فهرست عناوين فهرست آيات
تَشْييد المُراجعَاتْ وَتَفنيدُ المُكَابَرَاتْ
الجُزءُ الاَوّلُ

تَأليفُ

السّيِّد عَلي الحُسَيْني الميْلانِيّ

فهرست عناوين
كلمة المؤلف 5
مقدمة المراجعات والكلام حولها 7
تمهيد 9
شخصية السيد شرف الدين 10
أشهر مؤلفاته 11
كلامه في مقدمة المراجعات 12
النقاط الأساسية في مقدمته 13
إهداء كتاب المراجعات 17
رجاؤه من القراء 17
هل للمراجعات أصل ؟ 19
ما هو السبب في تأخير نشرها ؟ 26
السبيل لتوحيد المسلمين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة والبحث والتحقيق على ضوئها 31
موجز الكلام على حديث : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي 33
مقدمات قبل الورود في تشييد المراجعات 39
ـ التشيع مذهب له اصوله وقواعده ، والشيعة الاثنا عشرية إنما يستدلون على الآخرين بما هو حجة عليهم 41
ـ يكفي لصحة الاستدلال أن لا يكون المورد معرضا عنه من جمهور علماء الطرف الآخر 42
وإلا فما سلم من الجرح حتى مثل البخاري ومسلم 43
ـ إنه ينبغي أنى يتفقد حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، وأن الجوزجاني وأمثاله إنما يجرحون الرواة على أساس العقائد 46
ـ إن التشيع لا يضر بالوثاقة عندهم كما نص عليه ابن حجر العسقلاني ، ومع ذلك فإن بعضهم كابن حزم وابن الجوزي وابن تيمية والذهبي يتكلمون في الرجل لأجل التشيع وإن كان صحابيا ، مع أنهم مقدوحون عند علمائهم 48
المبحث الأول
في إمامة المذهب
المراجعة ـ 4 الأدلة الشرعية تفرض مذهب أهل البيت في الأصول والفروع 57
هل كان أئمة المذاهب الأربعة يخالفون أهل البيت ويسيرون على غير مذهبهم ؟ 58
في أن مالك بن أنس حملت به أمه ثلاث سنين ! 61
لا دليل للجمهور على رجحان مذاهبهم ، وما الذي ارتج باب الإجتهاد ؟ وما هو الطريق للم شعث المسلمين ؟ 63
المراجعة ـ 6 الإشارة إلى بعض الأدلة التي تفرض مذهب أهل البيت 71
كلمات أمير المؤمنين في أن الله جعلهم قدوة 71
بحث حول نهج البلاغة والخطبة الشقشقية 73
تخريج تلك الكلمات عن كبار أئمة الجمهور كأحمد بن حنبل والطبراني المتقدمين على الشريف الرضي 80
خطبة للإمام الحسن عليه السلام ـ وفيها فرض مذهب أهل البيت ـ واعتراف أئهمتهم بصحة سند الخطبة 87
الإمام علي بن الحسين السجاد أيضا يفرضه 90
المراجعة ـ 8 بيان ما أشير إليه مما يفرض مذهب أهل البيت من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم : 92
حديث الثقلين من ألفاظه عن عدة من الأعلام 93
من الأعلام الذين نصوا على صحته 97
تواتره سندا ودلالته على المطلوب باعترافهم 98
في أحد أسانيده « زيد بن الحسن الأنماطي » لكن المناقشة في وثاقته مردودة 101
صدور الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خمسة مواطن منها في حجرته في مرضه 105
حديث السفينة لفظه ورواته من الصحابة 113
من رواته من كبار الأئمة الأعلام 114
من اعترف منهم بصحته وقوته 114
ليس في كثير من أسانيده من تلكم فيه أصلا 120
الكلام حول « المفضل بن صالح » 122
الكلام حول « الحسن بن أبي جعفر الجعفري » و« علي بن زيد بن جدعان » 123
الكلام حول « حنش الكناني » و« سويد بن سعيد » 129
حديث : النجوم أمان لأهل الارض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف 131
المراجعة ـ 10 أحاديث : من سره أن يحيا حياتي... فليوال عليا من بعدي... تحقيق أسانيد هذه الأحاديث بالتفصيل ، وهنا بحوث وردود على 134
الذهبي والألباني وبعض الكتاب المعاصرين 136
المراجعة ـ 12 حجج الكتاب مقدمة ، فيها مطالب عديدة ، منها الإشارة إلى آيتين استدل بهما الجمهور على فضيلة أبي بكر ، والكلام على ذلك باختصار 174
من حجج الكتاب : آية التطهير ، وهنا فصول : 187
الأول : في تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ قولا وفعلا ـ المراد من « أهل البيت » فيها 190
من الصحابة الرواة لذلك 190
من الأئمة الأعلام الرواة لذلك 191
من ألفاظ الأحاديث في ذلك 192
ممن نص على صحة الحديث في ذلك 199
ما تدل عليه تلك الأحاديث 200
الفصل الثاني : في سقوط القولين الآخرين 202
ترجمة عكرمة مولى ابن عباس 203
ترجمة مقاتل 205
ترجمة الضحاك 205
الفصل الثالث في دلالة الآية المباركة على عصمة أهل البيت 206
الفصل الرابع في تناقضات المخالفين تجاه الآية 208
كلام ابن تيمية والرد عليه 213
نتيجة الاحتجاج بالآية المباركة 227
ومن حجج الكتاب آية المودة وهنا فصول : 231
الاول : في تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم المراد من « القربى » 234
ذكر من رواه من الصحابة والتابعين 235
ومن رواته من الأئمة الأعلام 236
نصوص الحديث في ذلك 239
الفصل الثاني : في تصحيح أسانيد هذه الأخبار 258
في أسانيد بعض الأخبار رجال تكلم فيهم من أجل التشيع 262
ترجمة « يزيد بن أبي زياد » 262
ترجمة « حسين الأشقر » 268
ترجمة « قيس بن الربيع » 271
ترجمة « حرب بن حسن الطحان » 273
الفصل الثالث : في دفع شبهات المخالفين : 277
1 ـ سورة الشورى مكية والحسنان إنما ولدا بالمدينة 281
2 ـ الرسول لا يسأل أجرا على الرسالة 285
3 ـ لماذا لم يقل : إلا المودة للقربى ؟ 287
4 ـ لمعارضة بحديث رووه عن ابن عباس 289
الفصل الرابع : في الأخبار والأقوال
أدلة وشواهد أخرى للقول بنزول الآية في أهل البيت 290
الرد على الأقوال الأخرى 296
دلالة الآية سواء كان الاستثناء متصلا أو من قطعا 307
الفصل الخامس : في دلالة الآية على الإمامة والولاية ، وهي من وجوه :
1 ـ القرابة النسبية والامامة 311
2 ـ وجوب المودة يستلزم وجوب الطاعة 321
3 ـ وجوب المحبة المطلقة يستلزم الأفضلية 323
4 ـ وجوب المحبة والاطاعة المطلقة يستلزم العصمة 327
دحض الشبهات عن دلالة الآية على الامامة. وفيه ردود على ابن روزبها ، والتفتازاني ، وابن تيمية ، والدهلوي والآلوسي 329
نتيجة البحث 340
ومن حجج الكتاب : آية المباهلة. وهنا فصول : 342
الأول : في نزول الآية في أهل البيت عليهم السلام 344
ذكر من رواه من الصحابة والتابعين 344
ومن رواته من كبار الأئمة الأعلام 346
من نصوص الحديث 349
كلمة حول السند 367
الفصل الثاني : في قصة المباهلة كما رواها السيد ابن طاووس الحلي 369
الفصل الثالث : محاولات يائسة وأكاذيب مذهلة : 407
1 ـ الإخفاء والتعتيم على أصل الخبر : 407
2 ـ الإخفاء والتعتيم على حديث المباهلة 408
3 ـ الإخفاء والتعتيم على اسم علي 413
4 ـ حذف اسم علي وزيادة : « وناس من أصحابه » 415
5 ـ التحريف بزيادة : « عائشة وحفصة » 416
6 ـ التحريف بحذف « فاطمة » وزيادة : « أبي بكر وولده وعمر وولده وعثمان وولده » 416
الفصل الرابع : في دلالة آية المباهلة على الإمامة 421
استدلال الامام الرضا عليه السلام 423
وجوه الاستدلال كما في كلمات علمائنا الأعلام 429
الفصل الخامس : في دفع شبهات المخالفين. وفيه ردود على عبد الجبار المعتزلي ، وابن تيمية ، وأبي حيان ، وابن روزبهان ، والدهلوي ، ومحمد عبده ، وغيرهم 436
تكميل : في بيان استدلال بعض العلماء بآية المباهلة على أفضلية أمير المؤمنين من سائر الأنبياء عدا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم 461


3

بسم الله الرحمن الرحيم


4


5

كلمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، من الأولين والآخرين .

وبعد :

فهذه بحوث وضعتها تشييداً للمراجعات ، بتوضيح أو تعليق أو تذليل ، وتفنيداً لما يكون حولها من مكابرات ، عن تعصب أو جهل أو تضليل ، نشرت ـ من قبل ـ في أعداد مجلة « تراثنا » الموقرة الصادرة عن مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث التحقيقية المخلصة ، والله أسأل أن يوفقني لإتمامها وأن ينفع بها كما نفع بأصلها ، وأن يجعلها وسيلة لهداية من كان أهلا لها . إنه مجيب الدعاء .


6


7

مقدمة المراجعات
والكلام حولها


8


9

تمهيد :

لا ريب في أن البحث وتبادل الآراء خير طريق لتبيين الواقع ، وكشف الحقيقة ، وتنوير الفكر ، ونشر العقيدة... وقد كان السنة الجارية لدى الأنبياء والأولياء وسائر المصلحين والعقلاء... وله أصول وقواعد وآداب ، كانوا ولا يزالون يلتزمون بها ويمشون عليها في كافة مجالات المناظرة والجدل.

وإن من أولى تلك القواعد والأصول ـ بعد رعاية الأدب واجتناب الهوى والتعصب ـ هو التكلم على ضوء الأدلة المقبولة عند الطرفين ، واستدلال كل منهما بما ورد عند الطرف المقابل وما جاء عن طريقه وكان مقبولا لديه... لأن هذا أقوى حجة على الخصم ، وأمتن استدلالا في العقل السليم والمنطق الصحيح.

ولقد دأب علماؤنا الأعلام منذ قديم الأيام على اتباع هذا الاسلوب في مؤلفاتهم ومناظراتهم ، كما لايخفى على الباحث الخبير ، وكان ذلك من أهمّ عوامل تقدم المذهب الحق وإقبال الأمم عليه ، كما كان من أهم أسباب عجز الآخرين عن الجواب والرد ، فما كان منهم إلا التسليم والإذعان ، أو الكذب والشتم والبهتان.

لينظر المنصف إلى استدلالات مشايخ الطائفة وأساطين المذهب ، كالشيخ المفيد البغدادي ، والسيّد المرتضى الموسوي ، والشيخ الطوسي ، والعلامة الحلي... ونظرائهم... ليجد صدق النية ، ونزاهة البحث ، ومتانة الاحتجاج القائم على الأسس القويمة من الكتاب العزيز ، والسنة الثابتة ، والعقل السليم...

وكانت هذه طريقة السيد شرف الدين في آثاره الخالدة...


10

شخصية السيد شرف الدين :

وهو ـ كما هو معروف ـ علم من أعلام الأمة ، ومن كبار المجتهدين الأفذاذ ، كما تشهد بذلك آثاره في الفقه والأصول وغيرهما.

وبطل من أبطال العلم ، المرجوع إليهم في المسائل المختلفة في شتى العلوم الإسلامية... من الفقه والأصول والتفسير والحديث والكلام...

وزعيم من زعماء الإصلاح في المجتمع الإسلامي ، كما تشهد بذلك مشاريعه الثقافية ومؤسّساته الاجتماعية ، من مدارس وجوامع....

وقائد من قواد النضال والكفاح ضد الاستعمار الأجنبي ، حتى أنه شرد عن وطنه بأهله وذويه ، ثم تفرقوا في البلدان ، ونزل هو دمشق ففلسطين فمصر ، وصودر ثقله ، وأحرقت مكتبته ، في قضايا مفصلة سجلها له التاريخ.

وأما آثاره فكثيرة... لها المكانة المرموقة بين آثار علمائنا الأعلام في العصر الحاضر ، جمعت الدقة في البيان إلى المتانة في الاُسلوب والإستيعاب الشامل ، فما تطرق إلى مسألة إلا وأشبعها بحثا وتحقيقا ، وما تعرض لمشكلة إلا وعالجها العلاج الناجع التام.

وتتجلى عظمته وإحاطته في مؤلفاته في المسائل الخلافية ، وفي تحقيقاته التاريخية والرجالية ، وفي ما كتبه في الدفاع عن الإسلام ومذهب أهل البيت عليهم السلام.

وقد قوبل هذا المحقق العظيم بما قوبل به أسلافه ، فأكثر المسلمين يقدّرون جهوده ، ويقرأون كتبه ، ويشكرون أياديه ، ويثمنون مساعيه ، حتى طبعت كتبه عشرات المرات ، وترجمت إلى شتى اللغات... وأقبلت عليها الجماهير من جميع الجهات. ومن الناس من لا يتحمل رواج تلك الكتب غير القابلة للرد ، وتأثيرها في القلوب المستعدة للهداية والرشاد ، فحاولوا إطفاء ذلك النور بالسب والشتم والكذب والزور... »


11

أشهر مؤلفاته :

ومن أشهر كتبه القيمة الجامعة بين الموضوعية والدقة ، والأناقة والرقة ، والعمق والرفعة :

كتاب أبو هريرة : وهو كتاب فريد في بابه ، تناول أبا هريرة الدوسي وأحاديثه الكثيرة المروية في كتابي البخاري ومسلم وغيرهما من أسفار أهل السنة ، بالبحث والتحقيق الموضوعي. وقد أثار بعض كُتّاب القوم ضجّة شديدة حوله ، لأنه في الحقيقة ينسف أهم أسسهم في الأصول والفروع ، أعني الأمرين المشهورين اللذين لا أصل لهما ـ وكم من مشهور لا أصل له ـ وهما : مسألة عدالة الصحابة أجمعين ، ومسالة صحة أحاديث كتابي البخاري ومسلم ، الموسومين بالصحيحين.

وكتاب النص والاجتهاد : وهو كتاب فقهي ، أصولي ، حديثي ، كلامي ، تاريخي... جمع فيه موارد كثيرة من مفارقات ومعارضات جماعة من الصحابة ـ الذين يقتدي بهم أهل السنة في الأصول والفروع ـ للكتاب والسنة الثابتة ، معتمداً على أوثق كتب القوم وأهم مصادرهم.

وكتاب الفصول المهمة في تأليف الأمة : وهو كتاب جليل من أحسن الكتب الكلامية ، استعرض فيه بعض المسائل الخلافية بين الشيعة والسنة ، موضّحاً أن السنة هم الذين خالفوا في معتقداتهم ما تقتضيه الأدلة ويقرره الكتاب والسنة ، وأنه إذا ما رجعوا إلى الله والرسول ، ونبذوا اتّباع غير من أمروا باتباعه ، عادت الأمة إلى الوئام واتفقت كلمة أهل الإسلام.

وكتاب المراجعات : فقد كانت للسيد ـ رحمه الله ـ في سنة 1329 هـ رحلة علمية إلى مصر ، اجتمع خلالها برجالات العلم ، وأصحاب الفضيلة في تلك الديار ، وعقدت بينه وبين شيخ الأزهر يومذاك الشيخ سليم البشري المالكي اجتماعات متوالية ، تداولا فيها جوانب الحديث في أمهات المسائل


12

الدينية ، وكان من نتاجها « المراجعات » وطبعت سنة 1355 هـ.

كلام السيد في مقدمة المراجعات :

ويقول السيد في مقدمة هذا الكتاب :

« هذه صحف لم تكتب اليوم ، وفكر لم تولد حديثاً ، وإنما هي صحف انتظمت منذ زمنٍ يربو على ربع قرن ، وكادت يومئذ أن تبرز بروزها اليوم ، لكن الحوادث والكوارث كانت حواجز قوية عرقلت خطاها...

أما فكرة الكتاب فقد سبقت مراجعاته سبقاً بعيداً ، إذ كانت تلتمع في صدري منذ شرخ الشباب ، التماع البرق في طيّات السحاب ، وتغلي في دمي غليان الغيرة ، تتطلع إلى سبيل سويّ يوقف المسلمين على حد يقطع دابر الشغب بينهم...

ضقت ذرعا بهذا ، وامتلأت بحمله همّاً ، فهبطت مصر أواخر سنة 1329 مؤملا في « نيله » نيل الأمنية التي أنشدها ، وكنت ألهمت أني موفق لبعض ما أريد...

وهناك ـ على نعمى الحال ، ورخاء البال ، وابتهاج النفس ـ جمعني الحظّ السعيد بعلم من أعلامها المبرزين ، بعقل واسع ، وخلق وادع ، وفؤاد حيّ ، وعلم عيلم ، ومنزل رفيع ، يتبوأه بزعامته الدينية ، بحق وأهلية...

فكان مما اتفقنا عليه... أن أعظم خلاف وقع بين الأمة : اختلافهم في الإمامة... ولو أن كلا من الطائفتين نظرت في بينات الأخرى ـ نظر المتفاهم لا نظر الساخط المخاصم ـ لحصحص الحق وظهر الصبح لذي عينين.

وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة ، بالنظر في أدلة الطائفتين ، فنفهمها فهما صحيحا ، من حيث لا نحس إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتقليد ، بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات ، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته ، فنلمسها لمساً ، فلعلّ ذلك يلفت


13

أذهان المسلمين ، ويبعث الطمأنينة في نفوسهم بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق ، فيكون حداً ينتهى إليه إن شاء الله تعالى.

لذلك قررنا أن يتقدم هو بالسؤال خطّاً عما يريد ، فأُقدّم له الجواب بخطي ، على الشروط الصحيحة ، مؤيّداً بالعقل أو بالنقل الصحيح عند الفريقين.

وجرت بتوفيق الله عزّ وجلّ على هذا مراجعاتنا كلها ، وكنا أردنا يومئذ طبعها لنتمتّع بنتيجة عملنا الخالص لوجه الله عزّ وجلّ ، لكنّ الأيّام الجائرة ، والأقدار الغالبة اجتاحت العزم على ذلك ، ولعلّ الذي أبطأ عنّي هو خير لي.

وأنا لا أدّعي أنّ هذه الصحف تقتصر على النصوص التي تألّفت يومئذ بيننا ، ولا أن شيئا من ألفاظ هذه المراجعات خطه غير قلمي ، فإن الحوادث التي أخّرت طبعها فرّقت وضعها أيضا كما قلنا.

غير أن المحاكمات في المسائل التي جرت بيننا موجودة بين هاتين الدفّتين بحذافيرها ، مع زيادات اقتضتها الحال ، ودعا إليها النصح والإرشاد ، وربّما جرّ إليها السياق على نحو لا يخل بما كان بيننا من الاتّفاق ».

أقول :

والنقاط الأساسية في هذه المقدمة هي :

1 ـ إن هذه المراجعات وقفت بين السيد والشيخ ، وأنهما قررا أن يتقدم الشيخ بالسؤال خطا عما يريد ، فيقدّم له السيد الجواب بخطّه ، على الشروط الصحيحة المقررة بينهما.

2 ـ إن هذه المراجعات كانت معدّة للطبع يومذاك ، وكادت أن تبرز بروزها اليوم ، لكن الحوادث والكوارث هي التي حجزت عن ذلك.

3 ـ إن الحوادث التي أخّرت طبع هذه المراجعات فرّقت وضعها أيضاً ، فألفاظها كلّها بقلم السيد ، حاكيةً للمحاكمات التي جرت بينه وبين الشيخ


14

بحذافيرها.

وذكر قدّس سرّه سفره إلى مصر بترجمته لنفسه حين شرح أسفاره :

« في مصر :

... كنت أُحب ـ فيما أحب ـ أن ازور مصر وأقف على أعلامها لأخذ العلم عنهم ، ولأبلو ما يبلغني عن الجامع الأزهر ذلك المعهد الجليل. وظلت هذه الأُمنيّة كامنة في نفسي حتى حفّزها خالي المرحوم السيد محمد حسين في أواخر سنة 1329 ، حين زارنا في عاملة...

وقد بدأت هذه الجولة بالحضور في دورة الشيخ سليم البشري المالكي ـ شيخ الأزهر يومذاك ـ وكان يشرف على طلابه من منبره وهو منطلق في درسه انطلاقا يلحظ فيه توفّره وضلاعته فيما هو فيه. وكان يلقي درساً في مسند الإمام الشافعي... حضرت درسه لأول مرة... وعرض لي أثناء الدرس ما يوجب المناقشة فناقشته ، ثم علمت بعدئذ أن المناقشة وقت المحاضرة ليس من الدراسة الأزهرية ، فكنت بعدها أفضي إليه بعد الدرس بما عندي من المسائل الجديرة بالبحث والمذاكرة.

وقد كانت مناقشتي الأولى ـ في كل حال ـ سببا في اتصال المودة بيني وبينه ، وسبيلا إلى الاحترام المتبادل ، ثم طالت الاجتماعات بيننا ، وتشاجنت الأحاديث وتشعّب البحث بما سجّلناه في كتابنا : المراجعات. ولو لم يكن من آثار هذه الزيارة إلا هذا الكتاب لكانت جديرة بأن تكون خالدة الأثر في حياتي على الأقلّ.

ولعل الكتاب يصوّر بعض الأجواء العلمية التي تفيّأناها يومئذ منطلقين في آفاقها ، منطلقين من القيود الكثيرة التي كانت توثق الأفكار آنذاك برجعيّات يضيق صدرها حتى بالمناقشة البريئة والتفكير الصحيح.

ومهما يكن من أمر ، فقد نعمنا بمصر في خدمة هذا الشيخ ، واتّصلنا بغيره من أعلام مصر المبرّزين ، إذ زارونا وزرناهم ، أخص منهم العلامتين :


15

الشيخ محمد السملوطي والشيخ محمد بخيت. وقد نجمت هذه الاجتماعات الكريمة عن فوائد جمة...

وعلى كل حال ، فقد غادرت مصر وأنا أحنّ إليها ، وأتزيّد من اللبث فيها ، ولم أغادرها قبل أن يتحفني أعلامها الثلاثة ـ البشري وبخيت والسملوطي ـ بإجازات مفصلة عامة عن مشايخهم أجمع ، بطرقهم كلّها المتصلة بجميع أرباب الكتب والمصنفات من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ، في جميع العلوم ، عقلية ونقلية ، ولا سيما الصحاح الستة وموطّأ مالك ومسند أحمد ومستدرك الحاكم ، وسائر المسانيد ، وكتب التفسير والكلام والفقه ، وبقية العلوم الإسلامية مطلقا.

وممن نعمنا بخدمته في مصر ، وتبادلنا معه الزيارات ، وكانت بيننا وبينه محاضرات ومناظرات ، في مسائل فقهية وأصولية وكلامية ، دلت على غزارة فضله ورسوخ قدمة في العلم والفضيلة : شيخنا الشيخ محمد عبد الحي ابن الشيخ عبد الكريم الكتاني الإدريسي الفاسي. وقد أجازني أيضا إجازة عامة وسّعت طرقي في الرواية والحديث.

واطردت المراسلة بعد العودة إلى البلاد بيني وبين شيخنا البشري زمناً ، ثمّ طغت عليها الشواغل وكوارث الحرب العامة الأولى (1).

وكان رجوعنا من مصر في جمادى الاولى سنة 1330 » (2).

وقال شارحا قصة « المراجعات » حين ذكر مؤلفاته :

« كتاب المراجعات ، أو : المناظرات الأزهرية والمباحثات المصرية. مجلد واحد ، يثبت رأي الإمامية في الإمامة والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ألّفناه في مصر ، إذ أتيناها سنة 1329 ، فجمعنا الحظ السعيد

(1) أعلنت الحرب العالمية الأولى سنة 1332 هـ ، أي بعد رجوعه بسنتين فقط.

(2) بغية الراغبين 2 | 199.


16

بإمامها الوحيد : الشيخ سليم البشري المالكي ، شيخ الجامع الأزهر في ذلك العهد ، حضرت درسه ، وأخذت عنه علما جمّا ، وكان عليم علم ، وعلم حلم ، وكنت أختلف إلى منزله أخلو به في البحث عما لا يسعنا البحث عنه إلا في الخلوات ، وكان جل بحثنا هذا في الإمامة ، التي ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل عليها ، وقد فرضنا على أنفسنا أن نمعن النظر في البحث عن أدلتها ، متجردين من كل عاطفة سوى انتجاع الحقيقة والوصول اليه من طريقها المجمع على صحته.

وعلى هذا جرت مناظراتنا ومراجعاتنا ، وكانت خطيّة تبادلنا بها المراسلة إبراماً ونقضا ، فجئته بالحجج الساطعة لا تترك خليجة ولا تدع وليجة ، فقابلها بالذود عن حياضها ، لا يألو في ذلك جهداً ولا يدخر وسعاً. لكن الله عزّ وجل بهدايته وتوفيقه يسّر لي ـ وله الحمد ـ درء كل شبهة ودحض كل إشكال ، حتّى ظهر الصبح لذي عينين...

وكنت أردت يومئذ طبع تلك المراجعات ، وهي 112 مراجعة ، لكن الأقدار الغالبة أرجأت ذلك ، فلما نكبنا في حوادث سنة 1338 ـ كما سنفصّله في محلّه ـ انتُهبَت مع سائر مؤلّفاتي يوم صيح نهباً في دورنا.

وما أن فرّج الله تعالى عنا ـ بفضله وكرمه ـ حتى استأنفت مضامينها بجميع مباحثاتها التي دارت بيننا ، فإذا هي بحذافيرها مدوّنة بين دفّتي الكتاب ، مع زيادات لا تخل بما كان بيننا من المحاكمات ، على ما أوضحناه في مقدمة الكتاب ، والحمد لله ـ باعث من في القبور ـ على بعث هذا السفر النافع ونشره » (1)..

(1) بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين 2 | 98 في ذكر مؤلفاته.


17

إهداء السيد كتاب المراجعات :

ثم إن السيد ـ رحمه الله ـ يهدي كتابه قائلا :

« وإني لأهدي كتابي هذا إلى أُولي الألباب ، من كل علامة محقق ، وبحّاثة مدقق ، لابس الحياة العلمية فمحص حقائقها ، ومن كل حافظ محدّث جهبذ حجة في السنن والآثار ، وكل فيلسوف متضلّع في علم الكلام ، وكل شابّ حي مثقف حر قد تحلل من القيود وتملص من الأغلال ، ممن نؤملهم للحياة الجديدة والحرة.

فإن تقبله كل هؤلاء واستشعروا منه فائدة في أنفسهم ، فإني على خير وسعادة ».

رجاء السيد من القراء :

وذكر السيد كتاب « المراجعات » في المورد الأول من كتاب « النص والاجتهاد » فقال :

« ومن أراد التفصيل فعليه بكتابنا ( المراجعات ) إذ استقصينا البحث ثمّة عن تلك النصوص ، وعن كلّ ما هو حولها مما يقوله الفريقان في هذا الموضوع ، تبادلنا ذلك مع شيخنا شيخ الإسلام ، ومربّي العلماء الأعلام ، الشيخ سليم البشري المالكي ، شيخ الجامع الأزهر يومئذ ، رحمه الله تعالى ، أيام كنا في خدمته ، وكان إذ ذاك شيخ الأزهر ، فعُني بي عنايته بحملة العلم عنه ، وجرت بيننا وبينه حول الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونصوصها مناظرات ومراجعات خطّية ، بذلنا الوسع فيها إيغالاً في البحث والتمحيص ، وإمعاناً فيما يوجبه الإنصاف والاعتراف بالحق ، فكانت تلك المراجعات ـ بيمن نقيبة الشيخ ـ سِفراً من أنفع أسفار الحق ، يتجلى فيها الهدى بأجلى مظاهره ، والحمد لله على التوفيق.


18

وها هي تلك منتشرة في طول البلاد وعرضها ، تدعو إلى المناظرة بصدر شرحه الله للبحث ، وقلب واع لما يقوله الفريقان ، ورأي جميع ، ولب رصين ، فلا تفوتّنكم أيها الباحثون.

نعم ، لي رجاء أنيطه بكم فلا تخيّبوه ، أمعنوا في أهداف النبي صلىالله عليه وآله وسلم ومراميه في أقواله وأفعاله ، التي هي محل البحث بيننا وبين الجمهور ، ولا تغلبنّكم العاطفة على أفهامكم وعقولكم ، كالذين عاملوها معاملة المجمل أو المتشابه من القول ، لا يأبهون بشيء من صحتها ، ولا من صراحتها ، والله تعالى يقول : ( أنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون ) ( فأين تذهبون ) أيها المسلمون ( إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى ) » (1).

أقول :

لقد حقق أبناء الأمة الإسلامية رجاء السيد رحمه الله ، وتقبله الذين أهدى إليهم المراجعات بقبول حسن ، وأقبلوا عليها خير إقبال ، واستضاء بنورها الكثير منهم ، ورجعوا ببركتها إلى الأصل الديني المفروض عليهم.

وها هي ـ ولا تزال ـ منتشرة في طول البلاد وعرضها ، تدعو إلى المناظرة بصدر رحب شرحه الله للبحث ، كل طالب للحق ، باحث عن الحقيقة ، يريد الخير والصلاح والفلاح لنفسه وللأمة.

لكن « السنة » التي رسمها ابن تيمية في « منهاجه » لها أتباع في كل زمان ، تعلموا منه منطق السب والشتم والبهتان ـ وإن خالفوها في بعض الجهات ، وفي بعض الأحيان ـ (2) ولم نجد في كلامهم ـ هنا ـ كلمة تستحق الإصغاء والذكر ،

(1) النص والاجتهاد ـ الطبعة الثانية ـ : 54.

(2) أعتقد أنه لو كان ابن تيمية في هذا العصر وانبرى للجواب عن « المراجعات » لأنكر قبل كل شيء سفر السيد إلى مصر ! وألتقائه بالشيخ هناك ! بل أنكر وجود السيد والشيخ في هذا العالم !


19

إلا كلمة واحدة ، وهي : ما هي الحوادث والكوارث التي حالت دون نشر المراجعات في حياة الشيخ ؟ لماذا لم يذكر السيد منها ولو واحدة ؟ وهذا سؤال وجيه ، ولكن ليتهم طرحوه بأدب ووقار...

قال قائل منهم :

يقول قائلهم مفتتحا ما كتبه بعد البسملة والحمدلة :

« وبعد ، يعتبر كتاب المراجعات من أهم كتب الرافضة التي عرض فيها مؤلّفه : عبد الحسين الموسوي ، مذهبه مذهب الرفض ، بصورة توهم الكثير من أهل السنة بصدق ما جاء فيها ، لا سيما أولئك الذين لم يسبق لهم معرفة عقيدة الرافضة وأصولهم ، وأساليبهم الخبيثة الماكرة ، والتي ترتكز على الأدلة الكاذبة الموضوعة ، والتلاعب بالأدلة الصحيحة ، سواء بالزيادة فيها أو الإنقاص منها ، أو بتحميلها من المعاني ما لا تحتمله ، كل هذا يفعلونه نصرة لمذهبهم ، وتأييداً لباطلهم. وهذا ما درج عليه الموسوي في كتابه ( المراجعات ).

ولما كانت هذه المراجعات لا أصل لها من الصحة ، بل هي محض كذب وافتراء ، ولما مر على ظهور هذا الكتاب قرابة الثلاثين عاما (1) ، ولم نجد أحدا من علماء السنة قد رد على هذه المراجعات المكذوبة جملة وتفصيلا.

ولما كان هذا الكتاب قد أثّر في بسطاء المسلمين وعامتهم ، جهلا منهم بعقيدة الرافضة وأصولهم المخالفة لأصول الإسلام الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة ، وظنا منهم بصدق هذه المراجعات ، غير مدركين تدليس وكذب صاحبها ، حيث أظهر موافقة شيخ الأزهر على كل ما عرضه من أدلّة مكذوبة ، وفي الوقت نفسه لم يجدوا من يكشف لهم كذب هذه المراجعات ، ويبيّن لهم

ووجود مصر على وجه الأرض !

(1) المراجعات طبعت عام 1355 هـ ، فقد مر على ظهورها حتى تاريخ ما كتبه هذا الرجل ـ وهو سنة 1406 هـ ـ قرابة الخمسين عاماً.


20

ما اشتملت عليه من زيغ وضلال.

ولما كان تحذير المسلمين من عدوهم ، وفضح كل الطوائف والفرق الخارجة على الإسلام أمرا واجبا على كل داعية ، بل هو من أعظم القربات إلى الله حتى يميزوا الخبيث من الطيب ، ويبيّنوا سبيل المجرمين.

لهذا كله نرى أنفسنا مضطرين للرد على كتاب المراجعات ، سائلين الله أن يجعل هذا خالصاً لوجهه ، ودفاعا عن أوليائه ، ونصرة لدينه ، وغيرة على سنة نبيه ».

أقول :

أولا : أننا عندما ننقل هذه العبارات نرجو المعذرة من كل مسلم غيور متأدب بآداب الإسلام ، بل من كل إنسان متخلق بالأخلاق الفاضلة ، وخاصة من سيدنا « شرف الدين » قدس الله نفسه ، فإننا إنما أوردناها :

1 ـ ليتضح أن الذين يعادون الشيعة والتشيع إنما يعادون المسلمين والإسلام ، ولا يفرقون في الطعن بين أهل السنة وبين الشيعة ، وذلك لأن هذا الأسلوب من الكلام يشوّه سمعة الدين والإسلام ، لدى أبناء الأديان الأخرى إذ يتوهمون أن هذا هو الخلق الإسلامي المحمدي ، وأن المسلمين ـ سواء الشيعة أو السنة ـ بمعزل عن الآداب الإنسانية والأخلاق الفاضلة.

على أنه ـ في نفس الوقت الذي يتهجم فيه على الشيعة ـ يطعن في علماء مذهبه ، وينسبهم إلى التهاون في أمر الدين والدفاع عن أولياء الله وسنة الرسول ، إذ لم يردوا على هذا الكتاب الذي أثر في بسطاء المسلمين وعامتهم ـ على حد تعبيره ـ ولم يكشفوا لهم كذب هذه المراجعات ! كما قال...

فهؤلاء ـ في الواقع ـ أناس يريدون الوقيعة بين المسلمين ، وإيجاد التباغض بينهم ، وضرب بعضهم ببعض ، حتى يكون الأعداء في راحة ... فكونوا على حذر من هؤلاء ، وانتبهوا أيها المسلمون !!


21

2 ـ للاستشهاد على ما ذكرنا من قبل ، من أن في الناس من لا يروقه قول الحق وبيان الحقيقة ، وحين لا يمكنه الردّ المتين المستند إلى العقل والدين ، يتفوّه بهذه الكلمات ، اقتداء بشيخ إسلامه ابن تيمية المشحون منهاجه بالأباطيل والافتراءات.

3 ـ للعلم بأن فيمن ينسب نفسه إلى السنة المحمدية ، ويزعم كونه « داعية » إليها « مدافعا » عنها « غيورا » عليها... أناسا غير متصفين بأدنى شيء من آدابها ، وليقارن بين كتابات هؤلاء وبين كتابات الشيعة.

4 ـ للتنبيه على أن من يفتتح ما كتبه بالتكفير والشتم والتضليل وغير ذلك لطائفة من المسلمين ... لا يستبعد منه الكذب والخيانة والتدليس في اثناء ما كتبه وخلال البحوث.

5 ـ ولأنا سوف نعرض عن التعرض بشيء لأمثال هذه العبارات ـ وما أكثرها ـ في الكتاب.

وثانياً : إن السيد من كبار فقهاء الأمة الاسلامية ، ومن أعاظم علماء الطائفة الشيعية ، وكتابه « المراجعات » من المصادر المعتبرة لدى المسلمين حتى أن بعض علماء السنة المحققين ينقلون عنه ويعتمدون عليه ، قال العلامة الشيخ محمود أبو ريّة ـ من كبار علماء الأزهر المشاهير المحققين ـ في كلام له حول بعض الروايات : « وإذا أردت الوقوف على هذه الروايات فارجع إلى كتاب المراجعات التي جرت بين العلامة شرف الدين الموسوي ـ رحمه الله ـ وبين الأستاذ الكبير الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر سابقاً » (1).

وقد وصف الأستاذ عمر رضا كحالة السيد ومؤلفه بقوله :

« عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي. عالم فقيه مجتهد. ولد بالمشهد الكاظمي مستهلّ جمادى الآخرة ، وأخذ عن طائفة من علماء العراق ،

(1) أضواء على السنة المحمدية : 404.


22

وقدم لبنان ، ورحل إلى الحجاز ومصر ودمشق وإيران ، وعاد إلى لبنان ، فكان مرجع الطائفة الشيعية ، وأسس الكلية الجعفرية بصور ، وتوفي ببيروت في 8 جمادى الآخرة سنة 1377 ، ونقل جثمانه إلى العراق فدفن بالنجف.

من آثاره : المراجعات ، وهي اسئلة وجّهها سليم البشري إلى المترجم فأجاب عنها. أبو هريرة. الشيعة والمنار. إلى المجمع العلمي العربي بدمشق. والفصول المهمة في تأليف الأمة » (1).

وثالثا : قد اعترف هذا القائل في كلامه بأن أحدا من أهل السنة لم يرد على المراجعات ، فلماذا لم يردّوا ؟! أما كانوا يرون وجوب « تحذير المسلمين من عدوهم » على كل « داعية » ؟! أو لم يكونوا دعاة كما كان هذا القائل ؟!

ورابعا : قد اعترف هذا القائل في كلامه بأن هذا الكتاب قد أثّر في المسلمين ، لكن قال : في بسطاء المسلمين وعامّتهم !

وقال آخر : « وفي عصرنا أيضا نجد كتابا يسعى جادا للدخول إلى كل بيت (2). رأيت طبعته العشرين في عام 1402 ، ويوزّع على سبيل الهديّة في الغالب الأعم ، واسم الكتاب المراجعات. ذكر مؤلفه شرف الدين هذا الحديث بالمتن الذي بيّنا ضعف أسانيده (3) وقال : بأنه حديث متواتر. ثم نسب للشيخ سليم البشري رحمه الله ، شيخ الأزهر والمالكية أنه تلقى هذا القول بالقبول وأنه طلب المزيد... » (4).

(1) معجم المؤلفين 5 | 87.

(2) بل أن أبناء « البيوت » يقبلون عليه ويسعون وراء الحصول عليه وجلبه إلى البيوت. ولا يخفى ما تدلّ عليه كلمة أبناء « البيوت » من معنى ، منطوقا ومفهوما !

(3) يعني : حديث الثقلين.. وقد بيّنا في رده صحة قول السيد وغيره بتواتره ، فراجع كتابنا : « حديث الثقلين : تواتره.. فقهه » كما سنبين ذلك هنا باختصار حين يأتي التعرض له إن شاء الله ، وقد بلغني وقوف الدكتور على الكتاب المذكور ، ولكن لم يصلني حتى الآن أي اعتراض عليه ، لا منه ولا من غيره.

حديث الثقلين وفقهه ـ للدكتور علي أحمد السالوس ـ : 28.


23

وقال في كُتيّب أسماه : « عقيدة الإمامة عند الشيعة الإمامية.. دراسة في ضوء الكتاب والسنة. هل كان شيخ الأزهر البشري شيعياً ؟! » (1).

قال في مقدمته : « وقبل أن أختم البحث رأيت أن أشير إلى الفرية الكبرى التي جاء بها الكاتب الشيعي شرف الدين الموسوي في كتابه « المراجعات » وأن أنبّه إلى براءة الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر مما نسبه إليه هذا المؤلف ».

ثم قال في الصفحة 170 : « مما رزئنا به في عصرنا كتاب يسعى جادّاً للدخول إلى كل بيت ، رأيت طبعته العشرين في عام 1402... ».

وقال في الخاتمة : « ومن أكبر هذه المفتريات الكتاب المسمى ( المراجعات ) الذي لم يكتف مؤلفه بجعل الأحاديث الموضوعة المكذوبة أحاديث ثابتة متواترة ، بل نسب لشيخ الأزهر الشيخ سليم البشري رحمه الله أنه سلم بهذا وأيده. بل سلم بعقيدة الشيعة الجعفرية ، ورأى أنّ اتّباع المذهب الشيعي الجعفري أولى بالاتّباع من أيّ مذهب من المذاهب الأربعة ».

وقال ثالث : « وأما كتاب المراجعات فقد استحوذ على اهتمام دعاة التشيع ، وجعلوه أكبر وسائلهم التي يخدعون بها الناس. أو بعبارة أدقّ : يخدعون به أتباعهم وشيعتهم ، لأن أهل السنة لا يعلمون عن هذا الكتاب

(1) إسم ضخم ! ولكنه في 180 صفحة من القطع الصغير ! وقد جعل عليه عنوان « هل كان شيخ الأزهر البشري شيعيا ؟ » ليوهم أنه سيحقق عن هذا الموضوع ، ولكن عندما تراجعه لا تجد إلا الاستبعاد ! إلا أن تشيع شيخ الأزهر دليل على تحقيقه وإنصافه ، وهكذا يكون حال كل مسلم إن حقّق وأنصف ! كما دعا إلى ذلك السيّد شرف الدين في كل ما حقق وصنّف ! بخلاف حضرة الدكتور وأمثاله ، المدافعين عن بني أمية اقتداء بابن تيمية ! ولسان حالهم ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) والذي يؤكد ما ذكرنا في خصوص الدكتور السالوس أنه يحاول إيجاد ضجة على الشيعة وأهل السنة المحققين المنصفين ـ من علماء الأزهر وغيرهم ـ الدعاة إلى التقريب بين المسلمين ، وذلك بإصدار كراريس ، أحدها في آية التطهير ، والآخر في حديث الثقلين ، وثالث في عقيدة الإمامة عند الشيعة... والحال أن كلا منها فصل من فصول كتابه الكبير الذي أسماه بـ : « أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله » فلاحظ وتأمل !


24

ولا غيره من عشرات الكتب التي تخرجها مطابع الروافض ، اللهم إلا من له عناية واهتمام خاص بمذهب الشيعة. وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مائة مرة ، كما زعم ذلك بعض الروافض. والكتاب في زعم مؤلّفه واقعة من وقائع التقارب بين أهل السنة والشيعة ، وهو عبارة عن مراسلات بين شيخ الأزهر سليم البشري ، وبين عبد الحسين هذا ، انتهت بإقرار شيخ الأزهر بصحة مذهب الروافض وبطلان مذهب أهل السنة.

والكتاب ـ لا شك ـ موضوع مكذوب على شيخ الأزهر ، وبراهين الكذب والوضع له كثيرة نعرض لبعض منها ، وقبل ذلك نشير إلى أن الروافض من دأبهم وضع بعض المؤلفات ونسبتها لبعض مشاهير أهل السنة ، كما وضعوا كتاب « سر العالمين » ونسبوه إلى حجة الإسلام محمد الغزالي.

أما مظاهر وأمارات الكذب والوضع في هذا الكتاب فمنها :

أولا : الكتاب عبارة عن مراسلات خطية بين شيخ الأزهر سليم البشري وبين هذا الرافضي ، ومع ذلك جاء نشر الكتاب من جهة الرافضي وحده ، ولم يصدر عن البشري أيّ شيء يثبت ذلك.

وثانياً : أن هذا الكتاب لم ينشره واضعه إلا بعد عشرين سنة من وفاة البشري ، فالبشري توفّي سنة 1335 ، وأول طبعة لكتاب « المراجعات » هي سنة 1355 في صيدا.

وثالثا : أن أسلوب هذه الرسائل واحد هو أسلوب الرافضي ، ولا تحمل رسالة واحدة أسلوب البشري.

ورابعا : أما نصوص الكتاب فتحمل في طيّاتها الكثير والكثير من أمارات الوضع والكذب.

والحقيقة المفجعة : أن هذا الافتراء يطبع عشرات المرات باسم


25

التقريب ، ولا أحد من أهل السنة ينتبه بهذا الأمر الخطير » (1).

أقول :

أولا : إن كتاب « سر العالمين وكشف ما في الدارين » لأبي حامد محمد الغزالي ، صاحب إحياء العلوم. وقد نسبه ـ فيمن نسبه ـ إليه كبير الحفاظ والمؤرخين المعتمدين من أهل السنة ، ألا وهو شمس الدين الذهبي ـ المتوفى سنة 748 هـ ـ في كتابه المعروف « ميزان الاعتدال » واعتمد عليه ونقل منه ، فلاحظ الكتاب المذكور (2).

وعلى هذا الأساس نسبته الشيعة إليه ، فلماذا الافتراء ؟! ولماذا الانكار من هؤلاء الطلبة الأصاغر المتأخرين لما يقر به أكابر أئمتهم المعتمدين ؟!

وثانياً : إن هذا الذي يعترف به ـ متفجعا ـ من أقوى أدلة صحة المراجعات ، واعتبار ما تحتويه من استدلالات ، وإلا فعلماء قومه مقصرون أمام الله والرسول ومشايخ الصحابة المقتدى بهم في مذهبهم ! رغم طبعها عشرات المرات كما ذكره ، ورغم أنها تدعو إلى المناظرة بصدر رحب... كما ذكر السيد رحمه الله.

(1) مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة 2 | 213 ـ 217 للدكتور ناصر بن عبد الله الغفاري ، وهو رسالة لنيل درجة الماجستير ، أجيزت بتقدير ممتاز ! نشر : دار طيبة في الرياض سنة 1413 هـ في جزءين كبيرين.

(2) ميزان الاعتدال ، ترجمة الحسن بن الصباح 1 | 500.

وممن نسب الكتاب إلى الغزالي : الحافظ الواعظ سبط ابن الجوزي الحنفي ـ المتوفى سنة 581 هـ ـ صاحب التاريخ الشهير « مرآة الزمان » وغيره من المصنفات ، وله : « تذكرة خواص الأمة » الذي أورد فيه بعض ما يتعلق بأئمة أهل البيت عليهم السلام ، بأسانيده إلى النبي عليه وآله الصلاة والسلام ، ولأجله رموه بالترفّض مع الثناء عليه ووصفه بالحفظ والفقه كما لا يخفى على من لاحظ ترجمته في « الجواهر المضية في طبقات الحنفية » و« الفوائد البهية في طبقات الحنفية » وغيرهما.


26

وثالثاً : ما ذكره بعنوان « وبعبارة أدق... » يكذبه قول زميله القائل : « قد أثّر في بسطاء المسلمين وعامتهم » وقول الآخر : « يسعى جادّا للدخول إلى كل بيت... » على حد تعبيرهما.

ورابعا : المراجعات ليست موضوعة ، كما مر وسيأتي.

وخامسا : إن الأمارات التي ذكرها ، تعود الثلاثة الأولى منها إلى مطلب واحد سنجيب عنه في الجواب عن السؤال عن الكوارث التي منعت طبع الكتاب وضيعت نسخته. والرابعة يظهر بطلانها من خلال ما سنوضحه حول نصوص الكتاب.

السبب في تأخير طبع الكتاب :

ثم إنه قد اعترض على كلام السيد في المقدمة بأنه :

« ماذا يعني الموسوي بالحوادث والكوارث التي أخّرت طبع هذه المراجعات أكثر من ربع قرن من الزمن ؟ إنه سؤال لا جواب عليه ، لأن الموسوي لم يقدّم لنا حادثة أو كارثة واحدة من هذه الحوادث والكوارث ، وإذا عدنا إلى كتب التاريخ التي أرّخت لهذه الحقبة من الزمن التي تمت فيها هذه المراجعات المزعومة نقلب صغحاتها فلا نجد فيها ما يمنع من نشرها ».

أقول :

وهذا جهل أو تجاهل. لقد أشرنا من قبل إلى أن السيد ـ رحمه الله ـ كان في طليعة الشخصيات الإسلامية التي قاومت الاحتلال الفرنسي للبنان ، فقد قاد شعبه في مواجهة الاحتلال ، واستخدم كافّة الأساليب لها ، ووقف بصرامة يطالب خروج الفرنسيين من بلاده ، ويدعو إلى الوحدة السوريّة المستقلّة ، فأوعز المحتلون إلى عملائهم بالتخلص من هذا القائد ، واستغلو عميلا عربيا يدعى : ( ابن الحلاج جبران ) من أهالي مدينة صور ، واقتحموا دار السيد ،


27

وشهر العميل مسدسه في وجه السيد ، فركله برجله فوقع على ظهره وسقط المسدس من يده ، وتعالت الأصوات وصيحات النساء ، ففر الفرنسيّون من الدار ، ونوافدت الجموع إليها من كل جانب تشتاط غضبا فأمرهم السيد القائد بالهدوء.

قال رحمه الله في كلام له :

« وكان من ذلك أن عزم الفرنسيون ، وعزمت ذيولهم ، أن يتخلصوا مني عن طريق الاغتيال ، لتنهار هذه الجبهة إذا خلوت من الميدان ، وفي ضحى يوم الثلاثاء 12 ربيع الثاني سنة 1337 هـ ، الموافق 14 كانون الثاني سنة 1919 م ، والدار خالية من الرجال ، أقبل فتى من رجال الأمن العام الذين أملى لهم الفرنسيون أن يشتطوا على المسلمين والأحرار من أهل الدين ، وأقبل معه رجلان من الجند الفرنسي ، وكانوا جميعا مسلحين ، فاقتحموا الباب ، ثم أحكموا أرتاجها ، ودنا الفتى العربي ابن الحلاج شاهرا مسدسه ، وهو يطلب أن أعطيه التفويض الذي كنا أخذناه من وجوه البلاد وثائق تخوّل الملك فيصل أن يتكلم باسمنا في عصبة الأمم.

وحين أصبح على خطوة منّي ركلته برجلي ركلة ألقته على ظهره فسقط المسدس من يده ، وأتبعتُ الركلة بضربات عنيفة بالحذاء على رأسه ووجهه ، وعلت صيحة نسائنا في الدار ، فملئت الطريق خلف الباب ، فإذا الرهبة تتولى هزيمة الجنديين وصاحبهما مخفقين ، وقد كادت الأيدي والأرجل أن تقضي عليهم.... » (1).

ثم إن السيد دعا إلى مؤتمر للتحاور مع رجالات السياسة والفكر ، لاتّخاذ القرارات المناسبة للاستمرار بالمواجهة والسيطرة على الموقف حتى الوصول إلى الهدف ، فعقد المؤتمر في منطقة ( الحجير ) ومثّل المؤتمرين في وفد إلى

(1) بغية الراغبين 2 | 150.


28

سوريا للاجتماع مع الملك فيصل ، حتى إذا رجع وثب الفرنسيون بجيش جرار إلى جبل عامل توجه نحو قرية ( شحور ) لإلقاء القبض على السيد وقتله ، ...

قال رحمه الله :

« ومهما يكن فقد كان نصيبنا من هذه الجيوش حملة جرارة قدّرت بألف فارس مجهزين بالمدافع الثقيلة والدبابات والمدرعات ، زحفت بقيادة الكولونيل ( دنجير ) إلى ( شحور ) وما كاد الفجر يتضوأ بأضوائه الندية حتى كانت المدافع الثقيلة منصوبة على جبلي ( الطور ) و( سلطان ) المشرفين على القرية ، وهبط الجيش يتدفق بين كروم التين ، ويلتف حول القرية ، في رهبة أوحشت سكينة الفجر المستيقظ لذكر الله تعالى في مستهل شهر رمضان المبارك سنة 1338 ، وكنت أهوم بعد صلاة الفجر بنعاس بعد تعب السفر وتعب السهر ، وكانت وصيفتنا « السعيدة » تتهيأ لصلاتها ، فأشرفت على مدخل القرية ـ وهي تتبين الصبح ـ فراعها أن ترى أن آذان الخيل تنتشر بين أشجار التين في مثل هذا البكور ، فأجلفت مذعورة ، ورجعت توقظني من نومي.

نهضت مسرعا إلى أرديتي ، وانسللت أتخطى الازقّة والمضايق ، ثم خرجت من بين العسكر وهم لي منكرون ، وتركتهم يتظننون ، وانسحبت أهبط الوادي إلى غار على شاطئ الليطاني ، كان لجأ إليه جدنا السيد صالح في محنة الجزّار.

أما الجند فطفق يسأل عني ، واستوقف الصغار من أفراخي مع عمهم السيد محمد وخالهم السيد حسن ، حتى يستنطقهم والسيف مصلت فوق رؤوسهم ، ولكنهم أجمعوا على أني في دمشق ، ولما استيأسوا من العثور عليَّ تفرقوا في القرية يأكلون ويشربون ويحطمون ، ولم يغادروا ( شحورا ) قبل أن يحرقوا الدار... فحكم عليّ بالنفي المؤبد مع مصادرة ما أملك. وقد احتلوا دارنا في صور بعد أن صيح نهبا في حجراتها ، فعظمت المصيبة وجلت الرزية بنهب المكتبة الحافلة بكتبها القيمة ، وفيها من نفائس الكتب المخطوطة


29

ما لا يكاد يوجد في غيرها. وكان لي فيها كتب استفرغت في تأليفها زهرة حياتي وأشرف أوقاتي ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون » (1).

ثمّ إنّه شُرِّد به ـ طاب ثراه ـ مع أهل وذويه إلى دمشق ، فبقي بها مدة وانتقل منها إلى فلسطين ، ومنها إلى مصر ، وهو في جميع هذه الأحوال متنكر وراء كوفية وعقال على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم ، حتى إذا قصد الهجرة إلى العراق أرسل إليه بأمان وطلب منه العودة إلى وطنه ، وكانت العودة يوم الجمعة 18 شوال سنة 1339 هـ.

والخلاصة : إنه لما يئست قوات الاحتلال من القبض عليه ، عادت فسلطت النار على داره في ( شحور ) فتركتها هشيما تذروه الرياح ، ثم احتلت داره الكبرى الواقعة في ( صور ) بعد أن أباحتها للأيدي الاثيمة تعيث فيها سلبا ونهبا ، حتى لم تترك فيها غاليا ولا رخيصا ، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبته العامرة بكل ما فيها من نفائس الكتب وأعلاقها ، ومنها مؤلفاته الكثيرة القيمة التي كانت خطية في ذلك الوقت ، والمكاتيب والمراجعات.

فهذا موجز تلك الحوادث والكوارث ، كما في مقدمة « المراجعات » وغيرها من المؤلفات ، وفي كتاب « الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين مصلحا ومفكرا وأديبا ) وغيره مما كتب بترجمة السيد ، وإن شئت التفصيل فراجع ( البغية ) بقلمه الشريف ، فقد ذكر فيها جميع تلك الكوارث والحوادث بما لها من خصوصيات وجزئيات... واليها أشار ـ رحمه الله ـ في مقدمة « المراجعات » ثم صرّح بأن الصحف التي ينشرها الآن كلها بلفظه وخطه...

لكن البعض لا يصدقون السيد ـ الصادق المصدق ـ فيما يقول أو لا يرون ما لاقاه وقاساه ـ مع شعبه ـ كوارث ! أو يريدون إنكار تلك الجهود ، أو استنكار ذلك الجهاد ضد الاستعمار ! فيذكرون للتأخير سببا من عندهم ، بوحي من

(1) بغية الراغبين 2 | 163.


30

ظنونهم السيئة الفاسدة ، وأغراضهم الباطلة الكاسدة ، فيقول قائل منهم :

« والذي دفع الموسوي إلى تأخير نشر وطباعة ( المراجعات ) إنما هو حاجة في نفسه ، إذ أن الفترة التي كانت فيها المراجعات ، والتي اعتبرها فترة غير ملائمة لمثل هذا الأمر ، إنما تعني أواخر الخلافة العثمانية التي مهما قيل فيها فإنها تظل خلافة تدين بالإسلام وتدفع عنه أعداءه وخصومه ، وتناهض كلّ الفرق الضالّة التي اتّخذت من الإسلام ستاراً لضرب الإسلام والكيد للمسلمين كالرافضة وغيرهم ، والموسوي خشي على نفسه من نشر هذه المراجعات في ظل هذه الخلافة ، لما فيها من مخالفة للكتاب والسنة وعقيدة الامة ، الأمر الذي قد لا تسمح الخلافة العثمانية بنشره ، لذا فإنه كان ينتظر فرصة مناسبة ومؤاتية لنشر هذه الأباطيل...

والأمر الثاني الذي دفعه إلى تأخير نشر مراجعاته : أنها مراجعات لا أصل لها ، فلا بد له من تأخيرها ، إذ لو نشرها في الوقت الذي تمت فيه هذه المراجعات لتصدى إلى تكذيبه العديد من العلماء ، لا سيّما شيخ الأزهر الذي كذب عليه وقوّله ما لم يقل ، فلما مات شيخ الأزهر ومات بعض أقرانه ، ونسي الأحياء منهم أمر هذه المراجعات ، وما كان فيها من وقائع وتفصيلات ، ولما اطمأن الموسوي لهذا كله سارع عندئذ لنشر أباطيله ».

أقول :

لقد ذكر أمرين هما السبب ـ بزعمه ـ في تأخير نشر « المراجعات » :

أما الأول : فلا ينفوّه به عاقل ، إذ الخلافة العثمانية كانت في تلك الأيام على وشك الانهيار والاضمحلال ، ولم تعد قادرة على حفظ كيانها ، على أنه كان بالإمكان طبع الكتاب ـ لولا الحوادث والكوارث ـ في غير بلاد الخلافة العثمانية...

وعلى الجملة ، فهذا الأمر مما لا يصغى إليه ، وتضحك الثكلى به ،


31

ولعله لذا لم نجده عند غير هذا المتقول.

وأما الأمر الثاني : فقد أشار إليه غيره أيضا ، وهو مردود بما ذكرناه في بيان واقع الحال.

على أنا نسأل هؤلاء عن السبب للحقيقة المفجعة ، وهي عدم رد أحد من علماء السنة على هذه المراجعات ، لا سيما ممن نشأ في ظل الخلافة العثمانية التي كانت تناهض كل الفرق الضالة على حد زعمه ؟!

وعن السبب لنشر مثل هذه التشكيكات والتكذيبات ، في مثل هذه الظروف وبعد نحو الخمسين عاما على طبع المراجعات ؟!

وعن السبب في تأخير طبع رد أحدهم على كتاب « أبو هريرة » مدة 18 سنة ، أي بعد وفاة السيّد بسنين (1) ؟! ثم تبعه غيره ، يأخذ اللاحق من السابق ، فيكررون المكرر (2).

السبيل لتوحيد المسلمين :

وهنا يقول القائل : « إن ما يسعى إليه الموسوي إنما هو ضرب من المستحيل ، إذ أنه ، لو افترضنا الصدق فيها ، فهي محاولة للتوفيق بين الحق والباطل وبين الإسلام والكفر !

إن السبيل الوحيد لتوحيد المسلمين ولمّ شتاتهم ، وإزالة الفرقة بينهم إنما يكون بالعودة إلى الكتاب والسنة ، وفهم السلف الصالح لهما ، كما أوضح ذلك الحق سبحانه وتعالى حيث قال : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) وكما أوضح النبي

(1) كتاب : أبو هريرة راوية الإسلام ، لمحمد عجاج الخطيب ، ألّفه ردا على كتاب : « أبو هريرة » للسيد شرف الدين ، فرد عليه الشيخ عبد الله السبيتي بكتاب : « أبو هريرة في التيّار ».

(2) لاحظ : دفاع عن أبي هريرة ، لعبد المنعم صالح العلي ، ثم : أبو هريرة وأقلام الحاقدين ، لعبد الرحمن عبدالله الزرعي ، وهكذا...


32

صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حيث قال : تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وسنتي. ( أخرجه الإمام مالك والترمذي وأحمد ). فهل يستجيب الرافضة لله ورسوله ؟ هيهات هيهات ».

ويقول آخر : « مفهوم التقريب عند هذا الموسوي هو أخذ المسلمين بعقيدة الروافض ، وهو في سبيل ذلك يضع وقائع وهمية وحوادث لا حقيقة لها ، ويزعم أنها وقائع تقارب بين السنة والشيعة لتصفية الخلاف ، ولكن لم يكن لهذه المؤامرات من أثر إلا عند طائفته » (1).

أقول :

إن مفهوم التقريب لدى السيد وطائفته هو التعريف بالشيعة ، وبيان عقيدتها في مسألة الإمامة ـ التي هي أعظم خلاف بين الأمة ـ وذكر شواهدها وأدلتها في كتب السنة ، والبحث والتحقيق حولها عن طريق الجدل الحق ، ثم الأخذ بما اتفق الكل على روايته ونقله في الكتب المشهورة بين المسلمين ، وعلى هذا الأساس استند السيد في « المراجعات » وغيرها من كتبه إلى ما جاء في كتب السنة من الأحاديث من طرفهم ، ومن هذا المنطلق يمكن التوفيق بين الطائفتين ، ... ولا استحالة... وبذلك يكون قد تحقق ما أمر سبحانه وتعالى بقوله : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول... ) وإلا فإن كل طائفة ترى الحق فيما ترويه وتعتقده ، وتحكم ببطلانه ما تذهب إليه الطائفة الأخرى.

فالمراد من « الرد إلى الرسول » في الآية الكريمة ، ومن « السنة » في الأحاديث الآمرة بالرجوع إليها هو : الأخذ بما ثبت صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو ما أتفق الكلّ على روايته بأسانيدهم.

وأما خصوص : « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله

(1) مسألة التقريب 2 | 217.


33

وسنتي » فعزوه إلى أحمد والترمذي كذب ، إذ ليس هو من أحاديث مسند أحمد وصحيح الترمذي قطعا.

موجز الكلام على حديث كتاب الله وسنتي :

بل لا يوجد في شيء من الصحاح والمسانيد اصلا ، نعم يوجد في ( الموطأ ) و( المستدرك ) وبعض كتب المتأخرين ، ونحن نكتفي بالبحث عن سنده في الكتابين المذكورين ، لأنهما عمدة الرواة له.

* أما ( الموطأ ) فقد جاء فيه ما نصه : « وحدّثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما ، كتاب الله وسنة نبيه » (1).

وهو ـ كما ترى ـ لا سند له ، فقال السيوطي بشرحه : « وصله ابن عبدالبر من حديث كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده » (2).

لكن يكفينا النظر في حال « كثير بن عبدالله » المذكور. قال ابن حجر (3) :

قال أبو طالب عن أحمد : منكر الحديث ، ليس بشيء.

وقال عبد الله بن أحمد : ضرب أبي على حديث كثير بن عبد الله في المسند ولم يحدثنا عنه.

وقال أبو خيثمة : قال لي أحمد : لا تحدث عنه شيئا.

(1) الموطأ 2 | 899 حديث 3.

(2) تنوير الحوالك في شرح الموطأ مالك 3 | 93.

(3) تهذيب التهذيب 8 | 377.


34

وقال الدوري عن ابن معين : لجده صحبة ، وهو ضعيف الحديث. وقال مرة : ليس بشيء.

وكذا قال الدرامي عنه.

وقال الآجري : سئل أبو داود عنه فقال : أحد الكذابين.

وقال ابن ابي حاتم : سألت أبا زرعة عنه فقال : واهي الحديث.

وقال أبو حاتم : ليس بالمتين.

وقال النسائي : ليس بثقة.

وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه.

وقال أبو نعيم : ضعفه علي بن المديني.

وقال ابن سعد : كان قليل الحديث ، يستضعف.

وقال ابن حجر : ضعفه الساجي.

وقال ابن عبد البر : ضعيف ، بل ذكر أنه مجمع على ضعفه.

هذا ، والحديث عن أبيه عن جده ، وقد قال ابن حبان :

روى عن أبيه عن جده ، وقد قال ابن حبان :

روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية إلا على وجه التّعجب.

وقال ابن السكن : يروي عن أبيه عن جدّه أحاديث فيها نظر.

وقال الحاكم : حدث عن أبيه عن جده نسخة فيها مناكير.

* وأما ( المستدرك ) فقد أخرجه من طريق ابن أبي أويس عن عكرمة عن ابن عباس ، ثم قال : « وقد وجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة » فأخرجه عنه من طريق صالح بن موسى الطلحي (1).

لكن يكفينا النظر في حال « إسماعيل بن أبي أويس » و« صالح بن

(1) المستدرك على الصحيحين 1 | 93.


35

موسى الطلحي الكوفي ».

أما الأول ، فهذه كلماتهم فيه (1) :

قال معاوية بن صالح عن ابن معين : هو وأبوه ضعيفان.

وعنه أيضا : ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث.

وعنه : مخلّط ، يكذب ، ليس بشيء.

وقال النسائي : ضعيف.

وقال في موضع آخر : غير ثقة.

وقال اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه ، ولعله بأن له ما لم يبن لغيره ، لان كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف.

وقال ابن عدي : روى عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد.

وقال الدولابي في الضعفاء : سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول : ابن أبي أويس كذاب.

وقا العقيلي في الضعفاء : ثنا أسامة الزفاف ـ بصري ـ سمعت يحيى ابن معين يقول : ابن أبي أويس لا يسوى فلسين.

وقا الدارقطني : لا أختاره في الصحيح.

وقال ابن حزم في المحلى قال أبو الفتح الأزدي : حدثني سيف بن محمد : أن أبي أويس كان يضع الحديث.

قال سلمة بن شبيب : سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول : ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة اذا اختلفوا في شيء فيما بينهم.

وأما الثاني ، فهذه كلماتهم فيه (2) :

(1) تهذيب التهذيب 1 | 271.

(2) تهذيب التهذيب 4 | 354.


36

قال ابن معين : ليس بشيء.

وقال أيضا : صالح وإسحاق ابنا موسى ليسا بشيء ولا يكتب حديثهما.

وقال هاشم بن مرثد عن ابن معين : ليس بثقة.

وقال الجوزجاني : ضعيف الحديث على حسنه.

وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : ضعيف الحديث جدا ، كثير المناكير عن الثقات. قلت : يكتب حديثه ؟ قال : ليس يعجبني حديثه.

وقال البخاري : منكر الحديث عن سهل بن أبي صالح.

وقال النسائي : لا يكتب حديثه ، ضعيف.

وقال في موضع آخر : متروك الحديث.

وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد ، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب ، وليس يشبّه عليه ويخطئ ، وأكثر ما يرويه عن جده من الفضائل ما لا يتابعه عليه أحد.

وقال الترمذي : تكلم فيه بعض أهل العلم.

وقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عنه فقال : ما أدري ، كأنه لم يرضه.

وقال العقيلي : لا يتابع على شيء من حديثه.

وقال ابن حبان : كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات ، حتى يشهد المستمع لها أنها معمولة أو مقلوبة ، لا يجوز الاحتجاج به.

وقال أبو نعيم : متروك ، يروي المناكير.

أقول :

هذه أسانيده في أهم الكتب المخرجة له ، وقد عرفت حالها. فظهر أنه ليس بحديث صادر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... فلا


37

يجوز الاحتجاج به فضلا عن ان يقابل به مثل حديث الثقلين « الكتاب والعترة أهل البيت » وغيره من الاحاديث القطعية.

هذا ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى رسالتنا فيه (1).

والخلاصة. أن السيد يدعو إلى الوئام بين المسلمين عن طريق البحث الصحيح والجدل الحق ، في الحديث والسيرة والتاريخ وغير ذلك ، لا عن طريق تناسي الماضي ، لأن هذا لو أفاد في برهة من الزمن فلا يكاد يجدي على المدى البعيد ، ولا يعطي النتيجة المطلوبة ، بل إن معنى ذلك بقاء الانطباعات عن القضايا في النفوس والأذهان ، وهذا ما يؤدي ـ بطبيعة الحال ـ إلى مضاعفات لا تكاد تقبل العلاج من أي طرف كان.

وقد عرفت السيد إلى من أهدى كتابه ! وأي شيء ترجى منه !

هذا تمام الكلام حول المكابرات ، المتعلقة بمقدمة المراجعات.

(1) مجلّة ( تراثنا ) العدد 29 ، شوّال 1412 هـ ، ص 171 ـ 187 .


38

مقدمات قبل الورود في

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات


40


41

وكتاب المراجعات يحتوي على مبحثين :

الأول : في إمامة المذهب.

والثاني : في الإمامة ، وهي الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ويشتمل كل منهما على مراجعات...

ولا بد قبل الورود فيها من مقدمات :

* إن « التشيع » مذهب كسائر المذاهب ، له أصوله وقواعده في الأصول والفروع ، والشيعة الإمامية الاثنا عشرية غير محتاجة ـ في إثبات حقية ما تذهب إليه ـ إلى روايات الآخرين وأخبارهم ، ولا إلى ما قاله علماء الفرق الأخرى في كتبهم وأسفارهم.. فلا يتوهمن أحد أنهم ـ لاستدلالهم بشيء خارج عن نطاق أدلتهم وحججهم ـ يفقدون في ذلك المورد المستدل عليه الدليل المتقن على رأيهم ، فيلجأون إلى قول من غيرهم ، أو إلى خبر من غير طرقهم...

إلا أنهم لما كانوا واقعيين في بحوثهم ، منصفين في مناظراتهم مع أتباع


42

كل فرقة من الفرق ، يستندون إلى ما جاء في كتب تلك الفرقة وعلى لسان علمائها المعتمدين فيها ، وهذا ما تفرضه طبيعة المناظرة ، وتقضيه آدابها وقواعدها المقررة.

فاستشهاد الشيعة بخبر من كتاب.. أو استدلالهم بكلام عالم... لفرقة من الفرق.. لا يعني القبول بكل ما جاء في ذلك الكتاب ، أو على لسان ذاك العالم.. وإنما هو احتجاج على الطرف الآخر بما لا مناص له من الالتزام به ، بعد الإقرار بذلك الكتاب ، وبكون ذلك العالم من علماء مذهبه...

ويكفي للاحتجاج أن يكون ذلك الخبر المستدل به مقبولا لدى رواته ، وفي نظر المحدث الذي أورده في كتابه ، ولا يشترط أن يكون معتبرا عند جميع علماء تلك الطائفة ، وذلك :

لأن الغرض إثبات أن الذي تذهب إليه الشيعة مروي من طرق الخصم وموجود في كتبه ، وأن الراوي له موثوق به عنده ولو على بعض الآراء ، فيكون الخبر متفقا عليه ، والمتفق عليه بين الطرفين ـ في مقام المناظرة ـ لا ريب فيه.

ولأن الخبر أو الراوي المقبول المعتبر لدى كل علماء تلك الطائفة نادر جدا.

نعم ، إذا كان ضعيفا عند أكثرهم لم يتم الاستدلال والاحتجاج به عليهم.

* وعلى الجملة ، فإنه يكفي لصحة الاستدلال بكتاب أو بخبر أو بكلام عالم.. ألا يكون معرضا عنه لدى أكثر أئمة الفرقة المقابلة ؛ وأما أن يرد الاحتجاج ـ بما رواه الراوي الموثق من قبل بعضهم ـ بجرح البعض.. فهذا مما لا يسمع ، وإلا يلزم سقوط أخبار حتى مثل « البخاري » و« مسلم » في كتابيهما المعروفين بـ « الصحيحين » لوجود الطعن فيهما وفي كتابيهما ، من غير


43

واحد من كبار الأئمة الحفاظ (1).

فقد ذكر كبار الحفاظ امتناع الإمامين الجليلين : أبي زرعة وأبي حاتم الرازيّين عن الرواية عن « محمد بن إسماعيل البخاري » لأجل انحرافه في العقيدة في نظرهما ، وقال الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم : كان أبو زرعة ترك الرواية عن البخاري من أجل ما كان منه في المحنة.

ولأجل هذا ، فقد أورد ابن أبي حاتم الرازي البخاري في كتابه في « الجرح والتعديل » (2).

ولأجل تكلم أبي زرعة وأب حاتم ، وما صنعه ابن أبي حاتم.. فقد أورد الحافظ الذهبي البخاري في كتابه « المغني في الضعفاء » فقال : « حجة إمام ، ولا عبرة بترك أبي زرعة وأبي حاتم له من أجل اللفظ » (3).

وأضاف الحافظ الذهبي بترجمة البخاري تكلم الإمام الكبير محمد بن يحيى الذهلي فيه ، وأنه كان يقول : « من ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه ، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه » (4).

بل ذكر الذهبي أن الإمام الذهلي أخرج البخاري ومسلما من مدينة نيسابور (5).

وقال بترجمة الذهلي : « كان الذهلي شديد التمسك بالسنة ، قام على محمد بن إسماعيل ، لكونه أشار في مسألة خلق أفعال العباد إلى أن تلفظ

(1) هذا حال البخاري إمامهم في الحديث ، وسنشير إلى حال إمامهم في العقائد وهو : أبو الحسن الأشعري. ولعلنا نتعرض لحال أئمتهم في الفقه وهم : الأئمة الأربعة ! وإمامهم في التفسير هو : الفخر الرازي... في المواضع المناسبة. إن شاء الله تعالى.

(2) وذكر ذلك الذهبي في : سير أعلام النبلاء 12 | 462.

(3) المغني في الضعفاء 2 | 557.

(4) سير أعلام النبلاء 12 | 453.

(5) سير أعلام النبلاء 12 | 455.


44

القاري بالقرآن مخلوق... وسافر ابن إسماعيل مختفيا من نيسابور وتألم من فعل محمد بن يحيى » (1).

وقد تألم غير واحد من أعلام القوم من موقف الذهبي من البخاري حين أورده في كتاب « الضعفاء ».

قال السبكي : « ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح : حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه بذلك.

وإليه أشار الرافعي بقوله : وينبغي أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية في المذاهب ، خوفا من أن يحملهم على جرح عدل أو تزكية فاسق ، وقد وقع هذا لكثير من الأئمة ، جرحوا بناء على معتقدهم ، وهم المخطئون والمجروح مصيب.

وقد أشار شيخ الإسلام ، سيد المتأخرين : تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه ( الاقتراح ) إلى هذا وقال : أعراض المسلمين حفرة من حفر النار ، وقف على شفيرها طائفتان من الناس : المحدثون والحكام.

قلت : ومن أمثلته : قول بعضهم في البخاري : تركه أبو زرعة وأبو حاتم ، من أجل مسألة اللفظ.

فيا لله والمسلمين ! أيجوز لأحد أن يقول : البخاري متروك ؟! وهو حامل لواء الصناعة ، ومقدم أهل السنة والجماعة » (2).

فهذه عبارة السبكي ، ولم يصرح باسم القائل بذلك وهو الذهبي ، لكن المنّاوي صرح باسمه ، واتهمه بالغض والغرض من أهل السنة ، وكأنه ليس الذهبي من أهل السنة !! فقال بترجمة البخاري :

« زين الأمة ، افتخار الأئمة ، صاحب أصح الكتب بعد القرآن ، ساحب

(6) سير أعلام النبلاء 12 | 283.

(7) طبقات الشافعية 1 | 190.


45

ذيل الفضل على مر الزمان ، الذي قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة : ما تحت أديم السماء أعلم منه. وقال بعضهم : إنه آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض.

قال الذهبي : كان من أفراد العالم ، مع الدين والورع والمتانة. هذا كلامه في الكاشف.

ومع ذلك غلب عليه الغض من أهل السنة فقال في ( كتاب الضعفاء والمتروكين ) : ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ ، تركه لأجلها الرازيان.

هذه عبارته ، وأستغفر الله تعالى. نسأل الله السلامة ، ونعوذ به الخذلان » (1).

* ونستفيد من هذه القضية أمورا :

1 ـ ما ذكرناه سابقا من أنه لو اشترط ـ في صحة استدلالاتنا بأخبار القوم وأقوالهم ـ كون الخبر معتبراً عند جميعهم ، أو كون راويه موثقا عند كلهم .. لانسدّ باب البحث ، لعدم وجود هكذا خبر أو راو فيما بينهم.

2 ـ إن البخاري ومسلما مجروحان عند جماعة من الأئمة ، فتكون روايتهما في كتابيهما ـ كسائر الكتب والروايات ـ خاضعة لموازين الجرح والتعديل.. إن لم نقل بأن مقتضى الطعن المذكور فيهما سقوط رواياتهما عن الاعتبار رأسا.. وهناك أحاديث كثيرة في الكتابين قد نص العلماء المحققون الكبار على بطلانها ، يطول بنا المقام لو أردنا ذكرها ، فراجع بعض مؤلفاتنا (1).

3 ـ إن الذهبي ـ وهو من أكابر أئمة القوم في الجرح والتعديل ـ له مجازفات في تعديلاته وتجريحاته.. فليس كل ما يقوله الذهبي في حق الرجال حقا ، وإلا كان ما قاله وفعله في حق « البخاري » صحيحا مقبولا ، وقد قال

(1) فيض القدير 1 | 24.

(2) التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف 293 ـ 336.


46

المناوي بعد نقله : « نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان ».

4 ـ إنه ينبغي أن يتفقد حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، وأن يكون المزكون والجارحون برآة من الشحناء والعصبية في المذهب. وهذا ما أكده الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضا ، حين قال :

« وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح : من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد ، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب ، وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع ، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم ، بلسان النصب وشهرة أهلها بالتشيع ، فتراه لا يتقوقف في جرح من ذكره منهم ، بلسان ذلقه وعبارة طلقة ، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيدالله بن موسى وأساطين الحديث واركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلا ضعفه قبل التوثيق... » (1).

* وقد تبع الجوزجاني بعض من كان على مسلكه من المتأخرين ، فأخذوا يطعنون في الراوي بمجرد روايته ما يدل على فضيلة لعليّ وأهل البيت عليهم السلام ، أو ما يدل على قدح في واحد من مناوئيهم ، ويقولون عنه « شيعي » « رافضي » ونحو ذلك ، والحال أن التشيع ـ كما يقول الحافظ ابن حجر ـ : « محبة عليّ وتقديمه على الصحابة » (2).

والذين يقدمون عليا عليه السلام على غيره من الصحابة كثيرون حتى في الصحابة.. قال الحافظ ابن عبد البر : « وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخبّاب وجابر وابي سعيد الخدري وزيد بن أرقم : إن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أول من أسلم. وفضله هؤلاء على غيره » (3).

فالتشيع لا يضر بالوثاقة عنهم ولا يمنع من الاعتماد. قال ابن حجر

(1) لسان الميزان 1 | 16.

(2) هدي الساري 460.

(3) الاستيعاب 3 | 1090.


47

بترجمة « خالد بن مخلد القطواني الكوفي » وهو من رجال البخاري :

« من كبار شيوخ البخاري ، روى عنه وروى عن واحد عنه. قال العجلي : ثقة وفيه تشيع. وقال ابن سعد : كان متشيعا مفرطا. وقال صالح جزرة : ثقة إلا أنه يتشيع. وقال أبو حاتم ، يكتب حديثه ولا يحتج.

قلت : أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره ، سيما ولم يكن داعية إلى رأيه » (1).

وقال ابن حجر بترجمة « عباد بن يعقوب الرواجني » من رجال البخاري :

« رافضي مشهور ، إلا أنه كان صدوقا ، وثقه أبو حاتم ، وقال الحاكم : كان ابن خزيمة إذا حدث عنه يقول : حدثنا الثقة في روايته المتهم في رأيه : عباد ابن يعقوب. وقال ابن حبان : كان رافضيا داعية. وقال صالح بن محمد : كان يشتم عثمان رضي الله عنه.

قلت : روى عنه البخاري في كتاب التوحيد حديثا واحدا مقرونا ، وهو حديث ابن مسعود : أي العمل أفضل ؟ وله عند البخاري طريق أخرى من رواية غيره » (2).

وقال الذهبي بترجمة « أبان بن تغلب » :

« شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته ، وقد وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم. وأورده ابن عدي وقال : كان غالبا في التشيع. وقال السعدي : زائغ مجاهر.

فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحد الثقة العدالة والإتقان ؟! فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة ؟!

وجوابه : إن البدعة على ضربين ، فبدعة صغرى ، كغلو التشيع ، أو

(1) هدي الساري : 398.

(2) هدي الساري : 410.


48

كالتشيع بلا غلو وتحرق ؛ فهذا كثير في التابعين وتابعيهم ، مع الدين والورع والصدق ؛ فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة » (1).

أقول :

وعلى هذا الأساس أيضا تسقط مناقشات بعض الكتاب في أسانيد الأحاديث التي يستدل بها الشيعة الاثنا عشرية من كتب أهل السنة.. لكن بعض المتعصبين يقدح في الرجل إذا كان شيعيا ـ أي يفضل عليا عليه السلام على غيره من الصحابة ـ ويكره الرواية عنه ، حتى وإن كان من الصحابة ، مع أن المشهور فيما بين أهل السنة عدالة الصحابة أجمعين ! قال الحافظ ابن حجر بترجمة « عامر بن واثلة أبو الطفيل الليثي المكي » :

« قال ابن عدي : كان الخوارج يرمونه باتصاله بعلي وقوله بفضله وفضل أهل بيته ، وليس بحديثه بأس. وقال ابن المديني : قلت لجرير : أكان المغيرة يكره الرواية عن أبي الطفيل ؟ قال : نعم. وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : مكي ثقة. وكذا قال ابن سعد وزاد : كان متشيعا.

قلت : أساء أبو محمد ابن حزم فضعف أحاديث أبي الطفيل وقال : كان صاحب راية المختار الكذاب. وأبو الطفيل صحابي لا شك فيه ، لا يؤثر فيه قول أحد ، ولا سيما بالعصبية والهوى » (2).

قلت :

فالحمد لله الذي أجرى على لسان مثل ابن حجر العسقلاني أن ابن حزم

(1) ميزان الاعتدال 1 | 5.

(2) هدي الساري : 410.


49

يتكلم « بالعصبية والهوى » وقد حط على هذا الرجل أبو بكر ابن العربي.

وقال أبو العباس ابن العريف الصالح الزاهد : « لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان ».

وقال مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حبان : « ومما يزيد في بغض الناس له تعصبه لبني أمية ، ماضيهم وباقيهم ، واعتقاده بصحة إمامتهم ، حتى نسب إلى النصب ».

وقال ابن خلّكان : « كان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين ، لا يكاد يسلم أحد من لسانه. قال ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين. قاله لكثرة وقوعه في الأئمة ، فنفرت منه القلوب ، واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالؤا على بغضه ، وردوا قوله ، واجتمعوا على تضليله... ».

ووصفه الآلوسي عند ذكره بـ « الضال المضل ».

انظر : لسان الميزان 4 | 189 ، وفيات الأعيان 3 | 325 ، تفسير الآلوسي 21 | 76.

قلت :

ومما يشهد بنصبه قوله في المحلى 10 | 482 : « ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا رضي الله عنه إلا متأولا مجتهدا مقدراً على أنه صواب ، وفي ذلك يقول عمران بن حطان شاعر الصفرية... ».

وقد كان على شاكلة ابن حزم في القول بالعصبية والهوى :

* أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي ، فقد أفرط هذا الرجل في كتبه لا سيما في كتابيه « العلل المتناهية » و« الموضوعات » حتى رد عليه كبار المحققين ، فنصوا على بطلان كثير من أقواله وآرائه.

قال الحافظ النووي : « وقد أكثر جامع الموضوعات في نحو المجلدين ،


50

أعني أبا الفرج ابن الجوزي ، فذكر كثيرا مما لا دليل على وضعه... ».

وقال الحافظ السيوطي : « فذكر في كتابه كثيرا مما لا دليل على وضعه ، بل هو ضعيف ، بل وفيه الحسن والصحيح ، وأغرب من ذلك : أن فيها حديثا من صحيح مسلم كما سأبينه.

قال الذهبي : ربما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حساناً قوية.

قال : ونقلت من خط السيد أحمد بن أبي المجد قال : صنّف ابن الجوزي كتاب ( الموضوعات ) فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل ما لم يصب فيه إطلاقه بالوضع على أحاديث ، بكلام بعض الناس في أحد رواتها ، كقوله : فلان ضعيف أو : ليس بالقوي أو : ليّن ، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع ، ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل وفي رواية. وهذا عدوان ومجازفة » (1).

وقال ابن عراق : « وللإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي فيها كتاب جامع ، إلا أنّ عليه مؤاخذات ومناقشات... » (2).

وقد أورد ابن الجوزي في كتابه « العلل المتناهية في الأحاديث الواهية » حديث : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي » فاعترضه بشدة كبار المحدثين المتأخرين عنه :

قال السخاوي : « وتعجبت من إيراد ابن الجوزي له في ( العلل المتناهية ) بل أعجب من ذلك قوله : إنه حديث لا يصح. مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في صحيح مسلم » (3).

(1) تدريب الراوي 1 | 235.

(2) تنزيه الشريعة 1 | 3.

(3) استجلاب ارتقاء الغرف ـ مخطوط.


51

وقال السمهودي : « ومن العجيب ذكر ابن الجوزي له في ( العلل المتناهية ) فإياك أن تغتر به. وكأنه لم يستحضره حينئذ » (1).

وقال المنّاوي : « ووهم من زعم ضعفه كابن الجوزي » (2).

بل هناك كلمات كثيرة في الحط على ابن الجوزي نفسه :

قال ابن الأثير : « وفي هذه السنة ـ في شهر رمضان ـ توفي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي ، الواعظ ببغداد ، وتصانيفه مشهورة ، وكان كثير الوقيعة في الناس ، لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه » (3).

وقال أبو الفداء : « كان كثير الوقيعة في العلماء » (4).

وقال الذهبي : « له وهم كثير في توالفيه ، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحول إلى مصنف آخر ، ومن أن جل علمه من كتب وصحف ما مارس فيه أرباب العلم كما ينبغي » (5).

وقال ابن حجر : «... دلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل لا ينتقد ما يحدث به » (6).

وقال السيوطي : « قال الذهبي في التاريخ الكبير : لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة ، بل باعتبار كثرة اطلاعه وجمعه » (7).

وقال اليافعي : « وفيها أخرج ابن الجوزي من سجن واسط وتلقاه الناس ،

(1) جواهر العقدين ـ مخطوط.

(2) فيض القدير 3 | 14.

(3) الكامل في التاريخ ـ حوادث سنة 597هـ.

(4) المختصر في أخبار البشر ـ حوادث سنة 597هـ.

(5) تذكرة الحفاظ 4 | 1342.

(6) لسان الميزان 2 | 84 ، ترجمة ثمامة بن أشرس.

(7) طبقات الحفاظ : 478.


52

وبقي في المطمورة خمس سنين ، كذا ذكره الذهبي... » (1).

* وأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني ، فد طعن في كثير من الرجال وفي كثير من الأحاديث والأخبار ، وفي كثير من مصنفات أهل السنة لروايتها ما يتمسك به الإمامية.. ولقد تمادى هذا الرجل في غية حتى انبرى كبار علماء أهل السنة من أهل المذاهب الأربعة للفتوى ضده ، ثم أمر بأن ينادى بالحط عليه والمنع من اتّباعه ، ثم حبس ، حتى مات في الحبس.

* وشمس الدين الذهبي ، صاحب المؤلفات الكثيرة وتلميذ ابن تيمية الحراني والملازم له (2) فقد حكم على كثير من الأحاديث الصحيحة بالوضع ، وطعن في كثير من الرجال وأسقط رواياتهم عن درجة الاعتبار.. وقد فعل ذلك بالنسبة إلى كثير من أئمة أهل السنة ومحدثيهم المشاهير في كتابيه « ميزان الاعتدال » و« المغني في الضعفاء » حتى أدرج في الثاني « محمد بن إسماعيل البخاري » كما تقدم.

وقال السبكي بترجمته : « كان شديد الميل إلى آراء الحنابلة ، كثير الازدراء بأهل السنة ، الذين إذا حضروا كان أبوالحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة ، فلذلك لا ينصفهم في التراجم ، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم. صنف ( التاريخ الكبير ) وما أحسنه لولا تعصب فيه ، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه » (3).

وقال : « وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له ، فإنه ـ على حسنه وجمعه ـ مشحون بالتعصب المفرط ، لا واخذه الله. فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين ، أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على أئمة الشافعيين

(1) مرآة الجنان ـ حوادث سنة 595هـ.

(2) وكم لقي الذهبي من الأذى والعنت لهذه العلاقة بابن تيمية. قاله محقق كتاب « العبر » في المقدمة.

(3) طبقات الشافعية 2 | 22.


53

والحنفيين ، ومال فأفرط على الأشاعرة ، ومدح فزاد في المجسمة. هذا وهو الحافظ المدره ، والإمام المبجل ، فما ظنك بعوام المؤرخين » (1).

وعن تلميذه صلاح الدين العلائي : « الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي ، لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس ، ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ، ومنافرة التأويل ، والغفلة عن التنزيه ، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه ، وميلا قويا إلى أهل الإثبات. فإذا ترجم لواحد منهم يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ، ويبالغ في وصفه ، ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن ، وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه ، ويكثر نم قول من طعن فيه ، ويعيد ذلك ويبديه ، ويعتقده دينا وهو لا يشعر ، ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها... » (2).

قال السبكي : « والذي أدركنا عليه المشايخ : النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله ، ولم يكن يستجرئ أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه » (3).

قال : « كان يغضب عند ترجمته لواحد من علماء الحنفية والمالكية والشافعية غضبا شديدا ، ثم يقرطم الكلام ويمزقه ، ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي ، فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها » (4).

(1) طبقات الشافعية 9 | 103.

(2) طبقات الشافعية 2 | 13.

(3) طبقات الشافعية 2 | 13.

(4) طبقات الشافعية 2 | 14.


54

أقول :

عجيب ! ابن الجوزي سجن ، ابن تيمية سجن حتى مات في السجن ، ابن حزم مزقت كتبه وأحرقت ونفي حتى مات في المنفى ، والذهبي ينهى عن النظر في كلامه ، ولا يعتمد قوله ، ويلاقي الأذى...

هذا حال هؤلاء في أهل السنة... وقد أصبحوا أئمة يقتدي بهم المتأخرون من الكتاب ويستندون إلى أقوالهم !!

وأيضا : إذا كان هؤلاء مشهورين بالتعصب وبالوقيعة في العلماء ـ إذا لم يكونوا على مذاهبهم ـ في أقوالهم في السِيَر والتواريخ وغيرها ، فكيف يرتجى منهم الإنصاف والإقرار بالحق مع الشيعة وأئمتهم ورجالهم... ؟!!


55

المبحث الأول

في إمامة المذهب


56


57

المراجعة ـ 4

* قال السيد رحمة الله تعالى عليه :

1 ـ إن تعبدنا في الأصول بغير المذهب الأشعري ، وفي الفروع بغير المذاهب الأربعة لم يكن لتحزب أو تعصب ، ولا للريب في اجتهاد أئمة تلك المذاهب ، ولا لعدم عدالتهم وأمانتهم ونزاهتهم وجلالتهم علما وعملا. لكن الأدلة الشرعية أخذت بأعناقنا إلى الأخذ بمذهب الأئمة من أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومهبط الوحي والتنزيل.

أقول :

* الأشعري هو : أبو الحسن علي بن إسماعيل.. من ذرية أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري. قال الذهبي : « مات ببغداد سنة 324. حط عليه جماعة من الحنابلة والعلماء ، وكل أحد فيؤخذ من قوله ويترك ، إلا من عصم الله تعالى. اللهم اهدنا وارحمنا » (1).

قال : « وقد ألف الأهوازي جزءا في مثالب ابن أبي بشر ، فيه أكاذيب ، وجمع أبوالقاسم في مناقبه فوائد بعضها أيضا غير صحيح » (2).

(1) سير أعلام النبلاء 15 | 86.

(2) سير أعلام النبلاء 15 | 89.


58

قال : « فقيل : إن الأشعري لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري فجعل يقول : رددت على الجبّائي ، رددت على المجوس ، وعلى النصارى. فقال أبو محمد : لا أدري ما تقول ، ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة ، فلم يقبل منه » (1).

* والأدلة الشرعية من الكتاب والسنة مذكورة في كتبنا المعدة لهذا الشأن ، وسيأتي ذكر بعض ما هو المتفق عليه منها ، إن شاء الله تعالى. فإن مفادها وجوب اتباع الأئمة من أهل البيت في جميع الشؤون ، والمنع عن تباع غيرهم مطلقا.

كما أن وصف الأئمة عليهم السلام بالأوصاف التي وصوفوا بها في عبارة السيد موجود في كتبنا ، وفي كتب القوم. وسنذكر الحديث الوارد من طرقهم في ذلك.

قيل :

كلامه في هذه المراجعة يوحي بأن أئمة المذاهب الأربعة يناصبون أئمة أهل البيت العداء ، ويسيرون على غير مذهبهم ، ويشير إلى أن أهل السنة قد خالفوا الأئمة من آل محمد.

أقول :

أما أن كلام السيد يوحي بأن « أئمة المذاهب الأربعة » يناصبون العداء لأئمة أهل البيت. فإن كان المراد خصوص « الأئمة الأربعة » فكلام السيد لا يوحي ذلك ، وإن كان مالك بن أنس معدودا في الخوارج ـ كما في بعض المصادر (2) ـ ، وهم أعداء أمير المؤمنين عليه السلام. وإن كان المراد سائر

(1) سير أعلام النبلاء 15 | 90.

(2) الكامل ـ للمبرد ـ 1 | 159.


59

أئمة المذاهب الأربعة فقد كان بينهم من يناصب العداء لآل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وأما أن كلامه يوحي بأن « الأئمة الأربعة » يسيرون على غير مذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وأنه يشير غلى أن أهل السنة قد خالفوا الأئمة... فهذا واضح جدا ولا سبيل إلى إنكاره. لأن أئمة المذاهب يدعون لأنفسهم الاجتهاد في الدين ، فيفتون ويعملون بما يرتأون ، فهم يسيرون على مذاهبهم ، وهي مغايرة لمذهب أهل البيت في كثير من المسائل ، ويتبعهم جمهور أهل السنة لكونهم ـ في الأغلب ـ مقلدين لهم...

قال ابن تيمية : « وأما الكتاب المنقول عن علي ففيه أشياء لم يأخذ بها أحد من العلماء » (1).

قال : « وقد جمع الشافعي ومحمد بن نصر المروزي كتابا كبيرا في ما لم يأخذ به المسلمون من قول علي ، لكون قول غيره من الصحابة أتبع للكتاب والسنة !! » (2).

وقال السبكي بترجمة المروزي نقلا عن أبي إسحاق الشيرازي : « وصنف كتابا في ما خالف فيه أبو حنيفة عليا وعبد الله رضي الله عنهما » (3).

فهذا بالنسبة إلى مخالفة الأئمة وأتباعهم لأهل البيت عليهم السلام.

لكن في القوم من بقايا بني أمية وأشياعهم من يتفوه بأشياء واضحة الدلالة على النصب والعداء ، ( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) (4).

* وإلا فما معنى قول أحدهم :

(1) منهاج السنة 4 | 217.

(2) منهاج السنة 4 | 217.

(3) طبقات الشافعية 2 | 247.

(4) سورة آل عمران 3 : 118.


60

« إن الغاية من الخلافة هي إصلاح الأمة وهدايتها ، وخلافة المرتضى لم تحقق هذه الغاية ، ولم يكن من واجب الأئمة أن تناضل تحت رايته كما كانت مأمورة بذلك في عصر من سبقه. ولقد وجدنا ـ كما دلت الأحاديث ـ انقطاع العناية الربانية عن الأمة في عصره بعد استمرارها في عصرهم... » !!

« وإن من أعظم أنواع الورع ترك المقاتلات بين المسلمين كما كان من الشيخين ، بخلاف المرتضى » !!

« وإن النبي إنما شرّف المرتضى بشرف الأخوّة ، لحزنه ، وبكائه ، لا لشيء آخر » !! (1).

* وما معنى قول الآخر في سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين السبط الشهيد عليه السلام :

« قتل بسيف جده » !!

قال العلامة المنّاوي : « وقد غلب على ابن العربي الغض من أهل البيت حتى قال : قتل بسيف جده » (2).

وما معنى قول ثالث في الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام :

« في نفسي منه شيء » !! (3).

* وما معنى قول رابع في الإمام موسى بن جعفر عليه السلام :

« يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه » (4).

* وما معنى قوله في الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام :

« يروي عن أبيه العجائب » (5).

(1) قرة العينين ـ لشاه ولي الله ـ : 150 ـ 152.

(2) فيض القدير 1 | 205.

(3) الكاشف 1 | 186 عن القطان.

(4) تهذيب التهذيب 2 | 104 عن ابن حبان.

(5) تهذيب التهذيب 7 | 388 عن ابن حبان.


61

* وما معنى قول خامس في الإمام الحسن العسكري عليه السلام :

« ليس بشيء » (1).

ففي القوم من يقول ـ أو يرتضي أن يقال ـ مثل هذه الأشياء في أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ومع ذلك يدعي بعضهم أنهم هم المقتدون بأهل البيت والمتمسكون بحبل ودادهم.

لكنهم إذا ما نقل الشيعي عن تاريخ ابن خلكان وغيره : أن مالكا ـ أحد الأئمة الأربعة ـ بقي في بطن اُمّه ثلاث سنين... قالوا : لماذا نقل هذا ؟! وإذا كان الناقلون لهذه القضية : قاضي القضاة ابن خلكان الشافعي ، وحافظ المغرب ابن عبد البر المالكي ، والمؤرخ الشهير ابن قتيبة.. وأمثالهم ، فما ذنب الشيعي إذا نقلها عنهم ؟! بل لقد حكى الحافظ الذهبي ذلك ولم يتعقبه بشيء ، فقال :

« قال معن والواقدي ومحمد بن الضحاك : حملت أم مالك بمالك ثلاث سنين. وعن الواقدي قال : حملت به سنتين » (2).

وقال : « قال معن القزاز وجماعة : حملت بمالك أمه ثلاث سنين » (3).

وقال الحافظ المالكي القاضي عياض في كتابه المؤلف في فضائل مالك وعلماء مذهبه : « باب في مولد مالك ـ رحمه الله تعالى ـ والحمل به ومدة حياته ووقت وفاته » : « واختلف في حمل أمه به ، فقال ابن نافع الصائغ والواقدي ومعن ومحمد ابن الضحاك : حملت به أمه ثلاث سنين وقال نحوه بكّار بن عبد الله الزبيري وقال : أنضجته ـ والله ـ الرحم. وأنشد الطرماح :

تضن بحملنا الأرحام حتى * تنضجنـا بطون الحاملات

(1) اللآلي المصنوعة 1 | 396 ، الموضوعات 1 | 415.

(2) سير أعلام النبلاء 8 | 132.

(3) العبر في خبر من غبر 1 | 210


62

قال ابن المنذر : وهو المعروف.

وروي عن الواقدي أيضا : « إن حمل أمه به سنتان. قاله عطاف بن خالد » (1).

هذه كلمات أئمة القوم ، وفيهم رؤساء أتباع مالك ، كالقاضي عياض وابن عبد البر.

والسيد رحمه الله لم يقل إلا : « ذكر ابن خلكان في أحوال مالك من وفيات الأعيان : إن مالكا بقي جنينا في بطن أمه ثلاث سنوات. ونص على ذلك ابن قتيبة حيث ذكر مالكا في أصحاب الرأي من كتابه ( المعارف ) ص 170 ، وحيث أورد جماعة زعم أنهم قد حملت بهم أمهاتهم أكثر من وقت الحمل ، صفحة 198 من ( المعارف ) أيضا ».

فقيل :

« ليس في وفيات الأعيان في ترجمة مالك ما ادعى المؤلف ، بل فيه : وقال ابن السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة الأصبحي : إنه ولد في سنة ثلاث أو أربعة وتسعين. والله أعلم بالصواب ».

أقول :

جاء في « وفيات الأعيان » بترجمة مالك : « وكانت ولادته في سنة خمس وتسعين للهجرة ، وحمل به ثلاث سنين.

وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة ، رضي الله عنه ، فعاش أربع وثمانين سنة. وقال الواقدي : مات وله تسعون سنة. وقال ابن الفرات في تاريخه المرتب على السنين : وتوفي مالك بن أنس الأصبحي لعشر

(1) ترتيب المدارك 1 | 111.


63

مضين من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة. وقيل : إنه توفي سنة ثمان وسبعين ومائة. وقيل : إن مولده سنة تسعين للهجرة. وقال السمعاني في كتاب ( الأنساب ) في ترجمة الأصبحي : إنه ولد في سنة ثلاث أو أربع وتسعين.

والله أعلم بالصواب » (1).

فلماذا التكذيب والإنكار ؟!

* قال السيد رحمه الله :

2 ـ على أنه لا دليل للجمهور على رجحان شيء من مذاهبهم فضلا عن وجوبها... وما أظن أحدا يجرؤ على القول بتفضيلهم ـ في علم أو عمل ـ على أئمتنا ، وهم أئمّة العترة الطاهرة...

أقول :

مضافا إلى :

1 ـ أن الأئمة الأربعة تنتهي علومهم إلى أئمة العترة.

2 ـ أن تفضيلهم على غيرهم من أئمة المذاهب السنية غير معلوم.

3 ـ أنه قد وقع الكلام فيما بين أهل السنة أنفسهم حول الأئمة الأربعة علما وعملا.

* قال السيد :

3 ـ على أن أهل القرون الثلاثة مطلقا لم يدينوا بشيء من تلك المذاهب أصلا.. ولاشيعة يدينون بمذهب الأئمة من أهل البيت ـ وأهل البيت أدرى بالذي فيه ـ وغير الشيعة يعملون بمذاهب العلماء من الصحابة والتابعين...

(1) وفيات الأعيان 4 | 139.


64

قيل :

« قوله : وأهل البيت أدرى بالذي فه حجر على عباد الله وتضييق عليهم أن يعلموا... ».

أقول :

أما أن أهل البيت أدرى بالذي فيه ، فلا يمتري فيه أحد ، لأنه مقتضى كونهم « أهل البيت ». ومقتضى كونهم « أدرى » أن يكونوا الأولى بالاقتداء والاتباع لمن يريد الوصول إلى « الذي فيه » وإلا لزم ترجيح المفضول ، وهو قبيح عند ذوي الالباب والعقول.

وقد نص الأئمة الشارحون للحديث على هذا المعنى ، ونكتفي بعبارة القاري إذ قال في شرحه في « المرقاة في شرح المشكاة » : « الأظهر هو أن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله... » وستأتي عبارته كاملة.

وأما أن غير الشيعة يعملون بمذاهب العلماء من الصحابة والتابعين ، فهذا ما لا يخفى على من راجع سير الصحابة والتابعين وأخبارهم ، ولاحظ كتب غير الشيعة وأسفارهم.. وقد أورد السيد ـ رحمه الله ـ موارد كثيرة من تلك المذاهب ، وبيّن كيفيه مخالفتها للنصوص الشرعية الواجب العمل بها.. في كتابه « النص والاجتهاد » المطبوع غير مرة ، المنتشر في سائر البلاد...

* قال السيد :

4 ـ وما الذي أرتج باب الاجتهاد في وجوه المسلمين بعد أن كان في القرون الثلاثة متوحا على مصراعيه..؟!


65

قيل :

« نرى المؤلف ف هذه الفقرة قد خرج عن القضية الأساسية في النقاش ، وأثار قضايا فرعية مثل قضية فتح باب الاجتهاد ، وهي قضية خلافية ليس بين السنة والشيعة ، بل بين أهل السنة أنفسهم... ».

أقول :

لم يجب الرجل عن سؤال السيد ! أما أن أهل السنة عادوا في هذه العصور يدعون إلى فتح باب الاجتهاد فذاك رد قطعي على أئمتهم السابقين الذين غلقوه ، وإن كان في القرون الماضية فيهم من يرد على سد باب الاجتهاد بشدة ، حتى ألف الحافظ السيوطي رسالة : « الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض »

هذا ، وقد ثبت تاريخيا أن الحكم في القرن السابع بسد باب الاجتهاد وانحصار المذاهب في الاربعة المعروفة إنما كان استجابة لأمر الحكام الذين ارتأوا ذلك لأغراض سياسية ، وللتفصيل في هذه القضية مجال آخر.

* قال السيد :

5 ـ هلم بنا إلى المهمة التي نبهتنا إليها من لم شعث المسلمين...

أقول :

ذكر السيد في جواب الشيخ نقطتين مهمتين للوصول إلى تلك المهمة :

الأولى : أن لم شعث المسلمين ليس موقوفا على عدول الشيعة عن مذهبهم ، ولا على عدول السنة عن مذهبهم.

وفي هذا رد لى بعض الكُتاب المعاصرين من أهل السنة ، وقول


66

بعضهم بأن المهمة لا تتحقق إلا بعدول الشيعة عن مذهبهم ، وقول البعض الآخر : بأن الشيعة يريدون من أهل السنة العدول عن مذهبهم بحجة تحقيق لم شعث المسلمين.

والثانية : إن تكليف الشيخ وغيره الشيعة بالأخذ بمذاهب الجمهور ، وعدولهم عن مذهبهم ـ لو دار الأمر بين عدولهم وعدول الجمهور ـ في غير محله ، لأن توجيه التكليف بذلك ـ في الفرض المذكور ـ إلى أحدهما دون الآخر يحتاج إلى مرجح ، وتكليف الشيعة دون غيرهم ترجيح بلا مرجح ، بل ترجيح للمرجوح ، بل تكليف بغير المقدور.

نعم ، لا ريب في أن أهل السنة أكثر عددا من الشيعة ، ولكن الأكثرية العددية لا تكون دليلا على الحقية فضلا عن الأحقية ، وإلا لزم أن يكون الحق مع غير المسلمين ، لأنهم أكثر عددا منهم في العالم ، وهذا باطل ، مضافا إلى الأدلة والشواهد من الكتاب والسنة.

قيل :

« ولم لا تكون المقابلة كاملة ، فيكون تكليف أهل السنة بذلك ترجيح (1) بلا مرجح ، بل ترجيح للمرجوح ».

أقول :

وهذا كلام في غير محله ، لأن الهدف هو لم شعث المسلمين ، وقد قال السيد : « الذي أراه أن ذلك ليس موقوفا على عدول الشيعة عن مذهبهم ، ولا على عدول أهل السنة عن مذهبهم » فهو لا يكلفهم بالعدول لتحقق لم الشعث حتى يكون ترجيحا بلا مرجح أو مع المرجح. لكن الشيخ هو الذي كلّف

(1) كذا.


67

الشيعة بالعدول عن مذهبهم ، فأجاب السيد بما أوضحناه.

على أن تكليف أهل اسنة بالعدول عن مذهبهم ترجيح مع المرجح ، وذلك للأدلة التي سيقيمها السيد بالتفصيل. وخلاصة الكلام في ذلك : أنه لو دار الأمر بين اتباع أحد المذاهب الأربعة واتباع مذهب أهل البيت فلا يشك المسلم ، بل العاقل الخبير ، في تقدم مذهب أهل البيت على المذاهب الأربعة المشكوك في تقدمها على سائر مذاهب السنية.

* قال السيد :

« نعم يلم الشعث وينتظم عقد الاجتماع بتحريركم مذهب أهل البيت ، واعتباركم إياه أحد مذاهبكم ، حتى يكون نظر كل من الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية ، إلى شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كنظر بعضهم إلى بعض. وبهذا يجتمع شمل المسلمين فينتظم عقد اجتماعهم ».

قيل :

[ بعد السب والشتم ] : « وأن من أبسط ما يرد به عليه : إن الأئمة الذين يزري بهم وبأتباعهم كل منهم يجل الآخر ، ويعترف بعلمه وفضله ، فالشافعي أخذ عن مالك ، وأخذ عن محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة ، وأحمد أخذ عن الشافعي. ولم يزل المسلمون يأخذون بعضهم عن بعض ، المالكي عن الشافعي ، والحنفي عن المالكي ، والحنبلي عن الشافعي. وكل منهم عن آخر ، فهل نظرة هذا المفتري وأمثاله إلى هؤلاء وأتباعهم هي نظرة بعضهم إلى بعض ؟ ».

أقول :

كأن الرجل لا يفهم مراد السيد ! أو لا يريد أن يفهمه ! إن السيد يقول :


68

لينظر كل من أصحاب المذاهب الأربعة إلى شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كنظر بعضهم إلى بعض. أي : فكما يرى الشافعية أن مذهب الحنفية مذهب من مذاهب المسلمين ، ويرى الحنفية المالكية كذلك... وهكذا... فلينظروا إلى مذهب شيعة آل محمد كذلك ، فإذا نظروا إليهم بهذه النظرة ، وكانت المذاهب كلها من دين الاسلام اجتمع شمل المسلمين وانتظم عقد اجماعهم ، لأنه حين يرى شيعة آل محمد أن أرباب المذاهب الأربعة ينظرون إليهم كنظر بعضهم إلى بعض ، فإنهم أيضا سينظرون إليهم بتلك النظرة.

وقد اوضح السيد ـ رحمه الله ـ مقصوده من « النظر » في عباراته اللاحقة فقال فيها : « فإذا جاز أن تكون المذاهب أربعة ، فلماذا لا يجوز أن تكون خمسة ؟! ».

وتلخص : أن تحقق « المهمة » ليس موقوفا على عدول أحد الجانبين إلى الآخر ، بل يكفي لتحققها قبول أهل السنة لأن تكون المذاهب خمسة.

وحينئذ ، فلو تباحث في هذا الظرف شيعي وسني على أصل من الأصول ، أو فرع من الفروع ، فاقتنع أحدهم بما يقوله الآخر وانتقل إلى مذهبه ، كان كانتقال الحنفي إلى الشافعية أو بالعكس ، وهكذا... وما أكثره في تراجم الرجال وكتب السير (1).

(1) ومن أطرف ما رأيته في الباب ما ذكره الذهبي ، وأنقله بنصه :

« محمد بن حمد بن خلف أبوبكر البندنيجي حنفش ، الفقيه ، تحنبل ثم تحنف ثم تشفع. فلذا لقب حنفش.

ولد سنة 453 وسمع الصيريفيني وابن النقور وأبا عليّ بن البنّاء ، وتلا عليه.

وعنه : السمعاني ، وابن عساكر ، وابن سكينة.

قال أحمد بن صالح الختلي : كان يتهاون بالشرائع ، ويعطل ، ويستخف بالحديث وأهله ويلعنهم.

وقال السمعاني : كان يخل بالصلوات.

توفي سنة 538 » ميزان الاعتدال 3 | 528. >


69

وأما قوله : « إن الأئمة الذين يزري بهم وبأتباعهم كل يجل الآخر ويعترف بعلمه وبفضله » ففيه :

أولا : إنا لم نجد في كلمات السيد إزراء بأحد.

وثانياً : إن ما في كتب تراجم علمائهم وسير رجالهم مما يكذّب دعوى « كل يجل الآخر... » كثير... ولو شئت أن أذكر لذكرت ، لكن يطول بنا المقام ، ويكفيك إن تعلم أن مالكا كان يتكلم في أبي حنيفة كما ذكره الحافظ الخطيب في عداد من كان يتكلم فيه ويرد عليه ( تاريخ 1 | 371 وأن مالكا نفسه تكلم فيه أحمد بن حنبل ( العلل ومعرفة الرجال 1 | 179 ) وآخرون أيضا ( كما في تاريخ بغداد 10 | 224 وجامع بيان العلم ـ للحافظ ابن عبد البر

< أقول : كأن هذا الفقيه !! علم أنه لن يفلح بالعمل بمذهب ابن حنبل فالتجأ إلى مذهب أبي حنيفة ، ثم إلى مذهب الشافعي ، فلم ير شيئا من هذه المذاهب بمبرئ للذمة ، ولم يجد فيها ضالته ، وهو يحسب أن لا مذهب سواها ! فخرج عن الدين وضل !!

أما التهاون والإخلال بالصلوات... فهو موجود في أئمتهم في الفقه والحديث... نكتفي بذكر واحد منهم ، وهو : الشيخ زاهر بن طاهر النيسابوري الشحامي المستملي ـ المتوفى سنة 553 هـ ـ الموصوف في كلمات القوم بالشيخ العالم ، المحدث ، المفيد ، المعمر ، مسند خراسان !! الشاهد ! العمدة في مجلس الحكم !! والذي حدث عنه ـ في خلق كثير ـ غير واحد من أئمتهم كأبي موسى المديني ، والسمعاني ، وابن عساكر... فقد ذكروا بترجمته أنه كان يخل بالصلاة إخلالا ظاهرا ، حتى أن أخاه منعه من الخروج إلى أصبهان لئلا يفتضح ، لكنه سافر إلى هناك وظهر الأمر كما قال أخوه ، وعرف أهل اصبهان ذلك ، فترك الرواية عنه غير واحد من الحفاظ تورعا ، وكابر وتجاسر آخرون كما قال الذهبي.

ومن هنا ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 2 | 64 ، بل أدرجه في الضعفاء 1 | 236 ، وابن حجر في لسان الميزان 2 | 470 ، وراجع ترجمته أيضا في سير أعلام النبلاء 20 | 9 ، والعبر 2 | 445.

وقال الذهبي بترجمة أخيه المشار إليه : « أبو بكر وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي ، أخو زاهر... كان خيرا متواضعا متعبدا لا كأخيه ».

وهل ينفعه ـ بعد شهادة السمعاني والذهبي وغيرهم ـ الاعتذار له بشيء من المعاذير ؟!

ولو شئت أن أذكر المزيد لذكرت !!


70

المالكي 2 | 157 ـ 158 ) وكان من الفقهاء ، من يتكلم في الحنابلة ، ويبالغ في ذهمهم ، فدس الحنابلة عليه سما ، فمات هو وزوجته وولد له صغير !! ( المنتظم في تاريخ الأمم 10 | 239 ) ومنهم من كان يقول : لو كان لي أمر لأخذت الجزية من الشافعية ( لسان الميزان 5 | 402 ).

* قال السيد :

في آخر المراجعة مخاطبا الشيخ : « ما هكذا الظن بكم ولا المعروف من مودتكم في القربى ».

قيل :

« ثم إن قوله : ما هكذا الظن بكم ولا المعروف من مودتكم في القربى » تناقض منه ، فإذا كان أهل السنة يحفظون المودة في القربى ، فلماذا يجهد الشيعة في اتهام أهل السنة بأنهم لم يودوا ذوي القربى ، بل ظلموهم وغصبوهم حقهم ؟ ».

أقول :

لقد لمس السيد من الشيخ ـ لدى اجتماعه به ـ كما نص عليه في « بغية الراغبين » وكذا في مقدمة « المراجعات » المودة في القربى ، فهذا الخطاب للشيخ لا لكل أهل السنة ، فأين التناقض ؟! أما أهل السنة فإن كثيرين منهم لم يحفظوا المودة في القربى ، وقد أوردنا فيما تقدم كلمات بعضهم في حق ذوي القربى ، تلك الكلمات التي أورثت جراحات لا تقل ألما وأثرا عن جراحات السيوف والأسنّة لأسلافهم في ذوي القربى وأشياعهم ، على مدى القرون المتمادية...


71

المراجعة ـ 6

* قال السيد :

1 ـ ولذا قرنهم بمحكم الكتاب وجعلهم قدوة...

أقول :

هذا إشارة إلى عدة من الأحاديث النبوية الآمرة باتباع العترة والتمسك بهم الأخذ عنهم ، والناهية عن تعليمهم والتقدم عليهم والتخلف عنهم... وسيتعرض لها بالتفصيل.

قال رحمه الله :

2 ـ وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « فأين تذهبون ! وأنى تؤفكون !... ».

وقال عليه السلام : « انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم... ».

وقال عليه السلام : « عترته خير العتر... ».

وقال عليه السلام : « نحن الشعار والأصحاب... ».

وقال عليه السلام : « واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد... ».

وقال عليه السلام : « بنا اهتديتم في الظلماء... ».

أقول :

هذه نصوص روايات واردة عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في كتاب « نهج البلاغة » فهنا مطالب :

1 ـ إن هذه الأوصاف التي نقلها السيد عن نهج البلاغة عن أمير المؤمنين


72

عليه السلام لا يشك مسلم في كونها حقا وحقيقة واقعة ، سواء كانت أسانيد هذه الكلمات معتبرة أو لا ، وسواء كانت في « نهج البلاغة » أو غيره من الكتب ، وسواء كان « نهج البلاغة » للشريف الرضي أو لأخيه أو غيرهما... وبالجملة فإن متونها تشهد بصدقها !

فهل تشكون ـ أيها المسلمون ـ في أن أهل بيت النبوة « لن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى » ؟! وأنهم يصلحون لأن يكونوا قدوة لكم « فإن لبدوا فالبدوا ، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا » ؟!

وهل يشك عاقل فاهم في جلالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن « عترته خير العتر ، وأسرته خير الأسر ، وشجرته خير الشجر... » ؟! فإن لم يكونوا كذلك ، فأي عترة خير العتر ؟! وأي اسرة خير الأسر ؟! وأي شجرة خير الشجر ؟! آل فلان ؟! أم فلان ؟! أم بنو أمية ؟!

أليس أهل بيته « شجرة النبوة ، ومحط الرسالة ، ومختلف الملائكة... » ؟!

ومن ينكر قوله « ناظرنا ومحبنا ينتظر الرحمة ، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة » إلا العدو المبغض ؟!

ومن المخالف في أن المخالفين لأهل البيت « آثروا عاجلا وأخروا آجلا... » ؟!

وتلخص : أن هذه حقائق ثابتة ، لا شك فيها كي تحتاج إلى سند أو برهان...

2 ـ على أن السيد ـ رحمه الله ـ إنما استدل بما جاء في « نهج البلاغة » باعتبار أن هذا الكتاب من الكتب المتفق عليها ، لأن الكثيرين من العلماء المحققين من غير الشيعة الإمامية تلقّوه بالقبول ، وتناولوه بالشرح والتفسير والتعليق.


73

وعلى الجملة ، فإن أحدا لم يشك في أن ما في « نهج البلاغة » من كلام الإمام علي عليه السلام.

نعم ، قال بعضهم : « أكثره » من كلامه... لوجود ( الخطبة الشقشقية ) فيه ، كما سنشير.

ولولا صحة إسناد الكتاب إلى الإمام علي عليه السلام لما تكلم بعضهم في جامعة ، كابن خلكان حين شكك في أنه الرضي أو المرتضى ، وكالذهبي حين اختلف كلامه... كما سيأتي.

ولولا صحة إسناده لما شكك آخرون استنادا إلى شبهات واهية كاشتمال الكتاب على « دقة الوصف » و« التنمي اللفظي » ونحو ذلك... مما ستأتي الإشارة إليه.

ومن هنا :

قيل :

« والعجب كل العجب من الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، فإنه لما ساق حجج المتشككين في نسبة نهج البلاغة إلى عليّ ـ رضي الله عنه ـ لم يتعرض لقضية السند أبدا ، مع أنه كان ينبغي أن يتعرض لهذه القضية أولا فإذا صح اسند نظرنا في المتن ».

أقول :

كأنّ هذا القائل لم ير بعينه كلمة هذا الشيخ الصريحة في أن أحدا لم يشك في أنّ أكثر ما تضمنه نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام... وستأتي عبارته ، مع التنبيه على السبب في تعبيره بـ « الأكثر ».

وعلى كل حال ، فإن ذكر هذا الشيخ وغيره الأوهام المشككة في « نهج البلاغة » من تلك الجهات ، هو من خير الأدلة على ثبوت الكتاب وصحة نسبته ،


74

لأنهم يعلمون أن التطرق إلى هذه الأمور إنما يكون بعد الفراغ من البحث السندي.

3 ـ وإن ما حواه كتاب « نهج البلاغة » قد ثبت وتحقق وجوده في كتب العلماء المتقدمين على مؤلفه ، من شيعة وسنة (1).

4 ـ نعم ، يصعب عليهم قبول ( الخطبة الشقشقية ).. والظن الغالب أنه لولا وجودها في « نهج البلاغة لما شكك المتشككون منهم في نسبة شيء من الخطب والكتب والكلمات المروية فيه إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

قيل :

« ومن قرأ خطبته المعروفة بالشقشقية جزم أنه لا يمكن لمن هو في مثل مقام علي ـ رضي الله عنه ـ أن يقول ذلك ، فإن هذا مما يتعارض مع ما صح عنه من أكثر من طريق من تفضيل أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ والثناء عليهما. وهذه الخطبة المنسوبة زورا وبهتانا إليه ـ رضي الله عنه ـ تنطوي على أسوأ الإزار بكبار الصحابة الكرام : أبي بكر وعمر وعثمان ، وباقي العشرة ، بل فيها سب صراح ، واتهام بخيانة الأمة ، وسخرية لا تصدر إلا عن أمثال الرافضة الذين يجل عليّ ويسمو عن مثل ما يقولون :

ففي الصحيحين : عن ابن عباس ، قال : وضع عمر على سريره ، فتكنّفه الناس يدعون ويثنون ، ويصلون عليه قبل أن يرفع ، وأنا فيهم ، فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي ، فالتفت فإذا هو علي ، وترحم على عمر ، وقال : ماخلقت أحداً أحب أن ألقى الله عز وجل بعمله منك ، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك ، وذلك أني كنت كثيرا ما أسمع النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : جئت أنا وأبو بكر وعمر.. ودخلت أنا

(1) يراجع بهذا الصدد كتاب : « مصادر نهج البلاغة ».


75

وأبو بكر وعمر.. وخرجت أنا وأبو بكر وعمر.. فإن كنت لأرجو أو أظن أن يجعلك الله معهما.

البخاري 4 | 197 ، ومسلم 2 | 1858 ».

أقول :

ولعل وجود هذه الخطبة في « نهج البلاغة » هو السبب في قول بعضهم بأن أكثره من كلام الإمام عليه السلام ، فهم من جهة لا يتمكنون من إنكار أصل الكتاب ، ومنجهة أخرى لا يتمكنون من تصديق الخطبة الشقشقية ، لأنها ـ في الحقيقة ـ تهدم أساس المذهب الذي هم عليه :

يقول الشيخ محمّد محيي الدين عبد الحميد : « وليس من شك عند أحد من أدباء هذا العصر ، ولا عند أحد ممن تقدمهم ، في أن أكثر ما تضمنه نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام. نعم ليس من شك عند أحد في ذلك... » (1).

لكن الدليل على كونها من كلامه هو التعرض لها أو ذكرها في كلمات العلماء السابقين على الشريف الرضي والمتأخرين عنه ، من إمامية ومعتزلة وسنة ، وإن شئت التفصيل فراجع (2).

وأما أنها تتناقض وما رواه القوم عن الإمام عليه السلام في الثناء على الشيخين وغيرهما ، فالجواب عن ذلك :

أولا : إن الخطبة مروية عند الشيعة وغيرهم ، فهي متفق عليها ، وما رووه عن أمير المؤمنين عليه السلام من الثناء عليهم متفردون بروايته ، ولا تعارض بين المتفرد به والمتفق عليه.

(1) لاحظ مقدمة شرحه على « نهج البلاغة ».

(2) مصار نهج البلاغة وأسانيده.


76

وثانيا : إن شرط التعارض هو الحجية في طرفي التعارض كليهما ، وحجية الخطبة ثابتة دون أخبارهم المشار إليها ، كما لا يخفى على من نظر في أسانيدها.

وثالثا : إن عمدة أخبارهم في ثناء الإمام عليه السلام على القوم هو الخبر الذي أورده عن كتابي البخاري ومسلم المعروفين بالصحيحين. لكنك إذا لاحظت سنده ـ بغضّ النظر عن البخاري ومسلم ، المجروحَين لدى كبار أئمة القوم من السابقين واللاحقين ـ رأيته ينتهي في جميع طرقه إلى « ابن أبي مليكة » :

وهو رجل لا يجوز الاعتماد على روايته مطلقا ، لا سيما في مثل هذه الأمور ! لأنه تيميّ من عشيرة أبي بكر ، ولأنه كان من مناوئي أمير المؤمنين عليه السلام ، ولأنه كان قاضي عبد الله بن الزبير في مكة ! ولأنه كان مؤذن عبد الله بن الزبير !

وله قوادح غير ماذكر ، فراجع ترجمته (1).

على أنّا نكذب كل خبر جاء فيه أسماء الخلفاء الأربعة على ترتيب الخلافة ، وقد حققت ذلك في رسالة مفردة (2).

شبهات حول نهج البلاغة :

5 ـ وبقيت شبهات ذكرها المعترض ، وهي : إن في نهج البلاغة :

أ ـ التعريض بالصحابة.

ب ـ التنميق اللفظي.

ج ـ دقة الوصف.

(1) تهذيب التهذيب 5 | 268.

(2) تراثنا ، العدد 28 ، ص 15 ـ 56 ، رجب ـ رمضان 1412 هـ.


77

د ـ عبارات يستشم منها ريح ادعاء صاحبها علم الغيب.

أقول :

لكن الشبهات أكثر من هذه الأربعة... ولعل المعترض ملتفت إلى سقوط البقية فلم يتعرض لها ، لكنها مذكورة في كلمات غيره.

وقد أوردها كلها مؤلف كتاب « مصادر نهج البلاغة وأسانيده » تحت عنوان : « شبهات حول النهج » وأجاب عنها بالتفصيل ، فراجعه.

6 ـ وأما أن « نهج البلاغة » هو للسيد شريف الرضي ، فهذا هو الثابت الواقع ، بالأدلة المتينة والشواهد القويمة ، وباعتراف السابقين واللاحقين من العلماء من مختلف فرق المسلمين.

وأول من شكك في المقام هو : قاضي القضاة ابن خلّكان ، صاحب « وفيات الأعيان » وتبعه بعض المتأخرين عنه كالذهبي والصفدي وأمثالهما.

قيل :

« وأما المتهم ـ عند المحدثين ـ بوضع النهج فهو أخوه علي.

قال في الميزان : علي بن الحسين العلوي الشريف المرتضى المتكلم الرافضي المعتزلي ، صاحب التصانيف ، حدث عن سهل الديباجي والمرزباني وغيرهما. وولي نقابة العلوية. ومات سنة 436 عن 81 سنة ، وهو المتهم بوضع نهج البلاغة ، وله مشاركة قوية في العلوم. ومن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، ففيه السب الصراح والحط على السيدين : أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما. وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة ، وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين ، جزم بأن الكتاب أكثره باطل. رياض الجنة لمقبل الوداعي 162 ـ 163 ».


78

أقول :

أما مقبل الوادعي فلا أعرفه ، وما أدري لماذا نقل عبارة الميزان بواسطته.

و( الميزان ) هو : « ميزان الاعتدال في نقد الرجال » للحافظ الذهبي ، والعبارة موجودة فيه ج 3 | 124.

لكن في « العبر » للحافظ الذهبي ، أثنى على الشريف المرتضى ، ولم يتعرض لكتاب نهج البلاغة ، فقال فيمن توفي سنة 436 هـ : « والشريف المرتضى نقيب الطالبيين وشيخ الشيعة ورئيسهم بالعراق ، أبو طالب : عليّ بن الحسين بن موسى الحسيني الموسوي ، وله 81 سنة ، وكان إماما في التشيعة والكلام والشعر والبلاغة ، كثير التصانيف متبحرا في فنون العلم. أخذ عن الشيخ المفيد ، وروى الحديث عن سهل الديباجي الكذاب ، وولي النقابة بعده ابن أخيه عدنان ابن الشريف الرضي » (1).

وفي « سير أعلام النبلاء » للحافظ الذهبي أيضا ، ترجم له فقال : « هو جامع كتاب نهج البلاغة » ثم قال : « وقيل : بل جمع أخيه الشريف الرضي » فعلق عليه الناشرون له : « وهذا هو المشهور » (2).

وهذه الاضطرابات في التشكيكات تكشف عن أن الغاية منها ليس إلا تضعيف الكتاب بكل وسيلة ، وليس إلا لأنهم منزعجون من الخطبة الشقشقية.. ولذا تراه يقول في « الميزان » موضحا علة الجزم بكون الكتاب مكذوبا : « ففيه السب الصراح... » ويقول في « سير أعلام النبلاء » : « المنسوبة ألفاظه إلى الإمام علي رضي الله عنه ، ولا أسانيد لذلك ، وبعضها باطل ، وفيه حق ، ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها ».

(1) العبر في خبر من غبر 2 | 272.

(2) سير أعلام النبلاء 17 | 589.


79

ولا يخفى الفرق بين العبارتين في الكتابين حول الكتاب ، وهذا دليل آخر على الاضطراب.

وعلى كل حال ، فقد حقق هذه القضية غير واحد من المحققين ، وجزموا بكون الكتاب للشريف الرضي محمد بن الحسين.

وقا الشيخ محمد عبده : « ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد لاشريف الرضي ـ رحمه الله ـ من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، جمع متفرقه وسماه هذا الاسم : نهج البلاغة... » (1).

وقال الأستاذ محمد كرد عليّ ، في مقال نشرته مجلة المجمع العلمي السوري : « ونهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي من كلامه... » (62).

وقال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد : « نهج البلاغة هو ما اختاره الشريف الرضي... » (2).

وإن شئت الوقوف على حقيقة كتاب « نهج البلاغة » ومصادره ، وما قيل فيه ، ونصوص العلماء والمحققين على أنه خطب وكتب وكلمات أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنه ما تأليف الشريف الرضي ، فراجع كتاب « مصادر نهج البلاغة وأسانيده ».

* قال السيد :

وقوله عليه السلام : « نحن شجرة النبوة ، ومحط الرسالة ، وختلف الملائكة ، ومعدن العلم ، وينابيع الحكم... ».

(1) شرح نهج البلاغة ـ المقدمة.

(2) تراثنا ، العدد 34 ، ص 100 ـ 101 ، محرم ـ ربيع الأول 1414 هـ.

(3) شرح نهج البلاغة ـ المقدمة.


80

وأضاف في الهامش : « وقال ابن عباس : نحن أهل البيت ، شجرة النبوة ، ومختلف الملائكة ، وأهل البيت الرسالة ، وأهل بيت الرحمة ، ومعدن العلم » ( قال ) : نقل هذه الكلمة عنه جماعة من أثبات السنة ، وهي موجودة في آخر باب خصوصياتهم صفحة 142 من الصواعق المحرقة لابن حجر ».

أقول :

وأخرج الحافظ أبو القاسم الطبراني بإسناده عن جابر بن عبد الله وعبد الله ابن عباس في خبر هبوط ملك الموت لقبض روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنه وقف بالباب فقال : « السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة... » (1).

وروى الحمّوئي عن طريق الحافظ أبي نعيم ، عن الحافظ الطبراني ، بإسناده عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « نحن أهل البيت مفاتيح الرحمة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومعدن العلم... » (2).

وقد ذكرنا من قبل : أن مضمون هذا الكلام حقيقة لا تحتاج إلى إثبات ، وهو بالإضافة إلى كونه مرويا عن ملك الموت مخاطبا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ، كما في رواية الطبراني وغيره ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام ، كما في ( النهج ) مروي عن ابن عباس كما ذكر السيد في الهامش.

قيل :

« لم يبين لنا المؤلف من هم الأثبات الذين نقلوا هذه العبارة ؟ ومع أنه

(1) إحقاق الحق 9 | 401 عن « المعجم الكبير » للطبراني.

(2) فرائد السمطين 1 | 44.


81

نقلها عن الصواعق لكن أمانته دفعته إلى أن يتغاضى عن قول ابن حجر الهيتمي عندما نقلها فقال : وجاء عن ابن عباس بسند ضعيف أنه قال : نحن...

وقول ابن عباس ـ على فرض صحته ـ يدل على خلال ما تذهب إليه الرافضة من أن أهل البيت هم : عليّ وفاطمة وأبناؤهما فقط. لكن أهل اسنة عمدتهم في تحديد من هم أهل البيت على الكتاب والسنة الصحيحة ، لا على أقوال ضعيفة أو موضوعة ».

أقول :

يقول السيد : « نقل هذه الكلمة عنه جماعة من أثبات السنة » وهذا هو محل الاستدلال ، إذ المقصود ـ كما قلنا سابقا ـ رواية أثبات أهل السنة في كتبهم المعروفة ، لما يدل على ما تذهب عليه الشيعة ، فيكون المطلب متفقا عليه ، أما أن أولئك الأثبات يروون الأخبار الضعيفة والموضوعات مع علمهم بكونها كذلك فيكونون من الكاذبين (1) فما ذنب الشيعة ؟!

ومن رواته : ابن أثير ، حيث رواه بسند له يشتمل على بعض الحفاظ المشاهير ، قائلا : « أخبرنا أبو ياسر بن أبي حبة وغير واحد ـ إجازة ـ قالوا : أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد ، أخبرنا أبو الحسين ابن النقور ، أخبرنا المخلص ، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد ، حدثنا يوسف بن محمد بن سابق ، حدثنا أبو مالك الجنبي ، عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : نحن أهل البيت شجرة النبوة ، ومختلف الملائكة ، وأهل بيت الرسالة ، وأهل بيت الرحمة ، ومعدن العلم » (2).

وأما الاستدلال بخصوص « الصواعق المحرقة » فلأن هذا الكتاب إنما

(1) صحيح مسلم بن الحجاج 1 | 7.

(2) أُسد الغابة 3 | 193.


82

ألف للرد على الشيعة والصد عن انتشار التشيع ، يقول ابن حجر في خطبته :

« سئلت قديما في تأليف كتاب يبين حقّيّة خلافة الصديق وإمارة ابن الخطّاب ، فأجبت إلى ذلك مسارعة في خدمة هذا الجناب... ثم سئلت في إقرائه في رمضان سنة 950 بالمسجد الحرام ، لكثرة الشيعة والرافضة ونحوهما الآن بمكة المكرمة ، أشرف بلاد الإسلام ، فأجابت إلى ذلك ، رجاء لهداية بعض من زلّ به قدمه عن أوضح المسالك ».

وبما ذكرنا يظهر الوجه في عدم الاعتناء بتضعيفه.

على أنه إذا كان ابن حجر ممن يعتمد على آرائه ، كان تصحيحه أيضا معتبرا ، لكن هذا القائل لا يعتني به متى صحح حديثا من أحاديث الفضائل ويقول بأن ابن حجر ليس من علماء الحديث. والحال أنه من كبار أئمة الفقه والحديث.

بل السبب في توهين ابن حجر ، هو كونه ممن أفتى بصراحة بضلالة ابن تيمية الذي هو شيخ إسلام نواصب هذا العصر...!!

وأما أن « أهل البيت » في « آية التطهير » و« أحاديث الثقلين » ونحوها هم « علي وفاطمة والحسنان » فسيأتي توضيحه على أساس الكتاب والسنة الصحيحة ، فانتظر.

قال السيد :

« وقوله عليه السلام : نحن النجباء ، وأفراطنا أفراط الأنبياء ، وحزبنا حزب الله عزوجل ، والفئة الباغية حزب الشيطان ، ومن سوّى بيننا وبين عدونا فليس منا ».

قال في الهامش : « نقل هذه الكلمة عنه جماعة كثيرون ، أحدهم ابن حجر ، في آخر باب خصوصياتهم من آخر الصواعق ، صفحة 142 وقد أرجف فأجحف ».


83

أقول :

جاء هذا في كتاب « فضائل الصحابة » وهذا نصه :

« فيما كتب إلينا محمد بن عبيدالله بن سليمان يذكر أن موسى بن زياد حدثهم ، قال : ثنا يحيى بن يعلى ، عن بسام الصيرفي ، عن الحسن بن عمر الفقيمي. عن رشيد بن أبي راشد ، عن حبة ـ وهو العرني ـ ، عن علي ، قال :

نحن النجباء ، وأفراطنا أفراط الأنبياء ، وحزبنا حزب الله ، حزب الفئة الباغية حزب الشيطان ، ومن سوّى بيننا وبين عدونا فليس منا » (1).

وأخرجه الحافظ ابن عساكر بترجمة أمير المؤمنين عليه السلام ، قال :

« أخبرنا أبو القاسم السمرقندي ، أنبأنا أبو الحسين ابن النقور ، أنبأنا أبو طاهر المخلّص ، أنبأنا أحمد بن عبد الله بن يوسف ، أنبأنا عمر بن شبة ، أنبأنا أبو أحمد الزبيري ، أنبأنا الحسن بن صالح ، عن الحسن بن عمر ، عن رشيد ، عن حبة ، قال :

سمعت عليّا يقول : نحن النجباء ، وأفراطنا أفراط الأنبياء ، وحزبنا حزب الله ، والفئة الباغية حزب الشيطان ، ومن سوّى بيننا وبين عدونا فليس منا » (2).

وأخرجه الحافظ السخاوي في « استجلاب ارتقاء الغرف ».

وابن حجر المكي في « الصواعق المحرقة » في باب « خصوصياتهم الدالة على أعظم كراماتهم ».

هذا ، ولا يخفى اعتبار سند هذا الحديث ، وصحة الاحتجاج به ، لأن رواته أئمة في الحديث ، وفطاحل ثقات ، لا يظن بهم أن يعتمدوا رواية خبر مكذوب وهم يعلمون !

(1) فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل. طبعة جامعة أم القرى بمكة ، الحديث 1160.

(2) تاريخ ابن عساكر ـ ترجمة امير المؤمنين عليه السلام ـ الحديث 1189.


84

أنظر إلى سنده في « تاريخ دمشق » (1) :

* فابن عساكر حافظ ثقة جليل ، غني عن التعريف.

* وأبو القاسم السمرقندي ، قال الذهبي : « الشيخ الإمام المحدث ، المفيد المسند ، أبو القاسم إسماعيل بن أحمد... » ثم نقل ثقته عن غير واحد ، وأرّخ وفاته بسنة 536 هـ (2).

* وأبو الحسين ابن النقور ، قال الذهبي : « الشيخ الجليل الصدوق ، مسند العراق ، أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد... » ثم نقل ثقته عن جماعة ، وأرخ وفاته بسنة 407 هـ (3).

* وأبو طاهر المخلّص ، قال الذهبي : « الشيخ المحدث المعمر الصدوق ، أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن... » ثم نقل ثقته عن جماعة ، وأرخ وفاته بسنة 393 هـ (4).

* وأحمد بن عبد الله بن سيف السجستاني ، ترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام ، حوادث سنة 316 هـ ، والخطيب في تاريخه 4 | 225 ، والأسنوي في طبقات الشافعية 2 | 23 ، وابن قاضي شهبة 1 | 89 ، وقد أثنى عليه جميعهم.

* وعمر بن شبة ، قال الذهبي : « عمر بن شبة بن عبدة بن زيد بن رائطة العلامة الأخباري ، الحافظ الحجة ، صاحب التصانيف... » ونقل ثقته عن جماعة ، وأرخ وفاته بسنة 262 هـ ، عن 89 سنة إلا أياما (5).

وابو أحمد الزبيري ، محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم ، الحافظ الكبير المجود... » ثم نقل ثقته

(1) نكتفي في الترجمة بقدر الضرورة اختصارا.

(2) سير أعلام النبلاء 20 | 28.

(3) سير اعلام النبلاء 18 | 372.

(4) سير اعلام النبلاء 16 | 478.

(5) سير أعلام النبلاء 12 | 369.


85

والثناء عليه ، وأرخ وفاته بسنة 203 هـ (1).

* والحسن بن صالح ، قال الذهبي : « الإمام الكبير ، أحد الأعلام ، أبو عبد الله الهمداني الثوري الكوفي ، الفقيه العابد... » ثم أطنب في ترجمته ، ونقل الكلمات في حقه ، وأرخ وفاته بسنة 169 (2). وقال ابن حجر : « ثقة ، فقيه عابد ، رمي بالتشيع » (3).

* والحسن بن عمر الفقيمي ، قال ابن حجر : « ثقة ثبت ، من السادسة ، مات سنة 142 » وجعل عليه علامة رواية : البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجة ، عنه (4).

* ورشيد ، وهو الهجري ، من أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام يكفي لوثاقته رواية هؤلاء الأئمة لهذا الحديث عنه ، إلا أنهم نقموا عليه تشيعه للإمام عليه السلام ، وروايته لفضائله ومناقبه كما لا يخفى على من نظر في ترجمته في « لسان الميزان » وغيره ، فهم لا ينفون وثاقته ولا يرمونه بالكذب ، إلا أنهم يقولون ـ كما في « الأنساب » ـ : « كان يؤمن بالرجعة » وينقلون عن يحيى ابن معين ـ مثلا ـ أنه قال في جواب من سأله عنه : « ليس برشيد ولا أبوه ».

* وحبة العرني ، قال ابن حجر : « صدوق ، له أغلاط ، وكان غليا في التشيع ، من الثانية ، وأخطأ من زعم أن له صحبة » (5).

أقول :

وقد قصدنا ببيان اعتبار سند هذا الحديث الشريف ـ على أساس كتب القوم ـ امورا :

الأول : إن هذا الحديث معتبر سندا على ضوء كتبهم وآراء علمائهم ، وحينئذ يكون هذا الكلام القول الفصل ، وإن على الذي يدعون التمسك بالسنة

(1) سير أعلام النبلاء 9 | 529.

(2) سير أعلام النبلاء 7 | 368.

(3) تقريب التهذيب 1 | 167.

(4) تقريب التهذيب 1 | 169.

(5) تقريب التهذيب 1 | 148.


86

الكريمة ، والسير على هدي الإسلام ، والاتّباع للأحاديث الصحيحة... الالتزام بهذا الحديث وبلوازمه...

والثاني : إن السيد ـ رحمه الله ـ يذكر بعض المصادر ويشير إلى سائرها بقوله : « رواه جماعة » اختصارا ، فلو كان أراد التفصيل لأورد أسماء رواته ودلل على اعتبار سنده وصحة الاحتجاج به ، لكن الشيخ البشري ـ وهو المخاطب له أولا وبالذات ـ مطلع على ما يقوله السيد ، فتكفي الإشارة.

والثالث : إن الحق مع السيد في قوله عن ابن حجر المكي : « وقد أرجف فأجحف » لأنه قال : « وجاء عن ابن عباس بسند ضعيف... » إذ قد عرفت اعتبار السند وصحة الاحتجاج لنا به.

قيل :

« قوله : ( ونقل هذه الكلمة عنه جماعة كثيرون ، أحدهم ابن حجر... » لا يغني عنه شيئا ، فهل يتحول الكذب إلى صدق إذا كثر ناقلوه ؟ ».

أقول :

هذا كلام باطل ، لأن الكذب لا يتحول إلى صدق إذا كثر ناقلوه ، لكن هذا الحديث حق وصدق لا « كذب ». على أنه لو كان كذبا لم يخل حال ناقليه عن أحد حالين :

أما أن يكونوا جاهلين بكونه كذبا... وهذا لا يلتزم به هذا القائل ولا غيره ، وكيف يلتزم بجهله نقله هذا الحديث بحاله ، وهم أئمة الحديث المرجوع إليهم في روايته ومعرفته ؟! إذ فيهم :

محمد بن سليمان المطين.

وعبد الله بن أحمد بن حنبل.

والحسن بن عمر الفقيمي.

والحسن بن صالح بن حي.


87

وأبو أحمد الزبيري الحبال.

وعمر بن شبة.

وأبو طاهر المخلص.

وابن السمرقندي.

وابن عساكر.

والسخاوي...

وإما أن يكونوا عالمين بكونه كذبا.. وهذا أيضا لا يلتزم به القائل ولا غيره ، لأن معناه أن يتعم هؤلاء الأئمة الثقات الفطاحل نقل حديث كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيسقطون عن العدالة والوثاقة ، ويعدون في جملة من تعمد الكذب عليه ، ومن كذب عليى الرسول الأمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين !

* قال السيد :

« وخطب الإمام المجتبى أبو محمد الحسن السبط سيد شباب أهل الجنة فقال : إتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم ».

قال في الهامش : « فراجعها في أواخر باب وصية النبي بهم ، من الواعق المحرقة لابن حجر ، صفحة 137 ».

قيل :

« راجعناها في الصواعق 229 ، فوجدنا المؤلف الموسوي قد سلخها من كلام الحسن لأمر ما. يقول ابن حجر : وقد صرح الحسن رضي الله عنه بذلك ، فإنه حين استخلف وثب عليه رجل من بني أسد فطعنه وهو ساجد بخنجر لم يبلغ منه مبلغا ، ولذا عاش بعده عشر سنين فقال : يا أهل العراق ، اتقوا الله فينا ، فإنا أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل البيت الذين قال الله عز وجل فيهم : ( إنما


88

يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ). قالوا : ولأنتم هم ؟ قال : نعم.

ويكفي هذا الكلام ضعفا أن رواه الثعلبي في تفسيره كما صرح بذلك في الصواعق ».

أقول :

أولا : يكفي وروده في كتب أهل السنة ، إذ يكون بذلك مورد اتفاق المسلمين ، ولا ريب في وجوب الأخذ بكل أمر حق وقع الاتفاق عليه.

وثانيا : هذا الكلام رواه الحافظ الطبراني ، ونص الحافظ نور الدين الهيثمي ـ في كتابه الذي اعتمد عليه المعترض في مواضع ! ـ على أن « رجاله ثقات ». وهذا نص الرواية في باب فضل أهل البيت رضي الله عنهم :

« وعن أبي جميلة : إن الحسن بن علي حين قتل علي استخلف ، فبينا هو يصلي بالناس إذ وثب إليه رجل فطعنه بخنجر في وركه ، فتمرض منه أشهرا. ثم قام فخطب علىالمنبر فقال : يا أهل العراق ، اتقوا الله فينا فإنا أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل البيت الذين قال الله عز وجل : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم رجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ). فما زال يومئذ يتكلم حتى ما ترى في المسجد إلا باكيا.

رواه الطبراني. ورجاله ثقات » (1).

وفيه فوائد :

1 ـ قوله عليه السلام : « إتقوا الله فينا ». ثم علل أمره بتقوى الله فيهم بقوله : « فإنا أمراؤكم ».

2 ـ قوله عليه السلام : « ونحن أهل البيت الذين... » يفيد بكل وضوح

(1) مجمع الزوائد 9 | 172.


89

حصر الآية الكريمة فيه وفي والديه وأخيه.

3 ـ ليس في هذه الرواية الصحيحة ـ باعتراف الحافظ الهيثمي ـ جملة : « لأنتم هم ؟ قال : نعم ». وعدمها في هذه الرواية الصحيحة دليل على أمور :

والثاني : إن بعض النواصب لما رأوا دلالة هذا الحديث على ما ذكرنا زادوا فيه تلك الجملة ، لتفيد جهل المسلمين أو شكهم فيما قاله الإمام عليه السلام واستدل به.

والثالث : إن ابن حجر المكي اختار اللفظ المشتمل على الجملة ، وما أشار غلى رواية الطبراني ! وما ذلك إلا لكونه بصدد الطعن في فضائل أهل البيت والرد على شيعتهم.. اللهم إلا أن يكون مضطرا إلى الإقرار بصحة حديث منها.

وثالثا : قوله : « يكفي هذا الكلام ضعفا أن رواه الثعلبي في تفسيره كما صرح بذلك في الصواعق » مردود بوجوه :

1 ـ قد ظهر أن الكلام صحيح لا ضعيف.

2 ـ قد ظهر أن روايته غير منحصرة بالثعلبي في تفسيره.

3 ـ إن رواية الثعلبي لفضيلة من فضائل أهل البيت عليهم السلام كافية لشيعتهم في مقام الاستدلال ، وذلك :

أ ـ لأن مجرد وجودها في كتب القوم كاف.

ب ـ لأن الرواية إذا صح سندها يجب الأخذ بها في أي كتاب من كتبهم كانت ، وهذا ما نص عليه المعترض.

ج ـ ولأن الثعلبي موصوف عندهم بصفات جليلة ، وتفسيره « الكشف البيان » من التفاسير المعتمدة عندهم ، كما لا يخفى على من راجع ترجمته في المصادر التالية :


90

وفيات الأعيان 1 | 61 ، والوافي بالوفيات 7 | 307 ، العبر 3 | 161 ، مرآة الجنان 3 | 46 ، تتمة المختصر 1 | 477 ، بغية الوعاة : 154 ، طبقات المفسرين 1 | 65 ، طبقات الشافعية ـ للسبكي ـ 4 | 58 ، طبقات الشافعية ـ للأسنوي ـ 1 | 429 ، وغيرها.

قال السبكي : « وكان أوحد زمانه في علم القرآن... »

وقال الأسنوي : « ذكره ابن الصلاح والنووي من الفقهاء الشافعية ، وكان إماما في اللغة والنحو... ».

وقال الداودي : « كان أوحد أهل زمانه في علم القرآن ، حافظا للغة ، بارعا في العربية ، واعظا ، موثقا ».

لكن الثعلبي لما أكثر من نقل روايات فضائل العترة وأخبار نزول الآيات فيهم... رماه ابن تيمية وأتباعه بالتساهل في النقل ، وحاولوا إسقاط رواياته المسندة عن الاعتبار.

بقي : قوله : « قد سلخها من كلام الحسن لأمر ما ».

ولا يخفى : أنه كلام جاهل أو متجاهل ، إذ المهم هو الاستشهاد بكلام الإمام عليه السلام الثابت بالسند الصحيح.. أما أنه في أي مناسبة قاله ؟ وما كان المورد له ؟ فهذا لا علاقة له بالبحث ، ولا يخخ مدلول الكلام أبتة.

* قال السيد :

« وكان الإمام أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين وسيد الساجدين إذا تلا قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) يدعو الله عز وجل دعاء طويلا... ».

قال الهامش : « فراجعه في صفحة 90 من الصواعق المحرقة لابن حجر ، في تفسير الآية الخامسة : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) من الآيات التي أوردها في الفصل الأول من الباب 11 ».


91

أقول :

لم يتقول المعترض بشيء حول هذا الكلام المنقول عن الإمام زين العابدين عليه السلام.

وفي هذه الرواية فوائد :

1 ـ إشارة إلى نزول قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) فيهم عليهم السلام.

2 ـ إشارة إلى نزول قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم رجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فيهم عليهم السلام.

3 ـ إشارة إلى نزول قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فيهم عليهم السلام.

4 ـ إشارة إلى قوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي... ».

5 ـ تصريح بانحصار « الموثوق به على إبلاغ الحجة وتأويل الحكم » فيهم.

6 ـ تصريح بانهم « الذين احتج الله بهم على عباده ولم يدع الخلق سدى من غير حجة ».

وسكوت الرجل عن هذه الرواية ـ وهو في مقام الرد ـ دليل على إقراره بصحة سندها ، ولا مناص له من قبولها والالتزام بمضامينها.

ولا يخفى أن ذكر ابن حجر المكي هذه الرواية بتفسير قوله تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) شاهد على أن المراد من « حبل الله » فيها هم الأئمة من العترة النبوية ، وهو مروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، وبه قال بعض المفسرين (1).

(1) منهم : الثعلبي الذي أشرنا إلى ترجمته قريبا ، نقل ذلك عنه جماعة منهم ابن حجر في « الصواعق ».


92

المراجعة ـ 8

* قال السيد رحمه الله :

« حيث قلنا إنه صلى الله عليه وآله وسلم قرنهم بمحكم الكتاب ، وجعلهم قدوة لأولي الألباب ، وسفن النجاة ، وأمان الأمة ، وباب حطة : إشارة إلى المأثور من هذه المضامين من السنن الصحيحة والنصوص الصريحة... »

قيل :

« نحن مع تسليمنا بصحة بعض الأخبار الواردة في مناقب عليّ ـ رضي الله عنه ـ وفي بينه ، لكننا لا نقر أن هذه الأخبار فيها حصر وجوب الاتباع لهم. ولذلك فإن تضييق مدلولات هذه الأخبار وقصرها على فئة من الصحابة دون فئة مما يأباه منطوق هذه النصوص ، فضلا عن أن صريح الكتاب والسنة وعمل الصحابة على غير ذلك. ومعلوم أن كثيرا من احتجاجات الرافضة لا تخلو من أحد خطأين : إما خطأ في الدليل ، وإما خطأ من المدلول ، وقد يجتمع فيها الخطآن معا. أما خطؤهم في الدليل فمن مثل احتجاجهم على أهل السنة بأحاديث ضعيفة وهالكة ، من أجل إقامة الحجة عليهم. وأما خطؤهم في المدلول فكاحتجاجهم بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة ليس فيها دليل على ما يثيرونه من قضايا. وقد يحتجون بأحاديث ضعيفة أو موضوعة على قضايا غير صحيحة »

أقول :

هذا كلامه ! ثم استشهد بكلام لشيخ إسلامه ابن تيمية يفيد نفس الذي


93

قاله ، فلم يأت بشيء جديد.

ومن المراد بكلمة « نحن » في أول الكلام ؟!

إن كان المراد : علماء أهل السنة المحققين الشارحين للأحاديث النبوية ، والمبينين لما تدل عليه السنة المحمدية ، والذين عليهم الاعتماد وإليهم الاستناد في هذا الباب فسننقل أقاريرهم في دلالة تلك الأخبار المعتبرة على حصر وجوب الاتباع بأمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام.

وإن كان المراد ـ من « نحن » ـ : هو المتكلم نفسه... فقد وجدنا سكوته في قبال بعض الأدلة ـ ومنها الرواية المتقدمة قريبا عن الإمام السجاد عليه السلام ـ وسكوته في هكذا مواضع إقرار.

على أنه إذا لم يقر في موضع فهو محجوج بإقرار أئمة مذهبه ، ولا أظن أن يدعي هذا الرجل كونه أعلم وأفهم للأخبار من كبار علماء طائفته !

* قال السيد :

« 3 ـ وإليك بيان ما أشرنا إليه من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أهاب في الجاهلين ، وصرخ في الغافلين ، فنادى :

* يا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ».

قال في الهامش : « أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر ، ونقله عنهما المتقي الهندي في أول باب الاعتصام بالكتاب والسنة من كنز العمال ، ص 44 من جزئه الأول ».

* « وقال صلى الله عليه وآله وسلم :

إني تركت فيكم ما إن تمسكتنم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ».


94

قال في الهامش : « أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم ، وهو الحديث 874 من أحاديث كنز العمال ، في ص44 من جزئه الأول ».

* « وقال صلى الله عليه وآله وسلم :

إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ـ أو : ما بين السماء إلى الأرض ـ وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ».

قال في الهامش : « أخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت ، بطريقين صحيحين ، أحدهما في أول صفحة 182 ، والثاني في آخر صفحة 189 من الجزء الخامس. أيضا : ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد عن ابي سعيد. وهو الحديث 945 من أحاديث الكنز ، في ص47 من جزئه الأول ».

* ـ « وقال صلى الله عليه وآهل وسلم :

إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ».

قال في الهامش : « أخرج الحاكم في ص148 من الجزء الثالث من المستدرك ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك معترفا بصحته على شرط الشيخين ».

* « وقال صلى الله عليه وآله وسلم :

إني أوشك أن أدعى فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عز وجل ، وعترتي ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ».

قال في الهامش : « أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري


95

من طريقين ، أحدهما في آخر ص 17 والثاني في آخر ص 26 من الجزء الثالث من مسنده. وأخرجه أيضا : ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد. وهو الحديث 945 من أحاديث الكنز في ص47 من جزئه الأول ».

* « ولما رجع صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم ، أمر بدوحات فقممن ، فقال :

كأني دعيت فأجبت ، وإني قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله تعالى ، وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

ثم قال : إن الله عز وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن.

ثم أخذ بيد عليّ فقال : من كنت مولاه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ». الحديث بطوله.

قال في الهامش : « أخرجه الحاكم عن زيد بن أرقم مرفوعا في صفحة 109 من الجزء الثالث من المستدرك ، ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله. وأخرجه عن طريق آخر عن زيد بن أرقم في ص 533 من الجزء الثالث من المستدرك ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

قلت : وأورده الذهبي في تلخيصه معترفا بصحته ».

* « وعن عبد الله بن حنطب ، قال : خطب رسول الله بالجحفة فقال :

ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : فإني سائلكم عن اثنين : القرآن وعترتي ».

قال في الهامش : « أخرجه الطبراني كما في الأربعين للنبهاني. وفي إحياء الميت للسيوطي.

وأنت تعلم بأن خطبته صلّى الله عليه وآله وسلّم يومئذ لم تكن مقصورة على هذه الكلمة ، فإنه لا يقال عمن اقتصر عليها : إنه خطبنا. لكن السياسة


96

كم اعتقلت ألسن المحدثين ، وحبست أقلام الكاتبين ! ومع ذلك فإن هذه القطرة من ذلك البحر ، والشذرة من ذلك البذر كافية وافية. والحمد لله ».

أقول :

أولا : إن طرق وألفاظ حديث الثقلين كثيرة ومختلفة ، مما يشهد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا الكلام في مناسبات ومواضع متعددة. وذلك لأنه كان ينتهز كل فرصة للوصية بثقليه والأمر باتباعهما والأخذ منهما. ويؤيد ذلك كلام ابن حجر المكي الذي أورده السيد.

وثانيا : إن الذين نقل عنهم السيد حديث الثقلين هم أعظم وأكبر حفاظ وأئمة أهل السنة في الحديث ، بحيث لو يكون الحديث ـ الذي اتفق على إخراجه هؤلاء ـ كذبا ، لم تجد عندهم حديثا صحيحا أبدا !

إن الذين نقل عنهم حديث الثقلين هم :

1 ـ أبوبكر ابن أبي شيبة ، وهو شيخ البخاري.

2 ـ أحمد بن حنبل ، وهو أحد الأئمة الأربعة ، وكتاب « المسند » من أوثق كتبهم الحديثية.

3 ـ محمد بن سعد ، صاحب كتاب « الطبقات الكبير » وأحد أئمة الحديث ورجال الجرح والتعديل.

4 ـ محمد بن عيسى الترمذي ، صاحب « الجامع الصحيح » أحد الصحاح الستة عندهم.

5 ـ أحمد بن شعيب النسائي ، صاحب « السنن » أحد الصحاح الستة عندهم.

6 ـ ابو يعلى الموصلي ، صاحب « المسند » وهو من أعاظم حفاظهم.

7 ـ الحاكم النيسابوري ، صاحب « المستدرك » إمام المحدثين عندهم.

8 ـ شمس الدين الذهبي ، صاحب « تلخيص المستدرك » وغيره من


97

الكتب الكثيرة والمصنفات الشهيرة ، في الحديث والرجال والسير ، والمعتمد عند المتأخرين ، في هذه الفنون ، وهو الذي طالما استند إليه أتباع ابن تيمية في المكابرة مع الشيعة.

وثالثا : إن رواة هذا الحديث من نظراء أولئك الأئمة فمن دونهم أكثر وأكثر ، بحيث لو أردنا ذكر أسماء من وقفنا على روايتهم له لضاق بنا المجال ، وقد ألفت لجمع طرقه وألفاظه كتب مفردة من علماء الشيعة والسنة ، ومن أشهر علماء القوم المؤلفين فيه : الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ـ المتوفى سنة 507 هـ ـ صاحب كتاب « الجمع بين رجال الصحيحين ».

ورابعاً : إن الذين نصوا على صحة حديث الثقلين من القدماء والمتأخرين ، أو أخرجوه في كتبهم التي التزموا فيها بالصحة من مشاهير أهل اسنة كثيرون كذلك. ونحن نكتفي بذكر بعضهم :

1 ـ إمام الأئمة ابن خزيمة ، صاحب « الصحيح ».

2 ـ الإمام الحافظ أبو عوانة الاسفرائني ، صاحب « الصحيح ».

3 ـ الحافظ المحاملي ، صاحب « الأمالي ».

4 ـ الحافظ البغوي الملقب بـ « محيي السنة » ، صاحب « مصابيح السنة ».

5 ـ الحافظ ضياء الدين المقدسي في « المختارة » الملتزم فيها بالصحة.

6 ـ الحافظ سراج الدين الفرغاني في « نصاب الأخبار » الملتزم فيه بالصحة.

7 ـ الحافظ المزي ، صاحب « تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ».

8 ـ الحافظ ابن كثير الدمشقي ، صاحب « التفسير » المعروف.

9 ـ الحافظ الهيثمي ، صاحب « مجمع الزوائد ».

10 ـ الحافظ السيوطي ، صاحب « الجامع الصغير » وغيره.

11 ـ الحافظ السخاوي ، صاحب « استجلاب ارتقاء الغرف ».


98

12 ـ الحافظ السمهودي ، صاحب « جواهر العقدين ».

وخامسا : إنه يكفي للاحتجاج سند واحد من أسانيد واحد من ألفاظه ، لكن هذا الحديث من الأحاديث المتواترة قطعا ، إذ رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من ثلاثين من صحابته ، ورواته من الأئمة والحفاظ والمحدثين عبر القرون كثيرون جدا (1).

وسادسا : إن دلالة حديث الثقلين على ما تذهب إليه الشيعة ـ وهو حصر وجوب الاتباع في الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ـ واضحة جدا على من له أدنى معرفة بألفاظ اللغة العربية وأساليبها... لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قرنهم بمحكم الكتاب العزيز ، فكما يجب الأخذ والاتباع لما في الكتاب ولا يجوز تقديم غيره عليه ، كذلك الأئمة.

ولا بأس بإيراد نصوص عبارات بعض المحققين نم أهل السنة في الاعتراف بما قلناه :

قال الحكيم الترمذي : « حض على التمسك بهم ، لأن الأمر لهم معاينة ، فهم أبعد عن المحنة » (2).

وقال النووي : « قوله صلى الله علي [ وآله ] وسلم : وأنا تارك فيكم ثقلين ، فذكر كتاب الله وأهل بيته. قال العلماء : سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما ، وقيل لثقل العمل بهما » (3).

وقال ابن الأثير : « وفيه (4) : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي ؛ سماهما ثقلين لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل. ويقال لكل شيء خطير

(1) انظر : الأجزاء الثلاثة الأولى من كتابنا الكبير « نفحات الأزهار ».

(2) نوادر الأصول. عنه شرح المواهب اللدنية 7 | 5.

(3) المنهاج في شرح صحيح مسلم 15 | 180.

(4) أي : في الحديث.


99

نفيس : ثقل ، فسماها ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما » (1).

وقال القاري : « والمراد بالأخذ بهم : التمسك بمحبتهم ، ومحافظة حرمتهم ، والعمل بروايتهم ، والاعتماد على مقالتهم » (2).

وقال شهاب الدين الخفاجي : « أي : تمسكتم وعملتم واتبعتموه » (3).

وقال المناوي : « إني تارك فيكم بعد وفاتي خليفتين. زاد في رواية : أحدهما أكبر من الآخر. وفي رواية بدل خليفتين : ثقلين ، سماهما به لعظم شأنهما : كتاب الله القرآن ، حبل ، وقيل : السبب الموصل إلى رضاه. وعترتي ـ بمثناة فوقية ـ : أهل بيتي. تفصيل بعد إجمال ، بدلا أو بيانا ، وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا » (4).

وبعد ، فلننظر إلى ما قيل في قبال الاستدلال بحديث الثقلين :

قيل :

تعليقا على الحديث الأول عن الترمذي والنسائي عن جابر :

« هذا الحديث تفرد به زيد بن الحسن الأنماطي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. والأنماطي قال فيه أبو حاتم : منكر الحديث.

واعلم أن المؤلف ـ لأمر يريده ـ تجاهل عمدا رواية مسلم التي فيها التصريح بأن أهل بيته ليسوا مقصورين على : عليّ وفاطمة والحسن والحسين.وإنما يدخل فيهم جميع آل علي ، وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس.

ثم إنه قد كرر سياق هذا الحديث الوارد في عدد من كتب الحديث ليوهم

(1) النهاية : مادة « ثقل ».

(2) المرقاة في شرح المشكاة 5 | 600.

(3) نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض 3 | 410.

(4) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 3 | 14.


100

القارئ أنها أحاديث متعددة ، لإثبات موضوع واحد. مع أنه حديث واحد روي بروايات متعددة. وأصح رواياته رواية مسلم التي لا تخدم وجهة نظرة فتجاهلها.

هذا ، ولكن حديث المؤاخاة قد رواه الترمذي وأحمد في مسنده عنا لنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أنه قال : من كنت مولاه فعلي مولاه. وأما الزيادة وهي : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه. فلا ريب أنه كذب ».

أقول :

هذا كلامه ، فنقول :

1 ـ كلمة : « التي فيها التصريح » هذا التصريح ليس من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون حجة ، بل هو من « زيد بن أرقم » لكن الرجل أبهم لكي يوهم القارئ (1) !

2 ـ كلمة : « الوارد في عدد من كتب الحديث » وحق الكلمة : « الوارد في أكثر كتب الحديث بما فيها الصحاح والمسانيد ».

3 ـ قوله : « لكن حديث المؤاخاة » تبع في تسمية حديث : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » بـ « حديث المؤاخاة » بعض أسلافه ، فقد وجدت في كلام الذهبي : « وعملت الرافضة عيد الغدير ، يعني يوم المؤاخاة... » (2) ولعلهم يريدون أن هذا الحديث لا يفيد إلا « المؤاخاة » !!

4 ـ جملة : « اللهم وال من والاه... » سيظهر أنها ليست بكذب ، وأن

(1) وأيضا : لكيلا يراجع القارئ نص الكلام في مصادره المعتمدة ، ففي ( صحيح مسلم ) وغيره أنه سئل : نساؤه من أهل بيته ؟ قال : « لا ، وأيم الله ، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها » فزوجات النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لسن من « أهل البيت » عند « زيد بن أرقم » !!

(2) سير أعلام النبلاء 15 | 129.


101

رميها بذلك هو الكذب.

5 ـ لم يكرر السيد سياق هذا الحديث ، وإنما تكرر صدوره عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أذعن بذلك جماعة ممن تقدم منهم وتأخر ، كصاحب « الصواعق » ابن حجر...

فالإشكال الذي يستحق النظ فيه ـ لكونه في الظاهر علميا ـ هو الإشكال السندي بالنسبة إلى الحديث الأول... فنقول :

أولا : يكفينا الأحاديث الأخرى التي سلم بصحتها.

وثانيا : إن الحديث الذي ناقش في سنده من أحاديث « الجامع الصحيح » للترمذي ، و« السنن » للنسائي.. وهذان الكتابان من الصحاج الستة عندهم.

وثالثا : إنه لم يناقش في سنده إلا من جهة ( زيد بن الحسن الأنماطي ) واستنادا إلى كلمة أبي حاتم. لكن هذه المناقشة مردودة :

قال ابن حجر : « ت ـ الترمذي. زيد بن الحسن القرشي أبو الحسن الكوفي ، صاحب الأنماط. روى عن : جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ومعروف بن خربوذ ، وعلي بن المبارك الهنائي.

وعنه : إسحاق بن راهوية ، وسعيد بن سليمان الواسطي ، وعلي بن المديني ، ونصر بن عبد الرحمن الوشاء ، ونصر بن مزاحم.

قال أبو حاتم : كوفي قدم بغداد ، منكر الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الترمذي حديثا واحدا في الحج » (1).

فقد ذكر ابن حج أسماء جماعة من الأئمة رووا عن زيد بن الحسن ، وأن ابن حبان ذكره في الثقات.

ويبقى قول أبي حاتم « منكر الحديث » وهو غير مسموع :

(1) تهذيب التهذيب 3 | 350.


102

أما أولا : فلأنه لو كان منكر الحديث لما أخرج عنه هؤلاء كابن راهويه وابن المديني وسعيد بن سليمان والترمذي.

وأما ثانيا : فلأن « أبا حاتم » متعنت في الرجال ، ولا يبنى على تجريحه ، كما نص عليه الحافظ الذهبي بترجمته إذ قال :

« إذا وثق أبو حاتم رجلا فتمسك بقوله ، فإنه لا يوثق إلا رجلا صحيح الحديث. وإذا لين رجلا أو قال فيه : لايحتج به ، فلا ، توقف حتى ترى ما قال غيره فيه ، وإن وثقه أحد فلا تبن على تجريح أبي حاتم ، فإنه متعنت في الرجال ، قد قال في طائفةٍ من رجال الصحاح : ليس بحجة ، ليس بقوي ، أو نحو ذلك » (1).

تنبيه :

قد توهم هذا الرجل أن حديث الثقلين في ( صحيح مسلم ) لا يدل على ما تذهب إليه الشيعة الإمامية من وجوب اتباع أهل البيت والتمسك بهم والأخذ عنهم...

وقد سبقه في هذا التوهم غيره ، قال الدكتور عليّ أحمد السالوس : « فرق كبير بين التذكير بأهل البيت والتمسك بهم. فالعطف على الصغير ، ورعاية اليتيم ، والأخذ بيد الجاهل ، غير الأخذ من العالم العابد العامل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ».

وقد دفعنا هذا الوهم في ردنا على الدكتور المذكور ، وبينا عدم الفرق بين رواية مسلم ورواية أحمد والترمذي وغيرهما ، فالحديث هو الحديث ، والمدلول واحد ، والنتيجة واحدة... فراجعه بالتفصيل (2).

(1) سير أعلام النبلاء 13 | 247.

(2) حديث الثقلين.. تواتره ، فقهه كما في كتب السنة ـ ط 1413 هـ.


103

* قال السيد :

في هامش الحديث الأخير من أحاديث الثقلين التي استدل بها : « وأنت تعلم... » وقد تقدمت عبارته.

فقيل :

« إن المؤلف لا يكفيه أن يبنى قصورا على أوهام ، ولا أن يستشهد بالباطل على ما يريد ، بل يذهب أبعد من ذلك ، فيتخرّص ـ رجما بالغيب ـ ويتهم نقلة الأحاديث ورواتها من أهل السنة : بأنهم خانوا الأمانة ، واختصروا كثيرا من رواياتهم ، خوفا من حاكم. ويقصد أنهم زوروا الحقائق ، وحذفوا ما يتعلق بالوصية لعلي بالخلافة ! وكأنه مقر ـ في قرارة نفسه ـ أن كل ما يستشهد به على هذه القضية لا يكفي ولا يشفي غليلا ، فمشى خطوة أخرى فيما وراء النصوص ، وهي مكذوبة ، وتقوّل من غير دليل ، واتهم من غير حجة ، وادعى أن هذه النصوص حدف أكثرها ، وألصقها تعلقا بالمسألة !! ».

أقول :

أما السب فلا نقابله فيه بالمثل !

والحق معا السيد ـ رحمه الله ـ فيما قال ، لأن المستفاد من تتبع ألفاظه حديث الغدير في كتب أهل السنة ـ ويساعده الاعتبار وشواهد الأحوال ـ هو أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد خطبهم ـ :

ففي « المسند » : « فخطبنا » (1).

وفي « المستدرك على الصحيحين » : « قام خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ،

(1) مسند أحمد 4 | 372.


104

وذكّر ووعظ ، فقال ما شاء الله أن يقول » (1).

وفي « مجمع الزوائد » : « فوالله ما من شيء يكون إلى يوم الساعة إلا قد أخبرنا به يومئذ. ثم قال : أيها الناس... » (2).

فأين النص الكامل لتلك الخطبة ؟!

ولماذا لم يرووا مواعظ الرسول وإرشاداته ؟!

وإذا كان قد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بكل شيء يكون إلى يوم الساعة ، وبيّن وظيفة الأمة ، فما الذي حملهم على إخفائه عن الأمة ؟!

لقد حرموا الأمة من هدي الرسول وتعاليمه وإرشاداته ، بدلا من أن ينقلوها ويكونوا دعاة إليها وناشرين لها...

وإن الذي حملهم على كتم كثير من الحقائق ! وإن الذي منعهم من نقلها هو نفس ما منعهم من أن يقرّبوا إليه دواة وقرطاسا ليكتب للأمة كتابا لن يضلوا بعده !

* قال السيّد :

« 4 ـ والصحاح الحاكمة بوجوب التمسك بالثقلين متواترة ، وطرقها عن بضع وعشرين صحابيا متضافرة ، وقد صدع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف له شتى : تارة يوم غدير خم كما سمعت ، وتارة يوم عرفة في حجة الوداع ، وتارة بعد انصرافه من الطائف ، ومرة على منبره في المدينة ، وأخرى في حجرته المباركة في مرضه والحجرة غاصة بأصحابه ، إذ قال : أيها الناس يوشك أن أقبض... ».

قال في الهامش : « راجعه في أواخر الفصل 2 من الباب 9 من الصواعق

(1) المستدرك على الصحيحين 3 | 109.

(2) مجمع الزوائد 9 | 105 وقد وثق رجاله.


105

المحرقة لابن حجر ، بعد الأربعين حديثا من الأحاديث المذكورة في ذلك الفصل ، ص 75 ».

قيل :

« يكفي أن يعلم أن هذا الذي ساقه على أنه قاله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في مرضه والحجرة غاصة بأصحابه ، ليس في كتاب من كتب الحديث المعتبرة ، وقد أورده من غير سند ، فالاحتجاج به ساقط حتى تثبت قضيتان : سنده أولا ، ثم صدق هذا السند. وهيهات له أن يثبت هاتين القضيتين ، وليس ذكره لكتاب الصواعق لابن حجر المكي بمصحح هذا الحديث ، ولا بدليل على صحة الاحتجاج به. فابن حجر هذا ليس من علماء الحديث ، ولا له في هذه الصناعة باع ولا ذراع. ومن تأمل كتابه ( الصواعق ) وما حشاه به من الاحاديث الضعيفة والموضوعة يتيقن أن كتابه لا يأبه به إلا أمثال المؤلف وبني جلدته. على أن ابن حجر لم يسلم حتى من هجوم المؤلف عبد الحسين ، وجازاه جزاء سنمار ».

أقول :

عدم اعتراضه إلا على حديث صدوره في مرضه في الحجرة ، ظاهر في موافقته على صدور حديث الثقلين يوم غدير خم ، ويوم عرفة في حجة الوداع ، وبعد انصرافه من الطائف ، وعلى منبره في المدينة ، ووجود ذلك في كتب الحديث المعتبرة ، وعليه يكون موافقا على صدور الحديث في مواقف متعددة ، فيناقض إنكاره ذلك في كلماته السابقة.

وأما رواية أنه قاله في مرض موته فقد جاء في « الصواعق » بعدما روى الحديث بعد انصرافه من الطائف عن ابن أبي شيبة : « وفي رواية... ».

فابن حجر لم يعز هذا الحديث إلى كتاب ، لكن بالتأمل في كلامه يظهر


106

تصحيحه له ، لأنه بعدما أورد الحديث السابق عن ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : « وفيه رجل اختلف في تضعيفه ، وبقية رجاله ثقات » (1). ثم أرود هذا الحديث ولم يتكلم على سنده بشيء... ونحن تكفينا رواية ابن حجر لهذا الحديث لا سيما مع سكوته عن سنده ، لأنه من كبار علماء أهل السنة المدافعين عن الخلفاء ومعاوية وحكومة الطلقاء ، كما لا يخفى على من راجع « الصواعق » و« تطهير الجنان » وغيرهما مما كتبه في هذا الشأن.

ومع ذلك... نذكر واحدا من رواة هذا الحديث ، المتقدمين على ابن حجر المكي... ألا وهو الحافظ السمهودي (2) ، فإنه نص على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك في مرضه الذي قبض فيه وقد امتلأت الحجرة من أصحابه ، كما في رواية لأم سلمة.

ولا بأس بنقل متن عبارته في التنبيه الخامس من تنبيهات حديث الثقلين :

« خامسها : قد تضمنت الأحاديث المتقدمة الحث البليغ على التمسك بأهل البيت النبوي وحفظهم واحترامهم والوصية بهم ، لقيامه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بذلك خطيبا يوم غدير خم ، كما في أكثر الروايات المتقدمة ، مع ذكره لذلك في خطبته يوم عرفة على ناقته ، كما في رواية الترمذي عن جابر ، وفي خطبته لما قام خطيبا بعد انصرافه من حصار الطائف ، كما في رواية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وفي مرضه الذي قبض فيه وقد امتلأت

(1) الصواعق المحرقة : 75.

(2) هو : الحافظ نور الدين عليّ بن عبد الله سمهودي ، المتوفى سنة 911 هـ.

قال الحافظ السخاوي بترجمته بعد كلام له : « وبالجملة ، فهو إنسان فاضل متفنن متميز في الفقه والأصلين ، مديم للعمل والجمع والتأليف ، متوجه للعبادة وللمباحثة والمناظرة ، قوي الجلادة على ذلك ، طلق العبارة فيه ، مغرم به ، مع قوة نفس وتكلف ، خصوصا في مناقشات لشيخنا في الحديث ونحوه ». الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 5 | 245


107

الحجرة من أصحابه ، كما في رواية لأم سلمة.

بل سبق قول ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : انظروا كيف تخلفوني فيهما.

وقوله : ألا وإني سائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي.

وقوله : ناصرهما لي ناصر وخاذلهما لي خاذل.

و : أوصيكم بعترتي خيرا.

و : أذكركم الله في أهل بيتي.

على اختلاف الألفاظ في الروايات المتقدمة.

مع قوله ـ في رواية عبد الله بن زيد عن أبيه ـ : فمن لم يخلفني فيهم بتر عمره ، وورد عليّ يوم القيامة مسودا وجهه.

وفي الحديث الآخر : فإني أخاصمكم عنهم غدا ، ومن أكن خصيمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النار.

وفي الآخر : من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا.

مع ما اشتملت عليه ألفاظ الأحاديث المتقدمة على اختلاف طرقها ، وما سبق فيما أوصى به أمته وأهل بيته.

فأي حث أبلغ من هذا وآكد منه ؟!

فجزى الله تعالى نبيه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عن أمته وأهل بيته أفضل ما جزى أحدا من أنبيائه ورسله عليهم السلام » (1).

* قال السيد :

« 5 ـ على أن المفهوم من قوله : ( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن

(1) جواهر العقدين ق2 ج1 | 115 ـ 116


108

تضلوا : كتاب الله وعترتي ) : إنما هو ضلال من لم يتمسك بهما معا كما لا يخفى.

ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث الثقلين عند الطبراني ـ : ( فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ).

قال ابن حجر : وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم : دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدما على غيره » إلى آخر كلامه.

قيل :

في الاعتراض على الحديث عن الطبراني :

« هذا جزء من حديث رواه الطبراني عن زيد بن أرقم. وفي هذا السند : حكيم بن جبير. وهو ضعيف. ورمي بالتشيع كما قال المباركفوري. مجمع الزوائد 9 | 163.

على أن هذا الحديث ـ لو صح ـ فإن دلالته تشمل بني هاشم جميعا وهم عشيرته صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، لا أبناء عليّ وفاطمة فقط.

ومع غض النظر عن مناقشة ابن حجر المكي فيما استنبطه من حكم من هذا الحديث الضعيف ، هل يصح هذا الحديث دليلا على هذا الحكم ؟ ثم أليس في هذا الدليل على عدم أصالة آراء ابن حجر وضعفه الفاضح في الحديث واستنباطه الأحكام ؟ ».

أقول :

* أما المفهوم من حديث الثقلين ـ كما ذكره السيد ـ فلا ينكره أحد.


109

* وأما الحديث المؤيد فهذا سنده :

« حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا جعفر بن حميد (ح) حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا النضر بن سعيد أبو صهيب ، قالا ثنا عبد الله بكير ، عن حكيم بن جبير ، عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم ، قال : نزل النبي صلى الله عليه [ وآله ] » وسلم يوم الجحفة. ثم أقبل على الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :

إني لا أجد لنبي إلا نصف عمر الذي قبله ، وإني يوشك أن أدعى فأجيب ، فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نصحت. قال : أليس تشهدون أن لا إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الجنة حق والنار حق وأن البعث بعد الموت حق ؟ قالوا : نشهد. قال : فرفع يديه فوضعهما على صدره ثم قال : وأنا أشهد معكم. ثم قال : ألا تسمعون ؟ قالوا : نعم. قال :

فإني فرطكم على الحوض ، وأنتم واردون عليّ الحوض ، وإن عرضه أبعد ما بين صنعاء وبصرى ، فيه أقداح عدد النجوم من فضة ، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين.

فنادى مناد : وما الثقلان يا رسول الله ؟

قال : كتاب الله طرف بيد الله [ عز وجل ] وطرف بأيديكم ، فاستمسكوا به لا تضلوا ؛ والآخر عترتي ، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض ، وسألت ذلك لهما ربي.

فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولاتعلّموهم فإنهم أعلم منكم.

ثم أخذ بيد عليّ ـ رضي الله عنه ـ فقال : من كنت أولى به من نفسه فعليّ وليه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه » (1).

(1) المعجم الكبير 5 | 166 ـ 167.


110

وهذا الحديث رواه الحافظ السيوطي بتفسير قوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) (1).

وكذا الشيخ المتقي الهندي (2).

وقد روى الشيخ المتقي الهندي قبل ذلك هذا الحديث عن الطبراني عن زيد بن ثابت ، قال :

« إني لكم فرط ، إنكم واردون عليّ الحوض ، عرضه ما بين صنعاء إلى بصرى ، فيه عدد الكواكب من قدحان الذهب والفضة ، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين ؟

قيل : وما الثقلان يا رسول الله ؟

قال : الأكبر كتاب الله ، سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسكوا به لن تزلوا ولا تضلوا ؛ والأصغر عترتي ، وإنهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض ؛ وسألت لهما ذلك ربي ، ولا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهما فإنهما أعلم منكم.

طب عن زيد بن ثابت » (3).

ألا يليق هذا الحديث المروي في هذه الكتب ، عن اثنين من مشاهير الأصحاب ، لأن يكون « مؤيدا » ؟!

* ثم إن الحديث عن زيد بن أرقم لم يناقش في سنده إلا من جهة « حكيم بن جبير ».. وقد راجعنا ترجمته في « تهذيب التهذيب » (4) فوجدناه من رجال أربعة من الصحاح الستة ، وإن من الرواة عنه :

« الأعمش ، والسفيانان ، وزائدة ، وفطر بن خليفة ، وشعبة ، وشريك ،

(1) الدر المنثور 2 | 60.

(2) كنز العمال 1 | رقم 957.

(3) كنز العمّال 1 | رقم 946.

(4) تهذيب التهذيب 2 | 383.


111

وعلي بن صالح ، وجماعة ».. « وقال الفلاس : كان يحيى يحدث عنه ».

ثم إنّ السبب في تضعيف بعضهم إياه هو « التشيع » ليس إلا :

« قال ابن أبي حاتم : سألت أبا زرعة عنه فقال : في رأيه شيء. قلت : ما محله ؟ قال : الصدق إن شاء الله ».

وقد تقدم ـ ويأتي ـ أن « التشيع » غير قادح.

* وأما دعوى أن الحديث يشمل بني هاشم كلهم ، فجهل أو تجاهل لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن التقدم على « عترته » وعن تعليمهم ، ويعلل ذلك : بأنهم أعلم منكم ، وكيف يشمل هذا جميع بني هاشم ؟!

وليت الرجل راجع كلمات شراح الحديث من أبناء مذهبه ! فإن الذي قاله ابن حجر المكي قد نص عليه غير واحد من أعلام الحديث والعلماء الحفاظ :

قال القاري في شرح المشكاة : « أقول : والأظهر هو أن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله. فالمراد بهم أهل العلم منهم ، المطلعون على سيرته ، الواقفون على طريقته ، العارفون بحكمه وحكمته. وبهذا يصلح أن يكونوا مقابلا لكتاب الله سبحانه كما قال : ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ). ويؤيده ما أخرجه أحمد في المناقب ، عن حميد بن عبدالله بن زيد : أن النبي صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم ذكر عنده قضاء قضى به علي بن أبي طالب فأعجبه وقال ك الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت... » (1).

وقا المناوي : « وعترتي أهل بيتي. تفصيل بعد إجمال ، بدلا أو بيانا. وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا » (2).

(1) المرقاة في شرح المشكاة 5 | 600.

(2) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 3 | 14.


112

وقال عبد الحق الهندي : « والعترة رهط الرجل وأقرباؤه وعشيرته الأدنون ، وفسره صلى الله عليه [ وآله ] بقوله : وأهل بيتي ، للإشارة إلى أن مراده هنا من العترة : أخص عشيرته وأقاربه. وهم أولاد الجد القريب. أي : أولاده وذريته صلى الله عليه [ وآله ] وسلم » (1).

وقال السمهودي : « الذين وقع الحث على التمسك بهم من أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة : هم العلماء بكتاب الله عز وجل ، إذ لا يحث صلى الله عليه [ وآله ] وسلم على التمسك بغيرهم ، وهم الذين لا يقع بينهم وبين الكتاب افتراق ، حتى يردا الحوض. ولهذا قال : لا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا » (2).

* وأما الحكم الذي استنبطه ابن حجر من الحديث ـ والذي لأجله تهجم عليه هذا الرجل ـ فهو موجود كذلك في كلام غير ابن حجر من أئمة الحديث :

ففي « جواهر العقدين » و« شرح المواهب اللدنية » و« فيض القدير » : « أن ذلك يفهم وجود من يكون أهلا للتمسك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كل زمان وجدوا فيه إلى قيام الساعة ، حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به ، كما أن الكتاب العزيز كذلك. ولهذا كانوا ـ كما سيأتي ـ أمانا لأهل الأرض ، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض » (3).

(1) أشعة اللمعات في شرح المشكاة 4 | 681.

(2) جواهر العقدين ق2 ج1 | 93.

(3) جواهر العقدين ق2 ج1 | 94 ، فيض القدير 3 | 15 ، شرح المواهب اللدنية 7 | 8.


113

حديث السفينة

قال السيد :

« 6 ـ ومما يأخذ بالأعناق إلى أهل البيت ويضطر المؤمن إلى الانقطاع في الدين إليهم : قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ».

قال في الهامش : « أخرجه الحاكم بالأسناد إلى أبي ذر ، ص151 من الجزء الثالث من المستدرك ».

* « وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل ، من دخله غفر له ».

قال في الهامش : « أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد ، وهذا هو الحديث 18 من الأربعين ، الخامسة والعشرين من الأربعين أربعين للنبهاني ، ص 261 من كتابه الأربعين أربعين حديثا ».

أقول :

أولا : لقد اقتصر السيد ـ رحمه الله ـ على هذين الفظين من ألفاظ حديث السفينة ، عن الحاكم النيسابوري والحافظ الطبراني ، بالإسناد إلى إثنين من الصحابة ، هما : أبوذر الغفاري ، وأبوسعيد الخدري. وهذا كاف للاحتجاج ، لكون الحاكم الطبراني من أكبر أئمة الحديث عند القوم.

وثانيا : حديث السفينة مروي في كتب القوم بالطرق الكثيرة عن عدة من الصحابة غير من ذكر ، وهم :

1 ـ أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام.


114

2 ـ عبد الله بن عباس.

3 ـ أبو الطفيل عامر بن واثلة.

4 ـ أنس بن مالك.

5 ـ عبد الله بن زبير.

6 ـ سلمة بن الأكوع.

وثالثا : إن رواة حديث السفينة من كبار الأئمة والحفاظ المشاهير كثيرون ، ومن أشهرهم :

1 ـ أحمد بن حنبل ، إمام الحنابلة (1).

2 ـ مسلم بن الحجاج ، صاحب الكتاب « الصحيح » عندهم.

3 ـ أحمد بن عبد الخالق البزار ، في « المسند ».

4 ـ أبو بكر الخطيب البغدادي ، في « تاريخ بغداد ».

5 ـ الفخر الرازي ، في « تفسيره » الكبير ، بتفسير آية المودة.

6 ـ شمس الدين الذهبي ، في « الميزان » بترجمة : الحسن بن أبي جعفر الجفري.

7 ـ ابن حجر العسقلاني ، في « المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية».

ورابعا : إن من أعلام القوم من ينص على صحة الحديث ، أو يعترف بتعدد طرقه وأن بعضها يقوي بعضا ، وإليك عبارات بعضهم :

1 ـ قال الحاكم النيسابوري بعد أن أخرجه : « هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ».

2 ـ وقال ابن حجر المكي : « وجاء من طرق عديدة يقوّي بعضها بعضا :

(1) انظر : مشكاة المصابيح 3 | 1742 ، تاريخ الخلفاء : 573.


115

إنما مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا. وفي رواية مسلم (1) : ومن تخلف عنها غرق. وفي رواية : هلك. وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل ، من دخله غفر له الذنوب » (2).

3 ـ وقال شمس الدين السخاوي : « وبعض هذه الطرق يقوّي بعضا » (3).

4 ـ وقال جلال الدين السيوطي : « أخرجه الحاكم وهو صحيح » (4) وقال : « رواه البزار وأبو يعلى في مسنديهما ، والطبراني في الأوسط ، والحاكم وصححه » (5).

5 ـ ابن حجر المكي في « شرح الهمزية للبوصيري » بشرح قوله :

آل بيت النبي طبتم وطاب الـ * ـمدح لي فيكم وطاب الثناء

قال : « وصح حديث : إن مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ».

6 ـ وقال العيدروس اليمني : « وصح حديث : إن مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها هلك » (6).

7 ـ وقال السيد أحمد زيني دحلان : « وصح عنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم من طرق كثيرة أنه قال : إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ـ وفي رواية : هلك ـ ومثل أهل بيتي فيكم

(1) هذه الكلمة حرفوها إلى « سلم » كما حرفوا صحيح مسلم بإسقاط الحديث ! والشاهد بما ذكرنا هو أن الشيخ الجهرمي ذكر الكلمة كذلك : « وفي رواية مسلم » في ترجمته الحديث في كتابه « البراهين القاطعة في ترجمة الصواعق المحرقة » إلى الفارسية.

(2) الصواعق المحرقة : 140.

(3) استجلاب ارتقاء الغرف ـ مخطوط.

(4) نهاية الإفضال في مناقب الآل ـ مخطوط.

(5) الأساس في مناقب بني العباس ـ مخطوط.

(6) العقد النبوي والسر المصطفوي ـ مخطوط.


116

كمثل باب حطة في بني إسرائيل ، من دخله غفر له » (1).

8 ـ وقال الشيخ محمد بن يوسف التونسي المالكي ، المعرف بالكافي : « روى البزار عن ابن عباس ، وأبو داود عن ابن زبير ، والحاكم عن أبي ذر ـ بسند حسن ـ : مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ».

وقال بعد كلام له : « ويدل على ذلك : الحديث المشهور المتفق على نقله : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق.

وهو حديث نقله الفريقان وصححه القبيلان ، لا يمكن لطاعن أن يطعن عليه ، وأمثاله في الأحاديث كثيرة » (2).

وخامسا : وقد بلغ هذا الحديث من الثبوت مبلغا جعل كبار علماء اللغة من أهل السنة يوردونه في كتبهم ، ويستشهدون بألفاظه على المعاني اللغوية :

قال ابن الأثير « زخ : فيه (3) : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من تخلف عنها زخ به في النار. أي : دفع ورمي ، يقال : زخه يزخه زخا » (4).

وقال ابن منظور : « وفي الحديث : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من تخلف عنها زخ في النار. أي : دفع ورمي. يقال زخه يزخه زخا » (5).

وقال الزبيدي : « وفي حديث : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من تخلف عنها زخ به في النار. أي دفع ورمي » (6).

(1) الفضل المبين في فضائل الخلفاء الراشدين وأهل البيت الطاهرين. ط هامش السيرة الدحلانية. باب ذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام.

(2) السيف اليماني المسلول في عنق من يطعن في أصحاب الرسول : 9.

(3) النهاية : مادة « زخ ».

(4) أي : في الحديث.

(5) لسان العرب : مادة « زخ ».

(6) تاج العروس في شرح القاموس : مادة « زخ ».


117

وسادسا : لقد ذكر كبار المحققين من علماء الحديث عند القوم ، الشارحون للسنة الكريمة والأقوال النبوية في معن حديث السفينة ، عبارات فيها الاعتراف الصريح بدلالته على ما تذهب إليه الشيعة الإمامية ، ولا بأس بذكر بعض تلك العبارات :

قال الطيبي بشرح الحديث عن أبي ذر الغفاري : « قوله : وهو آخذ باب الكعبة. أراد الراوي بهذا مزيد توكيد لإثبات هذا ، وكذا أبوذر اهتم بشأن روايته ، فأورده في هذا المقام على رؤوس الأنام ليتمسكوا به. وفي رواية له بقوله : من عرفني فأنا من قد عرفني ، ومن أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : ألا : إن مثل أهل بيتي... الحديث. أراد بقوله : فأنا أبوذر ، المشهور بصدق اللهجة وثقة الرواية ، وأنه هذا حديث صحيح لا مجال للرد فيه. وهذا تلميح إلى ما روينا عن عبد الله ين عمرو بن العاص يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء ، أصدق من أبي ذر. وفي رواية أبي ذر : من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبه عيسى بن مريم ، فقال عمر بن الخطاب ـ كالحاسد ! ـ : يا رسول الله أفتعرف ذلك ؟! قال : ذلك فارفوه. أخرجه الترمذي وحسنه الصغاني في كشف الحجاب.

شبة الدنيا بما فيها من الكفر والضلالات ، والبدع والأهواء الزائغة ، ببحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، ظلمات بعضها فوق بعض ، وقد أحاط بأكنافه وأطرافه الأرض كلها ، وليس فيه خلاص ومناص إلا تلك السفينة ، وهي : محبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم » (1).

وقال القاري بمثل كلمات الطيبي واستشهد بها (2).

(1) الكاشف ـ مخطوط.

(2) المرقاة في شرح المشكاة 5 | 610.


118

وقال السمهودي : « قوله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه. الحديث. ووجهه : إن النجاة ثبت لأهل السفينة من قوم نوح عليه السلام... ومحصلة : الحث على التعلق بحبلهم وحبهم وإعظامهم شكرا لنعمة مشرفهم صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، والأخذ بهدي علمائهم ومحاسن أخلاقهم وشيمهم. فمن أخذ بذلك نجا بمن ظلمات المخالفة ، وأدى شكر النعمة الوافرة ، ومن تخلف عنه غرق في بحار الكفران وتيّار الطغيان ، فاستوجب النيران » (1).

وقال المناوي [ إن مثل أهل بيتي ] فاطمة وعليّ وابنيهما ، وبينهما اهل العدل والديانة [ فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبهانجا ، ومن تخلف عنها هلك ] وجه التشبيه : أن النجاة ثبت لأهل السفينة من قوم نوح ، فأثبت المصطفى صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لأمته بالتمسك بأهل بيته النجاة ، وجعلهم وصلة إليها. ومحصوله : الحث على التعلق بحبهم وحبلهم وإعظامهم شكرا لنعمة مشرفهم ، والأخذ بهدي علمائهم ، فمن أخذ بذلك نجا من ظلمات المخالفة ، وأدى شكر النعمة المترادفة. ومن تخلف عنه غرق في بحار الكفران وتيار الطغيان ، فاستحق النيران ، لما أن بغضهم يوجب النار كما جاء في عدة أخبار ، كيف وهم أبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى ، الذين احتج الله بهم على عباده ، وهم فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة ، الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم ، وبرأهم من الآفات ، وافترض مودتهم في كثير من الآيات ، وهم العروة الوثقى ، ومعدن التقى.

واعلم أن المراد بأهل بيته في هذا المقام العلماء منهم ، اذ لا يحث على التمسك بغيرهم وهم الذين لا يفارقون الكتاب والسنة حتى يردوا معه على الحوض » (2).

(1) جواهر العقدين ق2 ج1 | 126.

(2) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير 2 | 519.


119

وقال ابن حجر المكي مثل ذلك ، وقد أورده السيد ـ رحمه الله ـ عبارته في المتن.

قيل :

« رواه الحاكم في المستدرك 3 | 151 عن أبي ذر. وفي سنده : مفضل ابن صالح ، وهو منكر الحديث كما قال البخاري وغيره. وضعفه المناوي في فتح القدير (1). وقال ابن عدي : أنكر ما رأيت له حديث الحسن بن علي ، وسائره أرجو أن يكون مستقيما. وقال الذهبي في الميزان : وحديث سفينة نوح أنكر وأنكر.

ومن رواته أيضا : سويد بن سعيد ، قال البخاري : هو منكر الحديث ويحيى بن معين كذبه وسبه. قال أبو داود : وسمعت يحيى يقول : هو حلال الدم. وقال الحاكم : ويقال إن يحيى لما ذكر له هذا الحديث قال : لو كان لي فرس ورمح غزوت سويدا.

وأما حنش فقد وثقه أبو داود ، وقال أبو حاتم : صالح ، لا أراهم يحتجون به ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وقا البخاري : يتكلمون في حدثه ، وقال ابن حبان : لا يحتج به ، ينفرد عن علي بأشياء ، ولا يشبه حديثه حديث الثقات.

وروي الحديث من طريق أخرى فيها ضعيفان :

الحسن بن أبي جعفر الجفري. وعلي بن زيد بن جدعان.

أما الحسن بن أبي جعفر ، فقد قال فيه الفلاس : صدوق منكر الحديث. وقال ابن المديني : ضعيف ضفيف ، وضعفه أحمد والنسائي ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال مسلم بن إبراهيم ـ وهو تلميذه ـ : كان من خيار الناس رحمه الله ، وقال يحيى بن معين : ليس بشيء.

(1) كذا. والصحيح : فيض القدير.


120

ثم ذكر له الذهبي أحاديث منكرة فيها هذا الحديث ، ثم قال : قال ابن عدي : هو عندي ممن لا يتعمد الكذب. وقال ابن حبان : كان الجفري من المتعبدين المجابين الدعوة ، ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث فلا يحتج به. [ الميزان ].

وأما علي بن زيد بن جدعان ، فقال الذهبي : اختلفوا فيه. ثم ذكر من وثقه ثم قال : وقال شعبة : حدثنا علي بن زيد ( وكان رفاعا ، أي : كان يخطئ فيرفع الحديث الموقوف ) وقال مرة : حدثنا علي قبل أن يختلط ، وكان ابن عيينة يضعفه ، وقال حماد بن زيد : أخبرنا ابن زيد وكان يقلب الأحاديث.

وقال الفلاس : كان يحيى القطان يتقي الحديث عن علي بمن زيد.

وروي عن يزيد بن زريع قال : كان علي بن زيد رافضيا.

وقال أحمد العجلي : كان يتشيع وليس بالقوي.

وقال البخاري وأبو حاتم : لا يحتج به.

فهل ـ يا ترى ـ يصلح مثل هذا الحديث الهالك أن يأخذ بالأعناق ؟!! »

أقول :

أولا : إنه يكفي لاستدلال الشيعة بهذا الحديث كونه مخرجا في كتب أهل السنة ، من السنن والمسانيد والمجاميع الحديثية الشهيرة ، وبطرق متكثرة ، عن عدة من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو ـ كما قال الشيخ الكافي المالكي ـ : « حديث مشهور متفق على نقله » و« نقله الفريقان وصححه القبيلان » و« لا يمكن لطاعن أن يطعن عليه ».

وثانيا : إنه يكفي للاحتجاج تصحيح الحاكم وعدة من مشاهير الأئمة وقول آخرين : حديث مروي بطرق عديدة يقوي بعضها بعضا.

وثالثا : ظاهر كلام الرجل انحصار طرق هذا الحديث بما ذكره وخدش فيه. والحال أن طرقه كثيرة جدا كما اعترف بذلك غير واحد منهم.


121

ورابعا : إنه قد ورد بطرق ليس فيها أحد من الرواة الذين حاول تضعيفهم.. ومن ذلك :

رواية البزار في ( مسنده ) عن عبد الله بن الزبير.

ورواية الخطيب البغدادي في ( تاريخه ) عن أنس.

ورواية الدولابي بالإسناد عن أبي الطفيل عامر بن واثلة... (1).

ورواية أبي عبدالله القضاعي الأندلسي ، الشهير بابن الأبار ، في ( معجمه ) بالإسناد عن زاذان عن أبي ذر... (2).

وخامسا : إنه يشهد بصحة حديث السفينة روايات أخرى :

كالذي أخرجه ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : « إنما مثلنا في هذه الأمة كسفينة نوح ، وكباب حطة في بني إسرائيل » (4).

وسادسا : لقد أخرج الحاكم هذا الحديث بطريقين (5) :

أحدهما : « أخبرني ميمون بن إسحاق الهاشمي ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ، ثنا يونس بن بكير ، ثنا المفضل بن صالح ، عن أبي إسحاق ، عن حنش الكناني ، قال : سمعت أبا ذر يقول ـ وهو آخذ بباب الكعبة ـ : أيها الناس ، من عرفني فأنا من عرفتم ، ومن أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت رسول الله

(1) الكنى والأسماء 1 | 76.

(2) المعجم ـ لابن الأدبار ـ : 87 ـ 89.

(3) الدر المنثور 1 | 71 ـ 72.

(4) كنز العمال 2 | 277.

(5) ويلاحظ أنه يصحح أحدهما على شرط مسلم ، ويسكت عن الآخر ، وهذا مما يدل على دقة الحاكم وتثبته في الحديث ، وأنه لم يكن متساهلا في كتابه ـ كما يدعي بعض القوم ـ.


122

صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق.

وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه » (1).

والثاني : « أخبرني أحمد بن جعفر بن حمدان الزاهد ببغداد ، حدثنا العباس بن إبراهيم القراطيسي ، ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، ثنا مفضل ابن صالح ، عن أبي اسحاق ، عن حنش الكناني ، قال : سمعت أبا ذر ـ وهو آخذ باب الكعبة ـ : من عرفني فأنا نم عرفني ، ومن أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، ومثل حطة لبني إسرائيل » (2).

والحافظ الذهبي ـ وهو من أتباع ابن تيمية و إمام أتباعه ـ لم يخدش في السندين إلا من جهة « المفضل بن صالح ». فقد جاء في « تلخيص المستدرك » في آخر الحديث الأول :

« م. قلت : مفضل خرّج له الترمذي فقط. ضعفوه » (3).

وفي آخر الحديث الثاني :

« صحيح. قلت : مفضل واه » (4).

لكن صاحبنا أضاف التكلم في « حنش الكناني » التابعي المشهور ، وكأنه أشد تعصبا من الذهبي !!

وسابعا : إن المفضل بن صالح ـ الذي ضعفه الذهبي ـ من رجال الترمذي كما اعترف...

(1) المستدرك على الصحيحين 2 | 343.

(2) المستدرك على الصحيحين 3 | 151.

(3) تلخيص المستدرك ـ المطبوع بذيل المستدرك ـ 2 | 343.

(4) تلخيص المستدرك ـ المطبوع بذيل المستدرك ـ 3 | 151.


123

وهو على شرط مسلم كما نص عليه الحاكم واعترف الذهبي به أيضا.

والذي أوجب التكلم فيه منهم ما ذكره الترمذي بقوله : « ليس عند أهل الحديث بذاك الحافظ » فهم غير قادحين في ثقته ، ولا في حفظه ، إلا أنه ليس بذاك الحافظ !

وظاهر كلماتهم أن ذنب الرجل رواية فضائل أهل البيت :

قال ابن عدي ـ بعد أن أورد له أحاديث ـ : « أنكر ما رأيت له حديث الحسن بن علي ، وسائره أرجو أن يكون مستقيما ».

فابن عدي يوثق الرجل ، وإنما ينكر بعض أحاديثه ، وقد جعل أنكرها حديث الحسن. قال ابن حجر : « يعني : أتاني جابر فقال : اكشف لي عن بطنك. الحديث » ! (1).

إذن ، فالرجل لا مجال للقدح فيه ولا في رواياته ، وما ذكره الذهبي ليس إلا تعصبا ، وهو مشهور بالتعصب كما عرفت سابقا.

وثامنا : قوله : « وروي الحديث من طريق أخرى فيها ضعيفان : الحسن ابن أبي جعفر الجفري ، وعلي بن زيد بن جدعان » فيه :

إن « الحسن بن أبي جعفر الجفري » يروي هذا الحديث عن « علي بن زيد » كما عند المحدث الفقيه ابن المغازلي الشافعي ، حيث رواه بإسناده عن « الحسن بن أبي جعفر ، ثنا علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي ذر... » (2).

لكن قال الحافظ الهيثمي صاحب مجمع الزوائد :

« عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركب فيها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، ومن

(1) تهذيب التهذيب 10 | 242.

(2) مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام : 132.


124

قاتلنا في آخر الزمان كمن قاتل مع الدجال. رواه البزار والطبراني في الثلاثة. وفي إسناد البزار : الحسن بن أبي جعفر الجفري. وفي إسناد الطبراني : عبد الله ابن داهر. وهما متروكان » (61).

فيظهر أن الطريق التي فيها « الحسن » لا يوجد فيه « علي بن زيد بن جدعان » أو يوجد ولا كلام فيه.

ومثله الحديث الآخر قال الهيثمي :

« وعن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركب فيها نجا ، ومن تخلف عنها غرق. رواه البزار والطبراني. وفيه : الحسن بن أبي جعفر. وهو متروك » (62).

وذكر الحافظ الهيثمي الحديث بسند آخر ليس فيه واحد من الرجلين المذكورين. قال :

« وعن عبدالله بن الزبير : إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها سلم ، ومن تركها غرق. رواه البزار. وفيه : ابن لهيعة ، وهو لين » (63).

وتاسعا : لنا أن نحتج بكل من :

الحسن بن أبي جفعر الجفري.

وعلي بن زيد بن جدعان.

* أما « الحسن » فقد روى عنه : أبو داود الطيالسي ، وابن مهدي ، ويزيد ابن زريع ، وعثمان بن مطر ، ومسلم بن إبراهيم ، وجماعة آخرين من مشاهير الرواة الأئمة ، وروايتهم عنه تدل على جلالته بالإضافة إلى :

(1) مجمع الزوائد 9 | 168.

(2) مجمع الزوائد 9 | 168.

(3) مجمع الزوائد 9 | 168.


125

أن مسلم بن إبراهيم قال : كان من خيار الناس.

وقال عمرو بن علي : صدوق : منكر الحديث.

وقال أبو بكر بن أبي الأسود : ترك ابن مهدي حديثه ثم حدث عنه وقال : ما كان لي حجة عند ربي.

وقال ابن عدي : والحسن بن أبي جعفر أحاديثه صالحة ، وهو يروي الغرائب وخاصة عن محمد بن جحادة ، له عنه نسخة يرويها المنذر بن الوليد الجارودي عن أبيه عنه. وله عن محمد بن جحادة غير ما ذكرت أحاديث مستقيمة صالحة ، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب ، وهو صدوق.

وقال ابن حبان : من خيار عباد الله الخشن ، ضعفه يحيى وتركه أحمد ، وكان من المتعبدين المجابين الدعوة ، ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظه ، فإذا حدث وهم وقلّب الأسانيد وهو لا يعلم ، حتى صار ممن لا يحتج به ، وإن كان فاضلا.

فنقول :

1 ـ الرجل من رجال الترمذي وابن ماجة.

2 ـ روى عنه كبار الأئمة.

3 ـ شهد بعدالته : مسلم بن إبراهيم فقال : كان من خيار الناس.

فقال المعترض : « وهو تلميذه ».

قلت : كأنه يريد إسقاط هذه الشهادة لكون الشاهد تلميذا ، وكأن الرجل لا يدري أن هذا المورد ليس من موارد عدم قبول الشهادة ، بل الأمر

(1) تهذيب التهذيب 2 | 227.


126

بالعكس ، إذ المفروض عدالة الشاهد ، فإذا كان تلميذا كان أكثر معرفة بحال المشهود له من غيره.

4 ـ شهد بعدالته : عمرو بن علي الفلاس إذ قال : صدوق. وسيأتي الكلام على قوله بعد ذلك : « منكر الحديث ».

5 ـ شهد بعدالته : ابن عدي.

6 ـ قال ابن حبان : من خيار عباد الله الخشن ، وكان من المتعبدين المجابين الدعوة ، ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظه ، فإذا حدث وههم قلّب الأسانيد وهو لا يعلم ، حتى صار ممن لا يحتج به وإن كان فاضلا.

أقول : هذه عبارة ابن حبان.. فقارن بينها وبين ما أورده المعترض :

« وقال ابن حبان : كان الجفري من المتعبدين المجابين الدعوة ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث ، فلا يحتج به ».

ولاحظ ! ممن هذا التحريف والتصرف ؟!

ولاحظ ! ممن هذا التحريف والتصرف ؟!

يقول ابن حبان ـ بعد الشهادة بكون « الحسن » من خيار عباد الله الخشن وأنه كان من المتعبدين المجابين الدعوة ـ : ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظه ، فإذا حدث وهم قلّب الأسانيد وهو لا يعلم حتى صار ممن لا يحتج به وإن كان فاضلا.

فغاية ما كان « الحسن » أنه : « إذا حدث وهم وقلّب الأسانيد » لكن « وهو لا يعلم » أي : فهو ـ كما قال ابن عدي ـ : « ممن لا يتعمد الكذب ، وهو صدوق ». ولذا قال عنه الفلاس(1) ـ بعد أن قال : « صدوق » ـ : « منكر الحديث ».

فظهر :

أولا : لم ينقل المعترض كلمات التعديل والثناء.

(1) ولا يخفى أن « عمرو بن علي الفلاس » هو نفسه من رواة حديث السفينة ، عن طريق « الحسن ابن أبي جعفر الجفري » ، أخرجه عن أبو بكر البزار في مسنده ، وهذا مما يشهد بما ذكرناه.


127

وثانيا : قد حرّف بعض الكلمات في حق الرجال.

وثالثا : قد ظلم الرجل غذ لم يتحقق كلمات الجرح ، وأنها إنما ترجع إلى وهم الرجل في روايته عن غفلة ، وأما هو في ذاته فصدوق جليل من خيار عباد الله الخشّن.

* وأما « علي بن زيد » فقد أخرج عنه البخاري في « الأدب المفرد » ، ومسلم ، والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة ، كما ذكر ابن حجر (1) ، وهؤلاء أرباب الصحاح الستة عندهم.

وذكر ابن حجر كلمات عدة من الأئمة في وثاقته وصدقه والثناء عليه... ونحن لا نحتاج إلى الإطناب في ترجمته لأمرين :

الأول : كونه من رجال مسلم والاربعة والبخاري في « الأدب المفرد » ، وهذا فوق المطلوب.

والثاني : إن السبب الأصلي لجرح من جرحه هو التشيع ! فلاحظ عباراتهم في « تهذيب التهذيب » ونكتفي بإيراد واحدة منها :

« وقال يزيد بن زريع : رأيته ولم أحمل عنه لأنه كان رافضيا ».

وقد جعلوا أنكر مار روى : ما حدث به حماد بن سلمة ، عنه ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، رفعه : إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه قاله ابن حجر.

قلت : فإذا كان هذا الأمر ـ الحق الذي وافقه في روايته كثيرون ، وهو من الأحاديث الصادرة قطعا ـ هو أنكر ما روي عنه ، فاعرف حال بقية أحاديثه !

وعاشرا : لنا أن نحتج بكل من :

عبد الله بن داهر.

وابن لهيعة.

(1) تهذيب التهذيب 7 | 283.


128

* أما « عبد الله بن داهر » فذنبه عند القوم أنه : « رافضي خبيث » وأن « عامة ما يرويه في فضائل علي وهو متهم في ذلك ».

وقد أورد في « الميزان » و« لسان الميزان » أحاديث عنه في فضل علي وأهل البيت عليهم السلام ، منها ما رواه بإسناده عن ابن عباس :

« ستكون فتنة فمن أدركها فعليه بالقرآن وعلي بن أبي طالب ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ـ وهو آخذ بيد علي ـ : هذا أول من آمن بي ، وآول من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمة ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو خليفتي من بعدي » (1).

* وأما « ابن لهيعة » فقد روى عنه كبار الأئمة من المتقدمين ، كالثوري ، والشعبي ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وابن المبارك.

وهو من رجال : مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة.

قال أبو داود عن أحمد : ومن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه ؟!

وعن الثوري : عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع ، وحججت حجا لألقى ابن لهيعة.

وقال أبو الطاهر بن السرح : سمعت ابن وهب يقول : حدثني ـ والله ـ الصادق البار عبد الله بن لهيعة.

وقال يعقوب بن سفيان : سمعت أحمد بن صالح ـ وكان من خيار المتقنين ـ يثني عليه.

وعنه أيضا : ابن لهيعة صحيح الكتاب...

وعن ابن معين : قد كتبت حديث ابن لهيعة ، وما زال ابن وهب يكتب

(1) ميزان الاعتدال 2 | 417 ، لسان الميزان 3 | 283.


129

عنه حتى مات.

وقال الحاكم : استشهد به مسلم في موضعين.

وقال ابن شاهين : قال أحمد بن صالح : ابن لهيعة ثقة ، وما روي عنه من الأحاديث فيها تخليط يطرح ذلك التخليط.

وقال مسعود عن الحاكم : لم يقصد الكذب ، وإنما حدث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ.

وقال ابن عدي : حديثه كأنه نسيان ، وهو ممن يكتب حديثه (1).

أقول : ألا يكفي هذا الاحتجاج بما رواه ؟!

بقي الكلام :

في : « حنش الكناني » و« سويد بن سعيد ».

* أما « حنش » فقد عرفت أنه من التابيعين من المشاهير ، وقد دأب القوم على تعديل التابعين أخذا بما يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أحاديث : خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم... بل ذكره ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة كما ذكر ابن حجر.

وأورد ابن حجر كلمات التوثيق له عن أبي داود والعجلي وغيرهما.

وقد أخذ عليه أنه كان ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات !! حتى صار ممن لا يحتج بحديثه !! (2).

* وأما « سويد بن سعيد » فهو من رجال صحيح مسلم وصحيح ابن ماجة. قال ابن حجر :

« وعنه : مسلم ، وابن ماجة ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، ويعقوب بن شيبة وعبد الله بن أحمد ، ومطين ، وبقي بن مخلد ، وأبو الأزهر... ».

(1) تهذيب التهذيب 5 | 372.

(2) تهذيب التهذيب 3 | 51.


130

قال ابن حجر : « قال عبد الله بن أحمد : عرضت على أبي أحاديث سويد عن ضمام بن إسماعيل فقال لي : اكتبها كلها فإنه صالح. أو قال : ثقة. وقال الميموني عن أحمد : ما علمت إلا خيرا. وقال البغوي : كان من الحفاظ ، وكان أحمد ينتقي عليه لولديه فيسمعان منه. وقال أبو داود عن أحمد : أرجو أن يكون صدوقا. وقال : لا بأس به. وقال أبو حاتم : كان صدوقا وكان يدلس ويكثر. وقال البخاري : كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه. وقال يعقوب بن شيبة : صدوق مضطرب الحفظ ولا سيما بعدما عمي. وقال صالح بن محمد : صدوق إلا أنه كان عمي فكان يلقن أحاديث ليست من حديثه... » (1).

وقال الذهبي : « الحافظ الرحال المعمر ، حدث عن مالك بالموطأ وعنه م ، ق ، مطين ، وابن ناجية ، وعبدالله بن أحمد ، والباغندي ، والبغوي ، وخلق وقال أبوحاتم : صدوق كثير التدليس. وقال أبو زرعة : أما كتبه فصحاح ، وأما إذا حدّث من حفظه فلا » (2).

وقال ابن حجر : « صدوق في نفسه ، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه. وأفحش فيه ابن معين القول » (3).

أقول : تلخص :

1 ـ هو من رجال مسلم وابن ماجة ، ومن مشايخ كثير من الأئمة.

2 ـ هو « صدوق » عند أحمد وجماعة من أئمة الجرح والتعديل.

3 ـ عمدة ما انتقد عليه أنه لما عمي لقن ما ليس من حديثه.

4 ـ أفحش القول فيه يحيى بن معين... فقوله مردود عند الأئمة.

واعلم أن هذا المعترض ذكر العبارة التالية :

(1) تهذيب التهذيب 4 | 272 ـ 275.

(2) تذكرة الحفاظ 2 | 454.

(3) تقريب التهذيب 1 | 340.


131

« وقال الحاكم : ويقال أن يحيى لما ذكر له هذا الحديث قال : لو كان لي فرس ورمح غزوت سويدا ».

لكن ما هو المراد من « هذا الحديث » ؟!

حديث السفينة ؟!

لا ، بل حديث آخر... لكن الرجل دلّس وحرّف !!

قال ابن حجر : « وقال ابن حبان : كان أتى عن الثقات بالمعضلات : روى عن أبي مسهر ـ يعني عن أبي يحيى القتات ـ عن مجاهد ، عن ابن عباس ، رفعه : من عشق وكتم وعف ومات شهيدا. قال : ومن روى مثل هذا الخبر عن أبي مسهر تجب مجانبة رواياته. هذا إلى ما لا يحصى من الآثار وتلك الأخبار.

وقال فيه يحيى بن معين : لو كان لي فرس ورمح لكنت أغزوه. قاله لما روى سويد هذا الحديث.

وكذا قال الحاكم أن ابن معين قال هذا في هذا الحديث » (1).

أقول :

هكذا يريدون الرد على كتبنا ، فاعرفوهم أيها المنصفون ! واحذروهم أيها المسلمون !!

* قال السيد رحمه الله :

« وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ( في الدين ) فإذا خالفتها قبيلة من العرب ( يعني : في أحكام الله عز وجل ) اختلفوا فصاروا حزب إبليس ».

(1) تهذيب التهذيب 4 | 241.


132

قال في الهامش : « أخرجه الحاكم في ص149 من الجزء الثالث من المستدرك عن ابن عباس. ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ».

قيل :

« رواه الحاكم 3 | 149. وفي سنده ابن أركون ، قال الذهبي : ضعفوه. وكذا خليد ضعفه أحمد وغيره. وهو حديث موضوع كما ذكر الذهبي ».

أقول :

قال الحاكم : « حدثنا مكرم بن أحمد القاضي ، ثنا أحمد بن علي الآبار ، ثنا إسحاق بن سعيد بن أركون الدمشقي ، ثنا خليد بن دعلج أبو عمرو سدوسي ، أظنه عن قتادة ، عن عطاء ، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله... هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ».

وقد رواه عن الحاكم أعيان علماء الحديث المتأخرين عنه وارتضوا تصحيحه ، ومنهم :

الحافظ السيوطي ، في : الخصائص الكبرى 3 | 364 ، وإحياء الميت بفضائل أهل البيت : رقم 29.

والحافظ السمهودي ، في : جواهر العقدين ق2 ج1 | 120.

والشبراوي ، في : الإتحاف بحب الاشراف : 20.

والحمزاوي ، في مشارق الأنوار : 86.

والصبان ، في : إسعاف الراغبين ـ هامش نور الأبصار : 130.

فنحن نستدل برواية هؤلاء...

أما الذهبي فقد عرفنا حاله وطريقته ، ولا يعتد بكلامه إلا من كان على شاكلته...


133

ثم إن لهذا الحديث الشريف مؤيدات كثيرة... كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « النجوم أمان لأهل الأرض ، وأهل بيتي أمان لأمتي ». أخرجه : ابن أبي شيبة ، ومسدد ، والحكيم الترمذي ، وأبو يعلى ، والطبراني ، وابن عساكر. وعنهم المتقي الهندي (1).

ولهذا نجدهم يعقدون في كتبهم أبوابا بهذا العنوان :

قال الحافظ محبّ الدين الطبري : « ذكر أنهم أمان لأمة محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم... » (2).

وقال الحافظ السخاوي : « باب الأمان ببقائهم والنجاة في اقتضائهم... » (3).

وقا الحافظ السمهودي : « الذكر الخامس : ذكر أنهم أمان الأمة ، وأنهم كسفينة نوح... » (4).

(1) كنز العمال 13 | 88.

(2) ذخائر العقبى : 17.

(3) استجلاب ارتقاء الغرف ـ مخطوط.

(4) جواهر العقدين ـ ق2 ج1 | 119.


134

المراجعة ـ 10

* قال السيد رحمة الله تعالى عليه

مجيبا على طلب المزيد من النصوص النبوية :

1 (1) ـ أخرج الطبراني في الكبير ، والرافعي في مسنده ، بالإسناد إلى ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من سره ان يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال عليا من بعدي ، وليوال وليه ، وليقتد بأهل بيتي من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي ، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي ».

قال في الهامش : « هذا الحديث بعين لفظه هو الحديث 3819 من أحاديث الكنز ، في آخر ص 217 من جزئه 6. وقد اورده في منتخب الكنز أيضا ، فراجع من المنتخب ما هو في أوائل هامش ص 94 من الجزء 5 من مسند أحمد ، غير أنه قال : « ورزقوا فهمي » ولم يقل : « وعلمي » ولعله غلط من الناسخ. وأخرجه الحافظ أبو نعيم في حليته ، ونقله عنه علامة المعتزلة في ص 450 من المجلد الثاني من شرح النهج طبع مصر ، ونقل نحوه في ص449 عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل في كل من مسنده وكتاب فضائل علي بن ابي طالب ».

2 ـ وأخرج مطين ، والباوردي ، وابن جرير ، وابن شاهين ، وابن

(1) هذا الترقيم منا ، اقتضته ضرورة البحوث الآتية هنا كما سيتضح.


135

مندة ، من طريق أبي إسحاق ، عن زياد بن مطرف ، قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من أحب أن يحيا حياتي ، ويموت ميتتي ، ويدخل الجنة التي وعدني ربي ـ وهي جنة الخلد ـ فليتول عليا وذريته من بعده ، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم باب ضلالة ».

قال في الهامش : « وهذا الحديث هو الحديث 2578 من أحاديث الكنز في ص155 من جزئه 6 ، وأورده في المنتخب أيضا فراجع من المنتخب ما هو في السطر الأخير من هامش ص32 من الحزء 5 من مسند أحمد. وأورده ابن حجر العسقلاني مختصرا في ترجمة زياد بن مطرف ، في القسم الاول من إصابته ، ثم قال : قلت : في إسناده ( يحيى بن يعلى المحاربي ) وهو واهي.

أقول : هذا غريب من مثل العسقلاني ، فإن ( يحيى بن يعلى المحاربي ) ثقة بالاتفاق ، وقد أخرج له البخاري في عمرة الحديبيّة من صحيحه ، وأخرج له مسلم في الحدود من صحيحه أيضا ، سمع أباه عند البخاري ، وسمع عند مسلم غيلان بن جامع ، وأرسل الذهبي في الميزان توثيقه إرسال المسلمات ، وعده الإمام القيسراني وغيره ممن احتج بهم الشيخان وغيرهما ».

3 ـ ومثله حديث زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من يريد أن يحيا حياتي ، ويموت موتي ، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي ، فليتول علي بن ابي طالب ، فإنه لن يخرجكم من هدى ، ولن يدخلوكم في ضلالة ».


136

قال في الهامش : « أخرجه الحاكم في آخر ص128 من الجزء 3 من صحيحه المستدرك ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأخرجه الطبراني في الكبير ، وأبو نعيم في فضائل الصحابة ، وهوالحديث 2577 من أحاديث الكنز في ص155 من جزئه 6 ، وأورده في منتخب الكنز أيضا ، فراجع هامش ص 32 من الجزء 5 من المسند ».

4 ـ وكذلك حديث عمار بن ياسر ، قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب ، فمن تولاه فد تولاني ، ومن تولاني فقد تولى الله ، ومن أحبه فقد أحبني ، ومن احبني فقد أحب الله ، ومن أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل ».

قال في الهامش : « أخرجه الطبراني في الكبير ، وابن عساكر في تاريخه وهو الحديث 2571 من أحاديث الكنز ، في آخر ص 154 من جزئه 6 ».

5 ـ وعن عمار أيضا ، مرفوعا : « اللهم من آمن بي وصدقني ، فليتول عليّ ابن أبي طالب ، فإن ولايته ولايتي ، وولايتي ولاية الله تعالى ».

قال في الهامش : « أخرجه الطبراني في الكبير ، وابن عساكر في تاريخه ، وهو الحديث 2571 من أحاديث الكنز ، في آخر ص 154 من جزئه 6 ».

5 ـ وعن عمار أيضا ، مرفوعا « اللهم من آمن بي وصدقني ، فليتول عليّ ابن ابي طالب ، فإن ولايته ولايتي ، وولايتي ولاية الله تعالى ».

قال في الهامش : « أخرجه الطبراني في الكبير عن محمد بن أبي عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمار ؛ وهو الحديث 2576 من أحاديث الكنز ص155 من جزئه 6 ، وأورده في المنتخب أيضا ».

تحقيق أسانيد هذه الأحاديث

أقول : ولا بد من تحقيق أسانيد هذه الأحاديث ، والنظر فيما قيل ذلك من السابقين واللاحقين ، فنقول وبالله نستعين :

* أما الحديث الأول وهو الذي نقله السيد عن « كنز العمال » عن الطبراني والرافعي ، فهذا سنده عند الرافعي :

« الحسن بن حمزة العلوي الرازي ، أبو طاهر ، قدم قزوين وحدث بها عن


137

سليمان بن أحمد ، روى عنه : أبو مضر ربيعة بن علي العجلي ، فقال :

ثنا أبو طاهر الحسن بن حمزة العلوي ـ قدم علينا قزوين سنة 344 ـ ، ثنا سليمان بن أحمد ، ثنا عمر بن حفس السدوسي ، ثنا إسحاق بن بشر الكاهلي ، ثنا يعقوب بن المغيرة الهاشمي ، عن ابن أبي رواد ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عكرمة ، عن ابن عباس » (1).

وبه يتبين سند الطبراني ، وهو سليمان بن أحمد.

قال السيد في الهامش : « وأخرجه الحافظ أبو نعيم في حليته ، ونقله عنه... ».

أقول :

هذا نص عبارة الحافظ أبي نعيم :

« حدثنا فهد بن إبراهيم بن فهد ، ثنا محمد بن زكريا الغلابي ، ثنا بشر بن مهران ، ثنا شريك ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : من سره أن يحيا حياتي ، ويموت ميتتي ، ويتمسك بالقصبة الياقوتة التي خلقها الله بيده ثم قال لها : كوني فكانت ، فليتول علي بن ابي طالب من بعدي.

رواه شريك أيضا : عن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم.

ورواه السدي عن زيد بن أرقم.

ورواه ابن عباس ، وهو غريب.

حدثنا محمد بن المظفر ، ثنا محمد بن جفعر بن عبدالرحيم ، ثنا أحمد ابن محمد بن يزيد بن سليم ، ثنا عبد الرحمن بن عمران بن أبي ليلى ـ أخو

(1) نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 4 | 334 عن مسند الرافعي ـ مخطوط.


138

محمد بن عمران ـ ثنا يعقوب بن موسى الهاشمي ، عن ابن أبي رواد ، عن إسماعيل بن أمية ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : من سره أن يحيا حياتي... » (1).

فأبو نعيم أخرجه بعدة طرق عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دون طعن في شيء منها ، كما سنرى.

وأخرجه الحافظان ابن عساكر والكنجي من طريق أبي نعيم ، ثم قال الأول : « هذا حديث منكر ، وفيه غير واحد من المجهولين » (2).

وأيضا : أخرجه ابن عساكر بإسناد له عن : زيد بن وهب ، عن حذيفة ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3).

وبإسناد آخر من طريق الحافظ الخطيب البغدادي ، عن أبي الطفيل ، عن سيدنا أبي ذر ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4).

فهذا الحديث مروي عندهم عن جماعة من الأصحاب ، وهم :

1 ـ عبد الله بن عباس.

2 ـ أبو ذر الغفاري.

3 ـ حذيفة بن يمان.

4 ـ زيد بن أرقم.

تحقيق السند :

أما طريقة عن أبي ذر وزيد بن أرقم فلا نجد من هؤلاء الرواة عنهما طعنا

(1) حلية الأولياء 1 | 86.

(2) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 95 رقم 596 ، كفاية الطالب في مناقب علي ابن أبي طالب : 214.

(3) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 99.

(4) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 98.


139

في شيء من الأسانيد... ولو كان لأفصحوا به ، كما وجدنا بالنسبة إلى حديث غيرهما :

فحديث ابن عباس... قال ابن عساكر بعد إخراجه من طريق أبي نعيم : « هذا حديث منكر ، وفيه غير واحد من المجهولين » وقال أبو نعيم : « غريب ».

وحديث حذيفة... وإن سكت عنه أبو نعيم وابن عساكر... فقد طعن الذهبي في سنده...

أما قول ابن عساكر : « فيه غير واحد من المجهولين » فيرده :

أولا : سكوت الطبراني والرافعي والمتقي الراوي عنهما ، مع طعنة في بعض الأحاديث كما سيأتي.

الثاني : كلام ابي نعيم ، إذ لم يقل إلا : « غريب » وسيأتي بيان معناه.

ثالثا : إن الراوي عن « ابن رواد » عند الطبراني والرافعي هو : « يعقوب بن المغيرة الهاشمي » وعند أبي نعيم وابن عساكر والكنجي هو : « يعقوب بن موسى الهاشمي » ، ولا استبعد أن تكون الجهالة على أثر اختلاف النسخ والاشتباه في اسم الراوي.

وأما قوله : « منكر » فلا يضر باعتبار الحديث ، لأن الحافظ النووي يقول في « معرفة المنكر » : « قال الحافظ البرديجي : هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه ، وكذا أطلقه كثيرون... » (1).

وأما قول أبي نعيم : « وهو غريب » فلا يضر كذلك ، لأن « الغرابة » تجتمع مع « الصحة » السندية ، ولذا نرى كثيرا ما يقولون : « غريب صحيح ».

وقال الحافظ النووي : « الغريب والعزيز : إذا انفرد عن الزهري وشبهه ممن يجمع حديثه رجل بحديث سمي : غريبا ، فإن انفرد اثنان أو ثلاثة سمي

(1) تدريب الراوي ـ شرح تقريب النواوي 2 | 163.


140

عزيزا ، فإن رواه جماعة سمي : مشهورا.

ويدخل في الغريب ما انفرد راو بروايته أو بزيادة في متنه أو إسناده...

وينقسم إلى صحيح وغيره وهو الغالب » (1).

وأما طعن الذهبي في سند الحديث عن « حذيفة بن اليمان » فقد جاء بترجمة : « بشر بن مهران » إذ قال :

« بشر بن مهران الخصاف ، عن شريك. قال ابن أبي حاتم : ترك أبي حديثه. ويقال : بشير.

قلت : قد روى عنه محمد بن زكريا الغلابي ـ لكن الغلابي متهم ـ قال : حدثنا شريك ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسمل : من سره أن يحيا حياتي ، ويموت ميتتي ، ويتمسك بالقضيب الياقوت ، فليتول عليّ بن أبي طالب من بعدي » (2).

أقول :

أما ترك أبي حاتم حديث بشر فلا يعبأ به ، لقول الذهبي نفسه بترجمة أبي حاتم :

« إذا وثق أبو حاتم رجلا فتمسك بقوله ، فإنه لا يوثق إلا رجلا صحيح الحديث. وإذا لين رجلا أو قال فيه : لا يحتج به ، فلا ، توقف حتى ترى ما قال غيره فيه ، وإن وثقه أحد فلا تبن على تجريح أبي حاتم ، فإنه متعنت في الرجال ، قد قال في طائفة من رجال الصحاح : ليس بحجة ، ليس بقوي ، أو نحو ذلك » (3).

وقال بترجمة أبي زرعة الرازي : « يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح

(1) تدريب الراوي ـ شرح تقريب الراوي 1 | 199.

(2) ميزان الاعتدال 1 | 325.

(3) سير أعلام النبلاء ـ ترجمة أبي حاتم 13 | 247.


141

والتعديل ، يبين عليه الورع والخبرة ، بخلاف رفيقه أبي حاتم ، فإنه جراح » (1).

وأما اتهامه « الغلابي » فمردود :

أولا : بأنه قد تابعه غيره في هذا الحديث عن بشر ، وهو : « أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل » في رواية ابن عساكر (2).

وثانيا : فإن كلمة « متهم » بحاجة إلى بيان ، فلماذا الإجمال ؟!

أما في « تذكرة الحفاظ » (3) و« سير أعلام النبلاء » (4) فذكره فيمن توفي سنة 290 هـ ولم يزد على ذلك شيئا.

وأما في « العبر » فقد ترجم له بقوله : « وفيها : محمد بن زكريا الغلابي الأخباري ، أبو جعفر ، بالبصرة. روى عن : عبد الله بن رجاء الغذاني ، وطبقته قال ابن حبان : يعتبر بحديثه إذا روى عن الثقات » انتهى (5).

أما في « ميزان الاعتدال » فقد غلبه التعصب فقال : « محمد بن زكريا الغلابي البصري الأخباري ، أبو جعفر ، عن : عبد الله بن رجاء الغداني ، وأبي الوليد ، والطبقة. وعنه : أبو القاسم الطبراني وطائفة. وهو ضعيف. وقد ذكره ابن حبان في كتاب ( الثقات ) وقال : يعتبر بحديثه إذا روى عن ثقة. وقال ابن مندة : تكلم فيه. وقال الدارقطني : يضع الحديث.

الصولي ، حدثنا الغلابي : حدثنا إبراهيم بن بشار ، عن سفيان ، عن أبي الزبير ، قال : كنا عند جابر ، فدخل علي بن الحسين ، فقال جابر : دخل الحسين فضمه النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إليه وقال : يولد لا بين هذا ابن يقال له علي ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ؛ ليقم سيد العابدين ، فيقوم

(1) سير أعلام النبلاء ـ ترجمة أبي زرعة 13 | 65.

(2) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 98.

(3) تذكرة الحفاظ 2 | 639.

(4) سير أعلام النبلاء 13 | 534.

(5) العبر في خبر من غبر 1 | 418.


142

هذا. ويولد له ولد يقال له : محمد ، إذا رأيته ـ يا جابر ـ فأقرأ عليه مني السلام.

فهذا كذب من الغلابي... » (1).

والآن ، عرف وجه الإتهام !!

لكن الأمر أكثر من ذلك ، فإن الرجل أخباري مؤرخ ، وجل مؤلفاته في أهل البيت عليهم السلام... بل الرجال من أصحابنا الإمامية ، قال الشيخ النجاشي :

« محمّد بن زكريّا بن دينار مولى بني غلاب ، أبو عبد الله ـ وبنو غلاب قبيلة بالبصرة من بني نضر بن معاوية ، وقيل : إنه ليس بغير البصرة منهم أحد ـ وكان هذا الرجل وجها من وجوه أصحابنا بالبصرة ، وكان أخباريا واسع العلم ، صنّف كتبا كثيرة. وقال لي أبو العباس ابن نوح : إنني أروي عن عشرة رجال عنه. له كتب منها : الجمل الكبير ، والجمل المختصر ، وكتاب صفّين الكبير ، وكتاب صفّين المختصر ، مقتل الحسين عليه السلام ، كتاب النهر ، كتاب الأجود ، كتاب الوافدين ، مقتل أمير المؤمنين عليه السلام ، أخبار زيد عليه السلام ، أخبار فاطمة ومنشأها ومولدها عليها السلام ، كتاب الحيل.

أخبرنا أبو العباس أحمد بن علي بن نوح ، قال : حدثنا أبو الحسن علي ابن يحيى بن جعفر السلمي الحذاء ، وأبو علي أحمد بن الحسين بن إسحاق ابن شعبة الحافظ ، وعبد الجبار بن شيران الساكن بنهر خطي ، في آخرين ، قالوا : حدثنا محمد بن دينار الغلابي بجميع كتبه.

ومات محمد بن زكريا سنة 298 » (2).

إذن ، لا بد أن يتهمه الذهبي ، وأمثاله...!!

لكن لا يخفى أن هذا الجرح ساقط ، لما قررنا في مقدمات البحث

(1) ميزان الاعتدال 3 | 55.

(2) رجال النجاشي : 244.


143

ـ وعلى ضوء كلمات أعلام القوم ـ من أن الجرح المستند إلى الاختلاف في العقيدة غير مسموع ، وأن التشيع ليس بضائر... مضافا إلى ما ذكرناه في التعريف بالذهبي وطريقته في الجرح...

وعلى هذا كله ، فإنه يبقى توثيق ابن حبان للغلابي بلا معارض.

فالحديث معتبر ، ويؤيده كثرة طرقه وسكوت أبي نعيم وابن عساكر وغيرهما عن الطعن فيه.

تنبيه :

الخبر المذكور ـ الذي لأجله كذب الذهبي اللابي ـ تلقاه غير واحد من الأعلام بالقبول ، ممن تقدم على الذهبي أو تأخر ، فأخرجه ابن عساكر بإسناده عن ابي بكر محمد بن يحيى الصولي ، عن الغلابي ، عن إبراهيم بن بشار ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري...

وعن ابن عساكر : الكنجي الشافعي ، قال : « هذا حديث ذكره محدث الشام في مناقبه كما أخرجناه ، وسنده معروف عند أهل النقل » (1).

وأرسله ابن حجر المكي إرسال المسلم فقال : « وكفاه شرفا أن ابن المديني روى عن جابر... » (2) فلو لم يكن الخبر صحيحا عنده لما أرسله ولما جعله مما « كفاه شرفا » !

ورواه كمال الدين محمد بن طلحة ، وهو من المتقدمين على الذهبي (3) وهو من الأئمة الفقهاء الأعلام ، ترجم له الذهبي نفسه في غير واحد من كتبه وأثنى عليه ، وكذلك غيره في كثير من المصادر ، لا سيما الكتب المؤلفة في طبقات فقهاء الشافعية.

(1) كفاية الطالب : 448.

(2) الصواعق المحرقة : 120.

(3) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : 43.


144

أقول :

إن هذا الخبر إنما هو فضيلة من فضائل أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وتكذيب الذهبي ـ برمي الغلابي بالكذب ـ جريّ على عادته في رد فضائلهم عليهم السلام حتى نسب إلى النصب.

ولكني رأيت بعضهم (1) يرد خبر إبلاغ جابر الإمام باقر السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن فرقة من الشيعة ـ اخترعها وسماها بالباقرية ـ استدلت به على أن الباقر عليه السلام هو « المهدي المنتظر » فقالت هذه الطائفة : « ما أقرأه السلام إلا وهو المنتظر المهدي » قال : « يقال لهم بعد صحة الخبر : ينبغي أن يكون أويس القرني مهديا منتظرا ، لأنه صح... ».

ألا سائل يسأل الصفدي : من هذه الفرقة ؟! وأين كانت ؟! ومن أسسها ؟! ومن أين نقلت هذا الاستدلال ؟!...

ثم يقال له : إن في ذيل الخبر ـ عند ابن عساكر ـ : « يا جابر ، إعلم أن المهدي من ولده ، واعلم ـ يا جابر ـ أن بقاءك بعده قليل ».

فلماذا كل هذا السعي وراء رد فضيلة من فضائل العترة حتى بالافتراء والتزوير ؟!

وثالثا : أنا لو تنزلنا عن جميع ما ذكر ، وسلمنا ضعف طريق حديث حذيفة ، ففي الاحتجاج بحديث غيره كفاية ، فقد رأينا أن ابن عساكر ـ الذي طعن في حديث ابن عباس ـ لم يطعن في حديث زيد بن أرقم ، وحديث أبي ذر ، كما لم يطعن في حديث حذيفة.

ورابعا : لو سلمنا ضعف أسانيد جميع هذه الأحاديث ، فقد تقرر عندهم أن هكذا حديث ـ حتى لو كان كل طرقه ضفيفة ـ حجة :

(1) هو الصفدي ، انظر : الوفاي بالوفيات 4 | 102 ـ 103.


145

قال المنّاوي ـ بعد الكلام على بعض الأخبار ردا على ابن تيمية ـ : « وهذه الأخبار وإن فرض ضعفها جميعا ، لكن لا ينكر تقوّي الحديث الضعيف ـ بكثرة طرفه وتعدد مخرجيه ـ إلا جاهل بالصناعة الحديثية أو معائد متعصب ، والظن به أنه من القبيل الثاني » (1).

قلت :

بل هو اليقين في مثل ابن تيمية والذهبي ! بالنظر إلى ما أسلفنا باختصار من ذكر ترجمتهما وتصريح غير واحد من الأعلام بكونهما معاندين يتكلمان بالتعصب والهوى.

* وقد قلدهما في الطعن في الأحاديث بهذه الطريقة بعض المعاصرين ، ثم أصبح ـ بدوره ـ قدوة لبعض الناشئة من الكتاب... وهو الشيخ ناصر الدين الألباني ، قال :

« 894 ـ من سره أن يحيا حياتي...

موضوع ، أخرجه أبو نعيم 1 | 86 من طريق... وقال : وهو غريب.

قلت : وهذا إسناد مظلم ، كل من دون ابن أبي رواد مجهولون ، لم أجد من ذكرهم غير أنه يترجح عندي أن أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم إنما هو : ابن مسلم الأنصاري الأطرابلسي المعروف بابن ابن الحناجر ، قال ابن أبي حاتم 1 | 1 | 73 : كتبنا عنه وهو صدوق ، وله ترجمة في تاريخ ابن عساكر 2 | ق113 ـ 114 | 1.

وأما سائرهم فلم أعرفهم ، فأحدهم هو الذي اختلق هذا الحديث الظاهر البطلان والتركيب. وفضل علي ـ رضي الله عنه ـ أشهر من أن يستدل عليه بمثل هذه الموضوعات الي يتشبث لاشيعة بها ، ويسودون كتبهم بالعشرات من

(1) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير 3 | 170.


146

أمثالها ، مجالدين بها في إثبات حقيقة لم يبق اليوم أحد يجحدها ، وهي فضيلة عليّ رضي الله عنه.

ثم الحديث عزاء في الجامع الكبير 2 | 53 2 | 1 للرافعي أيضا عن ابن عباس. ثم رأيت ابن عساكر أخرجه في تاريخ دمشق 12 | 130 | 2 من طريق أبي نعيم ثم قال عقبه : هذا حديث منكر ، وفيه غير واحد من المجهولين.

قلت : وكيف لا يكون منكرا ، وفيه مثل ذاك الدعاء : لا أنالهم الله شفاعتي ، الذي لا يعهد مثله عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، ولا يتناسب مع خلقه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم رأفته ورحمته بأمته.

وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها صاحب المراجعات ، عبد الحسين الموسوي ، نقلا عن كنز العمال 6 | 155 و217 ـ 218 ، موهما أنه في مسند الإمام أحمد ، معرضا عن تضعيف صاحب الكنز إياه تبعا للسيوطي ».

أقول :

هذه عبارته حول هذا الحديث ، وهي قطعة من كلام طويل له ، تعرض فيه بالنقد لبعض الأحاديث التي احتج بها السيد في هذه المراجعة... وقد أورد الدكتور السالوس كلام هذا الشيخ بطوله في هامش كتيبه حول حديث الثقلين (1). وفيه مواقع للنظر.

أولها : في حكمه بوضع هذا الحديث إستنادا إلى أن « كل من دون ابن أبي رواد مجهولون... فلم أعرفهم ، فأحدهم هو الذي اختلق هذا الحديث ، إذ أنه باطل ومردود بوجوه :

1 ـ إن الذي أخرج الحديث في كتابه بواسطة مشايخه ، وكان أقرب عهدا

(1) حديث الثقلين وفقهه ، هامش ص : 28 عن سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، الجزء الثاني.


147

وأكثر معرفة برواته ـ وهو الحافظ أبو نعيم ـ لم يرم الحديث بالضف فضلا عن الوضع ، بل غاية ما هنالك أنه قال : « وهو غريب ».

وقد بينا المراد من « الغريب » في اصطلاح علم الحديث ، والشيخ غير جاهل بذلك قطعا.

2 ـ إنه قد نبه الحافظ ابن عساكر من قبل على أن : « فيه غير واحد من المجهولين » ولم يحكم على الحديث إلا بأنه « منكر » ، وقد عرفنا معنى هذه الكلمة اصطلاحا ، فهل الكشف للشيخ ما خفي على ابن عساكر فأضاف أنه « موضوع » ؟!

3 ـ إن لنا أن نسأل الشيخ عن المبرر لنسبة « الأختلاق » إلى « من لا يعرفه » وأنه هل وصل إلى مرحلة من « المعرفة » !! تجوز له إلحاق من لم يعرفه بمن يعرفه بالاختلاق ؟!

وثانيها : في قوله ـ في الحديث ـ : « الظاهر البطلان والتركيب ، وفضل علي ـ رضي الله عنه ـ أشهر من أن يستدل عليه بمثل هذه الموضوعات التي يتشبث الشيعة بها ، ويسودون كتبهم بالعشرات من أمثالها... » فإن هذا الحديث واحد من عشرات الأحاديث المتفق عليها ، ومن النصوص الدالة على إمامة أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت عليهم السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما لا يخفى على من تأمل في ألفاظها ، ولذا يعد عند هذا الشيخ النجيب ! وأمثاله نم أتباع ابن الجوزي « ظاهر البطلان والتركيب » !!

ثم الأجدر بنا أن نمر على سائر ما في هذه العبارة « كراما » ولا نقول إلا « سلاما ».

وثالثها : في قوله : « وكيف لا يكون منكرا ؟ وفيه مثل ذاك الدعاء... ولا يتناسب مع خلقه... » فإنه غفل أو تغافل عن المراد من « منكر » وقد ذكرنا أنه اصطلاح في علم الحديث وبينا معناه... وأما أن مثل هذا الدعاء لا يتناسب مع خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكلام بارد جدا ، لأن من


148

كذب بفضل العترة النبوية الهادية ولم يقتد بها فهو ضال ، و( ماذا بعد الحق إلا الضلال ) (1) ، ومن قطع فيهم صلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان من الذين ( يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) (2) ، وحينئذ ( فما نتفعهم شفاعة الشافعين ) (3) وكيف تنال شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أعرض عن أهل بيته الطاهرين وهو القائل في حق الثقلين : « ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا » ؟!

وأما دعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم على بعض الناس ، ولعنته البعض الآخر... فموارده في سيرته المباركة غير قليلة ، ومن اليسير الوقوف عليه بأدنى مراجعة.

ورابعها : قوله أخيرا : « وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها صاحب المراجعات... موهما... » فإنه فرية واضحة ، إذ ليس في كلام السيد أيّ إيهام بكون الحديث في مسند أحمد ، كما أنّا راجعنا « كنز العمّال » ونقلنا عبارته سابقا ولم نجد في ذاك الموضع تضعيفا منه للحديث !!

* وأما الحديث الثاني فقد أخرجه عدا من ذكر من الأعلام :

الإمام أبو جعفر الطبري ـ في منتخب ذيل المذيل : 589 ، في ذكر من روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من همدان ـ : « حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري ، قال : حدثنا أحمد بن أشكاب ، قال : حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي ، عن عمار بن زريق الضبي ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن زياد بن مطرف ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول :

(1) سورة يونس 10 : 32.

(2) سورة الرعد 13 : 25.

(3) سورة المدثر 74 : 48.


149

من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدني ربي ، قضبانا من قضبانها غرسها في جنة الخلد ، فليتول علي بن أبي طالب وذريته من بعده ، فإنهم لن يخرجوهم من باب هدى ، ولن يدخلوهم في باب ضلالة ».

والحافظ الطبراني ، فقد قال الهيثمي : « وعن زياد بن مطرف ، عن زيد بن أرقم ، وربما لم يذكر زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : من أحب...

رواه الطبراني ، وفيه : يحيى بن يعلى الأسلمي ، وهو ضعيف » (1).

والمتقي الهندي ، عن مطين ، والبارودي ، وابن شاهين ، وابن مندة ، عن زياد بن مطرف. قال : « وهو واه » (2).

فهؤلاء كلهم رووا هذا الحديث عن ( زياد بن مطرف ) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم نعرف تضعيفا منهم لسنده إلا من الهيثمي والمتقي ، وليس إلا لـ « يحيى بن يعلى الأسلمي ».

فظهر :

1 ـ إن هذا الحديث غير الحديث الآتي.

2 ـ إن مخرجي هذا الحديث جماعة من الأعلام ، ولم يطعن أحد منهم في سنده.

3 ـ إنه لم يضعف أحد من رجاله إلا « يحيى بن يعلى الأسلمي » ، وسيأتي تحقيق الحال في ذلك.

* وأما الحديث الثالث فيختلف عن الثاني من وجوه :

(1) مجمع الزوائد 9 | 108.

(2) كنز العمال 11 | 611 رقم 32960 ، منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد 5 | 32.


150

أحدها : المتن ، كما لا يخفى على من قارن بين لفظيهما.

والثاني : الصحابي الراوي.

والثالث : الأعلام المخرجون ، فذاك لم يكن الحاكم وأبو نعيم من رواته ، وهذا لم يره الأئمة الرواة لذاك.

والرابع : التنصيص من بعض المخرجين على صحة هذا ، دون ذاك.

ولهذه الأمور وغيرها أفرد المتقي في كتابيه رواية كل منهما عن الآخر واختلف تعبيره عنهما.

وهذا الحديث ـ كما ذكر السيد رحمه الله ـ أخرجه الحاكم وصححه حيث قال : « حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو ، ثنا إسحق ، ثنا القاسم بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي ، ثنا عمار بن زريق ، عن أبي إسحاق ، عن زياد بن مطرف ، عن زيد بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من يردي أن يحيى حياتي ، ويموت موتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي ، فليتول التي وعدني ربي ، فليتول علي بن أبي طالب ، فإنه لن يخرجكم من هدى ، ولن يدخلكم في ضلالة.

هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه » (1).

وأخرجه الحافظ أبو نعيم ، قال : « حدثنا محمد بن أحمد بن علي ، قال : ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، قال : ثنا إبراهيم بن الحسن التغلبي ، قال : ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي ، قال : ثنا عمار بن زريق ، عن أبي إسحاق ، عن زياد بن مطرف ، عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم...

غريب من حديث أبي إسحاق تفرد به يحيى عن عمار.

وحدث به أبو حاتم الرازي ، عن أبي بكر الأعين ، عن يحيى الحماني

(1) المستدرك على الصحيحين 3 | 128.


151

عن يحيى بن يعلى.

وحدثناه محمد بن أحمد بن إبراهيم ، قال : نا الوليد بن أبان ، قال : نا أبوحاتم به » (1).

وأخرجه الحافظ ابن عساكر بإسناده عن : « يحيى بن عبد الحميد الحماني ، أنبأنا يحيى بن يعلى ، عن عمار بن زريق ، عن أبي إسحاق ، عن زياد بن مطرف ، عن زيد بن أرقم ، قال : قال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم... » (2).

وأخرجه الطبراني ، وعنه المتقي الهندي ، فإنه بعد أن رواه قال : « طب ، ك وتعقب ، وأبو نعيم في فضائل الصحابة ، عن زيد بن أرقم » (3).

تحقيق السند :

أقول : والمراد من « التعقب » ما ذكره الذهبي في ( تلخيصه ) : « قلت : أنى له الصحة ؟ والقاسم متروك ، وشيخه ضعيف ، واللفظ ركيك. فهو إلى الوضع أقرب » (4).

و« القاسم » هو « القاسم بن أبي شيبة ». و « شيخه » هو : « يحيى بن يعلى الأسلمي ».

أقول

لكن « القاسم » ـ سواء كان متروكا أو غير متروك ـ غير موجود في غير

(1) حلية الأولياء 4 | 349 ـ 350.

(2) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 99 حديث رقم 602 وفيه : عمار بن مطرف ، وهو غلط.

(3) كنز العمال 11 | 611 الحديث رقم 32959 ، منتخبه على هامش مسند أحمد 5 | 32.

(4) تلخيص المستدرك ـ على هامشه ـ 3 | 128.


152

الحاكم من طرق الحديث ، ولذا كان الإشكال من ناحية « يحيى بن يعلى الأسلمي » فقط.

لكن هذا الإشكال مندفع كذلك لوجوه :

الاول : إن الحافظين أبا نعيم وابن عساكر لم يتكلما في سند هذا الحديث أصلا ، وقد رأينا ابن عساكر كيف نبه ـ في الحديث الأول ـ على أن « فيه غير واحد من المجهولين » فلو كان « يحيى » هذا ضعيفا لكان أولى بالتنبيه عليه. ورأينا أيضا كيف يذكر أبو نعيم للحديث طرقا عدة ، عن جماعة من الأعلام ، ولا يتعرض لشيء قادح في سنده. أما قوله : « غريب من حديث أبي غسحاق » فقد عرفت معناه ، على أن « أبا إسحاق » وهو السبيعي غير موجود في بعض الطرق الأخرى.

والثاني : إن تضعيف « يحيى بن يعلى الأسلمي » معارض بتصحيح الحاكم للحديث ، الدال على ثقته.

والثالث : إن الرجل من رجال البخاري في « الأدب المفرد » والترمذي في ( صحيحه ) ومن مشايخ كثير من الأعلام كأبي بكر ابن أبي شيبة وأقرانه (1).

والرابع : إن غاية ما هناك تعارض الجرح والتعديل في حق الرجل ، لكن الجارح هو « أبو حاتم » القائل : « ضعيف الحديث ، ليس بالقوي » وابن حبان القائل في « الضعفاء » : « يروي عن الثقات المقلوبات ، فلا أدري ممن وقع ذلك ، منه أو من الراوي عنه أبي ضرار بن صرد ، فيجب التنكب عما رويا » والبزار القائل : « يغلط في الأسانيد » والبخاري القائل : « مضطرب الحديث » (2)

(1) تهذيب التهذيب 11 | 266.

(2) تهذيب التهذيب 11 | 266.


153

قلت :

أما كلام البخاري والبزار فليس بقدح في الرجل نفسه.

وأما كلام ابن حبان فيعارضه أنه أخرج له حديثا في صحيحه كما ذكر ابن حجر ، على أن كلامه في الرجل يشبه كلامه في « محمد بن الفضل السدوسي ، أبو النعمان ، عارم » إذ قال في حقه : « اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به فوقع في حديثه المناكير الكثيرة ، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون ، فإذا لم يعلم هذا من هذا ترك الكل ، ولا يحتج بشيء منها » فقال الذهبي في مقام ترجيح تعديل الدارقطني على هذا الكلام : « فأين هذا القول من قول ابن حبان الخساف المتهور في عارم فقال : اختلط... » (1).

وأما قدح أبي حاتم فمردود بكلام الذهبي أيضا ، وقد تقدم.

الخامس : إن السبب الأصلي للطعن في الرجل هو التشيع ، وهذا ماأفصح عنه ابن عدي ، إذ إنه لم يقل فيه إلا : « كوفي ، من الشيعة » (1)... كما سيأتي التصريح بذلك من الألباني.. فهذا ذنب هذا الرجل !!

تلخص : أنه لا موجب للطعن والقدح في الرجل ، وإن الذين تكلموا فيه لا يعبأ بكلامهم ، لا سيما في مقابل اعتماد الترمذي والحاكم وكبار الأئمة السابقين واللاحقين عليه...

وأما طعن الهيثمي والمتقي وأمثالهما فيسقط عن الاعتبار ، بعد الوقوف على العلة الأصلية لما قاله المتقدمون فيه...

ثم إنه ـ وبعد الفراغ عن إثبات اعتبار هذا الحديث سندا ـ لولا قوة دلالته

(1) ميزان الاعتدال 4 | 8.

(2) تهذيب التهذيب 11 | 266.


154

على مطلوب أهل الحق لما قال الذهبي : « واللفظ ركيك ، فهو إلى الوضع أقرب » فلا تغفل !!

* وهنا أيضا يعترض الشيخ ناصر الدين الألباني على السيد رحمه الله فيقول :

« موضوع ، رواه أبو نعيم في الحلية 4 | 349 ـ 350 و350 ، والحاكم 3 | 128 ، وكذا الطبراني في الكبير ، وابن شاهين في شرح السنة 18 | 65 | 2 من طرق عن زيد بن أرقم ـ زاد الطبراني : وربما لم يذكر زيد بن أرقم ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فذكره. وقال أبو نعيم : غريب من حديث أبي إسحاق ، تفرد به يحيى.

قلت : وهو شيعي ضعيف ، قال ابن معين : ليس بشيء. وقال البخاري : مضطرب الحديث ، وقال ابن أبي حاتم 4 | 2 | 196 عن أبيه : ليس بالقوي ضعيف الحديث. والحديث قال الهيثمي في المجمع 9 | 108 : رواه الطبراني وفيه : يحيى بن يعلى الأسلمي ، وهو ضعيف. قلت : وأما الحاكم فقال : صحيح الإسناد. فرده الذهبي بقوله : قلت : أنى له الصحة ؟ والقاسم متروك وشيخه ( يعني الأسلمي ) ضعيف ، واللفظ ركيك ، فهو إلى الوضع أقرب.

وأقول : القاسم ـ وهو ابن أبي شيبة ـ لم يتفرد به ، بل تابعه راويان آخران عند أبي نعيم. فالحمل فيه على الأسلمي وحده دونه. نعم ، للحديث عندي علتان أخريان :

الاولى : أبو إسحاق ، وهو السبيعي ، فقد كان اختلط مع تدليسه ، وقد عنعنه.

الأخرى : الاضطراب في إسناده منه أو من الأسلمي ، فإنه تارة يجعله من مسند زيد بن أرقم ، وتارة من مسند زياد بن مطرف ، وقد رواه عن مطين والبارودي وابن جرير وابن شاهين في الصحابة. كما ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة وقال : قال ابن مندة : لايصح. قلت : في إسناده يحيى بن يعلى


155

المحاربي وهو واه.

قلت : وقوله ( المحاربي ) سبق قلم منه ، وإنما هو ( الأسلمي ) كما سبق ويأتي.

تنبيه : لقد كان الباعث على تخريج هذا الحديث ونقده ، والكشف عن علته ، أسباب عدة ، منها : أنني رأيت الشيخ المدعو بعبد الحسين الموسوي الشيعي قد خرّج الحديث في مراجعاته ص27 تخريجا أوهم به القراء أنه صحيح كعادته في أمثاله. واستغل في سبيل ذلك خطأ قلميا وقع للحافظ ابن الإيهام المشار إليه ، وكان ذلك منه على وجهين ، فأنا أذكرهما معقبا على كل منهما ببيان ما فيه فأقول :

الأول : إنه ساق الحديث من رواية مطين ومن ذكرنا معه نقلا عن الحافظ من رواية زياد بن مطرف ، وصدره برق 38. ثم قال : ومثله حديث زيد بن أرقم... فذكره ورقم له بـ39. ثم علق عليهما مبينا مصادر كل منهما ، فأوهم بذلك أنهما حديثان متغايران إسنادا ، والحقيقة خلاف ذلك...

والآخر : إنه حكى تصحيح الحاكم للحديث دون أن يتبعه ببيان علته ، أو على الأقل دون أن ينقل كلام الذهبي في نقده ، وزاد في إيهام صحته أنه نقل عن الحافظ قوله في الإصابة : قلت : في إسناده : يحيى بن يعلى المحاربي ، وهو واه. فتعقبه عبد الحسين بقوله : أقول : هذا غريب من مثل العسقلاني... فأقول : أغرب من هذا الغريب أن يدير عبد الحسين كلامه في توهيمه الحافظ في توهينه للمحاربي ، وهو يعلم أن المقصود بهذا التوهين إنما هو الأسلمي وليس المحاربي... » (1).

(1) حديث الثقلين وفقهه ، هامش ص30 عن سلسلة الأحاديث للألباني.


156

أقول :

وفيه مواقع للنظر :

أما أولا : فقد سبق أن أبا نعيم لم يقل في هذا الحديث إلا « غريب.. » وقد بينا المراد من « الغريب » في الإصطلاح. كما سبق أن ابن عساكر روى الحديث من دون طعن في سنده. ونحن نعتمد على كلام هؤلاء ، لكونهم أئمة في الحديث وأقرب عهدا وأكثر معرفة برواته ، ولا نعبأ بتضعيف المتأخرين عنهم فضلا عن الحكم بالوضع !

وأما ثانيا : فإن « يحيى بن يعلى الأسلمي » لا ذنب له إلا التشيع ، كما سبق ، وكما اعترف هذا الشيخ... وقد حققنا حاله على ضوء كلمات أعلام القوم.

وأما ثالثا : فإن أبا إسحاق السبيعي مع أنّه قد اختلط في آخر عمره ، وكان يدلس... من رجال الصحيحين ، فقد ذكر الحافظابن القيسراني تحت عنوان : « من اسمه عمرو عندهما » : « 1393 : عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد ، ويقال عند البخاري ومسلم ، ثم قال : « قال شريك : سمعت أبا إسحاق يقول : ولدت في سنتين من إمارة عثمان. وقال أبوبكر ابن عياش. دفنا أبا إسحاق سنة ست أو سبع وعشرين ومائة » (1).

بل في تهذيب التهذيب : « ع ( الستة ) : عمرو بن عبد الله... أبو إسحاق السبيعي الكوفي... » (2).

فهو من رجال الصحاح الستة عندهم... والطعن فيه طعن فيها... لكن الشيخ يتكلم وكأنه أفهم ، وأعلم ، وأبصر وأخبر... من أصحابها...!!

(1) رجال الصحيحين 2 | 366.

(2) تهذيب التهذيب 8 | 56.


157

وأما رابعا : فإنا قد بينا أن هنا حديثين متغايرين متنا وإسنادا ...

وحتى لو فرضنا ـ جدلا ـ اتحاد الحديث ووحدته ، فلماذا يتجاهل الشيخ أن الشك في اسم الصحابي الراوي للحديث لا يضر باعتباره عندهم.... وكم لهذا المطلب من نظير في أحاديثهم...!!

فالتعبير بالاضطراب ، وجعل ذلك علة للحديث... باطل... على كل تقدير...

وأما خامسا : فإن السيد لم يكن في شيء من هذه المواضع بصدد تصحيح ما يحتج به سندا ، كي يحتاج إلى استغلال خطأ قلمي وقع للحافظ ابن حجر العسقلاني... وإنما نبه على السهو الواقع منه مستغربا منه... لا أكثر... فلماذا هذه الحملة الظالمة ؟! أليس المقصود منها تضييع الحقوق وإنكار الحقائق ؟!

وأما الحديث الرابع فقط قال المتقي الهندي بعد روايته :

« طب وابن عساكر ـ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن أبيه ، عن جده » (1).

تحقيق السند

أقول :

أما رواية الطبراني فقد قال الهيثمي بعد الحديث :

« رواه الطبراني بإسنادين ، أحسب فيهما جماعة ضعفاء ، وقد وثقوا » (2).

وفي هذه العبارة مطالب :

(1) كنز العمال 11 | 610 ح32953.

(2) مجمع الزوائد 9 | 109.


158

الأول : إن الطبراني روى الحديث بإسنادين لا بإسناد واحد.

والثاني : إن الطبراني لم يطعن في شيء من الإسنادين.

والثالث : إن رجال الإسنادين قد وثقوا ، ويكفينا إخباره بذلك عن النظر في توهمه !! أن فيهما جماعة ضعفاء.

وأما رواية ابن عساكر فهي بإسنادين كذلك (1) ، والملاحظ :

1 ـ إن في الإسنادين غير واحد من أعلام الحفاظ.

2 ـ إن ابن عساكر لم يطعن في شيء منهما.

إذن ، يكفينا شهادة الهيثمي ، وسكوت كل من ابن عساكر والمتقي ، إذ لو كان موضع للقدح لأفصحا به.

وروى أبو عبد الله الكنجي الشافعي الحافظ هذا الحديث في المناقب بإسناد له وقال : « حديث عال حسن مشهور أسند عند أهل النقل » (2).

* وأما الحديث الخامس فقال الهندي بعد أن رواه :

« طب ـ عن محمد بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمار » (3).

أقول :

وأخرجه ابن عساكر من طريق الطبراني حيث قال :

« أخبرنا أبو علي الحداد ، أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن ريدة ، أنبأنا سليمان بن أحمد الطبراني ، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ،

(1) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 1 | 93 ـ 94.

(2) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب : 74.

(3) كنز العمال 11 | 611 ح32958.


159

أنبأنا أحمد بن طارق الوابشي ، أنبأنا عمرو بن ثابت ، عن محمد بن أبي عبيدة ابن محمد بن عمار بن ياسر ، عن أبيه أبي عبيدة ، عن محمد بن عمار بن ياسر ، عن ابيه قال :

قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : من آمن بي وصدقني فليتول علي بن ابي طالب ، فإن ولايته ولايتي ، وولايتي ولاية الله » (1).

ثم رواه بطريقين آخرين فقال :

« أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي ، أخبرنا أبو القاسم ابن مسعدة ، أنبأنا حمزة بن يوسف ، أنبأنا أبو أحمد ابن عدي ، أنبأنا محمد بن عبيد الله بن فضيل ، أنبأنا عبد الوهاب بن الضحاك ، أنبأنا ابن عياش ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم...

قال : وأنبأنا أبو أحمد ، أنبأنا جعفر بن أحمد بن علي بن بيان ، أنبأنا يحيى بن عبدالله بن بكير ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني محمد بن عبد الله ، عن أبي عبيدة... » (2)

تحقيق السند :

أقول

ولا يخفى أن أكثر رجال هذه الأسانيد أئمة حفاظ أعلام ، ولولا خوف الإطالة لترجمنا لهم ، كي يزداد شأن هذه الأحاديث ، والمضمون الذي اشتملت عليه وضوحا وتبيانا.

* وقد قيل ـ في الرد على الحديث الرابع ـ ما هذا نصه :

(1) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 91 ح591.

(2) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 91 ـ 92 ح592 و593.


160

« هذا الحديث رواه الطبراني بإسنادين ، أحسب فيهما جماعة ضعفاء :

عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن أبيه ، عن جده ( المنتخب : 32 ).

عن محمد بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن أبيه ، عن جده عمار ( المراجعات : 49 ).

لم يثبت أن لأبي عبيدة بن محمد بن عمار ولدا اسمه ( محمد ) روى عنه ، كما أنه قد اختلف في أبي عبيدة هذا ، هل هو سلمة بن محمد بن عمار ؟ أم أخ له ؟

وقد أختلف في توثيقه أيضا ، فقال ابن معين : ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه منكر الحديث ولا يسمى. وقال في موضع آخر : صحيح الحديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : أبو عبيدة هذا ثقة.

أما محمد بن عمار ، فقد أورد ابن حجر في تهذيب التهذيب : أنه كان يرسل الحديث فيرفعه إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم دون ذكر أبيه عمار.

وعلى هذا ، فإن الحديث مضطرب السند ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الصحاح والمسانيد المعتبرة ».

أقول :

ولا يخفى فساد هذا النقد :

أما أولا : فإن الجملة : « رواه الطبراني بإسنادين... » هي كلام الحفاظ الهيثمي ، وقد نقلناها آنفا ، إلا أن هذا المفتري حرّفها واسقط منها اعتارفه بأن رجال الحديث « وثقوا » وأبقى جملة : « أحسب فيهما جماعة ضعفاء » لكنه حذف اسم الحافظ الهيثمي ليوهم أن الكلام له دونه.

وأما ثانيا : إن هذه الأحاديث من أدلة ثبوت « محمد بن أبي عبيدة » ولم


161

أجد في رواة أحاديث الباب من يطعن فيها من هذه الناحية ، ويكفينا قول الهيثمي : « وثقوا » إذ التوثيق فرع الثبوت كما هو واضح.

وأما ثالثا : فالاختلاف في اسم أبي عبيدة بعد توثيقه غير مضر.

وأما رابعا : فإن الرجل لم يورد طعنا في وثاقة أبي عبيدة. أما يحيى بن معين وعبد الله فقد وثقاه. وأما أبو حاتم ـ وبعد غض النظر عما ذكر الذهبي في تجرحاته ـ فكلامه متعارض... فأين الجرح ؟!

وأما خامسا : فما نقله عن « تهذيب التهذيب » لا يضر بوثاقة الرجل ، وقد كتم هذا الرجل ما أورده ابن حجر مما يدل على وثاقته (1) ، وأن ابن حبان ذكره في الثقات ، ولهذا كله قال ابن حجر نفسه بترجمته : « مقبول » (2).

تحقيق سند حديث أحمد :

* قال السيد رحمه الله ـ في آخر هامش الحديث الأول ـ :

« ونقل نحوه في ص 449 عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل في كل من مسنده وكتاب فضائل علي بن أبي طالب ».

أقول :

أما الحديث في « فضائل » لأحمد (3) فهذا نصه :

« حدثنا الحسن ، قال : ثنا الحسن بن علي بن راشد ، نا شريك ، قال : ثنا لأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم ،

(1) تهذيب التهذيب 9 | 319.

(2) تقريب التهذيب 2 | 193.

(3) في مراجعة سريعة لكتاب « المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي » لم نهتد إلى موضع الحديث في مسند أحمد ، ولا ندري ما إذا كان موجودا فيه ولم نعثر عليه ، أو أسقط فيما أسقط من أحاديث المسند !!


162

قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله عز وجل في جنة عدن بيمينه ، فليتمسك بحب علي بن أبي طالب » (1).

ورواه عن أحمد غير واحد من الأعلام (2).

وهذا الحديث أخرجه : الدارقطني ؛ قال السيوطي : « الدارقطني : حدثنا الحسن بن علي بن زكريا ، حدثنا الحسين (3) بن راشد ، حدثنا شريك... الحسن هو العدوي الوضاع ، سرقه من إسحاق » (4).

وابن عساكر... قال : « أخبرنا أبو غالب ابن البناء ، أنبأنا أبو محمد الجوهري ، أنبأنا محمد بن العباس بن حيويه الخزاز ، أنبأنا الحسن بن علي بن زكريا ، أنبأنا الحسن بن علي بن راشد... » (5).

قال أبو نعيم : ورواه السدي عن زيد بن أرقم (6).

قلت :

رواية السدي أخرجها ابن عساكر بطريقين عن زيد بن أرقم وأبي هريرة... قال :

« أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن المسلم الرحبي ، أنبأنا خال أبي سعد الله ابن صاعد ، أنبأنا مسدد بن علي ، أنبأنا إسماعيل بن القاسم ، أنبأنا يحيى بن

(1) فضائل علي بن أبي طالب ، رقم 1132.

(2) كسبط ابن الجوزي في التذكرة ، وابن أبي الحديد في الشرح ، والقندوزي في الينابيع : 126.

(3) كذا ، والصحيح هو : « الحسن ».

(4) اللآلي المصنوعة 1 | 369.

(5) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 102.

(6) حلية الأولياء 1 | 86.


163

علي ، أنبأنا أبو عبد الرحمن ، أنبأنا أبي ، عن السدي ، عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم...

أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر ، أنبأنا أبو سعد الجنزرودي ، أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد الجيرفتي [ ظ ] أنبأنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس الدهقان ببغداد ، أنبأنا محمد بن مندة بن أبي الهيثم الأصبهاني ، أنبأنا محمد بن بكير الحضرمي ، أنبأنا عبد الله بن عمر البلخي ، عن الفضل بن يحيى المكي ، عن السدي ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم... » (1).

وأخرجها السيوطي عن زيد بطريق آخر ، فإنه قال بعد رواية الدارقطني المتقدمة :

« قلت : له طريق آخر ، قال الشيرازي في الألقاب : أنبأنا أبو الحسن أحمد بن أبي عمران الجرجاني ، أنبأنا كرد بن جعفر بن أحمد بن محمد البغدادي ـ إملاء ـ حدثنا أحمد بن أبي فروة الرهاوي ، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام الرهاوي ، حدثنا عبد الملك بن دليل ، حدثني أبي دليل ، عن السدي ، عن زيد بن أرقم ـ مرفوعا ـ : من أحب...

قال ابن حبان : دليل عن السدي عن زيد بن أرقم ، روى عنه ابنه عبد الملك نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب. قال الذهبي في الميزان : منها هذا الحديث » (2).

وهذا الحديث أخرجه السيوطي عن البراء بن عازب ، قال :

« الأزدي : أنبأنا عمرو بن سعيد بن سفيان ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم النحوي ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء

(1) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 100 ـ 101.

(2) اللآلي المصنوعة 1 | 369.


164

ـ مرفوعا ـ : من أحب...

إسحاق يضع . قلت : قال في الميزان : هو : إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب بن عباد بن العوام الواسطي ، رآه ابن عدي وكذبه لوضعه الحديث ؛ وكذبه الأزدي أيضا وقال : فيه النحوي. والله أعلم » (1).

والفقيه الحافظ ابن المغازلي الشافعي ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال :

« أخبرنا أبو الحسن أحمد بن المظفر بن أحمد العطار ـ بقراءتي عليه فأقر به سنة 434 ـ قلت له : أخبركم أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الملقب بابن السقاء الحافظ الواسطي ـ رحمه الله ـ أخبرنا أبو بكر ابن أبي داود ـ وأنا سألته ـ حدثنا إسحاق بن غبراهيم بن شاذان ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب أن يتمسك بالقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن ، فليتمسك بحب عليّ ابن أبي طالب ».

وعن السدي ، عن ابن عباس :

« أخبرنا محمد بن أحمد بن عثمان بن الفرج ، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيوية الخزاز ـ إذنا ـ حدثنا أبو الحسن الديباجي أحمد بن محمد ، حدثنا أحمد بن محمد بن غالب ، قال : حدثني عبد العزيز بن عبد الله ، عن إسماعيل بن عياش الحمصي ، عن السدي ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم... ».

وعن علي بن الحسين عليهما السلام ، عن ابن عباس :

« أخبرنا أبو طالب محمد بن أحمد بن عثمان ، أخبرنا أبو عبد الله محمد

(1) اللآلي المصنوعة 1 | 368.


165

ابن زيد بن علي بن جعفر بن مروان الكوفي ـ قراءة عليه في ذي الحجة سنة 372 ـ حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن شاذان ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل ، قال : حدثني إسحاق بن موسى ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن ابن عباس... » (1).

أقول :

فهذا الحديث مروي عندهم في كتب كثيرة معتبرة بالأسانيد والطرق العديدة المتضافرة ، عن غير واحد من الأصحاب ، وهم :

1 ـ عبد الله بن عباس.

2 ـ البراء بن عازب.

3 ـ زيد بن أرقم.

4 ـ أبو هريرة.

فهل وضعه كل هؤلاء ؟! أو بعضهم ووافقه عليه غيره ؟!

ولو سلمنا ضعف جميع طرقه وأسانيده... فقد تقدم كلام العلامة المناوي ـ وله نظائر تمن غيره من الأعلام ـ ينص على بلوغ هكذا حديث مرتبة الحجية ، وأن من ينكر هذا المعنى فهو إما جاهل بالصناعة ، أو معاند مكابر متعصب...

لكنا لا نسلم.. وللنظر فيما ذكر في غير واحد من الطرق مجال...

* لأن حديث « دليل عن السدي عن زيد » لم يطعن فيه إلا من جهة كلام ابن حبان : « روى عنه ابنه عبد الملك نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب » وتطبيق الذهبي ـ باجتهاده المنبعث من طريقته في رد فضائل أهل البيت عليهم السلام ـ هذه الكبرى على ما نحن فيه بقوله : « منها هذا الحديث » !!

(1) مناقب علي بن أبي طالب : 216 ـ 217.


166

* ولأن حديث « الأزدي عن البراء » استند في رده إلى أمرين :

أحدهما : رآه ابن عدي وكذبه.

والثاني : كذبه الأزدي.

قلت :

أما الأول ففيه : أن « ابن عدي » على هذا من أقران « إسحاق » المذكور وقد نص الذهبي على أن كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ، وهذه عبارته :

« قلت : كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، ما ينجو منه إلا من عصم الله ، وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك ، سوى الأنبياء والصديقين... » (1).

عليه فليتوقف عن قبول رمي ابن عدي إسحاق بما سمعت !

وأما الثاني ، فقد نص الذهبي أيضا بسقوط جرح الأزدي ، قال : « لا يلتفت إلى قول الأزدي ، فإن في لسانه في الجرح رهقا » (2).

إذن ، لم يثبت جرح إسحاق.

على أنه قد تابعه في الحديث غيره : أخرج ابن عساكر قال :

« أخبرنا أبو غالب ابن البناء ، أنبأنا أبو محمد الجوهري ، أنبأنا أبو الحسين ابن المظفر ، أنبأنا محمد بن محمد بن سليمان ، حدثني محمد بن أبي يعقوب الدينوري ، أنبأنا أبو ميمون جعفر بن نصر ، أنبأنا يزيد بن هارون الواسطي... » (3).

(1) ميزان الاعتدال 1 | 111.

(2) ميزان الاعتدال 1 | 61.

(3) ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 2 | 102.


167

و« أبو ميمون » وإن تكلم فيه ، إلا أن سكوت ابن عساكر ومشايخه الذين في طريق هذا الحديث ـ وهم حفاظ كبار ـ عن الطعن يكفي في مقام الاحتجاج.

* ولأن حديث الدارقطني لم يطعن فيه إلا من ناحية « الحسن » قال الحافظ ابن الجوزي : « هو العدوي الكذاب الوضاع ، ولعله سرقه من النحوي » (1). وقال السيوطي : « هو العدوي الوضاع ، سرقه من إسحاق » (4).

* وكذا الحديث في « الفضائل » ، إذ لم يطعن في إسناده إلا من « ناحية » الحسن في أوله.

قلت :

إعلم أن القوم قد تناقضت كلماتهم واضطربت أقوالهم تجاه هذا الحديث ، بالسند الذي جاء في ( الفضائل ) ورواه الدارقطني الحافظ ، ونحن ننقل كلماتهم.. وعليك بالتأمل ، ولك أن تستنتج ما حكم به عقلك وإنصافك..

لقد جاء في ( الفضائل ) : « حدثنا الحسن ، قال : ثنا الحسن بن علي بن راشد ، قال : ثنا الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل ، عن زيد ابن أرقم... ».

وقال الدارقطني : حدثنا الحسن بن علي بن زكريا ، حدثنا الحسن بن راشد ، حدثنا شريك... ».

أما « ابن راشد » فهو : « الحسن بن علي بن راشد الواسطي » قال الحافظ ابن حجر : « صدوق ، رمي بشيء من التدليس. من العاشرة ، مات سنة 37 »

(1) الموضوعات 1 | 387.

(2) اللآلي المصنوعة 1 | 369.


168

ووضع عليه علامة : أبي داود والنسائي (1).

وأما « الأعمش » فهو من رجال الكتب الستة (2).

وأما « حبيب » فهو من رجال الكتب الستة كذلك (3).

وأما « أبو الطفيل » و« زيد بن أرقم » فصحابيان.

إذن : لا إشكال إلا من ناحية « الحسن » في أول السند.

أما الدارقطني فقال : « حدثنا الحسن بن علي بن زكريا... ».

وأما ( الفضائل ) فإنه وإن لم يقل في حديثنا ـ وحديثين قبله ـ إلا « حدثنا الحسن » لكنه صرح في الحديث السابق على الأحاديث الثلاثة بقوله : « حدثنا الحسن بن علي البصري ».

ثم إن الدارقطني لم يتكلم في الحديث بشيء غير أنه قال : « ما كتبته إلا عنه » فلم يضعف شيخه « الحسن » وهو يدل على كون الحديث صحيحا عنده.

لكن القوم المتعصبين يشق عليهم ذلك !! فيقول ابن الجوزي عقب كلام الدارقطني : « قلت : وهو العدوي الكذاب الوضاع ، ولعله سرقه من النحوي ».

ثم جاء السيوطي فأسقط كلام الدارقطني ، كاتما شهادته الضمنية بوثاقة شيخه « الحسن » !! وأسقط كلمة « لعل » من عبارة ابن الجوزي ، ليرمي الرجال بالسرقة عن اليقين !! فقال : « الحسن هو العدوي الوضاع ، سرقة من إسحاق ».

فنقول :

أولا : الدارقطني يشهد بوثاقة شيخه ، وهذه الشهادة لا تعارضها تلك الكلمات المضطربة الصادرة من الحاقدين على أهل البيت الطاهرين !

(1) تقريب التهذيب 1 | 168.

(2) تقريب التهذيب 1 | 331.

(3) تقريب التهذيب 1 | 148.


169

وثانيا : إن الأوصاف والألقاب التي يذكرونها بتراجم الدارقطني لتكذب أن يتخذ « كذابا ، وضاعا ، سارقا » شيخا له ، فيروي عنه الأحاديث النبوية والأحكام الشرعية !!

يقولون بترجمة الدارقطني ووصفه :

الإمام الحافظ المجود ، شيخ الإسلام ، علم الجهابذة... من بحور العلم ومن أئمة الدنيا ، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله... وصار واحد عصره في الحفظ والفهم والورع... فريد عصره وقريع دهره ونسيج وحده وإمام وقته ، انتهى إليه علو الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال ، مع الصدق والثقة... لم يأت بعد النسائي مثله... أمير المؤمنين في الحديث... (1).

وثالثا : إن قول ابن الجوزي والسيوطي « هو العدوي الوضاع » اجتهاد في مقابلة نص الدارقطني على أنه غيره كما ستعرف.

رابعا : إن ابن الجوزي ـ المتوفى سنة 597 هـ ـ غير جازم بسرقة الحديث من « إسحاق ».. وهل ترد الأحاديث المعتبرة الثابتة بـ « لعل » ؟! ثم يأتي السيوطي ـ المتوفى 911 هـ ـ وكأنه جازم ، فيسقط كلمة « لعل » !

وخامسا : قد عرفت أن « إسحاق بن إبراهيم » إنما تكلم في الأزدي ، ومن هنا لم يطعن ابن الجوزي في الحديث عن البراء إلا اعتمادا عليه حيث قال : « قال الأزدي : كان إسحاق بن إبراهيم يضع الحديث » وقد قدمنا عن الحافظ الذهبي أن الأزدي لا يعتد بقوله... حتى أنه قال فيه في موضع آخر بترجمة أحد الرجال : « وقال أبو الفتح الأزدي : هو ضعيف ، لم أر في شيوخنا من يحدث عنه. قلت : هذه مجازفة ، ليت الأزدي عرف ضعف نفسه ! » (2). وقال

(1) هذه كلمات من : الحاكم ، الخطيب ، الذهبي... انظر : تاريخ بغداد 12 | 34 ، سير أعلام النبلاء 16 | 449 و10 | 267 ، ميزان الاعتدال 4 | 8 عند نقل كلام عنه.

(2) سير أعلام النبلاء 13 | 389.


170

بترجمة الأزدي :

« قال أبو بكر الخطيب : كان حافظا ، صنف في علوم الحديث . وسألت البرقاني عنه فضعفه. وحدثني أبو النجيب عبد الغفار الأرموي قال : رأيت أهل الموصل يوهنون أبا الفتح ولا يعدونه شيئا. قال الخطيب : في حديثه مناكير.

قلت : وعليه في كتابه في الضعفاء مؤاخذات ، فإنه قد ضعف جماعة بلا دليل ، بل قد يكون غيره قد وثقهم » (1).

وتحصل : صحة الحديث برواية الدارقطني.

وأما رواية ( الفضائل ) فالحسن فيها هو « الحسن بن علي البصري ».. قال محققه : « موضوع ، وآفته الحسن بن علي البصري ».

فمن هو ؟!

لقد نقل الذهبي وابن حجر العسقلاني عن الدارقطني أن شيخه « الحسن ابن علي بن زكريا » غير « العدوي » وأن « العدوي » متروك ، فقالا : « الحسن بن علي بن زكريا بن صالح ، أبو سعيد العدوي البصري ، الملقب بالذئب. قال الدارقطني : متروك ، وفرّق بينه وبين سميه العدوي » (2).

وهذا وجه آخر يدل على أن شيخه ثقة.

فهذا من جهة.

ومن جهة أخرى : فقد أورد الذهبي وابن حجر عن الحافظ السهمي ـ المتوفى سنة 428 هـ ـ كلاما هو نص في المغايرة بين « الحسن بن علي البصري » و« العدوي ».. فقالا : « وقال حمزة السهمي : سمعت أبا محمد الحسن بن علي البصري يقول. أبو سعيد العدوي كذاب على رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، يقول عليه ما لم يقل... » (3).

(1) سير أعلام النبلاء 16 | 348.

(2) ميزان الاعتدال 1 | 506 ، لسان الميزان 2 | 228.

(3) ميزان الاعتدال 1 | 508 ، لسان الميزان 2 | 230.


171

فالحق أن « الحسن بن علي البصري » شيخ القطيعي ، و« الحسن بن علي ابن زكريا » شيخ الدارقطني... واحد... فهو حديث اتفق « الدارقطني » و« القطيعي » على روايته ، وبسند واحد ، وهو صحيح.

وقول محقق كتاب ( الفضائل ) : « موضوع » باطل ، لأن « الحسن بن علي البصري » غير « العدوي والوضاع » وليس إلا « شيخ الدارقطني » إذ لم نجد في الكتب رجلا بعنوان « السحن بن عليّ البصريّ » أصلا.

كما أن قول ابن الجوزي والسيوطي بعد حديث الدارقطني : « هو العدوي الوضاع » خلط ، إن لم نقل بأنهما تعمدا ذلك لغرض طرح الحديث !

تنبيه :

لقد اثبتنا صحة الأحاديث المذكورة وتمامية الاحتجاج بها ، وإن من ينظر فيما ذكرناه وينصف لا يتردد في صدور المضمون الذي تدل عليه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما لا يتردد في وجوب الأخذ بذاك المضمون اعتقادا وعملا...

وقد رأينا من المناسب أن نؤكد صدور المضمون ، بحديث بنفس المعنى أخرجه كبار الأئمة الأعلام في المسانيد المعتبرة والكتب المشتهرة ، وبأسانيد صحيحة ، كما نص على صحته غير واحد منهم ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام :

« أنت ولي كل مؤمن من بعدي ».

أخرجه :

ابن أبي شيبة في « المصنف » وصححه ، ووافقه على التصحيح : السيوطي (74) والقاري (75).

(1) القول الجلي في مناقب علي : الحديث 40.

(2) كنز العمال 15 | 124 ط حيدر آباد.


172

وأبو داود الطيالسي في ( مسنده ) بسند نص على صحته : ابن عبد البر (1) والمزي (2).

وأحمد بن حنبل في ( مسنده ) بسند صحيح (3).

والترمذي في ( صحيحه ) (4).

والنسائي في ( الخصائص ) (5).

وابن جرير الطبري وصححه (6).

وابن حبان في ( صحيحه ) (7).

والحاكم ، وصححه على شرط مسلم (8).

وابن حجر ، قال : « أخرج الترمذي بسند قوي... » (9).

وسندلل بالتفصيل على صحته حيث يذكره السيد ، فانتظر.

أقول :

ثم إن السيد ـ رحمه الله ـ أورد نصوصا أخرى ، وتعرض خلالها ـ بالمناسبة ـ إلى أشياء من غير النصوص النبوية...

وحيث تكلمنا بالتفصيل في تشييد عمة نصوص المراجعة ، ودفع شبهات السابقين واللاحقين عنها ، ولم يبق مجال للريب في تمامية ما قصده

(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام 3 | 1091.

(2) تهذيب الكمال ـ ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام 20 | 481.

(3) مسند أحمد بن حنبل 5 | 25.

(4) صحيح الترمذي 5 | 296.

(5) خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : 97.

(6) كنز العمال 15 | 124 ط حيدر آباد.

(7) الرياض النضرة 2 | 225.

(8) المستدرك على الصحيحين 3 | 111.

(9) الإصابة في معرفة الصحابة ـ ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام 2 | 509.


173

السيد ـ رحمه الله ـ في هذه المراجعة... كما لم نجد شبهة تستحق التعليق حول الأحاديث والشواهد الأخرى المذكورة فيها... ننتقل إلى المراجعة التالية ، وموضوعها « حجج الكتاب ».

المراجعة ـ 12

حجج الكتاب

قيل :

« لابد قبل التعرض لاستشهاد المؤلف بالآيات على ما ذهب إليه ، من كلمة موجزة في منهج الشيعة في تفسير القرآن الكريم :

إن الدارس للفرق والمذاهب التي نشأت بعد حركة الفتح الإسلامي واستقرار الإسلام بدولته المترامية ، لا بد وأنه يلاحظ أولا أن هذه الفرق اتخذت القرآن الكريم وسيلة للاستدلال على آرائها ، ولكن الفرق بين أصحاب الآراء الصحيحة التي لا تخالف الأصول الإسلامية وبين غيرهم من أصحاب المذاهب المبتدعة : أن الأوائل كانوا تابعين لما تدل عليه معاني القرآن الكريم ، موضحين لدلالات ألفاظه كما فهمها سلف الأمة وعلماؤها ، وكما فسرها الرسول صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان ، فكانوا ضمن دائرة التمسك بالكتاب والسنة ، لم يشذوا عنها.

أما أصحاب البدع والأهواء ، فقد رأوا آراء ، واعتقدوا اعتقادات أرادوا أن يروّجوها على الناس ، فأعوزتهم الأدلّة ، فالتفتوا إلى القرآن الكريم... وهم كما قال ابن تيمية...

أمثلة من مواقف الشيعة في التفسير : يقول ملا حسن الكاشي في مقدمة كتابه : ( الصافي في تفسير القرآن الكريم )...


175

وملا محسن الكاشي ممن يرى أن القرآن قد حرف... ولا يتورع هذا الرافضي المفتري من الطعن على كبار الصحابة الكرام ، ويرميهم بكل نقيصة ، ويجردهم من كل مكرمة ، هكذا فعل مع عثمان في تفسير الآيتين 84 و85 من سورة البقرة ، وهكذا فعل مع أ[ي بكر في تفسير الآية 40 من سورة التوبة ، وكذلك طعن في أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة عند تفسيره أول سورة التحريم ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك... ).

ويعتقد عبدالله بن محم رضا العلوي ـ الشهير بشبر ـ المتوفى سنة 1242 أن القرآن قد حرّف... وعند تفسيره لقوله تعالى في الأية 40 من سورة التوبة ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ) الآية ، نجده يعرض عن تعيين هذا الذي صحب النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في هجرته وهو أبو بكر ، ثم يصرح أو يلمح بما نقص من قدره أو يذهب بفضله المنسوب إليه والمنوّه به في القرآن الكريم ، فيقول... ».

أقول :

لابد قبل التعرض لاستدلال السيد ـ رحمه الله ـ بآيات الكتاب الكريم على ولاية أهل البيت عليهم السلام ، على ضوء الأخبار المتفق عليها بين علماء الفريقين ، من ذكر الأمور التالية بإيجاز :

1 ـ إنه كما لغير الشيعة الإمامية الاثني عشرية من الفرق الإسلامية منهج في تفسير القرآن الكريم ، وفهم حقائقه وأحكامه ، وأسباب نزول


176

آياته... كذلك الشيعة ، وإن منهجهم يتلخص في الرجوع إلى القرآن وما ورد عن العترة المعصومين بالأسانيد المعتبرة... وهذا أمر واضح وللتحقيق فيه مجال آخر.

2 ـ إلا أن منهج البحث في كتب المناظرة يختلف... فإن من الأصول التي يجب على الباحث المناظر الالتزام بها هو : الاستدلال بالروايات الواردة عن طريق رجال المذهب الذي يعتنقه الطرف المقابل ، وكلمات العلماء المحققين المعروفين من أبناء الطائفة التي ينتمي إليها.

فهذا مما يجب الالتزام به في كل بحث يتعلق بالفرق والمذاهب ، وإلا فإن كل فرقة ترى الحق في كتبها ورواياتها ، وتقول ببطلان ما ذهب إليه وقال به غيرها ، فتكون المناقشة بلا معنى والمناظرة بلا جدوى.

وعلى هذه القاعدة مشى السيد ـ رحمه الله ـ في ( مراجعاته ) مع شيخ الأزهر ( الشيخ البشري ).

وفي ( حجج الكتاب )... حيث يشير إلى المصادر السنية المقبولة لدى ( الشيخ )...

فكان القول بنزول الآية المباركة في أمير المؤمنين أو أهل البيت عليهم السلام قولا متفقا عليه بين الطرفين ، والحديث الوارد في ذلك سنة ثابتة يجب اتباعها والتمسك بها على كلا الفريقين.

وقد كانت هذه طريقة علمائنا المتقدمين...

3 ـ ولم نجد الالتزام بهذه الطريقة التي تفرضها طبيعة البحث والحوار في كلمات أكثر علماء أهل السنة...

ومن أراد التأكد من هذا الذي نقوله فلينظر ـ مثلا ـ إلى كتاب « منهاج


177

الكرامة في إثبات الإمامة » للعلامة الحلي ، وما قاله ابن تيمية في ( منهاجه ) في الرد عليه ، وليقارن بين المنهاجين ، خصوصا في فصل الاستدلال بالكتاب ، فبدلا من أن يلتزم ابن تيمية بالقواعد والآداب أخذ يسب العلامة ويشتمه ويتهمه بأنواع التهم ! ثم يضطر إلى اتهام كبار أئمة السنة في التفسير والحديث ـ الذين نقل عنهم العلامة القول بنزول الآيات في أهل البيت كالثعلبي والواحدي والبغوي ونظرائهم ـ بنقل الموضوعات ورواية المكذوبات ، وأمثال ذلك من الاتهامات ، وسنتعرض لذلك في خلال البحث عن الآيات.

ثم إن ابن تيمية أصبح ـ وللأسف ـ قدوة للذين يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى الله ورسوله ، فلووا رؤوسهم واستكبروا استكبارا ، أما الشيخ البشري وأمثاله ، فأذعنوا للحق واتبعوه ، فمنهم من أخفى ذلك ومنهم من أجهر به إجهارا...

4 ـ وفضائل الإمام علي وأهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم ، وما نزل فيهم من آياته الكريمة ، كثيرة جدا ، حتى أن جماعة من أعلام السنة أفردوا ذلك بالتأليف...

هذا ، بالرغم من الحصار الشديد المضروب على رواية هذا النوع من الأحاديث ورواته !

أما غير أهل البيت ، فلم يدع ـ حتى في كتب القوم ـ نزول شيء من الآيات في حقهم..!

أنظر إلى كلام القاضي عضد الدين الإيجي ـ المتوفى سنة 756 هـ ـ في كتابه « المواقف في علم الكلام » الذي هو من أجل متونهم في علم الكلام ، يقول :

« المقصد الرابع : في الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه [ وآله


178

وسلم ، وهو عندنا أبو بكر ، وعند الشيعة علي ، رضي الله عنهما. لنا وجهان : الأول : إن طريقه إما النص أو الإجماع. أما النص فلم يوجد... » (1).

نعم ، ذكر في المقصد الخامس ، في أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « هو عندنا وأكثر قدماء المعتزلة أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ، وعند الشيعة وأكثر متأخري المعتزلة علي. لنا وجوه الأول : قوله تعالى : ( وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى ) (2). قال أكثر المفسرين ـ واعتمد عليه العلماء ـ أنها نزلت في أبي بكر. الثاني : قوله عليه السلام... » (3).

فلم يستدل من الكتاب إلا بآية واحدة ، نسب إلى أكثر المفسرين نزولها في أبي بكر.

فهذه آية واحدة فقط !

وهناك آية ثانية ، وهي آية الغار ، جعلوها فضيلة لأبي بكر ، واستدلوا بها في الكتب.

أما آية الغار فممن تكلم في الاستدلال بها : المأمون العباسي ، الذي وصفه الحافظ السيوطي في كتابه « تاريخ الخلفاء وأمراء المؤمنين » فقال : « قرأ العلم في صغره وسمع الحديث من : أبيه ، وهشيم ، وعباد بن العوام ، ويوسف ابن عطية ، وأبي معاوية الضرير ، وإسماعيل بن علية ، وحجاج الأعور ، وطبقتهم. وأدبة اليزيدي ، وجمع الفقهاء من الآفاق ، وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس ، ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها ، فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن.

(1) المواقف في علم الكلام ـ بشرح الجرجاني ـ 8 | 354.

(2) سورة الليل 92 : 17 و18.

(3) المواقف في علم الكلام ـ بشرح الجرجاني ـ 8 | 365.


179

روى عنه : ولده الفضل ، ويحيى بن أكثم ، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي ، والأمير عبد الله بن طاهر ، وأحمد بن الحارث الشيعي ، ودعبل الخزاعي ، وآخرون.

وكان أفضل رجال بين العباس حزما وعزما ، وحلما وعلما ، ورأيا ودهاء ، وهيبة وشجاعة ، وسؤددا وسماحة ، وله محاسن وسيرة طويلة ، لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن ، ولم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه ، وكان فصيحا مفوها... » (1).

تكلم المأمون في آية الغار ، في مجلس ضم قاضي القضاة يحيى بن أكثم وأئمة العصر في الفقه والحديث ، في مسائل كثيرة من أبواب الفضائل والمناقب ، فكان أن قال لمخاطبه ـ وهو : إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن زيد ؛ والراوي إسحاق نفسه ـ :

«... فما فضله الذي قصدت له الساعة ؟ قلت قول الله عز وجل : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) (2) فنسبه إلى صحبته.

قال : يا إسحاق أما إني لا أحملك على الوعر من طريقتك ، إني وجدت الله تعالى نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عن كافرا ، وهو قوله : ( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ) (3).

قلت : إن ذلك كان صاحبا كافرا ، وأبو بكر مؤمن.

قال : فإذا جاز أن ينسب إلى صحبة من رضيه كافرا ، جاز أن ينسب

(1) تاريخ الخلفاء : 306.

(2) سورة التوبة 9 : 40.

(3) سورة الكهف 18 : 37 و38.


180

إلى صحبة نبيه مؤمنا ، وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث.

قلت : يا أمير المؤمنين ، إن قدر الآية عظيم.. إن الله يقول : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ).

قال : يا إسحاق ، تأبى الآن أن أخرجك إلى الاستقصاء عليك ؛ أخبرني عن حزن أبي بكر ، أكان رضا أم سخطا ؟

قلت : إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم خوفا عليه وغما أن يصل إلى رسول الله شيء من المكروه.

قال : ليس هذا جوابي . إنما كان جوابي أن تقول رضا أم.

قلت : بل كان رضا لله.

قال : وكان الله جل ذكره بعث إلينا رسولا ينهى عن رضا الله عز وجل وعن طاعته ؟!

قلت : أعوذ بالله.

قال : أو ليس قد زعمت أن حزن أبي بكر رضا لله ؟!

قلت : بلى.

قال : أولم تجد أن القرآن يشهد أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : لا تحزن. نهيا له عن الحزن ؟!

قلت : أعوذ بالله !

قال : يا إسحاق ، إن مذهبي الرفق بك ، لعل الله يردك إلى الحق ويعدل بك عن الباطل ، لكثرة ما تستعيذ به.

وحدثني عن قول الله : ( فأنزل الله سكينته عليه ) من عني بذلك رسول الله أم أبو بكر ؟

قلت : بل رسول الله.

قال : صدقت.


181

قال فحدثني عن قول الله عز وجل ( يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) إلى قوله ) ثم أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) (1) أتعلم من المؤمنين الذين أراد الله في هذا الموضع ؟

قلت : لا أدري يا أمير المؤمنين.

قال : الناس جميعا انهزموا يوم حنين ، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إلا سبعة نفر من بني هاشم ، علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله ، والخمسة محدقون به خوفا من أن يناله من جراح القوم شيء ، حتى أعطى الله لرسوله الظفر ، فالمؤمنون في هذا الموضع علي خاصة ثم من حضره من بني هاشم.

قال : فمن أفضل ؟ من كان مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في ذلك الوقت ، أم من انهزم عنه ولم يره الله موضعا لينزلها عليه ؟

قلت : بل من أنزلت عليه السكينة.

قال : يا إسحاق ، من أفضل ؟ من كان معه الغار ، أم من نام على فراشه ووقاه بنفسه حتى تم لرسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ما أراد الهجرة ؟

إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليا بالنوم على فراشه وأن يقي رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بذلك ، فبكى علي ـ رضي الله عنه ـ ، فقال له رسول الله : ما يبكيك يا علي ؟! أجزعا من الموت ؟!

قال : لا ، والذي بعثك بالحق يا رسول الله ، ولكن خوفا عليك ،

(1) سورة التوبة 9 : 25 و 26.


182

أفتسلم يا رسول الله ؟

قال : نعم.

قال : سمعا وطاعة نفسي بالفداء لك يا رسول الله.

ثم أتى مضجعه واضطجع وتسجى بثوبه. وجاء المشركون من قريش فحفوا به لا يشكون أنه رسول الله ، وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش ضربة بالسيف لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطنا بدمه وعلي يسمع ما القوم فيه من تلاف نفسه ، ولم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار.

ولم يزل علي صابرا محتسبا ، فبعث الله ملائكته فمنعته من مشركي قريش ، حتى أصبح ، فلما أصبح قام ، فنظر القوم إليه ، فقالوا : أين محمد ؟! قال : وما علمي بمحمد أين هو ! قالوا : فلا نراك إلا مغرورا بنفسك منذ ليلتنا.

فلم يزل علي أفضل ، ما بدا به يزيد ولا ينقص ، حتى قبضه الله إليه » (1).

وأما الآية الأخرى ، فقد ذكرنا في تعليقة « المواقف » في الجواب عن الاستدلال بها وجوها :

الأول : إن نزولها في ابي بكر غير متفق عليه بين المفسرين من أهل السنة ، وحتى كونه قول أكثر المفسرين غير ثابت ، وإن جاء ذلك في شرح المواقف (2).

ومن المفسرين من حمل الآية على العموم ، ومنهم من قال بنزولها في

(1) العقد الفريد 5 | 349.

(2) شرح المواقف 8 | 366.


183

قصة أبي الدحداح وصاحب النخلة ، كما ذكر السيوطي (1).

والثاني : إنّ رواة نزولها في حق أبي بكر ما هم إلا آل الزبير ، وهؤلاء قوم منحرفون عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام ومعروفون بذلك.

والثالث : إن سند خبر نزولها في ابي بكر غير معتبر ، قال الحافظ الهيثمي :

« وعن عبدالله بن زبير ، قال : نزلت في أبي بكر الصديق : ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى ) (2).

رواه الطبراني ، وفيه : مصعب بن ثابت. وفيه ضعف » (3).

قلت :

وهذا الرجل هو : مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ؛ ولاحظ الكلمات في تضعيفه بترجمته (4).

هذا بالنسبة إلى أبي بكر.

وأما عمر وعثمان ، فلم يزعموا نزول شيء فيهما من القرآن...

5 ـ بل لو تتبعت كتبهم في مختلف العلوم لوجدت للقوم مثالب في القرآن الكريم ، ونحن الآن في غني عن التعرض لمثل هذه الأمور ، غير أنا نشير إلى أن نزول قوله تعالى ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة

(1) الدر المنثور 6 | 358.

(2) سورة الليل 92 : 19 | 21.

(3) مجمع الزوائد 9 | 50.

(4) تهذيب التهذيب 10 | 144.


184

إيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبّأها به قال من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات... ) (1) في عائشة وحفصة مذكور في أشهر كتب القوم من الصحاح وغيرها ، فراجع إن شئت :

مسند أحمد بن حنبل 1 | 33.

صحيح البخاري : كتاب النكاح ، باب في موعظة الرجل ابنته.

صحيح البخاري : كتاب التفسير ، بتفسير الآية : ( تبتغي مرضات أزواجك ).

صحيح مسلم : كتاب الرضاع ، باب في الإيلاء واعتزال النساء.

صحيح الترمذي 2 | 231.

صحيح النسائي 2 | 140.

وفي هذا القدر كفاية ، لتعلم أن القصة التي أوردها الشيخ محسن الكاشاني مذكورة في كتبهم ، ولتعرف من المتقول المفتري !!

وبعد المقدمة ، وقبل الورود في ( تشييد المراجعات ) نقول :

لقد كان ابن تيمية ـ كما أشرنا من قبل ـ قدوة للمكابرين من بعده ، فهم متى ما أعوزهم الدليل ، وعجزوا عن المناقشة ، لجأوا إلى كلماته المضطربة المتهافتة ، التي لا علاقة لها بالمطلب ، ولا أساس لها من الصحة... ومن ذلك هذا المورد ، وبيان ذلك بإيجاز هو :

(1) سورة التحريم 66 : 1 ـ 5.


185

إنّ المقام ليس مقام البحث عن المناهج التفسيرية عند هذه الفرقة أو تلك ، وإنما المقصود ذكر الأخبار والأقوال الواردة في كتب أهل السنة المعروفة ، في طائفة من آيات الكتاب النازلة في حق أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام... فهذا هوالمقصود.

وأما أن منهج الشيعة في التفسير ما هو ؟ ومنهج غيرهم ما هو ؟ وأي منهما هو الصحيح ؟ فتلك بحوث تطرح في محلها.

ثم إن للشيعي أن يقول نفس هذا الكلام الذي قاله القائل ، فيقول : « إن الدارس للفِرق والمذاهب... ولكن الفرق بين أصحاب الآراء الصحيحة التي لا تخالف الأصول الإسلاميّة ، وبين غيرهم من أصحاب المذاهب المبتدعة... ».

لكن من هم « أصحاب الآراء الصحيحة » ؟! ومن هم « أصحاب المذاهب المبتدعة » ؟!

فنحن نقول : إن « أصحاب الآراء الصحيحة » في فهم القرآن الكريم ، هم أتباع الأئمة الطاهرين من أهل البيت ، كالإمامين الباقر والصادق عليهما السلام...

وإن « أصحاب المذاهب المبتدعة » هم : عكرمة البربري... وأمثاله.

وسنفصل الكلام في التعريف بعكرمة وأمثاله على ضوء كلمات أهل السنة.

وعلى الجملة : فإن السيد ـ رحمه الله ـ لم يستدل في بحوثه هذه بالآيات الكريمة على « منهج الشيعة في التفسير » ، وإنما استدل بروايات أهل السنة وأقوال مفسريهم المشاهير على ما هو « منهج البحث والمناظرة ».

وتعرض هذا القائل هنا لمسألة « تحريف القرآن ».. وهذه أيضا لا علاقة


186

لها بالبحث ، وإنما لاغرض من ذكرها هنا تشويه مذهب الشيعة ، ونحن نحيل القارئ المنصف إلى كتابنا المطبوع المنتشر في الموضوع وهو : « التحقيق في نفي التحريف عن القرآن الشريف » (1) ليظهر له رأينا في المسألة ، ويتبين له من القائل بالتحريف !

فلنشرع في ( تشييد المراجعات ) : في ( حجج الكتاب ) :

(1) نشر أولا في حلقات في مجلة تراثنا ، في الأعداد 6 ـ 14 ، ثم نشرته مؤسسة دار القرآن الكريم في 371 صفحة ، ولعله خير كتاب أخرج للناس في موضوعه.


187

آية التطهير

قال السيد ،

مخاطبا الشيخ سليم البشري :

« إنكم ـ بحمد الله ـ ممن وسعوا الكتاب علما ، وأحاطوا بجليه وخفيه خبرا ، فهل نزل من آياته الباهرة في أحد ما نزل في العترة الطاهرة ؟! هل حكمت محكماته بذهاب الرجس عن غيرهم ؟! وهل لأحد من العالمين كآية تطهيرهم ؟! ».

أقول :

هذه الآية مباركة هي قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم رجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (1).

وقد استدل بها أصحابنا ـ تبعا لأئمة العترة الطاهرة ـ على عصمة « أهل البيت » ومن ثم فهي من أدلة إمامة أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة الطاهرين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد كابر بشأنها الخوارج ، والنواصب ، والمخالفون لـ « أهل البيت » منذ اليوم الأول ، وإلى يومنا هذا... ولذا كانت هذه الآية موضع البحث والتحقيق ، والأخذ والرد ، وكتبت حولها الكتب والدارسات الكثيرة (2).

(1) سورة الأحزاب 33 : 33.

(2) ولنا فيها كتاب ردا على كتيّب للدكتور علي أحمد السالوس ، أسماه : « آية التطهير بين أمهات المؤمنين وأهل الكساء » صدر بعنوان « مع الدكتور السالوس في آية التطهير » وهناك التفصيل الأكثر.


188

ونحن نذكر وجه الاستدلال ، ولينظر الناظرون هل هو « ضمن دائرة التمسك بالكتاب والسنة ».. أو لا ؟!

وهذه هي الأقوال في المسألة نقلا عن أحد المتعصبين ضد الشيعة الإمامية :

« وفي المراد بأهل البيت ها هنا ثلاثة أقوال :

أحدها : أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، لأنهن في بيته. رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. وبه قال عكرمة وابن السائب ومقاتل. ويؤكد هذا القول أن ما قبله وما بعده متعلق بأزواج رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم. وعلى أرباب هذا القول اعتراض ، وهو : إن جمع المؤنث بالنون فكيف قيل ( عنكم ) و( يطهركم ) ؟ فالجواب : إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فيهن فغلب المذكر.

والثاني : إنه خاص في : رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين. قاله أبو سعيد الخدري ، وروي عن أنس وعائشة وأم سلمة نحو ذلك.

والثالث : إنهم أهل رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وأزواجه ، قاله الضحاك » (18).

فهذه عبارة الحافظ ابن الجوزي..

فالقائل باختصاص الآية بالرسول وبضعته ووصيه وسبطيه عليهم الصلاة والسلام ، هم جماعة من الصحابة ، وعلى رأسهم : أم سلمة وعائشة... من زوجاته...

(1) زاد المسير في علم التفسير ـ للحافظ ابن الجوزي ، المتوفى ستة 597 ـ 6 | 381 ـ 382.


189

وعلى رأس القائلين بكونها خاصة بالأزواج : عكرمة البربري... لما سيأتي من أن ابن عباس من القائلين بالقول الثاني.

أما القول الثالث فلم يحكه إلا عن الضحاك !

فمن هم « أصحاب الآراء الصحيحة » ؟! ولماذا أعرض الذين ادعوا أنهم « كانوا تابعين لما تدل عليه معاني القرآن الكريم ، موضحين لدلالات ألفاظه كما فهمها سلف الأمة وعلماؤها ، وكما فسرها الرسول صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان » عن قول أم سلمة وعائشة وجماعة من كبار الصحابة ومشاهيرهم ـ كما سيجيء ـ وأخذوا بقول « عكرمة » الذي ستعرفه ، وأمثاله ؟!

وأما تفصيل المطلب ، ففي فصول :


190

الفصل الأول
في تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا

المراد من « أهل البيت »

فقد أخرج جماعة من كبار الأئمة والحفاظ والأئمة حديث الكساء ، الصريح في اختصاص الآية المباركة بالرسول وأهل بيته الطاهرين علهيم الصلاة والسلام ، عن عشرات من الصحابة :

من الصحابة الرواة لحديث الكساء :

ونحن نذكر عدة منهم فقط :

1 ـ عائشة بنت أبي بكر.

2 ـ أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

3 ـ عبدالله بن العباس.

4 ـ سعد بن أبي وقاص.

5 ـ أبو الدرداء.

6 ـ أنس بن مالك.

7 ـ أبو سعيد الخدري.

8 ـ واثلة بن الأسقع.

9 ـ جابر بن عبدالله الأنصاري.

10 ـ زيد بن أرقم.

11 ـ عمر بن ابي سلمة.


191

12 ـ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

من الأئمة الرواة لحديث الكساء :

ونكتفي بذكر أشهر المشاهير منهم :

1 ـ أحمد بن حنبل ، المتوفى سنة 241.

2 ـ عبد بن حميد الكشي ، المتوفى سنة 249.

3 ـ مسلم بن الحجاج ، صاحب الصحيح ، المتوفى سنة 261.

4 ـ أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ، المتوفى سنة 277.

5 ـ أحمد بن عبد الخالق البزار ، المتوفى 292.

6 ـ محمد بن عيسى الترمذي ، المتوفى سنة 297.

7 ـ أحمد بن شعيب النسائي ، المتوفى سنة 303.

8 ـ أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي.

9 ـ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، المتوفى سنة 310.

10 ـ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي ، الشهير بابن أبي حاتم ، المتوفى سنة 327.

11 ـ سليمان بن أحمد الطبراني ، المتوفى سنة 360.

12 ـ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ، المتوفى سنة 405.

13 ـ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني ، المتوفى سنة 430.

14 ـ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، المتوفى سنة 458.

15 ـ أبو بكر أحمد بن علي ، المعروف بالخطيب البغدادي ، المتوفى سنة 463.

16 ـ أبو السعادات المبارك بن محمد ، المعروف بابن الأثير ، المتوفى


192

سنة 606.

17 ـ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي ، المتوفى سنة 748.

18 ـ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، المتوفى سنة 911.

من ألفاظ الحديث في الصحاح والمسانيد وغيرها :

وهذه نبذة من ألفاظ الحديث بأسانيدها (1) :

ففي المسند : « حدثنا عبدالله ، حدثني أبي ، ثنا عبدالله بن نمير ، قال : ثنا عبد الملك ـ يعني ابن أبي سليمان ـ ، عطاء بن أبي رباح ، قال : حدثني من سمع أم سلمة تذكر النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان في بيتها ، فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة ، فدخلت بها عليه ، فقال لها : ادعي زوجك وابنيك.

قالت : فجاء علي والحسين والحسن فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون تلك الخزيرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري.

قالت : وأنا أصلي في الحجرة ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم رجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ).

قالت : فأخذ فضل الكساء فغشاهم به ، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

قالت : فأدخلت رأسي البيت فقلت : وأنا معكم يا رسول الله ؟

(1) نعم ، هذه نبذة من الروايات ، إذ لم نورد كل ما في المسند أو المستدرك أو غيرهما ، بل لم نورد شيئا من تفسير الطبري وقد أخرجه من أربعة عشر طريقا ، ولا من كثير من المصادر المعتبرة في التفسير والحديث وتراجم الصحابة وغيرها.


193

قال : إنك إلى خير ، إنك إلى خير.

قال عبد الملك : وحدثني ابو ليلى عن أم سلمة مثل حديث عطاء سواء.

وفي المسند : « حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا عفان ، ثنا حماد بن سلمة ، قال : ثنا علي بن زيد ، عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال لفاطمة : ائتيني بزوجك وابنيك ؛ فجاءت بهم ، فألقى عليهم كساء فدكيا.

قال : ثم وضع يده عليهم ثم قال : اللهم إن هؤلاء آل محمد ، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد ، إنك حميد مجيد.

قال أم سلمة : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي وقال : إنك على خير » (3).

وفي المسند : « حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا يحيى بن حماد ، ثنا أبو عوانة ثنا أبو بلج ، ثنا عمرو بن ميمون ، قال : إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا : يا ابن عباس ، إما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا هؤلاء.

قال : فقال ابن عباس : بل أقوم معكم.

قال : وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى. قال : فاتندوا فتحدثوا ، فلا ندري ما قالوا.

(1) كذا.

(2) مسند أحمد 6 | 292.

(3) مسند أحمد 6 | 323.


194

قال : فجاء ينفض ثوبه ويقول : أف وتف ، وقعوا في رجل له عشر ، وقعوا في رجل قال له النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ( فذكر مناقب لعلي منها : ) « وأخذ رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) » (1).

وفي صحيح مسلم : « حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله ابن نمير ـ واللفظ لأبي بكر ـ قالا : حدثنا محمد بن بشر ، عن زكريا عن مصعب بن شيبة ، عن صفية بنت شيبة ، قالت : قالت عائشة : خرج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم رجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (2).

وفي جامع الأصول : «6689 ت ، أم سلمة ـ رضي الله عنهما ـ قال : إن هذه الآية نزلت في بيتي : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) قالت : وأنا جالسة عند الباب فقلت : يا رسول الله ، ألست من أهل البيت ؟ فقال : إنك إلى خير ، أنت من أزواج رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.

قالت : وفي البيت : رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين ، فجللهم بكسائه وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وفي رواية : إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم جلل على الحسن

(1) مسند أحمد 1 | 330.

(2) صحيح مسلم 7 | 130.


195

والحسين وعلي وفاطمة ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

قالت أم سلمة : وأنا معهم يا رسول الله ؟ قال : إنك إلى خير.

أخرج الترمذي الرواية الآخرة ، والأولى ذكرها رزين.

6690 ت ، عمر بن أبي سلمة ـ رضي الله عنه ـ قال : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) في بيت أم سلمة ، فدعا النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فاطمة وحسنا وحسينا ، فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

قالت أم سلمة : وأنا معهم يا نبي الله ؟

قال : أنت على مكانك وأنت على خير.

أخرجه الترمذي.

6691 ت ، أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية ، قريبا من ستة أشهر ، يقول : الصلاة أهل البيت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ).

أخرجه الترمذي.

6692 م ، عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : خرج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعليه مرط مرجل أسود ، فجاءه الحسن فأدخله ، ثم جاءه الحسين فأدخله ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) الآية.


196

أخرجه مسلم » (1).

وفي الخصائص : « أخبرنا محمد بن المثنى ، قال : أخبرنا أبو بكر الحنفي ، قال : حدثنا بكر بن مسمار ، قال سمعت عامر بن سعد يقول : قال معاوية لسعد بن أبي وقاص :

ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب ؟!

قال : لا أسبه ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، لئن يكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم :

لا أسبه ما ذكرت حين نزل الوحي عليه ، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال : رب هؤلاء أهل بيتي وأهلي وأهلي.

ولا أسبه ما ذكرت حين خلفه في غزوة غزاها...

ولا أسبه ما ذكرت يوم خيبر... ».

وفي الخصائص : « أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي وهشام بن عمار الدمشقي ، قالا : حدثنا حاتم ، عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، قال : أمر معاوية سعدا فقال : ما يمنعك أن تسب أبا تراب ؟!

فقال : أنا إن ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فلن أسبه ، لئن يكون لي واحدة منها أحب إليّ من حمر النعم :

سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول له ، وخلّفه في بعض مغازيه...

وسمعته يقول يوم خيبر : ...

ولما نزلت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت

(1) جامع الأصول 10 | 100 ـ 101.

(2) خصائص عليّ : 81 طبعة النجف الأشرف.


197

ويطهركم تطهيرا ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي » (1).

أقول :

أخرجه ابن حجر العسقلاني باللفظ الأول في « فتح الباري » بشرح حديث : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون... » فقال :

« ووقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عند مسلم والترمذي ، قال : قال معاوية لسعد : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟!

قال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فلن أسبه ؛ فذكر هذا الحديث.

وقوله : لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله.

وقوله لما نزلت ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) (2) دعا عليا وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي » (3).

وهذا تحريف للحديث ! إذ أسقط أولا : « فأدخلهم تحت ثوبه » ، ثم جعلت الآية النازلة هي آية المباهلة لا آية التطهير ! فتأمل.

وفي الخصائص : أخرج حديث عمرو بن ميمون عن ابن عباس المتقدم عن المسند (4).

وفي المستدرك : « حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا العباس بن محمد الدوري ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا عبد الرحمن بن عبدالله بن دينار ، ثنا

(1) خصائص علي : 49.

(2) سورة آل عمران 3. 1.

(3) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري 7 | 60.

(4) خصائص علي : 62.


198

شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت :

في بيتي نزلت هذه الآية : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) ، قالت ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي.

قالت أم سلمة : يا رسول الله ، وأنا من أهل البيت ؟

قال : إنك أهلي خير (1) ، وهؤلاء أهل بيتي ، اللهم أهلي أحق.

هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.

حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أنبأ العباس بن الوليد بن مزيد : أخبرني أبي ، قال : سمعت الأوزاعي يقول : حدثني أبو عمار ، قال : حدثني واثلة بن الأسقع ـ رضي الله عنه ـ قال : جئت عليا ـ رضي الله عنه ـ فلم أجده. فقالت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ : إنطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه فاجلس ، فجاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخل ودخلت معهما. قال : فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم حسنا وحسينا فأجلس كل واحد منهما على فخذه ، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ، ثم لف عليهم ثوبه وأنا شاهد ، فقال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) اللهم هؤلاء أهل بيتي.

هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه » (2).

وفي تلخيص المستدرك : وافق الحاكم علىالتصحيح (3).

(1) كذا.

(2) المستدرك على الصحيحين 2 | 416 كتاب التفسير.

(3) تلخيص المستدرك 2 | 416.


199

ورواه الذهبي بإسناد له عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ، وفيه : « قالت : فأدخلت رأسي فقلت : يا رسول الله ، وأنا معكم ؟

قال : أنت إلى خير ـ مرتين ـ ».

ثم قال : « رواه الترمذي مختصرا وصححه من طريق الثوري ، عن زبيد ، عن شهر بن حوشب » (1).

وفي الصواعق المحرقة : « الآية الأولى : قال الله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) أكثر المفسرين على أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين. لتذكير ضمير ( عنكم ) وما بعده » (2).

ممن نص على صحة الحديث :

هذا ، وقد قال جماعة من الأئمة بصحة الحديث الدال على اختصاص الآية الكريمة بأهل البيت عليهم السلام ، إذ أخرجوه في الصحيح أو نصوا على صحته ، ومن هؤلاء :

1 ـ أحمد بن حنبل. بناء على التزامه بالصحة في « المسند ».

2 ـ مسلم بن الحجاج ، إذ أخرجه في ( صحيحه ).

3 ـ ابن حبان ، إذ أخرجه في ( صحيحه ).

4 ـ الحاكم النيسابوري ، إذ صححه في « المستدرك ».

5 ـ الذهبي ، إذ صححه في « تلخيص المستدرك » تبعا للحاكم.

6 ـ ابن تيمية ، إذ قال : « فصل ـ وأما حديث الكساء فهو صحيح ، رواه

(1) سير أعلام النبلاء 10 | 346.

(2) الصواعق المحرقة : 85.


200

أحمد والترمذي من حديث أم سلمة ، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة... » (1).

ما دلت عليه الأحاديث :

وهذه الأحاديث الواردة في الصحاح والمسانيد ومعاجم الحديث باسانيد صحيحة متكاثرة جدا ، أفادت نقطتين :

أولا : إن المراد بـ « أهل البيت » في الآية المباركة هم : النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، لا يشركهم أحد ، لا من الأزواج ولا من غيرهن مطلقا.

أما الازواج ، فلأن الأحاديث نصت على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن بدخول واحدة منهن تحت الكساء.

وأما غيرهن ، فلأن النبي إنما أمر فاطمة بأن تجيء بزوجها وولديها فحسب ، فلو أراد أحدا غيرهم ـ حتى من الأسرة النبوية ـ لأمر بإحضاره.

وثانيا : إن الآية المباركة نزلت في واقعة معينة وقضية خاصة ، ولا علاقة لها بما قبلها وما بعدها... ولا ينافيه وضعها بين الآيات المتعلقة بنساء النبي ، إذ ما أكثر الآيات المدنية بين الآيات المكية وبالعكس ، ويشهد بذلك :

1 ـ مجيء الضمير : « عنكم » و« يطهركم » دون : عنكن ويطهركن.

2 ـ إتصال الآيات التي بعد آية التطهير بالتي قبلها ، بحيث لو رفعت آية التطهير لم يختل الكلام أصلا... فليست هي عجزا لآية ولا صدرا لأخرى... كما لا يخفى.

(1) منهاج السنة 5 | 13.


201

ثم ما ألطف ما جاء في الحديث جوابا لقول أم سلمة : « ألست من أهل البيت ؟ » قال : « أنت من أزواج رسول الله » !! فإنه يعطي التفصيل مفهوما ومصداقا بين العنوانين : عنوان « أهل البيت » وعنوان « الأزواج » أو « نساء النبي ».

فتكون الآيات المبدوءة ـ في سورة الأحزاب ـ بـ : ( يا نساء النبي ) خاصة بـ « الأزواج » والآية ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) خاصة بالعترة الطاهرة.

وحديث مروره صلى الله عليه وآله وسلم بباب فاطمة وقوله : الصلاة أهل البيت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ).. رواه كثيرون كذلك لا نطيل بذكر رواياته.

(1) سورة الأحزاب 33 : 32.


202

الفصل الثاني
في سقوط القولين الآخرين

وبهذه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بين المسلمين يسقط القولان الآخران ، لأن المفروض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسر بنفسه ـ قولا وفعلا ـ الآية المباركة ، وعيّن من نزلت فيه ، فلا يسمع ـ والحال هذه ـ ما يخالف تفسيره كائنا من كان ، فكيف والقائل بالقول الأول هو « عكرمة » ؟!

وقد كان هذا الرجل أشد الناس مخالفة لنزول الآية في العترة الطاهرة فقط.

فقد حكي عنه أنه كان ينادي في الأسواق بنزولها في زوجات النبي فقط (1) أنه كان يقول : « من شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي خاصة » (2).

وقد كان القول بنزورها في العترة هو الرأي الذي عليه المسلمون ، كما يبدو من هذه الكلمات ، بل جاء التصريح به في كلامه حيث قال : « ليس بالذي تذهبون إليه ، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم » (3).

إلا أن من غير الجائز الأخذ بقول عكرمة في هذا المقام وأمثاله !

(1) تفسير الطبري 22 | 7 ، تفسير ابن كثير 3 | 415 ، أسباب النزول : 268.

(2) الدر المنثور 5 | 198 ، تفسير ابن كثير 3 | 415.

(3) الدر المنثور 5 | 198.


203

ترجمة عكرمة :

فإن عكرمة البربري من أشهر الزنادقة الذين وضعوا الأحاديث للطعن في الإسلام ! وإليك طرفا من تراجمه في الكتب المعتبرة المشهورة (1) :

1 ـ طعنه في الدين :

لقد ذكروا أن هذا الرجل كان طاعنا في الإسلام ، مستهزئا بالدين ، من أعلام الضلالة ودعاة السوء.

فقد نقلوا عنه أنه قال : إنما أنزل الله متشابه القرآن ليضل به !

وقال في وقت الموسم : وددت أني اليوم بالموسم وبيدي حربة فأعترض بها من شهد الموسم يمينا وشمالا !

وأنه وقف على باب مسجد النبي وقال : ما فيه إلا كافر !

وذكروا أنه كان لا يصلي ، وأنه كان في يده خاتم من الذهب ، وأنه كان يلعب بالنرد ، وأنه كان يستمع الغناء.

2 ـ كان من دعاة الخوارج :

وأنه إنما أهل أفريقية رأي الصفرية ـ وهم من غلاة الخوارج ـ منه ، وقد ذكروا أنه نحل ذلك الرأي إلى ابن عباس !

وعن يحيى بن معين : إنما لم يذكر مالك عكرمة ، لأن عكرمة كان

(1) طبقات ابن سعد 5 | 287 ، الضعفاء الكبير 3 | 373 ، تهذيب الكمال 20 | 264 ، وفيات الأعيان 1 | 319 ، ميزان الاعتدال 3 | 93 ، المغني في الضعفاء 2 | 84 ، سير أعلام النبلاء 5 | 9 ، تهذيب التهذيب 7 | 263 ـ 273.


204

ينتحل رأي الصفرية.

وقال الذهبي : قد تلكم الناس في عكرمة ، لأنه كان يرى رأي الخوارج.

3 ـ كان كذابا :

كذب على سيده ابن عباس حتى أوثقه علي بن عبدالله بن عباس على باب كنيف الدار. فقيل له : أتفعلون هذا بمولاكم ؟! قال : إن هذا يكذب على أبي.

وعن سعيد بن المسيب ، أنه قال لمولاه : يا برد ، إياك أن تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.

وعن القاسم : إن عكرمة.

وعن ابن سيرين ويحيى بن معين ومالك : كذاب.

وعن ابن ذويب : كان غير.

وحرم مالك الرواية عنه.

وأعرض عنه مسلم بن الحجاج.

وقال محمد بن سعد : ليس يحتج بحديثه.

4 ـ ترك الناس جنازته :

ولهذه الأمور وغيرها ترك الناس جنازته ؛ قيل : فما حمله أحد ، حتى اكتروا له أربعة رجال من السودان.


205

ترجمة مقاتل :

ومقاتل حاله كحال عكرمة ، فقد أدرجه كل من : الدارقطني ، والعقيلي ، وابن الجوزي ، والذهبي في ( الضعفاء )... وتكفينا كلمة الذهبي : « اجمعوا على تركه » (1).

ترجمة الضحاك :

وأما القول الآخر فقد عزاه ابن الجوزي إلى الضحاك بن مزاحم فقط :

وهذا الرجل أدرجه ابن الجوزي نفسه كالعقيلي في ( الضعفاء ) وتبعهما الذهبي فأدرجه في « المغني في الضعفاء »... ونفوا أن يكون لقي ابن عباس ، بل ذكر بعضهم أنه لم يشافه أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وعن يحيى بن سعيد : كان الضحاك عندنا ضعيفا.

قالوا : وكانت أمه حاملا به سنتين ! (2).

هذا ، ولكن في نسبة هذا القول ـ كنسبة القول الأول إلى ابن السائب الكلبي ـ كلام فقد نسب إليهما القول باختصاص الآية بالخمسة الأطهار في المصادر وهو الصحيح ، كما حققنا ذلك في الرد على السالوس.

(1) سير أعلام النبلاء 7 | 201.

(2) تهذيب الكمال 13 | 291 ، ميزان الاعتدال 2 | 325 ، المغني في الضعفاء 1 | 312.


206

الفصل الثالث
في دلالة الآية المباركة على عصمة أهل البيت

وكما أشرنا من قبل ، فإن أصحابنا يستدلون بالآية المباركة ـ بعد تعيين المراد بأهل البيت فيها بالأحاديث المتواترة بين الفريقين ـ على عصمة أهل البيت... وقد جاء ذكر وجه الاستدلال لذلك مشروحا في كتبهم في العقائد والإمامة ، وفي تفاسيرهم بذيل الآية المباركة ، ويتخلص في النقاط التالية :

1 ـ « إنما » تفيد الحصر ، فالله سبحانه حصر إرادة إذهاب الرجس عنهم.

2 ـ « الإرادة » في الآية الكريمة تكوينية ، من قبيل الإرادة في قوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) (1) لا تشريعية من قبيل الإرادة في قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) (2) ، لأن التشريعية تتنافى مع نص الآية بالحصر ، إذ لا خصوصية لأهل البيت في تشريع الأحكام لهم.

وتتنافى مع الأحاديث ، إذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم طبق الآية عليهم دون غيرهم.

3 ـ « الرجس ) في الآية هو « الذنوب ».

وتبقى شبهة : إن الإرادة التكوينية تدل على العصمة ، لأن تخلف المراد عن إرادته عز وجل محال ، لكن هذا يعني الالتزام بالجبر وهو ما لا تقول

(1) سورة يس 36 : 82.

(2) سورة البقرة 2 : 185.


207

الإمامية به.

وقد أجاب علماؤنا عن هذه الشبهة ـ بناء على نظرية : لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين ـ بما حاصله :

إن مفاد الآية أنّ الله سبحانه لما علم أن إرادة أهل البيت تجري دائما على وفق ما شرّعه لهم من التشريعات ، لما هم عليه من الحالات المعنوية العالية ، صح له تعالى أن يخبر عن ذاته المقدسة أنه لا يريد لهم بإرادته التكوينية إلا إذهاب الذنوب عنهم ، لأنه لا يوجد من أفعالهم ، ولا يقدرهم إلا على هكذا أفعال يقومون بها بإرادتهم لغرض إذهاب الرجس عن أنفسهم...

ثم إنه لولا دلالة الآية المباركة على هذه المنزلة العظيمة لأهل البيت ، لما حاول أعداؤهم من الخوارج والنواصب إنكارها ، بل ونسبتها إلى غيرهم ، مع أن أحدا لم يدّع ذلك لنفسه سواهم.


208

الفصل الرابع

في تناقضات علماء السنة تجاه معنى الآية

وجاء العلماء.. وهم يعلمون بمدلول الآية المباركة ومفاد الأحاديث الصحيحة الواردة بشأنها. وهم من جهة لا يريدون الاعتراف بذلك ، لأنه في الحقيقة نسف لعقائدهم في الأصول والفروع... ومن جهة أخرى ينسبون أنفسهم إلى « السنة » ويدعون الأخذ بها والاتباع لها... فوقعوا في اضطراب ، وتناقضت كلماتهم فيما بينهم ، بل تناقضت كلمات الواحد منهم...

فمنهم من وافق الإمامية ، بل ـ في الحقيقة ـ تبع السنة النبوبة الثابتة في المقام وأخذ بها.

ومنهم من وافق عكرمة الخارجي ومقاتل المجمع على تركه.

ومنهم من أخذ بقول الضحاك الضعيف ، خلافا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبار الصحابة.

فهم على طوائف ثلاث :

ونحن نذكر من كل طائفة واحدا أو اثنين :

فمن الطائفة الاولى :

أبو جعفر الطحاوي (1) قال : « باب بيان مشكل ما روي عن

(1) أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المصري الحنفي ـ المتوفى سنة 321 هـ ـ توجد ترجمته مع الثناء البالغ في : طبقات أبي إسحاق الشيرازي : 142 ، والمنتظم 6 | 250 ، ووفيات الأعيان 1 | 71 ، وتذكرة الحفاظ 3 | 808 ، >


209

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المراد بقوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) من هم ؟

حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ، حدثنا بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام ، وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي.

فكان في هذا الحديث أن المراد بما في هذه الآية هم : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين.

حدثنا فهد ، ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن جعفر ، عن عبد الرحمن البجلي ، عن حكيم بن سعيد ، عن أم سلمة ، قالت : نزلت هذه الآية في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين عليهم السلام ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ).

ففي هذا الحديث الذي في الأول ».

ثم إنه أخرج بأسانيد عديدة هذا الحديث عن أم سلمة ، وفيها الدلالة الصريحة على اختصاص الآية بأهل البيت الطاهرين ، وهي الأحاديث التي جاء فيها أن أم سلمة سألت : « وأنا معهم ؟ » فقال رسول الله صلى الله عليه وآله

< والجواهر المضية في طبقات الحنفية 1 | 102 ، وغاية النهاية في طبقات القراء 1 | 116 ، وحسن المحاضرة وطبقات الحفاظ : 337 ، وغيرها.

وقد عنونه الحافظ الذهبي بقوله : « الطحاوي الإمام العلامة ، الحافظ الكبير ، محدث الديار المصرية وفقيهها » قال : « ذكره أبو سعيد ابن يونس فقال : عداده في حجر الأزد ، وكان ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله » قال الذهبي : « قلت : من نظر في تواليف هذا الإمام علم محله من العلم وسعة معارفه... » سير أعلام النبلاء 15 | 27 ـ 32.


210

وسلم : « أنت من أزواج النبي ، وأنت على خير ـ أو : إلى خير ـ ».

وقالت : « فقلت : يا رسول الله ، أنا من أهل البيت ؟ فقال : إن لك عند الله خيرا. فوددت أنه قال نعم ، فكان أحب إليّ مما تطلع عليه الشمس وتغرب ».

وقالت : « فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه رسول الله وقال : إنك على خير ».

قال الطحاوي : « فدل ما روينا من هذه الآثار ـ مما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أم سلمة ـ ممّا ذكرنا فيها لم يرد به أنها كانت مما أريد به مما في الآية المتلوة في هذا الباب ، وأن المراد بما فيها هم : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلموعلي وفاطمة والحسن والحسين دون من سواهم ـ يدل على مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لأم سلمة في هذه الآثار من قوله لها : ( أنت من أهلي ) :

ما قد حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي وسليمان الكيساني ، قالا : حدثنا بشر بن بكر ، عن الأوزاعي ، أخبرني أبو عمار ، حدثني واثلة... فقلت : يا رسول الله ، وأنا من أهلك ؟ فقال : وأنت من أهلي.

قال واثلة : فإنها من أرجى ما أرجو !

وواثلة أبعد منه عليه السلام من أم سلمة منه ، لأنه إنما هو رجل من بني ليث ، ليس من قريش. وأم سلمة موضعها من قريش موضعها الذي به منه.

فكان قوله لواثلة : أنت من أهلي ، على معنى : لاتباعك إياي وإيمانك بي ، فدخلت بذلك في جملتي.

وقد وجدنا الله تعالى قد ذكر في كتابه ما يدل على هذا المعنى بقوله :


211

( ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ) (1) فأجابه في ذلك بأن قال : ( إنه ليس من أهلك ) إنه يدخل في أهله من يوافقه على دينه وإن لم يكن من ذوي نسبه.

فمثل ذلك أيضا ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جوابا لأم سلمة : « أنت من أهلي » يحتمل أن يكون على هذا المعنى أيضا ، وأن يكون قوله ذلك كقوله مثله لواثلة.

وحديث سعد وما ذكرناه معه من الأحاديث في أول الباب معقول بها من أهل الآية المتلوة فيها ، لأنا قد أحطنا علما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دعا من أهله عند نزولها لم يبق من أهلها المرادين فيها أحد سواهم ، وإذا كان ذلك كذلك استحال أن يدخل معهم فيما أريد به سواهم. وفيما ذكرنا من ذلك بيان ما وصفنا.

فإن قال قائل : فإن كتاب الله تعالى يدل على أن أزواج النبي هم المقصودون بتلك الآية ، لأنه قال قبلها في السورة التي هي فيها : ( يا أيها النبي قل لأزواجك... ) (3) فكان ذلك كلّه يؤذن به ، لأنّه على خطاب النساء لا على خطاب الرجال ، ثمّ قال : ﴿ إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس الآية.

فكان جوابنا له : إن الذي تلاه إلى آخر ما قبل قوله : ( إنما يريد الله ) الآية.. خطاب لأزواجه ، ثم أعقب ذلك بخطابه لأهله بقوله تعالى : ( ليذهب يريد الله ) الآية ، فجاء به على خطاب الرجال ، لأنه قال فيه : ( ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ) وهكذا خطاب الرجال ، وما قبله فجاء

(1) سورة هود 11 : 45.

(2) سورة هود 11 : 46.

(3) سورة الأحزاب 33 : 28.


212

به بالنون وكذلك خطاب النساء.

فعقلنا أن قوله : ( إنما يريد الله ) الآية ، خطاب لمن أراده من الرجال بذلك ، ليعلمهم تشريفه لهم ورفعه لمقدارهم أن جعل نساءهم ممن قد وصفه لما وصفه به مما في الآيات المتلوة قبل الذي خاطبهم به تعالى.

ومما دل على ذلك أيضا ما حدثنا... عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : الصلاة يا أهل البيت ( إنما يريد الله ) الآية.

وما قد حدثنا... حدثني أبو الحمراء ، قال : صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...

في هذا أيضا دليل على أن هذه الآية فيهم. وبالله التوفيق » (1).

ومن الطائفة الثانية :

ابن الجوزي (2) والذهبي (3).. فإنها تبعا عكرمة البربري الخارجي ، ومقاتل بن سليمان ، على ما هو مقتضى تعصبهما وعنادهما لأهل البيت عليهم السلام !

ومن الطائفة الثالثة :

ابن كثير.. فإنه بعد أن ذكر فرية عكرمة قال : « فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن ، فصحيح ؛ وإن أريد أنهن المراد فقط

(1) مشكل الآثار 1 | 332 ـ 339.

(2) وهذا ظاهر كلامه في زاد المسير 6 | 381 ، حيث ذكر هذا القول أولا وجعل يدافع عنه !

(3) سير أعلام النبلاء 2 | 207.


213

دون غيرهن ، ففي هذا نظر. فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك ».

ثم أورد عدة كثيرة من تلك الأحاديث التي هي نص في اختصاص الآية بالرسول والوصي والحسنين والصديقة الطاهرة عليهم الصلاة والسلام ، وأن قول عكرمة مخالف للكتاب والسنة...

غير أن تعصبه لم يسمح له بالإذعان لذلك ، حتى قال بدخول الزوجات في المراد بالآية ! متشبثا بالسياق ، فقال : « ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم داخلات في قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فإن سياق الكلام معهن... » (1).

اعتراف ابن تيمية بصحة الحديث :

والعجب أن ابن تيمية لا يقول بهذا ولا بذاك ! بل يذعن بصحة الحديث كما استدل العلامة الحلي ـ رحمه الله ـ ، قال العلامة :

« ونحن نذكر هنا شيئا يسيرا مما هو صحيح عندهم ، ونقلوه في المعتمد من قولهم وكتبهم ، ليكون حجة عليهم يوم القيامة ، فمن ذلك :

ما رواه أبو الحسن الأندلسي(2) في « الجمع بين الصحاح الستة » :

(1) تفسير القرآن العظيم 3 | 415.

(2) وهو : رزين بن معاوية العبدري ، صاحب « تجريد الصحاح » المتوفى سنة 535 كما في سير أعلام النبلاء 2 | 204 حيث ترجم له ووصفه بـ : الإمام المحدث الشهير ، وحكى عن ابن عساكر : « كان إمام المالكيين بالحرم ». وترجم له أيضا في : تذكرة الحفاظ 4 | 1281 ، والعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين 4 | 398 ، والنجوم الزاهرة 5 | 267 ، ومرآة الجنان 3 | 263 ، وغيرها.


214

موطأ مالك ، وصحيحي البخاري ومسلم ، وسنن أبي داود ، وصحيح الترمذي ، وصحيح النسائي : عن أم سلمة ـ زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) أنزل في بيتها : وأنا جالسة عند الباب ، فقلت : يا رسول الله ، ألست من أهل البيت ؟ فقال : إنك على خير ، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

قالت : وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، فجللهم بكساء وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ».

فقال ابن تيمية :

« فصل : وأما حديث الكساء فهو صحيح ، رواه أحمد والترمذي من حديث أم سلمة ، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة ، قال : خرج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ذات غداة وعليه مرط مرجّل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم جاء الحسين فأدخله معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم أهل البيت ويطهركم تطهيرا ).

وهذا الحديث قد شركه فيه فامة وحسن وحسين ـ رضي الله عنهم ـ فليس هو من خصائصه ، ومعلوم أن المرآة لا تصلح للإمامة ، فعلم أن هذه الفضيلة لا تختص بالأئمة ، بل يشركهم فيها غيرهم.

ثم إن مضمون هذا الحديث أنّ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم دعا لهم بأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا.

وغاية ذلك أن يكون دعا لهم بأن يكونوا من المتقين الذين أذهب الله


215

عنهم الرجس وطهرهم ؛ تطهيرا واجتناب الرجس واجب على المؤمنين ، والطهارة مأمور بها كل مؤمن..

قال الله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) (1) وقال : ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها (2) وقال تعالى : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) (3).

فغاية هذا أن يكون هذا دعاء لهم بفعل المأمور وترك المحظور ، والصديق ـ رضي الله عنه ـ قد أخبر ألله عنه بأنه ( الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ) (4).

وأيضا : فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ( رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) (5) لابد أن يكونوا قد فعلوا المأمور وتركوا المحظور ، فإن هذا الرضوان وهذا الجزاء إنما ينال بذلك وحينئذ فيكون ذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من الذنوب بعض صفاتهم.

فما دعا به النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لأهل الكساء هو بعض ما وصف الله به السابقين الأولين.

والنبي دعا لأقوام كثيرين بالجنة والمغفرة وغير ذلك ، مما هو أعظم من

(1) سورة المائدة 5 : 6.

(2) سورة التوبة 9 : 103.

(1) سورة البقرة 2 : 222.

(1) سورة الليل 92 : 17 ـ 21.

(1) سورة التوبة 9 : 100.


216

الدعاء بذلك ، ولم يلزم أن يكون من دعا له بذلك أفضل من السابقين الأولين ، ولكن أهل الكساء لما كان قد أوجب عليهم اجتناب الرجس وفعل التطهير ، دعا لهم النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بأن يعينهم على فعل ما أمرهم به ، لئلا يكونوا مستحقين للذم والعقاب ، ولينالوا المدح والثواب » (1).

هذا نص كلام ابن تيمية ، وأنت ترى فيه :

1 ـ الاعتراف بصحة الحديث الدال على نزول الآية المباركة في أهل الكساء دون غيرهم.

2 ـ الاعتراف بأنه فضيلة.

3 ـ الاعتراف بعدم شمول الفضيلة لغير علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

فأين قول عكرمة ؟! وأين السياق ؟! وأين ما ذهب إليه ابن كثير ؟!

سقوط كلمات ابن تيمية :

وتبقى كلمات ابن تيمية ، فإنه بعد أعرض عن قول عكرمة ، وعن قول من قال بالجمع ، واعترف بالاختصاص بالعترة ، أجاب عن الاستدلال بالآية المباركة بوجوه واضحة البطلان :

* فأول شيء قاله هو : « هذا الحديث قد شركه فيه فاطمة... ».

وفيه : إن العلامة الحلي لم يدع كون الحديث من خصائص علي عليه السلام ، بل الآية المباركة والحديث يدلان على عصمة « أهل البيت » وهم : النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين..

(1) منهاج السنة 5 | 13 ـ 15.


217

والمعصوم هو المتعين للإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، غير أن المرأة لا تصلح للإمامة.

* ثم قال : « ثم إن مضمون هذا الحديث أن النبي دعا لهم... بأن يكونوا من المتقين الذين أذهب الله عنهم الرجس... فغاية هذا أن يكون هذا دعاء لهم بفعل المأمور وترك المحظور ».

وهذا من قلة فهمه أو شدة تعصبه :

أما أولا : فلأنه ينافي صريح الآية المباركة ، لأن « إنما » دالة على الحصر ، وكلامه دال على عدم الحصر ، فما ذكره رد على الله والرسول.

أما ثانيا : فلأن في كثير من « الصحاح » أن الآية نزلت ، فدعا رسول الله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي... فالله عز وجل يقول : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت... ) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعين « أهل البيت » وأنهم هؤلاء دون غيرهم.

وأما ثالثا : فلأنه لو كان المراد هو مجرد الدعاء لهم بأن يكونوا « من المتيقن » و« الطهارة مأمور بها كل مؤمن » « فغاية هذا أن يكون دعاء لهم بفعل المأمور وترك المحظور » فلا فضيلة في الحديث ، وهذا يناقض قوله من قبل « فعلم أن هذه الفضيلة... » !!

وأما رابعا : فلأنه لو كان « غاية ذلك أن يكون دعاء لهم بفعل المأمور وترك المحظور » فلماذا لم يأذن لأم سلمة بالدخول معهم ؟!

أكانت « من المتيقن الذين أذهب الله عنهم الرجس... » فلا حاجة لها إلى الدعاء ؟! أو لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد منها أن تكون « من المتيقن... » ؟!

أما خامسا : فلو سلمنا أن « غاية هذا أن يكون دعاء لهم... » لكن إذا


218

كان الله سبحانه « يريد » والرسول « يدعو » ـ ودعاؤه مستجاب قطعا ـ كان « أهل البيت » متصفين بالفعل بما دلت عليه الآية والحديث.

* فقال : « والصديق قد أخبر الله عنه... ».

وحاصله : إن غاية ما كان في حق « أهل البيت » هو « الدعاء » وليس في الآية ولا الحديث إشارة إلى « استجابة » هذا الدعاء ، فقد يكون وقد لا يكون ، وأما ما كان في حق « أبي بكر » فهو « الأخبار » فهو كائن ، فهو أفضل من « أهل البيت » !!

وفيه :

أولا : في « أهل البيت » في الآية شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا ريب في أفضليته المطلقة.

وثانيا : في « أهل البيت » في الآية فاطمة الزهراء ، وقد اعترف غير واحد من أعلام القوم بأفضليتها من أبي بكر :

فقد ذكر العلامة المناوي بشرح الحديث المتفق عليه بين المسلمين : « فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني » : « استدل به السهيلي (1) على أن من سبها كفر ، لأنه يغضبه ، وأنها أفضل من الشيخين ».

وقال : « قال الشريف السمهودي : ومعلوم أن أولادها بضعة منها ، فيكونون بواسطتها بضعة منه ، ومن ثم لما رأت اُمّ الفضل في النوم أن بضعة منه وضعت في حجرها أولها رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بأن تلد

(1) عبد الرحمن بن عبد الله ، العلامة الأندلسي ، الحافظ العلم ، صاحب التصانيف ، برع في العربية واللغات والأخبار والأثر ، وتصدر للإفادة ، من أشهر مؤلفاته : الروض الأنف ـ شرح « السيرة النبوية » لابن هشام ـ توفي سنة 581 ، له ترجمة في : مرآة الجنان 3 | 422 ، النجوم الزاهرة 6 | 101 ، العبر 3 | 82 ، الكامل في التاريخ 9 | 172.


219

فاطمة غلاما فيوضع في حجرها ، فولدت الحسن فوضع في حجرها. فكل من يشاهد الآن من ذريتها بضعة من تلك البضعة وإن تعددت الوسائط ، ومن تأمل ذلك انبعث من قلبه داعي الإجلال لهم وتجنب بغضهم على أي حال كانوا عليه.

قال ابن حجر : وفيه تحريم أذى من يتأذى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بتأذّيه ، فكل نم وقع منه في حق فاطمة شيء فتأذّت به فالنبي صلىالله عليه وآله وسلم يتأذّى بشهادة هذا الخبر ، ولا شيء أعظم من إدخال الأذى عليها من قبل ولدها ، ولهذا عرف بالإستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا ( ولعذاب الآخرة أشد ) (1) » (2).

وثالثا : في « أهل البيت » في الآية : الحسن والحسين ، وإن نفس الدليل الذي أقامه الحافظ السهيلي وغيره على تفضيل الزهراء دليل على أفضلية الحسنين ، بالإضافة إلى الأدلة الأخرى ، ومنها « آية التطهير » و« حديث الثقلين » الدالين على « العصمة » ، ولا ريب في أفضلية المعصوم من غيره.

ورابعا : في « أهل البيت » في الآية : أمير المؤمنين عليه السلام ، وهي ـ مع أدلة غيرها لا تحصى ـ تدل على أفضليته على جميع الخلائق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وخامسا : كون المراد من الآية ( الأتقى... ) « أبو بكر » هو قول انفرد القوم به ، فلا يجوز أن يعارض به القول المتفق عليه.

وسادسا : كون المراد بها « أبو بكر » أول الكلام ، وقد تقدم الكلام على ذلك.

(1) سورة طه 20 : 127.

(2) فيض القدير ـ شرح الجامع الصغير 4 | 421.


220

* قال : « وأيضا : فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار... فما دعا به النبي... ».

وحاصله : أفضلية « السابقين الأولين... » من « أهل البيت » المذكورين.

ويرد عليه : ما ورد على كلامه السابق ، فإن هذا فرع أن يكون الواقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو صرف « الدعاء ».. وقد عرفت أن الآية تدل على أن الإرادة الإلهية تعلقت بإذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم تطهيرا ، فهي دالة على عصمة « أهل البيت » وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن للأمة الإسلامية أنهم : هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين.

ثم إن الآية : ( السابقون الاولون... ) (1) المراد فيها أمير المؤمنين عليه السلام ، ويشهد بذلك تفسير قوله تعالى : ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون ) (2) بعلي عليه السلام.

فعن ابن عبّاس عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « السّبّق ثلاثة ، السابق إلى موسى : يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى : صاحب ياسين ، والسابق إلى محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم علي بن أبي طالب ».

قال الهيثمي : « رواه الطبراني ، وفيه : حسين بن حسن الأشقر ، وثّقه ابن حبان ، وضعفه الجمهور ، وبقية رجاله حديثهم حسن أو صحيح » (3).

قلت :

« الحسين بن حسن الأشقر » من رجال النسائي في ( صحيحه ) وقد

(1) سورة التوبة 9 : 100.

(2) سورة الواقعة 56 : 10 و11.

(3) مجمع الزوائد 9 | 102.


221

ذكروا أن للنسائي شرطا في صحيحه أشد من شرط الشيخين (1).. وقد روى عنه كبار الأئمة الأعلام : كأحمد بن حنبل ، وابن معين ، والفلاس ، وابن سعد ، وأمثالهم (2).

وقد حكى الحافظ بترجمته ، عن العقيلي ، عن أحمد بن محمد بن هانئ ، قال : قلت لأبي عبد الله ـ يعني ابن حنبل ـ تحدث عن حسين الأشقر ؟! قال : لم يكن عندي ممن يكذب.

وذكر عنه التشيع فقال له العباس بن عبد العظيم : انه يحدث في أبي بكر وعمر. وقلت أنا : يا أبا عبد الله ! إنه صنف بابا في معايبهما. فقال : ليس هذا بأهل أن يحدث عنه » (3).

وكان هذا هو السبب في تضعيف غير أحمد ، وعن الجوزجاني : غال ، من الشتامين للخِيَرة (4). ولذا يقولون : له مناكير ، وأمثال هذه الكلمة مما يدل على طعنهم في أحاديث الرجل في فضل علي أو الحط من مناوئيه ، وليس لهم طعن في الرجل نفسه ، ولذا قال ابن معين : كان من الشيعة الغالية. فقيل له : فكيف حديثه ؟! قال لا بأس به. قيل : صدوق ؟ قال : نعم ، كتبت عنه (5).

ومن هنا قال الحافظ : « الحسين بن حسن الأشقر ، الفزاري ، الكوفي صدوق ، يهم ويغلو في التشيع ، من العاشرة ، مات سنة 208 ، س » (6).

وأما أبو بكر .. فلم يكن من السابقين الأولين :

(1) تذكرة الحفاظ 2 | 700.

(2) تهذيب التهذيب 2 | 291.

(3) تهذيب التهذيب 2 | 291 ـ 292.

(4) تهذيب التهذيب 2 | 291 ـ 292.

(5) تهذيب التهذيب 2 | 291 ـ 292.

(3) تقريب التهذيب 1 | 175.


222

قال أبو جعفر الطبري : « وقال آخرون : أسلم قبل أبي بكر جماعة. ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا كنانة بن جبلة ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن الحجاج بن الحجاج ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن محمد بن سعد ، قال : قلت لأبي :

أكان أبوبكر أولكم إسلاما ؟

فقال : لا ؛ ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ؛ ولكن كان أفضلنا إسلاما » (1).

تناقض ابن تيمية :

ثم إن ابن تيمية تعرض لآية التطهير في موضع آخر ، ولكنه هذه المرة لم ينص على صحة الحديث ! ولم يعترف بمفاده ! بل ادعى كون الأزواج من أهل البيت ! وهو القول الثالث الذي نسبه ابن الجوزي إلى الضحاك بن مزاحم ، وهذه هي عبارته.

« وأما آية الطهارة فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم ، وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الجس عنهم ، فإن قوله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) وقوله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) وقوله : ( يريد ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) (2).

(1) تاريخ الطبري 2 | 316 تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم.


223

فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا ، وليست هي المشيئة المستلزمة لوقوع المراد ، فإنه لو كان كذلك لكان قد طهر كل من أراد طهارته. وهذا على قول هؤلاء القدرية الشيعة أوجه ، فإن عندهم أن الله يريد ما لا يكون! ويكون ما لا يريد !

فقوله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) إذا كان هذا بفعل المأمور وترك المحظور كان ذلك متعلقا بإرادتهم وأفعالهم ، فإن فعلوا ما أمروا به طهروا وإلا فلا.

وهم يقولون : إن الله لا يخلق أفعالهم ولا يقدر على تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم ، وإما المثبتون للقدر فيقولون : إن الله قادر على ذلك ، فإذا أهلمهم فعل ما أمر وترك ما حظر حصلت الطهارة وذهاب الرجس.

ومما يبين أن هذا مما أمروا به لا مما أخبروا بوقوعه : ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أدار الكساء على علي وفاطمة وحسن وحسين ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ، ورواه أهل السنن عن أم سلمة.

وهو يدل على ضد قول الرافضة من وجهين :

أحدهما : أنه دعا لهم بذلك. وهذا دليل على أن الآية لم تخبر بوقوع ذلك ، فإنه لو كان قد وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك ، ولا يقتصر على مجرد الدعاء به.

الثاني : إن هذا يدل على أن الله قادر على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم ، وذلك يدل على أنه خالق أفعال العباد.

ومما يبين أن الآية متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام : ( يا نساء النبي من يأتِ منكن بفاحشة... إنما يريد الله ليذهب...)


224

واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ).

وهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي.

ويدل على أن أزواج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم من أهل بيته ، فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن.

ويدل على أن قوله ( ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) عم غير أزواجه ، كعلي وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم ، لأنه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذر والمؤنث. وهؤلاء خصوا بكونهم من أهل البيت من أزواجه ، فلهذا خصهم بالدعاء لما أدخلهم في الكساء ، كما أن مسجد قباء أسس على التقوى ، ومسجده صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أيضا أسس على التقوى وهو أكمل في ذلك. فلما نزل قوله تعالى : ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم... ) (1) بسبب مسجد قباء تناول اللفظ لمسجد قباء ولمسجده بطريق الأولى.

وقد تنازع العلماء : هل أزواجه من آله ؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد ، أصحهما أنهن من آله وأهل بيته ، كما دل على ذلك ما في الصحيحين من قوله : اللهم صلى على محمد وعلى أزواجه وذريته. وهذا مبسوط في موضع آخر » (2).

أقول : لقد حاول ابن تيمية التهرب من الالتزام بمفاد الآية المباركة والسنة

(1) سورة التوبة 9 : 108.

(2) منهاج السنّة 4 | 21 ـ 24.


225

النبوية الثابتة الصحيحة الواردة بشأنها ـ كما اعترف هو أيضا ـ بشبها واهية وكلمات متهافتة ، ومن راجع كتب الأصحاب في بيان الاستدلال بالآية المباركة ـ على ضوء السنة المتفق عليها ـ عرف موارد النظر ومواضع التعصب في كلامه...

وقد ذكرنا نحن أيضا طائفة من الأحاديث المشتملة على وقوع إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم عنه من الله سبحانه بإرادته التكوينية غير المنافية لمذهب أهل البيت في مسألة الجبر والاختيار.

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عيّن المراد من « أهل البيت » عليهم السلام في الآية المباركة بعد نزول الآية المباركة ، ودعا لهم أيضا ولا ريب في أن دعاءه مستجاب.

كما علمنا من الخصوصيات الموجودة في نفس الآية ، ومن الأحاديث الصحيحية الواردة في معناها أن الآية خاصة بأهل البيت ت وهذا ما اعترف به جماعة من أئمة الحديث كالطحاوي وابن حبان تبعا لأزواج النبي وأعلام الصحابة ـ وأنها نازلة في قضية خاصة ، غير أنها وضعت ضمن آيات نساء النبي ، وكم له من نظير ، حيث وضعت الآية المكية ضمن آيات مدنية أو المدنية ضمن آيات مكية.

وقد دلت الآية المباركة والأحاديث المذكورة وغيرها على أن عنوان « أهل البيت » ـ أي : أهل بيت النبي ـ لا يعم أزواجه ، بل لا يعم أحدا من عشيرته وأسرته إلا بقرينة.

هذا ، وفي صحيح مسلم في ذيل حديث الثقلين عن زيد بن أرقم ، أنه سئل : هل نساؤه من أهل بيته ؟ قال : « لا وأيم الله ، إن المرأة لا تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ».

وهذا هو الذي دلت عليه الأحاديث.


226

وأما ما رووه عنه من أن : « أهل بيته من حرم الصدقة من بعده » فيرد تطبيقه على ما نحن فيه الأحاديث المتواترة المذكور بعضها ، ومن الواضح عدم جواز رفع اليد عن مفادها بقول زيد هذا.

خلاصة البحث

وتلخص : أن الآية المباركة لم تنزل إلا في العترة الطاهرة ، وهذا ما أشار إليه السيد ـ رحمه الله ـ بقوله : « هل حكمت محكماته بذهاب الرجس عن غيرهم ؟! وهل لأحد من العالمين كآية تطهيرهم ؟! ».

فقيل :

« هذه الآية لم تنزل في آل البيت ـ كما يفهم المؤلف ـ بل نزلت في نساء النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، وإن كان معناها متضمنا لآل البيت بالمفهوم الضيق الذي يفهمه الشيعة ، وهم أبناء علي وفاطمة.

وليس فيها غخبار بذهاب الرجس وبالطهارة ، وإنمافيها الأمر بما يوجب طهارتهم وذهاب الجس عنهم ، وذلك كقوله تعالى ( المائدة : 6 ) : 2 ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) وكقوله تعالى : ( النساء : 26 ) : ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم ) وكقوله ( النساء : 28 ) : ( يريد الله أن يخفف عنكم )...

ومما يبين أن ذلك مما أمروا به لا مما أخبر بوقوعه : إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أدار الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. رواه مسلم من حديث عائشة ، ورواه أصحاب السنن من حديث أم سلمة. وفيه دليل على أنه تعالى قادر على إذهاب الرحس والتطهير.

ومما يبين أن الآية متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام


228

( الأحزاب : 30 ـ 30 ) (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ) إلى قوله : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى والأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن... ).

فهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي ، وأن الزوجات من أهل البيت ، فغن السياق إنما هو في مخاطبتهن. ويدل الضمير المذكر على أنه عم غير زوجاته كعلي وفاطمة وابنيهما ، كما أن مسجد قبل أسس على التقوى ، ومسجده أيضا أسس على التقوى وهو أكمل في ذلك ، فلما نزلت ( التوبة : 108 ) : ( ليس أسس على التقوى ) تناول اللفظ مسجد قبل ولمسجده بطريق الأولى.

وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن أسلم (1) : (... وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي. ثلاثا ).

فقال الحصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟!

قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.

قال : ومن هم ؟

قال : آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس.

قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟!

قال : نعم. ( مسلم 7 | 122 ـ 123 ).

وفي الصحيحين : اللهم صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذرّيّته. ( المنتقى : 169 ).

وعلى هذا ، فإن كلام المؤلف عن هذه بأنها قد حكمت بذهاب الرجس

(1) كذا.


229

عنهم وتطهيرهم كلام تنقصه الدقة ، بل فيها حكم بإرادة الله ذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم ، وذلك إذا فعلوا ما سبق أن خوطبت به نساء النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في الآيات السابقة ».

أقول

: وهذا الكلام هو كلام ابن تيمية ، وقد ذكرنا غير مرة أن هؤلاء المتأخرين ، المناوئين لأهل البيت الطاهرين ، يلجأون إلى كلمات ابن تيمية متى ما أعوزهم الدليل ، وقد عرفت التهافت والتناقض في كلمات ابن تيمية حول آية التطهير.

لكن هذا الرجل اختار هذا الكلام دون كلامه السابق ، لخلو هذا من التصريح بصحة الحديث وكونه فضيلة خاصة بأهل البيت عليهم السلام !!

على أن نفس هذا الكلام أيضا متهافت ـ كما لا يخفى على أهل النظر والتدقيق ـ لأنه يقول أولا : « هذه الآية لم تنزل في آل البيت كما يفهم المؤلف » ففي من نزلت ؟!

يقول : « بل نزلت في نساء النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ».

وهذا قول عكرمة الخارجي !

لكنه يستدرك قائلا : « وإن كان معناها متضمنا لآل البيت... ».

وهذا عدول عن رأي عكرمة وقبول للقول الآخر.

ثم يناقض نفسه فيقول : « ويدل الضمير المذكر على أنه عم غير زوجاته كعلي وفاطمة وابنيهما » لأن ظاهر قوله : « كان معناها متضمنا... » نزول الآية في النساء فقط وهو قول عكرمة ، وقوله : « ويدل الضمير المذكر... » صريح في شمول الآية لغير النساء !!

لكن قوله ـ تبعا لابن تيمية ـ : « كعلي... » خروح عما ذهب إليه


230

المسلمون قاطبة...

وعلى كل حال فإنها محاولات يائسة.. للتملص عما جاءت به السنة النبوية الشريفة الثابتة لدى المسمين..

وما كل هذه التمحلات والمكابرات وأمثالها من الكُتاب المتأخرين ـ كالدكتور السالوس ، كما في كتابنا : مع الدكتور السالوس في آية التطهير ـ إلا لعلم القوم بما تنطوي عليه الآية المباركة والأحاديث الواردة في معناها من دلالات...

والله هو العاصم ، وهو ولي التوفيق.


231

آية المودة

قال السيد رحمه الله :

« هل حكم بافتراض المودة لغيرهم محكم التنزيل ؟! ».

قال في الهامش :

« كلا ، بل اختصهم الله سبحانه بذلك تفضيلا لهم على من سواهم فقال :

( قل لا أسئلكم أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة ( وهي هنا مودتهم ) نزد له فيها حسنا إن الله غفور ( لأهل مودتهم ) شكور ( لهم على ذلك ) ) ».

فقيل :

« هذه الآية قال الإمام أحمد في سبب نزولها :

حدثنا يحيى ، عن شعبة ، حدثني عبدالملك بن ميسرة ، عن طاووس ، قال : أتى ابن عباس رجل فسأله..

وسليمان بن داود ، قال : أخبرنا شعبة ، أنبأني عبدالملك ، قال سمعت طاووسا يقول : سأل رجل ابن عباس المعنى عن قول الله عز وجل : ( قل لا أسألكم عليه إلا المودة في القربى ) فقال سعيد بن جبير : قربى محمد صلى اللهعليه [ وآله ] وسلم ؛ قال ابن عباس : عجلت ! وإن


232

رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فيهم قرابة فنزلت ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم.

وكذلك روى البخاري هذا الحديث ، وليس عنده ( فنزلت ). وأخرجه الطبري 25 | 23 وفيه : إلا القرابة التي بيني وبينكم أن تصلوها ؛ وعزاه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية 3 | 368 إلى أحمد بن منيع وقال : صحيح.

هذا ، ويدل أن هذه الآية تدل على هذا المعنى : أن الله تعالى لم يقال : ( إلا المودة لذي القربى ) ، بل قال : ( في القربى ). ألا ترى أنه لما أراد ذوي قربته قال : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ).

وليس موالاتنا لأهل البيت من أجر النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في شيء ، وهو صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لا يسألنا أجرا ، بل أجره على الله تعالى.

ثم إن الآية مكية باتفاق ، ولم يكن عليّ تزوج بفاطمة بعد ، ولا وُلد ولد لهما.

وبهذا يتبين لك التكلف الممقوت ، وتحميل كلام الله عز وجل مالا يحتمل عندما يقول المؤلق : ( بل اختصهم الله سبحانه بذلك تفضيلا لهم على من سواهم : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة ( وهي هنا مودتهم ) نزد له فيها حسنا إن الله غفور ( لاهل مودتهم ) شكور ( لهم على ذلك ) ).

ومن أين له هذا التفسير ؟! وهل يستقيم له ذلك بعقل أو نقل ؟!


233

اللهم لا ».

أقول :

إن هذا الذي ذكر ما هو إلا خلاصة لما قاله المتمادون في العصب من أهل السنة ، ومنهم ابن تيمية في غير موضع من كتابه « منهاج السنة » فليس هذا بشيء جديد ، وإنما هو تقليد ، كما سيظهر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد... فها هنا فصول :


234

الفصل الاول
في تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم

المراد من « القربى »

إنه إذا كنا تبعا للكتاب والسنة ، ونريد ـ حقا ـ الأخذ ـ اعتقادا وعملا ـ بما جاء في كلام الله العزيز وأتى به الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم... كان الواجب علينا الرجوع إلى النبي نفسه وتحكيمه في كل ما شجر بيننا واختلفنا فيه ، كما أمر سبحانه وتعالى بذلك حيث قال : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) (1).

لقد وقع الاختلاف في معنى قوله تعالى : ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى... ) (2)... لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبق وأن بيّن المعنى وأوضح المراد من « القربى » في أخبار طرفي الخلاف كليهما ، فلماذا لا يقبل قوله ويبقى الخلاف على حاله ؟!

لقد عيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المراد من « القربى » في الآية ، فالمراد أقرباؤه ، وهم عليّ والزهراء وولداهما.. فهؤلاء هم المراد من « القربى » هنا كما كانوا المراد من « أهل البيت » في آية التطهير بتعيين منه

(1) سورة النساء 4 : 65.

(2) سورة الشورى 42 : 23.


235

كذلك.

ذكر من رواه من الصحابة والتابعين :

وقد روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدة كبيرة من الصحابة وأعلام التابعين ، المرجوع إليهم في تفسير آيات الكتاب المبين ، ومنهم :

1 ـ أمير المؤمنين عليه عليه السلام.

2 ـ الإمام السبط الأكبر الحسن بن علي عليه السلام.

3 ـ الإمام السبط الشهيد الحسين بن علي عليه السلام.

4 ـ الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام.

5 ـ الإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام.

6 ـ الإمام الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليه السلام.

7 ـ عبد الله بن عباس.

8 ـ عبد الله بن مسعود.

9 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

10 ـ أبو أمامة الباهلي.

11 ـ أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي.

12 ـ سعيد بن جبير.

13 ـ مجاهد بن جبر.

14 ـ مقسم بن بجرة.


236

15 ـ زاذان الكندي.

16 ـ السدي.

17 ـ فضال بن جبير.

18 ـ عمرو بن شعيب.

19 ـ ابن المبارك.

20 ـ زر بن حبيش.

21 ـ أبو إسحاق السبيعي.

22 ـ زيد بن وهب.

23 ـ عبد الله بن نجي.

24 ـ عاصم بن ضمرة.

وممن رواه من أئمة الحديث والتفسير :

وقد روى نزول الآية المباركة في أهل البيت عليهم السلام ـ هذا الذي أرسله إرسال المسلم إمام الشافعية في شعره المعروف المشهور ، المذكور في الكتب المعتمدة ، كالصواعق المحرقة ـ مشاهير الأئمة في التفسير والحديث وغيرهما في مختلف القرون ، ونحن نذكر أسماء عدة منهم :

1 ـ سعيد بن منصور ، المتوفى سنة 227.

2 ـ أحمد بن حنبل ، المتوفى سنة 241.

3 ـ عبد بن حميد ، المتوفى سنة 249.

4 ـ محمد بن إسماعيل البخاري ، المتوفى سنة 256.


237

5 ـ مسلم بن الحجاج النيسابوري ، المتوفى سنة 261.

6 ـ أحمد بن يحيى البلاذري ، المتوفى سنة 276.

7 ـ محمد بن عيسى الترمذي ، المتوفى سنة 279.

8 ـ أبو بكر البزار ، المتوفى 292.

9 ـ محمد بن سليمان الحضرمي ، المتوفى سنة 297.

10 ـ محمد بن جرير الطبري ، المتوفى سنة 310.

11 ـ أبو بشر الدولابي ، المتوفى سنة 310.

12 ـ أبو بكر ابن المنذر النيسابوري ، المتوفى سنة 318.

13 ـ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، المتوفى سنة 327.

14 ـ الهيثم بن كليب الشاشي ، المتوفى سنة 335.

15 ـ أبو القاسم الطبراني ، المتوفى سنة 360.

16 ـ أبو الشيخ ابن حبان ، المتوفى سنة 369.

17 ـ محمد بن إسحاق ابن مندة ، المتوفى سنة 395.

18 ـ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ، المتوفى سنة 395.

19 ـ أبو بكر ابن مردويه الأصفهاني ، المتوفى سنة 410.

20 ـ أبو إسحاق الثعلبي ، المتوفى سنة 427.

21 ـ أبو نعيم الأصفهاني ، المتوفى سنة 430.

22 ـ علي بن أحمد الواحدي ، المتوفى سنة 468.

23 ـ محيي السنة البغوي ، المتوفى سنة 516.

24 ـ جار الله الزمخشري ، المتوفى سنة 538.

25 ـ الملا عمر بن محمد بن خضر ، المتوفى سنة 570.


238

26 ـ أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي ، المتوفى سنة 571.

27 ـ أبو السعادات ابن الأثير الجزري ، المتوفى سنة 606.

28 ـ الفخر الرازي ، المتوفى سنة 606.

29 ـ عز الدين ابن الأثير ، المتوفى سنة 630.

30 ـ محمد بن طلحة الشافعي ، المتوفى سنة 652.

31 ـ أبو عبد الله الأنصاري القرطبي ، المتوفى سنة 656.

32 ـ أبو عبد الله الكنجي الشافعي ، المتوفى سنة 658.

33 ـ القاضي البيضاوي ، المتوفى سنة 685.

34 ـ محب الدين الطبري الشافعي ، المتوفى سنة 694.

35 ـ الخطيب الشربيني ، المتوفى سنة 698.

37 ـ أبو البركات النسفي ، المتوفى سنة 710.

38 ـ أبو القاسم الجزي ، المتوفى سنة 741.

39 ـ علاء الدين الخازن ، المتوفى سنة 741.

40 ـ أبو حيان الأندلسي ، المتوفى سنة 745.

41 ـ ابن كثير الدمشقي ، المتوفى سنة 774.

42 ـ أبو بكر نور الدين الهيثمي ، المتوفى سنة 807.

43 ـ ابن حجر العسقلاني ، المتوفى سنة 852.

44 ـ نور الدين ابن الصباغ المالكي ، المتوفى سنة 855.

45 ـ شمس الدين السخاوي ، المتوفى سنة 902.

46 ـ نور الدين السمهودي ، المتوفى سنة 911.

47 ـ جلال الدين السيوطي ، المتوفى سنة 911.


239

48 ـ شهاب الدين القسطلاني ، المتوفى سنة 923.

49 ـ أبو السعود العمادي ، المتوفى سنة 951.

50 ـ ابن حجر الهيتمي المكي ، المتوفى سنة 973.

51 ـ الزرقاني المالكي ، المتوفى سنة 1122.

52 ـ عبدالله الشبراوي ، المتوفى سنة 1162.

53 ـ محمد الصبان المصري ، المتوفى سنة 1206.

54 ـ قاضي القضاة الشوكاني ، المتوفى سنة 1250.

55 ـ شهاب الدين الآلوسي ، المتوفى سنة 1270.

56 ـ الصديق حسن خان المتوفى سنة 1307.

57 ـ محمد مؤمن الشبلنجي ، المتوفى بعد سنة 1308.

نصوص الحديث في الكتب المعتبرة :

وهذه ألفاظ من هذا الحديث بأسانيدها كما في الكتب المعتبرة من الصحاح والمسانيد والمعاجم وغيرها :

* أخرج البخاري قائلا : « قوله : ( إلا المودة في القربى ).

« حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبدالملك بن ميسرة ، قال : سمعت طاووسا عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه سئل عن قوله ( إلا المودة في القربى ) فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم. فقال ابن عباس : عجلت ! إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم


240

قرابة. فقال : إلا أن تصلوا مابيني وبينكم من القرابة » (1).

* وأخرجه مسلم ، كما نص عليه الحاكم والذهبي ، وسيأتي.

* وأخرجه أحمد ، ففي « المسند » : « حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا يحيى ، عن شعبة ، حدثني عبد الملك بن ميسرة ، عن طاووس ، قال أتى ابن عباس رجل فسأله. وسليمان بن داود ، قال : أخبرنا شعبة ، أنبأني عبد الملك ، قال : سمعت طاووسا يقول : سأل رجل ابن عباس المعنى عن قوله عز وجل : ( قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فقال سعيد بن جبير : قرابة محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم. قال ابن عباس : عجلت ! إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة فنزلت : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم » (2).

* وفي ( المناقب ) ما هذا نصه : « وفي ما كتب إلينا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي ، يذكر أن حرب بن الحسن الطحان حدثهم ، قال : حدثنا حسين الأشقر ، عن قيس ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت ( قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناها » (3).

(1) صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، المجلد الثالث : 502.

(2) مسند أحمد 1 | 229.

(3) مناقب علي : الحديث 263 ، ورواه غير واحد من الحفاظ قائلين : « أحمد في المناقب » كالمحب الطبري في ذخائر العقبى : 25 ، والسخاوي في استجلاب ارتقاء


241

* وأخرج الترمذي فقال : « حدثنا بندار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبدالملك بن ميسرة ، قال : سمع طاووسا قال : سئل ابن عباس عن هذه الآية ( قل لا أسألكم عليه إلا المودة في القربى ) فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم. فقال ابن عباس : أعجلت ؟! إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح » (1).

* وأخرج ابن جرير الطبري ، قال :

[ 1 ] « حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا إسماعيل بن أبان ، قال : ثنا الصباح بن يحيى المري ، عن السدي ، عن أبي الديلم ، قال : لما جيء بعلي بن الحسين ـ رضي الله عنهما ـ أسيرا فأقيم على درج دمشق ، قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرني الفتنة ! فقال له علي بن الحسين ـ رضي الله عنه ـ أقرأت القرآن ؟! قال : نعم ، قال : أقرأت آل حم ؟! قال : قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم. قال : ما قرأت ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ؟! قال : وإنكم لأنتم هم ؟! قال : نعم (2).

الغرف : 36.

(1) صحيح الترمذي ، كتاب التفسير ، 5 | 351.

(2) وأرسله أبو حيان إرسال المسلم ، حيث ذكر القول الحق ، قال : « وقال بهذا المعنى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، واستشهد بالآية حين سبق إلى الشام أسيرا » البحر المحيط 7 | 516.


242

[ 2 ] حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا مالك بن إسماعيل ، قال : ثنا عبد السلام ، قال : ثنا يزيد بن ابي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : قالت الأنصار : فعلنا وفعلنا ؛ فكأنهم فخروا ، فقال ابن عباس ـ أو العباس ، شك عبد السلام ـ : لنا لافضل عليكم.

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فأتاهم في مجالسهم فقال : يا معشر الأنصار ! ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي ؟!

قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي ؟!

قالوا بلى يا رسول الله.

قال : أفلا تجيبوني ؟!

قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟

قال : ألا تقولون : ألم يخرجك قومك فآويناك ؟! أولم يكذبوك فصدقناك ؟! أولم يخذلوك فنصرناك ؟!

قال : فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله ، قال : فنزلت ( قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ).

[ 3 ] حدثني يعقوب ، قال : ثنا مروان ، عن يحيى بن كثير ، عن أبي العالية ، عن سعيد بن جبير ، في قوله ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قال : هي قربى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.

[ 4 ] حدثني محمد بن عمارة الأسدي ومحمد بن خلف ، قالا : ثنا


243

عبيد الله ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أيب إسحاق ، قال : سألت عمرو بن شعيب عن قول الله عز وجل ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قال : قربى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم » (1).

أقول :

ولا يخفى أن ابن جرير الطبريذكر في معنى الآية أربعة أقوال ، وقد جعل القول بنزولها في « أهل البيت » القول الثاني ، فذكر هذه الأخبار.

وجعل القول الأول أن المراد قرابته مع قريش ، فذكر رواية طاووس عن ابن عباس ، التي أخرجها أحمد والشيخان ، وقد تقدمت ، وفيها قول سعيد بن جبير بنزولها في « أهل البيت » خاصة.

وأما القولان الثالث والرابع فسنتعرض لهما فيما بعد.

* وأخرج أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ـ صاحب المسند الكبير ـ في مسند عبد الله بن مسعود ، في ما رواه عنه زر بن حبيش ، قال :

« ححدثنا الحسن بن علي بن عفان ، حدثنا محمد بن خالد ، عن يحيى ابن ثعلبة الأنصاري ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر ، عن عبد الله ، قال :

كنا مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في مسير ، فهتف به أعرابي بصوت جهوري : يا محمد ! فقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : يا هناه ! فقال : يا محمد ! ما تقول في رجل يحب القوم ولم يعمل بعملهم ؟ قال : المرء مع من أحب. قال : يا محمد ! إلى ما تدعو ؟ قال :

(1) تفسير الطبري 25 | 16 ـ 17.


244

إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت. قال : فهل تطلب على هذا أجرا ؟ قال : لا إلا المودة في القربى. قال : أقرباي يا محمد أم أقرباك ؟ قال : بل أقرباي. قال : هات يدك حتى أبايعك ، فلا خير في من يودك ولا يود قرباك » (1).

* وأخرج الطبراني : « حدثنا محمد بن عبد الله ، ثنا حرب بن الحسن الطحان ، ثنا حسين الأشقر ، عن قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : لما نزلت ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، ومن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما » (2).

وأخرج أيضا : « حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي ، ثنا محمد بن مرزوق ، ثنا حسين الاشقر ، ثنا نصير بن زياد ، عن عثمان أبي اليقظان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قالت الأنصار فيما بينهم : لو جمعتا لرسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم مالا فنبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد ، فأتوا رسول الله فقالوا : يا رسول الله ! غنا أردنا أن نجمع لك أموالنا. فأنزل الله عز وجل ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فخرجوا مختلفين ، فقال بعضهم : ألم تروا إلى ما قال رسول الله ؟! وقال بعضهم : إنما قال هذا لنقاتل عن أهل بيته وننصرهم... » (3).

* وأخرج الحاكم قائلا : « حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن

(1) مسند الصحابة 2 | 127 ح664.

(2) المعجم الكبير 3 | 47 رقم 2641 ، و11 | 351 رقم 12259.

(3) المعجم الكبير 12 | 26 رقم 12384.


245

يحيى ابن أخي طاهر العقيقي الحسني ، ثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، حدثني عمي علي بن جعفر محمد ، حدثني الحسين بن الزيد ، عن عمر بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، قال :

خطب الحسن بن علي الناس حين قتل علي ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

لقد قبض في هذه الليلة رجل لا يسسبقه الأولون بعمل ولا يدركه الآخرون ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه رايته فيقاتل وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، فما يرجع حتى يفتح الله عليه ، وما ترك على أهل الأرض صفراء ولا بيضاء إلا سبع مائة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.. ثم قال :

أيها الناس ! من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي ، وأنا ابن النبي ، وأنا ابن الوصي ، وأنا ابن البشير ، وأنا ابن النذير ، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل إلينا ويصعد من عندنا ، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت » (1).

وقال الحاكم بتفسير الآية من كتاب التفسير : « إنما اتفقا في تفسير

(1) المستدرك على الصحيحين 3 | 172.


246

هذه الآية على حديث عبدالملك بن ميسرة الزراد عن طاووس عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه في قربى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم » (1).

* وأخرج أبو نعيم : « حدثنا الحسين بن أحمد بن علي أبو عبد الله ، ثنا الحسن بن محمد بن أبي هريرة ، ثنا إسماعيل بن يزيد ، ثنا قتيبة بن مهران ، ثنا عبد الغفور ، عن أبي هاشم ، عن زاذان ، عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : عليكم بتعلم القرآن وكثرة تلاوته تنالون به الدرجات وكثرة عجائبه في الجنة ، ثم قال علي : وفينا آل حم ، إنه لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ، ثم قرأ ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) » (2).

وأخرج أيضا : « حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن مخلد ، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، ثنا عبادة بن زياد ، ثنا يحيى بن العلاء ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقال : يا محمد ! عرض عليّ الإسلام. فقال : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله. قال : تسألني عليه أجرا ؟ قال : لا ، إلا المودة في القربى ، قال : قرباي أو قرباك ؟ قال : قرباي. قال : هات أبايعك ، فعلى ، من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله. قال صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : آمين.

هذا حديث غريب من حديث جعفر بن محمد ، لم نكتبه إلا من

(1) المستدرك على الصحيحين 2 | 444.

(2) تاريخ أصبهان 2 | 165.


247

حديث يحيى بن العلاء ، كوفي ولي قضاء الري » (1).

* وأخرج أبو بشر الدولابي خطبة الإمام الحسن السبط ، فقال : « أخبرني أبو القاسم كهمس بن معمر : أن أبا محمد إسماعيل بن محمد ابن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب حدثهم : حدثني عمي علي بن جعفر بن محمد بن حسين بن زيد ، عن الحسن بن زيد بن حسن بن علي ، عن أبيه ، قال : خطب الحسن بن علي الناس حين قتل علي...

أخبرني أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، حدثني أبي ، حدثني حسين بن زيد ، عن الحسن بن زيد بن حسن ـ ليس فيه : عن أبيه ـ ، قال : خطب الحسن بن علي الناس...

حدثنا أحمد بن يحيى الأودي ، نا إسماعيل بن أبان الوراق ، نا عمر ، عن جابر ، عن أبي الطفيل ، وزيد بن وهب ، وعبد الله بن نجي ، وعاصم ابن ضمرة ، عن الحسن بن علي ، قال : لقد قبض في هذه الليلة رجل... » (2).

* وأخرج ابن عساكر : « أخبرنا أبو الحسن الفرضي ، أنبأنا عبد العزيز الصوفي ، أنبأنا أبو الحسن بن السمسار ، أنبأنا أبو سليمان...

قال : وأنبأنا ابن السمسار ، أنبأنا علي بن الحسن الصوري ، أنبأنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني اللخمي بأصبهان ، أنبأنا الحسين بن إدريس الحريري التستري ، أنبأنا أبو عثمان طالوت بن عباد البصري

(1) حلية الأولياء 3 | 201.

(2) الدرية الطاهرة : 109 ـ 111.


248

الصيرفي ، أنبأنا فضال بن جبير ، أنبأنا أبو أمامة الباهلي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : خلق اله الأنبياء من أشجار شتى ، وخلقني وعليا من شجرة واحدة ، فأنا أصلها وعلي فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمرها ، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا ، ومن زاغ هوى ، ومن أن عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام ، ثم لم يدرك محبتنا لأكبّه الله على منخريه في النار ، ثم تلا ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ).

ورواه علي بن الحسن الصوفي مرة أخرى عن شيخ آخر ، أخبرناه أبو الحسن الفقيه السلمي الطرسوسي أنبأنا عبد العزيز الكتاني ، أنبأنا أبو نصر ابن الجيان ، أنبأنا أبو الحسن علي بن الحسي الطرسوسي ، أنبأنا أبو الطفضل العباس بن أحمد الخواتيمي بطرسوس ، أنبأنا الحسين بن إدريس التستري... » (1).

* وأخرج ابن عساكر خبر خطبة مروان ـ بأمر من معاوية ـ ابنة عبد الله بن جعفر ليزيد ، وأن عبد الله أوكل أمرها إلى الحسين عليه السلام فزوجها من القاسم بن محمد بن جعفر ، وتكلم عليه السلام ـ في المسجد النبوي وبنو هاشم وبنو أمية مجتمعون ـ فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : « إن الإسلام دفع الخسيسة وتمم النقيصة وأذهل اللائمة ، فلا لوم على مسلم إلا في أمر مأثم ، وإن القرابة التي عظّم الله حقها وأمر برعايتها وأن يسأل نبيه الأجر له بالمودة لأهلها : قرابتنا أهل البيت... » (2).

(1) تاريخ دمشق ، ترجمة علي أمير المؤمنين 1 | 132 ـ 133.

(2) تعليق العلامة المحمودي على شواهد التنزيل 2 | 144 عن أنساب الأشراف بترجمة معاوية ، وتاريخ دمشق بترجمة مروان بن الحكم.


249

* وأخرج ابن الأثير : « روى حكيم بن جبير ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : كنت أجالس أشياخا لنا ، إذ مر علينا علي بن الحسين ـ وقد كان بينه وبين أناس من قريش منازعة في امرأة تزوجها منهم لم يرض منكحها ـ فقال أشياخ الأنصار : ألا دعوتنا أمس لما كان بينك وبين بني ؟! إن أشياخنا حدثونا أنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقالوا : يا محمد ! ألا نخرج إليك من ديارنا ومن أموالنا لما أعطانا الله بك وفضلنا بك وأكرمنا بك ؟ فأنزل الله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ). ونحن ندلكم على الناس. أخرجه ابن مندة » (1).

* وأخرج ابن كثير : « وقول ثالث ، وهو ما حكاه البخاري وغيره رواية عن سعيد بن جبير... وقال السدي عن أبي الديلم ، قال : لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله عنه أسيرا... وقال أبو إسحاق السبيعي : سألت عمرو بن شعيب عن قوله تبارك وتعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فقال : قربى النبي. رواهما ابن جرير.

ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا عبد السلام ، حدثني يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس...

وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن علي بن الحسين ، عن عبد المؤمن ابن علي ، عن عبد السلام ، عن يزيد بن أبي زياد ـ وهو ضعيف ـ بإسناده ، مثله أو قريبا منه.

(1) اُسد الغابة في معرفة الصحابة 5 | 367.


250

وفي الصحيحين في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق ، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية...

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا رجل سماه ، حدثنا حسين الأشقر ، عن قيس ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ ، قال : لما نزلت هذه الآية ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم ؟ قال : فاطمة وولدها. رضي الله عنهم. وهذا إسناد ضعيف ، فيه مبهم لايعرف ، عن شيخ شيعي محترق وهو حسين الأشقر » (1).

* وروى الهيثمي : « عن ابن عباس قال : لما نزلت ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذي وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما.

رواه الطبري من رواية حرب بن الحسن الطحان عن حسين الأشقر عن قيس بن الربيع ، وقد وثقوا كلهم وضعفهم جماعة ، وبقية رجاله ثقات » (2).

ورواه مرة أخرى كذلك وقال : « فيه جماعة ضعفاء وقد وثقوا » (3).

وروى خطبة الإمام الحسن عليه السلام قائلا : « باب خطبة الحسن ابن علي رضي الله عنهما :

عن أبي الطفيل ، قال : خطبنا الحسن بن علي بن أبي طالب ، فحمد

(1) تفسير القرآن العظيم 4 | 100.

(2) مجمع الزوائد 7 | 100.

(3) مجمع الزوائد 9 | 168.


251

الله وأثنى عليه وذكر أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه خاتم الأوصياء ووصي الأنبياء وأمين الصديقين والشهداء ، ثم قال : يا أيها الناس ، لقد فارقكم رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون. لقد كان رسول الله يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه. ولقد قبضه الله في الليلة التي قبض فيها وصي موسى وعرج بروحه في الليلة التي...

ثم قال : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم. ثم تلا هذه الآية قول يوسف : ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) ثم أخذ في كتاب الله.

ثم قال : أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، وأنا ابن النبي ، أنا ابن الداعي إلىالله بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله عز وجل مودتهم وولايتهم فقال في ما أنزل على محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ».

قال الهيثمي : « رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار... وأبو يعلى باختصار ، والبزار بنحوه... ورواه أحمد باختصار كثير !

وإسناد أحمد وبعض طرق البزار والطبراني في الكبير حسان » (1).

وروى السيوطي الحديث عن طاووس عن ابن عباس كما تقدم.

(1) مجمع الزوائد 9 | 146.


252

قال : « وأخرج ابن مردويه من طريق ابن المبارك عن ابن عباس في قوله : ( إلا المودة في القربى ) قال : تحفظوني في قرابتي ».

قال : « وأخرج ابن جرير وابن ابي حاتم وابن مردويه من طريق مقسم ، عن ابن عباس ، قال : قالت الأنصار... » الحديث ، وقد تقدم.

قال : « وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير ، قال : قالت الأنصار فيما بينهم : لو جمعنا لرسول الله... » الحديث ، وقد تقدم.

قال : « وأخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ، أن تحفظوني في أهل بيتي وتودوهم بي ».

قال : « وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال لما نزلت هذه الآية ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وولداها ».

قال : « وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن جبير : ( إلا المودة في القربى ) قال : قربى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ».

قال : « وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم ، قال : لما جيء بعلي بن الحسين... » الحديث ، وقد تقدم.

ثم روى السيوطي حديث الثقلين وغيره مما فيه الوصية باتباع أهل


253

البيت والتحذير من بغضهم... (1).

* وقال الآلوسي : « وذهب جماعة إلى أن المعنى : لا أطلب منكم أجرا إلا محبتكم أهل بيتي وقرابتي. وفي البحر : أنه قول ابن جبير والسدي وعمرو بن شعيب. و« في » عليه للظرفية المجازية ، و« القربى » بمعنى الأقرباء ، والجار والمجرور في موضع الحال. أي : إلا المودة ثابتة في أقربائي متمكنة فيهم ، ولمكانة هذا المعنى لم يقل : إلا مودة القربى... وروى ذلك مرفوعا :

أخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه ، من طريق ابن جبير عن ابن عباس ، قال : لما نزلت هذه الآية... » الحديث ، كما تقدم. قال : « وسند هذا الخبر ـ على ما قال السيوطي في الدر المنثور ـ ضعيف ، ونص على ضعفه في تخريج أحاديث الكشاف ابن حجر.

وأيضا : لو صح لم يق ل ابن عباس ما حكي عنه في الصحيحين وغيرهما وقد تقدم. إلا أنه روي عن جماعة من أهل البيت ما يؤيده ذلك : أخرج ابن جرير عن أبي الديلم ، قال : لما جيء بعلي بن الحسين... » الحديث ، وقد تقدم.

« وروى زاذان عن علي كرّم الله تعالى وجهه ، قال : فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا مؤمن ؛ ثم قرا هذه الآية.

وإلى هذا أشار الكميت في قوله :

وجدنا لكم في آل حم آية * تأولـها منـا تقي ومعرب

ولله تعالى در السيد الهيتي ـ أحد الأقارب المعاصرين ـ حيث

(1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 6 | 6 ـ 7.


254

يقول :

بـأيـة آية يــأتي يــزيـد * غـداة صحائـف الأعمال تـتلى

وقام رسول رب العـرش يتلـو * وقد صمت جميع الخلق ( قل لا )

والخطاب على هذا القول لجميع الأمر لا للأنصار فقط ، وإن ورد ما يوهم ذلك ، فإنهم كلهم مكلفون بمودة أهل البيت ، فقد أخرج مسلم والترمذي والنسائي... » فروى حديث الثقلين ، ونحوه ، ثم قال : « إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من الأخبار » (1).

* وروى الشوكاني الأخبار التي نقلناها عن « الدر المنثور » كالحديث الذي رواه الأئمة من طريق مقسم عن ابن عباس. ثم قال : « وفي إسناده يزيد بن أبي زياد ، وهو ضعيف » وما رواه أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد عن ابن عباس ، ولم يتكلم في سنده ، وما رواه الجماعة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : « قال السيوطي : بسند ضعيف ».

ثم إنّه أشار إلى التعارض الموجود بين الأخبار في ما روي عن ابن عباس ، ورجح ما أخرج عنه في كتابي البخاري ومسلم ، وقال : « وقد أغنى الله آل محمد عن هذا بما لهم من الفضائل الجليلة والمزايا الجميلة ، وقد بينا بعض ذلك عند تفسيرنا لقوله ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) » (2).

تنبيه :

حاول القوم أن لا ينقلوا خطبة الإمام الحسن عليه السلام كاملة ،

(1) روح المعاني 25 | 31 ـ 32.

(2) فتح القدير 4 | 536 ـ 537.


255

وحتى المنقوص منها تصرفوا في لفظه ! فراجع : المسند 1 | 199 ، والمناقب ـ لأحمد ـ الرقم 135 و136 ، والمعجم الكبير ـ للطبراني ـ 3 | الرقم 2717 إلى 2725 ، وتاريخ الطبري 5 | 157 ، والمستدرك 3 | 172 ، والكامل 3 | 400 ، ومجمع الزوائد 9 | 146 ، وقارن بين الألفاظ لترى مدى إخلاص أمناء الحديث وحرصهم على حفظه ونقله !!

ولننقل الخبر كما رواه أبو الفرج وبأسانيد مختلفة ، فقال :

« حدثني أحمد بن عيسى العجلي ، قال : حدثنا حسين بن نصر ، قال : حدثنا زيد بن المعذل ، عن يحيى بن شعيب ، عن أبي مخنف ، قال : حدثني أشعث بن سوار ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن سعيد بن رويم.

وحدثني عليّ بن إسحاق المخرمي وأحمد بن الجعد ، قالا : حدثنا عبد الله بن عمر مشكدانة ، قال : حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن حبشي.

وحدثني عليّ بن إسحاق ، قال : حدثنا عبدالله بنعمر ، قال : حدثنا عمران بن عيينة ، عن الأشعث بن أبي إسحاق ، موقوفا.

حدثني محمد بن الحسين الخثعمي ، قال : حدثنا عباد بن يعقوب ، قال : حدثنا عمرو بن ثابت ، عن أبي إسحاق ، عن هبيرة بن يريم ، قال :

قال عمرو بن ثابت : كنت أختلف إلى أبي إسحاق السبيعي سنة أسأله عن خطبة الحسن بن علي ، فلا يحدثني بها ، فدخلت إليه في بوم شات وهو في الشمس وعليه برنسه كأنه غول ، فقال لي : من أنت ؟ فأخبرته ، فبكى وقال : كيف أبوك ؟ كيف أهلك ؟ قلت : صالحون. قال : في أي شيء تردد منذ سنة ؟ قلت : في خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه.

قال : حدثني هبيرة بن يريم ، وحدثني محمد بن محمد الباغندي


256

ومحمد بن حمدان الصيدلاني ، قالا : حدثنا إسماعيل بن محمد العلوي ، قال : حدثني عمي علي بن جعفر بن محمد ، عن الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين بن زيد بن الحسن ، عن أبيه ـ دخل حديث بعضهم في حديث بعض ، والمعنى قريب ـ قالوا :

خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال : لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون بعمل ، ولقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيه بنفسه ، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه ، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم ، ولقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى ، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.

ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه.

ثم قال : أيها الناس ! من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، أنا ابن الداعي إلى الله عز وجل بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.

قال أبو مخنف عن رجاله : ثم قام ابن عباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته ، فاستجابوا له وقالوا : ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة ؛ فبايعوه.


257

ثم نزل عن المنبر » (1).

أقول :

وهكذا روى الشيخ المفيد بإسناده (2).

وذيل الخبر من الشواهد على بطلان خبر طاووس عن سعيد عن ابن عباس ، كما لا يخفى.

(1) مقاتل الطالبيين 61 ـ 62.

(2) الإرشاد 2 | 7 ـ 8.


258

الفصل الثاني
في تصحيح أسانيد هذه الأخبار

قد ذكرنا في الفصل الأول طرفا من الأخبار في أن المراد من « القربى » في « آية المودة » هم « أهل البيت » ، وقد جاء في بعضها التصريح بأنهم « علي وفاطمة وابناهما ».

وقد نقلها تلك الأخبار عن أهم وأشهر كتب الحديث والتفسير عند أهل السنة ، من القدماء والمتأخرين... وبذلك يكون القول بنزول الآية المباركة في « أهل البيت » قولا متفقا عليه بين الخاصة والعامة.

فأما ما رواه طاووس من جزم سعيد بن جبير بأن المراد هم « أهل البيت » عليهم السلام خاصة ، وهو الذي أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي وغيرهم... فلم أجد طاعنا في سنده... وإن كان لنا كلام فيه ، وسيأتي.

وأما ما أخرج في ( المناقب ) لأحمد بن حنبل فهو من الزيادات ، فالقائل « كتب إلينا » هو « القطيعي » : أبو بكر أحمد بن جعفر الحنبلي ـ المتوفى سنة 368 ـ وهو رواي : المسند ، والزند ، والمناقب ، لأحمد بن حنبل.

حدث عنه : الدارقطني ، والحاكم ، وابن رزقويه ، وابن شاهين ، والبرقاني ، وأبو نعيم ، وغيرهم من كبار الأئمة.

ووثقه الدارقطني قائلا : ثقة زاهد قديم ، سمعت أنه مجاب الدعوة ؛ وقال البرقاني : ثبت عندي أنه صدوق ، وقد ليّنته عند الحاكم فأنكر عليّ


259

وحسّن حاله وقال : كان شيخي ؛ قالوا : قد ضعف واختل في آخر عمره ، وتوقف بعضهم في الرواية عنه لذلك.

ومن هنا أورده الذهبي في ( ميزانه ) مع التصريح بصدقه ، وهذه عبارته : « [ صح ] أحمد بن جعفر بن حمدان أبو بكر القطيعي ، صدوق في نفسه مقبول ، تغير قليلا. قال الخطيب : لم نز أحدا ترك الاحتجاج به » ثم نقل ثقته عن الدارقطني وغيره ، ورد على من تكلم فيه لاختلاله في آخر عمره (1).

و« محمد بن عبدالله بن سلميان الحضرمي » هو « مطين » المتوفى سنة 297 ، قال الدارقطني : ثقة جبل ، وقال الخليلي : ثقة حافظ ، وقال الذهبي : الشيخ الحافظ الصادق ، محدث الكوفة... (2).

وسيأتي الكلام على سائر رجاله ؛ بما يثبت صحة السند وحجية الخبر.

وأما ما رواه ابنجرير الطبري حجة للقول بنزول الآية في « أهل البيت » وقد كان أربع روايات... فما تكلم إلا في الثاني منها ، وهذا إسناده :

« حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا مالك بن إسماعيل ، قال : ثنا عبدالسلام ، قال : ثنا يزيد بن أبي زياد ، عن مِقسَم ، عن ابن عباس... ».

قال ابن كثير : « وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن علي بن الحسين ، عن عبد المؤمن بن علي ، عن عبد السلام ، عن يزيد بن أبي زياد ـ وهو ضعيف ـ بإسناده مثله أو قريبا منه ».

(1) تاريخ بغداد 4 | 73 ، المنتظم 7 | 92 ، سير أعلام النبلاء 16 | 210 ، ميزان الاعتدال 1 | 87 ، الوافي بالوفيات 6 | 290 ، وغيرها.

(2) تذكرة الحفظ 2 | 662 ، الوافي بالوفيات 3 | 345 ، سير اعلام النبلاء 14 | 41.


260

وتبعه الشوكاني حيث أنه بعد أن رواه قال : « وفي إسناده يزيد بن أبي زياد ، وهو ضعيف ».

وأما ما رواه الأئمة ، كابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه ، وعنهم السيوطي سنده ، وتبعه الشهاب الآلوسي ، وقد سبقهما إلى ذلك الهيثمي وابن كثير وابن حجر العسقلاني ، قال الأخير في شرح البخاري :

« وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعا ، فأخرج الطبراني وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت قالوا : يا رسول الله ، من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم ؟... الحديث. وإسناده ضعيف... وقد جزم بهذا التفسير جماعةمن المفسرين ، واستندوا إلى ما ذكرته عن ابن عباس من الطبراني وابن أبي حاتم ، وإسناده واه ، فيه ضعيف ورافضي » (1).

وقال في تخريج أحاديث الكشاف : « أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم والحاكم في مناقب الشافعي ، من رواية حسين الأشقر ، عن قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وحسين ضعيف ساقط » (2).

وقال ابن كثير : « وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا رجل سماه ، حدثنا حسين الأشقر ، عن قيس ، عن الأعمش ، عن سعيد بن

(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 8 | 458.

(2) الكاف الشاف في تخريج الكشاف ـ مع الكشاف ـ 4 | 220.


261

جبير ، عن ابن عباس... وهذا إسناد ضعيف ، فيه مبهم لا يعرف ، عن شيح شيعي محترق ، وهو حسين الأشقر ».

وتبعه القسطلاني بقوله : « وأما حديث ابن عباس أيضا عند ابن أبي حاتم ، قال : لما نزلت هذه الآية ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم ؟ قال : فاطمة وولدها عليهم السلام. فقال ابن كثير إسناده ضعيف ، فيه متهم لا يعرف إلا عن شيخ شيعي محترق ، وهو حسين الأشقر » (1).

وقال الهيثمي : « رواه الطبراني من رواية حرب بن الحسن الطحان ، عن حسين الأشقر ، عن قيس بن الربيع ، وقد وثقوا كلهم وضعفهم جماعة وبقية رجاله ثقات ».

أقول :

فالأخبار الدالة على القول الحق ، المروية في كتب القوم ، منقسمة بحسب آرائهم في رجالها إلى ثلاثة أقسام :

1 ـ ما اتفقوا على القول بصحته ؛ وهو حديث طاووس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

2 ـ ما ذكروه وسكتوا عن التكلم في سنده ولم يتفوهوا حوله ببنت شفة ! بل منه ما لم يجدوا بدا من الاعتراف باعتباره ، كأخبار قول النبي لمن سأله عما يطلب في قبال دعوته ، وخطبة الإمام الحسن عليه السلام بعد وفاة أبيه ،

(1) إرشاد الساري : 7 | 331.


262

وكلام الإمام السجاد في الشام ، ونحو ذلك.

3 ـ ما رووه وتكلموا في سنده.

أما الأول فلنا كلام حوله ، وسيأتي في أول الفصل الرابع.

وأما القسم الثاني ، فلا حاجة إلى بيان صحة بعد أن أقر القوم بذلك.

وأما القسم الثالث ، فهو المقصود بالبحث هنا.

ولنفصل الكلام في تراجم من ضعفوه من رجال أسانيد هذه الأخبار ، ليتبين أن جميع ما ذكروه ساقط مردود ! على ضوء كلمات أعلام الجرح والتعديل منهم :

1 ـ ترجمة يزيد بن أبي زياد :

وهو : القرشي الهاشمي الكوفي ، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل.

هو من رجال الكتب الستة ، قال المزي : « قال البخاري في اللباس من صحيحه عقيب حديث عاصم بن كليب عن أبي بردة : قلنا لعلي : ما القسية ؟ وقال جرير عن يزيد في حديثه : القسية ثياب مضلعة... الحديث.

وروى له في كتاب رفع اليدين في الصلاة. وفي الأدب. وروى له مسلم مقرونا بغيره ، واحتج به الباقون » (1).

وروى عنه جماعة كبيرة من أعلام الأئمة كسفيان الثوري ، وسفيان عيينة ، وشريك بن عبدالله ، وشعبة بن الحجاج ، وعبدالله بن نمير ،

(1) تهذيب الكمال في أسماء الرجال 32 | 140.


263

وأمثالهم (1).

قال الذهبي : حدّث عنه شعبة مع براعته في نقد الرجال (2).

أقول :

يكفي في جواز الاعتماد عليه وصحة الاحتجاج به رواية أصحاب الكتب الستة وكبار الأئمة عنه.

مضافا إلى قول مسلم في مقدمة كتابه : « فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم ، كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم وأضرابهم » (3).

وقد وثّقه عدة من الأئمة أيضا :

قال ابن سعد : كان ثقة في نفسه إلا أنه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب.

وقال ابن شاهين ـ في الثقات ـ : قال أحمد بن صالح المصري : يزيد ابن أبي زياد ثقة ولا يعجبني قول من تكلم فيه.

وقال ابن حبان : كان صدوقا إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير ، وكان يلقن ما لقّن فوقعت المناكير في حديثه.

وقال الآجري عن أبي داود : لا أعلم أحدا ترك حديثه ، وغيره أحب إليّ منه.

(1) تهذيب الكمال 32 | 137 ، سير أعلام النبلاء 6 | 129 ، تهذيب التهذيب 11 | 287 رقم 531.

(2) سير أعلام النبلاء 6 | 130.

(3) صحيح مسلم 1 | 5 ـ 6.


264

وقال يعقوب بن سفيان : ويزيد وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره فهو على العدالة الوثقة وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور (1).

ثم إنا نظرنا في كلمات القادحين ـ بالرغم من كون الرجل من رجال الكتب الستة ، إذ احتج به الأربعة وروى له الشيخان ـ فوجدنا أول شيء يقولونه :

كان من أئمة الشيعة الكبار (2).

فسألنا : ما المراد من « الشيعة » ؟ ومن أين عرف كونه « من أئمة الشيعة الكبار » ؟

فجاء الجواب : تدل على ذلك أحاديث رواها ، موضوعة (3).

فنظرنا فإذا به يروي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ، عن أبي برزة ، قال : « تغنّى معاوية وعمرو بن العاص ، فقال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : اللهم اركسهما في الفتنة ركسا ، ودعهما في النار دعّا » (4).

فهذا الحديث موضوع (5) أو غريب منكر (6) لأنه ذم لمعاوية رأس

(1) هذه الكلمات بترجمته من تهذيب التهذيب 6 | 288 ـ 289 ، وغيره.

(2) الكامل ـ لابن عدي ـ 7 | 2729 ، تهذيب الكمال 32 | 138 ، تهذيب التهذيب 11 | 288.

(3) تهذيب الكمال 32 | 138. الهامش.

(4) أخرجه أحمد في المسند 4 | 421 ، والطبراني والبزار كما في مجمع الزوائد 8 | 121.

(5) الموضوعات لابن الجوزي ، لكن لا يخفى أنه لم يطعن في الحديث إلا من جهة « يزيد » ولم يقل فيه إلا « كان يلقّن بأخرة فيتلقّن » ، ولذا تعقّبه السيوطي بما سنذكره.

(6) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 4 | 424.


265

الفئة الباغية وعمرو بن العاص رأس النفاق !! فيكون راوهي « من أئمة الشيعة الكبار » !!

لكن يبدو أنهم ما اكتفوا ـ في مقام الدفاع عن معاوية وعمرو ـ برمي الحديث بالوضع وراويه بالتشيع ، فالتجأوا إلى تحريف لفظ الحديث ، ووضع كلمة « فلان وفلان » في موضع الاسمين ، ففي المسند :

« حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، ثنا عبد الله بن محمد ـ وسمعته أنا من عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ـ ، ثنا محمد بن فضيل ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في سفر ، فسمع رجلين يتغنيان وأحدهما يجيب الآخر وهو يقول :

لا يزال جوادي تلوح عظامه * ذوي الحرب عنه أن يجن فيقبرا

فقال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : انظروا من هما ؟ قال : فقالوا : فلان وفلان !!

قال : فقال النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : اللهم اركسهما ركسا ، ودعهما إلى النار دعا ».

وكأن هذا المقدار لم يشف غليل القوم ، أو كان هذا التحريف لأجل الإبهام ، فيكون مقدمة ليأتي آخر فيزيله ويضع « معاوية » و« عمرا » آخرين !! بخبر مختلق :

قال السيوطي ـ بعد أن أورد الحديث عن أبي يعلى وتعقب ابن الجوزي بقوله : هذا لا يقتضي الوضع ، والحديث أخرجه أحمد في مسنده :


266

حدثنا... وله شاهد من حديث ابن عباس : قال الطبراني في الكبير... ـ : « وقال ابن قانع في معجمه : حدثنا محمد بن عبدوس كامل ، حدثنا عبد الله بن عمر ، حدثنا سعيد أبو العباس التيمي ، حدثنا سيف بن عمر ، حدثني أبو عمر مولى إبراهيم بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن صالح ، عن شقران ، قال : بينما نحن ليلة في سفر ، إذا سمع النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم صوتا فقال : ما هذا ؟! فذهبت أنظر ، فإذا هو معاوية بن رافع ، وعمرو بن رفاعة بن تابوت يقول :

لا يزال جوادي تلوح عظامه * ذوى الحرب عنه أن يموت فيقبرا

فأتيت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فأخبرته فقال : اللهم اركسهما ودعهما إلى نار جهنم دعا. فمات عمرو بن رفاعة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم من السفر ».

قال السيوطي : « وهذه الرواية أزالت الإشكال وبيّنت أن الوهم وقع في الحديث الأول ، في لفظة واحدة وهي قوله : ابن العاص ، وإنما هو ابن رفاعة أحد المنافقين ، وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين ، والله أعلم » (1).

بل السيوطي نفسه أيضا يعلم واقع الحال وحقيقة الأمر ، وإلا فما أجهله !!

أما أولا : فلم يكن في الحديث الأول الإشكال أو وهم حتى يزال !! غاية ما هناك أن في « المسند » لفظ « فلان وفلان » بدل « معاوية وعمرو » والسيوطي يعلم ـ كغيره ـ أنه تحريف ، إن لم يكن عن عمد فعن سهو !!

(1) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1 | 427.


267

على أنه لم يوافق ابن الجوزي في الطعن في الحديث ، بل ذكر له ما يشهد له بالصحة.

وأما ثانيا : فلو سلمنا وجود إبهام وإشكال في الحديث الأول ، فهل عمر »... ولنلق نظرة سريعة في ترجمته (1).

قال ابن معين : ضعيف الحديث.

وقال ابو حاتم : متروك الحديث.

وقال أبو داود : ليس بشيء.

وقال النسائي : ضعيف.

وقال الدارقطني : ضعيف.

وقال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها.

وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الاثبات. قالوا : كان يضع الحديث ، اتهم بالزندقة.

وقال البرقاني عن الدارقطني : متروك.

وقال الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط.

والعجيب أن السيوطي نفسه يرد أحاديثه قائلا : « إنه وضّاع » (2) !

أقول :

فلينظر الباحث المنصف كيف يردون حديثا ـ يروونه عن رجل

(1) تهذيب التهذيب 4 | 259.

(2) اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1 | 199.


268

اعتمد عليه أباب الصحاح الستة ـ لكونه في ذم ابن هند وابنا النابغة ، وهم شيعة لهما... ويقابلونه بحديث يرويه رجل اتفقوا على سقوطه واتهموه بالوضع والزندقة !!

فلينظر ! كيف يتلاعبون بالدين وسنة رسول رب العالمين !!

ولا يتوهّمنّ أن هذه طريقتهم في أبواب المناقب والمثالب فحسب ، بل هي في الأصولين والفقه أيضا !!

فلنرجع إلى ما كنا بصدده ، ونقول :

إن « يزيد بن أبي زياد » ثقة ، ومن رجال الكتب الستة ، ولا عيب فيه إلا روايته بعض مثالب أئمة القوم !! ولذا جعلوه « من أئمة الشيعة الكبار » !!

على أن كون الراوي شيعيا ، بل رافضيا ـ حسب اصطلاحهم ـ لا يضر بوثاقته كما قرروا في محله وبنوا عليه في مواضع كثيرة (1).

2 ـ ترجمة حسين الأشقر :

وقد ترجمنا لأبي عبدالله الحسين بن حسن الاشقر الفزاري الكوفي ، في مبحث آية التطهير ، وقلنا هناك بأنه من رجال النسائي في ( صحيحه ) وأنهم قد ذكروا أنّ للنسائي شرطا في صحيحه أشد من شرط الشيخين (2).

وأنه روى عنه كبار الأئمة الأعلام : كأحمد بن حنبل ، وابن معين ،

(1) مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري : 398.

(2) تذكرة الحفاظ 2 | 700.


269

والفلاس ، وابن سعد ، وأمثالهم (1).

وقد حكى الحافظ ابن حجر بترجمته عن العقيلي ، عن أحمد بن محمد بن هانئ ، قال : قلت : لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ تحدث عن حسين الأشقر ؟ قال : لم يكن عندي ممن يكذب.

وذكر عنه التشيع فقال له العباس بن عبد العظيم : إنه يحدث في أبي بكر وعمر ، وقلت أنا : يا أبا عبد الله ، إنه صنف بابا في معايبهما ! فقال : ليس هذا بأهل أن يحدث عنه (2).

وهذا هو السبب في تضعيف غير أحمد.

وعن الجوزجاني : غال من الشتامين للخيرة (2).

ولذا يقولون : « له مناكير » وأمثال هذه الكلمة ، مما يدل على طعنهم في أحاديث الرجل في فضل عليّ أو الحط من مناوئيه ، وليس لهم طعن في الرجل نفسه ، ولذا قال يحيى بن معين :

كان من الشيعة الغالية ، فقيل له : فكيف حديثه ؟! قال : لا بأس به. قيل : صدوق ؟ قال : نعم ، كتبت عنه (4).

هذا : ، فالرجل ثقة وصدوق عند : أحمد ، والنسائي ، ويحيى بن معين ، وابن حبّان... وإنما ذنبه الوحيد هو « التشيع » وقد نصوا على أنه غير مضر.

(1) تهذيب التهذيب 2 | 291.

(2) تهذيب التهذيب 2 | 291 ـ 292.

(3) تهذيب التهذيب 2 | 291 ـ 292.

(4) تهذيب التهذيب 2 | 291 ـ 292.


270

أقول :

لكن المهم ـ هنا ـ أنه « صدوق » عند الحافظ ابن حجر أيضا ، فقد قال : « الحسين بن حسن الأشقر ، الفزاري ، الكوفي ، صدوق ، يهم ويغلو في التشيع ، من العاشرة ، مات سنة 208. س » (1).

وإنما أعدنا ترجمة الرجل هنا لنؤكد على أن ابن حجر قد ناقض نفسه مرتين :

1 ـ في تضعيفه الرجل في « تخريج أحاديث الكشاف » مع وصفه بـ « الصدق » في « تقريب التهذيب » !

2 ـ في طعنه في الرجل بسبب التشيع أو الرفض ـ حسب تعبيره ـ مع أنه نص في « مقدمة فتح الباري » على أن الرفض ـ فضلا عن التشيع ـ غير مضر.

وبذلك يسقط طعنه في حديثنا ، وكذا طعن غيره تبعا له.

تنبيه :

قد اختلف طعن الطاعنين في رواية الأئمة : الطبراني ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، والحاكم ، وابن مردويه : عن حسين الأشقر ، عن قيس بن الربيع ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس...

فالسيوطي لم يقل إلا « بسند ضعيف » وتبعه الآلوسي.

(1) تقريب التهذيب 1 | 175.


271

وابن حجر قال في « تخريج أحاديث الكشاف » : « وحسين ضعيف ساقط » فلا كلام له في غيره ، لكن في « فتح الباري » : « إسناده واه ، فيه ضعيف ورافضي ».

وابن كثير ـ وتبعه القسطلاني ـ قال عن حسين الأشقر : « شيخ شيعي محترق » وأضاف ـ خصوص إسناد ابن أبي حاتم لقوله : حدثنا رجل سماه ـ : « فيه مبهم لا يعرف ».

والهيثمي أفرط فقال : « رواه الطبراني من رواية حرب بن الحسن الطحان ، عن حسين الأشقر ، عن قيس بن الربيع. وقد وثقوا كلهم وضعفهم جماعة ، وبقية رجاله ثقات ».

وبما ذكرنا ـ في ترجمة الأشقر ـ يسقط كلام السيوطي والآلوسي ، وكذا كلام ابن كثير في « الأشقر » أما قوله : « فيه مبهم لا يعرف » فيرده أنه إن كان هو « حرب بن الحسن الطحان » فهو ، وإن كان غيره فالإشكال مرتفع بمتابعته.

وكذا يسقط كلام ابن حجر في « تخريج أحاديث الكشاف ».

أما كلامه في « فتح الباري » فيمكن أن يكون ناظرا إلى « الأشقر » فقط ، بأن يكون وصفه بالرفض وضعفه من أجل ذلك ، ويمكن أن يكون مراده من « ضعيف » غير الأشقر الذي وصفه بالرفض... وهذا هو الأظهر ، ومراده ـ على الظاهر ـ هو « قيس بن الربيع » الذي زعم غيره ضعفه ، فلنترجم له :

3 ـ ترجمة قيس بن الربيع :

وهو : قيس بن الربيع الأسدي ، أبو محمد الكوفي :


272

من رجال : أبي داود والترمذي ، وابن ماجة (1).

روى عنه جماعة كبيره من الأئمة في الصحاح وغيرها ، كسفيان الثوري ، وشعبة بن الحجاج ، وعبد الرزاق بن همام ، وأبي نعيم الفضل بن دكين ، وأبي داود الطيالسي ، ومعاذ بن معاذ ، وغيرهم (2).

وهذه بعض الكلمات في توثيقه ومدحه والثناء عليه باختصار :

قال : أبو داود الطيالسي عن شعبة : سمعت أبا حصين يثني على قيس ابن الربيع.

قال : قال لنا شعبة : أدركوا قيسا قبل أن يموت !

قال عفان : قلت ليحيى بن سعد : أفتتهمه بكذب ؟! قال : لا.

قال عفان : كان قيس ثقة ، يوثقه الثوري وشعبة.

قال حاتم بن الليث ، عن أبي الوليد الطيالسي : كان قيس بن الربيع ثقة حسن الحديث.

قال أحمد بن صالح : قلت لأبي نعيم : في نفسك من قيس بن الربيع شيء ؟ قال : لا.

قال عمرو بن علي : سمعت معاذ بن معاذ يحسن الثناء على قيس.

وقال يعقوب بن شيبة السدوسي : وقيس بن الربيع عند حميع أصحابنا صدوق ، وكتابه صالح ، وهو رديء الحفظ جدا مضطربه ، كثير الخطأ ، ضعيف في روايته.

وقال ابن عدي : عامة رواياته مستقيمة ، والقول فيه ما قال شعبة.

هذا ، وقد أخذ عليه أمور :

(1) تهذيب الكمال 24 | 25 ، تهذيب التهذيب 8 | 350 ، وغيرهما.

(2) تهذيب الكمال 24 | 27.


273

أحدها : إنه ولي المدائن من قبل المنصور ، فأساء إلى الناس فنفروا عنه.

والثاني : التشيع ، نقله الذهبي عن أحمد (1).

والثالث : وجود أحاديث منكرة عنده. قال حرب بن إسماعيل : قلت لأحمد بن حنبل : قيس بن الربيع أي شيء ضعفه ؟ قال : روى أحاديث منكرة.

لكن قالوا : هذه الأحاديث أدخلها عليه ابنه لما كبر فحدث بها (2).

ولكونه صدوقا في نفسه ، ثقة ، وإن هذه الروايات مدخولة عليه وليست منه ، قال الذهبي : « صدوق في نفسه ، سيّئ الحفظ » (3).

وقال الحافظ ابن حجر : « صدوق ، تغير لما كبر ، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث بها » (4).

فإن كان يقصد في « مقدمة فتح الباري » تضعيف هذا الرجل فقد ناقض نفسه كذلك...

4 ـ ترجمة حرب بن حسن الطحان :

هذا الرجل لم يتعرض له بالتضعيف ، ولم ينقل كلاما فيه إلا الهيثمي ، ولكنه مع ذلك نص على أنه « وُثّق » ولم يذكر المضعف ولا وجه التضعيف.

(1) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 3 | 393.

(2) تاريخ بغداد 12 | 456 ـ 462 ، تهذيب الكمال 24 | 25 ـ 37 ، سير أعلام النبلاء 8 | 41 ـ 44 ، تهذيب التهذيب 8 | 350 ـ 353.

(3) ميزان الاعتدال في نقد الرجال 3 | 393.

(4) تقريب التهذيب 2 | 128.


274

وقال ابن أبي حاتم : « سألت أبي عنه فقال : شيخ » (1).

وقال ابن حجر : « حرب الحسن الطحان. ليس حديثه بذاك. قاله لأزدي. انتهى.

وذكره ابن حبان في الثقات.

وقال ابن النجاشي : عامي الرواية. أي شيعي قريب الأمر. له كتاب.

روى عنه : يحيى بن زكريا اللؤلؤي » (2).

أقول :

لكن لا يلتفت إلى قول الأزدي ، كما نص عليه الذهبي ، حيث قال : « لا يلتفت إلى قول الأزدي ، فإن في لسانه في الجرح رهقا » (3).

تتمة :

فيها مطلبان :

الأول : قال الذهبي معقبا ـ على حديث خطبة الإمام الحسن عليه السلام ، الذي أخرجه الحاكم عن أبناء أئمة أهل البيت والذرية الطاهرة ـ : « ليس بصحيح » ! (4).

ولما كان هذا القدح مجملا ومبهما ، فإنه لا يعبأ به... وأظن أنه من جهة المتن والمعنى لا السند ، وعذر الذهبي في قدحه في مناقب آل البيت

(1) الجرح والتعديل 3 | 252.

(2) لسان الميزان 2 | 184.

(3) ميزان الاعتدال 1 | 61.

(4) تلخيص المستدرك 3 | 172.


275

عليهم السلام معلوم !!

والثاني : قال ابن عساكر ـ بعد أن أخرج من طريق الطبراني حديث أبي أمامة الباهلي ـ : « هذا حديث منكر ، وقد وقع إليّ جزء ابن عباد بعلو وليس هذا الحديث فيه » (1).

وهذا الحديث بهذا اللفظ رواه عن طريق الطبراني الحافظ أبو عبد الله الكنجي ، وقال : « هذا حديث حسن عال ، رواه الطبراني في معجمه كما أخرجناه سواء ، ورواه محدث الشام في كتابه بطرق شتى » (2) والحافظ ابن حجر (3). ورواه لا عن طريق الطبراني : الحاكم الحسكاني النيسابوري (4).

أما عدم وجوده في الجزء الذي وقع إلى ابن عساكر من حديث طالوت بن عباد فغير مضر كما هو واضح.

وأما نكارة الحديث ففي أي فقرة منه ؟! أفي حديث الشجرة ؟! أو في قوله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : « لو أن عبدا... » ؟! أو في تلاوة آية المودة في هذا الموضع ؟!

أما حديث الشجرة فقد رواه من أئمة الحديث كثيرون (5)وإليه أشار أمير المؤمنين (6) ولم يقل أحد بنكارته.

وأما تلاوته الآية هنا ، فقد عرفت أنها نازلة في علي وفاطمة

(1) تاريخ دمشق ، ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام 1 | 133.

(2) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب : 317.

(3) لسان الميزان 4 | 434.

(4) شواهد التنزيل 2 | 141.

(5) راجع الجزء الخامس من كتابنا الكبير « نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار » ففيه روايات أنهما مخلوقان من نور واحد ، ومن شجرة واحدة.

(6) نهج البلاغة : 162.


276

وابنيهما.

بقي قوله : « ولو أن عبدا... » وأظنه يريد هذا ، وهو كلام جليل ، ومعناه دقيق ، وخلاصة بيانه أن الحب هو وسيلة الاتباع والقرب ، والعمل بلا درك حب النبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم غير مقرب إلىالله سبحانه وتعالى ، وكل عمل لا تقرب فيه إليه فهو باطل ، وصاحبه نم أهل النار وبئس القرار.

هذا إذا أخذنا الكلام على ظاهره.

وأما إذا كان كناية عن البغض ، فالأمر أوضح ، لأن بغض النبي وأهل بيته مبعد عن الله عز وجل ، ولا ينفع معه عمل...

اللهم اجعلنا من المحبين للنبي وآله ، ومن المتقربين بهم إليك.


277

الفصل الثالث
في دفع شبهات المخالفين

وإذا ثبتت صحة الأحاديث الدالة على نزول الآية المباركة في « أهل البيت » حتى التي تكلم في أسانيدها ، بعد بيان سقوط ما تذرعوا به ، تندفع جميع الشبهات التي يطرحونها حول ذلك.

ولكنا مع ذلك نذكر ما قالوه في هذا الباب ، ونجيب عنه بالأدلة والشواهد القويمة ، ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ).

ولعل أشد القوم مخالفة في المقام هو ابن تيمية في « منهاج السنة » فلنقدم كلماته :

* يقول ابن تيمية : « ثبت في الصحيح عن سعيد بن جبير : أن ابن عباس سئل عن قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قال : فقلت : إلا أن تودوا قربى محمد. فقال ابن عباس : عجلت ! إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله منهم قرابة فقال : قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا أن تؤدوني في القرابة التي بيني وبينكم.

فابن عباس كان من كبار أهل البيت وأعلمهم بتفسير القران ، وهذا تفسيره الثابت عنه.

ويدل على ذلك أنه لم يقل : إلا المودة لذوي القربى ، ولكن قال : إلا المودة في القربى. ألا ترى أنه لما أراد ذوي قرباه قال : ( واعلموا أنما


278

غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ). ولا يقال : المودة في ذوي القربى ، وإنما يقال : المودة لذوي القربى ، فكيف وقد قال ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ؟!

ويبين ذلك : إن الرسول صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لا يسأل أجرا أصلا ، إنما أجره على الله ، وعلى المسلمين موالاة أهل البيت لكن بأدلة أخرى غير هذه الآية وليست موالاتنا لأهل البيت من أجر النبي في شيء.

وأيضا ، فإن هذه الآية مكية ، ولم يكن علي قد تزوج بفاطمة ، ولا ولد له أولاد » (1).

* وقال ابن تيمية :

« وأما قوله : وأنزل الله فيهم ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) فهذا كذب ظاهر ، فإن هذه الآية في سورة الشورى ، وسورة الشورى مكية بلا ريب ، نزلت قبل أن يتزوج عليّ بفاطمة...

وقد تقدم الكلام على الآية وأن المراد بها ما بيّنه ابن عباس... رواه البخاري وغيره.

وقد ذكر طائفة المصنفين من أهل السنة والجماعة والشيعة ، من أصحاب أحمد وغيرهم ، حديثا عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أن هذه الآية لما نزلت قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما.

وهذا كذب باتفاق أهل المعرفة » ! (2).

(1) منهاج السنة 4 | 25 ـ 27.

(2) منهاج السنة 4 | 562 ـ 563.


279

* وكرر ابن تيمية :

تكذيب الحديث المذكور..

وأن الآية في سورة الشورى هي مكية ، وأن عليا إنما تزوج فاطمة بالمدينة..

وأن التفسير الذي في الصحيحين يناقض ذلك الحديث ، قال : سئل ابن عباس..

وأنه قال : ( قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ولم يقل : إلا المودة للقربى ، ولا المودة لذوي القربى كما قال : ( واعلموا )..

وأن النبي لا يسأل على تبليغ رسالة ربه أجرا البتة ، بل أجره على الله..

وأن القربى معرّفه باللام ، فلاب د أن تكون معروفة عند المخاطبين ، وقد ذكرنا أنها لما نزلت لم يكن قد خلق الحسن ولا الحسين ، ولا تزوج علي بفاطمة ، فالقربى التي بينه وبينهم ، فإنها معروفة عندهم (1).

* ولم يذكر ابن حجر العسقلاني في ( تخريج الكشفا ) إلا « المعارضة » قال : « وقد عارضه ما هو أولى منه ، ففي البخاري... » (2) وكذا في « فتح الباري » وأضاف : « يؤيد ذلك أن السورة مكية » (3).

* وقال ابن كثير : « وذكر نزول الآية في المدينة بعيد ، فإنها مكية ،

(1) منهاج السنة 7 | 95 ـ 103.

(2) الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ـ مع الكشاف ـ 4 | 220.

(3) فتح الباري في شرح البخاري 8 | 458.


280

ولم يكن إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالكلية ، فإنها لم تتزوج بعلي ـ رضي الله عنه ـ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة. والحق تفسير هذه الآية بما فسّرها حبر الأمة... » (1).

* وقال القسطلاني : « والآية مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية ، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية منالهجرة. وتفسير الآية بما فسر به حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس أحق وأولى » (2).

* والشوكاني اقتصر على المعارضة وترجيح الحديث عن طاووس عن ابن عباس (3).

* وابن روزبهان ما قال إلا : « ظاهر الآية على هذا المعنى شامل لجميع قرابات النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم » (4).

* وقال عبد العزيز الدهولي ما حاصله :

« إنه وإن أخرج أحمد والطبراني ذلك عن ابن عباس ، لكن جمهور المحدثين يضعفونه ، لكون سورة الشورى بتمامها مكية ، وما خلق الحسن والحسين حينئذاك ، لو يتزوج علي بعد بفاطمة... والحديث في طريقه بعض الشيعة الغلاة ، وقد وصفه المحدثون بالصدق ، والظن الغالب أنه لم يكذب وإنما نقل الحديث بالمعنى. إذ كان لفظه « أهل بيتي » فخصهم الشيعي بالأربعة...

(1) تفسير القرآن العظيم 4 | 101.

(2) إرشاد الساري في شرح البخاري 7 | 331.

(3) فتح القدير 4 | 537.

(4) إبطال الباطل ـ المطبوع مع إحقاق الحق ـ 3 | 20.


281

والمعنى المذكور لا يناسب مقام النبوة ، وإنما ذلك من شأن أهل الدنيا ، وأيضا ينافيه الآيات الكثيرة كقوله تعالى : ( ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله ) فلو كان خاتم الأنبياء طالبا للأجر لزم أن تكون منزلته أدنى من سائر الأنبياء ، وهو خلاف الإجماع » (1).

فهذه شبهات أعلام القوم في هذا المقام ، فلنذكر الشبهات بالترتيب ونتكلّم عليها :

1 ـ سورة الشورى مكية والحسنان غير موجودين :

ولعل هذه أهم الشبهات في المسألة ، وهي الأساس... ونحن تارة نبحث عن الآية المباركة بالنظر إلى الروايات ، وأخرى بقطع النظر عنها ، فيقع البحث على كلا التقديرين.

أما على الأول : فإن الآية المباركة بالنظر إلى الروايات المختلفة الواردة ـ سواء المفسرة بأهل البيت ، أو القائلة بأنها نزلت بمناسبة قول الأنصار كذا وكذا ـ مدنية ، ولذا قال جماعة بأن سورى الشورى مكية إلا الآيات :

قال القرطبي : « سورة الشورى مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة : إلا أربع آيات منها أنزلت بالمدينة : ( قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) إلى آخرها » (2).

وقال أبو حيان : « قال ابن عباس : مكية إلا أربع آيات ، من قوله

(1) التحفة الاثنا عشرية : 205.

(2) تفسير القرطبي 16 | 1.


282

تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) إلى آخر الأربع آيات فإنها نزلت بالمدينة » (1).

وقال الشوكاني : « وروي عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا أربع آيات منها أنزلت بالمدينة ( قل لا أسئلكم... ) (2).

وقا الآلوسي : « وفي البحر : هي مكية إلا أربع آيات من قوله تعالى : ( قل لا أسئلكم عليه أجرا ) إلى آخر آيات. وقال مقاتل : فيها مدني ، قوله تعالى : ( ذلك الذي يبشر الله عباده... ) واستثنى بعضهم قوله تعالى : ( أم يقولون افترى )...

وجوّز أن يكون الإطلاق باعتبار الأغلب » (3).

وبهذا القدر كفاية.

ووجود آيات مدنية في سورة مكية أو بالعكس كثير ، ولا كلام لأحد في ذلك.

وأما على الثاني : فالآية دالة على وجوب مودة « القربى » أي : أقرباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والخطاب للمسلمين لا لغيرهم.

أما أنها دالة على وجوب مودة « قربى » النبي ، فلتبادر هذا المعنى منه ، وقد أذعن بهذا التبادر غير واحد من الأئمة ، نذكر منهم :

الكرماني ، صاحب « الكواكب الداري في شرح البخاري » (4).

والعيني ، صاحب « عمدة القاري في شرح البخاري ».

(1) البحر المحيط 7 | 507.

(2) فتح القدير 4 | 524.

(3) روح المعاني 25 | 10.

(4) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري 18 | 80.


283

قال العيني بشرح حديث طاووس : « وحاصل كلام ابن عباس : إن جميع قريش أقارب النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وليس المراد من الآية بنو هاشم ونحوهم كما يتبادر الذهن إلى قول سعيد بن جبير » (1).

وأما أن الخطاب للمسلمين ، فلوجوه ، منها : السياق ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول :

( ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير * ذلك الذي يبشّر الله عباده الّذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور * أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور * وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون * ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد ).

فقد جاء الآية المباركة بعد قوله تعالى : ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ).

فإن قلت :

فبعدها : ( أم يقولون افترى على الله كذبا... ) ؟!

(1) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري 19 | 157.


284

قلت :

ليس المراد من ذلك المشركين ، بل المراد هم المسلمون ظظاهرا المنافقون باطنا ، يذل على ذلك قوله بعده : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ) فالخطاب ليس للمشركين ، ولم تستعمل « التوبة » في القرآن إلا في العصاة من المسلمين.

فإن قلت :

فقد كان في المسمين في مكة منافقون ؟!

قلت :

نعم ، فراجع ( سورة المنافقون ) و( سورة المدثر ) وما قاله المفسرون (1).

وعلى هذا ، فقد كان الواجب على المسلمين عامة « مودة » أقرباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم... فهل ـ يا ترى ـ أمروا حينذاك بمودة أعمامه وبني عمومته ؟!

(1) يراجع بهذا الصدد : تفاسير الفريقين ، خاصة في سورة المدثر ، المكية عند الجميع ، ويلاحظ اضطراب كلمات أبناء العامة وتناقضها ، في محاولات يائسة لصرف الآيات الدالة على ذلك عن ظواهرها ، فرارا ، من الإجابة عن السؤال بـ « من هم إذا ؟ » !!

أما الشيعة.. فقد عرفوا المنافقين منذ الوم الأول... وللتفصيل مكان آخر ، ولو وجدنا متسعا لوضعنا في هذه المسألة القرآنية التاريخية المهمة جدا رسالة مفردة وبالله التوفيق.


285

أما المشركون منهم.. فلا ، قطعا.. وأما المؤمنون منهم وقت نزول الآية أو بعده... فأولئك لم يكن لهم أي دور يذكر في مكة...

بل المراد « علي » عليه السلام ، فإنه الذي كان المشركون يبغضونه ويعادونه ، والمنافقون يحسدونه ويعاندونه ، والمؤمنون يحبونه ويوادونه.

ولا يخفى ما تدل عليه كلمتا « المودة » و« يقترف ».

ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل ـ في المدينة ـ عن المراد من « القربى » في الآية المباركة قال : « علي وفاطمة والحسن والحسين ».

2 ـ الرسول لا يسأل أجرا :

إن الرسول من قِبَل الله سبحانه وتعالى لا يسأل الناس أجرا على تبليغ الرسالة إليهم أصلا ، وإنما أجره على الله ، وهكذا كان الأنبياء السابقون :

قال نوح لقومه : ( إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) (1).

وقال هود : ( يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ) (2).

وقال صالح : ( إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجي إلا على رب العالمين ) (3).

ومن هنا أصر بعضهم على أن الاستثناء منقطع ، وجوّز بعضهم ـ كالزمخشري وجماعة ـ أن يكون متصلا وأن يكون منقطعا.

(1) سورة الشعراء 26 : 107 ـ 108.

(2) سورة هود 11 : 51.

(3) سورة الشعراء 26 : 143 ـ 145.


286

أقول :

ونبينا أيضا كذلك كما جاء في آيات عديدة ، منها :

(... قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين * إن هو إلا ذكر للعالمين ) (1).

( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد ) (2).

( قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ) (2).

وقد أجاب المفسرون من الفريقين عن هذه الشبهة بأكثر من وجه ، وفي تفسيريّ الخازن والخطيب الشربيني منها وجهان...

ولكن يظهر ـ بالدقة ـ أن الآيات في الباب بالنسبة إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على أربعة أنحاء :

1 ـ ما اشتمل على عدم سؤال الأجر.

2 ـ ما اشتمل على سؤال الأجر لكنه « لكم ».

3 ـ ما اشتمل على عدم سؤال الأجر ، وطلب « اتخاذ السبيل إلى الله » عن اختيار.

4 ـ ما اشتمل على سؤال الأجر وهو « المودة في القربى ».

وأي تناف بين هذه الآيات ؟! يا منصفون !

(1) سورة الأنعام 6 : 90.

(2) سورة سبأ 34 : 47.

(3) سورة الفرقان 25 : 57.


287

إنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يسأل الناس أجرا ، وإنما يريد منهم أن يتخذوا سبيلا إلى الله ، وهو ما لا يتحقق إلا بمودة أهل البيت ، وهو لهم... ولذا ورد عنهم عليه السلام : « نحن السبيل » (1)... نعم هم السبل وخاصة « إذا صارت الدنيا هرجا ومرحبا ، وتظاهرت الفتن ، وتقطعت السبل... » (2).

فإذن.. هم.. السبيل... وهذا معنى هذه الآية في محكم التنزيل ، ولا يخفى لوازم هذا الدليل فافهم واغتنم ، و ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن... ) وحسبنا الله ونعم الوكيل.

3 ـ لماذا لم يقل : إلا المودة للقربى ؟

وطرح هذه الشبهة من مثل الدهلوي غير بعيد ، لكنه من مثل ابن تيمية الذي يدّعي العربية عجيب !! وليته راجع كلام أهل الفن :

قال الزمخشري : « يجوز أن يكون استثناء متصلا ، أي : لا أسألكم أجرا إلا هذا وهو أن تودوا أهل قرابتي ، ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة ، لأن قرابته قرابتهم ، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة.

ويجوز أن يكون منقطعا ، أي : لا أسئلكم أجرا قط ولكنني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم.

فإن قلت : هلا قيل : إلا مودة القربى ، أو : إلا المودة للقربى ؟ وما معنى قوله : ( إلا المودة في القربى ) ؟

(1) فرائد السمطين ، وعنه في ينابيع المودة : 22.

(2) مجمع الزوائد 9 | 165.


288

قلت : جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها ، كقولك : لي في آل فلان مودة ، ولي فيهم هوى وحب شديد. تريد : أحبهم وهم مكان حبي ومحله ، وليست « في » بصلة للمودة كاللام إذا قلت : إلا المودة للقربى ، إنما هي متعلقة بمحذوفٍ تعلق الظرف به في قولك : المال في الكيس. وتقديره : إلا المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها. والقربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى قرابة ، والمراد : في أهل القربى. وروي أنها لما نزلت قيل : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما.

ويدل عليه ما روي عن علي رضي الله عنه : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حسد الناس لي ، فقال أما ترضى أن تكون رابع أربعة : أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين ، وأزواجنا عن إيماننا وشمائلنا ، وذريتنا خلف أزواجنا ! » (1).

وقرره الفخر الرازي حيث قال : « أورد صاحب الكشاف على نفسه سؤالا فقال : هلا قيل : إلا مودة القربى ، أو : إلا المودة للقربى ، وما معنى قوله : ( إلا المودة في القربى ) ؟

وأجاب بأن قال : جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كقولك : لي في آل فلان مودة ، ولي فيهم هوى وحب شديد. تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله » (2)

وكذا أبو حيان واستحسنه (3).

(1) الكشاف في تفسير القرآن 4 | 219 ـ 220.

(2) التفسير الكبير 27 | 167.

(3) البحر المحيط 7 | 516.


289

وقال النيسابوري : « ثم أمر رسوله بأن يقول : ( لا أسألكم ) على هذا التبليغ ( أجرا إلا المودة ) الكائنة ( في القربى ) جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها ، ولهذا لم يقل : مودة القربى ، أو : المودة للقربى ، وهي مصدر بمعنى القرابة ، أي : في أهل القربى ، وفي حقهم » (1).

وقال أبو السعود بعد أن جعل الاستثناء متصلا : « وقيل : الاستثناء منقطع والمعنى : لا أسألكم أجرا قط ولكن أسألكم المودة.

و( في القربى ) حال منها. أي : المودة ثابتة في القربى متمكنة في أهلها أو في حق القرابة. والقربى مصدر كالزلفى ، بمعنى القرابة. روي : أنها لما نزلت قيل : يا رسول الله ، من قرابتك... » (2).

وراجع أيضا تفاسير : البيضاوي والنفسي والشربيني ، وغيرهم.

4 ـ المعارضة :

وهذه هي الشبهة الأخيرة ، وهي تتوقف على اعتبار ما أخرج أحمد وغيره عن طاووس عن ابن عباس ، والجواب عنها بالتفصيل في الفصل الرابع..

(1) تفسير النيسابوري ـ هامش الطبري ـ 25 | 33.

(2) تفسير أبي السعود 8 | 30.


290

الفصل الرابع
الأخبار والأقوال

قد ظهر إلى الآن أن نزول الآية المباركة في « أهل البيت » هو المتبادر من الآية ، وأن القول بذلك مستند إلى أدلة معتبرة في كتب السنة ، وأنه محكي عن أئمة أهل البيت : أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو أعلم الأصحاب بكتاب الله بالإجماع ، والحسن السبط عليه السلام ، والحسين الشهيد عليه السلام ، والإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام ، والإمام الباقر عليه السلام ، والإمام الصادق عليه السلام.

ورواه عدة من كبار الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال به ابن عباس ، في ما رواه عنه سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي وغيرهم ، بل أرسله عنه أبو حيان إرسال المسلّم ، وسنذكر عبارته.

وهو قول : سعيد بن جبير ، وعمرو بن شعيب ، والسدي ، وجماعة.

أدلة وشواهد أخرى للقول بنزول الآية في أهل البيت :

وقد ذكر هذا القول غير واحد من المفسرين وغيرهم فلم يردوه.

بل لم يرجحوا عليه غيره ، بل ذكروا له أدلة وشواهد ومؤيدات ، من الأخبار والروايات.

* كالزمخشري ، فإنه ذكر هذا القول ، وروى فيه الحديث عن النبي


291

صلى الله عليه وآله وسلم : « قيل : يا رسول الله ، من قرابتك... » قال : « ويدل عليه ما روي عن علي... » الحديث ، وقد تقدم ، ثم قال بعده :

« وعن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : حرّمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غذا إذا لقيني يوم القيامة.

وروي : إن الأنصار قالوا : فعلنا وفعلنا... » الحديث ، وقد تقدم.

قال : « وقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : من مات على حب آل محمد مات شهيدا ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن ما ت على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة » (1).

* والرازي حيث قال : « روى الكلبي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق ، وليس في يده سعة ، فقال الأنصار : إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن اختكم وجاركم في بلدكم ، فاجمعوا له

(1) الكشاف في تفسير القرآن 4 | 220 ـ 221.


292

طائفة من أموالكم ، ففعلوا ، ثم أتوه به فردّه عليهم ، فنزل قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا ) أي على الإيمان إلا أن تودوا أقاربي. فحثهم على مودة أقاربه ».

ثم إنه أورد الرواية عن الزمخشري قائلا : « نقل صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أنه قال : من مات على حب آل محمد... » إلى آخره. ثم قال :

« وأنا أقول : آل محمد هم الذين يؤول أمرهم إليه ، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شك أن فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أشد التعلقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر ، فوجب أن يكونوا هم الآل.

وأيضا : اختلف الناس في الآل ، فقيل : هم الأقارب ، وقيل : هم أمته. فإن حملناه على القرابة فهم الآل ، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل. فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل ، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل ؟ فمختلف فيه.

وروى صاحب الكشاف : إنه لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ فقال : علي وفاطمة وابناهما. فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي.

وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ، ويدل عليه وجوه :

الأول : قوله تعالى : ( إلا المودة في القربى ) ووجه الاستدلال به ما سبق.


293

الثاني : لا شك أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام ، قال صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : فاطمة بضعة مني ، يؤذيني من يؤذيها. وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله أنه كان يحب عليا والحسن والحسين. وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله : ( واتبعوه لعلكم تهتدون ) ولقوله سبحانه : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ).

الثالث : إن الدعاء للآل منصب عظيم ، ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة ، وهو قوله : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وارحم محمدا وآل محمد. وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل ، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب. وقا الشافعي رضي الله عنه :

يا راكبا قف بالمحصب من منى * واهتـف بساكـن خيفها والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضـا كما نظـم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمــد * فليشهد الثقلان أني رافضي » (1)

* وذكر النيسابوري محصل كلام الرازي قائلا : « ولا ريب أن هذا فخر عظيم ، وشرف تام ؛ ويؤيده ما روي... » (2).

* وقال القرطبي : « وقيل : ( القربى ) قرابة الرسول صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، أي : لا أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي ، كما أمر بإعظامهم ذوى القربى. وهذا قول علي بن حسين وعمرو بن شعيب والسدي. وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : لما أنزل الله عز وجل

(1) التفسير الكبير 27 | 166.

(2) تفسير النيسابوري ـ هامش الطبري ـ 25 | 33.


294

( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين نودهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناؤها. ويدل عليه أيضا ما روي عن علي رضي الله عنه : قال : شكوت غلى النبي حسد الناس... وعن النبي : حرّمت الجنة...

وكفى قبحا بقول من يقول : إن التقرب إلى الله بطاعته ومودة نبيه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وأهل بيته منسوخ ، وقد قال النبي : من مات على حب آل محمد مات شهيدا ، ومن مات على حب آل محمد جعل الله زواره قبره الملائكة والرحمة (1) ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه : أيس اليوم من رحمة الله ، ومن مات على بغض آل محمد لم يرح رائحة الجنة ، ومن مات على بغض آل بيتي فلا نصيب له في شفاعتي.

قلت : وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا فقال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم... » فذكره... (2).

* وقال الخطيب الشربيني : « فقيل : هم فاطمة وعلي وابناؤهما. وفيهم نزل : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) » (3).

* وقال الآلوسي : « وقيل : علي وفاطمة وولدها رضي الله تعالى عنهم ، وروي ذلك مرفوعا : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، من طريق ابن جبير عن ابن عباس ، قال : لما نزلت هذه

(1) كذا.

(2) تفسير القرطبي 16 | 23.

(3) السراج المنير 3 | 537 ـ 538.


295

الآية ( قل لا أسألكم ) إلى آخره. قالوا : يا رسول الله... وقد تقدم.

إلا أنه روي عن جماعة من أهل البيت ما يؤيد ذلك... ».

فروى خبر ابن جرير عن أبي الديلم « لما جيء بعلي بن الحسين... » وخبر زاذان عن علي عليه السلام... وأورد قول كميت الشاعر والهيتي أحد أقاربه... وقد تقدم ذلك كله. ثم روى حديث الثقلين ، ثم قال :

« وأخرج الترمذي وحسّنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب ، عن ابن عباس ، قال : قال عليه الصلاة والسلام : أحبوا الله تعالى لما يغذوكم به من نعمة ، وأحبوني لحب الله تعالى ، وأحبوا أهل بيتي.

وأخرج ابن حبان والحاكم ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : والذي نفسي بيده ، لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا أدخله الله تعالى النار. إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من الأخبار ، وفي بعضها ما يدل على عموم القربى وشمولها لبني عبد المطلب :

أخرج أحمد والترمذي ـ وصححه ـ والنسائي ، عن المطلب بن ربيعة ، قال : دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقال : إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث ، فإذا رأونا سكتوا ؛ فغضب رسول الله ودر عرق بين عينيه ، ثم قال : والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله تعالى ولقرابتي.

وهذا ظاهر إن خص ( القربى ) بالمؤمنين منهم ، وإلا فقيل : إن الحكم منسوخ. وفيه نظر. والحق وجوب محبة قرابته عليه الصلاة والسلام من حيث إنهم قرابته كيف كانوا ، وما أحسن ما قيل :

داريت أهلك في هواك وهم عدى * ولأجل عين ألـف عيــن تكــرم


296

وكلما كانت جهة القرابة أقوى كان طلب المودة أشد ، فمودة العلويين ألزم من محبة العباسيين على القول بعموم ( القربى ) وهي على القول بالخصوص قد تتفاوت أيضا باعتبار تفاوت الجهات والاعتبارات ، وآثار تلك المودة التعظيم والاحترام والقيام بأداء الحقوق أتم قيام ، وقد تهاون كثير من الناس بذلك حتى عدّوا من الرفض السلوك في هاتيك المسالك ، وأنا أقول قول الشافعي الشافي العي :

يا راكبا قف بالمحصّب من منى..... » الأبيات (1).

أقول :

هذا هو القول الأول ، وهو الحق ، أعني نزول الآية المباركة في خصوص : علي وفاطمة والحسنين ، وعلى فرض التنزّل وشمولها لجميع قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما ورد في خصوص أهل البيت يخصصها. فهذا هو القول الأول.

الرد على الأقوال الأخرى :

وفي مقابله أقوال :

أحدها : إن المراد من ( القربى ) القرابة التي بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين قريش « فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة ».

والثاني : إن المراد من ( القربى ) هو القرب والتقرب إلى الله ، أي :

(1) روح المعاني 25 | 31 ـ 32.


297

إلا أن تودوا إلى الله في ما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح.

والثالث : إن المراد من ( القربى ) هو « الأقرباء » ولكن لا أقرباء النبي مطلقا ، بل المعنى : إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم.

والرابع : إن الآية المنسوخة بقوله تعالى : ( قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم ) (1).

أقول :

أما القول الأخير فقد رده الكل ، حتى نص بعضهم على قبحه ، وقد بينا أن لا منافاة بين الآيتين أصلا ، بل إحداهما مؤكدة لمعنى الأخرى.

وأما الذي قبله ، فلا ينبغي أن يذكر في الأقاويل ، لأنه قول بلا دليل ، ولذا لم يعبأ به أهل التفسير والتأويل.

وأما القول بأن المراد هو « التقرب » فقد حكي عن الحسن البصري (2) وظاهر العيني اختياره له (3). واستدل له في « فتح الباري » بما أخرجه أحمد من طريق مجاهد عن ابن عباس أيضا : إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : « قل لا أسألكم عليه أجرا على ما جئتكم به من البينات والهدى إلا أن تقربوا إلى الله بطاعته ».

لكن قال ابن حجر : « وفي إسناده ضعف » (4).

وهو مردود أيضا بأنه خلاف المتبادر من الآية ، وأن النصوص على

(1) سورة سبأ 34 : 47.

(2) تفسير الرازي 27 | 165 ، فتح الباري 8 | 458 وغيرهما.

(3) عمدة القاري 19 | 157.

(4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 8 | 458.


298

خلافه... وهو خلاف الذوق السليم.

وأما القول الأول من هذه الأقوال ، فهو الذي اقتصر عليه ابن تيمية فلم يذكر غيره ، واختاره ابن حجر ، ورجحه الشوكاني... والدليل عليه ما اخرجه أحمد والشيخان وغيرهم عن طاووس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقد تقدم في أول أخبار المسألة.

ويقع الكلام على هذا الخبر في جهتين :

الجهة الأولى : جهة السند :

فإن مدار الخبر على « شعبة بن الحجاج » وقد كان هذا الرجل ممن يكذب ويضع على أهل البيت ، فقد ذكر الشريف المرتضى رحمه الله (1) أنه روى عن جعفر بن محمد أنه كان يتولى الشيخين ! فمن يضع مثل هذا لا يستبعد منه أن يضع على ابن عباس في نزول الآية.

ثم إن الراوي عن شعبة عند أحمد « يحيى بن عباد الضبعي البصري » قال الخطيب : « نزل بغداد وحدث بها عن شعبة... روى عنه أحمد بن حنبل... » (2).

وقد أورد ابن حجر هذا الرجل فيمن تكلم فيه من رجال البخاري ، فنقل عن الساجي أنه ضعيف ، وعن ابن معين أنه ليس بذاك وإن صدّقه (3).

وروى الخطيب بإسناده عن ابن المديني ، قال : سمعت أبي يقول : يحيى بن عباد ليس ممن أحدث عنه ، وبشار الخفاف أمثل منه.

(1) الشافي في الإمامة 4 | 116.

(2) تاريخ بغداد 14 | 144.

(3) مقدمة فتح الباري : 452.


299

وبإسناده عن يحيى بن معين : لم يكن بذاك ، قد سمع وكان صدوقا ، وقد أتيناه فأخرج كتابا فإذا هو لا يحسن يقرأه فانصرفنا عنه.

وبإسناده عن الساجي : ضعيف ، حدّث عنه أهل بغداد. سمعت الحسن بن محمد الزعفراني يحدث عنه عن الشعبي وغيره ، لم يحدّث عنه أحد من أصحابنا بالبصرة ، لا بندار ولا ابن المثنى.

وقد أورده الذهبي في ميزانه مقتصرا على تضعيف الساجي (1).

والراوي عن شعبة عند البخاري « محمد بن جعفر ـ غندر » وقد أدرجه ابن حجر فيمن تكلم فيه بمناسبة قول أبي حاتم : « يكتب حديثه عن غير شعبة ولا يحتج به » (2) ، وبهذه المناسبة أيضا أورده الذهبي ميزانه (3).

والراوي عنه : « محمد بن بشار » وهو أيضا ممن تكلم فيه غير واحد من أئمتهم ، وأدرجه ابن حجر فيمن تكلم فيه فذكر تضعيف الفلاس ، وأن يحيى بن معين كان يستضعفه ، وعن أبي داود : لولا سلامة فيه لترك حديثه (4).

لكن في ميزان الاعتدال : « كذبه الفلاس » وروى عن الدورقي : « كنا عند يحيى بن معين فجرى ذكر بندار ، فرأيت يحيى لا يعبأ به ويستضعفه » قال : « ورأيت القواريري لا يرضاه » « وكان صاحب حمام » (5).

(1) ميزان الاعتدال 4 | 387.

(2) مقدمة فتح الباري : 437.

(3) ميزان الاعتدال 3 | 502.

(4) مقدمة فتح الباري : 437.

(5) ميزان الاعتدال 3 | 490.


300

أقول :

لقد كان هذا حال عمدة أسانيد حديث طاووس عن ابن عباس ، والإنصاف أنه لا يصلح للاحتجاج فضلا عن المعارضة ، على أن كلام الحاكم في كتاب التفسير صريح في رواية البخاري ومسلم هذا الحديث عن طريق طاووس عن ابن عباس باللفظ الدال على القول الحق ، وهذا نص كلامه : « إنما اتفقا في تفسير هذه الآية على حديث عبد الملك بن ميسرة الزراد عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه في قربى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ».

وأرسل ذلك أبو حيان عن ابن عباس إرسال المسلم ، فإنه بعد أن ذكر القول الحق قال : « وقال بهذا المعنى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيرا ، وهو قول ابن جبير والسدي وعمرو بن شعيب. وعلى هذا التأويل قال ابن عباس : قيل : يا رسول الله ، من قرابتك الذين أمرنا بمودتهم ؟ فقال : علي وفاطمة وابناهما » (1).

والجهة الثانية : جهة فقه الحديث :

وفيه :

أولا : إن من غير المعقول أن يخاطب الله ورسوله المشركين بطلب

(1) البحر المحيط 7 | 516.


301

الأجر على أداء الرسالة ، فإن المشركين كافرون ومكذبون لأصل هذه الرسالة ، فكيف يطلب منهم الأجر ؟!

وثانيا : إن هذه الآية مدنية ، وقد ذكرت في سبب نزولها روايات تتعلق بالأنصار.

وثالثا : على فرض كونها مكية فالخطاب للمسلمين لا للمشركين كما بينا.

وبعد ، فلو تنزلنا وجوزنا الأخذ سندا ودلالة بما جاء في المسند وكتابي البخاري ومسلم عن طاووس عن ابن عباس ، فلا ريب في أنه نص في ذهاب سعيد بن جبير إلى القول الحق.

وأما رأي ابن عباس فمتعارض ، والتعارض يؤدي إلى التساقط ، فلا يبقى دليل للقول بأن المراد « القرابة » بين النبي وقريش ، لأن المفروض أن لا دليل عليه إلا هذا الخبر.

لكن الصحيح أن ابن عباس ـ وهو من أهل البيت وتلميذهم ـ لا يخالف قولهم ، وقد عرفت أن أمير المؤمنين عليه السلام ينص على نزول الآية فيهم ، وكذا الإمام السجاد... ولم يناقش أحد في سند الخبرين ، وكذا الإمامان السبطان ولإمامان الصادقان... فكيف يخالفهم ابن عباس في الرأي ؟!

لكن قد تمادى بعض القوم في التزوير والتعصب ، فوضعوا على لسان ابن عباس أشياء ، ونسبوا إليه المخالفة لأمير المؤمنين عليه السلام في قضايا ، منها قضية المتعة ، حتى وضعوا حديثا في أن عليا عليه السلام كان يقول بحرمة المتعة فبلغه أن ابن عباس يقول بحليتها ، فخاطبه بقوله :


302

« إنك رجل تائه » ! ومع ذلك لم يرجع ابن عباس عن القول بالحلية ! (1).

ولهذا نظائر لا نطيل المقام بذكرها...

والمقصود أن القوم لما رأوا رواية غير واحد من الصحابة ـ وبأسانيد معتبرة ـ نزول الآية المباركة في « أهل البيت » ووجدوا أئمة أهل البيت عليهم السلام مجمعين على هذا القول... حاولوا أولا تضعيف تلك الأخبار ثم وضع شيء في مقابلها عن واحد من علماء أهل البيت ليعارضوها به ، وليلقوا الخلاف بينهم بزعمهم... ثم يأتي مثل ابن تيمية ـ ومن تبعه ـ فيستدل بالحديث الموضوع ويكذب الحديث الصحيح المتفق عليه بين المسلمين.

تنبيهان :

الأول :

قد تنبه الفخر الرازي إلى أن ما ذكره في ذيل الآية من الأدلة على وجوب محبة أهل البيت وإطاعتهم واحترامهم ، وحرمة بغضهم وعدائهم... يتنافى مع القول بإمامة الشيخين وتعظيم الصحابة قاطبة... مع ما كان منهم بالنسبة إلى أهل البيت وصدر منهم تجاههم ، فحاول أن يتدارك ذلك فقال :

« قوله ( إلا المودة في القربى ) فيه منصب عظيم للصحابة !! لأنه تعالى قال : ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون ). فكل من أطاع الله كان مقربا عند الله تعالى فدخل تحت قوله : ( إلا المودة في

(1) راجع : رسالتنا في المتعتين ، تراثنا ، العدد : 25.


303

القربى ) !

والحاصل : إن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله وحب أصحابه ، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة.

وسمعت بعض المذكرين قال : إنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركب فيها نجا. وقال : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ؛ ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات ، وراكب البحر يحتاج إلى أمرين : أحدهما : السفينة الخالية عن العيوب والثقب. والثاني : الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة ، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالبا. فكذلكك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوز الصحابة ، فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة » !! (1).

وكذلك النيسابوري ، فإنه قال : « قال بعض المذكرين : إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركب فيها نجا ، ومن تخلف عنها غرق. وعنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. فنحن نركب سفينة حب آل محمد ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة ، أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ، ومن أمواج الشبهة والضلالة » !! (2).

وكذلك الآلوسي ، فإنه قال مثله وقد استظرف ما حكاه الرازي ، قال

(1) تفسير الرازي 27 | 166.

(2) تفسير النيسابوري ـ هامش الطبري ـ 25 | 35.


304

الآلوسي بعد ما تقدم نقله عنه في وجوب محبة أهل البيت ومتابعتهم وحرمة بغضهم ومخالفتهم :

« ومع هذا ، لا أعد الخروج عما يعتقده أكابر أهل السنة في الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ دينا ، وأرى حبهم فرضا علي مبينا ، فقد أوجبه أيضا الشارع ، وقامت على ذلك البراهين السواطع. ومن الظرائف ما حكاه الإمام عن بعض المذكرين... » (1).

أقول :

لقد أحسن النيسابوري والآلوسي إذ لم يتبعا الفخر الرازي في ما ذكره في صدر كلامه ، فإني لم أفهم وجه ارتباط مطلبه بآية المودة... : على أن فيه مواضع للنظر ، نمها : إن قوله تعالى : ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون ) قد فسر في كتب الفريقين في هذه الأمة بعلي أمير المؤمنين عليه السلام (2).

وأما الحكاية الظريفة عن بعض المذكرين فإن من سوء حظ هذا المذكر ـ وهولاء المذكرين !! ـ تنصيص عشرات من الأئمة المعتمدين على بطلان حديث النجوم ووضعه وسقوطه :

قال أحمد : حديث لا يصح.

وقال البزار : هذا الكلام لا يصح عن النبي.

وقال الدارقطني : ضعيف.

وقال ابن حزم : هذا خبر مكذوب موضوع باطل ، لم يصح قط.

(1) روح المعاني 24 | 32.

(2) مجمع الزوائد 9 | 102.


305

وقال البيهقي : أسانيده كلها ضعيفة.

وقال ابن عبد البر : إسناده لا يصح.

وقال ابن الجوزي : هذا لا يصح.

وقال أبو حيان : لم يقل ذلك رسول الله ، وهو حديث موضوع لا يصح به عن رسول الله.

وقال الذهبي : هذا باطل.

وقال ابن القيم ـ بعد الإشارة إلى بعض طرقه ـ : لا يثبت شيء منها.

وضعفه أيضا : ابن حجر العسقلاني ، والسيوطي ، والسخاوي ، والمتقي الهندي ، والمناوي ، والخفاجي ، والشوكاني... وغيرهم...

ومن شاء التفصيل فليرجع إلى رسالتنا فيه (1).

الثاني :

قال الرازي ـ في وجوه الدالة على اختصاص الأربعة الأطهار بمزيد التعظيم ـ : « الثالث : إن الدعاء لآل منصب عظيم ، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله : اللهم صل... » وقد تعقب بعض علمائنا هذا الكلام بما يعجبني نقله بطوله ، قال :

« فائدة : قال القاضي النعماني : أجمل الله في كتابه قوله ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) فبينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته ، ونصب أولياءه لذلك من بعده ، وذلك مفخر لهم لا يوجد إلا فيهم ، ولا يعلم إلا فيهم ، فقال حين

(1) وهي مطبوعة في آخر كتابنا : الإمامة في أهم الكتب الكلامية وعقيدة الشيعة الإمامية.


306

سالوا عن الصلاة عليه قولوا : اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد مجيد.

فالصلاة المأمور بها على النبي وآله ليست هي الدعاء لهم كما تزعم العامة ، إذ لا نعلم أحدا دعا للنبي فاستحسنه ، ولا أمر أحدا بالدعاء له ، وإلا لكان شافعا فيه ، ولأنه لو كان جواب قوله تعالى ( صلوا عليه ) اللهم صل على محمد وآل محمد ، لزم أن يكون ذلك ردا لأمره تعالى ، كمن قال لغيره : إفعل كذا ، فقال : إفعل أنت. ولو كانت الصلاة الدعاء ، لكان قولنا : اللهم صل على محمد وآل محمد ، بمعنى : اللهم ادع له ، وهذا لا يجوز.

وقد كان الصحابة عند ذكره يصلون عليه وعلى آله ، فلما تغلب بنو أمية قطعوا الصلاة عن آله في كتبهم وأقوالهم ، وعاقبوا الناس عليها بغضا لآله الواجبة مودتهم ، مع روايتهم أن النبي سمع رجلا يصلي عليه ولا يصلي على آله فقال : لا تصلو عليّ الصلاة البترة ، ثم علمه بما ذكرناه أولا. فلما تغلب بنو العباس أعادوها وأمروا الناس بها ، وبقي منهم بقية إلى اليوم لا يصلون على آله عند ذكره.

هذا فعلهم ، ولم يدركوا أن معنى الصلاة عليهم سوى الدعاء لهم ـ وفيه شمة لهضمة منزلتهم حيث إن فيه حاجة ما إلى دعاء رعيتهم ـ فكيف لو فهموا أن معنى الصلاة هنا المتابعة ؟! ومنه المصلي من الخيل ، فأول من صلى النبي ، أي تبع جبريل حين علّمه الصلاة ، ثم صلى عليّ النبي ، إذ هو أول ذكر صلى بصلاته ، فبشر الله النبي أنه يصلي عليه بإقامة من ينصبه مصليا له في أمته ، وذلك لما سأل النبي بقوله : ( واجعل لي وزيرا من أهل ) عليا ( واشدد به أزري ) ثم قال تعالى : ( صلوا عليه ) أي : اعتقدوا ولاية عليّ وسلموا لأمره. وقول النبي : قولوا : اللهم


307

صل على محمد وآل محمد. أي : اسألوا الله أي يقيم له ولاية ولاة يتبع بعضهم بعضا كما كان في آل إبراهيم ، وقوله : وبارك عليهم ، أي : أوقع النمو فيهم ، فلا تقطع الإمامة عنهم.

ولفظ الآل وإن عم غيرهم إلا أن المقصود هم ، لأن في الأتباع والأهل والأولاد فاجر وكافر لا تصلح الصلاة عليه.

فظهر أن الصلاة عليه هي اعتقاد وصيته والأئمة من ذريته ، إذ بهم كمال دينهم وتمام النعمة عليهم ، وهم الصلاة التي قال الله إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، لأن الصلاة الراتبة لا تنهى عن ذلك في كثير من الموارد » (1).

دلالة الآية سواء كان الإستثناء متصلا أو منقطعا :

وتخلص : إن الآية المباركة دالة على وجوب مودة « أهل البيت »..

* سواء كانت مكية أو مدنية ، بغض النظر عن الروايات أو بالنظر إليها.

وسواء كان الإستثناء منقطعا كما ذهب إليه غير واحد من علماء العامة وبعض أكابر أصحابنا كالشيخ المفيد البغدادي رحمه الله ، نظرا إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يطلب أجرا على تبليغ الرسالة ، قال رحمه الله :

« لا يصح القول بأن الله تعالى جعل أجر نبيه مودة أهل بيته عليهم السلام ، ولا أنه جعل ذلك من أجره عليه السلام ، لأن أجر النبي في التقرب

(1) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم 1 | 190 ـ 191.


308

إلى الله تعالى هو الثواب الدائم ، وهو مستحق على الله تعالى في عدله وجوده وكرمه ، وليس المستحق على الأعمال يتعلق بالعباد ، لأن العمل يجب أن يكون لله تعالى خالصا ، وما كان لله فالأجر فيه على الله تعالى دون غيره.

هذا ، مع أن الله تعالى يقول : ( ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله ) وفي موضع آخر : ( ويا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني ).

فإن قال قائل : فما معنى قوله : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ؟ أوليس هذا يفيد أنه قد سألهم مودة القربى لأجره على الأداء ؟

قيل له : ليس الأمر على ما ظننت. لما قدمنا من حجة العقل والقرآن ، والاستثناء في هذا المكان ليس هو من الجملة ، لكنه استثناء منقطع. ومعناه : قل لا أسألكم عليه أجرا لكن ألزمكم المودة فيا لقربى وأسألكموها ، فيكون قوله : ( قل لا أسألكم أجرا ) كلاما تاما قد استوفى معناه ، ويكون قوله : ( إلا المودة في القربى ) كلاما مبتدأ فائدته : لكن المودة في القربى سألتكموها ، وهذا كقوله : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) والمعنى فيه : لكن إبليس ، وليس باستثناء من جملة. وكقوله : ( فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) معناه : لكن رب العالمين ليس بعدو لي. قال الشاعر :

وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس » (1)

(1) تصحيح الاعتقاد ـ مصنفات الشيخ المفيد ـ : 140 ـ 142.


309

* أو كان متصلا كما جوزه آخرون ، من العامة كالزمخشري والنسفي (1) وغيرهما.

ومن أعلام أصحابنا كشيخ الطائفة ، قال : « في هذا الإستثناء قولان : أحدهما : انه استثناء منقطع ، لأن المودة في القربى ليس من الأجر ، ويكون التقدير : لكن أدكركم المودة في قرابتي. الثاني : إنه استثناء حقيقة ، ويكون : أجري المودة في القربى كأنه أجر وإن لم يكن أجر » (2).

وكالشيخ الطبرسي ، قال : « وعلى الأقوال الثلاثة فقد قيل في ( إلا المودة ) قولان ، أحدهما : إنه استثناء منقطع ، لأن هذا مما يجب بالإسلامفلا يكون أجرا للنبوة. والآخر : إنه استثناء متصل ، والمعنى : لا أسألكم عليه أجرا إلا هذا فقد رضيت به أجرا ، كما أنك تسأل غيرك حاجة فيعرض المسؤول عليك برا فتقول له : إجعل بري قضاء حاجتي. وعلى هذا يجوز أن يكون المعنى : لا أسألكم عليه أجرا إلاهذا ، ونفعه أيضا عائد عليكم ، فكأني لم أسألكم أجرا ، كما مر بيانه في قوله : ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ).

وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره : حدثني عثمان بن عمير ، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم المدينة واستحكم الإسلام قالت الأنصار فيما بينها : نأتي رسول الله فنقول له : تعروك الأمور ، فهذه أموالنا... » (3).

* هذا ، ولكن قد تقرر في محله ، أن الأصل في الإستثناء هو

(1) الكشّاف في تفسير القران 4 | 221 ، تفسير النسفي ـ هامش الخازن ـ 4 | 94.

(2) التبيان في تفسير القران 9 | 158.

(3) مجمع البيان في تفسير القران 9 | 29.


310

الاتصال ، وأنه يحمل عليه ما أمكن ، ومن هنا اختار البعض ـ كالبيضاوي حيث ذكر الانقطاع قولا ـ الاتصال ، بل لم يجوّز بعض أصحابنا الانقطاع فقد قال السيد الشهيد التستري : « تقرر عند المحققين من أهل العربية والأصول أن الاستثناء المنقطع مجاز واقع على خلاف الأصل ، وأنه لا يحمل على المنقطع إلا لتعذر المتصل ، بل ربما عدلوا عن ظاهر اللفظ الذي هو المتبادر إلى الذهن المخالفين له ، لغرض الحمل على المتصل الذي هوالظاهر من الاستثناء كما صرح به الشارح العضدي حيث قال : واعلم أن الحق أن المتصل أظهر ، فلا يكون مشتركا ولا للمشترك ، بل حقيقة فيه ومجاز في المنقطع ، ولذلك لم يحمله علماء الأمصار على المنفصل إلا عند تعذر المتصل حتى عدلوا للحمل على المتصل من الظاهر وخالفوه ، ومن ثم قالوا في قوله : له عندي مائة درهم إلا ثوبا ، وله عليّ إبل إلا شاة ، معناه : إلا قيمة ثوب أو قيمة شاة ، فيرتكبون الإضمار وهو خلاف الظاهر ليصير متصلا ، ولو كان في المنقطع ظاهرا لم يرتكبوا مخالفة ظاهر حذرا عنه انتهى » (1).

(1) إحقاق الحق وإزهاق الباطل 3 | 21 ـ 22.


311
الفصل الخامس
دلالة الآية على الإمامة والولاية

وكيف كان... فالآية المباركة تدل على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام من وجوه :

1 ـ القرابة النسبية والإمامة :

إنه إن لم يكن النسبية دخل وأثر في الإمامة والخلافة ، فلا ريب في تقدم أمير المؤمنين عليه السلام ، إذ كلما يكون وجها لاستحقاقها فهو موجود فيه على النحو الأتم الأكمل الأفضل... لكن لها دخلا وأثرا كما سنرى..

ولقد أجاد السيد ابن طاووس المحلي حيث قال ـ ردا على الجاحظ في رسالته العثمانية ـ ما نصه :

« قال : وزعمت العثمانية : إن أحدا لا ينال الرئاسة في الدين بغير الدين. وتعلق في ذلك بكلام بسيط عريض يملأ كتابه ويكثر خطابه ، بألفاظ منضدة ، وحروف مسددة كانت أو غير مسددة. بيان ذلك :

إن الإمامية لا تذهب إلى أن استحقاق الرئاسة بالنسب ، فسقط جميع ما أسهب فيه الساقط ، ولكن الإمامية تقول : إن كان النسب وجه الإستحقاق فبنو هاشم أولى به ، ثم علي أولاهم به ، وإن يكن بالسبب فعلي أولى به إذ


312

كان صهر رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن يكن بالتربية فعلي أولى به ، وإن يكن بالولادة من سيدة النساء فعلي أولى به ، وإن يكن بالهجرة فعلي مسببها بمبيته على الفراش ، فكل مهاجري بعد مبيته في ضيافته عدا رسول الله ، إذا الجميع في مقام عبيده وخوله ، وإن يكن بالجهاد فعلي أولى به ، وإن يكن بحفظ الكتاب فعلي أولى به ، وإن يكن بتفسيره فعلي أولى به على ما أسفلت ، وإن يكن بالعلم فعلي أولى به ، وإن يكن بالخطابة فعلي أولى به ، وإن يكن بالشعر فعلي أولى به.

قال الصولي فيما رواه : كان أبو بكر شاعرا وعمر شاعرا وعلي أشعرهم.

وإن يكن بفتح أبواب المباحث الكلامية فعلي أولى به ، وإن يكن بحسن الخلق فعلي أولى به ، إذ عمر شاهد به ، وإن يكن بالصدقات فعلي ـ على ما سلف ـ أولى به ، وإن يكن بالقوة البدنية فعلي أولى به ، بيانه : باب خيبر ، وإن يكن بالزهد فعلي أولى به في تقشفه وبكائه وخشوعه وفنون أسبابه وتقدم إيمانه ، وإن يكن بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في فضله فعلي أولى به ، بيانه : ما رواه ابن حنبل وغيره على ما سلف ، وإن يكن بالقوة الواعية فعلي أولى به ، بيانه : قول النبي صلى الله عليه وآله : « إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك وتعي ، وحق على الله أن تعي » ، وإن يكن بالرأي والحكم فعلي أولى به ، بيانه : شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله له على ما مضى بالحكمة ، وغير ذلك مما نبهنا عليه فيما مضى.

وإذا تقرر هذا بأن معنى التعلق لمن يذكر النسب إذا ذكره ، ولهذا تعجب أمير المؤمنين عليه السلام حيث يستولى على الخلافة بالصحابة ،


313

ولا يستولى عليها بالقرابة والصحابة.

ثم إني أقول : إن أبا عثمان أخطأ في قوله : « إن أحدا لا ينال الرئاسة في الدين بغير الدين ».

بيانه : أنه لو تخلى صاحب الدين من السداد ما كان أهلا للرئاسة ، وهو منع أن ينالها أحد إلا بالدين ، والاستثناء من النفي إثبات حاضر في غير ذلك من صفات ذكرتها في كتابي المسمى « بالآداب الحكيمة » متكثرة جدا ، ومنها ما هو ضروري ، ومنها ما هو دون ذلك.

ومن بغي عدو الإسلام أن يأتي متلفظا بما تلفظ به ، وأمير المؤمنين عليه السلام الخصم ، وتيجان شرفه المصادمة ، ومجد سؤدده المدفوع ، إذ هو صاحب الدين ، وبه قام عموده ، ورست قواعده ، وبه نهض قاعده ، وأفرغت على جيد الإسلام قلائده.

وأقول بعد هذا : إن للنسب أثرا في الرئاسة قويا.

بيانه : أنه إذا تقدم على أرباب الشرف النسبي من لا يدانيهم ، وقادهم من لا يقاربهم ولا يضاهيهم ، كانوا بالأخلق عنه نافرين آنفين ، بل إذا تقدم على أهل الرئيس الفائت غير عصبته ، وقادهم غير القريب الأدنى من لحمته ، كانوا بالأخلق عنه حائدين متباعدين ، وله قالين ، وذلك مظنة الفساد في الدين والدنيا ، وقد ينخزم هذا اتفاقا ، لكن المناط الظاهر هو ما إليه أشرت ، وعليه عوّلت.

وأقول : إن القرآن المجيد لما تضمن العناية بالأقربين من ذرية رسول الله صلى الله عليهم ومواددتهم ، كان ذلك مادة تقديمهم مع الأهلية التي لا يرجح غيرهم عليهم فيها ، فكيف إذا كان المتقدم عليهم لا يناسبهم فيها ولا يدانيها ؟!


314

قال الثعلبي بعد قوله تعالى ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) بعد أن حكى شيئا ثم قال : فأخبرني الحسين بن محمد [ قال : ] حدثنا برهان بن علي الصوفي ، [ قال : ] حدثنا حرب بن الحسين الطحان [ قال : ] حدثنا حسين الأشقر ، عن قيس ، عن الأعمش ، عن سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس ، ، قال : لما نزلت ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قالوا : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما.

وروى فنونا جمة غير هذا من البواعث على محبة أهل البيت ، فقال : أخبرنا أبو حسان المزكي ، [ قال : ] أخبرنا أبو العباس ، محمد بن إسحاق ، [ قال : ] حدثنا الحن بن علي بن زياد السري ، [ قال : ] حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ، [ قال : ] حدثنا حسين الأشقر ، [ قال : ] حدثنا قيس ، [ قال : ] حدثنا الأعمش ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى )فقالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم ؟ قال : علي وفاطمة وولدهما.

وقال : أخبرنا أبو بكر بن الحرث ، [ قال : ] حدثنا أبو السبح ، [ قال : ] حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ، [ قال : ] أخبرنا إسماعيل بن يزيد ، [ قال : ] حدثنا قتيبة بن مهران ، [ قال : ] حدثنا عبد الغفور أبو الصباح ، عن أبي هاشم الرماني ، عن زاذان ، عن علي رضي الله عنه ، قال : فينا في آل حم ، إنه لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ، ثم قرأ ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ).

وقال الكلبي : قل لا أسألكم على الإيمان جعلا إلا أن توادوا قرابتي ،


315

وقد رايت أن اذكر شيئا من الآي الذي يحسن أن تتحدث عنده » (1).

أقول :

لا ريب في أن للنسب والقرب النسبي تأثيرا ، وأن للعناية الإلهية بـ « القربى » ـ أي : بعلي والزهراء بضعة النبي وولديهما ـ حكمة ، وفي السنة النبوية على ذلك شواهد وأدلة نشير إلى بعضها بإيجاز :

أخرج مسلم والترمذي وابن سعد وغيرهم عن واثلة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : « إن الله عز وجل اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفى من بني هاشم » (2).

قال النووي بشرحه : « استدل به أصحابنا على أن غير قريش من العرب ليس بكفء لهم ، ولا غير بني هاشم كفء لهم إلا بني عبد المطلب ، فإنهم هم وبنو هاشم شيء واحد ، كما صرّح به في الحديث الصحيح » (1).

وعقد الحافظ أبو نعيم : « الفصل الثاني : في ذكر فضيلته صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بطيب مولده وحسبه ونسبه وغير ذلك » فذكر فيه أحاديث كثيرة بالأسانيد ، منها ما تقدم ، ومنها الرواية التالية :

« إن الله عز وجل حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه ، ثم حين

(1) بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية 387 ـ 391.

(2) جامع الأصول 9 | 396 عن مسلم والترمذي ، الطبقات الكبرى 1 | 20 ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى : 62.

(3) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج 15 | 36.


316

خلق القبائل جعلني من خير قبيلتهم ، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم ، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم ، فأنا خيرهم أبا وخيرهم نفسا » (1).

وذكر الحافظ محب الدين الطبري بعض هذه الأحاديث تحت عنوان « ذكر اصطفائهم » و« ذكر أنهم خير الخلق » (2).

وقال القاضي عياض : « الباب الثاني في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا ، وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا » فذكر فيه فوائد جمة في كلام طويل (3).

إذن ، هناك ارتباط بين « آية المودة » و« آية التطهير » وأحاديث « الاصطفاء » و« أنهم خير خلق الله ».

ثم إن في أخبار السقيفة والاحتجاجات التي دارت هناك بين من حضرها من المهاجرين والأنصار ما يدل على ذلك دلالة واضحة ، فقد أخرج البخاري أن أبا بكر خاطب القوم بقوله : « لن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا » (4) ولا يستريب عاقل في أن عليا عليه السلام هو الأشرف ـ من المهاجرين والأنصار كلهم ـ نسبا ودارا ، فيجب أن يكون هو الإمام.

بل روى الطبري وغيره أنه قال كلمة أصرح وأقرب في الدلالة ، فقال

(1) دلائل النبوة 1 : 66 | 16.

(2) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : 10.

(3) الشفا بتعريف حقوق المصطفى : 46.

(4) صحيح البخاري | كتاب الحدود ـ الباب 31 ، وانظر : الطبري 3 | 203 ، سيرة ابن هشام 2 | 657 ، وغيرهما.


317

الطبري إنه قال في خطبته : « فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم ولدينهم ، وكل الناس لهم مخالف زار عليهم ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم.

فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن به وبالرسول ، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ، ولا ينازعهم في ذلك إلا ظالم » (1).

وفي رواية ابن خلدون : « نحن أولياء النبي وعشيرته وأحق الناس بأمره ، ولا ننازع في ذلك » (2).

وفي رواية المحب الطبري عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب : « فكنا ـ معشر المهاجرين ـ أول الناس إسلاما ، ونحن عشيرته وأقاربه وذوو رحمه ، ونحن أهل الخلافة ، وأوسط الناس أنسابا في العرب ، ولدتنا العرب كلها ، فليس منهم قبيلة إلا لقريش فيها ولادة ، ولن تصلح إلا لرجل من قريش... » (3).

وهل اجتمعت هذه الصفات ـ في أعلى مراتبها وأسمى درجاتها ـ إلا في علي عليه السلام ؟! إن عليا عليه السلام هو الذي توفرت فيه هذه الصفات واجتمعت الشروط... فهو « عشيرةالنبي » و« ذو رحمه » و« وليه » وهو « أول من عبد الله في الأرض وآمن به » فهو « أحق الناس بهذا الأمر من بعده » و« لا ينازعه في ذلك إلا ظالم » !!

(1) تاريخ الطبري 3 | 219.

(2) تاريخ ابن خلدون 2 | 854.

(3) الرياض النضرة 1 | 213.


318

ومن هنا نراه عليه السلام يحتج على القوم في الشورى بـ « الأقربية » فيقول : « أنشدكم بالله ، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في الرحم منّي ، ومن جعله نفسه وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه ؟! قالوا : اللهم لا » الحديث (1).

وهذا ما اعترف به له عليه السلام طلحة والزبير ، حين راجعه الناس بعد قتل عثمان ليبايعوه ، فقال ـ في ما روي عن ابن حنفية ـ : « لا حاجة لي في ذلك ، عليكم بطلحة والزبير.

قالوا : فانطلق معنا. فخرج علي وأنا معه في جماعة من الناس ، حتى أتينا طلحة بن عبيدالله فقال له : إن الناس قد اجتمعوا ليبايعوني ولا حاجة لي في بيعتهم ، فابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله.

فقال له طلحة : أنت أولى بذلك مني وأحق ، لسابقتك وقرابتك ، وقد اجتمع لك من هؤلاء الناس من قد تفرق عني.

فقال له علي : أخاف أن تنكث بيعتي وتغدر بي !

قال : لا تخافن ذلك ، فوالله لا ترى من قبلي أبدا شيئا تكره.

قال : الله عليك كفيل.

ثم أتى الزبير بن العوام ـ ونحن معه ـ فقال له مثل ما قال لطلحة ورد عليه مثل الذي رد عليه طلحة » (2).

هذا ، وقد كابر الجاحظ في ذلك ، في رسالته التي وضعها للدفاع عن العثمانية ، فرد عليه السيد ابن طاووس الحلي ـ طاب ثراه ـ قائلا :

(1) الصواعق المحرقة : 93 عن الدارقطني.

(2) كنز العمال 5 | 747 ـ 750.


319

« وتعلق بقوله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ).

وليس هذا دافعا كون القرابة إذا كان ذا دين وأهلية أن يكون أولى من غيره وأحق ممن سواه بالرئاسة.

وتعلق بقول رسول الله لجماعة من بني عبد المطلب : إني لا أغني عنكم من الله شيئا.

وهي رواية لم يسندها عن رجال ، ولم يضفها إلى كتاب.

ومما يرد عليها ما رواه الثعلبي ، قال : وأخبرنا يعقوب بن السري ، [ قال : ] أخبرنا محمد بن عبدالله الحفيد ، [ قال : ] حدثنا عبد الله بن أحمد ابن عامر ، [ قال : ] حدثني أبي ، حديث علي بن موسى الرضا عليه السلام ، قال : حدثني أبي موسى بن جعفر ، [ قال : ] حدثنا أبي جعفر بن محمد ، [ قال : ] حدثنا أبي محمد بن علي ، [ قال : ] حدثنا أبي علي بن الحسين ، [ قال : ] حدثنا أبي الحسين بن علي ، [ قال : ] حدثنا أبي علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد ن ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها ، فأنا جازيه [ به ] غدا إذا لقيني في القيامة.

ومن كتاب الشيخ العالم أبي عبد الله محم بن عمران بن موسى المرزباني « في ما نزل من القران في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام » ما يشهد بتكذيب قصد الجاحظ ما حكايته :

ومن سورة النساء ، حدّثنا عليّ بن محمّد ، قال : حدّثني الحسن بن الحكم الحبري ، قال : حدّثنا حسن بن حسين ، قال : حدثنا حيان ابن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( واتقوا الله


320

الذي تساءلون به والأرحام )... الآية ، نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وذوي أرحامه ، وذلك أن كل سبب ونسب منقطع [ يوم القيامة ] إلا ما كان من سببه ونسبه ( إن الله كان عليكم رقيبا ).

والرواية عن عمر شاهدة بمعنى هذه الرواية حيث ألح بالتزويج عند أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

وتعلق بقوله تعالى : ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ).

أقول : إن الجاحظ جهل أو تجاهل ، إذ هي في شأن الكافرين ، لا في سادات المسلمين أو أقرباء رسول رب العالمين.

بيانه : قوله تعالى : ( ولا هم ينصرون ).

وتعلق بقوله تعالى : ( يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ) ولم يتمم الآية ، تدليسا وانحرافا ، أو جهلا ، أو غير ذلك ، والأقرب بالأمارات الأول ، لأن الله تعالى تمم ذلك بقوله : ( ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم ).

وخلصاء الذرية والقرابة مرحومون بالآي والأثر ، فسقط تعلقه ، مع أن هذا جميعه ليس داخلا في كون ذي الدين والأهلية لا يكون له ترجيح في الرئاسة وتعلق له بالرئاسة.

وتعلق بقوله تعالى : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم ) وليس هذا مما يدخل في تقريره الذي شرع فيه ، وإن كان حديثا خارجا عن ذلك ، فالجواب عنه : بما أن المفسرين أو بعضهم قالوا في معنى قوله تعالى : ( سليم ) أي : لا يشرك ، وهذا صحيح.


321

وتعلق بقوله تعالى : ( اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود ) وليس هذا من الرئاسة الدنياوية في شيء.

وبعد ، فهو مخصوص بقرابة النبي عليه السلام بالأثر السالف عن الرضا.

وبعد ، فإن المفسرين قالوا عند قوله تعالى : ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) قالوا : الشفاعة ، وإذا كان الرسول شافعا في عموم الناس فأولى أن يشفع في ذريته ورحمه ، وكذا قيل في قوله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) إنها الشفاعة.

وتعلق بقوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ ابني آدم ) وليس هذا مما حاوله من سابق تقريره في شيء.

وتعلق في قصة نوح وكنعان ، وليس هذا مما نحن فيه في شيء ، أين كنعان من سادات الإسلام ؟!

وتعلق بقوله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) وللإمامية في هذا مباحث سديدة ، إذ قالوا : من سبق كفره ، ظالم لا محالة فيما مضى ، فلا يكون أهلا للرئاسة ، فهذه واردة على الجاحظ لا له.

ورووا في شيء من ذلك الرواية من طرق القوم ، وساق ما لا صيور له فيما نحن بصدده » (1).

2 ـ وجوب المودة يستلزم وجوب الطاعة :

إنه ليس المراد من « المودة » هو « المحبة المجردة » ، لا سيما في مثل

(1) بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية : 391 ـ 397.


322

الآية المباركة ( ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة... ) فإنه قد جعلت « المودة » ـ بناء على اتصال الاستثناء ـ أجرا للرسالة ، ومن المعلوم أنه لولا التساوي والتناسب بين الشيء ومقابله لم يصدق على الشيء عنوان « الأجر » ، وحينئذ فإذا لاحظنا عظمة الرسالة المحمدية عند الله وعند البشرية اهتدينا إلى عظمة هذا الأجر وهو « المودة في القربى ».

وكذا بناء على الانقطاع ، لأن الروايات قد دلت على أن المسلمين اقترحوا عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يدفعوا إليه في مقابل أداء الرسالة من الأموال ما يكون معه في سعة فأجاب ـ بناء على هذا القول ـ بالرد وأنه لا يسألهم أجرا أصلا ، ثم قال : ولكن « المودة في القربى » فجعلها هي الشيء المطلوب منهم والواجب عليهم..

فإيجاب المودة ـ في مثل هذا المقام ، دون غيرها مما كان بالإمكان أن يطلبه منهم ـ يدل على أن هذا الأمر أهم الأشياء عند الله والرسول.

وعلى الجملة .. ليس المراد مجرد المودة والمحبة ، بل هي المحبة المستتبعة للانقياد والطاعة ، قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) (1) والاتباع يعني إطاعة الأمر كما في الآية المباركة : ( وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ) (2).

والاتباع ، والانقياد التام ، ، والإطاعة المطلقة ، هو معنى الإمامة والولاية... قال العلامة الحلي : « الرابعة : قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) روى الجمهور...

(1) سورة النساء 4 : 31. وراجع التفاسير كالرازي 8 | 17.

(2) سورة النور 24 : 54.


323

ووجوب المودة يستلزم وجوب الطاعة » (1).

وقال أيضا : « البرهان السابع : قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) روى أحمد بن حنبل...

وغير علي من الصحابة والثلاثة لا تجب مودته ، فيكون علي أفضل فيكون هو الإمام ، ولأن مخالفته تنافي المودة وبإمتثال أوامره تكون مودته ، فيكون واجب الطاعة ، وهو معنى الإمامة » (2).

3 ـ وجوب المحبة المطلقة يستلزم الأفضلية :

وأيضا ، فإن عليا ممن وجبت محبته ومودته على نحو الإطلاق ، ومن وجبت محبته كذلك كان هو الأحب ، ومن كان أحب الناس إلى الله ورسوله كان أفضلهم ، ومن كان أفضل كان هو الإمام... فعلي عليه السلام هو الإمام بعد رسول الله.

أما المقدمة الأولى فواضحة جدا من الآية المباركة.

وأما المقدمة الثانية فواضحة كذلك ، ومما يدل على أن عليا عليه السلام أحب الخلق إلى الله ورسوله : حديث الطائر ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد أهدي إليه طائر ـ : « اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ، فجاء علي فأكل معه » رواه عنه من الصحابة :

1 ـ علي أمير المؤمنين عليه السلام.

2 ـ عبد الله بن عباس.

3 ـ أبو سعيد الخدري.

(1) نهج الحق : 175.

(2) منهاج الكرامة ـ المطبوع في آخر المجلد الثاني من « منهاج السنة » ـ : 74.


324

4 ـ سفينة.

5 ـ أبو الطفيل عامر بن واثلة.

6 ـ أنس بن مالك.

7 ـ سعد بن أبي وقاص.

8 ـ عمرو بن العاص.

9 ـ أبو مرازم يعلى بن مرة.

10 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

11 ـ أبو رافع.

12 ـ حبشي بن جنادة.

ورواه عنهم من التابعين عشرات الرجال.

ومن مشاهير الأئمة والحفاظ والعلماء في كل قرن ، أمثال :

أبي حنيفة ، إمام المذهب.

وأحمد بن حنبل ، إمام المذهب.

وأبي حاتم الرازي.

وأبي عيسى الترمذي.

وأبي بكر البزار.

وأبي عبد الرحمن النسائي.

وأبي الحسن الدارقطني.

وأبي عبد الله الحاكم النيسابوري.

وأبي بكر ابن مردويه.

وأبي نعيم الأصفهاني.

وأبي بكر البيهقي.


325

وأبي عمر ابن عبدالبر.

وأبي محمد البغوي.

وأبي الحسن العبدري.

وأبي القاسم ابن عساكر.

وابن حجر العسقلاني.

وجلال الدين السيوطي.

وعلى الجملة ، فهذا الحديث نص في أن عليا أحب الخلق إلى الله ورسوله (1).

وأما المقدمة الثالثة فهي واضحة جدا كذلك ، وقد نص غير واحد منه على ذلك أيضا :

قال ولي الدين ابن العراقي ، في كلام له نقله الحافظ القسطلاني وابن حجر المكي عنه : « المحبة الدينية لازمة للأفضلية فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر » (2).

وقال الرازي بتفسير ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) : « والمراد من محبّة الله تعالى له إعطاؤه الثواب » (3).

ومن الواضح : أن من كان الأحب إلى الله كان الأكثر ثوابا ، والأكثر ثوابا هو الأفضل قطعا.

وقال ابن تيمية : « والمقصود أن قوله : ( وغير علي من الثلاثة لا تجب

(1) وهو يشكلّ الجزئين الثالث عشر والرابع عشر من كتابنا الكبير : « نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار » وهما تحت الطبع.

(2) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ، الصواعق المحرقة : 97.

(3) تفسير الرازي 8 | 17.


326

مودته ) كلام باطل عند الجمهور ، بل مودة هؤلاء أوجب عند أهل السنة من مودة علي ، لأن وجوب المودة على مقدار الفضل ، فكل من كان أفضل كانت مودته أكمل...

وفي الصحيح : إن عمر قال لأبي بكر يوم سقيفة ـ بل أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله » (1).

وقال التفتازاني : « إن ( أحب خلقك ) يحتمل تخصيص أبي بكر وعمر منه ، عملا بأدلة أفضليتهما » (2)

وعلى الجملة ، فإن هذه المقدمة واضحة أيضا ولا خلاف لأحد فيها.

وأما المقدمة الرابعة فبديل العقل والنقل ، وبه صرّح غير واحد من أعلام أهل الخلاف ، حتى أنهم نقلوا عن الصحابة ذلك كما تقدم في بعض الكلمات في فصل الشبهات ، وقال الشريف الجرجاني في الشورى وأنه لماذا جعلت في هؤلاء الستة دون غيرهم :

« وإنما جعلها شورى بينهم ، لأنه رآهم أفضل ممن عداهم وأنه لا يصلح للإمامة غيرهم » (3).

وقال ابن تيمية : « تولية المفضول مع وجود الأفضل ظلم عظيم » (4).

وقال محب الدين الطبري : « قولنا : لا ينعقد ولاية المفضول عند وجود الأفضل » (5).

(1) منهاج السنة 7 | 106 ـ 107.

(2) شرح المقاصد 5 | 299.

(3) شرح المواقف 8 | 365.

(4) منهاج السنة : 3 | 277 الطبعة القديمة.

(5) الرياض النضرة ـ باب خلافة أبي بكر ـ 1 | 216.


327

وكذا قال غيرهم... ولا حاجة إلى ذكر كلماتهم.

وإلى هذا الوجه أشار العلامة الحلي في كلامة السابق.

وقال المحقق نصير الدين الطوسي في أدلة أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام : « ووجوب المحبة ».

فقال العلامة بشرحه : « هذا وجه تاسع عشر وتقريره : إن عليا عليه السلام كان محبته ومودته واجبة دون غيره من الصحابة ، فيكون أفضل منهم. وبيان المقدمة الأولى : إنه كان من أولى القربى ، فتكون مودته واجبة لقوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) » (1).

4 ـ وجوب المحبة المطلقة يستلزم العصمة :

وأيضا : فإن إطلاق الأمر بمودتهم دليل على عصمتهم ، وإذا ثبتت العصمة ثبتت الإمامة ، وهذا واضح.

أما أن إطلاق الأمر بمودتهم ـ الدال على الإطاعة المطلقة ـ دليل على عصمتهم ، فيكفي فيه كلام الفخر الرازي بتفسير قوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم ) (2).

فإنه قال :

« إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأن كان بتقدير إقدامه على الخطأ

(1) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 310.

(2) سورة النساء 4 : 59.


328

يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وإنه محال فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ ، فثبت قطعا أن ( أولي الأمر ) المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون معصوما » (1).

فهذا محل الشاهد من كلامه ، وأمّا من « اُولي الأمر » الذين أمرنا بإطاعتهم ؟ فذاك بحث آخر..

وعلى الجملة ، فوجوب الإطاعة والاتباع على الإطلاق ـ المستفاد من وجوب المحبة المطلقة ـ مستلزم للعصمة.

وقد ذكر هذا الوجه غير واحد من علمائنا :

قال البياضي العاملي رحمه الله : « جعل الله أجر رسالة نبيه في مودة أهله في قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ).

قالوا : المراد القربى في الطاعات ، أي : في طاعة أهل القربى.

قلنا : الأصل عدم الإضمار ، ولو سلم فلا يتصور إطلاق الأمر بمودتهم إلا مع عصمتهم.

قالوا : المخاطب بذلك الكفار ، يعني : راقبوا نسبي منكم ، يعني القرشية.

قلنا : الكفار لا تعتقد للنبي أجرا حتى تخاطب بذلك.

(1) تفسير الرازي 10 | 144.


329

على أن الأخبار المتفق عليها تنافي الوجهين ، ففي صحيح البخاري... » (1).

وقال السيد الشبر : « وجوب المودة يستلزم وجوب الطاعة ، لأن المودة إنما تجب مع العصمة ، إذ مع وقوع الخطأ منهم يجب ترك مودتهم كما قال تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) (2). وغيرهم عليهم السلام ليس بمعصوم اتفاقا. فعلي وولداه الأئمة » (3).

دحض الشبهات المثارة على دلالة الآية على الإمامة :

أقول :

وهذا كلام السيد الشهيد التستري في الرد على ابن روزبهان ، الذي أشكل على العلامة الحلي..

* قال ابن روزبهان : « ونحن نقول : إن مودته واجبة على كل المسلمين ، والمودة تكون مع الطاعة ، ولا كل مطاع يجب أن يكون صاحب الزعامة الكبرى ».

فأجاب السيد رحمه الله : « وأما ما ذكره من أنه لا يدل على خلافة علي عليه السلام فجهالة صرفة أو تجاهل محض ! لظهور دلالة الآية على أن مودة علي عليه السلام واجبة بمقتضى الآية ، حيث جعل الله تعالى أجر الإرسال إلى ما يستحقبه الثواب الدائم مودة ذوي القربى ، وإنما يجب

(1) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم 1 | 188.

(2) سورة المجادلة 58 : 22.

(3) حق اليقين في معرفة أصول الدين 1 | 270.


330

ذلك مع عصمتهم ، إذ مع وقوع الخطأ عنهم يجب ترك مودتهم لقوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) الآية. وغير علي ليس بمعصوم بالاتفاق ، فتعين أن يكون هو الإمام.

وقد روى ابن حجر الباب الحادي عشر من صواعقه عن إمامه الشافعي شعرا في وجوب ذلك برغم أنف الناصب ، وهو قوله :

يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكـم من عظيم القدر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له

على أن إقامة الشيعة للدليل على إمامة علي عليه السلام على أهل السنة غير واجب بل تبرعي ، لاتفاق أهل السنة معهم على إمامته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غاية الأمر أنهم ينفون الواسطة وأهل اسنة يثبتونها ، والدليل على المثبت دون النافي كما تقرر في موضعه ، إلا أن يرتكبوا خرق الإجماع بإنكار إمامته مطلقا ، فحينئذ يجب على الشيعة إقامة الدليل ، والله الهادي إلى سواء السبيل » (1).

وقال الشيخ المظفر في جواب ابن روزبهان بعد كلام له : « فيتعين أن يكون المراد بالآية : الأربعة الأطهار ، وهي تدل على أفضليتهم وعصمتهم وأنهم صفوة الله سبحانه ، إذ لو يكونوا كذلك لم تجب مودتهم دون غيرهم ، ولم تكن مودتهم بتلك المنزلة التي ما مثلها منزلة ، لكونها أجرا للتبليغ والرسالة الذي لا أجر ولا حق يشبهه.

ولذا لم يجعل الله المودة لأقارب نوح وهود أجرا لتبليغهما ، بل قال

(1) إحقاق الحق ـ في الرد على ابن روزبهان ـ 3 | 23.


331

لنوح : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الله ) وقال لهود : ( وقل لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ).

فتنحصر الإمامة بقربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ لا تصح إمامة المفضول مع وجود الفاضل ، لا سيما بهذا الفضل الباهر مضافا إلى ما ذكره المصنف ـ رحمه الله ـ من أن وجوب المودة مطلقا يستلزم وجوب الطاعة مطلقا ، ضرورة أن العصيان ينافي الود المطلق ، ووجوب الطاعة مطلقا يستلزم العصمة التي هي شرط الإمامة ، ولا معصوم غيرهم بالإجماع ، فتنحصر الإمامة بهم ولا سيما مع وجوب طاعتهم على جميع الأمة.

وقد فهم دلالة الآية على الإمامة الصحابة ، ولذا اتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعضهم فقالوا : ما يريد إلا أن يحثنا على قرابته بعده ، كما سمعته من بعض الروايات السابقة (1) وكل ذي فهم يعرفها من الآية الشريفة ، إلا أن القوم أبوا أن يقروا بالحق ويؤدوا أجر الرسالة ، فإذا صدرت من أحدهم كلمة طيبة لم تدعه العصبية حتى يناقضها... » (2) !

* وبالتأمل في الوجوه التي ذكرناها وما نص عليه علماؤنا ، يظهر الجواب عن كلام السعد التفتازاني حيث ذكر في مباحث الأفضلية قائلا :

« القائلون بأفضلية علي رضي الله عنه تمسكوا بالكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) الآية... وقوله تعالى : ( قل لا

(1) المعجم الكبير 12 | 26 ، وغيره.

(2) دلائل الصدق لنهج الحق 2 | 125 ـ 126.


332

أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) قال سعيد بن جبير : لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله ، من هؤلاء الذين نودهم ؟ قال : علي وفاطمة وولداها. ولا يخفى أن من وجبت محبته بحكم نص الكتاب كان أفضل. وكذا من ثبتت نصرته للرسول بالعطف في كلام الله تعالى عنه على اسم الله وجبريل ، مع التعبير عنه بـ « صالح المؤمنين » وذلك قوله تعالى : ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ). فعن العباس ـ رضي الله عنه ـ أن المراد به علي... ».

قال : « والجواب : أنه لا كلام في عموم مناقبه ووفور فضائله واتصافه بالكمالات واختصاه بالكرامات ؛ إلا أنه لا يدل على الأفضلية ـ بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله ـ بعد ما ثبت من الاتفاق الجاري مجرى الإجماع على أفضلية أبي بكر ثم عمر ، والاعتراف من علي بذلك !

على أن في ما ذكر مواضع بحث لا تخفى على المحصل ، مثل : إن المراد بأنفسنا نفس النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كما يقال : دعوت نفسي إلى كذا. وأن وجوب المحبة وثبوت النصرة على تقدير تحققه في حق علي ـ رضي الله عنه ـ فلا اختصاص به » (1).

أقول :

قد عرفت أن الآية المباركة تدل على وجوب محبة علي عليه السلام ، ووجوب المحبة المطلقة يدل على أنه الأحب عند الله ورسوله ، والأحبية دالة على الافضلية.

(1) شرح المقاصد 5 | 295 ـ 299.


333

وأيضا : وجوب المحبة المطلقة يستلزم العصمة وهي شرط الإمامة.

وأما دعوى أفضلية أبي بكر وعمر فأول الكلام... كدعوى عدم الاختصاص بعلي عليه السلام ، لقيام الإجماع على عدم عصمة أبي بكر وعمر...

* وقد اضطرب ابن تيمية في هذا المقام ، فقال : « إنا نسلم أن عليا تجب مودته وموالاته بدون الاستدلال بهذه الآية ، لكن ليس في وجوب موالاته ومودته ما يوجب اختصاصه بالإمامة والفضيلة. وأما قوله : والثلاثة لا تجب مودتهم ؛ فممنوع ، بل يجب أيضا مودتهم وموالاتهم ، فإنه قد ثبت أن الله يحبهم ، ومن كان يحبه الله وجب علينا أن نحبه ، فإن الحب في الله والبغض في الله واجب ، وهو أوثق عرى الإيمان ، وكذلك هم من أكابر أولياء الله المتقين ، وقد أوجب الله موالاتهم ، بل قد ثبت أن الله رضي عنهم ورضوا عنه بنص القرآن ، وكل من رضي الله عنه فإنه يحبه ، والله يحب المتقين والمحسنين والمسقطين والصابرين... » (1).

فإن الرجل قد خصم نفسه باعترافه بوجوب محبة : المتقين والمحسنين والمقسطين والصابرين... بل مطلق المؤمنين... فإن أحدا لا ينكر شيئا من ذلك ، ومن يقول بأن المؤمن ـ إذا كان مؤمنا حقا ـ لا يجب أن نحبه لا سيما إذا كان مع ذلك من أهل التقوى والإحسان والصبر ؟!

لكن الكلام في المحبة المطلقة ، وفي الأحبية عند الله ورسوله ، المستلزمة للأفضلية وللعصمة ووجوب الطاعة... هذه الأمور التي لم يقل أحد بوجودها في غير علي عليه السلام ، لا سيما العصمة ، إذ قام الإجماع

(1) منهاج السنة 7 | 103 ـ 104.


334

على عدمها في غيره.

ثم إن ابن تيمية شرع يستدل ببعض الأخبار التي يروونها عن النبي صلى الله عليه وآله سلم في أن أحب الناس إليه عائشة !! قيل : فمن الرجال ؟ قال : أبوها ! وأن عمر قال لأبي بكر في السقيفة : أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله !!

وكل عاقل يفهم ما في الاستدلال بمثل هذه الأخبار !!

* ولقد أحسن الآلوسي حيث لم يستدل بشيء من أخبارهم في هذا البحث ، فإنه قد انتحل كلام عبد العزيز الدهلوي واعتمده في الجواب عن استدلال الإمامية ، إلا أنه بتر كلامه ولم يأت به إلى الآخر ! وهو ما سنشير إليه :

قال الآلوسي : « ومن الشيعة من أورد الآية في مقام الاستدلال على إمامة علي كرم الله تعالى وجهه ، قال : علي كرم الله تعالى وجهه وأجب المحبة ، وكل واجب المحبة واجب الطاعة ، وكل واجب الطاعة صاحب الإمامة. ينتج : علي رضي الله تعالى عنه صاحب الإمامة. وجعلوا الآية دليل الصغرى.

ولا يخفى ما في كلامهم هذا من البحث :

أما أولا : فلأن الاستدلال بالآية على الصغرى لا يتم إلا على القول بأن معناها : لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوا قرابتي وتحبوا أهل بيتي. وقد ذهب الجمهور إلى المعنى الأول. وقيل في هذا المعنى : إنه لا يناسب شأن النبوة لما فيه من التهمة ، فإن أكثر طلبة الدنيا يفعلون شيئا ويسألون عليه ما يكون فيه نفع لأولادهم وقرابتهم. وأيضا فيه منافاة ما لقوله تعالى :


335

( وما تسألهم عليه من أجر ).

وأما ثانيا : فلأنا لا نسلم أن كل واجب المحبة واجب الطاعة ، فقد ذكر ابن بابويه في كتاب الاعتقادات : إن الإمامية أجمعوا على وجوب محبة العلوية ، مع أنه لا يجب طاعة كل منهم.

وأما ثالثا : فلأنا لا نسلم أن كل واجب الطاعة صاحب الإمامة ، أي الزعامة الكبرى ، وإلا لكان كل نبي في زمنه صاحب ذلك ، ونص : ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) يأبى ذلك.

وأما رابعا : فلأن الآية تقتضي أن تكون الصغرى : أهل البيت واجبو الطاعة ، ومتى كانت هذه صغرى قياسهم لا تنتج النتيجة التي ذكروها ، ولو سلمت جميع مقدماتها ، بل تنتج أهل البيت صاحبوا الإمامة ، وهم لا يقولون بعمومه.

إلى غير ذلك من الأبحاث. فتأمل ولا تغفل » (1).

أقول :

هذا كله كلام الدهلوي بعينه ! وقد جاء بعده في « التحفة الاثنا عشرية » الاستدلال بأحاديث.

* قال الدهلوي : « روى أبو طاهر السلفي في مشيخته عن أنس ، قال : قال رسول الله : حب أبي بكر وشكره واجب على كل أمتي.

وروى ابن عساكر عنه نحوه. ومن طريق آخر عن سهل بن سعد

(1) روح المعاني 29 | 33.


336

الساعدي.

وأخرج الحافظ عمر بن محمد بن خضر الملا في سيرته عن النبي : أنه قال : إن الله تعالى فرض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كما فرض عليكم الصلاة والصوم والحج.

وروى ابن عدي ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، أنه قال : حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق.

وروى ابن عساكر ، عن جابر : إن النبي قال : حب أبي بكر وعمر من الإيمان ، وبغضهما كفر.

وروى الترمذي أنه أتي بجنازة إلى رسول الله فلم يصل عليه وقال : إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله ».

ثم إنه التفت إلى عدم جواز إلزام الإمامية بما اختص أهل السنة بروايته ، فأجاب قائلا : « إنه وإن كانت هذه الأخبار في كتب أهل السنة فقط ، لكن لما كان الشيعة يقصدون إلزام أهل السنة بروايتهم فإنه لا بد من لحاظ جميع روايات أهل السنة ، ولا يصح إلزامهم برواية منها.

وإن ضيقوا على أهل السنة ، أمكن إثبات وجوب محبة الخلفاء الثلاثة من كتاب الله واقوال العترة ، فقوله تعالى : ( يحبهم ويحبونه ) نزل ـ بالإجماع ـ في حق المقاتلين للمرتدين ، وقد كان الثلاثة أئمة هؤلاء المقاتلين ، ومن أحبه الله وجبت محبته. وعلى هذا القياس » !

هذا آخر كلام الدهلوي (1).

(1) التحفة الاثنا عشرية : 205.


337

أقول :

إن من الواضح عدم جواز إلزام الخصم إلا بما يرويه خاصة أو ما اتفق الطرفان على روايته ، هذا إذا كان الخبر المستدل به معتبرا عند المستدل ، فإن لم يكن الخبر معتبرا حتى عند المستدل به فكيف يجوز له إلزام الطرف الآخر به ؟!

ليت الدهلوي استدل ـ كابن تيمية ـ بكتابي البخاري ومسلم المعروفين بالصحيحين ، فإن الأحاديث التي استدل بها كلها باطلة سندا ، وهذا هو السر في إعراض الآلوسي عنها وإسقاطه لها.

إن أحسن هذه الأحاديث ما أخرجه الترمذي في كتابه ـ وهو يعد أحد الصحاح الستة ـ من امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة على الجنازة ؛ قال الترمذي :

« حدثنا الفضل بن أبي طالب البغدادي وغير واحد ، قالوا : حدثنا عثمان بن زفر ، حدثنا محمد بن زياد ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : أتي رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بجنازة رجل يصلي عليه فلم يصل عليه ، فقيل : يا رسول الله ! ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا ؟! قال : إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله » !

لكن هذا الحديث ساقط سندا حتى عند راويه الترمذي ! قال :

« هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ومحمد بن زياد


338

صاحب ميمون بن مهران ضعيف في الحديث جدا » (1).

ثم إن الجوزي أورده في ( الموضوعات ) بطريقين ، وقال : « الطريقان على محمد بن زياد. قال أحمد بن حنبل : هو كذاب خبيث يضع الحديث. وقال يحيى : كذاب خبيث. وقال السعدي والدارقطني : كذاب. وقال البخاري والنسائي والفلاس وأبو حاتم : متروك الحديث. وقال ابن حبان : كان يضع الحديث على الثقات ، لا يحل ذكره في الكتب إلا على وجه القدح فيه » (2).

فيظهر أنا لترمذي حيث قال : « ضعيف جدا » لم يقل الحق كما هو حقه !!

وظهر أن الحق مع الآلوسي حيث ترك الاستدلال به وهو أحسن ما ذكر الدهلوي ، فالعجب من الدهلوي كيف يستدل بحيث هذه حاله ، ويريد إلزام الشيعة به ، وفي مسألة أصولية ؟!

ولو وجدت مجالا لبينت حال بقية هذه الأحاديث ، لكن لا حاجة إلى ذلك بعد معرفة حال أحسنها سندا !!

فلنعد إلى الوجوه التي وافق فيها الآلوسي الدهلوي وأخذها منه ، فنقول :

أما الأول : فجوابه : إن الصغرى تامة كما تقدم بالتفصيل ، وقلنا بأن طلب الأجر إنما هو بناء على اتصال الاستثناء ، وقد عرفت حقيقة هذا الأجر وعوده إلى المسلمين أنفسهم ، فلا شبهة ولا تهمة. وأما بناء على

(1) صحيح الترمذي 5 | 588.

(2) الموضوعات 2 | 332 ـ 333.


339

انقطاع الاستثناء فلا إشكال أصلا.

وأما الثاني : فإن الإمامية أجمعت على وجوب محبة العلوية ، بل كل مؤمن من المؤمنين ، ولكن الآية المباركة دالة على وجوب المحبة المطلقة لعلي والزهراء والحسنين ، فلا نقض ، ولذا لمي قل أحد منهم بوجوب محبة غير الأربعة والمعصومين محبة مطلقة... والكلام في المحبة المطلقة لا مطلق المحبة ، فما ذكراه جهل أو تجاهل !

وأما الثالث فيظهر جوابه مما ذكرناه ، فإنا نريد المحبة المطلقة المستلزمة للعصمة ، فأينما كانت ؛ كانت الإمامة الكبرى ، وأينما لم تكن ؛ لم تكن !

وأما الرابع فيظهر جوابه مما ذكرنا أيضا.


340

خلاصة البحث

فالحق مع السيد رحمه الله ، إذ قال :

« هل حكم بافتراض المودة لغيرهم محكم التنزيل ؟! ».

بقي أن نذكر الوجه في تفسيره « الحسنة » في قوله تعالى : ( ومن يقترف حسنة ) بـ « المودة »... فنقول :

هذا التفسير ورد عن الأئمة الأطهار من أهل البيت ، كالحسن السبط الزكي عليه السلام في خطبته التي رواها الحاكم وغيره ، وورد أيضا في غير واحد من تفاسير أهل السنة ، عن ابن عباس والسدي وغيرهما ، قال القرطبي : « قوله تعالى ( ومن يقترف حسنة ) أي : يكتسب ، وأصل القرف الكسب ، يقال... قال ابن عباس : ( ومن يقترف حسنة ) : المودة لآل محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، ( نزد له حسنا ) أي : نضاعف له الحسنة بعشر فصاعدا ، ( إن الله غفور شكور ) قال قتادة : غفور للذنوب شكور للحسنات. وقال السدي : غفور لذنوب آل محمد عليه السلام شكور لحسناتهم » (1).

وقال أبو حيان : « وعن ابن عباس والسدي : أنها المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... وقال السدي : غفور لذنوب آل محمد عليه السلام شكور لحسناتهم » (2).

(1) تفسير القرطبي 16 | 24.

(2) البحر المحيط 7 | 516.


341

وقال الآلوسي : « روي ذلك عن ابن عباس والسدي » (1).

وهذا القدر كاف ، وهو للقلب السليم شاف ، وللمطلب واف.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين الأشراف.

(1) روح المعاني 25 | 33 .


342

آية المباهلة

قال السيد طاب ثراه :

« وهل هبط بآية المباهلة بسواهم جبرئيل ؟! ».

فقال في الهامش :

« كلا ، وإنما هبط بآية المباهلة بهم خاصة ، فقال عز من قائل : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم )الآية ».

فقيل :

« هذه الآية مما يتمسك به الشيعة على أنه دليل على الإمامة ، وعلى أن آل البيت هم بمرتبة النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فإن الآية لم تفرق بينهم وبينه ، بل ساوتهم به إذ جمعت أنفسهم مع نفسه ، فقال تعالى : ( وأنفسنا وأنفسكم ).

وهذا اللفظ لا يقتضي المساواة ، فقد قال تعالى : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) ( النور : 12 ) ، ولا يدل هذا على أن المؤمنين والمؤمنات متساوون ، ومن ذلك أيضا قوله تعالى : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) ( البقرة : 85 ) ، فهذا اللفظ يدل على المجانسة والمشابهة في أمور :

فقوله تعالى : ( وأنفسنا وأنفسكم ) أي : ورجالنا ورجالكم ، أي :


343

« الرجال الذين هم من جنسنا في الدين والنسب ، والمراد : التجانس مع الإيمان ». انتهى.

أقول :

وهذا أيضا خلاصة ما جاء به ابن تيمية ، في الجواب عن الاستدلال بالآية الكريمة ، وليس لهذا القائل منه شيء ولا كلمة !!

ونحن ذاكرون سبب نزول الآية المباركة ، ووجه الاستدلال بها ، والجواب عما قيل في ذلك ، فهاهنا فصول ، وبالله التوفيق.


344

الفصل الأول

في نزول الآية في أهل البيت عليهم السلام

قال الله عز وجل : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين * إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ) (1).

هذه هي الآية المعروفة بآية المباهلة ، وسنورد قصتها في أول الفصل الآتي.

وقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المباهلة بعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام.

ذكر من رواه من الصحابة والتابعين :

وروي هذا الخبر عن جماعة من أعلام الصحابة والتابعين ، نذكر هنا من جاءت الرواية عنه ف كتب غير الإمامية ، منهم :

1 ـ امير المؤمنين علي عليه السلام.

2 ـ عبد الله بن عباس.

(1) سورة آل عمران 3 : 59 ـ 63.


345

3 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري.

4 ـ سعد بن أبي وقاص.

5 ـ عثمان بن عفان.

6 ـ سعيد بن زيد.

7 ـ طلحة بن عبيد الله.

8 ـ الزبير بن العوام.

9 ـ عبد الرحمن بن عوف.

10 ـ البراء بن عازب.

11 ـ حذيفة بن اليمان.

12 ـ أبو سعيد الخدري.

13 ـ أبو الطفيل الليثي.

14 ـ جد سلمة بن عبد يشوع.

15 ـ أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله.

16 ـ زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام.

17 ـ علباء بن أحمر اليشكري.

18 ـ الشعبي.

19 ـ الحسن البصري.

20 ـ مقاتل.

21 ـ الكلبي.

22 ـ السدي.

23 ـ قتادة.

24 ـ مجاهد.


346

أما أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد ناشد القوم في الشورى بنزول الآية فيه... وسيأتي الخبر قريبا.

وأما عثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعيد بن زيد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن ابي وقاص ، فقد أقروا لعلي عليه السلام في ذلك.

كما روى سعد الخبر ، وكان مما به اعتذر عن سب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، كما في صحيح الأثر... وسيأتي نصه.

وأما أبو الطفيل فهو راوي خبر المناشدة.

وأما الآخرون... فستأتي نصوص الأخبار في روايتهم.

ومن رواته من كبار الأئمة في الحديث والتفسير :

وقد اتفقت كتب الحديث والتفسير والكلام على رواية حديث المباهلة ، إما بالأسانيد ، وإما بإرساله إرسال المسلمات ، من أشهرهم :

1 ـ سعيد بن منصور ، المتوفى سنة 227.

2 ـ أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة ، المتوفى سنة 235.

3 ـ أحمد بن حنبل ، المتوفى سنة 241.

4 ـ عبد بن حميد ، المتوفى سنة 249.

5 ـ مسلم بن الحجاج ، المتوفى سنة 261.

6 ـ أبو زيد عمر بن شبة البصري ، المتوفى سنة 262.

7 ـ محمد بن عيسى الترمذي ، المتوفى سنة 279.

8 ـ أحمد بن شعيب النسائي ، المتوفى سنة 303.

9 ـ محمد بن جرير الطبري ، المتوفى سنة 310.

10 ـ أبو بكر ابن المنذر النيسابوري ، المتوفى سنة 318.


347

11 ـ أبوبكر الجصاص ، المتوفى سنة 370.

12 ـ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ، المتوفى سنة 405.

13 ـ أبو بكر ابن مردويه الأصفهاني ، المتوفى سنة 410.

14 ـ أبو إسحاق الثعلبي ، المتوفى سنة 427.

15 ـ أبو نعيم الأصفهاني ، المتوفى سنة 430.

16 ـ أبو بكر البيهقي ، المتوفى سنة 458.

17 ـ علي بن أحمد الواحدي ، المتوفى سنة 468.

18 ـ محيي السنة البغوي ، المتوفى سنة 516.

19 ـ جارالله الزمخشري ، المتوفى سنة 538.

20 ـ القاضي عياض اليحصبي ، المتوفى سنة 544.

21 ـ أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي ، المتوفى سنة 571.

22 ـ أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي ، المتوفى سنة 579.

23 ـ أبو السعادات ابن الأثر الجزري ، المتوفى سنة 606.

24 ـ الفخر الرازي ، المتوفى سنة 606.

25 ـ عز الدين أبو الحسن ابن الأثير الجزري ، المتوفى سنة 630.

26 ـ محمد بن طلحة الشافعي ، المتوفى سنة 652.

27 ـ شمس الدين سبط ابن الجوزي ، المتوفى سنة 654.

28 ـ أبو عبدالله القرطبي الأنصاري ، المتوفى سنة 656.

29 ـ القاضي البيضاوي ، المتوفى سنة 658.

30 ـ محب الدين الطبري ، المتوفى سنة 694.

31 ـ نظام الدين الأعرج النيسابوري ، المتوفى سنة

32 ـ أبو البركات النسفي ، المتوفى سنة 710.


348

33 ـ صدر الدين أبو المجامع إبراهيم الحموئي ، المتوفى سنة 722.

34 ـ أبو القاسم ابن الجزي الكلبي ، المتوفى سنة 741.

35 ـ علاء الدين الخازن ، المتوفى سنة 741.

36 ـ أبو حيان الأندلسي ، المتوفى سنة 745.

37 ـ شمس الدين الذهبي ، المتوفى سنة 748.

38 ـ ابن كثير الدمشقي ، المتوفى سنة 774.

39 ـ ولي الدين الخطيب التبريزي ، المتوفى سنة

40 ـ ابن حجر العسقلاني ، المتوفى سنة 852.

41 ـ نور الدين ابن الصباغ المالكي ، المتوفى سنة 855.

42 ـ جلال الدين السيوطي ، المتوفى سنة 911.

43 ـ أبو السعود العمادي ، المتوفى سنة 951.

44 ـ الخطيب الشربيني ، المتوفى سنة 968.

45 ـ ابن حجر الهيتمي المكي ، المتوفى سنة 973.

46 ـ علي بن سلطان القاري ، المتوفى سنة 1013.

47 ـ نور الدين الحلبي ، المتوفى سنة 1033.

48 ـ شهاب الدين الخفاجي ، المتوفى سنة 1069

49 ـ الزرقاني المالكي ، المتوفى سنة 1122.

50 ـ عبدالله الشبراوي ، المتوفى سنة 1162.

51 ـ قاضي القضاة الشوكاني ، المتوفى سنة 1250.

52 ـ شهاب الدين الآلوسي ، المتوفى سنة 1270.

وغيرهم من أعلام الحديث والتفسير والكلام والتاريخ في مختلف القرون.


349

من نصوص الحديث في الكتب المعتبرة :

وهذه الفاظ من الأخبار الواردة في نزول الآية المباركة في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام كما رواها الحفاظ بأسانيدهم ، في الكتب المعتبرة :

* أخرج ابن عساكر بسنده ، وابن حجر من طريق الدارقطني ، عن أبي الطفيل : إن أمير المؤمنين عليه السلام ناشد أصحاب الشورى واحتج عليهم بجملة من فضائله ومناقبه ، ومن ذلك أن قال لهم :

« نشدتكم بالله ، هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلّم في الرحم ، ومن جعله رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم نفسه ، وابناه وأبناءه ، ونساءه ونساءه غيري ؟!

قالوا : اللهم لا » (1).

أقول :

ومناشدة أمير المؤمنين في الشورى رواها عدد كبير من علماء الفريقين ، بأسانيدهم عن : أبي ذر وأبي الطفيل ، وممن أخرجها من حفاظ الجمهور : الدارقطني ، وابن مردويه ، وابن عبد البر ، والحاكم ، والسيوطي ، وابن حجر المكي ، والمتقي الهندي.

وسيأتي تفصيل ذلك حيث يتعرض لها السيد رحمه الله إن شاء الله تعالى.

(1) تاريخ دمشق ـ ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام ـ : 3 | 90 ح 1131.


350

* وفي « المسند » : « حدثنا عبد الله ، قال أبي : ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول له ، وخلفه في بعض مغازيه ، فقال علي رضي الله عنه : أتخلفني مع النساء والصبيان ؟!

قال : يا علي ! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي ؟!

وسمعته يقول ـ يوم خيبر ـ : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.

فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليا رضي الله عنه فأتي به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه.

ولما نزلت هذه الآية ( ندع أبناءنا وأبناءكم ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا رضوان الله عليهم أجمعين ، فقال : اللهم هؤلاء أهلي » (1).

* وأخرج مسلم قائلا : « حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد ـ وتقاربا في اللفظ ـ قالا : حدثنا حاتم ـ وهو ابن اسماعيل ـ عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا ، فقال : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟!

فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فلن أسبه ، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم :

سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول له [ وقد ] خلفه

(1) مسند أحمد بن حنبل 1 | 185.


351

في بعض مغازيه ، فقال له علي : يا رسول الله ! خلقتني مع النساء والصبيان !

فقال له رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي.

وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله.

قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليا ، فأتي به أرمد ، فبصق في عينه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه.

ولما نزلت هذه الآية : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال : اللهم هؤلاء أهلي » (1).

* وأخرجه الترمذي بالسند واللفظ ، فقال :

* هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه » (2).

* وأخرج النسائي : « أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي وهشام بن عمار الدمشقي ، قالا : حدثنا حاتم ، عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، قال : أمر معاوية سعدا فقال : ما يمنعك أن تسب أبا تراب ؟!

فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فلن أسبه ، لأن يكون لي واحدة منهاأحب إليّ من حمر النعم :

سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول له ، وخلفه في

(1) صحيح مسلم 7 | 120.

(2) صحيح الترمذي 5 | 596 كتاب المناقب ، مناقب علي.


352

بعض مغازيه فقال له علي : يا رسول الله ! أتخلفني مع النساء والصبيان ؟!

فقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أما ترض أن تكون مني بمنزلة هارون بموسى إلا أنه لا نبوة بعدي.

وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله.

فتطاولنا إليها فقال : ادعوا لي عليا ، فأتي به أرمد ، فبصق عينيه ودفع الراية إليه.

ولما نزلت ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي » (1).

* وأخرج الحاكم فقال : « أخبرني جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، ثنا موسى بن هارون ، ثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا حاتم بن إسماعيل ، عن بكير بن موسى ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : لما نزلت هذه الآية ( ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا رضي الله عنهم فقال : اللهم هؤلاء أهلي.

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه » (2).

* ووافقه الذهبي في ( تلخيصه ).

* وستأتي رواية الحاكم عن جابر.

(1) خصائص أمير المؤمنين 48 ـ 49.

(2) المستدرك على الصحيحين 3 | 150.


353

* وأخرجه عن ابن عباس ، قال : « ذكر النوع السابع عشر من علوم الحديث : هذا النوع من هذا العلم معرفة أولاد الصحابة ، فإن من جهل هذا النوع اشتبه عليه كثير من الروايات.

أول ما يلزم الحديثي معرفته من ذلك : أولاد سيد البشر محمد المصطفى صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ومن صحت الرواية عنه منهم :

حدثنا علي بن عبد الرحمن بن عيسى الدهقان بالكوفة ، قال : حدثنا الحسين بن الحكم الحبري ، قال : ثنا الحسن بن الحسين العرني ، قال : ثنا حبان بن علي العنزي ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله عز وجل : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ـ إلى آخر ـ الكاذبين ) نزلت على رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، وعلي نفسه ، ( ونساءنا ونساءكم ) : فاطمة ، ( وأبناءنا وأبناءكم ) : حسن وحسين ، والدعاء على الكاذبين نزلت في العاقب والسيد وعبد المسيح وأصحابهم » (1).

* وقال ابن حجر العسقلاني بشرح حديث المنزلة : « ووقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عند مسلم والترمذي ، قال : قال معاوية لسعد : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟!

قال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فلن أسبه...

فذكر هذا الحديث ، وقوله لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله... وقوله : لما نزلت ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) دعا عليا وفاطمة

(1) معرفة علوم الحديث : 49 ـ 50 .


354

والحسن والحسين فقال : اللهم هؤلاء أهلي » (1).

تنبيه :

الملاحظ أنهم يروون كلام سعد في جواب معاوية بأشكال مختلفة مع أن السند واحد ، والقضية واحدة !!

بل يرويه المحدث الواحد في الكتاب الواحد بأشكال ، فاللفظ الذي ذكرناه عن النسائي هو أحد ألفاظه.

وبينما رواه بلفظ آخر عن بكير بن مسمار ، قال : سمعت عامر بن سعد يقول : قال معاوية لسعد بن أبي وقاص : ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب ؟!

قال : لا أسبه ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله عليه [ وآله ] وسلم لئن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم ، ولا أسبه ما ذكرت حين نزل الوحي عليه ، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة ، فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال : رب هؤلاء أهل بيتي ـ أو : أهلي ـ... » (2).

ورواه بلفظ ثالث : إن معاوية ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال سعد بن أبي وقاص : والله لئن لي واحدة من خلال ثلاث أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

لأن يكون قال لي ما قال له حين رده من تبوك : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاأنه لا نبي بعدي ؛ أحب إلي من أن يكون

(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7 | 60.

(2) خصائص أمير المؤمنين : 81.


355

لي ما طلعت عليه الشمس.

ولأن يكون قال لي ما قاله له يوم خيبر : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ، ليس بفرار ؛ أحب إليّمن أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

ولأن يكون لي ابنته ولي منها من الولد ما له أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس » (1).

ورواه بلفظ رابع عن سعد ، قال : « كنت جالسا فتنقصوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقلت : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول في علي خصالا ثلاث ، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم.

سمعته يقول : إنه مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

وسمعته يقول : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.

وسمعته يقول : من كنت مولاه فهذا علي مولاه » (2).

وهو عند ابن ماجة باللفظ الآتي : « قدم معاوية في بعض حجاته ، فدخل عليه سعد ، فذكروا عليا ، فنال منه ، فغضب سعد وقال : تقول هذا لرجل سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : من كنت مولا فعلي مولاه.

وسمعته يقول : أنت بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي

(1) خصائص أمير المؤمنين : 116.

(2) خصائص أمير المؤمنين : 49 ـ 50.


356

بعدي.

وسمعته يقول : لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله » (1).

أقول :

إنه إن أمكن حمل اختلاف ألفاظ الروايات في الخصال الثلاث على وجه صحيح ، ولا يكون هناك تحريف ـ ومن هنا كان الأمر بالتأمل في بحثنا حول آية التطهير ـ فلا ريب في تحريف القوم للفظ في ناحية أخرى ، وهي قضية سب أمير المؤمنين عليه السلام والنيل منه ، خاصة مع السند الواحد ! فإن أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن عساكر (2) كلهم اشتركوا في الروابة بسند واحد ، فجاء عند غير أحمد : « أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟! فقال : أما ماذكرت ثلاثا... سمعت... ».

لكن أحمد حذف ذلك كله وبدأ الحديث من « سمعت... » وكأنه لم تكن هناك أية مناسبة لكلام سعد هذا !!

أما الحاكم فيروي الخبر بنفس السند ويحذف المناسبة وخصلتين من الخصال الثلاث !!

والنسائي يحذف المناسبة في لفظ ، ويقول : « إن معاوية ذكر علي بن أبي طالب ، فقال سعد... » !!

وفي آخر يحذفها ويضع بدلها كلمة « كنت جالسا فتنقصوا علي بن

(1) سنن ابن ماجة 1 | 45.

(2) تاريخ دمشق ـ ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام ـ 1 | 206 ح271.


357

أبي طالب... » !!

وابن ماجة ، قال : « قدم معاوية في بعض حجاته ، فدخل عليه سعد ، فذكروا عليا ، فنال منه ، فغضب سعد وقال... ».

فجاء ابن كثير وحذف منه « فنال منه ، فغضب سعد » (1).

وفي ( الفضائل ) لأحمد : « ذكر علي عند رجل وعنده سعد بن أبي وقاص ، فقالله سعد : أتذكر عليا ؟! » (2).

وأبو نعيم وبعضهم حذف القصة من أصلها ، فقال : « عن سعد بن أبي وقاص ، قال : قال رسول الله : في علي ثلاث خلال... » (3).

هذا ، والسبب في ذلك كله معلوم ! إنهم يحاولون التغطية على مساوئ سادتهم ولو بالكذب والتزوير ! ولقد أفصح عن ذلك بعضهم ، كالنووي ، حيث قال : « قال العلماء : الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها ، قالوا : ولا يقع ففي روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله ، فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدا بسبه ، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب ، كأنه يقول : هل امتنعت تورعا أو خوفا أو غير ذلك ؟! فإن كان تورعا وإجلالا له عن السب فأنت مصيب محسن ، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر.

لعل سعدا قد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم ، وعجز عن الإنكار ، وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال.

قالوا : ويحتمل تأويلا آخرا ، أن معناه : ما منعك أن تخطئه في رأيه

(1) تاريخ ابن كثير 7 | 340.

(2) فضائل علي ـ لأحمد بن حنبل ـ : مخطوط.

(3) حلية الأولياء 4 | 356.


358

واجتهاده ، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ ؟ ». انتهى (1).

ونقله المباركفوري بشرح الحديث (2).

أقول :

وهل ترتضي ـ أيها القارئ ـ هذا الكلام في مثل هذا المقام ؟!

أولا : إن كان هناك مجال لحمل كلام المتكلم على الصحة وتأويله على وجه مقبول ، فهذا لا يختص بكلام الصحابي دون غيره.

وثانيا : إذا كانت هذه قاعدة يجب اتباعها بالنسبة إلى أقوال الصحابة ، فلماذا لا يطبقونها بالنسبة لكل الصحابة ؟!

وثالثا : إذا كانت هذه القاعدة للأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي ! فلماذا يطبقونها في الأحاديث الواردة في فضل أمير المؤمنين عليه السلام ، فلم يأخذوا بظواهرها ، بل أعرضوا عن النصوص منها ؟! ومنها حديث المباهلة ، حيث لا تأويل فحسب ، بل التعتيم والتحريف ، كما سنرى في الفصل الآتي.

ورابعا : إن التأويل والحمل على الصحة إنما يكون حيث يمكن ، وقولهم : « ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدا بسبه ، وإنما سأله » كذب ، فقد تقدم في بعض النصوص التصريح بـ « الأمر » و« النيل » و« التنقيص » وهذا كله مع تهذيب العبارة ، كما لا يخفى.

بل ذكر ابن تيمية : أن معاوية أمر بسب علي (3).

(1) المنهاج ـ شرح صحيح مسلم بن الحجاج ـ 15 | 175.

(2) تحفة الأحوذي ـ شرح جامع الترمذي ـ 10 | 156.

(3) منهاج السنة 5 | 42.


359

بل جاءت الرواية عن مسلم والترمذي على واقعها ، ففي رواية القندوزي الحنفي عنهما ، قال : « وعن سهل بن سعد ، عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا أن يسب أبا التراب ، قال : أما ما ذكرت ثلاثا.... أخرجه مسلم والترمذي » (1).

وخامسا : قولهم : « كأنه يقول... فإن كان تورعا... فأنت مصيب محسن » يكذبه ما جاء التصريح به في بعض ألفاظ الخبر من أن سعدا خرج من مجلس معاوية غضبان وحلف إلا يعود إليه !!

وعلى كل حال... فهذا نموذج من تلاعبهم بمساوئ أسيادهم ، لإخفائها ، وسترى ـ في الفصل اللاحق ـ نموذج تلاعبهم بفضائل علي عليه السلام ، لإخفائها ، وهذا دين القوم وديدنهم ، حشرهم الله مع الذين يدافعون عنهم ويودونهم !!

* وروى ابن شبة ، المتوفى سنة 262 ، قال : « حدثنا الحزامي ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني الليث بن سعد ، عن من حدثه ، قال : جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بعرض عليهما الإسلام... قال : فدعاهما النبي إلى المباهلة وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ، فقال أحدهما للآخر : قد أنصفك الرجل.

فقالا : لا نباهلك.

وأقرا بالجزية وكرها الإسلام » (2).

(1) ينابيع المودة : 193.

(2) تاريخ المدينة المنورة ، المجلد 1 | 583.


360

* وروى الحسين بن الحكم الحبري (1) ، المتوفى سنة 286 ، قال : « حدثني إسماعيل بن أبان ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، عن أبي هارون ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : لما نزلت هذه الآية ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) قال : فخرج رسول الله صلى عليه [ وآله ] وسلم بعلي وفاطمة والحسن والحسين » (2).

وأخرج الطبري : « حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا عيسى بن فرقد ، عن أبي الجارود ، عن زيد بن علي ، في قوله : ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) الآية ، قال : كان النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين ».

« حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ) الآية ، فأخذ ـ يعني النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ـ بيد الحسن والحسين وفاطمة ، وقال لعلي : اتبعنا ، فخرج معهم ، فلم يخرج يومئذ النصارى وقالوا : إنا نخاف... ».

« حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من

(1) وهو أيضا في طريق الحاكم في « المستدرك ».

(2) تفسير الحبري : 248.

قال محققه ـ وهو العلامة السيد محمد رضا الحسيني الجلالي ـ : « الحديث عن أبي سعيد الخدري قد تفرد بنقله المؤلف ، فلم يروه غيره من المؤلفين ، بل ينحصر وجوده بنسختينا ولم يوجد في سائر النسخ ».

قلت : وما جاء في ذخائر العقبى ، ص25 : « عن أبي سعيد... » فغلط ، بقرينة قوله في الآخر : أخرجه مسلم والترمذي ، لأن الذي أخرجاه هو عن سعد.


361

العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) قال : بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم خرج ليلا عن أهل نجران ، فلما رأوه خرج هابوا وفرقوا فرجعوا.

قال معمر : قال قتادة : لما أراد النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أهل نجران أخذ بيد حسن وحسين ، وقال لفاطمة : اتبعينا ، فلما رأى ذلك أعداء الله رجعوا ».

« حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنا ابن زيد ، قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : لو لاعنت القوم ، بمن كنت تأتي حين قلت ( أبناءنا وأبناءكم ) ؟

قال : حسن وحسين ».

« حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا المنذر ابن ثعلبة ، قال : ثنا علباء بن أحمر اليشكري ، قال : لما نزلت هذه الآية : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ) الآية ، أرسل رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين... » (1).

* وقال السيوطي : « أخرج البيهقي في ( الدلائل ) من الطريق سلمة بن عبد يشوع ، عن أبيه ، عن جده : إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كتب إلى أهل نجران.. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر ، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي خلف ظهره ، للملاعنة ، وله يومئذ عدة نسوة... ».

(1) تفسير الطبري 3 | 212 ـ 213.


362

« وأخرج الحاكم ـ وصححه ـ وابن مردويه ، وأبو نعيم في ( الدلائل ) عن جابر ، قال : ... فغدا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين...

قال جابر : فيهم نزلت : ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) الآية.

قال جابر : ( أنفسنا وأنفسكم ) : رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعلي. ( وأبناءنا ) : الحسن والحسين. ( ونساءنا ) : فاطمة ».

« وأخرج أبو نعيم في ( الدلائل ) من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : ... وقد كان رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم خرج ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة ، فقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : إن أنا دعوت فأمّنوا أنتم. فأبوا أن يلاعنون وصالحوه على اللجزية ».

« وأخرج ابن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وأبو نعيم ، عن الشعبي... فغد النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ومعه الحسن والحسين وفاطمة... ».

« وأخرج مسلم ، والترمذي ، وابن المنذر ، والحاكم ، والبيهقي في سننه ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : لما نزلت هذه الآية : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، وقال : اللهم هؤلاء أهلي » (1).

* وقال الزمخشري : « وروي أنهم لما دعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى نرجع وننظر ، فلما تخالوا قالوا للعاقب ـ وكان ذا رأيهم ـ : يا عبد المسيح !

(1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2 | 38 ـ 39.


263

ما ترى ؟

فقال : والله لقد عرفتم ـ يا معشر النصارى ـ أن محمدا نبي مرسل ، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، والله ما بأهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ، ولئن فعلتم لنهلكن ، فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.

فأتى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها ، وهو يقول : إذا أنا دعوت فأمنوا.

فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ! إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

فقالوا : يا أبا القاسم ! راينا أن لا نباهلك ، وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا.

قال : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم. فأبوا.

قال : فإني أناجزكم.

قالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا على ديننا ، على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ، ألف في صفر وألف في رجب ، وثلاثين درعا عادية من حديد.

فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم


264

الوادي نارا ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا.

وعن عائشة رضي الله عنها : إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود ، فجاء الحسن فأدخله ، ثم جاء الحسين فأدخله ، ثم فاطمة ، ثم علي ، ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ).

فإن قلت : ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا لتبيين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه ، فما معنى ضم الأبناء والنساء ؟

قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه ، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له ؛ وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة.

وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربما فداهم الرجال بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل ، ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الظعائن.

وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم ، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها.

وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام.

وفيه برهان واضح على نبوة النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، لأنه


265

لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك » (1).

* وروى ابن الأثير حديث سعد في الخصال الثلاثة ، بإسناده عن الترمذي (2).

وأرسله في تاريخه إرسال المسلم ، قال : « وأما نصارى نجران فإنهم أرسلوا العاقب والسيد في نفر إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، وأرادوا مباهلته ، فخرج رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين ، فلما رأوهم قالوا : هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها ، ولم يباهلوه ، وصالحوه على ألفي حلة ، ثمن كل حلة أربعون درهما ، وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله. وجعل لهم ذمة الله تعالى وعهده ألا يفتنوا عن دينهم ولا يعشروا ، وشرط عليهم أن لا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به » (3).

* وروى الحاكم الحسكاني بإسناده : « عن أبي إسحاق السبيعي ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : جاء العاقب والسيد ـ أسقفا نجران ـ يدعوان النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إلى الملاعنة ، فقال العاقب للسيد : إن لاعن بأصحابه فليس بنبي ، وإن لاعن بأهل بيته فهو نبي.

فقام رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فدعا عليا فأقامه عن يمينه ، ثم دعا الحسن فأقامه على يساره ، ثم دعا الحسين فأقامه عن يمين علي ، ثم دعا فاطمة فأقامها خلفه.

فقال العاقب للسيد : لا تلاعنه ، إنك إن لاعنته لا نفلح نحن ولا أعقابنا

(1) الكشاف 1 | 369 ـ 370.

(2) اُسد الغابة في معرفة الصحابة 4 | 26.

(3) الكامل في التاريخ 2 | 293.


366

فقال رسول الله : لو لاعنوني ما بقيت بنجران عين تطرف » (1).

أقول :

وهذا نفس السند عند البخاري عن حذيفة ، لكنه حذف من الخبر ما يتعلق بـ « أهل البيت » ووضع مكانه فضيلة لـ « أبي عبيدة » وسيأتي في الفصل اللاحق فانتظر !!

* وقال ابن كثير : « وقال أبو بكر ابن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أحمد بن داود المكي ، حدثنا بشر بن مهران ، حدثنا محمد ابن دينار ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن جابر ، قال : ... فغدا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين... قال جابر : وفيهم نزلت...

وهكذا رواه الحاكم في مستدركه ... ثم قال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه هكذا.

قال : وقد رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن المغيرة ، عن الشعبي ، مرسلا. وهذا أصح.

وقد روي ابن عباس والبراء نجو ذلك » (2).

ولكنه ـ في ( التاريخ ) ـ ذكر أولا حديث البخاري المبتور ! ثم روى القصة عن البيهقي ، عن الحاكم بإسناده عن سلمة بن عبد يشوع ، عن أبيه ، عن جده ؛ وليس فيه ذكر لعلي عليه السلام ، كما سيأتي.

(1) شواهد التنزيل 1 | 126.

(2) تفسير ابن كثير 1 | 319.


367

* وقال القاري بشرح الحديث : « عن سعد بن أبي وقاص ، قال : لما نزلت هذه الآية ـ أي المسماة بآية المباهلة ـ ( ندع أبناءنا وأبناءكم ) أولها ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا ؛ فنزله منزلة نفسه لما بينهما من القرابة والأخوة ، وفاطمة ، أي لأنها أخص النساء من أقاربه ، وحسنا وحسينا ؛ فنزلهما منزلة ابنيه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، أي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. رواه مسلم » (1).

كلمات حول السند :

ولنورد نصوص عبارات لبعض أئمة القوم في قطعية هذا الخبر :

قال الحاكم : « وقد تواترت الأخبار في التفاسير ، عن عبد الله بن عباس وغيره ، أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أخذ يوم المباهلة بيد علي وحسن وحسين ، وجعلوا فاطمة وراءهم ، ثم قال : هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا ، فهلموا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين » (2).

وقال الجصاص : « إن رواة السير ونقلة الأثر لم يختلفوا في أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة رضي الله عنهم ، ودعا النصارى الذين حاجوه إلى المباهلة... » (3).

(1) المرقاة في شرح المشكاة 5 | 589.

(2) معرفة علوم الحديث : 50.

(3) أحكام القران 2 | 16.


368

وقال ابن العربي المالكي : « روى المفسرون أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ناظر أهل نجران حتى ظهل عليهم بالدليل والحجة ، فأبوا الانقياد والإسلام ، فأنزل الله هذه الآية ، فدعا حينئذ عليا وفاطمة والحسن والحسين ، ثم دعا النصارى إلى المباهلة » (1).

وقال ابن طلحة الشافعي : « أما آية المباهلة ، فقد نقل الرواة الثقات والنقلة الأثبات نزولها في حق علي ، وفاطمة والحسن والحسين » (2).

واعترف القاضي الأيجي والشريف الجرجاني بدلالة الأخبار والصحيحة والروايات الثابتة عند أهل النقل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليا وفاطمة وابنيهما فقط ، وستأتي عبارتهما كاملة في فصل الدلالة.

(1) أحكام القران 1 | 115. ط السعادة بمصر ، وفي الطبعة الموجودة عندي 1 | 360 لا يوجد اسم علي ، فليتحقق.

(2) مطالب السؤول : 7.


369

الفصل الثاني

في قصة المباهلة

إنه لما كان الغرض الأهم للعلماء ، من متكلمين ومفسرين ومحدثين ، هو بيان سبب نزول الآية المباركة وذكر الحديث الوارد فيها ، وما في ذلك من دلالات... فإنهم لم يتعرضوا لشرح الواقعة ورواية جزئياتها ، ومن تعرض منهم لها ـ كالزمخشري مثلا ـ فقد اكتفى بنقل القدر المحتاج إليه في نظره !!

إلا أنا رأينا من المناسب إيراد القصة بشيء منا لتفصيل ، لما فيها من الفوائد المهمة ، ثم نعقب ذلك بما وقع عليه الصلح ، وببعض المسنونات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلوات والتسليمات ، في يوم المباهلة.

ولعل ما يرويه السيد الجليل ، الجامع بين العلم والعمل ، العلاّمة السيّد ابن طاووس الحلي هو أجمع الروايات لخبر القصة ، وهذا نصه مع بعض التلخيص بلفظه ، قال رحمه الله :

« الباب السادس : في ما يتعلق بمباهلة سيد أهل الوجود لذوي الجحود ، الذي لا يساوى ولا يجازى ، وظهور حجته على النصارى والحيارى ، وإن في يوم مثله تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بالخاتم ، ونذكر ما نعمل من المراسم ، وفيه فصول :

فصل : في ما نذكره من إنفاذ النبي صلوات الله عليه وآله وسلم


370

لرسله إلى نصارى نجران ومناظرتهم فيما بينهم وظهور تصديقه في ما ادعاه ، روينا ذلك بالأسانيد الصحيحة والروايات الصريحة إلى أبي المفضل محمد بن عبد المطلب الشيباني رحمه الله من كتاب ( المباهلة ) ، ومن أصل كتاب الحسن بن إسماعيل بن أشناس من كتاب عمل ذي الحجة ، في ما رويناه بالطرق الواضحة ، عن ذوي الهمم الصالحة ، لا حاجة إلى ذكر أسمائهم ، لأن المقصود ذكر كلامهم ، قالوا :

لما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة وانقادت له العرب ، وأرسل رسله ودعاته إلى الأمم ، وكاتب الملكين كسرى وقيصر يدعوهما إلى الإسلام وإلا أقرا بالجزية والصغار ، وإلا أذنا بالحرب العوان ، أكبر شأنه نصارى نجران وخلطاؤهم ، من بني عبدالمدان وجميع بني الحرث بن كعب ومن ضوى إليهم ونزل بهم من دهماء الناس ـ على اختلافهم هناك في دين النصرانية من الأروسية ، والنالوسية ، وأصحاب دين الملك ، والمارونية ، والعباد ، والنسطورية ـ وأملأت قلوبهم ـ على تفاوت منازلهم ـ رهبة منه رعبا.

فإنهم كذلك من شأنهم ، إذ وردت عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وآله بكتابه ، وهم : عتبة بن غزوان ، وعبدالله بن أبي أمية ، والهدير بن عبدالله أخو تيم بن مرة ، وصهيب بن سنان أخو النمر بن قاسط ، يدعوهم إلى الإسلام ، فإن أجابوا فإخوان ، وإن أبوا واستكبروا فإلى الخطة المخوفة إلى أداء الجزية عن يد ، فإن راغبوا عما دعاهم إليه من أحد المنزلتين وعندوا فقد آذنهم على سواء ، وكان في كتابه صلى الله عليه وآله : (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا )


371

اشهدوا بأنا مسلمون ) (1).

قالوا : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يقاتل قوما حتى يدعوهم.

فازداد القوم لورود رسل نبي صلىالله عليه وآله وكتابه نفورا وامتراجا ، ففزعوا لذلك إلى بيعتهم العظمى ، وأمروا ففرش أرضها وألبس جدرها بالحرير والديباج ، ورفعوا الصليب العظيم ، وكان من ذهب مرصع أنفذه إليهم القيصر الأكبر ، وحضر ذلك بني الحرث بن الكعب ، وكانوا ليوث الحرب وفرسان الناس ، قد عرفت العرب ذلك لهم في قديم أيامهم وفي الجاهلية ، فاجتمع القوم جميعا للمشورة والنظر في أمورهم ، وأسرعت إليهم القبائل من مذحج وعك وحمير وأنمار ، ومن دنا منهم نسبا ودارا نم قبائل سبأ ، وكلهم قد ورم أنفه غضبا من لقومهم ، ونكص من تكلم منهم بالإسلام ارتدادا ، فخاضوا وأفاضوا في ركز المسير بنفسهم وجمعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، والنزول به بيثرب لمناجزته.

فلما رأى أبو حارثة حصين بن علقمة ـ أسقفهم الأول وصاحب مدارسهم وعلامهم ، وكان رجلا من بني بكر بن وائل ـ ما أزمع القوم عليه من إطلاق الحرب ، دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه ـ وقد بلغ يومئذ عشرين ومائة سنة ـ ثم قام فيهم خطيبا معتمدا على عصا ـ وكانت فيه بقية ، وله رأي وروية ، وكان موحدا يؤمن بالمسيح عليه السلام وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويكتم إيمانه ذلك من كفرة قومه وأصحابه ـ فقال :

(1) سورة آل عمران 3 : 64.


372

مهلا بني عبد المدان مهلا ، استديموا العافية والسعادة ، فإنهما مطويان في الهوادة ، دبوا إلى قوم في هذا الأمر دبيب الذر ، وإياكم والسورة العجلى ، فإن البديهة بها لا ينجب ، إنكم ـ والله ـ على فعل ما لم تفعلوا أقدر منكم على رد ما فعلتم ، ألا إن النجاة مقرونة بالأناة ، ألا رب إحجام أفضل من إقدام ، وكائن من قول أبلغ من صول ، ثم أمسك.

فأقبل عليه كرز بن سبرة الحارثي ـ وكان يومئذ زعيم بني الحارث بن كعب وفي بيت شرفهم والمعصب فيهم ، وأمير حروبهم ـ فقال : لقد انتفخ سحرك واستطير قلبك أبا حارثة ، فظلت كالمسبوع النزاعة المهلوع ، تضرب لنا الأمثال ، وتخوفنا النزال ، لقد علمت ـ وحق المنان ـ بفضيلة الحفاظ بالنوء بالعبء وهو عظيم ، وتلقح الحرب وهو عقيم ، تثقف إود الملك الجبار ، ولنحن أركان الرائش وذوو المنار ، الذين شددنا ملكهما ، وأمّرنا مليكهما ، فأي أيامنا ينكر ؟! أم لأيها ـ ويك ـ تلمز ؟! فما أتى على آخر كلامه حتى انتظم نصل نبلة كانت في يده بكفه غيظا وهو لا يشعر.

فلما أمسك كرز بن سبرة ، أقبل عليه العاقب ـ واسمه عبد المسيح بن شرحبيل ، وهو يومئذ عميد القوم ، وأمير رأيهم ، وصاحب مشورتهم ، الذي لا يصدرون جميعا إلا عن قوله ـ فقال له :

أفلح وجهك ، وآنس ربعك ، وعز جارك ، وامتنع ذمارك ، ذكرت ـ وحق مغبرة الجباه ـ حسبا صميما ، وعيصا كريما ، وعزا قديما ، ولكن ـ أبا سبرة ـ لكل مقام مقال ، ولكل عصر رجال ، والمرء بيومه أشبه منه بأمسه ، وهي الأيام تهلك جيلا وتديل قبيلا ، والعافية أفضل جلباب ، وللآفات أسباب ، فمن أوكد أسبابه التعرض لأبوابها. ثمّ صمت العاقب مطرقاً.


373

فأقبل عليه السيد ـ واسمه أهتم بن النعمان ، وهو يومئذ أسقف نجران ، وكان نظير العاقب في علو المنزلة ، وهو رجل من عاملة ، وعداده في لخم ـ فقال له : سعد جدك ، وسما جِدك أبا وائلة ، إن لكل لا معة ضياء ، وعلى كل صواب نورا ، ولكن لا يدركه ـ وحق واهب العقل ـ إلا من كان بصيرا ، إنك أفضيت وهذان فيما تصرف بكما الكلم إلى سبيليْ حزن وسهل ، ولكل على تفاوتكم حظ من الرأي الربيق والأمر الوثيق إذا أصيب به مواضعه.

ثم إن أخا قريش قد نجدكم لخطب عظيم وأمر جسيم ، فما عندكم فيه قولوا وانجزوا ، أبخوع وإقرار ؟ أم نزوع ؟!

قال عتبة والهدير والنفر من أهل نجران : فعاد كرز بن سبرة لكلامه ـ وكان كميا أبيا ـ فقال :

أنحن نفارق دينا رسخت عليه عروقنا ، ومضى عليه آباؤنا ، وعرف ملوك الناس ثم العرب ذلك منا ؟! أنتهالك إلى ذلك أم نقر بالجزية وهي الخزية حقا ؟! لا والله حتى نجرد البواتر من أغمادهم ، وتذهل الحلائل عن أولادها ، أو نشرق نحن ومحمد بدمائنا ، ثم يديل الله عز وجل بنصره من يشاء.

قال له السيد : أربع على نفسك وعلينا أبا سبرة ، فإن سل السيف يسل السيوف ، وإن محمّداً قد بخعت له العرب وأعطته طاعتها ، وملك رجالها وأعنتها ، وجرت أحكامه في أهل الوبر منهم والمدر ، ورمقه الملكان العظيمان كسرى وقيصر فلا أراكم ـ والروح ـ لو نهد لكم إلا وقد تصدع عنكم من خف معكم من هذه القبائل ، فصرتم جفاء كأم الذاهب ، أو كلحم على وضم.


374

وكان فيهم رجل يقال له : جهير بن سراقة البارقي ـ من زنادقة نصارى العرب ، وكان له منزلة من ملوك النصرانية ، وكان مثواه بنجران ـ فقال له : أبا سعد قل في أمرنا وأنجدنا برأيك ، فهذا مجلس له ما بعده.

فقال : فإني أرى لكم أن تقاربوا محمدا وتعطوه في بعض ملتمسه عندكم ، ولينطلق وفودكم إلى ملوك أهل ملتكم ، إلى الملك الأكبر بالروم قيصر ، وإلى ملوك هذه الجلدة السوداء الخمسة ـ يعني ملوك السودان : ملك النوبة ، وملك الحبشة ، وملك علوه ، وملك الرعا ، وملك الواحات ، ومريس ، والقبط ، وكل هؤلاء كانوا نصارى ـ.

قال : وكذلك من ضوى إلى الشام وحل بها من ملوك غسان ، ولخم ، وجذام ، وقضاعة ، وغيرهم من ذوي يمنكم ، فهم لكم عشيرة وموالي ومآل ، وفي الدين إخوان ـ يعني أنهم نصارى ـ وكذلك نصارى الحيرة من العباد وغيرهم ، فقد صبت إلى دينهم قبائل تغلب نبت وائل وغيرهم من ربيعة بن نزار.

لتسير وفودكم ، ثم لتخرق إليهم البلاد آغذاذا فيستصرخونهم لدينكم ، فيستنجدكم الروم ، وتسير إليكم الاساودة مسير أصحاب الفيل ، وتقبل إليكم نصارى العرب من ربيعة اليمن.

فإذا وصلت الأمداد واردة سرتم أنتم في قبائلكم وسائر من ظافركم وبذل نصره ومؤازرته لم ، حتى تضاهئون من أنجدكم وأصرخكم من الأجناس والقبائل الواردة عليكم ، فأموا محمدا حتى تبيتوا جميعا ، فسيعتق إليكم وافدا لكم نم صبا إليه مغلوبا مقهورا ، وينعتق به من كان منهم في مدرته مكثورا ، فيوشك أن تصطلموا حوزته ، وتطفئوا جمرته ، ويكون لكم بذلك الوجه والمكان في الناس ، فلا تتمالك العرب حينئذ حتى تتهافت


375

دخولا في دينكم ، ثم لتعظمن بيعتكم هذه ، ولتشرفن حتى تصير كالكعبة المحجوجة بتهامة.

هذا الرأي فانتهزوه ، فلا رأي لكم بعده.

فأعجب القوم كلام جهير بن سراقة ، ووقع منهم كل موقع ، فكاد أن يتفرقوا على العمل به ، وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة ، يدعى حارثة بن أثاك ، على دين المسيح عليه السلام ، فقام حارثة على قدميه وأقبل على جهير ، وقال متمثلا :

متـى ما تقد بالباطل الحق بابه * وإن قدرت بالحق الرواسي ينقـد

إذا ما أتيت الأمر من غير بابه * ضلت وإن تقصد إلى الباب تهتـد

ثم استقبل السيد والعاقب والقسيسين والرهبان وكافة نصارى نجران بوجهه ، لم يخلط معهم غيرهم ، فقال : سمعا سمعا يا أبناء الحكمة ، وبقايا حملة الحجة ، إن السعيد والله من نفته الموعظة ، ولم يعش عن التذكرة ، ألا وإن أنذركم وأذكركم قول مسيح الله عز وجل.

ثم شرح وصيته ونصه على وصية شمعون بن يوحنا ، وما يحدث على أمته من الإقتراق ، ثم ذكر عيسى عليه السلام ، وقال : إن الله جل جلاله أوحى إليه :

فخذ يا بن أمتي كتابي بقوة ، ثم فسره لأهل سوريا بلسانهم ، وأخبرهم إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم ، البديع الدائم ، الذي لا أحول ولا أزول ، وإني بعثت رسلي وأنزلت كتبي رحمة ونورا وعصمة لخلقي ، ثم إني باعث بذلك نجيب رسالتي ، أحمد ، صفوتي من بريتي ، الفارقليطا عبدي ، أرسله في خلو من الزمان ، أبتعثه بمولده فاران ، من مقام أبيه إبراهيم عليه السلام ، أنزل عليه توراة حديثة ، أفتح بها أعينا عميا ، وآذانا


376

صما ، وقلوبا غلفا ، طوبى لمن شهد أيامه ، وسمع كلامه ، فآمن به واتبع النور الذي جاء به.

فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النبي فصل عليه فإني وملائكتي نصلي عليه.

قال : فما أتى حارثة بن أثاك على قوله هذا حتى أظلم بالسيد والعاقب مكانهما ، وكرها ما قام به في الناس معربا ومخبرا عن المسيح عليه السلام بما أخبر وأقدم من ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنهما كانا قد أصابا بموضعهما من دينهما شرفا بنجران ، ووجها عند ملوك النصرانية جميعا ، وكذا عند سوقتهم ، وعربهم في البلاد ، فأشفقا أن يكون ذلك سببا لانصراف قومهما عن طاعتهما لدينهما ، وفسخا لمنزلتهما في الناس.

فأقبل العاقب على حارثة فقال : أمسك عليك يا حار ، فإن راد هذا الكلام عليك أكثر من قابله ، ورب قول يكون بلية على قائله ، وللقلوب نفرات عند الإصداع بمظنون الحكمة ، فاتق نفورها ، فلكل نبأ أهل ؛ ولكل خطب محل ، وإنما الدرك ما أخذ لك بمواضي النجاة وألبسك جنة السلامة ، فلا تعدلن بهما حظا ، فإني لم ألك ـ لا أبا لك ـ نصحا. ثم أرم يعني أمسك.

فأوجب السيد أن يشرك العاقب في كلامه ، فأقبل على حارثة ، فقال :

إني لم أزل أتعرف لك فضلا تميل إليه الألباب ، فإياك أن تقعد مطية اللجاج ، وأن ترجف إلى السراب ، فمن عذر بذلك فلست فيه أيها المرء بمعذور ، وقد أغفلك أبو واثلة وهو ولي أمرنا وسيد حضرنا عتابا ، فأوله


377

اعتبارا. ثم تعلم أن ناجم قريش ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وآله ـ يكون رزؤه قللا ثم ينقطع ويخلو.

إن بعد ذلك قرنا يبعث في آخره النبي المبعوث بالحكمة والبيان ، والسيف والسلطان ، ويملك ملكا مؤجلا تطبق فيه أمته المشارق والمغارب ، ونم ذريته الأمير الظاهر ، يظهر على جميع الملكات والأديان ، ويبلغ ملكه ما طلع عليه الليل والنهار ، وذلك ـ يا حار ـ أمل من ورائه أمد ومن دونه أجل ، فتمسك من دينك بما تعلم وتمنع ـ لله أبوك ـ من أنس متصرم بالزمان أو لعارض من الحدثان ، فإنما نحن ليومنا ولغد أهله.

فأجابه حارثة بن أثاك ، فقال : إيها عليك أبا قرة ! فإنه لا حظ في يومه لمن لا درك له في غدوه ، اتق الله تجد الله جل وتعالى بحيث لا مفزع إلا إليه ، وعرضت مشيدا بذكر أبي واثلة ، فهو العزيز المطاع ، الرحب الباع وإليكما معا يلقىالرحل ، فلو أضربت التذكرة عن أحد لتبزيز فضل لكنتماه ، لكنها أبكار الكلام تهدى لأربابها ، ونصيحة كنتما أحق من أصغى لها ، إنكما مليكا ثمرات قلوبنا ، ووليا طاعتنا في ديننا فالكيّس الكيس ـ يا أيها المعظمان ـ عليكما به ، أرمقا ما يدهكما نواحيه وأهجرا التسويف في ما أنتما بعرضه ، آثرا الله في ما كان يؤثركما بالمزيد في فضله ، ولا تخلدا في ما أظلكما إلى الونية ، فإنه من أطال عنان الأمر أهلكته الغرة ، ومن اقتعد مطية الحذر كان بسبيل آمن من المتألف ، ومن استنصح عقله كانت العبرة له لا به ، ومن نصح لله عز وجل آنسه الله جل وتعالى بعز الحياة وسعادة المنقلب.

ثم أقبل على العاقب معاتبا فقال :

وزعمت ـ أبا واثلة ـ أن راد ما قلت أكثر من قائله ، وأنت لعمر الله


378

حري ألا يؤثر هذا عنك ، فقد علمت وعلمنا أمة الإنجيل معا بسيرة ما قام به المسيح عليه السلام في حواريه ومن آمن له من قومه ، وهذه منك فهّة لا يرحضها إلا التوبة والإقرار بما سبق به الإنكار.

فلما أتى على هذا الكلام صرف إلى السيد وجهه ، فقال : لا سيف إلا ذو نبوة ولا عليم إلا ذو هفوة ، فمن نزع عن وهلة وأقلع فهو السعيد الرشيد ، وإنما الآفة في الإصرار ، وأعرضت بذكر نبيين يخلقان بعد ابن البتول ، فأين يذهب بك عما خلا في الصحف من ذكرى ذلك ؟! ألم تعلم ما أنبأ به المسيح عليه السلام في بني إسرائيل ؟! وقوله لهم : كيف بكم إذا ذهب بي إلى ابي وأبيكم وخلف بعد أعصار يخلو من بعدي وبعدكم صادق وكاذب ؟!

قالوا : ومن هما يا مسيح الله ؟

قال : نبي من ذرية إسماعيل عليهما السلام صادق ، ومتنبئ من بني إسرائيل كاذب ، فالصادق منبعث منهما برحمة وملحمة ، يكون له الملك والسلطان ما دامت الدنيا ، وأما الكاذب فله بند يذكر به المسيح الدجال يملك فواقا ثم يتله الله بيدي إذا رجع بي.

قال حارثة : وأحذركم يا قوم أن يكون من قبلكم من اليهود أسوة لكم ، إنهم أنذروا بمسيحين ، مسيح رحمة وهدى ، ومسيح ضلالة ، وجعل لهم على كل واحد منهما آية وأمارة ، فجحدوا مسيح الهدى وكذبوا به ، وآمنوا بمسيح الضلالة الدجال ، وأقبلوا على انتظاره وأضربوا في الفتنة وركبوا نصحها ، ومن قبل ما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وقتلوا أنبياءه والقوامين بالقسط من عباده ، فحجب الله عز وجل عنهم البصيرة بعد التبصرة بما كسبت أيديهم ، ونزع ملكهم منهم ببغيهم وألزمهم الذلة


379

والصغار ، وجعل منقلبهم إلى النار.

قال العاقب : فما أشعرك ـ يا حار ـ أن يكون هذا النبي المذكور في الكتب هو قاطن يثرب ، ولعله ابن عمك صاحب اليمامة ، فإنه يذكر من النبوة ما يذكر منها أخو قريش ، وكلاهما من ذرية إسماعيل ، ولجميعهما أتباع وأصحاب يشهدون بنبوته ، ويقرون له برسالته ، فهل تجد بينهما في ذلك من فاصلة فتذكرها ؟

قال حارثة : أجل والله أجدها والله أكبر ، وأبعد مما بين السحاب والتراب ، وهي الأسباب التي بها وبمثلها تثبت حجة الله في قلوب المعتبرين من عباده لرسله وأنبيائه.

وأما صاحب اليمامة فيكفيك فيه ما أخبركم به سفهاؤكم وغيركم ، والمنتجعة منكم أرضه ، ومن قدم من أهل اليمامة عليكم ، ألم يخبركم جميعا عن رواد مسيلمة وسماعيه ، ومن أوفده صاحبهم إلى أحمد بيثرب فعادوا إليه جميعا بما تعرفوا هناك في بني قيلة وتبينوا به ؟!

قالوا : قدم علينا أحمد يثرب وبيارنا ثماد ، ومياهنا ملحة ، وكنا من قبله لا نستطيب ولا نستعذب ، فبصق في بعضها ومج في بعض ، فعادت عذابا محلولية ، وجاش منها ما كان ماؤها ثمادا فحار بحرا.

قالوا : وتفل محمد في عيون رجال ذوي رمد ، وعلى كلوم رجال ذوي جراح ، فبرئت لوقته عيونهم فما اشتكوها واندملت جراحهم فما ألموها ، في كثير مما أدوا ونبؤوا عن محمد صلى الله عليه وآله من دلالة وآية.

وأرادوا صاحبهم مسيلمة على بعض ذلك ، فأنعم لهم كارها ، وأقبل بهم إلى بعض بيارهم فمج فيها وكانت الركى معذوذبة فحارت ملحا لا


380

يستطاع شرابه ، وبصق في بئر كان ماؤها وشلا فعادت فلم تبض بقطرة من ماء ، وتفل في عين رجل كان بها رمد فعميت ، وعلى جراح ـ أو قالوا جراح آخر ـ فاكتسى جلده برصا ـ.

فقالوا لمسيلمة في ذلك منه ، واستبرؤوه.

فقال : ويحكم بئس الأمة أنتم لنبيكم والعشيرة لابن عمكم أن كنتم تحيفوني يا هؤلاء من قبل أن يوحى إلي في شيء مما سألتم ، والآن فقد أذن لي في أجسادكم وأشعاركم دون بياركم ومياهكم ، هذا لمن كان منكم بي مؤمنا ، وأما من كان مرتابا فإنه لا يزيده تفلتي عليه إلا بلاء ، فمن شاء الآن منكم فليأت لأتفل في عينه وعلى جلده.

قالوا : ما فينا ـ وأبيك ـ أحد يشاء ذلك ، إنا نخاف أن يشمت بك أهل يثرب ؛ وأضربوا عنه حمية لنسبه فيهم وتذمما لمكانه منهم.

فضحك السيد والعاقب حتى فحصا الأرض بأرجلهما ، وقالا : ما النور والظلام والحق والباطل بأشد بيانا وتفاوتا مما بين هذين الرجلين صدقا وكذبا.

قالوا : وكان العاقب أحب ـ مع ما تبين من ذلك ـ أن يشيد ما فرط من تقريظه مسيلمة ويوثل منزلته ليجعل لرسول الله صلى الله عليه وآله كفؤا ، استظهارا بذلك في بقاء عزّه وما طار له من السمو في أهل ملته ، فقال : ولئن فخر أخو بني حنيفة في زعمه أن الله عز وجل أرسله ، وقال من ذلك ما ليس له بحق ، فلقد بر في أن نقل قومه من عبادة الاوثان إلى الإيمان بالرحمن.

قال حارثة أنشدك بالله الذي دحاها ، وأشرق باسمه قمراها ، هل تجد في ما أنزل الله عز وجل في الكتب السابقة : يقول الله عز وجل : أنا الله


381

لا إله إلا أنا ديان يوم الدين ، أنزلت كتبي وأرسلت رسلي لأنستنقذ بهم عبادي من حبائل الشيطان ، وجعلتهم في بريتي وأرضي كالنجوم الدراري في سمائي ، يهدون بوحيي وأمري ، من أطاعهم أطاعني ، ومن عصاهم فقد عصاني ، وإني لعنت وملائكتي في سمائي وأرضي واللاعنون من خلقي من جحد ربوبيتي ، أو عدل بي شيئا من بريتي ، أو كذب بأحد من أنبيائي ورسلي ، أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء ، أو غمص سلطاني ، أو تقمصه متبرئا ، وأكمه عبادي وأضلهم عني ، ألا وإنما يعبدني من عرف ما أريد في عبادتي وطاعتي من خلقي ، فمن لم يقصد إليّ من السبيل التي نهجتها برسلي لم يزدد في عبادته مني إلا بعدا.

قال العاقب : رويدك ، فأشهد لقد نبأت حقا.

قال حارثة : فما دون الحق من مقنع ، وما بعده لامرئ مفزع ، ولذلك قلت الذي قلت.

فاعترضه السيد ـ وكان ذا مجال وجدال شديد ـ فقال : ما أحرى وما أرى أخا قريش مرسلا إلا إلى قومه بني إسماعيل دينه ، وهو مع ذلك يزعم أن الله عز وجل أرسله غلى الناس جميعا.

قال حارثة : أفتعلم أنت يا أبا قرة أن محمدا مرسل من ربه إلى قومه خاصة ؟!

قال : أجل.

قال : أتشهد له بذلك ؟!

قال : ويحك ، وهل يستطاع دفع الشواهد ؟! نعم ، أشهد غير مرتاب بذلك ، وبذلك شهدت له الصحف الدراسة والأنباء الخالية.

فأطرق حارثة ضاحكا ينكت الأرض بسبابته.


382

قال السيد : ما يضحكك يا ابن أثاك.

قال : عجبت فضحكت.

قال : أو عجب ما تسمع ؟!

قال : نعم ، العجب أجمع ، أليس ـ بالإله ـ بعجيب من رجل أوتي أثرة من علم وحكمة يزعم أن الله عز وجل اصطفى لنبوته ، واختص برسالته ، وأيّد بروحه وحكمته ، رجلا خراصا يكذب عليه ويقول : أوحى إليّ ولم يوح إليه ، فيخلط كالكاهن كذبا بصدق ، وباطلا بحق !

فارتدع السيد وعلم أنه قد وهل فأمسك محجوجا.

قالوا : وكان حارثة بنجران حثيثا ـ يعني غريبا ـ فأقبل عليه العاقب وقد قطعه ما فرط إلى السيّد من قوله ، فقال له : عليك أخا بني قيس بن ثعلبة ، واحبس عليك ذلق لسانك وما لم تزل تستخم لنا من مثابة سفهك ، فرب كلمة ترفع صاحبها رأسا قد ألقته في قعر مظلمة ، ورب كلمة لامت ورابت قلوبا نغلة ، فدع عنك ما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك ما ليس لنا اعتذاره.

ثم قال : وذكرت أخا قريش وما جاء به من الآيات والنذر ، فأطلت وأعرضت ، ولقد برزت ، فنحن بمحمد عالمون ، وبه جدا موقنون ، شهدت لقد انتظمت له الآيات والبينات ، سالفها وآنفها إلا آية هي أسعاها وأشرفها ، وإنما مثلها في ما جاء به كمثل الرأس للجسد ، فما حال حسد لا رأس له ؟! فامهل رويدا نتجسس الأخبار ونعتبر الآثار ، ولنستشف ما ألفينا مما أفضى إلينا ، فإن آنسنا الآية الجامعة الخاتمة لديه فنحن إليه أسرع وله أطوع ، وإلا فأعلم ما نذكر به النبوة والسفارة عن الرب الذي لا تفاوت في أمره ، ولا تغاير في حكمه.


383

قال له حارثة : قد ناديت فأسمعت ، وفزعت فصدعت ، وسمعت وأطعت ، فما هذه الآية التي أوحش بعد الأنسة فقدها ، وأعقب الشك بعد البينة عدمها ؟

قال له العاقب : قد أثلجك أبو قرة بها فذهبت عنها في غير مذهب ، وجاورتها فأطلت في غير ما طائل وحاورتنا.

قال حارثة : وإلى ذلك فحلها الآن لي فداك أبي وأمي.

قال العاقب : أفلح من سلم للحق وصدع به ، ولم يرغب عنه وقد أحاط به علما ، فقد علمنا وعلمت من أنباء الكتب المستودعة علم القرون ، وما كان وما يكون ، فإنها استهلت بلسان كل أمة منهم معربة مبشرة ومنذرة بأحمد النبي العاقب ، الذي تطبق أمته المشارق والمغارب.

قالوا : وكان هذا مجلسا ثالثا في يوم ثالث من اجتماعهم للنظر في أمرهم ، فقال السيد : يا حارثة ! الم ينبئك أبو واثلة بأفصح لفظ اختق أذنا ، ودعا ذلك بمثله مخبرا ؛ فألقاك مع غرمائك بموارده حجرا ، وها أنا ذا اؤكد عليك التذكرة بذلك من معدن ثالث.

فأنشدك الله وما أنزل إلى كلمته من كلماته ، هل تجد في الزاجرة المنقولة من لسان أهل سوريا إلى لسان العرب ـ يعني صحيفة شمعون بن حمون الصفا التي توارثها عنه أهل النجران ـ ؟

قال السيد : ألم يقل بعد بند طويل من كلام : فإذا طبقت وقطعت الأرحام ، وعفت الأعلام ، بعث الله عبده الفارقليطا بالرحمة والمعدلة.

قالوا : وما الفارقليطا يا روح الله ؟

قال : أحمد النبي الخاتم الوارث ذلك الذي يصلى عليه حيا ويصلى عليه بعدما يقبضه إليه ، بابنه الطاهر الخائر ، ينشره الله في آخر الزمان بعدما


384

انقضت عرى الدين ، وخبت مصابيح الناموس ، فأفلت نجومه ، فلا يلبث ذلك العبد الصالح إلا أمما حتى يعود الدين به كما بدأ ، ويقر الله عز وجل سلطانه في عبده ثم في الصالحين من عقبه ، وينشر منه حتى يبلغ ملكه منقطع التراب.

قال حارثة : كل ما قد أنشدتما حق ، لا وحشة مع الحق ، ولا أنس في غيره ، فمه ؟

قال السيد : فإن من الحق أن لا حظ في هذه الأكرومة للأبتر.

قال حارثة : إنه لكذلك ، أليس بمحمد ؟!

قال السيد : إنك ما عملت إلا لدا ، ألم يخبرنا سفرنا وأصحابنا في ما تجسسنا من خبره أن ولديه الذكرين القرشية والقبطية بادا ـ يعني هلكا ـ وغودر محمد كقرن الأعضب موف على ضريحه ، فلو كان له بقية لكان لك بذلك مقالا إذا ولت أنباؤه الذي يذكر.

قال حارثة : العبر ـ لعمرو الله ـ كثيرة والاعتبار بها قليل ، والدليل موف على سنن السبيل إن لم يعش عنه ناظر ، وكما أن أبصار الرمدة لا تستطيع النظر في قرص الشمس لسقمها ؛ فكذلك البصائر القصيرة لا تتعلق بنور الحكمة لعجزها ، الا ومن كان كذلك فلستماه ـ وأشار إلى السيد والعاقب ـ.

إنكما ـ ويمين الله ـ لمحجوجين بما آتاكما الله عز وجل من ميراث الحكمة واستودعكما من بقايا الحجة ، ثم بما أوجب لكما من الشرف والمنزلة في الناس ، فقد جعل الله عز وجل من آتاه سلطانا ملوكا على الناس وأربابا ، وجعلكما حكما وقواما على ملوك ملتنا وذادة لهم ، يفزعون إليكما في دينهم ولا تفزعان إليهم ، وتأمرانهم فيأتمرون لكما وحق لكل


385

ملك أو موطأ الأكتاف أن يتواضع لله عز وجل إذ رفعه ، وأن ينصح لله عز وجل في عباده ولا يدهن في أمره ، وذكرتما محمدا بما حكمت له الشهادات الصادقة ، وبينته فيه الأسفار المستحفظة ، ورأيتماه مع ذلك مرسلا إلى قومه لا إلى الناس جميعا وأنه ليس بالخاتم الحاشر ، ولا الوارث العاقب ، لأنكما زعمتماه ابترا ، أليس كذلك ؟

قالا : نعم.

قال : أريتكما لو كان له بقية وعقب ، هل كنتما تمتريان لما تجدان وبما تكذبان من الوراثة والظهور على النواميس أنه النبي الخاتم والمرسل إلى كافة البشر ؟

قالا : لا.

قال : أفليس هذا القيل ـ هذه الحال مع طول اللوائم والخصائم ـ عندكما مستقرا.

قالا : أجل.

قال : الله أكبر.

قالا : كبرت كبيرا ، فما دعاك إلى ذلك.

قال حارثة : الحق أبلج ، والباطل لجلج ، ولنقل ماء البحر ولشق الصخر أهون من إماتة ما أحياه الله عز وجل وإحياء ما أماته ، الآن فاعلما أن محمدا غير أبتر ، وأنه الخاتم الوارث والعاقب الحاشر حقا فلا نبي بعده وعلى أمته تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها وأن من ذريته الأمير الصالح الذي بيّنتما ونبّأتما أنه يملك مشارق الأرض ومغاربها ويظهره الله عز وجل بالحنفية الإبراهيمية على النواميس كلها.

قالا : أولى لك يا حارثة ، لقد أغفلناك وتأبى إلا مراوغة كالثعالبة ، فما


386

تسأم المنازعة ولا تمل من المراجعة ، ولقد زعمت مع ذلك عظيما ، فما برهانك به ؟

قال : أما ـ وجدكما ـ لأنبئكما ببرهان يجير من الشبهة ويشفي به جوى الصدور.

ثم أقبل على أبي حارثة حصين بن علقمة ، شيخهم وأسقفهم الأول فقال : إن رأيت أيها الأب الأثير أن تؤنس قلوبنا وتثلج صدورنا بإحضار الجامعة والزاجرة.

قالوا : وكان هذا المجلس الرابع من اليوم الرابع ، وذلك لما خلقت الأرض وركدت ، وفي زمن قيظ شديد ، فأقبلا على حارثة فقالا : أرج هذا إلى غد فقد بلغت القلوب منا الصدور. فتفرقوا على إحضار الزاجرة والجامعة من غد للنظر فيهما والعمل بما يتراءان منهما.

فلما كان من الغد صار أهل نجران إلى بيعتهم لاعتبار ما أجمع صاحباهم مع حارثة على اقتباسه وتبينه من الجامعة ، ولما رأى السيد والعاقب اجتماع الناس لذلك قطع بهما لعلمهما بصواب قول حارثة ، واعترضاه ليصدانه عن تصفح الصحف على أعين الناس ، وكانا من شياطين الإنس ، فقال السيد : إنك قد أكثرت وأمللت قض الحديث لنا مع قضه ودعنا من تبيانه.

فقال حارثة : وهل هذا إلاّ منك وصاحبك ! فمن الآن فقولا ما شئتما ،

فقال العاقب : ما من مقال إلا قلناه ، وسنعود فنخبر بعض ذلك لك تخبيرا غير كاتمين لله عز وجل من حجة ، ولا جاحدين له آية ، ولا مفترين مع ذلك على الله عز وجل لعبد أنه مرسل منه وليس برسوله ، فنحن نعترف ـ يا هذا ـ بمحمد صلى الله عليه وآله أنه رسول من الله عز وجل إلى قومه


387

من بني إسماعيل عليه السلام في غير أن نجب له بذلك على غيرهم من عرب الناس ولا أعاجمهم ، تباعة ولا طاعة ، بخروج له عن ملة ، ولا دخول معه في ملة ، إلا الإقرار له بالنبوة والرسالة إلى أعيان قومه ودينه.

قال حارثة : وبم شهدتما بما شهدتما له بالنبوة والأمر ؟

قالا : حيث جاءتنا فيه البينة من تباشير الأناجيل والكتب الخالية.

فقال : منذ وجب هذا لمحمد ـ صلى الله عليه وآله ـ عليكما في طويل الكلام وقصيره ، وبدئه وعوده ، فمن أين زعمتما أنه ليس بالوارث الحاشر ، ولا المرسل إلى كافة البشر ؟

قالا : لقد علمت وعلمنا ، فما نمتري بأن حجة الله عز وجل لم ينته أمرها ، وأنها كلمة الله جارية في الأعقاب ما اعتقب الليل والنهار ، وما بقي من الناس شخصان ، وقد ظننا من قبل أن محمد ربها ، وأنه القائد بزمامها ، فلما أعقمه الله عز وجل بمهلك الذكورة من ولده علمنا أنه ليس به ، لأن محمدا أبتر ، وحجة الله عز وجل الباقية ، ونبيه الخاتم بشهادة كتب الله عز وجل المنزلة ليس بأبتر ، فإذن هو نبي يأتي ويخلد بعد محمد ، اشتق اسمه من اسم محمد وهو أحمد الذي نبّأ المسيح باسمه وبنبوته ورسالته الخاتمة ، ويملك ابنه القاهر الجامعة للناس جميعا على ناموس الله عز وجل الأعظم ، ليس بمظهرة دينه ، ولكنه من ذريته وعقبه ، يملك قرى الأرض وما بينهما ، من لوب وسهل وصخر وبحر ، ملكا مورثا موطأ ، وهذا نبّأ أحاطت سفرة الأناجيل به علما ، وقد أوسعناك بهذا القيل سمعا وعدنا لك به آنفة بعد سالفة ، فما أربك إلى تكراره ؟!

قال حارثة : قد أعلم أنا وإياكما في رجع من القول منذ ثلاث وما ذاك إلا ليذكر ناس ، ويرجع فارط ، وتظهر لنا الكلم ، وذكرتما نبيين يبعثان


388

يعتقبان بين مسيح الله عز وجل والساعة ، قلتما وكلاهما من بني إسماعيل ، أولهم : محمّد بيثرب ، وثانيهما : أحمد العاقب.

فتنادى الناس في كل ناحية وقالوا : الجامعة يا أبا حارثة الجامعة !

وذلك لما مسهم في طول تحاور الثلاثة من السامة والملل ، وظن القوم مع ذلك أن الفلج لصاحبيهما بما كانا يدعيان في تلك المجالس من ذلك.

فأقبل أبو حارثة إلى علج واقف منه فقال : امض يا غلام فأت بها.

فجاء بالجامعة يحملها على رأسه وهو لا يكاد يتماسك بها لثقلها.

فجاء بالجامعة يحملها على رأسه وهو لا يكاد يتماسك بها لثقلها ، قال : فحدثني رجل صدق من النجرانية ممن كان يلزم السيد والعاقب ويخف لهما في بعض أمورهما ويطلع على كثير من شأنهما ، قال : لما حضرت الجامعة بلغ ذلك من السيد والعاقب كل مبلغ ، لعلمهما بما يهجمان عليه في تصفحهما من دلائل رسول الله صلى الله عليه وآله وصفته ، وذكر أهل بيته وأزواجه وذريته ، وما يحدث في أمته وأصحابه من بواثق الأمور من بعده إلى فناء الدنيا وانقطاعها.

فأقبل أحدهما على صاحبه ، فقال : هذا يوم ما بورك لنا في طلوع شمسه ، لقد شهدته أجسامنا وغابت عنه آراؤنا بحضور طغاتنا وسفلتنا ولعل ما شهد سفهاء قوم مجمعة إلا كانت لهم الغلبة.

قال الآخر : فهم شر غالب لمن غلب ، إن أحدهم ليفيق بأدنى كلمة ويفسد في بعض ساعة ما لا يستطيع الآسي الحليم له رتقا ، ولا الخولّي النفيس إصلاحا له في حول محرم ، ذلك لأن السفيه هادم والحليم بان ، وشتّان البناء والهدم.

قال : فانتهز حارثة الفرصة فأرسل في خفية وسر إلى النفر من


389

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فاستحضرهم استظهارا بمشهدهم ، فحضروا ، فلم يستطع الرجلان فض ذلك المجلس ولا إرجاؤه ، وذلك بينا من تطلع عامتهما من نصارى نجران إلى معرفة ما تضمنت الجامعة من صفة رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك ، وتأليب حارثة عليهما فيه وصفو أبي حارثة شيخهم إليه.

قال : قال لي ذلك الرجل النجراني : فكان الرأي عندهما أن ينقادا لما يدهمهما من هذا الخطب ، ولا يظهران شماسا منه ولا نفورا ، حذار أن يطرقا الظنة فيه إليهما ، وأن يكونا أيضا أول معتبر للجامعة ومستحث لها ، لئلا يفتات في شيء من ذلك المقام والمنزلة عليهما ، ثم يستبينان الصواب في الحال ويستنجدانه لياخذان بموجبه ، فتقدما لما تقدم في أنفسهما من ذلك إلى الجامعة وهي بين يدي أبي حارثة ، وحاذاهما حارثة بن أثاك وتطاولت إليهما فيه الأعناق وحفت رسل رسول الله صلى الله عليه وآله بهم.

فأمر أبو حارثة بالجامعة ، ففتح طرفها واستخرج منها صحيفة آدم الكبرى ، المستودعة علم ملكوت الله عز وجل جلاله وما ذرأ وما برأ في أرضه وسمائه وما وصلهما جل جلاله من ذكر عالميه ، وهي الصحيفة التي ورثها شيث من أبيه آدم عليه السلام عما دعا من الذكر المحفوظ ، فقرأ القوم السيد والعاقب وحارثة في الصحيفة تطلبا لما تنازعوا فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وصفته ، ومن حضرهم يومئذ من الناس إليهم يصغون مرتقبون لما يستدرك من ذكرى ذلك ، فألفوا في المفتاح الثاني من فواصلها :

بسم الله الرحمن الرحيم ، أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم ، معقب


390

الدهور وفاصل الأمور ، سبقت بمشيتي الأسباب ، وذللت بقدرتي الصعاب ، فأنا العزيز الحكيم ، الرحمن الرحيم ، ارحم تُرحم ، سبقت رحمتي غضبي ، وعفوي عقوبتي ، خلقت عبادي لعبادتي ، وألزمتهم حجتي ، ألا إني باعث فيهم رسلي ومنزل عليهم كتبي ، أبرم ذلك من لدن أول مذكور من بشر إلى أحمد نبيي وخاتم رسلي ، ذلك الذي أجعل عليه صلواتي وأسلك في قلبه بركاتي ، وبه أكمل أنبيائي ونذري.

قال آدم عليه السلام : إلهي ! من هؤلاء الرسل ؟ ومن أحمد هذا الذي رفعت وشرّفت ؟

قال : كل من ذريتك وأحمد عاقبهم.

قال : رب ! بما أنت باعثهم ومرسلهم ؟

قال : بتوحيدي ، ثم أقفّي ذلك بثلاثمائة وثلاثين شريعة أنظمها وأكملها لأحمد جميعا ، فأذنت لمن جاءني بشريعة منها الإيمان بي وبرسلي أن أدخله الجنة.

ثم ذكر ما جملته : أن الله تعالى عرض على آدم عليه السلام معرفة الأنبياء عليهم السلام وذريتهم ، ونظرهم آدم عليه السلام.

ثم قال ما هذا لفظه : ثم نظر آدم عليه السلام إلى نور قد لمع فسد الجو المنخرق فأخذ بالمطالع من المشارق ، ثم سرى كذلك حتى طبق المغارب ، ثم سما حتى بلغ ملكوت السماء فنظر فإذا هو نور محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وإذا الأكناف به قد تضرعت طيبا ، وإذا أنوار أربعة قد اكتنفته عن يمينه وشماله ومن خلفه وأمامه ، أشبه شيء به أرجا ونورا ويتلوها أنوار من بعدها تستمد منها ، وإذا هي شبيه بها في ضيائها وعظمها ونشرها ، ثم دنت منها فتكللت عليها وحفت بها ، ونظر فإذا أنوار


391

من بعد ذلك في مثل عدد الكواكب ودون منازل الاوائل جدا جدا ، وبعض هذا أضوء من بعض وهي في ذلك متفاوتون جدا.

ثم طلع عليه سواد كالليل وكالسيل ينسلون من كل وجهة وأوب فأقبلوا كذلك حتى ملؤوا القاع والأكم فإذا هم أقبح شيء صورا وهيئة ، وأنتنه ريحا.

فبهر آدم عليه السلام ما رأى من ذلك ، وقال : يا عالم الغيوب وغافر الذنوب ، ويا ذا القدرة الباهرة والمشيئة الغالبة ، من هذا الخلق السعيد الذي كرمت ورفعت على العالمين ؟ ومن هذه الأنوار المنيفة المكتنفة له ؟

فأوحى الله عز وجل إليه :

يا آدم هذا وهؤلاء وسيلتك ووسيلة من أسعدت من خلقي ، هؤلاء السابقون المقربون ، والشافعون المشفعون ، وهذا أحمد سيدهم وسيد بريتي ، اخترته بعلمي واشتققت اسمه من اسمي ، فأنا المحمود وهو محمد ، وهذا صنوه ووصيه ، آزرته به ، وجعلت بركاتي وتطهيري في عقبه ، وهذه سيدة إمائي والبقية في علمي من أحمد نبيي ، وهذان السبطان والخلفان لهم ، وهذه الأعيان المضاوع نورها أنوارهم ، بقية منهم ، ألا إن كلا اصطفيت وطهرت ، وعلى كل باركت وترحمت ، فكلا بعلمي جعلت قدوة عبادي ونور بلادي.

ونظر فإذا شيخ في آخرهم يزهر في ذلك الصفيح كما يزهر كوكب الصبح لأهل الدنيا ، فقال الله تبارك وتعالى : وبعبدي هذا السعيد أفك عن عبادي الأغلال وأضع عنهم الآصار ، أملأ أرضي به حنانا ورأفة وعدلا كما ملئت من قبله قسوة وقشعرية وجورا.

قال آدم عليه السلام : رب إن الكريم من كرّمت ، وإن الشريف من


392

شرفت ، وحق يا إلهي لمن رفعت وأعليت أن يكون كذلك.

فياذا النعم التي لا تنقطع ، والإحسان الذي لا يجازى ولا ينفذ ، بم بلغ عبادك هؤلاء العالون هذه المنزلة من شرف عطائك وعظيم فضلك وحيائك وكذلك من كرمت من عبادك المرسلين ؟

قال الله تبارك وتعالى : إني أنا الله لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم ، العزيز الحكيم ، عالم الغيوب ومضمرات القلوب ، أعلم ما لم يكن مما يكون كيف يكون ، وما لا يكون ، وما لا كيف لو كان يكون ، وإني اطلعت يا عبدي في علمي على قلوب عبادي ، فلم أر فيهم أطوع لي ولا أنصح لخلقي من أنبيائي ورسلي ، فجعلت لذلك فيهم روحي وكلمتي ، وألزمتهم عبء حجتي ، واصطفيتهم على البرايا برسالتي ووحيي ، ثم ألقيت بمكاناتهم تلك في منازلهم حوامهم وأوصيائهم من بعدهم ، ودائع حجتي والسادة في بريتي ، لأجبر بهم كسر عبادي ، وأقيم بهم أودهم ، ذلك أني بهم وبقلوبهم لطيف خبير.

ثم اطلعت على قلوب المصطفين من رسلي فلم أجد فيهم أطوع ولا أنصح لخلقي من محمد خيرتي وخالصتي ، فاخترته على علم ورفعت ذكره إلى ذكرى ، ثم وجدت قلوب حامته اللاتي من بعده على صبغة قلبه ، فألحقتهم به وجعلتهم ورثة كتابي ووحيي وأوكار حكمتي ونوري ، وآليت بي ألا أعذب بناري من لقيني معتصما بتوحيدي وحبل مودتهم أبدا.

ثم أمرهم أبو حارثة أن يصيروا إلى صحيفة شيث الكبرى التي انتهى ميراثها إلى إدريس النبي عليه السلام ، قال : وكان كتابتها بالقلم السرياني القديم ، وهو الذي كتب من نوح عليه السلام من ملوك الهياطلة ، وهم النماردة ، قال : فاقتص القوم الصحيفة وأفضوا منها إلى هذا الرسم ، قال :

اجتمع إلى إدريس عليه السلام قومه وصحابته ـ وهو يومئذ في بيت عبادته من أرض كوفان ـ فخبّرهم فيما اقتص عليهم ، قال : إن بني أبيكم آدم عليه السلام الصلبية وبني بنيه وذريته اختصموا فيما بينهم ، وقالوا : أي الخلق عندكم أكرم على الله عز وجل وأرفع لديه مكانة وأقرب منه منزلة ؟

فقال بعضهم : أبوكم آدم عليه السلام ، خلقه الله عز وجل بيده ، وأسجد له ملائكته ، وجعله الخليفة في أرضه ، وسخّر له جميع خلقه.

وقال آخرون : بل الملائكة الذين لم يعصوا الله عز وجل.

وقال بعضهم : لا ، بل رؤساء الملائكة الثلاثة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليه السلام.

وقال بعضهم : لا ، بل أمين الله جبرئيل عليه السلام.

فانطلقوا إلى آدم فذكروا الذي قالوا واختلفوا فيه ، فقال : يا بني أنا أخبركم بأكرم الخلائق جميعا على الله عز وجل.

إنه والله لما أن نفخ في الروح حتى استويت جالسا ، فبرق لي العرش العظيم فنظرت فيه ، فإذا فيه : لا إله إلا الله محمد رسول الله فلا أمين الله فلا خيرة الله عز وجل ـ فذكر عدة أسماء مقرونة بمحمد صلى الله عليه وآله ـ ثم لم أر في السماء موضع أديم ـ أو قال : صفيح ـ منها إلا وفيه مكتوب : لا إله إلا الله ، وما من موضع فيه مكتوب لا إله إلا الله إلا الله ، وما من موضع فيه مكتوب لا إله إلا الله إلا وفيه مكتوب ، خلقا لا خطا : محمد رسول الله ، وما من موضع مكتوب فيه محمد رسول الله ، وما من موضع مكتوب فيه محمد رسول الله ، إلا ومكتوب : فلان خيرة الله ، فلان صفوة الله ، فلان أمين الله عز وجل ـ فذكره عدة أسماء تنتظم حساب المعدود ـ.

قال آدم عليه السلام : فمحمد صلى الله عليه وآله ـ يا بني ـ ومن خط من تلك الأسماء معه أكرم الخلائق على الله جميعا.


394

ثم ذكر أن أبا حارثة سأل السيد والعاقب أن يقفا على صلوات إبراهيم عليه السلام الذي جاء بها الأملاك من عند الله عز وجل ، فقنعوا بما وقفوا عليه في الجامعة ، قال أبو حارثة : لا ن بل شارفوها بأجمعها واسبروها ، فإنه أصرم للعذور ، وأرفع لحكة الدور ، وأجدر ألا ترتابوا في الأمر من بعد.

فلم يجدا من المصير إل قوله من بد ، فعمد القوم إلى تابوت إبراهيم عليه السلام ، قال : وفيه : وكان الله عز وجل ـ بفضله على من يشاء من خلقه ـ قد اصطفى إبراهيم عليه بخلته ، وشرّفه بصلواته وبركاته وجعله قبلة وإماما لمن يأتي من بعده ، وجعل النبوة والإمامة والكتاب في ذريته ، يتلقاها آخر عن أول ، وورثه تابوت آدم عليه السلام المتضمن للحكمة والعلم الذي فضّله الله عز وجل به على الملائكة طرا.

فنظر إبراهيم عليه السلام في ذلك التابوت ، فأبصر فيه بيوتا بعدد ذوي العزم من الأنبياء المرسلين وأوصيائهم من بعدهم ، ونظرهم فإذا بيت محمد صلى الله عليه وآله آخر الأنبياء ، عن يمينه عليّ بن أبي طالب آخذٌ بحجرته ، فإذا شكل عظيم يتلألأ نورا فيه هذا صنوه ووصيه المؤيد بالنصر.

فقال إبراهيم عليه السلام : إلهي وسيدي ! من هذا الخلق الشريف ؟

فأوحى الله عز وجل : هذا عبدي وصفوتي ، الفاتح الخاتم ، وهذا وصيه الوارث.

قال : رب ما الفاتح الخاتم ؟

قال : هذا محمد خيرتي ، وبكر فطرتي ، وحجتي الكبرى في بريتي ، نبأته واجتبيته إذ آدم بين الطين والجسد ، ثم إني باعثه عند انقطاع الزمان لتكملة ديني ، وخاتم به رسالاتي ونذري ، وهذا علي أخوه وصديقه الأكبر ،


395

آخيت بينهما واخترتهما وصليت وباركت عليهما ، وطهرتهما وأخلصتهما ، والأبرار منهما وذريتهما قبل أن أخلق سمائي وأرضي وما فيهما من خلقي ، وذلك لعلمي بهم وبقلوبهم ، إني بعبادي عليم خبير.

قال : ونظر إبراهيم عليه السلام فإذا اثنا عشر عظيم تكاد تلألأ أشكالهم لحسنها نورا ، فسأل ربه جل وتعالى وقال : رب نبئني بأسماء هذه الصور المقرونة بصورة محمد ووصيه ؛ وذلك لما رأى من رفيع درجاتهم والتحاقهم بشكلي محمد ووصيه عليهم السلام ، فأوحى الله عز وجل إليه :

هذه أمتي والبقية من نبيي ، فاطمة الصديقة الزهراء ، وجعلتها مع خليلها عصبة لذرية نبي هؤلاء ، وهذا الحسنان ، وهذا فلان ، وهذا فلان ، وهذا كلمتي التي أنشر به رحمتي في بلادي ، وبه أنتاش ديني وعبادي ذلك بعد إياس منهم وقنوط منهم من غياثي ، فإذا ذكرت محمدا نبيي لصلواتك فصل عليهم معه يا إبراهيم.

قال : فعندها صلى عليهم إبراهيم صلى الله عليه وآله ، فقال رب صل على محمد وآله محمد كما اجتبيتهم وأخلصتهم إخلاصا.

فأوحى الله عز وجل : لتهنك كرامتي وفضلي عليك ، فإني صائر بسلالة محمد صلى الله عليه وآله ومن اصطفيت معه منهم إلى قناة صلبك ومخرجهم منك ثم من بكرك إسماعيل ، فابشر يا إبراهيم فإني واصل صلواتك بصلواتهم ومتبع ذلك بركاتي وترحمي عليك وعليهم ، وجاعل حسناتي وحجتي إلى الأمد المعدود واليوم الموعود ، الذي أرث فيه سمائي وأرضي وأبعث له خلقي لفصل قضائي وإفاضة رحمتي وعدلي.

قال : فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما أفضى إليه القوم من تلاوة ما تضمنت الجامعة والصحف الدراسة من نعت رسول الله


396

صلى الله عليه وصفة أهل بيته المذكورين معه بما هم به منه وبما اهدوا من مكانتهم عنده ، ازداد القوم بذلك يقينا وإيمانا واستطيروا له فرحا.

قال : ثم صار القوم إلى ما نزل على موسى عليه السلام فألفوا في السفر الثاني من التوراة : إني باعث في الأميين من ولد إسماعيل رسولا ، أنزل عليه كتابي وأبعثه بالشريعة القيمة إلى جميع خلقي ، أوتيته حكمتي وأيدته بملائكتي وجنودي ، تكون ذريته من ابنة له مباركة ، باركتها ، ثم من شبلين لهما كإسماعيل وغسحاق ، أصلين لشعبتين عظيمتين ، أكثرهم جدا جدا ، يكون منهم اثنا عشر في ما أكمل بمحمد صلى الله عليه وآله وبما أرسله به من بلاغ وحكمة ديني ، وأختم به أنبيائي ورسلي ، فعلى محمد صلى الله عليه وآله وأمته تقوم الساعة.

فقال حارثة : الآن أسفر الصبح لذي عينين ، ووضح الحق لمن رضي به دينا ، فهل في أنفسكم من مرض تستشفيان به ؟!

فلم يرجعا إليه قولا ، فقال أبو حارثة : اعتبروا الإمارة الخاتمة من قول سيدكم المسيح عليه السلام.

فصار إلى الكتب والأناجيل التي جاء بها عيسى عليه السلام فألفوا في المفتاح الرابع من الوحي إلى المسيح عليه السلام :

يا عيسى يا بن الاهرة البتول ، اسمع قولي وجد في أمري ، أني خلقتك من غير فحل ، وجعلتك آية للعالمين ، فإياي فاعبد وعليّ فتوكل ، وخذ الكتاب بقوة ثم فسره لأهل سوريا ، واخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم ، الذي لا أحول ولا أزول ، فآمنوا بي وبرسولي النبي الأمي الذي يكون في آخر الزمان ، نبي الرحمة والملحمة ، الأول والآخر.

قال : أول النبيين خلقا وآخرهم مبعثا ، ذلك العاقب الحاشر ، فبشر به


397

بني إسرائيل.

قال عيسى عليه السلام : يا مالك الدهور وعلام الغيوب ، من هذا العبد الصالح الذي قد أحبه قلبي ولم تره عيني ؟

قال : ذلك خالصتي ورسولي ، المجاهد بيده في سبيلي ، ويوافق قوله فعله وسريرته علانيته ، أنزل عليه توراة حديثة أفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ، فيها ينابيع العلم وفهم الحكمة وربيع القلوب ، وطوباه طوبى أمته.

قال : رب ما اسمه وعلامته ؟ وما أكل أمته ـ يقول ملك أمته ـ ؟ وهل له من بقية ـ يعني ذرية ـ ؟

قال : سأنبئك بما سألت ، اسمه أحمد صلى الله عليه وآله ، منتخب من ذرية إبراهيم ، ومصطفى من سلالة إسماعيل عليه السلام ، ذو الوجه الأقمر ، والجبين الأزهر ، راكب الجمل ، تنام عيناه ولا ينام قلبه ، يبعثه الله في أمة أمية ما بقي الليل والنهار ، مولده في بلد أبيه إسماعيل ، ـ يعني مكة ـ ، كثير الأزواج قليل الأولاد ، نسله نم مباركة صديقة ، يكون له منها ابنة لها فرخان سيدان يستشهدان ، اجعل نسل أحمد منهما ، فطوباهما ولمن أحبهما وشهد أيامهما فنصرهما.

قال عيسى عليه السلام : إلهي ! وما طوبى ؟

قال : شجرة في الجنة ساقها وأغصانهامن ذهب ، وورقها حلل ، وحملها كثدي الأبكار ، أحلى من العسل وألين من الزبد ، وماؤها من تسنيم ، لو أن غرابا طار وهو فرخ لأدركه الهرم من قبل أن يقطعها ، وليس منزل من منازل أهل الجنة إلا وظلاله فنن من تلك الشجرة.

قال : فلما أتى القوم على دراسة ما أوحى الله عز وجل إلى المسيح


398

عليه السلام من نعت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصفته ، وملك أمته ، وذكر ذريته وأهل بيته ، أمسك الرجلان مخصومين ، وانقطع التحاور بينهم في ذلك.

قال : فلما فلج حارثة على السيد والعاقب بالجامعة وما بينوه في الصحف القديمة ولم يتم لهما ما قدروا من تحريفها ، ولم يمكنهما أن يلبسا على الناس في التأويل ، أمسكا عن المنازعة من هذا الوجه ، وعلما أنهما قد أخطآ سبيل الصواب ، فصارا إلى بيعتهم آسفين لينظرا ويرتئيا ، وفزع إليهما نصارى نجران ، فسألوها عن رأيهما وما يعملان في دينهما ، فقالا ما معناه : تمسكوا بدينكم حتى يكشف دين محمد ، وسنيسر إلى نبي قريش غلى يثرب ، وننظر إلى ما جاء به وإلى ما يدعو إليه.

قال : فلما تجهز السيد والعاقب للمسير غلى رسول الله بالمدينة ، انتدب معهما أربعة عشر راكبا من نصارى نجران ، هم من أكابرهم فضلا وعلما في أنفسهم ، وسبعون رجلا من أشراف بني الحرث بن كعب وسادتهم.

قال : وكان قيس بن الحصين ذو العصة ويزيد بن عبد المدان ببلاد حضرموت ، فقدما نجران على بقية مسير قومهم فشخصا معهم فاغترز القوم في أطوار مطاياهم وجنبوا خيلهم وأقبلوا لوجوههم حتى وردوا المدينة.

قال : ولما استراث رسول الله صلى الله عليه وآله خبر أصحابه أنفذ إليهم خالد بن الوليد في خيل سرجها معه لمشارفة أمرهم ، فألفوهم وهم عامدون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال : ولما دنوا إلى المدينة أحب السيد والعاقب أن يباهيا المسلمين.


399

وأهل المدينة بأصحابهما وبمن حف من بني الحرث معهما ، فاعترضاهم فقالا : لو كففتم صدور ركابكم ومسستم الأرض فألقيتم عنكم تفثكم وثياب سفركم وشنيتكم عليكم من باقي مياهكم كان ذلك أمثل ، فانحدر القوم عن الركاب افأماطوا من شعثهم وألقوا عنهم ثياب بذلتهم ولبسوا ثياب صونهم من الأنجميات والحرير والحبر وذروا المسك في لممهم ومارقتهم ، ثم ركبوا الخيل ، واعترضوا بالرماح على مناسج خيلهم ، وأقلبوا يسيرون رزدقا واحدا ، وكانوا من أجمل العرب صورا وأتمهم أجساما وخلقا ، فلما تشرفهم الناس أقبلوا نحوهم وقالوا : ما رأينا وفدا أجمل من هؤلاء.

فأقبل القوم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده ، وحانت صلواتهم فقاموا يصلون إلى المشرق ، فأراد الناس أن ينهوهم عن ذلك فكفهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم أمهلهم وأمهلوه ثلاثا ، فلم يدعهم ولم يسألوه لينظروا إلى هداه ويعتبروا ما يشاهدون نمهم مما يجدون من صفته.

فلما كان بعد ثلاثة دعاهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام.

فقالوا : يا أبا القاسم ! ما أخبرتنا كتب الله عز وجل بشيء من صفة النبي المبعوث بعد الروح عيسى عليه السلام إلا وقد تعرفناه فيك ، إلا خلة هي أعظم الخلال آية ومنزلة ، وأجلاها أمارة ودلالة.

قال : صلى الله عليه وآله : وما هي ؟

قالوا : إنا نجد في الإنجيل من صفة النبي الغابر من بعد المسيح أنه يصدق به ويؤمن به ، وأنت تسبه وتكذب به وتزعم أنه عبد.

قال : فلم تكن خصومتهم ولا منازعتهم للنبي صلوات الله عليه وآله إلا في عيسى عليه السلام.


400

فقال النبي صلى الله عليه وآله : لا بل أصدقه وأصدق به وأؤمن به وأشهد أنه النبي المرسل من ربه عز وجل ، وأقول : إنه عبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.

قالوا : وهل يستطيع العبد أن يفعل ما كان يفعل ؟ وهل جاءت الأنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة ؟! ألم يكن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص وينبئهم بما يكنون في صدورهم وما يدخرون في بيوتهم ؟ فهل يستطيع هذا إلا الله عز وجل أو ابن الله ؟! وقالوا في الغلو فيه وأكثروا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فقال صلى الله عليه وآله : قد كان عيسى ـ أخي ـ كما قلتم يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويخبر قومه بما في نفوسهم ، وما يدخرون في بيوتهم ، وكل ذلك بإذن الله عز وجل ، وهو لله عز وجل عبد ، وذلك عليه غير عار ، وهو منه غير مستنكف ، فقد كان لحما ودما وشعرا وعظما وعصبا وأمشاجا ، يأكل الطعام ويظمأ وينصب باديه ، وربه الأحد الحق الذي ليس كمثله شيء وليس له ند.

قالوا : فأرنا مثله من جاء من غير فحل ولا أب ؟!

قال : هذا آدم عليه السلام أعجب منه خلقا ، جاء من غير أب ولا أم ، وليس شيء من الخلق بأهون على الله عز وجل في قدرته من شيء ولا أصعب ، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، وتلا عليهم ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ).

قالا : فما نزداد منك في أمر صاحبنا إلا تباينا ، وهذا الأمر الذي لا نقر لك ، فهلم فلنلاعنك أينا أولى بالحق ، فنجعل لعنة الله على الكاذبين ، فإنها مثلة وآية معجلة.


401

فأنزل الله عز وجل آية المباهلة على رسول الله صلى الله عليه وآله ( فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما نزل عليه في ذلك من القرآن ، فقال صلى الله عليه وآله : إن الله قد أمرني [ أن ] أصير غلى ملتمسكم ، وأمرني بمباهلتكم إن أقمتم وأصررتهم على قولكم.

قالا : وذلك آية ما بيننا وبينك ، إذا كان غدا باهلناك.

ثم قاما وأصحابهما من النصارى معهما ، فلما أبعدا ـ وقد كانوا أنزلوا بالحرة ـ أقبل بعضهم على بعض فقالوا : قد جاءكم هذا بالفصل من أمره وأمركم ، فانظروا أولا بمن يباهلكم ، أبكافة أتباعه ، أم بأهل الكتابة من أصحابه ، أو بذوي التخشع والتمسكن والصفوة دينا وهم القليل منهم عددا ؟ فإن جاءكم بالكثرة وذوي الشدة منهم ، فإنما جاءكم مباهيا كما يصنع الملوك ، فالفلج إذن لكم دونه ، وإن أتاكم بنفر قليل ذوي تخشع فهؤلاء سجية الأنبياء وصفوتهم وموضع بهلتهم ، فإياكم والإقدام إذن على مباهلتهم ، فهذه لكم أمارة ، وانظروا حينئذ ما تصنعون ما بينكم وبينه ، فقد أعذر من أنذر.

فأمر صلى الله عليه وآله بشجرتين فقصدتا وكسح ما بينهما ، وأمهل حتى إذا كان من الغد أمر بكساء أسود رقيق فنشر على الشجرتين ، فلما أبصر السيد والعاقب ذلك خرجا بولديهما صبغة المحسن وعبدالمنعم وسارة ومريم ، وخرج معهما نصارى نجران ، وركب فرسان بني الحرث بن الكعب في أحسن هيئة ، وأقبل الناس من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الناس في قبائلهم وشعارهم من راياتهم وألويتهم


402

وأحسن شارتهم وهيئتهم ، لينظروا ما يكون منالأمر ، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله في حجرته حتى متع النهار.

ثم خرج آخذا بيد علي والحسن والحسين أمامه وفاطمة عليها السلام من خلفهم ، فأقبل بهم حتى أتى الشجرتين ، فوقف من بينهما من تحت الكساء على مثل الهيئة التي خرج بها من حجرته ، فأرسل إليهما يدعوهما إلى ما دعواه إليه من المباهلة.

فأقبلا إليه فقالا : بمن تباهلنا يا أبا القاسم ؟

قال : بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله عز وجل ، وأشار لهما إلى علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم.

قالا : فما نراك جئت لمباهلتنا بالكبر ولا من الكثر ولا أهل الشارة ممن نرى آمن بك واتبعك ! وما نرى ها هنامعك إلا هذا الشاب والمرأة والصبيين ! أفبهؤلاء تباهلنا ؟!

قال صلى الله عليه وآله : نعم ، أو لم أخبركم بذلك آنفا ، نعم بهؤلاء أمرت والذي بعثني بالحق أن أباهلكم.

فاصفارت حينئذ ألوانهما وحوكرا ، وعادا إلى أصحابهما وموقفهما ، فلما رأى أصحابهما ما بهما وما دخلهما ، قالوا : ما خطبكما ؟! فتماسكا وقالا : ما كان ثمة من خطب فنخبركم.

وأقبل عليهم شاب كان من خيارهم قد أوتي فيهم علما ، فقال ويحكم ! لا تفعلوا ، واذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفاته ، فوالله إنكم لتعلمون حق العلم إنه لصادق ، وإنما عهدكم بإخوانكم حديث قد مسخوا قردة وخنازير.

فعلموا أنه قد نصح لهم فأمسكوا.


403

قال : وكان للمنذر بن علقمة أخي أسقفهم أبي حارثة حظ من العلم فيهم يعرفونه له ، وكان نازحا عن نجران في وقت تنازعهم ، فقدم وقد اجتمع القوم على الرحلة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فشخص معهم ، ، فلما رأى المنذر انتشار القوم يومئذ وترددهم في رأيهم ، أخذ بيد السيد والعاقب على أصحابه ، فقال : أخلوني وهذين ، فاعتزل بهما ، ثم أقبل عليهما فقال : إن الرائد لا يكذب أهله ، وأنا لكما جد شفيق ، فإن نظرتما لأنفسكما نجيتما ، وإن تركتما ذلك هلكتما وأهلكتما.

قالا : أنت الناصح حبيبا ، المأمون عيبا ، فهات.

قال : أتعلمان أنه ما باهل قوم نبيا قط إلا كان مهلكهم كلمح البصر ، وقد علمتما وكل ذي إرب من ورثة الكتب معكما أن محمدا أبا القاسم هذا هو الرسول الذي بشّرت به الأنبياء عليهم السلام وأفصحت ببيعتهم وأهل بيتهم الأمناء.

وأخرى أنذركما بها فلا تعشوا عنها !

قالا : وما هي يا أبا المثنى ؟

قال : انظرا إلى النجم قد استطلع إلى الأرض ، وإلى خشوع الشجر وتساقط الطير بإزائكما لوجوههما ، قد نشرت على الأرض أجنحتها ، وفات ما في حواصلها ، وما عليها لله عز وجل من تبعة ، ليس ذلك إلا ما قد أظل من العذاب.

وانظرا إلى اقشعرار الجبال ، وإلى الدخان المنتشر وفزع السحاب !

هذا ، ونحن في حمارة القيظ وأيان الهجير.

وانظروا إلى محمد صلى الله عليه وآله رافعا يده والأربعة من أهله معه إنما ينتظر ما تجيبان به.


404

ثم اعلموا أنه إن نطق فوه بكلمة من بهلة لم نتدارك هلاكا ، ولم نرجع إلى أهل ولا مال.

فنظرا فأبصرا أمرا عظيما فأينا أنه الحق من الله تعالى فزلزلت أقدامهما ، وكادت أن تطيش عقولهما ، واستشعرا أن العذاب واقع بهما.

فلما أبصر المنذر بن علقمة ما قد لقيا من الخيفة والرهبة قال لهما : إنكما إن أسلمتما له سلمتما في عاجله وآجله ، وإن آثرتما دينكما وغضارة أيكتكما وشمختما بمنزلتكما من الشرف في قومكما فلست أحجر عليكما الضنين بما نلتما من ذلك ، ولكنكما بدهتما محمدا صلى الله عليه وآله بتطالب المباهلة ، وجعلتماها حجازا وآية بينكما وبينه ، وشخصتما من نجران وذلك من تألككما ، فأسرع محمد صلى الله عليه وآله إلى ما بغيتما منه ، والأنبياء إذ أظهرت بأمر لم ترجع إلا بقضائه وفعله ، فإذا نكلتما عن ذلك وأذهلتكما مخافة ما تريان ، فالحظ في النكول لكما.

فالحوا يا إخوتي الوحا ، صالحا محمدا صلى الله عليه وآله وأرضياه ، ولا ترجيا ذلك ، فإنكما وأنا معكما بمنزلة قوم يونس لما غشيهم العذاب.

قالا : فكن أنت الذي تلقى محمدا صلى الله عليه وآله بكفالة ما يبتغيه لدينا ، والتمس لنا إليه ابن عمه هذا ليكون هو الذي يبرم الأمر بيننا وبينه ، فإنه ذو الوجه والزعيم عنده ، ولا تبطئن به ما ترجع إلينا به.

وانطلق المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، أشهد أن لا إله إلا الله الذي ابتعثك ، وأنك وعيسى عبدان لله عز وجل مرسلان.

فأسلم وبلغه ما جاء له ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام لمصالحة القوم ، فقال علي عليه السلام : بأبي أنت ، على ما


405

أصالحهم ؟

فقال له : رأيك يا أبا الحسن فيما تبرم معهم رأيي.

فصار إليهما فصالحاه على ألف حلة وألف دينار خرجا في كل عام ، يؤديان شطر ذلك في المحرم وشطرا في رجب.

فصار علي عليه السلام بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ذليلين صاغرين ، وأخبره بما صالحهما عليه وأقرا له بالخرج والصغار.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : قد قبلت ذلك منكم ، أما إنكم لو بالهتموني بمن تحت الكساء لأضرم الله عليكم الوادي نارا تأجج ، ثم لساقها الله عز وجل إلى من ورائكم في أسرع من طرف العين فحرقهم تأججا.

فلما رجع النبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته وصار إلى مسجده هبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد ! إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول : إن عبدي موسى عليه السلام باهل عدوه قارون بأخيه هارون وبنيه ، فخسفت بقارون وأهله وما له وبمن آزره من قومه ، وبعزتي أقم وبجلالي ـ يا أحمد ـ لو باهلت بك وبمن تحت الكساء من أهلك أهل الأرض والخلائق جميعا لتقطعت السماء كسفا والجبال زبرا ، ولساخت الأرض فلم تستقر أبدا إلا أن أشاء ذلك.

فسجد النبي صلى الله عليه وآله ووضع على الأرض وجهه ، ثم رفع يديه حتى تبين للناس عفرة إبطيه ، فقال : شكرا للمنعم ـ قالها ثلاثا ـ.

فسئل النبي صلى الله عليه وآله عن سجدته وعما رأى من تباشير السرور في وجهه ، فقال : شكرا لله عز وجل لما أبلاني من الكرامة في أهل


406

بيتي ، ثم حدثهم بما جاء به جبرئيل عليه السلام » (1).

كتاب الصلح :

وجاء في غير واحد من الكتب أن عليا عليه السلام كتب لهم كتابا بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (2) وذكر ابن شبة والبلاذري وغيرهما نص الكتاب ، ويظهر منه أن القوم كانوا يحتفظون به ، قال البلاذري : « وقال يحيى بن آدم : وقد رأيت كتابا في أيدي النجرانيين كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة وفي أسفلها : وكتب علي بن أبي طالب » (3).

القربات يوم المباهلة :

وبما أن يوم المباهلة يوم أظهر الله فيه حقية نبوة رسوله على النصارى ، وأبان فيه مقام علي وأهل البيت للعالمين ، فهو من أعظم الأعياد الإسلامية ، وأشرف أيام سرور المؤمنين ، وكان من واجب كل فرد أن يقوم بشكر هذه النعمة بما أمكنه من مظاهر الشكر...

ومن هنا فقد ذكر هذا اليوم من مسار الشيعة ، وهو اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة (4).

ووردت فيه أعمال وقربات ، من الغسل ، والصوم ، والصلاة ، والدعاء... كما لا يخفى على من يراجع كتب هذا الشأن (5).

(1) الإقبال بصالح الأعمال : 496 ـ 513 ، من الطبعة الحجرية.

(2) ومن ذلك أيضا : سنن البيهقي 10 | 120.

(3) فتوح البلدان : 76 ـ 77.

(4) مسار الشيعة ـ للشيخ للمفيد ـ : 41.

(5) مصباح المتهجد : 758 ـ 767 ، الإقبال بصالح الأعمال : 515.


407

الفصل الثالث

محاولات يائسة وأكاذيب مدهشة

ولما كانت قضية المباهلة ، ونزول الآية المباركة في أهل البيت دون غيرهم ، من أسمى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام الدالة على إمامته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد حاول بعض المتكلمين من مدرسة الخلفاء الإجابة عن ذلك ، كما سنرى بالتفصيل.

لكن هناك محاولات بالنسبة إلى أصل الخبر ومتنه ، الأمر الذي يدل على إذعان القوم بدلالة الحديث وبخوعهم بعدم الجدوى فيما يحاولونه من المناقشة فيها...

وتلك المحاولات هي :

1 ـ الإخفاء والتعتيم على أصل الخبر :

فمن القوم من لا يذكر الخبر من أصله !! مع ما فيه من الأدلة على النبوة وظهور الدين الإسلامي على سائر الأديان... أذكر منهم ابن هشام (1) وتبعه ابن سيد الناس (2) ، والذهبي (3) وهذه عبارة الثاني في ذكر الوفود ، وهي ملخص عبارة الأول :

« ثم بعث رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم خالد بن الوليد في

(1) السيرة النبوية لابن هشام 2 | 592.

(2) عيون الأثر في المغازي والسير 2 | 244.

(3) تاريخ الإسلام ـ المغازي ـ : 695.


408

شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر ، إلى بني الحارث بن كعب بنجران ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ، ثلاثا ، فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم.

فخرج خالد حتى قدم عليهم ، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ، ويقولون : أيها الناس أسلموا تسلموا ، فأسلم الناس ودخلوا في ما دعوا إليه ، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام ، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بذلك.

فكتب له رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أن يُقْبِلَ ويُقْبِل معه وفدهم ، فأقبل وأقبل معه وفدهم ، منهم قيس بن الحصين ذي الغصة... وأمّر عليهم قيس بن الحصين.

فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو في ذي القعدة ، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ».

2 ـ الإخفاء والتعتيم على حديث المباهلة :

وهذا ما حاوله آخرون ، منهم :

* البخاري ـ تحت عنوان : قصة أهل نجران ، من كتاب المغازي ـ :

« حدثني عباس بن الحسين ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : جاء العاقب والسيد ـ صاحبا نجران ـ إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، يريدان أن يلاعناه. قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ، فوالله لئن كان نبيا فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا ، فقال : لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين.


409

فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فقال : قم يا ابا عبيدة بن الجراح ، فلما قام ، قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : هذا أمين هذه الأمة.

حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت أبا إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : جاء أهل نجران إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقالوا : ابعث لنا رجلا أمينا. فقال : لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين ، فاستشرف له الناس ، فبعث عبيدة بن الجراح » (1).

أقول :

قد تقدم حديث حذيفة بن اليمان ، رواه القاضي الحسكاني بنفس السند... لكن البخاري لم يذكر سبب الملاعنة ! ولا نزول الآية المباركة ! ولا خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلي وفاطمة والحسنين عليه السلام !

ولا يخفى التحريف في روايته ، وعبارته مشوشة جدا ، يقول : « جاء... يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل » فقد جاءا « يريدان أن يلاعناه » فلابد وأن حدث شيء ؟ « فقال أحدهما لصاحبه... » فما الذي حدث ؟!!

لقد أشار الحافظ ابن حجر في شرحه إلى نزول الآية وخروج النبي للملاعنة بأهل البيت عليهم السلام ، لكنها إشارة مقتضبة جدا !!

(1) صحيح البخاري 5 | 217. ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.


410

ثم قال : « قالا : إنا نعطيك ما سألتنا » والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسال شيئا ، وإنما دعاهما إلى الإسلام وما جاء به القرآن ، فأبيا ، فآذنهم بالحرب ، فطلبا منه الصلح إعطاء الزية ، فكتب لهما بذلك وكان الكاتب عليا عليه السلام.

ثم إن البخاري ـ بعد أن حذف حديث المباهلة وأراد إخفاء فضل أهل الكساء ـ وضع فضيلة لأبي عبيدة ، بأنهما قالا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ابعث معنا رجلا أمينا » فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح...

لكن في غير واحد من الكتب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إليهم عليا عليه السلام ، وهذا ما نبّه عليه الحافظ وأراد رفع التعارض ، فقال : « وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي بعث عليا إلى اهل النجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم ، وهذه القصة غير قصة أبي عبيدة ، لأن أبا عبيدة توجه معهم فقبض مال الصلح ورجع ، وعلي أرسله النبي بعد ذلك يقبض منهم ما استحق عليهم من الجزية ويأخذ ممن أسلم منهم ما وجب عليه من الصدقة. والله أعلم » (1).

قلت :

ولم أجد في روايات القصة إلا أنهما « أقرا بالجزية » التزما بدفع ما لم تضمنه الكتاب الذي كتبه صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، ومن ذلك : ألفا حلة « في كل رجب ألف » وهذه هي الجزية ، وعليها جرى أبو بكر وعمر ، حتى جاء عثمان فوضع عنهم بعض ذلك ! وكان مما

(1) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ـ 8 | 77.


411

كتب : « إني قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتي حلة لوجه الله » ! (1).

ثم إن رجوعهما إلى قومهما كان في بقية من شوال أو ذي القعدة (2) فأين رجب ؟! وأين صفر ؟!

فما ذكره الحافظ رفعا للتعارض ساقط.

ولعله من هنا لم تأت هذه الجملة في رواية مسلم ، فقد روى الخبر عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : « جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقالوا : يا رسول الله ! ابعث إلينا رجلا أمينا ، فقال : لأبعثن إليكم رجلا أمينا... » (3).

ثم إنه قد تعددت أحاديث القوم في « أمانة أبي عبيدة » حتى أنهم رووا بلفظ « أمين هذه الأمة أبو عبيدة » ، وقد تكلمنا على هذه الأحاديث من الناحيتين ـ السند والدلالة ـ في كتابنا الكبير بالتفصيل (4).

* ابن سعد ، فإنه ذكر تحت عنوان « وفد نجران » : كتب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إلى أهل نجران ، فخرج إليه وفدهم ، أربعة ودعاهم إلى الإسلام ، فأبَوا ، وكثر الكلام والحجاج بينهم ، وتلا عليهم القرآن ، وقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : إن أنكرتم ما أقول لكم فهلم أباهلكم ، فانصرفوا على ذلك.

فغدا عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم على رسول الله صلى الله

(1) فتوح البلدان : 77.

(2) عيون الأثر 2 | 244 ، وغيره.

(3) صحيح مسلم 7 | 139.

(4) نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 11 | 315 ـ 338.


412

عليه [ وآله ] وسلم ، فقال : قد بدا لنا أن لا نباهلك ، فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك ، فصالحهم على...

وأشهد على ذلك شهودا ، منهم : أبو سفيان بن حرب ، والأقرع بن حابس ، والمغيرة بن شعبة.

فرجعوا إلى بلادهم ، فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فأسلما ، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري.

وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حتى قبضه الله... » (1).

* وقال الطبري ـ في ذكر الوفود في السنة العاشرة ـ : « وفيها قدم وفد العاقب والسيد من نجران ، فكتب لهما رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كتاب الصلح » (2).

ثم قال في خروج الأمراء والعمال على الصدقات : « وبعث عليّ بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم » (3).

* وقال ابن الجوزي : « وفي سنة عشر من الهجرة أيضا قدم العاقب والسيد من نجران ، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كتاب صلح » (4).

* وقال ابن خلدون : « وفيها قدم وفد نجران النصارى ، في سبعين

(1) الطبقات الكبرى 1 | 357 ـ 358.

(2) تاريخ الطبري 3 | 139.

(3) تاريخ الطبري 3 | 147.

(4) المنتظم في تاريخ الأمم ـ حوادث السنة العاشرة ـ 4 | 3.


413

راكبا ، يقدمهم أميرهم العاقب عبد المسيح من كندة ، وأسقفهم أبو حارثة من بكر بن وائل والسيد الأيهم ، وجادلوا عن دينهم ، فنزل صدر سورة آل عمران ، وآية المباهلة ، فأبوا منها ، وفرقوا وسألوا الصلح ، وكتب لهم به على ألف حلة في صفر وألف في رجب ، وعلى دروع ورماح وخيل وحمل ثلاثين من ل صنف ، وطلبوا أن يبعث معهم واليا يحكم بينهم ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ، ثم جاء العاقب والسيد أسلما » (1).

3 ـ الإخفاء والتعتيم على اسم عليّ !!

وحاول آخرون منهم أن يكتموا اسم علي عليه السلام :

* فحذفوا اسمه من الحديث ، كما في الرواية عن جد سلمة بن عبد يشوع المتقدمة.

* بل تصرف بعضهم في حديث مسلم وأسقط منه اسم « عليّ » كما سيأتي عن « البحر المحيط » !!

* والبلاذري عنون في كتابه « صلح نجران » وذكر القصة ، فقال :

« فأنزل الله تعالى : ( ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم * إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ـ إلى قوله : ـ الكاذبين ) فقرأها رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليهما ، ثم دعاهما إلى المباهلة ، وأخذ بيد فاطمة والحسن والحسين ، فقال أحدهما لصاحبه : اصعد الجبل ولا تباهله ، فإنك إن باهلته يؤت باللعنة. قال : فما ترى ؟ قال : أرى أن نعطيه الخراج ولا نباهله... » (2).

(1) تاريخ ابن خلدون 4 | 836 ـ 837.

(2) فتوح البلدان 75 ـ 76.


414

* وابن القيم اقتصر على رواية جد سلمة ، ولم يورد اللفظ الموجود عند مسلم وغيره ، قال : « وروينا عن أبي عبدالله الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن سلمة بن عبد يوشع ، عن أبيه ، عن جده ، قال يونس ـ وكان نصرانيا فأسلم ـ : إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كتب إلى أهل نجران... » فحكى القصة إلى أن قال :

« فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر ، أقبل مشتملا على الحسن والحسين رضي الله عنهما في خميل له وفاطمة رضي الله عنها تمشي عند ظهره للمباهلة ، وله يومئذ عدة نسوة... » (1).

* وكذا فعل ابن كثير في تاريخه... (2).

* واختلف النقل عن الشعبي على إشكال :

أحدها : روايته عن جابر بن عبد الله ، وفيها نزول الآية في عليّ وفاطمة والحسنين.

والثاني : روايته الخبر مع حذف اسم عليّ !! رواه عنه جماعة وعنهم السيوطي ، وقد تقدم.

وجاء عند الطبري بعد الخبر عن ابن حميد ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ؛ وليس فيه ذكر علي : « حدثنا ابن حميد ، قال ثنا جرير ، قال : فقلت للمغيرة : إن الناس يروون في حديث أهل نجران أن عليا كان معهم !

فقال : أما الشعبي فلم يذكره ، فلا أدري لسوء رأي بني أمية في علي ،

(1) زاد المعاد في هدي خير العباد 3 | 39 ـ 40.

(2) البداية والنهاية 5 | 53.


415

أو لم يكن في الحديث » (1).

والثالث : روايته الخبر مع حذف اسم علي ! وإضافة « وناس من أصحابه » !! وهو ما نذكره :

4 ـ حذف اسم عليّ وزيادة « وناس من أصحابه » :

وهذا الخبر لم أجده إلا عند ابن شبة ، عن الشعبي ، حيث قال :

« حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي ، قال : حدثنا الوليد ابن مسلم ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري ، عن عطاء بن السائب ، عن الشعبي ، قال : قدم وفد نجران ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أخبرنا عن عيسى... قال : فأصبح رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وغدا حسن وحسين وفاطمة وناس من أصحابه ، وغدوا إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقالوا : ما للملاعنة جئناك ، ولكن جئناك لتفرض علينا شيئا نؤديه إليك... » (2).

فإذا كان المراد من « وغدا حسن... » أنهم خرجوا مع رسول الله ليباهل بهم ، فقد أخرج صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل بيته « ناسا من الصحابة » !!

وإذا كان قد خرج مع النبي « ناس من أصحابه » فلماذا لم يجعل الراوي عليا منهم في الأقل !!

لكن الشعبي ـ إن كانت هذه التحريفات منه لا من الرواة عنه ـ معروف بنزعته الأموية ، ولعل في أحد الروايات التي نقلناها سابقا عن تفسير الطبري ـ إشارة إلى ذلك... وقد كان الشعبي أمين آل مروان ،

(1) تفسير الطبري 3 | 211.

(2) تاريخ مدينة المنورة 1 | 581 ـ 582.


416

وقاضي الكوفة في زمانهم ، وكان نديما لعبد الملك بن مروان مقربا إليه ، وكل ذلك وغيره مذكور بترجمته في الكتب ، فلتراجع.

5 ـ التحريف بزيادة « عائشة وحفصة » :

وهذا اللفظ وجدته عند الحلبي ، قال : « وفي لفظ : أنهم وادعوه على الغد ، فلما أصبح صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أقبل ومعه حسن وحسين وفاطمة وعلي رضي الله عنهم وقال : اللهم هؤلاء أهلي...

وعن عمر رضي الله عنه ، أنه قال للنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : لو لاعنتهم يا رسول الله بيد من كنت تأخذ ؟ قال صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين وعائشة وحفصة.

وهذا ـ أي زيادة عائشة وحفصة ـ دل عليه قوله تعالى : ( ونساءنا ونساءكم ) وصالحوه... » (1).

6 ـ التحريف بحذف « فاطمة » وزيادة : « أبي بكر وولده وعمر وولده وعثمان وولده » :

وهذا لم أجده إلاّ عند ابن عساكر ، وبترجمة عثمان بالذات ! من تاريخه ، قال :

« أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ، أنبأ أبو الفضل ابن الكريدي ، أنبأ أبو الحسن العتيقي ، أنا أبو الحسن الدارقطني ، نا أبو الحسين أحمد بن قاج ، نا محمد بن جرير الطبري ـ إملاء علينا ـ نا سعيد بن عنبسة الرازي ، نا الهيثم بن عدي ، قال : سمعت جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ).

(1) إنسان العيون ـ السيرة الحلبية 3 | 236.


417

قال : فجاء بأبي بكر وولده ، وبعمر وولده ، وبعثمان وولده ، وبعلي وولده » (1).

ورواه عنه : السيوطي (2) والشوكاني (3) والآلوسي (4) والمراغي (5) ساكتين عنه !! نعم قال الآلوسي : « وهذا خلاف ما رواه الجمهور ».

أقول :

كانت تلك محاولات القوم في قبال الحديث المباهلة ، وتلاعباتهم في لفظه... بغضّ النظر عن تعابير بعضهم عن الحديث بـ « قيل » و« روي » ونحو ذلك مما يقصد منه الاستهانة به عادة.

هذا ، والأليق بنا ترك التكلم على هذه التحريفات ـ زيادة ونقيصة ـ لوضوح كونها من أيد أموية ، تحاول كتم المناقب العلوية ، لعلمهم بدلالتها على مزايا تقضي الأفضلية ، كما حاولت في ( حديث الغدير ) و( حديث المنزلة ) ونحوهما.

وفي ( حديث المباهلة ) أرادوا كتم هذه المزية ، ولو بترك ذكر أصل القضية ! أو بحذف اسم علي أو فاطمة الزكية ،...

ولولا دلالة على الأفضلية ـ كما سيأتي ـ لما زاد بعضهم « عائشة وحفصة » إلى جنب فاطمة !!

(1) تاريخ دمشق ـ ترجمة عثمان بن عفان ـ : 168 ـ 169.

(2) الدر المنثور 2 | 40.

(3) فتح القدير 1 | 348.

(4) روح المعاني 3 | 190.

(5) تفسير المراغي 4 | 175.


418

بل أراد بعضهم إخراج الحديث عن الدلالة بانحصار هذه المزية في أهل البيت عليهم السلام ، فوضع على لسان أحدهم ـ وهو الإمام الباقر ، يرويه عنه الإمام الصادق ـ ما يدل على كون المشايخ الثلاثة في مرتبة علي ، وأن ولدهم في مرتبة ولده !!

وضعوه على لسان الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ليروج على البسطاء من الناس !!

وكم فعلوا من هذا القبيل على لسان أئمة أهل البيت عليهم السلام وأولادهم ، في الأبواب المختلفة من التفسير والفقه والفضائل (1) !

إن ما رواه ابن عساكر لم يخرجه أحد من أرباب الصحاح والمسانيد والمعاجم ، ولا يقاوم ـ بحسب قواعد القوم ـ ما أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم ، ونص الحاكم على تواتره ، وغيره على ثبوته.

بل إن هذا الحديث لم يعبأ به حتى مثل ابن تيمية المتشبث بكل حشيش !

إن هذا الحديث كذب محض ، باطل سندا ومتنا... ولنتكلم على اثنين من رجاله :

1 ـ سعيد بن عنبسة الرازي :

ليس من رجال الصحاح والسنن ونحوها ، وهو كذاب ، ذكره ابن أبي حاتم فقال : « سعيد بن عنبسة ، أبو عثمان ، الخزاز الرازي... سمع منه أبي ولم يحدث عنه ، وقال : فيه نظر.

حدثنا عبد الرحمن ، قال : سمعت عليّ بن الحسين ، قال : سمعت

(1) ذكرتنا في بعض بحوثنا المنشورة نماذج من ذلك ، ويا حبذا لو تجمع وتنشر في رسالة مفردة ، والله الموفق.


419

يحيى بن معين ـ وسئل عن سعيد بن عنبسة الرازي ـ فقال : لا أعرفه.

فقيل : إنه حدث عن أبي عبيدة الحداد حديث ( والآن ) ؟ فقال : هذا كذاب.

حدثنا عبد الرحمن ، قال : سمعت علي بن الحسين يقول : سعيد بن عنبسة كذاب.

سمعت أبي يقول : كان لا يصدق » (1).

2 ـ الهيثم بن عدي :

وقد اتفقوا على أنه كذاب.

قال ابن أبي حاتم : « سئل يحيى بن معين عن الهيثم بن عدي ، فقال : كوفي وليس بثقة ، كذاب.

سألت أبي عنه ، فقال : متروك الحديث » (2).

وأورده ابن حجر الحافظ في ( لسانه ) فذكر الكلمات فيه :

البخاري : ليس بثقة ، كان يكذب.

يحيى بن معين : ليس بثقة ، كان يكذب .

أبو داود : كذاب.

النسائي وغيره : متروك الحديث.

ابن المديني : لا أرضاه في شي.

أبو زرعة : ليس بشيء.

العجلي : كذاب.

الساجي : كان يكذب.

(1) الجرح والتعديل 4 | 52.

(2) الجرح والتعديل 9 | 85.


420

أحمد : صاحب أخبار وتدليس.

الحاكم والنقاش : حدث عن الثقات بأحاديث منكرة.

محمود بن غيلان : أسقطه أحمد ويحيى وأبو خيثمة.

ذكره ابن السكن وابن شاهين وابن الجارود والدارقطني في الضعفاء.

كذب الحديث ـ لكون الهيثم فيه ـ جماعة كالطحاوي في « مشكل الحديث » والبيهقي في « السنن » والنقاش والجوزجاني في ما صنفا من الموضوعات (1).

أقول :

هب أن ابن عساكر روى هذا الخبر الموضوع في كتابه « تاريخ دمشق » فإن هذا الكتاب فيه موضوعات كثيرة ، كما نص عليه ابن تيمية (2) وغيره ، فما بال السيوطي ومن تبعه يذكرونه بتفسير القرآن الكريم وبيان المراد من آية من كلام الله الحكيم ؟!!

(1) لسان الميزان 6 | 209.

(2) منهاج السنة 7 | 40.


421

الفصل الرابع

في دلالة آية المباهلة على الإمامة

« اعلم أن يوم مباهلة النبي صلوات الله عليه وآله لنصارى نجران كان يوما عظيم الشأن ، اشتمل على عدة آيات وكرامات.

فمن آياته : إنه كان أول مقام فتح الله جل جلاله فيه باب المباهلة الفاصلة في هذه الملة الفاضلة عند جحود حججه وبيّناته.

ومن آياته : إنه أول يوم ظهرت لله جل جلاله ولرسوله صلوات الله عليه وآله العزة بإلزام أهل الكتاب من النصارى الذلة والجزية ، ودخولهم عند حكم نبوته ومراداته.

ومن آياته : إنه كان أول يوم أحاطت فيه سرادقات القوة الإلهية والقدرة النبوية بمن كان يحتج عليه بالمعقول والمنقول والمنكرين لمعجزاته.

ومن آياته : إنه أول يوم أشرقت شموسه بنور التصديق لمحمد صلوات الله عليه من جانب الله جل جلاله بالتفريق بين أعدائه وأهل ثقاته.

ومن آياته : إنه يوم أظهر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله تخصيص أهل بيته بعلو مقاماتهم.

ومن آياته : إنه يوم كشف الله جل جلاله لعباده أن الحسن والحسين عليهما أفضل السلام ، ـ مع ما كانا عليه من صغر السن ـ أحق بالمباهلة من صحابة رسول الله صلوات الله عليه والمجاهدين في رسالاته.

ومن آياته : إنه يوم أظهر الله جل جلاله فيه أن ابنته المعظمة فاطمة


422

صلوات الله عليها أرجح في مقام المباهلة من أتباعه وذوي الصلاح من رجاله وأهل عناياته.

ومن آياته : إنه يوم أظهر الله جل جلاله فيه أن مولانا علي بن أبي طالب نفس رسول الله صلوات الله عليهما ، وإنه من معدن ذاته وصفاته ، وأن مراده من مراداته ، وإن افترقت الصورة فالمعنى واحد في الفضل من سائر جهاته.

ومن آياته : إنه يوم وسم كل من تأخر عن مقام المباهلة بوسم يقتضي أنه دون من قدم عليه في الاحتجاج لله عزوجل ونشر علاماته.

ومن آياته : إنه يوم لم يجر مثله قبل الإسلام في ما عرفنا من صحيح النقل ورواياته.

ومن آياته : إنه يوم أخرس ألسنة الدعوى ، وعرس في مجلس منطق الفتوى بأن أهل المباهلة أكرم على الله جل جلاله من كل من لم يصلح لما صلحوا له من المتقربين بطاعاته وعباداته.

ومن آياته : إن يوم المباهلة يوم بيان برهان الصادقين الذين أمر الله جل جلاله باتباعهم في مقدس قرآنه وآياته.

ومن آياته : إن يوم المباهلة يوم شهد الله جل جلاله لكل واحد من أهل المباهلة بعصمته مدة حياته.

ومن آياته : إن يوم المباهلة أقرب في تصديق صاحب النبوة والرسالة من التحدي بالقرآن ، وأظهر في الدلالة ، الذي تحداهم صلوات الله عليه بالقرآن قالوا : ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) (1) ، وإن كان قولهم في مقام

(1) سورة الأنفال 8 : 31.


423

البهتان. ويوم المباهلة ما أقدموا على دعوى الجحود للعجز عن مباهلته لظهور حجته وعلاماته.

ومن آياته : إنه يوم أطفأ الله به نار الحرب ، وصان وجوه المسلمين من الجهاد والكرب ، وخلصهم من هيجان المخاطرة بالنفوس والرؤوس ، وعتقها من رق الغزو والبؤس لشرف أهل المباهلة الموصوفين فيها بصفاته.

ومن آياته : إن البيان واللسان والجنان اعترفوا بالعجز عن كمال كراماته » (1).

واستدل علماء الإمامية بآية المباهلة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا إليها الإمام عليا وفاطمة والحسن والحسين فقط... على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.

* استدلال الإمام الرضا عليه السلام :

وأما وجه دلالة الآية على الإمامة ، فإن الإمامية أخذت ذلك من الإمام أبي الحسن علي الرضا عليه السلام ، فقد قال الشريف المرتضى الموسوي طاب ثراه :

« حدثني الشيخ ـ أدام الله عزه ـ أيضا ، قال : قال المأمون يوما للرضا عليه السلام :

أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام يدل عليها القرآن.

قال : فقال له الرضا عليه السلام : فضيلته في المباهلة ، قال الله جل جلاله : ( فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقال تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل

(1) الإقبال بصالح الأعمال : 514.


424

لعنة الله على الكاذبين ).

فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين فكانا ابنيه ، ودعا فاطمة فكانت ـ في هذا الموضع ـ نساءه ، ودعا أمير المؤمنين فكان نفسه بحكم الله عز وجل.

وقد ثبت أنه ليس أحد من خلق الله سبحانه أجل من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وافضل ، فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحكم الله عز وجل.

قال : فقال له المأمون : أليس قد ذكر الله الأبناء بلفظ الجمع ، وإنما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنيه خاصة ، وذكر النساء بلفظ الجمع ، وإنما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته وحدها. فلم لا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه ويكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره ، فلا يكون لأمير المؤمنين عليه السلام ما ذكرت من الفضل ؟!

قال : فقال له الرضا عليه السلام : ليس بصحيح ما ذكرت ـ يا أمير المؤمنين ـ وذلك أن الداعي إنما يكون داعيا لغيره ، كما يكون الآمر آمرا لغيره ، ولا يصح أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة ، كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة ، وإذا لم يدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا في المباهلة إلا أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد ثبت أنه نفسه التي عناها الله تعالى في كتابه ، وجعل حكمه ذلك في تنزيله.

قال : فقال المأمون : إذا ورد الجواب سقط السؤال » (1).

* وقال الشيخ المفيد ـ بعد أن ذكر القصة ـ : « وفي قصة أهل نجران

(1) الفصول المختارة من العيون والمحاسن : 38.


425

بيان عن فضل أمير المؤمنين عليه السلام ، مع ما فيه من الآية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعجز الدال على نبوته.

ألا ترى إلى اعتراف النصارى له بالنبوة ، وقطعه عليه السلام على امتناعهم من المباهلة ، وعلمهم بأنهم لو باهلوه لحل بهم العذاب ، وثقته عليه وآله السلام بالظفر بهم والفلج بالحجة عليهم ، وأن الله تعالى حكم في آية المباهلة لأمير المؤمنين عليه السلام بأنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كاشفا بذلك عن بلوغه نهاية الفضل ، ومساواته للنبي عليه وآله وسلم ، كاشفا بذلك عن بلوغه نهاية الفضل ، ومساواته للنبي عليه وآله السلام في الكمال والعصمة من الآثام ، وأن الله جل ذكره جعله وزوجته وولديه ـ مع تقارب سنهما ـ حجة لنبيه عليه وآله السلام وبرهانا على دينه ، ونص على الحكم بأن الحسن والحسين أبناؤه ، وأن فاطمة عليها السلام نساؤه المتوجه إليهن الذكر والخطاب في الدعاء إلى المباهلة والاحتجاج ؟!

وهذا فضل لم يشركهم فيه أحد من الأمة ، ولا قاربهم فيه ولا ماثلهم في معناه ، وهو لاحق بما تقدم من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام الخاصة به ، على ما ذكرناه » (1).

* وهكذا استدل الشريف المرتضى ، حيث قال : « لا شبهة في دلالة آية المباهلة على فضل من دعي إليها وجعل حضوره حجة على المخالفين ، واقتضائها تقدمه على غيره ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز أن يدعو إلى ذلك المقام ليكون حجة فيه إلا من هو في غاية الفضل وعلق المنزلة.

وقد تظاهرت الرواية بحديث المباهلة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله

(1) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 1 | 169.


426

وسلم دعا إليها أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وأجمع أهل النقل وأهل التفسير على ذلك...

ونحن نعلم أن قوله ( وأنفسنا وأنفسكم ) لا يجوز أن يعني بالمدعو فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه هو الداعي ، ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه ، وإنما يصح أن يدعو غيره ، كما لا يجوز أن يأمر نفسه وينهاها ، وإذا كان قوله تعالى : ( وإنفسنا وأنفسكم ) لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وجب أن يكون إشارة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين وغير زوجته وولديه عليهم السلام في المباهلة » (1).

* وقال الشيخ الطوسي : « أحد ما يستدل به على فضله عليه السلام ، قوله تعالى : ( قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل... ) إلى آخر الآية.

ووجه الدلالة فيها : أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام إلى المباهلة ، وأجمع أهل النقل والتفسير على ذلك ، ولا يجوز أن يدعو إلى ذلك المقام ليكون حجة إلا من هو في غاية الفضل وعلو المنزلة ، ونحن نعلم أن قوله : ( وأنفسنا وأنفسكم ) لا يجوز أن يعني بالمدعو فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه هو الداعي ، ولا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه ، وإنما يصح أن يدعو غيره ، كما لا يجوز أن يأمر نفسه وينهاها.

وإذا كان قوله : ( وأنفسنا وأنفسكم ) لا بد أن يكون إشارة إلى

(1) الشافي في الإمامة 2 | 254.


427

غير الرسول ، وجب أن يكون إشارة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين وغير زوجته وولديه عليهم السلام في المباهلة... » (1).

وقال بتفسير الآية : « واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن أمير المؤمنين عليه السلام كان أفضل الصحابة من وجهين :

أحدهما : إن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل ، وذلك لا يصح أن يفعل إلا بمن هو مأمون الباطن ، مقطوعا على صحة عقيدته ، أفضل الناس عند الله.

والثاني : إنه صلى الله عليه وآله وسلم جعله مثل نفسه بقوله : ( وأنفسنا وأنفسكم... ) (2).

* وقال الإربلي : « ففي هذه القضية بيان لفضل علي عليه السلام ، وظهور معجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن النصارى علموا أنهم متى باهلوه حل بهم العذاب ، فقبلوا الصلح ودخلوا تحت الهدنة ، وإن الله تعالى أبان أن عليا هو نفس رسول الله كاشفا بذلك عن بلوغه نهاية الفضل ، ومساواته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكمال والعصمة من الآثام ، وإن الله جعله وزوجته وولديه ـ مع تقارب سنهما ـ حجة لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وبرهانا على دينه ونص على الحكم بأن الحسن والحسين أبناؤه ، وأن فاطمة عليها السلام نساؤه المتوجه إليهن الذكر والخطاب في الدعاء إلى المباهلة والاحتجاج ؛ وهذا فضل لم يشاركهم فيه أحد من الأمة

(1) تلخيص الشافي 3 | 6 ـ 7.

(2) التبيان في تفسير القرآن 2 | 485.


428

ولا قاربهم ».

* وقال البياضي : « ولأنه مساو للنبي الذي هو أفضل ، في قوله ( وأنفسنا وأنفسكم ) والمراد : المماثلة ، لامتناع الاتحاد » (2).

* وقال المحقق نصير الدين الطوسي ـ في أن عليا أفضل الصحابة ـ : « ولقوله تعالى : ( وأنفسنا ) ».

* فقال العلامة الحلي بشرحه : « هذا هو الوجه الثالث الدال على أنه عليه السلام أفضل من غيره ، وهو قوله تعالى : ( قل تعالوا... ).. واتفق المفسرون كافة أن الأبناء إشارة إلى الحسن والحسين عليهما السلام والنساء إشارة إلى فاطمة عليها السلام ، والأنفس إشارة إلى علي عليه السلام.

ولا يمكن أن يقال : إن نفسهما واحدة ؛ فلم يبق المراد من ذلك إلا المساوي ، ولا شك في أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الناس ، فمساويه كذلك أيضا » (3).

* وقال العلامة الحلي : « أجمع المفسرون على أن ( أبناءنا ) إشارة إلى الحسن والحسين ، و ( أنفسنا ) إشارة إلى علي عليه السلام. فجعله الله نفس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمراد المساواة ، ومساوي الأكمل الأولى بالتصرف أكمل وأولى بالتصرف ، وهذه الآية أدل دليل على علو رتبة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنه تعالى حكم بالمساواة لنفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه تعالى عيّنه في استعانة النبي

(1) كشف الغمة في معرفة الأئمة 1 | 233.

(2) الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم 1 | 210.

(3) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 304.


429

صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء. وأي فضيلة أعظم من أن يأمر الله نبيه بأن يستعين به على الدعاء غليه والتوسل به ؟! ولمن حصلت هذه المرتبة ؟! » (1).

أقول :

وعلى هذا الغرار كلمات غيرهم من علمائنا الكبار في مختلف الأعصار... فإنهم استدلوا على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بطائفتين من الأدلة ، الأولى هي النصوص ، والثانية هي الدالة على الأفضلية ، والأفضلية مستلزمة للإمامة ، وهو المطلوب.

وخلاصة الاستدلال بالآية هو :

1 ـ إن الآية المباركة نص في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، لأنها تدل على المساواة بين النبي وبينه عليه السلام ، ومساوي الأكمل الأولى بالتصرف ، أكمل وأولى بالتصرف.

2 ـ إن قضية المباهلة وما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ قولا وفعلا ـ تدل على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام ، وذلك لوجوه منها :

أولا : إن هذه القضية تدل على أن عليا وفاطمة والحسنين عليهم السلام ، أحب الناس إلى رسول الله ، والأحبية تستلزم الأفضلية.

وقد اعترف المحققون من أهل السنة بالدلالة هنا على الأحبية.

قال البيضاوي : « أي يدع كل منا ومنكم نفسه وأعزّة أهله وأصقهم بقلبه إلى المباهلة... » (2).

(1) نهج الحق وكشف الصدق : 177.

(2) تفسير البيضاوي. بحاشية الشهاب 3 | 32.


430

فقال الشهاب الخفاجي في حاشيته : « ألصقهم بقلبه ، أي : أحبهم وأقربهم إليه ».

وقال : « قوله : وإنما قدمهم... ، يعني : أنهم أعز من نفسه ، ولذا يجعلها فداء لهم ، فلذا قدم ذكرهم اهتماما به. وأما فضل آل الله والرسول فالنهار لا يحتاج إلى دليل » (1).

وكذا ، قال الخطيب الشربيني (2) ، والشيخ سليمان الجمل (3) ، وغيرهما.

وقال القاري : « فنزله منزلة نفسه لما بينهما من القرابة والأخوة » (4).

وثانيا : دلالة فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ باهل خصومه بعلي وفاطمة وحسن وحسين فقط ، ولم يدع واحدة من أزواجه ، ولا واحدا من بني هاشم ، ولا امرأة من أقربائه... فضلا عن أصحابه وقومه... فإنه يدل على عظمة الموقف ، وجلالة شأن هؤلاء عند الله دون غيرهم ، إذ لو كان لأحدهم في المسلمين مطلقا نظير ، لم يكن لتخصيصهم بذلك وجه.

وثالثا : دلالة قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل البيت ، لما أخرجهم للمباهلة : « إذا أنا دعوت فأمّنوا ».

فقال أسقفهم : « إني لارى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من جباله لأزاله ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى

(1) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي 3 | 32.

(2) السراج المنير في تفسير القرآن 1 | 222.

(3) الجمل على الجلالين 1 | 282.

(4) المرقاة في شرح المشكاة 5 | 589.


431

يوم القيامة » (1).

فإن ذلك يدل على دخل لهم في ثبوت نبوته وصدق كلامه ، وفي إذلال الخصوم وهلاكهم لو باهلوا... ، فكان لهم الأثر الكبير والسهم الجزيل في نصرة الدين ورسول رب العالمين. ولا ريب أن من كان له هذا الشأن في مباهلة الأنبياء كان أفضل ممن ليس له ذلك.

قال القاساني : « إن لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما سببه اتصال نفوسهم بروح القدس وتأييد الله إياهم به ، وهو المؤثر بإذن الله في العالم العنصري ، الواردة عليه ، كالغضب ، والحزن ، والفكر في أحوال المعشوق ، وغير ذلك من تحرك الاعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم ، وانفعال النفوس البشرية منه كانفعال حواسنا وسائر قوانا من هيئات أرواحنا ، فإذا اتصل نفس قدسي أجرام العناصر والنفوس الناقصة الإنسانية منه بما أراد.

ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسه عليه السلام بالخوف ، وأحجمت عن المباهلة وطلبت الموادعة بقبول الجزية ؟ » (2).

أقول : فكان أهل البيت عليهم السلام شركاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا التأثير العظيم ، وهذه مرتبة لم يبلغ عشر معشارها غيرهم من الأقرباء والأصحاب.

وعلى الجملة ، فإن المباهلة تدل على افضلية أمير المؤمنين

(1) الكشاف 1 | 369 ، تفسير الخازن 1 | 242 ، السراج المنير في تفسير القرآن 1 | 222 ، المراغي 3 | 175 ، وغيرهم ممن تقدم أو تأخر.

(2) تفسير القاسمي 2 | 857.


432

عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والأفضل هو المتعين للإمامة بالإتفاق من المسلمين ، كما اعترف به حتى مثل ابن تيمية (1).

ونتيجة الإستدلال بالآية المباركة وما فعله النبي وقاله ، هو أن الله عز وجل أمر رسوله بأن يسمي عليا نفسه كي يبين للناس أن عليا هو الذي يتلوه ويقوم مقامه في الإمامة الكبرى والولاية العامة ؛ لأن غير الواجد لهذه المناصب لا يأمر الله رسوله بأن يسميه نفسه.

هذا ، وفي الآية دلالة على أن « الحسنين » إبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا ما نص عليه غير واحد من أكابر القوم (2).

وقد جاء في الكتب أن عليا عليه السلام كان الكاتب لكتاب الصلح (3) وأنه توجه بعد ذلك إلى نجران بأمر النبي لجمع الصدقات ممن أسلم منهم وأخذ الجزية ممن بقي منهم على دينه (4).

ثم إن أصحابنا يعضدون دلالة الآية الكريمة على المساواة بعدة من الروايات :

كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لبريدة بن الحصيب عندما شكا عليا عليه السلام : « يا بريدة ! لا تبغض عليا فإنه مني وأنا منه » ولعموم المسلمين في تلك القصة : « علي مني وأنا من علي ، وهو وليكم من بعدي » (5).

وقوله وقد سئل عن بعض أصحابه ، فقيل : فعلي ؟! قال : « إنما

(1) نص عليه في مواضع من منهاجه ، انظر مثلا : 6 | 475 و 8 | 228.

(2) تفسير الرازي وغيره من التفاسير ، بتفسير الآية.

(3) سنن البيهقي 10 | 120 ، وغيره.

(4) شرح المواهب اللدنية 4 | 43.

(5) هذا حديث الولاية ، وقد بحثنا عنه بالتفصيل سندا ودلالة في الجزء الخامس عشر من كتابنا الكبير « نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار » وهو ماثل للطبع.


433

سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي » (1).

وقوله : « خلقت أنا وعلي من نور واحد ».

وقوله : « خلقت أنا وعلي من شجرة واحدة » (2).

وقوله ـ في جواب قول جبرئيل في أحد : يا محمد ! إن هذه لهي المواساة ـ : « يا جبرئيل ، إنه مني وأنا منه. فقال جبرئيل : وأنا منكما » (3).

أقول : وستأتي أحاديث أخر فيما بعد ، إن شاء الله.

ومما يستدل به أيضا : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « فاطمة بضعة مني... » حيث استدل به غير واحد من أئمة القوم بأفضلية فاطمة على أبي بكر وعمر ، لكونها بضعة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو أفضل منها بالإجماع (4) ، فإن عليا عليه السلام أفضل منها بالإجماع كذلك.

ثم إن غير واحد من أعلام أهل السنة اعترف بدلالة القصة على فضيلة فائقة لأهل البيت عليهم السلام :

قال الزمخشري : « وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام » (5).

(1) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب : 155.

(2) حديث النور ، وحديث الشجرة ، بحثنا عنهما بالتفصيل سندا ودلالة في الجزء الخامس من كتابنا الكبير « نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار » المطبوع منه حتى الآن 12 جزء.

(3) مسند أحمد 4 | 437 ، المستدرك على الصحيحين 3 | 11 ، تاريخ الطبري 3 | 17 ، الكامل في التاريخ 2 | 63 ومصادر أخرى في التاريخ والحديث.

(4) فتح الباري 7 | 132 ، فيض القدير 4 | 421 ، المرقاة في شرح المشكاة 5 | 348.

(5) الكشاف 1 | 370.


434

وقال ابن روزبهان : « لأمير المؤمنين علي عليه السلام في هذه الآية فضيلة عظيمة وهي مسلمة ، ولكن لا تصير دالة على النص بإمامته » (1).

أقول : فلا أقل من الدلالة على الأفضلية ؛ لأن هذه الفضيلة غير حاصلة لغيره ، فهو أفضل الصحابة ، والأفضلية تستلزم الإمامة.

ومن هنا نرى الفخر الرازي لا يقدح في دلالة الآية على أفضلية عليّ على سائر الصحابة ، وإنما يناقش الشيخ الحمصي في استدلاله بها على أفضليته على سائر الأنبياء ، وسيأتي كلامه في الفصل الخامس.

وتبعه النيسابوري وهذه عبارته : « أي : يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ويأت هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة ، وإنما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ومن إحضار من هم أعز من النفس ، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن الإنسان لا يدعو نفسه. ( ثم نبتهل ) : ثم نتباهل...

وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين ـ وهما ابنا البيت ـ يصح أن يقال : إنهما ابنا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، لأنه صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعد أن يدعو أبناءه ثم جاء بهما.

وقد تمسك الشيعة قديما وحديثا بها في أن عليا أفضل من سائر الصحابة ؛ لأنها دلت على أن نفس عليّ مثل نفس محمد إلا في ما خصه الدليل.

وكان في الريّ رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي ـ وكان

(1) إبطال الباطل ـ مع إحقاق الحق ـ 3 | 63.


435

متكلم الاثني عشرية ـ يزعم أن عليا أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد. قال : وذلك أنه ليس المراد بقوله : ( أنفسنا ) نفس محمد ، لأن الإنسان لا يدعو نفسه ، فالمراد غيره ، وأجمعوا على أن الغير كان علي بن أبي طالب...

وأجيب بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا أفضل من سائر الأنبياء فكذا انعقد الإجماع بينهم ـ قبل ظهور هذا الانسان ـ على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي. وأجمعوا على أن عليا عليه السلام ما كان نبيا...

وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك ، ولهذا ضمهم إلى نفسه ، بل قدمهم في الذكر... » (1).

(1) تفسير النيسابوري ـ هامش الطبري ـ 3 | 214 ـ 215.


436

الفصل الخامس
في دفع شبهات المخالفين

وتخلص الكلام في الفصل السابق في أن الآية المباركة دالة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، إن لم يكن بالنص فبالدلالة على العصمة على الأفضلية للأحبية والأقربية وغيرهما من الوجوه... ولم يكن هناك أي مجال للطعن في سند الحديث أو التلاعب بمتنه...

فلننظر في كلمات المخالفين في مرحلة الدلالة :

* أما إمام المعتزلة ، فقد قال :

« دليل آخر لهم : وربما تعلقوا بآية المباهلة وأنها لما نزلت جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وأن ذلك يدل على أنه الأفضل ، وذلك يقتضي أنه بالإمامة أحق ولا بد من أن يكون هو المراد بقوله ( وأنفسنا وأنفسكم ) الآية. لأنه عليه السلام لا يدخل تحت قوله تعالى : ( ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ) فيجيب أن يكون داخلا تحت قوله : ( وأنفسنا وأنفسكم ) ، ولا يجوز أن يجعله من نفسه إلا وهو يتلوه في الفضل.

وهذا مثل الأول في أنه كلام في التفصيل ، ونحن نبين أن الإمامة قد تكون في من ليس بأفضل.

وفي شيوخنا من ذكر عن أصحاب الآثار أن عليا عليه السلام لم يكن


437

في المباهلة.

قال شيخنا أبو هاشم : إنما خصص صلى الله عليه وآله وسلم من تقرب منه في النسب ولم يقصد الإبانة عن الفضل ، ودل على ذلك بأنه عليه السلام أدخل فيها الحسن والحسين عليهما السلام مع صغرهما لما اختصا به من قرب النسب. وقوله : ( أنفسنا وأنفسكم ) يدل على هذا المعنى ، لأنه أراد قرب القرابة ، كما يقال في الرجل يقرب في النسب من القوم : أنه من أنفسهم.

ولا ينكر أن يدل ذلك على لطف محله من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشدة محبته له وفضله ، وإنما أنكرنا أن يدل ذلك على أنه الأفضل أو على الإمامة... » (1)

أقول :

ويتلخص هذا الكلام في أمور :

الأول : إن الإمامة قد تكون في من ليس بأفضل.

وهذا ـ في الواقع ـ تسليم باستدلال الإمامية بالآية على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام ، وكون الإمامة في من ليس بأفضل لم يرتضه حتى مثل ابن تيمية !

والثاني : إن عليا لم يكن في المباهلة.

وهذا أيضا دليل على تمامية استدلال الإمامية ، وإلا لم يلتجؤا إلى هذه

(1) المغني في الإمامة : 20 القسم 1 | 142.


438

الدعوى ، كما التجأ بعضهم ـ كالفخر الرازي ـ في الجواب عن حديث الغدير ، بأن عليا لم يكن في حجة الوداع !

والثالث : إنه لم يكن القصد إلى الإبانة عن الفضل ، بل أراد قرب القرابة.

وهذا باطل ، لأنه لو أراد ذلك فقط ، لأخرج غيرهم من أقربائه كالعباس ، وهذا ما تنبه إليه ابن تيمية فأجاب بأن العباس لم يكن من السابقين الأولين ، فاعترف ـ حيث يدري أو لا يدري ـ بالحق.

هذا ، ولا يخفى أن معتمد الأشاعرة في المناقشة هو هذا الوجه الخير ، وبهذا يظهر أن القوم عيال على المعتزلة ، وكم له من نظير !!

* وقال ابن تيمية (1) :

« أما أخذه عليا وفاطمة والحسن والحسين في المباهلة ، فحديث صحيح ، رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص. قال في حديث طويل : « لما نزلت هذه الآية : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : اللهم هؤلاء أهلي ».

ولكن لا دلالة في ذلك على الإمامة ولا على الأفضلية.

وقوله : ( قد جعل الله نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والاتحاد محال ، فبقي المساواة له ، وله الولاية العامة ، فكذا لمساويه ).

قلنا : لا نسلم أنه لم يبق إلا المساواة ، ولا دليل على ذلك ، بل حمله

(1) أوردنا كلامه بطوله ، ليظهر أن غيره تبع له. لئلا يظن ظان أنا تركنا منه شيئا له تأثير في البحث !


439

على ذلك ممتنع ؛ لأن أحدا لا يساوي رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، لا عليا ولا غيره.

وهذا اللفظ في لغة العرب لا يقتضي المساواة ، قال تعالى في قصة الإفك : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) وقد قال في قصة بني إسرائيل : ( فتوبوا إلى باررئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ) أي : يقتل بعضكم بعضا ، ولم يوجب ذلك أن يكونوا متساوين ، ولا أن يكون من عبد العجل مساويا لمن لم يعبده.

وكذلك قد قيل في قوله : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) أي : لا يقتل بعضكم بعضا ، وإن كانوا غير متساويين.

وقال تعالى : ( ولا تلمزوا أنفسكم ) أي : لا يلمز بعضكم بعضا فيطعن عليه ويعيبه ، وهذا نهي لجميع المؤمنين أن لا يفعل بعضهم ببعض هذا الطعن ، مع أنهم غير متساوين لا في الأحكام ولا في الفضيلة ، ولا الظالم كالمظلوم ، ولا الإمام كالمأموم.

ومن هذا الباب قوله تعالى : ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) أي : يقتل بعضكم بعضا.

وإذا كان اللفظ في قوله : ( وأنفسنا وأنفسكم ) كاللفظ في قوله ( ولا تلمزوا أنفسكم ).. ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) ونحو ذلك ، مع أن التساوي هنا ليس بواجب ، بل ممتنع ، فكذلك هناك وأشد.

بل هذا اللفظ يدل على المجانسة والمشابهة ، والتجانس والمشابهة يكون بالاشتراك في بعض الأمور ، كالاشتراك في الإيمان ، فالمؤمنون إخوة


440

في الإيمان ، وهو المراد بقوله : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) وقوله : ( ولا تلمزوا أنفسكم ).

وقد يكون بالاشتراك في الدين ، وإن كان فيهم المنافق ، كاشتراك المسلمين في الإسلام الظاهر ، وإن كان مع ذلك الإشتراك في النسب فهو أوكد ، وقوم موسى كانوا ( أنفسنا ) بهذا الاعتبار.

قوله تعالى : ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) أي : رجالنا ورجالكم ، أي : الرجال الذين هم من جنسنا في الدين والنسب ، والرجال الذين هم من جنسكم ، والمراد التجانس في القرابة فقط ؛ لأنه قال : ( أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ) فذكر الأولاد وذكر النساء والرجال ، فعلم أنه أراد الأقربين إلينا من الذكور والإناث من الأولاد والعصبة ؛ ولهذا دعا الحسن والحسين من الأبناء ، ودعا فاطمة من النساء ، ودعا عليا من رجاله ، ولم يكن عنده أحد أقرب إليه نسبا من هؤلاء ، وهم الذين أدار عليهم الكساء.

والمباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه ، وإلا فلو باهل بالأبعدين في النسب وإن كانوا أفضل عند الله لم يحصل المقصود ، فإن المراد أنهم يدعون الأقربين كما يدعو هو الأقرب إليه.

والنفوس تحنو على أقاربها ما لا تحنو على غيرهم ، وكانوا يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، ويعلمون أنهم إن باهلوه نزلت البهلة عليهم وعلى أقاربهم ، واجتمع خوفهم على أنفسهم وعلى أقاربهم ، فكان ذلك أبلغ في امتناعهم وإلا فالإنسان قد يختار أن يهلك ويحيا ابنه ، والشيخ الكبير قد يختار الموت إذا بقي أقاربه في نعمة ومال ، وهذا موجود كثير ، فطلب منهم المباهلة بالأبناء والنساء والرجال والأقربين من الجانبين ،


441

فلهذا دعا هؤلاء.

وآية المباهلة نزلت سنة عشر ، لما قدم وفد نجران ، ولم يكن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قد بقي من أعمامه إلا العباس ، والعباس لم يكن من السابقين الأولين ، ولا كان له به اختصاص كعلي.

وأما بنو عمه فلم يكن فيهم مثل علي ، وكان جعفر قد قتل قبل ذلك ، فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر ، وجعفر قتل بمؤتة سنة ثمان ، فتعين علي رضي الله عنه.

وكونه تعين للمباهلة إذ ليس في الأقارب من يقوم مقامه ، لا يوجب أن يكون مساويا للنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في شيء من الأشياء ، بل ولا أن يكون أفضل من سائر الصحابة مطلقا ، بل له بالمباهلة نوع فضيلة ، وهي مشتركة بينه وبين فاطمة وحسن وحسين ، ليست من خصائص الإمامة ، فإن خصائص الإمامة لا تثبت للنساء ، ولا يقتضي أن يكون من باهل به أفضل من جميع الصحابة ، كما لم يوجب أن تكون فاطمة وحسن وحسين أفضل من جميع الصحابة.

وأما قول الرافضي : لو كان غير هؤلاء مساويا لهم أو أفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه ؛ لأنه في موضع الحاجة.

فيقال في الجواب : لم يكن المقصود إجابة الدعاء ، فإن دعاء النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وحده كاف ، ولو كان المراد بمن يدعوه معه أن يستجاب دعاؤه لدعا المؤمنين كلهم ودعا بهم ، كما كان يستشقي بهم وكما كان يستفتح بصعاليك المهاجرين ، وكان يقول : وهل تنصرون أو ترزقون إلا بضعفائك ؟! بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم !

ومن المعلوم أن هؤلاء وإن كانوا مجابين ، فكثرة الدعاء أبلغ في


442

الإجابة ، لكن لم يكن المقصود دعوة من دعاه لإجابة دعائه ، بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل !

ونحن نعلم بالإضطرار أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لو دعا أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود واُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم للمباهلة ، لكانوا أعظم الناس استجابة لأمره ، وكان دعاء هؤلاء وغيرهم أبلغ في إجابة الدعاء ، لكن لم يأمره الله سبحانه يأخذهم معه ، لأن ذلك لا يحصل به المقصود.

فإن المقصود أن أولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعا ، كأبنائهم ونسائهم ورجالهم الذين هم أقرب الناس إليهم ، فلو دعا النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قوما أجانب لأتى أولئك بأجانب ، ولم يكن يشتد عليه نزول البهلة بأولئك الأجانب ، كما يشتد عليهم نزولها بالأقربين إليهم ، فإن طبع البشر يخاف على أقربيه ما لا يخاف على الأجانب ، فأمر النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أن يدعو قرابته وأن يدعو أولئك قرابتهم.

والناس عند المقابلة تقول كل طائفة للأخرى : ارهنوا عندنا أبناءكم ونساءكم ، فلو رهنت إحدى الطائفتين أجنبيا لم يرض أولئك ، كما أنه لو دعا النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الأجانب لم يرض أولئك المقابلون له ، ولا يلزم أن يكون أهل الرجل أفضل عند الله إذا قابل بهم لمن يقابله بأهله.

فقد تبين أن الآية لا دلالة فيها أصلا على مطلوب الرافضي.

لكنه ـ وأمثاله ممن في قلبه زيغ ـ كالنصارى الذين يتعلقون بالألفاظ المجملة ويدعون النصوص الصريحة ، ثم قدحه في خيار الأمة بزعمه الكاذب ، حيث زعم أن المراد بالأنفس المساوون ، وهو خلاف المستعمل


443

في لغة العرب.

ومما يبين ذلك أن قوله : ( نساءنا ) لا يختص بفاطمة ، بل من دعاه من بناته كانت بمنزلتها في ذلك ، لكن لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة ، فإن رقية وأم كلثوم وزينب كن قد توفين قبل ذلك.

فكذلك ( أنفسنا ) ليس مختصا بعلي ، بل هذه صيغة جمع كما أن ( نساءنا ) صيغة جمع ، وكذلك ( أبناءنا ) صيغة جمع ، وإنما دعا حسنا وحسينا لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالبنوة سواهما ، فإن إبراهيم إن كان موجودا إذ ذاك فهو طفل لا يدعى ، فإن إبراهيم هو ابن مارية القبطية التي أهداها له المقوقس صاحب مصر ، وأهدى له البغلة ومارية وسيرين ، فأعطى سيرين لحسان بن ثابث ، وتسرى مارية فولدت له إبراهيم ، وعاش بضعة عشر شهرا ومات ، فقال النبي صلى الله عليه وآله [ وسلم ] : إن له مرضعا في الجنة تتم رضاعته ، وكان إهداء المقوقس بعد الحديبية بل بعد حنين » (1).

أقول :

كان هذا نص كلام ابن تيمية في مسألة المباهلة ، وقد جاء فيه :

1 ـ الاعتراف بصحة الحديث.

وفيه رد على المشككين في صحته وثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2 ـ الاعتراف باختصاص القضية بالأربعة الأطهار.

(1) منهاج السنة 7 | 122 ـ 130.


444

وفيه رد على المنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام ، المحرفين للحديث بنقص « علي » منهم أو زيادة غيرهم عليهم !!

3 ـ الاعتراف بأنهم هم الذين أدار عليهم الكساء.

وفيه رد على من زعم دخول غيرهم في آية التطهير ، بل فيه دلالة على تناقض ابن تيمية ، لزعمه ـ في موضع من منهاجه ـ دخول الأزواج أخذا بالسياق ، كما تقدم في مبحث تلك الآية.

4 ـ الاعتراف بأن في المباهلة نوع فضيلة لعلي.

وفيه رد على من يحاول إنكار ذلك.

ثم إن ابن تيمية ينكر دلالة الحديث على الإمامة مطلقا ، بكلام مضطرب مشتمل على التهافت ، وعلى جواب ـ قال الدهلوي عنه : ـ هو من كلام النواصب !!

* فأول شيء قاله هو : إن أحدا لا يساوي رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.

ونحن أيضا نقول : إن أحدا لا يساويه لولا الآية والأحاديث القطعية الواردة عنه ، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « علي مني وأنا من علي ، وهو وليكم بعدي » (1) وقوله ـ في قصة سورة البراءة ـ : « لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني » (2).

(1) هذا حديث الولاية ، وهو من أصح الأحاديث وأثبتها ، وقد بحثنا عنه سندا ودلالة في الجزء الخامس عشر من أجزاء كتابنا الكبير « نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار » وهو تحت الطبع.

(2) وهذا أيضا من أصح الأحاديث وأثبتها ، راجع : مسند أحمد 1 | 3 ، 151 ،


445

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ـ لوفد ثقيف ـ : « لتسلمن أو لأبعثن عليكم رجلا مني ـ أو قال : مثل نفسي ـ ليضربن أعناقكم وليسبين ذراريكم ، وليأخذن أموالكم » قال عمر : فو الله ما تمنيت الإمارة إلا يومئذ ، فجعلت أنصب صدري رجاء أن يقول : هو هذا. فالتفت إلى علي فأخذ بيده وقال : « هو هذا ، هو هذا » (1).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم منزلا إياه منزلة نفسه : « إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله » فاستشرف له أبو بكر وعمر وغيرهما ، كل يقول : أنا هو ؟ قال : لا ؛ ثم قال : « ولكن خاصف النعل » وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها (2).

إلى غير ذلك من الأحاديث ، وقد سبق ذكر بعضها أيضا.

فإذا كان هذا قول الله وكلام الرسول ، فماذا نفعل نحن ؟!

* ثم إنه أنكر دلالة لفظ « الأنفس » على « المساواة » في لغة العرب ، فقال بأن المراد منه في الآية هو من يتصل بالقرابة ، واستشهد لذلك بآيات من القرآن.

لكن ماذا يقول ابن تيمية في الآيات التي وقع فيها المقابلة بين « النفس » و« الأقرباء » كما في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا » (3) وقوله تعالى : ( الذين خسروا أنفسها

وصحيح الترمذي ، والخصائص للنسائي ، والمستدرك على الصحيحين ، وراجع التفاسير في سورة البراءة.

(1) راجع : الاستيعاب 3 | 1109 ، ترجمة أمير المؤمنين.

(2) أخرجه أحمد 3 | 33 ، والحاكم 3 | 122 ، والنسائي في الخصائص ، وابن عبد البر وابن حجر وابن الأثير بترجمته. وكذا غيرهم.

(3) سورة التحريم 66 : 6.


446

وأهليهم ) (1) فكذلك آية المباهلة.

غير أن « النفس » في الآيتين المذكورتين مستعملة في نفس الإنسان على وجه الحقيقة ، أما في آية المباهلة فيه مستعملة ـ لتعذر الحقيقة ـ على وجه المجاز لمن نزل بمنزلة النفس ، وهو علي عليه السلام ، للحديث القطعي الوارد في القضية.

* ثم إنه أكد كون أخذ الأربعة الأطهار عليهم السلام لمجرد القرابة ، بإنكار الإستعانة بهم في الدعاء ، فقال : « لم يكن المقصود إجابة الدعاء فإن دعاء النبي وحده كاف » !!

لكنه اجتهاد في مقابلة النص ، فقد روى القوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم : « غذا أنا دعوت فأمنوا » (2) ، وأنه قد عرف أسقف نجران ذلك حيث قال : « إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها » أو : « لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها » (3).

* ثم قال ابن تيمية : « لم يكن المقصود دعوة من دعاه لإجابة دعائه ، بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل... فإن المقصود أن أولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعا كأبنائهم ونسائهم ورجالهم... ».

وهذا كلام النواصب... كما نص عليه الدهلوي في عبارته.

وحاصل كلامه : أنه إنما دعاهم لكونهم أقرباءه فقط ، على ما كان عليه المتعارف في المباهلة ، فلا مزية لمن دعاه أبدا ، فلا دلالة في الآية على مطلوب الشيعة أصلا ، لكنهم كالنصارى...!!

(1) سورة الزمر 39 : 15 ، وسورة الشورى 42 : 45.

(2) تقدم ذكر بعض مصادره.

(3) الكشاف ، الرازي ، البيضاوي وغيرهم ، بتفسير الآية.


447

لكنه يعلم بوجود الكثيرين من أقربائه ـ من الرجال والنساء ـ وعلى رأسهم عمه العباس ، فلو كان التعبير بالنفس لمجرد القرابة لدعا العباس وأولاده وغيرهم من بني هاشم !

فيناقض نفسه ويرجع إلى الاعتراف بمزية لمن دعاهم ، وأن المقام ليس مقام مجرد القرابة...!! انظر إلى كلامه :

« ولم يكن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قد بقي من أعمامه إلا العباس ، والعباس لم يكن من السابقين الأولين ، ولا كان له به اختصاص كعلي ، وأما بنو عمه فلم يكن فيهم مثل علي... فتعين علي رضي الله عنه. وكونه تعين للمباهلة إذ ليس في الأقارب من يقوم مقامه لا يوجب... بل له بالمباهلة نوع فضيلة... ».

إذن !! لابد في المباهلة من أن يكون المباهل به صاحب مقام يمتاز به عن غيره ، ويقدمه على من سواه ، وقد ثبت ذلك لعلي عليه السلام بحيث ناسب أن يأمر الله رسوله بأن يعبر عنه لأجله بأنه نفسه ، وهذا هو المقصود من الاستدلال بالآية المباركة ، وبه يثبت المطلوب.

فانظر كيف اضطربت كلمات الرجل وناقض نفسه !!

* غير أنه بعد الإعتراف بالفضيلة تأبى نفسه السكوت عليها ، وإذ لا يمكنه دعوى مشاركة زيد وعمر وبكر...!! معه فيها كما زعم ذلك في غير موضع من كتابه فيقول :

« وهي مشتركة بينه وبين فاطمة وحسن وحسين... ».

وهكذا قال ـ في موضع من كتابه ـ حول آية التطهير لما لم يجد بدا من الإعتراف باختصاصها بأهل البيت...

لكنه غفل أو تغافل أن هذه المشاركة لا تضر باستدلال الشيعة بل


448

تنفع ، إذ تكون الآية من جملة الدلائل القعية على أفضلية بضعة النبي فاطمة وولديه الحسنين عليهم السلام من سائر الصحابة عدا أمير المؤمنين عليه السلام ـ كما دل على ذلك الحديث : « فاطمة بضعة مني... » وقد بينا ذلك سابقا ـ فعلي هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بالآية المباركة والحديث القطعي الوارد في شأن نزولها.

* وقال أبو حيان :

( ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ).

اي : يدع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة. وظاهر هذا أن الدعاء والمباهلة بين المخاطب بـ ( قل ) وبين من حاجه. وفسر على هذا الوجه ( الأبناء ) بالحسن والحسين ، وبنسائه فاطمة ، والأنفس بعلي. قاله الشعبي. ويدل على أن ذلك مختص بالنبي مع من حاجه ما ثبت في قاله صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ، قال : لما نزلت هذه الآية صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ، قال : لما نزلت هذه الآية ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) دعا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : اللهم هؤلاء أهلي.

وقال قوم : المباهلة كانت عليه وعلى المسلمين ، بدليل ظاهر قوله ( ندع أبناءنا وأبناءكم ) على الجمع ، ولما دعاهم دعا بأهله الذين في حوزته ، ولو عزم نصارى نجران على المباهلة وجاؤا لها لأمر النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم المسلمين أن يخرجوا بأهاليهم لمباهلته.

وقيل : المراد بـ ( أنفسنا ) الإخوان. قاله ابن قتيبة. قال تعالى : ( ولا تلمزوا أنفسكم ) أي : إخوانكم.

وقيل : أهل دينه. قاله أبو سليمان الدمشقي.


449

وقيل : الأزواج.

وقيل : أراد القرابة القريبة. ذكرهما علي بن أحمد النيسابوري.

... قال أبوبكر الرازي : وفي الآية دليل على أن الحسن والحسين إبنا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.

وقال أبو أحمد ابن علان : كانا إذ ذاك مكلفين ، لأن المباهلة عنده تصح إلا من مكلّف.

وقد طول المفسرون بما رووا في قصة المباهلة ، ومضمنها : أنه دعاهم إلى المباهلة بالحسن والحسين وفاطمة وعلي إلى الميعاد ، وأنهم كفوا عن ذلك ورضوا بالإقامة على دينهم ، وأن يؤدوا الجزية ، وأخبرهم أحبارهم أنهم إن باهلوا عذبوا وأخبر هو صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أنهم إن باهلوا عذبوا ، وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوته شاهد عظيم على صحة نبوته.

قال الزمخشري : فإن قلت... » (1).

أقول :

لعل تقديمه حديث مسلم عن سعد في أن المراد من ( أنفسنا ) هو علي عليه السلام... يدل على ارتضائه لهذا المعنى... لكن الحديث جاء في الكتاب محرفا بحذف « علي » !!

وليته لم يذكر الأقاويل الأخرى ، فإنها كلها هواجس نفسانية وإلقاءات شيطانه ، لا يجوز إيرادها بتفسير الآيات القرآنية.

(1) البحر المحيط 2 | 479 ـ 480.


450

لكن يظهر منه الإعتماد على هذه الأقوال !! حين ينفي بها الإجماع على أن المراد من ( أنفسنا ) هو علي عليه السلام ، ليبطل استدلال الشيخ الحمصي بالآية على أفضلية الإمام على سائر الأنبياء ، كما سيأتي.

* وقال القاضي الإيجي وشارحه الجرجاني :

« ولهم ـ أي للشيعة ومن وافقهم ـ فيه أي ـ في بيان أفضلية علي ـ مسلكان :

الأول : ما يدل عليه ـ أي على كونه أفضل ـ إجمالا ، وهو وجوه : الأول : آية المباهلة ، وهي قوله تعالى : ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ). وجه الإحتجاج : إن قوله تعالى : ( أنفسنا ) لم يرد به نفس النبي ، لأن الإنسان لا يدعو نفسه ، بل المراد به علي ، دلت عليه الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة عند أهل النقل إنه عليه السلام دعا عليا إلى ذلك المقام ، وليس نفس علي نفس محمد حقيقة ، فالمراد المساواة في الفضل والكمال ، فترك العمل به في فضيلة النبوة وبقي حجة في الباقي ، فيساوي النبي في كل فضيلة سوى النبوة ، فيكون أفضل من الأمة.

وقد يمنع : إن المراد بـ ( أنفسنا ) عليّ وحده ، بل جميع قراباته وخدمه النازلون عرفا منزلة نفسه عليه السلام داخلون فيه ، تدل عليه صيغة الجمع » (1).

(1) شرح المواقف 8 | 367.


451

أقول :

لا يخفى اعترافهما بدلالة الآية على الأفضلية ، وبكون علي في المباهلة ، « دلت عليه الأخبار الصحيحة والروايات الثابتة عند أهل النقل » وبدلالة ( أنفسنا ) على « المساواة ».

غير انهما زعما دخول غيره معه في ذلك ، لكنهم قالا « وقد يمنع » وكأنهما ملتفتان إلى بطلان ما زعماه ، خصوصا كون المراد « خدمه » بالاضافة إلى « جميع قراباته » ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج معه حتى عمه ، فكيف يكون المراد « جميع قراباته وخدمه » ؟!!

* وقال ابن روزبهان :

« كان عادة أرباب المباهلة أن يجمعوا أهل بيتهم وقراباتهم لتشمل البهلة سائر أصحابهم ، فجمع رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أولاده ونساءه ، والمراد بالأنفس هاهنا : الرجال ، كأنه أمر بأن يجمع نساءه وأولاده ورجال أهل بيته ، فكان النساء فاطمة والأولاد الحسن والحسين والرجال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وعلي.

وأما دعوى المساواة التي ذكرها فهي باطلة قطعا ، وبطلانها من ضروريات الدين ، لأن غير النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم من الأمة لا يساوي النبي أصلا ، ومن ادعى هذا فهو خارج عن الدين ، وكيف يمكن المساواة والنبي نبي مرسل خاتم الأنبياء أفضل أولي العزم ، وهذه الصفات كلها مفقودة في علي. نعم ، لأمير المؤمنين علي في هذه الآية


452

فضيلة عظيمة وهي مسلمة ، ولكن لا تصير دالة على النص بإمامته » (1).

أقول :

وفي كلامه مطالب ثلاثة :

الأول : إن ما صنعه النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إنما كان جريا على عادة أرباب المباهلة...

وهذا كلام النواصب في الجواب عن هذه الآية ، كما نص عليه صاحب « التحفة الاثنا عشرية » ويرد عليه ما تقدم من أنه لو كان كذلك فلماذا لم يخرج العباس وبنيه وأمثالهم من الأقرباء ؟ لكن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم دليل على أن للمقام خصوصية ولمن دعاهم مراتب عند الله تعالى ، وليس جريا على عادة العرب في مباهلة البعض مع البعض.

والثاني : إن غير النبي من الأمة لا يساوي النبي أصلا.

وقد تقدم الجواب عنه عند الكلام مع ابن تيمية.

والثالث : إن لأمير المؤمنين في هذه الآية فضيلة عظيمة ، وهي مسلمة.

قلت : هي للأربعة كلهم لكن عليا أفضلهم ، فهو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قوله : لكن لا تصير دالة على النص بإمامته.

قلت : إن الآية تدل على المساواة بينه وبين النبي في الكمالات الذاتية ، ولا أقل من كونها دالة على فضضيلة عظيمة ـ باعترافه ـ غير حاصلة

(1) إبطال الباطل ـ مخطوط. راجع : إحقاق الحق 3 | 62.


453

لخصومه ، فهو الأفضل ، فهو الإمام دون غيره بعد رسول الله.

* وقال عبد العزيز الدهلوي ما تعريبه :

« ومنها آية المباهلة ، وطريق تمسك الشيعة بهذه الآية هو أنه لما نزلت ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم .. إلى آخرها ) خرج رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم من بيته ومعه علي وفاطمة وحسن وحسين ، فالمراد من ( أبناءنا ) الحسن والحسين ، ومن ( أنفسنا ) الأمير ، وإذا صار نفس الرسول ـ وظاهر أن المعنى الحقيقي لكونه نفسه محال ـ فالمراد هو المساوي ، ومن كان مساويا لنبي عصره كان بالضرورة أفضل وأولى بالتصرف من غيره ؛ لأن المساوي للأفضل الأولى بالتصرف ، أفضل وأولى بالتصرف ، فيكون إماما ، إذ لا معنى للإمام إلا الأفضل الأولى بالتصرف.

هذا بيان وجه الإستدلال ، ولا يخفى أنه بهذا التقريب غير موجود في كلام أكثر علماء الشيعة ، فلهذه الرسالة الحق عليهم من جهة تقريرها وتهذيبها لأكثر أدلتهم ، ومن شك في ذلك فلينظر إلى كتبهم ليجد كلماتهم مشتتة مضطربة قاصرة عن إفادة مقصدهم.

وهذه الآية في الأصل من جملة دلائل أهل السنة في مقابله النواصب ، وذلك لأن أخذ النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الأمير وأولئك الأجلة معه ، وتخصيصهم بذلك دون غيرهم يحتاج إلى مرجح ، وهو لا يخلو عن أمرين :

فإما لكونهم أعزة عليه ، وحينئذ يكون إخراجهم للمباهلة ـ وفيها بحسب الظاهر خطر المهلكة ، موجبا لقوة وثوق المخالفين بصدق نبوته


454

وصحة ما يخبر به عن عيسى وخلقته ، إذ العاقل ما لم يكن جازما بصدق دعواه لا يعرض أعزته إلى الهلاك والاستئصال.

وهذا الوجه مختار أكثر أهل السنة والشيعة ، وهو الذي ارتضاه عبد الله المشهدي في إظهار الحق ، فدلت الآية على كون هؤلاء الأشخاص أعزة على رسول الله ، والأنبياء مبرّأون عن الحب والبغض النفسانيين ، فليس ذلك إلا لدينهم وتقواهم وصلاحهم ، فبطل مذهب النواصب القائلين بخلاف ذلك.

وإما لكي يشاركونه في الدعاء على كفار نجران ، ويعينونه بالتأفين على دعائه عليهم فيستجاب بسرعة ، كما يقول أكثر الشيعة وذكره عبد الله المشهدي أيضا ، فتدل الآية ـ بناء عليه كذلك ـ على علو مرتبتهم في الدين وثبوت استجابة دعائهم عند الله.

وفي هذا أيضا رد على النواصب.

وقد قدح النواصب في كلا الوجهين وقالوا بأن إخراجهم لم يكن لشيء منهما وإنما كان لإلزام الخصم بما هو مسلم الثبوت عنده ، إذ كان مسلما عند المخالفين ـ وهم الكفار ـ أن البهلة لا تعتبر إلا بحضور الأولاد والختن والحلف على هلاكهم ، فلذا أخرج النبي أولاده وصهره معه ليلزمهم بذلك.

وظاهر أن الأقارب والأولاد ـ كيفما كانوا ـ يكونون أعزة على الإنسان في اعتقاد الناس وإن لم يكونوا كذلك عند الإنسان نفسه ، يدل على ذلك أنه لو كان هذا النوع من المباهلة حقا عنده صلى الله عليه [ وآله ] وسلم لكان سائغا في الشريعة ، والحال أنه ممنوع فيها. فظهر أن ما صنعه إنما كان إسكاتا للخصم.


455

وعلى هذا القياس يسقط الوجه الثاني أيضا ، فإن هلاك وفد نجران لم يكن من أهم المهمات ، فقد مرت عليه حوادث كانت أشد وأشق عليه من هذه القضية ولم يستعن في شيء منها في الدعاء بهؤلاء ، على أن من المتفق عليه استجابة دعاء النبي في مقابلته مع الكفار ، وإلا يلزم تكذيبه ونقض الغرض من بعثته.

فهذا الكلام النواصب ، وقد أبطله ـ بفضل الله تعالى ـ أهل السنة بما لا مزيد عليه كما هو مقرر في محله ولا نتعرض له خوفا من الإطالة.

وعلى الجملة فإن آية المباهلة هي في الأصل رد على النواصب ، لكن الشيعة يتمسكون بها في مقابلة أهل السنة ، وفي تمسكنهم بها وجوه من الأشكال :

أما أولا : فلأنا لا نسلم أن المراد ( بأنفسنا ) هو الأمير ، بل المراد نفسه الشريفة ، وقول علمائهم في أبطال هذا الاحتمال بأن الشخص لا يدعو نفسه غير مسموع ، إذ قد شاع وذاع في القديم والحديث « دعته نفسه إلى كذا » و« دعوت نفسي إلى كذا » ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ) و« أمرت نفسي » و« شاورت نفسي » إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء. فيكون حاصل ( ندع أنفسنا ) : نحضر أنفسنا.

وأيضا فلو قررنا الأمير من قبل النبي مصداقا لقوله ( أنفسنا ) فمن نقرره من قبل الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة ( ندع ). إذ لا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله : ( تعالوا ).

فظهر أن الأمير داخل في ( أبناءنا ) ـ كما أن الحسنين غير داخلين في الأبناء حقيقة وكان دخولهما حكما ـ لأن العرف يعد الختن ابنا ، من غير ريبة في ذلك.


456

وأيضا : فقد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في الدين والملة ومن ذلك قوله تعالى : ( يخرجون أنفسهم من ديارهم ) أي : أهل دينهم.. ( ولا تلمزوا أنفسكم ).. ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) فلما كان للأمير اتصال بالنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في النسب والقرابة والمصاهرة واتحاد في الدين والملة ، وقد كثرت معاشرته والألفة معه حتى قال : « علي مني وأنا من علي » كان التعبير عنه بالنفس غير بعيد ، فلا تلزم المساواة كما لا تلزم في الآيات المذكورة.

وأما ثانيا : فلو كان المراد مساواته في جميع الصفات ، يلزم الاشتراك في النبوة والخاتمية والبعثة إلى كافة الخلق ، والاختصاص بزيادة النكاح فوق الأربع ، والدرجة الرفيعة في القيامة ، والشفاعة الكبرى والمقام المحمود ، ونزول الوحي ، وغير ذلك من الأحكام المختصة بالنبي ، وهو باطل بالإجماع.

ولو كان المراد المساواة في البعض ، لم يحصل الغرض ، لأن المساواة في بعض صفات الأفضل والأولى بالتصرف لا تجعل صاحبها أفضل وأولى بالتصرف ، وهو ظاهرا جدا.

وأيضا : فإن الآية لو دلت على إمامة الأمير لزم كونه إماما في زمن النبي وهو باطل بالاتفاق ، فإن قيّد بوقت دون وقت ـ مع أنه لا دليل عليه في اللفظ ـ لم يكن مفيدا للمدعى ؛ لأن أهل السنة أيضا يثبتون إمامته في وقت من الأوقات » (1).

(1) التحفة الاثنا عشرية : 206 ـ 207. وقد ذكرنا كلامه بطوله لئلا يظن ظان أنا أسقطنا منه شيئا مما له دخل في البحث مع الشيعة حول الآية المباركة.


457

أقول :

وفي كلامه مطالب :

1 ـ دعوى أن التقريب الذي ذكره للاستدلال بالآية غير وارد في أكثر كتب الشيعة ، قال : « وكذلك الأدلة الأخرى غالبا ، ... ».

وأنت ترى كذب هذه الدعوى بمراجعتك لوجه الاستدلال في بحثنا هذا ، إذ تجد العبارة مذكروة في كتب أصحابنا إما باللفظ وإما بما يؤدي معناه ؛ فلا نطيل.

2 ـ نسبة المناقشة في دلالة الآية المباركة. بما ذكره إلى النواصب ، وأن أهل السنة يدافعون عن أهل البيت في قبال أولئك...

وقد وجدنا ما عزاه إلى النواصب في كلام ابن تيمية وابن روزبهان ، في ردهما على العلامة الحلي ، فالحمد لله الذي كشف عن حقيقة حالهم بما أجراه على لسانهم...

3 ـ عدم التسليم بأن المراد من ( أنفسنا ) هو « علي » بل المعنى : « نحضر أنفسنا » ، واستشهد ـ في الرد على قول الإمامية بأن الشخص لا يدعو نفسه ـ بعبارات شائعة في كلام العرب في القديم والحديث كما قال.

ونحن لا نناقشه في المعاني المجازية لتلك العبارات ، ونكتفي بالقول ـ مضافا إلى اعتراف غير واحد من أئمة القوم بأن الإنسان الداعي إنما يدعو غيره لا نفسه (1) ـ بأن الأحاديث القطعية عند الفريقين دلت على أن المراد من ( أنفسنا ) هو علي عليه السلام ، فما ذكره يرجع في الحقيقة إلى عدم

(1) لاحظ : شيخ زادة على البيضاوي 1 | 634.


458

التسليم بتلك الأحاديث وتكذيب رواتها ومخرجيها ، وهذا ما لا يمكنه الالتزام به.

4 ـ إدخال علي عليه السلام في ( أبناءنا )..!!

وفيه : أنه مخالف للنصوص.

ولا يخفى أنه محاولة لإخراج الآية عن الدلالة على كون علي نفس النبي لعلمه بالدلالة حينئذ على المساواة ، وإلا فإدخاله في ( أبناءنا ) أيضا اعتراف بأفضليته !!

واستشهاده بالآيات مردود بما عرفت في الكلام مع ابن تيمية.

على أنه اعترف بحديث « علي مني وأنا من علي » وهو مما لا يعترف به ابن تيمية وسائر النواصب.

5 ـ رده على المساواة بأنه : إن كان المراد المساواة في جميع الصفات ، يلزم المساواة بين علي والنبي في النبوة والرسالة والخاتمية والبعثة إلى الخلق كافة ونزول الوحي... وإن كانا المراد المساواة في بعض الصفات فلا يفيد المدعى...

قلنا : المراد هو الأول ، إلا النبوة ، والأمور التي ذكرها من الخاتمية والبعثة... كلها من شؤون النبوة...

فالآية دالة على حصول جميع الكمالات الموجودة في النبي في شخص علي ، عدا النبوة ، وقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي : « يا علي ! ما سألت الله شيئا إلا سألت لك مثله ، ولا سألت الله شيئا إلا أعطانيه ، غير إنه قيل لي : أنه لا نبي بعدك » (1).

(1) أخرجه جماعة ، منهم النسائي في الخصائص : ح 146 وح 147.


459

6 ـ وبذلك يظهر أنه عليه السلام كان واجدا لحقيقة الإمامة ـ وهو وجوب الطاعة المطلقة ، والأولويةالتامة بالنسبة للأمة ـ في حياةا لنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا أنه كان تابعا للنبي مطيعا له إطاعة وانقيادا لم يحدثنا التاريخ به عن غيره على الإطلاق.

فسقط قوله أخيرا : « فإن الآية لو دلت على إمامة الأمير.. ».

* والآلوسي :

انتحل كلام الدهلوي ، بلا زيادة أو نقصان ، كبعض الموارد الأخرى ، وجوابه جوابه ، فلا نكرر.

*وقال الشيخ محمد عبده :

« إن الروايات متفقة على أن النبي ؟ صلى الله عليه [ وآله ] وسلم اختار للمباهلة عليا وفاطمة وولديها ، ويحملون كلمة ( نساءنا ) على فاطمة ، وكلمة ( أنفسنا ) على علي فقط.

ومصادر هذه الروايات الشيعة ، ومقصدهم منها معروف ، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة ، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية ، فإن كلمة ( نساءنا ) لا يقولها العربي ويريد بها بنته ، لا سيما إذا كان له أزواج ، ولا يفهم هذا من لغتهم ، وأبعد من ذلك أن يراد بـ ( أنفسنا ) علي ـ عليه الرضوان ـ.

ثم إن وفد نجران الذين قالوا إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم


460

نساؤهم وأولادهم » (1).

أقول :

وفي هذا الكلام إقرار ، وادعاء ، ومناقشة عن عناد.

أما الإقرار ، فقوله : « إن الروايات متفقة... » فالحمد لله على أن بلغت الروايات في القضية من الكثرة والقوة حدا لا يجد مثل هذا الرجل بدا من أن يعترف بالواقع والحقيقة.

لكنه لما رأى أن هذا الإقرار يستلزم الالتزام بنتيجة الآية المباركة والروايات الواردة فيها وهذا ما لا تطيقه نفسه !! عاد فزعم أمرا لا يرتضيه عاقل فضلا عن فاضل !

أما الادعاء ، فقال : « مصادر هذه الروايات الشيعة... وقد اجتهدوا في ترويجها.. ».

لكنه يعلم ـ كغيره ـ بكذب هذه الدعوى ، فمصادر هذه الروايات القطعية ـ وقد عرفت بعضها ـ ليست شيعية. ولما كانت دلالتها واضحة « والمقصد منها معروف » ، عمد إلى المناقشة بحسب اللغة ، وزعم أن العربي لا يتكلم هكذا.

وما قاله محض استبعاد ولا وجه له إلا العناد ! لأنا لا نحتمل أن يكون هذا الرجل جاهلا بأن لفظ « النساء » يطلق على غير الأزواج كما في القرآن الكريم وغيره ، أو يكون جاهلا بأن أحدا لم يدع استعمال اللفظ المذكور

(1) تفسير المنار 3 | 322.


461

في خصوص « فاطمة » وأن أحدا لم يدع استعمال ( أنفسنا ) في « علي » عليه السلام.

إن هذا الرجل يعلم بأن الروايات صحيحة وواردة من طرق القوم أنفسهم ، والاستدلال قائم على أساسها ، إذ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل عليا فقط المصداق لـ ( أنفسنا ) وفاطمة فقط المصداق لـ ( نساءنا ) وقد كان له أقرباء كثيرون وأصحاب لا يحصون... كما كان له أزواج عدة ، والنساء في عشيرته وقومه كثرة.

فلا بد أن يكون ذلك مقتضيا لتفضيل علي عليه السلام على غيره من أفراد الأمة ، وهذا هو المقصود.

تكميل :

وأما تفضيله ـ بالآية ـ على سائر الأنبياء عليهم السلام ـ كما عن الشيخ محمود بن الحسن الحمصي ـ فهذا هو الذي انتقده الفخر الرازي ، وتبعه النيسابوري ، وأبو حيان الأندلسي :

* قال الرازي ـ بعد أن ذكر موجز القصة ، ودلالة الآية على أن الحسنين إبنا رسول الله ـ :

« كان في الري رجل يقال له : محمود بن الحسن الحمصي ، وكان معلم الاثني عشرية (1) وكان يزعم أن عليا رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه السلام ، قال : والذي يدل عليه قوله تعالى :

(1) وهو صاحب كتاب « المنقذ من التقليد » ، وفي بعض المصادر أن الفخر الرازي قرأ عليه ، توفي في أوائل القرن السابع ، كما في ترجمته بمقدمة كتابه المذكور ، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية ـ قم.


462

( وأنفسنا وأنفسكم ) وليس المراد بقوله ( وأنفسنا ) نفس محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، لأن الإنسان لا يدعو نفسه ، بل المراد به غيره ، وأجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد ، ولا يمكن أن يكون المراد منه أن هذه النفس هي عين تلك النفس ، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه ، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة وفي حق الفضل ، لقيام الدلائل على أن محمدا عليه السلام كان نبيا وما كان علي كذلك ، ولانعقاد الإجماع على أن محمدا عليه السلام كان أفضل من علي ، فيبقى فيما وراءه معمولا به.

ثم الإجماع دل على أن محمدا عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام ، فيلزم أن يكون عليّ أفضل من سائر الأنبياء.

فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية.

ثم قال : ويؤيد الاستدلال بهذه الآية : الحديث المقبول عند الموافق والمخالف وهو قوله عليه السلام : من أراد أن يرى آدم في علمه ، ونوحا في طاعته ، وإبراهيم في خلته ، وموسى في هيبته ، وعيسى في صفوته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.

فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم ، وذلك يدل على أن عليا رضي الله عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.

وأما سائر الشيعة فقد كانوا ـ قديما وحديثا ـ يستدلون بهذه الآية على أن عليا رضي الله عنه مثل نفس محمد عليه السلام إلا في ما خصه الدليل ،


463

وكان نفس محمد أفضل من الصحابة ، فوجب أن يكون نفس علي أفضل من سائر الصحابة.

هذا تقرير كلام الشيعة.

والجواب : إنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا عليه السلام أفضل من علي ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم ـ قبل ظهور هذا الإنسان ـ على أن النبي أفضل ممن ليس ، وأجمعوا على أن عليا ما كان نبيا ، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليه السلام ». انتهى (1).

* وكذا قال النيسابوري ، وهو ملخص كلام الرازي ، على عادته ، وقد تقدم نص ما قال.

* وقال أبو حيان ، بعد أن ذكر كلام الزمخشري في الآية المباركة : « ومن أغرب الاستدلال ما استدل به محمد (2) بن علي الحمصي... » فذكر الاستدلال ، ثم قال : « وأجاب الرازي : بأن الإجماع منعقد على أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أفضل ممن ليس بنبي ، وعلي لم يكن نبيا ، فلزم القطع بأنه مخصوص في حق جميع الأنبياء ».

قال : « وقال الرازي : استدلال الحمصي فاسد من وجوه :

منها قوله : ( إن الإنسان لا يدعو نفسه ) بل يجوز للإنسان أن يدعو نفسه ، تقول العرب : دعوت نفسي إلى كذا فلم تجبني. وهذا يسميه أبو علي بالتجريد.

(1) تفسير الرازي 8 | 81.

(2) كذا ، والصحيح : محمود.


464

ومنها قوله : ( وأجمعوا على أن الذي هو غيره هو علي ) ليس بصحيح ، بدليل الأقوال التبي سيقت في المعني بقوله : ( أنفسنا ).

ومنها قوله : ( فيكون نفسه مثل نفسه ) ولا يلزم المماثلة أن تكون في جميع الأشياء بل تكفي المماثلة في شيء ما ، هذا الذي عليه أهل اللغة ، لا الذي يقوله المتكلمون من أن المماثلة تكون في جميع صفات النفس ، هذا اصطلاح منهم لا لغة ، فعلى هذا تكفي المماثلة في صفة واحدة ، وهي كونه من بني هاشم ، والعرب تقول : هذا من أنفسنا ، أي : من قبيلتنا.

وأما الحديث الذي استدلّ به فموضوع لا أصل له » (1).

أقول :

ويبدو أن الرازي هنا وكذا النيسابوري أكثر إنصافا للحق من أبي حيان ؛ لأنهما لم يناقشا أصلا في دلالة الآية المباركة والحديث القطعي على أفضلية علي عليه السلام على سائر الصحابة.

أما في الاستدلال بها على أفضليته على سائر الأنبياء فلم يناقشا بشيء من مقدماته إلا أنهما أجابا بدعوى الإجماع من جميع المسلمين ـ قبل ظهور الشيخ الحمصي ـ على أن الأنبياء أفضل من غيرهم.

وحينئذ يكفي في ردهما نفي هذا الإجماع ، فإن الإمامية ـ قبل الشيخ الحمصي وبعده ـ قائلون بأفضلية عليّ والأئمة من ولده ، على جميع الأنبياء عدا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، ويستدلون لذلك بوجوه من الكتاب

(1) البحر المحيط 2 | 480.


465

والسنة ، أما من الكتاب فالآية المباركة ، وأما من السنة فالحديث الذي ذكره الحمصي...

وقد عرفت أن الرازي والنيسابوري لم ينقاشا فيهما.

ومن متقدمي الإمامية القائلين بأفضلية أمير المؤمنين على سائر الأنيباء هو : الشيخ المفيد ، المتوفى سنة 413 ، وله في ذلك رسالة ، استدل فيها بآية المباهلة ، واستهل كلامه بقوله : « فاستدل به من حكم لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بأنه أفضل من سالف الأنبياء عليهم السلام وكافة الناس سوى نبي الهدى محمد عليه وآله السلام بأن قال... » وهو صريح في أن هذا قول المتقدمين عليه (1).

فظهر سقوط جواب الرازي ومن تبعه.

لكن أبا حيان نسب إلى الرازي القول بفساد استدلال الحمصي من وجوه ـ ولعله نقل هذا من بعض مصنفات الرازي غير التفسير ـ فذكر ثلاثة وجوه :

أما الأول : فبطلانه ظاهر من غضون بحثنا ، على أن الرازي قرره ولم يشكل عليه ، فإن كان ما ذكره أبو حيان من الرازي حقا فقد ناقض نفسه.

وأما الثاني : فكذلك ، لأنها أقوال لا يعبأ بها ، إذ الموجود في صحيح مسلم ، وجامع الترمذي ، وخصائص النسائي ، ومسند أحمد ، ومستدرك الحاكم... وغيرها... أن الذي هو غيره هو علي لا سواه... وهذا هو القول المتفق عليه بين العامة والخاصة ، وهم قد ادعوا الإجماع ـ من السلف والخلف ـ على أن صحيحي البخاري ومسلم أصح الكتب بعد القرآن ،

(1) تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام على سائر الصحابة. رسالة مطبوعة في المجلد السابع من موسوعة مصنفات الشيخ المفيد.


466

ومنهم من ذهب إلى أن صحيح مسلم هو الأصح منهما.

وأما الثالث : فيكفي في الرد عليه ما ذكره الرازي في تقرير كلام الشيعة في الاستدلال بالآية المباركة ، حيث قال : « وذلك يقتضي الاستواء من جميع الوجوه... » فإن كان ما ذكره أبو حيان من الرازي حقا فقد ناقض نفسه.

على أنه إذا كان « تكفي المماثلة في صفة واحدة ، وهي كونه من بني هاشم » فلماذا التخصيص بعلي منهم دون غيره ؟!

بقي حكمه بوضع الحديث الذي استدل به الحمصي ، وهذا حكم لا يصدر إلا من جاهل بالأحاديث والآثار ، أو من معاند متعصب ؛ لأنه حديث متفق عليه بين المسلمين ، ومن رواته من أهل السنة : عبد الرزاق بن همام ، وأحمد بن حنبل ، وأبو حاتم الرازي ، والحاكم النيسابوري ، وابن مردويه ، والبيهقي ، وأبو نعيم ، والمحب الطبري ، وابن الصباغ المالكي ، وابن المغازلي الشافعي... (1).

هذا تمام الكلام على آية المباهلة. وبالله التوفيق.

(1) وقد بحثنا عن أسانيده وأوضحنا وجوه دلالاته في أحد أجزاء كتابنا الكبير « نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار » وسيقدم للطبع إن شاء الله تعالى.


467
فهرست آيات
إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس 211
خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها 215