فهرست عناوين فهرست آيات
الإمامة وأهل البيت

(الجزء الأول)

تأليف

الدكتور محمد بيومي مهران

فهرست عناوين
     تقديم7
     الرأي الأول: أهل البيت: أزواج النبي:12
     الرأي الثاني: أهل البيت: من حرمت عليهم الصدقة:16
     الرأي الثالث: أهل البيت: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين:17
     وبعد:26
الباب الأول 27
     أولاً: الإمامة27
     ثانياً: حكم الإمامة30
     ثالثاً: اختيار الإمام50
     رابعاً: شروط الإمام62
     خامساً: عقد الإمامة76
     1 - الطريق الأول: البيعة:88
     2 - الطريق الثاني: العهد:92
     3 - الطريق الثالث: القهر والاستيلاء:96
     سادساً: طاعة الإمام97
     سابعاً: حقوق الإمام وواجباته118
     فأما حقوق الإمام فحقان:118
     ثامناً: ألقاب الإمام أو الخليفة124
     1 - الخليفة:126
     2 - أمير المؤمنين:128
     3 - الإمام:131
     4 - الملك:132
     1 - الطور الأول: طور الخلافة الراشدة:142
     2 - الطور الثاني: - طور الملك العضوض:142
     3 - الطور الثالث: طور العصبية الجامحة:145
     1 - فأما عصبية العروق:146
     2 - وأما العصبية المذهبية:148
     2 - وأما مذهب الشيعة:148
     3 - وأما الخوارج:149
     تاسعاً: إمامة المفضول151
     عاشراً: الإمامة عند الشيعة الإمامية168
     - العصمة:186
     2 - التقية:207
     1 - التقية في القرآن:208
     2 - التقية في السنة:213
     3 - التقية من الدليل العقلي223
     4 - التقية عند الخوارج:229
     5 - التقية عند الشيعة:232
     6 - التقية عند أهل السنة:241
     3 - الرجعة:248
     4 - المهدي:250
     5 - البداء:263
     6 - الجفر:265
     7 - مصحف فاطمة:268
الباب الثاني التشيع: بدايته وأصوله275
     (1) التشيع: أسبابه وبدايته275
     أولاً: منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم:280
     1 - عمار بن ياسر:288
     2 - أبو ذر الغفاري:298
     3 - سلمان الفارسي:314
     4 - المقداد بن عمرو:326
     ثانيا: يوم وفاة الرسول:335
     1 - وجهة نظر الأنصار:335
     2 - وجهة نظر المهاجرين:336
     3 - وجهه نظر بني هاشم:337
     ثالثاً: منذ قصة الشورى356
     رابعاً: منذ أخريات أيام عثمان:373
     خامساً: منذ وقعة الجمل:384
     سادساً: منذ التحكيم:391
     سابعاً: في أعقاب مأساة كربلاء:402
     (2) أصل التشيع412
     (3) أسباب التشيع428
المراجع المختارة 431
     أولاً: المراجع العربية431
     المرجع العربية من غير كتب الحديث والتفسير435
     ثانياً: المراجع المترجمة459
     ثالثاً: المعاجم ودوائر المعارف460
مؤلفات الأستاذ الدكتور محمد بيومي مهران461
     أولاً - في التاريخ المصري القديم:461
     ثانياً - في تاريخ اليهود القديم:461
     ثالثاً في تاريخ العرب القديم:462
     رابعاً - في تاريخ العراق القديم:462
     خامساً - سلسلة دراسات تاريخية من القرآن الكريم:463
     سادساً - سلسلة مصر والشرق الأدنى القديم:463
     سابعاً - سلسلة: في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين:463
     ثامناً - البلدان الكبرى في مصر والشرق الأدنى القديم:464
     تاسعاً - الإمامة وأهل البيت:464
المؤلف في سطور 465
     دكتور465

سلسلة الرحلة الى الثقلين (56)

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

((والحمد لله رب العالمين))

((والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين))

((مولانا وسيدنا وآله الطيبين الطاهرين))

((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)).


6


7

تقديم

الإمامة - أو الخلافة - هي النظام الذي جعله الإسلام أساساً للحكم بين الناس، بهدف اختيار الأصلح من المسلمين - قدر الطاقة - لتجتمع حوله كلمة الأمة، وتتحد به صفوفها، وتقام به أحكام الشريعة، وفي ذلك يقول الإمام البيضاوي: الإمامة: عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة.

ويقول الإمام عبد السلام اللقاني - شارح الجوهرة في التوحيد - الخلافة:

رياسة عامة في أمور الدين والدنيا، نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويقول الجويني: إمام الحرمين - الإمامة: رياسة تامة، و زعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين.

وحكم الإمامة - أو الخلافة - في الإسلام الوجوب، قال الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة: - و إنما الأئمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار، إلا من أنكرهم وأنكروه.

وعندما نادى الخوارج بمقولتهم المشهورة لا حكم إلا لله، رد سيدنا


8

الإمام علي عليه السلام فقال: كلمة حق، أريد بها باطل، نعم: إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر.

وقال البغدادي في الفرق بين الفرق: وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن الإمامة فرض واجب على الأمة، لأجل إقامة إمام ينصب لهم القضاة والأمناء، ويضبط ثغورهم، ويغزي جيوشهم، ويقسم الفئ بينهم. وينتصف لمظلومهم من ظالمهم.

هذا وقد بلغت أهمية الإمامة عند المسلمين أن كان السلف - كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما - يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة، لدعونا بها للسلطان.

هذا وقد اشترط الفقهاء في الإمام شروطاً، لعل من أهمها: العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء.

اشترط الفقهاء العلم، لأن الإمام منفذ أحكام الله، ومتى كان جاهلاً لا يمكنه تنفيذها. وأما العدالة، فلأن منصب الإمامة، كما هو منصب سياسي، فهو منصب ديني، ينظر في سائر الأحكام التي تشترط فيها العدالة، فأولى بشروطها فيه.

وأما الكفاءة، فأن يكون جريئاً على إقامة الحدود، واقتحام الحروب، بصيراً بها، كفيلاً بحمل الناس عليها، عالماً بأحوال الدهاء، قوياً على معاندة السياسة، ليصلح له ما أسند إليه من حماية الدين، وجهاد العدو، و إقامة الأحكام. وتدبير المصالح.


9

وأخيراً أن يكون سليم الحواس و الأعضاء، مما يؤثر فقدانه في الرأي والعمل، ويلحق بذلك العجز عن التصرف، لصغر، أو شر، أو غيرهما.

وهناك شرط خامس - اختلف فيه - هو النسب القرشي.

على أن هناك من الفرق الإسلامية من وصل بهذه الشروط إلى سبعة، ومن وصل بها إلى أربعة عشر شرطاً - كالزيدية مثلاً -.

ولعل مما تجدر الإشارة إليه هنا، أن الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - ما كانت تمثل أبداً نوعاً من أنواع الحكم المعروفة، فما كانت الخلافة الإسلامية ثيوقراطية (دينية) كما أنها لم تكن حكومة أرستقراطية (حكومة الخاصة)، ولا حكومة ديمقراطية (حكومة الشعب).

كانت الإمامة أو الخلافة الإسلامية حكومة شورى، والخليفة فيها حاكم سياسي يجمع بين السلطتين الزمنية والدينية (أو الروحية)، ولا تتعدى وظيفته الدينية المحافظة على الدين، كما يستطيع - باعتباره حامي الدين - أن يعلن الحرب على الكفار، ويعاقب الخارجين على الدين، ويؤم الناس في الصلاة، ويلقي خطبة الجمعة.

هذا إلى أن الخليفة لم يكن يستمد سلطة الحكم من الله تعالى، بل من الذين بايعوه، وقد انقضى نزول الوحي منذ أن اختار الله تعالى رسوله، صلى الله عليه وسلم إليه، وبقي كتاب الله - القرآن الكريم - بين أيدي المسلمين، هدى لهم جميعاً، وحجة عليهم جميعاً، فهو ميثاقهم الذي آمنوا به وارتضوه، وهو دستور الحكم، يسير الحاكم في حدوده لا يتعداه، فإن فعل وجبت طاعته، وإلا فلا طاعة له على مسلم، طبقاً للمبدأ الإسلامي المعروف: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ويحدثنا تاريخ الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أن الخليفة إنما كان يحكم بالكتاب والسنة ولا يرجع إلى اجتهاد رأيه، إلا إذا أعوزه الدليل منهما،


10

وفي صحيح البخاري: أن الأئمة إنما كانوا - بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم:

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب القضاء: كان أبو بكر الصديق، إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شئ قضى به، وكان عمر يفعل ذلك.

هذا وتجد هذه السنة في وصية عمر بن الخطاب، رضي الله عنهم، إلى القاضي شريح بن الحارث - وهو من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام - حين ولاه قضاء الكوفة، فقال له: أنظر ما يتبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبين لك في كتاب الله، فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يتبين لك فيه السنة، فاجتهد فيه رأيك.

وهكذا، فحكومة مثل هذه، لم تعرف السلطان المطلق، ولم يكن للكهنة وجود فيها، لا يمكن أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون، ذلك لأن الإسلام لا يعرف الكهانة، ولا الكهان، بل لا يعرف الإسلام ما عرف في الديانات الأخرى باسم رجل الدين، وإنما عرف الفقهاء الذين يفسرون الدين، وليس المشرعين في الدين.

هذا ولم تكن الخلافة الإسلامية كذلك حكومة أرستقراطية، ولم يكن استئثار المهاجرين والأنصار - في صدر الإسلام - باختيار الخليفة من الأرستقراطية في شئ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى، وهم إنما استأثروا بالأمر، صوناً للنظام القائم، ودفاعاً عنه، ثم إنهم إنما كانوا طبقة مؤقتة زول بزوال أفرادها، لا يرثها أحد، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى.


11

ولم تكن الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - كذلك، حكومة ديمقراطية (حكومة الشعب) لأن الشعب لا يملك في ظل الخلافة الإسلامية أن يقرر ما يشاء - إن كان ما يشاء يتعارض مع كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وانطلاقاً من كل هذا، فإن حكومة الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - إنما هي حكومة شورى بين المسلمين، الناس فيها سواسية كأسنان المشط، ورأسها الأعلى - الخليفة - يعلن: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم.

(2)

وموضوع هذه الدراسة الإمامة وأهل البيت، ومن ثم فلقد وجب علينا - بادئ ذي بدء - أن نحدد: من هم هؤلاء أهل البيت الكرام البررة؟

يتفق المؤرخون والمحدثون - أو يكادون - على أن أهل البيت إنما هم الكرام الخمسة البررة:

1 - سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2 - سيدنا ومولانا وجدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

3 - سيدة نساء العالمين جدتنا السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

4 - سيدنا الإمام الحسن بن علي عليه السلام.

5 - سيدنا وجدنا ومولانا الإمام الحسين بن علي عليه السلام.

على أن هناك من يرى غير ذلك، ومن ثم فلعل من الأفضل أن نتعرض لهذه الآراء الأخرى (1):

(1) أنظر: محمد بيومي مهران: السيدة فاطمة الزهراء ص 24 - 37 (دار النهضة العربية - بيروت 1990).

12

الرأي الأول: أهل البيت: أزواج النبي:

روى السيوطي في الدر المنثور أن عكرمة كان يقول عن آية الأحزاب 33 ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. غير أن هناك من يعترض على ذلك لأسباب كثيرة، منها:

أولاً: أن الحافظ ابن كثير يقول في تفسيره: إذا كان المراد أنهن سبب النزول فهذا صحيح، وأما إن أريد أنهن المراد دون غيرهن، فهذا غير صحيح (1).

روى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب عن ابن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن علي رضي الله عنه، فقالت رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تحته ابنته، وأحب الناس إليه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضي الله عنهم، فألقى عليهم ثوباً، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً، قالت: فدنوت منهم، فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك، فقال صلى الله عليه وسلم: تنحي، فإنك على خير.

قال: أخرجه الحافظ البزار والترمذي وابن كثير في تفسيره (2).

ثانياً: أن أهل البيت في آية الأحزاب 33 (آية التطهير)، إنما يراد به أهل بيت النبوة، المنحصر في بيت واحد، تسكنه سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وابناهما، الإمام الحسن والإمام الحسين، رضي الله عنهما، وأما بيت الزوجية، فلم يكن بيتاً واحداً، وإنما كان بيوتاً متعددة تسكنها

(1) تفسير ابن كثير 3 / 769 (دار الكتب العلمية - بيروت 1406 هـ‍/ 1986).

(2) تفسير ابن كثير 3 / 772 - 773 (بيروت 1986).


13

زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ، وفي هذه الآية الأخيرة الخطاب موجه لمن في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، جميعاً.

ثالثاً: ما قيل من أن آية الأحزاب 33 وما بعدها، إنما جاءت في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فالرد على ذلك، أن هذا لا ينكر من عادة الفصحاء في كلامهم، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره، ويعودون إليه.

والقرآن الكريم - وكذا كلام العرب وشعرهم - مملوء بذلك، ذلك لأن الكلام العربي، إنما يدخله الاستطراد والاعتراض، وهو تخلل الجملة الأجنبية بين الكلام المنتظم المناسب، كقول الله تعالى: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة إليهم بهدية (1). فقوله: (وكذلك يفعلون) ، جملة معترضة من جهة الله تعالى، بين كلام ملكة سبأ.

وقول الله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم و إنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم*(2)، أي فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم، وما بينهما اعتراض.

ومن ثم فلم لا يجوز أن يكون قول الله تعالى:*﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً*(3). جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم، على هذا النهج؟

وعلى أيه حال، فلا أهمية لمن قال: بأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل البيت، فلا توجد فرقة من المسلمين تدين بالولاء لإحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وتوجب الاقتداء بها.

(1) سورة النمل: آية 34 - 35.

(2) سورة الواقعة: آية 75 - 77.

(3) سورة الأحزاب: آية 33.


14

رابعاً: أنه حتى الذين يجعلون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل البيت، وأن آية الأحزاب 33 نزلت فيهن، إنما يذهبون - في نفس الوقت - إلى أن الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والإمامين - الحسن والحسين - عليهم السلام، إنما هم أحق بأن يكونوا أهل البيت.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم، روى الإمام أحمد والترمذي وغير هما عن أم سلمة: أن هذه الآية (آية الأحزاب 33) لما نزلت: أدار النبي صلى الله عليه وسلم، كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

ثم يقول الإمام ابن تيمية: وسنته صلى الله عليه وسلم، تفسير كتاب الله وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه، فلما قال: هؤلاء أهل بيتي، مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه، علمنا أن أزواجه - وإن كن من أهل بيته، كما دل عليه القرآن -، فإن هؤلاء - أي الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين - أحق بأن يكونوا أهل بيته، لأن صلة النسب، أقوى من صلة الصهر، والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال - لا للاختصاص بأصل الحكم (1).

هذا فضلاً عما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة: أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرني أنه يقبض في وجعه، الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه، فضحكت (2).

خامساً: ما أجاب به زيد بن أرقم في الحديث المشهور، حين سئل: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: أهل بيته من حرم الصدقة بعده.

(1) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري - جدة 1405 هـ‍/ 1985 م ص 20 - 21.

(2) صحيح البخاري 5 / 26 (دار الجيل - بيروت).


15

روى مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين (1)، أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين، ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته، قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم، قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟، قال: نعم (2).

وفي رواية أخرى عن زيد بن أرقم، أنه ذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه:

فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته، الذين حرموا الصدقة بعده (3).

سادساً: أن قول الله تعالى:*﴿ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم... *. بالميم، يدل على أن الآية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ولو كان الخطاب خاصاً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، لقال عنكن ويطهركن.

سابعاً: أن تحريم الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ليس بطريق الإصالة

(1) قال الإمام النووي: قوله صلى الله عليه وسلم: ثقلين، فذكر كتاب الله وأهل بيته، قال العلماء، سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل لثقل العمل بهما (صحيح مسلم 15 / 180، وانظر روايات أخرى للحديث الشريف 15 / 179 - 181).

(2) صحيح مسلم 15 / 179 - 180) (دار الكتب العلمية بيروت (1401 هـ‍/ 1981 م).

(3) صحيح مسلم 1 / 181.


16

- كبني هاشم - وإنما هو تبع لتحريمها على النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فالصدقة عليهن حلال، قبل اتصالهن به صلى الله عليه وسلم، فهن فرع من هذا التحريم.

ومن المعروف أن التحريم على المولى فرع التحريم على سيده، ولما كان التحريم على بني هاشم أصلاً، استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، تبعاً، لم يقو ذلك على استتباع مواليهم، لأنه فرع عن فرع. فقد ثبت في الصحيح أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته، ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها (1).

ثامناً: ما ذهب إليه صاحب تفسير مجمع البيان من أن ثبوت عصمة المعنيين بالآية 33 من الأحزاب، إنما يدل على أنها مختصة بهؤلاء الخمسة الكرام البررة، النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، لأن من عداهم غير مقطوع بعصمته.

الرأي الثاني: أهل البيت: من حرمت عليهم الصدقة:

يذهب فريق من العلماء إلى أن أهل البيت هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم، وهم: آل علي بن أبي طالب، وآل جعفر بن أبي طالب، ثم آل العباس بن عبد المطلب، يعنون بذلك بني هاشم جميعاً، وأن البيت هو بيت النسب، ومن ثم يكون: أعمام النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو أعمامه منهم.

روى القاضي عياض في الشفاء عن الشعبي: أن زيد بن ثابت الأنصاري، صلى على جنازة أمه، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فأخذ بركابه، فقال زيد: خل عنه يا ابن عم رسول الله،

(1) ابن قيم الجوزية، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام - تحقيق طه يوسف شاهين - القاهرة 1972 ص 122 - 124.

17

فقال ابن عباس: هكذا نفعل بالعلماء، فقبل زيد يد ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا (1).

هذا فضلاً عن حديث زيد بن أرقم - والذي رواه مسلم في صحيحه - وفيه أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هم أهل بيته وعصبته، الذين حرموا الصدقة (2).

الرأي الثالث: أهل البيت: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين:

يرى هذا الفريق من العلماء أن أهل البيت إنما هم الخمسة الكرام البررة:

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين، عليهم السلام.

وقد قال بهذا الرأي كثير من الصحابة، قاله أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع، وأم المؤمنين أم سلمة، وأم المؤمنين عائشة، وابن أبي سلمة - ربيب النبي صلى الله عليه وسلم وسعد بن أبي وقاص وغيرهم.

وقال به الكثيرون من أهل التفسير والحديث، قال به الفخر الرازي في التفسير الكبير، والزمخشري في الكشاف، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن، والشوكاني في فتح القدير، والطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، والسيوطي في الدر المنثور، وابن حجر العسقلاني في الإصابة، والحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه، والإمام أحمد بن حنبل في المسند.

ولعل هذا الرأي - فيما أرى - أقرب إلى الصواب، بل هو أرجح الآراء وذلك لأسباب كثيرة:

(1) القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى - الجزء الثاني - دار الكتب العلمية - بيروت 1399 هـ‍/ 1979 م ص 50.

(2) صحيح مسلم 15 / 180 - 181.


18

1 - روى مسلم في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب (وهو لقب أطلقه النبي على الإمام علي، وكان أحب إليه من أي لقب آخر) فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن، أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - خلفه في بعض مغازيه - فقال له علي: خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: أدعو لي علياً، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية:*﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم*دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي (1).

ورواه الترمذي في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: لما أنزل الله هذه الآية*﴿ندع أبناءنا وأبناءكم *، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي (2).

ورواه الحاكم في المستدرك (3)، والبيهقي في سننه (4).

ويقول صاحب الكشاف: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين، لأنها لما نزلت (آية المباهلة) آل عمران: 61، دعاهم صلى الله عليه وسلم، فاحتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، ومشت فاطمة خلفه، وعلي خلفهما، فعلم أنهم المراد من الآية، وأن أولاد فاطمة وذريتهم

(1) صحيح مسلم 15 / 175 - 176.

(2) صحيح الترمذي 2 / 166.

(3) المستدرك للحاكم 3 150.

(4) سنن البيهقي 7 / 63.


19

يسمون أبناءه، وينسبون إليه نسبة صحيحة، نافعة في الدنيا والآخرة (1).

وأخرج الدار قطني: أن علياً احتج يوم الشورى على أهلها، فقال لهم:

أنشدكم الله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الرحم مني، ومن جعله صلى الله عليه وسلم، نفسه، وأبناؤه أبناءه، ونساؤه نساءه، غيري، قالوا: اللهم لا (2).

وفي السيرة الحلبية: فلما أصبح صلى الله عليه وسلم، أقبل ومعه حسن وحسين وفاطمة وعلي، رضي الله عنهم، وقال: اللهم هؤلاء أهلي.

وعند ذلك قال لهم (أي لوفد نجران) الأسقف: إني لأرى وجوهاً، لو سألوا الله أن يزيل لهم جبلاً، لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني، فقالوا: لا نباهلك (3).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال:*﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً*(4).

ورواه الحاكم في المستدرك (5)، والطبراني في الصغير (6)، والزمخشري في الكشاف (7).

(1) تفسير الكشاف للزمخشري 1 / 147 - 148.

(2) أحمد بن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 239 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983).

(3) علي بن برهان الدين الحلبي: إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون الشهير بالسيرة الحلبية 3 / 236 (ط الحلبي - القاهرة 1384 هـ‍/ 1964).

(4) صحيح مسلم 15 / 194.

(5) المستدرك للحاكم 3 / 147.

(6) المعجم الصغير للطبراني 22 / 5.

(7) تفسير الكشاف 1 / 148.


20

وروى الإمام أحمد بن حنبل في المسند بسنده عن شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لفاطمة: ائتني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فدكيا، قالت: ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللهم إن هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، إنك حميد مجيد، قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي، وقال: إنك على خير (1).

ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (2)، والمتقي الهندي في كنز العمال (3)، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وقال: أخرجه الطبراني (4).

وفي رواية في المسند أيضاً عن أم سلمة قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بيتي يوماً، إذ قالت الخادم: إن علياً وفاطمة بالسدة، قالت: فقال لي: قومي فتنحي لي عن أهل بيتي، قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريباً، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق علياً بإحدى يديه، وفاطمة باليد الأخرى، فقبل فاطمة، وقبل علياً، فأغدق عليهم خميصة سوداء، فقال: اللهم إليك، لا إلى النار، أنا وأهل بيتي، قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله، قال: وأنت (5).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن شداد أبي عمار، قال: دخلت على واثلة بن الأسقع، وعنده قوم فذكروا علياً فشتموه فشتمته معهم، فلما قاموا قال لي: لم شتمت هذا الرجل؟ قلت رأيت القوم شتموه فشتمته معهم، فقال:

ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، فقال: أتيت فاطمة أسألها

(1) مسند الإمام أحمد 6 / 323.

(2) مشكل الآثار 1 / 334.

(3) كنز العمال 7 / 103.

(4) فضائل الخمسة 1 / 233.

(5) مسند الإمام أحمد 6 / 296.


21

عن علي، فقالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست أنتظره، حتى جاء رسول الله صلى عليه وسلم، ومعه علي وحسن وحسين، آخذاً كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدني علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه - أو قال كساء - ثم تلا هذه الآية:*﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً*ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق (1).

ورواه الإمام الطبري في التفسير (2)، والترمذي في صحيحه (3)، والسيوطي في الدر المنثور (4)، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد (5)، والحاكم في المستدرك (6)، وأحمد في المسند (7).

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن زبيد عن شهر بن حوشب عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم، جلل علياً وفاطمة والحسن والحسين كساء، ثم قال:

اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، قالت أم سلمة: قلت يا رسول الله أنا منهم، قال: إنك إلى خير (8).

ورواه الإمام أحمد في المسند (9).

(1) الإمام أحمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة 2 / 557 - 578 (ط بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م - نشر - مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - كلية الشريعة - جامعة أم القرى بمكة المكرمة).

(2) تفسير الطبري 22 / 5 - 6.

(3) صحيح الترمذي 5 / 351، 663.

(4) تفسير الدر المنثور 5 / 198.

(5) مجمع الزوائد 9 / 166.

(6) المستدرك للحاكم 3 / 147.

(7) مسند الإمام أحمد 4 / 107.

(8) أسد الغابة 4 / 110.

(9) مسند الإمام أحمد 6 / 292.


22

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الرحمة هابطة، قال: ادعوا لي، ادعوا لي، قالت صفية، من يا رسول الله؟ قال: أهل بيتي: علياً وفاطمة والحسن والحسين، فجئ بهم، فألقي عليهم كساء، ثم رفع يديه، ثم قال: اللهم هؤلاء آلي، فصل على محمد وعلى آل محمد، وأنزل الله عز وجل: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً (1).

وروى المتقي الهندي في كنز العمال عن واثلة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين تحت ثوبه، وقال: اللهم قد جعلت صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، اللهم إن هؤلاء مني، وأنا منهم، فجعل صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي وعليهم، قال واثلة: وكنت على الباب، فقلت: وعلي يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قال: اللهم وعلى واثلة، قال أخرجه الديلمي (2).

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد بسنده عن واثلة بن الأسقع قال:

خرجت، وأنا أريد علياً، فقيل لي: هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأممت إليهم، فأجدهم في حظيرة من قصب، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي وفاطمة وحسن وحسين، قد جعلهم تحت ثوب، اللهم اجعل صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي وعليهم - قال رواه الطبراني (3).

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن عطاء عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت*﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً *، قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين،

(1) المستدرك للحاكم 3 / 147.

(2) كنز العمال 7 / 92.

(3) مجمع الزوائد 9 / 167.


23

فقال: هؤلاء أهلي، قالت: فقلت: يا رسول الله، أفما أنا من أهل البيت؟ قال:

بلى، إن شاء الله عز وجل (1).

وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر، إذا خرج لصلاة الفجر، يقول: الصلاة يا أهل بيت محمد إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً (2).

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيراً (3).

وعن أبي سعيد عن أم سلمة، رضي الله عنها قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم (4).

وروى السيوطي في تفسيره قال: أخراج ابن مردويه عن أم سلمة قالت:

نزلت هذه الآية في بيتي إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً وفي البيت سبعة: جبريل وميكائيل عليهما السلام، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وأنا على الباب، قلت: يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (5).

وروى الطبري في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله

(1) أسد الغابة 7 / 222، 343، المستدرك للحاكم 3 / 146.

(2) أسد الغابة 7 / 223، تحفة الأحوذي 9 / 67 - 68.

(3) تفسير ابن كثير 3 / 773 (بيروت 1986 م).

(4) تفسير الدر المنثور 5 / 198 - 199.

(5) تفسير الطبري 22 / 5.


24

صلى الله عليه وسلم: نزلت هذه الآية في خمسة: في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً (1).

قال: ورواه الهيثمي في مجمعه (1)، والمحب الطبري في الذخائر (2).

وهكذا ثبت بالنص والإجماع: أن أهل البيت إنما هم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسيدة فاطمة الزهراء والإمام علي والحسن والحسين، عليهم السلام، ثبت بالنص - كما رأينا في الأحاديث النبوية الشريفة التي سبق أن ذكرنا بعضاً منها آنفاً - كما ثبت بالإجماع، ذلك لأن الأمة قد اتفقت على أن لفظ أهل البيت إذ أطلق، إنما ينصرف إلى الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين وذريتهما، ولو لم يكن فيه إلا شهرته فيهم، لكفى.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى عدة نقاط، منها (أولاً): أن هناك من قسم أهل بيت النبي إلى ثلاثة دوائر، الدائرة الخاصة: وهم ذرية فاطمة وعلي إلى يوم القيامة من الحسن والحسين، وهم أهل الكساء والمباهلة، ويسمون كذلك خاصة الخاصة، والدائرة الثانية: هم بنو هاشم والمطلب، ومن ألحق بهم نصاً، وهم الذين تحرم عليهم الزكاة، والدائرة الثالثة: هم الزوجات الطاهرات، أمهات المؤمنين، رضي الله عنهم.

ومنها (ثانياً) أنه مهما اختلف المسلمون في فرقهم، فإن كلمتهم واحدة في أن شجرة النسب النبوي الشريف إنما تنحصر في أبناء فاطمة الزهراء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يعقب إلا من ولدها.

وأما بنو علي - من غير السيدة فاطمة - وبنو عقيل وجعفر والعباس، فإنهم من بني هاشم، جدهم وجد النبي معاً، ولكنهم ليسوا من آل النبي صلى الله عليه وسلم، لأن نسبهم لا ينتهي إليه صلى الله عليه وسلم.

(2) مجمع الزوائد 9 / 167.

(3) ذخائر العقبى ص 24.


25

ومنا (ثالثاً) أن لقب الشريف أو السيد إنما يطلق على من ينتسب - عن طريق أبيه - إلى ذرية الإمام الحسن أو الإمام الحسين، وقد أخطأ البعض حين نسبوا هذا اللقب إلى كل من ينتسب إلى بني هاشم الكرام.

صحيح أن بني هاشم في الذروة من قريش، بنص الحديث الشريف، الذي رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة، والقاضي عياض في الشفاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أتاني جبريل عليه السلام، فقال: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها، فلم أر رجلاً أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم (1).

ولكنه صحيح كذلك أن شرف الحسن والحسين عليهما السلام مستمد من سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء، بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فهما بالتالي بضعة من بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى ابن شهرآشوب في مناقبه أن الإمام أبا حنيفة جاء ليسمع من الإمام جعفر الصادق فخرج إليه الإمام جعفر يتوكأ على عصا، فقال أبو حنيفة يا ابن رسول الله، لم تبلغ من السن ما تحتاج معه إلى العصا، قال: هو كذلك، ولكنها عصا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردت التبرك بها، فوثب أبو حنيفة وقال: أقبلها يا ابن رسول الله.

فحسر أبو عبد الله جعفر الصادق عن ذراعيه وقال له: والله، لقد علمت أن هذا بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من شعره، فلم لا تقبله، وتقبل العصا.

وهذا يعني أن ذرية الحسن والحسين، إنما هم بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشرف ولد آدم قاطبة - وليس أشرف بني هاشم فحسب - كما جاء في الأحاديث

(1) القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 166، أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ص 25 - 26، الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 628 - 629، البيهقي: دلائل النبوة 1 / 137، السيوطي: الخصائص الكبرى 1 / 38.

26

النبوية الشريفة، فلقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار (1).

وبعد:

فالله أسأل أن يجنبنا الزلل، وأن يشملنا برحمته وغفرانه، وأن يعفو عنا - إن أخطأنا - أن يجعل في هذه الدراسة في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين بأجزائها التي امتدت حتى أصبح هذا الجزء إنما يمثل فيها الجزء العاشر.

أسأل الله تعالى أن يجعل فيها بعض النفع، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وما توفيقي إلا بالله توكلت وإليه أنيب.

وصلى الله على سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المكرمين.

والحمد لله حمداً يليق بجلاله، ويقربنا إلى مرضاته سبحانه، فيقبلنا - بمنه وكرمه - في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عباداً لله قانتين، ولسيدنا رسول الله تابعين، وبهديه وخلقه مقتدين، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، رب العالمين.

بولكلي - رمل الإسكندرية في

الثامن من رجب عام 1413 هـ‍

الأول من يناير عام 1993 م.

دكتور محمد بيومي مهران

الأستاذ بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية

(1) صحيح مسلم 15 / 36، صحيح الترمذي 4 / 292، القسطلاني: المواهب اللدنية 1 / 13، القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 / 166، البيهقي: دلائل النبوة 1 / 108 - 109، ابن كثير: السيرة النبوية 1 / 191.

27

الباب الأول

أولاً: الإمامة

الإمامة لغة: التقدم، تقول: أم القوم: تقدمهم، ومنه: أممت القوم، فأنا أؤمهم أما وإمامة، إذا كنت إمامهم، ومنه قول الله تعالى لإبراهيم، عليه السلام،*(إني جاعلك للناس إماماً) *(1)، إني مصيرك تؤم من بعدك، من أهل الإيمان بي وبرسلي، تتقدمهم أنت، ويتبعون هديك، ويستنون بسنتك التي تعمل بها، بأمري إياك، ووحيي إليك (2).

والإمام: القدوة، وهو ما ائتم به الناس من رئيس أو غيره، هادياً كان أو ضالاً (3).

وإمام: من أم ومعناها في الأصل: الرئيس، وخاصة الدليل الذي يقود القافلة، وهي ترادف الهادي، ومنها كل شخص أو شئ يتخذ دليلاً أو قدوة، مثال ذلك إمام الغلام في الكتاب (المكتب)، وهو ما يتعلم منه كل يوم (4).

وترد في القرآن الكريم بمعنى المثل والدليل والقدوة والمشابه (5)، ومنذ ظهور الإسلام تطلق هذه الكلمة على الرجل الذي يصلي بالناس، وكان الإمام - أول الأمر - هو النبي صلى الله عليه وسلم، أو من ينيبه عنه في غيبته، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، حل محله في الإمامة أحد الخلفاء، أو عمالهم، وأصبحت الإمامة في الصلاة إحدى

(1) سورة البقرة: آية 124.

(2) تفسير الطبري 3 / 18 (ط دار المعارف).

(3) علي أحمد السالوس: عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية - القاهرة 1987 ص 8.

(4) دائرة المعارف الإسلامية 4 / 391 (كتاب الشعب - القاهرة 1970)، لسان العرب 14 / 291، القاموس المحيط 4 / 77 - 78 (القاهرة 1952).

(5) أنظر: سورة البقرة: آية 124، سورة الحجر: آية 79، سورة الفرقان: آية 74، سورة يس: آية 12.


28

المهام الأساسية للحاكم، وإسناد السلطة إلى عمال الأقاليم يظهر في صورة واضحة للجميع، عندما يؤم نائب الخليفة الناس في الصلاة.

هذا ويخلع فقهاء المسلمين لقب الإمام على رأس الجماعة الإسلامية، وهو زعيم الأمة في الدين والدنيا، ويسمى عادة الخليفة لأنه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم، ويتزعم الإمام المسلمين في أمور الدين، وبيده أزمة الجماعة التي يرأسها، ويطلق على هذا المنصب الإمامة الكبرى تمييزاً له عن الإمامة الصغرى، وهي وظيفة من يؤم الناس في الصلاة (1).

فالإمامة أو الخلافة إذن: هي النظام الذي جعله الإسلام أساساً للحكم بين الناس، بهدف اختيار الأصلح من المسلمين - قدر الطاقة - لتجتمع حوله كلمة الأمة، وتتحد به صفوفها، وتقام به أحكام الشريعة، وفي ذلك يقول البيضاوي (عبد الله بن عمر، ت 685 / 1286 م): الإمامة: عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في إقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة.

ويقول عبد الرحمن بن خلدون (732 - 808 هـ‍/ 1332 - 1406 م) في مقدمته: الخلافة حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها (2).

ويقول الشيخ عبد السلام اللقاني (971 - 1078 هـ‍/ 1564 - 1668 م) - شارح الجوهرة في التوحيد، والتي ألفها أبوه - الخلافة: رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم (3).

ويقول الماوردي: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدين،

(1) دائرة المعارف الإسلامية 4 / 391.

(2) مقدمة ابن خلدون ص 191 (ط دار القلم - بيروت 1981).

(3) محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989).


29

وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع، وإن شذ عنهم الأصم (1).

ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (419 - 478 هـ‍/ 1028 - 1085 م) - من أبرز أئمة الأشعرية - الإمامة: رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة من مهمات الدين والدنيا، مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين (2).

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1982 ص 5.

(2) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغيائي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب - الدوحة 1400 هـ‍ص 22.


30

ثانياً: حكم الإمامة

وحكم الإمامة أو الخلافة (1) في الإسلام الوجوب، قال الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة في نهج البلاغة: وإنما الأئمة قوام الله على خلقه، وعرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه.

وعندما نادى الخوارج بمقولتهم المشهورة لا حكم إلا بالله، رد عليها سيدها الإمام علي عليه السلام، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير، بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر (2).

(1) الخلافة: لغة مصدر خلف، يقال: خلفه خلافة، كان خليفته وبقي بعده، والجمع خلائف وخلفاء (القاموس المحيط 3 / 142 - القاهرة 1952)، وفي تفسير النسفي: الخليفة من يخلف غيره - على وزن فعيلة بمعنى فاعلة، وزيدت للمبالغة، وفي تفسير قوله تعالى:*﴿إني جاعل في الأرض خليفة*المعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض، فخلفهم فيها آدم وذريته، ولم يقل خلائف أو خلفاء، لأنه أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه، كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم، أو أريد من يخلفكم، أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك، أو خليفة مني، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي، قال تعالى:*﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض*(تفسير النفسي 1 / 40).

(2) شرح نهج البلاغة 2 / 307.


31

وقال الإمام أحمد بن سليمان في كتاب حقائق المعرفة: إعلم أنه لما كانت النبوة لا تحصل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى قد ختم به الرسل، وكان الناس محتاجين إلى من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، ينفذ الأحكام، ويحل الحلال، ويحرم الحرام، ويكفل الضعفاء والأيتام، وينصف المظلوم، ويدعو إلى عز الإسلام، ونيل المكارم، ويدفع كل خائن وغاشم، ويدعو إلى الجهاد في سبيل رب العالمين، ويعز المؤمنين، ويذل الفاسقين، فإن العقل يحكم بوجوب قيام إمام من المؤمنين لصلاح الإسلام والمسلمين.

ويحكم العقل إنه لم يقم، فإن الإسلام يضعف، وأن الكفر يقوى، وأن الفساد يلحق جميع الناس، فوجب قيام الإمام، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا مات الإمام أو قتل، يجب قيام إمام بعده، ويحكم العقل بأن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن لا يكون في الأمة من هو أجمع منه للمحامد.

ويجب على كل المسلمين في كل عصر، إعانة من يصلح لها، من أجل حفظ بيضة الإسلام، ودفع التظالم، وإنصاف المظلومين، وإقامة الحدود، ولا يختص بذلك وقت، دون وقت (1).

ويقول إمام الحرمين الجويني: وأما نصب الإمام عند الإمكان فواجب، وقد ذهب عبد الرحمن بن كيسان (2) إلى أنه لا يجب، ويجوز ترك الناس أخيافاً (أي مختلفين)، يلتطمون ائتلافاً واختلافاً، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات

(1) أحمد صبحي: المذهب الزيدي ص 42 - 43 (الإسكندرية 1981).

عبد الرحمن بن كيسان - الأصم المعتزلي - غير حاتم الأصم الصوفي، وقد ذكره السيد (علي بن محمد 740 - 816 هـ‍/ 1339 - 1413 م) في شرح المواقف بلقب أبي بكر، وجمع أحمد بن يحيى المرتضى (ت 1039 هـ‍/ 1930 م) بين اسمه ولقبه فقال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم (محمد عمارة: المرجع السابق ص 238، وانظر كتاب: المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل ص 32 - ط حيدر آباد 1316 هـ‍)، وكان عبد الرحمن بن كيسان - الملقب بالأصم - يعرف أيضاً بتلميذ العلاف (تاريخ بغداد 2 / 192، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1 / 448).


32

رأيهم رابط، وهذا الرجل هجوم على شق العصا، ومقابلة الحقوق بالعقوق، لا يهاب حجاب الإنصاف، ولا يستوعر أصواب الاعتساف، ولا يسمى إلا عند الإنسلال عن ربقة الإجماع، والحيد عن سنن الاتباع.

وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب العلماء قاطبة. أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأوا البدار إلى نصب الإمام حقا، فتركوا لسبب التشاغل به، تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنه، مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة. ولا يرتاب من معه مسكة من عقل، أن الذب عن الحوزة، والنضال دون حفظ البيضة محتوم شرعاً، ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع، ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تفنن الآراء، وتفرق الأهواء، لانتشر النظام، وهلك العظام، وتوثبت الطغام والعوام، وتحزبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة، وملك الأرذلون سراة الناس، وفضت المجامع، واتسع الخرق على الراقع، وفشت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات (أي أهل الشراسة والقسوة)، وتبددت الجماعات، ولا حاجة إلى الإطناب بعد حصول البيان، وما يزع الله بالسلطان، أكثر مما يزع بالقرآن (1).

ويقول الأستاذ محمد جواد مغنية: اختلف المسلمون في وجوب نصب الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم وجوبه، وافترقوا في ذلك إلى فرق.

قالت الشيعة: يجب على الله تعالى أن ينصب إماماً للناس، وقالت السنة:

لا يجب ذلك على الله، ولكن يجب على الناس، وقالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام مطلقاً، لا على الله، ولا على الناس.

وقال القوشجي (ت 879 هـ‍) - من علماء السنة - في كتاب شرع التجريد: استدل أهل السنة على قولهم بإجماع الصحابة - وهو العمدة - حتى

(1) الجويني: الغياثي ص 22 - 24.


33

جعلوا ذلك أهم الواجبات، واشتغلوا به عن دفن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكذا عقيب موت كل إمام، روي أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، خطب أبو بكر فقال: يا أيها الناس، من كان يعبد محمداً، فإن محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد رب محمد، فإنه حي لا يموت، لا بد لهذا الأمر من يقوم به، فانظروا، وهاتوا آراءكم، رحمكم الله، فبادروا من كل جانب، وقالوا: صدقت، لكننا ننظر في هذا الأمر، ولم يقل أحد أنه لا حاجة إلى إمام (1).

وقال البغدادي: وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن الإمامة فرض واجب على الأمة، لأجل إقامة إمام، ينصب لهم القضاة والأمناء، ويضبط ثغورهم، ويغزي جيوشهم، ويقسم الفئ بينهم، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم (2).

والوجوب ثابت بالكتاب والسنة والإجماع:

فأما الكتاب، فلقد قال الله تعالى:*﴿وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة*(3) وقال تعالى:*﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم*(4) وقال تعالى:*﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق*(5).

ويقول القرطبي في تفسيره لآية البقرة (30*(وإذ قال ربك للملائكة إني

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 333 - 334.

(2) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي - الفرق بين الفرق - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ص 349 (دار المعرفة - بيروت).

(3) سورة البقرة: آية 30، وانظر: تفسير الطبري 1 / 439 - 480، تفسير ابن كثير 1 / 106 - 111، تفسير النسفي 1 / 40، تفسير المنار 1 / 210 - 218، تفسير القرطبي ص 223 - 234.

(4) سورة النور: آية 55.

(5) سورة ص: آية 26.


34

جاعل في الأرض خليفة *: إن هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين، بل يسوغ ذلك وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيها بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفئ والصدقات على أهلها، و أقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزاهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولى ذلك.

ودليلنا على إقامة إمام، قول الله تعالى:*﴿إني جاعل في الأرض خليفة * وقوله تعالى:*﴿يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة *، وقوله تعالى:*﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض *، أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي (1).

ويقول ابن كثير: وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية (آية البقرة: 30) على وجوب نصب الإمام (الخليفة)، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها، إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب (2).

2 - وأما السنة: فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن محمد عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع - حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية - فقال: إطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم،

(1) تفسير القرطبي 1 / 226.

(2) تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم - بيروت 1986) 1 / 110.


35

يقول: من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه، ويتقي، فإن أمر بتقوى الله عز وجل، وعدل، كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره، كان عليه منه (2).

وروى الشوكاني (محمد بن علي بن محمد - ت 1255 هـ‍) في نيل الأوطار - شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار (باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما) عن عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض، إلا أمروا عليهم أحدهم قال: رواه أحمد.

وعن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا عليهم أحدهم - قال: رواه أبو داود، وله من حديث أبي هريرة مثله.

هذا وحديث عبد الله بن عمرو، وحديث أبي سعيد، قد أخرج نحوهما البزار بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب بلفظ إذا كنتم ثلاثة من سفر، فأمروا أحدكم، ذاك أمير، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج البزار أيضاً بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً، بلفظ إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم - وأخرجه بهذا اللفظ الطبراني من حديث ابن مسعود، بإسناد صحيح، وهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض (3).

(1) صحيح مسلم بشرح النووي - دار الكتب العلمية - بيروت 1983) 12 / 240.

(2) صحيح مسلم 12 / 230.

(3) محمد بن علي بن محمد الشوكاني: نيل الأوطار - شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار 8 / 255 - 256 (دار الكتب العلمية - بيروت - نسخة قوبلت على طبعة المطبعة الأميرية القاهرة 1297 هـ‍).


36

هذا وقد سكت أبو داود والمنذري عن حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وكلاهما رجالهما رجال الصحيح، إلا علي بن بحر، وهو ثقة، ولفظ حديث أبي هريرة إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم، وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعداً، أن يؤمروا عليهم أحدهم، لأن في ذلك السلامة من الخلاف، الذي يؤدي إلى التلاف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه، ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الخلاف، وتجتمع الكلمة.

وبديهي أنه إذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون، فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم، أولى وأحرى، ومن ثم ففي هذا دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام.

هذا وقد ذهب الأكثر إلى أن الإمامة واجبة، لكنهم اختلفوا: هل الوجوب عقلاً أم شرعاً؟ فعند العترة، وأكثر المعتزلة والأشعرية، تجب شرعاً، وعند الإمامية تجب عقلاً فقط، وعند الجاحظ، والبلخي، والحسن البصري، تجب عقلاً وشرعاً، وعند ضرار، والأصم، وهشام القوطي والنجدات لا تجب (1).

ويقول الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة في رده على الخوارج - كما أشرنا من قبل - أنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، أو يستراح في فاجر.

وقال: أما لإمرة البرة فيعمل فيها التقي، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي، إلى أن تنقطع مدته، وتدركه منيته (2).

(1) نيل الأوطار 8 / 256.

(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2 / 307 (دار الفكر - بيروت - الطبعة الثالثة - 1973).


37

ويقول القرطبي: إن الإمام إنما نصب لدفع العدو، وحماية البيضة، وسد الخلل، واستخراج الحقوق وإقامة الحدود، وجباية الأموال لبيت المال، وقسمتها على أهلها (1).

ويقول ابن تيمية: يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصالحهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس (2)، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا خرج ثلاثة من سفر، فليؤمروا أحدهم - رواه أبو داود عن نافع عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري - (3).

وروى أبو داود أيضاً عن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم، قال نافع: فقلنا لأبي سلمة: فأنت أميرنا (4).

ومن ثم فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهاً بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه - من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم - وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة.

ومن ثم فقد روى أن السلطان ظل الله في الأرض (5)، كما قيل: ستون

(1) تفسير القرطبي ص 232.

(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 160 (مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - 1379 هـ‍/ 1960).

(3) سنن أبي داود 2 / 34 (ط الحلبي - القاهرة 1952).

(4) سنن أبي داود 2 / 34.

(5) يجب أن يكون واضحاً أن هذا لا يعني أبداً، أن الخلافة الإسلامية إنما كانت تمثل حكومة ثيوقراطية (دينية)، كما أنها لم تكن حكومة أرستقراطية (حكومة الخاصة) ولا حكومة ديمقراطية

‌>


38

سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك، ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان (1).

ويقول ابن حزم الأندلسي (384 - 456 هـ‍/ 994 - 1064 م) - من أئمة الظاهرية - اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة، التي أتى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حاشا النجدات من الخوارج (أصحاب نجدة بن عامر الحروري - أحد بني حنيفة) (2)، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمام، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم،

<‌

(حكومة الشعب)، وإنما كانت حكومة شورى، والخليفة فيها حاكم سياسي يجمع بين السلطتين الزمنية والدينية أو الروحية، ولا تتعدى وظيفته الدينية المحافظة على الدين، ويستطيع باعتباره حامي الدين أن يعلن الحرب على الكفار، ويعاقب الخارجين على الدين، ويؤم الناس في الصلاة، ويلقي خطبة الجمعة، كما أن الخليفة لم يكن يستمد سلطة الحكم من الله تعالى، بل من الذين بايعوه، وقد انقضى نزول الوحي، منذ اختار الله رسوله إليه، وبقي كتاب الله بين المسلمين هدى لهم جميعاً وحجة عليهم جميعاً، فهو ميثاقهم الذي آمنوا به وارتضوه، وهو دستور الحكم، يسير الحاكم في حدوده لا يتعداه، فإن فعل وجبت طاعته، وإلا فلا طاعة له على مسلم.

وهكذا فحكومة الإسلام لم تعرف السلطان المطلق، ولم يكن للكهنة وجود فيها، ولا يمكن أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون، وهي لم تكن حكومة أستقراطية، ولم يكن استئثار المهاجرين والأنصار باختيار الخليفة من الأستقراطية في شئ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى، وهم إنما استأثروا بالأمر، صوناً للنظام القائم، ودفاعاً عنه: ثم إنهم كانوا طبقة مؤقتة تزول بزوال أفرادها، لا يرثها أحد، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى، كما أنها لم تكن حكومة ديمقراطية (حكومة الشعب) لأن الشعب لا يملك أن يقرر ما يشاء، إن كان ما يشاء يتعارض مع كتاب الله، وسنة رسوله، ومن ثم فهي حكومة شورى بين المسلمين، الناس فيها سواسية كأسنان المشط، ورأسها الأعلى يعلن أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم (حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 429 د محمد حسين هيكل الصديق أبو بكر ص 335، 337).

(1) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 160 - 161.

(2) البغدادي: الفرق بين الفرق (أنظر عن النجدات ص 87 - 90).


39

وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد، وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي، القائم باليمامة (1).

ويقول ابن خلدون: أن نصب الإمام واجب، قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند وفاته، بادروا إلى بيعة أبي بكر، رضي الله عنه، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعاً، دالاً على وجوب نصب الإمام.

وقد ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل، وأن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل فيه، قالوا: وإنما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر، واستحالة حياتهم، ووجودهم منفردين، ومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض، فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم، مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية، وهذا المعنى هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبوءات في البشر، وقد نبهنا على فساده، وأن إحدى مقدماته أن الوازع إنما يكون بسطوة الملك، وقهر أهل الشوكة، أو لم يكن شرع، كما في أمم المجوس، وغيرهم ممن ليس له كتاب، أو لم تبلغه الدعوة.

أو نقول يكفي في دفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه، بحكم العقل، فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هنا، ونصب الإمام هنا غير صحيح، بل كما يكون بنصب الإمام، يكون بوجود الرؤساء وأهل الشوكة، أو بامتناع الناس عن التنازع والتظالم، فلا ينهض دليلهم العقلي المبني على هذه المقدمة، فدل على أن مدرك وجوبه إنما هو بالشرع، وهو الإجماع الذي قدمناه.

(1) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 106.


40

وقد شذ بعض الناس، فقال بعدم وجود هذا النصب رأساً، لا بالعقل ولا بالشرع، ومنهم الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم، والواجب عند هؤلاء، إنما هو إمضاء لحكم الشرع، فإذا تواطأت الأمة على العدل، وتنفيذ أحكام الله تعالى، لم يحتج إلى إمام، ولا يجب نصبه، وهؤلاء محجوجون بالإجماع (1).

هذا ويقول القلقشندي (756 - 821 هـ‍): اختلف العلماء في أصل وجوب الإمامة (2)، فذهب قوم إلى أن وجوبها ثابت بالعقل، لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم عند التنازع، ولو لا ذلك لكانوا فوضى مهملين، وقد قال الأفوه الأودي - وهو شاعر جاهلي -:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم*ولا سراة إذا جهالهم سادوا (3)

وذهب آخرون إلى أنها إنما وجبت بالشرع، ولا أثر للعقل في ذلك، لأن الإمام إنما يقوم بأمور شرعية، كان يجوز في العقل أن لا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل موجباً لها.

(1) مقدمة ابن خلدون ص 191 - 192 (دار القلم - بيروت 1981).

(2) القلقشندي: هو القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي الشافعي، ولد في عام 756 هـ‍(1353 م) في قرية قلقشندة مركز قليوب بمحافظة القليوبية، واشتغل بالفقه وغيره، ومهر في الأدب، وبرع في العربية نظماً ونثراً وكتب في الإنشاء، وناب في الحكم، وعاش مفضالاً وقوراً، وكان متواضعاً، ذا مروءة، إلى أن توفي يوم السبت عاشر جمادى الآخرة سنة 821 هـ‍(1418 م)، وأما أشهر مؤلفاته فهي صبح الأعشى في صناعة الإنشا، وقد أورد فيه ما يحتاجه الكاتب من الفنون والعلوم، فهو دائرة معارف تنتظم كل ما كان يعرفه معاصروه، وله قيمته الكبيرة فيما يتصل بتاريخ مصر والشام وجغرافيتهما، كما ألف القلقشندي أيضاً نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب ثم كتابه الذي نرجع إليه الآن في موضوع الخلافة وعنوانه مآثر الإنافة في معالم الخلافة، وقام بتحقيقه عبد الستار أحمد فراج، ونشرته وزارة الإرشاد الكويتية في ثلاثة أجزاء - عام 1964، وأما أصل القلقشندي فهو عربي من قبيلة فزارة من ذبيان من غطفان، وانظر عنه (عبد اللطيف حمزة: القلقشندي (رقم 12 من أعلام العرب)، شذرات الذهب 7 / 149، مقدمة كتبه).

(3) ديوان الأفوه: الطرائف الأدبية ص 12.


41

وقد احتج لذلك بأنه لا بد للأمة من إمام يقيم الدين، وينصر السنة، وينصف المظلومين من الظالمين، ويستوفي الحقوق، ويضعها مواضعها، يقول الماوردي: وهي فرض كفاية، كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط فرضها على كافة الناس، لأن فرضها على الكفاية، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان، أحدهما: أهل الاختيار، حتى يختاروا للناس إماماً، والثاني: أهل الإمامة، حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة جرح ولا مأثم (1).

وقال النووي في روضته فإن لم يكن من يصلح، إلا واحد، تعينت عليه، ولزمه طلبها، إن لم يبتدوه (2).

ومن هنا تنكشف الضرورة الملحة في نصب الإمام بما ذكر من حكم العقل، ومن ثم فقد بادر الأصحاب إلى نصب الخليفة، فقالت الأنصار: منا الخليفة، واحتج المهاجرون عليهم بالقرابة، كما بادر قسم آخر من الأنصار، وقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، وقال بنو هاشم - ويؤيدهم جمع كبير من المسلمين -: ليس لها إلا أبو حسن، الإمام علي، صاحب الوصية، وكل هذه الأقوال، إنما تكشف جميعاً عن الباعث العقلي لهم على نصب الخليفة.

هذا فضلاً عن اختلافهم كان ممن يختار الخليفة: من بني هاشم؟ أم من الأنصار؟ أم من المهاجرين؟ ولم يناقش أحد منهم ضرورة نصب الإمام، وذلك لوجود الحاجة الماسة إلى ذلك، فضلاً عن أنها ضرورة يدرك العقل مدى الحاجة الشديدة إليها.

على أن هناك من يرى أن الإمامة - أو الخلافة - ليست واجبة، وإلا ما

(1) الماوردي: الأحكام السلطانية ص 5 - 6.

(2) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الجزء الأول - الكويت 1964 ص 29 - 31.


42

تركت لاختيار الناس، يقول الشيخ الأصم - ومن تابعه على رأيه - إن نصب الإمام غير واجب في الدين، وإن كان سائغاً، فمتى استطاعت الأمة أن تقيم حجها وجهادها، وأن تتناصف فيما بينها، وأن تبذل الحق من أنفسها، وأن تقسم الغنائم والفئ والزكوات على أهلها، وأن تقيم الحدود يمكن من وجبت عليه الحدود، فإن ذلك يجزئهم، ولا يجب عليهم نصب إمام يتولى ذلك منهم (1).

وقد اعتمد بعض من رأوا أن الخلافة ليست واجبة، على أنه ليس في القرآن، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يشير إلى نظام معين في اختيار الخليفة، مما يشير إلى أن للأمة مطلق الحرية في اختيار الخليفة، ومن النظام الذي يتبع في اختياره، ما دام ذلك في إطار الدين، وفي حدود كتاب الله، وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

ومن ثم يذهب الدكتور صبحي الصالح إلى أن كل من ظن المسلمون به خيراً، لا ضير أن يتولى أمرهم، ويوجه حياتهم الدنيوية، وإن كان سرعان ما يعقب على كلامه بهذا الاستثناء، فيقول: غير أننا إذا رجعنا إلى التاريخ نستنطق فلسفة الأحداث فيه، لا حظنا أن الطريقة التي انتخب بها بعض الخلفاء، كان دون ما قصد، سبباً من أسباب استمرار الخلاف لأسباب شخصية، وأخرى قبلية، لا تزال فيها نعرة جاهلية (2).

ولعل أشهر الدراسات التي ظهرت في العصر الحديث - والتي تعارض وجوب نصب الإمام - إنما هي كتاب الإسلام وأصول الحكم - بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام (3) - عام 1925 م، وقد أصدره الشيخ علي

(1) أحمد حسن الباقوري: مع القرآن - القاهرة 1970 ص 4.

(2) صبحي الصالح: النظم الإسلامية: نشأتها وتطورها ص 85.

(3) ربما لم يثر كتاب في العصر الحديث ضجة كالتي أحدثها كتاب الإسلام وأصول الحكم ذلك

‌>


43

عبد الرازق - القاضي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية -.

وكانت الفكرة الجوهرية في الكتاب - بل الخطيرة - هي دعوى الشيخ علي عبد الرازق أن الإسلام دين، لا دولة، ورسالة روحية، لا علاقة لها بالحكومة والسياسة الدنيوية، وعمارة الكون، وتنظيم المجتمعات، وأن نبي الإسلام - محمداً - صلى الله عليه وسلم، لم يؤسس دولة، ولم يرأس حكومة، ولم يسس مجتمعاً، ولم يدع إلى شئ من ذلك، بل كان رسولاً فقط، ما عليه إلا البلاغ.

ولما كان الأمر كذلك، فليس للإسلام رأي - يجب علينا أن نلتمسه من مصادر الدين وأصوله - في نوع الحكومة، فلا رأي للإسلام في هذا الموضوع، وعلى المسلمين - كأمة أو أمم - أن يلتمسوا لسياستهم الحكومة الصالحة، بمعايير العقل والمصلحة والتجريب، دون أن يقيموا وزناً لدعوة القائلين

<‌

أن تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك (1298 - 1351 هـ‍/ 1880 - 1938 م) ألغت الخلافة في 22 رجب عام 1342 هـ‍(3 مارس 1924 م)، وبالتالي أصبح العالم الإسلامي - ولأول مرة في تاريخه - يخلو ممن يحمل لقب الخليفة أو حتى سلطان المسلمين، ومن ثم فقد تحركت قوى إسلامية لاحتلال المنصب، ومنها ملك مصر أحمد فؤاد (1284 - 1355 هـ‍/ 1869 - 1936 م) بغية أن يصبح الخليفة، وقامت لجان في المدن والقرى المصرية تدعو لذلك.

وفي هذا الوقت صدر هذا الكتاب، والذي لم يكن بحثاً أكاديمياً من أبحاث السياسة أو علم الكلام، وإنما كان بالدرجة الأولى جهداً سياسياً في معركة سياسية ضارية، وتحدياً لملك، ومناوئة لقطاعات عريضة وخطيرة في العالم الإسلامي كما أفسد على الاستعمار البريطاني فرصة الإفادة من لعبة الخلافة هذه.

وهكذا تحركت قوى كبرى - الملك والأزهر والاستعمار البريطاني - لمحاربة الشيخ على عبد الرازق، وفي نفس الوقت وقف معه حزب الوفد بزعامة سعد زغلول باشا (1273 - 1346 هـ‍/ 1857 - 1927 م)، والكتاب الأحرار - وعلى رأسهم عباس محمود العقاد (1306 - 1384 هـ‍/ 1889 - 1964 م) ومحمد حسين هيكل باشا (1305 - 1375 هـ‍ (1888 - 1956 م) وأحمد حافظ عوض بك (1294 - 1370 هـ‍/ 1877 - 1950 م)، وانتهت الأمور بصدور حكم هيئة كبار العلماء بالأزهر في 22 محرم 1344 هـ‍/ (12 / أغسطس 1925 م) بإخراج الشيخ عبد الرازق من زمرة العلماء، كما فصل من وظيفته، فضلاً عن عزل وزير الحقانية ورئيس حزب الأحرار عبد العزيز فهمي باشا (1287 - 1370 هـ‍/ 1870 - 1951 م) والكتاب صدر في عام 1925 م، ثم صدرت له طبعة في بيروت عام 1966 م، وفي نوفمبر 1971 م نشرت مجلة الطليعة المصرية نصه الكامل.


44

بحكومة إسلامية، ومن يتصورون أن هذه الحكومة الإسلامية، هي نظام الخلافة بالذات ويقول: علي عبد الرازق (1).

إن الناس لا يصلحون فوضى لا سراة لهم، ويمكن أن يقال: إن المسلمين - إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم - كانوا كغيرهم من أمم العالم كله، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم، وترعى شؤونهم، في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع - مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية - ومعاذ الله أن يجعل عز هذا الدين وذله، منوطين بنوع من الحكومة، ولا بصنف من الأمراء، ولا يريد الله جل شأنه لعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة، ولا تحت رحمة الخلفاء (1).

ثم يذهب صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم إلى أنه لم ينعقد بين المسلمين - صحابة أو غيرهم - إجماع على وجوب نصب الإمام، بالمعنى الذي اصطلح الفقهاء على تسميته بالخليفة، وأنه في ذلك إنما يقف في صف جماعة

(1) ولد علي عبد الرازق (1305 - 1386 هـ‍/ 1887 - 1966 م) في أبو جرج بمحافظة المنيا، من أسرة ذات مكانة في الغنى والعلم والنفوذ، كما كان بيت الأسرة في القاهرة ندوة لصفوة المفكرين كالشيخ محمد عبده (1266 - 1324 هـ‍/ 1849 - 1905 م) وأحمد لطفي السيد باشا (1289 - 1383 هـ‍/ 1872 - 1963 م) وغيرهم. و كان قد التحق بالأزهر، بعد حفظه للقرآن الكريم - وعندما أنشئت الجامعة المصرية عام 1908 م، التحق بها وجمع بين الدراسة في الجامعة والأزهر، وفي عام 1912 م حصل على العالمية من الأزهر، ثم سافر إلى إنجلترا على نفقته للدراسة، ولكنه عاد إلى مصر عام 1915 م بسبب الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1915 عين قاضياً شرعياً، واستمر في القضاء حتى أصدر كتابه الإسلام وأصول الحكم ففصل من عمله، حيث كان قاضياً بمحكمة المنصورة، تنفيذاً لقرار هيئة كبار العلماء، الصادر في 22 محرم عام 1344 هـ‍(12 أغسطس 1925) وعندما أصبح أخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق باشا (1302 - 1366 هـ‍/ 1885 - 1946 م) شيخاً للأزهر عام 1945 م، أعاد الأزهر للشيخ علي عبد الرازق اعتباره، فدخل ثانية في زمرة العلماء وفي 28 دسمبر 1948 م أصبح وزيراً للأوقاف، كما شغل عضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ وعين عضواً بمجمع اللغة العربية، ثم توفي في 7 جمادى الثاني 1386 هـ‍- (23 سبتمبر 1966 م) (أنظر: محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989 م).


45

غير قليلة من أهل القبلة، ومن سلف هذه الأمة وعلمائها الصالحين، الذين لا يمكن الطعن في دينهم، ولا في علمهم.

ثم يقول بعد ذلك: وليس صحيحاً أننا ننكر إجماع الصحابة على أنه لا بد لأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا، بل إنه لا بد لأمة منظمة - مهما كان معتقدها، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها - من حكومة تباشر شؤونها، وتقوم بضبط الأمر فيها، وأن الناس لا يصلحون فوضى، لا سراة لهم ولعل أبا بكر رضي الله عنه إنما كان يشير إلى ذلك الرأي - حين قال في خطبته لا بد لهذا الدين ممن يقوم به، ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المنحى أحياناً (1).

هذا ويمكن حينئذ أن يقال بحق: إن المسلمين، إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم، كانوا كغيرهم من أمم العالم كله، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم وترعى شؤونهم، إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة - أو الخلافة - ذلك المعنى الذي يريده علماء السياسة بالحكومة، كان صحيحاً ما يقولون: من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة، في أي صورة كانت الحكومة، أما إذا أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفونه، فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجتهم غير ناهضة (2).

ثم ينكر الشيخ علي عبد الرازق وجود أدلة على الخلافة في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف فيقول: إنه لعجب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس، فترى فيه تصريف كل مثل، وتفصيل كل شئ من أمر هذا الدين*(ما فرطنا في الكتاب من

(1) محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989 ص 25، علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1925 م ص 34 - 35، 38.

(2) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم ص 33.


46

شئ) *، ثم لا تجد فيه ذكراً لتلك الإمامة العامة أو الخلافة، إن في ذلك لمجالا للمقال (2).

وفي الواقع، فإن اتجاه المؤلف غير صحيح، وقد قدمنا من قبل الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة التي اعتمد عليها العلماء في وجوب نصب الإمام (3).

هذا إلى أنه حقيقة: أن في القرآن بيان كل شئ من أمور الدين وأحكام الواقع، ولكن ليس معنى هذا التبيان أنه يذكر أحكام الأشياء على وجه التفصيل، حتى إذا رجعنا إليه في قضية، ولم نجد لها حكماً مفصلاً، خالطت قلوبنا الريبة من حكمها الذي دلت عليه السنة، أو انعقد عليه إجماع أهل العلم، أو شهدت به القواعد المسلمة.

وإنما معنى تبيان لكل شئ: أنه أتى بكليات عامة، وهي معظم ما نزل به، وفصل بعض أحكام، وأحال كثيراً من آياته على بيان السنة النبوية، ثم إن الكتاب والسنة أرشدا إلى أصول أخرى، كالإجماع والقياس وغيرهما من القواعد المستفادة من استقراء جزئيات كثيرة، كقاعدة المصالح المرسلة، وقاعدة سد الذرائع، قال أبو إسحاق الشاطبي في كتابة الموافقات: تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي، لا جزئي.

وإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات ومكمل كل واحد منها، وهذا كله ظاهر أيضاً، فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو السنة

(1) سورة الأنعام: آية 38.

(2) علي عبد الرازق المرجع السابق ص 35، محمد عمارة: المرجع السابق ص 99.

(3) أنظر: (سورة البقرة: آية 30، سورة النور: آية 55 سورة ص: آية 26)، وانظر (صحيح مسلم 12 / 230، 12 / 240، نيل الأوطار للشوكاني 8 / 255 - 256، سنن أبي داود 2 / 34.


47

والإجماع والقياس، وجميع ذلك، إنما نشأ عن القرآن (1).

وأما قول المؤلف أننا لا نجد في الأحاديث - بعد كل ذلك - ما ينهض دليلاً لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكماً من أحكام الدين (2).

فالواقع أن العلماء ما قالوا إن الخلافة من قبيل العقائد، وأنما هي فرع من فروع الشريعة - كسائر أحكامها العملية، قال سعد الدين التفتازاني (712 - 789 هـ‍/ 1312 - 1389 م) في شرح المقاصد: إن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق، لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة، من نصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، ولا يخفى أن ذلك من الأحكام العملية - دون الاعتقادية - وقد ذكر في كتبنا الفقهية: أنه لا بد للأمة من إمام، يحيي الدين، ويقيم السنة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها.

ثم قال: ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة، اعتقادات فاسدة واختلافات باردة... ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام، ونقض عقائد المسلمين، والقدح في الخلفاء الراشدين... ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام (3).

وقال السيد في شرح خطبة المواقف: إن الإمامة - وإن كانت من فروع الدين - فقد ألحقت بأصوله، دفعاً لخرافات أهل البدع والأهواء، وصوناً للأئمة المهديين عن مطاعنهم، لئلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم - وهكذا

(1) محمد عمارة: المرجع السابق ص 241 - 242، أبو إسحاق الشاطبي: الموافقات 3 / 194 - 195 (المطبعة التونسية).

(2) علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم ص 18.

(3) سعد الدين التفتازاني: شرح المقاصد 1 / 199 (طبع الآستانة)، محمد عمارة، المرجع السابق ص 244.


48

يبدو واضحاً أن الخلافة ليست من نوع العقائد، وإنما حشروها في علم الكلام، للعذر الذي أبداه شارح المقاصد وشارح المواقف (1).

ومن ثم فقد استقر الرأي في علم الكلام الإسلامي، على أن مباحث الخلافة - الإمامة - الدولة، إنما هي من الفروع، وليست من عقائد الدين، ولا من أصوله، ومن ثم فإن الخلاف والاختلاف فيها أليق به أوصاف الخطأ والصواب، والضرر والنفع - وليس الكفر والإيمان أو الإلحاد (2) - إلخ إلخ.

يقول ابن جميع في عقيدة التوحيد: إن الإمامة مستخرجة من الرأي، وليست مستخرجة من الكتاب أو السنة (3)، ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: إن الكلام في الإمامة، ليس من أصول الاعتقاد (4)، ويقول الإمام أبو حامد الغزالي (450 - 505 هـ‍/ 1058 - 1111 م): إن نظرية الإمام ليست من المهمات، وليست من فن المعقولات فيها، بل من الفقهيات (5). ويقول الإمام ابن تيمية (661 - 728 هـ‍/ 1263 - 1328 م): إن الإمامة ليست من الأركان الخمسة، ولا من أركان الإيمان الستة، ولا هي من أركان الإحسان (6)، وفوق ذلك، وتبعاً له، يقول الغزالي: والعلم أن الخطأ في أصل الإمامة تعيينها وشروطها وما يتعلق بها، لا يوجب شئ منه الكفر (7).

ويقول شيخ الأزهر محمد الخضر حسين (1293 - 1377 هـ‍/ 1876 -

(1) نفس المرجع السابق ص 244.

(2) نفس المرجع السابق ص 204.

(3) أبو حفص عمر بن جميع: عقيدة التوحيد - القاهرة 1353 هـ‍- ص 506.

(4) الجويني: الإرشاد - القاهرة 1950 ص 410.

(5) الإمام الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد ص 134 (ط صبيح - القاهرة).

(6) ابن تيمية: منهاج السنة 1 / 70 - 72 (القاهرة 1962).

(7) الغزالي: فصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص 15 (القاهرة 1907).


49

1958 م) في كتابه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم: إن الخلافة ليست من نوع العقائد، والبحث فيها يرجع إلى النظر في حكم عملي، لا في عقيدة من عقائد الدين، ومن ثم فيكتفي من مسندها بالأدلة المفيدة ظناً راجحاً (1).

بقيت الإشارة إلى أن كتاب الشيخ علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) إنما كان سبباً في صدور عدة دراسات جادة وهامة، حول القضية التي عالجها - علاقة الدين بالدولة - وكان من أهمها:

1 - كتاب الشيخ محمد رشيد رضا (1282 - 1354 هـ‍ / 1865 - 1935 م) الخلافة أو الإمامة العظمى، حول إلغاء الخلافة العثمانية - وقد صدر هذا الكتاب قبيل صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم 1925 م.

2 - كتاب شيخ الأزهر الشيخ محمد الخضر حسين (1292 - 1377 هـ‍/ 1875 - 1958 م)، رداً على كتاب الشيخ علي عبد الرزاق، وعنوانه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم وقد صدر عام 1344 هـ‍/ 1926 م.

3 - كتاب الشيخ محمد بخيت المطيعي (1271 - 1354 هـ‍/ 1854 - 1935 م) - مفتي الديار المصرية، وعنوانه حقيقة الإسلام وأصول الحكم، وقد صدر عام 1344 هـ‍/ 1926 م، رداً على كتاب الشيخ علي عبد الرازق. هذا فضلاً عن مجموعة من المقالات العلمية الجادة شارك أصحابها في هذه المعركة الفكرية مؤيدين أو معارضين - للشيخ علي عبد الرازق.

(1) محمد الخضر حسين: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1926 ص 33، وانظر ص 74 - 75.


50

ثالثاً: اختيار الإمام

اختلفت المذاهب الإسلامية فيمن يشغل منصب الخلافة، فذهب فريق من العلماء إلى أن الأمة إنما تختار من تشاء، متى رأوا فيه القدرة على حراسة الدين، وسياسة الدنيا، لا فرق بين قريشي وغيره، وهذا كان رأي غالبية الأنصار، حين رأوا في اجتماع السقيفة أن يبايعوا سعد بن عبادة، قبل بيعة أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، وقد أخذ بهذا الرأي - فيما بعد - المعتزلة، وأكثر الخوارج، وجماعة من الزيدية.

وقد احتج هذا الفريق بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير، فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني (1).

وروى مسلم أيضاً في صحيحه بسنده عن شعبة عن أبي عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدع الأطراف (2).

ومن ثم فقد أجاز الخوارج أن يكون الإمام من غير قريش (3)، وأن من

(1) صحيح مسلم 12 / 223 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983).

(2) صحيح مسلم 12 / 225.

(3) قال السيوطي: وأخرج عبد الرحمن بن أبزى عن عمر بن الخطاب أنه قال: هذا الأمر (أي الخلافة) في أهل بدر، ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد، ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا،

‌>


51

يستحقها هو من قام بالكتاب والسنة - سواء أكان عربياً أم أعجمياً - وبالغ ضرار بن عمرو فقال: إن تولية غير القرشي أولى، لأنه يكون أقل عشيرة، فإذا عصى أمكن خلعه (2)، قال الشهرستاني:

وبدعتهم (أي الخوارج) في الإمامة: إذا جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش، وكل من نصبوه برأيهم، وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل، واجتناب الجور، كان إماماً، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة، وعدل عن الحق، وجب عزله أو قتله، وهم أشد الناس قولاً بالقياس، كما جوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلاً، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً (2).

وقال ضرار بن عمرو (4): إذا اجتمع حبشي وقرشي، كلاهما قائم بالكتاب والسنة، فالواجب أن يقدم الحبشي، لأنه أسهل لخلعه، إذا حاد عن الطريقة (4).

ويقول البغدادي: وقالوا: من شرط الإمامة النسب إلى قريش - وهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان - على خلاف قول من زعم من الضرارية أن الإمامة تصلح في جميع أصناف العرب، وفي الموالي والعجم، وخلاف قول الخوارج بإمامة زعمائهم الذين كانوا من ربيعة وغيرهم - كنافع بن الأزرق الحنفي، ونجدة بن عامر الحنفي، وعبد الله بن وهب الراسبي، وحرقوص بن زهير البجلي، وشبيب بن يزيد

<‌

وليس فيها لطليق، ولا لولد طليق، ولا لمسلمة الفتح شئ (تاريخ الخلفاء ص 144).

(1) ذهب النظام والخوارج و نشوان الحميري وبعض الحشوية، أنها تصح في جميع الناس مطلقاً فرق في ذلك بين عربي وعجمي وزنجي (المذهب الزيدي ص 43).

(2) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 116 (ط الحلبي - القاهرة 1387 هـ‍/ 1968).

(3) ضرار بن عمرو: من رجال منتصف القرآن الثاني الهجري، اختلف في نسبة إلى المعتزلة، فابن الرواندي يثبت أنه من المعتزلة، والخياط ينفي ذلك وأنه كان تلميذاً لواصل بن عطاء، ثم انصرف عنه وأسس الضرارية، وأنه كان حياً حوالي عام 180 هـ‍.

(4) ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 108 (ط محمد علي صبيح - القاهرة 1384 هـ‍/ 1964 م).


52

الشيباني وأمثالهم - عناداً منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش (1).

ورواية الأئمة من قريش (2) هذه، إنما جاءت - كما يقول ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل - عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجئ التواتر، رواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومعاوية، وروى جابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وعبادة بن الصامت، معناها (3).

ويقول ابن حزم: ومما يدل على صحة ذلك، إذعان الأنصار، رضي الله عنهم يوم السقيفة، وهم أهل الدار والمنعة والعدة والعدد والسابقة في الإسلام، ومن المحال أن يتركوا اجتهادهم لاجتهاد غيرهم، لولا قيام الحجة عليهم، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن الحق لغيرهم في ذلك (4).

ومن ثم فقد ذهب فريق ثان إلى أن الخلفاء من قريش خاصة، وهذا رأي غالبية المهاجرين، وقد احتجوا بحديث الأئمة من قريش.

وروى البخاري في صحيحه (كتاب الأحكام - باب الأمراء من قريش) بسنده عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد، إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين (5).

وتابعه نعيم عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن محمد بن جبير - حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عاصم بن محمد: سمعت أبي يقول، قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي منهم اثنان (6).

(1) ابن حزم الأندلسي: الفصل الملل والأهواء والنحل 4 / 87 - 88.

(2) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي: الفرق بين الفرق ص 349 (دار المعرفة - بيروت).

(3) أخرجه الطيالسي عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتمام الحديث: الأئمة من قريش، ما حكموا، فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا، - وأخرجه الإمام أحمد.

(4) ابن حزم: الملل والأهواء والنحل 4 / 108.

(5) صحيح البخاري 9 / 77 - 78.

(6) صحيح البخاري 9 / 78.


53

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عدة أحاديث، منها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم (1).

وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه قال: قال عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي من الناس اثنان (2).

ويقول الإمام النووي (3) في الشرح: قوله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم، وفي رواية: الناس تبع لقريش في الخير والشر، وفي رواية: لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي من الناس اثنان، وفي رواية البخاري: ما بقي منهم اثنان، هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم.

وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، وكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع، أو عرض بخلاف من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم، بالأحاديث الصحيحة.

وقال القاضي: اشتراط كونه (أي الخليفة) قرشياً هو مذهب العلماء كافة، قال: وقد احتج به أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، على الأنصار يوم السقيفة، فلم ينكره أحد، قال القاضي: وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار. وقال: ولا اعتداد بقول النظام، ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع: أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن

(1) صحيح مسلم 12 / 200.

(2) صحيح مسلم 12 / 201.

(3) الإمام النووي: صحيح مسلم بشرح النووي - 12 / 199 - 201 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م).


54

عمرو في قوله: إن غير القرشي من النبط وغيرهم، يقدم على القرشي، لهوان خلعه، إن عرض منه أمر، وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين، والله أعلم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش من الخير والشر، فمعناه في الإسلام والجاهلية، كما هو مصرح به في الرواية الأولى، لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب، وأصحاب حرم الله، وأهل حج بيت الله، وكانت العرب تنتظر إسلامهم، فلما أسلموا وفتحت مكة، تبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة، والناس تبع لهم، ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا، ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم، فمن زمنه صلى الله عليه وسلم، إلى الآن (زمن المؤلف)، الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم فيها، وتبقى كذلك ما بقي اثنان، كما قاله صلى الله عليه وسلم.

وقال القاضي عياض: استدل أصحاب الشافعي بهذا الحديث على فضيلة الإمام الشافعي، قال: ولا دلالة فيه لهم لأن المراد، تقديم قريش في الخلافة فقط. قال النووي: هو حجة في مزية قريش، والشافعي قرشي (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي، حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثم تكلم بكلام خفي علي قال: فقلت لأبي ما قال:

قال: كلهم من قريش (2).

وعن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم،

(1) الإمام النووي: صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 199 - 201 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م).

(2) صحيح مسلم 12 / 201.


55

يقول: لا يزال أمر الناس ماضياً، ما وليهم اثنا عشر رجلاً، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، بكلمة خفيت علي، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كلهم من قريش (1).

وعن سماك بن حرب قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً، إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي ما قال: فقال: كلهم من قريش (2).

والحديث صحيح - وقد رواه الشيخان، كما رواه - كما أشرنا من قبل - الترمذي (3) وأبو نعيم (4) والحاكم (5) وأحمد (6) والهيتمي (7) والهيثمي (8) والسيوطي (9)، والمتقي الهندي (6).

وروى أو داود الطيالسي بسنده عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

الأئمة من قريش، ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا (10).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده روايات كثيرة، صحيحة الإسناد تؤدي هذا، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد، يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر، ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم، كما يلحى هذا القضيب - القضيب في يده، ثم لحا قضيبه، فإذا هو أبيض يصلد (11).

(1) صحيح مسلم 12 / 202.

(2) صحيح مسلم 12 / 202، وانظر روايات أخرى 12 / 202 - 204.

(3) صحيح الترمذي 2 / 35.

(4) أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ط 48 - 482 (ط الباز - مكة المكرمة 1977 م).

(5) المستدرك للحاكم 4 / 501.

(6) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 / 389، 406، 5 / 86، 92، 99، 106، 108.

(7) ابن حجر الهيتمي: الصواعق المحرقة.

(8) الهيثمي: مجمع الزوائد 5 / 190 - 191.

(9) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 9 - 11.

(10) كنز العمال 3 / 205، 6 / 160، 201

(11) مسند الإمام أحمد - الجزء السادس (رقم 4380)، الجزء السابع (رقم 4832)، الجزء الثالث عشر (رقم 7034، 7547).


56

هذا ومن المعروف أن المهاجرين قد احتجوا على الأنصار، بأن الإمامة في قريش، لأنهم أولياء النبي وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، وكما قال لهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم، ونبيها من غيركم، وأن العرب لا تولي هذا الأمر، إلا من كانت النبوة فيهم، لا ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة، ولقد أخذ بهذا الرأي فيما بعد عامة أهل السنة.

هذا وقد نص الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (كتاب العلم) في شرح قوله صلى الله عليه وسلم، من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده في النار، على أن حديث الأئمة من قريش متواتر، - كأحاديث المسح على الخفين ورفع اليدين في الصلاة، والحوض، ورؤية الله في الآخرة، ومن بنى لله مسجداً وغيرها - ثم أفرد حديث الأئمة من قريش بجزء جمع فيه طرقه عن نحو أربعين صحابياً، وقال في كتاب الأحكام من الفتح الباري (الجزء 13) ما نصه: وإلى اشتراط كون الإمام قرشياً، ذهب جمهور أهل العلم. ثم قال: وقال عياض: اشترط كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة، وقد عدوها في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف، وكذلك من بعدهم في جميع الأمطار، ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة (1)، لما فيه من مخالفة المسلمين (2).

(1) كان القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403 هـ‍) ممن نفى اشتراط النسب القرشي، لما أدرك عليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال، واستبداد ملوك العجم من الخلفاء، فأسقط شرط القرشية، وإن كان موافقاً لرأي الخوارج، لما رأى حال الخلفاء لعهده، وبقي الجمهور على القول باشتراطها، وصحة الإمامة للقرشي، ولو كان عاجزاً عن القيام بأمور المسلمين، ورد عليهم سقوط شرط الكفاية التي يقوم بها على أمره، لأنه إذ ذهبت الشوكة بذهاب العصبية، فقد ذهبت الكفاية، وإذا وقع الإخلال بشرط الكفاية، تطرق ذلك أيضاً إلى العلم والدين، وسقط اعتبار شروط هذا المنصب، وهو خلاف الاجتماع (مقدمة ابن خلدون ص 194 - 195).

(2) محمد العربي التباني: تحذير العبقري من محاضرات الخضري 1 / 186 - 187 (دار الكتب العلمية - بيروت 1404 هـ‍/ 1984).


57

وليس صحيحاً ما ذهب إليه ابن خلدون (1) من أن الحكمة من اشتراط النسب القرشي، إنما هو ما كان لهم من العصبية، وإنما الصحيح - فيما يرى التباني - هو مقام النبوة - لا العصبية والتقدم - وهي واضحة لكل من رزق فهماً مستقيماً في كلام الصديق - وكذا الفاروق - الذي قيل يوم السقيفة، احتجاجاً على الأنصار (2).

يروي البلاذري في أنساب الأشراف: قال أبو بكر للأنصار: ولن تعرف العرب الأمر، إلا لهذا الحي من قريش، وقال صلى الله عليه وسلم، هذا الشأن بعدي في قريش (3)، وفي رواية الطبري: وإن العرب لا تعرف هذا الأمر، إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسط العرب داراً ونسباً (4).

وقال عمر بن الخطاب: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن. والله لا ترضى العرب أن تؤمركم، ونبينا من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها، من كانت النبوة فيهم، ولنا بذلك الحجة الظاهرة، من ينازعنا سلطان محمد، ونحن أولياؤه وعشيرته (5).

على أن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان رأيهم أن الخلافة يجب أن تكون في بيت النبوة، والقدم فيهم، سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة، وأبناؤه من السيدة فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين، وبنت النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وقالت الشيعة الإثنا عشرية: أن الإمامة خاصة بالإمام علي وولديه - الحسن والحسين - ثم لأولاد الحسين فقط (6)، واستدلوا على ذلك بما رواه

(1) مقدمة ابن خلدون ص 195 - 197.

(2) محمد العربي التباني: المرجع السابق ص 195.

(3) البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 584 (تحقيق محمد حميد الله دار المعارف - القاهرة 1959).

(4) تاريخ الطبري 3 / 205 - 206 (تحقيق محمد أبو الفضل - دار المعارف - القاهرة 1979).

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 329 - 330 (بيروت 11385 هـ‍/ 1965 م).

(6) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 37.


58

مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعي أبي، فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال، قال: كلهم من قريش (1).

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة، مع غلامي نافع، أن أخبرني بشئ سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب إلي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليك اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش (2).

ومن ثم فإن فكرة الاثني عشر، فكرة إسلامية عامة - للسنة وللشيعة سواء بسواء - لا تختص بفريق دون الآخر، هذا ويذهب العلامة الحلي إلى أن المراد باك 12 أميراً هؤلاء، إنما هم أئمة الشيعة الاثني عشر، حيث ثبت بالتواتر: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لسبطه الإمام الحسين: ابني هذا إمام، ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم (3).

وروى المحب الطبري في ذخائر العقبى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوماً واحداً، لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلاً من ولدي، اسمه كاسمي، فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين (4).

وأما حصر الإمامة في الإمام علي وولده، فلقد أشرنا من قبل أن السنة حصرت الإمامة في قريش، دون غيرهم، وقالت الشيعة: أنه ما دام الأمر كذلك، فبيت النبي صلى الله عليه وسلم، هو أفضل بيوت قريش قاطبة، ولولاه لم يكن لها هذا

(1) صحيح مسلم 12 / 203.

(2) صحيح مسلم 12 / 203.

(3) الحلي: شرح التجريد ص 250 (طبعة العرفان).

(4) المحب الطبري: ذخائر العقبى ص 136 (ط 1356 هـ‍).


59

الشأن، بل لولا محمد وآله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لم يكن للعرب تاريخ أو ذكر (1).

روى الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل): حدثنا محمد بن مهران الرازي، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم، جميعاً عن الوليد قال ابن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد، أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم (2).

وأما حصر الأئمة في 12، فقد كانت تلك رواية الشيخين (البخاري ومسلم) (3).

ويذهب السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي - إلى أن المقصود بالخلفاء أو الأمراء الاثني عشر، إنما هم الأئمة الاثني عشر (من الإمام علي وحتى الإمام المهدي الحجة) (4) والسبب في ذلك أن الأحاديث الشريفة - الآنفة الذكر - لا تنطبق على الخلفاء الراشدين الأربعة - أو حتى الخمسة بانضمام الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، إليهم - لكونهم أقل عدداً، أو خلافة من سواهم من بني أمية أو بني العباس، لكونهم أكثر عدداً، فضلاً عن أكثرهم من أهل الفسق والفجور، كما أنها لا تنطبق على ما تعتقده سائر فرق الشيعة غير الإمامية كالزيدية والإسماعيلية والفطحية وغيرهم - لكون أئمتهم أقل.

ومن ثم فالرأي عند الشيعة الإمامية - أو الاثني عشرية - إنما يراد بهؤلاء

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 37 - 38.

(2) صحيح مسلم 15 / 36.

(3) صحيح البخاري 9 / 101، صحيح مسلم 12 / 202 - 203.

(4) الأئمة الاثني عشر هم: الإمام علي بن أبي طالب - الإمام الحسن بن علي - الإمام الحسين بن علي - الإمام علي زيد العابدين - الإمام محمد الباقر - الإمام جعفر الصادق - الإمام موسى الكاظم - الإمام علي الرضا - الإمام محمد الجواد - الإمام علي الهادي - الإمام الحسن العسكري - الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري.


60

الاثني عشر أميراً أو خليفة، عترة النبي صلى الله عليه وسلم، أو لهم سيدنا الإمام علي، وآخرهم المهدي الحجة بن الحسن العسكري، عليهم السلام (1).

هذا ويلخص ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2) آراء الفرق المختلفة في كون الأئمة من قريش بقوله: اختلف الناس في اشتراط النسب القرشي في الإمامة، فقال قوم من قدماء أصحابنا (أي المعتزلة): إن النسب ليس شرطاً فيها أصلاً، وأنها تصلح في القرشي وغير القرشي، إذا كان فاضلاً مستجمعاً للشرائط المعتبرة، واجتمعت الكلمة عليه، وهو قول الخوارج.

وقال أكثر أصحابنا (المعتزلة) وأكثر الناس: أن النسب القرشي شرط في الإمامة، وأنها لا تصلح إلا في العرب خاصة، ومن العرب في قريش خاصة، وقال أكثر أصحابنا: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، إن القرشية شرط، إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة، فإن لم يكن فيها من يصلح، فليست القرشية شرطاً فيها.

وقال بعض أصحابنا (المعتزلة): معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبداً ممن يصلح للإمامة، فأوحوا بهذا الخبر: أن هناك من يصلح للإمامة من قريش في كل عصر وزمان.

وقال معظم الزيدية: إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين، لا تصلح في غير البطنين (أبناء الحسن والحسين)، ولا تصلح إلا بشرط أن يقوم بها، ويدعو بها، ويدعو إليها، فاضل، زاهد، عالم، شجاع، سائس، هذا ومعظم الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين، من ولد علي عليه السلام، وهو من أقوالهم الشاذة.

وأما الرواندية فقد خصصوها للعباس بن عبد المطلب، رحمه الله، من بين

(1) السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة 2 / 25 - 26 (مؤسسة الأعلى - بيروت 1393 هـ‍/ 1973 م).

(2) نهج البلاغة 9 / 77 - 88 (دار الفكر بيروت 1967).


61

بطون قريش كلها، وهذا القول ظهر في أيام الخليفة العباسي المنصور (136 - 158 هـ‍/ 754 - 775 م) ثم المهدي (158 - 169 هـ‍/ 775 - 785 م).

وأما الشيعة الإمامية، فقد جعلوها سارية في ولد مولانا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، في أشخاص مخصوصين، لا تصلح عندهم لغيرهم.

على أن الكيسانية إنما قصروها على محمد بن الحنفية ابن الإمام علي بن أبي طالب، من السيدة خولة بنت جعفر من بني حنيفة، ثم في ولده، ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره (1).

هذا وقد روى القندوزي في ينابيع المودة حديث جابر بن سمرة (2) بشأن الاثني عشر خليفة أو أميراً، وقال: وفي آخره، كلهم من بني هاشم (3).

وروى الحافظ أبو نعيم في الحلية (4) بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن، غرسها ربي، فليوال علياً من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.

وعن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الحسين على فخذه، وهو يقبل عينه، ويقبل فاه، ويقول: أنت سيد بن سيد، وأنت إمام، وابن إمام، وأنت حجة وابن حجة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم (5).

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9 / 86 (بيروت 1967).

(2) أنظر: صحيح مسلم 12 / 202 - 204.

(3) سليمان الحنفي القندوزي: ينابيع المودة ص 107.

(4) أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - الجز الثالث ص 86 (دار الفكر - بيروت).

(5) الشيخ مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة - الجزء الأول - القاهرة 1977 م.


62

رابعاً: شروط الإمام

اشترطت السنة في الإمام شروطاً أربعة: العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء فأما العلم، فلأنه منفذ أحكام الله، ومتى كان جاهلاً، لا يمكنه تنفيذها.

وأما العدالة، فلأن منصب الإمام منصب ديني، ينظر في سائر الأحكام التي تشترط فيها العدالة، فأولى بشروطها فيه.

وأما الكفاءة، فأن يكون جريئاً على إقامة الحدود، واقتحام الحروب، بصيراً بها، كفيلاً بحمل الناس عليها، عالماً بأحوال الدهاء، قوياً على معاندة السياسة، ليصلح له ما أسند إليه من حماية الدين، وجهاد العدو، وإقامة الأحكام، وتدبير المصالح.

وأخيراً أن يكون سليم الحواس والأعضاء، مما يؤثر فقدانه في الرأي والعمل، ويلحق بذلك العجز عن التصرف، لصغر أو شر أو غيرهما.

وهناك شرط خامس، اختلف فيه - وهو النسب القرشي (1) - وقد ناقشناه من قبل.

على أن الماوردي إنما يرى أنها سبعة، فيقول: وأما أهل الإمامة، فالشروط المعتبرة فيهم سبعة، أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثاني:

العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.

(1) أنظر: مقدمة ابن خلدون ص 190 - 196 (دار القلم - بيروت 1981).


63

والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان، ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.

والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة، وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح.

والسادس: النسب: وهو أن يكون من قريش، لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه، ولا اعتبار ب‍ً ضرارً حين شذ، فجوزها في جميع الناس، لأن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة، لما بايعوا سعد بن عبادة عليها، بقول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، فأقلعوا عن التفرد بها، ورجعوا عن المشاركة فيها، حين قالوا: منا أمير، ومنكم أمير، تسليماً لروايته، وتصديقاً لخبره ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، قدموا قريشاً، ولا تقدموها (1).

وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة بسنده عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال: يا أيها الناس:

قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا منها، ولا تعلموها، قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم، يا أيها الناس، أوصيكم بحب ذي أقربها، أخي وابن عمي، علي بن أبي طالب فإنه لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذبه الله عز وجل (2).

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 6 (دار الكتب العلمية - بيروت 1402 هـ‍1982).

(2) الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة الجزء الثاني - حققه وخرج أحاديثه وصي الله بن محمد عباس - ص 622 - 623 (نشر مركز البحث العلمي وإحياء والتراث الإسلامي - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1403 هـ‍/ 1983 م). والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، ذكره ابن حجر في المطالب العالية (4 / 139) وأخرجه الإمام الشافعي في مسنده ص 278) عن الزهري، وعبد الرازق في مصنفه (11 / 55)، وأخرجه البيهقي في مناقب

‌>


64

ويذهب القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة: إلى أن أصحابه الشافعية إنما يرون في شروط عقد الإمامة، أربعة عشر شرطاً في الإمام: أولها:

الذكورة لحديث أبي بكرة، الذي رواه البخاري في صحيحه عن الحسن عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (1).

وزاد الترمذي والنسائي: فلما قدمت عائشة البصرة، ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمني الله تعالى به (2).

يقول القلقشندي: والمعنى في ذلك أن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال، والمشاورة معهم في الأمور، والمرأة ممنوعة من ذلك، ولأن المرأة ناقصة في أمر نفسها، حتى لا تملك النكاح، فلا تجعل إليها الولاية على غيرها.

والثاني: البلوغ فلا تنعقد إمامة الصبي، لأنه مولى عليه، والنظر في أموره إلى غيره، فكيف يجوز أن يكون ناظراً في أمور الأمة؟ على أنه ربما أخل بالأمور، قصداً لعلمه بعدم التكليف.

والثالث: العقل: فلا تنعقد إمامة ذاهب العقل بجنون أو غيره، لأن العقل آية التدبير، فإذا فات العقل فات التدبير، وقد قسم الماوردي زوال العقل إلى ما لا يرجى زواله، وما يرجى زواله، فأما ما لا يرجى زواله - كالجنون والخبل - فيمنع من عقد الإمامة - سواء أكان مطبقاً لا يتخلله إفاقة أو يتخلله إفاقة وسواء

<‌

الشافعي (1 / 20 - 21) وفي مجمع الزوائد (10 / 25)، وأشار إليه البخاري في المقاصد الحسنة (ص 304)، وأبو نعيم في الحلية (9 / 64)، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2 / 431).

(1) صحيح البخاري 6 / 10.

(2) صحيح الترمذي 9 / 119، سنن النسائي 8 / 227.


65

كان زمن الجنون أكثر من زمن الإفاقة، أو زمن الإفاقة أكثر من زمن الجنون -.

وأما ما يرجى زواله - كالأعضاء فلا يمنع من انعقاد الإمامة، لأنه مرض قليل اللبث، سريع الزوال.

والرابع: البصر، فلا تنعقد إمامة الأعمى، لأنه منع ولاية القضاء، وجواز الشهادة، فمنعه صحة الإمامة أولى.

والخامس: السمع، فلا تنعقد إمامة الأصم، الذي لا يسمع البتة، واختلف في ثقل السمع.

والسادس: سلامة الأعضاء من نقص يمنع استيفاء الحركة، وسرعة النهوض، فلا تنعقد من ذهبت يداه أو رجلاه، لعجزه عما يلحقه من حقوق الأمة.

والسابع: النطق، فلا تنعقد إمامة الأخرس، واختلف في تمتمة اللسان فقيل يمنع، وقيل لا يمنع.

والثامن: الحرية، فلا تنعقد إمامة من فيه رق كالقن الكامل العبودية، والمبعض، من فيه جزء حر، وجزء رقيق، والمكاتب، المفروض عليه مال، إن أداه أعتق، والمدبر من شرط عتقه بعد موت سيده، والمعلق عتقه بصفة، لأن الرقيق محجوز للسيد، فأموره تصدر عن رأي غيره، فكيف يصلح لولاية الأمة؟

والتاسع: الإسلام: فلا تنعقد أبداً إمامة الكافر، لأنه لا يراعي مصلحة الإسلام والمسلمين.

والعاشر: العدالة: فلا تنعقد إمامة الفاسق.

الحادي عشر: الشجاعة والنجدة، فلا تنعقد إمامة الجبان.

الثاني عشر: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك.


66

الثالث عشر: صحة الرأي والتدين، فلا تنعقد إمامة ضعيف الرأي، لأن الحوادث التي تكون في دار الإسلام ترفع إليه، ولا يتبين له طريق المصلحة، إلا إذا كان ذا رأي صحيح، وتدبير سائغ.

الرابع عشر: النسب: فلا تنعقد الإمامة بدونه، والمراد أن يكون من قريش، لحديث الأئمة من قريش، وقال الماوردي بالإجماع عليه، وقال الرافعي - من أئمة الشافعي - فإن لم يوجد قرشي مستجمع للشروط فكناني، فإن لم يوجد كناني، فرجل من ولد إسماعيل عليه السلام، فإن لم يكن فيهم رجل مستجمع للشروط، ففي تهذيب البغوي: أنه يولى رجل من العجم، وفي التتمة للمتولي أنه يولي جرهمي، ولا يشترط أن يكون الإمام هاشمياً، لأن أبا بكر وعمر وعثمان، لم يكونوا من بني هاشم (1).

ويقول البغدادي: وقالوا: (أي أهل السنة والجماعة): ومن شروط الإمام: العلم، والعدالة والسياسة، وأوجبوا في العلم ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وأوجبوا من عدالته أن يكون ممن يجوز حكم الحاكم بشهادته، وذلك بأن يكون عدلاً في دينه، مصلحاً لما له وحاله، غير مرتكب لكبيرة، ولا مصر على صغيرة، ولا تارك للمروءة في جل أسبابه، وليس من شرطه العصمة من الذنوب كلها، خلاف قول الإمامية: أن الإمام يكون معصوماً من الذنوب كلها (2).

وأما الزيدية، فشروط الإمامة عندهم أربعة عشر شرطاً. الأول: البلوغ والعقل إجماعاً، فلا وصية لصبي ولا لمجنون، إذ لا ولاية لهما على نفسيهما، فالأولى ألا يكون على غيرهما.

(1) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الكويت 1964 ص 31 - 39.

(2) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 349 - 350 (دار المعرفة - بيروت).


67

والثاني: الذكورة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، - فيما يروي البخاري عن أبي بكرة - قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (1)، وذلك لأن المرأة لا تتولى بعض أمور نفسها، فكيف تتولى أمور غيرها، ولأنها ممنوعة من مخالطة الرجال.

الثالث: الحرية، إذ العبد مملوك الرقبة والتصرف.

الرابع: المنصب، إذ لا تصح الإمامة، في منصب مخصوص، أي أن يكون الإمام على صفة مخصوصة، وبإذن من الشارع، واختيار منه، وإلا لوقع الفساد.

قالت العترة وشيعتهم: الوصي والحسنان (أي الإمام علي والحسن والحسين) وذريتهما، ويجب على جميع المكلفين العلم بذلك، والعمل به، أي موالاتهم ونصرتهم.

الخامس: الاجتهاد لقوله تعالى:*﴿أفمن يهدي إلى الحق*أحق أن يتبع*أمن لا يهدي إلا أن يهدى*فما لكم كيف تحكمون*(2)، والذي يهدي إلى الحق، لا يكون إلا مجتهداً، ولا يخلو الزمان من مجتهد، متمكن من استنباط الأحكام، يشترط فيه أن يجمع علوماً خمسة: علم العربية، وآيات الأحكام، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسائل الإجماع، وعلم أصول الفقه، أما علم أصول الدين فمن تمام الدين.

السادس: الورع، وحجتنا قوله تعالى:*﴿لا ينال عهدي الظالمين*(3)، فلا

(1) صحيح البخاري 6 / 10.

(2) سورة يونس: آية 35.

(3) سورة البقرة: آية 124.


68

تصح إمامة الفاسق، وإنما يشترط في الإمام إتيان الواجبات، واجتناب المحرمات، ولا يشترط الإمام يحيى بن حمزة: بلوغ أعلى درجات الورع، وإنما مقدار ما يحصل به اجتناب الكبائر.

السابع: اجتناب الحرف الدنيئة، لأنها تخل بالعدالة، على أن هناك من يرى في العدالة أمراً خلقياً، لا صلة له بالحرفة، ما دامت حلالاً.

الثامن: الأفضلية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ولى رجلاً، وهو يعلم أن غيره أفضل منه، فقد خان الله في أرضه.

وهذا قول الزيدية وبعض المعتزلة والإمامية، وقد ذهب بعض المعتزلة والزيدية أن الإمامة يستحقها الأفضل، إلا أنه قد يحدث أمر، يكون نصب المفضول فيه أصلح، فيجب نصبه في الحال - على أن رأينا أن إمامة المفضول غير جائزة.

التاسع: الشجاعة، أي أن يكون من رباطة الجأش، ما يتمكن معها من تدبير الحروب عند فشل الجموع، لئلا تتحطم جيوش المسلمين.

العاشر: التدبير، فتكون آراؤه صالحة، وأنظاره ثاقبة، وسياسته حسنة، ولا يشترط أن لا يخطئ في ذلك، بل يكون أغلب أحواله السلامة.

الحادي عشر: القدرة على القيام بمهام الإمامة وأمور المسلمين، وهذا يقتضي أن لا يكون عاجزاً، ضعيفاً، ضيقاً قلبه.

الثاني عشر: السخاء، يوضع الحقوق في مواضيعها، فلا يمنع أهل الحقوق حقوقهم، وعليه التحري في ذلك، لأن منع المستحق حيف وميل عن الحق، تسقط به العدالة.

الثالث عشر: السلامة من المنفرات كالجذام والبرص، وغير ذلك مما ينفر، ليتمكن من مخالطة المسلمين.


69

الرابع عشر: سلامة الحواس والأطراف، فلا يكون أعمى، ولا أصم، ولا أشل، ولا أعرج، ولا على صفة تعجزه عن أمر تدبير أمور المسلمين، إلا الأمر اليسير، الذي لا يمنع القيام بأمور الأمانة (1).

وأما إمام الحرمين - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (2) (419 - 478 هـ‍/ 1028 - 1085 م)، فيقول: فمنها النسب، فالشرط أن الإمام قرشي، ولم يخالف في اشتراط النسب غير ضرار بن عمرو، وليس ممن يعتبر خلافه ووفاته، وقد نقل الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأئمة من قريش وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث في حكم المستفيض، المقطوع بثبوته، من حيث أن الأمة تقبلته بالقبول.

ثم يقول الجويني: وهذا مسلك لا أؤثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون، لا يبلغون مبلغ عدد التواتر، والذي يوضح الحق في ذلك، أننا لا نجد من أنفسنا ثلج الصدور، واليقين المبتوت، بصدر هذا من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد فإذا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة.

والوجه في إثبات ما نحاوله في ذلك: أن الماضين ما زالوا بايحين باختصاص هذا المنصب بقريش، ولم يتشوق قط أحد من غير قريش إلى الإمامة على تمادي الآماد، وتطاول الأزمان، مع العلم بأن ذلك لو كان ممكناً لطلبه ذوو النجدة والبأس (3).

(1) أحمد صبحي: المذهب الزيدي - الإسكندرية 1981 ص 43 - 45.

(2) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق عبد العظيم الدين - الدوحة - قطر - 1400 هـ‍ص 76 - 82.

(3) كان شرط النسب القرشي مرعياً كل الرعاية في سائر أحوال الدولة الإسلامية، والخلافة لم يتطلبها غير القرشيين قط، ومع كل ما انتاب الخلفاء في أواخر الدولة العباسية من الضعف، واستبداد الأمراء فيهم، حتى جردوهم من كل قوة دنيوية، وأنشأوا الدول دونهم، ولقبوا أنفسهم بالسلاطين، رغم ذلك كله، لم يخطر ببال أحد منهم أن يدعي الخلافة أو أن ينصب نفسه خليفة.

‌>


70

على أن الإمام الجويني إنما يتردد كثيراً في إثبات شرط النسب القرشي، فيقول: ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب، ثم يعود فيقول:

ولكن خصص الله هذا المنصب العلي، والمرقب السني بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء.

وهكذا يقف إمام الحرمين - كما يقول الدكتور عبد العظيم الديب محقق الكتاب - تجاه اشتراط النسب في الإمام، فلا يرى له مستنداً من النقل، ولا من العقل، بل إنه قد أعلن تردده صراحة في كتابه الإرشاد حيث قال: ومن شرائط الإمام عند أصحابنا (يعني الشافعية) أن يكون الإمام قرشياً، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش، وقال: قدموا قريشاً ولا تقدموها وهذا ما يختلف فيه الناس، وللاحتمال فيه عندي مجال، والله أعلم بالصواب.

فهو يحكي هذا الشرط، والاستدلال عليه عن أصحابنا - أي عن الشافعية - ثم يقول صراحة: وللاحتمال فيه عندي مجال، ونحن إذ نسجل لإمام الحرمين عدم ارتياحه لهذا الشرط، نذكر أن من القائلين به، شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728 هـ‍/ 1263 - 1328 م) (1).

<‌

وهكذا نرى دول بني بويه والسلاجقة والغزنوية والطاهرية والأيوبية وغيرهم قد استقلوا في دولهم، بل منهم من غلب على الخلفاء، ولكنهم لم يتطاولوا إلى أكثر من لقب السلطان، بل كانوا يتزلفون إلى الخلفاء ليثبتوهم في الحكم، وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي في مصر، فقد استولى على الحكم بعد آخر خليفة فاطمي، وعندما أراد أن يستقل بمصر، دعا على المنابر للخليفة العباسي، ولم يسم نفسه خليفة، وإنما لقب بالسلطان.

وأول من تولى الخلافة الإسلامية من غير قريش السلطان سليم الفاتح العثماني عام 922 هـ‍ (1517 م) بعد أن تنازل له الخليفة محمد المتوكل على الله الثالث عن الخلافة، وبذلك جعل سليم الأول (1467 - 1521 م)، سلطان تركيا (1512 - 21521 م) نفسه خليفة للمسلمين، وورث خلفاؤه من آل عثمان هذا اللقب.

هذا ويحتج الأئمة الحنفية في صحة خلافة بني عثمان (922 - 21342 هـ‍/ 1517 - 1924 م) أن الخليفة يتولى الخلافة بخمسة حقوق (حق السيف - حق الانتخاب - حق الوصاية - حماية الحرمين - الاحتفاظ بالأمانات - وهي المخلفات النبوية الشريفة، المحفوظة في الأستانة (أنظر:

جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي 1 / 121 - 122 - مكتبة الحياة - بيروت).

(1) الجويني: الغياثي ص 82.


71

وعلى أية حال، فإن من الشروط اللازمة المعتبرة - عند الجويني - في الإمام، الذكورة والحرية ونحيزة العقل والبلوغ، ولا حاجة إلى الإطناب في نصب الدلالات على إثبات هذه الصفات.

وأما الصفات المكتسبة المرعية في الإمامة: فالعلم والورع.

فأما العلم: فالشرط أن يكون الإمام مجتهداً، بالغاً مبلغ المجتهدين، مستجمعاً صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف، والدليل عليه أن أمور معظم أصول الدين تتعلق بالأئمة، فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر، فلا شك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع، فقد يتعلق به من جهة انتدابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلاً بعلم الشريعة لاحتاج لمراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يشتت رأيه، ويخرجه عن رتبة الاستقلال.

وأما التقوى والورع، فلا بد منهما، إذ لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يولى أمور المسلمين كافة، والأب الفاسق - مع حدبه وإشفاقه على ولده - لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق، لا يتقي الله، ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء، ولم ينتهض رأيه بسياسة نفسه، فأنى يصلح لسياسة خطة الإسلام (1).

وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر (2).

وروى الإمام مسلم في صحيحه في حديث زهير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا

(1) نفس المرجع السابق ص 82 - 88.

(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 25 (مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1379 هـ‍/ 1960 م).


72

يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه (2).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عياض بن حماد، رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة ثلاثة، سلطان مقسط، ورجل رحيم، رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق (3).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله في خلاء، ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، قال: إني أخاف، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله، ما صنعت يمينه (4).

وأما الصفة الثالثة اللازمة للإمام، فهي توقد الرأي في عظائم الأمور، والنظر في مغبات العواقب وهذه الصفة ينتجها نحيزة العقل، ويهذبها التدرب في طريق التجارب.

(1) صحيح مسلم 12 / 211.

(2) صحيح مسلم 7 / 120 - 122 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983).

(3) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 25.

(4) صحيح البخاري 8 / 203.


73

وهناك النجدة والكفاية، ذلك لأن الغرض الأعظم من الإمامة، إنما هو جمع شتات الرأي، واستتباع رجل... فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء، فإذا لم يكن الناس مجمعين على رأي واحد، لم ينتظم تدبير، ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير....

وإذا تبين الغرض من نصب الإمام، لاح أن المقصود لا يحصل، إلا بذي كفاية ودراية، وهداية إلى الأمور، واستقلال بالمهمات، وجر الجيوش، على ترك الرقة والإشفاق، ثم لا يكفي أن يسمى كافياً، فرب مستقل بأمر قريب، لا يستقل بأمر فوقه، فلتعتبر مقاصد الإمامة، وليشترط استقلال الإمام بها، فهذا معنى النجدة والكفاية (1).

وسئل الإمام أحمد بن حنبل (164 - 240 هـ‍/ 780 - 805 م) عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزي؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر - وروي: بأقوام لا خلاق لهم، فإذا لم يكن فاجراً، كان أولى بإمارة الحرب، ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم، وقال: إن خالداً سيف سله الله على المشركين، مع أنه كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم (2).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري عن سالم عن أبيه قال:

بعث النبي صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا:

(1) الجويني: الغياثي ص 88 - 91.

(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 18 - 19.


74

أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين (1).

ولعل سيدنا ومولانا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أدرك أن فعل خالد هذا، لم يكن من الإسلام، ولعله رأى أنه بقية من بقايا الجاهلية، ومن ثم فقد أسرع إلى رأب الصدع، ومداواة القلوب بالديات، روى ابن إسحاق بسنده عن الإمام محمد الباقر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، فقال: يا علي، أخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج علي، حتى جاءهم، ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فودى لهم الدماء، وما أصيب لهم من الأموال، حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال، إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي، رضوان الله عليه، حين فرغ منهم، هل بقي لكم بقية من دم أو مال، لم يود لكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال، احتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت، قال: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل القبلة قائماً، شاهراً يديه، حتى إنه ليرى مما تحت منكبيه، يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات (2).

(1) صحيح البخاري 9 / 91 - 92.

(2) سيرة ابن هشام 4 / 326، مغازي الواقدي 3 / 875 - 884 (تحقيق مارسدن جونس - عالم الكتب - بيروت 1404 هـ‍/ 1984).

ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد 3 / 415 - 416 (تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط - ط مؤسسة الرسالة - بيروت 1405 هـ‍/ 1985 م)، ابن سعد: الطبقات الكبرى 2 / 110 (دار التحرير - القاهرة 1968)، محمد أبو زهرة: خاتم النبيين 2 / 1018 - 1021 (دار الفكر العربي.


75

ويختم الجويني حديثه في صفات الإمام القوام على أهل الإسلام، بأنه الرجل، الحر، القرشي، المجتهد، الورع، ذو النجدة والكفاية.

ثم يقول: ويمكن رد هذه الصفات إلى شيئين، فيقال: الورع الاستقلال والنسب، ويدخل تحت الاستقلال الكفاية، والعلم، والورع، والحرية، والذكورة تدخل أيضاً، فإن المرأة مأمورة بإن تلزم جدرها، ومعظم أحكام الإمام تستدعي الظهور والبروز، فلا تستقل المرأة إذن (1).

(1) الجويني: المرجع السابق ص 90 - 91.


76

خامساً: عقد الإمامة

جاء في موسوعة فقه عثمان بن عفان: تنعقد الإمامة عند عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بأحد أمرين: المبايعة أو الغلبة.

1 - المبايعة: وبالمبايعة عقدت الإمارة للخليفتين أبي بكر وعمر، صحيح أن أبا بكر قد رشح عمر بن الخطاب للخلافة، ولكن عمر لم يعتبر نفسه خليفة، وحتى تلقى البيعة من المسلمين، وكانت البيعة لعثمان بن عفان، على نحو آخر، فقد جعل عمر بن الخطاب الإمارة بعده إلى واحد من ستة، يختار من بينهم بالشورى، وهم: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء بالتعيين، وقال: لا أتحمل أمركم حياً وميتاً، وإن يرد الله بكم خيراً، يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم.

ولما اجتمع هؤلاء الستة تنازل الزبير عن الإمارة لصالح علي بن أبي طالب، وتنازل سعد عن الإمارة إلى عبد الرحمن بن عوف، وتنازل طلحة لصالح عثمان بن عفان، فقال عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان، أيكما يبرأ من هذا الأمر، فنفوض الأمر إليه، فسكتا، ولم يتنازل واحد منها للآخر، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك، والله علي والإسلام أن أجتهد، فأولي أولاكما بالحق، فقالا: نعم، ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل،


77

وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن، فقال كل منهما: نعم.

ثم نهض عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس فيهما، ويحصي الآراء، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فظهر له تفضيل الناس ولاية عثمان بن عفان، فاستدعاهما إلى المسجد، وأعلن البيعة لعثمان بن عفان، على ملأ من الناس، وبذلك صار عثمان بن عفان أميراً للمؤمنين بعد عمر بن الخطاب (1).

2 - الغلبة: عثمان بن عفان، رضي الله عنه، يرى أنه إذا خرج رجل على الأمير، واستتب له الأمر، وصار معه الناس، أصبح أميراً شرعياً، لا تجوز مخالفته، فعن عبد الله بن رباح قال: دخلت أنا وأبو قتادة على عثمان وهو محصور، فاستأذناه في الحج، فأذن لنا، فقلنا: يا أمير المؤمنين، قد حضر من أمر هؤلاء ما قد ترى، فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالجماعة، قلنا: فإنا نخاف أن تكون الجماعة مع هؤلاء الذين يخالفونك، قال: إلزموا، الجماعة حيث كانت، قال: فخرجنا من عنده، فلقيت الحسن بن علي داخلاً عليه، فرجعنا معه لنسمع ما يقول، قال: أنا هذا يا أمير المؤمنين، فأمرني بأمرك، قال: إجلس يا ابن أخي حتى يأتي الله بأمره، فإنه لا حاجة لي في الدنيا، أو قال: في القتال، وهذا واضح في أن من صارت الغلبة إليه، واجتمع عليه أمر الناس صار إماماً شرعياً (2).

ويقول الباقلاني: إنما يصير الإمام إماماً بعقد من يعقد له الإمامة من

(1) محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عثمان بن عفان - نشر جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1404 هـ‍/ 1983 ص 72 - 73، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 145 ثم قارن: (محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب ص 163 - 173 من الجزء الأول - بيروت 1990).

(2) موسوعة فقه عثمان بن عفان ص 74، مصنف عبد الرازق 11 / 447.


78

أفاضل المسلمين، الذين هم من أهل الحل والعقد، والمؤتمنين على هذا الشأن، وذلك عن طريق اختيار من تتوفر فيه شروط الإمامة.

ولعل السبب في ذلك أن اجتماع أهل الحل والعقد في سائر أمصار المسلمين بصقع واحد، وإطباقهم على البيعة لرجل واحد متعذر ممتنع، وأن الله تعالى لا يكلف فعل المحال الممتنع، الذي لا يصح فعله ولا تركه، هذا فضلاً عن أن سلف الأمة لم يراعوا في العقد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، حضور جميع أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين، ولا في المدينة أيضاً، وأن عمر بن الخطاب رد الأمر إلى ستة أنفار فقط، وإن كان في غيرهم من يصلح للعقد، وأن أبا بكر عقد لعمر، فتمت إمامته.

هذا ويذهب الباقلاني إلى عدم اشتراط عدد معين لحضور عقد الإمام، فإن حضر نفر من المسلمين تمت البيعة، وقال قوم: إن أقل ما يجب أن يحضر أربعة نفر، ولكن الباقلاني يرى أن هذا ليس بواجب، ولا يملك الرجل من أهل الحل والعقد، عقد الإمامة لنفسه.

وإذا عقد جماعة من أهل الحل والعقد لعدة أئمة في بلدان مختلفة متفرقة، وكانوا كلهم يصلحون للإمامة، فإذا اتفق مثل هذا تصفحت العقود، وتؤملت، ويقر من بدئ بالعقد له، ويقال للباقين: إنزلوا عن الأمر، فإن فعلوا، وإلا قوتلوا على ذلك، وكانوا عصاة في المقام عليها، وإذا لم يعرف الأسبق، وادعى كل واحد منهم أن العقد سبق له، أبطلت سائر العقود، واستؤنف العقد لواحد منهم، أو من غيرهم، وإن أبوا ذلك، قاتلهم الناس عليه، فإن تمكنوا، وإلا فهم في غلبة وفتنة، وعذر من ترك إمامة الإمام، وإن تمكن من العقد لغيرهم، فعل ذلك، وكان الإمام المعقود له حرباً لسائر هؤلاء، حتى يذعنوا، ويرجعوا إلى الطاعة والسداد (1).

(1) القاضي أبو بكر الباقلاني: تمهيد الأوائل، وتلخيص الدلائل - تحقيق عماد الدين أحمد حيدر - بيروت 1987 ص 467 - 470.


79

وأما عقد الإمامة - عند ابن حزم - فبوجوه: أولها، وأفضلها وأصحها: أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره، إماماً بعد موته - سواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه أو عند موته - إذ لا نص، ولا إجماع، على المنع من أحد الوجوه - كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر -.

والثاني: إن مات الإمام، ولم يعهد إلى أحد، أن يبادر رجل مستحق للإمامة، فيدعو لنفسه، ولا منازع له، ففرض أتباعه، والانقياد لبيعته، والتزام إمامته وطاعته، كما فعل علي، إذ قتل عثمان.

والثالث: يعهد الإمام عند وفاته اختيار خليفة المسلمين إلى رجل ثقة، أو إلى أكثر من واحد، كما فعل عمر رضي الله عنه، وقد انعقد الإجماع بالنسبة للطريقة الأخيرة، على عدم جواز أن يؤخر اختيار الخليفة أكثر من ثلاث ليال، منذ اللحظة التي مات فيها الخليفة، استدلالاً بما أشار به عمر على المسلمين في هذا النطاق (1).

ويعقب الدكتور أحمد صبحي في كتابه الزيدية على ذلك، بأن كلام ابن حزم، إنما ينطوي على مجموعة أخطاء تاريخية وتشريعية.

فأما الأخطاء التاريخية: فاعتباره تولية أبي بكر نصاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ما لم تقل به فرقة من المسلمين - عدا البكرية للرد على الشيعة - هذا إلى جانب إشارته إلى أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما قد نصب نفسه خليفة، والحقائق التاريخية تقول: إن الناس قد انثالوا عليه من كل جانب يبايعونه، بعد مقتل عثمان، ودون إكراه من أحد، وقد كان أولى بابن حزم أن يعد هذه أصح طرق البيعة (2).

(1) ابن حزم الأندلسي: الفصل في الملل والأهواء والنحل - الجزء الخامس - (ط محمد علي صبيح - القاهرة 1964) ص 9 - 10.

(2) أحمد محمود صبحي: الزيدية - منشأة المعارف - الإسكندرية 1980 ص 26 - 27.


80

هذا فضلاً عن أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قد روي عنه أنه قال:

إن بيعة أبي بكر، كانت فلتة، وقى الله شرها (1)، بل إن هناك رواية تنسب الجملة نفسها إلى أبي بكر، وليس إلى عمر، رضي الله عنها (2)، ولعل أجمل تفسير لكلمة الفاروق عمر، رضوان الله عليه، ما ذهب إليه الدكتور طه حسين (1889 - 1973 م) من أن بيعة أبي بكر لم تتم في أول أمرها عن ملأ من جماعة المسلمين، وعن تشاور، وإحالة للرأي وإنما تمت فجأة (3)، حين اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وهمت أن تؤمر سعداً، وحين حاورهم أبو بكر وصاحباه، فهناك رشح أبو بكر للأنصار عمر، أو أبا عبيدة، وكره هذان أن يتقدما عليه، فأسرعا إلى بيعته، وتبعهم الأنصار، ثم تتام الناس على البيعة بعد ذلك، ولو لم يجتمع الأنصار، ويهموا بتأمير سعد، لجرى أمر البيعة غير هذا المجرى، ثم انتظر الناس بها، حتى يفرغوا من دفن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا اجتمع أهل الرأي من المهاجرين والأنصار، فتذاكروا أمرهم وأمر المسلمين، واختاروا من بينهم خليفة لرسول الله. ومن أجل ذلك كانت بيعة أبي بكر فلتة - فيما روي عن عمر - وقد وقى الله شرها، لأن المسلمين لم ينكروا هذه البيعة، ولم يجادل فيها مجادل منهم، ولا تردد فيها متردد (4)، وإنما أقبلوا فبايعوا أبا بكر راضية

(1) صحيح البخاري 8 / 208 - 210، البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 583 - 584 (تحقيق محمد حميد الله - القاهرة 1959)، تاريخ اليعقوبي 2 / 158 (دار بيروت - بيروت 1400 هـ‍/ 1980 م)، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 67 (تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد - القاهرة 1383 هـ‍/ 1964 م)، تاريخ الطبري 3 / 205 (دار المعارف 1979)، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 327 (دار صادر، دار بيروت - بيروت 1385 هـ‍/ 1965 م)، المرتضى: الشافي في الإمامة 1 / 241 - 244 (طهران 1301 هـ‍)، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2 / 26 - 40 (دار الفكر - بيروت 1399 هـ‍/ 1979 م)، طه حسين: الشيخان - القاهرة 1992 / 1993 م ص 38.

(2) شرح نهج البلاغة 2 / 50.

(3) يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2 / 26): وقد أكثر الناس في حديث الفلتة، وذكرها شيوخنا المتكلمون، فقال شيخنا أبو علي، رحمه الله تعالى، الفلتة: ليست الزلة والخطيئة، بل هي البغتة، وما وقع فجأة من غير رؤية ولا مشاورة.

(4) هذا غير صحيح طبقاً لما أوردته المصادر التاريخية، بل والحديثية (أنظر) محمد بيومي مهران:

(الإمام علي بن أبي طالب 1 / 145 - 163 بيروت 1990 م).


81

نفوسهم، مطمئنة إليه قلوبهم وضمائرهم، ثم نصحوا له بعد ذلك، ما عاش فيهم، فلما مرض مرضه الذي توفي فيه، أوصى لعمر بالخلافة على النحو الذي رواه المؤرخون (1).

هذا من الناحية التاريخية، وأما من الناحية التشريعية، فمن الأخطاء، منها: هل يمكن أن يقام حكم شرعي، واجب الطاعة، على مجرد عدم المنع، كما أشار في حديثه عن عهد الخليفة إلى من يليه، وإذا كانت الشرعية لا تمنعه، فهل هذا يجعله أصح وأفضل الطرق الشرعية.

ثم، وهل مجرد تحديد عمر المدة التي ينبغي أن لا يتأخر عنها تولي الخليفة - وهي ثلاثة أيام - هل يصح أن يوصف ذلك بأن الإجماع قد انعقد عليه.

وفي الواقع أن مصادر التشريع أربعة معروفة، ولما لم يكن منها عمل الصحابي، فقد سماه ابن حزم إجماعاً.

وعلى أية حال: فخلاصة القول - فيما يرى الدكتور أحمد صبحي - أنه لا مجال لاستنباط أحكام شرعية من تولي الخلفاء الراشدين، إلا على هذا النحو من التكلف والافتعال، هذا وينبغي التمييز بين جانبين: الجانب الإنساني الفردي، وقد كان في العصور الأولى للإسلام شخصيات، تعد دونما ريب، مثلاً أعلى في السياسة والحكم، فضلاً عن الدين والخلق - كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي -.

وأما الجانب التشريعي التقنيني الذي يقوم أحكاماً عامة تصلح على مدى الزمن، وهذا ما كان غائباً تماماً. وقد لزم عن هذا الفراغ نتيجتان: الأولى:

(1) طه حسين: الشيخان ص 39 - 40.


82

سهولة تحول الخلافة إلى الملك العضوض القائم على الغلبة ليس غير، والثانية: غياب تشريع يلتزم به الواقع والتطبيق (1).

هذا ويذهب ابن أبي الحديد (2) إلى أن الإمامة لا يشترط في صحة انعقادها أن يحضر الناس كافة، لأنه لو كان ذلك مشترطاً لأدى إلى أن لا تنعقد إمامة أبداً، لتعذر اجتماع المسلمين من أطراف الأرض، ولكنها تنعقد بعقد

(1) أحمد صبحي: الزيدية ص 26 - 27.

(2) ابن أبي الحديد: هو عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني، أحد جهابذة العلماء، وأثبات المؤرخين، كان فقيهاً أصولياً، وله في ذلك مصنفات معروفة مشهورة، وكان متكلماً جدلياً نظاراً، اصطنع مذهب الاعتزال، وعليه جادل وناظر، وكان أديباً ناقداً، خبيراً بمحاسن الكلام ومساوئه، وكتاب الفلك الدائر على المثل السائر دليل على رسوخ قدمه في نقد الشعر، وفنون البيان، كما كان متقناً لعلوم اللسان، عارفاً بأخبار العرب، جامعاً لخطبها ومنافراتها.

ولد في المدائن في غرة ذي الحجة عام 586 هـ‍، ونشأ بها، وتلقى على شيوخها، ودرس المذاهب الكلامية فيها، ثم مال إلى مذهب الاعتزال منها، وكان الغالب على أهل المدائن التشيع، فتشيع مثلهم، وحينما انقضت أيام صباه، خف إلى بغداد - حاضرة الخلافة - واختلط بالعلماء من أصحاب المذاهب، ثم جنح إلى الاعتزال، وأصبح - كما يقول صاحب نسمة البحر - معتزلياً جاحظياً في أكثر شرحه لنهج البلاغة، بعد أن كان شيعياً، وفي بغداد نال الحظوة عند الخلفاء العباسيين - وكانوا يضطهدون آل بيت الإمام علي - فأخذ ابن أبي الحديد جوائز بني العباس، ونال عندهم سني المراتب، ورفيع المناصب، فكان كاتباً في دار التشريفات، ثم في الديوان، ثم ناظر البيمارستان، وأخيراً فوض إليه أمر خزائن الكتب في بغداد، وفي كل ذلك كان مرموق الجانب، عزيز المحل، كريم المنزلة، إلى أن مات في عام 656 هـ‍على رأي، 655 هـ‍ على رأي آخر، وذكر ابن الفوطي أنه أدرك سقوط بغداد عام 656 هـ‍، وأهم مصنفاته:

1 - الاعتبار على كتاب الذريعة في أصول الشريعة.

2 - انتقاد المستصفى للغزالي.

3 - الحواشي على كتاب المفصل في النحو.

4 - شرح المحصل للإمام فخر الدين الرازي.

5 - شرح مشكلات الغرر لأبي الحسن البصري في أصول الكلام.

6 - ديوان شعره.

7 - شرح الياقوت لابن نوبخت في الكلام.

8 - الفلك الدائر على المثل السائر - ألفه برسم الخليفة المستنصر.

9 - نقض المحصول في علم الأصول للإمام فخر الدين الرازي.

10 - شرح نهج البلاغة، وغيرهما. (شرح نهج البلاغة (1 / 13 - 22).


83

العلماء وأهل الحل والعقد الحاضرين، ثم لا يجوز بعد عقدها لحاضريها، أن يرجعوا من غير سبب يقتضي رجوعهم، ولا يجوز لمن غاب عنها، أن يختار غير من عقد له، بل يكون محجوجاً بعقد الحاضرين، مكلفاً طاعة الإمام المعقود له، وعلى هذا جرت الحال في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وانعقد إجماع المسلمين عليه (1).

وفي الواقع إن هذا الاتجاه لا يعدو أن يكون تفسيراً لقول سيدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث يقول: وبعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس، ما إلى ذلك سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها، ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار (2).

وأما عقد الإمامة - عند الماوردي - طبقاً لاختيار الخلفاء الراشدين، فهناك طريقان: أحدهما: باختيار أهل الحل والعقد - كما وقع بالنسبة لأبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم والثاني: بعهد الإمام من قبل - كما وقع بالنسبة لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه -.

وأما الأولى: وهي اختيار أهل الحل والعقد، فلقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد بهم الإمامة. فذهب رأي إلى أنها لا تنعقد، إلا بجمهور أهل الحل والعقد في كل بلد، ليكون الرضا به عاماً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مدفوع ببيعة أبي بكر بالخلافة، باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يذهب أصحابه إلى أنها تنعقد باجتماع خمسة، أو يعقدها أحدهما برضاء الأربعة، استدلالاً بأمرين: أحدهما: أن بيعة أبي بكر، انعقدت بخمسة، اجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها - وهم

(1) شرح نهج البلاغة 9 / 329.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 / 38، وانظر: الإمام محمد عبده: نهج البلاغة ص 199 (دار الشعب - القاهرة 1970 م).


84

عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة، وأما الأمر الثاني: فإن عمر بن الخطاب، جعل الشورى في ستة، ليعقد لأحدهم، برضاء الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.

وهناك وجه ثالث للنظر، يذهب أصحابه إلى أن الإمامة إنما تنعقد بثلاثة، يتولاها أحدهم برضا الاثنين، ليكونوا حكماً وشاهدين - كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين.

على أن هناك وجهاً رابعاً للنظر، يذهب أصحابه إلى أنها تنعقد بواحد، لأن العباس بن عبد المطلب قال لعلي، رضي الله عنهما: أمدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايع ابن أخيه، فلا يختلف عليك اثنان ولأنه حكم، وحكم الواحد نافذ (1).

غير أن هناك من اعترض على هذه الآراء، لأسباب منها (أولاً): أن بيعة أبي بكر لم تنعقد بخمسة، اجتمعوا عليها، وإنما انعقدت في اجتماع سقيفة بني ساعدة، وفيها جمع من الأنصار، وعدد من المهاجرين، انتهى إلى بيعة أبي بكر بالخلافة.

ومنها (ثانياً) أن حصر عمر بن الخطاب الشورى في ستة، لا يعني أن العدد مقصود بذاته، وإنما كان لأن هؤلاء الستة، هم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ولو لا قرابة سعيد بن زيد من عمر بن الخطاب - ابن عمه، وزوج أخته فاطمة - لأدخله فيهم، ولكانوا سبعة، ولكنه أخرجه من أهل الشورى تورعاً من أن يختاره لقرابته له، ولو كان ما تبقى من العشرة المبشرين بالجنة، أقل من ستة، لحصر الاختيار فيهم، فالعبرة إذن ليست بالعدد هنا، وإنما بالخيرية والفضل.

(1) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 6 - 7 (دار الكتب العلمية - بيروت 1402 هـ‍/ 1982 م).


85

ومنها (ثالثاً) أن القول بانعقاد الإمامة بثلاثة، قياساً على عقد النكاح، إنما هو قياس مع الفارق، وأما القول بانعقاد الإمام بواحد، طبقاً لقول العباس، رضي الله عليه، للإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة أمدد يدك أبايعك... الخ، فالرد عليه: أن الإمام علي عليه السلام، لم يقبل ذلك العرض.

ومن ثم فأهم ما يجب في اختيار الخليفة: الالتزام بالشورى، والانقياد لرأي الجماعة (1).

ويقول البغدادي: وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد، وقالوا: تنعقد الإمامة بمن يعقدها لمن يصلح للإمامة، إذا كان العاقد من أهل الاجتهاد والعدالة.

وقالوا: لا تصح الإمامة إلا لواحد في جميع أرض الإسلام، إلا أن يكون بين الصقعين حاجز من بحر، أو عدو لا يطاق، ولم يقدر أهل كل واحد من الصقعين على نصرة أهل الصقع الآخر، فحينئذ يجوز لأهل الصقع عقد الإمامة لواحد يصلح لها منهم (2).

ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني في الغياثي (3): إن الإجماع ليس شرطاً في عقد الإمامة، فلقد صحت بيعة أبي بكر، فقضى وحكم، وأبرم وأمضى، وجهز الجيوش، وعقد الألوية، وجر العساكر إلى مانعي الزكاة، وجبى الأموال، وفرق منها، ولم ينتظر في تنفيذ

(1) محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب 1 / 151 - 152 (دار النهضة العربية بيروت 1990).

(2) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي: الفرق بين الفرق - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ص 349 - 350 (دار المعرفة - بيروت).

(3) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق عبد العظيم الدين - الدوحة 1400 هـ‍ص 67.


86

الأمور، انتشار الأخبار في أقطار خطة الإسلام، وتقرير البيعة من الذين لم يكونوا في بلد الهجرة، وكذلك جرى الأمر في إمامة الخلفاء الأربعة.

وعلى أية حال، فلقد انقسم العلماء فيمن تنعقد بهم الإمامة، فذهب بعض العلماء إلى أن الإمامة إنما تنعقد ببيعة اثنين من أهل الحل والعقد، واشترط طوائف عدد أكمل البينات في الشرع، وهو أربعة، على أن هناك بعض من لا يعد من أحزاب الأصوليين، إنما يذهب إلى اشتراط أربعين، وهو عدد الجمعة، عند الإمام الشافعي، رضي الله عنه.

وهذه المذاهب لا أصل لها من مأخذ الإمامة، فأما من ذكر اثنين، إنما تخيل أن هذا العدد، أقل الجمع، فلا بد من اجتماع جمع على البيعة.

ومن شرط أربعة قال: إن الإمامة من أعلى الأمور، وأرفع الخطوب، فيعتبر فيها عدد أعلى البيانات، ومن ادعى الأربعين، استمسك بقريب مما قدمناه، واعتبر من يقتدي بإمام المسلمين بمن يقتدي بإمام الجمعة.

وهذه المسالك من أضعف طرق الأشباه، وهي أدون فنون المقاييس في الشرع، ولست أرى أن أحكم بها في مواقع الظنون، ومظان الترجيح والتلويح، فما الظن بمنصب الإمامة؟ ولو تتبع المتتبع الأعداد المعتبرة في مواقع الشرع، لم يعدم وجوهاً بعيدة عن التحصيل في التشبيه (1).

وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر الباقلاني (2) عن أبو الحسن

(1) نفس المرجع السابق ص 67 - 69.

(2) الباقلاني: هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلاني، كان على مذهب أبي الحسن الأشعري، مؤيداً اعتقاده، ناصراً طريقته، سكن بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام، توفي لسبع بقين من ذي القعدة عام 403 هـ‍، وأشهر مؤلفاته إعجاز القرآن وانظر عن ترجمته (وفيات الأعيان 4 / 269 - 270، تاريخ بغداد 5 / 379، شذرات الذهب 3 / 168، العبر للذهبي 3 / 86، الوافي 3 / 177، المنتظم 7 / 265).


87

الأشعري (1)، وهو أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل الحل والعقد (2).

ووجه هذا المذهب أنه تقرر أن الإجماع ليس شرطاً في عقد الإمامة، ثم لم يثبت توقيف في عدد مخصوص، والعقود في الشرع مولاها (أو يتولاها) عاقد واحد، وإذا تعدى المتعدي الواحد، فليس عدد أولى من عدد، ولا وجه للتحكيم في إثبات عدد مخصوص، فإذا لم يقم دليل على عدد، لم يثبت العدد، وقد تحققنا أن الإجماع ليس شرطاً، فانتفى الإجماع، وبطل العدد بانعدام الدليل عليه، فلزم المصير إلى الاكتفاء بعقد الواحد.

وظاهر قول القاضي أبو بكر الباقلاني يشير إلى أن ذلك مقطوع به، وهذا - وإن كان أظهر المذاهب في ذلك - فلسنا نراه بالغاً مبلغ القطع.

ثم يقول إمام الحرمين الجويني: والذي أراه أن أبا بكر لما بايعه عمر، لو ثار ثائرون، وأبدوا صفحة الخلاف، ولم يرضوا تلك البيعة، لما كنت أجد متعلقاً في أن الإمامة كانت تستقل ببيعة واحد، وكذلك لو فرضت بيعة اثنين، أو أربعة فصاعداً، وقدرت ثوران مخالفين، لما وجدت متمسكاً به اكتراثاً واحتفالاً، في قاعدة الإمامة، ولكن لما بايع عمر تتابعت الأيدي، واصطفقت الأكف، واتسعت الطاعة، وانقادت الجماعة.

(1) أبو الحسن الأشعري: هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم، ينتهي نسبه الصحابي أبي موسى الأشعري، ولد في عام 260 هـ‍أو 270، وتوفي 324 هـ‍، وقيل 330 هـ‍وقيل 333 هـ‍في بغداد، وكان في أول أمره معتزلياً، ثم رجع عنهم، وأصبح عدواً لهم، وانظر عن ترجمته (وفيات الأعيان 3 / 284 - 286، تاريخ بغداد 11 / 346، طبقات الشافعية الكبرى 2 / 446، شذرات الذهب 3 / 285، ميزان الاعتدال 3 / 155، طبقات السبكي 3 / 303، طبقات المفسرين ص 25).

(2) لكن هذا يعارض ما ذهب إليه الفاروق عمر في قوله: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى الله شرها، فلا بيعة إلا عن مشورة، وأيما رجل بايع رجلاً، عن غير مشورة، فلا يؤمر واحد منهما، لغرة أن يقتلا (ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 12 / 147، الفائق 2 / 297).


88

والوجه عندي في ذلك، أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع، تحصل بهم شوكة ظاهرة، ومنعة قاهرة، بحيث لو فرض ثوران خلاف، لما غلب على الظن أن يصطدم أتباع الإمام، فإذا تأكدت البيعة، وتأطدت بالشوكة والعدة والعدد، واعتضدت، وتأيدت بالمنة، واستظهرت بأسباب الاستيلاء، والاستعلاء، فإذا تثبت الإمامة وتستقر، وتتأكد الولاية وتستمر، ولما بايع عمر مالت النفوس إلى المطالبة والموافقة، ولم يبد أحد شراساً وشماساً، وتظاهروا على بذل الطاعة على حسب الاستطاعة (1).

ويذهب القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة إلى أن الإمامة إنما تنعقد بثلاث طرق، تترتب على كل طريق جملة من الأحكام، كالتالي:

1 - الطريق الأول: البيعة:

وهو أن يجتمع أهل الحل والعقد، ويعقدون الإمامة لمن يستجمع شرائطها، ويتأتى ذلك في موضعين:

الأول: أن يموت الخليفة الذي كان منتصباً، عن غير عهد إلى أحد بعده.

والثاني: أن يخلع الخليفة نفسه من الخلافة، أو يخلعه أهل الحل والعقد، لموجب اقتضى خلعه نفسه، أو خلع أهل الحل والعقد له.

هذا ويشترط لصحة عقد البيعة شروطاً خمسة:

الأول: أن يجتمع في المأخوذ له البيعة كل شروط الإمامة - الآنفة الذكر - فلا تنعقد مع فوات واحد منها، إلا مع الشكوة والقهر، فلو جمع شروط الإمامة اثنان فأكثر، قال الماوردي (2): فلو تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدم لها

(1) الجويني: الغياثي ص 69 - 71.

(2) الماوردي: هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي، الفقيه الشافعي، كان من وجوه الفقهاء الشافعية ومن كبارهم، أخذ الفقه عن أبي القاسم الصميري بالبصرة، ثم عن الشيخ أبي حامد الاسفرايني ببغداد، وكان حافظاً للمذهب وله في كتاب

‌>


89

اختياراً أسنهما - وإن لم تكن زيادة السن، مع كمال البلوغ شرطاً - فإن بويع أصغرهما جاز، ولو كان أحدهما أعلم، والآخر أشجع، روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور، وظهور البغاة، كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى، لسكون الدهماء، وظهور أهل البدع، كان الأعلم أحق، فإن وقف الاختيار على واحد من اثنين، فتنازعاها، فقد قال بعض الفقهاء يكون قدحاً لمنعهما منها، ويعدل إلى غيرهما، والذي عليه جمهور العلماء والفقهاء أن التنازع فيها لا يكون قدحاً مانعاً، وليس طلب الإمامة مكروهاً، فقد تنازع فيها أهل الشورى، فما رد عنها طالب، ولا منع منها راغب (1).

والثاني: أن يكون المتولي لعقد البيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس، وفيمن تنعقد به البيعة منهم سبعة مذاهب:

أولها: أنها لا تنعقد إلا بأهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضى عاماً، والتسليم لإمامته إجماعاً وهذا مدفوع ببيعة أبي بكر، رضي الله عنه، باختيار من حضرها، من غير انتظار قدوم غائب عنها.

<‌

الحاوي الذي لم يطالعه أحد إلا وشهد له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب، وقد فوض إليه القضاء في بلاد كثيرة، وروى عنه الخطيب أبو بكر صاحب تاريخ بغداد.

وأهم تصانيف الماوردي: الحاوي وتفسير القرآن الكريم والنكت والعيون وأدب الدين والدنيا والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة الملك والإقناع في المذهب وغير ذلك، كما صنف كثيراً في أصول الفقه والأدب، فقد كان إماماً في الفقه والأصول والتفسير، بصيراً بالعربية، وانظر عنه (ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 3 / 285 - 287، وفيات الأعيان 3 / 282 - 284، تاريخ بغداد 11 / 346، المنتظم 6 / 332، طبقات السبكي 2 / 245، خطط المقريزي 2 / 359، البداية والنهاية لابن كثير 11 / 187، غير الذهبي 2 / 202، الجواهر المضيئة 1 / 353).

(1) الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1402 هـ‍/ 1982 ص 7.


90

وثانيها: أن أقل من تنعقد بهم أربعون - لا دونهم - لأن عقد الإمامة فوق عقد الجمعة، ولا تنعقد بأقل من أربعين.

وثالثها: أقل من تنعقد به خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضى الأربعة، لأن بيعة أبي بكر، رضي الله عنه، انعقدت بخمسة - وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن حضير وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة - ثم تابعهم الناس على ذلك، وقد جعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، شورى في ستة نفر، تنعقد لأحدهم برضى الخمسة.

ورابعها: تنعقد بأربعة، لأن الشهادة في الزنا تقوم بأربعة، فكذلك الإمامة.

وخامسها: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضى الاثنين الآخرين، ليكونوا حكماً وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين.

وسادسها: تنعقد باثنين، لأن رتبة الخلافة لا تنقص عن رتبة الحكومات، والحاكم لا يلزم أحد الخصمين حق صاحبه إلا بشهادة عدلين، فكذلك لا يلزم الناس الانقياد لقول الإمام إلا بعدلين.

وسابعها: تنعقد بواحد، لما روي أن العباس رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - أمدد يدك أبايعك، فيقول الناس:

عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايع ابن أخيه، فلا يختلف فيه اثنان، وقد قيل: إن بيعة الصديق، رضي الله عنه، انعقدت ببيعة عمر وحده، ولأنه حكم، وحكم الواحد نافذ.

ثم يضيف القلقشندي ثامناً، ويرى أنه الأصح عند أصحابه الشافعية، رضي الله عنهم، وهو: أن الإمامة تنعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة في ذلك الموضع، من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس، المتصفين بصفات الشهود، حتى لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفى، لأن الأمر، إذا لم يكن


91

صادراً عن رأي من له تقدم في الوضع، وقول مقبول، لم تؤمن إثارة فتنة، ولا التفات إلى أهل البلاد النائية، بل إذا بلغهم خبر البيعة، وجب عليهم الموافقة والمتابعة.

والثالث: أن يجيب المبايع إلى البيعة، حتى لو امتنع لم تنعقد إمامته، ولم يجبر عليها، قال النووي في الروضة: إلا أن يكون من لا يصلح للإمامة، إلا واحد، فيجبر بلا خلاف.

والرابع: الإشهاد على المبايعة، فيما إذا كان العاقد واحداً، أما إذا كان العاقد للبيعة جمعاً، فإنه لا يشترط الإشهاد.

والخامس: أن يتحد المعقود له، بأن لا تعقد البيعة لأكثر من واحد (1)، واحتج له بما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما (2).

وروى أيضاً بسنده عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه (3).

وروى أيضاً بسنده عن زياد بن علاقة قال: سمعت عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميع، فاضربوه بالسيف، كائناً من كان (4).

وهكذا فلو عقدت البيعة لاثنين معاً، لم تنعقد لواحد منهما، فلو كانا في

(1) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1 / 39 - 46 (الكويت 1964).

(2) صحيح مسلم 12 / 242 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م).

(3) صحيح مسلم 12 / 242.

(4) صحيح مسلم 12 / 241.


92

إقليمين متباعدين، ففيه وجهان عند الشافعية، أصحهما ما عليه الجمهور بطلان بيعتهما، وثانيهما: ما ذهب إليه أبو إسحاق الإسفراييني، واختاره إمام الحرمين، صحة بيعتهما جميعاً، لأنه قد تدعو الحاجة إلى ذلك - كما كانت الخلافة الأموية في الأندلس، والفاطمية في مصر والمغرب، مع قيام الخلافة العباسية في العراق -.

هذا وقد اختلف العلماء فيما إذا انفرد واحد بشروط الإمامة، هل تثبت إمامته بمجرد تفرده بها من غير عقد بيعة؟ ذهب فريق من العلماء إلى انعقاد إمامته - وإن لم يعقدها له أهل الحل والعقد - لأن المقصود من الاختيار، إنما هو تمييز من يستحق الولاية، وقد تميز هذا بصفته، وهذا ما نقله الماوردي عن بعض علماء أهل العراق.

على أن هناك من يرى أنها لا تنعقد، إلا بعقد أهل الحل والعقد، لأن الإمامة عقد، فلا يصح إلا بعاقد، كما لو انفرد واحد باستجماع شرائط القضاء، فإنه لا يصير قاضياً حتى يولي، وهو ما عليه جمهور الفقهاء، وعليه اقتصر الرافعي والنووي، المعتمد على ترجيحهما (1).

2 - الطريق الثاني: العهد:

كان الطريق الثاني من الطرق التي تنعقد بها الإمامة هو العهد، وهو أن يعهد الخليفة المستقر إلى غيره، ممن استجمع شرائط الخلافة بالخلافة بعده، فإذا مات العاهد انتقلت الخلافة بعد موته إلى المعهود إليه، ولا يحتاج مع ذلك إلى تجديد بيعة من أهل الحل والعقد، ولذلك حالتان:

الأولى: أن يعهد الخليفة بالخلافة من بعده إلى واحد فقط، فيجب الاقتصار عليه، والأصل في ذلك ما روي من أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه

(1) القلقشندي: المرجع السابق ص 46 - 48.


93

في مرضه الذي مات فيه، دعا عثمان بن عفان - وهو يومئذ كاتبه - فقال له:

أكتب، قال: ما كتب؟ قال: أكتب، هذا ما عهد أبو بكر، خليفة رسول الله، آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، أني أستخلف عليكم، ثم رهقته عينه فنام، فكتب: عمر بن الخطاب، ثم استيقظ أبو بكر فقال: هل كتبت شيئاً؟

قال: نعم، كتبت عمر بن الخطاب، فقال: أما إنك لو كتبت نفسك، لكنت لها أهلاً، ولكن اكتب: استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل، فذلك ظني به، وإن بدل أو غير، فلا علم لي بالغيب، والخير أردت بكم، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

ثم دخل عليه عمر فعرفه ذلك، فأبى أن يقبل، فتهدده أبو بكر، رضي الله عنه، وقال: هاتوا سيفي، فقبل، ثم خرج عمر من عنده فدخل عليه طلحة، فبكى ولامه على تولية عمر، فانتهره أبو بكر، وقال: والله إن عمر خير لكم، وأنتم شر له، أتيتني وقد وكفت عينك تريد أن تصدني عن ديني، وتردني عن رأيي قم لا أقام الله رجلك (1).

هذا وقد اشترط العلماء لصحة الإمامة بالعهد شرطين: أحدهما أن يكون المعهود إليه مستجمعاً لشرائط الإمامة في وقت العهد، حتى لو كان المعهود إليه صغيراً، أو فاسقاً عند العهد، بالغاً عدلاً عند موت العاهد، لم يصر بذلك العهد إماماً، بل لا بد من مبايعة أهل الحل والعقد له بالخلافة.

وأما الشرط الثاني فهو أن يقبل المعهود إليه العهد، فلو امتنع المعهود إليه من القبول بويع غيره، وكأنه لا عهد.

(1) أنظر عن استخلاف أبي بكر عمر بن الخطاب (تاريخ الطبري 3 / 428 - 430، الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 425 - 426، تاريخ اليعقوبي 2 / 136 - 137، تاريخ ابن خلدون 2 / 903 - 904 (دار الكتاب اللبناني - بيروت 1983)، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 20، ابن عبد ربه:

العقد الفريد 5 / 20 - 21 (بيروت 1983) حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 211 - 212 (القاهرة 1964)، محمد حسين هيكل: الفاروق عمر 1 / 88 - 90 (القاهرة 1963).


94

هذا وقد اختلف في وقت قبول العهد، فقيل: بعد موت العاهد - كما يقبل الوصي الوصية بعد موت الموصي - والأصح أن وقته ما بين عهد الخليفة وموته، لتنتقل الإمامة عن العاهد إلى المعهود إليه مستقرة بالقبول.

هذا وقد اختلف العلماء في مدى جواز انفراد الخليفة بالعهد لولده أو والده، فذهب فريق إلى أنه ليس له الانفراد بذلك لواحد منها، بل لا بد من موافقة أهل الحل والعقد على صلاحية المعهود إليه للخلافة، لأن ذلك منه بمثابة التزكية ليجري مجرى الشهادة، وتقليده على الأمة مجرى الحكم، وهو لا يجوز أن يحكم لوالد أو ولد.

على أن فريقاً آخر، إنما أجاز ذلك، لأنه أمير الأمة، نافذ الأمر لهم وعليهم، فغلب حكم المنصب على حكم النسب، ولم يجعل للتهمة عليه في ذلك طريقاً.

وهناك فريق ثالث، أجاز له الانفراد بذلك للوالد - دون الولد - لأن الطبع إلى الولد أميل منه إلى الوالد، ولذلك كان ما يقتنيه في الأغلب مذخوراً لولده، دون الوالد.

وأما إذا كان المعهود إليه أخاً، أو ابن أخ، أو عماً أو ابن عم، أو أجنبياً، فيجوز العهد بالخلافة إليه، من غير استشارة أحد من أهل الحل والعقد (1).

والحالة الثانية: أن يتعدد المعهود إليهم، بأن يكونوا اثنين فأكثر، وهي على ضربين:

الأول: أن يجعلها الخليفة شورى بينهم، لم يقدم فيها أحداً منهم على الآخر، فيختار أهل الحل والعقد واحداً، أو يخرج الجميع أنفسهم من العهد ويبقى واحد منهم.

(1) القلقشندي: المرجع السابق ص 48 - 55.


95

والأصل في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عمر بن ميمون الطويل، وفيه: قالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عنهم راض فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن، وقال:

يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شئ، كهيئة التعزية له...

ثم يقول: فلما انتهوا من دفنه (أي عمر) اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: إجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي، والله على أن لا ألو عن أفضلكم، قالا:

نعم، فإخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقدم في الإسلام، ما قد علمت، فالله عليك، لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن، ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: إرفع يدك يا عثمان فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه (1).

والثاني: أن يعهد إلى اثنين فأكثر، ويرتب الخلافة فيهم بأن يقول:

الخليفة بعدي فلان، فإن مات فالخليفة بعده فلان، وهكذا، والأصل في ذلك رواية البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن سعيد عن نافع عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر، فعبد الله بن رواحة (2).

(1) صحيح البخاري 5 / 19 - 22 (دار الجيل - بيروت).

(2) صحيح البخاري 5 / 181 - 182.


96

قال الماوردي: وإذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الإمارة، جاز مثله في الخلافة (2).

3 - الطريق الثالث: القهر والاستيلاء:

من الطريق التي تنعقد بها الإمامة: القهر والاستيلاء، فإذا مات الخليفة، فتصدى للإمامة من جمع شرائطها، من غير عهد إليه من الخليفة المتقدم، ولا بيعة من أهل الحل والعقد، انعقدت إمامته، لينتظم شمل الأمة، وتتفق كلمتهم.

وأما إن لم يكن جامعاً لشرائط الخلافة، بأن كان فاسقاً أو جاهلاً، فالرأي - عند الشافعية - انعقاد إمامته، لأنها إن لم تنعقد، فكذلك أحكامه لا تنعقد، وفي هذا ما فيه من الإضرار بالناس، من حيث أن من يلي بعده يحتاج إلى أن يقيم الحدود ثانية، كما يستوفي الزكاة، ويأخذ الجزية ثانية.

على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يذهب أصحابه إلى أن إمامته لا تنعقد، لأنه لا تنعقد له الإمامة بالبيعة، إلا باستكمال الشروط، فكذا بالقهر (2).

(1) الماوردي: المرجع السابق ص 40.

(2) القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1 / 58 - 59 (الكويت 1964).


97

سادساً: طاعة الإمام

لا ريب في أن طاعة الإمام واجبة، قال الله تعالى:*﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم *، فأمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، وهم ولاة الأمور، على ما ذهب إليه كثير من المفسرين (1).

ولعل من الأفضل هنا أن نشير إلى أهم الاتجاهات التي فسرت أولي الأمر بالحكام ولاة الأمور، جاء في تفسير المنار: وأما أولو الأمر، فقد اختلف فيهم، فقال بعضهم: هم الأمراء، واشترطوا فيهم ألا يأمروا بمحرم - كما في تفسير الجلال وغيره - والآية مطلقة، أي وإنما أخذوا هذا القيد من نصوص أخرى، كحديث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وحديث إنما الطاعة في المعروف.

على أن هناك من يرى أن أولي الأمر، إنما هم العلماء، لكن العلماء يختلفون، فمن يطاع في المسائل الخلافية، ومن يعصى؟ وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين يمكنهم أن يستنبطوا الأحكام غير المنصوصة من الأحكام المنصوصة.

وقال الشيعة: إنهم الأئمة المعصومون ويذهب صاحب تفسير المنار إلى أن معنى أولي الأمر هم الذين يناط بهم النظر في أمر إصلاح الناس، أو

(1) تفسير الطبري (8 / 495 - 499، تفسير ابن كثير 1 / 872 - 785، تفسير النسفي 1 / 232، تفسير القرطبي ص 1828 - 1833.


98

مصالح الناس، وهؤلاء يختلفون أيضاً، فكيف يؤمر بطاعتهم بدون قيد ولا شرط.

وقال الإمام محمد عبده (1266 - 1323 هـ‍/ 1849 - 1905 م) أن المراد بأولي هم جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء، والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجة والمصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر - أو حكم - وجب أن يطاعوا فيه، بشرط أن يكونوا أمناء، وأن لا يخالفوا أمر الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر، واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة، وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه، ووقوف عليه، وأما العبادات، وما كان من قبيل الاعتقاد الديني، فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد، بل هو مما يؤخذ عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقط، ليس لأحد رأي فيه، إلا ما يكون في فهمه.

فأهل الحل والعقد إذن، إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة، ليس فيه نص عن الشارع - مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه - فطاعتهم واجبة، ويصح أن يقال: هم معصومون في هذا الإجماع، ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرط، مع اعتبار الوصف والإتباع المفهوم من الآية.

وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة رضي الله عنهم، وغيره من المصالح التي أخذ بها برأي أولي الأمر من الصحابة، ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك.

ويقول الإمام محمد عبده: إن النيسابوري سبقه إلى اعتبار أهل الحل والعقد هم أولو الأمر، فيقول: وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب، تعين أن يكون المعصوم كل الأمة، أي أهل الحل والعقد، وأصحاب الاعتبار والآراء، فالمراد بقوله وأولي الأمر، ما اجتمعت الأمة عليه.


99

وقول النيسابوري: أهل الحل والعقد، وأصحاب الاعتبار، هو بمعنى قول الأستاذ الإمام، الذي أدخل فيه أمراء الجند ورؤساء المصالح، وهذا هو المعقول، لأنه مجموع هؤلاء هم الذين تثق بهم الأمة، وتحفظ مصالحها، وباتفاقهم يؤمن عليها من التفريق والشقاق، ولهذا أمر الله بطاعتهم، لا لأنهم معصومون من الخطأ، فيما يقررونه.

ويلخص الرازي الآراء المأثورة عن علماء التفسير في أولي الأمر - وهي أربعة:

1 - الخلفاء الراشدون.

2 - أمراء السرايا، وهم قواد العسكر. خاصة عند عدم خروج الإمام على رأس العسكر.

3 - علماء الدين الذين يفتون ويعلمون الناس دينهم.

4 - الأئمة المعصومون (أئمة أهل البيت).

ويذهب الرازي إلى أن حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين أولى - مما ذكر آنفاً - ويدل عليه وجوه:

الأول: أن الأمراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق، فهم في الحقيقة أولو الأمر، أما أهل الإجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى.

والثاني: أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل، وأما آخر الآية فهو أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وهذا إنما يليق بالأمراء، لا بأهل الإجماع.

والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء، فقال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد


100

عصا الله، ومن عصى أميري فقد عصاني (1). وأياً ما كان الأمر، فالذي لا ريب فيه: أن الإمام - أو الخليفة - إنما هو أعظم ولاة الأمور، لعموم ولايته، فهو أحق بالطاعة، وأجدر بالانقياد لأوامره ونواهيه - ما لم يخالف أمر الشرع - سواء أكان عادلاً، أو جائراً.

روى البخاري في صحيحه (كتاب الأحكام) قول الله تعالى:

* ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم*حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني (2).

وروى البخاري أيضاً بسنده عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة (3).

وروى البخاري أيضاً بسنده عن الجعد عن أبي رجاء عن ابن عباس يرويه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً، فيموت، إلا مات ميتة جاهلية (4).

وروى البخاري أيضاً بسنده عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، وأمر عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن تطيعوني؟ قالوا:

(1) تفسير المنار 5 / 146 - 158 (الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1973).

(2) صحيح البخاري 9 / 77.

(3) صحيح البخاري 9 / 78.

(4) صحيح البخاري 9 / 78.


101

بلى، قال: عزمت عليكم، لما جمعتم حطباً، وأوقدتم ناراً، ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا فلما هموا بالدخول، فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم، فراراً من النار، أفندخلها، فبينما هم كذلك، إذ خمدت وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو دخلوها، ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف (1).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني (2).

وفي رواية: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني (3).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي حازم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك (4).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن شعبة عن أبي عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: إن خليلي أوصاني: أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدع الأطراف (5).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن يحيى بن حصين قال: سمعت جدتي تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: ولو

(1) صحيح البخاري 9 / 78 - 79.

(2) صحيح مسلم 12 / 223.

(3) صحيح مسلم 12 / 223.

(4) صحيح مسلم 12 / 224.

(5) صحيح مسلم 12 / 225.


102

أستعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا (1).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وأكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة (2).

وروى البيهقي في سننه بسنده عن مروان بن الحكم قال: سمعت عثمان وعلياً بين مكة والمدينة وعثمان ينهي عن المتعة، وأن يجمع بينهما - أي بين الحج والعمرة - فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً، فقال: لبيك اللهم عمرة وحجة معاً، فقال عثمان: تراني أنهى الناس عنهما، وتفعل أنت؟ فقال علي: لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقول أحد من الناس (3).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن زبيد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث جيشاً، وأمر عليهم رجلاً، فأوقد ناراً، وقال: أدخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون:

إنا قد فررنا منها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها، لو دخلتموها، لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة، وقال للآخرين قولاً حسناً، وقال:

لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف (4).

وروى مسلم أيضاً بسنده عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وإلى أثرة علينا، وعلى أن

(1) صحيح مسلم 12 / 225.

(2) صحيح مسلم 12 / 226.

(3) سنن البيهقي 5 / 22، محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عثمان بن عفان - نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة ص 80 (مكة 404 أ / 1983 م).

(4) صحيح مسلم 12 / 226 - 227. وانظر: تفسير القرطبي ص 1830.


103

لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق، أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم (1).

وفي تفسير القرطبي: قال سهل بن عبد الله: لا يزال الناس بخير، ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين فسد دنياهم وأخراهم (2).

وهكذا فإن من عصى الإمام فقد عصى الرسول، ومن عصى الرسول فقد عصى الله تعالى، ومن حارب الإمام، فقد حارب الله والرسول، وأجدر بمن حارب الله والرسول، أن يبوء بإثم عظيم، قال الله تعالى:*﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً*أن يقتلوا أو يصلبوا*أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم*(3).

وروى أبو داود والنسائي في سننهما بسنده عن أنس بن مالك أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في آثارهم، فجئ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم، وألقاهم في الحرة، قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا، ونزلت*(إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - الآية) *(4).

(1) صحيح مسلم 12 / 227 - 228.

(2) تفسير القرطبي ص 1830 - 1831.

(3) سورة المائدة: آية 33. وانظر: تفسير القرطبي ص 2144 - 2155، تفسير المنار 6 / 291 - 304، تفسير ابن كثير 2 / 74 - 83، تفسير الطبري 10 / 243 - 289، تفسير النسفي 1 / 282 - 283.

(4) سنن أبي داود 4 / 130 - 131 (حديث رقم 4364، رقم 4369)، تحفة الأحوذي 1 / 242، سنن النسائي 7 / 93، تفسير ابن كثير 7 / 93،


104

والآية الشريفة جعلت المحاربين أربعة أنواع: محارب قتل فجزاؤه القتل، ومحارب قتل وسرق فجزاؤه الصلب، ومحارب سرق فجزاؤه القطع ومحارب أخاف السبيل، فجزاؤه النفي.

وقال بعض الفقهاء: لا توزيع في هذه العقوبات، وللإمام أن يحكم بأية واحدة، حسبما يراه من المصلحة، وإن كانت لهم فئة يرجعون إليها، كانوا بغاة، ولهم أحكام خاصة.

ثم ذكر سبحانه وتعالى في الآية التالية مباشرة: أنه من تاب من قبل القدرة عليه، فقد عفا الله عنه، ومن ثم فيلزم الإمام أن يدعوهم إلى طاعته، قبل أن يبدأهم بالقتال، وقد فعل ذلك سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة، مع من خرجوا عليه من الحروريين (خوارج)، بل ومن خرجوا قبلهم، من أهل الجمل وصفين (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك من العلماء من لم يفرق بين طاعة الأمير، في غير معصية الله، وبين استذلال الأمير للناس وقهرهم، وربما كان الأفظع والأدهى من ذلك ما نقرأه من تبرير لتسلط هؤلاء على الأمة، حتى انبرى بعضهم لتبرير مواقف بعض الحكام الظلمة، بل لا يجيز الخروج على الفاسق، كما فعل حجة الإسلام الإمام الغزالي (450 - 505 هـ‍/ 1058 - 1111 م)، وأبو بكر محمد بن الحسن بن فورك (ت 406 هـ‍) - المتكلم الأصولي -.

هذا وقد جوز ابن فورك بعثة من كان كافراً، وقال الغزالي في المنحول

(1) تفسير ابن كثير 2 / 81 - 82، محمد بيومي طهران: الإمام علي بن أبي طالب 1 / 148 - 149، (دار النهضة العربية - بيروت 1990 م).


105

في الأصول: والمختار ما ذكره القاضي، وهو أنه لا يجب عقلا عصمتهم (أي الأنبياء)، إذ لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا بنظره، وليس هو مناقضاً لمدلول المعجزة، فإن مدلول صدق اللهجة، بما يخبر عن الله تعالى، لا عمداً ولا سهواً، ومعنى التنفير باطل، فإنا نجوز أن ينبئ الله تعالى كافراً، ويؤيده بالمعجزة.

وقال بعض الحشوية: إن نبينا صلى الله عليه وسلم، كان كذلك، لقوله تعالى:*﴿ووجدك ضالاً فهدى*(1).

وكان من نتائج ذلك أن تقرأ في كتبنا نحن المسلمين: تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك وبطنك، وأخذ مالك، وأن الخلافة تنعقد بالقهر

(1) ذهب قوم من المرجئة، وابن الطيب الباقلاني من الأشعرية، ومن اتبعه، إلى أن الرسل غير معصومين، إلا من الكذب في التبليغ، فإنه لا يجوز عليهم، وذهبت طائفة إلى أن الرسل لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر أصلاً، وجوزوا عليهم الصغائر.

وذهب جمهور أهل الإسلام - من أهل السنة والمعتزلة والشيعة والخوارج - إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلاً معصية عن عمد، لا صغيرة ولا كبيرة، ويقول ابن حزم: إنه يقع من الأنبياء السهو بغير قصد، ويقع منهم أيضاً قصد الشئ، يريدون به وجه الله، والتقريب منه، فيوافق خلاف مراد الله، إلا أنه سبحانه وتعالى، لا يقرهم على شئ من هذين الوجهين أصلاً، بل ينبههم إلى ذلك ويظهر ذلك لعباده ويبين لهم.

ويقول في المواقف وشرحه: أجمع أهل الملل والشرائع على عصمة الأنبياء من تعمد الكذب، فيما دل المعجز على صدقهم فيه، كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وأما سائر الذنوب فهي إما كفر أو غيره، فأما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم منه، وأما غير الكفر، فإما كبائر أو صغائر، وكل منهما إما عمداً، وإما سهواً، أو على سبيل الخطأ في التأويل، فجوزه الجمهور - إلا الجبائي -، وأما سهواً، فهو جائز اتفاقاً، واستثنى أكثر المعتزلة الصغائر الخسيسة، وهي ما يحكم على صاحبها بالخسة ودناءة الهمة، فإنها لا تجوز أصلاً - لا عمداً ولا سهواً - هذا كله بعد الوحي.

وأما قبل الوحي، فقال الجمهور: لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة، وقال أكثر المعتزلة: تمتنع عليهم الكبيرة، لأن صدورها يوجب النفرة، وهي تمنع من إتباعه، فتفوت مصلحة البعثة (أحمد أمين: ضحى الإسلام 3 / 229 - القاهرة 1368 هـ‍/ 1949، ابن حزم: المرجع السابق 4 / 2 وما بعدها، شرح المواقف باختصار 3 / 204 وما بعدها).


106

والاستيلاء، ولو كان الأمير فاسقاً، أو جاهلاً، أو أعجمياً، ولا يحد الإمام حد الشرب، ولا ينعزل بالفسق والفجور (1).

وروى الفقيه الأندلسي أحمد بن محمد بن عبد ربه (246 - 228 هـ‍/ 860 - 940 م): أمر بعض الخلفاء رجلاً بأمر، فقال: أنا أطوع لك من الرداء، وأذل لك من الحذاء.

وقال آخر: أنا أطوع لك من يدك، وأذل لك من نعلك، وهذا قاله الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك الزيات.

وقال الخليفة العباسي المنصور (136 - 158 هـ‍/ 754 - 775 م) لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم (الخراساني)؟ قال:*﴿لو كان فيهما آلها إلا الله لفسدتا*(2)، قال: حسبك أبا أمية (3).

وروى الإمام الطبري والحافظ ابن كثير وابن الأثير: وفد عمرو بن العاص إلى معاوية - ومعه أهل مصر - فقال لهم عمرو: انظروا، إذا دخلتم على ابن هند، فلا تسلموا عليه بالخلافة، فإنه أعظم لكم في عينه، وصغروه ما استطعتم، فلما قدموا عليه، قال معاوية لحجابه: إني كأني أعرف ابن النابغة، وقد صغر أمري عند القوم، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة (إزعاج)، تقدرون عليها، فلا يبلغني رجل منهم، إلا وقد همته نفسه بالتلف، فكان أول من دخل عليه رجل من مصر، يقال له ابن الخياط فدخل، وقد تعتع، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فتتابع القوم على ذلك، فلما خرجوا

(1) الشيخ مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة - الجزء الأول - القاهرة 1397 / 1977 ص 34 - 35، محمد مهدي الأصفى: الإمامة في التشريع الإسلامي ص 121 - 122.

(2) سورة الأنبياء: آية 22.

(3) أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد - تحقيق الدكتور مفيد محمد قميحة - الجزء الثاني - دار الكتب العلمية - بيروت 1983 ص 9.


107

قال لهم عمرو: لعنكم الله، نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة، فسلمتم عليه بالنبوة (1).

وروى ابن الأثير عن جويرة بن أسماء قال: قدم أبو موسى الأشعري على معاوية في برنس أسود، فقال: السلام عليك يا أمين الله، قال: وعليك السلام، فلما خرج، قال معاوية: قدم الشيخ لأوليه، والله لا أوليه (2).

وروى الفقيه ابن عبد ربه الأندلسي في عقده الفريد: قال العتبي: دخل رجل على عبد الملك بن مروان (65 - 86 هـ‍/ 685 - 705 م)، فقبل يده، وقال:

يدك يا أمير المؤمنين أحق يد بالتقبيل، لعلوها في المكارم، وطهرها من المآثم، وإنك تقل التثريب، وتصفح عن الذنوب، فمن أراد بك سوءاً جعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك (3).

وغالى بعض الولاة في مدح الخلفاء إلى درجة الكفر والفسوق، فالحجاج الثقفي (40 - 95 هـ‍/ 660 - 714 م) - أحد جبابرة أمراء الدولة الأموية - كان يفضل الخليفة عبد الملك بن مروان، على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنه خاطب الله تعالى أمام الناس قائلاً: أرسولك أفضل - يعني النبي صلى الله عليه وسلم، أم خليفتك - يعني عبد الملك - (4).

وروى الحافظ ابن كثير بسنده عن المغيرة عن بزيغ بن خالد الضبي قال:

سمعت الحجاج يخطب فقال: رسول أحدكم في حاجته، أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله على أن لا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت

(1) تاريخ الطبري 5 / 330 - 331، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 11، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 152.

(2) الكامل في التاريخ 4 / 12.

(3) ابن عبد ربه: العقد الفريد 2 / 7.

(4) المقريزي: النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ص 27، رسائل الجاحظ ص 297.


108

قوماً يجاهدونك، لأجاهدنك معهم، زاد إسحاق: فقاتل في الجماجم حتى قتل.

وقال ابن كثير: فإن صح هذا عنه، فظاهره كفر، إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بني أمية، أفضل من الرسول صلى الله عليه وسلم (1).

بل إن الحجاج الثقفي، إنما بلغ به الفسوق والعصيان أن يسخر من المسلمين الذين يتشرفون بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: تباً لهم، إنما يطوفون بأعواد ورمة، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك، ألا يعلمون أن خليفة المرء، خير من رسوله (2).

وهناك خالد بن عبد الله القسري - والي مكة المكرمة على أيام الوليد بن عبد الملك (86 - 96 هـ‍/ 705 - 715 م) - وكان رجل سوء، كثيراً ما يقع في سيدنا ومولانا وجدنا الإمام علي بن طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة فلقد روى ابن الأثير في كامله، وابن الأثير في كامله، وابن فهد في إتحافه، في أحداث عام 89 هـ‍، ولي خالد بن عبد الله القسري مكة (عام 89 هـ‍) فخطب أهلها، فقال: أيها الناس، أيهما أعظم، خليفة الرجل على أهله، أو رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة، إلا إن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحاً أجاجاً واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتاً - يعني بالملح زمزم، وبالماء الفرات بئراً حفرها الوليد بثنية طوى، في ثنية الحجون، وكان ماؤها عذباً، وكان ينقل ماءها، ويضعه في حوض إلى جنب زمزم، ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر، وذهب ماؤها، فلا يدري أين هو اليوم (3).

(1) ابن كثير: البداية والنهاية 9 / 146 - 147، سنن أبي داود 2 / 514 (القاهرة 1952).

(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 15 / 242 (بيروت 1967 م).

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 536 (دار صادر - بيروت 1965 م)، وانظر: ابن فهد

‌>


109

وروى المبرد (أبو العباس محمد بن يزيد) (207 - 210 هـ‍/ 285 - 286 هـ‍) في كتابه الكامل: أن خالد بن عبد الله القسري، لما كان أمير العراق في خلافة هشام بن عبد الملك (105 - 125 هـ‍/ 724 - 743 م) كان يلعن علياً، عليه السلام، على المنبر - تقرباً لنبي أمية - فيقول: اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هشام، صهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على ابنته، وأبا الحسن والحسين، ثم يقبل على الناس، فيقول: هل كنيت؟ (1).

ومن أجل هذا كله، ولأسباب أخرى كثيرة، جعل الإسلام الولاية أمانة، روى مسلم في صحيحه بسنده عن بكر بن عمرو عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن أبي حجيزة الأكبر عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟

قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها (2).

وروى مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي:

اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم، فارفق به (3).

وعن معقل بن يسار المزني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة (4).

<‌

الهاشمي: غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام ص 204 - 205 (جامعة أم القرى 1986)، تاريخ الطبري 8 / 67 - 68، الذهبي: ميزان الاعتدال 1 / 633، سير أعلام النبلاء 5 / 429، ابن العماد الحنبلي: العبر في أخبار من غبر 1 / 162، ابن كثير: البداية والنهاية 10 / 20، ابن عساكر: تهذيب تاريخ دمشق 5 / 82.

(1) المبرد: الكامل ص 114 (طبع أوروبا)، شرح نهج البلاغة 4 / 57.

(2) صحيح مسلم 12 / 209 - 210.

(3) صحيح مسلم 12 / 212 - 213.

(4) صحيح مسلم 12 / 214.


110

وعن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته (1).

وعن قتادة عن أبي المليح، أن عبيد الله بن زياد، دخل على معقل بن يسار في مرضه، فقال له معقل: إني محدثك بحديث، لولا أني في الموت، لم أحدثك به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجتهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة (2).

وعن الحسن قال: عاد عبيد الله بن زياد، معقل بن يسار المزني، في مرضه الذي مات فيه، قال معقل: إني محدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو علمت أن لي حياة، ما حدثتك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة (3).

وعن يونس عن الحسن قال: دخل عبيد الله بن زياد على معقل بن يسار، وهو وجع، فسأله فقال: إني محدثك حديثاً لم أكن حدثتكه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يسترعي الله عبداً رعية، يموت حين يموت، وهو غاش لها، إلا حرم الله عليه الجنة، قال: ألا كنت حدثتني هذا قبل اليوم، قال: ما حدثتك، أو لم أكن لأحدثك (4).

(1) صحيح مسلم 12 / 213.

(2) صحيح مسلم 12 / 215.

(3) صحيح مسلم 2 / 165.

(4) صحيح مسلم 2 / 165 - 166.


111

وعن قتادة عن أبي المليح، أن عبيد الله بن زياد، عاد معقل بن يسار في مرضه، فقال له معقل: إني محدثك بحديث، لولا أني في الموت، لم أحدثك به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة (1).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي الأشهب عن الحسن قال: أن عبيد الله بن زياد، عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل:

أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة (2).

وعن هشام عن الحسن قال: أتينا معقل بن يسار نعوده، فدخل عبيد الله، فقال له معقل: أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة (3).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته (4).

وروى أبو داود في سننه بسنده عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم، وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم،

(1) صحيح مسلم 2 / 166.

(2) صحيح البخاري 9 / 80.

(3) صحيح البخاري 9 / 80.

(4) صحيح البخاري 9 / 77 (وانظر روايات أخرى 4 / 6، 7 / 34).


112

والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته (1).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا ضيعت الأمانة، انتظر الساعة، قيل: يا رسول الله: وما إضاعتها، قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة (2).

وروى البخاري في صحيحه (1 / 22): الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (3).

هذا وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء الظلمة، فقال: سيكون من بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولم يرد على الحوض (4).

وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم، قال: أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء، وفي الخبر: خير الأمراء الذين يأتون العلماء، وشر العلماء الذين يأتون الأمراء.

وفي الخبر أيضاً: العلماء أمناء الرسل على عباد الله، ما لم يخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك، فقد خانوا الرسل، فاحذروهم واعتزلوهم (5).

ومن ثم فإن القلهاتي أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدي (المتوفى سنة 328 هـ‍)، إنما يعيب على أهل السنة دعوتهم إلى طاعة الإمام، ولو كان

(1) سنن أبي داود 2 / 117 (ط الحلبي - القاهرة 1952).

(2) ابن تيمية: السياسة الشرعية ص 14.

(3) صحيح البخاري 1 / 22.

(4) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 896 (ط دار الشعب: القاهرة 1969) - والحديث رواه النسائي والترمذي وصححه والحاكم، من حديث كعب بن عجرة.

(5) الغزالي: المرجع السابق ص 896.


113

جباراً عنيداً، وقولهم: إنا لا نقدر على إزالة ذلك الإمام الجائر الفاسق الظالم، إلا بفتنة عظيمة، وحروب تأتي على الأموال والأنفس، واستبقاؤه على ظلمه وغشمه أولى، لأنا إذا خالفناه أو حاربناه، كنا كمن يبني قصراً، ويهدم قصراً (1).

ويصف القلهاتي الإمام بأنه رجل من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ليس له أن يستحل بما والاه الله تعالى من أمر عباده وبلاده حراماً، ولا يحرم حالاً، بل تزيده الولاية لحق الله تعظيماً (2).

ويستنكر القلهاتي مذهب أهل السنة في طاعة الإمام، مطالباً بضرورة الخروج على الإمام الجائر، محتجاً بمثل قول الله تعالى:*﴿ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً *، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقول أبي بكر الصديق أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله، فلا طاعة لي عليكم (3).

غير أن الآثار إنما تشير إلى غير ما ذهب إليه القلهاتي، فقد قال حذيفة إياكم ومواقف الفتن، قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير، فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه، وقال أبو ذر لسلمة: يا سلمة، لا تغش أبواب السلاطين، فإنك لا تصيب من دنياهم شيئاً، إلا أصابوا من دينك، أفضل منه.

وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك.

(1) القلهاتي: الكشف والبيان - تحقيق الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف - الجزء الثاني - عمان 1980 ص 239.

(2) القلهاتي: المرجع السابق ص 402.

(3) القلهاتي: المرجع السابق ص 367، عبد الفتاح أحمد فؤاد: الأصول الإيمانية لدى الفرق الإسلامية - الإسكندرية 1990 ص 384 - 385.


114

وقال الأوزاعي (1): ما من شئ أبغض عند الله، من عالم يزور عاملاً، وقال سمنون: ما أسمج بالعالم يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد، فيسأل عنه، فيقال: عند الأمير، وكنت أسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم، حتى جربت ذلك، إذ ما دخلت قط على هذا السلطان، إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرى عليها الدرك، مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم.

وقال عبادة بن الصامت: حب القارئ الناسك الأمراء نفاق، وحبه الأغنياء رياء.

وقال ابن مسعود: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ولا دين له، قيل له: لم؟ قال: لأنه يرضيه بسخط الله.

وقال الفضيل: ما ازداد رجل من ذي سلطان قرباً، إلا ازداد من الله بعداً.

وكان سعيد بن المسيب: يتجر في الزيت، ويقول: إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين.

وقال وهيب: هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من المقامرين.

(1) الأوزاعي: هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، ولد عام 88 هـ‍(707 م)، وتوفي في بيروت عام 157 هـ‍(774 م)، سكن دمشق، وبيروت، وسمع عن عطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وغيرهم، وكان بعض العلماء يفضلونه على سفيان الثوري، وكما في تذكرة الحفاظ: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه، كان يصلح للخلافة (أنظر عنه: طبقات ابن سعد 7 / 2 / 185، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 226 - 227، المقدمة لابن أبي حاتم ص 174 - 218، حلية الأولياء 6 / 135 - 149، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 178 - 183، التهذيب لابن حجر 6 / 338 - 242، البداية والنهاية لابن كثير 10 / 115 - 120، الأعلام للزركلي 4 / 94، معجم المؤلفين لكحالة 5 / 163، وفيات الأعيان 3 / 127 - 128، صفة الصفوة 4 / 228، عبر الذهبي 1 / 227، شذرات الذهب 1 / 241، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي - الفقه 3 / 243 - 235).


115

واستعمل عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هـ‍/ 717 - 720 م) رجلاً، فقيل:

كان عاملاً للحجاج فعزله، فقال الرجل: إنما عملت له على شئ يسير، فقال له عمر: حسبك بصحبته يوماً، أو بعض يوم، شؤماً وشراً (1).

وروى أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (105 - 125 هـ‍/ 724 - 743 م) قدم حاجاً إلى مكة، فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين، فأوتي ب‍ً طاوس اليمانيً، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام، ولم يكنه، وجلس بإزائه، وقال:

كيف أنت يا هشام؟.

فغضب هشام غضباً شديداً، حتى هم بقتله، فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله، ولا يمكن ذلك، فقال له: يا طاوس، ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضباً وغيظاً، قال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تقبل يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت: كيف أنت يا هشام.

قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك، فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات، ولا يعاقبني ولا يغضب عليه، وأما قولك لم تقبل يدي، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يقول:

لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد، إلا امرأة من شهوة، أو ولده من رحمة، وأما قولك: لم تسلم علي بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك: لم تكنني، فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال تبت يدا أبي لهب، وأما قولك، جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه، يقول

(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 896 - 897 (القاهرة 1969).


116

إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالس، وحوله قوم قيام.

فقال له هشام: عظني، فقال: سمعت أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول: إن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال، يلدغ كل أمير، لا يعدل في رعيته، ثم قام وهرب (9). (أي طاوس) (2).

وعن سفيان الثوري (3)، رضي الله عنه قال: أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى، فقال لي: إرفع إلينا حاجتك، فقلت له: إتق الله، فقد ملأت الأرض ظلماً وجوراً، قال: فطأطأ رأسه، ثم رفعه، فقال: إرفع إلينا حاجتك، فقلت: إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعاً فاتق الله، وأوصل إليهم حقوقهم، فطأطأ رأسه ثم رفعه، فقال: إرفع إلينا حاجتك، فقلت: حج عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، (13 - 23 هـ‍/ 634

(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 903 - 904.

(2) أنظر عن طاوس: (حلية الأولياء 4 / 3 - 23، وفيات الأعيان 2 / 509 - 511، طبقات ابن سعد 7 / 537، تذكرة الحفاظ ص 90، صفة الصفوة 2 / 160، تهذيب التهذيب 5 / 8، عبر الذهبي 1 / 130، العقد الثمين 6 / 59، شذرات 1 / 134 - 133).

(3) سفيان الثوري: هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد مسروق الثوري الكوفي، ولد عام 95 هـ‍/ 713 م (وقيل عام 96 أو 97 هـ‍)، وتوفي عام 161 هـ‍(778 م)، درس على علماء عصره، ورفض منصب القضاء تحرجاً وورعاً، مما أغضب الخليفة حتى اضطر إلى أن يظل بقية عمره مستتراً، ويعد سفيان الثوري أول من رتب الأحاديث ترتيباً موضوعياً في الكوفة، وبصفته من أتباع أهل الحديث فقد أسس مذهباً فقهياً لم يدم طويلاً، كما قيل إن الثوري كان عالماً بالرياضيات (أنظر: طبقات ابن سعد 6 / 371 - 374، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 222 - 227، التقدمة ص 55 - 129، المشاهير لابن حبان ص 169 - 170، تاريخ بغداد للخطيب 9 / 151 - 174، حلية الأولياء 6 / 356 - 393، 7 / 3 - 144، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 203 - 207، ميزان الاعتدال 1 / 396، التهذيب لابن حجر 4 / 111 - 115، أعيان الشيعة للعاملي 35 / 137 - 149، الأعلام للزركلي 3 / 158، معجم المؤلفين لكحالة 4 / 234 - 235، فؤاد سزكين:

تاريخ التراث العربي 1 / 247 - 249، وفيات الأعيان 2 / 386 - 391، شذرات الذهب 1 / 250 - 251).


117

- 644 م) فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهماً، وأرى هنا أموالاً لا تطيق الجمال حملها، وخرج.

فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين - إذا ألزموا - وكانوا يغررون بأرواحهم للانتقام لله من ظلمهم.

ولما استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه (23 - 35 هـ‍/ 644 - 656 م) عبد الله بن عامر، أتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبطأ عنه أبو ذر، وكان له صديقاً، فعاتبه، فقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرجل إذا ولي ولاية، تباعد الله عنه (1).

ودخل مالك بن دينار (2)، على أمير البصرة فقال: أيها الأمير، قرأت في بعض الكتب إن الله تعالى يقول: ما أحمق من سلطان، وما أجهل ممن عصاني، ومن أعز ممن اعتز بي، أيها الراعي السوء: دفعت إليك غنماً سماناً صحاحاً، فأكلت اللحم، ولبست الصوف، وتركتها عظاماً تتقعقع.

فقال له والي البصرة: أتدري ما الذي يجرئك علينا، ويجبننا عنك، قال:

لا، قال: قلة الطمع فينا، وترك الإمساك لما في أيدينا (3).

(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 904.

(2) مالك بن دينار: أبو يحيى مالك بن دينار البصري، من موالي بني سامة بن لؤي القرشي، كان عالماً زاهداً كثير الورع، لا يأكل إلا من كسبه وكان يكتب المصاحف بالأجرة، توفي عام 131 هـ‍ (أنظر: حلية الأولياء 2 / 257 - 388، وفيات الأعيان 4 / 139 - 140، صفة الصفوة 3 / 197، تهذيب التهذيب 10 / 14، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1 / 173، حيث جعل وفاته في عام 127 هـ‍).

(3) الغزالي: إحياء علوم الدين 5 / 904 (القاهرة 1969).


118

سابعاً: حقوق الإمام وواجباته

لا ريب في أن الإسلام إنما أقام توازناً بين حقوق الإمام وواجباته - كما رأينا من قبل - فكما حذر من عصيان الإمام، والخروج على الجماعة، فلقد حذر الإمام وولاته من غش الرعية حتى أنه ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة.

ويعبر سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة (600 - 656 / 656 - 661 م) (23 ق. هـ‍- 35 هـ‍) (35 - 40 هـ‍) عن ذلك، بقوله: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، وجب على المسلمين أن يطيعوه، لأن الله تعالى أمر بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته (1).

ولعل من الأفضل هنا أن نشير إلى هذه الحقوق والواجبات بشئ من التفصيل:

فأما حقوق الإمام فحقان:

1 - حق الطاعة: وهو حق ثابت بالكتاب والسنة، وقد تحدثنا عنه كثيراً من قبل، فالله تعالى يقول:*﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول

(1) تفسير القرطبي ص 1829 (كتاب الشعب - القاهرة 1970).


119

وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً*(1).

والنص القرآني الكريم واضح وصريح، فهو يجعل طاعة الله أصلاً، وطاعة رسوله أصلاً كذلك - بما أنه مرسل منه سبحانه وتعالى - ويجعل طاعة أولي الأمر منكم، تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله، ومن ثم فهو لا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم - كما كررها عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم - ليقرر أن طاعة أولي الأمر، مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله، بعد أن قرر أنهم منكم بقيد الإيمان وشرطه.

هذا فضلاً عن أن طاعة أولي الأمر منكم - بعد هذه التقريرات كلها - إنما هي في حدود المشروع من الله تعالى، والذي لم يرد نص بحرمته، ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادئ شرعية، عند الاختلاف فيه (2).

والسنة النبوية الشريفة إنما تقرر حدود هذه الطاعة - على وجه الجزم واليقين - ففي الصحيحين بسنده عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما الطاعة في المعروف (3).

وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وأكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة (4).

(1) سورة النساء: آية 59، وانظر: تفسير الطبري 8 / 495 - 499، تفسير النسفي 1 / 232، تفسير الظلال 2 / 687 - 692، تفسير ابن كثير 1 / 782 - 785، تفسير القرطبي ص 1828 - 1833، تفسير المنار 5 / 146 - 158.

(2) سيد قطب: في القرآن 2 / 691 (دار الشروق - ط التاسعة - القاهرة - بيروت 1400 هـ‍/ 1980 م).

(3) صحيح البخاري 9 / 78 - 79، صحيح مسلم 12 / 226 - 227.

(4) صحيح البخاري 9 / 78، صحيح مسلم 12 / 226.


120

وأخرج مسلم من حديث أم الحصين ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا (1).

وبهذا يجعل الإسلام كل فرد - في أمة الإسلام - أميناً على شريعة الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أميناً على إيمانه هو ودينه، أميناً على نفسه وعقله، أميناً على مصيره في الدنيا والآخرة، ولا يجعله بهيمة في القطيع، تزجر من هنا، أو من هنا، فتسمع وتطيع، فالمنهج واضح، وحدود الطاعة واضحة، والشريعة التي تطاع، والسنة التي تتبع، واحدة، لا تتعدد ولا تتفرق (2).

2 - حق المعاضدة والمناصرة: والحق الثاني للإمام إنما هو المعاضدة والمناصرة في أمور الدين، وجهاد العدو، قال الله تعالى:*﴿وتعاونوا على البر والتقوى*(3)، ولا أعلى من معاونة الإمام على إقامة الدين ونصرته.

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي قيس بن رياح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد، فليس مني، ولست منه (4).

فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما يذم الخارج تحت راية عمية، والداعي إلى العصبية، وهو مستلزم لنصرة الدين، دون النصرة عليه.

(1) صحيح مسلم 12 / 225.

(2) في ظلال القرآن 2 / 691.

(3) سورة المائدة: آية 2.

(4) صحيح مسلم 12 / 238 - 239.


121

وأما واجبات الخليفة (الإمام) نحو الرعية فهي - فيما يرى الماوردي (1) - عشرة أشياء: -

الأول: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاع ذو شبهة، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة من زلل.

والثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تتم النصفة، فلا يعتدي ظالم، ولا يضعف مظلوم.

والثالث: حماية بيضة الإسلام، والذب عن الحريم، ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين على أنفسهم وأموالهم.

والرابع: إقامة الحدود، لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.

والخامس: تحصين الثغور بالعدد، ووفور العدد، حتى لا يظفر العدو بغرة، فينتهك فيها محرماً، أو يسفك دماً لمسلم أو معاهد.

والسادس: جهاد الكفرة المعاندين للإسلام، حتى يسلموا أو يدخلوا في ذمة المسلمين، قياماً بحق الله تعالى في ظهور دينه على الدين كله.

والسابع: اختيار الأمناء الأكفاء، وتقليد الولايات للثقات النصحاء، لتضبط الأعمال بالكفاة، وتحفظ الأموال بالأمناء.

والثامن: جباية أموال الفئ والصدقات والخراج، على ما أوجبه الشرع نصاً أو اجتهاداً، من غير حيف، ولا عسف.

(1) الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1402 هـ‍/ 1982 ص 15 - 16.


122

والتاسع: تقدير العطايا، وما يستحقه كل واحد في بيت المال، من غير سرف ولا تقتير، ودفعه إليهم في وقت معلوم، لا تأخير فيه ولا تقديم.

والعاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض، تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى:*﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله*(1).

فلم يقتصر الله سبحانه وتعالى على التفويض، دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع، حتى وصفه بالضلال، وهذا - وإن كان مستحقاً عليه بحكم الدين، ومنصب الخلافة - فهو من حقوق السياسة، لكل مسترع.

روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعية، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته (2).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري قال: أخبرني سالم عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع، ومسؤول عن رعيته، والإمام راع، ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، ومسؤولة عن رعيتها،

(1) سورة ص: آية 26.

(2) صحيح مسلم 12 / 213 (دار الكتب العلمية - بيروت 1403 هـ‍/ 1983 م).


123

والخادم في مال سيده راع، ومسؤول عن رعيته، قال: وحسبت أن قال:

والرجل راع في مال أبيه (1).

وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن مرة الجهني قال لمعاوية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من إمام يغلق بابه، دون ذوي الحاجات والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته، فجعل معاوية رجلاً على مصالح الناس (2).

وروى البخاري في صحيحه (باب من استرعى رعية فلم ينصح) بسنده عن الحسن أن عبيد الله بن زياد، عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه. فقال له معقل: إني محدثك حديثاً، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم تحطها بنصيحة، إلا لم يجد رائحة الجنة (3).

وعن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة (4).

(1) صحيح البخاري 4 / 6، وانظر روايات أخرى للحديث الشريف (صحيح البخاري 7 / 34، 9 / 77).

(2) صحيح الترمذي 6 / 73.

(3) صحيح البخاري 9 / 80 (دار الجيل - بيروت).

(4) صحيح البخاري 9 / 79.


124

ثامناً: ألقاب الإمام أو الخليفة

يقول ابن خلدون (1) (732 - 808 هـ‍/ 332 - 1406 م) في مقدمته المشهورة: إن منصب الخلافة أو الإمامة، إنما هو نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين، وسياسة الدنيا به، ومن ثم فهي تسمى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماماً، فأما تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به، ولهذا يقال الإمامة الكبرى.

وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم، في أمته، فيقال خليفة، بإطلاق، وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم، اقتباساً من الخلافة التي للآدميين في قول الله تعالى:*﴿إني جاعل في الأرض خليفة*(2)، وقول الله تعالى:*﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض*(3).

على أن الجمهور قد منع ذلك، لأن معنى الآية ليس عليه، وقد نهى أبو بكر الصديق عنه، لما دعي به، وقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب، وأما الحاضر فلا (4).

(1) مقدمة ابن خلدون ص 191 - 192 (دار القلم - بيروت 1981).

(2) سورة البقرة: آية 30.

(3) سورة الأنعام: آية 165.

(4) مقدمة ابن خلدون ص 191.


125

ويقول الماوردي: ويسمى خليفة لأنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمته، فيجوز أن يقال يا خليفة رسول الله، وعلى الإطلاق، فيقال الخليفة.

واختلفوا: هل يجوز أن يقال: يا خليفة الله؟ فجوزه البعض، لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقول الله تعالى:*﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات *.

وامتنع الجمهور من جواز ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور، وقالوا:

يستخلف من يغيب أو يموت، والله - سبحانه وتعالى - لا يغيب ولا يموت، وقد قيل لأبي بكر الصديق، رضي الله عنه: يا خليفة الله فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).

ومع ذلك فلقد روى أبو داود في سننه بسنده عن شريك عن سليمان الأعمش، قال: جمعت مع الحجاج فخطب، فذكر حديث أبي بكر بن عياش، قال فيها: فاسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان - وساق الحديث (2).

غير أن كلام الحجاج الثقفي ليس بحجة، حتى أنه - في نفس الصفحة - إنما يفضل خليفة المرء على رسوله، روى أبو داود في سننه بسنده عن المغيرة عن الربيع بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يخطب، فقال في خطبته:

رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه، أم خليفته في أهله، فقلت في نفسي: لله على ألا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت قوماً يجاهدونك، لأجاهدنك معهم - زاد إسحاق في حديثه، قال: فقال في الجماجم حتى قتل (3).

(1) الماوردي: الأحكام السلطانية ص 15.

(2) سنن أبي داود 2 / 514 (ط الحلبي - القاهرة 1371 هـ‍/ 1952).

(3) سنن أبي داود 2 / 514.


126

وعلى أية حال، فلقد حمل الخلفاء - أو الأئمة - الألقاب التالية:

1 - الخليفة:

كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، أول الخلفاء الراشدين، قد لقب بلقب خليفة رسول الله، إذ كان يقوم مقام الرسول في حكم الدولة الإسلامية، والمحافظة على الدين - وكان عمر - في بدء خلافته - يلقب بلقب خليفة رسول الله.

روى البلاذري (أحمد بن يحيى بن جابر - المتوفى 279 هـ‍/ 892 م) أن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بباب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يا رسول الله.

فلما ولي أبو بكر (11 - 13 هـ‍/ 632 - 634 م) كان المؤذن يقف بالباب، ويقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله، ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يا خليفة رسول الله.

. من خلافة عمر بن الخطاب (13 - 23 هـ‍/ 644 م)، كان المؤذن يردد هذه الكلمات، مبتدئاً بقوله: السلام عليك يا خليفة رسول الله (1).

والخليفة - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728 هـ‍/ 1263 - 1328 م) - هو من كان خلفاً عن غيره (فعلية بمعنى فاعلة)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم أنت الصاحب في الفسر، والخليفة في الأهل، وقال صلى الله عليه وسلم من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا (2).

وفي القرآن*﴿سيقول المخلفون من الأعراب*(3) و*﴿فرح المخلفون

(1) حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 438 - 439 - القاهرة 1964).

(2) ابن تيمية: مجموع فتاوي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية 35 / 43 (الرياض 1386 هـ‍).

(3) سورة الفتح: آية 11.


127

بمقعدهم خلاف رسول الله*(1). هذا وقد ظن بعض الغالطين - كابن العربي - أن الخليفة هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله، وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الإنسان مستخلفاً، وربما فسروا تعليم آدم الأسماء كلها التي جمع معانيها الإنسان، ويفسرون خلف آدم على صورته بهذا المعنى أيضاً، وقد أخذوا من الفلاسفة قولهم: الإنسان هو العالم الصغير، وهذا قريب، وضموا إليه:

أن الله هو العالم الكبير، بناء على أصلهم الكفري في وحدة الوجود، وأن الله هو عين وجود المخلوقات، فالإنسان من بين المظاهر، هو الخليفة الجامع الأسماء والصفات (2).

ثم يقول ابن تيمية: والله لا يجوز له خليفة، ولهذا لما قالوا لأبي بكر:

يا خليفة الله، قال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسبي ذلك، بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا.

وبدهي أن ذلك لأن الله تعالى، حي، شهيد، مهيمن، قيوم، رقيب، حفيظ، غني عن العالمين، ليس له شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه.

والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف، بموت أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف، وسمى خليفة، لأنه خلف عن الغزو، وهو قائم خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى، وهو منزه عنها، فإنه حي قيوم، شهيد، لا يموت ولا يغيب، وهو غني يرزق ولا يرزق، يرزق عباده وينصر هم ويهديهم ويعافيهم، بما خلقه من الأسباب التي هي من خلقه، والتي هي مفتقرة إليه، كافتقار المسببات إلى أسبابها، فالله هو الغني الحميد له منا في

(1) سورة التوبة: آية 81.

(2) ابن تيمية: الفتاوي 35 / 42 - 44 (الرياض 1386 هـ‍).


128

السماوات وما في الأرض وما بينهما (1)،*(يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن)*(2)،*(وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)*(3)، ولا يجوز أن يكون أحد خلف منه، ولا يقوم مقامه، لأنه لا سمي له، ولا كفء له فمن جعل له خليفة، فهو مشرك به.

وأما الحديث النبوي الشريف السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل ضعيف وملهوف، وهذا صحيح، فإن الظل مفتقر إلى آو، وهو رفيق له، مطابق له نوعاً من المطابقة، والآوي إلى الظل المكتنف بالظل صاحب الظل، فالسلطان عبد الله، مخلوق، مفتقر إليه، لا يستغني عنه طرفة عين، وفيه من القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معاني السؤدد والصمدية التي بها قوام الخلق، ما يشبه أن يكون لله في الأرض، وهو أقوى الأسباب التي بها يصلح أمور خلقه وعباده، فإذا صلح ذو السلطان، صلحت أمور الناس، وإذا فسد فسدت بحسب فساده، ولا تفسد من كل وجه، بل لا بد من مصالح، إذ هو ظل الله، لكن الظل تازة يكون كاملاً مانعاً من جميع الأذى، وتازة لا يمنع إلا بعض الأذى، وأما إذا عدم الظل فسد الأمر، كعدم سر الربوبية التي بها قيام الأمة الإنسانية، والله تعالى أعلم (4).

2 - أمير المؤمنين:

كان هذا اللقب هو اللقب التالي للخليفة، ذلك أن عمر بن الخطاب - منعاً لتكرار لفظ خليفة بالنسبة إلى من يتولى أمور المسلمين من الخلفاء - أمر أن يستبدل لفظ خليفة رسول الله بعبارة أو لقب أمير المؤمنين.

روي أن المغيرة بن شعبة قال لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه: يا

(1) الفتاوي 35 / 45.

(2) سورة الرحمن: آية 29.

(3) سورة الزخرف: آية 84.

(4) فتاوي ابن تيمية 35 / 45 - 46.


129

خليفة الله، فقال عمر: ذاك نبي الله داود (1)، قال: يا خليفة رسول الله، قال:

ذاك صاحبكم المفقود (أي أبو بكر)، قال: يا خليفة خليفة رسول الله، قال: ذاك أمر يطول، قال: يا عمر، قال: لا تبخس مقامي شرفه، أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقال المغيرة: يا المؤمنين (2).

وروى ابن الأثير في أسد الغاية: بسنده عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سليمان بن أبي خيثة، عن جدته الشفاء - وكانت من المهاجرات الأول - وكان عمر، إذا دخل السوق أتاها، قال: سألتها من أول من كتب عمر أمير المؤمنين؟ قالت: كتب عمر إلى عامله على العراقين: أن ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين، أسألهما عن أمر الناس، قال: فبعث إليه بعدي بن حاتم، ولبيد بن ربيعة، فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فاستقبلا عمر وبن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه، وهو الأمير، ونحن المؤمنون، فانطلقت حتى دخلت على عمر، فقلت: يا أمير المؤمنين، فقال: لتخرجن مما قلت، أو لأفعلن، قلت: يا أمير المؤمنين، بعث عامل العراقيين بعدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم استقبلاني فقالا: إستأذن لنا على أمير المؤمنين، فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه، هو الأمير، ونحن المؤمنون.

وكان قبل ذلك يكتب من عمر خليفة، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجرى الكتاب من عمر أمير المؤمنين، من ذلك اليوم.

وقيل: إن عمر قال: إن أبا بكر كان يقال له: يا خليفة رسول الله، ويقال لي يا خليفة، خليفة رسول الله، وهذا يطول: أنتم المؤمنون، وأنا أميركم.

(1) سورة ص آية 26.

(2) أبو عثمان عمر وبن بحر الجاحظ: التاج في أخلاق الملوك - تحقيق أحمد زكي باشا ص 86 - 88 (القاهرة 1333 هـ‍/ 1914 م).


130

وقيل إن المغيرة بن شعبة قال له ذلك - كما أشرنا من قبل - والله أعلم (1).

وأياً ما كان الأمر، فإن الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إنما كان أول من تلقب بهذا اللقب، الذي كان يتمشى مع عهد الفتوح، لما في ذلك اللفظ من معنى السلطتين - الحربية والإدارية - (2).

وفي رواية ابن الجوزي (3) عن محمد بن سعد قال: قالوا: لما مات أبو بكر، وكان يدعى خليفة رسول الله، قيل لعمر: خليفة خليفة رسول الله، فقال المسلمون: فمن جاء بعدك سمي، خليفة خليفة رسول الله، فيطول هذا، ولكن اجتمعوا على اسم يدعى به الخليفة، ويدعى به من بعده فدعي أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بذلك.

وعن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز (99 - 101 هـ‍/ 717 - 720 م) سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة: لم كان أبو بكر يكتب من أبي بكر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان عمر يكتب من بعده من عمر بن الخطاب، خليفة أبي بكر؟ ومن أول من كتب أمير المؤمنين؟

فقال: حدثتني جدتي الشفاء - وكانت من المهاجرات الأول، وكان عمر إذ دخل السوق دخل عليها - قالت: كتب عمر بن الخطاب إلى عامل العراقين أن

(1) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 170 (كتاب الشعب - القاهرة 1970).

(2) حسن إبراهيم: المرجع السابق ص 439.

(3) ابن الجوزي: هو أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي، وينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق، اختلف في تاريخ مولده فيما بين عامي 508، 511 هـ‍(أي حوالي عام 1116 م)، وتوفي ليلة الجمعة 12 رمضان عام 597 هـ‍ببغداد وكان ابن الجوزي علامة عصره، وإمام وقته في الحديث والوعظ، صنف في فنون عديدة، و له التفسير (زاد المسير في علم التفسير، في أربعة أجزاء)، وفي التاريخ (المنتظم) وله في الحديث تصانيف كثيرة، فله الموضوعات (أربعة أجزاء)، وتلقيح فهوم الأثر (على وضع كتاب المعارف لابن قتيبة، وانظر عن ابن الجوزي (وفيات الأعيان 3 / 140 - 142، عبر الذهبي 4 / 297، شذرات الذهب 4 / 329 - 331، مقدمة كتابه:

تاريخ عمر بن الخطاب لأسامة عبد الكريم).


131

ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين، أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه صاحب العراقين بلبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم، فقدما المدينة، فأناخا راحلتهما بفناء المسجد، فوجدا عمرو بن العاص، فقالا له: يا عمرو، استأذن لنا على أمير المؤمنين عمر، فوثب عمرو بن العاص فدخل على عمر، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص، لتخرجن مما قلت، قال: نعم، قدم لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم، فقالا لي: إستأذن لنا على أمير المؤمنين، فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه وإنه الأمير، ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من ذلك اليوم.

وقال الضحاك: قال عمر: أنتم المؤمنون، وأنا أميركم، فهو سمى نفسه (1).

3 - الإمام:

لفظ إمام أو الإمام مستعار في الأصل من إمامة الصلاة، ومن ثم فإن الشيعة إنما يستعملون هذا اللقب، لأنهم يعتقدون أن لأفراد البيت العلوي (أبناء الإمام علي بن أبي طالب من السيدة فاطمة الزهراء، بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) قوى إلهية مقدسة. هذا وقد ورد لفظ إمام في القرآن بمعنى الزعيم أو الدليل أو الرئيس، قال الله تعالى:*﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأو حينا إليهم فعل الخيرات*(2).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يؤم الناس في الصلاة، باعتباره زعيماً للمسلمين، ولما مرض مرضه الأخير ندب أبو بكر للصلاة بالناس، الأمر الذي اعتبره السنيون من

(1) الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي: تاريخ عمر بن الخطاب - قدم له وعلق عليه:

أسامة عبد الكريم الرفاعي ص 74 - 75 (مكتبة السلام العالمية - الفلكي - القاهرة 1394 هـ‍/ 1974 م).

(2) سورة الأنبياء: آية 73.


132

أهم الأدلة على أحقية أبي بكر بالخلافة بعد النبي (1)، وقد حرص الخلفاء على إمامة المسلمين في الصلاة، لما تدل عليه من صفة الزعامة، حتى أصبحت من أهم أعمال الولاة في الأمصار الإسلامية (2).

4 - الملك:

من المعروف أن سيدنا الإمام الحسن بن علي - سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم - إنما كان خامس الراشدين وآخرهم، وقد تحققت به وعليه معجزة جده الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، في قوله الشريف الخلافة بعدي ثلاثون سنة وصدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدقت معجزته، فكان للإمام الحسن بن علي من هذه الثلاثين سنة قرابة ستة أشهر، تتمة لها، أو سبعة أشهر، وأحد عشر يوماً - فيما يرى أين عساكر - ومن ثم فهو، رضوان الله عليه، خامس الراشدين، فلقد أخرج ابن حبان والإمام أحمد عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً.

ويقول الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - عن خلافة الإمام الحسين بن علي ابن أبي طالب - أن أهل الشام بايعوا معاوية بإيلياء (القدس) (3)، لأنه لم يبق له عندهم منازع، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي، رضي الله

(1) من المعروف من أحداث سقيفة بني ساعدة، أن أهم الأسس التي اعتمد عليها أبو بكر - وعمر - في إسناد الخلافة إلى أبي بكر، أنه من قريش - (وذلك عندما نادى الأنصار بيعة سعد بن عبادة، ثم منا أمير ومنكم أمير) عندما حدث ذلك كانت القرابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي الفيصل، قال أبو بكر: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولن تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فقد يعلم ملأ منكم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأئمة من قريش، فأنتم أحقاء أن لا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما ساق الله إليهم، حتى اعتبر النسب القرشي بعد ذلك شرطاً في الإمامة عند السنة.

(2) حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي 1 / 439 - 440 (القاهرة 1964).

(3) أنظر عن إيليا - وهي القدس، وهي أورشليم، (محمد بيومي مهران: إسرائيل - الجزء الثاني ص 812 - 866 - الإسكندرية 1978).


133

عنه، ليمانعوا به أهل الشام، فلم يتم لهم ما أرادوه وحاولوه، وإنما كان خذلاناً لهم من قبل تدبيرهم، وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من متابعتهم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم.

والدليل على أن سيدنا الحسن بن علي، أحد الخلفاء الراشدين، الحديث الشريف الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي رواه الأئمة: أحمد بن حنبل والترمذي وأبو يعلى وابن حبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً.

هذا وقد كملت الثلاثون سنة بخلافة الإمام الحسن بن علي، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم، إنما توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل نبوته صلوات الله وسلامه عليه وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، على صنيعه هذا، وهو تركه الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة، وجعل الملك بيد معاوية بن أبي سفيان، حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد (1).

وروى المسعودي في مروج الذهب: أنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

الخلافة بعدي ثلاثة سنة، لأن أبا بكر رضي الله عنه، تقلدها سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام، وعمر، رضي الله عنه، عشر سنين وستة أشهر، وأربع ليال، وعثمان رضي الله عنه، إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهراً، وثلاثة عشر يوماً، وعلي رضي الله عنه، أربع سنين وسبعة أشهر، إلا يوماً، والحسن رضي الله

(1) الحافظ ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 18 (القاهرة 1351 هـ‍/ 1933 م).


134

عنه، ثمانية أشهر، وعشرة أيام، فذلك ثلاثون سنة (1).

وأخرج ابن عساكر في تاريخه: أخرج الحافظ عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم قال رجل - كان حاضراً في مجلس عبد الله - فقال: قد دخلت في هذه الثلاثين سنة شهور في خلافة معاوية، فقال من حضر: إن تلك الشهور كانت فيها البيعة للحسن، بايعه أربعون ألفاً، واثنان وأربعون ألفاً، ولما قتل علي رضي الله عنه، بايع أهل الكوفة الحسن بن علي، رضي الله عنه، وأطاعوه، وأحبوه أشد من حبهم لأبيه، وكان قد ولي الخلافة سبعة أشهر، وأحد عشر يوماً، وكان التقاؤه بمعاوية بمسكن من أرض العراق، فتصالحا في ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين.

ويقول ابن خلكان (أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر - 608 - 681 هـ‍/): روى سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً أو ملوكاً - وكان آخر ولاية الحسن بن علي، رضي الله عنه تمام ثلاثين سنة، وثلاثة عشر يوماً، من أول خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه (2).

ويقول ابن تيمية في رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - بعد أن ذكر الحديث - الآنف الذكر - الذي رواه سفينة - الخلافة ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً، فكان آخر الثلاثين حين سلم سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحسن بن علي، رضي الله عنه، الأمر إلى معاوية، وكان معاوية أول الملوك (3).

(1) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر 1 / 715 - (دار الكتاب اللبناني - بيروت 1402 هـ‍/ 1982 م).

(2) ابن خلكان: وفيات الأعيان 2 / 66 (دار صادر - بيروت 1977 م).

(3) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري ص 29 (دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة 1405 هـ‍/ 1984 م).


135

وهكذا يتفق العلماء على أنه لم يكن في الثلاثين سنة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم، من بعده للخلافة، إلا الخلفاء الراشدون الأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي)، وكملت الثلاثون سنة بخلافة الإمام الحسن بن علي، المدة التي مكث فيها خليفة حق، وإمام عدل، تحقيقاً لما أخبر به جده المصطفى صلى الله عليه وسلم، بقوله الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ومن ثم فقد كانت خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب، منصوصاً عليها، وإن كانت محدودة الأجل.

ثم يبدأ - بعد الحسن بن علي - الملك العضوض ب‍ً معاوية بن أبي سفيانً (40 - 60 هـ‍/ 660 - 680 م) فلقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال: لسفينة (مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم، قال: كذب بنو الزرقاء، بل هم ملوك، ومن أشد الملوك، وأولهم معاوية.

هذا ويسمى شيخ الإسلام ابن تيمية معاوية بن أبي سفيان بالملك، فيقول في كتابه منهاج السنة: لم يكن من ملوك الإسلام ملك خيراً من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية (1).

هذا وقد أشرنا آنفاً إلى رواية الحافظ ابن كثير، والتي يفرق فيها بين عهد الإمام الحسن بن علي وعهد معاوية بن أبي سفيان، فسمي عهد الأول خلافة، وعهد الثاني ملكاً، فقال: وقد مدحه (أي الإمام الحسن) رسول الله صلى الله عليه وسلم، على صنيعه، وهو ترك الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة، وجعل الملك بيد معاوية (2).

(1) ابن تيمية: المنتقى من منهاج الاعتدال ص 231 (مختصر منهاج السنة للحافظ الذهبي - مكتبة دار البيان - دمشق 1374 هـ‍).

(2) الحافظ ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 18.


136

هذا فضلاً عن أن معاوية بن أبي سفيان نفسه، إنما كان يقول عن نفسه أنا أول الملوك، هذا فضلاً عن أن الجملة التي ينسبها أنصار معاوية و مريدوه إلى عبد الله بن عباس، على أنها مديح لمعاوية. لا تعدو وصفه بالملك، وليس الخليفة، وهي قوله: ما رأيت رجلاً كان أخلق بالملك من معاوية (1).

أضف إلى ذلك كله، أن القاضي أبا بكر بن العربي (468 - 543 هـ‍)، والذي كتب كتابه العواصم من القواصم للدفاع عن معاوية وبني أمية، إنما يتحدث فيه عن مراتب الولاية، على أنها: خلافة ثم ملك، فتكون ولاية الخلافة للأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي)، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية (2).

وعلى أية حال، فإن المؤرخين إنما يذهبون إلى أن معاوية بن أبي سفيان إنما قد أحاط نفسه بكل مظاهر الملك، فقد لازم الخلافة الإسلامية في عهده طابع سياسي، أكثر منه دينياً، وأصبحت كلمة ملك - بمعنى الحاكم المطلق (أوتوقراطي) - يطلقها المؤرخون عليه، وعلى خلفائه من حكام بني أمية، وهو نفسه الذي قال: أنا أول الملوك.

وقد استحدث معاوية أموراً لم تعرفها من قبل خلافة الراشدين، فبنى لنفسه قصراً في دمشق سماه الخضراء، وهو قصر ضخم، أراد به معاوية أن ينافس قصور الرومان، وكان أبو ذر الغفاري - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم - ينكر على معاوية أموراً كثيرة، قال أبو ذر: لقد حدثت أعمالاً لا أعرفها، والله ما هي في كتاب، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله إني لأرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذباً، وأثرة بغير تقى.

وأراد معاوية أن يتلطف إلى أبي ذر، ويتقرب إليه، فدعاه إلى قصره

(1) ابن تيمية: المنتقى من منهاج الاعتدال ص 231.

(2) القاضي أبو بكر بن العربي المالكي: العواصم عن القواصم - حققه محب الدين الخطيب - خرج أحاديثه محمود مهدي الاستانبولي ص 215 (دار الكتب السفية - القاهرة 1405 هـ‍).


137

الخضراء هذا، فقال له أبو ذر: يا معاوية، إن كانت هذه الأبهة من مال الله، فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف (1).

هذا فضلاً عن اتخاذه السرير - أو العرش - وجعل الحراس يمشون بالحراب بين يديه، كما أوجد الشرطة لحراسته، وكان إذا صلى في المسجد، جلس في بيت منفرد بجدران عرف باسم المقصورة وأخيراً، فلقد أراد معاوية أن يجعل من الخلافة الإسلامية مزرعة أموية، ومن ثم فقد استحدث في الإسلام بدعة ولي العهد، فاستخلف ولده يزيد على سلطان المسلمين من بعده، فغير بذلك السنة الموروثة تغييراً خطيراً، الأمر الذي أدى إلى مذبحة كربلاء، التي راح ضحيتها أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وذبحت ذريته، فضلاً عن الاستباحة الخليعة لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في يوم الحرة، والاعتداء على حرم الله الآمن بمكة المكرمة (2).

وكان سعيد بن المسيب، رضي الله عنه، يسمى سني يزيد بن معاوية بالشؤم، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي، وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانية استبيح حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهكت حرمة المدينة، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله، وحرقت الكعبة (3).

وهكذا يبدو واضحاً أن خلافة سيدنا الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، إنما كانت نهاية الخلافة، - كما أخبر جده النبي صلى الله عليه وسلم - ومن ثم فهو

(1) أنظر: ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 8 / 256، عبد الرحمن الشرقاوي: علي إمام المتقين 1 / 170 (ط مكتبة غريب - القاهرة 1985).

(2) محمد بيومي مهران: الإمام الحسن بن علي ص 48 - 50 (دار النهضة العربية - بيروت 1990 م).

(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 253 (دار بيروت - بيروت 1400 هـ‍/ 1980 م).


138

خامس الراشدين، حيث ينتهي بعهده عهد الخلافة، ويبدأ عصر الملوك، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: ستكون خلافة نبوة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض (1).

وفي رواية الحافظ أبي نعيم عن الليث عن عبد الله بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ وأبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكاً عضوضاً ثم كائن عتواً وجبرية، وفساداً في الأمة، يستحلون الحرير والخمور، يرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل (2).

وفي رواية أبي داود بسنده عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك - أو ملكه - من يشاء (3).

وفي رواية الطحاوي خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء أو الملك (4).

وفي سنن أبي داود: قال سعيد، قال لي سفينة: أمسك عليك: أبا بكر سنتين، وعمر عشراً، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي كذا، قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء (أي بني أمية) يزعمون أن علياً عليه السلام، لم يكن بخليفة، قال: كذبت أستاه بني الزرقاء، يعني مروان (5).

(1) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم ص 29 (جدة 1984).

(2) الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: دلائل النبوة ص 481 (دار الباز - مكة المكرمة 1977 م).

(3) سنن أبي داود 2 / 515 (ط الحلبي - القاهرة 1371 هـ‍/ 1952 م).

(4) شرح العقيدة الطحاوية (بيروت 1392 هـ‍) ص 545.

(5) سنن أبي داود 2 / 515.


139

وفي رواية الطبراني عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة بسنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكاً عضوضاً، ثم كائن عتواً، وجبرية، وفساداً في الأرض، يستحلون الحرير والفروج والخمور، ويرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل.

وفي الخصائص الكبرى: وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي والحاكم والبيهقي وأبو نعيم عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلافة النبوة - وفي لفظ: الخلافة في أمتي - ثلاثون عاماً، ثم يكون ملكاً.

وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم كائن ملكاً عضوضاً، ثم كائن عتواً وجبرية، وفساداً في الأمة، يستحلون الفروج والخمور والحرير، وينصرون على ذلك ويرزقون أبداً، حتى يلقوا الله.

وأخرج البيهقي عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خلافة نبوة ثلاثون عاماً، ثم يؤتي الله الملك من يشاء، فقال معاوية: قد رضينا بالملك.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخلافة بالمدينة، والملك بالشام (1).

وهكذا تشير الأحاديث النبوية الشريفة إلى أن الخلافة إنما تنتهي بخلافة

(1) الحافظ أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي: الخصائص الكبرى 2 / 115 - 116 (دار الكتب العلمية - بيروت).


140

الإمام الحسن بن علي - سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأن الملك إنما يبدأ بمعاوية بن أبي سفيان (مؤسس الدولة الأموية 41 - 132 هـ‍/ 661 - 750 م)، ومن ثم فمعاوية أول ملوك الإسلام، وكان معاوية نفسه دائماً يقول أنا أول الملوك.

وروى الحافظ ابن كثير عن حنبل بن إسحاق قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن أبي عتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال: قال معاوية: أنا أول الملوك، وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف حدثنا حمزة عن ابن شوذب قال: كان معاوية يقول: أنا أول الملوك، وآخر خليفة.

هذا وكان الصحابي الجليل - سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه يسلم على معاوية بن أبي سفيان بالملك وبالخلافة أو إمارة المؤمنين، روى ابن الأثير في الكامل أنه: لما استقر الأمر لمعاوية، دخل عليه سعد بن أبي وقاص، فقال: السلام عليك أيها الملك، فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق لو قلت: يا أمير المؤمنين؟ فقال: أتقولها جذلان ضاحكاً؟

والله ما أحب أني وليتها بما وليتها (1) به.

وروى اليعقوبي فقال: ودخل سعد بن مالك (سعد بن أبي وقاص) فقال: السلام عليك أيها الملك، فغضب معاوية فقال: ألا قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إن كنا أمرناك، إنما أنت منتنر (2).

وليس هناك إلى سبيل من ريب في أن الملك أقل درجة من الخلافة، يقول الإمام ابن تيمية في فتاويه: وأن خبره صلى الله عليه وسلم، بانقضاء خلافة النبوة فيه الذم للملك، والعيب له، لا سيما، ومن حديث أبي بكرة أنه استاء للرؤيا، وقال:

خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء (3).

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 409 (بيروت 385 هـ‍/ 1965 م).

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 217 (بيروت 1400 هـ‍/ 1980 م).

(3) فتاوى ابن تيمية 35 / 21 - 22 (الرياض 1386 هـ‍).


141

وفي رواية أبي داود، عن سعيد بن جمهان: خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك - أو ملكه - من يشاء (1).

ويقول الحافظ ابن كثير: والسنة (أي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أن يقال لمعاوية ملك، ولا يقال له خليفة كحديث سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً (2)، وفي رواية خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء، أو ملكه من يشاء (3).

هذا وقد أطلق الإمام ابن تيمية في كثير من أجزاء فتاويه لقب الملك على معاوية، يقول في الجزء الرابع: واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكاً ورحمة، كما جاء في الحديث يكون الملك نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض، وأما من قبله فكانوا خلفاء نبوة، فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: تكون خلافة النبوة ثلاثين سنة، ثم تصير ملكاً (3).

ويقول في الجزء الخامس والثلاثين: وفي عام الجماعة، لاجتماع الناس على معاوية، وهو أول الملوك (4). ومن عجب أن يقول الشيخ الخضري (محمد بن عفيف الباجوري الخضري 1289 - 1345 هـ‍/ 1872 - 1927 م) أن التاريخ يسمي معاوية الخليفة المتغلب، وهذا - فيما يرى الشيخ التباني - كذب على التاريخ، فإنه لم يسمه خليفة، فضلاً عن كونه متغلباً، فقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن معاوية في مدة الإمام علي وولده الإمام الحسن، لم يكن خليفة، وإنما كان من الملوك، وإنما اختلفوا في تسميته بعد تنازل الحسن له،

(1) سنن أبي داود 2 / 514 - 515 (القاهرة 1371 هـ‍/ 1952 م).

(2) الحافظ ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 146.

(3) سنن أبي داود 2 / 514 - 515.

(4) فتاوى ابن تيمية 4 / 478، 35 / 19.


142

واجتماع المسلمين عليه، فقيل صار خليفة، وقيل: لا، لقوله صلى الله عليه وسلم: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً، وقد اتفقوا على أنها تمت بمدة الحسن.

أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان وممن ذكر هذا الاتفاق والاختلاف الكمال بن الهمام في مسايرته (1).

ومن البدهي أن ما ينطبق على معاوية - من أنه ملك، وليس خليفة، اتباعاً للسنة النبوية الشريفة - إنما ينطبق على خلفائه من حكام بني أمية، فهم جميعاً ملوك، وليسوا خلفاء، والأمر كذلك بالنسبة لبني العباس، فضلاً عن العثمانيين، والذين انتهت خلافتهم (؟) بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، حيث قام كمال أتاتورك (1298 - 1351 هـ‍/ 1880 - 1938 م) بإلغاء الخلافة العثمانية في 22 رجب عام 1342 هـ‍(3 مارس 1924 م) (2).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك تصوراً آخر لتطور الخلافة، يجعلها في ثلاثة أطوار، قدمه لنا العلامة الباقوري (3) - طيب الله ثراه - وهي:

1 - الطور الأول: طور الخلافة الراشدة:

وهو طور اجتهاد في نصرة الحق بكل ما ينطوي عليه الاجتهاد من خطأ أو صواب، ومن سداد في الرأي، أو سوء في التأويل، ومن تلمظ إلى لذاذات السلطان، أو إيثار لمقتضيات الإيمان.

2 - الطور الثاني: - طور الملك العضوض:

فقد انتقل أهل الإسلام من الشورى التي أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ولزمها الخلفاء الراشدون، إلى صورة أخرى

(1) محمد العربي التباني: تحذير العبقري من محاضرات الخضري - بيروت 1984 ص 230 - 232.

(2) أنظر عن نهاية الخلافة العثمانية (عمر عبد العزيز عمر: تاريخ المشرق العربي - دار النهضة العربية - بيروت 1984 ص 293 - 296).

(3) أحمد حسن الباقوري: مع القرآن - القاهرة 1970 ص 14 - 46.


143

من نظام الحكم، كان العرب يعرفونها بالقيصرية أو الكسروية، وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم الملك العضوض - كما رأينا آنفاً في أحاديث نبوية شريفة -.

والعضوض: بناء لغوي يعطي معنى المبالغة في العض، ويوصف به المذكر والمؤنث، وهو مستعار من عض الناب، فكان هذا النوع من الحكم يعض الرعية عضاً، ومن ذلك يقول العرب: زمن عضوض، يعنون أنه كلب مسعور.

والخصيصة البارزة للملك العضوض، أنه مغري بطمس كل حقيقة مأثورة، تخالف هواه، لكي لا ينبعث عنها ما ينبه غافلاً، أو يرشد حائراً، أو يذكر ناسياً، أو يشد عزمة واهية، إلى وصل حاضر واهن بماض قوي مجيد.

ومن أعجب شئ في طمس الحقائق أن يستمر ملوك بني أمية على عداوتهم لأمير المؤمنين علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - حتى بعد أن لحق بالرفيق الأعلى - راضياً مرضياً عنه - فيتجاهلون في هذا الموطن، كرائم الأخلاق العربية، وفضائل الآداب الإسلامية، ليأمروا عمالهم وعفاتهم - غير محتشمين الموت - أن يلعنوا الإمام علي (والعياذ بالله) على المنابر في بيوت الله، بين أسماع المسلمين وأبصارهم.

ولم تزل هذه الخسيسة - خسيسة لعن الإمام علي على المنابر في بيوت الله - تطارد كل يوم جمعة، شرف العروبة، وأدب الإسلام، حتى قضى عليها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فأمر، رضي الله عنه، أن تستبدل بهذه البدعة الخسيسة المنكرة، الآية الشريفة من كتاب الله،*﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون*(1).

(1) سورة النحل: آية 90.


144

ومن أعدل الشهود على خساسة هذا الطور من الخلافة، مراسيل الحسن البصري (21 - 110 هـ‍/ 642 - 728 م)، وهو التابعي الورع، رضيع أم سلمة، أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان من شيعة الإمام علي وأهل مودته، وكان يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث المرسل: هو ما سقط من سلسلته الصحابي، كقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، وقد كانت تلك طريقة الحسن البصري، فيما يرويه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يذكر الصحابي الذي يروي عنه، ويقول: إنهم ليعلمون عمن أروي الحديث.

وقد سأل أحد طلاب الحديث الحسن ذات يوم فقال: يا أبا سعيد، إنك تحدثنا وتقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبذا لو أسندت الحديث إلى من حدثك من أصحاب النبي، فقال الحسن: إنا والله ما كذبنا، وما كذبنا، ولقد غزونا غزوة إلى خراسان، ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

هذا وقد سأل يونس بن عبيد - من أهل العلم - الحسن البصري، فقال: يا أبا سعيد، إنك تقول: قال رسول الله، وإنك لم تدركه، فقال: يا ابن أخي، لقد سألتني في شئ، ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى - يعني زمن الحجاج - كل شئ سمعتني أقوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في هذا الزمان لا أستطيع أن أذكر علياً (1).

هذا وقد وثق أهل العلم بالحسن البصري، فقال ابن المديني: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منه، وقال يحيى بن سعيد القطان: ما قاله الحسن في حديثه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا وجدنا له أصلاً، إلا حديثاً أو حديثين، وقال محمد بن سعيد: كل ما أسند من

(1) أنظر: شرح نهج البلاغة 4 / 95 - 96.


145

حديث الحسن، أو روي عمن سمع منه، فهو حسن وحجة (1).

وقال الأعمش: ما زال الحسن البصري (2) يعي الحكمة، حتى نطق بها، وكان إذا ذكر عند الإمام أبي جعفر محمد الباقر بن علي بن الحسين، قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء (3).

3 - الطور الثالث: طور العصبية الجامحة:

وهي ضربان: عصبية عروق تستند إلى الأنساب، وعصبية مذاهب تستند إلى الأفكار.

(1) الباقوري: مع القرآن ص 16 - 18.

(2) الحسن البصري: هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد، وهو ابن مولى من ميسان أحضر إلى المدينة وقت الفتح، وقد ولد الحسن بالمدينة 21 هـ‍(642 م) ونشأ في وادي القرى ثم انتقل إلى البصرة، وقد عرف سبعين من رجال غزوة بدر، وروى عن عدد منهم، وأكثر مروياته عن أنس بن مالك، وكان يعلن رفضه لبيعة يزيد بن معاوية، وهو القائل أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة كانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء، حتى ابتزها أمرها، بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وقتله حجراً، ويلا له من حجر، مرتين.

هذا ويعد أهل السنة الحسن البصري منهم، ويراه المعتزلة معتزلياً، فمؤسسا الاعتزال - واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد - تلميذاه، كما أنه مال إلى القول بحرية الإرادة، وكان ورعه ذا أثر في الاتجاه الصوفي في علم الكلام، وانظر عن مصادر ترجمته (طبقات ابن سعد 7 / 156 - 178، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 1 / 2 / 40 - 42، الفهرست لابن النديم ص 37 - 38، 183، حلية الأولياء 2 / 131 - 161، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 68 - 69، تهذيب التهذيب لابن حجر 2 / 263 - 270، المعتزلة لابن المرتضى ص 18 - 24، وفيات الأعيان 2 / 69 - 73، شذرات الذهب 1 / 136 - 138، الأعلام للزركلي 2 / 242، تذكرة الحفاظ ص 71 - 72، ميزان الاعتدال 1 / 254)، كما قدمت عنه عدة دراسات، أهمها، 1 - عبد الرحمن الجوزي: فضائل الحسن البصري - القاهرة 1350 هـ‍، 2 - عبد الغني المقدسي: أخبار الحسن البصري، 3 - إحسان عباس: الحسن البصري - القاهرة 1952 م.

أما آثاره: فأهم ما ينسب إليه: 1 - تفسير القرآن، 2 - القراء. 3 - رسالة في القدر.

4 - فضائل مكة. 5 - فرائض. 6 - رسالة في التكاليف. 7 - شروط الإمامة. 8 - وصية النبي لأبي هريرة. 9 - الاستغفارات المنقذة من النار. 10 - الأسماء الإدريسية. 11 - الأخبار المتفرقة.

(3) حلية الأولياء 2 / 147.


146

1 - فأما عصبية العروق:

فإنها فطرة في النفس الإنسانية، ومن أجل هذا لم يقاومها الإسلام، مقاومة تقضي عليها، وإنما كان شأنه معها، كشأنه مع سائر الأمور الفطرية، يقوم فيها ما أعوج، وينهنه منها ما غلا، وشاهد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتسنم الشرف من بيته وقبيلته وقومه، وذلك حيث يقول:

إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (1).

فالاعتزاز بالعصبية فطرة لم يقاومها الإسلام، وإنما قاوم الظلم الناجم عنها، حتى تستقيم الحياة على ما ينفع الناس.

غير أن العرب - بما فيهم من فضائل فطرية، ظاهرتها فضائل الدين - لم يستطيعوا الاحتفاظ طويلاً بهضم نفوسهم، وقهر شهواتهم، فنزعوا إلى الاستعلاء بالعروق، والاستطالة بالأنساب، فلما مهد الإسلام لهم سبل النعمة، ومكن لهم من السلطان، استغلظت بينهم الفتن، وضرب بعضهم رقاب بعض، حتى خيم عليهم الفناء، وكانت السنة المألوفة في صدر الإسلام، أن تكون كتائب الجيش من القبائل العربية، وأن يكون أمراؤها من ساداتها.

ثم كان الملك العضوض يتربص الدوائر بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، الطاهرين المطهرين، ضرباً بالسيوف، وقعصاً بالرماح، وصلباً على الأعواد، يحدث ذلك كله - ويا للعجب - بين أسماع الأمة وأبصارها.

ولم تكن عصبيات العروق قد ماتت في أنفس المسلمين، من غير العرب، فبدأت تستيقظ عاقدة آملة، وأعتى الشرور، شر يزحف مدفوعاً بالحقد مزوداً بالأمل، وأي أمل آمل من آل البيت، يتخذهم الطامعون في السلطان، مسعر فتنة، كما اتخذ بنو أمية وتباعهم - أول عهد دولتهم بالحياة - قميص عثمان لسان فتنة، لا يجاريه في فصاحته وبيانه لسان.

(1) صحيح مسلم 15 / 36، القسطلاني: المواهب اللدنية 1 / 13.


147

وقامت دولة بني العباس (132 - 156 هـ‍/ 750 - 1258 م)، وقد شارك في إقامتها أبناء فارس، وكان الظن ببني العباس أن يكونوا أقرب إلى الخلافة منهم إلى الملك العضوض، وخاصة فيما يتصل بآل البيت، وخابت الظنون خيبة ملأت من اليأس النفوس، وأو قرت الصدور حقداً آنفاً، إلى حقد قديم، فمضى الملك العضوض في دولة بني العباس على الطريق نفسها، التي استنها الملك العضوض في دولة بني أمية، وراح الخلفاء في هذه الدولة يركبون متون الظنون إلى كل عظيمة، تتصل بالرعية التي أصابها الحرمان في كل مقدس، وفي ذروة ذلك كله، الأمن والطمأنينة، ووحدة الكلمة.

ومهما يكن هذا السلوك مصيباً أو مخطئاً، ومثوباً أو خاطئاً - على ما يختلف في ذلك المؤرخون - فليس هاهنا موضع الحكم عليه، ولا القضاء فيه، وكل ما نريد أن نقول هو: أن الحقد يذكر بالحقد، والشر يغري بالشر والمطامع عدوي.

ولما رأى المسلمون - من غير العرب - أن بني العباس كانوا يصدرون فيما يأخذون، أو يدعون، مع أبناء عمومتهم، عن عصبية قبلية، أو عن أهواء ذاتة راح زعماؤهم يفكرون في الحصول على السلطان، ولو أفضى ذلك إلى تقويض دولة بني العباس.

ولم يكن من اليسير أن تدعو أية عصبية غير عربية إلى نفسها، دعوة صريحة، فاتخذوا من آل البيت وسيلة إلى غايات بعيدة المدى، كثيفة الحجاب، والتف من حول هذه الدعوات كثيرون، بعضهم يدفعه إلى ذلك حب آل البيت، ورغبة في الانتصاف لهم، وبعضهم يدفعه حقد دفين، وغيظ كظيم، فهاجت الفتن هياجاً شديداً، واستوعبت كثيراً من أهل السياسة، وأهل العلم، فضلاً عن الأدباء والشعراء.

وفي نفس الوقت كانت الدولة العباسية تخبط خبط عشواء، فحيناً تصادف حقاً، وأحياناً تواقع باطلاً، حتى انتكث فتلها، وأجهز عليها عملها، وقامت


148

الدويلات تتحداها في أكثر من موضع، ولم يزل الأمر على ذلك، حتى استقرت الخلافة في تركيا في آل عثمان، وكانت هذه آخر مراحلها، وفيها لفظت آخر أنفاسها (1)، في الثاني والعشرين من رجب سنة 1342 هـ‍، الموافق الثالث من شهر مارس سنة 1924 م، عندما أعلن مصطفى كمال أتاتورك (1298 - 1351 هـ‍/ 1880 - 1938 م) إلغاء نظام الخلافة نهائياً، والتي استمرت أكثر من أربعة قرون، وخلا العالم الإسلامي - وللمرة الأولى في تاريخه - ممن يحمل لقب الخليفة، أو حتى سلطان المسلمين.

2 - وأما العصبية المذهبية:

فلقد انقسم المسلمون إلى مذاهب ثلاثة:

أهل السنة والشيعة والخوارج.

فأما مذهب أهل السنة: فخصيصته تظهر في أمرين، أولهما: ترتيب الخلفاء الراشدين من الفضل حسب ترتيبهم في الولاية، فهم في الذكر والفضل معاً على هذا الترتيب: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.

وثاني الأمرين: أن ما وقع من السلف الصالح من قتال، إنما كان الدافع إليه الاجتهاد، وبذل الوسع في طلب الحق.

2 - وأما مذهب الشيعة:

فهو مذهب الذين يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وسلم، ويوالونهم من أتباع أمير المؤمنين سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وابنيه - الإمام الحسن والإمام الحسين، عليهم السلام -.

والصورة المجملة لمذهب الشيعة - كما سنرى - أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، وفي رأيهم أنه لا يجوز أن يغفل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الركن، ولا أن

(1) الباقوري: مع القرآن ص 20 - 23.


149

يفوضه إلى الأمة، والإمام علي، هو الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون خليفة للمسلمين.

3 - وأما الخوارج:

فإن أصح الناس نظراً، وأقواهم بياناً، لا يبلغ من صفتهم، ما بلغ الحديث المأثور: حدثاء الأسنان، تحقرون صلاتكم بصلاتهم، وصيامكم بصيامهم، يقرأون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية (1).

وقد كانوا من التنطع في القول والفعل والتفكير بالمنزلة التي يرثي لها الشامت، فلقد خرجوا على الإمام علي بعد واقعة التحكيم - وكانوا من قبل أصحابه وأنصاره في الجمل وصفين - واتخذوا لأنفسهم شعاراً، تستأسر له عواطف المسلمين، فذلك قولهم لا حكم إلا لله (2).

ويرد سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - على شعارهم هذا بقوله. كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة، وإنه لا بد للناس من أمير، بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر (3).

وشر ما في هؤلاء الخوارج من شر، أنهم كانوا يتأولون القرآن تأولاً يفسدون به نظام الأمة، ويشوهون به وجه الإسلام.

ومن أعجب زيغهم عن الحق، أنهم لا يتعرضون للمشركين بضر، لأن

(1) أنظر روايات مختلفة للحديث الشريف (النسائي: تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه ص 95 - 105 - بيروت 1983 م، سيرة ابن هشام 4 / 370.) (2) أنظر عن الخوارج (ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 4 / 132 - 278).

(3) شرح نهج البلاغة 2 / 307.


150

الكفر في مذهبهم عاصم لدماء الكفار، تأويلاً لقول الله تعالى:*﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه*(1)، وفي نفس الوقت يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وقد أسرفوا في هذا إسرافاً جعل المسلم، إذا وقع في أيديهم، يزعم أنه مشرك، لينجو من بطشهم (2).

ومن أعجب زيغهم عن الحق أيضاً، أنهم كانوا يستحلون قتل أطفال المسلمين، يتأولون في ذلك قول الله تعالى - حكاية عن نوح عليه السلام - * (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً*إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً)*(3)، فكانوا يستندون في قتل أبناء المسلمين إلى هذه الآية الكريمة، يتأولونها على أن هؤلاء الأطفال صائرون إلى الكفر والفجور، إذا بلغوا مبلغ الرجال، وبهذا يسوغ قتلهم.

وليس يعرف الناس منطقاً، أدخل في باب الخبل، وأنأى عن مقاصد الشريعة، وأشد حرباً لكتاب الله، من هذا المنطق الخبيث (4).

(1) سورة التوبة: آية 6.

(2) أنظر أمثلة الكامل للمبرد 30 / 212، شرح نهج البلاغة 2 / 280 - 283.

(3) سورة نوح: آية 26 - 27.

(4) الباقوري: مع القرآن ص 43 - 44.


151

تاسعاً: إمامة المفضول

يقول ابن حزم: إن الخوارج والشيعة - ما عدا الزيدية - وقوم من المعتزلة، يذهبون إلى أنه لا تجوز إمامة أحد، إذا وجد من هو أفضل منه، قال أبو الحسن الأشعري: يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه في شروط الإمامة ولا تنعقد الإمامة لأحد، مع وجود من هو أفضل منه فيها - وإن أجاز بعض الأشاعرة عقد الإمامة للمفضول (1) -.

ويرى ابن حزم: أن عدم جواز عقد الإمامة للمفضول ليس صحيحاً، إذ لو كان صحيحاً، لما صحت إمامة أبداً، إذ لا يتيقن الفضل في أحد بعد الصحابة، مع توازي الناس في الفضل وتقاربهم، ثم يضرب ابن حزم مثلاً بقبيلة قريش في زمانه (أي في الفترة 384 - 456 هـ‍/ 994 - 1064 م)، فإنها قد كثرت، وطبقت الأرض من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، فلا سبيل أن يعرف الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم، بوجه من الوجوه (2).

وأما أهل السنة والزيدية والمرجئة، وقوم من المعتزلة، فقد ذهبوا إلى إمامة المفضول، الذي في الناس أفضل منه، إذا كان المفضول قائماً بالكتاب والسنة، يقول ابن حزم: وهذا هو الصواب، إلا إذا كان الفضل في جميع الوجوه متيقناً، من الفضل البين والعلم - كما كان في أبي بكر (3).

وعلى أية حال، فهناك من يرى أنه لا يجوز إمامة المفضول بحال، ويفسق المفضول، إذا سبق الأفضل بالدعوة (4).

على أن الزيدية (5) - رغم اعتقادهم بأفضلية الإمام علي بن أبي طالب على

(1) البغدادي: أصول الدين - بيروت 1981 ص 293.

(2) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 110 (دار الباز - مكة المكرمة 1957).

(3) ابن حزم: الأصول والفروع 2 / 292 (تحقيق محمد عاطف العراقي - القاهرة 1978).

(4) أحمد صبحي: المذهب الزيدي ص 49.

(5) الزيدية: هم أتباع الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين، وبعد استشهاد زيد انقسم

‌>


152

جميع الصحابة - إنما اعتقدوا في صحة خلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، وأن طاعتهما واجبة، وإذا كان علي أفضل بمناقبه في الإسلام ومواقفه في الحروب، فإن مصلحة المسلمين كانت في تولي الشيخين، يقول الشهرستاني:

كان علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين ثائرة الفتنة، تطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً، وسيف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر، كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين، والتؤدة، و التقدم في السن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا ترى أنه (أي أبو بكر) لما

<‌

تلاميذه إلى فرق، فجعلهم القاضي عبد الجبار ست فرق: هي الجارودية والسليمانية البترية واليمانية والصباحية والعقبية (المغني في أبواب التوحيد والعدل 20 / 184 - 185 - القاهرة 1965) وذكر الرازي لهم ثلاث فرق هي: الجارودية والسليمانية والصالحية (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 52 - 53)، وأما الأشعري فالرأي عنده أنهم ست فرق هم: الجارودية والبترية والعقبية، ثم النعيمية، ولا يذكر اسم الفرقة الخامسة (والتي يرى أنها تتبرأ من أبي بكر وعمر، ولا تنكر رجعة الأموات)، وأخيراً اليعقوبية (مقالات الإسلاميين 1 / 140 - 145)، وأما النوبختي، فيقسمهم إلى الضعفاء والأقوياء (فرق الشيعة ص 57 - 58 - دار الأضواء - بيروت 1984 م)، على أن المسعودي إنما يذكر لهم ثماني فرق (مروج الذهب 3 / 220)، ويذكر المقريزي خمس فرق هي: الجارودية والجريدية والبترية واليعقوبية والصباحية (خطط المقريزي 2 / 352 - 354).

ولا يذكر ابن تيمية (منهاج السنة 1 / 265) والبغدادي (الفرق بين الفرق ص 22 - 23) والاسفراييني (التبصير في الدين ص 16 - 27) والشهرستاني (الملل والنحل 1 / 154 - 162) غير ثلاث فرق هي: الجارودية والسليمانية والبترية، وانفرد ابن النديم يذكر فرقة القاسمية (الفهرست ص 274)، وأما الملطي أقدم مؤرخي الفرق (ت 377 هـ‍/ 987 م)، فقد اعتبر الزيدية من جملة الروافض بحجة طعنهم في عثمان، وإن كانوا يتولون أبا بكر وعمر، ثم قسمهم إلى أربع فرق (التنبيه والرد ص 38 - 39، 156)، وانظر الزيدية وفرقها (الدكتور أحمد شوقي إبراهيم: الحياة السياسية والفكرية للزيدية في المشرق الإسلامي - رسالة دكتوراه من قسم التاريخ - كلية الآداب - جامعة المنيا - 1411 هـ‍/ 1991 م).


153

أراد في مرضه الذي مات فيه، تقليد الأمر عمر بن الخطاب، زعق الناس وقالوا: لقد وليت علينا فظاً غليظاً، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لشدته وصلابته، وغلظه في الدين، وفظاعته على الأعداء، حتى سكنهم أبو بكر لو سألني ربي لقلت: وليت عليهم خيرهم لهم.

وعلى أية حال، فإن إمامة المفضول عند الزيدية، ليست قاعدة عامة تطبق في كل الأحوال، وإلا لسقط مبرر الخروج، وإنما قال به الإمام زيد لتبرير شرعية خلافة أبي بكر، ولإسقاط دعوى الطاعنين فيه، ومن المعروف أن أهل الكوفة والبصرة اشترطوا أن يتبرأ الإمام زيد من أبي بكر وعمر، حتى ينصروه، فأبى زيد، وقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي تبرأ منهما، وإني لا أقول فيهما إلا خيراً، قالوا: فلم تطلب إذن بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة.

قالوا: فلم تقاتلوا هؤلاء إذن؟ قال: إن هؤلاء القوم (أي الأمويين) ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس، وظلموا أنفسهم وإني أدعو إلى كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإحياء السنن، وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيراً لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه، ونفضوا بيعته وتركوه، فلهذا سموا الرافضة من يومئذ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية.

وهكذا فإن الإمام زيد إنما قال بإمامة المفضول، لتبرير شرعية خلافة أبي بكر، فضلاً عن إسقاط دعوى الطاعنين فيه، ومن ثم فإن أئمة الزيدية - بعد الإمام زيد - إنما يقولون بوجوب إمامة الأفضل (1).

(1) ابن كثير: البداية والنهاية 9 / 371، وانظر ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5 / 242 - 234، تاريخ الطبري 7 / 180 - 181، تاريخ ابن خلدون 3 / 99، 4 / 346، المقريزي: الخطط 2 / 439، ابن العماد الحنبلي: 1 / 158 - 159، الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 137، ابن تيمية: منهاج السنة 1 / 171، 2 / 105، الذهبي: سير الأعلام النبلاء 5 / 390، المقدسي: البدء والتاريخ 6 / 50، الصفدي: الوافي بالوفيات، ابن عساكر: تاريخ دمشق 6 / 21، 26، ابن العبري:

‌>


154

وقالت الزيدية إن الإمام علي بن أبي طالب إنما كان مصيباً في كل حروبه، ضد طلحة والزبير وغيرهما، وأن من قاتل الإمام علي أو حاربه كان على خطأ ووجب على الناس محاربتهم مع علي (1).

ويقول الجارودية من الزيدية: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله عنه، بالوصف، دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم، فكفروا بذلك، وقد خالف أبو الجارود (زياد بن أبي زياد) - زعيم الجارودية (2) - إمامة زيد بن علي في هذه المقالة، فإنه لم يعتقد هذا الاعتقاد (3).

<‌

مختصر تاريخ الدول ص 200 البغدادي: الفرق بين الفرق ص 34 - 36، الصبيان: إسعاف الراغبين ص 22، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 162 - 163.

(1) القمي: كتاب المقالات والفرق ص 11 (هذا مع ملاحظة أن فرق الزيدية قد اختلفت في الصحابة - بعد الإمام زيد - فالجارودية يطعنون في أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، ويفسقونهما بل قال بعضهم بكفرهما، والعياذ بالله، (الرازي: اعتقادات فرق المسلمين ص 52 - 53، الكتبي:

فوات الوفيات 2 / 37، القاضي عبد الجبار المغني 20 - 185) وبعضهم كان يتبرأ من عثمان رضي الله عنه ويكفره (الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 144 - 145، القاضي عبد الجبار:

المغني 20 / 184 - 185، الأصفهاني: مقاتل الطالبين ص 468) وبعضهم رضي بخلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، ولكنهم تهجموا على عثمان وكفروه، كما كفروا عائشة وطلحة والزبير (النوبختي: فرق الشيعة ص 9، الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 145، الشهرستاني:

الملل والنحل 1 / 164 - 165، القاضي عبد الجبار: المغني 20 / 184، الإسفراييني: التعبير في الدين ص 17، الصفدي: الوافي بالوفيات 15 / 360، الجرجاني: التعريفات ص 107، المقريزي: الخطط 2 / 352، المقدسي: البدء والتأريخ 5 / 133).

(2) القمي: كتاب المقالات والفرق - تحقيق محمد جوار مشكور - طهران 1963 ص 11.

(3) الجارودية: نسبة إلى مؤسسة زياد بن أبي زياد المنذر العبدي (المتوفى فيما بين عامي.

150، 160 هـ‍767، 776 م)، ويكنى أبا النجم، ويقال له النهدي والقفي والكوفي، كان من أتباع الإمام محمد الباقر وولده الإمام جعفر الصادق، رضي الله عنهما، ثم تركهما ولحق بالزيدية، ولقبه الإمام الباقر سر خوبا وهو شيطان كان يسكن البحر، وقال عنه الإمام الصادق: إنه أعمى القلب والبصيرة، ويصفه النسائي بأنه متروك وليس بثقة، والجارودية من أهم فرق الزيدية، وإن كانوا هم أنفسهم مختلفين فيما بينهم، وينسبون إلى أئمة أهل البيت العلم اللدني، فطرة وضرورة قبل التعليم، وأن العلم ينبت في صدورهم كما ينبت الزرع المطر، وأن الحلال حلال آل محمد، والحرام حرامهم، والأحكام أحكامهم، وأن صغيرهم وكبيرهم في الظلم سواء، وأنهم يقولون برجعة الإمام المنتظر (وانظر عن الجارودية. الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 157 - 158،

‌>


155

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الاتجاهات المختلفة في تفضيل سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - على غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

روى ابن عبد البر (368 - 463 هـ‍) في كتابه الإستيعاب في معرفة الأصحاب عن سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وخباب، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم - من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أول من أسلم، وفضله هؤلاء الصحابة على غيره (1).

وقد سبق الإمام ابن حنبل، ابن عبد البر (2) إلى ذلك.

<‌

البغدادي: الفرق بين الفرق ص 30 - 32، الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 141 / 150، النوبختي فرق الشيعة ص 55 - 57، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 3 / 386، القمي:

المقالات والفرق ص 70 - 72.

(1) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 157 - 158، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 30، النوبختي:

فرق الشيعة ص 21، الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 141، المقدسي: البدء والتأريخ 5 / 133، الإسفراييني: التبصير في الدين ص 16، ابن تيمية: منهاج السنة 1 / 265، الجرجاني:

التعريفات ص 64، ابن المرتضى القلائد ص 47.

(2) ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، إمام عصره في الحديث والأثر، وما يتعلق بهما روى على كبار شيوخ عصره، وله مصنفات كثيرة أهمها: 1 - الاستذكار لمذهب علماء الأمصار، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار، وقد شرح فيه الموطأ على وجهه، ونسق أبوابه. 2 - الإستيعاب: وفيه ترجمة للصحابة.

3 - جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله. 4 - الدر في اختصار المغازي والسيرة 5 - كتاب العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم. 6 - كتاب في قبائل العرب وأنسابهم، وغير ذلك من تواليفه.

وكان الحافظ ابن عبد البر، مع تقدمه في علم الأثر، وتبصره بالفقه ومعاني الحديث، له بسطة في علم النسب، كما صنف بهجة المجالس وآنس المجالس في ثلاثة أسفار. هذا وقد توفي ابن عبد البر يوم الجمعة، آخر يوم من شهر ربيع الآخرة، سنة ثلاث وستين وأربعمائة، بمدينة شاطبة بشرق الأندلس، وهي نفس السنة التي توفي فيها الحافظ الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، وكان حافظ الشرق، وابن عبد البر حافظ الغرب، وهما إمامان في علم الحديث، وأما ولادة ابن عبد البر فكانت يوم الجمعة، والإمام، لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة (وفيات الأعيان 7 / 66 - 72، شذرات الذهب 3 / 314 - 316، عبر الذهبي 3 / 255، ترتيب المدارك 4 / 808).


156

روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (164 - 241 هـ‍) في كتاب فضائل الصحابة بسنده عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن علقمة عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة، علي بن أبي طالب.

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن مسعود قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبعين سورة، وختمت القرآن على خير الناس، علي بن أبي طالب عليه السلام، (رواه الطبراني في الأوسط).

وعن عقبة بن سعد العوفي قال: دخلنا على جابر بن عبد الله - وقد سقط حاجباه على عينيه فسألناه عن علي، قال - فرفع حاجبيه بيده - فقال: ذاك من خير البشر - أخرجه أحمد في المناقب.

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال:

سمعته يقول: ليس في آية القرآن*﴿يا أيها الذين آمنوا *، إلا وعلي على رأسها وأميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن، وما ذكر علياً إلا بخير (1).

قال: وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة، والذخائر (2).

وعن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما مررت بسماء، إلا وأهلها يشتاقون إلى علي بن أبي طالب، وما في الجنة نبي، إلا وهو يشتاق إلى علي بن أبي طالب.

قال: أخرجه الملا في سيرته.

وفي شرح نهج البلاغة: والقول بتفضيل الإمام علي - رضي الله عنه،

(1) الإمام ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 646، 2 / 654.

(2) الرياض النضرة: 2 / 292.


157

وكرم الله وجهه في الجنة - على جميع الصحابة قول قديم، قال به كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة: عمار، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبو أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وأبو الطفيل، عامر بن واثلة، والعباس بن عبد المطلب وبنوه، وبنو هاشم كافة، وبنو المطلب كافة.

وكان الزبير من القائلين به في أول الأمر، ثم رجع، وكان من بني أمية قوم يقولون بذلك، منهم خالد بن سعيد بن العاص، ومنهم عمر بن عبد العزيز (1).

روى ابن الكلبي فقال: بينا عمر بن عبد العزيز جالساً في مجلسه، دخل حاجبه، ومعه امرأة أدماء طويلة، حسنة الجسم والقامة، ورجلان متعلقان بها، ومعهم كتاب من ميمون بن مهران إلى عمر، فدفعوا إليه الكتاب، ففضه فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم، إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، من ميمون بن مهران، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فإنه ورد علينا أمر ضاقت به الصدور، وعجزت عنه الأوساع (جمع وسع، وهو الطاقة)، وهربنا بأنفسنا عنه، ووكلناه إلى عالمه، لقول الله عز وجل*﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم*(2).

(1) الرياض النضرة 2 / 274، ذخائر القربى ص 89.

المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة 2 / 292 (طنطا 1372 هـ‍/ 1953 م)، وانظر في الباب أحاديث أخرى (فضائل الصحابة 2 / 616، 2 / 663، 2 / 711 - 712، المسند 1 / 157، صحيح الترمذي 5 / 29، كنز العمال 6 / 216، 7 / 102، المستدرك للحاكم 3 / 138، تهذيب الخصائص ص 29 - 31، تحفة الأشراف 7 / 353، الرياض النضرة 2 / 279 - 280.

(2) سورة النساء: آية 83.


158

وهذه المرأة والرجلان، أحدهما زوجها، والآخر أبوها، وإن أباها - يا أمير المؤمنين - زعم أن زوجها حلف بطلاقها، أن علي بن أبي طالب عليه السلام، خير هذه الأمة، وأولاها برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يزعم أن ابنته طلقت منه، وأنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهراً، وهو يعلم أنها حرام عليه كأمه.

وإن الزوج يقول: كذبت، وأثمت، لقد بر قسمي، وصدقت مقالتي، وإنها امرأتي - على رغم أنفك، وغيظ قلبك - فاجتمعوا إلي يختصمون في ذلك، فسألت الرجل عن يمينه، فقال: نعم، قد كان ذلك، وقد حلفت بطلاقها: أن علياً خير هذه الأمة، وأولاها برسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفه من عرفه، وأنكره من أنكره، فليغضب من غضب، وليرض من رضى.

وتسامع الناس بذلك، فاجتمعوا له، وإن كانت الألسن مجتمعة، فالقلوب شتى، وقد علمت - يا أمير المؤمنين - اختلاف الناس في أهوائهم، وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة، فأحجمنا عن الحكم، لتحكم بما أراك الله، وإنهما تعلقا بها، وأقسم أبوها أن لا يدعها معه، وأقسم زوجها أن لا يفارقها، ولو ضربت عنقها، إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته، والامتناع منه فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين، أحسن الله توفيقك وأرشدك.

قال: فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني أمية، وأفخاذ قريش، ثم قال لأبي المرأة: ما تقول أيها الشيخ؟

قال: يا أمير المؤمنين، هذا الرجل زوجته ابنتي، وجهزتها إليه بأحسن ما يجهز به مثلها، حتى إدا أملت خيره، ورجوت صلاحه، حلف بطلاقها كاذباً ثم أراد الإقامة معها.

فقال له عمر: يا شيخ، لعله لم يطلق امرأته، فكيف حلف؟ قال الشيخ:

سبحان الله، الذي حلف عليه لأبين حنثاً، وأوضح كذباً، من أن يختلج في


159

صدري منه شك، مع سني وعلمي، لأنه زعم أن علياً خير هذه الأمة، وإلا فامرأته طالق.

فقال الزوج: ما تقول؟ أهكذا حلفت؟ قال: نعم، فقيل: إنه لما قال نعم، كاد المجلس يرتج بأهله، وبنو أمية ينظرون إليه شزراً، إلا أنهم لم ينطقوا بشئ، كل ينظر إلى وجه عمر.

فأكب عمر ملياً ينكت الأرض بيده، والقوم صامتون، ينظرون ما يقوله، ثم رفع رأسه فقال:

إذا ولي الحكومة بين قوم*أصاب الحق والتمس السدادا

وما خير الإمام إذا تعدى*خلاف الحق واجتنب الرشادا

ثم قال للقوم: ما تقولون في يمين هذا الرجل؟ فسكتوا، فقال:

سبحان الله، قولوا، فقال قائل من بني أمية: هذا حكم في فرج، ولسنا نجترئ على القول فيه، وأنت عالم بالقول، مؤتمن لهم وعليهم، قل ما عندك، فإن القول ما لم يكن يحق بالملأ، ويبطل حقاً، جائز علي في مجلسي، قال: لا أقول شيئاً.

فالتفت إلى رجل من بني هاشم، من ولد عقيل بن أبي طالب، فقال له:

ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي؟ فاغتنمها فقال: يا أمير المؤمنين، إن جعلت قولي حكماً، أو حكمي جائزاً، قلت، وإن لم يكن ذلك فالسكوت أوسع لي، وأبقي للمودة، قال: قل وقولك حكم. وحكمك ماض.

فلما سمع ذلك بنو أمية قالوا: ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين، إذ جعلت الحكم إلى غيرنا، ونحن من لحمتك، أولي رحمتك، فقال: أسكتوا، أعجزاً ولؤماً، عرضت عليكم ذلك آنفاً، فما انتدبتم له، قالوا: لأنك، لم تعطنا ما أعطيت العقيلي، ولا حكمتنا كما حكمته.

فقال عمر: إن كان أصاب وأخطأتم، وحزم وعجزتم، وأبصر وعميتم،


160

فما ذنب عمر، لا أبا لكم، أتدرون ما مثلكم، قالوا: لا ندري، قال: ولكن العقيلي يدري، ثم قال: ما تقول يا رجل؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، كما قال الأول: -

دعيتم إلى أمر فلما عجزتم*تناوله من لا يداخله عجز

فلما رأيتم ذاك أبدت نفوسكم*نداماً، وهل يغني من القدر الحذر

فقال عمر: أحسنت وأوصبت، فقل ما سألتك عنه، قال: يا أمير المؤمنين، بر قسمه، ولم تطلق امرأته، قال: وأني علمت ذلك.

قال: أنشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لفاطمة عليها السلام - وهو عندها في بيتها عائد لها - يا بنية ما علتك؟ قالت:

الوعك يا أبتاه - وكان علي غائباً في بعض حوائج النبي صلى الله عليه وسلم - فقال لها:

أتشتهين شيئاً؟ قالت: نعم أشتهي عنباً - وأنا أعلم أنه عزيز، وليس وقت عنب - فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله قادر على أن يجيئنا به، ثم قال: اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي عندك منزلة.

فطرق علي الباب، ودخل ومعه مكتل، وقد ألقى عليه طرف ردائه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا علي؟ قال: عنب التمسته لفاطمة، فقال: الله أكبر، الله أكبر، اللهم كما سررتني بأن خصصت علياً بدعوتي، فاجعل فيه شفاء بنيتي، ثم قال: كلي على اسم الله يا بنية فأكلت، وما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى استقلت وبرأت.

فقال عمر: صدقت وبررت، أشهد لقد سمعته ووعيته، يا رجل، خذ بيد امرأتك، فإن عرض لك أبوها، فأهشم أنفه، ثم قال: يا بني عبد مناف، والله ما نجهل ما يعلم غيرنا، ولا بنا عمي في ديننا، ولكنا كما قال الأول: -

تصيدت الدنيا رجالاً بفخها*فلم يدركوا خيراً بل استقبحوا الشرا

وأعماهم حب الغنى وأصمهم*فلم يدركوا إلا الخسارة والوزرا

قيل: فكأنما ألقم بني أمية حجراً ومضى الرجل بامرأته.


161

وكتب عمر إلى ميمون بن مهران: -

سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني قد فهمت كتابك، وورد الرجلان والمرأة، وقد صدق الله يمين الزوج، وأبر قسمه، وأثبته على نكاحه، فاستيقن ذلك، واعمل عليه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فأما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين، فخلق كثير، مثل أويس القرني، وزيد بن صوحان، وصعصعة أخيه، وجندب الخير، وعبد السلماني، وغيرهم ممن لا يحصي كثرة.

هذا ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر، إلا من قال بتفضيل الإمام علي، ولم تكن مقالة الإمامية ومن نحا نحوها من الطاعنين في إمامة السلف، هم المسلمون الشيعة، وجمع ما ورد من الآثار والأخبار في فضل الشيعة، وأنهم موعودون بالجنة، فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم، ولذلك قالت المعتزلة في كتبهم وتصانيفهم: نحن الشيعة حقاً (1).

ويقول ابن أبي الحديد (586 - 656 هـ‍)، واختلفوا في التفضيل، فقال قدماء البصريين كأبي عثمان عمرو بن عبيد وأبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وأبي معن ثمامة بن أشرس وأبي محمد هشام بن عمرو الفوطي، وأبي يعقوب يوسف بن عبد الله الشحام وجماعة غيرهم: أن أبا بكر أفضل من علي عليه السلام، وهؤلاء يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل مثل ترتيبهم في الخلافة.

وقال البغداديون قاطبة - قدماؤهم ومتأخروهم - كأبي سهل بشر بن المعتمر، وأبي موسى بن صبيح، وأبي عبد الله جعفر بن مبشر، وأبي جعفر الإسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي القاسم عبد الله بن

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 20 / 221 - 222 (دار الفكر - بيروت 1387 هـ‍/ 1967).


162

محمود البلخي وتلامذته: إن علياً عليه السلام، أفضل من أبي بكر.

وإلى هذا المذهب ذهب من البصريين أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي أخيراً، وكان من قبل من المتوقفين، كان يميل إلى التفضيل، ولا يصرح به وإذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته، وقال في كثير من تصانيفه: إن صح خبر الطائر، فعلي أفضل (1).

ثم إن قاضي القضاة ذكر في شرح المقالات لأبي القاسم البلخي: أن أبا علي ما مات، حتى قال بتفضيل علي عليه السلام، وقال: إنه نقل ذلك عنه سماعاً، ولم يوجد في شئ من مصنفاته، وأنه يوم مات استدعى ابنه أبا هاشم إليه - وكان قد ضعف عن رفع الصوت - فألقى إليه أشياء، من جملتها القول:

بتفضيل علي عليه السلام.

هذا وقد ذهب إلى تفضيل الإمام علي - من البصريين أيضاً - أبو عبد الله الحسين بن علي البصري رضي الله عنه وكان متحققاً في تفضيله، حتى أنه صنف فيه كتاباً مفرداً، وكذا قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد، وقد كان متوقفاً، ثم قطع على تفضيل الإمام علي بكامل المنزلة، وهناك أيضاً أبو محمد الحسن بن متوية صاحب التذكرة، وقد نص في كتاب الكفاية على تفضيله للإمام علي، عليه السلام، على أبي بكر، رضي الله عنه، واحتج لذلك، وأطال الاحتجاج.

ويقول ابن أبي الحديد: وأما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون من تفضيله عليه السلام، وبينا في كتبنا الكلامية معنى الأفضل،

(1) حديث الطائر رواه الترمذي في صحيحه 2 / 299، وابن الأثير في أسد الغابة 4 / 110 - 111، والهيثمي في مجمعه 9 / 126، والحاكم في المستدرك 3 / 130، والإمام أحمد في فضائل الصحابة 2 / 560 - 562، والبخاري في الكبير 1 / 202، 1 / 1 / 385، والذهبي في تذكرة الحفاظ 4 / 1042، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2 / 211، وابن كثير في البداية والنهاية 7 / 351.


163

وهل المراد الأكثر ثواباً، أو الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة، وبينا أن الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، هو الأفضل وعلى التفسيرين معاً (1).

ويقول ابن الحديد: وأما الذي استقر عليه رأي المعتزلة - بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره - أن علياً عليه السلام أفضل الجماعة، وأنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها، وأنه لم يكن هناك نص يقطع العذر، وإنما كانت إشارة وإيماء، لا يتضمن شئ منها صريح النص، وأن علياً عليه السلام، نازع ثم بايع، وجمح ثم استجاب، ولو أقام على الامتناع لم نقل بصحة البيعة، ولا بلزومها، ولو جرد السيف - كما جرده في آخر الأمر - لقلنا بفسق كل من خالفه على الإطلاق، - كائناً من كان - ولكنه رضي بالبيعة أخيراً، ودخل في الطاعة.

وبالجملة، أصحابنا (المعتزلة) يقولون: إن الأمر كان له، وكان هو المستحق والمتعين، فأن شاء أخذه لنفسه، وإن شاء ولاه غيره، فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره، اتبعناه ورضينا بما رضي (2) به.

وأما الشيعة فيؤمنون بالنص على الإمام علي، وقد وضعت الشيعة الإمامية العديد من الكتب في النص على الإمام علي عليه السلام، وجمعوا فيها الآيات والأحاديث من طرق الشيعة والسنة، سواء بسواء، ومن أشهر هذه الكتب:

الشافي للمرتضى، ونهج الحق للعلامة الحلي، والجزء الثاني من دلائل الصدق للمظفر، ونقض الوشيعة، والجزء الأول من أعيان الشيعة للسيد الأمين، والمراجعات لشرف الدين، والغدير للأميني (3).

وسوف نناقش هذه الأدلة - من القرآن والسنة - في مكانها من هذه المدرسة (الإمام علي والإمامة) وهو الجزء الثاني من هذا الكتاب.

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 20 / 222 - 226.

(2) شرح نهج البلاغة 10 / 226 - 227، أحمد صبحي: المذهب الزيدي ص 51.

(3) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 429 - 439.


164

وعلى أية حال - وعوداً على رأي الزيدية في إمامة المفضول - فإن الإمام زيد، إنما يرى أن الإمامة يجب أن تكون مقصورة على الفاطميين - أبناء الإمام علي بن أبي طالب من سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء - ولا تجوز أبداً إمامة غيرهم (1). وإن ذهب رأي شاذ قال بعضهم الزيدية، يجيز الإمامة في غير الفاطميين، من ولد علي عليه السلام (2).

وهكذا فقد جوز معظم الزيدية أن كل فاطمي زاهد عالم شجاع سائس عادل سخي، خرج بالإمامة إنما يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو الحسين (3)، وقد سار على هذا المذهب أكثر علماء الحديث والفقهاء منهم سفيان الثوري وسفيان بن عيينة (4).

ويرجع الإمام يحيى بن الحسين أن السبب في اشتراط الإمام زيد أن يكون الإمام فاطمياً، أنه يرى أن أبناء سيدة نساء العالمين - فاطمة الزهراء - إنما

(1) يحيى بن الحسين: رسائل العدل والتوحيد 2 / 76، ابن النديم: الفهرست ص 253، القلقشندي: صبح الأعشى 13 / 228، المقريزي: الخطط 2 / 352، تارخ ابن خلدون 1 / 165، 4 / 3، المقدمة ص 197، 200، شرح نهج البلاغة 9 / 87، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 159 - 160.

(2) شرح نهج البلاغة 9 / 87.

(3) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 160، المقريزي: الخطط 2 / 352.

(4) سفيان بن عيينة: أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، من الكوفة ثم انتقل إلى مكة، كان إماماً عالماً، ثبتاً حجة زاهداً ورعاً، مجمعاً على صحة حديثه وروايته، روى عن أعيان العلماء كالزهري، وعمرو بن دينار، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، والأعمش وغيرهم، وروى عنه الإمام الشافعي وشعبة بن الحجاج وابن إسحاق وابن جريح والزبير بن بكار وعمه مصعب، وعبد الرازق بن همام الصنعاني، ويحيى بن أكثم القاضي وخلق كثير. وقد ولد سفيان بالكوفة في منتصف شعبان سنة 107 هـ‍، وتوفي يوم السبت آخر جمادى الآخرة وقيل أول رجب عام 198 هـ‍، ودفن بالحجون بمكة (أنظر: وفيات الأعيان 2 / 391 - 393، تاريخ بغداد 9 / 174، حلية الأولياء 7 / 270 - 318، صفوة الصفوة 2 / 130، تهذيب التهذيب 4 / 117، ميزان الاعتدال 2 / 170، العقد الثمين 4 / 591، طبقات ابن سعد 5 / 497، شذرات الذهب (1 / 354 - 355).


165

سيقيمون أكثر من غيرهم عمود الدين، وسنن الإسلام (2).

على أن الشيعة الإمامية إنما تحصر الإمامة في أولاد مولانا الإمام الحسين، دون غيرهم من العلويين (2)، كما أن الشيعة الإمامية لا ترى إمامة المفضول، الأمر الذي سنشير إليه بالتفصيل، فيما بعد.

وذهبت الحجرية - أتباع سليمان بن حجر الزيدي - إلى أن الإمامة شورى، وأنها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة، وأجاز إمامة المفضول، وأثبت إمامة أبي بكر وعمر، وزعم أن الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما، لأن علياً كان أولى بالإمامة منهما، إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفراً، ولا فسقاً (3).

هذا وقد اختلف أهل السنة في إمامة المفضول، فأباها شيخنا أبو الحسن الأشعري (260 - 324 هـ‍/ 874 - 935 م)، وأجازها القلانسي (4).

وأما إمام الحرمين - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (419 - 478 هـ‍/ 1028 - 1085 م) - فالرأي عنده: أن الذي يقع التعرض له من الفضل، والقول في الفاضل والمفضول، ليس هو على أعلى القدر والمرتبة وارتفاع الدرجة، والتقرب إلى الله تعالى في عمله، فرب ولي من أولياء الله، هو قطب الأرض، وعماد العالم، ولو أقسم على الله لأبره، وفي العصر من هو أصلح منه للقيام بأمور المسلمين، فالمعنى بالفضل استجماع الخلال التي يشترط اجتماعها في المتصدي للإمامة.

(1) يحيى بن الحسين: رسائل العدل والتوحيد.

(2) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 22 - 23، تاريخ ابن خلدون 1 / 161، شرح نهج البلاغة 9 / 87، الشهرستاني: الملل والنحل 2 / 4 / ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 77.

(3) البغدادي: الفرق بين الفرق ص 32 - 33.

(4) نفس المرجع السابق ص 352.


166

ومن ثم فقد صار طوائف من أئمتنا إلى تجويز عقد الإمامة للمفضول، مع التمكن من العقد للأفضل الأصلح، واعتلوا بأن المفضول، إذا كان مستجمعاً للشرائط المرعية، فاختصاص الفاضل بالمزايا، اتصاف بما لا تفتقر الإمامة إليه، فإذا عقدت الإمامة لمن ليس عارياً عن الخلال المعتبرة، استقلت بالصفات التي لا غنى عنها، ولا مندوحة، وليس للفضائل نهاية وغاية.

هذا وقد ذهب معظم المنتمين إلى الأصول من جلة الأئمة، إلى أن الإمامة لا تنعقد للمفضول، مع إمكان العقد للفاضل، ثم تحزب هؤلاء حزبين، وتصدعوا صدعين، فذهب فريق إلى أن المسألة من المظنونات التي لا تتطرق إليها أساليب العقول، ولا قواطع الشرع المنقول.

ثم يرى أنه لا خلاف، إذا عسر عقد الإمامة للفاضل، واقتضت مصلحة المسلمين تقديم المفضول، وذلك لصغو الناس، وميل أولي النجدة والبأس إليه، ولو فرض تقديم الفاضل لاشرأبت الفتن، وثارت المحن، ولم نجد عدداً، وتفرقت الأجناد بدداً، فإذا كانت الحاجة في مقتضى الإيالة تقتضي تقديم المفضول قدم لا محالة، إذ الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة، فإذا كان في تقديم الفاضل اختباطها وفسادها، وفي تقدم المفضول ارتباطها وسدادها تعين إيثار ما فيه من صلاح الخليفة، باتفاق أهل الحقيقة، ولا خلاف أنه لو قدم فاضل، واتسقت له الطاعة، ونشأ في الزمن من هو أفضل منه، فلا يتبع عقد الإمامة للأول بالقطع والرفع.

ثم يعود الجويني - في نهاية الفصل - فيكرر قوله: بأن الأفضل هو الأصلح، فلو فرضنا مستجمعاً للشراط، بالغاً في الورع الغاية القصوى، وقدمنا آخر أكفأ منه، وأهدى إلى طرق السياسة والرياسة، وإن لم يكن في الورع مثله، فالأكفأ أولى بالتقدم.

ولو كان أحدهما أفقه، والثاني أعرف بتجنيد الجنود، وعقد الألوية


167

والبنود، وجر العساكر والمقانب (جمع مقنب، هي الجماعة من الخيل دون المائة تجتمع للغارة)، وترتيب المراتب والمناصب، فلينظر ذو الرأي إلى حكم الوقت، فإذا كانت أكناف خطة الإسلام إلى الاستقامة، والممالك منتفضة عن ذوي العرامة، ولكن إذا ثارت بدع وأهواء، واضطربت مذاهب ومطالب وآراء، والحاجة إلى من يسوس الأمور الدينية أمس، فالأعلم أولى.

وإن تصورت على الضد، مما ذكرنا، ومست الحاجة إلى شهامة وصرامة، وبطاش، يحمل الناس على الطاعة ولا يحاش، فالأشهم أولى بأن يقدم (9).

ويذهب ابن أبي الحديد (586 - 656 هـ‍) إلى أن أحق الناس بالإمامة أقواهم عليها، وأعملهم بحكم الله فيها، وهذا لا ينافي في مذهب أصحابنا البغداديين من المعتزلة في صحة إمامة المفضول، لأنه ما قال: إن إمامة غير الأقوى فاسدة، ولكنه قال: إن الأقوى أحق، وأصحابنا لا ينكرون أنه - أي الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أحق ممن تقدمه بالإمامة، مع قولهم بصحة إمامة المتقدمين، لأنه لا منافاة بين كونه أحق، وبين صحة إمامة غيره (2).

ثم إن رأي ابن أبي الحديد هذا، إنما هو ترديد لقول سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - أيها الناس: إن أحق الناس بهذا الأمر، أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه، فإن شغب شاغب استعتب، فإن أبى قوتل (3).

(1) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في الثبات الظلم - تحقيق عبد العظيم الديب - الدوحة 1400 هـ‍ص 164 - 1271.

(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9 / 328 (بيروت 386 م / 1967 م).

(3) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9 / 328، الإمام محمد عبده: نهج البلاغة - تحقيق محمد أحمد عاشور، ومحمد إبراهيم البنا - كتاب الشعب ص 199.


168

عاشراً: الإمامة عند الشيعة الإمامية

يقول سيدنا الإمام علي بن موسى الرضا (148 - 203 هـ‍/ 765 - 818 م):

إن الإمام زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين، إن الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، وبالإمام توفير الفئ والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، وهو الأمين الرفيق، والوالد الرقيق، والأخ الشفيق، ومفزع العباد، أمين الله في أرضه، وحجته على عباده، وخليفته في بلاده، الداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله، عز المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين (1).

وفي رواية الكليني (أبو جعفر بن محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني - المتوفى 328 هـ‍(939 م)، قال الإمام الرضا: إن الإمام زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين إن الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتوفير الفئ والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى

(1) السيد حسين يوسف مكي: عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة ص 38 - 39 (دار الزهراء - بيروت 1407 هـ‍/ 1987 م) الكليني: كتاب أصول الكافي ص 96 - 97 (فارس 1281 هـ‍)، عطية مصطفى مشرفة: نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين (358 - 567 هـ‍/ 968 - 2271 م) ص 77 دار الفكر العربي - القاهرة 1367 هـ‍/ 1948 م).


169

سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة، المجللة بنورها العالم، وهي في الأفق، بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.

الإمام البدر المنير، والسراج الظاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي... الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ من العيوب، المخصوص بالعلم، المرسوم بالحلم... معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعبادة، مخصوص بدعوى الرسول، ونسل المطهرة البتول... فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن من الخطأ والزلل والعثار، يخصه الله بذلك، ليكون حجته على عباده، وشاهده على خلقه (1).

ويقول الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق (80 - 83 هـ‍/ 699 - 703 م - 148 هـ‍/ 765 م): إن الله - عز وجل - أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل، إن زاد المؤمنون شيئاً ردهم، وإن نقصوا شيئاً أتمهم، وهو حجة الله على عباده (2).

والإمامة - عند الشيعة الإمامية - رياسة عامة في أمور الدين والدنيا، لشخص من الأشخاص، نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم (3)، ومن ثم فإن الناس متى كان لهم رئيس، منبسط اليد، قاهر عادل، يردع المعاندين، ويقمع المتغلبين، وينتصف للمظلومين من الظالمين، اتسقت الأمور، وسكنت الفتن، وردت المعائش، وكان الناس - مع وجوده - إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد، ومتى خلوا من رئيس - صفته ما ذكرناه - تكدرت معائشهم وتغلب القوي على الضعيف، وانهمكوا في المعاصي، ووقع الهرج والمرج، وكانوا إلى الفساد أقرب، ومن الصلاح أبعد، وهذا أمر لازم لكمال العقل (4).

(1) الكليني: كتاب أصول الكافي ص 84 - 86.

(2) أنظر: الجزائري: المبسوط في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص 9 (ط الحيدرية - النجف 1954 م)، البرسي: مشارق أنوار اليقين ص 162 (دار الفكر - بيروت 1384 هـ‍).

(3) الطوسي: تلخيص الشافي 1 / 201 (النجف 1965 م).

(4) المفيد: النكت الاعتقادية ص 39 (بغداد 1343 هـ‍).


170

وترى الشيعة الإمامية أن النبوة لطف (1)، ولما كانت الإمامة لطفاً (2)، فلذلك كل ما دل على وجوب النبوة، فهو دال على وجوب الإمامة، خلافة عن النبوة، قائمة مقامها، إلا من تلقى الوحي الإلهي بلا واسطة (3).

وترى الشيعة الإمامية عهد من إلى الأئمة، وتستدل على ذلك بقول مولانا الإمام جعفر الصادق، رضي الله عنه،: أترون أن الوصي منا، يوصي إلى من يريد؟ لا، ولكنه عهد من الله ورسوله لرجل فرجل، حتى ينتهي الأمر صاحبه (4).

هذا وترى كذلك أن الإمامة بالنص من الله ورسوله، وأن الأئمة منصوص عليهم (5).

على أن الجويني إنما يعارض ذلك، فيقول: ذهبت الإمامية إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما قد نص على علي رضي الله عنه في الإمامة، وتولي الزعامة، ثم تحزبوا أحزاباً.

فذهبت طوائف منهم إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على خلافة الإمام علي علي رؤوس الأشهاد، نصاً قاطعاً، لا يتطرق إليه مسالك الاجتهاد، ولا يتعرض له سبيل الاحتمالات، وتقابل الجائزات، وشفي من محاولة البيان كل غليل، واستأصل مسلك كل تأويل.

وليس ذلك النص مما نقلته الأثبات، والرواة الثقات، من الأخبار التي تلهج بها الآحاد، وينقلها الأفراد، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه (6) فعلي

(1) المفيد: النكت الاعتقادية ص 47، المرتضى: الشافي ص 2، الطوسي: فصول العقائد ص 36.

(2) السبوري: النافع يوم الحشر ص 62 (قمم 1367 هـ‍).

(3) الكليني: الكافي 1 / 227.

(4) نبيلة عبد المنعم داود: نشأة الشيعة الإمامية - بغداد 1968 ص 311 - 312.

(5) الجويني: الغياثي ص 27 - 30.

(6) أنظر عن حديث الموالاة هذا (الإمام ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 598 - 599، صحيح

‌>


171

مولاه، وقوله صلى الله عليه وسلم، لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى (1)، إلى غيرها.

وذهب فريق من الزيدية إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما نص على معين في الخلافة، ولكنه صلى الله عليه وسلم، ذكر بالمرامز والملامح والمعاريض والصرايح، الصفات التي تقتضي الإمامة استجماعها، فكانت متوافية في الإمام علي، دون من عداه وسواه، فضلت الأمة، إذ وضعت الإمامة فيمن لم يتصف بتلك الصفات، ولم يتسم بتلك السمات.

وعلى أية حال، فسرعان ما تشوفت طائفة من أهل السنة إلى ادعاء النص على أبي بكر، رضي الله عنه، وذهبت طائفة أخرى - عرفوا بالعباسية - إلى الزعم بأن النبي عليه السلام، إنما نص على عمه العباس وخصصه بالإمامة من دون الناس (2).

<‌

الترمذي 2 / 298، صحيح ابن ماجة ص 12، المستدرك للحاكم 2 / 129، 3 / 109 - 110، 116، 533، 371، كنز العمال 1 / 48، 6 / 83، 397، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 54 (أحاديث أرقام: 60، 66، 67، 68، 69، 70، 71، 72، 73، 74) مسند الإمام أحمد 4 / 372، 4 / 281، الرياض النضرة 2 / 226، أسد الغابة 1 / 374، 3 / 139، 171، 4 / 108، 6 / 252، مجمع الزوائد 9 / 104، 105، 106، 107، 108، 119، 116، مشكل الآثار 2 / 307، مسند الطيالسي 1 / 23، فيض القدير 6 / 217. وقال ابن حجر: وهذا حديث كثير الطرق جداً، استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وسنعود لهذا الحديث بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة.

(1) أنظر عن حديث المنزلة هذا (صحيح البخاري 5 / 24، 6 / 3، صحيح مسلم 15 / 173 - 176، تهذيب الخصائص للنسائي ص 19 - 20، 28، 29، 39، 40، 41، 42، 43، 44، 45، 46، 47، (أحاديث أرقام 8، 9، 31، 41، 42، 43، 44، 45، 46، 47، 48، 49، 50، 51، 52، 53، 54، 55، 56، 57، 58، 112) الإمام ابن حنبل: فضائل الصحابة الجزء الثاني: (أحاديث أرقام 954، 956، 1006، 1041، 1045، 1079، 1091، 1093، 1131، 1143، 1153، 1168)، كنز العمال 3 / 154، 5 / 40، 6 / 154، 188، 395، 405، الطبقات الكبرى 3 / 14، 15، حلية الأولياء 4 / 345، 7 / 195 - 196، مجمع الزوائد 9 / 109 - 110، تحفة الأحوذي 10 / 228، الإستيعاب 3 / 34، الإصابة 2 / 509، صحيح الترمذي 10 / 235، المستدرك للحاكم 2 / 337، السيرة الحلبية 3 / 104، زاد المعاد 3 / 530، شرح نهج البلاغة 13 / 210 - 211.

(2) الجويني: الغياث ص 29 - 30.


172

وأياً ما كان الأمر، فالرأي عند الشيعة الإمامية إنما انحصرت في أبناء مولانا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنها ثابتة في الأعقاب وأعقاب الأعقاب، وأنها لا تعود في عم أو أخ، ولا في غيرها من القربات بعد الحسنين (1).

وقد وردت روايات كثيرة عن الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، وغيره من أئمة البيت، تدل على انحصار الإمامة في ذرية الحسين، قال المفضل: قلت للصادق عليه السلام، أخبرني عن قول الله تعالى:*﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه*(2)، قال: يعني بذلك الإمامة جعلها الله في عقب الحسين إلى يوم القيامة، فقلت له: يا ابن رسول الله، فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين، دون ولد الحسن، وهما جميعاً، ولدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبطاه، وسيدا شباب أهل الجنة؟.

فقال: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين، فجعل الله في صلب هارون، دون صلب موسى، ولم يكن لأحد أن يقول: لم فعل الله ذلك؟ فإن الإمامة خلافة الله عز وجل، ليس لأحد أن يقول لم جعلهما الله في صلب الحسين، دون صلب الحسن، لأن الله هو الحكيم في أفعاله، لا يسأل عن فعله، وهم يسألون.

وهذه الرواية، كما تدل على أن بني الحسن لا حق لهم في الإمامة، تدل على أن الإمامة من أفعال الله يجعلها لمن يشاء، وليست بالمبايعة والانتخاب والمشاورة (3).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الشيعة الإمامية إنما تذهب إلى أن

(1) الكليني: الكافي 1 / 285.

(2) سورة الزخرف: آية 28.

(3) السيد حسين يوسف مكي: عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمة ص 32 - 33.


173

الإمام يجب أن يكون معصوماً لأنه لو جاز عليه الخطأ لافتقر إلى إمام آخر يسدده، كما أنه لو جاز عليه فعل الخطيئة، فإن وجب الإنكار عليه سقط محله من القلوب (1). هذا فضلاً عن أن الإمام حافظ للشرع، فلو لم يكن معصوماً، لم تؤمن منه الزيادة والنقصان (2).

ويقول الطوسي: ومما يدل على أن الإمام يجب أن يكون معصوماً، ما ثبت من كونه مقتدى به، ألا ترى أنه إنما سمي إماماً لذلك، لأن الإمام هو المقتدى به (3).

ويقول ابن المطهر بوجوب عصمة الإمام، لأن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم (4) عن جميع القبائح والفواحش، من الصغر إلى الموت، عمداً وسهواً، لأنهم حفظة الشرع، والقوامون به، حالهم في ذلك كحال النبي.

ويقول المفيد (5): العصمة من الله لحججه، هي التوفيق واللطف

(1) المفيد: النكت الاعتقادية ص 48.

(2) نفس المرجع السابق ص 49.

(3) الطوسي: تلخيص الشافي 1 / 210 (النجف 1965).

(4) قال القاضي عبد الجبار في كتاب المغني: إن العصمة والأفضلية على الناس أجمعين من صفات النبي، فلو أعطيت للإمام لكان نبياً، وقال الشريف للمرتضى في كتاب الشافي: لم يكن النبي نبياً، لأنه أفضل ومعصوم، وكفى، بل لأنه يؤدي عن الله بلا واسطة، أو بواسطة الروح الأمين، والإمام - وإن كان معصوماً - وأفضل، فإنه يؤدي عن النبي، لا عن الله، فالفرق موجود وظاهر (محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 121).

(5) المفيد: هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري العربي الحارثي، المفيد بن المعلم، ولد في بغداد عام 333 هـ‍/ 944 م (أو 338 هـ‍/ 950 م)، وتوفي عام 414 هـ‍/ 1022 م، وله مصنفات كثيرة (ذكر فؤاد سزكين منها 24 مصنفاً) وانظر عن ترجمته (الرجال للنجاشي ص 311 - 316، الفهرست للطوسي ص 157 - 158، الفهرست لابن النديم ص 197، المنتظم لابن الجوزي 8 / 11 - 12، تاريخ بغداد 3 / 231، شذرات الذهب 3 / 199 - 200، أعيان الشيعة للعاملي 46 / 20 - 26، الذريعة 1 / 302، 590، 2 / 237، 258، 315، الأعلام للزركلي 7 / 245، معجم المؤلفين لكحالة 11 / 306 - 307، النجوم الزهرة 4 / 258، لسان الميزان لابن حجر 5 / 368).


174

والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى (1)، كما أن العصمة فضل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمة... وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشئ الذي يعلم الله تعالى، أنه إذا فعله بعبد من عبيده، لم يؤثر معه معصية له (2).

هذا وقد انحصرت العصمة من الصفوة الأخيار، قال الله تعالى:*﴿والذين سبقت لهم منا الحسنى*(3)، وقوله تعالى:*﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار*(4)، فالأنبياء - والأئمة من بعدهم - معصومون في حال نبوتهم، وإمامتهم، من الكبائر كلها والصغائر (5).

ويشرح ابن المطهر عصمة الإمام بأنها ما يمتنع المكلف معه من المعصية، متمكناً منها ولا يمتنع عنها مع عدمها، ثم يقدم عدة أدلة على العصمة (6)، منها: أن الإمامة عهد من الله، ومن ثم فكل إمام ينصبه الله، ومنها قول الله تعالى:*﴿أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم*(7)، وكل من أمر الله بطاعته فهو معصوم، لاستحالة إيجاب طاعة غير المعصوم (8)، كما أن في قول الله تعالى:*﴿إهدنا الصراط المستقيم*صراط الذين أنعمت عليهم غير

(1) المفيد: شرح عقائد الصدوق ص 60.

(2) نفس المرجع السابق ص 61.

(3) سورة الأنبياء: آية 101.

(4) سورة ص: آية 47.

(5) المفيد: شرح عقائد الصدوق ص 61.

(6) تذهب الزيدية إلى عدم عصمة الإمام، ولعل السبب أنهم لا يجعلون الإمامة عن طريق الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن طريق الوراثة، ومن ثم فالإمام عند الزيدية، ليس ذلك الرجل المعصوم الذي بيده أسرار العلم الخفي ينقلها من إمام إلى إمام (الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 121، 136، الصاحب بن عباد: الزيدية ص 159، 185، نصرة المذهب الزيدية ص 129).

(7) سورة النساء: آية 59.

(8) ابن المطهر: الألفين في إقامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب النجف 1953 ص 60.


175

المغضوب عليهم ولا الضالين*(1)، فغير المعصوم ضال فلا يسأل اتباع طريقه قطعاً (2).

ومنها قول الله تعالى:*﴿إني جاعلك للناس إماماً*قال من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين*(3)، فإنه يدل على أن الإمامة تكون بالوصاية، وبجعل إلهي، وليس بالمبايعة والانتخاب (4) هذا وقد روي عن الإمام الباقر، الاستشهاد بالآية على المنع من إمامة الظالم، الذي ليس معصوماً (5).

هذا وتعتقد الشيعة الإمامية أن الإمام يجب أن يكون أفضل رعيته في جميع صفات الكمال من العلم (6) والكرامة والشجاعة والفقه والرأفة والرحمة وحسن الخلق والسياسة، ولا بد من تمييزه بالكمالات النفسية والكرامات الروحانية، بحيث لا يشاركه في ذلك أحد من الرعية (7).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن متكلمي الشيعة، إنما يقيسون الإمام على النبوة في كل استدلال لهم، ومن ثم فلكي يدللوا على وجوب إمامة الأفضل، استندوا إلى فكرة يسلم بها معهم سائر فرق المسلمين وهي: وجوب

(1) سورة الفاتحة: آية 6 - 7.

(2) ابن المطهر: الألفين ص 60.

(3) سورة البقرة: آية 124.

(4) السيد حسين يوسف مكي: عقيدة الشيعة ص 35.

(5) البحار 7 / 319، عقيدة الشيعة ص 36.

(6) روي عن الإمام الصادق أنه قال لرهط من المعتزلة: إن أبي حدثني - وكان خير أهل الأرض، وأعملهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ضرب الناس بسيفه، ودعاهم إلى نفسه، وفي المسلمين من هو أعلم منه، فهو ضال متكلف، ويقول أبو زهرة: أن هذه الرواية التي رواها الإمام جعفر الصادق عن أبيه العظيم، تدل على أنه هو وأبوه يريان أن الخليفة المختار، يجب أن يكون أعلم المعروفين الظاهرين، والعلم هنا، العلم بالإسلام، بالقرآن والسنة، ونظام الحكم وحسن السياسة، وتكون عنده القدرة لإدارة دفة الدولة الإسلامية كعمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب (محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 213).

(7) الجزائري: المبسوط ص 26، وانظر عن علوم الأئمة (الكليني: الكافي 1 / 312، 313، 314، 221، 223، وانظر البرسي: مشارق أنوار اليقين ص 165.


176

نبوة الأفضل، يقول المظفري: يجب أن يكون الإمام أفضل الناس، وإلا فكيف تجب طاعته واتباعه، وكيف يكون له القدرة، وكيف تحصل به السعادة، ولو جاز ذلك، لجاز أن يبعث الله رسولاً، وفي الناس من هو أليق وأجدر وأقدر على أداء الرسالة (1).

ويستند الشيعة في إمامة الأفضل إلى قول الله تعالى:*﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى*(2).

وليس النص والعقل وحدهما اللذان يقضيان بوجوب إمامة الأفضل، بل إن الذوق يستنكر أن تكون للمفضول رياسة على الأفضل، ويعرض الإمام الرازي لهذا الرأي، فيقول: أليس يقبح أن يكون لمن لا يعرف في الفقه، إلا مبادئه، وأعداداً من مسائل الفقه، رياسة فيه على الإمام أبي حنيفة (80 هـ‍/ 150 - 699 - 767 م) مثلاً، فإذا كان الإمام إماماً لرعيته في أحكام الدين، وعلومه ومبادئه، وجب أن يكون أفضل منهم، وأكثرهم علماً وعبادة (3).

هذا ويعتبر الشيعة الإمام حجة فيما يؤديه كالرسول، وفي تجويز كونه مساوياً في الفضل بعض رعيته، أو أنقض فضلاً منهم، ما ينفر عن القبول أو الخضوع لرياسته.

ويرى الرازي أن دخول الفاضل تحت رياسة المفضول، مما يسهل على من هو أنقض فضلاً من الأمير، الدخول تحت طاعته، كما اختار النبي صلى الله عليه وسلم، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فجعله في جيش أسامة، لما أنف بعض مشيخة قريش أن يكون في جيشه (4)، ففي إمامة المفضول رياضة للفاضل، وكسر ما فيه من نخوة.

(1) أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدي الشيعة الاثني عشرية - دار المعارف - القاهرة 1969 م ص 157، المظفري: الشيعة والإمام ص 34.

(2) سورة يونس: آية 35.

(3) الرازي: نهاية العقول في دراية الأصول 2 / 240 (مخطوط).

(4) ذهبت بعض المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل في جيش أسامة بن زيد بن حارثة أبا بكر

‌>


177

وهذا نقد لا يثبت للنقد، لأن الرازي قد اعترف في المثال الذي أورده، أن بعض مشيخة قريش قد أنفوا رياسة أسامة، اعتقاداً منهم بأفضليتهم، أو بوجود من هو أفضل منه، مع أنهم بذلك قد عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هم راجعوا أبا بكر في أمر سياسة أسامة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا ما يدل على أن رياسة المفضول يمجها الذوق والعرف العام، هذا فضلاً عن أن ما ذكره الرازي لتبرير إمامة المفضول متهافت كذلك، لأنه إذا كان تواضع الأفضل يسهل انقياد الرعية للأمير المفضول، فإنه من ناحية أخرى، يشجع المفضول الذي تقل درجته في الفضل - إلى حد الفسق - أن يغلب على أمر المسلمين بالقوة، مستنداً إلى تواضع الأفضل، أو سكوته على الحق، وهذا ما تم بالفعل في أمر الخلافة منذ تولاها الأمويون.

والواقع أن متكلمي أهل السنة وفقهاءهم، لم يسلموا بجواز إمامة المفضول، مستندين إلى أصل من أصول الدين، ولكنهم جوزوا ذلك، إما تبريراً لسلطان الخلفاء، ولخلع الصفة الشرعية على خلافتهم، وإما على سبيل معارضة آراء خصومهم من الشيعة، ليس إلا.

ولعل هذا إنما يبدو واضحاً - كل الوضوح - إذا رجعنا إلى رأي ابن حزم وموقفه العجيب من الإصرار على جواز إمامة المفضول، زاعماً أن معرفة الأفضل لا يمكن الوصول إليها، إلا بالظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً، ثم إن قريشاً قد كثرت وطبقت الأرض من أقصى الشرق إلى أقصى

<‌

وعمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وذهبت أخرى إلى أنه جعل أبا بكر وعمر فقط، واقتصرت ثالثة على عمر بن الخطاب، وذهبت رابعة إلى أنه جعل في هذا الجيش أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وسعد بن أبي وقاص (السيرة الحلبية 3 / 227)، مغازي الواقدي 3 / 1118، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 334، تاريخ الطبري 3 / 226، محمد أبو زهرة:

خاتم النبيين 2 / 1215، الندوي: السيرة النبوية ص 347).


178

الغرب، ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم بوجه من الوجوه، وبدهي أن هذا إنما يستند إلى أن الإمامة باختيار.

وأما تبريز سلطة الخلفاء، فيتضح من قول ابن حزم: يكفي بطلان هذا القول (إمامة الأفضل) إجماع الأمة كلها على بطلانه، فإن جميع الصحابة ممن أدرك ذلك العصر، أجمعوا على صحة إمامة الحسن أو معاوية، فلو كان ما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403 هـ‍) حقاً - في وجوب الأفضل - لكانت إمامة الحسن ومعاوية باطلة (1).

وهكذا ينكر ابن حزم أن معاوية قد استولى على أمر هذه الأمة قهراً، وبالسيف، وصدق الإمام الحسن البصري، حيث يقول - فيما يروي الإمام الطبري وابن الأثير وغيرهم - أربع خصال كن في معاوية، لو لم يكن فيه منهن، إلا واحدة، لكانت موبقة، إنتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء، حتى ابتزها أمرها، بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة، وذو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وقتله حجراً، ويلاً له من حجر - مرتين (2).

ودخل سعد بن أبي وقاص على معاوية، فقال: السلام عليك أيها الملك، فغضب معاوية فقال: ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إن كنا أمرناك، إنما أنت منتز (3).

وأما سيدنا الإمام الحسن - خامس الراشدين - فما جاء هنا، إنما هو رأي ابن حزم الأندلسي، وأما من بايعوه، فقد كانوا يعتقدون أنه أفضل الناس - بعد

(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 158 - 159.

(2) تاريخ الطبري 5 / 279 (دار المعارف - القاهرة 1979)، ابن الأثير، الكامل في التاريخ 3 / 487.

(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 217.


179

أبيه الإمام علي - وهو صحيح ما في ذلك من ريب.

وعلى أية حال، فإن أهل السنة والشيعة لا يحتدون في الجدل طويلاً حول إمامة الأفضل بسبب قوة منطق الشيعة في دعواهم، فضلاً عن أن موقف أهل السنة نفسه، لا يبدو واضحاً، هذا إلى أن جواز إمامة المفضول، أمر لا يبرره منطق أو دين، وإن وجد له تبرير من مقتضيات الواقع، أو حوادث التاريخ، وليست هذه هي التي تملي على الفقهاء والمشرعين أصول الأحكام.

على أن الجدل إنما يشتد ويحتد بين أهل السنة والشيعة حول المفاضلة بين الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدين، وهو أمر ذو صلة وثيقة بوجوب إمامة الأفضل.

وتذهب الشيعة - بكل فرقها - إلى أن الإمام علي بن أبي طالب، إنما هو أفضل الصحابة أجمعين، وأنه يزيد فضلاً على أبي بكر، ومعارضة أهل السنة لدعوى الشيعة في أفضلية الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما تنطوي على تسليم منهم بوجوب إمامة الأفضل، ومن هنا استقر رأي الأشاعرة على أن ترتيب الخلفاء في الفضل، إنما هو ترتيبهم في الخلافة (أبو بكر - عمر - عثمان - علي)، وقد نادى بهذا الرأي - الإمام أبو الحسن الأشعري (260 هـ‍/ 874 م - 324 هـ‍/ 1935) والإمام أبو حامد الغزالي (450 - 505 هـ‍)، ولم يكن هذا الرأي منهما عن اجتهاد مبعثه الحيدة التامة في المفاضلة، بقدر ما هو اعتبار أن ما جرى، فيما يتعلق بالخلافة الراشدة، لا بد أن يكون قد تم في اعتبارهم، وفقاً لوجوب إمامة الأفضل.

ثم يخلص الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي إلى أن القاعدة العامة عند أهل السنة، إنما هي وجوب إمامة الأفضل، وأن جواز إمامة المفضول، ليس إلا استثناء تقتضيه الضرورة القصوى، وأن إمامة الخلفاء الراشدين قد جرت وفقاً لهذه القاعدة، وأن تبريرهم الاستثناء، وتجويزهم إمامة المفضول، لم يكن


180

إلا للدفاع عن الأمر الواقع، منذ أن ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان (1).

هذا وترى الشيعة أن الإمام يجب أن يكون عالماً بما آل إليه الحكم فيه، والذي يدل: أن الإمام إمام في سائر أمور الدين، ومتولي الحكم في جميعه - جليله ودقيقه، ظاهره وغامضه - كما يجب أن يكون عالماً بجميع أحكام السياسة والشريعة (2).

هذا فضلاً عن أن يكون الإمام أشجع من في رعيته، ويدل على ذلك: أنه ثبت أنه رئيس عليهم، فيما يتعلق بجهاد الأعداء، وحرب أهل البغي، وذلك متعلق بالشجاعة، فيجب أن يكون أقواهم حالاً.

هذا إلى جانب أن يكون أعقل قومه، وأن لا يكون قبيح الصورة، ينفر الناس منه، هذا إلى جانب أن يكون منصوصاً عليه (3).

ولما كانت هذه الشروط جميعها لا بد من توافرها في الإمام، وأنها غير متوفرة، إلا في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك كانت الإمامة لهم، وفيهم دون غيرهم (4).

ولعل من الجدير بالإشارة هنا أن الخلافة أو الإمامة الفاطمية (358 - 567 هـ‍/ 968 هـ‍- 1171 م) إنما هي خلافة دينية وراثية تقوم على أسس المذهب الشيعي الإسماعيلي، وتستند إلى أساسين: - الأول: هو العلم اللدني أو الإلهي، الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن طريق الإمام علي عليه السلام، ثم أولاده من بعده، ثم إلى الفاطميين.

(1) أحمد صبحي، المرجع السابق ص 160 - 161.

(2) الطوسي: تلخيص الشافي ص 245 (النجف 1965).

(3) نفس المرجع السابق ص 274.

(4) نبيلة عبد المنعم داود: المرجع السابق ص 316.


181

فالإمام الشيعي إذن، ليس شخصاً عادياً، وإنما هو فوق الناس، فهو المشرع، وهو المنفذ لا يسأل عما يفعل، لأنه معصوم من الخطأ، بسبب ما ورثه من علوم لدنية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك نوعان من العلوم: علم الظاهر، وعلم الباطن، أي ظاهر القرآن وباطنه، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم، الإمام علي بن أبي طالب هذين النوعين من العلوم، فأطلعه على خفايا الكون، والسر المكنون من هذه العلوم، وكل إمام ورث هذه العلوم لمن جاء بعده، ولهذا كان الإمام معلماً أكبر.

والثاني: الوصية أو النص على ولاية العهد، والخلافة الفاطمية - شأنها شأن أية خلافة شيعية - إنما ترى أن الإمام علي يستحق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الكفاية، فضلاً عن النص عليه بالاسم.

ومن ثم فإن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، وإنما هي ركن الدين والإسلام، ولا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم، أن يتركها للأمة، بل كان عليه تعيين إمام لهم معصوماً من الخطأ، وأن الإمام علي بن أبي طالب، هو الإمام الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم، بعده، ويستشهدون على ذلك بحديث الغدير والموالاة والمنزلة وغيرها من الأحاديث.

ومن هنا نشأت فكرة الوصية، ولقب الإمام علي بالوصي، بينما لقب من جاء بعده من الأئمة بلقب الإمام، ومرتبة الوصاية أعلى من مرتبة الإمامة، وأقل من مرتبة النبوة، ثم انتشرت الوصية بين الشيعة، فقالوا: إن الإمامة تنتقل من الآباء إلى الأبناء، وليس من الأخ إلى الأخ - بعد أن انتقلت من الحسن إلى الحسين - فالأب ينص على ابنه في حياته، وليس بالضرورة أن يكون الابن الأكبر، فالإمام يستطيع أن ينص على أي ابن له، فهذا أمر يخصه وحده، لأنه يتلقى علمه من الله عز وجل (1).

(1) أحمد مختار العبادي: دراسات في تاريخ المغرب - الإسكندرية 1968 ص 53 - 54،

‌>


182

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القرآن الكريم، إنما قد أجمل الخطوط العامة لأصول الحكم الإسلامي، الذي هو أهل لحفظ وحدة المسلمين ودوام هدايتهم إلى الصراط المستقيم، وتجنيدهم أبداً في معركة التقدم والرقي، وصونهم من الزيغ والضلال.

ثم جاءت السنة النبوية، ففصلت ما أجمله القرآن، وتلك قاعدة عامة في تشريع الأحكام الإسلامية: القرآن يقرر أصل الحكم ويجمله، والسنة تفصله وتنفذه، والتفصيل في هذا الأمر، إنما هو تعيين الكف ء لمنصب الإمامة بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون مرجع المسلمين وقدوتهم، في صراط الإسلام المستقيم.

ومن هنا يتبين أن منصب الإمامة لا يتعين إلا بأمر إلهي، فالإمام - بصفته مرجع المسلمين، ومنعقد طاعتهم وقدوتهم في أمر الدين والدنيا - يجب أن يكون حامل علم النبي صلى الله عليه وسلم، علم الوحي والأوامر الإلهية، فمنصبه في توجيه المسلمين ورعايتهم خطير.

وقد عرفنا أين آلت الإمامة، وكيف أصبحت؟ لما فوض المسلمون أمر اختيار الإمام إلى أنفسهم، حتى تقمصها الخلعاء والفساق والفجار والجهلة والسفاكون، وأصبحت الخلافة وراثة كسروية قيصرية (1).

روى البخاري في صحيحه (باب هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء)، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: أخبرني جدي قال: كنت جالساً مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: هلكة

<‌

وانظر عن الخلافة الفاطمية (عطية مشرفة: نظام الحكم بمصر في عصر الفاطميين - القاهرة 1948 ص 68 - 82).

(1) السيد هاشم محسن الأمين: مقدمة كتاب: الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8.


183

أمتي على يدي غلمة من قريش، فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت، فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان، حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلماناً أحداثاً، قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم، قلنا: أنت أعلم (1).

وبمرور الأيام أصبح تعيين الخليفة في يد خدم البلاط ومماليكه وإمائه وجواريه، بيدهم الحل والربط، يعبثون بمصائر الإسلام والمسلمين، رهناً بشهواتهم، والخليفة لعبة مبتذلة في أيديهم، يختارونه اليوم ويخلعونه غداً، ويبايعونه الساعة، ويسلمونه أو يقتلونه بعد ساعة.

هذا ومن حمل كتاب الله، وعلم نبيه من آل البيت، خائف يترقب، أو محبوس يتعذب، أو شريد غريب عن أهله ودياره، وأعداء الإسلام يقتطعون أرضه قطعة قطعة، ويقتلون أهله جماعة جماعة.

فاكتمال الدين إذن، إنما كان في التبليغ، تبليغ الرسالة كاملة، فيها تبيان كل شئ يحتاج المسلمون إلى تبيانه وفيها معالم الصراط المستقيم إلى الفوز العظيم، أعني اكتمال الدين ظل نظرياً، لم يتشخض في واقع المسلمين.

وأما تفصيل السنة النبوية، لما أجمله القرآن في موضوع الإمامة، فقد حصل في حادثين عظيمين من حوادث السيرة النبوية الشريفة، الأول: يوم غدير خم، والثاني: أيام المرض الذي توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فيه، وفي كلا الحادثين كان التشديد باتباع أهل البيت وموالاتهم (2).

ففي حديث الغدير يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله (3).

(1) صحيح البخاري 9 / 60 (2) الإمام علي بن الحسين والخلافة الإسلامية ص 8 - 10.

(3) أنظر عن روايات مختلفة للحديث الشريف (ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 598 - 599،

‌>


184

ثم هناك حديث الثقلين، روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم قال: قام فينا خطيباً بماء يدعى خماً، بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما، كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي (1).

رواه الإمام أحمد في المسند (2)، والبيهقي في السنن (3)، والدرامي في سننه (4)، والمتقي في كنز العمال (5)، والطحاوي في مشكل الآثار (6).

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن سعيد والأعمش عن حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيها (7).

<‌

السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 169، المستدرك للحاكم 2 / 129، 3 / 110، 116، 371، 533، كنز العمال 1 / 48، 6 / 83، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 54 مسند الإمام أحمد 1 / 84، 88، 118، 2307119، 4 / 368، 370، 372، 5 / 347، الرياض النضرة 2 / 226) (وسنشير إلى هذا الحديث الشريف بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة).

(1) صحيح مسلم 15 / 179 - 180 (بيروت 1981).

(2) مسند الإمام أحمد 4 / 366.

(3) سنن البيهقي 2 / 148، 7 / 30.

(4) سنن الدرامي 2 / 431.

(5) كنز العمال 1 / 45، 7 / 103.

(6) مشكل الآثار 4 / 368.

(7) صحيح الترمذي 2 / 308، وانظروا روايات أخرى للحديث الشريف (صحيح الترمذي 2 / 308، 5 / 163، كنز العمال 1 / 48، 6 / 390، ابن حنبل: فضائل الصحابة 1 / 171، 172 - 2 / 602،

‌>


185

ويقول المحدث الفقيه ابن حجر الهيثمي (909 - 974 هـ‍) أن لحديث الثقلين هذا طرقاً كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً، وله طرق كثيرة، وفي بعض تلك الطرق أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ذلك (الحديث) في حجة الوداع في عرفة، وفي أخرى أنه قاله في المدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قاله في غدير خم، وفي أرى أنه قاله بعد انصرافه من الطائف ولا تنافي، إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في كل تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز، والعترة الطيبة الطاهرة (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن أساس الخلاف في الإمامة بين الشيعة الإمامية وأهل السنة أمران.

أحدهما: - أن الإمام عند الإمامية ينال الخلافة بالوراثة أو بالوصاية النبوية، على حد تعبيرهم، أما غيرهم فيرون أن الإمامة تكون بالبيعة والحكم بالفعل، وجمهور المسلمين لا يعتبرون حكم الملوك كعبد الملك وأولاده، والسفاح والمنصور وأولادهم وذريته، خلافة نبوية، بل يعتبرونها خلافة ملك، والخلافة النبوية لم تتحقق إلا في الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم، ويأخذون في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تصير ملكاً عضوضاً أي يعض عليه بالنواجذ (2).

ولست أدري لم بدأ العلامة أبو زهرة (محمد أحمد أبو زهرة 29 مارس 1898 م - 12 أبريل 1974 م) الملك الغضوض ب‍ عبد الملك بن مروان (65 - 86 هـ‍/ 685 - 705 م) وأولاده من بني أمية، ثم أبو العباس السفاح (132 - 136 هـ‍/ 750 - 754 م) وأبو جعفر المنصور (136 - 158 هـ‍/ 754 -

<‌

المسند 3 / 14، 17، 26، 59، 4 / 371، معجم الطبراني الكبير 3 / 63، 3 / 200، مجمع الزوائد 5 / 181 - 182، 9 / 7163 164، 165، تهذيب الخصائص للنسائي ص 50 - 51، المستدرك للحاكم 3 / 109، 148، أسد الغابة 2 / 13).

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 7 / 7 - 8 (دار الفكر - بيروت 1386 هـ‍/ 1966 م).

(3) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 7 / 12، وانظر آراء أخرى في نفس الكتاب 7 / 7 - 21.


186

77 م) وأولاده، من بني العباس، مع أن بداية الملك العضوض إنما كانت على يد معاوية بن أبي سفيان (40 - 60 هـ‍/ 660 - 680 م) - طبقاً لنص الحديث الشريف، فضلاً عن أحداث التاريخ، هذا إلى أن معاوية نفسه - كما أشرنا من قبل - إنما كان يقول: أنا أول الملوك، وأن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، إنما كان يحييه بالملك، وليس بإمرة المؤمنين، هذا إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية، إنما أطلق عليه لقب الملك، وتابعه في ذلك ابن كثير، بل إن ابن كثير يقول والسنة أن يقال لمعاوية ملك، ولا يقال له خليفة لحديث سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى عدة أمور، اتصلت بالإمامة عند الشيعة، وهي العصمة والتقية والرجعة والمهدي والبداء والجفر ومصحف فاطمة.

- العصمة:

لعل من الجدير بالإشارة - بادئ ذي بدء - أن الناس قد اختلفوا في معصوم من هو؟

فقال قوم: المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي، وهؤلاء هم الأقلون أهل النظر، واختلفوا في عدم التمكن كيف هو؟

فقال قوم منهم: المعصوم هو المختص في نفسه أو بدنه أو فيهما، الخاصية تقتضي امتناع إقدامه على المعاصي.

وقال قوم منهم: بل المعصوم مساو في الخواص النفسية والبدنية لغير المعصوم، وإنما العصمة هي القدرة على الطاعة، أو عدم القدرة على المعصية، هذا قول الأشعري نفسه، وإن كان كثير من أصحابه قد خالفوه فيه.

وقال الأكثرون من أهل النظر: بل المعصوم مختار، متمكن من المعصية طاعة.


187

وهناك تفسيران للعصمة:

أحدهما: أنها أمور يفعلها الله تعالى بالمكلف، فتقضي ألا يفعل المعصية اقتضاء غير بالغ إلى حد الإيجاب، وفسروا هذه الأمور، فقالوا: إنها أربعة أشياء، أولها: أن يكون لنفس الإنسان ملكة مانعة من الفجور، داعية إلى العفة، وثانيها: العلم بمثالب المعصية، ومناقب الطاعة. وثالثها: تأكيد ذلك العلم بالوحي والبيان من الله تعالى. ورابعها: أنه متى صدر عنه خطأ من باب النسيان والسهو، لم يترك مهلاً بل يعاقب وينبه، ويضيق عليه العذر.

قالوا: فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة، كان الشخص معصوماً عن المعاصي لا محالة، لأن العفة إذا انضاف إليها العلم، بما في الطاعة من سعادة، وما في المعصية من شقاوة، ثم أكد ذلك تتابع الوحي إليه وترادفه، وتظاهر البيان عنده، وتمم ذلك خوفاً من العقاب على القدر القليل، حصل من اجتماع هذه الأمور حقيقة العصمة.

وثانيهما: - العصمة لطف يمتنع المكلف عند فعله من القبيح اختياراً، وقد يكون ذلك اللطف خارجاً عن الأمور الأربعة المعدودة، مثل أن يعلم الله تعالى أنه إن أنشأ سحاباً، أو أهب ريحاً، أو حرك جسماً، فإن زيداً يمتنع عن قبيح مخصوص اختياراً، فإنه تعالى يجب عليه فعل ذلك، ويكون هذا اللطف عصمة لزيد، وإن كان الإطلاق المشتهر في العصمة، إنما هو لمجموع ألطاف يمتنع المكلف بها عن القبيح مدة زمان تكليفه (1).

وترى الشيعة الإمامية أن الأنبياء لا تجوز عليهم الكبائر ولا الصغائر، لا عمداً ولا خطأ، ولا سهواً، ولا على سبيل التأويل والتشبيه، وكذلك قولهم في الأئمة (2).

(1) شرح نهج البلاغة 7 / 7 - 8.

(2) شرح نهج البلاغة 7 / 12، وانظر آراء أخرى 7 / 7 - 21.


188

وهكذا رأت الشيعة الإمامية أن العصمة واجبة للإمام، قال ابن بابويه القمي في رسالته للصدوق (ص 108 - 109): اعتقدنا في الأخبار الصحيحة عن الأئمة أنها موافقة لكتاب الله، متفقة المعاني، غير مختلفة، لأنها مأخوذة من طريق الوحي عن الله سبحانه وتعالى (1).

وقال المجلسي: أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة من الذنوب الصغيرة والكبيرة، وعمداً وخطأ ونسياناً - قبل النبوة والإمامة وبعدهما، بل من وقت ولادتهم، إلى أن يلقوا الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد، فإنهما جوزا الإسهاء، من الله تعالى، لأن السهو الذي يكون من الشيطان في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام (2).

وقال الطوسي: لا يجوز عليهم - أي على الأئمة - السهو والنسيان فيما يؤدونه عن الله تعالى، أما غير ذلك، فإنه يجوز أن ينسوه أو يسهون عنه، مما لم يؤد ذلك إلى الإخلال بكمال العقل، وكيف لا يجوز عليهم ذلك، وهم ينامون ويمرضون، ويغشى عليهم، والنوم سهو، وينسون كثيراً من متصرفاتهم أيضاً، وما يجري لهم فيما مضى من الزمان (1).

ومن المعروف أن سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قد أوصى أمته بأهل بيته، وساواهم بالقرآن - كما في حديث الثقلين الذي أشرنا إليه آنفاً - وذلك لأن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، سلالة الحسن والحسين، أبناء الزهراء والإمام علي، إنما هم بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد الأنبياء، الذي اصطفاه الله من أطهر المناقب، وأعرق الأصول، وتعهدهم نوره في الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة، من لدن آدم، حتى حملته أمه، ما تشعبت شعبتان إلا وكان

(1) بحار الأنوار 25 / 350 - 351.

(2) التبيان 4 / 165 - 166.


189

رسول الله صلى الله عليه وسلم، في خيرهما شعبة، ولا افترقت فرقتان، إلا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أكرمهما فرقة، ومن ثم كان أهل بيت النبوة، سلالة النبي صلى الله عليه وسلم، أهل الحسب والنسب، والطهر والشرف، لا يلوثهم رجس، ولا ينالهم دنس، فلقد طهرهم الله - فضلاً منه وكرماً - ثم دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم وتطهيراً.

ويقول العارف بالله محيي الدين بن عربي (560 - 638 هـ‍) في كتابه الفتوحات الملكية: ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبداً محضاً، قد طهره الله تعالى، وأهل بيته، تطهيراً، وأذهب عنهم الرجس قال الله تعالى:*﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً*(1)، فلا يضاف إليه إلا مطهر، ولا بد، فإن المضاف إليهم هو الذي يشبههم، فما يضيفون لأنفسهم، إلا من له حكم الطهارة والتقديس، وأهل البيت هم المطهرون، بل هم عين الطهارة، فهذه الآية إنما تدل على أن الله تعالى قد شرك أهل البيت، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قول الله تعالى:*﴿ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر*(2).

وهكذا طهر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، مما هو ذنب بالنسبة إلينا، لو وقع منه صلى الله عليه وسلم، لكان ذنباً في الصورة - لا في المعنى - لأن الذنب لا يلحق به على ذلك، من الله تعالى، ولا منا شرعاً، فلو كان حكمه حكم الذنب لصحبه ما يصحب الذنب من المذمة، ولم يكن يصدق قول الله تعالى:*﴿ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً *.

ومن ثم فقد دخل الأشراف أولاد سيدة نساء العالمين - السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام - كلهم إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران، فهم المطهرون باختصاص من الله تعالى، وعناية بهم، لشرف محمد صلى الله عليه وسلم،

(1) سورة الأحزاب: آية 33.

(2) سورة الفتح: آية 2.


190

وعناية الله سبحان وتعالى به، وبالتالي فينبغي لكل مسلم مؤمن بالله، وبما أنزله، أن يصدق الله تعالى في قوله:*﴿ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً *، فيعتقد في جميع ما يصدر من أهل البيت - رضوان الله عليهم - أن الله تعالى قد عفا عنهم، ولا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة، ولا ما يشنأ أعراض من قد شهد الله تعالى بتطهيرهم، وإذهاب الرجس عنهم، ليس ذلك بعمل عملوه، ولا بخير قدموه، بل هو سابق عناية واختصاص إلهي، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (1).

على أن هذا الشرف لأهل بيت النبوة، لا يظهر إلا في الدار الآخرة، فإنهم يحشرون مغفوراً لهم، وأما في الدنيا فمن أتى منهم حداً، أقيم عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها وقد أعاذها الله من ذلك، وطهرها تطهيراً (2).

وقصة الحديث الشريف - كما رواه ابن سعد في طبقاته، وابن الأثير في أسد الغابة، وابن عبد البر في الإستيعاب، وابن حجر العسقلاني في الإصابة - واللفظ لابن الأثير: روى عمار الدهني عن شقيق قال: سرقت فاطمة بنت أبي الأسد، فأشفقت قريش أن يقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموا أسامة بن زيد، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كل شئ، ولا ترك حد من حدود الله عز وجل، ولو كانت فاطمة بنت محمد لقطعتها، فقطعها (3).

ويذكر المقريزي (766 - 845 هـ‍) في كتابه معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث معاوية بن هشام عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فاطمة

(1) سورة الحديد: آية 21.

(2) ابن عربي: الفتوحات المكية 1 / 196 - 198.

(3) أنظر: أسد الغابة 7 / 218، الإستيعاب 4 / 386 الإصابة في تمييز الصحابة 4 / 380.


191

أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار (1)، وما رواه الحافظ محب الدين الطبري في ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، وأخرجه الملا في سيرته من حديث حصين بن عمران قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت ربي أن لا يدخل النار أحداً من أهل بيتي، فأعطاني ذلك.

وفي رواية - في مجمع الزوائد - عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: إن الله غير معذبك ولا ولدك - قال أخرجه الطبراني عن ابن عباس (2).

وفي كنز العمال: إن فاطمة حصنت فرجها، وإن الله أدخلها بإحصان فرجها وذريتها الجنة.

قال: أخرجه الطبري عن ابن مسعود (3).

وروى الخطيب البغدادي (392 - 463 هـ‍) بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابنتي فاطمة حوراء آدمية، لم تحض ولم تطمث، وإنما سماها فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار (4).

وذكره ابن حجر الهيثمي (909 هـ‍/ 1504 - 974 هـ‍/ 1567 م) في صواعقه، وقال: أخرجه النسائي (5).

ويقول المقريزي - نقلاً عن العلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوي، المعروف بابن عباس الطوفي (657 - 716 هـ‍) (6) - في الإرشادات الإلهية في المباحث الأصولية - أن الشيعة قد احتجت بقول الله تعالى:*﴿إنما يريد الله

(1) المستدرك للحاكم 3 / 152، حلية الأولياء 4 / 188، ميزان الاعتدال 9 / 202.

(2) مجمع الزوائد 9 / 202، كنز العمال 6 / 219.

(3) كنز العمال 6 / 219.

(4) تاريخ بغداد 12 / 331.

(5) الصواعق المحرقة ص 96.

(6) أنظر: ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة من أعيان المائة الثامنة 2 / 249 - 252.


192

ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً *، على أن أهل البيت معصومون، ثم على أن إجماعهم حجة.

وأما أنهم معصومون، فلأنهم طهروا، وأذهب الله عنهم الرجس والرجس اسم جامع لكل شر ونقص، والخطأ وعدم العصمة بالجملة شر ونقص، فيكون ذلك مندرجاً تحت عموم الرجس الذاهب عنهم، فتكون الإصابة في القول والفعل والاعتقاد، والعصمة بالجملة ثابتة لهم.

هذا فضلاً عن أن الله طهرهم، وأكد تطهيرهم بالمصدر، حيث قال:

* ﴿ويطهركم تطهيراً *، أي ويطهركم من الرجس وغيره تطهيراً، إذ هي تقتضي عموم تطهيرهم من كل ما ينبغي التطهير منه عرفاً، أو عقلاً أو شرعاً، والخطأ وعدم العصمة داخل تحت ذلك، فيكونون مطهرين منه، ويلزم من ذلك عموم إصابتهم وعصمتهم (1).

ثم أكد دليل عصمتهم من الكتاب والسنة في الإمام علي وحده، وفي فاطمة عليها السلام وحدها، وفي جميعهم.

أما دليل العصمة في الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما أرسله إلى اليمن قاضياً، ثم قال:

يا رسول الله، كيف تبعثني قاضياً، ولا علم لي بالقضاء؟ قال: اذهب، فإن الله سيهدي قلبك، ويسدد لسانك، ثم ضرب صدره وقال: اللهم اهد قلبه، وسدد لسانه (2).

وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2 / 699 - 700) بسنده عن سماك عن حنش عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى اليمن، قال: فقلت:

(1) المقريزي: فضل آل البيت - معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم - القاهرة 1973 ص 35 - 36.

(2) مسند الإمام أحمد 1 / 111، 149.


193

يا رسول الله، تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حدث لا أبصر القضاء، قال:

فوضع يده على صدري، وقال: اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه، يا علي، إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما، حتى تسمع من الآخر، ما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء، قال: فما اختلف على قضاء بعد، أو ما أشكل على قضاء بعد. وفي رواية أخرى - في فضائل الصحابة أيضاً (2 / 580 - 581) عن الأعمش عن عمر وبن مرة عن أبي البختري عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وأنا شاب، فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أقضي بينهم، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: أدن، فدنوت، فضرب يده على صدري، فقال: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين.

قالوا: قد دعا له بهداية القلب، وسداد اللسان، وأخبره بأن سيكونا له، ودعاؤه مستجاب، وخبره حق وصدق، ونحن لا نعني بالعصمة إلا هداية القلب للحق، ونطق اللسان بالصدق، فمن كان عنده للعصمة معنى غير هذا، أو ما يلازمه فليذكره (1).

وأما دليل العصمة في السيدة فاطمة عليها السلام، فقوله صلى الله عليه وسلم: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها (2)، والنبي صلى الله عليه وسلم، معصوم، ومن ثم فبضعته - أي جزؤه - والقطعة منه، يجب أن تكون معصومة.

وهناك قصة أبي لبابة الذي ربط نفسه في عمود من عمد المسجد النبوي الشريف، بسبب ما فاه به ليهود بني قريظة، عندما سألوه: أينزلون على حكم محمد، قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح، إن لم تفعلوا، وقد أقسم أن لا يطلقه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى الإمام السهيلي بسنده عن الإمام علي زين

(1) المقريزي: المرجع السابق ص 36 - 38.

(2) الحديث الشريف له صيغ مختلفة (أنظر: صحيح البخاري 5 / 28، 5 / 36، 7 / 47، صحيح مسلم 16 / 2 - 4.


194

العابدين بن مولانا الإمام الحسين، أن فاطمة الزهراء، عليها السلام، أرادت حله، حين نزلت توبته، فقال: أقسمت أن لا يحلني، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فاطمة بضعة مني، فحلته، فصلى الله عليه وعلى فاطمة، فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر، وأن من صلى عليها فقد صلى على أبيها صلى الله عليه وسلم. وبدهي أنها معصومة مثله.

وأما دليل العصمة في آل البيت جميعاً - علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام - فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي بسنده عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زين بن أرقم، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا أبداً، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (1).

وفي رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجته يوم عرفة - وهو على ناقته القصواء يخطب - فسمعته يقول: يا أيها الناس، إني تارك فيكم، ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي (2).

ورواه المتقي في كنز العمال وقال: أخرجه ابن أبي شيبة والخطيب في المتفق والمفترق عن جابر (3).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود، ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض (4).

(1) صحيح الترمذي 2 / 308.

(2) صحيح الترمذي 2 / 308.

(3) كنز العمال 1 / 48، فضائل الخمسة 2 / 45.

(4) ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 603.


195

وفي رواية عن أبي الجحاف عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا، كتاب الله، وأهل بيتي (1).

وأخرجه أحمد في المسند من طريق، عطية عن أبي سعيد، وأخرجه الترمذي (2) عن طريق الأعمش عن عطية أبي سعيد، ثم قرنه بقوله:

والأعمش عن حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم وعن طريق زيد بن الحسن القرشي الكوفي الأنماطي عن الإمام جعفر الصادق عن الإمام محمد الباقر عن جابر بن عبد الله مرفوعاً (3).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين، أولهما: كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال:

وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي (4).

وفي رواية: فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى بيت أبيها وقومها، أهل بيته، أصله وعصبته، الذين حرموا الصدقة بعده (5).

(1) ابن حنبل: فضائل الصحابة 1 / 171 - 172.

(2) مسند الإمام أحمد 3 / 14، 17، 26، 59، صحيح الترمذي 5 / 663.

(3) فضائل الصحابة 1 / 172.

(4) صحيح مسلم 15 / 179 - 180.

(5) صحيح مسلم 15 / 181.


196

وأخرجه أحمد في المسند والدرامي والحاكم عن زيد بن أرقم (1)، وأخرجه أحمد، وابن أبي عاصم في السنة عن زيد بن ثابت، وقال الهيثمي في رواية أحمد: وإسناده حسن (2)، وأخرجه الطبراني في الكبير عن حذيفة بن أسيد (3).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد تركت فيكم خليفتين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما يردان على الحوض (4).

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن ثابت عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (5).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض (6).

وفي رواية أيضاً عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي

(1) مسند أحمد 4 / 367 - 371، سنن الدرامي 2 / 431، مجمع الزوائد 9 / 163.

(2) مسند الإمام أحمد 5 / 181، مجمع الزوائد 9 / 163.

(3) معجم الطبراني الكبير 3 / 200، مجمع الزوائد 9 / 165.

(4) فضائل الصحابة 2 / 786.

(5) أسد الغابة 2 / 13.

(6) فضائل الصحابة 2 / 779، مسند الإمام أحمد 3 / 14 معجم الطبراني الكبير 3 / 62.


197

أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يتفرقا حتى يرد على الحوض، فانظروا بما تخلفوني فيهما (1).

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال:

لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فأقمن، فقال: كأني قد دعيت فأجيب، إني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض.

ثم قال: إن الله عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي عليه السلام، فقال: من كنت مولاه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه (2).

وروى النسائي في الخصائص بسنده عن زيد بن أرقم قال: لما دفع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثم قال: كأني دعيت فأجبت، وإني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض.

ثم قال: إن الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن، ثم إنه أخذ بيد علي، رضي الله عنه، فقال: من كنت وليه، فهذا وليه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فقلت لزيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه ما كان في الدرجات أحد، إلا رآه بعينه، وسمعه بأذنيه (3). وذكره المتقي الهني في كنز العمال (4).

(1) فضائل الصحابة 2 / 779، مسند الإمام أحمد 3 / 17، معجم الطبراني الكبير 3 / 63.

(2) المستدرك للحاكم 3 / 109.

(3) النسائي: تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ص 50 - 51 (بيروت 1983).

(4) كنز العمال 1 / 48، 6 / 390.


198

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي الطفيل عن ابن واثلة، أنه سمع زيد بن أرقم يقول: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات، ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية فصلى، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم قال: أيها الناس، إني تارك فيكم أمرين، لن تضلوا إن اتبعتموها، وهما كتاب الله، وأهل بيتي عترتي، ثم قال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من كنت مولاه، فعلي مولاه (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن وجه الدلالة على العصمة في الأحاديث الآنفة الذكر (حديث الثقلين - بطرق وصيغ مختلفة) إنما هو أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قد لازم بين أهل بيته عليهم السلام، وبين القرآن المعصوم، ومن لازم المعصوم فهو معصوم. قالوا: وإذا أثبت عصمة أهل البيت، وجب أن يكون إجماعهم حجة لامتناع الخطأ والرجس عليهم، بشهادة المعصوم، وإلا لزم وقوع الخطأ فيه، وأنه محال.

واعترض الجمهور بأن قالوا: لا نسلم أن أهل البيت في الآية الكريمة (الأحزاب 33)، بل هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما ما أكدتم به عصمتهم من السنة، فأخبار آحاد، لا تقولون بها، مع أن دلالتها ضعيفة. وأجاب الشيعة: إن أهل البيت في الآية إنما هم: علي وفاطمة والحسن والحسين، وهو أمر ثابت بالنص والإجماع، وقد قال به كثيرون، قال به أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع، وأم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين أم سلمة، وابن أبي سلمة - ربيب النبي صلى الله عليه وسلم - وسعد وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) المستدرك للحاكم 3 / 109.


199

وقال به الكثيرون من أهل التفسير والحديث، قال به الفخر الرازي في التفسير الكبير، وقاله الزمخشري في الكشاف، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن، والشوكاني في فتح القدير، والطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، والسيوطي في الدر المنثور، وابن حجر العسقلاني في الإصابة، والحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه، والإمام أحمد بن حنبل في المسند، والواحدي في أسباب النزول.

وأما خبر الآحاد، فقال الشيعة عنه: إننا أكدنا به دليل الكتاب، ثم هي لازمة لكم، فنحن أوردناها إلزاماً، لا استدلالاً.

على أن الرأي عند الطوفي، أن آية التطهير (الأحزاب 33) ليست نصاً ولا قاطعاً في عصمة آل البيت، وإنما قصاراها أنها ظاهرة في ذلك بطريق الاستدلال الذي حكيناه عنهم (1).

ولعل مما تجدر الإشارة إليه، دخول أبناء فاطمة البتول، عليها السلام، في حكم آية التطهير من الغفران، فهم المطهرون اختصاصاً من الله تعالى، وعنايةً بهم، لشرف محمد صلى الله عليه وسلم، وعناية الله به.

ويذهب بعض العارفين إلى أن حكم هذه النسبة لأهل البيت تكون في الدار الآخرة، فإنهم يحشرون مغفوراً لهم، قال الله تعالى:*﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم*(2). قال سعيد بن جبير (3):

(1) المقريزي: فضائل أهل البيت (معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم - دار الاعتصام القاهرة 1393 هـ‍/ 1973 م ص 39 - 42.

(2) سورة الرعد: آية 23.

(3) سعيد بن جبير: هو أبو عبد الله سعيد بن جبير، الأسدي الكوفي، ولد عام 45 هـ‍/ 665 م، وتتلمذ على عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو، وكان سعيد من أكثر التابعين علماً ومكانة، ومن أوائل مفسري القرآن الكريم، أمر به الحجاج الثقفي فقتل عام 95 هـ‍/ 714 م، بسبب حبه لآل البيت، ومعارضته سياسة الحجاج وبني أمية.

‌>


200

يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أبي، أين أمي، أين زوجي؟ فيقال له: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم، فيقال لهم: ادخلوا الجنة (1).

وقال ابن عباس (2): إن الله تعالى جعل من ثواب المطيع، سروره بما يراه في أهله، حيث بشره بدخول الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها، كرامةً للمطيع العامل، ولا فائدة للتبشير والوعد، إلا بهذا، إذ كل مصلح في عمله، قد وعد دخول الجنة.

ومن البديهي، أنه إذا جاز أن يكرم الله تعالى عباده المؤمنين بالذين عملوا بطاعته، ونهوا أنفسهم عن مخالفته، بأن يدخل معهم الجنة من أهاليهم وذوي قرباهم، من كان مؤمناً قد قصر في عبادة ربه، وخالف بعض ما نهى عنه،

<‌

وأهم مصادر ترجمته (طبقات ابن سعد 6 / 256 - 267 ط بيروت، المعارف لابن قتيبة ص 227 - 228، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 1، 9 - 10، حلية الأولياء 4 / 272 - 309، أخبار أصفهان لأبي نعيم 1 / 324 - 325، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 61 - 62، التهذيب لابن حجر 4 / 11 - 14، الأعلام للزركلي 3 / 154، وفيات الأعيان 2 / 371 - 374، شذرات الذهب 1 / 108 - 110).

(1) المقريزي: المرجع السابق ص 59 - 60.

(2) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولد في العام الثالث قبل الهجرة، وتوفي عام 68 هـ‍(687 م) أو 769 هـ‍(688 م) أو 70 هـ‍(689 م)، وصحب جيوش الإسلام إلى مصر وشمال إفريقيا وجرجان وطبرستان والقسطنطينية، وكان والياً على البصرة في خلافة الإمام علي عام 49 هـ‍، اعتزل السياسة بعد موت الإمام علي، وعاش في الطائف على عطائه. ويعد ابن عباس أول مفسري القرآن (وله تفسير مطبوع في جزأين، نشرته جامعة أم القرى بمكة المكرمة) وقد وصف بأنه ترجمان القرآن وحبر الأمة، وكان عمر بن الخطاب يقدمه على كبار الصحابة، وقال عنه الأعمش: إذا رأيته قلت أجمل الناس، فإذا تكلم قلت أفصح الناس، فإذا حدث قلت أعلم الناس. وأما أهم مصادر ترجمته (وفيات الأعيان 3 / 62 - 64، شذرات الذهب 1 / 75 - 76، طبقات ابن سعد 2 / 119 - 125، المحبر لابن حبيب ص 89 حلية الأولياء 1 / 314 - 329، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 18 - 19، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 40 - 42، الإصابة لابن حجر 2 / 330 - 334 تهذيب التهذيب لابن حجر 5 / 276 - 279، الأعلام للزركلي 4 / 288، الإستيعاب 2 / 350 - 357).


201

بطريق التبعية لهم، لأنهم قد استحقوا تلك المنازل بما أسلفوا من الطاعات في الدنيا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد المرسلين، وإمام المتقين، أولى بهذه الكرامة، أن يدخل الله تعالى عصاة ذريته الجنة، تبعاً له، ويرضى عنهم برضاه عنه صلى الله عليه وسلم (1).

روى الإمام الطبري في تفسيره، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ*﴿والذين آمنوا واتبعتهم (2) ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ*(3). قال: ما أنقصنا الآباء بما أعطيناه للبنين.

وروى الإمام النسفي في قوله تعالى:*﴿وألحقنا بهم ذريتهم*أي نلحق الأولاد - بإيمانهم وأعمالهم - درجات الآباء وقيل: إن الذرية، وإن لم يبلغوا مبلغاً يكون منهم الإيمان استدلالاً، وإنما تلقوا منهم تقليداً، فهم يلحقون بالآباء، وما ينقص ثواب عمل الآباء شيئاً (4).

وقال الإمام القرطبي في التفسير في قول الله تعالى:*﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم *، روى عن ابن عباس أربع روايات: الأولى: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة، - وإن كانوا دونه في العمل - لتقر به عينه، وتلا هذه الآية، وروى مرفوعاً عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة، وإن كان لم يبلغها بعمله، لتقر بهم عينه، ثم قال:* ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان*- الآية.

(1) المقريزي: المرجع السابق ص 60 - 67.

(2) قرأ العمامة واتبعتهم بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين وإسكان التاء، وقرأ أبو عمرو وأتبعناهم بقطع الألف وإسكان التاء والعين ونون، اعتباراً بقوله وألحقنا بهم ليكون الكلام على نسق واحد (تفسير القرطبي ص 6236).

(3) سورة الطور: آية 21.

(4) تفسير النسفي 4 / 191.


202

قال أبو جعفر: فصار الحديث مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا يجب أن يكون، لابن عباس لا يقول هذا، إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه إخبار عن الله عز وجل بما يفعله، وبمعنى أنه أنزله جل شأنه.

وقال الزمخشري: فيجمع الله لهم أنواع السرور، بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وبإجماع أولادهم ونسلهم بهم.

وعن ابن عباس أنه قال: إن الله ليلحق بالمؤمن ذريته الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان.

وعن ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة سأل أحدهم عن أبويه، وعن زوجته وولده، فيقال لهم: إنهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: يا رب، إني عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به.

وروى عن السيدة خديجة رضوان الله عليها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، والمشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ*﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان*- الآية (1).

ويقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: يخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه، ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان، يلحقون بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع ناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا قال*﴿ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ *، قال الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: إن الله ليرفع ذرية

(1) تفسير القرطبي ص 6236 - 6239 (كتاب الشعب - القاهرة 1970).


203

المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ*﴿والذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ*(1).

وأما فضل الله تعالى على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فلقد روى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب أنى لي هذه؟ فيقول:

باستغفار ولدك لك (2).

والحديث إسناده صحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه (3)، ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا ما مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (4).

ويخلص المقريزي من ذلك كله: بأن الله تعالى، إذا أكرم المؤمن لإيمانه، فجعل ذريته الذين لم يستحقوا درجته معه في الجنة لتقصيرهم، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم، أكرم على ربه تعالى من أن يهين ذريته بإدخالهم النار في الآخرة، وهو جل وعز القائل*﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته*(5). بل إن من كمال شرفه صلى الله عليه وسلم، ورفيع قدره، وعظيم منزلته عند الله تعالى، أن يقر الله عينه بالعفو عن جرائم ذريته، والتجاوز عن معاصيهم، ومغفرة ذنوبهم، وأن يدخلهم الجنة من غير عذاب (6).

(1) تفسير ابن كثير 4 / 373 - 375 (دار الكتب العلمية - بيروت 1406 هـ‍/ 1986 م).

(2) مسند الإمام أحمد 2 / 509.

(3) صحيح ابن ماجة 2 / 1207.

(4) صحيح مسلم 5 / 73.

(5) سورة آل عمران: آية 192.

(6) المقريزي: المرجع السابق ص 60.


204

هذا فضلاً عن أن المقريزي إنما يستخلص من قول الله تعالى:*﴿وأما الجدار فكان لغلامين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبو هما صالحاً*(1)، روى الحاكم في المستدرك بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما، في قوله و كان أبوهما صالحاً قال: حفظاً لصلاح أبيهما، وما ذكر عنهما صلاحاً - قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (2)، وكان السابع من آبائهما.

ويقول المقريزي: فإذا صح أن الله سبحانه وتعالى قد حفظ غلامين، لصلاح أبيهما، فيكون قد حفظ الأعقاب برعاية الأسلاف، وإن طالت الأحقاب (3).

ومن ذلك في الأثر من أن حمام الحرم من حمامتين عششتا على فم الغار الذي اختفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك حرم حمام الحرم، وإذا كان ذلك كذلك، فمحمد صلى الله عليه وسلم أحرى وأولى وأحق، وأجدر أن يحفظ الله تعالى ذريته، فإنه إمام الصلحاء، وما أصلح الله فساد خلقه إلا به، ومن جملة حفظ الله تعالى لأولاد فاطمة عليها السلام، أن لا يدخلهم النار يوم القيامة (4).

وأخرج أبو داود الطيالسي بسنده عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا تنفع، والذي نفسي بيده، إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة، وإني فرطكم (أي متقدم عليكم) على الحوض، أيها الناس، ألا وسيجئ قوم يوم القيامة، فيقول القائل منهم: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفت،

(1) سورة الكهف: آية 82.

(2) المستدرك للحاكم 2 / 369.

(3) المقريزي: المرجع السابق ص 61.

(4) نفس المرجع السابق ص 62.


205

ولكنكم ارتددتم بعدي، ورجعتم القهقرى (1) - ورواه شريك فذكره، فقيل له:

يا أبا عبد الله، علام حملتم هذا الحديث؟ قال: على أهل الردة (2).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن إمام الحرمين الجويني، إنما يذهب إلى عدم عصمة الأئمة - بل الأنبياء - فيقول: إن علياً وابنيه الحسن والحسين وأولادهم - صلوات الله عليهم - ما كانوا يدعون لأنفسهم العصمة والتنقي من الذنوب، بل كانوا يعترفون بها سراً وعلناً، ويتضرعون إلى الله، مستغفرين خاضعين خانعين، فإن صدقوا فهو المبتغى، وإن تكن الأخرى، فالكذب خطيئة من الخطايا، يجب الاستغفار والتوبة منها.

ثم يقول: فمن أبدى مراءً في اعترافهم بالذنوب، فقد جاحد ضرورات العقول، ومن اعترف بذلك، واعتقد عصمتهم، فقد نسبهم إلى الخلف عمداً، والكذب قصداً، وهذا إثبات ذنب في مساق ادعاء التبري من الذنوب.

فإن قالوا: كان الأنبياء يستغفرون أيضاً - مع وجود العصمة لهم - قلنا:

مذهبنا الذي ندين به، أنه لا تجب عصمة الأنبياء عن صغائر الذنوب، وآي القرآن في أقاصيص النبيين مشحونة بالتنصيص على هنات كانت منهم، استوعبوا أعمارهم في الاستغفار منها (3).

ثم يدلل الجويني على عدم عصمة الأئمة بوجوه، منها (أولاً) أن الإمام لا يتأتى منه تعاطي مهمات المسلمين في المشارق والمغارب، ولا يجد بداً من

(1) منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود 2 / 64. هذا وقد رواه بمثله الإمام أحمد في مسنده 3 / 18.

(2) المقريزي: المرجع السابق ص 63.

وانظر: محمد بيومي مهران: السيدة فاطمة الزهراء ص 72 - 77 (بيروت 1990).

(3) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق عبد العظيم الديب - الدوحة 1400 هـ‍ص 91 - 94 (طبع على نفقة الشؤون الدينية بدولة قطر).


206

استخلاف الولاة، ونصب القضاة، وجباة الأخرجة والصدقات، وغيرها من أموال الله، والذي يتولى الإمام من أمر المسلمين بنفسه الأقل، ثم لا تجب عصمة ولاة الأمر، حيث كانوا في أطراف خطة الإسلام، وفيه بطلان ما ذكروه، فما تغني عصمته، ولا يشترط عصمة مستخلفيه (1).

ومنها (ثانياً) أن من ينادون بعصمة الأئمة يقولون: التقية ديننا، ودين آبائنا، ويوجبون على الأئمة أن يبوحوا بالكذب، ويبدون خلاف ما يعتقدون، وإذا كانوا كذلك، فليت شعري: كيف يعتمدون في أقوالهم، مع تجويز أنهم يظهرون خلاف ما يضمرون، وغايتهم في اشتراط العصمة اتباع الأئمة، فيما يأتون ويذرون، فإذا أسقطت الثقة بأقوالهم، كيف تجب العصمة في أفعالهم؟

ولئن جاز الكذب في القول تقية، فليجز الزلل في العمل لمثل ذلك.

ومنها (ثالثاً) أن الأنبياء تجب عصمتهم لدلالات المعجزات على صدق لهجتهم، ولو لم يتميز مدعي النبوة بآية باهرة، وحجة قاهرة عن المخرقين الكذابين، لما استقر عقد في نبوة، فمستند النبوات المعجزات إذاً.

وأما الأئمة، فلقد وضح من دين النبي إمامتهم، مع ما يتعرضون له من إمكان الهفوات، فإذا أثبتنا صحة الاختيار، ويستحيل معه علم المختارين في مطرد العادات بأحوال المنصوبين للزعامة، فاستناد الإمامة إلى النبوة، ومستند النبوة المعجزة، فلما تعلق مستند التبليغ بالنبي، لم يكن لتميزه ممن عداه بد من آية، والأئمة يبينون أو يفتون أو يتبعون فروعاً في شرائع الرسل، فإذا دل دليل على انتصابهم - مع التعرض للزلل - ولم يكن في العقول ما يأبى ذلك ويحيله، تلقيناه بالقبول، ونزلناه منزلة الشهود والمفتين وسائر ولاة المسلمين، وحماة الدين (2).

(1) نفس المرجع السابق ص 94 - 95.

(2) نفس المرجع السابق ص 95 - 97.


207

2 - التقية:

التقية: اسم مصدر ل‍ً توقىً وً اتقىً، تقول: توقيت الشئ، واتقيته، وتقيته، تقى وتقية، أي حذرته.

ويقول العلامة المظفري: إن التقية من الوقاية، فهي جنة تدرأ بها المخاوف والأخطار، أي أن الغرض من التقية أن يحافظ المرء على عرضه أو نفسه أو ماله، مخافة عدو، فيظهر غير ما يضمر، فهي إذن مداراة وكتمان، وتظاهر بما ليس هو الحقيقة، فمن كان على دين أو مذهب ثم لم يستطيع أن يظهر دينه أو مذهبه، فيتظاهر بغيره، فذلك تقية.

هذا ولم ترد عبارة تقية في القرآن الكريم، وإنما جاءت بلفظ تقاة.

ويذهب الشريف الرضي (359 - 406 هـ‍) (1)، والزمخشري (467 - 538 هـ‍) (2) أن تقاة قرأت تقية، ومن الواضح أن المراد بها هنا التظاهر

(1) الشريف الرضي: - هو نقيب العلويين أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، ولد عام 359 هـ‍، و توفي يوم الأحد سادس المحرم - وقيل صفر - عام 406 هـ‍، وكان شاعراً مفلقاً حتى قيل إنه أشعر قريش، وقد ابتدأ ينظم الشعر وله عشر سنين، وله ديوان في أربع مجلدات، وقد أصبح نقيب الطالبيين في عام 383 هـ‍، بعد أن تنازل له أبوه عنها، وقال ابن جني النحوي عنه أنه حفظ القرآن في مدة يسيرة، وصنف كتاباً في مجازات القرآن، فجاء نادراً في بابه، كما صنف كتاباً في معاني القرآن يتعذر وجود مثله دل على توسعه في علم النحو واللغة، وانظر عن مصادر ترجمته وفيات الأعيان 4 / 414 - 420، شذرات الذهب 3 / 182 - 184، تاريخ بغداد 2 / 245 - 246، وقام الدكتور إحسان عباس بعمل دراسة عنه نشرت في بيروت 1957 م.

(2) الزمخشري: - هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري، الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان، كان إمام عصره بغير مدافع، وصاحب التصانيف البديعة، والتي منها: الكشاف في تفسير القرآن العزيز والمحاجاة بالمسائل النحوية، والمفرد المركب في العربية، والفائق في تفسير الحديث، وأساس البلاغة في اللغة وربيع الأبرار وفصوص الأخيار ومتشابه أسامي الرواة والنصائح الكبار والنصائح الصغار وضالة الناشد والرائض في علم الفرائض والمفصل في النحو والأنموذج في النحو. وغيرها وغيرها.

‌>


208

بموالاة الأعداء، على أساس أن تتقوا منهم تقاة أي تحذروهم، وتتجنبوا الأذى منهم، ومن هنا يتبين أن الخوف والمحافظة على النفس في مواطن الخطر هما أساس التقية، وأن القرآن قد أباح للمسلمين - وبخاصة المسلمين الذين عناهم هنا - الخائفين على دمهم، أن يتخذوا الكافرين أولياء تقاة أو تقية، على أمل زوال الظروف التي دعتهم إلى هذه الضرورة، والضروريات تبيح المحظورات، كما هو معروف (1).

ويقول ابن حزم الأندلسي: وقد أباح الله كلمة الكفر عند التقية، وأباح بها الدم في غير التقية (2)، هذا وقد اعتمدت التقية على ركائز ثلاثة من الكتاب والسنة والعقل.

1 - التقية في القرآن:

يقول الله تعالى:*﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير*(1).

ويقول الله تعالى:*﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم*(4).

<‌

وقد ولد الزمخشري يوم الأربعاء 27 رجب عام 467 هـ‍، وتوفي ليلة عرفة عام 538 هـ‍.

وانظر ترجمته في (وفيات الأعيان 5 / 168 - 174، طبقات المعتزلة ص 20، لسان الميزان 2 / 160، عبر الذهبي 4 / 106، إنباه الرواة 3 / 265، شذرات الذهب 4 / 118 - 121).

(1) أنظر: الشريف الرضي: حقائق التأويل في متشابه التنزيل ص 74 (النجف 1355 هـ‍/ 1936 م)، الزمخشري: الكشاف 1 / 300 (بولاق 1318 هـ‍)، كامل الشيبي: التقية - مجلة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية - العدد 16 عام 1963 ص 233 - 234.

(2) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 / 111.

(3) سورة آل عمران: آية 28.

(4) سورة النحل: آية 106.


209

وقد قدم لنا العلامة المفسر القرطبي معظم آراء العلماء في تفسير الآية الكريمة، وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر في قول أهل التفسير، لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه، قال ابن عباس: أخذه المشركون، وأخذوا أباه وأمه سمية، وبلالاً وخباباً وسالماً فعذبوهم، و ربطت سمية بين بعيرين، ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت من أجل الرجال، فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين (شهيدين) في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟، قال: مطمئن بالإيمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن عادوا فعد.

وروى الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير عمار بين أمرين، إلا اختار أرشدهما، وفي هذا دليل على أن التقية التي اختارها عمار كانت أرشد هنا.

ويقول القرطبي: لما سمح الله عز وجل بالكفر به - وهو أصل الشريعة - عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها، لم يؤاخذ به، ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

هذا وقد أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر، حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه، إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر، وهذا ما قال به مالك والكوفيون والشافعي - غير محمد بن الحسن (1) - بدليل قول الله تعالى:*﴿إلا من أكره * وقوله تعالى:*﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة*(2)، وقوله تعالى:*﴿إلا المستضعفين من

(1) تفسير القرطبي ص 3796 - 3798.

(2) سورة آل عمران: آية 28، وانظر: تفسير الطبري 6 / 313 - 317، تفسير ابن كثير 1 / 535، تفسير النسفي 1 / 152 - 153، تفسير الزمخشري 1 / 140، تفسير القرطبي ص 1299 - 1300،

‌>


210

الرجال والنساء والولدان*(1) فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به - قاله البخاري.

هذا وقد ذهبت طائفة من العلماء - كالحسن البصري والأوزاعي وسحنون - إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله، أو الصلاة لغير القبلة.

وقد احتج من قصر الرخصة على القول، بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان، إلا كنت متكلماً به فقصر الرخصة على القول، ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه، لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالاً، وهو يريد: أن الفعل في حكمه.

على أن فريقاً آخر من العلماء قال إن الإكراه في القول والفعل سواء، إذا أسر الإيمان، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك، وطائفة من أهل العراق، فلقد روى ابن القاسم عن مالك: أن من أكره على شرب الخمر، وترك الصلاة، أو الإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع (2).

ولعل مما تجدر الإشارة إليه أن العلماء يجمعون على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل، إنما هو أعظم أجراً عند الله، ممن اختار الرخصة، واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له، فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك، واختيار القتل والضرب، أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة.

وروى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلت: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال لي: قد كان

<‌

تفسير المنار 3 / 227 - 233، أحمد أمين: فجر الإسلام ص 274، ضحى الإسلام 3 / 246 - 247.

(1) سورة النساء: آية 97.

(2) تفسير القرطبي ص 3798 - 3799.


211

من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون (1).

وعن يونس بن عبيد عن الحسن (البصري): أن عيوناً لمسيلمة (الكذاب) أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما:

أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال:

نعم، فخلى سبيله، وقال للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال:

وتشهد أني رسول الله؟ قال: أنا أصم، لا أسمع، فقدمه وضرب عنقه، فجاء هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكت، قال: وما أهلكك، فذكر الحديث، قال: أما صاحبك فأخذ بالثقة، وأما أنت فأخذت بالرخصة، على ما أنت عليه الساعة؟ قال: أشهد أنك رسول الله، قال: أنت على ما أنت عليه (2).

وعن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه؟ فقال: نعم، ولأن أحلف سبعين يميناً وأحنث، أحب إلي أن أدل على مسلم.

وكان الوليد بن عبد الملك الأموي (86 هـ‍/ 705 م - 96 هـ‍/ 715 م) يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار، قال: فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوه فسمع بعضهم يقول في الوليد، فرفع ذلك إليه فقال: يا رجاء، اذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير، فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين، فقال له الوليد: قال: الله الذي لا إله إلا هو، قال: الله الذي لا إله إلا هو، فأمر

(1) تفسير القرطبي ص 3804.

(2) تفسير الزمخشري / 536، تفسير المنار 3 / 231، تفسير القرطبي ص 3805.


212

الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطاً، فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء بك يسقى المطر، وسبعون سوطاً في ظهري، فيقول رجاء: سبعون سوطاً في ظهرك، خير لك من أن يقتل رجل مسلم.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ليس الرجل آمناً على نفسه، إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته، وقال ابن مسعود: ما كان يدرأ عني سوطين، إلا كنت متكلماً به.

وقال الحسن البصري: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أن الله تعالى ليس يجعل في القتل تقية.

وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن إكراه، وهذا قول الإمام مالك، إلا أنه قال: والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي، وإنفاذه لما يتوعد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره، وإكراه السلطان وغيره عن مالك إكراه.

وقال سحنون (1) (عبد السلام بن سعيد التنوخي قاضي القيروان 160 هـ‍/ 776 م - 240 هـ‍/ 854 م): وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه، مما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس، وذهب الإمام مالك (90 أو 97 - 179 هـ‍) إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب، أنه يحلف ولا حنث عليه، وهو قول الأئمة: الشافعي (150 هـ‍/ 767 م - 204 هـ‍/ 820 م) وابن حنبل (164 هـ‍/ 780 م - 241 هـ‍/ 855 م) وأبي ثور (ت 240 هـ‍/ 854 م) وأكثر العلماء.

(1) سحنون: وهو والد ابن سحنون (محمد بن سحنون بن عبد السلام بن سعيد التنوخي، الذي ولد بالقيروان عام 202 هـ‍/ 817 م، وتعلم فيها على يد والده سحنون وغيره، حتى صار في مكانة أكبر من مكانة والده، ثم توفي عام 256 هـ‍/ 870 م).


213

هذا وقد ثبت أن من المعاريض المندوحة عن الكذب، روى الأعمش عن إبراهيم النخعي (50 هـ‍/ 670 م - 96 هـ‍/ 715 م) أنه قال: لا بأس إذا بلغ الرجل عنك شئ أن تقول: والله، إن الله يعلم ما قلت فيك من ذلك من شئ، قال عبد الملك بن حبيب: معناه أن الله يعلم أن الذي قلت، وهو في ظاهره انتفاء من القول، ولا حنث على من قال ذلك في يمينه، ولا كذب عليه في كلامه.

وقال النخعي: كان لهم كلام من ألغاز الإيمان يدرأون به عن أنفسهم، لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث، قال عبد الملك: وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام، إذا كان ذلك في غير مكر، ولا خديعة في حق، وقال الأعمش: كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه، جلس في مسجد بيته، وقال لجاريته: قولي له: هو والله في المسجد (1).

2 - التقية في السنة:

تظهر التقية - بأجلى معانيها - في قصة الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضوان الله عليه، روى الحافظ ابن كثير في تفسيره قال: روى العوفي عن ابن عباس أن آية*﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان*(2)، نزلت في عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك مكرهاً، وجاء معتذراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك.

وروى ابن جرير بسنده عن أبي عبيد محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن عادوا فعد.

(1) تفسير القرطبي ص 3805 - 3807.

(2) سورة النحل: آية 106.


214

ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما تركت حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، فقال: إن عادوا فعد، وفي ذلك أنزل الله*﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان *، ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته (1).

هذا وقد خرج عن هذه الآية الكريمة (النحل: 106) رأي مدرسة الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق (80 هـ‍/ 669 م - 148 هـ‍/ 765 م) مع الإمام أبي حنيفة (80 هـ‍/ 669 م - 150 هـ‍/ 767 م) والإمام مالك، في فتواهما المشتركة للناس:

ليس على مكره يمين، حينما سئلا عن بيعتهما للخليفة العباسي المنصور (136 هـ‍/ 754 م - 158 هـ‍/ 775 م) وخروجهما عليه بعد البيعة (2).

وأما الإمام أبو حنيفة، فلقد أرسل له الإمام زيد بن علي زين العابدين (79 هـ‍/ 698 م - 122 هـ‍/ 740 م) الفضيل بن الزبير يدعوه إليه، غير أنه لم يستطع الخروج، وقال للرسول: إبسط عذري إليه، ومع ذلك فقد كان يحث الناس على نصرة الإمام زيد، كما أمده بمعونة مالية، - بلغت ثلاثين ألف درهم - يستعين بها على عدوه، ويروى أن أبا حنيفة قال لما بلغه خروج زيد - ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم بدر، فقيل له: لم تخلف عنه؟

قال: حبسني عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل، فخفت أن أموت مجهلاً.

وقال الزمخشري في الكشاف: وكان أبو حنيفة يفتي سراً، بوجوب نصرة

(1) تفسير ابن كثير 2 / 911 - 912 (دار الكتب العلمية - بيروت 1406 هـ‍/ 1986).

(2) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة ص 177.


215

زيد بن علي، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب، المسمى بالإمام أو الخليفة.

وروى أن محمد بن جعفر الصادق قال: رحم الله أبا حنيفة، لقد تحققت مودته لنا في نصرته زيد بن علي (1).

وفي أثناء ثورة الإمام محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم على الخليفة العباسي المنصور في عام 145 هـ‍، أفتى الإمام أبو حنيفة بالخروج مع إبراهيم، وكان المحدث الفقيه شعبة بن الحجاج (82 هـ‍/ 701 م - 160 هـ‍/ 776 م) يحث الناس على اتباعه، ويقول: ما يقعدكم؟ هي بدر الكبرى، كما أمده الإمام أبو حنيفة بأربعة آلاف درهم، وكتب إليه أنه لم يكن عنده غيرها (2).

وروى أن امرأة أتت أبا حنيفة فقالت: إنك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم، فخرج فقتل، فقال لها: ليتني كنت مكان ابنك.

وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم يقول: أما بعد، فإني جهزت إليك أربعة آلاف درهم، ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك، فإذا لقيت القوم، وظفرت بهم، فافعل كما فعل أبوك (يعني الإمام علي بن أبي طالب) في أهل صفين، أقتل مدبرهم، وأجهز على جريحهم، ولا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل، فإن القوم لهم فئة، ويقال إن هذا الكتاب وقع إلى الدوانيقي (يعني أبو جعفر المنصور)، وكان سبب تغيره على أبي حنيفة (3).

وأما الإمام مالك، فلقد أفتى الناس أيضاً بالخروج مع محمد النفس الزكية،

(1) تفسير الكشاف 1 / 64، شذرات الذهب 1 / 159، ابن البزار: مناقب الإمام أبي حنيفة 1 / 55 (حيدر الدكن 1321 هـ‍)، الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ص 146، المحلى: الحدائق الوردية 1 / 144.

(2) ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 130، وانظر: مقاتل الطالبيين ص 361، 364، 365، 367، 369.

(3) ابن عنبة: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 130 (دار مكتبة الحياة - بيروت).


216

وبايعه، ولهذا فقد تغير المنصور عليه، فقيل: إنه خلع أكتافه (1).

وروى ابن الأثير في كامله: وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد (النفس الزكية) وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته (2).

قال صاحب الجواهر - كما جاء في كتاب فقه الإمام جعفر الصادق - الاجتماع على ذلك، مضافاً إلى النصوص العامة، مثل رفع عن أمتي ما استكرهوا عليه، ورواية زرارة عن الإمام أبي جعفر الصادق: ليس طلاق المكره بطلاق، ولا عتقه بعتق (3).

ولقد اختلف العلماء في طلاق المكره، فقال الشافعي وأصحابه لا يلزمه شئ، وذكر ابن وهب عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس، أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئاً، وكذا رأي ابن عمر وعطاء وطاوس والحسن البصري وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور، وأجازت طائفة طلاقه كالشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة، وقال أبو حنيفة طلاق المكره يلزم (4).

وفي تفسير ابن كثير: روى البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام، وقلوبنا تلعنهم، وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان.

(1) نفس المرجع السابق ص 126.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5 / 532.

(3) محمد جواد مغنية: فقه الإمام جعفر الصادق - الجزء السادس ص 6 (دار الجواد - بيروت 1404 هـ‍/ 1984 م).

(4) تفسير القرطبي ص 3800.


217

وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة (1).

وروى الإمام مالك في الموطأ عن عائشة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت.

استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: وأنا معه في البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ابن العشيرة، ثم أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فلم أنشب أن سمعت ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، معه، فلما خرج الرجل قلت: يا رسول الله، قلت فيه ما قلت، ثم لم تنشب أن ضحكت معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره (2).

وروى البخاري في صحيحه (باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب) قال: حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة سمعت ابن المنذر، سمع عروة بن الزبير، أن عائشة رضي الله عنها أخبرته، قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إئذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام، قال: أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس - أو ودعه الناس - إتقاء فحشه (3).

وفيه من حديث أبي الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتلعنهم وفي رواية الكشميهني وإن قلوبنا لتقليهم أي تبغضهم، ويقول صاحب تفسير المنار: وأما المداراة - فيما لا يهدم حقاً، ولا يبني باطلاً - فهي كياسة مستحبة، يقتضيها أدب المجالسة، ما لم تنته إلى حد النفاق، ويستجز فيها الدهان والاختلاق، وتكون مؤكدة في خطاب السفهاء، تصوناً من سفههم، واتقاء لفحشهم (4).

(1) تفسير ابن كثير 1 / 535 (بيروت 1986).

(2) الإمام مالك بن أنس: الموطأ - صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه - محمد فؤاد عبد الباقي ص 563 - 564 (ط كتاب الشعب 1970).

(3) صحيح البخاري 8 / 20 - 21.

(4) تفسير المنار 3 / 231 - 232 (الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1973).


218

وفي مسند الإمام علي بن أبي طالب عن أبي مريم عن علي قال:

انطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتينا الكعبة، فقال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم: إجلس، وصعد على منكبي فنفضته، فنزل، وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إصعد على منكبي، قال: فنهض بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه ليخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تماثيل صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله يميناً وشمالاً، ومن بين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إقذف به، فقذفت به، فتكسر، كما تكسر القوارير، ثم نزلت، فانطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، نستبق حتى توارينا بالبيوت، خشية أن يلقانا أحد من الناس (1).

ويقول الطبري (2): وما يهمنا هنا في هذا الخبر: أن علياً رحمه الله، أخبر أنه حين رمى بالصنم من فوق الكعبة فتكسر، نزل فانطلق هو و رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسعيان حتى استترا بالبيوت، خشية أن يعلم بهما أحد، ولا شك أنهما لم يخشيا أن يعلم ما كان منهما من الفعل بالصنم أحد من المشركين، إلا كراهة أذاهم على أنفسهما، وأن يلحقهما منهم مكروه، لما كان فعلا بصنمهم.

وكذلك القول على كل خائف على نفسه من فرط أذى من لا طاقة له به، أن يناله به في نفسه، إذا هو غير هيئة بعض ما وجده معه، أو مع بعض أشيائه من الأشياء التي لا تصلح إلا لأن يعصى الله به، وهو بهيئته، في أنه في سعة من ترك تغييره عن هيئته، حتى يأمن ذلك على نفسه، فإذا أمن على نفسه، كان له تغييره من الهيئة عن هيئته، حتى يأمن من ذلك على نفسه، فإذا أمن على نفسه، كان له تغييره من الهيئة المكروهة إلى غيرها من الهيئات التي تصلح لغير معصية الله.

(1) أبو جعفر الطبري: تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار - مسند الإمام علي بن أبي طالب - قرأه وخرج أحاديثه محمود محمد شاكر - ص 237 (ط جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية بالرياض).

(2) نفس المرجع السابق ص 242 - 243.


219

وفيه دلالة واضحة على صحة ما نقول من أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إنما يلزم فرضهما المرء المسلم على قدر طاقته، وعند أمانه على نفسه، أن ينال منها ما لا قبل لها به، فأما مع الخوف عليها أن تنال بما لا قبل لها به، فموضوع عنها فرض ذلك، إلا النكير بالقلب.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما تحين لكسر الصنم الذي كان فوق الكعبة، وقت الخلوة من عبدته، ومن يحضره لتعظيمه، كراهة أن ينالوه بمكروه في نفسه، لو حاول كسره بمحضر منهم، أو أن يحولوا بينه وبين ما يحاول من ذلك، ثم لم يقف بعد كسره إياه بموضعه، ولكنه أسرع السعي منه إلى حيث يأمن على نفسه أذاهم، وأن يعملوا أنه الذي ولى كسره، أو كان الذي سبب كسره (1).

وهناك حديث لا ضرر ولا ضرار، وحديث رفع عن أمتي تسعة أشياء:

الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والطيرة، والحسد، والوسوسة في الخلق، وقول الرسول الأعظم وما اضطروا إليه صريح الدلالة على أن الضرورات تبيح المحظورات (2).

وقال الإمام الغزالي (450 هـ‍/ 1059 م - 505 هـ‍/ 1111 م) في موسوعته إحياء علوم الدين (باب ما رخص فيه من الكذب): أن عصمة دم المسلم واجبة، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم، قد اختفى من ظالم، فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب، أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجني عليه، إلا بكذب، فالكذب مباح، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن، لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه، فيخشى أن يتداعى إلى ما لا

(1) مسند الإمام علي بن أبي طالب ص 242 - 243.

(2) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 50.


220

يستغنى عنه، وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة، فيكون الكذب حراماً في الأصل إلا لضرورة (1).

وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير، في تفسير قوله تعالى:*﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة*- بعد أن نقل الأقوال المختلفة في التقية - قال: روى عن الحسن البصري أنه قال: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى - فيما يرى الرازي - لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان (2).

ونعى الإمام الشاطبي (المتوفى 1388 م) في الموافقات على الخوارج إنكارهم سورة يوسف من القرآن، وقولهم (المتوفى 1388 م) بأن التقية لا تجوز في قول أو فعل على الإطلاق والعموم (3).

وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في الأشباه والنظائر: لا يجوز أكل الميتة في المخمصة، وإساغة اللقمة (1445 - 1505 م) في الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر، ولو عم الحرام قطراً، بحيث لا يوجد فيه حلال، إلا نادراً، فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه (4).

وقال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي (5) (305 هـ‍/ 917 م - 370 هـ‍/ 981 م) - من أئمة الحنفية - في قوله تعالى:*﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة *، يعني أن تخافوا تلف النفس، أو بعض الأعضاء، فتتقوهم بإظهار

(1) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين 9 / 1588 (دار الشعب - القاهرة 1970).

(2) الشيعة في الميزان ص 50.

(3) الإمام الشاطبي: الموافقات 4 / 180.

(4) السيوطي: الأشباه والنظائر ص 76.

(5) أنظر عن الجصاص (تاريخ بغداد 4 / 314 - 315، معجم المؤلفين لكحالة 2 / 7 - 8، الفهرست لابن النديم ص 208، المنتظم لابن الجوزي 7 / 105 - 106، الأعلام للزركلي 1 / 165، البداية والنهاية لابن كثير 11 / 297، تذكرة الحفاظ للذهبي 959، الجواهر للقرشي 1 / 84 - 85، شذرات الذهب 3 / 71، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي - المجلد الأول 1 / 102 - 104 - جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية 1403 هـ‍/ 1983 م).


221

الموالاة من غير اعتقاد لها، وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ، وعليه الجمهور من أهل العلم.

وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي عن الحسن بن أبي الربيع الجرجاني عن عبد الرازق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى:*﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله *، قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافراً ولياً في دينه، وقوله تعالى:*﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة *، يقتضي جواز إظهار الكفر عند التقية، وهو نظير قوله تعالى:*﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان*(1).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن ابن المنكدر، سمع عروة بن الزبير يقول: حدثتني عائشة أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إئذنوا له، فلبئس ابن العشيرة، أو بئس رجل العشيرة، فلما دخل عليه ألان له القول، قالت عائشة فقلت: يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له القول، قال:

يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة ودعه أو تركه الناس، إتقاء فحشه (2).

وفي السيرة الحلبية: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، قال له حجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالاً، وإن لي بها أهلاً، وأنا أريد أن آتيهم، فأنا في حل، إن نلت منك، وقلت شيئاً فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يقول ما شاء (3).

وهذا الذي قاله صاحب السيرة الحلبية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقله الجصاص

(1) الجصاص: أحكام القرآن 2 / 10 (ط 1347 هـ‍).

(2) صحيح مسلم 16 / 144 (ط بيروت 1981 م).

(3) أنظر: السيرة الحلبية 2 / 761 - 763، تاريخ الطبري 3 / 17 - 19، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 223 - 224، سيرة ابن هشام 3 / 259 - 260، السيرة النبوية لابن كثير 2 / 407 - 492.


222

إلى الجمهور من أهل العلم، وهو الذي جاء في كل كتب السيرة، وهو بعينه ما تقول الإمامية، إذن القول بالتقية لا يختص بالشيعة دون السنة، أما قصة نعيم بن مسعود الأشجعي، فأشهر من أن تذكر، وقد فصلتها كتب السيرة كذلك (1).

ويقول الأستاذ مغنية: لا أدري كيف استجاز لنفسه من يدعي الإسلام، أن ينعت التقية بالنفاق والرياء، وهو يتلو من كتاب الله، وسنة نبيه، ما ذكرنا آنفاً من الآيات والأحاديث، فضلاً عن أقوال أئمة السنة، وهو غيض من فيض مما استدل به علماء الشيعة في كتبهم، ثم كيف تنسب الشيعة إلى الرياء، وهم يؤمنون بأنه الشرك الخفي، ويحكمون ببطلان الصوم والصلاة والحج والزكاة، إذا شابها أدنى شائبة من رياء (2).

وعلى أية حال، فالتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم (3). وعن ابن عباس إلا أن تتقوا منهم تقاة، قال: التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان، وعن عكرمة في قوله إلا أن تتقوا منهم تقاة، قال: ما لم يهرق دم مسلم، وما لم يستحل ماله (4).

هذا وقد روى الكليني - أكبر علماء الإمامية، والمتوفى 328 هـ‍/ 939 م - أخباراً كثيرة في التقية، فروى عن الإمام أبي عبد الله أنه قال: تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شئ، إلا في النبيذ والمسح على الخفين.

(1) أنظر: مغازي الواقدي 2 / 480 - 487 (بيروت 1984)، ابن كثير: السيرة النبوية 3 / 214 - 217، ابن قيم الجوزية: زاد المعاد 3 / 273 - 274، ابن حزم: جوامع السيرة ص 151 - 152 (القاهرة 1982)، عرجون: محمد رسول الله 4 / 181 - 189 (دمشق 1985)، أبو زهرة: خاتم النبيين 2 / 788 - 790، البوطي: فقه السيرة ص 1 / 22 (بيروت 1978)، الندوي: السيرة النبوية ص 219 - 220، محمد بيومي مهران: السيرة النبوية الشريفة 2 / 211 - 214 (بيروت 1990)، الشيعة في الميزان ص 51.

(2) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 51.

(3) تفسير القرطبي ص 1299.

(4) تفسير الطبري 6 / 313 - 317.


223

وقال في قوله تعالى:*﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا*(1) قال:

بما صبروا على التقية، وما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير، فأعطاهم الله أجرهم مرتين.

وقد سئل أبو الحسن عن القيام للولاة فقال: قال أبو جعفر الباقر: التقية من ديني، ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له.

وسئل الإمام أبو جعفر عن رجلين من أهل الكوفة أخذا، فقيل لهما: إبرآ من أمير المؤمنين علي عليه السلام، فبرئ واحد منهما، وأبى الآخر، فخلي سبيل الذي برئ، وقتل الآخر، فقال: أما الذي برئ، فرجل فقيه في دينه، وأما الذي لم يبرأ، فرجل تعجل إلى الجنة.

وأراد جماعة السير إلى العراق، فقالوا لأبي جعفر: أوصنا، فقال أبو جعفر: ليقو شديدكم ضعيفكم، ولتعد غنيكم على فقيركم، ولا تبثوا سرنا، ولا تذيعوا أمرنا.

وقال أبو عبد الله: إن أمرنا مستور مقنع بالميثاق، فمن هتك علينا أذله الله (2).

3 - التقية من الدليل العقلي

وهو يوجب المحافظة على النفس والنفيس، استناداً إلى قول الله تعالى * ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة*(3).

والنبي صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى للإنسانية كلها - إنما قد أخفى الدعوة في بادئ الأمر، وبدأ يدعو للإسلام سراً، لأنه رأى أولاً ضرورة التقية، حتى زالت

(1) سورة القصص: آية 54.

(2) الكليني: الكافي ص 400 وما بعدها، أحمد أمين: ضحى الإسلام 3 / 247 - 248 (القاهرة 1368 هـ‍ / 1949 م).

(3) سورة البقرة: آية 195.


224

أسبابها، عندما أمره الله*﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين*إنا كفيناك المستهزئين*(1).

وعلى أية حال، فالصدع بالرأي، بعد الإسرار به، لم يكن شجاعة بعد جبن، بل كان قوة في كلتا الحالتين، استترت الأولى بالتقية، وكشفت الثانية عن نفسها بخلع التقية.

ويرى الشيعة عامة أن أبا طالب - عم النبي ومربيه، وشاهد نبوته معه منذ طفولته - إنما كان مستتراً وراء التقية، وكان مؤمناً بابن أخيه محمد نبياً ورسولاً، وقد تظاهر بغير ذلك، بالصمت حيناً، وبالتجاهل حيناً، ليتسنى له الدفاع عن محمد وعلي، عليهما السلام (2).

هذا وقد أكد التقية قبل الإمام الصادق جده الإمام علي زين العابدين، حين قال:

إني لأكتم من علمي جواهره*كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتننا

وقد تقدم في هذا أبو حسن*إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا

فرب جوهر علم لو أبوح به*لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال مسلمون دمي*يرون أقبح ما يأتونه حسنا (3)

ولقد جرى على ذلك بعض الصوفية، فقالوا بالعلم الباطن، الذي لا يفهم من اللغة ولا من المنطق، وإنما عن طريق الإلهام والمكاشفة.

هذا ويذهب كاشف الغطاء إلى أن الشريعة الإسلامية المقدسة، إنما قد أجازت للمسلم في مواطن الخوف أن يتدرع بستار التقية، إخفاء للحق، وصوناً له، ريثما تنتصر دولة الحق، هذا وتجب التقية، إن كان تركها يستوجب تلف

(1) سورة الحجر: آية 94 - 95.

(2) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق رائد السنة والشيعة ص 178.

(3) المجلسي: بحار الأنوار ص 86 - 87.


225

النفس، دون فائدة، وللمرء أن يضحي بنفسه أو يحافظ عليها، ولكن يحرم العمل بالتقية، إن كان ذلك ترويجاً للباطل (1).

ويذهب الشيخ المفيد (333 هـ‍/ 944 م - 414 هـ‍/ 1022 م) إلى أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقد تجوز في حال دون حال، للخوف على المال، ولضروب من الاستصلاح (2).

هذا فضلاً عن أنها واجبة في الأقوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها، الضرب من اللطف والاستصلاح، وليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين، ولا فيما يعلم أو يغلب أنه فساد في الدين (3) وهكذا كانت التقية واحدة من أهم عقائد الشيعة الإمامية، فرضتها الظروف السياسية، وما صاحبها من اضطهاد الشيعة، فاتقوا السلطان حفظاً للأرواح وقد أصبحت التقية صفة خاصة للشيعة الإمامية، وقد دانوا بها، امتثالاً لأمر الأئمة، فقد روي عن الإمام الصادق أنه قال: من لا تقية له، لا دين له (4).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التقية إنما بدأت مع أحد الضعفاء، وكما أشرنا من قبل، مع سيدنا عمار بن ياسر (5)، رضي الله عنه،

(1) العاملي: أعيان الشيعة 11 / 154 - 160.

(2) محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد: أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ص 96 (ط تبريز 1371).

(3) نفس المرجع السابق ص 97.

(4) الطبرسي: مشكاة الأنوار في غرر الأخبار - النجف - 1951 ص 39 وما بعدها.

(5) ليس صحيحاً ما ذهب إليه الدكتور الشيبي من أن عمار بن ياسر، رضي الله عنه، كان عبداً سابقاً، كما أنه ليس صحيحاً أن قصة تعذيبه كانت بعد الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة، قال الواقدي وغيره من أهل العلم بالنسب والخبر: إن ياسراً والد عمار عرني قحطاني مذحجي من عنس، إلا أن ابنه عمار كان مولى لبني مخزوم، لأن أمه سمية كانت أمة لبعض بني مخزوم، وعن مجاهد: إن أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله وأبو بكر وبلال وخباب وصهيب وعمار وأمه سمية، وعذبت أسرة ياسر في الله عذاباً شديداً، وفي عمار نزلت:*(من كفر بالله من بعد إيمانه*إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) *، ومن المعروف أن الآية مكية

‌>


226

هكذا قرر الإسلام، وقرر نبي الإسلام مبدأ التقية، بوصفها وسيلة لحماية النفس، من خطر يودي بها من غير طائل، حتى قال ابن حزم: وقد أباح الله عز وجل كلمة الكفر عند التقية، وأباح بها الدم في غير التقية (1).

ولعل من الجدير بالإشارة إلى أن تخيير الإسلام للكفار المقهورين بين الإسلام أو السيف أو الجزية، تدخل في باب إقرار التقية، فليس خافياً على الإسلام وشارعه أن الدخول في الدين الجديد على هذه الصورة تحت حد السيف، أو ما لا يمكن توفيره من مال، يعني دفع كلا الضررين، بتحمل أهون الثلاث، وهو الدخول في دين القاهرين، فلا يمكن أحداً أن يتصور أن معتنق الإسلام - وعلى هذه الصورة - جاد في إسلامه، اللهم إلا إذا رأى فيه الروح مما كان يعاني، شأن المسلمين الأولين، وذلك أمر يدخل في باب الحدس والتخمين.

ومن ثم لم يبق إذن، إلا أن يكون الإسلام مؤمناً بمبادئه ومثله، واثقاً من تأثيرها في الناس، إذا أتيح لهم أن يزنوا الأمور، ويجربوا الحياة الجديدة - ولو بالإكراه أولاً - فهو من هذه الناحية أنما يغري بالتقية، ويقدمها إلى الجاهلين به، ثقة منه في كسبهم، متى آمنوا، واطمأنوا، فتفادي القتل والجزية، والدخول في الإسلام بالفتح، إنما هو مبدأ إسلامي حمله الإسلام إلى المغلوبين، لإغرائهم باعتناقه، فهذه تقية لا جدال فيها، كما يبدو.

<‌

والسورة مكية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمر بعمار وأمه وأبيه، وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة، فيقول: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.

وهاجر عمار إلى المدينة، وشهد بدراً واحد والخندق وبيعة الرضوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أول من بنى مسجداً في الإسلام.

وظهر يوم اليمامة، واستعمله عمر بن الخطاب أميراً على الكوفة، وكان من محبي الإمام علي بن أبي طالب وآل البيت، وحضر معه الجمل وصفين، واستشهد في صفين عام 37 هـ‍ (657 م) وكان عمره 94 أو 93 أو 91 سنة (أنظر: أسد الغابة 4 / 139 - 135، أنساب الأشراف 1 / 156 - 175).

(1) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 / 111.


227

ثم إن الإسلام لم يكتف بإتاحة الولاء تقية للمغلوبين على أمرهم من أرستقراطي المدينة - وكانوا يعرفون صراحة بالمنافقين - وكان الإسلام يتألف قلوبهم بالمال، وجعلهم إحدى الطوائف الثماني التي لها نصيب من أموال الصدقات - كما تشير إلى ذلك الآية 60 من سورة التوبة - وقد ظل المنافقون يقبضون أموال الصدقات هذه إلى أن ألغى عمر بن الخطاب نصيبهم، حين قوي الإسلام، وأحس بأن في ذلك تقليلاً من هيبته، وتلك إمارة على إتاحة الإسلام تقية حتى للأرستقراطيين السابقين (1) ولو أخذنا غنائم غزوة حنين كمثال لما كان يعطيه الإسلام للمؤلفة قلوبهم، لرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي المؤلفة قلوبهم أول الناس، فيعطي أبو سفيان بن حرب مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة، فيطلب مثلها لولده يزيد، وحين يعطيه رسول الله ما أراد، يطلب مثلها أيضاً لولده الثاني معاوية بن أبي سفيان، فيعطيه الرسول كذلك مائة من الإبل، وأربعين أوقية فضة، ثم يعطي رجالاً من بني عبد الدار وبني زهرة وبني مخزوم.

وأعطى الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف كل منهم مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك شعراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إقطعوا لسانه عني، فأعطوه مائة من الإبل، وقد أعطي كل ذلك من الخمس، كما أعطي غيره كثير (2).

(1) كامل الشيبي: التقية: أصولها وتطورها ص 236 - 238 مجلة كلية الآداب - جامعة الإسكندرية - العدد السادس عشر عام 1962 م).

(2) أنظر: الواقدي: كتاب المغازي - تحقيق مارسدن جونسن - الجزء الثالث ص 943 - 949 (بيروت 1404 هـ‍/ 1984 م)، ابن هشام: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم 4 / 366، محمد بيومي مهران: السيرة النبوية الشريفة 2 / 427 - 433 (بيروت 1990 م).

عرجون: محمد رسول الله 4 / 390 - 400، ابن كثير: السيرة النبوية 3 / 667 - 683. السيرة الحلبية 3 / 61 - 75، 83 - 98، ابن شهبة: السيرة النبوية 2 / 379 - 394، ابن الأثير الكامل في التاريخ 2 / 261 - 273، تاريخ الطبري 3 / 70 - 94.


228

ومن عجب أن هؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء الذين تزاحموا على الغنائم واستأثروا بالكثير منها، لم يغنوا عن الإسلام شيئاً في مآزقه الأولى، بل كانوا هم العقبات الصلدة التي اعترضت مسيله، حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين في ثواب الآخرة، المؤثرين ما عند الله، ولكنهم اليوم - بعدما أعلنوا إسلامهم - يبغون من النبي أن يفتح لهم خزائن الدنيا، فحلف لهم أنه ما يستبقي منها شيئاً لشخصه، ولو امتلك مل ء هذه الأودية مالاً، لوزعه عليهم.

ومن عجب أيضاً - بل هو أكثر عجباً - أن الذين فروا عند الفزع، هم الذين كثروا عند الطمع، وأعجب العجب أن أبا سفيان بن حرب، كان أول من تقدم يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعطيه من الفئ، وهو نفسه الذي كان يصيح فرحاً، عندما كانت الهزيمة - في أول المعركة - تطل بوجهها القبيح على جيش المسلمين، والأزلام التي كان يستقسم بها في الجاهلية، ما تزال في كنانته، يصيح لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وعندما تكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة من الإبل، وبأربعين أوقية من فضة، لم يشبع ذلك نهمه، وإنما طلب لابنه يزيد مثلها، وحين أجيب إلى سؤله طلب مثلها لابنه الآخر معاوية، وهكذا أخذ أبو سفيان وولداه يومئذ ثلاثمائة من الإبل، ومائة وعشرين أوقية من الفضة.

وهكذا فإن هناك أقواماً كثيرين، يقادون - كما يقول الأستاذ الغزالي - إلى الحق، من بطونهم، لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم، تظل تمد إليها فمها، حتى تدخل حظيرتها آمنة، فكذلك هذه الأصناف من البشر، تحتاج إلى فنون من الإغراء، حتى تستأنس بالإيمان، وتهش له.

روى مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء.


229

فهذا الأعرابي لا يعجبه المنطق السليم، ولا الطبع الرقيق، قدر ما يعجبه عطاء بملء جيوبه، ويسكن مطامعه، ومن هنا قال صفوان بن أمية: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطيني من غنائم حنين، وهو أبغض الخلق إلي، حتى ما خلق الله شيئاً أحب إلي منه (1).

وهذا العطاء كله - كما يقول ابن قيم الجوزية (691 - 751 هـ‍/ 1292 - 1350 م) نفل النبي صلى الله عليه وسلم، به رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على الإسلام، وذلك بهدف تقوية الإسلام وشوكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه.

وهكذا أرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الذين لا يعرفون قدر نعمة الإسلام، بالشاة والبعير، كما يعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته، ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه (2).

وفي السيرة الحلبية: كانت المؤلفة ثلاثة أصناف، صنف يتألفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا، كصفوان بن أمية، وصنف ليثبت إسلامهم، كأبي سفيان بن حرب، وصنف لدفع شرهم، كعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، والأقرع بن حابس (3).

4 - التقية عند الخوارج:

لعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الخوارج (4) ; إنما كانوا أول من

(1) أنظر محمد الغزالي: فقه السيرة - القاهرة 1976 ص 425 - 427 - (رواه مسلم 7 / 75، والترمذي 2 / 42، وأحمد 3 / 401 عن سعيد بن المسيب).

(2) ابن قيم الجوزية: زاد المعاد من هدى خير العباد 3 / 484 - 486 (بيروت 1405 هـ‍/ 1985 م).

(3) السيرة الحلبية 3 / 85.

(4) أنظر عن الخوارج (ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 5 / 29 - 33 (ط محمد علي صبيح - القاهرة 1384 هـ‍/ 1964 م)، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 72 - 113، الشهرستاني:

الملل والنحل 1 / 114 - 138 - القاهرة 1387 هـ‍/ 1968 م، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2 / 265 - 283).


230

دان بالتقية، وتوسل بها (1)، والذي دعا الخوارج إلى التقية، الكره والحقد المتبادل بينهم وبين جماعة المسلمين، حتى كان اصطياد الخارجي يعني القضاء عليه، وقد قاتلهم سيدنا الإمام علي بن أبي طالب حتى كاد أن يبيدهم، ولكنهم كانوا لا ينفذون حتى يملأوا الشعاب والجبال من جديد، ومن هنا تعلقوا بالتقية حفاظاً على حياتهم، وخلاصاً من الفناء. ويذهب الشهرستاني (479 - 548 هـ‍) إلى أن التقية إنما قد تسببت في انقسام الخوارج (2)، وذلك أن نافع بن الأزرق (3) كان يكفر القاعدين عن الحرب، وكان يقول: التقية لا تحل،

(1) اجنتس جولدتسيهر: العقيده والشريعة في الإسلام ص 180 (ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين - القاهرة 1946).

(2) يقول أبو الحسن الأشعري في كتاب: (مقالات الإسلاميين 1 / 88): وكان سبب الاختلاف الذي أحدثه نافع أن امرأة عربية من اليمن كانت ترى رأي الخوارج تزوجت رجلاً من الموالي برأيها، فقال لها أهلها: فضحتينا، فأنكرت ذلك، فلما جاء زوجها، قالت: إن أهل بيتي وبني عمي قد بلغهم أمري، وأنا خائفة أن أكره على تزويج بعضهم، فاختر مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تهاجر إلى عسكر نافع حتى تكون مع المسلمين في حوزهم ودارهم، وإما أن تخبأني حيث شئت، وإما أن تخلي سبيلي، فخلى سبيلها، ثم إن أهلها استكرهوها فزوجوها ابن عم لها، لم يكن على رأيها، فكتب بمن بحضرتها إلى نافع بن الأزرق يسألونه عن ذلك، فقال رجل منهم: إنها لم يسعها ما صنعت، ولا وسع زوجها ما صنع من قبل هجرتها، لأنه كان ينبغي لهما أن يلحقا بنا، لأننا اليوم بمنزلة المهاجرين بالمدينة، ولا يسع أحداً من المسلمين التخلف عنا، كما لم يسع التخلف عنهم، فتابعه على قوله نافع بن الأزرق وأهل عسكره، إلا نفراً يسيراً، وزعمت الأزارقة أن من أقام في دار الكفر، فهو كافر لا يسعه إلا الخروج.

وقال المبرد في الكامل (3 / 131) جاء مولى لبني هاشم إلى نافع فقال له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خلفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: كفرت وأدللت بنفسك، قال: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني. (قال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك، ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً). فهذا أمر الكافرين، وأمر أطفالهم، فشهد نافع أنهم جميعاً في النار، ورأى قتلهم، وقال: الدار دار كفر، إلا من أظهر إيمانه، ولا يحل أكل ذبائحهم ولا تناكحهم، ولا توارثهم، ومن جاء منهم جار، فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب، لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقعد بمنزلتهم، والتقية لا تحل، فنفر جماعة من الخوارج عنه، منهم نجدة بن عامر، واحتج بقول الله تعالى:

* (إلا أن تتقوا منهم تقاة)*(الشهرستاني 1 / 119).

(3) هو أبو راشد نافع بن الأزرق بن قيس بن نهار، أحد بني حنيفة، كان أول خروجه بالبصرة في عهد عبد الله بن الزبير، وفي عام 65 هـ‍اشتدت شوكته حتى قتل في جمادى الآخرة (خطط

‌>


231

والقعود عن القتال كفر، ومن ثم فقد انصرف زعماء الخوارج وأتباعهم إلى نجدة الحروري الذي قتل على أيام عبد الملك بن مروان (65 - 86 هـ‍/ 685 - 705 م)، وكان نجدة يرى أن التقية جائزة، واحتج بقول الله تعالى*﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة*(1)، وبقول الله تعالى:*﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه*(2).

وقال: القعود جائز، والجهاد - إذا أمكنه - أفضل، قال الله تعالى * ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً*(3).

وقال نافع: هذا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حين كانوا مقهورين، وأما في غيرهم - مع الإمكان - فالقعود كفر، لقول الله تعالى:*﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله*(4).

ومع ذلك، فلقد رسخت التقية في بيئة الخوارج، إلى حد أن صار النقاش - بعد نافع - يدور حول كونها: هل تطبق التقية في العمل أو في القول أو في كليهما، فرأينا الضحاك - وهو رئيس فرقة من الخوارج، وقد قتل عام 128 هـ‍(746 م) - يرى أنها تجوز في القول، دون العمل، وكان أسلافهم النجدات يرونها: جائزة في القول والعمل، وإن كان في قتل النفس (5).

هذا فضلاً عن أن الخوارج إنما هم الذين ابتدعوا مصطلح دار التقية ودار العلانية، وأن دار مخالفيهم إنما هي دار كفر، وكانوا يعنون بدار التقية: المواطن التي يغلب عليها غيرهم من المسلمين، فبينوا لنا مدى

<‌

المقريزي 2 / 354، الكامل لابن الأثير 4 / 81، الكامل للمبرد 2 / 171، 180، شرح نهج البلاغة 1 / 380).

(1) سورة آل عمران: آية 38.

(2) سورة غافر: آية 28.

(3) سورة النساء: آية 95.

(4) سورة التوبة: آية 90، وانظر: الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 125.

(5) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 239.


232

اضطرارهم إلى التعلق بهذا الدرع، الذي حمى كثيراً من المسلمين قبلهم وبعدهم، بل لقد كان من لصوق التقية بالخوارج، أنهم - مع اعتبارهم أن غيرهم من المسلمين كفاراً - جوزوا تزويج المسلمات - أي الخارجيات - من كفار قومهم - أي المسلمين ذوي المذاهب الأخرى - في دار التقية. ولعل هذا إنما يعني أنهم - وهم غلاة المخلصين لمبادئهم - إنما قد سمحوا بالزنا، الذي يعنيه تزويج الكافر بالمسلمة - بقدر ما يتعلق الأمر بعقيدتهم - ليس في سبيل المحافظة على حياتهم، وإنما لأن الظروف تقتضي التقية والكتمان، هذا فضلاً عن أن للصدقات عندهم تنظيم خاص، يختلف في حال التقية عنه في حال العلانية.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعتنقه كل الخوارج، ولكنه الرأي المشهور من كثير من فرقهم، وقد التزم به النجدات والإبراهيمية والضحاكية والإباضية والصوفية، وغيرهم (1).

5 - التقية عند الشيعة:

لقد بدأت محنة الشيعة الحقيقية منذ استشهاد سيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة وما تلاه من تنازل سيدنا الإمام الحسن بن علي، رضي الله عنه، لمعاوية بن أبي سفيان في عام 41 هـ‍(661 م)، والذي سموه عام الجماعة، وما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر، وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكاً كسروياً، والخلافة غضباً قيصرياً، بعد أن استولى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشورى، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين (2).

وعلى أية حال، فلقد كان من شروط الصلح الذي عقد بين الإمام الحسن

(1) تاريخ الطبري 6 / 642، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 84، كامل الشيبي المرجع السابق ص 439 - 240.

(2) تقي الدين المقريزي: كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم - رسالة الجاحظ في بني أمية - تحقيق الدكتور حسين مؤنس - دار المعارف - القاهرة 1988 ص 124.


233

ومعاوية: الأمان العالم، وعدم التعرض بأي سوء لأنصار الإمام علي بن أبي طالب على الخصوص، وأنصار آل البيت بوجه عام.

غير أن معاوية بن أبي سفيان إنما جعل من أهدافه الرئيسية، القضاء على هذه الطبقة المؤمنة بحق آل البيت، وقد لاقى أنصار أهل البيت من الأذى والاضطهاد ما تنوء بحمله الجبال، وكان أشدهم بلاء، وأعظمهم محنة أهل الكوفة، فلقد استعمل معاوية على الكوفة، بعد هلاك المغيرة، زياد بن أبيه - بعد أن نسبه إلى أبي سفيان - وكان بهم عليماً، وإنه - ويا للعجب - فقد كان قبل استلحاقه بأبي سفيان، واحداً منهم، فأشاع فيهم القتل، وشردهم، وأن معاوية كتب إلى عماله: انظروا إلى من قامت على البينة، أنه يحب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه.

وروى ابن أبي الحديد (586 - 656 هـ‍/ 1190 - 1257 م) أن معاوية كتب إلى عماله: أن برئت الذمة ممن يروي شيئاً في فضائل علي وأهل بيته، وأن لا يجيزوا للشيعة شهادة، وأن يمحوا كل شيعي من ديوان العطاء، وينكلوا به، ويهدموا داره (1)، وامتثل العمال لأمر سيدهم، فقتلوا الشيعة وشردوهم، وقطعوا الأيدي، وسملوا الأعين، وصلبوهم في جذوع النخل.

وزاد الضغط - بعد معاوية (41 - 60 هـ‍/ 661 - 680 م) أضعافاً، خاصة في عهد عبيد الله بن زياد قاتل الإمام حسين وأهل بيته في مذبحة كربلاء، وفي عهد الحجاج الثقفي، هادم الكعبة المشرفة، قتلت الشيعة كل قتلة، وأخذوا بكل ظنة وتهمة، حتى أن الرجل ليقال عنه زنديق - أو حتى كافر - أحب إليه، من أن يقال له شيعي.

وفي ذلك يقول الإمام محمد الباقر - رضوان الله عليه - وقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا، أو

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 11 / 44 - 45 (بيروت 1967).


234

الانقطاع إلينا، سجن أو نهب ماله، أو هدمت داره (1)، وهكذا أصبحت مودة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - والتي أمر الله بها في كتابه الكريم، حيث يقول*﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى*(2) - أصبحت هذه المودة - على أيام بني أمية - كفراً وإلحاداً، ومروقاً عن الدين.

وهكذا ما أن استقرت الأمور لمعاوية، وخلا الميدان إلا منه، حتى أخذ ينتقم شر انتقام من أنصار الإمام علي وآل البيت الطاهرين، ففريق روع في ظلمات السجون، وبقي فيها يلاقي الأمرين، حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى - كما حدث مع محمد بن أبي حذيفة - وفريق شرد في الأرض، حتى مات منفياً عن وطنه وأهله - كما حدث مع صعصعة بن صوحان - وفريق قتل صبراً في الإسلام - من أمثال عمرو بن الحمق، وحجر بن عدي -.

وتصور محنة حجر بن عدي (3) وأصحابه محنة، امتحن بها زياد بن أبيه، الإسلام والمسلمين، وشاركه معاوية في هذا الامتحان، فتركت في نفوس المعاصرين لها أقبح الأثر وأشنعه، وكانت صدمة عنيفة لمن بقي من خيار الناس في تلك الأيام.

وكان الناس يقولون: أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي، وقتل حجر، ودعوة زياد، وكان الإمام الحسن البصري يقول: أربع خصال كن في معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدة، لكانت موبقة، انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء، حتى ابتزها أمرها، بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذو

(1) محمد بيومي مهران: الإمام الحسن بن علي ص 119 - 120 (بيروت 1990).

(2) سورة الشورى: آية 23.

(3) أنظر عن محنة حجر بن عدي وأصحابه (محمد بيومي مهران: الإمام الحسن بن علي ص 119 - 129، تاريخ الطبري 5 / 253 - 285، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 472 - 488، أسد الغابة 1 / 461 - 462، ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة 1 / 314 - 315، ابن عبد البر: الإستيعاب 1 / 356 - 359، العقاد: معاوية بن أبي سفيان في الميزان ص 108 - 110، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 54 - 60).


235

الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وقتله حجراً، ويلاً له من حجر، مرتين (1).

وكانت السيدة عائشة، رضي الله عنها، تقول: لولا أنا لم نغير شيئاً، إلا آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه، لغيرنا قتل حجر، أما والله، إنه كان ما علمت لمسلماً حاجاً معتمراً (2).

وروى ابن عبد البر في الإستيعاب عن مسروق بن الأجدع قال: سمعت عائشة أم المؤمنين تقول: أما والله لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة، ما اجترأ على أن يأخذ حجراً وأصحابه من بينهم، حتى يقتلهم بالشام، ولكن ابن آكلة الأكباد علم أن قد ذهب الناس، أما والله، إن كانوا لجمجمة العرب، عزاً ومنعة وفقهاً (3).

وأما الصحابي الجليل عمرو بن الحمق، وكان أسلم قبل الفتح، وكان مقرباً من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دعا له أن يمتعه بشبابه، فبلغ الثمانين من العمر، ولم تبيض له شعرة واحدة، ودعا له أمير المؤمنين علي بقوله اللهم نور قلبه بالتقوى، واهده إلى صراطك المستقيم (4).

وكان عمرو بن الحمق من شيعة الإمام علي، وشهد معه مشاهده كلها (الجمل - صفين - النهروان) (5)، وروى عنه، رضي الله عنه، أنه قال للإمام علي: والله يا أمير المؤمنين، إني ما أحببتك ولا بايعتك على قرابة بيني

(1) تاريخ الطبري 5 / 279، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 141، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 487.

(2) تاريخ الطبري 5 / 279، الكامل لابن الأثير 3 / 287.

(3) ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1 / 358 (مصور عن الطبعة الأولى 1328 هـ‍).

(4) محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص 80 (دار الجواد - بيروت 1981 م).

(5) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 217 - 218 (كتاب الشعب - القاهرة 1970).


236

وبينك، ولا إرادة مال تؤتينه، ولا التماس سلطان ترفع ذكري به، ولكنني أحببتك بخصال خمس: أنك ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصيه، وأبو الذرية التي بقيت فينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسبق الناس إلى الإسلام، وأعظم المهاجرين سهماً في الجهاد، فلو أني كلفت نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي، حتى يأتي علي يومي في أمر أقوي به وليك، وأهين عدوك، ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحق علي من حقك.

فقال علي عليه السلام: اللهم نور قلبه بالتقى، واهده إلى صراطك المستقيم، ليت أن في جندي مائة مثلك، فقال حجر: إذا والله يا أمير المؤمنين، صح جندك، وقل فيهم من يغشك (1). وكان عمرو بن الحمق قد خاف زياداً، فهرب من العراق إلى الموصل، واختفى في غاب بالقرب منها، فأرسل معاوية إلى عامله بالموصل - وهو ابن أخته عبد الرحمن بن أم الحكم - فوجده ميتاً في غار كان قد اختبأ به، وقد نهشته حية فمات.

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده إلى أبي زكريا قال: أنبأنا إسماعيل بن إسحاق، حدثني علي بن المديني، حدثنا سفيان قال: سمعت عمار الذهبي - إن شاء الله - قال: أول رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق إلى معاوية، قال سفيان: أرسل معاوية ليؤتى به، فلدغ، وكأنهم خافوا أن يتهمهم، فأتوا برأسه (2).

وروى محمد بن علي الصواف عن الحسين بن سفيان عن أبيه عن شمير بن سدير الأزدي قال: قال علي عليه السلام لعمرو بن الحمق الخزاعي:

أين نزلت يا عمرو؟ قال: في قومي، قال: لا تنزل فيهم، قال: فأنزل في بني كنانة جيراننا؟ قال: لا، قال: فأنزل في ثقيف؟ قال: فما تصنع بالمعرة

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 3 / 181 - 182، وانظر: نصر بن مزاحم المنقري: وقعة صفين - تحقيق عبد السلام هارون ص 103 - 104 (ط الخانجي 1401 هـ‍/ 1981 م).

(2) أسد الغابة 4 / 217 - 218.


237

والمجرة؟ قال: وما هما؟ قال: عنقان من نار، يخرجان من ظهر الكوفة، يأتي أحدهما على تميم وبكر بن وائل، فقلما يفلت منه أحد، ويأتي العنق الآخر، فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة، فقل من يصيب منهم، إنما يدخل الدار فيحرق البيت والبيتين، قال: فأين أنزل؟ قال: إنزل في بني عمرو بن عامر، من الأزد.

قال: فقال قوم حضروا هذا الكلام ما نراه إلا كاهناً يتحدث بحديث الكهنة، فقال: يا عمر، إنك لمقتول بعدي وإن رأسك لمنقول، وهو أول رأس ينقل في الإسلام، والويل لقاتلك، أما إنك لا تنزل بقوم، إلا سلموك برمتهم، إلا هذا الحي من بني عمرو بن عامر من الأزد، فإنهم لن يسلموك ولن يخذلوك، قال: فوالله ما مضت إلا أيام حتى تنقل عمرو بن الحمق في خلافة معاوية في بعض أحياء العرب، خائفاً مذعوراً، حتى نزل في قومه من بني خزاعة فأسلموه، فقتل وحمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام، وهو أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد (1).

وروى أيضاً بسنده عن الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن إسحاق بن أبي فروة عن يوسف بن سليمان عن جدته قالت: كانت تحت عمرو بن الحمق آمنة بنت الشريد فحبسها معاوية في سجن دمشق زماناً، حتى وجه إليها رأس عمرو بن الحمق، فألقي في حجرها، فارتاعت لذلك، ثم وضعته في حجرها، ووضعت كفها على جبينه، ثم لثمت فاه، ثم قالت: غيبتموه عني طويلاً، ثم أهديتموه إلي قتيلاً، فأهلاً بها من هدية، غير قالية ولا مقيلة.

وقيل: بل كان عمرو مريضاً لم يطق الحركة، وكان معه رفاعة بن شداد، فأمره بالنجاة لئلا يؤخذ معه، فأخذ رأس عمرو، وحمل إلى معاوية بالشام (2).

(1) شرح نهج البلاغة 2 / 289 - 290.

(2) أسد الغابة 4 / 218.


238

واستمر القتل والتشريد للشيعة، وكانت التقية جنة تقي من الموت، وسبيلاً إلى الحياة، بعد أن صار مبدأ الدولة لا صلاة إلا بلعن أبي تراب (أي لا صلاة إلا بلعن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، والعياذ بالله)، ولم تكن التقية من أهل الكوفة شيعية، وإنما كانت عرفاً إنسانياً، أقره الإسلام في القرآن، وجعل أولياء الإمام علي وأنصاره، يمدون في أعمارهم بالبراءة من الإمام علي (1)، وكان ميدان البطولة، مغلقاً في ظل ذلك الطغيان، الذي أعقب تنازل سيدنا الإمام الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، سنة 41 هـ‍/ 661 م، وخلو الجو للخصوم يفعلون فيه ما يشاؤون (2).

وهكذا كانت الشيعة منذ بداية الحكم الأموي في اضطهاد وأذى، وأئمة آل البيت يحصى عليهم كل شئ، ومن دعا إلى الحق منهم اعتورته السيوف، وما كان يسوغ أن يسكتوا عن مظالم الأمويين، لولا التقية، وقد دفعهم إلى التقية ذلك الأذى الذي يتعرضون له، وما كان يترتب على الخروج من فتن تظهر فيها مفاسد، ثم يشتد بعدها الطغيان.

ولذلك كانت الشيعة أكثر المسلمين أخذاً بمبدأ التقية، وقالوا: إن الترخيص بها، بل الحث عليها، جاء على ألسنة أئمتهم، رضوان الله عليهم أجمعين، وقد

(1) قال الإمام علي: فأما السب فسبوني، فإنه لي زكاة، ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرأوا مني، وقد تساءل كثيرون: لماذا أجاز السب، ومنع التبرؤ، فقالت المعتزلة: لا فرق بينهما في أنهما حرام وفسق وكبيرة، وأن المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه، كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف، ويجوز أن لا يفعلهما حتى وإن قتل، كما يجوز له أن يقتل ولا يقول كلمة الكفر، وذلك إعزازاً للدين، وأما استفحاش الإمام علي للبراءة، فلأنها لم ترد في القرآن إلا عن المشركين، كما في سورة التوبة، وأما الإمامية فتروي عن الإمام علي أنه قال: إذا عرضتم على البراءة منا، فمدوا الأعناق، إنه لا تجوز البراءة من الإمام علي، وإن كان الحالف صادقاً، وعليه الكفارة. ويقول الإمامية: إن حكم البراءة من الله ورسوله والإمام علي ومن أحد الأئمة عليهم السلام، حكم واحد. وبقول الإمامية: إن الإكراه على السب يبيح إظهاره، ولا يجوز الاستسلام للقتل معه، وأما الإكراه على البراءة، فإنه يجوز معه الاستسلام للقتل، ويجوز أن يظهر التبرؤ، والأولى أن يستسلم للقتل (شرح نهج البلاغة 4 / 113 - 114).

(2) كامل الشيبي: التقية - مجلة كلية الآداب جامعة الإسكندرية - العدد 16 عام 1962 ص 240.


239

نسبوا للإمام علي عليه السلام، أنه أجازها، بل أمر بها، فقد روى الطبرسي أنه قال: وآمرك أن تستعمل التقية في دينك... وتصون بذلك من عرف من أوليائنا، فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل في الدين، وصلاح إخوانك المؤمنين، وإياك ثم إياك أن تترك التقية التي أمرتك بها، فإنك شاحط بدمك ودماء إخوانك (1).

غير أن الشيعة سرعان ما نهضوا بعد استشهاد مولانا الإمام الحسين وآل بيته (عام 61 هـ‍/ 680 م) فيما عرف باسم حركة التوابين عام 65 هـ‍بقيادة الصحابي الجليل سليمان بن صرد، وكانوا يرددون الآية الكريمة*﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلك خير لكم*(2)، ولسان حالهم يقول: أقلنا ربنا تفريطنا فقد تبنا، ولقد أبدوا من ضروب الشجاعة، التي كانت التقية حصرتها في أنفسهم، ما صار مدعاة لإعجاب أعدائهم بهم، فسمحوا لهم - من بعد هزيمتهم - أن يرتحلوا ويلحقوا بأمصارهم (3).

وأما سعيد بن جبير رضي الله عنه، فقد قتله الحجاج الثقفي، (40 - 95 هـ‍/ 660 - 714 م) بسبب حبه لآل البيت (4)، ولعل من الجدير بالإشارة هنا أن حركة التوابين إنما يبررها قول الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين (57 هـ‍/ 676 م - 114 هـ‍/ 732 م) جعلت التقية ليحقن بها الدم، وإذا

(1) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 241 - 242.

(2) سورة البقرة: آية 52.

(3) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 241، وانظر عن حركة التوابين (تاريخ الطبري 5 / 551 - 563، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 175 - 189، المسعودي: مروج المذهب 2 / 83 - 86، ابن الأثير: أسد الغابة 2 / 449 - 450، ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة 2 / 75 - 76، ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 63 - 65، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 271 - 276، محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي ص 191 - 193).

(4) أنظر (ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 579 - 580، حلية الأولياء 4 / 290 - 295، ابن كثير:

البداية والنهاية 9 / 109 - 110، محمد بيومي مهران: الإمام علي زين العابدين ص 128 - 131).


240

بلغ الدم فليس تقية (1)، وقوله التقية ديني ودين آبائي (2)، وهذا قول صحيح، ما في ذلك من ريب، وذلك لأن التقية إنما هي دين القرآن، ومن ثم فهي دين النبي صلى الله عليه وسلم، جد الإمام الباقر (3).

هذا وقد رويت عبارات كثيرة عن سيدنا الإمام جعفر الصادق (80 هـ‍/ 699 م - 148 هـ‍/ 765 م)، تدعو إلى التقية، وتحث عليها، فإنه يروي أنه قال التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، وإن المذيع لأمرنا كالجاحد به، وروى عنه أنه قال لجماعة من أصحابه كان يحدثهم: لا تذيعوا أمرنا، ولا تحدثوا به أحداً، إلا أهله، فإن المذيع علينا سرنا، أشد مئونة من عدونا، انصرفوا رحمكم الله، ولا تذيعوا سرنا، وروى عنه أنه قال: نفس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمانه سرنا جهاد في سبيل الله.

وهكذا - كما يقول العلامة الشيخ محمد أحمد أبو زهرة (1898 - 1974 م) عن الإمام جعفر الصادق في التقية وهي تحتاج إلى تفسير، فأما معنى ديني ودين آبائي أي مبدؤنا ومبدأ آبائنا، وقد اتخذناه على أنه دين لكي نمتنع عن الجهد بما نراه في حكام الزمان، حتى لا تكون فتنة وفساد كبير، إذ النفوس ليست مهيأة للنصرة، ولعل هذا إنما يفيد أن التقية التي دعا إليها الإمام الصادق إنما قد دفع إليها أمران.

أحدهما: دفع الأذى، ومنع المخاطر، التي يتعرض لها المؤمن من غير قوة دافعة مانعة، فيكون الأذى حيث لا جدوى، وبذلك تتلاقى التقية مع الجهاد، فالجهاد مع أعداء الإسلام، وحيث يكون واجباً لنصرة الإسلام، وحيث يكون الاستعداد قد تم، والأهبة قد أخذت، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، عندما صار للإسلام شوكة وقوة.

(1) أصول الكافي ص 206.

(2) أصول الكافي ص 205.

(3) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 243.


241

والتقية حيث يكون اليقين بأن الانتفاض لا يجدي، وخصوصاً عندما يكون المؤمن بين المخذلين، لأن الخروج عندئذ ضرره أكبر من نفعه، لا يرفع حقاً، ولا يخفض باطلاً، إذ يلقى من خرج إلى التهلكة وتكون الفتنة والفساد، ويكون الظلم والشر المستطير، إذا يقوى الظالم ويستمكن، وبهذا التقرير يكون للجهاد موضع، وللتقية مثله، وكلاهما يكون لحماية الحق، الجهاد لحمايته بإعلانه، وضرب الباطل، والتقية لحمايته بتمكين أهل الحق من الحياة، رجاء الإعلان في ميقاته المعلوم.

والثاني: وكان الأمر الثاني الذي دفع إلى التقية، هو ما رآه من استعلاء الباطل، إذا أعلن الحق، وقد ظهر ذلك في مقتل مولانا الإمام الحسين عليه السلام، وفي مقتل الأئمة: زيد بن علي ومحمد النفس الزكية وإبراهيم أخيه.

وعلى أية حال، فليس هناك من ريب في أنه كان للتقية في عصر الإمام الصادق، وما جاء بعده، وهي كانت مصلحة للشيعة، وفيها مصلحة للإسلام، لأنها كانت مانعة من الفتن المستمرة، وإن موضوعها كان إعلان التشيع، فكانت التقية أن لا يعلن المتشيع تشيعه، ولا يظهر من أعماله ما يدل على موالاته لآل الإمام علي، موالاة ولاية، لا موالاة محبة، فالمحبة كانت واضحة من بعض الشعراء، ومن بعض العلماء، ولكنها في مظهرها محبة تقدير، لا محبة ولاية، كما ظهر من محبة الفرزدق (641 - 733 م؟) لآل البيت، وكثير عزة، (ت 723 م) وكما ظهر من محبة الإمام أبي حنيفة للأئمة الكرام: زيد والباقر والصادق، فتلك كانت محبة ظاهرة، وإن لم تكن تشيعاً (1).

6 - التقية عند أهل السنة:

في الواقع أن التقية لم تكن مقصورة على الشيعة، وإنما استعملها كذلك أهل السنة، فمن المعروف أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، لما ثار ضد

(1) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 243 - 244.


242

الحجاج الثقفي في الكوفة عام 84 هـ‍/ 803 م، ثم قتل، لجأ أنصاره - ولم يكونوا شيعة، كما أن عبد الرحمن وأباه وجده لم يكونوا شيعة، بل كانوا من أعداء الإمام علي بن أبي طالب - لجأوا إلى التقية، حين سامهم الحجاج الخسف، ومن الغريب أن هذا الحجاج الثقافي لم يبغ سوى إذلال الرجال، والازدراء بأعدائه (1).

وإنه - كما يقول الدكتور الشيبي - لمزاج غريب حقاً، حمل الحجاج الناس على الكفر شرطاً لإطلاق سراحهم وإهدار دمهم مع الإيمان، وتلك - على كل حال - صورة مما آلت إليه حال العالم الإسلام في أواخر القرن الأول الهجري (2).

ولعل من أوضح الأدلة على رسوخ التقية في نفوس المسلمين عموماً في هذا الوقت أن الشعبي (3) (19 - 103 هـ‍/ 640 - 721 م) - والذي يمثل في

(1) روى ابن الأثير: أن الحجاج بعد أن فرغ من أمر ابن الزبير، سار إلى المدينة، وكان عبد الملك بن مروان قد استعمله على مكة والمدينة، فلما قدم المدينة أقام بها شهراً أو شهرين، فأساء إلى أهلها واستخف بهم، وقال: أنتم قتله أمير المؤمنين عثمان، وختم أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص، استخفافاً بهم، كما يفعل بأهل الذمة، منهم جابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك وسهل بن سعد بن أبي وقاص، ثم عاد إلى مكة فقال: الحمد لله الذي أخرجني من أم نتن، أهلها أخبث بلد وأغشه لأمير المؤمنين، وأحسدهم له على نعمة الله، والله لولا ما كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم، لجعلتها مثل جوف الحمار، أعواداً يعودون بها، ورمية قد بليت (الكامل في التاريخ 4 / 358 - 359) هذا وقد اتخذ الحجاج سجوناً لا تقي من حر ولا برد، وكان يعذب المساجين بأقصى ألوان العذاب وأشده، فكان يشد على يد السجين القصب الفارسي المشقوق ويجر عليه، حتى يسيل دمه، وقد مات في سجن الحجاج قرابة خمسين ألف رجل، وثلاثين ألف امرأة، منهن ست عشرة ألفاً مجردات من الثياب، وكان يحبس النساء والرجال في مكان واحد (الدميري: حياة الحيوان 1 / 170) وأحصى في سجنه قرابة ثلاثة وثلاثين ألف سجين، لم يحبسوا في دين ولا تبعة (ياقوت: معجم البلدان 5 / 349، المسعودي: مروج الذهب 3 / 165)، وكان يمر على أهل السجون فيقول لهم: إخسأوا فيها، ولا تكلمون (ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 2 / 212).

(2) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 241.

(3) الشعبي: هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار (قيل من أقيال اليمن) الشعبي، ولد بالكوفة 19 هـ‍/ 640 م، وقد اتصل بعبد الملك بن مروان، وكان سفيراً له إلى ملك الروم، وعينه

‌>


243

الصحاح مكاناً مرموقاً - قد كان يتقي على صورة، ربما كان فيها ازدراء بالإنسانية والخلق النبيل، وبينما كان الإمام الحسن البصري (21 هـ‍/ 642 م - 110 هـ‍/ 728 م) لا يعطي في نفسه الدنية في مجلس الحجاج بن يوسف الثقفي (660 - 714 م) ولا يداهن ولا ينافق، وإنما كان يتجه في أوقات الحرج إلى السكوت، وجدنا الشعبي يلومه على صراحته في مجلس الحجاج وتصريحه بظلمه (1). روى الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين عن ابن عائشة: أن الحجاج دعا بفقهاء البصرة، وفقهاء الكوفة، فدخلنا عليه، ودخل الحسن البصري رحمه الله، آخر من دخل، فقال الحجاج: مرحباً بأبي سعيد، إلي إلي، ثم دعا له بكرسي، فوضع إلى جنب سريره، فقعد عليه، فجعل الحجاج يذاكرنا ويسألنا، إذ ذكر علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فنال منه، ونلنا منه، مقاربة له، وفرقاً من شره، والحسن ساكت، عاض على إبهامه، فقال له: يا أبا سعيد ما لي أراك ساكتاً، قال: ما عسيت أن أقول، قال: أخبرني بربك في أبي تراب (أي الإمام علي عليه السلام)، قال سمعت الله جل ذكره يقول:

* ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم*(2)، فقلي من هدى الله من أهل

<‌

عمر بن عبد العزيز قاضياً، وكان محدثاً وعالماً بالفقه والمغازي، عارفاً بالشعر، رواية له روى أن ابن عمر بن الخطاب مر به وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم وإنه أعلم بها مني وقال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام وانظر عن مصادر ترجمته (شذرات الذهب 1 / 126 - 128، وفيات الأعيان 3 / 12 - 16، طبقات ابن سعد 6 / 246 - 256، تاريخ بغداد 12 / 227 - 233، حلية الأولياء 4 / 310 - 338، تذكرة الحفاظ للذهبي ص 79 - 88 التهذيب لابن حجر 5 / 65 - 69، تقريب التهذيب لابن حجر 1 / 387، الأعلام للزركلي 4 / 18 - 19، معجم المؤلفين لكحالة 5 / 54، المعارف لابن قتيبة ص 229، سمط اللآلي للبكري ص 751، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 7 / 138، عبر الذهبي 1 / 127، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 2 / 68 - 69 - الرياض 1983.

(1) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 241 - 242.

(2) سورة البقرة: آية 143.


244

الإيمان، فأقول: ابن عم النبي عليه السلام، وختنه على ابنته، وأحب الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات، سبقت له من الله تعالى، لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها عليه، ولا يحول بينه وبينها، وأقول: إن كانت لعلي هناة فالله حسبه، والله ما أجد فيه قولاً أعدل من هذا.

قال عامر الشعبي: فأخذت بيد الحسن، فقلت يا أبا سعيد، أغضبت الأمير وأوغرت صدره، فقال: إليك عني يا عامر، يقول الناس عامر الشعبي عالم أهل الكوفة، أتيت شيطاناً من شياطين الأنس تكلمه بهواه، وتقاربه في رأيه، ويحك يا عامر، هلا اتقيت، إن سئلت فصدقت، أو سكت فسلمت. قال عامر: يا أبا سعيد، قد قلتها وأنا أعلم ما فيها، قال الحسن: فذاك أعظم في الحجة عليك، وأشد في التبعة.

قال: وبعث الحجاج إلى الحسن، فلما دخل عليه قال: أنت الذي تقول:

قاتلهم الله، قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم، قال: نعم، قال: ما حملك على هذا؟ قال: ما أخذ الله على العلماء من المواثيق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، قال: يا حسن، امسك عليك لسانك، وإياك أن يبلغني عنك ما أكره، فأفرق بين رأسك وجسدك (1).

وروى الغزالي (450 هـ‍/ 1058 م - 505 هـ‍/ 1111 م) (2) أن عمر بن هبيرة

(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 7 / 1255 - 1256 (دار الشعب - القاهرة 1970).

(2) الغزالي: هو الإمام زين الدين حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، الطوسي بلداً، الشافعي مذهباً، ولد عام 450 أو 451 هـ‍(1058 / 1059 م) وتوفي في 14 جمادى الآخرة عام 505 هـ‍(18 ديسمبر عام 1111 م)، وقد تتلمذ الغزالي على إمام الحرمين عبد الملك الجويني (419 - 478 هـ‍)، وحضر مجلس الوزير نظام الملك، وزير السلطان السلجوقي، وظل عنده حتى أسند إليه منصب التدريس في المدرسة النظامية عام 484 هـ‍/ 1091 م، ثم اعتزل منصبه بعد أربع سنين، وساح في البلاد عشر سنوات يؤلف ويناظر ويرد على الفلاسفة، وفي هذه الفترة ألف كتابه إحياء علوم الدين، ثم عاد إلى طوس حيث صنف أشهر كتبه: الوسيط والبسيط والوجيز والخلاصة في الفقه، وله في أصول الفقه المستصفى والمنحول والمنتحل في علم الجدل، وله تهافت الفلاسفة ومحك النظر

‌>


245

دعا بفقهاء أهل البصرة والكوفة والمدينة والشام وقرائها، فجعل يسألهم وجعل يكلم عامر الشعبي، فجعل لا يسأله عن شئ، إلا وجد عنده منه علماً، ثم أقبل على الحسن البصري فسأله، ثم قال: هما هذان، هذا رجل أهل الكوفة، يعني الشعبي، وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن.

فأمر الحاجب، فأخرج الناس، وخلا بالشعبي والحسن، فأقبل على الشعبي فقال: يا أبا عمرو، إني أمين أمير المؤمنين على العراق، وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة، ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم، فأنا أحب حفظهم، وتعهد ما يصلحهم، مع النصيحة لهم، وقد يبلغني عن أهل العصابة من أهل الديار الأمر، أجد عليهم فيه، فاقبض طائفة من عطائهم، فأضعه في بيت المال، وفي نيتي أن أرده عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على هذا النحو، فيكتب إلى أن لا ترده، فلا أستطيع رد أمره، ولا إنفاذ كتابه، وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة، وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟. قال الشعبي: فقلت: أصلح الله الأمير، إنما السلطان والد يخطئ ويصيب، قال: فسر بقولي وأعجب به، ورأيت البشر في وجهه، وقال: فلله الحمد.

ثم أقبل على الحسن البصري، فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قال: قد سمعت قول الأمير، يقول: إني أمين أمير المؤمنين على العراق، وعامله عليها، ورجل مأمور على الطاعة، ابتليت بالرعية، ولزمني حقهم والنصيحة لهم،

<‌

ومعيار العلم والمقاصد والمضنون به على غير أهله والمقصد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى، ومشكاة الأنوار والمنقذ من الضلال وحقيقة القولين وغيرها. وأهم مصادر ترجمته (وفيات الأعيان 4 / 216 - 219، شذرات الذهب 4 / 10 - 13، طبقات السبكي 4 / 101، تبيين كذب المفتري ص 291 - 306، المنتظم 9 / 168، طبقات الحسيبي ص 69).

وهناك الكثير من الدراسات الحديثة عن الإمام الغزالي، منها: دراسات الدكتور سليمان دنيا:

الحقيقة في نظر الغزالي (دار المعارف - مصر)، كارادفو: الغزالي - ترجمة عادل زعيتر (القاهرة 1959) وكتاب مهرجان الغزالي في دمشق (1961)، مؤلفات الغزالي لعبد الرحمن بدوي (القاهرة 1961)، طه عبد الباقي سرور: الغزالي (سلسلة إقرأ - العدد 31 - يونية 1945).


246

والتعهد لما يصلحهم، وحق الرعية لازمة، وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة، وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة، حرم الله عليه الجنة.

ويقول: إني ربما قبضت من عطائهم، إرادة صلاحهم واستصلاحهم، وأن يرجعوا إلى طاعتهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو، فيكتب إلي أن لا ترده، فلا أستطيع رد أمره، ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أن يطاع، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل، فإن وجدته موافقاً لكتاب الله فخذ به، وإن وجدته مخالفاً لكتاب الله فانبذه. يا ابن هبيرة:

إتق الله، فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين، يزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك، وتقدم على ربك، وتنزل على عملك.

يا ابن هبيرة: إن الله ليمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وإن أمر الله فوق كل أمر، وإنه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأسه، الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

فقال ابن هبيرة: إرجع عن ظلمك أيها الشيخ، وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين، فإن أمير المؤمنين صاحب العلم، وصاحب الحكم، وصاحب الفضل، وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة، لعلمه به، وما يعلمه من فضله ونيته.

فقال الحسن: يا ابن هبيرة، الحساب من ورائك، سوط بسوط، وغضب بغضب، والله بالمرصاد، يا ابن هبيرة: إنك إن تلق من ينصح لك في دينك، ويحملك على أمر آخرتك، خير من أن تلقى رجلاً يغرك ويمنيك - فقام ابن هبيرة، وقد تبسر وجهه، وتغير لونه.


247

قال الشعبي: فقلت يا أبا سعيد، أغضبت الأمير، وأو غرت صدره، وحرمتنا معروفه وصلته، فقال إليك عني يا عامر.

قال: فخرجت إلى الحسن التحف والطرف، وكانت له المنزلة، واستخف بنا، وجفينا، فكان أهلاً لما أدي إليه، وكنا أهلاً أن يفعل بنا ذلك، فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء، إلا مثل الفرس العربي بين المقارف، وما شهدنا مشهداً، إلا برز علينا، وقال لله عز وجل، وقلنا مقاربة له. قال عامر الشعبي: وأنا أعاهد الله، أن لا أشهد سلطاناً بعد هذا المجلس، فأحابيه (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الشعبي والحسن البصري لم يكونا من الشيعة، وربما كانا من أعدائهم - على الأقل في ظواهر الأمور - وهذه تقية واضحة، في وقت كانت الشيعة تتقبل الموت، دون البراءة من الإمام علي، أو الاعتراف بالكفر، وقتل كميل بن زياد النخعي في عام 82 هـ‍/ 701 م - كما قتل قنبر وغيرهما - من الشواهد على ذلك.

وانتهت الأمور بسقوط الدولة الأموية (41 هـ‍/ 661 م - 132 هـ‍/ 750 م) وقيام الدولة العباسية (132 هـ‍/ 750 م - 656 هـ‍/ 1258 م) وسرعان ما بدأت الشيعة من جديد تحس بالضغط يزيد، وبالقتل يستمر، وبالدولة الجديدة تقوى ويشتد ساعدها، فكان العود إلى التقية أمراً تتطلبه الظروف. وكان ذلك أيام بدأت الحركة العقلية تستغرق العالم الإسلامي في منتصف القرن الثاني الهجري، وجعلت الطوائف والفرق والنحل تتبين وتستقل، وتكون لها مبادئها، وتسندها بالحجج العقيلة والمنطقية، وهكذا وجد الشيعة أنفسهم مضطرين إلى التقية، فضلاً عن تأسيسها على أساس من المنطق والكلام، فبدأت الأحاديث تروى، والأخبار تترى، فرووا عن الإمام الصادق، عليه السلام، أقوالاً في التقية وتحبيذها، كما رووا عن الإمام محمد الباقر أنه قال: جعلت التقية ليحقن بها

(1) الغزالي: إحياء علوم الدين 7 / 1256 - 1258 (دار الشعب - القاهرة 1970).


248

الدم، وإذا بلغ الدم فليس تقية وأنه قال: التقية ديني ودين آبائي، وهذا صحيح - كما أشرنا من قبل - لأن التقية دين القرآن، والقرآن دين النبي صلى الله عليه وسلم - جد الإمام الباقر، عليه السلام -.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما استجاب للتحكيم - بعد خذلان أصحابه له في صفين - محافظة على نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن ينقطع (1).

3 - الرجعة:

ترى الشيعة الإمامية أن الله يرد قسماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقاً، ويذل فريقاً، ويديل المحقين من المبطلين، والمظلومين منهم من الظالمين (2).

وأما زمان الرجعة فهو عند قيام المهدي من آل محمد، ويقسم الشيخ المفيد الراجعين إلى الدنيا إلى فريقين، أحدهما: من علت درجته في الإيمان، وكثرت أعماله الصالحات، فيعزه الله، ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه.

وثانيهما: قد بلغ الغاية في الفساد، واقتراف السيئات، فيستنصر الله تعالى لمن تعدى عليه قبل الممات. ثم يصير الفريقان بعد ذلك إلى الموت والنشور (3).

على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يقول الآلوسي في تفسيره: و تأول جماعة من الإمامية ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي، دون رجوع الأشخاص، وإحياء الأموات (4).

وعلى أية حال، فالرجعة - كما يقول المظفر - ليست من الأصول التي

(1) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 242 - 243.

(2) المفيد: أوائل المقالات ص 50.

(3) نفس المرجع السابق ص 50.

(4) تفسير الآلوسي 6 / 315.


249

يجب الاعتقاد، والنظر إليها، وإنما اعتقادنا بها كان تبعاً للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت، الذين ندين بعصمتهم من الكذب، وهي من الأمور الغيبية التي أخبروا عنها، ولا يمتنع وقوعها (1).

ومن ثم فقد اختلف الشيعة في معنى الرجعة، بل إن فريقاً منهم أنكرها، ونفاها نفياً باتاً، و نقل هذا الاختلاف الطبرسي في مجمع البيان في تفسير آية النمل (رقم 83) قال تعالى:*﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجاً من يكذب بآياتنا فهم يوزعون *.

قال الطبرسي: استدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية، ووجه الدلالة - بزعم هؤلاء - أن اليوم الذي يحشر الله فيه فوجاً من كل أمة، لا يمكن أن يكون اليوم الآخر بحال، لأن هذا اليوم يحشر فيه جميع الناس، لا فوج من كل أمة، لقول الله تعالى*﴿وحشرنا هم فلم نغادر منهم أحداً*(2)، فتعين أن يكون الحشر في هذه الدنيا - وليس في الآخرة -.

وأما الذين أنكروا الرجعة من علماء الإمامية فقد قالوا: إن الحشر في الآية يراد به الحشر في اليوم الآخر، لا في هذه الحياة، والمراد بالفوج رؤساء الكفار والجاحدين، فإنهم يحشرون ويجمعون لإقامة الحجة عليهم.

ويقول الأستاذ مغنية: وهكذا يفيد كلام الشيخ الطبرسي أن علماء الإمامية لم يتفقوا بكلمة واحدة على القول بالرجعة (3)، وقد أشار الشيخ أبو زهرة إلى ذلك فقال: ويظهر أن فكرة الرجعة على هذا الوضع ليست أمراً متفقاً عليه عند إخواننا الاثني عشرية، بل فيهم فريق لم يعتقده (4)، ويقول السيد محسن الأمين:

(1) المظفر: عقائد الإمامية ص 84.

(2) سورة الكهف: آية 48.

(3) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 54 - 55.

(4) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 240.


250

الرجعة أمر نقلي، إن صح النقل به، لزم اعتقاده، وإلا فلا (1)، ولو كانت الرجعة من أصول الدين أو المذهب عند الإمامية، لوجب الاعتقاد بها، ولما وقع بينهم الاختلاف فيها (2).

4 - المهدي:

كلمة المهدي اسم مفعول من هدى، يقال هداه الله الطريق أي عرفه ودله عليه، وبينه له، فهو مهدي، ولم ترد في القرآن كلمة المهدي، وإنما ورد المهتدي في قول الله تعالى:*﴿من يهدي الله فهو المهتد*(3) كما ورد الهادي في قول الله تعالى:*﴿ولكل قوم هاد*(4)، وقد جاء في كتب التفسير أن المنذر هو سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الهادي هو علي بن أبي طالب، فلقد روى عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: لما نزلت*(إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)*وقال: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره، وقال: أنا المنذر، ولكل قوم هاد، وأومأ بيده إلى منكب علي، فقال: أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي.

وروى ابن أبي حاتم بسنده عن السدي عن عبد خير عن علي، ولكل قوم هاد، قال: الهادي رجل من بني هاشم، قال الجنيد: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وعن أبي جعفر محمد الباقر بن علي، نحو ذلك (5).

هذا وقد ورد في شعر حسان بن ثابت - شاعر الرسول الله صلى الله عليه وسلم - وصف النبي بالمهتدي:

(1) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة ص 473. (ط 1951 م).

(2) محمد جواد مغنية: المرجع السابق ص 55.

(3) سورة الإسراء: آية 97.

(4) سورة الرعد: آية 7.

(5) تفسير ابن كثير 2 / 776، تفسير الطبري 16 / 357.


251

بأبي وأمي من شهدت وفاته*في يوم الاثنين النبي المهتدي

ووصفه بالهادي:

بالله ما حملت أنثى ولا وضعت*مثل النبي رسول الرحمة الهادي

ووصفه بالمهدي:

ما بال عيني لا تنام كأنما*كحلت مآقيها بكحل الأرمد

جزعاً على المهدي أصبح ثاوياً*يا خير من وطء الحصى لا تبعد (1)

هذا وقد وردت في بعض الأحاديث الشريفة كلمة المهدي وصفاً للإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - روى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي قال: قيل: يا رسول الله من يؤمر بعدك، قال.... وإن تؤمروا علياً - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهدياً، يأخذ بكم الصراع المستقيم (2).

وفي رواية إن تولوا علياً تجدوه هادياً مهدياً، يسلك بكم الطريق المستقيم (3).

وفي رواية عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تستخلفوا علياً - وما أراكم فاعلين، تجدوه هادياً مهدياً، يحملكم على المحجة البيضاء (4) ولما استشهد مولانا الإمام الحسين بن علي، وصفه الصحابي الجليل، قائد التوابين بأنه مهدي ابن مهدي.

والكلمة في كل هذا بمعناها اللغوي الديني: رجل هداه الله فاهتدى، ثم

(1) أحمد أمين: ضحى الإسلام 3 / 235 - 236 (القاهرة 1368 هـ‍/ 1949 م).

(2) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 112 (دار الشعب - القاهرة 1970)، مسند الإمام أحمد 1 / 108 - 109.

(3) الحافظ أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1 / 64 (دار الفكر - بيروت).

(4) حلية الأولياء 1 / 64.


252

نراها تأخذ معنى جديداً، وهو إمام منتظر، يأتي فيملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً.

وأما عن المهدي المنتظر من آل البيت، فلقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى، أنه كما كانت نجاة العالم من ظلمات الجاهلية على يد سيد أهل البيت سيدنا ومولانا وجدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكان وجود أهل البيت في الأمة أماناً لهم من الخسف والنسف، فإن صلاح العالم في آخر الزمان إنما سيكون - بإذن الله تعالى - على يد المهدي الذي يصطفيه الله - سبحانه وتعالى - من أهل بيت النبي الطاهرين المطهرين، والذي تواترت الأحاديث واستفاضت عن خروجه في آخر الزمان، ليملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً، قال صلى الله عليه وسلم، المهدي منا، يختم الدين، كما فتح بنا. ورواه ابن حجر الهيثمي (1) في صواعقه.

وقال صاحب كتاب عون المعبود - شرح سنن أبي داود، عند أول كتاب المهدي: واعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر العصور: أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل، من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي.

(1) ابن حجر الهيثمي: هو أحمد بن علي بن حجر الهيثمي السعدي الأنصاري، فقيه صوفي، وباحث مصري، ولد عام 909 هـ‍/ 1504 م في محلة أبي الهيثم - وإليها نسب - بمحافظة الغربية، درس في المسجد الأحمدي بطنطا، ثم انتقل عام 924 هـ‍للدراسة في الأزهر بالقاهرة، حيث درس على كبار علماء عصره، ثم أذن له بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين، وفي عام 940 هـ‍انتقل إلى مكة، وكان فيها إماماً للحرمين يدرس ويفتي ويؤلف، وتوفي عام 974 هـ‍/ 1567 م، ودفن بالمصلاة بتربة الطبريين بمكة المكرمة، وأهم مصنفاته:

الصواعق المحرقة، ومبلغ الأرب، والجوهر المنظم، وتحفة المحتاج لشرح المنهاج في فقه الشافعية، والخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان، والفتاوى الهيثمية (في أربع مجلدات)، وشرح مشكاة المصابيح للتبريزي، والإمداد في شرح الإرشاد للمقري، والزواجر عن اقتراف الكبائر، والمنح المكية - شرح لهمزية البوصيري، (أنظر: دائرة المعارف الإسلامية 1 / 133، خلاصة الأثر 2 / 166، آداب اللغة 3 / 334، مقدمة الصواعق المحرقة ص 7 - 8).


253

ويكون خروج الدجال وما بعده - من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح - على أثره، وأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ينزل من بعده، فيقتل الدجال، أو ينزل معه، فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته.

وهذا وقد خرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة - منهم أبو داود (202 هـ‍/ 817 م - 275 هـ‍/ 888 م) وابن ماجة (209 هـ‍/ 824 م - 273 هـ‍/ 886 م) وأبو يعلى الموصلي (210 هـ‍/ 825 م - 307 هـ‍/ 1919 م) والترمذي (210 هـ‍/ 825 م - 279 هـ‍/ 892 م) والطبراني (260 هـ‍/ 873 م - 360 هـ‍/ 971 م) والحاكم (321 هـ‍/ 933 م - 404 هـ‍/ 1014 م).

وقد أسندوها إلى جماعة من الصحابة - من أمثال الإمام علي، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء، رضي الله عنهم أجمعين.

وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف.

وقد بالغ ابن خلدون في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها، فلم يصب، بل أخطأ.

وقال صاحب تحفة الأحوذي - بشرح جامع الترمذي (باب ما جاء في المهدي) - بعد أن نقل ما ذكرناه آنفاً من عون المعبود - إن الأحاديث الواردة في المهدي كثيرة جداً، ولكنها أكثرها ضعاف.

ولا شك في أن حديث عبد الله بن مسعود، الذي رواه الترمذي في هذا الباب، لا ينحط عن درجة الحسن، وله شواهد كثيرة من بين حسان وضعاف، فحديث ابن مسعود هذا - مع شواهده وتوابعه - صالح للاحتجاج بلا مرية، وقد جاء فيه: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه إسمي - ثم قال الترمذي: وفي


254

الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة - وقال: هذا حديث حسن صحيح -.

وقال القاضي الشوكاني (1) وفي الفتح الرباني: الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثاً، وثمانية وعشرون أثراً، ثم سردها مع الكلام عليها، ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر، كما لا يخفى على من له فضل إطلاع (2).

وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث فيه رجلاً مني، أو من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

وقال صلى الله عليه وسلم - في حديث سفيان - لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، ويواطئ اسمه إسمي.

وروى أبو داود بسنده عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة (3).

ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: هو حق - يعني المهدي - وهو من بني فاطمة، وبطريق آخر قال: هو من ولد فاطمة (4).

(1) القاضي الشوكاني: هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، ولد في 28 ذي القعدة عام 1172 هـ‍في بلدة هجرة شوكان، وتوفي في 27 جمادى الآخرة سنة 1250 هـ‍، درس الفقه على علماء عصره في صنعاء، كما أخذ عنه كثيرون، وكان تفقهه على مذهب الإمام زيد، وبرع فيه وألف وأفتى، حتى صار قدوة فيه، وخلع ربقة التقليد، وتحلى بمنصب الاجتهاد (أنظر:

مقدمة كتابه نيل الأوطار - الجزء الأول - ص - دار الكتب العلمية - بيروت).

(2) أنظر: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - قسم الحديث - المجلد الثالث ص 234 - 235 (الرياض 1398 هـ‍/ 1978 م).

(3) سنن أبي داود 2 / 422، وانظر: الجامع الصغير للسيوطي 2 / 187.

(4) المستدرك للحاكم 4 / 557.


255

ورواه الذهبي في ميزان الاعتدال، وقال: المهدي من ولد فاطمة (1).

وذكره السيوطي في تفسير سورة محمد من كتابه الدار المنثور في التفسير بالمأثور، وقال: أخرجه أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة (2).

وفي كنز العمال (3) عن علي عليه السلام قال: المهدي رجل منا، من ولد فاطمة، قال: أخرجه نعيم. وفي رواية: إبشري يا فاطمة، فإن المهدي منك، قال: أخرجه ابن عساكر عن الإمام الحسين عليه السلام (4).

وروى أبو داود بسنده عن أبي الطفيل عن علي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لو لم يبق من الدهر، إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يملؤها عدلاً، كما ملئت جوراً (5).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خلفائكم خليفة يحثو المال حثياً، لا يعده عدداً - وفي رواية ابن حجر: يحثي المال (6).

وفي رواية عن أبي نضرة عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر الزمان خليفة، يقسم المال ولا يعده (7).

(1) ميزان الاعتدال 2 / 24.

(2) فضائل الخمسة 3 / 331.

(3) كنز العمال 7 / 261.

(4) كنز العمال 6 / 218، وانظر أيضاً كنز العمال 7 / 259.

(5) سنن أبي داود 2 / 422.

(6) صحيح مسلم 18 / 39.

(7) صحيح مسلم 18 / 39.


256

وروى أبو داود بسنده عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المهدي مني، أجلي الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك سبع سنين (1).

وفي رواية الحاكم في المستدرك المهدي من أهل البيت، أشم الأنف، أقنى أجلى، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، يعيش هكذا - وبسط يساره، وإصبعين من يمينه، المسبحة والإبهام وعقد ثلاثة - قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (2).

وفي رواية الإمام أحمد في المسند بسنده عن أبي سعيد الخدري قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، أجلى أقنى، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت قبله ظلماً، يكون سبع سنين (3).

وفي تحفة الأحوذي عن أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن من أمتي المهدي، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً - زيد هو الشاك - قال: قلنا؟ وما ذاك؟ قال: سنين، فيجئ إليه الرجل، فيقول: يا مهدي أعطني، فيحثي له في ثوبه، ما استطاع أن يحمله (4).

وروى الحاكم في المستدرك (5) على الصحيحين بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً أو عدواناً، ثم يخرج من أهل بيتي، من يملأها قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وعدواناً - قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.

(1) سنن أبي داود 2 / 422، وانظر: الجامع الصغير للسيوطي 2 / 187.

(2) المستدرك للحاكم 4 / 557.

(3) مسند الإمام أحمد 3 / 17، وانظر: عون المعبود بشرح سنن أبي داود 11 / 375.

(4) تحفة الأحوذي 6 / 487 (باب ما جاء في المهدي).

(5) المستدرك 4 / 557.


257

وروى الحافظ أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي الصديق عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتملأن الأرض ظلماً وعدواناً، ثم ليخرجن من أهل بيتي أو قال من عترتي - من يملؤها قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وعدواناً (1).

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن عاصم بن بهدلة عن زر عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي (2).

ورواه الإمام أحمد في المسند بعدة روايات (3) - كما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (4).

وفي كنز العمال: يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه إسمي، وخلقه خلقي، فيملأها عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً - قال: أخرجه الطبراني عن ابن مسعود (5).

وفي ذخائر العقبى للمحب الطبري عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلاً من ولدي، اسمه كإسمي، فقال: سلمان: من أي ولدك يا رسول الله؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين عليه السلام (6).

وفي المنتقى: عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج في آخر الزمان

(1) حلية الأولياء 3 / 101 - 102.

(2) صحيح الترمذي 2 / 36.

(3) مسند الإمام أحمد 1 / 376، 377، 430، 448.

(4) تاريخ بغداد 4 / 388.

(5) كنز العمال 7 / 188.

(6) ذخائر العقبى ص 136.


258

رجل من ولدي، اسمه كإسمي، كنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً، فذلك هو المهدي (1).

وفي المنتقى عن علي أنه نظر إلى الحسن فقال: سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض قسطاً (2).

غير أن هناك روايات أخرى تجعل المهدي من ولد مولانا الإمام الحسين، فلقد روي عن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر عن أبيه عن جده الإمام علي بن الحسين عليه السلام: أنه سئل عن المهدي، فقال: هو من ولدي (3).

ويقول ابن تيمية (1661 - 728 هـ‍/ 1263 - 1328 م): وقول أمير المؤمنين (الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة) في أنه حسني لا حسيني صريح، ذلك لأن الحسن والحسين مشبهان من بعض بإسماعيل وإسحاق عليهما السلام، وإن لم يكونا نبيين، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذهما بقوله أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ويقول: إن إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق، وكان إسماعيل هو الأكبر والأحلم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب على المنبر -

(1) الذهبي: المنتقي ص 533، ثم يقول: الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي صحيحة، رواها أحمد وأبو داود والترمذي، منها حديث ابن مسعود مرفوعاً لو لم يبق من الدنيا، إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً.

وأخرجه أبو داود الترمذي من حديث أم سلمة، وفيه المهدي من عترتي، من ولد فاطمة، ورواه أبو داود عن طريق أبي سعيد، وفيه يملك الأرض سبع سنين، وأما حديث لا مهدي إلا عيسى بن مريم فضعيف، فلا يعارض هذه الأحاديث (المنتقى ص 533 - 534).

(2) المنتقى ص 34، وانظر: سنن أبي داود 4 / 423 - 424.

(3) الداعي إدريس بن عماد: تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب - تحقيق محمد اليعلاوي - بيروت 1985 ص 42.


259

وإن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (1).

فكما أن غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق، فهكذا كان غالب السادة الأئمة من ذرية الحسين، وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبق أمره مشارق الأرض ومغاربها، كان من ذرية إسماعيل، فكذلك الخليفة الراشد المهدي - الذي هو آخر الخلفاء - يكون من ذرية الحسن (2).

وهكذا نرى أن المهدي ليس من اختراع الشيعة الإمامية أو الكيسانية - كما يزعم الزاعمون - وإنما هو من أقوال المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وأن علماء السلف من أهل السنة، قد تنبأوا به.

روي عن عبد الله بن عباس (ت 68 هـ‍687 م - أو 69 هـ‍688 م - أو 70 هـ‍/ 689) أنه قال: لو لم يبق إلا يوم وليلة من الدنيا، لخرج فيها المهدي (3).

وعن محمد بن سيرين (33 - 110 هـ‍/ 653 - 729 م) (4)، أنه قال:

المهدي يعدل نبياً.

وعن مجاهد (21 - 104 هـ‍/ 642 - 722 م) (5)، بإسناده يرفعه، وذكر

(1) صحيح البخاري 4 / 249، 5 / 32.

(2) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري - جدة 1984 ص 47.

(3) الداعي إدريس بن عماد: المرجع السابق ص 45.

(4) أنظر عن ابن سيرين (الطبقات الكبرى 7 / 193 - 206، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3 / 280 - 281، حلية الأولياء 2 / 263 - 282، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 69 - 70 تاريخ بغداد 5 / 331 - 338، تذكرة الحفاظ ص 77 - 78، تهذيب التهذيب لابن حجر 9 / 214 - 217، مرآة الجنان لليافعي 1 / 232 - 234، شذرات الذهب 1 / 138، الأعلام للزركلي 7 / 25، الفهرست لابن النديم ص 316).

(5) أنظر عن مجاهد (الطبقات الكبرى 5 / 466 - 467، حلية الأولياء 3 / 279 - 310، الإرشاد لياقوت 6 / 242 - 243، ميزان الاعتدال للذهبي 3 / 9، تذكرة الحافظ ص 92 - 93، التهذيب

‌>


260

أخبار بمكان يكون، ثم قال: يبعث قائم آل محمد في عصابة، لهم أدق في أعين الناس من الكحل، يفتح الله عليه مشارق الأرض ومغاربها، ألا وهم المؤمنون حقاً ألا وإن خير الجهاد في آخر الزمان (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أنه لم ترو أحاديث عن المهدي في صحيحي البخاري ومسلم، ولكن أخرجها أئمة آخرون في الحديث - كالترمذي وأبي داود والحاكم وابن ماجة - وهي أحاديث مسندة إلى الإمام علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأم سلمة.

ومن ثم فإن عدم إخراج البخاري - أو مسلم - لأحاديث المهدي، جعل أهل السنة يختلفون في الاعتقاد بالمهدية، فلا يشير إليه الإيجي في مواقفه ولا التفتازاني فيما ذكره من علامات الساعة (2). وقد جرح ابن خلدون رواة أحاديث المهدي في مقدمته (3)، ومع ذلك فإنه يقول: إن جماعة من الأئمة خرجوا أحاديث المهدي - ومنهم الترمذي وأبو داود والبزاز وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي - وأسندوها إلى جماعة من الصحابة - مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء - بأسانيد قد يعرض لها المنكر.

ثم يحاول ابن خلدون تضعيف الأحاديث التي وردت في المهدي، ثم

<‌

لابن حجر، 10 / 42 - 744 الأعلام للزركلي 6 / 161، طبقات الفقهاء للشيرازي ص 45، المعارف لابن قتيبة ص 227، الفهرست لابن النديم ص 33، الرجال للقيسراني ص 510).

(1) الداعي إدريس بن عماد: المرجع السابق ص 46.

(2) أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية - دار المعارف - القاهرة 1969 ص 403 - 404.

(3) مقدمة ابن خلدون ص 311 - 330 (دار القلم - بيروت 1981).


261

يقول: وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفيناه قدر طاقتنا، والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك: أنه لا تتم دعوة في الدين والملك، إلا بوجود شوكة عصبية، تظهره وتدافع عنه من يدفعه، حتى يتم أمر الله فيه. وقد قررنا ذلك بالبراهين القطعية، وعصبية الفاطميين - بل وقريش أجمع - قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش، إلا ما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبين، من بني الحسن وبني الحسين وبني جعفر، وهم منتشرون في تلك البلاد، وغالبون عليها، وهم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم يبلغون الآفاق من الكثرة، فإن صح ظهور هذا المهدي، فلا وجه لظهور دعوته، إلا بأن يكون منهم، ويؤلف الله بين قلوبهم في إتباعه، حتى تتم له شوكة وعصبية وافية، بإظهار كلمته وحمل الناس عليها.

وأما على غير هذا الوجه، مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أفق من الآفاق من غير عصبية ولا شوكة، إلا مجرد نسبة في أهل البيت، فلا يتم ذلك، ولا يمكن، لما أسلفناه من البراهين الصحيحة (1).

وفي العصر الحديث نرى الأستاذ أحمد أمين في ضحى الإسلام، والنشاشيبي في الإسلام الصحيح، يعدون أحاديث المهدي من الأساطير، كما عده سعد محمد حسن أثراً من آثار الشيعة، التي تسربت إلى أهل السنة، وعملت العقلية السنية فيها بالصقل والتهذيب.

غير أن موقف هؤلاء الباحثين، إنما هو قائم على الزمن من ناحية، حيث مر أربعة عشر قرناً على ظهور الإسلام، وعلى التفكير الوضعي الحديث، الذي ينكر الحكم الثيوقراطي (الديني) من أساسه، من ناحية أخرى، غير أن هذا لا ينفي أنها كانت، وربما لا تزال، عقيدة في قلوب الكثيرين، وأنه في عهود الظلم

(1) مقدمة ابن خلدون ص 311 - 312، 327 - 328.


262

والاضطراب السياسي والاجتماعي والديني والأخلاقي يتعلق الناس بفكرة مخلص مصلح ينتظرون خروجه وظهوره.

وقد شاع هذا الاعتقاد في انتظار المهدي عند بعض أهل السنة، وإن لم يتقرر كأصل من أصول العقيدة، كما هو الحال لدى الشيعة، بعد أن تحدث فيه بعض علمائهم كالنكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار أصحاب الزمان والسيوطي في كتابه العرف الوردي في أخبار المهدي، وابن حجر العسقلاني في كتاب القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، ويوسف بن يحيى الدمشقي في عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن عقيدة المهدي قد شغلت جزءاً كبيراً وهاماً من تفكير أهل السنة - جمهورهم وعلمائهم - فضلاً عما أسهم به الصوفية في نشر عقيدة المهدي هذه، ومن المعروف أن للصوفية أثراً بالغاً في جمهور المسلمين.

ولقد شارك في الاعتقاد بالمهدية فريق من أهل السنة، كان أحرى بحكم عدائه التقليدي للشيعة أن يستنكر عقيدة المهدي، استنكاره لسائر عقائد الشيعة - وأعني به الإمام ابن تيمية زعيم المذهب السلفي - ولكن ابن تيمية إنما يعتقد بصحة الحديث الذي رواه ابن عمر (1).

يقول ابن تيمية: فأما المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رواه أهل العلم العالمون بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، الحافظون لها، الباحثون عنها، وعن رواتها، مثل أبي داود والترمذي وغيرهما، ورواه الإمام أحمد في مسنده.

فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه إسمي، واسم أبيه اسم أبي، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 404 - 405.


263

وروى في هذا المعنى من حديث أم سلمة وغيرها، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: المهدي من ولد ابني هذا، وأشار إلى الحسن (1).

على أن الزيدية من الشيعة إنما ترى أن المهدية لا تنفصل في مفهومها عن الإمامة ذاتها، فكل فاطمي شجاع، عالم زاهد، يخرج بالسيف، يدعو إلى الحق، فهو إمام ومهدي في آن واحد، دون اعتقاد في المهدية بالمفهوم الذي يفيد انتظار محرر أو مخلص مبعوث من الله، وكل أئمة الزيدية، كزيد وولده يحيى ومحمد النفس الزكية مهديون (2).

5 - البداء:

اتفق المسلمون بكلمة واحدة على جواز النسخ ووقوعه في الشريعة الإسلامية، ومعناه في اصطلاح المفسرين وأهل التشريع، أن الله يشرع حكماً كالوجوب أو التحريم، ويبلغه نبيه، وبعد أن يعمل النبي وأمته بموجبه، يرفع الله هذا الحكم وينسخه، ويجعل في مكانه حكماً آخر، لانتهاء الأسباب الموجبة للحكم الأول وبقاء استمراره، وهذا النوع من النسخ ليس بعزيز، فإنه موجود في الشرائع السماوية والوضعية ولقد استدل المسلمون على جوازه ووقوعه بأدلة، منها أن الصلاة كانت في بدء الإسلام لجهة بيت المقدس، ثم نسخت وتحولت إلى جهة البيت الحرام (3)، قال تعالى:*﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره*(4).

واتفق المسلمون كذلك على عدم جواز النسخ في الطبيعيات، لأنه يستلزم

(1) ابن تيمية: رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم ص 46.

(2) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 405.

(3) الشيعة في الميزان ص 52.

(4) سورة البقرة: آية 144.


264

الجهل وتجدد العلم لله، وحدوثه بعد نفيه عنه - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - ويسمى هذا البداء الباطل، وقد نسبه البعض إلى الإمامية جهلاً أو تجاهلاً، رغم إنكارهم له، روى الشيخ الصدوق في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة عن الإمام جعفر الصادق، رضوان الله عليه، أنه قال: من زعم أن الله عز وجل، يبدو له في شئ لم يعلمه أمس، فابرأوا منه (1).

وقال السيد محسن العاملي في كتابه نقض الوشيعة: أجمع علماء الإمامية في كل عصر وزمان، على أن البداء بهذا المعنى باطل، ومحال على الله تعالى، لأنه يوجب نسبة الجهل إليه تعالى، وهو منزه عن ذلك، تنزيهه عن جميع القبائح، وعلمه محيط بجميع الأشياء، إحاطة تامة، جزئياتها وكلياتها، لا يمكن أن يخفى عليه شئ، ثم يظهر له (2).

على أن المسلمين جميعاً - بعد أن نفوا البداء بهذا المعنى - أجازوا بداء لا يستدعي الجهل، وحدوث العلم لذات الله، وهو أن يزيد الله في الأرزاق والأعمار، أو ينقص منها، بسبب أعمال العبد، قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات (باب القول في البداء والمشيئة): البداء عند الإمامية هو الزيادة في الآجال والأرزاق، والنقصان منها بالأعمال (3).

وقد اعتمد المفيد في هذا على قول الله تعالى:*﴿وقال ربكم أدعوني أستجب لكم *، وروى الترمذي في سننه (باب لا يرد القضاء إلا الدعاء) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر، إلا البر (5).

وانطلاقاً من كل هذا، فلقد اتفق المسلمون - شيعة وسنة - على أن أية

(1) الشيعة في الميزان ص 53.

(2) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة ص 515 (ط 1951).

(3) الشيعة في الميزان ص 53.

(4) سورة غافر: آية 60.

(5) أنظر: السيد الخوئي: البيان في تفسير القرآن ص 277.


265

صفة تستدعي الجهل، وتجدد العلم، فهي منفية عن الله سبحانه وتعالى، بحكم العقل والشرع، سواء عبرنا عنها بالبداء أو بلفظ آخره، ومن ثم فليس صحيحاً أن الشيعة قد أجازوا البداء على الله، دون السنة، لأن المفروض أن البدء المستلزم للجهل باطل عند الفريقين، والبداء بمعنى الزيادة أو النقصان في الأرزاق والآجال، جائز عند الفريقين.

هذا إلى أن الشيعة الإمامية إنما تتشدد كثيراً عن الفرق الأخرى في صفات الباري سبحانه، وبالغوا كثيراً في تنزيهه عن كل ما فيه شائبة الجهل والظلم والتجسيم والعبث وما إليه، فلم يجيزوا على الله ما أجازه الأشاعرة وغيرهم، الذين قالوا: إن الخير والشر من الله، وأنه سبحانه يكلف الإنسان بما لا يطاق، وأنه - تعالى علواً كبيراً - يأمر بما يكره وينهى عما يحب، كما أن الإمامية نفوا عن الله تعالى التجسيم (1)، الذي قال به الحنابلة.

6 - الجفر:

الجفر: في الأصل ولد الشاة، إذا عظم واستكرش، ثم أطلق على إهاب الشاة، وقد قالوا: إن الجفر صار يطلق على نوع من العلم، لا يكون بالتقي والدراسة، ولكن يكون من عند الله تعالى، بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم، أو نحو ذلك (2).

وقال بعض كتاب الشيعة الإمامية المحدثين: وعلم الجفر، هو علم الحروف التي تعرب به الحوادث إلى انقراض العالم، وجاء عن الإمام جعفر الصادق: أن عندهم الجفر، وفسره بأنه: وعاء من أدم فيه علم النبيين، وعلم

(1) أنظر: ابن تيمية: العقيدة الواسطية ص 136 (ط 1957 مع الرسائل التسع)، الجزء الثامن كتاب المواقف للإيجي، وشرحه للجرجاني، الجزء الثاني من كتاب الفروق للقرافي، المذاهب الإسلامية للشيخ محمد أبو زهرة.

(2) أبو زهرة: الإمام الصادق ص 33.


266

العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، وجاء عنهم الشئ الكثير عن الجفر، وإنا - وإن لم نعرف هذا العلم والتصرف - نعرف من هاتيك الأحاديث التي ذكرت عن الجفر، أنه من مصادرهم، وأن هذا العلم شريف، منحهم الله تعالى إياه (1).

هذا وقد اختلف القائلون بوجود الجفر في تفسير معناه، فمن قائل: بأنه نوع من علم الحروف تستخرج به معرفة ما يقع من الحوادث في المستقبل.

على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يذهب أصحابه إلى أن الجفر: كتاب من جلد، فيه بيان الحلال والحرام، وأصول ما يحتاج إليه الناس من الأحكام التي فيها صلاح دينهم ودنياهم، وعلى هذا، فلا يمت الجفر إلى الغيب بصلة (2).

هذا ويذهب الشريف الجرجاني - من علماء الأحناف - إلى أن الجفر والجامعة كتابان لعلي، رضي الله عنه، وقد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما، ويحكمون بهما (3).

وفي نفس الوقت، يقول السيد محسن الأمين - وهو من علماء الإمامية - في كتابه نقض الوشيعة: ليس الجفر علماً من العلوم - وإن توهم ذلك كثيرون - ولا هو مبني على جداول الحروف، ولا ورد به خبر، ولا رواية.

ثم يقول: غير أن الناس إنما توسعوا في تفسيره، وقالوا فيه أقاويل لا تستند إلى مستند، شأنهم في أمثال ذلك (4).

ويقول نفس المؤلف في كتاب آخر له - أعيان الشيعة - الظاهر من الأخبار

(1) السيد حسين المظفري: الإمام الصادق 1 / 109.

(2) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 56.

(3) الجرجاني: كتاب المواقف وشرحه 6 / 22.

(4) السيد محسن الأمين: نقض الوشيعة ص 259.


267

أن الجفر كتاب فيه العلوم النبوية، من حلال وحرام، وما يحتاج إليه الناس في أحكام دينهم، وصلاح دنياهم (1).

وهكذا إنما يبدو غريباً أن ينفي عالم الشيعة، الجفر بمعنى علم الغيب عن أهل البيت، ويثبته علم من أعلام الأحناف، ويقول: وعندهم علم ما يحدث إلى انقراض العالم (2).

ومن ثم فليس صحيحاً، ما ذهب إليه البعض - ومنهم العلامة أبو زهرة - من أن الجفر من اختصاص الشيعة الإمامية، بل وينسبون إليهم الزعم بأن أهل البيت يستخرجون منه علم الغيب، ذلك لأن هناك من الفرق الإسلامية - من غير الإمامية - من يدعون ذلك، ثم ينسبونه إلى الإمامية للتشنيع عليهم (3).

والجفر - كما يقول الأستاذ أحمد مغنية - وحقيقته، على كثرة الأخبار التي وردت به، والأحاديث التي حدثت عنه، لا يزال أمره غامضاً، وأن العلماء الأقدمين لم يقفوا فيه على حقيقة يطمئنون إليها (4).

وعلى أية حال، فمسألة الجفر - كما يقول الأستاذ محمد جواد مغنية في كتابه الشيعة في الميزان - ليست من أصول الدين، ولا المذهب، عند الإمامية، وإنما هي أمر نقلي، تماماً كمسألة الرجعة، يؤمن بها من تثبت عنده، ويرفضها إذا لم تثبت، وهو في الحالين مسلم سني - إن كان سنياً - ومسلم شيعي - إن كان شيعياً -.

والخلاصة أن الإمامية يدينون بأن الإمامة تكون بالنص - وليس بالانتخاب - وأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، إنما قد نص صراحة على علي بن أبي

(1) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة 1 / 246 (بيروت 1960 م).

(2) الشيعة في الميزان ص 57.

(3) الشيعة في الميزان ص 57.

(4) أحمد مغنية: الإمام جعفر الصادق ص 208. محمد أبو زهرة: الإمام الصادق ص 36.


268

طالب، وإنهم يوجبون العصمة للإمام، وينفون عنه علم الغيب، ويقولون بالتقية عند خوف الضرر، وينفون - متفقين - صفة البداء عن الله، المستلزمة للجهل، وحدوث العلم، ويختلفون في الرجعة (1).

7 - مصحف فاطمة:

ينسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن عند سيدة نساء العالمين - السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام - مصحفاً فيه زيادات عن هذا القرآن الكريم الذي بين أيدي المسلمين.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة - بادئ ذي بدء - إلى أن القرآن الكريم، كتاب الله الذي*﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد*(2)، نزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، منجماً في ثلاث وعشرين سنة، حسب الحوادث، ومقتضى الحال (3).

وكانت الآيات والسور تدون ساعة نزولها، إذ كان المصطفى صلى الله عليه وسلم، إذا ما أنزلت عليه آية أو آيات قال: ضعوها في مكان كذا... من سورة كذا، فقد

(1) الشيعة في الميزان ص 57.

(2) سورة فصلت: آية 42.

(3) نزل القرآن منجماً فيما بين عامي 13 قبل الهجرة، عام 11 هجرية (610 - 632 م) لأسباب منها (أولاً) تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، أمام أذى الكافرين، ومنها (ثانياً) التلطف بالنبي صلى الله عليه وسلم، عند نزول الوحي، ومنها (ثالثاً) التدرج في تشريع الأحكام السماوية ومنها (رابعاً) تسهيل حفظ القرآن وفهمه على المسلمين، ومنها (خامساً) مسايرة الحوادث والوقائع والتنبيه عليها في حينها، ومنها (سادساً) الإرشاد إلى مصدر القرآن، وأنه تنزيل الحكيم الحميد (أنظر: محمد عبد الله دراز:

مدخل إلى القرآن الكريم ص 33، محمد سعيد رمضان: من روائع القرآن ص 36 - 41، محمد علي الصابوني: التبيان في علوم القرآن ص 40 - 49)، ومنها (سابعاً) أن العرب كانوا أمة أمية، والكتابة ليست فيهم رائجة، بل يندر فيهم من يعرفها، وأندر منه من يتقنها، فما كان في استطاعتهم أن يكتبوا القرآن كله، إذا نزل جملة واحدة، إذ يكون بسوره وآياته عسيراً عليهم أن يكتبوه، وإن كتبوه لا يعدموا الخطأ والتحريم و التصحيف (محمد أبو زهرة: القرآن ص 23 - 24).


269

ورد أن جبريل عليه السلام، كان ينزل بالآية أو الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول له: يا محمد، إن الله يأمرك أن تضعها على رأس كذا من سورة كذا.

ومن ثم فقد اتفق العلماء على أن جمع القرآن توقيفي، بمعنى أن ترتيبه بهذه الطريقة التي نراه عليها اليوم في المصاحف، إنما هو بأمر ووحي من الله تعالى (1).

وهكذا تمر الأيام برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على هذا العهد، يأتيه الوحي نجماً بعد نجم، وكتابه يسجلونه آية بعد آية (2)، حتى إذا ما كمل التنزيل، وانتقل الرسول الأعظم، سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق الأعلى، كان القرآن كله مسجلاً في صحف، وإن كانت مفرقة، لم يكونوا قد جمعوها بين الدفتين، ولم يلزموا القراء توالي سورها (3) - كما كان محفوظاً في صدور الحفاظ من الصحابة - رضوان الله عليهم - هؤلاء الصفوة من أمة محمد النبي المختار، الذين كانوا يتسابقون في تلاوة القرآن ومدارسته، ويبذلون قصارى جهدهم لاستظهاره وحفظه، ويعلمونه أولادهم وزوجاتهم في البيوت، حتى كان الذي يمر ببيوت الأنصار في غسق الدجى، لا يسمع فيها إلا صوت

(1) أنظر: السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 1 / 48، 63، الزركشي: البرهان في علوم القرآن ص 234، 237، 241، السجستاني: كتاب المصاحف ص 31، مقدمتان في علوم القرآن ص 26 - 32، 40 - 41، 58، تفسير القرطبي 1 / 60، محمد أبو زهرة: القرآن ص 27، 47 - 49، محمد علي الصابوني: المرجع السابق ص 59.

(2) لعل أشهر كتاب الوحي - وعددهم 29 - الخلفاء الأربعة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) وأبي بن كعب وزيد بن ثابت والزبير بن العوام والمغيرة بن شعبة، وشرحبيل وعبد الله بن رواحة (فتح الباري 9 / 18).

وكانوا يضعون ما يكتبونه في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكتبون لأنفسهم صوراً أخرى يحفظونها لديهم (الإتقان 1 / 58، البرهان 1 / 238، من روائع القرآن ص 49 - 51).

(3) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 1 / 59، الزركشي: البرهان في علوم القرآن ص 235، مقدمتان في علوم القرآن ص 32، مقدمة كتاب المصاحف لآرثر جفري ص 5.


270

القرآن يتلى، وحتى كان المصطفى صلى الله عليه وسلم، يمر على بعض دور الصحابة، فيقف عند بعضها يستمع القرآن في ظلام الليل.

هذا وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن، حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالليل بالقرآن، وإن كنت لم أر منازلهم بالنهار (1).

ومن هنا كان حفاظ القرآن الكريم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحصون، وتلك - وأيم الله - عناية من الرحمن، خاصة بهذا القرآن العظيم، حين يسره للحفظ، * ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر*(2) فكتب له الخلود، وحماه من التحريف والتبديل، وصانه من تطرق الضياع إلى شئ منه، عن طريق حفظه في السطور، وحفظه في الصدور (3).

وكان ذلك كله مصداقاً لقول الله تعالى:*﴿وإنه لكتاب عزيز*لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد*(4)، وقول الله تعالى * ﴿نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون*(5)، وقول الله تعالى:*﴿إن علينا جمعه وقرآنه*فإذا قرأناه فاتبع قرآنه*ثم إن علينا بيانه*(6).

ولعل من الأفضل هنا أن نشير إلى أن القرآن الكريم، إنما كان مكتوباً كله عند الصحابة، قد لا يكون الأمر كذلك عندهم جميعاً، أو عند واحد منهم

(1) رواه الشيخان.

(2) سورة القمر: آية 32.

(3) محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم ص 12 - 14. وانظر: حسن ضياء عتر: شغف الرسول وأصحابه بحفظ القرآن، أساس تواتره - مجلة كلية الشريعة - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - العدد السادس - عام 1402 هـ‍/ 1403 هـ‍ص 190 - 231).

(4) سورة فصلت: آية 41 - 42.

(5) سورة الحجر: آية 9.

(6) سورة القيامة: آية 17 - 19، وانظر: تفسير الطبري 1 / 95 - 97.


271

بعينه، ولكنه كان كذلك عند الجميع، وأن ما ينقص الواحد منهم يكمله الآخر، ومن ثم فقد تضافروا جميعاً على نقله مكتوباً، وإن تقاصر بعضهم عن كتابته كمل الآخر، وكان الكمال النقلي جماعياً، وليس أحادياً.

والأمر الذي لا ريب فيه أن القرآن الكريم إنما كان كله مسجلاً في صحف قبل أن ينتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى (1)، ومن ثم فإن ما قام به الصديق أبو كبر رضي الله عنه (11 - 13 هـ‍/ 632 - 634 م)، إنما كان جمع القرآن كله في مصحف، جمعت مما كان محفوظاً في صدور الرجال، وبما كان يكتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفظ هذا المصحف الشريف عند الصديق، ثم عند الفاروق عمر (13 - 23 هـ‍/ 634 - 644 م) من بعده، ثم عند أم المؤمنين حفصة، رضي الله عنهم أجمعين (2).

وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه (24 - 35 هـ‍/ 644 - 656 م) جمع القرآن الكريم في مصحف في العام الرابع والعشرين - أو أوائل العام الخامس والعشرين من الهجرة - ثم كتب منه سبعة مصاحف (3)، وبعث بواحد منها إلى كل من مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة، وحبس بالمدينة واحداً (4).

(1) قدم المؤلف أكثر من ستة عشر دليلاً على جمع القرآن كاملاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم (أنظر: محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الجزء الأول - في بلاد العرب - الرياض 1980 ص 21 - 26).

(2) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 1 / 59 - 60، الزركشي: البرهان في علوم القرآن ص 233 - 234، 239، كتاب المصاحف ص 5 - 10، 20، محمد أبو زهرة: القرآن ص 30 - 31، ابن كثير: فضائل القرآن ص 14 - 16، تفسير الطبري 1 / 59 - 62، تفسير القرطبي 1 / 49 - 50، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 112، مقدمتان في علوم القرآن ص 17 - 21.

(3) اختلف العلماء في عدد المصاحف، فمن قائل: إنها أربعة، بعت بها الخليفة إلى الكوفة والبصرة والشام، وترك واحداً بالمدينة، ومن قائل إنها خمسة، ومن قائل إنها سبعة (الإتقان 1 / 62، البرهان 2 / 240).

(4) أنظر: كتاب المصاحف ص 34، وانظر: محمد بيومي مهران: المرجع السابق ص 26 - 32.


272

هذا ويذهب العلماء إلى أن الفرق بين جمع أبي بكر، وجمع عثمان، أن الأول إنما كان جمعاً للقرآن وكتابته في مصحف واحد، مرتب الآيات على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، خشية أن يذهب من القرآن شئ، بسبب موت كثير من الحفاظ في موقعة اليمامة.

وأما جمع عثمان فكان عبارة عن نسخ عدة نسخ من المصحف الذي جمع في عهد أبي بكر، لترسل إلى البلاد الإسلامية وأن السبب في ذلك إنما هو اختلاف بعض القراء في قراءة آيات من القرآن الكريم، وهكذا فإن الخليفة سرعان ما أرسل في طلب المصحف الذي عند حفصة، وأمر زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن هشام، أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم، ففعلوا ذلك حتى كتبت المصاحف (1).

ويروى أن هناك خلافاً قد حدث على كتابة كلمة التابوت التي جاءت في قول الله تعالى:*﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم *، أيكتبونه بالتاء أو بالهاء، فقال زيد: إنما هوً التابوهً، وقال القرشيون الثلاثة: إنما هو التابوت، فتراجعوا إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم (2).

(1) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 1 / 60 - 63 (القاهرة 1278 هـ‍)، الزركشي: البرهان في علوم القرآن 1 / 230 (القاهرة 1957)، فتاوى ابن تيمية 15 / 251 - 252، 13 / 396، قارن 13 / 409 - 410 (الرياض 1382 هـ‍)، صحيح البخاري 6 / 225 - 227، محمد أبو زهرة: القرآن ص 44 - 46، تفسير القرطبي 1 / 52 - 62، ابن كثير: فضائل القرآن ص 18 - 19، مقدمتان في علوم القرآن ص 51 - 52، محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم 1 / 33 - 34.

(2) تفسير القرطبي 1 / 54، البرهان 1 / 376، الإتقان 1 / 98، فضائل القرآن ص 20، دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص 38 - 39، تفسير ابن كثير 1 / 445 - 446، تفسير الكشاف 1 / 293 - 294، تفسير الطبري 5 / 315 - 328.


273

والخلاصة من كل ما تقدم: أن القرآن الكريم كان كله مسجلاً في صحف - وإن كانت مفرقة - وفي صدور الصحابة، قبل أن ينتقل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد جمع في مصحف واحد على أيام أبي بكر الصديق، وأن هذا المصحف قد أودع عنده، ثم عند الفاروق عمر، ثم عند أم المؤمنين حفصة (1).

وفي عهد عثمان رضي الله عنه، نسخت منه عدة نسخ، أرسلت إلى الآفاق الإسلامية، بمشورة من حضر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - قد ارتضى هذا العمل، وحمد أثره (2).

ومعنى كل هذا ببساطة: أن المصحف الذي كتب على أيام أبي بكر، هو نفس المصحف الذي كتب على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نفس المصحف الذي كتب على أيام عثمان.

ومن ثم فإن كل قراءة قرآنية يجب أن تكون متفقة مع نصه، وأن الشك فيه كفر، وأن الزيادة عليه أبداً لا تجوز، وأنه القرآن المتواتر الخالد إلى يوم القيامة - إن شاء الله تعالى (3) -.

ومن ثم فلا يتوقف أحد في تكفير من ينكر كلمة واحدة من القرآن، وأن

(1) كتاب المصاحف ص 5، مقدمتان في علوم القرآن ص 23، البرهان 1 / 59.

(2) هناك رواية تنسب فضل السبق في جمع القرآن الكريم إلى الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إذ يروي أشعث عن ابن سيرين: أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقسم على أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة، حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل أبو بكر إليه بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا والله، إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه، ثم رجع (أنظر: الإتقان 1 / 59، كتاب المصاحف ص 10، عبد الصبور شاهين:

تاريخ القرآن ص 104 - 105، حلية الأولياء 1 / 67، شرح نهج البلاغة 6 / 40، 6 / 46 - 52، الشيخان ص 32 - 38).

(3) محمد أبو زهرة: القرآن ص 43، تفسير القرطبي 1 / 80 - 86، فتاوى ابن تيمية 13 / 420 - 421.


274

جحود البعض، كجحود الكل، لأنه طعن صريح، فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بضرورة الدين، واتفاق المسلمين (1).

وأما مصحف فاطمة: فهو تفسير لبعض الأحكام، وليس مصحفاً من مصاحف القرآن، أملاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الإمام علي، قال الإمام جعفر الصادق: عندنا مصحف فاطمة، أما والله ما فيه حرف من القرآن، ولكنه إملاء عن رسول الله، وخط علي، قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: إن نفي الإمام الصادق أن يكون فيه شئ من القرآن، لكون تسميته بمصحف فاطمة، يوهم أنه أحد نسخ المصحف الشريف، فنفي هذا الاتهام.

وفي كتاب الكافي أن الخليفة العباسي المنصور كتب يسأل فقهاء أهل المدينة عن مسألة في الزكاة، فما أجابه أحد غير الإمام جعفر الصادق، ولما سئل من أين أخذ هذا؟ قال: من كتاب فاطمة.

وهكذا يبدو واضحاً أن مصحف فاطمة إنما هو كتاب مستقل، وليس بقرآن، فنسبة التحريف إلى الإمامية، على أساس قولهم بمصحف فاطمة، جهل وافتراء (2).

(1) قالت قلة نادرة شاذة في العصور البائدة: إن في القرآن نقصاً، وقد أنكر عليهم يومذاك المحققون، وشيوخ الإسلام من السنة والشيعة، وجزموا بكلمة قاطعة: أن ما بين الدفتين هو القرآن المنزل، دون زيادة أو نقصان، واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين، وعقيدة لجميع المسلمين، إذ لا قائل بالنقص أبداً من السنة أو الشيعة (صحيح البخاري 8 / 209 - 210، 9 / 86، صحيح مسلم 11 / 191 - 192، الإتقان 1 / 60، 2 / 25 (ط حجازي)، أبو زهرة: الإمام الصادق ص 36، الإمام زيد ص 245، محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 57 - 62).

(2) السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة 1 / 248، محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 61.


275

الباب الثاني

التشيع: بدايته وأصوله

(1) التشيع: أسبابه وبدايته

الشيعة لغة: هم الصحب والأتباع، ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه، رضي الله عنهم (1).

والشيعة: كلمة مفردة جمعها أشياع وشيع، وفي القاموس المحيط:

وشيعة الرجل (بالكسر): أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً (2).

والشيعة: كلمة قرآنية، قال تعالى:*﴿وإن من شيعته لإبراهيم*إذ جاء ربه بقلب سليم*(3)، وقال تعالى:*﴿ودخل المدينة على حين غفلة فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه*(4) وقال تعالى:*﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ*(5).

والتشيع للإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه، ورضي الله عنه -

(1) مقدمة ابن خلدون ص 196 (بيروت 1981).

(2) القاموس المحيط 3 / 49 (القاهرة 1952).

(3) سورة الصافات: آية 83 - 84.

(4) سورة القصص: آية 15.

(5) سورة الأنعام: آية 159.


276

مكانة للفوز تقررت بالسنة، روى السيوطي عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي فأقبل علي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة.

وعن ابن عباس قال: لما نزلت*﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات *، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين (1).

وروى الهيثمي بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: أنت وشيعتك تردون على الحوض رواة مرويين، مبيضة وجوهكم، وإن أعداءك يردون على الحوض ظلماء مقمحين (2)، وفي رواية المناوي: يا علي أنت وشيعتك تردون على الحوض وروداً (3).

وروى الحافظ أبو نعيم بسنده عن الشعبي عن علي قال، قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إنك وشيعتك في الجنة (4).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عمرو بن موسى عن زيد بن علي بن حسين عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسد الناس إياي فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة، أنا وأنت والحسن والحسين، و أزواجنا عن أيماننا وعن شمائلنا، وذرارينا خلف أزواجنا، وشيعتنا من ورائنا (5).

(1) أنظر: عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص 32 (القاهرة 1977).

(2) مجمع الزوائد 9 / 131 (ط مكتبة القدسي - القاهرة 1352 هـ‍).

(3) المناوي: كنوز الحقائق (ط إسلامبول 1285 هـ‍).

(4) أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 4 / 329 (ط دار الفكر - بيروت).

(5) الإمام أحمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة 2 / 624 (رقم 1068) - (تحقيق وصي الله بن محمد بن عباس - نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة - 1983) -، وانظر: كنز العمال للمتقي الهندي 2 / 218 (حيدر أباد الدكن 1312 هـ‍)، ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 246 (بيروت 1983)، المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة 2 / 277 - 278 (طنطا 1953)، محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب 2 / 308 - 309 (بيروت 1990)،

‌>


277

هذا ويخصص المسلمون الشيعة بأنهم هم التابعون والمقتدون والمتميزون بأتباعهم واقتدائهم الكامل بالإمام علي والأئمة من بنيه، رضوان الله عليهم أجمعين.

وربما كان تعريف ابن حزم للشيعة جامعاً مانعاً فهو يقول: من وافق الشيعة في أن علياً أفضل الخلق، بعد رسول الله، وأحقهم بالإمامة، وولده من بعده، فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك فيما اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا، فليس شيعياً (1).

فالشيعة إذن هم الذين شايعوا علياً، رضي الله عنه، على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية - إما جلياً وإما خفياً - واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل عليهم السلام، إغفاله وإهماله، ولا تفويضه للعامة وإرساله.

ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً، إلا في حالة التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك (2).

ومن ثم فهم يفترقون عن غيرهم في القول: أن الإمام يتعين بالنص من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لنبي إغفال النص على خليفته، وتفويض الأمر إلى اختيار

<‌

ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول - القاهرة 1379 هـ‍.

(1) عبد الحليم الجندي: المرجع السابق ص 32، هذا ويقول ابن حزم: اختلف المسلمون فيمن هو أفضل الناس بعد الأنبياء، عليهم السلام فذهب بعض أهل السنة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة وجميع الشيعة إلى أن أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب، وقد روينا هذا القول نصاً عن بعض الصحابة، رضي الله عنهم، وعن جماعة من التابعين و الفقهاء (الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 128).

(2) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 146 - 147 (القاهرة 1968).


278

الأمة، وأن يكون الإمام معصوماً عن الكبائر والصغائر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد نص بالخلافة على علي بن أبي طالب، دون سواه، وأنه أفضل الأصحاب على الإطلاق (1).

ثم إن الشيعة يختلفون في مساق الخلافة بعد الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - فالإمامية تسوفها في ولد فاطمة بالنص عليهم واحداً بعد واحد، والزيدية تسوقها في ولد فاطمة، لكن بالاختيار من الشيوخ، وشرط الإمام عندهم أن يكون عالماً زاهداً، جواداً شجاعاً.

والإمامية تسوق الإمامة من الإمام علي بالوصية إلى ولده الحسن (3 - 50 هـ‍) ثم إلى أخيه الحسين (4 - 61 هـ‍) ثم إلى ولده علي زين العابدين (38 - 95 هـ‍) ثم إلى ولده محمد الباقر (57 - 114 هـ‍) ثم إلى ولده جعفر الصادق (83 - 148 هـ‍) ثم إلى ولده موسى الكاظم (128 - 183 هـ‍) ثم إلى ولده علي الرضا (148 - 203 هـ‍) ثم إلى ولده محمد الجواد (195 - 220 هـ‍)، ثم إلى ولده علي الهادي (212 - 254 هـ‍) ثم إلى ولده الحسن العسكري (232 - 260 هـ‍) ثم إلى ولده الإمام الغائب، وهو المهدي المنتظر (2).

على أن النظام (3) من المعتزلة إنما يقول: لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهراً مكشوفاً، وقد نص النبي عليه الصلاة والسلام، على علي، رضي الله عنه

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص 12 - 13. (بيروت 1981).

(2) الباقوري: مع القرآن ص 40 - 41 (القاهرة 1970).

(3) النظام: هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار، المعروف بالنظام، وهو ابن أخت أبي الهذيل العلاف شيخ المعتزلة (ت 226 أو 235، أو 237 هـ‍) ومنه أخذ النظام الاعتزال، وهو شيخ الجاحظ، وكان من صغره يتوقد ذكاء، وهو الذي قرر مذهب الفلاسفة في القدر، فتبعه خلق، وقد توفي فيما بين عامي 321، 323 هـ‍(أنظر طبقات المعتزلة ص 49 - 52، النجوم الزاهرة 2 / 234، العبر 1 / 315، 456، اعتقادات فرق المسلمين ص 41، أو 220، 230 (835، 845 م)، وله عدة مؤلفات، أشهرها كتاب التوحيد، وكتاب النكت، وكتاب العالم، التنبيه ص 43 - 44، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي - المجلد الأول 4 / 68 - 69.


279

في مواضع، وأظهره إظهاراً لم يشتبه على الجماعة، إلا أن عمر كتم ذلك، وهو الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة (1).

وعلى أية حال، فإن مصطلح شيعة (2)، قد ورد في الأحاديث النبوية الشريفة - كما رأينا من قبل - ولكنه لم يرد في المصادر التاريخية، ربما قبل موقعة الجمل (36 هـ‍/ 656 م)، حيث قيل شيعته من همدان (3)، ثم ترد بعد ذلك في صحيفة التحكيم (37 هـ‍)، وترد كلمة الشيعة هنا بمعنى الأنصار (4).

هذا ويذهب الشيخ أبو زهرة إلى أن الشيعة إنما هي أقدم المذاهب الإسلامية، وقد ظهروا بمذهبهم في آخر عصر عثمان، ونما وترعرع في خلافة علي، إذ كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه، وقوة دينه وعلمه (5)، على أن وجهاً ثانياً للنظر إنما يذهب إلى أن مذهب التشيع قد ظهر يوم وقعة الجمل، بينما تأخر به البعض إلى ظهور الخوارج، وأما الدكتور طه حسين، فالرأي عنده أن فرقة الشيعة قد أصبحت حزباً سياسياً منظماً لعلي وبنيه في عهد الحسن بن علي (6).

(1) الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 57.

(2) أنظر عن الشيعة (الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 5 - 75، الاسفراييني، التبصر في الدين ص 16 - 26، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 146 - 198، علي مصطفى الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية ص 285 - 296 (القاهرة 1959)، مقدمة ابن خلدون ص 196 - 202، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 21 - 72 (دار المعرفة - بيروت)، فتاوي ابن تيمية 1 / 55، 756 121، 373، 14 / 361، 15 / 431، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل 5 / 20 - 29 (القاهرة 1964)، القلهاتي: الكشف والبيان 2 / 437 - 456 (عمان 1980)، الشيخ المفيد:

أوائل المقالات في المذاهب والمختارات (تبريز 1371 هـ‍)، محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان (دار التعاون - بيروت)، الكيني: الأصول من الكافي (طهران 1381 هـ‍).

(3) المسعودي: مروج الذهب 2 / 377.

(4) نصر بن مزاحم المنقري: وقعة صفين ص 504 (القاهرة 1981).

(5) محمد أبو زهرة: المذاهب الإسلامية ص 51.

(6) طه حسين: علي وبنوه ص 189 - 190 (القاهرة 1982).


280

وهكذا لم يتفق الباحثون على نقطة بدء تاريخية بشأن نشأة التشيع، بمثل ما اتفقوا بالنسبة لسائر الفرق كالخوارج والمعتزلة والأشاعرة مثلاً، ويتفاوت اختلاف الباحثين في بدء التأريخ للشيعة حتى يمتد اختلافهم إلى فترة تصل إلى نصف القرن أو تزيد، فيما بين انتقال النبي صلى الله عليه وسلم، إلى الرفيق الأعلى، واستشهاد سبطه العظيم مولانا الإمام الحسن (11 - 61 هـ‍)، فنتلمس سير الأحداث وصلتها بالتشيع إبان تلك الفترة (1)، ومن ثم فقد وجدت عندنا عدة اتجاهات:

أولاً: منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم:

تذهب المصادر الإمامية إلى أن الشيعة إنما ظهرت على أيام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول سعد القمي (ت 301 هـ‍): فأول الفرق الشيعة، وهي فرقة علي بن أبي طالب، المسمون شيعة علي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وبعده، معرفون بانقطاعهم إليه، والقول بإمامته، وكان على رأسهم المقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وهم أول من سموا باسم التشيع من هذه الأمة (2). هذا ويفسر الرازي في الزينة كلمة الشيعة بقوله: إن اللفظة اختصت بجماعة ألفوا على حياة الرسول، وعرفوا به، مثل سلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر (3)، ويسميهم الشيخ المفيد الأركان الأربعة (4)، وفيهم يقول صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، قيل يا رسول الله سمهم لنا، قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثاً، وأبو ذر والمقداد وسلمان (5).

(1) أحمد صبحي: الزيدية ص 6 - 7 (الإسكندري 1980).

(2) سعد القمي: المقالات والفرق ص 15 (طهران 1963)، النوبختي: فرق الشيعة ص 15.

(3) الرازي: الزينة - الورقة 205، نبيلة عبد المنعم داود نشأة الشيعة الإمامية ص 65 (بغداد 1968).

(4) الشيخ المفيد: الإختصاص ص 3 (طهران 1379 هـ‍).

(5) صحيح الترمذي 2 / 299. وانظر: صحيح ابن ماجة ص 14، حلية الأولياء 1 / 190، مجمع

‌>


281

وروى أبو نعيم في حليته (1) بسنده عن أبي بريدة عن أبيه، رضي الله تعالى عنهم، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزل علي الروح الأمين فحدثني أن الله تعالى يحب أربعة من أصحابي، فقال له من حضر: من هم يا رسول الله؟

فقال: علي وسلمان وأبو ذر والمقداد، وعن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ; اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي والمقداد وعمار وسلمان (2).

وفي نور الأبصار: أخرج الترمذي والحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان (3).

هذا وترد في بعض التفاسير الإمامية كلمة شيعة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فيذكر فرات في تفسيره في سورة الفاتحة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:* ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين *، هم شيعة علي الذين أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب، لم تغضب عليهم، ولم يضلوا (4)، كما أورد الشيخ الصدوق عدة أحاديث يذكر فيها أن الشيعة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه بشرهم بالجنة (5).

وروى الإمام الطبري في تفسيره بسنده عن أبي الجارود عن محمد بن

<‌

الزوائد للهيثمي 9 / 155، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 10 / 286، ابن عبد البر:

الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1 / 280، 2 / 557، نور الأبصار للشبلنجي ص 78 د ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 188.

(1) حلية الأولياء 1 / 190.

(2) حلية الأولياء 1 / 190.

(3) سيد الشبلنجي: نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار ص 80 (مكتبة الجمهورية العربية - القاهرة)، ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص 193.

(4) فرات بن إبراهيم الكوفي: تفسير فرات ص 2 (النجف).

(5) الشيخ الصدوق: فضائل الشيعة ص 143 - 146 (طبع ضمن كتاب علي والشيعة لنجم الدين العسكري)، نبيلة عبد المنعم داوود: المرجع السابق ص 65، الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة 1 / 277 - 278، 2 / 93 - 95 (بيروت 1973).


282

علي في قوله تعالى:*﴿أولئك هم خير البرية*(1)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت يا علي وشيعتك (2).

وروى السيوطي في الدر المنثور في ذلك تفسير قوله تعالى:*﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية*(3)، قال: وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل علي عليه السلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعة لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أقبل علي عليه السلام، قالوا: جاء خير البرية.

وقال: وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت*﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية *، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.

وقال وأخرج ابن مردويه عن علي عليه السلام قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألم تسمع قول الله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية؟

أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب، تدعون غير محجلين (4).

ويقول ابن حجر الهيثمي في صواعقه: الآية الحادية عشرة، قوله تعالى:

* ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية *، أخرج الحافظ جمال الذين الذرندي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن هذه الآية لما نزلت قال صلى الله عليه وسلم، لعلي: هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين

(1) سورة البينة: آية 7.

(2) تفسير الطبري 30 / 171 (ط بولاق 1323 هـ‍).

(3) سورة البينة: آية 7.

(4) فضائل الخمسة 1 / 277 - 278، 2 / 93 - 95.


283

مرضيين، ويأتي عدوك غضاباً مقمحين، قال: ومن عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك، وخير السابقين إلى ظل العرش يوم القيامة طوبى لهم، قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: شيعتك يا علي ومحبوك (1).

وفي نور الأبصار عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال، لعلي: أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين (2).

وانطلاقاً من كل هذا، فإن التشيع للإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما بدأ منذ أيام سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم، من أول المنوهين بفكرة التشيع والمغذين إياها بأوامره المطاعة (3)، كقوله لعلي: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق، وفي صحيح مسلم بسنده عن الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر قال، قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق (4).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن مسار الحميري عن أمه عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لعلي: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق (5)، وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن أبي إسحاق عن عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أيسب رسول الله

(1) ابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة 246 - 247 (بيروت 1983).

(2) نور الأبصار ص 78.

(3) محمد حسين الزين: الشيعة في التاريخ ص 25 (صيدا 1938).

(4) صحيح مسلم 2 / 64 (بيروت 1981)، أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 650 (ط جامعة أم القرى - 1983).

(5) فضائل الصحابة 2 / 648.


284

فيكم، قلت: معاذ الله، أو سبحان الله، أو كلمة نحوها، قالت: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول: من سب علياً فقد سبني (1).

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد بسنده عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا على الحوض (قال رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورواه أيضاً ابن حجر في صواعقه) (2). إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تبين فضل الإمام علي، وتحبب الناس فيه، وتبغض إليهم كراهيته - الأمر الذي سنفصله في الحديث عن أدلة إمام الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة -.

هذا وترى الشيعة أن الرسول، صلى الله عليه وسلم عندما حج حجة الوداع، دعا الناس إلى مؤازرة علي، وقال: من كنت مولاة فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله، وحديث الغدير هذا رواه جمهرة من المؤرخين والمحدثين بعدة روايات مختلفة، وبأسانيد مختلفة (3)، ذكرناها في أدلة إمام الإمام علي، وتفسر المصادر الإمامية حديث من كنت مولاه بأن كلمة مولى تعني أن يكون أولى بهم من أنفسهم، لا أمره لهم معه، ولما كانت معنى الموالاة الطاعة و المتابعة، فإن كل من حضر الغدير شيعة لعلي، وهكذا تستدل الإمامية على أن التشيع لعلي إنما بدأ منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم (4).

(1) فضائل الصحابة 2 / 594.

(2) مجمع الزوائد 9 / 134، الصواعق المحرقة ص 191.

(3) أخرج حديث الغدير، الترمذي عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم، وأخرجه الإمام أحمد عن علي وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن أرقم وعمر وذي مر، وأخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة، وأخرجه الطبراني عن ابن عمر ومالك بن الحويرث وحبشي بن جنادة، وجرير وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأنس، وأخرجه البراز عن ابن عباس وعمارة وبريدة (أنظر السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 169)، وانظر الروايات المختلفة لهذا الحديث الشريف في هذه الدراسة ص، فضائل الخمسة 1 / 349 - 384.

(4) محمد حسين الزين: الشيعة في التاريخ ص 26، نبيلة عبد المنعم داود: المرجع السابق.

ص 65 - 66.


285

هذا وقد ظهر التشيع في أشعار الصحابة، ومن ذلك ما جاء في كتاب الغدير من أن حسان بن ثابت قال للنبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن أعلن قوله من كنت مولاه فعلي مولاه، إئذن لي يا رسول الله، أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قل على بركة الله، فقال حسان: يا معشر مشيخة قريش، اتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية:

يناديهم يوم الغدير نبيهم*بخم وأسمع بالنبي مناديا

وقد جاء جبريل عن أمر ربه*بأنك معصوم فلا تك وانيا

وبلغهم ما أنزل الله ربهم*إليك ولا تخش هناك الأعاديا

فقام به إذ ذاك رافع كفه*بكف على معلن الصوت عاليا

فقال فمن مولاكم ووليكم*فقالوا ولم يبدوا هناك تعاليا

إلهك مولانا وأنت ولينا*ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنني*رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه*فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليه*وكن للذي عادى علياً معاديا

فيا رب انصر ناصريه لنصرهم*إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا (1)

وقال خزيمة بن ثابت، ذو الشهادتين، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا نحن بايعنا علياً فحسبنا*أبو حسن مما نخاف من الفتن

وجدناه أولى الناس بالناس إنه*أطب قريش بالكتاب والسنن

وإن قريشاً لا تشق غباره*إذا ما جرى يوماً على الضمر البدن

وصي رسول الله من دون أهله*وفارسه قد كان في سالف الزمن

وأول من صلى من الناس كلهم*سوى خيرة النسوان والله ذو المنن

وصاحب كبش القوم في كل وقعة*يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن

(1) الشيخ الأميني: كتاب الغدير 1 / 11، 2 / 39 وانظر: محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 20.


286

فذاك الذي تثني الخناصر باسمه*أمامهم حتى أغيب في الكفن (1)

وقال عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب:

وكان ولي الأمر بعد محمد*علي وفي كل المواطن صاحبه

وصي رسول الله حقاً وجاره*وأول من صلى ولان جانبه

وقال الصحابي جرير بن عبد الله البجلي:

فصلى الإله على أحمد*رسول المليك تمام النعم

وصلى على الطهر من بعده*خليفتنا القائم المدعم

علياً عنيت وصي النبي*يجالد عنه غواث الأمم

وقال عبد الرحمن بن حنبل:

لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة*على الدين معروف العفاف موفقا

عفيفاً عن الفحشاء أبيض ماجداً*صدوقاً وللجبار قدماً مصدقا

أبا حسن فارضوا وتبايعوا*فليس كمن فيه لذي العيب منطقا

علي وصي المصطفى ووزيره*وأول من صلى لذي العرش واتقى (2)

ويقول الأستاذ جواد مغنية: والحقيقة أن تاريخ التشيع إنما يقترن بتاريخ نص النبي صلى الله عليه وسلم على الإمام علي بالخلافة، وقد كان جماعة من الصحابة يرون أن علياً أفضل أصحاب الرسول على الإطلاق، ذكر ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي، وعد منهم عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبا ذر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة بن اليمان وبريدة، وأبا أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبا الهيثم بن التيهان، وأبا الطفيل والبراء بن عازب وعبادة بن الصامت، وجميع بني هاشم (3).

(1) أنظر: العيون والمحاسن 2 / 67، الشيعة في الميزان ص 20 - 21.

(2) الشيخ الأميني: كتاب الغدير 1 / 11، 2 / 39، محمد مغنية: الشيعة في الميزان ص 20، 21.

(3) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1 / 219 - 220 (دار الفكر - بيروت 1979)، محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص 17.


287

وفي الإستيعاب: وروى عن سلمان وأبي ذر والمقداد وحباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم، أن علي بن أبي طالب أول من أسلم، وفضله هؤلاء على غيره (1).

وقال محمد كرد علي في خطط الشام: عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل سلمان الفارسي، القائل: بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب، والموالاة له، ومثل أبي سعيد الخدري القائل: أمر الناس بخمس، فعلموا بأربع، وتركوا واحدة، ولما سئل عن الأربع قال: الصلاة والزكاة والصوم والحج، قيل فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وإنها لمفروضة معهن؟ قال نعم هي مفروضة معهن، ومثل أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان وذي الشهادتين، وأبي أيوب الأنصاري، وخالد بن سعيد، وقيس بن سعد. وأما ما ذهب إليه بعض الكتاب من أن التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ، فهو وهم، وقلة معرفة بحقيقة مذهبهم، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة، وبراءتهم منه، ومن أقواله وأعماله، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف، يفهم علم مبلغ هذا القول من الصواب، ومحمد كرد علي، كما يقول الأستاذ مغنية، ليس من الشيعة، ولا من أنصارهم، غير أنه رأى أن من الأمانة إبداء هذه الحقيقة (2).

على أن السيد محسن الأمين إنما يرى أن الشيعة في هذا الدور، إنما كان يطلق عليهم اسم الشيعة، واسم العلويين، ثم اختفى اسم العلويين في عهد العباسيين، وفي كتاب الزينة لأبي حاتم السجستاني أن لفظ الشيعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان لقب أربعة من الصحابة هم: سلمان الفارسي وأبو ذر

(1) ابن عبد البر: الإستيعاب 3 / 27.

(2) محمد جواد مغنية: المرجع السابق ص 17 - 18، محمد كرد علي: خطط الشام 5 / 251 - 256، محمد حسين المظفر: تاريخ الشيعة ص 9.


288

والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر (1)، ولنتعرف على هؤلاء الأربعة الكرام في إيجاز شديد:

1 - عمار بن ياسر:

هو أبو اليقظان عمار بن ياسر، مولى أو حليف بني مخزوم، كان هو وأبوه وأمه سمية وأخوه من السابقين إلى الإسلام، وقد احتملوا الصدمة الأولى، وعذبوا عذاباً أليماً بأيدي السفهاء من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر بالأبطح، وهم يعذبون في رمضاء مكة، فيقول صبراً آل ياسر، موعدكم الجنة.

هذا وكان عمار محاطاً بهالة من الأحاديث النبوية الشريفة التي ترفع من شأنه، وتعوضه عن العذاب الذي لقيه في سبيل الله، وتجعله من عظماء المسلمين، روى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، وذاك دأب الأشقياء الفجار (2).

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عكرمة، أن ابن عباس قال له ولعلي بن عبد الله: إئتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه، فأتيناه، وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه، فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس، فقال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار (3) ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ومسح عن رأسه

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 102.

(2) فضائل الصحابة 2 / 858، كنز العمال 11 / 724.

(3) هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب المذحجي ثم العنسي، وكان أبوه ياسر قدم مكة هو وأخوان له هما الحارث ومالك في طلب أخ لهما رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وبقي ياسر، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وتزوج أمته سمية، فولدت له عماراً فأعتقه أبو حذيفة، وصار عمار مولى لبني مخزوم، فهو عرني قحطاني مذحجي من عنس (ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 129 - 130)، وأما أهم مصادر ترجمة عمار فهي (الإصابة 2 / 512 - 513، الإستيعاب 2 / 476 - 481، أسد الغابة 4 / 129 - 135، طبقات

‌>


289

الغبار، وقال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار (1).

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار، حين جعل يحفر الخندق، وجعل يسمح رأسه ويقول: بؤس ابن سمية، تقتله فئة باغية (2)، وعن سعيد بن أبي الحسن عن أمه عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية (3).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن علي قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء عمار فاستأذن فقال: إئذنوا له، مرحباً بالطيب المطيب (ورواه أحمد في المسند 1 / 99 - 100، والترمذي 5 / 668، والحاكم في المستدرك 3 / 388) (4)، وعن الأعمش عن أبي عمار الهمداني عن عمرو بن شرحبيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من يعادي عماراً يعاده الله، ومن يبغضه يبغضه الله، ومن يسبه يسبه الله، قال سلمة هذا أو نحوه (4).

وروى الإمام أحمد في فضائل بسنده عن الحسن قال: قال عمرو بن العاص ما كنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات وهو يحب رجلاً فيدخله النار، فقيل له قد كان يستعملك، فقال: الله أعلم، أحبي، أم تألفني، ولكنه كان يحب رجلاً، فقالوا من هو؟ قال: عمار بن ياسر، قيل له: ذاك قتيلكم يوم صفين، قال: قد والله قتلناه (5).

<‌

ابن سعد 3 / 176 - 189، حلية الأولياء 1 / 139 - 143، فضائل الصحابة للإمام ابن حنبل 2 / 857 - 861، نهج البلاغة 10 / 102 - 107، 9 / 11، مغازي الواقدي 3 / 881 - 882.

وانظر ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 858، وانظر: كنز العمال 11 / 724.

(1) صحيح البخاري 4 / 25 (ط دار الحديث - القاهرة).

(2) صحيح مسلم 18 / 39 - 40 (دار الكتب العلمية - بيروت 1981).

(3) صحيح مسلم 18 / 41.

(4) فضائل الصحابة 2 / 858 (ورواه أبو نعيم في الحلية 7 / 135، والطيالسي 2 / 152، والذهبي في سير النبلاء 3 / 174).

(5) فضائل الصحابة 2 / 858 - 859 (ورواه النسائي في سننه 8 / 111، والحاكم في المستدرك

‌>


290

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن يسار عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خير عمار بين أمرين، إلا اختار أرشدهما (1)، وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق (2).

وعن عمار الذهبي عن سالم بن أبي الجعد، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إن الله قد أمننا أن يظلمنا، ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال: عليك بكتاب الله، قلت أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق، وروى ابن ديزيل عن عمرو بن العاص حديثاً في ذكر عمار، وأنه مع فرقة الحق (3).

وروى ابن الأثير بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر يا عمار، تقتلك الفئة الباغية (4).

وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمر به ويمر على رأسه فيقول: يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار، كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية (5).

<‌

3 / 392، وابن ماجة 1 / 52، وأبو نعيم في الحلية 1 / 139).

(1) فضائل الصحابة 2 / 860، (وفي مسند الإمام أحمد 4 / 90، والطيالسي 2 / 152، والحاكم في المستدرك 3 / 389 - 390).

(2) فضائل الصحابة 2 / 861 (وأخرجه ابن سعد في طبقاته 3 / 188، والذهبي في سير النبلاء 3 / 175، وأحمد في المسند 4 / 199، وأحمد بن منيع في مسنده (المطالب العالية 4 / 106).

(3) أسد الغابة 4 / 133 (وفي تحفة الأحوذي 10 / 299 (رقم 3886) وابن ماجة 1 / 52 (رقم 148).

(4) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 133 (دار الشعب - القاهرة 1970)، تحفة الأحوذي 10 / 300 - 301، وقال الترمذي: وفي الباب عن أم سلمة وعبد الله بن عمرو، وأبي اليسر وحذيفة بن اليمان.

(5) ابن سعد: الطبقات الكبرى 33 / 177 (دار التحرير - القاهرة 1969).


291

وروى ابن سعد في طبقات بسنده عن هنى مولى عمر بن الخطاب قال:

كنت أول شئ مع معاوية، فكان أصحاب معاوية يقولون: لا والله لا نقتل عماراً أبداً، إن قتلناه فنحن كما يقولون، فلما كان يوم صفين ذهبت أنظر في القتلى، فإذا عمار بن ياسر مقتول، فقال هنى: فجئت إلى عمرو بن العاص، وهو على سريره، فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء، قلت أنظر أكلمك، فقام إلي فقلت: عمار بن ياسر ما سمعت فيه؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقتلك الفئة الباغية، قلت هوذا والله مقتول، فقال: هذا باطل، فقلت: بصر عيني به مقتول، قال: فانطلق فأرنيه، فذهبت به فأوقفته عليه، فساعة رآه انتقع لونه، ثم أعرض في شق، وقال: إنما قتله الذي خرج به (1).

وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عماراً الفئة الباغية، قال عوف (راوي الحديث): ولا أحسبه إلا قال: وقاتله في النار (2).

وقال الإمام علي حين قتل عمار: إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر، وتدخل به عليه المصيبة الموجهة لغير رشيد، رحم الله عماراً يوم أسلم، ورحم الله عماراً يوم قتل، ورحم الله عماراً يوم يبعث حياً، لقد رأيت عماراً، وما يذكر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أربعة إلا كان عمار رابعاً، ولا خمسة إلا كان خامساً، وما كان أحد من قدماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشك أن عماراً قد وجبت له الجنة في غير موطن ولا اثنين، فهنيئاً لعمار بالجنة، ولقد قيل إن عماراً مع الحق، والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار، وقاتل عمار في النار (3).

(1) طبقات ابن سعد 3 / 181.

(2) طبقات ابن سعد 3 / 180.

(3) طبقات ابن سعد 3 / 187.


292

وعن جابر عن ابن الزبير قال: أتى حذيفة بن اليمان رهط من جهينة فقالوا: يا أبا عبد الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجار من أن تصطلي أمته فأجير من ذلك، واستجار من أن يذوق بعضها بأس بعض، فمنع من ذلك، قال حذيفة:

إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن ابن سمية لم يخير بين أمرين قط، إلا اختار أرشدها - يعني عماراً - فالزموا سمته (1).

وكان عمار محباً لآل البيت، ومن الذين أكرمهم الله بمعرفة الحق، فوقف إلى جانب إمام الهدى، علي المرتضى، - كرم الله وجهه في الجنة - أقرب الناس إلى مثل الإسلام الصحيحة، فشهد معه الجمل وصفين، حيث استشهد فيها (2).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الرأي الذي ينادي به الأستاذ الدكتور علي الوردي، على أن عمار ياسر، إنما شوه أعداؤه صورته، فصوروه في صورة شخص سئ دعوه عبد الله بن سبأ، وها هي الأدلة - كما أوردها الدكتور الشيبي -.

لعل من غرائب التاريخ أن نرى أن كثيراً من الأمور التي تنسب إلى ابن سبأ موجودة في سيرة عمار بن ياسر، على وجه من الوجوه:

1 - كان ابن سبأ يعرف بابن السوداء، وكان عمار يكنى بابن السوداء أيضاً.

2 - كان من أب يماني، وهذا يعني أنه كان من أبناء سبأ، فكل يماني يصح أن يقال عنه: إنه ابن سبأ، فأهل اليمن كلهم ينتسبون إلى سبأ بن يشجب بن قحطان، وفي القرآن الكريم قال الهدهد لسليمان عليه السلام إنه جاء من

(1) نصر بن مزاحم المنقري: وقعة صفين - تحقيق عبد السلام محمد هارون - القاهرة 1981 (ط ثالثة) ص 343.

(2) محمد بيومي مهران: في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين - الجزء السادس - الإمام علي بن أبي طالب - الجزء الثاني - بيروت 1990 ص 46 - 49 (دار النهضة العربية بيروت)، نصر بن مزاحم المنقري: المرجع السابق ص 340 - 344، تاريخ الطبري 5 / 38 - 42، ابن الأثير:

الكامل في التاريخ 3 / 308 - 311، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 291 - 297.


293

سبأ، ويقصد اليمين (سورة سبأ: 15، النمل: 22).

3 - كان عمار شديد الحب للإمام علي بن أبي طالب، يدعو له ويحرض الناس على بيعته بكل سبيل.

4 - ذهب عمار، على أيام عثمان، إلى مصر، وحرض الناس حتى ضج الوالي، وهم أن يبطش به. وقد نسب إلى ابن سبأ أنه استقر بمصر، واتخذ من الفسطاط مركزاً لدعوته، وشرع يراسل أنصاره من هناك.

5 - نسب إلى ابن سبأ قوله: إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وأن صاحبها الشرعي هو علي بن أبي طالب، وهذا رأي عمار، فقد سمع يصيح في المسجد - إثر بيعة عثمان - يا معشر قريش، أما إذا أحرفتم هذا الأمر عن بيت نبيكم هاهنا مرة، وهاهنا مرة، فما أنا بآمن عليكم من أن ينزعه الله، فيضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله، ووضعتموه في غير أهله.

6 - يعزى إلى ابن سبأ أنه عرقل مساعي الصلح بين علي وعائشة إبان معركة البصرة، فلولاه لتم الصلح بينهما، فيما يقول الرواة، ومن يدرس تفاصيل معركة البصرة (الجمل) يرى عماراً يقوم بدور فعال فيها، فهو الذي ذهب - مع الإمام الحسن ومالك الأشتر - إلى الكوفة، يحرض الناس على الانتماء إلى جيش الإمام علي، وكان وقوف عمار بجانب الإمام علي إنما كان سبباً من أسباب ندم الزبير وخروجه من المعركة.

7 - قالوا عن ابن سبأ، أنه الذي حرك أبا ذر في دعوته الاشتراكية، ولو درسنا صلة عمار بأبي ذر، لوجدناها جداً وثيقة، فكلاهما من مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، وكان هؤلاء الثلاثة كثيراً ما يجتمعون معاً، ويتشاورون ويتعاونون معاً.

ونستخلص من هذا أن ابن سبأ إنما هو عمار بن ياسر، فلقد كانت قريش تعتبر عماراً رأس الثورة على عثمان، ولكنها لم ترد - في أول الأمر - أن


294

تصرح باسمه، فرمزت عنه بابن السوداء أو ابن سبأ، وتناقل الرواة هذا الأمر غافلين، وهم لا يعرفون ماذا كان يجري وراء الستار (1).

ويقول الدكتور الشيبي: إن هذه الأدلة مقنعة ومنطقية، ولكنها في حاجة إلى نصوص تسند تسمية عمار بن ياسر بابن السوداء، وابن سبأ، فأما كون عمار بن ياسر ابن السوداء فقد ورد في نص رواه علي بن إبراهيم القمي، صاحب التفسير الشيعي القديم في قوله تعالى:*﴿يمنون عليك أن أسلموا*(2)، قال: نزلت في عثكن بن معاوية يوم الخندق، وذلك أنه مر بعمار يحفر الخندق، وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع عثكن كمه على أنفه ومر، فقال عمار:

لا يستوي من يبتني المساجدا*يظل فيها راكعاً وساجدا

ومن يمر بالغبار حايدا*يعرض عنه جاحداً معاندا

فالتفت إليه عثكن فقال: يا ابن السوداء، إياي تعني، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: لم ندخل معك لسب أعراضنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قد أقلتك إسلامك فاذهب، فأنزل عز وجل*﴿يمنون عليك أن أسلموا*(1).

وفي تاريخ اليعقوبي (2 / 171): أقام ابن مسعود مغاضباً العثمان حتى توفي، وصلى عليه عمار بن ياسر، وكان عثمان غائباً فستر أمره، فلما انصرف رأى عثمان القبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: قبر عبد الله بن مسعود، قال:

فكيف دفن قبل أن أعلم، فقالوا: ولى أمره عمار بن ياسر، وذكر أنه أوصى ألا يخبر به، ولم يلبث إلا يسيراً حتى مات المقداد فصلى عليه عمار، وكان أوصى

(1) علي الوردي: وعاظ السلاطين - بغداد 1954 ص 274 - 278، كامل مصطفى الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع 1 / 36 - 38 (بغداد 1964)، علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام - الجزء الثاني - نشأة التشيع وتطوره - الإسكندرية 1966 ص 27 - 31.

(2) سورة الحجرات: آية 17.

(3) سورة الحجرات: آية 17.


295

إليه، ولم يؤذن عثمان به، فاشتد غضب عثمان على عمار وقال: ويلي على ابن السوداء أما لقد كنت به عليماً.

وأما كونه ابن سبأ، فقد ورد نسب عمار - كما أشرنا من قبل (1) - وفي طبقات ابن سعد - أنه هو: عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس، وهو زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وبنو مالك بن أدد من مذحج (2). وورد كذلك في طرائق الحقائق، نقلاً عن الكامل في نسب عنس بن مذحج جد عمار، كما ورد في تاريخ ابن خلدون، برواية الحاج معصوم، كما ورد نسب عنس في فتوح البلدان على أنه زيد بن مالك بن أدد بن غريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وعنس أخو مراد (3).

وأما كونه عبد الله، فكل المسلمين كذلك، وهو لقب عام لهم جميعاً، وكانت كل الكتب التي تصدر عن الخلفاء والأمراء والتي ترد، إليهم إنما تبدأ بعبارة من عبد الله فلان أو إلى عبد الله فلان (4)، ومن ثم فالتسمية لعمار بهذا الاسم، كتسميته بابن سبأ، قصد بها التلميح، فكأن قائلهم يقول: فلان أو الرجل المتفق عليه (5).

(1) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 129 - 130.

(2) طبقات ابن سعد 3 / 176.

(3) طريق الحقائق 2 / 11، البلاذري: فتوح البلدان ص 113 (القاهرة 1932).

(4) أنظر أمثلة في (الإمامة والسياسة ص 12، تاريخ الطبري 9 / 210، العقد الفريد 5 / 261).

(5) يقول الدكتور الشيبي أن من طرائف ما يذكر أن التقية الشيعية اضطرت أحمد بن طاووس الحلي (ت 6733 هـ‍/ 1235 - 1236 م) إلى تصنيف كتاب لم يشأ أن يقرنه باسمه، فنسبه إلى عبد الله بن إسماعيل، وقد علق الشهيد الثاني زين الدين العاملي (المقتول 966 هـ‍/ 1558 / 1559 م) على ذلك بأنه فعل ذلك لأن كل العالم عباد الله، ولأنه من ولد إسماعيل الذبيح عليه السلام، وتلك إعادة لقصة تسمية عمار باسم عبد الله بن سبأ، على صورة شيعية (أنظر: الشيبي: المرجع السابق ص 39، روضات الجنات ص 19).


296

هذا ويضيف الأستاذ الدكتور الشيبي إلى ذلك دليلاً جديداً، ذلك أن الإمام الطبري في تطرقه لحرب الجمل قد عرض لأنصار علي فيها، فكان إذا عدهم وذكر اسم عمار في جملتهم، أغفل ذكر ابن السوداء، وإذا ذكر ابن السوداء تحاشى اسم عمار، مما يرجح أن الرجلين إنما هما شخص واحد.

وهكذا نخرج من هذا الاستطراد بأن عمار بن ياسر، إنما كان ثائراً على عثمان، وأنه استطاع أن يحقق ما صبا إليه من إعادة الإسلام إلى قالبه الأصيل، وإرجاع الأمر إلى علي، بحسب وصية النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عمار يؤمن بها، وجلية الأمر في معارضة عمار لعثمان أنه كان يرى بأن الإسلام قد جاء لإزالة الفروق بين الطبقات، وبمعنى آخر لنشر العدالة الاجتماعية، فضلاً عن الإصلاح الروحي والعقلي.

وقد طبق أبو بكر وعمر خطة الرسول صلى الله عليه وسلم، فرأينا عماراً ساكتاً عن معارضتهما - مع علي وأبي ذر وغيرهما من المتمسكين بجوهر الإسلام - وقد أتاحت هذه العدالة والمساواة للعبيد السابقين والمستضعفين أن يرتفعوا - بإخلاصهم وإيمانهم - إلى المراكز العليا في الإسلام، فكان سلمان أميراً على المدائن، وعمار أمير الحرب في الكوفة، وكان غيرهما في مثل مركزهما.

هذا وقد استعمل عمر بن الخطاب عماراً على الكوفة، وكتب إلى أهلها:

أما بعد، فإني قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله بن مسعود وزيراً ومعلماً، وهما من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

ولما عزله عمر قال له: أساءك العزل، قال: والله لقد سائتني الولاية، وساءني العزل (1).

ويروي ابن سعد وغيره: قال عمر لعمار: أساءك عزلنا إياك؟ قال: لئن

(1) ابن الأثير: أسد الغابة 4 / 134.


297

قلت ذلك، لقد سائني حين استعملتني، وساءني حين عزلتني (1).

ولما أفضت الخلافة إلى سيدنا عثمان رضوان الله عليه تنفس الملأ الملكي القديم الصعداء، وحاولوا أن يعيدوا الأمور إلى نصابها القديم، فكانت الثورة التي راح ضحيتها ذو النورين، ولم يفد من الملحة كلها إلا معاوية بن أبي سفيان - وهو طليق ابن طليق، ومن المؤلفة قلوبهم هو وأبوه كذلك، والذي كان على رأس الأحزاب ضد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم -.

وكانت مهمة عمار - ومن نحا نحوه - أن يحرسوا النظام الجديد، بإشاعة الزهد بين المسلمين، بحيث يصبح طابعاً للدين الجديد، ويقطع الطريق على الأغنياء والأرستقراطيين أن يهدموا الإسلام بمالهم وجاههم، ومن ثم فقد رأينا عماراً يحتفل بالإمام علي، لأنه كان زاهداً، ويجعل الزهد زينة الأبرار، كما كان المال زينة الملأ الملكي الذي حاربه الإسلام، وقد روى عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا علي، إن الله تعالى قد زينك بزينة لم تزين العباد بزينة أحب إلى الله تعالى منها، هي زينة الأبرار عند الله عز وجل، الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئاً، ولا ترزأ الدنيا منك شيئاً، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً، ويرضون بك إماماً (2)، وزاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند فطوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك (3)، ومن ثم ما دام زعيم عمار وقدوته (أي الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة): زاهداً، فأحرى بعمار أن يكون كذلك، فضلاً عن أنه من أهل الصفة (4)، هذا فضلاً عن أنه إنما كان السابقة الشيعية للتقية.

(1) ابن سعد: الطبقات الكبرى 3 / 183، وانظر ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 31 - 32، تاريخ الطبري 4 / 163 - 164.

(2) حلية الأولياء 1 / 71.

(3) نهج البلاغة 9 / 167.

(4) خطط الكوفة ص 36، كامل الشيبي: المرجع السابق 1 / 40.


298

ثم إن لعمار موقفاً محدداً بالنسبة لخلافة عثمان، رضي الله عنه، فقد كان من أنصار الإمام علي، فعندما جمع عبد الرحمن بن عوف الناس في المسجد النبوي الشريف في اليوم الثالث، قال عبد الرحمن: أيها الناس، أشيروا علي في هذين الرجلين (عثمان وعلي)، فقال عمار بن ياسر: إن أردت ألا يختلف الناس، فبايع علياً عليه السلام، فقال المقداد: صدق عمار، وإن بايعت علياً سمعنا وأطعنا، فقال عبد الله بن أبي سرح: إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان، وقال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: صدق، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا، فشتم عمار ابن أبي السرح (وهو أخو عثمان لأمه) ; وقال: متى كنت تنصح الإسلام. فتكلم بنو هاشم وبنو أمية، وقام عمار فقال: أيها الناس، إن الله أكرمكم بنبيه صلى الله عليه وسلم، وأعزكم بدينه، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم.

فلما اختار عبد الرحمن عثمان قال عمار: يا عبد الرحمن: أما والله لقد تركته، وإنه من الذين يقضون بالحق، وبه يعدلون (1).

2 - أبو ذر الغفاري:

يقول أبو نعيم في حليته: هو العابد الزهيد، القانت الوحيد، رابع الإسلام، ورافض الأزلام قبل نزول الشرع والأحكام، تعبد قبل الدعوة بالشهور الأعلام، وأول من حيا الرسول بتحية الإسلام، لم يكن تأخذه في الحق لائمة اللوام، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكام، أول من تكلم في علم البقاء، وثبت على المشقة والعناء، وحفظ العهود والوصايا، وصبر على المحن والرزايا، واعتزل مخالطة البرايا إلى أن حل بساحة المنايا، أبو ذر الغفاري، رضي الله عنه، خدم الرسول، وتعلم الأصول، ونبذ الفضول (2).

(1) نهج البلاغة 1 / 193 - 194، وانظر: تاريخ الطبري 4 / 232 - 233، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 70 - 71 (حيث ينسبان العبارة الأخيرة للمقداد، وليس لعمار).

(2) حلية الأولياء 1 / 156 - 157.


299

هذا وقد اختلف في اسم أبي ذر، فقيل: جندب بن جنادة - وهو أكثر وأصح ما قيل - وقيل: برير بن عبد الله، وبرير بن جنادة، وبريرة بن عشرقة، وقيل: جندب بن عبد الله، وقيل جندب بن سكن والمشهور: جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار، وقيل: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد الله بن حرام، بن غفار بن قليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري، وأما أمه: فهي رملة بنت الوقيعة من بني غفار أيضاً (1).

وكان أبو ذر (2) من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام، يقال أسلم بعد أربعة، وكان خامساً، وطبقاً لرواية الإمام مسلم في صحيحه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إرجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد (الكعبة) فنادى بأعلى صوته، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد بمثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقده (3).

ولنقرأ قصة إسلامه - كما رواها البخاري في صحيحه بسنده عن أبي حمزة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما - قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم،

(1) أسد الغابة 6 / 99، وانظر طبقات ابن سعد 4 / 61.

(2) أنظر عن ترجمة أبي ذر الغفاري: ابن سعد: الطبقات الكبرى 4 / 161 - 175، أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء 1 / 156 - 170، ابن الأثير: أسد الغابة 6 / 99 - 101، ابن حجر العسقلاني: الإصابة في معرفة الصحابة 4 / 62 - 64. ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 4 / 61 - 65، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 8 / 252 - 262، الإمام ابن حنبل:

كتاب الزهد ص 145 - 150، السمهودي وفاء الوفا 3 / 1091، دائرة المعارف الإسلامية 1 / 477، المسعودي 4 / 268 - 274، ابن حجر: تهذيب التهذيب 12 / 790 النووي: تهذيب الأسماء ص 714.

(3) صحيح مسلم 16 / 34 (ط بيروت 1981).


300

قال لأخيه: إركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة.

فأتى المسجد فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ، حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أمسى فعاد إلى مضجعه، فمر به علي فقال: أما نال للرجل أن يعلم منزله فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ، حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي مثل ذلك فأقام معه ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك، قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدنني فعلت، ففعل فأخبره، قال: فإنه حق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصحبت فاتبعني، فإني رأيت شيئاً أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعلي، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إرجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، قال:

والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكب عليه، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه (1).

وكان أبو ذر رضوان الله عليه زاهداً، حتى قال فيه سيدنا ومولانا وجدنا

(1) صحيح البخاري 5 / 59 - 60 (دار الجيل - بيروت).


301

رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم، وقال الإمام علي:

وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أو كي عليه فلم يخرج منه شيئاً (1).

وعن ابن مسعود قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك (2)، جعل لا يزال يتخلف الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، إن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل:

يا رسول الله، تخلف أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يقوله، فتلوم (تمهل) أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماشياً، ونظر ناظر من المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويحشر وحده (3). هذا وقد توفي أبو ذر بالربذة - على مبعدة حوالي 5 كيلاً من المدينة - سنة إحدى وثلاثين للهجرة، أو اثنين وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود، ثم مات بعده في ذلك العام (4).

وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر قال:

إن أبا ذر حضره الموت، وهو بالربذة، فبكت امرأته فقال: وما يبكيك؟ فقالت:

أبكي أنه لا يد لي بتغييبك، وليس عندي ثوب يسعك كفناً، فقال: لا تبكي،

(1) أسد الغابة 6 / 101.

(2) أنظر عن غزوة تبوك: الواقدي: كتاب المغازي 3 / 989 - 1076 - تحقيق مارسدن جونس (بيروت 1984)، سيرة ابن هشام 4 / 379 - 396 (تحقيق أحمد حجازي السقا)، ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد - تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط 3 / 526 - 538 (بيروت 1985)، ابن كثير: السيرة النبوية 4 / 3 - 52 (القاهرة 1966)، السيرة الحلبية 3 / 99 - 133 (القاهرة 1964)، محمد بيومي مهران: السيرة النبوية الشريفة 2 / 457 - 486 (بيروت 1990).

(3) أسد الغابة 6 / 101.

(4) أسد الغابة 6 / 101.


302

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم، وأنا عنده في نفر يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين، قال: فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، فلم يبق منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول لك، فإني والله ما كذبت ولا كذبت، قالت: وأنى ذلك وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق، فبينا هي كذلك. إذا هي بالقوم تجد بهم راحلتهم كأنهم الرخم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها، قالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفونه وتؤجرون فيه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه، فقال: أبشروا أنتم النفر، الذين قال فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما قال، أبشروا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أمر أين من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسباه وصبرا، فيريان النار أبداً، ثم قال: قد أصبحت اليوم حيث ترون، ولو أن ثوباً من ثيابي يسعني، لم أكفن إلا فيه، أنشدكم الله ألا يكفني رجل منكم كان أميراً أو عريفاً أو بريداً، فكل القوم كان نال من ذلك شيئاً، إلا فتى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي، من غزل أمي، وأحد ثوبي هذين اللذين علي، قال: أنت صاحبي فلفني (1).

وروى ابن الأثير في الكامل، قال أبو ذر لابنته: استشرقي يا بنية هل ترين أحداً؟ قالت: لا، فما جاءت ساعتي بعد، ثم أمرها فذبحت شاة ثم طبختها، ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنوني، فإنه سيشهدني قوم صالحون، فقولي لهم: يقسم عليكم أبو ذر أن لا تركبوا حتى تأكلوا، فلما نضجت قدرها قال لها: أنظري هل ترين أحداً؟ قالت: نعم هؤلاء ركب، قال: استقبلي بي

(1) طبقات ابن سعد 4 / 171 - 172، وانظر روايات أخرى (4 / 173)، ابن الأثير: الكامل في ال‍تاريخ 3 / 133.


303

الكعبة، ففعلت، فقال: بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مات. فخرجت ابنيه فتلقتهم وقالت: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر، قالوا: وأين هو؟ فأشارت إليه، قالوا: نعم ونعمة عين، لقد أكرمنا الله بذلك، وكان فيهم ابن مسعود فبكى، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، يموت وحده، ويبعث وحده، فغسلوه وكفنوه، وصلوا عليه ودفنوه، وقالت لهم ابنته: إن أبا ذر يقرأ عليكم السلام، وأقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا، ففعلوا، وحملوا أهله معهم حتى أقدموهم مكة، ونعوه إلى عثمان، فضم ابنته إلى عياله، وقال: يرحم الله أبا ذر، ويغفر له نزوله الربذة (1).

وفي رواية اليعقوبي: أنه لما بلغ عثمان وفاة أبي ذر قال: رحم الله أبا ذر، قال عمار: نعم، رحم الله أبا ذر من كل أنفسنا، فغلظ ذلك على عثمان، وبلغ عثمان عن عمار كلام، فأراد أن يسيره أيضاً، فاجتمعت بنو مخزوم إلى علي بن أبي طالب، وسألوه إعانتهم، فقال علي: لا ندع عثمان ورأيه، فجلس عمار في بيته، وبلغ عثمان ما تكلمت به بنو مخزوم فأمسك عنه (2).

ويذهب ابن الأثير إلى أن أبا ذر قد مات سنة إحدى وثلاثين، بينما يذهب الإمام الطبري وابن كثير إلى أنه مات سنة اثنين وثلاثين، وفي نفس السنة مات العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم أجمعين (3).

وروى ابن سعد في طبقاته بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت

(1) نفس المرجع السابق 3 / 133 - 134، وانظر: تاريخ الطبري 4 / 308 - 309، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 180.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 173 (بيروت 1980).

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 134، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 176 - 180، تاريخ الطبري 4 / 308.


304

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر (1).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر.

وعن مالك بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيكم يلقاني على الحال التي أفارقه عليها؟ فقال أبو ذر: أنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت، ثم قال: ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم، فلينظر إلى أبي ذر (2).

وعن الإمام علي قال: لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر، ولا نفسي، ثم ضرب بيده إلى صدره (3)، وعن أبي الأسود: قال ابن جريح ورجل، عن زاذان قالا: سئل علي عن أبي ذر فقال: وعي علماً عجز فيه، وكان شحيحاً حريصاً، شحيحاً على دينه، حريصاً على العلم، وكان يكثر السؤال فيعطى ويمنع، أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ، فلم يدروا ما يريد بقوله: وعى علماً عجز فيه، أعجز عن كشف ما عنده من العلم؟ أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم (4).

ولعل من الأهمية بمكان أن أبا ذر إنما كان ينكر على معاوية بن أبي سفيان - عامل عثمان في الشام - وصحبه ما يفعلون، قال أبو ذر: لقد حدثت أعمال لا أعرفها، والله ما هي في كتاب الله، ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله إني لأرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذباً، وأثرة بغير تقى.

(1) طبقات ابن سعد 4 / 167.

(2) طبقات ابن سعد 4 / 167 - 168.

(3) طبقات ابن سعد 4 / 170.

(4) طبقات ابن سعد 4 / 170 - 171.


305

وأراد معاوية أن يتلطف ويتقرب إليه، فدعاه إلى قصره، وهو قصر ضخم، بناه معاوية في دمشق، لينافس به قصور أباطرة الرومان، وأسماه الخضراء، فقال له أبو ذر: يا معاوية، إن كانت هذه الأبهة من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف (1).

فسكت معاوية على مضض، غير أن أبا ذر سرعان ما سأل: يا معاوية ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ وكان معاوية، وسائر عمال عثمان من بني أمية، يرون أنهم يتصرفون في المال بموجب حق إلهي، بما أن المال مال الله، وهم خلفاؤه على هذا المال.

فلما سمع معاوية سؤال أبي ذر قال: يرحمك الله يا أبا ذر، ألا إن كل شئ لله، ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال أبو ذر:

كأنك تريد أن تحجب هذا المال دون المسلمين، فلا تقل هذا، فقال معاوية: لا أقول إنه ليس لله، ولكني سأقول مال المسلمين (2).

وكان أبو ذر يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه، أكثر من قوت يومه وليلته، أو شئ ينفقه في سبيل الله، أو يعده لكريم، ويأخذ بظاهر القرآن*﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله * فبشرهم بعذاب أليم*(3).

فكان يقوم بالشام ويقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوي من نار تكوى بها

(1) عبد الرحمن الشرقاوي: علي إمام المتقين 1 / 170 (ط مكتبة غريب - القاهرة 1985)، نهج البلاغة 8 / 256.

(2) تاريخ الطبري 4 / 283، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 114، عبد الرحمن الشرقاوي: علي إمام المتقين 1 / 170.

(3) سورة التوبة: آية 34.


306

جباهم وجنوبهم وظهورهم، فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وشكا الناس ما يلقون منهم.

فأرسل معاوية إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها فلما صلى معاوية الصبح دعا رسوله الذي أرسله إليه فقال: إذهب إلى أبي ذر فقل له: أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وإني أخطأت بك، ففعل ذلك، فقال له أبو ذر: يا بني قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها، فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله، كتب إلى عثمان: إن أبا ذر قد ضيق علي، وقد كان كذا وكذا، للذي يقول للفقراء، فكتب إليه عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، ولم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر إلي، وابعث معه دليلاً، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، وبعث إليه بأبي ذر (1).

هذا ويختلف الباحثون في الأسباب التي دفعت أبا ذر إلى الإقامة في الربذة، ففي رواية ابن سعد، عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر، قال فقلت: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية*﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله *، وقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، قال فقلت: نزلت فينا وفيهم، قال: فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب يشكوني إلى عثمان، قال:

فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمت المدينة وكثر الناس علي، كأنهم لم يروني قبل ذلك، قال: فذكر ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فذاك أنزلني هذا المنزل، ولو أمر على حبشي، لسمعت ولأطعت (2).

غير أن رواية ابن الأثير في الكامل إنما تذهب إلى أن أبا ذر لما قدم

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 114 - 115.

(2) ابن سعد: الطبقات الكبرى 4 / 166 (دار التحرير - القاهرة 1969).


307

المدينة ورأى المجالس في أصل جبل سلع قال: بشر أهل المدينة بغازة شعواء، وحرب مذكاء، ودخل على عثمان فقال له: ما لأهل الشام يشكون ذرب لسانك؟ فأخبره، فقال: يا أبا ذر، على أن أقضي ما علي، وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد، وما علي أن أجبرهم على الزهد، فقال أبو ذر: لا ترضوا من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف، ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا القربات.

فقال كعب الأحبار - وكان حاضراً - من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه، فضربه أبو ذر فشجه، وقال له: يا ابن اليهودية، ما أنت وما ههنا؟ فاستوهب عثمان كعباً شجته، فوهبه.

فقال أبو ذر لعثمان: تأذن لي في الخروج من المدينة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرني بالخروج منها، إذا بلغ البناء سلعاً، فأذن له، فنزل الربذة وبنى مسجداً، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه كل يوم عطاء، وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابياً (1).

وروى الطبري في تاريخه عن محمد بن سيرين (2) قال: خرج أبو ذر إلى

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 115، تاريخ الطبري 4 / 283 - 284، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 170.

(2) هو أبو بكر محمد بن سيرين البصري الأنصاري، كان أبوه يعمل القدور النحاسية، وهو من جرجرايا أحضر عبداً من عين التمرة، وقد ولد ابن سيرين في عام 33 هـ‍(653 م)، وتوفي في عام 110 هـ‍(729 م)، وعاش في البصرة، وكان تابعياً مشهوراً، روى عن عدد من الصحابة، كما كان فقيهاً، وزاهداً من الزهاد الأوائل، وهو حجة في تفسير الأحلام، وإن كنا لا ندري إن كان ألف في ذلك رسائل م لا، وإن جعله الجاحظ وابن قتيبة الحجة في هذا الميدان، وأما أشهر مراجع ترجمته فهي (طبقات ابن سعد 7 / 193 - 206، محمد بن حبيب: المحبر ص 379 - 480، ابن قتيبة: المعارف، ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 3 / 280 - 281. أبو نعيم: حلية الأولياء 2 / 263 - 282، الشيرازي: طبقاتها الفقهاء ص 69 - 70، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 5 / 331 - 338، الذهبي: تذكرة الحفاظ ص 77 - 78، الصفدي: الوافي بالوفيات 3 / 146، ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 9 / 214 - 217، اليافعي: مرآة الجنات 1 / 232

‌>


308

الربذة من قبل نفسه، لما رأى عثمان لا ينزع له، وأخرج معاوية أهله من بعده، فخرجوا إليه ومعهم جراب يثقل يد الرجل، فقال: أنظروا إلى هذا الذي يزهد في الدنيا ما عنده، فقالت امرأته: أما والله ما فيه دينار ولا درهم، ولكنها فلوس إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوساً لحوائجنا.

ولما نزل أبو ذر الربذة أقيمت الصلاة، وعليها رجل يلي الصدقة، فقال:

تقدم يا أبا ذر، فقال: لا، تقدم أنت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: إسمع وأطع، وإن كان عليك عبد مجدع، فأنت عبد، ولست بأجدع، وكان من رقيق الصدقة، وكان أسود يقال له مجاشع (1).

على أن رواية اليعقوبي إنما تذهب إلى أن معاوية كتب إلى عثمان: إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر، فكتب إليه: أن أحمله على قتب بغير وطاء، فقدم به إلى المدينة، وقد ذهب لحم فخذيه، فلما دخل إليه، وعنده جماعة قال: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كمل بنو أمية ثلاثين رجلاً، اتخذوا بلاد الله دولاً، وعباده خولاً، ودين الله دغلاً، فقال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، فقال لهم: أسمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك؟

فبعث إلى علي بن أبي طالب، فأتاه، فقال: يا أبا الحسن: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما حكماه أبو ذر وقص عليه الخبر، فقال علي: نعم، قال:

وكيف تشهد؟ قال: لقومه صلى الله عليه وسلم: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء، ذا لهجة أصدق من أبي ذر.

فلم يقم بالمدينة حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجن عنها، قال:

أتخرجني من حرم رسول الله؟ قال: نعم، وأنفك راغم، قال: فإلى مكة؟ قال:

لا، قال: فإلى البصرة؟ قال: لا، قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا، ولكن إلى

<‌

- 234، ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1 / 138، الزركلي: الأعلام 7 / 25، كحالة: معجم المؤلفين 10 / 59، ابن خلكان: وفيات الأعيان 4 / 181 - 183، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 4 / 97 - 99.

(1) تاريخ الطبراني 4 / 284 - 283، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 115 - 116.


309

الربذة، التي خرجت منها حتى تموت بها، يا مروان أخرجه، ولا تدع أحداً يكلمه حتى يخرج، فأخرجه على جمل، ومعه امرأته وابنته، فخرج وعلي والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، ينظرون. فلما رأى أبو ذر علياً، قام إليه فقبل يده، ثم بكى وقال: إني إذا رأيتك، ورأيت ولدك، ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أصبر حتى أبكي، فذهب علي يكلمه، فقال له مروان:

إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد، فرفع علي السوط فضرب وجه ناقة مروان، وقال: تنح، نحاك الله إلى النار، ثم شيعه، وانصرف مروان إلى عثمان، فجرى بينه وبين علي في هذا بعض الوحشة، وتلاحيا كلاماً، فلم يزل أبو ذر في الربذة حتى توفي (1).

ويروي أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما خرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس: ألا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به، فخرج به، وتحاشاه الناس، إلا علي بن أبي طالب، عليه السلام، وعقيلاً أخاه، وحسناً وحسيناً، عليهم السلام، وعماراً، فإنهم خرجوا معه يشيعونه، فجعل الحسن عليه السلام يكلم أبا ذر، فقال له مروان: إيها يا حسن، ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك، فحمل علي عليه السلام، على مروان، فضرب بالسوط بين أذني راحلته، وقال:

تنح نحاك الله إلى النار.

فرجع مروان مغضباً إلى عثمان، فأخبره الخبر، فتلظى على علي عليه السلام، ووقف أبو ذر فودعه القوم، ومعه ذكوان مولى أم هانئ بنت أبي طالب.

قال ذكوان: فحفظت كلام القوم - وكان حافظاً - فقال علي عليه السلام:

(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 172 - 173.


310

يا أبا ذر، إنك غضبت لله، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلى، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السماوات والأرض على عبد رتقاً، ثم اتقى الله، لجعل له منها مخرجاً، يا أبا ذر، لا يؤذنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل، ثم قال لأصحابه: ودعوا عمكم، وقال لعقيل: ودع أخاك.

فتكلم عقيل، فقال: ما عسى أن نقول يا أبا ذر، وأنت تعلم أنا نحبك، وأنت تحبنا، فاتق الله، فإن التقوى نجاة، واصبر فإن الصبر كرم، واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع.

ثم تكلم الحسن فقال: يا عماه، لولا أنه لا يبغي للمودع أن يسكت، وللمشيع أن ينصرف، لقصر الكلام، وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وسلم، وهو عنك راض.

ثم تكلم الحسين عليه السلام، فقال: يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى، والله كل يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذبه من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقاً، والجزع لا يؤخر أجلاً.

ثم تكلم عمار، رحمه الله، مغضباً، فقال: لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك، أما والله لو أردت دنياهم لأمنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك، إلا الرضا بالدنيا، والجزع من الموت، مالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غاب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين.


311

فبكى أبو ذر - رحمه الله، وكان شيخاً كبيراً - وقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لي بالمدينة سكن، ولا شجن غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين، فأفسد الناس عليهما، فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع، إلا الله، والله ما أريد إلا الله صاحباً، وما أخشى مع الله وحشة.

ورجع القوم إلى المدينة، فجاء علي عليه السلام إلى عثمان، فقال: ما حملك على رد رسولي، وتصغير أمري، فقال علي عليه السلام: أما رسولك فأراد أن يرد وجهي فرددته، وأما أمرك فما أصغره.

فقال: أما بلغك نهي عن كلام أبي ذر، قال: أو كلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه، قال عثمان: أقد مروان من نفسك، قال: مم ذا؟ قال: من شتمه وجذب راحلته، قال: أما راحلته فراحتي بها، وأما شتمه إياي، فوالله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها، لا أكذب عليك، فغضب عثمان، وقال: لم لا يشتمك، كأنك خير منه، قال علي: أي والله ومنك، ثم قام فخرج.

فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار وإلى بني أمية، يشكو علياً عليه السلام، فقال القوم: أنت الوالي، وإصلاحه أجمل، قال: وددت ذاك، فأتوا علياً عليه السلام فقالوا: لو اعتذرت إلى مروان وأتيته، فقال: كلا، وأما مروان فلا آتيه، ولا أعتذر منه، ولكن إن أحب عثمان أتيته.

فرجعوا إلى عثمان فأخبروه، فأرسل عثمان إليه، فأتاه ومعه بنو هاشم، فتكلم علي عليه السلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما ما وجدت علي فيه من كلام أبي ذر ووداعه، فوالله ما أردت مساءتك، ولا الخلاف عليك، ولكن أردت به قضاء حقه، وأما مروان فإنه اعترض، يريد ردي عن قضاء حق الله


312

عز وجل، فرددته رد مثلي مثله، وأما ما كان مني إليك، فإنك أغضبتني، فأخرج الغضب مني ما لم أرده. فتكلم عثمان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

أما ما كان منك إلي فقد وهبته لك، وأما ما كان منك إلى مروان، فقد عفا الله عنك، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق، فادن يدك، فأخذ يده فضمها إلى صدره. فلما نهض قالت قريش وبنو أمية: أأنت رجل ; جبهك علي، وضرب راحلتك، وقد تفانت وائل في ضرع ناقة، وذبيان وعبس في لطمة فرس، والأوس والخزرج في نسعة، أفتحمل لعلي عليه السلام ما أتاه إليك. فقال مروان: والله لو أردت ذلك ما قدرت عليه.

ويقول ابن أبي الحديد: واعلم أن الذي عليه أكثر أهل السير وعلماء الأخبار والنقل، أن عثمان نفى أبا ذر، أولاً إلى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه معاوية، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة، لما عمل بالمدينة نظر ما كان يعمل بالشام.

وأصل هذه الحكاية، أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال، واختص زيد بن ثابت بشئ منها، جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى:*﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله*فبشرهم بعذاب أليم *، فرفع ذلك إلى عثمان مراراً، وهو ساكت.

ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه: أن انته عما بلغني عنك، فقال أبو ذر:

أو ينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله تعالى، فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان، أحب إلي من أن أسخط الله برضى عثمان، فأغضب ذلك عثمان وأحفظه، فتصابر وتماسك، إلى أن قال عثمان يوماً، والناس حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئاً قرضاً، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا ابن اليهوديين، أتعلمنا ديننا؟ فقال


313

عثمان: قد كثر أذاك لي، وتولعك بأصحابي، إلحق بالشام، فأخرجه إليها (1).

ثم كان من أبي ذر مع معاوية، ما ذكرناه آنفاً (2).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن أبا ذر كان يقعد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتمع إليه الناس، فيحدث بما فيه الطعن على عثمان، وأنه وقف بباب المسجد، فقال:

أيها الناس، من عرفني فقط عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذي، إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، محمد الصفوة من نوح، فالأول من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد، إنه شرف شريفهم، واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجر الزيتونية أضاء زيتها، وبورك زبدها، ومحمد وارث علم آدم، وما فضل به النبيون، وعلي بن أبي طالب، وصي محمد، ووارث علمه.

أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، أما لو قدمتهم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم، لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي لله، ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، إلا وجدتم علم ذلك عنده من كتاب الله وسنة نبيه، فأما إذا فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (3).

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 8 / 252 - 256 (بيروت 1966).

(2) أنظر التفصيلات (شرح نهج البلاغة 8 / 256 - 262).

(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 171 (بيروت 1980). وانظر تفصيلات أخرى (المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر - المجلد الأول - بيروت 1982 ص 630 - 632).


314

3 - سلمان الفارسي:

سلمان - كما يصفه أبو نعيم في الحلية - سابق الفرس، ورائق العرس، الكادح الذي لا يبرح، والزاخر الذي لا ينزح، الحكيم، والعابد العليم، أبو عبد الله سلمان ابن الإسلام، رافع الألوية والأعلام، أحد الرفقاء والنجباء، ومن إليه تشتاق الجنة من الغرباء، ثبت على القلة والشدائد، لما نال من الصلة والزوائد (1).

هذا وقد اختلف الباحثون في اسم سلمان الأصلي، وفي موطنه، وفي عمره، وفي كل شئ يتصل به، حتى أن بعض المستشرقين - دونما روية، قد أنكروا تاريخيته (2)، وإن تروى آخرون فذهبوا إلى أن اسمه إنما يدخل في الإطار التاريخي للمشاجرات بين الصحابة (3)، وعلى أية حال، فالرجل إنما كان من أبناء الدهاقين، كما كان سائحاً نصرانياً، بعد أن ترك المزدكية (4).

وروى ابن سعد في طبقاته - على لسان سلمان نفسه قال -: كنت رجلاً من أهل أصبهان من قرية يقال لها جي وكان أبي دهقان أرضه، وكنت من أحب عباد الله إليه (5)، وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب (6)، في أثناء بحثه عن النبي المنتظر، الذي أخبره الرهبان أنه سيظهر في أرض تيماء الأمر الذي جاء مفصلاً

(1) حلية الأولياء 1 / 185.

(2) ماسينيون وهنري كوربان: شخصيات قلقة في الإسلام - ترجمة عبد الرحمن بدوي - القاهرة 1946 ص 8.

(3) نفس المرجع السابق ص 10.

(4) أنظر عن المزدكية (محمد بيومي مهران: تاريخ العرب القديم ص 610، تاريخ الطبري 2 / 92 - 93، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 1 / 512 - 515، جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 3 / 333، وكذا:

t. noldeke, aufsatze zur persisichen geschichte, leipzig , 1887, p. 109

(5) طبقات ابن سعد 4 / 53.

(6) صحيح البخاري 5 / 90.


315

في طبقات ابن سعد، وفي أسد الغابة، وفي الحلية وغيرها (1)، حتى أن البعض اعتبره سلفاً للزهاد السائحين، من أمثال إبراهيم بن أدهم (2).

وكان سلمان - فيما يرى البعض - يدعى روزبه بن خشنود أو مابه (3)، وفي أسد الغابة هو: سلمان الفارسي أبو عبد الله، ويعرف بسلمان الخير، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، أصله من فارس، من رامهرمز، وقيل إنه من جي، وهي مدينة أصفهان (أصبهان القديمة، وتعرف الآن باسم شهرستان)، وكان اسمه قبل الإسلام مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك، من ولد ابن الملك، وكان ببلاد فارس مجوسياً سادن النار (4).

هذا وقد تنقل سليمان بحثاً عن الدين الصحيح من بلده جي إلى الشام إلى الموصل إلى عمورية، وهناك علم أن نبياً قد أظل زمانه يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، مهاجره بأرض ذات نخل، وبه آيات وعلامات لا تخفى، بين منكبيه خاتم النبوة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فركب مع قوم من العرب، من كلب، باعوه إلى رجل من يهود خيبر، ثم اشتراه منه رجل من يهود بني قريظة، فقدم به المدينة، وهناك رأى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (5).

تروي المصادر - على لسان سليمان (6) أنه قال - جمعت ما عندي، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بقباء، فدخلت عليه ومعه نفر من

(1) حلية الأولياء 1 / 190 - 195، طبقات ابن سعد 4 / 54 - 57، أسد الغابة 2 / 417 - 419.

(2) كامل الشيبي: المرجع السابق 1 / 20.

(3) نفس المرجع السابق ص 20.

(4) أسد الغابة 2 / 417.

(5) أسد الغابة 4 / 417 - 418.

(6) أهم مصادر ترجمة سلمان الفارسي هي (طبقات ابن سعد 4 / 53، 67، البخاري 5 / 90، ابن حنبل: كتاب الزهد ص 150 - 1533، ابن حجر العسقلاني: الإصابة في معرفة الصحابة 2 / 62 - 63، ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 56 - 61، أسد الغابة 2 / 417

‌>


316

أصحابه، فقلت: إنه بلغني أنك ليس بيدك شئ، وأن معك أصحاباً لك، وأنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي شئ وضعته للصدقة، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به، ثم وضعته له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا، وأمسك هو، قال: قلت في نفسي، هذه والله واحدة، ثم رجعت، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، وجمعت شيئاً ثم جئته، فسلمت عليه وقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وقد كان عندي شئ أحب أن أكرمك به من هدية أهديتها كرامة لك ليست بصدقة، فأكل وأكل أصحابه، قال: قلت في نفسي هذه أخرى، قال: ثم رجعت فمكثت ما شاء الله، ثم أتيته فوجدته في بقيع الغرقد قد تبع جنازة، وحوله أصحابه، وعليه شملتان مؤتزراً بواحدة، مرتدياً بالأخرى، قال: فسلمت عليه، ثم عدلت لأنظر في ظهره، فعرف أني أريد ذلك واستثبته، قال فأمسك بردائه، فألقاه عن ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة، كما وصف لي صاحبي، قال: فأكببت عليه أقبل الخاتم من ظهره وأبكي، قال فقال: تحول عنك، فتحولت، فجلست بين يدي، فحدثته حديثي - كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجبه ذلك، فأحب أن يسمعه أصحابه، ثم أسلمت وشغلني الرق، وما كنت فيه حتى فاتني بدر وأحد.

ثم كاتب سلمان على أن يطلق سراحه، في مقابل أن يغرس له ثلاثمائة نخلة، وأربعين أوقية من ورق، فلما أوفى له بها أعتقه، وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حراً مسلماً حراً مسلماً حتى قبضه الله تعالى، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء (1).

ولعل هذا كله، إنما يشير إلى أن سلمان، رضوان الله عليه، إنما قد اتجه إلى الإسلام بكليته، وأنه كان يبحث عن الحقيقة، فوجدها في رسول الله، وفي

<‌

- 421، حلية الأولياء 1 / 185 - 208، أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة ص 219 - 222.

(1) أنظر: طبقات ابن سعد 4 / 53 - 59، أسد الغابة 2 / 417 - 419.


317

الإسلام، واعتنق الدين الجديد، وخدمه من بدء دخوله فيه بإشارته بحفر الخندق، ورجل في مثل سلمان في جهده الذي بذله - عقلياً وروحياً وجسدياً ومادياً - بتركه وطنه، وبتجواله الطويل من فارس والشام والموصل ونصيبين وعمورية، وبلاد العرب، فضلاً عن تركه الراحة والرفاهية عند أسرته في أصفهان، رجل مثل هذا، لا بد أن يكون مسلماً مخلص الإيمان، لا تزعزعه الأنواء، ولا تؤثر في عقيدته الدينية مؤثرات مادية (1).

وكان سلمان أحد ثلاثة تشتاق إليهم الجنة، روى ابن الأثير بسنده عن الحسن بن صالح، عن أبي ربيعة الإيادي عن الحسن (البصري) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان (2).

وفي حلية الأولياء بسنده عن أبي بريدة عن أبيه، رضي الله تعالى عنهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل علي الروح الأمين فحدثني أن الله تعالى يحب أربعة من أصحابي، فقال له من حضر، من هم يا رسول الله؟ فقال: علي وسلمان وأبو ذر والمقداد، وعن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي والمقداد وعمار وسلمان (3).

وفي الإستيعاب من حديث ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني أنه سبحانه يحبهم، علي وأبو ذر والمقداد وسلمان (4).

وفي الحلية عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال

(1) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 21.

(2) أسد الغابة 2 / 420.

(3) حلية الأولياء 1 / 190.

(4) ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 59.


318

رسول الله صلى الله عليه وسلم: السباق أربع، أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة (1).

وروى الإمام أحمد بسنده عن سفيان عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبش (2).

وكان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم، وذوي القرب من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الإستيعاب عن عائشة، رضي الله عنها قالت: كان لسلمان مجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كاد يغلبنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).

وسئل علي عن سلمان فقال: علم العلم الأول والعلم الآخر، وهو بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت (4)، وروى ابن الجوزي وابن سعد، أن علياً قال فيه: ذلك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، أدرك العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر (5)، وفي الإستيعاب عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه، أنه سئل عن سلمان فقال: علم العلم الأول والآخر، بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت (6).

ولا ريب في أن الإمام علي إنما يتحدث هنا عن سيدنا ومولانا وجدنا

(1) حلية الأولياء 1 / 185.

(2) الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 909 (بيروت 1983)، وأخرجه الحاكم 3 / 402، وأبو نعيم في الحلية 1 / 185، والذهبي في سير النبلاء 3 / 146، والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 305، وقال رواه الطبراني، وله شاهد عن أبي أمامة مرفوعاً، أخرجه ابن أبي حاتم في العلل 2 / 353.

(3) الإستيعاب 2 / 59.

(4) أسد الغابة 2 / 420.

(5) طبقات ابن سعد 4 / 61، صفة الصفوة 1 / 220.

(6) الإستيعاب 2 / 59.


319

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد روى ابن سعد في طبقاته بسنده عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خط الخندق من أجم الشيخين، طرف بني حارثة، عام ذكرت الأحزاب، خطة من المذاد، فقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، فاحتج المهاجرون والأنصار من سلمان الفارسي - وكان رجلاً قوياً - فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار: لا بل سلمان منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلمان منا أهل البيت (1).

وروى ابن عبد البر بسنده عن ثابت عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو:

أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك، جل وعلا، فأتاهم أبو بكر فقال: يا أخوتاه، أغضبتكم، قالوا: لا يا أبا بكر، يغفر الله لك (2).

وفي طبقات ابن سعد بسنده عن الحسن قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان على ثلاثين ألفاً من الناس، يخطب في عباءة، يفترش نصفها، ويلبس نصفها، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه، ويأكل من سفيف يده (3).

وفي أسد الغابة: كان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج عطاؤه فرقه، وأكل من كسب يده، وكان يسف الخوص (4) (ينسجه)، وقال حذيفة لسلمان: ألا نبني لك بيتاً، قال: لم؟ لتجعلني مالكاً، وتجعل لي داراً، مثل بيتك الذي بالمدائن، قال: لا، ولكن نبني لك بيتاً من قصب، ونسقفه بالبردي، إذا قمت

(1) طبقات ابن سعد 4 / 59، أسد الغابة 2 / 421.

(2) الإستيعاب 2 / 60.

(3) طبقات ابن سعد 4 / 62.

(4) أسد الغابة 2 / 420.


320

كد أن يصيب رأسك وإذا نمت كاد أن يصيب طرفيك، قال: فكأنك كنت في نفسي (1).

وعن سالم مولى زيد بن صوحان قال: كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق، فمر علينا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وقد اشترى وسقاً من طعام، فقال له زيد: يا أبا عبد الله تفعل هذا، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت، وتفرغت للعبادة، وأيس منها الوسواس (2).

وعن ثابت قال: كان سلمان أميراً على المدائن، فجاء رجل من أهل الشام، من بني تيم الله، معه حمل تبن، وعلى سلمانً أندروردً وعباءة، فقال لسلمان: تعال احمل، وهو لا يعرف سلمان، فحمل سلمان، فرآه الناس فعرفوه فقالوا: هذا الأمير، قال: لم أعرفك، فقال له سلمان لا حتى أبلغ منزلك (3).

وعن سماك قال: سمعت النعمان بن حميد يقول: دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن، وهو يعمل الخوص، فسمعته يقول: أشتري خوصاً بدرهم فأعمله، فأبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهماً فيه، وأنفق درهماً على عيالي، وأتصدق بدرهم، ولو أن عمر بن الخطاب (الخليفة وقت ذاك) نهاني عن ذلك ما انتهيت (4).

وعن عبد الله بن بريدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشئ، اشترى به لحماً، ثم دعا المحدثين فأكلوه معه (5)، وفي الحلية عن عبد الله بن بريدة: أن

(1) أسد الغابة 2 / 420، حلية الأولياء 1 / 202.

(2) حلية الأولياء 1 / 207.

(3) طبقات ابن سعد 4 / 63.

(4) طبقات ابن سعد 4 / 64، حلية الأولياء 1 / 197 - 198.

(5) طبقات ابن سعد 4 / 64.


321

سلمان كان يعمل بيديه، فإذا أصاب شيئاً، اشترى به لحماً أو سمكاً، ثم يدعو المجذمين فيأكلون معه (1).

وعن الأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه قالوا: دخل سعد بن أبي وقاص على سلمان يعوده، قال: فبكى سلمان فقال له سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عنك راض، وتلقى أصحابك، وترد على الحوض، قال سلمان: والله ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عهد إلينا عهداً فقال: لتكن بلغة أحدكم من الدنيا، مثل زاد الراكب، وحولي هذه الأساود، قال: وإنما حوله جفنه أو مطهرة أو إجانة، قال فقال له سعد: يا أبا عبد الله، إعهد إلينا بعهد نأخذه بعدك، فقال: يا سعد، أذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت (2).

وعن الأجلح عن عامر الشعبي قال: أصاب سلمان صرة مسك يوم فتحت جلولاء، فاستودعها امرأته فلما حضرته الوفاة قال: هاتي هذه المسكة، فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتيني زوار الآن، قال ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلاً حتى قبض (3).

وعن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن سلام قال: إن سلمان قال له: أي أخي، أينا مات قبل صاحبه، فليتراء له، قال عبد الله بن سلام: أو يكون ذلك؟ قال نعم، إن نسمة المؤمن مخلاة تذهب في الأرض حيث شاءت، ونسمة الكافر في سجن، فمات سلمان، فقال عبد الله بن سلام:

فبينما أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير لي، فأغفيت إغفاءة، إذ جاء

(1) حلية الأولياء 1 / 200.

(2) حلية الأولياء 1 / 195 - 197، طبقات ابن سعد 4 / 65، ابن حنبل: كتاب الزهد ص 152.

(3) طبقات ابن سعد 4 / 66، حلية الأولياء 1 / 208.


322

سلمان فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقلت: السلام عليك ورحمة الله أبا عبد الله، كيف وجدت منزلك، قال: خيراً، وعليك بالتوكل فنعم الشئ التوكل، وعليك بالتوكل فنعم الشئ التوكل، وعليك بالتوكل فنعم الشئ التوكل (1).

هذا وقد روى عن سلمان، ابن عباس وأنس وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وكعب بن عجرة، وأبو عثمان النهدي، وشرحبيل بن المسط وغيرهم.

وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن صدقة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سلمان: أنه تزوج امرأة من كندة، فبنى بها في بيتها، فلما كان ليلة البناء مشى معه أصحابه حتى أتى بيت امرأته، فلما بلغ البيت قال: ارجعوا آجركم الله، ولم يدخلهم عليها، كما فعل السفهاء، فلما نظر إلى البيت، والبيت منجد، قال: أمحموم بيتكم، أم تحولت الكعبة في كندة؟ قالوا: ما بيتنا بمحموم، وما تحولت الكعبة في كندة، فلم يدخل البيت حتى نزع كل ستر في البيت غير ستر الباب. فلما دخل رأى متاعاً كثيراً، فقال لمن هذا المتاع؟ قالوا: متاعك ومتاع امرأتك، قال: ما بهذا أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم، أوصاني خليلي أن لا يكون متاعي من الدنيا، إلا كزاد الراكب، ورأى خدماً فقال لمن هذا الخدم؟ فقالوا: خدمك وخدم امرأتك، فقال: ما بهذا أوصاني خليلي، أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم، أن لا أمسك إلا ما أنكح، أو أنكح، فإن فعلت فبغين، كان على مثلي أوزارهن، من غير أن ينقص من أوزارهن شيئاً.

ثم قال للنسوة اللائي عند امرأته: هل أنتن مخرجات عني؟ مخليات بيني وبين امرأتي؟ قلن: نعم، فخرجن فذهب إلى الباب حتى أجافه، وأرخى الستر، ثم جاء حتى جلس عند امرأته فمسح بناصيتها، ودعا بالبركة، فقال لها: هل أنت مطيعتي في شئ آمرك به؟ قالت: جلست مجلس من يطاع، قال: فإن

(1) طبقات ابن سعد 4 / 66 - 67، حلية الأولياء 1 / 205.


323

خليلي صلى الله عليه وسلم، أوصاني إذا اجتمعت إلي أهلي أن أجتمع على طاعة الله عز وجل، فقام وقامت إلى المسجد فصليا ما بدا لهما، ثم خرجا فقضى منهما ما يقضي الرجل من امرأته.

فلما أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: كيف وجدت أهلك؟ فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم، ثم قال: إنما جعل الله تعالى الستور والخدور والأبواب لتواري ما فيها، حسب امرئ منكم أن يسأل عما ظهر له، فإما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المتحدث عن ذلك، كالحمارين يتسافدان في الطريق (1).

وعن عطاء عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه قال: قدم سليمان من غيبة له، فتلقاه عمر، فقال: أرضاك الله تعالى عبداً، قال: فزوجني، قال: فسكت عنه، فقال: أترضاني لله عبداً، ولا ترضاني لنفسك؟ فلما أصبح أتاه قوم عمر، فقال: حاجة؟ قالوا: نعم، قال: وما هي؟ إذا تقضي، قالوا: تضرب عن هذا الأمر - يعنون خطبته إلى عمر - فقال: أما والله ما حملني على هذا إمرته، ولا سلطان، ولكن قلت رجل صالح عسى الله أن يخرج مني ومنه نسمة صالحة.

قال: فتزوج من كندة، فلما جاء يدخل على أهله، إذا البيت منجد، وإذا فيه نسوة، فقال: أتحولت الكعبة في كندة، أم هي حمى؟ أمرني خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج أن لا يتخذ من المتاع إلا أثاثاً كأثاث المسافر، ولا يتخذ من النساء إلا ما ينكح، أو ينكح، قال: فقمن النسوة فخرجن فهتكن ما في البيت، ودخل على أهله، يا هذه أتطيعيني أم تعصيني؟ فقالت: بل أطيع، فمرني بما شئت، فقد نزلت منزل المطاع، فقال: إن خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم:

أمرنا إذا دخل أحدنا على أهله أن يقوم فيصلي، ويأمرها فتصلي خلفه، ويدعو، ويأمرها أن تؤمن، ففعل وفعلت.

(1) حلية الأولياء 1 / 186.


324

قال: فلم أصبح جلس في مجلس كندة، فقال له رجل: يا أبا عبد الله كيف أصبحت؟ كيف رأيت أهلك؟ فسكت عنه، فعاد، فسكت عنه، ثم قال: ما بال أحدكم يسأل عن الشئ، قد وارته الأبواب والحيطان، إنما يكفي أحدكم أن يسأل عن الشئ، أجيب أو سكت عنه (1).

وعن عطاء بن السائب عن أبي البختري: أن جيشاً من جيوش المسلمين، كان أميرهم سلمان الفارسي، فحاصروا قصراً من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا ننهد إليهم؟ فقال: دعوني أدعوهم، كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي، أترون العرب تطيعني؟ فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه، وأعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون - قال ورطن إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين - وإن أبيتم نابذناكم على سواء، فقالوا: ما نحن بالذي نؤمن، وما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم، قالوا: يا أبا عبد الله، ألا ننهد إليهم، قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، ثم قال:

إنهدوا إليهم، فنهدوا إليهم، قال: ففتحوا ذلك الحصن (2).

وعن أبي ليلى الكندي قال: أقبل سلمان في ثلاثة عشر راكباً - أو اثني عشر راكباً - من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما حضرت الصلاة قالوا: تقدم يا أبا عبد الله، قال: إنا لا نؤمكم، ولا ننكح نساءكم، إن الله تعالى هدانا بكم، قال:

فتقدم رجل من القوم فصلى أربع ركعات، فلما سلم، قال سلمان: ما لنا وللمربعة، إنما كان يكفينا نصف المربعة، ونحن إلى الرخصة أحوج - قال عبد الرازق: يعني في السفر (3).

(1) حلية الأولياء 1 / 186 - 187.

(2) حلية الأولياء 1 / 189.

(3) حلية الأولياء 1 / 189.


325

وعن أبي البختري قال: صحب سلمان، رضي الله تعالى عنه، رجل من بني عبس، قال: فشرب من دجلة شربة، فقال له سلمان: عد فاشرب، قال: قد رويت، قال: أترى شربتك هذه نقصت منها؟ قال: وما ينقص منها شربة شربتها، قال: كذلك العلم لا ينقص، فخذ من العلم ما ينفعك (1).

وعن حفص بن عمر السعدي عن عمه: قال سلمان لحذيفة: يا أخا بني عبس، إن العلم كثير، والعمر قصير، فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك، ودع ما سواه، فلا تعانه (2).

هذا وقد توفي سلمان عام 35 هـ‍، في آخر خلافة عثمان، وقيل أول سنة 36 هـ‍، وقيل توفي في خلافة عمر، والأول أكثر، وقال العباس بن يزيد:

قال أهل العلم: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأما مائتان وخمسون فلا يشكون فيه، ويقول ابن الأثير في الكامل في حوادث عام 36 هـ‍: وفيها مات سلمان الفارسي في قول بعضهم، وقيل وكان قد أدرك بعض أصحاب المسيح عليه السلام، وقال أبو نعيم: كان سلمان من المعمرين، يقال إنه أدرك عيسى بن مريم، وقرأ الكتابين، والصحيح - فيما أرى - ما ذهب إليه ابن حجر العسقلاني من أنه ما زاد على الثمانين (3).

هذا وكان لسلمان مكانة خاصة عند الصحابة، وعند الإمام علي بالذات، وقد أشرنا من قبل إلى قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت، وقد استقرت هذه العبارة من الإمام علي في أذن واعية، حتى قال عنه: ذلك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، ثم عامله إلى آخر العمر، كواحد عزيز عليه من أهل البيت، وظل يوده حتى آخر عمره.

(1) حلية الأولياء 1 / 188.

(2) حلية الأولياء 1 / 189.

(3) ابن الأثير: أسد الغابة 2 / 412، الكامل 3 / 287، ابن حجر: الإصابة في معرفة الصحابة 2 / 62.


326

وهناك ما يشير إلى الصلة القوية بينه وبين الإمام علي، حتى نراه يقود بغلة النبي الشهباء التي كانت تركبها السيدة فاطمة الزهراء في ليلة زفافها إلى الإمام علي بن أبي طالب (1).

وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز عن حباب بن يزيد عن جرير بن المغيرة: أن سلمان والزبير والأنصار كان هواهم أن يبايعوا علياً، عليه السلام، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بويع أبو بكر، قال سلمان: أصبتم الخبرة وأخطأتم المعدن.

وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال سلمان يومئذ: أصبتم ذا السن منكم، وأخطأتم أهل بيت نبيكم، لو جعلتموها فيهم، ما اختلف عليكم اثنان، ولأكلتموها رغداً (2).

4 - المقداد بن عمرو:

يقول الحافظ أبو نعيم هو المقداد بن عمر بن ثعلبة (3)، مولى الأسود بن عبد يغوث، السابق إلى الإسلام والفارس يوم الحرب والإقدام، ظهرت له الدلائل والإعلام، حين عزم على استقاء الرسول والإطعام، أعرض عن العمالات، وآثر الجهاد والعبادات، معتصماً بالله تعالى من الفتن والبليات (4).

وهو - فيما يروي ابن سعد في طبقاته - المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن دهير بن لؤي بن

(1) كامل الشيبي: المرجع السابق ص 21، وانظر: ابن بابويه القمي: من لا يحضره الفقيه - الجزء الثالث - إيران 1908.

(2) شرح نهج البلاغة 2 / 49.

(3) أهم مصادر ترجمة المقداد بن عمرو (أسد الغابة 5 / 251 - 254، طبقات ابن سعد 3 / 114 - 116، حلية الأولياء 1 / 172 - 176، الإصابة 3 / 454 - 455، الإستيعاب 3 / 472 - 476.

(4) حلية الأولياء 1 / 1722.


327

ثعلبة بن مالك بن الشريد بن أبي أهون بن فائش بن دريم بن القين بن أهود بن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ويكنى أبا معبد، وكان حالف الأسود بن عبد يغوث الزهري في الجاهلية فتبناه، فكان يقال له المقداد بن الأسود (1).

وقيل: المقداد الكندي، ولأنه أصاب فيهم دماً في بهراء، فهرب منهم إلى كندة فحالفهم، ثم أصاب فيهم دماً، فهرب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث (2).

وقال أحمد بن صالح المصري (3): هو حضرمي، وحالف أبوه كندة فنسب إليها، وحالف هو الأسود بن عبد يغوث، فنسب إليه، والصحيح بهراوي، كنيته أبو معبد، وقيل: أبو الأسود، فلما نزل القرآن*﴿أدعوهم لآبائهم*قيل:

المقداد بن عمرو.

وهو قديم في الإسلام من السابقين، قال ابن مسعود: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار - وأمه سمية - وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعه الله تعالى بعمه (أبي طالب) وأما أبو بكر فمنعه الله تعالى بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس.

هذا وقد هاجر المقداد إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، فلم يقدر على

(1) طبقات ابن سعد 3 / 114.

(2) أسد الغابة 5 / 251 - 252.

(3) هو الإمام أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري المصري الحافظ، سمع من ابن عيينة وابن وهب وخلق، قال عنه محمد بن نمير: إذا جاوزت الفرات، فليس أحد مثل أحمد بن صالح، وقال ابن وارة الحافظ: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح، بمصر، وابن نمير في الكوفة، والنفيلي بحران، هؤلاء أركان الدين، توفي عام 248 هـ‍(الذهبي العبر 1 / 450، أسد الغابة 5 / 252، وانظر عن عبيدة بن الحارث (الواقدي: المغازي 1 / 10 - 11، سيرة ابن هشام 2 / 390 - 393، ابن الأثير: الكامل 2 / 111، تاريخ الطبري 2 / 404)، محمد بيومي مهران: السيرة النبوية 2 / 52.


328

الهجرة إلى المدينة، لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبقي إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبيدة بن الحارث في سرية، فلقوا جمعاً من المشركين عليهم عكرمة بن أبي جهل، وكان المقداد وعتبة بن غزوان قد خرجا مع المشركين ليتوصلا إلى المسلمين، فتواقفت الطائفتان، ولم يكن قتال، فانحاز المقداد وعتبة إلى المسلمين.

هذا وقد شهد المقداد غزوة بدر، وكان له فيها مقام مشهود، فهو القائل - حين استشار النبي صلى الله عليه وسلم، الناس -:

يا رسول الله، إمض لما أمرت به فنحن معك، والله لا نقول لك، كما قالت بنو إسرائيل لموسى:*(إذهب أنت وربك فقاتلا*إنا ها هنا قاعدون) *، ولكن: إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبياً، لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، خيراً، ودعا له.

وفي رواية: لا نقول لك، كما قال قوم موسى لموسى: إذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر بما سمع.

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه، أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى، إذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، أشرق وجهه وسره، يعني قوله (1).

(1) صحيح البخاري 5 / 93، مسند الإمام أحمد 1 / 390، 428، المستدرك للحاكم 3 / 349، زاد

‌>


329

وعن علي قال، ما كان فينا فارس يوم بدر، غير مقداد بن عمرو، وعن القاسم بن عبد الرحمن قال: أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود، وعن المقداد قال: كان معي فرس يوم بدر يقال له سبحة (1)، وفي رواية: لم يكن فيهم غير فارسيين: المقداد بن عمرو، ولا خلاف فيه، والثاني:

قيل كان الزبير بن العوام (2). وكان للمقداد مناقب كثيرة، روى ابن أبي بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم، قيل يا رسول الله، سمهم لنا، قال: علي منهم - يقول ذلك ثلاثاً - وأبو ذر والمقداد وسلمان (3).

وعن الإمام علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن نبي إلا أعطي سبعة نجباء وزراء ورفقاء، وأنا أعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وعلي والحسن والحسين وابن مسعود وسلمان وعمار و حذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال (4).

وفي الإستيعاب عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لم يكن نبي إلا أعطي سبعة نجباء ووزراء ورفقاء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وعلي والحسن والحسين وعبد الله بن مسعود وسلمان وعمار وحذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال (5).

<‌

المعاد 3 / 173 - 174، البداية والنهاية 2 / 395، فتح الباري 7 / 224، مغازي الواقدي 1 / 48، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 102، أسد الغابة 5 / 252، طبقات ابن سعد 3 / 114 - 115، سيرة ابن هشام 2 / 407، السيرة الحلبية 2 / 385، تاريخ الطبري 2 / 234، الإستيعاب 3 / 474 - 475، مهران: السيرة النبوية الشريفة 2 / 68.

(1) طبقات ابن سعد 3 / 114.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 118.

(3) حلية الأولياء 1 / 172.

(4) أسد الغابة 5 / 253، صحيح الترمذي 10 / 291.

(5) الإستيعاب 3 / 473.


330

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن المسيب بن نجية عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أعطي كل نبي سبعة رفقاء، وأعطيت أنا أربعة عشر، قيل لعلي من هم؟ قال: أنا وابناي الحسن والحسين وحمزة وجعفر وعقيل وأبو بكر وعمر وعثمان والمقداد وسلمان وعمار وطلحة والزبير، رضي الله عنهم (1).

وفي طبقات ابن سعد: أن المقداد بن عمرو خطب إلى رجل من قريش فأبى أن يزوجه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لكني أزوجك ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب (2) (بنت عم النبي).

وروى ابن حجر في الإصابة عن ثابت البناني قال: كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسين، فقال له: ما لك لا تتزوج، قال: زوجني ابنتك، فغضب عبد الرحمن وأغلظ له، فشكا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أن أزوجك، فزوجه بنت عمه، ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب (3).

وعن المقداد بن الأسود، رضي الله تعالى عنه قال: استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم، على عمل، فلما رجعت قال: كيف وجدت الإمارة، قلت: يا رسول الله، ما ظننت إلا أن الناس كلهم خول لي، والله لا ألي على عمل ما دمت حياً، وعن ثابت عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم، المقداد بن الأسود، رضي الله تعالى عنه، على سرية فلما قدم قال

(1) الإمام أحمد بن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 636 - 637 (بيروت 1983). وقد جاء الحديث أيضاً في فضائل الصحابة بأرقام 109، 274، 275، 276، 277 ص 136، 137، 227، 228، من الجزء الأول (بيروت 1983 - نشر جامعة أم القرى - بمكة المكرمة)، وانظر: المسند 1 / 88، 148، 149، والترمذي 5 / 662، والطبراني في الكبير 6 / 264 - 265، وحلية الأولياء 1 / 128.

(2) طبقات ابن سعد 3 / 115.

(3) ابن حجر العسقلاني: الإصابة في معرفة الصحابة 3 / 454 - 455.


331

له: كيف وجدت الإمارة؟ قال: كنت أحمل وأوضع حتى رأيت بأن لي على القوم فضلاً: قال: والذي بعثك بالحق لا أتأمر على اثنين أبداً (1).

وعن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد قال: كان المقداد بن الأسود، في سرية فحصرهم العدو، فعزم الأمير أن لا يجشر أحد دابته، فجشر رجل دابته لم تبلغه العزيمة فضربه، فرجع الرجل وهو يقول: ما رأيت كما لقيت اليوم قط، فمر المقداد فقال: ما شأنك؟ فذكر له قصته، فتقلد السيف وانطلق معه حتى انتهى إلى الأمير فقال: أقده من نفسك فأقاده، فعفا الرجل، فرجع المقداد وهو يقول: لأموتن والإسلام عزيز (2).

وكان المقداد من أنصار الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله تعالى وجهه في الجنة - وكان موقفه يوم الشورى واضحاً، فعندما جمع عبد الرحمن بن عوف الناس في المسجد النبوي الشريف، فقال: أشيروا علي، فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف الناس، فبايع علياً، فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت علياً، قلنا: سمعنا وأطعنا.

وعندما اختار عبد الرحمن عثمان قال المقداد: يا عبد الرحمن: أما والله لقد تركته، وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين، قال: إن كنت أردت الله، فأثابك الله ثواب المحسنين.

فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش، أنهم تركوا رجلاً ما أقول، ولا أعلم: أن رجلاً أقضى بالعدل، ولا أعلم منه، أما والله لو أجد أعواناً عليه، فقال عبد الرحمن: يا مقداد، إتق الله، فأنا خائف عليك الفتنة.

(1) حلية الأولياء 1 / 174 - 175.

(2) حلية الأولياء 1 / 176.


332

فقال رجل للمقداد: رحمك الله، من أهل هذا البيت؟ ومن هذا الرجل؟

قال: أهل البيت، بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب.

فقال علي بن أبي طالب: أن الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر بيتها فتقول: إني ولي عليكم بنو هاشم، لم تخرج منهم أبداً، وما كانت في غيرهم تداولتموها بينكم (1).

وفي تاريخ اليعقوبي: وروى بعضهم فقال: دخلت مسجد رسول الله، فرأيت رجلاً جاثياً على ركبتيه يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها، وهو يقول: واعجباً لقريش، ودفعهم هذا الأمر على أهل بيت نبيهم، وفيهم أول المؤمنين، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلم الناس، وأفقههم في دين الله، وأعظمهم غناء في الإسلام، وأبصرها بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم، ولقد زووها عن الهادي المهتدي، الطاهر النقي، وما أرادوا إصلاحاً للأمة، ولا صواباً في المذهب، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعداً وسحقاً للقوم الظالمين، فدنوت منه فقلت: من أنت يرحمك الله، ومن هذا الرجل.

فقال: أنا المقداد بن عمرو، وهذا الرجل علي بن أبي طالب، قال:

فقلت: ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك عليه؟ فقال: يا ابن أخي، إن هذا الأمر لا يجري فيه الرجل، ولا الرجلان، ثم خرجت فلقيت أبا ذر، فذكرت له ذلك، فقال: صدق أخي المقداد، ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فذكرت ذلك له، فقال: لقد أخبرنا فلم نال (2).

وفي رواية المسعودي (3): كان عمار، حين بويع عثمان، بلغه قول

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 70 - 72 (بيروت 1965)، تاريخ الطبري 4 / 232 - 233.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 163 (بيروت 1980).

(3) أنظر عن أهم مصادر ترجمة المسعودي (ياقوت الحموي) إرشاد الأريب 13 / 90 - 94، فوات الوفيات للكتبي 2 / 45، تذكرة الحفاظ 3 / 70، دول الإسلام للذهبي 1 / 156، لسان الميزان لابن حجر 4 / 224 - 225، النوبختي: أعيان الشيعة 41 / 198 - 213، الأعلام للزركلي

‌>


333

أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان، عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان، ودخل داره ومعه بنو أمية، فقال أبو سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ (وقد كان عمي) قالوا: لا، قال: يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم، و لتصيرن إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان، وسائه ما قال.

ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار، وغير ذلك من الكلام، فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن بيت نبيكم ههنا مرة، وههنا مرة، فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم، فيضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله، ووضعتموه في غير أهله.

وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال المقداد:

إني والله لأحبهم، لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن: أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعده من أيديهم، أما وأيم الله يا عبد الرحمن، لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم، مع النبي، عليه الصلاة والسلام يوم بدر (1).

<‌

5 / 87، معجم المؤلفين لكحالة 7 / 80 - 81، فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 2 / 177 - 184، الرجال للنجاشي ص 178 - 179، عبد السلام العشري: أبو الحسن المسعودي - القاهرة 1957).

والمسعودي - رغم عدم معرفتنا لتاريخ ميلاده - فهو قد ولد في بغداد من أسرة تنتسب إلى الصحابي عبد الله بن مسعود، وأقام في إصطخر أثناء رحلته في إيران (305 هـ‍/ 917 م)، ثم ذهب إلى الهند وزار ملتان والمنصورة ثم سيلان، ثم عمان وزنجبار، ومضت به حياته القلقة إلى بحر قزوين ثم فلسطين ثم مدن ثغور الشام كإنطاكية، ثم استقر في مصر، حيث مات في الفسطاط عام (345 هـ‍/ 956 م) أو 346 هـ‍، وكان الرجل مهتماً بالتاريخ والجغرافيا وعلوم الدين والأخلاق والسياسة وعلوم اللغة، ولكن معظم جهده كان في التاريخ والجغرافيا.

(1) المسعودي: مروج الذهب 1 / 633 (بيروت 1982).


334

وروى أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب أخبار السقيفة عن محمد بن قيس الأسدي عن المعروف بن سويد قال: كنت بالمدينة أيام بويع عثمان، فرأيت رجلاً في المسجد جالساً، وهو يصفق إحدى يديه على الأخرى - والناس حوله - ويقول: واعجباً من قريش، واستئثارهم بهذا الأمر، على أهل هذا البيت، معدن الفضل، ونجوم الأرض، ونور البلاد، والله إن فيهم لرجلاً ما رأيت - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - أولى منه بالحق، ولا أقضى بالعدل، ولا آمر بالمعروف، ولا أنهى عن المنكر، فسألت عنه، فقيل: هذا المقداد، فتقدمت إليه وقلت: أصلحك الله من الرجل الذي تذكر؟ فقال: ابن عم نبيك رسول الله صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب.

قال: فلبثت ما شاء الله، ثم إني لقيت أبا ذر، رحمه الله، فحدثته ما قال المقداد، فقال: صدق، قلت: فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم، قال:

أبي ذلك قومهم، قلت: فما يمنعكم أن تعينوهم، قال: مه لا تقل هذا، إياكم والفرقة والاختلاف، قال: فسكت عنه، ثم كان من الأمر ما كان (1).

هذا وقد توفي المقداد بالمدينة في خلافة عثمان، بأرض له بالجرف، وحمل إلى المدينة، وكان عمره سبعين سنة يقول ابن سعد: مات المقداد بالجرف، على ثلاثة أميال من المدينة، فحمل على رقاب الرجال حتى دفن بالمدينة بالبقيع، وصلى عليه عثمان بن عفان، وذلك سنة ثلاث وثلاثين، وكان يوم موته ابن سبعين سنة أو نحوها، وعن شعبة عن الحكم: أن عثمان بن عفان جعل يثني على المقداد بعد ما مات، فقال الزبير:

لا ألفينك بعد الموت تندبني*وفي حياتي ما زودتني زادي (2)

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9 / 21 - 22 (بيروت 1967).

(2) أسد الغابة 5 / 254، طبقات ابن سعد 3 / 115 - 116.


335

ثانيا: يوم وفاة الرسول:

يذهب ابن خلدون (732 - 808 هـ‍/ 1332 - 1406 م) (1): أن الشيعة ظهرت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر، وأن الخلافة لرجالهم، دون سواهم من قريش (2).

هذا ويرجع الدكتور أحمد أمين (1887 - 1954 م) بداية التشيع إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: بدأ التشيع من فرقة من الصحابة كانوا مخلصين في حبهم للإمام علي، يرونه أحق بالخلافة لصفات رأوها فيه، ومن أشهرهم: سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري و المقداد بن الأسود، وتكاثرت شيعته لما نقم الناس على عثمان في سنوات الأخيرة من خلافته، ثم لما ولي الخلافة (3).

ويقول أبو الحسن الأشعري (260 - 324 هـ‍/ 874 - 935 م): إن أول ما حدث من اختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وسلم، هو اختلافهم في الإمامة (4)، ذلك أن المسلمين قد اختلفوا فيمن يتولى أمرهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فظهرت وجهات نظر ثلاث (5):

1 - وجهة نظر الأنصار:

وهم أول من آوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصره، فقد مكث في قومه بضع عشرة سنة فما آمن منهم إلا قليل، حتى خص الله الأنصار بالفضيلة وآثرهم بالكرامة، فرزقهم الإيمان، حتى استقام الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأسياف الأنصار، ومن ثم فقد اتخذ مدينتهم مكان إقامته ثم دفن فيها، ولهذا فقد رشحوا سعد بن عبادة الخزرجي (6).

(1) أنظر (محمد بيومي مهران: التاريخ والتأريخ ص 138 - 150 - الإسكندرية 1992).

(2) تاريخ ابن خلدون 3 / 364.

(3) أحمد أمين: ضحى الإسلام 3 / 209 (القاهرة 1949).

(4) أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين 1 / 39.

(5) أحمد صبحي: الزيدية ص 7.

(6) تاريخ الطبري 3 / 220.


336

وكان الحباب بن المنذر بن الجموح هو المعبر عن وجهه نظرهم، حيث يقول: يا معشر الأنصار، إملكوا عليكم أمركم، فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة، وأولو العدد والمنعة والتجربة، وذو والبأس والنجدة، وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقص عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير، ومنهم أمير (1).

هذا وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضائل الأنصار، منها قوله صلى الله عليه وسلم: لو سلكت الأنصار وادياً أو شعباً، لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم (2)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: لولا الهجرة لكنت رجلاً من الأنصار (3)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله (4)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار (5)، وقوله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار (6).

2 - وجهة نظر المهاجرين:

وهم أول الناس إسلاماً، و أوسط العرب أنساباً، ولن تدين قبائل العرب، إلا لقريش، كما دانت لهم في الجاهلية، فالخلافة في قريش، وقد عبر عن هذا الرأي أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب

(1) صحيح البخاري 5 / 38.

(2) صحيح البخاري 5 / 38.

(3) صحيح البخاري 5 / 40.

(4) صحيح البخاري 5 / 40.

(5) صحيح البخاري 5 / 40.

(6) صحيح مسلم 16 / 67، وانظر فضائل أخرى في صحيح مسلم 16 / 67 - 71.


337

وأبو عبيدة بن الجراح، واحتجوا على الأنصار بأن قريشاً أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه منهم (1).

وقد رد الفاروق عمر بن الخطاب على الحباب بن المنذر، فقال: هيهات، لا يجتمع اثنان في قرن، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم، ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبي من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، ومتورط في هلكه (2).

3 - وجهه نظر بني هاشم:

- وفيهم العباس بن عبد المطلب - عم النبي صلى الله عليه وسلم - وابنا عمه الإمام علي بن أبي طالب والفضل بن العباس، ومعهم ابن عمته الزبير بن العوام، وقد ظهرت آراؤهم بعد السقيفة، وقد رأوا أن الإمام علي أحق بالخلافة من غيره، وفي ذلك يقول الفضل بن العباس: يا معشر قريش، ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها، وصاحبنا (أي الإمام علي) أولى بها منكم (3)، هذا إلى أن الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما يؤكد أنه صاحب هذا الأمر، وأنه لم يستشر (4).

هذا وقد اختلف بواعث المؤيدين للإمام علي، فكان باعث القرابة بالنسبة لذوي قرباه، كالعباس وولده الفضل، والزبير، وربما خالد بن سعيد الأموي، هذا فضلاً عن كفاءة يرونها في الإمام علي، وكان باعث الاعتقاد في أفضلية الإمام علي بالنسبة لغيره من الصحابة، وهؤلاء يراهم جمهور الشيعة، وبعض

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 123.

(2) تاريخ الطبري 3 / 220.

(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 124.

(4) أنظر: البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 582، تاريخ الطبري 3 / 202، 208، المسعودي: مروج الذهب 1 / 594.


338

السنة رواد التشيع الأوائل، وعلى رأسهم سلمان وأبو ذر وعمار والمقداد.

ويقول خالد بن سعيد الأموي - وكان غائباً يوم السقيفة - للإمام علي:

هلم أبايعك، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك (1)، وروى المدائني عن أبي زكريا العجلاني عن صالح بن كيسان قال: قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى علياً وعثمان فقال:

أنتما الشعار، دون الدثار، أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم عليكم غيركم؟ فقال علي: أو غلبة تراها؟ إنما هو أمر الله يضعه حيث يشاء، قال: فلم يحتملها عليه أبو بكر، واضطغنها عمر... ولم يبايع خالد أبا بكر إلا بعد ستة أشهر (2).

ويقول سلمان الفارسي - حين بويع أبو بكر - كرداذ وناكرداذ، أي علمتم وما عملتم، لو بايعوا علياً لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم (3)، وقد أنشد عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب:

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف*عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن

عن أول الناس إيماناً وسابقة*وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وآخر الناس عهداً بالنبي ومن*جبريل عون له في الغسل والكفن

من فيه ما فيهم لا يمترون به*وليس في القوم ما فيه من الحسن (4)

ولعل من الأهمية بمكان التركيز هنا على حقيقة لا ريب فيها، ذلك أن أصحاب النبي الكبار، بإيمانهم وتقواهم. - من أمثال الصديق والفاروق وذي النورين والإمام - لا يتنافسون مغنماً من مغانم الدنيا، مهما عظم، لا سيما في ذلك الوقت، حيث كانت فجيعتهم بموت نبيهم، لا تترك في أنفسهم المفعمة

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 126.

(2) أنساب الأشراف 2 / 588.

(3) أنساب الأشراف 1 / 591.

(4) محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين ص 143 - 144 (دار الأندلس - بيروت).


339

بالأسى، مكاناً لأي من رغبات الحياة الدنيا، وإنما يرجع استمساك كل منهم بموقفه، إلى أن كلاً منهم إنما وقف إلى جانب اقتناعه وما اعتقد أنه الحق، ثم إن الخلافة - وإن كانت في شكلها الخارجي تشكل سلطة سياسية، ومنصباً دينياً - إلا أنها في أفئدتهم، وفي إدراكهم الحقيقي لها، لم تكن سوى وظيفة من أسمى وظائف الهداية والقدوة، وفي مثل هذا، لا جرم أن يتنافس المتنافسون.

هذا إلى أن وقائع التاريخ وحقائقه، إنما تؤكد أن الخلفاء الراشدين الأربعة، لم يكونوا يرون في منصب الخلافة سوى عبء فادح مبهظ، ولولا أن الهروب منه خيانة لله ورسوله وللمسلمين، لجعلوا بينهم وبينه بعد المشرقين، فلا الطموح الشخصي، ولا الرغبة في النفوذ والسلطان، كان لأحدهما، أولهما معاً، مكان بين دوافع ذلك الخلاف، الذي ثار حول من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم، تلك حقيقة لا ريب فيها.

ومن المعروف أن الإمام علي، وآل البيت الطيبين الطاهرين، قد انشغلوا - بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بتجهيزه صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الأثناء، وقبل أن تشيع جنازة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يزال بعد مسجى في بيته، وقد أغلق أهله دونه الباب، حدث أمر جد خطير، فلقد اجتمع الخزرج بقيادة سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة (1)، وخف إليهم رجال الأوس، بغية أن يختاروا من بينهم

(1) أنظر عن أخبار يوم السقيفة (تاريخ الطبري 3 / 201 - 207، 218 - 223، تاريخ ابن خلدون 2 / 853 - 855 (القاهرة 1979)، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 325 - 332، سيرة ابن هشام 4 / 488 - 492، شرح نهج البلاغة 6 / 5 - 45 (بيروت 1965)، محمد حسين هيكل:

الصديق أبو بكر ص 47 - 71 (القاهرة 1964)، الفاروق عمر ص 74 - 76 (القاهرة 1963)، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 58 - 70 (القاهرة 1952)، ابن كثير: البداية والنهاية 6 / 340 - 341، البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 579 - 591 (القاهرة 1959)، سليم بن قيس: كتاب سليم بن قيس - أو السقيفة (المطبعة الحيدرية - النجف).

الشبلنجي: نور الأبصار ص 53، ابن عبد ربه: العقد الفريد 5 / 11 - 114 (بيروت 1983)، أحمد الشامي: الخلفاء الراشدون ص 16 - 38 (القاهرة 1982).


340

رجلاً، يكون على رأس المسلمين - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلقد اعتقد الأنصار أنهم أولى بهذا الأمر، بعد أن آوى الإسلام إليهم، وأذن الله لرسوله بالهجرة إليهم، ليتخذ مدينتهم موطناً له، ومنطلقاً لرسالته، فأتى الخبر أبا بكر، فأسرع معه عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، إلى سقيفة بني ساعدة، وبعد جدال طال، ولم يستطل، انتهى المجتمعون إلى اختيار أبي بكر خليفة للمسلمين.

وكان الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - في تلك الساعات الرهيبة، بجوار الجثمان الطاهر، المسجى في حجرته، ومن ثم فلم يحضر - هو وكذا بنو هاشم - اجتماع السقيفة، ولو شهد الإمام علي هذا الاجتماع، لكان له فيه مقال، ولربما أخذت الأمور في هذا اليوم المشهود اتجاهاً آخر غير اتجاهها الذي سارت فيه، خاصة وأن كثيراً من المصادر تذهب إلى أن الأنصار، إنما كانوا يفضلون الإمام علي بن أبي طالب (1).

على أن الإمام علي سرعان ما بايع الصديق، حين رأى في عدم بيعته فرقة للمسلمين، قد يستغلها ضعاف الإيمان، روي أن أبا سفيان بن حرب - وهو من الطلقاء، ومن المؤلفة قلوبهم - انتهز الفرصة وعمل على إشعال نار الفتنة بين علي والعباس، ثم بين بني هاشم وسائر بطون قريش، يعد قوماً بنصرة بني أمية، ونصرة قريش من ورائها، ويوسوس لقوم آخرين بمثل هذا الوعد، أو بمثل هذا الوعيد، وما كان من همه أن ينصف بني هاشم، ولا أن يؤيد الأنصار، وإنما أراد الوقيعة التي يخذلهم بها جميعاً، أملاً في أن يعود له ما كان في الجاهلية.

روى البلاذري بسنده عن محمد بن المنكدر قال: جاء أبو سفيان إلى علي فقال: أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة، أما والله لئن شئتم لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً، فقال علي: لست أشاء ذلك، ويحك يا أبا سفيان، إن المسلمين

(1) أنظر: تاريخ اليعقوبي 2 / 123، شرح نهج البلاغة 6 / 44 - 45، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 325.


341

نصحة بعضهم لبعض، وإن ناءت دارهم وأرحامهم، وإن المنافقين غششة بعضهم لبعض، وإن قربت ديارهم وأرحامهم، ولو لا أنا رأينا أبا بكر أهلاً لها، ما خليناه وإياها.

وروى المدائني بسنده عن الحسين عن أبيه: أن أبا سفيان جاء إلى علي، عليه السلام، فقال: يا علي، بايعتم رجلاً من أذل قبيلة في قريش، أما والله لو شئت لأضر منها عليه من أقطارها، ولأملأنها عليه خيلاً ورجالاً، فقال علي:

إنك طال ما غششت الله ورسوله، والإسلام فلم ينقصه ذلك شيئاً، إن المؤمنين وإن ناءت ديارهم وأبدانهم، نصحة بعضهم لبعض، وإنا قد بايعنا أبا بكر، وكان والله لها أهلاً (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الخلاف الشديد بين العلماء حول الوقت الذي بايع فيه الإمام الصديق، فهناك اتجاه إلى أن الإمام علي إنما قد بايع أبا بكر الصديق عقب بيعة الناس له مباشرة، روى الطبري بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال: كان علي في بيته إذ أتي فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء، عجلاً، كراهية أن يبطئ عنها، حتى بايعه، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله، ولزم مجلسه (2).

وروى البيهقي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر، قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن أنصار خليفته، كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم، ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم، فأخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصار، وقال: فصعد أبو بكر المنبر، فنظر في وجوده القوم، فلم ير الزبير، قال: فدعا الزبير فجاء، قال: قلت: ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردت

(1) أنساب الأشراف 1 / 588.

(2) تاريخ الطبري 3 / 207.


342

أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً، فدعا بعلي بن أبي طالب، قال: قلت:

ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال:

لا تثريب يا خليفة رسول الله، فبايعه (1).

على أن هناك وجهاً آخر للنظر، يذهب إلى أن البيعة تمت مباشرة، غير أنها تمت بإكراه، فقد روي عن أبي لهيعة عن أبي الأسود قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر، بغير مشورة، وغضب علي والزبير، فدخلا بيت فاطمة، معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، فيهم أسيد بن حضير، وسلمه بن قريش - وهما من عبد الأشهل - فاقتحما الدار، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله، فأخذوا سيفيهما، فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا (2).

وفي تاريخ الطبري (3): وتخلف علي والزبير، واخترط الزبير سيفه وقال:

لا أغمده حتى يبايع علي، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقال عمر: خذوا سيف

(1) ابن كثير: البداية والنهاية 6 / 341.

(2) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 6 / 47.

(3) هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، المؤرخ المفسر المحدث الفقيه أحد العلماء غزيري الإنتاج في العلوم الإسلامية، لم يقتصر اهتمامه على التاريخ والتفسير والحديث، بل تناول النحو والأخلاق والرياضيات والطب، وكان في أول أمره على مذهب الشافعي، ثم أسس بعد عودته من مصر مدرسة فقهية نسبت إليه سميت الجريرية، وإن كانت شهرته إنما تقوم على كتابيه: تاريخ الطبري وتفسير الطبري، ولد عام 224 أو 225 هـ‍(839 م) وتوفي في بغداد عام 310 هـ‍(1923)، وأهم مصادر ترجمته: الفهرست ص 234 - 235، تاريخ بغداد للخطيب 2 / 162 - 169، إرشاد الأريب لياقوت 6 / 423 - 462 (ط لندن) 18 / 40 - 94 (ط القاهرة)، أنباء الرواة للقفطي 3 / 89 - 90، غاية النهاية لابن الجوزي 2 / 106 - 108، تذكرة الحفاظ للذهبي 2 / 251 - 255، المنتظم لابن الجوزي 6 / 170 - 172، الذهبي: ميزان الاعتدال 3 / 53، دول الإسلام 1 / 47، الوافي بالوفيات للصفدي 2 / 284 - 287، لسان الميزان لابن حجر 5 / 100 - 103، البداية والنهاية لابن كثير 11 / 145 - 147، الأعلام للزركلي 6 / 294، مهران: التاريخ والتأريخ ص 125 - 134).


343

الزبير، فاضربوا به الحجر، قال: فانطلق إليهم عمر، فجاء بهما تعباً، وقال:

لتبايعان وأنتما كارهان، فبايعا (1).

وعن الشعبي (2) قال: قال أبو بكر: يا عمر، أين خالد بن الوليد؟ قال:

هوذا، فقال: انطلقا إليهما - يعني علياً والزبير - فأتيا بهما، فانطلقا، فدخل عمر، ووقف خالد على الباب من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟، قال: أعددته لأبايع علياً، قال: وكان في البيت ناس كثير، منهم المقداد بن الأسود، وجمهور كثير من الهاشميين، فاخترط عمر السيف فضرب صخرة في البيت فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه، وقال: يا خالد، دونك هذا، فأمسكه خالد - وكان مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر رداءً لهما - ثم دخل عمر فقال لعلي: قم فبايع فتلكأ واحتبس، فأخذ بيده، وقال: قم، فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه، كما دفع الزبير، ثم أمسكهما خالد، وساقهما عمر ومن معه سوقاً عنيفاً واجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال.

ورأت فاطمة ما صنع عمر، فصرخت وولولت، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر، حتى ألقى الله.

قال: فلما بايع علي والزبير، وهدأت تلك الفورة، مشى إليها أبو بكر بعد ذلك، فشفع لعمر، وطلب إليها فرضيت.

(1) تاريخ الطبري 3 / 203.

(2) الشعبي: أبو عمر عامر بن شراحيل الشعبي، ولد بالكوفة عام 19 هـ‍(640 م) وكان محدثاً وعالماً في الفقه والمغازي، عارفاً بالشعر، رواية له، وعمل قاضياً لعمر بن عبد العزيز، وتوفي عام 103 هـ‍(721 م)، وأهم مصادر ترجمته (طبقات ابن سعد 6 / 246 - 256 (ط بيروت)، تاريخ بغداد 12 / 227 - 233 د حلية الأولياء 4 / 310 - 338، تذكرة الحفاظ للذهبي 79 - 88، التهذيب لابن حجر 5 / 65 - 69، الأعلام للزركلي 4 / 18 - 19، معجم المؤلفين لكحالة 5 / 54، وفيات الأعيان لابن خلكان 3 / 12 - 16).


344

غير أن رواية أخرى عن داود بن المبارك قال: أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، ونحن راجعون من الحج، في جماعة، فسألناه عن مسائل، وكنت أحد من سأله، فسألته عن أبي بكر وعمر، فقال: أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن، فإنه سئل عنهما، فقال: كانت أمنا صديقة، ابنة نبي مرسل، وماتت وهي غضبى على قوم، فنحن غضاب لغضبها (1).

وروى ابن الأثير (2): لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم، ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منا الأمراء ومنكم الوزراء، ثم قال أبو بكر: رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر وأبا عبيدة أمين هذه الأمة، فقال عمر: أيكم يطيب نفساً أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم؟ فبايعه عمر، وبايعه الناس.

فقالت الأنصار - أو بعض الأنصار - لا نبايع إلا علياً، وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة، وقال الزبير: لا أغمد سيفاً حتى يبايع علي، فقال عمر: خذوا سيفه، واضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة.

وقال موسى بن عقبة (3) في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن سلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر، واعتذر للناس، ثم بايع علي والزبير (4).

(1) شرح نهج البلاغة 6 / 48 - 49.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 325.

(3) أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، لا نعلم عام مولده، تلميذ الزهري، وعاش في المدينة، وله حلقة في المسجد النبوي، كان مؤرخاً مهتماً بمغازي الرسول والخلفاء الراشدين، وتوفي عام 141 ع‍ (758 م) (أنظر: فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي 2 / 84 - 86 (الرياض 1983).

(4) البداية والنهاية 6 / 341.


345

على أن هناك رواية (1) تذهب إلى أن عمر بن الخطاب إنما هدد بحرق بيت الزهراء، إذا لم يبايع علي، فلقد روى ابن شبه، عن رجاله، قال: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار، ونفر قليل من المهاجرين، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري، ورجل آخر، فندر السيف من يده، فضرب به عمر الحجر فكسره، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً، حتى بايعوا أبا بكر.

وروى الطبري بسنده عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي، وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (2).

على أن هناك وجهاً ثانياً للنظر، يذهب إلى أن أبا بكر لما بويع تخلف علي فلم يبايع، فقيل لأبي بكر: إنه كره إمارتك، فبعث إليه: أكرهت إمارتي؟

قال: لا، ولكن القرآن خشيت أن يزاد فيه، فحلفت ألا أرتدي رداء حتى أجمعه، اللهم إلا إلى صلاة الجمعة، فقال أبو بكر: لقد أحسنت، قال: فكتبه عليه السلام، كما أنزل، بناسخه ومنسوخه (3).

وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن السدي عن عبد خير عن علي قال:

لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري، حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضع ردائي عن ظهري حتى جمعت القرآن (4).

هذا وقد اتفق الكل على أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن غيره كثير يحفظه، ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة

(1) شرح نهج البلاغة 6 / 48.

(2) تاريخ الطبري 3 / 202.

(3) شرح نهج البلاغة 6 / 40.

(4) حلية الأولياء 1 / 67.


346

أبي بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القرآن، فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن، لأنه لو كان مجموعاً على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما احتاج أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

وفي الواقع، أننا لو رجعنا إلى كتب القراءات، وجدنا أئمة القراء يرجعون إليه، كأبي عمرو بن العلاء (689 - 770 م)، وعاصم بن أبي النجوم (المتوفى 127 هـ‍/ 745 م) وغيرهما، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه، وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه (1).

وهناك في العقد الفريد رواية تذهب إلى أن الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر: علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس فقعدوا في بيت فاطمة، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من النار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة، فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أحفظ القرآن، فعليه حبست نفسي (2).

على أن هناك وجهاً ثالثاً يذهب أصحابه إلى أن الإمام علي لم يبايع الصديق، إلا بعد موت سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (3)، روى البخاري في صحيحه بسنده عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أن فاطمة عليها السلام، بنت النبي صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من

(1) شرح نهج البلاغة 1 / 27 - 28.

(2) العقد الفريد 5 / 13 - 14.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 325، 331، المسعودي: مروج الذهب 1 / 595، ابن عبد ربه: العقد الفريد 1 / 14، تاريخ الطبري 3 / 207 - 209.


347

رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم، في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يؤذن بها أبو بكر، وصلى عليها.

وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا، ولا يأتينا أحد معك، كراهية لمحضر عمر، فقال عمر: لا والله، لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، والله لآتينهم، فدخل عليه أبو بكر، فتشهد علي، فقال: إنا قد عرفنا فضلك، وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيباً، حتى فاضت عينا أبي بكر.

فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال، فلم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته، فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي، فعظم حق أبي بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكار للذي فضله الله به، ولكنه نرى لنا في هذا الأمر نصيباً، فاستبد علينا، فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت،


348

وكان المسلمون إلى علي قريباً، حين راجع الأمر المعروف (1).

ويناقش الدكتور طه حسين كل أوجه القضية فيقول: بقيت مسألتان خلط فيهما الرواة تخليطاً عظيماً، وليس بد من أن نتبين وجه الحق فيهما:

فأما الأولى: فبيعة علي لأبي بكر: فالرواة يختلفون فيها أشد الاختلاف، يقول قوم: إن علياً بايع أبا بكر، حين بايعه غيره من المسلمين، وهؤلاء يختلفون فيما بينهم، فيزعم بعضهم أن علياً كان جالساً في داره وعليه قميص - ليس عليه إزار، ولا رداء - فجاءه من أنبأه بأن أبا بكر قد جلس للبيعة، وأن الناس يبايعونه، فأسرع علي إلى المسجد، وأعجله السرع عن أن يتخذ إزاره ورداءه، ومضى حتى بايع أبا بكر، ثم جلس وأرسل من جاءه بثوبه فجلله - وواضح ما في هذا من السرف.

وآخرون يزعمون أن علياً أبطأ عن البيعة، وأبطأ معه الزبير بن العوام، فأرسل عمر من جاء بهما، ثم قال لهما: والله لتبايعا طائعين، أو لتبايعا كارهين - وواضح كذلك ما في هذا من الكذب.

فما كان أبو بكر ليخلي بين عمر، وبين العنف بعلي، إثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجه فاطمة حية، وإنما هذا الخبر متكلف، أريد به إلى إظهار أن علياً لو ترك وشأنه ما بايع أبا بكر.

وكثير من الرواة يزعمون أن علياً لم يبايع أبا بكر إلا متأخراً، وأن بني هاشم صنعوا صنيعه، فامتنعوا على أبي بكر، وخالفوا جماعة المسلمين، وظلوا على هذا الخلاف ستة أشهر، حتى إذا توفيت فاطمة رحمها الله بايعوا.

وواضح في هذا من الكذب أيضاً، فما كان علي وبنو هاشم ليفارقوا جماعة المسلمين، وليتلبثوا حتى تموت فاطمة ثم يكون إقبالهم على البيعة، حين رأوا أن الناس قد انصرفوا عنهم، بعد موت فاطمة.

(1) صحيح البخاري 5 / 177 - 178.


349

وأيسر العلم - بفضل علي، رحمه الله، ونصحه للمسلمين، وحسن بلائه في الإسلام أيام النبي صلى الله عليه وسلم، يمنع من قبول هذه الرواية، وإنما خلط الرواة بين أمرين مختلفين أشد الاختلاف، أحدهما بيعة علي لأبي بكر، والآخر ما كان من مغاضبة فاطمة لأبي بكر في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد طلبت فاطمة حقها من ميراث أبيها في فدك، وفي سهمه في خيبر، فلم يجبها أبو بكر إلى ما طلبت، لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث ما تركنا صدقة، فهجرته فاطمة، ولم تكلمه حتى ماتت.

وكان علياً جفا أبا بكر لهجران فاطمة له، والحقيقة أن هذا شئ لا شأن له بالبيعة، وإنما بايع علي حين بايع الناس في غير إسراع ولا إكراه، رأى أن كلمة المهاجرين والأنصار قد اجتمعت على أبي بكر، فلم يخالف عما أجمع عليه المسلمون، ولو خالف علي - أو هم بالخلاف - لاستطاع أن يحاج أبا بكر بحجته على الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقد احتج أبو بكر على الأنصار بأن المهاجرين من قريش هم أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبالأمر من بعده.

ومما لا شك فيه أن علياً كان أقرب إلى النبي من أبي بكر وعمر، فهو ابن عمه، وزوج ابنته، وأبو سبطيه، ولكن علياً لم يفعل، على ما زعم بعض الرواة، وما كان في حاجة إلى أن يفعل، فأبو بكر كان يعرف قرابته حق المعرفة، كما كان يعرفها غيره من المسلمين، وإنما نظر الناس إلى سن أبي بكر، وفضله وحسن مواساته للنبي صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين، واختصاص النبي له بمصاحبته في هجرته، ثم أمره أن يصلي بالناس، حين ثقل عليه المرض، فكان الناس يقولون: اختاره رسول الله لديننا، فلم لا نختاره لأمر دنيانا.

والمهم أن أحداً لم يخالف على أبي بكر، لا من بني هاشم ولا من غيرهم، وكل ما يقال غير هذا إنما تكلفه المتكلفون بآخره، حين افترق الناس شيعاً وأحزاباً (1).

(1) طه حسين: الشيخان ص 34 - 37 (القاهرة 1992).


350

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أننا نستطيع من الآراء السابقة أن نستنتج أن هناك اتجاهاً بين الصحابة يذهب إلى تفضيل الإمام علي بن أبي طالب على جميع الصحابة، وأن هذا الاتجاه قد ظهر بمجرد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هناك دواعي سياسية دعت إلى هذا الاتجاه، فقد اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة - والإمام علي مشغول بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم، لقبره فبايعوا أبا بكر، باقتراح من عمر، وثقل على فارس الإسلام وبطله أن يمضي الصحابة الأمور دونه، وثقل على الزهراء، وعلى شيعة علي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رأى البعض أحقية علي بالخلافة.

وهكذا بدأت تظهر شيعة للإمام علي، قال أبان بن تغلب: قلت لجعفر بن محمد (الصادق) - جعلت فداك - هل كان أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنكر على أبي بكر فعله؟ قال: نعم، اثنا عشر رجلاً، من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي، ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف، وخزيمة بن ثابت وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري (1).

وفي كتاب العيون والمحاسن أن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي قال - عندما بويع أبو بكر -:

ما كنت أحسب أن الأمر منتقل*عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

أليس أول من صلى لقبلتهم*وأعلم الناس بالآيات والسنن

وآخر الناس عهداً بالنبي ومن*جبريل عون له في الغسل والكفن

ما الذي ردكم عنه فنعلمه*ها إن بيعتكم من أول الفتن

وقال عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي:

(1) عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص 32 - 33 (القاهرة 1977).


351

وكان ولي الأمر بعد محمد*علي وفي كل المواطن صاحبه

وصي رسول الله حقاً وجاره*وأول من صلى ومن لان جانبه (1)

وكل هذا إنما يدل على أن التشيع بدأ منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر واضحاً يوم وفاته، وإن لم يستطع أن يقوم بدور في الأحداث التي جرت وقت ذاك، وعلى أية حال، فما أن بويع الصديق بالخلافة حتى شعر حزب الإمام علي بن لصرف الحق عن أهله.

غير أنهم سرعان ما بدأوا يوجهون الناس نحو الإمام علي، ويحدثونهم عن فضائله ومكانته عند الله ورسوله، ويؤكدون حقه في الخلافة، ويركزون دعايتهم هذه على كتاب الله وسنة نبيه، وهما أشد وسائل الدعاية تأثيراً في نفوس المسلمين، بل الدعاية، مهما يكن نوعها، لا تبلغ غايتها إلا عن طريق الدين، لأنه كان يومذاك أساس الحياة، بخاصة الحكم والسلطان.

هذا وقد انتشر الشيعة من الأصحاب في الأمصار على أيام الصدق والفاروق وذي النورين، وكثير منهم تولى الإمارة والمناصب في الحكومات في البلاد الإسلامية، وكانوا يحدثون الناس عن الإمام علي وفضائله، وعلى سبيل المثال: كان سلمان الفارسي - والي المدائن - يحدث الناس ويقول: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم، على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب، والموالاة له وقال: إن عند علي علم المنايا والوصايا، وفصل الخطاب، وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت وصيي وخليفتي في أهلي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، ثم يقول: أما والله لو وليتموها علياً لأكتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم (2).

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 22 - 23 (ط دار التعارف - بيروت).

(2) الشيعة في الميزان ص 26.


352

هذا وقد نسب إلى سلمان - حين بويع أبو بكر - قوله: يا أيها الناس قدموا من هو أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه، ومن قدمه النبي في حياته، وأوصاكم به عند وفاته، ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا، وإن عند علي بن أبي طالب علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب (1).

وكان أبو ذر الغفاري ينادي - يوم بويع أبو بكر - يا معشر قريش، تركتم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ليرتد جماعة من العرب، ولتشكن في هذا الدين، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان، والله لقد صارت لمن غلب، ولتطمحن إليها عين من ليس من أهلها، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة، إن علياً هو الصديق الأكبر. وهو الفاروق - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب الدين، والمال يعسوب الظلمة (2).

وقد وصف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإمام علي بذلك، روى الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الله بن أسعد بن زرارة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوحي إلي في علي ثلاث: إنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين (3).

وروى أبو نعيم في حليته بسنده عن الحارث بن حصيرة عن القاسم بن جندب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس اسكب لي وضوءاً، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب، أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين، قال أنس: قلت اللهم اجعله رجلاً من الأنصار وكتمته، إذ جاء علي فقال: من هذا يا أنس، فقلت: علي، فقام مستبشراً فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق علي

(1) نفس المرجع السابق ص 99.

(2) نفس المرجع السابق ص 99.

(3) المستدرك للحاكم 3 / 137، وانظر: كنز العمال 6 / 157، مجمع الزوائد 9 / 121، حلية الأولياء 1 / 66.


353

بوجهه، قال علي: يا رسول الله، لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي من قبل، قال: وما يمنعني، وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي (1).

وكان أبو ذر ينادي في الناس، ويقول: عليكم بكتاب الله، وعلي بن أبي طالب، وكان يدخل الكعبة، ويتعلق بحلقة بابها، ويقول: أنا جندب بن جنادة، لمن عرفني، وأنا أبو ذر لمن لم يعرفني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة مثل سفينة نوح في لجة البحر، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ألا هل بلغت؟

وكان أبو ذر يسمي علياً بأمير المؤمنين في عهود أبي بكر وعمر وعثمان، وكان يقف في موسم الحج ويقول: يا معشر الناس أنا صاحب رسول الله، وسمعته يقول في هذا المكان - وإلا صمت أذناي - علي بن أبي طالب، الصديق الأكبر، فيا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، لو قدمتم ما قدمه الله ورسوله، وأخرتم من أخره الله ورسوله، لما عال ولي الله ولا طاش سهم في سبيل الله، ولا اختلفت الأمة بعد نبيها (2).

وقال عمار بن ياسر - يوم بويع أبو بكر - يا معشر قريش، ويا معشر المسلمين، إن أهل بيت نبيكم أولى به - أي النبي - وأحق بأثره، وأقوم بأمور الدين، وأحفظ لملته، وأنصح لأمته، فردوا الحق إلى أهله، قبل أن يضطرب حبلكم، ويضعف أمركم، ويظهر شتاتكم، تعظم الفتنة بكم، ويطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم، وعلي أقرب إلى نبيكم، وهو من بينكم وليكم بعهد الله ورسوله (3).

(1) حلية الأولياء 1 / 63 - 64.

(2) الشيعة في الميزان ص 26.

(3) نفس المرجع السابق ص 100.


354

وهكذا قام هؤلاء الأصحاب بدور رئيسي - مع غيرهم من محبي الإمام علي - في بث التشيع على أيام الخلفاء الثلاثة - أبي بكر وعمر وعثمان - وغرس جذوره وبذوره في كل أرض وطأتها أقدامهم، دعوا إلى التشيع على صعيد القرآن والحديث، وبذكاء ومرونة وطول أناة، وكانوا محل التعظيم والثقة عند الناس لمكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تجاوبت معهم عقول الكثيرين وقلوبهم، وكان لأقوالهم أثرها البالغ، ونتائجها البعيدة، ورغم أن بعضهم تعرض للشتم والتشريد والضرب - كأبي ذر وعمار - فقد استمروا في بث الدعوة بصبر وشجاعة (1).

هذا ويذهب الشيخ أبو زهرة إلى أن نشأة الشيعة إنما كانت ابتداء في مصر، وكان ذلك على أيام عثمان، إذ وجد الدعاة فيها أرضاً خصبة، ثم عمت بعد ذلك أرض العراق (2).

وفي أعيان الشيعة: أن عثمان أرسل رجلاً يتحرون العمال، ومنهم عمار بن ياسر، الذي أرسله إلى مصر، فعاد هؤلاء الرجال يمتدحون الولاة، إلا عماراً، استبطأه الناس، حتى ظنوا أنه اغتيل، فلم يفاجئهم إلا كتاب من عبد الله بن أبي السرح (3) - والي مصر - يخبرهم أن عماراً قد استمال القوم

(1) نفس المرجع السابق ص 28.

(2) محمد أبو زهرة: الإمام زيد ص 107.

(3) عبد الله بن سعد بن أبي سرح، من قريش الظواهر، وليس من قريش البطاح، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، أرضعته أم عثمان، أسلم قبل الفتح، وهاجر إلى المدينة، وكتب الوحي لرسول الله، ثم ارتد مشركاً، وعاد إلى مكة يحدث قريشاً الكذب على رسول الله، ويقول: كنت أصرف محمداً حيث أريد، كان يملي علي عزيز حكيم فأقول أو عليم حكيم، فيقول: نعم كل صواب، فافتتن وقال: ما يدري محمد ما يقول: إني لأكتب ما شئت، هذا الذي يوحي إلي، كما يوحي إلى محمد، ثم خرج هارباً إلى مكة مرتداً، وفيه نزلت آية الأنعام (93)، وفي فتح مكة أهدر النبي دمه فقال: من أخذ ابن أبي سرح فليضرب عنقه حيثما وجده، وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة فاختبأ عند عثمان الذي جاء به وطلب من النبي مبايعته، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم قال لأصحابه: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله، قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك، قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون خائنة الأعين وفي عهد عثمان عين والياً على مصر عام 25 هـ‍، بدلاً من

‌>


355

بمصر، وقد انقطعوا إليه، فكان تصريح عمار بالحق سبباً في اعتداء غلمان عثمان عليه، فضربوه حتى انفتق له في بطنه فتق، وكسروا ضلعاً من أضلاعه (1).

وهكذا - كما يقول الأستاذ مغنية - كان الصفوة الخلص من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أجهزة الدعاية للتشيع، يوجد حيثما يوجدون، وينبت حيث يحلون، وسلاحهم الوحيد كتاب الله وسنة نبيه، ابتدأ التشيع في مصر بسبب عمار، وفي الشام وتوابعها - كجبل عامل - بسبب أبي ذر، حيث نفاه عثمان إلى هناك، وفي المدائن بسبب سلمان الفارسي، وفي الحجاز بسبب هؤلاء أنفسهم، وآخرين مثل حذيفة بن اليمان (2) - صاحب رسول الله - وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي بن كعب، ومن إليهم.

وقد أورد صاحب الكشكول فيما جرى على آل الرسول أسماء أكثر من مائة صحابي، كانوا يتشيعون للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - ويحفظون الأحاديث التي كانوا قد سمعوها من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الولاية، وينشرونها في الأمصار الإسلامية، الأمر الذي يشير بوضوح إلى عدم صحة دعوة من يرون أن سبب التشيع إنما هو الفرس وابن سبأ، وأن ذلك مجرد افتراء (3).

<‌

عمرو بن العاص الذي بدا يطعن في عثمان بسبب عزله، ومات عبد الله عام 36 هـ‍أو 37، وقيل بقي إلى أيام معاوية فمات عام 59 هـ‍، (أنظر: أسد الغابة 2 / 259 - 261، ابن كثير: السيرة النبوية 3 / 565 - 566، سيرة ابن هشام 4 / 311 - 312، تفسير الطبري 11 / 533 - 535، تفسير القرطبي ص 2475 - 2477، تفسير النسفي 2 / 23، تفسير الظلال 6 / 1149، الإصابة 2 / 316 - 318، الإستيعاب 2 / 375 - 378، مهران السيرة النبوية الشريفة 2 / 397 - 398، السيرة الحلبية 3 / 36 - 37).

(1) أعيان الشيعة 42 / 213 (ط 1958).

(2) أنظر عن مصادر ترجمة حذيفة بن اليمان (الإصابة 1 / 317 - 318، الإستيعاب 1 / 277 - 278، أسد الغابة 1 / 468 - 470، حلية الأولياء 1 / 270 - 283، البخاري 5 / 49، ابن حنبل: كتاب الزهد ص 179 - 180، مروج الذهب للمسعودي 1 / 671).

(3) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 29.


356

ثالثاً: منذ قصة الشورى

روى الماوردي بسنده عن الزهري عن ابن عباس قال: وجدت عمر ذات يوم مكروباً، فقال: ما أدري ما أصنع في هذا الأمر؟ أقوم فيه وأقعد؟ فقلت:

هل لك في علي، فقال: إنه لها لأهل، ولكنه رجل فيه دعابة، وإني لأراه لو تولى أمركم لحملكم على طريقة من الحق تعرفونها، قال قلت: فأين أنت عن عثمان؟ فقال: لو فعلت لحمل ابن أبي معيط على رقاب الناس، ثم لم تلتفت إليه العرب حتى تضرب عنقه، والله لو فعلت لفعل، ولو فعل لفعلوا، قال:

فقلت فطلحة؟ قال: إنه لزهو، ما كان الله ليوليه أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مع ما يعلم من زهوه، قال فقلت فالزبير؟ قال: إنه لبطل، ولكنه يسأل عن الصاع والمد بالبقيع بالسوق، أفذاك يلي أمر المسلمين؟ قال فقلت سعد بن أبي وقاص؟

قال: ليس هناك، إنه لصاحب مقثب يقاتل عليه، فأما ولي أمر فلا، قال فقلت فعبد الرحمن بن عوف؟ قال: نعم الرجل ذكرت لكنه ضعيف، إنه والله لا يصلح لهذا الأمر يا ابن عباس، إلا القوي في غير عنف، اللين من غير ضعف، والممسك من غير بخل، والجواد في غير إسراف (1).

وروى اليعقوبي عن ابن عباس قال: طرقني عمر بن الخطاب بعد هدأة من الليل فقال: أخرج بنا نحرس نواحي المدينة، فخرج وعلى عنقه درته - حافياً، حتى أتى بقيع الغرقد، فاستلقى على ظهره، وجعل يضرب أخمص قدميه بيده، وتأوه صعداً فقلت له: يا أمير المؤمنين: ما أخرجك إلى هذا الأمر؟ قال:

أمر الله يا ابن عباس، قال: إن شئت أخبرك بما في نفسك، قال: غص غواص إن كنت لتقول فتحسن، قال: ذكرت هذا الأمر بعينه، وإلى من تصيره، قال:

(1) أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 11 - 12 (بيروت 1982).


357

صدقت، قال: فقلت له: أين أنت من عبد الرحمن بن عوف؟ فقال: ذاك رجل ممسك، وهذا الأمر لا يصح إلا لمعط في غير سرف، ومانع في غير إقتار، قال: فقلت: سعد بن أبي وقاص؟ قال: مؤمن ضعيف، قال فقلت: طلحة بن عبيد الله؟ قال: ذاك رجل يناول للشرف والمديح، يعطي ماله حتى يصل إلى مال غيره، وفيه بأو وكبر.

قال فقلت: فالزبير بن العوام، فهو فارس الإسلام؟ قال: ذاك يوم إنسان ويوم شيطان، وعفة نفس، إن كان ليكادح على المكيلة من بكرة إلى الظهر، حتى تفوته الصلاة، قال فقلت: عثمان بن عفان؟ قال: إن ولي حمل ابن أبي معيط وبني أمية على رقاب الناس، وأعطاهم مال الله، ولئن ولي ليفعلن والله، ولئن فعل لتسيرن العرب إليه حتى تقتله في بيته، ثم سكت.

قال: فقال: امضها يا ابن عباس، أترى صاحبكم لها موضعاً؟ قال فقلت:

وأين يبتعد من ذلك، مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه؟ قال: هو والله، كما ذكرت، ولو وليهم تحملهم على منهج الطريق فأخذ المحجة الواضحة، إلا أن فيه خصالاً: الدعابة في المجلس، واستبداد الرأي، والتبكيت للناس - مع حداثة السن - (يعني علي بن أبي طالب).

قال قلت: يا أمير المؤمنين، هلا استحدثتم سنه يوم الخندق، إذ خرج عمرو بن عبد ود، وقد كعم عنه الأبطال، وتأخرت عنه الأشياع، ويوم بدر، إذ كان يقط الأقران قطاً، ولا سبقتموه بالإسلام، إذ كان جعلته السعب وقريش يستوفيكم؟.

فقال: إليك عني يا ابن عباس، أتريد أن تفعل بي، كما فعل أبوك وعلي بأبي بكر، يوم دخلا عليه؟ قال: فكرهت أن أغضبه فسكت، فقال: والله يا ابن عباس، إن علياً ابن عمك لأحق الناس بها، ولكن قريشاً لا تحتمله، ولئن


358

وليهم ليأخذنهم بمر الحق، لا يجدون عنده رخصة، ولئن فعل لينكثن بيعته، ثم ليتحاربن (1).

وروى ابن سعد عن الواقدي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ وذلك قبل أن يطعن، فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم؟ قال: أصحابكم؟ يعني علياً، قلت: نعم، هو لها أهل، في قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره وسابقته وبلائه، قال: إن فيه بطالة وفكاهة، فقلت، أين أنت من طلحة، قال: فأين الزهو والنخوة، قلت: عبد الرحمن؟ قال: هو رجل صالح، على ضعف فيه، قلت: فسعد؟ قال: ذاك صاحب مقنب وقتال، لا يقوم بقربة لو حمل أمرها، قلت: فالزبير؟ قال: وعقة لقس، مؤمن الرضا، كافر الغضب، شحيح، وأن هذا الأمر لا يصلح، إلا لقوي في غير عنف، رفيق في غير ضعف، وجود في غير سرف، قلت: فأين أنت عن عثمان؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه.

وروى الطبري وابن الأثير: أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال له من حوله (لما طعن) استخلف، قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه، فخرجوا ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين لو عهدت عهداً، فقال: قد كنت قد أجمعت بعد مقالتي أن أنظر، فأولي رجلاً أمركم، هو أحراكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي، فرهقتني غشية، فرأيت رجلاً دخل جنة فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب على أمره، فما أردت أن أتحملها حياً وميتاً، عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(1) أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح المعروف باليعقوبي تاريخ اليعقوبي 2 / 158 - 159 (بيروت 1980).


359

إنهم من أهل الجنة، وهم علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلاً، فإذا ولوا والياً فأحسنوا مؤازرته وأعينوه (1).

ويقول ابن شهاب الزهري في المغازي: يروى أن عمر بن الخطاب قال لأحد من الأنصار: من ترى الناس يقولون يكون الخليفة بعدي، قال: فعد رجلاً من المهاجرين، ولم يسم علياً، فقال عمر: فما لهم من أبي الحسن، فوالله إنه لأحراهم - إن كان عليهم - أن يقيمهم على طريقة من الحق.

ويروى عن عمرو بن ميمون الأزدي أنه قال: كنت عند عمر بن الخطاب، حين ولى الستة، فلما جاوزوا أتبعهم ببصره، ثم فال: لئن ولوها الأجيلح (الأجيلح: من انحسر شعره من جانبي رأسه) ليركبن بهم الطريق، يعني علياً (2).

وقال الماوردي: حكى ابن إسحاق أن عمر، رضي الله عنه، لما دخل منزله مجروحاً، سمع هدة فقال: ما شأن الناس؟ قالوا: يريدون الدخول عليك، فأذن لهم، فقالوا: إعهد يا أمير المؤمنين، استخلف علينا عثمان، فقال: كيف يحب المال والجنة، فخرجوا من عنده، ثم سمع لهم هدة، فقال: ما شأن الناس؟ قالوا: يريدون الدخول عليك، فأذن لهم، فقالوا: استخلف علينا علي بن أبي طالب، قال: إذن يحملكم على طريقة هي الحق، قال عبد الله بن عمر: فاتكأت عليه عند ذلك، وقلت: يا أمير المؤمنين، وما يمنعك منه؟ فقال:

يا بني أتحملها حياً ميتاً.

وفي شرح نهج البلاغة: وأما أنت يا علي: فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم، فقام علي مولياً يخرج، فقال عمر: والله إني لأعلم مكان

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 65 - 66، وانظر: تاريخ الطبري 4 / 228.

(2) محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب 1 / 166 (بيروت 1990).


360

رجل، لو وليتموه أمركم، لحملكم على المحجة البيضاء، قالوا: من هو؟ قال:

هذا المولي من بينكم، قالوا: فما يمنعك من ذلك؟ قال: ليس إلى ذلك سبيل.

وفي خبر آخر، رواه البلاذري في تاريخه: أن عمر لما خرج أهل الشورى من عنده، قال: إن ولوها الأجلح، سلك بهم الطريق، فقال عبد الله بن عمر:

فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين، قال: أكره أن أتحملها حياً وميتاً (1).

وعلى أية حال، فإن رأي عمر في الإمام علي، إنما سبقه إليه سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: إن تؤمروا علياً - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهدياً، يأخذ بكم الصراط المستقيم (2).

هذا وقد روى الطبري وابن الأثير (3) وغيرهما: أن العباس - شيخ بني هاشم - قال لعلي، عندما خرجوا من عند عمر أول مرة، لا تدخل معهم، قال علي: إني أكره الخلاف، قال العباس: إذن ترى ما تكره.

فلما كانت المقابلة الأخيرة، قال الإمام علي - لقوم كانوا معه من بني هاشم - إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبداً، وتلقاه العباس، فقال علي:

عدلت عنا، قال العباس: وما علمك، قال علي: قرن بي عثمان، وقال (أي عمر) كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان (فهو زوج أخته أم كلثوم بنت عقبة، أخت الوليد بن عقبة وعثمان لأمه) لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمان، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو إلا أحدهما (لعله يعني الزبير، فقد كان حتى الآن مع بني هاشم أخواله، لم يغيره ولده عبد الله).

(1) الماوردي: المرجع السابق ص 13، شرح نهج البلاغة 12 / 259 - 260 (بيروت 1979).

(2) أسد الغابة 4 / 112، مسند الإمام أحمد 1 / 108 - 109، حلية الأولياء 1 / 64.

(3) تاريخ الطبري 4 / 228، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 63.


361

فقال له العباس: لم أرفعك في شئ، إلا رجعت إلي مستأخراً بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى، ألا تدخل معه فأبيت، أحفظ عني واحدة، كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يبعدوننا عن هذا الأمر، حتى يقوم لنا به غيرنا، وأيم الله لا تناله إلا بشر، لا ينفع معه خير، فقال على: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعلوا لتجدني حيث يكرهون (1).

وجمع المقداد بن عمرو أهل الشورى - في بيت المال أو بيت المسور بن مخرمة أو في حجرة عائشة أو في بيت فاطمة أخت الضحاك بن قيس، على اختلاف في الآراء - وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فحصد بهما سعد، وقال: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا في الشورى، وتكلم عثمان - وكان أكبرهم سناً، فقد كان في التاسعة والسبعين - ثم تكلم الزبير ثم سعد، ثم تكلم الإمام علي - وكان أصغرهم سناً، بعد الأربعين بعام أو عامين - فقال: الحمد لله الذي بعث محمداً منا نبياً، وبعثه إلينا رسولاً، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق، إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل، ولو طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله عهداً لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم، لا حول ولا قوة إلا بالله، اسمعوا كلامي، وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر، بعد هذا المجمع تنتضي فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلال، وشيعة لأهل الجهالة (1).

(1) تاريخ الطبري 4 / 229 - 230، الكامل لابن الأثير 3 / 67 - 68.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 73.


362

وبعد أن انتهوا جميعاً من كلامهم، قال عبد الرحمن بن عوف: أيكم يطيب نفساً أن يخرج نفسه من هذا الأمر، ويوليه غيره، فأمسكوا عنه ولم يجبه أحد، فقال: أنا أنخلع منها، فقال عثمان: أنا أول من رضي، فقالوا: رضينا، ولم يقل الإمام علي شيئاً، فظل يفكر فيما عسى أن يصنعه عبد الرحمن، فهو صهر عثمان، وابن عم سعد، أيؤثر أحدهما؟ فقال عبد الرحمن: ما تقول يا أبا الحسن، فقال علي: أعطني موثقاً لتؤثرن الحق، ولا تخص ذا رحم، ولا تألو الأمة نصحاً، قال عبد الرحمن: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير، وأن ترضوا من اخترت لكم، وعلى ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه، ولا آلو الأمة نصحاً، وأعطاهم موثقاً، وأعطوه موثقاً.

واختلى عبد الرحمن بالإمام علي ثم بعثمان، وبين لكل منهما حقه، ثم قال لكل منهما: إذا صرف عنك هذا الأمر، من تراه أحق به؟ فأجاب علي:

عثمان، وأجاب عثمان: علي، ثم قال الإمام علي لسعد بن أبي وقاص:

واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام وأسألك برحم بني هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحم عمي حمزة (وهو خال سعد)، ألا تكون مع عبد الرحمن ظهيراً لعثمان علي.

ومضى عبد الرحمن إلى رؤساء الجند، وأشراف الناس يشاورهم، حتى إذا ما كانت الليلة التي في صبيحتها يستكمل الأجل المضروب - وهو ثلاثة أيام - أتى إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة في آخر الليل، فأيقظه وقال له:

انطلق فادع الزبير وسعداً، فلما حضرا حاول أن يقنعهما بالبيعة لعثمان، وطبقاً لرواية الطبري قال لسعد: أنت وأنا كلالة، فاجعل نصيبك لي فأختار، قال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان، فعلي أحب إلي، وأما الزبير فقال:

نصيبي لعلي، ثم دعا عبد الرحمن علياً وعثمان، وانصرف علي - كرم الله وجهه في الجنة - وهو لا يشك أنه صاحب الأمر.

فلما صلى الصبح بهم صهيب جمع عبد الرحمن أهل الشورى الخمسة


363

- وكان طلحة ما زال غائباً لم يحضر بعد - كما بعث إلى المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، حتى امتلأ بهم المسجد، ثم قال: أيها الناس، إن الناس قد أحبوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم، وقد عرفوا من إمامهم، فأشيروا علي. فقال عمار بن ياسر: إذا أردت ألا يختلف المسلمون فبايع علياً، فقال المقداد: صدق عمار، إن بايعت علياً قلنا: سمعاً وطاعة، فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح (أخو عثمان من الرضاعة، ووالي مصر في عهد عثمان): إذا أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان، فقال عمار بن ياسر، لعبد الله بن سعد بن أبي سرح: متى كنت تنصح المسلمين، وتكلم بنو هاشم وبنو أمية، وأوشكت أن تحدث بينهما شحناء.

فقال عمار: أيها الناس، إن الله أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم، فقام رجل من بني مخزوم فقال: لقد عدوت طورك يا ابن سمية، وما أنت و تأمير قريش لنفسها، وأوشكت النعرات الجاهلية أن تثور بين القوم، فقال سعد: يا عبد الرحمن، أفرغ قبل أن يفتتن الناس.

فارتقى عبد الرحمن المنبر وقال: أيها الناس، إني سألتكم سراً وجهراً، من إمامكم؟ فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين - علي وعثمان - فدعا علياً وقال له: عليك عهد الله و ميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسول الله، وسيرة الخليفتين بعده، قال: أرجو أن أفعل، فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال: له مثل ما قال لعلي، فقال: نعم، فبايعه، ودعا الناس إلى بيعته.

فقال علي: ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علي، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون، أما و الله ما وليت عثمان، إلا ليرد الأمر إليك (1)،

(1) روي أن عثمان اعتل علة، فدعا حمران بن أبان، وكتب عهداً لمن بعده، وترك موضع الاسم، ثم كتبه بيده عبد الرحمن بن عوف، وربطه وبعثه إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقرأه حمران في الطريق، فأتى عبد الرحمن فأخبره، فقال عبد الرحمن - وقد غضب غضباً شديداً - استعملته علانية ويستعملني سراً، وانتشر الخبر في المدينة، وغضب بنو أمية، فدعا عثمان بمولاه حمران، فضربه مائة سوط، وسيره إلى البصرة، فكان ذلك سبب العداوة بين عبد الرحمن وعثمان (تاريخ اليعقوبي 2 / 169).


364

والله كل يوم هو في شأن، فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك سبيلاً، فإن نظرت وشاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان، فقال علي:

سيبلغ الكتاب أجله.

وروى ابن الأثير بسنده عن أبي بكر عن عياش عن عاصم عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم علياً؟ فقال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، قال فقال: فيما استطعت، قال: ثم عرضتها على عثمان فقبلها (رواه ابن حنبل في مسنده 1 / 57).

وقال المقداد: أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق، وبه يعدلون:

فقال: يا مقداد: والله لقد اجتهدت للمسلمين، قال: إن كنت أردت بذلك الله، فأثابك الله ثواب المحسنين.

وروى اليعقوبي في تاريخه: ومال قوم مع علي بن أبي طالب، وتحاملوا في القول على عثمان، فروى بعضهم قال: دخلت مسجد رسول الله، فرأيت رجلاً جاثياً على ركبتيه يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها، وهو يقول: واعجباً لقريش، ودفعهم هذا الأمر على أهل بيت نبيهم، وفيهم أول المؤمنين، وابن عم رسول الله، أعلم الناس وأفقههم في دين الله، وأعظمهم عناء في الإسلام، وأبصرهم بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي، الطاهر النقي، وما أرادوا إصلاحاً للأمة، ولا صواباً في المذهب، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعداً وسحقاً للقوم الظالمين، فدنوت منه فقلت: من أنت يرحمك الله، ومن هذا الرجل؟.

فقال: أنا المقداد بن عمرو، وهذا الرجل، علي بن أبي طالب، قال:

فقلت: ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك عليه؟ فقال: يا ابن أخي، إن هذا الأمر لا يجري فيه الرجل ولا الرجلان، ثم خرجت، فلقيت أبا ذر، فذكرت له ذلك،


365

فقال: صدق أخي المقداد، ثم آتيت عبد الله بن مسعود، فذكرت له ذلك، فقال: لقد أخبرنا فلم نأل.

وروي أن الإمام علي قال: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم.

وسرعان ما حدث هرج ومرج، ورأى الإمام علي أن اختلاف الناس قد يؤدي إلى الفتنة، فشق الناس حتى بايع، وهو يقول: خدعة أيما خدعة، ثم ارتقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لقد علمتم أني أحق الناس من غيري، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور، إلا علي خاصة، التماساً لأجر ذلك وفضله.

وفي أسد الغابة بسنده عن يحيى بن عروة المرادي قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أرى أني أحق بهذا الأمر، فاجتمع المسلمون على أبي بكر، فسمعت وأطعت، ثم إن أبا بكر أصيب، فظننت أنه لا يعدلها عني، فجعلها في عمر، فسمعت وأطعت، ثم إن عمر أصيب، فظننت أنه لا يعدلها عني، فجعلها في ستة أنا أحدهم، فولوها عثمان، فسمعت وأطعت، ثم إن عثمان قتل، فجاءوا فبايعوني - طائعين غير مكرهين - ثم خلعوا بيعتي، فوالله ما وجدت إلا السيف أو الكفر بما أنزل، عز وجل، على محمد صلى الله عليه وسلم.

وهكذا بايع الإمام علي الخليفة الجديد - رغم اقتناعه أنه أحق الناس بالخلافة - بل ودعا الناس إلى بيعته، وخاصة أولئك الذين رأوا في اختيار عثمان ظلماً للإمام علي، سواء أكانوا من بني هاشم، أو من أهل الورع والسابقة في الإسلام - مثل سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وغيرهم من رواد شيعة الإمام - حتى لا يتحول هذا الشعور في أعماقهم إلى مرارة، وربما إلى نقمة على عثمان، وحرصاً على أن يطيع الجميع ولي الأمر الجديد، وأن يكون الإمام علي


366

لعثمان، كما كان لأبي بكر وعمر، كما يكون له في قلوب هؤلاء النفر من أهل السبق والفضل والتقوى، ما كان لأبي بكر وعمر أيضاً.

وروى الطبري وابن الأثير: أن المغيرة بن شعبة قال لعبد الرحمن بن عوف: يا أبا محمد، قد أصبت إذا بايعت عثمان، وقال لعثمان: لو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا، فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور، لو بايعت غيره لبايعته، ولقلت هذه المقالة، وعلى أية حال، فلقد تمت البيعة بحضور طلحة من سفره، ومبايعته لعثمان (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى عدة نقاط تتصل بقصة الشورى، وبيعة عثمان خليفة للمسلمين: منها (أولاً) أن الفاروق عمر، رضي الله عنه، إنما كان يريد اختيار الإمام علي - رضي الله عنه. وكرم الله وجهه في الجنة - لأن الإمام - فيما يرى - أحرى أن يحملهم على الحق، ولكنه تردد أخيراً، حتى لا يتحمل مسؤولية الخلافة حياً وميتاً، ومن ثم فقد لجأ إلى الشورى، ومع ذلك فإنه يقول - حين أوصى بالشورى - لو ولوها الأحيلج لحملهم على الجادة، أو إنه أحراهم - إن كان عليهم - أن يقيمهم على طريقة من الحق، ولعله كان في هذا مقتدياً بقوله صلى الله عليه وسلم: وإن تؤمروا علياً - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهدياً، يأخذ بكم الصراط المستقيم.

هذا فضلاً عما يتحلى به الإمام علي - رضوان الله عليه - من فضائل كثيرة،

(1) أنظر عن قصة الشورى (تاريخ الطبري 3 / 227 - 239، الكامل لابن الأثير 3 / 65 - 75، تاريخ اليعقوبي 2 / 162 - 163، ابن قتيبة: الإمامة والسياسة 1 / 39 - 745 الماوردي: الأحكام السلطانية ص 11 - 13، تاريخ ابن خلدون 2 / 993 - 998، شرح نهج البلاغة 1 / 185 - 197، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 158 - 161، البلاذري: أنساب الأشراف 5 / 16 - 22، ابن دقماق:

الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين ص 39 - 40، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 153 - 154، العقاد: ذو النورين - عثمان بن عفان ص 126 - 152، ابن عبد ربه: العقد الفريد 5 / 26 - 36 أسد الغابة 3 / 592 - 593، 4 / 112، محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب 1 / 163 - 173، شرح نهج البلاغة 12 / 256 - 281، طبقات ابن سعد 3 / 41 - 42، طه حسين: الفتنة الكبرى - الجزء الأول - عثمان - القاهرة 1984 ص 48 - 49، 58 - 64.


367

سنتعرض لها بالتفصيل فيما بعد، وهي على أية حال، فضائل يعرفها له أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، على اختلافهم، ويعرفها له خيار المسلمين من التابعين، ويؤمن له بها أهل السنة، كما يؤمن له بها الشيعة، والدارس للتاريخ - عن حيدة ونزاهة - إنما يعرف المشكلات والقضايا الكثيرة التي عرضت للإمام علي، والتي تدل - دونما لبس أو غموض - أن سيدنا ومولانا الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما كان أهلاً لكل الفضائل التي عرفت عنه، ولأكثر منها، وأنه كان أجدر الناس بأن يسير بالمسلمين إلى الصراط المستقيم - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا ريب في أن الفاروق عمر إنما كان صاحب فراسة صادقة، وحدس يكاد لا يخطئ، أو نادراً ما يخطئ حين أشار بتولية الإمام علي، فقد كان يراه أشبه الناس به - أو هو أشبه الناس به - في شدته في الحق، و إذعانه للحق، وغلظته على الذين ينكرون الحق أو يضيقون به، ولكن القوم لم يولوا الإمام بعد الفاروق، حين كانت الدنيا مقبلة، والنشاط قوياً، و الإقدام قارحاً، والبصائر نافذة، والأمور تجري بالمسلمين على ما أحبوا، و إنما ولوا خلافتهم عثمان، فكان من أمرهم معه، وأمره معهم ما كان.

ومنها (ثانياً) أن أصحاب الشورى الخمسة الذين حضروا مجلس الشورى - وهم علي وعثمان والزبير وسعد وعبد الرحمن - كان ثلاثة منهم مع علي - وهم علي والزبير وسعد - وقد ذكرنا من قبل: أن عبد الرحمن طلب أن يعطيه سعد نصيبه، فقال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي، وأن الزبير أعطى نصيبه لعلي، هذا إذا سلمنا أن عبد الرحمن كان في صف صهره عثمان، وطبقاً لوصية عمر في الشورى فصاحب الأغلبية هو الخليفة، وعلي هو صاحب الأغلبية.

ومن ثم فإن هاشم - فضلاً عن شيعة الإمام علي - رأوا فيما فعله عبد الرحمن خدعة لإقصاء الإمام علي وبني هاشم عن الخلافة.


368

هذا وربما يقول البعض: إن الإمام علي لم يتعهد لعبد الرحمن - كما تعهد عثمان - بأن يعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وسيرة الخليفتين - أبي بكر وعمر - من بعده، وإنما قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، والحق أن جواب الإمام علي جواب حكيم، ولا يدل أبداً على أنه يعدل عنهما، وإنما يدل على أنه يعمل جهد طاقته، ولا يقول ذلك في الغالب الأعم، إلا عالم متواضع، وليس الإمام علي هو الذي يشك في أنه سيقود السفينة - التي بدأت الأمواج والرياح تأخذ بها من كل جانب - إلى بر الأمان.

على أن الدكتور جمال سرور، من ناحية أخرى، إنما يذهب إلى أن طلب عبد الرحمن من الإمام علي، أن يتعهد بأن يسير بسيرة الخليفتين - أبي بكر وعمر - وهو يعلم أن علياً لا يرضى أن يتقيد بسياستهما، إنما أراد أن يحرجه، ليفسح المجال لاختيار عثمان، وسرعان ما تحقق غرضه، فقد تحرج الإمام علي من أن يعطي هذا العهد خشية أن تضطره الظروف إلى عدم الوفاء به، وعبر عن رفضه له بقوله: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، وفي رواية:

أرجو أن أفعل، فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ثم دعا عبد الرحمن عثمان، وقال له مثل ما قال لعلي، فقال عثمان: اللهم نعم، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد، ويده في يد عثمان، ثم قال: اللهم اسمع واشهد، إني جعلت ما في رقبتي في رقبة عثمان، فازدحم الناس على عثمان يبايعونه.

وهكذا كان انتخاب عثمان مصطبغاً بصبغة التحيز للأمويين، وقد وجدت هذه النتيجة - من أول الأمر - معارضة من الهاشميين، فضلاً عن أهل الورع والسبق في الإسلام، مثل سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وغيرهم من رواد شيعة الإمام، حتى ذهب البعض إلى أن التشيع إنما بدأ منذ تلك اللحظة.

هذا ويذهب الدكتور أحمد صبحي (1) إلى أن عبد الرحمن بن عوف قد بنى

(1) أحمد محمود صبحي: الزيدية - الإسكندرية 1980 ص 10.


369

اختياره على قاعدة غير معروفة في الشرع، إذ قرن سيرة الشيخين - أبي بكر وعمر - بكتاب الله وسنة رسوله، شرطاً على كل من علي وعثمان، ولم يقل أحد من قبل، ولا من بعد، أن سيرة الشيخين تقترن بكتاب الله وسنة رسوله في المسائل السياسية، وحين أراد الإمام على أن ينبهه إلى ذلك - كتاب الله وسنة رسوله فقط، وأن أجتهد، كما اجتهدا - نحاه عبد الرحمن، ليختار عثمان، حتى إذا اعترض الإمام علي، قال عبد الرحمن ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، فأضاف خطأ آخر باستشهاده بالآية الشريفة في غير موضعها، فضلاً عن أنها لا تقال لمثل الإمام علي.

ومنها (ثالثاً) ما ذهب إليه الأستاذ الخطيب (1)، من أن انتقال الخلافة من شخص إلى شخص، ومن بيت إلى بيت، من شأنه أن يحدث في مشاعر الناس وفي أفكارهم شيئاً جديداً، يتولد من نظرتهم لهذا الشخص وتقديرهم له، وصلتهم النفسية أو النسبية به وبأهله، وقد حدث شئ من هذا في خلافة الصديق والفاروق، فرضي أناس، وسخط آخرون، ولكن سرعان ما فاء الساخطون إلى الرضا،، فقد كان الناس قريبي عهد بالنبوة، وأمرهم لم يزل قائماً لحساب الدين وفي ظله، أكثر من قيامه لحساب العصبية وفي ظلها.

غير أن خلافة ذي النورين - عثمان بن عفان - إنما كان الأمر فيها مختلفاً، لأسباب، منها أن الزمن كان قد تراخى قليلاً بعهد النبوة، فانطلقت النفوس على طبيعتها، وتحركت النزوات والأطماع التي كان الدين قد اعتقلها زمناً، ومنها أن الصديق أبا بكر والفاروق عمر، لم يكونا من البيوت المتنازعة على زعامة قريش، بعكس عثمان - وهو أموي - ومن ثم فقد تحركت العصبية التي كانت قائمة قبل الإسلام بين بني أمية وبني هاشم، بل لقد ظن الأمويون أن هذه فرصتهم للحاق ببني هاشم، وأن الخلافة ستعيد إليهم مكانتهم التي كانت لهم

(1) عبد الكريم الخطيب: علي بن أبي طالب - بقية النبوة وخاتم الخلافة - بيروت 1975.


370

في الجاهلية، روى المسعودي أن أبا سفيان قال - عقب اختيار عثمان خليفة - يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زالت أرجوها لكم، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان وساءه ما قال.

ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار، وغير ذلك الكلام، فقام عمار ابن ياسر في المسجد، فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم، ههنا مرة، وههنا مرة، فما أنا ينزعه الله منكم، فيضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله، ووضعتموه في غير أهله.

وقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمر، فقال المقداد: إني والله لأحبهم، لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن، أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعده من أيديهم، أما وأيم الله يا عبد الرحمن، لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلهم، كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام، يوم بدر (1).

ومنها أن عثمان كان سخي اليد، سمح النفس، قريب الرضا، بعيد الغضب، كما كان فيه حياء حي، يملك عليه أمره، إنه يلقى أحداً بما يسوؤه أو يحرجه أو يخزيه، هذا إلى أنه - كما وصفه الإمام علي - إنه أوصلنا للرحم، وفي طبقات ابن سعد عن الزهري قال: لما ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميراً، يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئاً، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب، لأن عمر كان شديداً عليهم، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر،

(1) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر 1 / 633 (بيروت 1982).


371

وكتب لمروان بخمس مصر، وأعطى أقرباءه المال، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ المال، واستلف من بيت المال.

وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه، وعن أم بكر بنت المسور عن أبيها عن أبيها قال: سمعت عثمان يقول: أيها الناس، إن أبا بكر وعمر كانا يتأولان في هذا المال ظلف أنفسهما وذوي أرحامهما وإني تأولت فيه صلة رحمي (1).

ومن عجب أن صلة رحم عثمان بأهله وبره بهم، إنما كانت من الأسباب التي أدت إلى تغيير مجرى الأحداث، حتى انتهت بقتله شهيداً بين يدي كتاب الله، فلقد استغل بنو أمية أدب ذي النورين في صلة رحمه، أسوأ استغلال، فكان عثمان - وهو القانت ذو النورين - يصوم الدهر، وما يكاد يشبع من طعام، ثم يمنح أبا سفيان مائتي ألف دينار (2)، ويسمح لأعوانه أن يتخذوا

(1) طبقات ابن سعد 3 / 44 (دار التحرير - القاهرة 1969).

(2) ليس صحيحاً ما ذهبت إليه بعض المراجع عن غنى أبي سفيان وثروته الطائلة من التجارة على أيام الجاهلية وأول الإسلام، ودليلنا أن ولده معاوية بن أبي سفيان كان على أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فقيراً وربما معدماً، وقد روى أهل الفقه والحديث والمغازي وأصحاب الطبقات ما يدل على ذلك في قصة فاطمة بنت قيس، حيث روى الأئمة مالك ومسلم وأبو داود وابن قيم الجوزية وابن سعد وابن الأثير وابن حجر العسقلاني، واللفظ هنا للإمام مالك، حيث يروي في الموطأ (باب ما جاء في نفقة المطلقة) بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمر بن حفص طلقها البتة - وهو غائب بالشام - فأرسل إليها وكيلة بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شئ، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتد عند عبد الله بن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك عنده، فإذا حللت فأذنيني، قالت: فلما حللت ذكرت له: أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم بن هشام، خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك، لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله في ذلك خيراً، واغتبطت به (الموطأ ص 358 - 359، صحيح مسلم 10 / 94 - 98، سنن أبي داود 1 / 531 - 532، ابن الأثير: أسد الغابة 7 / 230، ابن حجر:

الإصابة في معرفة الصحابة 3 / 497 - 498، ابن قيم الجوزية: زاد المعاد 5 / 185 - 186، ابن سعد: الطبقات الكبرى 8 / 200.

‌>


372

القصور والضياع، ويلبسوا الديباج، وهو بعد يبيحهم من ألوان الترف والمتاع كل ما حرمه عليهم أبو بكر وعمر، واستهجنه علي.

وكان عثمان قد أخذ نفسه بورع الخلافة والإمامة والسنة الشريفة، ولكن عماله وأقاربه قد تسلطوا على رقاب الناس، فأخذوا الرعية بسياسة الملك العضوض، و ليس بسياسة الإمامة الورعة، ثم رأى الخليفة أنه من البر بذوي القربى ألا يسوءهم فتمادوا في مظالمهم، يحبسون مخالفيهم ويضربونهم بالسياط، وهم من خيرة الصحابة البررة الأمر الذي أثار ثائرة الناس على الخليفة، وسرعان ما وجد أعداء الإسلام من تفرق الشمل، ثغرة تسللوا منها، ومن ثم فليت الخليفة الشهيد أخذ عماله بسياسة عمر، ولكنه كان رفيقاً بهم، فرتعوا حتى سخطت الرعية، وانتهت الأمور بقتل الخليفة المظلوم، رضوان الله عليه -.

بقيت الإشارة إلى أن ابن خلدون، رغم أنه إنما يرى أن بداية التشيع إنما كان عندما توفي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير أن الشيعة إنما وضح أمرها في أيام الشورى، حيث يقول: كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي، ويرون

<‌

وروى الطبري وابن الأثير وابن أبي الحديد بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قالوا: إن هند ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف درهم، تتجر فيها وتضمنها، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كلب، فاشترت وباعت، فبلغها أن أبا سفيان وعمرو بن أبي سفيان قد أتيا معاوية (وكان أميراً في الشام) فعدلت إليه من بلاد كلب، فأتت معاوية - وكان أبو سفيان قد طلقها، قال: ما أقدمك أي أمة؟ قالت النظر إليك أي بني، إنه عمر، وإنما يعمل لله، وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شئ، وأهل ذلك هو، فلا يعلم الناس من أين أعطيته فيؤنبونك، عمر، فلا يستقيلها أبداً، فبعث إلى أبيه وأخيه بمائة دينار، وكساهما و حملهما، فتعظمها عمر، فقال أبو سفيان: لا تعظمها، فإنه عطاء لم تغب عنه هند، ومشورة قد حضرتها هند، ورجعوا جميعاً، فقال أبو سفيان لهند: أربحت؟

فقالت: الله أعلم، معي تجارة إلى المدينة، فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة، فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته لك، ولكنه مال المسلمين، هذه مشورة لم يغب عنها أبو سفيان، فبعث إليه، فحبسه حتى أوفته، وقال لأبي سفيان: بكم أجازك معاوية، فقال: بمائة دينار (تاريخ الطبري 4 / 221، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3 / 62، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 12 / 98).


373

استحقاقه على غيره، ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك و أسفوا له، مثل الزبير وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وغيرهم، إلا أن القوم لرسوخ قدمهم في الدين، وحرصهم على الألفة، لم يزيدوا في ذلك وعلى النجوى بالتأفف والأسف (1).

رابعاً: منذ أخريات أيام عثمان:

يميل كثير من كتاب الفرق والباحثين المحدثين إلى أن يرجعوا بداية التشيع إلى أواخر عهد عثمان، أو إلى حركة ابن سبأ بتعبير أدق، فأبو الحسن الملطي، حينما يذكر الاثني عشرة فرقة من أهل الضلال الرافضة الملقبين بالإمامية، إنما يجعل السبئية على رأسهم، دونما أدنى تفرقة في الحكم بينهم وبين الإمامية، فكلهم - في زعمه - روافض ملحدون، ومنشأ التشيع من ابن سبأ (2).

هذا ويذهب الأستاذ الدكتور النشار بعيداً، حيث يرى أن اليهود إنما هم مؤسسو العقيدة الشيعية الغالية الحقيقيين، فقد دخل بعض أحبارهم - أو كهانهم - في الإسلام، وتقدموا إلى العالم الإسلامي، منتهزين إبعاد علي عن الخلافة، بفكرة الإمام المعصوم، أو خاتم الأوصياء، وتكاد تجمع كتب العقائد الإسلامية على أن عبد الله بن سبأ - وهو أول من دعا إلى فكرة القداسة التي نسبت إلى علي - كان يهودياً.

ويؤكد الدكتور النشار أن الفكرة التي تقول إن الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما هو صاحب الحق الأول في الخلافة، لم تظهر إلا على أيام عثمان، على يد عبد الله بن سبأ، والذي كان يمثل تباراً باطنياً من

(1) تاريخ ابن خلدون 3 / 364 - 365.

(2) أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية ص 35 (القاهرة 1969)، أبو الحسين الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص 25.


374

التيارات التي كانت تعمل على هدم العالم الإسلامي (1).

والأمر كذلك بالنسبة إلى القصيمي، الذي يعتبر ابن سبأ أساس المذهب الشيعي، والحجر الأول في بنائه (2).

ويذهب المقريزي إلى أن ابن سبأ - ويكنيه بابن السوداء - هو الذي أحدث القول بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بالإمامة من بعده، فهو وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي، وبرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً، وزعم أن علياً لم يقتل، وأنه حي، وأن فيه الجزء الإلهي، وأنه هو الذي يجئ في السحاب، وأن الرعد صوته، والبرق سوطه، وأنه لا بد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلاً، كما ملئت جوراً، ومن ابن سبأ تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة، وصاروا يقولون بالوقف، أي إن الإمامة موقوفة على أناس معينين، وهو صاحب القول بتناسخ الأرواح، وأن الجزء الإلهي يحل في الأئمة بعد علي بن أبي طالب، وبهذا فقد استحقوا الإمامة بطريق الوجوب، كما استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وابن سبأ هو الذي أثار الفتنة على عثمان حتى قتل، وأن له أنصاراً في معظم الأقطار، فكثرت الشيعة (3).

ويذهب الشيخ أبو زهرة إلى أن الطاغوت الأكبر - عبد الله بن سبأ - إنما هو الذي دعا إلى ولاية علي ووصايته وإلى رجعة النبي، وأنه في ظل هذه الفتن نشأ المذهب الشيعي (4).

ويخطئ أصحاب هذا الاتجاه في رؤياهم لأسباب منها (أولاً) أن عبد الله بن سبأ، لو كان هو منشأ التشيع في الإسلام، لما هاجمه علماء الشيعة هجوماً يفوق هجوم أهل السنة، ومنها (ثانياً) أن كلمة الوصي بخاصة، والتي

(1) علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 2 / 23 - 27.

(2) عبد الله القصيمي: الصراع بين الإسلام والوثنية ص 41.

(3) المقريزي: الخطط 4 / 82، وانظر: علي مصطفى الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية ص 17 (القاهرة 1959).

(4) محمد أبو زهرة: المذاهب الإسلامية ص 46.


375

تنسب إلى عبد الله بن سبأ، إنما ذكرها سيدنا الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب يوم وفاة الإمام علي، فضلاً عما جاء في كتب الحديث، روى الحاكم بسنده عن علي بن الحسين، قال: خطب الحسن بن علي على الناس، حين قتل علي عليه السلام، فحمد الله وأثنى عليه وقال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لا يسبقه الأولون بعمل، ولا يدركه الآخرون، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيه رايته فيقاتل، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتى يفتح الله عليه، وما ترك على أهل الأرض صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم فضلت من عطاياه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله، ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبي، وأنا ابن الوصي (1).

وروى الهيثمي في مجمعه بسنده عن أبي الطفيل قال: خطبنا الحسن بن علي، عليهما السلام، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أمير المؤمنين علياً، رضي الله عنه، خاتم الأوصياء، ووصي الأنبياء، وأمين الصديقين والشهداء (2)، وروى الهيثمي في مجمعه بسنده عن سلمان قال: قلت يا رسول الله، إن لكل نبي وصياً فمن وصيك، فسكت عني، فلما كان بعد رآني فقال: يا سلمان، فأسرعت إليه قلت: لبيك، قال: تعلم من وصي موسى عليه السلام؟ قلت:

يوشع بن نون، قال: لم؟ قلت: لأنه كان أعلمهم يومئذ، قال: فإن وصيي وموضع سري، وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني، علي بن أبي طالب (قال رواه الطبراني) (3).

وروى ابن حجر في تهذيب التهذيب بسنده عن أنس عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه السلام لعلي: هذا وصيي وموضع سري، وخير من أترك بعدي (4)، وفي

(1) المستدرك للحاكم 3 / 172، وانظر: المحب الطبري: ذخائر العقبى ص 138.

(2) مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 146.

(3) مجمع الزوائد 9 / 113 (ط مكتبة القدسي - القاهرة 1352 هـ‍).

(4) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 3 / 106 (حيدر أباد الدكن 1325 هـ‍).


376

كنز العمال: إن وصيي وموضع سري، وخير من أترك بعدي، وينجز عدتي، ويقضي ديني، علي بن أبي طالب (قال أخرجه الطبراني عن أبي سعيد عن سلمان) (1).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن مطر عن أنس - يعني ابن مالك - قال: قلنا لسلمان: سل النبي صلى الله عليه وسلم، من وصيه؟ فقال له سلمان:

يا رسول الله من وصيك، قال: يا سلمان من كان وصي موسى؟ قال: يوشع بن نون، قال: فإن وصيي ووارثي، يقضي ديني، وينجز عدتي، علي بن أبي طالب (2).

وفي رواية كنوز الحقائق: أنا خاتم الأنبياء، وأنت يا علي خاتم الأوصياء (قال أخرجه الديلمي)، وفي رواية أخرى: لكل نبي وصي ووارث، وعلي وصيي ووارثي (قال أخرجه الديلمي) (3).

ومنها (ثالثاً) أنه ليس صحيحاً أن التشيع كعقيدة تحمل آراء محدثة قد ظهرت في وقت مبكر على أيام عثمان، صحيح أنه ليس هناك ما يمنع أن يدخل في الإسلام بعض المنافقين ليكيدوا له، وصحيح كذلك ليس هنا ما يمنع أيضاً أن يستغل يهودي الأحداث التي جرت في عهد عثمان، ليحدث فتنة، وليزيدها اشتعالاً، ويؤلب الناس على عثمان، بل وأن ينادي بأفكار غريبة، ولكنه صحيح كذلك أنه من السابق لأوانه أن يكون لابن سبأ هذا الأثر الفكري العميق، فيحدث هذا الانشقاق العقائدي بين طائفة كبيرة من المسلمين.

ومن ثم فقد تشكك بعض الباحثين في وجود ابن سبأ هذا فكرياً، أي من ناحية أثره في التطور العقائدي للإسلام، فيقول برنارد لويس: ولكن

(1) كنز العمال للمتقي الهندي 6 / 154 (حيدر أباد الدكن 1312 هـ‍).

(2) الإمام أحمد بن حنبل: كتاب فضائل الصحابة 2 / 615 (بيروت 1983 - نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة).

(3) عبد الرؤوف المناوي: كنوز الحقائق في أحاديث خير الخلائق ص 42 (إسلامبول 1285 هـ‍)، وانظر: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 10 / 356 (القاهرة 1329 هـ‍).


377

التحقيق الحديث قد أظهر أن هذا استباق للحوادث، وأنه صورة مثل بها في الماضي، وتخيلها محدثو القرن الثاني للهجرة، من أحوالهم وأفكارهم السائدة حينئذ، هذا وقد أظهر فلهاوزن وفريد ليندر، بعد دراسة للمصادر، دراسة نقدية، أن المؤامرة والدعوة المنسوبتين إلى ابن سبأ من اختلاق المتأخرين.

هذا وقد بين كيتاني أن مؤامرة مثل هذه، وبهذا التفكير، وهذا التنظيم، لا يمكن أن يتصورها العالم العربي المعروف عام 35 هـ‍، بنظامه القبلي القائم على سلطان الأبوة، وأنها تعكس أحوال العصر العباسي الأول بجلاء، فلقد اقتضى قتل الإمام علي، واستشهاد الإمام الحسين بن علي وآل بيته وأنصاره في كربلاء، بصورة لم يشهدها التاريخ من قبل، حدوث تبدل اجتماعي كبير، قبل أن يمكن ظهور التشيع الثوري ذي الصبغة المهدوية (1).

ولعل كل هذا إنما دعا بعض العلماء - من الشيعة والسنة - إلى إنكار وجود عبد الله بن سبأ - كحقيقة تاريخية، يقول الأستاذ الدكتور طه حسين:

الغريب أن هؤلاء المؤرخين قد نسوا ابن سبأ والسبئية نسياناً تاماً، أو أهملوها إهمالاً كاملاً، حين رووا حرب صفين، فابن السوداء لم يخرج مع الإمام علي إلى الشام، وأصحاب ابن السوداء خرجوا معه، ولكنهم كانوا أنصح له، وأوفى الناس بعهده، وأطوع الناس لأمره، لم يأتمروا ولم يسعوا إلى الفساد بين الخصمين، وإنما سمعوا وأطاعوا، وأخلصوا الإخلاص كله، حتى إذا رفعت المصاحف خرج بعضهم مع الحكمة الذين أنكروا الصحيفة وما فيها، كحرقوص بن زهير، وأقام بعضهم على طاعة الإمام علي، وإن أنكر الصحيفة وكره الحكومة كالأشتر.

وأقل ما يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية، وعن ابن السوداء في حرب صفين، أن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء، إنما كان متكلفاً منحولاً،

(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 37 - 38، وانظر: برنارد لويس: أصول الإسماعيلية، تعريب خليل جلو وجاسم الرجب ص 86 - 87.


378

قد اخترع بالأحرى حين كان الجدل بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية، أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً، إمعاناً في الكيد لهم، والنيل منهم، ولو قد كان أمر ابن السوداء مستنداً إلى أساس من الحق والتاريخ الصحيح، لكان من الطبيعي أن يظهر أثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي كانت بصفين، ولكان من الطبيعي أن يظهر أثره حين اختلف أصحاب الإمام علي في أمر الحكومة، ولكان من الطبيعي بنوع خاص أن يظهر أثره في تكوين هذا الحزب الجديد الذي كان يكره الصلح وينفر منه، ويكفر من مال إليه، أو شارك فيه.

ولكننا لا نرى لابن السوداء ذكراً في أمر الخوارج، فكيف يمكن تعليل هذا الإهمال أو كيف يمكن أن نعلل غياب ابن سبأ عن وقعة صفين، وعن نشأة حزب المحكمة.

ثم يعلل الدكتور طه حسين الأمرين بعلة واحدة، وهي أن ابن السوداء لم يكن إلا وهماً، وإن وجد بالفعل، فلم يكن ذا خطر، كالذي صوره المؤرخون، وصوروا نشاطه أيام عثمان، وفي العام الأول من خلافة الإمام علي، وإنما هو شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة وحدهم، ولم يدخروه للخوارج، لأن الخوارج لم يكونوا من الجماعة، ولم يكن لهم مطمع في الخلافة، ولا في الملك، وإنما كانوا حزباً باقياً متصلاً، عظيم الخطر، ولا سيما بعد أن انقضى عصر بني أمية، وإنما ضعف أمرهم، وفل حدهم، بعد أن تقدم الزمان بدولة بني العباس، وبقي مذهبهم معروفاً بين المتكلمين، ولكنه اتخذ في الحياة العلمية أطواراً مختلفة. ومن ثم فهم لم يكونوا إذاً حزباً تحتاج خصومته إلى الجدل الشديد المتكلف، الذي يبغضهم إلى الناس، ويزهد فيهم أصحاب التقى والورع، كما كان أمر الشيعة الذين ظلوا ينازعون الملوك والخلفاء سياسة المسلمين (1).

(1) طه حسين: الفتنة الكبرى - الجزء الثاني - علي وبنوه - القاهرة 1982 ص 90 - 91.


379

هذا إلى أن البلاذري (1) لم يذكر ابن السوداء ولا أصحابه السبئية في أمر عثمان، وهو كذلك لم يذكره في أمر الإمام علي إلا مرة واحدة في أمر غير ذي خطر، إذ جاء علياً مع آخرين يسألونه عن أبي بكر، فردهم رداً عنيفاً، لائماً لهم على تفرغهم لمثل هذا، على حين كانت مصر قد فتحت وقتلت فيها شيعة علي.

وكتب علي كتاباً يذكر فيه ما صارت إليه الأمور، بعد تخاذل أهل العراق، وأمر أن يقرأ الكتاب على الناس لينتفعوا به، قال البلاذري: وكانت عند ابن سبأ - وهو عنده عبد الله بن وهب الهمداني - نسخة حرفها، وهكذا فالبلاذري يرى أن ابن سبأ، ليس ابن السوداء، ولكنه عبد الله بن وهب الهمداني، ثم هو يروي هذا الخبر متحفظاً، متوخياً الصدق ما استطاع، وهو كثيراً ما يروي بعض الأحاديث، ثم يعقب عليها، بما يظهر الشك فيها، لأنها من اختراع أهل العراق.

والواقع أن الخصومة بين الشيعة وأهل الجماعة قد اتخذت ألواناً من الجدل والإذاعة ونشر الدعوة، بعد أن استقام الأمر لبني العباس، كثر فيها المكر والكيد والاختراع، بحيث يجب على المؤرخ المنصف أن يحتاط أشد الاحتياط،

(1) البلاذري: هو أبو العباس، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، ولد في بغداد في العقد الأول من القرن الثالث الهجري، سمع في دمشق وحمص وأنطاكية والعراق، وكان نديماً للخليفة العباسي المتوكل 232 - 247 هـ‍)، ويعد البلاذري مؤرخاً جامعاً، من أشهر مؤرخي القرن الثالث الهجري، وتوفي عام 279 هـ‍(892 م)، وأشهر مؤلفاته: فتوح البلدان وأنساب الأشراف، ونشر الكتاب الأول محمد رضوان بالقاهرة 1959 م، وصلاح الدين المنجمد بالقاهرة أيضاً 1956 - 1960 م، وعبد الله وعمر أنيس الطباع في بيروت 1957 م، ونشر الجزء الأول من أنساب الأشراف محمد حميد الله بالقاهرة 1959، كما نشرت منه أجزاء بالقدس 1936 - 1938 م، وأهم مصادر ترجمة البلاذري (لسان الميزان لابن حجر 1 / 322 - 323)، البداية والنهاية 11 / 65 - 66، الأعلام للزركلي 1 / 252، علم التاريخ للدوري ص 48 - 51، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي 3 / 83، معجم المؤلفين لكحالة 2 / 201 - 202، الفهرست لابن النديم ص 113، (إرشاد الأريب لياقوت 5 / 89 - 102).


380

حين يصور هذه الفتن في عهدها الأول، وأي شئ أيسر من أن يكذب أهل الشام على أهل العراق، وأن يكذب أهل العراق على أهل الشام، ولا سيما بعد أن يمضي الزمن ويبعد العهد، ويصبح التحقيق في الوقائع الصحيحة عسيراً.

ولا ريب في أن الذين استباحوا لأنفسهم أن يضعوا الأحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا يتحرجون من أن يستبيحوا لأنفسهم وضع الأخبار على أهل العراق والشام (1).

هذا وقد أصدر الأستاذ مرتضى العسكري - عميد كلية أصول الدين بالعراق - كتاباً ذهب فيه إلى أن عبد الله بن سبأ أسطورة خلقها وضاع اسمه سيف بن عمر (توفي بعد عام 170 هـ‍) واستدل على ذلك بمواقف متعددة كانت الرواية فيها عن سيف تختلف عن الرواية عن سواه، ثم أبرز المؤلف في رواياته صوراً من الانحراف (2).

هذا وقد تحدثنا من قبل - عند الحديث عن عمار بن ياسر - إلى الرأي الذي نادى به الأستاذ الدكتور علي الوردي، وهو أن الصحابي الجليل - عمار بن ياسر - إنما قد شوه أعداؤه صورته، فصوروه في صورة شخص سئ دعوه عبد الله بن سبأ ثم قدم عديداً من الأدلة على ذلك، دعمها الأستاذ الدكتور الشيبي، بأدلة أخرى.

وعلى أية حال - وكما يقول الدكتور طه حسين - فإن البلاذري لا يذكر ابن السوداء وأصحابه في شئ من الفتنة أيام عثمان وعلي، رضوان الله عليهما، والطبري، ورواته الذين أخذ عنهم، والمؤرخون الذين أخذوا عنه فيما بعد، يذكرون ابن السوداء وأصحابه في أمر الفتنة أيام عثمان، وفي العام الأول من أيام علي، ثم ينسونهم بعد ذلك، والمحدثون وأصحاب الجدل متفقون مع

(1) طه حسين: علي وبنوه ص 91 - 92.

(2) أنظر: أحمد شلبي: التاريخ الإسلامي 2 / 154 - 146 (القاهرة 1973).


381

الطبري وأصحابه فيما ذهبوا إليه، إلا أن المحدثين وأصحاب الجدل ينفردون من دون الطبري وأصحابه بشئ آخر، فيزعمون أن ابن السوداء وأتباعه ألهوا علياً، وأن علياً حرقهم بالنار.

ولكنك تبحث عن هذا في كتب التاريخ فلا تجد له ذكراً، فلسنا نعرف في أي عام من أعوام الخلافة القصيرة التي وليها الإمام علي كانت فتنة هؤلاء الغلاة، وليس تحريق جماعة من الناس بالنار، في الصدر الأول للإسلام، وبين جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن صلحاء المسلمين، بالشئ الذي يغفل عنه المؤرخون فلا يذكرونه ولا يوقتونه، وإنما يهملونه إهمالاً تاماً.

وكل ما رواه المؤرخون هو ما ذكره البلاذري في حديث قصير وقع إليه، من أن قوماً ارتدوا بالكوفة فقتلهم الإمام علي، وحكم الإسلام فيمن ارتدوا معروف، وهو أن يستتاب، فإن تاب حقن دمه، وإن لم يتب قتل، فلا غرابة إذاً في أن يقتل الإمام علي نفراً ارتدوا، ولم يتوبوا - إن صح هذا الخبر - وإن كان البلاذري لم يسم أحداً، ولم يوقت لهذه الحادثة وقتاً، وإنما رواها مطلقة إطلاق من لا يطمئن إليها (1).

على أن الأستاذ الدكتور أحمد صبحي إنما يذهب إلى أن مبالغة المؤرخين وكتاب الفرق في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ إنما يرجع إلى سبب آخر - غير ما ذهب إليه الدكتور طه حسين - فلقد حدثت في الإسلام أحداث سياسية ضخمة - كمقتل عثمان، ثم حرب الجمل - وقد شارك فيها كبار الصحابة وزوج الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلهم يتفرقون ويتحاربون، وكل هذه الأحداث تصدم وجدان المسلم المتتبع لتاريخه السياسي، أن يبتلي، تاريخ الإسلام هذه الابتلاءات، ويشارك فيها كبار الصحابة، الذين حاربوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاركوا في وضع أسس الإسلام، كان لا بد أن تلقى مسؤولية هذه الأحداث على كاهل أحد.

(1) طه حسين: المرجع السابق ص 93.


382

ولم يكن من المعقول أن يتحمل وزر ذلك كله صحابة أجلاء، أبلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلاء حسناً، فكان لا بد أن يقع عبء ذلك كله على ابن سبأ، فهو الذي أثار الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان، ثم هو الذي حرض الجيشين يوم الجمل على الالتحام، على حين غفلة من علي وطلحة والزبير، ولم يكن أحد منهم يدري أنه سيكون قتال، هذا في التاريخ السياسي.

وأما في التاريخ الفكري، فعلى عاتق ابن سبأ يقع أكبر انشقاق عقائدي بظهور الشيعية. هذا هو تفسير مبالغة كتاب الفرق وأصحاب المذاهب - لا سيما السلفيين والمؤرخين - في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ، ولكن أليس عجباً أيضاً، أن يعبث دخيل في الإسلام، كل هذا العبث فيحرك تاريخ الإسلام السياسي والعقائدي معاً على النحو الذي تم عليه، وكبار الصحابة شهود (1)؟.

على أن هناك اتجاهاً جديداً - كما قلنا آنفاً - في ابن سبأ هذا، إنما هو الصحابي الجليل عمار بن ياسر، حيث شوه أعداؤه - وأعداء الإمام علي وآل البيت من قبله - صورته، فصوروه في صورة شخص سئ، دعوه عبد الله بن سبأ، ثم حمل النواصب من أعداء أهل بيت النبوة، ابن سبأ، - تلك الشخصية الوهمية - تلك العقائد التي انتشرت في كتب العقائد، والتي لعنها أهل السنة والجماعة، كما لعنها الشيعة (2).

ويقول الأستاذ الدكتور النشار: ومن المتحمل أن تكون شخصية عبد الله بن سبأ شخصية موضوعة، أو أنها رمزت إلى شخصية عمار بن ياسر، كما فعل الأمويون بكلمة أبي تراب والترابيين، وقد كانت كنية أبي تراب، إحدى كنى الإمام علي (3)، وخدع معاوية الطليق، و الأمويون معه

(1) أحمد صبحي: نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية - القاهرة 1969 ص 39 - 40.

(2) أنظر: علي الوردي: وعاظ السلاطين - بغداد 1954 ص 274 - 278، كامل مصطفى الشيبي:

الصلة بين التصوف والتشيع 1 / 36 - 40 (بغداد 1964).

(3) روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي حازم عن سهل بن سعد (ابن وقاص) قال: أستعمل على

‌>


383

أهل الشام، بأنهم يحاربون أبا تراب والترابيين.

وربما كان عبد الله بن سبأ هو مجرد تغليف لاسم عمار بن ياسر، في رسالته إلى معاوية، وليس من المعقول قطعاً أن يكون حجر بن عدي (1)، الصحابي الكبير، من أتباع يهودي يفسد عليه وعلى المسلمين دينهم.

<‌

المدينة رجل من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم علياً، فأبي سهل، فقال له:

أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا التراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وأنه كان ليفرح إذا دعي بها، فقال له: أخبرنا عن قصته: لم سمي أبا تراب؟ قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة، فلم يجد علياً في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ فقالت: كان بيني وبينه شئ فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: أنظر أين هو، فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه، ويقول: قم أبا التراب (صحيح مسلم 15 / 181 - 182).

وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عمار بن ياسر: قال: كنت أنا وعلي رفيقين في غزوة ذي العشيرة، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام بها، رأينا ناساً من بني مدلج يعلمون في عين لهم في نخل، فقال لي علي: يا أبا اليقظان: هل لك أن تأتي هؤلاء فننظر كيف يعملون؟

فجئناهم فنظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعلي فاضطجعنا في صور من النخل في رقعاء من التراب، فنمنا، فوالله ما أهبنا، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك التراب، قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين، فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته - (الإمام ابن حنبل: فضائل الصحابة 2 / 686 - 687، التهذيب 9 / 147، 148، مسند الإمام أحمد 4 / 263).

(1) حجر بن عدي الكندي، ويسمى حجر الخير، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم مع أخيه هانئ، وكان من فضلاء الصحابة، ومن محبي الإمام علي، شهد القادسية، وكان على كندة يوم صفين، وعلى الميسرة يوم النهروان، كما شهدت الجمل، ولما ولي زياد العراق وأظهر السب للإمام علي، خلعه حجر، ولم يخلع معاوية، وتابعه جماعة من شيعة الإمام علي، فكتب فيه زياد إلى معاوية الذي أمر بإرسالهم إليه، وهناك في عذراء - قريباً من دمشق - (وحجر هو الذي فتح عذراء، وأول من كبر فيها) معاوية نفر من أهل الشام أن يعرضوا عليهم البراءة من الإمام علي واللعن له، وإلا قتلوا، ففعل البعض، ورفض سبعة، على رأسهم حجر، حيث قتلوا (أنظر عن حجر بن عدي:

أسد الغابة 1 / 461 - 462، الإستيعاب 1 / 356 - 359، الإصابة 1 / 314 - 315، محمد بيومي مهران: الإمام الحسن بن علي ص 121 - 129، تاريخ الطبري 5 / 279، الكامل لابن الأثير 3 / 487، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 141).


384

تم يرى الدكتور النشار بعد ذلك: أن كل ما أشير إليه من قبل محتمل، وأن الأمويين أخفوا اسم عمار بن ياسر - الصحابي الكبير - تحت اسم ابن سبأ، حتى لا تثور ثائرة أهل الشام، حين يعلمون أن ابن ياسر والملتفين حوله، هم أتباع علي (1)، ولكن لا شك أن آراء السبئية المتغالية وجدت صدى لدى الكيسانية (2)، ثم يرجح أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر، ومن المرجح أن النواصب حملوا - كذباً - عمار بن ياسر، كل تلك الآراء التي لم يعرفها قط، ولم يقل بها قطعاً، وإن كان من المؤكد أن كثيراً من آراء السبئية قد ظهرت إبان ذلك الوقت، ووجدت بيئة صالحة للنمو (3).

خامساً: منذ وقعة الجمل:

بويع الإمام علي - رضي الله، عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - بالخلافة في يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذي الحجة عام 35 هـ‍(24 يونية 656 م) في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمدينة المنورة.

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى لقب الإمام ذلك اللقب الذي اختص به الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، من بين جميع الخلفاء الراشدين، ومن ثم فإن لقب الإمام إنما يطلق - إذ أطلق - فلا ينصرف إلى أحد، غير الإمام علي، بين جميع الأئمة الذين وسموا بهذه السمة من سابقيه ولاحقيه.

(1) إن أهل الشام قد قتلوا عماراً في صفين - كما رأينا من قبل - فكانوا هم الفئة الباغية - وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، طبقاً للحديث الصحيح تقتلك الفئة الباغية (صحيح البخاري 4 / 25، صحيح مسلم 18 / 39 - 41، تحفة الأحوذي 10 / 300 - 301، طبقات ابن سعد 3 / 77، 187، حلية الأولياء 1 / 139، فضائل الصحابة لابن حنبل 2 / 858 - 861، وقعة صفين ص 340 - 344).

(2) أنظر عن الكيسانية (البغدادي: الفرق بين الفرق ص 38 - 53).

(3) علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 2 / 26 - 28.


385

ولعل سائلاً يتساءل: ألم يكن الصديق إماماً كعلي؟ ألم يكن الفاروق إماماً كعلي؟ ألم يكن ذو النورين إماماً كعلي؟ ألم يكونوا خلفاء راشدين - إذا قصدت الخلافة بعد النبوة، نعم كانوا أئمة مثله، بل وسبقوه في الإمامة.

ولكن الإمامة يومئذ كانت وحدها في ميدان الحكم بغير منازع ولا شريك، ولم يكتب لأحد منهم أن يحمل علم الإمامة ليناضل بها علم الدولة الدنيوية، ولا أن يتحيز بعسكر يقابله عسكر، وصفة تناوئها صفة، ولا أن يصبح رمزاً للخلافة يقترن، ولا يقترن بشيء غيرها، فكلهم إمام حيث لا اشتباه ولا التباس، ولكن الإمام بغير تعقيب ولا تذييل، إنما هو الإمام كلما وقع الاشتباه والالتباس، وذلك هو علي بن أبي طالب كما لقبه الناس، وجرى على الألسنة، فعرفه به الطفل، وهو يسمع أماديحه المنغومة في الطرقات، بغير حاجة إلى تسمية أو تعريف (1) -.

ويروي اليعقوبي: أنه ما أن تمت البيعة للإمام علي، حتى قام قوم من الأنصار فتكلموا، وكان أول من تكلم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري - وكان خطيب الأنصار - فقال: والله يا أمير المؤمنين، لئن كانوا تقدموك في الولاية، فما تقدموك في الدين، ولئن كانوا سبقوك أمس، فقد لحقتهم اليوم، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك، ولا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون، وما احتجت إلى أحد مع علمك.

ثم قام خزيمة بن ثابت الأنصاري - وهو ذو الشهادتين - فقال: يا أمير المؤمنين، ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك، ولا كان المنقلب إلا إليك، ولئن صدقنا أنفسنا فيك، فلأنت أقدم الناس إيماناً، وأعلم الناس بالله، وأولى المؤمنين برسول الله، لك ما لهم، وليس لهم ما لك.

(1) عباس محمود العقاد: عبقرية الإمام علي ص 174 - 175 (القاهرة 1981).


386

وقام صعصعة بن صوحان فقال: والله يا أمير المؤمنين، لقد زينت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، ولهي أحوج إليك منك إليها.

وقام مالك بن الحارث الأشتر فقال: أيها الناس، هذا وصي الأوصياء، ووارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن الغناء، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان، ورسوله بجنة الرضوان، من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر، والأوائل.

وقام عقبة بن عمرو فقال: من له يوم كيوم العقبة، وبيعة كبيعة الرضوان، والإمام الأهدى الذي لا يخاف جوره، والعالم الذي لا يخاف جهله (1).

هذا وقد واجه الإمام علي بعد توليته الخلافة خروج طلحة والزبير مطالبين بدم عثمان، ومالت معهم عائشة، وكانت من أشد المنكرين على عثمان - كما كان طلحة والزبير كذلك - غير أنها عندما سمعت بتولية الإمام علي قالت: والله ما كنت أبالي أن تقع هذه على هذه (2)، والزبير كان - كما هو معروف - من أنصار الإمام علي في الفترة التي سبقت توليته الخلافة - كان معه يوم اختيار أبي بكر، وكان معه يوم اختيار عثمان - ولكنه الآن يخرج - مع طلحة وعائشة - وقالوا:

إنهم إنما خرجوا غضباً لعثمان، وتوبة مما صنعوا من خذلانه (3).

وعلى أية حال، فإن المقدسي إنما يقسم الشيعة على أيام الإمام علي إلى فرق ثلاثة: فرقة على جملة أمرها في الاختصاص به، والموالاة له - مثل عمار وسلمان والمقداد وجابر وأبي ذر وعبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وجرير بن عبد الله البجلي ودحية بن خليفة (4) وفرقة أخرى تغلو في عثمان، وتميل إلى الشيخين، مثل عمرو بن الحمق ومحمد بن أبي بكر ومالك بن الأشتر، وأما الفرقة

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 79.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 180.

(3) تاريخ الطبري 4 / 490.

(4) المقدسي: البدى والتأريخ 5 / 124 (باريس 1899).


387

الثالثة فأتباع عبد الله بن سبأ (1)، فالمقدسي يذكر وجود فئات مختلفة من الشيعة أيام الإمام علي - كما يذكر النوبختي (2) - ويبدو من كلام المقدسي أن تعبير الشيعة إنما قد استعمل في خلافة الإمام علي (3)، هذا فضلاً عن ذكره لعبد الله بن عمر من بين الفريق الأول، وهذا من غير المعهود.

ويذهب ابن النديم في الفهرست إلى أن الشيعة إنما تكونت لما خالف طلحة والزبير علياً، وأبياً إلا الطلب بدم عثمان، مما اضطر الإمام إلى اللحاق بهما في البصرة ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله، وقد تسمى من اتبع الإمام علي بن أبي طالب في ذلك بالشيعة، فكان يقول: شيعتي، وسماهم طبقة الأصفياء وطبقة الأولياء وطبقة شرطة الخميس وطبقة الأصحاب، ويفسر معنى شرطة الخميس: أن علياً قال لهذه الطائفة تشرطوا، فإنما أشارطكم على الجنة، ولست أشارطكم على ذهب، ولا فضة، فابن النديم إنما يذكر ظهور الشيعة كجماعة أو كتلة على مسرح الأحداث السياسية، ولكنه لا يذكر بدايتهم (4).

هذا وقد شاع أثناء موقعة الجمل (10 جمادى الآخرة عام 36 هـ‍) إطلاق كلمة الوصي (5) على الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وقد جمع ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عدداً من الأشعار التي

(1) نفس المرجع السابق ص 125.

(2) النوبختي: فرق الشيعة ص 16.

(3) نبيلة عبد المنعم داوود: نشأة الشيعة الإمامية - بغداد 1968 ص 61 - 62.

(4) ابن النديم: الفهرست ص 249، نبيلة عبد المنعم داوود المرجع السابق ص 62.

(5) لما علم حذيفة ين اليمان - صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم - بقدوم الإمام علي إلى ذي قار في طريقه إلى البصرة - قبل معركة الجمل - استنفر الناس، ودعا أصحابه فوعظهم، وذكرهم الله، وزهدهم في الدنيا، ورغبهم في الآخرة، وقال لهم: إلحقوا بأمير المؤمنين، ووصي سيد المرسلين، فإنه من الحق أن تنصروه، وهذا الحسن ابنه وعمار، قد قدما الكوفة يستنفرون الناس، فانفروا، قال:

فنفر أصحاب حذيفة إلى أمير المؤمنين، ومكث حذيفة بعد ذلك خمس عشرة ليلة، وتوفي رحمه الله تعالى (نهج البلاغة 2 / 188).


388

تضمنت هذه اللفظة، ومنها قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (من صدر الإسلام).

ومنا علي ذاك صاحب خيبر*وصاحب بدر يوم سالت كتائبه

وصي النبي المصطفى وابن عمه*فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه

وقال عبد الله بن جعيل:

لعمري لقد بايعتم ذا حفيظة*على الدين معروف العفاف موفقا

علياً وصي المصطفى وابن عمه*وأول من صلى أخا الدين والتقي

وقال الهيثم بن التيهان - وكان بدرياً - (يوم الجمل):

قل للزبير وقل لطلحة إننا*نحن الذين شعارنا الأنصار

نحن الذين رأت قريش فعلنا*يوم القليب أولئك الكفار

كنا شعار نبينا ودثاره*يفديه منا الروح والإبصار

إن الوصي إمامنا وولينا*برح الخفاء وباحت الأسرار

وقال عمر بن حارثة الأنصاري - وكان مع محمد بن الحنفية يوم الجمل - وقد لامه أبوه لما تقاعس، فقال فيه:

سمي النبي وشبه الوصي*ورايته لونها العندم

وقال غلام من بني ضبه من عسكر عائشة يوم الجمل:

نحن بني ضبة أعداء علي*ذاك الذي يعرف قدماً بالوصي

وفارس الخيل على عهد النبي*ما أنا عن فضل علي بالعمي

وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل - وكان في عسكر علي عليه السلام -:

قل للوصي أقبلت قحطانها*فادع بها تكفيكها همدانها


389

وقال زياد بن لبيد الأنصاري يوم الجمل - وكان من أصحاب علي عليه السلام:

ولا نبالي في الوصي من غضب*إنا أناس لا نبالي من عطب

هذا علي، وابن عبد المطلب*ننصره اليوم على من قد كذب

وقال حجر بن عدي الكندي يوم الجمل:

يا ربنا سلم لنا عليا*سلم لنا المبارك المضيا

المؤمن الموحد التقيا*لا خطل الرأي ولا غويا

بل هادياً موفقاً مهديا*واحفظه ربي واحفظ النبيا

فيه فقد كان له وليا*ثم ارتضاه بعده وصيا

وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري - ذو الشهادتين وكان بدرياً - يوم الجمل:

يا وصي النبي قد أجلت الحر*ب الأعادي وسارت الأظعان

وقال خزيمة أيضاً:

أعائش خلي عن علي وعيبه*بما ليس فيه إنما أنت والده

وصي رسول الله من دون أهله*وأنت على ما كان من ذلك شاهده

وحسبك منه بعض ما تعلمينه*ويكفيك لو لم تعلمي غير واحدة

وقال ابن بديل بن زرقاء الخزاعي يوم الجمل:

يا قوم للخطة العظمى التي حدثت*حرب الوصي وما للحرب من آسى

الفاصل الحلم بالتقوى إذا ضربت*تلك القبائل أخماساً لأسداس

وقال عمرو بن أحيحة يوم الجمل في خطبة الحسن بن علي، عليهما السلام، بعد خطبة عبد الله بن الزبير:

وأبى الله أن يقوم بما قام*به ابن الوصي وابن النجيب

إن شخصاً بين النبي لك الخير*وبين الوصي غير مثوب


390

وقال زجر بن قيس الجعفي يوم الجمل:

أضربكم حتى تقروا لعلي*خير قريش كلها بعد النبي

من زانه الله وسماه الوصي*إن الولي حافظ ظهر الولي

كما الغوى تباع أمر الغوي (1) وروى عثمان بن سعيد عن عبد الله بن بكير عن حكيم بن جبير قال:

خطب علي عليه السلام، فقال في أثناء خطبته: أنا عبد الله، وأخو رسول الله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي، إلا كذاب، ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء هذه الأمة، وأنا خاتم الوصيين (2).

فقال رجل من عبس: ومن لا يحسن أن يقول مثل هذا، فلم يرجع إلى أهله حتى جن وصرع (3)، فسألوهم: هل رأيتم به عرضاً قبل هذا؟ قالوا: ما رأينا به قبل هذا عرضا (4).

وهكذا رأينا أن كلمة الوصي إنما أطلقت يوم الجمل على الإمام علي، من قبل أنصاره وأعدائه، سواء بسواء، و سوف يكون لهذه الصفة (الوصي) مدلولها على الإمامة، وأحقية الإمام علي فيها (1).

وروى الزبير بن بكار في الموفقيات - عن المدائني - قول بعض شعراء قريش:

(1) شرح نهج البلاغة 1 / 143 - 147.

(2) أنظر: المستدرك للحاكم 3 / 172، مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 113، 146.

(3) روى أبو نعيم بسنده عن عمار قال: حدث علي عليه السلام، رجلاً بحديث فكذبه، فما قام حتى أعمي (دلائل النبوة ص 510).

(4) شرح نهج البلاغة 2 / 287 - 288.

(5) الفيروزآبادي: فضائل الخمسة من الصحاح الستة 2 / 36 - 43 (بيروت 1973).


391

والله ما كلم الأقوام من البشر*بعد الوصي علي كابن عباس (1)

سادساً: منذ التحكيم:

استشهد الصحابي الجليل عمار بن ياسر في معارك صفين بين الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - ومعاوية بن أبي سفيان، وكان لاستشهاد عمار تأثير كبير على المتحاربين، ولأنه يبين أصحاب الحق من الفريقين المقاتلين، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم المسلمين من قبل أن عمار تقتله الفئة الباغية، وقد روت معظم كتب الحديث هذا الحديث الشريف، جاء في صحيح البخاري بلفظ ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار (2)، كما جاء أيضاً بلفظ ويح عمار، تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الله، ويدعونه إلى النار (3)، وجاء في صحيح مسلم بلفظ بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية (4)، وبلفظ تقتلك الفئة الباغية (5).

ورواه النسائي في الخصائص (6)، والترمذي في مناقب عمار، والحاكم في المستدرك (7)، والإمام أحمد في المسند والفضائل (8)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (9)، وأبو نعيم في الحلية (10).

(1) شرح نهج البلاغة 2 / 262.

(2) صحيح البخاري 1 / 121 - 122.

(3) صحيح البخاري 4 / 25.

(4) صحيح مسلم 18 / 39 - 40.

(5) صحيح مسلم 18 / 41.

(6) النسائي: تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه - بيروت 1983 ص 89 - 92.

(7) المستدرك للحاكم 2 / 148، 3 / 385، 386، 387.

(8) مسند الإمام أحمد 2 / 161، 164، 4 / 197، 6 / 289، فضائل الصحابة لابن حنبل 2 / 858 - 861.

(9) مسند أبي داود الطيالسي 3 / 90.

(10) حلية الأولياء 4 / 172.


392

ورواه الطبري في تاريخه (1)، والخطيب البغدادي في تاريخه (2)، وابن سعد في طبقاته (3)، وابن الأثير في أسد الغابة (4)، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة (5)، وابن حجر في الإصابة (6)، والمحب الطبري في الرياض النضرة (7)، والشبلنجي في نور الأبصار (8)، والمتقي الهندي في كنز العمال (9)، والهيثمي في مجمعه (10)، وغيرهم (11).

وكان عبد الله بن الخطاب يأسف أنه لم يقاتل الفئة الباغية مع الإمام علي، وكان يقول: ما آسى على شئ إلا تركي قتال الفئة الباغية مع علي (12)، ولعل هذا هو الذي دفع المقدسي إلا أن يراه من الموالين للإمام علي (13)، كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يأسف أنه كان بجوار أبيه مع الفئة الباغية (14).

وفي الإصابة في ترجمة زبيد بن عبد الخولاني قال: له إدراك وشهد فتح

(1) تاريخ الطبري 5 / 41.

(2) تاريخ بغداد 5 / 315، 7 / 414، 13 / 186.

(3) طبقات ابن سعد 3 / 177، 180، 181.

(4) أسد الغابة 2 / 217، 4 / 133.

(5) الإمامة والسياسة ص 106.

(6) الإصابة في معرفة الصحابة 2 / 512.

(7) الرياض النضرة 1 / 14.

(8) نور الأبصار ص 89.

(9) كنز العمال 7 / 72، 73، 74.

(10) مجمع الزوائد 7 / 240 - 242، 9 / 396 - 397.

(11) الفيروزآبادي: فضائل الخمسة 2 / 377 - 393، ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 480 - 481، تحفة الأحوذي 10 / 300 - 301.

(12) أنظر: المستدرك للحاكم 3 / 115، أسد الغابة 3 / 342، 4 / 115، طبقات ابن سعد 4 / 136 - 137، مجمع الزوائد 3 / 182، الرياض النضرة 2 / 242، الإستيعاب 2 / 345 - 346.

(13) المقدسي: البدء والتأريخ 5 / 124.

(14) طبقات ابن سعد 2 / 12، الإستيعاب 2 / 348 - 349، أسد الغابة 3 / 350.


393

مصر، ثم شهد صفين مع معاوية: وكانت معه الراية، فلما قتل عمار تحول إلى عسكر الإمام علي (1)، وفي أسد الغابة قال: روى عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل، وهو لا يسل سيفاً، وشهد صفين ولم يقاتل، وقال: لا أقاتل حتى يقتل عمار، فانظر من يقتله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: تقتله الفئة الباغية، فلما قتل عمار قال خزيمة: ظهرت لي الضلالة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل (2)، وفي الإصابة عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: ما زال جدي كافاً سلاحه حتى قتل عمار بصفين، فسل سيفه وقاتل حتى قتل (3).

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:

لما كان يوم صفين نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب علي: أفيكم أويس القرني؟ قالوا: نعم، فضرب دابته حتى دخل معهم، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خير التابعين أويس القرني (4).

وعلى أية حال، فإن النصر كاد أن يتم لمعسكر الإمام علي، لولا خدعة التحكيم المشهورة (5)، وقد أصبحت لفظة شيعة علي، مقابلة هنا للفظة شيعة معاوية - كما جاء في وثيقة التحكيم.

هذا ويذهب البعض إلى أن التشيع إنما بدا بعد التحكيم، يرىً فان فلوتنً أن الشيعة تفرعت من ذلك الحزب السياسي الذي قضى عليه الأمويون بحروراء، ثم انتشرت وقامت بحركة دينية واسعة النطاق ضمت إليها جميع

(1) الإصابة في تمييز الصحابة 1 / 576.

(2) أسد الغابة 4 / 135.

(3) الإصابة 1 / 426.

(4) المستدرك للحاكم 3 / 402، وانظر: حلية الأولياء 2 / 76، طبقات ابن سعد 6 / 112.

(5) أنظر عن خدعة التحكيم (محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب 2 / 97 - 124 - بيروت 1990).


394

العناصر الإسلامية المعادية للأمويين وللعرب جميعاً (1).

وقد أخطأ فان فلوتن في هذا، فالخوارج لم يكونوا أبداً شيعة، بل هم أعداء الإمام علي، الذين خرجوا عليه بعد رجوعه من صفين إلى الكوفة، وانحازوا إلى حروراء، وهم يومئذ اثنا عشر ألفاً أو ثمانية آلاف، ولذا سميت الخوارج حرورية (2)، وكانوا يقولون لا حكم إلا لله فلما بلغ الإمام علي ذلك قال: كلمة حق أريد بها باطل، ولما فشلت المفاوضات معهم، اضطر الإمام إلى قتالهم في وقعة النهروان سنة 39 هـ‍(3).

ثم إن ظهور الشيعة إنما كان سابقاً لهذه الفترة - كما رأينا من قبل - الأمر الذي يدل على أن فان فلوتن إنما يخلط بين الشيعة والخوارج، فضلاً عن الخلط بين الشيعة العلوية وبين من استظل برايتهم من الغلاة (4).

وعلى أية حال، فإن هناك من يرد نشأة التشيع إلى أول خلاف حول المبادئ الإسلامية، عندما نادى الخوارج لا حكم إلا لله (5)، فكان الخوارج أول طائفة في الإسلام تثير مشكلة الإمامة على نحو لم يسبق له، حين تراها عامة بالاختيار، لا فضل فيها لعربي على عجمي، ولا لقرشي على حبشي، وكان لا بد أن تظهر مبادئ أخرى معارضة تدعم حق الإمام علي في الإمامة، ولا شك أن الانشقاق السياسي بين شيعة الإمام علي بعد موقعة صفين، وقيامه على أساس فكري، وهو نحو يختلف تماماً عن خروج طلحة أو الزبير على الإمام علي، ونكثهما بيعته، أو بمخالفة معاوية بن أبي سفيان وطلبه بدم

(1) فان فلوتن: السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات - ترجمة حسن إبراهيم حسن ومحمد زكي إبراهيم - القاهرة 1934 ص 74.

(2) أنظر عن الخوارج (البغدادي: الفرق بين الفرق ص 72 - 113) (دار المعرفة - بيروت).

(3) أنظر (محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب 2 / 124 - 131).

(4) نبيلة عبد المنعم داود: المرجع السابق ص 63 - 64.

(5) أنظر عن الخلاف حول التحكيم (نصر بن مزاحم المنقري: وقعة صفين - تحقيق عبد السلام محمد هارون ص 512 - 527 (ط ثالثة - القاهرة 1981).


395

عثمان، إنه نهج فكري أيديولوجي يزعزع الأسس التي اجتمع عليها أنصار الإمام علي حوله، فكان لا بد من مواجهة الخوارج - لا كقوة سياسية - وإنما كعقيدة سياسية، تسعى إلى ضياع حق الإمام علي.

وفي الواقع أن التشيع - كرد فعل للخوارج - يتضح فيه مدى المقابلة بين العقيدتين، فبينما جعل الخوارج الإمامة عامة، هي عند الشيعة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذرية الإمام علي، وبنص من النبي على ذلك، فهي إذن من صميم الدين، وبينما طائفة من الخوارج ترى الإمامة غير واجبة، ولا يلزم نصب الإمام، هي عند الشيعة واجبة، وعلى الله تعالى.

وهكذا - فيما يقول الدكتور صبحي - يظهر رد فعل التشيع كعقيدة لآراء الخوارج في الإمامة، ويجب الاعتراف بأن الخوارج كمذهب عقائدي له نظرياته في الإمامة، سابق في وجوده على التشيع كعقيدة، ولا يستبعد أن يكون كثير من عقائد الشيعة قد صيغت متأثرة في ذلك بنظرية الخوارج في الإمام علي نحو عكسي، ولا سيما أن كارثة انشقاق الخوارج هي أكبر ما حل بأنصار الإمام من كوارث، ثم تبعها مصرع الإمام نفسه، على يد واحد منهم، ثم جرأتهم على الحق حتى ذهبوا إلى تكفير الإمام - وهو ما لم يذهب إليه ألد أعدائه كمعاوية - فكان لا بد أن يقابل ذلك تقديس للإمام علي، ورفع مقامه إلى مرتبة وصي النبي صلى الله عليه وسلم، وخليفته بالنص الإلهي (1).

ثم يقول: هذا وقد نقل الخوارج الاختلاف من مجرد خلاف بين الأشخاص - كما هو الحال بين الإمام علي ومعاوية - إلى خلاف حول المبادئ، ومن ثم فقد أعلنوا لا حكم إلا لله، وقد وصف الإمام علي ذلك بأن القوم طلبوا الحق فأخطأوه، وقال - كرم الله وجهه في الجنة - رداً على ذلك كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا الله، ولكن هؤلاء يقولون: لا

(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 40 - 41.


396

إمرة، وإنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتؤمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر (1).

وهكذا أثبت الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - وجوب الإمامة، تلك القضية التي تشغل أول الأبحاث في النظريات السياسية في الفكر الإسلامي، ولقد سبق أن اختلف المسلمون يوم السقيفة حول شخص من يخلف الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم فبحثوا في الإمامة، وجعلوها محور تفكيرهم السياسي، ثم أثار الخوارج التشكيك في ضرورة وجود الإمام، فالتفت معظم فرق المسلمين عند القول بوجوب وجود الإمام في بداية أبحاثهم السياسية (2).

علي أن الخوارج إنما يمثلون - من ناحية أخرى - جموح الهوى، وغلو الاجتهاد في الرأي، ثم سرعان ما تنعزل هذه الفرقة عن الناس، وتتخذ لها جبهة خاصة بها، فتنحرف عما عليه جماعة المسلمين، وحتى يحملها العناد والشقاق، على أن تشتط، وتمعن في الشطط، وإذا هي خارج دائرة الإسلام، تستحل دماء المسلمين، وتستبيح أموالهم وأعراضهم، دونما تقية أو حرج، وكانوا يلقون الواحد من المسلمين فيسألونه: ألم يكن قبول التحكيم كفراً؟ ألم يأثم علي بقبول التحكيم؟ ألسنا في حل من طاعته وبيعته حتى يقر بإثمه ويتوب؟ فإن أجاب المسؤول بنعم، تركوه ينجوه، وإن أجاب بلا، سفكوا دمه، وأزهقوا روحه.

وروى البخاري في صحيحه (3) (كتاب بدء الخلق - باب علامات النبوة في الإسلام) بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقسم قسماً، أتاه ذي الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا

(1) شرح نهج البلاغة 2 / 307 (بيروت 1979).

(2) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 42.

(3) صحيح البخاري 4 / 343 - 224.


397

رسول الله إعدل، فقال: ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت، إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه، قال: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى رصافه، فما يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه، وهو قدحه، فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على خير فرقة من الناس.

قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم، الذي نعته.

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، منصرف من حنين، وفي ثوب بلال فضة، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد أعدل، قال:

ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبت وخسرت، إن لم أكن أعدل، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال:

معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي: إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية (1).

وفي رواية لمسلم أيضاً عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك الهمداني أن أبا سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله أعدل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك ومن يعدل، إن لم أعدل،

(1) صحيح مسلم 7 / 159، وانظر روايات أخرى 7 / 159 - 165.


398

قد خبت وخسرت، إن لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، إئذن لي فيه أن أضرب عنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شئ - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على خير فرقة من الناس، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قاتلهم وأنا مع، فأبر بذلك الرجل فالتمس فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي نعت (1).

وفي رواية لمسلم أيضاً بسنده عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينها مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحق (2).

وفي رواية لمسلم أيضاً بسنده عن بسر بن سعيد عن عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الحرورية لما خرجت - وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه - قالوا: لا حكم إلا لله، قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصف ناساً إني لأعرف صفتهم من هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم، لا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود، إحدى يديه طي شاة، أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أنظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت - مرتين أو ثلاثاً - ثم وجدوه في خربة حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله، وأنا حاضر ذلك من أمرهم، وقول علي فيهم، زاد يونس في

(1) صحيح مسلم 7 / 165 - 167، وانظر روايات أخرى في 7 / 167 - 168.

(2) صحيح مسلم 7 / 168، وانظر روايات أخرى في 7 / 168 - 173.


399

روايته، قال بكير: وحدثني رجل عن أبي حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود (1).

هذا وقد روى الحديث الشريف النسائي في الخصائص (2)، وابن الأثير في أسد الغابة (3)، والطبري في تفسيره (4) والإمام أحمد في المسند (5)، والهيثمي في مجمعه (6)، والذهبي في ميزان الاعتدال (7)، والحاكم في المستدرك (8)، وابن سعد في طبقاته (9)، وأبو نعيم في الحلية (10)، والخطيب البغدادي في تاريخه (11)، والمتقي الهندي في كنز العمال (12)، والشوكاني في نيل الأوطار (13).

ويذهب الدكتور أحمد صبحي إلى أن الخوارج لم يفسدوا على الإمام علي أمره في مجال السياسة والحرب فحسب، بل وفي مجال المبادئ والعقائد التي استنفر أصحابه ليحاربوا من أجلها، ولم يكن جدال الإمام معهم بكاف لإقناعهم، بل لا بد من الانقياد للإمام لكبت الأهواء الجامحة، فالفوضى المطلقة الناجمة عن الغلو في الاجتهاد، وتحكيم الرأي، لا بد وأن تقابلها سلطة مطلقة لحاكم في مجتمع في مجتمع يدين بالثيوقراطية، أو بالسياسة المستندة إلى الدين،

(1) صحيح مسلم 7 / 173 - 175.

(2) النسائي: تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ص 92 - 108.

(3) أسد الغابة 2 / 172.

(4) تفسير الطبري 10 / 109.

(5) مسند الإمام أحمد 1 / 88، 91، 3 / 26، 32، 45، 48، 56، 70، 82، 95.

(6) مجمع الزوائد 5 / 239، 6 / 341.

(7) ميزان الاعتدال 2 / 263.

(8) المستدرك للحاكم 2 / 145، 147، 148، 154.

(9) طبقات ابن سعد 4 / 36.

(10) حلية الأولياء 4 / 186، 6 / 21، 7 / 31.

(11) تاريخ بغداد 1 / 159، 7 / 237.

(12) كنز العمال 1 / 92.

(13) الشوكاني: نيل الأوطار، شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخبار 8 / 287 - 288 (دار الكتب العملية - بيروت).


400

إلا إذا كانت مؤيدة من الله تعالى، فظهر لدى الشيعة مبدأ وجوب الإمامة، وهكذا أنكر الخوارج الإمامة، فأوجبها الشيعة، واستبعد الخوارج تحكيم الرجال، فأقر الشيعة ولاية الإمام، وكفر الخوارج الإمام (والعياذ بالله) فقدسه الشيعة.

وعلى أية حال، فإذا كانت حركة الخوارج لها أهميتها في صياغة العقيدة الشيعية، فإن ردوا بداية التشيع إلى هذا الزمن، أو إلى زمن خلافة الإمام علي، إنما قصدوا الحكم على أنصار الإمام في حرب الجمل، ثم في صفين، فالذين يرجعون الحركة الشيعية إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يقصدون عماراً وسلمان وأبا ذر وغيرهم، والذين يرجعونها إلى زمن خلافة الإمام علي إنما يعتبرون المسلمين قد تفرقوا شيعاً، ولم يجمعوا على خلافة الإمام علي، فكان شيعة الإمام علي هم أنصاره ومؤيدوه في حرب الجمل ثم صفين (1).

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن كلمة الوصي إنما تتردد أيضاً في معركة صفين - كما ترددت في معركة الجمل - يقول النضر بن عجلان الأنصاري:

كيف التفرق والوصي إمامنا*لا كيف إلا حيرة وتخاذلا

لا تعتبن عقولكم لا خير في*من لم يكن عنده البلابل عاقلا

وذروا معاوية الغوي وتابعوا*دين الوصي تصادفوه عاجلا

ويقول عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي:

ألا أبلغ معاوية بن حرب*أما لك لا تنيب إلى الصواب

يقودهم الوصي إليك حتى*يردك عن عوائك وارتياب

ويقول المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب:

(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 42 - 43.


401

فيكم وصي رسول الله قائدكم*وأهله وكتاب الله قد نشرا

ويقول الفضل بن عباس بن عبد المطلب:

وصي رسول الله من دون أهله*وفارسه إن قيل هل من منازل

ويقول المنذر بن أبي خميصة الوادعي - فارس همدان -:

ليس منا من لم يكن لك في الله*يا ذا الولا والوصية

وقال جرير بن عبد الله:

وصي رسول الله من دون أهله*وفارسه الأولى به يضرب المثل (1)

بل إن ابن عباس - رضي الله عنهما - إنما يصف الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - بأنه حب النبي ونفسه، وذلك في رده على عمرو بن العاص، حين فخر بخديعته لأبي موسى الأشعري في قصة خديعة التحكيم المشهورة - يقول ابن عباس (2):

وتزعم أن الأمر منك خديعة*إليه وكل القول في شأنكم فضلا

فأنتم ورب البيت قد صار دينكم*خلافاً لدين المصطفى الطيب العدلا

أعاديتم حب النبي ونفسه*فما لكم من سابقات ولا فضلا (3)

وعلى أية حال، فهناك ما يثبت أن الشيعة كانت معروفة على أيام خلافة

(1) المنقري: وقعة صفين ص 49، 365، 382، 385، 416، 436.

(2) نفس المرجع السابق ص 550.

(3) كان الإمام علي أحب الرجال إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنظر: المستدرك للحاكم 3 / 130 - 131، 155، 154، 157، خصائص النسائي ص 29، الإستيعاب لابن عبد البر 2 / 751، كنز العمال 6 / 84، 400، صحيح الترمذي 2 / 299، 319، ذخائر العقبى ص 35، مسند الإمام أحمد 4 / 257، مجمع الزوائد 9 / 126، أسد الغابة 4 / 30، 5 / 547، حلية الأولياء 6 / 339) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر الإمام علي كنفسه (أنظر المستدرك للحاكم 3 / 122).


402

علي، روى ابن الأثير بسنده عن سويد بن غفلة قال: مررت بقوم من الشيعة يشتمون أبا بكر وعمر، وينتقصونهما، فأتيت علي بن أبي طالب، فقلت: يا أمير المؤمنين، إني مررت بقوم من الشيعة يشتمون أبا بكر وعمر وينتقصونهما، ولولا أنهم يعلمون أنك تضمر لهما على ذلك لما اجترؤوا عليه، فقال علي:

معاذ الله أن أضمر لهما إلا على الجميل، ألا لعنة الله على من يضمر لهما إلا الحسن (1).

سابعاً: في أعقاب مأساة كربلاء:

لا ريب في أن استشهاد مولانا الإمام الحسين وآل بيته الطاهرين المطهرين في كربلاء (في العاشر من المحرم عام 61 هـ‍‌ العاشر من أكتوبر عام 680 م) إنما هو يوم من أخطر الأيام في تاريخ البشرية جمعاء - وليس في تاريخ العرب والإسلام فحسب - ففي هذا اليوم الكئيب كانت مذبحة كربلاء التي لم ير المسلمون لها مثيلاً - بل لم ير لها تاريخ البشرية كله مثيلاً - فما حدثنا التاريخ أبداً، أن أمة من الأمم آمنت بنبيها وأحبته، وعملت بكتاب الله وسنة نبيها، كما عمل المسلمون على أيام الراشدين، ثم شاءت إرادة الله أن تجعل منهم - بفضل الله وببركة نبيه - سادة العالم المعروف وقت ذاك، ذلك العالم الذي لم يكن - قبل الإسلام - يعترف بوجودهم، أو يقيم لهم وزناً إلا يكونوا خدماً له، وحرساً على قومهم، حتى كان العربي يقتل أخاه العربي، ابتغاء مرضاة الفرس أو الروم، حين اتخذ الفرس قبائل من العرب - عرفوا باللخميين أو المناذرة - واتخذ الروم قبائل من بني غسان، أعواناً لكل منهم ضد الآخرين (2).

ومع ذلك، ففي هذا اليوم المنكود، قام جيش اللئام - على أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان - بمذبحة مروعة، قتل فيها سيدنا الإمام الحسين، وقتل

(1) أسد الغابة 4 / 164، وانظر 4 / 166 - 167.

(2) أنظر عن المناذرة والغساسنة (محمد بيومي مهران: تاريخ العرب القديم - ط ثامنة - الإسكندرية 1990 ص 561 - 625).


403

معظم الهاشميين، ثم فعل اللئام - بأجسادهم الطاهرة، من قطع للرؤوس، ووطء للأجساد الطاهرة بسنابك الخيل - ما يخجل الشيطان من اقترافه، إن كان الشيطان يخجل، وقد بكى المسلمون جميعاً، حتى أعداء بيت النبي صلى الله عليه وسلم - مولانا الإمام الحسين، وما زالوا يبكونه حتى يوم الناس هذا.

ومن البديهي أن خطيئة كبرى - كمجزرة كربلاء - لن تذهب بغير جريرة، وأن تكون لها من النتائج الخطيرة - القريبة منها والبعيدة - حتى دخل في روع بعض المؤرخين، نتيجة لإصابة الحركة في نتائجها الواسعة، أنها من تدبير الإمام الحسين عليه السلام، وأنه توخاه منذ اللحظة الأولى، وعلم موعد النصر فيه، فلم يخامره شك في مقتله ذلك العام، ولا في عاقبة هذه الفعلة التي ستحيق، لا محالة، بقاتليه بعد أعوام.

وقد قال ماريين الألماني في كتابه السياسية: إن حركة الحسين في خروجه على يزيد إنما كانت عزمة قلب كبير، عز عليه الإذعان، وعز عليه النصر العاجل، فخرج بأهله وذويه، الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته، ويحيي به قضية مخذولة، ليس لها بغير ذلك حياة.

وفي الواقع، إن لم يكن رأي الكاتب حقاً كله - كما يقول الأستاذ العقاد - فبعضه على الأقل حق لا شك فيه، ويصدق ذلك على حركة الإمام الحسين، بعد أن حيل بينه وبين الذهاب لوجهه الذي يرتضيه، فآثر الموت كيفما كان، ولم يجهل ما يحيق ببني أمية من جراء قتله، فهو بالغ منهم بانتصارهم عليه، ما لم يكن ليبلغه بالنجاة من كربلاء (1).

(1) أنظر عن مذبحة كربلاء (تاريخ الطبري 5 / 347 - 470، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 46 - 94، تاريخ ابن خلدون 3 / 47 - 53، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 162 - 230، المسعودي:

مروج الذهب 2 / 49 - 59، ابن عبد ربه: العقد الفريد 5 / 125 - 136، ابن دقماق: المرجع السابق ص 59 - 60، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني 1 / 332 - 335، ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1 / 378 - 384، محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي ص 73 - 131 (بيروت 1990)، تاريخ اليعقوبي 2 / 243 - 250.


404

هذا ولم تنقض سنتان على مذبحة كربلاء، حتى كانت المدينة المنورة - أي في أخريات عام 63 هـ‍(682 م) - في ثورة حنق جارف، يقتل السدود، ويخترق الحدود، لأن اللئام من بني أمية حملوا إليها خبر مقتل الإمام الحسين، محمل التشهير والشماتة، وضحك واليهم عمرو بن سعيد، حين سمع أصوات البكاء والصراخ من بيوت آل النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بنت عقيل بن أبي طالب، تخرج في نسائها، حاسرة وتنشد:

ماذا تقولون إن قال النبي لكم*ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي*منهم أسارى ومنهم درجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم*أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم

فكان الأمويون يجيبون بمثل تلك الشماتة، ويقولون ناعية كناعية عثمان، وبدهي أنه لا موضع للشماتة بالإمام الحسين، ذلك لأنه إنما قد أصيب - وكذا أخوه الإمام الحسن - وهما يذودان عنه ويجتهدان في سقيه، وسقي آل بيته، ولكنها شماتة هوجاء، لا تعقل ما تصنع ولا ما تقول، وكان أبوهما الإمام علي أمرهما أن اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، ولا تدعا أحد يصل إليه، وحين قتل الخليفة المظلوم، ثار عليهما، ولطم الحسن، وضرب الحسين، بينما كان هذا الوالي السفيه حيث يعلم الله (1).

وسرعان ما حدثت وقعة الحرة في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين (28 سبتمبر 682 م) فقتل فيها خلق كثير، واستبيحت مدينة الرسول ثلاثة أيام، وأوقع مسلم بن عقبة المري وجيشه من جنود الشام - والمكون من عشرة آلاف فارس، وقيل اثنا عشر ألفاً، أو خمسة عشر ألف

(1) تاريخ الطبري 5 / 466 - 467، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 88 - 89، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 214.


405

رجل - كثيراً من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية، ما لا يحد ولا يوصف، حتى ذهبت بعض المصادر إلى أن عدد القتلى بلغ ألفاً وسبعمائة من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان، وقتل من حملة القرآن سبعمائة، ومن قريش 97 قتلوا ظلماً في الحرب صبراً، وافتضت ألف عذراء، روى المدائني بسنده عن أبي قرة قال هشام بن حسان: ولدت بعد الحرة ألف عذراء من غير زواج، وروى المدائني أيضاً بسنده عن أم الهيثم ابنة يزيد قالت: رأيت امرأة من قريش تطوف فعرض لها أسود فعانقته فقبلته، فقلت: يا أمة الله أتفعلين هذا بهذا الأسود، فقالت:

هو ابني، وقع علي أبوه يوم الحرة.

ويقول ابن حزم: وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالت وراثت بين القبر والمنبر (الروضة الشريفة) أدام الله تشريفها، وأكره الناس على البيعة على أنهم عبيد ليزيد، إن شاء أعتق (1).

وسرعان ما ينتقل موكب الشر إلى البلد الحرام - إلى مكة المكرمة - فيحاصرها، ويضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق حتى يحرقها، وكان سعيد بن المسيب يسمي سني يزيد بالشؤم، في السنة الأولى قتل الحسين بن علي، وأهل بيت رسول الله، والثانية استبيح حرم رسول الله، وانتهكت حرمة المدينة، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله، وحرقت الكعبة (2).

(1) أنظر عن وقعة الحرة (تاريخ اليعقوبي 2 / 250 - 251، ابن دقماق: المرجع السابق ص 60، ابن عبد ربه: العقد الفريد 5 / 136 - 139، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 111 - 121، تاريخ الطبري 5 / 482 - 495، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 235 - 243، المسعودي: مروج الذهب 2 / 63 - 65، محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي ص 183 - 189.

(2) أنظر عن شرب الكعبة بالمنجنيق أيام الأمويين (ابن فهد الهاشمي: غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام 1 / 141 - 144، 182 - 188، الفاسي: العقد الثمين 5 / 45 - 59، 143 - 144، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 123 - 124، الأزرقي: أخبار مكة 1 / 196 - 221، النجم عمر بن فهد: إتحاف الورى بأخبار أم القرى 1 / 58 - 77، 88 - 99، 103 - 104، تاريخ

‌>


406

ولعل كل هذه المآسي هي التي دفعت بالبعض إلى القول إلى أنه من بين الأحداث التي رأى الباحثون أنها بداية التشيع إنما هو فاجعة كربلاء، ذلك أن السيف اللئيم الذي جز رأس مولانا الإمام الحسين - سبط النبي صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة - إنما قد جز معه وحدة المسلمين إلى اليوم، ومن ثم فإن استشهاد سيدنا الإمام الحسين إنما يعتبر نقطة تحول هامة في التاريخ الفكري والعقدي للتشيع، إذ لم يقتصر أثر تلك الكارثة الأليمة إلى إذكاء نار التشيع في نفوس الشيعة، وتوحيد صفوفهم - وكانوا من قبل متفرقي الكلمة، مشتتي الأهواء - بل ترجع أهمية تلك الكارثة إلى أن التشيع كان قبل استشهاد الإمام الحسين، مجرد رأي سياسي لم يصل إلى قلوب الشيعة، فلما قتل الإمام الحسين امتزج التشيع بدمائهم وتغلغل في أعماق قلوبهم، وبالتالي فقد أصبح عقيدة راسخة في نفوسهم.

وهكذا بينما كان الشيعة بعد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يتعدى طائفة قليلة من الناس، يرون أن الإمام علي - رضي الله عنه، وكرم وجهه في الجنة - لصفات فيه - أحق الناس بالإمامة وبينما ناصر كثير من المسلمين الإمام علي بن أبي طالب، حينما آل إليه الأمر بعد مقتل عثمان، رضي الله عنه لأنه إمام المسلمين، وأمير المؤمنين - أو لأسباب أخرى - فإن هذه الدماء التي أريقت في كربلاء - وهي دماء آل بيت النبي، وعلى رأسهم الإمام الحسين - إنما قد ركزت الانتباه إلى مدى ما لاقاه بيت النبوة، من اضطهاد وقتل، ومن ثم فقد أصبح التشيع مقروناً بأحقية آل البيت في الخلافة.

<‌

الطبري 5 / 496 - 499، 6 / 187 - 195، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 243 - 245، 270 - 271، ابن دقماق: المرجع السابق ص 60 - 61، ابن عبد ربه: العقد الفريد 5 / 139 - 142، 162 - 168، تاريخ اليعقوبي 2 / 251 - 253، 266 - 267، 272، مروج الذهب 2 / 65، 75، 100 - 103، ابن قتيبة: الإمامة والسياسة 2 / 14 - 15، ابن الطقطقي: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية ص 95).


407

وهكذا فإن دماء الإمام الحسين الطاهرة - فضلاً عن دماء أهل بيته - إنما هي التي أنبتت العقيدة الشيعية في صورتها النهائية، فلقد أدرك الشيعة - بعد كارثة كربلاء - أن لا قبل لهم بمقاومة جيوش بني أمية بالقوة والسيف - خاصة وقد رأوا ما فعلت جيوش اللئام بالمدينة المنورة ومكة المكرمة - ومن ثم فقد استعانوا على أمرهم بمبدأ التقية، ثم تحول الشيعة أيضاً، بعد كارثة كربلاء، إلى مقاومة الأمويين بقوة أخرى - غير قوة السلاح - قوة معنوية، لا تصمد لها أيديولوجية الدولة الأموية في الحكم، وهي قوة الفكر الذي ارتبط بالدين، فأصبح في الناس عقيدة (1).

وهكذا قامت حركة التوابين بقيادة الصحابي الجليل - سليمان بن صرد (2) - الذي سمي أمير التوابين، حيث جمع أنصاره في النخيلة في ربيع الآخر عام 65 هـ‍، وسار بهم إلى قبر الإمام الحسين، وطبقاً لرواية ابن الأثير فما أن وصلوا إلى القبر الشريف، حتى صاحوا صيحة واحدة، فما رؤي أكثر باكياً من ذلك اليوم، فترحموا عليه، وتابوا عنده من خذلانه، وترك القتال معه، ثم نادوا - فيما يروي الطبري - يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى منا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه، الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تعفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ثم أقاموا عنده يوماً وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه.

واتجه سليمان بجيشه نحو الشام، حتى إذا ما وصلوا إلى عين الوردة دارت رحى الحرب بينهم وبين جند الشام، وأبلى التوابون بلاءً حسناً، فكان لهم النصر أول الأمر، غير أن ابن زياد سرعان ما أمد جيش الشام باثني عشر ألفاً،

(1) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 47 - 48، وانظر 335. p , iii , encyclopedia of islam.

(2) أنظر عن سليمان بن صرد (أسد الغابة 2 / 449 - 450، الإصابة في تمييز الصحابة 2 / 75 - 76، الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 63 - 65).


408

بقيادة الحصين بن نمير، ثم بثمانية آلاف، بقيادة ابن ذي الكلاع، فأحاطوا بالتوابين من كل جانب، ورأى سليمان ما يلقى أصحابه من شدة، فترجل عن فرسه، وهو يومئذ في الثالثة والتسعين من عمره، وكسر جفن سيفه، وصاح بأصحابه: يا عباد الله، من أراد البكور إلى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فليأت إلي.

واستجاب له الكثيرون، وحذوا حذوه، وكسروا جفون سيوفهم، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة حتى أصيب أميرهم سليمان بسهم، فوثب ووقع، ثم وثب ووقع، وهو يقول فزت ورب الكعبة، وحمل الراية بعده المسيب بن نجية فقاتل بها حتى استشهد، رحمه الله، وانتهت المعركة إلى جانب أهل الشام، بعد أن ترك التوابون أمثلة رائعة للبطولة والفداء، التي استمدت روحها من مواقف الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، والتي لها صداها في النفوس، وأثرها القوي في التاريخ الإنساني كله (1).

وهكذا يرى كثير من المؤرخين أن التشيع - كعقيدة - إنما يبدأ بعد مأساة كربلاء، يقول ستروثمان في دائرة معارف الإسلام: إن دم الإمام الحسين الذي أراقته سيوف الحكومة القائمة، إنما يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة (2)، والأمر كذلك بالنسبة إلى ول ديورانت الذي يرى أن نشأة طائفة الشيعة، إنما كان على أثر مقتل الحسين وأسرته (3).

ويقول الدكتور الخربوطلي: كانت هناك نتائج دينية هامة تخلفت عن

(1) تاريخ الطبري 5 / 551 - 563، 5 / 583 - 609، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4 / 175 - 189، المسعودي: مروج الذهب 2 / 83 - 86، تاريخ اليعقوبي 2 / 257، ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 271 - 277، أسد الغابة 2 / 18 - 23، البلاذري: أنساب الأشراف 5 / 204 - 214، علي النشار: المرجع السابق ص 21، محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي ص 191 - 193.

(2) دائرة معارف الإسلام 3 / 350.

(3) ول ديورانت: قصة الحضارة 4 / 32.


409

فاجعة كربلاء، فنحن لا يمكننا أن نفسر دعوة شيعة الكوفة للإمام الحسين، ثم خذلانهم له، إلا بضعف العقيدة في نفوسهم وقت ذاك ذلك لأن العقيدة لم تكن قد اختمرت في نفوسهم، ولا تملكت قلوبهم، ولكن الحال قد اختلف بعد مقتل الإمام الحسين، فقد كانت دماؤه أبعد أثراً من دماء أبيه الإمام علي في نمو حركة الشيعة وازدياد أنصارها، بل يمكننا أن نقول: إن الحركة الشيعية إنما بدأ ظهورها في العاشر من المحرم عام 61 هـ‍(10 أكتوبر عام 680 م) وصبغت مبادئ الشيعة بصبغة دينية، فاتجهت الشيعة بعد مقتل الإمام الحسين اتجاهاً دينياً، بل غلب الجانب الديني في التشيع الجانب السياسي (1).

وهكذا نرى أن حركة التشيع كانت ما تزال متعثرة في طريقها - حتى كارثة كربلاء - لأن التشيع في نظر أهل العراق إنما كان مرتبطاً بذكرى حكم الإمام علي، الذي يمثل زعامة العراق بين الأمصار (2)، ثم كان لاستشهاد الإمام الحسين، عليه السلام، أثر كبير في نفوس شيعته، وقد أغنت هذه الحادثة الأدب العربي بالروائع، وألفت الكتب الكثيرة في مقتل الإمام الحسين (3).

وهكذا كان تبلور الحركة السياسية تحت اسم الشيعة بعد استشهاد الإمام الحسين مباشرة (4)، ومن ثم فقد أصبحت كلمة الشيعة - بعد مقتل الحسين - تطلق مفردة، فيقال الشيعة، ولا يقال شيعة علي أو شيعة الحسين، وهذا يعني أن مفهوم الشيعة كجماعة بدأ في الوضوح والتحديد (5)، ويذهب الشيخ المفيد إلى أن كلمة شيعة إذا دخلت عليها أل التعريف، فهي على

(1) علي حسني الخربوطلي: تاريخ العراق في ظل الأمويين ص 123، أحمد صبحي: المرجع السابق ص 48 - 49.

(2) الدوري: مقدمة في صدر الإسلام ص 61.

(3) أنظر كأمثلة (ابن طاووس: كتاب اللهوف في قتلى الطفوف، ابن نما الحلي: كتاب مثير الأحزان، الخوارزمي: كتاب مقتل الحسين، جمال الطاووس: عين العبرة في غبن العترة).

(4) الشيبي: المرجع السابق 1 / 17.

(5) نبيلة عبد المنعم داوود: المرجع السابق ص 76.


410

التخصيص لأتباع أمير المؤمنين (1) (علي بن أبي طالب).

وعلى أية حال، فيتضح لنا من الروايات التاريخية أن الشيعة أصبحت - بعد خروج التوابين - حزباً سياسياً واضح المفهوم، فكان يقال الشيعة وشيخ الشيعة فيعرف مدلولها (2).

وهكذا لم يكن أثر مقتل الإمام الحسين يقف عند انشقاق فريق من المسلمين باسم الشيعة، أو يشكل مجرد عقائد الشيعة حتى تميزت بها عن سائر فرق المسلمين، وإنما كانت دماؤه بحق هي التي ظلت طوال القرون، تروي عقائد الشيعة، فصمدت هذه الفرق، على العالم الرغم مما أصابها من اضطهاد فكري وسياسي، وعلى الرغم ما جد على العالم من أحداث وتطورات، ولم يكن الأمر وقفاً على تلك العاطفة الحزينة التي صبغت عقيدة الشيعة، أو على تلك المرثيات التي يرددونها دائماً، والتي تزدخر بها كتبهم، لتظل النفوس عالقة بتلك العقائد، منفعلة بتلك الكوارث، تتخذ من مصرع مولانا الإمام الحسين مثلاً أعلى في الصبر على البلاء والاستشهاد، وإنما أمدتهم تلك الدماء الطاهرة بما جعلهم على رأيهم ثابتين، بالرغم من تحالف قوى الفكر عليهم - من سنة ومعتزلة ومرجئة وخوارج (3) - وبالرغم من الاضطهاد السياسي العنيف الذي حاق بهم في العصرين: الأموي (41 - 132 هـ‍/ 661 - 750 م) والعباسي (132 - 656 هـ‍/ 750 - 1258 م) (4).

وهكذا جعلت كارثة كربلاء من التشيع مذهباً وعقيدة، فلقد روى دم الإمام الحسين، عليه السلام، موات الأحداث ليصبح الانشقاق أمراً مقضياً،

(1) الشيخ المفيد: أوائل المقالات في المذاهب و المختارات ص 3 (تبرير 1371 هـ‍).

(2) نبيلة عبد المنعم داوود: المرجع السابق ص 78، وانظر: تاريخ الطبري 5 / 558 - 559.

(3) أنظر عن هذه الفرق (البغداد: الفرق بين الفرق - دار المعرفة - بيروت، ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل - القاهرة 1964 (5 أجزاء)، الشهرستاني: الملل والنحل - القاهرة 1968 (3 أجزاء)، الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية - القاهرة 1959).

(4) أحمد صبحي: المرجع السابق ص 49 - 50.


411

ذلك أن الشيعة قد أدركت بعد هذه الفاجعة الأليمة، أن اقتلاع سلطان الغاصبين من بني أمية وغيرهم، لا تكفي فيه قوة السلاح، إنه إن عز النصر بسلاح الحرب، فلا بد من قوة معنوية تشد أزر القوة المادية، وليس ذلك إلا سلاح الفكر، إذ أن الكلمة أحياناً أبقى أثراً، وأشد تنكيلاً بالعدو من السيف، ومن ثم فقد بات لزاماً أن يكون للشيعة مذهب خاص، وإيديولوجية مثمرة في الإمامة، ولن يتسنى ذلك ما دامت تربطهم بأهل السنة وحدة الفكر، وهكذا جعلت فاجعة كربلاء انشقاق الشيعة عن جمهور المسلمين أمراً مقضياً (1).

على أن الصورة النهائية لعقائد الشيعة لم تظهر إلى حيز الوجود في أعقاب استشهاد الإمام الحسين مباشرة، وربما احتاج ذلك إلى عشرات من السنين حتى تتبلور هذه العقائد، عير أن الفرق التي تندرج تحت اسم الشيعة - المعتدلين فيهم - إنما قد بدأ ظهورها بعقائدها عقب مأساة كربلاء، منذ بدأت فرقة الكيسانية (2) التي تعتبر أولى الفرق التي ظهرت في التيار العام للحركة الشيعية، على اعتبار أن حركة ابن سبأ لا تدخل في هذا التيار العام، إذ صدرت عن باعث الفتنة، لا عن ينبوع العقيدة، من ناحية، ولأن حركة ابن سبأ إنما تعتبر بوجه عام - أولى حركات الغلاة، لا المعتدلين (3)، من ناحية أخرى، ولأن الشيعة أنفسهم لا يعترفون بها - هذا إن كان هناك من يدعى ابن سبأ حقاً -.

وهكذا يمكن القول إن التشيع كفكرة إنما لاحت في عصر النبوة مع العباس بن عبد المطلب في إلحاحه على الإمام علي بالاستفسار من النبي صلى الله عليه وسلم، عن البيعة والوصية الكتابية فرفض الإمام علي (4)، ولكنها ولدت ولادة صحيحة

(1) أحمد صبحي: الزيدية ص 6 - 17.

(2) أنظر عن الكيسانية (البغدادي: الفرق بين الفرق ص 38 - 53، الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية ص 288 - 289، الشهرستاني: الملل والنحل ص 147).

(3) أحمد صبحي: نظرية الإمامة ص 50.

(4) محمد حسين هيكل: حياة محمد ص 484 - 485.


412

يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وشبت بعد قتل عثمان وحرب معاوية بن أبي سفيان للإمام علي، ومن قبل ذلك خروج السيدة عائشة وطلحة والزبير، ثم موقعة الجمل، ثم نضجت يوم استشهاد الأئمة - علي والحسين وزيد ويحيى وغيرهم من كرام الأئمة - حتى اتخذت ثوب التقية وتدرعت به لتحفظ رسالة الإمام الصادق، كإمام قاعد، يعيش للعلم، يدرسه عن ربه ونبيه وأجداده، ويعلمه ويعمل، ويدرس ما اختلف فيه، فيكون أعلم الناس، لعلمه باختلاف الناس (1)، كما قال عنه الإمام أبو حنيفة.

ومن هنا أكد مؤرخو الشيعة أن التراث الشيعي إنما قد عاش، لأن أربعة عشر قرناً تعيش في تياراته، وتغني المضمون الروحي للفكر الإسلامي من خلال صراع آرائه (2).

(2) أصل التشيع

اختلف المستشرقون - من أمثال دوزي، وميور، وجولد تسيهر، وفلهاوزن - في أصل التشيع في جذوره الأولى إلى الفرس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، ما دام لم ينجب ولداً، فولده علي، شرعاً وقانوناً إلهياً، وهذا من المذاهب الفارسية التي تعتقد في الحق الإلهي للملك (3).

ويقول الدكتور عبد القادر محمود (4): إنه حقاً قد دخلت أفكار فارسية على التفكير الإسلامي - فضلاً عن أفكار يونانية ويهودية ونصرانية كذلك - غير أن ذلك لم يفقد التفكير الإسلامي شخصيته في عقيدته، فكل شئ دخل على الإسلام، صادف في الإسلام شيئاً قائماً في ذاته وموضوعه، لم يخلقه من

(1) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة - القاهرة ص 6 - 7.

(2) عبد الرحمن بدوي: دراسات إسلامية ص 35.

(3)

r dozy, essai sur l'histoire de l'islamisme, paris, 1879, p.220

(4) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة - القاهرة ص 7.


413

عدم، وقد هضم الإسلام كل شئ، وأخذ ما يناسبه، وطبعه بطابعه، وخلق فيه الآيات (1).

هذا وقد دخل التشيع بخاصة لون من هذه الأفكار، كما دخلت مبادئ تقلدها بعض الشيعة، ولا سيما بعد عصر الإمام جعفر الصادق (80 أو 83 - 148 هـ‍) (669 أو 703 - 765 م) عن طريق القداح غير أن هذا لا يعني أبداً أن نحكم على مبدأ التشيع في ذاته بأنه فارسي من جذوره - كما ذهب دوزي، ومن شايعه -.

هذا ويذهب آدم متز إلى أن التشيع إنما يرجع إلى أصل عربي صميم، وليس رد فعل من جانب العقل الفارسي.

وأما فلهاوزن فالرأي عنده أن عقائد الشيعة مأخوذة من اليهودية الأصلية، أكثر مما هي مقتبسة من المنابع الفارسية - كما قال دوزي - وقد اعتمد فلهاوزن في رأيه هذا على قول ابن سبأ: علي بالنسبة لمحمد كهارون لموسى، وعلى قول ابن سبأ في رجعة محمد في شخص علي (2).

وأما عن الأولى: وهي أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما كان بالنسبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كهارون لموسى، عليهما السلام.

(1) مصطفى عبد الرازق: تمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام - القاهرة 1944 ص 139 - 141، 294 - 295.

(2) فلهاوزن: أحزاب المعارضة الدينية في صدر الإسلام، وانظر الأصل:

wellhausen, die- religioes- opposition sparteien in alten islam, p.89

غير أن فلهاوزن يقول في كتابه الخوارج والشيعة ص 25 - 26 إن الخوارج لم يكونوا بذرة فاسدة بذرها اليهودي ابن سبأ سراً، وإنما كانوا نبتة إسلامية حقيقية، ولم يكونوا فرقة تعيش في الظلام، بل كانوا ظاهرين علناً.


414

فلست أدري من الذي قال: إن ابن سبأ - المزعوم هذا - هو الذي قال ذلك، وكيف لم ينتبه الباحثون إلى من قال ذلك، إنما هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح المشهور، روى البخاري في صحيحه بسنده عن سعد قال:

سمعت إبراهيم بن سعد عن أبيه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى (1)، وروى البخاري بسنده عن مصعب بن سعد عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى تبوك واستخلف علياً، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي (2).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول له: خلفه في بعض مغازيه، فقال علي: يا رسول الله، خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر، لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية:*﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم *، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال:

اللهم هؤلاء أهلي (3).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال، قال الله صلى الله عليه وسلم لعلي: أنت مني بمنزلة هارون

(1) صحيح البخاري 5 / 24.

(2) صحيح البخاري 6 / 3 (دار الحديث - القاهرة).

(3) صحيح مسلم 15 / 175 - 176.


415

من موسى، إلا إنه لا نبي بعدي، قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني به عامر فقال: أنا سمعته، فقلت أنت سمعته، فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلا فاستكتا.

وفي رواية ثالثة عن سعد بن أبي وقاص قال: خلف رسول الله، علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان، فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي (1).

هذا وقد روى هذا الحديث الشريف الإمام أحمد بن حنبل في المسند والفضائل (2)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (3)، وأبو نعيم في الحلية (4)، والنسائي في الخصائص (5)، والطحاوي في مشكل الآثار (6)، والخطيب البغدادي (7) في تاريخه، وابن الأثير في أسد الغابة (8)، والترمذي في صحيحه (9) وابن ماجة في صحيحه (10)، والحاكم في المستدرك (11)، وابن عبد

(1) صحيح مسلم 15 / 174 - 176 (بيروت 1981).

(2) مسند أحمد 1 / 170، 173، 174، 175، 177، 179، 182، 184، 330، 3 / 338، 6 / 369، 438، فضائل الصحابة 2 / 566 - 568، 592 (أرقام 954، 956، 957، 1005، 1006).

(3) مسند أبي داود الطيالسي 1 / 28، 29.

(4) حلية الأولياء 7 / 194، 195، 196، 452، 8 / 308.

(5) النسائي تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ص 38 - 44 (أرقام 40، 41، 42، 43، 44، 45، 46، 47، 48، 49، 50، 751 52، 53).

(6) مشكل الآثار 2 / 309.

(7) تاريخ بغداد 1 / 324، 3 / 288، 4 / 204، 8 / 52، 9 / 394، 10 / 43، 11 / 432، 12 / 323.

(8) أسد الغابة 4 / 26، 5 / 8.

(9) صحيح الترمذي 2 / 300، 301، 5 / 641.

(10) صحيح ابن ماجة 1 / 42.

(11) المستدرك للحاكم 2 / 337، 3 / 116.


416

البر في الإستيعاب (1)، والهيتمي في مجمع الزوائد (2)، والمتقي الهندي في كنز العمال (3)، والمحب الطبري في الرياض النضرة، وفي ذخائر العقبى، (4)، وعبد الرازق في مصنفه (5)، وابن سعد في طبقاته (6)، وابن عساكر في تاريخه (7)، وابن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة (8)، والمقدسي في البدء والتأريخ (9)، والطبري في تاريخه (10)، وابن حجر الهيثمي في صواعقه (11)، والألباني في إرواء الغليل (12) وغيرهم (13).

وأما الثانية: وهي نسبة فكرة الرجعة إلى اليهود والنصارى، اعتماداً على أن إيليا رفع للسماء، وأنه لا بد أن يعود في آخر الزمان لإقامة العدل، وهي نفس فكرة الغلاة من الشيعة (14).

(1) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3 / 34.

(2) مجمع الزوائد 9 / 109، 110، 111.

(3) كنز العمال 3 / 154، 5 / 40، 6 / 154، 188، 395، 405، 8 / 215.

(4) الرياض النضرة 2 / 162، 163، 164، 195، ذخائر العقبى ص 120.

(5) مصنف عبد الرازق 11 / 226.

(6) الطبقات الكبرى 3 / 24.

(7) تاريخ ابن عساكر 1 / 107.

(8) الإصابة 2 / 59.

(9) البدء والتأريخ 4 / 239.

(10) تاريخ الطبري 3 / 103 - 104.

(11) الصواعق المحرقة ص 73، 74، 187.

(12) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل 5 / 11 - 12. 8 / 123 - 124.

(13) المطالب العالية 4 / 264، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 366، 371، 372، 373، 374، ويقول ابن كثير: قال الحافظ ابن عساكر: وقد روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جماعة من الصحابة، منهم: عمر وعلي وابن عباس وعبد الله بن جعفر ومعاوية وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وأبو سعيد والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وزيد بن أبي أوفى ونبيط بن شريط وحبشي بن جنادة ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبو الفضل وأم سلمة وأسماء بنت عميس وفاطمة بنت حمزة.

يقول ابن كثير: وقد تقصى الجاحظ ابن عساكر هذه الأحاديث في ترجمة الإمام علي في تاريخه، فأجاد وأفاد، وبرز على النظراء والأشباه (البداية والنهاية 7 / 373).

(14) أنظر: فلهاوزن: الخوارج والشيعة - ترجمة عبد الحميد بدوي ص 95 - 102، مجلة الآشوريات 3 / 296.


417

ولعل من الأهمية بمكان أن نتعرف - بادئ ذي بدء - على إيليا حيث جاءت قصته في سفر الملوك الأول، الذي يروي أن أخاب بن عمري ملك إسرائيل (869 - 850 ق. م) قد اقترف كل أنواع الشرور، ربما بسبب زواجه من إيزابيل بنت إيثبعل ملك صور، التي نجحت في السيطرة على زوجها تماماً، حتى تمكنت من نقل أفكار الحكم المطلق إلى إسرائيل، والتي كانت بعيدة عن التصور العبري للملكية، فضلاً عن إحلال آلهة الفينيقيين الوثنية، محل عبادة يهوه رب إسرائيل، ثم جهدت في إلغاء عبادة الله، وإحلال عبادة البعل مكانها، ومن ثم فقد اندفع إيليا في طول البلاد وعرضها كالإعصار، مهدداً متوعداً، بأنه لا ظل ولا مطر في هذه السنين، وتشتد المجاعة، وخاصة في العاصمة السامرة، وعقدت مباراة بين سدنة البعل - وعددهم 450 سادناً - وبين إيليا، أيهم يستجيب له الرب وينزل المطر، ونجح إيليا فاستجاب الله له وأنزل المطر - بعد جفاف استمر سنوات ثلاث - وأمسك إيليا بأنبياء البعل، وذبحهم جميعاً، وتسمع إيزابيل بما حدث، وفي غضب مرير، تنذر بقتل إيليا، الذي يتمكن من الهرب إلى جبل حوريب، بعد أن يعهد إلى حواريه اليسع الذي يتولى أمر الدعوة من بعده، وتنتهي الأمور، بأن تأتي مركبة وفرسان نارية وتحمل إيليا إلى السماء، تاركاً رداءه لإليسع (1).

وهناك إشارة في العهد القديم في ملاخي (4 / 5 - 6) فحواها أن الرب سيرسل إيليا قبل يوم الرب العظيم، ويترك بعض اليهود مقعداً خالياً على مائدة عيد الفصح (2) لإيليا، وأما إشارة ملاخي فتقول ها أنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجئ يوم الرب العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن.

(1) أنظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 2 / 910 - 916 (الإسكندرية 1978)، دراسات تاريخية من القرآن الكريم 3 / 231 - 241 (بيروت 1988)، قاموس الكتاب المقدس 1 / 144 - 145 (بيروت 1964)، ملوك أول 17 / 1 - 19 / 21، إنجيل لوقا 4 / 25 - 26، رسالة يعقوب 5 / 17.

(2) أنظر عن عيد الفصح (محمد بيومي مهران: إسرائيل 4 / 156 - 163 - الإسكندرية 1979).


418

وفي الواقع أنني لست أدري: لم يتجاهل هؤلاء وأولئك أن ما جاء عن إيليا (1) في العهد القديم، إنما جاء عند المسيح عيسى بن مريم في القرآن الكريم، يقول الله تعالى:*﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً*بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً*(2)، وقال تعالى:*﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا*(3).

ويقول الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسير المنار: فإن للعلماء هنا طريقتين، إحداهما - وهي المشهورة - أنه رفع بجسمه حياً، وأنه سينزل في آخر الزمان، فيحكم بين الناس بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يتوفاه الله تعالى (4)، ويقول الإمام الفخر الرازي: معنى قوله إني متوفيك، أي متمم عمرك، فحينئذ أتوفاك، فلا أتركهم حتى يقتلوك، بل أنا رافعك إلى سمائي، ومقربك بملائكتي، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك، وهذا تأويل حسن، وهناك وجه آخر في تأويل الآية هو أن الواو في قوله تعالى: متوفيك ورافعك تفيد الترتيب، فالآية تدل على أن الله تعالى يفعل به هذه الأفعال، فأما كيف يفعل؟

ومتى يفعل؟ فالأمر موقوف فيه على الدليل، وقد ثبت الدليل أنه حي، وورد

(1) أنظر عن توحيد إيليا بنبي القرآن - إلياس عليه السلام (محمد بيومي مهران: إسرائيل 2 / 913 - 915، دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الجزء الثالث - في بلاد الشام ص 232 - 235).

(2) سورة النساء: آية 157 - 158، وانظر: تفسير الطبري 6 / 12 - 18، تفسير روح المعاني 6 / 10 - 13، تفسير النسفي 1 / 261 - 263، في ظلال القرآن 2 / 801 - 803، تفسير البيضاوي 1 / 141 - 142، صفوة التفاسير 1 / 316، تفسير ابن كثير 1 / 872 - 889، التسهيل لعلوم التنزيل 1 / 163.

(3) سورة آل عمران: آية 55، وانظر: تفسير النسفي 1 / 160، تفسير الفخر الرازي 8 / 67 - 70، في ظلال القرآن 1 / 403 - 404، تفسير ابن كثير 1 / 548، تفسير الطبري 3 / 289 - 293، تفسير روح المعاني 3 / 179 - 184.

(4) تفسير المنار 3 / 260.


419

الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سينزل ويقتل الدجال ثم إن الله تعالى يتوفاه بعد ذلك (1).

وأما الطريقة الثانية - فيما يرى الأستاذ الإمام - فهي أن الآية على ظاهرها، وأن التوفي على معناه الظاهر، المتبادر منه، وهو رفع الروح (2)، يقول الفخر الرازي: إني متوفيك أي مميتك، وهو مروي عن ابن عباس، وابن إسحاق قالوا: والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله، ثم أنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء، ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه: أحدها: قال وهب: توفي ثلاث ساعات، ثم رفع، وأخرج الحاكم عنه أن الله تعالى توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه، وأن مريم حملت به، ولها ثلاث عشرة سنة، وأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين.

وثانيها: قال ابن إسحاق: توفي سبع ساعات، ثم أحياه الله ورفعه، وثالثها: قال الربيع بن أنس: أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء، قال تعالى:

* ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها*(3)، وروى عن الربيع أيضاً، وعن الحسن: أن الله تعالى رفع عيسى عليه السلام إلى السماء - وهو نائم - رفقاً به (4).

وهكذا وجد عندنا رأيان، الأول - وهو رأي الجمهور - ويذهب إلى أن المسيح عليه السلام، رفع إلى السماء حياً - بجسده وروحه - وأنه ما يزال حياً يرزق، وأن الله سوف يهبطه عند ظهور الدجال، على صخرة بيت المقدس، روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم

(1) تفسير الفخر الرازي 8 / 67.

(2) تفسير المنار 3 / 260.

(3) تفسير الفخر الرازي 8 / 67، تفسير روح المعاني 3 / 179.

(4) تفسير روح المعاني 3 / 179.


420

ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خير له من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة: إقرأوا إن شئتم*(وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً)*(1).

وروى البخاري أيضاً عن ابن شهاب عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري، أن أبا هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف بكم، إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم، وإمامكم منكم (2)، وعن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا: إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة (3).

وأما الرأي الثاني، ويقول به البعض، وهو أن المسيح عليه السلام، قد توفي فعلاً - بعد أن نجاه الله تعالى من مؤامرة اليهود، ولم يمكنهم من قتله أو صلبه، وأن معنى بل رفعه الله إليه ورافعك إلي، إنما يراد به التعظيم والتكريم (4).

ومن ثم فلم يأخذ الشيعة فكرة الرجعة عن اليهود والنصارى، وإنما هي موجودة في القرآن والحديث الشريف، هذا إذا كانت الشيعة نادت بذلك، وهو أمر تحيط به هواتف الريبة من كل جانب، على الأقل بالنسبة إلى المعتدلين منهم.

(1) سورة النساء: آية 159، صحيح البخاري 4 / 205، تفسير القرطبي ص 2007 - 2008، تفسير الطبري 6 / 18 - 23، تفسير ابن كثير 1 / 876 - 889، وانظر (صحيح البخاري 3 / 107، 178، صحيح مسلم 1 / 93، 4 / 60، مسند الإمام أحمد 2 / 513).

(2) صحيح البخاري 4 / 250 (ورواه أيضاً مسلم وأحمد).

(3) حمود بن عبد العزيز التويجري: إقامة البرهان في الرد على من أنكر خروج المهدي والدجال ونزول المسيح في آخر الزمان - مجلة البحوث الإسلامية - العدد 13 شوال 1405 هـ‍ص 109 - 113 (أنظر: محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم 3 / 343 - 350 - حيث الأدلة من الكتاب والسنة على نزول عيسى في آخر الزمان).

(4) أنظر (محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم 3 / 350 - 355).


421

وأما عن نسبة التشيع إلى الفرس، فهناك نص هام لأحد الشيعة الإيرانيين (1) ينفي فيه نسبة التشيع إلى الفرس كأصل، كما أن التشيع لم يكن مذهباً جديداً - كما يقول أعداؤه - و إنما شملته رعاية علماء أجلاء في جميع عصور الإسلام - منذ ظهوره، وحتى قيام الدولة الصفوية في عام 905 هـ‍(1500 م) (2).

ومن ثم يمكن القول أن خصوم الشيعة قد أخطأوا كثيراً، حين زعموا أن التشيع دين مستقل، ابتدعه الفرس، كيداً للإسلام الذي أزال ملكهم، وأباد سلطانهم، فأرادوا الانتقام منه، فلم يستطيعوا، فأدخلوا عليه البدع والضلال، مستترين باسم التشيع (3).

وقد فند هذا الزعم كثير من العلماء، وقدموا كثيراً من الأدلة على صحة رأيهم، منها (أولاً) أن النبي صلى الله عليه وسلم - كما أشرنا من قبل - وهو الباعث الأول على فكرة التشيع، وإن ما تدين به الشيعة الإمامية إنما يعتمد على نصوص من الكتاب والسنة.

ومنها (ثانياً) أن الفرس الذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أول

(1) ظهر هذا الرأي في كتاب تراث فارس (legacy of persia) ص 208 - 210 في الأصل الإنجليزي، وفي ص 204 من الترجمة العربية التي أشرف عليها الدكتور يحيى الخشاب، وظهرت في القاهرة عام 1959 م، ويشير الكتاب بوضوح إلى التشيع المعتدل قد أسئ فهمه بسبب ما جاء بالمصادر المعادية للشيعة، كما قال الأستاذ (wickens) الأستاذ بجامعة كمبردج، وأما الكتاب المقصود فهو كتاب الشوشتري الفارسي ويسمى مجالس المؤمنين، وقد طبع عام 1268 م، بالفارسية، بعد وفاة صاحبه (نور الدين بن شريف المرعش الحسيني الشوشتري - نسبة إلى مدينة شوشتر بإيران، والتي يسميها العرب تستر - وكان أكبر قضاة لاهور، وهو حنفي المذهب، وقد أقام في أكرا ونشر كتاباً آخر له إحقاق الحق وإزهاق الباطل ومنه عرف تشيعه، فأمر السلطان جهانجيز بن أكبر بجلده حتى الموت في عام 1019 هـ‍/ 1610 م).

(2) عبد القادر محمود: المرجع السابق ص 9 - 10.

(3) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 64.


422

الأمر، إلا القليل منهم، وجل علماء السنة وأجلاؤهم من الفرس - كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة، والرازي وفخر الدين الرازي وسيبويه والخوارزمي والفارابي والقزويني والسمرقندي والسجستاني والنسفي والهمذاني، هذا فضلاً عن الإمام الأكبر أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب، والإمام مسلم والدارقطني، والبيضاوي، وصاحب القاموس والزمخشري والتفتازاني، وأبي القاسم البلخي والقفال والمروزي والشاشي والنيسابوري والبيهقي، والجرجاني والراغب الأصفهاني والخطيب التبريزي - وغيرهم ممن لا يبلغهم الإحصاء بل يمكن القول أن دين العربية (الإسلام) وعلم العربية لم يخدما بأكثر مما سطره علماء وفقهاء ومحدثون من الفرس، من أمثال هؤلاء الأعلام، الذين ذكرنا بعضاً منهم آنفاً.

وأما من دخل الإسلام من الفرس وتشيع، فحاله حال من تشيع من سائر الأمم - كالعرب والترك والروم وغيرهم - لا باعث له، إلا حب الإسلام، وحب آل الرسول، فأسلم وتشيع عن رغبة واعتقاد، وإذا جاز أن يقال: إن الفرس تشيعوا كيداً للإسلام، لأنه قهرهم، جاز أيضاً أن يقال: إن غير الفرس تسننوا كيداً للإسلام، لأن الإسلام غلب وقهر الجميع، وليس الفرس وحدهم.

والحقيقة أن بعض الفرس دان بالتشيع للسبب الذي دان به غيرهم بالتشيع، وبعضهم دان بالتسنن للسبب الذي دان به غيرهم بالتسنن، سنة الله في خلقه، هذا إلى أن الأشعريين، هم الذين نشروا التشيع في قم (1) وأطرافها، وهم عرب صميمون هاجروا إليها من الكوفة على أيام الحجاج الثقفي (2)،

(1) قم: وتقع على مبعدة 150 كيلاً. إلى الجنوب الشرقي من طهران، وترجع شهرتها - كواحدة من مدن الشيعة الهامة - إلى أنها تحوي بين ثراها قبر السيدة فاطمة أخت الإمام علي الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق.

(2) في عام 83 هـ‍، خرج ابن الأشعث على الحجاج الثقفي، ثم هزم جيشه وتفرق في البلاد، وكان من بينهم خمسة أخوة: عبد الله والأحوص وعبد الرحمن وإسحاق ونعيم، أبناء سعد بن مالك بن عامر الأشعري، فاجتمع الخمسة وتغلبوا على بعض القرى القريبة من قم، واجتمع إليهم بنو

‌>


423

وغلبوا عليها، واستوطنوها، وانتشر التشيع في خراسان، بعد خروجهم إليها، وزاد الانتشار واتسع في عهد الدولة الصفوية، التي نصرت التشيع، وهم عرب، بل سادة أشراف من نسل الإمام موسى بن جعفر، لا يمكن بأي حال أن يتعصبوا للأكاسرة، والذي يجوز في حقهم ذلك هم قدماء الفرس، وهؤلاء جلهم كان على مذهب التسنن.

هذا وقد أثبت السيد الأمين أن الذين نشروا التشيع وناصروه في إيران إنما هم بين عربي أصيل - كالإمام علي الرضا والأشعريين - أو من أصل عربي كالصفوية - وأن الذي دعموا التسنن وناصروه إنما هم فرس أقحاح - كالبخاري والنسائي والرازي وغيرهم - فإن كان للفرس مقاصد وأهداف ضد الإسلام - كما زعم خصوم الشيعة - فأولى ثم أولى أن يحققوا غايتهم عن طريق التسنن - لا التشيع - إذ المفروض أن سبب التشيع في إيران إنما يرجع إلى عنصر عربي، والتسنن إلى عنصر فارسي صرف، ولكن خصوم الشيعة موهوا وضللوا، وعكسوا الآية، لا لشئ إلا للكيد والتنكيل - كما يقول الدكتور طه حسين - وهكذا فعلوا في مسألة الجفر وعلم الغيب (1).

ويقول الشيخ المظفر: كان للإمام علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه في الجنة - ثلاثة حروب - الجمل وصفين والنهروان - وكان جيشه كله عرباً أقحاحاً، بين عدنانية وقحطانية، أكانت قريش من الفرس؟ أم الأنصار - من أوس وخزرج - أم مذحج، أم همدان، أم طئ، أم كندة، أم تميم، أم مضر، أم أشباهها من القبائل؟.

وهل كان زعماء جيشه، غير رؤساء هذه القبائل؟ أكان عمار فارسياً، أم

<‌

عمهم، وكان المتقدم فيه عبد الله، وكان له ولد تشيع، فانتقل من تلك القرى إلى قم، ونقل التشيع إلى أهلها (الشيعة في الميزان ص 65).

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 65 - 66، السيد محسن الأمين: أعيان الشيعة 1 / 49 (ط 1960).


424

هاشم المرقال، أم مالك الأشتر، أم صعصعة بن صوحان، أم أخوه زيد، أم قيس بن سعد الأنصاري، أم ابن عباس، أم محمد بن أبي بكر الصديق، أم حجر بن عدي، أم عدي بن حاتم الطائي، وأمثال هؤلاء من القواد؟ أما أصحاب الإمامين - الحسن والحسين - فكلهم عرب، وجلهما من أصحاب أبيهما أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، عليه السلام (1)؟.

ويقول فلهاوزن - في رده على دوزي - الذي زعم أن التشيع كمذهب ديني، إنما هو إيراني الأصل - أما أن آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيين، فهذا أمر لا سبيل إلى الشك، أما كون هذه الآراء قد انبعثت من الإيرانيين فليست تلك الملائمة دليلاً عليه، بل إن الروايات التاريخية إنما تقول بعكس ذلك، إذ تقول: إن التشيع الواضح الصريح إنما كان قائماً أولاً في الدوائر العربية، ثم انتقل منها إلى الموالي (2).

ويقول: كان جميع سكان العراق في عهد معاوية بن أبي سفيان - خصوصاً أهل الكوفة - شيعة، ولم يقتصر هذا على الأفراد، وإنما شمل أيضاً القبائل، فضلاً عن رؤسائها (3)، وبدهي أن هذا إنما يعزز وجهة النظر التي قال بها السيد الأمين في كتابه أعيان الشيعة، من أن التشيع في إيران إنما جاء من أصل عربي، وليس من أصل فارسي (4).

ويقول آدم متز: إن مذهب الشيعة، ليس - كما يعتقد البعض - رد فعل من جانب الروح الإيرانية يخالف الإسلام، فقد كانت جزيرة العرب شيعية كلها، عدا المدن الكبرى - مثل مكة وصنعاء - وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً - مثل عمان وهجر وصعدة - أما إيران فكانت كلها سنة، ما عدا قم، وكان

(1) محمد حسين المظفر: تاريخ الشيعة ص 8 (ط النجف).

(2) فلهاوزن: الخوارج والشيعة ص 241 (القاهرة 1958).

(3) نفس المرجع السابق ص 148.

(4) محمد جواد مغنية: المرجع السابق ص 66.


425

أهل أصفهان يغالون في معاوية بن أبي سفيان، حتى اعتقد بعض أهلها - كما نقل المقدسي - أنه نبي مرسل (1).

ولنا أن نتساءل: إذا كان الفرس هم سبب التشيع في إيران وغيره إيران، فهل جاء غلو بعض أهل أصفهان في معاوية، ورفعه إلى مرتبة النبوة والرسالة نتيجة لتشيع الفرس؟.

إنه لغريب حقاً منطق خصوم الشيعة - كما يقول الدكتور طه حسين - قالوا: إن الغلو في الإمام علي إنما جاء من الفرس، ثم ينقل عالم من علمائهم - كالمقدسي - أن بعض الفرس غالى في معاوية بن أبي سفيان، حتى جعلوه نبياً مرسلاً.

ثم كيف ومن أين وصل التشيع إلى جزيرة العرب؟ هل جاء إليها من الفرس، والتاريخ يقول: إن الفرس كانوا سنة، عندما كان سكان الجزيرة العربية شيعة، وهكذا يقع في التناقضات من يضفي على التاريخ صفته الذاتية العدائية، ثم يبني عليها آراءه وأحكامه (2).

ويقول جولد تسيهر: إنه من الخطأ القول بأن التشيع في منشئه ومراحل نموه، يمثل الأثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الأمم الإيرانية في الإسلام - بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعوة وهذا الوهم الشائع مبني على سوء فهم للحوادث التاريخية، فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة (3).

ويقول العلامة أبو زهرة: وأما فارس وخراسان وما وراءها من بلدان

(1) آدم متز: الحضارة الإسلامية - القاهرة 1957 ص 102 وما بعدها.

(2) محمد جواد مغنية: المرجع السابق ص 67.

(3) جولد تسهير: العقيدة والشريعة ص 204 (القاهرة 1946).


426

الإسلام، فقد هاجر إليها كثيرون من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيعون، فراراً بعقيدتهم من الأمويين أولاً، ثم العباسيين ثانياً، وأن التشيع كان منتشراً في هذه البلاد انتشاراً عظيماً قبل سقوط الدولة الأموية (عام 132 هـ‍/ 750 م) بفرار أتباع الإمام زيد بن علي زين العابدين، ومن قبله إليها، ولذلك وجدت الدعوة الشيعية التي انتحلها دعاة العباسيين رواجاً عظيماً فيها، ومنهم نبتت قوة الدولة، وقادة الحرب، التي أدال الله تعالى بهم من حكم الأمويين، ومسلم الخراساني، هو القائد المظفر الذي أسلم صولجان الحكم إلى العباسيين، قد كان فيه تشيع لآل علي، كرم الله وجهه، ولعله من أجل ذلك وغيره قتله المنصور الذي كان يتغدى بمن يخافه قبل أن يتعشاه، وقد كثر التشيع في إيران في مصر ملوك الدولة الصفوية وفي الجملة، فلقد كثر التشيع في بلاد خراسان وما وراءها، وخصوصاً عندما جاء إليها الإمام علي الرضا مع الخليفة المأمون (198 - 218 هـ‍/ 813 - 833 م)، والإمام الرضا هو أحد الأئمة الاثني عشر، الذين يدين بإمامته الإثنا عشرية، فقد مات في هذه الرحلة، ودفن وقبره بطوس (مشهد الحالية)، ولذا كانت هذه المدينة شيعية، تقصدها طوائف الاثني عشرية لزيارة قبر الإمام الرضا (1).

وهكذا فإن الذي اجتذب الفرس وغير الفرس إلى التشيع إنما هو الإسلام الصحيح، وحب الرسول وآله، واستشهاد الأخيار في سبيله، وملاءمته للحياة، ومناصرته للضعفاء والمضطهدين، لقد كان الفرس - منذ عهد الصفوين وإلى اليوم - من أقوى الدعائم الشيعية، ومذهب التشيع، وهذا هو السر الذي بعث خصوم الشيعة، على أن يصوروا الفرس، وكأنهم أعدى أعداء الإسلام، مع أنه لولا الفرس لم يكن للمسلمين هذا العدد الضخم من العلماء الذين تفاخر بهم

(1) محمد أبو زهرة: الإمام الصادق - حياته وعصره - آراؤه وفقهه ص 545 (ط - دار الفكر العربي - القاهرة).


427

أمم الشرق والغرب، ولا كان للإسلام هذه المكتبة المتخمة بألوف المجلدات في شتى العلوم، ولسنا نعرف أمة خدمت الإسلام، ولغة القرآن كالفرس، ولو أحصيت المكتبة الإسلامية والعربية، لكان سهم الفرس منها أوفى من أسهم بقية المسلمين مجتمعين، إن الفرس لم يتستروا باسم التشيع، ليكيدوا للإسلام، بل إن أعداء الإسلام تستروا باسمه، ليكيدوا للتشيع بعامة، والفرس بخاصة، لأنهم كانوا من أقوى أركان الإسلام وأنصاره (1).

وعلى أية حال، فإن أساس التشيع، إنما هو الاعتقاد بأن سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما هو أحق الناس بالخلافة، وإذا كان الخليفة يجمع بين شؤون الدين والسياسة، فالخلاف بين الشيعة وغيرهم، إنما هو خلاف ديني وسياسي، وقد شغلت المشكلات السياسية المجال الأول من عناية المسلمين، ثم لابستها وامتزجت بها الاعتبارات الدينية، كعامل من عوامل الاختمار، حتى تحولت الاعتبارات الدينية إلى مؤثرات فعالة وعناصر قوية، أعانت على الصراع والخلافة (2).

هذا وقد بدأ التشيع يحدد خطوطه ومناهجه على أيدي جماعة من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - من أمثال عبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وبريدة، وأبو أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، وأبو الطفيل، والبراء بن عازب، وعبادة بن الصامت، وجميع بني هاشم (3).

وحذيفة بن اليمان وغيرهم - ثم سرعان ما أدت كراهية الموالي للأمويين وسياستهم، إلى أن ينادي موالي الفرس - وهم الذين يؤمنون بنظرية الدم الملكي

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان ص 68.

(2) عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق، رائد السنة والشيعة.

(3) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1 / 219 - 220 (دار الفكر - بيروت 1979).


428

في البيت المالك - بأحقية الإمام علي، وأبنائه من بعده، في الخلافة، دون الأمويين (1).

(3) أسباب التشيع

يقول الأستاذ محمد جواد مغنية: قال الذين يتبعون الظن، ويقيسون الشاهد على الغائب: أن السبب الأول للتشيع إنما هو سبب سياسي محض، لا يمت إلى الدين بصلة، وهذا خطأ، فإن سبب التشيع إنما هو ديني صرف، ولا صلة له بالسياسة من قريب أو بعيد، إنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله.

أما الفعل، فلقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم الإمام علي بن أبي طالب، أخاً له ونجياً، وقام بتربيته وتنشئته منذ عهده بالحياة، واهتم بتعليمه وتهذيبه، حتى أصبح كما يشاء النبي الرسول، لم يؤاخذ أو يعاتبه على شئ في حياته كلها.

هذا وقد اعتمد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مهمات وفي ساعة العسرة، فبلغ عنه سورة براءة، وندبه إلى قتال عمرو بن ود، ومرحبا، وباهل نصارى نجران به وبزوجه فاطمة الزهراء، وبولديه الحسن والحسين، وارتقى على كتفيه لكسر الأصنام، وانضوى إياه - ومعهم إياه - ومعهم فاطمة والحسن والحسين - تحت كساء واحد، إلى غير ذلك من المناقب - التي أشرنا إليها من قبل، والتي سنشير إليها فيما بعد - والتي لا يبلغها الحصر، والتي لو كانت منقبة واحدة منها لصحابي آخر - غير الإمام علي - لدقوا له الطبول، ورفعوا له الأعلام، وكادوا أن يبلغوا به سدرة المنتهى، وكتبوه بماء الذهب، وأكثروا فيه الحواشي والشروح.

وأما القول، فلقد نص النبي صلى الله عليه وسلم، عليه في مناسبات شتى، أولها حين نزلت الآية:*﴿وأنذر عشيرتك الأقربين *، حيث جمع من أهله ثلاثين رجلاً،

(1) عبد القادر محمود: المرجع السابق ص 10.


429

فأكلوا وشربوا، وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: هذا وارثي ووزيري ووصيي وخليفتي عليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، وآخرها حديث الغدير من كنت مولاه فعلي مولاه، وبين هذين الحديثين، صدرت أحاديث كثيرة، كحديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وحديث علي مع الحق، والحق مع علي، وحديث الثقلين، إلى غير ذلك مما أثبته أهل السنة - وقد أوردنا الكثير منها في الفصل الخاص بأدلة إمامة الإمام علي رضوان الله عليه -.

غير أن علماء السنة - وإن كانوا لا يشككون في سنة أحاديث الولاية والوصية للإمام علي - فإنهم إنما يفسرون الولاء بالحب والإخلاص، وليس الحكم والسلطان، فضلاً عن الوصية بالعهد إلى الإمام بتجهيز النبي ودفنه، إذن فالأحاديث ثابتة، والخلاف على التفسير، وهو - على أية حال، اجتهاد، وما يلزمنا هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ما درج المفسرون أن يقدموا من اجتهادات وتأويلات، وفوق كل ذي علم عليم (1).

وهكذا والى الشيعة سيدنا الإمام علي، وقالوا بالنص عليه، وأوجبوا له العصمة، اعتماداً على أحاديث كثيرة، ذكرنا كثيراً منها في الفصل الخاص بأدلة الإمام علي، ونضيف الآن إليها، قوله صلى الله عليه وسلم لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، فلقد روى الإمام الطبري - وكذا ابن الأثير - في أحداث غزوة أحد، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده، قال: لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية، أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي: أحمل عليهم، فحمل عليهم، ففرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي، قال: ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي:

أحمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جماعتهم، وقتل شيبة بن مالك - أحد بني عامر بن لؤي - فقال جبريل: يا رسول الله، إن هذه للمواساة، فقال

(1) محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص 15 - 16 (دار الهلال - دار الجواد - بيروت ط خامسة - 1981).


430

رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه مني، فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً:

لا سيف إلا ذو الفقار*ولا فتى إلا علي (1)

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن علي، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رحم الله علياً، اللهم أدر الحق معه حيث دار (2)، وروى الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن أبي ثابت، مولى أبي ذر، قال: دخلت على أم سلمة فرأيتها تبكي، وتذكر علياً عليه السلام، وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: علي مع الحق، والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض يوم القيامة (3).

وهكذا اعتمدت الشيعة على هذه الأحاديث - وغيرها كثير في ولائها للإمام علي، ولم يعتمدوا على الظن والتخمين، وليس على العاطفة والتعصب، ولا التقليد ولا الوراثة، ومن ثم فالسبب إذن ديني، لا سياسي، وعلم، لا أهواء (4).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالين

والصلاة والسلام على مولانا وسيدنا وجدنا

محمد رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين

(1) تاريخ الطبري 2 / 514 (دار المعارف - القاهرة 1977)، ابن الأثير: الكامل في التاريخ 2 / 154 (دار صادر - بيروت 1965).

(2) صحيح الترمذي 2 / 298، ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 124، وانظر: المظفر: دلائل الصدق 3 / 303 (ط 1953).

(3) تاريخ بغداد 14 / 321 (ط السعادة - القاهرة 1329 هـ‍).

(4) محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون ص 16 (بيروت 1981).


431

المراجع المختارة

أولاً: المراجع العربية

1 - القرآن الكريم.

2 - كتب الحديث. 3 - إرشاد الساري شرح صحيح البخاري للقسطلاني - بيروت 1323 هـ‍.

4 - إرواء الغليل تخريج أحاديث منار السبيل (10 أجزاء) للألباني - بيروت 1979 م.

5 - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف - للمنذري - القاهرة 1960 م.

6 - الجامع الصحيح - للترمذي - المدينة المنورة 1967 م.

7 - الجامع الصغير - للسيوطي - القاهرة 1954 م.

8 - الجامع الكبير - للسيوطي - القاهرة 1969 م.

9 - السنن الكبرى - للبيهقي - حيدر أباد 1347 هـ‍.

10 - المستدرك على الصحيحين - للحاكم النيسابوري - حيدر أباد 1335 هـ‍.

11 - المصنف - لابن أبي شيبة - حيدر أباد 1979 م.

12 - المصنف - للصنعاني عبد الرزاق بن همام - بيروت 1390 هـ‍.

13 - الفائق في غريب الحديث - للزمخشري - القاهرة 1960 م.

14 - الموطأ - للإمام مالك - القاهرة 1970 م.

15 - المعجم الصغير - للطبراني - المدينة المنورة 1968 م.


432

16 - المعجم الكبير - للطبراني - بغداد 1984 م.

17 - تحفة الأحوذي - للمباركفوري - بيروت.

18 - تحفة الذاكرين - للشوكاني - بيروت.

19 - تدريب الراوي - للسيوطي - القاهرة.

20 - تهذيب الآثار للطبري - مسند عبد الله بن عباس (جزءان) - القاهرة 1982 م.

21 - تهذيب الآثار للطبري - مسند عمر بن الخطاب - القاهرة 1983 م.

22 - تهذيب الآثار للطبري - مسند علي بن أبي طالب - القاهرة 1983 م.

23 - تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - للنسائي - بيروت 1983 م.

24 - تيسير الوصول إلى جامع الأصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول - لابن الديبع الشيباني - القاهرة 1388 هـ‍.

25 - جامع الأصول في أحاديث الرسول - لابن الأثير - دمشق 1974 م.

26 - سنن ابن ماجة - القاهرة 1972 م.

27 - سنن أبي داود - القاهرة 1952 م.

28 - سنن الدار قطني - المدينة المنورة 1966 م.

29 - سنن النسائي - القاهرة 1964 م.

30 - سنن الدارمي - المدينة المنورة 1966 م.

31 - شرح معاني الآثار - للطحاوي - القاهرة 1979 م.

32 - صحيح ابن حيان - المدينة المنورة 1390 هـ‍.

33 - صحيح ابن خزيمة - بيروت 1979 م.

34 - صحيح البخاري (9 أجزاء) - بيروت 1979 م.

35 - صحيح مسلم بشرح النووي (18 جزءاً) - بيروت 81 / 1983 م.

36 - رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين - للنووي - القاهرة 1970 م.

37 - غريب الحديث - لابن قتيبة - بغداد 1977 م.


433

38 - غريب الحديث - لأبي عبيد القاسم بن سلام - حيدر أباد 1964 م.

39 - غريب الحديث - للخطابي - مكة المكرمة.

40 - فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني - القاهرة 1960 م.

41 - فضائل الصحابة - للإمام أحمد بن حنبل - (جزءان) - مكة المكرمة 1983 م.

42 - فضائل الخمسة من الصحاح الستة - للفيروزآبادي (3 أجزاء) - بيروت 1973 م.

43 - فيض القدير - شرح الجامع الصغير - للمناوي - القاهرة 1355 هـ‍.

44 - كنز العمال في سنن الأقوال و الأفعال - للمتقي الهندي - حيدر أباد 1312 هـ‍.

45 - كنوز الحقائق في أحاديث خير الخلائق - للمناوي - استنابول 1385 هـ‍.

46 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي - بيروت 1967 م.

47 - مجموعة الحديث - الرياض 1969 م.

48 - مسند الإمام أحمد بن حنبل - بيروت 1969 م.

49 - مسند الإمام الشافعي - بيروت 1980 م.

50 - مسند الطيالسي - القاهرة 1972 م.

51 - مسند البزار - بيروت 1984 م.

52 - مشكل الآثار للطحاوي - حيدر أباد 1333 هـ‍.

53 - مناهل الصفا تخريج أحاديث الشفا - للسيوطي - القاهرة 1276 هـ‍.

54 - منحة المعبود ترتيب مسند الطيالسي أبو داود - لأحمد عبد الرحمن البنا - القاهرة 1372 هـ‍.

55 - معرفة علوم الحديث - للحاكم النيسابوري - بيروت 1977 م.

56 - مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - قسم الحديث (4 أجزاء) - الرياض 1979 م.


434

57 - تفسير ابن العربي - القاهرة 1957 م.

58 - تفسير ابن عباس - مكة المكرمة 1986 م.

59 - تفسير ابن عطية - المغرب 1979 م.

60 - تفسير أبي السعود - القاهرة 1347 هـ‍.

61 - تفسير ابن حيان - بيروت 1983 م.

62 - تفسير الآلوسي - بيروت 1978 م.

63 - تفسير البيضاوي - القاهرة 1968 م.

64 - تفسير الجصاص - القاهرة 1959 م.

65 - تفسير الخازن - القاهرة 1959 م.

66 - تفسير الزمخشري - القاهرة 1969 م.

67 - تفسير السيوطي - طهران 1377 هـ‍.

68 - تفسير الصابوني - بيروت 1971 م.

69 - تفسير الطبرسي - بيروت 1961 م.

70 - تفسير الطبري - القاهرة 1957 - 1969 م.

71 - تفسير الفخر الرازي - القاهرة 1938 م.

72 - تفسير النسفي - بيروت.

73 - تفسير النيسابوري - القاهرة 1381 هـ‍.

74 - تفسير المنار - القاهرة 1973 - 1975 م.

75 - تفسير سيد قطب - بيروت 1980 - 1981 م.

76 - تفسير طنطاوي جوهري - القاهرة 1974 م.

77 - أسباب النزول للواحدي - القاهرة 1968 م.

78 - أسرار ترتيب القرآن للسيوطي - القاهرة 1978 م.


435

79 - تاريخ القرآن للأبياري - القاهرة 1965 م.

80 - المجموع المغيث في غريب القرآن والحديث للمديني - جدة 1986 م.

المرجع العربية من غير كتب الحديث والتفسير

81 - إبراهيم الباجوري: المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية - القاهرة 1332 هـ‍.

82 - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة (20 جزءاً) - بيروت 1967 - 1979 م.

83 - ابن الأثير (مجد الدين): منال الطالب في شرح طوال الغرائب - القاهرة 1983 م.

84 - ابن الأثير (عز الدين): الكامل في التاريخ - بيروت 1965 م.

85 - ابن الأثير (عز الدين): أسد الغابة (7 أجزاء) - القاهرة 1970 م.

86 - ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن): صفة الصفوة (4 أجزاء) - حيدر أباد 1355 - 1356 هـ‍.

87 - ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن): الوفاء بأحوال المصطفى (جزءان) - القاهرة 1966 م.

88 - ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن): تاريخ عمر بن الخطاب - القاهرة 1394 هـ‍.

89 - ابن الجوزي (أبو الفرح عبد الرحمن): الموضوعات - المدينة المنورة 1966 م.

90 - ابن الجوزي (أبو الفرح عبد الرحمن): تلبيس إبليس - القاهرة 1368 هـ‍.


436

91 - ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب (8 أجزاء) - بيروت 1979 م.

92 - ابن العربي (القاضي أبو بكر): العواصم من القواصم - القاهرة 1405 هـ‍.

93 - ابن العربي (القاضي أبو بكر): أحكام القرآن - القاهرة - القاهرة 1957 م.

94 - ابن الديبع الشيباني (حقائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار) - الدوحة 1982 م.

95 - ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): مجموع فتاوي ابن تيمية (37 جزءاً) - 1381 - 1383 هـ‍.

96 - ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): الصارم المسلول على شاتم الرسول - 1379 هـ‍.

97 - ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - جدة 1984 م.

98 - ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): السياسة الشرعية - المدينة المنورة 1960 م.

99 - ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): العقيدة الواسطية - القاهرة 1957 م.

100 - ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): منهاج السنة (3 أجزاء) - القاهرة 1962 - 1964 م.

101 - ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان (6 أجزاء) - حيدر أباد 1329 - 331 هم.

102 - ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب - القاهرة 1380 هـ‍.

103 - ابن حجر العسقلاني: الإصابة في تمييز الصحابة - القاهرة 1939 م.

104 - ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب - حيدر أباد 1325 هـ‍.

105 - ابن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري - القاهرة 1380 هـ‍.


437

106 - ابن حجر الهيتمي: فضل آل الرسول - كربلاء.

107 - ابن حجر الهيتمي: (الصواعق المحرقة - بيروت 1983 م.

108 - ابن حزم: المحلى - القاهرة 1387 هـ‍.

109 - ابن حزم: جمهرة أنساب العرب - بيروت 1983 م.

111 - ابن خزيمة: كتاب التوحيد - مكة المكرمة.

112 - ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون - بيروت 1981 م.

113 - ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون - بيروت 1983 م.

114 - ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (8 أجزاء) - بيروت 1977 م.

115 - ابن دريد: الإشتقاق (جزءان) - القاهرة 1958 م.

116 - ابن الزبير: نسب قريش - القاهرة 1953 م.

117 - ابن سعد: الطبقات الكبرى (8 أجزاء) - القاهرة 1968 م.

118 - ابن سلام: الأموال - القاهرة 1353 هـ‍.

119 - ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب - النجف 1961 م.

120 - ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات - القاهرة 1951 م.

121 - ابن طباطبا: الفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية - القاهرة 1938 م.

122 - ابن عبد البر: الإستيعاب في معرفة الأصحاب - القاهرة 1939 م.

123 - ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحملته - القاهرة.

124 - ابن عبد ربه: العقد الفريد (9 أجزاء) - بيروت 1983 م.

125 - ابن عربي: الفتوحات المكية - القاهرة 1229 هـ‍.

126 - ابن عساكر: تاريخ دمشق (جزءان) - دمشق 1951 - 1953 م.

127 - ابن عنبه: عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب - بيروت.


438

128 - ابن عمران العبدي (المعروف بالرقام): العفو والاعتذار (جزءان) - الرياض 1981 م.

129 - ابن فهد الهاشمي: غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام - مكة المكرمة 1986 م.

130 - ابن قتيبة: عيون الأخبار (4 أجزاء) - القاهرة 1963 م.

131 - ابن قتيبة: المعارف - تحقيق ثروت عكاشة - القاهرة 1969 م.

132 - ابن قتيبة: الإمامة والسياسة (جزءان) - القاهرة 1967 م.

133 - ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث - القاهرة 1966 م.

134 - ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن - القاهرة 1973 م.

135 - ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد (5 أجزاء) - بيروت 1985 م.

136 - ابن قيم الجوزية: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام - القاهرة 1972 م.

137 - ابن قيم الجوزية: أعلام الموقعين عن رب العالمين - القاهرة 1389 هـ‍.

138 - ابن ظهيرة: الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وأبناء البيت الشريف - بيروت 1979 م.

139 - ابن كثير: البداية والنهاية في التاريخ (14 جزءاً) - الرياض 1966 م.

140 - ابن كثير: السيرة النبوية (4 أجزاء) - القاهرة 64 / 1966 م.

141 - ابن كثير: شمائل الرسول ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه - القاهرة 1967 م.

142 - ابن كثير: الباعث الحثيث - القاهرة 1370 هـ‍.

143 - ابن منظور: لسان العرب - بيروت 1965 م.

144 - ابن هشام: سيرة النبي (4 أجزاء) - القاهرة 1955 م.

145 - أبو الحسن الندوي: السيرة النبوية - بيروت 1981 م.


439

146 - أبو الحسن الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام - (جزءان) - الكويت 1983 م.

147 - أبو الحسن الندوي: المرتضى: سيرة أمير المؤمنين سيدنا أبي الحسن علي بن أبي طالب - دمشق 1989 م.

148 - أبو ذر الخشني: شرح السيرة النبوية - القاهرة 1329 هـ‍.

149 - أبو زهرة: خاتم النبيين (3 أجزاء) - دار الفكر - القاهرة.

151 - أبو زهرة: الإمام زيد - دار الفكر - القاهرة 1959 م.

152 - أبو زهرة: المذاهب الإسلامية - دار الفكر - القاهرة.

153 - أبو زهرة: تاريخ الجدل - دار الفكر - القاهرة 1970 م.

154 - أبو زهرة: القرآن - دار الفكر - القاهرة 1970 م.

155 - أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (10 أجزاء) - بيروت 1967 م.

156 - أبو نعيم الأصفهاني: دلائل النبوة - دار الباز - مكة المكرمة 1977 م.

157 - أبو العلا عفيفي: الملامتية والصوفية وأهل الفتوة - القاهرة 1945 م.

158 - أحمد أبو كف: آل بيت النبي في مصر - القاهرة 1988 م.

159 - أحمد أمين: فجر الإسلام - بيروت 1969 م.

160 - أحمد أمين: ضحى الإسلام (3 جزءاً) - القاهرة 1949 م.

161 - أحمد حسن الباقورة: مع القرآن - القاهرة 1970 م.

162 - أحمد حسن الباقورة: صفوة السيرة النبوية - القاهرة 1978 م.

163 - أحمد حسن الباقورة: علي إمام الأئمة - القاهرة 1985 م.

164 - أحمد رضى التبريزي: القطرة من بحار مناقب النبي والعترة - النجف 1374 هـ‍.

165 - أحمد زيني دحلان: السيرة النبوية والآثار المحمدية - القاهرة 1320 هـ‍.

166 - أحمد زيني دحلان: الفتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين وأهل البيت الطاهرين - القاهرة 1320 هـ‍.


440

167 - أحمد زيني دحلان: أمراء البلد الحرام - الدار المتحدة للنشر - بيروت.

168 - البرقي: كتاب الرجال - طهران 1342 هـ‍.

169 - أحمد التاجي: قصة النبي الأعظم - القاهرة 1973 م.

170 - أحمد سعد الغامدي: ختم النبوة بالنبوة المحمدية - مكرة المكرمة 1997 م.

171 - الدكتور أحمد شوقي: الحياة الفكرية والسياسية للزيدية في المشرق الإسلامي - المنيا 1991 م.

172 - الدكتور أحمد صبحي: نظرية الإمام لدى الشيعة الاثني عشرية - القاهرة 1969 م.

173 - الدكتور أحمد صبحي: الزيدية - الإسكندرية 1980 م.

174 - الدكتور أحمد صبحي: المذهب الزيدي - الإسكندرية 1981 م.

175 - الإسفرائيني: التبصير في الدين - تحقيق محمد زاهد الكوثري - القاهرة 1940 م.

176 - الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين - القاهرة 1969 م.

177 - الأشعري: الإبانة عن أصول الديانة - بيروت 1985 م.

178 - الأشعري: أصول أهل السنة والجماعة - القاهرة.

179 - الأصفهاني (أبو الفرج): مقاتل الطالبيين - القاهرة 1949 م.

180 - الباقلاني: التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة - القاهرة 1947 م.

181 - الباقلاني: الإنصاف فيما يجب اعتقاده، ولا يجوز الجهل به - القاهرة 1950 م.

182 - الباقلاني: إعجاز القرآن - القاهرة 1954 م.

183 - البغدادي: أصول الدين - استانبول 1928 م.

184 - البغدادي: الفرق بين الفرق - دار المعرفة - بيروت.

185 - البلاذري: أنساب الأشراف - الجزء الأول - القاهرة 1959 م.


441

186 - البلاذري: فتوح البلدان - بيروت 1398 هـ‍.

187 - البيهقي: دلائل النبوة - الجزء الأول - تحقيق السيد أحمد صقر - القاهرة 1970 م.

188 - البيهقي: دلائل النبوة - الجزء الثاني - تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان - المدينة المنورة 1969 م.

189 - البكري: (أبو الحسن محمد): سيرة الإمام علي بن أبي طالب - القاهرة 1972 م.

190 - التباني: تحذير العبقري من محاضرات الخضري (جزءان) - دار الباز - بيروت 1984 م.

191 - الجاحظ: رسالة في بني أمية (في كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم - القاهرة 1988 م.

192 - الجاحظ: رسائل الجاحظ - تحقيق عبد السلام هارون - القاهرة 1964 م.

193 - الجاحظ: التاج في أخلاق الملوك - تحقيق أحمد زكي - القاهرة 1983 م.

194 - الجاحظ: العثمانية - تحقيق عبد السلام هارون - القاهرة 1955 م.

195 - الجاحظ: الحيوان (7 أجزاء) - تحقيق عبد السلام هارون - القاهرة 1938 - 1945 م.

196 - الجاحظ: البيان والتبيين (4 أجزاء) - تحقيق عبد السلام هارون - القاهرة 1948 م.

197 - الجصاص: أحكام القرآن - استانبول 1335 هـ‍.

198 - الجهشياري: الوزراء والكتاب - القاهرة 1938 م.

199 - الجزائري: المبسوط في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - النجف 1954 م.

200 - الجويني: شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل - القاهرة 1979 م.


442

201 - الجويني: الشامل في أصول الدين - الإسكندرية 1969 م.

202 - الجويني: الغياثي - الدوحة 1400 هـ‍.

203 - الجويني: البرهان في أصول الفقه - القاهرة 1980 م.

204 - الجويني: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد - القاهرة 1950 م.

205 - الجويني: لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة - القاهرة 1965 م.

206 - الحراني: تحف العقول عن آل الرسول - النجف 1963 م.

207 - الحسيني (تاج الدين) غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار - النجف 1963 م.

208 - الحسيني (تقي الدين): كفاية الأخبار في حل غاية الاختصار (جزءان) - الدوحة.

209 - الحنفي (سليمان القندوزي): ينابيع المودة - النجف 1965 م.

210 - الخبازي: المغني في أصول الفقه - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1403 هـ‍.

211 - الخوارزمي: مقتل الحسين - النجف 1948 م.

212 - الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد (14 جزءاً) - القاهرة 1931 م.

213 - الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية - حيدر أباد 1357 هـ‍.

214 - الخطيب البغدادي: تقييد العلم - نشرة يوسف العش - دمشق 1929 م.

215 - الدوري (الدكتور عبد العزيز): العصر العباسي الأول - بغداد 1944 م.

216 - الدوري (الدكتور عبد العزيز): العصور العباسية المتأخرة - بغداد 1945 م.

217 - الذهبي: تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام - القاهرة 1948 م.

218 - الذهبي: ميزان الاعتدال في نقد الرجال (3 أجزاء) - القاهرة 1963 م.

219 - الذهبي: المنتقى من منهاج الاعتدال - القاهرة 1374 هـ‍.


443

220 - الذهبي: تذكرة الحفاظ (4 أجزاء) - حيدر أباد 55 / 1958 م.

221 - الذهبي: المشتبه في الرجال (جزءان) - القاهرة 1962 م.

222 - الذهبي: سير أعلام النبلاء - ط المعارف - القاهرة 1956 م.

223 - الذهبي: طبقات الحفاظ - ط جوتنجن - 1883 م.

224 - الذهبي: العبر في أخبار من ذهب - الكويت 1960 م.

225 - الرازي (محمد بن عمر): اعتقادات فرق المسلمين والمشركين - القاهرة 1356 هـ‍.

226 - الرضى (أبو الحسن محمد): خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - النجف 1949 م.

227 - الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس - القاهرة 1306 / 1307 هـ‍.

228 - الزبير بن بكار: جمهرة نسب قريش - القاهرة 1381 هـ‍.

229 - الزين (محمد حسين): الشيعة في التاريخ - صيدا 1938 م.

230 - الزركشي: البرهان في علوم القرآن - القاهرة 1381 هـ‍.

231 - الزبير بن بكار: الموفقيات - بغداد 1972 م.

232 - الزرقاني (محمد): شرح الموطأ (4 أجزاء) - القاهرة 1310 هـ‍.

233 - الزرقاني (محمد): شرح المواهب اللدنية للقسطلاني (8 أجزاء) - بيروت 1393 هـ‍.

234 - الزمخشري: الفائق في غريب الحديث (3 أجزاء) - ط الحلبي - القاهرة 1971 م.

235 - الزركلي (خير الدين): الأعلام - (10 أجزاء) - القاهرة 1954 - 1959 م.

236 - السبكي (تقي الدين): طبقات الشافعية الكبرى (6 أجزاء) - القاهرة 1964 م.

237 - الأسنوي: طبقات الشافعية - بغداد 1390 هـ‍.

238 - السجستاني: كتاب المصاحف - صححه ونشره ارثر جفري - القاهرة 1966 م.


444

239 - السلمي (محمد بن الحسين): طبقات الصوفية - القاهرة 1953 م.

240 - السمهودي: وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى (4 أجزاء) - بيروت 1971 م.

241 - السمهودي: خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى - المدينة المنورة 1972 م.

242 - السهيلي: الروض الأنف (7 أجزاء) - تحقيق عبد الرحمن الوكيل - القاهرة 1967 م.

243 - السيوطي: الخصائص الكبرى (جزءان) - القاهرة 1967 م.

244 - السيوطي: تاريخ الخلفاء أمراء المؤمنين - القاهرة 1964 م.

245 - السيوطي: الحاوي للفتاوي - القاهرة 1378 هـ‍.

246 - السيوطي: تدريب الراوي - القاهرة.

247 - السيوطي المقالة السندسية في النسبة المصطفوية - حيدر أباد 1334 هـ‍.

248 - السيوطي: الإتقان في علوم القرآن - القاهرة 1378 هـ‍.

249 - السيوطي: تحذير الخواص من أكاذيب القصاص - القاهرة 1972 م.

250 - السيوطي: التعظيم والمنة في أن أبوي النبي في الجنة - حيدر أباد 1961 م.

251 - الشاطبي، الإعتصام (جزءان) - تحقيق محمد رشيد رضا - القاهرة.

252 - الشاطبي: الموافقات (4 أجزاء) - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - القاهرة 1969 م.

253 - الإمام الشافعي: الرسالة - تحقيق أحمد شاكر - ط الحلبي - القاهرة 1940 م.

254 - الإمام الشافعي: الأم (7 أجزاء) - دار الشعب: - القاهرة 1968 م.

255 - الشبلنجي: نور الأبصار في مناصب آل بيت النبي المختار - القاهرة 1951 م.


445

256 - الشعراني: الطبقات الكبرى - المسماة بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار (جزءان) - القاهرة 1315 / 1317 هـ‍.

257 - الشهرستاني: الملل والنحل (3 أجزاء) - القاهرة 1968 م.

258 - الشوكاني: فتح القدير - القاهرة 1383 هـ‍.

259 - الشوكاني: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة - القاهرة 19 م.

260 - الشوكاني: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول - القاهرة 1960 م.

261 - الصدوق: عيون أخبار الرضا - قم 1377 هـ‍.

262 - الصدوق: علل الشرائع - النجف 1963 م.

263 - الصدوق: كمال الدين وتمام النعمة - طهران 1378 هـ‍.

264 - الصدوق: معاني الأخبار - طهران 1379 هـ‍.

265 - الطبرسي: إعلام الورى بأعلام الهدى - طهران 1338 هـ‍.

266 - الطبرسي: مشكاة الأنوار في غرر الأخبار - النجف 1951 م.

267 - الطبرسي: الإحتجاج - النجف 1350 هـ‍.

268 - الإمام الطبري (محمد بن جرير بن رستم): تاريخ الطبري - القاهرة 76 / 1977 م.

269 - الطبري (محمد بن جرير بن رستم: دلائل الإمامة - النجف 1949 م.

270 - الطبري (محمد بن جرير بن رستم): المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب - النجف.

271 - الطبري (محمد بن أبي القاسم): بشارة المصطفى لشيعة المرتضى - النجف 1369 هـ‍.

272 - الطحاوي: شرح العقيدة الطحاوية - بيروت 1392 هـ‍.

273 - الدكتور طه حسين: الشيخان - القاهرة 1992 م.

274 - الدكتور طه حسين: على هامش السيرة (3 أجزاء) القاهرة 72 / 1974 م.

275 - الدكتور طه حسين: علي وبنوه - (جزءان) - القاهرة 1982 م.


446

276 - العراقي: ذيل ميزان الاعتدال - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1406 هـ‍.

277 - العاملي: أعيان الشيعة (56 جزءاً) - دمشق 1935 - 1963 م.

278 - القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة - تونس 1974 م.

279 - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة - القاهرة 1965 م.

280 - القاضي عبد الجبار: المغني - القاهرة 1965 م.

281 - عباس قمي: الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية - طهران 1327 هـ‍.

282 - عباس العقاد: فاطمة الزهراء والفاطميون - القاهرة 1967 م.

283 - عباس العقاد: عبقرية الإمام - القاهرة 1981 م.

284 - أبو الشهداء - الحسين بن علي - القاهرة 1956 م.

285 - عباس العقاد: معاوية في الميزان - بيروت 1966 م.

286 - عباس العقاد: عمرو بن العاص - القاهرة 1954 م.

287 - عباس العقاد: عبقرية محمد - القاهرة 1943 م.

288 - عبد الرحمن الشرقاوي: علي إمام المتقين - الجزء الأول - القاهرة 1984 م.

289 - عبد الرحمن الشرقاوي: علي إمام المتقين - الجزء الثاني - القاهرة 1985 م.

290 - الدكتور عبد القادر محمود: الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة - القاهرة.

291 - عبد الكريم الخطيب: النبي محمد - القاهرة 1976 م.

292 - عبد الكريم الخطيب: علي بن أبي طالب - بقية النبوة وخاتم الخلافة - بيروت 1975 م.

293 - عبد الفتاح عبد المقصود: الإمام علي بن أبي طالب (3 أجزاء) - القاهرة 1947 م.


447

294 - عبد المعطي قلعه جي: مناقب علي والحسنين وأمهما فاطمة الزهراء - القاهرة 1979 م.

295 - القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (جزءان) - بيروت 1979 م.

296 - الغزالي (أبو حامد): المنقذ من الضلال - تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود - القاهرة 1960 م.

297 - الغزالي (أبو حامد): فضائل الباطنية - تحقيق عبد الرحمن بدوي - القاهرة 1964 م.

298 - الغزالي (أبو حامد): إحياء علوم الدين (16 جزءاً) - كتاب الشعب - القاهرة 1969 م.

299 - الغزالي (أبو حامد): تهافت الفلاسفة - تحقيق الدكتور سليمان دنيا - القاهرة 1957 م.

300 - الغزالي (أبو حامد): مشكاة الأنوار - تحقيق الدكتور أبي العلا عفيفي - القاهرة 1964 م.

301 - آغا بزرك الطهراني (محمد حسن): الذريعة إلى تصانيف الشيعة (15 جزءاً) - النجف 1936 - 1965 م.

302 - الفراء (أبو يعلى): طبقات الحنابلة - تحقيق محمد حامد الفقهي - القاهرة 1952 م.

303 - الفراء: معاني القرآن - تحقيق أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار وعبد الفتاح شلبي - القاهرة 1955 - 1972 م.

304 - الفاسي (تقي الدين): شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام - (جزءان) - القاهرة 1956 م.

305 - الفاسي (تقي الدين): العقد الثمين في أخبار البلد الأمين - الجزء الأول - القاهرة 1959 م.


448

306 - الدكتور فوقية حسين محمود: الجويني - إمام الحرمين - أعلام العرب - القاهرة 1965 م.

307 - الفيروزآبادي (محمد بن يعقوب): القاموس المحيط - القاهرة 1955 م.

308 - الفيروزآبادي (مرتضى الحسيني): فضائل الخمسة من الصحاح الستة - بيروت 1973 م.

309 - القاسمي (محمد جمال الدين): قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - القاهرة 1925 م.

310 - القاسمي (جمال الدين): تاريخ الجهمية والمعتزلة - القاهرة 1321 هـ‍.

311 - القشيري (أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن): الرسالة القشيرية في علم التصوف - القاهرة 1948 م.

312 - القرشي (محمد بن يوسف): البيان في أخبار صاحب الزمان - النجف 1962 م.

313 - القرشي - محمد بن يوسف): كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - النجف 1956 م.

314 - القسطلاني: (أحمد بن محمد): المواهب اللدنية - بيروت.

315 - القسطلاني (أحمد بن محمد): إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (10 أجزاء) - القاهرة 1334 هـ‍.

316 - القلقشندي (أحمد بن علي): مآثر الإنافة في معالم الخلافة (3 أجزاء) - الكويت 1964 م.

317 - القلقشندي (أحمد بن علي): صبح الأعشى في صناعة الإنشا (14 جزءاً) - القاهرة 1913 - 1914 م.

318 - القلقشندي (أحمد بن علي): نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب - القاهرة 1959 م.

319 - القمي (سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري): المقالات والفرق - طهران 1963 م.


449

320 - الكشي (محمد بن عمر بن عبد العزيز): رجال الكشي - كربلاء.

321 - الكلاباذي (أبو بكر محمد): التعرف لمذهب أهل التصوف - تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود، وطه سرور - القاهرة 1960 م.

322 - الكليني (أبو جعفر بن يعقوب): الأصول من الكافي - تصحيح علي أكبر الغفاري - طهران 1381 هـ‍.

323 - الكناني (أبو الحسن علي): تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة - القاهرة 1378 هـ‍.

324 - القلهاتي (محمد بن سعيد الأزدي): الكشف والبيان - (جزءان) - تحقيق الدكتورة سيدة الكاشف - عمان 1980 م.

325 - الماوردي (علي بن محمد بن حبيب): الأحكام السلطانية والولايات - بيروت 1982 م.

326 - المديني (الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر): المجموع المغيث في غريب القرآن والحديث تحقيق عبد الكريم العزباوي - نشر جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1986 م.

327 - المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العترة (جزءان) - القاهرة 1953 م.

328 - المحب الطبري: ذخائر العقبى ومناقب ذوي القربى - القاهرة 1356 هـ‍.

329 - المبرد (أبو العباس محمد بن يزيد): الكامل في اللغة والأدب - علق عليه محمد أبو الفضل والسيد شحاته - القاهرة 1956 م.

330 - المجلسي (محمد باقر): بحار الأنوار - إيران.

331 - المرتضى (علي بن الحسين): مقدمة في الأصول الاعتقادية - بغداد 1954 م.

332 - المسعودي: التنبيه والإشراف - القاهرة 1967 م.

333 - المسعودي: أخبار الزمان - بيروت 1966 م.


450

334 - المسعودي: إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب - نشر المكتبة المرتضوية - النجف.

335 - المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر (مجلدان) - بيروت 1982 م.

336 - المغربي (أبو حنيفة النعمان بن محمد): دعائم الإسلام والحلال والحرام والأحكام عن أهل بيت رسول الله - القاهرة 1963 م.

337 - المغربي (أبو حنيفة النعمان بن محمد): أساس التأويل - تحقيق عارف تامر - بيروت.

338 - المفيد: الجمل - أو النصرة لحرب البصرة - النجف 1368 هـ‍.

339 - المفيد: الفصول العشرة في الغيبة - النجف 1951 م.

340 - المفيد: النكت الاعتقادية - بغداد 1343 هـ‍.

341 - المفيد: أمالي الشيخ المفيد - النجف.

342 - المفيد: الفصول المختارة من العيون والمحاسن - النجف.

343 - المفيد: الإفصاح في إمامة علي بن أبي طالب - النجف 1950 م.

344 - المفيد: الإختصاص - طهران 1379 هـ‍.

345 - المفيد: شرح عقائد الصدوق - تبريز 1371 هـ‍.

346 - المفيد: أوائل المقالات في المذاهب والمختارات - تبريز 1371 هـ‍.

347 - المفيد: الإرشاد - النجف 1962 م.

348 - المازندراني (أبو جعفر رشيد الدين): مناقب آل أبي طالب - النجف 1376 هـ‍.

349 - المقدسي (محمد بن خليل): الرد على الرافضة - تحقيق أحمد حجازي السقا - القاهرة 1989 م.

350 - المقدسي (مطهر بن طاهر): البدء والتأريخ - باريس 1899 م.

351 - الملطي (محمد بن أحمد أبو الحسن): التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع - القاهرة 1949 م.


451

352 - المقريزي: النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم - تحقيق حسين مؤنس - القاهرة 1988 م.

353 - المقريزي: إمتاع الإسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع - القاهرة 1941 م.

354 - المقريزي: معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم - القاهرة 1973 م.

355 - المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - القاهرة.

356 - المتقي الهندي (علاء الدين علي): كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال - حيدر أباد 1962 م.

357 - المنقري (نصر بن مزاحم): وقعة صفين - تحقيق عبد السلام محمد هارون - القاهرة 1981 م.

358 - النبهاني: جامع كرامات الأولياء - ط الحلبي - القاهرة.

359 - النبهاني: الشرف المؤيد لآل محمد - بيروت 1309 هـ‍.

360 - النجاشي: رجال أبي العباس أحمد بن علي بن العباس النجاشي - بومباي 1317 هـ‍.

361 - النوبختي (الحسن بن موسى): فرق الشيعة - استانبول 1931 م.

362 - النيسابوري (محمد بن الفتال): روضة الواعظين - قم.

363 - النيسابوري (محمد بن عبد الله): - معرفة علوم الحديث - بيروت 1977 م.

364 - الواحدي: أسباب النزول - القاهرة 1968 م.

365 - الواقدي: كتاب المغازي (3 أجزاء) - تحقيق مارسدن جونس - بيروت 1984 م.

366 - اليافعي: مرآة الجنان وعبرة اليقظان (4 أجزاء) - حيدر أباد 1337 - 1339 هـ‍.

367 - اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي (جزءان) - بيروت 1982 م.


452

368 - اليعقوبي: مشاكلة الناس لزمانهم - تحقيق وليم ملورد - بيروت 1962 م.

369 - الدكتور أبو العلا عفيفي: التصوف: الثورة الروحية في الإسلام - دار المعارف - الإسكندرية 1962 م.

370 - إدريس عماد: تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب - تحقيق محمد اليعلاوي - بيروت 1985 م.

371 - توفيق أبو علم: فاطمة الزهراء - القاهرة 1972 م.

372 - توفيق أبو علم: الإمام علي بن أبي طالب - القاهرة 1973 م.

373 - جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي (3 أجزاء) - بيروت 1967 م.

374 - حاجي خليفة (مصطفى بن عبد الله): كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون - استانبول 1321 هـ‍.

375 - الدكتور حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي (4 أجزاء) - بيروت 1967 م.

376 - حسن بن يوسف الحلي: رجال العلامة الحلي - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال - النجف 1961 م.

377 - حسن الأمين: دائرة المعارف الإسلامية الشيعية - بيروت 1972 م.

378 - الدكتور حسن الشرقاوي: أصول التصرف الإسلامي - الإسكندرية 1986 م.

379 - خالد محمد خالد: أبناء الرسول في كربلاء - القاهرة 1973 م.

380 - خالد محمد خالد: في رحاب علي - القاهرة 1980 م.

381 - زهدي جار الله: المعتزلة - القاهرة 1947 م.

382 - سليمان كتانة: فاطمة الزهراء - بيروت 1983 م.

383 - سليمان مروة: أحسن الأثر في حياة النبي والأئمة الاثني عشر - صيدا 1953 م.


453

384 - سعيد الأفغاني: عائشة والسياسة - دمشق 1971 م.

385 - شرف الدين العاملي: المراجعات - القاهرة 1977 م.

386 - شريف الشيخ صالح أحمد الخطيب: الإمام زيد بن علي - المفترى عليه - بيروت 1984 م.

387 - صدر الدين علي خان: الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة - النجف 1962 م.

388 - الدكتور عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين - بيروت 1971 م.

389 - الدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد: الأصول الإيمانية لدى الفرق الإسلامية - الإسكندرية 1990 م.

390 - علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية (3 أجزاء) - القاهرة 1964 م.

391 - الدكتور علي أحمد السالوس: عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثني عشرية - القاهرة 1987 م.

392 - الدكتور علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام (جزءان) - القاهرة 1969 م.

393 - علي عبد الرزاق: الإسلام وأصل الحكم - القاهرة 1925 م.

394 - علي مصطفى الغرابي: تاريخ الفرق الإسلامية ونشأة علم الكلام عند المسلمين - القاهرة 1959 م.

395 - علي القاري: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة - بيروت 1971 م.

396 - الدكتور علي الوردي: وعاظ السلاطين - بغداد 1954 م.

397 - علي اليزدي: إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب - كربلاء 1963 م.

398 - عمر أبو النصر: معاوية وعصره - القاهرة.

399 - عبد الفتاح عبد المقصود: الإمام علي بن أبي طالب (3 أجزاء) - القاهرة 1947 م.


454

400 - فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي (4 أجزاء) - جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية.

401 - الدكتورة فضيلة عبد الأمير الشامي: تاريخ الفرق الزيدية - النجف 1974 م.

402 - الدكتور كامل الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع (جزءان) - النجف 1974 م.

403 - الدكتور كامل الشيبي: التقية أصولها وتطورها - مجلة كلية الآداب - الإسكندرية 1962 م.

404 - محمد أمين غالب الطويل: تاريخ العلويين - دمشق 1966 م.

405 - محمد الخضر حسين: السيرة النبوية - القاهرة 1972 م.

406 - محمد الخضر حسين: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1925 م.

407 - محمد الزرقاني: شرح الموطأ (4 أجزاء) - القاهرة 1310 هـ‍.

408 - محمد الصادق عرجون: محمد رسول الله (4 أجزاء) - دمشق 1985 م.

409 - محمد بن الحسن الديلمي: قواعد عقائد آل محمد الباطنية - استانبول 1938 م.

410 - محمد باقر بن أمير الخوانساري: روضات الجنان في أحوال العلماء والسادات (4 أجزاء) - طهران 1304 / 1306 هـ‍.

411 - محمد بخيت المطيعي: حقيقة الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1344 هـ‍.

412 - الدكتور محمد بيومي مهران: تاريخ العرب القديم - الطبعة العاشرة (جزءان) - الإسكندرية 1993 م.

413 - الدكتور محمد بيومي مهران: الحضارة العربية القديمة - الإسكندرية 1988 م.


455

414 - الدكتور محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم (4 أجزاء) - بيروت 1988 م.

415 - الدكتور محمد بيومي مهران: السيرة النبوية الشريفة (3 أجزاء) - بيروت 1990 م.

416 - الدكتور محمد بيومي مهران: الإمام علي بن أبي طالب (جزءان) - بيروت 1990 م.

417 - الدكتور محمد بيومي مهران: السيدة فاطمة الزهراء - بيروت 1990 م.

418 - الدكتور محمد بيومي مهران: الإمام الحسن بن علي - بيروت 1990 م.

419 - الدكتور محمد بيومي مهران: الإمام الحسين بن علي - بيروت 1990 م.

420 - الدكتور محمد بيومي مهران: الإمام علي زين العابدين - بيروت 1991 م.

421 - الدكتور محمد بيومي مهران: الإمام جعفر الصادق - تحت الطبع.

422 - محمد جابر عبد العال: حركات الشيعة المتطرفين وأثرهم.. - القاهرة 1954 م.

423 - محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر - القاهرة 1964 م.

424 - الدكتور محمد حسين هيكل: الفاروق عمر - القاهرة 1963 م.

425 - محمد الحسين المظفري: الشيعة والإمامة - النجف 1951 م.

426 - محمد الحسين آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة وأصولها - القاهرة.

427 - محمد حسين الزين: الشيعة في التاريخ - دار التعارف - صيدا 1951 م.

428 - محمد جواد مغنية: الشيعة في الميزان - دار التعارف - بيروت.

429 - محمد جواد مغنية: الشيعة والحاكمون - بيروت 1981 م.

430 - محمد جواد مغنية: فضائل الإمام علي - بيروت 1981 م.

431 - محمد جواد مغنية: أهل البيت: منزلتهم ومبادئهم عند المسلمين - بيروت 1984 م.


456

432 - محمد جواد مغنية: المجالس الحسينية - بيروت 1984 م.

433 - محمد رضا: الإمام علي بن أبي طالب - القاهرة 1939 م.

434 - محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية - النجف 1388 هـ‍.

435 - محمد رشيد رضا: الخلافة أو الإمامة العظمى - القاهرة 1341 هـ‍.

436 - محمد رشيد رضا: الإمام علي - القاهرة 1972 م.

437 - محمد صادق السيد الصدر: الشيعة - بغداد 1352 هـ‍.

438 - الدكتور محمد ضياء الدين الريس: الإسلام والخلافة في العصر الحديث - القاهرة 1977 م.

439 - الدكتور محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عثمان بن عفان - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1983 م.

440 - الدكتور محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عبد الله بن مسعود - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1984 م.

441 - الدكتور محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه إبراهيم النخعي - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1984 م.

442 - الدكتور محمد عبد الله دراز: مدخل إلى القرآن الكريم - الكويت 1974 م.

443 - الأستاذ الإمام محمد عبده: نهج البلاغة - كتاب الشعب - القاهرة 1970 م.

444 - الدكتور محمد عمارة: المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية - بيروت 1972 م.

445 - الدكتور محمد عمارة: معركة الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1989 م.

446 - محمد عبد الجواد السكري: بطل الفداء وأبو الشهداء علي بن أبي طالب القاهرة 1973 م.

447 - محمد علي الصبان: إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين - القاهرة 1951 م.


457

448 - الدكتور محمد عبده يماني: علموا أولادكم محبة رسول الله - جدة 1987.

449 - الدكتور محمد عبدة يماني: علموا أولادكم محبة آل بيت النبي - جدة 1991 م.

450 - الدكتور محمد كامل حسين: طائفة الإسماعيلية - القاهرة 1959 م.

451 - محمد بن محمد بن أبي يعلى (أبو الحسين): طبقات الحنابلة - تحقيق محمد حامد الفقهي - القاهرة.

452 - محمود أبو رية: أضواء على السنة المحمدية - القاهرة 1960 م.

453 - محمود شهاب: الشيعة - بغداد 1966 م.

454 - محسن الأمين العاملي: المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية - دمشق 1954 م.

455 - الدكتور مصطفى السباعي: السيرة النبوية - بيروت 1972 م.

456 - الدكتور مصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي - القاهرة 1961 م.

457 - الدكتور مصطفى حلمي: نظام الخلافة في الفكر الإسلامي - القاهرة 1977 م.

458 - مكي بن أبي طالب: مشكل إعراب القرآن - تحقيق ياسين محمد السواس - دمشق 1974 م.

459 - معمر بن المثنى (أبو عبيدة): مجاز القرآن - تحقيق الدكتور فؤاد سرجين - القاهرة 1954 م.

460 - محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم - استانبول 1984 م.

461 - ملا علي القاري: جمع الوسائل في شرح الشمائل - القاهرة 1371 هـ‍.


458

462 - ملا علي القاري: شرح الشفا للقاضي عياض (جزءان) - دار الكتب العلمية - بيروت.

463 - مهدي السماوي: الإمامة في ضوء الكتاب والسنة - القاهرة 1977 م.

464 - موسى جار الله: الوشيعة في نقض عقائد الشيعة - القاهرة 1984 م.

465 - موسى محمد علي: حقيقة التوسل والوسيلة على ضوء الكتاب والسنة - القاهرة 1981.

466 - محمد بن أحمد الذهبي: تجريد أسماء الصحابة - حيدر أباد 1315 هـ‍.

467 - محمد بن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء - شرح محمود محمد شاكر - القاهرة 1974 م.

468 - محمد بن أحمد الذهبي: مناقب الإمام أبو حنيفة - تحقيق محمد زاهد الكوثري وآخر - حيدر أباد.

469 - المازندي (أبو جعفر رشيد الدين محمد): مناقب آل أبي طالب - المطبعة العلمية - قم 1379 هـ‍.

470 - مسكويه (أبو علي أحمد بن محمد): تجارب الأمم - القاهرة 1914 م.

471 - الدكتور ناجي حسن: ثورة زيد بن علي - بغداد.

472 - الدكتور نبيلة عبد المنعم داود: نشأة الشيعة الإمامية - بغداد 1968 م.

473 - يحيى هاشم حسن فرغل: نشأة الآراء والمذاهب والفرق الإسلامية - القاهرة 1972 م.

474 - قاموس الكتاب المقدس (جزءان) - بيروت 1964 - 1967 م.

475 - مقدمتان في علوم القرآن - صححه ونشره - ارثر جفري - القاهرة 1954 م.

476 - المؤتمر العالمي للسيرة النبوية (7 مجلدات) - الدوحة 1981 م.

477 - السير والجوابات - لعلماء وأئمة عمان - الجزء الأول - تحقيق وشرح الدكتورة سيدة كاشف - عمان 1986 م.


459

478 - السير والجوابات - لعلماء وأئمة عمان - الجزء الثاني - تحقيق وشرح الدكتورة سيدة كاشف - عمان 1986 م.

ثانياً: المراجع المترجمة

479 - أمير علي: روح الإسلام - ترجمة محمود الشريف - القاهرة 1962 م.

480 - برنارد لويس: أصول الإسماعيلية - ترجمة خليل أحمد حلو، وجاسم محمد الرجب - القاهرة.

481 - جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام - ترجمة علي حسن عبد القادر وآخرين - القاهرة 1946 م.

482 - جولد تسيهر: المذاهب الإسلامية في الإسلام - ترجمة علي حسن عبد القادر - القاهرة 1944 م.

483 - جرهارد كونسلمان: سطوح نجم الشيعة - ترجمة محمد أبو رحمة - القاهرة 1992 م.

484 - فان فلوتن: السياسة العربية والشيعة والإسرائيليات في عهد بني أمية - ترجمة حسن إبراهيم ومحمد زكي إبراهيم - القاهرة 1933 م.

485 - رينولد نيكلسون: في التصوف الإسلامي - ترجمة أبي العلا عفيفي - القاهرة 1947 م.

486 - فيليب حتي: تاريخ العرب - ترجمة ادوارد جرجي وجبرائيل جبور - بيروت 1965 م.

487 - كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية - ترجمة نبيه فارس ومنير البعلبكي - بيروت 1974 م.

488 - مونتجمري وات: محمد في مكة - ترجمة شعبان بركات - بيروت.

489 - مونتجمري وات: محمد في المدينة - ترجمة شعبان بركات - بيروت


460

490 - يوليوس فلهاوزن: الخوارج والشيعة - ترجمة عبد الرحمن بدوي - القاهرة 1958 م.

491 - يوليوس فلهاوزن: تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية - ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة - القاهرة 1958 م.

ثالثاً: المعاجم ودوائر المعارف

492 - معجم فقه السلف - عترة وصحابة وتابعين لمحمد المنتصر الكناني (9 أجزاء) - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1405 هـ‍.

493 - معجم قبائل العرب القديمة والحديثة - لعمر رضا كحالة (5 / أجزاء) - بيروت 1985 م.

494 - فقه عمر بن الخطاب (3 أجزاء) لرويعي بن راجح - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1403 هـ‍.

495 - فقه الإمام جعفر الصادق (6 أجزاء) لمحمد جواد مغنية - بيروت 1984 م.

497 - الفقه على المذاهب الخمسة - لمحمد جواد مغنية - بيروت 1984.

498 - موسوعة فقه عثمان بن عفان لمحمد رواس قلعه جي - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1983 م.

499 - موسوعة فقه عبد الله بن مسعود لمحمد رواس قلعه جي - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1984 م.

500 - الفتاوى للشيخ شلتوت - القاهرة 1983 م.

501 - دائرة المعارف الإسلامية - دار الشعب - القاهرة 1969 م.


461

مؤلفات

الأستاذ الدكتور محمد بيومي مهران

أستاذ تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم

كلية الآداب - جامعة الإسكندرية

أولاً - في التاريخ المصري القديم:

1 - الثورة الاجتماعية الأولى في مصر الفرعونية - الإسكندرية 1966.

2 - مصر والعالم الخارجي في عصر رعمسيس الثالث - الإسكندرية 1969.

3 - حركات التحرير في مصر القديمة - القاهرة 1976.

4 - أخناتون: عصره ودعوته - القاهرة 1979.

ثانياً - في تاريخ اليهود القديم:

5 - التوراة (1) - مجلة الأسطول - العدد 63 - الإسكندرية 1970.

6 - التوراة (2) - مجلة الأسطول - العدد 64 - الإسكندرية 1970.

7 - التوراة (3) - مجلة الأسطول - العدد 65 - الإسكندرية 1970.

8 - قصة أرض الميعاد بين الحقيقة والأسطورة - مجلة الأسطول - العدد 66 - الإسكندرية 1971.


462

9 - النقاوة الجنسية عند اليهود - مجلة الأسطول - العدد 67 - الإسكندرية 1971.

10 - النقاوة الجنسية عند اليهود - مجلة الأسطول - العدد 68 - الإسكندرية 1971.

11 - أخلاقيات الحرب عند اليهود - مجلة الأسطول - العدد 69 - الإسكندرية 1971.

12 - التلمود - مجلة الأسطول - العدد 70 - الإسكندرية 1972.

13 - إسرائيل - الجزء الأول - التاريخ - الإسكندرية 1978.

14 - إسرائيل - الجزء الثاني - التاريخ - الإسكندرية 1978.

15 - إسرائيل - الجزء الثالث - الحضارة - الإسكندرية 1979.

16 - إسرائيل - الجزء الرابع - الحضارة - الإسكندرية 1979.

17 - النبوة والأنبياء عند بني إسرائيل - الإسكندرية 1979.

ثالثاً في تاريخ العرب القديم:

18 - الساميون والآراء التي دارت حول موطنهم الأصلي - الرياض 1974.

19 - العرب وعلاقاتهم الدولية في العصور القديمة - الرياض 1976.

20 - مركز المرأة في الحضارة العربية القديمة - الرياض 1977.

21 - الديانة العربية القديمة - الإسكندرية 1978.

22 - العرب والفرس في العصور القديمة - الإسكندرية 1979.

23 - الفكر الجاهلي - القاهرة 1982.

رابعاً - في تاريخ العراق القديم:

24 - قصة الطوفان بين الآثار والكتب المقدسة - الرياض 1976.

25 - قانون حمورابي وأثره في تشريعات التوراة - الإسكندرية 1979.


463

خامساً - سلسلة دراسات تاريخية من القرآن الكريم:

26 - الجزء الأول - في بلاد العرب - بيروت 1988.

27 - الجزء الثاني - في بلاد مصر - بيروت 1988.

28 - الجزء الثالث - في بلاد الشام - بيروت 1988.

29 - الجزء الرابع - في العراق - بيروت 1988.

سادساً - سلسلة مصر والشرق الأدنى القديم:

30 - مصر - الجزء الأول - الإسكندرية 1988.

31 - مصر - الجزء الثاني - الإسكندرية 1988.

32 - مصر - الجزء الثالث - الإسكندرية 1988.

33 - الحضارة المصرية - الجزء الأول - الإسكندرية 1989.

34 - الحضارة المصرية - الجزء الثاني - الإسكندرية 1989.

35 - تاريخ العرب القديم - الإسكندرية 1988. (جزءان).

36 - الحضارة العربية القديمة - الإسكندرية 1988.

37 - بلاد الشام - الإسكندرية 1990.

38 - تاريخ السودان القديم - تحت الطبع.

39 - المغرب القديم - الإسكندرية 1990.

40 - العراق القديم - الإسكندرية 1990.

41 - التاريخ والتأريخ - الإسكندرية 1991.

سابعاً - سلسلة: في رحاب النبي وآل بيته الطاهرين:

42 - السيرة النبوية الشريفة - الجزء الأول - بيروت 1990.

43 - السيرة النبوية الشريفة - الجزء الثاني - بيروت 1990.

44 - السيرة النبوية الشريف - الجزء الثالث - بيروت 1990.

45 - السيدة فاطمة الزهراء - بيروت 1990.


464

46 - الإمام علي بن أبي طالب - (الجزء الأول) - بيروت 1990.

47 - الإمام علي بن أبي طالب - (الجزء الثاني)، - بيروت 1990.

48 - الإمام الحسن بن علي - بيروت 1990.

49 - الإمام الحسين بن علي - بيروت 1990.

50 - الإمام علي زين العابدين - بيروت 1990.

51 - الإمام جعفر الصادق - تحت الطبع.

ثامناً - البلدان الكبرى في مصر والشرق الأدنى القديم:

52 - الجزء الأول: مصر - الجزيرة العربية - بلاد الشام - بيروت 1993.

53 - الجزء الثاني: العراق - المغرب - السودان - بيروت 1993.

تاسعاً - الإمامة وأهل البيت:

54 - الجزء الأول: الإمامة - بيروت 1993 م.

55 - الجزء الثاني: الإمام علي وأحقيته في الخلافة - بيروت 1993 م.

56 - الجزء الثالث: الأئمة خلفاء الإمام علي - بيروت 1993 م.

57 - دراسة حول التأريخ للأنبياء.

مجلة كلية الآداب - جامعة الإسكندرية 1993 م.

58 - الإعجاز التاريخي في القرآن - الإسكندرية 1993 م.

59 - تاريخ القرآن - الجزء الأول - تحت الطبع.

60 - تارخ القرآن - الجزء الثاني - تحت الطبع.


465

المؤلف في سطور

دكتور

محمد بيومي مهران

أستاذ تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم

كلية الآداب - جامعة الإسكندرية

1 - ولد في البيصلية - مركز ادفو - محافظة أسوان.

2 - حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمعهد المعلمين بقنا، حيث تخرج فيه عام 1949.

3 - عمل مدرساً بوزارة التربية والتعليم (1949 - 1960).

4 - حصل على ليسانس الآداب بمرتبة الشرف من قسم التاريخ بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية عام 1960 م.

5 - عين معيداً لتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية عام 1961 م.

6 - حصل على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف في التاريخ القديم من كلية الآداب - جامعة الإسكندرية عام 1969 م.

7 - عين مدرساً لتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم في كلية الآداب - جامعة الإسكندرية عام 1969 م.

8 - عين أستاذاً مساعداً لتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم في كلية الآداب - جامعة الإسكندرية عام 1974 م.


466

9 - عين أستاذاً لتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم في كلية الآداب - جامعة الإسكندرية عام 1979 م.

10 - أعير إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض في الفترة 1973 - 1977 م.

11 - عين عضواً في مجلس إدارة هيئة الآثار المصرية في عام 1982 م.

12 - عين عضواً بلجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة في عام 1981 م.

13 - أعير إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة في الفترة 1983 - 1987 م.

14 - عين رئيساً لقسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية في كلية الآداب جامعة الإسكندرية (1987 - 1988 م).

15 - اختير مقرراً للجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة المساعدين في الآثار الفرعونية وتاريخ مصر و الشرق الأدنى القديم (1988 - 1989 م).

16 - عين أستاذاً متفرغاً في كلية الآداب - جامعة الإسكندرية في عام 1988 م.

17 - عضو لجنة التراث الحضاري و الأثري بالمجالس القومية المتخصصة.

18 - عضو اللجنة الدائمة للآثار المصرية في هيئة الآثار.

19 - عضو اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة المساعدين في الآثار الفرعونية وتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم.

20 - عضو اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة في الآثار الفرعونية وتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم.

21 - عضو اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة المساعدين في التاريخ.

22 - أشرف وشارك في مناقشة أكثر من 35 رسالة دكتوراه وماجستير في تاريخ وآثار وحضارة مصر والشرق الأدنى القديم في الجامعات المصرية والعربية.

23 - أسس وأشرف على شعبة الآثار المصرية بكلية الآداب - جامعة الإسكندرية منذ عام 1982.


467

24 - شارك في حفائر كلية الآداب - جامعة الإسكندرية في الوقف - مركز دشنا - محافظة قنا، (في عام 1980 - 1981 م)، وفي تل الفراعين مركز دسوق - محافظة كفر الشيخ (في عام 82 - 1983).

25 - عضو اتحاد المؤرخين العرب.

فهرست آيات
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً12
وقرن في بيوتكن13
إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة إليهم بهدية13
فلا أقسم بمواقع النجوم و إنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم13
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً13
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم...15
فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم18
ندع أبناءنا وأبناءكم18
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً19
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً21
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً22
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً22
إني جاعل في الأرض خليفة30
يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض30
وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة33
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم33
يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق33
? (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة33
إني جاعل في الأرض خليفة34
يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة34
وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض34
أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون67
لا ينال عهدي الظالمين67
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم97
وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم100
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم103
ووجدك ضالاً فهدى105
لو كان فيهما آلها إلا الله لفسدتا106
ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً113
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً118
وتعاونوا على البر والتقوى120
يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله122
إني جاعل في الأرض خليفة124
وهو الذي جعلكم خلائف الأرض124
وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات125
سيقول المخلفون من الأعراب126
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله126
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأو حينا إليهم فعل الخيرات131
إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون143
وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه150
يا أيها الذين آمنوا156
ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم157
وجعلها كلمة باقية في عقبه172
والذين سبقت لهم منا الحسنى174
وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار174
أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم174
إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين174
إني جاعلك للناس إماماً قال من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين175
أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى176
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً189
ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر189
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً189
ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً190
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً191
ويطهركم تطهيراً192
جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم199
والذين آمنوا واتبعتهم (2) ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ201
وألحقنا بهم ذريتهم201
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم201
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان201
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان202
ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ202
والذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ203
إنك من تدخل النار فقد أخزيته203
وأما الجدار فكان لغلامين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبو هما صالحاً204
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير208
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم208
إلا من أكره209
إلا أن تتقوا منهم تقاة209
إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان209
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان213
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان214
إلا أن تتقوا منهم تقاة220
إلا أن تتقوا منهم تقاة220
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله221
إلا أن تتقوا منهم تقاة221
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان221
أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا223
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة223
فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين224
إلا أن تتقوا منهم تقاة231
وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه231
وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً231
وقعد الذين كذبوا الله ورسوله231
قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى234
فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلك خير لكم239
وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم243
ويوم نحشر من كل أمة فوجاً من يكذب بآياتنا فهم يوزعون249
وحشرنا هم فلم نغادر منهم أحداً249
من يهدي الله فهو المهتد250
ولكل قوم هاد250
قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره263
وقال ربكم أدعوني أستجب لكم264
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد268
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر270
وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد270
نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون270
إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه270
إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم272
وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم275
ودخل المدينة على حين غفلة فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه275
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ275
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات276
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين281
أولئك هم خير البرية282
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية282
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية282
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية282
يمنون عليك أن أسلموا294
يمنون عليك أن أسلموا294
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم305
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله306
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم312
أدعوهم لآبائهم327
فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم414
وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً418
إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا418
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها419
وأنذر عشيرتك الأقربين428