياته أو دفع الضرر عنه، وبذل الطعام في المثال إنقاذ للحياة، فتركه يكون تركاً للإنقاذ، لا إعانة على الهلاك.

ثم انّه يمكن التقصير[3].


83

[3] وهذا بيان ضابط آخر لصدق عنوان الإعانة على الحرام، وحاصله: أنّه إذا لم يكن داعي المكلف إلى فعله ـ بيعاً كان أو غيره ـ توصّل الغير به إلى الحرام، بل كان داعيه إلى فعله تحقيق نفس ما هي مقدّمة للحرام الذي يعلم بإرادة الغير إيّاه، كما إذا كان غرضه من بيعه تملّك المشتري الخشب أو العنب، ولكن مع علمه بأنّه سوف يعمل أو يصنع خمراً أو آلة القمار، ففي مثل هذا المورد مع عدا الفائدة المترتبة على تلك المقدّمة الأمر المحرّم فقط، أي المحرّم الذي يريده الغير، كما في إعطاء السوط أو السيف للظالم الذي يريد ضرب الآخر أو قتله يكون الإتيان بالمقدّمة إعانة للغير على المحرّم، فلا يجوز. وأمّا إذا لم تكن الفائدة المترتبة على تلك المقدّمة منحصرة بالحرام عرفاً حتّى حال الإتيان بها، فلا يكون مجرّد الإتيان بها حتّى مع العلم بأنّ الغير يستفيد منها الحرام داخلاً في عنوان الإعانة على الإثم. نعم، لو كان داعيه إليها توصّل الغير بها إلى المحرّم لدخل في العنوان المزبور بلا كلام.

والحاصل أنّه لو أحرز في مورد أنّ الفائدة المترتّبة على المقدّمة منحصرة بالحرام عرفاً كان الإتيان بها محرّماً باعتبار كونها إعانة على الإثم، وكذا ما إذا كان داعي الفاعل توصّل الغير بها إلى المحرّم، وإلا فلا موجب للحكم بحرمة المقدّمة لعدم إحراز كونها إعانة على الإثم.

أقول: لعلّ هذا الكلام عين ما تقدّم عن الأردبيلي «قدس سره» فلا وجه لعدّه تفصيلاً آخر كما لا يخفى. والصحيح في المقام أن يقال: إنّ إعانة الغير على عمله عبارة عن تقليل الكلفة عنه في ذلك العمل بتهيئة مقدّمته، فلا يكون الإتيان بالشيء إعانة له على ذلك العمل فيما إذا لم يكن تقليل الكلفة عنه، كما في تجارة التجار أو مسير الحاج، فإنّ هذا لا يكون تقليل كلفة الظلم الصادر من العشار أو الظالم، بل فيهما تكثير لكلفته كما لا يخفى، وكذا لا تحصل الإعانة فيما إذا كان العمل الصادر عن الغير متوقفاً عليه عقلاً، ولكن لا يحسب ذلك الشيء مقدّمةً لذلك العمل، كما في بيع الطعام ونحوه لأهل المعاصي، فإنّ المعصية الصادرة عن الفاسق تتوقف عقلاً على قوّة جسمه وسلامة بدنه، إلا أنّ بيع الطعام منه أو إعطاءه له مجّاناً لا يحسب عرفاً مقدّمة لفسقه، ولذا يكون الفاسق بصدد تحصيل مثل الطعام حتّى فيما إذا ندم وبنى على ترك فسقه. وهذا بخلاف ما إذا عدّ الشيء عرفاً من مقدّمات العمل الصادر عن الغير بحيث يكون في تحقيقها تقليل لكلفة ذلكا لعمل عنه كما في إعطاء العنب للخمّار مجّاناً أو بعوض، حيث أنّ التخمير يتوقّف عرفاً على تحصيل العنب، وفي بيعه منه تقليل لكلفة طلبه، وكما إعطاء السيف أو السوط للظالم مجّاناً أو بعوض، فإنّ فيه تقليلاً لكلفة تحصيلهما عنه.

ثمّ إنّه لا يكون صدق الإعانة على الإثم على فعل المقدّمة موقوفاً على كون الداعي إلى فعلها توصّل الغير بها إلى ذلك الإثم، بل لا يعتبر العلم أيضاً بتوصّل الغير بها إليه، ولو احتمل توصّله فمع تحقّق الحرام من الغير يحصل عنوان الإعانة بفعل المقدّمة. نعم مادام لم يحرز هذا التوصّل بوجه معتبر يكون المكلف معذوراً في تحقيق تلك المقدّمة كسائر الموارد التي لا يحرز فيها عنوان الحرام بالشبهة الخارجية.


84

ومما ذكرنا ظهر أنّ بيع البايع العنب ممن يعمله خمراً أو الخشب ممن يصنعه آلة القمار إعانة للتخمير أو صنعة الحرام، ولو فرض الدليل على حرمة الإعانة على الإثم والعدوان تكون دلالته على حرمة الإعانة فيما إذا لم يكن الإثم ظلماً على الغير نفساً أو عرضاً أو مالاً بالاطلاق، فيرفع اليد عن هذا الاطلاق بمثل الأخبار المتقدّمة الظاهرة في عدم البأس بالإعانة في مثل بيع العنب مما لم يكن الفعل الصادر عن الغير ظلماً على الغير، حيث أنّ الخطاب المزبور لا يزيد على سائر المطلقات التي يرفع اليد عنها بالمقيّدات.


85

بيع الشيء ممن يصرفه في الحرام

ويمكن الاستدلال على حرمة بيع الشيء ممن يعلم أنّه يصرف المبيع في الحرام بأنّ دفع

المنكر كرفعه واجب[1].

[1] حصال الاستدلال أنّ دفع المنكر أي الفعل الحرام الصادر عن الغير كرفعه واجب على المكلّفين، والمراد برفعه قطع استمراره فيما كان له استمرار، كما إذا جعل حمام بيته بحيث يصبّ غسالته في ملك الغير، والمراد بالدفع الممانعة عن أصل صدوره، والحاصل أنّه إذا كان الصادر عن الغير عملاً محرّماً يجب على السائرين منعه بقطع استمراره أو الممانعة عن صدوره، وبما أنّ هذا التكليف كسائر التكاليف لا يتعلّق بغير المقدور، فيكون الواجب هو المنع المقدور. وعلى ذلك، فلو كان المشتري المريد تخمير العنب حال شرائه بحيث لا يجد العنب على تقدير عدم بيع هذا البايع، ففي الفرض يكون البايع المزبور متمكّناً على منعه عن التخمير بترك بيعه منه، فيجب. وأمّا لو كان بحيث لو لم يبع منه العنب لحصّله من مصدر آخر ويحصل منه التخمير لا محالة، فلا يكون ترك البايع البيع منه منعاً للمشتري عن التخمير حتّى يجب.

لا يقال: أنّه لا فرق ـ على ذلك ـ في عدم جواز بيع العنب من المشتري بين كون مريداً للتخمير حال الشراء أو بدا له التخمير بعد شرائه، وكما لا يجوز البيع في الأوّل كذلك في الثاني.

فإنّه يقال: لا يجب المنع عن المنكر في الثاني، بل إنّما يجب فيما إذا كان الغير مريداً له حال المنع. وأمّا الذي سيهمّ بالمنكر بعد ذلك فلا دليل على وجوب تعجيزه فعلاً، حتّى لا يقصد المعصية بعد ذلك، حيث أنّ الدليل النقلي على وجوب منع الغير عن المنكر لا يدلّ على أزيد من ذلك، والعقل القاضي بوجوب اللّطف يحكم بلزوم فعل ما يوجب قرب العباد إلى اللّه سبحانه. ومما يوجب قربهم امتناعهم عن المنكر ولا يستقل عن أزيد مما ذكر.

لا يقال: كما يحرم على البايع بيع العنب من المشتري المزبور كذلك يحرم بيعه منه على سائر الباعة، فلا يصحّ في حكم العقل ارتكاب البايع المزبور الحرام وبيعه العنب منه معتذراً بأنّه لو لم يبعه لباعه الآخر.


86

فإنّه يقال: إنّ هذا الكلام ـ أي عدم صحّة الاعتذار ـ إنّما يجري فيما إذا كان العمل الواحد حراماً على كلّ واحد من المكلّفين مستقلاً، والمراد بالعمل الواحد إخراج طبيعي الفعل عن العدم المعبّر عنه بصرف الوجود، مثلاً: لا يصحّ لمكلّف هدم مسجد اعتذاراً، بأنّه لو لم يهدمه لهدمه الآخرون. وأمّا إذا كان التكليف وجوبياً ومتعلّقاً بإخراج الفعل إلى الوجود، وكان الفعل بحيث لا يحصل خارجاً بفعل مكلّف واحد أو تركه، بل يحصل باجتماع جميعهم على الفعل أو الترك، كما إذا وجب حمل ثقيل من مكان إلى آخر، وكان الحمل موقوفاً على اجتماع اثنين أو أكثر على رفعه، ففي هذه الصورة لا يجب على المكلّف إلا الرفع المقدور، والرفع المقدور له هو الرفع الضمني لا الاستقلالي، وإذا فرض عدم شركة آخر في رفعه لما وجب عليه رفعه، لأنّ رفعه في هذا الفرض غير مقدور له، والوجوب لا يتعلّق بغير المقدور. والأمر في المقام كذلك، فإنّ التكليف ـ وهو وجوب منع الخمّار عن المنكر ـ يحصل باجتماع جميع باعة العنب على ترك بيعه منه.

وبعبارة أُخرى: المقدور من المنع لهذا البايع هو ترك بيع العنب منه عند ترك السائرين بيعه منه، وعلى ذلك فيجوز له البيع مع إحرازه أنّه لو لم يبعه لباعه الآخر، والوجه في الجواز عدم كون بيعه في الفرض مخالفة لوجوب المنع عن المنكر. ولو شكّ في قيام السائرين بالمنع بتركهم البيع منه كان مرجع الشكّ إلى كونه متمكّناً فعلاً عن منع ذلك المشتري عن المنكر أوّلاً، فإن قلنا بأنّ مورد الشكّ في القدرة على الواجب ـ كما ادّعى ـ داخل في قاعدة الاحتياط، فلا يجوز للمكلّف البيع منع. وأمّا لو قلنا بأنّه من موارد الشكّ في التكليف، وأنّه تجري فيه أدلّة البراءة إلا مع إحراز القدرة بوجه معتبر، ولو كان ذلك الوجه المعتبر هو الاستصحاب كان المورد من موارد البراءة. والظاهر من أوّل كلام المصنّف «ره» جعله من موارد الرجوع إلى البراءة، حيث قال: «ثمّ إنّ هذا الاستدلال يحسن مع علم البايع بأنّه لو لم يبعه لم يحصل المنكر» كما أنّ ظاهر آخر كلامه جعله من موارد الاحتياط، حيث قال: «فإن علم أو ظنّ أو احتمل قيام الغير بالترك وجب قيامه به أيضاً».


87

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

أقول: لا بأس بالالتزام بدلالة الكتاب المجيد على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى فعل الخير، أي فعل المعروف وترك المنكر كفاية، قال عزّ من قائل: «ولتكن منكم أُمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر“»(81)، حيث أنّ ظاهر الأمر الوجوب والتعبير عن القائمين بالعمل بعدّة من المسلمين لا يناسب الوجوب العيني، بل ظاهره الوجوب الكفائي، ويشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير صورة علم المدعوّين بالحكم الشرعي وعدم قيامهم بالعمل، فلا تختصّ الآية بوجوب تبليغ الأحكام الشرعية إلى الجاهلين بها، بل تعمّ المسألة المعروفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والحاصل أنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير كوجوب تبليغ أحكام الشريعة إلى الجاهلين بها كفائي، ويكون المقدار الواجب في الأمر والنهي هو المقدار المتعارف الواجب في تبليغ الأحكام، فلا يجب الفحص عن تعيين الفاسق وتارك الخير حتّى يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر بخصوصه. ويدّل على وجوب ما ذكرنا الروايات، نعم بعضها باعتبار ضعفها سنداً أو دلالةً لا تصلح للاستدلال بها، ولا تصحّ دعوى استقلال العقل بوجوب النهي. وما ذكره المصنّف «ره» من حكمه بلزوم اللطف لا نفهمه، فإنّه يكفي في إتمام الحجّة على العباد تبليغ الأحكام إليهم وإعلامهم بما أوعد اللّه به الطغاة والعصاة.


88

هذا بالنسبة إلى المنع القولي، وأمّا المنع الخارجي في مقابل المنع الإنشائي والقولي، فلا دليل على وجوبه لا عقلاً ولانقلاً، إلا أنّه ربّما يقال باستفادة وجوبه من فحوى دليل النهي عن المنكر، بدعوى كون ملاك وجوب النهي عنه سدّ طريق الفساد والمنع عن حصوله خارجاً، وفيه أنّه لا يمكننا استفادة وجوبه فيما إذا كان المنع المزبور ملازماً أو موقوفاً على ارتكاب عمل لا يجوز ذلك العمل بمقتضى سائر الأدلّة الشرعية، كما إذا كان منع شخص عن الإفطار في نهار شهر رمضان موقوفاً على دخول بيته بدون اذنه ورضاه، أو موقوفاً على ترك بعض الصناعات الواجبة ولو بنحو الكفاية، كما إذا كان المنع المزبور موقوفاً على ترك بيع الطعام من جميع الناس أو غير ذلك، بل يمكن أن يقال بعدم وجوب المنع مطلقاً، حيث لم يظهر من أدلّة النهي عن المنكر أنّ تمام ملاك وجوبه دفع الفساد حتّى يمكن التعدّي، كما يقال بأنّه لم يظهر من دليل اعتبار خبر العدل أنّ تمام ملاكه اعتباره هو الظنّ الحاصل منه حتّى يوجب ذلك الالتزام باعتبار سائر الظنون.

نعم، بعض الأُمور الفاسدة والمنكرات التي نعم بعدم رضا الشارع بحصولها خارجاً بأيّ حال حتّى فيما إذا حصل الفساد من غير المكلّف كرواج القمار وشرب الخمور علناً وقتل النفوس ونهب الأموال وسائر أنواع الفساد مما يختلّ به نظام اجتماع المسلمين، فيجب منعها قولاً وعملاً، وفيما إذا كان منعها موقوفاً على ارتكاب أمر لا يجوز ذلك الأمر بمقتضى الأدلّة الشرعية يكون المقام من المتزاحمين، فيجب فيهما رعاية الأهمّ أو محتمل الأهمّية.

ثمّ إنّه على القول بوجوب النهي عن المنكر فيما إذا لم يتوقّف على ارتكاب الحرام، لا فرق في وجوبه بين من يهمّ بالمعصية حال المنع، وبين من يهمّ بها بعد ذلك، حيث أنّ مقتضى الآية المباركة وجوب النهي عن المنكر في كلتا الصورتين، ويستفاد وجوب المنع عنه فيهما من فحواها.

نعم، الرواية التي أشار إليها المصنّف «ره» من قوله (ع): «لولا أنّ بني أُمية وجدوا من يجبي لهم الصدقات ويشهد جماعتهم ما سلبوا حقّنا» لا دلالة فيها على ذلك. حيث أنّ كون الشخص من أعوان الظلمة في نفسه من المحرّمات حتّى فيما إذا لم يعدّ من أعوانه في ظلمه، بل في سائر أُموره، فهي ناظرة إلى ذلك لا إلى عدم جواز العمل فيما يكون سبباً لإرادة الغير المعصية بعد ذلك.


89

النهي عن المعاملة لا يوجب فسادها

لتعلّق النهي بما هو خارج عن المعاملة[1].

[1] لا يخفى أنّ النهي عن معاملة بمعنى تحريمها تكليفاً لا يقتضي فسادها حتّى فيما إذا تعلّق النهي بنفس المعاملة، كما ذكرنا ذلك في شراء العنب بقصد تخميره أو بيعه بداعي تخمير المشتري، ولا يختصّ بما كان بعنوان آخر كعنوان الإعانة على الإثم أو عنوان المسامحة في المنع عن المنكر. والوجه في عدم اقتضائه مطلقاً هو أنّ النهي عن المعاملة منع عن إيجادها، وصحتها بعد إيجادها أي إمضاؤها أمر آخر لا ينافي النهي عن الإيجاد.

ويحتمل الفساد لإشعار قوله (ع) في رواية تحف العقول[2].

[2] لعلّ مراده أنّ المذكور في حديث تحف العقول من ملاك فساد البيع وإن لم يعمّ المقام، إلا أنّه لا يخلو عن الإشعار إليه.

بيان ذلك: أنّ المراد بحرمة البيع في الحديث المزبور فساده كما هو ظاهر تحريم المعاملة، والمذكور فيه من ملاك فساده كون المبيع منهياً عنه في خطاب الشرع، كتحريم الميتة والدم ونحوهما.

وبعبارة أُخرى: لا تتعلّق الحرمة ثبوتاً بغير الفعل، ولكنّ الملاك في فساد بيع الشيء ليس مجرّد حرمة الفعل والانتفاع، بل تعلّق الحرمة في الخطاب بنفس ذلك الشيء حتّى يفيد حرمة جميع منافعه أو خصوص المقصودة منه، ووجه دلالة الحديث على هذا الملاك، هو أنّ المراد بالضمير في قوله «فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه» هو العين، إذ البيع لا يتعلّق بغيرها، ويكون رجوعه ـ إلى «كلّ منهيّ عنه» في قوله: «وكلّ منهيّ عنه مما يتقرّب به لغير اللّه أو يقوي به الشرك أو الكفر من جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحقّ» ـ قرينة على المراد من المرجع.


90

والحاصل أنّ هذا الملاك لا ينطبق على العنب، حيث لم يتعلّق به النهي في خطاب، بل المنهي عنه بيعه أو شراؤه بقصد تخميره. نعم الحديث لا يخلو عن إشعار إلى كون النهي عن الشيء موجباً لفساد بيعه لحرمة الانتفاع معه، وهذا الأمر موجود في المقام أيضاً، حيث أنّ الانتفاع من العنب بالتخمير أو شراءه أو بيعه بداعيه حرام، بل يجري في مورد قصد المشتري التخمير، وكان بيع البايع منه لجهله بالحال وعدم علمه بأنّ المشتري يعمله خمراً، حيث أنّ شراء المشتري باعتبار كونه انتفاعاً محرّماً من العنب حرام، فيفسد، وبما أنّ البيع لا يتبعّض بأن يصحّ من طرف البايع ويبطل من طرف المشتري فيحكم بفساده من الطرفين.

ومما ذكر يظهر أنّ المذكور في الحديث من ملاك فساد البيع لا يعم المقام حتّى لو قيل بوجود فقرة أُخرى في الحديث، كما في النسخة المطبوعة من تحف العقول الموجودة في أيدينا، وهي قوله: «أو باب من الأبواب يقوى به باب من الضلالة أو باب من أبواب الباطل» ووجه الظهور أنّه سلّمنا كون المراد بالباطل مطلق الانتفاع المحرّم فرضاً، إلا أنّه ليس مجرّد حرمة الانتفاع ملاكاً، لفساد البيع، بل الملاك تعلّق النهي بنفس العين، والعنب لم يتعلّق به النهي في خطاب.

هذا مع أنّ وجود فقرة في مثل تحف العقول المطبوع لا يوجب الاعتماد عليها، بل لابدّ من إحراز وجود تلك الجملة في رواية حسن بن شعبة الواصلة إلينا بطريق معتبر كما لا يخفى.

لا يقال: لا يمكن الحكم في المقام بصحّة البيع حتّى مع فرض كونه محرّماً بعنوان الإعانة على الإثم أو المسامحة في دفع المنكر. والوجه في ذلك أنّ عنوان الإعانة إنّما يتمّ بتسليم العنب مثلاً إلى المشتري، وإذا كان التسليم محرّماً، فلا يتمّ البيع، حيث لا يعمّه قوله سبحانه: «أوفوا بالعقود» بل ولا قوله: «أحلّ اللّه البيع» باعتبار أنّ من شرط البيع التمكّن من تسليم المبيع.

فإنّه يقال: غاية الأمر أن لا يعمّه «أوفوا بالعقود» و«أحلّ اللّه البيع» قبل الإقباض، وأمّا بعده ولو عصياناً فلا مانع من شمولهما له، فتكون النتيجة أنّ إقباض المبيع شرط لتمام البيع، نظير تمام بيع السلم بقبض الثمن.

وبعبارة أُخرى: البيع قبل الإقباض أو مع الإقباض محرّم بعنوان الإعانة على الإثم أو المسامحة في دفع المنكر، وبهذا الاعتبار لا تعمّه أدلّة الإمضاء ودليل وجوب الوفاء بالعقود، ولكن تعمّه بعد ذلك.

وإن شئت قلت: إنّ المقام نظير ما خرج عن العام أو المططلق فرد من الأوّل، ودار أمره بين الخروج إلى الأبد أو في الزمان الأوّل فقط، حيث يرجع فيه إلى العام والمطلق بالإضافة إلى ما بعد ذلك الزمان، كما يذكر مثل ذلك فيما زذا بع الراهن الرهن ثمّ فكّه. ومما ذكرنا يظهر أنّه لا مانع من صحّة البيع من الأوّل فيما إذا كان البيع بالمعاطاة أي بإقباض المبيع، ووجه الظهور هو أنّ النهي عن إيجاده بذلك الإقباض لا ينافي إمضاءه بعد حصوله.

الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأناً[1].


91

[1] أي يحرم الاكتساب بالعين وبيعها باعتبار أنّ تلك العين قابلة لاستعمالها في الحرام، ومن الظاهر أنّ مجرّد قابلية المبيع لاستعماله في الحرام لا يوجب عدم جواز بيعه تكليفاً أو وضعاً، لأنّ غالب الأموال يمكن استفادة الحرام منها. بل لابدّ ـ في الالتزام بعدم جواز البيع فيما يكون من هذا القبيل ـ من إقامة دليل على المنع، كما في بيع السلاح من أعداء الدين، حيث يكون عدم الجواز فيه باعتبار الدليل عليه. ويقع الكلام في أنّ المحرّم هل هو البيع حال حربهم مع المسلمين فقط أو مطلقاً؟ المشهور على الأوّل، والمحكي عن الشهيد في حواشيه على القواعد هو الثاني، وهذا هو الأظهر كما يظهر وجهه فيما بعد.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من أنّ مجرّد قابلية المبيع للانتفاع المحرّم لا يوجب عدم جواز بيعه فيما إذا لم يعلم البايع باستعمال المشتري العين المزبورة في الحرام، ولم يكن قصده وداعيه إلى بيعها استعمال المشتري وانتفاعه المحرّم، وإلا لدخل البيع في عنوان الإعانة على الإثم أو يكون قسماً من التجرّي كما لا يخفى.


92

بيع السلاح من الكفار

وصريح الروايتين اختصاص الحكم بصورة قيام الحرب[1].

[1] لا يخفى أنّه ليس بيع السلاح ونحوه من الكفّار من مدلول الروايتين، بل مدلولهما البيع من المخالفين، وقد حكم فيهما بالجواز باعتبار الهدنة في البين، كزمان رسول اللّه (ص)، ولأنّ اللّه يدفع بالمتربّعين على كراسي الحكم والمسلّطين على رقاب المسلمين شرّ الكفّار عن المؤمنين.

وأمّا الرواية الناظر إلى بيع السلاح ونحوه من الكفّار فمقتضى إطلاقها عدم الجواز، حتّى في حال غير الحرب، كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: «سألته عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة؟ قال: إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس»(82)، فإنّ مفهومها عدم جواز حمل السلاح إليهم حتّى في غير حال الحرب، بل لا يبعد كونها ناظرة إلى خصوص هذا الحال، فإنّ تقويتهم حال حربهم مع المسلمين ولو بإرسال مثل الطعام إليهم غير جائزل لا يظنّ بمثل علي بن جعفر السؤال عنه.

وأمّا مكاتبة أبي القاسم الصيقل، قال: «كتبت إليه: إنّ رجل صيقل أشتري السيوف وأبيعها من السلطان أجائز لي بيعها؟ فكتب: لا بأس به»(83)، فالمراد فيها البيع من السلطان المخالف، فلا يكون مورد الكلام، مع أنّه لإضمارها وجهالة حال كاتبها لا يمكن الاعتماد عليها، فالأظهر في المقام ما ذكره الشهيد «ره» في حواشيه، ولا يكون ذلك من قبيل الاجتهاد في مقابل النص. ومراده من تقويتهم إعلاء شوكتهم وتأييد القدرة القتالية فيهم، ولا يعمّ مثل بيع الطعام منهم، فإنّ بيع مثله لا يوجب شوكة وعزّة لهم ولا تقوية لهم في جهة قتالهم المحتمل مع المسلمين. نعم في حالة الحرب لا يجوز بيع الطعام أيضاً. وقد ذكرنا انصراف الصحيحة إلى غير حال الحرب، فلا يكون عدم تقييد نفي البأس عن حمل غير السلاح منافياً لحرمة تأييدهم حال الحرب.

مع إمكان دعوى ظهور بعضها في ذلك[1].

[1] أي مع إمكان دعوى ظهور بعض تلك المطلقات في الاختصاص.

مثل مكاتبة الصيقل[2].

[2] مثال للمطلقات جوازاً ومنعاً.

كالمجن[3].

[3] بكسر الميم صفحة من فولاذ يتحفّظ بها عن الإصابة في القتال ويعبّر عنه في لغة الفرس بـ«سبر» والدرع منسوج مثل القميص ويتحفّظ بلبسه في القتال على الجسد، والمغفر ينسج للتحفظ بلبسه في القتال على الرأس، وساير ما يكن أي ساير ما يستتر به عند القتال.


93

ثمّ إنّ المنع عن بيع السلاح من الكفّار كما ذكرنا باعتبار عدم إعلاء كلمتهم وزيادة شوكتهم وتأييد القدرة القتالية فيهم يعم بيع مثل الدرع مما لا يكون سلاحاً، ولكن يستعمل في القتال كالسلاح، كما أنّه لا ينافي ما ذكر جواز بيع السلاح من الكفّار، بل وجوبه فيما إذا طرأ عنوان آخر، كما إذا توقّف الدفع عن حوزة الإسلام على ذلك البيع، فيما إذا هاجم عدوّ مشترك بلاد المسلمين وأعطى المسلمون السلاح للكفّار ليشاركوا المسلمين في دفع ذلك العدو. وبعبارة أُخرى: بيع السلاح في الفرض مقدمة لواجب أهمّ وهو الدفاع عن حوزة الإسلام وبلاد المسلمين، ومثل صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة غير ناظرة إلى ذلك، فلاحظ.

فالمقصود من بيع ما يمكن منهما[4].

[4] يعني المقصود من بيع ما يكن للفئتين تحفظ كل من الفئتين عن صاحبه وتترّسه أي تحفّظه بما يتحفّظ به.

ثمّ إنّ النهي في هذه الأخبار[1].

[1] بيان ذلك أنّ النهي ـ عن حمل السلاح إلى المشركين أو مثل أهل الشام عند مباينتهم لأهل الإيمان بمناسبة الحكم والموضوع نظير النهي عن البيع عند النداء ـ حكم تكليفي، حيث إنّه كما أنّ المفهوم من النهي عن البيع عند النداء هو التحفّظ على صلاة الجمعة وإقامتها، فكذلك النهي عن حمل السلاح وبيعه منهم باعتبار أن لا تكون كلمتهم العليا وشوكتهم قصوى أو يفكّروا في الهجوم على المسلمين أو محو شوكة المؤمنين، ولذا لا حرمة فيما إذا لم يكن الأمر كذلك، كما إذا كانت طائفتان من الكفّار متحاربتين وأعطاهما المسلمون سلاحاً ليبيد كلّ منهما الآخر، حتّى تبقى العزّة والشوكوة للمسلمين.

لا يقال: قد ورد في صحيحة محمد بن قيس عدم جواز ذلك، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل نبيعهما السلاح؟ فقال: بعهما ما يكنهما الدرع والخفين ونحو هذا»(84).

فإنّه يقال: المنع في الصورة التي ذكرناها غير محتمل لعدم الحرمة للطرفين، وهذه الصحيحة لابدّ من حملها ـ كما ذكر المصنّف «ره» ـ على طائفتين يكون كلّ منهما باعتبار كونهما من أهل الجزية ونحوها محقونة الدم، وبيع السلاح منهما مع كونهما في حالة حرب إعانة على ظلم كلّ منهما الآخر، فلا يجوز، بخلاف بيع مثل الدرع مما يتحفّظ به كلّ منهما على نفسه من جور الآخر.

والحاصل أنّ النهي عن حمل السلاح إلى المشركين أو المخالفين في مورد ثبوته تكليفي ملاكه تقوية الكفر والشرك والباطل، وهذا القسم من النهي عن المعاملة لا يقتضي فسادها، لما تقدّم من أنّه لا منافاة بين المنع عن إيجادها وإمضائها على تقدير حصولها حتّى لو قيل بأنّ التقوية تحصل بتسليم المبيع إلى المشركين أو سائر أهل الباطل، فإنّ غاية ذلك أن لا يكون البيع المزبور من الأوّل مشمولاً لأدلّة الإمضاء، ولكن تشمله بعد حصول التسليم خارجاً، نظير ما ذكرنا في بيع العنب ممن يعلم أنّه يعمله خمراً.


94

هذا كلّه في بيع السلاح من الكفّار أو أهل الباطل من المخالفين، وأمّا بيعه من مثل قطّاع الطريق فمع إحراز البايع استعمال المشتري ذلك السلاح في الاعتداء على الغير فلا يجوز، باعتبار كون البيع إعانة على ظلمه، ومع عدم الإحراز فلا بأس. وكذا الحال في غير السلاح مما يستعمل في الاعتداء على الناس.


95

اعتبار المالية في المبيع

وليس كالاكتساب بالخمر والخنزير[1].

[1] أي إنّ المنع عن الاكتساب بهذا النوع وضعي فقط، بخلاف الخمر والخنزير، حيث أنّ الاكتساب بهما ممنوع تكليفاً ووضعاً.

أقول: المنع التكليفي بالإضافة إلى الخمر صحيح كما هو مقتضى لعن بايعها ومشتريها، وأمّا الخنزير فلا موجب للالتزام فيه بالتكليف. وكيف كان، فيقع الكلام في المقام في اعتبار المالية، ولكن لا ينبغي الريب فيه، فإنّ تملّك العوض بإزائه مع عدم ماليته من أكله بالباطل. وقد تقدّم أنّ عنوان أكل المال بالباطل في الآية المباركة بنفسه موضوع للحكم ومتعلّق للنهي الوضعي، لا أنّه أخذ عنواناً مشيراً إلى ما كان متعارفاً في زمان الجاهلية من أنحاء التملّك بالقهر والقمار والمنابذة وغيرها، وأن كلها فاسدة، إلا التجارة عن تراض.

وذكر السيد الخوئي طال بقاؤه أنّه لا تعتبر المالية في المبيع ومنع عن كون أخذ الثمن بإزاء ما لا يكون بمال داخلاً في عنوان الأكل بالباطل، واستشهد لعدم اعتبارها بموارد قد استعمل فيها لفظ الشراء مع عدم المالية، كقوله سبحانه: «إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم“»(85)، «ولبئس ما شروا به أنفسهم»(86) إلى غير ذلك. والحاصل أنّ المبادلة حتّى مع عدم المالية فيها للمبيع داخلة في التجارة عن تراض وفي العقود المحكوم عليها بوجوب الوفاء بها.

وفيه ما لا يخفى، فإنّ إطلاق الشراء أو البيع في مثل تلك الموراد يكون بالادّعاء والعناية، كيف؟ وليس فيها تمليك اعتباري كما هو مقتضى حقيقة البيع والشراء، فالاستشهاد ـ بمثل الآيتين على عدم اعتبار المالية في العوضين في موارد التمليك والتملّك الاعتباريين كما هو المطلوب في المقام ـ عجيب. وآية النهي عن أكل المال بالباطل تكون مانعة عن التمسّك بأوفوا بالعقود، كما أنّ قوله عزّ من قائل: «إلا أن تكون تجارة عن تراض» لا يشمل موارد الأكل بالباطل، لأنّ التجارة هو البيع والشراء بقصد الربح، وقد ذكرت في الآية في مقابل أكل المال بالباطل، فكيف يعمّ موارده.


96

وأمّا الكلام فيما يذكر مثالاً لعدم المالية له من السباع والحشرات فلا ينبغي الريب في أنّ لبعضها مالية عند العقلاء، ولا يكون غير الأكل في جميع الحيوانات من المنفعة النادرة، حتّى لا يكون موجباً لماليتها. ويؤيّد ذلك ما ورد في جواز بيع الهرّة. نعم ورد في القردة المنع عن بيعها، ولكن باعتبار ضعف سنده لا يصلح لرفع اليد به عن الاطلاق أو العموم في مثل قوله سبحانه «أحلّ اللّه البيع»(87) و«أوفوا بالعقود»(88).

وذكر المصنّف «ره» عدم المنفعة المقصودة في القرد، ويدفعه أنّ القرد أولى بالمنفعة المقصودة من الهرّة، فإنّه لا ينحصر فائدتها بحفظ المتاع بل الاستمتاع برؤيتها والتفرّج بحركاتها كاف في ثبوت المالية لها كما لا يخفى، بل عن السيد الخوئي طال بقاه عكس ما ذكره حيث قال بعدم المنفعة المقصودة0 للهرّة حتّى تكون لها مالية، والرواية الدالّة على جواز بيعها شاهدة لعدم اعتبار المالية في المبيع، بخلاف القرد فإنّ له منفعة مقصودة محلّلة، وأيّ منفعة تكون أرقى وأهمّ من التحفّظ على متاع الإنسان وماله، وفيه أنّ الهرة القسم الهراش منها كما ذكره من أنّه لا منفعة لها، والمعاملة على هذا القسم محكومة بالفساد، فإنّها نظير بيع كلب الهراش من أوضح أفراد أكل المال بالباطل. والرواية المزبورة منصرفة عن ذلك، وما هو محكومة بصحّة بيعها هي الهرّة التي تؤخذ للتحفظ بها عن الفار، أو للتفرج برؤيتها، وهذا القسم باعتبار ثبوت المنفعة المقصودة فيه يكون مالاً.

روى الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان عن محمد بن مسلم وعبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه (ع) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت ولا بأس بثمن الهرة» والرواية صحيحة، وروى الكليني «ره» عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون عن الأصم عن مسمع عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «إنّ رسول اللّه (ص) نهى عن القرد أن يشترى وأن يباع»(89) وضعفها باعتبار سهل ومحمد بن الحسن والأصم.

أمكن الحكم بصحة المعاوضة عليها لعمومات التجارة[1].

[1] لا يخفى أنّ التجارة هو البيع والشراء بداعي تحصيل الربح وصدقها مع عدم إحراز المالية للشيء عند العقلاء مشكوك فيه، فلا يمكن فيه التمسّك بما دلّ على حلّيتها أو على حلّ أكل المال بها. نعم لا بأس بالتمسّك بأوفوا بالعقود وما هو من قبيله كما أنّه لا بأس بإعطاء المال لرفع الآخر يده عن ذلك الشيء حتّى يتملّكه المعطى.

وأُخرى إلى قلّته[2].

[2] وثالثة إلى كثرته كالماء على شاطىء الفرات والتراب في بعض البلاد.


97

اختصاص الضمان بموارد الضمان

وكان عليه مثله إن كان مثلياً[3].

[3] الوجه في تقييده بالمثلي هو أنّ غير المثلي يكون ضمانه بالقيمة، فيختصّ الضمان بمورد يكون للشيء قيمة. وألحق في التذكرة المثلي بغيره في عدم الضمان مع قلّته، وأورد بعض على هذا الإلحاق بأنّ لازمه عدم الضمان فيما لو غصب صبرة تدريجاً، ولكن الإيراد ضعيف، فإنّه يمكن أن يلتزم في المثلي المغصوب تدريجاً بما يلتزم به في القيمي المتلف تدريجاً، وأنّه كما يكون تلف القيمي المزبور أو إتلافه موجباً للضمان بشرط الانضام إليه من سائر الأجزاء ما يكون مجموع التالف مالاً، بخلاف ما إذا لم ينضمّ، فكذلك المثلي المتلف تدريجاً، وهذا لا يقتضي الضمان مع عدم الانضمام كما لا يخفى.

وعن السيد الخوئي طال بقاه ثبوت الضمان، بلا فرق بين كون الشيء مثلياً أو قيمياً، غاية الأمر يكون فراغ الذمّة بأداء المثل فيما كان مثلياً، وفي القيمي يكون الاشتغال باقياً إلى يوم القيامة إلا بالتراضي مع المالك، وذكر في وجهه أنّ عموم على اليد يقتضي كون الشيء في عهدة المكلّف بمجرّد الاستيلاء عليه فإنّه لم يؤخذ في حديثه عنوان المال، فيعمّ كلا القسمين: ويكون أداء المثلي بأداء المثل، فتفرغ به العهدة، بخلاف القيمي المفروض أنّه لقلّته لا قيمة له، فيبقى في عهدته إلى أن يرضى مالكه. وهذا بالإضافة إلى ضمان التلف في اليد. وأمّا ضمان الإتلاف فالأمر فيه أيضاً كذلك، لأنّ ضمان الإتلاف يستفاد من حديث على اليد بالفحوى.

أقول: الصحيح عدم الضمان في المقام، فإنّ حديث على اليد ضعيف ، وحديث من أتلف بإطلاقه موهوم. نعم الضمان في موردي التلف في اليد والإتلاف مستفاد من سيرة العقلاء. والنصّ في بعض مواردهما، ولم تحرز سيرتهم عليه فيما إذا لم يكن الشيء لقّلته مالاً إلا في مورد الانضمام إلى سائر الأجزاء، من غير فرق بين المثلي والقيمي.


98

ثمّ إنّه لا ينبغي الريب في عدم جواز التصرّف في ملك الغير بلا رضاه حتّى فيما إذا لم يكن مالاً لقلّته، ويكفي في ذلك مادلّ على تحريم الظلم والتعدّي. وأمّا إذا لم يكن مالاً لخسّته، فهل يجوز التصرّف فيما يكون عليه يد الغير بلا رضاه؟ أشار إليه المصنّف «ره» بقوله: «ثمّ إنّ منع حقّ الاختصاص“» ولكنّ الحديث المزبور ضعيف، والسيرة ـ على كون السابق أحقّ بمعنى ثبوت حقّ الاختصاص في الشيء غير القابل للملك باعتبار عدم المنفعة له وإن كانت نادرة ـ ممنوعة، ومع فرض المنفعة له وإن كانت نادرة غير مقصودة للعقلاء يدخل في الملك، كما تقدّم سابقاً.

النوع الرابع مما يحرم الاكتساب به[1].

[1] حرمة الاكتساب في الأعيان تكليفاً لا تلازم فساد المعاملة عليها، بل ربما كانت المعاملة على العين محرّمة تكليفاً مع صحتها وضعاً، كما في موارد انطباق العنوان المحرّم عليها، ولكن الاكتساب بالأعمال لا يكون كذلك، فإنّ حرمة فعل تلازم الحكم بفساد المعاملة عليه. وذلك فإنّ مثل «أوفوا بالعقود» لا يمكن أن يعمّ المعاملة المزبورة، حيث أنّ الوفاء بها يكون بتسليم العمل أي الفعل. والمفروض منع الشارع عنه، ومع عدم شمول مثله لها لا يمكن إثبات صحّتها، بل يكون أخذ الأُجرة على ذلك العمل من أكل المال بالباطل.


99

حكم عمل الماشطة

ويظهر من بعض ا لأخبار المنع[2].

[2] لايخفى أنّ الأخبار الواردة في المنع كلّها ضعيفة سنداً غير صالحة للاعتماد، ومع الغضّ عن ذلك فالممنوع عنه فيها من فعل الماشطة أُمور: مسح الوجه بالخرقة، والوصل، والنمص، والوشم، والوشر. ومقتضى إطلاق المنع عنها عدم الفرق بين صورتي التدليس وعدمه، مع أنّ التدليس لا يكون بفعل الماشطة. وسنذكر أنّ مجرّد فعل يوجب ظهور حسن أو خفاء عيب في المرأة لا يكون حراماً، بل الحرام هو الغش في المعاملة والتستّر على الواقع فيها. وهذا فعل المالك أو ولي الجارية، فلا يرتبط بالماشطة. نعم إذا علمت الماشطة أنّ المالك أو الولي يتستر بما تفعله على الواقع ولا يبيّن الحال للطرف، يكون فعلها من الإعانة على الإثم، نظير ما تقدّم في بيع العنب ممن يعمله خمراً، وذكرنا أنّه لا دليل على حرمتها في غير مورد الإعانة على الظلم.

والحاصل أنّ التدليس محكوم بالحرمة باعتبار كونه غشّاً في المعاملة، ويحصل مع اعتقاد الطرف بصفة كمال أو فقد عيب في الشيء باعتبار فعل الغاش. وأمّا مجرّد كون الشيء موهماً لوجود صفة فيه مع عدم الطرف بالحال، وأنّه ليس للوهم حقيقة، فلا يكون من الغشّ ليحكم بحرمته، وعدم تحقّق الغشّ غالباً في تمشيط الماشطة لا يكون موجباً لتعميم التدليس في المقام. وقدلك فإنّ الدليل على حرمة فعلها هي الأدلّة العامّة الدالّة على حرمة غشّ المسلم في المعاملة أو غيرها، لا روايات الباب، فإنّه لم يتعلّق فيها نهي بتدليس الماشطة، بل تعلّق بالأفعال الخمسة المتقدّمة، ولابدّ من الالتزام بكراهة مسح الوجه بالخرقة، ولا تختصّ كراهته بالمرأة ولا بفعل الماشطة، بل هو في نفسه عمل مكروه كما يدلّ عليه ما ورد في آداب الحمّام من النهي عنه معلّلاً بأنّه يذهب ماء الوجه(90)، وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال رسول اللّه (ص) لأُمّ عطية: إذا أنت قنيت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة فإنّ الخرقة تشرب ماء الوجه»(91).


100

ولا ينبغي الريب في أنّالتعليل يناسب الكراهة ولا ربط له بالتدليس ولا يختصّ بالأمة التي يراد بيعها ولا بالجارية التي يراد تزويجها، وأمّا النمص أي نتف شعر الوجه، فالأظهر أنّه لا بأس به بل لا يكون مكروهاً أصلاً، وفي رواية علي بن جعفر أنّه «سأل أخاه موسى بن جعفر عن المرأة التي تحفّ الشعر عن وجهها؟ قال: لا بأس به»(92).

نعم، في رواية معاني الأخبار عن جعفر بن محمد عن آبائه (ع) قال: «لعن رسول اللّه (ص) النامصة والمنتمصة والواشرة والمؤتشرة والواصلة والمستوصلة والواشمة والموتشمة»(93).

وربما يقال: إنّ مقتضى الجمع بينها وبين رواية علي بن جعفر هو الالتزام بكراهة النتف وفيه أنّ رواية معاني الأخبار غير قابل للحمل على الكراهة، فإنّ اللعن الوارد فيها لا يناسبها، فلابدّ من طرحها أو تأويلها بما في رواية سعد الاسكاف قال: «سُئل أبوجعفر (ع) عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهن؟ فقال: لا بأس على المرأة بما تزيّنت به لزوجها، قال: قلت: بلغنا أنّ رسول اللّه (ص) لعن الواصلة والمستوصلة، فقال ليس هنالك إنّما لعن رسول اللّه (ص) الواصلة التي تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال فتلك الواصلة والموصولة»(94).

وأمّا وصل الشعر بالشعر فقد ورد النهي عنه في مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «دخلت ماشطة على رسول اللّه (ص) فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه؟ ـ إلى أن قال ـ ولا تصلي الشعر بالشعر»(95)، وفي مرسلة الصدوق في ذلك الباب قال قال (ع): «لا بأس بكسب الماشطة مالم تشارط وقبلت ما تُعْطى، وتصل شعر امرأة بشعر غيرها، وأما شعر المعز فلا بأس أن توصله بشعر المرأة»(96) وعلى ذلك فالمتعيّن الالتزام بكراهة وصل شعر امرأة بشعر مثلها بتقييد المرسلة الأُولى بالثانية، وحمل النهي في الأُولى على الكراهة بقرينة رواية سعد الاسكاف الواردة في حكم القرامل، حيث أنّ ظهورها ـ في عدم البأس بما يكون من زينة المرأة لزوجها حتّى إذا كان من وصل الشعر بالشعر ـ غير قابل للإنكار.

وأمّا الوشم والوشر والمراد بالأوّل ما يعبّر عنه في لغة الفرس بـ«خال?كوبى» وبالثاني ترقيق الأسنان وجعلها حادّة، فقد ورد النهي عنهما في رواية معاني الأخبار التي ذكرنا أنّها لا تناسب الحمل على الكراهة، فالمتعيّن طرحها أو تأويلها بقرينة رواية الاسكاف المتقدّمة. وعلى ذلك فلا كراهة إلا في مسح الوجه بالخرقة وفي وصل شعر المرأة بشعر امرأة أُخرى. وكراهة الثاني مبني على الإغماض عن أمر السند، وإلا فلا تصلح روايتا معاني الأخبار وعبداللّه بن الحسن ومرسلتا ابن أبي عمير والصدوق للاعتماد عليها.


101

لا يقال: لا بأس بالاعتماد على مرسلة ابن أبي عمير في الحكم بكراهة وصل شعرها بشعر امرأة أُخرى، وتأييدها بغيرها مما ورد النهي فيه عن ذلك. ووجه الاعتماد شهادة الشيخ «ره» بأنّ ابن أبي عمير لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة، وهذا منه «ره» توثيق عام لمشايخ ابن أبي عمير، فإنّه قال: وإن ذكرنا سابقاً احتمال الاعتماد على مراسله لتلك الشهادة، إلا أنّه أشرنا إلى ضعف الاعتماد، وذلك فإنّ في مشايخ ابن أبي عمير من ضعّفه الشيخ وغيره، وهذا التضعيف يكون كالاستثناء من التوثيق العام، كما أنّ في مشايخه من ضعّفه غير الشيخ «ره» مع سكوت الشيخ «ره» عن تضعيفه، ويكون التوثيق العام فيه معارضاً بتضعيف غيره كالنجاشي مثلاً، فيسقط التوثيق العام في ذلك الراوي عن الاعتبار للمعارضة. وعليه فيحتمل أن يكون الراوي الذي أرسل ابن أبي عمير هذه الرواية عنه هو ذلك الشخص الذي سقط فيه التوثيق العام عن الاعتبار للمعارضة أو الاستثناء، فلاحظ وتدبّر.

نعم قد يشكل الأمر في وشم الأطفال[1].

[1] لا يخفى ما فيه، فإنّه إذا فرض أنّ ذلك دخيل في ظهور جمال الطفل خصوصاً في الانثى، فللولي فعل ذلك لما فيه المصلحة، كما في تزيين شعر الطفل، فإنّه ربما يوجب إيذاء الطفل وبكاءه، ومع ذلك لوليّه فعل ذلك، لما فيه صلاحه من نظافته أو ظهور جماله.

بناءً على أن لا مصلحة فيه[2].

[2] أي إذا كانت المرأة متزوّجة، ففي الوشم لها صلاح، ويكون الوشم في غيرها تدليساً أي موهماً لما ليس في البدن واقعاً من البياض والصفاء.

أقول: التدليس بهذا المعنى لا دليل على حرمته، بل ولا على كراهته كما مرّ آنفاً.

دلت على كراهة كسب الماشطة[3].

[3] وبعبارة أُخرى المراد من قوله: «وقبلت ما تعطى» عدم مناقشتها في أُجرة عملها بعده، كما أنّ المراد بالمشارطة المناقشة فيها قبل عملها، وبما أنّ الكراهة أو غيرها من الأحكام التكليفية لا تتعلق بالعمل بعد تحقّقه خارجاً، ضرورة أنّ الحكم لأجل أن يكون داعياً للمكلف إلى الفعل أو الترك، فلابدّ من حمل قوله: «وقبلت ما تعطى» على قصدها وبنائها على ترك المناقشة في أُجرتها حيث أنّه لو كان الشرط في عدم الكراهة نفس ترك المناقشة خارجاً، فلازمه تعلّق الكراهة بالعمل بعد تحقّقه.

أقول: هذا إذا كان ترك المناقشة في أُجرتها بعد عملها شرطاً في ارتفاع الكراهة بنحو الشرط المقارن. وأمّا إذا أخذ بنحو الشرط المتأخر، فلا محذور.

ثمّ إنّ المصنف «ره» ذكر في وجه استحباب ترك المشارطة احتمالات ثلاثة:

الأول: أنّ ما يعطى لها لا يكون في الغالب أقلّ من أُجرة المثل، فتكلّمها ـ في أُجرتها قبل عملها أو بعده ـ باعتبار توقّعها ممن تعمل له الزيادة على تلك الأُجرة، وربما تعطى لها صيانةً للعرض أو حياءً، والمأخوذ كذلك لا يخلو عن شبهة، فأُمرت بالقناعة على المقدار المعطى لها، وترك مطالبة الزايد. وهذا الأمر لا ينافي امتناعها عن قبول المعطاة فيما إذا كانت أقلّ من أُجرة المثل.


102

الثاني: أنّ مناقشة مثلها في أُجرة عملها لا يناسب المروءة وشرافة الأشخاص فإنّ مماكستهم في إعطاء ما تتوقّع مثلها ربما لا تناسب المروءة، والمسامحة لا تكون صلاحاً باعتبار زيادة مقدار توقّعها، فالذي تعمل له مكلّف وجوباً بأداء أُجرة المثل، وهي مكلّفة ندباً بقبول ما تُعطى، وإن كان أقلّ من أُجرة مثلها على الوجه الثاني لا على الوجه الأوّل.

الثالث: أنّ الراجح في حقّها ترك الأُجرة والعمل للناس تبرّعاً، وقبول ما يُعطى لها تبرّعاً، وعلى ذلك فلا يكون لها حقّ المطالبة فيما إذا لم تعط عوضاً، والفرق بين هذا الوجه وسابقيه أنّ هذا الوجه لا ينافي ما ورد من قوله: «ولا تستعملنّ أجيراً حتّى تقاطعه كما في بعض الروايات»(97)، بخلاف الأوّلين فإنّهما ينافيانه، فلابد من رفع اليد عن اطلاق ذلك النهي، كما أنّ هذاالوجه لا يناسب ظاهر المرسلة، فإنّ مدلولها نفي البأس عن كسب الماشطة، وكسبها عملها بالأُجرة، وإلا لم يكن عملها كسباً، كما لا يكون ما يعطى لها أُجرة. وما ذكره «ره» ـ في الوجه الأوّل من قوله «وهذا لا يخلو عن شبهة» ـ ضعيف ، فإنّ المحرّم وضعاً أخذ المال وتملّكه بإكراه مالكه. وأمّا مع عدم الإكراه، فلا مانع من أخذه.

وما يقال من أنّ المأخوذ حياءاً كالمأخوذ غصباً لا شاهد له، فإنّ الرضا المعتبر في المعاملات هو عدم الإكراه لا طيب النفس واقعاً، وإلا لاتّجه الحكم بفسادها في موارد الاضطرار إليها أو مورد الاستحياء، كما إذا اشترى متاعاً بثمن زائد حياءاً من أصدقائه أو من بايعه في المناقشة في ثمنه أو المماكسة في شرائه.


103

حرمة لبس الحرير والذهب على الرجال

تزيين الرجل بما يحرم عليه[1].

[1] لا يخفى أنّ المحرّم على الرجال ليس التزيين بالحرير المحض، بل لبسه بلا خلاف ظاهر، سواء كان بنحو التزيين أم لا، كما إذا لبسه تحت ثيابه وبين التزيين ولبس الحرير عموم من وجه، فلا يكون الدليل على حرمة أحدهما دليلاً على حرمة الآخر. وفي موثقة سماعة بن مهران، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن لباس الحرير والديباج؟ فقال: أما في الحرب فلا بأس به، وإن كان فيه تماثيل»(98)، وفي موثقة إسماعيل بن الفضل عن أبي عبداللّه (ع) «في الثوب يكون فيه الحرير، فقال: إن كان فيه خلط فلا بأس»(99) إلى غير ذلك مما ظاهره حرمة لبس الحرير المحض، كما أنّ التزيّن بالذهب لم يتمّ على حرمته دليل، بل مدلول الروايات المعتبرة وظاهر الأصحاب عدم جواز لبسه، سواء كان تزيّناً أم لا، وفي موثقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه (ع) قال: «لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلّي فيه، لأنّه من لباس أهل الجنّة»(100). وفي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع): «سألته هل يصلح للرجل أن يتختم بالذهب؟ قال: لا»(101)، وظاهر النهي في الثاني هو التحريم وهو كاف في المقام، حتّى لو نوقش في دلالة الأوّل بدعوى أنّ التعليل المزبور يمنع عن ظهور النهي في التحريم.

لا يقال: لابدّ من حمل النهي في الثانية أيضاً على الكراهة بقرينة صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «قال علي (ع): نهاني رسول اللّه ولا أقول نهاكم عن التختم بالذهب وعن ثياب القسى“»(102).

فإنّه يقال: نفي علي (ع) القول من نفسه لا يدلّ على انتفاء قول النبي (ص)، حيث أنّ مثل هذا التعبير في مقام النقل متعارف، يقول أحد أولاد الرجل لاخوته: نهاني أبي عن فعل كذا، ولا أقول: نهاكم عنه، وإلا لو كان النهي لا يعم غير علي (ع) لقال روحي له الفداء: ولم ينهكم عنه، مع أنّ نهيه (ص) ـ وإن كان بعنوان الكراهة ـ مسلّم لا ينبغي الريب فيه.

وأمّا تعليل النهي بما في موثّقة عمّار غايته أن لا يكون النهي معه ظاهراً في التحريم، لا أنّه يوجب ظهوره في الكراهة الاصطلاحية، حتّى ينافي ظاهر النهي في صحيحة علي بن جعفر، فتدبّر.


104

وفي دلالته قصور[1].

[1] وجه قصور دلالته(103) كما ذكر «ره» أنّ المراد بتشبّه الرجال بالنساء وتشبّه النساء بالرجال، ليس مجرّد لبس أحدهما لباس الآخر، بل المراد بالأوّل تأنّث الرجل، وبالثاني تذكّر المرأة، بأن يكون غرض الرجل وداعيه إلى لبس لباس المرأة التأنّث، فيكون اللّبس المزبور تشبّهاً بالمرأة، وهكذا العكس. ثمّ أيّد ذلك بالرواية المحكية عن العلل «أنّ عليّاً (ع) رأى رجلاً به تأنّث في مسجد رسول اللّه (ص)، فقال له: اخرج من مسجد رسول اللّه، فإنّي سمعت رسول اللّه يقول: لعن اللّه“» وبرواية يعقوب بن جعفر الواردة في المساحقة والوجه في جعلهما تأييداً لا قرينةً هو احتمال كون المذكور في الروايتين أقوى مراتب التشبّه لا تمام مراتبه.

نعم في رواية سماعة[1].

[1] هذه معتبرة سنداً(104) إلا أنّه لا دلالة لها على المراد من النبوي، كما لا دلالة لها على التحريم لو لم نقل بظهورها في الكراهة. نعم ظاهر الرواية الثانية حرمة لبس أحدهما لباس الآخر، ولا يصغى إلى ما ذكره المصنّف «ره» من عدم ظهورها في الحرمة، فإنّ إطلاق الزجر كإطلاق النهي مقتضاه التحريم، إلا أنّها باعتبار ضعف سندها غير صالحة للاعتماد عليها، حيث رواها في مكارم الأخلاق مرسلاً كما في الوسائل(105).

بأنّ الظاهر عن التشبّه صورة علم المتشبّه[2].

[2] ويكفي في تحقّق عنوان التشبّه العلم الإجمالي المزبور.


105

التشبيب بالمرأة

التشبيب بالمرأة المعروفة[3].

[3] هذا العنوان لم يتعلّق به النهي في شيء من الخطابات، وإنّما يكون الوجه في حرمته انطباق بعض العناوين المحرّمة عليه، وأيضاً لم يظهر وجه صحيح لاعتبار قيد الاحترام بعد اعتبار كونها مؤمنة فإنّ المتجاهرة بالفسق لا يجوز أيضاً تشبيبها لجريان الوجوه الآتية فيها، كلاً أو بعضاً، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المصنّف «ره» ذكر في عبارته وجوهاً ثمانية لحرمته، ولكن الظاهر عدم تمامية شيء منها:

الأوّل: كون التشبيب هتكاً وتفضيحاً للمرأة، وفيه أنّ النسبة بين التشبيب والهتك عموم من وجه، فإنّه قد لا يكون هتك فيه، كما إذا أنشأ شعراً في محاسن امرأة بين النساء أو أقاربها العارفين بحالها وجمالها، وقد يكون ذكر محاسنها هتكاً لها بلا تشبيب كما إذا ذكرها بين الأجانب بالنثر بلا إنشاء شعر.

الثاني: كون التشبيب إيذاءً لها، وفيه أنّ الإيذاء ـ بنحو يوجب تأثّر الغير وتألّمه بالتصرّف في مال ذلك الغير أو ما يتعلّق به ـ حرام، وكذا فيما إذا كان تصرّفه في مال نفسه أو ما يتعلّق به، ولكن كان غرضه منه تأثّر ذلك الغير فتألّمه، وأمّا إذا كان تصرّفه في مال نفسه أو ما يتعلّق بداع صحيح يترتّب عليه تألّم الغير وتأثّره، فلا يكون من الإيذاء المحكوم بالحرمة. وعلى ذلك فإذا كان لذاكر محاسنها للغير غرض صحيح يترتب عليه تألّمها وتأثّرها فلا يكون من الإيذاء حتّى يحكم بحرمته.

الثالث: إغراء الجهّال بها، وفيه أنّ التشبيب لا يكون ملازماً للإغراء وهذا واضح.

الرابع: إدخال النقص عليها وعلى أهلها، وفيه أنّ الفرق بين ذلك وبين هتكها غير ظاهر.

الخامس: كون التشبيب من اللهو الباطل، وفيه أنّه لا إطلاق في دليل حرمة اللهو كما سيأتي حتّى يعمّ مثل التشبيب.

السادس: كون التشبيب من الفحشاء، فيعمّه مثل قوله سبحانه المتضمّن لتحريم الفحشاء، وفيه أنّ كونه من الفحشاء أوّل الكلام.

السابع: كونه منافياً للعفاف، وفيه انّ اعتبار العفاف ـ بمعنى الاجتناب عن المحرّمات ـ في العدالة ظاهر، وأمّا غيره فلا.


106

الثامن: استفادة حرمته من بعض الآيات والروايات الواردة في بعض المحرّمات والمكروهات، وفيه أنّ غاية ما يمكن استظهره من الآية والروايات المشار إليها في المتن كون تهييج القوّة الشهوية حكمة فيها، لا أنّ التهييج المزبور علّة حتّى يمكن التعدّي إلى مثل المقام.

نعم، لو قيل بعدم حرمة التشبيب بالمخطوبة[1].

[1] قد ذكرنا أنّ التشبيب بعنوانه غير محرّم، بل يحرم فيما إذا انطبق عليه عنوان محرّم آخر، بلا فرق في ذلك بين المخطوبة أو من يراد تزويجها أو غيرهما.

وأمّا المعروفة عند القائل[2].

[2] يمكن كون المرأة معيّنة عند القائل ومجهولة عند السامع، وهذا تارةً مع علم السامة إجمالاً بقصده امرأة من بيت فلان أو من بلد فلان مثلاً، وأُخرى لا يدري ذلك أيضاً، ولكن لم يظهر وجه الإشكال في الجواز، خصوصاً في الفرض الثاني.

وأمّا التشبيب بالغلام[1].

[1] إذا كان غرض قائله إظهار كمال الغلام وجماله المنعم له من خالقه، نظير ما يذكر قارئ العزاء في وصف علي بن الحسين الأكبر سلام اللّه عليه وعلى أبيه، فلا دليل على حرمته. وأمّا إذا كان للاشتياق إلى ما فيه فساد الديار ونزول عذاب الجبّار إلى أهلها، فلا فرق في الحرمة بين إنشاء الشعر أو ذكر محاسنه بغيره، فإنّه من الترغيب إلى المنكر المستفاد في الحرمة بين إنشاء الشعر أو ذكر محاسنه بغيره، فإنّه من الترغيب إلى المنكر المستفاد حرمته بين إنشاء الشعر أو ذكر محاسنه بغيره، فإنّه من الترغيب إلى المنكر المستفاد حرمته من فحوى دليل وجوب النهي عنه، كما لا يخفى.


107

تصوير ذوات الأرواح وغيرها

تصوير صور ذوات الأرواح حرام[2].

[2] يحرم تصوير ذوات الأرواح بنحو المجسمة، بلا خلاف ظاهر، وفي حرمته إذا كان بنحو النقش كلام. وظاهر جماعة أو صريحهم عدم الجواز، كما أنّ ظاهر بعضهم جوازه، وهو الأظهر، كما هو مقتضى الأصل بعد عدم تمام الدليل على المنع. وما قيل في وجه عدم جوازه أُمور:

الأوّل: رواية الحسين بن زيد عن الصادق (ع) عن آبائه في حديث المناهي: «ونهى عن التختّم بخاتم صفر أو حديد، ونهى أن ينقش شيء من الحيوان على الخاتم»(106)، وفيه مضافاً إلى ضعف سندها يحتمل أن يكون النهي راجعاً إلى التختّم بخاتم يكون فيه نقش الحيوان. بل مع تعلّق النهي بنقش الحيوان على الخاتم يكون المحرّم أو المكروه نقش الحيوان على الخاتم، لا مطلق تصوير الحيوان بنحو المجسّمة، فضلاً عن كونه بنحو النقش على الحائط أو مثل القرطاس.

الثاني: موثّقة أبي بصير عن أبي عبداللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): «أتاني جبرئيل، قال: يا محمد إنّ ربّك يقرئك السلام وينهى عن تزويق البيوت، قال أبو بصير: فقلت: وما تزويق البيوت؟ فقال: تصاوير التماثيل»(107)، وفيه أنّه لم يظهر كون متعلّق النهي هو المعنى المصدري للتصوير بل من المحتمل جدّاً أن يكون متعلّقه اتّخاذ الصور في البيوت نقشاً أو مجسمة، ولابدّ من حمل هذا النهي على الكراهة، لما سيأتي من الترخيص فيه في الروايات الأُخرى.

الثالث: ما تقدّم من تحف العقول من أنّه لا بأس بصنعة صنوف التصاوير مالم يكن مثل الروحاني، وفيه أنّها وإن كانت ظاهرة في عدم جواز تصوير الحيوان بنحو النقش أو التجسيم، إلا أنّ دعوى انصراف الصورة والمثال بقول مطلق إلى المجسّمة لا يمكن المساعدة عليها، كما يظهر وجهه بملاحظة الروايات واللغة، ولكنّها باعتبار ضعف سندها غير قابلة للاعتماد عليها كما ذكرنا ذلك عند التعرّض لها.


108

الرابع: ما في الروايات المستفيضة، ومنها: ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبداللّه (ع) قال: «من مثّل تمثالاً كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح»، وفي حديث المناهي المتقدّم: «وقال رسول اللّه من صوّر صورةً كلّفه اللّه يوم القيامة أن ينفخ فيها، وليس بنافخ». وربّما يناقش في دلالتها بعد الإغماض عن سندها، بأنّ مقتضى الأمر بالنفخ أن تكون الصورة مجسّمة، ويجاب عن ذلك تارةً بإرجاع الأمر بالنفخ إلى الأمر بالتجسيم أوّلاً، ثمّ النفخ فيه، وهذا الجواب كما يذكر المصنّف «ره» خلاف الظاهر، وأُخرى بأنّ النقش باعتبار محلّه أو باعتبار الأجزاء اللّطيفة من الصبغ قابل للنفخ، وكذا إذا كان من قبيل أمر الإمام (ع) الأسد المنقوش على بساط الخليفة بأخذ الساحر في ذلك المجلس، ولعلّه في الحقيقة من تعلّق إرادته (ع) بمحو الصورة عن البساط وحضور أسد يكون صورته موافقاً لما كان في البساط.

أقول: التكليف الوارد في هذه الأخبار بالنفخ اعتذاري لا يعتبر تعلّقه بالممكن أو المقدور، فلا يكون في الأمر قرينة على اختصاص الصورة بالمجسّمة، كما لا حاجة إلى فرض إمكان النفخ في النقش. اللّهمّ إلا أن يقال: إنّ الأمر بالنفخ يقتضي كون الصورة مجسّمة، لا لأنّ الأمر يتعلّق بالممكن أو المقدور حتّى يجاب عنه بأنّ الأمر به اعتذاري، بل لأنّ الأمر بالنفخ ظاهره نقص الصورة من الحيوان أو الإنسان في جهة الروح فقط.

الخامس: صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن تماثيل الشجر والشمس والقمر؟ فقال: لا بأس مالم يكن شيئاً من الحيوان»(108)، وذكر المصنّف «ره» أنّ هذه أظهر ما في الباب من حيث شمولها للصورة بنحو النقش، وذلك بقرينة تمثال الشمس والقمر الذي يكون بالنقش عادة، وفيه أنّ هذه الصحيحة لا دلالة لها على عدم جواز التصوير بمعناه المصدري، حيث أنّ من المحتمل رجوع السؤال فيها إلى اقتناء الصور.

لا يقال: على تقدير كون المراد منها السؤال عن الاقتناء تكون دالّة على حرمة التصوير أيضاً، حيث أنّ حرمة الاقتناء لازمها حرمة عملها، إذ لا يحتمل حرمة اقتناء الصورة وجواز عملها. والحاصل أنّ حرمة عملها تثبت بالصحيحة على كلّ تقدير، إمّا بدلالتها المطابقية، كما إذا كان السؤال راجعاً إلى العمل أو بالالتزام بناءً على كونها ناظرة إلى حكم الاقتناء.

فإنّه يقال: إذا كان النهي فيها عن الاقتناء فيحمل على الكراهة لا محالة، لما يأتي من القرينة الواضحة عليها. وكراهة الاقتناء لا تلازم حرمة العمل.

السادس: ما في المحاس عن أبيه عن ابن سنان عن أبي الجارود عن الأصبغ بن نباتة عن أميرالمؤمنين (ع) قال: «من جدّد قبراً أو مثّل مثالاً فقد خرج عن الإسلام» ووجه دلالته أنّ التصوير والمثال كما حكى كاشف اللّثام عن أهل اللّغة مترادفان، والغالب خارجاً من تصوير الحيوانات نقشها، ولو لم تكن الرواية مختصّة بالغالب فلا أقلّ من شمولها له. وربّما يقال: إنّ المراد بتمثيل المثال فيها صنع الصنم بقرينة خروج الفاعل عن الإسلام، كيف؟ ولا يكون التصوير أشدّ من الزنا ونحوه من المعاصي الكبيرة التي لا يخرج فاعلها بفعلها عن الإسلام؟

أقول: هذا خروج حكمي عن الإسلام، نظير قوله سبحانه: «ومن كفر فإنّ اللّه غنيّ عن العالمين»(109)، وإلا فصنع الصنم أيضاً لا يوجب الخروج عن الإسلام.


109

والحاصل أنّ التصوير لا يقلّ وزراً عن تجديد القبر وتعميره، وقد ذكر في حديث خروج فاعلهما عن الإسلام. والعمدة ضعف السند وعدم ثبوت الترادف بين التصوير والتمثال، كما لا يخفى.

ويؤيّده أنّ الظاهر انّ الحكمة في التحريم[1].

[1] يعني يؤيّد حرمة تصوير الحيوان ـ ولو كان بنحو النقش ـ حكمة هذا الحكم وهو تشبه المصوّر بالخالق تعالى. وفيه:

أوّلاً: أنّه لا سبيل لنا إلى إحراز أنّ حكمة الحكم هو التشبّه بالخالق، وإلا لجرى في تصوير الأشجار وغيرها كما سنذكر.

وثانياً: انّ التشبّه لا يكون بمجرّد النقش، بل بإبداع الجسم الشامل على تمام وسائل الحياة وأبزارها. ودعوى أنّه لا دخل للمادة في التشبه لا يمكن المساعدة عليها، كما لا يخفى.

وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا عدم تمام الدليل على حرمة التصوير بنحو النقش ولا بنحو التجسيم، وإن كان التجسيم باعتبار عدم ظهور الخلاف في حرمته مورداً للاحتياط.

لا يقال: قد ورد في روايات مستفيضة من صوّر صورة كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ، ودلالتها على حرمة التصوير بنحو المجسّمة تامّة، وضعف سندها منجبر بعمل المشهور، بل بعدم ظهور الخلاف بين الأصحاب.

فإنّه يقال: لم يعلم استناد كلّهم أو جلّهم في حكمهم بعدم الجواز إلى تلك الروايات، ولعلّهم استفادوا الحكم من صحيحة محمد بن مسلم أو موثقة أبي بصير المتقدّمتين. وبما أنّا ناقشنا في دلالتهما على حرمة إيجاد الصورة وعملها، فيكون المقام نظير قولهم بنجاسة ماء البئر استناداً إلى أخبار النزح. وكيف كان فلا يمكننا الافتاء بالحرمة، بل غاية الأمر الالتزام بالاحتياط كما ذكرنا.

ثمّ لا يخفى أنّ ما دلّ على حرمة التصوير ولو نقشاً على تقدير تمامه لا يعمّ التصوير المتعارف في زماننا المعبّر عنه بالفارسية (عكس كرفتن)، وذلك، فإنّ ظاهر ما تقدّم حرمة إيجاد الصورة وعملها نقشاً أو مجسّمة. وأمّا العمل على بقاء الصورة الواقعة من الشيء في شيء آخر كما في هذا التصوير المتعارف، فغير داخل في مدلولها، كما إذا صبّ المكلّف مايعاً على المرآة الواقعة عليها صورة إنسان، فثبتت في المرآة تلك الصورة بصبّه، فإنّه لا يسمّى ذلك تصويراً بالمعنى الوارد عليه الأخبار.


110

وإن كان ما ذكره لا يخلو عن نظر[1].

[1] ووجهه كما سيذكر «ره» أنّ روايات المنع ظاهرها قصد حكاية الشيء وتمثيله. وأمّا فعل ما تدعوه إليه حاجته ويكون شبيهاً بشيء من خلق اللّه من غير قصد تصويره والحكاية عنه، فلا تعمّه تلك الروايات، وثياب ذوات الأعلام أو الثياب المحشوة مع شبه طرائقها بالأخشاب من هذا القبيل. والحاصل أنّ حرمة نقش غير الحيوان من سائر المخلوقات لا تلازم حرمة خياطة الثياب المحشوة وغيرها.

ولكن العمدة في اختصاص الحكم[2].

[2] ولكن لا تصل النوبة إلى أصالة الإباحة في مقابل ما يدلّ على جواز تصوير غير الحيوان.

فبها يقيّد بعض ما مرّ من الاطلاق[3].

[3] أي أنّه بهذه الرواية الدالة على جواز تماثيل الشجر وغيره بنحو النقش والتجسيم، يرفع اليد عن إطلاق مثل قوله: «ونهى عن تزويق البيوت» بحمله على تزويقها بصورة الحيوان أو الإنسان نقشاً أو مجسمةً.

ثمّ انّ من الأقوال في المسألة المنع عن تصوير ذي الروح وغيره بنقش أو تجسيم أخذاً بالاطلاق المتقدّم اللازم تقييده بما ذكر، والمنع عن التصوير بنحو المجسمة سواءً كانت صورة حيوان أو غيره. والتفصيل في المنقوش بين الحيوان وغيره مما لا حياة له، فلا يجوز الأول ويجوز الثاني.

والوجه في هذا التفصيل دعوى انصراف الروايات المجوّزة إلى بيان حكم النقش، وأنّ المنقوش لا بأس به إذا لم يكن حيواناً، ولكن مقتضى الدعوى المزبورة هو الحكم بكراهة التصوير مطلقاً، سواء كان بنحو المجسّمة أو النقش أم كان حيواناً أو غيره، وذلك لما ذكره المصنّف «ره» من أنّ التصوير والتمثال على تقدير انصرافه إلى النقش باعتبار كون الغالب خارجاً هو النقوش لكان هذا الانصراف في كلتا الطائفتين أي في الروايات المانعة عن التصوير والمجوّزة له، فلابدّ من حمل المانعة على الكراهة باعتبار ورود الرخصة في الثانية، فلا يكون في البين دليل على حرمة التصوير بالمجسّمة في الحيوان وغيره، فتكون مكروهة إلحاقاً لها بالنقش. وهذا الإشكال من المصنّف «ره» مبنيّ على التزام القائل المزبور بعدم الفصل بين الحيوان وغيره، وإلا لكانت النتيجة حرمة نقش الحيوان والإنسان وجواز نقش غيرهما، وذلك لثبوت الترخيص في نقش غير الحيوان والإنسان، فيحمل المنع في الطائفة الأُولى على نقشهما ويلحق تصوير الإنسان أو الحيوان بنحو المجسّمة بنقشهما بالفحوى كما لا يخفى.

فلا يقدح نقص بعض الأجزاء[1].

[1] بأن يصدق على الناقص أنّها صورة إنسان أو حيوان، كما في الحيوان المقطوع اذنه أو رجله، وليس فيما ورد من تغيير الصورة بقلع عينها أو بغيره دلالة على جواز تصوير الناقص، لأنّ القلع موجب لارتفاع كراهة اقتناء الصورة لا جواز تصويره كذلك.

ولو اشتغل بتصوير حيوان فعل حراماً[2].


111

[2] يعني لو قصد تثوير الحيوان مثلاً بتمامه وشرع فيه، يكون بشروعه مستحقّاً للعقاب حتّى فيما لو بدا له بعد ذلك فلم يتمّه. وهل هذا الاستحقاق على مخالفة النهي عن التصوير أو للتجري؟ وجهان: وجه كونه تجرّياً أنّه قصد الحرام واشتغل ببعض مقدّماته، ووجه كونه محرّماً من حيث التصوير أنّ معنى حرمة الفعل الذي من قبيل المركب ليس عرفاً إلا الاشتغال به بداعي تحقيقه وإن لم يتمّه. والفرق بين تحريم المركّب وجابه مع أنّ موافقة الإيجاب لا تكون إلا بإتمام ذلك المركب قضاء العرف.

أقول: فيه ما لا يخفى، فإنّ العنوان المحرّم إذا كان بحيث لا يصدق إلا على المجموع كما هو المفروض، لأنّ المنهي عنه تصوير الحيوان أو الإنسان وعمل تمثالهما، وهذا يكون بنقشهما أو تجسيمهما من قرنهما إلى قدمهما، فيكون اتصاف الجزء الأول بكونه حراماً مشروطاً بتحقّق الجزء الآخر كما في الواجبات الارتباطية، فالتفرقة بين الواجبات والمحرّمات في ذلك بلا وجه. ولو اشتغل اثنان بتصوير حيوان بأن قصد هذا تصوير بعضه والآخر تصوير بعضه الآخر، وكان ذلك بعلم كلّ منهما بفعل صاحبه، فلا يبعد الالتزام بحرمة تصوير البعض في الفرض أخذاً بقوله سبحانه: «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» حيث أنّ مقتضى الأدلّة الأوّلية عدم جواز تصوير كلّ مكلف تمام الحيوان، ومقتضى الآية حرمة الاشتراك في تحقيق ذلك الحرام كما لا يخفى وليس المحرّم بحسب الأدلة هو إتمام الصورة كما إذا قصد أحد تصوير جسد الحيوان مثلاً بلا رأس، بلا علم منه انّ الآخر يكمله، وأكمله الآخر برسم الرأس له، فلا يكون فعل الثاني حراماً باعتبار كونه إتماماً لتلك الصورة، فإنّ المحرّم هو تصوير كلّ مكلّف الحيوان أو الإنسان لا إتمام صورتهما، وتصويرهما لا يصدق على مجرّد إتمامهما، كما أنّه لا يصدق على تصوير بعضهما. وقد تقدّم دلالة صحيحة محمد بن مسلم على عدم البأس بتصوير لا يكون حيواناً، كما أنّ المستفاد من روايات التكليف بالنفخ اعتبار المنهي عنه بنحو يكون بالنفخ إنساناً أو حيواناً. وتصوير بعض أعضائهما لا يكون كذلك، فتدبّر.


112

حكم اقتناء الصور والكسب بها

بقي الكلام في جواز اقتناء ما حرّم عليه[1].

[1] لا يخفى أنّ جواز اقتناء الصورة ملازم لجواز المعاملة بها، فإنّ اقتناءها لزينة البيوت وغيرها منفعة مقصودة يوجب جوازه جوازها، ولا يقاس اقتناؤها باقتناء الخمر مثلاً، حيث أنّجواز اقتنائه للتخليل لا يكون موجباً لجواز بيعه، فإنّ المنفعة المقصودة من الخمر شربها وهو محرّم، بخلاف الصور. هذا مع ورود النهي عن بيع الخمر وشرائعها وضعاً وتكليفاً كما مرّ. وأمّا لو قيل بحرمة اقتناء الصورة أو وجوب محوها فلازمه الحكم بفساد المعاملة عليها، باعتبار عدم المنفعة المحلّلة فيها، فيكون أكل المال بها أكلاً بالباطل. ولذا ذكر في جامع المقاصد جواز إبقاء الصور واقتنائها فيجوز بيعها. وعن المقنعة والنهاية والسرائر عدم جواز التجارةبها، ولازمه عدم جواز اقتنائها. وكيف كان فذكر المصنّف «ره» في عدم جواز اقتنائها وجوهاً:

الوجه الأوّل: انّ الدليل على حرمة شيء حدوثاً دليل على حرمة إبقائه، باعتباران ذلك مقتضى مبغوضيته، وأجاب عن ذلك فيما بعد أنّ ظاهر الدليل هي حرمة عمله. وأمّا إبقاؤه بعد عمله فلا يستفاد حرمته. نعم لو كان حرمة عمل الشيء بحيث يعمّ بقاءه بأن تكون دلالته على حرمة الإبقاء بالملازمة العرفية كما في حرمة تنجيس المسجد باعتبار احترامه، وعدم جواز هتكه، فيعمّ الحكم الإبقاء، ويكون الدليل على حرمة تنجيسه دالاً بالملمة على وجوب تطهيره.

الوجه الثاني: صحيحة محمد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن تماثيل الشجر والشمس والقمر؟ قال: لا بأس مالم يكن شيئاً من الحيوان»(110) بدعوى رجوع السؤال عن الأعيان إلى الفعل المناسب لها، والمناسب للتماثيل اقتناؤها لزينة البيوت وغيرها لا عملها، كما إذا سئل عن الخمر وأُجيب بالحرمة يكون ظاهره حرمة شربها، فإنّه المتعارف في الخمر لا عملها، بل ما نحن فيه يمتاز عن مثل الخمر بأن عمل الخمر يقع من كلّ إنسان يريد عمله، بخلاف التصوير، فإنّه لا يقع إلا من البعض، فيمكن رجوع السؤال عن الخمر إلى عملها بخلاف التماثيل.

وأجاب «ره» عن هذا الوجه برجوع السؤال إلى عملها، فإنّ عمل التصاوير مرتكز في أذهان عامّة الناس، ويكون السؤال عن حكم اقتنائها بعد معرفة حكم عملها، إذ لا يحتمل عدم جواز اقتناء ما يجوز عمله.


113

أقول: لم يظهر من الصحيحة رجوع السؤال إلى عمل التماثيل، فإنّه لو لم تكن ظاهرة في حكم الاقتناء فلا أقلّ من عدم ظهورها في عملها. وما ذكره المصنّف «ره» في وجه رجوع السؤال إلى عملها ضعيف، فإنّه يمكن أن لا يعلم السائل حكم عملها، ومع ذلك يسأل عن حكم اقتنائها باعتبار خروج عملها عن ابتلائه، لعدم معرفته بالتصوير أو عدم قصده، بخلاف اقتنائها كما يمكن علمه بحرمة عملها أو كراهته من قبل ويسأل فعلاً عن حكم اقتنائها.

وما ذكر ـ في وجه رجوع السؤال إلى الاقتناء من أنّ السؤال عن الخمر لا ينصرف إلى عملها، مع أنّ عملها يقع من كلّ واحد فكيف بالتصوير، فإنّه عمل مختصّ بالنقّاش ـ غير تامّ، بل الأمر أشبه بالعكس، فإنّه لا يعرف كلّ إنسان عمل الخمر، بخلاف التصوير ولو بصورة ما، كما لا يخفى.

الوجه الثالث: الحصر المذكور للصناعة في حديث تحف العقول حيث ذكر فيه أنّ الصناعة المحرّمة هي التي يجيء منها الفساد المحض، ولا يكون فيها جهة صلاح، ويحرم جميع التقلّب فيها وإذا حرم تصوير الحيوان كما هو الفرض يكون فيه الفساد المحض، بمقتضى الحديث كما يحرم جميع التقلّب فيه الذي منه بيع الصورة وشراؤها واقتناؤها. وأجاب «ره» عن هذا الوجه بأنّ المذكور في الحديث من الصناعة قسمان: الأوّل: ما يكون فيه الصلاح والفساد معاً. والثاني: ما يكون فيه الفساد المحض، ومدلوله أنّ المحرّم من هذين القسمين هو الثاني الذي يحرم فيه جميع التقلب. وأمّا أنّه ليس للصناعة قسم ثالث، وهو ما إذا كان الفساد المحض في عمله فقط لا في إبقاء المصنوع، فيكون المحرم عمله فقط، فلا يكون الحديث نافياً لذلك، فإنّ الحصر الوارد فيه إضافي، أي ناظر إلى القسمين المذكورين، وأنّ المحرّم منهما الثاني لا الأوّل. وعلى ذلك فيمكن كون التصوير من القسم الثالث الخارج عن مدلول الحديث، بأن كان عمل الصورة محرّماً دون اقتنائها.

أقول: حمل الحصر فيه على الإضافي لا يناسب وروده في بيان ضابط الحلال والحرام من الكسب.


114

الوجه الرابع: ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال أميرالمؤمنين (ع): بعثني رسول اللّه (ص) إلى المدينة، فقال: لا تدع صورة إلا محوتها، ولا قبراً إلا سوّيته، ولا كلباً إلا قتلته»(111)، وأجاب «ره» عن هذا الوجه بأنّ الأمر فيه محمول على الاستحباب أو على كراهة إبقاء الصورة، بقرينة الأمر بتسوية القبور وقتل الكلاب. وفيه أنّ قرينة السياق ـ بأن يكون رفع اليد عن ظهور الطلب بالإضافة إلى فعل موجباً لرفع اليد عن ظهوره بالإضافة إلى الفعل الآخر أيضاً ـ لا أساس لها. ولذا لا تكون القرينة على استحباب غسل الجمعة موجباً لرفع اليد عن الظهور بالإضافة إلى غسل الجنابة أيضاً، كما في مثل قوله: (اغتسل للجمعة والجنابة) فضلاً عن مثل: (اغتسل للجمعة واغتسل للجنابة)، نعم نلتزم بحمل النهي عن إبقاء الصورة على الكراهة، لكن لا بقرينة السياق، بل للروايات الآتية الظاهرة في الترخيص في اقتنائها.

الوجه الخامس: صحيحة علي بن جعفر المحكية عن المحاسن عن موسى قاسم عنه عن أخيه (ع) أنّه «سأل أباه عن التماثيل؟ قال: لا يصلح أن يلعب بها»(112) ورواها عن قرب الإسناد عن عبداللّه بن الحسن عن جدّه علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر (ع)، قال: «سألته عن التماثيل هل يصلح أن يلعب بها؟ قال: لا» وهذه على النقل الأوّل مؤيّدة لما تقدّم من أنّ السؤال عن التماثيل لا يكون ظاهراً في السؤال عن صنعها وعملها.

الوجه السادس: تصدّيه سلام اللّه عليه للدفاع عن سليمان النبي (ع)، بأنّ المصنوع له كانت صورة الشجر، فإنّه لا مورد للدفاع عنه بالجواب المزبور إلا مع عدم مناسبة اقتناء الصور لمثله (ع)، ولو كان المنافي صنعها فقط لم يكن للاعتراض وجه، حيث انّ عمله (ع) كان الاقتناء لا الصنع. وفيه أنّ الاعتراض باعتبار مشية سليمان صنع الصور، وهذا لا يجتمع مع حرمة التصوير، فدافع سلام اللّه عليه بأنّ المصنوع له كانت صورة شجر، بل لو كان الاعتراض والدفاع راجعين إلى ا لاقتناء لما كانت أيضاً فيها دلالة على حرمة اقتناء صورة الحيوان. وذلك فإنّ الدفاع والاعتراض يصحّان على تقدير كون الاقتناء مكروهاً، لأنّ المكروه لا يليق بشأن النبي، فدافع (ع) بأنّ الصورة لم تكن حيواناً حتّى يكره اقتناؤها.

الوجه السابع: صحيحة زرارة بن أعين عن أبي جعفر (ع)، قال: «لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيّرت رؤوسها منها وترك ما سوى ذلك»(113) فإنّ مفهومها ثبوت البأس بها مع عدم التغيير وثبوت البأس في شيء مطلقاً مقتضاه حرمته. وفيه أنابدّ من حمل البأس في الرواية ومثلها على الكراهة كما هو مقتضى الجمع بينها وبين الأخبار المجوزة لاقتناء التماثيل في البيت والصلاة فيها. وذكر المصنّف «ره» أنّ في هذه الصحيحة دلالة على جواز اقتناء الصور وعدم وجوب محوها، ولعلّه باعتبار أنّ تغيير رأس الحيوان لا يخرجه عن كونها صورة حيوان ولو في بعض موارد التغيير. نعم مثل حذف رأس الحيوان يخرجه عن صورة الحيوان.


115

الوجه الثامن: حسنة المثنّى عن أبي عبداللّه (ع) «أنّ عليّاً (ع) كره الصور» بضميمة ما ورد من أنّه (ع) لا يكره الحلال كما في بعض الروايات الواردة في الربا. وفيه أنّ المراد بالحلال هو المباح المساوي طرفاه لا المقابل للحرام، ضرورة أنّه (ع) يكره المكروهات في الشرع(114).

الوجه التاسع: ما رواه الحسن بن فضل الطبرسي في مكارم الأخلاق عن الحلبي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «وقد أُهديت إليَّ طنفسة (ثوب أو بساط) من الشام عليها تماثيل طائر، فأمرت به فغُيِّر رأسه فجُعل كهيئة الشجر»(115) وفيه أنّ الرواية مرفوعة وفعله (ع) أو أمره بالتغيير لا يدلّ على حرمة الإبقاء حيث يحتمل كونه لأجل الكراهة.

فهي معارضة بما هو الأظهر والأكثر[1].

[1] لا يخفى ظهور بعض الأخبار المعتبرة في جواز إبقاء الصور في البيوت تكليفاً، وعدم كونها موجبة لبطلان الصلاة، كصحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن التماثيل في البيت؟ فقال: لا بأس إذا كان عن يمينك وعن شمالك وعن خلفك أو تحت رجليك، وإن كانت في القبلة فالق عليها ثوباً»(116)، حيث أنّ مقتضى إطلاق نفي البأس جواز إبقائها تكليفاً ووضعاً، والأمر بإلقاء الثوب عليها فيما إذا كانت في القبلة لا يصلح لكونه قرينة على اختصاص السؤال والجواب بالوضع، كما أنّ عدم الاستفصال في الجواب بين كونها بنحو المجسّمة أو النقوش مقتضاه عدم الفرق بينهما في الحكم، والأمر بإلقاء الثوب ـ أو تغيير الرأس أو قلع العين ونحوه ـ حكم غير إلزامي، بقرينة مثل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (ع) قال: «سألته عن البيت فيه صورة سمكة أو طير وشبهها يعبث به أهل البيت، هل تصلح الصلاة فيه؟ فقال: لا، حتّى تقطع رأسه ويفسد، وإن صلّى فليست عليه إعادة»(117)، حيث أنّ نفي الإعادة قرينة على حمل النهي على الكراهة، بل لا يبعد أن يقال: إنّ عدم أمره (ع) بمحو تلك الصورة مطلقاً قرينة على جواز اقتنائها.

مثل صحيحة الحلبي[2].

[2] هذه الرواية دلالتها على جواز الاقتناء واضحة(118).


116

وعن قرب الاسناد عن علي بن جعفر[3].

[3] وفي السند عبداللّه بن الحسن. وحاصل ما ذكره «ره» ـ في كون هذه الرواية قرينة على عدم حرمة اقتناء الصور ـ هو أنّ الأمر بالكسر فيها ليس باعتبار وجوب محو الصورة تكليفاً، وإلا لم يكن وجه للتفرقة بين الصورة في البيت وبين الصورة في الستر بالأمر بالكسر في الأوّل، وبالنزع في الثاني، بل كان الواجب إزالة الصورة، حتّى التي كانت في الستر. واحتمال أن يكون المراد بكسر رؤوس التماثيل شاملاً لما في الستر أيضاً، والأمر بنزع الستر لكونه مقدّمة للتغيير فيه ما لا يخفى، بل الظاهر أنّ الحكم بالكسر والنزع لرعاية الصلاة.

أقول: قد تحصّل مما ذكرنا إلى هنا جواز اقتناء الصور، سواء كانت بنحو المجسّمة أو النقوش، حتّى على القول بحرمة التصوير، ويلازم جواز اقتنائها جواز المعاملة عليها، حيث أنّ اقتنائها لتزيين البيوت بها منفعة مقصودة توجب ماليّتها. وهذا فيما إذا باع الصور بما هي مجسّمة وصور. وأمّا إذا باعها بعنوان موادّها، فجوازه لا كلام فيه، حيث أنّ بيعها كذلك لا يزيد على بيع مادّة الصنم. وقد تقدّم جوازه.


117

حرمة البخس

أو المراد اتخاذه كسباً[1].

[1] بأن يؤجر نفسه للكيل بنحو التطفيف، حيث أنّه في الفرض يدخل في الأفعال المحرّمة التي يؤخذ عليها الأُجرة، فيكون أكلها بالباطل.

يدل عليه الأدلة[2].

[2] لا يخفى أنّه لا يمكن في المقام إحراز الإجماع التعبّدي الذي يكون أحد الأدلّة، بل الإجماع في مثل المقام مدركي، فإنّه إذا علم أو احتمل المدرك لاتفاق العلماء، فلابدّ من ملاحظته، فإن تمّ لزم القول بما قالوا لا لقولهم، بل لذلك المدرك وإن لم يتمّ، فلا يكون اعتبار في اتفاقهم. وهذا بخلاف الإجماع التعبّدي الكاشف عن حجّة معتبرة، بحيث لو كانت واصلة إلينا لكانت تامّة عندنا أيضاً. وفي المقام مع دلالة الكتاب المجيد على حرمة البخس في المكيال أو الميزان، وكونه من الكبائر كما هو مقتضى قوله سبحانه: «ويل للمطفّفين» ودلالة الأخبار وحكم العقل بأنّه ظلم وأكل لمال الغير عدواناً لا مجال لدعوى الإجماع التعبّدي.

ثم انّ البخس في العدو الذرع[1].

[1] لا يخفى أنّ البحث في معنى التطفيف، وكونه البخس في المكيال أو الميزان فقطأو مطلق البخس، حتّى في العدّ والذرع لا يترتب عليه ثمرة عملية. وذلك لدخول البخس في العدّ والذرع فيه حكماً بلا شبهة، ولا يحتمل الفرق بين النقص في الكيل أو الوزن، والنقص في العدّ والذرع. وظاهر المصنّف «ره» اختصاص معنى التطفيف بالكيل والوزن، فلاحظ.

ولو وازن الربوي بجنسه فطفف في أحدهما[2].

[2] تعرّض «ره» لصور ثلاث:

الأُولى: وقوع المعاملة على الكلّي المعيّن وزناً، فيكون دفع الناقص في مقام الوفاء بتلك المعاملة، ويبقى مقدار النقص في عهدته.

الثانية: وقوع المعاملة على المدفوع خارجاً بلا شرط المقدار، يكون النقص في هذه الصورة موجباً لفساد المعاملة كما هو مقتضى لزوم الربا.

لا يقال: ظاهر كلام المصنّف «ره» في هذه الصورة الحكم بصحّة المعاملة مع عدم كون العوضين متجانسين، حيث إنّه علّل فسادها بلزوم الربا.

فإنّه يقال: نعم مع عدم كونهما متجانسين يحكم بصحتهما، بل وعدم الخيار للطرف، لأنّ المفروض وقوع المعاملة على الشيء بلا اشتراط المقدار والغرر مندفع باعتقاد المشتري وإحرازه مقدار المبيع، وكذلك البايع، بل لو فرض علم البايع بالحال، وأنّه ناقص عمّا يعتقده المشتري، فلا تكون حرمة تطفيفه موجبة لفساد المعاملة.


118

الثالثة: وقوع المعاملة على المدفوع خارجاً بشرط كونه بالمقدار المساوي للعوض الآخر، فإن قيل: إنّ اشتراط المقدار لا يزيد على سائر الشروط الموجب تخلّفها الخيار للطرف، فيحكم بفساد المعاملة باعتبار لزوم الربا أيضاً. وأمّا بناءاً على أنّ شرط المقدار في حكم الجزء فتكون المعاملة منحلّة، فتصحّ بالإضافة إلى الموجود، وتبطل في مقدار النقص. وإلى ما ذكرنا من الانحلال وعدمه أشار «ره» بقوله: «ويمكن ابتناؤه على أنّ اشتراط المقدار» والظاهر أنّ اشتراطه لا يكون كسائر الشروط التي لا يوجب تخلّفها إلا الخيار للطرف، بل يكون البيع بالإضافة إليه منحلاً، ولذا لو اشترى بعشرة دنانير مقداراً من الكتب بشرط كونه خمسين عدداً، فلو سئل المشتري عن سعر الشراء وأجاب بشراء الواحد بخمس الدينار كان صحيحاً، ولو ظهر النقص في العدّ فنقص لكلّ ناقص خمس الدينار لما كان للبايع حقّ المطالبة به.

ومما ذكرنا ظهر فساد ما ذكره المحقّق الايرواني في تعليقته على الكتاب من فساد المعاملة في الصورة الثالثة، باعتبار أنّه ليس المبيع هو الموجود الخارجي مطلقاً، بل بعنوان أنّه كذا مقداراً، ولم يحصل هذا العنوان، ويكون الفرض كما إذا باع فلزاً بعنوان أنّه ذهب، فظهر مذهباً، ووجه الظهور أنّ عنوان الذهب عنوان مقوّم للمبيع، ومع تخلّفه لا يكون للمبيع تحقّق، بخلاف اشتراط المقدار فإنّه مع انحلال المبيع، ومع تخلّفه لا يكون للمبيع تحقّق، بخلاف اشتراط المقدار فإنّه مع انحلال المبيع، كما هو المفروض يكون بعض المبيع موجوداً. ولذا يحكم بالفساد في المقدار الزائد من أحد العوضين. وتقدّم سابقاً أنّ تخلّف عنوان المبيع لا يوجب انتفاءه مطلقاً، بل فيما إذا كان عنواناً مقوماً. وتفصيل ذلك في باب الشروط إن شاء اللّه تعالى.

ثمّ إنّ البخس في المكيال في القسمين الآخرين تطفيف في مقام المعاملة وتعيين العوضين فيها كما لا يخفى. ومما ذكرنا يظهر حكم التطفيف في غير موارد المعاملة الربوية، فلو كان التطفيف في مقام الوفاء بالمعاملة الجارية على الكلّي، فيبقى المقدار الناقص على العهدة. ولو جرت المعاملة على ما في الخارج، فإن كان من الصورة الثانية، فتصحّ، وربّما يثبت للمشتري خيار الغبن، كما إذا اعتقد كون الخارج كذا مقداراً، واشتراه بقيمته السوقية، ثمّ ظهر أنّه ناقص من ذلك المقدار، ولا يساوي الموجود ذلك الثمن. وأمّا إذا جرت المعاملة على الارج بشرط كونه كذا مقداراً فبناءً على انحلال المعاملة مع هذا الشرط، كما تقدّم تبطل المعاملة بالإضافة إلى المقدار الناقص مثلاً، إذا اشترى صبرة من حنطة بعشرة دنانير، بشرط كونها عشرة أمنان، وظهرت تسعة، يحكم بصحّة المعاملة في تسعة أمنان بتسعة دنانير، وتبطل بالإضافة إلى دينار واحد، وبناءاً على عدم الانحلال، وكون هذا الشرط كسائر الشروط يثبت للآخر خيار تخلّف الشرط فقط.


119

في التنجيم

وهو كما عن جامع المقاصد الاخبار عن احكام النجوم[1].

[1] المراد بالأحكام الحوادث السفلية وإضافتها إلى النجوم، باعتبار أنّ لها ربطاً ما بالأوضاع الفكلية الحاصلة للنجوم بسير بعضها وسكون بعضها الآخر، ثمّ لا يخفى عدم اختصاص التنجيم بما إذا أخبر الناظر إليها وإلى أوضاعها الفلكية بالحادثة، بل يعمّ ما إذا كان النظر إليها لمجرّد الاستعلام بالحادثة، وإن لم يخبر بها أحداً، ويكشف عن ذلك مثل رواية القاسم بن عبدالرحمن «أنّ النبي (ص) نهى عن خصال منها مهر البغي، ومنها النظر في النجوم»(119)، ورواية عبدالملك بن أعين، قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع): إنّي قد ابتليت بهذا العلم، فأُريد الحاجة، فإذا نظرت إلى الطالع، ورأيت الطالع الشر جلست ولم أذهب فيها، وإذا رأيت طالع الخير ذهبت في الحاجة، فقال لي: تقضى؟ قلت: نعم، قال احرق كتبك»(120)، بناءً على أنّ المراد بالقضاء هو الاعتقاد بنحو الجزم، والبتّ لا الإخبار والحكم للمراجعين، وكيف ما كان فينبغي في المقام ذكر أمرين.

الأوّل: أنّ الأخبار عن نفس الأوضاع الفلكية للنجوم، كالأخبار عن كون القمر فعلاً في البرج الفلاني أو حدوث الخسوف في القمر في الليلة الفلانية أو حصول رؤية الهلال في زمان كذا، وغير ذلك لا يكون داخلاً في أخبار الباب الناطقة بالمنع عن التنجيم، فإن كان إخبارهم عن الأوضاع مستنداً إلى مقدّمات موجبة لعلمهم بهذه الأُمور، فيجوز لهم الإخبار عنها بتّاً، وإن كان مستنداً إلى ما يحتملون فيه الخطأ، فيجوز لهم الإخبار عنها لا على سبيل الجزم، بل بنحو الظن والتخمين، حتّى لا يكون إخبارهم داخلاً في الكذب، أو القول بغير علم. هذا بالإضافة إلى المنجّم.


120

وأمّا سائر الناس فلا يكون إخبار المنجّم حجّةً وطريقاً شرعيّاً لهم بالإضافة إلى مثل رؤية الهلال ووقوع الخسوف أو الكسوف مما وقع موضوعاً في الخطابات الشرعية، لاحتمال خطأهم في الحساب وسائر ما له دخل في أخبارهم. نعم لو حصل لأحد الاطمئنان بصحّة أخبارهم فذلك أمر آخر، حيث أنّ العلم أو الاطمئنان حجّة للمكلّف من أيّ مصدر كان، فيجوز للمكلّف الإفطار فيما إذا حصل له الاطمئنان بصحّة أخبارهم برؤية الهلال ونحو ذلك. وما ذكره المصنّف «ره» ـ من أنّه يمكن الاعتماد في مثل ذلك بشهادة العدلين منهم، كما إذا احتاج الحاكم لتعيين أجل دين ونحوه ـ غير صحيح على إطلاقه، فإنّه إذا باع مثلاً متاعاً إلى حلول الشهر الفلاني، وأخبر المنجّم برؤية الهلال في الليلة الفلانية، فلا يصحّ للبايع مطالبة المشتري بالدّين في ذلك الزمان بمجرّد الإخبار المزبور، حتّى فيما إذا كان عدلاً ووافقه فيه منجّم عادل آخر، وذلك لعدم دخول أخبارهم في الشهادة برؤية الهلال والبيّنة المعتبرة في ثبوت رؤية الهلال أو غيرها هي الاخبار عن الرؤية أو غيرها بالحسّ لا بالحساب والكتاب، كما لا يخفى.

الثاني: إنّ الإخبار عن الحوادث السفلية ـ المعبَّر عنها بأحكام النجوم باعتبار كون أوضاعها مجرّد علامات لتلك الحوادث ولا تأثير لها بنحو العلّية ولا بنحو الاقتضاء ـ إن كان بنحو الجزم والبتّ بحيث لا يحتمل أو لا يمكن عدم وقوع الحادثة التي كشف عن وقوعها الوضع الفلكي حتّى بالتضرّع والدعاء إلى اللّه سبحانه والتوسّل إلى أوليائه أو بالصدقة ونحوها فهو باطل، ويكفي في بطلانه وعدم جوازه الأدلّة القاطعة من الكتاب والسنّة على الترغيب في الدعاء والتوسّل والصدقة وغيرها مما يتضرّع العبد إلى بارئه في دفع ملمّاته وكشف نوائبه. ويدلّ أيضاً على ذلك مثل خبر المنجم الذي أتاه (ع) عند مسيره إلى أهل النهروان، حيث لم يسأل سلام اللّه عليه ـ على ما في الخبر ـ عن كون إخباره بما ذكر باعتقاد أنّ للطالع تأثيراً وأنّه كاشف، بل إنّما أنكر عليه إخباره البتي بقوله: «ومن صدقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة باللّه».

وبما ذكرنا ظهر أنّ ما ذكره المصنّف «ره» من أنّه لا حرج قطعاً على من حكم قطعاً بنزول المطر في هذه الليلة لا يمكن المساعدة عليه بإطلاقه. والحاصل أنّ هذا القسم من الإخبار داخل في التنجيم المنكر في الأخبار، وإن كان المخبر بالحوادث كذلك غير جازم بها، ومعذلك أخبر بها جزماً يكون إخباره محرّماً من جهة الكذب أيضاً. ولو أخبر بها احتمالاً ظنّاً أو تخميناً مع التزامه بأنّ الأُمور بيد اللّه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده علم الغيب، لما كان به بأس، كما يظهر وجهه بالتأمّل فيما ذكرنا. وليس في البين خبر معتبر يكون مقتضاه عدم جواز ذلك أيضاً، بل في بعض الأخبار ما يقتضي جوازه.

ويلحق بهذا القسم ما إذا اعتقد بأنّ لأوضاع الكواكب دخلاً وتأثيراً في الحوادث السفلية، إلا أنّه بنحو الاقتضاء، وبأنّ اللّه مختار لا مغلول اليدين يمحو ما يشاء ويثبت بحيث يمكن التخلف بمثل التضرّع والتوسّل والصدقة وغيرها مما أُشير في الآيات والأخبار إلى الاهتمام بها. ويظهر هذا النحو من الاقتضاء من بعض الأخبار كالتي أوردها المصنّف «ره» في الوجه الثالث من وجوه ربط الحركات الفلكية بالكائنات، إلا أنّها لضعفها سنداً لا تصلح للاعتماد عليها في القول والاعتقاد كما لا يخفى.


121

لا يقال: يلزم أن يكون إخبار المنجّم عن الأوضاع الفلكية كخبره عن رؤية الهلال في الليلة الفلانية معتبراً، فإنّ الرجوع إلى أهل الخبرة مما جرى عليه سيرة العقلاء من أهل الملل وغيرهم.

فإنّه يقال: لو سلّم أنّ المنجّم من أهل الخبرة بالإضافة إلى مثل رؤية الهلال، فلا اعتبار بقوله أيضاً، للردع عن السيرة المشار إليها في الأخبار المتعدّدة وأمرهم (ع) بالصوم للرؤية وبالإفطار لها، وفي الصحيحة عن مولانا أميرالمؤمنين (ع): «لا أُجيز في الهلال إلا شهادة رجلين» إلى غير ذلك، بل لم يحرز السيرة على الاعتناء بأخبار الثقة من أهل الخبرة في الأُمور التي يمكن لعامّة الناس معرفتها عن حسّ، بلا حاجة إلى إعمال النظر، كرفة الخسوف أو الكسوف ونحوهما كما لا يخفى.

ومعلوم من دين الرسول (ص) ضرورة[1].

[1] أي تكذيب المنجّمين في دعاويهم والاستهانة بهم ونسبتهم إلى العجز، وأنّهم لا يتمكّنون من دفع شرّ عن إنسان أو جلب خير إليه معلوم بالضرورة في الدّين، والتكذيب والاستهانة بهم والتعجيز لهم في الأخبار لا تحصى.

ثم انّه لا فرق في أكثر العبارات[2].

[2] ذكر في هذا الوجه من وجوه اعتقاد الربط خمسُ فرق:

الأُولى: من أنكر الصانع جلّ ذكره ويعتقد استقلال تأثير الحركات.

الثانية: من التزم بوجود الصانع جلّ ذكره مع تعطيله عن التصرّف في الحوادث السفلية بعد خلق الأجرام العلوية القديمة زماناً والمدبّرة لتلك الحوادث.

الثالثة: من التزم بما ذكر، ولكن تكون الأجرام حادثة عنده زماناً.

الرابعة: من اعتقد بكون الأجرام العلوية تابعة في حركاتها لإرادة اللّه تعالى، وأنّ اللّه يفعل ما في العالم الأسفل، وتلك الأجرام بحركاتها كالآلة بالإضافة إلى مشيّة اللّه.

الخامسة: من اعتقد بما ذكر، غير أنّه يعتقد أنّ تلك الأجرام في حركاتها مختارة باختيار يكون عين اختياره تعالى. ثمّ إنّه «قدس سره» ذكر في الوجه الثاني من وجوه الربط أنّ الأوضاع الفلكية تفعل الآثار المنسوبة إلى اللّه، واللّه سبحانه هو المؤثّر الأعظم. ولم يظهر فرق بين الربط المذكور في الوجه الثاني، وبين الفرقتين الرابعة والخامسة من هذا الوجه، فلاحظ.


122

الظاهر عدم الإشكال في كون الفرق الثلاث[3].

[3] لم يظهر أنّ مجرّد الاعتقاد بتفويض التدبير إلى الأجرام العلوية موجباً للكفر، سواء قيل بحدوثها زماناً أو بقدمها كذلك، وإلا لكان القائل باستغناء الشيء في بقائه عن العلّة محكوماً بالكفر، باعتبار عدم التزامه باستناد الحوادث إلى اللّه سبحانه وتعالى. نعم بطلان تأثير الأجرام العلوية في الحوادث السفلية من الواضحات، وتأثيرها فيها بنحو العلّة التامّة خلاف الآيات والروايات الدالّة على الترغيب في الدعاء والتضرّع إلى اللّه سبحانه في دفع الملمات والبلايا، ونزول البركات، فإنّ لازم ما ذكر كون اللّه تعالى مغلول اليدين لا يفعل شيئاً ولا يفيد الدعاء والتضرّع إليه أمراً، وإنكار إضافة الحوادث إلى اللّه تعالى مع الالتفات إلى وضوحها بحسب الآيات والروايات يكون موجباً للكفر، باعتبار انتهائه إلى إنكار الكتاب العزيز على ذلك فالأُولى من الفرق الخمس محكومة بالكفر، باعتبار إنكارها الصانع، جلّت قدرته.

وأمّا الأربعة الباقية، فلا يحكم بكفرها إلا مع التفاتها إلى أنّ اعتقادها على خلاف الكتاب والسنّة حتّى ينتهي ذلك إلى إنكار النبوّة، كما في إنكار سائر الأحكام الثابتة في الشريعة، وكيف كان فإن أراد المصنّف «ره» بقوله: «إذ الظاهر عدم الإشكال في كون الفرق الثلاث من أكفر الكفّار» الكفر حتّى مع عدم الالتفات إلى ما ذكر من دلالة الكتاب المجيد على استناد الحوادث إلى اللّه سبحانه، فيمكن التأمّل فيه بالإضافة إلى الفرقة الثانية والفرقة الثالثة، كما مرّ.

ومنه يظهر أنّ ما رتّبه (ع) على تصديق المنجّم[1].

[1] أي كما أنّ ما في بعض الأخبار من كون المنجّم بمنزلة الساحر، والساحر كالكافر لا يدلّ على كفر المنجّم بمعناه الحقيقي، كذلك ما رتّب في بعض الروايات على تصديق المنجّم. من كون تصديقه تكذيباً للقرآن واستغناءاً عن اللّه سبحانه لا يقتضي كفر المصدّق للمنجّم أو كون المنجّم كافراً، بل يراد منه إبطال قول المنجّم، وأنّ قوله مخالف للقرآن المجيد الداعي إلى الاستعانة باللّه في دفع المكاره وجلب الخير، وسائر الأُمور.

وبعبارة أُخرى: كون تصديق المنجّم تكذيباً للقرآن من قبيل الاستدلال على بطلان الشيء بإنهائه إلى التالي الباطل ومن الظاهر أنّ الالتزام بشيء مع ترتّب باطل عليه ولو كان ذلك التالي تكذيب القرآن أو دلالته لا يوجب الكفر، إلا مع التفات ذلك الملتزم إلى الترتب، والتزامه به معه. مثلاً إذا أفتى بما يخالف ظاهر القرآن، مع عدم التفاته إلى أنّ هذا الحكم وارد فيه أو عدم التفاته إلى دلالته لا يكون افتاؤه هذا موجباً لكفره، ومن هذا القبيل قوله: من صدّق منجّماً أو كاهناً فقد كفر بما أُنزل على محمّد، فإنّه ليس مدلوله كفر المنجّم، بل المراد كذبه وترتّب الباطل على تصديقه، حيث أنّ الشارع عدّ المنجّم كاذباً، فتصديقه يكون تكذيباً للشارع. والقرينة على أنّه لا يرد ترتّب الكفر على مجرّد تصديقه، هي عطف الكاهن عليه، حيث أنّ الكهانة فضلاً عن تصديقه لا يوجب كفراً بلا ارتياب.


123

في كتب الضلال

حفظ كتب الضلال حرام في الجملة[1].

[1] المراد بحفظ كتب الضلال ما يعمّ اقتناءها واستنساخها واستدلّ «ره» على حرمته بوجوه:

الأوّل: حكم العقل، يعني استقلاله بقبح التحفّظ على مادّة الفساد والضلال، فيحكم بحرمته بقاعدة الملازمة، وفيه أنّ حكم العقل غير مسلّم وإلا لاستقلّ العقل بإزالة كلّ ما فيه أو منه الفساد، كالهجوم على أهل الكفر والشرك ومحو شوكتهم ومعابدهم وكتبهم، فإنّهم وما معهم منشأ الفساد على الأرض، ولا استقلال للعقل بذلك ووجوب الجهاد حكم شرعي تعبّدي لا لحكم العقل بلزوم قهر الناس على الإيمان، مع أنّ الدنيا دار امتحان يكون فيها الخيار بين الهدى والضلال والكفر والإيمان.

الثاني: قوله سبحانه: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل اللّه بغير علم ويتّخذها هزواً أُولئك لهم عذاب مهين»(121)، ولا يخفى أنّه على تقدير كون المراد بالاشتراء ما يعمّ مطلق الأخذ والاقتناء، فلا تكون في الآية دلالة على الحرمة فيما إذا لم يكن غرضه إضلال الناس وميلهم عن الهداية، كما إذا جعل الكتاب المزبور في مكتبته حتّى يكون فيها من كلّ باب كتاب.

الثالث: قوله سبحانه: «واجتنبوا قول الزور»(122) أي الباطل، وفيه أنّ الأمر بالاجتناب عن قول الزور تركه وعدم إيجاده بأن لا يكذب ولا يفتري. وأمّا إبقاء قول الزور وعدم محوه فيما إذا كان بإيجاد الغير وإحداثه فلا ظهور في الآية بالإضافة إلى حكمه، وعلى الجملة القول ظاهره المعنى المصدري، فيكون النهي عنه نهياً عن إيجاده.

الرابع: قوله في تحف العقول: «إنّما حرّم الصناعة التي يجيء منه الفساد محضاً» بل قوله قبل ذلك: «ما يقوى به الكفر» وفيه أنّ رواية تحف العقول لا يمكن الاعتماد بها مع أنّها لا تعمّ ما إذا كانت في استنساخ كتب الضلال واقتنائها مصلحة مباحة غير نادرة.


124

الخامس: قوله (ع) في رواية عبدالملك حيث شكا إلى الصادق (ع) «إنّي ابتليت بالنظر إلى النجوم، فقال: أتقضي؟ قلت: نعم، قال: احرق كتبك» وفيه أنّ المطلوب في المقام إثبات وجوب محو الكتب المزبورة نفسياً، بأن كان أحد الوظائف الشرعية محو كتب الضلال، فإن كان الأمر بالإحراق في الرواية ظاهراً في الإيجاب النفسي يتعدّى إلى المقام، باعتبار أنّ كتبه لو لم تكن أكثر فساداً من كتب النجوم فلا أقلّ من مساواتها لها. وأمّا إذا كان الأمر المزبور ظاهراً في الإرشاد إلى الخلاص من القضاء المحرّم، فلا يمكن في المقام إلا إثبات الأمر الإرشادي، مع إحراز ترتّب الحرام على الحفظ. ولا ريب في أنّ ظهور الأمر بالإحراق هو الثاني. وعلى كلّ حال فلا يثبت بالرواية مع الإغماض عن سندها وجوب محو كتب الضلال وعدم جواز إبقائها حتّى مع الاطمئنان بعدم ترتب الحرام عليها. والأظهر في المقام أن يقال بناءاً على وجوب دفع المنكر كما لو استفدناه من أدلّة النهي عن المنكر يتعيّن في المقام الالتزام بوجوب محو كتب الضلال التي لا يترتب عليها إلا الضلال. وأمّا إذا لم نقل به فيمكن القول بعدم جواز الاستنساخ والحفظ، فيما إذا كان المترتّب عليها الاضلال بآية النهي عن شراء اللهو. وأمّا وجوب المحو فلا دليل عليه، كما لا يخفى.

نعم، المصلحة الموهومة[1].

[1] بمعنى أنّه لا يجوز إبقاء كتب الضلال فيما إذا كان ذلك معرضاً لترتّب الفساد عليها، ولا أثر لاحتمال ترتّب مصلحة أقوى على إبقائها، فيما إذا كان الاحتمال موهوماً وكذا لا يجوز إبقاؤها فيما إذا كان ترتّب الفساد عليها قطعياً والمصلحة المترتبة من قبيل المنفعة النادرة التي لا يعتد بها، وأمّا إذا لم يكن الأمر كذلك، بأن كان ترتّب الفساد موهوماً أو كانت المصلحة المترتبة أقوى من الفساد أو أقرب احتمالاً من ترتّب الفساد، ففي جميع ذلك لا دليل على حرمة حفظها كما هو مقتضى الميزان الوارد في رواية تحف العقول، والاستفصال المذكور في رواية عبدالملك المتقدّمة فإنّه لو تمّ الاطلاق في ناحية مثل قوله سبحانه: «واجتنبوا قول الزور» فلابدّ من رفع اليد عنه بدلالة حديث تحف العقول والرواية، اللّهمّ إلا أن يدّعى الإجماع على حرمة الإبقاء مطلقاً أو يلتزم بإطلاق معقد نفي الخلاف، ومع هذهالدعوى أو الالتزام فلا عبرة بترتّب الفساد وعدمه، بل لابدّ من تنقيح العنوان الذي وقع مورد الإجماع أو نفي الخلاف، وأنّ المراد بكتب الضلال فيه الكتب التي تكون مطالبها باطلة وإن لم توجب ضلالاً، أو أنّ المراد بها الكتب التي تكون موجبة للضلال، وإن كانت مطالبها حقّة، كبعض كتب العرفاء والحكماء المشتملة على ظواهر مضلّة، ويدّعون أنّ المراد غير ظاهرها.

أقول: ما ذكره من دعوى الإجماع واستفادته من نفي الخلاف غير صحيح، فإنّ الإجماع لا يحرز إلا في مسألة تعرّض لحكمها معظم الفقهاء أو جميعهم مع اتفاقهم على ذلك الحكم، ونفي الخلاف يكفي فيه اتفاق جماعة قليل تعرّضوا للمسألة فكيف تكون دعوى نفي الخلاف كاشفة عن الإجماع مع أنّ الإجماع في المقام محصّلة لا قيمة له فضلاً عن منقوله، حيث أنّ الظاهر ـ ولا اقلّ من الاحتمال ـ كون المدرك في حكمهم بحرمة الحفظ ما ذكر من حكم العقل الموهوم أو دلالة الآية.

قبل نسخ دينهما[2].

[2] التقييد بما قبل نسخ دينهما باعتبار أن اليهود والنصارى بعد نسخ دينهما في ضلال، باعتبادهما ببقاء الدين المنسوخ فلا يوجب لهم التحريف في كتابهما ضلالاً آخر.


125

إذ ما من كاغذ إلا وله قيمة[1].

[1] أي إنّ إحراقها إتلاف للكاغذ المفروض استيلاء المسلمين عليه وله قيمة فلا يجوز الإتلاف، وكيف كان فيظهر من كلام الشيخ «ره» أنّ التوراة والإنجيل من كتب الضلال فيجب تمزيقهما والانتفاع بكاغذهما، وأورد عليه المصنّف «ره» بأنّه لا دليل على وجوب المحو إلا فيما إذا كان موجباً للضلال، ومع عدم إيجابه له، فمع بطلان مطالبه لا يجوز بيعه باعتبار عدم كونه مالاً، وأمّا محوه فلا دليل عليه.

أقول: مجرّد بطلان مطالب كتاب لا يوجب خروجه عن المالية شرعاً حتّى لا يجوز المعاوضة عليه، كما في الكتب التي تؤلّف من مجموع قضايا جعلية لغاية تفريج الهمّ عن قاريها ومثل هذه يجوز بيعها وشراؤها، لكونها مالاً شرعاً باعتبار ترتّب المصلحة المقصودة المباحة عليها حتّى مع عدم إظهار مؤلّفها بأنّ هذه القضايا الواردة في الكتاب جعلية، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى أنّ الموجب لكون المكتوب أو الكلام كاذباً قصد الكاتب أو المتكلّم لا اعتقاد المطالع والمسامع.

ولو كان باطلاً في نفسه خارجاً عن المالية[2].

[2] يعني لو كان بعض الكتاب باطلاً وخارجاً عن المالية الشرعية وإن لم يكن موجباً للضلال وباعه بعوض، فتبطل المعاوضة بالإضافة إلى ذلك البعض.

أقول: لا يكون بيع كتاب منحلاً إلى بيوع متعددة بالإضافة إلى أبعاضه خارجاً، فإنّ المعيار في الانحلال وعدمه نظر العرف كما مرّ، ولذا لو باع كتاباً بعنوان أنّه الكتاب الفلاني وظهر مشتملاً على بعض الأوراق من ذلك الكتاب يحكم ببطلان البيع رأساً، وبالجملة فبما أنّ البيع في الفرض لا يصحّ بالإضافة إلى الكتاب تعيّن بطلانه على قرار ما تقدّم في بيع الصنم مع كون مادّته مالاً.


126

حكم حلق اللحية

ينبغي في المقام التعرّض لحكم اللحية، فنقول: ذكر صاحب الحدائق «ره» في آداب الحمّمام الظاهر كما استظهره جماعة من الأصحاب كما عرفت تحريم حلق اللحية، لخبر المسخ المروي عن أميرالمؤمنين (ع)، فإنّه لا يقع إلا على ارتكاب أمر محرّم مبالغ في التحريم، انتهى. وربّما يقال إنّ تعبير «ره» بالظاهر لا بالأظهر فيه إشارة إلى تسالم الأصحاب على الحكم، ولكن ملاحظة تعبيرات الحدائق في المسائل كافية في الجزم بأنّ مثل هذا التعبير منه «ره» لا يشير إلا إلى اجتهاده، وذكر صاحب الجواهر «ره» في باب الاحلال من إحرام الحج بحلق الرأس أنّه ليس للنساء حلق، لنهي رسول اللّه (ص) أن تحلق المرأة رأسها في الإحلال لا مطلقاً، فإنّ الظاهر عدم حرمته لها في غير المصاب المفضي إلى الجزع، للأصل السالم عن معارضة دليل معتبر اللّهمّ إلا أن تكون الشهرة بين الأصحاب تصلح جابرة لنحو المرسل المزبور بناءً على إرادة الاطلاق فيكون كحلق اللحية للرجال، انتهى.

وحاصل مرامه أنّه لا يجوز للمرأة حلق رأسها عند إحلالها من إحرام حجّ أو غيره وكذا للجزع عند المصيبة، ويجوز في غير ذلك. وحرمته عند الاحلال لنهي رسول اللّه (ص) أن تحلق المرأة رأسها المحمول على الاحلال، وأمّا جوازه في سائر الأحوال فلأصالة الحلّية السالمة عن المعارض المعتبر، إلا أن يقال بحرمته عليها مطلقاً أخذاً بإطلاق هذه المرسلة المنجبر ضعفها بالشهرة على تقدير إرادة الاطلاق، فيكون حرمته عليها كحرمة حلق اللحية على الرجال، وهذا ـ كما ترى ـ لا يدلّ على ثبوت الشهرة على الحرمة في حلق الرجل لحيته، بل مقتضاه حرمته عند صاحب الجواهر.

والحاصل أنّي لم أظفر على ما يدلّ على الشهرة بين الأصحاب في حرمة حلق اللحية، وأمّا ما استدلّ به على الحرمة فأُمور:


127

منها: قوله سبحانه حكاية عن إبليس عليه اللعنة «ولآمرنّهم فليغيّرن خلق اللّه»(123) بدعوى أنّ ما يأمر به إبليس لا يكون إلا فعلاً محرّماً، وحلق اللحية من تغيير خلق اللّه، ولكن لا يخفى أنّ مثل حلق اللحية لو كان تغييراً لخلق اللّه ومحرّماً باعتبار ذلك لكان شقّ الطرق في الجبال، وحفر الآبار، وزرع الأشجار وغيرها، تغييراً لخلقة اللّه تعالى، والالتزام بحرمتها غير ممكن وحلّيتها بتخصيص الآية باعتبار كونه من تخصيص الأكثر غير ممكن، فلابدّ من حمل الآية على مثل الفطرة لمخلوق جميع الناس عليها على ما يشير إليها قوله سبحانه: «فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه»(124) والمراد من تغييرها إفسادها بجعل النفس مركزاً لطرح الشرور ومولداً لنيات السوء أو على غيرها مما لا قرينة في الآية على تعيينه.

الثاني: انّ الروايات الواردة في حفّ الشوارب وإعفاء اللحية كمرسلة الصدوق «ره» قال: «قال رسول اللّه (ص): حفوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تشبّهوا باليهود»(125)، وفي الأُخرى قال: «قال رسول اللّه (ص) إنّ المجوس جزّوا لحاهم ووفّروا شواربهم، وأمّا نحن نجزّ الشوارب ونعفى اللحى وهي الفطرة»(126)، وفيه أنّ مثل هذه الروايات حتّى مع الإغماض عن أسانيدها لا دلالة لها على حرمة حلق اللحية، فإنّ الحف عبارة عن الجز والقطع، والإعفاء التوفير، ومن الظاهر أنّ توفير اللحية غير واجب قطعااً، بل الواجب على تقديره رؤية الشعر في الوجه، فلابدّ من حملها على الاستحباب، والمراد بعدم التشبّه باليهود عدم تطويل اللحية بما هو خارج عن المتعارف أو زائد على القبضة، كما كان يفعل اليهود على ما قيل في رواية حبابة الوالبية، قالت: «رأيت أميرالمؤمنين (ع) في شرطة الخميس، ومعه درة لها سبابتان يضرب بها بياع الجرّي والمارماهي والزمّار، ويقول لهم: يا بيّاعي مسوخ بني إسرائيل وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن أحنف فقال: يا أميرالمؤمنين وما جند بني مروان؟ قال فقال له: أقوام حلقوا اللحى وفتلوا الشوارب فمُسخوا»(127)، وظاهرها مع الإغماض عن سندها عدم جواز حلق اللحية مع تفتيل الشوارب لا مطلقاً، كما لا يخفى.

الثالث: ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب الجامع لأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي صاحب الرضا (ع)، قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يأخذ من لحيته؟ قال: أما من عارضيه فلا بأس، وأمّا من مقدّمها فلا»(128)، ولكن ظاهره عدم جواز الأخذ من مقدّم اللحية، وهذا لا يمكن الالتزام به، وحمله على جواز حلق العارضين دون مقدّم اللحية بلا قرينة غير ممكن، وإسناد ابن إدريس إلى جامع البزنطي غير معروف لنا، ولكن رواه أيضاً علي بن جعفر في كتابه. وقد ذكرنا أنّ طريق صاحب الوسائل إلى كتابه ينتهي إلى الشيخ «ره»، وسند الشيخ «ره» إلى الكتاب المزبور صحيح. وفي معتبرة سدير الصيرفي، قال: «رأيت أباجعفر (ع) يأخذ عارضيه ويبطن لحيته»(129)، وفي دلالتها على الاستحباب أيضاً تأمّل، لاحتمال كون ذلك من اختياره (ع) أحد أفراد المباح، كما لا يخفى.


128

الوجه الرابع: أنّ رواية الجعفريات «حلق اللحية من المثلة، من مثّل فعليه لعنة اللّه» وأورد على الاستدلال بها على الحرمة بأنّ مجرّد اللعن على فعل لا يدلّ على حرمته، وقد ورد اللّعن في ترك بعض المستحبّات، مثل قوله (ع): «ملعون من أخّر الصلاة» وأجاب عنه السيد الخوئي طالب قاه ـ كما في تقريراته ـ بأنّ اللّعن على فعل غير الإخبار بكون الشخص ملعوناً، فإنّ الإخبار بكونه ملعوناً وبعيداً عن اللّه ربّما يكون منشأه ارتكاب المكروهات، وهذا بخلاف إنشاء اللعن على المؤمن، فإنّه لا يكون إلا مع ارتكابه فعلاً محرّماً، وقوله (ع) «ومن مثّل فعليه لعنة اللّه» من قبيل إنشاء اللّعن على فاعل المثلة بخلاف قوله: «ملعون من أخّر الصلاة».

ولا يخفى ما في الإشكال والجواب، فإنّ اللعن ليس هو البعد مطلقاً بل البعد الناشئ عن الطرد والغضب، وهذا لا يكون إلا مع حرمة الفعل، ولا يفرق في ذلك بين إنشائه أو الإخبار بكون الفاعل لكذا ملعوناً ومطروداً، حيث انّه لو لم يكن فعله محرّماً فلا موجب لطرده ولعنه، واللّعن في مثل تأخير الصلاة عن وقتها محمول على مثل ما إذا كان التأخير للاستخفاف بها.

ثمّ انّ المعتبر في تحقّق عنوان المثلة أمران:

أحدهما: إيقاع النقص بالغير.

وثانيهما: كون الإيقاع بقصد هتكه وتحقيره. فلا يتحقّق العنوان فيما إذا حلق الإنسان لحيته بداعي تجميله أو نحوه، كما هو موضوع البحث. والمستفاد من الرواية أنّ حلق لحية الغير بقصد هتكه والتنقيص به مثلة حكماً أو موضوعاً.

هذا مع أنّ رواية الجعفريات لا تكون حجّة على الحكم ولا على حرمة المثلة، فإنّه لم يثبت أنّ النسخة المأخوذة منها هذه بعينها كتاب موسى بن إسماعيل بن موسى (ع) ووصل إلى سهل بن أحمد بن سهل، ومنه إلى الحسين بن عبيداللّه بواسطة محمد بن محمد الأشعث.

ومما ذكرنا يظهر أنّه لا بأس بقطع عضو الميت الكافر في العملية المتعارفة في زماننا، وجعله مكان العضو الفاسد من إنسان آخر، كما لا بأس بخرق جسده لغرض الاطلاع على أوضاع الجسد المعبّر عن ذلك بالتشريح للطبابة. نعم لا يجوز ذلك بالإضافة إلى أعضاء الميت المسلم باعتبار وجوب دفنها وحرمة هتكه حيّاً وميّتاً.


129

والمتحصّل في المقام انّ الأخبار الدالّة على إعفاء اللحية وتطويله مع ضعف إسنادها لا تصلح للاعتماد عليها والحكم بوجوب تطويلها، حتّى في فرض تقييد تلك الأخبار بما ورد في بعض الروايات(130) من تحديد اللحية بالقبضة، بأن يقال الواجب تطويلها إلى القبضة، حيث أنّه مع الإغماض عن سند المقيد لم يعهد من أحد الإفتاء بوجوب تطويلها كذلك، سواء التزم بحرمة تطويلها بعد الحدّ المزبور كما هو ظاهر بعضها حيث ذكر فيها، وما زاد عن القبضة ففي النار أو قيل بكراهته واستظهارها من مرسلة يونس عن أبي عبداللّه (ع) في قدر اللحية قال: «تقبض بيدك على اللحية وتجز ما فضل» أو من ذيل مرسلة الصدوق المتقدّمة من قوله «ولا تشبّهوا باليهود»، ومع ذلك فلا يمكن الإفتاء بجواز حلق اللحية وعدم وجوب رعاية الاحتياط، وذلك لأنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة عدم جواز حلقها، وإن كان في انتهاء هذا الارتكاز إلى عصر الشارع المقدّس تأمّل، لاحتمال حدوثه أخيراً بالرجوع إلى جماعة أفتوا بحرمته واللّه سبحانه هو العالم، ولا يخفى أنّ حرمة حلق اللحية على تقدير القول بها من جهة الروايات أو دعوى سيرة المتدينين أو ارتكاز الحرمة تكون كسائر المحرّمات ساقطة عند الاضطرار أو الإكراه أو المزاحمة بتكليف آخر مساو أو أهم، ولو لم يمكن رعاية التكليف الآخر الأهم بل المساوي إلا مع حلقها جاز.


130

الرشوة حرام

الرشوة حرام[1].

[1] وعليه إجماع المسلمين كما في جامع المقاصد والمسالك ويدلّ عليه قوله عزّ من قائل: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكّام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون»(131) وظاهرها عدم جواز إعطاء المال للحكّام لغاية أكل أموال الناس، مع العلم بالحال، سواء كان الأكل المزبور غرضاً أوّلياً، أو كان غاية الغاية، بأن كان الإعطاء لجلب ميل الحاكم وحبّه إليه حتّى يحكم له ويتعدّى إلى ما إذا كان الحكم له شرطاً في الإعطاء، أو كان المال عوضاً عن ذلك الحكم بالفحوى. نعم لا دلالة فيها على ما إذا كان الإعطاء لغاية الحكم بما هو الواقع، وما هو على قوانين القضاء، بأن لا يميل نفس القاضي إلى خصمه ويذهب بحقّه.

وفي المستفيضة[1].

[1] كموثقة سماعة عن أبي عبداللّه (ع) قال: «الرشا في الحكم هو الكفر باللّه»(132)، وكصحيحة عمّار بن مروان قال: «سألت أباجعفر (ع) ـ إلى أن قال (ع) ـ: فأمّا الرشا في الحكم، فإنّ ذلك هو الكفر باللّه»(133)، وفي صحيحة الأُخرى عن أبي عبداللّه (ع) «كلّ شيء غل من الإمام فهو سحت، والسحت أنواع كثيرة: منها ما أُصيب من أعمال الولاة الظلمة، ومنها أُجور القضاة وأُجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ المسكر والربا بعد البيّنة. وأمّا الرشا في الأحكام يا عمّار فهو الكفر باللّه العظيم»(134) وقوله «كل شيء غل من الإمام» أي أُخذ منه خيانة، وظاهر التعبير بالكفر هي الحرمة تكليفاً، ويستفاد الوضع من عدّ الرشوة من السحت.

وفي رواية الأصبغ بن نباتة[2].

[2] ضعيفة سنداً، والغلول بمعنى السرقة. والخيانة والرشوة المذكورة فيها لا تناسب الرشا في الحكم، حيث أنّ القضاء لا يكون من شأن الوالي، كما لا يخفى.

وعن الخصال في الصحيح[3].

[3] هذه هي الصحيحة المتقدّمة عن أبي عبداللّه (ع)، ومدلولها عدم جواز أخذ الأجر على القضاء، سواء كان معطيه أحد المتخاصمين أو غيره ممن يهمّه قضاؤه، كأخذ الأُجرة من الوالي، وكذا عدم جواز أخذ الرشا بلا فرق بين كونه للحكم له باطلاً أو للحكم بما هو الواقع أو للحكم له باطلاً كان أو حقاً، وسواء كان ذلك غرضاً وداعياً إلى الإعطاء أو شرطاً فيه.


131

وهذا المعنى هو ظاهر تفسير الرشوة[4].

[4] الاحتمالات في معنى الرشوة أربعة:

الأوّل: ما يعمّ مقابل الحكم الصحيح، سواء جعل عوضاً عن نفس الحكم أو عن مقدّماته كالنظر في أمر المترافعين وهو ظاهر القاموس ويساعده ظاهر كلام المحقّق الثاني وصريح الحلّي، حيث ذكر أنّه لا يجوز للقاضي أخذ الرشا مطلقاً، أي سواءً كان عوضاً عن حكمه الصحيح أم لا. نعم لا يحرم على المعطى فيما إذا كان عوضاً عن الحكم الصحيح، ويحرم في غيره.

الثاني: ما يعطى للقاضي للحكم له في الواقع بالباطل، وبقضاء الجور، كما هو ظاهر مجمع البحرين.

الثالث: إعطاء المال لغاية الوصول إلى غرضه من الحكم له أو أمر آخر يفعله الغير له، كما عن المصباح والنهاية.

الرابع: إعطاء المال للقاضي للحكم له حقّاً أو باطلاً. وأمّا الاحتمال الأوّل فالظاهر أنّ عوض الحكم وتعيين الأجر له لا يكون من الرشوة فيما إذا كان ذلك الحكم هو الحكم على موازين باب القضاء، ولذا جعل الرشوة في الحكم في صحيحة عمّار ابن مروان مقابل أجر القضاة.

بعبارة أُخرى: لا يجوز للقاضي أخذ الجعل والأُجرة على حكمه الصحيح أو على ما هو من مقدّماته، كالنظر في أمر المترافعين إمّا مطلقاً، كما هو الصحيح وعليه المشهور، بل في جامع المقاصد دعوى الإجماع عليه، وهو مقتضى كون أجر القضاة سحتاً، وإمّا مع تعيّن القضاء عليه كما هو ظاهر المصنّف «ره» وجمع آخر، ولكن عدّ الرشا في الحكم في مقابل أجر القاضي مقتضاه عدم شمول الرشا له، فلا يجري عليه سائر أحكام الرشا، ككون إعطائه حراماً تكليفاً، بل يكفي في عدم جريانها فيه الشكّ في كونه داخلاً في معنى الرشا كما لا يخفى. وكذا لا يمكن المساعدة على الاحتمال الثاني، فإنّه لا ينحصر به الرشوة، بل يعمّ معناها ما إذا كان الغرض من الإعطاء هو الحكم له، سواءً كان حقّاً أم باطلاً. وأمّا إعطاء المال في غير موارد القضاء ففي كونه رشوة حكماً أو موضوعاً فسيأتي التعرّض له. والصحيح في معناها هو الاحتمال الرابع، وهو إعطاء المال للحكم له مطلقاً حقّاً أو باطلاً.


132

أخذ الأجرة على القضاء

ثمّ انّ المعدود من السحت ـ في صحيحة الخصال وهو أجر القضاة بظاهره ـ يعمّ ما إذا كان العوض لنفس الحكم أو على مقدّماته. والالتزام ـ بأنّ المحرّم هو العوض لنفس الحكم ـ لا وجه له، فإنّه فرق بين كون السحت هو الأجر على القضاء أو أجر القضاة، فالمناسب للالتزام المزبور هو الأوّل. والمذكور في الصحيحة هو الثاني الشامل له وللآخر على ما هو شؤون القضاء، كالنظر في أمر المترافعين أو غيره من مقدّماته. نعم في البين رواية يوسف بن جابر قال: «قال أبو جعفر (ع): لعن رسول اللّه (ص) من نظر إلى فرج امرأة لا تحلّ له، ورجلاً خان أخاه في امرأته، ورجلاً احتاج الناس إليه لتفقّهه فسألهم الرشوة»(135).

وربما يستظهر منها حرمة أخذ الأُجرة في خصوص صورة تعيّن القضاء، حيث أنّ حمل الاحتياج فيها على الحاجة إلى نوعه خلاف ظاهرها، بل ظاهرها الاحتياج إلى الشخص، ولكن لا يخفى ما في الاستظهار، لأنّ صدق الحاجة في مورد يكون الرجوع فيه إلى الشخص من التخيير في الرجوع بين المجتهدين ظاهر، بل على تقدير تسليم الظهور فلا تصلح ـ لضعف سندها ـ لرفع اليد بها عن إطلاق الصحيحة المعدود فيها أجر القضاة من السحت كما مرّ. نعم حملها على سؤال الرشا للحكم للراشي حقّاً كان أو باطلاً خلاف ظاهرها. وظاهرها سؤال الأجر على فقهه وقضائه وإطلاق الرشوة عليه للتأكيد في حرمته.

وربّما يستدلّ على عدم جواز أخذ الأُجرة على القضاء بصحيحة عبداللّه بن سنان قال: «سُئل أبو عبداللّه (ع) عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت»(136)، وأورد عليه المصنّف «ره» بأنّ الرواية غير ناظرة إلى أخذ العوض والأجر، بل ظاهرها ارتزاق القاضي من السلطان، فلابدّ من حملها على صورة عدم كونه أهلاً للقضاء بقرينة كونه منصوباً من قبل السلطان الجائر، وإلا فلا مناص من ارتزاق القاضي من بيت مال المسلمين، سواء أخذه من السلطان العادل أو الجائر، وفيه أنّ ذكر قيد على القضاء في الرواية قرينة على كون المراد بالرزق هو الأجر على الحكم، وإلا كان ذكر القيد لغواً، ولا حاجة أيضاً إلى حمل كونه من غير بيت المال كما ذكر المصنّف «ره» في آخر كلامه.


133

خلافاً لظاهر المقنعة[1].

[1] ثمّ إنّ في أخذ الأجر على القضاء بالحقّ قولين آخرين:

أحدهما: الجواز مطلقاً، كما هو ظاهر المقنعة والمحكي عن القاضي، باعتبار أنّ القضاء عمل محترم، فيصحّ أخذ المال عليه، كما هو مقتضى مثل قوله سبحانه «أوفوا بالعقود»(137) المعبّر عنه بالأصل ورواية حمزة بن حمران قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول: من استأكل بعلمه افتقر، قلت: إنّ في شيعتك قوماً يتحملون علومكم ويبثونها في شيعتكم، فلا يعدمون منهم البرّ والصلة والإكرام، فقال: ليس أُولئك بمستأكلين، إنّما ذاك الذي يفتي بغير علم ولا هدى ليبطل به الحقوق طمعاً في الدنيا»(138)، ولكنّها لضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها، بل لا دلالة فيها على جواز أخذ الأجر على القضاء بالحقّ والإفتاء به، وغاية مدلولها حصر المستأكل بعلمه في من يفتي بغير علم ويبطل حقوق الآخرين لغاية وصوله إلى مال الدنيا وحطامها، فلا يكون من يفتي بعلم ولا يبطل حقوق الآخرين مستأكلاً بعلمه بالصلة وبالبر والإكرام لهم، وأمّا أخذهم الأجر على قضائهم وإفتائهم جائز أم لا، فلا دلالة لها على ذلك وعلى تقدير الاطلاق في جواز الاستيكال فتقيّد بمثل صحيحة عمّار بن مروان المتقدّمة، وأمّا العمومات الدالّة على نفوذ العقد أو صحّته فلا يمكن الأخذ بها في مقابل الخصوصات الواردة في المقام، فلاحظ.

للغاية أو للعاقبة[1].

[1] بطلان الحقّ وذهابه على صاحبه يترتب على القضاء بغير علم ولا هدى، ويكون البطلان غاية له، كما أنّه يترتب على إعداد الشخص نفسه للقضاء بغير علم بطور العاقبة، حيث أنّ عقابة هذا الإعداد ذهاب الحقوق من أربابها، فاللام في قوله «ليبطل به الحقوق» إمّا للغاية كما إذا كان متعلّقاً بقوله يفتي المراد به الافتاء فعلاً، أو للعاقبة كما إذا كان متعلّقاً به بمعنى إعداد نفسه للإفتاء، وعلى الأوّل تكون الرواية دالّة على حرمة الإفتاء بغير علم وأخذ المال عليه، وعلى الثاني تدلّ على حرمة إعداد نفسه للإفتاء، بداعي أخذ المال مع عدم عرفانه الحقّ وموازين الإفتاء والقضاء.


134

وفصل في المختلف[2].

[2] وهذا ثاني القولين الآخرين، وحاصله عدم جواز أخذ الأُجرة على القضاء مع تعيّنه أو عدم فقره، وجواز أخذها مع حاجة القاضي وعدم تعيّن القضاء عليه، أمّا عدم جواز أخذها مع تعيّن القضاء عليه فباعتبار عدم جواز أخذ الأُجرة على الواجبات، وأمّا اعتبار فقره فيستظهر من روايتي يوسف وعمّار، ولعلّ وجه الاستظهار أنّ المذكور في رواية عمّار أجر القضاة، ومن الظاهر أنّ القضاة في ذلك الزمان كانوا من المرتزقة من بيت مال المسلمين ومنصوبين من قبل من كان يدّعي أنّ له ولاية على المسلمين، ولم يكن لهم حاجة إلى أخذ المال من المترافعين كما أنّ المذكور في رواية يوسف من يكون مرجعاً للناس في فقهه، ويبعد فرض الحاجة في مثله.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإنّ الحكم الوارد في الصحيحة لا يختصّ بالقضاة المنصوبين في ذلك الزمان ليقال بعدم الحاجة لهم وحاجة الناس إلى شخص لفقهه لا تلازم غناه، خصوصاً فيما إذا كان الناس المراجعون إليه جماعة من الفقراء.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الأظهر بحسب الروايات عدم جواز أخذ الجعل والأجر على القضاء أو ما هو من شؤونه بلا فرق بين حاجة القاضي وعدمها وتعيّن القضاء عليه وعدمه، ويتعدّى إلى أخذ الجعل والأجر على الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية الكلّية باعتبار عدم احتمال الفرق بينهما في ذلك.

وأمّا الهداية[1].

[1] قد ذكرنا دلالة الآية المباركة على عدم جواز إعطاء المال للحكّام والقضاة لغاية أكل أموال الناس، بلا فرق بين أنيكون هذا الأكل غرضاً أوّلياً أو كان الغرض الأوّلي جلب مودّة الحاكم ومحبّته إليه حتّى يحكم له، وكما أنّ الإعطاء على المعطى والأخذ على الحاكم في الأول حرام وسحت، كذلك في الفرض الثاني، حيث أنّ النهي ـ عن إيصال المال إلى الحاكم وسيلة إلى أكل أموال الناس في الآية المباركة ـ يناسب التحريم فيهما، كما أنّ الروايات ـ الدالّة على كون الرشا كفراً باللّه وعلى عدم صيرورة الرشوة ملكاً للحاكم كما هو ظاهر السحت ـ تعمّهما، وعلى ذلك فالهدية أي ما يهبه الشخص للقاضي لغاية جلب مودّة القاضي إليه حتّى توجب الحكم له حقّاً أو باطلاً داخلة في عنوان الرشوة، فلا يجوز للمعطي الإعطاء ولا للقاضي أخذها، ولو نوقش في شمول معناها لها، فلا ريب في أنّها لاحقة بها حكماً من حيث الإعطاء وعدم صيروتها ملكاً للقاضي، باعتبار عدم احتمال الفرق بينهما في هذه الجهة. وأمّا ما استشهد به المصنّف «ره» من الروايات فهي لا ترتبط بالهدية المعطاة للقاضي، كما لا يخفى.

وهل يحرم الرشوة في غير الحكم[2].

[2] المال المعطى للغير كالإعطاء لإصلاح أمره عند الأمير أو قضاء حاجة له عنده له صور ثلاث:

الأُولى: إعطاؤه للأمر المحرّم.

الثانية: إعطاؤه لإصلاح أمره حلالاً أو حراماً.


135

الثالثة: لإصلاح أمره حلالاً. وذكر المصنّف «ره» أنّ المال في الصورتين الأولتين لا يصير ملكاً للأخذ، لكونه من أكله بالباطل، ولكن ليس فساده فيهما لأجل الرشا حتّى يحرم الإعطاء والأخذ تكليفاً أيضاً، لأنّه ليس في البين ما يدلّ على حرمة الرشا مطلقاً إلا بعض ما ينصرف إلى الرشا في الأحكام. وأمّا الصورة الثالثة فلا بأس بها وضعاً وتكليفاً كما هو مقتضى مثل أوفوا بالعقود.

ويدلّ عليه أيضاً ما ورد في الرجل يبذل الرشوة ليتحرّك الآخر من منزله حتّى يسكن فيه المعطي. والمراد المنزل المشترك كالمدرسة والسوق، وكذا تدلّ عليه رواية الصيرفي، قال: «سمعت أبا الحسن (ع) وسأله حفص الأعور، فقال: عمّال السلطان يشترون منّا القرب والأدواة. فوكّلون الوكيل حتّى يستوفيه منّا، فنرشوه حتّى لا يظلمنا، فقال: لا بأس بما تصلح به مالك، ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: إذا أنت رشوته يأخذ منك أقل من الشرط، قلت: نعم، قال: فسدت رشوتك»(139).

أقول: لعلّ المراد بنفي البأس في هذه الرواية بيان عدم حرمة الإعطاء على المعطى، حيث أنّه يدفع بالإعطاء إلى الوكيل ظلمه عن أمواله، ولكن ما يأخذه الوكيل على ارتداعه عن ظلمه أكل للمال بالباطل فلا يجوز. وعلى الجملة انّ مضمون الرواية غير مربوط بالصور الثلاثة.

لا يقال: إذا كان متعلّق الاجارة عملاً يتحقّق حلالاً وحراماً، فما الوجه في كون الاجارة باطلة، ولا تدخل الأُجرة في ملك الأجير كما هو ظاهر المصنّف «ره».

فإنّه يقال: إذا كان متعلّق الاجارة عملاً يتحقّق حلالاً وحراماً، فلابدّ من تقييد مورد الاجارة في عقدها بتحقّقه حلالاً، لئلا يكون الأمر بالوفاء بها منافياً لما دلّ على حرمة العمل، ويعمّه وجوب الوفاء بها على كلّ قدير، ومع إطلاق الاجارة فضلاً عن التصريح بالاطلاق لا يمكن أن يعمّها، كما هو المقرّر في البحث عن اجتماع الأمر والنهي. ولو استأجره على غسل ثيابه فغسلها في إناء مغصوب بماء مغصوب لم يستحقّ أُجرة، بل يحكم بانحلال الاجارة بانتفاء موردها، كما إذا آجره لقلع سنّه فوقع السنّ، وهذا إذا تعلّقت الاجارة بالغسل المباح، وإلا كانت باطلة من الأوّل. وعلى تقدير البطلان ففي صورة العمل مباحاً يستحقّ أُجرة المثل لتضمن الاجارة الاذن في العمل الموجب للضمان. وعلى تقدير العمل حراماً فلا يستحقّ شيئاً، فإنّ أخذ المال في مقابل الحرام أكل له بالباطل. وأوضح من ذلك ما إذا استأجره للجامع بين قراءة القرآن أو الغناء، فعلى تقدير قراءة القرآن يستحقّ أُجرة المثل لقاعدة الضمان المستفاد من الأمر بالعمل والاذن فيه، وعلى تقدير التغنّي لا يستحقّ شيئاً. ولا يخفى أنّه إذا أجريا العقد على عمل يحكم بصحّته وتعلّقه بالفرد الحلال لفعلهما على الصحيح، وهذا غير ما ذكرنا مما يعلم فيه تعلّق قصدهما بالفعل حلالاً وحراماً.


136

لا يقال: كما إذا ورد الأمر بفعل في خطاب مطلقاً وورد النهي عن بعض أفراده في خطاب آخر، يكون الجمع بين الخطابين بتقييد متعلّق الأمر والالتزام بتعيّن الإتيان به في ضمن فرده الحلال، كذلك فيما كانت الاجارة على العمل مطلقاً، فإنّه يكون الجمع بين الأمر بالوفاء بالعقود وبين النهي عن بعض الأفراد هو الالتزام بتعيّن الوفاء بها في ضمن الفرد الحلال.

فإنّه يقال: لا تنحلّ الاجارة بالإضافة إلى متعلّقها حلالاً أو حراماً إلى اجارتين، ليقال بشمول أوفوا بالعقود لإحداهما دون الأُخرى، بل هي عقد واحد لا يمكن أن يعمّه عموم أوفوا بالعقود، فلاحظ.

ويلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة[1].

[1] أي يلحق بالرشوة المعاملة المشتملة على المحاباة، وهو تنزيل الثمن عن القيمة السوقية وجعله أقلّ منها، وقد ذكر المصنّف «ره» للمعاملة كذلك مع القاضي صور ثلاث:

الأُولى: عدم تعلّق غرض البايع بأصل البيع، بل يكون غرضه الأصلي هو حكم القاضي له باطلاً أو مطلقاً حقّاً أو باطلاً، بحيث لولا ذلك لم يقدم على بيع ماله أصلاً.

الثانية: أن يكون له في أصل البيع غرض ويكون تقليل الثمن للقاضي بغرض حكمه له باطلاً أو مطلقاً، بحيث لولا ذلك كان يبيع المال، ولكن بلا تقليل الثمن.

الثالثة: أن يكون غرضه من البيع كذلك جلب ميل القاضي وحبّه إليه حتّى يحكم له، والمعاملة في جميع الصور محرّمة تكليفاً، ولكن ربّما يقال إنّها محكومة بالصحّة على الاطلاق، أي سواءً قيل بفساد الشرط أو لا، ففي الصورة الثالثة باعتبار عدم الشرط فيها على القاضي وفي الصورتين الأولتين بناءً على عدم تقسيط الثمن على الشرط، وأنّ المعاملة المحاباتية فيهما ترجع إلى بيع الشيء للقاضي بثمن معيّن مع الاشتراط عليه بالحكم للبايع، وهذا الشرط فاسد، لأنّ العمل به بل اشتراطه كفر باللّه العظيم، ولكن بطلان الشرط بناءً على عدم تقسيط الثمن عليه لا يضرّ بتمام البيع المزبور، وبناء على التقسيط يحكم بالبطلان بالإضافة إلى الشرط، نظير ما إذا باع الخلّ والخمر بصفقة واحدة.


137

صور الرشاء في الحكم

أقول: الأظهر الحكم بالبطلان في جميع الصور، فإنّ الرشوة في الحكم هو المال المعطى للقاضي للحكم له، بحيث لا يعطى المال لو علم بعدم الحكم له، بلا فرق بين إعطائه ذلك المال مجاناً أو مع جعل عوض له. وما تقدم ـ من اعتبار كون الإعطاء مقابل الحكم له باطلاً أو مطلقاً ـ يراد به الأعمّ من جعل الحكم له شرطاً أو عوضاً أو داعياً إلى الإعطاء. وبما أنّ إعطاء المبيع في الصور الثلاث للقاضي بداعي الحكم له أو باشتراطه عليه، فيدخل في عنوان الرشوة في الحكم ويكون سحتاً، بل إذا باعه من القاضي بثمن المثل، ولكن كان البيع بداعي الحكم له، بحيث لولا حكمه له أمسك على متاعه ولم يبعه لا منه ولا من غيره، كما يتّفق ذلك في بعض أزمنة عزّة وجود المبيع كان المبيع محرّماً وسحتاً.

كالجعل والاجرة[1].

[1] كما في المال المجعول عوضاً للحكم له بنحو الجعالة، والثاني كما إذا كان عوضاً له في الاجارة، ثمّ انّ ضمان اليد فيما إذا كان المال جعلاً أو أجراً على الحكم واضح، وكذا ما إذا كان الحكم له شرطاً في إعطائه بأن يكون الإعطاء المزبور من الهبة المشروطة، حيث أنّ المال في صورة الاشتراط، وأن لا يكون عوضاً عن الحكم، إلا أنّ المدرك لضمان تلف المال في اليد وهي السيرة الجارية من العقلاء تعمّ موردها، كما يعمّه حديث على اليد ما أخذت، ولكنّه لضعفه سنداً لا يصلح إلا للتأييد. وأمّا إذا كان الحكم له داعياً إلى تمليك المال بلا أخذه عوضاً أو شرطاً، يكون التمليك المزبور من الهبة الفاسدة مجاناً، فلا ضمان فيها كما لا ضمان في صحيحها.

ثمّ إنّ رضا صاحب المال بتصرّف القاضي في الرشوة أو في الجعل والأُجرة لا يوجب جواز التصرّف له، لأنّ رضا صاحبه بعنوان الرشوة، وهذا العنوان لا يوجب جواز أكل المال ولا جواز التصرّف، ولم يرض المالك بالتصرّف فيه بعنوان آخر كما هو الفرض.


138

في اختلاف الدافع والقابض[1].

[1] تعرّض «ره» لصور ثلاث من الصور المفروضة في المقام:

الأُولى: أنّ يكون اتفاقهما على تمليك المال بعنوان الهبة، واختلافهما في دعوى الدافع بأنّها كانت بداعي الحكم له، فباعتبار كونها رشوة فاسدة، ودعوى الآخذ أنّها كانت بداع آخر يكون الدفع معه لازماً، كقصد التقرّب فيه، وفي مثل هذا يقدّم قول مدّعي الصحة. ولا مجال لاحتمال الضمان، فإنّه لا ضمان في الهبة صحيحة كانت أم فاسدة. نعم بناءً على ما قيل من الضمان في الرشوة مطلقاً فمقتضى قاعدة اليد ولو كان ثبوته، إلا أنّ أصالة الصحّة في الهبة تنفي موضوع الضمان، باعتبار إثباتها التسليط الذي لا يكون فيه ضمان.

الثانية: ما إذا لم يتّفقا على نوع التمليك، كما إذا كانت دعوى الدافع أنّها بعنوان الأُجرة على الحكم، والآخذ كانت دعواه الهبة الصحيحة، وفي مثل ذلك لا مجال لأصالة الصحّة، لأنّها مختصّة بما إذا كان الاتفاق على نوع خاصّ في المعاملة. والخلاف في صحّتها وفسادها، بل الأصل في الفرض عدم تحقّق الناقل أي الهبة الصحيحة، فيجوز للدافع أخذ المال مع بقائه وبدله مع تلفه، لأصالة الضمان، فإنّ الموضوع له تلف مال الغير في يده مع عدم تسليطه مجاناً، وبضمّ الوجدان إلى أصالة عدم التسليط كما ذكر يتمّ موضوع الضمان، وأصالة عدم دفعه بعنوان الأُجرة لا تكون مثبتة للهبة المجانية، ولا أثر آخر في البين لها، كما لا يخفى.

الثالثة: ما إذا كان اتفاقهما على فساد التمليك، ودعوى الدافع أنّه كان بنحو يوجب الضمان، والقابض نحواً آخر لا يوجبه، كما إذا كانت دعوى الدافع كونها أُجرة على الحكم أو رشوة، بناءً على الضمان في تلف الرشوة، ودعوى القابض أنها هدية فاسدة، وتكون ثمرة خلافهما بعد تلف المال، فإنّه قبله يكون للدافع أخذها، لاتفاقهما على فساد التمليك، ومقتضى ما ذكرنا في الصورة الثانية هو الضمان في الفرض، كما هو مقتضى ضمّ الأصل إلى الوجدان.


139

حرمة سب المؤمن

سبّ المؤمنين حرام[1].

[1] لا يخفى أنّ الإذلال يكون بالتعدّي على عرض الغير وكرامته، فيكون ظلماً. وأمّا الإيذاء فهو أمر آخر، وربما يكون في مورد السب، كما إذا اطّلع عليه المسبوب، وكان الساب قاصداً إدخال الأذى عليه ولو بعلمه ببلوغ السبّ إليه، فيتأثّر به، وهذا محرّم آخر يكون السابّ معه مستحقّاً لعقابين، لحرمة كلّ من الظلم والإيذاء. وأمّا إذا لم يلتفت إلى اطلاع المسبوب على سبه، يكون عقابه على سبه الذي هو مرتبة من الظلم والعدوان.

ويستدلّ على حرمته من الكتاب بقوله عزّ من قائل: «واجتنبوا قول الزور»(140) بدعوى أنّ قول الزور هو الكلام القبيح. ومن أظهر أفراده سبّ المؤمن، وفيه أنّ الزور ظاهره الباطل، فيكون قول الزور هو الكلام الباطل، واتّصافه بالبطلان يكون باعتبار معناه لا محالة، فينطبق على الكذب وما هو متضمن له. وأمّا الانشاءات التي لا تتضمن الأخبار الكاذبة فلا يكون فيها بطلان، كما إذا قال ـ بمسمع من الناس ـ لإنسان غير حاذق (يا حمار) فإنّ الكلام المزبور باعتبار كونه هدراً لكراهمة ذلك الإنسان وتنقيصاً له سبّ، ولكن لا يكون من الباطل، نظير ما إذا قال للشجاع أنّه أسد، فإنّه مع فرض كونه شجاعاً لا يكون من الباطل، وقوله سبحانه: «لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول»(141).

وفيه أنّ الظاهر ـ ولا أقلّ من الاحتمال ـ أن يكون قوله سبحانه «من القول» بياناً للجهر بالسوء لا للسوء، والمراد أنّه عند ارتكاب إنسان سوءاً يكون اظهاره جهراً بالسوء، سواء كان المظهر بالكسر هو المرتكب أم غيره، وأنّ اللّه لا يحبّ هذا الإظهار والجهر إلا من المظلوم، فإنّه يجوز له التظلّم، وإظهار ما فعله الغير في حقّه من السوء، وهذا لا يرتبط بالسبّ أصلاً. وعلى ذلك فارتكاب الشخص للحرام معصية، وإظهار ارتكابه الناس معصية أُخرى.

ففي رواية أبي بصير[1].

[1] سندها معتبر، فإنّ الكليني رواها عن العدّة عن أحمد بن محمد عن الحسين ابن سعيد عن فضالة بن أيوب عن عبداللّه بن بكير عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع)، وسند رواية السكوني علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني(142) وفي بعض النسخ كالشرف على الهلكة، وعليه يكون السباب مصدراً، كما في رواية أبي بصير. وأما على نسخة «كالمشرف» فالسباب صيغة مبالغة.


140

وفي رواية أبي بصير[2].

[2] رواها أيضاً في الباب المزبور، وسندها معتبر، ولكن لا دلالة فيها على خصوص سبّ المؤمن، بل ظاهرها النهي عن السبّ مطلقاً، باعتبار أنّ السبّ كسب لعداوة الناس، والمناسب للعاقبة كون النهي إرشاديّاً.

وفي رواية ابن الحجاج[3].

[3] سندها معتبر، والرواية على ما في الوسائل، والنسخة الموجودة عندي من الكافي «في الرجلين يتسابّان، قال البادي منهما أظلم، ووزره ووزر صاحبه عليه مالم يعتذر إلى المظلوم»، وذكر «ره» أنّ معنى كونه أظلم أنّ مثل وزر صاحبه عليه.

وفيه أنّه ربما لا يكون على صاحبه وزر وعقاب أصلاً، كما إذا كان سبّه ثانياً دفاعاً عن عرضه وكرامته وجزاءاً على البادي بمثل ما اعتدى عليه، فإنّ السبّ كذلك جائز كما هو مقتضى آية الاعتداء(143)، والتعبير ـ في الرواية عن البادي بالأظلم ـ لا يدلّ على أنّ الآخر أيضاً ظالم، فإنّه يمكن كونه أظلم بالإضافة إلى الساب الذي لا يوجب سبّه إيقاع الغير في الجواب، أو كان التعبير به لمجرد كون سبّه موجباً للعقاب عليه مطلقاً، بخلاف سبّ الآخر، فإنّه قد لا يوجب عقاباً. ويشير زلى ذلك ـ التعبير عنه بالمظلوم، نعم تقييد الوزر في الرواية، بما إذا لم يعتذر إلى الآخر لا يمكن الأخذ بظاهره، فإنّ الاعتذار ـ إلى المظلوم عن سبّه وإيقاعه إيّاه في السبّ ـ لا يوجب ارتفاع الوزر، بل ارتفاعه موقوف على التوبة، إلا أن يكون الداعي إلى اعتذاره توبته.

وثالث أن تصف الشخص بما هو إزراء ونقص[1].

[1] الازراء هو ذكر العيب، ولم يظهر الفرق بين هذا وما ذكره في جامع المقاصد، ليجعل هذا في مقابل ذاك.

فالنسبة بينه وبين ا لغيبة عموم من وجه[2].

[2] أي إنّ النسبة بين قصد الإهانة والغيبة عموم من وجه.

أقول: سيأتي إن شاء اللّه تعالى أنّ الغيْبَة ـ على ما هو مقتضى الروايات ـ ذكر الشخص وإظهار سوئه وعيبه الذي ستر اللّه عليه، فلا تعمّ ما إذا ذكره بعيوبه الظاهرة، كما إذا ذكر زيداً وأراد رفع الإبهام عن فوصفه بالأعمى، فإنّ مثل هذا الذكر إذا لم يكن بقصد التنقيص والتحقير لا بأس به. نعم إذا كان بقصدهما كان محرّماً من جهة حرمة الإهانة والسبّ، وإذا أظهر عيبه المستور بلا قصد الإهانة كان غيبة، ويجتمعان فيما إذا كان إظهاره للإهانة.


141

ثمّ إنّ حرمة السبّ أي سبّ المؤمن للتحفّظ على كرامته، فلا يكون حراماً فيما إذا لم يكن للمسبوب كرامة واحترام، كالمتجاهر بالفسق على ما سيأتي في الغيبة، فإنّ مقتضى جواز اغتيابه جواز سبّه. وأمّا وجوبه من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمشروط بشروطه المذكورة في ذلك الباب، ويلحق بالمتجاهر بالفسق المبدع، بل الجواز فيه أولى. ويكفي أيضاً في ذلك مثل صحيحة داود بن سرهان عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال رسول اللّه (ص): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي، فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذّرهم الناس ولا يتعلّمون من بدعهم، يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة»(144).

ويمكن أن يستثنى من ذلك ما إذا لم يتأثّر[1].

[1] يجوز للسيد ضرب عبده للتأديب، وفحواه جواز سبّه تأديباً. وأمّا في غير ذلك المقام، فمقتضى موثّقة أبي بصير المتقدّمة عدم الجواز، وكذا الحال بالإضافة إلى الوارد وولده، فإنّه يجوز له سبّه تأديباً، كما يجوز له ضربه لذلك، وأمّا في غير مقام التأديب فلا، إلا إذا لم يعد الكلام المزبور من المولى أو الأب سبّاً وإهانةً، كما إذا تكلّم به حبّاً لولده، فيكون نظير ما إذا قال للزوجة ما يستقبح ذكره للغير في عدم كونه هدراً للكرامة، والتمسّك ـ في جواز سبّ الوالد ولده مطلقاً، حتّى فيما إذا لم يكن للتأديب، بقوله (ص): «أنت ومالك لأبيك» ـ لا يخفى ما فيه، فإنّ الولد لا يحكم شرعاً بأنّه مملوك والده، نظير ملك العبد أو الحيوان للمولى، والمالك ليجري على الولد ما يجري على مال الوالد، ولذا لو لم يكن للوالد حاجة لما جاز له الأخذ من مال ولده بلا رضاه، وكذا لا يجوز ترتيب سائر أحكام الملك، والحكم الوارد في الرواية أخلاقي ذكره (ص) لئلا يتصدّى الابن لمخاصمة أبيه في المحاكم الشرعية لأجل ماله، بل على تقدير كونه مالاً لوالده كالعبد بالإضافة إلى مولاه، فلا يثبت جواز ضربه مطلقاً كما لم يثبت ذلك في العبد. وأمّا المعلّم والمتعلّم، فلا يجوز للأوّل سبّ الثاني في مورد الهتك والتنقيص، كما لا يجوز ذلك في مورد الإيذاء وتأثّر المتعلّم.


142

وبعبارة أُخرى: كما لا يجوز للمعلّم سبّه مع التفاته إلى أنّ سبّه نقص للمتعلّم في أنظار الناس، كذلك لا يجوز له مع التفاته إلى أنّ سبّه موجب لتأثّره. وتوهّم جوازه بالسيرة الموهومة ضعيف. نعم يجوز للمعلّم سبّ الولد الصغير إذا كان ذلك تأديباً، مع فرض كونه مأذوناً في تأديبه عن وليّه.


143

في السحر وحكمه

وكان آخر عهده بربه[1].

[1] أي أنّ اللّه يبرأ منه بعد تعلّمه السحر والرواية(145) سندها معتبر ومثلها الأُخرى.

هو ما لطف مأخذه ودقّ[2].

[2] المراد باللطيف والدقيق هو الخفي أي أنّ السحر هو ما يكون سببه ومأخذه خفيّاً. وهذا كتعريف الزرافة مثلاً بأنّه حيوان شرح أسمي، وبيان للمعنى بالوجه العام، وإلا لصحّ إطلاق السحر على كلّ ما يكون سببه خفياً كالرؤيا الصادقة التي لا نعرف منشأها.

ثمّ إنّ هذا التعريف لا ينافي أن يكون للسحر حقيقة، كما عن بعض، بخلاف التفاسير المذكورة عن أهل اللغة بعد هذا التعريف، فإنّ مقتضاها عدم ثبوت الحقيقة له، كما عن بعض آخر، منهم المحقّق الايرواني. ويستدلّ عليه بقوله سبحانه في قضية سحرة فرعون: «فإذا حبالهم وعصيّهم يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى»(146)، وقوله: «فلمّا ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم»(147)، وبما أنّ السحر أمر خيالي لا حقيقة له، فعبّر سبحانه عن السحر بالكيد في قوله: «فتولّى فرعون وجمع كيده»(148)، نعم لا يلتفت الغير غالباً إلى فعل الساحر، وأنّه أمر خيالي، فيرتّب عليه أثر الواقع، فيركض بعد خياله أنّ في أطرافه ناراً تحرقه بالمكث، ويفترق عن زوجته بعد تخيّله أنّها عدوّته الأُولى والأخيرة، وهكذا.

ولكن لا يخفى أنّه لا دلالة في الآية على أنّ السحر على الاطلاق أمر خيالي، بل الحلّ والعقد يكونان بالسحر، ويبعد كونهما بالخيال. هذا مع ما ورد في سحر بعض الناس على النبي (ص) والالتزام ـ بالتخيّل بالإضافة إلى الرسول الأكرم ـ كما ترى.

لا يقال: ما الفرق بين السحر وبين المعجزة، بناءاً على القول بأنّ للسحر حقيقة ولو في الجملة.


144

فإنّه يقال: يكون في المورد الذي للسحر حقيقة تحقّق الشيء بالسبب، ولكنّ السبب خفيّ لا يدركه عامّة الناس، وهذا بخلاف المعجزة، فإنّه يكون فيها تحقّق الشيء بلا سبب عادي كالإرادة، كما يفصح عن ذلك الكتاب المجيد «إذ قال اللّه يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتك بروح القدس تكلِّمُ النّاس في المهد وكهلاً وإذ علّمناك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني»(149) والمراد بالإذن هو التكويني أي إعطاء السلطنة نظير قوله سبحانه: «وما قطعتم من لينة أو تركتموها على أُصولها فبإذن اللّه»(150) حيث لا معنى للإباحة والترخيص الشرعي في مثل المقام. وعلى الجملة فالأفعال المنسوبة إلى عيسى على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام، نظير الأفعال المنسوبة إلينا صادرة منه كصدورها منّا، غاية الأمر السلطنة عليها بإرادة اللّه ومشيّته على ما ذكرنا تفصيل ذلك في بحث الطلب والإرادة.

أو رقية[1].

[1] المراد بها العوذة كالتي تعلّق على الرقبة أو يشدّ على اليد أو غيرها للوقاية من الإغماء والصداع أو غيرهما من العاهات.

يؤثّر في بدن المسحور[2].

[2] قيد لجميع ما تقدّم من قوله كلام يتكلّم به“

وفي محكي الدروس أنّ المعتبر في السحر الإضرار[3].

[3] وهل يعتبر في تحقّق عنوان السحر أو حرمته الاضرار بالنفس أو بالغير أو لا يعتبر، وأنّه حرام مطلقاً؟ ظاهر الآية الواردة في قضية هاروت وماروت أنّه كان الحرام هو المضرّ فقط، مع كون النافع أيضاً سحراً، ولكن لا دلالة فيها على بقاء النافع على الجواز في غير ذلك الزمان والروايات الواردة في حرمة السحر بعضها مطلقة تعمّ المضرّ وغيره، كموثقة إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه أنّ علياً (ع) كان يقول: «من تعلّم شيئاً من السحر كان آخر عهده بربّه وحدّه القتل إلا أن يتوب»(151)، وليس في البين ما يوجب رفع اليد عن إطلاقها. ومرسلة إبراهيم بن هاشم وإن كانت ظاهرة في جواز النافع، لكنّ إرسالها مانع عن الاعتماد عليها فإنّه روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن شيخ من أصحابنا الكوفيين قال: «دخل عيسى بن ثقفي على أبي عبداللّه (ع)، وكان ساحراً يأتيه الناس ويأخذ على ذلك الأجر، فقال له: جعلت فداك، أنا رجل كانت صناعي السحر وكنت آخذ عليه الأجر وكان معاشي، وقد حججت منه، ومنّ اللّه عليَّ بلقائك، وقد تبت إلى اللّه عزّ وجلّ، فهل لي في شيء من ذلك مخرج؟ فقال أبو عبداللّه (ع): حل ولا تعقد»(152).

والصحيح أن يقال: العمل الذي أحرز أنّه سحر يحكم بحرمة تعليمه وتعلّمه وعمله، سواءً كان ضارّاً أم لا، أخذاً بإطلاق مثل موثّقة إسحاق بن عمّار. وأمّا ما لم يحرز كونه سحراً كالتسخيرات والعزائم فإن كان مضرّاً، بحيث يكون ذلك الإضرار محرّماً، سواء كان بالنفس أم بالغير، فلا يجوز مع خوفه، وإلا فلا يمكن الحكم بحرمته، لعدم إحراز عموم السحر له، ومجرّد ذكر العزائم أو التسخيرات في بعض الكلمات من أقسام السحر لا يثبته، خصوصاً بملاحظة أنّه عدّ أيضاً منها النميمة. ودعوى الشخص بأنّه يعلم علم الكيميا لجلب قلوب الناس إليه.


145

ورواية الاحتجاج الحاكية لقصّة زنديق لا تزيد على الرواية المرسلة، وذلك للجهل بطريق الطبرسي كما لا يخفى. وما في كلام بعض الأصحاب ـ من جواز دفع السحر بالسحر حتّى نسب إلى الصدوق «ره» من أنّ توبة الساحر أن يحل ولا يعقد ـ لا يخلو عن تأمّل.

نعم، مرسلة إبراهيم بن هاشم ظاهرة بإطلاقها في جواز إبطال السحر والحلّ ولو بالسحر، ولكنّها كما ذكرنا لا يمكن الاعتماد عليها، ولكن لا بأس بتعلّم السحر والعمل به لإبطال مثل الدعوى من المدّعي للنبوّة، ونحوه ممن يكون غرضه إفساد عقائد الناس بالسحر أو غيره، بل لا يبعد وجوب ذلك كفائياً.

ثمّ إنّ ظاهر بعض الروايات كرواية السكوني جواز قتل الساحر حتّى فيما إذا لم يكن مستحلاً له، قال جعفر بن محمد (ع) فيها: «قال رسول اللّه (ص): ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفّار لا يقتل»(153)، ومثلها إطلاق غيرها، كموثّقة إسحاق بن عمّار المتقدّمة، وحملها ـ على صورة الاستحلال كما هو ظاهر جمع ـ لا يمكن المساعدة عليه.

نعم، توبته توجب سقوط حدّ القتل، كما ذكر في الموثّقة، وبها يرفع اليد عن إطلاق غيرها، ولا بُعد في جواز قتله، بل وجوبه تحفّظاً على مصالح المسلمين ليكونوا على أمن من كيده. ودعوى أنّ السحرة في عصر الأئمة (ع) كانوا غالباً من الكفّار ويعتقدون تأثير الكواكب والأجرام العلوية لا يخفى ما فيه، مع أنّ رواية السكوني دالّة على قتل خصوص الساحر من المسلمين، فكيف تحمل على صورة كونه كافراً؟

ثمّ انّ الشهيدين عدّا من السحر[1].

[1] أي انّ الشهيدين جعلا تسخير الملائكة والشياطين والأجنّة وإحضارهم من أقسام السحر ويكون استخدام الملائكة والشياطين وتسخيرهم في مثل كشف الغائبات وعلاج المصاب، كما يكون إحضارهم لغاية الكشف عن الغائبات بتلبيسهم ببدن صبي أو امرأة. وبعبارة أُخرى: تسليطهم على بدنهما بحيث يكون تكلّم الصبي أو المرأة بتلقين الملائكة والشياطين.

والظاهر أنّ المسحور فيما ذكراه[1].

[1] كأنّ مراده بيان أنّ التسخير أو الإحضار يكون من السحر حتّى بناءاً على أخذ الإضرار في تحقّق عنوان السحر، وذلك فإنّ المعتبر في السحر الإضرار بالمسحور، والمسحور في التسخيرات والاحضارات هي الملائكة والجن والشياطين، والإضرار بهم يحصل بتسخيرهم وتعجيزهم عن المخالفة وإلجائهم إلى الخدمة والطاعة.


146

وقال في الإيضاح إنّه استحداث الخوارق[2].

[2] أي انّ السحر هو إيجاد ما يعدّ خرقاً للعادة، ويكون إيجاده(154) بمجرّد تأثير نفس الساحر(155) أو باستعانة الساحر بالفلكيّات بدعوتهم، ويسمّى بدعوة الكواكب(156) أو بتمزيج الساحر القوى السماوية بالقوى الأرضية، كأن يلاحظ أنّ الكوكب الفلاني في أيّ برج ويعمل في ذلك الزمان في الصفر أو غيره من الفلزات عملاً يوجب حدوث ذلك الخارق للعادة ويسمى بالطلسمات(157)، أو يستعين الساحر بالأرواح الساذجة في إيجاد ذلك الأمر، واستعانته يكون باستخدامهم ويدخل فيه النيرنجات.

أقول: لعلّ المراد بالنيرنجات تسخير الشياطين والأجنّة، ولكن فسّرها في الدروس بدعوة الكواكب والطلسمات، ويبقى على الإيضاح بيان الفرق بين المعجزة والقسم الأوّل من السحر.

وأمّا ما كان على سبيل الاستعانة[3].

[3] المراد أنّ ما يحدث بالاستعانة بخواص الأجسام السفلية فقط، كما في الأثرات الحادثة من تناول الأدوية من المبلدة وغيرها، فإنّه لا يسمّى سحراً، كما لا يسمّى به ما يحدث بالاستعانة بالنسب الرياضية، كما إذا جعل قطعة حديد بحيث يرفع بها ثقيلاً، ويسمى بعلم الحيل وجرّ الأثقال.

روى الصدوق في الفقيه في باب عقاب المرأة[4].

[4] الرواية لا تخلو عن المناقشة لوقوع النوفلي في سندها، بل لو كانت في أعلى مراتب الصحّة لكانت أيضاً مطروحة، باعتبار مخالفتها للكتاب العزيز، فإنّ ظاهر عدم قبول توبة الساحر، ومن المقطوع به أنّ السحر ليس بأعظم من الكبائر ومن الارتداد مع قبول التوبة من المرتد ومرتكبها. ودعوى عدم فرض التوبة في الرواية يدفعها قوله: «فصامت المرأة نهارها، وقامت ليلها، وحلقت رأسها ولبست المسوخ» حيث أنّ ظهوره في التوبة غير قابل للإنكار.

ويدخل في ذلك تسخير الحيوانات[1].

[1] لم يظهر كون مجرّد التسخير سحراً، وعليه فلا بأس به حتّى فيما إذا كان ذلك إضراراً بالحيوان، فإنّ إضراره لايزيد على ضرب الحيوان والركوب أو حمل الثقل عليه كما لا يخفى، بل لا دليل على حرمة الاضرار بالأجنّة فضلاً عن الشياطين.

الشعبدة حرام[2].

[2] فيه تأمّل بل منع، حيث لا دليل على حرمة مطلق اللهو، بل دخول الشعبذة في اللهو ممنوع أيضاً، والشعبذة إيجاد الشيء بأسبابه العادية، ولكن بما أنّ الإيجاد سريع تكون السرعة موجبة لتخيّل وجوده بلا سبب عادي.

الغش حرام[3].

[3] الغش بالفتح مصدر، وبالكسر إسم.

فعن النبي[4].

[4] كما في صحيحة هشام بن سالم(158).

قوله «ره» وفي رواية العيون بأسانيد[5].

[5] تعرّض لتلك الأسانيد في الوسائل في باب إسباغ الوضوء، وهي ثلاثة طرق عن الرضا (ع) كلّها ضعاف لما فيها عدّة مجاهيل فراجعها.

وفي عقاب الأعمال[6].

[6] تعرّض لسنده في الوسائل في باب استحباب عيادة المريض وفيه أيضاً مجاهيل.


147

وفي مرسلة هشام عن أبي عبداللّه[7].

[7] بل مرسلة عبيس بن هشام، ورواها الشيخ عن عبيس عن أبي عبداللّه (ع)، والظاهر أنّه أيضاً اشتباه، فإنّ عبيس ـ على ما ذكر ـ تاريخ وفاته سنة 220 وتاريخ وفاة أبي عبداللّه (ع) سنة 148 مع أنّ الشيخ «ره» عدّ الرجل في فهرسته ممن لم يرو عن الإمام (ع).


148

في حرمة الغش

وفيه غش جملة ابتدائية[1].

[1] أي انّ الدينار لا يباع بشيء، ويتعيّن أن تكون جملة فيه غشّ ابتدائية موضع التعليل، ويحتمل رجوع الضمير في «لا يباع» إلى سائر الأموال. والمراد بشيء هو الدينار وفيه غش (وصف للشيء)، أي: لا يباع أموال الناس بشيء مغشوش. ولكنّ الظاهر هو الأوّل، لأنّ إرجاع الضمير إلى غير المذكور في الكلام مع وجود ما يصلح له في الكلام خلاف الظاهر، وليس المراد من البيع بناءاً على الجملة الابتدائية هو الاشتراء ليقال أنّه أيضاً خلاف الظاهر، بل المراد البيع وتعلّقه بالدراهم ـ كما في بيع الصرف ـ متعارف.

ثم إنّ ظاهر الأخبار[2].

[2] فرّق «قدس سره» أوّلاً بين الغشّ في مثل مزج اللبن بالماء، ومزج الدهن الجيد بالرديء، ووضع الحرير في الكان البارد لكسب الثقل، مما يكون العيب والنقص فيه خفيّاً لا يعرف غالباً، إلا من قبل بايعه، وبين النقص الذي لا يخفى على من يلاحظ المبيع ولا يتسامح في التعرّف على حاله، كما في مثل خلط الحنطة الجيدة بالرديئة. وذكر أنّ مثل هذا الخلط جائز كما يشهد له صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع): «أنّه سُئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض، وبعضه أجود من بعض؟ قال: إذا رؤيا جميعاً فلا بأس مالم يغط الجيّد الرديء»(159)، ومثلها صحيحة الحلبي الثاني عن أبي عبداللّه (ع) قال: «سألته عن الرجل يكون عنده لونان من طعام واحد سعرهما بشيء، وأحدهما أجود من الآخر فيخلطهما جميعاً، ثمّ يبيعهما بسعر واحد؟ فقال: لا يصلح له أن يغشّ المسلمين حتّى يبيّنه»(160).


149

وظاهرهما وإن كان جواز الخلط، ولكن عدم بيان ذلك للمشتري الغافل غشّ محرّم، فيجب الإعلام به. ويستفاد ذلك من رواية سعد الاسكاف(161) فإنّ النقص في موردها وإن كان يظهر بملاحظة المبيع وعدم التسامح في معرفته، إلا أنّ عدم الإظهار عدّ فيها غشّاً. ويمكن حمل هذه الروايات الظاهرة في الغشّ بالنقص غير الخفي على صورة كونه بفعل البايع، بقصد تلبيس الأمر على المشتري، فلا يجب عليه الإعلام إلا في هذه الصورة. وأمّا إذا كان بداع آخر أو بفعل شخص آخر، كما إذا اشترى طعاماً مختلطاً من الجيد والرديء، وأراد بيعه من آخر ثانياً، فلا يجب عليه الإعلام. وأمّا المخفي وإن كانت الحرمة فيه أيضاً ببيع المغشوش مع جهل المشتري بالحال، إلا أنّه لا فرق فيه بين كون الغش بفعله أو بفعل آخر أو لغرض آخر، ففي جميع ذلك يجب الإعلام.

ثمّ إنّه «ره» ساوى بين النقصين، وذكر أنّه لا يجب عليه الإعلام إلا في مورد قصد التلبيس. وأمّا ما هو ملتبس في نفسه فلا يجب. نعم لا يجوز إظهار سلامة المبيع وعدم وجود النقص فيه، بلا فرق في ذلك بين النقص الخفي وغيره، فالعبرة في حرمة الغش بقصد التلبيس على المشتري.

وقال «ره»: «إنّ في التفصيل الوارد في صحيحة الحلبي الأُولىشهادة لذلك» قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل يشتري طعاماً، فيكون أحسن له وأنفق أن يبلّه، من غير أن يلتمس زيادته، فقال: إن كان بيعاً لا يصلحه إلا ذلك ولا ينفقه غيره، من غير أن يلتمس فيه زيادة، فلا بأس، وإن كان إنّما يغشّ به المسلمين، فلا يصحّ»(162) فإنّه (ع) جوّز بلّ الطعام بدون الإعلام مع عدم قصد الزيادة، لأنّ الرواية لو كانت ناظرة إلى صورة الإعلام لم يكن وجه للتفصيل في الجواب بين قصد الزيادة وعدمه، فإنّه مع الإعلام يجوز البلّ مطلقاً.

أقول: لم يظهر من صحيحة الحلبي جواز السكوت، فيما إذا كان في المبيع ما لا يعرف إلا من قبل البايع، ولو لم يكن ذلك بفعل كحيوان أكل ما يوجب موته، بل يكون ترك الإعلام في بيعه غشّاً، فيعمّه ما دلّ على حرمة الغش.

لا يقال: النقص في المبيع إذا كان من قبيل العيب فعلى البايع الإعلام به مطلقاً سواء كان العيب خفياً أم لا، لأنّ بيعه بالتزام الصحة مع علمه بالعيب يعدّ غشّاً، كما لو صرّح بأنّه يبيعه على شرط الصحّة، والحيوان الذي أكل ما يوجب موته من بيع المعيوب على شرط السلامة.

فإنّه يقال: الموجب لصدق الغش عدم إعلام البايع بالعيب مع علمه به، حتّى فيما لو تبرّأ من عيوب المبيع، حيث يعدّ بيع الحيوان المزبور غشّاً، حتّى مع التبري منها، وإلا فليس الالتزام بالصحّة إخباراً عنها ليقال انّ الالتزام بها مع العلم بالعيب غشّ، بل معناه جعل الخيار للمشتري على تقدير العيب، كما سيأتي في بحث الخيارات إن شاء اللّه تعالى.


150

نعم إذا كان النقص مما يعرفه الناظر في المبيع، فلا يجب إعلام المشتري بالحال إلا فيما إذا كان فعله بقصد التلبيس، لعدم صدق الغش على ترك الإعلام، حيث إنّ الغش بمعناه المصدري ضدّ النصيحة لا ترك النصيحة مطلقاً ليتحقّق بمجرّد ترك الإعلام. نعم إذا أظهر ما يكون إغراءاً أو موجباً لوقوع الآخر في خلاف الواقع كان ذلك غشّاً في المعاملة.

ثم إنّ في جامع المقاصد ذكر في الغش بما يخفى[1].

[1] يقع الكلام في حكم المعاملة، فنقول: الغشّ إمّا بإخفاء الأدنى من الأعلى، كمزج الجيّد بالرديء، أو بإخفاء غير المراد في المراد، ونعني بالمراد ما ينطبق عليه عنوان المبيع، ومن غيره ما لا ينطبق عليه، أو بإظهار الصفة الجيّدة في المبيع مع عدمها واقعاً، ويعبّر عنه بالتدليس، أو بإظهار ما لا ينطبق عليه عنوان المبيع بصورة ما ينطبق عليه، كمبيع المموّه وما يكون مصبوغاً بماء الذهب بعنوان أنّه ذهب.

ثمّ انّ الغش وإن كان محرّماً، لكنّ النهي عنه لا يقتضي فساد المعاملة فيما إذا لم يخرج المغشوش بالغش عن عنوان المبيع، كما في مزج الماء باللّبن، مع استهلاك الماء باعتبار قلّته، فيكون البيع صحيحاً، غاية الأمر يثبت للمشتري خيار العيب مع جهله بالحال، ونظيره ما إذا كثر التراب في الحنطة، فإنّ كثرة التراب فيها لا يخرج المبيع عن عنوان الحنطة، بل تعدّ معيوبة. وما ذكره المصنّف «ره» في الفرق بين المثالين لا يرجع إلى محصّل، وإذا خرج المبيع بالغشّ عن عنوان المبيع، بحيث لم يصدق ذلك العنوان على الموجود، كما في بيع المموّه كان البيع باطلاً، باعتبار أنّ عنوان المبيع يكون بنظر العرف مقوّماً للبيع، ومع فقده لا يكون بيع، وهذا بخلاف ما إذا صدق عليه عنوانه، ولكن خرج بالغش عن الوصف الملحوظ فيه، فإنّه مع فقد الوصف يكون المورد تارةً من تخلّف الوصف المشترط، ومن تخلّف الداعي أُخرى، وإذا لم يستهلك غير المراد في المراد، بأن كان الموجود هو المبيع وغيره، فيتبعّض البيع، ويكون بالإضافة إلى المراد صحيحاً، كما إذا خلط دهن النبات بدهن الحيوان بلا استهلاك أحدهما في الآخر، وباعه بعنوان دهن الحيوان وبالإضافة إلى غيره باطلاً باعتبار عدم القصد إلى بيعه.


151

وما ذكر من وجهي الصحة والفساد[1].

[1] أي انّ ما ذكره في جامع المقاصد ـ في وجه الصحّة في بيع اللبن الممزوج بالماء وفي وجه فساده ـ يجري في سائر موارد عيب المبيع، فيتردّد أمر البيع فيها بين الصحّة والفساد، حيث أنّ المبيع فيها أيضاً عين متموّل. وهذا وجه الصحّة وكون المقصود فيها هو الصحيح، كإرادة البصير في بيع العبد، وهو غير متحقّق، وهذا وجه الفساد، مع أنّه لا ينبغي الريب في أنّ العيب في المبيع لا يوجب بطلان البيع، بل يثبت معه خيار العيب، وذلك فإنّ أوصاف الصحّة ـ حتّى في مثل شوب اللبن بالماء ـ ليست مقوّمة للمبيع عرفاً. ويتعلّق البيع بالموجود الخارجي بعنوان أنّه يطلق عليه اللبن، ويكون خلوصه شرطاً، بمعنى أنّه يثبت للآخر الخيار على تقدير شوبه. وعليه، فلا يكون في البين وجه لبطلان البيع.

نعم إذا كان العنوان مقوّماً للمبيع، كما إذا كان مثل عنوان الفرس وباع الحيوان بعنوانه، فبان حماراً حكم ببطلان البيع، لأنّ قصد البيع يتعلّق بعنوان الفرس، ولذا قالوا في بيع الصرف أنّه لو ظهر أحد العوضين معيباً، ولكن من غير الجنس المذكور في العقد بطل البيع.

وأمّا وجه تشبيه مسألة الاقتداء[1].

[1] وأمّا الصلاة في مسألة الاقتداء فمحكومة بالصحّة، حتّى فيما إذا كان ناويلاً لأحد الشخصين بنحو التقييد، حيث أنّ الفراداى لا تنقص عن صلاة ا لجماعة إلا في القراءة الساقطة حال العذر، كما هو مقتضى حديث لا تعاد، والمفروض أنّ تركها كان لتوهّم أنّه مأموم. نعم لو كان المراد من التفصيل بين التقييد وغيره هو الحكم ببطلان الجماعة في الأوّل لا في الثاني، فهو صحيح، ولكن لا يساعد على ذلك ظاهر كلماتهم.

ثم انّه قد يستدلّ على الفساد[2].

[2] قد تقدّم أنّ المعاملة ـ بلحاظ النهي عن غشّ المؤمن فيها لا تفسد وقد ذكر في محلّه أنّ النهي عن معاملة تكليفاً لا يقتضي فسادها، ولم يرد في خطاب ـ النهي عن بيع المغشوش بهذا العنوان ليقال بظهور النهي في فساده، على ما ذكرنا سابقاً من كون الفساد هو الظهور الأوّلي للنهي عن المعاملة. وأمّا النهي عن بيع الدرهم المغشوش في مرسلة موسى بن بكر(163) فمحمول على صورة عدم المالية، وكون بيع الدرهم من التمويه في الجنس، بقرينة الأمر بإلقاه في البالوعة، فإنّه لو كان مالاً كما إذا كان الغش في سكّته فقط، لكان الإلقاء المزبور تبذيراً خصوصاً بعد كسره.


152

بقي في المقام أمران:

الأوّل: أنّ ما ذكره الشهيد «ره» من التردّد في صحّة بيع هذا بعنوان الفرس فبان حماراً، وأنّه يبتني على تقديم الإشارة على العنوان فهو أيضاً غير صحيح، فإنّ مثل عنوان الفرس من العناوين المقوّمة للمبيع، فيكون مقدّماً على الإشارة بلا ريب، حيث أنّ البيع يتعلّق بالعين الخارجية بما أنّه ينطبق عليها ذلك العنوان ويقصد المشتري شراء الفرس والبايع يريد بيعه. وإسناد البيع إلى المشار إليه باعتبار اعتقادهما أنّه فرس وهذا بخلاف مسألة الاقتداء، فإنّه يمكن فيها أن يقصد المأموم الاقتداء بزيد، وإشارته إلى الحاضر باعتبار اعتقاده أنّه زيد، وهذا معنى تقديم الوصف، ويمكن أن يقصد الاقتداء بالحاضر زيداً كان أو غيره، ولكنّ توصيفه بزيد باعتبار اعتقاده أنّ الحاضر فعلاً هو لا عمرو، كما هو تقديم الإشارة، وبما أنّ القصد من الأُمور الوجدانية، ولا يمكن فيها الشكّ حال حصولها، فيمكن للمأموم حصول التردّد بعد فراغه عن العمل.

الثاني: ذكر المحقّق الأيرواني «ره» أنّ الذي يظهر لي من الأخبار أنّ الغشّ بعنوانه لا يكون محرّماً، بل هو محرّم بعنوان الكذب. وفيه أنّه لم يعلم وجه هذا الظهور، سواء كان الغش في المعاملات أو غيرها، بعد ما ذكرنا من أنّ أخذ عنوان ـ موضوعاً في خطاب الشرع، وإن احتمل كونه مشيراً إلى عنوان آخر ـ يكون هو الموضوع واقعاً إلا أنّ هذا خلاف ظاهر الخطاب، فإنّ مقتضى أصالة تطابق مقام الإثبات مع مقام الثبوت أن يكون الموضوع في خطاب هو الموضوع للحكم واقعاً، بل القرينة ـ في المقام على أنّ الغشّ بعنوانه موضوع للحكم لا بعنوان الكذب ـ ظاهرة ، حيث أنّ الأحكام المتقدّمة من التكليف والوضع تترتّب، حتّى فيما إذا كان غشّ البايع مثلاً بعنوان التورية لا الكذب، ولذا يتعدّد العقاب في فرض الغش بالكذب، فلاحظ وتدبّر.


153

في حرمة الغناء

الغناء لا خلاف في حرمته في الجملة[1].

[1] لا خلاف في حرمة الغناء في الجملة، ويستدلّ عليه بالروايات المستفيضة الواردة(164) في تفسير قول الزور من قوله سبحانه: «واجتنبوا قول الزور» والواردة في تفسير لهو الحديث، من قوله سبحانه: «ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ به عن سبيل اللّه بغير علم» والواردة في تفسير الزور من قوله سبحانه: «والذين لا يشهدون الزور» وذكر المصنّف «ره» بما حاصله أنّ المطلوب في المقام إثبات حرمة الغناء بمعناه الظاهر المتعارف الذي هو عبارة عن كيفية الصوت الذي يكون بها مطرباً. وما ورد تفسير قول الزور لا يدلّ على حرمة ذلك حيث أنّ تطبيق قول الزور على الغناء قرينة على كون المراد به الكلام الباطل لا الكيفية في الصوت مطلقاً، ويؤيّد كون المراد بالغناء فيها هو الكلام الباطل، صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبداللّه (ع) قال: «سألته عن قول الزور؟ قال: منه قول الرجل للذي يغني أحسنت»(165)، فإنّ قوله «أحسنت» باعتبار تضمّنه مدح الفاعل على فعله الحرام باطل، اللّهمّ إلا أن يقال: إنّ قول الزور في قوله سبحانه عامّ يعمّ الباطل في معناه أو في جهة قراءته، ولعلّه لذلك عدّه تأييداً. نعم في مرسلة الصدوق، قال: «سأل رجل علي بن الحسين (ع) عن شراء جارية لها صوت، فقال: ما عليك لو اشتريتها، فذكرتك الجنّة بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء وأمّا الغناء فمحظور»(166)، فإنّ التعبير ـ عن الكلام الصحيح والفضائل الحقّة بعدم الغناء ـ دليل على كون المراد بالغناء ولو في بعض استعمالاته هو الكلام الباطل، وكذا ناقش «ره» في ما ورد في تفسير لهو الحديث، بناءاً على كون إضافة اللهو إلى الحديث من إضافة الصفة إلى موصوفها، حيث أنّ كون الحديث لهواً عبارة أُخرى عن بطلان معناه، نعم لو كانت إضافته إليه من إضافة المظروف إلى ظرفه المعبّر عن ذلك في علم الأدب بكون الإضافة بمعنى «في» فيعمّ الغناء في الكلام الصحيح، بل أجرى «ره» المناقشة فيما ورد في تفسير الزور في قوله سبحانه: «والّذين لا يشهدون الزور» وذكر أنّ المدح فيه لمن لا يحضر مجالس التغنّي يعني الأباطيل من الكلام.


154

أقول: لم يظهر وجه صحيح للخدشة فيما ورد في تفسير الزور، فإنّه لا قرينة في البين على أنّ تطبيق الإمام (ع) عنوان الزور على الغناء باعتبار الكلام، كما كانت في الوارد في تفسير الآية الأُولى، بل الثانية أيضاً. وبعبارة أُخرى: صحيحة أبي الصباح عن أبي عبداللّه (ع)(167) دالّة على كون الغناء بنفسه زوراً وباطلاً، وظاهر الغناء هي الكيفية في الكلام الحقّ أو الباطل. وما ذكر «ره» أيضاً من دلالة المرسلة على استعمال الغناء في الكلام الباطل ضعيف ، لاحتمال أن يكون قوله فيها والتي ليست بغناء راجعة إلى القراءة لا قيداً للفضائل. نعم مجرّد المدح على الحضور في مجلس اللهو والباطل المستفاد من قوله سبحانه «والذين لا يشهدون الزور» لا يكفي في الحكم بالحرمة كما لا يخفى.

وفيها ابن فضال[1].

[1] كأنّ مراده أنّ وجود بني فضال في سند الرواية كاف في اعتبارها للأمر بالأخذ برواياتهم، وقد روى محمد بن الحسن في كتاب الغيبة عن أبي الحسين التمام عن عبداللّه الكوفي خادم الحسين بن روح عن الحسين بن روح عن أبي محمد الحسن بن علي (ع) أنّه «سُئل عن كتب بني فضال؟ فقال: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا»(168)، وفيه أنّه لا سبيل لنا إلى إحراز أنّ رواية عبدالأعلى مروية عن كتب بني فضال، بل على تقديره أيضاً لا يكون الرواية معتبرة، فإنّ الأمر بالعمل برواياتهم إرشاد إلى أنّ مجرّد فساد اعتقادهم لا يوجب طرح رواياتهم بأن لا يصحّ الاعتماد على رواية يكون أحد منهم في سندها لا أنّ وجودهم في سند رواية يكون تمام الموضوع لاعتبارها، بحيث لا تضرّ جهالة باقي رواتها حتّى مع كون بعضهم كذّاباً وجعّالاً. ولذا لا يصحّ عند معارضة رواية صحيحة مع رواية أُخرى في سندها منهم طرح الصحيحة والأخذ بالرواية بدعوى أنّه مقتضى الأمر بالأخذ بكتبهم. هذا مع أنّ الأمر بالأخذ غير ثابت، ومنشأه الرواية التي نقلناها كما لا يخفى.

نعم، دلالة الرواية ـ وظهورها في كون الغناء المحرّم عبارة عن الكيفية في الصوت ـ واضحة، فإنّ الكلام الذي يزعم فيه ترخيص رسول اللّه (ص) ليس من الباطل من جهة المعنى، ولعلّ وجه الاستشهاد بالآية كون المحكي عن رسول اللّه (ص) هو تجويزه القول المزبور مطلقاً، بأن يقال عنده (ص) أيضاً. وهذا نوع من اتخاذه (ص) اللهو أو أنّ حكاية تجويز القول المزبور عنه (ص) كانت افتراءاً عليه (ص) نظير افتراء الكفّار على اللّه سبحانه من أخذه تعالى مريم وابنها صاحبةً وولداً، فيعمّ الحاكين لترخيصه ما ذكر في حقّ هؤلاء الكفّار من الويل.

ثمّ إنّ الظاهر كون الرواية موثّقة، لأنّ عبدالأعلى هو ابن أعين وقد وثّقه المفيد في رسالته الإعدادية، كما يعمّه التوثيق العام من علي بن إبراهيم، حيث روى في تفسيره عنه. ووجه كونه في هذه الرواية هو ابن أعين رواية يونس بن يعقوب الذي روى بعض الروايات الأُخر عنه بعنوان ابن أعين، فلاحظ.


155

مما يصف[1].

[1] يعني مما ذكر ويحكى، وقوله ـ رجل بدل عن فلان ولم يحضر المجلس ـ وصف للرجل، أي: ويل للذي لم يحضر مجلس رسول اللّه (ص) ولم يسمع ترخيصه من حكايته عنه (ص).

ورواية يونس[2].

[2] لا يخفى أنّه ليس في الرواية تعيين المراد من الغناء، وقد طبّق عليه فيها عنوان الباطل، نظير الرواية الواردة في تفسير قوله سبحانه «والذين لا يشهدون الزور» وعلى المصنّف «ره» بعد إشكاله ـ في دلالة ما ورد في تفسيره واستظهاره أنّ المراد به الكلام الباطل ـ بيان الفرق بينهما وبين رواية يونس، ووجه قبوله دلالة هذه على حرمة الكيفية للصوت، سواء كانت في كلام باطل أو صحيح. وعلى كلٍّ فالرواية لا بأس بالاعتماد عليها، فإنّها مروية في قرب الإسناد عن الريّان بن صلت عن الرضا (ع) بل وهذه هي العمدة في الحكم بحرمة الغناء، وإلا فما ذكره المصنّف «ره» من إشعار الروايات المتقدّمة بأنّ المحرّم هو عنوان اللهو والباطل وإن كان ذلك في كيفية الصوت ـ لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الاعتبار بالظهور لا بالإشعار، مع أنّ لازم ما ذكر كون مطلق اللهو والباطل محرّماً حتّى مالم يكن في البين غناء، كما إذا قرأ الأشعار الراجعة إلى العشق ونحوها بلا ترجيع صوت أصلاً.

ورواية محمد بن أبي عباد[1].

[1] ولكن مضافاً إلى ضعف سندها لا دلالة لها على الحرمة، لما تقدّم من أنّ المدح لفعل لا يكشف عن كونه واجباً.

وفي رواية الأعمش[2].

[2] وباعتبار ضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها.

وقوله (ع) قد سئل عن الجارية[3].

[3] وفي رواية الحسن بن علي الوشا، قال: «سُئل أبوالحسن الرضا (ع) عن شراء المغنّية؟ قال: قد يكون للرجل الجارية تلهيه، وما ثمنها إلا ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت»(169)، وفي صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد «ثمن الكلب والمغنّية سحت»(170)، ومثل هذا كاشف عن حرمة الغناء، فإنّه لا يكون بطلان المعاملة على الجارية بما أنّها مغنّية إلا مع حرمته، وإلا فكونها مغنّية ككونها خيّاطة أو كاتبة من الأوصاف التي توجب زيادة ماليّتها.

لا يقال: نعم، ولكن لا يكون مثلهما كاشفاً عن حرمة الغناء مطلقاً، حتّى فيما إذا كان في الكلام الصحيح.

فإنّه يقال: بطلان بيعها كاشف عن حرمة الغناء، حتّى فيما إذا كان في الكلام المزبور، وإلا فكونها مغنّية ككونها كاتبة من الأوصاف التي تكون منشأً للحلال والحرام، ولا يوجب مثلها بطلان البيع، فتدبّر.


156

ونظيرها ما ورد في حرمة الاستماع إلى الغناء، فإنّه كاشف عن حرمة نفس الغناء حيث لا يحتمل حرمة الاستماع والجلوس إلى الحلال، وفي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: «سألته عن الرجل يتعمّد الغناء يجلس إليه، قال: لا»(171).

فقد ظهر مما ذكرنا أنّ الغناء وإن كان بإطلاقه محرّماً إلا أنّه لا يمكن الحكم بكونه من الكبائر، إلا فيما إذا كان في ضمن كلام باطل كالكذب. وما يوجب إضلال الناس عن الدِّين الحقّ وإفساد عقيدتهم، وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: «سمعته يقول: الغناء مما أوعد اللّه عليه النار»(172)، وتلا هذه الآية «ومن الناس من يشتري لهو الحديث“» إلخ، فإنّ الآية ناظرة إلى شراء لهو الحديث الموجب لإضلال الناس. وما في رواية الأعمش أيضاً لا يدلّ على أنّه بإطلاقه من الكبائر، حيث أنّ المذكور فيها الملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه، والملاهي جمع ملهى بمعنى اللهو، بقرينة التمثيل بالفعل، ومدلولها كون الغناء الموجب لنسيان اللّه كبيرة، فلا تعمّ ما يكون في ضمن الأشعار المتضمّنة للوعظ والإرشاد ونحوهما.

أنّه مدّ الصوت[1].

[1] لا ينبغي التأمّل في كون الغناء عرفاً هي الكيفية للصوت، ولا دخل في صدقه لبطلان معنى الكلام وعدمه، ولذا من سمع من بعيد صوتاً يكون فيه الترجيع الخاص المناسب للرقص وضرب الأوتار يحكم بأنّه غناء، وإن لم يتميّز عنده مواد الكلام، ولعلّ هذا هو المراد من قولهم بأنّه مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطلوب، بأن يكون مرادهم تطويل الصوت بنحو خاص أي تطويله بترجعيه وترديده في الحلق، بنحو يقتضي الطرب أي يناسبه، والطرب حالة تعرض النفس من شدّة الفرح أو الحزن وحقيقته خروج النفس عن اعتدالها، ولذا ربّما يفعل الإنسان في ذلك الحال ما لا يفعله في غيره، وعلى كلّ فإن أحرز في مورد كون الكيفية غناء فهو، وإلا فمقتضى الأصل الإباحة، ويكون الشكّ في المقام من الشبهة المفهومية، حيث يكون المفهوم مجهولاً من حيث سعة دائرته وضيقه، كما لا يخفى.

ويشهد على ما ذكرنا ـ من كون الغناء هي كيفية الصوت من غير دخل لمعنى الكلام فيه ـ موثّقة عبدالأعلى المتقدّمة، حيث أنّ الكلام المنكر الوارد فيها ليس باطلاً، من جهة المعنى.

انّ الرحل المتستّر[1].

[1] أي الرجل الجالس مكان الخلوة.


157

وربّما يبكي من خلال ذلك[2].

[2] ويظهر ذلك بملاحظة مثل الأب الذي مات ولده الشاب المحبوب له، فإنّه يقرأ عنده تعزية سيدالشهداء وولده الأكبر (ع)، ويبكي أشدّ البكاء، مع أنّه لم يكن يبكي من قبل بمثل هذه التعزية، فإنّ بكاءه حقيقة لموت ولده، ثمّ انّ الوجه في هلاك الرجل المتستر المفروض ما أشرنا إليه من أنّ الجهل بحرمة هذا النحو من كيفية القراءة في التعزية أو غيرها شبهة حكمية منشأها الجهل بعموم مفهوم الغناء وشموله لها، والجهل في تلك الشبهة لا يكون عذراً إلا بعد الفحص وعدم الظفر بما يكون دليلاً على حرمة تلك الكيفية، كما لا يخفى.

أما الأول فلأنّه حكي عن المحدِّث الكاشاني[3].

[3] المنسوب إلى المحدّث الكاشاني وصاحب الكفاية جواز الغناء وأنّ الحرام ما يقترن به من المزمار، ودخول الرجال على النساء ونحوهما، وأنّ الأخبار الناهية عن الغناء ناظرة إلى المتعارف في ذلك الزمان، وهو الغناء المقترن بالأباطيل والمحرّمات، ولعلّه يشير إلى ذلك قوله (ع) في صحيحة أبي بصير «أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليه الرجال»(173)، ويمكن دعوى ظهور الجواز من بعض الروايات الأُخرى، كخبر أبي بصير قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن كسب المغنّيات؟ فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، وهو قول اللّه عزّ وجلّ»(174)، وخبر علي بن جعفر عن قرب الإسناد عن عبداللّه بن الحسن قال: «سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى والفرح؟ قال: لا بأس به مالم يعص به»(175)، ورواه علي بن جعفر في كتابه إلا أنّه قال: مالم يزمر به، وفي بعض النسخ: مالم يؤمر به، والصحيح هو الأول. وظاهر هذه أيضاً جواز الغناء في نفسه، حيث لا يحتمل جوازه في الأعياد والأفراح كلّها وحرمته في غير ذلك.

أقول: ما ذكر من نظر الأخبار الناهية إلى الغناء المتعارف في ذلك الزمان وكان مقارناً بالأباطيل والمحرّمات الأُخر فاسد، فإنّه ـ مضافاً إلى أنّ النهي عن عنوان ظاهره كونه المنهي عنه، لا كونه إشارة إلى عنوان آخر يكون مقارناً له أو متّحداً معه بعضاً أو غالباً ـ أنّ إنكار الترخيص راجع في موثقة عبدالأعلى إلى نفس القول والغناء، لا إلى استعمال الملاهي أو غيره من المحرّمات. وأمّا صحيحة أبي بصير فلابدّ من حمل قوله (ع) بالتي يدخل عليها الرجال على العنوان المشير، يعني إلى التي تغنّي في غير الزفاف، ولعلّ دخول الرجال عليها كان متعارف في غنائها في غير الزفاف. ويحتمل أن يكون قوله: «وليست “ إلخ» حالاً، أي التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها حال عدم دخول الأجانب عليها، وعدم دخولهم من باب المثال والمراد عدم ارتكاب محرّم آخر. ولا بأس بالالتزام بجواز الغناء في الأعراس مالم يقترن بمحرّم آخر، حيث أنّ حلّ الكسب بعمل يلازم جواز ذلكا لعمل.


158

ويدلّ عليه روايتان لأبي بصير أيضاً، وفي إحداهما ـ ولا يبعد كونها معتبرة فإنّه ليس في سندها غير حكم الخيّاط، والظاهر أنّه ثقة باعتبار كونه من مشايخ ابن أبي عمير ـ «قال أبو عبداللّه (ع): المغنّية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها» والوجه في اعتبار عدم الاقتران بحرام آخر مضافاً إلى ما استظهرناه من صحيحته المتقدّمة إطلاق أدلّة حرمة استعمال الملاهي ونحوه، فإنّها تعمّ الزفاف وغيره. وظاهر الرواية المجوّزة تجويز الغناء دون المحرّم الآخر. ودعوى أنّ المتعارف من الغناء في الزفاف كان مقترناً باستعمال الملاهي لم تثبت، بل هذه نظير دعوى أنّ المتعارف من الغناء في الزفاف كان مقترناً بشرب الخمور كما لا يخفى. وأمّا ما رواه في قرب الإسناد ـ عن علي بن جعفر فلضعف سنده ـ ساقط عن الاعتبار، فإنّ في سنده عبداللّه بن الحسن ولم يثبت له توثيق.

نعم، روايته عن كتابه معتبر، ولكن دلالته على جواز الغناء الذي لا يمزر به قابل للخدشة، فإنّه يحتمل أن يكون المراد بالغناء مطلق مدّ الصوت، وقيد مالم يزمر به إشارة إلى عدم البلوغ إلى حدّ الغناء المعروف. وهذا الاحتمال وإن كان خلاف الظاهر إلا أنّه لا بأس به في مقام الجمع، ولو فرض عدم تمامية ما ذكرنا في هذه الصحيحة وصحيحة أبي بصير المتقدّمة ووقعت المعارضة بين هذه الطائفة الموافقة للعامة والطائفة المانعة المخالفة لهم، فالمتعيّن الأخذ بالمانعة باعتبار أنّ مخالفة العامّة هو المرجع الثاني في باب المعارضة، فتدبّر.


159

حكم اللهو والباطل

ثمّ إنّه لا يسعنا الحكم بحرمة الباطل واللهو مالم يدخل في عنوان الغناء أو غيره من المحرّمات، ولكن نسب التحريم إلى بعض الأصحاب. ويستدلّ عليه تارةً بمثل قوله سبحانه: «والّذين هم عن اللغو معرضون»(176) وفيه ما تقدّم، من أنّ المدح بفعل لا يدلّ على وجوب ذلك الفعل، وأُخرى بروايات واردة في وجوب التمام في سفر الصيد تنزّهاً، وفي موثقة أبي بكير «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل يتصيّد اليوم واليومين والثلاثة، أيقصر الصلاة؟ قال: لا، إلا أن يشيع الرجل أخاه في الدِّين، فإنّ الصيد مسير باطل لا تقصر الصلاة فيه»(177)، وفي موثقة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: «سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزّه الليلة والليلتين والثلاثة، هل يقصر في صلاته أم لا؟ قال: إنّما خرج في لهو لا يقصر»(178)، ولكن لا يخفى عدم دلالتهما على حرمة اللهو والباطل بالسفر فضلاً عن غيره أيضاً، بل مدلولهما عدم تشريع القصر في ذلكالسفر المقصود به اللهو والتنزّه والباطل. والمراد بالباطل عدم غرض مطلوب فيه، كالتكسّب وتشييع الأخ، وغاية الأمر الالتزام بالتمام في السفر كذلك، مع عدم كونه من أفراد السفر للمعصية. ويناسب ذلك عطف سفر الصيد تنزّها في كلام الأصحاب على السفر للمعصية، فلاحظ.


160

وأمّا موثّقة عبدالأعلى، فقد تقدّم أنّ مدلولها عدم اتخاذ اللّه تعالى أو رسوله لنفسه اللهو. وأمّا أنّ اللهو بإطلاقه محرّم على الإنسان المكلّف، فلا دلالة لها على ذلك أصلاً، بل ذكرنا احتمال أن يكون الاستشهاد بالآية باعتبار ما في ذيلها من الويل للمفتري، وفي صحيحة الريان بن صلت، قال: «سألت الرضا (ع) عن الغناء وأنّ العباسي ذكر منك أنّك ترخّص في الغناء؟ فقال: كذب الزنديق ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء، فقلت: إنّ رجلاً أتى أبا جعفر (ع) فسأله عن الغناء فقال: إذا ميّز اللّه بين الحقّ والباطل، فأين يكون الغناء؟ فقال: مع الباطل، فقال: قد حكمت» فإنّ صدرها ظاهر في نفس الترخيص في الغناء لا أنّه حرام، وقول أبي جعفر (ع) لا يدلّ على خصوص الحرمة، كما لا يدلّ على الجواز بنحو الكراهة، حيث أنّ الباطل جامع بينهما، ويناسب كلاً منهما، وبهذا الاعتبار ذكر (ع) كذب الزنديق. وبهذا يظهر الحال في موثقة زرارة عن أبي عبداللّه (ع)، أنّه «سُئل عن الشطرنج وعن لعبة شيث التي يقال لها لعبة الأمير، وعن لعبة الثلث، فقال: أرأيتك إذا ميّز اللّه الحقّ والباطل مع أيّهما تكون؟ قال: مع الباطل، قال: فلا خير فيه»(179)، حيث أنّ نفي الخير لا يدلّ على الحرمة، بل يناسب الكراهة أيضاً، وإن كان المراد منه بالإضافة إلى بعض مورد السؤال أو كلّه الحرمة، ولكنّها بقرينة خارجية، ولو كنّا وهذه الرواية لما أمكن الحكم بالحرمة حتّى في مورد السؤال، وكيف كان فلا دلالة في الروايتين على حرمة الباطل أصلاً.

فإنّ مرجع أدلّة الاستحباب[1].

[1] وحاصله أنّ المحرّم قد يكون له وجود آخر ويحسب مقدّمة للمستحب أو المكروه أو المباح، وقد يكون متحداً مع العنوان المستحب أو المكروه أو المباح في الوجود، ولا بدّ في كلا القسمين من تقديم خطاب التحريم ولو مع كون النسبة بين الخطابين العموم من وجه، فإنّ هذا التقديم مقتضى الجمع العرفي بين الخطابين، حيث أنّ المستفاد عرفاً من خطاب استحباب الشيء مع ملاحظة كون بعض سببه محرّماً استحباب إيجاده بسبب مباح، كما أنّ المستفاد من خطابه مع ملاحظة خطاب النهي في مورد اتحاد العنوانين كون الاستحباب اقتضائياً بالإضافة إلى العنوان المحرّم بمعنى أنّه يثبت الاستحباب لو لم يكن في البين ذلك العنوان الحرام. وكذا الحال في مورد اتحاد العنوان المحكوم بالإباحة مع العنوان المحرّم، ولذا لا يستفاد من خطاب حلّ أكل لحم مثل الغنم حلّه حتّى فيما إذا كان الغنم مغصوباً أو موطوءاً، ولعلّ الوجه في هذاالجمع العرفي هي القرينة العامّة، وهي ملاحظة الفاعل الجهة الأهم والملاك الملزوم في مورد مزاحمته بغيره.


161

الغناء في قراءة القرآن والرثاء

وقد تحصّل مما ذكرنا أنّه لا يمكن دعوى المعارضة بين خطاب النهي عن الغناء وبين خطاب استحباب قراءة القرآن أو المراثي، فيما إذا كانت القراءة أو المرثية بنحو الغناء ليرجع بعد تساقط الاطلاق من الجانبين إلى أصالة الحلّية، أو تقديم جانب الاستحباب ببعض الروايات القاصرة في دلالتها أو في سندها أيضاً عن إثبات استحباب الغناء في القرآن نظير قوله: «اقرأوا القرآن بألحان العرب» وكقوله: «لكلّ شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن» وغيرهما من المرويات في أبواب قراءة القرآن.

الحداء بالضمّ كدعاء[1].

[1] قيل بجواز الغناء للسير بالإبل. ويستدلّ عليه بما روي عن النبي (ص) أنّه قال لعبداللّه بن رواحة: «حرّك بالنوق، فاندفع يرتجز، وكان عبداللّه جيد الحداء، وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فلما سمعه تبعه، فقال (ص) لأنجشة: رويداً رفقاً بالقوارير».

وفيه أنّ الحديث نبوي مجهول السند وقاصر الدلالة، حيث أنّ الرجز لا يلازم الغناء، كما أنّه لم يعلم كون الحداء مساوياً للغناء، مع أنّه (ص) لم يأمر رواحة بالحداء حتّى يستظهر منه أنّه تجويز للغناء للسير بالإبل، وبرواية السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول اللّه (ص): «زاد المسافر الحداء والشعر منه ليس فيه جفاء»(180)، وفي بعض النسخ: ليس فيه خفاء، وهذه الرواية ضعيفة سنداً ودلالةً، أمّا دلالةً، فلما تقدّم أنّه لم يعلم كون الحداء مساوياً للغناء، بل من المحتمل قريباً أنّه مطلق مدّ الصوت وترجيعه، فيقيد بما لم يصل إلى حدّ الغناء، كما هو مقتضى الجمع بينها وبين روايات حرمة الغناء على ما مرّ. وأمّا سنداً فإنّ في سندها الحسين بن يزيد النوفلي، فيه كلاما أشرنا إليه آنفاً.


162

وما يقال ـ من أنّه موثّق فإنّ الشيخ «ره» وثّقه في العدّة، حيث قال فيها «ولأجل ما قلنا عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج، والسكوني، وغيرهم من العامة“» ووجه كون هذا الكلام توثيقاً للنوفلي، هو أنّ الراوي عن السكوني هو النوفلي غالباً، فعمل الأصحاب بروايات السكوني يكون عملاً بروايات النوفلي ـ لا يخفى ما فيه، فإنّ ظاهر الكلام المزبور هو توثيق السكوني، وأنّ كونه عامياً لا يضرّ باعتبار روايته عند الأصحاب. وأمّا سائر شرائط العمل بالخبر الواحد فليس ذلك الكلام ناظراً إليها، ولذا لا يمكن دعوى اعتبار كلّ رواية يكون في سندها أحد هؤلاء الجماعة. هذا مع أنّ رواية غير النوفلي عن السكوني غير عزيز فلاحظ الروايات الكثيرة المتفرّقة في أبواب الفقه وفي أسانيدها السكوني أو إسماعيل بن مسلم.

فجعل المؤمن أخاً[1].

[1] أي أنّه سبحانه وتعالى شبّه عرض المؤمن بلحم الأخ، وجعل التعرض لعرضه وإظهار سوئه أكلاً للحم الأخ، وشبّه عدم حضوره عند التعرّض لعرضه بموته، وقال عزّ من قائل: «أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميّتاً فكرهتموه» وأورد على ذلك الأيرواني «ره» بأنّه لا يناسب العرض مع اللحم، والتعرّض له مع الأكل، وعدم الحضور مع الموت، وأيُّ مناسبة تقتضي التشبيه المزبور، وفيه اشمئزاز الطباع؟

وبعبارة أُخرى: لا يكون في البين تشبيه في ناحية الأجزاء المفروضة في قوله عزّ من قائل: «ولا يغتب بعضكم بعضاً» بل التشبيه ناظر إلى الوزر، وأنّ وزر الغيبة كوزر أكل لحم الميت. وهذا الوزر إمّا من قبيل العقاب على العمل حيث يكلّف المغتاب بالكسر في الآخرة بأكل لحم الموتى؟ أو من باب تجسّم الأعمال، حيث تكون الغيبة في الدار الآخرة أكل لحم الميّت. وقد ورد في رواية نوف البكالي عن أميرالمؤمنين (ع) «اجتنب عن الغيبة فإنّها إدام كلاب النار»(181).


163

حرمة الغيبة

أقول: لم يظهر اشمئزاز الطباع بالإضافة إلى التشبيه في الأجزاء، كيف؟ وقد عبّر في بعض الروايات المعتبرة عن الغيبة بأكل لحوم الناس، كما في صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه»(182) فإنّ إطلاق أكل اللحم على الغيبة في قوله «وأكل لحمه معصية» بالنظر إلى الدنيا، حيث أنّها دار المعصية ووعاء العصيان، ورواية نوف البكالي ـ مضافاً إلى ضعف سندها ـ لا دلالة لها على تعيين غذاء المغتابين بالكسر يوم القيامة. ولعلّ كلاب النار غيرهم.

وقوله تعالى: «ويل لكلّ همزة لمزة»[1].

[1] لا يخفى أنّ الهمز أو اللمز ذكر العيب وتنقيص الآخر في حضوره أو غيابه والغيبة ـ على ما سيأتي ـ إظهار عيب أخيه المستور عليه، فتكون النسبة بينها وبين المراد من الهمز أو اللمز العموم من وجه، فإنّه ربما يكون التنقيص بذكر عيبه الظاهر، فلا تكون غيبة. وربما يكون إظهار عيبه المستور عليه بداع آخر غير هتكه وتنقيصه، فلا يكون همزاً ولمزاً، وقد يجتمعان ولا يصحّ جعل الدليل على حرمة أحد العنوانين كذلك دليلاً على حرمة الآخر.

وقوله: «إنّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة»[2].

[2] لا يخفى أنّ إضافة الشياع إلى شيء قابل للكثرة والتكرار، ظاهرها كثرته وجوداً لا بيانه وإظهاره، فالآية المباركة ظاهرها حرمة دعوة المؤمنين وتحريضهم إلى الفواحش في مقابل نهيهم عن المنكرات. نعم في صحيحة محمد بن حمران دلالة على عموم الآية للغيبة أيضاً، حيث قال فيها أبو عبداللّه (ع): من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أُذناه، فهو من الذين قال اللّه عزّ وجلّ: «إنّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم»(183)، ولكنّ الاعتماد عليها خارج عن الاستدلال بالآية.


164

بل أشدّ من بعضها[3].

[3] لا يخفى كون الغيبة أشدّ من كبيرة في الوزر، وإن كان مقتضاه أنّها أيضاً من الكبائر، إلا أنّ كونها أشدّ من كبيرة في التخلّص عن وزرها لا يقتضي ذلك، كما إذا كانت الغيبة من حقوق الناس وحرمة شرب الخمر من حقوق اللّه، فالتخلّص عن وزر شرب الخمر يكون بمجرّد التوبة، بخلاف وزر الغيبة، فمثل هذه الأشدّية لا تقتضي أن تكون الغيبة من الكبائر، والمروي ـ عن النبي (ص) بعدّة طرق انّ «الغيبة أشدّ من الزنا» ـ ناظر إلى مرحلة التخلّص عن الوزر، كما هو مفاد ذيله من قوله: «إنّالرجل يزني فيتوب“».

نعم روي أنّ الغيبة أشدّ من ستة وثلاثين زنية، وذكر العدد ظاهره النظر إلى العقاب، وإلا لكان الأنسب أن يقول (الغيبة أشدّ من الزنا) ولكنه نبوي مرسل لا يمكن الاعتماد عليه، بل لو كان حديثاً صحيحاً، لكان اللازم تأويله لو لم يمكن طرحه، للجزم بأنّالغيبة لا تكون أشدّ حرمة ووزراً من زنية واحدة، فضلاً عن الثلاثين. ولذا لو أُكره على الزنا أو الغيبة تعيّن اختيارالثاني، وذكرنا نظير ذلك فيما ورد من أنّ درهم ربا أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات محرم.

نعم يستفاد كون الغيبة كبيرة من صحيحة محمد بن حمران المتقدمة، حيث أنّ ظاهرها شمول ما أوعد اللّه عليه العذاب للغيبة أيضاً، وذكر المصنّف «ره» وجهاً آخر لكونها كبيرة، وهو اندراجها في الخيانة. وفيه أنّ كون الغيبة من الخيانة ممنوع، كيف؟ ولو لم يكن في البين دليل على حرمتها بعنوان الغيبة، فباعتبار دخلوها في الخبر الصدق كانت جايزة، بل على تقدير كونها خيانة، لما أمكن الحكم بكونها من الكبائر حيث لا دليل على كون الخيانة بمعناها العام من الكبائر. والعجب منه «ره» حيث أغمض في الاستدلال على كونها كبيرة عن آية «ويل لكلّ همزة لمزة» وعن قوله سبحانه: «إنّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة» مع استدلاله بهما على حرمتها، مع أنّ الويل والوعيد بالعذاب على عمل في الكتاب المجيد ملاك كون ذلك العمل من الكبائر.


165

في اغتياب المتجاهر بفسقه

فيجوز اغتياب المخالف[1].

[1] لا ينبغي التأمّل والريب في جواز اغتياب المخالف وسائر فرق الشيعة فيما إذا كان خلافهم أو مخالفتهم الحقّ بنحو التقصير، ولو بتركهم الفحص عن الحقّ، فإنّهم في هذه الصورة من أظهر أفراد الفسّاق والمتجاهرين بفسقهم، إذ التجاهر بترك الولاية الحقّة لا يقصر عن التجاهر بترك سائر الواجبات وارتكاب المحرّمات الموجب لجواز الاغتياب على ما سيأتي، كيف؟ وأنّ الولاية من عماد الدّين، وأهمّ ما بني عليه الإسلام، على ما في الروايات المعتبرة، وبعضها مروية في الباب الأول من أبواب مقدمات العبادات، بل لا يبعد اندراج المخالفين وسائر الفرق في أهل البدع والريب، مع تصيرهم أو مطلقاً، حيث ينسبون إلى الشريعة والرسول الأكرم ما يبرأ منه الرسول (ص)، فيعمّهم مثل صحيحة داود بن سرحان، عن أبي عبداللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): «إذا رأيتم أهل البدع والريب من بعدي، فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم، كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام» الحديث(184).

وعدم جريان أحكام الإسلام عليهم[1].

[1] أي انّه لا يترتب على المخالفين إلا قليل من أحكام الإسلام، وترتّب هذا القليل لأجل توقّف نظام معاش المؤمنين عليه، ومن ذلك حكم الشارع بعدم انفعال ما يلاقيهم بالرطوبة، وحلّ ذبائحهم، وحلّ مناكحتهم، وحكمه باحترام دمائهم. وهذا الاحترام لأجل أن لا يوقعوا المؤمنين في الفتنة، وكحكمه بحرمة نسائهم، باعتبار أنّ الشارع أمضى لكلّ قوم النكاح المرسوم عندهم.

أقول: كلّ حكم ترتّب في لسان الأدلّة على الإسلام أو عنوان المسلم يترتّب عليهم، كما يترتّب على المؤمنين، وهذا ليس بقليل، فيثبت التوارث بينهم وبين المؤمنين، ويجب علينا تجهيز موتاهم، وهكذا. نعم، الخلود إلى الراحة بعد الموت والدخول في الجنة في الدار الآخرة وغير ذلك من آثار الاطاعة والإيمان لا يثبت في حقّهم، لبطلان أعمالهم باعتبار عدم التزامهم بالولاية التي شرط صحّة الأعمال على الأظهر، وهذا أمر آخر.


166

ثم الظاهر دخول الصبي المميز[2].

[2] لا يبعد شمول المراد من البعض في قوله سبحانه: «لا يغتب بعضكم بعضاً» الصبي المميز أيضاً، غاية الأمر أنّ ما دلّ على رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم يقضتي خروجه عن المراد بالبعض الأول، وليس في البين ما يدلّ على تساوي البعضين في المراد، بل يكون في البين ما يقتضي عدمه، حيث انّ المتجاهر بالفسق خارج عن المراد من البعض الثاني، وداخل في المراد من الأوّل كما لا يخفى. نعم في شمول الآيات والروايات للمجنون بل الصبي غير المميز تأمّل، ولا يبعد انصرافهما عنهما.


167

المراد بالاغتياب

الغيبة اسم مصدر[1].

[1] بقي في المقام أُمور:

الأوّل: أنّ الغيبة اسم مصدر لاغتاب، أو مصدر لغاب، والمستفاد مما ذكر في المصباح أنّها «ذكر الإنسان بما يكرهه من العيب الموجود فيه» كما أنّ المستفاد من القاموس أنّها «ذكر العيب للإنسان مع كونه فيه» وذكر المصنّف «ره» أنّ ظاهر تعريفهما ـ خصوصاً تعريف القاموس، حيث عدّ غابه مرادفاً لعابه ـ هو كون ذكر العيب لغاية الانتقاص، أي نسبة النقص إلى المغتاب بالفتح، وقد صرّح باعتبار هذا القصد الشهيد الثاني «ره» في كشف الريبة، حيث قال: «إنّ الغيبة ذكر الإنسان في غيابه بما يكره نسبته إليه مما يعدّ نقصاً في العرف بقصد الانتقاص والذم» وعلى ذلك فلا يكون من الغيبة ذكر العيوب في غير مقام الانتقاص، كما إذا ذكرها في مقام المعاملة على الجارية، أو ذكرها في المعرف للشخص.

لا يقال: يكون قصد الانتقاص بمجرّد ذكر النقائص، فيحصل قصد الانتقاص في المثالين أيضاً، فلا يكون المثالان خارجين عن عنوان الغيبة حتّى على تعريف الشهيد «ره».

فإنّه يقال: لو كان قصد الانتقاص حاصلاً بمجرّد ذكر العيب والنقص لكان اعتبار قيد قصد الانتقاص في تعريفه لغواً، والحاصل أنّه لا يلزم أن تكون الغاية في ذكر النقايص هو الانتقاص.

أقول: على ذلك لم يتّضح وجه استظهار قصد الانتقاص من كلام المصباح أو القاموس بعد إمكان كون الغاية في ذكر العيب والنقص أمراً آخر غير الانتقاص.


168

وأمّا في المصباح من اعتبار كون العيب مما يكرهه المغتاب بالفتح، فالمراد كراهة ظهوره أو كراهة ذكره، والأوّل كما في العيب المخفي، حيث أنّ المغتاب بالفتح كثيراً ما يكره هوره، والثاني كما في العيب الظاهر، حيث أنّ الإنسان كثيراً ما يكره ذكره بذلك العيب تعييراً له أو في مقام ذمّه. والوجه في كون المراد ذلك هو أنّ الإنسان يجد في الغالب ما يرتكبه من القباح موافقاً لقواه الشهوية، فلا يكرهها، وإنّما يكره ظهورها للناس أو ذكرها كما ذكرنا. وهذا كلّه فيما إذا كان المراد بـ«ما» الموصولة هو العيب. وأمّا لو كان المراد به هو الكلام لكان معنى ما في المصباح اغتابه إذا ذكره بكلام يكره ذلك الكلام، وكراهة الكلام أيضاً إمّا لكونه إظهاراً لعيبه المستور عليه، أو لكونه متضمّناً للذمّ والتعيير. وكيف كان، فهذا التعريف موافق لما رواه في المجالس والأخبار من قوله (ص) لأبي?ذر ـ بعد سؤال بقوله: يا رسول اللّه وما الغيبة؟ ـ «ذكرك أخاك بما يكره»(185)، ونحوه نبوي آخر، ولكنّ النبوي الأوّل كالثاني ضعيف سنداً لا يمكن الاعتماد عليهما، مع أنّ في النسخة الموجودة عندي «ذكرك أخاك بما يكره» أي ما يكون مكروهاً. وهذه عبارة أُخرى عن العيب، غاية الأمر بما إذا كان مستوراً كما سيأتي.

وبعبارة أُخرى: لا دخل لكراهة المغتاب بالفتح وعدم كراهته في صدق الغيبة على إظهار عيبه ولا في حرمتها، فإنّه إذا فرض إنسان له عيب مستور عليه، ولكن لا يكره ظهوره للناس بالاغتياب، لاعتقاده أنّ الاغتياب يوجب انتقال حسنات المغتاب بالكسر إليه، وانتقال سيّئاته إليه. ولذا يرضى بفعل ذلك المغتاب، فلا إشكال في كون الفعل المزبور اغتياباً.

وعلى كلٍّ، فإنّ ما ورد في تفسير الغيبة ـ ومنها حسنة عبدالرحمن بن سيابة ـ كاف في إثبات المراد بها، وأنّها عبارة عن كشف عيب مستور على المؤمن. ويستفاد من الآية المباركة أيضاً ذلك، وأنّه لا يجوز إظهار ما فيه نقص عرض المؤمن وسقوطه عن أعين الناس. ولا يفرق في ذلك بين إظهار عيبه في حضوره أو في غيابه، حتّى ولو فرض أنّ الغيبة بمعناها الظاهر لا تشمل الأوّل، فإنّ العبرة بالملاك لكون حرمتها للتحفّظ على كرامة المؤمن وعرضه وعدم سقوطه عن أعين الناس. وفي موثّقة أبي بصير عن أبي جعفر (ع)، قال: قال رسول اللّه (ص): «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه»(186)، فإنّ دلالتها على حرمة أكل لحم المؤمن وتنقيص عرضه واضحة. وفي رواية أُخرى لعبدالرحمن بن سيابة، عن أبي عبداللّه (ع) قال: «إنّ من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه، وإنّ من البهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه»(187)، وربّما يستظهر منها عدم انحصار الغيبة بإظهار عيب مستور على مؤمن، حيث انّ ظاهر لفظة «من» هو التبعيض. ولكن لا يخفى أنّ المراد في الرواية التبعيض بحسب المصداق، بمعنى أنّ قولك المزبور مصداق، وقول الآخر ذلك القول أيضاً مصداق آخر، وهكذا. والشاهد لكون التبعيض بحسب المصداق قوله بعد ذلك «وإنّ من البهتان» حيث أنّ من الظاهر عدم تعدّد نوع البهتان، وفي رواية داود بن سرحان، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الغيبة؟ قال: هو أن تقول لأخيك في دينك ما يفعل، وتبثّ عليه أمراً قد ستره اللّه عليه لم يقم عليه فيه حد»(188).


169

وربّما يقال: مقتضى ظهورها اختصاص الغيبة المحرّمة بإظهار ما يكون في ارتكابه حد، ويجاب عن ذلك كما عن السيد الخوئي بأنّه يرفع اليد عن القيد ببركة حسنة عبدالرحمن بن سيابة، قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول: «الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره اللّه عليه»، وأمّا الظاهر مثل الحدة والعجلة فلا، وأمّا البهتان أن تقول فيه ما ليس فيه»(189).

وفيه: أنّ مقتضى الجمع العرفي هو رفع اليد عن إطلاق الثانية بالقيد الوارد في الرواية الأُولى. هذا، ولكنّ الصحيح أنّه لا دليلة في الرواية الأُولى على التقييد، فإنّ عدم قيام الحدّ بمفاد ليس التامّة يصدق على ما إذا لم يكن في ارتكابه حدّ، ولعلّ ذكر ذلك باعتبار أنّ مع قيام الحدّ يكون الارتكاب ظاهراً عند الناس، فلا يكون في البين غيبة. وكشف عيب مستور، هذا مع ضعف سندها بمعلّى بن محمد، فلا تصلح لرفع اليد بها عن إطلاق الحسنة.

لا يقال: كيف تكون رواية عبدالرحمن حسنة، مع عدم التوثيق له؟

فإنّه يقال: يعمّه التوثيق العام الذي ذكره الشيخ «ره» في العدّة، فإنّه من مشايخ ابن أبي عمير.

ثمّ إنّ الظاهر صدق الستر وكون العيب مما ستره اللّه حتّى لو علمه واحد أو اثنان أو ثلاثة، وإنّما لا يصدق فيما إذا علمه جلّ معاشريه أو جماعة، بحيث يصحّ أن يقال: إنّه مما عرفه الناس، وفي رواية يحيى الأزرق، قال: قال لي أبو الحسن (ع): «من ذكر رجلاً من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته»(190)، ولو كان عيب إنسان مستوراً عند طائفة وظاهراً عند الأُخرى، فهل يجوز إظهار ذلك العيب عند الطائفة الأُولى؟ قد يقال بعدم جواز الإظهار، باعتبار أنّه وإن لم يكن إظهاره عندهم اغتياباً، وأنّه عيب لم يستره اللّه على ذلك الإنسان، إلا أنّه يعمّه ما في موثقة أبي بصير المتقدّمة من قوله (ع) «وأكل لحمه معصية للّه» فإنّ الإظهار المزبور أكل للحمه وإسقاط له عن أعين الطائفة الأُولى بلا كلام. ولكن الأظهر جوازه، فإنّه لا ينبغي التأمّل في جواز إظهار ذلك العيب عند الجاهل به من الطائفة الثانية، كما هو ظاهر الروايات الواردة في تحديد الغيبة وتفسيرها، وإذا جاز إظهار عيبه عنده، مع أنّه إسقاط لعرضه عنده، جاز عند الطائفة الأُولى أيضاً، باعتبار عدم احتمال الفرق، وبعبارة أُخرى عدم احتمال الفرق موجب لرفع اليد في المورد عن إطلاق الموثقة المزبورة، كما لا يخفى.


170

ثم انّ الظاهر المصرّح به في بعض الروايات[1].

[1] قد تقدّم أنّ حدّ الغيبة كشف ما ستره اللّه على المؤمن من عيبه، فلا يكون اغتياب في إظهار ما لا يكون من العيب، كما إذا قال إنّه ليس بمجتهد، أو ليس بأعلم، فإنّ نفي الكمال لا يعد من إثبات العيب، حتّى فيما إذا كان المنفي عنه مدّعياً لذلك الكمال، كما لا يكون اغتياب في العيوب الظاهرة، أي في العيوب التي شأنها الظهور كالعور والحول والقصر وسوء الخلق ونحوها، أو كان من الممكن ستره ولكن اللّه لم يستره على صاحبه، كما إذا علم الناس به.

ويدلّ على ذلك مضافاً إلى ما تقدّم ما في حسنة عبدالرحمن بن سيابة المتقدمة من قوله (ع): «وأما الأمر الظاهر مثل الحدة والعجلة فلا» وعلى ذلك فلا بأس بإظهار العيوب الظاهرة لمن لا يعلم بها، نعم يجب أن لا يكون بعنوان الإهانة وقصد هتكه، بل بداع آخر ولو كان ذلك مجرد اطلاع الطرف عليه، فإنّه سيأتي عدم جواز إهانة المؤمن غير المتجاهر بفسقه.

ثمّ إنّه ليس المراد بالعيب في المقام خصوص الفسق، بل كلّ ما يكون مستوراً على الإنسان وفي إظهاره مهانة لكرامته وأكل للحمه، فإظهاره اغتياب له، كما إذا قال: «إنّه حال صباه فعل كذا أو كذا أبوه كذا) نعم في رواية داود بن سرحان «هو أن تقول لأخيك في دينه مالم يفعل، وتبث عليه» إلا أنها مع ضعف سندها يمكن المناقشة في دلالتها أيضاً، كما لا يخفى.

وإن كان بحيث يكره كلّهم[1].

[1] لا يخفى أنّه مع عدم تعيين المغتاب بالفتح وإن لا يكون كشف لعيبه المستور عليه، فلا يصدق على الإظهار المزبور عنوان الغيبة، إلا أن ملاك حرمتها وهو إيراد النقص على مؤمن، وإسقاطه عن أعين الناس بل عنوان أكل لحمه الوارد في موثقة أبي بصير المتقدمة موجود بالإضافة إلى كلّ منهما، فإنّه بذلك يكون كلّ منهما معرّضاً للتهمة. وأمّا كراهة كلّ منهما وعدمه، فقد تقدّم أنّه لا دخل لكراهة الطرف في تحقّق عنوان الغيبة، بل ولا في حرمة الإظهار وعدمها. ومن ذلك يظهر حال ما إذا قال أهل هذه القرية أو البلدة كذا، وكان عليهم غالبهم، حيث أنّه إن أراد الكل كان بهتاناً وإن أراد الغالب وكان الموجود ما ستره اللّه عليهم فهو اغتياب حكماً، وإلا فلا بأس بذلك القول.


171

كفارة الاغتياب

مقتضى كونها من حقوق الناس[2].

[2] بعض الروايات المتقدّمة دالّة على وجوب الاستحلال، ومقتضى إطلاقها كون وجوبه تعيينياً، كما أنّ رواية حفص بن عمر(191) المعبّر عنها في كلام المصنّف «ره» برواية السكوني دالّة على لزوم الاستغفار للمغتاب بالفتح، ومقتضى إطلاقها أيضاً تعيينه، فقيل برفع اليد عن كلا الاطلاقين بحمل الوجوب فيهما على التخييري، كما هو مقتضى الجمع العرفي بين الأمر بفعل في خطاب والأمر بالفعل الآخر في خطاب آخر، وفيه أنّ هذا النحو من الجمع في المقام غير ممكن، لما ورد من كون الغيبة أشدّ من الزنا في التخلّص عن وزرها، ومع التخيير بين الاستحلال والاستغفار لا يكون في البين ما يوجب كون التخلص من وزرها أشد، مع أنّ الجمع بحمل الفعل في كلّ من الخطابين على التخييري يختصّ بما إذا علم بعدم وجوب كلا الفعلين معاً، كما في مسألة دلالة إحدى الروايتين على وجوب صلاة الجمعة، والأُخرى على وجوب صلاة الظهر، حيث يعلم بعدم وجوب كلتا الصلاتين معاً. وأمّا فيما احتمل وجوب كلّ منهما تعييناً، فيؤخذ باطلاق الوجوب في كلّ منهما.

لا يقال: ظاهر كلّ من الروايتين عدم وجوب الفعل الآخر، فإنّ مقتضى رواية حفص بن عمر كون الاستغفار للمغتاب بالفتح كافياً في تكفير ذنب الاغتياب فلا حاجة معه إلى الاستحلال، كما أنّ ظاهر النبوي كون الاستحلال كافياً، ولا حاجة معه إلى الاستغفار له.

فإنّه يقال: نعم هذا الظهور إطلاقي ومن باب السكوت في مقام بيان كفارة الاغتياب، فينتفي هذا الاطلاق عن كلّ من الطائفتين بقرينة الأُخرى، فإنّ مدلول رواية حفص عدم الحاجة إلى غير الاستغار من سائر الأفعال، ومنها الاستحلال، فيرفع اليد عن الاطلاق بالإضافة إلى الاستحلال وكذا الحال في ناحية النبوي، حيث أنّ مدلوله أيضاً عدم الحاجة إلى غير الاستحلال من سائر الأفعال، ومنها الاستغفار للمغتاب، فيرفع اليد بالإضافة إلى الاستغفار.

والحاصل أنّ مقتضى الجمع العرفي بين الروايتين هو الالتزام بوجوب كلا الأمرين، وهذا يناسب أيضاً كون الغيبة أشدّ من الزنا كما لا يخفى. نعم يبقى في البين أنّ هذا الجمع فرع اعتبار كلّ من الطائفتين، ومع ضعف سندهما لا يمكن الاعتماد عليهما حتّى يجمع بينهما بما ذكر، وربما يجمع بينهما بحمل لزوم الاستحلال على صورة التمكن، وعدم الفتنة في الاستحلال، والاستغفار على صورة عدم التمكّن أو احتمال وقوع الفتنة.


172

ويقال: إنّ رواية السكوني شاهدة لذلك، قال أبو عبداللّه (ع) على ما في الرواية «قال رسول اللّه (ص): من ظلم أحداً وفاته فليستغفر اللّه فإنّه كفّارة له»(192)، وفيه:

أوّلاً: إنّ الرواية ضعيفة بالنوفلي كما تقدّم بيان ذلك سابقاً.

وثانياً: انّه لا دلالة فيها على الاستغفار للمظلوم.

وثالثاً: كون الغيبة ظلماً على المغتاب بالفتح أوّل الكلام، ولذا لو لم يكن في البين أدلة تحريم الغيبة وأكل لحم المؤمن لما كانت أدلة تحريم الظلم كافية لإثباتها، مع أنّه ليس الظلم مطلقاً من حقوق الناس كما في الزنا فإنّه لا يجب على الزاني مثلاً في توبته الاستحلال من أب البنت أو زوج المرأة ممن يكون عرضه مع ظهور الزنا مورد المناقشة بين الناس، ومن هنا يظهر عدم الدلالة في الدعاء المنقول عن السجاد (ع) على كون الغيبة من الصلامة التى يجب الاستحلال منها.

والأظهر أنّه بعد ملاحظة ضعف الأخبار الدالّة على كونها من حقوق الناس، وأنّه يتوقّف التخلّص عنها على الاستحلال أو الاستغفار، أو بعد تساقط كلتا الطائفتين بالمعارضة كا مرّ يرجع إلى إطلاق ما دلّ على كون التوبة مكفّرة للسيئات، وأنّ التائب عن ذنبه كمن لا ذنب له، وأنه كفى في التوبة الندم فراجع. ولا تصل النوبة مع هذا الاطلاق إلى الأصل العملي، ليقال أن مقتضى حكم العقل في مثل المقام هو الجمع بين الأُمور التي يحتمل دخلها في التخلص عن الوزر الثابت على المكلّف، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط.


173

موارد جواز الغيبة

فاعلم انّ المستفاد من الأخبار المتقدّمة[1].

[1] وحاصله أنّه يستفاد من الأخبار أنّ ملاك حرمة الغيبة حصول انتقاص المؤمن بها وسقوطه عن أعين الناس ولأنه يتأذى بها، وإذا فرض أن مصلحة رعايتها راجحة على رعاية ملاك الغيبة كانت جائزة، ولا فرق بين كون تلك المصلحة راجعة إلى المغتاب بالكسر، كما إذا كانت غيبته مانعة له عن المنكر، أو إلى المغتاب بالفتح كما إذا كانت غيبته تظلّماً وموجباً لاسترداد حقّه، أو إلى شخص ثالث، كما فى نصح المستشير، حيث أنّ المصلحة ترجع إلى ذلك المستشير. والمراد بالجواز معناه الأعم، فلا ينافي كونها واجبة كما في الموارد التي تكون المصلحة المترتبة عليها لازمة الرعاية. وهذا ـ أي رعاية المصلحة الراجحة ـ لا يختص بالمقام، بل يجري في كل مورد ثبت فيه ملاكان سواء كانت ذلك المورد من حقوق اللّه فقط أو حقوق الناس أيضاً، ويشير إلى ذلك ما في جامع المقاصد من أنّ ضابط الغيبة المحرّمة كلّ فعل يقصد به هتك عرض المؤمن أو التفكه به أو إضحاك الناس منه. وأمّا ما كان لغرض صحيح فلا يحرم، كنصح المستشير والتظلّم وسماع التظلّم والجرح والتعديل، ورد من ادّعى نسباً ليس له، والقدح في مقالة باطلة خصوصاً في الدين.

أقول: إنّ كون الملاك في حرمة الغيبة سقوط المغتاب بالفتح عن أعين الناس صحيح، ولكن لا يكون تأذّيه ملاكاً، فإنّه ربما لا يكون في البين تأذ، كما إذا لم يسمع المغتاب ما قيل في غيابه أو في وجهه، ويكون تأذّيه ناشئاً عن بلوغ ما قيل في غيابه إليه. وهذا الإبلاغ الذي يحصل معه تأذّيه فعل شخص آخر غير المغتاب بالكسر، ولذا ربما يقول المغتاب بالفتح لمن أبلغها إليه لمَ أخبرتني بها، فإنّ إخبارك إيذاء لي.


174

ثمّ إنّ ما ذكر من رعاية المصلحة الراجحة موقوفة على الاطلاع على الملاكات، وأين لنا ذلك، بل هذه الرعاية من وظيفة الشارع في مقام جعل الأحكام، فإنّه إذا كانت مع المفسدة في الفعل جهة أُخرى مقتضية لخلاف حرمته، ففي مثل ذلك يكون الجعل تابعاً لأقوى الملاكين، أو يثبت حكم ترخيصي مع عدم تمامية الملاك الإلزامي. هذا في مقام الثبوت، وأمّا في مقام الإثبات، فإذا طرأ على غيبة المؤمن عنوان يحتمل معه تبدّل فسادها، ولم يكن ذلك العنوان الطارئ مورد الأمر أو الترخيص في شيء من الخطابات الشرعية، فيؤخذ بإطلاق دليل حرمة الغيبة، ومع تعلّق الأمر أو الترخيص بذلك العنوان في خطاب، تلاحظ النسبة بينه وبين خطاب النهي عن الغيبة، على تفصيل مذكور في بحث التعارض. نعم إذا كان التزاحم بين حرمة الغيبة وتكليف آخر من قبيل التزاحم بين التكليفين، بأن لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين امتثال النهي عن الغيبة وموافقة التكليف الآخر المتعلّق بفعل آخر، فيلاحظ الأهمّ منهما أو محتملة.

وما ذكره في جامع المقاصد ـ من أنّ ضابط حرمة الغيبة قصد هتك المؤمن وإضحاك الناس منه، فلا يكون في غير ذلك حرمة ـ لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ القصد المزبور لا دخل له في صدق الغيبة، ولا في ملاك حرمتها ومقتضى الاطلاق هو الحكم بها بأي قصد تحقّقت، إلا إذا كان في البين انصراف أو دليل مقيّد لحرمتها. ولا بأس بالتعرّض للموارد التي ذكرها في جامع المقاصد، فنقول: لا ريب في جواز الغيبة فيما إذا كانت المقالة الباطلة من قبيل البدعة في الدين، ودعوة الناس إلى الضلالة. وقد تقدّم استفادة جواز الغيبة في مثل هذا الفرض من صحيحة داود بن سرحان(193) بل البدعة كذلك تجاهر بالفسق فلا يكون لصاحبها حرمة. وأمّا التعديل والجرح، فإنّ الأوّل لا بأس به فإنّه إظهار جلال الشخص وكماله، وكذا لا بأس بالثاني فيما إذا كان المغتاب كذّاباً جعّالاً أو متجاهراً بفسقه، كما إذا كان فطحياً أو واقفياً أو عامّياً، حيث أنّ الراوي الكذّاب يدخل في المبدع في الدين حتّى فيما إذا كان متستراً بكذبه، بل ولا يبعد أن يقال بانصراف أدلّة حرمة الغيبة عن الإخبار بالفسق في مقام الشهادة، كما كان على ذلك سيرة المسلمين، حيث كانوا يشهدون بفسق الناس عند دعوتهم إليها.

هذا مع أنّه قد يمكن للرجالي ـ فيما إذا علم فسق الراوي ـ أن يترك توثيقه، فإنّ هذا يكفي في سقوط روايته عن الاعتبار، ولا يلزم التعرض لفسقه المستور، فتأمّل.


175

وكذا الحال في مدّعي النسب، فإنّه يمكن ردّ دعواه بنحو لا يكون ظاهراً في كون دعواه من قبيل التعمّد إلى الكذب، كما إذا قال إنّك على خطأ وليس لك هذا النسب. وأمّا الغيبة في مقام النصح، ففي جوازها تأمّل، حيث أنّ النسبة ـ بين ما دلّ على استحباب نصح المؤمن وما دلّ على حرمة الغيبة ـ العموم من وجه، ولابدّ في مورد الاجتماع من تقديم قوله سبحانه: «ولا يغتب» كما هو الحال في كلّ مورد تعارض الخبر والآية بالعموم من وجه، مع أنّ دلالة الآية على العموم وضعي، فيقدّم الإطلاقي حتّى فيما إذا كان الاطلاقي في الآية أيضاً، وتفصيل ذلك في الأُصول. وعلى كلٍّ فيمكن نصح المؤمن في ذلك المورد بنحو لا يدخل في عنوان الاغتياب، كما إذا قال لأخيه المؤمن: إنّي لا أرى صلاحاً في تزويج ابنتك من فلان، ولا يلزم أن يظهر أنّه شارب الخمر مثلاً.

أحدهما ما إذا كان متجاهراً بالفسق[1].

[1] ويستدلّ على جواز اغتياب المتجاهر بفسقه بأُمور:

الأوّل: رواية هارون بن الجهم عن الصادق (ع) قال: «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة»(194) وفي سندها أحمد بن هارون ولم يوثّق. نعم روى الصدوق «ره» عنه مترضّياً عليه، ولعلّ ذلك لا يخلو عن الإشعار إلى حسن حاله، ولكن لاعتبار بالاشعار.

الثاني: مرسلة المفيد «ره» في الاختصاص عن الرضا (ع)، قال: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له على ما رواه في المستدرك.

الثالث: ما رواه عبداللّه بن جعفر الحميري عن السندي بن محمد، عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: «ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، والإمام الجائر، والفاسق المعلن بالفسق»(195) والرواية ضعيفة بأبي البختري، فإنّه وهب بن وهب، وقال الفضل بن شاذان في حقّه: إنّه أكذب البرية.

الرابع: موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه (ع) قال: «من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلا يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت غيبته وكملت مروته وظهر عدله ووجبت اخوّته»(196) فإنّ مفهومها انتفاء حرمة الغيبة مع انتفاء الشرط، ولكنّ المفهوم جواز غيبة الفاسق المحرز فسقه، سواء كان متجاهراً أو متستراً، حيث أنّ المذكورات في الشرط بمجموعها طريق إلى عدالة الشخص، فيكون إحرازها إحرازاً لعدالته وخلافها إحرازاً لفسقه، وترتب حرمة الاغتياب على صورة ثبوت الطريق إلى عدالته مقتضاه عدم الحرمة في الصورة الثانية، كان متجاهراً بفسقه أم لا، والمفهوم المزبور أخصّ مما دلّ على حرمة اغتياب المؤمن، فيرفع اليد عن إطلاقه بالمفهوم، فيختصّ ما دلّ على حرمة الاغتياب بما إذا لم يظهر فسق المغتاب. ولا فرق في جوازها مع ظهوره بين كونه متجاهراً أو لا.


176

ولكنّ الصحيح أنّه يرفع اليد عن إطلاق المفهوم بالتقييد الوارد في صحيحة ابن أبي يعفور التي هي الأمر الخامس في المقام قال أبو عبداللّه (ع) فيها بعد السؤال عن العدالة في الرجل: «تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واليد واللسان ـ إلى أن قال ـ: والدلالة على ذلك أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من تفتيش عثراته وعيوبه»، فإنّ ظاهرها اعتبار الستر في حرمة الفحص عن عيوبه فيجوز مع عدم الستر، ولا يحتمل الفرق في الجواز وعدمه بين التفتيش عن سائر عيوبه وبين إظهارها بعد العلم بها. وهذه الصحيحة مع رواية هارون ابن الجهم تكون قرينة على رفع اليد عن إطلاق المفهوم في الموثقة.

السادس: رواية علقمة المحكية عن المحاسن: «من لم تره بعينك يرتكب ذنباً ولم يشهد عليه شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنباً، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية اللّه تعالى داخل في ولاية الشيطان» وظاهرها أنّ حرمة الاغتياب متفرّعة على كون الشخص من أهل الستر، وقبول شهادته على كونه من أهل العدالة. ومقتضى هذا التفريع جواز اغتيابه عند عدم كونه من أهل الستر. ودعوى ـ أنّ قوله (ع) «ومن اغتابه بما فيه» جملة مستأنفة مستقلّة وغير متفرّعة على كونه من أهل الستر، فتكون دلالتها على جواز اغتياب غيره ممن لا يكون ساتراً لعيوبه من قبيل مفهوم اللقب ـ يدفعها أنّها خلاف ظاهرها. نعم يمكن أن يقال بدلالتها على عدم جواز الاغتياب مع عدم إحراز فسق الشخص، كما إذا لم تره منه ولم تقم عليه شهادة. وعلى جوازه مع علمه به أو قيام الشهادة عليه، بلا فرق بين المتجاهر وغيره، نظير الاطلاق المتقدّم في الموثقة. وما رفعنا به اليد عن الاطلاق المزبور نرفع اليد به عن إطلاق هذه الرواية أيضاً.

وقد يقال: إنّ مفهوم رواية علقمة سالبة بانتفاء الموضوع، فإنّ مفهومها من ترى بعينك عصيانه أو قام عليه شهادة، فليس من أهل العدالة والستر، فلا تكون شهادته مقبولة وغيبته محرّمة. والمراد أنّه لا يكون ذكره عندك غيبة، فإنّه كشف أمر مستور، ومع العلم به لا يكون كشف للمستور.

وفيه ما لا يخفى، فإنّه لم يفرض في الرواية ذكر ذلك الذنب حتّى يقال لا يكون ذكره عند العالم به اغتياباً، بل المراد نفي الحرمة عن ذكر سائر عيوبه التي لا يعلم بها الشخص، ويكون ذكرها من الغيبة، فلابدّ من حملها على المتجاهر كما تقدّم.


177

ثم إنّي لا أظنّ أن يتوهّم دلالة الموثّقة على وجوب الوفاء بالوعد، وذلك لما ذكرنا من أنّ المذكور فيها طريق إلى عدالة الشخص، ويمكن جعل الالتزام بالمستحب الواحد طريقاً إلى عدالة الشخص، فضلاً عن جعل عدة أُمور يكون الالتزام به أحدها. نعم ربّما يقال بأنّ مدلول الموثقة ترتب مجموع الأحكام المذكورة في الجزاء على الشرط المذكور، فيكون مفهومها انتفاء المجموع بانتفاء الشرط، وهذا لا ينافي ثبوت بعض تلك الأحكام أي حرمة الغيبة في فرض انتفاء الشرط. ويدفعه ظهور القضية في ترتب كلّ واحد من الأحكام المزبورة على الشرط.

ثمّ إنّ مفاد رواية علقمة كون الأصل في المؤمن العدالة، فيكفي في ترتيب آثارها عدم إحراز الفسق، هذا هو المنسوب إلى الصدوق «ره»، ولكن الاعتماد ـ في ذلك على هذه الرواية مع ضعفها سنداً ومعارضتها لما دلّ على اعتبار إحراز العدالة في ترتيب آثارها، كصحيحة عبداللّه بن أبي يعفور ـ غير ممكن.

وهل يجوز اغتياب المتجاهر في غير ما تجاهر به[1].

[1] الأظهر جواز ذلك، كما عليه جماعة، وتقتضيه صحيحة ابن أبي يعفور، حيث أنّ ظاهرها جواز تفتيش سائر عيوب المتجاهر، فيجوز أيضاً إظهار تلك العيوب بعد العلم بها، على ما تقدّم من عدم احتمال الفصل بين الجوازين، ويدلّ عليه أيضاً رواية هارون بن الجهم المتقدّمة، حيث أنّ ظاهرها عدم الاحترام للمتجاهر حتّى يتحفّظ عليه بترك غيبته وعدم إظهار عيوبه المستورة عليه، بل المراد من نفي الغيبة له تجويز إظهار تلك العيوب خاصّة، وإلا فبالإضافة إلى عيبه المتجاهر به لا تتحقّق الغيبة أصلاً.

والحاصل أنّ هذه الرواية ـ وما بعدها باعتبار ضعف إسنادها ـ مؤيّدة، والعمدة في المقام الصحيحة والموثقة. ومما ذكر يظهر الحال فيما إذا كان متجاهراً في بلد دون آخر، فإنّه يجوز بيان عيوبه حتّى في البلد الآخر لعين ما ذكر. نعم إذا كان ساتراً لعيوبه ومعتذراً عن عيبه المتجاهر به بارتكابه للاضطرار أو الإكراه أو التزاحم بينه وبين التكليف الآخر، أو بدعوى أنّه يرى جوازه تقليداً أو اجتهاداً، فإن كان بطلان اعتذاره واضحاً عند الناس فلا يعد الاعتذار ستراً، وإن احتمل العذر ولو كان معلوم البطلان عند البعض الآخر، فلا يكون بارتكابه جاهراً بفسقه.

ثمّ إنّ ظاهر الأدلّة كون الحكم ما دلّ كونه جاهراً، نظير قوله (ع): «لا تصلّ خلف الفاسق» فلا يجوز الاغتياب بعد ما صار الشخص ساتراً لعيوبه، حتّى بإظهار عيبه الذي كان عليه زمان تجاهره، كما لا يخفى.

نعم لو تأذّى من ذمّه بذلك دون ظهوره[1].

[1] يعني لو تأذّى بالذمّ لا بظهور عيبه، بأن لا يكون مجرّد ظهوره مكروهاً له، فلا بأس باغتيابه بإظهار ذلك العيب وفي فرض كراهته له يجوز سبّه بما لا يكون كذباً، ولكن لا يجوز اغتيابه حيث أنّ مناط السبّ المذمّة والتنقيص، فيجوز، ومناط الغيبة إظهار عيبه، فلا يجوز، إلا مع الرخصة أو عدم الكراهة.


178

أقول: هذا الكلام عجيب منه «ره» حيث تعرّض سابقاً لسبّ المتجاهر بفسقه واستظهر جوازه من دليل جواز اغتيابه، وهنا فصل بين غيبة المتجاهر وذكر عدم جوازها فيما إذا كان ظهور عيبه مكروهاً وبين سبّه وذكر جوازه بما لا يكون كذباً حتّى مع تأذّيه.

الثاني تظلّم المظلوم وإظهار ما فعل به الظالم[2].

[2] يستدلّ على جواز تظلّم المظلوم عن ظالمه بقوله سبحانه: «ولمن انتصر بعد ظلمه فأُولئك ما عليهم من سبيل»(197) ولكن لا يخفى ما فيه، فإنّ ظاهرها جواز انتقام المظلوم عن ظالمه، كما يؤيّده ملاحظة ما قبلها من قوله عزّ وجلّ «وجزاء سيّئة سيئة مثلها فمن أصلح فأجره على اللّه إنّ اللّه لا يحب الظالمين»(198) وأمّا جواز الاغتياب من ظالمه بإظهار ظلمه أو حتّى سائر عيوبه المستورة عليه، فلا دلالة لها عليه، بل مقتضى قوله تعالى: «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» المماثلة في الانتقام. نعم لو كان ظلمه هو الاغتياب والتنقيص المسقط للمغتاب بالفتح عن أعين الناس، فيجوز للمغتاب الانتقام من ظالمه بإظهار عيوبه، وقوله سبحانه: «لا يحبّ اللّه الجهر بالسوء إلا من ظُلم» فإنّه في نفسه دالّ على جواز إظهار المظلوم مساويء ظالمه، بلا حاجة إلى الرواية أو قول بعض المفسّرين، لأنّ قوله سبحانه «من القول» كما مرّ سابقاً بيان للجهر بالسوء وإظهاره.

والحاصل أنّ ظاهر الآية حرمة إظهار الإنسان المساويء والقبائح التي ارتكبها هو أو غيره، إلا إذا كان الجاهر بهامظلوماً يجهر بمساوئ ظالمه، ومناسبة الحكم والموضوع مقتضاها دخل الظلم في جواز الاغتياب، بحيث لولا ظلمه لما جاز اغتيابه، وأمّا اختصاص الجواز بخصوص ظلمه بحيث لا يجوز إظهار سائر عيوبه، فلا تقتضيه المناسبة، بل مقتضاها بيان جميعهاحتّى يحصل للناس إمكان التصديق بظلمه.

ثمّ إنّ المصنّف «ره» أيّد جواز التظلّم بأن في منع المظلوم عنه حرجاً عليه، حيث أنّ التظلّم نوع من التشفّي. ولا يخفى ما فيه، فإنّه ليس في البين الحرج الرافع للتكليف، خصوصاً فيما إذا كان للمظلوم حجّة على ظالمه تمكّنه من طرح دعوه في المحاكم للأخذ بحقّه، وبأنّ في جواز التظلّم وتشريع الجواز مظنّة ردع للظالم. وفيه أنّ هذا على تقدير تماميته لا يختصّ بالمظلوم، لعدم اختصاص منع الغير عن المنكر بشخص دون شخص. وبهذا يظهر الحال فيما استظهره مما ورد في اغتياب الإمام الجائر، حيث أنّ جواز اغتيابه لا يختصّ بخصوص المظلوم، بل يعمّ كلّ شخص، فيجوز لهم ذكر عيوبه. نعم في النبوي لصاحب الحقّ مقال، وفي ظاهره جواز إظهار المظلوم حقّه وبيان ما أصابه من الظلم ولو كان البيان إظهاراً لعيب الآخر.


179

والحاصل أنّ قوله سبحانه: «لا يحبّ اللّه الجهر بالسوء» بنفسه كاف في إثبات جواز بيان المظلوم عيوب ظالمه، بلا فرق بين كون عيبه ظلماً أو غيره، وبلا فرق بين أن يكون في إظهارها مظنّة إزالة الظلم عنه، كما إذا أظهرها عند من يمكن له إزالته، أو لم يكن في إظهارها إلا بيان عيوبه وإسقاطه عن أعين الناس، كما هو مقتضى إطلاق الاستثناء وعدم تقييده بمقام مظنّة دفع الظلم. وما في كلام المصنّف «ره» من عدم العموم في الآية، فإن أراد نفي الإطلاق فقد ذكرنا ثبوته كما هو مقتضى أصالة ورودها في مقام البيان من جهتي المستثنى والمستثنى منه وإن أراد عدم العموم الوضعي فإثبات عموم الجواز لا يحتاج إليه كما مرّ.

مع أنّ المروي عن الباقر (ع) في تفسيرها[1].

[1] لا يخفى أنّ قوله سبحانه: «لا يحبّ اللّه الجهر بالسوء» بنفسه ظاهر في أنّه يجوز للمظلوم اغتياب ظالمه، ويكون الانتصار باغتيابه مما يجوز الانتصار به في الدين، فالرواية لا تنافي الآية، بل الآية حاكمة على مفادها مع أنّه لا يمكن رفع اليد عن ظاهرها بمثل تلك المرسلة.

ويظهر من بعض الأخبار جواز الاشتكاء[2].

[2] وهي رواية حماد بن عثمان(199) وفي سندها ضعف بمعلّى بن محمد، وعلى رواية الشيخ «ره» بمحمد بن يحيى الصيرفي، ومرسلة ثعلبة بن ميمون(200) ولا دلالة لهما أيضاً على جواز الاغتياب بترك الأولى فإنّ الشكوى لا يكون من الاغتياب دائماً ولعلّ الشكوى المفروضة في الروايتين لم تكن اغتياباً.

ويمكن الاستدلال عليه[3].

[3] أي على جواز الاغتياب في مقام الاستفتاء مع توقّفه عليه.

لا يقال: كما يمكن الاستفتاء بإظهار السائل عيب أمّه وسوئها، كذلك يمكن بطرح السؤال بنحو الفرض والتقدير، بأن يقول: لو ارتكبت أُمّ أحد الفعل الفلاني فما وظيفة ابنها، وطرح السؤال في الرواية بنحو الاغتياب وعدم ردع النبي (ص) دليل على جواز الاستفتاء بنحو الاغتياب حتّى مع عدم توقّفه على ذكر الفاعل بالخصوص.

فإنّه يقال: لا إطلاق في الرواية، فإنّها ناظرة إلى قضية شخصية، ولعلّ السائل كان غافلاً عن طرح السؤال فيها بالنحو الآخر. والحاصل أنّ المتيقن هو الجواز في صورة توقّف الاستفتاء، كما لا يخفى.

مدفوع بالأصل[1].

[1] الرجوع في المقام إلى الأصل من الغرائب، فإن أم السائل جاهرة بفسقها أولاً لا يكون له أثر شرعي بالإضافة إلينا، حتى نرجع إلى الأصل، بل ظاهر الرواية انّه لم يرد ع رسول اللّه (ص) الولد عن اغتياب أمه أو قذفها، وعدم ردعه (ص) يكون كاشفاً عن جواز فعل الولد، إمّا لكونها مشهورة بالزنا أو لكون ذكرها للغفلة أو لغيرها، وليس في البين ما يعين شيئاً من ذلك.


180

مضافاً إلى أدلّة النهي عن المنكر[2].

[2] ولكن مجرد عموم أدلتها لما إذا توقف النهي على الاغتياب أو على محرم آخر لا

يوجب تقديم النهي عن المنكر، بل وجوبه مع حرمة الاغتياب أو محرم آخر من المتزاحمين يراعي جانب الأهم أو محتمله، ولا يبعد أن يستفاد الأهمية في جانب التكليف بالردع في مورد تزاحمه مع حرمة الغيبة أو مثل الضرب أو الشتم من مثل صحيحة عبداللّه بن سنان المتضمنة لأمر الولد بحبس أمه لردعها عن محارم اللّه.

والحاصل أنّه لا ينبغي التأمّل في جواز الاغتياب فيما إذا توقف عليه الأمر بالمعروف أو الردع عن المنكر، فإنّه على تقدير عدم استفادة تعين رعيتهما عن الصحيحة فلا ريب في استفادة جوازهما، فإن غاية الأمر ان وجوب الردع مع حرمة الاغتياب في مورد التوقف من المتزاحمين، وتكون الأهمية في كل منهما محتملة، والحكم مع احتمالها في كل من المتزاحمين هو التخيير اللهم إلاّ أن يقال بأنّ الأمر بالمعروف والردع عن المنكر لا يجبان مع انحصار مقدمتها بالمحرم.

ثم إنّ التزاحم إنّما يكون في فرض توقف النهي عن المنكر على الاغتياب بأن توقف ردع المغتاب عن الفعل المنكر على الاغتياب أولاً ثم نهيه عنه حتى يؤثر في الارتداع. وأمّا إذا كان الاغتياب بنفسه كاقياً في ارتداعه، كان خطاب وجوب نهي الغير وردعه عن ارتكاب المنكر مع خطاب النهي عن الاغتياب من المتعارضين يجتمعان في الفرض، وبما أنّ الكتاب المجيد دال على كلا الحكمين يسقط الاطلاق من الخطابين، فيحكم في الفرض بجواز الاغتياب باصالة البراءة عن حرمته كما لا يخفى (لا يقال): دلالة النهي عن الاغتياب في الكتاب على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاطلاق ومع وقوع المعارضة بالعموم من وجه يقدم العموم على الاطلاق، كما هو المقرر في محله (فإنّه قال): نعم، ولكن يستفاد جواز الاغتياب في الفرض من صحيحة عبداللّه بن سنان، وذلك فانّ قوله سبحانه: «لا تقل لهما أُف» دلالته على حرمة إيذائها بحسبها أو ضربها بالعموم ودلالة الكتاب على أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر بالاطلاق. ومع ذلك ذكر سلام اللّه عليه فيها أنّ منعها عن المنكر بما ذكر من أفضل الصدقة. ولا يحتمل الفرق بين جواز ضربها وحبسها وبين اغتيابها.

وعلى الجملة ما ذكر في محله من تقديم العموم على الاطلاق فيما لم تكن قرينة أخرى على الجمع، والصحيحة في المقام قرينة عليه ولكن لا يخفى أنّه لا يستفاد منها وجوب منعها عن المنكر بما ذكر، بل غاية مدلولها جواز المنع أو استحبابه في مورد توقف المنع على مثل الضرب والحبس أو اتحاده معهما، وعدم امكان المنع بغيرهما كما لا يخفى.


181

حكم الاستماع الى الغيبة

ويحرم استماع الغيبة[1].

[1] وحاصله أنّ الاستماع والاصغاء إلى الاغتياب محرم بلا خلاف، ويدل عليه بل على كونه من الكبائر ما ورد من أنّ السامع للغيبة أحد المغتابين، فإنّه إن كان لفظ المغتابين بصيغة التثنية يكون ظاهراً في أنّ السامع للغيبة كصاحبه الذي أظهر سوء الآخر وعيبه، فإن كان المغتاب بالكسر عاصياً باظهاره كان السامع أيضاً كذلك، وإن لم يكن عاصياً كما إذا كان المغتاب بالفتح متجاهراً بالفسق لم يكن عصيان للسامع أيضاً، وإذا لم يعلم السامع جواز فعل المتكلم، كما إذا احتمل كون المغتاب بالفتح مستوراً، فالاستماع إليه ـ على ما قيل ـ جائز لحمل فعل المتكلم على الصحة.

قال في كشف الريبة: (إذا سمع أحد مغتاباً لإخر وهو لا يعلم أنّ المغتاب بالفتح يستحق الغيبة أو لا، قيل لا يجب نهي القائل، لامكان استحقاق المغتاب بالفتح فيحمل فعل القائل على الصحة مادام لم يعلم فساد قوله وحرمته، وأيضاً منع القائل ونهيه عن قوله يستلزم انتهاك حرمة القائل، ويجب على السامع التحفظ على حرمة القائل، كما يجب عليه التحفظ على حرمة المغتاب بالفتح بترك اغتيابه) ثم قال: (الاولى التنزّه عن ذلك حتى يخرج المخرج منه، لعموم الأدلة أي أدلة وجوب رد الغيبة وانتصار المؤمن وعدم الاستفصال فيها عن احراز كون القائل ممن لا يجوز له الاغتياب، فيجب معه رد الغيبة ونهيه عنها وعن احتمال جوازه له، فلا يجب ردها ونهيه عنها، ولأنّه لو لم يجب رد الغيبة بالفتح انسان مستور لا يجوز اغتيابه، فانّه في الفرض أيضاً يحتمل أن يكون عند القائل مجوز لاغتيابه لم نعثر عليه والالتزام بالجواز في ذلك هدم لقاعدة النهي عن الغيبة) انتهى.


182

ولا يخفى أنّ عدم وجوب ردع القائل كما في كلام كشف الريبة غير جواز الاستماع، ويمكن أن يقال بعدم وجوب الرد على القائل في مورد احتمال جواز اغتيابه، ولكن لا يجوز الاستماع إليه، وهذا ظاهر قوله (ع) السامع للغيبة أحد المغتابين على تقرير قراءته بصيغة الجمع، حيث أنّ مقتضى قراءته بصيغة الجمع أن يكون السامع للغيبة كالمتكلم بها، وكما لا يجوز الاغتياب واظهار سوء الغير مع عدم احراز كون فاعل المنكر متجاهراً، كذلك لا يجوز السماع مع عدم هذا الاحراز، ولكن يظهر التسالم أو عدم الخلاف في حرمة استماع الغيبة بما هو استماعا وليس في البين رواية على تحريمه غير مثل ما عن تفسير أبي الفتوح من أنّ السامع للغيبة أحد المغتابين، ولا يمكن الاعتماد على مثلها في الحكم بحرمة استماعها، فضلاً عن الحكم بكون الاستماع من الكبائر. نعم رد الغيبة واجب على سامعها كما هو ظاهر غير واحد من الروايات كموثقة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «ما من مؤمن يخذل أخاه المؤمن وهو يقدر على نصرته إلاّ خذله اللّه في الدنيا والآخرة»(201) والمراد بالخذلان ترك النصرة بقرينة المقابلة. وقريب منها بل أظهر منها غيرها فراجع، ومقتضاها عدم الفرق في وجوب الرد بين علم السامع بأنّ المغتاب بالفتح ممّن لا يجوز اغتيابه أو احتمل جوازه. نعم في الفرض الثاني لا يجوز الرد بنحو يكون هتكاً للمغتاب بالكسر ومنافياً لحمل فعله على الصحيح، بمعنى عدم صدور المعصية منه، فيجب عليه الرد بنحو يحفظ فيه كرامة المغتاب بالفتح والحمل على الصحة.

والمتحصل أنّ هنا أموراً ثلاثة: (الأول) القائل عن الاغتياب باعتبار أنّ نهيه عنه داخل في عنوان النهي عن المنكر، فيجب، ويختص بما إذا أحرز صدور الحرام عن القائل، وكون اغتيابه معصية للّه سبحانه. وأمّا إذا احتمل صدوره حلالاً، فمقتضى أصالة حمل فعله على الصحة عدم وجوب نهيه، بل لا يجب النهي حتى مع الاغماض عن أصالة الصحة، حيث أنّ التمسك بدليل وجوب النهي عن المنكر مع عدم احراز المنكر من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

(الثاني) الاستماع إلى الاغتياب، فهذا جائز عندنا على الاطلاق، ولكن المنسوب إلى المشهور، بل ادعى كما عن المصنف «ره» عدم الخلاف في حرمته. والاستماع عندهم جائز فيما إذا أحرز جواز الاغتياب، وأمّا إذا احتمل جوازه فيمكن لهم القول بالجواز، حيث أنّ مفاد الروايات كون حكم المستمع في الوزر وعدمه حكم المغتاب بالكسر، ومع جريان أصالة الصحة في فعل المغتاب بالكسر يحرز عدم الوزر له.

(لا يقال) حمل القائل على الصحة ينافي أصالة عدم كون المغتاب بالفتح متجاهراً حتى يجوز اغتيابه، بل الأصل أنّه لم يرتكب حراماً أصلا ً (فانّه يقال) أصالة الصحة في فعل القائل لا ينافي تلك الأُصول، فإنّ أصالة الصحة معناها عدم اسناد المعصية إلى القائل، كما هو مفاد قوله سبحانه: «قولوا للناس حسناً» يمكن أن يكون القائل معذوراً لم يعص اللّه في اغتيابه، بأن كان معتقداً بصدور الحرام من الغير، وكون ذلك الغير متجاهراً مع خطأه في اعتقاده، ولا يكون ذلك الغير أيضاً عاصياً في الواقع، كما هو مفاد أصالة عدم كونه متجاهراً، بل ولا مرتكباً للحرام، ولكن الصحيح كما ذكرنا عدم تمام الدليل على حرمة الاستماع، حتى في فرض احراز أنّ القائل يعصى اللّه باغتيابه، وذلك فانّ الروايات الواردة في المقام كلها ضعيفة سنداً، غير قابلة للاعتماد عليها.

(لا يقال): لا يمكن احتمال كذب تمام تلك الروايات وعدم صدور شيء منها عن الإمام (ع) بل دعوى الوثوق بصدور بعضها عنهم (ع) قريبة جداً (فانّه يقال) على تقدير تسليم ذلك، فيمكن أن يكون الصادر عنهم (ع) مقترناً بقيد لم ينقل إلينا ذلك القيد، وهو الاستماع إلى الاغتياب مع السكوت عليه، وعدم رده، ولا يعتبر السند في شيء من تلك الروايات. ليقال مقتضى اعتبار خبر الثقة أو العدل هو الاطلاق، وعدم صدور القيد عنه (ع).


183

(لا يقال) كيف لا يكون الاستماع محرماً وقد ورد في غير واحد من الروايات أنّ عورة المؤمن على المؤمن حرام، وفسرت باذاعة سره، وأيضاً قد تقدم أنّ الغيبة معناها كشف ستر المؤمن، والكشف والاذاعة ـ كما يكون بفعل القائل ـ كذلك يكون بفعل السامع، حيث أنّه مع استماعه إلى الغيبة يحصل الكشف والاذاعة، (فانّه يقال): ربّما يكون حصول فعل من أحد موقوفاً على فعل الآخر، كما في ضرب زيد عمرواً، فان وقوف عمرو وعدم فراره من يد زيد دخيل في تحقيق الضرب، وحصول عنوانه، إلاّ أنّ الضرب يستند صدوراً إلى زيد، لا إلى عمرو، فلو فرض دليل على حرمة ضرب أحد مؤمناً، فهذا الدليل يشمل فعل زيد لا عمرو، وهنا أيضاً استماع السامع دخيل في حصول كشف سر المؤمن واذاعة عيبه، إلاّ أنّ الكشف والاذاعة يستند إلى القائل أي إلى المغتاب بالكسر لا إلى السامع كما لا يخفى.

(والأمر الثالث) رد الغيبة وانتصار أخيه المؤمن أي المغتاب بالفتح، وهذا الانتصار كما تقدم واجب إلاّ فيما إذا لم يكن للمغتاب بالفتح احترام، كما إذا كان متجاهراً بالفسق، وهذا الرد غير النهي عن المنكر، فيمكن الجمع بين حمل فعل القائل على الصحة، بمعنى عدم اسناد الحرام إليه، وبين التحفظ على كرامة المغتاب بالفتح برد غيبته واللّه سبحانه هو العالم.


184

حقوق المؤمن على اخوانه

ثم انّه قد يتضاعف عقاب المغتاب[1].

[1] كما تشهد له موثقة عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): «يجيء يوم القيامة ذوالوجهين والعاً لسانه في قفاه، وآخر من قدامه يلتهبان ناراً حتى يلهبا جسده ثم يقال كان في الدنيا ذاوجهين ولسانين يعرف يذلك يوم القيمة»(202)، ونحوها غيرها.

ويمكن القول بتعدّد العقاب[2].

[2] هذا إذا كانت الغيبة بمعنى ذكر ما يكرهه الإنسان، وإلاّ فهي بالمعنى الذي ذكرناه وهو كشف العيب المستور على المؤمن لا تجتمع مع البهتان أصلاً.

روى في الوسائل[3].

[3] الرواية سندها ضعيف(203).

يرحم عبرته[4].

[4] أي يتحرم لدمعته وحزنه ويتلطف عليه.

يقيل عثرته[1].

[1] الاقالة بمعنى الفك ومنه قوله يا مقيل العثرات، كأن المراد فكه عن الزلة وخلاصة عن خطأه.

ويرعى ذمّته[2].

[2] أي يرعى العهد إليه بأن لا ينقضه.

يستنجح مسألته[3].

[3] أي يسعى في تحقيق حاجته إليه.

ويبر أنعامه[4].

[4] أي يقبله ولا يرده.

ويصدق أقسامه[5].

[5] أي يحسبها صادقة على ما يقتضيه حمل فعل المسلم على الصحة بمعنى عدم صدور الحرام منه.

قوله «ره» لا يسلمه[6].

[6] من باب الافعال أي لا يخذله، فيكون عطف لا يخذله عليه من التفسير.

ثمّ إنّه ذكر المصنف «ره» ظهور الرواية في ثبوت الحقوق لكل مؤمن على أخيه المؤمن إلاّ أنه لابد من حملها على المؤمن العارف بحقوق الآخرين، والراعي لها بحسب إمكانه، وذكر في وجه الحمل أموراً:


185

(الأول) المقاصة فيها باعتبار وقوع التهاتر في الحقوق، كوقوعه في الأموال، فإن من لا يراعي حقك عليه، لا يلزم عليك، اداء مثل ذلك الحق إليه، حيث إنّ التهاتر كذلك أمر ارتكازي عند العقلاء في الأموال وغيرها، ويدلّ عليه ما عن الصدوق في الخصال وكتاب الاخوان والكليني بسندهما عن أبي جعفر (ع) قال: «قام إلى أميرالمؤمنين (ع) رجل بالبصرة، فقال أخبرنا عن الاخوان، فقال (ع): الاخوان صنفان اخوان الثقة واخوان المكاشرة، فأمّا اخوان الثقة فهم كالكف والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من أخيك على ثقة فابذل له مالك ويدك وصاف من صافاه، وعاد من عاداه، واكتم سرّه وعيبه، واظهر منه الحسن. واعلم أيها الساأنّهم أعزّ من الكبريت الأحمر، وأمّا اخوان المكاشرة فانّك تصيب منهم لذتك فلا تقطعن ذلك منهم، ولا تطلبن ماوراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان»(204) فإنّ المراد بكونه على ثقة من أخيه، الثقة من رعاية الحقوق، ومقتضاها أن من لا يراعي تلك الحقوق ولا يبذل لك غير طلاقه الوجه عند الملاقاة كما هو ظاهر المكاشرة، فليس عليك إلاّ مثل ما بذله، دون الحقوق، والسند على رواية الكليني معتبر.

(اقول) ليس مقتضى هذه الرواية أن لا يجب مثل رد الغيبة على الشخص فيما إذا لم يراع المغتاب ردها في حقه، لما تقدم من أنّ ردها واجب على السامع، وليس في البين ما يدلّ على كونه من الحقوق الساقطة بالتهاتر.

(الثانى)دلّ على نفي الصداقة عمن لا يراعي حقوقها، وإذا لم يكن الشخص صديقاً لك لا يكون أخاً، وفيه الصداقة أخص من الأخوة، فلا يكون نفيها نفياً للاخوة حتى تنتفي الحقوق الثابتة لها.

(الثالث)ما دلّ على نفي الأخوة عمن لا يواسي أخاه المؤمن، وفيه أنّ المراد نفي الأخوة الكاملة لا الأخوة في مجرد الإيمان، وإلاّ لجاز اغتيابه بمجرد تركه المواساة، والحقوق في الرواية ثابتة للاخوة في الإيمان، فلاحظ.

ولا يخفى أنّ المذكور في الرواية من الحقوق كسائر المستحبات التي لا يوجب عدم التمكن من رعايتها بالاضافة إلى جميع المؤمنين إلاّ وقوع التزاحم بينها، لا سقوط استحبابها، فلا يقال بأنّ عدم التمكن على جميعها باعتبار عدم سعة وقت الإنسان لادائها قرينة على عدم استحبابها، وبعبارة أخرى عدم التمكن على الجمع بينها في الاداء لكل مؤمن، يوجب كونها كسائر المستحبات المتزاحمة، لا سقوط استحبابها.


186

في القمار

وهنا مسائل أربع[1].

[1] (الأولى) اللعب بالآلات مع العوض، ولا ينبغي الريب في حرمته وحرمة العوض، ويكفي في اثبات حرمة اللعب قوله عزّ من قائل: «انّما الخمر والميسر“» حتى إذا قلنا بأنّ المراد بالميسر هو الآلات لانفس المقامرة، حيث إنّ تحريم تلك الآلات معناه المنع عن اللعب بها بالعوض أو مطلقاً كما لا يخفى، كما يكفي في حرمة العوض وعدم صيرورته ملكاً للغالب، قوله سبحانه: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» حيث إنّ ظاهر الأكل كما تقدم التملك ووضع اليد، ومقتضى النهي عنه ـ كالنهي عن سائر المعاملات ـ هو الفساد والحاصل أنّ اللعب بالآت القمار بداعي تملك العوض أمر محرم، ويكون أخذ العوض بازاء غلبته في اللعب اكلاله بالباطل.

(الثانية) اللعب بالآت القمار بلا عوض، والأظهر في هذه الصورة حرمة اللعب، كما هو مقتضى ظاهر صحيحة زيد الشحام قال: «سألت أباعبداللّه (ع) عن قول اللّه عزّ وجلّ: «فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور» قال: الرجس من الأوثان الشطرنج، وقول الزور الغناء»(205) ورواية السكوني عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «نهى رسول اللّه (ص) عن اللعب بالشطرنج والنرد»(206) ونحوهما غيرهما. ودعوى ـ انصارف مثلهما إلى ما إذا كان في اللعب عوض ـ لا يمكن المساعدة عليها، حيث إنّ اللعب بهما من غير عوض ليس بأمر نادر. لتكون ندرته منشأ له. نعم لا يمكن الاستدلال على حرمة هذا اللعب بما ورد في حرمة القمار، لا من جهة الانصراف الذي ذكره المصنف «ره» فانّه قابل للمنع، بل لعدم احراز صدق القمار على اللعب بها من دون تعيين عوض للغالب.


187

ثمّ إنّه «ره» فرق بين رواية السكوني وبين رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه (ع) قال: «سئل عن الشطرنج والنرد، فقال: لا تقربوهما»(207) وذكر أنّ دعوى الانصراف في الأولى قريبة، وفي هذه بعيدة، ولكن لا يخفى ما فيه، فإنّه إذا كانت كثرة الافراد موجبة للانصراف في الطبيعي، لكانت كثرة افراد القرب إلى الآلات المزبورة أيضاً موجبة للانصراف في لفظ معنى القرب المضاف إلى تلك الآلات. وذكر بعد ذلك أنّ الأولى الاستدلال على حرمة اللعب في هذه الصورة برواية تحف العقول من قوله: «ما يجيء منه الفساد محضاً لا يجوز التقلب فيه من جميع وجوه الحركات» وبما في تفسير القمي عن أبي الجارود في قوله تعالى: «انّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون» قال: «أمّ الخمر فكل مسكر من الشراب ـ إلى أن قال: ـ امّا الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر. وامّا الانصاب فالأوثان التي كان يعبدها المشركون. وامّا الازلام، فالاقداح ـ إلى أن قال: ـ كل هذا بيعه وشراؤه والانتفاع بشيء من هذا حرام من اللّه ورجس من عمل الشيطان».

(لا يقال) القمار في هذه الرواية منصرف إلى ما إذا كان في اللعب رهن (فانّه يقال) ليس المراد معناه المصدري لتتم دعوى الانصراف، بل المراد آلاته بقرينة قوله. وكل هذا بيعه وشراؤه وبقرينة قوله قبل ذلك: (أمّا الميسر فهو النرد) حيث إنّ النرد اسم للالة، كما أنّ البيع، والشراء يتعلق بالآلات لا باللعب.

(اقول) لا يخفى ما فيه، فان رواية تحف العقول ـ كما ذكرنا مراراً ـ لا تصلح للاعتماد عليها، مع أنّ كون الآلات ممّا يجيء منها الفساد المحض أول الكلام، فانّه إذا جاز اللعب بها بلا عوض ورهن لا يكون فيها الفساد المحض. وأمّا رواية القمي فمع الاغماض عن ضعف سندها بالقطع، فيأتي فيها ما ذكره في الروايات السابقة من دعوى الانصراف، لا في قوله (وكل قمار ميسر) حتى يقال أنّ القمار فيه ليس بمعناه المصدري، بل الانصراف في قوله: (والانتفاع بشيء من هذا حرام) حيث إنّ الانقطاع بها ينصرف إلى فرده الشايع وهو اللعب مع العوض.

ويؤيّد الحكم[1].

[1] لا يخفى أنّ الرهن والعوض وإن لم يكن دخيلاً في كون اللعب بالآلات لهو وباطلا، إلاّ أنّه لا دلالته لتلك الروايات على الحرمة، لأنّ مطلق الباطل والاشتغال عن ذكر اللّه لا يكون محرماً، ولذا جعلها «ره» مؤيدة للحكم.

المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدة للقمار[1].

[1] (الثالثة) ما إذا كان اللعب بغير الآلات المعدة، ولكن مع الرهن على اللعب، ويظهر من كلمات جماعة في باب السبق والرماية عدم الخلاف في حرمة هذا اللعب تكليفاً كما يكون فاسداً، حيث قالوا: إنّه لا خلاف. في حرمة السبق بغير المنصوص إذا كان فى البين عوض. وأمّا إذا لم يكن عوض ففي حرمة السبق خلاف وظاهر ذلك أنّ مورد الخلاف هنا ـ أي فيما إذا لم يكن في البين عوض وهي الحرمة تكليفاً ـ مورد الوفاق هناك، أي فيما إذا كان في البين عوض، فانّ الفساد يعني الحكم الوضعي لا يمكن كونه مورد الخلاف مع فرض عدم العوض في البين. وكيف كان فيلتزم في المقام ـ كما عن المصنف «ره» وغيره ـ بحرمة اللعب تكليفاً وفساده وضعاً، أي عدم صيرورة العوض ملكاً للغالب، ويقال في وجهه أمور.


188

(الأول) إنّ اللعب مع الرهن قمار، كما يفصح عن ذلك رواية العلاء بن سيابة عن أبي عبداللّه (ع) «أنّ الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش، وماسوى ذلك فهو قمار حرام»(208) وفيه أنّ الرواية لضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها. والأخذ باطلاق القمار في بعض الروايات يحتاج إلى اثبات عدم دخل الآلات في صدقة.

(الثاني) مرسلة الصدوق «ره» قال: «قال الصادق (ع): إنّ الملائكة لتنفر عند الرهان، وتلعن صاحبه ماخلا الحافر والريش والنصل»(209).

(الثالث) بما في تفسير العياشي عن ياسر الخادم عن الرضا (ع)، قال: «سألته عن الميسر قال: الثقل من كل شيء، قال: والثقل ما يخرج بين المتراهنين من الدراهم»(210) ولا يخفى أنّ مفاده حرمة العوض في كل رهان لا حرمة نفس الرهان واللعب تكليفاً، اضف إلى ذلك ضعفه سنداً وعدم كونه صالحاً للاعتماد عليه.

(الرابع) صحيحة معمر بن خلاد عن أبي الحسن (ع)، قال: «النرد والشطرنج والأربعة عشر بمنزلة واحدة، وكل ما تقومو عليه فهو ميسر»(211) ولا يخفى أنّ العموم فيها أيضاً باعتبار العوض في القمار.

(الخامس) رواية جابر عن أبي جعفر (ع)، قال: «قيل يا رسول اللّه ما الميسر؟ فقال كل ما تقومو به حتى الكعاب والجوز»(212) (لا يقال) ضعف السند في بعض هذه الروايات منجبر بالشهرة ونفي الخلاف على ما تقدم، (فانّه يقال) لم يعلم استناد المشهور في التزامهم بالحرمة والفساد إلى هذه الروايات، بل لعلهم استفادوا الحكم ممّا ورد في حرمة الميسر والقمار تكليفاً ووضعاً أو استفاد بعضهم ممّا ورد من نفي السبق في غير الثلاثة، بدعوى أنّ المستفاد من النفي المزبور في غيرها، حرمته.


189

فقد استظهر بعض مشايخنا المعاصرين اختصاص الحرمة بما كان بالآلات المعدة للقمار[1].

[1] الأظهر في المقام حرمة اللعب تكليفاً وفساده وضعاً، بمعنى عدم دخول العوض في ملك الغالب في اللعب ويشهد لذلك ما رواه الصدوق «ره» باسناده عن العلاء بن سيابة، قال: «سألت أباعبداللّه (ع) عن شهادة من يعلب بالحمام؟ قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق، قلت: من قبلنا يقولون، قال عمر هو شيطان، فقال: سبحان اللّه أمّا عملت ان رسول اللّه (ص) قال: إنّ الملائكة لتنفر عند الرهان وتلعن صاحبه ماخلا الحافر والخف والريش والنصل، فانّها تحضرها الملائكة“»(213) وسند الصدوق إلى العلاء بن سيابة ـ كما ذكر في مشيخة الفقيه ـ صحيح، والعلاء أيضاً لا بأس به، فانّه من مشايخ ابن أبي عمير، وذكر الشيخ «ره» في عدته أنّهم ثقات. وأمّا دلالتها على حرمة اللعب مع العوض فلأنّها مقتضى لعن الملائكة صاحب الرهان، فانّ اللعن وإن امكن أن يراد منه معنى يناسب كراهة الفعل أيضاً، كما في لعن رسول اللّه (ص) آكل زاده وحده، والنائم في بيته وحده، والراكب في الفلاة وحده، إلاّ أنّ ظاهره مع عدم القرينة على الخلاف حرمة الفعل، وإذا كان نفس اللعب مع الرهن محرماً، كان أخذ الغالب العوض فاسداً، حيث إنّه من أخذ العوض على اللعب المحرم. هذا مع أنّه لا يبعد صدق القمار على اللعب المزبور، حيث إنّ اسناد الآلات إلى المقاء كإسناد سائر الآلات إلى سائر الأفعال، كآلات القتل والفتح والقرض إلى غير ذلك وكما أنّه لم تؤخذ الآلات في مفاهيم تلك الأفعال، كذلك لم تؤخذ الآلة في مفهوم القمار. ويؤيد ذلك ملاحظة كلام اللغويين. وما تقدم مثل رواية جابر الدالة على أنّ الميسر كل ما تقومو به حتى الكعاب والجوز، حيث لا يعد الكعاب والجوز من آلات القمار. نعم لابدّ في صدق القمار من كون الفعل الذي عين العوض على الغالب فيه لعباً. فلا يطلق القمار بمعناه الظاهر عند العرف على بعض الأفعال التي لا تعد من اللعب، حتى فيما إذا عين للغالب فيها عوض كالمسابقة على النجارة أو البناية أو الكتابة ونحوها من الصناعات، ولكن عدم صدقه عليها لا يمنع عن الالتزام بحرمة الرهان فيها أيضاً، على ما استظهرناه من رواية العلاء ابن سيابة.


190

المراهنة بغير الآلات

لا معنى لاستحباب الوفاء به[1].

[1] أي إذا كانت المعاملة فاسدة، فالعهد الذي قطعه العاقد على نفسه لا يستحب الوفاء به، فان استحبابه ينافي فسادها، فان الوفاء في المقام عبارة عن تسليم العوض المفروض في المراهنة إلى الغالب بعنوان أنّه ماله، ومع الفساد لا يكون مالاً له. نعم لو أريد صورة الوفاء بأن يملكه المال بتمليك جديد مجاناً، ومع الاغماض عن تلك المعاملة فلا فرق في جوازه بين القمار المحرم واللعب الفاسد، غاية الأمر يكون التمليك الجديد مستحباً مع فساد اللعب. ولا يستحب في القمار المحرم (اقول) لا فرق في الوفاء الصوري بين الصورتين، والفرق باستحباب التمليك الجديد في اللعب الفاسد وعدم استحبابه في القمار بلا وجه(214).


191

نعم عن الكافي والتهذيب بسندهما عن محمد بن قيس[1].

[1] سندها صحيح(*) وكلمه (آكل) في قوله (رجل آكل) من باب المفاعلة بمعنى المعاهدة على الأكل، وربّما يقال بظهورها في جواز المعاهدة المزبورة تكليفاً من جهة سكوت الإمام (ع)، وعدم ردعه، ومن الظاهر أنّ المعاهدة على الأكل من قبيل الرهن على اللعب بغير الآلات، كالمراهنة على رفع الحجر الثقيل والمصارعة والطفرة، نعم دلالتها على فسادها تامة، كما هو مقتضى منع الغرامة المفروضة في صورة عدم أكل الشاة بتمامها، ولكن لا يخفى أنّ دلالتها على الجواز بالاطلاق والسكوت في مقام البيان، ومع ورود النهي في سائر الروايات لا يتم الاطلاق، وأجاب المصنف «ره» عن ا لاطلاق بأنّ الإشكال في الرواية بعدم ردع الإمام (ع) حتى على تقدير جواز المعاهدة المزبورة تكليفاً، وذلك فإن أكل الشاة بالمعاهدة الفاسدة كتصرف الطرف في مال صاحبه في سائر المعاملات الفاسدة محرم، مع أنّه لم يذكر في الرواية ردعه (ع) عن أكلها. ثمّ أمر في آخر كلامه بالتأمل، ولعله لأجل الفرق بين المقام وسائر المعاملات الفاسدة، فان التصرف في مثل المقام من قبيل إذن المالك في ماله، فان أكل الشاة المفروضة باعتبار اباحة المالك وإذنه فيه حلال، حتى مع فساد المؤاكلة، حيث إنّ معنى فسادها عدم ترتّب الضمان المزبور، وهذا بخلاف سائر المعاملات التي يكون تصرف الطرف فيها بعنوان كونه مالكاً وليس يملك مع فسادها حتى يجوز له التصرف. وأمّا الضمان فالظاهر أنّ أكل الشاة بتمامها شرط في إذن مالكها في أكلها مجاناً، ولو بنحو الشرط المتأخّر، فيكون أكلها ناقصاً موجباً لضمانها بالقيمة كسائر القيميات، وعلى ذلك فالمراد في الرواية من نفي الغرامة هي الغرامة المعينة في المؤاكلة كما هو معنى فسادها.

ثم انّ حكم العوض من حيث الفساد[1].

[1] ويجب رد عين العوض مع بقائه، وبدله مع تلفه، كما في جميع المعاملات الفاسدة المفروض فيها ضمان المال. وأمّا ما ورد من قييء الإمام (ع) البيض عند ما قيل له: إنّ الغلام قامر به، فهو لا ينافي ما ذكرنا من ضمان البدل مع التلف، فان القيء لأجل أن لا يصير البيض المزبور جزءاً من بدنه الشريف، لا من جهة رده إلى مالكه. وهذه الرواية في سندها عبدالحميد بن سعيد وهو من مشايخ صفوان بن يحيى. وقد ثقهم الشيخ «ره» في عدته، قال: بعث ابو الحسن (ع) غلاماً يشتري له بيضاً فأخذ الغلام البيضة أو بيضتين فقامر بها، فلما أتي به أكله، فقال له مولى له إنّ فيه من القمار، قال فدعا بطشت فتقيأ فقاءه»(215).

وفيها إشكال من جهة ارتكاب المعصوم (ع) ما هو حرام واقعاً، لكنه ضعيف فان الإمام (ع) لا يمكن غفلته أو جهله بالأحكام المجعولة، في الشريعة حيث إنّ ذلك ينافي كونه هادياً ودليلاً على الحق ومبيناً لأحكام الشرع. وأمّا الموضوعات الخارجية فعلمه (ع) بجميعها مطلقاً أو عند ارادته الاطلاع عليها فلا سبيل لنا إلى الجزم بشيء حتى نجعله منشأ الإشكال في مثل الرواية، وذكر السيد الخوئي طال بقاؤه أنّ الاشكال على أكله (ع) البيض المفروض يتم بتسليم أمرين: (أحدهما) عدم امكان جهله (ع) بالموضوعات أصلاً. (ثانيهما) كونه (ع) مكلفاً بالعمل حتى بعلمه الحاصل له بالإمامة. وأمّا إذا قيل بكونه مكلفاً بالعمل بالحجة المتعارفة عند الناس من قاعدة اليد وأصالة الصحة وأصالة الحل وغيرها، فلا بأس بالأكل المزبور أخذاً بالحجة الشرعية.

ثمّ إنّه إذا علم (ع) الحال بالطريق المتعارف يعني أخبار مولى له بكون البيض من الحرام، تقيأ تنزهاً لئلاّ يصير الحرام الواقعي جزءاً من بدنه الشريف، مع عدم كون هذا حكماً الزامياً. وفيه أنّه لا يمكن اجراؤه (ع) أصالة الصحة أو غيرها في عمله مع علمه بالواقع، فانّ المقوم لموضوع الحكم الظاهري الجهل بالواقع والمفروض انتفاؤه في حقه (ع)، فدعوى كونه (ع) مكلفاً بمقتضى الحجج الظاهرية الثابتة للجاهل بالواقع، مع علمه (ع) بالواقع كما ترى، فانّه من قبيل ثبوت الحكم بدون موضوعه.


192

إلا أن يقال بأنّ مجرّد التصرّف من المحرمات العلمية[1].

[1] كيف لا تثبت الحرمة للأكل مع الجهل، مع أنّ الموضوع لها مال الغير من غير تجارة أو من غير رضاه. وبعبارة أخرى مفسدة أكل الحرام وترتبها عليه حتى حال الجهل به يوجب انشاء الحرمة حتى مع الجهل، غاية الأمر الجهل بكونه مال الغير عذر في مخالفة الحرمة الواقعية، كما فى جميع المحرمات الواقعية، فانّه تثبت عند الجهل بها أحكام ظاهرية، بخلافها، حيث إنّ الحكم الظاهري لا ينافي الحرمة الواقعية حتى يوجب تقييداً في إطلاق خطاب تلك الحرمة. والحاصل أنّه لو كانت العصمة منافية لارتكاب الحرام الواقعى ولو مع عدم تنجزه، لما كان ما ذكره المصنف «ره» صالحاً لدفع المنافاة.


193

حكم المغالبة بلا عوض

الرابعة المغالبة بغير عوض[2].

[2] الصورة الرابعة المغالبة بغير الآلات بلا عوض، ولا ينبغي التأمل في جوازها، فانّه مقتضى الأصل، بعد عدم شمول ما دلّ على حرمة القمار والرهان للفرض، حيث إنّ المأخوذ في معناها بحسب المتفاهم العرفى العوض. ويطلق عليها المراهنة بهذا الإعتبار، كما أنّه لم يقم دليل على حرمة مطلق اللهو والباطل، حتى تدخل فيه المغالبة في هذه الصورة. ولا يمكن أيضاً استظهار الحرمة من حسنة حفص عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «لا سبق إلاّ في خف أو حافر أو نصل»(216) أي النضال، حيث إنّ من المحتمل كون السبق بفتح الباء ـ كما نسبه في المسالك إلى المشهور ـ بمعنى العوض، ونفيه في غير الثلاثة عبارة أخرى عن عدم صيرورة العوض ملكاً للغالب في المسابقة، بل على تقدير كونه بسكون الباء، فيحتمل أن يكون المراد نفي استحباب المسابقة في غير الثلاثة. نعم ما ذكره المصنف «ره» من انصراف السبق بسكون الباء إلى صورة الرهن، ويكون ظاهر نفيه، فساده كما هو مقتضى النهي عن المعاملة ـ لا يمكن المساعدة عليه، فانّه لا وجه للانصارف بعد كونه بمعناه المصدري عاما يشمل المسابقة مع الرهن وبدونه، والمسابقة بلا رهن كثيرة لا نادرة حتى يتوهم أنّ ندرتها موجبة له.

كما يدل عليه ما تقدّم من اطلاق الرواية بكون اللعب بالنرد أو الشطرنج بدون العوض

قماراً[1].

[1] ذكر في بعض الروايات أنّ الشطرنج والنرد ميسر وقمار، وظاهره كون اللعب بهما ميسراً، حتى فيما لم يكن في البين عوض، لأنّ كونهما مع العوض قماراً لا يحتاج إلى البيان، إلاّ أنّ هذا الحكم تعبدي. والغرض بيان حرمة اللعب بهما ولو بلا عوض، وامّا لأنّ القمار بمعناه العرفي يصدق عليهما بدون العوض، فلا معين له، ولا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة، لاثبات عدم دخالة العوض، لأنّه لا اعتبار بها مع العلم بالمراد كما لا يخفى.


194

ويشهد له اطلاق آلة القمار[2].

[2] قد ذكرنا سابقاً أنّ لفظ القمار بمعناه المصدري لا يزيد على سائر الألفاظ الدالة على المعاني الحدثية في أنّ الآلة لا تكون مقومة وداخلة في مفاهيمها، بخلاف العوض، فانّه داخل في مفهومها. والشاهد لذلك الاستعمالات العرفية. وأمّا ما ذكره المصنف «ره» ـ من أنّ اطلاق آلة القمار عليها موقوف على عدم دخول الآلة في مفهوم القمار، أو ما ذكره السيد الخوئي طال بقاؤه من أنّ لازم دخول الآلة في معنى القمار عدم صدقه على المراهنة بالآلات المخترعة جديداً ولزوم الدور ـ فلا يمكن المساعدة على شيء من ذلك، فانّه يمكن أن لا يكون المأخوذ في معنى القمار خصوص الآلات في ذلك الزمان، بل الأعمّ منها بحيث يعم الآلة المخترعة فعلا، و ـ أخذ الآلة بها داخلا ـ لا يوجب أي محذور لا الدور ولا غيره، فانّه على ذلك يكون معنى لفظ القمار الحصة من المراهنة لا مطلقا، وإضافة تلك الآلات إلى القمار تكون بمعنى في، كما في قولنا، العوض والرهن في القمار.


195

حكم المبارات المتعارفة في عصرنا

وحكم شراء أوراق اليانصيب

بقي في المقام أمران: (الأول) إنّ حكم المباراة المتعارفة المسماة بكرة القدم والطائرة أو السلة) وغيرها التي يعين فيها الجائزة من الحكومات أو الأندية للفائزين، ولا يكون اللعب فيها بآلات القمار، والأظهر جوازها تكليفاً ووضعاً، فتكون الجائزة للفائز كأساً كانت أو غيره، وذلك فانّ المحكوم عليه بالحرمة هو القمار والمراهنة واللعب بالالآت المعدة للقمار. والمفروض عدم كون المباراة لعبا بآلات القمار، كما أنّ عنوان القمار أو المراهنة لا ينطبق عليها، حيث إنّ المعتبر فيهما كون المال من المغلوب، ولا يعمان ما إذا كانت هبة من شخص ثالث للفائز، كما صرح بذلك بعض أهل اللغة، ويظهر أيضاً بمراجعة الاستعمالات العرفية، وإن لم يكن هذا جزمياً، فلا أقل من احتماله، وهذا يمنع عن الرجوع إلى اطلاق خطاب حرمة القمار أو المراهنة، وإذا جاز اللعب صح تملك الجائزة أخذاً باطلاق دليل الهبة أو الجعالة أو غيرهما.

(الثاني): في حكم شراء الأوراق المرسومة في عصرنا المسمّاة بأوراق اليانصيب (بليط بخت آزمائى) ولا ينبغي الريب في بطلان بيعها وشرائها، حيث إنّ الأوراق لا تكون بنفسها أموالاً، نطير الأوراق النقدية والطوابع المالية والبريدية، ليكون أخذها من شراء الشيء المحكوم عليه بالحلية تكليفاً ووضعاً، بل يكون اعطاء المال وبذله باعتبار الرقم الموجود في كل ورقة، لاحتمال وقوع الجائزة على ذلك الرقم، ولذا لو تلفت الورقة بأن احترقت عند من يحتجزها، وثبت ذلك عند المؤسسة، فانّها ربّما تعطي الجائزة للشخص المزبور بوقوعها على ذلك الرقم. والحاصل أنّ المبادلة واقعاً بين المال وتلك الجائزة المحتمل وقوعها على الرقم، والورقة سند لها، وهذا لا يكون بيعاً صحيحاً، فانّ المعتبر فيه وجود المبيع والعلم به، فيكون المقام نظير الشبكة المطروحة المحتمل وقوع الصيد فيها، فانّه لا يصح تملك العوض بازاء الصيد المحتمل، بل هذا أشبه بالقمار، ويكون نظير القطعات من الخشب أو غيرها التي يكون في كل منها رقم، ويعين لبعض تلك الأرقام بعض الأموال وتطرح في الكيس، ويعطي إنسان درهماً أو أكثر ويخرج منها قطعة بداعي وقوع المال على الرقم فيها.


196

والحاصل أنّ شراء الأوراق مندرج في البيع الفاسد فلا تكون الجائزة به ملكاً لمشتري الورقة، ولو أخذها وجب المعاملة معها معاملة الأموال المجهول مالكها. نعم مجرد شراء تلك أوراق لا يكون محرماً تكليفاً، لاعتبار اللعب في صدق القمار قطعاً أو احتمالاً، ومعه لا يمكن الجزم بانطباق عنوان القمار عليه. هذا إذا لم يكن بذل المال لو كلاء المؤسسة بداعي التعاون في بناء المستشفيات والجسور وغير ذلك من المصالح العامة، وإلاّ فلا إشكال في جواز الاعطاء تكليفاً واللّه سبحانه هو العالم.


197

في القيادة وحكمها

القيادة حرام[1].

[1] لا ريب في حرمة الوساطة والسعي بين الشخصين لجمعهما على الوطء المحرم، ويكون أخذ المال بذلك أكله بالباطل، كما لا ينبغي الريب في كونها من الكبائر في الجملة، لقوله سبحانه «إنّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا“» وأنّ للحاكم تعزير الساعي بما يراه مصلحة لنظام البلاد، ومناسباً لتأديبه. وأمّا ثبوت الحد الشرعي ـ ونفيه عن المصر الذي هو فيه فضلاً عن حلق رأسه واشهاره ـ فلم يثبت. نعم ذكر الحد والنفي في رواية الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن سليمان عن عبداللّه بن سنان، إلاّ أنّ الرواية ـ لضعفها سنداً ـ لا يمكن الاعتماد عليها، وإن وصفها المصنف «ره» بالصحيحة، فانّ الراوي عن عبداللّه بن سنان لو لم يكن محمد بن سليمان الديلمي الضعيف، فلا أقل من كونه محتملاً، ثمّ إنّه على تقدير اعتبار الرواية فلا يختص المذكور فيها بالرجل، بل يعم المرأة أيضاً، لظهورها في كون المراد بالقواد فيها الجنس الشامل لها. وقد ذكرنا نظير ذلك في بعض ما ورد في محظورات الاحرام، وقلنا إنّ المحرم في الرواية باعتبار ظهوره في الجنس يعم المرأه قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع): أخبرني عن القواد ما حده؟ قال: لا حد على القواد، أليس انّما يعطي الأجر على أن يقود؟ قلت: جعلت فداك إنّما يجمع بين الذكر والأنثى حراماً: قال: ذاك المؤلف بين الذكر والأنثى حراماً فقلت هو ذاك، قال يضرب ثلاثة ارباع حد الزاني خمسة وسبعين سوطا وينفي من المصر الذي هو فيه»(217).

وفي المصباح هو الذي يعرف ا لآثار[1].

[1] يعني القائف من يعرف آثار الإنسان وعلاماته كما إذا نظر إلى آثار القدم الباقية على الأرض بعد المشي، فيعرف أنّها منسوبة إلى أي شخص، وزاد في مجمع البحرين وأنّه يعرف شبه الإنسان بأخيه وأبيه إلى غير ذلك، واقتصر في الايضاح والميسية على الثاني، وذكرا أنّها عبارة عن الحاق بعض الناس ببعض. وكيف كان فيقيد حرمتها بما إذا رتب عليها الأثر الحرام، وإلاّ فلا حرمة بالظنّ بنسب شخص أو العلم به، ولذا نهي في الأخبار عن الإتيان والأخذ بقول القائف. وظاهر الأخذ هو ترتيب الأثر، كما أنّ ظاهر الإتيان ذلك كما لا يخفي.


198

(اقول) نذكر في التعليقة الآتية فساد هذا الاستشهاد، وان تعلق النهي بالإتيان والأخذ باعتبار كون النهي طريقيا لا حكماً نفسياً، ومع الاغماض فغاية ما يستفاد هو اعتبار ترتيب الأثر لا ترتيب الأثر المحرم كما هو المدعى.

وفي المحكي عن الخصال[2].

[2] ما ذكره «ره» في وجه حرمتها من رواية الخصال(218) لا يمكن الاعتماد عليه، فانّه رواها عن أبيه عن سعد بن عبداللّه عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي حمزة البطائني ضعيف، ومع ذلك لا دلالة على الحرمة، فانّ عدم الحبّ لا يلازمها ما لم يكن في البين قرينة عليها من مناسبة الحكم والموضوع ونحوها. وكذا ما ذكره عن مجمع البحرين، مع أنّه لا يزيد على الرواية المرسلة. نعم في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) «كان أميرالمؤمنين (ع) يقول: لا تأخذ بقول عراف ولا قائف ولا لص ولا اقبل شهادة فاسق إلاّ على نفسه»(219) ولكن النهي في أمثال ذلك ظاهر في الطريقي المقتضى لعدم اعتبار قول القائف، فلا يكون ممّا يحرز به نسب الشخص شرعاً، ولا يكون موجباً لرفع اليد عن مثل قاعدة (الولد للفراش وللعاهر الحجر) أو غير ذلك. وأمّا فعل القيافة باخبار القائف، فإن كان اعتقاده جزمياً، فلا يكون الاخبار موجباً لفسقه على فرض عدم حصول حرام آخر، كالقذف، وإن كان اعتقاده ظنياً كان اخباره الجزمي عن نسبه كذباً وقولاً بغير علم، وهذا الحرام لا يوجب حرمة القيافة أيضاً بأن يكون اعتقاده الظنّي حراماً آخر.

ثمّ إنّ المصنف «ره» حكى عن العامة افتراءهم على رسول اللّه بأخذه بقول القافة، وذكر أنّ ذلك قد أنكر عليهم في الاخبار بشهادة ما عن الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعلي بن محمد القاساني جميعاً عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي قال: «سمعت علي بن جعفر“» وزكريا بن يحيى مجهول، ومع ذلك لا دلالة فيها على نفي رجوع النبي (ص) إلى قول القائف، اضف إليه أنّ الرواية لا تخلو عن شيء وهو رد مثل علي بن جعفر على إمامه (ع) في نفي ولده، حتى على تقدير عدم كون النفي من القذف، وكذا اشتمال الرواية لكشف اخوات الإمام (ع) وجوههن للقافة، ولا اظنّ تصديق أحد بمناسبة ذلك لمنزلتهن.


199

في حرمة الكذب وأنه من الكبائر

الكذب حرام[1].

[1] لا يكون الاجماع التعبدي في مثل المقام ممّا يعلم فيه مدرك المجمعين، بل يكون الاجماع مدركياً، وهو ليس أحد الأدله. وأمّا الفعل فلا استقلال له بقبح مطلق الكذب، وحتى مع عدم ترتب فساد عليه من تلف عرض أو مال أو غيره من المفاسد ليكون حكمه به كاشفاً بقاعة الملازمة عن حرمته. نعم حرمته مطلقاً مستفادة من الكتاب العزيز والاخبار.

وكيف كان فالكلام فيه يقع في جهتين: (الأولى) في كونه من الكبائر مطلقاً أو في الجملة (الثانية) في مسوغاته امّا الجهة الأولى، فقد ذكر في وجه كونه من الكبائر أمور:

(الأول) ـ رواية الصدوق «ره» في عيونه عن عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيشابوري العطار، عن أبي الحسن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (ع) ورواه أيضاً عن الحاكم أبي جعفر محمد بن نعيم بن شاذان عن عمه أبي عبداللّه محمد بن شاذان، قال: «قال الفضل بن شاذان“».

(الثاني) رواية الاعمش(220) ولكن رواية الأعمش ضعيفة باعتبار جهالة سند الصدوق «ره» إليه، وفي سند رواية العيون أيضاً ضعيف باعتبار عدم ثبوت التوثيق لعبدالواحد، ونقل الصدوق «ره» عنه مترضياً لا يدلّ على توثيقه، وذلك فانّ الصدوق لا ينحصر مشايخه بالثقات والعدول، والدعاء لا دلالة له على التوثيق، وكذا لم يثبت توثيق للحاكم محمد ابن نعيم.

(الثالث) موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع)، قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ جعل للشر أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شرّ من الشراب(221) وكونها موثقة باعتبار وقوع عثمان بن عيسى في سندها وهو واقفي، ومقتضى كون الكذب شراً من شرب الخمر المعدود من الكبائر، وتعيين الحد على شاربها كون الكذب أيضاً مثله.


200

(اقول) لازم كون الكذب كذلك اختيار شرب الخمر عند دوران الأمر بينهما بالإكراه عليه أو على الكذب، اللّهمّ إلاّ أن يقال بجواز الكذب في هذا الحال، لأنّه يدفع به الضرر، ولا يكون من مورد التزاحم ليكون جواز دفع الإكراه به دليلاً على عدم كونه أهمّ من شرب الخمر ولا مثله. وممّا ذكرنا يظهر الحال في المرسل الوارد فيه أنّ الكذب يعادل سبعين زنية أهونها كمن يزني بأمه، وقد تقدم الكلام في مثل هذه الروايات المعلوم عدم مطابقة ظاهرها للواقع، وانّ اللازم الاغماض عنها على تقدير صحة اسنادها، فضلاً عن المرسلة ونحوها.

(الرابع) قوله عزّ من قائل: «انّما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات اللّه» باعتبار أنّ نفي الإيمان عن المفتري وجعله بمنزلة الكافر مقتضاه كون الكذب كبيرة (اقول) لا دلالة في الاية على كون مطلق الكذب كذلك، فانّ الافتراء أخص منه، نعم دعوى اختصاص الآية بالافتراء في أصول الدين لا وجه لها، فانّ مورد النزول لا يكون مخصصاً أو مقيداً لعموم الحكم أو إطلاق الآية.

ويمكن الاستدلال على حرمة الكذب وكونه كبيرة بقوله سبحانه: «واجتنبوا قول الزور» ووجه الاستدلال على الحرمة ما ذكرنا سابقاً من ظهور الزور في البطلان واتصاف القول بالباطل يكون باعتبار بطلان معناه، وعدم تطابقه مع الخارج كما هو المراد بالكذب. وظاهر الأمر بالاجتناب عن فعل حرمته، كما في الأمر بالاجتناب عن الخمر والميسر وعبادة الأوثان إلى غير ذلك. وأمّا كونه كبيرة، فلأنّ الإمام (ع) استشهد في صحيحة عبدالعظيم الحسني(222) لكون شرب الخمر كبيرة بأنّ اللّه عزّ وجل نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان. ومقتضى الاستشهاد المزبور أن يكون الكذب أيضاً من الكبائر لأنّ اللّه نهى عنه كما نهى عن عبادة الأوثان بقوله عزّ من قائل «فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور».

والحاصل أنّ المتفاهم العرفي من الصحيحة المباركة أنّ الموجب لكون شرب الخمر كبيرة نهى اللّه عزّ وجل عنه في الكتاب المجيد، نظير النهي عن عبادة الأوثان. وهذا التنظير في التعبير يجري في الكذب أيضاً كما لا يخفى. وممّا ذكرنا يظهر وجه كون القمار كبيرة وأنّ ذلك باعتبار النهي عنه في الكتاب المجيد نظير النهي عن عبادة الأوثان.

وبعبارة أخرى الاستشهاد الوارد في الصحيحة بيان لكون الكذب والقمار كبيرة فلا يصح التمسك بالاطلاق المقامي لسائر الروايات، لنفي كونهما كبيرتين، حيث إنّه لا يتمّ الاطلاق فيها بعد ورود البيان والقيد، كما أنّه لا يصح الأخذ باطلاق هذه الصحيحة لنفي بعض ما ورد في سائر الروايات أنّها كبيرة. والحاصل أنّ الاطلاق بمعنى السكوت في مقام البيان لا يدلّ على شيء، مع ورود البيان في رواية أخرى أو خطاب آخر.


201

ويؤيّده ما روي عن النبي (ص)[1].

[1] أي أنّه يؤيد كون الكذب على الاطلاق كبيرة سواء ترتب عليه فساد أم لا، المروى عن النبي (ص) في وصيته لأبي ذر(223) ووجه التأييدان الأكاذيب المضحكة لا يترتب عليها مفسدة كبيرة، بل لا يترتب على بعضها أي مفسدة.

نعم في الأخبار ما يظهر منه عدم كونه على الاطلاق كبيرة[2].

[2] وسندها(224) لا يخلو عن ضعف. وما ذكر المصنف «ره» من حملها على كون الخاص من الكبائر الشديدة ـ لا يمكن المساعدة عليه، فانّ اعتبار هذا النحو من الحمل ابطال لقانون حمل المطلق والمقيد. والصحيح أن يقال إنّه لا يجرى التقييد في موارد استغراق الحكم وانحلاله مع توافق المطلق والمقيد وعدم اختلافهما في النفي والاثبات، كما في المقام، بل يؤخذ بكل من المطلق على المقيد. نعم لو قيل بمفهوم الوصف لكان المورد من موارد حمل المطلق والمقيد. ودعوى دلالتها على المفهوم بالعدد لا يخفى ما فيها، فانّ المذكور في الرواية من قبيل التعداد لا ذكر العدد، مع أنّ في دلالة العدد على المفهوم تأملاً بل منعاً.

فإنّ قوله ما من أحد يدلّ على أنّ الكذب[1].

[1] لم يظهر منه كون مجرد الكذب لمماً أو صغيرة حتى يوجب التقييد في اطلاق ما دلّ على كونه من الكبائر، بل ظاهره أنّ مجرد الكذب أمر يبتلي به عامة الناس، فلا يجرى على الإنسان بمجرده ما ذكر في حق الكذاب في مثل قوله سبحانه: «إنّ اللّه لا يهدى من هو مسرف كذاب» حيث إنّ اعراض اللّه عن انسان واضلاله مجازاة لا يترتب على مجرد الكذب، بل على من يكون مطبوعاً عليه، بحيث لو أراد أن يخبر فيكذب، وهذا لا ينافي كون الكذب مطلقاً من الكبائر.

وعن الحارث الأعور عن علي (ع)[2].

[2] وظاهره عدم حرمة الكذب في نفسه، بل الحرمة للفجور، وهو الاستمرار على الكذب، كما هو ظاهر قوله: (وما يزال أحدكم يكذب حتى يقال كذب وفجر، وإذا استمر على الكذب حتى يغلب الكذب على حكاياته واخباراته، يقال عند اللّه أنّه كذاب)(225) والظهور المزبور خلاف المتسالم عليه من حرمة الكذب في نفسه، أضف إلى ذلك ضعف السند.


202

في أقسام الوعد وحكمها

لابد أن يراد به النهي عن الوعد مع إضمار عدم الوفاء[3].

[3] أقول ربّما يحكي المتكلم عن عزمه الموجود حال تكلمه، فيكون المحكي قصده المتعلق بفعله الاستقبالي، كما إذا قال مخاطباً يا زيد، انّي عازم على بناء مسكن لك في الشهر الآتي، وكلامه هذا اخبار عن أمر نفساني يكون صدقه وكذبه باعتبار ذلك الأمر. وهذا كما لا يكون إنشاءاً لا يكون متضمناً له أيضاً، ومن يرى وجوب الوفاء بالوعد الذي هو من قسم الإنشاء لا يعم عنده الوجوب لهذا الفرض، وربّما يحكي عن نفس فعله الاستقبالي، ويكون اخباره عن الحصول فيما بعد كالاخبار عما مضى، وفي هذه الصورة يكون صدق خبره أو كذبه دائراً مدار تحقق ذلك الأمر في المستقبل وعدمه، ولو كان معتقداً بفعله استقبالاً، وأخبر بوقوعه، فلا بأس به. ولا يجب عليه جعل خبره صادقاً بفعله في المستقبل.

فإنّ مع ترك الفعل وأن يتّصف خبره السابق بالكذب إلاّ أنّ دليل حرمة الكذب لا يعمه.

فإنّ ظاهره حرمة جعل الكذب وايجاده بمفاد كان التامة لا جعل الخبر الصادر سابقاً كاذباً، ولذا ذكرنا في باب موانع الصلاة أنّ المبطل لها من الزيادة جعل الزائد بمفاد كان التامة لا جعل ما كان من الصلاة زايداً كما في العدول من سورة أو ذكر أو غيرهما إلى سورة أو ذكر أو غيرهما، حيث إنّه بعدوله يحصل وصف الزيادة للمعدول عنه، وهذا لا دليل على مانعيته.


203

والحاصل أنّ هذه الصورة أيضاً خارجة عن الوعد الذي هو قسم من الإنشاء فلا يجب الفعل فيها لو قيل باختصاص وجوب الوفاء بالوعد الذي هو من قسم الإنشاء. نعم لو انشأ العهد والالتزام بالفعل للغير كان العهد المزبور بانشائه واظهاره من حقيقة الوعد، ويمكن أن يقال بوجوب الوفاء به للآية والرواية. والمراد بالآية قوله سبحانه «كبر مقتاً عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون»(226) ولكن ظاهرها حرمة القول بلا عمل، لا وجوب العمل بالقول، فلا يجوز الوعد لمن لا يفى بوعده، لا أنّه بعد الوعد يجب الوفاء به، ولا يلتزم القائل بوجوب الوفاء بحرمة نفس الوعد مع عدم الوفاء، فالمراد بالآية صورة الاخبار عن فعله الاستقبالي، مع عدم قصد الفعل أو أمر الناس وترغيبهم إلى ما يفعله، من قبيل قوله سبحانه: «أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم»(227) وعلى تقدير دلالتها على ذلك فلا يختص الوجوب بالوعد الذي هو من قسم الإنشاء بل تعم الصورة الثانية من الاخبار.

وأمّا الروايات فظهورها في لزوم الوفاء بالوعد كالسند في بعضها تام إلاّ أنّه لابدّ من رفع اليد عنها، فانّ مثل الوعد ممّا يبتلي به عامة الناس، ولو كان وجوب الوفاء به ثابتاً لكان من الواضحات، والمتسالم عليه، مع أنّه المعروف عند العلماء عدم وجوب الوفاء به، ولذا عنوان الباب في الوسائل بالاستحباب، وفي حسنة هشام بن سالم قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن اخلف فبخلف اللّه بدء، ولمقته تعرض، وذلك قوله تعالى «يا أيّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند اللّه أن تقولوا ما لا تفعلون»(228) وظاهر تنزيل الوعد منزلة النذر وجوب الوفاء بالأول أيضاً، غاية الأمر أنّه ليس في مخالفتها كفارة (أي كفارة مخالفة النذر) وفي حسنة شعيب العقرقوفي عن أبي عبداللّه (ع)، قال قال رسول اللّه (ص): «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليف إذا وعد»(229) ثمّ إنّ ما ذكرنا من الأقسام في الوعد يجرى في الوعيد أيضاً، غير أنّه لا يستحب الوفاء به، بل لا يجوز في بعض الموارد.

ثمّ انّ ظاهر الخبرين الآخرين خصوصاً المرسلة حرمة الكذب حتى في الهزل[1].

[1] خلاصة الكلام في المقام أنّه لو كان الهازل قاصداً للحكاية وكان غرضه من تلك الحكاية اضحاك الناس، فكلامه كذب حقيقة، حيث إنّ الداعي لا دخل له في حرمته، وظاهر كذب الهزل في الخبرين أي في مرسلة سيف بن عميرة ورواية حارث الأعور(230) هو هذا. وأمّا إذا كان تكلمه بلا قصد الحكاية، بل من ترديد الفاظ لها صور ومعان في الأذهان، وكان غرضه من ترديدها اضحاكهم، فهذا غير داخل في الكذب، ولا يعمه ما ورد في كذب الهزل، حيث إنّه لا يكون اخباراً حتى يكون كذباً هزلاً أو جداً (وبعبارة أخرى) ذكر الكذب في الخبرين وفي النبوي الوارد في وصيته (ص) لأبي ذر قرينة على كون المراد من الهزل واضحاك الناس صورة الحكاية، وكذا الحال في الخبرين. نعم لا بأس بالالتزام بكراهة الهزل في غير صورة الحكاية، باعتبار أنّ المؤمن لا يشتغل بالهزل والباطل.


204

في التورية وحكمها

ثم انّه لا ينبغي الإشكال[1].

[1] إذا كان غرض المتكلم من ذكر الاستعارة اظهار ما في المستعار له من الوصف كالحسن والقبح وغيرهما من الخصوصيات والاعتبارات، بأن يكون غرضه حكايتها، كان صدق كلامه أو كذبه دائراً مدار تلك الخصوصيات أو عدمها، وكذا في المبالغة في الكلم والمقدار، بأن كان غرضه من ذكر العدد بيان القلة أو الكثرة دون خصوصية ذلك العدد، فصدق كلامه أو كذبه دائر مدار حصول تلك القلة أو الكثرة وعدمهما.

واعترض جامع المقاصد على قول العلاّمة[2].

[2] قال العلامة في القواعد في مسألة الوديعة (إذا طالبها ظالم بأنّه يجوز الحلف كاذباً، ويجب التورية على المعارف بها) انتهى. وظاهر ذلك وجوب التورية مع الحلف كاذباً على العارف بها. وهذا بظاهره التزام باجتماع الكذب والتورية، ولذا ذكر في جامع المقاصد عند شرح العبارة أنّ العبارة لا تخلو عن مناقشة، حيث تقتضي ثبوت الكذب مع التورية.

والحاصل أنّ المناقشة مبينة على عدم كون التورية كذباً كما هو الصحيح، فلا يعمها ما دلّ على حرمة الحذب، وذلك فانّ المتكلم لا يكون في مواردها قاصداً لحكاية أمر على خلاف الواقع، بل يكون قصده إلى ما هو حاصل في الواقع، ولكن السامع لا ينتقل إليه من كلامه، بل ينتقل إلى ما هو ظاهره، ويتخيل أنّه بصدد حكاية حصول ذلك الظاهر، ومن هنا أنّه لا يكون من التورية ما إذا أراد المتكلم ظاهر كلامه، وكان ذلك الظاهر مطابقاً للواقع، ولكن لم يفهم السامع الظاهر، وتخيل أمراً آخر لا يطابق الخارج، كما إذا قال للسائل: ليس عندي مال، وفهم السائل أنّه فقير لا يملك مالاً. ووجه عدم كون ذلك تورية أنّه يعتبر في التورية كون المراد المتكلم خلاف ظاهر الكلام، وما ربّما يقال من ان مناط حرمة الكذب وهو اغراء السامع موجود في التورية أيضاً ـ لا يمكن المساعدة عليه، فانّه لم يعلم أنّ تمام ملاك حرمته هو الاغراء. نعم لو انطبق على التورية عنوان محرم آخر كعنوان غش المؤمن في المعاملة ونحوها تكون محرمة بذلك العنوان.


205

ويدلّ على سلب الكذب عن التورية[1].

[1] وربّما يورد على ما ورد في قضية إبراهيم على نبيّنا وعلى آله وعليه السلام أنّ التعليق المزبور لا يخرجه إلى التورية حتى يكون صادقاً، حيث إنّ قوله (بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون»(231) جملة شرطية يكون الصدق والكذب فيها دائرين مدار ترتب الجزاء على الشرط لا على حصول الطرفين خارجاً أو عدمه، والترتب في الكلام المزبور مفقود، فانّه لو كان الأوثان تنطق فرضاً، لما كان أيضاً الكسر مستنداً إلى كبيرهم، فالقضية الشرطية غير صادقة.

وأجاب عن ذلك السيد الخوئي طال بقاه بأنّ الشرط في القضية قيد للحكاية لا لاستناد الكسر إلى كبيرهم، والمفهوم أنّه حكايتي عن استناد الكسر إلى كبيرهم معلقة تكلم الأوثان. والمفهوم أنّه على تقدير عدم تكلمهم لا حكاية لي عن استناد الكسر إليهم حتى تتصف بالصدق أو الكذب. وفيه ما لا يخفى، فانّ مفاد القضية الشرطية ترتب مضمون الجزاء على حصول مضمون الشرط، وكما أنّ حصول النهار ـ في قولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ـ بنفسه معلق على طلوع الشمس لا أنّ حكاية وجودها معلق على طلوعها، بأن لا يكون للمتكلم حكاية على تقدير عدم طلوعها، كذلك في المقام نفس استناد الكسر إلى كبيرهم معلق على تكلم الأوثان.


206

في حقيقة الكذب

هذا أولاً و (ثانياً) أنّه لا يخرج الكلام المزبور عن الكذب بارجاع الشرط إلى الادعاء والحكاية، حيث إنّ مقتضى التعليق المزبور أنّه على تقدير تكلم الأوثان فرضاً، فالكسر منتسب إلى كبيرهم، مع أنّه على تقدير النطق أيضاً لم يكن في البين ذلك الانتساب. و(ثالثاً) أنّه قد ورد ما يظهر منه أنّ نفي الكذب عن قول إبراهيم ويوسف على نبيّنا وآله وعليهما السلام من قبيل الحكومة والادعاء. والمراد نفي حرمته حيث وقع في مقام الاصلاح والهداية، فيكون من قبيل نفي الربا بين الوالد والولد، فراجع روايتي الحسن الصيقل وعطا(232).

والظاهر أنّه على تقدير صحة رواية الاحتجاج وصدورها عن المعصوم (ع) يراد من الشرطية الشرطية الاتفاقية لا الحقيقية، ويكون الغرض من تلك الاتفاقية مجرد نفي المقدم لانتفاء التالي، ولهذه القضية الشرطية نظائر في العرف فلاحظها، مثلاً يقول أحد الفاسقين للآخر في مقام تذكية نفسه إنّي إنسان خير لا مورد في، للقدح، ويقول ذلك الآخر إن كنت عادلاً فأنا معصوم، فإنّه ليس غرضه اثبات العصمة لنفسه حتى على تقدير كون المادح عادلاً، بل غرضه نفى عدالته بنفى عصمة نفسه. وقد يقال: إنّ التورية كذب، حيث إنّ العبرة في كون الكلام كذباً بظهوره لا بمراد المتكلم. وفيه أنّ الصدق والكذب من أوصاف الأخبار والحكاية، ولا قوام للحكاية إلاّ بالقصد، كما هو الحال في جميع الأُمور الإنشائية والقصدية. نعم يكون ظاهر الكلام عند الجهل بمراد المتكلم طريقاً إليه، فينسب السامع إلى المتكلم الكذب بهذا اللحاظ، حيث يرى مراده المكشوف بأصالة الظهور غير مطابق للواقع، فيقول إنّه قد كذب، كما قد يقال إنّ الكذب عبارة عن عدم مطابقة المراد لاعتقاد المتكلم، والصدق مطابقته له، كما نسب ذلك إلى النظام ومال إليه بعض الأعاظم.


207

ويستدلّ على ذلك بمثل قوله سبحانه: «إذا جائك المنافقون قالوا نشهد أنّك لرسول اللّه واللّه يعلم أنّك لرسوله واللّه يشهد أنّ المنافقين لكاذبون»(233) حيث لو كانت العبرة في الصدق والكذب مطابقة مضمون الكلام للخارج وعدمها، لما كان ما قال المنافقون كذباً، وبأنّه لا ينسب الكذب إلى مثل ما يذكره الفقيه في رسالته العملية من الأحكام حتى فيما إذا كان المذكور فيها اشتباهاً ومخالفاً للأحكام الواقعية. فلا يقال إنّ اخباراته كذب، وأنّه قد كذب، بل يقال إنّه أخطأ واشتبه، وذلك باعتبار أنّ ما يذكره فيها مطابق لما يعتقده إلى غير ذلك ولكن لا يخفى ما فيه حيث إنّ الشهادة اظهار للعلم بالشيء والافتاء عبارة عن اظهار نظره واجتهاده في الواقعة، فقول القائل اشهد بذلك هو بمنزلة قوله ان لي علماً ويقيناً به، فيكون الخارج الذي يقاس إليه مطابقة المراد وعدمها هو الاعتقاد والعلم فمع تطابقهما يكون كلامه صادقاً وفي عدمه كاذباً، وكذا قول المفتي بأنّ الواقعة الفلانية حكمها كذا، اظهار لفتواه ونظره في تلك الواقعة، ويكون خبره صادقاً مع كون خبره مطابقاً لنظره واجتهاده، حتى فيما إذا اشتبه وأدى إلى خلاف الحكم الواقعي وهكذا وهكذا.

بقى في المقام أمر، وهو أنّ الواقع إذا كان من الأُمور الراجعة إلى الدين اعتقادياً أو عملياً، فالاخبار به من غير علم محرم كما يستفاد ذلك من قوله سبحانه «اللّه أذن لكم أم على اللّه تفترون»(234) وبعبارة أخرى لا ينحصر المحرم بما كان الاخبار به على خلاف الواقع، بل يعم إسناد شيء إلى اللّه سبحانه من غير حجة على انتسابه إليه تعالى بل إذا أظهر نظره في حكم الواقعة من غير حجة عليه يكون اظهاره افتاء من غير علم فهو في نفسه محرم حتى فيما إذا أصاب الواقع اتفاقاً. ويدلّ عليه غير واحد من الروايات: (منها) ـ صحيحة أبي عبيدة قال قال أبو جعفر (ع): «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللّه لعنته ملائكته الرحمة والعذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه»(235) ونحوها غيرها وأمّا إذا كان الواقع من غير تلك الأُمور فالأخبار به مع الشك، من الشبة المصداقية للكذب، لما تقدم من أنّ الميزان في اتصاف الخبر بالكذب مخالفة مضمونة للواقع، لا مجرد عدم العلم بمطابقته له. ولا يمكن الحكم بحرمة الاخبار مع الشك واستظهارها ممّا ورد في حرمة الافتراء على اللّه ورسوله، فان حرمة الثاني لا تلازم حرمة الأول، ولكن مع ذلك لا تصل النوبة عند الشك إلى أصالة الحلية، لدلالة بعض الروايات على حرمته، كرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن آبائه في حديث قال: «ليس لك أن تتكلم بما شئت، لأنّ اللّه عزّ وجل يقول: «لا تقف ما ليس لك به علم»»(236) فانّ ظاهرها عدم جواز الاخبار بشيء مع عدم العلم به، ولا يبعد اعتبارها سنداً. وفي صحيحة هشام بن سالم، قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع): ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: أن يقولوا ما يعلمون ويكفوا عما لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك أدّوا إلى اللّه حقّه»(237) وظاهرها أيضاً لزوم كف الإنسان عما ليس له به علم، بل لو لم تكن في البين مثل الروايتين لكان مقتضى استصحاب عدم حدوث الشيء عدم جواز الاخبار بحدوثه.


208

مجوزات الكذب

(لو قيل): على ذلك فيجوز مع الشك في الحدوث الاخبار بعدم حدوثه أخذاً بالاستصحاب المزبور (قلنا) ـ نعم ولذا ذكروا في بحث تعارض البينة على طهارة شيء مع اخبار ذي اليد بنجاسته، تقديم البينة على أخباره، إلاّ إذا كانت البينة مستندة إلى الأصل، ثمّ إنّ باستصحاب عدم حدوثه ينحل العلم الاجمالي بحرمة الاخبار إمّا عن ثبوته أو عن عدمه، لما تقرر في محله من أنّ جريان الاصلين المثبت والنافي في طرفي العلم يوجب انحلاله، فلا يكون بالاخبار عن النفي بأس.

أحدهما الضرورة إليه[1].

[1] لا ينبغي الريب في كون الكذب كسائر المحرمات في ارتفاع حرمته بالاكراه والاضطرار، كما هو مقتضى حديث رفع الاكراه والاضطرار، وقوله (ع) ما من شيء إلاّ وقد أحله اللّه لمن اضطر إليه. وذكر المصنف «ره» في جوازه للضرورة قوله سبحانه «إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالايمان»(238) فإنّ مقتضاه عدم البأس بانكار الحق واظهار خلافه عند الاكراه ولكن دلالة الآية على ارتفاع حرمة الكذب عند الاكراه بالفحوى فإنّ عدم جواز الإنكار في موردها باعتبار حرمة الشهادة بالكفر ووجوب الإقرار والشهادة باللّه ورسوله لا باعتبار حرمة الكذب وبهذا يظهر الحال في قوله سبحانه «لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء»(239) فانّ عدم جواز أخذ الكافر ولياً ليس من حرمة الكذب، بل هو محرم آخر يرتفع حرمته بالإكراه.


209

الكذب لدفع الضرر

ثمّ إنّه وإن اعتبر في تحقق الاضطرار إلى الكذب عدم التمكن من التورية، فانّ الاضطرار إلى الجامع بين الكذب والتورية من قبيل الاضطرار إلى شرب أحد ما يعين لرفع عطشه المهلك، وأحدهما متنجس والآخر طاهر في أنّ الاضطرار إلى الجامع ـ باعتبار إمكان ايجاده في ضمن فرده الحلال ـ لا يكون من الاضطرار إلى الحرام، إلاّ أنّه في المقام روايات يستفاد منها عدم اعتبار العجز عن التورية في جواز الكذب.

(منها) ـ صحيحة اسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن (ع) (عن رجل يخاف على ماله من السلطان، فيحلف لينجو به منه، قال: لا جناح عليه، وسألته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله؟ قال: نعم»(240) وموثقة زرارة قال قلت لأبي جعفر (ع): «نمر بالمال على العشار، فيطلبون منّا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا، ولا يرضون منّا إلاّ بذلك؟ قال: فاحلف لهم فإنّه أحل من التمر والزبد»(241) فإنّه وإن لم يذكر كذب الحلف فيهما، إلاّ أنّه المراد، فانّ السؤال عن جواز الحلف صادقاً لدفع الضرر بعيد، خصوصاً بقرينة الجواب بأنّه أحل من التمر والزبد، وفي رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي (ع)، قال قال رسول اللّه (ص): «احلف باللّه كاذباً ونج أخاك من القتل»(242) إلى غير ذلك.

ومقتضى اطلاق مثل هذه عدم الفرق في جواز الحلف لدفع الضرر، بين التمكن من التورية وعدمه، وفي مقابل ذلك رواية سماعة عن أبي عبداللّه (ع) قال: «إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو أكره أو اضطر إليه، وليس شيء ممّا حرم اللّه إلاّ وقد أحله لمن اضطر إليه»(243) فإنّ مقتضى مفهومها عدم جواز الكذب مع عدم الاضطرار والاكراه، كان في البين دفع ضرر أو لا، والنسبة ـ بينهما وبين الروايات المجوزة للكذب لدفع الضرر ـ العموم من وجه، فانّه يشمل مفهوم هذه ما إذا لم يكن في الكذب دفع الضرر، كما تشمل تلك الروايات ما إذا كان دفع الضرر منحصراً بالكذب كما في فرض الغفلة عن التورية، ويجتمعان فيما إذا لم ينحصر دفع الضرر بالكذب كما في فرض التمكن من التورية، فانّ مقتضى المفهوم عدم جوازه لعدم الاضطرار إليه، ومقتضى تلك الروايات جوازه وبما انّ دلالة كل منهما بالاطلاق فيسقط الاطلاق من الجانبين، ويرجع إلى اطلاق دليل حرمة الكذب.


210

(لا يقال) لا وجه لسقوط الاطلاق منهما فيما إذا كانت في البين قرينة على دخول مورد الاجتماع في مدلول أحدهما، فانّ لزوم حمل الروايات المجوزة على الصورة النادرة وهي عدم التمكن من التورية قرينة على التحفظ باطلاقها، (فانّه يقال) لا يكون عدم التمكن من التورية ولو باعتبار غفلة المتكلم عنها نادراً. اللّهمّ إلاّ يقال: إنّ مفهوم رواية سماعة اخص مطلق بالاضافة إلى الروايات المتقدمة، فانّ قوله (ع) فيها (إذا حلف الرجل تقية) لا يعم غير موارد دفع الضرر، فيكون تعليق جواز الكذب فيه على الاضطرار بالقضية الشرطية ظاهراً في عدم جواز دفعه به، مع عدم الاضطرار، ويقيد به اطلاق الروايات السابقة، ولعله لذلك أمر المصنف «ره» بالتأمّل، ولكن الأظهر عدم اعتبار العجز عن التورية في جواز الكذب، فانّ بعض روايات الحلف كاذباً قد وردت في دفع الضرر المالي عن الغير، كما في صحيحة اسماعيل المتقدمة، ومثل هذه لا تكون من مورد الاضطرار، لأنّ دفع هذا الضرر عن الغير لا يكون واجباً ليتحقق عنوان الاضطرار إليه. ومقتضى اطلاق الصحيحة جواز هذا الحلف مع التمكن من التورية وعدمه، وبهذا يرفع اليد عن اطلاق مفهوم رواية سماعة، فيقال: لا يجوز الكذب من غير اضطرار إلاّ الكذب لدفع الضرر المالي عن الغير، فانّه جائز مع التمكن من التورية وعدمه، وإذا جاز الكذب لدفع الضرر المالي عن الغير مع التمكن منها جاز لدفع الضرر عن نفسه أيضاً، لعدم احتمال الفرق في الجواز وعدمه بين دفع الضرر عن نفسه وغيره.

هذا مع أنّ رواية سماعة ضعيفة سنداً لا يمكن الاعتقاد عليها. وذكر الايرواني «ره» في وجه جواز الكذب لدفع الضرر مع التمكن من التورية وعدم انّ الكذب عبارة عن التلفظ بالفاظ والقصد إلى معنى منها لا يطابق الواقع والاكراه على الكل كما يكون رافعاً لحرمة الكل كذلك الاكراه على الجزء يكون رافعاً لحرمته التبعية، وبما أنّ الألفاظ المزبورة جزء من الكذب بل عمدته، وباعتباره الاكراه أو الاضطرار إليها ترفع حرمتها التبعية فيجوز قصد المعنى منها لأنّ مجرد قصد المعنى بدون التلفظ ليس بحرام، والتلفظ في الفرض باعتبار ارتفاع حرمته كالعدم، فيكون الفرض كما إذا كان في البين القصد المجرد.

ولكن لا يخفى ما فيه، فأنّ مجرد التلفظ بالألفاظ لا يكون محرماً ولو تبعاً حتى ترتفع حرمته بالاكراه أو الاضطرار، كما هو حال الجزء في سائر الموضوعات المحرمة المركبة وإنّما يكون الجزء حراماً ضمناً مع حصول الكل، فتكون الألفاظ محرمة في خصوص فرض قصد معنى منها لا يطابق ذلك المعنى الواقع، ومع التمكن من التورية يكون الاضطرار أو الاكراه على الجامع بين الحلال والحرام، فيعود الكلام السابق.

ثم انّ أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب[1].

[1] هذا اشكال على أكثر الأصحاب المعتبرين في جواز الكذب العجز عن التورية. وحاصله أنّهم فرقوا بين الكذب في الحلف والخبر، وبين المعاملات وسائر الأقوال المحرمة كالسب والتبري، حيث اعتبروا العجز عن التورية في جواز الأول دون الثاني، فانّه لا تصح المعاملات المكره عليها، ولا يكون السب أو التبري محرماً مع الاكراه حتى مع التمكن من التورية، فيقال عليهم بأنّ المكره بالفتح على البيع مثلاً مكره على التلفظ لا على إرادته، فإذا أراده مع تمكنه على التورية يكون البيع باختياره ورضاه، فاللازم الحكم بصحته ودافع عنهم المصنف «ره» بأنّ المجوز للكذب في الحلف أو في الاخبار طرو عنوان الاضطرار، وتحقق هذا العنوان موقوف على العجز عن التورية، بخلاف المعاملات وسائر الأقوال، فأنّ الطاري عليها عنوان الاكراه، ولا يعتبر في تحققه العجز عنها، كما إذا أمره الجائر ببيع ماله أو بالتبري عن دينه فباع أو تبرء للتخلص من وعيده، يكون فعله مكرها عليه ومحكوماً في الأول بالفساد وفي الثاني بالجواز.


211

(أقول) لازم ما ذكره «ره» الحكم بجواز شرب الخمر فيما إذا أمر به الجائر مع تمكنه على التفصي من شربها بالتورية، ولو بشرب مايع يوهم الجائر أنّه خمر ولا احتمل الالتزام بذلك منه «ره» أو من غيره. والصحيح عدم الفرق بين الاضطرار والاكراه في عدم تحقق عنوانهما، مع إمكان التفصي بالتورية أو بسائر المحللات، بلا فرق بين المعاملات وغيرها، وأنّه لا يرتفع بمجرد الاكراه، الرضا المعتبر في المعاملات، كما لا يرتفع ذلك الرضا في موارد الاضطرار، وأنّ الوجه في صحة المعامله مع الاضطرار إليها والحكم ببطلانها مع الاكراه عليها، هو أنّ الحكم بفسادها في مورد الاضطرار خلاف الامتنان، فلا يشملها حديث الرفع بخلاف مورد الاكراه، فأنّ الرفع فيه موافق له فيعمها حديث الرفع، وإذا أمره الجائر بالمعاملة وأمكن التفصي عنها بالتورية أو بغيرها، ومع ذلك أنشأ المعاملة بقصدها حكم بصحتها أخذاً باطلاق دليل نفوذها، ولا يكون في البين حكومة لحديث الرفع، وهذا بخلاف الحلف أو الاخبار كذباً، فانّه جائز في مورد دفع الضرر حتى مع امكان التورية أو امكان التفصي بغيرها، لما تقدم من دلالة الروايات الخاصة على هذا الجواز، ويترتب على ذلك أنّه لو أراد الذهاب إلى بلد يكون له طريقان، وعلم أنّه لو سلك الطريق الفلاني يتعرض له الجائر، فلابدّ في التخلص عن ضرره من الحلف كذباً دون ما إذا سلك الطريق الآخر، فلا يتعرض له، فانّه يجوز سلوك الطريق الأول والحلف له كذباً. وما في الكلام المصنف «ره» ـ من اعتبار العجز عن التفصي بغير التورية في جواز الكذب ـ لا يمكن المساعدة عليه.

ويستحبّ تحمّل الضرر المالي الذي لا يجحف[1].

[1] يطلق الضرر على النقص في المال أو العرض أو النفس، وعلى عدم النفع وظاهر الروايات المتقدمة وحديث رفع الاكراه جواز الكذب في مورد الضرر بالمعنى الأول دون الثاني، فانّه لا مقتضى لارتفاع حرمة الكذب فيه. والضرر في كلام مولانا أميرالمؤمنين (ع): (علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك) بالمعنى الثاني بقرينة مقابلته للنفع، مع أنّ الروايات المرخصة في دفع ضرر الغير بالكذب أخص مطلق بالاضافة إلى هذا الكلام الشامل لمطلق الضرر فيرفع اليد بها عن اطلاقه على تقدير تماميته.

نعم يمكن الاستدلال على استحباب تحمل الضرر المالي بما ورد في الحلف باللّه صادقاً من استحباب تحمل الضرر والاغماض عن الحلف، وإذا كان تحمله وترك الحلف الصادق مستحباً يكون تحمله والاغماض عن الحلف الكاذب كذلك بالأُولوية، إلاّ أن التعدي إلى مطلق الاخبار كذباً مشكل، لما يظهر من بعض الروايات من كون ملاك الاستحباب اجلال اللّه سبحانه بترك الحلف باسمه صادقاً أو كاذباً، وفي رواية الكسوني عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال رسول اللّه (ص): من أجل اللّه أن يحلف به أعطاه خيراً ممّا ذهب منه»(244) ونحوها غيرها.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ جواز الكذب لدفع الضرر مختص بما إذا كان الضرر من الظلم والتعدي عليه، ولا يجوز لمطلق كالضرر في المعاملة، فإذا توقف بيع ماله بلا خسارة على كذبه في رأس المال، فلا يجوز الكذب، لأنّ جوازه إمّا لرفع الاضطرار أو الاكراه، والمفروض انتفاؤهما، حيث إنّ الاضطرار يتوقف على وجوب دفع الضرر المزبور، والضرر المالي يجوز تحمله، وحديث لا ضرر لوروده مورد الامتنان لا يعم المقام، بل يختص بما إذا كان في رفع التكليف الضرري امتناناً، ولا امتنان في تجويز الكذب لمؤمن الموجب لاغراء المؤمن الآخر، بل لا يجوز التورية في مثل اخباره برأس المال باعتبار كونه غشا كما مرّ سابقاً.


212

ثم انّ الأقوال الصادرة عن أئمّتنا[1].

[1] (أقول) لا بأس بالحمل على الاستحباب لو كان الحمل عليه أخذاً بالظهور كما إذا أورد في رواية اغتسل الجمعة، وعلمنا أنّ غسل الجمعة غير واجب، ودار أمر الرواية بين الحمل على مثل التقية أو الاستحباب، فتحمل على الاستحباب، وذكرنا في الأُصول من أنّ خصوصية الاستحباب أو الوجوب غير داخلة في مدلول الصيغة، بل مدلولها البعث نحو الفعل وينتزع الوجوب من عدم ثبوت الترخيص في الترك، كما ينتزع الاستحباب من ثبوت ذلك الترخيص. وإذا انضم المستفاد من الصيغة أي البعث إلى الاغتسال إلى ما هو معلوم من الخارج من جواز تركه ثبت الاستحباب.

وأمّا إذا لم يكن الحمل على الاستحباب أخذاً بالظهور، كما إذا ورد في رواية انّ المذي ناقض، ودار أمرها بين أن يراد بالناقض فيها ما هو ظاهره من بطلان الوضوء بالمذي للتقية، وبين استحباب الوضوء بعد خروجه، فلا يكون مجرد الأسب بشأنهم قرينة عرفية على إرادة الاستحباب، ويترتّب على ذلك أنّه لا يتيسر لنا الحكم باستحباب الوضوء بعد خروج المذي بمجرد العلم بأنّ ظاهر الكلام المزبور غير مطابق للحكم الواقعي، مع أنّه إذا جاز الأخبار عن خلاف الواقع لرعاية التقية كما هو الفرض، فلا تكون ارادة مثل الاستحباب اليق بحالهم وما ورد في بعض الموارد لا يدلّ على الضابط لما يصدر عنهم (ع) في جميع موارد التقية، ولا يبعد أن يكون الأمر بالوضوء بعد خروج المذي من هذا القبيل، حيث إنّ ظاهر ذلك الأمر الإرشاد إلى ناقضية المذي، ومجرد العلم بعدم كونه ناقضاً لا يكون قرينة على حمل ذلك الأمر على الاستحباب.


213

الثاني من مسوغات الكذب إرادة الإصلاح[1].

[1] يدلّ عليه غير واحد من الروايات (منها) صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «المصلح ليس بكذاب»(245) ورواية المحاربي عن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي (ص)، قال: «ثلاثة يحسن فيهنّ الكذب، المكيدة من الحرب، وعدتك زوجتك، والاصلاح بين النّاس»(246) إلى غير ذلك. ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين التمكن من التورية وعدمه، فيكون هذا تخصيصاً آخر في أدلة حرمة الكذب على قرار تخصيص الكذب لدفع الضرر، وبعض الاخبار ـ ومنها رواية المحاربي ـ متضمنة لجواز الكذب في الوعد للزوجة أو الأهل، ولكنّها بحسب الظاهر ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد عليها في رفع اليد عن اطلاق دليل حرمة الكذب، بل عن السيد الخوئي (طال بقاه) عدم دلالة تلك الاخبار على جواز الكذب في الوعد الذي يكون من قبيل الاخبار، كالاخبار عن فعله الاستقبالي مع علمه بتركه في ذلك الزمان، وإنّما مدلولها ترك الوفاء بوعده الإنشائي يعني التعهد للعيال أو الزوجة بالفعل، وهذا لا يتصف بالصدق أو الكذب ليكون حراماً، ولا بأس بالتعهد وترك الوفاء به ما لم يكن في ضمن المعاملة. نعم لو قيل بوجوب الوفاء بالعهد الابتدائي يكون الوعد للزوجة أو العيال مستثنى. وفيه أنّ عد الوعد للأهل في الرواية من افراد الكذب قرينة على كون المراد به الوعد الاخباري، وحمل الكذب فيها على البناء على عدم الوفاء بالوعد الانشائي خلاف ظاهرها، خصوصاً بملاحظة أنّ جواز الخلف في الوعد الإنشائي الإبتدائي لا يختص بالوعد للزوجة أو الأهل كما تقدم.


214

الكهانة وحكمها

الكهانة حرام[1].

[1] يقع الكلام أولاً في حكم الكهافة وأخرى في اخبار الكاهن عن الحوادث وثالثة في رجوع الغير إلى الكاهن في الاطلاع على الحادثة. أمّا الكهانة فهو الاعتقاد بالحوادث في الكون المستقبلة منها والماضية بالقاء جن يكون تابعاً للكاهن أو اطلاع الكاهن عليها من مقدمات يكون الاستدلال بها على تلك الحوادث محتاجاً إلى فطنة النفس وزكائها كالانتقال إليها من كلام السائل أو حاله أو فعله. وقد يطلق على المطلع عليها من نحو هذه المقدمات اسم العراف، كما يطلق على التابع من الجن اسم الرأي بفتح الراء، وقد يكسر اتباعا للهمزة مأخوذ من الرأي أي النظر والاعتقاد، فيقال فلأنّ رأي القوم أي صاحب رأيهم.

ولعله يظهر واقع الكهانة وحقيقتها من رواية الطبرسي في الاحتجاج في جملة الأسئلة التي سئلها الزنديق أبا عبداللّه (ع)، قال الزنديق: «فمن أين أصل الكهانة؟ من أين يخبر الناس بما يحدث؟ قال (ع): إنّ الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأُمور بينهم، فيخبرهم بأشياء تحدث، وذلك من وجوه شتى فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس، وفطنة الروح، مع قذف في قلبه، لأنّ ما يحدث في الأرض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان ويؤديه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والأطراف. وأمّا اخبار السماء، فانّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع، إذ ذلك، وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم، وإنّما منعت من استراق السمع لئلاّ يقع في الأرض سيب تشاكل الوحي من خبر السماء، فيلبس على أهل الأرض ما جاءهم عن اللّه تعالى لاثبات الحجة ونفي الشبهة، وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث اللّه في خلقه، فيختطفها، ثمّ يهبط بها إلى الأرض، فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده، فيخلط الحق بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به هو ما أداه إليه شيطانه ممّا سمعه، وما أخطأ فيه فهو من الباطل ما زاد فيه، فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة، واليوم إنّما تؤدي الشياطين إلى كهانها اخبار الناس بما يتحدثون، والشياطين تؤدي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق، ومن قاتل قتل، وهم بمنزلة الناس صدوق وكذوب.


215

ذكر المصنف «ره» احتمالين في قوله مع قذف في قلبه: (الأول) ـ كونه قيداً لفطنة الروح، فيكون الحاصل أنّ المنشأ لخبر الكاهن عن الحوادث أمور شتى، (منها) ما يرجع إلى نفسه فقط، كفراسة عينه وذكاء قلبه ووسوسة نفسه، و(منها) ما يرجع إلى المجموع من فطنة روحه وقذف الشيطان في قلبه، ويساعد هذا الاحتمال ما عن النهاية من قوله وقد كان في العرب كهنة، فمنهم من كان يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ يلقي إليه الاخبار، ومنهم ومن كان يزعم أنّه يعرف الأُمور (الحوادث) بمقدمات وأسباب يستدلّ بها (بالمقدمات) على مواقعها (على موارد الحوادث ومواضعها) من كلام من سأله أو فعله أو حاله (بيان للمقدمات) فانّ ظاهر هذا الكلام امكان كون المنشأ في اخبار الكاهن الأمر الراجع إلى نفسه فقط.

(الاحتمال الثاني) كونه قيداً لجميع ما ذكر فيكون الحاصل أنّ منشأ اخبار الكاهن هو المجموع من الأمر الراجع إلى نفسه وقذف الشيطان، وجعل «ره» قوله ـ فيما بعد (فإذا قد زاد كلمات من عنده فيخلط الحق بالباطل) ـ قرينة على هذا الاحتمال، وكان هذا باعتبار أنّ المستفاد من قوله (فإذا قد زاد) أنّ الكاهن يزيد في خبره كلمات من عنده، فيكون الخطاء فيه باعتبار هذا الخلط.

ولكن لا يخفى أنّ ظاهر قوله: (فإذا قد زاد) ظاهره بيان وجه خطأ خبر الكاهن بالحوادث المستقبلة، وأنّ الخطأ فيه باعتبار ما زاده الكاهن من عنده، لا الكلمة التي القاها إليه شيطانه من خبر السماء، ولا يرجع إلى بيان وجه خطائه في مطلق اخباره حتى بالحوادث الماضية التي يمكن أن يكون منشأ خبره بها فراسة عينه أو ذكاء قلبه، ويكون اطلاق الكاهن عليه باعتبار أنّ الاخبار بتلك الحوادث فقط مرتبة من الكهانة في مقابل الكهانة الكامله المنتفية، بعد منع الشياطين عن استراق السمع، لأنّ وقوع الخطأ في اخباره بهذه الحوادث يمكن أن يكون لكذب الشياطين، فانّهم بمنزلة الناس منهم صدوق وكذوب.

وكيف كان فقد يذكر في المقام عدم الخلاف في حرمة الكهانة بمعنى تحصيل الاعتقاد أو الاطلاع على الحوادث بما تقدم، كما لا خلاف في حرمة الاخبار بها والرجوع فيها إلى الكاهن، وفي رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «من تكهن أو تكهن له فقد بري من دين محمد (ص)»(247) وفي سندها علي بن أبي حمزة البطائني وهو ضعيف، ومع ذلك لا دلالة لها على حرمة مجرد اخباره بالحوادث احتمالاً أو ظنّاً، مع عدم عنوان آخر معه، كاتهام مؤمن و نحوه وفي رواية ابن ادريس في مستطرفات السرائر نقلاً عن كتاب المشيخة للحسن ابن محبوب عن الهيثم، قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع): إنّ عندنا بالجزيرة رجلاً ربّما أخبر من يأتيه يسأله عن الشيء يسرق أو شبه ذلك، فقال قال رسول اللّه (ع): من مشى إلى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل اللّه من كتاب» وذكر المصنف «ره» ظاهر هذه الصحيحة حرمة الاخبار عن الغائبات بالجزم سواء كان بالكهانة أو بغيرها لدلالتها على أنّ المخبر بها ساحر أو كاهن أو كذاب والكل حرام.


216

وفيه أنّ الرواية ضعيفة لا صحيحة، فانّ رواة كتاب الحسن بن محبوب لابن ادريس مجهولون لنا، (ثانياً) إنّ ظاهرها حرمة تصديق قول الكاهن، والتصديق في الأمارات الموهومة أو المعتبرة ظاهره التصديق العملي أي ترتيب الأثر على قوله، كاتهام شخص بالسرقة أو بالقتل ونحوهما. وأمّا نفس اخبار الكاهن فلا دلالة للرواية على حكمه أصلاً.

والحاصل أنّه لا اعتبار باخبار الكاهن ولا يثبت به كون فلان سارقاً أو كون شيء ملكاً لفلان، أو غير ذلك ولا يجوز اتهام مؤمن به. وأمّا غير ذلك كالاخبار بحادثة ماضياً أو مستقبلاً فإن حصل الاعتماد بها جزماً أو ظناً فيصح الاخبار بها جزماً تقدم، من غير فرق بين كون المنشأ للاعتقاد الحدس أو الرمل أو الجفر أو غير ذلك. وما يظهر من المصنف «ره» ـ من حرمة النظر والتأمّل لاستظهار الحوادث في غير الرمل والجفر ـ كما ترى.

اللهو حرام[1].

[1] يظهر من جماعة حرمة اللهو مطلقا، ويستدل على ذلك بوجوه: (الأول) ايجاب التمام على من يكون سفره للصيد تنزهاً، وقد ذكر في بعض ما يدلّ عليه من الروايات (إنّما خرج في لهو لا يقصر) ولكن هذا الوجه غير تام، لعدم الملازمة بين وجوب التمام وحرمة السفر. وقد تقدم الكلام في ذلك سابقاً، وقلنا إنّه يظهر من بعض الاصحاب أنّ السفر للصيد تنزهاً وبطراً من أفراد السفر للمعصية، ولكنّه غير صحيح.

(الوجه الثاني) رواية الاعمش الواردة في الكبائر(248) فان من الوارد فيها الملاهي التي تصد عن ذكر اللّه عزّ وجلّ كالغناء وضرب الاوتار، وذكر الغناء مثالاً للملاهي قرينة على أنّها جمع الملهي مصدر ميمي أو الملهي وصف من باب الافعال، لا جمع الملهاة اسم الآلة فتكون ظاهرة في حرمة اللهو، وحملها ـ على جمع اسم الآلة وتقييد الغناء بكونه مقارناً باستعمال تلك الآلات حتى يصح مثالاً للجمع من اسم الآلة بلا قرينة ـ غير ممكن. نعم الرواية ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد عليها.

(الوجه الثالث) رواية العيون(249) حيث عد فيها من الكبائر الاشتغال بالملاهي وفيه أنّ ظاهر الملاهي بلا قرينة هو الجمع من اسم الآلة، والاشتغال بها عبارة عن اللهو بها، ولا شبهة في حرمة استعمال تلك الآلات. وإنّما الكلام في المقام في حرمة مطلق اللهو، هذا مع أنّ في سند الرواية ضعف كما تقدم سابقاً.


217

(الوجه الرابع) ما ورد في بعض روايات حرمة القمار من قوله كل ما الهى عن ذكر اللّه فهو الميسر) ولكن هذا العموم بظاهره لا يمكن الأخذ به، فان لازمه حرمة الاشتغال بالافعال التي لا يكون الانسان مع الاشتغال بها متذكراً للّه تعالى وحمله على غير ظاهره يحتاج إلى قرينة معينة، وكذا لا دلالة فيما ورد في أنّ لهو المؤمن من الباطل، فانّه لا ظهور للباطل في الحرمة.

والمتحصل أنّه ليس في البين ما يمكن الاعتماد عليه في تحريم مطلق اللهو نعم لا كلام في حرمة اللهو باستعمال الآلات المعدة له من ضرب الاوتار وغيرها. هذا بالاضافة إلى اللهو وأمّا اللعب فقد تقدم أنّه أيضاً باطلاقه غير محرم، بل المحرم اللعب بالآلات المعدة للقماء أو بغير تلك الآلات. ولكن مع الرهن. ولا يبعدان يعم اللعب مثل أفعال الاطفال الناشئة عن غير القوى الشهوية، بخلاف اللهو، فانّه يختص بالافعال التي يكون الداعي إليها تلك القوى، ولذا ذكر سبحانه في قوله «انّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال» اللعب أولاً واللهو ثانياً والزينة والتفاخر بالأموال والأولاد ثالثاً، ونظير اللهو اللغو، بل لا يبعد ترادفها، وأنّه لا حرمة فيه حتى يندرج في أحد العناوين المحرمة كالغناء والقمار ونحوهما كما لا يخفى.


218

حكم المدح لغير مستحقه

مدح من لا يستحقّ المدح[1].

[1] ذكر العلامة في المكاسب المحرمة مدح من لا يستحق المدح، وذكر المصنف «ره» في وجه حرمته حكم العقل بقبح المستكشف منه حرمته شرعاً بقاعدة الملازمة.

(أقول) لم يحرز حكم العقل بالقبح على مجرد المدح، كما لا دلالة على حرمته في آية النهي عن الركون إلى الظالم، لأنّ مجرد المدح ليس من الركون إليه، وإن كان يظهر ذلك من صاحب الوسائل «ره»، حيث أورد في باب حرمة مدح الظالم ما يكون متضمناً للآية، بل لو كان مجرد المدح ركوناً لكان محرماً ولو كان الجائر مستحقّاً له ببعض أعماله، وأما النبوي «من عظم صاحب الدنيا وأحبه طمعاً في دنياه سخط اللّه عليه وكان في درجته مع قارون في التابوت الأسفل من النار»(250) فضعيف سنداً وباطل مضمونا لجواز تعظيم المزبور وعدم كونه موجباً لعقاب فضلاً عن العقاب الوارد فيه. وامّا النبوي الآخر «من مدح سلطاناً جائراً وتخفف أو تضعضع له طمعاً فيه كان قرينة في النار»(251) فمدلوله حرمة التواضع والتخاذل للسلطان الجائر طمعأ فيه وأن كان مستحقاً للمدح ببعض اعماله وعلل حرمته باعتبار كون التواضع له ترويجاً له وتشييداً لسلطانه.

وكيف كان فلو انطبق على مدح من لا يستحق مدحاً عنوان محرم كعنوان الكذب، كما إذا سردله اشعاراً تتضمن مدايح على خلاف الواقع كان محرما وأخذ المال بها اكلا له بالباطل، وكذا فيما انطبق عليه عنوان ترويج الباطل ونحوه كما لا يخفى.


219

في حرمة معونة الظالم

ومعونة الظالمين على ظلمهم حرام[1].

[1] ذكر «ره» في المقام أموراً ثلاثة: (الأول) اعانة الظالم على ظلمه (الثاني) كون الشخص من اعوان الظلمة، وكل منهما محكوم بالحرمة، بل قيل إنّ اعانة الظالم على ظلمه من الكبائر، كما هو ظاهر رواية ورام بن أبي فراس، قال «قال (ع): من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم، فقد خرج عن الإسلام»(252) ولكن ضعفها بالارسال، وعدم دلالتها على خصوص الاعانة على الظلم، وشمولها لاعانة الظالم ـ ولو على فعله المباح ـ مانع على الاعتماد عليها نعم ورد كونها كبيرة في روايتي الاعمش والفضل بن شاذان الواردتين تعداد الكبائر(253) وفيهما أيضاً ضعف كما تقدم، ولكن حرمتها مسلمة وتدلّ عليها الروايات الكثيرة.

(منها) صحيحة عبداللّه بن سنان، قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول: من أعان ظالماً على مظلوم لميزل اللّه عليه ساخطاً حتى ينزع من معونة»(254) وقريب منها غيرها. وما ذكرناه ـ في مسألة بيع العنب ممّن يعلم أنّه يصنعه خمراً من عدم الحرمة لمجرد اعانة الغير على الحرام الصادر منه، بل المحرم هو التعاون على الحرام، بأن يجتمع اثنان أو أكثر على ايجاد الحرام بان، يصدر ذلك الحرام عن مجموعهم، بخلاف الاعانة التي لا يقصد المعين إلاّ عمله الذي يمكن للغير التوصل به إلى الحرام.

وبعبارة أخرى الحرام يصدر عن ذلك الغير، والصادر عن المعين مقدمة من مقدمات ذلك العمل ـ لا يجري في اعانة الغير على ظلمه، فانّ الاعانة هذه بنفسها محرمة كمن وضع سوطاً بين يدي ظالم يريد ضرب الآخر، وفي النبوي «ومن علق سوطاً بين يدي سلطان جائر جعلهه اللّه حية طولها سبعون الف ذراع فيسلطه اللّه عليه في نار جهنّم خالداً فيها مخلداً»(255) وكذا لا ينبغي الريب في حرمة كون الشخص من أعوان الظلمة على تفصيل يأتي في بحث الولاية من قبل الجائر.


220

(الأمر الثالث) اعانة الظالم على فعله المباح وقد يظهر من بعض الاخيار حرمتها، كرواية يونس بن يعقوب، قال: «قال لي أبو عبداللّه (ع) لا تعنهم على بناء مسجد»(256) وفي معتبرة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه (ع) قال: «إذ دخل عليه رجل فقال: جعلت فداك إنّه ربما أصاب الرجل منا الضيق أو الشدة، فيدعى إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك؟ قال: ما أحب انّي عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاءاً وأن لي ما بين لابيتها ولا مدة بقلم، إن اعوان الظلمة يوم القيمة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد»(257) ووجه اعتبارها سنداً أن بشيراً من مشايخ ابن أبي عمير، فيعمه التوثيق العام المذكور في عدة الشيخ «ره» والمسناة ما يبنى على وجه السيل ويقال له السد، والوكاء ما يشد به رأس القربة، فقوله ووكيت لهم وكاء، أي أشد لهم رباط القربة والواو ـ في قوله: (وان لي ما بين لابتيها) ـ حالية بمعنى أنّي لا أحب ما ذكر وإن كان لي في مقابله ما بين لابتي المدينة، واللابتين تثنية اللابة، وهي أرض ذات أحجار سود، وكأنّ المراد بهما الجبلان في ناحيتي المدينة. وقوله: (ولا مدة بقلم) أي لا أحب أخذ المداد بالقلم لهم مرة، والسرادق الخيمة.

والحاصل أنّ المذكور في الرواية من قبيل إعانة الظالم على الفعل المباح أو على ما يعمه. وفي معتبرة السكوني عن جعفر بن محمد بن آبائه، قال: «قال رسول اللّه (ص): إذا كان يوم القيمته فنادى مناد أين أعوان الظلمة، ومن لاق لهم دواتاً، أو ربط كيساً، أو مد لهم مدة قلم؟ فاحشروهم معهم»(258).

ورواية محمد بن عذافر عن أبيه قال: «قال أبو عبداللّه (ع): يا عذافر نبئت أنّك تعامل أبا أيوب والربيع، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟ قال: فوجم أبي، فقال أبو عبداللّه (ع) ـ لما رأى ما أصابه ـ: أي عذافر إنّما خوفتك بما خوفني اللّه عزّ وجل، قال محمد فقدم أبي، فما زال مغموماً مكروباً حتى مات».

ورواية صفوان بن مهران الجمال، ولا يبعد كونها موثقة، قال: «دخلت على أبي الحسن الأول (ع)، فقال لي: يا صفوان كل شيء منك حسن جميل ماخلا شيئاً واحداً، قلت جعلت فداك أي شيء؟ قال: اكراؤك جمالك من هذا الرجل، يعني هارون، فقال: واللّه ما اكريته أشرا ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو، ولكنّي اكريته لهذا الطريق، أي طريق مكة، ولا أتولاه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني، فقال لي: يا صفوان أيقع كرأوك عليهم؟ قلت: نعم جعلت فداك، قال فقال لي: أتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم، قال من أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم ورد النار“».

ولكن ظاهر هذه جواز المعاملة وإعانتهم على الفعل المباح، وذلك فانّه لو كانت معامة الجائر حراماً، لم يكن وجه لقوله (ع) أيقع كراؤك عليهم وأتحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك، بل كان المتعين أن يقول (ع): إنّ الاكراء منهم حرام حتى فيما إذا لم يكن للهو والبطر، وعدوله (ع) ـ عن ذلك إلى ما في الرواية ـ قرينة واضحة على أنّ وجه النهي عن المعاملة هو حب الشخص بقاءهم. ومن الظاهر أنّ هذا النحو من الحب ـ الذي هو في الحقيقة حب لاستيفاء حقه منه ـ لا يكون محرماً، خصوصاً فيما إذا علم أنّه على تقدير ذهاب هذا الظالم يخلفه ظاهر آخر مثله أو أخبث منه وكيف كان فالمستفاد من الرواية كون التجنب عن الجائر اولى.


221

(لا يقال) ينافيه قوله (ع): «ومن أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم فقد ورد النار» حيث إنّ مقتضاه كون هذا القسم من الحب أيضاً محرماً (فانّه يقال) ذكر ذلك في الرواية باعتبار إمكان كون الحب المفروض فيها منشاءاً للحب الذي يسلك الشخص به في عداد الجائرين، فيدخل النار. ومثل ذلك ما في معتبرة ابن أبي يعفور، حيث إنّ التعبير فيها بقوله (ع): «ما احب» لا دلالة فيه على الحرمة، وما فى ذيلها ـ من أنّ أعوان الظلمة يوم القيمة في سرادق من النار ـ لا يصلح أن يكون قرينة على الحرمة، لأنّ الشخص لا يدخل بالمفروض في الرواية في عنوان اعوان الظلمة، فيكون ذكره باعتبار أنّه ربّما يترتب ـ على التقرب إلى أبوابهم بمثل ما ذكر من الأعمال ـ الدخول في ذلك العنوان الموجب لاستحقاق النار. وما في معتبرة السكوني: «إذا كان يوم القيمة نادى مناد أين اعوان الظلمة ومن لاق لهم دواتأ أو ربط كيساً» محمول بقرينة رواية صفوان وغيرها على كون ربط الكيس ونحوه من إعانتهم على الظلم، كما إذا كان ما في الكيس من أموال الجور: ويحمل مثل رواية يونس بن يعقوب الوارد فيها النهي عن اعانتهم على بناء المسجد على صورة ترويج أمرهم وتشييد سلطانهم، فلا يمكن التعدي إلى مثل بيع الطعام منه لسد جوعه وجوع عياله، فان جواز مثل هذه المعاملة والاعانة لعله من الضروريات.

النَّجْش بالنون المفتوحة[1].

[1] النجش ـ بفتح النون وسكون الجيم أو فتحها أيضاً ـ هي الزيادة في ثمن المتاع ممّن لا يريد شراءه لغرض ايهام السامع المريد لشرائه حتى يزيد بزيادته، كان ذلك بالمواطاة مع البايع أو بدونها. وذكر المصنف «ره» أنّ حرمته مقتضى حكم العقل والنقل، فانّه قد ورد النهي عنه بقوله (ص): «ولا تناجشوا» كما ورد اللعن في النبوي الآخر على الناجس والمنجوش له. واستقلال العقل بقبحه باعتبار كونه غشا وتلبيساً واضراراً. فتتم حرمته بالملازمة.

وفيه أنّه لا دليل على حرمة مجرد التلبيس ما لم يكن غشا في المعاملة أو كذباً. وأمّا الاضرار فلا يكون إلاّ بشراء المشتري لا بفعل الناجش. نعم فعله يوجب غفلة المشتري عن قيمة المبيع، فيوقع نفسه في الضرر بشرائه، فيكون فعله غشاً، وتختص حرمته بما إذا كان المشتري مسلماً. وبذلك يظهر أنّه لا مجال لدعوى الاجماع، فانّه على تقديره يمكن أن يكون مدركه ما دلّ على حرمة الغش، لا النبوي، كي يدعي أنّه جابر لضعفه، هذا مع أنّ النبوي مختص بصورة المواطاة بقرينة اللعن فيه على المنجوش له، حيث إنّه لا موجب له إلاّ مواطاته مع الناجش.

ثمّ إنّ حرمة النجش حتى في صورة المواطاة لا توجب بطلان المعاملة، لعدم اقتضاء النهي عن المعاملة تكليفاً فسادها، وكذا الحال في مدح السلعة كذباً أو لا يقاع الغير في الضرر من جهة الغش، فان هذا وإن كان محرماً، الا أنّه لا يوجب بطلان المعاملة وأمّا إذا كان المدح صدقاً فلا وجه لحرمته، خصوصاً فيما إذا لم تكن في البين مواطاة، بل لو اغمض عن سند النبوي، فشمول معنى النجش لذلك غير محرز كما لا يخفى.


222

النميمة وحرمتها

النميمة محرّمة بالأدلّة الأربعة[1].

[1] ذكر «ره» أنّ النميمة من الكبائر، كما هو مقتضى ورود اللعن والوعيد عليه بالعذاب في الكتاب المجيد، قال عزّ من قائل: «ويقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار»(259). والنمام قاطع لما أمر اللّه به أن يوصل من تأليف قلوب المؤمنين وبسط المحبة فيما بينهم. وفيه أنّ ظاهر أمر اللّه بصلته وجوبها. ومن الظاهر عدم وجوب الصلة مطلقا، فلا دلالة للآية على حرمة النميمة في غير مورد الصلة الواجبة.

وبعبارة أخرى غاية ما يستفاد من الآية حرمة النميمة بين شخصين أو أشخاص يكون كل منهما أو منهم مكلفاً بالصلة مع الآخر أو الآخرين، بل يمكن أن يقال: ظاهر الآية حرمة قطع الصلة بأن يترك الصلة مع ذي رحمه، ولا نظر لها إلى النميمة أصلاً، كما أنّ مجرد النميمة لا تكون فساداً في الأرض، كما إذا أوقع الخلاف بين المتحابين من غير أن يترتب على التفرقة بينهما فساد آخر، فان هذا الايقاع نميمة، ولكن لا يصدق عليه أنّه فساد في الارض، وكذا الحال في الآية الثانية، فان ظاهرها ـ بملاحظة صدرها ـ ايقاع الفتنة بين المؤمنين وتفريق صفوفهم في مقاب الكفار، فان هذا أكبر من قتل المؤمن. ولا يترتب ذلك على كل نميمة حتى تقتضي حرمتها مطلقا، قال عزّ من قائل: «يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل اللّه وكفر به والمسجد الحرام واخراج أهله منه أكبر عند اللّه والفتنة أكبر من القتل»(260).

وبتعبير ثالث لا يكون مطلق ايقاع الخلاف بين اثنين أكبر من قتل المؤمن والتعبير بأنّها أكبر من القتل قرينة واضحة على أنّ المراد بها الفتنة الخاصة، وهي ايقاع الخلاف والتشتت في صفوف المسلمين، بداعي تضعيفهم في مقابل الكفار.

ويستدل أيضاً على حرمتها بقوله سبحانه: «هما زمشاء بنميم»(261) وعن السيد الخوئي طال بقاه أنّ مدلولها حرمة المبالغة ولا بدونها، بل هي واردة في بيان حكم آخر، وهو عدم جواز الاتباع والطاعة للحلاف الهماز المشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم.


223

نعم لا ينبغي الريب في حرمتها مطلقا ويكفي في اثباتها الروايات: كصحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن (ع)، قال: «حرمت الجنة على ثلاثة مدمن خمر، والنمام، والديوث وهو الفاجر»(262) وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع)، قال: «الجنة محرمة على القتاتين المشائين بالنميمة»(263).

وقيل إنّ حد النميمة[1].

[1] لا عبرة في صدق النميمة بكراهة الكشف، بل المعيار في صدقه نقل ما يكون وقيعة بين المنقول عنه والمنقول إليه.


224

في النياحة وأخذ الاجرة عليها

النوح بالباطل[2].

[2] لا ينبغي الريب في جواز النياحة على الميت ما لم تكن باطلة أي مدحاً كذباً، فانّها مع كونها مقتضى الأصل فيجوز أخذ الأجرة عليها، نظير سائر الأعمال المحللة، يدلّ عليه ما ورد في جواز أخذ الأجرة عليها، وفي صحيحة أبي بصير، قال: «قال أبو عبداللّه (ع): لا بأس بأجر النائجة التي تنوح على الميت»(264) والمراد النياحة التي لا تكون كذباً فانّه لا يحتمل جوام الكذب تكليفاً، وجواز أخذ الأجرة عليه وضعاً، بل مرسلة الصدوق قال: «قال (ع): لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقاً»(265) وهذه لضعف سندها تصلح للتأييد. وفي خبر عذافر قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع)، وسئل عن كسب النائحة؟ فقال: تستحله بضرب احدى يديه على الأخرى»(266) وظاهرها عدم جواز أخذ الأجرة على نفس النياحة، بل تكون الأجرة بازاء عملها أي ضرب احدي يديه بالأخرى عند نياحتها وهذا لضعف سنده غير صالح لمعارضة صحيحة أبي بصير.

وفي صحيحة حنان بن سدير، قال «كانت امرأة معنا في الحي، ولها جارية نائحة، فجاءت إلى أبي، فقالت: يا عم أنت تعلم أنّ معيشتي من اللّه، ثم من هذه الجارية، فأحب أن تسأل أبا عبداللّه (ع) عن ذلك، فان كان حلالاً، وإلاّ بعتها وأكلت من ثمنها، حتى يأتي اللّه بالفرج، فقال لها أبي: واللّه أني لاعظم أبا عبداللّه (ع): تشارط؟ فقلت: واللّه ما أدري تشارط أم لا؟ قال: قل لها لا تشارط وتقبل ما أعطيت(267) وهذه الصحيحة في نفسها ظاهرة في كراهة المقاطعة، فانّه مع كون النياحة مباحة، فلا بأس بالمشارطة، ولا أقل من حملها عليها جمعاً بينها وبين صحيحة أبي بصير المتقدمة.

والحاصل أنّه لا ينبغي التأمل في جواز النياحة وأخذ الأجرة عليها، وفي صحيحة يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه (ع)، قال: قال لي أبي يا جعفر أوقف لي من مالى كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى»(268).


225

التولي عن الجائر

الولاية من الجائر[2].

[2] التصدي للعمل من قبل الجائر حرام بلا خلاف ظاهر. ويستدل عليه بقوله سبحانه: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا»(269) ولكن لا يخفى أنّ التولي من قبيل ركون الظالم إليه، لا من ركونه إلى الظالم. نعم مقتضى غير واحد من الروايات عدم جوازه. وفي معتبرة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه (ع): «ان اعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من النار حتى يحكم اللّه بين العباد»(270).

وموثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه، قال: «قال رسول اللّه: إذا كان يوم القيمة نادى مناد أين اعوان الظلمة، ومن لاق لهم دواتاً أو ربط كيساً أو مد لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم»(271) وفي موثقة الأخرى إياكم وأبواب السلطان. وحواشيها، فان أقربكم من أبواب السلطان وحواشيها أبعدكم من اللّه عزّ وجل، ومن آثر السلطان على اللّه أذهب اللّه عنه الورع وجعله حيرانا»(272) وفي رواية الكاهلي عن أبي عبداللّه (ع) «من سوداسمة في ديوان ولد سابع، حشره اللّه يوم القيمة خنزيراً»(273) إلى غير ذلك.

وفي مقابلها ما يظهر منه أنّ حرمته من جهة الحرام الخارجي، وأنّه لا بأس به ما لم يكن منه التصدي لعمل محرم أو ارتكاب حرام آخر أثناء كونه عاملاً للجائر، كرواية داود الزربي، قال: «أخبرني مولى لعلي بن الحسين (ع)، قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبداللّه (ع) الحيرة، فأتيته فقلت جعلت فداك: لو كلمت داود بن علي أو بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت أفعل ـ إلى أن قال ـ: جعلت فداك ظننت أنّك انّما كرهت ذلك مخافة ان أجور أو أظلم، وأن كل امرأة لي طالق، وكل مملوك لي حر وعلى وعلى إن ظلمت أحداً أو جرت عليه، وأن أعدل، قال: كيف قلت: فاعدت عليه الايمان، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: تناول السماء أيسر عليك من ذلك«(274) بناء على أنّ ذلك اشارة إلى ما تعهد به السائل من عدم ظلمه أحداً بل استمراره على العدل، فتكون الرواية ظاهرة في جواز التولي لولا محذور الجوز على الناس أو نحوه من سائر المحاذير.


226

ولكن الرواية ضعيفة سنداً وإن وصفها المصنف «ره» بالصحة، ووجه ضعفها أن داود بن زربي وإن كان من مشايخ ابن أبي عمير، إلاّ أنّ الراوي له ـ هو مولى علي بن الحسين ـ مجهول. وإحتمال رجوع اسم الاشارة إلى ترخيص الإمام (ع) وتكلمه في دخوله في بعض الولايات ـ لئلاّ تكون لها دلالة على جواز الدخول لولا ارتكاب المحرمات ـ ضعيف. ووجه ضعفه عدم مناسبة ذلك لقوله (ع) كيف قلت؟ ولا لاعادته الايمان المغلطة.

وذكر الايرواني «ره» انّه لا دلالة في الرواية على جواز الدخول في ولايتهم، بل ولا اشعار حتى بناء على رجوع لفظ ذلك إلى ترك الظلم والعدل، لأنّ السائل كان من العامة كما هو مقتضى حلفه بالطلاق والعتاق. وعليه فلا يمكن للامام (ع) التصريح ببطلان حكومتهم، وحرمة كون الشخص معيناً. ولهذه الجهة عبر عن عدم الجواز بذلك التعبير.

وفيه أنّ حمل الكلام على رعاية التقية خلاف الأصل، والحلف بالطلاق والعتاق لا تكون قرينة على ذلك، كما يظهر ذلك لمن راجع الروايات الواردة في ذلك الحلف، حيث يظهر منها أنّ بطلانه لم يكن في ذلك الزمان ظاهراً كظهوره في زماننا.

والحاصل أنّ مجرد الحلف في ذلك الزمان لم يكن قرينة على كون الحالف عامياً. وصحيحة أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر (ع) عن أعمالهم؟ فقال لي: يا أبا محمد لا ولا مدة قلم، إن أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابو من دينه مثله»(275) حيث إنّ ظاهرها أنّ محذور كون الشخص عاملاً ما يترتب عليه من ارتكاب الحرام، أو كون الشخص معيناً على ظلمهم.

وصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «وسألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئاً فيعينه اللّه به، فمات في بعثهم، قال: هو بمنزلة الأجير، إنّه انّما يعطي اللّه العباد على نياتهم»(276) وفيه أنّ هذه الصحيحة تدلّ على جواز العمل لهم مع الحاجة إلى المال لقوت نفسه وعياله، سواء كان ذلك بالدخول في ولايتهم أو العمل لهم بدونه، فيحمل على الثاني بقرينة ما ورد في حرمة كون الشخص في ديوانهم، مع أنّ في جواز الدخول في ديوانهم عند الضرورة لتأمين المعاش كلام تأتي الاشارة إليه.

وأمّا صحيحة أبي بصير فلا دلالة لها على الجواز، حيث إن أصابتهم من دينه كما يكون بارتكابه الحرام كذلك يكون بمجرد كونه معدوداً من أعوانهم. والحاصل أنّه لا دلالة لها على كون المراد من أصابتهم الدين ارتكاب الشخص الحرام الخارجي كما لا يخفى.


227

في مجوزات الدخول في الولاية عن الجائر

القيام بمصالح العباد[1].

[1] يجوز التولي من قبل الجائر فيما إذا كان في توليه نفع المؤمنين أو دفع الضرر عنهم. ويشهد لذلك مثل صحيحة علي بن يقطين قال: «قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (ع): إنّ للّه تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدقع بهم عن أوليائه»(277) فان مع كون المتولي من أولياء اللّه لا يحتمل حرمة التولي. وفي صحيحة زيد الشحام، قال: «سمعت الصادق جعفر بن محمد (ع) يقول: من تولين أمور الناس، فعدل وفتح بابه ورفع ستره ونظر في أمور الناس، كان حقاً على اللّه عزّ وجلّ أن يؤمن روعته يوم القيامة ويدخله الجنة»(278).

ومن الظاهر أنّ تولى الأمر في مثل زمانه (ع) كان من قبل الخلفاء وولاتهم، وذكر المصنف «ره» ظهور بعض الاخبار في عدم جواز الدخول في الولايات، ولكن ايصال النفع المؤمنين كفارة له. وفي مرسلة الصدوق «ره» «قال الصادق (ع): كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان»(279) وفي رواية أبي سلمة «فإن وليت شيئاً من أعماله، فأحسن إلى إخوانك، فواحدة بواحدة»(280).

وفيه أنّه لا يمكن الالتزام بأنّ التولي ـ حتى في فرض نفع المؤمنين ـ محرم ولكن الشخص لا يعاقب عليه، فانّه ينافي ذلك مثل صحيحة زيد الشحام، وأيضاً ليس عدم جواز التولي مع ايصال النفع إلى المؤمنين من المتزاحمين، لأنّ ايصال النفع على اطلاقه لا يكون واجباً لتقع المزاحمة بين وجوبه وحرمة التولي، فلابدّ من الالتزام بأن نفع المؤمنين أو دفع الضرر عنهم عنوان يكون معه التولي محكوماً بالجواز، بل بالوجوب في بعض الاحيان.

وفي رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «سمعته يقول: ما من جبار إلاّ ومعه مؤمن يدفع اللّه عزّ وجل به عن المؤمنين، وهو اقلهم حظاً في الآخرة يعني أقل المؤمنين حظاً في الآخر»(281) ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين كون الداعي إلى دخوله في ديوان الجبار ايصال النفع إليهم أو غيره، كما لا يبعد كونها معتبرة، فان مهران بن محمد بن أبي نصر من مشايخ ابن أبي عمير.


228

وعن النجاشي في ترجمة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: «فإنّ للّه في أبواب الظلمة من نور اللّه به البرهان، ومكن له البلاد ليدفع بهم عن أوليائه ويصلح اللّه بهم أمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضر، وإليهم مرجع ذوي الحاجة من شيعتنا، بهم يؤمن اللّه روعة المؤمنين في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقاً، أولئك امناء اللّه في أرضه، أولئك نور اللّه في رعيته يوم القيمة تضيء منه القيامة، خلقوا واللّه للجنة، وخلقت الجنة لهم، فهنيئاً لهم، ما على أحدكم إن لو شاء لنال هذا كله، قال قلت بماذا جعلني اللّه فداك؟ قال: يكون معهم يسرنا بادخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد»(282).

ومقتضى الجمع بين هذه الرواية أبي بصير حمل رواية أبي بصير على ما لم يكن الداعي إلى التولي مجرد نفع المؤمنين، كما إذا تولى لتنظيم معاشه، ويكون من قصده نفع المؤمنين أو دفع الضرر عنهم خلاله. ووجه الحمل أنّ رواية النجاشي ظاهرها الترغيب إلى الدخول في صحبة الجبار بداعي الوصول إلى الثواب الموعود، فيرفع بها اليد عن اطلاق رواية أبي بصير كما لا يخفى.

ولو أمن من ذلك[1].

[1] أي أنّه لو أمن من الاعتماد على الحرام والاستمرار على ارتكابه. وتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحب له قبول الولاية. وبما ان مقتضى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوب قبول الولاية في الفرض، فوجه في المسالك الاستحباب بأن كون المتولي بصورة النائب عن الجائر، وشمول النهي عن الدخول في ديوانهم له لو لم يقتضيا المنع في الفرض، فلا أقل من اقتضائهما عدم وجوب التولي.

وفيه أنّه لو جرى محذور ترويج الجائر والنهي عن الدخول في ديوانهم، فمقتضاهما عدم جواز التولي، لا أنّه يستحب، ومعد عدم جريانهما لا مانع من وجوبه مقدمة للأمر بالمعروف النهي عن المنكر الواجبين.

ويمكن توجيهه بأنّ نفص الولاية[1].

[1] أي توجيه عدم وجوب التولي بأنّ مقتضى أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبهما، حتى في الفرض، كما أنّ ما دلّ على حرمة ترويج الظلمة وتسويد الاسم في ديوانهم حرمتها كذلك، فيكون وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع حرمة التسويد من المتزاحمين.

ولا معين لترجيح أحدهما على الآخر، فيكون المكلف مخيراً بينهما، مع استحباب رعايه الأصلح منهما.

أقول لا يخفى ما فيه، فان مقتضى ذلك سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبقاء حرمة التولي، وذلك فانّه ـ مع فرض شمول دليل النهي عن الدخول في ديوانهم للمورد ـ لا يتمكن المكلف من الأمر بالمعفروف والنهي عن المنكر، حيث إنّ كل تكليف مشروط بالقدرة، ومع حرمة مقدمة الشيء لا يكون ذلك الشيء مقدوراً. وهذا غير ما ذكر في الكفاية، لجريانه حتى فيما إذا قيل بأنّ القدرة المأخوذة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلية.


229

والحاصل أنّ اطلاق النهي عن التسويد في ديوانهم حاكم على أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يجري في كل متزاحمين يكون المحرم منهما مقدمة للآخر، ولم تحرز الأهمية أو لم تحتمل في خصوص جانب ذلك الآخر. نعم على تقدير الايتان بالمقدمة عصياناً، يجب ذلك الآخر على ما هو المقرر في بحث الترتب.

ويمكن توجيه عدم الوجوب[2].

[2] كان هذا القائل جعل المقام من موارد تعارض الدليلين بالعموم من وجه، حيث إنّ مقتضى أدلة تحريم الدخول في ديوان الظلمة حرمته في الفرض أيضاً، كما أنّ ما دلّ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبهما، فيرفع اليد عن اطلاق كل منهما، فتكون النتيجة تخيير المكلف بين ترك الدخول في ولايتهم أو القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبعبارة أخرى يرفع اليد عن ظهور كل منهما في عدم جواز تركه بقرينة الآخر ويقال باستحباب الدخول في ولايتهم أخذاً بظهور الترغيب، وبذلك يرتفع الاشكال عن جواز مقدمة الواجب بالمعنى الأخص. ووجه الارتفاع: هو سقوط المقدمة عن وجوبها، باعتبار وقوع المعارضة بين ما دلّ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين دليل حرمة الدخول في ديوان الظلمة.

وأورد عليه المصنف «ره» بوجوه: (الأول) أن الحكم ـ في تعارض الدليلين بالعموم من وجه ـ هو سقوطهما ـ والرجوع إلى الأُصول أي إلى الادلة الأُخرى لا التخيير بينهما، ومقتضى الأُصول في الفرض اباحة الدخول في ولايته، لأصالة الاباحة، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لاستقلال العقل بوجوبهما كما هو المقرر في محله.

(أقول): لو كان العقل مستقلاً بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في الفرض، لكان قرينة قطعية على جواز التولي، وتقييد اطلاق دليل التحريم ولم تصل النوبة في اثبات الجواز إلى أصالة الحل.

(الثاني) أنّ التخيير ـ على تقديره في تعارض الدليلين حتى بالعموم من وجه ـ هو التخيير الظاهري لا الواقعي. والمراد بالتخيير الظاهري الأخذ بأحد الدليلين لا التخيير الواقعي كما هو ظاهر الاصحاب في المقام (الثالث) أنّه لا يمكن في المتعارضين بالعموم من وجه ابقاؤهما على ظاهرهما في موردي افتراقهما، بأن يراد من الأمر الوجوب، ومن النهي التحريم، ويرفع اليد عنها بالاضافة إلى مورد اجتماعهما، بأن يراد من الأمر الترخيص في الفعل، ومن النهي الترخيص في الترك فان هذا يستلزم استعمال كل من الأمر والنهي في الالزام والترخيص. وهذا من استعمال اللفظ في معنيين.


230

(أقول) استفادة الجواز من دليل حرمة التولي ليس من جهة استعمال النهي في الالزام والترخيص، بل برفع اليد عن اطلاق النهي وتقييد بصورة عدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنّ استفادة الجواز من دليل وجوب الأمر بالمعروف بتقييده بما إذا لم يكن في البين محذور التولي من الجائر، وأين هذا من استعمال النهي أو الأمر في الالزام والترخيص.

(الرابع) أنّ ما دلّ على استحباب التولي وايصال النفع إلى المؤمنين والدفع عنهم أخص مطلق بالاضافة إلى ما دلّ على حرمة الدخول في ولايتهم، فيرفع اليد به عن اطلاق دليل التحريم، ويلاحظ دليل الترخيص مع أدلة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن الظاهر أنّ دليل استحباب التولي يثبت الاستحباب بما هو هو، فلا ينافي وجوبه مقدمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما هو الحال في سائر المستحبات التي قد تقع مقدمة للواجب.

وبعبارة أخرى ما دلّ على حرمة التولي مخصص في صورة نفع المؤمنين، فلا يشمل ذلك الدليل صورة الدخول في ولايتهم والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو غيرهما من مصالح المسلمين. وعلى ذلك فيعم الفرض ما دلّ على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ما هو المقرر في بحث انقلاب النسبة.

(أقول) هذا الوجه الأخير هو الصحيح في تقديم ما دلّ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا لأنّ المقام من المتعارضين بالعموم من وجه، بل لأنّ المقام ـ مع قطع النظر عن هذا الوجه ـ من موارد التزاحم، وأنّ ما دل على تحريم التولي موجب لانتفاء القدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلاّ أنّ مع ورد التخصيص لادلة حرمة التولي في صورة نفع المؤمنين لا يكون في البين تزاحم، حيث إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من نفع المؤمنين أو أولى منه.

ثمّ إنّه لا يختص جواز التولي عن الجائر بالجائرين في ذلك الزمان، بل يعم الجائرين في كل زمان، فانّه ـ مع بعد الاختصاص، لجريان مصلحة الدفع عن المؤمنين وايصال النفع إليهم في جميع الأعصار ـ يقتضيه اطلاق صحيحة زيد الشحام المتقدمة فلاحظ.

ثمّ إنّه يظهر من بعض الأخبار جواز التولي والدخول في أعوان الظلمة، فيما إذا لم يتمكن المكلف من تأمين معاشه من طريق آخر وفي موثقه عمار عن أبي عبداللّه (ع) «سئل عن أعمال السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: لا إلاّ أن لا يقدر على شيء يأكل ويشرب، ولا يقدر على حيلة، فان فعل فصار في يده شيء، فليبعث بخمسه إلى أهل البيت»(283).


231

(لا يقال): ينافي ذلك ما تقدم من الروايات الدالة على اعتبار نفع المؤمنين ودفع الضرر عنهم (فانّه يقال): مقتضى الجمع بين هذه وبين مثل صحيحة زيد الشحام المتقدمة هو كون كل من نفع المؤمنين والضرورة إلى مؤنة نفسه وعياله مستثنى من حرمة كون الشخص من أعوان الظلمة، لأنّ الصحيحة تدلّ على جواز التولي مع ايصال النفع إلى المؤمنين، والدفع عنهم، وعدم جواز غير ذلك، كما أنّ الموثقة تدلّ على جواز الدخول مع الضرورة، وعلى عدم جوازه في غيرها، فيرفع اليد عن اطلاق عدم جواز في كل منهما بالجواز الوارد في الأُخرى.

وكيف كان فالجواز في فرض الضرورة لتأمين معاشه غير مذكور في كلماتهم، وإلاّ لكان الافتاء به في محله، وحمل عدم التمكن فيها على الاضطرار الرافع للتكليف والموجب لحل أكل الميتة فيه ما لا يخفى، فلاحظ وتدبر.


232

الاكراه على قبول الولاية

الثاني مما يسوغ الولاية الإكراه عليه[1].

[1] يحصل الاكراه بأمر الجائر الشخص بكونه عاملاً له، مع ايعاده على تركه بما يكون ضرراً عليه نفساً أو عرضاً أو مالاً، أو اضراراً يعد ضرره ضرراً عليه. واستدل المصنف «ره» على جواز قبول الولاية من الجائر مع الاكراه بقوله سبحانه: «الا ان تتقوا منهم تقاة» بعد قوله «لا يتخذ المؤمنين الكافرين أولياء»(284).

والعجب أنّه «ره» لم يستدل على حرمة كون الشخص من أعوان الظلمة وتسويد الاسم في ديوانهم بالآية، مع تمسكه بالاستثناء فيها على جوازه مع الاكراه، فان لازم هذا تسليم دلالتها بصدرها على حرمة قبول الولاية من الجائر. ولكن لا يخفى ما فيه فانّ مدلول الآية عدم جواز اختيار المسلم الكافر ولياً له، سواء كان ذلك الكافر ظالماً أو عادلاً بحسب دينه، فلا يجوز للمسلم أن يجعل الكافر قيماً لاطفاله الصغار، لدلالة الآية بصدرها على ذلك. والكلام في مسأله عدم جواز كون الشخص من أعوان الظلمة عدم جواز قبول الولاية من قبلهم، سواء كان الظالم مسلماً أو كافراً. والحاصل أنّه لا يستفاد حرمة كون الشخص من أعوانهم من الآية المباركة ليدلّ الاستثناء فيها على ارتفاع حرمته عند الاكراه عليه.

كما يباح بالإكراه[1].

[1] لا يكون نفع المؤمنين إلاّ موجباً لجواز كون الشخص عن اعوان الظلمة. وأمّا ما يلزمه في بعض الموارد في فعل سائر المحرمات، فلا يجوز به، بل لو كان نفعهم أو دفع الضرر عنهم واجباً، لكان مع المحرم الآخر من المتزاحمين، فيجري عليهما أحكام التزاحم. وهذا بخلاف الاكراه على الولاية المحرمة، فانّه كما تجوز الولاية بالاكراه كذلك ترتفع حرمة ما يلازمها من سائر المحرمات على حد سواء. نعم إذا كان ما يلازمها من قبيل الاضرار بالغير ففي شمول حديث الرفع له إشكال، ووجهه أنّ الحديث وارد في الامتنان على الأُمة، فيختص الرفع بمورد يكون الرفع فيه امتناناً. وفي المقام ليس كذلك، فان نفي حرمة الاضرار بالغير وإن كان امتناناً على المكره بالفتح، ولكنه خلافه على الآخر المتضرر به.


233

في الاكراه على اضرار الغير

هذا واختار المصنف «ره» جواز قبول الولاية وجواز الاضرار بالغير، وذكر في وجهه أموراً: (الأول) عموم رفع ما استكرهوا عليه. وقد ظهر عدم صحة هذا الوجه، وأنّ حديث الرفع لا يعم مثل المقام، بلا فرق بين ما إذا توجه الضرر بارادة المكره بالكسر إلى الغير أولا أو لا وذلك فان توجه الضرر إلى الغير بحسب ارادة الجائر لا يقاس بتوجه الضرر إليه تكويناً الذي لا يجب فيه دفع الضرر عنه بتحمل الضرر وذلك فان مع توجهه بارادة المكره بالكسر إلى الغير يكون الاضرار بمباشرة المكره بالفتح. ويضاف إليه الاضرار، فلا يجوز، بخلاف توجه الضرر إلى الغير تكويناً. ودعوى ضعف نسبة الاضرار إلى المكره بالفتح، ضعيفة وإلا لم يسند القتل أيضاً إلى المباشرة المكره كما لا يخفى.

وعلى ذلك فنفي حرمة الاضرار لا يكون مدلولاً لحديث الرفع، حيث ذكرنا أنّ الرفع في مثل المقام لا يناسب الامتنان على الجميع. هذا مع أنّ توجه الضرر في الفرض إلى الغير بحسب ارادة الجائر محل تأمل بل منع، فان المفروض رفع الجائر يده عن الغير بتحمل المكره بالفتح الضرر، وهذا كاشف عن تعلق ارادة الجائر بالجامع بين الضررين.

والحاصل أنّه لا يجوز الاضرار بالغير في فرض جواز تحمل الضرر، نعم إذا كان الضرر المخوف على نفسه هو القتل، وإضرار الغير مالياً يتعين الاضرار، لدلالة ما ورد في التقية على ذلك، وكون المقام من المتزاحمين.

ثمّ إنّه «ره» قد أورد على نفسه بأنّه كيف الفرق بين ما إذا توجه ارادة الجائر باضرار الغير، فلا يجب على المكره بالفتح دفع الضرر عنه بتحمله، بل تجوز له المباشرة في الاضرار، وبين ما إذا توجه ارادة الجائر باضراره، فلا يجوز له دفعه عن نفسه باضرار الغير.

وبعبارة أخرى لو كان مقتضى رفع الاكراه الجواز في الأول لكان مقتضى رفع الاضطرار جواز الاضرار في الثاني أيضاً، فيكون الاضرار بالغير كسائر المحرمات التي يدفع المكلف بها الضرر عن نفسه.

وأجاب بأنّ رفع حرمة الاضرار بالغير في الصورة الأولى موافق للامتنان، بخلاف رفع الاضرار بالغير في الصورة الثانية، فانّه ينافيه.


234

وفيه أنّه قد ظهر فساد الجواب مما سبق، فلا حاجة إلى الاعادة، كما ظهر منه فساد التشبت في اثبات الجواز في الصورة الأولى بحديث نفي الضرر، ووجه الظهور أنّ نفي الحكم الضرري كنفي الحكم الاكراهي للامتنان. ولا امتنان في نفي ضرر عن مكلف بتجويز الاضرار بمكلف آخر.

(الأمر الثاني) أنّ حرمة قبول الولاية في الفرض أو حرمة ما يلازمها من الاضرار بالغير تكليف حرجى يرتفع بدليل نفي الحرج. وهذا الوجه أيضاً غير صحيح، فانّ رفع التكليف الحرجي أيضاً للامتنان على المؤمنين، ولا امتنان في رفع تكليف يكون نتيجته جواز الاضرار بالغير.

(الأمر الثالث) قوله (ع): «انّما جعلت التقية لتحقن به الدماء، فإذا بلغت الدم فلا تقية»(285) باعتبار أنّ مفهوم القضية الشرطية جواز التقية بغير اراقة الدم من سائر المحرمات، ومنها الاضرار بالغير مالاً.

وفيه أنّ المراد بالتقية فيه التقية بمرتبتها العليا، وهو التحفظ على النفس من التلف، بقرينة التعليل، فمفهوم الشرطية أن التقية أي التحفظ على النفس من التلف موجبة لجواز كل محرم حتى الاضرار بالغير مالاً أو عرضاً، وإنّما لا تجوز التقية والتحفظ على النفس من التلف باراقة الدم واتلاف نفس آخر، والتحفظ على الضرر المالي ونحوه خارج عن مدلوله منطوقاً ومفهوماً.

ثمّ إنّه مع جواز الاضرار بالغير مالاً في مقام المزاحمة لا يرتفع ضمان اتلاف ذلك المال كما في سائر موارد الاتلاف نعم لو قلنا بجواز الاضرار بالغير مالاً باعتبار عدم وجوب تحمل الضرر عنه بدعوى شمول حديث رفع الاكراه أو دليل نفي الحرج، فلا يكون في البين ضمان، فان ايجاب التدارك والضمان مرادف لايجاب تحمل الضرر المتوجه إلى الغير. وقد فرض نفي وجوب تحمله بحديث رفع الاكراه أو دليل نفي الحرج.

قد يقال إنّه يرتفع عند الاكراه حرمة ما يكون من قبيل الاضرار بالغير لوجه آخر، وهو أنّ المستفاد من قوله سبحانه «إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالايمان»(286) مع الانضمام إلى الروايات الواردة في التقية عموم التقية وشمولها للتحفظ على النفس والمال والعرض وأنّ الشارع قد جوزها، إلاّ إذا كانت باراقة الدم، ألا ترى أنّه يجوز التقية بتكذيب النبي وسبه والتبري منه، مع أنّ التكذيب والسب تنقيص وتعرض لعرض النبي (ص)، وكذا سب الإمام والتبرى منه (ع) وعرضهما أعظم الاعراض. فما الظن بعرض زيد وعمرو وغيرهما من الافراد.


235

وفي معتبرة مسعدة بن صدقة قال: «قلت لأبي عبداللّه (ع): أنّ الناس يروون أنّ علياً قال على منبر الكوفة أيها الناس إنّكم ستدعون إلى سبي فسبّوني، ثم تدعون إلى البراءة منّي، فلا تبرأوا منّي، فقال ما أكثر ما يكذب الناس على علي (ع)، ثم قال: إنّما قال إنّكم ستدعون إلى السبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة منّي وإني لعلى دين محمد ولم يقل ولا تبرأؤا منّي، فقال له السائل: أرأيات إن اختار القتل دون البراءة فقال: واللّه ما ذلك عليه وما له إلاّ ما مضى عليه عمار بن ياسر، حيث اكرهه أهل مكة“»(287) حيث لم يقيد (ع) جواز السب والتبري بخصوص ما كان الضرر المخوف على تركها هو القتل.

ولا يخفى أنّ مثل هذه المعتبرة حاكمة على بعض ما ورد في نهيه (ع) عن التبري منه، لأنه مع شمول دليل الاعتبار لهذه الرواية لا يبقى موضوع لدليل الاعتبار في تلك الروايات الوارد فيها النهي عن التبري من علي (ع)، حيث يعلم بعدم صدورها عنه (ع) وكونها كذباً.

(أقول): لا بأس بالتمسك بحديث رفع الاكراه أو نفي الضرر في الحكم بجواز تكذيب النبي والوقيعة فيه عند الاكراه، حيث إنّ رفع حرمته عند الاكراه عليه لا ينافي امتنان على الأُمة، ولا يكون اضراراً بهم، وجوازه عند الاكراه مستفاد من الآية قبل الحديث، بل يستفاد ممّا ورد في جواز الافتاء تقية، فانّه في معنى تجويز الافتراء على اللّه سبحانه في تلك الحال، وممّا ورد في جواز الكذب والحلف باللّه كاذباً لدفع الضرر عنه أو عن غيره من المؤمنين، وكذا لا بأس بدفع الضرر عن نفسه أو عن غيره بالكذب على الآخرين أيضاً، فانّه لا يزيد على الكذب والافتراء على اللّه وعلى سب الإمام والتبري منه. وقد تقدم دلالة معتبرة مسعدة ونحوها على جواز السب أو التبري. وأمّا الاضرار بالغير بنحو آخر كالتعرض لعرض شخص بالزنا مع زوجته أو بنته أو نحوه لدفع الضرر المالي أو العرضي عن نفسه أو الاضرار بالغير ما لا لدفع الضرر المالي عن نفسه، كل ذلك لا دليل على جوازه، بل لابد من ملاحظة التزاحم ورعاية جانب الأهمية أو محتملها.

ولو اضطر إلى نهب مال الغير للتحفظ على نفسه من الهلاك أو القتل، فانّه يجوز، للتزاحم. ولكن يكون ضامناً لذلك المال، لعدم حكومة حديث رفع الاضطرار أو الاكراه في المقام، حتى يرفع الضمان أيضاً. ويترتب على كون هذه الموارد من التزاحم أنّه لو اضطر إلى أكل طعام الغير لا يجوز قهر المالك فيما إذا كان المالك أيضاً مضطراً إليه، بخلاف ما إذا قيل بحكومة حديث دفع الاضطرار ونفي الضرر، اللّهمّ إلاّ أن يدعى استفادة عدم جواز القهر ممّا ورد في عدم مشروعية التقية باراقة دم الغير، فانّ القهر على المالك في الفرض اراقة لدمه كما لا يخفى.


236

بالفرق بين المثالين في الصغرى[1].

[1] والفارق هو الذي يشير إليه بقوله (بأنّ الضرر في الأول) المراد بالأول ما إذا توجه الضرر إلى الشخص وأراد دفعه عن نفسه بالاضرار بالغير. وهذا الفرض صغرى للكبرى المتقدمة، بخلاف الثاني، وهو ما إذا توجه الضرر ابتداءاً إلى الغير، فانّه لا تكون صغرى لتلك الكبرى.

الثاني انّ الإكراه يتحقّق[1].

[1] قد ظهر ممّا تقدم أنّ الموجب لجواز قبول الولاية بل جواز ارتكابه سائر المحرمات هو الخوف من مخالفة الجائر فيما أمر به من ترتب الضرر على نفسه أو ما يتعلق به نفساً أو عرضاً أو مالاً. وأمّا مع الخوف من ترتب الضرر على بعض المؤمنين فلا يتحقق عنوان الاكراه. نعم يجوز له معه قبول الولاية لما ورد من جواز قبولها لايصال النفع إليهم والدفع عنهم، وهل يجوز الدفع عنهم بارتكاب سائر المحرمات التي لا تكون من قبيل الاضرار بالغير المعبر عنها في كلام المصنف «ره» بالمحرمات الإلهية؟ ظاهر كلامه «ره» ذلك، حيث ذكر إنّه لو خاف على بعض المؤمنين جاز له قبول الولاية المحرمة، بل غيرها من المحرمات الالهية التي أعظمها التبري من أئمة الدين، وتمسك في ذلك بخير الاحتجاج.

ولا يخفى ما فيه فانّه لا دليل على تقييد اطلاقات المحرمات لمجرد دفع الضرر المالى مثلاً عن بعض المؤمنين، وكيف يمكن الالتزام بجواز شرب الخمر في مجلس الجائر أو غيره أو اللواط معه وغير ذلك من الموبقات لدفع الضرر المالي بل العرضي عن زيد؟ وأمّا التبري فهو ـ نظير الكذب والافتراء والحلف كاذباً لدفع الضرر عن المؤمن ـ جائز، وجوازه لا يلازم جواز ارتكاب سائر المحرمات، فلا دلالة في مثل خبر الاحتجاج(288) على ذلك، حيث إنّ المذكور فيه وهوالتبري صورة مع التولي قلباً ليس من أعظم المحرمات حتى يؤخذ بالفحوى.

نعم لو كان الضرر المخوف على بعض المؤمنين مثل تلف النفس كان جواز ارتكاب سائر المحرمات باعتبار وقوع التزاحم بينهما وبين وجوب احياء النفس المحترمة، فيجوز في ذلك الاضرار ببعض المؤمنين ما لا للتحفظ على نفس الآخرين، ويكون ذلك مع الضمان كما مرّ آنفاً.


237

قال في القواعد: (وتحرم الولاية من الجائر إلاّ مع عدم التمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو مع الإكراه بالخوف على النفس أو المال أو الأهل، أو على بعض المؤمنين، فيجوز ايتمار ما يأمره إلاّ القتل) وقد شرح هذه العبارة بعض الأساطين، فقال: (الا مع الإكراه بالخوف على النفس من تلف أو ضرر في البدن أو المال المضر بحال الشخص تلفه أو حجبه أو العرض من جهة النفس أو الأهل أي بالخوف على عرض نفسه أو عرض أهله أو الخوف فيما عد الوسط على بعض المؤمنين، فيجوز حينئذ ايتمار ما يأمره) انتهى.

والمراد ماعدا الوسط في عبارة القواعد، والوسط في تلك العبارة الضرر المالي، فيكون ماعدا الضرر على النفس أو الأهل، وبما أنّ الضرر على أهل بعض المؤمنين داخل في الضرر على المؤمنين، لأنّ عنوان بعض المؤمنين يعم أهلهم أيضاً، يكون حاصل عبارة القواعد ـ على ما ذكره الشارح ـ أنّه يجوز الاضرار بالغير أو ارتكاب سائر المحرمات غير القتل، فيما إذا خاف على نفسه أو ماله أو عرضه، أو خاف على نفس مؤمن آخر.

وأمّا الاضرار بالعرض بالزنا ونحوه[1].

[1] أي أنّه لو كان دفع الضرر عن بعض المؤمنين نفساً بالاضرار بعرض ذلك البعض أو البعض الآخر بالزنا ونحوه، ففي جواز هذا الاضرار لدفع ضرر تلف النفس عن الغير تأمل، ووجهه انّه لا دليل على وجوب دفع الضرر النفسي عن الغير بمثل الزنا.

(أقول) لو كان ارتكاب محرم آخر كالزنا مقدمة لدفع الضرر النفسي عن مؤمن كما هو الفرض، فان لم يحرز أهمية وجوب الانقاذ، بأنّ احتمل الأهمية في كل منهما، كان اطلاق دليل حرمة تلك المقدمة حاكماً على ما دلّ على وجوب انقاذ النفس المحترمة، حيث إنّه باطلاق دليل حرمتها يثبت عدم التمكن من الانقاذ. وأمّا إذا احرز الأهمية لأنقاذها، أو احتمل الأهمية له لاللمحرم الآخر تعين الانقاذ، للعلم بسقوط الاطلاق عن خطاب حرمة المقدمة كما لا يخفى.

وإن كان متعلّقاً بالمال[1].

[1] عطف على قوله ان كان متعلقاً بالنفس، أي إذا كان الدفع عن بعض المؤمنين دفعاً للضرر المالي عنهم، فلا يجوز هذا الدفع بالاضرار بالغير حتى بالمال اليسير، فان ارتفاع حرمة الاضرار بالغير يحتاج إلى رافع، وهو غير موجود فانّه لا يكون المورد من موارد الاضطرار أو اكراه، باعتبار عدم توجه الضرر إلى الشخص أو إلى من يتعلق به على الفرض.

وإن كان متعلّقاً بالعرض[2].

[2] عطف على قوله ان كان متعلقاً بالنفس بمعنى أنّه إذا كان الضرر المدفوع عن بعض المؤمنين هو الضرر العرضي، ففي جواز دفعه بالاضرار به أو مؤمن آخر مالاً أو بالعرض الأخف تأمل، ولكن دفعه بالاضرار بالنفس أو بالعرض الأعظم غير جائز بلا تأمل.


238

الاكراه على قبول الولاية

الثالث ذكر بعض مشايخنا[3].

[3] يجوز قبول الولاية مع الاكراه، وكذا يباح معه ما يلازمها من سائر المحرمات على تفصيل قد تقدم في الأمر السابق ولا يتحقق الاكراه إلاّ مع خوف الضرر في مخالفة المكره بالكسر، وإذا أمكن مخالفة أمره واقعاً بلا خوف ضرر فيها، لما كان في البين اكراه، ويعبر عن ذلك بامكان التفصي، والعجز عنه بهذا المعنى مقوم لعنوان الاكراه، وليس شرطاً زائداً على تحققه، وعلى ذلك فلا فرق بين قبول الولاية وفعل سائر المحرمات في عدم ارتفاع حرمتهما مع امكان التفصي. نعم إذا فرض من قبولها نفع المؤمنين والدفع عنهم، جاز قبولها، لأنّ ذلك بنفسه موجب لجواز الدخول في الولايات، ولكن في اباحة سائر المحرمات وعدمها تفصيل قد مرو لا حاجة إلى اعادته.

قال في الشرايع: (إذا أكرهه الجائر على الولاية، جاز له الدخول والعمل بما يأمره مع عدم القدرة على التفصي منه، إلاّ الدماء المحترمة، فانّه لا تقية فيها) والظاهر أنّ فرض الاكراه شرط في جواز الدخول في الولاية، وعدم القدرة على التفصي شرط في جواز العمل بما يأمره الجائر، وأنّ المراد بالاكراه وعدم إمكان التفصي واحد كما فهمه المصنف «ره».

وذكر في المسالك في شرح العبارة أنّ المستفاد منها أمران: (أحدهما) اعتبار الاكراه (ثانيهما) عدم امكان التفصي، وموردهما مختلف، فان مورد اعتبار الاكراه قبول الولاية، ومورد عدم إمكان التفصي سائر المحرمات. ثمّ أورد على العبارة بأنّه لا وجه لاعتبار عدم إمكان التفصي أصلاً، بل المعتبر تحقق الإكراه بالاضافة إلى سائر المحرمات. وأمّا قبول الولاية فلا يعتبر في جوازه حتى الاكراه.


239

(أقول الموجب لجواز قبول الولاية من قبل الجائر أمران: ايصال النفع إلى المؤمنين والاكراه، وإذا فرض انتفاء الأول تعين اعتبار الإكراه، فلا وجه لما ذكره من عدم اعتبار الاكراه في جواز قبولها، وكأنّه «ره» توهّم أنّ مراد المحقق من عدم القدرة على التفصي هو انتفاء القدرة والاختيار رأساً المعبر عنه بالالجاء فذكر أنّ هذا أخص من الاكراه، ولا يعتبر في ارتفاع الحرمة عن المحرمات أصلاً وقد توهمه أيضاً صاحب الجواهر الذي نسب الخلاف فيه إلى الاصحاب، وأنّ لهم في اعتباره ثلاثة أقوال والشاهد لذلك ما ذكره أخيراً من أنّه على القول باعتبار عدم امكان التفصي لو توقف المخالفة على بذل مال كثير لزم البذل، ثم قال: (وهو أحوط بل أقرب) ووجه الشهادة أنّ وجوب البذل على ذلك القول لا يتم إلاّ إذا أريد بعدم امكان التفصي الالجاء وعدم القدرة على الترك أصلاً.

ثم لا يخفى أنّه لو قيل بجواز الدخول في الولاية من الجائر للضرورة أي لتأمين المعاش لنفسه وعياله، فهو فيما إذا لم يكن الدخول فيما ملازماً لارتكاب محرم آخر، بأن كان عاملاً له في عمل مباح، وإلاّ فلا موجب لارتفاع حرمة ذلك العمل الآخر فتدبر.

الرابع قبول الولاية مع الضرر المالي[1].

[1] ذكر «ره» أنّ قبول الولاية مع الضرر المالي الذي لا يضر بالحال جائز بمعنى الاباحة لا بمعنى الوجوب، فانّه يجوز للانسان تحمل ذلك الضرر، فانّ الناس مسلطون على أموالهم.

(أقول) تقييد الرخصة في كلماه بالضرر المالي الذي لا يضر بالحال مقتضاه وجوب قبول الولاية مع الخوف من الضرر المضر بالحال، وهذا لا يمكن المساعدة عليه، فانّ الناس مسلطون على أموالهم.

(لا يقال) إنّه لا يجوز تمكين الجائر من المال، سواء كان قليلاً أو كثيراً فان أخذه المال باعتبار كونه غصباً وعدواناً على الغير محرم، ولذا يجب عليه رد ذلك المال، ويكون تلفه عليه، وإذا كان وضعه اليد على المال محرماً، يكون تحمل المكره بالفتح الضرر المالي اعانة له على ظلمه (فانّه يقال) نعم تسليم المكره بالفتح المال إليه اختياراً غير جائز كما ذكر، وأمّا اتلافه أمواله قبل وصول الجائر إليها حتى لا يكون له مال فغير لازم، لما ذكرنا سابقاً في بحث الاعانة على الحرام أنّ التجارة ونحوها ليستا من قبل الاعانة على أخذ العاشر. وامّا الفرار عن الجائر فيما إذا أراد قتله فهو باعتبار وجوب التحفظ على النفس من الهلاك، وهذا التحفظ غير واجب بالاضافة إلى الأموال كما لا يخفي، بل قبول الولاية ـ مع عدم المضر بالحال وكذا ارتكاب محرم آخر مع كونه يسيراً يتعارف تحمله ـ مشكل فان مثل هذا الضرر لا يكون موجباً لارتفاع التكليف بقاعدة نفي الضرر أو حديث الرفع.


240

الاكراه على قتل النفس

الخامس لا يباح بالإكراه[2].

[2] ذكر «ره» في هذا الأمر أنّ الإكراه على قتل مؤمن لا يكون موجباً لجواز قتله، حتى فيما إذا كان الضرر المخوف على نفسه هو القتل، بلا خلاف ظاهر، ومقتضى حديث رفع الاكراه أو دليل نفي الحرج وإن كان هو الجواز، وكون الاكراه على قتل مؤمن مثل الاكراه على سائر المحرمات، إلاّ أنّ النص الصحيح قد دلّ على عدم مشروعية التقية باراقة دم الغير، وذلك النص بالاضافة إلى حديث رفع الاكراه أو دليل نفي الحرج من قبيل الخاص إلى العام، حيث لا يحتمل عدم جواز قتل المؤمن للتقية وجوازه في مقام الاكراه عليه.

(اقول) قد ذكرنا أنّه لا يجري في مثل المقام لا حديث رفع الاكراه ولا قاعدة نفي الحرج أو نفي الضرر، لأنّ تجويز الاضرار بالغير مالاً أو عرضاً أو نفساً خلاف الامتنان على ذلك الغير. وأمّا نفي مشروعية التقية باراقة الدم ففي روايتين (احداهما) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) (انّما شرعت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فلا تقية)(289) و(ثانيتهما) موثقة أبي حمزة الثمالي عن الصادق (ع): «انّما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية»(290) ويطلق التقية على ستر الانسان مذهبه للتحفظ على نفسه أو غيره من اضرار المعتدي مالاً أو نفساً، ويطلق على ستر مذهبه تحفظاً على نفسه أو غيره من خصوص ضرر القتل. والمراد بالتقية في الروايتين هو الثاني، ومدلولها أنّه لا يشرع التحفظ على نفسه أو نفس غيره باراقة دم مؤمن، ولكن لا بأس به بفعل سائر المحرمات.

وذكر الإيرواني «ره» (أنّ التقية عبارة عن تحفظ المتقي بالكسر على دمه ومفاد الروايتين أمر ارتكازى، وهو أنّه إذا لم تثمر التقية في حفظ دم المتقي بالكسر بأن علم أنّه يراق على كل تقدير فلا تقية بل لابد من اظهار الحق والواقع قولاً أو فعلاً) وأجاب السيد الخوئي طال بقاه بأنّ لهذا الاحتمال مجالاً في الصحيحة وأمّا المؤثقة فالمذكور فيها بلوغ التقية يعني التحفظ على نفسه من التلف إلى اراقة الدم، فيكون المراد اراقة دم الغير لا محالة.


241

(اقول) لا مجال لذلك الاحتمال حتى في الصحيحة، لأنّه لو كان المراد البلوغ إلى دم المتقي بالكسر لكان قوله (ع) فلا تقية من قبيل السماء فوقنا من توضيح الواضح، بخلاف ما كان المراد به دم غيره، فانّه يكون من الحكم التعبدي وبعبارة أخرى الظاهر اتحاد الروايتين في المفاد.

ولو كان المؤمن مستحقّاً لحد[1].

[1] بناءً على أنّ إجراء الحدود من وظيفة الحاكم يكون قتل سائر الناس نظير قتل غير أولياء المقتول، إلاّ إذا أذن لهم الحاكم أو كان الحد نظير حد سب النبي (ص) أو الإمام (ع) ممّا يجوز لكل مكلف القيام به.

مما ذكرنا يظهر سكوت الروايتين عن حكم دماء أهل الخلاف[2].

[2] لازم ما ذكره «ره» جوار قتل المخالف فيما إذا أكره عليه، ولو كان الضرر المخوف على تركه الضرر المالي غير المضر بالحال، لأنّ مقتضى حديث رفع الاكراه جواز الاضرار بالغير ولو بالقتل. والمفروض عدم دلالة الروايتين بالاضافة إلى المخالف. ولا ظانّ التزامه «ره» أو التزام غيره بجواز قتله في الفرض. نعم ذكر في آخر كلامه أنّ حكم كل دم غير محترم بالذات حكم سائر المحرمات، والمراد أن لا يكون فيه الاحترام الثابت لدم المؤمن.

والحاصل أنّه بناءاً على ما ذكرنا من عدم شمول دليل رفع الاكراه أو الضرر للموارد التي يكون الرفع فيها مخالفاً للامتنان على الأُمة، يحكم في الفرض بعدم الجواز، ولكن لا يرتبط ذلك بالناصب والكافر ممن لا حرمة لدمه أصلاً، أو ليس له احترام دم المسلم كاذمي. ولو توقف التحفظ على دم مؤمن على اراقة دم المخالف كان المقام من موارد التزاحم بين وجوب احياء النفس وحرمة القتل. وربّما يقال بعدم التفصيل في الدماء، لأنّ المسلمين متكافئون في الدم، كما يدلّ على ذلك مثل صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال رسول اللّه (ص) حيث خطب الناس في مسجد الخيف ـ نضر اللّه عبداً سمع مقالتي فوعاها ـ إلى أن قال ـ: والمسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم»(291) ودعوى اختصاصها بموارد القصاص ـ كما عن السيد الخوئي طال بقاه ـ يدفعها ملاحظتها، فانّه ليس في صدرها أو ذيلها ما يشير إلى فرض القصاص.


242

وكيف كان فلو لم يتعين قتل المخالف واحياء المؤمن فلا يبعد جواز ذلك كما هو مقتضي عدم احتمال الأهمية في ترك قتل المخالف. أللّهمّ إلاّ أن يقال لا دليل في الفرض على وجوب احياء نفس المؤمن، بل مقتضى اطلاق الآية حرمة قتل المسلم واراقة دمه. وقد مر أنّه مع احتمال عدم الجواز في ناحية المقدمة يكون اطلاق دليل حرمتها حاكماً على وجوب ذيها ويمكن أن يكون الدليل على النهي عن الايقاع في التهلكة.

(لا يقال): إنّ مقتضي قوله (ع) (إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم) جواز ارتكاب كل محرم بالتقية إلاّ إراقة دم المؤمن، فاراقة دم المخالف باقية في المستثنى منه (فانّه يقال): المراد بالتقية في مثل الروايتين التقية عن المخالفين، كما يجده من راجع الأخبار الواردة في مشروعيتها ولزوم رعايتها، ولا يتصور رعاية هذه التقية باراقة دم المخالف ليقال بأنّ مقتضي الروايتين جوازها. وإذا جاز عم الجواز صورة الاكراه أيضاً باعتبار عدم احتمال الفرق بين صورتي الاكراه والتقية كما لا يخفي.

ثمّ إنّ ظاهر قوله (ع) في الروايتين: (ليحقن بها الدم) الدم المبقي للحياة، فلا يعم المستثنى ما إذا توقفت التقية أي التحفظ على الدم المبقي لحياة مؤمن على الاضرار بمؤمن آخر بايراد النقص على أعضائه، بل يكون هذا الاضرار داخلاً في المستثنى منه، فيحكم بجوازه للتقية. وإذا جاز عند التقية جاز عند الاكراه أيضاً، باعتبار عدم احتمال الفرق بين صورتي الاكراه والتقية. وبهذا يظهر الحال فيما إذا توقفت التقية أي التحفظ على الدم المبقي على الاضرار بمؤمن آخر عرضاً أو مالاً، فانّه جائز بمقتضى عموم الروايتين، لجواز التقية لحقن الدم، وإذا جاز هذا الاضرار بالتقية جاز عند الاكراه عليه أيضاً، باعتبار عدم احتمال الفرق بين الصورتين كما ذكرنا. وعلى الجملة فالحكم ـ بجواز الاضرار بالمؤمن أو غيره مالاً أو عرضاً أو في بدنه عند الاكراه عليه ـ يستفاد من الروايتين بضم ما ذكرنا من عدم احتمال الفرق بين صورتي التقية والاكراه، لا من حديث رفع الاكراه أو دليل نفي الحرج أو نفي الضرر ليقال أنّها لا تشمل صورة عدم كون الرفع امتنانياً. واللّه سبحانه هو العالم.

ثمّ إنّ المصنف «ره» جعل للبحث عن قبول ولاية الجائر خاتمة ذكر فيها ما رواه الشهيد الثاني «ره» في رسالته المسمّاة بكشف الريبة عن أحكام الغيبة، باسناده عن الشيخ الطوسي عن المفيد عن جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه محمد بن عيسى الاشعري عن عبداللّه بن سليمان النوفلي، والرواية متضمنة لقصة علي (ع) وتجسم الدنيا له، فلابد من حمل ذلك على كونه بعد وفاة النبي (ص) وقبل أخذ فدك من فاطمة (سلام اللّه عليها) مع أنّ عبداللّه بن سليمان النوفلي مجهول فراجع.


243

في هجاء المؤمن وهجره

هجاء المؤمن حرام[1].

[1] الهجاء ككساء الشتم بالشعر، كما عن بعض، وتعداد معايب قوم وذكر معايبهم، كما عن بعض آخر. ويظهر من المصنف «ره» أنّ هجاء المؤمن ليس بعنوانه من المحرمات، بل حرمته باعتبار كونه همزاً أو لمزاً وأكل لحم وتعييراً واذاعة سر، ولا يبعد اتحاد عنوان الهمز أو اللمز مع التعبير، واتحاد أكل لحمه مع اذاعة سره، وربّما ينطبق عليه عنوان البهتان، بناءً على أنّ الهجاء ضد المدح فيعم ذكر المعايب الموجودة في الشخص والتي ليست فيه، فيكون ذكرها بهتاناً.

والحاصل أنّه تختلف الموارد، ففي يعضها ينطبق على الهجاء بعض العناوين المشار إليها، وفي بعضها الآخر ينطبق عليه بعضها الآخر، ولو كان ذكر شخص بعيب ظاهر للاهانة والإستخفاف انطبق عليه عنوان التعبير لا عنوان الغيبة، وهكذا. واحترز بالمؤمن عن المخالف فانّه قد تقدم في البحث عن حرمة الغيبة أنّ جواز اغتيابه باعتبار كونه ممّن القي جلبات الحياء لتظاهره بالفسق بانكاره قولاً وعملاً ما هو عماد الدين، وأهمّ أركانه يعني ولاية أهل البيت (سلام اللّه عليهم). ولا يبعد جواز هجوه أيضاً، فيما إذا كان قاصراً، فانّه على ما تقدم من الفاسق المبدع.

ويظهر من المصنف «ره» أنّه يقتصر في هجو الفاسق المبدع بذكر المعايب الموجودة فيه. وحمل ما ورد من قوله (ع): «باهتوهم لكيلا يطمعوا في اضلالكم» على سوء الظن بهم واتهامهم بما يحرم اتهام المؤمن به، بأن يقال: لعله سارق أو زان ولا يخفى ما فيه، فانّ هذا بالاضافة إلى دليل حرمة الكذب من الخاص أو المقيد بالاضافة إلى العام أو المطلق، فيرفع اليد عنهما بالقرينة على التقييد أو التخصيص أضف إلى ذلك أنّ جواز هذا الكذب مستفاد من فحوى ما دلّ على جواز الحلف كاذباً لدفع ضرر المعتدي عن مال أخيه المؤمن، حيث إنّ ضرر المعتدي على دينه أولى بالدفع منه.


244

الهجر بالضمّ وهو الفحش[1].

[1] الهجر بضم الهاء هو الفحش، ويظهر من المصنف «ره» أنّ البذاء بفتح الباء مرادف له، حيث استدل على حرمة الفحش بصحيحة أبي عبيدة عن أبي عبداللّه (ع) قال: «البذاء من الجفاء والجفاء في النار»(292) ويظهر من صاحب الوسائل «ره» أنّه غير الفحش، حيث جعل لحرمة الفحش باباً ولحرمة البذاء باباً آخر، وكأن البذاء عنده عدم مبالاة الشخص بما يقول أو يقال فيه، والفحش هو ذكر نفسه أو غيره ببعض الأفعال التي يقبح ذكرها، كقوله: ياديوث ويازاني ونحوهما. وتؤيد ذلك الروايات التي وصف الفحاش فيها بكونه بذياً، وفي رواية سليم بن قيس: «أنّ اللّه حرم الجنة على كل فحاش بذيء قليل الحياء لا يبالي ما قال وما قيل له»(293) وكيف كان فلا اشكال في حرمة الفحش وعدم مبالاة الشخص في قوله، ولكن كونها بمرتبة ما في رواية سليم ونحوها لم تثبت. واللّه سبحانه هوالعالم.


245

أخذ الأجرة على الواجب

الخامس مما يحرم الاكتساب به ما يجب على الإنسان[1].

[1] المنسوب إلى الشهرة عدم جواز الأجرة على العمل الواجب، بل عن جماعة دعوى الاجماع عليه، قال في الشرايع: (الخامس) ممّا يحرم الاكتساب به ما يجب على الانسان، كتغسيل الموتى وتكفينهم وتدفينهم ونسب في المسالك هذا المنع إلى الشهرة. والظاهر أنّ مراده شهرة حرمة الاكتساب بتجهير الموتى، حيث جوز السيد «ره» أخذ الأجرة عليه بدعوى أنّ التجهيز تكليف على الولي، ولا يجب على غيره.

والحاصل أنّ المنع عن أخذ الأجرة على التجهيز مبني على مسلك المشهور القائلين بتوجه التكليف به إلى عامة المكلفين، لا أنّ دعوى الشهرة راجعة إلى أصل مسألة عدم جواز الاكتساب بالعمل الواجب، لتكون مشعرة بالخلاف فيها.

ثمّ إنّ مورد الكلام في المقام ما إذا كانت في الواجب منفعة عائدة إلى باذل الأجرة، كما لو كان كفائياً وأراد سقوطه منه كتعليم صيغة النكاح أو إلقاها على طرفي النكاح، فان تعليمها كالقائها على طرفيه من الواجب الكفائي، وباعتبار انتفاع باذل الأجرة تخرج المعاملة عن عنوان أكل المال بالباطل.

وبعبارة أخرى الكلام في المقام فيما إذا اجتمع الشرايط المعتبرة في الاستيجار. ويقع البحث في أنّ وجوب عمل على المكلف مانع عن جواز أخذه الأجرة عليه من المنتفع بذلك العمل أم لا، فمثل صلاة الظهر لا يجوز أخذ الأجرة عليها، لا لوجوبها، بل لأنّ أخذ الأجرة عليها من أكل المال بالباطل.

ويستدل على عدم الجواز بأمور (الأول) منافاة أخذ الأجرة للاخلاص المعتبر في العبادة، ولكن هذا لا يثبت المدعي، لاقتضائه عدم جواز أخذ الأجرة على العبادة ولو مع ندبها، وجواز الأخذ الأجرة على غيرها ولو كان واجباً. وأجيب أيضاً عنه. بأنّ تعدد الوجوب المتعلق أحدهما بالفعل ابتداءاً والثاني بعنوان الوفاء بالعقد يؤكد الاخلاص، ولا ينافيه.

وأورد المصنف «ره» على هذا الوجوب بأنّ لازمه التفصيل في أخذ العوض على العمل، فيجوز بعنوان الإجارة، ولا يجوز بعنوان الجعالة، فانّه بالاستيجار يجب العمل على الأجير وفاءاً بالمعاملة، فيتضاعف وجوبه، فيتأكد الاخلاص، بخلاف الجعالة، فانّه لا يجب فيها العمل، فيكون العوض بها منافياً للاخلاص المعتبر.


246

(أقول): لا مجال لهذا الايراد، فانّه إذا فرض أنّ تضاعف الوجوب ولو بعنوان الوفاء بالمعاملة يؤكد الاخلاص، فلازمه عدم منافاة أخذ العوض على العمل للاخلاص المعتبر فيه، فيكون أخذه بعنوان الجعالة أيضاً جائزاً. غاية الأمر أنّه لا يكون في فرضها تأكد الاخلاص باعتبار عدم وجوب الوفاء بالجعالة.

وأورد «ره» على الجواب (ثانياً) بأنّه إن أريد أن تضاعف الوجوب يوجب تأكد اشتراط العبادة بقصد القربة فهو غير صحيح، لأنّ وجوب الوفاء بالمعاملة توصلي فكليف يوجب تأكد اشتراط قصد القربة في العمل، وإن أريد أن قصد القربة من المكلف مع تعدد الوجوب في الفعل، ولو مع الاختلاف في التوصلية والتعبدية يكون آكد، فهو خلاف الوجدان، فانّه شاهد بأنّ العمل الذي لا يترتب عليه الأجرة من الغير، بل يصدر عن المكلف مجاناً يكون القربة فيه أخلص.

وأورد عليه (ثالثاً) بأنّ وجوب الوفاء بالمعاملة وإن كان توصلياً يسقط بالاتيان بذات العمل، إلاّ أن الثواب على موافقة هذا الوجوب موقوف على قصد القربة الحاصل بالعمل بما أنّه ملك للغير، ويستحقه عليه، وقصد القربة في الوجوب التعبدي المتعلق به ابتداءاً هو العمل بما أنّه حق للّه سبحانه، فلا يجتمع قصد القربة في الوجوب التعبدي مع قصد الامتثال إلى وجوب الوفاء بالمعاملة.

(اقول): هذا الإيراد أيضاً غير صحيح، وذلك فانّ مجرد العمل ـ بقصد أنّه ملك الغير ويستحقه عليه ذلك الغير ـ لا يصحح الاخلاص المعتبر استحقاق الثواب، بل لابدّ من كون العمل المعنون بالعنوان المزبور بداعي أمر الشارع بالوفاء وتسليم العمل، فيستحق الثواب على هذا الفرض، ولا يعم تسليم ملك الغير إليه بسائر أغراضه الدنيوية. ويوضح ما ذكرنا ما إذا ندم الأجير بحيث لولا أمر الشارع بالوفاء بالعقد لم يعمل، ويترك للطرف الأجرة، ولكن دعاه إلى العمل مع هذا الندم خوفه من مخالفة أمر الشارع بتسليم ملك الغير. ومع تسليم ملك الغير إليه بالعمل كذلك تحصل القربة المعتبرة في العبادة، فأين المنافاة بين القربتين.


247

في أخذ الاجرة على العبادة

وأمّا تأتّي قصد القربة[1].

[1] أخذ «ره» في تقريب إمكان قصد القربة في العبادات المستأجر عليها، وأنّ جواز أخذ الأجرة على النيابة فيها لا يلازم جواز أخذها على نفس العبادات. وذكر ما حاصله: أنّ الصادر ـ في موارد تلك العبادات عن المكلف ـ أمران (احدهما) ـ النيابة أي تنزيل الأجير نفسه منزلة المنوب عنه (ثانيهما) عمله العبادي، ويكون أخذ الأجرة على الأول ـ حيث إنّه مستحب نفسي توصلي، باعتبار كونه احساناً إلى المنوب عنه.

(اقول): إن أراد «ره» ان تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه فعل خارجي، والصلاة مثلاً فعل آخر ولا يرتبط احدهما بالآخر أصلاً، وأنّ الاجارة في موارد الاستيجار على العبادة تقع على الأول، فيرده أنّ لازم ذلك فراغ ذمة الأجير واستحقاقه المطالبة بالأجرة بمجرد قصده النيابة أي اعتبار نفسه منزلة المنوب عنه.

(لا يقال): تنزيل نفسه منزلته وإن يكون مورد الاجارة إلاّ أنّ الفعل المفروض كونها عبادة مأخوذ في متعلق الاجارة بنحو القيدية، فتكون الصلاة مثلاً خارجة عن متعلق الاجارة، ولكن تقيد النيابة بكونها فيها داخل فيه، وعلى ذلك فلزوم الاتيان بالصلاة وعدم فراغ ذمة الأجير بدونها باعتبار توقف متعلق الاجارة عليها (فانّه يقال) قد تقرر في محله أنّ الداعي إلى الاتيان بالمقدمة واقعاً يكون هو الداعي إلى ذيها، والصلاة ـ على ما ذكر مقدمة ـ لمتعلق الاجارة، فيكون الداعي إلى المتعلق وهو استحقاق الأجرة داعياً إلى الصلاة أيضاً فهذه هي المنافاة الموهومة.


248

وإن أراد أنّ الموجود خارجاً شيء واحد، غاية الأمر أنّ فيه جهتان وعنوانان (احدهما) متعلق الاجارة ولم يؤخذ فيه قصد القربة (ثانيهما) ما أخذ فيه قصدها، ولكن لم تتعلق به الاجارة، كما يظهر ذلك من قوله فيما بعد: (فإن قلت): الموجود خارجاً من الأجير ليس إلاّ الصلاة) فلا يمكن المساعدة عليه أمّا (أولاً) فلا انّ استيجار على العبادة صحيح حتى فيما إذا لم يقصد الأجير النيابة بالمعنى المتقدم، كمن يقضى ما على الميت ويأتي بالعبادة افراغاً لذمته، وإن شئت قلت قضاء ما على ذمة الغير من العبادة كقضاء ما على ذمته من الدين، وكما أن أداء دينه لا يتوقف على قصد النيابة عنه، كذلك أداء ما على ذمته من العبادة وأمّا (ثانياً): فلأنّ تعدد العنوان مع الاتحاد بحسب الوجود لا يفيد في رفع المنافاة الموهومة بين أخذ الأجرة على العمل والاخلاص فيه، وذلك فانّ المطلوب في العبادات والغرض منها لا يحصل إلاّ بكون الداعي إلى ايجادها أمر الشارع وطلبه، فلابد من تحقق العبادة بداعي أمر الشارع بها، وإذا فرض الاتحاد خارجاً فكيف يكون ذلك الوجود مع أخذ الأجرة عليه بداعى القربة.

فإن قلت يمكن للأجير[1].

[1] وهذا جواب آخر عن الاستدلال على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات، باعتبار أنّ أخذها مناف لقصد التقرب المعتبر في العبادة. وحاصل الجواب عدم المنافاة بينهما، فانّه يمكن أن يكون داعي المكلف إلى العبادة أمر الشارع بها، بحيث لولا أمر الشارع وطلبه لم يأت بها، حتى مع بذل الأجرة عليها، وإذا فرض الاتيان بها كذلك يحصل قصد التقرب ويستحق الأجرة عليها، فأين المنافاة.

وناقش «ره» في هذا الجواب بقوله: (قلت: الكلام في أنّ مورد الاجارة) وحاصله أنّه يعتبر في صحة الاجارة ـ أي في دخول الأجرة في ملك الأجير بإزاء العمل المستأجر عليه ـ أن يكون العمل بحيث يمكن للأجير الاتيان بداعي أنّه ملك المستأجر، فانّ العمل كذلك تسليم لذلك العمل إليه، ولا يتحقق هذا الشرط فيما استوجر على العبادة، لأنّ الصلاة على ميت مثلاً بداعي أنّها ملك لباذل الأجرة لا تجتمع مع الاتيان بها بداعي أمر الشارع بها.

(أقول): ليس في البين ما يقتضي هذا الاعتبار في نفس الاجارة، بل القصد المزبور دخيل في حصول عنوان الوفاء بالمعاملة، ولكن لا بخصوصه، بل بنحو يعم كون قصد الوفاء بها داعياً أو توصيفاً للعمل، بأن يقصد الأجير العمل المملوك للغير، ويأتي به بداع آخر. وبعبارة أخرى لا يلزم أن يكون قصد الوفاء بالمعاملة محركاً نحو العمل، بل يكفي كونه بنحو التوصيف، وعلى ذلك فيمكن للمكلف قصد العمل المملوك للغير بداعي أمر الشارع بذلك العمل ابتداءاً. نعم لقائل أن يقول أنّ مع فرض حصول الشيء بدون الاجارة ـ كما هو مقتضي عمل المكلف بداعي الأمر به ابتداءاً ـ يكون أخذ العوض عليه من أكل المال بالباطل، باعتبار عدم غرض عقلائي في أخذه واعطائه، وهذا غير دعوى منافاة أخذ العوض مع التقرب كما لا يخفى، وسيأتي التعرض لذلك إنشاء اللّه تعالى.


249

فإن قلت يمكن أن يكون[1].

[1] وهذا أيضاً جواب عن الاستدلال المتقدم أي منافاة أخذ الأجرة على العمل للاخلاص المعتبر فيه. وتقريره أنّ قصد الأجرة على العمل كقصد التخلص من الفقر أو المرض في بعض العبادات، فانّه كما يكون في مثل ذلك غرضه، من عمله هو التقرب إلى اللّه سبحانه، وغرضه من تقربه إليه سبحانه بعمله هو الوصول إلى الغنى أو الشفاء أو غير ذلك من المقاصد الدنيوية، كذلك يكون في المقام غرضه من عمله التقرب إلى اللّه سبحانه، وغرضه من تقربه إليه بالعمل المفروض الوصول إلى الأجرة المقررة في المعاملة.

والحاصل أنّ استحقاق مطالبة الأجرة من قبيل الداعي إلى الداعي، أي غرض الغرض، كما كان الغني أو الشفاء كذلك.

وأورد «ره» على هذا لاجواب بالفرق بين المقامين، وأنّ سائر المقاصد الدنيوية المترتبة على بعض العبادات أحياناً لا تنافي القربة المعتبرة في العبادة، باعتبار أنّ طلبها من اللّه تعالى في نفسه محبوب له سبحانه، بخلاف طلب الأجرة عن الغير، فانّه لا يلائم قصد القربة في العمل، بل ينافيه كما مرّ. وبهذا يظهر أنّ عبادة جل الخلائق للّه سبحانه تخلصاً من عذاب الآخرة أو وصولاً إلى الجنة لا تنافي قصد القربة فيها، فانّ قصد التخلص من عذاب الجحيم أو الوصول إلى الجنة من قبى الداعي غير المنافي للقربة، وكل ذلك مطلوب للّه سبحانه.

(اقول) ايراده «ره» غير تام، فان غرض الأجير من تقربه إلى اللّه سبحانه بعمله هو استحقاق أخذ الأجرة في حكم الشارع، لا مجرد أخذ المال. والمنافي لقصد القربة في العمل هو الثاني دون الأول، ولذا يأتي بالعمل في غياب المستأجر، وبعد أخذ الأجرة منه خوفاً من عذاب ربّه وحسابه في حقوق الناس. والمقام يشبه بيع الانسان داره في مورد الاضطرار، فانّه يقصد بيعها حقيقة لغاية الوصول إلى غرضه الأصلي أي التمكن من قضاء حاجته.

فتحصل ممّا ذكرنا أنّه لا منافاة بين العمل للآخر بالاستيجار، وبين قصد القربة في ذلك العمل، سواء كان واجباً تعبدياً أو مستحباً كذلك، وأنّ تحسين المصنف «ره» الاستدلال على عدم جواز أخذ الأجرة بالمنافاة بين قصد القربة وبين الأخذ المزبور غير صحيح، بل بناءاً على ما ذكرناه في الأصول من أنّ قصد التقرب المعتبر في العبادة ليس خصوص الفعل بداعي الأمر المتعلق به، بل مطلق اضافة العمل إلى اللّه سبحانه، فتكون الصلاة على ميت بداعي الاستحقاق الأجرة المقررة بازائها شرعاً عبادة، لحصول القربة المعتبرة فيها بفرض الداعي، وهو استحقاق الأجرة شرعاً، وعلى ذلك فلو لم يلتفت الأجير إلى استحباب الصوم أو الصلاة عن الميت، بل صام أو صلى بغرض استحقاقه شرعاً الأجرة المقررة لهما، حكم بصحة عمله ووقوعها عبادة، بلا حاجة إلى حديث الداعي إلى الداعي ليقال إنّه لا يجري في صورة الغفلة عن استحباب نفس العمل أو وجوبه كما لا يخفى.


250

نعم قد استدلّ على المطلب بعض الأساطين[1].

[1] استدل على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب بوجه آخر، وهو المنافاة بين وجوب العمل ابتداءاً وتمليكه للآخر بالاجارة ونحوها، بدعوى أنّ ايجاب الشارع الفعل على مكلف بمعنى تمليك ذلك الفعل للّه تعالى، فيما إذا كان من قبيل حقوق اللّه، وبمعنى تمليكه للغير فيما إذا كان من حقوق الناس، بأن يكون ذلك العمل ملكاً لذي الحق، كما في أمر الشارع بتجهيز الميت، فانّه يثبت بذلك للميت حق على الاحياء، ومع الايجاب كذلك لا يمكن للمكلف تمليك ذلك العمل من آخر بالاجارة ونحوها، فانّه يكون نظير ما إذا آجر نفسه لدفن ميت من شخص، وأراد ايجار نفسه ثانياً من شخص آخر لدفن ذلك الميت. وهذا الوجه أيضاً ضعيف، فان الايجاب وإن كان أمراً اعتبارياً على الصحيح كالملكية، إلاّ أن سنخه غير سنخ الملكية في الأموال، فلا يمتنع اجتماعه معها.

وذكر المصنف «ره» أنّ هذا الوجه باعتراف الخصم بختص بالواجب العيني. وأمّا الكفائي فاستدل على عدم جواز أخذ الأجرة عليه بانّ الفعل متعين أي واجب عليه، فلا يدخل في ملك آخر، وبأنّ المستأجر لا ينتفع بالعمل الذي يملكه أو يستحقه غيره بايجاب الشارع، فانّه يمنزلة أن يقول للأجير استأجرتك لغاية أن أتملك منفعتك المملوكة لك، كما في الواجب من حق اللّه أو لغيرك كما في الواجب من حق الناس انتهى.

(اقول) هذا بعينه هو الوجه السابق، ولم يظهر الفرق بينهما، كما أنّه لم يظهر وجه اعتراف المستدل باختصاص ما ذكره أولا بالواجب العيني. نعم يظهر من السابق أنّ مرجع ايجاب الشارع العمل الذي ليس من حقوق الناس إلى كون ذلك العمل مملوكاً للّه سبحانه، وفي حقوق الناس مرجعه إلى كونه مملوكاً لذلك الغير، وذكر في الكفائي أن ايجاب الشارع بمنزلة كون ذلك العمل مملوكاً لنفس الأجير أو غيره، ولذا أورد المصنف «ره» على الأخير بأنّ العمل بعد وقوع الاجارة عليه لا يكون ملكاً لنفس الأجير، بل يدخل في ملك المستأجر إلى آخر ما ذكره. والحاصل أنّ هذا الفرق أيضاً بلا موجب كما لا يخفي.


251

أخذ الاجرة على الواجبات

عدا الإجماع الذي لم يصرّح به إلا المحقق الثاني[1].

[1] الأمر الثالث ـ في عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات ـ دعوى الاجماع، فهو على تقدير تحققه غير صالح للاعتماد، فضلاً عن عدم ثبوته، وذلك لاحتمال كون مدركهم في عدم الجواز الأمرين المتقدمين أو غيرهما ممّا لم يتم شيء منها عندنا.

وذكر النائيني «ره» في المقام وجهاً رابعاً لعدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات وإن كانت توصلية، وهو أنّ من شرط الاجارة أن يكون متعلقها مقدوراً يمكن للمكلف فعله وتركه، ومع ايجاب الفعل لا يمكن له تركه، حيث إنّ الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي.

وفيه أنّ الدخيل في تمامية الاجارة تمكن المكلف من تسليم العمل الذي هو مورد الاجارة، لا التمكن بمعنى آخر، وايجاب الفعل لا ينافي هذا التمكن، ولذا لو وقع شرطاً في ضمن عقد لازم صح وترتب عليه أثره. نعم مع التحريم لا يمكن تسليمه، فلا يعمه مثل قوله سبحانه «أوفوا بالعقود) حيث لا يمكن الأمر بالوفاء بالاجارة مع النهي عن الفعل كما لا يخفى.

فالذي ينساق إليه النظر[2].

[2] ذكر «ره» (أولاً) انّه لا ملازمة بين صحة الاجارة وصحة العمل أي كونه مسقطاً للتكليف، و(ثانياً) أنّ في جواز أخذ الأجرة على الواجبات تفصيلاً.

وحاصل كلامه (أولاً) انّه ربّما تكون الاجارة صحيحة مع حصول الامتثال كما إذا كان الواجب تعبدياً كتغسيل الميت، وقيل بعدم منافاة أخذ الأجرة للاخلاص في العمل أو مع سقوط التكليف بالعمل من دون حصول الامتثال، كما في الواجب التوصلي المأخوذ عليه الأجرة، بناءاً على عدم منافاه وجوب الفعل لأخذ الأجرة عليه، وقد يسقط التكليف عند العمل، من غير أن يكون مصداقاً للواجب، كما إذا كان فيه ملاكه من غير تعلق التكليف به لمانع. وربّما تكون الاجارة صحيحة مع بطلان العمل، سواء بقى التكليف المتعلق به بحاله أو سقط لأمر آخر، كما إذا استأجره للصلاة على ميت بغرض تعلم صلاة الموتى، وقيل بمنافاة أخذ الأجرة للاخلاص المعتبر في العبادة، فانّه إذا صلى على ذلك الميت استحق الأجرة، ولكن يحكم ببطلانها، فتجب الصلاة عليه مع الاخلاص.


252

وحاصل كلامه (ثانياً) انّه لو كان الواجب عينياً تعيينياً لم يجز أخذ الأجرة عليه، سواء كان توصلياً أو تعبدياً، فانّه مع وجوب الفعل كذلك يكون المكلف مقهوراً عليه من جانب الشارع، فيجبر عليه في صورة امتناعه، فلا تكون لعمله حرمة حتى يصح له أخذ الأجرة. وحاول «ره» دفع ما ربّما يمكن أن يذكر في المقام بصورة النقض، وهو تجويز الشارع للوصي وقيم الأطفال أخذ أجرة المثل على عملهما(294) مع أنّ إنقاذ الوصية أو القيام بمصالح الايتام واجب عيني تعييني عليهما.

ووجه الدفع أنّ ذلك التجويز حكم شرعي نظير حكم الشارع للمار بجواز أكله من ثمار الأشجار الواقعة في طريقه، وليس من قبيل المعاوضة على العمل ليستظهر منها عدم منافاة أخذ الأجرة مع وجوب الفعل على المكلف كما ذكر.

(أقول): إذا فرض أنّ في فعل المكلف غرضاً للآخرين، وأنّ الواجب عليه هو الفعل مطلقاً لا الفعل مجاناً وبلا عوض، فلا يكون أخذ العوض وتمليك عمله للغير من الأكل بالباطل، فانّ الموجب لصدقه أخذ قيد المجانية في متعلق الأمر. والمفروض خلافه. والقهر عليه من باب الأمر بالمعروف لا يوجب سقوط عمله عن المالية، كما أنّ القهر على بيع ماله في المخمصة لا يوجب سقوطه عنها. نعم إذا كان تعبدياً فقد يتبادر إلى الذهن منافاة أخذ الأجرة عليه للاخلاص المعتبر فيه، ولكن قد مرّ دفعه وأنّ مع كون الغرض هو استحقاق الأجرة شرعاً يحصل التقرب المعتبر في العبادة.

وما ورد في جواز أخذ الوصي أو القيم من مال اليتيم كصحيحة هشام(295) مقتضاها عدم منافاة وجوب الفعل تعييناً مع أخذ الأجرة عليه، فانّ ظاهرها الأخذ بعنوان أجرة المثل لا مجرد تجويز الأكل منه، نظير تجويز الأكل للمار من ثمرة طريقه. نعم قد ذكر الأكل بالمعروف في الآية والروايات الآخر، ولكن تكون صحيحة هشام حاكمة عليها ومحددة لذلك المقدار فراجع.


253

ثم قال «ره»: (وإن كان الواجب تخييرياً فمع كونه توصلياً، فلا بأس بأخذ الأجرة على خصوص أحد فرديه، لعدم كونه مقهوراً عليه، بل مخيراً بينه وبين فرده الآخر، وكذا الحال فيما إذا كان تعبدياً، وقلنا بما أنّ خصوصية الفرد غير مأخوذة في متعلق الأمر فالاتيان بالقدر المشترك بداعي الأمر به لا ينافي أخذ الأجرة على تلك الخصوصية، ويوضح ذلك ملاحظة ما إذا كان المكلف بحيث لا يأتي بالقدر المشترك في ضمن أي فرد ولو أعطي له الأجرة على بعض الافراد، وإنّما يكون أمر الشارع بالقدر المشترك داعياً إلى الاتيان به، وبما أنّ خصوصية الافراد خارجة عن متعلق الأمر فيأتي بالقدر المشترك في ضمن خصوصية معينة لأخذه الأجرة عليها. ولا يقاس ذلك بالاتيان بخصوصية العمل رياءاً، حيث إنّ العمل يبطل حتى فيما إذا كان الرياء في خصوصية ذلك العمل. ووجه عدم القياس ما دلّ على أنّه سبحانه خير شريك لا يقبل عملاً يكون له ولغيره، بل يتركه للغير، وهذا فيما إذا كانت الخصوصية التي أتي بها رياءاً متحدة مع العمل خارجاً، كالصلاة في أول الوقت أو في المسجد، فانّه يحكم ببطلانها حتى فيما إذا كانت أصل الصلاة للّه واختيار المسجد أو أول الوقت للرياء. وأمّا إذا كان لها وجود آخر، كما إذا صلى للّه وأتى بتعقيباتها رياءاً، فلا يوجب ذلك بطلان أصل الصلاة.

(اقول): مقتضى هذا الكلام عدم الفرق بين الواجب التخييري الشرعي وبين الواجب التعييني الذي يكون التخيير بين افراده عقلياً في أنّه يجوز فيها أخذ الأجرة على خصوص بعض الافراد، وتعرض «ره» للواجب الكفائي، وقال لا بأس بأخذ اأجرة عليه مع كونه توصلياً، فانّه مع الاستيجار يملك المستأجر ذلك العمل ويستند إليه ويكون عملاً له، فيستحق ثوابه ويسقط التكليف عن الأجير وعن غيره، لقيام المستأجر به ولو بغير المباشرة. ومن هذا القبيل الاستيجار لتطهير المسجد أو للجهاد ونحوهما. وأمّا إذا كان الواجب الكفائي تعبدياً، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه لا لوجوب الفعل عليه، وإلاّ لم يجز أخذ الأجرة على التوصلي أيضاً بل باعتبار منافاة أخذ الأجرة للاخلاص المعتبر فيه. وما ذكر ـ في وجه جواز أخذ الأجرة على خصوص بعض افراد الواجب التخييري من خروجه عن متعلق الأمر ـ لا يجري في الكفائي نعم لو كان الواجب الكفائي التعبدي قابلاً للنيابة، بان ينزل الأجير نفسه منزلة الغير، فيأتي بالفعل عن ذلك الغير، فيكون المقام من قبيل الاستيجار على النيابة في العبادات. وقد تقدم جوازه، ولكن مشروعية النيابة محتاجة إلى دليل خاص، وعلى تقدير قيامه في مورد يكون خارجاً عن محل الكلام. فانّ الكلام في المقام في جواز العمل عن نفسه، وتمليك ذلك العمل للغير بالاجارة ونحوها، كالخياط تكون خياطته عن نفسه، ولكنّها ملك الغير.

وحاصل البحث في المقام أن ايجاب عمل على مكلف يوجب سقوطه عن المالية شرعاً، لا يجوز تمليكه للغير بالأجرة أو أنّ وجوبه عليه لا يوجبه ما لم يجب عليه ذلك العمل مجاناً. وفي مورد النيابة يأتي العامل بالعمل عن الغير، ومشروعية هذه تحتاج إلى دليل. وإلاّ فالأصل عدم احتساب عمله عملاً للغير.

ثم انّه يفهم من أدلة وجوب الشيء[1].

[1] بأن يستفاد أنّ الغير يستحق الفعل عليه بحكم الشارع وايجابه، ففي مثل ذلك يكون أخذ الأجرة عليه من أكلها بالباطل، فان ايجاب الفعل كذلك بمعنى ايجابه مجاناً ولعله من هذا القبيل تجهيز الميت وانقاذ الغريق ومعالجة الطبيب المرض المهلك.


254

(اقول) مجرد استحقاق الغير الفعل لا يقتضي المجانية، حتى لا يجوز أخذ العوض على المعالجة والإنقاذ ونحوهما، وإلاّ لم يجز أخذ العوض لمن يطعم الناس في المخمصة، بل يجب عليه بذله مجاناً وذلك لأنّ البذل واجب تعييني لا يقبل أخذ العوض عليه، والطعام مورد حق للمضطرين، ولذا يجوز لهم بل يجب وضع اليد عليه في صورة امتناع مالكه عن بذله.


255

أخذ الاجرة على الصناعات الواجبة

ثم إنّ في المقام إشكالاً مشهوراً[1].

[1] الاشكال في وجه جواز أخذ الأجرة على الصناعات التي يتوقف عليها نظام البلاد فان تلك الصناعات من الواجب الكفائي، بل من الواجب العيني عند عدم قيام من تكون بقيامه كفاية، فكيف يجوز أخذ الأجرة عليها، وأجيب عن ذلك بوجوه.

(الأول) الالتزام بتخصيص القاعدة المتقدمة أي قاعده عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب، ورفع اليد عنها باعتبار الاجماع وسيرة العقلاء المتدينين منهم وغيرهم.

(الثاني) انكار تلك القاعدة في غير العبادات. ويظهر ذلك من كل من ذكر جواز أخذ الأجرة على القضاء، بلا تقييد بصورة عدم تعينه على القاضي.

(الثالث) جواز أخذ الأجرة على تلك الصناعات بعد سقوط وجوبها بقيام من به الكفاية عليها، فانّه يكون أخذها على غير الواجب ـ وفساد هذا الوجه أوضح، فانّ لازمه الحكم بفساد أخذ الأجرة على الجماعة القائمة بها قبل سقوط وجوبها، مع جريان السيرة القطعية على القيام بها بالأجرة في كل عصر، من غير نظر إلى سقوط وجوبها بفعل الآخرين وعدمه.

(الرابع) الالتزام بعدم جواز أخذ الأجرة على عمل يكون بعنوانه محكوماً بالوجوب، كتجهيز الموتى وتعليم الأحكام وأمّا العمل المحكوم عليه بالوجوب بعنوان حفظ النظام لا بعنوان نفسه، فلا مانع من أخذ الأجرة عليه. وهذا الوجه أيضاً بلا موجب، فانّه لم يظهر الفارق بين العمل الواجب بعنوانه وبين الواجب بعنوان آخر.

(الخامس) الفرق بين تلك الصناعات وغيرها من الواجبات، بدعوى أنّ عدم جواز أخذ الأجرة على الصناعات يوجب اختلال النظام، فان كل وحد يختار من تلك الصناعات ما هو أسهل، ويترك الصعب أو الأصعب على الآخرين لأنّ الداعي إلى الأقدام على الأعمال الشاقة الصعبة هو الطمع في الأجرة فتسويغ أخذ الأجرة عليها لطف، أي تقريب للعباد إلى موافقة التكليف باقامة النظام، لا أنّه ينافي هذا التكليف.

وأجاب المصنف «ره» عن ذلك بعدم انحصار وجه الاقدام على الأعمال الصعبة بالطمع في الأجرة، بل ربما يكون اقدام الشخص باعتبار عدم معرفته بغيرها أو كونه ناشئاً في ذلك العمل الشاق، كالفلاح. ولكن لا يخفى ما فيه.


256

(السادس) دعوى أن تلك الصناعات من قبيل الواجب المشروط فيكون وجوبها مشروطاً ببذل العوض عليها، سواء كانت الصنعة الواجبة من الواجب العيني باعتبار انحصار من به الكفاية، أو من الواجب الكفائي كما في صورة تعدده وعدم انحصاره، وعلى كل فلا تكون تلك الصنعة واجبة على المكلف قبل اعطاء العوض بعنوان الاجارة أو الجعالة، بل باعطائه يحصل شرط وجوبها عيناً أو كفاية.

وبعبارة أخرى لا تكون الصنعة ـ حال قرار الأجرة لها بالأجارة أو الجعالة ـ واجبة حتى تكون تلك الأجرة على العمل الواجب، والجواب عن هذا الوجه ظاهر، فانّ الواجب على الطبيب مثلاً احياء النفس وانقاذها من الهلكة، سواء بذل على طبابته العوض أم لا.

(السابع) أنّ وجوب تلك الصناعات غيري باعتبار توقف اقامة النظام عليها ومن الظاهر عدم توقف إقامته على العمل مجاناً ليجب العمل كذلك، بل الموقوف عليه بذل النفس للعمل ولو مع العوض.

ثم ذكر هذا القائل أنّه إذا بذل المريض الأجرة للطبيب وجب عليه المعالجة وإن لم يبذل مع أداء ترك العلاج إلى هلاكه أجبره الحاكم حسبة على بذلها. والفرق بين هذا الوجه والوجه الرابع هو أنّ الصناعات على هذا الوجه واجبات غيرية، بخلاف الوجه الرابع فانّها عليه واجبات نفسية، ولكن ليس وجوبها بعناوينها الأولية، بل بالعنوان الطاريء عليها، وهو عنوان التحفظ على النظام.

وكيف كان فهذا الوجه أيضاً فاسد، فانّه لا يجب على المريض بذل الأجرة حتى يجبر عليه مع امتناعه، بل الطبابة واجبة على الطبيب، بذل له الأجرة أم لا، وعلى ذلك فيكون للمريض وغيره اجبار الطبيب على الطبابة من باب الأمر بالمعروف.

والحاصل أنّ هذا الوجه على تقدير تماميته يدل على جواز أخذ الأجرة وبذلها، لا على وجوبهما، مع أنّ التفرقة ـ بين الواجب الغيري والنفسي بجواز أخذ الأجرة على الأول دون الثاني ـ غير تامة.

فهو من قبيل رجوع الوصي بأُجرة المثل[1].

[1] ظاهر قوله سبحانه «فإن ارضعن لكم فأتوهنّ أجورهن»(296) جواز أخذ المرأه الأجرة على ارضاعها، سواء كان باللباء أو غيره، فإن تمت دعوى منافاة أخذ الأجرة لوجوب الفعل، فلابد من تقييد الآية بالارضاع بغير اللباء. والتعبير بالأجر فيها ظاهر في ثبوته من جهة المعاوضة، لا أنّه حكم شرعي وتعبد خاص كجواز أكل المار من ثمرة طريقه، حتى لا يمكن التعدي، كما لا يخفى.


257

أخذ الاجرة على المستحبات

فهو بوصف كونه مستحباً على المكلف لا يجوز أخذ الأُجرة عليه[2].

[2] قد تقدم عدم منافاة أخذ الأجرة على عمل مع قصد التقرب في ذلك العمل، وأنّه لو كان سائر شرائط الاجارة حاصلة لما كان اشتراط قصد التقرب فيه موجباً لبطلانها، حيث إنّ الأجير لو أتى بالعمل ـ بداعى استحقاق الأجرة شرعاً لئلاّ يبقى الدين على عهدته ويبتلي يوم القيمة بحسابه ـ كان هذا بنفسه نحو تقرب إلى اللّه سبحانه، لا أنّه ينافي التقرب في ذلك العمل، وعلى ذلك فلو استأجر من يصلح للإمامة لاعادة صلاته حتى يقتدي به، صح الاستيجار، ولا ينافي قصد التقرب المعتبر في أصل الصلاة واعادتها.

نعم الاستيجار للعبادة للّه سبحانه ـ أصالة واهداء ثوابها للآخر ـ يحتاج إلى دليل على المشروعية. لا مشروعية الاستيجار فقط، بل مشروعية اهداء الثواب ونفوذه وقد قام الدليل عليها في الصلاة والحج والصدقة ونحوها في الجملة وبعد الدليل على المشروعية يجوز المعاملة على الاهداء بنحو الهبة المشروطة، حيث إنّ المعاملة عليه بنحو الاستيجار لا يخلو عن مناقشة، كما أنّ النيابة تحتاج إلى دليل على المشروعية في الأفعال التي لا تنتسب إلى غير الفاعل، ولا تقبل التوكيل كالصيام والاغتسال ونحوهما، لا في مثل الحلق والذبح ونحوهما من الأفعال التي تنتسب إلى غير المباشر بالتوكيل، فانّ النيابة فيها مقتضى الاطلاق في خطاب الأمر بتلك الأفعال.

ثمّ إنّه ليست النيابة منحصرة بتنزيل النفس منزلة الغير كما يظهر من المصنف «ره» بل النيابة في مثل الصلاة والصوم عن الميت كاداء دين الغير. فكما أنّ من تقوم باداء دين غيره لا ينزل نفسه منزلة المدين، بل يقصد الاداء بما في ذمته كذلك المصلي عن الغير يقصد الصلاة التي في ذمة الميت، وتلك الصلاة لم يؤخذ فيها قيد المباشرة، كما أخذ هذا القيد في الصلاة التي في عهدة الحي، كما هو ظاهر خطابات التكاليف. ولذا لا تصح النيابة عن الحي في الصلاة ونحوها.


258

وفي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: «سألته عن رجل أدركه رمضان وهو مريض، فتوفى قبل أن يبرأ قال: ليس عليه شيء، ولكن يقضي عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي»(297) فانّ ظاهرها اشتغال عهدة الميت، وفعل الآخرين قضاء عنه، ولا يكون ذلك إلاّ لعدم اعتبار المباشرة فيما يعتبر في عهدة الميت ويترتب على كون النيابة هي التنزيل أو ما ذكرناه إمكان الاستدلال ـ على عدم منافاة أخذ الأجرة على عمل مع التقرب المعتبر فيه ـ بما ورد في جواز الاستيجار للحج والعمرة، فانّه بناءاً على انكار التنزيل تكون الأجرة بازاء نفس الحج والعمرة وأمّا نباءاً على التنزيل، فقد تقدم عن المصنف «ره» دعوى أنّ الأجرة بازاء التنزيل لا الحج والعمرة. والتنزيل أمر مستحب توصلي، فلاحظ.

(لا يقال) ويترتب أيضاً أنّه إذا ارتكب النائب عن الغير في الحج حال احرامه موجب الكفارة كانت الكفارة على المنوب عنه (فانّه يقال): بل تجب على النائب على التقديرين، فانّ المنزل منزلة فعل المنوب عنه هو نفس الاحرام وسائر أعمال الحج لا ما يرتكبه النائب في أثنائها كما لا يخفى. وفيما إذا لم يكن على المنوب عنه اشتغال أصلاً، كما في الحج أو الصلاة ندباً عن الميت، فيمكن في مثلهما القول بالتنزيل كما لا يخفى.

والحاصل أنّ ورد في النيابة عن الغير في الحج والعمرة بنحو الاستيجار بعض الروايات، وحملها على الاستيجار على المقدمات خلاف ظاهرها، بل مقتضي الحمل المزبور يعني وقوع الاجارة على نفس المقدمات هو استحقاق الأجرة بالإتيان بها، وإن لم يترتب عليها ذوها. وفي موثقة عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «سألته عن الرجل يأخذ الدراهم ليحج بها عن رجل، هل يجوز أن ينفق منها من غير الحج؟ قال إذا ضمن الحجة، فالدراهم له يصنع بها ما أحب وعليه حجة»(298) حيث إنّ ظاهرها وقوع المعاملة على نفس الحج كما هو معنى ضمانه، وبما أنّه لا يحتمل الفرق بين الحج وسائر العبادات التي قد أحرزت مشروعية النيابة فيها، كقضاء الصلاة والصوم ونحوهما عن الميت، فيكون الاستيجار عليها كالاستيجار للحج.

ثم زنّه كما يستحقّ الغير بالاجارة[1].

[1] ذكر «ره» أنّه كما لا يجوز تمليك العمل الواجب عليه للغير بالأجرة، كذلك لا يجوز صرف ما يملكه الغير عليه لنفسه، بأن يأتي لنفسه بعنوان العبادة ما استحقه الغير عليه، كما إذا استوجر لاطافة صبي أو مغمى عليه، فلا يجوز أن ينوي الاطافة طوافاً لنفسه أيضاً، وكذا فيما إذا استوجر لحمل الغير في طواف ذلك الغير فلا يجوز أن ينوي لنفسه الطواف في تلك الأشواط. وهذا هو المراد من الاستيجار للحمل مطلقاً، وجوز بعضهم الطواف لنفسه فيما إذا استوجر لحمل الغير في طواف نفسه، وهذا هو المراد من الاستيجار للحمل في طوافه، ووجه الجواز في هذه الصورة عدم كون الأشواط للغير، بل ما يملكه الغير عليه هو نفس الحمل فيها، نظير ما إذا استوجر لحمل شيء آخر فيها بخلاف الصورتين الأولتين، فان الأشواط فيهما مستحقة للغير.


259

(اقول): الصحيح هو عدم الفرق بين الصور الثلاث، فيجوز أن ينوي فيها الطواف لنفسه، وذلك فانّ كون شخص أجيراً في عمل لا يقتضي إلا تمليك ذلك العمل فقط للمستأجر، لا بمقدماته ومقارناته، ولذا يجوز اجارة نفسه لآخر فيهما، وعلى ذلك فالحركة المخصوصة مقدمة لاطافة الغير، أي جعل الغير طائفاً، كما أنّها مقدمة لحمل الآخر في طواف ذلك الآخر، فيجوز صرفها لنفسه بقصده الطواف لنفسه.

نعم لو استوجر للحمل لا في طوافه بأن يكون أجيراً لحمل المستأجر بشرط أن لا يكون الحامل طائفاً حال الحمل. وهذه صورة رابعة، فقصد الحامل فيها الطواف لنفسه مخالفة للشرط، وباعتبارها يكون منهياً عنه فيفسد. ويحتمل أن يكون هذا الاشتراط تقييداً لمتعلق الاجارة، بأن يملك المستأجر الحمل عليه حال عدم طوافه لنفسه وبقصد كل من الحامل والمحمول الطواف ينتفي مورد الاجارة فلا يستحق على المستأجر شيئاً،وترك الحامل مورد الاجارة وإن كان محرماً، إلاّ أن طوافه لنفسه لا يكون منهياً عنه حتى يفسد، ووجه عدم النهي عنه عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، فلابدّ في الحكم من ملاحظة أنّ العقد على الاشتراط أو على التقييد.

ثمّ إنّه ليس مما تقدم ما إذا حج الأجير لنفسه ندباً في سنة الاجارة، وذلك فان ترك الحج عن المنوب عنه وإن كان من ترك الواجب، لوجوب تسليم العمل المملوك للغير إليه، إلاّ أن الحج لنفسه في تلك السنة ضد خاص لما وجب عليه بالاجارة، والأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص، بل يمكن شمول الاستحباب لذلك الضد بنحو الترتب.

ثم إنّه لو قيل بأن مقتضى الإجارة على عمل تمليكه بمقدماته، فلا بأس أيضاً بقصد الطواف لنفسه في الصور الثلاث المتقدمة؟ باعتبار أنّ قصد الأجير الطواف لنفسه بحركته الاستقلالية فيها من قبيل الانتفاع بملك الغير، لا التصرف فيه، والانتفاع بملك الغير ما لم يمكن تعدياً وتصرفاً فيه غير ممنوع، كالاستظلال بظل الغير أو استنارة بنوره وهكذا هكذا.


260

طواف الأجير حال اطافة الغير

قال في المسالك: هذا إذا كان الحامل[1].

[1] أي جواز احتساب حركته المخصوصة وقصده بها الطواف لنفسه يختص بالموارد التي لا يملك المحمول فيها تلك الحركة، كما إذا كان الحامل متبرعاً أو حاملاً بجعالة، حيث لا يملك في الجعالة باذل العوض العمل على الآخر، أو كان أجيراً للحمل في طوافه، بمعنى أنّه آجر نفسه للغير لحمله حال الطواف لنفسه، فانّه يمكن في جميع ذلك أن ينوي كل من الحامل والمحمول الطواف لنفسه. وأمّا إذا استؤجر للحمل مطلقاً، أي أنّه آجر نفسه لحمل الغير، ولم يقيد في الاجارة بكون الحمل حال الطواف لنفسه، فلا يصح أن ينوي الحامل الطواف لنفسه، لأنّ حركته المخصوصة مستحقة للغير في صورة الاطلاق، باعتبار توقف طواف المحمول عليها، فلا يصح صرف تلك الحركة لنفسه.

وأورد الايرواني «ره» على الفرق وذكر أنّه لا يختلف الحكم بين كونه أجيراً لحمل الغير في طواف نفسه، وبين كونه أجيراً لحمل الغير بلا تقييد، بكون الحمل حال طواف نفسه، ووجه عدم الاختلاف أنّه لو كان أجيراً لحمل الغير على نحو الاشتراط والتعليق، بمعنى أنّه على تقدير طوافه لنفسه كان عليه أن يحمل الغير، فهذا من التعليق في الاجارة، وإن كان أجيراً لحمله لا على نحو الاشتراط والتعليق استحق المستأجر عليه الحركة المخصوصة باعتبار توقف الحمل عليه، ولا يجوز للأجير أن ينوي بتلك الحركة الطوف لنفسه.

ولكن الصحيح كما ذكرنا عدم دخول مقدمات الحمل في متعلق الاجارة، فان اطافة الصبي أو المغمي عليه هي جعل الصبي أو المغمي عليه طائفاً فيعتبر فيهما شرايط الطواف من الطهارة وغيرها.

وبعبارة أخرى يكون طواف الصبي أو المغمي عليه هي الحركة التبعية، وحركة الأجير مقدمة لطوافهما، وكذا الحال في اشتراط حمله في طوافه أو مطلقاً وإلزام الأجير ـ بالقدمة على تقدير امتناعه ـ لا يقتضي دخول تلك المقدمة في ملك المستأجر، ليكون صرفها على نفسه من التصرف في ملك الغير، فيكون منهياً عنه.

وممّا ذكرنا يظهر أنّه ليس الجواز لبعض الروايات الواردة في اطافة الصبي أو غيره في طواف نفسه، ووجه الظهور عدم فرض الاستيجار في موردها لتصلح جواباً عن المناقشة بأنّ صرف الأجير الحركة المخصوصة على نفسه من التصرف فيما يستحقه الغير.


261

أخذ الاجرة على الأذان والاقامة

ثم إنّه قد ظهر مما ذكرناه[1].

[1] قد بنى «ره» على أنّ أخذ الأجرة على عمل لا يجتمع مع قصد التقرب بذلك العمل، سواء كانت عبادة واجبة أو مستحبة، وفرع على ذلك عدم جواز أخذ الأجرة على الاذان، فانّه لانتفاع الغير به كاحراز دخول الوقت، أو الاكتفاء به في الصلاة، يقع مورد الاجارة، ولكن بما أنّه من قبيل العبادة، فلا يصح أخذ الأجرة عليه، حتى فيما إذا كان للاعلام فقط، بناءاً على أنّ أذان الاعلام أيضاً كاذان الصلاة من العبادة، بمعنى أنّ الاعلام بدخول الوقت مستحب كفائي، ولا يحصل هذا الاعلام إلاّ بالأذان الواقع بنحو العبادة.

وبعبارة أخرى لا يصح الاعتماد عليه في دخول الوقت إلاّ فيما وقع على نحو العبادة، ولا يكون طريقاً معتبراً إلى دخولها في غير هذه الصورة، ويذكر في المقام روايات يستظهر منها عدم جواز أخذ الأجرة عليه، كموثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي (ع) «أنّه أتاه رجل، فقال له: واللّه إنّي أحبك للّه، فقال له: ولكنّي أبغضك للّه، قال: ولم؟ قال: لأنّك تبغى في الاذان وتأخذ على تعليم القرآن أجراً»(299) وفي سندها عبداللّه بن منبة والظاهر أنّه اشتباه من النساخ. والصحيح منبه بن عبداللّه. وقد ذكر النجاشي أن حديثه صحيح، ووجه الصحة كون الراوي عنه محمد بن الحسن الصفار الذي يروي عن المنبه في سائر الروايات ولكن في دلالتها على عدم الجواز تأمل، فان بغضه (ع) يمكن لاستمراره على الكراهة، ويشهد لها ما في ذيلها (وسمعت رسول اللّه (ص) يقول من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظه يوم القيمة: فان التعليل يناسب الكراهة كما لا يخفى.

وعن السيد الخوئي طال بقاه أن دلالتها على المنع بضميمة ا ورد من أنّه (ع) لا يبغض الحلال، وفيه أنّه لم أظفر على رواية معتبرة يكون ظاهرها ذلك. نعم ورد في روايات الربا أنّه (ع) كان لا يكره الحلال، وظاهرها خلاف المقطوع، فإنّه (ع) كان يكره المكروهات الشرعية قطعاً، مع كونها محلّلة. وحسنة حمران الواردة في فساد الدنيا وفيها قال (ع): «ورأيت الأذان بالأجر والصلاة بالأجر»(300).


262

وفيه أنه لا دلالة لها أيضاً على المنع، بل ولا دلالة على الكراهة، فإنّها في مقام بيان علامة فساد الأرض، لا بيان موجبات فسادها، ويمكن كون الحلال المخصوص علامة لفسادها، كقوله (ع) فيها: «ورأيت المؤمن صامتاً لا يقبل قوله» فإنّ صمت المؤمن مع عدم قبول قوله لا يكون حراماً، بل ولا مكروها. وروايتي محمد بن مسلم والعلاء بن سيابة عن أبي جعفر (ع)، قال: «لا تصلّ خلف من يبتغي على الأذان والصلاة أجراً، ولا تقبل شهادته»(301)، ولا بأس بدلالتهما على المنع فإنّ الحكم بفسق آخذ الأجر على الأذان أو الصلاة المراد بها الإمامة لا يكون إلا مع حرمة الفعل أو بطلان المعاملة، إلا أنهما ضعيفتان سنداً. وإن وصف السيد اليزدي «ره» رواية محمد بن مسلم بالصحيحة، والأظهر أنه لا بأس بأخذ الأجرة على الأذان وتعليم القرآن، لعدم المنافاة بين أخذ الأجرة على عمل، وكونها عبادة مع أن تعليم القرآن ليس من العبادة والروايات، كما مرّت ضعيفة سنداً أو دلالة، ولكن الأحوط الترك، والله سبحانه هو العالم.

ومن هنا يظهر وجه ما ذكروه في هذا المقام[1].

[1] الوجه هو ذكر الصلاة في حسنة حمران وقد تقدّم ظهورها في الأجر على الإمامة، ولكن ذكرنا عدم دلالتها على المنع. وأما ما ذكره «ره» من أن الانتفاع بالإمامة موقوف على تحققها بقصد الاخلاص إذ المأموم لا يجوز له الاقتداء إلا بإمام تكون صلاته صحيحة، وقصد الاخلاص لا يجتمع مع أخذ الأجرة، فلا يمكن المساعدة عليه، فإنّ ما يفيد الغير في المقام هي صحة صلاة الإمام، حتّى يقتدى بصلاته. وأما كون إمامته بالقربة، فلا يعتبر في جواز الاقتداء وعلى ذلك فلو كان المكلف بحيث يأتي بالصلاة بداعي الأمر بها ولو منفرداً، ولا يأتي بها حتى مع إعطاء الأجرة عليها لولا أمر الشارع بها، فيكون أخذ أجرته على خصوصية صلاته لا على أصلها، وتلك الخصوصية لم تؤخذ في متعلق الأمر بالطبيعة، فلا بأس بذلك الأخذ، غاية الأمر لا يثاب على إمامته، فتدبّر.


263

أخذ الاجرة على الشهادة وأدائها

تحمل الشهادة[1].

[1] تعرّض «ره» لأخذ الأجرة على تحمّل الشهادة، وذكر عدم جوازه بناءاً على وجوب التحمل عند الدعوة إليه، كما هو مقتضى الصحيح الوارد في تفسير قوله سبحانه: «ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا»(302)، وكذا لا يجوز أخذ الأجرة على أدائها والوجه في عدم الجواز هو كون كل من الأداء والتحمل حقاً للمشهود له، فيستحقهما على الشاهد، فيكون أخذ الشاهد الأجرة على الأداء أو التحمل من مبادلة حق شخص بمال ذلك الشخص. وهذا أكل المال بالباطل، بل ينطبق عنوان الأكل بالباطل حتّى فيما لو أخذ المال عن آخر يجب عليه أيضاً الأداء أو التحمل كفاية، حيث أن طلب المال لأداء حق الغير إليه، سواء كان المطلوب منه المال، صاحب الحق أو غيره أكل لذلك المال بالباطل.

أقول: في كون الاستجابة للتحمل أو الأداء مجاناً حقاً للمشهود له تأمّل. وذكر السيد الخوئي (طال بقاه) أن الوجه في عدم جواز أخذ الأجرة استفادة المجانية من دليل وجوبهما، فإنّ قوله سبحانه: «ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا» مع الإغماض عن الرواية أيضاً يعمّ الدعوة إلى التحمل والأداء. ومقتضى إطلاق النهي عن عدم جواز الإباء حتّى مع عدم بذل الأجرة.

وفيه أنه يمكن دعوى كون متعلق النهي الدعوة المتعارفة وإذا كانت الدعوة المتعارفة إلى التحمل أو الشهادة بالأجرة كانت الدعوة إليها كالدعوة إلى الخياطة أو البناء في أنّ وجوب استجابتهما لا يقتضي المجّانية. ويشهد لذلك ملاحظة صدر الآية، فإنّ قوله سبحانه «ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله» لا يقتضي وجوب الكتابة على الكاتب مجاناً.

لا يقال: إنّ بينهما فرقاً فإنّ الكتابة في الدين مستحبة، فلا بأس بأخذ الأجرة عليها، بخلاف الاستجابة لأداء الشهادة أو تحملها.

فإنّه يقال: الاستجابة إلى الكتابة مثل الاستجابة للتحمل أو الأداء واجبة، مع أنّ مقتضى الإطلاق عدم جواز المطالبة بالاجرة للتحمل والأداء، لا عدم جواز أخذها مع إعطائها كما هو المطلوب في المقام وفي مثل الاجرة على القضاء، كما لا يخفى.


264

هذا ويمكن أن يقال بعدم تعارف أخذ الأجرة على تحمل الشهادة أو أدائها، وليس لهما مالية، فيكون أخذها من أكل المال بالباطل. نعم لو توقف التحمل أو الأداء على بذل المال لقطع المسافة ونحوه، لم يجب البذل من كيسه، والوجه في ذلك: أنّ مقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوب التحمل أو الأداء في الفرض، حتّى فيما إذا قال المشهور له: اصرف المال وعلي تداركه، فإنّ مجرد التزامه بالعوض لا يوجب انتفاء الضرر، حيث أنه ربما لا يصل إليه العوض، لعدم وفاء المشهود له بالتزامه.

بقي الكلام في شيء[1].

[1] ذكر جماعة من الأصحاب في الواجبات والمستحبات التي لا يجوز أخذ الأجرة عليها أنه يجوز ارتزاق مؤدّيهما من بيت المال، وليس المراد أخذ الأجرة والعوض من بيت المال على عملهم، فإنه لا فرق في عدم الجواز بين الأخذ من بيت المال أو من غيره، بل يكون إعطاء العوض من بيت المال، باعتبار عدم كونه ملكاً شخصياً للمعطى، أولى بعدم الجواز، فليكن مرادهم أنه إذا قام المكلف بتلك الأعمال التي لا يمكنه ـ مع القيام بها ـ الكسب المناسب، فيقرر له من بيت المال ما يكفيه من مؤنة نفسه وعياله مع فقره، زاد على أجرة عمله أم نقص بعنوان المساعدة، وأما مع غناه، فإن ذلك كان ذلك العمل واجباً عليه، فلا يجوز لولي المسلمين الإعطاء من بيت المال، فإنّ عدالة القاضي تمنعه عن ترك القضاء الواجب عليه، فيكون إعطاؤه مع غناه من إتلاف بيت المال. وهذا بخلاف البذل لمثل المؤذن والإمام الراتب ممن يقوم بالمستحبات، فإنه يجوز فيما إذا كان تركه موجباً لترك الأذان والإمامة ونحوهما، ولا يكون من إتلاف بيت المال بلا جهة، بل القاضي فيما إذا أراد الارتحال من البلد إلى الآخر للقضاء في ذلك البلد، وكانت الحاجة إليه في البلد أشد، فإنه لا بأس بالبذل له، فإنه من صرف بيت المال في سبيل صلاح المسلمين.


265

حكم بيع المصحف

صرّح جماعة[1].

[1] ذكر جماعة من القدماء والمتأخرين عدم جواز بيع المصاحب، ومرادهم ـ كما أوضح في الدروس ـ بيع خطه، وكانت حرمة بيعه مشهورة بين الصحابة على ما هو ظاهر نهاية الأحكام، حيث تمسك في إثباتها باشتهارها بين الصحابة، ويدل عليه ظاهر جملة من الروايات.

منها: رواية سماعة عن الشيخ «ره» بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبدالله الرازي عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن زرعة عن سماعة بن مهران قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) يقول: لا تبيعوا المصاحب، فإنّ بيعها حرام، قلت: فما تقول في شرائها؟ قال: اشتر منه الدفتين والحديد والغلاف، وإياك أن تشتري منه الورق، وفيه القرآن مكتوب»(303) وهي ضعيفة، وليست بالموثقة، فإنّ أبا عبدالله الرازي هو محمد بن أحمد الجاموراني الزراري، وقد استثناه ابن الوليد عن روايات محمد بن أحمد بن يحيى، وفي استثنائه دلالة على ضعفه، كما أنّ ضعف الحسن بن علي بن أبي حمزة أظهر من أن يذكر، فتوصيف المصنف «ره» الرواية بالموثقة غير تامّ.

ومنها: رواية عبدالرحمن بن سيابة عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «سمعته يقول: إنّ المصاحف لن تشتري، فإذا اشتريت، فقل إنّما اشترى منك الورق، وما فيه من الأديم، وحليته، وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا»(304) وفي موثقة سماعة عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «سألته عن بيع المصاحف وشرائها؟ قال: لا تشتر كتاب اللّه، ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين، وقل: أشتري منك هذا بكذا وكذا»(305).

ولكن في مقابلها ما يظهر منه الجواز، كصحيحة أبي بصير، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن بيع المصاحف وشرائها؟ فقال: إنّما كان يوضع عند القامة والمنبر، وقال: كان بين الحائط والمنبر قدر ممرشاه أو رجل، وهو منحرف، فكان الرجل يأتي فيكتب البقرة، ويجيء آخر، فيكتب السورة كذلك كانوا، ثمّ إنّهم اشتروا بعد ذلك، فقلت: فما ترى في ذلك؟ قال: اشتريه أحب إلى من أن أبيعه»(306).

ونحوها موثقة روح بن عبدالرحيم، وزاد فيها «قلت: فما ترى أن أعطى على كتابته أجراً؟ قال: لأ بأس، ولكن هكذا كانوا يصعنون»(307).


266

ومقتضى الجمع بين الطائفتين هو حمل المانعة على الكراهة. ولكن ذكر المصنف «ره» أنّ صحيحة أبي بصير لا تصلح أن تكون قرينة على صرف النهي في سائر الروايات إلى الكراهة، فان مدلولها أنّه لم يكن في الصدر الأول تحصيل المصاحف بالشراء، وانّما حدث ذلك أخيراً. وأمّا كيفية بيعها وشرائعها وهل هو مثل سائر الكتب أم لا؟ فلا دلالة لها على المماثلة إلاّ بالاطلاق أي السكوت في مقام البيان فيرفع اليد عن ذلك بمثل رواية عبدالرحمن المتقدمة الدالة على الكيفية المعتبرة في بيع المصاحف وشرائها، بل هذا الاطلاق أيضاً يمكن منعه بعدم كون الرواية في مقام البيان من جهة الكيفية ليمكن دعوى اطلاقها.

وبهذا يظهر الحال في رواية عنبسة الوراق، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع)، فقلت: إنّي رجل أبيع المصاحف، فان نهيتني لم أبعها، فقال ألست تشتري ورقاً وتكتب فيه، فقلت: بلي وأعالجها، فقال لا بأس بها»(308) فانّ ظهور هذه في جواز بيع المصاحف كسائر الكتب بالاطلاق وبالسكوت في مقام البيان، فيرفع اليد عنه بالبيان الوارد في الروايات المتقدمة.

(اقول): لابدّ من رفع اليد عن الأخبار المانعة بحملها على الكراهة، فانّه قد ورد في موثقة روح بن عبدالرحيم المتقدمة نفي البأس عن الكتابة بالأجر، ولو لم يكن لخط القرآن مالية، باعتبار عظمته لم تكن كتابته من الأعمال التي لها قيمة.

والحاصل أنّه لا يحتمل الفرق بين الأجر على كتابه القرآن وبين بيعه، وجواز الأول كاشف عن جواز الثاني. هذا مع أنّ ظاهر السؤال في مثل صحيحة أبي بصير بقوله (فما ترى في شرائها) هو السؤال عن جواز شراء المصاحف بالنحو المتعارف في سائر الكتب، فيكون جوابه (ع) بالجواز راجعاً إلى ذلك النحو، وهذا من الظهور الوضعي لا الاطلاقي ليتوقف على تمامية مقدماته، وذلك فانّ دلالة اللفظ الموضوع للكتاب عليه بالوضع واضافة البيع إليه ظاهرة بمقتضى وضع الاضافة، في تعلقه بعنوان ذلك الكتاب كما لا يخفى.

بقي الكلام في المراد من حرمة البيع[1].

[1] لا يخفى أنّ المصحف كسائر الكتب تكون خطوطه وصفاً مقوماً له، ولا يمكن كون الوصف مطلقاً مقوماً كان أم غيره ملكاً لشخص، وموصوفه ملكاً للآخر. بل لو كان الوصف في الشيء حاصلاً بعمل الآخر، وكان بأمر من مالك ذلك الشيء أو باستيجاره فيستحق العامل الأجرة عليه، وإلاّ فلا احترام لفعله، ولا يكون له على مالكه أجرة أصلاً، وعلى ذلك فلو كان النهي عن بيع المصاحف لزومياً كان المراد بمتعلق النهي، ملاحظة خطوطها في أخذ العوض عليها، على ما تقدم سابقاً في النهي عن بيع الجارية المغنية، وفي النهي عن بيع آلات اللهو.


267

والحاصل أنّ المراد بالنهي عن بيع المصاحف هو المنع عن بيع الأوراق بملاحظة كونها موصوفة بالكتابة القرآنية. وبهذا يظهر أن ما ذكره المصنف «ره» من أي النقوش ان لم تعد من الأعيان المملوكة عرفاً، بل من صفات المنقوش الذي تتفاوت قيمته بوجودها وعدمها، فلا حاجة إلى النهي عن بيع الخط، فانّه لا يقع بازائه جزء من الثمن ليقع في حيز النهي ـ لا يمكن المساعدة عليه، لما ذكرنا من كون الخطوط وصفاً مقوماً، نظير بيع آلات اللهو، وانّ النهي مقتضى عدم جواز لحاظ هذا الوصف في مقام المبادلة، على ما تقدم في بيع الآلات.

نعم ذكرنا أنّه لابدّ من حمل النهي على الكراهة أي على كراهة ايقاع المعاملة على المصحف بما هو مصحف، وأنّ اللازم في التخلص من هذه الكراهة جعل الثمن بازاء الأوراق بما هي أوراق، والثمن المأخوذ وإن كان زائداً على ثمن الأوراق، والزيادة بداعي اتصاف تلك الأوراق بالكتابة القرآنية، الا أنّه لا يذكر هذه الجهة في العقد، بل يذكر فيه عنوان الأوراق والحديد، وبعد انتقال الأوراق إلى المشتري يكون مالكاً لها بما هي مصحف، حيث تقدم تبعية الخطوط، وانّه لا يمكن كونها ملكاً لشخص، والأوراق ملكاً لآخر.

(لا يقال) لا فرق بين النهي في المقام وبين النهي عن بيع آلات اللهو، غاية الأمر عدم المالية في تلك الآلات باعتبار خستها، وفي المصحف باعتبار عظمته، كما يرشد إلى ذلك، قوله في مضمرة عثمان بن عيسى: «لا تشتر كلام اللّه» وعلى ذلك يكون النهي عن بيع المصحف نظير النهي عن بيع تلك الآلات حقيقياً، لا راجعاً إلى صورة العقد كما تقدم، نعم يجوز بيع الأوراق والحديد من المصحف نظير بيع المواد من الآلات.

(فانّه يقال) إنّ تجويز بيع المصحف في صحيحة أبي بصير المتقدمة وتجويز أخذ الأجرة على كتابته في موثقة روح بن عبدالرحيم قرينة على اختلاف الحكم في المقام، وأنّ ايقاع المعاملة على المصحف كإيقاعها على سائر الكتب مكروه، ولابدّ من التخلص عن الكراهة من إيقاعها على الاوراق والحديد، فيكون هذا حكماً راجعاً إلى صورة العقد، ولا يتعين بيع المصحف بقيمة الأوراق والحديد، كما كان يتعين ذلك في بيع الآلات، على تأمّل كما لا يخفى.


268

وأمّا ما ذكره المصنف «ره» من فرض كون خطوط المصحف من الأعيان في مقابل أوراقه ـ فغير صحيح، وعلى تقديره فيرد عليه ما أورده «ره» من أنّه لو قيل ببقاء تلك الخطوط على ملك البايع بعد بيعه الأوراق، لزم شركة البايع والمشتري في المصحف بالقيمة، ولا يمكن الالتزام بها. وإن انتقلت إلى المشتري، فإن كان انتقالها بجزء من الثمن فهو عين بيع المصحف، ولا يكون للنهي عنه معنى إلاّ الحمل على الكراهة، وإن كان انتقالها قهراً تبعاً للأوراق، فهو خلاف مقصود المتبايعين، فان قصدهما اعطاء العوض وأخذه في مقابل المصحف المركب من الأوراق، والخطوط، فلابدّ من ارجاع النهي إلى التكليف الصوري أي التكليف الراجع إلى صورة المعاملة، بأن يجعل الخطوط فيها بعنوان الشرط في البيع، لا الجزء من المبيع.


269

بيع المصحف من الكافر

ثمّ انّ المشهور بين العلاّمة[1].

[1] المشهور بين العلامة والمتأخرين عنه ـ على ما قيل ـ عدم جواز زبيع المصحف من الكافر، حتى بالوجه الذي يجوز بيعه من المسلم بذلك الوجه، واحتمل المصنف «ره» أن يكون مستندهم في عدم الجواز أمرين (الأول) فحوي ما دلّ على عدم جواز تملك الكافر المسلم.

(أقول) الفحوى ممنوعة، فانّه لو كان أصل الحكم ثابتاً بأن لا يصح تملك الكافر العبد المسلم، فهو باعتبار أن ـ ملك الكافر المسلم وعدم تمكن المسلم على تصرفاته وأفعاله إلاّ برخصة منه ـ ولاية للكافر على المسلم، ولا يجري ذلك في ملك الكافر المصحف، وبعبارة أخرى لو لم يكن هذا هو الملاك جزماً فلا أقل من احتمال كونه الملاك، ومعه لا يمكن دعوى الفحوى. وأمّا أصل الحكم فانّه روي الشيخ «ره» في نهايته عن حماد بن عيسى عن أبي عبداللّه (ع) أنّ أميرالمؤمنين (ع) أتى بعبد ذمي قد أسلم، فقال: إذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا ثمنه إلى صاحبه، ولا تقروه عنده(309) فيقال ظاهر هذه الرواية عدم سلطان للكافر على اقرار المسلم في ملكه.

وفيه أنّه لابدّ في المسألة من الاعتماد على وجه آخر، فانّ هذه الرواية لضعف سندها بالرفع لا يمكن الاعتماد عليها (لا يقال): سند الشيخ إلى حماد مذكور في المشيخة، وليس فيه ضعف (فانّه يقال) لم يحرز أنّ الشيخ رواها في النهاية عن كتاب حماد، وملاحظة المشيخة تنفع فيما إذا أحرز أنّ روايته عن كتابه، والإحراز بالإضافة إلى روايات التهذيب والاستبصار فقط، لذكره في أول التهذيب ببدء الرواية باسم صاحب الكتاب الذي يروي عنه، وبدؤه ـ «ره» في التهذيب بمحمد بن يحيى مرفوعاً عن حماد ـ قرينة على عدم أخذه الرواية من كتاب حماد وإلاّ لكان المناسب بدء السند به لا بمحمد بن يحيى ولعل قوله سبحانه «لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً»(310) كاف في ذلك الحكم، فتأمّل.


270

(الأمر الثاني) قوله (ع): (الإسلام يعلى ولا يعلو عليه) أقول هذا نبوي مرسل، ولا يمكن الاعتماد عليه، ومدلوله إن كان اثبات العلو للإسلام بحسب مقام الإثبات والبرهان، فهذا صحيح، ولكن لا يرتبط بالمقام، وإن كان علوه بحسب تشريع الأحكام، فهذا لا يقتضي عدم جواز بيع المصحف للكافر، فانّ مجرد تملكه لا يكون علواً للكفر على الاسلام، كما أنّ مجرد تملك مسلم الإنجيل لا يكون علواً للإسلام على الكافر. نعم لا يجوز اعطاء المصحف بيد الكافر، فيما إذا كان الإعطاء تعريضاً للمصحف الشريف للنجاسة الموجبة لهتكه، وهذا غير بحث الملكية الحاصلة بالبيع ونحوه.

المحترم لأسمائه[1].

[1] بصيغة الفاعل أي الكافر الذي يرى الحرمة لأسمائه تعالى.

الدراهم المضروبة[2].

[2] بناءً على تسرية الحكم، فلا يجوز بيع الدراهم من الكافر، حتى فيما إذا لم تكن مالية للسكة الموجودة عليها، كالدراهم المأخوذة للتبرك والمكتوب عليها اسم النبي (ص) أو غيره من المعصومين (ع)، فإنّ بيعها باعتبار موادها أي الذهب والفضة وإن كان نظير بعض الحلويات أو الصابون المصنوع بصورة الحيوان، فيباع في السوق باعتبار موادها، إلاّ أنّ المفروض في المصحف عدم جواز بيعه من الكافر، حتى باعتبار أوراقه وحديده، ولازم التعدي إلى الدراهم المفروض التبرك بسكتها عدم جواز بيعها حتى باعتبار مادتها.


271

جوائز الجائر وعماله

جوائز السلطان وعمّاله[3].

[3] للمال المأخوذ من الجائر أو عماله مجاناً أو معاوضة صور أربع: (الأولى) عدم العلم تفصيلاً ولا إجمالاً بوجود الحرام في أمواله (الثانية) عدم العلم لا تفصيلاً ولا إجمالاً بالحرام في المأخوذ منه مع العلم الإجمالى بالحرام في أمواله (الثالثة) العلم تفصيلاً بحرمة المأخوذ منه، وأنه ليس للجائر (الرابعة) العلم إجمالاً بوجود الحرام في المأخوذ منه، وأنه مشتمل على مال الغير.

أمّا الصورة الأولى فقد ذكر المصنف «ره» فيها جواز الأخذ والتصرف، للأصل والاجماع والاخبار الآتية، وينبغي أن يراد بالأصل قاعدة اليد، فانّ مقتضاها كون الجائر مالكاً لما في يده، فيكون تصرفاته فيه نافذة. وأمّا أصالة الصحة فلا يمكن إجراؤها مع الإغماض عن قاعدة اليد، فإنّها لا تجري فيما إذا لم تحرز سلطنة الشخص شرعاً على التصرف، كما في المقام، فانّه لا دليل على اعتبارها غير السيرة الجارية على حمل المعاملات الصادرة عن الغير على الصحة، والمقدار المحرز من السيرة موارد إحراز السلطنة، وعلى ذلك فمن المحتمل أن لا يكون الجائر سلطاناً على تمليك المال المفروض باعتبار عدم كونه مالكاً له. وأمّا الإستصحاب، فمقتضاه عدم جواز الأخذ، وعدم كون المال ملك الجائز والاجماع لا يصلح للإعتماد عليه، فانّه لا يكون إجماعاً تعبدياً، بل من المحتمل ـ لو لم يكن من المقطوع به ـ أنّ المدرك لافتائهم بالجواز قاعدة اليد أو غيرها، كما لا حاجة في هذه الصورة إلى الأخبار، فانّ الجواز على القاعدة، إلاّ أن يراد أنّ في الأموال المأخوذة من السلطان الجائر أو عما له شبهة حرمة تكليفاً، حتى فيما إذا أحرز باليقين بأنّ المأخوذ ملكه شخصاً، وهذه الشبهة مدفوعة بأصالة الحل والأخبار الآتية.


272

ثمّ ذكر المصنف «ره» أنّه ربّما يوهم بعض الأخبار أنّ حل المال في هذه الصورة مشروط بثبوت مال حلال للجائر، كرواية الاحتجاج عن الحميري أنّه «كتب إلى صاحب الزمان عجل اللّه فرجه يسأله عن الرجل يكون من وكلاء الوقف، مستحل لما في يده، ولا يتورع عن أخذ ماله، ربما نزلت في قرية هو فيها أو أدخل منزله، وقد حضر طعامه، فيدعوني إليه، فإن لم آكل عاداني عليه، فهل يجوز لي أن آكل طعامه واتصدق بصدقة، وكم مقدار الصدقة؟ وإن أهدي هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر، فيدعوني إلى أن أنال منها، وأنا أعلم أنّ الوكيل لا يتورع عن أخذ ما في يده، فهل على فيه شيء إن أنانلت منه؟ الجواب إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده، فأقبل بره وإلاّ فلا(311).

ولا يخفى أنّ ظاهر الخبر صورة العلم بحرمة مال الجائر، وفرض مال حلال له فيها، باعتبار أن لا يكون حرمة المأخوذة محرزة تفصيلاً، لا أنّ وجود مال حلال له شرط تعبدي في جواز المأخوذ منه.

أمّا الثانية[1].

[1] (الصورة الثانية) وهي ما يعلم ثبوت الحرام في الأموال التي بيد الجائر ويحتمل كون الجائزة من ذلك الحرام، فيجوز في هذه أيضاً أخذ الجائزة تكليفاً ووضعاً، لجريان قاعدة اليد في الجائزة، ولا تكون معاوضة باليد على سائر أمواله، سواء احتمل الآخذ الابتلاء بها بعد ذلك، أم لا، وذلك فانّ عدم جواز التصرف بالاضافة إلى سائر الأموال محرز تفصيلاً، فانّها إمّا ملك الجائر واقعاً، وباعتبار عدم إذنه في التصرف فيها تكون حراماً. وأمّا ملك لغيره، فلا يجوز التصرف فيها بدون إذن ذلك الغير، وأمّا بالإضافة إلى الجائزة، فلا علم بحرمتها، فتكون مورداً لقاعدة اليد بلا معارض. نعم في مثل ما إذا خيره الجائر في أخذ أحد أثوابه المعلومة حرمة بعضها إجمالاً، يدخل الفرض في الصورة الرابعة.

(لا يقال): إنّ العلم الإجمالي في هذه الصورة منجز، وذلك فانّ العلم التفصيلي بحرمة سائر أموال الجائ، لكونها ملك الغير أو انّها ملكه، وباعتبار عدم إذنه يحرم التصرف فيها، لا يوجب جريان قاعدة اليد في المأخوذ، لسقوطها بالعلم الإجمالي بحرمة المأخوذ أو عدم جواز الأخبار والشهادة على كون سائر أمواله ملكاً له. والحاصل أنّ ليده على سائر أمواله أثراً فعلياً، وهو جواز الأخبار والشهادة على كونه مالكاً له (فانّه يقال) إذا علم وجود الحرام في سائر أمواله، واحتمل كون المأخوذ أيضاً حراماً، فلا بأس باجراء قاعدة اليد في المأخوذ. نعم إذا علم حرمة بعض أمواله وتردد ذلك البعض بين كونه جائزة أو ما هو عند الجائر، فلما ذكر من دعوى العلم الاجمالي بحرمة المأخوذ أو عدم جواز الأخبار بمليكة ساير ما في يده وجه، فانّه يكون أيضاً ليده على سائر أمواله أثر، وهو جواز الأخبار بكونها ملكاً له.

ثمّ إنّ هذا الوجه كما ترى يجري حتى في الشبهة غير المحصورة، والتي لا يمكن عقلاً فيها ابتلاء المكلف بتمام أطرافها، فلا يحل المأخوذ فيها، لسقوط قاعدة اليد، ويكون عدم الجواز مقتضى استصحاب الفاسد.


273

ثمّ إنّه قد صرح جماعة بكراهة أخذ الجائزة من الجائر، وعن العلامة الاستدلال عليها باحتمال كونها حراماً في الواقع، وللنهي عن ارتكاب المشتبه في مثل قولهم: (دع ما يريبك) وللترغيب في تركها في مثل قولهم: (من ترك الشبهات نجى من المحرمات) وبعضهم زاد على هذا الاستدلال وجوهاً.

(منها) أنّ أخذ المال من الجائر وعماله سبب لمحبتهم، فانّ القلوب مجبولة على حبّ من أحسن إليها.

و(منها) أنّه تترتب على أخذ المال من الجائر أو عماله مفاسد لا تخفى، كما يفصح عن ذلك ما في صحيحة أبي بصير من قوله (ع): «إنّ أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله»(312).

و(منها) رواية عبداللّه بن الفضل عن أبيه عن الكاظم موسى بن جعفر سلام اللّه عليه: «واللّه لولا أنّي أرى من ازوجه بها من عزاب بني أبي طالب لئلاّ ينقطع نسله ما قبلتها أبداً»(313) فانّها ظاهرة في مرجوحية أخذ المال لولا الجهة المذكورة.

ولكن لا يصلح شيء من ذلك لاثبات الكراهة، وذلك فانّ ظاهر أخبار الاحتياط والتوقف في الشبهات هو الإرشاد إلى موافقة التكاليف الواقعية، والترغيب في إدراك ثواب طاعتها، والتحرز عن محذور مخالفتها. وهذا لا يختص بخصوص الجائزة، بل يعم كل الشبهات حتى المال المأخوذ من العدول. وأمّا أنّ أخذ المال من الجائر يوجب حبه فليس كذلك، فانّ بين المحبة لهم وأخذ المال منهم العموم من وجه، فقد يأخذه عوضاً عن متاعه في معاملة اضطر إليها. وأمّا ترتب المفسدة فلا شهادة له في صحيحة أبي بصير، فانّها ناظرة إلى اعانة الظالم، وكون الشخص من أعوان الظلمة على ما تقدم سابقاً.

ورواية قبول الإمام (ع) هدية هرون، لا يمكن الاعتماد عليها، لضعفها سنداً ودلالة، فانّها واردة في مورد خاص، فلعل المال المفروض كان من المجهول مالكه، ومورده التصدق به عن مالكه، ولو لم يكن صرف ذلك المال في تزويج عزاب بني أبي طالب بعنوان الصدقة عن مالكه، لم يكن يأخذه الإمام (ع)، ومثل هذا لا يرتبط بالمقام.

والوجوه التي زادوها على استدلال العلامة مقتضاها ـ على تقدير تماميتها ـ كراهة الأخذ حتى مع إحراز كون المال ملك الجائر واقعاً، كما أنّ ما ذكره العلامة مقتضاه كراهة الأخذ حتى مع إحراز كون المال ملك الجائر واقعاً، وكراهة الأخذ والتصرف في مطلق المال المشتبه من دون خصوصية للمأخوذ من الجائر.


274

حكم الجائزة المأخوذة من الجائر وعماله

ثم انّهم ذكروا ارتفاع الكراهة بأُمور[1].

[1] (الأول) إخبار الجائر بأنّ المال ملكه واقعاً، ولكن قد ظهر ممّا تقدم أنّ الكراهة ـ على تقديرها ـ لا ترتفع بذلك، فانّ الموجب لها إمّا إشتباه المال، ولا يرتفع الاشتباه باخبار العدل، فضلاً عن الجائر، وما ذكره المصنف «ره» ـ من أنّ الموجب للكراهة هو كون المال مظنة الحرمة ـ لا يمكن المساعدة عليه، فانّ أخبار الاحتياط والتوقف عند الشبهات لا تختص بصورة كون المال مظنة الحرام، بل تعم مطلق ما يحتمل حرمته واقعاً. وامّا الوجوه المذكورة فقد ذكرنا أنّ مقتضاها ثبوت الكراهة حتى مع العلم بحلية الجائرة.

ومنها إخراج الخمس[2].

[2] (الثاني) إخراج الخمس عن المال المأخوذ من الجائر ولا يخفى أنّ إخراج الخمس في المال المختلط حكم الزامي لا حكم استحبابي حتى يتعدي إلى المقام.

وثانياً أنّ الخمس في المال المختلط ثابت بعنوان التصدق بالمال المجهول مالكه، فيما إذا لم يعلم قدر المال وصاحبه، وليس من الخمس المعروف كما عليه المشهور. وعلى كل تقدير، فالحكم، باستحباب اخراج النفس ـ في المقام المفروض فيه احتمال كون جميع المال حراماً واقعياً، نظراً إلى ثبوته في المال المختلط ـ قياس مع الفارق، فانّ التصدق بمقدار الخمس في المال المختلط باعتبار أنّ عين ذلك إن كان مال الغير فيكون الواجب إيصاله إلى صاحبه بالتصدق عنه، وإن كان مال الغير غيره، فيجوز لمن في يده، المال المجهول مالكه، تبديل ذلك المال، والتصدق بالبدل، فالتصدق بالخمس إيصال المال الغير إليه على كل تقدير، بخلاف المقام المحتمل فيه كون المأخوذ بتمامه مال الغير كما لا يخفى.

وامّا الموثقة المسئول فيها عن عمل السلطان ـ «يخرج فيه الرجل، قال (ع): لا إلاّ أن لا يقدر على شيء يأكل ويشرب، ولا يقدر على حيلة فان فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسة إلى أهل البيت (ع)»(314) ـ فلا يمكن الاستدلال بها على استحباب الخمس. والوجه في ذلك أنّه يدور الأمر فيها بين رفع اليد عن اطلاقها وحملها على لزوم بعث الخمس في المقدار الزائد على المؤونة، بقرينة مثل صحيحة علي بن مهزيار الدالة على كون الخمس بعد مؤونة الرجل وعياله، وبين ابقاء الاطلاق على حاله، وحمل الأمر بالبعث على الاستحباب والمتعين هو التقييد كما هو المقرر في بحث الاطلاق والتقييد.


275

وبهذا يظهر الحال فيما دلّ على وجوب الخمس في الجائزة، وأنّه بقرينة أنّ المال الواحد لا يخمس مرتين، يحمل على كونه بالإضافة إلى الزائد على المؤونة.

وإن كانت الشبهة محصورة[1].

[1] قد ذكرنا أنّ العلم الإجمالي يكون في الصورة الثانية منجزاً للحرام الواقعي (تارة) وغير منجز له (أخرى) والجائزة فيها مع عدم منجزيته محكومة لقاعدة اليد، بأنّها كانت ملك الجائر، وقد انتقلت إلى الآخذ، بخلاف ما إذا كان العلم الإجمالي منجزاً، كما إذا أراد أخذ شيء من تلك الأموال مقاصة، أو أذن الجائر في أخذ شيء منها بنحو التخيير، فإنّه لا يجوز مع ذلك العلم الإجمالي.

قال في الشرايع: (جوائز السلطان الجائر إن علمت حراماً بعينها فهي حرام وذكر في المسالك في شرح العبارة: (انّ التقييد بالعين إشارة إلى جواز آخذها، وإن علم أنّ في أمواله مظالم، كما هو مقتضى حال الظالم، ولا يكون حكمه حكم المال المختلط بالحرام في وجوب اجتناب الجميع، للنص على ذلك) فيقع الكلام في مراده من النص، فإن أراد الروايات الدالة على الترخيص والبرائة في الشبهات نظير قوله (ع): (كل شيء حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) فقد ذكر المصنف «ره» أنّ المقرر في محله حكومة قاعدة الاحتياط عليها.

وفيه ما لا يخفى، فانّ دليل البرائة بشموله لمورد يكون وارداً على قاعدة الاحتياط دون العكس، فانّ الموضوع في قاعدة الاحتياط احتمال العقاب، ومع ثبوت الترخيص في ارتكاب مشتبه لا يكون احتمال عقاب أصلاً. والصحيح عدم جريان الروايات الدالة على الترخيص في موارد العلم الإجمالى بالتكليف، لاستقلال العقل بكافية العلم الإجمالي في وصول ذلك التكليف، ولا يمكن الترخيص القطعي في مخالفة التكليف الواصل، فتكون تلك الروايات مقيدة عقلاً، وعلى من جوز أخذ الجائزة في صورة العلم الإجمالي المنجز الالتزام بأنّ الشبهة المحصورة كالشبهة البدوية في عدم تنجز التكليف أصلاً، كما عليه شر ذمة من متأخري المتأخرين، إلاّ أن لا يكون كلامه ناظراً إلى صورة العلم الإجمالي المنجز، وشيء من هذين لا يناسب تفسير المسالك، فانّ ظاهره أنّ لجائزة السلطان خصوصة مستفادة من النص، وباعتبارها تفترق عن سائر موارد العلم الإجمالي بالحرام. ولا يجري فيها وجوب الإحتياط الثابت في المال المختلط.


276

وإن أراد من النص صحيحة أبي ولاد، فقد ذكر المصنف «ره» فيها ثلاثة احتمالات، وليس عليها خصوصية لجوائز السلطان، قال أبو ولاد: «قلت لأبي عبداللّه (ع)، ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان، وليس له مكسب إلاّ من أعمالهم وانا أمر به وأنزل عليه، فيضيفني ويحسن إلي وربّما أمر لي بالدراهموالكسوة، وقد ضاق صدري من ذلك؟ فقال: خذ منها فلك المهنأ وعليه الوزر»(315).

والاحتمالات (أولها) كون الواصل إلى الشخص من العامل مالاً مشتبهاً بالشبهة البدوية، فان العامل المفروض باعتبار حرمة عمله، يكون كسبه محرماً، وحلية طعامه أو هديته للغير، باعتبار احتمال كونهما من أمواله الشخصية. بالإفتراض أو الشراء في الذمة، لا من أجرة عمله.

و(ثانيها) أن يعلم الآخذ بكون المأخوذ من أجرة عمل العامل. وبما أنّ الأجرة تكون من الخراج أو المقاسمة المباحة للشيعة، فيجوز للأخذ تملكها والتصرف فيها، فله المهنأ، بخلاف العامل، فانّه لا يحل له، فيكون عليه وزرها، إذ لو فرض أنّ المال من غير الخراج والمقاسمة، يكون محرماً على الآخذ أيضاً، باعتبار كونه إمّا ملكاً شخصياً للسلطان وقد أعطاه للعامل أجرة على عمله الحرام، أو ملكاً لسائر الناس وقع بيد العامل جوراً، فلا يكون الإطعام به أو هديته من المالك الشرعي، حتى يحل للاخذ.

و(ثالثها) كون الواصل من الأموال الموجودة عند العامل المعلوم إجمالاً حرمة بعضها، وحلية المأخوذة باعتبار أصالة الصحة الجارية في إطعام العامل وإحسانه، ولا تعارض بأصالة الصحة في سائر الأموال التي عنده، لأنّ أصالة الصحة فيها لا تكون ذات أثر بالإضافة إلى السائل.

(أقول) قد مرّ أنّه لا مجرى لأصالة الصحة في أمثال المقام من موارد الشك في السلطنة على التصرف، فانّ العمدة في وجه اعتبارها هي السيرة التي لم يحرز جريانها في مارد الشك في سلطنة الفاعل. نعم لا بأس بالأخذ بقاعدة اليد بالإضافة إلى المأخوذ من مثل العامل المفروض، ولا تعارض باليد على سائر الأموال التي عنده على ما مر، كما يمكن أن يكون وجه حل المأخوذ للسائل كونه من المال المجهول مالكه، وقد أجاز (ع) تصرف السائل فيه بالتملك أو غيره صدقة عن مالكه، فيكون المال وزراً على العامل لجوره في أخذه، ومهنا للاخذ كما لا يخفى.

وممّا ذكرناه يظهر الحال في رواية أبي المغراء أو غيرها قال: «أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم آخذها؟ قال: نعم، وقلت أحج بها؟ قال: وحج بها»(316) فإنّ المفروض كون المأخوذ مجرى لقاعدة اليد، ومقتضاها جواز تملك ذلك المال وصحة التصرفات الجارية عليه.


277

(لا يقال): لابدّ من حمل الجواز في هذه الأخبار على الحلية الواقعية. و(بعبارة أخرى) تكون مثل صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم جميعاً عن أبي جعف (ع)، قال: «جوائز السلطان لا بأس بها»(317) خاصة يرفع بها اليد عن عموم ما دلّ على حرمة أكل مال الغير بلا رضاه، ويكون المورد نظير ما ورد في لقطة الحيوان: من جواز تملكها مطلقاً، وفي لقطة غيره، من جواز تملكها بعد تعريف سنة، وما ورد في جواز أكل المار من الثمار من طريقه، حتى مع إحراز عدم رضا صاحبه.

(فانّه يقال) المراد بالحلية في الروايات المشار إليها هي الظاهرية، بشهادة مثل صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال (ع) فيها في جواب السؤال عن الشراء من السلطان: «وما الابل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه»(318) فانّها شاملة للجائزة. وعدم البأس فيها مقيد بعدم عرفان الحرام، نظير سائر الخطابات المتضمنة للأحكام الظاهرية. ويلزم على القائل بالحلية الواقعية الإلتزام بها حتى في صورة العلم تفصيلاً بحرمة الجائزة، أخذاً باطلاق نفي البأس عن الجائزة.

وربّما يظهر الإلتزام بذلك من المحقق الإيرواني، ولكن مع عدم عرفان مالكه، نعم يمكن دعوى الحلية الواقعية في موردين: (أحدهما) ما إذا أخذ الربا مع جهله بحرمته، بلا فرق بين كون ذلك الربا مخلوطاً بغيره أو متميزاً و(ثانيهما) إذا وصل مال إلى يد الوارث، مع علمه بأنّ فيه ربا، فانّ جميع المال يكون حلالاً للوارث، مع اختلاطه، وفي صحيحة أبي المغراء عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «كل رباً أكله الناس بجهالة، ثمّ تابوا، فانّه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة، وقال: لو أنّ رجلاً ورث من أبيه مالاً، وقد عرف أنّ في ذلك المال رباً، ولكن اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالاً طيباً، فليأكله، وإن عرف منه شيئاً أنّه رباً فليأخذ رأس ماله، وليرد الرباء وأيما رجل أفاد ما لا كثيراً قد أكثر فيه الربا، فجهل ذلك ثم عرفه، فأراد أن ينزعه فما مضى له، ويدعه فيما يستأنف»(319).

ومثلها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «أتي رجل أبا عبداللّه (ع)، فقال إنّي ورثت مالاً، وقد علمت أنّ صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، وقد عرف أنّ فيه رباً، واستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء العراق وأهل الحجاز، فقالوا لا يحل أكله؟ فقال أبو جعفر (ع): إن كنت تعلم بأن فيه مالاً معروفاً رباً، وتعرف أهله فخذ رأس مالك ورد ماسوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فانّ المال مالك واجتنب ما كان يصنع صاحبه“»(320).


278

وقريب منها غيرها، ولكن الحكم في الوارث خلاف المشهور، بل لم يحضرني الآن قول به من الأصحاب، غيرما ربّما يستظهر من كلام ابن الجنيد، حيث قال في جملة كلام له: (أو ورث ما لا يعلم ان صاحبه يربى، ولا يعلم الربا بعينه فيعزله، جاز له أكله والتصرف فيه إذا لم يعلم فيه الربا) فتأمّل وكيف كان فلا يجري ذلك في سائر المال المختلط بالحرام.

وبهذا يظهر أنّ ما عن السيد اليزدي «ره» من استشهاد على عدم وجوب الاجتناب عن المال المختلط بالحرام بهذه الروايات ـ لا يمكن المساعدة عليه.

وواضح ما في الباب[1].

[1] أي أنّ الأوضح ـ من جهة الدلالة على أنّ جوائز السلطان ليست بخارجة عن قاعدة الشبهة المحصورة لأجل النص ـ عبارة السرائر، حيث قال: (إذا كان يعلم أنّ فيه شيئاً مغصوباً، إلاّ أنّه غير متميز العين، بل هو محفوظ في غيره من أمواله أو غلاته التي يأخذها على جهة الخراج، فلا بأس بشرائه منه، وقبول صلته، لأنّها صارت بمنزلة المستهلك، لأنّه غير قادر على ردّها بعينها) انتهى.

ووجه كونها أوضح عدم استناد ابن ادريس في تجويز الجائزة إلى النص، بل اعتمد فيه على قاعدة الاستهلاك وعدم امكان رد المال بعينه.

فلا إشكال في حرمته حينئذ على الآخذ[2].

[2] أي أنّه لا إشكال في أنّ وقوع المال بيد الجائر لا يكون موجباً لحله على الآخذ ويقع الكلام في فروض.

(الأول) ما إذا علم بحرمة المال قبل أخذه وذكر المصنف «ره» عدم جواز الأخذ في ذلك بغير نية الرد إلى المالك، بلا فرق بين أخذه اختياراً أو تقية. والوجه في عدم الجواز أنّ الأخذ بغير تلك النية تصرف لم يعلم رضاه صاحبه، كما أنّ الشارع لم يأذن فيه، بل قد منع عن التصرف في مال الغير، ورفع الإضطرار أو مشروعية التقية لا يوجب جواز ارتكاب محرم لم يطرأ الإضطرار على خصوصه، بل على الجامع بينه وبين ما هو محلل، كما إذا اضطرإلى شرب أحد ماءين لرفع عطشه المهلك أحدهما طاهر والآخر متنجس، فانّه لا يجوز له شرب المتنجس بعنوان الاضطرار إليه، حيث إنّه لم يطرأ على شربه، ولذا يجب على المصلي مع المخالفين تقية السجود على الارض مع تمكنه عليه، بلا محذور، كما إذا كان المكان مفروشاً بما يصح السجود عليه.


279

وذكر المحقق الإيرواني «ره» عدم جواز الأخذ حتى بنية الرد إلى المالك، فيما إذا أحرز عدم رضاه بأخذه مطلقاً، بل لا يجوز مع الشك في رضا المالك بأخذه بنية الرد إليه، حيث إنّه يحرز بالاستصحاب عدم رضاه بالأخذ، ولا يكون وضع اليد على المال بنية الرد إلى المالك مع عدم رضاه، إحساناً إليه ليقال بحكومة قوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل»(321) على أدلة عدم حل التصرف في مال الغير بلا رضاه، ولذا لو باع الأجنبي مال أحد بثمن أغلى ممّا يريد المالك بيعه به، لا يحكم بصحته أخذاً بقوله (وما على المحسنين من سبيل) وكذا لو أراد تزويج بنته من أحد، وزوجها الأجنبي من آخر، مع كون تزويجها منه أصلح بمراتب، فانّه نكاح فضولي.

(أقول) لو أحرز رضا المالك بالبيع المزبور أو رضا الأب بذلك النكاح حكم أيضاً بكونهما من العقد فضولاً، فيحتاج في نفوذه إلى الإجازة، وذلك فانّ قوله سبحانه ـ «وما على المحسنين من سبيل» ـ لا يصحح استناد البيع إلى المالك أو استناد النكاح إلى الزوجة أو وليها لتعمها أدلة الامضاء.


280

صورة العلم بحرمة الجائزة

وعن السيد الخوئي طال بقاه التفرقة بين صورة إحراز عدم رضا المالك بالأخذ ولو مع نية الرد إليه، وبين الشك في رضاه، وأنّه لا يجوز الأخذ في الاول ويجوز في الثاني، بدعوى أنّه مع إحراز عدم الرضا يكون مقتضى (الناس مسلطون على أموالهم) عدم الجواز، حيث إنّ الأخذ معه معارضة لسلطنة المالك وعدوان على ملكه، ولذا لا يجوز دق باب الغير مع منعه عن دقه. وهذا بخلاف صورة عدم منعه، فانّه لا بأس به، ولا يكون فيه اي معارضه لسلطنة المالك وعدوان على ماله.

(اقول): الصحيح ما يظهر من المصنف «ره» من جواز الأخذ بنية الرد إلى المالك حتى في صورة إحراز عدم رضا المالك بالأخذ، فإنّ الأخذ مع تلك النية إحسان إلى المالك، وإنقاذ لماله، فلا ينافي إحترام المال، الا ترى أنّه لا يكون إنقاذ المال الغريق عدواناً على مالكه، حتى فيما إذا لم يرض بإنقاذه من التلف، ولا يكون عدم رضاه به بداع غير عقلائي مانعاً عن صدق الإحسان على أخذه، والتحفظ عليه من التلف، كذا الحال في فرض دق الباب الغير فيما إذا كان ذلك لانقاذ مالهم من الهلاك، وإخماد النار الواقعة على بيتهم، وهكذا وهكذا.

والحاصل أنّ ما دلّ على حرمة مال الغير وعدم جواز التصرف فيه بلا رضا مالكه منصرف عن مثل هذه التصرفات التي تكون إنقاذاً لمال الغير، فيكون مثل قوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل» حاكماً بلا معارض. وبهذا يظهر أنّ الجواز في الفرض باعتبار إذن الشارع في ذلك التصرف، وبما أنّ أخذ المال إحسان إلى المالك، فيكون في يد الآخذ أمانة شرعية يترتب عليه أحكامها الآتية.


281

هذا كله فيما إذا علم بكون المال ملك الغير قبل أخذه وأمّا إذا علم ذلك بعد أخذه بنية التملك، فإن كان هذا العلم بعد تلفه، فلا إشكال أيضاً في ضمانه، كالصورة التي أخذه بنية التملك مع علمه بالحال، وانّما الفرق بينهما في استحقاق العقاب على الأخذ فيها، بخلاف صورة علمه بالحال بعد تلفه، فانّه لا استحقاق مع الحلية الظاهرية. وأمّا إذا علم بالحال وقصد الرد إلى المالك ثم تلف المال في يده، فقد ذكر المصنف «ره» أنّ مقتضى حدوث الضمان عند الأخذ أن يكون المورد من موارد استصحاب الضمان، عكس ما ذكره في المسالك من أنّ المستصحب هو عدم الضمان، بل الحكم بعدم الضمان مناف لما ذكره ـ في مسألة تعاقب الأيدي على مال الغير ـ من عدم الفرق في إيجاب اليد الضمان بين وضعها على مال الغير، مع العلم بالحال أو مع الجهل، فإنّ هذا الكلام كما تري يقتضي كون اليد في المقام، حين حدوثها موجبه للضمان، فيستصحب.


282

وجوب رد المال الى مالكه

وذكر السيد اليزدي «ره» في تعليقته على المقام: (أنّه بعد علمه بالحال وقصده ردّ المال إلى مالكه، يرتفع عنوان العدوان عن اليد، وينطبق عليها عنوان الإحسان المنافي للضمان) ورد عليه الإيرواني والسيد الخوئي بأنّ طرؤ عنوان الأمانة الشرعية على اليد فيما بعد لا يوجب ارتفاع الضمان كما إذا تاب الغاصب وندم عن عدوانه، وأراد رد المال إلى مالكه، فتلف في طريق رده، فإنّ المشهور أنّ عليه ضمان المال. وكذا فيما إذا وضع اليد على مال بقصد تملكه، جهلاً بالحال. وأخذاً بالحكم الظاهري، كما إذا اشترى متاعاً، ثمّ انكشف كونه غصباً وأراد ارجاعه إلى مالكه فتلف، فإن وضع يده على المال لكونه تصرفاً في مال الغير بلا رضاه حرام واقعاً، وإرادة رده بعد كشف الحال لا تزيد على إرادة الرد في الغاصب النادم، كما هو المقرر في بحث تعاقب الأيدي على مال الغير. والسرّ في ذلك أنّ الأمانة الشرعية لا تثبت على المكلف الضمان.

و(بعبارة أخرى) تلك الأمانة لا تقتضي الضمان، فلا ينافي ثبوته بوجه آخر، والوجه الآخر كون اليد حين حدوثها على المال موجبة للضمان. وهذا الضمان يبقى إلى ردّ المال إلى مالكه، كما هو ظاهر حديث (على اليد) نعم لو أخبر المالك بأنّ عنده ماله، فإذن المالك في الإمساك به يكون هذا ردّ المال إلى مالكه أي تخلية بيته وبين المال، فيرتفع الضمان.


283

(أقول) الظاهر الفرق بين المثالين وبين المقام، وأنّه لابدّ من الإلتزام بارتفاع الضمان في المقام دونهما، فإن وضع اليد فيهما على مال الغير حرام بحسب الواقع فعلاً أو ملاكاً، كما هو المقرر في مسألة التوسط في الأرض المغضوبة والندم بعده، فانّه بالندم وإرادة الخروج، لا يكون التوسط فيها بالخروج حلالاً، بل هو حرام ملاكاً ولو بحسب الواقع، بخلاف المقام فإن أخذ المال من الجائر بقصد الردّ إلى مالكه باعتبار كونه إنقاذاً لذلك المال حلال واقعاً، فإن كان قصد الردّ من الأول يكون المال في يد الآخذ أمانة شرعية من الأول، ولا ضمان فيها لقوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل» وإن كان قصد الرد بعد العلم بالحال كان الإمساك بذلك المال إلى رده إلى مالكه حلالاً واقعاً، من حين القصد كما تكون يده عليه أمانة شرعية وبما أنّ عموم على اليد مخصص في موارد الأمانة المالكية أو الشرعية، سواء كان المال أمانة من الأول أو في الأثناء، فلا مجال للاخذ به، ولذا لا أظن أن يلتزم أحد بالضمان، فيما إذا أعلن المالك بأنّ من كان ماله بيده فليمسك به إلى ردّه إليه، وإذا كان هذا حال إذن المالك كان إذن الشارع واقعاً كذلك. وقوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل» ينفي الضمان لا أنّه لا يثبته حتى لا يكون منافياً لاثبات الضمان باليد حين حدوثها.

وممّا ذكرنا ظهر الفرق بين المقام وبين ما وضع يده على مال الغير عدواناً، ثم خرج من يده بعد وان شخص آخر، وتلف في يد ذلك الآخر، فانّ للمالك الرجوع إلى كل منهما، ووجه الظهور أنّ اليد الحادثة توجب الضمان، وخروج المال عن يده بعد ذلك لا يمنع الضمان، بخلاف المقام، حيث إنّ طرؤ الأمانة على اليد يقتضي عدم ضمانه، كما لا يخفى أيضاً الفرق بين المقام وبين فرض اشتراء المتاع، ثم ظهور كونه غصباً في مسألة تعاقب الأيدي، حيث إنّه لم يفرض فيها كون أخذ ذلك المال من البايع الفضولي إنقاذاً لذلك المال عن التلف، ولذا يكون أخذه أو إمساكه محرماً واقعاً، وكانت الحلية ظاهرية، بخلاف المقام، فان إمساكه مع قصد الرد حلال واقعاً، كما مرّ.

ثمّ إنّه على تقدير تسليم عموم على اليد للمقام ومعارضته بقوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل» تصل النوبة بعد سقوط الاطلاق من الجانبين إلى أصالة البراءة عن الضمان، لعدم المجال للاستصحاب في الشبهات الحكمية. هذا مع الإغماض عن أنّ حديث على اليد ضعيف سنداً، فلا يصلح للاعتماد عليه، والعمدة في ضمان التلف في اليد، هي السيرة العقلائية التي لم تحرز ثبوتها في مثل المقام.

وعلى أيّ حال فيجب على المجاز ردّ الجائزة[1].

[1] ذكر «ره» الأحكام المترتبة على المأخوذ في الصورة الثالثة، منها وجوب رده إلى مالكه فوراً، وذلك فانّ المقدار الزائد على المتعارف في الإمساك تصرف لم يعلم رضا مالكه به، والشارع قد أذن في إمساكه بعنوان الإحسان إلى مالكه بإنقاذه كما تقدم. والزائد على المتعارف لا يكون إحساناً إليه ولا دخيلاً في إنقاذ ماله.

و(منها) أنّ الواجب في الرد وجوب الاقباض، ويحتمل كفاية التخلية بين المال ومالكه.


284

(أقول) اللازم في موارد الأمانة هي التخلية بين المال ومالكه، ولو باعلامه بكون المال عنده، وأنّه لا مانع من قبله في أخذه. وأمّا إيصال المال إلى مالكه بحمله إليه، فلا دليل عليه. والمحرم حبس المال عن مالكه والحيلولة بينهما، ولا يكون قوله سبحانه: «إنّ اللّه يأمر أن تؤدّوا الأمانات»، الآية(322) وكذا الروايات الاظاهرة في هذه التخلية. نعم في مورد الاستيلاء على الأموال المنقولة عدواناً يجب إيصالها إلى مالكها، فان إمساكها ولو مع التخلية تصرف لا يرضى به صاحبها ولا الشارع، وكذا الحال في موارد أخذ المال من مالكه لا للإحسان إليه، بل لمصلحة نفسه، كما في موارد العارية أو العين المستأجرة، فإن إبقاء العين فيهما تصرف لا يرضى به صاحبه.

والمتحصل أنّ وجوب إيصال المال إلى مالكه بالاقباض في هذه الموارد باعتبار أنّ الإمساك بالمال يعد تصرفاً في مال الغير ومنافياً لاحترامه. وهذا بخلاف الإمساك في مثل الوديعة أو المجهول مالكه، فإنّ الإمساك بالمال فيهما مع التخلية لا يعدّ تصرفاً منافياً لاحترام المال. ولا يبعد أن تكون السيرة العقلائية أيضاً على هذا القرار فلاحظ.


285

وجوب الفحص عن المالك

و(منها) لزوم الفحص عن مالك المال في صورة احتمال الظفر به، فإن لزومه باعتبار كون الفحص مقدمة للرد الواجب في مثل قوله سبحانه: «إنّ اللّه يأمر أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» مع ورود الأمر بالفحص في بعض روايات الدين، والعين المجهول مالكها، بحيث يظهر منها أنّ لزومه حكم المال المجهول مالكه، كمعتبرة يونس ابن عبدالرحمن، قال: «سأل أبو الحسن الرضا (ع) وأنا حاضر ـ إلى أن قال ـ رفيق كان بمكة فرحل منها إلى منزله، ورحلنا إلى منزلنا، فلما أن سرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأي شيء نصنع به؟ قال: تحملونه إلى الكوفة، قال لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرفت كيف نصنع؟ قال: إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه، قال: على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية»(323) فإنّ مقتضى مفهوم الشرطية في قوله: (إذا كان كذا) عدم جواز التصدق بالمال مع احتمال الظفر بمالكه ولو بالفحص.


286

حكم المال المجهول مالكه

وقريب منها صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه (ع) «في رجل كان له على رجل حق، ففقده ولا يدري أين يطلبه، ولا يدري أحي أو ميت، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً، قال: أطلب، قال: إنّ ذلك قد طال فاتصدق به؟ قال: أطلبه»(324) فانّ دعوى أنّ المستفاد منهما ومن غيرهما حكم المال المجهول مالكه بحيث يعم الجائزة المأخوذة من الجائر قريبة جداً. وعلى ذلك فلا محال لما ذكره المصنف «ره» من أنّه يحتمل غير بعيد عدم وجوب الفحص عن مالك المال المأخوذ من الجائر، بأن يجوز التصدق به، أخذاً بإطلاق بعض الأخبار الواردة في التصدق مع عدم معرفة صاحبه، كرواية أبي حمرة عن أبي عبداللّه (ع)، وفيها: «فأخرجت من جميع ما كسبت في ديوانهم، فمن عرفت رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به»(325).

(أقول): قد ذكرنا ظهور الروايات في لزوم الفحص، وعليه فلابدّ من رفع اليد عن إطلاق مثل هذه بحملها على صورة عدم الظفر على مالك المال بعد الفحص مع أنّ هذه لضعف سندها غير صالحة للاعتماد عليها.

وذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ رواية علي بن أبي حمزة يعارضها قول سبحانه: «إنّ اللّه يأمركم أن تردوا الأمانات إلى أهلها» والمعارضة بالعموم من وجه، لشمول الآية للأمانات المالكية والشرعية، ولكنّها مختصة بصورة التمكن على الرد إلى المالك، كما هو مقتضى الأمر بالرد إليه، ورواية أبي حمزة مختصة بالأمانات الشرعية، ولكنّها مطلقة من جهة التمكن من الرد إلى المالك وعدمه، فإنّ مدلولها وجوب التصدق بالمال، سواء كان متمكناً من رده إلى صاحبه بالفحص أم لا، ففي صورة التمكن من الرد بالفحص عنه تقع المعارضة بينهما، وبعد تساقطهما يرجع إلى ما دلّ على عدم جواز التصرف في مال الغير بلا رضاه، وأنّ حرمة ماله كحرمة دمه.

وفيه أنّه لا تجتمع الآية ورواية أبي حمزة بحسب المورد أصلاً، حتى يقال بتساقط إطلاقي وجوب اداء المال إلى مالكه، ووجوب التصدق به ولو مع احتمال التمكن من الردّ إليه بالفحص، حيث إنّ المال ـ المحكوم عليه في الرواية بوجوب التصدق به مع عدم عرفان مالكه ـ لا يكون من قسم الأمانات لا المالكية ولا الشرعية لتعمه الآية، فالصحيح في الجواب ما تقدم.


287

و(منها) أنّه لو ادعى المال شخص، ففي سماع دعواه سواء كانت مع توصيفه المال أولا، حيث أنّه تقبل دعوى المالكية فيما إذا كانت بلا معارض، أو مع توصيفه المال، تنزيلاً للمقام باللقطة، أو يعتبر إحراز المالكية بطريق معتبر كالبينة أو الإطمئنان؟ وجوه الأظهر هو الأخير، كما هو مقتضى قوله سبحانه: «إنّ اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» وقوله (ع) في موثقة أبي بصير: «حرمة مال المؤمن كحرمة دمه»(326) فإنّ مقتضاها أيضاً لزوم ردّ المال إلى مالكه، ولا دليل على أنّ مجرد دعوى المالكية طريق شرعي إلى إحراز المالك، حتى مع توصيف المال، وحتى في باب اللقطة. وأصالة الصحة في دعواه لا تثبت أنّ المال ملكه، بل مدلولها عدم نسبة الكذب إليه بتلك الدعوى، كما هو مقتضي حمل فعل المسلم على الصحيح، بمعنى عدم صدور الحرام منه. نعم إذا لم يكن الشخص واضعاً يده على المال حتى يجب عليه رده إلى مالكه، فلا يبعد أن يجوز له المعاملة مع مدعيه معاملة المالك، وفي رواية منصور بن حازم عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «قلت عشرة كانوا جلوساً في وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس؟ فقال كلهم: لا، وقال واحد منهم هو لي، فلمن هو؟ قال: للذي ادعاه»(327) وظاهرها سماع دعوى الملكية، ولكنّها ضعيفة سنداً، فإنّ محمد بن الوليد الواقع في سندها هو الخراز المعتبر أو الصير في الضعيف، كل محتمل، إلاّ أنّها تصلح لتأئيد ما ذكرنا، لأنّ سماع الدعوى في الفرض مقتضى السيرة العقلائية كما لا يخفى.

ثمّ إنّه إذا لم يكن الشخص مستولياً على مال الغير كما في الحيوان إذا دخل داره أو الثوب جائت به العاصفة، فلا يبعد القول بعدم لزوم الفحص عن مالكه، بل يجب الرد إليه إذا عرفه ولو بعد حين، كما يشهد لذلك ذيل صحيحة أبي نصر، قال: «سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الرجل يصيد الطير الذ يسوي دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه أيحل له إمساكه؟ فقال: إذا عرف صاحبه رده عليه، وإن لم يكن يعرفه وملك جناحه فهو له، وإن جائك طالب لا تتهمه رده عليه»(328) وظاهر عدم اتهامه الوثوق بقوله، ولكن في دلالتها على ما ذكرنا تأمل كما لا يخفى.

و(منها) أنّه لو احتاج الفحص عن المالك إلى بذل المال، فهل يجب الفحص والبذل على الآخذ أ لا؟ لا ينبغي التأمل في وجوب الفحص على الآخذ، سواء كان الفحص موقوفاً على صرف المال أو عدمه، ويقتضيه إطلاق الأمر بالطلب في مثل صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة، وإطلاق وجوب الرد في الآية المباركة، وصرف المال من كيس المالك المجهول بالاستدانة عليه أو بيع بعض المال، ويكون المتصدي للبيع والاستدانة الحاكم الشرعي أو وكيله ولكن لا دليل على شيء من ذلك في موارد كون الأخذ بعنوان العدوان أو للجهل، بحيث لا يكون الآخذ معه محسناً إلى المالك. وحديث نفي الضرر لا ينفي وجوب الرد في تلك الموارد، لأنّ صرف المال من كيس المالك أو عدم وجوب الرد إلى المالك ضرر على المالك. ويختص جريان نفي الضرر بموارد كون النفي للامتنان.

نعم لو كان الأخذ إحساناً إلى المالك كما في موارد إنقاذ المال من التلف، يكون مقتضى آية نفي السبيل عدم وجوب صرف المال من كيس الآخذ، فتعين الاستدانة أو بيع بعض المال، ويباشر بذلك الحاكم أو وكيله من باب الحسبة، وبهذا يظهر الحال في اللقطة أيضاً، فإن أخذها في موضع التلف يوجب كونه محسناً، فلا يجب عليه تحمل مؤنة إيصالها إلى مالكها أو أجرة تعريفها، بخلاف ما التقطها في موضع يؤمن عليها من التلف كما لا يخفى.


288

و(منها) أنّ الفحص عن المالك في المقام لا يقيد بالسنة، بل الجاري عليه حكم مطلق المال المجهول مالكه وهو وجوب الفحص، حتى يحصل الاطمينان بعدم إمكان الظفر بالمالك المعبر عنه في بعض الكلمات باليأس. ومادام لم يحصل هذا اليأس، لا يجوز التصرف في المال بالتصديق، سواء كان ذلك قبل تمام السنة أو بعدها بخلاف اللقطة، فانّه يجوز التصرف فيها بالتصدق أو بالتملك بعد تمام سنة الفحص، ولو مع عدم اليأس عن الظفر بمالكها.

وبعبارة أخرى الإطمئنان بعدم الظفر بالمالك طريق معتبر إلى عدم التمكن من رد المال إلى صاحبه، فيسقط معه وجوب رده إليه بطلبه. ولا دليل على تنزيل المقام باللقطة. نعم ربّما يذكر على ذلك رواية حفص بن غياث عن أبي عبداللّه (ع) «عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم ومتاعاً، واللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: لا يرده، فإن أمكنه ان يرده على اصحابه فعل، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرفها حولاً، فإن أصاب صاحبها ردها عليه، وإلاّ تصدق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيره بين الأجرة والعزم“»(329).

ولكنّها باعتبار الخدشة في سندها غير صالحة للاعتماد عليها، ولعله لذلك الحقا في النهاية والتحرير الوديعة بمطلق المجهول مالكه، خلافاً لما عن المصنف وغيره من التعدي من اللص إلى مطلق الغاصب والظالم، وعدم التعدي من الوديعة إلى غيرها.

نعم في السرائر فيما نحن فيه يعني في جوائز السلطان روي أنّها بمنزلة اللقطة ولعل هذا مبني على التعدي من موارد الرواية، لا أنّ في البين رواية أخرى واردة في جوائز السلطان، ودالة على أنّها مع العلم بحرمتها بمنزلة اللقطة كما لا يخفى.

و(منها) أنّ الحكم المال فيما نحن فيه بعد اليأس عن الظفر بمالكه قبل الفحص أو بعده هو التصدق به عن مالكه، كما في سائر المال المجهول مالكه، والحكم بالتصدق هو المشهور، وفي السرائر (أنّ الجائزة مع العلم بحرمتها ترد إلى أربابها فإن لم يعرفهم واجتهد في طلبهم فقد روي أصحابنا أنّه يتصدق بها) وذكر المصنف «ره» أنّ هذه المرسلة يجبر ضعف سندها بالشهرة المحققة، ويؤيد مضمونها أنّ التصدق أقرب طريق للإيصال إلى المالك. ولا يبعد دعوى كون التصدق بالمال عن مالكه ممّا يعلم رضا المالك به بشهادة الحال. وما في السرائر ـ بعد نقل المرسلة من أنّ الأحوط حفظ المال والوصية به ـ فهو إيقاع المال في معرض التلف.

(أقول): من المحتمل قريباً أن يكون قول ابن إدريس أنّه قد روى أصابنا (الخ) من جهة استفادته من رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة، فلا مجال للقول بأنّها مرسلة مؤيدة بأخبار اللقطة وبالخبر الوارد في كسب المال في ديوان بني أمية وغيره، بل لابدّ من ملاحظة تلك الأخبار والإغماض عن دعوى وجود المرسلة كما لا يخفى.


289

ومن العمدة في الباب معتبرة يونس المتقدمة المؤيدة ببعض الأخبار الوارد فيها الأمر بالتصدق كرواية علي بن أبي حمزة المتقدمة، وبها يرفع اليد عن إطلاق الأمر بالطلب في صحيحة معاوية بن وهب الآمر بطلب المالك، بأن يحمل وجوب الطلب على صورة عدم اليأس عن المالك، فلا تنافي وجوب التصدق بعد ذلك.

وذكر المصنف «ره» تأييد الحكم بالأمر بالتصدق بما يجتمع عند الصياغين وقد ورد ذلك الأمر في روايتين لعلي بن ميمون الصائغ، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ قال: تصدق به، فامّا لك وامّا لأهله، قلت: فإن فيه ذهباً وفضة وحديداً، فبأيّ شيء أبيعه؟ قال بعه بطعام، قلت: فإن كان لي قرابة محتاج أعطيه منه؟ قال: نعم»(330) وفي الأخرى، قال: «سألته عن تراب الصواغين وأنا نبيعه قال: أمّا تستطيع أن تستحله من صاحبه؟ قال: قلت لا، إذا أخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت بأي شيء نبيعه، قال بطعام، قلت: فأي شيء أصنع به؟ قال تصدق به، أمّا لك وإمّا لأهله، قلت: إن كان ذا قرابة محتاجاً أصله، قال: نعم»(331).

ولكنّهما ضعيفتان سنداً: ودلالة أمّا سنداً، لعدم ثبوت وثاقة علي بن ميمون الصائغ، نعم ذكر الكشي رواية في مدحه، الا أنّ راويها نفس علي بن ميمون، ولا يصح اثبات وثاقة شخص أو مدحه برواية نفسه، وأمّا دلالة، فلأنّ التصدق في الروايتين استحبابي فكيف تصلحان للتأييد، والوجه في كونه استحبابياً انّ المفروض فيها ملك للصائغ كلا أو بعضاً، فلا يجب عليه التصدق بماله. واحتمال كون التصدق واجباً بالإضافة إلى حصة الآخرين فقط خروج عن ظاهرهما، فإنّ ظاهرهما كون جميع المال محكوماً بالتصدق به.

ثمّ إنّ في الرواية الثانية شبهة أخرى، وهي سقوط احترام مال الغير وجواز التصدق به بمجرد كون إيصاله إليه أو الاستحلال منه مورد التهمة. وهذا لا يمكن الإلتزام به. وبرواية أبي علي ابن راشد، قال: «سألت أبا الحسن (ع)، قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بالفي درهم، فلما وفرت المال خبرت أنّ الأرض وقف، فقال: لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك، إدفعها إلى من أوقفت عليه، قلت: لا أعرف لها رباً، قال: تصدق بغلتها»(332).


290

والمراد بالغلة إمّا ثمرة البستان أو أجرة الأرض. وأمّا الزرع فانّه لمالك البذر لا لمالك الأرض حتى يتصدق به عنه. والرواية لا بأس بها من حيث السند، لأنّ اباعلى من الممدوحين على ما ذكر الشيخ «ره» ومحمد بن جعفر روي عنه علي بن إبراهيم في تفسيره، ولا تقصر في الدلالة على لزوم التصدق بمجهول المالك عن معتبرة يونس المتقدمة. وفي مقابل ذلك كله ما يستظهر منه عدم وجوب التصدق بالمال المجهول مالكه، كصحيحة علي بن مهزيار، حيث ذكر فيها من الغنيمة التي يجب فيها الخمس مال يؤخذ ولا يعرف ولا يعرف له صاحب(333) واستظهر منه المحقق الهمداني جواز تملك مجهول المالك وكونه ملكاً لمن يقع بيده، وأصر عليه الإيرواني «ره».

ولكن الصحيح أنّ الرواية في مقام بيان ما يجب فيه الخمس بعد فرض تملكه أو صيرورته ملكاً، وانّه ممّا يجب فيه الخمس هو المال المجهول مالكه، لا في مقام بيان صيرورة المال ملكاً لمن يقع بيده، وعلى ذلك فيمكن أن يختص جواز تملك المال المجهول مالكه بمورد خاص، كاللقطة بعد تعريفها سنة، أو كون الآخذ فقيراً ونحو ذلك. ولذا لا يمكن الأخذ بالإطلاق في سائر ما ذكر فيها، كقوله (ع): «ومثل عدو يصطلم، فيؤخذ ماله» حيث لا يجوز الحكم بجواز تملك مال العدو مطلقاً، حتى فيما إذا كان مسلماً، وموثقة هشام بن سالم، قال: «سأل حفص الأعور أبا عبداللّه (ع) وأنا عنده جالس، قال: إنّه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه. وله عندنا دراهم، وليس له وارث؟ قال، أبو عبداللّه (ع): تدفع إلى المساكين، ثم قال رأيك فيها ثم أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبداللّه (ع) تطلب وارثاً، فإن وجدت وارثاً وإلاّ فهو كسبيل مالك»(334) وظاهر هذه عدم وجوب التصدق بالمال المتعذر الوصول إلى مالكه أو المجهول مالكه، بل يجوز إبقاؤه إلى أن يجيء له طالب. ولذا جمع السيد اليزدي «ره» بينهما وبين ما تقدم بحمل الأمر بالتصدق على الواجب التخييري.

والحاصل أنّ المكلف بعد الفحص عن المالك وعدم الظفر به يكون مخيراً بين التصدق بالمال وبين إبقائه والوصية بأنّ المال المزبور من المجهول مالكه. وهذا مع احتماله الظفر به بعد ذلك ـ ولو باحتمال ضعيف ـ كما هو مقتضى الأمر بإبقاء المال لطالبه.

أقول لا يبعد أن يكون المال المسئول عن حكمه فيها من الكلي على الذمة، والحكم فيه بالتصدق لا يكون لزومياً، بل يجوز تركه والوصية به، ولا يكون على المكلف شيء مع عدم مجيء طالبه، غاية الأمر يتقيد ذلك بما بعد الفحص والطلب واليأس، جمعاً بينهما وبين مثل صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة.

(لا يقال) قول السائل وله عندنا دراهم يحتمل الدين والعين، فإنّه فرق بين قول القائل له علينا دراهم وقوله له عندنا دراهم، فالأول يختص بالدين والثاني يعم العين والدين والمذكور في الرواية هو الثاني (فإنّه يقال): نعم ولكن هذه الرواية رواها الكليني بطريق آخر، وظاهرها اختصاص الواقعة بالدين.


291

والحاصل أنّ ظاهر ما تقدم وجوب التصدق بالعين المجهول مالكها بعد الفحص واليأس عن الظفر به، ولا تصلح هذه الصحيحة لرفع اليد عنه، لعدم إحراز ظهورها في غير موارد الدين كما لا يخفى. ورواية نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: «كتبت إلى عبد صالح (ع) لقد وقعت عندي مأتا درهم وأربعة دراهم، وأنا صاحب فندق، وقد مات صاحبها ولم أعرف له ورثة، فرأيك في اعلامي حالها، وما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعاً، فكتب أعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً، حتى يخرج»(335) وظاهرها تجويز للتصرف في المال المفروض فيها، والتصدق بمقداره قليلاً قليلاً من منافعه، ولكن الرواية ضعيفة سنداً، ولا أعلم الإفتاء بمضمونها من أحد، ولعل المال كان لمن لا وارث له وانتقل إلى الإمام (ع) بالإرث، فإذن لمن بيده في التصرف فيه بالنحو المزبور، ورواية الهيثم بن أبي روح صاحب الخان، قال: «كتبت إلى عبد صالح أنّي أتقبل الفنادق، فينزل عندي الرجل فيموت فجأة ولا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته، فيبقى المال عندي كيف أصنع به؟ ولمن ذلك المال؟ قال: أتركه على حاله»(336) وهذه أيضاً ضعيفة سنداً، ومع الإغماض عن سندها فيقيد إطلاق وجوب إبقاء المال بما لم يحصل اليأس عن صاحبه، وإلاّ يتصدق به كما هو مقتضى الجمع بين هذه وما تقدم. ويظهر من بعض الأخبار أنّ المال المجهول مالكه ملك للإمام (ع) فيجري عليه ما يجري على سائر ماله (ع). وفي رواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً وأنّي قد خفت فيه على نفسي، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه؟ قال: فقال أبو عبداللّه (ع): واللّه لو أن أصبته كنت تدفعه إليه؟ قال: أي واللّه، قال: فانا واللّه ما له صاحب غيري، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: اذهب فاقسمه بين إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه، فقال فقسمته بين إخواني»(337).


292

في تعيين من يجب عليه التصدق بالمال المجهول مالكه

وذكر المصنف «ره» أنّه مع الإغماض عن الأخبار الواردة في حكم المال المجهول مالكه أو المعتذر الوصول إليه، يتعين على من يقع المال بيده دفعه إلى الحاكم، لأنّ له على المالك الغائب أو المجهول ولاية، وإذا دفعه إليه ينظر الحاكم إلى شهادة الحال، فلو أحرز رضاه بالتصدق أو الإمساك له فعل ذلك، وإذا لم يحرز رضاه بأحدهما جاز له كل منهما، كما هو الحال في جميع موارد دوران الفعل بين الوجوب والحرمة، ولا يكون عليه ضمان، سواء أمسك المال أو تصدق به كما هو مقتضى تصرف الولي في المال لمصلحة المولى عليه، ولكن يختص التخيير في موارد دوران أمر الفعل بين الوجوب والحرمة بما إذا لم يكن في البين أصل معين لأحد التكليفين. وفي المقام أصالة الفساد في التصدق أو أصالة عدم رضا المالك بغير الإيصال له، تعين وجوب الإمساك. وأمّا بملاحظة تلك الأخبار فظاهرها عدم جواز الإمساك ووجوب التصدق، فيكون الإمساك تصرفاً لا يعلم رضا صاحبه به ولا رضا الشارع.

ثمّ إنّه بملاحظة الأخبار يجب التصدق على من يكون المال بيده، غاية الأمر لا تعتبر المباشرة في التصدق، بل يجوز له إيكاله إلى الحاكم، لأنّه أعرف بموارد التصدق، وله على الفقراء ولاية، بأن يأخذ ما يجب دفعه إليهم من الصدقات الواجبة وغيرها. ويحتمل أن لا يجوز له التصدق، بل يجب دفع المال إلى الحاكم أو الاستئذان منه، لأنّ التصدق وظيفة الحاكم، ومنشأ ذلك أنّ المذكور في الأخبار ـ وهو وجوب التصدق بالمال ـ هل هو من قبيل بيان وظيفة من يكون المال بيده، أو أنّ الأمر بالتصدق فيها باعتبار كون أمره (ع) توكيلاً في التصدق، أو تكون الأخبار ناظرة إلى مصرف ذلك المال. ويؤيده كونها لبيان المصرف، أنّ جملة من الأفعال التي يكون القيام بها موقوفاً على إذن الحاكم، مذكورة في الأخبار بطريق الحكم العام، أي لم يذكر أنّها مختصة بما إذا كان بإذن الحاكم، ككون إقامة البينة وظيفة المدعي، والحلف وظيفة المنكر، والمقاصة من الممتنع للحق جائز وغير ذلك.


293

والحاصل أنّه لم يتم ظهور الأخبار في بيان وظيفة من يكون المال بيده، بل يحتمل كون الوارد فيها توكيلاً من الإمام (ع) أو بياناً لمصرف المال. وعليه فالأحوط الاقتصار على المتيقن بالرجوع إلى الحاكم الشرعي بالدفع إليه، أو الاستئذان منه، خصوصاً بملاحظة رواية داود بن أبي يزيد الدالة على أنّ المجهول مالكه ملك الإمام المحمولة على ولايته (ع). ويتأكد هذا الإحتياط فيما كان المجهول مالكه من قبيل الكلي في الذمة، فانّه لا يتعين في العين الخارجية، إلاّ بقبض المستحق أو وكيله أو وليه.

(أقول) نظير المقام ما ورد في التصديق باللقطة، ولو صح حمل الأخبار في المقام على التوكيل أو بيان المصرف لجرى ذلك في أخبار اللقطة أيضاً، مع أنّه لا أظنّ أن يلتزم بذلك المصنف «ره» أو غيره. وأمّا رواية داود بن أبي يزيد الظاهرة في كون مجهول المالك ملك الإمام (ع)، فلضعف سندها لا يمكن الإعتماد عليها أو حملها على الولاية.

والحاصل أنّه مع ظهور الأخبار في أنّ وظيفة من بيده المال، التصدق به ليست للحاكم ولاية بالإضافة إلى ذلك المال، فإنّ ولاية الحاكم على الغائب مستفادة من الحسبة، ومع ولاية غيره ـ على الإمساك بذلك المال والتحفظ به مادام يحتمل الظفر بمالكه وبالتصدق بعده ـ لا مجال لاثبات الولاية له ومجرد كونه أعرف لا يصلح لاثبات الولاية، وإلاّ لزم ولاية الاعرف على الفقراء وإن لم يكن حاكماً.

ثم إنّ مستحقّ هذه الصدقة[1].

[1] وحاصله أنّه يعتبر في مستحق هذه الصدقة أيضاً الفقر، لأنّ الأمر بالتصدق بمال ظاهره الأمر بإعطائه للفقير (أقول): يمكن أيضاً استظهار اعتباره من قوله سبحانه: «إنّما الصدقات للفقراء» بدعوى عدم إنصرافها إلى الزكاة الواجبة فتأمل. وذكر «ره» في وجه جواز إعطائه للهاشمي أنّ التصدق بالمال المجهول مالكه صدقة مندوبة من مالكه، ومن يكون المال بيده، نظير الوكيل والوصي مباشر لتلك الصدقة المندوبة، فلا بأس بتمليكه للهاشمي.

وفي وجه عدم جواز إعطائه له أنّه فرق بين المباشر في المقام والوكيل والوصي، حيث إنّ الوكيل والوصي يقومان بالعمل بأمر الموكل والموصي، فيستند عملها إليهما، بخلاف المقام فانّ قيام من بيده المال بالتصدي بحكم الشارع، فلا ينتسب هذا التصدق إلى مالك المال، بل لا يحرز وقوعه عنه، فانّه ربّما لا يرضى به بعد ظهوره، فيقع التصدق عن المباشر.


294

وفيه أنّ الممنوع إعطائه للهاشمي هي الزكاةالمفروضة على الناس فقط، ولا يكون منها الصدقة الواجبة في المقام، سواء قلنا بانتسابها إلى المالك المال أو إلى من بيده المال. وفي معتبرة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: هي الزكاة، قلت فتحل صدقة بعضهم على بعض؟ قال: نعم»(338) وفي صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «قلت له: أتحل الصدقة لبني هاشم؟ فقال: إنّما الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا، وأمّا غير ذلك فليس به بأس»(339) فإن تقييد الواجبة بالظرف أي على الناس، ظاهره الإشارة إلى الواجبة في مثل قوله عزّ من قائل: «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة“».

ثمّ إنّه يعتبر في استحقاق هذه الصدقة أيضاً الايمان، كما هو ظاهر صحيحة يونس المتقدمة.


295

في ضمان المتصدق

ثم إنّ في الضمان لو ظهر المالك ولم يرض بالتصدّق[1].

[1] لو ظهر المالك وأظهر عدم رضاه بالتصدق، ففي ضمان المال وجوه: (الأول) الضمان مطلقاً (الثاني) عدمه مطلقاً (الثالث) عدم الضمان فيما لم يترتب على المال يد ضمان من الأول، كما إذا أخذ المتصدق المال من الجائر بعنوان انقاه وإيصاله إلى مالكه المعبر عن ذلك بالأخذ حسبة، والضمان في غيره، ووجه عدم الضمان مطلقاً استصحاب براءة عهدة المتصدق، حيث لم يكن له ضمان قبل ظهور المالك وعدم رضاه بالتصدق.

وذكر «ره» في الإيراد على ذلك «أولاً» أنّ استصحاب البراءة يختص بما إذا لم يسبق يد ضمان إلى المال، وإلاّ فيستصحب الضمان لا عدمه و(ثانياً) أنّ الأوجه الضمان مطلقاً، لاستصحاب الضمان فيما إذا كان حاصلاً قبل التصدق، ويقدم هذا الاستصحاب على أصالة البراءة عن الضمان في سائر الموارد، باعتبار عدم القول بالفصل بين الموارد في الضمان، وكان جميع موارد التصدق بالمال المجهول مالكه كالمورد الواحد الذي يجري فيه استصحاب الضمان.

(أقول): غاية الأمر أن يكون في البين إجماع على عدم الفصل بين موارد التصدق بالمال المجهول مالكه بحسب حكمها الواقعي من الضمان وعدمه. وأمّا الحكم الظاهري، فيلاحظ تحقق الموضوع لأي أصل في كل مورد من موارد الشك، من استصحاب البراءة أو استصحاب الضمان أو غيرهما من الأصول هذا (أولاً).

و(ثانياً) يمكن العكس بأن يحكم بعدم الضمان في جميع الموارد الحاقاً لموارد استصحاب الضمان بموارد استصحاب عدم ثبوت المال على العهدة بعدم القول بالفصل.

و(ثالثاً) أنّ المراد بالضمان في المقام ـ ثبوت المال في العهدة باظهار المالك عدم رضاه بالتصدق على قرار الضمان في اللقطة، وليس لهذا الضمان حالة سابقة، فالضمان السابق قد انقطع بالتصدق، وحدوث غيره بعد ذلك مشكوك فيه.

والمتحصل أنّه لو وصلت النوبة إلى الأصل العملي في المقام فمقتضاه عدم الضمان مطلقاً. نعم قد يقال بالضمان مطلقاً أخذاً بقاعدة اتلاف مال الغير.


296

(لا يقال): الإتلاف في المقام يكون بإذن الشارع وأمره، والإتلاف بإذنه كالإتلاف بإذن المالك لا يوجب الضمان، كالإذن في أكل المار من الثمرة في طريقة: (فانّه يقال) يحتمل أن يكون إذنه في المقام في الاتلاف نظير إذنه في التصرف في اللقطة، وفي ايداع الغاصب مال الغير عنده، فأنّه لا يجوز له رده إلى الغاصب، بل يجب عليه ـ بعد تعريف المال سنة كاملة ـ التصدق به مع الضمان، كما دلت عليه الرواية، بل ليس في المقام رواية دالة على التصدق بالمال ساكتة عن ذكر الضمان، مع ظهور المالك حتى يستظهر عدم الضمان من السكوت في مقام البيان.

(أقول): قد ذكرنا أنّ الضمان المطلوب في المقام ـ نظير الضمان المطلوب في مورد التصدق باللقطة ـ لا يثبت بقاعدة الإتلاف، فإنّ مقتضى تلك القاعدة ثبوت المال بالتصدق، على عهدة المتلف وقد عبر المصنف «ره» عن ذلك بكون الإتلاف علة تامة للضمان. والمطلوب في المقام ثبوت المال على العهدة بإظهار المالك عدم رضاه بالتصدق، وقد عبر «ره» عن ذلك بالضمان المراعي بعدم إجازة المالك، وهذا الضمان يحتاج إلى دليل آخر غير قاعدة الإتلاف، نظير ما قام عليه في اللقطة. والإلتزام ـ في المقام أيضاً بالضمان بمجرد التصدق وارتفاعه بإجازة المالك لقاعدة الإتلاف ـ غير ممكن، لاستلزامه ثبوت المال على العهدة وعدم انتقال جميع التركة إلى الورثة، حتى فيما إذا لم يظهر المالك بعد التصدق ليظهر رضاه أو عدمه. وما تقدم من عدم ثبوت رواية في المقام ساكتة عن الضمان عجيب، فإنّه لم يكن من الضمان في الروايات المتقدمة، ذكر ولو كان في البين ضمان لورد ذكره في تلك الروايات، نظير وروده في أخبار باب اللقطة.

والحاصل أنّه لو لم يكن عدم الضمان مقتضى الإطلاق في الروايات المتقدمة فلا ينبغي الريب في أنّه مقتضى الأصل. بل ذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ ثبوت الضمان في المقام بقاعدة الإتلاف غير ممكن، فانّ القول به يستلزم التسلسل، فانّه إذا تصدق بالمال المجهول مالكه يثبت بدله في ذمته. وبما أنّ البدل أيضاً مالكه مجهول، يجب التصدق به أيضاً. ويجري الكلام في بدل هذا البدل، وهكذا. ولا يقاس المقام باللقطة، فانّ الثابت على الذمة لا تكون لقطة حتى يجب التصدق به أيضاً.

ولا يخفى ما فيه، فانّ وجوب التصدق لا يكون حكماً لأي مال مجهول مالكه نظير الأحكام العقلية حتى يوجب الإلتزام به ذلك المحذور أو غيره بل حكم ورد في بعض الموارد، وتعدينا منها إلى موارد أخرى من الأموال الخارجية، وإلى الديون التي تثبت على الذمة من غير ناحية التصدق. والصحيح أنّ الضمان بقاعدة الإتلاف مختص بموارد الإتلاف على المالك، كمن يأكل طعام الغير للإضطرار وإنقاذ حياته، ولا تعم القاعدة موارد الإتلاف إحساناً إلى المالك، كما في المقام، والضمان بنحو آخر نظير الثابت في موارد اللقطة لم يقم عليه دليل. والأصل عدمه واللّه العالم.


297

وأمّا الصورة الرابعة[1].

[1] وهي ما إذا علم إجمالاً باشتمال المأخوذ من الجائر على الحرام، وذكر المصنف «ره» فيها فروضاً: (الأول) حصول الشركة بنحو الإشاعة بإمتزاج الحلال والحرام بنحو لا يمكن التمييز بينهما، كما في مزج أحد المايعين بالآخر مع العلم بقدر الحرام ومالكه (الثانى) حصول الشركة كما ذكر ولكن مع الجهل بقدر الحرام ومالكه (الثالث) حصول الشركة مع العلم بقدر الحرام وجهل مالكه (الرابع) حصولها مع عرفان المالك، وجهالة مقدار الحرام (الخامس) عدم إيجاب الإشتباه في الفرض الشركة، كما إذا كان المالان قيميين، والحكم في الفرض الأول هو كون المأخوذ فيه ملكاً للاخذ، وذلك الغير، بنحو الإشاعة بالنسبة المعلومة، فلا يجوز لأحدهما التصرف فيه بدون رضا الآخر، ولكل منهما مطالبة الآخر بالقسمة. والحكم في الفرض الثاني، إخراج خمس المال على ما ذكر في كتاب الخمس، وفي الفرض الثالث ما مرّ في الصورة الثالثة من صور الجائزة، فإنّ الفرض داخل فيها حقيقة، وفي الفرض الرابع يجب التخلص من الحرام بالمصالحة مع مالكه، وفي الفرض الخامس يكون تعيين المال الحرام بالقرعة، أو بيع جميع المال، فتحصل الشركة في ثمنه.

(أقول): ما ذكره ـ في الفرض الرابع من لزوم المصالحة مع مالك المال الحرام ـ غير صحيح، بل يحكم بأنّ السهم المشاع في ذلك المال هو الأقل، أخذاً بمقتضى يد الجائر الجارية على جميع المال، فانّه لم يعلم عدم مالكيته للمال، إلاّ بالإضافة إلى السهم الأقل، وكذا لا يمكن المساعدة على ما ذكره في الفرض الخامس، لأنّه إذا كان الحرام ومالكه مجهولين يجري فيه ما ذكروه في إخراج الخمس من المال من المختلط، حيث إنّ المذكور يعم ما إذا لم يكن الاختلاط موجباً للشركة بنحو الإشاعة، وإذا كان مالكه معلوماً وقدر الحرام مجهولاً، كما إذا أخذ من الجائر ثلاث شياة، وعلم بأنّ بعضها مال زيد، وذلك البعض مردد بين كونه شاة أو شاتين، ففي مثل ذلك لا علم بمخالفة مقتضى يد الجائر الجارية عليها، إلاّ بالإضافة إلى الواحدة، فيكون تعيين تلك بالقرعة. وبهذا يظهر الحال فيما إذا كان القدر والمالك معلومين، فانّه باعتبار الاشتباه وعدم حصول الإشاعة يكون التعيين بالقرعة.


298

جريان الأحكام الخمسة على أخذ المال من الجائر

اعلم أنّ أخذ المال[1].

[1] إنّ أخذ ما بيد الظالم من المال يجري عليه الأحكام الخمسة، وباعتبار نفس المال يكون فيه الكراهة والوجوب والحرمة. والظاهر أنّ مراده تعلق الأحكام الخمسة بأخذ المال من الجائر باعتبار انطباق العناوين المختلفة على نفس ذلك الأخذ، ككونه مقدمة للانفاق الواجب أو التوسعة لعياله، أو كونه ترويجاً للباطل والجور. وهكذا فيكون الأخذ متعلقاً للأحكام الخمسة، حتى في فرض إحراز كون المال ملك الجائر واقعاً. ومراده من نفس المال تعلق الحرمة أو الوجوب أو الكراهة بالأخذ من جهة المال، ككونه من المال المشتبه أو مال الغير مع عدم رضاه بالأخذ، أو كون أخذه إنقاذاً للمال المحترم من التلف، حيث يجب الأخذ مع حسبه، وإلاّ فلا يتعلق حقيقة، الأحكام التكليفية التي منها الحرمه والوجوب والكراهة بغير الفعل.

وأمّا ما ذكره «ره» من أنّ استنقاذ حقوق السادة والفقراء ولو بعنوان المقاصة من موارد وجوب الأخذ من جهة المال، ويجوز هذا التقاص لآحاد الناس عند تعذر الاستيذان من الحاكم، (فقيه) بأنّ جواز التقاص لآحادهم يتوقف على ولايتهم على تلك الأموال، ولو عند تعذر الحاكم، وفي ثبوت الولاية لهم تأمل، ولا يكفى في جوازه مجرد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلاّ لجاز التقاص ولو عند التمكن من الاستيذان، لعدم اشتراط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاستيذان، ولجاز لزيد أيضاً التقاص من مال عمرو لشخص آخر من باب النهي عن المنكر. ولا أظنّ أنّ المصنف «ره» أو غيره يلتزم بذلك.

من جملة ديونه[1].

[1] حاصله أنّه لا فرق في الدين الثابت في ذمة الجائر، بين ثبوته بالاقتراض أو شراء شيء بذمته، أو تلف ما وضع عليه يده من أموال الناس عدواناً، أو اتلافها، فإنّ جميع ذلك دين يترتب عليه أحكامه.


299

وذكر بعض الأساطين ـ وهو كاشف الغطاء على ما قيل ـ أن بدل متلفاته غصباً من المثل والقيمة وإن كان ديناً حقيقة، نظير سائر ما عليه من الديون، إلاّ أنّه لا يجري بعد موت الجائر على ذلك البدل حكم الدين، بأن يكون خارجاً عن التركة قبل الوصايا والميراث، وذلك لأمرين: (أحدهما) انصراف الدين عنه في مثل قوله عزّ من قائل: «من بعد وصية يوصى بها أو دين»(340) و(ثانيهما) السيرة الجارية إلى يومنا هذا من عدم المعاملة مع ذلك البدل معاملة الدين، وعلى ذلك فلو أوصى الجائر بإخراجه كان كسائر وصاياه محسوباً من الثلث.

وفيه أنّه لا وجه لدعوى الإنصراف، فإنّا لم نجد فرقاً بين الثابت على ذمته بدلاً عما اتلفه نسياناً أو غفلة من مال الغير، وبين ما اتلفه عدواناً، بأن يعم الأول، الدين في مثل قوله سبحانه، ولا يعم الثاني، وكذا لا نجد فرقاً بين ما يتلفه الجائر عدواناً وما يتلفه شخص آخر، ولو كان الدين منصرفاً عنه لما جرى على البدل حكم الدين، حتى حال حياة الجائر، فانّ انصراف الدين، لا يختص بآية الإرث، مع أنّه لا ينبغي الريب في جريان أحكام الدين عليه حال حياته، كجواز التقاص عن البدل، كما يدل على ذلك موثقة داود بن زربي (رزين)، قال: «قلت لأبي الحسن موسى (ع) أنّي أخالط السلطان، فتكون عندي الجارية والدابة الفارهة، فيبعثون فيأخذونها، ثمّ يقع لهم عندي المال، فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه»(341) فانّ الحكم فيها بالأخذ من غير استفصال عن بقاء العين التي أخذها الجائر أو أتلفها مقتضاه شمول الحكم لكلتا الحالتين، وكعدم تعلق الخمس بمازاد عن مؤنة سنته، فيما إذا كان البدل بمقدار الزائد عليها، وعدم حصول الاستطاعة للحج، فيما إذا كان البدل مساوياً لما عنده من المال الكافي لمصارف حجه، إلى غير ذلك.

وأمّا ما ذكره من السيرة، فلم يحرز أنّها من المتشرعة المبالين للشرع الملتزمين به، والسيرة من غير المبالين لا قيمة لها. ويشهد لكونها من غير المبالين أنّا لم نجد فرقاً عندهم بين البدل المزبور وبين الثابت على ذمته بسائر موجبات الضمان، كما أنّهم لا يفرقون في المظالم الثابتة عليه بين عرفان المظلومين تفصيلاً أو إجمالاً. ومن تتبع أحوال الظلمة وتوريث أموالهم التي قد لا تكفي لأداء تلك المظالم المجتمعة عليهم طيلة حياتهم يعرف ذلك.


300

أخذ الخراج والمقاسمة من الجائر

الثالثة ما يأخذه السلطان[1].

[1] تعرض «ره» في المسألة الثالثة من مسائل الخاتمة لما يؤخذ من السلطان المستحل للخراج والمقاسمة والزكاة وأنّه يجوز أخذ هذه الأموال منه مجاناً أو معاوضة. وذكر أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز الأخذ، لأنّ الجائر لا ولاية له على تلك الأموال، فتراضيه ـ مع من عليه الخروج أو الزكاة نظير تراضي الظالم مع مستأجر دار الغير في دفع مال إليه بعنوان الأجرة ـ فاسد، إلاّ أنّه لابدّ من رفع اليد عن هذه القاعدة والإلتزام بجواز الأخذ لما يأتي.

والمراد من الخراج ما عين للأرض أجرة من النقود أو غيرها، ومن المقاسمة المعاملة مع الزارع بحاصل الأرض والبستان بالثلث أو بالربع أو نحوهما، ولا يخفى أنّه لا وجه لتخصيص جواز أخذ الزكاة من الجائر بالانعام، كما هو ظاهر عبارة المصنف «ره» بل يعم جميع أقسامها، كما أنّ ما ذكر «ره» ـ من أن ما يأخذه الجائر باق على ملك المأخوذ منه، ومع ذلك يجوز أخذه من الجائر ـ لا يمكن المساعدة عليه، وذلك فانّ المال بأخذ الجائر يتعين في عنوان الخراج أو المقاسمة أو الزكاة، ولا يتوقف تعينه فيها بأخذ الآخر من الجائر، وإلاّ لوجب على الزارع، الخراج أو المقاسمة أو الزكاة ثانياً مع تلف المال في يد الجائر، بل مع تلفه قبل وصوله إلى يد المشتري أو المستحق. وهذا لا يناسب الروايات الآتية في براءة ذمة الزارع وتعين الزكاة في المأخوذ بمجرد أخذ عامل السلطان.


301

ثمّ إنّ في المقام جهات: (الأولى) تقبل الزارع أو الفلاح الارض من السلطان الجائر (الثانية) في المال الذي يأخذه الجائر من الزارع أو الفلاح أو غيرهما بعنوان الخراج أو المقاسمة أو الزكاة (الثالثة) أخذ الآخرين تلك الأموال من الجائر مجاناً أو بعنوان الشراء أو غيره من المعاملات. والأظهر بحسب الروايات الحكم بالجواز في الجهات الثلاث، بمعنى أنّه يجوز للزارع والفلاح التصرف في تلك الأراضي ولو مع المعاملة مع السلطان الجائر أو عماله، على ما يأتي، ويكون ما يأخذه الجائر معنوناً بعنوان الخراج أو المقاسمة أو الزكاة، ويدخل ما يأخذه الغير من الجائر من الخراج أو المقاسمة أو الزكاة، مجاناً أو بعنوان الشراء ونحوه في ملكه، وكأنّ الوجه في جميع ذلك امضاء الشارع تلك التصرفات، وليس المراد جعل الولاية للجائر بالإضافة إليها، فانّ الروايات غير ظاهرة في ولايته عليها، بل في مجرد امضائها تسهيلاً للأمر على الآخرين.


302

تصرفات الجائر في الخراج

والحاصل أنّه لو كانت للجائر ولاية على تلك التصرفات، لما كان عليه زور بالإضافة إليها، وإنّما الوزر في اشغاله ذلك المنصب الذي لا يستحقه، بخلاف الإلتزام بمجرد امضاء الشارع تلك التصرفات تسهيلاً للأمر على الآخرين، فانّه لا يكون في ذلك الامضاء نفي وزر عن الجائر، نظير ما نذكر في تحليل الشارع الخمس للشيعة فيما إذا وقع بيد أحدهم المال الذي تعلق به الخمس عند غيره، كما إذا اشترى متاعاً غير مخمس، فانّه يدخل ذلك المتاع بتمامه في ملك المشتري، كما هو مقتضى أخبار التحليل، ومع ذلك لا يجوز للبايع ذلك البيع تكليفاً، وينتقل الخمس إلى الثمن، ولو كان تمليك ذلك المتاع مجاناً كان على الجائر ضمان إتلافه فلاحظ.

وإن لم يعلم مستنده[1].

[1] المراد بالمستند حكمة الحكم وسره.

والأولى أن يقال[2].

[2] الوجه في كونه أولى عدم كون الخراج والمقاسمة أو الزكاة ملكاً للإمام (ع)، بل له ولاية بالإضافة إليها. ثمّ إنّ الأمور التي استند «ره» إليها في حكمه بالحل أربعة: (الأول) الإجماع المنقول المؤيد بالشهرة المحققة (الثاني) لزوم الحرج بل اختلال النظام في الإجتناب عن الأموال المزبورة (الثالث) الروايات الواردة في جواز جائزة السلطان لآخذها، فانّه لا يحتمل عادة كونها من غير تلك الأموال (الرابع) الروايات الواردة في المعاملة مع السلطان أو عماله على تلك الأموال.


303

(اقول): امّا الأمر الأول فقد تكرر في كلماتنا حال الإستناد إلى الإجماع في امثال المقام ممّا يعلم أو يحتمل استناد المجمعين إلى ما في أيدينا من الأدله. وأمّا دعوى اختلال النظام، فلم يظهر وجه لزوم الحرج الشديد، فضلاً عن لزوم الإختلال، وذلك فانّ لزوم الإجتناب عن هذه الأموال على تقديره يوجب كونها كسائر الأموال المأخوذة من الرعية ظلماً، وحيث إنّ الآخذ لا طريق له غالباً إلى إحراز الحرام أو تعيين مالكه، يكون من المال المشتبه أو المجهول مالكه، فيمكن للمالك التصرف فيها فيما إذا كان مورداً لصرفه، ولو بالمعاملة مع مستحقيه. نعم عدم فراغ ذمة المكلف ـ من الحق الواجب عليه زكاة أو أجرة للأرض التي يعمل عليها وهي ملك المسلمين ـ يوجب الحرج عليه، ولكن مجرد لزومه لا يوجب الحكم بالبراءة وفراغ ذمته، لأنّ رفع الحرج حكم إمتناني، ولا امتنان في التوسعة لمكلف بتفويت حق أو مال على الآخرين. وتعين ما يأخذه الجائر زكاة أو خراجاً، يوجب غالباً صرف الزكاة أو الخراج في غير موردهما، من فقراء الشيعة ومصالح المسلمين. وعلى تقدير تسليم شمول رفع الحرج فمقتضاه عدم وجوب الزكاة أو الخراج عليه ثانياً، لا أنّ المأخوذ اولا زكاة أو خراج.

والحاصل أنّ ما يأخذه الجائر زكاة أو خراجاً ليس إلاّ كأخذ العشر في مثل زماننا من التجار والكسبة وغيرهما، وكما أنّ لزوم الإجتناب عن العشور وبقاءها في ملك المأخوذ منهم لا يوجب حرجاً على سائر الناس، لما أشرنا إليه من عدم عرفان مالكها غالباً، فتدخل في عنوان المجهول مالكه، فكذلك المأخوذ من الرعية زكاة أو خراجاً كما لا يخفى.

(الأمر الرابع) وهي العمدة الروايات الواردة في شراء الخراج والمقاسمة والزكاة من السلطان وعماله.

(منها) صحيحة أبي عبيدة، قال: «سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنم الصدقة، وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم؟ قال فقال وما الإبل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به، حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا، فنقول بعناها فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس، قيل له فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذه حظه، فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك، فلا بأس بشرائه منه من غير كيل»(342).

وذكر المصنف «ره» (أولاً) أنّها دالة على أنّ جواز أخذ الصدقات من السلطان وعماله، كان مفروغاً عنه عند السائل، ولذا وجه سؤاله إلى خصوصيات الشراء من علم المشتري بأخذ العامل زائداً على الزكاة الواجبة على الرعية، وشراء الشخص الصدقة التي أخرجها أو شراء الحنطة والشعير من القاسم بلا كيل، وذكر (ثانياً) أنّ في الرواية سؤالاً وجواباً اشعاراً إلى أنّه كان جواز أصل الشراء مفروغاً عنه عند السائل وإلاّ لكان السؤال عن جواز أصل الشراء أولى، حيث إنّ الشراء بحسب القاعدة الأولية كان محكوماً بالفساد، كما أنّ التصرف في الأموال المزبور باعتبار بقائها في ملك المأخوذ منهم يكون محرماً تفصيلاً. وقوله (ع) ـ في الجواب عن السؤال الأول لا بأس بالشراء حتى تعرف الحرام ـ كاف في الدلالة على جواز أصل الشراء، فانّه لو لم يكن الشراء جائزاً لما صح الجواب المزبور.

(اقول) لم يعلم وجه العدول عن الدلالة التي ذكرها أولاً إلى التعبير بالاشعار ثانياً.


304

وفي وصفه (ع) للمأخوذ بالحلّية[1].

[1] أي أنّ تعلق نفي البأس ـ بالإبل والغنم وغيرها من الأعيان ـ ظاهره عدم البأس بأخذها عن الجائر مجاناً أو شراءاً أو بمعاملة أخرى، كما في سائر الأموال التي تضاف إليها الحلية، حيث إنّ الحليلة لكونها حكماً تكليفياً أو وضعياً يكون متعلقها الفعل أو المعاملة، وإضافتها في الخطاب إلى العين باعتبار أن تعم جميع الأفعال أو المعاملات المناسبة لتلك العين، فلا وجه لما قيل من اختصاص الحلية في الصحيحة بالشراء.

هو مزارع الأرض[2].

[2] أي أنّ المراد بالقاسم مالك الأرض أو وكيله الذي زارعها من العامل عليها.


305

شراء الخراج والزكاة من السلطان

وزاد عليه ما سكت[3].

[3] وحاصل ما ذكره الأردبيلي «ره» أنّ الفقرة الأولى من الرواية ظاهرة في جواز شراء الزكاة من عامل السلطان، ولكن لابدّ من طرح هذا الظهور بقرينة حكم العقل والنقل بل الإجماع أيضاً. وأمّا الفقرة الثانية والثالثة، فلا ظهور لها في جواز شراء الزكاة أصلاً، وذلك فانّ المراد من قوله (ع): (وما الإبل والغنم إلاّ مثل الحنطة والشعير) كون جنس الإبل والغنم كجنس الحنطة والشعير وغير ذلك في جواز شرائها من بايعها، مع عدم إحراز أنّها لغيره. وهذا مفاد قضية حقيقة لا تتكفل لاثبات موضوعها أو نفيه، والصدقة المفروضة في السؤال يعلم حكم شرائها جوازاً أو منعاً من الكبرى، بعد إحراز حالها، وأنّها مال مأخوذ من الزارع والرعية بلا ولاية للعامل على أخذها فتكون باعتبار العلم بأنها مال الغير حراماً.

والحاصل أنّ المراد بالإبل في السؤال وإن كان خصوص إبل الصدقة الا أنّ المراد منه في الجواب جنسه، والتفكيك وإن كان خلاف الظاهر، حيث إنّ ظاهر الرواية تعلق نفي البأس في الجواب بالمفروض في السؤال، وأنّ المراد من الحرام هو المقدار الزائد على الحق، إلاّ أنّ هذا الظهور يرفع اليد عنه بالحمل على بيان الكبرى والقضية الحقيقة بقرينة العقل والنقل والإجماع. وبيان الجواب بهذا النحو لرعاية التقية، حيث لا يمكن (ع) المنع عن المعاملة مع سلاطين ذلك الزمان وعمالهم بالتنصيص به.

وأمّا السؤال الثاني فلا ظهور له في رجوعه إلى شراء الزكاة من عامل السلطان بل راجع إلى حكم شراء المكلف مطلق الزكاة التي أخرجها إلى مستحقها، وكذا السؤال الثالث، فانّه لا قرينة فيها على قسمة عامل السلطان مع زارع الأرض الخراجية بل من المحتمل كون المراد بالقاسم مالك الأرض أو وكيله الذي زارعها، وقوله «ره» في آخر كلامه فتأمل، لعله إشارة إلى عدم مخالفة ظهور الفقرة الأولى للإجماع فانّ المسلم عند الكل، حرمة المال المأخوذ بعنوان الزكاة على السلطان وعماله، لا على المشتري منهما والجواز المستفاد من قوله (ع)، لا بأس به، راجع إلى المشتري فقط.


306

(أقول): ما ذكره من قرينة العقل والنقل لا يمكن المساعدة عليه، فانّه ليس في العقل ما يمنع أن تكون الصحيحة أو غيرها ناظرة إلى إمضاء الشارع تصرفات الجائر للتوسعة على الآخرين، نظير تحليل الخمس للشيعة، كما أنّه ليس في النقل ما يمنع عن ذلك، غير العمومات التي يرفع اليد عنها بالخصوصيات.

وممّا ذكرنا يظهر أنّ ما ذكره السيد الخوئي طال بقاه ـ من صراحة الفقرة الأولى في جواز شراء الصدقة من السلطان وعماله ـ غير تام، وأنّ دلالتها على الجواز لا يتجاوز حدود الظهور ومعه لا حاجة أي اتعاب النفس في الفقرتين الأخيرتين ولو انّ ظهور القاسم في من يكون شغله القسمة تام. وهذا لا ينطبق إلاّ على عامل السلطان كما لا يخفى.

ومنها رواية إسحاق بن عمار[1].

[1] وهي مضمرة قال: «سألته عن الرجل يشتري من العامل، وهو يظلم؟ قال: يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحداً»(343) وظهورها في الشراء من عامل السلطان ما هو عامل فيه غير قابل للخدشة وحملها على السؤال عن معاملة الظلمة والفسقة بعيد غايته.

رواية أبي بكر الحضرمي[2].

[2] وسندها معتبر، فانّ أبا بكر الحضرمي موثق بتوثيق عام باعتبار كونه من مشايخ ابن أبي عمير، وواقع في اسناد تفسير علي بن إبراهيم وكامل الزيارات، قال «دخلت على أبي عبداللّه (ع) وعنده إسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبي السماك أن يخرج شباب الشيعة“»(344) والمراد إخراجهم للعمل حتى يعملون له ما يعمل له سائر الناس.

وذكر الأردبيلي «ره» عدم دلالة هذه أيضاً على جواز أخذ الخراج ونحوه من السلطان وعامله، فانّه يمكن أنّ المراد من بيت المال في الرواية ما يجوز أخذه بأن يكون منذوراً أو وصية لجماعة، منهم شباب الشيعة وأبو بكر الحضرمي. وكان إنفاذ الوصية أو النذر على ابن أبي السماك بحسب الوصية إليه أو النذر.

ولا يخفى ما فيه لظهور بيت المال فيما كان متعارفاً في ذلك الزمان من الأموال المأخوذة خراجاً أو مقاسمة أو زكاة أو جزية، وحملها على غير ذلك بلا قرينة بلا وجه، وذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ الرواية دالة على جواز أخذ المستحق بمقدار نصيبه، بل مقتضاها عدم جواز الأخذ لغير المتستحق. والمدعى جواز الأخذ مطلقاً.

وفيه أنّ الإستدلال بالرواية في مقابل صاحب الرسالة والأردبيلي، حيث منعاً عن الأخذ حتى فيما إذا كان الآخذ مستحقاً للخراج أو الزكاة اللّهمّ إلاّ أن يقال جواز الأخذ المتسحق لا يحتاج إلى الرواية، لأنّ المال بوصوله إلى يده يصير خراجاً أو زكاة، وإنّما المحتاج إليها جواز الأخذ لغير المتستحق، ولا دلالة في الرواية لا على جوازه ولا على منعه.


307

(لا يقال): هذه الرواية بفقرتها الأولى ظاهرة في جواز كون الشخص من أعوان الظلمة مع فقره، (فانّه يقال) لم يتوجه في الرواية طلب الدخول في ولايتهم إلى شباب الشيعة حتى يتمسك بإطلاقه، بل الوارد فيها اللوم لابن أبي السماك بعدم استعماله شباب الشيعة، ولازم ذلك جواز عملهم له ولو في الجملة، فلا إطلاق لها من هذه الجهة، ولعل الجائز هو الدخول للعمل المباح مع نفع المؤمنين أو مع الإضطرار إليه لتأمين معاشه على ما تقدم.

منها الأخبار الواردة في أحكام تقبل الرجل الأرض[1].

[1] ذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ ما دل ـ على جواز تقيل الأراضي الخارجية من السلطان ـ لا يكون دليلاً على جواز أخذ الخراج أو الزكاة منه مجاناً أو معاملة، فانّ الأراضي الخراجية الموجودة في أيدي الشيعة يدور أمرها بين أن تترك بحالها بلا انتفاع منها، حتى يكثر الغلاء والفقر والجوع فيهم، أو أن يعطي الشيعي خراجين خراجاً للسلطان وخراجاً للمستحق، وهذا إجحاف، أو يكتفي بالخراج الواحد للسلطان بإجازة معاملته، وهذا الأخير هو المتعين.

وفيه أنّه يمكن أمر رابع وهو تحليل تلك الأراضي بمعنى إسقاط خراجها عن الشيعة، لئلاّ يكون إجحاف بهم. وإذا فرض إجازة معاملة السلطان على تلك الأراضي فيتعدى إلى معاملته على خراجها، باعتبار عدم إحتمال الفرق، مع أنّ الأراضي قد عطف عليها أهلها، كما في صحيحة الحلبي، حيث قال (ع) فيها: «لا بأس أن يتقبل الرجل الأرض وأهلها من السلطان»(345) وتقبل أهل أراضي الخراج، هي المعاملة على جزية رؤوسهم أو ما يكون عليهم من الخراج.

ومنها الصحيح عن اسماعيل بن الفضل[1].

[1] ودلالتها ـ على جواز شراء جزية الرؤوس والخراج من السلطان ـ واضحة ولا يضربها اشتمالها على خراج الطير والسمك ونحوهما ممّا لا خراج عليه، بل لعل المراد به أجرة الأرض التي قد تزيد، بلحاظ كون الأرض صالحة لصيد الطير والسمك وغيرهما.


308

لا يخلو عن قصور في الدلالة[2].

[2] حيث إنّه لم يعلم أنّ المراد بتمر عين ابن أبي زياد في رواية جميل بن صالح التمر المأخوذ من تلك العين بعنوان الخراج أو الزكاة، مع أنّ الرواية في سندها ضعف، حيث إنّ الراوي عن الإمام (ع) وهو مصادف ضعيف فتدبر. ولم يعلم أنّ المراد بالطعام في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج الطعام المأخوذ بعنوان الخراج أو الزكاة، ولعله من عائد الوقف المجهول اربابه أو نحوه كما لا يخفى.


309

أخذ الخراج والمقاسمة من الجائر

انّ ظاهر عبارات الأكثر[3].

[3] هل يختص جواز أخذ الخراج من السلطان الجائر بما يكون في يده أو يد عماله، بأن تجري المعاملة عليه بعد وقوع الخراج بيدهما، أو أنّ الجواز يعم المعاملة، وهو على عهدة مستعمل الأرض؟

ذكر المصنف «ره» أنّ ظاهر أخبار جواز قبالة الأرض وجزية الرؤوس هو الثاني، ولكن لا يخفى أنّ ما دلّ على جواز تقبل الأرض من السلطان لا يرتبط بجواز تملك ما على ذمة مستعملى الأرض بالشراء أو الحوالة، بمعنى جواز شراء ما عليهم من السلطان أو حوالة السلطان متقبل الارض إلى مستعمليها، بأن يستوفي من هؤلاء المستعملين ما اعطاه للسلطان قرضاً، بل يكون مدلولها جواز تملك منفعة الأرض بعنوان الإجارة أو غيرها. وإذا كانت منفعتها للمتقبل يكون ما يأخذه من مستعمل الأرض عوضاً لتلك المنفعة المملوكة له، نظير الأرض التي يستأخر من مالكها الخاص، ثم يوجرها لثالث.

والحاصل أنّ جواز ما على ذمة مستعمل الأرض من الخراج لمتقبل الأرض بذلك لا يكون ملازماً لجواز معاملة السلطان على الخراج قبل أخذه. نعم ما ورد في جواز تقبل جزية الرؤوس وتقبل خراج الأرض كاف في الدلالة على العموم.


310

(لا يقال): يعارضه ما في صحيحة أبي عبيدة المتقدمة، فانّ فيها ما ظاهر اعتباره القبض والعزل، قال «فما ترى في مصدق بجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا فنقول بعناها فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس، قيل له فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم، فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظه بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قد قبضه بكيل، وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل» والفرق ـ بين الزكاة والخراج بأنّ الزكاة مجعول إلهي ولا تتعين في شيء إلاّ بالأخذ والعزل، بخلاف الخراج، فانّه يكون على الذمة ويتعين بالجعل والقرار مع السلطان أو ولاته، فيمكن أن يعتبر الأخذ في المعاملة على الزكاة، ولا يعتبر في المعاملة على الخراج ـ لا يخفى ما فيه، فانّ الزكاة تثبت في النصاب بنحو الاشاعة في المالية أو بنحو الكلي في المعين، ويجوز لولي الزكاة بيعها قبل أخذها أو عزلها من مالك النصاب أو غيره، ولو كانت معاملة الجائر عليها كمعاملة السلطان العادل نافذة، فلا يحتاج إلى القبض أو العزل واعتبار الأخذ والقبض في امضاء معاملة الجائر عليها، وعدم اعتباره في معاملته على الخراج بعيد غايته.

وذكر السيد الخوئي طال بقاه في الجواب عن المعارضة: أنّ المفروض في الصحيحة كون البايع عاملاً للسلطان، والعامل بمنزلة الوكيل، ولم تحرز وكالته إلاّ في جمع الزكاة، لا في بيعها أيضاً، ومع عدم الإحراز لا يحكم بصحة بيعه لعدم جريان أصالة الصحة في موارد عدم إحراز سلطنة الشخص على المعاملة. وإذا وصل المال إلى يده فبقاعدة اليد يحكم بسلطانه على البيع أيضاً، بناءاً على ما هو الصحيح من عدم اختصاص القاعدة بمورد احتمال ملك العين، بل يعم احتمال ملك التصرف أيضاً.

والحاصل أنّ التفصيل في الرواية بين أخذ الزكاة أو عزلها وبين عدمهما على القاعدة.

(أقول) هذا أيضاً غير تام، لأنّ السلطان الجائر ليس له ولاية المعاملة على الزكاة أو الخراج، حتى يعتبر في نفوذ معاملة عماله إحراز وكالتهم عنه بقاعدة اليد أو غيرها، ولا يختص إمضاء المعاملة تسهيلاً للأمر على الآخرين بمعاملة السلطان ليلزم إحراز انتساب معاملة عماله إليه، بل الموضوع للجواز في الروايات معاملة السلطان وعماله، احرزت وكالتهم عنه في معاملتهم أم لا.

وإن شئت قلت صحيحة الحذاء تشمل في اعتبار القبض، صورة العلم من الخارج بأنّ العامل مفوض إليه أمر الزكاة في بيعها ونقل عينها. ولا يبعد أن يقال فرض الأخذ في الصحيحة باعتبار تعيين مقدار الزكاة ورفع الغرر عن بيعها، وكذا في دلالتها على أخذ الحنطة بالكيل، وحضور المشتري عنده، ولو لم تكن الرواية ظاهرة في ذلك فتحمل عليه جمعاً، باعتبار عدم احتمال الفرق بين المعاملة على الخراج والمعاملة على الزكاة كما مرّ.


311

الظاهر من الأصحاب في باب المساقاة[1].

[1] إذا كان خراج الأرض على الساقي دون مالك الأشجار، كان دفع مالكها ـ الخراج إلى الجائر وسقوطه بذلك عن الساقي ـ من قبيل المعاملة مع السلطان على الخراج قبل وصوله إلى يده، ولكن الأظهر كون الخراج على مالك الأشجار ابتداءاً، فانّه يستعمل الأرض ويستوفي منفعتها بأشجاره، فدفعه الخراج إلى السلطان دفع لما عليه، لا عوض عما على الغير، حتى يقال: هذا الدفع شاهد لجواز المعاملة مع السلطان على ما بعهدة الغير من الخراج قبل أخذه. ومن هذا القبيل المزارعة، وأنّه يكون الخراج يعني أجرة الأرض على من تملك منفعتها بتقبلها من السلطان، وقوله «ره» وظاهر الاصحاب مبتدأ وخبره إجراه ما يأخذه الجائر أي أنّ ظاهر الاصحاب تنزيل ما يأخذه الجائر من مالك الأشجار منزلة ما يأخذه السلطان العادل في كونه عوضاً عما على مستعمل الأرض أي الساقي. وهذا في معنى جواز معاملة السلطان على ما بذمة مستعمل الارض قبل أخذه.

وأمّا المأخوذ فعلاً[1].

[1] أي أنّ الوجه في ذكر العلماء المأخوذ فعلاً باعتبار أنّ هذه المسألة في كلماتهم ذكرت بعنوان الإستثناء عن مسألة حرمة الجائزة، مع العلم باربابها، وبما أن الجائزة لا تتحق إلاّ بالقبض فرضوا الأخذ في هذه المسألة أيضاً.

الثاني يختصّ حكم الخراج[2].

[2] ذكر «ره» في هذا الأمر أنّه ليس للجائر ولاية أخذ الخراج أو المقاسمة أو الزكاة، بحيث يجب على من عليه الحقوق دفعها إليه تعييناً أو تخييراً بينه وبين الدفع إلى الحاكم الشرعي، بل الثابت من الروايات أنّ أخذ الجائر تلك الحقوق ممن عليه يوجب فراغ ذمته منها وأنّ المعاملة عليها مع الجائر محكومة بالصحة، ولا يستفاد منها أزيد من ذك. نعم يظهر من جماعة منهم بعض الأساطين (كاشف الغطاء) خلاف ذلك، حيث قال: (ويقوى حرمة سرقة الحصة وخيانتها والإمتناع عن تسليمها، أو تسليم ثمنها بعد شرائها إلى الجائر، وإن حرمت عليه، ودخل تسليمها في الاعانة على الإثم بالبداية أو الغاية لنص الاصحاب على ذلك.

ولعل مراده بقوله ودخل تسليمها الخ أنّ الأصل حرمة تسليم الحصة إلى الجائر، فانّ تسليمها إليه إن كان دخيلاً في تسلطه على رقاب المسلمين، فالدفع إليه إعانة على الإثم بحسب الحدوث، وإن لم يكن دخيلاً فيه، كما إذا كان تسلطه عليهم من قبل بفعل الآخرين يكون الدفع إليه اعانة على الإثم بحسب الغاية، لأنّ الجائر يصرفها في غير مواردها، وقوله لنص الاصحاب تعليل للحكم في قوله: ويقوى حرمة سرقة الحصة.


312

المعاملة على الزكاة والخراج مع الجائر قبل وصولها بيده

مع أنّ في بعض الأخبار ظهوراً في جواز الامتناع[3].

[3] الرواية بحسب السند معتبرة، ودلالتها، باعتبار أنّ الثمن بعد فرض صحة المعاملة المفروضة فيها يكون معنوناً بعنوان المقاسمة، وتجويز الإمام (ع) الإمتناع عن تسليمها إلى الجائر يكون قرينة على عدم ولايته على الخراج، فلا يكون حاله كحال السلطان العادل، ولكن لم يعلم أنّ الارز المفروض كان من المقاسمة، فانها في واقعة خارجية لم تعلم خصوصياتها، فلعله كان من مال الناصب، كما ذكره في الحدائق، ولم يظهر من اصحابنا التسالم على عدم اجراء حكم مال الكافر على أموال الناصب، بل الناصب على ظاهرهم محكوم بالكفر، فلا حرمة لنفسه ولا لماله. وإرخراج الخمس من المال المأخوذ منه يكون بالإضافة إلى الزائد عليه مؤنة السنة، كما مرّ سابقاً.

مخالف لظاهر العام[1].

[1] ولعل مراده بالعام مدلول لفظ الشيعة، والمال المضاف إليهم هو المأخوذ من كل واحد منهم. وهذا المال هو الخراج والمقاسمة، فان ما يؤخذ من جميع الشيعة فقيرهم وغنيهم وكبيرهم وصغيرهم هي أجرة الأرض التي كانوا يسكنون بها من الأراضي الخراجية، بخلاف المجعول عليهم ظلماً، فانّه لا يعم جميع الشيعة حتى الزكوات، فانّها لا تؤخذ إلاّ ممّن له نصاب المال الزكوى. وعلى ذلك فمقتضى العام حمل الأموال الواردة في الرواية على الخراج والمقاسمة. وهذا الحمل هو الاحتمال الثاني في كلام المحقق الكركي «ره».

نعم الزكوات وإن ادرجها المحقق المزبور في الاحتمال الثاني، إلاّ أنّها داخلة في الإحتمال الأول، فانّها مأخوذة من بعض الشيعة ظلماً، وذلك فانّه لو قيل بأجزاء المدفوع إلى الجائر عن الزكوة الواجبة كان الظلم على مستحقيها من فقراء أهل الولاية، حيث إنّ الجائر لا يخصهم بالزكاة، وإن لم نقل باجزائه عنها كانت الظلامة على مالك النصاب، لأنّه يجب عليه دفعها ثانياً. وهذا الظلم أظهر من الأول، لاحتمال أن يقال في فرض الأجزاء بأنّ الزكاة لا تكون ملكاً للفقراء من أهل الولاية، حتى تكون الظلامة عليهم، بل هم أحد الموارد الثمانية التي يصرف عليها الزكاة، ولذا ذكر «ره» خصوصاً بناءاً على عدم الاجتزاء بها عن الزكاة.


313

وكيف كان فليست الزكاة مالاً مأخوذاً من جميع الشيعة، بل أخذها ظلامة من الجائر على بعضهم (أقول): ينبغي أن يقال بالاجتزاء بالإضافة إلى الزكاة أيضاً، كما يظهر ذلك ممّا دل على تجويز شراء الصدقة من السلطان وعماله وفي صحيحة عيص بن قاسم عن أبي عبداللّه (ع) في الزكاة، قال: «ما أخذ منكم بنوامية، فاحتسبوا به ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم، فانّ المال لا يبقى على هذا ان يزكيه مرتين»(346) فانّ قوله ـ فانّ المال لا يبقى تعليل للاجزاء وجواز الاحتساب لا لعدمه، كما يظهر من المصنف «ره»، وبها وبمثلها يرفع اليد عن الدلالة على عدم الاجزاء بحملها على استحباب الإعادة.


314

شراء الخراج والزكاة من السلطان

وفيما ذكر المحقق من الوجه الثاني[1].

[1] أي أنّ ما ذكره المحقق ـ في بيان المراد من أموال الشيعة الواردة في رواية علي بن يقطين من احتمال كونه الخراج والمقاسمة والزكوات ـ فيه دلالة على أنّه «ره» لا يرى وجوب دفع الخراج أو المقاسمة إلى السلطان، ولا يكون له ولاية كولاية السلطان العادل. ووجه الدلالة أنّه لو كانت له هذه الولاية بحيث وجب دفع تلك الأموال إليه، لما أمكن أمر الإمام (ع) علي بن يقطين بالإجتناب عن أخذها ولا أخذها علانية واستردادها سراً. وربّما يستظهر هذه الولاية من كلام مشايخه، ولكن لا يبعد كون مرادهم الامتناع عن أداء الخراج وجحوده رأساً حتى عن الحاكم العادل. ووجه عدم البعد تعليلهم حرمة الإمتناع، بأنّ ذلك حق واجب عليه، فانّه ليس مقتضى هذا التعليل وجوب الدفع إلى الجائر، ولعل هذا الإحتمال بعينه ما فهمه المحقق من الكلام المنقول عن مشايخه. ويؤيد ذلك أنّه بعد ما ذكر الإحتمالين في المراد من أموال الشيعة الواردة في الرواية نقل كلام مشايخه، ولم يشر إلى أنّ ما ذكره ـ من الإحتمال الثاني في الرواية ـ مخالف لظاهر كلامهم ويؤيد أيضاً أنّ هذا المحقق تعرض بعد نقل كلامهم لتولي الفقيه أمر الخراج في زمان الغيبة وذكر أنّه ليس عنده من الاصحاب تصريح في ذلك، ووجه التأييد أنّه لو كان قد علم من كلامهم عدم جواز منع الخراج عن الجائر وثبوت الولاية له، لذكر أنّه لا يجوز عند مشايخه للفقيه المتصدي لأمر الخراج، وأنّ أمره عندهم راجع إلى الجائر. وحمل كلامه «ره» على صورة فقد السلطان الجائر، حتى لا ينافي ذلك ثبوت الولاية للجائر ـ حمل على فرض بعيد.

ومن تأمّل“ إلخ، فهو استشهاد[1].

[1] هذا رفع لما يتوهم من التنافي في كلام المحقق، وذلك فانّه «ره» أجاب عن السؤال (أولاً) بقوله لا اعرف للاصحاب في ذلك تصريحاً، ثم ذكر (ومن تأمل في أحوال كبرائنا وهذا الأخير نوع تصريح من الاصحاب. ووجه الدفع أنّ قوله ـ ومن تأمل في أحوال كبرائنا ـ استشهاد على أصل الحكم في المسألة، وهو جواز المعاملة مع السلطان على الأراضي وخراجها، وغير مرتبط بالسؤال والجواب أصلاً.


315

فلو أحاله بها وقبل الثلاثة[2].

[2] المراد بالثلاثة المحال والمحيل والمحال عليه، وهذا مبني على اعتبار رضا المحال عليه في صحة الحوالة، والالكفي رضا المحيل والمحال.

يحرم على المالك المنع[3].

[3] أي أنّه يحرم على من عليه الحقوق المزبورة الامتناع عن دفعها إلى من تملكها بالمعاملة مع السلطان.

وقد عرف أنّ هذا مسلم نصّاً وفتويً[4].

[4] (أقول): لم يعلم التسالم على ما ذكر، ومقتضى بعض الروايات المعتبرة تجويز للتصرف في الأراضي الخراجية للشيعة مجاناً، وفي صحيحة مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللّه (ع): «يا اباسيار الأرض كلها لنا، ممّا أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا ـ إلى أن قال ـ كل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ومحلل لهم، ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان في أيديهم، وترك الأرض في أيديهم. وأماما كان في أيدي غيرهم، فان كسبهم من الأرض حرام“»(347) فانّ هذه لو لم تكن ظاهرة في خصوص أرض الخراج، بقرينة فرض الخراج المعبر عنه بالطسق فلا ينبغي الريب في شمولها لها، حتى لو فرض وقوع المعارضة بينها وبين ما دلّ على ثبوت الخراج على مستعمل أرض الخراج بالعموم من وجه، لكان المرجع بعد تساقطهما في مورد إجتماعها وهو استعمال الشيعي أرض الخراج أصالة عدم اشتغال الذمة بالبدل. وقد نقل ذلك القول في المستند، واختاره فراجع.

ثمّ إنّ الظاهر من قوله (ع): (الأرض كلّها وما أخرج اللّه منها لنا) هو ثبوت الولاية لهم لا الملك، بقرينة مالكية غيرهم بعض الأرض، وما يخرج منها كما لا يخفى.

ما ذكره من الوقف لا يناسب[1].

[1] لا يخفى أنه يجوز وقف بعض المأخوذ من الجائر، كإبل الصدقة، وليس في كلام الشهيد «ره» عموم بالإضافة إلى وقف الأرض التي يتقبلها من السلطان، حتى يستشكل بأنّه لا يصح وقفها باعتبار أنّها لا تدخل في ملك الآخذ، بل لا يصح هذا الوقف من الجائر أيضاً، فانّه لم يظهر من الأخبار المتقدمة امضاء الشارع تصرفه في الأرض بوقفها أو تمليك قطعة منها لشخص معين فلاحظ.


316

وأما مع عدم استيلائه[2].

[2] قد ورد النهي في صحيحة عيص بن القاسم المتقدمة عن اعطاء الزكاة للجائر وظاهره عدم الاجتزاء به عن الزكاة الواجبة فيما إذا كان الإعطاء إختيارياً، لقصور يد الجائر أو غيره. وبما أنّه لا يحتمل الفرق بينها وبين الخراج، فلا يجوز إعطاء الخراج له أيضاً إختيارياً، بل يدخل الخراج بناءاً على عدم سقوطه عن الشيعي في الأموال التي يتصرف فيها حسبة. والقدر المتيقن من الجواز تصرف الحاكم مباشرة، أو الصرف في موارده بالاستيذان منه فتدبر.

وهو الذي يقتضيه نفي الحرج[3].

[3] قد تقدم سابقاً أنّ دليل نفي الحرج لا يصحح المعاملة، ولذا لو لم تكن في البين الأخبار الظاهرة في إمضاء معاملات الجائر على الأراضي وخراجها، لم يمكن تصحيحها بدليل نفيه، كما لا يمكن تصحيح معاملات سائر الغاصبين به.

وهذا الدليل وإن كان فيه ما لا يخفى[1].

[1] (أولاً) بأنّ الخراج أجرة الأرض، فيثبت على الذمة، وما يحصل بالزرع ملك في المزارعة لمالك الأرض والزارع معاً، وفي مورد الإجارة ملك للزارع. و(ثانياً) أنّ الخراج حق للمسلمين، فانّه بدل منفعة الأرض التي يملكونها. و(ثالثاً) أنّ دفع حق اللّه إلى غير مستحقه لا يوجب فراغ الذمة، فيكون الدفع إلى الجائر كدفع الزكاة إلى غير مستحقها. والكلام المزبور من العلامة ـ وإن كان فيه الخلل ـ إلاّ أنّ ظاهره اختصاص الحكم بصحة المعاملة بالأراضي الخراجية عندنا. وأمّا الأنفال فالثمرة والزرع فيها للزارع ومالك الأشجار، وتملك الأرض بالاحياء على ما يأتي.

نعم بعض الأخبار[2].

[2] فإنّه لا يبعد شمول مثل قوله (ع): «لا بأس بأن يتقبل الارض وأهلها من السلطان“» للأراضي التي تكون من الأنفال والمجهول مالكها ممّا يتصرف فيها السلطان، بخلاف الأراضي المملوكة للأشخاص، كما في الأراضي التي أسلم أهلها طوعاً، فانّها ملك لأربابها الذين أسلموا طوعاً حتى عند المخالفين.

والحاصل أنّ تصرفه فيها ـ كتصرفه في ملك شخصي لمسلم في كونه جوراً وعدواناً ـ خارج عن موضوع الأخبار الواردة في قبالة الأرض والمعاملة على خراجها.

مسوقة لبيان حكم آخر[3].

[3] أي أنّ الروايات المشار إليها ليست في مقام بيان إمضاء الشارع معاملة السلطان على الأرض أو خراجها، حتى يتمسك باطلاق السلطان فيها في الحكم بعموم الجواز، وانّه لا فرق في الإمضاء بين السلطان المخالف الذي يدعى لنفسه الزعامة الشرعية على عامة المسلمين، وبين المخالف أو الموافق الذين لا يدعون تلك الزعامة والخلافة، فانّ صحيحة الحلبي ناظرة ـ بعد الفراغ عن جواز قبالة الأرض من السلطان ـ إلى جواز ادخال تقبل جزية الرؤوس في تقبل الأراضي التي يسكنها أهل الذمة، وأنّه لا بأس بهذا الإدخال، فيرفع اليد بها عن ظاهر ما دلّ على عدم جواز ذلك.


317

وأمّا رواية الفيض بن مختار فهي ناظرة إلى بيان أنّه بعد تقبل الارض من السلطان لا بأس باعطائها لساكنيها بأكثر ممّا تقبل به. وبعبارة أخرى ليس فيها بيان جواز تقبل الأرض من السلطان، بل بيان حكم آخر بعد الفراغ عن الأول.

وأمّا صحيحة محمد بن مسلم وأبي بصير معاً عن أبي جعفر (ع)، فهي ناظرة إلى عدم ثبوت الزكاة على الزارع فيما يأخذه السلطان منه بعنوان الخراج. وأمّا أن أخذه بذلك العنوان أو معاملته عليه بعد أخذه ممضاة أم لا، فلا دلالة لها على ذلك أصلاً، قال (ع) فيها: «كل أرض دفعها إليك السلطان، فما حرثته فيها فعليك ممّا أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه، وليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر، إنّما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك»(348).

لأنّ المراد بشبهتهما[1].

[1] أي أنّ مرادهم بالشبهة في قولهم: (ما يأخذه الجائر لشبهة المقاسمة والزكاة) هي شبهة استحقاق أخذها الحاصلة من رعاية مذهب العامة، نظير شبهة استحقاقه سائر الأموال التي يأخذه من الرعية بعنوان كونه ولي الأمر، وهذه الشبهة لا تتصور في حق الموافق، لأن مذهبه أنّ ما يأخذه من الرعية باسم الخراج أو الزكاة كسائر الأموال التي يؤخذ منهم ظلماً، ولو كانت له شبهة فهي اعتقاده الشخصي: بأنّ له الأخذ من أموال الناس للتحفظ على نظام الحكومة وأمن البلاد، ولو كان هذا الإعتقاد بسبب صحيح كالإجتهاد والتقليد، فيجوز له الأخذ والتحفظ على ذلك النظام. والأمن، وإلاّ لكان باطلاً لا يصحّ لأحد ترتيب الأثر على تصرفاته.

(أقول) لا يعتبر في السلطان أو عماله شبهة الإستحقاق بحسب المذهب، بل الروايات ظاهرة في إمضاء تصرفات السلطان وعماله في الأراضي الخراجية، وخراجها ومقاسمتها والزكوات وجزية الرؤوس، وليس لنا سبيل إلى إحراز أنّ الزعماء في ذلك الزمان كانوا معتقدين باستحقاقهم شرعاً لتلك التصرفات. ولعل كان بعضهم ـ كما قيل ـ في هرون ومأمون على اعتقاد بأنّهم ليسوا اهلاً لها، وانّما لم يتركوها لأهلها، لأنّ حلاوة الزعامة كانت تمنعهم عن ذلك.

والحاصل أنّ المتيقن من تلك الأخبار أنّ من كان له دعوى الزعامة الشرعية على عامة المسلمين، فتصرفاته وتصرفات عماله في الأموال المزبورة ممضاة، سواء كانت التصرفات لشبهة الاستحقاق أم لمجرد دعوى الولاية عليها. نعم قد تقدم عدم ورود الروايات لبيان هذا الإمضاء حتى يتمسك بإطلاقها بالإضافة إلى غير هذا السلطان وعماله، كما لا يخفى.


318

فسّر صاحب إيضاح النافع[1].

[1] يعني أنّه فسّر الجائر في كلام النافع بمن تقدم على أميرالمؤمنين (ع)، ومن تبع أثر أولئك الثلاثة. ومن الظاهر أنّهم كانوا يدعون الولاية الشرعية على المسلمين.

لا يعتبر في حلّ الخراج المأخوذ أن يكون[2].

[2] هذا الأمر لبيان عدم الفرق ـ في الزارع المأخوذ منه الخراج أو نحوه ـ بين كونه مخالفاً يعتقد ولاية السلطان على الرعية، أو كونه موافقاً لا يرى للجور ولاية عليه أو على سائر المسلمين، فانّه يجوز في الصورتين أخذ الخراج منه أو عماله معاوضة أو مجاناً، كما تبرأ ذمة الزارع من الحقوق الواجبة بأخذه أو أخذ عماله. ويشهد لعدم الفرق إطلاق بعض الأخبار الواردة في شراء الخراج أو الزكاة من السلطان أو عامله، فانّه لم يرد فيها اعتبار كون الزارع أو مالك النصاب مخالفاً، بأن يقال: لا بأس بشراء الخراج فيها إذا لم يؤخذ من أصحابكم، بل المفروض في صحيحة الحذاء المتقدمة كون الزكاة مأخوذة من الشيعة، حيث إنّه ممّا ورد فيها «قيل له فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا، فنقول بعناها فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان أخذها وعزلها فلا بأس» ومثلها ما ورد في جواز احتساب الزكاة بما يأخذه السلطان وعماله، كما في صحيحة عيص بن القاسم المتقدمة.

وامّا ما ذكره المصنف «ره» من اختصاص رواية اسحاق بن عمار المتقدمة أيضاً بالأخذ من الموافق، فلم يعلم وجهه، كذا بعض أخبار قبالة الأرض فراجع.

وأدرج البعض، المقام في قاعدة الإلزام، وذكر أنّ حل الخراج ـ أو غيره بالأخذ من السلطان أو عماله مجاناً أو معاوضة ـ مختص بما إذا كان المأخوذ منه مخالفاً، وأنّ مقتضى الزام المخالف بمقتضى مذهبه من ولاية السلطان عليه هو جواز المأخوذ منه لمن تلقاه من السلطان أو عماله معاملة أو مجاناً.

ولا يخفى أنّه على ذلك وإن اختص الحكم بما إذا كان المأخوذ منه مخالفاً، إلاّ أنّ المال المأخوذ يعم غير الخراج والمقاسمة والزكاة، كالمأخوذ من الرعية بعنوان الضريبة والعشور أو غيرهما، فانّ اعتقاد المخالف بولايتهم على رعاياهم في هذا الأخذ أيضاً للحفظ على النظام والأمن يكون مجوزاً لالزامه بمعتقده، وكذا يعم الحكم ما إذا لم يكن السلطان مدعياً للخلافة والزعامة على عامة المسلمين.


319

ولكن الكلام في اعتبار المزبورة باطلاقها، فنقول: إذا رأى المخالف على مذهبه كونه ملزماً بحكم ينتفع من ذلك الحكم، الموافق، كما إذا انحصر الوارث من الطبقة الأولى بالبنت الواحدة التي ترى بمقتضى مذهبها أنّ النصف الباقي من تركة أبيها للعصبة، فيجوز لأخيها المؤمن أخذ ذلك النصف وإلزامها بمذهبها. وهذا في الإرث منصوص، والتعدي ـ إلى سائر الموارد التي يحتمل الفرق في الحكم بينها وبين الإرث ـ لا يخلو عن مناقشة، لضعف سند بعض ما ورد في ذلك الباب، ممّا يظهر منه الإطلاق، وكذا يلزم المخالف بالنكاح أو الطلاق الواقع على مذهبه، وإن كانا باطلين عندنا. وهذا أيضاً مستفاد من النصوص. بل يلزم الكفار أيضاً بالنكاح والطلاق الواقعين على رسومهم، وأيضاً ورد النص في جواز أخذ ثمن الخمر أو الخنزير من الكافر، فيما إذا باع الخمر أو الخنزير لمثله، ويتعدى إلى سائر المعاملات الفاسدة من البيع والإجارة ونحوهما. وأمّا القاعدة الكلية ـ التي يؤخذ بها في كل مورد ولو مع احتمال الفرق في الحكم الواقعي فاقامة الدليل عليها مشكلة، فتدبر.


320

في الخراج ومقداره

السادس ليس للخراج قدر معيّن[1].

[1] هذا الأمر لبيان عدم التحديد لمقدار الخراج، بل بما أنّه في الحقيقة أجرة الأرض التي تملكها المسلمون، فيكون كسائر الموارد تابعاً لتراضي المتعاملين قل أو كثر. نعم إذا استعمل الأرض قبل المعاملة عليها كان على مستعملها أجرة المثل وأمّا تعيين الأجرة قبل استعمالها فيكون بالمعاملة فقط.

وذكر «ره» أنّ هذا منسوب إلى ظاهر الاصحاب. ويدلّ عليه قول أبي الحسن (ع) في مرسلة حماد بن عيسى: «والأرض التي أخذت عنوة خيل وركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف والثلث والثلثان، وعلى قدر ما يكون لهم صلاحاً ولا يضر بهم“»(349) وأنّه يستفاد من هذه المرسلة تحديد الخراج أو المقاسمة في ناحية الكثرة بعدم إضرارهما بالزارع، بحيث يترك الفلاح الزارعة ولا يختارها إلاّ اجباراً. وعلى ذلك، فلو قبل الأرض بما يضره فيحتمل حرمة جميع ما يؤخذه من مستعمل الأرض، بأن يكون أصل المعاملة باطلة، ويحتمل حرمة المقدار الزائد أي فساد المعامله بالإضافة إلى ذلك المقدار.

ولكن الصحيح هو التفصيل، بأنّ مستعمل الارض لو كان مختاراً في استعمالها بلا حرج عليه في تركها كان مقدار الخراج ما تراضيا عليه، حتى فيما إذا كان زائداً على المتعارف وغير صلاح للزارع. وأمّا إذا كان مضطراً إلى استعمالها، بأن كان تركها حرجاً عليه، كما إذا كانت تلك الأرض مزرعة له مدة، بحيث يكون ارتحاله عنها شاقاً عليه ففي مثل ذلك يحكم بفساد المعاملة أو فساد الزائد.


321

(أقول): الأظهر بطلان المعاملة في الصورتين، فانّ السلطان وعماله ليست لهم ولاية التصرف في تلك الأراضي بما يكون فيه إضرار بالمسلمين، ولم يمض من تصرفاتهم فيها ما يكون موجباً لترك الناس الأراضي التي كانوا يستعملونها والإلتجاء إلى مكاسب أخرى بدلاً عن الزراعة وتوفير الغذاء للناس، وفي ذلك فساد للبلاد وفقر لأهلها. وهذا نظير ما وكله الغير في بيع ماله أو اجارته بعوض محدود في ناحية كثرته، وكان التحديد لغرض عقلائي، فباعه الوكيل أو آجره بأزيد من ذلك العوض، فانّه يكون البيع أو الإجارة باعتبار عدم وكالته فيهما المعاملة. وأمّا احتمال بطلانها بالإضافة إلى المقدار الزائد فضعيف، فانّ التبعيض في المعاملة بحسب صحتها يختص بموارد انحلالها، كما إذا باع شيئين بصفقة واحدة، أو آجر العين مدة، فانّ انحلال البيع بالإضافة إلى كل منهما، وانحلال الإجارة بحسب ابعاض المدة صحيح.

وأمّا انحلالهما بالإضافة إلى بعض الثمن أو بعض الأجرة، بأن تتم المعاملة ويقع تمام المبيع بازاء بعض الثمن أو تمام المدة بإزاء بعض الأجرة، فهذا ليس من انحلال المعاملة. وعلى ذلك يبتني الحكم ببطلان البيع الربوي وعدم اختصاص البطلان بالمقدار الزائد، كما إذا باع خمسة كيلوات من الحنطة بعشرة كيلوات من حنطة أخرى، فانّه لا يمكن الحكم بصحة البيع بالاضافة إلى مبادلة خمسة كيلوات بخمسة، وبالبطلان بالاضافة إلى الخمسة الزائدة، فانّ مبادلة الخمسة بالخمسة لم تنشأ حتى يعمها مثل قوله سبحانه: «أحلّ اللّه البيع» بل المنشأ مبادلة الخمسة بالعشرة، وهذه المبادلة أنّما تنحل بالاضافة إلى مبادلة نصف الخمسة بنصف العشرة، وربع الخمسة بربع العشرة وهكذا، بخلاف الربا في باب القرض، فانّه لا يوجب بطلان عقد القرض، فانّ القرض والإقتراض في حقيقتهما تمليك المال وتملكه بالضمان، ومعنى الضمان اشتغال الذمة بمثل ذلك المال في المثليات، وبقيمته في القيميات، فالزيادة تكون شرطاً فيهما. وبما أنّ بطلان الشرط لا يوجب بطلان أصل العقد يصح القرض والإقتراض ويبطل الشرط.

ويترتب على ما ذكرنا أنّه لو ترك المستعمل، الأرض التي تقبلها من السلطان بما يضره، لم يكن عليه شيء لا الأجرة المسمّاة لفساد القبالة، ولا أجرة المثل، فانّ تلك الأجرة لا تثبت في صورة ترك استعمال الأرض ورفع اليد عنها.


322

من يجوز له أخذ الزكاة والخراج من الجائر

السابع ظاهر اطلاق الأصحاب[1].

[1] نسب «ره» في هذا الأمر إلى ظاهر كلمات الاصحاب عدم اعتبار الاستحقاق في من يأخذ الزكاة أو الخراج من السلطان أو عماله مجاناً، ونقل عن المحقق الكركي نسبة ذلك إلى إطلاق الأخبار، وناقش فيه بأنّ الأخبار واردة في شراء الخراج أو الزكاة أو تقبل الأرض من السلطان، ولا يعتبر في المشتري أو المتقبل أمر زائد على ما في اشتراء سائر الأموال من سائر الأشخاص. ولعله أراد اطلاق ما دلّ على حل جوائز السلطان، ولكن الأخبار الواردة في حلها واردة في أشخاص خاصة، فيحتمل كونهم مستحقين لبيت المال.

والحاصل أنّ الحكم بنفوذ تصرف الجائر في الخراج على الإطلاق بمعنى امضاء تمليكه لغير مستحقيه أو امضاء تفريقه على غير صلاحه المسلمين مشكل، كما أنّ الحكم بنفوذ أخذه بأن يكون المأخوذ خراجاً مطلقاً ولو فيما إذا دفعه إليه مستعمل الأرض اختياراً أو تقبل الارض منه كذلك، مع إمكان المراجعة إلى حاكم الشرع كان مشكلاً (أقول): ورود أخبار حل الجوائز في أشخاص خاصة ممنوع، فانّ فيها ما يكون من قبيل سائر الإطلاقات، كما في صحيحة محمد بن مسلم وزرارة جميعاً، قالا: «سمعناه يقول جوائز العمال ليس بها بأس»(350) نعم لا شهادة لها على ما ذكره المحقق الكركي «ره» وذلك لما ذكرنا سابقاً من أنّ الجائزة بمقتضى قاعدة اليد محكومة بكونها ملك الجائر، وأنّ الجواز في مثل الصحيحة حكم ظاهري تكون غايته العلم بحرمتها، فلا يعم ما إذا أحرز كونها مغصوبة من شخص يعرفه الآخذ، أو أنّها زكاة لا تحل لغير الفقير وهكذا.

وكأنّ المحقق الكركي مع ذكره اطلاق بعض الأخبار وظاهر الاصحاب في عدم اعتبار الاستحقاق في الآخذ اعتبر الإستحقاق فيه ورفع اليد عن اطلاق ذلك البعض، واستظهره من كلام العلامة، وذكر في وجه اعتباره قوله (ع) في رواية الحضرمي: «ما يمنع ابن أبي السماك أن يبعث إليك بعطائك، أمّا علم أنّ لك في بيت المال نصيباً» فانّ مقتضى ذلك أنّ حل بيت المال لأبي بكر باعتبار كونه ذا نصيب فيها.

وفيه أنّ قوله (ع) (أمّا علم) علة لتوبيخ ابن أبي السماك على تركه ارسال المال إلى السائل، فيستفاد منه حل بيت المال لمن يكون له فيها نصيباً وأمّا عدم الحل لمن لا نصيب له باعطاء الجائر وتمليكه، فهذا خارج عن مدلوله.


323

وأمّا استظهاره الاعتبار من كلام العلامة، فلأنّ المأخوذ من الزارع ومستعمل الأرض بعنوان الخراج أو الزكاة خراج أو زكاة حقيقة، كما هو مقتضى كونهما حق اللّه وبراءة ذمة المأخوذ منه من ذلك الحق، وإذا كان المأخوذ خراجاً أو زكاةً فيترتب عليه حكمها من عدم جوازهما لغير مستحقهما.

وفيه أنّه لا منافاة بين كون المأخوذ خراجاً أو زكاةً وجوازهما لغير مستحقهما بهبة السلطان أو عماله باعتبار امضاء هذه التصرفات كما مرّ.


324

في الأراضي الخراجية

الأول كونها مفتوحة عنوة[1].

[1] أراضي الكفار ـ التي استولى عليها المسلمون بالقهر والقتال المعبر عنها بالمفتوحة عنوة ـ ملك للمسلمين على المشهور، لا لاشخاصهم على نحو التوزيع، ولا لعنوانهم على نحو ملك الزكاة لعنوان الفقراء، بحيث يكون المأخوذ منها ملكاً شخصياً للآخذ، بل تلك الأراضي تكون باقية على حالها حتى بعد أخذها واستعمالها ومقتضى تبعية المنفعة للعين دخول منافعها من الخراج والمقاسمة أو أجرة المثل في بيت مال المسلمين المحكوم عليها بلزوم صرفها في مصالحهم، والمتصدي لذلك من له الولاية عليهم على ما مرّ في ضمن الأمور المتقدمة.

وفي صحيحة الحلبي قال: «سئل أبو عبداللّه (ع) عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن لم يخلق بعد فقلت الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلاّ أن تشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها، قلت فإن أخذها منه قال يرد عليه رأس ماله، وله ما أكل من غلتها بما عمل»(351).

ودلالة هذه على ما ذكر لا تحتاج إلى مؤنة، فان أرض السواد إمّا مفتوحة عنوة كما عليه المشهور، أو من أرض الصلح بشرط كونها للمسلمين، كما احتمله المصنف «ره» نعم البناء والآثار لمستعمل تلك الأراضي، ولا تتبع رقبة الأرض، ولذلك يثبت للمستعمل حق بها، كما ربّما يظهر ذلك من ذيل الصحيحة أيضاً، ونحوها رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «لا تشتر من أرض السواد شيئاً إلاّ من كانت له ذمة، فإنّما هو في للمسلمين»(352) والمراد بمن له ذمة هو مستعمل الأرض أو الذي تقبلها بالمعاملة مع الوالي.

وبمثل هاتين الروايتين يرفع اليد عن الإطلاق والعموم في بعض الروايات الدالة على كون الأراضي ملكاً للإمام (ع)، كما في صحيحة عبدالملك من قوله (ع) «يا اباسيار الأرض كلها لنا»(353) وما في رواية أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر (ع)، قال «وجدنا في كتاب علي (ع) أنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا اللّه الأرض ونحن المتقون، والأرض كلها لنا، فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها(354).


325

هذا مع أنّ المراد من اللام في (الأرض كلها لنا) الأعم من ملك العين وملك التصرف، بشهادة قوله (ع): (فما أخرج اللّه منها في شيء فهو لنا) فانّه من الضروري أنّ ما يخرج من الأرض من الثمار والزرع يكون ملكاً لزراعها وغراسها، ورواية أبي خالد لا تخلو عن المناقشة في سندها.

(لا يقال) إنّها معارضة بما دلّ على ملك الأرض بالاحياء كصحيحة محمد بن حمران، قال: «سمعت أبا جعفر (ع) يقول أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم»(355) (فانّه يقال) معارضة ذيل رواية الكابلي مع مثل الصحيحة لا تضر باعتبار صدرها الظاهر في كون كل الأراضي ملك الإمام (ع).

والحاصل أنّه لو فرض تمامية الروايتين بحسب السند والدلالة، فلابدّ من رفع اليد عن عمومهما بالتقييد الوارد في روايات الأنفال، وأنّ ملك الإمام هي الأراضي التي لم يجر عليها القتال كموثقة اسحاق ابن عمار، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الأنفال؟ فقال: هي القرى التي قد خرجت وانجلى أهلها فهي للّه للرسول، وما كان للملوك فهو للإمام، وما كان من الأرض يخربه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا رب لها، والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى، فماله من الأنفال»(356).

في صحيحة حفص بن البختري، قال: «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الأودية، فهو لرسول اللّه، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء»(357) وقريب منها، غيرهما.


326

فقد تحصل ممّا ذكرناه أنّ ما عن المحقق الإيرواني «ره» من أن الأراضي المفتوحة عنوة كسائر الأراضي ملك للإمام (ع)، وانّما يكون للمسلمين الإنتفاع بها ـ لا يمكن المساعدة عليه. نعم الأراضي ـ التي استولى عليها المسلمون بغير قتال، أو صالح أهل تلك الأراضي على كونها للإمام ـ تختص به (ع)، كما تدلّ عليه صحيحة حفص، وقريب منها غيرها، كرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: «سمعته يقول: الفيء والأنفال ما كان من أرض لم يكن فيه إراقة الدماء، وقوم صالحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية، فهو كله من الفي، فهذا للّه لرسوله، فما كان للّه فهو لرسوله يضعه حيث يشاء وهو للإمام بعده»(358) رواها الشيخ بسنده إلى علي بن الحسن بن فضال، وفي سنده إليه ضعف، لوقوع علي بن محمد بن الزبير فيه. وقد ذكرنا سابقاً أنّ تجويز الإمام (ع) العمل بكتب بني فضال ـ على تقديره ـ لا يقتضي اعتبار كل خبر ثبت نقله عنها، ولو لم يثبت أو لم يكن رواتها بثقات، وإنّما يقتضي أنّ فساد اعتقادهم لا يضر بجواز العمل برواياتهم فيما إذا حصل سائر شروط العمل بالخبر الواحد.

والحاصل أنّ الرواية صالحة للتأييد فقط، ويلحق بالأراضي المفتوحة عنوة الأراضي التي صولح عليها، على أن تكون للمسلمين، كما هو مقتضى صحة الصلح ونفوذه، ولو صالحوا الكفار على بقاء اراضيهم في ملكهم جاز، وتكون ـ كالأراضي التي أسلم أهلها طوعاً ورغبة ـ باقية في ملك أربابها، كما يدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى كونه مقتضى نفوذ الصلح ـ صحيحة البزنطي، قال: «ذكرت لأبي الحسن (ع) الخراج وما ساربه أهل بيته، فقال العشر فيما عمر منها. وما لم يعمر منها، أخذه الوالي فقبله ممّن يعمره، وكان للمسلمين، وليس فيما كان أقل من خمسة أو ساق شيء. وأمّا ما أخذ بالسيف فذلك لي الإمام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه (ع) بخيبر، قبل أرضها ونخلها“»(359).

ظاهر قوله (ع) فذلك إلى الإمام أنّ له الولاية في التصرف فيها، لا أنّه ملكه، فانّه فرق بين التعبير بأنّه إلى الإمام أو أنّه للإمام (ع)، والأول لا ينافي ما تقدم من أنّ المأخوذ عنوة ملك المسلمين، فانّه يكون ملكهم مع ثبوت الولاية للإمام (ع). نعم ما ذكر في الصحيحة ـ من أنّ الميتة من الأراضي التي أسلم أهلها طوعاً ملك المسلمين ـ ينافي ما تقدم من كون الأراضي الميتة من الأنفال، فلابدّ من حمل المذكور فيها على التقية كما قيل، أو حمل اللام على غير افادة الملك من سائر الإنتفاعات. هذه أقسام الأرضين في كونها ملكاً لأربابها أو للإمام (ع) أو للمسلمين.

يثبت الفتح عنوة بالشياع[1].

[1] يثبت الفتح عنوة وكذا الصلح على كون الارض للمسلمين بالشياع المفيد للعلم، وبشهادة العدليلن، ولو كانت من قبيل الشهادة على الشهادة، وبالشياع المفيد للظنّ المتأخم للعلم المعبر عنه بالإطمئنان. وذكر المصنف «ره» أنّ الإكتفاء بالشياع كذلك مبني على اعتباره في كل مورد تكون اقامة البينة فيه عسرة، كنسب شخص أو كون مال وقفاً أو ملكاً مطلقاً لا يتعلق به حق للآخرين، ككونه رهناً أو وقفاً.


327

الصحيح أنّه لو كان المراد بالظنّ المتاخم للعلم هو الإطمئنان فلا يختص اعتباره بصورة خاصة (ثم) إنّ العسر في أقامة البينة على اطلاق الملك مبني على عدم كفاية اليد في الشهادة بالملكية المطلقة وإلاّ فلا عسر في إقامتها كما لا يخفى. ولا اعتبار لغير ما ذكر من الامارات الظنية حتى قول أهل التاريخ إلاّ إذا كان من قبيل خبر العدل أو الثقة، حيث أنّه لا يمكن الاعتماد على تلك الظنون في مقابل أصالة عدم الفتح عنوة أو عدم الصلح على كون الأرض للمسلمين.

(لا يقال): الرجوع إلى أهل التاريخ في إحراز كون الأرض مفتوحة عنوة أو أرض صلح من قبيل الرجوع إلى أهل الخبرة ولا يعتبر في الرجوع إليهم التعدد والعدالة بل يكفي كون أهل الخبرة ثقة (فانّه يقال): لم يحرز كون الحوادث في أطراف الأرض وأكنافها من الأمور التي يحتاج إدراكها إلى نظر واجتهاد ليندرج المخبر بها في عنوان أهل الخبرة، بل الظاهر أنّ نقل تلك الحوادث لا يزيد على نقل سائر الأمور ممّا يكون نقلتها مجرد رواة لها.

(لا يقال): لا يمكن الرجوع إلى أصالة عدم كون الأرض مفتوحة أو أرض صلح على أنّها للمسلمين، فانّه يعارضها أصالة عدم كونها ملكاً لسائر الناس (فانّه يقال) إذا دار أمر الأرض بين كونها ملكاً لسائر الناس فعلاً أو المفتوحة عنوة أو صلحاً، فالمعارضة صحيحة ويتساقط الأصلان، وتكون الأرض من المجهول مالكها. وأمّا فيما إذا احتمل أن لا يكون لها مالك فعلاً، كما في أرض خربة لا يحتمل بقاء مالكها الأول عادة، ولا يعلم له وارث، فيجري أصلان ويحكم عليها بالأنفال. حيث إنّه مع أصالة عدم كونها من المفتوحة عنوة أو ملكاً لسائر الناس تدخل الأرض في عنوان ما لا ربّ له، المحكوم عليه بكونه ملكاً للإمام (ع)، كما في موثقة اسحاق بن عمار، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الأنفال؟ فقال: هي القرى التي خربت وانجلى أهلها ـ إلى أن قال: ـ وكل أرض لا ربّ لها»(360).

ثمّ إنّ الرجوع إلى الأصل أو الحكم بكونها لمالكها المجهول إنّما هو على تقدير عدم اليد على تلك الأرض أو اعتراف ذي اليد بعدم كونها ملكاً له، وإلاّ حكم بكونها ملكاً لذي اليد، فانّها أمارة على الملك.

والحاصل أنّه لو أراد شراء الأرض، فمع يد البايع عليها يحكم بكونها ملكاً له، ومع عدم اليد فلابدّ من المعاملة معها معاملة المجهول مالكها أو الأنفال، وكذا ما إذا أراد استيجارها كما لا يخفى.


328

ثمّ إنّه لا يبعد اعتبار شهادة العدل الواحد في الموضوعات أيضاً، فانّ الإعتناء بخبر العدل والثقة عليه سيرة العقلاء في الأمور الراجعة إلى معاشهم ومعادهم، بلا فرق في ذلك بين كون الخبر المزبور حاكياً عن الحكم أو الموضوع، ولم يردع عنها الشرع إلاّ في بعض الموارد، كالأخبار عن رؤية الهلال، كما يستفاد ذلك ممّا ورد من أنّه لا عبرة فيها بغير شهادة رجلين عدلين، ومثلها ما إذا كان خبر العدل متضمناً للدعوى على الغير مالاً أو حقاً، فانّه لا يرفع اليد في تلك المقامات عن مقتضى قاعدة اليد أو أصالة الصحة ونحوهما بمجرد قيام خبر العدل، كما يستفاد ذلك من الأخبار الواردة في القضاء، بل لا اعتبار به في موارد قاعدة اليد مطلقاً ولو لم تكن أخباره في موردها من قبيل الدعوى على الغير. ويؤيد ـ اعتبار خبر العدل بل الثقة فيما ذكرنا ـ في جواز الإعتماد على إذن الثقة وأخبار الثقة عن زوجية امرأة يريد تزويجها، والتعبير بالتأييد باعتبار أنّه لا يمكن التعدي منهما إلى سائر الموارد مع الإغماض عن السيرة المشار إليها، حيث إنّهما من قبيل النص في مورد خاص.

(لا يقال): الأخبار بكونه زوجاً لامرأة يريد الآخر تزويجها من قبيل الدعوى على الغير (فانّه يقال): الأخبار كذلك لا يكون من قبيل الدعوى بالإضافة إلى من يريد تزويجها، وإنّما تكون دعوى على المرأة، وظاهر الرواية اعتبار خبر الثقة بالإضافة إلى من يريد تزويجها، وهي ما رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن عن زرعة عن سماعة، قال: «سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة أنّ هذه امرأتي، وليست لي بينة، فقال: إن كان ثقة فلا يقربها، وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه».

لا يقال ظاهر رواية مسعدة بن صدق عدم العبرة في الموضوعات إلاّ بشهادة رجلين، قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول: كل شيء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة»(361) فانّ مقتضى الحصر المستفاد منها عدم الإعتبار بغير شهادة العدلين، ولا يبعد كون الرواية موثقة لثبوت التوثيق العام لمسعدة، لوقوعه في أسناد تفسير علي بن إبراهيم وكامل الزيارات، ولكنّها لا تصلح للردع عن اعتبار خبر الثقة في الموضوعات. وذلك فانّ المراد بالبينة ليس خبر العدلين، بل من المحتمل لو لم يكن ظاهراً ـ انّها ما يوضح الواقع كما تستعمل فيه لغة فلاحظ موارد استعمالها في القرآن. والمفروض أنّ خبر الثقة يوضح الواقع كما هو مقتضى السيرة المشار إليها.

و(ثانياً) دلالتها على عدم اعتبار خبر الثقة في الموضوعات حتى في غير موارد الدعوى على الغير ونحوها بالإطلاق أو العموم، فيرفع اليد عنه في غير تلك الموارد بالسيرة الجارية على الاعتناء بخبر الثقات على ما تقدم.

والحاصل أنّه لا بأس بالإلتزام باعتبار خبر العدل أو الثقة في الموارد التي أشرنا إليها، ومنها الأخبار عن كون الأرض مفتوحة عنوة أو أنّها للمسلمين فيما إذا لم تكن على الأرض يد تقتضى كونها ملكاً لذيها، كما إذا تقبلها الزارع من السلطان مع عدم يد لآخر يحتمل كونها له.


329

الحكم عند الشك في حال الأرض

وأشكل منه إثبات ذلك باستمرار السيرة[1].

[1] الشاك في حال الأرض (تارة) مستعملها الذي يتقبلها من السلطان أو من يأخذ من السلطان خراجها مجاناً أو معاملة (وأخرى) من يأخذ الخراج ممّن تلقاه من السلطان والشاك في الصورة الأولى لا يجوز له تقبل الأرض أو أخذ خراجها. وما قيل ـ من أنّ استمرار يد السلاطين على أرض في العصور المتتالية كاشف عن كونها للمسلمين وإلاّ فلو كان وضع اليد عليها شيئاً حادثاً تعرض له أهل التواريخ ـ لا يمكن المساعدة عليه، وذلك فانّه يمكن حدوث الوضع وعدم تعرضهم لنقله، كما اهملوا الحوادث الكثيرة. ومع الإغماض عن ذلك، فانّ عدم تعرضهم لحدوث يد السلطان عليها في زمان كذا لا يزيد على عدم تعرضهم لكون الأرض خراجية. وقد تقدم عدم الإعتبار بنص أهل اللغة بكون الأرض خراجية، وكذا لا يمكن الحكم بالجواز باعتبار حمل تصرف السلطان فيها على الصحيح، لأنّ الصحة تكليفاً في فعله مقطوع العدم، حيث إنّه لا يجوز له التصرف فيها ولا في خراجها، كانت للمسلمين أم لغيرهم. والحمل على الصحة وضعاً أيضاً غير ممكن، لعدم إحراز ولايته على المعاملة عليها أو على أجرتها، وإحراز ولايته بقاعدة اليد ـ كما عن بعض ـ غير صحيح، للعلم بأنّ يده عليها أو على خراجها عدوانية، غاية الأمر المعتدي عليه مردد بين كونه من سائر الناس أو كونهم المسلمين، كما لا مجال لدعوى أنّ أخذه الخراج من الأراضي الخراجية أقل فساداً من أخذه من غيرها، فيحمل أخذه على كونه من الأراضي الخراجية.

والوجه في عدم المجال أنّه ليس في المقام إلاّ محرم واحد، وهو تصرفه في الأرض أو خراجها سواء كانت الأرض للمسلمين أم ملكاً لسائر الناس. وليس في البين عنوانان محكومان بالحرمة، وأحرز صدور أحدهما عن مكلف، وشك في صدور الآخر، كما إذا لم يعلم أنّه زني فقد أو زني وظلم بإكراهه المرأة على الزنا، فانّ مقتضى أصالة الصحة عدم صدور الظلم بالإكراه، نعم لا يثبت بذلك رضا المرأة بالزنا، كما هو المقرر في محله، مع أنّ المهم في المقام هو الحمل على الصحة وضعاً. وذكرنا أنّه ـ للشك في ولاية السلطان على المعاملة على الأرض أو خراجها ـ لا مجرى لأصالتها.


330

وأمّا الصورة الثانية أي الأخذ ممّن تقبل الأرض أو خراجها من السلطان، فإن احتمل في حق الآخذ من السلطان الفحص وإطلاعه على حال الأرض وتقبلها أو أخذ خراجها من السلطان بعد إحراز حالها، فلا بأس بحمل فعله على الصحة بأخذ الأرض أو خراجها منه. وأمّا مع العلم بعدم التفات الآخذ إلى ذلك أو اعتماده على قول بعض أهل التواريخ الذي لا يصح الإعتماد عليه، فلا يجوز للغير المعاملة مع الآخذ، لعدم إحراز اعتبار أصالة الصحة في مثل هذه الموارد كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لا ثمرة للبحث في فتح أرض العراق عنوة أو كونها للمسلمين شرطاً في الصلح، وذلك لعدم ترتب أثر خاص على فتح الأرض بالعنوة، فإن ما تقدم، من آثار كون الأرض للمسلمين ولو كان بالصلح. ودلالة الروايات على كون أرض العراق ملكهم واضحة. وفي صحيحة الحلبي أنّه «سئل أبو عبداللّه (ع) عن أرض السواد ما منزلته؟ فقال: لجميع المسلمين لمن هو اليوم مسلم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ولمن لم يخلق بعد»(362) ولذا ذكر المصنف «ره» أنّ مثلها يحتمل فتحها عنوة أو الدخول في ملكهم صلحاً. وأمّا غير أرض العراق فلم تدل على حالها رواية معتبرة، غير ما ورد في فتح خيبر. وعلى ذلك فاللازم مراعاة ما تقدم تفصيله واللّه العالم.


331

ما يشترط في كون الأرض خراجية

الثاني أن يكون الفتح بإذن الإمام (ع)[1].

[1] المنسوب إلى المشهور اعتبار إذن الإمام (ع) في كون الأرض خراجية بفتحها عنوة، وبدون إذنه تكون الأرض من الأنفال. ويستدل على اعتباره بمرسلة العباس الوراق عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «إذا غزوا قوم بغير إذن (ع)، فغنموا كانت كلها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس»(363) ولكنّها لضعف سندها غير قابلة للإعتماد عليها، مع أنّها معارضة بما دلّ على أنّ الأرض المفتوحة عنوة ملك المسلمين، كمرسلة حماد بن عيسى عن أبي الحسن (ع)، وفيها: «والأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهو موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها ويقوم عليه على ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم“»(364).

والنسبة بين هذه ومرسلة الوراق العموم من وجه، لأنّ هذه خاصة بالأراضي ومطلقة بالإضافة إلى إذن الإمام (ع) وعدمه، كما أنّ مرسلة الورق مختصة بصورة عدم إذن الإمام (ع) ومطلقة من حيث كون الغنيمة أرضاً أو غيرها. وموارد إجتماعهما هي الأرض المفتوحة بغير إذنه (ع)، وبعد سقوط الإطلاق من الجانبين يرجع إلى اطلاق الآية المباركة الدالة على خروج الخمس من مطلق الغنيمة الشاملة للأرض أيضاً، فيكون باقي الأرض للمسلمين، لأنّ تقسيم غير الخمس للمقاتلين كسائر الغنيمة غير محتمل، وكونه للإمام (ع) خلاف الآية، فتكون النتيجة عدم اعتبار إذنه (ع) في كون الأرض خراجية.


332

هذا كله في الكبرى أي في اعتبار إذنه (ع) في كون الأرض خراجية. وامّا الصغرى أي إذنه (ع) في الأراضي التي فتحت بعد النبي (ص)، فقد أشار إليه المصنف بقوله: (والظاهر أنّ أرض العراق مفتوحة بالإذن) ويستفاد كونها كذلك ممّا دل على أنّ أرض العراق ملك لجميع المسلمين، كما في صحيحة الحلبي المتقدمة آنفاً، وقريب منها غيرها، حيث إنّها لو كانت مفتوحة بغير إذنه (ع) لما كانت للمسلمين. ولا يبعد جريان حكم أرض العراق على سائر الأراضي المفتوحة في الإسلام، كما يظهر ذلك من صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع)، قال: «سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول اللّه (ص)؟ فقال: إنّ أميرالمؤمنين (ع) قد سار في أهل العراق سيرة فهم إمام لسائر الأرضين، وقال: إنّ أرض الجزية لا ترفع عنهم الجزية»(365) حيث إنّ دلالتها ـ على جريان حكم أرض العراق على سائر الأراضي المفتوحة بعد رسول اللّه (ص) ـ واضحة، ولكن لا دلالة لها على اعتبار إذن الإمام (ع) في كون الأرض للمسلمين بفتحها عنوة، كما لا يمكن الإعتماد في ذلك على رواية جابر الجعفي أو على ما اشتهر من حضور أبي محمد الحسن (ع) في بعض الغزوات، لأنّ رواية جابر ضعيفة، ومجرد نقل القميين وضبطها في كتبهم لا يكون كاشفاً عن اعتبارها، كما أنّ حضور أبي محمد (ع) في بعض الغزوات لا يكشف عن إذن الإمام ورضاه، فلعل حضوره كان لرعاية التقية، وعدم رضاه بذلك الحرب كان لأجل المحذور في المحاربة في ذلك الوقت، حيث إنّه ربّما لا يكون فتح بلد في وقت معين صلاحاً، لتوقفه على التضحية بأرواح المسلمين وأموالهم كثيراً، بخلاف تأخيره إلى وقت آخر.

وما ذكر المصنف «ره» في كشف إذن الإمام (ع) في تلك الغزوات بحمل غزوهم على الصحة ـ لا يمكن المساعدة عليه، فانّ الغزو بدون إذن الإمام (ع) ليس بمحرم، خصوصاً في ذلك الزمان الذي لم يكن فيه خيار للمقاتلين في مخالفة أميرهم. وأيضاً الحمل على الصحة انّما يتم فيما إذا لم يكن للغزو بغير إذنه أثر ليحكم بفساده، وأثر الغزو بدون إذنه كون الغنيمة للإمام (ع).


333

في اعتبار الحياة في الأرض حال فتحها

الثالث أن يثبت كون الأرض المفتوحة[1].

[1] ذكر «ره» في هذا الأمر بأنّ إخراج الخمس من الغنيمة يجري في الأراضي المفتوحة عنوة ونسب ذلك إلى المشهور، وأنّ ما يكون للمسلمين بعد خراج خمسها هي المحياة أي المعمورة حال الفتح. وأمّا لميتة منها فهي كالميتة من سائر الأراضي تكون من الأنفال، بل قيل بعدم الخلاف في اعتبار الحياة الفتح.

(أقول): أمّا الأول فقد ذكر في وجهه دلالة قوله سبحانه «انّما غنمتم من شيء“»(366) على اعتبار الخمس في الغنيمة الشامله باطلاقها للأراضي المفتوحة. ولم يذكر في الآية قسمة باقيها على المقاتلين ليكون ذكرها قرينة على كون المراد بالغنائم هي الأموال المنقولة.

وفيه أنّ الأظهر عدم الخمس في الأراضي المفتوحة بل الارض بتمامها للمسلمين، فانّ الأرض المزبورة فرد من الغنيمة. وقد دلّ الدليل على أنّها لجميع المسلمين أي بتمامها. وهذا الظهور باعتبار كونه ظهور الخاص وبياناً لحكم فرد من الغنيمة مقدم على اطلاق الآية.

و(امّا الثاني) أي اعتبار الحياة فيما يكون للمسلمين بحيث تكون الموات حال الفتح داخلة في الأنفال، فقد ذكر المصنف «ره» في وجهه عموم ما دلّ على أنّ الموات من الأنفال، كما في صحيحة حفص عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «الأنفال ما لم يوحف عليه بخيل أو ركاب أو قوم صولحوا أو قوم اعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول اللّه (ص) وهو للإمام بعده يصنعه حيث يشاء»(367) ونحوها غيرها.

(لا يقال): يعارض ذلك العموم ما دلّ على أنّ المفتحة عنوة للمسلمين، فانّه يعم الأرض المعمورة والميتة معاً، وأجاب «ره» عن ذلك بأنّ الإجماع المحكي ـ على دخول المفتوحة عنوة في ملك المسلمين ـ لا يعم الأراضي الميتة، فانّ الداخل في ملكهم بعنوان الغنيمة، وهذا العنوان يختص بما كان ملكاً للكافرين، ولا يعم الأراضي الميتة التي هي من الأنفال للإمام (ع) قبل الفتح وبعده، وكانت يد الكفار عليها يد عدوان.


334

وامّا الروايات كصحيحة الحلبي الواردة في حال أرض السواد أي العراق، فظاهرها أيضاً كون الداخل في ملكهم بعنوان الغنيمة التي لا تصدق على الأراضي التي لم تكن ملكاً للكفار (أقول) لم يظهر ممّا ورد في كون المفتوحة عنوة ملك المسلمين أنّ الداخل في ملكهم ما كان لاشخاص الكفار، بل يعم الأراضي التي كانت في أيديهم من المعمورة والمخروبة، فلاحظ صحيحة محمد الحلبي المتقدمة الواردة في أرض السواد، بل مقتضى تقييد الأرض الخربة ـ في موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة بما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ـ عدم جريان حكم الأنفال على الخربة التي أوجف عليها بالخيل، حيث إنّها واردة في مقام تحديدها.

نعم لو مات المحياة حال الفتح فالظاهر بقائها على ملك المسلمين[1].

[1] قد يقال: إنّ ما ورد ـ من كون المفتوحة عنوة، موقوفة متروكة في يد من يعمرها، وانّها ملك المسلمين باطلاقه ـ يعم بقاء الأرض على الحياة أولا، كما أنّ موثقة اسحاق بن عمار ـ المتقدمة الدالة على كون الخربة من الأنفال باطلاقها ـ تعم ما إذا طرأ الخراب على المفتوحة عنوة، وبعد تساقط الإطلاق من الجانبين يرجع إلى استصحاب بقاء الأرض على ملك المسلمين.


335

طروء الخراب على الأراضي الخراجية

وذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّه يحكم بعد طروء الخراب على المفتوحة، بأنّها من الأنفال، حيث إنّ شمول ـ ما دلّ على كون المفتوحة ملكاً للمسلمين لما بعد الخراب ـ بالاطلاق، ودلالة كون ـ كل خربة ملك الإما م ـ بالعموم، وعند تعارضها يقدم العموم الرضعي، لعدم تمامية مقدمات الإطلاق معه.

والحاصل: أنّه لا تصل النوبة إلى الاستصحاب ليقال بأنّ مقتضاه بقاء الأرض على حالها في كونها ملكاً للمسلمين.

وفيه أنّ لازم ما ذكر الإلتزام بخروج الأرض عن ملك محييها بمجرد خرابها، فانّ شمول ما دلّ على أنّ (من أحيى أرضاً فهي له) لما بعد الخراب بالاطلاق، فيقدم عليه العموم الدال على أنّ الخراب ملك الإمام (ع)، بل مقتضى هذا العموم دخول الأرض بالخراب في ملكه (ع)، حتى فيما إذا كان ملك الغير بالإرث أو الشراء أو نحو ذلك. ولا أظنّ أن يلتزم طال بقاه بذلك.

والأظهر ما ذكره المصنف «ره» من عدم خروج الأرض بالخراب عن ملك المسلمين لا للاستصحاب، ليقال انّه لا تصل النوبة إليه في المقام، بل لتقييد الخربة في موثقة اسحاق بن عمار الواردة في مقام بيان الأنفال، بالتي لم يوجف عليها بخيل أو ركاب، وبانجلاء أهلها، ولدلالة صحيحة سليمان بن خالد على عدم خروج الأرض الخراب عن ملك مالكها، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها، ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها ما إذا عليه؟ قال: الصدقة قلت: فإن كان يعرف صاحبها فليود إليه حقه»(368) حيث إنّ مقتضى ثبوت أجرة المثل على معمر الأرض عدم خروجها عن ملكية مالكها، ولا يحتمل الفرق بين طرو الخراب على الأرض التي تكون ملكاً لشخص أو كونها ملكاً لعنوان المسلمين. نعم ربّما يظهر ـ خروجها إلى ملك عامرها وإن كان ملكاً لآخر من قبل، من صحيحة معاوية بن وهب، قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول: أيّما رجل أتي خربة بائرة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها فانّ عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضاً لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخربها، ثمّ جاء بعد يطلبها، فانّ الأرض للّه ولمن عمرها» ولكن هذه مطلقة من جهة اعراض المالك الأول وعدمه، فيحمل على صورة الاعراض، لظهور صحيحة سليمان بن خالد في خصوص عدم الاعراض كما لا يخفى.


336

ثمّ إنّه لا دلالة لصحيحة سليمان بن خالد على جواز استعمال الأرض واحيائها ولو بلا رضا مالكها. والوجه في عدم دلالتها عدم ورود في بيان هذه الجهة، حيث إنّ السؤال فيها عن الحق الثابت على مستعملها.

والحاصل أنّ مقتضى احترام مال المسلم عدم جواز التصرف في أرضه بدون رضاه. وما ورد ـ من سقوط احترام الملك في مورد تعطيل المالك، الأرض ثلاث سنين أو عشر سنين ـ لضعفه لا يصلح للاعتماد عليه.

ومع الشك فيها فالأصل العدم[1].

[1] ثمّ إنّه بناءاً على اعتبار الحياة حال الفتح تدخل الأرض في ملك المسلمين على تقدير حياتها، وعلى تقدير مماتها حاله تدخل في ملك محييها، ثمّ إلى غيره بالإرث أو غير ذلك، وإذا شك في حال الأرض زمان فتحها، فإن كانت بيد من يدعى الملكية لها فيحكم بكونها ملكاً له، وعلى تقدير عدم اليد أو اعتراف ذي اليد بأنّها ليست له، أو كونها بيد السلطان الجائر المعلوم عدم ولايته عليها، يدور أمرها بين كونها ملك المسلمين أو ملكاً لشخص آخر أو ملك الإمام (ع) لانقضاء المالك الشخصي وورثته فالأصل عدم كونها عامرة حال فتحها، كما أنّ الأصل عدم كونها فعلاً لشخص آخر ونتيجة الأصلين كونها من الأنفال على ما تقدم.

وما ذكر المصنف «ره» من لزوم الجمع بين رعاية حكم أرض الخراج وحكم المال المجهول مالكه أو القرعة فيها ـ لا يمكن المساعدة عليه نعم الأول احتياط مستحب.

فنيزل على أن كلّها كانت عامرة[1].

[1] لا يحتمل ذلك عادة، بل إطلاق أرض السواد باعتبار غلبة الحياة على أراضيها وما ذكره ـ من تأييد كون أرض العراق بتمامها عامرة بتحديد أرض الخراج بما في المنتهى وغيره ـ ضعيف بل لم يعلم وجه التأييد فتدبّر. إلى هنا انتهى ما أردنا إيراده في المكاسب المحرمة ويتلوه كتاب البيع إنشاء اللّه تعالى.

والحمد للّه أولاً وآخراً


337

هوامش الكتاب

(1) سورة النساء: الآية 29.

(2) وسائل الشيعة: ج17، الباب59، من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث1.

(3) و (4) وسائل الشيعة: ج17، الباب59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث2 ، 3.

(5) وسائل الشيعة: ج17، الباب59، من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث7.

(6) و (7) و(8) وسائل الشيعة: ج12، الباب40، من أبواب ما يكتسب به، الحديث1 ، 2 ، 3.

(9) وسائل الشيعة: ج16، الباب31، من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث2.

(10) وسائل الشيعة: ج12، الباب5، من أبواب ما يكتسب به، الحديث13.

(11) وسائل الشيعة: ج12، الباب12، من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(12) وسائل الشيعة: ج12، الباب38، من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

(13) و (14) وسائل الشيعة: ج17، الباب34، من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث1 ، 4.

(15) وسائل الشيعة: ج16، الباب30، من أبواب الذبائح، الحديث1.

(16) وسائل الشيعة: ج16، الباب30، من أبواب الذبائح، الحديث4.

(17) التهذيب: ج2، الباب11، ما يجوز الصلاة فيه من اللباس، الحديث4.

(18) و (19) وسائل الشيعة: ج16، الباب34، من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث6 ، 8.

(20) وسائل الشيعة: ج12، الباب5، من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(21) وسائل الشيعة: ج16، الباب33، من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث3.

(22) وسائل الشيعة: ج16، الباب32، من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث1.

(23) وسائل الشيعة: ج12، الباب14، من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

(24) وسائل الشيعة: ج12، الباب61، من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(25) وسائل الشيعة: ج12، الباب57، من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(26) وسائل الشيعة: ج14، الباب60، من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(27) وسائل الشيعة: ج12، الباب60، من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

(28) وسائل الشيعة: ج2، الباب13، من أبواب النجاسات، الحديث3.

(29) وسائل الشيعة: ج12، الباب58، من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(30) وسائل الشيعة: ج1، الباب14، من أبواب الماء المطلق، الحديث2.

(31) وسائل الشيعة: ج17، الباب19، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.

(32) وسائل الشيعة: ج17، الباب27، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث2.

(33) وسائل الشيعة: ج12، الباب55، من أبواب من يكتسب به، الحديث3.

(34) وسائل الشيعة: ج17، الباب31، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث6.


338

(35) و(36) وسائل الشيعة: ج12، الباب57، من أبواب من يكتسب به، الحديث1 و 2.

(37) وسائل الشيعة: ج17، الباب31، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث3.

(38) سورة الأعراف: الآية 156.

(39) سورة الأنبياء: الآية 74.

(40) سورة المائدة: الآية 34.

(41) وسائل الشيعة: ج12، الباب14، من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

(42) وسائل الشيعة: ج12، الباب16، من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

(43) وسائل الشيعة: ج12، الباب5، من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(44) وسائل الشيعة: ج19، الباب19، من أبواب ديات النفس، الحديث4.

(45) وسائل الشيعة: ج17، الباب1، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.

(46) و (47) وسائل الشيعة: ج12، الباب59، من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 ـ 6.

(48) وسائل الشيعة: ج17، الباب2، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث7.

(49) وسائل الشيعة: ج17، الباب3، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1 ، 2 ، 3.

(50) وسائل الشيعة: ج17، الباب3، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1 ، 3 ، 4.

(51) وسائل الشيعة: ج17، الباب2، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.

(52) وسائل الشيعة: ج17، الباب3، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1 ، 3 ، 4.

(53) وسائل الشيعة: ج17، الباب5، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث2.

(54) وسائل الشيعة: ج17، الباب2، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث7.

(55) وسائل الشيعة: ج17، الباب1، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.

(56) وسائل الشيعة: ج17، الباب5، من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث2 ، 3.

(57) وسائل الشيعة: ج12، الباب6، من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

(58) وسائل الشيعة: ج5، الباب30، من أبواب صلاة الجماعة، الحديث4.

(59) سورة المدّثر: الآية 5.

(60) سورة الأنبياء: الآية 74.

(61) سورة الأعراف: الآية 157.

(62) وسائل الشيعة: ج17، الباب13، من أبواب اللقطة، الحديث2.

(63) سورة الحج: الآية 30.

(64) و (65) وسائل الشيعة: ج12، الباب41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 ، 2.

(66) و (67) وسائل الشيعة: ج12، الباب10 من أبواب الصرف، الحديث 5 ، 2.

(68) وسائل الشيعة: ج12، الباب86 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

(69) و (70) وسائل الشيعة: ج12، الباب39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 ، 2.


339

(71) و (72) وسائل الشيعة: ج12، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 ، 6.

(73) و (74) وسائل الشيعة: ج12، الباب41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 ، 2.

(75) وسائل الشيعة: ج12، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9.

(76) وسائل الشيعة: ج12، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 8.

(77) وسائل الشيعة: ج7، الباب36 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

(78) سورة المائدة: الآية 3.

(79) و (80) وسائل الشيعة: ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 ، 10.

(81) سورة آل عمران: الآية 104.

(82) و (83) وسائل الشيعة: ج12، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6 ، 5.

(84) وسائل الشيعة: ج12، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

(85) سورة التوبة: الآية 111.

(86) سورة البقرة: الآية 102.

(87) سورة البقرة: الآية 275.

(88) سورة المائدة: الآية 1.

(89) وسائل الشيعة: ج12، الباب37 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

(90) وسائل الشيعة: ج1، الباب13 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 3.

(91) و (92) و (93) وسائل الشيعة: ج12، الباب19 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 ، 8 ، 7.

(94) و (95) و (96) وسائل الشيعة: ج12، الباب19، من أبواب ما يكتسب به، الحديث3 ، 2 ، 6.

(97) وسائل الشيعة: ج13، الباب3، من أبواب أحكام الاجارة، الحديث2.

(98) و (99) وسائل الشيعة: ج3، الباب12 ـ 13، من أبواب لباس المصلي، الحديث3 ، 4.

(100) و (101) وسائل الشيعة: ج3، الباب30، من أبواب لباس المصلي، الحديث4 ، 10.

(102) وسائل الشيعة: ج3، الباب30، من أبواب لباس المصلي، الحديث7.

(103) وسائل الشيعة: ج12، الباب87، من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(104) وسائل الشيعة: ج3، الباب23، من أبواب أحكام الملابس، الحديث4.

(105) وسائل الشيعة: ج3، الباب13، من أبواب أحكام الملابس، الحديث1.

(106) وسائل الشيعة: ج12، الباب94، من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.

(107) وسائل الشيعة: ج3، الباب3، من أبواب أحكام المساكن، الحديث1.

(108) وسائل الشيعة: ج3، الباب3، من أبواب أحكام المساكن، الحديث17.

(109) سورة آل عمران: الآية 97.

(110) وسائل الشيعة: ج3، الباب3، من أبواب أحكام المساكن، الحديث17.


340

(111) وسائل الشيعة: ج3، الباب3، من أبواب أحكام المساكن، الحديث17.

(112) وسائل الشيعة: ج3، الباب3، من أبواب أحكام المساكن، الحديث15.

(113) و (114) وسائل الشيعة: ج3، الباب4، من أبواب أحكام المساكن، الحديث3 ، 7.

(115) وسائل الشيعة: ج3، الباب3، من أبواب أحكام المساكن، الحديث3.

(116) وسائل الشيعة: ج1، الباب45، من أبواب لباس المصلي، الحديث1.

(117) و (118) وسائل الشيعة: ج1، الباب32، من أبواب لباس المصلي ، الحديث12 ، 2.

(119) وسائل الشيعة: ج12، الباب24، من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(120) وسائل الشيعة: ج8، الباب14، من أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره، الحديث1.

(121) سورة لقمان: الآية 6.

(122) سورة الحج: الآية 30.

(123) سورة النساء: الآية 119.

(124) سورة الروم: الآية 30.

(125) و (126) وسائل الشيعة: ج1، الباب67، من أبواب آداب الحمام، الحديث1 ، 2.

(127) وسائل الشيعة: ج1، الباب67، من أبواب آداب الحمام، الحديث4.

(128) و (129) وسائل الشيعة: ج1، الباب63، من أبواب آداب الحمام، الحديث5 ، 4.

(130) وسائل الشيعة: ج1، الباب65، من أبواب آداب الحمام، الحديث2.

(131) سورة البقرة: الآية 188.

(132) وسائل الشيعة: ج18، الباب8، من أبواب آداب القاضي، الحديث3.

(133) و (134) وسائل الشيعة: ج12، الباب5، من أبواب ما يكتسب به، الحديث1 ، 12.

(135) وسائل الشيعة: ج18، الباب8، من أبواب آداب القاضي، الحديث5.

(136) وسائل الشيعة: ج18، الباب8، من أبواب آداب القاضي، الحديث1.

(137) سورة المائدة: الآية 1.

(138) وسائل الشيعة: ج18، الباب8، من أبواب آداب القاضي، الحديث12.

(139) وسائل الشيعة: ج12، الباب37، من أبواب أحكام العقود، الحديث1.

(140) سورة الحج: الآية 30.

(141) سورة النساء: الآية 148.

(142) وسائل الشيعة: ج8، الباب158، من أبواب أحكام العشرة، الحديث4 ـ 1.

(143) سورة البقرة: الآية 194.

(144) وسائل الشيعة: ج11، الباب39، من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما، الحديث1.

(145) وسائل الشيعة: ج18، الباب3، من أبواب بقية الحدود، الحديث2.

(146) سورة طه: الآية 66.

(147) سورة الأعراف: الآية 116.

(148) سورة طه: الآية 60.

(149) سورة المائدة: الآية 110.

(150) سورة الحشر: الآية 5.

(151) وسائل الشيعة: ج17، الباب3، من أبواب بقية الحدود، الحديث2.


341

(152) وسائل الشيعة: ج17، الباب25، من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(153) الكافي: ج7، باب حدّ الساحر، الحديث2.

(154)

(155)

(156)

(157)

(158) وسائل الشيعة: ج12، الباب86، من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(159) و (160) وسائل الشيعة: ج12، الباب9، من أبواب أحكام العيوب، الحديث1 ، 2.

(161) وسائل الشيعة: ج12، الباب86، من أبواب ما يكتسب به، الحديث8.

(162) ورواها في الوسائل ج12، الباب9، من أبواب أحكام العيوب، الحديث3.

(163) وسائل الشيعة: ج12، الباب86، من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(164) وسائل الشيعة: ج12، الباب99، من أبواب ما يكتسب به.

(165) وسائل الشيعة: ج12، الباب99، من أبواب ما يكتسب به، الحديث21.

(166) وسائل الشيعة: ج12، الباب16، من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(167) وسائل الشيعة: ج12، الباب99، من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(168) وسائل الشيعة: ج18، الباب11، من أبواب صفات القاضي، الحديث13.

(169) و (170) وسائل الشيعة: ج12، الباب16، من أبواب ما يكتسب به، الحديث6 ، 4.

(171) و (172) وسائل الشيعة: ج12، الباب99، من أبواب ما يكتسب به، الحديث32 ، 6.

(173) وسائل الشيعة: ج12، الباب15، من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

(174) و (175) وسائل الشيعة: ج12، الباب15، من أبواب ما يكتسب به، الحديث2 ، 5.

(176) سورة المؤمنون: الآية 3.

(177) و (178) وسائل الشيعة: ج5، الباب9، من أبواب صلاة المسافر، الحديث7 ، 1.

(179) وسائل الشيعة: ج12، الباب102، من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(180) وسائل الشيعة: ج8، الباب37، من أبواب آداب السفر، الحديث1.

(181) و (182) وسائل الشيعة: ج8، الباب152، من أبواب أحكام العشرة، الحديث16 ، 12.

(183) وسائل الشيعة: ج8، الباب152، من أبواب أحكام العشرة، الحديث6.

(184) وسائل الشيعة: ج11، الباب39، من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.

(185) وسائل الشيعة: ج8، الباب152 من أبواب أحكام العشرة، الحديث9.

(186) و (187) وسائل الشيعة: ج8، الباب158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث3 ، 14.

(188) وسائل الشيعة: ج8، الباب154 من أبواب أحكام العشرة، الحديث1.

(189) (190) وسائل الشيعة: ج8، الباب154 من أبواب أحكام العشرة، الحديث1 ، 2.

(191) وسائل الشيعة: ج8، الباب155 من أبواب أحكام العشرة، الحديث1.

(192) وسائل الشيعة: ج11، الباب78، الحديث5.


342

(193) وسائل الشيعة: ج11، الباب39 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث1.

(194) وسائل الشيعة: ج8، الباب154 من أبواب أحكام العشرة، الحديث4.

(195) وسائل الشيعة: ج8، الباب154 من أبواب أحكام العشرة، الحديث5.

(196)

(197) و (198) سورة الشورى: الآية 39 ـ 40.

(199) وسائل الشيعة: ج13، الباب16 من أبواب الدين، الحديث1.

(200) وسائل الشيعة: ج8، الباب56 من أبواب أحكام العشرة، الحديث1.

(201) وسائل الشيعة: ج8، الباب146 من أبواب أحكام العشرة، الحديث9.

(202) وسائل الشيعة: ج8، الباب143 من أبواب أحكام العشرة، الحديث5.

(203) وسائل الشيعة: ج8، الباب122 من أبواب أحكام العشرة، الحديث24.

(204) وسائل الشيعة: ج8، الباب 3 من أبواب أحكام العشرة، الحديث1.

(205) و (206) و (207) وسائل الشيعة: ج12، الباب102 ما يكتسب به، الحديث1 و 9 و 10.

(208) و (209) وسائل الشيعة: ج13، الباب 3 ـ 1 من أبواب السبق، الحديث3 - 6.

(210) وسائل الشيعة: ج12، الباب104 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(211) و (213) وسائل الشيعة: ج12، الباب104 ـ 33 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1 ـ 4.

(214) وسائل الشيعة: ج16، الباب5 من أبواب الجعالة، الحديث1.

(215) وسائل الشيعة: ج12، الباب35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(216) وسائل الشيعة: ج13، الباب3 من أبواب أحكام السبق، الحديث1.

(217) وسائل الشيعة: ج18، الباب5 من أبواب حد السحق وانقياده، الحديث5.

(218) الخصال: الباب1 من أبواب الصفات المحمودة والمذمومة.

(219) وسائل الشيعة: ج8، الباب14 من أبواب آداب السفر، الحديث2.

(220) وسائل الشيعة: ج11، الباب46 من أبواب جهاد النفس، الحديث36.

(221) وسائل الشيعة: ج8، الباب138 من أبواب أحكام العشرة، الحديث3.

(222) وسائل الشيعة: ج11، الباب46 من أبواب جهاد النفس، الحديث2.

(223) وسائل الشيعة: ج7، الباب140 من أبواب أحكام العشرة، الحديث4.

(224) وسائل الشيعة: ج8، الباب139 من أبواب أحكام العشرة، الحديث5.

(225) وسائل الشيعة: ج8، الباب140 من أبواب أحكام العشرة، الحديث2.

(226) سورة الصف 61: الآية 3.

(227) سورة البقرة 2: الآية 44.

(228) و (229) وسائل الشيعة: ج8، الباب109 من أبواب أحكام العشرة، الحديث2 و 3.

(230) وسائل الشيعة: ج11، الباب140 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 1 و 3.

(231) سورة الأنبياء 21: الآية 63.


343

(232) وسائل الشيعة: ج8، الباب141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث4 و 7.

(233) سورة المنافقون 63: الآية 1.

(234) سورة يونس 10: الآية 95.

(235) وسائل الشيعة: ج18، الباب4 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.

(236) و (237) وسائل الشيعة: ج18، الباب4 من أبواب صفات القاضي، الحديث36 ـ 10.

(238) سورة النحل 16: الآية 106.

(239) سورة آل عمران 3: الآية 28.

(240) و (241) وسائل الشيعة: ج16، الباب12 من أبواب الإيمان، الحديث1 ـ 6.

(242) و (243) وسائل الشيعة: ج16، الباب12 من أبواب الإيمان، الحديث 4 ـ 18.

(244) وسائل الشيعة: ج16، الباب1 من أبواب الإيمان، الحديث3.

(245) و (246) وسائل الشيعة: ج8، الباب141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث3 ـ 2.

(247) وسائل الشيعة: ج12، الباب26 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(248) و (249) وسائل الشيعة: ج11، الباب46 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الحديث36 ـ 33.

(250) وسائل الشيعة: ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث14.

(251) وسائل الشيعة: ج12، الباب43 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(252) وسائل الشيعة: ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث15.

(253) وسائل الشيعة: ج11، الباب46 من أبواب جهاد النفس، الحديث33 و 36.

(254) وسائل الشيعة: ج11، الباب80 من أبواب جهاد النفس، الحديث5.

(255) و (256) الوسائل، ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث10 ـ 8.

(257) وسائل الشيعة: ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.

(258) وسائل الشيعة: ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث11.

(259) سورة الرعد 13: الآية 25.

(260) سورة البقرة 2: الآية 217.

(261) سورة القلم 68: الآية 11.

(262) و (263) وسائل الشيعة: ج11، الباب166 من أبواب أحكام العشرة، الحديث9 ـ 2.

(264) وسائل الشيعة: ج12، الباب17 من أبواب ما يكتسب به، الحديث7.

(265) و (266) و (267) و (268) وسائل الشيعة: ج12، الباب17 من أبواب ما يكتسب به، الحديث9 ـ 4 ـ 3 ـ 1.

(269) سورة يونس 10: الآية 13.

(270) و (271) و (272) و (273) وسائل الشيعة: ج12، الباب44 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6 ـ 11 ـ 13 ـ 9.


344

(274) وسائل الشيعة: ج12، الباب45 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

(275) وسائل الشيعة: ج12، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(276) وسائل الشيعة: ج12، الباب48 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(277) وسائل الشيعة: ج12، الباب46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(278) و (279) و (280) وسائل الشيعة: ج13، الباب46 من أبواب ما يكتسب به، الحديث7 ـ 3 ـ 9.

(281) وسائل الشيعة: ج12، الباب44 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

(282) رجال النجاشي، ص 255.

(283) وسائل الشيعة: ج12، الباب48 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

(284) سورة آل عمران 3: الآية 28.

(285) وسائل الشيعة: ج11، الباب31 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث2.

(286) سورة النحل 16: الآية 106.

(287) وسائل الشيعة: ج11، الباب29 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث2.

(288) وسائل الشيعة: ج11، الباب29 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث11.

(289) و (290) رواهما في الوسائل في الباب31 من أبواب الأمر بالمعروف.

(291) الكافي: المجلد الأول، الصفحة403، الحديث1.

(292) و (293) وسائل الشيعة: ج11، الباب72 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الحديث3 ـ 2.

(294) وسائل الشيعة: ج12، الباب72 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(295) وسائل الشيعة: ج12، الباب72 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(296) سورة الطلاق 65، الآية 6.

(297) وسائل الشيعة: ج7، الباب23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث2.

(298) وسائل الشيعة: ج8، الباب10 من أبواب النيابة في الحج، الحديث3.

(299) وسائل الشيعة: الباب30 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(300) وسائل الشيعة: الباب41، من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث6.

(301) وسائل الشيعة: ج الباب32 من أبواب الشهادات، الحديث602.

(302) سورة البقرة 1: الآية 282.

(303) وسائل الشيعة: ج12، الباب31 من أبواب ما يكتسب به، الحديث11.

(304) و (305) و (306) و (307) وسائل الشيعة: ج12، الباب31 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1 ـ 2 ـ 8 ـ 4.

(308) وسائل الشيعة: ج12، الباب31 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(309) الوسائل الشيعة: ج12، الباب28 من أبواب عقد البيع، الحديث1.

(310) سورة النساء 4: الآية 141.


345

(311) وسائل الشيعة: ج12، الباب51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث15.

(312) و (313) وسائل الشيعة: ج12، الباب42 من أبواب منا يكتسب به، الحديث5.

(314) وسائل الشيعة: ج12، الباب48 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

(315) وسائل الشيعة: ج12، الباب51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(316) و (317) الوسائل: باب(51 ـ 52) من أبواب ما يكتسب به، الحديث2 ـ 5.

(318) وسائل الشيعة: ج12، الباب52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(319) وسائل الشيعة: ج12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث2 ـ 3.

(320) وسائل الشيعة: ج12، الباب5 من أبواب الربا، الحديث3.

(321) سورة التوبة 10: الآية 91.

(322) سورة النساء 4: الآية 580؟؟.

(323) وسائل الشيعة: ج17، الباب7 من أبواب اللقطة، الحديث2.

(324) وسائل الشيعة: ج17، الباب6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث2.

(325) وسائل الشيعة: ج12، الباب47 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

(326) وسائل الشيعة: ج8، الباب152 من أبواب أحكام العشرة، الحديث12.

(327) وسائل الشيعة: ج18، الباب17 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.

(328) وسائل الشيعة: ج17، الباب15 من أبواب اللقطة، الحديث1.

(329) وسائل الشيعة: ج17، الباب18 من أبواب اللقطة، الحديث1.

(330) وسائل الشيعة: ج12، الباب16 من أبواب الصرف، الحديث1.

(331) وسائل الشيعة: ج12، الباب16 من أبواب الصرف، الحديث2.

(332) وسائل الشيعة: ج13، الباب6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث1.

(333) وسائل الشيعة: ج6، الباب8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث5.

(334) وسائل الشيعة: ج13، الباب22 من أبواب الدين والقرض، الحديث3.

(335) وسائل الشيعة: ج17، الباب6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث2.

(336) وسائلالشيعة: ج17، الباب6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث4.

(337) وسائل الشيعة: ج17، الباب7 من أبواب اللقطة، الحديث1.

(338) و (339) وسائل الشيعة: ج6، الباب32 ـ 31 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث5 ـ 3.

(340) سورة النساء 4: الآية 11.

(341) وسائل الشيعة: ج7، الباب61 من أبواب ما يكتسب به، الحديث7.

(342) وسائل الشيعة: ج12، الباب52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(343) وسائل الشيعة: ج12، الباب53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

(344) وسائل الشيعة: ج12، الباب51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.

(345) وسائل الشيعة: ج13، الباب18 من أبواب المزارعة، الحديث3.


346

(346) وسائل الشيعة: ج6، الباب20 من أبواب المستحقين للزكوة، الحديث3.

(347) وسائل الشيعة: ج6، الباب4 من أبواب الأنفال، الحديث12.

(348) وسائل الشيعة: ج6، الباب7 من أبواب زكاة الغلات، الحديث1.

(349) وسائل الشيعة: ج6، الباب2 من أبواب الخمس، الحديث4.

(350) وسائل الشيعة: ج12، الباب51 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

(351) و (352) وسائل الشيعة: ج12، الباب21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث4 ـ 5.

(353) وسائل الشيعة: ج6، الباب4 من أبواب الأنفال، الحديث12.

(354) وسائل الشيعة: ج17، الباب3 من أبواب احياء الموات، الحديث2.

(355) وسائل الشيعة: ج17، الباب1 من أبواب احياء الموات، الحديث4.

(356) و (357) وسائل الشيعة: ج6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث20 ـ 1.

(358) وسائل الشيعة: ج6، الباب2 من أبواب الأنفال، الحديث12.

(359) وسائل الشيعة: ج11، الباب72 من أبواب جهاد العدو، الحديث2.

(360) وسائل الشيعة: ج6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث20.

(361) وسائل الشيعة: ج12، الباب4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

(362) وسائل الشيعة: ج12، الباب21 من أبواب عقد البيع، الحديث4.

(363) وسائل الشيعة: ج6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث16.

(364) وسائل الشيعة: ج11، الباب41 من أبواب جهاد العدو، الحديث2.

(365) وسائل الشيعة: ج11، الباب69 من أبواب جهال العدو، الحديث2.

(366) سورة الأنفال 8: الآية 41.

(367) وسائل الشيعة: ج6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث1.

(368) وسائل الشيعة: ج17، الباب3 من أبواب احياء الموت، الحديث3.