فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
العـِصْمَـةُ

حَقيقَتُهَا ـ اَدِلَّتُهَـا

تأليف

مَرْكَزِ الرِسَّالةِ

فهرست عناوين
     مقدمة المركز0
     الاُولى:6
     الثانية:6
     الثالثة:6
     المقدِّمة7
الفصل الاَول 11
تعريف العصمة 11
     العصمة لغةً11
     العصمة اصطلاحاً11
     أحدها:14
     الثاني:14
     الثالث:14
     الرابع:14
الفصل الثاني 21
الاَقوال في العصمة 21
     الاَول:22
     الثاني:23
     الثالث:23
     الرابع:23
     الخامس:23
     الاَول:24
     الثاني:24
     الثالث:24
أقوال علمائنا في عصمة الاَنبياء والاَئمة عليهم السلام 24
     قال الشيخ المفيد قدس سره:24
     السيد المرتضى علم الهدى رضي الله عنه:25
     الشيخ الطوسي شيخ الطائفة قدس سره:25
     الخواجه نصير الدين الطوسي رضي الله عنه:25
     وقال العلاّمة الحلي قدس سره:26
     وقال الفاضل المقداد قدس سره:27
     وقال الشيخ بهاء الدين27
     وقال الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي قدس سره:27
     وقال العلاّمة المجلسي صاحب البحار قدس سره:28
     والجواب،28
     وقال الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي:29
     وقال الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره:30
     وقال الشيخ الآملي:30
الفصل الثالث 33
الاَدلة العقلية على العصمة 33
توطئة خاصة 33
الاَدلة العقلية 40
حصر العصمة في حال التبليغ والفتيا 47
تذييلات 54
     الاَول: مسألة السهو لنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم بالخصوص54
     أولاً:59
     ثانياً:60
     ثالثاً:60
     رابعاً:60
     خامساً:61
     سادساً:61
     الثاني: النوم61
     الثالث: العصمة في الغضب والرضا63
     لو قيل:63
     فإنّه يقال:63
الفصل الرابع65
أدلة العصمة من الكتاب والسُنّة65
     المبحث الاَول: أدلة العصمة من القرآن65
     المحور الاَول:73
     المحور الثاني:75
     المحور الثالث:75
     الاستفادة الاُولى:76
     الاستفادة الثانية:77
     الاستفادة الثالثة:77
     الاستفادة الرابعة:78
     الوجه الاَول منها:80
     الوجه الثاني:80
     الوجه الثالث:81
     والجواب:82
     أولاً:90
     ثانياً:90
     ثالثاً:91
     ورابعاً:91
     إنّما:95
     التطهير:95
     الرجس:95
     القرينة الاُولى:101
     القرينة الثانية:102
     القرينة الثالثة:102
     القرينة الرابعة:104
     القرينة الخامسة:104
     القرينة السادسة:106
     القرينة السابعة والأخيرة:111
     المبحث الثاني: أدلّة العصمة من السُنّة120
تتمة في عصمة فاطمة الزهراء عليها السلام 132
     1 ـ دلالة آية التطهير135
     2 ـ دلالة حديث الثقلين135

سلسلة الكتب العقائدية (31)

إعداد

مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة المركز

الحمدُ لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الاَمين وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد..

إنّ موضوع العصمة هو واحد من المواضيع التي عنيت بها الكتب الكلامية لدى سائر الفرق الاِسلامية كواحدة من مفردات العقيدة، ولكل نظريته في تفسيرها ومنهجه في الاستدلال عليها.

والحديث عن العصمة يقتضي في بادي الاَمر تصور من هو المعصوم الذي يُقال بعصمته أوّلاً ومن ثمّ التحقيق في تلكَ النسبة ثانياً.

أمّا من هو المعصوم حقّاً فلا ريب في أنهم ملائكة الله المقربون ورسله وأنبياؤه وأوصياؤهم عليهم السلام، ولم تنسب العصمة إلى غير هؤلاء عليهم السلام وأمّا عن عصمة الاِجماع على ماينقل عن بعض اصوليي العامة فليست بشيء من التحقيق لاِمكان وقوع الخطأ عقلاً على المجمعين مالم يكن المعصوم فيهم، نعم عصمة القرآن الكريم مفروغ عنها ولكنها خارجة عن محل البحث هذا، وأمّا عن التحقيق في تلكَ النسبة فلا شك أنه يرتكز على ثلاث شعب:


6

الاُولى:

ويعتمد فيها على استجلاء موقف العقل من مفهوم العصمة، وهذا الموقف لابدّ وأن يكون مقراً ومذعناً بها إذ لا يمكن أن يؤتمن الله على وحيه إلاّ من يأتمن جانبه من كل قبيح ومن كلّ مايتنافى معَ الغرض الذي لاَجله نزل الوحي بالشريعة، كالخطأ والسهو والنسيان ونحو ذلكَ مما يتنزه عنه أمناء الله على وحيه ودينه.

الثانية:

السمع، وهو لا شك متحقق بالمقام سواء في آيات القرآن الكريم أو السنة المتواترة، وقد تضمن هذا البحث طرفاً من تلكَ الاَدلة.

الثالثة:

معرفة السيرة الذاتية لمن تثبت له العصمة وهذه الشعبة بالذات تعد في الواقع دليلاً معتبراً جداً خصوصاً فيما يتصل بأوصياء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ سجل التأريخ سيرتهم بصفحات من نور ولم يعثر شانؤوهم على سقطة واحدة قط لاَي منهم وإلاّ لطاروا بها زرافات ووحداناً، وأقل ماقيل عنهم عليهم السلام يوجب القول بعصمتهم.

والكتاب الماثل بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ اعتمد هذه الشعب الثلاث في إثبات العصمة، وألمّ بأطراف الموضوع، عرضاً ونقداً وتحليلاً، وأفلح في تنظيم المنتخبات من الاَدلة والبراهين على أرجح الاَقوال فيهِ ميسراً على القراء سبيل الوصول إلى مبتغاهم في هذه المفردة العقيدية المهمة.

والله من وراء القصد.. وهو الهادي إلى سواء السبيل

مركز الرسالة


7

المقدِّمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله المعصومين.

أما بعد: فإنّ الاِمام: هو الاِنسان الذي له الرئاسة العامّة في أمور الدين والدنيا بالاصالة في دار التكليف(1) .

ويُقصد هنا بقيد «الاصالة»، أي انّ الاِمامة من قبل الباري عزّ وجلّ، لامن قبل أيّ أحدٍ سواه حتّى وإن كان نبيّاً أو مرسلاً، إذ سلطنة الباري عزّ وجلّ على مخلوقاته تكونُ أولاً وبالذّات، ثُمَّ تلك تترشح لمن يشاء كيف يشاء فتكون سلطنة أيّ شخصٍ آخرٍ حينئذٍ بالتّبع لا بالاصالة، وهذا واضح.

ولعلّ هذا التعريف من أسدّ التعاريف للاِمام وأقومها طرداً وعكساً. وهو مختار بعض علمائنا.

وقد عُرّف الاِمام أيضاً بأنّه: هو الذي له الرياسة العامّة في أمور الدين

(1) راجع كتاب الاَلفين|العلاّمة الحلي قدس سره: 12.


8

والدنيا خلافةً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(1) .

وبملاحظة التعريفين يظهر الفرق بينهما.

وعلى كلِّ حالٍ، فإنّ الاِمامة ليست بيد الاُمّة ولا يكون تعيين الاِمام من قِبَلها أبداً، وقد أثبت علماؤنا ذلك في كتبهم بما يغني الباحث عن الحقّ(2) .

ومن الشروط الاَساسية لهذا المنصب المهم: العصمة التي هي أمرٌ خفيٌ غير ظاهر لا يعلمه إلاّ الله سبحانه، ولذلك فإنه هو الذي يشير إليها، ويعيّن المتصف بها.

وقد وضعنا هذه الرسالة للبحث عنها وعن أدلّتها...

ومن الاَسئلة المهمّة التي يمكن لها أن تستقرَّ في الذهن:

هل بالعصمة نعلم الاِمام ؟ ! أم بالاِمام نعرف العصمة ؟ !

أي هل من ثبتت لهُ العصمة كان إماماً ؟ ! أم من ثبتت له الاِمامة كان معصوماً ؟ !

وبتعبير آخر: ـ أيُّهما المقدّم ؟ ! فبعضهم أحبَّ تقديم الاَول، وآخرون أحبوا تقديم الثاني.

(1) مقتبس من تعريف الاِمامة|القوشجي ـ تبعاً لصاحب المواقف.

(2) راجع الاِمامة والحكومة في الاِسلام: 26. وراجع أيضاً خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين الشورى والنصّ، من اصدارات مركز الرسالة ـ قم.


9

إلاّ أننا نجد أنّ هناك فرقاً واضحاً بين المقامين.

فالاِمام الذي يكون نبيّاً يجب أن نثبت نبوّته أولاً، ولا تثبت إلاّ بالمعجز وبادعائه معه النّبوة، فحينئذٍ تبعاً لذاك نُثبتُ عصمته. هذه هي طريقة إثبات عصمة الاَنبياء والرسل.

ولو كان الاِمام مختفياً بحيث انقطع أثره وخبره وذكرهُ من الناس فنسوه كليّاً، فحينئذٍ عندما يدّعي الاِمامة، عليه أن يُظهر المُعجِزَ إلى جانب الدعوى، فتثبت له الاِمامة وبها نُثبت عصمته.

وأمّا في حال معرفة الاِمام، فإنّ تعيينه من قبل المُرسَل يكشف عن كونه معصوماً.

لاَنَّ العصمة أمرٌ خفيٌ لا يستطيع الوصول إليه الناس، فالرسول هو الذي يشير إليه.

كما أنَّهُ باختلاف الناس في التعيين وعدمه، أو في قولهم بالتعيين مع اختلافهم في التشخيص لابدّ من إثبات العصمة حتّى يتعيّن ذلك الشخص.

وبما أنَّهُ أمرٌ خفي فلابدّ أن تثبت العصمة عن طريق النص، والنص منحصرٌ كما هو معلوم بكتاب الله وبسُنّة من ثبتت عصمته، كأن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو معصوماً آخر قد ثبتت عصمته بالدليل ـ بكتاب الله وسُنّة نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ.

فالذي أراد إثبات عصمة الاَنبياء والرسل والاَئمة بالطريق الاَول عليه


10

أن يُثبت ذاك عن طريق العقل وحده أولاً، ثُمَّ بعد ذاك يستأنس ويعمّق استدلاله بالدليل النقلي كما هو مطلوب.

وأمّا الذي يريد أن يثبتَ العصمة عن الطريق الثاني المنحصر باثبات العصمة بالاِمام فلابدّ أن يتلمّس الدليل عن طريق النص، ويستأنس بالدليل العقلي ليؤكد مطلبه ويعززه.

والذي سنعتمده في كتابنا هذا هو تقديم الطريق الاَول؛ لاَنَّ أُسَّ الافتراق كان فيه. إذ إنّ الذين آمنوا بالرسل والاَنبياء قد وقع الاختلاف بينهم في ثبوت العصمة وحدودها وسعتها، كما سنرى، لذا علينا تقديم الدليل العقلي، ثم الكتاب، ثم السُنّة بسعتها ومدى دلالتها على ذلك، ومدى مطابقة العقل للشرع في هذا المورد بالذات.

محاولين أن نمزج بين الدليلين في مواضع مهمّة اخرى لكي يكون الدليل أقوى وأوضح، عندما نجد أن النقل جاء على طبق العقل، فنتشرّف بذكر كلام المقدَّمين في شرع الله تعالى ونجعله مدخلاً لحديثنا.

وسيكون بحثنا في اربعة فصول:

الاَول: في تعريف العصمة، والثاني: في دراسة ومناقشة الاَقوال المختلفة في العصمة، والثالث: في الاَدلة العقلية على العصمة، والرابع: في إثبات العصمة عن طريق الكتاب والسُنّة، ثم ألحقنا ذلك بتتمة في إثبات عصمة الزهراء عليها السلام.

وبه تعالى نستعين، وهو الهادي إلى سواء السبيل


11

الفصل الاَول

تعريف العصمة

العصمة لغةً

عَصَمَ، يعصم من باب ضَرَبَ: حَفَظَ ووقى(1) .

فالعصمة في كلام العرب: معناها المنع(2) .

والعاصم: المانع الحامي(3) .

العصمة اصطلاحاً

عرّف الشيخ المفيد العصمة في الاصطلاح الشرعي بأنّها: (لطفٌ يفعلُهُ اللهُ تعالى بالمكلّف، بحيث تمنع منه وقوع المعصية، وترك الطاعة، مع قدرته عليهما)(4) .

(1) راجع المصباح المنير: 417 مادة «عَصَمَ».

(2) مختار الصحاح: 437 مادة «عصم».

(3) راجع لسان العرب 12: 403 مادة «عصم».

(4) النكت الاعتقادية|الشيخ المفيد 10: 37 مصنّفات الشيخ المفيد ط ـ المؤتمر العالمي.


12

ومِنْ هنا قالوا بانّهُ: (ليس معنى العصمة انّ الله يجبُرهُ على ترك المعصية، بل يفعل به ألطافاً، يترك معها المعصية، باختياره، مع قدرته عليها)(1) .

ولذا قال الشيخ المفيد قدس سره: (العصمة من الله لحججه هي التوفيق، واللّطف، والاعتصام من الحجج بهما عن الذنوب والغلط في دين الله).

والعصمة: تفضّل من الله تعالى على من علم انّه يتمسك بعصمته، والاعتصام فعل المعتصم.

وليست العصمة مانعةً من القدرة على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا مُلجئةً له إليه؛ بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالى إنّه اذا فَعَلهُ بعبدٍ من عبيده، لم يُؤثِر معه معصيةً له.

وليس كلُّ الخلق يُعْلَمُ هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك هم الصّفوة والاخيار، قال الله تعالى: ﴿إنّ الّذين سبقتْ لهم منّا الحسنى(2) ، وقال: (ولقد اخترناهم على علمٍ على العالمين)(3) ، وقال: (وإنَّهم عندنا لَمِنَ المصطفين الاَخيار)(4) .

و «اعلم إنّ العصمة هي: اللّطف الذي يفعله الله تعالى فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح، فيقال على هذا انّ الله عصمه بأن فَعَلَ له

(1) حق اليقين|السيد عبدالله شبر 1: 91.

(2) سورة الاَنبياء: 21|101.

(3) سورة الدخان: 44|32.

(4) سورة ص: 38|47.


13

ما اختار عنده العدول عن القبيح.

ويُقال: إنّ العبد معصوم لاَنّهُ اختار عند هذا الداعي الذي فعل له الامتناع من القبيح.

وأصل العصمة في موضوع اللغة المنع يقال عصمتُ فلاناً من السوء إذا منعت من حلوله به، غير أن المتكلمين أجروا هذه اللّفظة على من امتنع باختياره عند اللّطف الذي يفعله الله تعالى به عنده من فعل القبيح، فقد منعه من القبيح، فأجروا عليه لفظة المانع قهراً، وقسراً.

وأهل اللّغة يتعارفون ذلك أيضاً، ويستعملونه لاَنّهم يقولون فيمن أشار على غيره برأي فقبلهُ منه مختاراً، واحتمى بذلك من ضررٍ يلحقه، وسوء يناله انّه حماه من ذلك الضرر، ومنعه وعصمه منه، وان كان ذلك على سبيل الاختيار»(1) .

وقد قال المحقق الطوسي قدس سره في «التجريد»: (ولا تنافي العصمة القدرة).

وقال العلاّمة الحلي قدس سره في شرحه لهذه العبارة: اختلف القائلون بالعصمة في انّ المعصوم هل يتمكن من فعل المعصية أم لا ؟ ! فذهب قوم منهم إلى عدم تمكّنه من ذلك. وذهب آخرون إلى تمكّنه منها.

أمّا الاَولون: فمنهم من قال إنّ المعصوم مختص في بدنه، أو نفسه بخاصيّة تقتضي امتناع إقدامه على المعصية.

(1) الامالي|السيد المرتضى 2: 347 دار إحياء الكتب العربية ـ مصر ط1.


14

ومنهم من قال: إنّ العصمة هي القدرة على الطاعة، وعدم القدرة على المعصية، وهو قول أبي الحسن البصري.

وأمّا الآخرون الذين لم يسلبوا القدرة: فمنهم من فسّرها: بانّه الاَمر الذي يفعله الله تعالى بالعبد من الاَلطاف المُقرِّبة إلى الطاعات، التي يعلم معها انّه لا يقدم على المعصية، بشرط أن لا ينتهي ذلك الاَمر إلى الاِلجاء.

ومنهم من فسّرها: بأنّها ملكة نفسانية لا يصدر عن صاحبها معها المعاصي.

وآخرون قالوا: العصمة لطفٌ يفعله الله لصاحبها، لا يكون معه داعٍ إلى ترك الطاعات، وارتكاب المعصية.

وأسباب هذا اللّطف أمور أربعة:

أحدها:

أن يكون لنفسه، أو لبدنه خاصيّة، تقتضي ملكةً مانعةً من الفجور، وهذه الملكة مغايرة للفعل.

الثاني:

أن يحصل له علم بمثالب المعاصي، ومناقب الطاعات.

الثالث:

تأكيد هذه العلوم بتتابع الوحي، أو الالهام من الله تعالى.

الرابع:

مؤاخذته على ترك الاَولى، بحيث يعلم انّه لا يُترك مهملاً؛ بل يُضيَّقُ عليه الاَمر في غير الواجب من الامور الحسنة.

فإذا اجتمعت هذه الامور كان الاِنسان معصوماً)(1) .

(1) شرح تجريد الاعتقاد|العلاّمة الحلي: 365.


15

إلى هنا وقفنا على أربعة تعاريف لمصطلح العصمة، هي كالآتي:

1 ـ (لطفٌ يفعله الله تعالى بمكلّف، بحيث تمنع منه وقوع المعصية، وترك الطاعة، مع قدرته عليهما).

2 ـ (الاَمر الذي يفعله الله تعالى بالعبد من الالطاف، المقرِّبة إلى الطاعات التي يعلم معها إنّه لا يقدم على المعصية، بشرط ألاّ ينتهي ذلك الاَمر إلى الاِلجاء).

3 ـ (ملكة نفسانية لا يصدر عن صاحبها معها المعاصي).

4 ـ (لطفٌ يفعله الله لصاحبها، لا يكون معه داعٍ إلى ترك الطاعات، وارتكاب المعاصي).

ومنه يظهر اتحاد التعاريف الثلاثة: الاَول والثاني والرابع، في المعنى، وأنّها تكاد تتحد في اللفظ أيضاً.

وأمّا الثالث: فاذا كان مقصودهم من انّ ذلك لطفٌ يفعله الله بمكلّفٍ يجعل له ملكة نفسانية حينئذٍ تكون كلُّ التعاريف واحدة.

وأمّا سبب هذا اللطف لو لاحظناه بدقة لرأينا انه في التعريف الثاني هو «علم»، وفي الثالث تأكيد هذه العلوم يرجع إلى العلم أيضاً، والرابع أيضاً يرجع إلى علمه بانّه سيضيَّقُ عليه، فعليه كلّها ترجع إلى العلم.

يبقى الاَول، ولعلَّ قوله تقتضي ملكة مانعة أيضاً مرجعها إلى العلم فنحصل على انَّ سبب هذا اللّطف علم في علم، ولعلّ ذلك حدى بالسيد الطباطبائي قدس سره إلى تبني أن قوّة العصمة هي علمٌ خاص.


16

وأمّا على تعريف الشيخ محمدرضا المظفر قدس سره من أنّ العصمة: «هي التنزّه عن الذنوب والمعاصي، صغائرها وكبائرها، وعن الخطأ والنسيان، وإن لم يمتنع عقلاً على النبي ان يصدر منه ذلك، بل يجب ان يكون مُنزّهاً عمّا ينافي المروءة، كالتبذّل بين الناس من أكلٍ في الطريق، أو ضحك عالٍ، وكل عمل يستهجن فعله عند العرف العام»(1) .

فهو أقرب للشرح، لا للتعريف.

هذا ما اقتضى ذكره حول تعريف العصمة في هذه الرسالة، ومن أراد التوسّع فليرجع إلى كتب هذا الشأن، وسنذكر نصوص عبارات عدّة من أعلام الطائفة في العصمة إن شاء الله.

لكن من المهم هنا تبيان قول السيد الطباطبائي الذي ارجع هذه الملكة إلى العلم، إذ قال في تفسيره «الميزان» تحت عنوان (كلامٌ في معنى العصمة) عند تفسيره للآية المباركة: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمّت طائفةٌ منهم بأن يُضلوك وما يُضلّون إلاّ أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً) (2) .

(ظاهر الآية انّ الاَمر الذي تتحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه عن التلبّس بالمعصية والخطأ. وبعبارة اُخرى علمٌ مانعٌ

(1) عقائد الاِمامية|الشيخ محمدرضا المظفر، تحقيق محمدجواد الطريحي: 287 مؤسسة الاِمام علي عليه السلام.

(2) سورة النساء: 4|113.


17

عن الضلال.

كما ان سائر الاَخلاق كالشجاعة والعفّة والسخاء كلٌّ منها صورة علمية راسخة، موجبة لتحقق آثارها، مانعة عن التلبس باضدادها من آثار الجبن والتهور والخمود والشره، والبخل، والتبذير.

ومن هنا يظهر ان هذه القوّة المسماة بقوّة العصمة سببٌ شعوري علمي غير مغلوب البتة، ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والاِدراك لتسرّب إليها التخلّف، وخبطت في أثرها أحياناً.

فهذا العلم من غير سنخ سائر العلوم، والاِدراكات المتعارفة التي تقبل الاكتساب.

ثم يقول قدس سره ـ: فقد بان من جميع ما قدّمناه انّ هذه الموهبة الالهية التي نسميها قوّة العصمة نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلوم في انه غير مغلوب لشيء من القوى الشعورية البتة، بل هي الغالبة القاهرة عليها المستخدمة إيّاها ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقاً)(1) .

فقوله: (إنّ الاَمر الذي تتحقق به العصمة نوعٌ من العلم يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ) قول دقيق وصحيح، فالعلم أمرٌ تتحقق به العصمة، أي ان العصمة شيء والعلم أمرٌ آخر.

ويمكن ان يقال حينئذٍ انّ العلم بلا ريب له تأثيره الاَكبر في العصمة،

(1) الميزان|السيد الطباطبائي: 5|78 ـ 80.


18

ولذا قال تعالى:﴿إنّما يخشى الله من عباده العلماء (1) ، فحتى الخشية ولعلّها من مراحل العصمة الاُولى أيضاً منشؤها العلم، ولذا حصر الخشية لله من عباده بالعلماء كما هو ظاهر الآية، وهذا تامٌّ لا غبار عليه.

إلاّ أنّ قوله بعد ذلك: (ومن هنا يظهر ان لهذه القوّة المسماة بقوّة العصمة سببٌ شعوري علمي غير مغلوب ألبتّة) يوجب إرباكاً، فهو يجعل قوّة العصمة: قوةً وسبباً شعورياً علمياً غير مغلوب. ثم نراه يقول أخيراً: (فقد بان من جميع ما قدّمناه ان لهذه الموهبة التي نسميها قوّة العصمة نوعٌ من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلوم في انّه غير مغلوب لشيء من القوى الشعورية البتّة).

فيُعرِّف العصمة بالعلم.

بل في استطراد كلام له في موضع آخر يقول بصريح العبارة: (العصمة الالهية: التي هي صورة علمية نفسانية تحفظ الاِنسان من باطل الاعتقاد، وسيّء العمل)(2) .

وللتحقيق في هذا مجالٌ آخر، وإنّما كان قصدنا تذكير القارئ بذلك ليراجع مظانّه إن شاء.

ولنتبرّك بذكر بعض معاني العصمة من كلام الاِمام الرضا عليه السلام: «إنّ الاِمامة خصَّ الله عزَّ وجلَّ بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة

(1) سورة فاطر: 35|28.

(2) الميزان|السيد الطباطبائي 16: 312.


19

والخلّة، مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها، وأشاد بها ذكره، فقال: (إنّي جاعلك للناس إماماً) ..

إنّ الاِمامة هي منزلة الاَنبياء وإرث الاَوصياء... إنّ الاِمام زمام الدين ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين....

الاِمام يحلُّ حلال الله، ويحرّم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة...

الاِمام الماء العذب على الظماء، والدال على الهدى، والمنجي من الردى... والدليل في المهالك من فارقه فهالك... الاِمام المطهّر من الذنوب المبرّأ عن العيوب... الاِمام واحد دهره لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كلّه، من غير طلب منه له، ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضِّل الوهاب. فمن الذي يبلغ معرفة الاِمام أو يمكنه اختياره ؟ ! هيهات هيهات....

فكيف لهم باختيار الاِمام ؟ والاِمام عالم لا يجهل، وراعٍ لا ينكل معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة...


20

نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالاِمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عزَّ وجلَّ ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله»(1) .

(1) اصول الكافي|الكليني 1: 198|1 باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، كتاب الحجة.

21

الفصل الثاني

الاَقوال في العصمة

قد وقع الاختلاف بين العلماء في عصمة الاَنبياء عليهم السلام، وقد أرجع الشيخ المجلسي هذه الاختلافات إلى أربعة محاور:

أحدها: ما يقع في باب العقائد.

وثانيها: ما يقع في التبليغ.

وثالثها: ما يقع في الاَحكام والفتيا.

ورابعها: في أفعالهم وسيرهم عليهم السلام.

قال رحمه الله: فأمّا الكفر والضلال في الاعتقاد:

فقد أجمعت الاُمّة على عصمتهم عنهما قبل النبوة وبعدها.

غير أنّ الازارقة من الخوارج(1) جوّزوا عليهم الذنب، وكلُّ ذنبٍ عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر عليهم، بل حُكي عنهم أنهم قالوا يجوز

(1) وهم فرقة متشددة منهم، تنسب إلى (نافع بن الازرق).


22

أن يبعث الله نبيّاً عَلِمَ أنّه يكفر بعد نبوته!

وأمّا النوع الثاني، وهو ما يتعلّق بالتبليغ:

فقد اتّفقت الاُمّة بل جميع أرباب الملل والشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمداً وسهواً إلاّ القاضي أبو بكر، محمد بن الطيب الباقلاني البصري المتكلم الاَشعري (ت|403 هـ)(1) ، فإنّه جوّز ما كان من ذلك على سبيل النسيان، وفلتات اللّسان.

وأمّا النوع الثالث: وهو ما يتعلق بالفتيا:

فاجمعوا على أنّه لا يجوز خطؤهم فيه عمداً وسهواً، إلاّ شرذمة قليلة من العامّة.

وأمّا النوع الرابع: وهو الذي يقع في أفعالهم:

فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال:

الاَول:

مذهب أصحابنا الاِمامية: وهو أنّه لا يصدر عنهم الذنب لاصغيره ولا كبيره، لا عمداً ولا نسياناً، ولا يخطأ في التأويل، ولاللاسهاء من الله سبحانه.

ولم يخالف فيه إلاّ الصدوق، وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد قدس سرهما، فإنّهما جوّزا الاسهاء، لا السهو الذي يكون من الشيطان.

(1) ولد في البصرة ومات في بغداد، له مؤلفات عدّة منها: «اعجاز القرآن»، «التمهيد».


23

وكذا القول في الأئمة الطاهرين عليهم السلام.

الثاني:

قول أكثر المعتزلة: أنه وقت النبوة، وأما قبله وهو أنّه لا يجوز عليهم الكبائر، ويجوز عليهم الصغائر، إلاّ الصغائر الخسيسة المنفّرة كسرقة حبة، أو لقمة، وكل ما ينسب فاعله إلى الدناءة والضّعة.

الثالث:

قول أبي علي الجبائي(1) : وهو أنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة، ولا كبيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل، أو السهو.

الرابع:

قول النظام(2) وجعفر بن مبشر ومن تبعهما: وهو أنّه لا يقع منهم الذنب إلاّ على جهة السهو والخطأ، لكنّهم مؤاخذون بما يقع منهم سهواً، وإن كان موضوعاً عن أُممهم لقوّة معرفتهم وعلو رتبتهم، وكثرة دلائلهم، وإنّهم يقدرون من التحفظ على ما لايقدر عليه غيرهم.

الخامس:

قول الحشوية(3) ، وكثير من أصحاب الحديث من العامّة: وهو أنّه يجوز عليهم الكبائر والصغائر، عمداً وسهواً وخطأً(4) .

ثمّ اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال:

(1) محمد بن عبدالوهاب، توفي سنة 303 هـ، وينسب إلى (جبّا) وهي منطقة تقع جنوب ايران، وهو أحد علماء البصرة والفرقة التي تنسب إليه تسمى بـ (الجبّائية) وهي فرقة من المعتزلة.

(2) إبراهيم بن سيّار وهو تلميذ أبي الهذيل العلاّف (متكلم معتزلي)، كان في البصرة، وبغداد. ويعدُّ أحد اساتذة الجاحظ، والفرقة التي تنسب إليه تسمّى بـ (النظامية).

(3) وهم المحدِّثون من العامّة الذين ينفون تأويل الاَحاديث، والكتاب الكريم، ويأخذونهما على الظواهر.

(4) بحار الاَنوار|العلاّمة المجلسي 11: 89 ـ 90.


24

الاَول:

وهو مذهب أصحابنا: وهو أنّه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه.

الثاني:

مذهب كثير من المعتزلة: وهو أنّه من حين بلوغهم، ولا يجوز عليهم الكفر والكبيرة قبل النبوة.

الثالث:

وهو قول أكثر الاَشاعرة ومنهم الفخر الرازي، وبه قال أبو هذيل(1) ، وأبو علي الجبائي من المعتزلة: إن فيجوز صدور المعصية عنهم.

هذا مجمل القول في الآراء حول العصمة.

أقوال علمائنا في عصمة الاَنبياء والاَئمة عليهم السلام

ونقتنص بعض أقوال علمائنا، المفيدة للعصمة المطلقة، بالاضافة إلى ما مرَّ علينا في مطاوي البحث:

قال الشيخ المفيد قدس سره:

(إنّ الذي أذهب إليه في هذا الباب إنّه لا يقع من الاَنبياء عليهم السلام ذنب بترك واجب مفترض ولا يجوز عليهم خطأ في ذلك ولا سهو يوقعهم فيه، وإن جاز منهم ترك نفل ومندوب إليه على غير القصد والتعمد، ومتى وقع ذلك منهم عوجلوا بالتنبيه عليه فيزولون عنه في أسرع مدة وأقرب زمان، فأما نبينا صلى الله عليه وآله وسلم خاصة والاَئمة من ذريته عليهم السلام فلم يقع منهم صغيرة بعد النبوة والاِمامة، من ترك واجب، ولا مندوب إليه، لفضلهم على من تقدّمهم من الحجج عليهم السلام، وقد نطق القرآن بذلك،

(1) محمد العلاّف ولد في البصرة، وتوفي سنة 235 هـ، وهو أحد علماء المعتزلة.


25

وقامت الدلائل منه ومن غيره على ذلك للاَئمة من ذريته عليهم السلام)(1) .

السيد المرتضى علم الهدى رضي الله عنه:

وعندما يذكر السيد المرتضى علم الهدى ما يحتج به على صواب جميع ماانفردت به الاِمامية، أو شاركت فيه غيرها من الفقهاء، يذكر اجماعها على ذلك الامر، ثمّ يبيّن سبب حجيّة ذلك الاجماع بقوله: (إنّما قلنا ان اجماعهم حجة لان في اجماع الامامية قول الاِمام الذي دلت العقول على ان كلّ زمان لا يخلو منه، وانه معصوم لا يجوز عليه الخطأ في قولٍ، ولا فعل)(2) .

الشيخ الطوسي شيخ الطائفة قدس سره:

قال ردّاً لحديث ذي الشمالين في سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وهذا ممّا تمتنع العقول منه)(3) .

وقال في «الاستبصار»: (وذلك مما تمنع منه الاَدلة القاطعة في انّه لايجوز عليه السهو والغلط)(4) .

الخواجه نصير الدين الطوسي رضي الله عنه:

(ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض.

ثم أضاف قدس سره ـ: وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو، وكلّما ينفّر عنه، من دنائة الآباء، وعهر الامهات، والفظاظة

(1) مصنفات الشيخ المفيد|الشيخ المفيد 2: 103.

(2) الانتصار|السيد المرتضى: 6.

(3) التهذيب|الطوسي 2: 180.

(4) الاستبصار|الطوسي 1: 371.


26

والغلظة، والاُبنة وشبهها، نحو الاَكل على الطريق وشبهه)(1) .

ثم قال قدس سره في عصمة الاِمام: (وامتناع التسلسل يوجب عصمته، ولاَنّه حافظ للشرع، لوجوب الانكار عليه لو أقدم على المعصية فيضاد امر الطاعة، ويفوت الغرض من نصبه، ولانحطاط درجته عن أقل العوام) (2) .

وقال العلاّمة الحلي قدس سره:

وقالت الاِمامية إنّه يجب عصمتهم من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها(3) ، ثم ساق أدلة حول ذلك.

ثم قال قدس سره: ذهبت الاِمامية والاسماعيلية إلى ان الاِمام يجب ان يكون معصوماً، وخالف فيه جميع الفرق(4) ، ثمَّ ساق الاَدلة على ذلك.

وقد علّل عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطلقاً أي عدم جواز السهو والخطأ عليه بقوله قدس سره: (إنّه لو جاز عليه السهو والخطأ، لجاز ذلك في جميع أقواله وأفعاله، فلم يبق وثوق باخباراته عن الله تعالى، ولا بالشرائع والاديان، لجواز ان يزيد فيها وينقص سهواً، فتنتفي فائدة البعثة.

ومن المعلوم بالضرورة: ان وصف النبي بالعصمة، أكمل وأحسن من وصفه بضدها، فيجب المصير إليه، لما فيه من دفع الضرر المظنون؛

(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد|الطوسي، تعليق الشيخ حسن زاده آملي: 349، مؤسسة النشر الاِسلامي.

(2) المصدر نفسه: 264.

(3) المصدر نفسه: 349.

(4) المصدر نفسه: 264.


27

بل المعلوم)(1) .

وقال في «نهج المسترشدين»: (إنّه لا يجوز أن يقع منه الصغائر والكبائر لا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً في التأويل.

ويجب ان يكون منزّهاً عن ذلك كلّه من أول عمره إلى آخره).

وقال الفاضل المقداد قدس سره:

(وأصحابنا حكموا بعصمتهم مطلقاً قبل النبوة وبعدها عن الصغائر والكبائر عمداً وسهواً، بل وعن السهو مطلقاً، ولو في القسم الرابع، ونقصد به الافعال المتعلّقة بأحوال معاشهم في الدنيا مما ليس دينياً)(2) .

وقال الشيخ بهاء الدين

في جواب «المسائل المدنيات»: (عصمة الاَنبياء والاَئمة عليهم السلام من السهو والنسيان، مما انعقد عليه اجماعنا)(3) .

وقال الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي قدس سره:

(وأما علم الحديث فهو من أجلَّ العلوم قدراً وأعلاها رتبة وأعظمها مثوبة بعد القرآن، وهو ماأُضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الاَئمة المعصومين، قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو صفة حتى الحركات والسكنات واليقظة والنوم)(4) ، وهذا ظاهر بالشمول التام.

(1) الرسالة السعدية|العلامة الحلي: 76.

(2) ارشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين|الفاضل السيّوري: 304.

(3) نقلاً عن كتاب «التنبيه بالمعلوم»|الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، تحقيق محمود البدري: 59 مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي.

(4) منية المريد في آداب المفيد والمستفيد|الشهيد الثاني: 191.


28

وقال العلاّمة المجلسي صاحب البحار قدس سره:

(اعتقادنا في الاَنبياء والرسل والاَئمة، والملائكة عليهم السلام أنهم معصومون، مطهّرون من كلِّ دنس، وانّهم لايذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم، واعتقادنا فيهم انّهم موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم الى أواخرها، لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا جهل)(1) .

وقال في موقع آخر: (العمدة في ما اختاره أصحابنا من تنزيه الاَنبياء والاَئمة عليهم السلام من كل ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوة وبعدها قول ائمتنا عليهم السلام بذلك المعلوم لنا قطعنا باجماع أصحابنا رضوان الله عليهم مع تأييده بالنصوص المتظافرة حتى صار ذلك من قبيل الضروريات في مذهب الاِمامية، وقد استدل عليه أصحابنا بالدلائل العقلية وقد أوردنا بعضها في شرح كتاب الحجة، ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليرجع إلى كتاب (الشافي) و (تنزيه الاَنبياء) وغيرهما من كتب أصحابنا.

والجواب،

مجملاً عمّا استدل به المخطؤون من اطلاق لفظ العصيان والذنب فيما صدر عن آدم عليه السلام هو انّه لمّا قام الدليل على عصمتهم نحمل هذه الاَلفاظ على ترك المستحب والاَولى، أو فعل المكروه مجازاً، والنكتة فيه كون ترك الاَولى ومخالفة الاَمر الندبي

(1) بحار الانوار|المجلسي 11: 72 باب عصمة الاَنبياء عليهم السلام.


29

وارتكاب النهي التنزيهي منهم مما يعظم موقعه لعلو درجتهم وارتفاع شأنهم)(1) .

وقال الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي:

(ذكر السهو في هذا الحديث وأمثاله ـ يقصد حديث السهو ـ محمول على التقية في الرواية، كما أشار إليه الشيخ وغيره، لكثرة الادلة العقلية والنقلية على استحالة السهو عليه مطلقاً.

ثم انظر في رسالته الموسومة بـ «التنبيه بالمعلوم» أو (البرهان على تنزيه المعصوم من السهو والنسيان) تجد ما يدحض به الرأي الشاذ في ذلك.

وتحت عنوان (في جملة من عبارات علمائنا وفقهائنا المصرّحين بنفي السهو عن النبي والاَئمة عليهم السلام في العبادات وغيرها) كتب الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، صاحب «وسائل الشيعة»: (إنّ علمائنا وفقهاءنا قد صرّحوا بذلك في أكثر كتبهم في الفروع، وصرّحوا في جميع كتب الاصول بنفي السهو عنهم عليهم السلام على وجه العموم والاطلاق الشامل للعبادة وغيرها، وأوردوا أدلة كثيرة شاملة للعبادة)(2) .

وأورد أقوال شيخ الطائفة الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتبه المختلفة، والشيخ المفيد، والمحقق الحلي في «المختصر النافع»، والعلاّمة الحلي، والفاضل المقداد، والشيخ البهائي، والشيخ

(1) بحار الاَنوار 11: 91.

(2) التنبيه بالمعلوم (البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان): 47 تحقيق محمود البدري، اصدار مركز النشر لمكتب الاعلام الاسلامي ط1.


30

الشهيد الاَول، والمحقق الطوسي، وأخيراً قول السيد ابن طاووس(1) .

والحق عندنا معاشر الاِمامية وجوب العصمة في الملائكة والاَنبياء والاوصياء عليهم السلام، في تمام العمر مطلقاً سواء كان فيما يتعلق بالاعتقاد، أو فيما يتعلق بالتبليغ، أو فيما يتعلق بالفتوى، أو فيما يتعلق بالاحوال والافعال، صغائر كانت أو كبائر، ولا يجوز السهو والنسيان عليهم(2) .

وقال الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره:

(ونعتقد ان الاَنبياء معصومون قاطبة، وكذلك الاَئمة عليهم جميعاً التحيات الزاكيات.

وقال بعد ذلك: ونعتقد ان الاِمام كالنبي يجب ان يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً.

كما يجب ان يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان، لاَنّ الاَئمة حفظة الشرع، والقوّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا ان نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا ان نعتقد بعصمة الأئمة بلافرق(3) عث.

وقال الشيخ الآملي:

(الحق ان السفير الالهي مؤيّد بروح القدس، معصوم في جميع أحواله وأطواره وشؤونه قبل البعثة، أو بعدها.

(1) التنبيه بالمعلوم: 47 ـ 65.

(2) شرح الاسماء الحسنى|السبزواري 2: 37.

(3) عقائد الاِمامية: 313 باب عقيدتنا في عصمة الاِمام، ط مؤسسة الاِمام علي عليه السلام.


31

فالنبي معصوم في تلقي الوحي وحفظه وابلاغه، كما انّه معصوم في أفعاله مطلقاً بالاَدلة العقلية والنقلية.

فمن اسند إليه الخطأ فهو مخطئ، ومن اسند إليه السهو فهو أولى به.

ونقل الروايات والاخبار، بل الآيات القرآنية في ذلك، يؤدي إلى الاسهاب، وتنزيه الاَنبياء لعلم الهدى السيد المرتضى اغنانا عن ورود البحث عن هذه المسائل)(1) .

(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد|الشيخ حسن زاده آملي: 593.


32


33

الفصل الثالث

الاَدلة العقلية على العصمة

توطئة خاصة

قال الاِمام أبو عبدالله الصادق عليه السلام: «إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا، وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً، لم يجز أن يشاهده خلقه، لا يلامسهم ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ولايحاجّهم ولا يحاجّوه. فثبتَ أنّ له سفراء في خلقه وعباده، يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه. ثبت عند ذلك أنّ له معبرين، وهم الاَنبياء وصفوته من خلقه، حكماء، مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم، على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب» (1) .

(1) التوحيد|الشيخ الصدوق قدس سره: 249.


34

ولعلّه من هنا وممّا على شاكلته، استفيدت مقدّمات ما جعلوه بياناً وأسّسوا عليه قاعدة متينة تسمى بقاعدة «اللطف» وخلاصة ذلك:

أنّه تعالى لا يشاهده خلقه، ولا يلامسهم، ولا يلامسوه، ولا يحاجّهم، ولا يحاجّوه، إذن لابدّ من وجود سفراء له في خلقه وعباده.

وهؤلاء هم الذين يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبت حينئذٍ الآمرون والناهون، عن الحكيم العليم في خلقه.

ولذا قد ورد: «إنّ الخلق لمّا وقفوا على حدٍّ محدود، وامروا ان لا يتعدّوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم أميناً يأخذهم بالوقف عندما أُبيح لهم، ويمنعهم من التّعدّي والدخول فيما حظر عليهم، لاَنّه لو لم يكن ذلك لكان أحدٌ لا يترك لذَّته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والاَحكام.

و ـ إنّا لا نجد فرقةً من الفرق ولا ملّةً من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم ان يترك الخلق ممّا يعلم انّه لابدّ لهم منه، ولا قوام لهم إلاّ به»(1) .

(1) بحار الاَنوار|المجلسي 3: 19 عن الاِمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.


35

ومنه يجب ان يكون هؤلاء لكي تتمّ الحكمة من سفارتهم صفوته من خلقه، وإلاّ لكان هناك ترجيحٌ بلا مرجّح، أو تقديمٌ لمفضول على فاضل، وهو منافٍ للحكمة. وهؤلاء حكماء، قد ادّبهم الباري عزّ وجلّ بآدابه فبُعثوا بالحكمة كما كانوا هم من أهلها وسادتها. ويجب أن يكونوا بصراء مطيعين لله تعالى لا يشركون به طرفة عينٍ ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثر. ويجب ألاّ يكونوا كاذبين وإلاّ لانتفت الحكمة في بعثهم، إذ سيتردد الناس في قبول قولهم، ولا يصلح أن يكونوا أدلاّء على طريقه. وهؤلاء يجب أن يكونوا من جنس البشر وطينتهم حتى يكونوا مثالاً حيّاً للائتمام بهم. واختصاراً لكلِّ الصفات الكاملة المجتمعة في ذاته المقدّسة نقول إنّه يجب أن يكون معصوماً.

وبما انّ العصمة، ليست من الامور الظاهرة والواضحة، بل من الامور غير المدركة للبشر، إذن لابدّ وان يُشار إليها، بالطرق الثلاثة الآتية أو ببعضها:

أ ـ بالعقل.

ب ـ بالنقل بالاضافة إليه.

جـ ـ أو بالاعجاز لاثبات منصبه، ومن إثبات المنصب تثبت له بالملازمة.

ويتأكد العنصر الثالث، إذ لابدّ من إعجاز يظهر لتأييد صدق مدّعي السفارة، وإلاّ لادّعاها كلُّ أحد. ولابدّ ان يفهم أهل عصر السفير أنّ ذلك


36

إعجازٌ، فلذا كانت المعاجز مختلفة باختلاف العصور.

والرعاية شاملةٌ لكلِّ البشرية من أولها إلى آخرها لا يختص ذلك بزمانٍ دون زمان. ولكن نعلم علم اليقين أنّه لا نبيّ بعد نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ المنكر لذلك لا يعدّ مسلماً أصلاً، إذ إنَّ ذلك من ضروريات الدين، فمنكره منكر للضروري، ومنكر الضروري كافر. فاذن لابدّ من وجود سفير لله، ولا يكون نبيّاً، وذلك هو الذي نعبّر عنه «بالاِمام».

ونحصر البحث في الاِمامة عند المسلمين إذ إنّه «لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة، وذهب الدين، وغُيّرت السُنّة والاَحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين؛ لاَنّا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم، وتشتّت انحائهم، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول، فسدوا على نحو ما بيّنّا، وغُيِّرت الشرائع والسنن، والاَحكام، والايمان، وكان ذلك فساد الخلق أجمعين»(1) .

ولذا قالوا: (لمّا أمكن وقوع الشرّ والفساد وارتكاب المعاصي من الخلق، وجب في الحكمة وجود رئيس قاهر، آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، مُبين لما يخفى على الاُمّة من غوامض الشرع، مُنفِّذ لاَحكامه، ليكونوا إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد، ويأمنوا من وقوع الشر والفساد).

(1) بحار الاَنوار|المجلسي 23: 19 عن الاِمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.


37

فوجوده لطف، وقد ثبت ان اللطف واجب عليه تعالى، وهذا اللطف يسمى إمامة، فتكون الاِمامة واجبة، (ولمّا كان علّة الحاجة إلى الاِمام عدم عصمة الخلق وجب ان يكون الاِمام معصوماً)(1) .

ومن ناحية اُخرى فإنّ القرآن حق كلّه وإنّه قطعي الصدور، إلاّ انّه ظنّي الدلالة، فلذا سيقع الاختلاف في تأويله، وكلُّ متأول يدعي انّه على الحق وغيره ليس عليه، فيكون ذلك سبباً للفرقة والنزاع أكثر من التأليف والاجتماع، وهذا منافٍ للحكمة، إذن لابدّ من وجود مبيّن لكتابه العزيز ونعبِّر عنه بالحافظ له.

ومن جانب آخر نرى أن السُنّة النبوية كذلك، بل ملئت كتب نقلها بأحاديث كاذبة ومُلفقة، فما أدرانا ما الذي قاله صاحب الشرع وما الذي لم يقله ؟ خاصّةً أنّ هذه الفجوة تكبر وتكبر كلّما ابتعدنا عن مركز الرسالة الاَول، فبذا لابدّ من وجود مبيّن ومفسّر وكاشف عنها. ومن هنا صرّح الشيخ الصدوق قدس سره بهذا الدليل في اول كلامه إذ قال:

«إنّه لمّا كان كلّ كلام ينقل عن قائله يحتمل وجوهاً من التأويل، وكان أكثر القرآن والسُنّة مما اجمعت الفرق على انّه صحيح لم يغيّر ولم يبدّل، ولم يزد فيه ولم ينقص منه، محتملاً لوجوه كثيرة من التأويل، وجب أن يكون مع ذلك مخبر صادق معصوم من تعمد الكذب والغلط، مُنبئ عمّا عني الله ورسوله في الكتاب والسُنّة على حق ذلك وصدقه، لاَنّ الخلق

(1) تعليقة العلاّمة الاُستاذ الشيخ علي الاَنصاري على فصول العقائد للحكيم الطوسي رضي الله عنه: 35 ـ 36 ط1393 هـ.


38

مختلفون في التأويل، كلّ فرقةٍ تميل مع القرآن والسُنّة إلى مذهبها، فلو كان الله تبارك وتعالى تركهم بهذه الصفة من غير مخبر عن كتابه صادق فيه لكان قد سوّغهم الاختلاف في الدين ودعاهم إليه... وفي ذلك إباحة العمل بالمتناقضات والاعتماد للحق وخلافه.

فلمّا استحال ذلك على الله عزّ وجلّ، وجب أن يكون مع القرآن والسُنّة في كلّ عصر من ينبئ عن المعاني التي عناها الله عزّ وجلّ في القرآن بكلامه... وينبئ عن المعاني التي عناها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنته وأخباره... واذا وجب انه لابدّ من مخبر صادق وجب ان لا يجوز عليه الكذب تعمّداً، ولا الغلط وجب ان يكون معصوماً»(1) .

وبما أنّ مهمته كذلك إذن يجب ان يكون صادقاً وأميناً، لكي يقبل منه الناس كلّ ما يبينه ويوضحه كما كان الرسول كذلك.

(وثبت عند ذلك أنّ له معبّرين هم الاَنبياء وصفوته من خلقه...).

فالاَنبياء قد ذكر، والاَئمة بصفوته من خلقه قد بيّنهم كذلك، فالاَنبياء والاَئمة كلُّهم لابدّ وان يكونوا (مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم، على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب..). ومن هنا نفهم وندرك جيداً معنى حديث الثقلين: «إنّي مُخَلِّفٌ فيكم الثقلين كتاب الله، وعترتي أهل بيتي...».

وندرك كذلك لِمَ سكت ذلك الشامي عندما ناظره هشام بن الحكم رضي الله عنه

(1) معاني الاَخبار|الشيخ الصدوق: 133 ـ 134 بتصرف طفيف.


39

عندما قال له هشام: يا هذا أربُّك أنظَر لخلقه أم خَلقُهُ لاَنفسهم ؟

فقال الشامي: بل ربي أنظر لخلقه.

فقال: ففعل بنظره لهم ماذا ؟ !

قال: أقام لهم حجّةً ودليلاً كيلا يتشتتوا، أو يختلفوا، يتألّفُهُم ويقيم أودهم ويخبرهم بخبر ربهم.

قال: فمن هو ؟ !

قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

قال هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ ؟ !

قال: الكتاب والسُنّة

قال هشام: فهل ينفعنا اليوم الكتاب والسُنّة في رفع الاختلاف عنّا ؟ !

قال الراوي ـ الذي هو يونس بن يعقوب ـ فسكت الشامي»(1) .

وأخيراً نقول إنّ الاِمامة منصبٌ خاص.

ونستطيع أن نضيف: بانّ منزلة الاِمامة تساوي الاُسوة والقدوة.

فالمُقتدى به هو الاِمام، وبما أنّه النموذج الاَمثل والاَكمل للخلافة الالهية فعليه يجب أن يكون حاوياً لكلِّ معنى الكمال الذي يمكن أن يتّصف به المخلوق، حتّى يكون قدوةً للجميع.

(1) اُنظر اصول الكافي 1: 171 ـ 172|3. وكذلك وسائل الشيعة| الحر العاملي 27: 177| 2 باب 13.


40

وبالخليفة يُستدلُّ على المستخلِف، فلو كان عادلاً لاَشعر وأشار إلى عدله، ولو كان ظالماً لبيّن ظلمه.

كما أنّ نصب الكامل أبعد للخيانة، فالله قادرٌ لا يعجزهُ شيء، وهو المُطّلع على عباده، فاختياره لمن يحمل رسالته ويكون خليفته لابدّ أن يكون أتمّ خلقه، ولا يصح أن يقع بالخيانة مهما صغرت، إذ الله يقول وقوله الحقّ: (إنّ الله لا يهدي كيد الخائنين)(1) .

فعليه لابدّ وأن يكون أحسن خلقه وأتمَّهم. وبذا أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسوةً لنا: (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة)(2) .

فالاِمام كما يظهر للمتتبع يمثل الاسوة والقدوة الالهية الكاملة للممكن سواء كان نبيّاً أم غيره.

وبهذا كلّه ظهر بعض خصائص الاِمام المعبّر عنه بالعصمة.

الاَدلة العقلية

بعد هذا الاستعراض وهذه المقدّمات نحاول أن نضع أصابعنا على الاَدلة العقلية التي تثبت العصمة لمن اختاره الله تعالى لهداية خلقه بعد إنذارهم...

(1) سورة يوسف: 12|52.

(2) سورة الاَحزاب: 33|21.


41

1 ـ إنّ من يدّعي منصباً إلهيّاً لابدّ أن يظهر المعجز على يديه، فدعوى ذلك المنصب أولاً، وإظهار المعجز ثانياً، فيعلم صدقه ووساطته عن الله تعالى إلى الناس.

ومقتضى هذا كلّه يجب أن يكون صادقاً وأميناً ليؤدّي رسالته على أتمّ وجه، وأكمل صورة، إذ يقبح عقلاً أن يبعث الله تعالى، أو يوسِط بينه وبين خلقه من هو كاذبٌ غير أمين. وهذا واضحٌ لا غبار عليه.

فكأنّ المُعجز قد وقع وأيّد مُدّعي النبوة والرسالة والمقام الالهي. فلابدّ أن يكون مانعاً من الكذب، لاَنّ تصديق الكذّاب قبيح. وهذا المقام الالهي بتأييده يدلُّ على الاتّباع والتصديق، وذلك لاَنّ الغرض الامتثال لما جاء به صاحب هذا المقام.

من هنا نستكشف أنّ كلّ ما يقدحُ في صاحب هذا المقام، يقدح في الامتثال ويزحزحه، فلابدّ أن يكون هذا الصاحب مؤيّداً بالبُعد عن جميع ما يكون منفّراً عنه مبعّداً، ولعلّ هذا أقرب للوقوع من إظهار المعجز، إذ إظهار المعجز لقبول قوله، فكلّ ما يؤيِّد هذا القبول ويقوّيه يُرَجّحُ وقوعه، وهذا كلُّه ممكن وشرائطه واضحة طبيعية، فهو أولى للتصديق من اختراق القوانين الكونية والنواميس الطبيعية لتأييد هذا الوسيط ليكون بذلك كلّه الامتثال أقرباً. إذ إنّ النفس لا تميل لمرتكب كلّ ما يكون منفراً.

وبعبارة أوضح نقول: إنّ مدّعي الوساطة لابدّ أن يكون خالياً من السخف، والجنون، والخلاعة.. الخ. ونضيف إلى ذلك الذنوب كلّها، وبالخصوص الكبائر منها، فإنّها أوضح للقبول، ولذا عبّر من عبّر، وأصاب


42

فيما عبّر (انّ حظّ الكبائر في هذا الباب إن لم يزد عن حظّ السخف والجنون والخلاعة، لم ينقص منه)(1) .

فإذا تمَّ هذا يظهر أنّ كلّ ما هو منفرٌ يجب أن لا يتّصف به الوسيط، رعاية من الله تعالى لنا، ليقرِّبنا إلى الطاعة أكثر، ويبعدنا عن المعصية(2) .

فإذا سلّمنا بهذا نقول: إنَّهم اختلفوا في عدد الكبائر، بل في حدود الكبيرة، فبعضٌ قد رواها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعة، ورووا انّ ابن عمر زادها اثنين، وابن مسعود زاد عليها ثلاثة. كما أنّ كثيراً من عظائم الذنوب ليس في ما ذكروه وسطّروه.

وقد اختلفوا كذلك في تحديد الكبيرة، فقالوا: هي الذنب الذي واعد الله تعالى عليه النار في القرآن، وبعضهم قال: إنّ الكبائر من الذنوب هي التي عُدّت كبائر في الاَخبار(3) . بل بعضهم صرَّح أنّه ليس هناك كبيرة ولاصغيرة بل كلّها كبائر.

وكلّ هذا لا مدخلية له في بحثنا عند التمعّن بشيء، وذلك لاَنّ الذي يهم، هو ما كان مُنفّراً للخلق من الوسيط، وما كان مبعّداً للوسيط من الخالق، فاذا رضينا بذلك وقنعنا به، يكون حينئذٍ حال الذنوب

(1) بحار الانوار|المجلسي 11: 92.

(2) وهذا من أساسيات قاعدة اللطف، فقد حدَّ القوم اللّطف: بأنّه هبة مقربة إلى الطاعة، ومبعدة عن المعصية، ولم يكن لها حظٌّ في التمكين، ولم تبلغ به الهبة حدَّ الالجاء. راجع كتاب العقائد من أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 153.

(3) راجع: الكافي في كتاب الايمان والكفر، باب الكبائر، والوسائل 11: 45 من أبواب جهاد النفس.


43

كلّها واحداً.

ولو دققنا في الاَمر أكثر لرأينا أن هناك ذنباً أي معصية، وعاصياً، ومن قد عُصي، فمن جهة نفس المعصية رأينا الاختلاف في الكبيرة والصغيرة، وحدودهما. ومن جهة العاصي رأينا علو مقامه، وحسّاسيّة ذلك المقام فعلمنا أنّه من المقربين، وإذا سلّمنا بأنّ حسنات الاَبرار سيئات المقرّبين، علمنا ما يُفيده ذنب المقرب سواء كان صغيراً أو كبيراً بما أنّه مقرّب، إذ إنّ ما يُعدُّ حسنةً في مقام يُعدُّ له ذنباً وسيئة، فكيف بالذنب والمعصية.

ومن جهة ثالثة نظرنا إلى الذي عُصِيَ فرأيناهُ عظيماً فعظُمت معصيته أيّاً كانت، ولذا جاء في الاَثر: «لا تنظروا في صغر الذنوب، ولكن انظروا على من اجترأتم»(1) .

من هذه الجهات الثلاث نرى انّ استبعاد بل امتناع صدور المعصية من صاحب هذا المقام أقرب للقبول، بل هو عين الواقع، إذ حاله يختلف عن حالنا جزماً.

ومن هنا يظهر معنى قول الشيخ المفيد قدس سره: (وإنّه ليس في الذنوب صغيرة في نفسه، وإنّما يكون فيها بالاضافة إلى غيره)(2) .

كما أننّا لو دقّقنا النظر لرأينا أنّ النفس تسكن للذي لم تصدر منه المعصية أصلاً أكثر ممن صدرت منه، سواء تاب عنها أم لا، والمثل الذي

(1) كنز العمال 4: 229|10294. ووسائل الشيعة|الحر العاملي 11: 247|13.

(2) أوائل المقالات|الشيخ المفيد 4: 83.


44

نضربه يُقرِّبُ هذا المعنى ويجعله أوضح: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»(1) ، إذ لو لم يكن أعلا منه منزلة لما شُبّه به، فإذا ثبت هذا: (أمكن التمسّك في إثبات ما ذهب إليه أصحابنا من تنزيههم «صلوات الله عليهم» عن كلِّ منقصة، ولو على سبيل السهو والنسيان من حين الولادة إلى الوفاة بالاجماع المركب)(2) .

إذ العلماء بين قائل بعصمتهم كذلك مطلقاً. وبين قائل بعصمتهم من الكبائر، واختلفوا بالصغائر، وبين قائل بعصمتهم من الكبائر في حال دون حال. فإذا ثبتت عصمتهم من الكبائر والصغائر يتعيّن القول الاَول. إذ لا قائل بعصمتهم منهما معاً ويشكّك بمقام دون مقام.

2 ـ لو صدر ذنب منه لزم اجتماع الضدين، فيجب إطاعته لاَنّ مقامه يقتضي هذا، ويجب عصيانه لاَنّ ما جاء به ذنب. بل يجب منعه، والانكار عليه، بل ردعه وحتى زجره لكي يترك ذلك الذنب، فلربما يولّد ذلك الايذاء له، وإيذاؤه كما نعلم حرام بالاجماع، ولقوله تعالى: ﴿إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة(3) .

3 ـ كما أنّه لو أذنب كان فاسقاً، فيجب أن تُردَّ شهادته، للاجماع، ولقوله تعالى: ﴿إنّ جاءكم فاسقٌ بنبأ...(4) . فيلزم حينئذٍ أن يكون أدون

(1) كنز العمال 4: 207|10174 وغيره.

(2) بحار الانوار|المجلسي 11: 92.

(3) سورة الاَحزاب: 33|57.

(4) سورة الحجرات: 49|6.


45

من آحاد الاُمّة.

4 ـ وبعصيانه يكون من حزب الشيطان، فيلزم منه خسرانه، إذ قال تعالى: ﴿ألا انّ حزب الشيطان هم الخاسرون(1) . وهو باطل بالضرورة.

5 ـ وكما قدّمنا فإنّ حسنات الاَبرار سيئات المقربين، فعلى هذا يكون حظُّه أقلّ مرتبة من أقلّ أحد من أفراد الاُمّة. بل قد يلزم منه استحقاقه للعذاب، قال تعالى: ﴿ومن يعصِ الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين(2) . ومن هذه الآية بالذات يظهر لنا جليّاً أنّ الرسول لا يعصي أصلاً، فحدوده هي الله ورسوله، ولا يمكن أن يكون المُحدَّدُ خارجاً عن الحدّ.

6 ـ وقد يستحق اللعن، إذ بتعديه للحدود يكون ظالماً، والله تعالى يقول: (ألا لعنة الله على الظالمين)(3) وهو باطل بالضرورة، والاجماع.

7 ـ ويشمله التهوين في قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبرِّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون(4) .

(1) سورة المجادلة: 58|19.

(2) سورة النساء: 4|14.

(3) سورة الهود: 11|18.

(4) سورة البقرة: 2|44.


46

قول وفعل وإقرار المُرسَل والاِمام عليهما السلام هل هو حجّة أم لا ؟ !

إن قلنا كون كلّ ذلك حجّة ثبتت العصمة، (وهذا الدليل من أمتن مايمكن أن يُذكر من الاَدلّة على حجيّة السُنّة...

إذ مع إمكان صدور المعصية منه، أو الخطأ في التبليغ، أو السهو، أو الغفلة، لا يمكن الوثوق أو القطع بما يدّعي تأديته عن الله عزّ وجلّ، لاحتمال العصيان، أو السهو، أو الغفلة، أو الخطأ منه ولا مدفع لهذا الاحتمال)(1) .

وربما يتوهّم مُتَوهِّم عند استطلاع ما نقلناه من آراء العلماء حول العصمة واختلافهم في حدودها من أنّ هذا لا يجدي شيئاً؛ وذلك لاَنّهم اتفقوا على أنّه معصوم بما يتعلق بالتبليغ والفتيا، فيكون الدليل أضيق من المدّعى.

نقول رفعاً لهذا التوهم: إنّ الحجّة كما نعلم هي ما يُحتجّ به، أي أنّ للمسلم أن يتّبع مؤدّاها ويكون له الحقّ يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى يقول: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)(2) .

فيكون عملهم حينئذٍ إذا كان مُطابقاً لما صدر من الوسيط بين الله وخلقه حجة للناس على الله لو كان ذاك قد أدى وفعل أو قرّر ما ليس صحيحاً شرعاً، وهذا لا يمكن. فعليه لابدّ أن يكون فعله وقوله وإقراره صحيحاً دائماً.

(1) الاُصول العامّة للفقه المقارن|السيد محمدتقي الحكيم: 128.

(2) سورة النساء: 4|165.


47

حصر العصمة في حال التبليغ والفتيا

وإذا حصروه في حال التبليغ والفتيا، نقول لهم: إنّ العلماء كافة قد اطلقوا وقالوا: (إنّ النبي بشرٌ مثلنا، له ما لنا، وعليه ما علينا، وهو مكلّف من الله تعالى بما كلّف به الناس، إلاّ ما قام الدليل الخاصّ على اختصاصه ببعض الاَحكام: إمّا من جهة شخصه بذاته، وإما من جهة منصب الولاية، فما لم يخرجه الدليل فهو كسائر الناس في التكليف. هذا مقتضى عموم اشتراكه معنا في التكليف. فإذا أصدر منه فعل ولم يعلم اختصاصه به، فالظاهر في فعله أن حكمه فيه حكم سائر الناس. فيكون فعله حجّة علينا وحجّة لنا، لا سيما مع ما دلّ على عموم حسن التأسيّ به)(1) ، فلا مجال للتقييد هذا أولاً.

وثانياً: أنّى لنا تمييز الفعل والقول والاقرار منه، بحيث نعلم أنّ هذا تبليغ أو فتيا وأنّ هذا ليس كذلك ؟ ! أي كيف يتمّ لنا تمييز ما هو تبليغ وفتيا عمّا هو فعل شخصي ؟ !

ولو قال قائل: إنّ عليه التنبيه، فعلى المعصوم أن يقول: إنّ هذا الفعل فعل تبليغ، وإنّ هذا الفعل ليس كذلك. عليه أن يقول: إنّ هذا القول تبليغ، وإنّ هذا القول ليس تبليغاً ولا فتيا. عليه أن يبين أنّ هذا الاقرار تبليغ أو فتيا أو ليس كذلك. وهكذا يملأ المعصوم حياته من قول: إنّ هذا

(1) اُصول الفقه|الشيخ محمدرضا المظفر 2: 67.


48

هذا، وإنّ هذا ليس هذا، وهو كما ترى.

ولو كان ذاك لبان، مع أننّا لا نجد لذلك عيناً ولا أثراً في حياة الاَنبياء والمرسلين، وخاصة في حياة نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنّ كتب الروايات من صحيحها إلى سقيمها قد نقلت حتى خصوصياته صلى الله عليه وآله وسلم، نعم قد نُقلت في ذلك واقعة أو واقعتان، بأنّ فلاناً سأله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ هذا الاَمر منك أم من الله ؟ !! ولا تقوم تلك لقلّتها أمام هذه العويصة أبداً.

بل لم يكن ذلك في أفعالٍ وتصرّفات شخصية أصلاً، بل كانت في أمور تهمّ المسلمين كافة، كما في صلح الحديبية، أو في تقديم الاِمام علي عليه السلام. وهذا يدلُّ على وقاحة من لفظها أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا على إيمانه، هذا والقرآن قد صرّح: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول...)(1) .

ثالثاً: اننّا نجد أنّ الروايات متضافرة وكثيرة في أنّ لله في كلِّ واقعة حكماً، منها ما ورد عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبدالله عليه السلام: «ما من شيءٍ إلاّ وله حدٌّ كحدود داري هذه، فما كان من الطريق فهو من الطريق، وما كان من الدار فهو من الدار»(2) .

وعن خيثمة بن عبدالرحمن الجعفي، قال: حدّثني أبو الوليد البحراني، عن أبي جعفر عليه السلام انّه أتاه رجل بمكة فقال له: يا محمد بن علي أنت الذي تزعم انه ليس شيء إلاّ وله حدّ ؟ !

(1) سورة النساء: 4|59.

(2) بحار الاَنوار|المجلسي 2: 170|7 باب 22.


49

فقال له أبو جعفر عليه السلام: «نعم، أنا أقول إنّه ليس شيء ممّا خلق الله صغيراً أو كبيراً إلاّ وله حدّ، إذا جوز به ذلك الحدّ فقد تعدّى حدود الله فيه...»(1)

وعن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين عليه السلام ـ في حديث طويل أنّه قال لطلحة: «إنّ كلَّ آية أنزلها الله على نبيه عندي باملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطّ يدي، وتأويل كلّ آية أنزلها على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكلّ حلال وحرام أو حدّ، أو حكم، أو شيء تحتاج إليه الاُمّة إلى يوم القيامة مكتوب باملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطّ يدي.

فقال: كل شيء من صغير أو كبير، أو خاص أو عام، كان أو يكون إلى يوم القيامة فهو عندك مكتوب ؟ !

قال: نعم، وسوى ذلك أسرّني في مرضه ألف باب يفتح كلُّ باب ألف باب»(2) .

وكذا ورد عن يونس بن عبدالرحمن، عن حمّاد، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: سمعته يقول: «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب وسُنّة»(3) .

واستفاد العلماء من تلك الروايات وأشباهها: « أنّ لكلِّ شيء حداً، وأنّهُ ليس شيء إلاّ ورد فيه كتابٌ وسُنّة، وعلم ذلك كلِّه عند

(1) بحار الاَنوار 2: 170|10 باب 22.

(2) بحار الاَنوار 26: 65|147 باب 1.

(3) اُصول الكافي 1: 59|4 باب الردّ إلى الكتاب والسُنّة.


50

الاِمام عليه السلام»(1) .

وعليه قالوا: (إنّ كلّ مُتشرِّع يعلم أنّه ما من فعل من أفعال الاِنسان الاختيارية، إلاّ وله حكم في الشريعة الاِسلامية، من وجوب أو حرمة، أو نحوهما من الاَحكام الخمسة)(2) .

فلو تمّت هذه المقدمة ـ وهي تامة ـ يكون حينئذٍ كلُّ تصرّف للمعصوم له حكمه الخاص، وبما أنّ له حكمه الخاص، وهو مبين لذلك الحكم، فعليه يقتضي ذلك عصمته، وإلاّ لاختل التبليغ، إلاّ إذا قلنا بأنّ عصمته في الواقعة الاُولى واجبة، وأمّا في الوقائع اللاحقة فلا، وهو ما لم يقله أحد لحدِّ الآن، وحينئذ إذا تجرّأ أحدٌ وقاله فهو خلاف الاجماع المركب للمسلمين كما هو ظاهر.

بل لعلَّ ما ورد في سبب جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين، يوضِّح لنا الاَمر أكثر، فيكون المطلب أجلى وأوضح، فقد ذكر أهل التاريخ أنّ: (سبب تسميته بذي الشهادتين هو أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشترى فرساً من أعرابي، ثمّ إنّ الاَعرابي أنكر البيع. فأقبل خزيمة بن ثابت الاَنصاري ففرَّج الناس بيده حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أشهد يارسول الله لقد اشتريته منه. فقال الاَعرابي: أتشهد ولم تحضرنا ؟ ! قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أشهدتنا» ؟ ! قال: لا، يا رسول الله، ولكنّي علمتُ أنّك قد اشتريت، أفأصدِّقُكَ بما جئت به من عند الله، ولا أُصدّقك على هذا

(1) الاصول الاصلية|العلاّمة السيد عبدالله شبر: 273.

(2) اصول الفقه|العلاّمة الشيخ محمدرضا المظفر 1: 7.


51

الاَعرابي الخبيث ؟ !

فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: «يا خزيمة شهادتك شهادة رجلين»)(1)

إذ إنّ تلك القضية بلا ريب ولاشكّ لم تكن تبليغاً، ولم تكن فتيا، بل كانت أمراً شخصياً متعلِّقاً بمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بما هو شخصٌ، لا بما هو نبيٌّ أو مرسل.

وكما يعلم الجميع ادّعى أحد المتنازعين الذي كان من الاَعراب، بأنّ الفرس فرسه، وادّعى الشخص الآخر الذي هو محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم الفرس ذاته، ووقع النزاع بينهما.

وعندما سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشهادة له، لم يشهد له أحد من المسلمين لجهلهم، لا لشيء آخر، لاَنّهم لم يروه عنده، ولم يطّلعوا على ملكيته، ولم يشهدوا بيعه، إلاّ أن شخصاً من العرب أقبل، وفضَّ النزاع بشهادته انّ الفرس لمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم!!!

فكيف تمّت شهادته ؟ ! هل شهد ملكيته للفرس ؟ ! هل عَلِمَ بها بما تعلم به الملكية لشخصٍ على مالٍ مُعيّن ؟ ! كُلُّ هذا لم يكن...

فلماذا لم يزجره النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن فعله هذا ؟ ! ولماذا لم يقل له لم تشهد فلم تشهد ؟ ! ولماذا هو لم يقل أصلاً بأنَّ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الشخص ربما يكون

(1) رواها الشيخ الكليني بسند صحيح عن أبي عبدالله عليه السلام. الكافي 7: 23|1 كتاب الشهادات باب النوادر. كلّه عن معجم رجال الحديث|السيد الخوئي 7: 49 ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام. وأوردها الشيخ المجلسي قدس سره في بحاره عن معاوية بن وهب باختلاف في بعض ألفاظ الواقعة عن كتاب الاختصاص: 64 راجع بحار الانوار|المجلسي 22: 141 مؤسسة الوفاء 1983 م ط2.


52

قد اشتبه عليه الاَمر ؟ ! أو أن يكون قد أخطأ ؟ ! أو نسي ؟ ! أو... إلى آخر محامل الاشتباه...

هذا الرجل لم يعتنِ بذلك أصلاً، وشهد بأن الفرس له، معلِّلاً شهادته بعد سؤاله صلى الله عليه وآله وسلم له كيف شهدت بذلك ؟ ! فقال: انّك اخبرتنا عن السماء فصدّقناك فكيف لا أُصدِّقك على فرس ؟ ! وبهذا الايمان المطلق أصبحت شهادته تعادل شهادتين فسُمي بخُزيمة ذي الشهادتين. ألا يكون ذلك شاهد صدق على مدّعانا ؟ !!

فالقضية كانت شخصية مع هذا جعل من شهِدَ بلا رؤية بصرية، بل برؤية بصيرية بهذه القاعدة العقلية المرتكزة في ذهن العقلاء التي لم يلتفت إليها أغلب الناس آنذاك في ذلك المجتمع الذي لم ينضج بعد عقائدياً؛ ولتوضيحها وترسيخها في أذهان الناس جعلت شهادة هذا الرجل شهادتين. فما لنا كيف نحكم ؟ !

يبقى شيء ربّما يقع فيه المتعرِّض لهذه المباحث، ومؤداه من أنّ العقاب يرفع عمّن تاب، فعليه لا عقاب ولا عتاب يبقى. ولكن هذا لاشيء، بالنظر إلى حديثنا بالخصوص، فلا مدخلية لذلك باستحقاق العقاب أو الثواب، أو عدم أحدهما، أو كليهما أصلا؛ وذلك لاَنّ حديثنا بالمنفّر ووجوده، لا باستحقاق العقاب الاُخروي، أو حتى الدنيوي وعدمه، إذ قد يأتي الابتلاء من جهة الاختبار ليس إلاّ، لا من جهة الذنب كما هو واضح، فلا فرق.

إلاّ أنّ الزاوية المنظور منها تختلف، وذلك لاَنَّ كثيراً من المباحات مع أنّها لا توجب عقوبة ولا ذماً، إلاّ انّها منفرة، فاننا نقول بعدم جواز ارتكابها


53

من قبل من علت درجته بلا ريب ولاشكّ وهو واضح بالتأمل. وكذلك هناك كثير من الهيئات والحالات التي لا يمكن لمثل هؤلاء ان يكونوا فيها، مع أنها خارجة عن مورد العقاب والذمّ. فحديثنا منصبٌّ حول وجود المنفّر وعدم وجوده.

فنرى من أنّ أي شيء يكون منفّراً عن هؤلاء الاَشخاص لا يمكن أن يرتكبوه أو يكونوا فيه سواء كان مباحاً أم غير مباح، وسواء كان عملاً أم غير عمل، وسواء كان حالة وهيئة أم غيرهما.

ولازم من يقول من أنّ الحديث حول التوبة من ذاك الذنب الصغير وعدمه، فإذا تاب كان هذا غير لازم للتنفير عنه؛ لاَنّها قد أزالت الذم والعقاب، لازم ذلك القائل جواز ارتكاب الكبائر قبل البعثة إذا تاب، بل بعدها مع التوبة، وهو كما ترى.

كما أنّ ارتكاب الصغيرة لا يمكن قياسه بترك النوافل وأشباهها، فهما مختلفان من حيث ان ارتكاب الصغيرة يكون منفّراً، بينما ترك النافلة لايكون كذلك إلاّ في حالات خاصة نلتزم بعدم تركها فيها.

المهم أنّ العرف هو الذي يُحدّد ما هو المنفّر من غيره، ولا ضابطة دقيقة في ذلك أصلاً، ولكن يمكن إعطاء ضابطة كلية وهو أنّ كلّ منفّرٍ لايمكن لهؤلاء أن يرتكبوه، لاَنّ اللطف الالهي يقتضي تقريب الناس منهم. وكل منفر يوجب ابتعاد الناس عنهم، وهو عكس المطلوب.

ولذا عبّروا: (فرقٌ واضحٌ في العادة بين الانحطاط عن رتبة ثبتت، واستحقت وبين فوتها). ويعنون من أنّ الصغيرة لكونها ذنباً توجب الانحطاط لمرتكبها فهو قبلها كان أعلا رتبة، ومن أنّ ترك النافلة توجب


54

عدم الصعود من رتبة هو فيها إلى أعلى منها كان يستحقها لو أنه فعل تلك النافلة، وهذا الكلام يبطل قول من يقول بجواز ارتكاب الصغائر منهم، سواء كان عن عمد أم عن تأويل(1) .

تذييلات

الاَول: مسألة السهو لنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم بالخصوص

بما أنّ مسألة سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم توجد روايةً وقولاً، لذا أحببنا أن نمرَّ عليها من دون إخلال بمطالب الكتاب، وبدون تعميق للجذور، بما ينفع في دفع هذا الوهم والقول الشاذّ بالكلية.

إنّ روايات السهو توجد في كتب الفريقين، فلذا أحببنا دغدغتها من كلا الطرفين، لرؤية الطريق الواضح.

روي عن أبي هريرة أنّهُ قال: (إنّكم تقولون إنّ أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله، ويقولون: ما بال المهاجرين والاَنصار لا يحدّثون عن رسول الله بمثل حديث أبي هريرة، إنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاَسواق، وكنت ألزم رسول الله على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا.

وكان يشغل إخوتي من الاَنصار عمل أموالهم، وكنت امرأً مسكيناً من

(1) وهو رأي أبي علي الجبائي ومن وافقه.


55

مساكين الصُّفّة، أعي حين ينسون. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث يحدّثه: «إنّه لن يبسط أحد ثوبه حتّى أقضي مقالتي هذه، ثمّ يجمع إليه ثوبه إلاّ وعى ما أقول». فبسطت نمرة عليَّ حتى إذا قضى رسوله الله مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله من شيء)(1) .

وروي كذلك عنه أنّ رسول الله قال: «ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك ؟ !» قلت: أسألك أن تعلمني ممّا علمك الله. فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأنّي أنظر إلى القمل يدبّ عليها، فحدّثني حتّى استوعبت حديثه. قال: «اجمعها، فصُرها إليك». فأصبحتُ لا أُسقط حرفاً مما حدثني.

وروي عن أبي هريرة أيضاً، قال: قلت لرسول الله إنّي سمعت منك حديثاً كثيراً، فأنساه. فقال: «ابسط رداءك» فبسطته، فغرف بيديه فيه، ثم قال: «ضُمّه». فضممته فما نسيت حديثاً بعده(2) .

فهل ينبغي لمن يصحح هذه الاَحاديث في أبي هريرة أن ينسب السهو إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟(3) .

ولقد تنبّه الشيخ محمود أبو ريّة إلى ذلك في كتابه «شيخ المضيرة أبو هريرة» فعلّق قائلاً: (ومن عجيب أمر الذين يثقون بأبي هريرة، ويمنعون

(1) فتح الباري في شرح البخاري 4: 231. وسير أعلام النبلاء|الذهبي 2: 429.

(2) طبقات ابن سعد 4: 56.

(3) وقد ناقش هذه المرويات التي ما أنزل الله بها من سلطان، السيد عبدالحسين شرف الدين في كتابه (أبو هريرة)، وأثبت بطلانها بوجوه عدّة، فراجع.


56

عنه السهو، والنسيان، لا يتحرّجون أن ينسبوهما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم)(1) .

أما عند الخاصة فقد وردت روايات سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب الروائية الجليلة، وهي: كتاب «التهذيب» للشيخ الطوسي قدس سره(2) ، وكتاب «الكافي» للشيخ الكليني(3) ، وكتاب «من لا يحضره الفقيه» للشيخ الصدوق(4) ..

فقد ورد في «الكافي» مرفوعاً إلى أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالناس الظهر ركعتين، ثمَّ سها فسلّم، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله أنزل في الصلاة شيء ؟ ! قال: وما ذاك ؟ ! قال: إنّما صلّيت ركعتين . فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتقولون مثل قوله ؟ ! قالوا: نعم. فقام صلى الله عليه وآله وسلم فأتمَّ بهم الصلاة، وسجد بهم سجدتي السهو...».

وأمّا أبو جعفر بن بابويه، فقد روى عن سعيد الاَعرج قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى أنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صلاة الفجر حتّى طلعت الشمس، ثم قام فبدأ فصلى الركعتين اللتين قبل الفجر، ثمّ صلّى الفجر، وأسهاه في صلاته، فسلّم في الركعتين، ثم..

(1) شيخ المضيرة أبو هريرة: 217، ط3.

(2) التهذيب 2: 345|1433.

(3) الكافي 3: 355|1.

(4) من لا يحضره الفقيه 1: 233|1031. وروى كلّ ذلك عنهم صاحب الوسائل في وسائله 8: 198 ـ 203 الباب الثالث من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.


57

وإنّما فعل ذلك به، رحمةً لهذه الاُمّة، لئلاّ يعيّر الرجل المسلم اذا هو نام عن صلاته أو سها فيها.

فيقال: قد أصاب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..»(1) .

وقد علّق الشيخ ابن بابويه على روايته بما يمكن أن نحصره بنقاط:

1 ـ إن هناك عبادة مخصوصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهناك عبادة عامّة تشمله وتشمل غيره، والعبادة المخصوصة به، هي النبوة، والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز في هذه الاُمور النسيان مطلقاً. وأمّا في العبادة المشتركة فيجوز فيها وقوع السهو منه، وحاله حال بقية المكلفين.

2 ـ إنّ باثبات النوم له تُنفى عنه الربوبية، لاَنّ الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الباري عزَّ وجل.

3 ـ إن سهوه صلى الله عليه وآله وسلم ليس كسهونا، فسهونا من الشيطان وسهوه من الرحمن، وأسهاه لفائدتين؛ أولاً: ليُعلَم من انّه بشر. ثانياً: ليُعلِّمنا أحكام السهو.

4 ـ وإنّما قال بأنّ سهوه ليس من الشيطان؛ لاَنّه ليس للشيطان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة عليهم السلام سلطان: (إنّما سلطانه على الذين يتولّونه والذين هم به مشركون)(2) وعلى من تبعه من الغاوين.

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 358.

(2) سورة النحل: 16|100.


58

5 ـ وذكر أنّ شيخه محمد بن الحسن بن الوليد يقول: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. هذا مقتضى كلامه كلّه هناك(1) .

أما الشيخ محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة وزعيمها، وهو أحد الاَجلاّء الذين ذكروا حديث السهو كما أسلفنا، فقد قال في «التهذيب» بعد إيراده لحديث مؤدّاه: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما سجد سجدتي السهو قط، ولا يسجدهما فقيه.

قال قدس سره ـ: الذي أفتي به ما تضمنه هذا الخبر، فأمّا الاَخبار التي قدّمناها من أنه سها فسجد، فهي موافقة للعامّة. وإنّما ذكرناها لاَنَّ ما تضمَّنته من الاَحكام معمول به على ما بيناه..)(2) .

وقال تعليقاً على ما رواه مما تضمّن قصة ذي الشمالين: (على أنّ في الحديثين الاَولين ما يمنع من التعلق بهما، وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ممّا تمتنع العقول منه)(3) .

وقال في «الاستبصار»: (وذلك ممّا تمنع منه الاَدلة القاطعة في أنّه لايجوز عليه السهو والغلط)(4) .

وقد روى صاحب «الوسائل» روايتين في ذلك(5) قبل أن يُعلِّق بقوله:

(1) راجع كلامه كلّه في من لا يحضره الفقيه 1: 358 ـ 360.

(2) التهذيب 2: 180.

(3) التهذيب 2: 180.

(4) الاستبصار 1: 371.

(5) وسائل الشيعة|الحر العاملي 8: 198 ـ 199|2 و 4 بطريقين، الباب الثالث من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.


59

(ذكر السهو في هذا الحديث وأمثاله محمول على التقية في الرواية كما أشار إليه الشيخ وغيره، لكثرة الاَدلة العقلية والنقلية على استحالة السهو عليه مطلقاً. وقد حقّقنا ذلك في رسالة مفردة وذكرنا لذلك محامل متعددة)(1) .

وهكذا (فإنّ أدلة العصمة التي يقول بها جمهور المسلمين تقتضي الحكم بنفي السهو عنه في القول والفعل. وقد ذهب إلى ذلك المحققون من علماء الكلام من الشيعة، وممن قال بذلك من أهل السنة: أبو اسحاق الاسفراييني، وقد فصّل ذكر الخلاف منهم في كتاب «حجيّة السُنّة» للشيخ عبدالغني عبدالخالق)(2) .

أمّا الشيعة فلم يرد منهم خلاف في عصمته صلى الله عليه وآله وسلم من السهو في الاَقوال(3) . من كلِّ ذلك نستفيد ما يلي:

أولاً:

أنّ الظاهر يجب أن يؤوّل إذا كان مخالفاً للدليل العقلي، فضلاً عن وجود ادلّة نقلية كثيرة تفيد خلافه، وهذا ما فعله الاَعلام.

إذا عرفنا أن اُصول الاعتقاد يجب أن تكون مبنية على الجزم، وأما الاَمر المستند على الظن فلا يغني عن الحق شيئاً، والدليل الجازم قد قام

(1) ويقصد بها (التنبيه بالمعلوم) أو (البرهان على تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان): 199، ومن أراد الاستفادة الاكثر، والتدقيق في هذا المطب الحساس، وملاحظة آراء العلماء وما يُساعد عليه الدليل بصورة موسّعة فعليه بهذه الرسالة المهمة.

(2) حجية السُنّة: 17 ـ 99.

(3) مصنّفات الشيخ المفيد|السيد محمدرضا الجلالي المجلد العاشر رسالة عدم سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم


60

عقلاً ونقلاً على عصمة هؤلاء، فما جاء خلافه لا يؤخذ على ظاهره بل يجب أن يؤوّل.

ثانياً:

يردُ على الشيخ ابن بابويه في النقطة الاُولى مما حصرنا فيه رأيه: من أين له هذا التقسيم للعبادة، وإنّه يجوز في أحدها السهو، ولا يجوز في الاُخرى، مع إطلاق الروايات في العصمة وقيام الدليل عليها مطلقاً كذلك ؟ ولو (جاز السهو والنسيان من المعصوم في العبادة، لجاز في التبليغ. والفرق ليس عليه دليل قاطع، ولا يفهمه كلُّ أحد، بل كل من وقف على أحدهما جوّز الآخر قطعاً.

وأقلّهُ أنّ الاَكثر الاَغلب لا يُفرِّقون بينهما، فلا يوثَقُ بشيءٍ من أقواله، وأفعاله، وتختلُّ عصمته، وهو باطل قطعاً)(1) .

ثالثاً:

نُعلِّقُ على نقطته الثانية بأنّ انحصار العبودية هل يتمُّ بهذا فقط حتى نقول به ؟ ! وهل انحصار كونه بشراً يتمّ بيانه بالنوم عن الصلاة، لابالنوم عن غيرها، حتى نستدل من خلاله بأنّه ليس ربّاً، إذ الربّ لاتأخذه سنة ولا نوم ؟ ! ففي بيان هذا يمكن أن ينام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أيّ مكان وأي وقت لكشف كونه غير رب. وأين نضع الاَحاديث الواردة في أنّه تنام عينه ولا ينام قلبه ؟ ! وسيأتي مزيد بيان حول هذه النقطة بالذات.

رابعاً:

وهل انحصر كونه من البشر في إسهائه ؟ ! وهل انحصر التعليم في اسهائه ؟ ! وإذا تمَّ هذا، فلماذا لم يرتكب بقيّة المحرمات والموبقات

(1) التنبيه بالمعلوم|الشيخ الحرّ العاملي: 111.


61

ليعلّمنا أحكامها، وحدودها.

ولماذا لم يسرق، حتّى يعلّمنا كيفية قطع يد السارق، وكيفية اعترافه قبل ذلك ؟ ! ما هذا كلّه إلاّ خروج عن طريق الصواب. وقياس لغير العبادات والمناسك بها، وهو كما ترى.

خامساً:

وقد قسَّم الشيخ ابن بابويه الناس إلى قسمين:

القسم الاَول: النبي والاَئمة عليهم السلام.

القسم الثاني: بقية الناس.

فالاَول من القسمين ليس للشيطان عليهم سبيل. وأمّا الثاني منهما فهم مصاديق للآية المباركة: (إنّما سلطانه على الذين يتولّونه والذين هم به مشركون)(1) وعلى من تبعه من الغاوين على حدِّ تعبيره.

فهو بنفسه الشريفة من أيّ قسمٍ يمكن أن يدخل، وحاشاه من توليه للشيطان والغواية والشرك ؟ !!

سادساً:

نقول لماذا يكون ذلك غلواً إذا أخذت بأعناقنا الاَدلة العقلية والنقلية عنهم عليهم السلام ؟ !!

الثاني: النوم

حدَّ الفقهاء النوم بذهاب حاسة السمع والبصر، وغيبة إدراكهما عنهما تحقيقاً، أو تقديراً، وبما أنه من الحالات الطبيعية للانسان، فليس فيه

(1) سورة النحل: 16|100.


62

غضاضة على من يسلبه النوم كلَّ ذلك(1) .

وقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة بالوفاة، وجعل الفرق بينها وبين الموت هو الرجوع وعدمه، قال تعالى: ﴿اللهُ يتوفى الاَنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيُمسكُ التي قضى عليها الموت ويرسل الاُخرى إلى أجلٍ مسمى إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون(2) .

مع هذا كلّه، فإنّه قد ورد من طرق الفريقين، وأطبق عليه العام والخاص أنّ من خصوصيات رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه تنام عينه، ولاينام قلبه.

بل صرَّح بعضهم بـ (أنّ منامات الرسل والاَنبياء والاَئمة عليهم السلام صادقة لاتكذب، وأن الله عصمهم عن الاَحلام، وبذلك جاءت الاَخبار عنهم على الظهور والانتشار)(3) .

وقد جاء أنّ سبب نزول هذه الآية المباركة: (قُلْ مَن كان عدواً لجبريل فإنّه نزّلهُ على قلبك باذنِ الله مُصدِّقاً لما بين يديه وهدىً وبشرى للمؤمنين)(4) ما روي أن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك، لمّا قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف نومك، فقد أُخبرنا عن نوم النبي

(1) مجمع البحرين|الشيخ الطريحي 1: 180 المطبعة المرتضوية.

(2) سورة الزمر: 39|42.

(3) أوائل المقالات|مصنّفات الشيخ المفيد 4: 70.

(4) سورة البقرة: 2|97.


63

الذي يأتي في آخر الزمان ؟ !! فقال: «تنام عيني، وقلبي يقظان»(1) .

فهذا الذي لا ينام قلبه، حتى في النوم، كيف ينام قلبه في اليقظة فيسهو أو يخطأ ؟ !!

من هنا نرى من أنّه لا مجال للقول بالسهو مطلقاً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا المعنى بعينه نقوله في الاِمام، إذ ورد عن الاِمام الرضا عليه السلام أنّه قال: «للاِمام علامات، يكون أعلم زمانه، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، إلى أن قال عليه السلام: وتنام عينه ولا ينام قلبه(2) ».

وكذا ورد عنهم عليهم السلام أنّ «حال الاَئمة في المنام حالهم في اليقظة، لايُغيّر النوم منهم شيئاً...»(3) .

الثالث: العصمة في الغضب والرضا

لو قيل:

إنّه بشر يتكلّم في الغضب والرضى، فكيف يكون في كلِّ ذلك معصوماً ؟ !!

فإنّه يقال:

إنّ القرآن قد صرَّح به وبيّن الفرق فقال تعالى آمراً رسوله

(1) التبيان في تفسير القرآن 1: 363 في تفسير هذه الآية المباركة.

(2) من لا يحضره الفقيه 4: 418. ومعاني الاخبار 2: 102. والخصال 1: 527. والاحتجاج|الطبرسي: 436. وعيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 212|1.

(3) الكافي 1: 509|12.


64

أن يقول للناس من أنّه بشر مثله: (قُلْ إنّما انا بشرٌ مثلكم) ، لكن الفارق قد ذكره تعالى أيضاً بعد أمره بقوله هذا إذ قال تعالى: ﴿قل إنّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ(1) فالوحي الالهي له مكانه الخاص به، وبهذا افترق هذا البشر عن غيره، إذ قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته(2) . وبيّن طاقة هذا البشر بقوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدِّعاً من خشية الله(3) .

ولذا وردت الرواية على لسان عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال: (كنت أكتب كلّ شيء اسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول الله، ورسول الله بشر يتكلّم في الغضب والرضى ؟ ! فأمسكت عن الكتابة.

فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده، ما يخرج منه إلاّ حق»)(4) .

(1) سورة الكهف: 18|110.

(2) سورة الانعام: 6|124.

(3) سورة الحشر: 59|21.

(4) سنن ابي داود 3: 342. وانظر أيضا: مسند أحمد بن حنبل 2: 215 عن طريقين. المستدرك على الصحيحين 3: 528.


65
الفصل الرابع

أدلة العصمة من الكتاب والسُنّة

المبحث الاَول: أدلة العصمة من القرآن

1 ـ قال تعالى: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون(1) .

(دلّت الآية ـ كما قال القرطبي ـ على انّ الله عزَّ وجلَّ لا يُخلي الدنيا في وقت من الاوقات من داع يدعو إلى الحق)(2) .

وقال الجبائي: (هذه الآية تدلُّ على أنّه لا يخلو زمان ألبتّة عمّن يقوم بالحق، ويعمل به، ويهدي إليه، وانّهم لا يجتمعون في شيء من الازمنة على الباطل...)(3) .

فعليه يمكن ان يقال بأنّ هذه الاُمّة آخر الاُمم، وانّه لابدّ ان يبقى منها من يقوم بأوامر الله، حتى يأتي أمر الله.

(1) سورة الاعراف: 7|181.

(2) الجامع لاحكام القرآن|القرطبي 7: 329.

(3) التفسير الكبير|الفخر الرازي 15: 76 ـ 77.


66

وقال السيد الطباطبائي في «ميزانه»: (تدل على انّ النوع الانساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقة، إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع الله ومن يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فاولئك هم الخاسرون، والاهتداء الحقيقي لا يكون الا عن هداية حقيقية، وهي التي لله سبحانه، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلّنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين(1) ، وغيره. ان الهداية الحقيقية الالهية لا تتخلف عن مقتضاها بوجه، وتوجب العصمة من الضلال، كما ان الترديد الواقع في قوله تعالى: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحقُّ ان يُتَّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى(2) . يدل على انّ من يهدي إلى الحقّ يجب ان لا يكون مهتدياً بغيره إلاّ بالله.

وعلى هذا فإسناد الهداية إلى هذه الاُمّة لا يخلو عن الدلالة على مصونيتهم من الضلال، واعتصامهم بالله من الزيغ إمّا بكون جميع هؤلاء المشار إليهم بقوله: (اُمّة يهدون بالحق) متصفين بهذه العصمة والصيانة كالانبياء والاوصياء، وإما تكون بعض هذه الاُمّة كذلك، وتوصيف الكل بوصف البعض نظير قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة (3) ، وقوله تعالى: ﴿وجعلكم ملوكاً(4) ، وقوله: (لتكونوا

(1) سورة الانعام: 4|89.

(2) سورة يونس: 10|35.

(3) سورة الجاثية: 45|16.

(4) سورة المائدة: 5|20.


67

شهداء على الناس) (1) وانّما المتصف بهذه المزايا بعضهم دون الجميع)(2) .

وبناءً على كلِّ ما تقدّم نستخلص وجود من يهدي إلى الحقّ ولايجتمع مع الباطل أصلاً في جميع الازمنة، ولا يمكن بناءً على هذا ان يظهر المصداق لهذه الآية المباركة إلاّ على ما نقول به من وجود الاِمام المعصوم في كلِّ وقت.

فالذي يهدي بالحق وبه يعدل لابدّ ان يكون معصوماً كما تقدم، إمّا اشارة إلى امة معصومة بالذات، أو إلى الاُمّة المرحومة جميعاً بالاضافة إلى وجود المعصوم فيها في كلِّ وقت.

2 ـ ﴿والنجم إذا هوى*ما ضلَّ صاحبكم وما غوى(3) .

فالضلال منفي عنه، والغواية منفية عنه. ومن معاني الضلال التي أشار إليها القرآن الكريم: النسيان، قال تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممّن ترضون من الشهداء ان تضلَّ إحداهما فتذكّر إحداهما الاُخرى)(4) . (يريد لئلاّ تنسى إحداهما فسمّى النسيان ضلالاً، وذلك معروف في اللغة)(5) .

(1) سورة البقرة: 2|143.

(2) الميزان|الطباطبائي 8: 345 ـ 346.

(3) سورة النجم: 53|1 ـ 2.

(4) سورة البقرة: 2|282.

(5) مصنفات الشيخ المفيد (كتاب الجمل) 1: 104.


68

وقال تعالى: ﴿وعصى آدمُ ربَّهُ فغوى(1) . فسمى سبحانه المعصية هنا غواية. والغواية تأتي في اللغة بمعنى الخيبة، وهنا اطلقت لخيبة آدم من ثواب كان مقدّراً له.

قال الشاعر:

ومن يلق خيراً يحمد الناس أمرهُ
ومن يغو لا يُـعدم على الـغي

فحينئذ لو أدركنا انّ من معاني الضلال النسيان وان من معاني الغواية المعصية والخيبة نرى أنَّ الباري عزَّ وجلّ قد نفى النسيان والمعصية والخيبة عن نبيه الكريم باطلاق قوله سبحانه: ﴿والنجم إذا هوى*ما ضلَّ صاحبكم وما غوى .

3 ـ وآيات الاتّباع والاسوة لابدّ ان تكون دالة على العصمة وإلاّ لاُمرنا باتّباعه والتأسي به حتى عند خطئه وسهوه وهو كما ترى.

مثل قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة(2) .

وقوله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كلَّ شيء فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون*الذّين يتّبعون الرسول النبيَّ الاُمي(3) .

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إن كنتم تحبونَ الله فاتبعوني يحببكم الله(4) .

(1) سورة طه: 20|121.

(2) سورة الاحزاب: 33|21.

(3) سورة الاعراف: 7|156 ـ 157.

(4) سورة آل عمران: 3|31.


69

وقوله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبيّ الاُمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون(1) .

وكذلك آيات الاطاعة الكثيرة سواء كانت مقرونة مع طاعة الله تعالى أو منفصلة بل انّ لسانها كلها (من يُطعِ الرسول فقد أطاع الله)(2) ، فيجب ان يكون معصوماً مطلقاً كما هو واضحٌ بلا مزيد بيان.

4 ـ وقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى*إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى(3) .

(دلّت على ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق إلاّ عن وحي، فيستحيل ان يُسَلِّم في الصلاة في غير محلّه، ثمّ يتكلم قبل تمام صلاته، ثمّ يُكذِّب ذا الشمالين، وهو صادق على قولكم، ثمّ يعترف بخطئه، وكلّ ذلك ينافي مدلول الآية)(4) .

وقد دلّ السياق للآيات المباركة مع ورود النطق وقد ورد عليه حرف النفي انّ النطق مطلقاً منفي منه الهوى لا خصوص القرآن الكريم، فلا قرينة هناك مخصّصة لا مقامية كما مال إليه بعضهم، ولا مقالية، فتأمل.

فدلّ على نفي الهوى عن نُطقه مطلقاً، وان مطلق نطقه وحيٌّ يوحى، إلاّ إذا قام الدليل على خلافه، والاَدلة الاُخرى تعضده، فحينئذٍ توجد قرائن خارجية كثيرة تفيد ذلك فكيف تصرفها عن الظاهر ونقول من انّها

(1) سورة الاعراف: 7|158.

(2) سورة النساء: 4|80.

(3) سورة النجم: 53|3 ـ 4.

(4) التنبيه بالمعلوم|الشيخ الحر العاملي: 77.


70

في مقام بيان انّ القرآن من الوحي ؟ !!

5 ـ ويمكن ان يستشف من قوله تعالى: ﴿إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين(1) .

(الاصطفاء والاجتباء والاختيار نظائر، وهو افتعال من الصفوة، وهذا من أحسن البيان الذي يُمثَّل به المعلوم بالمرئي.

وذلك انّ الصافي هو النقي من شوائب الكدر فيما يشاهد، فمثَّل الله خلوص هؤلاء القوم من الفساد ظاهراً وباطناً بخلوص الصافي من شوائب الادناس)(2) .

وبقرينة الآية المباركة: (الحمد لله ربِّ العالمين) وتكرارها في مواضع عدّة من كتابه بهذه الصيغة نستدلُّ على انّ العالمين جمع عالم، وهو كل ما خلقه الله تعالى فيشمل، عالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الاِنسان، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، أو أي عوالم أُخرى يمكن تصورها.

والملائكة كما نعلم من المعصومين على أصحّ الاقوال (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون)(3) .

ومن هذه الآية نستدل على انّ الاَنبياء والاَئمة عليهم السلام أفضل حتى من

(1) سورة آل عمران: 3|33.

(2) مجمع البيان|الطبرسي 3: 433 في تفسير هذه الآية المباركة.

(3) سورة التحريم: 66|6.


71

الملائكة؛ (لاَنّ العالمين يعم الملائكة وغيرهم من المخلوقات، والله سميع لما تقوله الذرية، عليم بما يضمرونه فلذلك فضلّهم على غيرهم لما في معلومه من استقامتهم في أفعالهم وأقوالهم)(1) .

بل من هذا السياق نستدل على ان نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء رحمة ليس للناس فقط بل حتى للجماد والحيوان والجن والانس بل حتى للملائكة، فهو رحمة لكلِّ ما خلق الله ويخلق بدليل قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين(2) ، ومن كانت هذه صفاته بالخصوص، ومن كانت تلك صفاتهم بالعموم مع تفضلهم على خلق الله تعالى ومن جملتهم المعصومين الذين هم الملائكة الذين منهم سُجّدٌ لا يركعون، ورُكّعٌ لا يسجدون قد مُلئت السموات والاَرض منهم وعن العبادة لا يفترون..

كيف يتصوّر ان يكون (الرحمة) لهم غافلاً عن ذكر الله، أو فاتراً عنه، ولو للحظة واحدة، حتى ولو كان سهواً، وهذا الدليل الاخير بالخصوص مختصٌ بنبينا وآله عليهم السلام.

ألا نستشف من ذلك عصمتهم بالاضافة إلى نكاتٍ اُخرى لا تخفى على اللبيب ؟

6 ـ قوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى(3) .

(1) مجمع البيان 3: 433.

(2) سورة الانبياء: 21|107.

(3) سورة الأعلى: 87|6.


72

(وهي عامة، فانّ المفعول لا يتعين تقديره بالقراءة، ولا قائل بالفرق بين ماقبل نزول الآية، وقبل القراءة، وما بعدها، فالفارق خارقٌ بالاجماع)(1) . وهذه «اللاّ» ليست ناهية، بدليل عدم حذف حرف العلة، فهي إذن نافية فيثبت المطلوب.

7 ـ قوله تعالى: ﴿وتعيها أذنٌ واعية(2) .

روى الطبرسي وغيره من طرق العامّة والخاصّة انّها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، وانه قال: «ما سمعتُ شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنسيتُه»(3) .

وهذا عام مطلقٌ في التبليغ وغيره، فيستحيل النسيان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطريق الاَولوية(4) .

8 ـ قوله تعالى: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله انّ الله شديد العقاب(5) .

قال صاحب الميزان: والآية مع الغضّ عن السياق عامّة تشمل كلَّ ماآتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حكم فأمر به، أو نهى عنه. وقوله: (واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب) تحذير لهم عن مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأكيداً لقوله: (وما

(1) التنبيه بالمعلوم|الشيخ الحر العاملي: 78.

(2) سورة الحاقة: 69|12.

(3) مجمع البيان|الطبرسي، في تفسير هذه الآية المباركة.

(4) التنبيه بالمعلوم|الشيخ الحر العاملي: 77.

(5) سورة الحشر: 59|7.


73

آتاكم الرسول...) (1) .

بل ورد (في الكافي باسناده عن زرارة انّه سمع أبا جعفر وأبا عبدالله عليهما السلام يقولان: «إنّ الله عزَّ وجلَّ فوّض إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أمر خلقه، لينظر كيف طاعتهم، ثم تلى هذه الآية (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) »، والروايات عنهم عليهم السلام في هذا المعنى كثيرة، والمراد بتفويضه أمر خلقه كما يظهر من الروايات امضاؤه تعالى ما شرّعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم، وافتراض طاعته في ذلك، وولايته أمر الناس)(2) .

9 ـ قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمهنَّ قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)(3) .

يمكن البحث في دلالة هذه الآية المباركة كما يلي:

المحور الاَول:

في معنى الظلم والظالمين نجد في القرآن الكريم إضافة إلى هذه الآية موارد كثيرة: قال تعالى: (... والكافرون هم الظالمون) (4) ، وقال تعالى: (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فاولئك هم الظالمون)(5) ، وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك

(1) الميزان|الطباطبائي 19: 204.

(2) الميزان 19: 210.

(3) سورة البقرة: 2|124.

(4) سورة البقرة: 2|254.

(5) سورة آل عمران: 3|94.


74

هم الظالمون) (1) ، وقال تعالى: (إنّ الشرك لظلمٌ عظيم)(2) ، وقال تعالى: ( إنّما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الاَرض بغير الحق اولئك لهم عذاب أليم)(3) ، ويمكن ان يكون الاِنسان ظالماً لنفسه، قال تعالى: (فمنهم ظالمٌ لنفسه)(4) ، وقال تعالى: (ومن ذريّتهما محسن وظالم لنفسه مبين )(5) ، وقد بيّن كيفية ظلم الاِنسان لنفسه بقوله تعالى: ﴿ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه(6) ، وقال تعالى: (ومن يتعدَّ حدود الله فاولئك هم الظالمون) (7) .

مؤدى الآيتين الكريمتين الاخيرتين يجب ألاّ يراد التعدي لحدود الله مطلقاً، أي سواء كان التعدي عن عمدٍ أم سهو، لاَنّه اذا تعدى حدود الله تعالى عمداً فواضح، وإذا تعدى سهواً، فهو متعدٍ ظالم لنفسه، إلاّ انه معذور فالعقوبة ترتفع إلاّ أنّ الظلم يبقى حتى وإن كان معذوراً.

وبه يظهر ان الاِمام يجب ألا يكون مخطئاً أصلاً، وإلاّ لكان ظالماً في ذلك المصداق بالذات، فيشمله انه من الظالمين، فلا يمكن ان يناله عهد الله تعالى، فيجب ان يكون معصوماً مطلقاً.

(1) سورة المائدة: 5|45.

(2) سورة لقمان: 31|13.

(3) سورة الشورى: 42|42.

(4) سورة فاطر: 35|32.

(5) سورة الصافات: 37|113.

(6) سورة الطلاق: 65|1.

(7) سورة البقرة: 2|229.


75

المحور الثاني:

قال تعالى: (يوم يعضُّ الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا)(1) .

فهذه الآية تُظهر لنا انَّ الظالم في جهة، وفي الجهة الاُخرى يكون الرسول، فعليه لا يمكن ان يكونا في مصداقٍ واحد جزماً. ومنه نستشف انَّ الرسول يجب الا يكون ظالماً أصلاً، ولو نوقش في هذا، فالمحور الثالث ينجلي فيه الامر أكثر وأنصع.

المحور الثالث:

قال إبراهيم عليه السلام: (ومن ذُريتي...) طلب هذا الاَمر الجليل لبعض ذريته، ولابدّ وان يكون مقصوده الذي يكون منهم مؤمناً، فحاشاه ان يطلب هذا الاَمر الجليل لغير المؤمن كما هو واضح، ولاَنّه خاطب أباه آزر من قبل فقال له: (.. أتتخذ أصناماً آلهةً إنّي أراك وقومك في ضلالٍ مبين)(2) ، فكيف يطلب هذا الامر لضال ؟ !

وقد قال كذلك عند البيت الحرام: (ربِّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهلهُ من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر...)(3) فهو يدعو بالرزق للذين آمنوا خاصة، فكيف يطلب الاِمامة لغيرهم ؟ !! هذا أولاً.

وثانياً: لابدّ وان يكون ذلك مؤمناً في حال كونه غير فاسق، لاَنّه يعلم انّ المتلبِّس بالفسق لا يمكن ان يكون إماماً للمؤمنين، إذ إنّه هو عليه السلام لم يحز هذا المنصب إلاّ بعد التسليم المطلق لله تعالى، وبعد الرسالة، والخلّة.

(1) سورة الفرقان: 25|27.

(2) سورة الاَنعام: 6|74.

(3) سورة البقرة: 2|126.


76

وهذه المعاني لابدّ وان تكون موجودة في ذهنه المنار بالايمان لدرجة التسليم.

فإذا كان كذلك، فما معنى قول الباري عزَّ وجلَّ بعد ذلك: (لا ينال عهدي الظالمين) إذا استثنينا الكافر والفاسق الفعلي الذي يظهر منه انّه قد أخبر بذلك، لرفع ما ليس متبادراً ومتداعياً في ذهن الخليل عليه وعلى نبينا وآله السلام، فبيّن له الباري عزّ وجلّ من انّ العهد لا ينال من ليس مؤمناً فحسب بل حتّى المؤمنين الخواص، وانّ ذلك المقام لابدّ وان يكون للذي لم يرتكب، ولن يرتكب ظلماً أبداً، سواء كان متلبساً بالظلم، أم لا، مستغفراً وتائباً من ذنبه لله تعالى أم لا، صغيراً كان أو كبيراً، كما يُشعر بذلك، قوله سبحانه: (لا ينال عهدي الظالمين) ويريد ان يبين نكتة اُخرى، بإنَّ الظلم لا يفارق طبيعة الذرية، والذرية مجموع، فعليه أتى بالجمع وقال تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) ولم يقل لاينال عهدي الظالم، هذا أولاً.

وثانياً: ليبين انّ هناك بعده باشارة لطيفة أئمة وليس إماماً واحداً، وفي ذريته بالخصوص وإن كان هذا المعنى أبعد غوراً من ذاك.

10 ـ قال تعالى: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول...)(1) .

نستفيد من هذه الآية المباركة استفادات عديدة، منها:

الاستفادة الاُولى:

اطاعة الله سبحانه جاءت في الآية المباركة خالية

(1) سورة النساء: 4|59.


77

من أيّ قيدٍ، وبما انّ طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاءت كذلك وعطفت على اطاعته تعالى، إذاً يجب ان تكون مطابقة لها كما هو الظاهر.

الاستفادة الثانية:

بما انّ الله سبحانه منبعُ العصمة، إذاً يجب ان يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً، وإلاّ لاختلّت الاطاعة الثانية ولما عُطِفَت على الاطاعة الاُولى كما هو ظاهر.

الاستفادة الثالثة:

قوله تعالى في نهاية هذه الآية المباركة: (فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ واحسنُ تأويلاً)(1) .

يظهر وجوب كون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً وإلاّ لطلب منهم ان يردّوه إلى الله فقط، لئلا يحدث الخطأ بخطأ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما قال في نهاية الآية (ذلك خيرٌ واحسنُ تأويلاً) لاَنّه ان لم يكن معصوماً لاَغرانا الله بالباطل سبحانه وأدلانا به، هذا أولاً.

وثانياً: إنّ الارجاع الى الله غير واضح على ما هو عليه، لاَنّ الله غير ملموس ولا محسوس فالارجاع إليه ارجاع إلى حكمه، وحكمه مستفاد من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي يمثله(2) .

(1) سورة النساء: 4|59.

(2) وقد قال الله سبحانه: (فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول) فردُّوه إلى أن نحكم بكتابه.. «وقد بيّن الاِمام علي سلام الله عليه قبل ذلك في نفس الخطبة، وهذا القرآن إنّما هو خطٌّ بين الدفتين لا ينطق بلسانٍ ولابدّ له من ترجمان وانما ينطقُ عنه الرجال...». ومن أولى من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في النطق عنه. نهج البلاغة|شرح الشيخ محمد عبده: 258.


78

فقوله تعالى (فردّوه إلى الله) كافٍ، أو إلى الرسول كذلك على هذا، إلاّ انّه لم يكتف بذلك بل قال فردّوه إلى الله والرسول، ليبين لنا ان الردَّ إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة الردّ إلى الله، وما بينه الرسول بمنزلة ما بيّنه الله سواءً أظهر هذا الرسول وقال هذا حكم الله، أم لم يظهر ذلك، حتى وان قال هذا حكمي كما هو بيّن في أي أمرٍ صدر منه، وما هذا الامرُ إلاّ العصمة.

ولعلّه لما ذكرنا لم يتكرر حرف الجر، بل عطف الرسول على الله بدونه، ليدلنا على عدم الاثنينية في ذلك، بعد ان كرر لفظ الاطاعة ليؤكدها وليركزها في أذهان الذين آمنوا.

الاستفادة الرابعة:

عطف أولي الاَمر على الرسول واطاعتهما على اطاعة الله يقتضي عصمتهم لما قدّمناه في عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

بل نقول أكثر ببركة ورود أمر واحد بالاطاعة للرسول ولأولي الاَمر فاطاعتهما واحدة، ولذا لم يذكر أولي الاَمر مرة اخرى في نهاية الآية لاندكاكهم في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وللبيان والتوضيح اتى بهم أولاً، وللاختصار ولبيان وحدتهم بعد أن جعل لهما اطاعة واحدة لم يذكر الا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أخيراً وهو واضحٌ بحمد الله وبركته.

ولو جوّزنا الاّ تكون اطاعة أولي الاَمر مطلقة كما كانت اطاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للزِمَ ان يكون استعمال اللفظ امّا من باب استعمال المشترك في أكثر من معنى، وهذا ما لا يجوّزه أكثر أصحاب التحقيق ان لم يكن كلّهم.


79

أو من باب المجاز، وهو خلاف الظاهر، فضلاً من ان السياق لا يساعد عليه بعد قوله تعالى: ﴿فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول.. ولم يذكر أولي الاَمر لما ذكرناه، وبعد قوله ختاماً: (ذلك خيرٌ واحسنُ تأويلاً) ، وقد «وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله وطاعة رسوله بطاعته، فمن ترك طاعة ولاة الاَمر لم يطع الله ورسوله»(1) .

وقد أقرّ الرازي بدلالة هذه الآية على العصمة(2) ولكنّه لحاجةٍ في نفسه أوّل أولي الاَمر بأهل الاجماع بلا دليل يرتكز عليه. وقد ردّهُ الشيخ محمد حسن المظفر قدس سره في دلائل الصدق(3) ، وفيه انَّ المنصرف من أولي الاَمر من لهُ الزعامة وهذا خلاف أهل الاجماع، وهذا الرد نوافق عليه.

إنّ ظاهر الآية إفادة عصمة كلّ واحدٍ منهم لا مجموعهم، لاَنّ ظاهرها ايجاب اطاعة كلّ واحدٍ منهم، وهذا غير واضح من الآية المباركة، ولذا يستطيع ان يدعي خلافه، على ان العمل بمقتضى الاجماع ليس من باب الطاعة لهم، لاَنّ الاجماع من قبيل الخبر الحاكي. وهذا ليس محلّ ذلك ففيه ما فيه.

فلم يبق إلاّ ان التمسك بانّ تأويله لاَولي الاَمر بأهل الاجماع خلاف الظاهر أصلاً ويحتاج إلى دليلٍ واضح، لا سبيل له، ولا دلالة للآية المباركة

(1) الكافي 1: 182|6.

(2) يراجع للاطلاع على رأيه تفصيلاً كتابه: مفاتيح الغيب 3: 257.

(3) دلائل الصدق|الشيخ محمد حسن المظفر 2: 17 ـ 18.


80

عليهم لا من قريب ولا من بعيد، مع الانصراف المذكور أولاً فيتعين من له الزعامة والاِمامة، وهو الاِمام بزعمنا لا غير.

وقد أشكل الرازي(1) على انّ المراد بهم الاَئمة عليهم السلام بوجوه مشوّهة:

الوجه الاَول منها:

إنّ الطاعة لهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم واذا قلنا انه يجب علينا ذلك، إذ صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار مشروطاً وهو مطلق.

وفيه:

أ ـ النقض: بطاعة الله ورسوله وطاعة أهل الاجماع على رأيه.

ب ـ الحل: فالطاعة ليست مشروطة بمعرفتهم وبقدرة الوصول إليهم، بل مطلقاً كما هي طاعة الله ورسوله... فيجب تحصيل المعرفة بهم، كما في معرفة الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلاّ لو التزمنا بما ذكر في أولي الامر لوجب ذلك أيضاً في الله والرسول وهو كما ترى.

الوجه الثاني:

إنّ أولي الاَمر جمعٌ وعندهم لا يكون في الزمان إلاّ امامٌ واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.

وفيه أنّ المراد هو الجمع ولكن بلحاظ التوزيع في الازمنة، ولا منافاة فيه للظاهر بل نقول أكثر من ذلك وهو وجوب طاعتهم كلّهم على حدٍّ سواء، وان كان الاِمام واحداً في كلِّ عصر، وهذان مقامان مختلفان وهو

(1) مفاتيح الغيب|الرازي 3: 257.


81

واضحٌ لمن تدبّر.

الوجه الثالث:

(فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول)(1) ، ولو كان المراد بأولي الاَمر الاِمام المعصوم لوجب ان يقول فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الاِمام.

وفيه: إنّ الردّ إلى أولي الاَمر أيضاً مأمورٌ به، لكن اكتفى عن ذكرهم في آخر الآية بما ذكره في أولها من مساواة طاعتهم بطاعة الله ورسوله)(2) ، بل نقول أكثر من ذلك من انّ المصدر الرئيس للتشريع هو الله سبحانه، ولا يجب اطاعة أي مخلوق، فهو الاساس في الاطاعة، واطاعة المخلوقين تأتي وتترشح من الباري عزَّ وجل، فذكر تفصيلاً من تجب طاعته ابتداءً وفصَّل، ثم أخيراً بين الطرفين الاَساسيين في عملية الاطاعة وهي المرسِل والمرسَل، لاَنّ الاَساس اطاعة الله ثم بواسطة المرسلين تترشح هذه الاطاعة كما انه بالمعاجز يثبتها.

وثبوت الاِمامة وولاية الاَمر متوقفة على الرسول لبيانها وتوضيحها، فولاية الاَمر مستفادة من الله ورسوله.

فولاية الاَمر هي كذلك من الامور التي يمكن ان يقع التنازع فيها كما وقع، وهذا الارجاع إرجاع كلي، ولو أُرجع إليهم أيضاً للزم الدور كما هو واضح، فلذا لم يذكر الرد إلاّ إلى الله والرسول. وكما ذكرنا أولاً ولاية الاَمر

(1) سورة النساء: 4|59.

(2) دلائل الصدق|الشيخ محمد حسن المظفر 2: 19.


82

مندكّة في المرسل لا تفترق عنه فهو المصدر لها ومبينها، ولهذا وذاك ذكر الارجاع إليه مكتفياً به كما هو واضح لمن ألقى السمع وهو بصير(1) .

ومن نافلة القول صرف الوجه لاشكالٍ ربّما راود بعضهم هذه الاَيام مفاده: إنّ الاطاعة هنا شأن الاطاعة للعلماء بلا فرق في ذلك أصلاً، فكيف أطلقتم هنا ولم تطلقوا هناك ؟ !

وإذا كانت هناك محدّدة فهنا كذلك. والاطاعة للعلماء لا تدل على عصمتهم. فالاطاعة لاولياء الاَمر أو للنبي المرسل صلى الله عليه وآله وسلم لا تدل على العصمة، كذلك.

والجواب:

إنّ بين الاطاعتين فرقاً، وبين الموردين فرقاً آخر. فهل يقول صاحب هذا الاشكال في العلماء ومنهم الصحابة بأنّ أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم حجّة، كما هو الاَمر بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟

إن قال بحجيتها خرج عن مسلك العلماء وطريقتهم. وان قال بعدم حجيتها ظهر الفرق، وذلك لاَنّ الصحابي أو العالم إذا فعل فعلاً مثلاً، نحمل فعله على محمل الصحة، وانّه لا يخالف الشرع بتصرفه بدواً، كأي مسلم، إلاّ أننا نحتمل فيه:

1 ـ التأويل الخاطئ لقول المعصوم.

(1) والذي يوجب الاطمئنان أكثر من ذلك كلّه أن هناك روايات جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير هذه الآية المباركة بالاَئمة الطاهرين عليهم السلام فضلاً عن الروايات التي يعضد بعضها بعضاً من ان خلفاءه اثنا عشر خليفة وهو ما ينطبق كلياً على ما تدعيه الاِمامية وهو كافٍ في ابطال ما ذهب إليه الرازي في توجيهه أو ما ادعاه غيره بغيرهم ولم ترد في ذلك ولا رواية واحدة تؤيد ما أدعوه من التأويل البعيد.


83

2 ـ النسيان.

3 ـ السهو والغفلة.

4 ـ عدم وصول الحكم اليه، فعمل على ما ارتكز في ذهنه من اعتقادات سابقة، الله أعلم بمنشئها.

5 ـ والاحتمال الاخير، وان كان ضعيفاً إلاّ انّه يبقى كاحتمال وارد وان كانت نسبته ضئيلة بالقياس إلى تلك الاحتمالات، وهو الاحتمال القائل، بالمخالفة العمدية للشارع المقدّس، لكونه غير معصوم فيحتمل فيه الفسق.

فبناءً على هذه الاحتمالات لا يُعدُّ فعله حجّة لنا، ولا علينا، وان كنّا نُصحّحُ فعله الذي فعله، بحمل عمل المسلم على الصحة، لكن بما هو عمل شخصي له لا يمكن استنباط حكم شرعي منه.

فتنفع الاصول العقلائية من اصالة عدم الخطأ، واصالة عدم السهو أو الغفلة في ذلك فقط، لا غير.

فإذا كان كذلك لا يمكن ان يُقاس النبي بهذا أبداً، وذلك لاَنَّ فعله ليس خاصاً به حتّى نحمله على تلك المحامل، هذا أولاً.

وثانياً: إذا أخطأ العالم الحكم الواقعي لا يقدح بالاحكام الالهية أي شيء. وينتهي هذا الحكم الظاهري بانتهاء عمل هذا العالم.

وأمّا إذا أخطأ المبلِّغ المباشر عن الله تعالى فالحكم الالهي سيتغير،


84

ويتبدّل، ولا تشفع لنا الاصالات كلها في ردّه لاصله، فيكون النبي قد أصدر حكمين أو ثلاثة لواقعة واحدة فتتغير أحكام الله تعالى ولاتظهر أبداً.

وبتعبير آخر المبلغ المباشر عن الله تعالى مثل النبي يكون مصدراً ومظهراً للحكم الالهي، فلابدّ ان يكون مظهراً له على حقيقته وواقعه. وهذه الاصول اجراؤها يكون لمجرد تمشية الامور الظاهرية في وقت معين ولشخص أو أشخاص معيّنين.

فلا يمكن تطبيقها على مسلك الرسول أو الاِمام وذلك لاَنّهما مظهران لاحكام الله الواقعية والحقيقية، وإلاّ لانتفت فائدة بعثة الرسول كما هو ظاهر لكلِّ عين، فبناءً على هذا الاطاعة تكون مطلقة بالنسبة للنبي والاِمام كما هي للباري عزّ وجلّ.

أما الاطاعة للصحابي ومثله للعالم فهي مقيدة بقيود كثيرة، قد يظهر بعضها في هذه الرواية المباركة:

عن الاِمام الحسن العسكري عليه السلام: «قال رجل للاِمام الصادق عليه السلام فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلاّ بما يسمعون من علمائهم، لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم الله بتقليدهم والقبول من علمائهم وهل عوام اليهود الاّ كعوامنا يقلدون علماءهم ؟ !

فقال عليه السلام: بين عوامنا وعلمائنا، وبين عوام اليهود وعلمائهم


85

فرق من جهة، وتسوية من جهة.

أمّا من حيث استووا فإنّ الله قد ذمّ عوامنا بتقليدهم علمائهم، كما ذمّ عوامهم بتقليدهم علمائهم.

وأمّا من حيث افترقوا فلا.

قال: بيّن لي يا بن رسول الله.

قال عليه السلام: إنّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وبأكل الحرام والرشاء، وتغيير الاحكام عن وجهها، بالشفاعات، والعنايات، والمصانعات، وعرفوهم بالتعصّب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وانهم اذا تعصّبوا، أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه، واعطوا مالايستحقه من تعصّبوا له من أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم مقارفون المحرمات، واضطروا بمعارف قلوبهم إلى انّ من فعل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز ان يصدُق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله. فلذلك ذمّهم لما قلدوا من قد عرفوا، ومن علموا انّه لايجوز قبول خبره، ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديه اليهم، عمّن لم يشاهدونه. ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا كانت دلائله أوضح من ان تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم.

وكذلك عوام أمتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر


86

والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا، وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه، وان كان لاصلاح أمره مستحقاً، وبالترفرف بالبر والاحسان على من تعصّبوا له، وان كان للاذلال والاهانة مستحقاً. فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم.

فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لاَمر مولاه، فللعوام ان يقلدوه، وذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لاجميعهم.

فأنّه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلاتقبلوا منهم عنّا شيئاً، ولا كرامة.

وإنّما كثر التخليط فيما يتحمل عنّا أهل البيت لذلك.

لاَنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الاشياء على غير وجوهها، لقلة معرفتهم.

وآخرون يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم.

ومنهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا، فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة، فيتوجهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصّابنا، ثمّ يضيفون اليه اضعافه، واضعاف


87

اضعافه من الاَكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا على انّه من علومنا.

فضلّوا وأضلّوا. وهم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه»(1) .

من هذه يتضح الفرق، فليس كل فقيه يجب اتّباعه، وليس كلّ عالم، فإذا اختلت الكلية، يكون المصدَّق منهم التّابع لشرع الله تعالى، فتدور طاعته مدار اتّباعه للشرع، بينما في المعصوم يدور الشرع مداره، فهذا هو الفرق بين المقامين، فهنا تجب الطاعة مطلقاً، بينما في الفقيه أو العالم لاتجب مطلقاً، بل ضمن حدود ما رسمه الشارع المقدّس لنا.

وهناك فرقٌ آخر: إنّ العالم العادل لا طريق إلى معرفة عدالته، إلاّ الاِسلام، وعدم ظهور الفسق، وحسن الظاهر. وبذا صرَّح كلٌّ من الشهيد الاَول(2) ، والمحقق الكركي(3) ، وصاحب الجواهر(4) ، والشيخ الاعظم الانصاري(5) .

فإذا أخلّ بشيء من الواجبات، أو ارتكب المحرمات تختلُّ عدالته.

(1) الاحتجاج|الطبرسي 3: 508 ـ 512|337 انتشارات الاُسوة التابعة لمنظمة الاَوقاف والشؤون الخيرية ـ قم.

(2) الذكرى: 267. والدروس: 54.

(3) رسائل المحقق الكركي، الرسالة الجعفرية 1: 126.

(4) الجواهر 13: 299.

(5) رسائل فقهية، رسالة في العدالة: 8 المؤتمر العالمي.


88

أمّا الاِمام: فلا يمكن ان يُقال بحقه ذلك. وذلك لاَنّ طريق معرفة عصمته ليس الاِسلام، وعدم ظهور الفسق، وحسن الظاهر. بل الطريق إليها إمّا النصّ كما قلنا، أو المعجزة، فإذا كان كذلك: فما يقوم به هو الاسلام بعينه. فإذا أمر ذاك لا تجب اطاعته إلاّ ضمن حدود الاِسلام، وعدم ظهور الفسق، وحسن الظاهر. وإذا أمر هذا تجب اطاعته على كلّ حال. فظهر الفرق.

فاذن اطاعة الاِمام عليه السلام، ليست مثل اطاعة أيّ شخصٍ آخر.

وبتعبير علمي دقيق: إنّ كل حجة لا تنتهي إلى العلم فهي ليست بحجة، لاَنّ القطع هو الحجة الوحيدة التي لا تحتاج إلى جعل، وبها ينقطع التسلسل ويرتفع الدور.

وهذه الاصول العقلائية التي يفزع إليها الناس في سلوكهم مع بعضهم لا تحدث علماً بمدلولها، ولا تكشف عنه أصلاً لا كشفاً واقعياً ولا تعبدياً.

أما نفي الكشف الواقعي عنها فواضح لعدم التلازم بين إجراء أصالة عدم الخطأ في سلوك شخص ما، وبين اصابة الواقع والعلم به، ولو كان بينهما تلازم عقلي لاَمكن إجراء هذا الاصل مثلاً في حق أي شخص واعتبار ما يصدر عنه من السنة، ولا خصوصية للنبي في ذلك.

وأما نفي الكشف التعبدي عنها فلاَنه مما يحتاج إلى جعل من قبل الشارع، ومجرد بناء العقلاء لا يعطيه هذه الصفة ما لم يتم امضاؤه من قبله، وشأنه في ذلك شأن جميع ما يصدرون عنه من عادات


89

وتقاليد وأعراف.

والسر في ذلك ان القطع بصحة الاحتجاج به على الشارع لا يتم إلاّ اذا تم تبنيه من قبله وعلم ذلك منه.

وكل حجة لا تنتهي إلى القطع بصحة الاحتجاج بها فهي ليست بحجة(1) .

11 ـ وقال تعالى: (وإذا جاءهم أمرٌ من الخوفِ أو الاَمنِ أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الاَمر منهم لعلِمهُ الذينَ يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتُم الشيطان إلاّ قليلا)(2) .

فهنا لدينا عدَّة من العناوين:

1 ـ الذين يأتيهم الامر ويذيعون به.

2 ـ الذين يردّون الامور إلى الرسول وإلى أولي الاَمر.

3 ـ الرسول.

4 ـ أولو الاَمر.

وفي قوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم... عنوان خامس المستنبطون للحكم.

(1) الاصول العامة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم: 130.

(2) سورة النساء: 4|84.


90

ومن الآية الكريمة يظهر انّ العنوان الثاني داخل في ظل العنوان الاَول بل هو جزء منه لا بالجزئية الحقيقية، بل بمعنى انّ هؤلاء المذيعين لو ردّوا الامور قبل ذلك إلى من ذكر في الآية لعلموا الحق في الاَمر، فهم منهم من هذه الجهة كما لا يخفى.

أولاً:

وقبل كلّ شيء نقول انّ الظاهر من تعدد العنوان تعدد المعنون إلى ان يثبت ان العناوين لواحد، وخاصة اذا وردت في كلام واحد، يساعد ظاهره على ذلك، ثم سياق الآية كما نرى يدل على المغايرة.

ثانياً:

نتساءل ما المقصود بـ (أولي الاَمر منهم) هنا ؟

هناك دعويان يطفحان هذه الايام في الخارج ولا ثالث لهما.

1 ـ ان يكونوا هم الحكام.

2 ـ ان يكونوا الاَئمة المخصوصين الذين نعتقد امامتهم.

فإن كان الاَول لزم منه عدم صدق ذلك؛ وذلك لاَنّ أغلب هؤلاء كما يعلم المطلعون على التاريخ الاسلامي من بدايته إلى الآن يعلمون علم اليقين بانّ أغلبهم إن لم نقل كلهم لا علم لهم باحكام الله، فكيف يرجع الله تعالى المؤمنين اليهم لمعرفة احكامه منهم، وهذا ما لا يفعله جاهل فضلاً عن رب العزة سبحانه، هذا أولاً وأما ثانياً فنقول بما ان الحكام كذلك إلاّ نفراً أو نفرين فلا يمكن ان يُصب العموم فيهما، لانه نادر الوقوع وقليله، فلا يفعل ذلك مبتدئ في اللغة فضلاً عمّن أعجز كتابه من هذه الجهة بالخصوص ومن جهات أخر البشر قاطبة.


91

ثم نقول

ثالثاً:

إذا تم الرجوع الى أولي الاَمر هؤلاء فما فائدة وجود الذين يستنبطونه منهم، بعد ان سمعوا الحكم ورأوا ما يفعله الحاكم، ولا تخلو بلاد منهم لاَنه اذا قلنا بانها تشمل الرأس الاكبر في الحكم فهي تشمل كل رأس كذلك في كل منطقة ولو صغيرة، فما أدخل ذاك أدخل هذا، ولا فرق، فلا تبقى فائدة للمستنبطين، وأما على قولنا فالفائدة مستمرة سواء بحضور الاِمام أم بغيبته كما هو ظاهر.

ورابعاً:

ان قيل ان الظرف الذي يلي أولي الامر يقتضي ان يكون أولو الاَمر من اولئك الذين أذاعوا، فنقول: بالاضافة إلى ما قدّمناه، واستبعاد ان يكون أولو الاَمر منهم بالخصوص، إن الظرف راجع إلى الرسول وإلى أولي الاَمر كليهما. ولا يقدح شيء في ذلك بعد قوله تعالى: ﴿كما ارسلنا فيكم رسولا منكم...(1) . وبعد قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم(2) . ولم يكن هو منهم بشيء من الضلالة التي كانوا فيها، فالظاهر كونه ظرفاً مستقراً أي أولو الاَمر الكائنون منكم، هذا أولاً.

وثانياً: إذا كان أولو الاَمر ممّن اذاع ذلك الاَمر من الاَمن أو الخوف كيف يُردُّ إليهم ما صدر منهم ليقوَّم، ولايمكن ان يكون الرسول كذلك فعطف اولئك عليه يعلم منه انهم كذلك لا يمكن صدور تلك الاذاعة منهم لذا يجب ان يكونوا غيرهم.

(1) سورة البقرة: 2|152.

(2) سورة التوبة: 9|128. وأخيراً من حقنا ان نسأل: هل ان الحكام الذين رأينا فضلاً عمّن سمعنا عنهم وقرأنا، هل من المعقول ان الله سبحانه يجعل هؤلاء بمنزلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويُرجع احكامه اليهم ؟ !! فما اتعسنا وأشقانا.. فكم حلّلوا حراماً وحرّموا حلالا حتى وصل الجهل ببعضهم بان ضرب كتاب الله عرض الحائط وتمسكوا بما قاله الناقص!!


92

ولا يمكن ان يكونوا كما قيل(1) :

أ ـ الخلفاء.

ب ـ اُمراء السرايا.

جـ ـ العلماء، أو حتى غيرهم.

لكلِّ ما قلناه وذكرناه أو لبعضه كما لا يخفى على من تدبّر وتفكّر في المقام.

ونقول من جهة اخرى انّه لا يمكن ان يكون المستنبطون هم الرسول وأولي الاَمر، وذلك:

1 ـ لاَنّ الرسول لا يمكن ان نُثبِتَ في حقّه الاستنباط، بل انه ﴿وما ينطق عن الهوى*إن هو إلاّ وحيٌ يوحى(2) . والاستنباط للحكم غير

(1) نقل بعض الاقوال صاحب مجمع البيان في تفسير هذه الآية المباركة، كما ونقل في الدر المنثور في تفسير آية (اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الاَمر منكم) مع جمع وطرح حوالي تسعة أقوال 2 : 176.

(2) سورة النجم: 53|4 ـ 5.


93

تلقيه وإلقائه للناس بنفسه.

2 ـ ولا يمكن ان يكون أولو الاَمر كذلك لاَنّهم قد عُطفوا على الرسول في الارجاع إليه وإليهم، ولو كانوا مستنبطين أيضاً لما أرجع اليهم مع الرسول.

3 ـ ولمّا كان ثمّة فائدة في ذكرهم معه لاَنّ المستنبط أعم مطلقاً من ولي الاَمر على بعض الآراء، وبينهما عموم وخصوص مطلق على الباقي، فلا فائدة في الارجاع على الشق الاَول اذا كان أولو الاَمر ليس فيهم مستنبط أصلاً، فلا علم حينئذٍ.

وكذا على الشق الثاني في المصاديق المختلفة كما هو ظاهر، أمّا على قول الاختلاف فالارجاع فائدته ظاهرة وبيّنة، لاَنّ من أساس التشريع الرسول وأولي الاَمر، فالارجاع إليهم في الاستنباط عملية مطلوبة على كل حال. خاصة مع اعتضاد ما ذكرنا بورود بيان أولي الاَمر بالمعصومين عليهم السلام على ما روى صاحب مجمع البيان الشيخ الطبرسي قدس سره عن أبي جعفر عليه السلام، كما روى عنه وعن أبي عبدالله عليه السلام: «أنّ فضل الله ورحمته: النبي وعلي».

وعن جعفر بن محمد عليهما السلام في قول الله عزَّ وجلّ: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الاَمر منهم) ، قال: «نحن أولو الاَمر الذين أمر الله عزَّ وجلّ بالردِّ إلينا»(1) .

(1) مستدرك الوسائل|النوري الطبرسي 17: 271|13 الباب السابع.


94

من هذا يظهر بانّه لا وجه لما قاله قدس سره ان ضمير (منهم) في قوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم يعود إلى أولي الاَمر على الاظهر(1) .

12 ـ (إنّما يُريد الله ليذهبَ عنكم الرجس أهل البيت ويُطَهِّرَكُم تطهيراً)(2) .

لعلَّ المراد بأهل البيت في هذه الآية المباركة الذي يجب أن يلتفت إليه علمياً هو:

1 ـ نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، لورود الآية المباركة في جملة خطابات متعلقة بهن.

2 ـ نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

3 ـ خصوص هؤلاء الخمسة عليهم السلام.

وقد قال القرطبي: (والذي يظهر من الآية انّها عامّة في جميع أهل البيت من الازواج وغيرهم، وإنّما قال «ويطهركم» لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً وحسناً وحسيناً كانوا فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّبَ المذكر)(3) ووافقه الفخر الرازي على ذلك(4) .

(1) راجع مجمع البيان في تفسير القرآن|الطبرسي في تفسير نفس الآية المباركة 2: 82 ط دار التراث العربي ـ بيروت.

(2) سورة الاحزاب: 33|33.

(3) الجامع لاحكام القرآن|القرطبي 13: 183.

(4) التفسير الكبير|الرازي 25: 209.


95

إلاّ أننا الآن نحاول ان نستقرئ الآية المباركة لنشاهد مدى دلالة ألفاظها ومعانيها على هذا الذي قالوه، وهذا الظهور الذي ادّعوه.

إنّما:

معنى إنّما اثبات لما يُذكر بعدها، ونفي لما سواه، والنفي والاثبات من أتقن وأشد موارد الكلام، في دلالته على المعنى، ولذا وردت عليه كلمة التوحيد.

فآية التطهير (تدل على حصر الارادة في اذهاب الرجس، والتطهير).

وكلمة أهل البيت سواء كان لمجرّد الاختصاص أو مدحاً، أو نداءً، يدلُّ على اختصاص إذهاب الرجس، والتطهير بالمخاطبين بقوله: «عنكم».

ففي الآية في الحقيقة قصران: قصر الارادة في اذهاب الرجس، والتطهير. وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت(1) .

التطهير:

التنزيه عن الاثم، وعن كلِّ قبيح(2) .

الرجس:

أمّا ان تكون هذه اللاّم للعهد أو ان تكون للجنس، أمّا كونها عهدية فليست كذلك، لاَنّهُ ما عُهِدَ رجسٌ في الكلام السابق حتى ترجع إليه.

فتبقى هذه علامة للجنس، وبما ان معنى الجملة نفي، إذ انّ الباري

(1) الميزان 16: 309.

(2) المجمل|أحمد بن فارس: مادة طهر.


96

يريد إذهاب الرجس ونفيه عنهم، فهو يعمّ لاَنّه لو تحقق مصداق ما للرجس وثبت، ما صدق الكلام.

الرِّجس: لنتابع هذه الكلمة قرآنياً، قال تعالى: (ومن يرد ان يضلَّهُ يجعل صدرهُ ضيّقاً حرجاً كأنّما يصّعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)(1) . وقال تعالى: (وأمّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون)(2) . وقال تعالى: (قُل لا أجد في ما أُوحي اليَّ مُحرَّماً على طاعم يطعمه إلاّ ان يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّه رجس..)(3) .

من هنا يتبين ان الرجس يطلق ويراد به القذارة المعنوية اذا صحَّ التعبير بكلِّ أنواعها، كما هو ظاهر الآيتين الاوليتين.

وأما ظاهر الآية الثالثة فإنّ الرجس يُراد به القذارة المادية، فبناء على ذلك: تكون كلا القذارتين ذاهبتين عن هؤلاء بالخصوص. فيعمّ اذهاب جميع الآثام وكلّ القبائح المادية والمعنوية عنهم.

ولذا قالوا: (فمن المتعين حمل اذهاب الرجس في الآية على العصمة، ويكون المراد بالتطهير في قوله: (ويطهركم تطهيرا) وقد أكّد بالمصدر ازالة أثر الرجس بايراد ما يقابله، بعد اذهاب أصله).

(1) سورة الاَنعام: 6|125.

(2) سورة التوبة: 9|125.

(3) سورة الاَنعام: 6|145.


97

والمعنى: (انّ الله سبحانه تستمر ارادته ان يخصكم بموهبة العصمة باذهاب الاعتقاد الباطل، وأثر العمل السيء عنكم أهل البيت، وايراد مايزيل أثر ذلك عليكم وهي العصمة).

ولا بأس بنقل تتمة كلام السيد الطباطبائي قدس سره فيما لو شملت الآية المباركة غير هؤلاء الخمسة أياً كان هذا الغير: (ليس المراد بأهل البيت نساء النبي خاصة لمكان الخطاب الذي في قوله: «عنكم»، ولم يقل: عنكنّ.

فإمّا أن يكون الخطاب لهنّ ولغيرهنّ.

أو يكون الخطاب لغيرهنَّ أياً كان هذا الغير.

وعلى أي حال فالمراد باذهاب الرجس والتطهير مجرّد التقوى الديني بالاجتناب عن النواهي، وامتثال الاوامر.

فيكون المعنى: إنّ الله لا ينتفع بتوجيه هذه التكاليف اليكم، إنّما يريد اذهاب الرجس عنكم وتطهيركم، على حدِّ قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ويتم نعمته عليكم)(1) .

وهذا المعنى لا يلائم شيئاً من معاني أهل البيت لمنافاته البيّنة للاختصاص المفهوم من أهل البـيت، لعمومه لعامّة المسلمين المكلّفين باحكام الـدين.

(1) سورة المائدة: 5|6.


98

وان كان المراد باذهاب الرجس والتطهير التقوى الشديدة البالغة، ويكون المعنى:

إنّ هذا التشديد في التكاليف المتوجهة اليكن أزواج النبي وتضعيف الثواب والعقاب ليس لينتفع الله سبحانه به، بل ليذهب عنكم الرجس ويطهركم.

ويكون من تعميم الخطاب لهن ولغيرهنّ بعد تخصيصه بهنَّ، فهذا المعنى لا يلائم كون الخطاب خاصاً بغيرهنّ وهو ظاهر، ولا عموم الخطاب لهن ولغيرهنّ، فانّ الغير لا يشاركهن في تشديد التكليف، وتضعيف الثواب والعقاب.

وان كان المراد اذهاب الرجس والتطهير بارادته تعالى ذلك مطلقاً لابتوجيه التكليف، ولا بتوجيه التكليف الشديد، بل ارادة مطلقة لاذهاب الرجس والتطهير لاهل البيت خاصة بما هم أهل البيت، كان هذا المعنى منافياً لتقييد كرامتهن بالتقوى.

وبهذا الذي تقدّم يتأيد ما ورد في أسباب النزول ان الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام خاصّة لا يشاركهم فيها غيرهم.

وهي روايات جمّة تزيد على سبعين حديثاً، ما ورد منها من طرق أهل السُنّة يزيد على ما ورد فيها من طرق الشيعة.

فقد روتها أهل السنة بطرق كثيرة عن: أم سلمة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وسعد، وواثلة بن الاسقع، وأبي الحمراء، وابن عباس، وثوبان


99

مولى النبي، وعبدالله بن جعفر، وعلي، والحسن بن علي عليهما السلام، في قريب من أربعين طريقاً.

وروتها الشيعة عن علي، والسجاد، والباقر، والصادق، والرضا عليهم السلام، وأم سلمة، وأبي ذر، وأبي ليلى، وأبي الاسود الدؤلي، وعمرو بن ميمون الاودي، وسعد بن أبي وقاص، في بضع وثلاثين طريقاً(1) .

قال تعالى: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ، عن شداد بن عبدالله أبي عمار عن واثلة بن الاسقع انّه حدثه قال: أتيت فاطمة (رض) أسألها عن علي، قالت: توجّه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،... حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه علي وحسن وحسين عليهم السلام آخذ كل واحد منهما بيده، حتى دخل فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه، ثم تلا: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وقال : «اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي»(2) .

ورواه عبدالجبار بن العباس الشّبامي عن عمار الدهني عن عمرة بنت أفعى عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: نزلت هذه الآية في بيتي (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وفي البيت سبعة جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والحسن والحسين

(1) الميزان|الطباطبائي 16: 310 ـ 311 بتصرّف قليل.

(2) مسند أحمد 4: 107 و 135 كتاب الفضائل، فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ط1. وتاريخ مدينة دمشق| ابن عساكر 13: 76 في ترجمة الاِمام الحسين عليه السلام.


100

وفاطمة عليهم السلام، وأنا على باب البيت، فقلت: يا رسول الله ألستُ من أهل البيت ؟ !

قال: «أنتِ على خير، إنّك من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم»، وما قال: انك من أهل البيت(1)(2) .

بناءً على هاتين الروايتين وغيرهما الواردة في هذا المقام بالذات حصر أهل البيت في هؤلاء الخمسة فعملية الاخبار تكفي، إلاّ انّه لم يكتف بذلك بل أجلس علياً عن يساره، وفاطمة عن يمينه، والحسن والحسين بين يديه، ليخبر السامع والناظر بأنّ هؤلاء هم أهل بيته بالخصوص، وهم المعنيون بالآية المباركة، إذ بعد ان اجلسهم قرأ (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) . وكأنّه يريد أن يزيد بياناً في انّ هذا العنوان لا يشمل إلاّ هؤلاء بالقول والفعل ليرسخ المعنى أكثر.

وقال: اللهمّ انّ هؤلاء أهلي.

والرواية الثانية الظهور فيها أشد، فأم سلمة من الازواج، ودعوى شموليتها لها موجودة ومحققّة، إلاّ انّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صرَّح بعدم دخولها

(1) شواهد التنزيل|الحسكاني 2: 81 ط1 في تفسير هذه الآية المباركة بأسانيد عدة.

(2) وقد روي هذا الحديث بطرق وأسانيد مختلفة في كتب عدّة، وبألفاظ متقاربة تؤدي هذا المعنى وتحصر أهل البيت عليهم السلام في هؤلاء الخمسة فتاريخ دمشق أيضاً روى مثله في ترجمة الاِمام الحسن عليه السلام ص67، ويجد كذلك الباحث في مسند أم سلمة من كتاب المسند مثله، وحتى ان مسلم قد رواه في باب فضائل أهل البيت عليهم السلام 4: 1883. وله مصادر اُخرى.


101

في هذا الموطن بالذات بهذا العنوان، فما بعد ذلك إلاّ العناد.

وإذا صحّ التعبير إنّ هذا وضعٌ شرعي من قبل المشرّع نفسه وليس وضعاً مُتشرعاً، فحتى لو كان يشمل غيره فهنا قد خصصه الواضع، فكيف ندعي الشمولية ؟

وهناك قرائن اُخرى، تفيد الاختصاص نذكرها تباعاً، قرائن داخلية، وقرائن خارجية، بالاضافة إلى ما مرَّ.

القرينة الاُولى:

إنّه بعد النزول والتحديد بالرداء والكساء، والحصر بالفعل بعد ان جاء الحصر بالقول كان صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد هذا الحصر بهؤلاء عند خروجه للصلاة فيأتي باب الزهراء البتول فاطمة عليها السلام وينادي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) كل يوم خمس مرات لمدة تسعة أشهر أو سبعة أشهر أو ستة أشهر على اختلاف الروايات(1) راجع بذلك كل من الطبري وابن كثير والسيوطي في تفاسيرهم.

وقد قال ابن حجر (وإنّ أكثر المفسرين على انّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين)(2) .

وتواتر النص بذلك من جماعة من الصحابة والتابعين، وانهاه ابن جرير

(1) مسند أبي داود 8: 274. واُسد الغابة 5: 521. وطبقات ابن سعد 7: 306. والبداية والنهاية|ابن كثير 8: 205. والمنتخب|الطريحي: 186 ط النجف.

(2) الصواعق المحرقة: 143.


102

الطبري في تفسيره ـ جامع البيان ـ إلى خمسة عشر طريقاً، والسيوطي في تفسيره ـ الدر المنثور ـ عند تفسير هذه الآية من سورة الاحزاب إلى عشرين طريقاً.

القرينة الثانية:

إنّ الآل والاَهل تدلاّن على النسب دون السبب(1) ، بل جاء بالاثر عن زيد بن أرقم عندما سُئل من أهل بيته، نساؤه ؟ !

قال: لا، وايم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حُرموا الصدقة بعده(2) .

القرينة الثالثة:

قال تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعوا أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(3) ، وقد أطبق المفسرون، واتفقت الرواية، وأيّده التاريخ: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حضر للمباهلة، ولم يحضر معه إلاّ علي وفاطمة والحسنان عليهم السلام)(4) .

وقد خصّهم الله تعالى قبل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم باسم الاَنفس والنساء والاَبناء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وليس المراد في الآية بلفظ نسائنا فاطمة، وبلفظ أنفسنا علي، بل المراد انّه صلى الله عليه وآله وسلم إذ لم يأتِ في مقام الامتثال إلاّ به وبها، كشف

(1) راجع لسان العرب 11: 38. والنهاية|ابن الاثير 1: 81.

(2) الجامع الصحيح|مسلم بن الحجاج 7: 123.

(3) سورة آل عمران: 3|61.

(4) الميزان 3: 223.


103

ذلك انها هي المصداق الفرد لنسائنا، وإنّه هو المصداق الوحيد لاَنفسنا، وإنّهما مصداق أبنائنا.

وكان المراد بالاَبناء والنساء والاَنفس في الآية هو الاَهل، فهم أهل بيت رسول الله وخاصته، كما ورد في بعض الروايات بعد ذكر اتيانه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي»(1) ، فإنّ معنى الجملة: إنّي لم أجد من أدعوه غير هؤلاء(2) .

فإذا كان كذلك عُلِمَ دخولهم في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب ولاشك، وقد استقصى صاحب كتاب خصائص الوحي المبين المصادر والطرق لرواية انّها نزلت في الخمسة من مسند أحمد لغيره، وأضاف محقق الكتاب الشيخ محمد باقر المحمودي مصادر كثيرة اخرى في تعليقته على هذا الكتاب(3) فيسقط بهذا القول الاَول، كما سيأتي وجه

(1) رويت هذه الجملة في صحيح مسلم 7: 119 في باب مناقب علي عليه السلام.

(2) الميزان|الطباطبائي 3: 338 ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

* والعجيب انّ كلَّ المفسرين عندما يصلون إلى هذه الآية المباركة يأخذون بالحديث حول مقام أهل البيت عليهم السلام، ويذكرون الخمسة بالخصوص ويثنون عليهم، بما أثنى الله تعالى ورسوله عليهم، إلاّ واحد منهم ـ وهو سيد قطب|في ظلال القرآن 1: 405 ـ أبت نفسه إلاّ نفورا فقال عندما تعرّض لهذه الآية المباركة : (وقد دعا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من كانوا يناظرونه في هذه القضية الى هذا الاجتماع الحاشد ليبتهل الجميع إلى الله ان ينزّل لعنته على الكاذب من الفريقين، فخافوا العاقبة، وأبوا المباهلة، وتبيّن الحق واضحاً). ومن المضحك المبكي انّه صرف وجهه عن اولئك الاَطهار وأخذ في مدح المسيح والثناء عليه وعلى أُمّه على نبينا وآله وعليهما السلام، فهل الآية نزلت فيهما ؟ !! أم ماذا ؟ !! إلاّ أنّ غيره قال: (وفيه دليل، لاشيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام).

راجع: التفسير الكبير|الفخر الرازي. والكشاف|الزمخشري. وتفسير ابن كثير وغيرها.

(3) راجع: خصائص الوحي المبين|يحيى بن الحسن الحلي المعروف بابن البطريق: 67 ـ 78.


104

آخر لاِسقاطه.

القرينة الرابعة:

كثرة الروايات في ذلك(1) .

القرينة الخامسة:

ونزيد ذلك بياناً بتساؤل مؤدّاه: ما للخطاب عندما يبدأ بالارشاد والامر يبدأ بالنون، وبه يختم ؟ ! فإذا وصل إلى هذا المقطع من الآية المباركة انقلبت النون منكفئة، وظهر بدلها ميم للجمع تصرخ بملء فيها انني غير تلك فلاحظوا.

ثم إذا تمّت النعمة واكتمل الامر لكل ذي لب، رجعت النون تزهو في محلّها بخطابٍ لطيفٍ لنساء كان قدرهنَّ ان يكنَّ أمهاتٍ للمؤمنين، بأن يذكرن ما يُتلى في بيوتهنَّ من آيات الله والحكمة.

ففي الواقع ان الخطاب لهنّ بالاوامر الالهية قد انتهى بقوله تعالى: ﴿وأطعنَ الله ورسوله ثم ابتدأ بعد ذلك المقطع ثانياً بتذكيرهنَّ بان يذكرن ما يُتلى في بيوتهنّ من آيات الله والحكمة، ومن جملة ذلك، ذلك المقطع بعينه بالخصوص.

فيتردد ذو اللب بين أمرين:

فإمّا أن يكون خطاباً لهنَّ مع غيرهنَّ من رجالٍ لم يُذكروا أصلاً، وإمّا أن يكون خطاباً لغيرهنَّ.

(1) ومن أحب ان يلاحظ اختصاص ـ أهل البيت ـ بالخمسة المباركة فعليه بكتاب اللؤلؤة البيضاء في فضائل الزهراء، للسيد طالب الخرسان: 33 ـ 45 ذكر في تلك الصفحات روايات جمّة في ذلك مع ذكر لمصادرها، فليراجع. وذكر مثله السيد الطباطبائي في ميزانه 16: 316 ـ 319 روايات عدة في ذلك.


105

ونقول: هل يصلح الاَمر اذا كان الخطاب لمجموعة من النساء أولاً: (من يأت منكنّ بفاحشةٍ مبيِّنة يُضاعفُ لها العذاب ضعفين) ، ثم يقول المخاطب الحكيم: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) فأي اذهاب للرجس هذا، وأي تطهير ؟ ! فلاحظ.

ثم ألم يلاحظ من يدّعي انّ هذا المقطع لنساء النبي خاصة أو بالاضافة لمجموعة اُخرى، سينقلب الامرُ عليه وهو مصرٌّ على ذلك ولا يدري، وذلك لانّه قال تعالى: (وقرنَ في بيوتكنَّ ولا تبرجنَ تبرج الجاهلية الاُولى..) .

فالاستقرار في البيت أولاً وعدم التبرّج ثانياً يكون على مبناه من حيث يدري أو لا يدري شرطاً في اذهاب الرجس والتطهير، واذا باحداهنّ قد خرجت ولم تستقر في بيتها وهي ـ عائشة ـ فعلى هذا ما ذهب الرجس عنها ولم تطهر أصلا، فإذا وافق بالمقدّم فليوافق في النتيجة واذا رفض النتيجة فالمقدّم مثله باطل فتكون بهذا خارجة من خطاب التطهير واذهاب الرجس، وهو الامر الذي يصرُّ عليه الحكيم.

وقرينة اُخرى: تبقى قضية السياق ـ وهو مع الاَسف ـ غير قابل للدلالة لملاحظات عدّة: وذلك لاتفاق الكلّ حتّى القائل باختصاصها بالنساء وهو القول الشاذ جدّاً، لا يقول بانّها نزلت سويّة، بل الكل يعلم بانّ هذا المقطع من الآية المباركة نزل لوحده، وهذه الاَحاديث الكثيرة تنصّ على ذلك، ولم ترد ولا رواية واحدة وان كانت ضعيفة جدّاً تذكر انها نزلت بالاضافة إلى بقية الآيات.


106

القرينة السادسة:

بل هذا السياق سيكون مشكلة للذي يتمسّك به، فاننا إذا اردنا استيعاب الاَمر بصورة جيّدة، علينا ان نجعل الآيات المباركات نصب أعيننا للنظر فنرى..

قال تعالى: (يا أيُّها النبي قل لاَزواجك ان كنتنّ تُردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأُسرحكن سراحاً جميلاً*وان كنتنّ تُردنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإنّ الله أعدّ للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً*يا نساء النبي من يأتِ منكنّ بفاحشةٍ مُبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا* ومن يقنت منكنّ لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقاً كريماً*يا نساء النبي لستنّ كأحدٍ من النساء إن اتقيتنَّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفا*وقرنَ في بيوتِكُنَّ ولا تبرجنَ تبرج الجاهلية الاُولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة واطعن الله ورسوله إنّما يريدُ الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا*واذكرن ما يُتلى في بيوتكنَّ من آيات الله والحكمة إنّ الله كان لطيفاً خبيرا)(1) ، ثم بعد ذلك يذكر المسلمين والمسلمات.. ويبيّن ما أعدّ لهم من مغفرة وأجر عظيم فلاحظ، والله قد وصف نفسه باللّطف وبكونه خبيرا.. فهو يعلم خائنة الاَعين وما تخفي الصدور، وهو يعلم الغيب واسراره ودقائقه... فلاحظ وركّز على شيء مهم وهو قوله تعالى: ﴿إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، فجعلَ الاَهل مضافاً للبيت، الذي هو مفرد وهو معرفة، ولاحظ بعد ذلك قوله جلَّ ذكره: (واذكرن ما يُتلى في بيوتكُنّ

(1) سورة الاحزاب: 33|28 ـ 34.


107

من آيات الله والحكمة) ، فهل تشاهد الفرق البيّن، والكلام اللطيف.. فقد عبّر في «بيوتكنَّ» وهو جمع ولم يكن مفرداً كما كان في آية التطهير ولم تكن لهذه معرفة إلاّ بالاضافة لهنّ بالخصوص، وما اضفن إلى البيت الطاهر فأين ذهب التعريف والتشخيص ؟ !!

فهل أصبح البيت بيوتاً أم يريد أن يبيّن ان تلك البيوت ليست بذلك البيت ؟

وإن كان ذاك إشارة إلى بيت النبوة وهذه إلى البيوت الطينية إلاّ أنّ في الفرق لعبرة.

لذا قال السيد عبدالحسين شرف الدين رحمه الله: (وقد أجمعت كلمة أهل القبلة، من أهل المذاهب الاِسلامية كلّها على انّه صلى الله عليه وآله وسلم لمّا نزل الوحي بها (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) عليه ضمَّ سبطيه وأباهما وأمهما إليه، ثمّ غشّاهم ونفسه بذلك الكساء، تمييزاً لهم على سائر الاَبناء والانفس والنساء.

فلمّا انفردوا تحته عن كافّة اسرته، واحتجبوا به عن بقيّة أُمّته بلّغهم الآية، وهم على تلك الحال، حرصاً على ان لا يطمع بمشاركتهم فيها أحد من الصحابة والآل، فقال مخاطباً لهم، وهم في معزل عن كافة الناس: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فازاح صلى الله عليه وآله وسلم بحجبهم في كسائه حينئذٍ حُجُبَ الريب، وهتك سرف الشبهات، فبرح الخفاء بحكمته البالغة، وسطعت أشعة الظهور ببلاغه


108

المبين، والحمد لله رب العالمين)(1) .

فإذا تمَّ هذا، وهو تام، فلا يبقى مجال لمغمز غامز، ولا لاشارة مؤشر ولا لحركة متحرّك أن يغيّر ما أراد الله تعالى ورسوله، إلاّ أن يكون قد غيّر الله عقله فطاش سهمه، فأصاب مقاتل علمه ونفسه، وبذلك جنت على نفسها براقش، فلا يبقى للسياق، وكونها في آيات النساء ـ بعد ان علمنا سبب نزولها، بل واختصاصها بهم عليهم السلام دون غيرهم من الذكور والاناث ـ أي مجال للدلالة على دخولهنّ فيها، فتسقط بهذا حجيّة السياق أصلاً، فضلاً على ان السياق بنفسه ليس حجة مطلقاً.

هذا من جهة، ومن جهة اُخرى لعلّ وجودها في هذا المكان بالذات لثلاث نكات لطيفة ظهرت لنا وهي:

إنّ هذه الخطابات، والاعتناء بهذه النسوة بالذات لا لكرامتهنّ عند الله تعالى بما هُنّ نساء مسلمات، وإلاّ لشمل النداء غيرهنّ من نساء المهاجرين والانصار والنساء المسلمات قاطبة.

بل اختصّ النداء بهنّ لاَجل نكتة مفادها كرامة أهل البيت عليهم السلام عنده، وعلو مرتبتهم وطهارتهم.

فهذه النسوة بما انهنّ قد حُسبنَ على هذا البيت الطاهر فعليه تكليفهن يكون أشد وثوابهنّ يكون أكثر.

(1) الكلمة الغراء|السيد عبدالحسين شرف الدين: 204 ـ 205.


109

فيريد أن يقول لهنّ انتنّ قد اصبحتن محسوبات على هذا البيت الطاهر فيجب عليكنَّ الالتزام الاَشد.

قال الشيخ المظفر في «دلائل الصدق»: (إنّ هذا التمييز انما هو للاتصال بالنبي وآله عليهم السلام، لا لذواتهنّ فهنّ في محل، وأهل البيت في محل آخر، فليست الآية الكريمة إلاّ كقول القائل: يا زوجة فلان لست كأزواج سائر الناس فتعففي، وتستري، وأطيعي الله تعالى، إنّما زوجك من بيت أطهار يريد الله حفظهم من الادناس، وصونهم من النقائص)(1) ، هذا أولاً.

وثانياً: إنّ النداء وان كان للنساء المحسوبات على هذا البيت وهنّ مع شرفهنّ لكرامة هذا البيت، إلاّ انّه ربّما يصدر عنهنَّ ما يصدر، كما صدر عن بعضهنّ، إلاّ انّ هذا لا يغير من مقام أهل البيت، وسموّه فيبقى على طهارته ونقائه، كما في قوله تعالى: ﴿لا يضرّكم من ضلَّ إذا اهتديتم فأنتم يا أهل البيت مطهرون بتطهير الله تعالى ولا يؤثّر عليكم من حُسِب عليكم بأيّ حالٍ من الاحوال.

وأخيراً يريد أن يبين كرامة أهل البيت عنده، فعندما تعرَّض للنساء الملتصقات بذلك البيت الطاهر، وخاطبهن بذلك الخطاب الذي فيه تأديب وتهديد ووعد ووعيد، اراد أن يرفع كلّ ما التصق من الخطاب، فيلاطف أهل البيت عليهم السلام ويبيّن كرامتهم عنده، والاّ يكون هذا الخطاب ماسّاً لهم بشيء، فصرف وجهه عن النساء وخاطبهم بألطف خطاب

(1) دلائل الصدق|الشيخ محمد حسن المظفر 2: 72.


110

وأرقّه، ثمّ رجع تارة اُخرى للنساء فأكمل خطابه معهنّ.

وهذا من ألطف البيان وأخصره فهو بجملة اعتراضية أراد أن يوضّح كلّ هذا بأتم بيان وأكمله.

فبناءً على هذا نرى أن ما ذكره بعضهم من أنّ هذا الانتقال لوجهٍ أول مفاده (تعريفهنّ على جماعة بلغوا في التورّع والتقى الذروة العليا، وفي الطهارة عن الرذائل والمساوئ القمة، وبذلك استحقوا ان يكونوا اسوة في الحياة، وقدوة في مجال العمل فيلزم عليهنّ ان يقتدين بهم، ويستضيئن بضوءهم)(1) - (2) .

هذا لا تساعد عليه الدقة العربية في التعبير، لا بلاغة ولا فصاحة، فالكلام قد ورد على وجه الحصر الشديد، والخطاب لاَهل البيت عليهم السلام أنفسهم فأين كلُّ ذلك الكلام الذي ورد. نعم نوافقه بالوجه الثاني وقد ذكر هنا كوجهٍ أول.

وعلى هذا: (قد ثبتت عصمة أهل البيت عليهم السلام بالوحي العزيز المُتّفق على روايته من الخاص والعام، وما كان كذلك صحّ التمسك به، والاستدلال يوضّح ذلك، ويزيده إيضاحاً وبياناً ما ذكره أحمد بن فارس اللغوي في كتاب ـ المجمل في اللغة ـ قال: الطهر خلاف الدنس، والتطهير هو التنزّه عن الاِثم وعن كلّ قبيح.

وهذا معنى العصمة، لاَنّ المعصوم هو الذي لا يواقع اثماً ولا قبيحاً،

(1) كذا في المصدر، والصواب: ويستضئن بضوئهم. (2) مفاهيم القرآن|الشيخ جعفر السبحاني 5: 305، سنة 1407 هـ.


111

وليس ذلك إلاّ مع تطهير الله عزَّ وجلّ له، واذهاب الرجس عنه بارادته تعالى، لا بارادة غيره جلّ وعلا.

ومن ثبت تطهيره بالوحي العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد، وبالصحاح من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على إجماع الشيعة والسُنّة، ثبتت عصمته)(1) .

القرينة السابعة والأخيرة:

ونرفع أيدينا عن المطلب حامدين وسائلين القوم، هل تجدون ياعلماءنا، ويا أهل الفكر والثقافة تناسباً أصلا بين قوله تعالى: ﴿إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا والآية فيها: إنّما وهي تفيد الحصر، والتحقيق والاثبات، والمحصور هو الارادة الالهية، وهذا من العجيب فعندما تقول إنّما الشاعر زيد تريد حصر الشاعرية في زيد دون غيره، وان كان غيره شاعراً، وهنا وان كان لله ارادات وارادات إلاّ ان ارادته قد حُصرت في شيء ولا يمكن ان يخلو ذلك الشيء من هذه الارادة.

والارادة متعلقة باذهاب أمر معيّن عن جماعة مخصوصين وفوق استعمال الحصر ليؤكد مطلبه جاء بلام التوكيد وادخلها على الفعل المضارع ليكون هذا ثابتاً دائماً وفي كل زمن تقرأ فيه الآية الكريمة، لاَنّ الفعل المضارع يستعمل في الزمن الحاضر والملابس له من جهة المستقبل، فتكون هذه الارادة بالاذهاب دائماً مستمرة، ومؤكدة بلام

(1) خصائص الوحي المبين|ابن البطريق: 79 ـ 80.


112

التوكيد وهذا من ألطف البيان وأدقه.

ثم وكأنّه يلامس مشاعر اولئك واحاسيسهم بأرق تعبير فجاء بالاهل مضافاً للبيت الذي هو معرفة إما لكونه بيت الله الحرام فجعلهم أهله، أو بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بيت الوحي، وهذا من عجيب التعبير.

ويزداد التعبير دقة بالخطاب المباشر لهم في هذه اللحظات الرومانسية إذا صحَّ التعبير، ثمّ يؤكد هذا الاذهاب أكثر من ذلك فيقول: ويطهركم تطهيرا، فيعطف التطهير على الاذهاب ويؤكده بالمصدر، فهنا توكيد الحصر، وتوكيد اللاّم، والاعتناء، والاتيان بضمير الجمع لزيادة الاعتناء، ثمَّ يكمل ذلك باظهار الاسم دون الضمير، ويضيفهم إلى البيت الذي لايخلو ان يكون بيت الله أو رسوله أو الوحي ثُمَّ يؤكد ذلك كلّه بالمصدر.

فأيّ اعتناء من الباري عزَّ وجلَّ بهؤلاء، وأي مقام لهم وأي علو درجة.

فيا أيُّها العلماء، والادباء، والمفكرون، والمثقفون ويامن درستم لغة الضاد، بل يا من لديه إلمام بسيط بكلام العرب، وبلغة القرآن..

أيتناسب ويجتمع كلُّ هذا مع قوله تعالى: ﴿إنّ تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا ، أو مع الآية الاُخرى: (عسى ربُهُ ان طلقكّن أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ...) ، أو ان يضرب لهن أخيراً مثلاً ويعرِّض بهنّ تعريضاً شديداً: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوطٍ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا


113

النار مع الداخلين)، هذا أولاً.

وثانياً: الا تجدون ذلك متناغماً مع آيات اُخرى قالوا بأنّها نزلت في اولئك المعنيين منها: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيرا* ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيرا*إنّما نطعمكم لوجه الله لانُريد منكم جزاءً ولا شكورا*إنّا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا* فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرة وسرورا*وجزاهم بما صبروا جنّة وحريرا)(1) .

ومنها: عندما خرج للمباهلة مع النصارى اخرجهم معه ولم يخرج غيرهم لمقامهم السامي عند الله كما ذكرنا ذلك فيما تقدم: (قل تعالوا ندعوا ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)(2) .

ومنها: ما أوجب مودتهم على كل المسلمين اجراً للرسالة (قُلْ لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى)(3) .

ومنها: (إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(4) ، إلى غير ذلك من الآيات، بل الروايات الواردة في علوّ مقام هؤلاء.. فلماذا وضع الرؤوس في الرمال ؟ !

وهم آل بيت نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهم وصيّة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

(1) سورة الاِنسان: 79|7 ـ 12.

(2) سورة آل عمران: 3|61.

(3) سورة الشورى: 42|23.

(4) سورة المائدة: 5|55. ولو قال قائل منهم عناداً أو جهلاً كما قيل من انّ الفعل المضارع الذي هو (يريد)، و(يذهب)، و(يطهر) لا ينبئ عن الوقوع، بل لا يدل على المستقبل.


114

قلنا: أولاً الفعل المضارع يفيد الزمن الحاضر والمستقبل المتصل بالزمن المقال به الكلام، لا الزمن المستقبل على الحقيقة، وللدلالة على هذا الاَخير يضاف على الفعل المضارع السين أو سوف حسب بعد الزمن وقربه.

ولذا قالوا: (ويصلح المضارع لوقتين لما أنتَ فيه، ولما لم يقع كما يقول المبرّد أي للحال والاستقبال)(1) .

مع انّ الفعل المضارع كثيراً ما يستعمل حتى في الماضي فضلاً عن الحال، قال تعالى: (إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة) ، وقال تعالى : (يريد الله ان يخفف عنكم) ، وقال تعالى: (يريدون أن يبدّلوا كلام الله)(2) .

ومما جعلوا فيه المستقبل في موضع الماضي قول الصلتان العبدي يرثي المغيرة بن المهلّب:

*

*وانضخ جوانب قبره بدمائها فلقد تكون أخا دمٍ وذبائحِ

والبيت يستشهد به النحويون على انّ المضارع، وهو يكون، مؤوّل

(1) معجم القواعد العربية|عبد الغني الدفر: 433 ط 1.

(2) سورة المائدة: 5|91. وسورة النساء: 4|28. وسورة الفتح: 48|15 على التوالي.


115

بالماضي، أي ولقد كان، لاَنّه في مرثية ميت، وهو إخبار عن شيء وقع، ومضى، لا اخبار عمّا سيقع لاَنّه غير ممكن.

قال ابن الشجري في أماليه، قال أبو الفتح عثمان بن جني، قال لي أبو علي سألت يوماً أبا بكر بن السراج عن الاَفعال، فقال: يقع بعضها موقع بعض.

وقال: كان ينبغي للافعال كلها ان تكون مثالاً واحداً، لاَنّها لمعنىً واحد، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أحوال الزمان، فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ، أو حال، جاز وقوع بعضها موقع بعض(1) .

وقال ابن عقيل في ألفية ابن مالك عند تعرّضه لتوكيد الفعل بالنون: (مايجوز تأكيده أحياناً، ولا يجوز تأكيده أحياناً اُخرى وهو المضارع، والاحيان التي يجوز فيها تأكيده هي: وذكر ثلاثة أحيان، وسنذكرها إلاّ انّ المعلّق قد علّق على هذه العبارة بـ (الجامع لهذه المسائل كلها دلالته على الاستقبال فيها، وإنّما يقصد العلماء ببيانها تفصيل مواضع دلالته على الاستقبال، لاَنّه لا يستطيع معرفتها كل أحد)(2) .

والاَماكن هي:

1 ـ أن يقع شرطاً بعد «ان» الشرطية المدغمة في «ما» الزائدة المؤكدة،

(1) أمالي السيد المرتضى 4: 109 الهامش، صححه وضبط ألفاظه وعلق حواشيه الشيخ أحمد بن الامين الشنقيطي ـ مصر ط 1.

(2) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد 2: 655.


116

كقوله تعالى: ﴿إمّا ينزغنّك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله(1) .

2 ـ أن يكون واقعاً بعد اداة طلب، نحو لتجتهدنَّ، لاتغفلنَّ، وكقوله تعالى: ﴿ولا تحسبنَّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون(2) .

3 ـ أن يكون منفيّاً بلا، كقوله تعالى: ﴿واتّقوا فتنة لا تُصيبَنَّ الذّين ظلموا منكم خاصة(3) ، وله حالة رابعة يجب فيها التوكيد اذا كان مثبتاً، جواباً لقسم غير مفصول من لامه بفاصل، ويجب ان يكون دالاً على المستقبل أيضاً، كقوله تعالى: ﴿وتالله لاَكيدنَّ أصنامكم(4) ، فإذا كان كذلك علمنا انّه اذا خلا الفعل المضارع من هذه أي من أن الشرطية، ومن الطلب، ومن النفي، أو كما في القسم الرابع فحينئذٍ الفعل المضارع يدلّ على الحال، ولعلّه لذا جاء التوكيد في الآية المباركة باداة الحصر وباللام وبالمصدر دون نون التوكيد بقسميها لرفع هذا الالتباس.

وأخيراً ختاماً لكلِّ ما تقدّم نقول بانَّ:

الجملة الفعلية: هي التي تتألف من فعلٍ وفاعل أو نائبه، وللفعل مدلولان: الحدث والزمان.

ولمّا كان الزمان غير ثابتٍ ولا قارٍّ بالحدث لو أخذنا الحدث بما هو حدث، اذن يكون الفعل مع دلالته على الزمان بصيغته الماضوية أو

(1) سورة الاعراف: 7|100. وسورة فصلت: 41|36.

(2) سورة إبراهيم: 14|42.

(3) سورة الانفال: 8|25.

(4) سورة الأنبياء: 21|57.


117

المضارعية أو المستقبلية على فردٍ من الاَزمنة الثلاثة إلاّ انّه يفيد التجدّد.

ولذا قالوا ان الجملة الفعلية (موضوعة لافادة التجدد والحدوث).

وأما الجملة الاسمية: (فتفيد بأصل وضعها ثبوت شيء لشيء ليس غير بدون نظر إلى تجدد ولا استمرار)(1) .

وبهذا نعلم السر في مجيء هذه الآية المباركة بالفعل دون الاسم للدلالة على تجدد الارادة والاذهاب للرجس والتطهير تطهيراً مؤكداً دائماً ومستمرّاً.

13 ـ قال الله سبحانه على لسان نبيه يوسف عليه السلام مخاطباً لصاحبيه في السجن: (واتّبعتُ ملة آبائي إبراهيم واسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نُشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)(2) .

لو تمعّنا قليلاً في هذه الآية المباركة لرأينا انّه اقرار من قبل نبي من أنبياء الله سبحانه بصفة معيّنة، قد نقلها الباري عزَّ وجل واقرّها بكتابه العظيم المنزل على أعظم انبيائه، واقرار هذا النبي المبارك، مفاده امتناع صدور الشرك منه بفضل الله تعالى، وليس هذا فقط بل امتناع صدور الشرك من آبائه وأجداده.

والشرك بالمصطلح القرآني له عدّة معان حتى ان بعضها قد ذكر في

(1) شرح ابن عقيل 2: 75.

(2) سورة يوسف: 12|39.


118

نفس هذه السورة بالذات: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون)(1) .

والايمان بالله والشرك به وحقيقتهما تعلّق القلب بالله بالخضوع للحقيقة الواجبة وتعلّق القلب بغيره تعالى، مما لا يملك شيئاً إلاّ باذنه تعالى يختلفان بحسب النسبة والاضافة، فانّ من الجائز ان يتعلّق الاِنسان مثلا بالحياة الدنيا الفانية وزينتها الباطلة، وينسى مع ذلك كلّ حق وحقيقة، ومن الجائز ان ينقطع عن كلِّ ما يصدّ النفس ويشغلها عن الله سبحانه، ويتوجّه بكلّه اليه، ويذكره ولا يغفل عنه، فلا يركن في ذاته وصفاته إلاّ اليه، ولا يريد إلاّ ما يريده، كالمخلصين من أوليائه تعالى.

وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبعد منه، وهي التي يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع(2) .

فإذا كان كذلك علمنا انّه خالص من ذلك كلّه، وانّه محض اطاعة له سبحانه، ولا يمكن له ان يتبع هواه بأي حال من الاحوال.

ومن هذه الآية المباركة بالذات نستطيع ان نستكشف معنى الهمّ الذي همّ به يوسف عليه السلام مقابل هم امرأة العزيز.

فإنّ عدم إشراكه بالله طرفة عين يقتضي عدم تعلقه بشيء سوى الله تعالى ومرضاته، وهذا هو الذي قد كان من فضل الله عليه بالخصوص وعلى الناس بالعموم ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون.

(1) سورة يوسف: 12|106.

(2) الميزان|الطباطبائي 11|276.


119

وكفى به دليلاً على العصمة له ولابائه ولبقية انبياء الله ورسله عليهم السلام مطلقاً، لاَنّ امكان تعلّقه بشيءٍ منافٍ للتوحيد الخالص ولو طرفة عين سينقل الاَمر إلى التبعيض ولا قائل بالتبعيض، كما ان منطوق الآية ينفيه.


120

المبحث الثاني: أدلّة العصمة من السُنّة

في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة الاَطهار من أهل البيت عليهم السلام طائفة كبيرة من النصوص التي تدل دلالة صريحة على عصمة الاَنبياء والاَئمة عليهم السلام انتخبنا منها هذه المجموعة:

1 ـ عن تفسير الصافي عن الصادقين عليهما السلام: «إنّ أيوب عليه السلام أُبتلي بغير ذنب سبع سنين، وانّ الاَنبياء معصومون لا يذنبون، ولا يزيغون، ولا يرتكبون ذنباً صغيراً، ولا كبيراً»(1) .

2 ـ وقال الاِمام الصادق عليه السلام: «نحن خزّان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا، ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الاَرض»(2) .

3 ـ وعن الاِمام الرضا عليه السلام: «إنّ الله يقول في كتابه (ولو ردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الاَمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) يعني آل محمد (عليهم السلام) وهم الذين يستنبطون منهم القرآن، ويعرفون الحلال والحرام، وهم الحجة لله على خلقه»(3) . 4 ـ قال الاِمام علي عليه السلام: «وقد جعل الله للعلم أهلاً وفرض على

(1) تفسير الصافي: 450. ورواه كذلك المجلسي في بحار الانوار 12: 348 عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام.

(2) اصول الكافي1: 269|6.

(3) جامع أحاديث الشيعة، عن الوسائل 3: 389.


121

العباد طاعتهم بقوله: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الاَمر منكم) ، وبقوله: (ولو ردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الاَمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ، وبقوله: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، وبقوله: ( وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم) ، وبقوله: (واتوا البيوت من أبوابها) والبيوت هي بيوت العلم الذي استودعته الانبياء، وأبوابها أوصياؤهم، فكل عمل من أعمال الخير يجري على غير أيدي أهل الاصطفاء وعهودهم وحدودهم وشرايعهم وسننهم ومعالم دينهم مردود غير مقبول، وأهله بمحلِّ كفر، وان شملتهم صفة الاِيمان.

إلى أن قال عليه السلام: ثم ان الله جلَّ ذكره لسعة رحمته ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كتابه قسّم كلامه ثلاثة أقسام فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلاّ من صفا ذهنه ولطف حسه، وصحّ تمييزه ممّن شرح الله صدره للاسلام. وقسماً لا يعرفه إلاّ الله وامناؤه والراسخون في العلم، وإنّما فعل الله ذلك لئلاّ يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علم الكتاب ما لم يجعله الله لهم.

وليقودهم الاضطرار إلى الائتمار لمن ولاه الله أمرهم فاستكبروا عن طاعته»(1) .

(1) الاحتجاج|الطبرسي 1: 581 ـ 596|137.


122

5 ـ حديث صححه أشدُّ نقاد الحديث من أئمة الحديث وهو الذهبي:

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من اطاعني فقد اطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن اطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى علياً فقد عصاني»(1) .

ونصوِّر هذا الحديث هكذا: طاعة علي طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبما ان طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طاعة الله، ينتج ان طاعة علي طاعة الله.

ومثل هذا: معصية علي معصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصية لله تعالى، ينتج انّ معصية علي معصية لله تعالى.

فإن كانت ارادة علي عليه السلام تتخلّف عن ارادة الله، وكان ما يكرهه علي يتخلّف عمّا يكرهه الله فانّ القياس الاَول باطل، وهكذا القياس الثاني باطل أيضاً.

وإذا كان صحيحاً وحقّاً فانّ انكار عصمة علي بن أبي طالب عليه السلام ظلم وباطل.

6 ـ عن أمير المؤمنين عليه السلام: قال: «إنّ الله طهّرنا، وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجّته في أرضه، وجعلنا مع القرآن، وجعل القرآن معنا، لانفارقه ولا يفارقنا»(2) .

(1) انظر المستدرك|الحاكم 3: 121|128، عن أبي ذر الغفاري، وقد صححه الذهبي.

(2) الوسائل|الحر العاملي 27: 178|4 الباب 13.


123

7 ـ حديث الثقلين:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به... وأهل بيتي»(1) .

وفي لفظ آخر: «إني تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(2) .

(والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة، وطرقها عن بضع وعشرين صحابياً متضافرة)(3) .

(وحديث الثقلين من المتواترات التي أجمع على روايتها الفريقان، وقد انهى بعض علماء الحديث رواته من الصحابة إلى خمس وثلاثين راوياً من الرجال والنساء، وقد رواه عنهم جمٌّ غفير من الرواة وأهل الحديث)(4) .

(وقد بلغ هذا الحديث الشريف من الشهرة ما أغنى استطراد مصادره، فإنّه قد رواه الفريقان، واعترفت به الفرقتان، وعرفه الخاص والعام، بل حفظه الصغير والكبير، والعالم والجاهل فهو فاكهة الاندية، وفي مذاق

(1) لفظ صحيح مسلم|باب فضائل علي بن أبي طالب. ومسند أحمد 4: 366.

(2) مستدرك الصحيحين 3: 109.

(3) المراجعات|السيد عبدالحسين شرف الدين: 15.

(4) تفسير الميزان|الطباطبائي 3: 379 بتصرف.


124

الافواه، حتى كاد ان يتجاوز حدّ التواتر)(1) .

واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته تقتضيه طبيعة تعدد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى، وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعاً.

ومن حسنات دار التقريب بين المذاهب الاِسلامية في مصر انها أصدرت رسالة ضافية ألّفها بعض أعضائها في هذا الحديث اسمتها (حديث الثقلين)، وقد استوفى فيها مؤلفها ما وقف عليه من أسانيد الحديث في الكتب المعتمدة لدى أهل السُنّة(2) .

وقد أخرج لحديث الثقلين العلاّمة الحجة الكبير السيد هاشم البحراني في غاية المرام تسعة وثلاثين طريقاً من طرق أهل السُنّة.

كما أخرج له اثنين وثمانين طريقاً من طرق الشيعة عن أهل البيت عليهم السلام(3) .

هذا وقد ذكر هذا الحديث السيد الاجل السيد مير حامد حسين النيسابوري، ثمّ الهندي في «عبقات الاَنوار». ورواه عن جماعة تقرب من

(1) لماذا اخترت مذهب أهل البيت عليهم السلام|الشيخ الانطاكي: 146.

(2) الاُصول العامة للفقه المقارن|السيد محمد تقي الحكيم: 163. وقد أخرج هذا الحديث: أحمد ومسلم والترمذي والنسائي والدارمي وأبو داود وابن ماجة من طرق متعددة، والبغوي في مصابيح السُنّة، والحاكم في المستدرك كذلك والذهبي في تلخيص المستدرك، والفخر الرازي في التفسير، وابن كثير أيضاً وغيرهما من المفسرين.

(3) غاية المرام: 211 ـ 217.


125

المائتين من أكابر علماء المذاهب من المائة الثانية إلى المائة الثالثة عشرة، وعن الصحابة والصحابيات أكثر من ثلاثين رجلاً وامرأة كلهم رووا هذا الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم(1) .

ومن هذا الحديث الشريف نقف على فوائد جمة، منها:

أ ـ تكراره في عدة مواضع، وأوقات مختلفة يدلّ على اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمضمونه اهتماماً بالغاً.

ب ـ الرجوع إلى معنى الثقل في اللغة يبين لنا ثقل هذا الحديث الشريف ويمكن ان نستدلّ منه على عصمة من ذكروا فيه.

فهذا ابن حجر مثلاً يقول بعد ان ذكر حديث الثقلين في عليّة تسمية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وعترته بالثقلين:

(لاَنّ الثقل كلُّ نفيس خطير مصون، وهذان كذلك؛ إذ كلٌّ منهما معدن للعلوم الدينية والاَسرار والحكم العلية، والاَحكام الشرعية، ولذا حثّ صلى الله عليه وآله وسلم على الاقتداء والتمسك بهم، والتعلم منهم، وقال الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة ـ أهل البيت ـ وقيل سُمّيا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما)(2) .

ويقول آخر: (إنّما سماهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثقلين لخطرهما، وعظم

(1) لماذا اخترت مذهب أهل البيت عليهم السلام|الشيخ محمد مرعي أمين الانطاكي: 153 ـ 154، 1962 م بتصرّف لا يخل.

(2) الصواعق المحرقة|ابن حجر الهيتمي: 131 ط مصر.


126

قدرهما حيث يعبّر في اللغة لكلِّ خطر عظيم ثقلاً؛ لاَنّ الاخذ عنهما، ودوام التمسك بهما ليس بالامر السهل، أو لاَنّ العمل بما أوجب الله تعالى من حقوقهما ثقيل كما ذكر ذلك جماعة من أعاظم علماء السُنّة منهم ابن حجر في صواعقه في باب وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم السيوطي)(1) .

فلو رجعنا لمعنى الثقل الذي هو: كلُّ نفيس خطير مصون، لتبين لنا الامر فالكتاب نفيس وخطير ومصون لاَنّه ثقل، والعترة نفيسة وخطيرة ومصونة لاَنها ثقل.

فالنفاسة والخطر فيهما، فما وجه الصون لهما لعلّه اشارة طريفة لعصمتهما، فهما مصونان عن كلِّ زيف وزيغ وانحراف، وكذا النفاسة.

جـ ـ نفي الضلال عن التمسك بهما دلالة على انهما على الحق دائماً، وإلاّ لما نُفي: فإنَّ «لن» تفيد تأبيد النفي كما هو واضح لمن تتبع استعمالات هذه الكلمة في كلام العرب، وكما صرّح به أهل الخبرة والتتبع منهم(2) .

و (هو مقتضى ما تفيده لن التأبيدية)(3) ومن هنا سلّم العلاّمة الطباطبائي قدس سره بظهورها في التأبيد خلال كلامه حول آية (لن تراني)(4) .

(1) لماذا اخترت مذهب أهل البيت عليهم السلام|الشيخ الانطاكي: 156.

(2) كما صرّح بذلك الزمخشري في انموذجه.

(3) الاصول العامة|السيد محمد تقي الحكيم: 163.

(4) سورة الاعراف: 7|143.


127

وقال: (والتعبير في قوله: (لن تراني) بـ «لن» الظاهر في تأبيد النفي)(1) .

(وقد استدلّ بهذه الآية كثير من العلماء الموحدين على أنّه تعالى لايُرى بالاَبصار من حيث نفي الرؤية نفياً عاماً بقوله تعالى: ﴿لن تراني(2)

ولو تنزلنا وقلنا انّها لا تفيد تأبيداً كما صرّح به صاحب قطر الندى(3) ، عند كلامه حول ما ينصب به الفعل، إلاّ انّها تفيده لو كانت ثمة قرينة تفيد ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿لن يخلقوا ذباباً(4) ، أو (لن يخلف الله وعده)(5) .

فهاتان الآيتان لقرائن خارجية على رأي بعضهم أفادتا تأبيداً لما دخل عليه «لن».

ففي هذا المقام نقول عين قولهم، إذ لو حدث أن ضللنا باتّباعهما، ولو بمصداق واحد لما خرج كلامه صلى الله عليه وآله وسلم صحيحاً وصادقاً، لاطلاق الكلام وهو في مقام الهداية والبيان.

فما يكون اتّباعه عدم الضلال، ومن عدم الضلال يمكن ان نستشف

(1) تفسير الميزان|الطباطبائي 8: 243.

(2) أمالي السيد المرتضى 4: 128.

(3) قطر الندى وبل الصدى|ابن هشام: 79.

(4) سورة الحج: 22|73.

(5) سورة الحج: 22|47.


128

عصمته كما هو ظاهر للمتمعّن.

د ـ إنّ المفهوم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم «إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي» انّما هو ضلال من لم يتمسك بهما معاً، كما لايخفى.

ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث الثقلين عند الطبراني ـ «فلاتقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم»(1) .

فلابدّ لكلِّ مكلف من ان يتمسك بالثقلين معاً، لا بالكتاب وحده دون قرينة العترة، ولا بالعترة وحدها دون مصدرها الكتاب...، بل ما هما إلاّ عروة واحدة لا يمكن التفكيك بين حلقها المتماسكة، غير ان العترة اللسان الناطق للكتاب الصامت، فلا نقدر ان نتمسك بالكتاب من دون طريقهم(2) .

هـ ـ كتاب الله، هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه هو معصوم في جميع آياته وسوره، وهذا ما لا يُخالف فيه المسلمون قاطبة.

وحسب أئمة العترة الطاهرة ان يكونوا عند الله ورسوله بمنزلة الكتاب، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكفى بذلك حجة

(1) المراجعات|السيد عبدالحسين شرف الدين: 23.

(2) لماذا اخترت مذهب أهل البيت عليهم السلام|الشيخ الانطاكي: 154.


129

تأخذ بالاعناق للتعبّد بمذهبهم.

فإنّ المسلم لا يبتغي بكتاب الله بدلا، فكيف يبتغي عن اعداله حولا(1) .

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الروايات «ولن يفترقا» كما في سنن الترمذي(2) ، إذا تمعنّا بهذه الـ «لن» فانّها تفيد كما ذكرنا سابقاً التأبيد في نفي المتعلق، وهنا هو عدم الافتراق بعد ان نقول لاحقاً اذا وسوست النفس ولم تطمئن بذلك هناك قرينة لفظية بعدم الافتراق، وبالاضافة إلى القرينة تلك وهذه على أقل تقدير إذ حدَّد بمنطوق الكلام فترة عدم الافتراق، نهايتها، بورودهما عليه الحوض، إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض». وهو المهم في حديثنا الآن، كما هو واضح.

فعليه نقول: إذا كان أحدهما معصوماً وهو كتاب الله الكريم فيجب أن يكون الثاني وهو العترة الطاهرة كذلك، وإلاّ لافترق أحدهما عن الآخر في موارد عدم عصمة الآخر كما هو واضح، (ومن البديهي أن صدور آية مخالفة للشريعة سواءً كانت عن عمد أم سهوٍ أم غفلة تعتبر افتراقاً عن القرآن في هذا الحال، وإن لم يتحقق عنوان المعصية عليها أحياناً كما في الغافل والساهي، والمدار في صدق عنوان الافتراق عنه عدم مصاحبته لعدم التقيّد بأحكامه وإن كان معذوراً في ذلك فيقال فلان مثلاً افترق عن

(1) المراجعات|السيد عبدالحسين شرف الدين: 16 القاهرة 1979 م ط2.

(2) وكما في الدر المنثور، ومسند أحمد، والمستدرك وغيرها.


130

الكتاب وكان معذوراً في افتراقه عنه)(1) .

فهذا يثبت لاخبار الصادق الاَمين صلى الله عليه وآله وسلم عدم افتراقهما مطلقاً، وهذا يثبت عصمة أهل البيت عليهم السلام مطلقاً.

ولا يمكن ان يقع منهم ما يخالف الكتاب الذي هو معصوم لا غفلة ولا سهواً ولا اشتباه ولا نسياناً، كما هو الظاهر للمتأمل المتمعن في هذا الكلام المقدس.

إذن مقتضى عصمة أحدهما، عصمة الآخر بلا شك ولا ريب.

و ـ وأخيراً لا آخراً يمكن أن نستفيد من هذا الحديث بالخصوص، بقاء العترة ببقاء القرآن، فما دام القرآن باقٍ فالعترة باقية، وإلاّ لافترقا، كما هو واضح للمتأمل.

وهذا له عمقه الدلالي لمن أراد الوصول إلى الله تعالى، وألقى السمع وهو شهيد.

ز ـ وبعدها ألا يعني قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثقل ما ذكر في حديث الثقلين ؟ !

فتارةً ينفي الضلال باتّباعهما، واُخرى بالاَمر بالاَخذ بهما والتمسك بهما، وثالثة بالسؤال من الاُمّة عن كيفية مراعاة ما خلّفه فيها تشجيعاً لهم، وتشويقاً للتمسك بهما مع تأكيده لهم بأنّهما لن يفترقا حتى يردا عليه

(1) الاصول العامة للفقه المقارن|السيدمحمد تقي الحكيم: 63.


131

الحوض.

فلنرجع لانفسنا ونتساءل بيننا عن مقدار تمسكنا بوصيّة حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ح ـ ولعلَّ جملة «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» اشارة إلى انّ مامرَّ على أحد هذين الاثنين بعد الوجود المقدّس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد مرَّ على الآخر.

ومهجورية كل واحد منهما، مهجورية للآخر(1) .

(1) صحيفة الثورة الاسلامية، نص الوصية السياسية الالهية|السيد الخميني: 8 ط وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي.

132
تتمة في عصمة فاطمة الزهراء عليها السلام

إنّ الفارق بين عالم الدنيا وعالم الآخرة، وفق كلّ دقائق التعابير التي أطلقها أعيان المتألهين، والحكماء المدققين، والفقهاء الراسخين هو انّ هذا العالم تغلب فيه الصورة على السيرة، فمن الممكن ان يكون أحدٌ ما ذئباً في باطنه، ولكنّ صورته هي صورة انسان سويّ، فلا تختلف الصور هنا أصلاً.

ولكنّ الوضع سينقلب في الآخرة، فبعض يقول عنهم الباري عزّ وجلّ: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) وبعضٌ يقول فيهم: (وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ربّها ناظرة) .

وهكذا سيظهر وجه من قال: (إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) عند الحشر بصورة (وجوهٌ يومئذٍ ناضرة...) فـ (ذلك اليوم الحقّ..) و (المُلك يومئذٍ لله...) .

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تُحشر ابنتي فاطمة وعليها حلّة الكرامة قد عجنت بماء الحيوان، فينظر اليها الخلائق فيتعجبون منها، ثم تكسى أيضاً من حلل الجنة ألف حُلّة، مكتوب على كلِّ حلّة بخط أخضر: أدخِلوا بنت محمد الجنّة على أحسن


134

الصورة، واحسن الكرامة، وأحسن منظر..»(1) .

من المستحيل ان يتخلّف قانون نظام العدالة في الوجود، ذلك اليوم، ولا يمكن ان تكون الصورة التي تعطى للبشر إلاّ انعكاساً لسيرهم في الدنيا، فيحظى بالصورة الاَجمل والاَكمل والاَمثل من جاء بالسيرة الاَجمل والاَكمل والاَمثل، فان لم يكن المرء على الصعيد العلمي أفضل العلماء، وعلى الصعيد الخُلقي أفضل المتخلقين، وعلى الصعيد العملي أفضل العبّاد، فمن المستحيل ان يرد يوم القيامة على أحسن صورة..

وليس هذا بكثير على من قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فاطمة بضعة منّي»(2) «فاطمة روحي التي بين جنبيّ»(3) .

وحتى عائشة قد التفتت إلى هذا التشابه العجيب بين حبيب الله صلى الله عليه وآله وسلم وبضعته الزهراء عليها السلام، إذ قالت: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً، وهدياً ودلاً.. وحديثاً وكلاماً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة كرّم الله وجهها)(4) .

والتفتت إلى كرامتها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ روت: (كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه...)(5) .

(1) تاريخ دمشق|ابن عساكر 12: 86. مقتل الحسين|والخوارزمي 1: 52.

(2) مسند أحمد بن حنبل 4: 5 و 323 و 328. وصحيح البخاري 5: 92 و 150. وصحيح مسلم 4: 1902. وسنن الترمذي 5: 698. والمستدرك 3: 154 و 158.

(3) بحار الاَنوار 27: 63|21 كتاب الاِمامة و 28: 38|1 كتاب الفتن والمحن.

(4) البخاري 5: 26، 7: 47. ومسلم 7: 141. ومسند أحمد 4: 323، 328، 332.

(5) سنن الترمذي 5: 700. والمستدرك 3: 160.


135

فإذا كانت في كلِّ ذلك كذلك، فحريٌّ بها أن تكون ممن لا يفارق الحق في شيء أبداً، ولا يكون كذلك إلاّ المعصوم.

وثمّة أدلة اُخرى تهتدي بها إلى مثل هذه النتيجة، منها:

1 ـ دلالة آية التطهير

قال تعالى: (إنّما يريد اللهُ ليذهِبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) .

وقد تقدم البرهان على أنّها تدلّ على عصمة من تشير إليه، وقد اتّفق المؤرِّخون والرواة انّ من جملة أهل البيت الزهراء فاطمة عليها السلام بل كان يؤكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبظرف ستة أشهر محتوى هذه الآية المباركة عند مروره للمسجد للصلاة.

2 ـ دلالة حديث الثقلين

فكما دلّت الآية المباركة السابقة على دخولها في جملة أهل البيت عليهم السلام نستدلّ بذلك على دخولها في هذه الرواية المباركة وقد تقدم البرهان في دلالتها على العصمة، فتكون مشمولة بالدليل.

3 ـ «إنّ الله ليغضب لغضبك، ويرضى لرضاك» (1) .

(1) الشافي|السيد المرتضى: 235 الطبعة الحجرية. وتلخيص الشافي|الشيخ الطوسي 3: 122 ط النجف الاشرف. وأمالي الشيخ الصدوق|الشيخ الصدوق: 230 أول المجلس الحادي والستين. ومعاني الاخبار|باب معنى الشجنة باسناده عن ابن عباس. ومجالس الشيخ المفيد| الشيخ المفيد

‌>


136

«من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله(1) ».

فتعليق غضب الله على غضبها، والله هو الحق يقتضي ان يكون غضبها حقّاً، دائماً وكذلك نقول في الرضا فيقتضي ذلك عصمتها.

وقد يرد في الاَذهان السؤال: إنّ الله يرضى لرضا المؤمن ويغضب لغضبه فهذه خصوصية ليست متعلقة بالزهراء عليها السلام فقط، فإذن لا تكون دليلاً على العصمة.

ولكن هذا الاشكال يرتفع من أساسه بالتمعن في الحديثين، لان الغضب الالهي والرضا الالهي متعلّقان بنفس الزهراء بما هي، أي بذاتها، لو رضيت على أي حال سيرضى الله، ولو غضبت غضب، فبذا يكون غضبها ورضاها مطلقاً صرف الحق.

أما في حديث المؤمن فرضا الباري عزّ وجل متعلِّق برضاه ما دام مؤمناً، وغضبه متعلّق بغضبه كذلك، لاَنّ المؤمن بما هو مؤمن لا يرضى ولا يغضب إلاّ لله وما هو حق، فلذا تعلّق غضب الباري ورضاه بغضبه ورضاه، وأمّا هو ذاتاً فليس كذلك. أي لا يقتضي الاطلاق بالنسبة إلى

<‌

باسناده عن الاِمام الباقر عليه السلام في المجلس الحادي عشر عن أبي حمزة الثمالي. والمستدرك|الحاكم النيسابوري 3: 154 باب مناقب فاطمة، وهو صحيح على شرط الشيخين. ومجمع الزوائد 9: 203 باب مناقب فاطمة عليها السلام. والذخائر|المحب الطبري في ترجمة فاطمة. وأُسد الغابة|ابن الاثير في ترجمة فاطمة. ومجمع البيان|الطبرسي 2: 453 ورد (إنّ الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها).

(1) صحيح البخاري|كتاب بدء الخلق، باب منقبة فاطمة أورده في محلين كتاب النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته. وصحيح مسلم|كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة مسند أحمد 4: 328. وكتاب الترمذي|الجامع الصحيح 5: 698 كتاب المناقب فضل فاطمة بنت محمد.


137

الذات، بل إلى المشتق. بينما في الاَول هو متعلّق بالذات لا بالمشتق.

وهذا فرقٌ جوهري، فما كان ذاتاً لا يرتفع إلاّ بانعدام الذات، وأمّا ماكان متعلّقاً بشيء عارض فيمكن ان يرتفع المتعلق لارتفاع العارض.

وهذا واضحٌ بحمد الله تعالى.

وختاماً نقول: إنّ للعصمة ادلّتها المفصَّلة، بحيث لا يستطيع الاِنسان أن يرفع يده عنها، مهما أُوتي من جُرأةٍ على مخالفة العقل والكتاب والنّقل، لوجود اخبار آحادٍ قد لا تفيد ذلك لعلل كثيرة، أو لاستبعاد العقول القاصرة التي تقيس كلَّ شيء، على ما يحيطها، وعلى من هي موجودة فيه.

إذ ليس هذا الاستبعاد إلاّ ظنٌ، والظن لا يُغني من الحق شيئاً. والظن لايقابل الحُجة الدامغة مهما أوتي من قوّةٍ. فحينئذ يجب ان نرفع اليد عن هذه الظهورات، ونُسلِّم بما منح الله تعالى قوماً مخصوصين، لطفاً لهم ولنا، وتفضيلاً وتفضّلاً، وكرامة لهم ومزيدا.

والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله

وآخر دعوانا، أن الحمد لله رب العالمين

فهرست آيات
إنّ الّذين سبقتْ لهم منّا الحسنى12
إنّما يخشى الله من عباده العلماء18
إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة44
إنّ جاءكم فاسقٌ بنبأ...44
ألا انّ حزب الشيطان هم الخاسرون45
ومن يعصِ الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين45
أتأمرون الناس بالبرِّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون45
اللهُ يتوفى الاَنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيُمسكُ التي قضى عليها الموت ويرسل الاُخرى إلى أجلٍ مسمى إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون62
قل إنّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ64
الله أعلم حيث يجعل رسالته64
لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدِّعاً من خشية الله64
وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون65
فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلّنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين66
أفمن يهدي إلى الحق أحقُّ ان يُتَّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يُهدى66
ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة 66
وجعلكم ملوكاً66
والنجم إذا هوى ما ضلَّ صاحبكم وما غوى67
وعصى آدمُ ربَّهُ فغوى68
والنجم إذا هوى ما ضلَّ صاحبكم وما غوى68
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة68
ورحمتي وسعت كلَّ شيء فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذّين يتّبعون الرسول النبيَّ الاُمي68
قُلْ إن كنتم تحبونَ الله فاتبعوني يحببكم الله68
فآمنوا بالله ورسوله النبيّ الاُمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون69
وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى69
إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين70
وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين71
سنقرئك فلا تنسى71
وتعيها أذنٌ واعية72
ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله انّ الله شديد العقاب72
ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه74
فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول..79
لعلمه الذين يستنبطونه منهم...89
كما ارسلنا فيكم رسولا منكم...91
لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم91
وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى92
لعلمه الذين يستنبطونه منهم94
وأطعنَ الله ورسوله104
إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا106
لا يضرّكم من ضلَّ إذا اهتديتم109
إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا111
إنّ تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا112
إمّا ينزغنّك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله116
ولا تحسبنَّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون116
واتّقوا فتنة لا تُصيبَنَّ الذّين ظلموا منكم خاصة116
وتالله لاَكيدنَّ أصنامكم116
لن تراني127
لن يخلقوا ذباباً127
فهرست اشعار
ومن يلق خيراً يحمد الناس أمرهُ   =    ومن يغو لا يُـعدم على الـغي68