فهرست عناوين
السقيفة

1

السقيفة ويليه الهامش


3

السقيفة العلامة المجدد الشيخ محمد رضا المظفر

ويليه على هامش السقيفة

تقديم الدكتور محمود المظفر

فهرست عناوين
تقديم 5
مقدمة الطبعة الثانية 9
( مقدمة المؤلف ) : تاثير العقيدة على المؤرخ - اضطراب التاريخ - خطة الكتاب 16
( تمهيد ) - تفسير آية الانقلاب بحوادث الردة او السقيفة وتقسيم الكتاب 23
( الفصل الاول ) موقف النبي تجاه الخلافة 31
1 - هل كان يعلم بامر الخلافة ؟ 2 - هل وضع حلا للخلاف ؟ 33
3 - ايكال الامر الى اختيار الامة 35
4 - لانص في قاعدة الاختيار 44
5 - اختلاف امتي رحمة 46
6 - الاجماع على قاعدة الاختيار 48
7 - النص على ابي بكر 52
8 - النص على علي بن ابي طالب 59
( الفصل الثاني ) تدبير النبي لمنع الخلاف 75
أ - بعث اسامة 76
1 - التشديد في البعث ، واميره ، ومن فيه من المهاجرين والانصار ، وتباطؤهم واعتراضهم 76
2 - مشاكل البعث 78
3 - حل المشاكل واسرار البعث 80
ب - ائتوني بكتف ودواة 84
( الفصل الثالث ) بيعة السقيفة 95
1 - الدوافع لاجتماع السقيفة 96
2 - نفسية الانصار 99
3 - الانصار حزبان 301
4 - هل مات النبي محمد 109
5 - وصول النبا باجتماع الانصار 120
6 - تاثير دخول المهاجرين في اجتماع السقيفة 124
7 - تاثير خطب ابي بكر على المجتمعين 126
8 - نقاش المهاجرين والانصار 133
9 - المهاجرون يربحون الموقف 137
10 - النتيجة 141
( الفصل الرابع ) علي مع الخلفاء 145
1 - الافتيات على الامام 146
2 - رايه في بيعة السقيفة 147
3 - الموقف الدقيق 150
4 - سلوكه مع الخلفاء 156
على هامش السقيفة 165
المقدمة 167
نص رسالة الاستاذ عبد الله الملاح حول كتاب السقيفة 171
نص رسالة الشيخ المظفر ردا على رسالة الاستاذ الملاح 183

5

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

الدكتور محمود المظفر الاستاذ في كلية الفقه بالنجف الاشرف يعد موضوع " السقيفة " الذي يدور البحث حوله في هذا الكتاب : من اهم الموضوعات وابعدها اثرا في تاريخنا الاسلامي حيث تشابكت حوله آراء المؤرخين والباحثين العقائديين ، وامتد فيها الجدل واسعا بينهم .

باعتباره ( فتنة ) وقى الله المسلمين شرها - على حد قول بعض اطرافها - أو باعتباره ( انقلابا ) تطبيقا لما جاء في قوله تعالى : " أفان مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم " .

ولذلك كان لهذا الموضوع الخطير الذي عالجه عمنا الراحل ( الرضا ) قدس الله نفسه الزكية في كتابه الفريد المذكور آثاره وصداه البعيد في حينه بحيث صار محورا للنقد والتعليق ومثارا للمناظرات


6

فقد صدر على اثره عن مطابع مصر كتاب " رد على السقيفة " منسوبا إلى عبدالله الحضرمي .

تناول فيه بالرد على كتاب ( السقيفة ) بشكل جانب فيه الموضوعية واصول البحث والمناظرة .

ثم صدر ردا عليه الكتاب الموسوم ب‍ ( رد على السقيفة ) لمؤلفه السيد القزويني احد اعلام البصرة الذي تولى فيه باسهاب مناقشة الرد المذكور ومعالجة موضوعاته المختلفة .

كما ظهر بعدئذ " كراس " بعنوان ( على هامش السقيفة ) وهو الذي احتوى ما قدمه السيد عبدالله الملاح البحاثة الموصلي إلى الشيخ المؤلف من اسئلة وملاحظات ، وما توفر عليه المؤلف من اجابات وايضاحات لها .

لقد كان من رغبتنا ان نقوم بجمع الاصل والردود المذكورة مع ما كتب من ايضاحات أو تعليقات رددتها بعض الكراريس والمجلات في مجلد زضخم واحد ، يعرض المشكلة محررة باقلام اطرافها .

بيد ان محالوة تستر مؤلف كتاب ( رد على السقيفة ) وراء اسم عبدالله الحضرمي المذكور الذي لاواقع له فيما ظهر لنا ، الامر الذي يتطلب استجاازة صاحبه الحقيقي في اعادة نشره ، مضافا إلى ان المؤلف نور الله ضريحه لم يشأ في حينه ان يعلق على واحد من تلك الردود أو التعليقات خلا تلك الاسئلة والاستفسارات التي وجهها إليه الاستاذ الملاح والتي اثرنا الحاقها مع اجوبتها في احخر الكتاب .


7

ان هذا ونحوه دعانا بالفعل إلى العدول عن تحقيق فكرة المجمع هذه ، مفضلين اعادة نشر الكتاب ملحوقا به الهامش المذكور وحده لما احتواه هذا الهامش من اسئلة واجوبة قد تساعد كثيرا على توضيح وتعميق بعض مسائل الكتاب .

على اني لا أجد في هذا الحين اكثر ثمرة وعطاءا من التوسع في نشر هذا الكتاب نفسه وتعميمه بين الفئات المتطلعة إلى هذا النوع من الدراسات التحليلية والموضوعية لذلك بوادر باعطاء الاجازة لنشره هذه المرات العديدة التي جاوزت السبع - بما فيها هذه الطبعة .

سواء ما نشر منه في لغته الاصلية أو فيما ترجم إلى اللغات الاخرى من فارسية واوردية .

هدانا الله تعالى جميعا سواء السبيل وشد من أزرنا كامة اسلامية واحدة تسعى وراء الحقيقة .

النجف الاشرف 17 ربيع الاول 1400 ه‍ .

محمود الشيخ محمد حسن المظفر


9

مقدمة كان المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر قد اشرف على نشر الكتاب في طبعته الثانية ، وقدسجل هذه الكلمة القيمة التي نعيد نشرها في هذه الطبعة معتزين بها .

- 1 - موضوع هذا البحث قديم جدا وقد سبق ان عالجته عشرات الاقلام في مختلف العصور وكان مسرحا لكثير من عواطف الكتاب تلاعبت فيه بأساليبها الخطابية التي لا يراد بها غير تركيز عقيدة اصحابها من طريق اللف والدوران ولم يسلم من آفاتها الا القليل .

وعلى كثرة من كتب فيه في عصرنا الحاضر لم اجد - في الغالب - من اخضعه للتطور فغير في مناهج البحث ، وجدد في طريقة الاستنتاج وبدل في اساليب العرض إلى ما يلائم


10

اذواق العصر فكانت حاجته كبيرة إلى من يعالجه معالجة موضوعية مجردة من ناحية ، ويأخذ بيده إلى حيث يرجى له من التطور الذي تقتضيه مناهجنا العلمية الحديثة من ناحية اخرى .

واشتدت الحاجة قبل عدة من سنين حين كثر البحث في هذا الموضوع كثرة تلفت إليها الانظار وحين ازدحمت عليه العواطف فأساءت استغلاله وتركته عرضة لاحداث ومشاكل اجتماعية يذكر الكثير من القراء مدى مفعولها في هذه الاوساط وكان لابد لهذا الطغيان العاطفي من احداث رد فعل في نفوس بعض الباحثين المجردين ممن تهمهم رسالتهم العلمية قبل كلشئ .

وكان سماحة شيخنا العلامة المظفر - مؤلف هذا الكتاب - في طليعة اولئك الباحثين كما كان كتابه هذا نتيجة لرد الفعل الذي احدثه ذلك الطغيان .

- 2 - اما الكتاب فقد وفق في عدة نواحي وفق في نظرته لبحثه نضرة موضوعية خالصة لا يلمس فيها للمؤلف أية عاطفة ولا يدرك فيها أي تحيز وإذا قدر له ان ينتهي في بحثه إلى حيث تنتهي عقيدته المذهبية فليس ذلك الا لان منهجه العميق انتهى به إلى هذه النهاية ، ووفق في منهجه العلمي الدقيق القائم على التماس ملابسات شتى القت كثيرا من الاضواء على هذه الحادثة التاريخية بالاضافة إلى ما عرض من النصوص الواردة فيها خاصة ناقدا لها جميعا نقدا دلاليا دقيقا مجليا مفاهيمها


11

على حسب ما يقتضيه الفن معتمدا في ذلك اصح الطرق الموصلة إليها مختارا من الاحاديث ما اتفق عليه الثقات من ائمة الحديث لدى الطائفتين المسلمتين ، ووفق اخيرا في اسلوبه في العرض وتنظيمه لبحثه تنظيما فنيا ينتهي بك إلى نتائجه من اقرب الطرق وايسرها ببيان رائع جذاب .

والحق ان الكتاب يعتبر مرحلة تطورية مهمة اوصل بها المؤلف هذا البحث إلى عصره الذي يعيش فيه وهو من الكتاب القلائل في هذا الموضوع التي ادت وظيفتها كاملة .

- 3 - ولعل القارئ الكريم يود ان يعرف مدى اثر هذا الكتاب في نفوس الباحثين والمعنيين بهذه الشؤون وكيف استقبلوا بحوثه الحرة والى اي مدى كان اقبالهم عليه أو اعراضهم عنه ، والحقيقة ان الناس لم يتفقوا عليه بحال فقد انقسموا حوله طائفتين رضيت عنه اولاهما وحمدت لمؤلفه اسلوبه المجرد واطرته اطراء عاطرا وخير من يمثلها من الاعلام سيد هذا الفن في عصرنا الحاضر سماحة اية الله العلامة الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين مؤلف كتاب المراجعات وغيره مما يعتبر فتحا في البحوث الكلامية التي خضعت للمنهج العلمي في عصرنا الحاضر فقد كتب حفظه الله إلى مؤلفه كتابا يعرب فيه عن رأيه فيه وفي مؤسسته التي يرأسها ، نذكره هنا بنصه اعتزازا بثقته بالكتاب واكبارا لرأيه


12

بالمؤسسة التي احتضنها المؤلف واعتبر بحق ، رائدها الاول وحافظ سيرها وتوازنها منذ تأسيسها حتى اليوم وهذا نص الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم السلام على امير المؤمنين وسيد الوصيين ورحمة الله وبركاته ايد الله شيخنا العلامة البحاثة المجاهد الشيخ محمد رضا المظفر واعز اقطاب مجمعه الثقافي الديني لمنتدى النشر وسلام الله عليه وعليهم وحي الله منهم ارواحا طيبة طاهرة تصدعبالحق في منتداه الكريم .

وبعد فقد اخذت هديتكم القيمة كتاب " السقيفة " بعين الشكر ثم استشففت فيه اثر الجهد النبيل الجدير بالمؤسسة العلمية الطالعة بما انتظمه من سلامة البحث وسمو التفكير وحسن الاداء على وجه سد فراغا في المطبعة النجفية .

وكنا فيمن عقد الامل " بالمنتدى " يوم تأسيسه وناط به الرجاء ان يكون له الاثر المحمود في توجيه الناشئة الدينية وبناء الجيل الطالع وتجديد ميراث النجف في بعث يلائم التطور الحاضر ويماشيه في مداه الطويل ووسائله المنوعة وذلك اني رايت من قديم ان الهدى لا ينتشر الا من حيث ينتشر الضلال وعلى هذا رجوت ان تكون المطبعة وتنويع المنهج


13

الدراسي واحياء العلوم الاسلامية المذخورة كل هذا من رسالة منتداكم المرجو ولم تخلفوا الظن ولله الحمد فان الذي يبلغنا من اخباركم السارة واثاركم النافعة يثلج الصدر وينعش الامل وليس شئ كأثركم الاخير هذا السفر الجليل داعيا إلى الاطمئنان والاستبشار بمستقبل نير يضع النجف الاشرف في مكانه الاسمي ومحله الا رفع والسلام عليكم ورحمة الله عبد الحسين شرف الدين ولهذا الكتاب الكريم نظائر من الكتب من اعلام الباحثين الذين يألفون هذا النمط من التفكير تركنا ذكرها الان اكتفاء بهذه الرسالة الجليلة .

أما الطائفةالاخرى التي لم يبد انها ارتاحت لهذا الاسلوب من البحث واعتادت على مواجهة مثله بأعصاب متوترة توجهها العاطفة حسبما تريد فخير من يمثلها مؤلف كتاب " رد على السقيفة " وهذا الرد إذا استثنينا منه ما حشد فيه مؤلفه من الفاظ السباب الخارجة على اداب البحث والتي يفزع إليها العاطفيون عادة إذا اعوزتهم الحجة لم يخلص لنا منه الا القليل .

وهذا القليل وضع في حضرته للنقد والجدل مقياسا لا نتفق عليه معه بوجه وما ادري إلى أي حد يتفق معه الاخرون من باحثي قومه عليه فهو يرى كما يبدو من مجمع الكتاب - ان المقياس لديه في كل شئ يتعلق بالموضوع هو


14

ميوله الخاصة ، فالاحاديث التي لا تتفق معها احاديث موضوعة وان اجمع ثقات المحدثين من الطرفين على تصحيح اسانيدها مع ان بعضها متواتر لا يشك بصدوره عن النبي ( ص ) بحال ، والاحاديث التي توافق هواه صحيحة وان حكم ارباب الجرح والتعديل من قومه بوضعها وشخصوا الواضع وعينوه ، ومداليل الاحاديث يجب ان تصرف عن ظواهرها إذا لم تؤيده وان خرج الكلام على الاصول الموضوعة في هذا الفن إلى اخر ما هنالك مما لا يقتضي التعرض له في صدور هذا الكتاب على ان هذا ليس غريبا على حضرته ما دام يواجه التأريخ بهذه الذهنية ، ولكن الغريب من مجلة مصرية تنطقبلسان هيئة محترمة قرأ محرروها الرد ولم يقرؤا الاصل فاستعاروا منه اسلوبه في الشتم ونحوا على الكتاب وصاحبه باللوم والتقريع مع ان ( التبين ) كان اليق بهم وبمكانتهم العلمية لئلا يصيبوا قوما بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين .

- 4 - وعلى أي حال فأن لجنة المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر لم تجد ما يصلح للرد على هذا وامثاله اكثر من السماح للناشر الفاضل الشيخ محمد كاظم الكتبي باعادة طبعته للمرة الثانية وتمكين القارئ الذي لم يقدر له الحصول على نسخة منه من الاطلاع عليه تاركة للقراء وحدهم حق الحكم له أو عليه ، ولا يفوتنا ان نشكر الناشر على ما بذل في


15

نشره من جهد ونسأله تعالى اخيرا ان يلهمنا جميعا الصواب والسداد 5 رمضان سنة 1372 ه‍


16

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد على سوابغ آلائه .

والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه النجباء .

- 1 - تأثير العقيدة على المؤرخمن اشق الفروض على المؤرخ ان نفض عن ردائه غبار التعصب لنزعاته الشخصية من دينية أو قومية أو وطنية ونحوها .

بل لعله من شبه المستحيل ان ينزع من قلمه لحاء عقائده واأهوائه .

فان النفس تلهم عقل صاحبها التصديق بميولها وعواطفها ، وكثيرا ما تقف سدا منيعا بين بصيص عقله والحقيقة ، وإن حاول ان يخرج من نفسيته التي ورثها ونشأ عليها .

ويتحلل فكره من أسرها وسجنها ليحلق في جو الحق الطليق .

وإذا رأيت طائرا أسعده الحظ فتحرر من سجنه فالحقه إذا كنت حرا مثله ، فستجد ان جناحه مثقل بغبار


17

السجن ، وارجله لا تزال متأثرة بالقيود ، فيختلج في رفيفه ويتثاقل في طيرانه ، وقد يهوي أحيانا إلى الهوة غير مختار .

هذا من حاول ان يتحرر من شخصيته الاعتقادية وتأثيرها عليه .

اما من يؤرخ لاجل غذاء عقيدته ، أو يؤلف ارضاء نفسه أو محيطه ، فاقرأه ألف سلام ! وأرجو من الله تعالى أن يوفقني لئلا أكونه .

وأظنني غير مبالغ إذا قلت : إن المؤرخين من السلف على الاكثر - وأقول " على الاكثر " إذا أردت الاحتياط في القول كانوا من النوع الثاني .

بل حتى المؤرخين النوع الثاني .

بل حتى المؤرخين في عصرنا لا يخرجون عن هذه الطريقة على الغالب .

وإن تظاهروا بحرية الرأي وانصاف الواقع والحق ، فظهر جليا - بالرغم على المؤرخ - نزعته على قلمه ويتماشيتأريخه وتأليفه مع الروح التي يحملها ، فيختار من الاحاديث مالا يفسد عليه رأيه ، ولا يصدق إلا بما يجري على هواه .

فكم يكون الرجل عنده كذابا وضاعا ، لانه نقل مالا يتفق ومبادءه ، وكم يكون ثقة صدوقا لانه لم يرو إلا أحاديث تؤيد طريقته .

- 2 - اضطراب التاريخ وهناك بلاء مني به التاريخ الاسلامي خاصة حماه


18

بالغموض والشك عن الباحثين المنصفين .

ذلك كثرة ما لفقه الوضاعون والدساسون في القرون الاولى من الهجرة ، لاسيما القرن الاول فاشاحوا بوجه الحقائق وقلبوها رأسا لعقب .

وليس أدل على ذلك من التناقص والاضطراب الموجود في اكثر احاديث الوقائع التاريخية ، فضلا عن الاحكام الشرعية ، ما عدا الاختلاف في خصوصيات الحوادث والاحكام مما يذهب بالاطمئنان إلى كل حديث .

ولا اظن ناظرا في التاريخ لا يصطدم بهذه الحقيقة المرة .

ولا يمكن ان يحمل كل ذلك على الغلط في النقل والغفلة في ارواية .

ولنعتبر بأهم حادثة يجب اتقانها عادة ، مثل يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ، فانك تعلم كيف وقع الاختلاف في تعيين اليوم من الشهر بل في تعيين الشهر .

وهذا أمر شهده جميع المسلمين وهزهم هزا عنيفا فلا يمكن انيفرض فيه النسيان أو الغفلة .

فماذا ننتظر بعد هذا من تاريخ حروبه واحواله ، ومن نقل اقواله واحاديثه لاسيما فيما يتعلق بالشئون التي اختلف فيها المسلمون فتحاربوا عليها ، أو تشاتموا لاجلها فكفر بعضهم بعضا .

ولعل اسباب الوضع ثلاثة اشياء : 1 - حب تأييد النزاعات والعقائد ، فيغري على الكذب ولعل ذلك يخدعه بأن الرأي الذي يعتقده حقا يسوغ له الوضع ، مادام الموضوع في اعتقاده هو أو شبيه به .


19

2 - حب الظهور والتفوق فقد كان للمحدث في العصور الاولى المنزلة العظيمة بين العامة ، وبالحديث كان التفاخر والتقدم ، ويمتاز من كان عنده من الحديث ما ليس عند الناس ، فأغرى ذلك ضعفاء العقول وعبدة الجاه وعبدة الجاه ، فاحتالوا للحديث من كل سبيل ، حتى من طريق الوضع والتزوير .

3 - ما بذله الامويون واشياعهم من كل غال ورخيص للمحدثين على وضع ما يؤيد دستهم وملكهم واهواءهم ، ولا سيما فيما يحط من كرامة آل البيت ، وفيما يرفع من شأن اعدائهم وخصومهم ، فكثرت القالة يومئذ واتسع الخرق ، حتى طعن الاسلام طعنة نجلاء لم يبرأ منها إلى يوم الناس هذا .

- 3 - خطة الكتابفلذا وذاك أصبحت ، وانا كثير الشك والتحفظ في جملة مما ينقله المؤرخون والمحدثون ، وأقف حائرا عند كل حديث يتعلق بالخلافات المذهبية خاصة .

فكيف بي ، وانا اقحمت نفسي في البحث عن اول حادث في الاسلام نشب فيه الخلاف بعد الرسول وانشق فيه المسلمون طائفتين ذلك حادث ( السقيفة ) ! .


20

كيف بي ، وقد وقفت بين نفس تطالبني بأن ارضيها في عقيدتها ، وبين تأريخ هذا حاله قد احيط بالشكوك والشبهات وقد كتب في الحادثة الطرفان ، فشرفت طائفة وغربت اخرى .

ولكني اريد الآن ان أتحرر من عقيدتي واتمرد على نفسي فأقف حرا على نشز من الانصاف والتروي ، وأمسح عن عيني غبار التعصب لارى تلك الحقيقة الواحدة وهي واحدة في كل شئ - فهل اراني استطيع علاج ما بي ؟ هذا ما أشكه في نفسي وواجب علي الا اثق بها ، فما السبيل إذن ؟ ثم ماذا سأصنع في علاج الناحية الاخرى : ناحية التاريخ المظلم ؟ - انها لمزلة للقدم ، ولها ما بعدها ؟ .

- دعني أرجع ادراجي ؟ .

- لكنه الهوى في النفس وعزيمة صحت من عهد المعمي من عهد ليس بالقريب لا كشف لنفسي ، أو لغيري - إذا جاء لي - ذلك اللغز المعمى ، ومن يستطيع ان يدافع ذلك من نفسه .

على اني اجد في بحثي سلوة ومتعة يلذ لي فيه ان المسبعض الحقائق عن بصيرة ومتعة اخرى ان اسجله انتاجا باقيا للناس .

وايضا لما كنت احاول - ان صدقتني المحاولة - ان احيط باسرار الحادثة وفلسفتها ونتائجها ، فلا يكون ما اكتبه تأريخا مجردا جافا واحدوثة خالية من ذوق ، فان ذلك يستحثني على


21

المضي في البحث ويشجعني على اخراجه للناس .

وان كان فيه صعوبة اخرى قد تقحمتها وجب الي عبؤها الثقيل .

وبعد التفكير والمحاولات مدة طويلة هديت إلى شئ واحد بالاخير ارجوا ان ابتعد بسببه عن تأثير العواطف ولعبها بالعقول واقترب من الحق والصدق ، هو ان اكثر من مراجعاتي لمؤلفات من اخالفه في الرأي من ناحية مذهبية ، بل اجعلها هي المصدر في البحث وظني ان بهذا سيحصل التفاعل من الجانبين : عقيدتي وهذه المصادر ، لينتج ما قد يسمونه ( الوسط في الرأي ) أو تكون الحقيقة قد اهتديت إليها بهذه الحيلة ، إن طاوعتني .

وقد اخذت على نفسي في هذا الكتاب ان اسجل خلاصة مطالعاتي ومحاكماتي التاريخية ، بعد ان سبرت كثيرا من المصادر القديمة التي اشرت إليها آنفا ، فإذا كنت اذكر حديثا أو حادثا تأريخيا توافرت المصادر على ذكره وتوقيقه ، فاني لا اذكر معه تلك المصادر توفيرا على القارئ خشية إعناته بدون جدوى ، الا بعض الاحاديث التي ينفرد بها مصدر أومصدران ، فاني اضطر اضطرارا إلى ذكر المصدر في التعليقة تنويرا لذهن القارئ غير المتتبع .

وكل جهدي ان اضع بين يدي القراء صورة مصغرة مما اهتديت إليه من افكار ، ارجو ان تكون خالصة من تأثير


22

العواطف والنزعات حرة هي الحق كله أو قريبة من الحق ، وبالله التوفيق ومنه التسديد .

شهر رمضان 1353 هجرية المؤلف محمد رضا المظفر


23

بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد في عام 11 للهجرة يفعل الدهر فعلته الاولى ، فيقلب صفحة من صفحات التاريخ الاسلامي المجيدة كتبت بأحرف من النور الالهي .

كلها ايمان وصدق ، جهاد وتضحية ، فخر وقوة ، عز ومجد ، عدل ورحمة ، اخوة وانسانية .

يقلب الدهر هذه الصفحة الناصعة بالخيرات والفضائل ، بأفول ذلك النور المقدس من الارض ، فيستقبل بالمسلمين صفحة من كتابه التكويني مشوشة الخط قال عنها الكتاب التشريعي : ( أفان مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم . ) .

لاشك عند من يعترف بالقرآن الكريم وحيا إلهيا لا ينطق صاحبه عن الهوى ، في ان هذا الحادث التاريخي العظيم بموت منقذ الانسانية ، كان حدا فاصلا بين عهدين يختلفان كل الاختلاف : ذاك اقبال بالنفس والنفيس على الحق تعالى ، وهذا انقلاب عنه على الاعقاب .

إذن نحن الآن أمام أمر واقع : مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم !


24

ولا بد أن يكون المسلمون ( - كلهم ؟ - لا أدري الآن ) قد انقلبوا على اعقابهم .

ولكن .

بأي حادث كان مظهر هذا الانقلاب ؟ .

اعطني من نفسك - أيها القارئ - وفكر بحرية ، والتمس لي حادثا ذا بال وقع بعد وفا صاحب الرسالة مباشرة ، فنضح برذاذه جميع المسلمين ، فهل تجد غير حادث " السقيفة " ؟ ما أعظمه من حادث ! وهل تدري ان الشيعة تفسر الآية الكريمة به ؟ .

فإذا ؟ ردنا الآن أن نبحث عن " السقيفة " ، فانما نبحث عن أعم حدث في الاسلام ، واول حوادثه بعد الوفاة ، له علاقتة الخاصة بالآية الكريمة ، أتفسر به أم لا ؟ .

وعلى هذا الاساس قلت في المقدمة شرق فيها قوم وغرب آخرون فدخلت العقائد والاهواء في سرد الحادثة ، فكانت ذات ألوان ووجوه يكد فيها الباحث ، ويجهد مستهدف الحقيقة .

وما علي لو أدعي قبل الدخول في بحث السقيفة ان الآية الكريمة تفسر بحوادث الردة التي وقعت في خلافة ابي بكر .


25

ولكني لا اطمئن إلى هذا الاحتمال ، ما دامت الآية تشعرنا بأن الانقلاب يقع بعد موت النبي مباشرة ، وما دامت هي خطابا لجميع المسلمين ، واهل الردة - كيفما فرضناهم - هم اقل القليل من المسلمين ، بل في العدوة القصوى منهم .

وفوق ذلك نجد ان عمدة من نسميهم بأهل الردة هم المتنبؤن واشياعهم ، كمسيلمة واتباعه ، وطليحة واوليائه .

وهؤلاء كانوا في عهد النبي واستغلظ امرهم بعده ، ما عدا سجاح التميمية ، وما كان لها كبير شأن وقد اندمجت بمسيلمة .

اما الاسود العنسي فقد قتل في حياة الرسول ولازم انصاره طريقته بعده .

وعلقمة بن علاثة ارتد في زمانه صلى الله عليه وآله .

ومثله ام رفل سلمى بنت مالك وتابعوها .

أفيصح ان نقول : إن هؤلاء انقلبوا على الاعقاب بعد النبي ، وكان الخطاب بالآية لهم ؟ اللهم ان هذا يأبى الانصاف ان يصدق به ، عند من كان له شئ من حرية الرأي وصحة التفكير .

ومالك بن نويرة ( 1 ) .

- مالك وادع سجاح ( والموادعة .

المتاركة والمسالمة على ترك الحرب كما كان كعب القرضي موادعا لرسول الله ) .

وليست الموادعة من الردة في شئ واكثر من ذلك إنما كانت

( 1 ) وبه يضرب المثل المشهور : " فتى ولا كمالك " .


26

منه لمصلحة المسلمين ، ليرد سجاح عن غزوهم في تلك الاصقاع النائية عن مركز المسلمين .

وكان الذي أراد .

وإن كانت تلك الموادعة ذنبا ، فقد اظهر هو وقومه التوبة بعد ذلك ، كما صنع وكيع وسماعة ، وهما وادعا سجاح ايضا ، وقبل المسلمون المحاربون توبتهما .

وهذا ابو بكر يدي مالكا إذ قتله خالد بن الوليد وخلا بزوجته ليلة قتله ، فهل تفسر بهذا آية الانقلاب ؟ .

ولا ذنب لمالك - إذ عد من اهل الردة - إلا أن قاتله بطل المسلمين يومئذ وقائدهم .

وحقيق عليهم ان يدافعوا عن فعلته ويبرروا عمله .

فليكن مالك مرتدا يستحق القتل ! وما يهمنا ان نشين مالكا بما يستحق وبما لا يستحق ، ما دامت كرامة خالد محفوظة مصونة من النقد ! .

عمر بن الخطاب يريد ان يؤخذ خالد بقتله لمالك ونزوه على زوجته وابو بكر يعتذر عنه ( انه اجتهد فأخطأ ) .

وما الخطأ على المجتهدين بعزيز .

وهذا من اوليات ابي بكر ، إذ يجعل الاجتهاد عذرا للمخالفة الصريحة للقانون الاسلامي .

وابو بكر لم يقل لمتمم اخي مالك انه ارتد فقتل بل قال له : ما دعوته وما قتلته ، لما قال له متمم من ابيات : ادعوته بالله ثم قتلته

لو هو دعاك بذمة لم يغدر


27

نعم ! التاريخ ينزه مالكا .

وقضى الدفاع عن خالد ان يحكم بعض الكتاب في هذا العصر بكفر مالك وارتداده ! .

ومن هم أهل الردة غير هؤلاء ؟ .

- مانعوا الزكاة .

- مانعوا الزكاة ؟ .

من هؤلاء بأسمائهم وقبائلهم ! ليت احدا يرشدني إليهم ! فقد وجدت التأريخ يجمجم في ذكرهم فيحصر ، ويروح ويغدو فلا يجد غير المتنبئين واشياعهم .

وأبو بكر لما قال كلمته المشهورة : ( لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه ) ، فانما قالها عندما جاء وفد طليحة المتنبئ المتقدم ذكره يطلبون الموادعة على الصلاة وترك الزكاة ، لا في قوم غير المتنبئين .

وإذا كانوا - وربما كانت بعض القبائل المجهولة امتنعت عن الزكاة - فهل العصيان بترك واجب ، وهم يقيمون الصلاة يكون كفرا وارتدادا ؟ بأي مذهب وبأي دين ؟ فليتأول المتأولون ما شاؤا .

ولم يعرف عنهم انهم أنكروا وجوب الزكاة بقول ، حتى يكونوا من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين .

وأكثر ما عرف عنهم إذا كان لهم من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين


28

وأكثر ما عرف عنهم إذا كان لهم وجود غير المتنبئين انهم امتنعوا عن أدائها .

وتغلق دعوى المدعي أن هؤلاء أنكروا بيعة ابي بكر التي كانت عن غير مشورة من المسلمين كما صرح به عمر بن الخطاب ، فلم يعترفوا له بامامة وولاية حتى يؤدوا له الزكاة .

ولعلهم كانوا يطالبون بخلافة من كان النص من النبي على خلافته ، فأهمل مطالبتهم التأريخ .

هذه احتمالات لا يفندها التأريخ والاعتبار ، وادعتها الشيعة فيهم ، فما لنا بتكذيبها من برهان ، فالاحسن لنا ألا نعترف بوجودهم كما أهمل التأريخ أسماءهم وقبائلهم .

ومهما كان الامر ، فان استطاع الكاتب ان يثبت الانقلاب بأول حدث في الاسلام ، فلا يهمه ماذا سيكون شأن الحوادث اللاحقة ، بل يستعين على تفسيرها بتفسير الحادث الاول ، وكفى ! وأجدني مضطرا قبل كل شئ إلى ان أقف مع القارئ على ما صنعه النبي صلى الله عليه وآله ، من حل للخلاف بعده : إما في وصية باستخلاف أحد ، أو في قاعدة مضبوطة يرجعون إليها ، أو انه اهمل الامر وتركهم وشأنهم ، لان هذا البحث له علاقة قوية في موضوع بحثنا ، يتوقف عليه تفسير كثير من الحوادث .


29

إذن سنعقد الكتاب على اربعة فصول : الفصل الاول - في موقف النبي تجاه الخلافة الفصل الثاني - في تدبيره لمنع الخلاف الفصل الثالث - في بيعة السقيفة الفصل الرابع - موقف علي بن ابي طالب .


31

الفصل الاول موقف النبي تجاه الخلافة

32

1 - هل كان يعلم بأمر الخلافة ؟ هل تجد من نفسك الميل إلى الاعتقاد بأن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يعلم بما سيجري بعده : من خلافات وحوادث من اجل الخلافة ؟ وهل تراه كان غافلا عما يجب في هذا السبيل ؟ .

إذا كان لك هذا الميل فلا كلام لي معك ، وارجو منك - يا قارئي العزيز علي - أن تلقي الكتاب عندئذ عنك ولا تتعب نفسك بالاستمرار معي إلى اخر الحديث ، لاني افرض قارئي مسلما يؤمن بالنبي ورسالته ، ويعرف من تأريخه ما يكفيه في طرد هذا الوهم .

فان من يمت إلى الاسلام بصلة العقيدة لابد ان يثبت عنده على الاقل ان صاحبه صرح في مقامات كثيرة بما ستحدثه امته من بعده فقد قال غير مرة : ( ستفترق امتي علىثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار ) .

واكثر من ذلك انه لم يستثن من اصحابه إلا مثل همل النعم ، ثم هم يدخلون النار بارتدادهم بعده على ادبارهم القهقرى ، أو يردون عليه الحوض فيختلجون بما احدثوا


33

بعده .

وفي بعض الاحاديث : ( فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم ) ( 1 ) واخبرهم انهم يتبعون سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعوهم .

و ( الخلافة ) امر كانت تحدثه به نفسه الشريفة ، ويشير إليها انها ستكون ملكا عضوضا بعد الثلاثين سنة .

وثبت انه قال : ( هذا الامر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ) .

وقال : ( من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ) .

وقال .

وقال .

إلى ما لا يحصى .

وسيرته والاحاديث عنه - وما اكثرها - تشهد شهادة قطعية على ما كان من اختلاف امته ، وعلى أن الخلافة والامامة من اولى القضايا التي كانت نصب عينيه .

2 - هل وضع حلا للخلاف ؟ إذن كان صلى الله عليه وآله عالما بأن الدهر سيقلب لامته صفحة مملؤة بالحوادث والفتن ، والخلافات والمحن ، وان لابد لهم من خلافة وإمارة .

( 1 ) صحيح مسلم 8 : 107 وغيره .


34

فلا بد ان نفرض انه قد وضع حلا مرضيا لهذا الامر يكون حدا للمنازعات وقاعدة يرجع إليها الناس ، لتكون حجة على المنافقين والمعاندين ، وسلاحا للمؤمنين ، ما دمنا نعتقد انه نبي مرسل جاء بشيرا ونذيرا للعالمين إلى يوم يبعثون ، فلم يكن دينه خاصا بعصره ، ليترك امته من بعده سدى من غير راع أو طريقة يتبعونها ، مع علمه بافتراق امته في ذلك .

ولا يصح من حاكم عادل ان يحكم بنجاة فرقة واحدة على الصدفة من دون بيان وحجة تكون سببا لنجاتهم باتباعها ، وسببا لهلاك باقي الفرق بتركها .

لن‍ ؟ ان الحديث والتأريخ لم يسجلا لنا الحل الذي نطمئن إليه ، فهل يصح ان نصدقهما بهذا الاهمال ، ونوافقهما على ان النبي ترك امته سدى ، وفي فوضوية لاحد لها يختلفون ويتضاربون ؟ ، ثم يتقاتلون ، وتراق آلاف آلاف الدماء السلمة ، ساكتا عن اعظم امر مني به الاسلام والمسلمون ، مع انه كان على علم به ؟ .

ولو كنا نصدقها مستسلمين لكذبنا عقولنا وتفكيرنا ، فان الاسلام جاء رحمة لينقذ العالم الاسلامي من الهمجية والجاهلية الاولى ، فكيف يقر تلك المجازر البشرية في اقصى حدودها ، تلك المجازر التي لم يحدث التأريخ عن مثلها ولا عن بعض منها في عصر الجاهليين .


35

فما علينا إلا ان نتهم التأريخ والحديث بالكتمان وتشويه الحقيقة بقصد أو بغير قصد .

ولئن لم يكن محمد نبيا مرسلا يعلم عن وحي ويحكم بوحي فليكن - على الاقل - اعظم سياسي في العالم كله لا اعظم منه ، فكيف يخفى عليه مثل هذا الامر العظيم لصلاح الامة بل العالم بأسره مدى الدهر ، أو يعلم به ولا يضع له حدا فاصلا ؟ .

وهل يرضى لنفسه عاقل يتولى شئون بلده فضلا عن امة ، ان يتركها تحت رحمة الاهواء واختلاف الآراء ولو لامد محدود ، وهو قادر على اصلاحها أو التنويه عن اصلاحها ، إلا ان يكون مسلوبا من كل رحمة وانسانية ؟ حاشا نبينا الاكرم من جاء رحمة للعالمين ومتمما لمكارم الاخلاق وخاتما للنبين ! وقد قال الله تعالى على لسانه بعد حجة الوداع : ( اليوم اكملت لكم دينكم ) .

وقد وجدناه نفسه لا يترك حتى المدينة المنورة ، إذا خرج لحرب أو غزاة ، من غير امير يخلفه عليها ، فكيف نصدق عنه انه اهمل امر هذه الامة العظيمة بعده إلى اخر الدهر ، من دون وضع قاعدة يرجعون إليها أو تعيين خلف بعده .

3 - ايكال الامر إلى اختيار الامة

لنختار الان لحل هذه المشكلة انه صلى الله عليه وال


36

وسلم أو كل امته إلى اختيارهم ، أو إلى اختيار اهل الحلوالعقد منهم خاصة في تقرير شئون الخلافة .

فهل يصح هذا الفرض للحل ؟ .

اما انا - ايها القارئ - لا استطيع ان اقتنع بأن هذا الفرض يكون حلا مرضيا لهذه المشكلة ، ولعلك انت ترى مع من يرى ان تعيين الرئيس بالانتخاب من ارقى التشريعات الحديثة وقد سبق إليه الاسلام ، فهذا من مفاخره .

فوجب علينا ان نبحث هذه الناحية العلمية بدقة ، واملي - كما هو مفروض - انك تعطيني من نفسك النصف وتفكر معي تفكيرا حرا ، بعيدا عن تأثير العاطفة التي تقضي علينا ان نتمسك بهذه المفخرة للاسلام .

ولا ينبغي لنا ان نحاول هذه المحاولة ، فربما نلصق به ما ليس له ، ولعلها لا تثبت للبحث مفخرة يمتدح بها ، فنكون قد نقضنا غرضنا الذي نريده من إثبات الفضيلة للاسلام بالسبق إلى هذا التشريع .

والذي ادعيه الآن ان إرجاع الامة مدى الدهر إلى اختيارها في تعيين الرئيس لها هو عين الفوضوية التي اردنا التخلص منها في البحث السابق ، وليس معناه إلا إلقاء الامة في اعظم هوة من الخلاف لاحد لها ولا قعر .


37

وسر ذلك ان الناس مختلفون متباينون ، ليس بينهم اثنان يتفقان في فكر أو عاطفة أو ذوق أو عادة أو عمل ، حتىالتؤمين ، إلا من التشابه القريب أو البعيد من غير اتفاق حقيقي ، كاختلافهم في أجسامهم وسحنات وجوههم ، وتشابههم في ذلك .

بل الناس مختلفون في كل شئ من دقائق أجسادهم وأخلاقهم ونفوسهم وعاداتهم فلم يتفق لشخصين أن يتفقا تحقيقا حتى في بصمة الاصابع ، حتى قيل ان كل فرد من الانسان نوع برأسه .

وعليه ، فيستحيل أن تتفق أهل بلدة واحدة على حكم واحد أو عمل واحد ، فضلا عن أمة كبيرة كالامة الاسلامية على توالي الزمان .

وبالاخص إذا كان الحكم مسرحا للعواطف والاغراض الشخصية والتحيزات كالحكم في الزعامة العامة .

ومن هذا نستنتج ان الرأي العام الحقيقي غير موجود أبدا ، بل يستحيل وجوده لاية امة في العالم ، ومن خطل الرأي أن يطلب الانسان تكوين الرأي العام ، وتوحيد اختيار الامة بأسرها لامر من الامور ، على ان محاولة ذلك يستحيل أن تسلم من منازعات دموية واضطرابات شديدة إذا كان تكوينه يراد لامر ذي شأن ، إلا أن يكون هنا حاكم يفصل بين المتنازعين بماله من القوة القاهرة لمخالفيه ، كما هو موجود فعلا في الانتخابات الجارية عند الامم المتمدنة ، فان تحكيم الاكثرية ذات القوة الطبيعة خير علاج على منازعاتهم في الامور العامة .


38

وتحكيم الاكثرية في الحقيقة فرار من محاولة تكوين الرأي العام الحقيقي ، بل هو اعتراف باستحالته ، ومع ذلك لم يسغنغالبا الرجوع إلى الاكثرية ليكون لها الفصل عن ملطفات ومؤثرات اخرى تنضم إلى قوته الطبيعية ، أهمها سلطة الحكومة والقانون العام القاضي بتحكيم الاكثرية الذي أصبح بحكم التقليد لا مسيطرا على معتنقيه .

وبتوسيط أمثال هذه الامور تمكن التسوية بين الاكثرية على راي متوسط ، وإلا فالاتفاق الحقيقي على تفاصيل الامور يستحيل حتى في الاكثرية .

وهذا الرجوع إلى الاكثرية اخر ما توصل إليه الانسان بعد العجز عن تحصيل االاتفاق الحقيقي وبعد أن فشل البشر على ممر تلك القرون الطويلة التي انهكته بالتجارب القاسية ، فوجد ذلك خير ضمان للسلام في الامم .

وليس معنى ذلك ان الاكثرية لا تخطأ ، كيف والجماعات دائما تفكر بأحط فكرة فيها ، ومن مزاياها انها خاضعة لسلطان العاطفة ، فهي علاج لفض المنازعات ليس إلا ، لا لضمان تحصيل الرأي المصيب .

وبهذا البيان نخرج إلى فكرة ان تعيين الرئيس أو غيره بالانتخاب الذي هو من أرقي التشريعات الحديثة معناه الرجوع إلى الاكثرية دائما التي أصبحت من التقاليد المرعية عند الناس في هذا العصر ، وهذا لم يسبق إليه الاسلام ، ومن يدعي ان النبي صلى الله عليه وآله أوكل أمته إلى اختيارهم


39

في تقرير شئون الخلافة لا يدعي انه شرع قانون الاكثرية لانه ليس لهذه الدعوى شاهد في زبر الاولين ، على انه - كماذكرنا - لا يسلم من الخطأ ، فلا يسوغ لنا أن ننسبه إلى من لا ينطق إلا عن وحي ولا يريد إلا الحق .

وإذا ادعى انه أوكل الامر إلى اتفاق أمته واختيارهم جميعا ، فمن خطل الرأي ، إلا إذا جوزنا عليه ان يطلب المستحيل أو تعمد ايقاع أمته في منازعات دائمية تفضي إلى ازهاق النفوس واضعاف القوي المادية والادبية ، ثم إلى ضعف كلمة الاسلام في الارض .

فتلخص ان هذا التشريع أعني تشريع تعيين الامام بالانتخاب لا يصح لنا ان ؟ ؟ سبه إلى منقذ البشرية من الضلالة إلى الهدى الذي لا ينطق إلا عن وحي ، سواء فسرناه بالاكثرية أو باتفاق الجميع .

ومهما حاولنا اصلاح هذا التشريع بتفسير الامة بأهل الحل والعقد منها خاصة ، فلا اجد هذه المحاولة تسلم من ذلك النقص البارز فان اهل الحل والعقد وكبار الامة هم بؤرة الخلاف والنزاع .

فان الخاصة مع اختلاف نفوسهم وتباين نزعاتهم كسائر الناس ، لا ينفكون عن تحيزات فيهم اعظم منها في غيرهم .

ويندر ان يتجردوا من اهواء نفسية واغراض


40

شخصية ، تجعل كل فرد يشرئب إلى هذا المنصب الرفيع ما هئ له ووجد مجالا لارتقائه ، ولو عن غير قصد ، بل عن رغبة نفسية كامنة هي غريزية لا يفطن لها صاحبها أو لا يعدهاباطلا وخروجا عن محجة الصواب .

بل حب النفس قد يحمله على الاعتقاد بأن زعامته اصلح للامة واجدى ، فيوحي الهوى للنفس البرهان المقنع على صحة رأيه .

وللمعتقد ان يعتقد ان الخليفة ابا بكر تفطن إلى سوء عواقب هذا الشريع ، فأسرع إلى تعيين الخليفة من بعده ، بالرغم على جدة هذا التشريع الذي به كان خليفة ، وعلى تركزه في النفوس تتوقف صحة خلافته .

كيف لا وقد شاهد هو الموقف في بيعته يوم السقيفة ، وكان أدق من سم الخياط ، مع غفلة الناس يومئذ عن الامر ، وانشغالهم بفاجعة نبيهم .

وهكذا حذا حذوه خليفتة ، فاخترع طريقة الشورى من ستة اشخاص ، وهي تبعد كل البعد عن قاعدة الرجوع إلى اختيار اهل الحل والعقد ، على ان وجدنا هؤلاء - وهم ستة لا غير - لم يتفقوا على رأي واحد ، فلعبت دورها التحيزات والعواطف ، فصغى رجل لضغنه ، ومال الاخر لصهره ، على حد تعبير الامام علي بن أبي طالب .

ولا شك لم يخف على الخليفة عمر استحالة حتى اتفاق الجماعة الصغيرة ، فحكم فيها الاكثرية ، وعند التساوي فالكفة الراجحة التي فيها عبدالرحمن بن عوف .

ومع ذلك


41

حدد لهم الوقت بثلاثة ايام ، واعطى السلطة التنفيذية لغيرهم ، ليقهرهم على تنفيذ خطته .

لماذا كل هذه القيود التي وضعها ، مع تهديدهم بالقتلإن تأخروا عن الموعد ولم يبرموا العهد ؟ لاشك انها كانت لقصد الابتعاد عن الخلاف والنزاع الطبيعي لمثل هذا الامر .

إذا القي حبله على غاربه .

وهنا وجدنا كيف أحكم عمر بن الخطاب وضع هذه الخطة ، اتقاء للخلاف والنزاع على الامارة الذي لا ينفك عادة عن اراقة الدماء ، في وقت اراد ألا يتحمل تبعة تعيين شخص الخليفة بعده ، أو انه في الاصح لم يجد نفسه تميل كل الميل إلا لتعيين احد الثلاثة الذين قد ماتوا يومئذ ، وهم ابو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى ابي حذيفة ، ومعاذ بن جبل .

ولا اعجب ان يكون ابو بكر وعمر تفطنا إلى ما في تشريع إلقاء الامر على عاتق اختيار الامة من فساد ، وما ينجم منه من جدال وجلاد .

ولكن عجبي ممن يتسرع فينسب ذلك التشريع إلى النبي الحكيم الذي لا يفعل إلا عن وحي ولا يحكم الا بوحي .

ومع ذلك يدعي الاسلام وعرفان الرسول العظيم .

ولو كان للخليفة عثمان كلمة تسمع ورأي يطاع يوم


42

حوصر وأيس من الحياة ، لما تأخر عن تعيين من يخلفه قطعا .

ولكن الموقف كان ابعد من ان يتحكم عليه بمثل ذلك ، وهو محاط به ليخلع .

ومما يزيدنا اعتقادا بعقم هذا الحل لمشكلتنا الاجتماعيةالخطيرة ، انا لم نعرف خليفة تعين بهذه الطريقة إلا ابا بكر وعلي بن أبي طالب ، وابو بكر كانت بيعته فتنة أو فلتة وقى الله شرها على حد تعبير عمر عنها وهو نفسه الذي شيد اركانها ، ومع ذلك قال عنها : ( فمن دعا إلى مثلها فهو الذي لابيعة له ولا لمن بايعه ) ( 1 ) .

اما علي عليه السلام ، فبعد تمام البيعة له ( الشرعية بنظر اصحاب هذا الرأي ) قد وجدنا كيف انتفض عليه نفس اهل الحل والعقد ، والاسلام بعد لم يرث والعهد قريب ، وهؤلاء المنتقضون هم جلة الصحابة .

فكانت حرب الجمل فحرب صفين اللتان اريقت بهما الاف الدماء المحرمة هدرا ، وانتهكت فيهما حرمات الشريعة ، وشلت بهما حركة الدين الاسلامي .

ولم نعرف بعد ذلك خليفة تعين إلا بتعيين من قبله أو بحد السيف ، ولقد لعب السيف دورا قاسيا جعل العالم الاسلامي يمخر في بحر من الدماء .

ولم يجرئ الطامعين بالخلافة على

( 1 ) كنز العمال - ج 3 - رقم 2326 وغيره .


43

خوض غمار الحروب إلا سن هذا القانون .

قانون الاختيار ، فمهد السبيل لطلحة والزبير ان يشعلا نار حرب الجمل ، ومهد لمعاوية ما اجترم ، ولابن الزبير تطاوله للخلافة وهو القصير ، وللعباسيين ثورتهم على الامويين ولغيرهم ما شئت ان تحدث والحديث ذو شجون .

إلى هنا اجد من نفسي القناعة والاطمئنان إلى القول بفساد تشريع تعيين الامام باختيار اهل الحل والعقد .

وهيهات ان يكون من النبي الحكيم مثل هذا التشريع .

وكيف يخفى عليه ضرر هذا التشريع ، ولا يخفى على عائشة ام المؤمنين يوم تقول لعمر على لسان ابنه عبدالله : ( لا تدع امه محمد بلا راع .

استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا فاني اخشى عليهم الفتنة ) .

وما ادري لماذا لم يشر احد على محمد عليه افضل التحيات ان يستخلف أو يبين على الاقل طريقة الاستخلاف حتى لا يفتتنوا ، كما اشارت عائشة على عمر ؟ ولماذا لم يسأله احد عن هذا الامر ، وهم يسألونه عن الكبيرة والصغيرة لماذا ؟ .

؟ والمرجح انه سئل فأجاب ، ولكن التأريخ هو المتهم في اهمال مثل هذه القضيا .

على ان تأريخ الشيعة لم يمهل مثل هذا السؤال والجواب الصريح عليه .


44

4 - لانص في قاعدة الاختيار

لنتنازل الان جميع ما قلناه في البحث السابق من فساد تشريع قاعدة الاختيار ، ولكن ألا يجب علينا ان نسأل مدعي صدور هذا التشريع من النبي عن الدليل عليه في كتاب أو سنة .

وبودي ان يدلني احد على قول الرسول في هذا الشأن ،فما سمعنا عنه انه قال يوما : ان الاختيار في تعيين الامام لاهل الحل والعقد ، أو انه امر الامة باختيار الامام بعده ، لا تصريحا ولا تلويحا .

على ان الدواعي جد متوفرة لنقل مثل هذا القول ، والقوة والحول في صدر الاسلام إلى ما بعده في يد من يرتئي هذا الرأي ويدافع عنه ، فليس لاحد ان يدعي ان هذا الاثر قد خفي علينا أو امتنع الرواة عن نقله .

أجل ! إلا ان الله تعالى قال في كتابه العزيز : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) .

إذن لم يثبت عن النبي قول وتصريح في هذا الامر من الاتكال على اختيار الامة ، بل قال تعالى : ( ما كان له


45

الخيرة ) .

فلنذهب الان من طريق ثانية إلى إثبات صحة هذا التشريع ، فنقول : " أليس النبي كان غير غافل عن امر الخلافة ! ولكنه سكت عن الحل لمشكلتها بطريق النص على احد من اصحابه ، فلا بد انه أوكل ذلك إلى اختيار أمته ، فيكون سكوته إذن دليلا على هذا الايكال " .

وهذا يقرب من التفكير الصحيح لاول وهلة ، إذا استطعنا التصديق بسكوته عن النص ، فلذلك لا يصح إلا إذا ثبت لنا ان لا نص هناك ، فوجب ان ننظر فيما تقوله اهل السنة والشيعة من النص على أبي بكر أو علي بن أبي طالب .

وسيأتي في البحث ( 7 ) و ( 8 ) .

ولكن لو فكرنا قليلا ، فلا نرضى لمصلح عاقل فضلا عن النبي الكريم ان يرمز لهذا الامر العظيم الذي وقع فيه اعظم خلاف في الامة بمثل هذا الرمز الخفي .

وما الذي يلجئه إلى مثل هذا الدليل الصامت - إن صح هذا التعبير - مع علمه بما سيقع بعده من انشقاق وخلاف تتسع شقته هذا الاتساع ، وتتخلله فتن وحروب أنهكت المسلمين وأفسدت روحية الاسلام ؟ ! .

أما كان الجدير - إذا لم يكن قد نص على احد - ان يصرح لامته بايكال الامر إلى اختيارهم ؟ ثم يحدده باختيار اهل الحل والعقد منهم ، أو يحدده بخصوص اهل المدينة أو


46

اهل عاصمة الخلافة ، ثم يكتفي باختيار الواحد والاثنين منهم ( على ما يذهب إليه جماعة من علماء اهل السنة ) ، ثم يذكر شروط الامام حتى يعرفوا من يجب ان يختاروه ! أكل هذه الامور والقيود نستقيها من هذا الدليل الصامت ويكون هذا السكوت حجة على من يشكك في واحد من هذه الشئون فيستحق عقاب الخالق الجبار ، ثم مع ذلك يخرج عن ربقة الاسلام ويدخل في زمرة الكافرين ؟ ! .

اللهم اشهد علي اني لا أستطيع أن أؤمن بصحة دليل صامت يدل هذه الدلالة الواسعة على اعظم الشئون العامة التي يعم بلاؤها جميع الخلق في كل زمان ومكان ، في وقتالحاجة إلى دليل ناطق وحجة واضحة .

اللهم اشهد اني لا استطيع ان أؤمن بذلك إلا إذا فقدت حرية التفكير ومسكة العقل .

5 - اختلاف امتي رحمة

وأخشى الآن أن أكون قد أخذت بقلمي النعرة المذهبية في بحثي السابق ، فبالغت في تشويه تلك الدعوى وخرجت عن خطتي التي رسمتها لنفسي .

وهل تراني اخفف من وطأة تلك السورة ، فأطمئن إلى


47

تعليل مقبول لذلك الصمت ، بأن أقول : إن الرسول إنما ترك بيان هذا الامر ليوقع الخلاف بين امته رحمة بهم لما روى عنه : " اختلاف أمتي رحمة " ؟ .

ولكن هيهات ! إن لم تؤول الكلمة بما يتفق ومبادئ الاسلام ( 1 ) فانها الكذب الصراح على داعية الوحدة ومقاتل نزعات الجاهلية الاولى بسيف من الاخوة الاسلامية انتشل العرب من هوة عميقة للتفرق والنزاع والنزال .

إن أكبر ظاهرة للاسلام بل من أعظم أعماله ، تلك الدعوة إلى الوحدة المطلقة بأوسع معانيها وتحطيم الفروق حتى بين الشعوب والامم المختلفة .

ألا ( إنما المؤمنون إخوة ) .

( 1 ) هذه الكلمة مروية من طرق الطرفين .

والوارد في تفسيرها عن آل البيت غير ما يتخيل من ظاهرها ففي علل الشرايع : " انه قيل للامام جعفر ابن محمد الصادق عليه السلام : ان قوما يروون أنرسول الله قال : " اختلاف امتي رحمة " ، فقال : صدقوا ، فقيل : إذا كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب ، قال : ليس حيث تذهب وذهبوا انما أراد قول الله عزوجل ( فلولا نفر من كل فرقة طائفة .

) واختلاف أهل البلدان إلى نبيهم ثم من عنده إلى بلادهم رحمة .

" الخبر .

ومثله في معاني الاخبار للصدوق ، وفيه : " انما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا في دين الله ، انما الدين واحد " .


48

وليس هناك شئ في الاسلام غني عن البرهان بل عن البيان مثل دعوته إلى الوحدة والعمل لها بكل الوسائل ، ليكون المؤمنون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .

وقد تجلى ذلك ظاهرا في كثير من الاحكام العملية : في وجوب الحج وصلاة الجمعة والجماعة وحرمة الغيبة واللمز والغمز والقذف .

وما إلى ذلك مما لا يحصى ، وبعد هذا أيمكننا ان نجرأ فندعي ان الرسول يدعو إلى الخلاف ! وأكثر من ذلك يسعى إلى التفرقة ، وأية تفرقة هي ؟ إن هذا لبهتان عظيم وزور مبين ! اللهم اني استجير بك من شطحات القلم والتفكير .

6 - الاجماع على قاعدة الاختيار

وهنا لا بد أن ننصف في القول فلا نجري الكلام على عواهنه ، فأني لم أعرف عن اخواننا أهل السنة أنهم فسروا هذا الصمت المدعى بذلك التفسير إلا من قل .

وعلى الاقلانهم لم يجعلوه وحده دليلا على ايكال أمر الخلافة لاختيار أهل الحل والعقد ، وإنما يستدلون باجماع أهل الصدر الاول على كفاية اختيار أهل الحل والعقد ، بدليل بيعة أبي بكر يوم السقيفة .

وعندهم الاجماع حجة لما روي عنه عليه الصلاة والسلام ، " لا تجتمع أمتي على الخطا " و " ولا تجتمع أمتي على ضلال " .


49

ولكن الشيعة لا يعتبرون مثل هذا الاجماع .

وإنما يعتبرون الاجماع إذا كشف عن رضى امام معصوم حيث يكون داخلا في أحد المجمعين .

وبيعة أبي بكر لم تقترن بموافقة الامام علي بن أبي طالب فلم يتم عندهم الاجماع الذي يكون حجة .

ويذهبون إلى أكثر من ذلك ، فيقولون إن الاجماع بكل معانيه لم ينعقد على صحة بيعة أبي بكر ، لمخالفة علي الذي يدور معه الحق حيثما دار ومخالفة قومه بني هاشم وسعد بن عبادة وابنه وجماعة من كبار الصحابة كسلمان وابي ذر والمقداد وعمار والزبير وخالد بن سعيد وحذيفة اليمان وبريدة وغيرهم .

ولم يبايع من بايع منهم بعد ذلك إلا قهرا واضطرارا حفظا لبيضة الاسلام وتوحيدا لكلمة المسلمين .

ولا يصح بحال ان يدعي ان هؤلاء ليسوا من اهل الحل والعقد ، وهم من تعرف .

ويقول الشيعة ايضا : لم يتكرر بعد ذلك تعيين الامام باختيار أهل الحل والعقد ، حتى نؤمنبحصول الاجماع على صحة الاختيار في تعيينه ، لان كل خليفة تعين إنما تعين بنص السابق عليه أو بحد السيف والقوة ، ما عدا علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو امام بالنص من النبي ( ص ) ولا شأن لاختيار الامة في امامته .

هكذا اختلف الطرفان ، وأجدني الآن حائرا إزاء أدلة


50

الطرفين .

وإذا اردت ان اعالج في بحثي حادث السقيفة فانما اعالجه من عدة نواح هذه أهمها ، فهل استطيع ان استنتج الحكم الفاصل لاحدى الطائفتين ؟ هذا ما قد يكشفه مستقبل البحث ، وكل آت قريب .

ولا أتنبأ بالنتيجة قبل وقتها .

وكنت راغبا في بحثي هنا أن احصل على نتيجة حاسمة قبل الدخول في تفسير حوادث السقيفة ، بل قبل الدخول في البحث عن النص على الامام بعد النبي في هذا الفصل ، ولكني هنا وجدت هذه المسائل متداخلة بعضها آخذ برقاب بعض .

ومع ذلك أجد بامكاني أن أضع تقريرا يقرب من التفكير الصحيح مع الاعراض عما يقوله الطرفان في هذا الشأن ، مستعينا بما تقدم في الابحاث السابقة ، فهل تعيرني تفكيرك لحظة لاحظ انك لا تشك - وأنا معك - ان النبي ما فاه ولا ببنت شفة عن قاعدة انعقاد الامامة باختيار أهل الحلوالعقد ، مع ان الواجب يدعو للبيان الصريح ، كما قلنا آنفا ، فلماذا سكت عن ذلك ؟ .

أكان إهمالا وتوريطا للمسلمين في الخلاف والنزاع ، أو أنه لم يشرع مثل هذا التشريع ؟ والثاني هو الاقرب للصحة .

وعليه فما قيمة الاجماع - إن تم - مع علمنا بان هذا الامر ليس من الدين ولم يشرعه الله على لسان نبيه ، على أنا وجدنا في


51

ابحاثنا السالفة ان البرهان الصحيح يقودنا إلى الاعتراف بفساد هذا التشريع ، فنعلم بنتيجة ان النبي لم يشرعه لامته ، فلا بد ان نتهم الاجماع المدعى باحدى التهم المتقدمة .

هذا من جهة .

ومن جهة اخرى ، انا لا أدري أن هؤلاء الذين اقدموا على الاجتماع في السقيفة لعقد البيعة بدون مشورة من جميع الموجودين في المدينة وغيرهم على أي سناد استندوا وبأية حجة اجتمعوا والمفروض ان لا حجة إلا الاجماع ، وهو - على فرضه - بعد لم ينعقد على صحة عملهم ؟ فهذا العمل من أساسه كان بغير حجة قائمة ولا بينة واضحة ، ولذا قال عمر لسعد بن عبادة : " اقتلوه قتله الله إنه صاحب فتنة " .

فلاي شئ استحق القتل ولم يكن يدعو إلا إلى نفسه كما دعا غيره ؟ ولماذا كان صاحب فتنة ؟ - ليس إلا لان دعوته من غير حجة قائمة .

وإذا كان قد ثبت من النبي صحة انقاد الخلافة بأختيار أهل الحل والعقد ، ويكتفي بمثل القومالذين اجتمعوا في السقيفة يومئذ فلم يكن قد دعا سعد إلا إلى ما هو مشروع لا يستحق عليه قتلا ولا غضبا .

أما النص المروي : " الائمة من قريش " فلم يكن معروفا عند المهاجرين يومئذ أو أنهم لم يريدوا ان يعرفوه ، ولذا لم يستدلوا له ذلك اليوم ، بناء على ما هو الصحيح وإنما


52

استدل الخليفة أبو بكر بالقرابة من الرسول وان العرب لا تعرف هذا الامر إلا بهذا الحي من قريش .

7 - النص على أبي بكر

لم نتوقف فيما مضى للاعتقاد بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو كل نصب الامام إلى اختيار الامة ، أو أهل الحل والعقد منهم خاصة .

وهنا نبحث عما إذا كان قد عين شخص الامام بعده ، فمن هو هذا الامام ؟ أصحيح انه هو ( أبو بكر ) ؟ يقطع الباحث ان الاحاديث المروية في النص عليه موضوعة إذا كان يفهم منها النص المدعي .

وليس أدل على ذلك مما ثبت من تصريحاته نفسه ، ولا سيما عندما تمنى - قبيل موته - ان يسأل عن أشياء ثلاثة ترك السؤال عنها ، أحدها أمر الخلافة انه فيمن حتى لا ننازع أهله .

ثم من تصريحات خليفته عمر ابن الخطاب لا سيما عندما دنت منه الوفاة فصرح ان النبي لم يستخلف .

ثم من تصريحات عائشة " وهي المدافعة والمنفحة عن أبيها وقد قامت بقسط وافر من تأييده وتثبيت خلافته " فنفتالاستخلاف لما سئلت من كان رسول الله مستخلفا لو استخلف ( 1 ) .

( 1 ) ومن الغريب اعتذار ابن حزم : " ان هذا الاثر خفي على عمر كما


53

ويكفينا لعدم الوثوق بهذا النص المدعى أن نطلع على مجرى حادث السقيفة ، ونعرف استدلال من استدل على صحة بيعته بالاجماع .

أولا تراه نفسه يوم السقيفة كيف قدم للبيعة عمر وأبو عبيدة ، فقال : " قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين " .

أتراه كان لا يعلم بالنص عليه ، أو كان عالما به ولكنه أعرض عنه ؟ - لا شئ منهما يصح أن يقال .

ولا شئ أوضح من خطبته يومئذ إذ يقول فيها : " ان العرب لا تعرف هذا الامر إلا لقريش أوسط العرب دارا ونسبا " .

بل لو كان نص عليه لما كانت العرب تعرف هذا الامر إلا لشخصه بنص صاحب الرسالة .

وليس المقام مقام حياء من الدعوة إلى نفسه .

وعندي لا شئ أوضح من وضع الاحاديث في النص

خفي عليه كثير من أمر رسول الله ( ص ) كالاستيذان وغيره ، أو أنه أراد استخلافا بعهد مكتوب ، ونحن نقر ان استخلافه لم يكن بعهد مكتوب .

وأما الخبر في ذلك عن عائشة فكذلك ايضا .

" .

ولئن خفي هذا الامر على عمر وعائشة فعلى غيرهما اخفى واخفى ، علىان جمله ارادتها للعهد المكتوب فابعد وابعد .


54

عليه .

وأجد ان الذي ألجأ إلى وضعها ان من وضعوها بعد ان ضاقوا ذرعا بالاستدلال على خلافته بالاجماع ، مما وجدوه من مخالفة من خالف ممن لا يمكن اهمال شأنهم .

وهذا هو التعصب الذي يحمل صاحبه على الكذب والاختراع ، فيقف حجر عثرة دون وصول طالب الحقيقة إلى هدفه ، ويجعل النفس لا تثق بكل ما يرويه هذا المتعصب فيما يخص معتقده ، بل في كل شئ .

أما قضية تقديمه للصلاة فان صحت ( وهي صحيحة بمعنى انه صلى بالمسلمين ) ، فليس فيها اية اشارة إلى تعيينه للخلافة ، فضلا عن النص ، لان الامامة في الصلاة ليست بالامر الخطير الشأن الذي لا يكون إلا لمن له الامامة ، ولا سيما على مذهب اهل السنة ، وكان ائمام المسلمين بعضهم ببعض مما اعتادوا عليه ، وشاع يومئذ بينهم بترغيب النبي فيه ، فقد رود ( 1 ) ان ابا بكر صلى بالناس من دون إذن النبي ( ص ) لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم .

ولا اعتقد بصحة ما يروى ان النبي هو الذي قدمه للصلاة وانه صلى أياما ، لان ابا بكر كان من جيش اسامة من غير شك - وسيأتي - وقد نهي النبي عن التخلف عنه ،

( 1 ) راجع صحيح البخاري 1 : 8 .


55

وشدد في الاسلااع ؟ بانفاذه ، فكيف يجتمع هذا مع تقديم النبي له للصلاة مدة مرضه ؟ نعم الثابت انه صلى صلاة واحدة وهي صلاة الغدير يوم الاثنين يوم وفاة النبي ( ص ) ، وقبل ان يتمها خرج صاحب الرسالة يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الارض من الوجع فصلى بالناس صلاتهم وتأخر ابو بكر .

فان عائشة هي التي روت امر النبي بتقديمه لا غيرها ، وانها راجعته في ذلك حتى قال لها غاضبا : " انكن لانتن صواحب يوسف " وهي نفسها تروي خروجه في نفس تلك الصلاة ( 1 ) .

وكان خروجه بهذه الحال إلى الصلاة يوم وفاته وهو يوم الاثنين .

ولو ان النبي كان قدمه للصلاة اشارة إلى خلافته ، فلماذا خرج بهذه الحال المؤلمة ، وصلى بالناس صلاة المضطرين جالسا ؟ ولا معنى ما يقال : " انه صلى ابو بكر بصلاة النبي وصلى الناس بصلاة ابي بكر " فمن هو الامام اذن ؟ ان كان أبا بكر فلم يكن قد صلى بصلاة النبي ، وان كان النبي فلم تكن الناس قد صلت بصلاة أبي بكر ، وتأويله - ان صح - ان النبي جالسا فلا يرون شخصه وكان مريضا فلا يسمعون

( 1 ) صحيح البخاري ( 1 : 78 و 84 في حديثين ) .

وصحيح مسلم في باب استخلاف الامام إذا عرض له من كتاب الصلاة .


56

صوته ، فكانت الناس تعرف ركوعه وسجوده بصلاة أبي بكر الذي كان بارائه لما تأخر عن مقامه .

والاحاديث مضطربة في هذا الباب ، مع أن أكثرها عن عائشة ام المؤمنين واختلافها الجوهري في ستة امور : 1 - ( في علاقة عمر بالصلاة ) فيذكر بعضهم ان النبي قال : ( مروا عمر ) بعد مراجعة عائشة عن أبيها فأبى عمر وتقدم أبو بكر وبعضها ذكر انه أبتداء أمر عمر ، فقال عمر لبلال قل له ان أبا بكر على الباب .

وحينئذ أمر أبا بكر .

وبعضها ذكر انه اول من صلى عمر بغير اذن النبي فلما سمع صوته قال : " يأبى الله ذلك والمؤمنون " وفي بعضها انه أمر أبا بكر ان يصلي نفس الصلاة التي صلاها عمر بالناس ، وفي بعضها صلى عمر وكان ابو بكر غائبا .

وفي بعضها ان النبي أمر أبا بكر وأبو بكر قال لعمر صل بالناس فامتنع .

2 - ( في من أمره النبي ليأمر ابا بكر ) ، فبعضها تذكر عائشة ، وبعضها بلالا ، وبعضها عبدالله بن زمعة .

3 - ( فيمن راجعة في أمر أبي بكر ) ، فبعضها تذكر عائشة وحدها راجعته ثلاث مرات أو أكثر ، وبعضها تذكر عائشة راجعته ثم خالت لحفصة فراجعته مرة أو مرتين ، فلما زجرها النبي قالت لعائشة : " ما كنت لاصيب منك خيرا " .


57

4 - ( في الصلاة المأمور بها ) ، فبعضها يخصها بصلاة العصر وبعضها بصلاة العشاء ، والثالث بصلاة الصبح .

5 - ( في خروج النبي ) ، فبعضها تذكر انه خرج وصلى ، واخرى تقول أخرج رأسه من الستار والناس خلف ابي بكر ثم القى الستار ولم يصل معهم .

6 - ( في كيفية صلاة النبي بعد الخروج ) ، فيذكر بعضها انه ائتم بأبي بكر بعد أن دفع في ظهره ومنعه من التأخر .

وبعضها أن أبا بكر تأخر وائتم بالنبي .

وبعضها ان ؟ با بكر صلى بصلاة النبي والناس بصلاة ابي بكر .

وبعضها ان النبي ابتدأ بالقراءة من حيث انتهى ابو بكر .

7 - ( في جلوس النبي إلى جنب ابي بكر ) فبعضها تذكر جلوسه إلى يساره ، وبعضها إلى يمينه .

8 - ( في مدة صلاة ابي بكر ) ، فبعضها تجعلها طيلة مرض النبي ، واخرى تخصها بسبع عشر صلاة ، وثالثة بثلاثة أيام ، ورابعة بستة ، ويظهر من بعضها انه صلى صلاة واحدة .

9 - ( في وقت خروج النبي إلى الصلاة ) ، فبعضها صريحة في انه خرج لنفس الصلاة التي امر بها ابا بكر ، وبعضها صريحة في انه خرج لصلاة الظهر بعد صلاة ابي بكر ايما ، وبعضها صريحة في خروجه لصلاة الصبح .


58

وهذه الاختلافات كما رأيت في جوهر الحادثة .

ولم يظهرمن الاخبار تعدد أمر النبي له بالصلاة ولا تعدد خروجه .

وهذا كله يذهب بالاطمئنان بتصديقها في خصوصيات الحادثة لا سيما فيما يتعلق بأمر النبي له ، نعم يعلم منها شئ واحد على الاجمال هو صلاة ابي بكر بالناس قبل خروج النبي .

ولعل أبا بكر كان مخدوعا في تبليغه أمر النبي ، كما جاء في الحديث ان عبدالله بن زمعة خدع عمر بن الخطاب فبلغه أمر النبي له بالصلاة .

واحسب ان اصل الواقعو أن النبي ( ص ) أمر الناس بالصلاة لما تعذر عليه الخروج من دون ان يخص احدا بالتقديم ، فتصرف متصرف ، وتأول متأول .

ولما بلغ ذلك اسماع النبي التجأ أن يخرج يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الارض من الوجع ، فصلى بالناس جالسا صلاة المضطرين ، ليكشف للناس هذا التصرف الذي استبد به عليه .

واستغرب توبيخه لعائشة لما راجعته عن أبيها إذ قال لها : " انكن لانتن صواحب يوسف " .

لماذا هذا التوبيخ القارص ؟ وأي شئ صنعته تستحق به هذا اللوم ؟ ألا أنها ضنت على أبيها بهذه الكرامة ، فلئن لم تستحق المدح فعلى الاقل لا تستحق مثل هذا التوبيخ .

ومن هنا يتطرق الشك ايضا في صحة تقديم النبي لابي


59

بكر ، ويبدوا أنه كان من أمرها وتدبيرها ، فلذا وجهت إليهاهذه الكلمة اللاذعة ، لا لمراجعة هناك .

ولا شك انها ترغب لابيها كل فضيلة وتلزه لزا .

ولذا التجأت ان تعتذر عن مراجعتها المستغربة منها التي ادعتها بأنها انما كانت تحب ان يصرف عن أبيها لانها رأت ان الناس لا يحبون رجلا قام مقام النبي ابدا وانهم سيتشأمون به في كل حدث كان .

ألا تراها كيف بعثت إلى ابيها تدعوه لما بعث النبي إلى علي يدعوه ليوصيه ، وكذلك صنعت حفصة لابيها ، ولكن النبي لما رآهم قد اجتمعوا أمرهم بالانصراف وقال : فإن تلك لي حاجة ابعث اليكم " ( 1 ) .

وهذا قول من عنده ضجر وغضب باطن .

و النتيجة : انه ليس هناك ما يستحق ان يسمى نصا ، ولا اشارة إلى خلافة ابي بكر .

8 - النص على علي بن أبي طالب

اذن ، أفصحيح ما تقوله الشيعة من النص على علي عليه السلام ؟ أيها القرئ ! بودي ان تكون حياديا ، فلا تنظر إلى ما تقوله الشيعة عن هذا الرجل إلا بتقزز ، حتى لا اكلفك

( 1 ) الطبري " 3 : 195 " .


60

بالرجوع إلى كتبهم واخبارهم .

وانا معك الان سأطرحها جانبا وما يدرينا لعل حبهم وتعصبهم لصاحبهم يسوقانهم إلى القول عنه بما لم يكن ، كما ساق أهل السنة إلى رواية النص على أبي بكر .

فلنأخذ حذرنا من الان .

و بعد هذا اترانا نحذر من مؤلفات اهل السنة وصحاحهم في حق علي ، وهم ان تعصبوا فعليه ، لا له ؟ كلا ! فان الكثير من محدثيهم يحذرون كل الحذر من رواة مدحه وفضائله ، فيقدح المؤلف منهم في الراوي الذي تشم منه رائحة الميل إليه ، ويرسلون الطعن في الحديث ارسالا فيقولون : " وفي متنه غرابة شديدة " ، وليس إلا لانه لا يتفق وعقيدته ويكفي في الثقة بالمحدث ان يكون ممن يميل عنه كأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعمران بن حطان وامثالهم .

وقبل ذلك نجد سيوف بني أمية مسلولة على رؤس الرواة لئلا ينسبوا فضيلة لهذا الذي ناصبوه العداء وسنوا سبه على المنابر والمعابر .

ونجدهم كيف كانوا يغدقون بالاعطيات على الطاعنين فيه والمنحرفين عنه .

ولذا تراني اطمئن كل الاطمئنان - وانت معي لا شك - إلى كل حديث خلص من هذه العقبات ، واستطاع ان يطلع رأسه من بين الاحاديث ظافرا بالصحة والتأييد ، فسجلته كتب اهل السنة وصحاحهم في فضل علي والنص على خلافته ، ومع هذا فستجدني لا اعتمد إلا على بعض


61

الصحيح الثابت عند اهل الحديث منهم الذي بلغ حد التواتر أو كالمتواتر .

والحق ان لعلي منزلة كبرى عند اخيه وابن عمه ، يغبطه عليهما كل مسلم بل حسدوه عليها ، ولا ينكرها إلامكابر ، حتى ان ام المؤمنين عائشة " على ما بينها وبين علي ما هو معروف " قالت فيه : " ما رأيت رجلا احب إلى رسول الله منه ولا رأيت امرأة كانت احب إليه من امرأته " .

وقد كان صلى الله عليه واله وسلم يمجد ويرحب بصهره عند كل مناسبة من يوم ولد صهره قبل البعثة بعشر سنين إلى يوم فاضت نفسه الزكية في حجره .

وهذا مما لا يشك فيه مسلم ، وإنما الشأن فيما يدل على العهد إليه بالخلافة فلنقرأ بعض الاحاديث الصحيحة المتواترة أو المشهورة ، ولننظر ماذا سنفهم منها : 1 - لما نزلت الآية الكريمة " وانذر عشيرتك الاقربين " جمع النبي ( ص ) من اهل بيته اربعين رجلا في قصة معروفة - وكان ذلك في مبدأ البعثة - فعرض عليهم الاسلام وضمن لمن يؤازره وينصره منهم الاخوة له والوراثة والوزارة والوصاية والخلافة من بعده فأمسكوا كلهم الا عليا ، فقد اجابه وحده ، فأخذ برقبته ، وقال : " ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم - أو من بعدي على اختلاف الروايات - فاسمعوا له واطيعوا " .

فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض استهزاء ،


62

ويقولون لابي طالب قد امرك ان تسمع وتطيع لهذا الغلام .

يعنون ابنه ( 1 ) .

2 - وفي غزوة الخندق لما برز علي إلى عمرو بن عبد ود قال ( ص ) فيه : " برز الايمان كله إلى الشرك كله " . وذلكسنة 5 ه‍ .

3 - وفي غزوة خيبر باهى به الذين تراجعوا بالراية فقال : " أني دافع الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار " فتطاولوا لها ، ولكنه دفعها إلى علي ، وذلك سنة 7 ه‍ .

4 - ولما آخى بين المهاجرين قبل الهجرة وبين المهاجرين والانصار بعدها بخمسة اشهر ، اصطفى عليا لنفسه فآخاه ، وقال له : " أنت مني بمنزلة هرون من موسى غير انه لا نبي بعدي " .

ثم لم يزل يكرر هذه الكلمة في مناسبات كثيرة ، منها لما سد الابواب الشارعة إلى المسجد إلا باب علي ، ومنها غزاة تبوك لما خله على المدينة سنة 9 ه‍ .

وفي رواية ابن عباس زيادة " انه لا ينبغي ان اذهب إلا وانت خليفتي " ( 2 ) ؟

( 1 ) من الغريب ما صنعه الاستاذ محمد حسين هيكل .

إذ يذكر هذه الحادثة في كتابه " حياة محمد " في الطبعة الاولى ويهملها في الطبعات الاخرى من غير تنبيه .

( 2 ) وصححها الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه .


63

5 - وقال له : " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " .

وبعد ذلك كان يعرف المنافق ببغضه لعلي .

6 - وقال : " ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " .

وبعد ان نفى ذلك عن ابي بكر وعمر قال : " ولكنه خاصف النعل " وكان علي يخصف نعل رسولالله ساعة ئذ في الحجرة عند فاطمة .

7 - وكان عند النبي طاير طبخ له ، فقال : " اللهم آتني بأحب الناس إليك يأكل معي " فجاء علي فأكل معه .

8 - وقال : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " .

9 - وقال : " أقضاكم علي " .

10 - وقال : " علي مع الحق والحق مع علي ، لن يفترقا حتى يراد علي الحوض " .

11 - وأثبت له غير مرة الوراثة والوصاية ، وأوضح انهما وراثة ووصاية نبوة ، فقال مرة : " لكل نبي وصي ووارث وإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب " ( 1 ) .

وقال له علي مرة :

( 1 ) راجع ميزان الاعتدال في ترجمة شريك .

وقال عن رواية محمد بن حميد الرازي ليس بثقة مع أنه قد وثقه احمد بن حنبل وابو القاسم البغوي والطبري وابن معين وغيرهم .

ونقل هذا الحديث عن السيوطي في اللآلئ وعن الحاكم .


64

" ما أرث منك " .

قال صلى الله عليه وآله : " ما ورث الانبياء من قبل كتاب ربهم وسنة نبيهم " ( 1 ) .

12 - وقال سنة 8 ه‍ : " إن عليا مني وأنا من علي لا يؤدي عني إلا أنا وعلي " .

13 - وقال : " إن عليا مني وأنا من علي ، وهو ولي كل مؤمن بعدي " .

14 - وقال : " انت ولي كل مؤمن بعدي " .

15 - وسد ابواب المسجد غير باب علي ، فكان يدخلالمسجد جنبا ، وهو طريقه ليس طريق غيره .

قال عمر بن الخطاب : " لقد اعطي علي بن أبي طالب ثلاثا لئن تكن لي واحدة منها أحب الي من خمر النعم : زوجته فاطمة بنت رسول الله ، وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له ما يحل فيه ، والراية يوم خيبر " .

وكذلك روي عن ابن عمر .

ولما روجع النبي في فتح باب علي قال : " إنما أنا عبد مأمور ما امرت به فعلت إن اتبع إلا ما يوحى إلي " .

16 - ولما آخى النبي بين كل اثنين من المهاجرين ، وذلك قبل الهجرة اصطفاه لنفسه فآخاه وقال له فيما قال : " أنت أخي ووارثي .

أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا انه لا نبي بعدي " .

وكذلك صنع وقال لما آخى بين المهاجرين والانصار ،

( 1 ) راجع كنز العمال ( 5 : 41 ) .


65

فاصطفاه لنفسه مع ان كلا منهما من المهاجرين وذلك بعد الهجرة بخمسة أشهر .

ولا يزال يدعوه أخي في مناسبات لا تحصى .

17 - ويوم الغدير ، بعد الرجوع من حجة الوداع سنة 10 ه‍ أمر بالصلاة ، فصلاها بهجير ، وقام خطيبا على مائة الف أو يزيدون ، حيث تفترق قبائل العرب .

وبعد أن نعى نفسه إليهم ذكر الثقلين كتاب الله وعترته وانهما لن يفترقا ولن يضلوا بالتمسك بهما أبدا ، أخذ بيد علي وقال : أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم ؟قالوا : بلى يارسول الله ! وكرر السؤال عليهم واجابوا .

ثم قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ( وفي أحاديث كثيرة : من كنت مولاه فعلي وليه ) .

اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيثما دار " فلقيه عمر بن الخطاب فقال له : هنيئا يا بن أبي طالب اصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة " ( 1 ) أو " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " ( 2 ) .

( 1 ) مسند أحمد ( 4 : 281 ) وعن تفسير الثعلبي .

وفي الصواعق المحرقة في الشبهة 11 عن ابي بكر وعمر معا .

( 2 ) تفسير الرازي في قوله تعالى : " يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك " .


66

هذه هي الاحاديث التي أخذتاها من الصحيحة ، اكتفاء بهذا القليل عن كثير لا تسعه هذه الرسالة .

أما الآيات فقد قال ابن عباس : " نزلت في علي ثلثمائة آية من كتاب الله تعالى " .

ولم يعرف من طريق اهل السنة إلا مائة .

ونختار منها ثلاث آيات : 1 - آية " إنما وليكم ؟ ورسوله والذين آمنوا والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " .

وقد نزلت فيه إذ تصدق بخاتمه وهو راكع في الصلاة ، فاثبت الولاية له كولاية الله ورسوله على الناس .

وهي مثل الاحاديث التيجعل‍ ؟ له تلك الولاية الالهية .

2 - آية التطهير ، إذ جمع النبي ( ص ) عليا وزوجه وابني‍ ؟ معه في كساء واحد ، فنزلت الآية باذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم .

وهذه العصمة التي تشترط في الامامة .

3 - آية المباهلة ، إذ باهل بأهل بيته اولئكم ، نصارى نجران في قصة مشهورة ، وجعل عليا بنص الآية نفسه .

ونحن لما اعتقدنا ان طريقة الاختيار لا يصح ان يقال ان النبي عول عليها في تعيين الخليفة من بعده ، فمن الضروري ان ينص على واحد من اصحابه ، ولكن لم يكن أبا بكر فمن هو إذن ؟ ليس هناك شخص ورد فيه ما ورد في علي يصح ان


67

يكون نصا كهذه الاحاديث مع الآيات التي يؤيد بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا : فقد نصت على انه وارث النبي وراثة نبوة ، ووصيه ، وأخوه ، ونفسه ، وولي المؤمنين بعده ، واولى بهم من انفسهم ، ومنزلته منه منزلة هرون من موسى عدا منزلة النبوة ، وخليفته من بعده ، ويدور معه الحق كيفما دار لن يفترقا ، وهو أقضى الامة ، وباب مدينة علمه ، المطهر من الرجس .

وهذه صفات لا تكون إلا لامام معصوم وخليفة للنبي يختاره الله ورسوله للامة .

وهل يمكن أن يكون شخص أولىبالمؤمنين من أنفسهم ووليهم بعد النبي وهو سوقة كسائر الناس تجب عليه طاعة غيره والسمع له ؟ - هيهات ! .

ولكن كل واحدة من هذه الكلمات التمس لها بعض الباحثين في الامامة تأويلا ، احتفاظا بكرامة الصحابة واتقاء من نسبة مخالفة نص النبي إليهم .

ونحن نقول لهؤلاء المؤلين إذا كنتم قد عرفتم حسن نوايا هؤلاء الصحابة ، وهم في الوقت نفسه مجتهدون على رايكم فلا استغراب في مخالفة الصريح من كلام النبي ( ص ) وليس الخطا على المجتهدين بعزيز .

ثم انا عرفنا عنهم عدم تعبدهم : بالنصوص في كثير من الامور التي تفوت الحصر ، كتوقفهم في بعث جيش اسامة وتأميره حتى أغضبوا النبي فقال ما قال وبالاخير امتنعوا عن الخروج حتى قبض ، وكاعتراض عمر على صلح


68

الحديبية ، وكمنعه من املاء الكتاب الذي قال عنه النبي لن تضلوا بعده ابدا .

وما إلى ذلك .

فنحن الان بين أمرين إما أن نؤول هذه الاحاديث بما يصح وبما لا يصح واما ان نقول إن اولئك الصحابة قد تأولها لامر ما ولا شك ان الثاني أقرب إلى البحث العلمي والتفكير الحر المستقيم ، لانا وجدناهم قد تأولوا في حياة النبي النصوص الصريحة التي لا تقبل التأويل كما سمعت بعضها .

وهل لمن يحسن الظن بهم إلا ان يعتقد انهم لم يقصدوا مخالفة النبي عصيانا ، وانما كانوا يظنون المصلحة فيماينقدح لهم من رأي ، وقد اعتادوا أن يشاورهم في الامور اتباعا لامر الله تعالى " وشاورهم في الامر " فانسوا التدخل حتى في الشؤون العامة التي يأمر بها النبي ويعقدها .

ومن جهة ثانية نرى امتناع دخول التأويلات التي تسمعها من الباحثين على بعض هذه الاحاديث ، منها ( حديث الغدير ) وهو آخر النصوص وآية ( إنما وليكم الله . ) وحديث ( ولي كل مؤمن بعدي ) .

فقد اولوا المولى والولي في كل ذلك بالناصر أو المحب .

وهذا بعيد كل البعد في حديث الغدير ، لان أهل اللغة ان فسرت المولى والولي بالناصر والمحب فقد فسروها بمالك التصرف .

وهل تفهم معاني الالفاظ المشتركة إلا بقرائنها ؟ والقرينة الحالية واللفظية صريحة في هذا المعنى الاخير :


69

فان النبي قام خطيبا على مائة ألف أو يزيدون بحر الهجير ، وهل يصح عند العقل ان يقف هذا الموقف الخطير وهو يريد أن يفهم الناس أن عليا ناصر للمؤمنين أو محب لهم ؟ وأية حكمة في بيان هذا الامر الواضح فتسترعي هذا الاهتمام من النبي الحكيم وايضا - وبعد ان ينعى نفسه ويذكر الثقلين - يأخذ بيد علي ويرفعه إليه حتى يبين بياض ابطيهما .

ويستنشدهم : " ألست اولى منكم بأنفسكم " .

فما هذه التوطئة ؟ أكانت كلاما مطروحا لا فائدة فيه ام انها لتوضح ما سيفرغ عليهافقال : " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " ؟ لا شك انها قرينة لفظية صريحة في بيان ان عليا مثله اولى من المؤمنين بأنفسهم .

والمولى كما قلنا هو " مالك التصرف " أو " الاولى بالشئ منه " ، كما تقول : السيد مولى العبد ، أي مالك لتصرفه ، أو انه اولى بالتصرف في شئونه منه .

ولا حاجة إلى دعوى ان المولى بمعنى كلمة ( الاولى ) فقط ، حتى يعترض عليها المعترض فيقول : لا يصح أن يقال " مولى منه " كما تقول " اولى منه " .

بل ان معنى كلمة " المولى " معنى مجموع هذه العبارة ( الاولى بالشئ منه ) الذي يساوق معنى مالك التصرف .

ومنها - وهو اول النصوص - الحديث : " ان هذا أخي


70

ووصي وخليفتي فيكم - أو من بعدي - فاسمعوا له واطيعوا " .

وهو حديث ثابت لا شك فيه ، فهل تجد عبارة هي أصرح من هذه العبارة للنص على الخليفة والامام ؟ ولو قرأنا نص أبي بكر على خليفته لم نر إلا عبارة " إني أمرت عليكم عمر بن الخطاب " .

وهذه لا تشبه تلك في صراحتها ولا تقاس عليها في قياس ، فأين صراحة الامارة من صراحة الخلافة ؟ والامارة تكون في الجيش وتكون في كل شئ ، والخلافة لفظ كان يجري على لسان النبي والمسلمين ولا يراد منه إلا هذا المعنى فعندما تسمع قوله صلى الله عليهوآله وسلم : " هذا الامر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش " لانشك في المراد بكلمة ( خليفة ) كمالا نشك في كلمة قريش .

فلماذا لانفهم من كلمة ( خليفتي ) هذا المعنى ؟ وهل استعملها في يوم من الايام في معنى آخر ؟ والفرق بين نص النبي ونص ابي بكر ان ابا بكر لم يحدث بعده ما ياخذ بالاعناق إلى التأويل والتشكيك ، لانه قد عمل به وانتهى كل شئ .

أما نص النبي فقد بقى قولا في صدور الرجال وصحائف الكتب ولم يعمل به ، فسلبت صراحته وأدخل عليه التأويل احتياطا في حمل الصحابة على أحسن الاعمال .

ولئن درئ الطعن عنهم فلا يجلون عن الخطأ ، وما هو بعزيز على مثلهم .


71

على انا لا نريد ان ندخل في البحث عما يجب أن يقال في عذر الاصحاب ، وانما الغرض أن نفهم مدى دلالة هذا الحديث في نفسه قاطعين النظر عن كل ما صدر عن الاصحاب ، فلا نجد كلمة هي أوضح وأصرح من كلمة ( وصيي ) وكلمة ( خليفتي ) ، ثم تعقيبهما بالامر بالسمع والطاعة .

وينسق عليه حديث رقم ( 11 ) : " لكل نبي وصي ووارث وان وصي ووارثي علي بن أبي طالب " .

ويعلم من هذا بصراحة انها وصاية نبوة لا وصاية اعتيادية ، ووراثة نبوةعلى نسق الوصاية لا وراثة مال أو عقار ، فان عليا ابن عمه وابن العم لا يرث مع البنت ، ولا معنى لوراثة النبي لانه نبي غير ان يكون بمنزلته في الولاية العامة ووجوب السمع والطاعة ، أما العلم فكل المسلمين ورثوه منه فلا اختصاص لعلي إلا أن يراد من العلم معنى آخر لا يشترك فيه الناس ، وهو الذي يكون من مختصات النبوة ، فيكون على المقصود أدل وأدل .

أما باقي الاحاديث فلو لم يكن كل واحد منها نصا على امامته ، فعلى الاقل انها بمجموعها مع ما تقدم من النصوص تكون نصا على امامته ، فعلى الاقل انها بمجموعها مع ما تقدم من النصوص تكون نصا لا يقبل الاحتمال والتأويل ، لا سيما بعد أن بينا فساد القول بتشريع ايكال الامر إلى اختيار الامة


72

وقلنا انه لابد ان يكون واحد من الاصحاب قد نص على خلافته النبي " ص " .

لا تزال هناك شبهة مستعصية على الباحثين ، ولا يزال يكررها الكتاب حتى يومنا هذا .

وهي : ان هذه الاحاديث لو كانت للنص على خلافته ، كما تقوله الشيعة ، فلماذا لم يتمسك بها هو ، ويحتج بها على القوم لو كانوا قد اخذوا حقه ؟ ولماذا لم يحتج بها اصحابه أو باقي المسلمين في اجتماع السقيفة ؟ والحق انها شبهة قوية هي أقوى متمسك لانكار النص ،بل ليس شئ غيرها يستحق ان يذكر في معارضة تلك النصوص ، فيلجئ إلى تأويلها وتفسيرها على غير وجهها .

والباحثون اجابوا عنها بعدة امور يطول علينا استقصاؤها ، ولكن الذي يرضي نفسي وادين به ربي ان اقرر ما يلي : ان مولانا امير المؤمنين لما انتهى الامر بالناس إلى مبايعة أبي بكر خليفة ، فهو قد أمسى بين أمرين لا ثالث لهما : اما ان يستسلم للامر الواقع ، فيترك كل مطالبة علنية صريحة ابقاء لكلمة الاسلام .

واما ان يجاهد حتى يثبت حقه ، وهو نفسه قال : " وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء " .

ولما اختار الامر الاول وهو أعرف بما اختار إذ يقول : " فرأيت ان الصبر على هاتا احجى " فلم يبق وجه لمطلبته العلنية بالخلافة ، وقد طوى عنها كشحا


73

وأسدل دونها ثوبا ولو انه كان يعلن بالمطلبة فلا بد ان يتبعها بالسعي إلى تنفيذها مهما أوتي من حول وقوة ، وفي ذلك تطويح بكلمة الاسلام وبنائه السامق وسيأتي تمام البحث في الفصل الرابع .

اما اصحابه فله تبع ، وفي السقيفة قال الانصار كلهم أو بعضهم : " لانبايع إلا عليا " ولكنها كلمة ذهب في فضاء التاريخ منسية وقد عالجناها في غير موضع من هذا الكتاب كما يأتي .


75

الفصل الثاني تدبير النبي لمنع الخلاف

76

أ - بعث اسامة

- 1 - مرض النبي صلى الله عليه وآله مرضه الذي انتقل به إلى الرفيق الاعلى ، فوجس منه خيفة الفراق ، وهو يعلم ان امته على شفا جرف هار من بحر للفتن متلاطم والعرب مغلوبة على أمرها تحرق الارم عليه وعلى قومه واهل بيته ، وتنتهز الفرص للوثوب لاخذ ثأرها وهو على حذر منهم ، والمنافقون بالمرصاد بين ظهراني المسلمين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويعدون من اصحابه وهو على المسلمين منهم احذر ، وليس عهد دحرجة الدباب في العقبة ببعيد .

واكثر من ذلك هذه الاخبار ترد بخروج الاسود العنسي ومسيلمة يدعيان النبوة فتتكاثر أتباعهما .

ما أشد حال النبي وحزنه ، وهو يستدبر امة هذه حالها وهي تستقبل الفتن كقطع الليل المظلم كما في الحديث .

وقد رأى مواقع الفتن خلال بيوت المدينة كمواقع القطر في حديث آخر ( 1 ) .

ولكنه في هذا الموقف الدقيق مع ذلك يرمي بجيشه

( 1 ) صحيح مسلم 8 : 168 باب نزول الفتن .


77

اللجب إلى مكان سحيق ، إذ يعقد اللواء بيده للشاب اسامة بن زيد أميرا على الجيش بعد يوم واحد من ابتداء شكاته ، بعد ان كان امرهم بالبعث قبل ابتداء مرضه .

ثم يضم تحت لوائه شيوخ المهاجرين والانصار وجلتهم ووجوههم منهم أبوبكر ( 1 ) وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وابو عبيدة وسعد بن ابي وقاص واسيد بن حضير وبشير بن سعد وغيرهم ، ليحارب بهم اهل أبنى بناحية البلقاء من ارض الشام اولئك قتلة ابي اسامة زيد من الروم .

ثم يشدد في الخروج ويلعن المتخلف منهم ويغضب ذلك الغضب لتباطؤ القوم ولغطهم حول تأمير فتى يافع على

( 1 ) صرح بدخول ابي بكر في البعث اكثر المؤرخين ، منهم ابن سعد في طبقاته : ( 4 : 46 ) و ( 4 : 136 ) وابن عساكر في التهذيب ( 2 : 391 ) و ( 3 : 215 ) وصاحب كنز العمال ( 5 : 312 ) .

وصاحب تاريخ الخميس ( 2 : 172 ) واليعقوبي في تاريخه ( 2 : 93 ) وابن ابي الحديد ( 2 : 21 ) ومحمد حسين هيكل من المتأخرين في حياة محمد ( 467 ) وغيرهم مما لا يحصى .

ولم نجد تصريحا ولا تلويحا لاحد من المؤرخين بخروجه من جيش اسامة .

وانما يكتفي بعضهم بقول " وجوه المهاجرين " وما يؤدي هذا المعنى بدون تصريح باسم أحد ، ولكن بعضهم المؤلفين الجدليين حاول انكار دخوله من غير حجة ظاهرة .


78

شيوخ المسلمين ، فيقول : " ان تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة ابيه من قبل وإيم الله ان كان لخليقا للامارة وان ابنه من بعده لخليق للامارة " .

- 2 - لشد ما يعتلج العجب في نفوس المتفكرين من هذا الحادث ، فيعجب الانسان .

" اولا " - ان تسند قيادة اعظم جيش اسلامي يومئذ ، في ذلك الظرف الدقيق الذي وصفناه ، في مرض النبي ، إلى شاب يافع لم يتجاوز العشرين من سنيه ( على جميع التقادير ) ، وهو لم يجرب الحروب بعد وبالاصح لم تسند إليه قيادة من هذا النوع ولا من نوع آخر .

والجيش معبأ لجهاد اقوى اعداء الاسلام في ذلك الموقع البعيد عن العاصمة الاسلامية .

" ثانيا " - أن يؤمر هذا الفتى ، مع ذلك ، على شيوخ المسلمين الذين فيهم قواد الحروب ورؤساء القبائل واصحاب النبي الذين يرون لانفسهم مقاما اسمي ومنزلة رفيعة .

ويرشحون انفسهم لمنصب هو أعظم كثيرا من منصب قائدهم الصغير هذا .

" ثالثا " - ان يتباطأ المسلمون عن الالتحاق بهذا البعث بالرغم على اصرار النبي وتشديده النكير على المتخلفين ولعنه


79

اياهم .

ويكفي ان نعرف ان البعث وقع قبيل شكاته أو في أولها وقد استدامت علته اربعة عشر يوما ( على اوسط التقادير ) .

وفي كل هذه المدة الطويلة يثاقل القوم عن الخروج .

وقد عسكر قائدهم الفتى بالجرف ، وهو عن المدينة بفرسخ واحد ( بعد ان عقد النبي له الراية بيده الشريفة ) ينتظر جيشه المتمرد ان يجتمع إليه ، فتخلق الاشاعات عن حال النبي فيرجع اسامة إلى المدينة برايته فيركزها على بابالنبي ، ولكن الرسول في كل مرة يأمره بالعودة ويحث القوم على الالتحاق به .

ولكنه في اليوم الاخير يرجع مرتين في المرة الاولى يأمره النبي بالسير قائلا : ( اغد على بركة الله تعالى ) فيودعه ويخرج ، وفي المرة الثانية يرجع ومعه عمر وأبو عبيدة فيجد النبي يجود بنفسه ، ثم يلتحق بالرفيق الاعلى .

فماذا دهى المسلمين حتى خالفوا الصريح من أمر النبي هذه المدة الطويلة من غير حياء منه ولا خجل ولا خوف من الله ورسوله وتوطنوا على غضبه ولعنهم جهارا ، أتراهم استضعفوا النبي وهو مريض شاك فتمردوا عليه ، أم ماذا ؟ " رابعا " - ان ينكر هؤلاء المسلمون على نبيهم تأميره لهذا الفتى ، ثم لا يرتدعون ان نهاهم عن ذلك .

وليس لهم على كل حال حق هذا الانكار إذا كانوا حقا قد تغذوا بتعاليم


80

الاسلام وعرفوا ان النبي لا ينطق عن الهوى وما كان لهم الخيرة .

( خامسا ) - ان النبي قد علم بقرب أجله ويعلم ان الفتن قد أقبلت كقطع الليل المظلم ، فكيف يبعد جيشه وقوته عن العاصمة ومركز الدعوة ، بل كيف يخلي المدينة من شيوخ المهاجرين والانصار وزعمائهم واهل الحل والعقد منهم .

فلا بد أن يكون كل ذلك لامر ما عظيم ، اكثر من هذه الظواهر التي يتصورها الناس .

- 3 - فهل نجد حلا لهذه المشاكل تطمئن إليه النفس الحرة ، بعد عرفاننا للنبي وعظمته وانه لا يفعل ولا يقول إلا عن وحي وسر إلهي .

- لم يصح عندنا تفسير لمشاكل هذا الحادث إلا بأن نقول انه " ص " ؟ اراد : ( أولا ) - ان يهيئ المسلمين لقبول " قاعدة الكفاية " في ولاية امورهم ، من ناحية ، عملية ، فليست الشهرة ولا تقدم العمر هما الاساس لا ستحقاق الامارة والولاية ، فإذا قال عن اسامة مؤكدا جدارته بالقسم ولام التأكيد : " وايم الله ان كان لخليقا للامارة - يعني زيدا - وان ابنه لخليق للامارة " .


81

وإذا علمنا ان علي بن ابي طالب هو المهيأ لولاية امور المسلمين بعد النبي - على الاقل - ان فرض انه لم يكن هو المنصوص عليه ، أفلا يثبت لنا ان قضية اسامة كانت لقبول الناس امارة علي على صغر سنه يومئذ بالقياس إلى وجوه المسلمين وكان إذ ذاك لا يتجاوز الثلاثين ؟ وهذا ما يفسر به المشكل الاول والثاني في هذا البعث .

و ( ثانيا ) - ان يبعد عن المدينة ساعة وفاته من يطمع في الخلافة خشية ان يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه لها في الخلافة .

وقد ثبت عنه انه كان يتوجس خيفة على اهل بيته ولا سيما على علي ، فوصفهم بأنهم المظلومون من بعده .

ولذانراه اوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول إلى الرئاسة ، ولم يدخل فيه عليا ولا احدا ممن يميل إليه الذين كانوا له بعد ذلك شيعة ووافقوه على ترك البيعة لابي بكر ، فلم يذكر واحد منهم في البعث ، وهم ليسوا اولئك النكرات الذين لا يذكرون .

وهذا ما يفسر تباطؤ القوم عن البعث وعرقلتهم له بخلق الاشاعات في المعسكر عن وفاة الرسول ، مع اصراره " ص " ؟ ذلك الاصرار العظيم .

ولم يمكنهم ان يصرحوا بما في نفوسهم ، فاعتذروا بصغر قائدهم ، وفي هذا كل معنى التهجين لرأي النبي وعصيان أمره الصريح .

فكان الغرض اخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الامر


82

له ، بعد ان اتضح للنبي ان التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها للعمل بها عندهم ، كما امتنعوا عن السير تحت لواء اسامة وهو لا يزال في قيد الحياة ، فقدر أن القوم إذا ذهبوا في بعثهم هذا يرجعون وقد تم كل شئ لخليفته المنصوب من قبله ، فليس يسعهم إلا ان ينضووا حينئذ تحت جماعة المسلمين ورايتهم .

و ( ثالثا ) - ان يقلل من نزوع المتوثبين للخلافة ، ليقيم الحجة لهم وللناس بأن من يكون مامورا طائعا لشاب يافع ولا يصلح لامارة غزوة موقته كيف يصلح لذلك الامر العظيم وهو ولاية امور جميع المسلمين العامة ، وهي في مقام النبوة وصاحبها اولى بالمؤمنين من انفسهم .

وزبدة المخض ان بعث اسامة لا يصح أن يفسر إلا بأنه تدبير لاتمام أمر علي بن ابي طالب بمقتضى الظروف المحيطة به من تقدم النص على علي وقرب أجل النبي " ص " ؟ وعلمه بأن هناك من لا يروق له ولاية ابن عمه ، وبمقتضى الدلائل الموجودة في الواقعة نفسها : من تأمير فتى يافع وتكديس وجوه القوم وقوادهم في البعث وعدم دخول علي ومن يميل إليه وامتناع جماعة من الالتحاق بالجيش وحث النبي على تنفيذه وغضبه من اعتراضهم وتخلفهم ، وهو في مرض الفراق والظرف دقيق على المسلمين .

فهذا البعث في الوقت الذي كان تدبيرا لاخلاء المدينة


83

لعلي وحزبه كان حجة على المستصغرين لسنه ودليلا على عدم صلاح غيره لهذا المنصب العظيم .

فإذا كان الاخلاء لم يتم لتمانع القوم وعرقلتهم للبعث فان الحجة ثابتة مع الدهر .

ولا يصح للباحث ان يدعي إن السبب الحقيقي لتخلف القوم هو ما تظاهروا به من عدم الرضى بامارة قائدهم الصغير ، وان تذرعوا به عذرا لاخفاء تلك الشنشنة التي عرفها النبي من اخزم ، لانا نرى ان لو كان هذا هو السبب الحقيقي ، لما تنفذ البعث بعد أن تم أمر الخلافة الذي به زال المانع الحقيقي ، والمسلمون إلى النبي اطوع منهم إلى ابي بكر لو كان يمنعهم صغر القائد .

ولم يتأب عمر نفسه بعد ذلك ان يخاطب اسامة بالامير طيلة حياته اعترافا بامارته .

اما الشفقة على النبي - ان لم تكن عذرا آخر تذرعوا به - فلا يصح ان تكون سببا حقيقيا ، إذ ينبغي أن يكونوا عليه أشفق بالتحاقهم بالبعث ، وقد غضب أشد الغضب من تأخرهم على ما فيه من حال ومرض .

ولئن ذهبوا يسألون عنه الركبان كان أكثر برا بنبيهم من أن يعصوا امره ويغضبوه ذلك الغضب المؤلم له .

ولو ان القوم كانوا قد امتثلوا الامر لاصابوا خيرا كثيرا ولتبدل سير التأريخ ومجرى الحوادث تبدلا قد لا يحيط به حتى الخيال " ولو ان أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون "


84

ولما وقع ما وقع بعد ذلك من خلاف بين المسلمين وتطاحن وحروب دموية انهكت قوى الاسلام واضعفت روحية الدين حتى انفصمت عرى الجامعة الاسلامية سريعا وانتهكت حرمات الاحكام الدينية ، فعاد الاسلام كما نشاهد اليوم غريبا كما بدئ .

أي أمر عظيم وتدبير حازم صنعه النبي لسد باب كل خلاف يحدث ؟ " وكل أفعاله عظيمة " لو تم ما اراد .

ولكن لا امر لمن لا يطاع .

ب - ائتوني بكتف ودواة

: قد شاهد النبي ( ص ) ما كان من أمر عرقلة بعث اسامة ، وهؤلاء القوم المتباطؤن لم ينفع معهم صعوده المنبرعاصبا رأسه في أشد حال لا تقله رجلاه مما به من لغوب ، مشددا عليهم النكير على مقالتهم في حق اسامة وتخلفهم عن البعث .

وهي اول حادثة من نوعها تمر على النبي في المدينة ، لا يطاع امره ويتجاهل حكوه ، ويتساهل في غضبه ، ثم لا يستطيع ان ينفذ هذا الامر وهو مصر على تنفيذه إلى آخر يوم من حياته إذ دخل عليه اسامة راجعا من الجرف فأمره بالسير غاديا .

لا شك ان مثل هذا الحادث يدعو إلى تدبير آخر سريع


85

لاتمام الامر لعلي ، ومنه يتأكد للنبي جليا ما عليه القوم من التواطؤ على عدم التقيد بالنص على علي .

وهم إذا كانوا في حياته لا يطيعون أمره في هذا السبيل فكيف اذن بعد وفاته .

فلم يجد بعد هذا خيرا من ان يكتب لهم كتابا فاصلا لا يضلون بعده ابدا ، لانه سيكون امرا ثابتا لا يقبل التأويل والنكران والتناسي ، لا كالكلام الذي لا يحفظ الا في الصدور وهي لا تسلم من دخل .

ما أعظمه من كتاب ؟ أهم لا يضلون بعده ابدا ؟ ما أعظمها من نعمة ! بالله أبالله أهكذا قال النبي ؟ نعم ! لما اشتد المرض به " يوم الخميس " وفي البيترجال منهم عمر بن الخطاب ، قال ( ص ) : " هلموا اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا " .

فأية فرصة غالية هذه يجب ان يقتنصها الحاضرون لهم ولجيلهم وللاجيال اللاحقة حتى الابد ؟ وأية نعمة كبرى هذه لا تعادلها نعمة ! .

أما كان على المسلمين ان يستغلوها اعظم غنيمة فيسرعوا إلى تلبية هذا الطلب ليخلد لهم الهدى ما بقوا ؟ فأي شئ كان يؤخرهم عن اقتناص هذه النعمة ؟ أو ليس عمر بن الخطاب حال دون هذا التدبير ، فأوهى


86

منه عقدته المحكمة ، فقال : " ان رسول الله قد غلبه الوجع - أو ليهجر - وعندكم القران وحسبنا كتاب الله " ! .

فاختلف الحضور واكثروا اللغط والنقاش ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول : ما قال عمر .

فما ترى نبي الرحمة صانعا بعد هذا ؟ أيكتب الكتاب وهو في زعم بعضهم على حال مرض غالب " حاشا النبي الذي لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى " ، فكيف إذن يهتدون به ولا يضلون بعده ابدا ، وقد وقع فيه الخلاف من الآن ، وطعن بتلك الطعنة النجلاء التي لا سبر لها ولا غور .

فلم يجد روحي فداه إلا ان ينهرهم وينبههم على خطأهم فقال : " قوموا .

ولا ينبغي عند نبي نزاع " لتبقي هذه الحادثة حجة على مرور القرون .

حقا انها لرزية من أعظم الرزايا سببت كل ضلال وقع ويقع بعد النبي .

وحق الابن عباس حبر الامة ان يبكي عند تذكرها حتى يخضب دمعه الحصباء ويقول : " ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ( ص ) وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب " .

وليفكر المفكر اي شئ كان يدعو عمر ليقول هذه المقالة القارصة في حق النبي المختار ، وما ضره لو كان يكتب هذا


87

الكتاب ليعصم الخلق عن الضلالة ابد الدهور وسجيس الليالي ؟ أكان لا يجب أن يبقي الخلق على هدى لا يضلون ؟ أم كان يعتقد حقيقة ان النبي ليهجر .

ولكن لا يعتقد هذا الاعتقاد إلا من كان يجهل حقيقة النبي وما جاء به القرآن من الآيات التي ندد بها على المشركين .

وليس ذلك عمر .

وما باله لم يعتقد بهجر ابي بكر " وليس شأنه شأن النبي " لما أوصى بالخلافة ، وكان قد أغمى عليه اثناء تحرير الاستخلاف ، فأتم ذلك عثمان بالنص على عمر من دون علم ابي بكر ، خشية ان يدركه الموت قبل الوصية ، فأمضى ما كتبه عثمان لما استفاق .

أم ماذا ؟ ليتني أستطيع أن افهم غير انه علم بما سيكتبه النبي من النص على علي ، وقد سبق للنبي ان عبر مثل هذا التعبير فيالعترة يوم الغدير إذ ذكر الثقلين كتاب الله وعترته اهل بيته ووصفهما بأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، ثم قال : " لن تضلوا ان اتبعتموها " ( 1 ) أو على المشهور " لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما ابدا " ففهم عمر من قوله : " لا تضلوا بعده ابدا " ماذا سيريد ان يكتب الرسول .

ويشهد لتنبه عمر

( 1 ) مستدرك الحاكم ( 3 : 106 ) .


88

لذلك قوله : " حسبنا كتاب الله " إذ فهم ان غرض النبي ان يقرن الثقلين احدهما بالآخر فكأنه قال : يكفينا واحد منهما وهو الكتاب ولا حاجة لنا بالآخر ، وإلا فما كان معنى لقوله حسبنا .

وهو يدعي هجر النبي " ص " .

فكانت هذه المقالة من عمر والمقالة بمشهد النبي للحيلولة دون الكتاب لعلي ، اقداما جريئا جاء في وقته المناسب له قبل أن تفوت الفرصة .

ولا يشبهه أي موقف آخر منه على كثرة مواقفه في اتمام البيعة لابي بكر ، كما سنرى في انكاره موت النبي وموقفه في السقيفة وبعدها فانه هو الذي شيد ( 1 ) بيعت ؟ ابي بكر وكافح المخالفين .

ولولاه لم يثبت لابي بكر امر ولا قامت له قائمة : فقد كسر سيف الزبير ، ودفع في صدر مقداد ، ووطأ سعد بن عبادة وقال : اقتلوه فانه صاحب فتنة ، حطم انف الحباب بن المنذر ، وتوعد من لجأ إلى بيت فاطمة عليها السلام وكان بيده عسيب نحل ( 2 ) بعد خروجهم من السقيفة يدعو الناس إلى البيعة .

ولا يستطيع الباحث ان ينكر من عمر بن الخطاب تمالؤه على علي بن أبي طالب ويقظته فيما يخص استخلافه .

وكذلك جماعته الذين شاهدنا منهم التعاضد والتكانف في اكثر

( 1 ) راجع شرح ابن ابي الحديد ( 1 : 58 ) .

( 2 ) راجع كنز العمال ( ج 3 رقم 2346 و 2363 ) .


89

الحوادث كأبي بكر وأبي عبيدة وسالم مولى حذيفة ومعاذ بن جبل واضرابهم .

وكذا علي نفسه ظاهر عليه جليا ميله عن هؤلاء في جميع مواقفه معهم حتى انه لم يبايع ابا بكر حتى ماتت فاطمة فبايع مقهورا ، ولم يدخل في حرب قط على عهد الخلفاء الثلاثة ، وهو هو ابن بجدتها وقطب رحاها .

وكان يتهم عمر انه لم يشد أزر ابي بكر إلا ليجعلها له بعده فقال له مرة : " احلب حلبا لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا " ( 1 ) وقد صدقت فيه مقالته فاستخلف من قبل ابي بكر .

وهل يخفى على أحد ما كان في القلوب من تنافر ؟ ويكفي شاهدا أن نسمع المحاورة التي دارت بين عمر بن الخطاب وابن عباس كما رواها ابن عباس ( 2 ) .

عمر " لابن عباس " : أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد ؟ ابن عباس : " وهو يكره أن يجيبه " ان لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني .

- : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة ، فتبجحوا

( 1 ) السياسة والامامة : باب امامة ابي بكر .

وشرح النهج ( 2 : 5 ) .

( 2 ) الطبري ( 5 : 31 ) وابن الاثير ( 3 : 31 ) وشرح النهج ( 2 : 18 ) .


90

على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت .

- : يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت .

- : تلكم : - : اما قولك : " اختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت " فلو ان قريشا اختارت لانفسها حيث اختار الله عزوجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ومحسود .

واما قولك : " انهم كرهوا ان تكون لنا النبوة والخلافة " فان الله عزوجل وصف قوما بالكراهية فقال : " ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط اعمالهم " .

- : هيهات ! والله يا إبن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره ان افرك عنها فتزيل منزلتك مني .

- : وما هي ؟ فان كانت حقا فما ينبغي ان تزيل منزلت منك وان كنت باطلا فمثلي اماط الباطل عن نفسه .

- بلغني انك تقول انما صرفوها حسدا وظلما .

- : اما قولك : ( ظلما ) فقد تبين للجاهل والحليم .

واما قولك ( حسدا ) فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون .

- : هيهات ! ابت - والله - قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول وضغنا وغشا ما يزول .


91

- : مهلا ! لا تصف قلوب قوم اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش ، فان قلب رسول الله من بني هاشم .

- : اليك عني ؟

نقلنا هذه المحاورة بطولها لانها تجلي كثيرا من الغوامض في بحثنا ، فهي تكشف لنا : ( اولا ) - عما في نفوس الطرفين من نزوان بغضاء كامنة يستطير شرارها .

وهذا ما أردنا استكشافه الآن وسقنا لاجله المحاورة .

و ( ثانيا ) - عن ان القوم كانوا قد تعمدوا منع الامر عن آل البيت ، وان منعهم كان عاطفيا كراهة اجتماع النبوة والخلافة فيهم خشية تبجحهم ، وقد فسر ابن عباس هذه الخشية بالحسد وانها من الظلم .

واستشعر الالم الكامن من تأكيد هذه الكلمة ( بجحا بجحا ) .

و ( ثالثا ) - عن ان الامامة انما هي باختيار الله ، وأن الخلافة في آل البيت مما انزله الله ، وليست تابعة لا ختيار قريش وكراهتهم .


92

و ( رابعا ) - عن ان ظلمهم لآل البيت بأخذها منهم مشهور يعرفه كل احد .

وهذان الامران الاخيران صرح بهما ابن عباس على شدة تحفظه واتقائه غضب عمر الذي لم يسلم منه بالاخير .

ولم يرد عليه عمر الرد الذي يكذب هذا التصريح اكثر من الطعن فيه وفي بني هاشم ثم الزجر له بقوله : " اليك عني " .

وهذا الزجر ينطق صريحا بالعجز عن الجواب ، فختمت به المحاورة .

والغرض من كل ذلك ان اقدام عمر الجرئ ، على نسبة الهجر إلى النبي المعصوم ، وعلى دعوى ان كتاب الله وحده كاف للناس بلا حاجة إلى شئ آخر على عكس تصريح النبي ، لا يستغرب منه ما دام القصد منع الامر عن علي .

وقد اتضح ان بينهما مالا يستطيع التأريخ نكرانه والتمويه فيه .

واما اعتذار بعض الناس عنه بأنه ظهر له ان الامر ليس للوجوب فهو اعتذار بارد لا يقره العلم .

فمن اين ظهر ذلك ؟ أمن قول النبي " لا تضلوا بعده أبدا " - وهل هناك أمر اعظم مصلحة في الحكم الشرعي تجعله للوجوب من هداية الخلق اجمعين إلى أبد الدهور - أم من وقوع النزاع وغضب النبي وزجرهم بالانصراف .

وإذا كان قد فهم الاستحباب فلماذا يرده بأشنع كلمة لا يواجه بمثلها الرجل العادي من


93

الناس لا سيما عند المرض ، أعني كلمة الهجر والهذيان ، مهما لطفت العبارة بتحويلها إلى كلمة " قد غلبه الوجع " .

ثم أي معنى حينئذ لقوله : " حسبنا كتاب الله " ، وهو رد على النبي وتدخل في مصلحة الحكم واساسه ، وكان يغنيه ان يقول لا يجب علينا امتثال الامر .

والخلاصة إن الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي ( ص ) من نفس وصفه له : " لا تضلوا بعده أبدا " ومن نفس رد عمر " حسبنا كتاب الله " ومن قرائن الاحوال المحيطة بالقصة بعد سبق توقف البعث عن الذهاب نعرف ان المق‍ ؟ ود منه النص على خليفته من بعده وهو علي بن ابي طالب ، لا سيما ان كل خلاف بين المسلمين وكل ضلال وقع ويقع في الامة هو ناشئ من الخلاف في أمر الخلافة فهو أس كل ضلالة .

ولو تركوا النبي يكتب التصريح بالخلافة من بعده لما كان مجال للشك والخلاف الا بالخروج رأسا عن الاسلام .

وليس بالبعيد انه ( ص ) امتنع عن التصريح شفاها أو كتبا بعد هذه القصة بالنص على خليفته لئلا يأخذ اللجاج بالبعض إلى الخروج على الاسلام ، فتكون المصيبة أعظم على الاسلام والمسلمين وهذا ما حدا بعلي عليه السلام إلى المجاراة والمماشاة ، فلذا قال في خطبته الشقشقية : " فطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء .


94

فرأيت ان الصبر على هاتا أحجي .

) .

وسيأتي في الفصل الرابع الكلام عن موقفه مع الخلفاء تفصيلا .


95

الفصل الثالث بيعة السقيفة

96

1 الدوافع لاجتماع السقيفة

( 1 ) تصور الانصار انهم الذين آووا ونصروا يوم عز الناصر ، وأسلموا يوم قحط المسلمين ، فبذلوا للاسلام نفوسهم واموالهم ، فكانوا بحق " انصارا " كما سماهم النبي صلى الله عليه وآله ، و " وحضنة الاسلام واعضاد الملة " كما دعتهم الزهراء عليها السلام في خطبتها الشهيرة عند مطالبتها بالنحلة .

اذن ، لابد أن يروا لانفسهم حقا في الاسلام لايغمط وسابقة ليست لغيرهم لا تنكر ، ولهم في تشييده يد مشهورة وذكر جميل .

وهذا ما يطمعهم في امارة المسلمين كجزاء

( 1 ) السقيفة : الصفة ، والظلة ، وهي شبه البهو الواسع الطويل السقف .

وكان لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج - وهم حي من الانصار ومنهم سعد بن عبادة نقيبهم ورئيس خزرج - ظلة يجلسون تحتها هي دار ندوتهم لفصل القضايا اشتهرت " بسقيفة بني ساعدة " .

اجتمع فيها الانصار أو سهم وخزرجهم ليبايعوا سعد بن عبادة خليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآل


97

لتضحيتهم في سبيل الاسلام وكنتيجة لنجاحهم وتفوقهم على العرب في النصرة والايواء .

ومن جهة ثانية : انهم كانوا قد وتروا قريشا والعرب ، وأية ترة هي ؟ آووا ونصروا من سفه أحلامهم ، وهم يحرقون الارم عليه ليقتلوه ، فتمنع عن جبروتهم باولئك المستضعفين في نظر " أهل النواضح " واكثر من ذلك انهم قتلوا صناديدهم واسروا رجالهم وجعجعوا بهم حتى دانت بأسيافهم العرب .

فكانت الانصار - والحال هذه - تتخوف هؤلاء الذين وتروهم إذا خلصت إليهم الامارة ان يأخذوهم بترتهم ، وهم عندئذ المغلوبون على أمرهم سوقة لا يملكون لانفسهم قوة ولا دفاعا ، وكفاهم ما سمعوه من النبي ( ص ) مخاطا لهم : " ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " .

والمناظرة التي وقعت يوم السقيفة كانت تشير إلى تخوفهم هذا ، بل صرح الحباب بن المنذر إذ يقول : " ولكنا نخاف ان يليها بعدكم من قتلنا ابناءهم وآباءهم واخوانهم " .

وقد صدقت فراسته فتولى الامر بنو أمية وكان ما كان منهم في وقفة ( الحرة ) المخزية التي يندي منها جبين الشرف والانسانية ، ويبرأ منها الاسلام وأهله .

وشئ ثالث هناك : إذا كان صاحب الامر هو علي بن أبي طالب ، فلم يخف عليهم حسد العرب له وتمالؤها عليه ،


98

وهي موتورة له اكثر من أي شخص آخر من المسلمين بعدالنبي ، فلا تمكنه العرب - وقريش خاصة - من امورهم .

وليس بعيدا عهد تأخر جيش اسامة والحيلولة دون كتاب النبي .

ولا بد انهم علموا بمؤامرات هناك وتفكيرات احسوها عيانا في جماعة من الناس .

فالانصار - والحال هذه - قد لا يرون كبير إثم في تطاولهم لمنصب الخلافة ، مادامت خارجة عن معدنها ، ولا يأمنون أن يتولاها من لا يحمدون مغبة أمره ، ولا يجدون غير ؟ هم ممن يتطاولون لها اولى بها في نصرة وخدمة وتضحية ، ولعلهم لاجل هذا لما يئسوا من الامر بعد محاولتهم الفاشلة ورأوه : ؟ خرج من أيديهم ايضا قال كلهم أو بعضهم : " لانبا ؟ إلا عليا " ( 1 ) ولكن بعد خراب البصرة .

هذه أسباب قد تقنع النفوس الاعتيادية على تنفيذ رغبا ؟ ، وتحملها على الاعتقاد بصحة ما يوحي إليها أهواؤها بقصد أو بغير قصد من جراء تأثير العاطفة ، فتعمى العين عن أوضح ما يقوم في في طريقها من نور للحق ودليل على فساد ايحاء النفس بنزعاتها ، وهذا ما يؤيده علم النفس .

وإذا نحن تفهمنا هذه الحقائق وتدبرناها جيدا استطعنا ان نعرف السر في استباق الانصار - بهذه العجالة - إلى عقد

( 1 ) الطبري ( 3 : 198 ) وابن الاثير ( 2 : 157 ) وغيرهما .


99

اجتماعهم سرا في سقيفتهم ، واستطعنا ان نعرف لماذا كان سريا بلا مشورة للمهاجرين ولا باقي للمسلمين .

أجل ! ما هو إلا لانهم طلبوا الغرة من أصحاب الرسول واهل بيته ، فانتهزوا فرصة انشغالهم بفادحهم العظيموبجهازهم نبيهم ، ليحكموا البيعة لاحد نقبائهم وسيد الخزرج ، أو لاي شخص آخر منهم قبل ان يفرغ أهلها أو طالبوها .

وحينئذ ظنوا ان سيتم لهم كل شئ .

2 - نفسية الانصار

حاولنا في البحث السابق ان نتشبث بما يرفع الانصار عن سوء النية والقصد ، ولكنا نؤمن بأن ما قلنا عنهم لا يخرج عن عده من الوساوس التي لا تبرر عمل المرء من الناحية الدينية .

على انا نرجو ان يكونوا معذورين فيما عملوا لئلا نخسر عددا وفيرا من الصحابة .

اما نفس عملهم - سواء كانوا بسوء نية أم لا - فلا يسعنا ان نحكم بصحته ، فنا مهما فرضنا الحقيقة من جهة النص على الامام فان استبدادهم هذا وتسرعهم في عقد اجتماعهم لنصب خليفة منهم لا يخرج عن عدة خيانة للاسلام وتفريطا في حقوق المسلمين بلا مبرر ، وفي وقت قد دهمت الاسلام فيه هذه الفاجعة


100

الدهيماء ، والمسلمون كالمذهولين بمصابهم لا يعلمون ماذا سيلاقون من العرب واعداء الاسلام .

ولا نريد الآن نجلس في دست القضاء لنحكم لهم أو عليهم ، ولعل هناك من يرى صحة عملهم فلا نضايقه ، وإنما مهمتنا ان ندرس الاسباب التي دعتهم إلى عملهم هذا ، وأن ندرس نفسياتهم .

في البحث السابق رأينا ان خدمتهم للاسلام الممتازة هيالتي خيلت لهم الحق في الخلافة أو في سلطان المسلمين .

وهذا نعرفه من حجتهم على لسان المرشح منهم للخلافة - سعد بن عبادة - في خطبته ذلك اليوم ، ينضم إلى ذلك تخوفهم من ان يخلص الامر إلى من قتلوا أبناءهم وآباءهم واخوانهم ، مع اعتقادهم بخروج الامر عن أهله ، ويدل على هذا الاخير - كما تقدم - طلبهم مبايعة على بعد اليأس .

هذه الاسباب التي استطعنا عرفانها .

وكل ذلك تقدم ، وفيها قبس نسير على ضوئه لمعرفة نفسياتهم .

فانا نعرف من مجموعها انهم في محاولتهم كانوا مدافعين اكثر منهم مهاجمين ، والدفاع دائما يكون عن الشعور بالضعف والانخذال وهذا الشعور من أعظم الادواء النفسية لمن أراد الظفر في الحياة ، إذ ينشأ منه الوهن في العزيمة والضعف في


101

الارادة والاضطراب في الرأي والتدبير .

وكل ذلك كان ظاهرا على الانصار في إجتماعهم بالسقيفة .

والشاهد على ذلك : انقسامهم على انفسهم وانسحابهم امام خصومهم كما سترى ، وأعظم من ذلك تنازلهم إلى الشركة في الامر من قبل أن ينازعهم منازع ، اعني قبل مجئ جماعة المهاجرين إليهم ، إذ قال قائلهم : " فانا نقول إذن - أي عندما ينازعوننا - منا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبدا " ، فقال لهم سعد : " هذا اول الوهن " .

والحق انه اول الوهن وآخره .

ثم يستمر معهم هذا التنازل حتى مجئالمهاجرين ، فكرروا هذه الكلمة بالرغم على تنبيه سعد لهم انها من الوهن .

وهذا يكشف - ايضا - عن سماحة في نفوسهم ولين في طباعهم ، ويصدق ما قلناه انهم مدافعون اكثر منهم مهاجمين ، فلم يطلبوا الامارة ليملكوا مقدرات الامة وشئونها بل ليدفعوا ضرر من يخافون ضرره ، فاكتفوا بالشركة التي يحصل بها الغرض من الدفاع .

والانصاف ان الانصار لا ينكر ما هم عليه من استكانة واستخذاء وقصر الرأي والتدبير ، وضعف في العزائم ، ولا سيما امام دهاء قريش وقوتها ، وان حاول بعضهم - وهو الحباب بن المنذر - ان يستر هذا الضعف .

إذ قال في خطابه


102

ذلك اليوم : " يا معشر الانصار املكوا عليكم أمركم فان الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم .

وأنتم اهل العزة والثروة .

" .

فاطرد خطبته على هذا الاسلوب زاعما ان سيرفع من منعتهم وبأسهم ويسد خللهم ، ونهاهم عن الاختلاف وحذرهم عواقبه حتى قال : " فان أبى هؤلاء فمنكم أمير ومنهم أمير " .

ولكنه - كما ترى - بينا هو محلق في السماء رفعة وتعاظما ويملي ارادته قوة إذا به يهبط إلى الحضيض ضعفا ، إذ يقول : " فان ابي هؤلاء .

" ونقول له : فان ابى هؤلاء الشركة ايضا فما أنتم صانعون ؟ لا شك ان ذلكالضعف الذي يملي عليه التنازل هو ذلك الضعف عينه موجود ايضا سيملي عليه التنازل عن جميع الامر ، كما وقع .

وهذا من تنازل الخائر المغلوب على امره وتدبيره .

وكانت عليه بذلك الحجة الظاهرة ، فقال له عمر بن الخطاب : " هيهات لا يجتمع اثنان في قرن " أو ما ينسق على هذا المعنى ، على ان الحباب هذا من أقوى من وجدنا يومئذ واشجعهم قلبا وأجرأهم لسانا ، وأغلظهم على المهاجرين ، لولا سعد بن عبادة .

إلى هنا لعلنا لمسنا شيئا من نفسية الانصار وادركنا مقدار الضعف في نفوسهم ، والوهن في عزائمهم ، والاضطراب في


103

تدبيرهم .

كيف وقد تجلى ذلك في الحباب لسانهم المفوه وخطيبهم المصقع ذلك اليوم ، وهو أقوى شكيمة واكثرهم إعتدادا بنفسه وقومه ، وكان يدعي بينهم " ذا الرأي " .

بقي علينا ان ندرك لماذا كل هذا الحذر من الحباب من اختلافهم إذ يقول : " ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم " ؟ - لابد انه كان يحس بشرارة الخلاف تقدح ، ويتوجس خيفة من الانتقاض وهذا ما سنبحث عنه في الاتي .

3 - الانصار حزبان إذ قيل الانصار أرادوا البيعة لسعد ، فانما هم الخزرج فقط دون الاوس ( 1 ) .

وإذا كان الاوس اجتمعوا في السقيفةمع الخزرج فانما هو على ظاهر الحال ، ولحس مشترك بالخوف ممن قتلوا آباءهم وابناءهم أن ينالوا الامارة ، وهم يبطنون في نفس الوقت للخزرج كمين أحن تتغلغل في صدورهم ، فان بين الحيين دماء مطلولة ما زال نضخها على سيوفهم وجروحا

( 1 ) ولذا يقول المؤرخون عند ذكرهم لبيعة الاوس : " فانكسر على الخزرج ما كانوا اجمعوا عليه " .


104

بالغة لايلام صدعها ولا يرجى رأبها .

وكان آخر أيام حروبهم يوم ( بعاث ) المشهور وهو قبل الهجرة بست سنين ، وهو سبب اسلامهم - على ما قيل - إذ جاء أحد القبيلين بعد يوم بعاث إلى مكة يستنجد قريشا على الفريق الثاني ، فالتقوا بالنبي ( ص ) وهداهم الله تعالى إلى الاسلام .

وكان رئيس الاوس يوم بعاث حضير الكتائب أبو اسيد بن حضير هذا الذي أفسد الامر على سعد وبايع أبا بكر ومعه الاوس .

وكان رئيس الخزرج عمر بن النعمان ، أبو النعمان صاحب راية المسلمين يوم احد ( 1 ) .

ولم يلطف الاسلام كثيرا من تنافسهم وتحاسدهم ، وان اطفأ بينهم نار الحروب ، فقد كانا يتصاولان تصاول الفحلين ، لا تصنع الاوس شيئا إلا قالت الخزرج نفاسة : لا يذهبون بهذا فضلا علينا .

فلا ينتهون حتى يوقعوا مثله .

وكذلك إذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مقالتهم وصنعت صنعهم ( 2 ) .

ومن منافساتهم التي بلغت حد الافراط يوم استعذررسول الله من عبدالله بن ابي سلول المنافق الشهير وهو من الخزرج فقال : " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد

( 1 ) راجع العقد الفريد ( 2 : 250 ) .

( 2 ) الطبري ( 3 : 7 ) وابن الاثير ( 2 : 66 ) .


105

بلغني عنه اذاه في أهلي .

" إلى آخر ما قال ، فقام سعد بن معاذ رئيس الاوس فقال : " يارسول الله انا والله اعذرك منه ان كان من الاوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك " فترى سعدا كيف تجاهل الشخص المعنى وتحفظ عند ذكر الخزرج مما يدل على شديد تنافسهم فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج فقال لابن معاذ : " كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك لما أحببت ان يقتل " فقام اسيد بن حضير ابن عم سعد بن معاذ فقال لابن عبادة : " كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين " .

فثار الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت ( 1 ) .

هكذا هم الاوس والخزرج حزبان متنافسان متحاسدان وانما سعد بن عبادة بادئ بدء - يوم السقيفة - أراد ان يستميل الاوس باسم الانصار ، وهم حزب واحد امام حزب المهاجرين وقريش ، فقال - معرضا بخصومهم في خطبته على الانصار - : " يا معشر الانصار ان لكم سابقة في الدين وفضيلة ليست لقبيلة من العرب " .

ويقصد المهاجرين .

وهكذا مضىفي خطبته يضرب على هذا الوتر إلى أن اجابوه جميعا : " أن

( 1 ) راجع البخاري ( 2 : 6 و 3 : 24 ) .


106

وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما أمرت ، نوليك هذا الامر ، فأنت لنا مقنع ولصالح المؤمنين رضى " .

ثم انهم ترادوا الكلام فيما إذا أبت المهاجرين من قريش بيعتهم ، فقالت طائفة : " اذن نقول منا امير ومنكم امير " .

فقال سعد : " هذا أول الوهن " وقد سبقت الاشارة إليه .

وفي الحقيقة انه اول الوهن وتنازل منهم عرفنا فيما سبق دلالته على مبلغ ضعف ارادتهم امام ارادة قريش حتى قبل مواجهتهم ، بل يدل ايضا على تخلخل صفوفهم ووجود خلاف كامن كمون النار في الرماد ، فلم يتأثروا بدعوة سعد ، وأبطأوا عليه حتى داهمهم المهاجرون ، وهم إنما اسرعوا إلى عقد هذا الاجتماع ليسبقوا الحوادث ، وإلا فقد كانت الفرصة الكافية لبيعته من قبل ان يعلم جماعة المهاجرون باجتماعهم فتكبسه عليهم .

لولا انهم اضاعوها باخلافهم وتباطؤهم حتى مضى الوقت .

ومثل هذه الامور - بعرف الساسة - لا تقبل الاناة والابطاء .

والحق ان الاوس كانوا غير مرتاحين لبيعة سعد ، وهم يتنافسون مع الخزرج في أتفه الاشياء وادناها ، وكأنهم كانوا لا يريدون ان يبدأوها بالخلاف خشية أن يقال : " اوس وخزرج " ، وفي هذه الكلمة ما فيها من معان لا تتفق وروحيةالاسلام ، فيبتعدون عنها ما استطاعوا على ان المجاملة محفوظة


107

بين الطرفين .

ولذلك لما رأوا المجال للوثبة واسعا نقضوا أمر سعد وما اجتمعت عليه الخزرج ، وهذا عندما رأوا ان الخلاف جاء من الخزرج انفسهم بمقالة بشير بن سعد الخزرجي ، وستأتي ، وباسراعه إلى بيعة ابي بكر ، وقد كان اول المبايعين .

وايضا رأوا ان الدعوة ضد سعد إنما جاءت من قبل غيرهم وهم المهاجرون .

فظهرت منهم حسيكة الخلاف والتنافس ، وقال بعضهم لبعض وفيهم اسيد بن حضير زعيمهم : " لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا ابا كبر " فقام اسيد فبايع ومعه الاوس ، وليسأل السائل هل جعل لهم نصيب فيها بمبايعتهم لابي بكر ؟ ولكنه التنافس هو الذي أملى عليهم هذا القول ومنافسة القرابة ابعد أثرا واعظم مفعولا .

هذا ولا ينكر ما لابي بكر من كبير أثر في استمالة الاوس إلى جانب المهاجرين ، فقد وقف موقفا مؤثرا وكان يعرف من اين تؤكل الكتف فلم يفته ما كان يعلمه من التنافس بين الحيين ، حتى استغله لانقاذ الموقف وبرع في هذا الاستغلال ، فقد قال في ذلك اليوم : " ان هذا الامر ان تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الاوس وان تطاولت إليه الاوس لم تقصر عنه الخزرج ، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا


108

تداوى فان نعق منكم ناعق جلس بين لحيي اسد يضغمه المهاجري ويجرحه الانصاري ) ( 1 ) .

فانظر إلى كلمة ( لم تقصر ) وما لها من بليغ اثر في القلوب المتحاسدة وما بها من تحريض لاحد المتناظرين على نظيره المتطاول .

نعم ! انها لتجعل لكل من الحيين الكفاية تجاه الحي الآخر ، فان تطاول احدهما - وهم الخزرج الآن - فحقيق بالآخر ان يتطاول لها ككفتي ميزان ، من غير فضيلة يختص بها المتطاول .

فلا تسل كيف أشرأبت اعناق الاوس لهذا الامر ؟ وبعدها انظر كيف ذكر الترات السابقة ونبش الدفائن .

وهذا ما يثير بالحفائظ ويوقظ الضغائن .

وهنا راح يستدل على خطأ تولي أحد الحيين لهذا الامر ، لانه يقع بين خصمين الدين : فرماهم بالمسكنة كما يقول ابن دأب عيسى بن زيد .

استطعنا في هذا البحث أن نلمس التنافس بين الاوس والخزرج لنعرف مدى تأثيره على مجرى حادث السقيفة ، كما عرفنا ان اهل الدعوة - عند التحقيق - انما هم الخزرج فقط ، ولم تشاركهم الاوس مشاركة جدية .

( 1 ) البيان والتبيين ( 3 : 181 ) .


109

فلنترك الانصار الآن مجتمعين في السقيفة يتبارون الخطب ويتحمسون لجهادهم وتضحيتهم ، و سعد بن عبادة قد ترأسحفلهم يخطبهم ويقول في آخر خطبته : " استبدوا بالامر دون الناس فانه لكم دون الناس " .

ولنذهب ميممين المهاجرين وباقي المسلمين حول دار النبي في المسجد ، لنراهم ماذا هم صانعون !

4 هل مات النبي محمد

؟ نعم ! كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد خرج في آخر فجر من حياته إلى الصلاة ، فصلى بالمسلمين الغداة .

وكان هذا آخر عهدهم برؤية تلك الطلعة المحبوبة وذلك النور الالهي .

ولم تزل شمس السماء إلا وقد آذنت شمس الارض بالمغيب من افقها إلى افق الحق الدائم ، وها هو ذا النبي مسجى بين اهله ينتدبون فيه حظهم ، والباب مغلق دون الناس .

انه يوم .

! وأي يوم هو على اهل المدينة والمسلمين ! .

فقدوا .

؟ وأية نعمة فقدوا .

؟ فقدوا الرحمة والانسانية .

فقدوا الاخلاق الالهية .

فقدوا


110

حياتهم وعزهم ومجدهم .

فقدوا طريق الحق اللاحب وصراط الله المستقيم ونوره المشرق بآياته الباهرة .

! فقدوا نبيهم العظيم وأباهم الكريم .

! فاعظم بيومه يوما ! واعظم به فقيدا ! انه يوم كان للمسلمين مضرب المثل فإذا بالغوا في يوممصيبة قالوا : " انه كيوم مات فيه رسول الله " .

وما تنتظر من المسلمين ساعة يسمعون الواعية والباب مغلق على من فيه ، إلا ان يهرعوا فيجتمعوا في مسجدهم والطرقات ، نكسا ابصارهم مطأطئي رؤسهم .

ولم تبق عين لم تدمع ، ولا قلب لم يجزع ، ولا نفس لم يتقطع .

وما ينتظرون هم .

؟ - لاشك ليس هناك ما يدعوهم إلى تكذيب النعاة .

وإذ علموا آنئذ أن مجرى حياتهم قد تبدل راحوا - ولا شك - يتطلعون إلى ما يظهر لهم على مسرح العالم الاسلامي من حوادث ومفاجآت ، فتطيش لذلك عقولهم ، ويقوى حسهم بمستقبل هذا الدين الجديد الذي أخذ بأطراف الجزيرة ، والمنافقون يتحينون به الفرص ، فتنهد عزائمهم ، ويستشرفون - على الاكثر - على خليفة النبي الذي سيقود الامة لينقذ الموقف ، فيضربون اخماسا في اسداس .

كل هذه الافكار وأكثر منها - بغير شك - كانت تمر على


111

رؤس ذلك الجمع الحاشد الطائش اللب الحائر الفكر ، الذي يحوم حول دار النبوة والوحي ، يرقب منها - على عادته - ان تبعث له بما يطمن خاطره ويهدئ روعه ويعرفه مستقبل أمره ، حتى اصبح الناس كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ( كما في الحديث ) .

ولكن .

ولكن عمر بن الخطاب صاحب رسول اللهذلك الرجل الحديدي أبى على الناس تصديقهم بموت نبيهم ، إذ طلع صارخا مهددا " وقد قطع عليهم تفكيرهم وهواجسهم " وراح يهتف بهم : " ما مات رسول الله ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله .

وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن ارجف بموته .

لا اسمع رجلا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي " .

اتراك " لو خلوت بنفسك وأنت هادئ الافكار " تقتنع بوحي هذه الفكرة من هذا الذي لا يقعقع له بالشنان ، وأنت لا تدري لماذا رسول الله يقطع أيدي وارجل من أرجف بموته ، أو بالاصح من قال بموته ؟ ولاي ذنب يستحق الضرب بالسيف هذا القائل ؟ ومن أين علم ان رسول الله لا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله ؟ وما هذا الرجوع ؟ أرجوع بعد الموت أو بعد غيبة " كغيبة موسى بن عمران كما يدعيها عمر بن الخطاب في بعض الحديث " ولكنها أية غيبة هذه وهو مسجى بين اهله لا حراك فيه ؟ إلا اني اعتقد انك لو كنت ممن ضمه هذا الاجتماع


112

لذهبت بتياره ولتأثرت بهذا القول إلى أبعد حد كسائر من معك ما دام الاجتماع بتلك الحال التي وصفناها ، والخطيب هو عمر بن الخطاب ، وقد جاء بتلك الدعوة الثائرة ، في صرامة ارادة ورأي بلغا أقصى درجات الصرامة ، وقد استعمل المغريات الخلابة للجماعات : فمن أمل بحياة الرسول وباظهار دينه على الدين كله - إلى توعيد بقطع رسولالله أيدي وأرجل المرجفين بموته ، وتهديد منه ( اعني عمر ) بقتل من يقول مات رسول الله .

انهما الخوف والامل إذا اجتمعا مع هذا الرأي القاطع والارادة الصارمة لهما التأثير العظيم الذي لا يوصف على افكار الجماعة الاجتماعية وأي تخدير بهما لاعصاب المجتمعين .

ومن وراء ذلك أن شأن المحبين يتعللون في موت حبيبهم إذا نعي بالاوهام ولا يرضون لانفسهم التصديق بموته لا سيما مثل فقيدهم هذا العظيم الذي يجوز عليه ما لا يجوز على البشر .

ولا شك ان مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة في الاجتماع الفجائي المضطرب الافكار المتأثر بهذا الحدث العظيم المتحفز للحوادث المجهولة والمفاجات المنتظرة .

ومن البديهي ان الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو تتكون منه روح واحدة مشتركة حساسة تتغلب على نفسيات أفراده الشخصية ، وتكون هذه الروح خاضعة


113

لمؤثرات لا حكم لها غالبا على روحية الفرد لو كان خارج الاجتماع .

وأهم خواص هذه الروح انها تكون عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويبطل فيها حكم العقل وسلطانه ويقوى سلطان المحاكاة والتقليد الاعمى .

ولذلك لا تفكر الجماعات إلا بأحط فكرة فيها ، وتقبل ايضا كل فكرة تعرض عليها إذا اقترنت بالمؤثرات الخلابة وان خرجت عنحدود المعقول .

ومن أقوى المؤثرات شخصية الخطيب وصرامة رأية .

فلا نستغرب قناعة المسلمين يومئذ برأي عمر بقدر ما نستغرب منه نفسه هذا الرأي وإن لم ينقل لنا صريحا قبولهم له ، كما لم ينقل في الوقت نفسه اعتراض أحد عليه سوى ابي بكر وقد جاء متأخرا .

وإذا أبيت فعلى الاقل شككهم في موت النبي وألهاهم عن التفكير فيما يجب أن يكون بعده وفيما سيحدث من حوادث منتظرة ، لانهم - لاشك - التفوا حوله عجبين مستغربين وهو مستمر يبرق ويرعد مهددا حتى ( ازبد شدقاه ) .

ولكلمة ( الارجاف ) هنا التأثير البليغ في اقلاع أفكار الجماعات عن الدعوى التي يدعونها لانها من الالفاظ الخلابة التي تتضمن التهجين الشنيع للدعوى والاشمئزاز منها إلى أبعد حد ، إذ تشعر هنا ان مدعيها من المنافقين الذي لهم غرض مع النبي والاسلام ، فقال : " .

ممن ارجف بموته "


114

ولم يقل ممن ادعى أو قال .

وهذا كاف للتأثير على الجماعات وتكوين الشعور بكراهية دعواها .

ويشهد لتأثير كلامه على سامعيه التجاء ابي بكر لما جاء من السنح ( 1 ) أن يكشف عن وجه النبي ليتحقق موته ، ثم يخرج إلى الناس مفندا مزاعم عمر ، وعمر مستمر يحلف انه لم يمت .

وطلب إليه ان يجلس - فلم يجلس - ثلاث مرات ، فقالله : " أيها الحالف على رسلك " .

ثم قام خطيبا في ناحية اخرى وقد اجتمع حوله الناس فتشهد وقال - وعمر مستمر وقد تركه الناس - : " من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت .

" .

ثم تلا هذه الآية الكريمة : " أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم .

" .

و ( شاهد ثان ) : أن الناس لما سمعوا كلام أبي بكر اصبحوا كأنما اخرجوا من مأزق أو اطلقوا من عقال ، فانهم تلقوا الآية وكلهم وراحوا يلهجون بها " فما تسمع بشرا من الناس إلا يتلوها " .

أما عمر فقد صعق إلى الارض وصدق

( 1 ) وهو يبعد عن المسجد بميل واحد " وفي الرواية عن عائشة " وكذا في معجم البلدان ولعله اعتمد على هذه الرواية .

ولكن السنح هو عالية من عوالي المدينة وأدنى العوالي - بتقدير نفس المعجم - يبعد أربعة أميال أو ثلاثة


115

حينئذ بموت النبي بعد ان تحقق ان الآية من القرآن ، كما يقول .

لله ابوك يابن الخطاب ! ما أدهشني بك ، وأنت أنت ، إذ تقف ذلك الموقف الرهيب حالفا مهددا ، لتنكر أمرا واضحا ، ألم يعلمك الاسلام حقيقة محمد فتنكر انه يموت ؟ ثم تسمي مدعي موته ( مرجفا ) ؟- لا ؟ - لا ؟ ولكنك تحاول ان تقنع الناس انه غاب موسى بن عمران ، فيرجع ليقطع الايدي والارجل .

إلا انه - بالله عليك - أية غيبة هذه ؟ وأنت أعجب وأعجب حين تسرع مصدقا وتنقاد طائعا لقول قاله ابو بكر لا يكذبك ولا يصدقك ، بعد ذلك التوعيد والتهديد .

أو لست أنت كنت تعترف انه يموت بعد ان يظهر دينه على الدين كله ؟ فأي دليل كان في الآية ناقض قولك فأقنعك حتى صعقت إلى الارض .

والآية لا تدل على انه يموت يوم مات ! .

؟ واعجب من ذلك وقوفك بعد يوم معتذرا فتقول : " فاني قلت بالامس مقالة ما كانت إلا عن رأيي وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده الي رسول الله .

ولكن كنت


116

ارجو ان يعيش رسول الله فيدبرنا ويكون آخرنا موتا " ( 1 ) .

فأين هذا الرجاء الفاتر من تلك الصرخة المعلنة وذلك الحلف والتهديد وطعن القائل بموته بالارجاف ؟ واين هذا الاعتذار الهادئ من تلك الدعوى الثائرة ؟ إن لك لسرا عظيما ! يبدو لي ان عمر كان أبعد من أن يظهر بهذه السهولة لقارئي هذه الحادثة .

ومن البعيد جدا وفوق البعد ان يعتقد مثله ان النبي لا يموت يوم مات ، وهو الذي قال فيمرضه - كما سبق - بكل رباطة جأش : " ان النبي قد غلبه الوجع .

حسبنا كتاب الله " .

فأي معنى تراه لقوله " حسبنا " لرد الكتاب الذي أراده النبي لامته بعد موته ، لو لم يكن معتقدا انه سيموت وان كتاب الله يغني عن أي شئ آخر يريد ان يقرنه النبي به وهل تراه قال ما قال دهشة بالمصيبة ؟ فما باله لم يعتذر بذلك بعد يوم وقد سمعت اعتذاره ! بل ما باله لم يزد دهشة

( 1 ) اقتبسنا مجموع هذه العبارة من كنز العمال ( 3 : 129 و 4 : 53 ) ومن تاريخي الطبري وابن الاثير والبخاري ( 4 : 152 ) والسيرة الدخلانية ( 2 : 347 ) ولفظ ( كنت أرجو أن يعيش .

) في الصحيح والسيرة .

والمروي في هذه الكتب وغيرها بألفاظ متقاربة جدا وتختلف بما لا يضر بالمعنى


117

لما تحقق انه قد مات ! هيهات ان يكون قد دهش فيخفي عليه موت النبي وهو هو من نعرف .

وبعض الناس قد جهلوا عمر بهذا وابعدوا ، فقالوا : من يجهل مثل هذا الامر الواضح المعلوم بالاضطرار جدير بألا يكون إماما راعيا للامة .

والتجأ بعضهم الآخر ان يعتذر عنه بأن ذلك من فرط دهشته .

وفيما عندي ان الطرفين لم يعرفاه حق عرفانه ولم يصلا إلى غوره وتدبيره في هذا الحادث المدهش .

فان من يعتقد انالنبي قد غاب فيحلف لا يقنعه مثل حجة ابي بكر فيرتدع .

ومن خبل بالمصيبة فهو عند اليقين بها ادهش وادهش .

ويكفي المتدبر في مجموع نقاط هذه الحادثة ان يفهم هذا الذي لا يختل بالحرش ، فيعرف ان وراء الاكمة ما وراءها ، ولا يضعه حيث وضعه الناس .

ألا تعتقد معي انه كان يخشى ان يحدث القوم ما لا يريد ، وقد اشرأبت الاعناق - بطبيعة الحال - إلى من سيخلف النبي ، وهذه ساعة طائشة ، وابو بكر بالسنح غائب ، وهو خدنه وساعده ، وهما اينما كانا هما .

ولعلهما


118

وحدهما وقد تفاهما في هذا الامر .

فأراد أن يصرف القوم عما هم فيه ، ويحول تفكيرهم إلى ناحية اخرى ، ان لم يجعلهم يعتقدون غياب النبي .

حتى لا يحدثوا بيعة لاحد من الناس قبل وصول صاحبه .

وليس هناك من تحوم حوله الافكار إلا عليا للنص عليه كما نعتقد أو لانه اولى الناس ، ما شئت فقل " حتى كان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون ان عليا هو صاحب الامر بعد رسول الله " ( 1 ) .

وكانوا يلاحظون في علي بن أبي طالب صغر سنه ( 2 ) وحسد العرب وقريش خاصة إياه ، وتمالؤها عليه ، ولا تعصب الدماء التي اراقها الاسلام إلا به ، لانه الامثل ، في عشيرة الرسول على عادة العرب وبسيفه قتل اكثرابطالهم .

ويلاحظون " رابعا " كراهة قريش لاجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم فيبجحون على قومهم بجحا بجحا كما يراه عمر فيما سبق في الفصل الثاني من محاورته مع ابن عباس .

ويلاحظون " خامسا " انه سيحملهم إذا ولي الامر على الحق الابلج والمحجة البيضاء وان كرهوا " على حد تعبير عمر نفسه " ، والحق مر في الاذواق .

ويظهر أن عمر كان بطل المعارضة في إمارة علي كما

( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ( 2 : 8 ) .

( 2 ) راجع الامامة والسياسة .


119

شاهدنا موقفه في قصة الكتاب الذي أراد ان يكتبه النبي وفي مواقفه التي أشرنا إليها في الفصل الثاني ، فلا نعجب إذا رأيناه يقف هذا الموقف ليلهي الناس عما يخشاه من استباق احد إلى بيعة علي قبل مجئ أبي بكر .

اما انه هل كان يدري كيف سيخرج من هذا المأزق الذي ادخل نفسه فيه فاغلب الظن انه غامر بنفسه ليقف الناس عند حدهم .

وعلى صاحبه إذا جاء ان يدبر الامر حينئذ .

واقوى الشواهد على هذا التعليل ما قلناه من سرعة قناعته بقول صاحبه ابي بكر ، وهو لا يمس دعواه تكذيبا .

وليس إلا ان جاء ابو بكر ووقف خطيبا والتف حوله الناس وهو يعلم من ابو بكر فقد انتهت مهمته وانقلب الدور ، ولميبق إلا ان يخرج من موقفه الحرج بلباقة ، لئلا يحسوا بهذا التدبير فينتقض الغرض ، فصعق إلى الارض كأنما تحقق موت النبي من جديد مظهرا القناعة بقول صاحبه .

ثم لم يلبث ان راح يشتد معه لعملهما كأنما نشط من عقال ولم يقل ما قال ، ولم يظهر ما أظهر من الدهشة والاضطراب ، حتى رمي بالخبل وهو عنه بعيد ، فقد ذهب بعد ذلك إلى السقيفة مع ابي بكر حينما علما باجتماع الانصار السري ووقفا ذلك الموقف العجيب .

وسنحدثك :


120

5 - وصول النبأ باجتماع الانصار

لم يهدنا التأريخ إلى أن أبا بكر وعمر اي شئ صنعا مباشرة بعد حادثة انكار موت النبي واجتماعهما ، واين كانا قبل ذهابهما إلى السقيفة فهل دخلا إلى دار النبي معا والباب مغلق دون الناس ، أو انهما وقفا على الباب ، أو ان ابا بكر وحده دخل الدار ؟ كل واحد من هذه الاحتمالات يستشعر فيه حديث .

وجائر وقوعها جميعا .

ولكن مثلهما جدير به إلا يبارح دار النبي ( ص ) في مثل هذه ال‍ ؟ عة ، وإذا كان شئ يحدث فانما يحدث ها هنا ، ومحوره ؟ ذا المشغول بجهاز النبي ( علي بن أبي طالب ) ، ومن كان يتهم ان الانصار تستبد بهذا الامر على آل البيت والمهاجرين وتطمع فيه دونهم فتبادر إلى اجتماعها معرضة عن لهم شأن لا ينكر في هذا الامر .

واغلب الظن انه لم يطل الزمن على وصولهما إلى الدارحتى جاء اثنان من الاوس مسرعين إلى دار النبي ، وهما ( 1 ) معن بن عدي وعويم بن ساعدة ، وكان بينهما وبين

( 1 ) ذكر ذلك في العقد الفريد ( 3 : 63 ) وفي الجزء الثاني من شرح النهج ولم نر غيرهما يصرح باسم الشخص المخبر .

ولكن عمر بن (


121

سعد الخزرجي المرشح للخلافة موجدة قديمة ، فأخذ معن بيد عمر بن الخطاب ، ولكن عمر مشغول بأعظم امر ، فلم يشأ ان يصغي إليه ، لولا ان يبدو على معن الاهتمام إذ يقول له : ( لابد من قيام ) ، فأسر إليه باجتماع الانصار ففزع اشد الفزع ، وهو الآخر يصنع بأبي بكر ما صنع معن معه ، فيسر إلى ابي بكر بالامر ، وهو يفزع ايضا اشد الفزع .

فذهبا يتقاودان مسرعين إلى حيث مجتمع الانصار ، وتبعهما أبو عبيدة بن الجراح ، فتماشوا إلى الانصار ثلاثتهم ( 1 ) .

اما علي واما من في الدار وفي غير الدار من بني هاشم وباقي المهاجرين والمسلمين ، فلم يعلموا بكل الذي حدث وبما عزم عليه ابو بكر وعمر .

ولماذا ؟ - ألم تكن هذه الفتنة التي فزعا لها اشد الفزع تعم

الخطاب نفسه يحدثنا أنه صادفها في ذهابهم إلى السقيفة ، فأشار عليهم بالرجوع ليقضوا أمرهم بينهم .

واحسب ان عمر أراد أن يحفظ لهما هذه اليد ، فيكتم عليهما غايتهما هذه على قومهما دفاعا عنهما ، لان الانصار اجتمعت بعد بيعة أبي بكر في محفل فدعوهما وعيروهما بانطلاقهما إلى المهاجرين واكبوا فعلهما فخطبا فردت عليهما الانصار وأغلظوا وفحشوا عليهما وكل منهما قال شعرا : ( راجعشرح النهج 2 : 11 نقلا عن كتاب الموفقيات للزبير بن بكار ) .

( 1 ) الطبري ( 3 : 208 ) (


122

جميع المسلمين بخيرها وشرها وأخص ما تخص عليا ثم بني هاشم ؟ أو ليس من الجدير بهما ان يوقفاهم على جلية الامر ليشاركوهما على اطفاء نار الفتنة الذي دعاهما إلى الذهاب إلى مجتمع الانصار مسرعين ؟ ثم لماذا يخص عمر ابا بكر دون الناس ثم أبا عبيدة ؟ ليس من السهل الاحاطة بأسرار ذلك التكتم وهذا التخصيص ، وهو موضوع بكر لم يقرع بابه الباحثون .

ولكنا إذا علمنا ان الجماعة كانوا يلاحظون في علي تلك الامور التي ذكرناها في البحث السابق فيحذرون ان يستبق إلى بيعته مستبق ، نجد منفذا إلى خبايا هذا التكتم ونطمئن إلى انهم رأوا الاصلح لهم ان يتداركوا الامر بأنفسهم من دون ان يشيع الخبر وحينئذ يستطيعون ان يهيمنوا على الوضع ولا يقع ما يحذرون ، إذ يكبسون على الانصار اجتماعهم السري في جو هادئ ممن يتحمس لعلي .

وهذا التخصيص من عمر يشجعنا على ان ندرك التفاهم السري بينه وبين ابي بكر بل بينهما وبين ابي عبيدة في هذا الشأن بل بينهم وبين سالم مولى أبي حذيفة .

ولذلك وجدنا عمر بن الخطاب يأسف عند الموت الا يكون واحد من هذين " ابي عبيدة وسالم " حيا حتى يجعل الخلافة فيه من بعده ، مع ان سالما ليس من قريش .

وإذا كانوا لم يلاحظوا في علي ما قلناه ، فمن هو أجدر منه بالاخبار بهذا الامر ومن أجدر من قومه بني هاشم ، وعلي


123

ليس ذلك الرجل الذي يستهان بشأنه ويستصغر قدره حتى لا يستشار ولا يخبر بمثل هذا الامر الخطير ، وهو ان لم يكن منصوصا عليه بالخلافة فان مؤاخاة النبي له مرتين دون سائر الخلق وجعله منه بمنزلة هرون من موسى وهو أحب الناس إليه ومولى كل من كان مولاه وولي كل مؤمن بعده ووارثه ووصيه ويدور الحق معه كيفما دار .

كل هذا وغيره ما شئت ان تحدث يجعل له المنزلة الاولى في هذا الشأن ليستشار على الاقل .

ولئن كان مشغولا عنهم بجهاز النبي ( ص ) فجدير بأن يكون على خبر من ذلك ليكون ردا لهم عند حدوث ما يكره ، وهم مقدمون على أمر عظيم ، وعلي من لا ينكر في شجاعته وبطولته وايمانه وتفانيه في سبيل نصرة الاسلام .

ولكنه بالرغم من ذلك كله لم يعلم بالحادث إلا بعد ان سمع التكبير من المسجد عاليا ، وقد فرغوا من اجتماع السقيفة وجاءوا بأبي بكر يبايعونه البيعة العامة .

ولست في تعليلي هذا أدعي الاحاطة بأسرار هذا التكتم وإنما ذكرت ما يبدو لي عند البحث مقتنعا انه أهم أسراره وعسى ان يكون هناك من يستطيع ان يشبع الموضع بحثا ، فيزيدنا علما على علم أو يكشف لنا انا على جهل .


124

6 - تأثير دخول المهاجرين في اجتماع الانصار لنجئ الآن مع ابي بكر وعمر وابي عبيدة إلى السقيفة ، فنرى الانصار مجتمعين يتداولون الحديث ، وسعد بن عبادة بينهم مزمل وجع يخطب فيهم وقد ترأس حفلهم مرشحا للخلافة .

ولا نشك ان الانصار الآن في لغط وحماس ، قد اخذت الانانية والفخر بأطرافهم معدين للوثبة عدتها ، يريدون في اجتماعهم السري هذا ان يقبضوا على ناصية هذا الامر العظيم ، وليس امامهم من يطاولهم .

وإذ يدخل عليهم وجوه المهاجرين فجأة لا بد ان يسقط ما في أيديهم بافتضاح امرهم قبل ابرامه ، وبتخوفهم من خروجه من ايديهم بعدما قالوا وصنعوا .

ولا بد ان يرتبكوا لذلك ويقوى فيهم شعور الخذلان .

وقد عرفنا نفسياتهم التي يتغلب عليها الضعف ، فيتغير عليهم مجرى الحادثة .

وهنا ينقلب الدور فيتهيئون لمواجهة هذا الحادث الجديد بما يقتضيه : فمن كان يبغض الامارة لسعد وجد الفرصة قد حانت للانتقاض عليه ، وبالعكس اصحابه الذين يوادونه لابد ان ينقلبوا مدافعين .

وهذا أول تبدل في حالهم وانخذال في اجتماعهم .

وبعد دخول جماعة المهاجرين هذا الاجتماع وسؤالهم عن


125

هذا المزمل من هو ؟ وما شأنه ؟ نرى عمر يذهب ليبتدئالمنطق ، وقد زور في نفسه مقالة في الطريق ليقولها بين يدي ابي بكر ، وكان يخشى جد ابي بكر أو حدته ، وكان ذا جد كما يقول هو .

ومن الواضح ان الموقف دقيق جدا يدعوا إلى كثير من اللين واللباقة رعاية لهذه العواطف الثائرة المتحفزة ، ولكن ابا بكر يمنع عمر من ابتداء الكلام ، وكأنه هو ايضا يرقب شدته وغلظته المعرفتين فيه فانطلق يتكلم ، وما شئ كان زوره عمر إلا أتى به أو بأحسن منه على ما يحدثنا عمر نفسه .

ولقد كان ابو بكر يحسن المعرفة بما يتطلب هذا الوضع من الرفق والسياسة ، أو لا ترى لما كادوا ان يطأوا سعدا قال قائل : قتلتم سعدا .

فقال عمر وهو مغضب : " اقتلوا سعدا قتله الله انه صاحب فتنة " فالتفت إليه ابو بكر قائلا : " مهلا يا عمر ! الرفق هنا ابلغ " .

ولا اعتقد مع ذلك ان عمر كان يجهل ضرورة الموقف ، ولكني اخاله - وقد تمت البيعة لابي بكر - لم يجد حاجة لكثير من هذا اللين والمداراة ، وقد أخذ بموافقة الانصار إلا القليل ، وتحقق فشل سعد وانخذاله .

فهو اذن يعرف موضعي اللين والشدة .

ولعله - وهو رجل الساعة بعد أبي بكر - أراد ان يظهر بالغلظة لينطق ابا بكر بكلمة اللين .


126

7 - تأثير خطب أبي بكر على المجتمعين

من المتيقن ان الرجال الذين سادوا الامم والجماعاتفأحسنوا سيادتهم هم من ابرع الناس في علم الاجتماع وهم لا يشعرون .

وإنما جبلوا على معرفة فطرية تشحذها التجارب التي تخلق في النفس الملكة على تطبيق النظريات عند الحاجة .

وابو بكر وعمر هما من اولئك الناس الذين عرفوا خواص نفسية الجماعات وكيف يمكن التأثير عليها في الوقت المناسب كما دلت الحوادث المتكررة على ذلك .

ولا شك ان مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة ايضا هنا أتم من توفرها في اجتماع المسجد غب موت النبي الذي اشرنا إليه سابقا : فقد كان الاجتماع حافلا التجأ فيه سعد بن عبادة أن ينيب عنه ابنه أو بعض بني عمه في إلقاء كلامه ، فيرفع به صوته ليسمع المجتمعين .

وقد اجتمعوا لغرض واحد حساس أعني تأمير من يخلف ذلك النبي العظيم ، ليكون على رأس هذه الامة الكبيرة القوية المستجدة ، وهم على ما هم عليه من الحال التي وصفناها من التوثب والشعور بالاستحقاق والتكتم .

وأظنك عرفت في البحث الاسبق ان الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو كيف يطلع فيه قرن العاطفة ويأرز


127

رأس العقل والتفكير في المجتمعين فيصبح عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويقوى فيه سلطان المحاكاة والتقليد الاعمى .

بل تظهر عليه الاعراض المتناقضة ، فبينا تجده قد يقوم بأعمال وحشية جبارة تدل على شجاعة افراده البالغةحدها تجده مرة اخرى يجبن من الصفير .

وبينا تراه يأتي بأعمال صبيانية مضحكة تراه تارة اخرى يحكم التدبير والتنظيم .

وما ذلك كله إلا من سجية المحاكاة الموجودة في كل انسان فتسود على المجتمع عندما يبطل حكم العقل وحينئذ يكون تابعا مسخرا لكل من يحسن تسخيره بالمؤثرات التي تهيمن على العاطفة كالمنوم تنويما مغناطيسيا .

ونحن إذا فهمنا جيدا هذه البديهيات عن روحية الجماعات ، ولاحظنا توفر شروط الجماعة الاجتماعية في جماعة السقيفة ، نفهم معنى تلك الاساليب التي اتبعها ابو بكر وصاحبه - كما سترى - للتأثير على المجتمعين يومئذ ونفهم سر تأثر جماعة الانصار وانقلابهم الفجائي على انفسهم ، فأخذ أبو بكر وعمر الامر من أيديهم باختيارهم .

على انهما في جنب قوة الانصار واعتزازهم بجمعهم تلك الساعة لا يعدان شيئا ، وليس من المهاجرين معهما إلا أبو عبيدة بن الجراح كما سبق وسالم مولى أبي حذيفة على رواية .

فاسمع الآن إلى الاساليب التي قلنا عنها : لقد رأينا سابقا كيف حرش ابو بكر بين الانصار ، وأثار


128

عواطف الاوس على الخزرج .

وقد صادف منهم نفوسا متهيئة الوثبة على سعد .

حتى استمالهم إلى جانبه وهم يشعرون أو لا يشعرون .

في حين انهم يعلمون ان الامر إذا كان للانصار وان تولاه رئيس الخزرج فهو إلى حيازتهم أقرب والى سلطانهمأدنى .

ولكن للعاطفة هنا سلطانها القاهر على النفس لا يقف في وجهها أي سور محكم من المنطق والتفكير .

ولنفحص الآن " خطبته " التي واجههم بها في أول الملاقاة وقال عنها عمر : " ما شئ كان زورته في الطريق إلا اتى به أو بأحسن منه " فانه ذكر فيها أولا ما للمهاجرين من فضل وسابقة في الاسلام بأنهم أول من عبدالله في الارض وآمن بالله وبالرسول وانهم اولياؤه وعشيرته واحق اناس بهذا الامر " أي الخلافة " من بعده .

وأن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ، وانهم لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم .

! ثم خاطب الانصار فلم يغمط حقهم وسابقهم وجهادهم ، لكن .

لكن من غير استحقاق لهذا الامر ، وإذا استحقوا شيئا فانما هي " الوزارة " .

ولغيرهم .

" الامارة " ، فقال : - ( .

وأنتم يا معشر الانصار من لا ينكر فضلكم في الدين ولا سابقتكم العظيمة في الاسلام .

رضيكم الله انصارا لدينه ولرسوله وجعل اليكم هجرته ، وفيكم جلة أزواجه


129

وأصحابه ، فليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم ، فنحن الامراء وأنتم الوزراء ) ( 1 ) .

وفي هذا البيان الشئ المدهش من اطفاء نار عواطفهم المتأججة ضد المهاجرين ، واشباع نهمة نفوسهم الفخورة المتطاولة بفضلهم ، وجهادهم ونصرتهم ، وتقريبها إلىالمهاجرين للاعتراف بفضلهم عليهم ، لانه ليس اقوى على تخدير أعصاب الجماعة الهائجة من الذهاب مع تيار روحهم المندفعين بها ، فأعطى لهم ما يسألون بلسان حالهم من الاعتراف بالفضل والجهاد وكل فخر يشعرون به متطاولين .

حقا لقد صدق وصدقوا ، فان لهم الفضل الذي لا ينكر ، ولكنهم أخطأوا بزعمهم ان لهم بذلك حق الامارة ، وهنا نجد أبا بكر يريد أن يحولهم عن هذا الزعم ، فيحذر أن يخدش عواطفهم بما ينقص منزلتهم ويحط من مقامهم ، فعدل عن التصريح بكلمة الخطأ أو ما ينسق عليها من معناها ، واتبع اسلوبا آخر من البيان وانه لمن السحر المأثور فلم يزد على كلمة : " فليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم فنحن الامراء وأنتم والوزراء " .

وفيها تنبيه على خطأهم من طرف خفي من دون التجاء إلى الكلمة التي بها تجرح عواطفهم وتثير الحزازات مع الثناء عليهم في نفس الوقت ثم اثبات الوزارة لهم .

( 1 ) الطبري ( 3 : 208 ) .


130

وإذا أردت التدقيق في هذه الكلمة ترى الشئ الاعجب : فهو الآن يريد أن يفضل المهاجرين الاولين " الاولين بالخصوص ! " عليهم ، ليثبت لهم استحقاق الخلافة ، ولو كان وضعهما في طرفين وفضل المهاجرين لاثار ذلك بحفيظتهم وحرش بين خصمين متطاولين من القديم ،فعدل عن منطوق مقصوده والتاف إليهم من طريق تفضيل الانصار أنفسهم على الناس والقى في الطريق كلمة " بعد المهاجرين الاولين " ، فتضاهر انه يريد ان يقول : ليس أحد بمنزلة الانصار .

وأن مقصوده ليس غير ، وإنما استثنى المهاجرين كأمر ثابت مقرر لا يتطرق إليه الشك وليس محلا للنقاش لا لانه المقصود في البيان .

؟ ؟ نا إذ تهدأ تلك النفوس الجامحة في الجماعة راضية بما قيل ؟ وفق شعورها تتفكك أوصالها وترجع من حيث جاءت كأنما حصل لها كل ما تصبو إليه .

وهذا من انحطاط نفسيه الجماعات ، فلا تشعر بالنتيجة التي يراد أخذها منها وان خالفت تفكيرها عند التأمل ، لان عادة الجماعة في الافكار ان تقبلها جملة أو تردها جملة ، ولا طاقة لها على التأمل والتفكيك بين الافكار ولا صبر لها على التمييز .

مضافا إلى ان الوعد بجعلهم الوزراء لا يفتاتون بمشورة ولا تقضي الامراء دونهم الامور يطمن من رغباتهم واطماعهم ، ويذهب بخوفهم من الاستبداد عليهم وأخذ الثأر منهم ،


131

ويسدل على ما حاولوه ستارا كثيفا من النسيان .

وبعبارة أصح ، يأخذ أثره الوقتي وتلهو الجماعة عن صدق الوفاء ولا تحتاج إلى التدليل عليه ، ولا يكلف قائله إلا الوعد وبهرجة الكلام .

وهناك كلمتان أخريان في تلك العبارة التي حللناها لايفوتنا أن نتعرف اليهما والى ما فيهما من معنى أخاذ الاولى - كلمة ( الاولين ) - فأبعدهم بها عن شعور الخصومة الموجودة للمهاجرين عامة .

والمهاجرون والانصار حزبان متطاولان وقد كان تنافسهما أمرا واضحا للعيان في زمن الرسول وبعده حتى قال لهم النبي يوما : " ما بال دعوى اهل الجاهلية " ، وذلك عندما قال الانصاري : " يا للانصار ! " وقال المهاجري : " يا للمهاجرين - " فأقبل جمع من الجيشين وشهروا السلاح حتى كاد ان تكون فتنة عظيمة ، في قصة مشهورة ( 1 ) - فتجد ابا بكر بتخصيص المهاجرين بالاولين كيف اتقى شعور الانصار بخصومتهم لعامة المهاجرين ، وهم لا ينكرون ما للاولين من فضل وقد سبقوهم إلى الاسلام وعبادة الرحمن على انه بهذا التخصيص قرب نفسه وصاحبيه إلى هذا الامر .

الثانية : كلمة ( عندنا ) - فانظر إلى ما فيها من قوة

( 1 ) راجع البخاري ( 2 : 165 و 3 : 126 ) .


132

سحرية إذ رفع بها عن مقام القرن المنازع للانصار ، وأخرجها عن الحزبين : الانصار والمهاجرين ، ونصب نفسه بها كحكم بينهما يفضل هذا على ذاك ثم يختار لهم ما فيه الصلاح .

وهذا له الاثر البليغ في اخماد نار عاطفة التعصب عليه ، ويعطيه ايضا منزلة في نفوسهم هي أعلى وأرفع تجعل له نفوذ الحكم المستشار والزعيم للفريقين وعلى العكس فيما لونصب نفسه مزاحما لهم مطالبا بحق يعود له ولحزبه .

وشأن الجماهير انها لا تنتظر الدليل على الدعاوي البراقة المبهرجة .

لان التصوير ولو بالالفاظ له الحكم الفصل على نفسياتها .

فارجع الآن إلى تلك العبارة ودققها ! وهي جعجعة تسحن الجماعات من غير طحن ، وإلا فمن المقصود بضمير ( عندنا ) يتكلم عنه ابو بكر غير جماعة المهاجرين وهو منهم ، وعلى تقديره فمن الذي خوله ان يمثل المهاجرين بشخصه ؟ .

ولكنه جرد من نفسه " ومعه غيره " حكما مفضلا ، عنده المهاجرون أفضل من الانصار وليس بمنزلة الانصار أحد بعدهم .

فلا نعجب بعد عرفاننا هذه الاساليب التي لها القوة السحرية على الجماعات ان يأخذ ابو بكر بناصية الحال ، ويستهوي المجتمعين لينظروا إليه بقلوبهم لا بعقولهم ، فيصرفهم كيف يريد .

فانتظر نتيجة تأثيره عليهم .


133

8 - نقاش المهاجرين والانصار

قرأنا في الفصل السابق خطبة ابي بكر وما فيها من الاساليب فلنر مدى تأثيرها على المجتمعين وكيف كانت النتيجة ؟ : لم يرد عليه إلا الحباب بن المنذر في كلامه المتقدم في البحث رقم ( 2 ) وقد رأيناه لم يأت بشئ وكان اول منخذل امام المهاجرين وإن ظهر بالقوة التي تلاشت في آخر كلامه كماشرحناه ، ففتح على نفسه باب الحجة الظاهرة إذ قال : " فمنكم أمير ومنهم أمير " ، على أنه ظهر جليا بمظهر المتعصب المغالب ، فاستهل كلامه بقوله : " املكوا عليكم أمركم .

" وهذا مردود عليه معكوس الاثر ، وسيأتي .

وهنا .

جاء دور عمر بن الخطاب فقال : " هيهات ! لا يجتمع اثنان في قرن .

والله لا ترضى العرب ان يؤمروكم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع ان تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي امورهم منهم .

ولنا بذلك من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين .

من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن اولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لا ثم أو متورط في هلكة " .

فتجد كلام عمر هذا - وان كان هادئا - لا يبلغ كلام ابي


134

بكر ، إذ ظهر بمظهر الخصم المدعي بحق الامارة .

وكأن ابا بكر فسح له المجال لان يكون هو المدعي العام عن المهاجرين بعد ان نصب نفسه كحكم للمتنازعين .

كما نلاحظ ايضا انه لم يشر إلى قضية النص على قريش أو على خصوص واحد منهم ، وإنما القضية قضية رضى العرب وابائها وان المهاجرين اولياء محمد وعشيرته .

ولذا قال علي عليه السلام بعد ذلك : " احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة " .

فقام الحباب بعد عمر فقال : " يا معشر الانصار املكواعليكم امركم ولا تسمعوا مقالة هذا واصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر ، فان ابوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولوا عليهم هذه الامور ، فأنتم - والله - احق بهذا الامر منهم فانه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين .

انا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب .

انا شبل في عرينة الاسد .

اما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة .

والله لايرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف " .

وهذه عصبية جاهلية وسوء قصد ظاهر .

فقال له عمر : " إذا يقتلك الله " فانتحى به الناحية الدينية إذ نسب القتل إلى الله تعالى ولم يقل يقتلك الناس .

وهذا اسلوب من الرد فيه التهديد والتنديد على تلك دعوى الجاهلية منه .

فقال الحباب : " بل إياك يقتل " .


135

وهذه مهاترة يلتجأ إليها ضعف الحجة وشدة الغضب ، فترى الحباب في كل ذلك كان قلق الوضين يرسل من غير سدد ، وتتضوع من فمه رائحة نفسه ، ولا يعرف ان يسر حسوا في ارتغاء .

فاقتحم في الميدان بجنان الفارس المدله المدل بقوته ونفسه ، ومن سيفه ولسانه تنطف دعوى الجاهلية الاولى البشعة في الاسلام ، تأباها عليه الصبغة الدينية المصطبغ بها المجتمع يومئذ ، وهو في الدرجة الاولى متأثر بالاسلام وتعاليمه ، وللشعور الديني المكان الاول في تأثرالجماعات الدينية وانفعالاتها ، فما لم يستخدم هذا الشعور لا يرجى ان يحدث في الجماعة التعصب الذي يجعل الانسان يرى سعادته في التضحية بنفسه وبكل عزيز فداء للمقصد الذي يوجه إليه .

فالحباب ان تولى الدفاع عن سعد وقومه نصرة لهم فهو الذي أفسد عليهم أمرهم أكثر من أي شخص آخر من حيث يظن الصلاح وبدلا من ان يقود المجتمعين للغرض الذي اجتمعوا لاجله قد خسرهم واعطى القيادة - من حيث لايشعر - لغيره الذي عرف كيف تؤكل الكتف في استمالتهم واستعمال نفوذه فيهم .

وكان اول ظهور هذه الخسارة قيام ابن عمه بشير بن سعد الخزرجي ، فنقض على الخزرج ما اجمعوا عليه فقال : " يا معشر الانصار انا والله لئن كنا اولى فضيلة في جهاد


136

المشركين وسابقة في هذا الدين ما اردنا إلا رضى ربنا .

نبينا والكدح لانفسنا ، فما ينبغي لنا ان نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي من الدنيا عرضا فان الله ولي المنة علينا بذلك .

ألا إن محمدا من قريش وقومه أحق به وأولى .

وايم الله لا يراني الله انازعهم هذا الامر ابدا فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم " .

انظر إلى الشعور الديني كيف أخذ بأطراف كرم هذا الرجل ، متأثرا بدعوة ابي بكر وصاحبه ، خارجا على قومه بلعلى نفسه ، وكان بعد ذلك اول مبايع من القوم .

ولا اعتقد ان ذلك كله عن نفاسة لسعد كما رماه به الحباب لما مد يده للبيعة فناداه : " يا بشير بن سعد عققت عقاق ! ما أحوجك إلى ما صنعت ؟ أنفست على ابن عمك الامارة ! " .

فقال بشير : " لا والله ولكن كرهت ان انازع قوما حقا جعله الله لهم " .

بل اعتقد انه كان صادقا بعض الصدق أو كله فيما ادعاه عن نفسه فان سير الحادثة كما وصفناه يدل دلالة واضحة على تأثر الجماعة بكلام ابي بكر وانقيادها إلى دعوته ولا سيما بعد ما صدر من الحباب ما يبعد النفوس عن دعوة قومه .

نعم ! وإنما كان مبدأ ظهور ذلك التأثير في بشير بن سعد ، فيصح ان نجعله ممثلا لشعور قومه تلك الساعة .


137

9 - المهاجرون يربحون الموقف

إن الحقيقة هي التي وصفناها لك .

إن القوم قد تكهربوا بدعوة المهاجرين وتهيئوا لبيعة واحد منهم بالرغم من وجود التنافس بين الحزبين كما أشرنا إليه وصرح به أبو بكر في خطبته التي تقدمت في البحث ( 3 ) إذ قال : " فقد جلس بين لحي اسد يقضمه المهاجري ويجرحه الانصاري " وزاد في تهيئهم هذا منافسة الاوس للخزرج وحسدهم لسعد .

وطبيعي ان تنافس القريب اكثر أثرا من منافسة البعيد مهما كانت .

ولذلك نرى ابا بكر لما سمع مقالة بشير لم يتأخر عنتقرير النتيجة من هذا النقاش ، فلا بد انه علم بانقلاب الجمع تأثرا بدعوتهم كيف وهو قد هيمن عليهم ونومهم تنويما مغناطيسيا ، فيعرف كيف سخره وقاده فقدم للبيعة أحد الرجلين اللذين معه : عمر بن الخطاب وابي عبيدة الجراح ، وقال : " قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فأيهما شئتم فبايعوا " .

وقد جرى في هذا الكلام هنا على نفس تلك الطريقة التي سلكها في خطبته المتقدمة في البحث ( 7 ) من ترفعه عن مقام المعارضة ، وتجريده من نفسه حكما للحزبين يختار لهما ما هو الصالح باجتهاده ، فاختار لهم احد هذين الرجلين .

ولكن الجمهور كما قلنا ضعيف الرأي والاختيار ،


138

لايعرف ان يختار ولا يعرف ان يعين ما يختار ، ويبقى في مثل هذا الحال منتظرا اشارة من سخرة ونومه التنويم المغاطيسي أو لاي شخص آخر يفاجئه بارادة قوية حازمة ، فلو ان احدا من الحاضرين قام فبايع احدا منهما عمر أو أبا عبيدة لبويع وانتهى كل شئ .

ولو ان ابا بكر عين واحدا لما تأخروا عن بيعته ، ولكن هذا الترديد بين الرجلين يظهر انه كان مقصودا تمهيدا لارجاع الامر إليه ، ولعله عن تفاهم سابق واتفاق بين الثلاثة ليتعاقبوا هذا الامر .

ولذلك تمنى عمر عند الموت ان يكون ابو عبيدة حيا ليعهد إليه .

اما هما فقد أبيا عليه وقال عمر : " لا والله لا نتولىالامر عليك ابسط يدك نبايعك ! " قال هذا القول ولم يترك فرصة تستغل للرد والحجاج ، فحقق القول بالعمل ، وأقدم بارادة جازمة لا تعرف التردد يتطلبها الموقف الدقيق ، فذهب ليبايع ابا بكر ، ولم يتمنع ابو بكر فمد يده ، ولكن بشير بن سعد هذا الذي تقدمت خطبته سابق عمر بن الخطاب إليها فوضع يده بين يديهما مبايعا ، كأنما اراد بذلك ان يحرز الفضيلة في السبق أو ليبرهن على اخلاصه للمهاجرين ، بل هذا من اندفاعات الجمهور المدهشة بنتيجة انفعالهم بالمؤثرات التي تطرأ عليهم .

وهو من ابلغ الشواهد على ما قلنا من تكهرب نفوس جمهور السقيفة بتلك المؤاثرات التي استعملها ابو بكر بتلك


139

الحذاقة واللباقة ، فان لبعض الالفاظ والجمل سلطانا لا يضعفه العقل ولا يؤثر فيه الدليل .

الفاظ وجمل يفوه بها الخطيب خاشعا أمام الجمهور ، فلا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الوجوه هيبتها وتعنو القلوب لها احتراما كأن فيها قوة إلهية أو موجة سحرية ، فتثير تارة في النفوس أشد الصواعق من الغضب ، وتسكنها تارة إذا جاشت فتمزق اشلاءها وتقودها إلى حيث يريد المتكلم راضية قانعة ( 1 ) .

ويظهر ان عمر ايضا أدرك حقيقة الموقف وكيف قد ربحه المهاجرون فلم يبق إلا أن يصدر أحدهم الحكم الفاصل في تعيين من يبايع منهم ، فأقدم على بيعة ابي بكر - كما رأيناه - غير متردد ولا متخوف ولا مستشير ، ومد يدهمسرعا .

وإلا فان الامر أعظم من أن يتم بهذه السرعة والسهولة التي كانت : باقدام شخص واحد يعقد البيعة لشخص آخر الظاهر ظهور الشمس انه صاحبه المنحاز إليه في وقت هو احد ثلاثة أو أربعة من الحزب المعارض لقوم في عقر دارهم معتزين بقوتهم يريدون أن يملكوا أعظم سلطان لاعظم أمة ، وهو لم يأخذ رأيهم وتصديقهم على ما أراد ( 2 ) .

( 1 ) راجع كتاب " روح الاجتماع " المعرب لغستاف لبون ص 113 .

( 2 ) على انه قال بعد ذلك في خلافته : " فمن بايع اميرا من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة يقتلا " راجع كنز العمال الجزء الثالث رقم الحديث 2323 .


140

وإنما اقدم كأن الامر لا يدور إلا بينه وبين ابي بكر كأمر ثابت لاشك فيه .

وهذه مغامرة خطيرة لها ما بعدها ، ولم تكن منه إلا لانه أدرك نضج القوم وتهيئهم لبيعة أحد المهاجرين .

ولذلك لم نجد معارضة من القوم ، بل الاوس ذهبت جميعها مسرعة للبيعة من غير تردد ولا تلكؤ يقدمها أسيد بن حضير بعد ان قالت ما قالت كما تقدم في البحث ( 3 ) .

ثم تبعهم جميع الانصار ما عدا سعدا ومن كان شديد التعصب له كأبنه قيس والحباب .

ولا شك ان للعدوى أثرها الفعال في الجماعات فتسري سريان النار في الهشيم ، أو تيار الكهرباء في سلكه ، فقد وجدنا كيف كان هلعهم في تزاحمهم على البيعة وتسابقهم إليها ، كأنما تفوت دونها الفرصة ، فأقبلوا منكل جانب يبايعون ابا بكر ، حتى ازدحموا على سعد بن عبادة السيد المطاع في الخزرج بل الانصار كلهم ، هذا الزعيم الذي كان قبل ساعة مرشحا للبيعة خليفة للنبي وأميرا على جميع المسلمين ، وكادوا يطأونه فيقتلونه وهو مزمل وجع ، فحمل إلى داره صفر اليدين .

وهذا ألطف شئ في تناقض أفعال الجمهور وعدم ثباته وتطرفه في اعماله وآرائه وشدة نزقه ، فانه لا يعرف الحلم والصبر ولا قمع النفس عن الاسترسال في نزعاتها ، ولا المحافظة على الآداب العامة المصطلح عليها ، وهو مع ذلك كثير النسيان لاحواله السابقة .


141

أما الحباب - ولا ينبغي أن ننساه - لما رأي اقبال الناس على البيعة انتضى سيفه ، فحامله عمر فضرب يده ، فندر السيف ، فأخذ منه .

فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعة ، ولكن من المعلوم أنه لم يصنع شيئا ولم يستطيع رد جماح أي شخص من قومه حتى تمت البيعة مرغما ، وصدق فيه وفي قومه المثل المشهور " رب ساع لقاعد " .

وليتني أراه في تلك الساعة كيف كان حاله فتزبد شدقاه ويتميز غيظا ويعض على أنامله وقد ملكت حواسه سورة الغضب ، وماذا كان يقول لقومه ولنفسه بعد ذلك الذي مضى منه من التهديد والوعيد ثم ذهب هباء وخار ضعفا ؟ لا شك انه لو كان من ابناء هذه المدينة الحديثة متشبعا بعاداتها ، لكان - هوعلى مثل هذه الحال - ضحية الانتحار ليتخلص من شنارها ويستر عارها .

10 - النتيجة

نستنتج من سير الحادثة ان طريقة بيعة ابي بكر لم تكن طريقة اختيار بالمعنى الصحيح ( 1 ) ويحقق معنى أنها كانت " فلتة " وقى الله شرها على حد تعبير عمر بن الخطاب .

( 1 ) فنصدق كلمة الاستاذ محمد فريد أبي حديد في مقاله " نظرة في نظام بيعة الخلفاء " المنشور في مجلة الرسالة المصرية العدد 10 .


142

وقد رأينا السرعة التي جرت بالحادث لم تبق مجالا للمفكر ان يشحذ فكره ولا للمعارض ان يقيم حجته ، فكانت مفاجأة في مفاجأة .

مع ان العاطفة العدائية عند الاوس المهيجة من ابي بكر كان لها الاثر الفعال في تقريب النتيجة ، وساعدها بل اشعل أوارها ان المجتمعين انطبعت فيهم اوصاف الجماعة الاجتماعية ، مما يذهب عنهم صحة الاختيار والحكم .

فلا بدع إذا لم يثق الباحث المفكر باختيار جماعة السقيفة ، ولا يغتر به دليلا على صحة هذه الطريقة من البيعة في الاسلام .

وقد اشرنا في الفصل الاول إلى ان عمر نفسه قال عنها : " فمن دعا إلى مثلها فهو الذي لا بيعة له ولا لمن بايعه " .

ولا غرابة ايضا إذا لم يدافع احد عن النص على علي بن ابي طالب ، وقد اندفع المجتمعون بتيار جارف لا يقف فيسبيله شئ ، ونحن نعرف رأي المهيمنين على الاجتماع في علي ، وهم يبتعدون ان يتم له شئ من ذلك .

أفتراهم يدعون إليه في هذا المجتمع الذي اسس على الاعراض عن النص فيه .

وإذا قال بعد ذلك بعض الانصار أو كلهم " لا نبايع إلا عليا " كما سبق فقد قلنا ان ذلك بعد خراب البصرة ، فان هذا الجمهور اصبح لا يملك اختياره وتفكيره وشعوره بواجبه الديني لما قلناه من تكهربه بتيار تلك القوة السحرية


143

قوة الاجتماع التي تجعل اعماله اعمالا لا شعورية ، على ان اساس الاجتماع ارتكز على طمع الانصار من جهة تخوفهم من جهة اخرى " على ما شرحناه فيما تقدم " .

وهذان لم يتركاهم يفكرون في واجبهم الديني فبعد أن افحموا وغلبوا واندفعوا مع الغالبين ، وتلك هي فطرة البشر .

ويشهد على ما نحسه من الضعف الديني في تلك الاحكام العاجلة والقرارات الخاطفة في اجتماع السقيفة ، انه مما تقرر في تلك النهزة أمران عامان : 1 - ان الانصار لا حق لهم في هذا الامر .

2 - انهم الوزراء لمن كانت له الامارة .

مع ان الاول شك فيه أبو بكر نفسه بعد ذلك إذ تمنى فيما تمنى لو سأل النبي عنه ، والثاني هذا المنصب المزعوم - وزارة الخليفة - لم يعط لاحد منهم لا في عهد ابي بكر ولا بعده ، بل هذا المنصب لم يحدث لاحد إلا في عهدالعباسيين .

وبهذه النتيجة التي حصلنا عليها من سير حوادث السقيفة وملابساتها يسهل علينا ان نفسر بها الآية الكريمة " أفإن مات أو قتل انقلبتم .

" .

فان الاجتماع كان - على كل حال - انقلابا على الاعقاب حتى لو لم نؤمن بالنص من قبل النبي صلى الله عليه وآله على من سيكون خليفة من بعده ، لان الاجتماع كما قلنا من اصله كان افتياتا على المسلمين ولم


144

يكن مستندا إلى قاعدة اسلامية أو تصريح من الرسول .

وكذلك ما قرره الاجتماع لم يكن إلا قرارا خاطفا تحكمت فيه العواطف في المبدأ والمنتهى ، وليس فيه مجال الرجوع إلى النص .

والى هنا نستطيع ان نرجع إلى ما قلناه في التمهيد انه كيف تفسر الآية بحوادث السقيفة وأرجو من القارئ ان يرجع من جديد إلى بحث السقيفة ليأخذ بأطراف الموضوع على ضوء هذه النتيجة .

ومن نفس الحادثة نستطيع ايضا ان نؤيد النص على الامام علي عليه السلام ، لان ما ورد فيه من تلك النصوص لو لم تكن لتعيينه خليفة وكانت لمجرد الثناء وبيان فضله ولم يكن الاجتماع لاستغلال الفرصة لمخالفة النص وكان اجتماعا طبيعيا شرعيا - لو لم يكن كل ذلك لوجب أن يكون هذا الرجل الذي هو من النبي بمنزلة هارون من موسى في مقدمة المجتمعين وعلى رأسهم ومعه أهل بيته ولما كان ينعقدالاجتماع ولا يقرر فيه شئ من دون مشورته وموافقته ولكن - كما سبق - كل ذلك لم يقع .

بل الحادثة من مبدأها إلى منتهاها اخذت على أن تقع على غفلة منه ومن بني هاشم إلى آخر لحظة منها واهمل شأنهم وكأنهم لم يكونوا من المسلمين أو لم يكونوا من الحاضرين إلا بعد أن تم كل شئ .


145

الفصل الرابع علي مع الخلفاء

146

1 - الافتيات على الامام

لا يشك التأريخ ان عليا عليه السلام - كما قدمنا - لم يكن على علم من اجتماع الانصار في سقيفتهم ، حتى بعد ذهاب الثلاثة من حزب المهاجرين متكتمين ، وهم ابو بكر وعمر إذ ذهبا يتقاودان - على حد تعبير الطبري في تاريخه - وتبعهما ابو عبيدة .

بل لم يعلم الامام بما تم في السقيفة إلا بعد خروجهم إلى المسجد في ضجيجهم " وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو محتجز يحث الناس على البيعة " ، فبلغه تكبيرهم ، وهو مشغول - لا يزال - في جهاز النبي .

ولم يخرج إليهم إلا في اليوم الثاني .

واول شئ يبدو دليلا على افتيات القوم عليه بالمشهورة ، وهم يشعرون بأنهم في مقام الخصومية له انهم لم يخبروه بحادث اجتماع الانصار عندما أسر عمر إلى ابي بكر وهو فيبيت الرسول بالخبر ، وهما ايضا لم يخبرا احدا غير ابي عبيدة الذي تبعهما وحده حيث الاجتماع السري ، مع ان مثل الامام اولى الناس بتدارك هذا الموقف الدقيق ان كان في اجتماع الانصار خطر على الاسلام أو فتنة ، والامور جارية على ظواهرها الطبيعية بين الامام وبين هذه الجماعة .

ثم الاغرب انهم لم يدعوه للمشاورة بل حتى للبيعة قبل أن يتم كل شئ ينتظر لبيعة أبي بكر .

ولا ينتهي التساؤل عما إذا


147

ينبغي ان يرسلوا إليه من يخبره بالامر على الاقل ! اما كانوا على حسن نية معه أو ثقة بموافقته لهم ورضاه ؟ نعم ! لقد وجدناهم قد قضوا أمرهم بينهم ، ودعوا الناس إلى البيعة اشتاتا ومجتمعين ، مستشعرين الكفاح والخصومة بل الخوف امام حزب علي .

ولذا انتهزوا فرصة انشغاله وانشغال اصحابه وبني هاشم بجهاز سيدهم .

ويشهد لهذا قول الطبري في تاريخه : " وجاءت اسلم فبايعت فقوي بهم جانب ابي بكر وبايعه الناس " ، تأمل كلمة ( فقوي بهم جانب أبي بكر ) ، لتفهم ان هناك جانبين متخاصمين يقوى احدهما ويضعف الآخر ، وليس المراد بالجانب الآخر الانصار لانهم قد بايعوا في السقيفة ولم يبق إلا سعد بن عبادة وابنه ، وليس له كبير اهتمام وقد اهملت بيعته حسب اشارة بعض ابناء عمه .

أما علي فقد قلنا انه جاءه الخبر عفوا لما سمع تكبيرالقوم في المسجد وهو حول النبي مشغول بجهازه .

ولما بلغته حجتهم على الانصار لم يكتم نقدها ، فقال كما في نهج البلاغة : " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة " .

2 - رأيه في بيعة السقيفة

قلنا في آخر الفصل الاول انه لماذا لم يطالب الامام


148

صراحة بالنص عليه بالخلافة ، وهنا نقول : انه مع ذلك لم يكتم رأيه في بيعة السقيفة ، فان التأريخ لا يشك ، عند من ينظر إليه نظرة فحص وتمحيص ، أنه كان ناقما على ما اسرعوا إليه من بيعة ابي بكر ، وكان يعدها غضبا لحقه ، فلم يلاق الحادث إلا بالاستغراب والاستنكار كما يبدو من كلمته السابقة التي قرأتها أخيرا ، ومن كلمات كثيرة منبثة في نهج البلاغة وغيره وأهمها الخطبة الشقشقية .

وأقل ما يقال في انكاره تخلفه عن البيعة حتى ماتت فاطمة الزهراء عليها السلام .

على ان من الظلم نقول : ان الامام تخلف عن البيعة ، وهو صاحب الامر الذي يجب أن يؤتى إليه ، وإنما الحق أن نقول : إن الناس هم الذين تخلفوا عنه .

وأول اعلان له عن رأيه كان عند خروجه في اليوم الثاني من السقيفة بعد البيعة العامة - كما في مروج الذهب - فقال لابي بكر : " أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا " .

وهذا القول صرخة في وجه الاستئثار عليه ، وتصريح بعدم الرضى بما تم ، وليس علي ممن يداجي أو يخاتل ولا ممن تأخذهفي الله لومة لائم .

ولذلك هم كانو يفرون من التحرش به قبل تمام البيعة خوف اعلان خصومتهم ، فنرى ابا بكر في جواب كلامه السابق يعترف له ويقول : " بلى ! ولكن خشيت الفتنة " .

ويسكت التأريخ عن ذكر جواب الامام ، أفتراه اقتنع


149

بكلمة ابي بكر أو أغضى عن جوابها أو التأريخ أهمل الجواب .

ولكن عليا نفسه يقول من خطبة له عن هذه الحادثة : " فلما قرعته بالحجة في الملا الحاضرين هب كأنه لا يدري ما يجيبني به " .

ولئن فرض انه سكت هذه المرة فانه لم يترك الدعوة إلى نفسه واستنكار حادث السقيفة ، وان بايع بعد ذلك فلم يبايع عن طيبة خاطر واطمئنان إلى الوضع ، وهو الذي يقول بالصراحة في الشقشقية : " فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا " .

ثم التأريخ يحدثنا انه لم يبايع إلا بعد أن صرفت عنه وجوه الناس بموت فاطمة الزهراء .

وكم تذمر وتظلم من دفعه عن حقه مثل قوله من كلام له في النهج : " فو الله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يوم الناس هذا " ويشير بهذا اليوم إلى عصره في خلافته

هذا هو الصريح الواضح من رأي الامام في بيعة السقيفة وما وقع بعدها .

ويكفي النظر في الشقشقية وحدها ، غير ان التأريخ قد يحاول ان يكتم هذه الصراحة ، لانه لا ينكر على كل حال ان عليا مع الحق والحق مع علي ، فلا


150

يمكنه ان يتهمه بالحيدة عن طريق الحق إذا اعترف بهذا الرأي منه ، وهو - أعني التأريخ - يريد ان يصحح ما وقع يوم السقيفة الذي لا يصح من دون رضى صاحب الحق وموافقته ، في‍ ؟ كن إلى المداورة .

ولكن في الحقيقة لابد ان تتم على نفسها ، فانه جاء في صحيحي البخاري ومسلم عدا كتب التأريخ والسير ما لا يخرج عن هذا القول : " ان وجوه الناس كانت إليه وفاطمة باقية فلما ماتت انصرفت وجوه الناس عنه وخرج من بيته فبايع ابا بكر وكانت مدة بقائها بعد أبيها ستة أشهر " .

وجاء ما هو أصرح من كل ذلك في جوابه لكتاب لمعاوية ، إذ يتهمه معاوية بالبغي على الخلفاء والابطاء عنهم وكراهية أمرهم ، فيقول الامام منكرا لبعض التهم ومعترفا بالبعض الآخر : " فأما البغي فمعاذ الله أن يكون واما الابطاء والكراهية لامرهم فلست اعتذر إلى الناس في ذلك ) ( 1 ) .

3 - الموقف الدقيق

يظهر للمتتبع ان الامام كان يرى - عطفا على رأيه السابق - وجوب مناهضة القوم حتى يأخذ حقه منهم .

( 1 ) راجع شرح النهج ( 3 : 409 ) .


151

ويستشعر ذلك من سيرته معهم ومن كثير من أقواله التي منها قوله في الشقشقية عن حربه لاهل الجمل ومعاوية : " أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ، لالقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها " .

فانظر إلى موقع كلمته : " لسقيت آخرها بكأس أولها " ، فانه يريد أن يقول : ان زهدي بالدنيا يدعو إلى أن أترك حقي في المرة الاخيرة كما تركته في المرة الاولى ، ولكن الفرق كبير بين الحالين : ففي الاولى لم تقم علي الحجة في القتال لفقدان الناصر دون هذه المرة ، فلا يسعني ان اعرض عنها هذه المرة واسقيها بالكأس الذي سقيت به اولها يوم طويت عنها كشحا وصبرت على القذى .

وأصرح من ذلك ما كان يقوله : " لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم " وهذا ما عده معاوية من ذنوبه ، وذلك فيما كتب إليه من قوله : " فمهما نسيت فلا أنسى قولك لابي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم ، فما يوم المسلمين منك بواحد " ، ولم ينكر امير المؤمنين عليه السلام هذا القول في جوابه على هذا الكتاب .

وفي التاريخ مقتطفات تؤيد ذلك ، كما في تأريخ


152

اليعقوبي : إن اصحابه الذين كانوا يجتمعون إليه طالبوه بمناهضة القوم وتعهدوا بالنصرة ، وكأنهم ظنوا ان قد بلغوا العدد المطلوب " 40 ذوي عزم " فقال لهم : اغدوا على هذا محلقي الرؤس ، وهو إنما يريد ان يريهم انهم لم يبلغوا المنزلة التي تقام بها الحجة ، فلم يعد عليه إلا ثلاثة نفر .

وإذا كان هذا رأيه في المناهضة للقوم يبلغ - يا سبحان الله - هذه الشدة والصرامة فماذا تراه صانعا ؟ لنتركه الآن يحد ؟ هو عن نفسه ومو ؟ الدقيق ، إذ يقول من الشقشقية : " وطفت ارتئي بين أن أصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء ؟ هرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه " .

ثم يبين لنا كيف ان يده جذاء من خطبة ثانية .

" ؟ ظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم على ؟ " .

؟ هو إذن بين امرين لا ثالث لهما : اما المغامرة بما عنده ؟ اهل بيته ، واما الرضوخ للامر الواقع ، اما الحالة الاولى ؟ فيها خطر على الاسلام لا يتدارك فانه إذا قتل هو وآل بيته ارتفع الثقل الثاني من الارض " عترة الرسول " وافترق عن عديله القرآن الكريم وهناك الضلالة التي لا هداية معها ، وقد قال النبي : " لا تضلوا ما ان تمسكتم بهما أبدا " أو " لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " واما الحالة الثانية فان فيالصبر على هضم حقوقه اضاعة لوصية النبي ، وتعطيل لنصبه اياه اماما وخليفة من بعده .


153

فأي الامرين هو اولى بالرعاية لحفظ بيضة الاسلام ؟ وأنى لنا ان نتحكم في ترجيح أحد الامرين ، ونعرف الامام واجبه في هذا الامر ؟ ! وما بالنا نذهب بعيدا ، فانا نعرف ما صنع الامام ، انه استسلم للقوم وبايع كما بايع الناس بالاخير ، وقد قرر الرأي الاخير بعد ان طفق يرتئي بين ان يصول بيد جذاء أو يصبر على طخية عمياء عندما قال : " فرأيت الصبر على هاتا احجى " فسدل دونها حينئذ ثوبا وطوى عنها كشحا .

على انه لا يضيع وجه الرأي على الناظر في هذا الامر ليعرف كيف كان الصبر أحجى ، لانه لو نهض في وجه القوم مع قلة الناصر وحسد العرب له وترات قريش عنده ، لكان المغلوب على أمره ، وعندئذ يصبح نسيا منسيا ، ولربما لا يحفظه التأريخ إلا باغيا بغى على الدين كأولئك اصحاب الردة ، فقتل " بسيف الاسلام " واضيع مع ذلك النص على خلافته .

وقد رأيناه مع بقائه حيا وانتهاء الامر إليه بعد ذلك كيف غمط حقه وأعلن سبه وبقي الشك فيه إلى يوم الناس هذا ! وقد أشار إلى ذلك في كلامه لعمه العباس وابي سفيان لما طلبا بيعته ، إذ قال لهما : " أفلح من نهض بجناح أو استسلمفأراح .

ثم قال : ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه "


154

حقا ، لا ينهض في هذا الموقف إلا من لا يبالي إلا بالحرص على الملك ومطاولة الناس مهما كانت النتائج على الدين والصالح العام ، وأمير المؤمنين أحرص على الاسلام من ان يغرر به لامر يقول عنه : " انه ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها " .

ولا يساوي عنده نعله التي لاتسوى درهما ، إلا إذا كان يقيم حقا أو يدحض باطلا .

ولذلك ، ينصح الناس في كلامه الذي أشرنا إليه مع العباس وابي سفيان ، وهما يحثانه على قبول البيعة ، فيقول : " شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المناظرة ، وضعوا عن تيجان المفاخرة " .

وكأنه في كلامه هذا يحس منهما إذ دعواه لهذا الامر الانفة من الخضوع لاخي تيم ، و ( تيم ) على حد تعبير أبي سفيان أقل حي في قريش ، فهما ينظران إلى الامر من ناحيته القبلية ، والعصبية الجاهلية .

أما فقهه هو فكما قال من كتاب له في جواب معاوية في خصوص هذا الامر : " وما على المسلم من غضاضة في ان يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه " ، وهو غير فقههما فان العباس مشى إليه أبو بكر وجماعة ليلا ، لما عرفوا موقفه ، فأطمع في الخلافة له ولولده ، بعد نقاش انتهي بالاعراض عن النزاع .

واما ابو سفيان فقد نقل ابن أبي الحديد ( 1 : 30 ) وغيره ان عمر كلم ابا بكر فقال إن ابا سفيان قد قدم وانا لا نأمن شره ، فدفع له ما في يده فتركه ،وكان أبو سفيان قد بعث قبل وفاة النبي على الصدقات .


155

ثم لنفترض ثانيا أنه ما كان ليقتل لو ناهض القوم ولكن مع ذلك فالصبر على ترك حقه ان أحجى وأجدر لان منازعتهم كانت - لاشك - تجر إلى الفتنة وتبعث على الفرقة ، والاسلام بعد لم يتغلغل في نفوس العرب ولم يضرب جرانه في الجزيرة ، وقد أشرأبت الاعناق للانتقاض عليه .

فهو إذ وطن نفسه على ما هو أمر من طعم العلقم كما يقول بالتنازل عن حقه ، كان يخاف ويخشى ، ولكن لا على الحياة - وهو هو إبن أبي طالب في شجاعته واستهانته بالحياة ، الذي كان يقول : والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها - بل كان خوفه على الدين من التصدع وعلى جامعته من التفرق ، فسالم إبقاء لكلمة الاسلام واتقاء للخلاف والشقاق في صفوف المسلمين فيرتدوا جميعا على أعقابهم ، والمفروض ليس عنده القوة الكافية لاظهار كلمة الحق وإقامة السلطان .

وهو يشير إلى هذا الخوف فيما يقول في هذا الصدد من خطبته في النهج : " ما شككت في الحق مذ رأيته .

لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه .

اشفق من غلبة الجهال ودول الضلال .

اليوم توافقنا على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم يظمأ " .

فهو في هذه الكلمة يتأسى بموسى عليه السلام إذ ؟ موه بالخيفة ولكن فرقا بين الخوف على الحياة والخوف من غلبة الباطل : وهذا أفضل تفسير لقوله تعالى : " فأوجس فينفسه خيفة " وفيه تبرئة لنبي الله من الوهن والشك وما أدق


156

معنى كلمة " من وثق بماء لم يظمأ " بعد تقديم قوله : " ما شككت في الحق مذ رأيته " وقد رأى الحق وهو إبن عشر سنين ! .

ويوضح لنا ذلك جوابه المشهور لابي سفيان لما جاءه مستفزا على أبي بكر وهو يقول : " فو الله لئن شئت لاملؤها خيلا ورجلا " وأنت تعرف ما قال له الامام أنه قال : " أنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وأنك والله طالما بغيب للاسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك " ما أعظم هذه الصرامة والصراحة منه لمن يريد أن يبذل نفسه وقومه في ظاهر الحال ناصرا ومعينا على خصومه وهو يشكو فقد الناصر .

نعم أن الدين الذي بذل له مهجته كان عنده فوق جميع الاعتبارات ، وإن استهان به غيره ، وقد رأينا أبا سفيان كيف أسرع في الرجوع عن وعده ووعيده لما تركوا له ما في يده .

وأمير المؤمنين قد صرح بغرضه هذا بعد ذلك في جوابه الذي أشرنا إليه عن كتاب معاوية كما في النهج والعقد الفريد إذ قال عن إبائه على أبي سفيان : " حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الاسلام " .

4 - سلوكه مع الخلفاء

اما وقد تركنا الامام يغضي عن حقه ويقرر بالاخير خطة


157

الصبر على ما فيها من قذى وشجى فماذا تراه يتخذ من خطةفي سياسته وسلوكه مع الخلفاء : أيستسلم فيسرع إلى بيعتهم كسائر الناس ويعمل لهم كما يعمل باق المسلمين أم يسلك بقدر ما تسمح به الضرورة وتقتضيه المصلحة للدين ؟ قد ابى بعض المؤرخين من القدماء والمحدثين إلا ان يصور الامام مسالما إلى أبعد حدود المسالمة ، فيسرع إلى البيعة عن طيبة خاطر ورضى بمن نصب لها ، ولكن البحث الصحيح يأبى علينا أن نسلم بهذا التسرع في النقل أو الحكم : فقد ثبت تأريخيا ان عليا لم يبايع ابا بكر إلا بعد موت فاطمة بضعة الرسول ، وفي تقدير ابن الاثير في تاريخه والبخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهم انه ستة أشهر ، وفي كل هذه المدة هو جليس بيته لم يشترك في جماعة ولا جمعة ولا أمر ولا نهي ولم يسمع له صوت في حروب الردة وغيرها .

واكثر من ذلك كان يطرق ابواب الانصار واهل السوابق ليلا حاملا معه فاطمة والحسنين يدعوهم إلى نفسه ويذكرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذا ما جعله معاوية من ذنوبه في كتابه السابق الذكر ، ثم انه كان يقرعهم بالحجة وينير لهم طريق المحجة ذلك قوله المتقدم : " فلما قرعته بالحجة " .

وهل يظن الظان انه كان يحاول في هذا العمل ان يتحولوا في البيعة وان يتركوا ما ابرموه وهو الذي اسدل دونها


158

ثوبا وطوى عنها كشحا ورأى الصبر على ذلك احجى وهوالذي يدعوه العباس وابو سفيان إلى البيعة فيأبي ؟ ان هذا الاباء وذاك الصبر لا يجتمعان مع تلكم المحاولة والدعوة إلى نفسه ما لم يكن يرمي الامام من وراء ذلك إلى غرض أسمى مما يظن ، انه كان يقيم الحجة في عمله على اولئك الناس ويفهمهم خطأهم فيما ارتكبوا وتنكبهم عن الحق فيما اسرعوا والى ذلك يشير فيما قال : " اللهم انت تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الطعام ولكن لنرد المعالم في دينك ونظر الصلاح في بلادك " .

ويؤخذ من طيات التأريخ انه لم تأخذه هوادة في الدعاية والدعوة إلى مبدئه اظهارا لحقه واقامة للحجة على سواه ، فلا ينكر التأريخ اجتماع اصحابه عنده طيلة ايام انعزاله ، فيعتبره الطرف الآخر كمؤامرة يحاول ابطالها خشية توسعها ، فيرسل من يفرق القوم الجتمعين فيجتمعون .

ولا ينكر التأريخ ايضا تطوافه على الانصار واهل السوابق كما قدمنا .

ولا ينكر عدم اشتراكه في جمعة ولا جماعة ، وهو احرص على الشعائر الدينية والواجبات الالهية من أن يجرأ مجترئ على اتهامه بالمسامحة فيها .

وهذه المقاطعة وما إليها اعلان صريح برأيه فيما عليه القوم ولذا نرى الخليفة ابا بكر يتذمر من موقف الامام


159

فعرض فيه من خطبة : " يستعينون بالضعفة ويستنصرونبالنساء كأم طحال احب اهلها إليها البغي إلا اني لو اشاء ان أقول لقلت ولو قلت لبحت .

اني ساكت ما تركت " .

وفي هذا تخوف مما يظن انه سيقع وتهديد باذاعة أمر مكتوم .

ما أدري - ولا أظن أحد يدري اليوم - أي شئ هذا الامر الذي يهدد الخليفة بافشائه ، والظنون تذهب ولا تقف على شئ معين ! وزبدة المخض : انا نفهم من كل ذلك ان خطة الامام في حياة فاطمة كانت المقاطعة والدعوة إلى مبدئه وان يقعد حجزة الضنين - على تعبير فاطمة نفسها - معتزا بوجودها ، وقد جاهدت معه في هذا المضمار جهادا له الاثر فيما بعد في تركيز مقام الامام في ذهنية المجتمع الاسلامي .

ولا ننسى خطبتها البليغة التي يرن صداها إلى اليوم .

ولذا نراه بعد وفاتها يبدل خطته ، فبايع ، ويبايع معه اهل بيته واصحابه ، ويدخل فيما يدخل فيه القوم .

ولكن إلى حد محدود بقدر ما تحكم به الضرورة الدينية للاحتفاظ بالجامعة الاسلامية .

لنسمعه يحدثنا هو عن تبديل خطته في كتابه إلى اهل مصر : " فأمسكت يدي ، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله ،


160

فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله ان أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي اعظم من فوت ولايتكم .

" .

ولم تكن نصرته للاسلام وأهل إلا بسكوته عن حقه ومتابعته للقوم ، ونصيحته لهم في مواقع النصح ، وإلا فلم يشترك معهم في طعنة رمح ولا ضربة سيف في جميع المواقف إلى يوم بويع بالخلافة .

وماذا يظن الظان في من جاهد وجالد في سبيل الاسلام عشرين عاما ، وفي كل هذه المدة كان سيفه يقطر من دماء المشركين ، ولم تثر حرب إلا وهو ابن بجدتها ، وحامل لوائها ، ومقطر أبطالها والمقذوف في لهواتها ؟ ماذا يظن الظان فيه عندما يجلس جلس البيت عن هذا الدين الذي قام بسيفه ، وقد تألبت العرب عليه واشرأبت اعناق النفاق ؟ والجهاد فرض من فروض الاسلام ، أكان ذلك زهدا في الجهاد وتواكلا عن الواجب ، أم ماذا ؟ أهناك غير ما نقول من رأيه في المقاطعة إلا ما تدعو إليها ضرورة المحافظة على الجامعة .

وقد يقول القائل : ان الخلفاء هم الذين لم يدعوه إلى الدخول معهم في الحروب والاشتراك في الحكم لمصلحة يرونها ، وما كان يجب عليه ان يقدم نفسه متبرعا ، كما لم يدع إلى ذلك جميع الهاشميين ، ولم يسمع ان هاشميا اشترك قائدا في حرب أو حكم في عهد الخلفاء الثلاثة .

ويشهد لذلك


161

المحاورة ( 1 ) بين الخليفة عمر بن الخطاب وابن عباس حينما يدعوه إلى العمل في حمص ، فيقل لابن عباس : " وفي نفسي شئ لم أره منك وأعياني ذلك " ثم يصرح بذلك الشئ :" اني خشيت ان يأتي علي الذي هو آت وأنت في عملك فتقول : هلم إلينا ولا هلم اليكم دون غيركم اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم " .

فيقول ابن عباس : فلم نراه فعل ذلك ؟ فقال عمر : والله ما أدري اضن بكم عن العمل ، فأهل ذلك انتم ، أم اخشى ان تبايعوا بمنزلتكم منه ، فيقع العقاب ولا بد من عتاب ؟ وعندئذ يمتنع ابن عباس عن قبول العمل ويقول : ان اعمل لك وفي نفسك ما فيها لم ابرح قذى في عينيك .

أليست هذه المحاورة شاهدة على ان الخلفاء هم الذين كانوا يمتنعون عن استعمال بني هاشم خوف ان يستغلوا مناصبهم للدعوة إلى أنفسهم ؟ وللمجيب ان يجيب ، فيقول : ان امتناع الخلفاء عن استعمال علي وبني هاشم - ان صح - فهو دليل آخر على سيرة الامام معهم ، واستعماله خطة يخشون معها ان يأخذ وقومه ناصية الامر ان تولوا عملا من الاعمال .

على انا لا

( 1 ) راجع مروج الذهب ( 1 : 427 ) .


162

نعدم شاهدا على ان عليا هو الذي كان يمتنع عن قبول اعمالهم ، فلنستمع إلى الحديث الذي جرى بين الخليفتين عمر وعثمان .

يشير عثمان على عمر : " ابعث رجلا - أي لحرب فارس -له تجربة بالحرب ومضر بها .

عمر : من هو ؟ عثمان : علي بن أبي طالب ! عمر : فالقه وكلمه وذاكره ذلك ، فهل تراه مسرعا إليه ؟ فيخرج عثمان .

ويلقى عليا ، فيذاكره فيأبى علي ذلك ويكرهه " .

تأمل استفهام عمر وشكه في قبول علي ، ثم امتناع علي وكرا ؟ ته للامر ! وما نستنتج من ذلك ؟ من هذا وامثاله نعرف ماذا كان علي عليه السلام يتبع في سيرته مع القوم ، وما كان يجري عليه في معاملته معهم ، حتى كان يخفت صوته في جميع الحروب والمواقف ، وكأنه ليس من المسلمين أو ليس موجودا بينهم ، وهو منهم في الرعيل الاول ، اللهم إلا صوته إذا استشير ونبراس علمه إذا استفتي ، حتى اشتهر عن عمر كلمته " لولا علي لهلك عمر " أو " لا كنت لمعضلة ليس لها ابو الحسن " .


163

وتتبع استشاراته واحكامه في كثير من الوقائع يخرج بنا إلى موضوع آخر يحتاج إلى كتاب آخر انتهى 29 جمادي الاولى 1368 ه‍ .


165

على هامشالسقيفة

167

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة بقلم محمد جواد الغبان تفرض علي الابوة أن أذهب بين حين وآخر إلى ناحية ( الشنافية ) لزيارة سيدي الوالد سماحة الشيخ عبد الكاظم الغبان الذي يشغل مركز العالم الديني هناك .

وقبل بضعة أشهر سافرت إلى ( الشنافية ) فترامى إلى سمعي من عامة أهل المدينة مديح وافر وثناء جزيل على مدير جديد في ناحيتهم هو الاستاذ السيد عبدالله الملاح الذي تم نقله إلى تلك الناحية قريبا .

وما كان إلا أن اجتمعت بهذا المدير الجديد وتتابعت الاجتماعات بيني وبينه حتى رأيت نفسي منجذبا إليه ومتخذا منه صديقا حميما وأخا كريما لانني وجدت فيه رجلا متمسكا بالصفات الحميدة والاخلاق الكريمة بالاضافة إلى كونه قويا في ادارته نزيها في احكامه ومعاملاته .


168

ومما لفت نظري من الاخ الاستاذ الملاح أن هوايته المفضلة هي العكوف على العلم والادب والثقافة فهو لا يمضي أوقات فراغه الا بالمطالعة أو البحث والنقاش ، وهو في بحثه ونقاشه يمتاز بحرية الرأي وطلب الحقيقة من دون تعصب .

ولقد دارت بيني وبينه عدة مباحثات ومناقشات دينية وعلمية وأدبية كان في مقدمتها موضوع ( الامامة ) الذي هو نقطة الخلاف بين ( السنة والشيعة ) ، وكنا في بحثنا ومناقشتنا في هذا الموضوع متجردين عن كل عاطفة وتعصب ذميم فوصلنا إلى نتائج حسنة جدا .

وقد أرشدت الاستاذ - تتمة لما دار بيننا من المناقشات - إلى مطالعة كتاب ( السقيفة ) الذي كتبه استاذنا سماحة العلامة الشيخ محمد رضا المظفر ( عميد منتدى النشر ) .

ذلك الكتاب القيم الذي نفدت طبعته الاولى واعيد طبعه مرة اخرى لانه الكتاب الوحيد الذي درس موضوع الخلافة الدقيق دراسة مستفيضة على ضوء المنطق المتجرد عن العواطف والمغالطات .

وحين رجعت إلى النجف ارسلت نسخة من كتاب ( السقيفة ) إلى الاستاذ الملاح ، وبعد بضعة أيام وصلتني منه رسالة يسجل فيها إعجابه بالكتاب وبراعة عرضه وقوة حجته مع إكباره لمؤلفه الكريم ، وقد سرد في رسالته المذكورة عدة ملاحظات اعترضته أثناء مطالعته للسقيفة فطلب مني أن


169

اعرضها على الاستاذ المؤلف ليتفضل بالاجابة عنها ، فما كان مني الا أن عرضت الرسالة على استاذنا العميد بعد أن اعطيته لمحة خاطفة عن صديقي الاستاذ الملاح فأبدى الاستاذ المظفر استعداده للجواب عن تلك الملاحظات وتفضل فأفرغ نفسه - على كثرة أشغالهومسؤلياته - لكتابة كراس خاص ضمنه أجوبته عنها .

هذا وقد رأيت بملاحظات الاستاذ الملاح وأجوبة استاذنا ( العميد ) عنها موضوعا رائعا طريفا أهم مميزاته طلب الحقيقة وكشف الواقع عن طريق الدراسة الصحيحة التي يوحيها العقل والمنطق السليم ، فوجدت نفسي مدفوعا إلى تمثيلها لعالم الطبع والنشر - بعد موافقة الطرفين طبعا - خدمة للحقيقة وعرضا لنماذج من البحث النزيه المتجرد عن الانجراف مع العواطف ، لعل اخواننا المسلمين جميعا - من سنة وشيعة - يسيرون على منوال هذا الكلام البرئ والمنطق السليم فيجتمع الشمل وتتوحد الصفوف .

وإذا كانوا يرون اجتماع الكلمة ضربا من المستحيل فلا أقل من أن يتركوا التطاحن الذي مزق صفوف الطرفين وأوهى قوى الاسلام الذي يتمثل بكلا الفريقين .

وها أنا ذا الآن أنشر في هذا الكراس نص رسالة الاستاذ الملاح التي تتضمن ملاحظاته مع نص جواب ( العميد ) عنها .

وما أدري عسى الاستاذ الملاح تخطر في ذهنه ملاحظات اخرى بعد ذلك .

وإنني أعد القارئ الكريم بعرضها على استاذنا العميد عندما أتلقاها لعلنا نظفر بنشر كراسة ثانية في


170

هذا الموضوع إكمالا للفائدة المتوخاة والله تعالى من وراء القصد .

النجف الاشرف 2 رجب 1373 ه‍ محمد جواد الغبان .


171

نص رسالة الاستاذ عبدالله الملاح حول كتاب السقيفة

خي الكريم الاستاذ محمد جواد الغبان لا حرمت اخوته تحية وشوقا دعني أشكر لك قبل كل شئ هذه الاخوة الصادقة وحسن ظنك بي فأنا اعتقد انني لا أستحق منك كل هذا الاطراء إنما هي نفسك النبيلة تريك الناس في صورة نفسك .

لوددت اني احقق ظنك في والله المسئول ان يلهمنا الصواب ويهدينا إلى أحسن الاخلاق انه لا يهدي لاحسنها إلا هو .

أشكر لك أيها الاخ الكريم هديتك الممتعة كتاب السقيفة فقد أمضيت بقراءته وقتا سعيدا وكنت أود ان ادون لكم رأي حوله بعد انتهائي من قراءته ولكن حال دون ذلك ذهابي إلى بغداد .

كتاب السقيفة كتاب ممتع جدا يدل على سعة علم مؤلفه الفاضل وتمكنه من الاسلوب العلمي العصري ولو التزم بما جاء في المقدمة لكان خير كتاب أخرج للناس ولكنه آثر ارضاء عقيدته فلم يلتزم بما أوجبه على نفسه اولا من الحهاد التام ، وكنت أود أن اطلع على كتاب ( رد على السقيفة ) لاطلع على المآخذ التي أخذها على المؤلف .

وسأورد باختصار


172

كل ما عن لي عند مطالعة الكتاب ، ولعل بعض ما أورده لا يخرج عن حدود السؤال الذي لا أحسن الاجابة عنه فإذاكان عندك أو عند المؤلف جواب شاف له فأرجو التفضل بعدم حرماني من فائدته .

1 - يرى المؤلف استبعاد سكوت النبي عن أمر الخلافة وتوكيل ذلك إلى اختيار الامة .

لما في ذلك من توقع حدوث الاختلاف كما حصل فعلا وأنا أسأل فأين النص الصريح إذن على تعيين أحد بالذات ؟ ستقول دون شك : أفليس في حديث الغدير كفاية ؟ إن حديث الغدير لم يؤمن بصحته كل الناس من المسلمين ، وبعض من آمن بصحته فسره على غير تفسير الشيعة مستفيدا من دلالة كلمة المولى على معاني مختلفة ، وأنا شخصيا أرى تفسير كلمة المولى بغير التفسير الذي فسرته الشيعة في حديث الغدير تمحل وسخف .

ولكن في نفسي شئ كثير من الحديث فان البخاري ومسلم لم يرويا الحديث وفي سنده من طعن فيه ، ولكنني لا أهتم لذلك فان كتب الشيعة ترويه بسند صحيح وهم ليسوا أقل حرصا على دينهم من السنة ، ولكني سأطرح النقل هنا وأعتمد على العقل فقط .

يقول القرآن : " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " .


173

ويعتقد السنة والشيعة ان جميع ما صح عن النبي يجب الاخذ به باعتباره وحيا من الله ولكننا نرى ان النبي أمر بكتابة القرآن علما منه بأن كل ما اعتمد في حفظه على الذاكرةاعتوره النسيان أو التحريف بزيادة أو نقصان ولم نسمع انه أمر أحدا بكتابة الحديث فإذا كان الحديث وحيا من الله كالقرآن فلماذا لم يكن قرآنا ؟ وأي فرق بين وحي الحديث ووحي القرآن ؟ إن عدم تدوين الحديث أدى إلى الاختلاف الذي نراه الآن فليس من حديث صح عند السنة إلا وجد فيه الشيعة مجالا للطعن والعكس صحيح أفيمكن أن يبنى دين موحد على حديث يصدقه اناس ويكذبه آخرون ، ولكن الفرق الاسلامية كلها متفقة على أن القرآن الذي بين أيديها صورة صحيحة للوحي المنزل على رسول الله ولا عبرة ببعض الاقوال المنسوبة إلى اناس زعموا ان القرآن قد حذف منه كل ما كان فيه مدح لآل البيت .

اريد ان اخلص من هذه المقدمة إلى القول بأن امر الخلافة وهي من الاهمية بحيث صورها مؤلف السقيفة الفاضل لا يعقل ان يترك أمرها إلى حديث كحديث الغدير لا تكاد الصحابة تسمعه حتى ينساه اكثرهم ويذهب في تأويله الآخرون مذاهب مختلفة ، أفما كان ينبغي والامر بهذه الاهمية ان ينزل فيها قرآنا .

صحيح " أن الله لا يسأل عما يفعل وهم


174

يسألون " ولكن منطق الحوادث يدلنا على ان امرا كهذا - لا سيما إذا أخذنا عقيدة اللطف الالهي بنظر الاعتبار - لم يكن ينبغي ان يسكت عنه القرآن وقد نزل في أشياء أقل أهمية منهذا بكثير ، أما الآيات التي أوردها المؤلف " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " فلا اظن ان من له أقل المام باسلوب القرآن يرى قصر الذين آمنوا على علي ( رض ) فإن الله لم يشر إلى واحد بلفظ الجمع وقد خاطب النبي بقوله : " إنك ميت وإنهم ميتون " .

وبقوله : " وإنك لعلى خلق عظيم " .

وقال : " إذ يقول لصاحبه .

الخ " ثم شئ آخر لا بد من الاشارة إليه وهو لو صح ان النبي جعل عليا عليه السلام نفسه حقيقة في آية المباهلة كيف جاز له تزويجه من ابنته .

2 - إذا صح ان النبي ( ص ) قد نص على الائمة الاثنى عشر بعد ان فقد ابنه ابراهيم وحزن عليه حزنا شديدا ترتب على ذلك اتهام النبي بأنه إنما قام بالدعوة لحصر الملك والخلافة في نفسه وفي أحفاده من بعده وهو ما يناقض الآية القرآنية " قل لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الله " .

3 - حديث الغدير وقع بعد منصرف النبي من حجة الوداع ووفاته ( ص ) في أواخر صفر أو أوائل ربيع الاول من نفس السنة فيكون بين سماع الحديث والوفاة نحو شهرين وهي مدة قصيرة فإذا كان عدد الذين سمعوا حديث الغدير سبعين


175

الفا يزيدون أو ينقصون قليلا فلا بد ان يكون الانصار الذين اجتمعوا في السقيفة من جملة من سمع الحديث وهم لم يكونوا ممن انامهم عمر مغناطيسيا بنفيه الموت عن رسول الله لانهمساعة الاحتضار كانوا مجتمعين في السقيفة كما يدل على ذلك مجئ معن بن عدي وعويم بن ساعدة إلى عمر وابي بكر في دار النبي ( ص ) ولم يكن بين الانصار وبين علي عليه السلام ترات فإذا كانت قريش لم تشأ أن تجمع لبني هاشم بين النبوة والخلافة وإذا كان علي عليه السلام قد وتر أكثرهم فان الانصار لم يكونوا يريدون غير رضا رسول الله فما بالهم ولم يمض على سماعهم حديث الغدير غير ايام قليلة لا يقوم واحد منهم - وقد تنازعوا أمر الخلافة ورشحوا لها مرشحيها - يذكرهم بالحديث وبأن أمر الخلافة قد فرغ منها وقد عين رسول الله لها بأمر ربه عليا .

أما ما أورده المؤلف الفاضل من تطاول الانصار للخلافة بعد تيقنهم من انصرافها عن مستحقها علي عليه السلام لما يعلمونه من حسد العرب له وقريش خاصة فلا يمكن ان يقبله العقل لان استحالة نصب علي للخلافة للاسباب المذكورة إذا كانت لم تغب عن فطنة الانصار فقد كان الاولى ان لا تغيب عن فطنة رسول الله وهو المؤيد بالوحي فلا يأمر امته بأمر يعلم سلفا انهم لا يطيعونه فيه فيعرضهم بذلك إلى غضب الله وتذهب جهوده طيلة حياته في هدايتهم سدى .


176

أما قول أحد الانصار : " لانبايع إلا عليا " فلا يخرج عن كونه ترشيحا لعلي من قبل أحد المسلمين ولا ينكر أحد أهلية علي عليه السلام لهذا الترشيح إذ ان الرجل لم يحتج بحديثالغدير أو آية قرآنية دالة على وجوب نصب علي .

4 - استدل المؤلف الفاضل بتأمير اسامة بن زيد وتخلف وجوه المهاجرين وفيهم ابو بكر وعمر وأبو عبيدة عن اللحاق بجيشه على الرغم من تشديد النبي عليهم في الخروج - على رغبة الرسول في إبعاد من يطمع في الخلافة عن المدينة وفي تهيئة المسلمين لقبول ( قاعدة الكفاية ) .

إن رسول الله ( ص ) لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم وهذا التدبير أشبه بتدبير الضعفاء منه بتدبير الانبياء فمن كان يدري النبي - وقد تمت البيعة لعلي - في غياب جيش اسامة ووجوه المهاجرين والانصار - ان القائد وجيشه وقد علموا بوفاة النبي وبالغاية التي ارسلوا من أجلها في ذلك الظرف الحرج وبنفاذ المؤامرة في تعيين علي للخلافة ، من كان يدريه انهم لا يولون الخلافة من يريدون وليس في عنقهم بيعة لاحد ثم يحتلون المدينة بالقوة ويعود التدبير الذي ظنه المؤلف الفاضل حكيما شرا على المسلمين جميعا فان من يخالف أمر النبي وهو في المدينة لا يعجزه ان يخالفه وهو في جيش يؤيده في رأيه .

إن حياة الرسول ( ص ) كلها تدل على أنه لم يكن يرهب القوة في سبيل نشر الدعوه وتبليغ أوامر الله فقد كان في مكة


177

وحيدا وفي قريش أمثال عمر وأبي لهب وأبي جهل فلم يمنعه ذلك من تسفيه أحلامهم والكفر بآلهتهم وفعل كل ما من شأنه استجلاب غضبهم فإذا كان الله قد أمره بقوله : " يا أيهاالرسول بلغ ما انزل اليك من أمر ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " بتعيين علي للخلافة فلا عمر ولا غيره كان يمكن ان يحول بين رسول الله وتنفيذ أمر الله وما كان يمكن أن يترك النبي تنفيذ هذا الامر الذي فيه صلاح الدين وبقاؤه إلى أحاديث تحمل معاني مختلفة وتدابير يذهب في تأويلها كل واحد مذهبا فأمر الخلافة كما تعتقدون من اسس الدين فكان يجب - وقد علم النبي بدنو أجله - وعلم كذلك لما ينتظر امته من فتن كقطع الليل المظلم ورأى مواقع الفتن خلال بيوت المدينة كمواقع القطر - يجب وقد علم كل ذلك أن يأخذ البيعة لعلي في حياته ويتخذ من التدابير ما يحول بين امته وبين الفتن وهو قد بعث رحمة للعالمين وإلا فليس نبي اضيع جهدا منه فقد اذهب حياته في هدى امة ما لبثت ان أخذت طريقها من بعده إلى النار .

5 - حديث ( هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا ) .

لاشك في وضعه أبدا على الرغم من رواية ائمة الحديث له إذ لا يخلو أن يكون ما أراد النبي كتابته حديثا أو قرآنا وقد ظل النبي ثلاثا وعشرين سنة يتحدث ويوحي إليه بالقرآن فلم نره أمر بكتابة شئ من الحديث أما القرآن فلم يكن النبي يقول " هلموا أكتب لكم " بل كان يخبرهم بنزول


178

الوحي عليه ويأمر كتبة الوحي بتدوين ما نزل عليه فإذا كان ما أراد يكتبه قرآنا فلماذا لم يدع كتبة الوحي ليضيفوه إلىالقرآن أو لماذا لم يتله على الحاضرين على انه قرآن كما كان يفعل فيحفظه عنه الصحابة كما كانوا يحفظون عنه القرآن فلا يتأتى لاحد الشك فيه ولم يكن لعمر حق منع الوحي من النزول ولم ينكر أحد جواز نزول الوحي على النبي في مرضه .

أما إذا كان حديثا فمتى ياترى أمر النبي بكتابة الحديث وما الحاجة إلى كتابة هذا الكتاب إذا كان كل ما فيه هو التأكيد على امامة علي عليه السلام ؟ ألم يسبق أن نص النبي على امامته يوم الغدير ومن نسى حديث الغدير أو أنكره على قرب العهد به فهو لما في الكتاب المزمع كتابته أشد نسيانا ونكرانا .

ثم من هو عمر هذا الذي يأمر وينهي ولا يستطيع أحد مخالفته حتى رسول الله يمنعه عمر من أن يرشد المسلمين إلى أهم أمر من أمور الدين بعد التوحيد .

لقد كان عند رسول الله ( ص ) علي وعبد الله بن العباس وغيرهما من وجوه بني هاشم ولم يزد عمر على أن رأى رأيا حين قال : " إن الرجل قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله " .

فلو كان الامر من الاهمية بحيث كان ابن عباس يبكي حتى يبل الحصباء كلما ذكر ذلك لكان وجب أن يأمر رسول الله باخراج عمر من عنده ويصر على املاء ما أراد املااءه بمحضر ممن يثق بأمانتهم ولو كان الامر متعلقا بأمر جوهري من


179

امور الدين لما جاز لرسول الله أن يعدل عن تبيانه لمجرد اعتراض عمر وإلا لترتب على ذلك ان النبي ( ص ) كتم كثيرامما كان يريد تبليغه خشية عمر وغيره ولا أظن أن مؤمنا يقول بذلك .

6 - إن ما نسب إلى الامام علي عليه السلام بعد تمام البيعة لابي بكر يدل دلالة صريحة على عدم ثبوت حديث الغدير آنذاك فان قول الامام : " احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة " .

وقوله لابي بكر : " أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا " لا يدل إلا على انه كان يرى نفسه أحق بالخلافة من أبي بكر وليس ذلك بعجيب ، فعلي من عرفه المسلمون ربيب رسول الله وزوج الزهراء وأبو الحسنين وأتقى الناس لله فلا غرو إذا رأى نفسه أحق بالخلافة من غيره ولكن اعتقاد الاحقية في الخلافة شئ وعد استخلاف غيره اغتصابا لحقه ومروقا من الدين شئ آخر فاننا لا زلنا نرى ترأس المفضول على الافضل في جميع الازمان والسلطة كالرزق حظوظ وحتى في أيامنا ليس انتخاب نائب عن منطقة - على فرض حرية الانتخاب - دليلا على ان المنتخب هو خير أهل المنطقة .

ثم ما معنى انصراف وجوه الناس عنه بعد موت الزهراء عليها السلام فإذا كان من قد اجتمع إليه قبل موت الزهراء إنما اجتمع لانه آمن بحديث الغدير واعتقد ان البيعة لغيره ضلال لما جاز أن يتغير بموت الزهراء وإلا لثبت أن اجتماعه


180

إلى علي عليه السلام لم يكن من أجله هو ولا ايمانا بوجوب امامته بل اكراما للزهراء فلما دعاها ربها إلى جواره انتفىالسبب الذي كان يربطه بعلي .

ثم انظر رحمك الله إلى قول الامام : " فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم على الموت " .

كيف يعقل ان امة قال الله فيها : " كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " تعلم من أمر دينها ان عليا أمامها لا يجوز العدول عنه إلى غيره ولا يتم الايمان إلا بأمامته لا يبقى فيهم من ينهي عن المنكر وأي منكر أعظم من مخالفة صريح أمر النبي والعدول بالخلافة إلى غير مستحقيها حتى لم يبق منهم من يؤيد عليا غير اهل بيته وليتني اعلم فيم باع كل هؤلاء الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه مرارا وتكرارا دينهم ، أمن أجل سواد عيني أبي بكر وعمر فقط أو يكون بغض علي قد بلغ بهم حدا هون عليهم دخول النار ؟ 7 - ألا ترى تناقضا بين قولي الامام : " لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم " ، وبين قوله : " فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد فخشيت ان لم أنصر الاسلام وأهله ان ارى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم " .

فهو عليه السلام يود مرة لو يجد أربعين ذوي عزم


181

ليناهض بهم القوم ومرة يرى وجوب نصرهم ويحشرهم مع أهل الاسلام ، أو تراه لو وجد أربعين ذوي عزم ثم ناهضبهم القوم أما كان ذلك هدما للاسلام أو ثلما له ، إذ من كان يضمن النصر له فالامة مجمعة على ان جيش يزيد كان مبطلا وكان جيش الحسين محقا ومع ذلك جاء الباطل وزهق الحق .

وإذا صح أن مالكا بن نويرة قد رفض بيعة أبي بكر لانه لم يرى البيعة إلا لعلي أما تكون الحجة قد قامت بوجود الناصر فلا شك ان مالكا كان من ذوي العزم الذين كان الامام يود وجودهم .

ثم كيف يتفق قوله : " فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن ارى فيه ثلما أو هدما " ، مع ما ذهب إليه المؤلف الفاضل من تقاعسه عن نصرة الخلفاء وعدم التعاون معهم إلا بمقدار ، فان كل معاونة باليد أو باللسام نصر للاسلام وأهله وأي تباطؤ عن ذلك ثلم له .

فلو علم الامام عليه السلام ان الاسلام يعز بالعمل الفلاني أو القول الفلاني ثم احجم عن الفعل أو القول لكان خاذلا للاسلام ولاهله .

ولم أر في عيوب الناس عيبا

كعيب القادرين على التمام لذلك فأنا أشك في صحة نسبة الاقوال المذكورة للامام فأبو الحسن أجل في نفسي من ذلك ليس هو دون خالد بن الوليد حين


182

قال وقد عزله عمر عن امرة الجيش : " لم أكن احارب من أجل عمر " فلم يكن الاسلام ملكا لابي بكر وعمر أو غيرهما حتى يتباطأ أبو الحسن عن نصرتهما .

أما عدم ورود ذكره في الحروب التي جرت على عهد الخليفتين الاولين فلا يدل ذلك على عدم تعاونه معهما تعاونا صادقا تاما في كل ناحية من نواحي العمل وإلا فأين الحروب التي اشترك فيها عمر وعثمان وطلحة الزبير في زمن أبي بكر وهل يدل عدم ذكر اسمائهم على عدم معاونتهم له معاونة صادقة .

وبعد فهذه ملاحظات عابرة أحببت أن ادونها تزجية للوقت وقد يكون لها أجوبة مقنعة أنا أجهلها .

وأرجوا أن تتهيأ لي فرصة الاجتماع بالمؤلف الفاضل الذي أرجو أن تبلغه أعجابي وتحياتي فنتوسع فيما اجملته هنا .

واسلم لمحبك عبدالله الملاح الشنافية 3 ربيع الثاني 1373


183

نص رسالة الشيخ المظفر ردا على رسالة الاستاذ الملاح

لى حضرة الاخ الفاضل عبدالله الملاح المحترم اهدي تحياتي العاطرة اطلعني الاخ قرة العين ( الغبان ) على رسالتكم إليه المؤرخة 3 ربيع الثاني 1373 فقرأت فيها الادب الجم والتواضع المستحب والرغبة في الركون إلى الانصاف في القول .

وهذا ما كنت اتوقعه بعد ان كان قد عرفك إلى ( الجواد ) من قبل .

ولاجل ان لا تفوتني فرصة التعرف اليك فضلت أن احرر بنفسي الجواب عن رسالتك وسامحني إذا تأخرت اياما اقتضتها طبيعة أشغالنا هذه الايام .

وقبل كل حديث احببت أن أذكر للاخ ان كل بحث وسؤال يمكن ان يعقب ويجاب عنه إذا استعمل الاسلوب الخطابي بمهارة ، عندما تكون العاطفة تأخذ أثرها في الجدل ، غير اني ارجو من الله تعالى أن يعصمني ويعصمك من ان تطلع رأسها خلال هذه الابحاث التي يجب ان يتبع فيها الحق للحق .

وعلى ذكر العاطفة فانك رعاك الله - بعد ما تفضلت من الثناء العاطر على كتاب السقيفة وصاحبه بما يعبر عن سمو نفسك .


184

واخلاقك - قلت : " ولكنه آثر ارضاء عقيدته فلم يلتزم بما أوجبه على نفسه اولا من الحياد التام " .

صحيح إني لم يظهر على بحثي ال " خير الحياد التام بل ولا الحياد الناقص ، ويجب ان اعترف بذلك ، ولكن ما حيلتي إذا كان منطق البحث هو الذي ساقني إلى ذلك ، فلم أشأ أن اغالط القارئ أو اخادعه فيما توصلت إليه من رأي .

ولو كان البحث قد ساقني إلى الانحراف عن ؟ الطريق لما عدوته .

وحينئذ اتبع مسلكا آخر في اسلوب التأليف أو نشره .

والله المطلع على السرائر هو الشا ؟ إذا كان ما أمليته بدافع العاطفة ولو بنحو لا شعوري .

ولا ابرئ ؟ - كما قلت في مقدمة السقيفة - إن النفس لامارة بالسوء إلا ماعصم الله .

و ؟ طيل المقدمة ، فأقول ما عندي باختصار في الابحاث التيأثرتها البحث الاول 1 - انك شككت في صحة حديث الغدير ، لان البخاري ومسلما لم يروياه في كتابيهما .

وإني لملتجئ أن اصارحك انه لا يضر هذا الحديث المستفيض بل المتواتر انهما لم يروياه بشخصهما ، لا سيما بعد أن استدركه عليهما الحاكم في المستدرك ( 3 : 109 ) و ( 4 : 381 ) واكثر من ذلك صححه على شرطهما وكذلك في كنز العمال ( 6 : 390 ) .

ثم هل تدري - يا أخي - كم ترك البخاري ومسلم من احاديث


185

صحيحة على شرطهما استدركت عليهما ؟ ويكفي ان تراجع مستدرك الحاكم .

والله اعلم لماذا تركا هذا الحديث ونحوه ! وأرجوا الا تذهب بك الثقة بصحيحي البخاري ومسلم هذا المذهب ، حتى تجعل عدم روايتهما لحديث سببا في الطعن بذلك الحديث .

فقد رابني منهما ما يريب كل منصف طالب للحق ، فانهما لم يرويا أبدا ولا حديثا واحدا عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، ولئن لم يكن اماما فعلى الاقل هو أوثق وأجل وأعلم فقهاء عصره ؟ بل لم يرويا عن أبنائه الائمة كلهم .

وما أقل ما روياه عن آبائه حتى عن علي أمير المؤمنين عليه السلام وهو من تعرف .

هذا كله في وقت قد اكثرا من الرواية عن جماعة كثيرة هم محل الريب بل الطعن فضلا عن المجهولين .

ولو وسع الوقت وهذه الرسالة العابرة لذكرت لك العشرات من هؤلاء الرواة .

ولا محيص من أن أذكر لك جماعة منهم على سبيل المثال لتعرف اني على حق فيما قلت ولكعلي أن لا أنقل إلا من علماء ورجال أهل السنة لتطمئن إلى قولهم : فمن هؤلاء الرواة ( احمد بن عيسى المصري ) فقد ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب والذهبي في ميزان الاعتدال : ان ابن معين حلف عن احمد هذا انه كذاب .

ونقل في التهذيب عن أبي زرعة انه انكر على مسلم روايته عن احمد هذا في الصحيح قال : " هؤلاء قوم - يعني مسلما ونحوه - أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئا يتشرفون به " وقال : " يروي - يعني مسلما - عن احمد في الصحيح ما رأيت أهل مصر يشكون في أنه .

" وأشار إلى لسانه يعني انه يقول الكذب .


186

و ( منهم ) اسماعيل بن عبدالله بن اويس ، فقد نقل في هذين الكتابين المتقدمين اعني التهذيب والميزان : " ان ابن معين قال عنه : لا يساوي فلسين .

وقال ايضا : هو وأبوه يسرقان الحديث " ونقلا غير هذا من الطعون الشديدة فيه .

و ( منهم ) عبدالله بن صالح المصري طعن فيه في التهذيب والميزان نقلا عن ثقاة العلماء بأنه يكذب وليس بشئ وليس بثقة ، وقال في الميزان : " روى عنه البخاري في الصحيح ولكنه يدلسه فيقول عبدالله ولا ينسبه " فانظر واعجب .

و ( منهم ) عمران بن حطان السدوسي الخارجي المعروف ، وقد روى عنه البخاري وقد أكثر علماء الرجال من الطعن فيه ، وهو المادح لابن ملجم بقوله المشهور : يا ضربة من تقي ما أراد بها

إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا و ( منهم ) عنبسة بن خالد الذي كان على خراج مصر وكان يعلقالنساء بالثدي ، فقال عنه يحيى بن كثير كما في التهذيب والميزان : " إنما يحدث عنه مجنون أو أحمق لم يكن موضعا للكتابة عنه " .

و ( منهم ) محمد بن سعيد الكذاب المشهور الذي صلبه أبو جعفر على الزندقة قال في الميزان : " روى عنه ابن عجلان والثوري ومروان الفزاري وابو معاوية والمحاربي وآخرون ، وقد غيروا اسمه على وجوه سترا له وتدليسا لضعفه " إلى أن قال أحد العلماء : " قلبوا اسمه على


187

اسم وزيادة قد جمعها في كتاب " ثم قال في الميزان : " قد اخرج عنه البخاري في مواضع وظنه جماعة " .

ومنهم ) هشام بن عمار خطيب دمشق ومحدثها وعالمها قيل عنه : انه حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها ، وقيل عنه غير ذلك .

ومنهم .

ومنهم .

وما أدري ماذا احصي لك من رواة الصحيحين على هذه الشاكلة .

قيل لمسلم - كما في التهذيب والميزان بترجمة سويد بن سعيد الهروي - : " كيف استجزت الرواية عن سويد " ؟ فقال : " ومن أين آتي بنسخة حفص بن ميسرة ! " .

بالله عليك ايصلح هذا عذرا في الرواية عن الضعفاء ممن اشترط على نفسه انه لا يروي إلا عن ثقة مأمون ، وعند جعفر بن محمد الصادق وابنائه وآبائه من العلم والحديث ما طبق الخافقين وما يغنيه عن امثال سويد وحفص ؟ أفلا يساوي أهل البيت عنده امثال أولئكم الضعفاء المطعون في صدقهم ؟ .

بالله عليك أيأخذ الانسان المؤمن الموقن دينه من هؤلاء الرواة وأمثالهم ويوثقهم ثم يترك آل البيت ! أي عذر يتخذه الانسان يلاقي به ربه يوم الحساب إذا كان ممن يعتقد بالله وبيوم الجزاءويريد مخلصا أن يخلص إلى الحق الصريح إلا إذا أراد أن يخادع نفسه أو يداهن في دينه ؟ 2 - وأما قولك : " ان في سند الحديث من طعن فيه " فأظن يكفينا مراجعة الجزء الاول من كتاب الغدير لنعرف ان الطعن مهلهل لا سيما بعد أن نعرف ان الحديث ليس له سندا واحد يبقى مجال معه للطعن ، بل هو مستفيض إن لم يكن متواترا ، على أنه قد روى بسند صحيح على


188

شرط الشيخين مسلم والبخاري كما نقلت لك عن مستدرك الحاكم وكنز العمال .

3 - وأما حديثكم عن تدوين الحديث عامة كالقرآن ، فأن صريح القول فيه عندي الذي ادين به ربي ولا اغالط نفسي انه ثبت من طرق الطرفين الصحيحة ( 1 ) التي لا ريب فيها ان نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا .

ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " .

فقد قرن الهداية ( ابدا ) بالتمسك بهما معا لا بالتمسك بواحد منهما فكل حديث لا يرجع إلى الثقل الثاني لا أجد مجالا للتمسك به إلا إذا كنت لا أفهم الكلام العربي المبين أو أغالط نفسي .

دقق النظر - يا أخي - في هذا الحديث الجليل تجد ما يدهشك في مبناه ومعناه ، فما أبعد المرمى في قوله : " لن تضلوا بعدي ابدا " ولكن بشرط إذا تمسكنا بهما ( بهما ) لا بواحد منهما فقط .

وما أوضح المعنى في قوله : " لن يفترقا " فمن فرق بينهما أيجد الهداية ياترى ؟وعلى هذا نستطيع أن نتنبه لماذا لم يأمر ( ص ) بتدوين الحديث كالقرآن فقد كفاه انه ( ترك ) لنا الثقل الثاني الذي هو عدل القرآن

( 1 ) ومسلم قد رواه في صحيحة في فضائل علي من عدة طرق إذا كنت لا تصدق إلا بمسلم والبخاري .

أما البخاري فلم يروه ولكن الحاكم استدركه عليه ( 3 : 109 ) .


189

الكريم حسب تعبيره وأمر بالتمسك به مقرونا بالتمسك بالثقل الاول ( القرآن ) ، فهو الذيكفل لنا دين النبي وقوانينه من وقوع الضلال فيها أبدا ( أبدا ) ما إن تمسكنا به مع القرآن ، وهو الذي يبين لنا كل ما أجمل في القرآن وما نزل من أحكام وما جاء من قوانين لا ( الحديث ) .

ولا يبقى بعد هذا مجال لمن قال أو يقول : " حسبنا كتاب الله " فانه لو كان ( حسبنا ) وفيه الكفاية لما قرنه النبي بعدله الثقل الثاني .

أليس كذلك يا قرة عيني ؟ واستطيع ان اخلص من هذا الكلام إلى موافقتك ( موافقتك أنت ) انه لا يصح الاعتماد على ( الحديث ) لانه ليس بعدل للقرآن وإلا لو كان الحديث المعمول به عند الناس طريقا إلى اثبات الوحي الالهي لكان النبي يأمر - كما قلت - بتدوينه كما أمر بتدوين القرآن .

بل ازيدك بأنه لم يقرن ( ص ) الحديث بالقرآن ولم تأت بذلك رواية معتبرة ولا آية ، بل اكثر من ذلك قد اخبر عن كثرة الكذابين عليه بعده وحذرنا منهم ، ولم يرو عنه انه شجع على الحديث عنه .

وهنا اعيد كلامك السديد فأقول معك : " أفيمكن ان يبني دين موحد على الحديث يصدقه اناس ويكذبه آخرون " .

إذن فليسقط( الحديث ) من اعتبارنا جملة ، ولكنا إنما نستدل به لنتخذه حجة على من يراه حجة عنده من باب الزام الخصم بما يعترف به ، فان تنازل الخصم عن حجية الحديث وانكره جملة ، قلنا له : بماذا تثبت تفاصيل الاحكام وخصوصياتها فان القرآن فيه المجمل والمبين والمتشابه والمحكم والعام والخاص والناسخ والمنسوخ وليس فيه تفاصيل الا


190

وخصوصياتها ، فهذه الصلاة - مثلا - من أين تعرف أوقاتها وفرائضها وركعاتها وأجزائها وشرائطها ومقدماتها وما يتصل بها من أحكام لا تحصى ؟ فهل ترجع إلى اعتبار الحديث مرة أخرى ؟ - أم تلتجئ عندئذ إلى الاعتراف بالثقل الذي أرجعنا إليه النبي ( ص ) مع القرآن .

- أم ماذا ؟ 4 - قولك سدد الله قولك : " لا يعقل أن يترك أمرها أي الخلافة إلى حديث كحديث الغدير " فيا قرة العين ليس الامر منحصرا بحديث الغدير حتى يتم استغرابك فكم هي الاحاديث والآيات كما قرأت بعضها في السقيفة وهي يؤيد بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا إذا كان الواحد منها لا يكفيك .

أما وصفك لحديث الغدير بأنه ( لاتكاد الصحابة تسمعه حتى ينساه أكثرهم ويذهب في تأويله الآخرون مذاهب مختلفة ) فاني أجلك من هذا الكلام فانه ما على النبي من ضير أن تنسى حديثه الصحابة أو تتأوله ، بل ترك أمر الخلافة إلى الصريح الفصيح من الكلام وبلغهموإذا كانوا نسوه فالعيب فيهم لا في الحديث ، على أنا لابد أن نقول : انهم تناسوه لا نسوه ، ومن أين علمنا بأنهم نسوه .

وأما الذين ذهبوا المذاهب المختلفة في تأويله فاولئك قوم من المتأخرين وليس هم من الصحابة كما يشعر به قولك وذلك لما ضاقوا


191

ذرعا في الطعن في سنده فاضطروا لتأويله بالتأويلات التي تعرفها .

5 - وأما آية " إنما وليكم الله .

" فصحيح ما قلت فيها - على ما اعتقد - انه لم يعهد التعبير في الكتاب العزيز عن المفرد بالجمع .

وازيدك انه لو كان المراد التعبير بالجمع عن المفرد لقال : " الذين أقاموا .

وآتوا .

" .

والتعبير المضارع ( يقيمون .

ويأتون .

) دليل على أن المقصود بها قاعدة كلية .

وبتعبير منطقي - تعرفه إذا كنت درست علم المنطق - ان هذه قضية حقيقة معناها ان كل من فرض فيه انه وقع منه هذا العمل أو يقع فهو ولي للمؤمنين ولاية كولاية الله ورسوله ، لا قضية شخصية مشار بها إلى شخص أو أشخاص مخصوصين موجودين في الخارج ، وإلا لوجب ان يقول بصيغة الماضي أقاموا وآتوا .

وعليه فالمقصود بالآية الكريمة ان كل مؤمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وهو في حال ركوعه فهو له هذه الولاية العامة التي هي كولاية الله ورسوله .

وعلى هذا تكون الآية كبرى كلية لا يتألف منها وحدها القياس المنطقي ولا تنتج شيئا إلا إذا عرفنا الصغرى لها ، ولا يمكن الاستدلال بها وحدها مجردة بدون ضم الصغرى لها ، وليس منطوقها إلا كمنطوق القوانين العامة مثل أن يقول القانون ( كل من يحمل الشهادة الحقوقية له الحق أن يعين حاكما ) فإن هذا القانون لا ينفعنا فيمعرفة الاشخاص الذين يحملون الشهادة بل لابد من الخارج ان نعرفهم بأشخاصهم لنعطي لهم هذا الحق .

وبهذه المقدمة نخلص إلى معرفة وجه الاستدلال بالآية على ولاية


192

علي ، وذلك بضميمة الصغرى أي بضميمة معرفة نزولها ، وقد ثبت انها نزلت في علي عندما تصدق بخاتمه وهو في حال ركوعه ، فتشخصت هذه القاعدة الكلية فيه باعتبار انها نزلت فيه .

ولم يعهد من غيره من الصحابة من آتى الزكاة وهو راكع لا قبله ولا بعده ، فانحصر هذا الكلي في فرد واحد بحكم نزول الآية فيه .

وأما الحكمة في التعبير بهذه القاعدة الكلية فلبيان ان عليا بالاستحقاق نال هذه المنزلة من الولاية لصدور هذا العمل منه الذي يعطي له هذا الحق ، والمفروض انه لم يقع من غيره فتنحصر فيه هذه الولاية من دون باقي الصحابة .

6 - أما آية ( المباهلة ) فأظن ان ما ذكرته عنها ستتراجع عنه عندما تعيد التأمل فيه فانه قول غريب منك مع ذكائك وفطنتك ، لانه واضح ليس المقصود من انه نفسه انه هو هو على وجه تبطل الاثنينية حتى يترتب عليه انه لا يجوز ان يتزوج علي ببنت محمد ( ص ) باعتبار انها تكون ابنته ايضا ، فان هذا لا يتوهمه عاقل ولا يتوقف عليه الاستدلال ، فان محمدا محمد وعليا علي هما شخصان اثنان احدهما ابن عم الآخر وأحدهما ولد قبل الآخر ومات قبله ، ولكل منهما مميزاته الشخصية التي تختلف عن مميزات شخصية الآخر ، بل المقصود انه نفسه تنزيلا أي انه كنفسه وذلك مبالغة في تقاربهما واتحادهما في كثير من الاحكام المنزلة .

وذلكيشبه قول الشاعر في مبالغته عن اتحاده مع حبيبه .

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا


193

فإذا ابصرتني أبصرته

وإذا أبصرته أبصرتنا في البحث الثاني قلت : " إذا صح أن النبي ( ص ) قد نص على الائمة الاثنى عشر بعد ان فقد ابنه ابراهيم " لا يا أخي لم يدع أحد أن النص على الائمة كان بعد فقد ابراهيم ولم يصح فيه حديث ، فمن أين جئت بهذا .

ولا بأس أن ألفت نظرك إلى أن هناك آية قرآنية اخرى نظير التي ذكرتها وهي قوله تعالى : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " فماذا تقول فيها ( 1 ) ؟ وهلا تدري أن النبي لما نزلت هذه الآية ( وانذر عشيرتك الاقربين ) جمع عشيرته واستنصرهم وجعل لناصره ان يكون اخاه ووصيه ووارثة وخليفته من بعده وكان علي صبيا فأجابه دونهم فقال في حقه : " إن هذا أخي ووصي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له واطيعوا " فخرجوا يتضاحكون من تأميره هذا الغلام على شيوخ قومه وفيهم

( 1 ) وما ذكرت انها آية فلا وجود لها بنصها ، وإنما بمضمونها آيات نزلت في نوح وهود وصالح وشعيب ولوط عليهم السلام .

والنازلة على لسان نبينا إنما هي آية القربي وآية اخرى في سبأ 47 ( قل ما سألتكم من اجر فهو لكم إن اجري إلا على الله ) وهما يفسر


194

أبوه .

بالله عليك كم سبقت هذه الواقعة في الزمن مولد ابراهيم .

وتأمل في صبي لم يبلغ الحلم يقال له هذا القول من نبي لا يقول إلا عن وحي .

أهذا جد أم هزل ؟ .

تأمل في هذا وحكم وجدانك واعرضه على انصافك وأوله ما شئت أن تأوله فانك لا محالة ستجد هذا الصبي أكبر من أن يقاس إلى الناس وقد أمر من يومه ذاك في مبدأ البعثة ، ثم فكر في قول من يقول انه لا قيمة لاسلامه يومئذ وهو لم يبلغ الحلم كم يبلغ من درجة الانصاف وقول العدل وقوة الحجة .

في البحث الثالث 1 - ذكرت ان الانصار ساعة الاحتضار كانوا مجتمعين في السقيفة وجعلت دليلك مجئ معن وعويم إلى دار النبي لاخبار أبي بكر وعمر .

ولكن الدعوى منك غريبة لا شاهد لها من التأريخ ، والدليل أغرب ، لانه في ساعة الاحتضار كان أبو بكر في السنح وما جاء إلى المدينة إلى بعد أن بلغه وفاة النبي فجاء إلى دار النبي فكشف عن وجهه صلى الله عليه وآله وسلم على ما ذكره بعض المؤرخين ثم ذهب إلى المسجد حيث وجد عمرا يخطب الناس بأن النبي لم يمت ، ومن المسجد بعد أن هدأت سورة عمر ذهبوا إلى دار النبي ولا بد أن الانصار حينئذ انسلوا إلى سقيفتهم .

2 - استغربت من الانصار أن يتنكروا للنص على علي ، ولكن

احداهما الاخرى ، ويدلان على انه ( ص ) سأل اجرا هو المودة في القربى ، ولكنه للمسلمين اي نفعه لهم .


195

اعتقد يا عزيزي لو انك رجعت إلى ما ذكرته في السقيفة عن دوافعهمعلى تنكيرهم لكان لك مقنعا كافيا .

وأما قولك : " فقد كان الاولى أن لا تغيب عن فطنة رسول الله وهو المؤيد بالوحي فلا يأمر بأمر امته يعلم سلفا بأنهم لا يطيعونه فيه فيعرضهم بذلك إلى غضب الله .

" فاني أقول كيف يغيب عن فطنتك قوله تعالى : " فان تولوا فانما عليك البلاغ المبين " .

وقوله : " ان انت إلا نذير " .

وقوله : " ولا تذهب نفسك عليهم حسرات .

" وأمثال ذلك في القرآن كثير .

وفي الحقيقة ان الرسول عليه ان يبلغ الامر الالهي وليس عليه أن لا يطيعه الناس .

ولا يصح أن يتنازل عنه لمجرد انه يعلم سلفا انهم لا يطيعونه ، وإلا لوجب ان يترك كثيرا من الاحكام أو كلها لانه يعلم سلفا انهم - كلهم أو بعضهم لا فرق - لا يطيعونه .

ومن المواقع التي يعلم سلفا انهم لا يطيعونه فيها ومع ذلك بلغها قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " فانه اجمع المفسرون وأهل الحديث انه لم يعمل بهذا الحكم إلا علي عليه السلام ( 1 ) .

يا عزيزي إن الله تعالى يقول : " وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " ثم يقول عن المؤمنين بالخصوص : " وما يؤمن اكثرهم بالله إلا وهم مشركون " فإذا كان تعالى يعلم سلفا ورسوله يعلم سلفا أن الناس اكثرهم لا يؤمنون وأن يؤمنون أكثرهم في ايمانهم مشركون ، فيكون - على قولك - ارسال الرسل وتبليغ الاحكام للناس من قبلهم تعريضا

( 1 ) هذا الحديث مما ترك روايته البخاري ومسلم أيضا واستدركه عليهما (


196

لا كثر الناس واكثر المؤمنين منهم إلى غضب الله وتذهب جهود الرسلفي هدايتهم سدى .

أهذا هو المنطق يا قرة عيني ؟ أيترك الله دينه واحكامه لسواد عيون الناس لانه يعلم سلفا انهم يعصونه ؟ لا يا أخي إن الحق يجب ان يبين والحكم يجب ان يوضح سواء أطاع الناس أم عصوا وما على الرسول إلا البلاغ في البحث الرابع قلت عن بعث اسامة : " ان رسول الله ( ص ) لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم وهذا التدبير أشبه بتدبير الضعفاء " .

وأقول : نحن بعد أن تثبت عندنا النصوص على علي فانا نعرف كيف لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم ، فقد بين وأوضح وكرر وأكد ، ولكنه بعد ان اتضح لديه ان كل هذه التأكيدات والبيانات ستخالف على كل حال وان هناك جماعة سوف لا تطيع الامر في علي فأراد أن يبعدهم عن المدينة بهذه الطريقة .

وليس هذا من تدبير الضعفاء بل من التدبير الحكيم بعد أن نعرف ملابسات الواقعة كما أوضحناها في كتاب السقيفة .

نعم نتصوره من تدبير الضعفاء إذا نحن أنكرنا تلك النصوص على علي وتصريحات النبي في حقه وأنكرنا ان المسلمين يوم

( 1 ) الحاكم على شرطهما ( 2 : 482 ) مع الاجماع على نقله فلماذا تركه الشيخان ؟ (


197

الغدير سلموا عليه بأمرة المؤمنين .

نعم إذا انكرنا تلك النصوص جملة وتصورنا أن النبي أراد البيعة لابن عمه سرا فدبر ذلك التدبير الخفي لابعاد خصومه فلا نتصور النبي حينئذ - وحاشاه - إلا جبانا ضعيفايريد أن يخاتل المسلمين في ابن عمه .

ولكن - يا أخي - كل هذا التدبير إنما يكون مقبولا حكيما إذا كان قد وقع بعدما اعلن أمر ابن عمه فلم تنفع معهم كل تلك التوصيات وعلم اصرارهم على المخالفة فأرسل هذا البعث ، وإن لم ينفذوه فقد أقام به الحجة البالغة عليهم ، والا فلماذا خالفوا أمره فيه ولماذا تباطؤا واعترضوا على تأمير اسامة ؟ وقد بسطنا كل ذلك في كتاب السقيفة .

ولا يشك التاريخ في وقوع البعث ولا في تأخر المبعوثين عن تنفيذه ولا في تألم النبي منهم وغضبه عليهم واصراره عليه مرة اخرى .

ولا يصح تفسير ذلك بغير ما ذكرنا إلا إذا كنا ننكر النصوص على علي جملة ، فهذا أمر آخر ولا كلام لنا مع هذا المنكر فان مثله لا يستطيع أن ؟ تسيغ هذا التفسير قطعا .

أما تقديرك أن جيش اسامة هذا لو رجع بعد ان يفتح وقد وجد الامر قد تم لعلي قد ينتقض فيحارب من في المدينة ، فهذا احتمال من الجائز أن يقع وأن لا يقع ، ولكن لو وقع منهم فانهم يكونون كأهل الردة الخارجين على امام زمانهم يحاربون وتكون الحجة عليهم لاسيما مع سبق النصوص وبيعتهم لعلي يوم الغدير ولم يبق مجال للتأويل أو تجاهل النص على علي بعد تمام البيعة له .

في البحث الخامس انك تشك في صحة حديث الكتاب الذي أراد النبي أن


198

يكتبه .

وأنا أقول لا مجال لهذا الشك بعد ثبوته برواية أهل الحديث والتاريخ والتفسير .

ولابد من التسليم به بعد ان كان متواتر النقلأوفي حكم المتواتر .

وأما ما ذكرت من سبب الطعن فيه ففيه كثير من فضول القول فيما يتعلق باحتمال انه كان قرآنا فانه ليس مجال لهذا الاحتمال ولا يتصوره أحد بل هو كتاب أراد أن يسجله للمسلمين لئلا يضلوا بعده فأبوا لانفسهم هذه النعمة .

وكونه باردة لم يسبق لها مثيل منه ( ص ) فهو صحيح ولكن لا يوجب ذلك انكارا للحديث وهل تعجب من النبي ان يصنع شيئا لم يسبق له نظير لا سيما وانها بادرة تقع في اخريات ايامه قصد بها ان يفارق امته عن شئ يسد عليهم باب الخلاف والضلال .

ان النبي اعظم من ان تستكثر عليه مثل هذه البادرة .

واما قولك : " ثم من هو عمر هذا الذي يأمر وينهي ولا يستطيع احد مخالفته " فهذا صحيح ولكن عمر لم يمنعه بقوة سيف أو سيطرة على المسلمين أو على النبي وانما منعه لانه القى شبهة تثير الخلاف مدى الدهر وهي ان النبي كان يهجر أو غلبه الوجع ما شئت فعبر ، وأقل الناس يستطيع ان يصنع ذلك لاسيما إذا وجد أعوانا وانصارا وبالفعل قد وجد عمر اولئك الاعوان إذ رأينا المسلمين الحاضرين قد اختلفوا على فرقتين ، فبطل مفعول الكتاب الذي كان المقصود منه أن لا يضلوا بعده أبدا كيف وقد صار هو نفسه موضوعا للنزاع والجدال والنبي حاضر بينهم وامام عينيه حتى أغضبوه وقال : " " قوموا عني ولا ينبغي عند نبي نزاع " .

ولا يريد النبي أن ينفذ مثل هذا بقوة السيف أو العشيرة فان طبيعة الموضوع تأبى ذلك لان هذا يزيد في الخلاف ويعقده .


199

نعم صحيح قولك : " ولم يزد عمر على ان رأى رأيا حين قال : ان الرجل قد غلبه الوجع .

" ولكن هذا الرأي لابد أن يحول دون تنفيذ الكتاب لان طبيعة الموضوع تقتضي أن يحول هذا الرأي دونه كما قلنا ، فنعرف السر في عدوله ( ص ) عن تنفيذ الكتاب ونعرف كيف جاز له العدول عنه .

وما أدري أي أمر جوهري أعظم من كتاب يؤمن الناس من الضلال ابدا ، وهل المقصود من الدين شئ فوق هذا ، حتى تقول أنت " ولو كان الامر متعلقا بأمر جوهري من امور الدين .

" وبذلك البيان تعرف يا أخي مدى قولك بالاخير " وإلا لترتب على ذلك ان النبي ( ص ) كتم كثيرا مما كان يريد تبليغه خشية عمر وغيره ولا أظن مؤمنا يقول بذلك " فاني اكرر القول بأن النبي انما عدل عنه - لا خشية من عمر وغيره - ولكن الشبهة التي أثارها وتقبلها بعض الحاضرين بالفعل فاختلفوا بحضوره لا تبقى مجالا للكتاب ، لانه - بالعكس - سيكون سببا للضلال والخلاف ابد الدهور بعد ان كان المقصود منه تأمين البشر من الضلال ، فلا بد أن يعدل عنه روحي فداه ، ولا ينفع معه التدبير باخراج عمر ولا أي تدبير آخر حتى بقتله كما تقول ، لان الشبهة قد وقعت رضوا أم أبوا ، وكل قول وفعل حينئذ من النبي بعد هذا يكون موضعا لهذه الشبهة بأنه من الهجر وغلبة الوجع .

وحق لابن عباس وغير ابن عباس بعد هذا أن يبكي ويبكي بل حق له أن تتفطر كبده ألما لفوات هذه النعمة الكبرى التي لا تعادلها نعمة ، مهما كان مقصود


200

النبي من ذلك البيان الذي لا يضلون بعده أبدا سواء كان هوالنص على علي أو علي أي شئ آخر .

ونحن رجحنا ان يكون المقصود هو النص على علي للدلائل والاشارات التي ذكرناها في كتاب السقيفة ومن جملتها قول عمر : " حسبنا كتاب الله " الذي هو صريح في ان ما يريد ان يبينه النبي هو عدل للقرآن ، ويسرع إلى أذهاننا حينئذ حديث الثقلين وانه هو المستهدف في البيان والمنع منه .

ثم انك تسأل عن الحاجة إلى الكتاب بعد نص الغدير وغيره ، فان الحاجة إليه ما كان يستشعره النبي من عزم جماعة على تجاهل تلك النصوص كما وقع فعلا .

وأما قولك : " ومن نسي حديث الغدير وانكره على قرب العهد به فهو لما في الكتاب المزمع كتابته أشد نسيانا ونكرانا " فاني لم استطع فهمه ولم اعرف فيه وجه كون الكتاب أشد نسيانا ، فان ما هو مكتوب أثبت مما ينقل على الافواه وكيف يتطرق إليه النسيان أو النكران وهو حجة ثابتة مكتوبة ، على انه لو وقع يكون أقرب عهدا إلى الناس من حديث الغدير لو كان بعد العهد هو السبب في النسيان أو النكران كما اردت ان تقول .

في البحث السادس 1 - قلت : " إن ما نسب إلى الامام .

يدل دلالة صريحة على عدم ثبوت حديث الغدير " وأنا استميحك عذرا إذا قلت لك : إن كلامك هذا غير فني فان ما ذكرته من قولي الامام : " احتجوا


201

بالشجرة .

" و " افسدت علينا .

" لا معنى لان يقال فيه انه يدل دلالة صريحة على نفي الحديث ، لانه لادلالة لفظية فيه علىذلك ، وأقصى ما يمكن ادعاؤه انهما يدلان بالدلالة العقلية على نفيه باعتبار انه ترك الاستدلال بحديث الغدير في موقع كان الاولى أن يستدل به ، فعدوله عند دليل على عدم ثبوته وإلا لاستدل به .

وهذه الدلالة لا تسمى دلالة صريحة .

ونحن ننكر عليك حتى هذه الدلالة العقلية لانه لم يكن في موقع الاستدلال بحديث الغدير حتى يكون تركه دليلا على عدم ثبوته في القول الاول ، لانه جاء احتجاجا على من احتج باستحقاق الخلافة بالقرابة من الرسول فقال لهم : إذا كان ذلك سببا للاستحقاق فمن كان اكثر قرابة وأقرب فهو أولى بالاستحقاق .

والتشبيه بالشجرة والثمرة من التشبيهات البديعة في الباب فانه لبيان أولوية الاستحقاق للاقرب لانه هو الثمرة التي هي أولى من أصل الشجرة بالاستفادة منها بل الثمرة هي الغاية المقصودة من الشجرة .

وليس هذا موردا لذكر النص لانه من باب النقض على المستدل بحجته .

وأما القول الثاني فعلى تقدير صحة نقله فان قوله : لم ترع لنا حقا " كلام عام يجوز ان يراد به النص ويجوز ان يراد مطلق الحق الذي صورته في كلامك .

وهذا التصوير الذي ذكرته وأطنبت فيه ليس في كلام الامام دلالة عليه وإنما هو من اجتهاد الكاتب حينما تخيل ان الامام لا نص عليه فلا بد أن تكون احتجاجاته وشكواه ناشئة من اعتقاده بالاحقية .


202

2 - ؟ تحدثت عن قصة انصراف الناس عنه بعد موت فاطمةفانه كلام غريب فانه لا ربط له بقصة النص وإنما تلك القصة ترتبط بقصة التجاء الامام إلى مسالمة القوم بعد الانصراف عنه .

3 - تقارن بين قول الامام : " فنظرت فإذا ليس لي معين .

" وبين آية " كنتم خير أمة .

" لتستدل من الآية على تكذيب نسبة هذا القول إليه .

وازيدك انك بهذا الاستدلال تستطيع ان تكذب كثير من الاحاديث النبوية مثل احاديث الحوض ونحوها الدالة على ارتداد أصحابه بعده وتبدلهم ورجوعهم القهقري والمروية في الصحاح .

غير اني احيلك على كتب التفسير لمعرفة مدى دلالة هذه الآية .

وما علينا من كتب التفسير ! لننظر بأنفسنا إلى مدى دلالة هذه الآية على المقصود : ان دلالتها تكمن في كلمة ( كنتم ) فان كانت على ظاهرها من دلالتها على الماضي المنقطع بمعنى انهم كانوا فيما مضى خير امة ثم لم يستمر ذلك لهم فلا ينافيها أن تكون الامة قد انقلبت بعد الرسول على الاعقاب لانه قال : كنتم خير امة ، ولم يقل انتم خير أمة أبد الدهر .

ولكن بعض المفسرين أول معنى ( كنتم ) فقال : انها للماضي الاستمراري مثل قوله تعالى : " وكان الله غفورا رحيما " وأنا شخصيا كذلك أفهم هذا المعنى من الآية ، غير أن الذي يشكل علينا ان المسلمين لم يكونوا في جميع عهودهم على ما تصف الآية الكريمة يأمرون بالمعروف وينهون ع


203

المنكر لا سيما في مثل عهودهم الحاضرة التي لم يبق فيها من المعروف حتى رسمه فضلا عن أن يكون كلهم من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر .

هذا هو الواقع المرير الذي لا سبيل لنا من انكاره والمكابرة فيه فكيف نتصور انطباق الآية على عهودنا وامثالها .

وعليه فليس الاشكال يخص الامة الاسلامية في أول عهودها بعد النبي بل في جميع عهودها الغابرة والحاضرة فكيف نستطيع التوفيق بين واقع امتنا المحزن وبين دلالة الآية على امتداح هذه الامة وتفضيلها على سائر الامم لانها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ كيف التوفيق ياترى ؟ والذي يخطر في بالي من الجواب على ذلك أحد أمرين ( الاول ) وهو الارجح عندي ان الآية قد تقدمتها آيات أخر ذكرت وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن هذا التشريع كما يبدو منها انه من مختصات المسلمين المخاطبين بهذا الوجوب على أن يتولى بعضهم هذا الامر ثم ذكرت نهي المؤمنين عن ان يتفرقوا ويختلفوا من بعد ان جاءتهم البينات فتبيض وجوه بعض وتسود وجوه آخرين ثم قال : " كنتم خير أمة .

" لبيان انه لما كانوا خير الامم لا ينبغي ان يختلفوا وسر انهم خير الامم لانه قد شرع لهم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس المقصود الاخبار عن انهم كلهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا سيما ان المخاطب


204

بالوجوب بعض المسلمين على نحو الوجوب الكفائي ( ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف . ) .

( الثاني ) ان المراد انكم تأمرون بالمعروف من حيث مجموعكم ولو بامتثال البعض وان كان ذلك البعض قليلا باعتبار ان ذلك البعض من الامة يعمل باسمها كأنه يقول : انكم خير الامم لان فيكم من يأمر بالمعروف وليس كذلك باقي الامم .

وهذا كما نقول مثلا ان الامة الانكليزية احتلت العراق ، وليس المراد ان جميع الامة احتلته بل بعض جيوشها وذلك باعتبار ان ذلك البعض منها وكان عمله باسمها .

في البحث السابع

1 - تسأل عما إذا كان تناقض بين قول الامام : " لو وجدت اربعين ذوي عزم .

" وبين قوله : " فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس .

" فاني لم اعرف وجها للتناقض بين القولين فان الامام في الاول يقول : لو وجدت الاربعين على هذه الصفة لناهضت القوم ، ومعنى ذلك انه لم يجد الاربعين فلم يناهضهم يعني انه سالمهم ، ثم صرح في الثاني بأنه امسك يده عن نصرتهم غير انه لما رأى راجعة الناس عن الاسلام فرأى ان المصيبة في ذلك أعظم من مصيبة فوت الولاية فالتجأ أن ينصر الاسلام لاجل ذلك ، لانصرة للامراء ولا لكونهم عنده أهلا للنصرة كما هو مدلول كلامه .

وأنت


205

ترى ان احد الكلامين يتصل بالآخر ويكون متمما له ، فأينالتناقض ؟ أما انه لو ناهض القوم بلاربعين عنما يجدهم فانك تحتمل ان تدور عليه الدائرة كالحسين فهذا تكهن لم يعترف به الامام وهو من ظاهر كلامه كان جازما بأن الاربعين على هذه الصفة لو وجدهم لكانوا كافين له في النصرة على خصومه .

اما انه يكون ذلك ثلما للاسلام لو انتصر عليهم ، فمن أين نفهمه إذا فرضنا انه انتصر على غاصبي حقه من الخلافة التي هي بنص النبي وبها حينئذ قوام الاسلام لا هدمه إلا إذا كنا لا نعترف بالنص فهذا أمر آخر .

وأما كفاية نصرة مالك بن نويرة فعلى تقديره فهو واحد من ذوي العزم إذا كان هو حقيقة من ذوي العزم الذين يشترطهم الامام فيكف تفرض ان الحجة قد قامت عليه بمالك وحده على انه كونه يعترف بحقه شئ وكونه من ذوي العزم شئ آخر .

وأما سؤالك عن اتفاق قوله عليه السلام : " فخشيت ان لم أنصر الاسلام وأهله ان أرى فيه ثلما أو هدما " مع ما ذهبت إليه من تقاعس الامام عن نصرة الخلفاء إلا بمقدار الضرورة فانه واضح الاتفاق لان الامام في صدر كلامه ذكر انه أمسك يده ولكن ضرورة حفظ بيضة الاسلام دعته إلى النصرة .

وهذا صريح بأن الضرورة هي التي دعته إلى ذلك


206

والضرورات تقدر بقدرها لا ان النصرة ابتدائية بدافع نفسيليناقض ما قلته عنه ، بل هذا الكلام مما يؤيد قولي ويؤكده وهو يدل على أن العمل الذي يعلم انه يضر بالاسلام يتركه ويعمل ما يرى عمله ضرورة اسلامية ، فكيف كان قوله هذا يدل على انه يحجم عن الفعل أو القول الذي يكون خذلانا للاسلام كما رغبت انت ان تقوله وتتصوره عن هذه الكلمة .

نعم ان الامام اعظم وأجل ان يتقاعس عن عمل يراه واجبا لنصرة الاسلام ، ومن اين يدل كلامه المنقول أو كلامي المسطور على خلاف ذلك فإذا تباطأ أبو الحسن فانما تباطأ عن شئ يكون فيه نصرة لابي بكر وعمر ولم يتباطأ عما تدعوه الضرورة الاسلامية إلى فعله ، وانما لم يشترك في الحروب لانه حينئذ يكون مأمورا لهم وهذا ما كان يتحاشاه بل يتحاشونه معه .

وما ذكرته في السقيفة عن ذلك ففيه الكفاية .

وأما قياسه في الاشتراك في الحروب بعمر وعثمان وطلحة وامثالهم فقياس مع الفارق البعيد ، لو كان هناك قياس ، وابو الحسن من تعرف في حروبه ايام النبي وايام خلافته ولم يشترك قبله ولا بعده من الخلفاء بنفسه في الحروب ، فكيف يقاس غيره به وكيف لا يستغرب عدم اشتراكه في الحروب ايام الخلفاء قبله وكيف لا يدل ذلك على عدم تعاونه معهم معاونة صادقة ؟ هذا ما أردت ان اقوله - يا قرة العين - في جوابات


207

اسئلتك واعذرني إذا كنت قد رمزت لك رمزا في كثير من الابحاثنعم ان الامام اعظم وأجل ان يتقاعس عن عمل يراه واجبا لنصرة الاسلام ، ومن اين يدل كلامه المنقول أو كلامي المسطور على خلاف ذلك فإذا تباطأ أبو الحسن فانما تباطأ عن شئ يكون فيه نصرة لابي بكر وعمر ولم يتباطأ عما تدعوه الضرورة الاسلامية إلى فعله ، وانما لم يشترك في الحروب لانه حينئذ يكون مأمورا لهم وهذا ما كان يتحاشاه بل يتحاشونه معه .

وما ذكرته في السقيفة عن ذلك ففيه الكفاية .

وأما قياسه في الاشتراك في الحروب بعمر وعثمان وطلحة وامثالهم فقياس مع الفارق البعيد ، لو كان هناك قياس ، وابو الحسن من تعرف في حروبه ايام النبي وايام خلافته ولم يشترك قبله ولا بعده من الخلفاء بنفسه في الحروب ، فكيف يقاس غيره به وكيف لا يستغرب عدم اشتراكه في الحروب ايام الخلفاء قبله وكيف لا يدل ذلك على عدم تعاونه معهم معاونة صادقة ؟

هذا ما أردت ان اقوله - يا قرة العين - في جوابات