فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
الحصون المنيعة

في ردّ ما اورده صاحب المنار في حقّ الشيعة

تأليف

السيد محسن الأمين

فهرست عناوين
     المقدمة5
كلمات عن العراق وأهله 5
      لعالم غيور على الدولة: ومذهب أهل السنة5
      الرد على مراسل المنار:7
      السنة والشيعة:13
      ما به يتحقق الاسلام:14
      سبب الانقسام إلى العلوية والعثمانية:14
      أيام بني أمية وبني العباس ومحنة العلوية:15
      انتشار علوم أهل البيت عليهم السلام:16
      التسمية بالنسبة والشيعة ونسخ اسم العلوية:17
      معول الشيعة والسنة في معالم الدين:17
      بعض مشاهير علماء الشيعة وادبائهم وشعرائهم:19
      المنع من الاجتهاد والتقليد:21
      تعظيم القبور وزيارتها وتجديدها:23
      مذهب الوهابية29
      فعل الوهابية بالعراق وبالحجاز:33
      كلام صاحب المنار في حق الشيعة في العراق:44
      الرد على صاحب المنار46
      متعة النساء:48
      الجواب عما اجاب به اهل السنة54
      جواب القاضي عياض عن احاديث اباحة المتعة:55
      رواية في تحريمها يوم خيبر او حنين وعام اوطاس:56
      رواية في تحريمها في عمرة القضاء وغزوة تبوك وبغير تعين وقت:62
      رواية عن تحريمها عن عمر وعن ابن عباس:65
      الجواب عن اخيار تحريم المتعة:66
      اختلاف الاخبار في تاريخ الاباحة والنسخ:69
      القاضي عياض في معالجة اختلاف الاخبار:71
      الرد على القاضي عياض:72
      جواب المازري عن تعارض الاخبار:76
      كلام القسطلاني في اختلاف الاخبار:76
      الرد على القسطلاني:77
      اختلاف روايات تحريم المتعة:78
      معارضة رواية ابن ماجه لرواية الموطأ:80
      وجوه الاختلاف بين الاخبار:81
      اشتهار الفتوى بالمتعة عن ابن عباس:84
      مخالفة رواية تحريمها عن علي لما رواه عنه اولاده وشيعته:89
      حديث لولا نهيه عنها ما زنى الا شفى:89
      بقية الكلام في الجواب عن احاديث التحريم:90
      ما حكاه الرازي في الاحتجاج على تحريم المتعة:92
      متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:92
      الجواب عن الاحتجاج بانها ليست فراشاً:93
      الجواب عن الاحتجاج بحديث متعتان كانتا ـ الخ:94
      جواب الفخر الرازي عن رد الاستدلال بحديث المتعتين:95
      جواب قاضي القضاة عن حديث المتعتين:95
      الرد على جواب الفخر الرازي وقاضي القضاة:96
      بقية الكلام في حديث متعتان كانتا واشتهاره:104
      فتوى زفر وابي حنيفة في المتعة:105
      قول مالك باباحة متعة النساء:105
      كيف قبلوا نهيه عن متعة النساء دون متعة الحج:106
      أقسام الحج وصفة حج التمتع عند الشيعة:107
      صفة حج التمتع عند أهل السنة:107
      اجماع الفقهاء الاربعة وغيرهم على جواز حج التمتع المشهور:108
      الخلاف في جواز فسخ الحج إلى العمرة وحجة من خصه بالصحابة وردها:109
      الذين جوزوا حج التمتع المشهور وفسخ الحج إلى العمرة:111
      الذين حملوا متعة الحج المنهي عنها على فسخ الحج إلى العمرة:113
      وجوه النظر في كلام الفخر الرازي في متعة الحج:117
      الرد على دعوى اختصاص فسخ الحج بالصحابة وبتلك السنة:119
      اختلاف اخبار متعة الحج:120
      الاخبار الدالة على احتلاف الصحابة في متعة الحج:135
      الاخبار الدالة على ان متعة الحج كانت رخصة:136
      في ان حال المتعتين في الاسلام واحد:136
      (تنبيه)148

سلسلة الكتب المؤلفة في رد الشبهات (15)

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية


5

المقدمة

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين وسلم تسليماً.

وبعد: فقد قرأت في مجلة المنار المنشأة بمصر سنة 1315 لصاحبها الشيخ محمد رشيد رضا الطرابلسي الشامي نزيل القاهرة في الجزء الاول من المجلد الحادي عشر الصادر في اوائل صفر سنة 1326 في صحيفة 45 رسالة تحت عنوان:

كلمات عن العراق وأهله

لعالم غيور على الدولة: ومذهب أهل السنة

تعرض فيها للتنديد بالشيعة في العراق ونسبتهم إلى ما هم منه بريئون وتحريض الحكومة عليهم مع انهم لها مطيعون وقد ذيلها صاحب المنار بكلمات ندد فيها ايضاً بالشيعة بما لم يكن (فاحببت) ان ابين ما في الاصل والذيل من مخالفة الواقع والصحة والسقم نصرة للحق سالكاً في ذلك جادة الانصاف (واتممت) المرام بذكر كلمات موجزة في السنة والشيعة وما


6

اوجب الاختلاف بينهم وكلمات في متعة النساء التي ندد بهم صاحب المنار لاجلها وذكر طرف من الاخبار الواردة فيها وفي متعة الحج من طرق أهل السنة وذكر ما احتج به الفريقان على نفيها وثبوتها وذكر اصل مذهب الوهابية وحقيقته لامر اقتضى ذلك فجاء ما كتبته بحمد الله تعالى وافياً بالمرام وسميته (بالحصون المنيعة في رد ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة) قال صاحب الرسالة بعد ما ذكر ان العراق من افضل الأقطار تربة وطيب هواء وعذوبة ماء وان به انهاراً عظيمة كدجلة والفرات وديالى وكارون وان اكثره خراب لعسر المواصلات ونقد الامن وحرمانه من نور المعارف والمدنية وان الحكومة فيه كما هي في غيره عبارة عن شركة سلب ونهب وفساد تعمل في خراب البلاد وهلاك العباد وانهم عن الدسائس الاجنبية عمون حتى اصبح بر العراق كله متسلحاً بالمارثين مما ترسل به انكلترا.

ومن البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق كله حتى اصبح ثلاثة ارباع اهله شيعيين وذلك بفضل جد مجتهدي الشيعة وطلبة العلوم منهم وموازرة الحكومة لهم باخذها على يد اهل السنة عن مقاومة سعيهم وخفض كلمتهم وفي النجف مجتمع مجتهدي الشيعة وفيه من طلبة العلوم ستة عشر ألفاً ودأبهم انهم ينتشرون في البلاد ويجدون في اضلال العباد


7

ولذلك يحسب عقلاء العراق ان القطر قد انسلخ من الدولة ولم يبق لها فيه من الرسم إلا الأسم ولقد استحكمت النفرة منها في قلوب الجميع فلا يذكرونها بلسانهم وكلما يراجعونها في شؤونهم «إلى أن قال» انه لم يجد في علماء بغداد اجمع لفنون الفضل وصفات الكمال من شكري افندي وابن عمه علي افندي الالوسيين وانه رأى من سعة اطلاعهما وقوة دينهما وسلامة عقيدتهما السلفية «إلى أن قال» والتهابهما غيرة وحمية على الدين ومجاهدتهما في سبيله فريقاً من الجامدين من المقلدة وعباد القبور ما بهره وعشقه فيهما «إلى أن قال» واعداؤهما من عبدة القبور والاوهام وانصار التقليد والخرافات ينبزونهم باسم الوهابية لنفروا منهم ويحرضوا الحكومة على اضطهادهم إلى أن قال ولم ار احداً يقدر مؤلفات ابن تيمية وابن القيم قدرها مثلهما ثم ذكر رد احدهما على الشيخ يوسف النبهاني البيروتي لتأليفه رسالة في تضليل ابن تيمية وابن القيم وانتقاصهما وتنديده بالشيخ نعمان الالوسي وذمه وذم عائلته إلى غير ذلك مما لا غرض لنا بنقله فنقول وبالله التوفيق:

الرد على مراسل المنار:

عجباً لهذا العالم الغيور وعجباً لصاحب المناركيف وصفه بالغيور وكان احق بان يوصف بالمتعصب الساعي في تفريق كلمة المسلمين والقاء العداوة والبغضاء بين طائفتين عظيمتين منهم في حين هم أحوج إلى الوئام والوفاق منهم


8

إلى الاختلاف والافتراق والمعتمد لهدم ما يؤسسه عقلاء الطائفتين في هذه الاعصار الاخيرة من ازالة الخلاف والشقاق وجمع الكلمة.

«ويا عجباً» لهذا العالم الغيور كيف خلط المسائل السياسية بالدينية فخبط خبط عشواء واختلط عليه الحابل(1) بالنابل والخاثر بالزباد(2) .

وعجباً لغيرة هذا العالم كيف ادت به إلى أن جعل من البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق وجدهم في طلب العلوم ولا ذنب لهم الا التمسك بالثقلين كما امر به نبيهم صلى الله عليه وآله وحبهم وتفضيلهم لاهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً والتجاؤهم إلى السفينة التي من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى ودخولهم في باب حطة الذي من دخله كان آمناً وقصدهم مدينة العلم النبوي من بابها

(1) الحابل السدا والنابل اللحمة وقيل المارد بالحابل صاحب الحبالة وبالنابل صاحب النبل أي اختلط الصائدون (منه).

(2) الخاثر ما خثر من اللبن والزباد بالضم والتشديد الزبد قاله الميداني عن الاصمعي وفي اللسان زباد اللبن بالضم والتشديد ما لا خير فيه والزباد الزبد واختلط الخاثر بالزباد أي الخير بالشر والجيد بالردي والصالح بالطالح انتهى وفسره في الجمهرة بما لا يكاد يصح (منه).


9

واتباعهم لقوله تعالى ﴿قل لا اسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى .

وحقيق ان يقال ان من البلاء العظيم وجود مثل هذا الشخص بين المسلمين ووصفه بالعالم الغيور.

وأما قوله: وذلك بفضل جد مجتهدي الشيعة إلى قوله ودأبهم انهم ينتشرون في البلاد ويجدون في اضلال العباد (ففيه) ان جد علماء الشيعة وطلابهم في تشييد مذهبهم ونشره والدعاء اليه وبث علوم اهل بيت نبيهم عليه وعليهم السلام وان كان مما لا يعابون به بل هو موضع الافتخار الا ان ادعاءه كون انتشار مذهب الشيعة في العراق بسبب ذلك مخالف للواقع فان مذهب الشيعة منتشر في العراق من الصدر الاول كما هو ظاهر لكل من لاحظ التواريخ وما زال منتشراً إلى يومنا هذا (ولم نر) ولا نقل الينا وقد توطنا العراق ما يزيد عن عشر سنين ان احداً من علماء الشيعة أو طلابهم دعا احداً من السنة إلى ترك مذهبه والدخول في مذهب الشيعة ومن دخل من السنة في مذهب الشيعة لم يكن دخوله لهذا السبب.

(وعلماء) الشيعة وطلابهم المقيمون في العراق لا سيما النجف الاشرف لا شغل لهم سوى الجد والاجتهاد في طلب العلم واكثرهم يجاورون في النجف لا يخرجون منه الا لزيارة قبول الائمة عليهم السلام ويجدون في طلب العلم ليلهم


10

ونهارهم إلى الممات ومن خرج منهم خارج النجف فانما يحل بين الشيعة ليعلمهم معالم دينهم وما سمعنا ولا رأينا أحداً منهم حل بين السنة ودعاهم إلى الدخول في مذهبه «وان» كان ما يدعيه حقاً فهلا انتشر علماء السنة وطلابهم القاطنون في بغداد وغيرها وهم عدد غير قليل في البلاد ودعوا الناس إلى مذهبهم ونهوهم عن مذهب الشيعة الذي بني على تفضيل اهل البيت والاقتباس من علومهم لينتشر بذلك مذهب السنة في العراق ويرتفع البلاء العظيم عن هذا العالم الغيور على الدولة ومذهب اهل السنة..

«واما» اعتذاره عن ذلك بمؤازرة الحكومة لعلماء الشيعة باخذها على يد اهل السنة عن مقاومة سعيهم وخفض كلمتهم فعذر غير مقبول فان الحكومة قد اعطت الحرية لجيمع الاديان حتى غير المسلمين فكيف لا تعطي الحرية لمن يشاركها في المذهب وما رأينا ولا سمعنا انها منعت احداً من علماء السنة عن نشر مذهبه وبيان انه على الحق فلابد ان يكون المانع لهذا العالم الغيور واعوانه من الجد في نشر مذهبه ودعوة الناس اليه اما الكسل وقلة الغيرة الذين عوفي منهما علماء الشيعة او عدم علمه بنجاح مساعية فجعل يتشبث بهذه الاعذار.

«وان كان مراده بمؤازرة الحكومة لعلماء الشيعة واخذها على يد اهل السنة عن مقاومة سعيهم انها قد اعطت الشيعة


11

الحرية في دينهم وحافظت على حقوقهم المدنية لكونهم بعض رعاياها وبذلهم الطاعة لها كغيرهم او اشد مع اعتقادهم وجوب المحافظة على بيضة الاسلام فشكواه من ذلك قلة انصاف منه وتمسك بذيل العصبية «فكأنه» لا يرضيه عن الحكومة إلا ان تلقي الفساد والفتنة بين رعاياها وتجبرهم على ترك اديانهم واظن انها لو كانت الحكومة بيد امثال هذا العالم الغيور لهلك الحرث والنسل «وهلا» شكا من انتشار دين اليهود في حاضرة بغداد واشتهار مقالة الدهرية في جميع البلاد وبث النصارى دعاتهم المسمين بالمرسلين في انحاء المعمور وطلب إلى الحكومة ان تخالف نص الكتاب المبين لا اكراه في الدين فتردهم عن اديانهم ولا تأخذ على يده ويد امثاله من العلماء الغيورين على الدولة ومذهب أهل السنة عن مقاومة سعيهم «وهلا» شكا من انتشار مذهب الوثنية في اقطار الارض الذين يربو عددهم على سائر أهل الاديان ان كان صادق الغيرة على المذهب الحق «وهلا» شكا من انتشار المنكرات بين السملمين وتعطيل الحدود واندراس الاحكام «وهلا» حركته الغيرة على الألوف من الأعراب الرحالة كعنزة وغيرها الذين هم على مذهب اهل السنة بالاسم ولا يعرفون شيئاً من احكام الاسلام ولا يعملون عملاً دينياً قليلا ولا كثيرا ولا يطيعون الله ولا الحكومة ودأبهم سلب العباد ونهب البلاد «وهلا» عد من البلاء العظيم انتشار مذهب الوهابية في بادية


12

نجد وما والاها وفي غيرها الذين ابدعوا ما ابدعوا في الدين وكفروا ما سواهم من طوائف المسلمين واستحلوا الدماء والاموال والاعراض وخالفوا ضروريات دين الاسلام وحاربوا الدولة مراراً ونهبوا البلاد واكثروا في الارض الفساد ولم يروا للدولة عليهم طاعة كما سنفصل احوالهم ان شاء الله تعالى فهم احق بان يغار على الدولة ومذهب أهل السنة من أفعالهم.

«أما» حركته غيرته إلا على اخوانه المسلمين الشيعيين الشاهدين لربهم بالوحدانية ولنبيه محمد صلى الله عليه وآله بالرسالة والمطيعين لسلطانهم والمتمسكين بولاء عترة نبيهم والآخذين عنهم أحكام دينهم والمحافظين على شرائع الاسلام من الصوم والصلوة والحج والزكاة وسائر أحكام الدين حتى عد انتشار مذهبهم في العراق من البلاء العظيم وجعلهم من المضلين هذا مع شهادته لهم بالجد والاجتهاد في طلب العلوم الذي هو فريضة على كل مسلم حتى اجتمع منهم في بلد واحد ستة عشرة الف طالب عدى عما في غيرها من مدن العراق وبلاد ايران وتركستان والافغان وبخارى والشام والهند والبحرين والقطيف والاحساء وسائر الاقطار ما هذا إلا قلة انصاف منه وقلة غيرة على الدين.

«ولو» كان صادق الغيرة على الاسلام لدعا علماء المسلمين


13

وزعماء الدين إلى الائتلاف والاتحاد الذي امرت به الشريعة الغراء ودل على حسنه العقل وحثهم على الاجتماع وبسط المسائل الخلافية على بساط البحث والانصاف ليرتفع الخلاف ولم يسع بينهم بالفساد.

واما قوله ولذلك يحسب عقلاء العراق ان القطر قد انسلخ من الدولة الخ فان كان اشارة إلى الدسائس الاجنبية فله وجه لكن لا وجه لذكر انتشار مذهب الشيعة بين العلة والمعلل بل كان اللازم ذكر هذا بعد كلامه الاول وان كان اشارة إلى انتشار مذهب الشيعة أو الامرين معا كما هو ظاهر كلامه.

«ففيه» ان نفوذ الدولة في العراق يزداد يوماً فيوماً وسلطتها الآن اشد منها في العصور السابقة بكثير والشيعة في العراق ليسوا باقل خضوعاً واطاعة للدولة من غيرهم فيها «نعم» قد كان انتشار مذهب الوهابية الذين قام هذا العالم يدعو إليهم متستراً بلباس الغيرة على الدولة ومذهب اهل السنة موجباً لانسلاخ الاقطار التي اشتهر فيها هذا المذهب عن الدولة.

السنة والشيعة:

ويناسب في هذا المقام ذكر كلمات موجزة في السنة والشيعة تنجلي بها غواشي الاوهام عن الافهام ويهتدي بها إلى طريق الحق من كان له قلب او القى السمع وهو شهيد.

«فنقول»: جاء الدين الاسلامي الحنيف ولاسنة ولا شيعة ولا شافعي ولا حنفي ولا مالكي ولا حنبلي ولا جعفري


14

ولا اشعري ولا معتزلي ولا قادري ولا رفاعي ولا نقشبندي ولا شاذلي ولا بكتاشي ولا وهابي ولا بابي ولا ولا.

ما به يتحقق الاسلام:

وكانت دعوة النبي صلى الله عليه وآله إلى شهادة أن لا إله إلا الله وانه رسول الله فمن قال ذلك عصم ماله ودمه واستحق اسم المسلم وإلى فعل الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت من استطاع اليه سبيلا وايتاء الزكاة وسائر الواجبات وإلى ترك الزنا وشرب الخمر والبغي والفساد وسائر المحرمات على سبيل التدريج حتى اكمل الله لهم الدين في حياة نبيه صلى الله عليه وآله وقال اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً.

سبب الانقسام إلى العلوية والعثمانية:

وبقي المسلمون فرقة واحدة حتى قتل الخليفة الثالث وبويع الخليفة الرابع فلم يجد اعداؤه وسيلة إلى هدم خلافته والقدح فيه اقوى من نسبة قتل الخليفة الثالث اليه فسعوا في ذلك جهدهم حتى تمكنوا من اقناع جم غفير من المسلمين بذلك وتهيأ لهم بما دبروه من الحيلة ان يقسموا المسلمين فرقتين فسميت احداهما علوية والأخرى عثمانية ونالوا بذلك ما أملوه من الملك وقهر علي بن ابي طالب وأولاده الذين هم اعدى اعدائهم ويخافون منازعتهم في الملك ولهم عندهم ثارات بدر


15

وغيرها «ولم» يكتفوا بهذا حتى امروا بسب علي بن ابي طالب على جميع منابر الاسلام في الاعياد والجمعات وجعلوه كفرض من الفروض الواجبة حتى انه قيل لبعضهم قد بلغت ما املت فلو كففت عن لعن هذا الرجل فقال لا والله حتى يربو عليها الصغير ويهرم عليها الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلاً رواه الجاحظ واستمروا على ذلك إلى زمن عمر بن عبد العزيز وبذلوا الاموال الجسيمة وولوا الولايات لمن يختلق لهم الاحاديث في ذم علي بن ابي طالب.

أيام بني أمية وبني العباس ومحنة العلوية:

«ولم يكتفوا» بهذا حتى قصدوا كل من يوالي علياً وولده بأنواع الاذى من القتل والاسر والنهب وهدم الدور والنفي كما فعل بحجر بن عدي واصحابه حين انكروا سب علي بن ابي طالب عليه السلام بالكوفة فحملوا مقيدين إلى الشام وقتل من امتنع منهم عن البرائة من علي بن ابي طالب عليه السلام بمرج عذرا من ارض دمشق وفعل زياد بن ابيه وابنه عبيدالله باهل الكوفة ما فعلا وكذلك الحجاج وغيرهم حتى اخذوا على الظن والتهمة وعظمت البلية واشتدت المحنة فكم من قتيل وشريد لانه قيل عنه انه ترابي. «وبقي» الحال على هذا والناس عثمانية وعلوية طول ملك بن امية وجملة من ملك بني العباس ولكن اسم الاسلام واحكامه تعم الطائفتين. «وقد» كان اسم الشيعة يطلق مع ذلك على من شايع علياً وولده في الدولتين


16

«ولم يكن» بنو العباس اقل تشدداً في قهر العلويين والغض منهم وتنفير الناس عنهم وايذاء من ينسب إليهم من بني امية فان السبب الداعي لذلك واحد وهو الخوف على الملك وميل الناس إلى العلويين فقصدوهم بانواع الاذايا وحبسوا من حبسوا وقتلوا من قتلوا حتى ادى الحال بالمتوكل إلى حرث قبر الحسين عليه السلام وادارة الماء عليه والمنع من زيارته وقصد اعفاء اثره وانتقاص علي بن ابي طالب عليه السلام والسخرية منه في المجالس وقصته مع ولده المستنصر مشهورة. «وفي طول» هذه المدة قل المنتسبون إلى أهل البيت بالنسبة إلى غيرهم وتستروا واختفوا خوفاً على دمائهم وكثر المائلون إلى الامويين والعباسيين والمتقربون منهم رغباً أو رهباً والناس على دين ملوكهم وقد زين لهم حب الشهوات والحق مر حتى صار الرجل يرى النسبة إلى الكفر والزندقة اهون عليه من أن يقال انه علوي.

انتشار علوم أهل البيت عليهم السلام:

«وكتم» أهل البيت عليهم السلام علومهم عن اكثر الناس ولم يبوحوا بها الا لخواص اصحابهم خوفاً على دمائهم وقل المنتفع بهم والآخذ من علومهم «ولكن» في أواخر الدولة الاموية واوائل الدولة العباسية انتشرت علوم أهل البيت عليهم السلام انتشاراً عظيماً وكثر الرواة عنهم والمقتبسون من علومهم لقلة


17

الخوف بسبب ضعف اهل السلطنة واشتغالهم بتأسيس قواعد ملكهم كما هو الشأن في انقراض دولة وابتداء اخرى سيما مع كون الثانية هاشمية وذلك في عصر الامام محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب وولده الامام جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام ولا سيما في عصر الثاني حتى قال الحسن ابن علي الوشا من اصحاب الرضا عليه السالم ادركت في هذا المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد ولذلك نسب مذهب الشيعة في الفروع اليه فقيل المذهب الجعفري كما يقال الحنفي والشافعي.

التسمية بالنسبة والشيعة ونسخ اسم العلوية:

ثم صار المنتسبون إلى أهل البيت عليهم السلام يعرفون بالشيعة وغيرهم بالسنة ونسخ اسم العلوية والعثمانية وذلك في الدولة العباسية واستمر ذلك إلى يومنا هذا وكثرت العلماء والفقهاء في الطائفتين ثم دونت كتب اصول الفقه والفقه عند الفريقين واتسع باب البحث في مقدمات الاجتهاد وجميع العلوم.

معول الشيعة والسنة في معالم الدين:

فكان معول فقهاء الشيعة في معالم دينهم على الكتاب العزيز والسنة النبوية وأقوال اهل البيت عليهم السلام والاجماع وما استقل العقل بحسنه أو قبحه بل على الأولين لرجوع الاجماع


18

عندهم إلى السنة وكون اقوال اهل البيت عندهم مستمدة من اقوال النبي صلى الله عليه واله وكون العقل لا يخالف الشرع ومعول فقهاء السنة مع الكتاب والسنة والاجماع على القياس والاستحسان والمصالح المرسلة (وما زالت الشيعة) في كل عصر تجد في طلب العلوم وتفني اعمارها في ذلك وينتدب له منهم في كل عصر عدد كثير يعد بالالوف من لدن الصدر الاول الى هذا العصر كما شهد لهم بذلك في هذا العصر عالمنا الغيور وخرج منهم في كل عصر ما لا يحصى كثرة من محققي العلماء في المعقول والمنقول الذين برعوا وتقدموا على من سواهم ووجد فيهم من الشعراء والادباء والكتاب جماعة كثيرة اتفق الناس على تفضيلهم.

«اما»: قدماء الشيعة اعني المعاصرين للائمة عليهم السلام فقد صنفوا في الاحاديث المروية من طرق اهل البيت عليهم السلام المستمدة من مدينة العلم النبوي في فنون شتى ما يزيد على ستة الاف وستمائة كتاب مذكورة في الرجال على ما ضبطه صاحب الوسائل وامتاز من بينها أربعمائة مصنف اشتهرت بالأصول الأربعمائة وقال شيخنا البهائي في الوجيزة ان ما تضمنته كتبنا من هذه الاحاديث يزيد على ما في الصحاح الستة لاهل السنة بكثير كما يظهر لمن تتبع احاديث الفريقين وذكر علماء الرجال انه روى راو واحد وهو ابان بن تغلب عن امام واحد وهو جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ثلاثين


19

الف حديث هذا وقد كان فيهم اعني المعاصرين للائمة عليهم السلام من اشتهر في علم الكلام وفن المناظرة وبرع فيه وجرت له المباحثات والمناظرات العديدة مع علماء عصره من اهل السنة مثل هشام بن الحكم ومؤمن الطالق وغيرهما.

بعض مشاهير علماء الشيعة وادبائهم وشعرائهم:

«وأما» من تأخرعن هؤلاء فمن مشاهير مصنفيهم في الحديث «الكليني» وابن بابويه المعروف «بالصدوق» وفي الفقه والكلام «الحسن بن ابي عقيل العماني» اول من هذب الفقه وبوبه ومن مصنفاته فيه كتاب المتمسك بحبل آل الرسول وبعده «ابن الجنيد» ومن مصنفاته تهذيب الشيعة لاحكام الشريعة في عشرين مجلدا يشتمل على جميع كتب الفقه ومختصره المعروف بالاحمدي في الفقه المحمدي ومن رؤساء مشاهيرهم في الاصول والفقه والكلام «الشيخ المفيد» وفيها وفي اللغة والشعر والادب والتفسير «السيد المرتضى علم الهدى» وفي الاصول والفقه والحديث والرجال والتفسير «الشيخ الطوسي» وهؤلاء كلهم في المائة الثالثة الى اواسط المائة الخامسة ومن مشاهيرهم في التفسير من قدماء المحدثين «العياشي» وفرات بن ابراهيم ومن متأخري العلماء «ابو الفتوح الرازي» له فيه روح (روض خ ل) الجنان في عشرين


20

مجلدا «والطبرسي» له فيه مجمع البيان المستمد من التبيان للشيخ الطوسي وكان كالاول معاصر لصاحب الكشاف صنف المجمع قبل الاطلاع على الكشاف فلما اطلع عليه صنف جامع الجوامع وفي الكلام والاصول والفقه «سديد الدين محمود الحمصي الراوي الحلي» استاذ الفخر الرازي السني المشهور كما عن القاموس وفي الاصول والفقه «المحقق الحلي» وفي جميع العلوم العقلية والنقلية «العلامة الحلي» والشهديان والشيخ البهائي وفيها خصوصا العقلية الخواجة نصير الدين الطوسي» وفي الفقه «المحقق الكركي» وفي المعقول القطب الرازي وميثم البحراني وهؤلاء من اواسط المائة الخامسة الى احدى وثلاثين من المائة الحادية عشرة وفي النحو واللغة والادب من القدماء «الخليل بن احمد العروضي وابن السكيت» وبعدهم ابن دريدو «ابن خالويه» ومن المتأخرين «الشيخ الرضي» شارح الكافية والشافية ومنهم واضع النحو بتلقين امير المؤمنين عليه السلام «ابو الاسود الدئلي» ومن مشاهيرهم من اواسط المائة الحادية عشرة الى احدى وثمانين من المائة الثالثة عشرة في الرجال والحديث وغيرهما «العلامة المجلسي» وفي المعقول «الصدر الشيرازي» وفي الفقه والاصول والرجال والحديث وغيرها «بحر العلوم الطباطبائي» وشيخه «البهبهاني» وفي الفقه «الشيخ جعفر النجفي»


21

و«الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر» وفي الاصول والفقه «الشيخ مرتضى الانصاري» وغيرهم وما ذكرناه قطرة من بحر والا فمشاهير المصنفين منهم في كل عصر لا يحصى عددهم وكتب الرجال كافلة لذلك وقد صنفت عدة كتب في فهرست اسماء المصنفين منهم للشيخ الطوسي وغيره ومن مشاهيرهم في تاريخ «المسعودي وابو الفرج الاصبهاني الزيدي» وفي الشعر والادب. ابو دهبل الجمحي. والفرزدق والكميت، وكثير عزه، والسيد الحميري، ودعبل بن علي الخزاعي،وابو تمام، والبحتري، ومحمد بن وهيب الحميري، وابو نواس محمد بن هاني الاندلسي، وابو فراس الحمداني، وديك الجن، ومنير الدين الطرابلسي، وابن الحجاج، والشريف والرضي، ومهيار الديلمي، والصفي الحلي، والطغرائي، والابيوردي الاموي وغيرهم. وفي الانشاء ابن العميد والصاحب بن عباد» وهما من كتاب الدنيا وابو بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمداني وغيرهم وما زال اهل البيت عليهم السلام واتباعهم تحت حجاب الخوف والتقية الى ان ضعفت الدولة العباسية.

المنع من الاجتهاد والتقليد:

(وفقهاء) اهل السنة وعلمائهم كانوا هم المرجع


22

للملوك والامراء غالباً وبيدهم ازمة القضاء والحكم بين الناس من قبل خلفاء زمانهم وكان ظهورهم وانتشارهم في الدولة العباسية ثم منع اهل السنة من الاجتهاد لما كثر عدد الفقهاء وانتشرت الاقوال فحصروا التقليد في اقوال اربعة من الفقهاء وتركوا اقوال غيرهم ممن عاصرهم او تقدمهم وبقوا على ذلك الى هذا العصر فظهر قوم قالوا بجواز الاجتهاد لمن جمع الشرائط لما لم يروا دليلاً على المنع وامنوا جانب الحكام بعدم تعرضهم غالباً لغير السياسيات لكنهم على قلتهم لا يعدمون قادحاً من اهل نحلتهم.

اما الشيعة فبقوا على ما كان عليه سلفهم في اخذ معالم دينهم ولم تكثر اقوال فقهائهم كثرة مفرطة لانحصار دائرة الاجتهاد عندهم فيما استفيد من الكتاب العزيز او صح عن النبي صلى الله عليه وآله واهل بيته الطاهرين بشرط عدم المخالفة لاجماع المسلمين فهم في الحقيقة مرجحون لا مجتهدون ولذلك قل بحث علماء السنة في مسائل أصول الفقه بل عدم في الإعصار الأخيرة واقتصروا في علومهم الدينية على درس الأحاديث ومعرفة المذاهب الأربعة (والبحث) بين علماء الطائفتين حاصل في بعض المسائل الفرعية وبعض مسائل الاصولين لما لا يقضي بتكفير احدى الطائفتين (فهذا) ما كان من انقسام المسلمين الى السنة والشيعة بوجه الاختصار وكله ظاهر معروف مسطور


23

في كتب الآثار (ومنه يعلم ان الداعي الى تفريق كلمه المسلمين ومخالفة بعضهم لبعض في الاعتقادات لم يكن طلب الدين بل الملك وطلب الدينار وحب الرياسة كما أشار إليه صاحب المنار في آخر كلامه الآتي الذي ذيل به الرسالة (وهذا) اصل الشيعة وفرعهم الذي دعا هذا العالم الغيور على الدين ان يعد انتشار مذهبهم في العراق من البلاء العظيم وينسبهم الى اضلال العباد ويحرض الحكومة عليهم ليوقع الفساد ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ولا يحيق المكر السيء الا باهلة.

تعظيم القبور وزيارتها وتجديدها:

وإما قوله: الجامدين من المقلدة وعباد القبور فهو ليس موجها الى الشيعة خاصة بل الى الشيعة والسنة فان تعظيم قبور الانبياء والائمة والاولياء والصلحاء وزيارتها لا تختص بالشيعة بل لعل المقصود به خصوص السنة فان هذا العالم الغيور بعد ان شفا غيظه من الشيعة بما بهتهم به اراد ان يشفي غيظه من السنة الذين لا يقولون بمقالته ومقالة اصحابه الوهابية كالالوسيين المذكورين وغيرهما ممن ترك تعظيم قبور الانبياء والاولياء والصلحاء وزيارتها.

(فنقول) جرت سيرة المسلمين في جميع اقطار الارض خلفا عن سلف ويدا عن يد من عصر النبي صلى الله عليه


24

واله والصحابة والتابعين من سنة وشيعة وعلماء وعوام ونساء وأطفال على تعظيم قبور الانبياء والاوصياء والاولياء والعلماء والصلحاء وزيارتها والتبرك بها والصلوة وقراءة القرآن والدعاء وطلب الحوائج من الله تعالى عندها (وسيرة) المسلمين حجة كاشفة عن اخذ ذلك من صاحب الشرع وهي اقوى من اجماع العلماء كما قرر في الاصول (بل) لعل ذلك من ضروريات دين الاسلام بل جميع الاديان (وبقي) الحال على هذا الى ان ظهر مذهب الوهابية فمنعوا منه في جملة ما منعوا وقام هذا العالم الغيور بلسانهم بذم المسلمين ويسميهم عباد القبور. وهم محجوجون بما سمعت من السيرة القطعية (نعم) ورد في بعض الاخبار من طرق اهل السنة ذم اليهود على اتخاذهم قبور انبيائهم مساجد رواه مسلم في صحيحه «وفي بعضها ذم اليهود والنصارى على ذلك» رواه مسلم في صحيحه والنسائي في سننه الصغرى. وزاد مسلم في بعضها عن عائشة قالت فلولا ذلك لابرز قبره غير انه خشي ان يتخذ مسجداً. وفي بعض روايات مسلم الا وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد اني انهاكم عن ذلك (وروى) مسلم في صحيحه والنسائي في سننه الصغرى ايضاً بسندهما ان ام حبيبة وام سلمة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير


25

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان اولئك اذا كان فيه الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور اولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.

(والجواب) عن هذه الاخبار بعد تسليم صحة سندها وانها ليست اخص من المدعى.

(اولاً): بانها لا تنافي المقصود اذ لا يبعد ان يكون المراد في الاخبار الاول من اتخاذهم لها مساجد السجود اليها تعظيما او جعلها قبلة او نحو ذلك كما قيل ويرشد اليه قول عائشة كما عرفت فلولا ذلك لا برز قبره غير انه خشي ان يتخذ مسجدا «وفي الجامع الصغير للسيوطي» في باب مناهي النبي صلى الله عليه وآله عن الترمذي عن جابر نهى صلى الله عليه وآله عن صلوة الى القبور (وروى مسلم في صحيحه) النهي عن الصلوة الى القبور بطريقين (وفي الخبر الاخير) ذمهم على تصوير الصور وعبادتها كما هو المألوف عن النصاري (قال النووي) في شرح صحيح مسلم ما لفظه قال العلماء انما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما ادى ذلك الى الكفر كما جرى لكثير من الامم الخالية ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين والتابعون الى زيادة في مسجد رسول الله


26

صلى الله عليه وآله وسلم حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة الى ان دخلت بيوت امهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى عليه وسلم وصاحبيه ابي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي اليه العوام ويؤدي الى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن احد من استقبال القبر ولهذا قال في الحديث ولولا ذلك لابرز قبره غير انه خشي ان يتخذ مسجدا انتهى.

(وقال السيوطي) في زهر الربى على المجتبى، وهو أي المجتبى سنن النسائي الصغرى «ما لفظه» قال البيضاوي لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور انبيائهم تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلوة نحوها واتخذوها اوثانا ذمهم ومنع المسلمين من مثل ذلك فاما من اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد انتهى.

(وثانياً) ان النصارى نبيهم عيسى عليه السلام وهو لم يمت فكيف جمعهم مع اليهود وهذا وان اجيب عنه بامور من جملتها ان المراد الانبياء وكبار اتباعهم فاكتفى بذكر


27

الانبياء، قيل ويؤيده رواية مسلم كانوا يتخذون قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد الا انه موهن في الجملة. (وثالثاً) إنها مع انفراد اهل السنة بها معارضة بما روي متواتراً من طريق اهل البيت عليهم السلام.

(ورابعاً) انها شاذة لا عامل بها من المسلمين قبل الوهابية بل السيرة القطعية من جميع المسلمين كما عرفت على خلافها وكفاك في ذلك مسجد النبي صلى الله عليه وآله الذي دخل فيه قبره بعد الزيادة في المسجد واستمر المسلمون كافة على ذلك وعلى تعظيم قبره صلى الله عليه وآله الى يومنا هذا وما هذا شأنه من الاخبار لا يعول عليه ولو اردنا ان نعمل بكل خبر وافق الكتاب والسنة والسيرة أو خالفها لزم الهرج والمرج «مع» انه قد جاء في الكتاب العزيز في شأنه اهل الكهف (قال الذين غلبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا) ففي تفسير الجلالين (قال الذين غلبوا على امرهم) وهم المؤمنون (لنتخذن عليهم) حولهم (مسجدا) يصلى فيه وفعل ذلك على باب الكهف انتهى. وفي الكشاف (قال الذين غلبوا على امرهم) من المسلمين وملكهم وكانوا اولى بهم وبالبناء عليهم (لنتخذن) على باب الكهف (مسجداً) يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم انتهى.


28

«وورد» ايضاً النهي عن تجديد القبور (واشتهر) خير القبور الدوارس وان كنا لم نجده فيما رأيناه من كتب الحديث سيما ما هو مظنه ذلك كالجامع الصغير للسيوطي «وروى مسلم في صحيحه» عن النبي صلى الله عليه وآله الامر بتسوية القبور وانه نهى ان يجصص القبور وان يقعد عيله وان يبني عليه «وفي رواية» نهى عن تقصيص القبور وهو تجصيصها. وان عليا عليه السلام قال لرجل الا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان لا تدع تمثالا الا طمسته ولا قبرا مشرفاً الا سويته «وفي رواية» ولا صورة الا طمستها.

(ولكن) هذه الاخبار بعد تسليم صحة سندها عمومات محمولة على الكراهة لمخالفتها للسيرة ومخصصة بغير ما يكون تجديده والبناء عليه تعظيماً للشعائر وما قامت عليه السيرة القطعية (وقد) دل الشرع الشريف على ان حرمة المؤمن ميتاً كحرمتة حياً ولذلك وجب تكفينه ودفنه والصلوة عليه واستحب تشييع جنازته وحرمت اهانته والجناية عليه وشتمه ونبش قبره وغير ذلك وقد قال الله تعالى في حق الشهداء (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل احياء عند ربهم يرزقون) مع ان تعظيم هذه القبور من تعظيم حرمات الله وشعائره ومن يعظم حرمات


29

الله فهو خير له ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب ولا يمنع العقل من تعظيمها والتبرك بها وزيارتها والتوسل الى الله تعالى ببركة اصحابها. وقد ورد لذلك نظائر في الشرع فان الله تعالى اوجب تعظيم الكعبة المشرفة واستقبالها في الصلوة وحرم استقبالها واستدبارها حال التخلي وجعل لمكة المكرمة حرما واعطى النبي صلى الله عليه وآله الشفاعة باتفاق المسلمين كما دلت عليه الاخبار وقال الله تعالى ﴿ولا يشفعون الا لمن الاتضى فاثبت الشفاعة في الجملة. فان كان المراد من عبادة القبور هو زيارتها وتعظيمها والتبرك بها والصلوة لله تعالى عندها فقد عرفت انه امر راجح وان اراد اتخاذها الها فما رأينا احد من المسلمين يعتقد ذلك هذا كله بعد كون أهل القور ممن يستحق التعظيم لا بمجرد كونه من المجانين او الحشاشين او المشعبذين والدجالين وغيرهم ممن يدعي لهم الولاية وينسب اليهم اعظم المعجزات والكرامات ترويجاً لأعراض الدنيا.

مذهب الوهابية

اما الوهابية الذين اشرنا اليهم فلا بأس بذكر مبدأ امرهم وبعض معتقداتهم ومبتدعاتهم ليكون الناظر في امرهم على بصيرة (قال ملطبرون الافرنجي) في جغرافيته


30

المترجمة من رفاعة بك ناظر مدرمة الالسن وقلم الترجمة بمصر وهذا الناقل غير متهم في حق الوهابية ولا غرض له في تعمد الكذب وانقاله مؤيده بما سمعناه وشاهدناه من الوهابية (وهذا كلامه) ومن بلاد نجد خرج مذهب الوهابية واصله ان العرب سيما اهل اليمن تحدثوا بان راعيا فقيرا اسمه سليمان راى في منامه كأن شعلة نار خرجت منه وانتشرت في الارض وصارت تحرق من قابلها فقصها على معبر فعبرها بان ولدا له يحدث دولة قوية فتحققت الرؤيا في حفيده الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان المذكور فالمبتدع المذهب انما هو محمد ولكنه نسب الى ابيه عبدالوهاب فلما كبر محمد صار محترماً عند اهل بلده بسبب هذه الرؤيا التي لا يعلم انها كانت ام لا فاخبرهم انه من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم واسمه كاسمه وانه يدعو الى توحيد الله تعالى وان القرآن قديم يجب اتباعه دون الفروع المستنبطة وان محمداً رسول الله وحبيبه ولكن لا ينبغي وصفه باوصاف المدح والتعظيم اذ لا يليق ذلك الا بالقديم وان ذلك من قبيل الاشراك وان الله تعالى حيث لم يرض بهذا الشرك ارسله ليهدي الناس الى سواء السبيل فمن اجاب والا وجب قتله فاول امره بين مذهبه سرا فاتبعه جماعة ثم سافر الى الشام فلم يتبعه احد فرجع الى بلاد العرب بعد ان غاب عنها ثلاث سنين فاتبعه ابن


31

سعود (الصواب ان متبعه اولا هو سعود) من مشائخ عرب نجد فانه كان شهماً وبعد ان حكم قبيلته تغلب على قبيلتين من اليمن وانضم اليه سائر العرب وبعد خمس عشرة سنة اتسعت ولايته وهو يطمع في الزيادة فظن ان محمداً الوهابي يجذب الناس اليه باتباعه له فاعان هذا المذهب وقواه فاخذ في الازدياد والانتشار ودان به جميع عرب نجد فرتب محمد مذهبه واظهر الاجتهاد فكان هو الرئيس الديني للوهابية وابن سعود رئيس الحكم والحرب وصارت ذرية كل منهما تتولى رتبة سلفها واختاروا مدينة الدرعية قاعدة بلادهم وهي في الجنوب الشرقي من البصرة في البادية ثم مات ابن سعود فخلفه ابنه عبد العزيز وكان اذا اراد محاربة قبيلة دعاها الى اعتقاد القرآن على ما يفسره الوهابية فان قبلت والا قاتلها لكنه لا يتعرض للنساء والأطفال بل يستصفي جميع الاموال واذا اطاعته القبيلة ارسل اليها حاكما ويأخذ منها عشر المواشي والنقود والعروض بل والانفس فيأخذ عشر الناس بالقرعة فجمع اموالا عظيمة وصار جيشه يربو على مئة وعشرين الف مقاتل فاطاعه جميع اهل البادية التي بين البحر الاحمر وبحر فارس وحوالي بلاد حلب ودمشق والوهابية يبغضون من عداهم من المسلمين بغضاً شديداً لما بينهم من المخالفة الواضحة لكنهم يوافقون اهل السنة في فروع كثيرة ولا


32

يتخذون في المساجد منارات ولا قبابا ولا غيرها لانه بدعة ولا يعظمون الائمة والاولياء ويدفنون موتاهم بغير احتفال ولا يشربون القهوة. انتهى مع اختصار ونقل بعض بالمعنى.

(اقول) وكان ظهور مذهب الوهابية في اوائل المائة الثالثة من الالف الثانية (ومن معتقداتهم) تحريم تشييد القبور وبناء القباب عليها والنذور لها والتوسل بالانبياء وغيرهم الى الله تعالى في قضاء الحوائج ومناداة غير الله تعالى عند الشدائد ولو كان من الانبياء او الاوصياء فانه شرك ومتى سمعوا ذلك من احد شتموه وضربوه وقالوا له اشركت وتحريم حمل المحمل الذي يؤخذ مع الحاج من مصر والشام وتعظيمه لانه بدعة وتحريم شرب القهوة والتتن ونحو ذلك (وذكر الجبرتي) في عجائب الاثار في حوادث سنة ثمان عشر ومائتين والف وهو ممن يصرح بالثناء على الوهابية وتصويب معتقداتهم في غير موضع من كتابه المذكور وكان استيلاؤهم على الحرمين الشريفين في عصره ان الوهابي ارسل كتابا الى رئيس الركب المغربي يتضمن دعوته وعقيدته قال فيه بعد مقدمة طويلة (ما لفظه) اذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الامور التي اعظمها الاشراك بالله والتوجه الى الموتى وسؤالهم النصر على الاعداء وقضاء الحاجات


33

وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها الا الله وكذلك التقرب اليهم بالنذور وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد الى غير ذلك من انواع العبادة التي لا تصلح الا لله وصرف شيء من انواع العبادة لغير الله كصرف جميعها (الى ان قال) بعد ذكر ايات استدل بها على ابطال الشفاعة «ما لفظه» فأخبرني الله تعالى انه من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم واشرك بهم ثم قال فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا الا من الله (الى ان قال) واما ما حدث من سؤال الانبياء والاولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها واسراجها والصلوة عندها واتخاذها اعياد او جعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الامور التي اخبر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم امته وحذر منها كما في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من امتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من امتي الاوثان الى اخر ما ذكر.

فعل الوهابية بالعراق وبالحجاز:

(وذكر) صاحب مفتاح الكرامة قدس الله روحه الوهابية في اواخر اكبر مجلدات الكتاب المذكور وهو معاصر


34

لرئيسهم سعود ومشاهد لبعض وقائعه في العراق وكانت عند تصنيف الكتاب المذكور (ففي) اخر مجلد الضمان ما لفظه فانه أي سعود الوهابي الخارج في ارض نجد اخترع ما اخترع في الدين واباح دماء المسلمين وتخريب قبور الائمة المعصومين، فاغار سنة الف ومائتين وست عشرة على مشهد الحسين عليه السلام وقتل الرجال والاطفال واخذ الاموال وعاث في الحضرة المقدسة فافسد بنيانها وهدم اركانها ثم انه بعد ذلك استولى على مكة المشرفة والمدينة المنورة وفعل بالبقيع ما فعل لكنه لم يهدم قبة النبي صلى الله عليه وآله. وفي السنة الحادية والعشرين في الليلة التاسعة من شهر صفر قبل الصبح هجم علينا ونحن في غفلة حتى ان بعض اصحابه صعد السور وكادوا يأخذون البلد فظهرت لامير المؤمنين عليه السلام المعجزات الظاهرة والكرامات الباهرة فقتل من جيشه كثير ورجع خائبا (وفي) اخر مجلد الشفعة منه (ما لفظه) وفي هذه السنة أي سنة الف ومائتين واثنين وعشرين جاء الخارجي الذي اسمه سعود في جمادى الآخرة من نجد بما يقرب من عشرين الف مقاتل او أكثر فجاءت النذر بانه يريد ان يدهمنا في النجف الاشرف غيلة فتحذرنا منه وخرجنا جميعاً الى سور البلد فاتانا ليلا فرآنا على حذر قد احطنا بالسور بالبنادق والاطواب فمضى الى الحلة فرآهم كذلك ثم


35

مضى الى مشهد الحسين عليه السلام على حين غفلة نهارا فحاصرهم حصاراً شديداً فثبتوا له خلف السور وقتل منهم وقتلوا منه ورجع خائباً وعاث في العراق فقتل من قتل وقد استولى على مكة المشرفة والمدينة المنورة وتعطل الحاج ثلاث سنين.

(وفي) اخر مجلد الوكالة منه بعد ما ذكر انه فرغ منه في الليلة التاسعة من شهر رمضان سنة الف ومائتين وخمس وعشرين «ما لفظه» وكان ذلك مع تشويش البال واختلال الحال وقد احاطت الاعراب من عنزة القائلين بمقالة الوهابي بالنجف الاشرف ومشهد الحسين عليه السلام وقد قطعوا الطرق ونهبوا زوار الحسين عليه السلام بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان وقتلوا منهم جما غفيراً واكثر القتلى من العجم وربما قيل انهم مائة وخمسون وقيل اقل وبقي جملة من الزوار في الحلة ما قدروا ان يأتوا إلى النجف الاشرف فبعضهم صام في الحلة وبعضهم ذهب إلى الحسكة ونحن الان كلنا في حصار والأعراب إلى الان ما انصرفوا وهم من الكوفة إلى فوق مشهد الحسين عليه السلام بفرسخين او اكثر على ما قيل.

(وفي) اخر مجلد الهبات ذكر انه قد وقع اطراف العراق كالحلة والمشهدين في البلاء المبين من القتل الذريع الكثير


36

خصوصاً في الزوار والمترددين وحرق الزرع. (وذكر) في اواخر مجلدات آخر منه نحواً من هذا.

(وفي تاريخ الجبرتي) المتقدم ذكره انه في (العاشر من شهر شعبان سنة الف ومائتين وسبع عشرة حضر الى مصر جماعة من اشراف مكة وعلمائها هاربين من الوهابي وقصدهم القسطنطيسنية ليستنجدوا بالدولة العثمانية وذهبوا الى بيوت الحكام والاكابر يشكون ويخبرون عما جرى عليهم).

(وفي) اخر شوال من السنة المذكورة حضر الى مصر اولاد الشريف سرور شريف مكة هاربين من الوهابية ليستنجدوا بالدولة العثمانية.

(وفي) يوم الجمعة خامس عشر ذي الحجة من السنة المذكورة حضرت كتب من الحجاز الى مصر فيها ان الوهابين حضروا الى الطائف فخرج اليهم الشريف غالب شريف مكة فهزموه فرجع الى الطائف واحرق داره وفر هارباً الى مكة وكان رئيس عسكر الوهابيين عثمان المضايفي زوج اخت الشريف وكان حصل بينهما وحشة فخرج المضايفي مع الوهابيين وطلب من سعود الوهابي ان يؤمره على العسكر الموجه لمحاربة الشريف ففعل فحاربوا اهل الطائف ثلاثة ايام حتى دخلوا البلدة عنوة وقتلوا الرجال واسروا النساء والأطفال وهذا دأبهم مع من يحاربهم وهدم المضايفي قبة ابن عباس الغريبة الشكل


37

والوصف.

(وفي) يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر محرم سنة الف ومائتين وثمان عشرة حضر هجان الى مصر معه كتب مؤرخة في العشرين من ذي الحجة وفيها ان الوهابية احاطوا ببلاد الحجاز وان الشريف غالب طلب من والي جدة وامراء الحاج الشامي والمصري ان يبقوا معه اياما لينقل ماله ومتاعه الى جدة فاجابوه بعد ان بذل لهم مالا فبقوا معه اثني عشر يوما ثم رحلوا ورحل بعد ان احرق داره.

(وفي) يوم الاثنين سادس عشر صفر من تلك السنة وردت كتب من الحجاز الى مصر بتاريخ منتصف المحرم وفيها ان الوهابين استولوا على مكة في يوم عاشوراء بعد ارتحال الشريف غالب وبعد ارتحال الحاج بيومين لان الحاج تأخر بمكة ثمانية ايام زيادة على المعتاد.

(وفي) يوم الاحد الثاني والعشرين من صفر من تلك السنة حضر الى مصر الشريف عبدالله بن سرور مع بعض اقاربه من شرفاء مكة واتباعهم نحوا من ستين شخصاً واخبروا انهم خرجوا من مكة مع الحاج وان عبدالعزيز بن سعود الوهابي دخل مكة بغير قتال وولى الشريف عبدالمعين اميرا على مكة والشيخ عقيلا قاضيا وانه هدم قبة زمزم والقباب التي حول الكعبة والابنية التي هي اعلى من الكعبة الخ.


38

(وفي) يوم الاحد التاسع والعشرين من شهر صفر من السنة المذكورة حضر مع الحجاج كثير من اهل مكة الى مصر هربا من الوهابية (وفي الخامس والعشرين من شوال من تلك السنة حضر فرمان الى مصر من الدولة بارسال اربعة الاف عسكري الى الحجاز لمحاربة الوهابيين وانهم وجهوا من جهة بغداد أربعة بشوات مع العساكر وارسلوا الى احمد باشا الجزار (الذي كان في عكا) بالتوجه ايضاً لمحاربتهم).

(وفي) اواخر محرم سنة الف ومائتين واحدى وعشرين وردت اخبار الى مصر بمسالمة الشريف غالب للوهابيين لما اشتد عليه الحصار وغلب الاسعار فأخذ العهد على دعاتهم بداخل الكعبة ومنع من شرب الاراكيل بالتنباك بين الصفا والمروة وعاهده على امور منها ترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الاحياء والاموات في الشدائد والمهمات وبناء القباب على القبور وتقبيل الاعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور والذبح والقربان وعمل الاعياد والمواسم لها وهدم القباب المبنية على القبور والاضرحة لأنها من الامور المحدثة التي لم تكن في زمانه صلى الله وآله.

(وفي) اخر المحرم سنة الف ومائتين واثنين وعشرين ورد الخبر الى مصر برجوع الحاج الشامي من منزل هديه لان الوهابي ارسل الى عبدالله باشا امير الحاج ان يأتي بدون


39

المحمل والطبل والزمر والاسلحة.

(وفي يوم) السبت ثالث صفر من هذه السنة وصل حجاج المغاربة الى مصر واخبروا ان سعود الوهابي دخل مكة بجيش كثيف وتوعد امير الحاج المصري بحرق المحمل ان جاء به ثانيا وانه هدم القباب وقبة آدم وقباب ينبع والمدينة وابطل شرب التنباك في الاسواق وغيرها.

(وفي) يوم الاحد سابع ربيع الثاني من السنة المذكورة حضر مع الحاج الى مصر اغوات الحرم والقاضي الذي توجه لقضاء المدينة وخدام الحرم المكي وقد طردهم الوهابي جميعاً واخبر الحاج انهم منعوا من زيادة المدينة وان الوهابي اخذ كل ما كان في الحجرة النبوية من الذخائر والجواهر وانه امر بحرق المحمل (انتهى). ما اردنا نقله من كلام الجبرتي.

(وقال) في حوادث سنة الف ومائتين وثلاث وعشرين ان منها انقطاع الحج الشامي والمصري معتلين بمنع الوهابي. وقال انه لم يمنع احدا ان يحج على الطريقة المشروعة وانما يمنع من يأتي بالبدع التي لا يجيزها الشرع مثل المحمل والطبل والزمر وحمل الاسلحة. ثم ذكر ان اهل الحجاز يرون اخذ الوهابي لذخائر الحجرة الشريفة وجواهرها من الكبائر العظام وصوب هو اخذهم لها. وقال انه لما وضعها ضعفاء العقول


40

من الأغنياء والملوك الاعاجم وغيرهم. ثم بين انها لا ينبغي ان تكون للنبي صلى الله عليه وآله لزهده في الدنيا وانه بعث ليكون نبيا لا ملكا. وذكر احاديث واردة في عرض الدنيا عليه صلى الله عليه وآله وآبائه وفي زهده. وانها ان كانت صدقة فهي محرمة عليه وعلى اله وانها لا نفع فيها مع بقائها على حالها فالارجح صرفها على المحاويج الى غير ذلك من التلفيقات. ثم ذكر انه يقال ان الوهابي ملأ أربعة صناديق من الجواهر المحلاة بالالماس والياقوت العظيمة القدر ومن ذلك أربعة شمعدانات من الزمرد وبدل الشمعة قطعة الماس تضيء في الظلام ونحو مائة سيف لا تقوم قرابانها ملبسة بالذهب الخالص ومنزل عليها الماس وياقوت ونصابها من الزمرد واليشم ونحو ذلك ونصلها من الحديد الموصوف وعليها اسماء الملوك والخلفاء السالفين. (اقول) مع كون افعال الوهابية مشهورة متواترة فالجبرتي شاهد صدق على ما تقدم من معتقداتهم فهو منهم وغير منهم في نقله عنهم فانكار بعض المتعصبين للوهابية ما ينقل عنهم من الافعال والمعتقدات الشنيعة وقوله ان ذلك انما اشتهر من قبل امراء الدولة العثمانية حين استفحال امر الوهابية لينفروا الناس عنهم فقالوا للشيعة انهم هدموا قبر الحسين عليه السلام وفعلوا وفعلوا وقالوا للسنة امثال ذلك غير مسموع بعد ما سمعت وما ذكره الجبرتي من تصويب نهبهم لموقوفات الحضرة الشريفة النبوية جهل محض


41

فان هذه الذخائر موقوفة لتوضع بالحجرة الشريفة وتكون زينة لها وليست ملكاً له عليه السلام ولا صدقة وزهد النبي صلى الله عليه وآله في الدنيا لا ربط له بالمقام.

(فان قال) ان وقفها على الحجرة الشريفة غير جائز؟

(قلنا) بل هو جائز لجريان سيرة المسلمين بل جميع أهل الاديان على ذلك ولان في وقفها تعظيماً لشعائر الدين فلا يكون سفها بل هو امر راجح مطلوب شرعاً.

(أما) تشييد قبور الانبياء والاوصياء والصلحاء والعلماء فقد تقدم الدليل على جوازه ورجحانه.

(وأما) التوسل بالموتى من ذوي المكانة عند الله تعالى فلا مانع منه شرعاً ولا عقلاً فانهم احياء عند ربهم يرزقون فالتوسل بهم اما دعاء لله تعالى ان يقضي الحاجة ببركتهم ومثله كثير في الادعية المأثورة عنه صلى الله عليه وآله وعن اهل بيته وعن الصحابة والتابعين او طلب منهم ان يسئلوا الله تعالى في قضاء الحاجة ولا مانع منه عقلاً ولا شرعاً فان الله تعالى اجرى الامور باسبابها وفضل الناس بعضهم على بعض وجعل العبادة في بعض الاماكن كالمساجد افضل منها في غيرها واقسم ببعض مخلوقاته تعظيماً لها واعطى الشفاعة لبعض انبيائه باعتراف الوهابية ونص عليها الكتاب العزيز فجعل ذلك من الشرك جهل محض كقياسه على ما ورد في قوله تعالى ﴿وما نعبدهم الا


42

ليقربونا إلى الله زلفى فان أولئك صلوا للأصنام وعبدوها لتقربهم إلى الله ونحن لم نصل إلى أحد من الأنبياء ولا عبدناهم وإنما استشفعنا بهم إلى الله بالكلام لمكانتهم عنده تعالى.

(وأما) جعلهم الشفاعة حقاً في الآخرة وطلبها في الدنيا شركاً فجهل وغباوة فان ما يكون شركاً في الدنيا لا يكون حقاً في الآخرة.

(وأما) جعلهم سؤال الموتى قضاء الحوايج وتفريج الكربات شركا لانه لا يقدر عليها الا الله.

(فنقول) بل يقدر عليها غير الله باقدار الله تعالى له فالرجل منا يقدر على قضاء دين اخيه بما رزقه الله من المال وعلى نصره بما اعطاه الله من القوة فاذا سئله ذلك لا يكون مشركاً وإذا كان اهل المكانة عند الله تعالى احياء عند ربهم يرزقون كما نطق به القرآن الشريف في حق الشهداء فما المانع من قدرتهم على نصر المستغيث بهم وقضاء حاجته كالاحياء ولو فرض عدم قدرتهم فلا يكون ذلك شركاً بل يكون كمن طلب من المفلس قضاء دينه جاهلاً بفلسه وإذا كان ذلك شركاً فالوهابية أول المشركين لاستعانتهم بالناس في قضاء حوائجهم وطلب النصرة من الناس على أعدائهم.

(وأما) النذور وذبح القرابين فالنذور لا يقصد تمليكها


43

للأموات بل لتصرف على الخدمة أو الزوار او الفقراء أو نحو ذلك ويكون ثوابها للميت أو للناذر وفي ذلك تعظيم للشعائر كما مر فلا مانع منه.

(أما) ما سموه بالقرابين تشبيها بما يذبح للاصنام فليس كذلك بل يراد اطعامه للفقراء تقربا اليه تعالى ونسبته الى صاحب القبر لقصد صرفه على زواره او كون ثوابه له او نحو ذلك كما في سائر النذور فان هذا نوع منها ولا مانع منه وجعله من الشرك جهل وغباوة (وبالجملة) فالله تعالى فضل الناس بعضهم على بعض بل فضل بعض الجمادات على بعض واوجب الصلوة الى الكعبة تعظيما لها ولم يكن ذلك شركا وورد في الشرع تقبيل الحجر الاسود والطواف بالبيت والحج اليه والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفات والصلوات في المساجد ونحو ذلك مما لا يحصى وامر الله تعالى بالدعاء والتوسل اليه تعالى بالموجودات الشريفة والاقسام بها عليه كما تدل عليه الادعية المأثورة عن النبي واهل بيته عليه وعليهم الصلوة والسلام مع انه قادر ان يعطي العبد جميع الخيرات بلا مسئلة ولنعم ما قال القائل:

الم تر أن الله قال لمريم
وهزي اليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء ان تجنيه من غير هزه
جنته ولكن كل شيء له سبب


44

فمن ذلك ظهر ان هذه الكلمات التي ذكروها تمويهات فاسدة وتهويلات باردة والجبرتي على ما يظهر من كتابه لا يعد من العلماء الذين يعبؤ بموافقتهم للوهابية او مخالفتهم واظن ان عالمنا الغيور من هذا القبيل (وما اشبه) الوهابية في هذا الزمان بالخوارج فان كلا منهما تصلب في الدين وحافظ على الصلوات والعبادات وتورع عن جملة من المباحات وارتكب بجهله وغباوته اعظم الموبقات وخالف ضرورة الدين واستحل دماء المسلمين هذا الكلام على ما يتعلق بالرسالة.

كلام صاحب المنار في حق الشيعة في العراق:

(اما) ما ذيلها به صاحب المنار فانه «قال» ان هذه الرسالة ذكرته بما كتبه في المجلد الثاني من المنار في رمضان سنة 1317 في صفحة 687 من نشر مذهب الشيعة في العراق وهو انه قد قرأ في بعض الجرائد عزم الدولة العلية على ارسال بعض العلماء الى سناجق البصرة والمنتفق وكربلا لا رشاد القبائل الرحالة هناك وفي بعضها صدور الارادة السنية بذلك فعلا وحمد الله تعالى على تنبه الدولة العلية لهذا الامر قبل ان يخرج من يدها قال فقد سبقها الشيعة وبثوا الوعاظ والمرشدين في هذه القبائل يذهب الملا الشيعي الى القبيلة فيمتزج بشيخها امتزاح الماء بالراح بما يسهل عليه من التكاليف الشرعية ويحمله على هواه فيها كاباحة التمتع بالعدد الكثير من النساء


45

الذي له الشأن الاكبر عند اولئك الشيوخ وغير ذلك حتى يكون وليجته وعيبة سره ومستشاره في امره فيتمكن الملا بذلك من بث مذهبه في القبيلة باقرب وقت ويكتفي من السياسة غالبا بافهام القوم ان رئيس طائفة الشيعة المحقة شاه العجم ورئيس الطائفة الاخرى المسماة بالسنية السلطان عبدالحميد ولاشك ان هؤلاء يكونون عونا لرئيس مذهبهم اذا وقع نزاع لا قدر الله بينه وبين رئيس المذهب الاخر وان كانوا في بلاد الاخر. ثم وصف الذين تختارهم الدولة العلية للارشاد ورغبهم بانهم لا يحرمون من اجر الدنيا وقال قد استغنى دعاة الشيعة في تلك القبائل مع حصولهم على غرضهم في نشر المذهب قال وليبدأ دعاة الدولة العلية بمن على الفرات فان فيهم عدداً كبيرا لم يزل على مذهب اهل السنة «هذا» ما كتبه من نحو تسع سنين.

(واما) ما كتبه بعد ذلك فهو قوله: ان اكثر من اجابوا دعوة علماء الشيعة هناك لم يكونوا على شيء من مذهب اهل السنة فاذا كان اولئك الدعاة يبثون فيهم الوعاظ يعلمونهم الفرائض واحكام الحلال والحرام فان ذلك خير لهم في دينهم من الحالة التي كانوا عليها فنحن لا نعد الامر من الجهة الدينية بلاءً نازلاً كما عده الاستاذ كاتب الرسالة ولكن الامر مهم من الجهة السياسية فان السياسة هي التي كانت ولا تزال مثار


46

الخلاف بين اهل السنة والشيعة ولولاها لما كان خلاف وما ضاع الدين والدنيا علينا إلا الخلاف وقد كان طلاب الاصلاح بالوحدة الاسلامية مغتبطين بما حصل في هذه السنين الاخيرة من التآلف والتعارف بين الفريقين حتى وقع اخيرا ما وقع من التعدي على الحدود فباتوا يخشون ان تهدم السياسة السوء في سنة واحدة ما بناه دعاة الإصلاح في عشرات من السنين.

«انتهى» ما اردنا نقله مما ذيل به صاحب المنار هذه الرسالة (وقد) رايناه في كلامه الاخير اقرب الى الانصاف منه في كلامه الذي كتبه منذ تسع سنين فانه قارب الانصاف في قوله لا نعد الامر من الجهة الدينية بلاء نازلا كما عده كاتب الرسالة وفي قوله ما اضاع الدين والدنيا علينا الا الخلاف الى اخر كلامه. وفي كلا الكلامين مواضع للرد.

الرد على صاحب المنار

(اما قوله): ان الشيعة قد ادخلوا معظم تلك القبائل في مذهب الشيعة فمخالف للواقع لما عرفت عند الرد على كتاب الرسالة من ان ذلك لم يكن منه شيء في زماننا هذا والقبائل في العراق معروفة مشهورة بعضها على مذهب اهل السنة بعضها على مذهب الشيعة كان ولم يزل وما سمعنا في زماننا


47

هذا ان قبيلة كانت على مذهب اهل السنة فدخلت في مذهب الشيعة بدعاء علماء الشيعة لها اللهم الا ان يكون ذلك قبل عصرنا فان كان ما يقوله حقا فليسم لنا قبيلة من هذه القبائل التي يدعيها. ووعاظ الشيعة ومرشدوهم انما يحلون بين اظهر الشيعة فقط فيعلمونهم معالم الحلال والحرام ولو كان ما زعمه حقا فهو ليس مما يضر بالدين فان الشيعة لا تفترق عن السنة في اصول الاسلام التي هي الشهادتان وما يتبع ذلك وفي كثير من الفروع فان خالفت مذهبا من الاربعة في فرع وافقت الاخر الا نادرا وان خالفت الاربعة وافقت بعض من تقدمهم او عاصرهم من الفقهاء.

(والحاصل) ان الشيعة توافق السنة في الاصول التي بها يستحق المسلم اطلاق اسم الاسلام عليه وجريان احكامه التي منها حرمة ماله ودمه وعرضه وفي اكثر الفروع فان تخالفا في نادر من الاصول او الفروع فهو كمخالفة بعض المذاهب الاربعة للاخر او بعض علماء السنة لبعض لا يوجب الجزم بهلاك احدى الطائفتين واهم الخلافيات في الاصول تفضيل اهل البيت عليهم السلام وتقديمهم فدخول السني في مذهب الشيعة كانتقال الحنفي الى مذهب الشافعي.

(واما قوله) يذهب الملا الشيعي الى قوله بما يسهل عليه امر التكاليف الشرعية فهو افتراء ولعل عذر صاحب المنار فيه


48

انه سمعه من افواه بعض المفسدين والمتعصبين الذين دأبهم قذف الشيعة بما هم منه بريئون ونسبة القبائح اليهم لتنفير الناس عنهم والملا الشيعي في العراق لا يترك الاشتغال بالعلم الا عند الضرورة ولا يذهب اصلا الى قبائل السنة كما ذكرنا حتى يفعل ما قاله ولا الى قبائل الشيعة الا نادرا فاذا ذهب لا يسهل عليهم امر التكاليف كما قال بل يشدد عليهم في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن عاشر الشيعة وخبر باطن امرهم وظاهره علم انهم شديدو التصلب في دين الاسلام محافظون على احكام الشرع جهدهم قليلو التهاون والمسامحة بها لا يأخذون احكام دينهم الا عمن عرف بالعدالة والتقوى والاستقامة ومتى ظهر لهم في رجل من العلماء ورؤساء الدين ادنى تسامح في الشرعيات نفروا منه ولم يقبلوا قوله.

متعة النساء:

(واما قوله): كاباحة التمتع بالعدد الكثير من النساء الخ فهو كسابقة في مخالفة الواقع بجعل علة ميل الشيوخ الى اهل العلم هو هذا فان الشيوخ ان كانوا من السنة فلا يذهب اليهم الملا الشيعي مرشدا ولا يستفتونه وان كانوا من الشيعة فليس هذا علة ميلهم الى اهل العلم فان متعة النساء وان كانت حلالا في مذهب الشيعة فليس كل حلال يفعل والعرب قاطبة شيوخهم ومن دونهم لا يفعلون المتعة ويرونها عارا وان كانت


49

حلالا بل العلة في ميل الشيوخ الى اهل العلم ما عرفوهم به من الاستقامة.

(والعجب) من صاحب المنار الذي برز في هذا العصر بلباس البحث عن الحقائق وفلسفة الدين وترك تقليد الاباء والامهات كيف خفي عليه انه لا يحسن بمثله ان يندد بشيء ثبتت مشروعيته في دين الاسلام ولم يثبت له ناسخ الا نهي بعض الصحابة الذين ليس لهم نسخ الاحكام الألهية وليس معصوماً من الخطأ باتفاق المسلمين (ويحسن) في هذا المقام ذكر ما يحتج به الشيعة لمشروعية متعة النساء وبقاء شرعيتها وعدم ثبوت ناسخ لها وما يحتج به خصومهم على نسخها وما اجابهم به الشيعة وتحقيق الحق من ذلك بوجه الاختصار.

«فنقول» متعة النساء مشروعة (بنص الكتاب العزيز) قال الله تعالى فما ﴿استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن (وفي الكشاف) عن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ وكان يقرأ فما استمتعتم به منهن الى اجل مسمى انتهى.

(وعن) ابي ابن كعب وابن مسعود انهما قرءا ايضاً كذلك.

«وفي شرح النووي» لصحيح مسلم عن القاضي عياض ان ابن مسعود قرأ فما استمتعتم به منهن الى اجل.


50

(وفي الروضة) روى شعبه عن الحكم بن عيينه وهو من اكابر اهل السنة قال سئلته عن هذه الآية (فما استمتعتم به منهن) امنسوخة هي قال لا ثم قال الحكم قال علي بن ابي طالب لولا ان عمر نهى عن المتعة ما زنى الا شفي وشفي بالفاء مع القصر أي قليل واحتمال ان يراد بالاية النكاح الدائم مدفوع بانه خلاف ظاهر لفظ الاستمتاع لشيوعه في الشرع في المتعة ولفظ الاجور لان المستمتع بها اشبه بالمستأجرة والمتعارف في الدائم الصداق كقوله تعالى ﴿واتوا النساء صدقاتهن مع ما تقدم في الكشاف عن ابن عباس وما تقدم عن ابي وابن مسعود ومع اعتراف غير واحد من علماء السنة بورودها في المتعة كما سيأتي انشاء الله تعالى في كلام تبن حزم وما حكاه عن الشافعي (وبالسنة المواترة) عنه صلى الله عليه وآله من طرق اهل السنة خاصة فضلا عما رواه الشيعة انه صلى الله عليه وآله رخص الصحابة في المتعة واستمتعوا في زمانه.

(روى البخاري) في صحيحة بسنده عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الاكوع قالا كنا في جيش فاتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال انه قد اذن لكم ان تستمتعوا فاستمتعوا.

(وروى مسلم) في صحيحه بسنده خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ان رسول الله صلى الله


51

عليه وسلم قد اذن لكم ان تستمتعوا يعني متعة النساء.

(وروى مسلم) في صحيحه ايضاً بسنده عن سلمة بن الاكوع وجابر بن عبد الله ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتانا فاذن لنا في المتعة.

(وروى البخاري) في صحيحه ايضاً في باب ما يكره من التبتل والخصا بسنده قال قال عبدالله كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس لنا شيء فقلنا الا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا ان ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا (يا ايها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم) الاية «ورواه» البخاري ايضاً في باب قوله تعالى ﴿يا أيها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم نحوه.

(قال القسطلاني) في ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري في ذلك الباب وهذا الحديث اخرجه مسلم والنسائي في التفسير (وقال) ايضاً عند قوله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعند قوله ان ننكح المرأة بالثوب أي الى اجل في نكاح المتعة، وقال في موضع اخر وهو نكاح المتعة، وعند قوله ثم قرأ علينا أي عبد الله بن مسعود قال كما في رواية مسلم وكذا الاسماعيلي في تفسير المائدة. ثم قال قال في الفتح وظاهر استشهاد ابن مسعود بهذه اللآية هنا يشعر بانه كان يرى جواز المتعة انتهى.


52

(وروى مسلم) في صحيحة بسنده عمن سمع عبدالله يعني ابن مسعود كما سمعت يقول كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس لنا نساء فقلنا الا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا ان ننكح المرأة بالثوب الى اجل ثم قرأ عبد الله (يا ايها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يجب المعتدين) .

(ورواه) مسلم ايضاً بسنده مثله الا انه قال ثم قرأ علينا ولم يقل قرأ عبدالله.

(ورواه) ايضاً بسنده مثله الا انه قال كنا ونحن شباب فقلنا يا رسول الله الا نستخصي ولم يقل نغزو.

(قال النووي) في شرح صحيح مسلم فيه أي في استشهاد ابن مسعود بالاية اشارة الى انه كان يعتقد اباحة المتعة كقول ابن عباس وانه لم يبلغه نسخها انتهى الى غير ذلك من الروايات التي يطول الكلام باستقصائها وسيأتي جملة منها.

(وفي شرح النووي) لصحيح مسلم عن القاضي عياض انه روى حديث اباحة المتعة جماعة من الصحابة فذكره مسلم من رواية ابن مسعود وابن عباس وجابر وسلمة بن الاكوع وسبره بن معبد الجهني الخ (وباجماع المسلمين) فأنهم اجمعوا على مشروعيتها وان اختلفوا في نسخها.


53

«وفي شرح النووي» لصحيح مسلم عن القاضي عياض عن المزري انه ثبت ان نكاح المتعة كان جائزاً في اول الاسلام الخ انتهى واذا ثبت مشروعيتها في دين الاسلام بالادلة الثلاثة وجب الاخذ بذلك حتى يثبت الناسخ ولم يثبت بل ثبت العدم كما ستعرف.

(واجاب) اهل السنة عن الاية بانها منسوخة بقوله تعالى ﴿والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم «وربما» قال بعضهم انها منسوخة بآية ميراث الزوجة «ومنهم» من احتج بالآية الاولى على تحريم المتعة من غير ان يتعرض لكونها ناسخة لآاية الاخرى قالوا والمتمتع بها ليست ملك يمين وهو واضح ولا زوجة لانها غير وارثة ولا موروثة..

(قال ابن حزم) في الناسخ والمنسوخ قوله تعالى ﴿فما استمتعتم به منهن فاتوهن اجورهن فريضة نسخت بقوله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر حديثاً في تحريم المتعة ثم قال ووقع ناسخها من القرآن موضع ذكر ميراث الزوجة وقال محمد ابن ادريس الشافعي رحمة الله عليه موضع تحريمها في سورة المؤمنين وناسخها قوله تعالى ﴿والذين هم لفروجهم الاية واجمعوا على انها ليست بزوجة ولا ملك يمين فنسخها الله بهذه الاية انتهى كلام ابن حزم.


54

الجواب عما اجاب به اهل السنة

(والجواب) انها زوجة ترث وتورث مطلقا او مع الشرط على قول او مع عدم شرط عدم الارث على قول اخر وعلى القول بعدم ارثها والارث منها لدليل لا ينافي ذلك كونها زوجة فان القاتلة لا ترث اجماعا والكافرة لا ترث من المسلم عندنا ولا ترث ولا تورث عندكم فلم تكن هذه الاية دالة على تحريم المتعة ولا منافية لتلك حتى تكون ناسخة لها.

(قال) في الكاشف في تفسير الاية (فان قلت) هل فيه دليل على تحريم المتعة «قلت» لا لان المنكوحة نكاح المتعة من جملة الازواج اذا صح النكاح انتهى فدعوى ابن حزم الاجماع على عدم زوجيتها مجازفة سيما مع انه افتى باباحتها جماعة من الصحابة كما ستعرف (هذا) مع ان آية (فما استمتعتم) في سورة النساء وهي مدنية كما صرح به ابن حزم وغيره وآية (الا على ازواجهم) في سورتي المعارج والمؤمنون وكلتاهما مكية كما صرح به ابن حزم وغيره ايضا والناسخ لا يجوز ان يتقدم على المنسوخ (هذا) مع سهولة الشريعة وسماحتها ورفع الحرج في الدين القاضيين بعدم نسخ مثل هذا الحكم الذي شرع تسهيلا على العباد وصيانة له عن الزنا فانه ليس كل


55

احد يتمكن من النكاح الدائم والاسفار البعيدة والحروب والغزوات من ضروريات الوجود والمعاش وليس كل واحد يتمكن من حمل زوجته معه في الاسفار وشهوة النكاح من اقوى الشهوات والصبر عنها من اعسر الاشياء لغالب الناس فالحكمة الالهية قاضية بلزوم بقاء مثل هذا الحكم كما تقضي بلزوم بقاء الحكم بكون الماء طهوراً ولولا المنع منها ما كانت ديار المومسات مشهورة في مدن الاسلام العظام اكثر مما كانت ايام الجاهلية كما يشير الى ذلك ما يأتي في الوجه الرابع من الجواب عن احاديث تحريمها من قول ابن عباس ما كانت المتعة الا رحمة رحم الله بها امة محمد صلى الله عليه وآله لولا نهيه عنها ما احتاج الى الزنا الا شفى أي قليل من الناس. وقول علي عليه السلام لولا ان نهى عمر عن المتعة ما زنى الا شفى (هذا) مع ان زفر من فقهاء الحنفية قال ان الشرط يسقط ويصح النكاح على التابيد اذا كان بلفظ التزويج.

جواب القاضي عياض عن احاديث اباحة المتعة:

(واجاب) القاضي عياض عن احاديث اباحة المتعة فيما حكاه عنه النووي في شرح صحيح مسلم بقوله ليس في هذه الاحاديث كلها انها كانت في الحضر واما كانت في اسفارهم في الغزو عند ضرورتهم وعدم النساء مع ان


56

بلادهم حارة وصبرهم عنهن قليل انتهى.

(وفيه) ان الاحوال التي يكون عليها المكلف حين توجه الحكم عليه لا تكون قيدا في الحكم ما لم يصرح بذلك فيحمل على الاطلاق الا مع التقييد فاذا نزل وجوب الصلوة مثلا والمسلمون في السفر كان الحكم مطلقا عاما للسفر والحضر بخلاف ما لو كان الحكم مقيدا بالسفر كالقصر فالمتعة لا يلزم ان يكون في الاخبار تصريح بجوازها في الحضر بل يكفي عدم التصريح باختصاصها بالسفر وكذلك الكلام في كون بلادهم حارة (مع) ان احتمال اختصاصها بالسفر منفي بالاجماع المركب لانها اما جائزة سفرا وحضرا او محرمة فيهما ولا قائل بالتفصيل.

واحتجوا على النسخ بعدة روايات:

رواية في تحريمها يوم خيبر او حنين وعام اوطاس:

(منها) ما رووه عن علي بن ابي طالب عليه السلام من تحريمها يوم خيبر «ففي صحيح البخاري» بسنده ان عليا رضي الله عنه قال لابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر. قال القسطلاني في الشرح بعد قوله لابن عباس لما سمعه يفتي في متعة النساء انه لا بأس بها انتهى.


57

«وفي صحيح مسلم» بسنده عن علي انه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء فقال مهلا يا ابن عباس فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الانسية.

«وفي سنن النسائي» الصغرى بسنده ان عليا بلغه ان رجلا لا يرى بالمتعة بأسا فقال انك تآئه انه نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر.

قال محمد بن عبد الهادي الحنفي المعروف بالسندي في الحاشية قوله ان رجلا هو ابن عباس (ثم) قال وكأنه اما التفت اليه ابن عباس يعني الى النهي يوم خيبر لما ثبت عنده من نسخ هذا النهي بالرخصة في المتعة بعد ذلك كايام الفتح الخ. وذكر السندي المذكور نحوا من هذا في حاشية سنن ابن ماجه.

(ومنها) ما رووه من تحريمها يوم خيبر او حنين:

(ففي سنن النسائي) الصغرى ايضا اخبرنا عمر بن علي ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالوا انبأنا عبدالوهاب قال سمعت يحيى بن سعيد يقول اخبرني مالك ابن انس ان ابن شهاب اخبره ان عبدالله والحسن ابنا محمد بن علي اخبراه ان اباهما محمد بن علي اخبرهما ان


58

علي بن ابي طالب رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر عن متعة النساء قال ابن المثنى يوم حنين وقال هكذا حدثنا عبدالوهاب من كتابه انتهى ما في السنن.

(وقال القسطلاني) في ارشاد الساري شرح صحيح البخاري اتفق اصحاب الزهري كلهم على خيبر بالخاء المعجمة والراء اخره الا ما رواه عبدالوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد عن مالك في هذا الحديث فقال حنين بالحاء المهملة والنونين اخرجه النسائي والدارقطني وقالا انه وهم تفرد به انتهى.

(اقول) ليس في سنن النسائي الصغرى انه وهم وستعرف ان حمله على الوهم ليس باولى من حمل رواية خيبر عليه.

(ومنها) ما رووه من تحريمها عام اوطاس:

(ففي صحيح مسلم) بسنده عن سلمة بن الاكوع قال رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام اوطاس في المتعة ثلاثا ثم نهى عنها «قال» في المصباح المنير اوطاس واد في ديارهوازن جنوبي مكة بنحو ثلاث مراحل وكانت وقعتها في شوال بعد فتح مكة بنحو شهر انتهى وبظهر انه قريب من موضع وقعة حنين. قال ابن الاثير


59

في الكامل في تفصيل وقعة حنين فلما نزلوا أي المشركون اوطاس جمع الناس وفيهم دريد بن الصمة فقال دريد باي واد انتم فقالوا باوطاس قال نسم مجال الخيل الخ هوازان هم الذين كانت معهم وقعة حنين واوطاس وغزوة اوطاس كانت بعد غزوة حنين.

(قال ابن الاثير) بعد تفصيل وقعة حنين وكان بعض المشركين باوطاس فارسل اليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابا عامر الاشعري عم ابي موسى الى ان قال وانهزم المشركون باوطاس وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا.

(وفي صحيح البخاري) باب غزاة اوطاس ثم اسند عن ابي موسى قال لما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حنين بعث ابا عامر على جيش الى اوطاس الخ. ولكن في معجم البلدان لياقوت الحموي اوطاس واد في ديار هوازن فيه كانت وقعة حنين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ببني هوازن أهـ ويمكن ان يكون اطلق عليها وقعة حنين لتقاربهما في الزمان والمكان وكون كل منهما مع هوازن مع كون غزوة حنين اشهر جمعاً بينه وبين ما تقدم كما يحتمل ان يراد من غزاة اوطاس في الحديث غزاة حنين نفسها.

(ومنها) ما رووه من تحريمها يوم فتح مكة:

«ففي صحيح مسلم» بسنده عن الربيع بن سبرة ان


60

اباه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة قال فأقمنا بها خمس عشرة أو ثلاثين بين ليلة ويوم فاذن لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في متعة النساء فخرجت انا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال وهو قريب من الدمامة مع كل واحد منا برد فبردي خلق واما برد ابن عمي فبرد جيد غض حتى اذا كنا باسفل مكة او باعلاها فتلقتنا فتاة مثل البكرة(1) العنطنطه(2) فقلنا لها هل لك ان يستمتع منك احدنا قالت وماذا تبذلان فنشر كل واحد منا برده فجعلت تنظر الى الرجلين ويراها صاحبي ينظر الى عطفها فقال ان برد هذا خلق وبردي جديد غض فتقول برد هذا لابأس به ثلاث مرار او مرتين ثم استمتعت منها فلم اخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عن الربيع بن سبره بن معبد عن ابيه ان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم عام فتح مكة امر اصحابه بالتمتع من النساء قال فخرجت انا وصاحب لي من بني سليم حتى وجدنا جارية

(1) بفتح الباء وسكون الكاف الفتية من الابل أي الشابة القوية (منه).

(2) بعين مهملة مفترحة ونونين مفتوحتين وطائين مهملتين الطويلة العنق مع حسنه او الطويلة (منه)


61

من بني عامر كأنها بكرة عيطاء(1) فخطبناها الى نفسها وعرضنا عليها بردينا فجعلت تنظر فتراني اجمل من صاحبي وترى برد صاحبي احسن من بردي فامرت نفسها ساعة ثم اختارتني على صاحبي فكن معنا ثلاثا ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفراقهن.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عن الربيع بن سبره عن ابيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى يوم الفتح عن متعة النساء.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عن الربيع بن سبرة الجهني عن ابيه انه اخبره ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المتعة زمان الفتح متعة النساء وان اباه كان تمتع ببردين احمرين.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عن الربيع بن سبرة الجهني عن ابيه قال امرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم يخرج حتى نهانا عنها.

(وفي ارشاد الساري) لشرح صحيح البخاري

(1) البكرة مر تفسيرها والعيطاء بفتح العين المهملة واسكان الياء المثنآة من تحت وبطاء مهملة وبالمد من العيط بفتح العين والياء وهو طول العنق وقال النووي هي الطويلة العنق في اعتدال وحسن قوام (منه)


62

للقسطلاني عند تعداد اوقات التحريم ما لفظه ثم الفتح كما في مسلم بلفظ انها حرام من يومكم هذا الى يوم القيامة انتهى. لكننا لم نجد هذه الرواية في صحيح مسلم فراجع.

(ومنها) ما رووه من تحريمها في حجة الوداع:

«ففي سنن ابن ماجه» بسنده عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع فقالوا يا رسول الله ان العزبة قد اشتدت علينا قال فاستمتعوا من هذه النساء فاتيناهن فأبين ان ينكحننا الا أن نجعل بيننا وبينهن اجلاً فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال اجعلوا بينكم وبينهن اجلاً فخرجت انا وابن عم لي معه برد ومعي برد وبره اجود من بردي وأنا اشب منه فأتينا على امرأة فقالت برد كبرد فتزوجتها فمكثت عندما تلك الليلة ثم غدوت ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم بين الركن والباب وهو يقول أيها الناس أني قد كنت اذنت لكم في الاستمتاع الا وان الله قد حرمها الى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما اتيتموهن شيئاً.

رواية في تحريمها في عمرة القضاء وغزوة تبوك وبغير تعين وقت:

(ومنها) ما رووه من تحريمها في عمرة القضاء:


63

(قال القسطلاني) في الاشاد الساري لشرح صحيح البخاري كما رواه عبدالرزاق من مرسل الحسن البصري ومراسليه ضعيفة لانه كان يأخذ عن كل احد انتهى.

(وفي شرح النووي لصحيح مسلم) روي عن الحسن البصري انها ما حلت قط الا في عمرة القضاء وروي هذا عن سبرة الجهني انتهى.

(ومنها) ما رووه من تحريمها في غزوة تبوك:

حكاه القسطلاني في ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري قال فيما اخرجه اسحق بن راهويه وابن حيان من طريقه من حديث ابي هريرة وهو ضعيف لانه من رواية المؤمل بن اسماعيل عن عكرمة عن عمار وفي كل منهما مقال انتهى.

«وفي شرح النووي لصحيح مسلم» ما لفظه وذكر غير مسلم عن علي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عنها في غزوة تبوك من رواية اسحاق بن راشد عن الزهري عن عبدالله بن محمد بن علي عن ابيه عن علي الخ.

(ومنها) ما رووه من تحريمها بغير تعيين وقت:

«ففي سنن النسائي» الصغرى وصحيح مسلم بسندهما عن الربيع بن سبرة الجهني عن ابيه انه قال اذن


64

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمتعة فانطلقت انا ورجل الى امرأة من بني عامر فعرضنا عليها أنفسنا فقالت: ما تعطيني فقلت: ردائي وقال صاحبي ردائي وكان رداء صاحبي أجود من ردائي وكنت أشب منه فاذا نظرت الى رداء صاحبي أعجبها واذا نظرت الي اعجبتها ثم قالت انت وردائك تكفيني فمكثت معها ثلاثا ثم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من كان عنده من هذه النساء اللاتي يتمتع فليخل سبيلها.

«وفي صحيح مسلم» بسنده عن الربيع بن سبرة الجهني ان اباه قال قد كنت استمتعت في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم امرأة من بني عامر ببردين احمرين ثم نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المتعة.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عن الربيع بن سبرة الجهني ان اباه حدثه انه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا ايها الناس اني قد كنت اذنت لكم في الاستمتاع من النساء وان الله قد حرم ذلك الى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما اتيتموهن شيئا.

«وفي صحيح مسلم» أيضا بسنده عن الربيع بن سبرة عن ابيه ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن


65

نكاح المتعة

رواية عن تحريمها عن عمر وعن ابن عباس:

(ومنها) ما رووه عن عمر في تحريمها مع اسناده الى النبي صلى الله عليه وآله وبدونه).

«ففي سنن ابن ماجه» بسنده عن ابن عمر قال لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال ان رسول الله صلى الله عليه وآله اذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها والله لا اعلم احدا يتمتع وهو محصن الا رجمته بالحجارة الا أن يأتيني بأربعة يشهدون ان رسول الله احلها بعد اذ حرمها.

(قال محمد بن عبدالهادي) الحنفي المعروف بالسندي في الحاشية قوله ثلاثا أي ثلاث مرات وثلاث ليال.

«وفي موطأ ملك» بسنده ان خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت ان ربيعة استمتع بامرأة فحملت منه فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر ردائه فقال هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت.

(وقد اشتهر) عن عمر انه خطب الناس فقال متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله انا احرمهما او انهى عنهما واعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج وممن رواه الامام الرازي في تفسيره واحتج به على تحريم المتعة كما ستعرف.


66

(ومنها) ما رووه في تحريمها عن ابن عباس:

«ففي كتاب القويم» في احاديث النبي الكريم لبعض علماء السنة من اهل الهند عن ابن عباس رضي الله عنهما انما كانت المتعة في اول الاسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى انه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له منه حتى اذا نزلت الاية (الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم) قال ابن عباس رضي الله عنهما فكل فرج سواهما فهو حرام اخرجه الترمذي انتهى الى غير ذلك من الروايات.

الجواب عن اخيار تحريم المتعة:

(والجواب) عن هذه الاخبار: اما ما اسند فيه التحريم الى غير النبي صلى الله عليه واله فلا حجة فيه لعدم العصمة وعدم حجية قول غير المعصوم بالاتفاق وسيأتي لذلك مزيد توضيح عند ذكر الجواب عن احتجاج الفخر الرازي بحديث المتعتين.

واما بقية الاخبار فالجواب عنها مع الغض عن الطعن في سندها عند اهل السنة:

(اولا) انها لا تصلح حجة على الشيعة لانها كلها من طريق اهل السنة وروايات الشيعة عن اهل البيت عليهم


67

السلام كلها قد اتفقت على بقاء المشروعية حتى انه قلما يكون حكم لم تختلف فيه الرواية عن اهل البيت عليهم السلام الا هذا الحكم. «وما حكاه القسطلاني» انه قد نقل البيهقي عن جعفر بن محمد انه سئل عن المتعة فقال هي الزنا بعينه مكذوب عليه فان شيعته واتباعه اعرف بمذهبه من غيرهم وكلهم اتفقوا على ان مذهبه الاباحة وان صح فهو خارج مخرج الخوف والتقية.

(وثانيا) انها معارضة بما ورد من طريق اهل السنة.

«ففي صحيح مسلم» بسنده عن عطاء قال قدم جابر ابن عبدالله معتمرا فجئناه في منزله فسئله القوم عن اشياء ثم ذكروا المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابي بكر وعمر.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عمن سمع جابر ابن عبدالله يقول كنا نستمتع بالقبضة من الثمر والدقيق الايام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث وهما صريحتان في بقاء المشروعية بعد النبي صلى الله عليه واله مدة خلافة ابي بكر وشطرا من خلافة عمر والثانية صريحة في ان النهي كان منه لا من النبي صلى الله عليه واله فتعارضان جميع ما تقدم. وقوله في شأن عمرو بن حريث


68

يدل على ان امرا صدر مع عمرو بن حريث كان هو السبب في نهي عمر عن المتعة ولم اطلع على قصة عمرو ابن حريث ولا ذكرها النووي في شرح صحيح مسلم (واعتذار النووي) في الشرح المذكور عن ذلك بقوله هذا محمول على ان الذي استمتع في عهد ابي بكر وعمر رضي الله عنهما لم يبلغه النسخ وقوله حتى نهانا عنه عمر يعني حين بلغه النسخ انتهى.

تكلف غير مسموع فان مثل هذا الحكم الذي يكثر به الابتلاء لم يكن ليخفى على مثل جابر وعمر كل هذه المدة في حياة النبي صلى الله عليه واله وبعد موته وهما من اكابر الصحابة وموجودان دائما في خدمة النبي صلى الله عليه واله وقد نسخ في حجة الوداع او فتح مكة او غيرهما على رؤوس الاشهاد فلم يبلغهما الا في خلافة عمر ان هذا ما لا يكون (وفي تفسير الفخر الرازي) عند ذكر الاحتجاج على اباحة متعة النساء عن عمران بن الحصين انه قال ان الله انزل في المتعة آية وما نسخها بآية اخرى وامرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمتعة وما نهانا عنها ثم قال رجل برأيه ما شاء يريد ان عمر نهى عنها انتهى وسيأتي قريب من هذا عن عمران بن حصين في اخبار متعة الحج.


69

«وفي الروضة» عن صحيح الترمذي ان رجلا من اهل الشام سئل ابن عمر عن متعة النساء فقال هي حلال فقال ان اباك قد نهى عنها فقال ابن عمر ارأيت ان كان ابي قد نهى عنها وسنها رسول الله صلى الله عليه واله انترك السنة ونتبع قول ابي.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عن ابي نضرة قال كنت عند جابر بن عبدالله فاتاه آت فقال ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم نهانا عنها عمر فلم نعد لهما. وهو دال على ان النهي كان من عمر لا من رسول الله صلى الله عليه واله والا لكان اسناد النهي اليه اولى وفيه دلالة على بقاء الاباحة في خلافة ابي بكر: وقوله فلم نعد لهما لا يدل على اعتقاده صحة النهي لان الظاهر ان عدم العودة كان خوفاً بعد التهديد بالرجم كما مر في رواية ابن ماجه ويأتي في غيرهما.

(وثالثا) انها مضطربة متناقضة متعارضة متهافته وما هذا شأنه لا يصلح ناسخا لما علم ثبوته في الشريعة وذلك من وجوه:

اختلاف الاخبار في تاريخ الاباحة والنسخ:

(منها) اختلافها العظيم في تاريخ الاباحة والنسخ فان


70

في بعضها ان النسخ كان في «غزاة خيبر» وكانت في المحرم سنة سبع من الهجرة وفي بعضها انه كان «في عمرة القضاء» وكانت في ذي الحجة سنة سبع من الهجرة وفي بعضها انه كان يوم «فتح مكة» بعد ان اباحها وكان فتح مكة لعشر بقين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة وفي بعضها انه كان «في غزوة حنين» وكانت في شوال سنة ثمان من الهجرة وفي بعضها انه كان «عام اوطاس» بعد ان رخص فيها ثلاثة ايام وكانت غزاة اوطاس في شوال بعد غزوة حنين بقليل وفي بعضها انه كان في «غزوة تبوك» وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة وفي بعضها انه كان في «حجة الوداع» بعد ان اباحها وكانت سنة عشر من الهجرة فعلى هذه الروايات تكون قد ابيحت ونسخت سبع مرات لا مرتين فقط كما حكاه النووي في شرح صحيح مسلم عن القاضي عياض ان بعضهم قال ان هذا مما تداوله التحريم والاباحة والنسخ مرتين انتهى. وكما اختاره هو اي النووي من ان التحريم والاباحة كانا مرتين فحلت قبل خيبر وحرمت يوم خيبر وحلت يوم الفتح ثم حرمت مؤبدا فاي اختلاف وتهافت اعظم من هذا وبين غزوة حنين وفتح مكة نحو من شهر فتكون قد ابيحت وحرمت في شهر مرتين وباضافة اوطاس تكون قد حرمت وابيحت في نحو من شهر ثلاث مرات وما سمعنا في الشريعة بحكم نسخ ثم اعيد ولو


71

مرة واحدة فضلا عن سبع مرات او مرتين فما هذا إلا تلاعب في الاحكام وما هذا إلا شأن المتقلبين المتلونين عالى عن ذلك رب العالمين. فهذا مع ما سيأتي من وجه الاختلاف يقضي بان تلك الاحاديث موضوعة مختلقة قصد بكل واحد منها تصحيح ما حرمه عمر ولم يطلع احدهم على ما وضعه الاخر فوقع هذا الاختلاف (وحاول) غير واحد معالجة هذا الاختلاف ومداواته فلم ليستطيعوا وتكلفوا وتعسفوا فقد اتسع الخرق على الراقع. وهل يصلح العطار ما افسد الدهر.

القاضي عياض في معالجة اختلاف الاخبار:

(منهم) القاضي عياض فيما حكاه عنه النووي في شرح صحيح مسلم في جملة كلام طويل فأنه تكلف لاسقاط جميع الروايات وابقاء روايات خيبر والفتح ليهون الخطب. فجعل يوم اوطاس ويوم الفتح واحدا، وحمل رواية تبوك على الغلط بحجة ان راوية عن الزهري انفرد به وروى غيره عن الزهري يوم خيبر قال قالوا ورواية الاباحة في حجة الوداع خطأ لانه لم يكن يومئذ ضرورة ولا عزوبة واكثرهم حجوا بنسائهم والصحيح ان الذي جرى في حجة الوداع مجرد الني ثم قال وتسقط رواية اباحتها يوم حجة الوداع لانها مروية عن سبرة وانما روى عنه الثقات الاثبات الاباحة يوم الفتح والذي في حجة الوداع مجرد التحريم فيؤخذ ما وافقه عليه غيره من


72

النهي يوم الفتح ويكون التحريم في حجة الوداع تأكيدا. قال ويحتمل ما جاء من تحريمها يوم خيبر وعمرة القضاء والفتح واوطاس انه جدد النهي في هذه المواطن لان حديث تحريمها يوم خيبر صحيح لا مطعن فيه ثابت من رواية الثقات الاثبات الى ان قال يكن يبقى ما جاء من اباحتها في عمرة القضاء والفتح واوطاس فيحتمل ان اباحتها للضرورة بعد التحريم. قال واما قول الحسن انها في عمرة القضاء لا قبل ولا بعد فترده الاحاديث الثابتة في تحريمها يوم خيبر وهو قبل عمرة القضاء وما جاء من اباحتها يوم الفتح واوطاس مع ان الرواية بهذا يعني ما قاله الحسن انما جاءت عن سبرة وهو رواي الروايات الاخر وهي اصح.

الرد على القاضي عياض:

(اقول) جعل يوم اوطاس ويوم الفتح واحدا لا وجه له فانهما غزوتان مستقلتان بينهما نحو من شهر او ازيد ويفصل بينهما غزوة حنين بناء على انها غير غزوة اوطاس فلا وجه للتعبير عن احداهما بالاخرى وحمل رواية تبوك على الغلط غير مسموع لان الاصل عدم الغلط وانفراد راويه به عن الزهري ورواية غيره عنه خيبر ليس دليلاً على الغلط لجواز تعدد الرواية عن شخص واحد وفتح هذا الباب يؤدي الى عدم جواز الاحتجاج برواية اصلا وما حكاه من تخطئة رواية حجة الوداع بحجة انه لا


73

ضرورة لانهم حجوا بنسائهم غريب فانه رد للرواية بمجرد التشهي اذ ليس فيها تقييد بالضرورة وحصر الحكم في الضرورة كما في بعض الروايات غير ثابت كما ستعرف وكذا طرحه لرواية حجة الوداع المبيحة واخذه بالرواية المقتصر فيها على التحريم للعلة التي ذكرها غريب فان رواية الثقات عنه الاباحة يوم الفتح ان سلمت لا تمنع ان يروى عنه الاباحة في حجة الوداع مع ان التحريم ظاهر في رفع الاباحة الثابتة قبله وحمله على مجرد التأكيد خلاف الظاهر وحمله التحريم في خيبر وعمرة القضاء والفتح واوطاس على تجديد النهي مع انه خلاف الظاهر كما عرفت ينافيه التصريح في بعضها بالاباحة كما اعترف به هو اخيراً بقوله لكن يبقى الخ. وحمله على الضرورة مع عدم صحته كما ستعرف لا يسمن ولا يغني من جوع لانه اخص من المدعي وهو عدم جوازها مطلقاً.

(واما قوله) أي القاضي عياض ان حديث تحريمها يوم خيبر صحيح لا مطعن فيه فيرده ما في شرح صحيح البخاري للقسطلاني قال البيهقي فيما قرأته في كتاب المعرفة وكان ابن عيينة يزعم ان تاريخ خيبر في حديث علي انما هو في النهي عن لحوم الحمر الاهلية لا في نكاح المتعة قال البيهقي وهو يشبه ان يكون كما قال فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه رخص فيه بعد ذلك ثم نهى عنه فيكون احتجاج علي بنهيه


74

اخرا حتى تقوم به الحجة على ابن عباس وقال السهيلي النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر شيء لا يعرفه احد من اهل السير ولا رواة الاثر فالذي يظهر انه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري انتهى القسطلاني ولفظ الزهري في المغازي من صحيح البخاري نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن اكل الحمر الأنسية وفي النكاح منه نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر واراد بالتقديم والتأخير ان يكون يوم خيبر في الاصل ظرفاً للنهي عن لحم الحمر لا عن المتعة فقدم واخر كما ذكره القسطلاني في المغازي من شرح صحيح البخاري أيضاً، وقال القسطلاني ايضاً في المغازي وقال ابن عبدالبر ان ذكر النهي يوم خيبر غلط انتهى، وقال القسطلاني ايضا في النكاح وايده ابن القيم في الهدى بان الصحابة لم يكونوا يستمتعون باليهوديات، وحكى النووي ايضا في شرح صحيح مسلم عن القاضي عياض في حديث خيبر المتقدم بلفظ الزهري انه قال قال بعضهم هذا الكلام فيه انفصال ومعناه تحريم المتعة بغير تعيين وقت وتحريم اللحوم يوم خيبر ليجمع بين الروايات قال هذا القائل وهذا هو الأشبه لان تحريم المتعة كان بمكه واما اللحوم فبخيبر بلا شك قال القاضي وهذا حسن لو ساعده سائر الروايات انتهى، يعني مثل رواية نهي يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الاهلية فان مثل هذه الرواية صريح في خلاف هذا التأويل نعم يمكن حملها على التقديم والتأخير كما


75

قال السهيلي وانما يمكن هذا التأويل في مثل نهي عن المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر، والذي دعاهم الى ذلك ما سمعته عن الاجلاء من ان النهي عن المتعة يوم خيبر غلط لا يعرفه احد فالتجاؤا اما الى هذا التأويل البعيد فيما يمكن فيه كالرواية الاولى او حمل الروايات على الغلط بالتقديم والتأخير فيما لا يمكن فيه هذا التأويل كالرواية الثانية والاولى الاعتراف بان تلك الروايات كغيرها مكذوبة موصوعة بعد تصريح الاجلاء بان رواية النهي في ذلك اليوم غلط لا يعرفه احد من اهل السير ولا رواة الاثر فهذا حال الحديث الصحيح الذي لا مطعن فيه فما ظنك بغيره (واما رده) أي القاضي عياض لقول الحسن بالاحاديث الاخر فيتم لو سلمت تلك الاحاديث من قدح وانى له بسلامتها. وكذلك رده لرواية سبرة الموافقه لقول الحسن بروايات سبرة الاخر بدعوى انها اصح ممنوع لاختلاف روايات سبرة اختلاف شديدا يوجب سقوطها وعدم الاخذ بشيء منها كما ستعرف.

(والحاصل) انه لا تكاد تسلم رواية من هذه الروايات عن القدح فيها. والجمع بينها بالوجوه المقررة للجمع بين الاخبار غير ممكن وتأويلها والخروج عن ظاهرها بالوجوه البعيدة المتعسفة من غير دليل بل بمجرد التشهي كترك بعضها والاخذ بالبعض كذلك غير جائز ولا مسموع فلا بد من طرحها جميعها والاخذ بما علم ثبوته من الكتاب والسنة واجماع المسلمين.


76

جواب المازري عن تعارض الاخبار:

(ومنهم) المازري فانه اجاب عن تعارض الاخبار فيما حكاه النووي في شرح صحيح مسلم عن القاضي عياض عنه بانه يجوز ان ينهي في زمان ثم ينهي في اخر توكيدا او ليشتهر النهي.

«وفيه» ان التناقض والاختلاف انما جاء من قبل دلالة الروايات على اباحتها ثم تحريمها مرارا عديدة لا من مجرد النهي في وقتين مختلفين مع ان النهي في الشرع ظاهر في التأسيس لا التأكيد.

كلام القسطلاني في اختلاف الاخبار:

(ومنهم) القسطلاني في شرح صحيح البخاري فانه تكلم في روايات خيبر بما سمعت وقال في رواية حنين عن النسائي والدارقطني انه وهم تفرد به راويه عن الزهري وروى غيره عن الزهري خيبر وقال في رواية عمرة القضاء كما رواه عبدالرزاق من مرسل الحسن البصري ومراسليه ضعيفة لانه كان يأخذ عن كل احد واحتمل في عام اوطاس ان يراد به عام الفتح لتقاربهما ثم استبعد وقوع الاذن في غزوة اوطاس بعد ان وقع التصريح قبلها في الفتح انها حرمت الى يوم القيامة، وقال في حديث تبوك انه ضعيف لانه من رواية المؤمل بن اسماعيل عن عكرمة عن عمار وفي كل منهما مقال وعلى تقدير صحته فليس فيه


77

انهم استمتعوا يومئذ او كان النهي قديماً فلم يبلغ بعضهم فاستمر على الرخصة ولذلك قرن صلى الله عليه وآله وسلم النهي بالغضب كما في رواية الحازمي من حديث جابر، وقال ان التحريم في حجة الوداع بلفظ اختلف فيه على الربيع بن سبرة والرواية عنه بانها في الفتح اصح وأشهر، ثم قال ان بعض الروايات عن الربيع بن سبرة في حجة الوداع ليس فيه الا التحريم فيحمل على اعادة النهي وايده بأنهم في حجة الوداع حجوا بنسائهم فلا شدة فلم يبق صحيح صريح سوى خيبر والفتح مع ما وقع في خيبر من الكلام انتهى ما اردنا نقله.

الرد على القسطلاني:

(اقول) اما جعله رواية حنين وهما فيعارضه ما قيل في روايات خيبر كما عرفت من انه لا يعرفها احد ومن انها غلط والامر دائر بينهما مع ان دعوى الوهم غير مسموعة والا لما صح الاستدلال بحديث اصلا ومجرد انفراد رواية به لا يجعله وهما كما عرفت وقد رواه النسائي وغيره كما مر فطرح احداهما ليس اولى من طرح الاخرى واحتماله يراد بعام اوطاس عام الفتح قد عرفت ما فيه واستبعاده الاذن في اوطاس بعد التحريم المؤبد في الفتح عجيب بل هو مما لا ريب في بطلانه ان وجد، وحمله رواية تبوك على التأكيد قد مر ما فيه وفيما ايده به؟ وقوله عن روايات الفتح انها اصح واشهر من رواية حجة الوداع فيه


78

ان روايات الفتح من طريق سبرة وستعرف حال رواياته وانها مختلفة اختلافا يوجب القطع بانها مكذوبة حتى رواياته الواردة في الفتح خاصة فراجع فهذا حال هذه الروايات التي كلما داويت جرحا منها سال جرح فكيف ينسخ بها ما ثبت بالكتاب العزيز والسنة المتواترة واجماع المسلمين.

اختلاف روايات تحريم المتعة:

و«منها» أي من وجوه اختلاف هذه الاخبار ما وقع في روايات سبرة خاصة فانها مختلفة اختلافا لا يصح معه التعويل عليها «ففي» بعضها انها ما حلت قط الا في عمرة القضاء كما تقدم في كلام النووي «وفي» بعضها ان الاباحة والنسخ كانا عام الفتح «وفي» بعضها انهما كانا في حجة الوداع. «وفي» بعضها الاقتصار على التحريم في حجة الوداع من دون ذكر الاباحة «وفي» بعضها لم يعين الوقت، وهذه التي لم يعين فيها الوقت.

«منها» ما اقتصر فيها على مجرد الاباحة والتحريم.

«ومنها» على الاذن والتحريم المؤبد.

«ومنها» على مجرد النهي.

«ومنها» على النهي المؤبد ثم اخبار فتح مكة.


79

«ومنها» ما ذكر فيه الاباحة والتحريم.

«ومنها» ما ظاهر ان الاذن كان بعد خمسة عشر يوما من دخول مكة.

«ومنها» ما دل على انه كان حين دخولها.

«ومنها» ما دل على انه خرج مع رجل من بني سليم.

«ومنها» ما دل على انه خرج مع رجل من قومه ابن عم له.

«ومنها» ما دل على انه تمتع بامرأة من بني عامر ببرد واحد.

«ومنها» ما دل على انه تمتع بامرأة منهم ببردين احمرين. فكم مرة تمتع سبرة في يوم فتح مكة مع ان في الروايات ما يدل على ان ذلك كله حكاية لواقعة واحدة صدرت معه يوم الفتح فان راوي هذه الروايات عنه واحد وهو ولده الربيع بن سبرة وهي متحدة في اكثر الخصوصيات مثل خروجه مع رجل. وعرضهما انفسهما على المرأة وكونه شابا جميلاً ورفيقه بالعكس وبرده ردي وبرد رفيقه جيد. وتردد المرأة بينهما لذلك ثم اختيارها له. وكونها من بني عامر الى غير ذلك فكيف تتفق معه هذه الخصوصيات كل مرة؟ وسبرة من جهينة كما صرحت به الروايات؟ وجهينه ابو بطن من قضاعة بن معد بن عدنان


80

وقيل قضاعة بن ملك بن حمير؟ وبنو سليم بطن من مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو سليم بن منصور وبنو سليم بن فهم ايضا فرقة من الاشاقر وهم بطن من دوس وهم فرقة من غسان وهم بطن من قحطان وجميع العرب الموجودين يرجعون الى ولد عدنان وقحطان وقضاعة كما نص على ذلك كله الشريف عبدالقادر الحسيني الشافعي في عيون المسائل فلا يتوهمن متوهم ان بني سليم من جهينه فهذا الاختلاف والاضطراب الشديد يدل على انها مكذوبة مختلفة.

معارضة رواية ابن ماجه لرواية الموطأ:

«ومنها» أي من وجوه اختلاف هذه الاخبار ان رواية ابن ماجه عن ابن عمر تدل على ان عمر بين التحريم في اول ولايته وتوعد بالرجم وهو ينافي ما في رواية الموطأ من قوله لو كنت تقدمت فيها لرجمت مع انها اذا كانت قد حرمت مؤبدا في حجة الوداع التي اجتمع فيها ما لا يحصى من الخلائق من انحاء بلاد الاسلام واكمل فيها الدين فلابد ان يكون امرها قد اشتهر بين الناس سيما اهل المدينة فيستحق فاعلها الرجم اذا كان محصنا من غير حاجة الى ان يتقدم فيها عمر فقوله لو كنت تقدمت الخ يدل على انها لم تكن قد حرمت قبل وان التحريم منه انما صدر في ذلك الوقت ولهذا لم يرجم فاعلها لانها لم تكن حرمت فلم يستحل العقاب قبل البيان.


81

وجوه الاختلاف بين الاخبار:

(ومنها) ان في بعضها ان النبي صلى الله عليه واله اذن فيها ثلاثا. فان اريد ثلاث مرات نافت جميع هذه الروايات لدلالتها على ان الاذن كان اكثر من ذلك. وان اريد ثلاث ليال دلت على ان الاذن كان مرة واحدة محددة بثلاث ليال فنافت جميع هذه الروايات ايضا الدالة على انه كان اكثر من مرة واحدة ونافت رواية ابن عباس السابقة الدالة على ان الرجل مكان يتزوج بقدر ما يرى انه يقيم بل ربما دلت رواية سبرة على ان ذلك كان في حجة الوداع يوما وليلة ونافت ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن النبي صلى الله عليه واله ايما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال فان احبا ان يتزايدا او يتتاركا تتاركاً الحديث فانها وان دلت على ان العقد يكون على ثلاث ليال لكنها دلت على جواز الزيادة بعد انقضاء الثلاث وتلك تدل على عدم جواز الزيادة بمفهوم العدد.

(ومنها) ان في بعضها عن علي من طريق الزهري ان التحريم كان يوم خيبر وفي بعضها عن علي من طريق الزهري ايضا انه كان في غزوة تبوك، والنووي في شرح صحيح مسلم التجأ في رفع ذلك الى حمل رواية تبوك على الغلط وهو غير مسموع كما عرفت آنفا.


82

(ومنها) ان رواية اباحتها وتحريمها في عمرة القضاء لا غير كما مر عن الحسن وسبرة تنافي جميع ما ورد في اباحتها وتحريمها في غيرها ورواية مسلم بتحريمها يوم الفتح مؤبدا ان صح ما حكاه القسطلاني كما عرفت تنافي ما ورد من اباحتها بعد ذلك كما في حنين واوطاس وتبوك وحجة الوداع.

(ومنها) ان ما في رواية الترمذي المتقدمة عن ابن عباس انها انما كانت في اول الاسلام ثم نسخت باية (الا على ازواجهم) الخ مناف لما دل عليه غيرها مما تقدم من انها شرعت في حجة الوداع او في غزوة حنين او يوم الفتح او غيره من الغزوات المتأخرة مع عدم صلاحية الاية المذكورة في اخر الرواية لان تكون ناسخة كما بيناه عند الكلام عليها وذلك مما لا يخفي على مثل ابن عباس ذلك التحرير. ومناف لما رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس كما في تفسير الفخر الرازي انه قال في قوله (فما استمتعتم به منهن) صارت هذه الاية منسوخة بقوله تعالى ﴿يا ايها النبي اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن فانه بعد نسخ الحكم باحدى الآيتين لا يبقى مجال لنسخه بالاخرى مع ان اية الطلاق لا تنافي آية المتعة حتى تكون ناسخة لها اذ ليس فيها الا ان الطلاق عند وقوعه ليكن للعدة ولا تدل على ان كل زوجة يصح ان تطلق وذلك مما لا يخفي على مثل ابن عباس كما عرفت فاضطراب هذه الانقال واختلافها في ناسخها من


83

الكتاب فتارة يقال ان ناسخها اية ميراث الزوجة وتارة اية (الا على ازواجهم) وتارة اية الطلاق كما سمعت وكما مر في كلام ابن حزم كاضطرابها في ناسخها من السنة امارة على اختلاقها، وما في رواية الترمذي ورواية عظاء المذكورتين مناف ايضا لما روي عن ابن عباس من انها رحمة رحم الله بها امة محمد صلى الله عليه واله وانه لولا نهيه عنها ما احتاج الناس الى الزنا الا قليل بناء على ما استظهرناه فيما تقدم من عود ضمير نهيه الى عمر، ومناف لما اشتهر عن ابن عباس من الافتاء ببقاء حليتها كما تقدم في كلام غير واحد من علماء السنة وكما اشار اليه غير واحد من الروايات «مثل» رواية ان عليا سمع ابن عباس يلين في متعة النساء وانه بلغه انه لا يرى بالمتعة بأسا.

«ومثل» ما في رواية ابي نضرة المتقدمتين.

«ومثل» ما في صحيح مسلم بسنده عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير ان عبدالله بن الزبير قام بمكة فقال ان اناسا اعمى الله قلوبهم كما اعمى ابصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل فناداه فقال انك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد امام المتقين يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لارجمنك باحجارك، قال النووي في شرح صحيح مسلم قوله يعرض برجل يعني يعرض بابن عباس انتهى ثم قال مسلم


84

قال ابن شهاب فاخبرني خالد بن المهاجر انه بينما هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فامره بها فقال له ابن ابي عمرة الانصاري مهلا قال ما هي والله لقد فعلت في عهد امام المتقين قال ابن عمرة انها كانت رخصة في اول الاسلام لمن اضطر اليها كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم احكم الله الدين ونهى عنها.

اشتهار الفتوى بالمتعة عن ابن عباس:

(اقول) الظاهر ان الرجل المفتي هو ابن عباس وعدم التصريح باسمه اما للخوف عليه ممن كانوا يتوعدون او لغير ذلك كما لم يصرح باسمه في الحديث الذي قبله مع ان المراد به ابن عباس كما فسره النووي وفي كلام مسلم ايماء الى ذلك وقول ابن ابي عمرة بانها كانت في اول الاسلام ينافيه ما روي فيما مر من اباحتها في حجة الوداع وتشبيهها بالميتة غير صحيح لان الميتة لا تحل الا عند خوف التلف وليس في اخبار المتعة تقييد بذلك فهو مجرد اجتهاد مردود وابن عباس كان اعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه واله من ابن ابي عمرة وامثاله مع انهم في حجة الوداع التي ابيحت فيها كانوا قد حجوا بنسائهم بعد ان وسع الله عليهم بما تقدمها من الفتوح بالمال والسبي كما نبه عليه القسطلاني في شرح صحيح البخاري. مع انه اذا كانت اباحتها كاباحة المتعة فلا يقتضي احكام الدين


85

النهي عنها بل هي باقية الى يوم القيامة فان اباحة الميتة للضرورة لم تنسخ اجماعا ومن ذلك يعلم ان ما يحكى عن ابن عباس كما في تفسير الفخر الرازي من ان الناس لما ذكروا الاشعار في فتياه في المتعة قال ابن عباس قاتلهم الله اني ما افتيت باباحتها على الاطلاق لكني قلت انها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير له؟ مكذوب عليه مع انه يمكن ان يكون قال ذلك تخلصا مما عابوه به كما يدل عليه ذكرهم له في الاشعار على ان صدرها دال على اشتهار ذلك عنه كما مر.

«ومثل» ما في تفسير الفخر الرازي قال عمارة سألت ابن عباس عن المتعة اسفاح هي ام نكاح قال لا سفاح ولا نكاح قلت فما هي قال متعة كما قال الله تعالى قلت هل لها عدة قال نعم عدتها حيضة قلت هل يتوارثان قال لا. والظاهر ان مراده من نفي كونها نكاحا نفي النكاح الدائم بحيث تترتب عليها جميع احكامه وكأنه فهم ذلك من سؤال السائل والا فما ليس بنكاح فهو سفاح.

«ومثل» ما في العقد الفريد لابن عبدربه عن الشعبي قال قال ابن الزبير لعبدالله بن عباس قاتلت ام المؤمنين. وحواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وافتيت بتزويج المتعة فقال اما ام المؤمنين فانت اخرجتها وابوك وخالك وبنا سميت ام المؤمنين وكنا لها خير بنين فتجاوز الله عنها وقاتلت انت


86

وابوك عليا فان كان علي مؤمناً فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين وان كان علي كافراً فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف واما المتعة فان علياً رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص فيها فافتيت بها ثم سمعته ينهى فنهيت عنها واول مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير فهذه تدل على ان فتوى ابن عباس بالمتعة كان امراً مشهوراً واما قوله سمعته ينهى فنهيت عنها فمع معارضته لغيره مما دل على استمراره على الفتوى بها مما مر ويأتي وعدم خلوه عن نوع اضطراب يمكن أن يكون مكذوباً عنه كنسبه العدول عن الافتاء بها إليه كما ستعرف أو صادرا للخوف بعد أن توعده ابن الزبير بالرجم كما في بعض الروايات السابقة.

«ومثل» ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس انه سئل عن متعة النساء فرخص فقال له مولى له انما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة أو نحوه فقال ابن عباس نعم فهذه الرواية نصت على افتائه بها، اما موافقته للمولى على ان ذلك مخصوص بالحال الشديد وفي النساء قلة فلا ينافي ذلك غايته ان يكون جوازها مقيداً بالحال الشديد كما يشير إليه قول سبرة في الرواية السابقة ان العزبة قد اشتدت علينا وذلك كمن لا يصبر عن النكاح وهو مسافر مثلاً أو لا يتمكن من النكاح الدائم لفقر او لقلة النساء اللاتي يصلحن للنكاح الدائم كما ذكر في الرواية مع كونهن لا يناسبن حاله او نحو


87

ذلك.

(فان قيل) المسلمون على قولين الجواز مطلقاً وعدمه مطلقاً فتقييد الجواز بذلك مخالف للاجماع المركب.

(قلنا) فليترك هذا الظاهر لمخالفته الاجماع ويبقي صدر الرواية على حاله لعدم المعارض او يحمل ذلك على ان الاولى تركها مع عدم الشدة وقلة النساء.

(فان قيل) لعل المراد ان الترخيص فيها كان في الحال الشديد وفي النساء قلة ولكن لما ارتفعت الشدة وكثرت النساء نسخت ولذلك اوردها البخاري في باب نهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن نكاح المتعة.

(قلنا) مع ان هذا الاحتمال ينافيه ما ورد من اباحتها في حجة الوداع وكانوا قد حجوا بنسائهم بعد ان وسع الله عليهم بفتح خيبر من المال والسبي فهو فاسد لفظاً ومعنى «اما لفظاً» فلأنه كان اللازم أن يقول انما كان ذلك الخ فحيث لم يأت بلفظ كان علم ارادة الاستمرار «واما معنى» فلأن الحال الشديد كما يكون في ذلك الزمان يكون في غيره وقلة النساء في زمان دون آخر لا يفهم له معنى محصل وكيف صارت قلتها موجبة لاباحة المتعة وما كان ابن عباس ليرجع عن فتواه بمثل هذا الكلام الذي قاله المولى مع ان قوله نعم يدل على انه كان عالماً بذلك فكيف افتى اولا بخلافه.


88

«ومثل» ما في رواية النسائي المتقدمة ان علياً بلغه ان رجلاً لا يرى بالمتعة بأسا والرجل هو ابن عباس كما تقدم وما كان ليخفى عليه التحريم يوم خيبر لو وقع.

«ومثل» ما في رواية مسلم السابقة عن علي انه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء.

(ويؤيد ذلك) ما حكاه عنه في الكشاف كما تقدم من ان آية المتعة محكمة لم تنسخ ومن ذلك يظهر أن ما حكاه عنه في الكشاف أيضاً بقوله ويروى انه رجع عن ذلك أي عن القول بالمتعة عند موته وما حكاه النووي في شرح صحيح مسلم من انه روي عنه انه رجع بعد قوله وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول باباحتها وما في تفسير الفخر الرازي من انه روي عن ابن عباس انه قال عند موته اللهم اني اتوب اليك من قولي في المتعة والصرف مكذوب عنه ويدل على ذلك ايضاً ما حكاه فضل بن الروزبهان من علماء السنة في رده على العلامة الحلي من علماء الشيعة عن الشافعي ان نكاح المتعة حرام ولكن لا حد فيه قال لانه ذهب أي الشافعي إلى أن كل جهة صححها عالم سني بدليل قوي واباح الوطئ بها فلا حد وان اعتقد الواطئ التحريم ومثل لذلك بالوطئ في النكاح بلا ولي كمذهب ابي حنيفة وبلا شهود كمذهب مالك وفي المتعة كمذهب ابن عباس.


89

مخالفة رواية تحريمها عن علي لما رواه عنه اولاده وشيعته:

(ورابعاً) ان ما رووه عن علي عليه السلام يخالف ما رواه اولاده وشيعته عنه من القول باباحتها وهم اعرف بمذهبه من سواهم فدل على ان اسناد الرواية اليه اختلاق كيف وقد روي عنه من طريق أهل السنة ايضاً ما يدل على الانكار على عمر في تحريمها.

حديث لولا نهيه عنها ما زنى الا شفى:

«ففي احقاق الحق» عن الثعلبي ومحمد بن جرير الطبري في تفسيريهما عن علي بن ابي طالب قال لولا ان نهى عمر عن المتعة ما زنى الا شفي وقد سمعت ان الحكم بن عيينة روى عنه مثله.

«وفي التفسير الكبير» للامام فخر الدين الرازي ما لفظه وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه انه قال لولا ان عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى الا شفي.

«وفي النهاية الاثيرية» عن كتاب الهروي ما لفظه وفي حديث ابن عباس ما كانت المتعة الا رحمة رحم الله بها امة محمد صلى الله عليه وآله سلم لولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا الا شفي أي الا قليل من الناس وقال الازهري أي الا ان يشفي


90

أي يشرف على الزنا ولا يواقعه انتهى كلام النهاية.

«وفي لسان العرب» ما لفظه، وفي الحديث عن عطاء قال سمعت ابن عباس يقول ما كانت المتعة وساق الحديث إلى ان قال قال والله لكأني اسمع قوله الا شفا عطاء القاتل قال ابو منصور وهذا الحديث يدل على ان ابن عباس علم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المتعة فرجع إلى تحريمها بعد ما كان باح باحلالها انتهى كلام اللسان.

(أقول) الظاهر رجوع الضمير في نهيه إلى عمر لا إلى النبي صلى الله عليه واله يدل على ذلك ان الكلام في معرض التأسف والتألم من النهي عنها وانه كان في غير محله لانها رحمة والنهي عنها سبب كثرة الزنا ولو كان النهي منه عليه السلام لما كان محل لهذا الكلام كما لا يخفى.

بقية الكلام في الجواب عن احاديث التحريم:

(وخامساً) ان رواية الموطأ تدل على بقاء التحليل إلى زمان عمر والا لما استمتع ربيعة بن امية لانها ان كانت محرمة فما الفائدة في ايقاع عقدها فيكون كمن عقد على امه او اخته فان كان ربيعة متديناً لم يفعل وان كان غير متدين لم يوقع العقد واحتمال ان يكون التحريم لم يبلغه كالمقطوع بعدمه بعد ان يكون النبي صلى الله عليه وآله حرمها على رؤوس الاشهاد في حجة الوداع وكان معه يومئذ من الخلائق ما لا يحصى عددا.


91

(وسادساً) كان اللازم ان يقول علي عليه السلام لابن عباس لما بلغه انه لا يرى بالمتعة بأسا او في امرها على ما تقدم في روايتي النسائي ومسلم ان النبي صلى الله عليه واله قد نهى عنها في حجة الوداع لان المفروض ان ذلك اخر نهي صدر منه صلى الله عليه واله ولم يتعقبه رخصة اما النهي يوم خيبر فالمفروض انه منسوخ بالرخصة بعده فلا يحسن الاستدلال به على ابن عباس فله حق ان يقول ان النبي صلى الله عليه واله رجع عن هذا النهي فيحتاج علي عليه السلام الى ان يقول له انه بعد ان رجع قد نهى اخيرا نهيا لم يرجع عنه وهذا كالأكل من القفا. وهذا الذي دعا البيهقي الى ان يصوب انكار ابن عيينة لذكر النهي عن متعة النساء يوم خيبر في حديث علي عليه السلام كما تقدم (لا يقال) لعل عليا عليه السلام بلغه ذلك عن ابن عباس بعد وقعة خيبر وقبل صدور الرخصة يوم وقعة حنين.

(لانا نقول) ظاهر الكلام ان ابن عباس كان لا يرى بها بأسا بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله كما تدل عليه بعض الامور التي ذكرناها ومن حكى عنه انه رجع قال ان ذلك كان في اخر عمره ولو كان ذلك في حياة النبي صلى الله عليه واله لاخبر علي عليه السلام النبي صلى الله عليه واله بذلك لينهى ابن عباس فانهما في بلد واحد وذلك ادخل في ارتداع ابن عباس او لقال له علي عليه السلام اسئل رسول الله صلى الله


92

عليه واله عن حكمها فانه حرمها او نحو ذلك.

ما حكاه الرازي في الاحتجاج على تحريم المتعة:

وحكى الفخر الرازي في تفسيره احتجاج الجمهور على تحريم المتعة ببعض الاخبار المتقدمة وبامرين اخرين:

(الاول) ان الوطئ لا يحل الا في الزوجة او المملوكة لقوله تعالى: ﴿الذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم والمتمتع بها ليست مملوكة وهو واضح ولا زوجة لانها لو كانت زوجة لحصل التوارث ولا توارث بالاتفاق ولثبت النسب لقوله عليه الصلاة والسلام الولد للفراش وبالاتفاق لا يثبت، ولوجبت العدة عليها لقوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجاً يتربصن بانفسهن أربعة اشهر وعشراً . ثم قال واعلم ان هذه الحجة كلام حسن مقرر.

متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

الثاني ما روي عن عمر رضي الله عنه انه قال في خطبته متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انا انهى عنهما واعاقب عليهما ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة وما انكر عليه احد.

«فاما» ان يكونوا عالمين باباحتها وسكتوا مداهنة وهو يوجب تكفيره وتكفيرهم وهو على ضد قوله تعالى ﴿كنتم خير


93

امة .

«واما» ان يكونوا شاكين ولذلك سكتوا وهو ممتنع عادة لانها مما تشتد الحاجة إلى معرفتها كالنكاح الدائم. فتعين ان يكون سكوتهم لعلمهم بالنسخ انتهى ملخصاً.

(أقول) الامر الاول قد تقدم مع جوابه عند ذكر جوابهم عن الآية انما اعدناه هنا لاشتماله على زيادة لم تذكر هناك وهي قوله ولثبت النسب ولوجبت العدة وذلك انا عثرنا عليه بعد كتابة ذلك الموضع وطبعه فلنجب عن تلك الزيادة.

«فنقول» قوله ولثبت النسب الخ الظاهر ان المراد به ثبوت النسب عند الشك فيه وانكار الولد فانه ينتفي منه بمجرد انكاره بخلاف الدائم فانه لا ينتفي الا باللعان كما بين في الفقه.

الجواب عن الاحتجاج بانها ليست فراشاً:

(والجواب) انها فراش والنسب ثابت والولد ملحق به مع الشك وعدم الانكار وان لم يحصل اعتراف باتفاق فقهاء الشيعة لاندراجه في عموم الولد للفراش فكيف يدعي الانفاق على عدم ثبوت النسب واما انتفاء الولد بمجرد الانكار من غير لعان فلا ينافي كونها فراشا لان انتفاء بعض أحكام الفراش لدليل لا يقتضي انتفائه رأساً وذلك كانتفاء الولد في الدائم باللعان مع قوله عليه السلام الولد للفراش وكذلك قوله


94

ولوجبت العدة الخ فان عدة الوفاة ثابتة للمتمتع بها بناء على صحة النكاح بالاتفاق لدخولها في عموم الازواج والشيعة متفقة على انها تعتد عدة الوفاة فظهر ان كلام هذه الحجة غبر حسن وعدمه مقرر.

الجواب عن الاحتجاج بحديث متعتان كانتا ـ الخ:

(واما الاحتجاج) بقول عمر متعتان الخ فاجدر بان يكون حجة على الخصم لا له لان فيه اعترافاً بانها كانت مشروعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله انا انهى عنهما صريح في ان النهي منه لا من النبي صلى الله عليه وآله وهو غير معصوم ولا حجية في قول غير المعصوم اتفاقاً فيهما. اما صراحة الكلام في ذلك فلوجوه:

(الاول) لظهور قوله كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه واله في أنهما كانتا طول حياته (صلعم) ولو نسخا في حياته لكانتا على بعض عهده.

(الثاني) لقوله انا انهى عنهما بتقديم المسند اليه المفيد للحصر كقولك انا فعلت كذا كما قرر في علم المعاني والبيان.

«وثالثاً» انه لو كان النهي صادرا من النبي صلى الله عليه واله لكان اسناده اليه ادخل في قبول الناس لذلك وامتثالهم اياه فكان اللازم ان يقول كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه


95

واله ثم نسخهما فلا تفعلوهما فمن فعلهما عاقبته عليهما ولا يأتي بعبارة تدل على خلاف المقصود وتنقض الغرض المطلوب من ردع الناس عما حرم عليهم ولاشك ان عمر رضى الله عنه كان عارفا باساليب الكلام وموجبات الفصاحة والبلاغة ومنافياتهما فانه من قريش الذين امتازوا بذلك عن سائر الناس.

جواب الفخر الرازي عن رد الاستدلال بحديث المتعتين:

وقد اجاب عن ذلك الفخر الرازي بقوله قلنا قد بينا انه لو كان مراده ان المتعة كانت مباحة في شرع محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانا انهى عنها لزم تكفيره وتكفير كل من لم يحاربه وينازعه ويقضي ذلك الى تكفير امير المؤمنين حيث لم يحاربه ولم يرد ذلك القول عليه وكل ذلك باطل فلم يبق الا ان يقال كان مراده ان المتعة كانت مباحة في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وانا انهى عنها لما ثبت عندي انه صلى الله عليه وآله وسلم نسخها انتهى.

جواب قاضي القضاة عن حديث المتعتين:

وبنحو ذلك اجاب قاضي القضاة في المغني على ما حكاه عنه الشريف المرتضى في الشافي، فقال:

انما عنى بقوله وأنا انهى عنهما واعاقب عليهما كراهيته لذلك وتشدده فيه من حيث نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عنهما


96

بعد ان كانتا في ايامه منبها بذلك على حصول النسخ لانا نعلم انه كان متبعاً للرسول متديناً بالاسلام فلا يجوز ان نحمل قوله على خلاف ما تواتر من حاله وقد حكي عن ابي علي ان ذلك بمنزلة ان يقول اني اعاقب من صلى إلى بيت المقدس وان كان صلى اليه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله. قال واعتمد في تصويبه على كف الصحابة عن النكير عنه وادعى ان امير المؤمنين عليه السلام انكر على ابن عباس احلالها وروى عن النبي صلى الله عليه وآله تحريهما انتهى.

الرد على جواب الفخر الرازي وقاضي القضاة:

(اقول) مع الغض عن ان هذا التأويل مخالف لصريح اللفظ لما عرفت ان دعواه لزوم التكفير بذلك ممنوعة فان من منع الناس من بعض المباحات وحرمها عليهم مع اعتقاده حليتها يكون عاصياً لا كافراً ومع اعتقاده تحريمها باجتهاد اخطأ فيه يكون مثاباً. وكذا مع اعتقاده ان في تركها مصلحة او في فعلها مفسدة وقد اشار إلى ذلك السيد المرتضى في الشافي في جوابه لكلام قاضي القضاة المتقدم فقال وليس هذا القول رداً منه على الرسول صلى الله عليه وآله لانه لا يمتنع ان يكن استحسن حصرها في ايامه لوجه لم يكن فيما تقدم واعتقد ان الاباحة في أيام الرسول صلى الله عليه وآله كان لها شرط لم يوجد في ايامه وقد روي عنه انه صرح بهذا المعنى فقال انما


97

أحل الله المتعة للناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله والنساء يومئذٍ قليل وكذلك روي عنه في متعة الحج انه قال قد علمت ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد فعلها واصحابه ولكن كرهت ان يظلوا بهن معرسين تحت الأراك ثم يرجعوا بالحج تقطر رؤوسهم انتهى.

(فان قال) ان الاجتهاد لا يكون في مقابل النص.

(قلنا) نعم لو لم تعرض شبهة تدفع النص ولذلك كان من حارب علياً عليه السلام عندك مجتهداً مثاباً وان اخطأ مع وجود النص بانه مع الحق والحق معه يدور معه كيفما دار وغير ذلك مما ورد في فضله.

وفيما رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها كما يأتي في اخبارمتعة الحج وما ذيله به النووي ما يرفع استبعاد وقوع الشبهة في مقابل النص واما الاستشهاد بالصلوة إلى بيت المقدس فاجاب عنه المرتضى في الشافي بانه لا يشبه ما نحن فيه لأن نسخ الصلوة إلى بيت المقدس معلوم ضرورة من دينه فاذا قال انا انهى عنه علم ان المراد انهى عنه لانه منسوخ وليس كذلك المتعة مع انه لو قال الصلوة إلى بيت المقدس كانت في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله جائزة وانا انهى عنها كان قولاً في غير محله انتهى بمعناه.


98

وكذلك السكوت من ردع سن حرم مباحاً لا يوجب الكفر لأن غاية ما في الباب تركه لارشاد المخطئ في اجتهاده او تركه للنهي عن المنكر والأول مع فرض حرمته معصية والثاني مع فرض اجتماع الشرائط المقررة لوجوب النهي عن المنكر وعدم احتمال عذر صحيح للساكت من خوف وفقد ناصر او خوف مفسدة أعظم او نحو ذلك مما يرفع وجوب النهي او يحرمه لوجوب دفع الضرر عقلاً وشرعاً معصية ايضاً وليست كل معصية توجب الكفر ولو كان ترك الردع والمحاربة مكفراً مطلقاً لزم والعياذ بالله تكفير هارون عليه السلام بتركه محاربة بني اسرائيل واعتذاره بقوله ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني سيما مع التوعد بالرجم كما في بعض الاخبار السابقة، وفي تفسير الفخر الرازي انه روي عنه انه قال لا اؤتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته، اقول هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه بسنده عن ابي نضرة قال كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها قال فذكرت ذلك لجابر بن عبدالله فقال على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قام عمر قال ان الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء وان القران قد نزل منازله فاتموا الحج والعمرة لله كما امركم الله وابتوا نكاح هذه النساء فان اوتي برجل نكح امرأة إلى اجل الا رجمته بالحجارة وقوله فلما قام الخ ينافي قوله في رواية الموطأ المتقدمة لو كنت تقدمت فيها لرجمت


99

لدلالته على انه قال ذلك في اول ولايته كما تنافيها رواية ابن ماجه على ما بيناه في وجوه اختلاف اخبار متعة النساء ولم نكن اطلعنا على هذا الحديث الا بعد كتابة ذلك المقام وطبعه ومن هذه الرواية يظهر بطلان ما مر عن الفخر الرازي من ان عدم انكار الصحابة لتحريم المتعة يدل على حقيته فان الرجم غير جائز قطعاً لمكان الشبهة كما اعترف به الفخر الرازي مع ان الصحابة لم ينكروه عليه واعتذاره عن ذلك بانه لعله كان يذكر ذلك على سبيل التهديد للسياسة ومثله جائز للإمام واستشهد بقوله صلى الله عليه وآله من منع منا الزكاة فانا اخذها منه وشطر ماله فان اخذ شطر المال من مانع الزكاة غير جائز لكنه قاله للمبالغة في الزجر مردود بانا لا نسلم عدم جواز اخذ شطر المال للنبي صلى الله عليه وآله الذي هو أولى بالمؤمنين من انفسهم وان لم يجز ذلك لغيره ولو سلم فنقول هذا كذب محرم يصان عنه شرف النبوة ومقام الرسالة والسياسة لا تسوغه لعدم انحصار الرادع فيه لامكان الردع بالتهديد بالضرب والتعزير والتأديب وقول من منعها اخذناها منه قهراً او نحو ذلك وهذا مما يوجب الاطمئنان بعدم صدور هذا الخبر الذي استشهد به عن النبي صلى الله عليه وآله قال المرتضى رحمه الله في الشافي في رد ما نقله عن المغني واما اعتماده على الكف عن النكير فقد تقدم انه ليس بحجة إلا على شرائط شرحناها.


100

(أقول) والشرائط التي اشار إليها تفهم مما ذكره في مقام اخر من ان ترك النكير قد يقع ويكون الداعي إليه غير الرضا وقد يكون الداعي اليه الرضا فهو اعم والعام لا يدل على الخاص والنكير قد يرتفع لأمور:

منها الخوف على النفس وما جرى مجراها.

ومنها العلم او الظن بانه يعقب مفسدة اعظم مما يراد انكاره.

ومنها الاستغناء عنه بنكير تقدم.

ومنها ان يكون للرضا انتهى ملخصاً. ثم قال المرتضى فاما ادعاؤه ان امير المؤمنين عليه السلام انكر على ابن عباس احلالها فالأمر بخلافه فقد روي عنه عليه السلام بطرق كثيرة انه كان يفتي بها وينكر على من حرمها. وروي عن عمر بن سعد الهمداني عن حبيش بن المعتمر قال سمعت امير المؤمنين عليه السلام يقول لولا ما سبق من ابن الخطاب في المتعة ما زنى الا شفي. وروى أبو بصير قال سمعت ابا جعفر محمد بن علي الباقر يقول سمعت علي بن الحسين يروي عن جده أمير المؤمنين عليهم السلام انه كان يقول لولا ما سبقني به ابن الخطاب ما زنى إلا شفي، وقد افتى بالمتعة جماعة من الصحابة والتابعين. كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود،


101

وجابر بن عبد الله الانصاري، وسلمة بن الاكوع، وابي سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وابن جريح ومجاهد وغيرهم ممن يطول ذكره انتهى كلام المرتضى. ولعله يشير بغيرهم إلى ما زاده العلامة في كشف الحق وهم المغيرة بن شعبة ومعاوية بن ابي سفيان وعطا وغيرهم، وحكاه في كشف الحق ايضاً عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وقد تقدم في رواية الترمذي حكايته عن ابن عمر.

(وفي كشف الحق) قال محمد بن حبيب البختري كان ستة من الصحابة وستة من التابعين يفتون باباحة المتعة للنساء. وفي تفسير الفخر الرازي ان القول بعدم نسخها مروي عن ابن عباس وعمران بن الحصين وقد عرفت ما حكاه الفخر الرازي نفسه عن عمران بن الحصين من انكار تحريمها وان المحرم قال ذلك برأيه، مع ما عرفت مما يدل على صدق هذه الحكاية عن أمير المؤمنين عليه السلام وجابر وابن مسعود وابن عباس وغيرهم في تضاعيف ما تقدم مع ان مذهب امير المؤمنين عليه السلام في عدم تحريمها معلوم بالضرورة مما رواه عنه شيعته واتباعه وكذلك مذهب أولاده عليهم السلام وهم أحق بالاتباع ومن أخذ عنهم فقد دخل المدينة من قبل الباب وابن عباس لم يكن ليخالف أمير المؤمين عليه السلام في فتواه وهو تلميذه وعنه أخذ وبه اقتدى ومن ذلك يظهر فساد ما يقال


102

انها لو كانت مباحة لاحلها امير المؤمنين عليه السلام في امارته مع انه لم يفعل مضافاً إلى ان ذلك شهادة على النفي لا تقبل.

«قال المرضتى رضي الله عنه» في الشافي فاما سادة أهل البيت وعلمائهم فامرهم واضح في الفتيا بها كعلي بن الحسين زين العابدين وابي جعفر الباقر وابي عبدالله الصادق، وابي الحسن موسى الكاظم، وعلي بن موسى الرضا عليهم السلام، وما ذكرناه من فتيا من اشرنا إليه من الصحابة بها يدل على بطلان ما ذكره صاحب الكتاب يعني قاضي القضاة من ارتفاع النكير لتحريمها لأن مقامهم على الفتيا بها نكير انتهى، هذا مع تصريح جابر في الحديث المتقدم وهو من اجلاء الصحابة بانهم فعلوها على عهد ابي بكر رضى الله عنه فكيف خفي عليهم نسخها وهي مما تشتد الحاجة إلى معرفتها وهذا مما يبطل قول الفخر الرازي انه يمتنع ان يكونوا شاكين ولذلك سكتوا لأنها مما تشتد الحاجة إليها كالدائم فانه إذا امتنع في حقهم الشك امتنع اعتقاد الخلاف فكيف اعتقدوا مشروعيتها على عهد ابي بكر وفعلوها وهي منسوخة من زمان النبي صلى الله عليه وآله وستعرف انكار جمع من الصحابة لتحريم متعة الحج أيضاً التي اشتمل عليها هذا الحديث مع انها جمعت معها بلفظ واحد واختلافهم في حكمها بين آمر وناه فنهى عنها عثمان ومعاوية وابن الزبير كما يفهم من أحاديثها


103

الآتية ونهى عنها ناس كما يفهم من خبر ابي جمرة الآتي هناك وامر بها علي وابن عباس وعمران بن الحصين وسعد بن ابي وقاص واختلف في حكمها ابن عباس مع ابن الزبير وعلي مع عثمان وسعد بن ابي وقاص مع معاوية كما دلت عليه الروايات الآتية ايضاً فكيف خفي عليهم حكمها وهي مما تشتد الحاجة إليه وهو ايضاً مما يبطل قول الرازي انه يمتنع ان يكونوا شاكين بالتقريب المتقدم. فظهر ان الحديث المذكور من ادلة اباحة المتعة لا تحريمها بل هو من اقوى أدلة الاباحة، وهو حديث مشهور في كتب الفريقين قديماً وحديثاً وان كنا لم نجده في عدة من كتب الحديث التي اطلعنا عليها لاهل السنة ولعل عدم ذكرهم له فيها لذلك. وقد أجاب عنه قاضي القضاة بما تقدم ولم يتعرض لسنده ولو كان سنده غير ثابت لاكتفى بالقدح في سنده ورفع عن نفسه كلفة الجواب عنه. وكذلك الفخر الرازي كما عرفت والفضل بن الروزبهان فانه لم ينكره وتكلف للجواب عنه وعبدالحميد بن ابي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة فانه لم يقدح في سنده واعترف بانه لا شبهة في ظهوره في إضافة النهي إلى نفسه. قال ولكن يجب ترك هذا الظاهر والعدول إلى التأويل لان العلم بحال عمر من تدينه بالإسلام واتباعه الرسول وعدم دعواه انه مشرع يكون قرينة على التأويل.

«وفيه» ان الشواهد والقرائن الكثيرة التي تقدمت على


104

خلاف هذا التأويل تمنع من الحمل عليه وقد عرفت ان عدم الحمل عليه لا يستلزم كونه مشرعاً ولا مخالفاً للرسول للعذر الذي اشرنا اليه وأشار اليه المرتضى فراجع.

بقية الكلام في حديث متعتان كانتا واشتهاره:

«ومما يدل» على اشتهار الحديث المذكور واستفادة الأباحة منه زيادة على ما مر ما ذكره القاضي ابن خلكان في وفيات الأعيان في ترجمة يحيى بن اكتم قال حدث محمد بن منصور قال كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة إلى أن قال فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاط متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عهد ابي بكر رضي الله عنه وانا انهى عنهما ومن انت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله صلى عليه وآله وسلم وأبو بكر رضي الله عنه إلى آخر ما ذكره، ونحوه ذلك حكي عن اليافعي الشافعي في ترجمة يحيى بن اكتم «وما حكاه» في المسالك عن بعض كتب أهل السنة أن رجلاً كان يفعلها فقيل له عمن أخذت حلها فقال عن عمر فقالوا له وكيف ذاك وعمر هو الذي نهى عنها وعاقب على فعلها فقال لقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وانا احرمهما واعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء فانا اقبل روايته في شرعيتها ولا اقبل نهيه من قبل نفسه انتهى. فاتضح من مجموع ما تقدم أن المشروعية ثابتة في


105

حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد وفاته بغير ناسخ ولا اقل من عدم ثبوت الناسخ وهو كاف.

فتوى زفر وابي حنيفة في المتعة:

هذا مع ما تقدم عن زفر من صحة النكاح مؤبداً وسقوط الشرط، وفي مجمع الأنهر شرح ملتقى الابحر في الفقه الحنفي في المجلد الأول منه المطبوع بالاستانة العلية سنة 1319 في صحيفة 270 «ما لفظه» وعن الامام (والظاهر ان المراد به ابو حنيفة) لو قال اتزوجك متعة ينعقد به النكاح ويلغط قوله متعة كما في الخانية أهـ.

قول مالك باباحة متعة النساء:

وفي الحاشية لصاحب الشرح المذكور «ما لفظه» وقال مالك هو أي نكاح المتعة جائز لانه كان مباحاً فليبق إلى أن يظهر ناسخه أهـ. وذكر في الشرح المذكور انه منسوخ باجماع الصحابة قال فعلى هذا يلزم عدم ثبوت ما النقل من اباحته عند مالك ا هـ. فجعل السبب في عدم ثبوت النثقل النسخ باجماع الصحابة حيث ان اجماعهم غير متحقق بل عدمه ثابت لما عرفت من افتاء جماعة من الصحابة بذلك فالنقل ثابت مع أنه ذكر في الحاشية ايضاً أن المختار ان الاجماع لا يكون ناسخاً وعلى هذا فما في بعض الكتب من اتفاق الفقهاء الاربعة على


106

التحريم غير صحيح لما سمعت من افتاء مالك بالاباحة هذا مع ان عمر رضى الله عنه كما نهى عن متعة النساء فقد نهى عن متعة الحج وقد جمعهما في عبارة واحدة في الحديث المشهور المتقدم بغير تفاوت واشتهر ذلك في زمانه وبعده اشتهارا لا ريب فيه.

كيف قبلوا نهيه عن متعة النساء دون متعة الحج:

وكما ورد القران الشريف بمتعة الحج في قوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أي انتفع بسبب العمرة بمحظورات الاحرام إلى وقت الدخول في الحج. كذلك ورد في متعة النساء بقوله تعالى ﴿فما استمتعتم به منهن فاتوهن اجورهن ووردت السنة المطهرة بالمتعتين ايضاً من طرق السنة والشيعة وفعلهما المسلمون في حياة النبي صلى الله عليه وآله. وكما اختلفت وتناقضت الأحاديث الورادة من طرق أهل السنة في النهي عن متعة النساء كما عرفت اختلفت وتناقضت الاحاديث الواردة من طرقهم في متعة الحج كما ستعرف فكيف قبلوا نهيه في الأولى ولم يقبلوه في الثانية.


107

أقسام الحج وصفة حج التمتع عند الشيعة:

ولابد لتوضيح المقام من تقديم مقدمة، «وهي» أن الحح على ثلاثة اقسام. قران وافراد، وتمتع، باتفاق جميع علماء الاسلام من السنة والشيعة وان اختلفوا في بعض الخصوصيات. وصفة حج التمتع عند الشيعة ان يجعل نسكه مركباً من حج وعمرة والحج مرتبط بالعمرة فيحرم من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام من الميقات بالعمرة ويعقد احرامه بالتلبية لا بسياق الهدي ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويقصر ويحل من احرامه ثم ينشيء أحراماً آخر للحج من مكة فيكون قد تمتع أي انتفع بما حرم عليه بالاحرام ولذلك سمي حج التمتع.

صفة حج التمتع عند أهل السنة:

وعند أهل السنة كما يستفاد من ارشاد الساري شرح صحيح البخاري للقسطلاني ومن تنوير الابصار وشرحه المسمى بالدر المختار ومن مراقي الفلاح كلاهما في مذهب الامام ابي حنيفة وغيرها بمعنى استفادة المجموع من المجموع هو ان يحرم من هو على مسافة القصر من حرم مكة بعمرة اولا هو ان يحرم من هو على مسافة الحج وبعد الفراغ منها يحل من كل شيء ثم ينشئ حجاً من مكة من عامها ولم يعد لميقات من المواقيت ولا لمثل مسافته أهـ. وهما متقاربان ولكن العلامة في


108

التذكرة قال العمرة في حج التمتع عند أهل السنة هي عمرة مفردة أهـ. ولسنا بصدد تحقيق ذلك، ثم ان حج التمتع تارة يكون مقصوداً من أول الامر وتارة يكون بالعدول من الأفراد مثلاً اليه بان يحرم للحج ثم يعدل فيجعل الاحرام للعمرة وبعد الفراغ منها يأتي بالحج وهو المعبر عنه بفسخ الحج إلى العمرة وقد اجمع الفقهاء الاربعة وغيرهم على جواز حج التمتع المشهور وهو المقصود من اول الأمر في الجملة وان كرهه او منعه ابو حنيفة للمكي.

اجماع الفقهاء الاربعة وغيرهم على جواز حج التمتع المشهور:

«قال» الشعراني في ميزانه وصاحب رحمة الأمة في اختلاف الائمة ان الائمة الثلاثة اتفقوا على صحة الحج باحدى هذه الكيفيات الثلاث المشهورة على الاطلاق وهي الافراد والتمتع والقران، لكل مكلف من غير كراهة مع قول ابي حنيفة بكراهة القران والتمتع للمكي هكذا في الميزان. وفي رحمة الأمة لا يشرع في حقه التمتع والقران ويكره له فعلهما أهـ. وقال النووي في شرح صحيح مسلم وقد انعقد الاجماع على جواز الافراد والتمتع والقران وانما اختلفوا في الافضل. وقال ايضاً في موضع آخر اعلم ان احاديث الباب متظاهرة على جواز افراد الحج عن العمرة وجواز التمتع والقران وقد اجمع العلماء


109

على جوازالانواع الثلاثة ا هـ. وصرح بانقسام الحج إلى الاقسام الثلاثة القران الافراد والتمتع وجواز كل منها. الفخر الرازي في تفسيره. وصاحب مراقي الفلاح شرح نور الايضاح في مذهب الامام أبي حنيفة وصاحب الدر المختار شرح تنوير الابصار في مذهب أبي حنيفة ايضاً. وابن عبادين في حاشيته. والخطيب الشرييني في الاقناع في حل الفاظ ابي شجاع على مذهب الشافعي وغيرهم. وبالجملة جواز حج التمتع مسلم معلوم عند جميع أهل السنة لا يحتاج إلى اكثار الشواهد عليه. وقال المرتضى رضي الله عنه في الشافي. والفقهاء في أعصارنا هذه يعني فقهاء السنة لا يرونها أي متعة الحجة خطأ بل صواباً أهـ.

وقال الفضل بن الروزبهان من علماء السنة متعة الحج جوزها العلماء وذهبوا إليه أهـ.

الخلاف في جواز فسخ الحج إلى العمرة وحجة من خصه بالصحابة وردها:

(وأما) فسخ الحج إلى العمرة فجوزه احمد وطائفة من أهل الظاهر ومنعه الفقهاء الثلاثة وقالوا انه كان خاصاً بالصحابة وبتلك السنة يعني لا يجوز لغير الصحابة ولا لهم في غير تلك السنة كما حكاه القسطلاني في شرح صحيح البخاري والنووي


110

في شرح صحيح مسلم ومحمد بن عبدالهادي الحنفي في حاشية سنن النسائي الا انه قال احمد والظاهر به.

وروى جوازه عن أهل البيت عليهم السلام وجوزه فقهائهم وحكى النووي في شرح صحيح مسلم تجويزه عن القاضي عياض قال النووي في شرح قوله: إن عمر رضي الله عنه قال ان نأخذ بكتاب الله فان كتاب الله يأمر بالتمام وان نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحل حتى بلغ الهدي محله.

«ما لفظه» قال القاضي عياض رحمه الله تعالى ظاهر كلام عمر رضي الله عنه هذا انكار فسخ الحج إلى العمرة وان نهيه عن التمتع انما هو من باب ترك الاولى لا انه منع تحريم وابطال ويؤيدهذا قوله بعد هذا قد علمت ان النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قد فعله واصحابه لكن كرهت ان يظلوا معرسين بهن في الأراك أهـ. وهو صريح في جواز فسخ الحج إلى العمرة واحتج النووي للمانعين بحديث ابي ذر رضي الله عنه كانت المتعة في الحج لاصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة يعني فسخ الحج إلى العمرة ا هـ. واحتج هو والقسطلاني لهم بحديث الحارث بن بلال الآتي وفيه ان فسخ الحج إلى العمرة لهم خاصة قال القسطلاني واجاب المجوزون بان حديث الحارث ابن بلال ضعيف فان الدارقطني قال انه تفرد به عبدالعزير بن محمد الدراوردي عنه وقال احمد انه لا يثبت ولا نرويه عن


111

الدراوردي ولا يصح حديث في الفسخ ان لهم خاصة وقال مرة حديث بلال لا اقول به لا نعرف هذا الرجل ولم يروه الا الدراوردي واما الفسخ فرواه احد وعشرون صحابياً واين يقع بلال بن الحارث منهم قال واجاب النووي بانه لا معارضة بين حديث بلال وغيره أهـ. ومن ذلك يظهر قوة حجة المجوزين وضعف حجة المانعين مع ضعف جواب النووي فانه مع تسليم عدم المعارضة فالضعيف ليس حجة في نفسه مع انه يعارضه صريحاً ما في حديثي مسلم والنسائي الآتيين وغيرهما انها لابد او لابد أبداً واي عبارة اصرح من قوله لابد ابد.

الذين جوزوا حج التمتع المشهور وفسخ الحج إلى العمرة:

وحمله على ارادة ان العمرة يجوز فعلها في اشهر الحج إلى يوم القيامة كما فعل النووي خلاف الظاهر بل الظاهر ان المراد في السؤال والجواب ما فعلوه من فسخ الحج إلى العمرة وقوله دخلت العمرة في الحج اشارة إلى حج التمتع سواء حصل بفسخ الحج أم لا مع ان روايات ابي موسى الآتية تدل على أن النهي عن فسخ الحج إلى العمرة قد حدث في زمانه ولم يكن قبل لقولهم انك لا تدري ما احدث أمير المؤمنين في النسك وتدل ايضاً على ان ابا موسى كان يفعل ذلك ويفتي به إلى خلافة عمر فاذا كان ذلك خاصاً بالصحابة وبتلك السنة فكيف خفي أمره إلى خلافة عمر وهو مما تشتد الحاجة إليه


112

وستعرف ان في تلك الروايات ما يدل على ان النهي عنه كان فسخ الحج إلى العمرة لقوله ان نأخذ بكتاب الله فانه يأمرنا بالتمام فان المراد به كما ستعرف ان الأمر بالأتمام ينافي جواز فسخ الحج والعدول إلى العمرة ثم ان الاختصاص بالصحابة وبتلك السنة ليس له نظير في الشرع فان احكام الله تعالى في الاولين والاخرين واحدة وظاهر الاختصاص انه لم يكن محتاجاً إلى نسخ وهو عديم النظير فان حلال محمد صلى الله عليه وآله وسلم حلال إلى يوم القيامة وحرامه كذلك فهذا كما قيل في متعة النساء انها نسخت وابيحت مراراً عديدة فكيف اختصت هاتان المتعتان بشيء لم يوجد في سائر أحكام الدنيا(اذا عرفت هذا) كله ظهر لك ان الفقهاء الأربعة وغيرهم لم يقبلوا نهيه في التمتع الحاصل بغير فسخ واحمد واهل الظاهر لم يقبلوه في التمتع الحاصل بفسخ الحج إلى العمرة قال النووي في شرح صحيح مسلم قال المازري اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج فقيل هي فسخ الحج إلى العمرة وقيل هي العمرة في اشهر الحجر ثم الحج من عامه وعلى هذا انما نهى عنها ترغيبا في الأفراد الذي هو أفضل لا انه يعتقد بطلانها او تحريمها وقال القاضي عياض ظاهر حديث جابر وعمران وابي موسى ان المتعة التي اختلفوا فيها يعني الصحابة انما هي فسخ الحج إلى العمرة ثم قال النووي والمختار ان عمر وعثمان وغيرهما انما نهوا عن المتعة التي هي الأعتمار في اشهر الحج ثم الحج من عامه ومرادهم


113

نهي اولوية للترغيب في الأفراد لكونه افضل أهـ.

الذين حملوا متعة الحج المنهي عنها على فسخ الحج إلى العمرة:

وقال النووي في موضع آخر في شرح قول مسلم كان عثمان رضي الله عنه ينهى عن المتعة وكان علي رضي الله عنه يأمر بها «ما لفظه» المختار أن المتعة التي نهى عنها عمثان هي التمتع المعروف في الحج وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم وانما نهيا عنها لان الافراد افضل وهو مأمور بصلاح رعيته وكان يرى الأمر بالافراد من جملة صلاحهم، وقال في موضع آخر بعد ذكر تظاهر الاخبار على جواز الافراد والتمتع والقران في الحج واجماع العلماء على ذلك واما النهي الوارد عن عمر وعثمان رضي الله عنهما فسنوضح معناه يعني انه نهي تنزيه للعدول إلى الأفضل لا نهي تحريم كما مر، وحمل غير واحد متعة الحج المنهى عنها في الحديث المذكور على فسخ الحج إلى العمرة تخلصاً من الاشكال المتقدم.

«منهم» الفخر الرازي في تفسيره فانه قال في تفسير فمن تمتع بالعمرة إلى الحج في سورة البقرة والتمتع بالعمرة إلى الحج هو ان يقدم مكة فيعتمر في اشهر الحج ثم يقيم بمكة حلالا ثم ينشيء منها الحج فيحج من عامة ذلك والتمتع على هذا الوجه صحيح لا كراهة فيه، وههنا نوع آخر من التمتع مكروه وهو


114

الذي حذر عنه عمر وقال متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانا انهى عنهما واعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج. والمراد من هذه المتعة ان يجمع بين الاحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج ثم ذكر الرواية عنه صلى الله عليه وآله انه اذن لاصحابه في ذلك ثم نسخ والوراية عن ابي ذر انه قال ما كانت متعة الحج إلا لنا(1) خاصة وقال ما حاصله فكأن السبب فيه شدة انكارهم للعمرة في اشهر الحج فبالغ صلى الله عليه وآله وسلم في ابطاله بنقلهم في اشهر الحج من الحج إلى العمرة وهذا السبب لا يشاركهم فيه غيرهم فلذا كان فسخ الحج خاصا بهم أهـ.

«ومنهم» القسطلاني في شرح صحيح البخاري لكنه لم يجزم بذلك بل تردد بينه وبين ارادة التمتع المشهور وكون النبي للتنزيه قال في شرح قوله وعثمان ينهى عن المتعة «ما لفظه» أي عن فسخ الحج إلى العمرة لانه كان مخصوصاً بتلك السنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم او عن التمتع المشهور والنهي للتنزيه ترغيباً في الافراد انتهى.

«ومنهم» قاضي القضاة في المغني فانه قال على ما حكاه عنه الشريف المرتضى في الشافي فاما متعة الحج فانما اراد ما كانوا يفعلون من فسخ الحج لانه كان يحصل لهم عنده التمتع ولم يرد بذلك التمتع الذي يجري مجرى تقديم العمرة واضافة


115

الحج إليها لان ذلك جائز لم يقع فيه فسخ ا هـ. فان الظاهر ان مراده من فسخ الحج فسخه إلى العمرة. ويحتمل ان يريد ابطال الحج بعد الشروع فيه. وكأن المرتضى رحمه الله في الشافي حمله على المعنى الثاني ولذلك اجاب عنه بان ذلك لا يسمى متعة. وبان ذلك ما فعل في ايام النبي صلى الله عليه وآله ولا فعله احد من المسلمين بعده وانما هو من سنن الجاهلية فلا يصح حمل كلامه عليه ا هـ.

(أقول) حمل التمتع المنهي عنه على فسخ الحج إلى العمرة خاصة فيه.

(أولاً) انه خلاف المتبادر المعروف بين الفقهاء والعلماء قديماً وحديثاً.

(وثانياً) ان متعة الحج كما تصدق على ما يحصل بفسخ الحج إلى العمرة تصدق على ما يحصل بحج التمتع المعروف لحصول الانتفاع بمحظورات الاحرام في كل منهما بل صدقها على الثاني اشهر واعرف فكلاهما متعة الحج وكلاهما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيشملهما النهي الواقع عن متعة الحج بوجه العموم فما الذي خصصه بفسخ الحج. وحكى النووي في شرح صحيح مسلم عن القاضي عياض عن ابن عبدالبر انه قال لا خلاف بين العلماء ان التمتع المراد بقوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي


116

هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج إلى ان قال ومن التمتع ايضاً فسخ الحج إلى العمرة ا هـ. مع ان فسخ الحج بما هو فسخ لا يسمى متعة وانما هو سبب لها. ومن ذلك يظهر انه ليس لهم التمسك بما ورد في عدة اخبار من أنهم كانوا محرمين بالحج أو بحج الافراد فأمرهم عليه السلام بفسخه إلى العمرة وجعل الحج حج تمتع كما في احاديث جابر وعائشة الآتية وغيرها فان تلك الاخبار لم تدل على انحصار متعة الحج بذلك غاية الأمر ان يكون ذلك من اقسامها فيعمه النهي كما يعم حج التمتع المشهور.

(وثالثاً) انه ينافيه التعليل المروي عنه في بعض الروايات الآتية من كراهة ان يظلوا معرسين بنسائهم في الأراك ثم يروحون إلى الحج تقطر رؤوسهم فان هذه العلة لا تختص بفسخ الحج إلى العمرة بل تعم حج التمتع المشهور فان المراد منها كراهة اتيانهم النساء بعد العمرة وقبل الحج مع قرب اوانه وهذا حاصل في حج التمتع كما لا يخفى.

(ورابعاً) انه معارض بما تقدم عن النووي من اعترافه في عدة مواضع من شرح صحيح مسلم بان المتعة التي كان ينهى عنها عمر رضي الله عنه في الحج هي حج التمتع المعروف. وبما تقدم عن المازري من الخلاف فيها انها فسخ الحج أو حج التمتع المعروف وكذلك ترديد القسطلاني فيما تقدم بين المعنيين


117

مما يدل على ان تفسيرها بفسخ الحج غير مسلم.

(وخامساً) ان فسخ الحج إلى العمرة جوزه أحمد والظاهرية والقاضي عياض كما عرفت بل ومن الصحابة عمران بن الحصين وسعد بن ابي وقاص فانهما انكرا تحريم متعة الحج التي نهى عنها عمر باي معنى فسرت وكذا انكره جابر وابن عباس كما ستعرف وانت قد فسرتها بفسخ الحج إلى العمرة فيكون الذي انكر تحريمه هؤلاء هو فسخ الحج إلى العمرة فليكن تجويز الشيعة لمتعة النساء كتجويز من ذكر المتعة، الحج مع وقوع النهي عنهما في الحديث المشهور.

وقد عرفت فيما تقدم قوة حجة المجوزين لفسخ الحج إلى العمرة وضعف حجة المانعين بما لا مزيد عليه، هذا الكلام على ما تشترك فيه هذه الكلمات واما ما يختص ببعضها فاما كلام الفخر الارزي ففيه نظر من وجوه:

وجوه النظر في كلام الفخر الرازي في متعة الحج:

(احدها) ان قوله في تفسير المتعة الجائز ان يقدم مكة فيعتمر ظاهره ان العمرة تكون من مكة مع الاتفاق على انها لا تكون الا من الميقات كما صرح به القسطلاني وصاحب مراقي الفلاح وغيرهما وكانه يريد أن يقدم مكة فيتم افعال العمرة أو معنى يقدم يريد القدوم وهو تعسف في التعبير بغير داعي.


118

(ثانيها) تعبيره عن المنسوخ المتوعد عليه بالعقاب بالمكروه.

(ثالثها) ان قوله تفسير المتعة المنهي عنها ان يجمع بين الاحرامين لم نجده في كلام غيره ولا في شيء من روايات البخاري ومسلم وغيرهما والذي صرح به القسطلاني فيما يأتي وفي عدة مواضع من كتابه ان الاحرام كان للحج وحده لا له وللعمرة معا، وكذلك الذي صرحت به عدة من الروايات ان الذين امرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يفسخوا الحج إلى العمرة حين لم يسوقوا الهدي كانوا احرموا بالحج وحده لا به وبالعمرة مثل روايات البخاري الآتية عن جابر وعائشة وروايتي مسلم والنسائي عن جابر الاتيتين ايضاً وقد اكد فيهما كون الاحرام للحج وحده بابلغ عبارة ولعل القصد بذلك التاكيد التعريض بمن ينكر فسخ الحج إلى العمرة وغيرها من الاحاديث مما لم نذكره وهي كثيرة في صحيحي مسلم والبخاري وغيرهما فكيف خصصه بمن جمع بينهما «نعم» في بعضها كون الاحرام لهما لكن مع عدم الفسخ.

«مثل» ما في البخاري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها ومنا من اهل بحجة وعمرة إلى ان قالت فاما من اهل بالحج او جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم


119

النحر.

الرد على دعوى اختصاص فسخ الحج بالصحابة وبتلك السنة:

(رابعها) ان دعوى اختصاص فسخ الحج بالصحابة لا يكاد يتم لتضعيف الدارقطني لحديث اختصاصه بالصحابة وانكار احمد له غاية الانكار ومبالغته في ذلك وكونه لا نظير له في الشرع كما تقدم ذلك كله، ولأن اختصاصه بالصحابة وبتلك السنة ينافيه ما يأتي في روايات ابي موسى من فعله لها وافتائه الناس بها إلى خلافة عمر فكيف خفي عليه نسخها وعلى الناس طول هذه المدة مع ان قولهم انك لا تدري ما احدث أمير المؤمنين في النسك بعدك يدل على حدوث النهي في ذلك الوقت كما مر عند المناقشة مع الفخر الرازي في متعة النساء، ولأن قوله كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ظاهر في ثبوتهما طول عهده لا تلك السنة فقط إلى غير ذلك، ثم ان ما ذكره القسطلاني من جعل النهي للتحريم ان اريد فسخ الحج إلى العمرة لكونه كان خاصاً بتلك السنة ينافي ما ذكره في شرح حديث جابر الآتي حيث قال (فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اصحابه) ممن ليس معه هدي (ان يجعلوها) أي الحجة التي اهلوا بها (عمرة) وهو معني فسخ الحج إلى العمرة


120

هـ. ثم قال لا يقال الحديث يدل على ان التمتع افضل لأنه عليه الصلوة والسلام لا يتمنى الا الأفضل الخ فان هذا الكلام ظاهر في بقاء مشروعية فسخ الحج إلى العمرة والا فلا ثمرة في هذا السؤال ولا معنى للبحث عن المنسوخ انه افضل ام لا فينافي جعل النهي عن فسخ الحج نهي تحريم وانه خاص بتلك السنة إلا أن يريد أن الحديث يدل على جواز فسخ الحج إلى العمرة وان ما يحصل بالفسخ من التمتع افضل إذا نسخ جواز الفسخ بقيت الدلالة على افضلية التمتع بغير فسخ ثابتة وهو بعيد فمع هذا الاضطراب الذي سمعته في كلماتهم في تفسير التمتع المنهي عنه كيف يعول على شيء منها فظهر من مجموع ما تقدم أن متعة الحج التي نهى عنها عمر رضي الله عنه هي حج التمتع بعينه المعروف بين الفريقين قديماً وحديثاً إلى الان او هو داخل فيها وان حملها على فسخ الحج إلى العمرة انما هو من ضيق الخناق مع انه غير مجد كما عرفت.

اختلاف اخبار متعة الحج:

اما اختلاف الاحاديث الواردة في متعة الحج وتناقضها الذي اشرنا اليه، فهو ان: (في بعضها) ما يدل على امر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها وفعل الصحابة لها في زمانه «مثل» ما رواه البخاري بسنده عن جابر بن عبدالله قال


121

أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو واصحابها بالحج وليس مع احد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطلحة وقدم علي من اليمن ومعه هدي فقال اهللت بما اهل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اصحابه ان يجعلوها عمرة ويطوفوا ثم يقصروا ويحلوا الا من كان معه الهدي فقالوا ننطلق الى منى وذكر احدنا يقطر منيا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لو استقبلت من امري ما استدبرت ما اهديت ولولا ان معي الهدي لأحللت «الحديث». وما رواه البخاري بسنده عن جابر ايضاً انه حج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى ان قال وقد اهلوا بالحج مفردا فقال لهم احلوا من احرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم اقيموا حلالا حتى اذا كان يوم التروية فاهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة فقالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج فقال افعلوا ما امرتكم فلولا اني سقت الهدي لفعلت مثل الذي امرتكم «الحديث». وما رواه مسلم بسنده عن جابر ايضاً قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مهلين بالحج فامرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان نجعلها عمرة ونحل وكان معه ونحل وكان معه الهدي فلم يستطع ان يجعلها عمرة. وما رواه مسلم ليضاً بسنده عن جابر قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نقول لبيك بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان نجعلها عمرة.


122

وقد سمعت ما رواه مسلم والنسائي عن جابر عند تفسير فسخ الحج الى العمرة. وما رواه البخاري ايضا عن عائشة رضي الله عنها. خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا نرى الا انه الحج فلما تطوفنا بالبيت امر صلى الله عليه وآله وسلم من لم يكن ساق الهدي ان يحل.

«وفي صحيح مسلم» بسنده عن عائشة قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاربع مضين من ذي الحجة او خمس فدخل علي وهو غضبان فقلت من اغضبك يا رسول الله ادخله الله النار قال او ما شعرت اني امرت الناس بامر فاذا هم يترددون لو اني استقبلت من امري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى اشتريه ثم احل كما حلوا، قال النووي في الشرح اما غضبه صلى الله عليه وآله وسلم فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه وقد قال الله تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فغضب صلى الله عليه وآله وسلم لما ذكرنا من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقص ايمانهم وفي دلالة لاستحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع انتهى.


123

«وفي صحيح البخاري» بسنده عن ابن عباس انه سئل عن متعة الحج فقال اهل المهاجرين والأنصار وازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع واهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجعلوا اهلا لكم بالحج عمرة الا من قلد الهدى طفنا بالبيت وبالصفا والمروة واتينا النساء ولبسنا الثياب وقال من قلد الهدي فانه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ثم امرنا عشية التروية ان نهل بالحج فاذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا الى ان قال فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فان الله تعالى انزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم واباحه للناس غير اهل مكة قال ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام «الحديث».

«وفي صحيح مسلم» بسنده ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم امر ازواجه ان يحللن عام حجة الوداع قالت حفصة ما يمنعك ان تحل قال اني لبدت وأسي وقلدت هديي فلا احل حتى انحر هديي.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عن عبدالله بن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع بالعمرة الى الحج االى ان قال فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة قال للناس من كان منكم اهدى فانه لا


124

يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم اهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج «الحديث». وهو صريح في ان من لم يسق الهدي حج حج التمتع المعروف، الى غير ذلك من الاحاديث التي بهذا المضمون وهي كثيرة وكلها ما عدى الاخيرين ظاهرة في التمتع الذي هو بمعنى فسخ الحج الى العمرة والثلاثة الأخيرة لورودها في حجة الوداع تبعد فيها دعوى النسخ.

(وفي بعضها) ما يدل على نهي عمر رضى الله عنه عنها (مثل) ما في سنن النسائي الصغرى بسنده عن ابي موسى وذكر انه قدم من اليمن على رسول الله صلى الله عليه واله بمكة حاجا فامرة ان يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ويحل قال فجعلت افتي الناس بذلك حتى كان في خلافة عمر فقال له رجل يا ابا موسى رويدك بعض فتواك فانك لا تدري ما احدث امير المؤمنين في النسك بعدك قال ابو موسى يا ايها الناس من كنا افتيناه فليتئد فان امير المؤمنين قادم عليكم فائتموا به وقال عمر ان نأخذ بكتاب الله فانه امرنا بالتمام وان نأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحل حتى بلغ الهدي محله.


125

«وفي سنن النسائي» الصغرى ايضا بسند اخر عن ابي موسى وذكر ان النبي صلى الله عليه واله امره حين لم يسق الهدي ان يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحل قال فكنت افتي الناس بذلك في امارة ابي بكر وامارة عمر واني لقائم بالموسم اذ جاءني رجل فقال انك لا تدري ما احدث امير المؤمنين في شأن النسك قلت ايها الناس من كنا افتيناه بشيء فليتئد فان امير المؤمنين قادم عليكم فائتموا به فلما قدم قلت يا امير المؤمنين ما هذا الذي احدثت في شأن النسك قال ان نأخذ بكتاب الله عز وجل فان الله عز وجل قال واتموا الحج والعمرة لله وان نأخذ بسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لم يحل حتى نحر الهدي، وروى مسلم في صحيحه عدة روايات في قصة ابي موسى بهذا المضمون.

«وفي صحيح البخاري» بسنده عن ابي موسى وذكر ان النبي صلى الله عليه واله امره حين لم يسق الهدي ان يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ثم امر بالاحلال الى ان قال فقدم عمر رضي الله عنه فقال أن نأخذ بكتاب الله فانه يأمونا بالتمام قال تعالى ﴿واتموا الحج والعمرة لله وان نأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانه لم يحل حتى نحر الهدي.

(اقول) المراد في هذه الاحاديث ان كلا من الكتاب


126

والسنة يبطل التمتع قال محمد بن عبدالهادي الحنفي في حاشية سنن النسائي في شرح الحديث الاول والحاصل ان الجمع بين القرآن السنة اداه الى النهي عن التمتع الخ، وقال القاضي عياض فيما حكاه عنه النووي في شرح صحيح مسلم ظاهر كلام عمر رضى الله عنه هذا انكار فسخ الحج الى العمرة الى اخر ما تقدم، والمراد بفسخ الحج الى العمرة قلب احرام الحج اليها ومنعه عن هذا مستفاد من استشهاده بقوله تعالى ﴿واتموا الحج فانه استفاد من الامر باتمام الحج عدم جواز الفسخ فان الفسخ ينافي الاتمام، ووجهه محمد بن عبدالهادي الحنفي في حاشية سنن النسائي بقوله أي واتمام كل باتيانه بسفر جديد او باحرام جديد لا يجعل احدهما تابعا للاخر أهـ. فقد حمل القاضي عياض النهي في هذه الاخبار على النهي عن فسخ الحج الى العمرة وحمله المحشي على النهي عن حج التمتع المشهور.

«وفي بعضها» ما يدل على فعل النبي صلى الله عليه واله لها والصحابة وعدم نسخها بكتاب ولا سنة وان نهي الناهي عنها كان برأيه «مثل» ما في سنن النسائي الصغرى بسنده عن مطرف عن عمران بن حصين ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تمتع وتمتعنا معه قال فيها قائل


127

برأيه. قال محمد بن عبد الهادي الحنفي في الحاشية قوله قال فيها أي في النهي عن المتعة قائل برأيه فلا عبرة به في مقابلة صريح السنة انتهى.

«وفي صحيح البخاري» بسنده عن مطرف عن عمران قال تمتعناعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء قال القسطلاني في الشرح هو عمر بن الخطاب لا عثمان بن عفان لان عمر اول من نهى عنها فكان من بعده تابعا له في ذلك ففي مسلم ان ابن الزبير كان ينهي عنها وابن عباس يأمر بها فسألوا جابرا فأشار الى ان اول من نهى عنها عمر انتهى، وهاتان الروايتان وان اطلق فيهما لفظ التمتع الا ان النسائي والبخاري اورداهما في الحج لا في النكاح مع ان الاولى ظاهرة بنفسها في ارادة متعة الحج لقوله تمتع وتمتعنا معه «وفي صحيح مسلم» بسنده عن مطرف ان عمران بن حصين قال له اني لاحدثك بالحديث اليوم ينفعك الله به بعد اليوم واعلم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد اعمر طائفة من اهله في العشر فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه ارتأى كل امرئ بعد ما شاء ان يرتئي «ورواه مسلم» ايضاً بسندين اخرين احدهما عن ابن حاتم قال وفي رواية ابن حاتم ارتأى رجي برايه ما شاء يعني عمر.


128

(اقول) اعمر طائفة من اهله أي امرهم بالعمرة في العشر أي عشر ذي الحجة، وفي النهاية الاثيرية ارتأى فكر وتأنى وهو افتعل من رؤية القلب او من الرأي أهـ.

«وفي صحيح مسلم» ايضاً بسنده عن مطرف عن عمران بن حصين تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينزل فيه القران قال رجل برأيه ما شاء «ورواه» مسلم بسند اخر وفيه تمتع نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وتمتعنا معه.

(اقول) المراد في هذه وما قبلها متعة الحج كما عرفت وأوردهما مسلم في ذلك الباب.

«وفي صحيح مسلم» ايضاً بسنده عن ابي رجاء عن عمران بن الحصين نزلت اية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج وامرنا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم تنزل اية تنسخ اية متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات قال رجل برأيه بعد ما شاء «ورواه» مسلم ايضاً بسند اخر مثله غير انه قال وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل وامرنا بها، وفي شرح النووي لصحيح مسلم قال رجل برأيه ما شاء يعني عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وقال النووي ايضاً في الشرح المذكور بعد ايراد مضامين روايات عمران بن الحصين


129

المتقدمة ورواياته الاتية في الجمع بين الحج والعمرة «ما لفظه» هذه الروايات كلها متفقة على ان مراد عمران ان التمتع بالعمرة الى الحج جائز وكذلك القران وفيه التصريح بانكاره على عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع التمتع وقد سبق تأويل فعل عمر انه لم يرد ابطال التمتع بل ترجيح الافراد عليه أهـ.

«وفي سنن النسائي» وموطأ مالك بسندهما عمن سمع سعد بن ابي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن ابي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة الى الحج فقال الضحاك لا يصنع ذلك الا من جهل امر الله فقال سعد بئسم اقلت يا ابن اخي قال الضحاك فان عمر بن الخطاب نهى عن ذلك قال سعد قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصنعناها معه.

«وفي بعضها» ما يدل على جمع النبي صلى الله عليه واله بين الحج والعمرة وعدم نسخ ذلك بكتاب ولا سنة وانه نهى عن ذلك برأيه «مثل» ما في سنن النسائي الصغرى بسنده عن مطرف عن عمران ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينه عنهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيهما رجل برأيه ما شاء. (قال) محمد بن عبدالهادي الحنفي المعروف


130

بالسندي في الحاشية قال فيهما رجل أي عمر فانه كان ينهي عن الجمع كعثمان «وفي» سنن النسائي الصغرى أيضاً بطريق آخر عن مطرف عن عمران ابن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين حج وعمرة ثم توفي قبل أن ينهى عنها وقبل ان ينزل القرآن بتحريمه وهو وان لم يكن فيه تصريح بنهي عمر عنها لكن المراد منه التعريض بذلك بقرينة غيره.

«وفي صحيح مسلم» بسنده عن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن عمران بن حصين قال اعلم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيهما كتاب ولم ينهنا وعنهما قال فيها رجل برأيه ما شاء.

«وفي صحيح مسلم» ايضاً بسنده عن مطرف ان عمران ابن حصين قال له احدثك حديثاً عسى الله ان ينفعك به ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت ثم تركت الكي فعاد «وفيه ايضاً» بسنده عن مطرف بعث الي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال اني محدثك باحاديث لعل الله ان ينفعك بها بعدي فان عشت فاكتم عني وان مت فحدث بها ان شئت انه قد سلم علي واعلم ان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب الله ولم ينه عنها نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رجل فيها برأيه ما شاء، والظاهر عدم


131

رضاه بالتحديث بها في حياته للخوف ممن قال فيها برأيه ما شاء وقال النووي في شرح صحيح مسلم اراد بقوله ان عشت فاكتم عني الاخبار بالسلام عليه لانه كان به بواسير فكان يصبر على المها وكانت الملائكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع سلامهم فترك فعادوا فكره ان يشاع ذلك عنه خوف الفتنة انتهى. ملخصا وفيه ان ظاهر الكلام كراهته التحديث بالجميع لا بخصوص السلام والا لنص عليه ولم يحرم الناس من فائدة التعلم في حياته ثم ان المراد بالجمع بين الحج والعمرة على الظاهر الجميع بينهما في عام واحد بان يكون حجه حج تمتع فان ذلك هو الذي اشتهر عن عمر النهي عنه ويدل عليه ما يأتي في الاخبار الدالة على اختصاصها بالصحابة ويحتمل ان يراد به جمع الحج والعمرة في احرام واحد وهو حج القران عندهم.

(وفي بعضها) ما يدل على ترخيصه في الجمع بين الحج والعمرة «ففي» سنن النسائي الصغرى بسنده ما معناه ان رجلا كان نصرانيا فاسلم ورأىالحج والعمرة واجبين عليه فسأل رجلا من عشيرته فقال اجمعهما ثم اذبح ما استيسر من الهدي فاهل بهما فلقي سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وهو يهل بهما فقال احدهما للاخر ما هذا بافقه من بعيره فاتى عمر فسئله فقال هديت لسنة نبيك «وروى» النسائي ايضاً هذا المضمون بطريقين اخرين قال محمد بن عبدالهادي الحنفي في الحاشية (ما هذا بافقه من بعيره) أي ان عمر منع عن الجمع


132

واشتهر ذلك المنع وهو لا يدري به فهو والبعير سواء في عدم الفهم ثم قال فان قلت كان عمر يمنع عن الجمع فكيف قرره على ذلك باحسن تقرير قلت كأنه يرى جواز ذلك لبعض المصالح ويرى انه جواز للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فكأنه كان يرى من عرض له مصلحة اقتضت الجمع في حقه فالجمع في حقه سنة انتهى. ثم انه يحتمل ان يراد من جمعهما جمعهما في احرام واحد وهو حج القران عندهم كما عرفت. فيكون خارجا عما نحن فيه وربما يرشد اليه قوله وهو يهل بهما، ويحتمل ان يراد جمعهما لعام واحد كما هو الشأن في حج التمتع فيكون دالا على الترخيص في متعة الحج ولا ينافيه قوله وهو يهل بهما فان حج التمتع لارتباط العمرة فيه بالحج وتركب النسك منهما يجوز الاهلال بهما في احرام العمرة الذي هو اول الافعال كما ورد عن اهل البيت عليهم السلام من طريق الشيعة في التلبيات المستحبة في احرام عمرة التمتع زيادة على الاربعة الواجبة لبيك بعمرة وحجة تمامها عليك لبيك مع ان الاحرام للعمرة وحدها.

(وفي بعضها) ما يدل على اعترافه بالمشروعية وانه انما نهى عنها كراهية ان يظلوا معرسين بنسائهم «مثل» ما في سنن النسائي الصغرى بسنده عن ابراهيم بن ابي موسى عن ابي موسى انه كان يفتي بالمتعة فقال له رجل رويدك بعض فتياك فانك لا تدري ما احدث امير المؤمنين في النسك بعد حتى


133

لقيته فسألته فقال عمر قد علمت ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فعله ولكن كرهت ان يظلوا معرسين بهن في الاراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم «ورواه» مسلم في صحيحه بسنده الى ابراهيم مثله الا انه زاد واصحابه بعد قد فعله.

(وفي بعضها) اعترافه بالنهي عنها مع انها في كتاب الله وفعلها رسول الله صلى الله عليه واله «مثل» ما في سنن النسائي الصغرى ايضا بسنده عن ابن عباس قال سمعت عمر يقول والله اني لانهاكم عن المتعة وانها لفي كتاب الله ولقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني العمرة في الحج انتهى.

(قال) محمد بن عبدالهادي الحنفي المعروف بالسندي في الحاشية قوله وانها لفي كتاب الله أي فاعلم تأويل الكتاب والسنة وان النهي لا يخالف الكتاب والسنة اذ لا يظن به انه قصد به اظهار مخالفته للكتاب والسنة انتهى.

(وفي بعضها) انها كانت مخصوصة بالصحابة فقط «مثل» ما في صحيح مسلم بسنده عن ابي ذر قال كانت المتعة في الحج لاصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.

«وفي صحيح مسلم» ايضاً بسنده عن ابي ذر لا تصلح المتعتان الا لنا خاصة يعني النساء ومتعة الحج انتهى.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده ان ابراهيم النخعي قال


134

لابن ابي الشعثاء لما قال اني اهم ان اجمع العمرة والحج العام لكن ابوك لم يكن ليهم بذلك وانه ذكر ذلك لابي ذر بالربذة فقال انما كانت لنا خاصة دونكم والمراد بجمع العمرة والحج هو حج التمتع بقرينة الخبرين قبله لا جمعهما في احرام واحد وفي سنن النسائي بسنده عن الحارث بن بلال عن ابيه قلت يا رسول الله افسخ الحج لنا خاصة ام للناس عامة قال لنا خاصة.

(وفي بعضها) انها كانت لابد الابد او ليوم القيامة روى مسلم في صحيحه بسنده عن عطا عن جابر اهللنا اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالحج خالصا وحده فقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فامرنا ان نحل الى ان قال فقدم علي فقال بما اهللت قال بما اهل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاهد وامكث حراما فقال سراقة بن مالك يا رسول الله العامنا هذا ام لابد قال لابد. قال النووي في الشرح وفي الرواية الاخرى فقام سراقة بن مالك فقال يارسول الله العامنا هذا ام لابد فشبك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصابعه واحدة في الاخرى وقال دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لابد ابد.

وروى النسائي في سننه بسنده عن عطا عن جابر اهللنا اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحج خالصا ليس معه غيره خالصا وحده الى ان قال فامرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال احلوا واجعلوها


135

عمرة الى ان قال وقدم علي من اليمن ثم ذكر نحوا مما مر عن مسلم ثم قال وقال سراقة بن مالك يا رسول الله ارأيت عمرتنا هذه لعامنا أم لابد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي لابد.

وروى النسائي ايضا بسنده عن سراقة تمتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتمتعنا معه فقلنا لنا خاصة ام لابد قال بل لابد.

وفي صحيح مسلم بسنده عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه عمرة استمتعنا بها فمن لمن يكن عنده الهدي فليحل الحل كله فان العمرة قد دخلت في الحج الى يوم القيامة.

الاخبار الدالة على احتلاف الصحابة في متعة الحج:

(وفي بعضها) ما يدل على اختلاف الصحابة في حكمها «ففي» صحيح مسلم بسنده عن مسلم القوي سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها وكان ابن الزبير ينهى عنها فقال هذه ام ابن الزبير تحدث ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص فيها فدخلنا عليها فقالت قد رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها ورواها ايضا بطريقين اخرين وفي احدهما المتعة ولم يقل متعة الحج وفي الاخر قال الراوي لا ادري متعة الحج او متعة النساء «وفي صحيح مسلم» بسنده عن ابي جمرة الضبعي تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فاتيت ابن عباس فسألته


136

عن ذلك فامرني بها قال ثم انطلقت الى البيت فاتاني ات في منامي فقال عمرة متقبلة وحج مبرور قال فأتيت ابن عباس فأخبرته بالذي رأيت فقال الله اكبر الله اكبر سنة ابي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم

الاخبار الدالة على ان متعة الحج كانت رخصة:

(وفي بعضها) انها كانت رخصة كما جاء مثل ذلك في متعة النساء «ففي» صحيح مسلم بسنده عن ابي ذر كانت لنا رخصة يعني المتعة في الحج «فهذا» شأن هذه الاخبار على اختلافها وتناقضها وليست باكثر تناقضا مما ورد في النهي عن متعة النساء كما بيناه عند ذكرها.

في ان حال المتعتين في الاسلام واحد:

«فظهر» ان حال المتعتين في الاسلام واحد وان النهي عنهما كان بعد ثبوتهما بالكتاب والسنة، فكما تركنا نحن وانتم نهيه في متعة الحج بمعنى حج التمتع المشهور واخذنا بما ثبت من الكتاب والسنة وتركناه نحن واحمد وبعض اهل الظاهر وغيرهم في متعة الحج الحاصلة بفسخ الحج الى العمرة فلنتركه في متعة النساء ونأخذ بما ثبت من الكتاب والسنة، وكما امكن عندكم وعند احمد واهل الظاهر وغيرهم ان يكون له محمل صحيح في نهيه عن متعة الحج بمعنى حج التمتع المشهور او


137

بمعنى فسخ الحج الى العمرة يرفع عنه تعمد مخالفة الكتاب والسنة ولا يلزمنا الاخذ بقوله على كل حال فليكن له محمل صحيح في نهيه عن متعة النساء يرفع عنه تعمد مخالفة الكتاب والسنة ولا يلزمنا الاخذ بقوله على كل حال فكيف قلتم في متعة النساء انه لا بد ان يكون نهيه مستندا الى نهي النبي صلى الله عليه واله لانه لا يخالف الكتاب والسنة ولم تقولوا مثله في متعة الحج (فان قلتم) ان نهيه في متعة الحج نهي تنزيه بمعنى النهي عن ترك الاولى والارشاد الى افضل الافراد لا نهي تحريم كما جمع بذلكك بين الروايات القاضي عياض وايده بقوله قد علمت ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فعله واصحابه لكن كرهت ان يظلوا معرسن بهن في الاراك والنووي في شرح صحيح مسلم والقسطلاني في شرح صحيح البخاري على وجه كما تقدم ذلك كله في تضاعيف ما مر.

(قلنا) فليكن نهيه عن متعة النساء ايضا نهي تنزيه ونهيا عن ترك الاولى (فان قلتم) لا يمكن ذلك في متعة النساء للتوعد عليها بالرجم في قوله لو تقدمت لرجمت وقوله لا اوتى برجل نكح الى اجل الا رجمته بالحجارة كما في بعض الروايات السابقة (قلنا) وكذلك متعة الحج توعد عليها بالعقاب في الحديث المشهور وقال القاضي عياض كما في شرح النووي لصحيح مسلم كان عمر رضي الله عنه يضرت الناس عليها يعني على متعة الحج (فان قالوا) التوعد بالعقاب على متعة


138

الحج كان للسياسة واستصلاح الرعية بحملهم على الافضل بالابعاد من دون ان يعاقبهم والامام مامور باصلاح رعيته (قلنا) فليكن التوعد بالرجم في متعة النساء سياسيا لقصد اصلاح الرعية وحملهم على ترك خلاف الاولى وما يلحقهم بسببه العار بالتوعد من دون ان يعاقبهم كما اجاب بذلك الفخر الرازي عن عدم جواز الرجم في نكاح الشبهة ونظره بقوله عليه السلام من منع منا الزكاة اخذناها منه ونصف ماله على ما تقدم مع انك قد سمعت انه كان يضرب الناس على متعة الحج ولا يكتفي بالتهديد، هذا مع ان حمل النهي على النهي عن ترك الاولى فيه.

(اولاً) انه خلاف ظاهر النهي لظهوره في التحريم بل خلاف صريحه بعد اقترانه بقوله واعاقب عليهما وخلاف ظاهر قوله ان نأخذ بكتاب الله الخ.

(وثانياً) ان المتعتين قد نهى عنهما في عبارة واحدة في الحديث المشهور وتوعد بالعقاب عليهما فالتفكيك يجعل النهي في احدهما للتنزيه وفي الاخرى للتحريم غير ممكن.

(وثالثاً) ان كثيراً من الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه واله في صحيح البخاري وغيره تدل على ان حج التمتع افضل كقوله عليه السلام لما امر اصحابه من لم يسق الهدي منهم ان يحلوا من احرامهم ويجعلوها عمرة لو استقبلت من


139

امري ما استدبرت ما اهديت او لفعلت مثل الذي امرتكم فانه عليه السلام لا يتمنى الا الافضل واعتذار ابن دقيق العيد عن ذلك فيما حكاه القسطلاني في شرح صحيح البخاري بان التمني ليس لكونه افضل بل لامر خارج غير صحيح لانه عليه السلام لا تأخذه في الله لومة لائم، ومراده بالامر الخارج ما رآه من كراهة اصحابه للاحلال كما يدل عليه قولهم ننطلق الى منى وذكر أحدنا يقطر منياً وغير ذلك كما مر.

(ورابعاً) ان هذا الحمل يبطله قول عمران بن الحصين في الروايات السابقة ان القران لم ينزل بالتحريم ولم ينزل فيه قران يحرمه فانه يدل على انه علم التحريم من نهي عمر رضى الله عنه وهو كان اقرب عهدا به واعرف بمذهبه من القاضي عياض، وكذلك قوله لم ينزل فيها كتاب ولم ينه عنها النبي صلى الله عليه واله الى غير ذلك مما يدل على شدة انكاره لنهي عمر عنها فانه صريح او كالصريح في ان عمر كان يحرمها والا فلو كان نهيه للعدول الى افضل الفردين فلا داعي لهذا الانكار الشديد ولا وجه للاستدلال بفعل النبي صلى الله عليه واله وعدم نهيه فانه يجوز ان يفعل غير الافضل وان لا ينهى عن فعله مع فرض كونه احد فردي الواجب المخير، وكذلك قوله ان عشت فاكتم عني فانه لا داعي الى الكتمان عنه الا الخوف مع ما اشتهر من تحريم عمر للمتعتين وتهديده بالمعاقبة عليهما ولذلك


140

قال قال فيها قائل ولم يصرح باسمه، وكذلك قول الضحاك في رواية السنن والموطأ السابقةلا يصنع ذلك الا من جهل امر الله واستدلاله بنهي عمر ورد سعد عليه بفعل النبي صلى الله عليه واله فان ذلك كله انما يناسب التحريم دون الكراهة او خلاف الاولى كما لا يخفى، ويبطله ايضا اتفاق الفقهاء الاربعة على جواز التمتع لكل مكلف بدون كراهة الا المكي فكرهه له لب وحنيفة ونهي عمر لم يكن خاصا بالمكيين، واما الرواية التي ايد بها القاضي عياض هذا الجمع فلا يصح الاعتماد عليها في نفسها فكيف تفسر غيرها وذلك لانها تدل على ان النهي كان استحسانا منه من غير ان يرد نهي من النبي صلى الله عليه واله فنهي عما فعله النبي صلى الله عليه واله كراهة ان يظلوامعرسين بنسائهم في الاراك ثم يروحوا في الحج تقطر روسهم من اغتسالهم للجنابة واي محذور في فعلهم لما احل الله لهم فالوثوق به يوجب منع صدور مثل هذه الرواية عنه ولهذا لم يعمل الفقهاء الأربعة بمثل هذه الرواية تحريما ولا كراهة كما عرفت وكان الاجدر بهم ان لا يعملوا بما ماثلها من روايات تحريم متعة النساء. (فان قلتم) ان بعض الروايات الواردة في نهيه عن متعة النساء قد اسندت ذلك الى النبي صلى الله عليه واله واعتضدت بروايات اخرى اسندت النسخ والتحريم الى النبي صلى الله عليه واله فلذلك قبلنا تحريمه لمتعة النساء. (قلنا) وكذلك بعض الروايات الواردة في نهيه عن


141

متعة الحج قد اسندت ذلك الى الكتاب وفعل النبي صلى الله عليه واله كالروايات الثلاث المتقدمة عن ابي موسى واعتضدت بالروايات المتقدمة عن ابي ذر انها كانت للصحابة خاصة وبغيرها مع ان الروايات التي اشرتم اليها في تحريم متعة النساء متهافتة متناقضة لا تصلح ان تكون مستندا لنسخ مثل هذا الحكم الثابت بالكتاب والسنة القطعيين كما بيناه عند نقلها. (فان قالوا) ان نهيه عن متعة الحج قد رده عليه جماعة من الصحابة كما مر عن عمران بن حصين وسعد بن ابي وقاص بل وجابر وابن عباس وردوه ايضا على عثمان ومعاوية «ففي» سنن النسائي الصغرى بسنده ان عثمان سمع عليا يلبي بعمرة وحجة فقال الم تكن تنهى عن هذا قال بلى ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلبي بهما جميعا فلم ادع قول رسول الله صلى الله عليه وله لقولك «وفي» سنن النسائي ايضا بسنده ان عثمان نهى عن المتعة وان يجمع الرجل بين الحج والعمرة فقال علي لبيك بحج وعمرة معا فقال عثمان اتفعلها وانا انهى عنها فقال علي لم اكن لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاحد من الناس. «ورواه» النسائي ايضا بسند اخر مثله «وفي» سنن النسائي ايضا عمن سمع سعيد ين المسيب يقول حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي اذا رايتموه قد ارتحل فارتحلوا فلبى علي واصحابه بالعمرة فلم ينههم عثمان فقال


142

علي الم اخبر انك تنهى عن التمتع قال بلى قال له علي الم تسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تمتع قال بلى.

«وفي صحيح البخاري» بسنده عن مروان بن الحكم قال شهدت عليا وعثمان رضي الله عنهما وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي اهل بهما لبيك بعمرة وحجة قال ما كنت لادع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقول احد.

«وفي صحيح البخاري» ايضا بسنده قال اختلف علي وعثمان رضي الله عنهما وهما بعسفان في المتعة فقال علي ما تريد الى ان ننهي عن امر فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما راى ذلك علي اهل بهما جميعا.

«وفي صحيح مسلم» بسنده عن سعيد بن المسيب قال اجتمع علي وعثمان بعسفان فكان عثمان ينهي عن المتعة او العمرة فقال علي ما تريد الى امر قد فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنهى عنه فقال له عثمان دعنا منك فقال اني لا استطيع ان ادعك فلما ان رأى علي ذلك اهل بهما جميعا.

«وفي سنن النسائي» الصغرى بسنده عن طاوس قال قال معاوية لابن عباس اعلمت اني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند المروة قال لا يقول ابن عباس هذا معاوية ينهي الناس عن المتعة وقد تمتع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.


143

«وفي صحيح مسلم» بسنده عن طاوس ان ابن عباس قال قال لي معاوية اعلمت اني قصرت من رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند المروة بمشقص فقلت لا اعلم هذا الا حجة عليك.

«وفي صحيح مسلم» ايضا بسنده عمن سأل سعد بن ابي وقاص عن المتعة فقال فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني بيوت مكة (اقول) العرش بضمتين جمع عريش فكأن بيوت مكة كانت كذلك او كان فيها ما هو كذلك «ورواه» مسلم بسند اخر وفيه يعني معاوية، وبسند اخر وفيه المتعة في الحج الى غير ذلك. اما نهيه عن متعة النساء فلم يرده عليه احد فلذلك قبلنا نهيه في متعة النساء ولم نقبله في متعة الحج (قلنا) لهم ومتعة النساء ايضا قد انكر تحريمها جماعة من الصحابة وغيرهم كما مر وفيهم ممن انكر متعة الحج عمران بن الحصين كما حكاه عنه الفخر الرازي وقد تقدم عند الجواب عن احاديث التحريم وهو الذي قد بلغ من جلالة شأنه ان الملائكة سلمت عليه كما مر عن صحيح مسلم والنووي في شرحه.

اما قوله الملا الشيعي يكتفي من السياسة بافهامهم ان رئيس الشيعة المحقة شاه العجم ورئيس السنة السلطان عبدالحميد وتهويله بان الشيعة يكونون عونا لرئيسهم اذا وقع نزاع بينه وبين الرئيس الاخر وان كانوا في بلاد الاخر وتهويله ايضا


144

بقوله اخرا ان الامر مهم من الجهة السياسية، فلا نصيب لشيء منه في الصحة واحرى بان يكون تدليسا وتلبيسا وسعيا بالفساد لو صدر من غير صاحب المنار لكن صدوره منه مع اشتهاره بالانصاف يقضي بان يكون منشؤه الجهل بواقع الامر فان الشيعة يعتقدون وجوب اطاعة السلطان العثماني واعانته ووجوب اداء الخراج اليه لكونه حافظا لبيضة الاسلام وحاميا لحوزة الدين وسلطانا وخليفة للمسلمين والاسلام دين للشيعة والسنة وكل منهما محق عند الأخر في اعتقاد الأسلام وان اختلفوا في بعض الامور التي لاتخرج عن الأسلام «فالسلطان العثماني» باعتبار كونه سلطانا وخليفة للمسلمين رئيس للسنة والشيعة لا للسنة كما توهمه صاحب المنار اذ هو ليس سلطان السنة بل سلطان المسلمين (وشاه العجم) ليس رئيساً لمذهب الشيعة كما توهمه صاحب المنار ايضاً لانه ان عنى انه رئيس ديني فالرئيس الديني لمذهب الشيعة ومنهم شاه العجم هو جعفر بن محمد الصادق الذي اخذوا فروع دينهم عنه عن ابائه عن جده رسول الله صلى الله عليه واله، وان عنى ان رئيس دنيوي فلا رياسة له الا على رعيته وفيهم الشيعي والسني والنصراني واليهودي والمجوسي وغير ذلك ولا رياسة له على الشيعة الذين هم رعايا لغيره من الملوك، فما هول به من ان هؤلاء يكونون عوناً لرئيس مذهبهم عند الخلاف وان كانوا في بلاد خصمه لا حقيقة له وما كنا نؤثر ان يصدر من مثله وكان الأليق في هذا


145

المقام والأنفع هو حث الدولة علي العدل والأنصاف بين الرعايا فبذلك يتم نظام الملك وتجلب قلوب الرعية الي حب سلطانها وعدم ادخال المسائل الدينية في هذا الموضوع لكونها اجنبية عنه (واما قوله) ان اكثر من اجابوا دعوة علماء الشيعة لم يكونوا على شيء من مذهب اهل السنة فكغيره مما سبق لاحظ له في الصحة لما عرفت من ان اعراب العراق منهم شيعة من قديم الزمان الي الأن ومنهم سنة كذلك ومن دخل منهم في مذهب الشيعة لم يكن دخوله بدعوة علمائها فياليت شعري اين هذه القبائل التي يدعي تارة انها كانت على مذهب السنة وتارة انها لم تكن على مذهب الشيعة ولا السنة فادخلها علماء الشيعة في مذهبهم ما هي الا قبائل موهومة لم تدخل في ظهر ادم ولا خرجت من بطن حوا (اما قوله) ان السياسة هي التي كانت ولا تزال مثار الخلاف بين السنة والشيعة ففيه حق وباطل فانا ان نظرنا الى افتراق المسلمين اولا وجدنا سببه الملوك السالفين من بني امية وبني العباس الذين رأوا ميل الناس الي أهل البيت فخافوا منهم علي ملكهم فامالوا الناس عنهم باسم الدين وبغيره اما في هذه الأزمان فان الملوك لا يتعرضون لمسائل الدين ولا همة لهم الا نظم الملك فلذلك كان الرعايا تميل الى العادل منهم وان خالفها في المذهب وتنفر من الجائر وان وافقها فيه «ومن» هذا يعلم ان ما بناه دعاة الأصلاح في عشرات من السنين لا يهدم بما وقع من التعدي على الحدود بل يهدم بمثل ما


146

كتبه العالم الغيور على الدولة ومذهب اهل السنة وما ذيله به صاحب المنار وذلك ان التعدي على الحدود لم يكن طلبا للدين بل توسيعا للمملكة ولذلك فهو لا يؤثر شيئاً في الوحدة الاسلامية ان كانت اما تلك الرسالة وذيلها فمما يوقع التنافر ويؤثر البغضاء والشحناء بين الطائفتين وبين الدولة والرعية بما واقع له. فالعجب من صاحب المنار كيف يتظلم من السياسة السؤى التي خشي منها ان تهدم ما بناه دعاة الأصلاح ويدرج في مجلته مثل هذه الرسالة ويذيلها بهذا الذيل وهما من اعظم ما يهدم به ما بناه دعاة الأصلاح والله يعلم المفسد من المصلح وهو نعم الحكم. هذا ما جرى به القلم في هذا المضمار والحمد لله وحده وصلى الله على رسوله محمد واله وصحبه وسلم.

وفرغ من تسويد هذه الرسالة مؤلفها العبدالفقير الى عفو ربه الغني محسن الامين الحسيني العاملي غفر الله له ولوالديه عصر يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام سنة 1327 حامدا مصليا مسلما. وكان الفراغ من طبعها في العشرين من شهر محرم الحرام سنة 1328هـ.

يقول المؤلف عفى الله عنه: عثرنا على زيادات نافعة بعد طبع المكان المناسب اثباتها فيه فاثبتناها هنا منبهين على الموضع الذي يجب وضعها فيه بذكر الصحيفة والسطر والكلمة


147

الواجب وضعها بعدها كما ستراه ليتمكن من اراد تصحيح نسخته او اعادة الطبع من وضعها في مواضعها.

ففي صحيفة 14 سطر 20 بعد الدؤلي، وواضع علم التصريف معاذ بن مسلم الهراء، وفي الطب الشيخ داود الأنطاكي البصير اعجوبة الزمان كما في دائرة المعارف، وفي ص15 س11 زدنا بعد، الخزاعي، ومسلم بن الوليد صريع الغواني كما يظهر من العقد الفريد لابن عبدربه والناشي والزاهي كما نص عليه ابن خلكان، وفي ص38 س11 زدنا بعد، صدقاتهن، وبما في تفسير الفخر الرازي من انه اوجب الاجور بمجرد الأستمتاع وهو التلذذ والأنتفاع والأجور في الدائم لا تجب على الأستمتاع بل على النكاح ولذا لزم نصف المهر بمجرد العقد وانا لو حملناها على الدائم لزم تكرار بيان حكم النكاح في السورة الواحدة لانه تعالى قال في اول هذه السورة (فانكحوا ما طلب لكم) الخ ثم قال (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) بخلاف ما لو حملناها على المتعة فانه يكون حكما جديدا، وفي ص40 س6 زدنا بعد، انتهى، وفي تفسير الفخر الرازي روي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة فشكا اصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليه العزوبة فقال استمتعوا من هذه النساء، وفي ص40 س10 زدنا بعد، نسخها، قال الفخر الرازي في تفسير اتفقوا على انها كانت مباحة في ابتداء


148

الأسلام وفي ص15 س16 زدنا بعد، مسلم، نعم في كشف الحق نقل الحديث المذكور عن الصحيحين وساقه الي ان قال حتى نهى عمر لاجل عمر وابن حريث لما استمتع.

(تنبيه)

سئلنا بعد تمام الرسالة وطبعها التنبيه على مأخذ الحكم بتشيع بعض من ذكر في صحيفة 14 و15 مثل ابن دريد ومحمد بن هاني الأندلسي والطغرائي والأبيوردي وابن العميد وبديع الزمان وهؤلاء نص على تشيعهم في امل الأمل. اما ابو بكر الخوارزمي فلم نجد من نص على تشيعه لكن يستفاد ذلك من رسائل بديع الزمان الهمداني عند ذكر المناظرة بينهما وقول بديع الزمان لما رأى اهل المجلس تعصبوا للخوارزمي عليه ما معناه ان كان غيري شيعيا فانا في اعلى درجات التشيع وانشد القصيدة التي اولها:

يا لمة ضرب الزما
ن على معرسها خيامة

ويستفاد ذلك من عدة رسائل للخوارزمي لا سيما رسالته لاهل بعض بلدان العجم.

فهرست آيات
قل لا اسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى9
ولا يشفعون الا لمن الاتضى29
وما نعبدهم الا ليقربونا إلى الله زلفى41
استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن49
واتوا النساء صدقاتهن50
يا أيها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم51
والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم53
فما استمتعتم به منهن فاتوهن اجورهن فريضة53
والذين هم لفروجهم53
يا ايها النبي اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن82
الذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم او ما ملكت ايمانهم92
والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجاً يتربصن بانفسهن أربعة اشهر وعشراً92
كنتم خير امة92
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج106
فما استمتعتم به منهن فاتوهن اجورهن106
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي115
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما122
واتموا الحج والعمرة لله125
واتموا الحج126
فهرست اشعار
الم تر أن الله قال لمريم   =   وهزي اليك الجذع يساقط الرطب43
ولو شاء ان تجنيه من غير هزه   =   جنته ولكن كل شيء له سبب43
يا لمة ضرب الزما   =   ن على معرسها خيامة148