فهرست عناوين فهرست آيات
انوارالهداية فى التعليقة على الكفاية ج 1

فهرست عناوين
     الجزء الأول‏29
     الأمارات المعتبرة عقلاً أو شرعاً31
     مباحث القطع‏31
     وجه أشبهيّة مسائل القطع بالكلام‏33
     وجه تعميم متعلق القطع‏34
     تنبيه‏جواب اعتذار بعض مشايخ العصر-رحمه اللَّه-36
     وجه عدم جعل الحجّية للقطع‏37
     إشكال على مراتب الحكم‏38
     مبحث التجرّي‏41
     المبحث الأوّل‏هل البحث عن التجرّي من المباحث الأصولية أم لا43
     في الإيراد على القائلين بكون التجري‏من المباحث الأصولية46
     المبحث الثاني‏في عدم اختيارية الفعل المتجرّى به‏48
     في الإشكال على بعض مشايخ العصر50
     المبحث الثالث‏قبح التجرّي و تحقيق الحال فيه‏54
     في نقل كلام بعض مشايخ العصر و وجوه النّظر فيه‏56
     في اختياريّة الإرادة و عدمها60
     كلام المحقّق الداماد61
     إشكالات صدر المتألّهين‏62
     الجواب عن أصل الإشكال‏63
     تتمّةإشكالات على كلام بعض الأعلام‏66
     في معنى البعد و القرب و الإيراد على المصنف‏68
     في تحقيق الذاتيّ الّذي لا يعلّل‏73
     في الإشكال على المحقّق الخراسانيّ‏78
     في سبب اختلاف أفراد الإنسان‏80
     في أنّ السعادة قابلة للتغيير و كذا الشقاوة85
     في معنى قوله:(السعيد سعيد.).و(الناس معادن)87
     في أنّ للمعصية منشأين للعقوبة89
     المبحث الأول‏في بيان أقسام القطع‏91
     في الإيراد على بعض مشايخ العصر94
     المبحث الثاني‏في قيام الطرق و الأمارات‏و الأصول بنفس أدلّتها مقام القطع بأقسامه‏101
     في عدم قيام الأمارات العقلائية مقام القطع مطلقا105
     في قيام الأُصول مقام القطع‏109
     في أماريّة الاستصحاب‏110
     في أنّ المستفاد من الكبرى‏المجعولة في الاستصحاب هو الطريقية112
     إشكالات في تفصيات‏115
     في حال قاعدة الفراغ و التجاوز119
     في وجه تقدّم القاعدة على الاستصحاب‏120
     في الإيراد على القوم‏121
     في قيام الاستصحاب مقام القطع‏122
     في عدم قيام القاعدة مقام القطع‏124
     في بيان عدم التضاد بين الأحكام الخمسة126
     في بيان حال أخذ القطع و الظن في موضوع مثله أو ضده‏130
     في نقل كلام بعض المشايخ و الإشارة إلى وجوه الخلط فيه‏135
     الموافقة الالتزاميّة141
     المطلب الأوّل‏في حال الموافقة الالتزاميّة في الأصول و الفروع‏141
     المقدمة الأولى:أنّ الأصول الاعتقاديّة تكون على أقسام‏141
     المقدمة الثانية:142
     المقدمة الثالثة:143
     المطلب الثاني‏جريان الأصول لا يدفع الالتزام بالحكم الواقعي‏147
     المطلب الثالث‏عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي‏148
     الإشكال على بعض محققي العصر149
     في عدم تفاوت الآثار العقلية للقطع الطريقي‏152
     البحث في العلم الإجمالي‏159
     المقام الأول‏ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي‏159
     المطلب الأوّل‏160
     المطلب الثاني:160
     المطلب الثالث:162
     المقام الثاني‏سقوط التكليف بالعلم الإجمالي‏و الموافقة على سبيل الإجمال و الاحتياط166
     الأمر الأوّل:167
     تنبيه‏نقل كلام العلاّمة الحائري و وجوه النّظر فيه‏170
     الأمر الثاني:174
     الأمر الثالث:177
     النّظر في مراتب الامتثال‏177
     الأمر الأوّل:177
     الأمر الثاني:178
     الأمر الثالث:180
     الأمر الرابع:183
     مباحث الظّن‏187
     في إمكان التعبد بالأمارات‏189
     تنبيه‏193
     عدم اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها198
     وجه الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية199
     تنبيه‏الإشكال على الوجوه التي‏ذكرت للجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي‏202
     وجه الجمع على رأي بعض المشايخ‏217
     في تأسيس الأصل فيما لا يعلم اعتباره‏223
     البحث عن قبح التشريع و حرمته‏225
     هاهنا جهات من البحث:225
     الجهة الأولى:225
     الجهة الثانية:227
     الجهة الثالثة:228
     الجهة الرابعة:229
     تتمّةفي جريان استصحاب عدم الحجّيّة عند الشكّ فيها231
     مبحث في حجية الظهور239
     مبحث في حجية قول اللغوي‏249
     مبحث في حجية الإجماع‏253
     مبحث في حجية الشهرة الفتوائية261
     مبحث في حجية خبر الواحد267
     في موضوع علم الأصول‏267
     أدلة عدم حجية خبر الواحد275
     في الاستدلال بالكتاب على عدم حجّية خبر الواحد275
     في الاستدلال بالسنة على عدم حجّية خبر الواحد281
     أدلة حجية خبر الواحد283
     في الاستدلال بالكتاب على حجّية خبر الواحد283
     آية النبأ283
     تكملة288
     آية النفر306
     الاستدلال بالأخبار على حجية خبر الواحد310
     الاستدلال بسيرة العقلاء على حجية الخبر الواحد313
     الفرق بين الانسداد الكبير و الصغير317
     نقل كلام بعض الأعاظم و وجوه النّظر فيه‏318
     ميزان انحلال العلم الإجمالي الكبير في الصغير324
     في ما استدل به على حجية مطلق الظن‏333
     في مقدمات الانسداد345
     القول في اختلاف‏نتيجة دليل الانسداد باختلاف المبنى‏354
     الكلام في المقدّمة الثالثة و هي الرابعة عند الآخوند361
     نقل كلام المحقق الخراسانيّ في المقام و وجوه النّظر فيه‏361
     في ما استدل به على‏عدم وجوب الاحتياط في جميع الوقائع‏364
     إشكالات بعض الأعاظم‏على المحقق الخراسانيّ و وجوه النّظر فيها374
     الفهارس العامّة387
     1-فهرس الآيات القرآنية389
     2-فهرس الأحاديث الشريفة391
     3-فهرس أسماء النبي صلى اللَّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام‏395
     4-فهرس الأسماء و الكنى‏397
     5-فهرس الكتب‏407
     6-فهرس موضوعات الكتاب‏419
     مباحث القطع‏419
     مباحث الظّن‏422
     الفهارس العامّة424

الجزء الأول‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏الحمدُ للَّه ربّ العالمين،و الصلاة و السلام على‏محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين‏و بعد،فهذه تعليقة علقتها على المباحث العقليّة من الكفاية ممّا سنح ببالي‏عند بحثي عنها،و على اللَّه التكلان في البداية و النهاية


30


31

الأمارات المعتبرة عقلاً أو شرعاً

مباحث القطع‏


32


33

وجه أشبهيّة مسائل القطع بالكلام‏

قوله:و كان أشبه بمسائل الكلام...إلخ‏ (1) .(1)قد عُرّف علم الكلام تارة:بأنّه علم يُبحث فيه عن الأعراض الذاتيّةللوجود من حيث هو على قاعدة الإسلام‏ (2) .و أخرى:بأنّه علم يبحث فيه عن ذات اللَّه تعالى و صفاته و أفعاله‏و أحوال الممكنات من حيث المبدأ و المعاد على قانون الإسلام‏ (3) .و أشبهية مسائل القطع بمسائل الكلام إنّما تكون على التعريف الثاني،لأنَّه‏يدخل فيه مباحث الحسن و القبح و أمثالهما.و أمّا على الأوّل من التعريفين فلا شباهة بينهما أصلاً;فإنّ مسائل القطع‏

1)-الكفاية 2:5.

2)-شوارق الإلهام:9 سطر 19.

3)-تعريفات الجرجاني:237.


34

ليست من الأعراض الذاتيّة للوجود من حيث هو وجود،كما لا يخفى‏على أهله.

وجه تعميم متعلق القطع‏

قوله:و إنما عمّمنا متعلق القطع...إلخ‏ (1) .(1)وجه التعميم و عدم تثليث الأقسام:ما ذكره-قدّس سرّه-من عدم‏اختصاص أحكام القطع بما تعلق بالأحكام الواقعية (2) .لكن يرد عليه:أن لازم ذلك دخول تمام مسائل الظن و الشك إلا الأصول‏الثلاثة العقليّة في مسائل القطع،فإنّ المسائلَ المفصَّلة الآتية في الكتاب تفصيل‏هذا التقسيم الإجماليّ المذكور في أوله و إلاّ يصير التقسيم لغواً باطلاً،فبناءًعلى توسعة دائرة القطع و إطالة ذيله حتّى يشمل كلّ المباحث،تصير كلّيةالمباحث مبحثاً وحيداً هو مبحث القطع،مع أنّ مباحث الظنّ و الشكّ من أعظم‏المباحث الأصوليّة،و هي العُمدة في المباحث العقليّة،و القول بدخولها في‏مبحث القطع كلام لا يرضى به أصوليّ.و إنّما خصّصنا الاستثناء بالأصول الثلاثة مع جعله-قدّس سرّه-الظنّ على الحكومة مقابل القطع،فلأنّ الظنّ على الحكومة لا يكون‏مقابله،بل هو في الحقيقة من مسائل العلم الإجماليّ،إلاّ أنّ دائرته أوسع‏

1)-الكفاية 2:5.

2)-نفس المصدر السابق.


35

من العلم الإجماليّ المذكور في مباحث القطع و الاشتغال،و كون دائرةالمتعلَّق أوسع منه غير دخيل في الجهة المبحوث عنها،كما لا يخفى‏على المتأمّل.ثمّ إنّ لنا بناءً على ما ذكره-قدّس سرّه-أن ندرج كلّية المباحث حتى‏مبحث الأصول العقليّة في القطع;بأن نجعل متعلّق القطع هو وظيفة المكلف،فتصير المباحث العقليّة كلّها مبحثاً فريداً هو مبحث القطع.لكن هذا ممالا يرضى به الوجدان الصحيح،فتثليث الأقسام،ممّا لا بدّ منه،لكن لا بما ذكره‏الشيخ-قدّس سرّه-1لتداخل الأقسام،بل بما ذكره شيخنا العلاّمة الحائري‏2و بعض محققي العصر قدّس سرّهما (3) .1-فرائد الأصول:2 سطر 9-10.الشيخ:هو الإمام الشيخ المرتضى بن الشيخ محمّد أمين الأنصاري،ولد في ذي الحجة سنة1214 ه في دزفول،و تولى المرجعيّة بعد وفاة الإمام صاحب الجواهر،له عدَّة كتب قيّمةلا زالت محط أنظار العلماء و أبحاثهم كالمكاسب و الرسائل،توفي رضوان اللَّه عليه سنة1281 ه و دفن عند أمير المؤمنين عليه السلام .انظر أعيان الشيعة 9:5،معارف الرّجال‏2:323.2درر الفوائد 2:2.العلاّمة الحائري:هو العلامة مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة الشيخ عبد الكريم بن‏محمّد جعفر،ولد بقرية مهرجرد التابعة لمدينة يزد سنة 1276 ه هاجر إلى سامراء ثم إلى‏النجف الأشرف لمواصلة الدراسة فحضر الأبحاث العالية عند الإمام الخراسانيّ،و بعد ذلك‏رجع إلى إيران و أسس الحوزة العلميّة المباركة في مدينة قم المقدسة عاصمة العالم الإسلامي،توفي ليلة السبت 17 ذي القعدة سنة 1355 ه و دفن في رواق حرم المعصومة عليها السلام.انظر نقباء البشر 3:1158،أعيان الشيعة 8:42.

3)نهاية الدراية 2:3 سطر 15-18.


36

تنبيه‏جواب اعتذار بعض مشايخ العصر-رحمه اللَّه-

قد اعتذر بعض محققي العصر1-على ما في تقريرات بحثه-عن تثليث‏الأقسام بما ذكره شيخنا العلاّمة الأنصاري-قدس سره-:بأن عقد البحث في‏الظن إنما هو لأجل‏تمييزالظنّ المعتبر الملحق بالعلم عن الظنّ الغير المعتبرالملحق بالشك،فلا بدّ أولا من تثليث الأقسام،ثمّ البحث عن حكم الظنّ من‏حيث الاعتبار و عدمه‏ (1) انتهى كلامه.و مراده:أن تثليث الأقسام توطئة لبيان الحق فيها.و فيه ما لا يخفى;فإنّ الضرورة قاضية بأن التقسيمات التي وقعت في‏مجاري الأصول مع هذا التقسيم التثليثي على نهج واحد،فإن كان هذا التقسيم‏توطئة تكون هي كذلك،فعليه فما الباعث في تقييد مجرى الاستصحاب بكون‏الحالة السابقة ملحوظة إذا كان التقسيم توطئة،لا من باب بيان المختار؟مع أنّ هذا المحقّق قال بعد أسطر من هذا الكلام:و إنّما قيدنا مجرى‏1هو أستاذ الفقهاء و المجتهدين الشيخ الميرزا محمد حسين بن شيخ الإسلام الميرزا عبد الرحيم‏النائيني ولد في نائين سنة 1277 ه و تلقى أوليات العلوم فيها،ثم هاجر إلى أصفهان و أكمل‏المقدمات،و بعدها رحل إلى العراق و تتلمذ على يد كبار العلماء كالسيد الفشاركي و السيدالصدر،كان صاحب مدرسة مستقلة في الأصول و تخرج على يده مجموعة كبيرة من‏الفقهاء،له عدة مؤلفات في الفقه و الأصول و غيرها توفي سنة 1355 ه و دفن في النجف‏الأشرف.انظر طبقات أعلام الشيعة 2:593،معارف الرّجال 1:284.

1)فوائد الأصول 3:4.


37

الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة،و لم نكتف بمجرد وجودها،فإنّ مجردوجودها بلا لحاظها لا يكفي في كونها مجرى الاستصحاب،إذ هناك من ينكراعتبار الاستصحاب كلية (1) إلى آخر ما ذكره.و الشيخ-رحمه اللَّه-أيضا قال:و ما ذكرناه هو المختار في مجاري‏الأصول‏ (2) فعاد الإشكال على تثليثها جذعا (3) فلتكن على ذكر.

وجه عدم جعل الحجّية للقطع‏

قوله:لعدم جعل تأليفيّ...إلخ‏ (4) .(1)إنّما لا يمكن الجعل التأليفي بين الشي‏ء و لوازمه;لأنّ مناط الافتقار إلى‏الجعل هو الإمكان،و الوجوب و الامتناع مناط الاستغناء،و القطع واجب‏الحجّية ممتنع اللا حجّية،فليس فيه مناط الفقر و الحاجة إلى الجاعل إثباتا و نفيا.هذا،و لكن في كون الحجية و الكشف من اللوازم التي لا يتعلق بهاالجعل التأليفي كلام سيأتي-إن شاء اللَّه-في مباحث التجري التعرض له و بيان‏الميزان فيها (5) .و مجمل ذاك المفصل:أنّ الكشف و الطريقيّة من آثار وجود القطع،

1)نفس المصدر السابق.

2)فرائد الأصول:2 سطر 8.

3)جذعا:أي جديدا كما بدأ.لسان العرب 2:.22 جذع.

4)الكفاية 2:8.

5)انظر صفحة رقم:74 و ما بعدها.


38

لا لوازم مهيّته،و آثار الوجود مطلقا مجعولة.نعم أصل المدّعى-و هو عدم تعلّق الجعل التشريعي به-صحيح بلامرية;فإنّ الجعل التشريعي لا معنى لتعلّقه بما هو لازم وجود الشي‏ء،فلا معنى‏لجعل النار حارّة و الشمس مشرقة تشريعا،لا لأنّهما من لوازم ذاتهما،بل لأنّهمامن لوازم وجودهما المحققين تكوينا،و القطع أيضا طريق تكوينيّ و كاشف‏بحسب وجوده،و لا يتعلّق الجعل التشريعي به،للزوم اللغويّة و كونه من قبيل‏تحصيل الحاصل.هذا،و أمّا حديث اجتماع الضدّين اعتقادا أو حقيقة،فيمكن‏دفعه‏،فإن العلم كالشك من عوارض المعلوم بوجه،كالشك الّذي من طوارئ‏المشكوك،فكما أنّ المشكوك بما أنّه مشكوك موضوع يمكن تعلّق حكم مضادّللذات به;بناء على صحة الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بنحو الترتب-كذلك المعلوم بما أنّه معلوم موضوع يصح تعلق حكم مناف للذات به.نعم جعل الحكم المنافي للذات لعنوان المعلوم يوجب اللغويّة،لكن هذاأمر آخر غير الامتناع الذاتي.

إشكال على مراتب الحكم‏

قوله:مرتبة البعث...إلخ‏ (1) .(1)يظهر منه-قدس سره-على ما في تضاعيف كتبه:أن للحكم أربع‏

1)الكفاية 2:8.


39

مراتب:الاقتضاء،و الإنشاء،و الفعليّة،و التنجز (1) .و لا يخفى أنّ المرتبة الأولى و الأخيرة لم تكونا من مراتب الحكم;فإنّ‏الاقتضاء من مقدمات الحكم لا مراتبه،و التنجّز من لوازمه لا مراتبه.نعم مرتبة الإنشاء-بمعنى جعل الحكم القانوني بنعت العموم و الإطلاق‏بلا ملاحظة تخصيصاته و تقييداته و موانع إجرائه-من مراتب الحكم،كما أنّ‏مرتبة الفعلية-أيضا-من مراتبه.و هاتان المرتبتان محققتان في جميع القوانين الموضوعة في السياسات‏المدنية،فإن المقننين ينشئون الأحكام بنعت الكليّة و القانونيّة،ثمّ تراهم باحثين‏في مستثنياتها و يراعون مقتضيات إجرائها،فإذا تمّ نصاب المقدمات و ارتفعت‏موانع الإجراء يصير الحكم فعليا واقعا بمقام الإجراء.فتحصل:أن للحكم مرتبتين لا أربع مراتب.

1)الفوائد:36 و 314 سطر 9-13.


40


41

مبحث التجرّي‏


42


43

التجري‏قوله:الأمر الثاني...إلخ‏ (1) .(1)اعلم أنّ الكلام في مسألة التجرّي طويل الذيل،بعيد الغور،دقيق‏المسلك،و نحن نقتصر على جانب من الكلام،و نترك في بعض مباحثه‏المقدمات العقلية الدقيقة،فإنّ الكافل لها علم أعلى،فهاهنا مباحث لا بدّ من‏البحث عنها:

المبحث الأوّل‏هل البحث عن التجرّي من المباحث الأصولية أم لا

قد قرّر أنّ المسائل الأصولية هي الكبريات التي وقعت في طريق استنباطالأحكام الكليّة الفرعيّة،أو ينتهى إليها في مقام العمل،بحيث تكون نسبتها

1)الكفاية 2:10.


44

إليها كنسبة الكبريات إلى النتائج،لا كنسبة الكلّيات إلى المصاديق‏ (1) .و ليعلم أنّ موضوع النتيجة و إن كان من مصاديق موضوع الكبرى،و النتيجة من جزئيّات الكبرى،إلاّ أنّ اختلاف الموضوعين عنوانا يكفي لكون‏أحدهما مقدّمة و الآخر نتيجة.و بهذا يجاب عن الدور الوارد على الشكل الأوّل البديهيّ الإنتاج،فماعلم في الكبرى هو حدوث كلّ متغيّر بعنوانه،و ما علم في النتيجة هو حدوث‏العالم بعنوانه،فالعالم-مثلا-من المصاديق العرضيّة للمتغيّر،فهو غير معلوم‏الحدوث بعنوانه الذاتيّ،أو بعنوان عرضيّ آخر،و معلوم الحدوث بهذاالعنوان العرضي،و بعد ترتيب الصغرى و الكبرى يصير معلوم الحدوث بعنوانه‏الذاتيّ أو العرضيّ الآخر،فإذن الفرق بينهما باختلاف العنوان.و أمّا الفرق بين المصاديق و الكلّيات فبالتشخّص و اللا تشخّص مع حفظالعنوان،فأفراد الإنسان هو الإنسان المتشخّص.فإذن الفرق بين المسائل الأصوليّة و الفقهيّة-مثل«كلّ ما يضمن بصحيحه‏يضمن بفاسده»-هو أنّ المسائل الأصوليّة تكون في طريق الاستنباط،و لا تكون‏بعنوان ذاتها متعلّقا للعمل،و يستنتج منها المسائل الفرعيّة الكلّية التي تكون‏متعلّقا للعمل.مثلا:حجّية خبر الواحد،أو عدم جواز نقض اليقين بالشكّ،و أمثالهما من المسائل الأصوليّة،هي كبريات لا تكون بنفسها متعلقا لعمل‏المكلف،بل يستنتج منها الوجوب و الحرمة و سائر الأحكام المتعلقة بعمل‏

1)انظر فوائد الأصول 1:19 و ما بعدها و 4:308.


45

المكلَّف.و نسبة حرمة الخمر في الشبهة الحكميّة-مثلاً-إلى الاستصحاب‏نسبة النتيجة إلى الكبرى;فإنّ حرمة الخمر من المصاديق العرضيّةللاستصحاب،و مصاديقه الذاتيّة التي هي جزئيّات عدم نقض اليقين بالشكّ‏لم تكن مطلوبة للمكلف،و لم تكن متعلقة لعمله،بل ما يستنتج من‏الاستصحاب هو مطلوبه.و إذا أخبر الثقة بوجوب صلاة الجمعة و حرمة شرب‏الخمر،فعمل المكلف على طبقه لا يقال:إنّه مشغول بالعمل بخبر الواحد،بل‏يقال:إنّه مشغول بوظيفته التي هي صلاة الجمعة الواجبة عليه.نعم إنّه مشغول بالعمل بخبر الثقة أيضا،إلاّ أنّه بعنوان عرضيّ غيرمنظور إليه.و بعبارة أخرى:المجتهد-الّذي‏هومن آحاد المكلفين-إذا تفحص عن‏خبر الثقة أو الاستصحاب-سواء تفحص عن حجيتهما أو تحققهما في المواردالخاصّة-لا يكون مطلوبه الذاتيّ خبر الثقة و الاستصحاب بعنوانهما،و لا مؤدّاهما بعنوان مؤدّاهما،بل مطلوبه مؤدّاهما بعنوان غير عنوان المؤدّى.فوجوب صلاة الجمعة و حرمة شرب الخمر-اللذان هما المصداقان العرضيّان‏للمؤدى-مطلوبه،و أما إذا تفحّص عن مصاديق«ما يضمن بصحيحه»لا يكون‏مطلوبه البيع أو الإجارة بعنوانهما،بل يكون مطلوبه وجدان المصداق الذاتي‏لهذه القاعدة-أي قاعدة ما يضمن-تأمل.فتحصل مما ذكرنا:أن مطلوب المكلّف في المسائل الأصوليّة هونتائجها،و في القواعد الكليّة الفقهية هو مصاديقها.


46

في الإيراد على القائلين بكون التجري‏من المباحث الأصولية

إذا عرفت ذلك:فاعلم أنّ مسألة التجري لم تكن من المسائل الأصولية،و لا وجه لإدراجها فيها إلا وجوه ذكرها المحققون،و الكلّ منظور فيها.منها:ما تسالموا عليه من أنّ البحث إذا وقع في أن ارتكاب الشي‏ءالمقطوع حرمته هل هو قبيح أم لا؟يندرج في المسائل الأصوليّة التي يستدلّ بهاعلى الحكم الشرعي‏ (1) .و فيه:أنّ قبح التجري كقبح المعصية و حسن الإطاعة وقع في سلسلةالمعلولات للأحكام الشرعية،فلم يكن موردا لقاعدة الملازمة على فرض‏تسليمها،فلو سلّمنا قبح التجري فلا يستنتج حكم شرعي البتة.و أيضا يلزم بناء عليه أن يكون في المعصية معصيتان و في الإطاعةطاعتان:إحداهما:المعصية و الإطاعة الآتيتان من قبل نهي المولى و أمره.و الثانية:ما يستكشف بالملازمة لقاعدتها.و لا وجه لتخصيص القاعدة العقلية بالتجري و الانقياد،و سيأتي فيما بعد (2) عدم الفرق بين العاصي و المتجرّي من حيث التجرّي على المولى.

1)درر الفوائد 2:11.

2)انظر صفحة رقم:54 و ما بعدها و صفحة رقم:59.


47

و بالجملة:المسألة الأصوليّة ما تقع في طريق الاستنباط،و قبح التجرّي‏-لو سلم لا يقع في طريقه فلا يكون منها.و منها:ما في تقريرات بعض محققي العصر-رحمه اللَّه-:من أنّ البحث إذا وقع في أنّ الخطابات الشرعية تعمّ صورتي مصادفةالقطع للواقع و مخالفته تكون المسألة من المباحث الأصولية (1) .و فيه ما لا يخفى;فإنّ دعوى إطلاق الخطاب و عمومه لا يدرج المسألة في‏سلك المسائل الأصوليّة،فإنّها بحث صغرويّ مندرج في الفقهيات،و قدعرفت أنّ المسائل الأصولية هي الكبريات المستنتجة لكلّيات الفروع،كالبحث‏عن حجّية أصالة العموم و الإطلاق،لا البحث عن شمولهما لموضوع،و لوكان البحث الكذائي من المسائل الأصولية للزِم إدراج جلّ المسائل الفقهيّة في‏الأصول،فإنّه قلّما يتّفق في مسألة من المسائل الفقهيّة ألاّ يقع البحث عن‏الإطلاق و العموم بالنسبة إلى بعض الموضوعات المشكوكة،و لعمري إنّ‏ما وقع منه لا يخلو من غرابة.و منها:ما في التقريرات-أيضا-بما يرجع إلى الوجهين‏ (2) و قد عرفت‏ما فيهما.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ مسألة التجرّي لا تندرج تحت المسائل الأصوليّة،بل إمّا فقهيّة،أو كلاميّة بتقريبين.

1)فوائد الأصول 3:50 و راجع الجهة الأولى صفحة:37.

2)فوائد الأصول:3:44 و ما بعدها أي الحيثية الثانية من الجهة الثانية.


48

المبحث الثاني‏في عدم اختيارية الفعل المتجرّى به‏

لا إشكال في عدم صيرورة الفعل المتجرّى به حراما شرعا،و لا في عدم‏صيرورته قبيحا عقلا،لعدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من العنوان الواقعي‏بواسطة تعلّق القطع به،و القطع طريق لما يكون الشي‏ء متّصفا به بحسب نفس‏الأمر،و هذا واضح جدّاً لا يحتاج إلى تجشّم استدلال و إقامة برهان.و أمّا ما أفاده المحقِّق الخراسانيّ-قدّس سرّه-:من أنّ الفعل المتجرّى به أوالمنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا،فإن القاطع‏لا يقصده إلاّ بعنوانه الاستقلاليّ،لا بعنوانه الطارئ الآلي،بل لا يكون غالبابهذا العنوان ممّا يلتفت إليه‏ (1) .و زاد في تعليقته على الفرائد و في ذيل‏الأمر الثاني في الكفاية:بأنّ المتجرّي قد لا يصدر عنه فعل اختياريّ أصلا;لأنّ‏ما قصده لم يقع،و ما وقع لم يقصده‏ (2) .ففيه إشكال واضح،لكن لا لما في تقريرات بعض أعاظم العصر-قدّس‏سرّه-:من أنّ الالتفات إلى العلم من أتمّ الالتفاتات،بل هو عين الالتفات،و لايحتاج إلى التفات آخر (3) فإنّه كلام خطابيّ لا ينبغي أن يصغى إليه;لأنّ‏

1)الكفاية 2:13.

2)حاشية فرائد الأصول:13 سطر 10-12،و الكفاية 2:17.

3)فوائد الأصول 3:45.


49

الضرورة و الوجدان شاهدان على أنّ القاطع حين قطعه يكون تمام توجّهه إلى‏المقطوع به،و يكون قطعه غير ملتفت إليه بالنظر الاستقلالي،و يكون النّظر إلى‏القطع آليّا،و إلى الواقع المقطوع به استقلاليا.بل الإشكال فيه:أنّ العناوين المغفول عنها على قسمين:أحدهما:ما لا يمكن الالتفات إليها و لو بالنظرة الثانية،كعنوان النسيان‏و التجرّي و أمثالهما.و ثانيهما:ما يمكن الالتفات إليها كذلك،كعنوان القصد و العلم‏و أشباههما.فما كان من قبيل الأوّل:لا يمكن اختصاص الخطاب به،فلا يمكن أن‏يقال:أيّها الناسي لكذا،أو أيّها المتجرّي في كذا افعل كذا;فإنّه بنفس هذاالخطاب يخرج عن العنوان،و يندرج في العنوان المضادّ له.نعم يمكن الخطاب بالعناوين الملازمة لوجودها.و أمّا ما كان من قبيل الثاني:فاختصاص الخطاب به ممّا لا محذور فيه‏أصلا،فإنّ العالم بالخمر بعد ما التفت إلى أنّ معلومه بما أنّه معلوم حكمه‏كذا بحسب الخطاب الشرعيّ،يتوجّه بالنظرة الثانية إلى علمه توجّهااستقلالياو ناهيك في ذلك وقوع العلم و القصد في الشرعيّات متعلقا للأحكام في‏مثل قوله:(كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) (1) و مثل الحكم بأنّ القاصد

1)مستدرك الوسائل 1:164-باب 29-ح 4.


50

عشرة أيّام تكليفه التمام،مع أنّ نسبة القصد إلى المقصود كنسبة العلم إلى المعلوم.و بالجملة:فرق واضح بين عدم إمكان الالتفات رأسا،و بين الالتفات‏اللئالي الّذي يمكن التوجّه إليه.

في الإشكال على بعض مشايخ العصر

نقل مقال لتوضيح حال:ذكرفي تقريرات بعض أعاظم العصر قدّس‏اللَّه سرّه-بعد الحكم بعدم إمكان اختصاص المتجرّي بخطاب،و بعد الحكم بأن‏لا موجب لاختصاص الخطاب به;لاشتراك القبح بين المتجرّي و العاصي،بل‏القبح في صورة المصادفة أتمّ،فلا بدّ أن يعمّ الخطاب صورة المصادفة و المخالفةبأن يقال:لا تشرب معلوم الخمرية-ما هذا لفظه:و لكنّ الخطاب على هذاالوجه-أيضا-لا يمكن،لا لمكان أنّ العلم لا يكون ملتفتا إليه...إلى أن قال:بل‏المانع من ذلك هو لزوم اجتماع المثلين في نظر العالِم دائما،و إن لم يلزم ذلك في‏الواقع;لأنّ النسبة بين حرمة الخمر الواقعي و معلوم الخمرية هي العموم من‏وجه،و في مادّة الاجتماع يتأكّد الحكمان كما في مثل:«أكرم العالم»و«أكرم‏الهاشميّ»إلاّ أنّه في نظر العالم دائما يلزم اجتماع المثلين;لأنّ العالم لا يحتمل‏المخالفة،و دائما يرى مصادفة علمه للواقع،فدائما يجتمع في نظره حكمان،و لايصلح كلّ من هذين الحكمين لأن يكون داعيا و محرّكا لإرادة العبد بحيال ذاته،و لا معنى لتشريع حكم لا يصلح الانبعاث عنه و لو في مورد،و في مثل‏«أكرم العالم»و«أكرم الهاشميّ»يصلح كلّ من الحكمين للباعثيّة بحيال ذاته،


51

و لو في مورد افتراق كلّ منهما عن الآخر،و في صورة الاجتماع يلزم التأكّد،فلا مانع من تشريع مثل هذين الحكمين،بخلاف المقام;فإنّه لو فرض أنّ للخمرحكما و لمعلوم الخمريّة حكما،فبمجرّد العلم بخمريّة شي‏ء يعلم بوجوب‏الاجتناب عنه الّذي فرض أنه رتب على ذات الخمر،فيكون هو المحرّك و الباعث‏للاجتناب،و الحكم الآخر-المترتّب على معلوم الخمريّة-لا يصلح لأن يكون‏باعثا،و يلزم لغويّته‏ (1) انتهى.أقول:يظهر من مجموع كلامه-قدّس سرّه-:أنّ المحذور في تعلّق الأمرالمولويّ بعنوان معلوم الخمريّة أمران،و إن كان المقرِّر قد خلط بينهما:أحدهما:اجتماع المثلين دائما في نظر القاطع،و إن لم يلزم في الواقع.و الثاني:لغويّة الأمر،لعدم صلاحيته للباعثيّة بحيال ذاته;لعدم افتراق‏العنوانين‏و في كليهما نظر:أمّا في الأوّل فمن وجوه:الأوّل:أنّ تعلّق الأمرين بالخمر و بمعلوم الخمريّة لا يكون من قبيل اجتماع‏المثلين،لاختلاف موضوعهما،فإنّ عنوان المعلوميّة كعنوان المشكوكيّة من‏العناوين الطارئة المتأخّرة عن الذات،و المعلوم بما أنّه معلوم لمّا كان تمام الموضوع‏على الفرض،لا يكون له اجتماع رتبة مع الذات حتّى في مورد مصادفة العلم‏للواقع،و هذا بوجه نظير اجتماع المقولات العرضيّة مع مقولة الجوهر في‏الوجود مع كونهما متقابلتين.

1)فوائد الأصول 3:45-46.


52

الثاني:أنه لو فرضنا هذا المقدار من اختلاف العنوان لا يكفي لرفع‏اجتماع المثلين،فلا محالة يكون في مورد التصادق من قبيل اجتماع المثلين‏واقعا،و لا وجه لصيرورة النتيجة في مورد التصادق تأكّد الحكمين كما في‏«أكرم العالم»و«أكرم الهاشميّ»فهل يكون افتراق المثلين في موضع رافعالامتناع اجتماعهما في موضع التصادق؟!و بالجملة:حرمة الخمر و حرمة معلوم الخمريّة إمّا ممكنا الاجتماع،فلايمتنع اجتماعهما أصلا،و إمّا غير ممكني الاجتماع،فلا يمكن اجتماعهما و لو في‏موضوع واحد،و هو مورد التصادق،فما معنى كونهما من اجتماع المثلين في‏نظر القاطع دائما،و عدم كونهما منه بحسب الواقع مطلقا حتّى في موردالتصادق؟!و هل هذا إلاّ التناقض في المقال؟!الثالث:لو كان مورد التصادق من قبيل«أكرم العالم»و«أكرم الهاشميّ»و تصير النتيجة تأكّد الحكمين،فلا يكون في نظر القاطع من اجتماع المثلين أصلابل من قبيل تأكّد الحكمين دائما،و تلازم عنوانين محرّمين لا يقتضي جمع‏المثلين.فلو فرضنا كون عنواني«العالم»و«الهاشميّ»متلازمين لم يكن حكم‏الإكرام عليهما من قبيل اجتماع المثلين،بل يكون من تأكدّ الحكمين،و ذلك‏واضح بأدنى تأمّل.هذا مضافا إلى عدم‏كون‏المورد من قبيل تأكّد الحكمين،لأنّ الحكمين‏


53

الواردين على عنوانين لا معنى للتأكّد فيهما حتّى في مورد الاجتماع،و باب‏التأكيد فيما إذا جاء الأمر الثاني على الموضوع الأوّل لمحض التأكيد و التأييدللأوّل.الرابع:هب أنّك دفعت امتناع اجتماع الحكمين في مورد التصادق‏بكونهما من قبيل تأكّد الحكمين،فما تفعل لو كان معلوم الخمريّة موضوعاواجب الإتيان بحسب الواقع؟!و هل هو إلاّ من قبيل اجتماع الضدّين واقعا؟!فلا محيص عنه إلاّ بما ذكرنا في الوجه الأوّل من اختلاف الموضوعين،فيندرج‏المورد في صغريات باب التزاحم.أمّا وجه النّظر في الثاني من المحذورين:فلأن العبد قد لا ينبعث بأمرواحد،و ينبعث بأمرين أو أكثر،فحينئذ لو كان للموضوع عنوان وحدانيّ تتأكّدالأوامر،و لو كان له عناوين مختلفة متصادقة عليه يكون كلّ أمر بعثا إلى متعلقه‏و حجّة من اللَّه على العبد،و موجبا لمثوبة في صورة الإطاعة،و عقوبة في‏صورة المخالفة بلا تداخل و تزاحم.فلو فرضنا كون إكرام العالم ذا مصلحة مستقلّة ملزمة،و إكرام الهاشميّ‏كذلك،و يكون العنوانان متلازمين في الوجود،لا يكون الأمر بكلّ من‏العنوانين لغوا،لصلاحيّة كلّ واحد منهما للبعث،و لا دليل على لزوم كون‏الأمر باعثا مستقلا غير مجتمع مع بعث آخر،و يكون بعثا بحيال ذاته،و إنّما هودعوى بلا برهان و بنيان بلا أساس.


54

المبحث الثالث‏قبح التجرّي و تحقيق الحال فيه‏

الحقّ الحقيق بالتصديق هو كون المتجرّي و العاصي كليهما توأمين في‏جميع المراحل و المنازل من تصوّر الحرام،و التصديق بفائدته المتخيلة،و الشوق‏إليه،و العزم عليه،و إجماع النّفس،و تحريك الأعصاب،و هتك حرمة المولى‏و الجرأة عليه،و تخريب أساس المودّة،و نقض منزل‏1العبوديّة،و إنماافتراقهما في آخر المراحل و منتهى المنازل،و هو إتيان العاصي الحرام الواقعي‏دون المتجرّي.فحينئذ لو قلنا بأنّ العقاب الأخروي كالحدود الشرعيّة و كالقوانين‏الجزائيّة العرفيّة مجعول لارتكاب العناوين المحرّمة،فلا يكون للمتجرّي هذاالعقاب المجعول،كما لا تثبت عليه الحدود الشرعيّة و الجزائيّات في القوانين‏السياسيّة العرفيّة،كما لو قلنا بأنّ باب عقاب اللَّه في الآخرة من قبيل تجسّم‏صور الأعمال،فلا يكون لهذا العمل الغير المصادف صورة في البرازخ و مافوقها.و أما في صحّة العقوبة لهتك حرمة المولى و الجرأة عليه،فكلاهما سواءلا افتراق بينهما أصلا.كما أنه لو قلنا بأنّ الجرأة على المولى لها صورة غيبيّة برزخيّة،و أثر1يحتمل كونها في المخطوط(غزل).


55

ملكوتيّ في النّفس يظهر في عالم الغيب،و يكون الإنسان مبتلى بهاو محشورا معها،كما هو الحقّ الّذي لا محيص عنه،و يدلّ عليه ضرب من‏البرهان في محلّه‏ (1) فهما مشتركان فيها أيضا بلا تداخل للعقابين بالنسبة إلى‏العاصي،فإنّ موجبهما مختلف.و توضيحه على نحو الإجمال:أنّ المقرّر في مقارّه‏ (2) عقلا و نقلا أنّ‏للجنّة و النار عوالم و منازل و مراتب و مراحل،و تكون تلك المراتب و المنازل‏على طبق مراتب النّفس و منازلها،و توجه كلّي يكون لكلّ منهما ثلاث‏مراتب:الأولى:مرتبة جنّة الأعمال و جحيمها،و هي عالم صور الأعمال الصالحةو الفاسدة و الحسنة و القبيحة،و الأعمال كلّها بصورها الملكوتيّة تتجسّم في‏عالم الملكوت السافل،و ترى كلّ نفس عين ما عملت،كما قال عزّ اسمه: يوم تجد كلُّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضرا و ما عملت من سوء (3) و قال‏تعالى: و وجدوا ما عملوا حاضرا (4) و قال: فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرايره و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره (5) .و الثانية:جنّة الصفات و جحيمها،و هما الصور الحاصلة من الملكات‏

1)انظر الأسفار 9:4-5.

2)2 نظر الأسفار 9:21-22 و 228-231.

3)آل عمران:30.

4)الكهف:49.

5)الزلزلة:7-8.


56

و الأخلاق الحسنة و الذميمة،و كما أنّ نفسيهما من مراتب الجنّة و النار تكون‏آثار هما و صورهما-أيضا-منهما.و الثالثة:جنّة الذات و نارها،و هما مرتبة تبعات العقائد الحقّة و الباطلةإلى آخر مراتب جنّة اللقاء و نار الفراق.و لكلّ من المراتب آثار خاصّة و ثواب و عقاب بلا تداخل و تزاحم أصلا.إذا عرفت ذلك تقدر على الحكومة في مسألة التجرّي،و تعرف أنّ‏المتجرّي و العاصي في أي مرتبة من المراتب يشتركان،و في أيّها يفترقان‏و تعرف النّظر في غالب النقوض و الإبرامات التي وقعت للقوم فيها.

في نقل كلام بعض مشايخ العصر و وجوه النّظر فيه‏

نقل كلام و توضيح مرام:و لعلّك بالتأمّل فيما سلف تعرف وجوه الخلط فيماوقع لبعض مشايخ العصر-على ما في تقريرات بحثه-قال في الجهة الثالثة من‏مبحث التجرّي ما ملخّصه:إنّ دعوى استحقاق المتجرّي للعقاب منوطة بدعوى أنّ العقل بمناط واحديحكم في المتجرّي و العاصي باستحقاق العقاب،و أنّ مناط عقاب العاصي في‏المتجرّي موجود،و هذا لا يتمّ إلاّ بأمرين:أحدهما:دعوى أنّ العلم في المستقلات العقليّة-خصوصا في باب‏الطاعة و المعصية-تمام الموضوع،و لا دخل لمصادفة الواقع و عدمها أصلا;لأنّه‏أمر غير اختياريّ،و لأنّ الإرادة الواقعيّة لا أثر لها عند العقل،و لا يمكن أن تكون‏


57

محرّكة لعضلات العبد إلاّ بالوجود العلميّ و الوصول.ثانيهما:كون المناط في استحقاق العقاب عند العقل هو القبح الفاعليّ،و لا أثر للقبح الفعليّ المجرّد عن ذلك.و يمكن منع كلّ من الأمرين:أمّا الأوّل:فلأنّ العلم و إن كان دخيلا في المستقلاّت العقليّة،إلاّ أنه‏لا العلم الأعمّ من المصادف و غيره،فإنّ غير المصادف يكون جهلا.و بالجملة:العقل يستقلّ بلزوم انبعاث العبد عن بعث المولى،و ذلك‏يتوقّف على بعث المولى و إحرازه،فالبعث بلا إحراز لا أثر له،و الإحراز بلابعث واقعيّ لا أثر له.و أمّا الثاني:فلأنّ المناط في استحقاق العقاب هو القبح الفاعليّ الّذي‏يتولّد من القبح الفعليّ،لا الّذي يتولّد من سوء السريرة و خبث الباطن،و كم‏فرق بينهما (1) انتهى.و فيه:أنّ إناطة دعوى استحقاق المتجرّي بدعوى أنّ العقل بمناط واحديحكم في العاصي و المتجرّي بالاستحقاق ممّا لا وجه له;لما قد عرفت أنّ العقل‏يحكم باستحقاق المتجرّي للعقوبة لهتك حرمة المولى و الجرأة عليه صادف‏الواقع أم لم يصادف،و يحكم باستحقاق العاصي للعقاب المجعول في الآخرة،و الحدود المجعولة في الدنيا إن قلنا بجعليّة العقاب.فللعاصي عنوانان:

1)فوائد الأصول 3:48-49.


58

أحدهما:مخالفة أمر المولى في شرب الخمر.و ثانيهما:هتك حرمته و إهانته،و ليس له بواسطته عقاب مجعول‏قانونيّ،لكنه مستحقّ عقلا للعقاب،و له العقاب الّذي هو من لوازم التجرّي‏و الهتك.كما أنّ صاحب الأخلاق الذميمة لو فعل حراما يكون له عقاب لفعله‏و عقاب آخر من سنخ ملكته الباطنة ملازم لأخلاقه الذميمة.فالخلق الذميم له صورة غيبيّة ملكوتيّة ملازم لشدّة و عذاب و خوف‏و ظلمة،و للتجرّي أيضا صورة باطنة ملكوتيّة ملازمة لعذاب و شدّة و ظلمةمسانخة له.هذا للعاصي.و أمّا المتجرّي:فلا يكون له العقاب المجعول،أو الصورة الملكوتيّةالعمليّة،لكنّه في التجرّي و استحقاقه بواسطته،و في الصورة الملكوتيّة اللازمةله و لوازمها،شريك مع العاصي،و مناطه موجود فيه بلا إشكال.و بما ذكرنا:علم ما في الأمرين اللذين جعل الدعوى منوطة بهما:أمّا في الأوّل:فلأنّ دعوى كون العلم في المستقلاّت العقليّة تمام‏الموضوع،و أنّه لا دخل للمصادفة و عدمها،ممّا لا دخالة له فيما نحن فيه،و أنّ‏القائل بقبح التجرّي لا ملزم له لتلك الدعوى،فإنّ قبح التجرّي من المستقلاّت‏العقليّة،و حرمة المعصية و العقاب عليها من المجعولات الشرعيّة،و لا ربط لهابالتجرّي.و بما ذكرنا علم حال الجواب عن الأمر الأوّل بأنّ قبح التجرّي إنّما يكون‏في صورة المصادفة،و أمّا غيرها فيكون جهلا،و لا أثر للإحراز بلا بعث‏


59

واقعيّ،فإنّ الضرورة قاضية بأنّ القاطع المتجرّي هتّاك لحرمة المولى،و مقدم‏على مخالفته،و مستحقّ للعقوبة،و لا فرق بينه و بين العاصي من هذه الجهةأصلا،لا لأنّ العلم تمام الموضوع،بل لأنّ التجرّي تمام الموضوع.نعم لا يصدق عنوان التجرّي و العصيان إلاّ مع العلم،لا أنّه تمام الموضوع‏أو جزؤه في حكم العقل بالقبح،فالعلم إنّما هو محقّق عنوان التجرّي‏و العصيان،و هما تمام الموضوع لحكم العقل باستحقاق العقوبة.و بالجملة:المتجرّي و العاصي في نظر العقل سواء إلاّ في العقاب المجعول‏أو اللازم لارتكاب المحرم،و الوجدان أصدق شاهد على ذلك،فإنّك لونهيت ولديك عن شرب الترياك،و جعلت للشارب مائة سوط،فشرباما اعتقدا كونه ترياكا،فصادف أحدهما الواقع دون الآخر،صار المصادف عندك‏مستحقّا للعقاب المجعول..و أمّا غيره و ان كان غير مستحقّ للعقاب المجعول،لكنّه مستحقّ للتأديب و التعزير،لهتكه و لجرأته و كونه بصدد المخالفة،و كلاهما في السقوط عن نظرك و البعد عنك سواء.و هذا واضح،و المنكرمكابر لعقله.مع أنّ أمر الجرأة على مولى الموالي و الهتك لسيّد السادات لا يقاس على‏ما ذكر،فإنّ الانقياد له و التجرّي عليه يصير ان مبدأ الصور الملكوتيّة المستتبعةللدرجات و الدركات،كما هو المقرّر عند أهله‏ (1) .و أمّا في الثاني:فلأنّ دعوى كون القبح الفعليّ ممّا لا أثر له،

1)انظر هامش 1-2 صفحة رقم:55.


60

و المؤثّر المنحصر هو القبح الفاعلي،ممّا لا دخالة لها في المقام،فإنّ مدّعي قبح‏التجرّي يدّعيه سواء كان للفعل الواقعي أثر أم لا.و بالجملة:أنّ التجرّي عنوان مستقلّ في نظر العقل،و هو موضوع حكمه‏بالقبح،و القبح الفعليّ أمر آخر غير مربوط به.و من ذلك علم حال الجواب عن الأمر الثاني،من إحداث الفرق بين‏القبح الفاعليّ الناشئ عن القبح الفعليّ،و بين الناشئ عن سوء السريرة،فإنّ ذلك من ضيق الخناق،و إلاّ فأيّة دخالة للمنشإ في عنوان التجرّي الّذي‏هو تمام الموضوع لحكم العقل بالقبح،كما هو حكم الوجدان و قضاءالضرورة؟!و بالجملة:هذا التكلّف و الخلط ناش من عدم تحقيق مراتب الثواب‏و العقاب،و قياس عالم الآخرة و العقوبات الأخرويّة بالدنيا و عقوباتها،مع أنّها-أيضا-لا تكون كما زعموا،فافهم و استقم.

في اختياريّة الإرادة و عدمها

قوله:إنّ القصد و العزم إنما يكون من مبادئ الاختيار (1) .(1)أقول:إنّ مسألة اختياريّة الإرادة و عدمها من المسائل التي وقع التشاجربين الأفاضل و الأعلام فيها،و لا بدّ من تحقيق الحال حسبما وقعت في الكتب‏العقليّة،ليكون الدخول في البيت من بابه،فنقول:

1)الكفاية 2:14.


61

إنّ من جملة الإشكالات الواردة في باب الإرادة الحادثة:أنّ الإرادةالإنسانيّة إذا كانت واردة عليه من خارج بأسباب و علل منتهية إلى الإرادةالقديمة،فكانت واجبة التحقّق سواء أرادها العبد أم لم يردها،فكان العبد ملجأمضطرّا في إرادته،ألجأته إليها المشيّة الواجبة الإلهيّة و ما تشاءون إلاّ أن يشاءاللَّه (1) فالإنسان كيف يكون فعله بإرادته حيث لا تكون إرادته بإرادته؟و إلاّلترتبت الإرادات متسلسلة إلى غير نهاية.

كلام المحقّق الداماد

و أجاب عنه المحقّق البارع الداماد-قدّس سرّه‏1-:بأنّ الإرادة حالةشوقيّة إجماليّة للنفس،بحيث إذا ما قيست إلى الفعل نفسه،و كان هو الملتفت‏إليه بالذات،كانت هي شوقا إليه و إرادة له،و إذا قيست إلى إرادة الفعل،و كان الملتفت إليه هي نفسها لا نفس الفعل،كانت هي شوقا و إرادة بالنسبة إلى‏الإرادة من غير شوق آخر و إرادة أخرى جديدة.و كذلك الأمر في إرادة الإرادة،و إرادة إرادة الإرادة،إلى سائر المراتب‏1هو معلم الفلاسفة و الحكماء،و مربي العلماء و العرفاء السيد مير برهان الدين محمّد باقر بن‏المير شمس الدين محمد الحسيني المعروف ب(المير داماد)الملقب بالمعلم الثالث،أشهر أساتذته‏السيد نور الدين الموسوي و المحقق الكركي،و أبرز طلبته قطب الدين الإشكوري و صدر الدين‏الشيرازي،ألّف عدَّة كتب أشهرها كتاب القبسات،توفي سنة 1041 ه.انظر سلافة العصر:477،أعيان الشيعة 9:189،روضات الجنات 2:62.

1)الإنسان:30.


62

التي في استطاعة العقل أن يلتفت إليها بالذات و يلاحظها على التفصيل،فكلّ‏من تلك الإرادات المفصّلة تكون بالإرادة،و هي بأسرها مضمَّنة في تلك الحالةالشوقيّة الإراديّة،و الترتيب بينها بالتقدّم و التأخّر عند التفصيل ليس يصادم‏اتّحادها في تلك الحالة الإجماليّة (1) انتهى.

إشكالات صدر المتألّهين‏

و أورد عليه تلميذه الأكبر1إشكالات:منها:أنّ لنا أن نأخذ جميع الإرادات بحيث لا يشذّ عنها شي‏ء منها،و نطلب أنّ علّتها أيّ شي‏ء هي؟فإن كانت إرادة أخرى لزم كون شي‏ء واحدخارجا و داخلا بالنسبة إلى شي‏ء واحد بعينه هو مجموع الإرادات،و ذلك‏محال،و إن كان شيئا آخر لزم الجبر في الإرادة (2) .و منها:أنّ التحليل بالمتقدّم و المتأخّر إنّما يجري فيما له جهة تعدّد في‏الواقع وجهة وحدة في نفس الأمر،كأجزاء الحدّ من الجنس و الفصل،و أمّا1هو الحكيم الإلهي و الفيلسوف الرباني الشيخ محمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بالملاّ صدرا،ولد في شيراز سنة 979 ه،و شرع في طلب العلم فيها،ثم سافر عنها إلى أصفهان فحضر عندالسيد الداماد و أخذ عنه الكثير و كان يجلّه كثيرا و يعبر عنه سيدي و أستاذي في المعالم‏الدينية و العلوم الإلهية و المعارف الحقيقية.له عدّة كتب أشهرها كتاب الأسفار،و مفاتيح‏الغيب،و الشواهد الربوبية،توفي سنة 1050 ه.انظر أعيان الشيعة 9:321،سلافةالعصر:491،روضات الجنات 4:120.

1)القبسات:473-474،القبس العاشر،الأسفار 6:388-389.

2)الأسفار 6:390.


63

ما لا يكون كذلك فليس للعقل أن يخترع له الأجزاء الكذائيّة من غير حالةباعثة إيّاه‏ (1) .و منها غير ذلك.و يرد عليه-مضافا إلى أنّ تفسير الإرادة بالحالة الشوقيّة ليس على‏ما ينبغي،فإنّ الشوق حالة انفعاليّة أو شبيهة بها،قد تكون من مبادئ الإرادةو قد لا تكون،و الإرادة حالة إجماعيّة فعليّة متأخّرة عن الشوق فيما يكون من‏مبادئها-أنّ تلك الهيئة الوحدانيّة البسيطة لا يمكن أن تنحلّ إلى علّة و معلول‏حقيقة،حتى يكون الشي‏ء بحسب نفس الأمر علّة لذاته،أو تكون العلّةو المعلول الحقيقيّتان متّحدتين في الوجود.و أما حديث علّية الفصل للجنس و الصورة للمادة فليست في البين‏العلية الحقيقية،بحيث يكون الفصل موجدا للجنس أو المادة للصورة،على‏ما هو المقرّر في محله‏ (2) .

الجواب عن أصل الإشكال‏

و الحق‏1في الجواب عن أصل الإشكال ما أفاد بعض أعاظم الفلاسفة:من أن المختار ما يكون فعله بإرادته،لا ما يكون إرادته بإرادته و إلا لزم أن لا تكون‏1و التحقيق فيه ما حققناه في رسالة مفردة كافلة لجميع الإشكالات و ردّها فليرجع إليهامنه‏قدس سره‏.و الرسالة أوسمها ب«الطلب و الإرادة».

1)الأسفار 6:389.

2)الأسفار 2:29-31.


64

إرادته تعالى عين ذاته،و القادر ما يكون بحيث إن أراد الفعل صدر عنه الفعل‏و إلاّ فلا،لا ما يكون إن أراد الإرادة للفعل فعل و إلاّ لم يفعل‏ (1) انتهى.أقول:إن من الواضح الضروري عند جميع‏أفراد النوع‏الإنسانيّ أنّ‏الفعل الصادر عن اختيار و علم و إرادة موضوع لحسن العقوبة إذا كان على‏خلاف المقرّرات الدينيّة أو السياسيّة المدنيّة عند الموالي العرفيّة،و العقلاء كافّةيحكمون باستحقاق عبيدهم‏العقوبةبمجرّد فعل مخالف للمولى اختيارامنهم،و هذا حكم ضروريّ عندهم في جميع أمورهم،و ليس هذا إلاّ لأجل أنّ‏الفعل الّذي‏هوموضوع حسن العقوبة عندهم هو الفعل الصادر عن علم‏و إرادة و اختيار،و إن لم تكن تلك المبادئ بالاختيار،و العقلاء لا ينظرون و لايلتفتون إلى اختياريّة المبادئ و إراديّتها و كيفيّة وجودها،بل الملتفت إليه‏هو الفعل الصادر،فإن كان صادرا عن اختيار يحكمون على فاعله باستحقاق‏المثوبة أو العقوبة،بحيث تكون تلك الشبهات في نظرهم شبهات سوفسطائيّةفي مقابل البديهة.فلو قيل:إنّ الفعل الاختياريّ ما يكون مبادئه اختياريّة،فلا وجه‏لاختصاص الاختياريّة بالإرادة،بل لا بدّ من الإسراء بها إلى كلّ ما هو دخيل في‏وجود الفعل من وجود الفاعل و علمه و شوقه و إرادته،فيلزم أن لا يكون فعل‏من الأفعال اختياريّا حتّى فعل الواجب-تعالى شأنه-فلا بدّ من محو كلمةالاختيار من قاموس الوجود،و هو ضروريّ البطلان.

1)الأسفار 6:388.


65

و لو سُلّم فلنا أن نقول:إنّه لا يعتبر في صحّة العقوبة عند كافّة العقلاءالاختياريّة بالمعنى المدّعى من كون الفعل اختياريّا بجميع مبادئه،فإنّ صحّةالعقوبة من الأحكام العقلائيّة و المستصحّات العقليّة،و هذا حكم جار رائج‏بين جميع العقلاء في الأعصار و الأدوار لا يشكّون فيه،وقديشكون‏في الشمس في رابعة النهار،مع أنّ الإرادة ليست بالإرادة،و الاختيارليس بالاختيار.و ليعلم:أنّ مجرّد صدور الفعل عن علم و إرادة ليس موضوع حكم‏العقل لصحّة العقوبة و استحقاق العقاب;ضرورة أنّ الحيوانات-أيضا-إنّماتفعل ما تفعل‏بعلم و إرادة،و لو كانت إراديّة الفعل موضوعا للاستحقاق‏للزم الحكم باستحقاق الحيوانات،فما هو الموضوع هو صدور الفعل عن‏الاختيار الناشئ عن تميّز الحسن من القبيح.و الاختيار:عبارة عن ترجيح أحد جانبي الفعل و الترك بعد تميّز المصالح‏و المفاسد الدنيويّة و الأخرويّة،فإنّ الإنسان بعد اشتراكه مع الحيوان بأنّ أفعاله‏بإرادته و علمه،يمتاز عنه بقوّة التميّز و إدراك المصالح الدنيويّة و الأخرويّة،و قوّةالترجيح بينهما،و إدراك الحسن و القبح بقوّته العقليّة المميّزة.و هذه القوّة مناط التكليف و استحقاق الثواب و العقاب،لا مجرّد كون‏الفعل إراديّا،كما ورد في الروايات:(أنّ اللَّه لمّا خلق العقل استنطقه.).إلى‏أن قال:(بك أثيب،و بك أعاقب) (1) فالثواب و العقاب بواسطة العقل و قوّة

1)الكافي 1:10-1 كتاب العقل و الجهل.


66

ترجيحه المصالح و المفاسد و الحسن و القبح.هذا،و أمّا مسألة إراديّة الفعل،فالحقّ في الجواب:أنّ الفعل الإرادي‏ما صدر عن الإرادة،فوزان تعلّق الإرادة بالمراد و زان تعلّق العلم بالمعلوم من‏هذه الحيثيّة،فكما أنّ مناط المعلوميّة هو كون الشي‏ء متعلَّقا للعلم،لا كون‏علمه متعلَّقا للعلم الآخر،كذلك مناط المراديّة هو كونه متعلَّقا للإرادة و صادراعنها،لا كون إرادته متعلَّقا لإرادة أخرى،فليتدبّر.

تتمّةإشكالات على كلام بعض الأعلام‏

و هاهنا بعض التفصِّيات التي لا تخلو عن النّظر:منها:ما أفاده المحقِّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-:من أنّ الاختيار و إن لم يكن‏بالاختيار،إلاّ أنّ بعض مبادئه غالبا يكون وجوده بالاختيار;للتمكّن من عدمه‏بالتأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمّة (1) .و فيه:أنّه بعد فرض كون الفعل الاختياريّ ما تكون مبادئه بإرادة و اختيارلا يمكن فرض اختياريّة المبادي;فإنّها-أيضا-أفعال اختياريّة لا بدّ من تعلّق إرادةبإرادتها.و بعبارة أخرى:إنّا ننقل الكلام إلى المبادئ الاختياريّة،فهل اختياريّتهابالاختيار فيلزم التسلسل،أولا فعاد المحذور؟

1)الكفاية 2:14.


67

و منها:ما أفاده شيخنا العلاّمة الحائريّ-رحمه اللَّه تعالى-:بأنّ‏التسلسل إنّما يلزم لو قلنا بانحصار سبب الإرادة في الإرادة،و لا نقول به،بل‏ندّعي أنّها قد توجد بالجهة الموجودة في المتعلّق-أعني المراد-و قد توجد بالجهةالموجودة في نفسها،فيكفي في تحقّقها أحد الأمرين...إلى أن قال:و الدليل‏على أنّ الإرادة قد تتحقّق لمصلحة في نفسها هو الوجدان;لأنّا نرى إمكان أن‏يقصد الإنسان البقاء في المكان الخاصّ عشرة أيّام بملاحظة أنّ صحّة الصوم‏و الصلاة التامّة تتوقّف على القصد المذكور،مع العلم بأنّ هذا الأثر لا يترتّب‏على نفس البقاء واقعا،و نظير ذلك غير عزيز (1) انتهى.و فيه أوّلا:أنّه بذلك لا تنحسم مادّة الإشكال،فإنّا لو سلّمنا أنّ الإرادةفي الجملة تحصل بالإرادة،لكن إرادة هذه الإرادة هل هي إراديّة،و هكذا إرادةإرادة الإرادة،أم لا؟فعلى الأوّل تتسلسل الإرادات إلى غير نهاية،و على‏الثاني عاد المحذور من كون العبد ملجأ مضطرّا.و ثانيا:أنّ ما اعتمد عليه من المثال الوجدانيّ ممّا لا يثبت مدّعاه;فإنّ‏الشوق بالتبع لا بدّ و أن يتعلّق ببقاء عشرة أيّام،و إلاّ فلا يعقل تحقّق قصد البقاء،ففي المثال-أيضا-أنّه يريد البقاء،لا أنّه يريد إرادة البقاء،و ذلك واضح جدّاً.و منها:ما قيل:إنّ المراد إراديّ بالإرادة،و الإرادة مرادة بنفس ذاتها،كالوجود إنّه موجود بنفس ذاته،و العلم معلوم بنفس ذاته‏ (2) .

1)درر الفوائد 2:14-15.

2)انظر الأسفار 6:388.


68

و فيه:أنّ هذا خلط غير مفيد،فإنّ معنى كون الإرادة مرادة بنفس ذاتهاأنها مصداق المراد بنفس ذاتها;أي بلا جهة تقييديّة،بناء على عدم أخذ الذات‏في مفهوم المشتقّ،لا أنها محقّقة نفس ذاتها و لا يكون لها جهة تعليليّة،و مايكون منشأ الإشكال في المقام هو مسبوقيّة الإرادة بعلّة غير إراديّة للفاعل،فلايحسم بما ذكر مادّة الإشكال،بل هو كلام إقناعيّ.

في معنى البعد و القرب و الإيراد على المصنف‏

قوله:إنّ حسن المؤاخذة و العقوبة إنّما يكون من تبعة بعده...إلخ‏ (1) .(1)لا يخفى أنّ القرب و البعد بالنسبة إلى اللَّه تعالى قد ينتزعان من كمال‏الوجود و نقصه،فكلّما كان في وجوده و نعوت وجوده كاملا تامّا يكون قريبامن مبدأ الكمال و معدن التمام،كالعقول المجرّدة و النفوس الكلّية،و كلّما كان‏ناقصا متشابكا بالأعدام و متعانقا بالكثرات يكون بعيدا عن المقام المقدّس عن كلّ‏عدم و نقص و قوّة و استعداد،كالموجودات المادّيّة الهيولانيّة.فالهيولى الأولى الواقعة في حاشية الوجود-حيث كان كمالها عين‏النقص،و فعليّتها عين القوّة-أبعد الموجودات عن اللَّه تعالى،و الصادر الأوّل‏أقرب الموجودات إليه تعالى،و المتوسّطات متوسّطات.و هذا القرب و البعد الوجوديّ لا يكونان مناط الثواب و العقاب.بالضرورة،و لعلّه-قدّس سرّه-يعترف بذلك.

1)الكفاية 2:14.


69

و قد ينتزعان من مقام استكمال العبد بالطاعات و القربات،أو نفس‏الطاعات و القربات،و التحقّق بمقابلاتها من العصيان و التجرّي،فيقال‏للعبد المطيع المنقاد:إنّه مقرَّب‏من‏حضرته قريب من مولاه،و للعاصي‏المتجرّي:إنّه رجيم بعيد عن ساحة قدسه.و هذا مراده من القرب‏و البعد ظاهرا.فحاصل مرامه:أنّ سبب اختلاف الناس في استحقاق الجنّة و النار و نيل‏الشفاعة و عدمه،هو القرب منه تعالى بالانقياد و الطاعة،و البعد عنه بالتجرّي‏و المعصية.و فيه:أنّ القرب و البعد أمران اعتباريّان منتزعان من طاعة العبدو عصيانه،مع أنّ استحقاق العقوبة و المثوبة من تبعات نفس الطاعة و الانقيادو التجرّي و العصيان،و العقل إنما يحكم باستحقاق العبد المطيع و العاصي‏للثواب و العقاب بلا توجّه إلى القرب و البعد.و بعبارة أخرى:الطاعة و المعصية و كذا الانقياد و التجرّي تمام الموضوع‏لحكم العقل في باب الثواب و العقاب،بلا دخالة للقرب و البعد في هذا الحكم‏أصلا.و بعبارة ثالثة:إنّ عناوين القرب و البعد و استحقاق العقوبة و المثوبةمنتزعات في رتبة واحدة عن الطاعة و العصيان و شقيقيهما،و لا يمكن أن يكون‏بعضها موضوعا لبعض.ثمّ اعلم:أنّه-قدّس سرّه-قد اضطرب كلامه في هذا المقام;حيث حكم‏


70

في أوّل المبحث بأنّ المتجرّي مستحقّ للعقوبة على تجرّيه و هتك حرمة مولاه‏ (1) و بعد«إن قلت..قلت»ظهر منه أنّ التجرّي سبب للبعد و هو موجب‏للعقوبة;حيث قال:إنّ حسن المؤاخذة و العقوبة إنّما يكون من تبعة بعده عن‏سيّده بتجرّيه عليه‏ (2) و ظهر منه بلا فصل أنّ التجرّي موجب للبعد و حسن‏العقوبة كليهما في عرض واحد;حيث قال:فكما أنه يوجب البعد عنه،كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة (3) و بعد أسطر صرّح:بأنّ تفاوت‏أفراد الإنسان في القرب و البعد سبب لاختلافها في الاستحقاق‏ (4) و في‏آخر المبحث ظهر منه أنّ منشأ استحقاق العقوبة هو الهتك‏لحرمةالمولى‏ (5) .و ممّا ذكرنا من مناط الاختياريّة و مناط حسن العقوبة ظهر ما في كلامه‏أيضا من أنّ التجرّي و إن لم يكن باختياره إلاّ أنّه يوجب العقوبة بسوء سريرته‏و خبث باطنه;فإنّه قد ظهر أنّ الفعل الّذي هو مناط حسن العقوبة عند العقلاءو العقل هو الفعل الاختياريّ;أي الفعل الّذي هو أثر الاختيار و منشؤه الاختيار،لا الفعل الّذي يكون اختياره بالاختيار.و أمّا سوء السريرة و خبث الباطن و نقصان الوجود و الاستعداد،فليست‏ممّا توجب العقوبة عقلا كما عرفت.نعم لا يبعد أن تكون بعض المراتب من الظلمة و الوحشة من تبعات‏

1)الكفاية 2:10.

2)الكفاية 2:14.

3)الكفاية 2:14.

4)الكفاية 2:16.

5)الكفاية 2:18.


71

سوء السريرة و خبث الباطن،و سيأتي في مستأنف القول أنّ سوء السريرة و خبث‏الباطن،و كذا سائر الملكات الخبيثة و غيرها،ليست ذاتيّة غير ممكنة التخلّف عن‏الذات،بل كلّها قابل للزوال،و للعبد المجاهد إمكان إزالتها،فانتظر (1) .و أمّا ما ذكره في الهامش في هذا المقام بقوله:كيف لا;أي كيف لا يكون‏العقاب بأمر غير اختياريّ و كانت المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة غيراختياريّة؟فإنّها هي المخالفة العمديّة،و هي لا تكون بالاختيار;ضرورة أنّ العمدإليها ليس باختياريّ،و إنّما تكون نفس المخالفة اختياريّة،و هي غير موجبةللاستحقاق،و إنّما الموجبة له هي العمديّة منها،كما لا يخفى على‏أولي النهي‏ (2) .ففيه:أنّ الموجب لاستحقاق العقوبة هي المخالفة العمديّة;بمعنى أن‏تكون المخالفة صادرة عن عمد،لا بمعنى أن تكون مقيّدة بالعمد;حتّى يلزم أن‏يكون صدور المخالفة العمديّة عن عمد و اختيار،و هو واضح.

1)انظر صفحة رقم:78،و صفحة رقم:85 و ما بعدها.

2)حقائق الأصول 2:17 هامش:1.


72


73

في تحقيق الذاتيّ الّذي لا يعلّل‏

قوله:فإذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال،و ينقطع السؤال ب«لم»...إلخ‏ (1) .(1)قد تكرر على ألسنة القوم أنّ الذاتيّ لا يعلل،و العرضيّ يعلل،و قد أخذالمصنف-قدّس سرّه-هذا الكلام منهم و استعمله في غير مورده كرارا في‏الكفاية (2) و الفوائد (3) و لا بدّ لنا من تحقيق الحال حتّى يتّضح الخلط و يرتفع‏الإشكال،و قبل الخوض في المقصود لا بدّ من تمهيد مقدّمات:الأولى:أنّ الذاتيّ الّذي يقال إنه لا يعلّل هو الذاتيّ المتداول في باب‏البرهان في مقابل العرضيّ في بابه،و هو ما لا يمكن انفكاكه عن الذات،أعمّ من‏

1)الكفاية 2:16 سطر 1-2.

2)لكفاية 1:101 و 2:16.

3)الفوائد:290 سطر 17.


74

أن يكون داخلا فيها-و هو الذاتيّ في باب الإيساغوجي-أو خارجا ملازما لها.و وجه عدم المعللية:أنّ سبب الافتقار إلى العلّة هو الإمكان على‏ما هو المقرر في محلّه‏ (1) و الوجوب و الامتناع كلاهما مناط الاستغناء عن العلّة،فواجب الوجود لا يعلّل في وجوده،و ممتنع الوجود لا يعلّل في عدمه،و واجب‏الإنسانيّة و الحيوانيّة و الناطقيّة لا يعلّل فيها،و واجب الزوجيّة و الفرديّة لا يعلّل‏فيهما;لأنّ مناط الافتقار إلى الجعل-و هو العقد الإمكانيّ-مفقود فيها،و قس‏على ذلك الامتناع.الثانية:أنّ الوجود و كلّية عوارضه و نعوته-و بالجملة كلّ ما كان من سنخ‏الوجود-لا تكون ذاتيّة لشي‏ء من الماهيّات الإمكانيّة،و إنّما هو ذاتيّ بوجه‏لواجب الوجود الّذي هو بذاته وجود و وجوب،و أمّا غير ذاته تعالى‏فالممكنات قاطبة ذاتها و ذاتيّاتها من سنخ الماهيّات و لوازمها.فما كان من سنخ الوجود معلّل غير الواجب بالذات-جلّ كبرياؤه-و ينتهي في سلسلة العلل إلى أوّل الأوائل و علّة العلل،فلو كان في سلسلةالوجودات شي‏ء مستغن عن العلّة لخرج عن حدود بقعة الإمكان إلى ساحةالقدس الوجوبيّ تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.فالمراد بالذاتيّ الّذي لا يعلّل في الممكنات هو الماهيّات و أجزاؤهاو لوازمها،و أمّا الوجود فلم يكن في بقعة الإمكان شي‏ء منه غير معلّل.نعم إنّ الوجود مجعول بالجعل البسيط،و أمّا بعد جعله بسيطا فلا يحتاج‏

1)الأسفار 1:206.


75

في كونه وجودا و موجودا إلى جعل،ففي الحقيقة كونه موجودا و وجودا ليس‏شيئا محقّقا بهذا المعنى المصدريّ،بل هو من المخترعات العقلية،و إذا أريدبكونه موجودا أو وجودا نفس الحقيقة النوريّة الخارجيّة،فهو يرجع إلى نفس‏هويّته المجعولة بسيطا.فاللازم في باب الوجود لو أطلق لا يكون بمثابة اللازم في باب الماهيّات من‏كونه غير مجعول،بل لازم الوجود-أي الّذي هو من سنخ الوجود مطلقا-مجعول و معلّل.ألا ترى أنّ أساطين الفلسفة قد جمعوا بين المعلوليّة و اللزوم،و قالوا:إنّ المعلول لازم ذات العلّة (1) .الثالثة:أنّ من المقرّر في مقارّه‏ (2) :أنّ الماهيّات بلوازمها ليس منشأ لأثرمن الآثار،و لا علّية و معلوليّة بينها حقيقة أصلا،فإن قيل:إنّ الماهيّة الكذائيّةعلّة لكذا،فهو من باب المسامحة،كما قيل:إنّ عدم العلّة علّة لعدم المعلول،فإذا رجعوا إلى تحقيق الحال أقاموا البرهان المتقن على أنّ الماهيّات اعتباريّات‏ليست بشي‏ء،و العدم حاله معلوم.فالتأثير و التأثّر أناخا راحلتيهما لدى الوجود،و إليه المصير،و منه المبدأو المعاد،و هذا يؤكّد عدم معلوليّة الذات و الذاتيّات في الممكنات،فإنّها من‏سنخ الماهيّات المحرومة عن المجعوليّة و الفيض الوجوديّ،فالمفيض و المفاض‏هو الوجود لا غير.

1)الأسفار 2:226.

2)الأسفار 2:380.


76

الرابعة:أنّ كلّ كمال و جمال و خير يرجع إلى الوجود،و إنّما الماهيّات‏أمور اعتباريّة لا حقيقة لها (1) بل‏ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء (2) .فالعلم بوجوده كمال،و القدرة وجودها شريف لا مهيّتها،وكذاسائر الكمالات،و الخيرات فإنّها بوجوداتها كمالات و خيرات،لا بماهيّاتها،فإنّهااعتباريّة،و لا شرف و لا خير في أمر اختراعيّ اعتباريّ.فالوجود مع كونه بسيطا غاية البساطة مركز كلّ الكمال و الخير،و ليس‏في مقابله إلاّ الماهيّات الاعتباريّة و العدم،و هما معلوما الحال ليس فيهما خيرو كمال،و لا جلال و جمال.و هذا أصل مسلم مبرهن عليه في محله،و إنّما نذكر هاهنا نتائج البراهين‏حذرا عن التطويل‏ (3) .الخامسة:أنّ المقرّر في محلّه‏ (4) و المبرهن عليه في العلوم العالية-كماعرفت-أنّ كلّ الكمالات ترجع إلى الوجود.فاعلم الآن أنّ السعادة-سواءكانت سعادة عقليّة حقيقيّة،أو حسيّة ظنّية-من سنخ الوجود و الكمال الوجوديّ،بل الوجود-أينما كان-هو خير و سعادة،و الشعور بالوجود و بكمال الوجودخير و سعادة،و كلّما تتفاضل الوجودات تتفاضل الخيرات و السعادات.بل التحقيق:أنّ الخير و السعادة مساوقان للوجود،و لا خيريّة للماهيّات‏

1)منظومة السبزواري:11،الأسفار 1:340-341.

2)النور:39.

3)منظومة السبزواري:11،الأسفار 1:340-341.

4)منظومة السبزواري:11،الأسفار 1:340-341.


77

الاعتبارية و الذاتيّات الاختراعيّة،فأتمّ الوجودات و أكملها يكون خيراً مطلقاًمبدأ كلّ الخيرات،و سعيداً مُطلقاً مصدر كلّ السعادات،و كلّما بعد الموجودعن مبدأ الوجود و صار متعانقاً بالأعدام و التعينات بعد عن الخير و السعادة.هذا حال السعادة.و أمّا الشقاوة مطلقا فعلى قسمين:أحدهما:ما هو مقابل الوجود و كماله،فهو يرجع إلى العدم و النقصان.و ثانيهما:الشقاوة الكسبيّة التي تحصل من الجهالات المركّبة و العقائدالفاسدة و الأوهام الخرافيّة في الاعتقاديّات،و الملكات الرذيلة و الأخلاق‏الذميمة كالكبر و الحسد و النفاق و الحقد و العداوة و البخل و الجبن في‏الأخلاقيّات،و ارتكاب القبائح و المحرّمات الشرعيّة كالظلم و القتل و السرقةو شرب الخمر و أكل الباطل في التشريعيّات.و هذا القسم من الشقاوة له صورة في النّفس و ملكوت الباطن،و بحسبها حظّ من الوجود مخالف لجوهر ذات النّفس و الفطرة الأصليّة لها،و ستظهر لأهلها في الدار الآخرة عند ظهور ملكوت النّفس،و الخروج عن‏خدر الطبيعة-موحشة مظلمة مؤلمة معذّبة إيّاها،و يبقى أهلها في غصّة دائمةو عذاب خالد،مقيّدين بسلاسل على حسب صور أعمالهم و أخلاقهم‏و ملكاتهم و ظلمات عقائدهم و جهالاتهم،حسبما هو المقرّر عند علماء الآخرة (1) و كشفت عن ساقها الكتب السماويّة،و لا سيّما الكتاب الجامع الإلهيّ و القرآن‏

1)الأسفار 9:4-5.


78

التامّ لصاحب النبوّة الختميّة (1) و المتكفّل لتفصيلها الأخبار الصادرة عن أهل‏بيت الوحي و الطهارة عليهم أفضل الصلاة و التحيّة (2) .إذا عرفت ما تقدّم من المقدّمات فاعلم:أنّ السعادة مطلقا و الشقاوةبمعناها الثاني لا يكونان من الذاتيّات الغير المعلّلة،فإنها-كما عرفت-هي‏الماهيّات و لوازمها،و الوجود-أيّ وجود كان فهو ليس بذاتيّ لشي‏ء من‏الأشياء الممكنة،و قد عرفت أنّ السعادة مطلقا و الشقاوة بهذا المعنى من سنخ‏الوجود،و هو مجعول معلّل ليس ذاتيا لشي‏ء من الموجودات الممكنة.نعم لمّا كانت الوجودات مختلفة المراتب ذات المدارج بذاتها،تكون كلّ‏مرتبة تالية معلول مرتبة عالية متلوّة لا يمكن التخلّف عنها،فالوجود الداني‏معلول الوجود العالي السابق له بذاته و هويّته،و لا يمكن تخلّفه عن المعلوليّة،فإنّها ذاتيّة له،و هذا الذاتيّ غير الذاتيّ الّذي لا يعلّل،بل الذاتيّ الّذي هو عين‏المعلوليّة كما عرفت.

في الإشكال على المحقّق الخراسانيّ‏

و بما ذكرنا سقط ما أفاده المحقّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-في الكفاية (3) و الفوائد (4) :من أنّ التجرّي كالعصيان و إن لم يكن باختياره،إلاّ أنّه بسوء

1)النبأ:26 و آيات أخرى كثيرة.

2)انظر بحار الأنوار 18:282 باب 3.

3)الكفاية 2:14-16.

4)الفوائد:290.


79

سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و إمكانا،و إذاانتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال و ينقطع السؤال ب«لم»،فإنّ الذاتيّات ضروريّةالثبوت للذات،و بذلك أيضا ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر و العاصي‏الكفر و العصيان،و المطيع و المؤمن الإطاعة و الإيمان؟فإنّه يساوق السؤال عن‏أنّ الحمار لم يكون ناهقا،و الإنسان لم يكون ناطقا؟و ما أفاد-أيضا-من أنّ العقاب إنّما يتبع الكفر و العصيان التابعين للاختيارالناشئ عن مقدّماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللازمة لخصوص ذاتهما،فإنّ‏(السعيد سعيد في بطن أمّه،و الشقيّ شقيّ في بطن أمّه) (1) و(الناس معادن‏كمعادن الذهب و الفضّة) (2) كما في الخبر،و الذاتيّ لا يعلّل،فانقطع سؤال:أنه لم جعل السعيد سعيدا و الشقيّ شقيّا؟فإنّ السعيد سعيد بنفسه و الشقيّ‏شقيّ كذلك،و قد أوجدهما اللَّه تعالى‏ (3) انتهى.فإنّه يرد عليه:-مضافا إلى ما عرفت من وقوع الخلط و الاشتباه منه قدّس‏سرّه في جعل الشقاوة و السعادة من الذاتيّات الغير المعلّلة-أنّ الذاتيّ‏الغير المعلّل أي الماهيّات و لوازمها لم تكن منشأ للآثار مطلقا،فاختيار الكفرو العصيان الّذي هو أمر وجوديّ،و كذا الإرادة التي هي من الموجودات،لم يكونا ناشئين من الذات و الذاتيّات التي هي الماهيّات،لما عرفت من أنّ‏

1)كنز العمال 1:107-491،توحيد الصدوق:356-3 باب 58.

2)الكافي 8:177-197،مسند أحمد بن حنبل 2:539.

3)الكفاية 1:100-101.


80

الماهيّات مطلقا منعزلة عن التأثير و التأثّر،و التأثير بالوجود و في الوجود،و هوليس بذاتيّ لشي‏ء من الممكنات.و بذلك علم ما في قوله:من أنّ تفاوت أفراد الناس في القرب منه تعالى‏و البعد عنه تعالى،سبب لاختلافها في استحقاق الجنّة و النار و نيل الشفاعةو عدمه،و تفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيّا و الذاتيّ لا يعلّل‏ (1) فإنّ تفاوت‏أفراد الناس و الامتيازات الفرديّة إنّما تكون بحسب الهويّة الوجودية و العوارض الشخصية التي هي الأمارات للهوية البسيطة الوجودية،لا بحسب‏الماهيّة و لوازمها،و التفاوت الوجوديّ ليس بذاتيّ للأشياء،فالاختلاف الفرديّ‏إنّما هو بجعل الجاعل،لا بالذات.لا أقول:إنّ الجاعل جعل بسيطا وجود زيد و عمرو،ثمّ جعلهما مختلفين‏بالجعل التأليفيّ،بل أقول:إنّ هويّة زيد المختلفة مع هويّة عمرو مجعولة بالجعل‏البسيط،و هذا هو المراد بالذاتيّ في باب الوجود الّذي لا ينافي الجعل.و إن شئت قلت:إنّ اختلاف الهويّات الوجوديّة بنفس ذاتها المعلولة،فافهم،فإنّه دقيق جدّاً.

في سبب اختلاف أفراد الإنسان‏

فإن قلت:إذا كانت الذات و الذاتيّات و لوازمها في أفراد الإنسان غيرمختلفة،فمن أين تلك الاختلافات الكثيرة المشاهدة؟فهل هي بإرادة الجاعل‏

1)الكفاية 2:16.


81

جزافا؟تعالى عن ذلك علوّا كبيرا،إضافة إلى‏ورود إشكال الجبر أيضا.قلت:هاهنا كلام طويل في وقوع أصل الكثرة في الوجود،و له مقدّمات‏كثيرة ربّما لا ينبغي الغور فيها إلاّ في المقام المعدّ لها،و لكنّ الّذي يناسب مقامنافي وقوع الاختلاف في الأفراد الإنسانية أن يقال:إنّ الموادّ التي يتغذّى بها بنو آدم،و بها يعيشون،و تستمرّ حياتهم في‏هذا العالم العنصريّ الطبيعيّ مختلفة بحسب النوع لطافة و كثافة و صفاءو كدورة،فربّما يكون التفّاح و الرمّان و الرطب ألطف و أصفى و أقرب إلى‏الاعتدال و الكمال الوجوديّ من الجزر و الباقلاّء و أشباههما،و هذا الاختلاف‏الكثير بين أنواع الموادّ الغذائيّة ربّما يكون ضروريّا.و لا إشكال في أنّ النطفةالإنسانيّة التي يتكوّن منها الولد،و تكون لها المبدئيّة الماديّة له،من تلك الموادّالغذائية،فإنّ النطفة من فضول بعض الهضوم،فالقوّة المولّدة المودعة في‏الإنسان تفرز من عصارة الغذاء هذه المادّة المنويّة لحفظ بقاء النوع،فربّما تفرزالمادّة من مادّة غذائيّة لطيفة نورانيّة صافية أكلها الوالد،و ربّما يكون الإفراز من‏المادّة الكثيفة الظلمانيّة الكدرة،و قد يكون من متوسّطة بينهما،و قد يمتزج‏بعضها بالبعض.و معلوم أنّ هنا اختلافات و امتزاجات كثيرة لا يحصيها إلاّ اللَّه تعالى،و لعلّ المراد من النطفة الأمشاج في قوله تعالى: إنّا خلقنا الإنسان من نطفةأمشاج (1) هو هذه الامتزاجات و الاختلاطات التي تكون في نوع الأفراد،

1)الإنسان:2.


82

و قلّما تكون النطفة غير ممتزجة و لا مختلطة من موادّ مختلفة.و من الواضح المقرّر في موضعه‏ (1) :أنّه كلّما اختلفت المادّة اللائقةالمستعدّة لقبول الفيض من مبدئه اختلفت العطيّة و الإفاضة حسب‏اختلافاتها،فإنّه تعالى واجب الوجود بالذات و من جميع الجهات،فهوواجب الإفاضة و الإيجاد،لكن المادّة الصلبة الكثيفة لا تقبل الفيض و العطيّة إلاّبمقدار سعة وجودها و استعدادها.ألا ترى أنّ الجليديّة1تقبل من نور غيب‏النّفس ما لا يقبله الجلد الضخم و العظم،فالنفس المفاضة على المادّة اللطيفةالنورانية ألطف و أصفى و أليق لقبول الكمال من النّفس المفاضة على المادّةالمقابلة لها.و هذا-أي اختلاف النطف-أحد موجبات اختلاف النفوس و الأرواح،و هاهنا موجبات كثيرة أخرى لاختلاف الموادّ في قبول الفيض،و لاختلاف‏الأرواح‏في درجات‏الكمال،بل إلى الوصول إلى الغاية و الخروج من الأبدان:منها:اختلاف الأصلاب في الشموخ و النورانيّة و الكمال و مقابلاتهاو التوسّط بينهما،و هذا أيضا باب واسع،و موجب لاختلافات كثيرة ربّما لا تحصى.و منها:اختلاف الأرحام كذلك،و هذا أيضا من الموجبات الواضحة.و بالجملة:الوراثة الروحيّة شي‏ء مشاهد معلوم بالضرورة.1الجليدية:و هي إحدى الرطوبات الثلاثة الموجودة في العين الباصرة،و عرفوها بأنها رطوبةصافية كالبرد و الجليد مستديرة ينقص من تفرطحها من قدامها استدارتها.طبيعيات‏الشفاء 3:256.

1)الأسفار 1:394،2:353-354،7:76-77.


83

و منها:غير ذلك،من كون غذاء الأب و الأمّ حلالا أو حراما أو مشتبها،و كذا كون ارتزاقهما من الحلال أو الحرام أو المشتبه في حال كون الأمانة في‏باطنهما،و كون معدتهما في حال الوقاع خالية أو ممتلئة أو متوسّطة،و كون‏الوقاع حلالا أو حراما أو مشتبها،و كون آداب الجماع مرعيّة مطلقا،أو غيرمرعيّة مطلقا،أو مرعيّا بعضها دون بعض،فإنّ لكلّ ما ذكر دخالة تامّة في قبول‏المادّة الفيض الوجوديّ من المبدأ الجواد.فلو فرضنا أنّ المادّة في كمال النورانيّة،و الصلب شامخ طاهر كامل،و الرحم طاهر مطهّر،و الآداب الإلهيّة محفوظة مرعيّة،يكون الولد طاهرامطهّرا لطيفا نورانيّا.و لو اتّفق كون سلسلة الآباء و الأمّهات كلّها كذلك لصار نورا على نور،و طهارة على طهارة،كما تقرأ في زيارة مولانا و سيّدنا الحسين عليه الصلاةو السلام:(أشهد أنّك كنت نورا في الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهّرة،لم تنجّسك الجاهليّة بأنجاسها،و لم تلبسك من مدلهمّات ثيابها) (1) .فإنّ هذه الفقرات الشريفة تدلّ على ما ذكرنا من دخالة المادّة النوريّة التي‏في الأصلاب،و شموخ الأصلاب،و طهارة الأرحام،و تنزيه الآباء و الأمّهات‏من قذارات الجاهليّة من الكفر و ذمائم الأخلاق و قبائح الأعمال،في طهارةالولد و نورانيّته.هذه كلّها أمور دخيلة في أرواح الأطفال قبل ولادتها،و بعد الولادة

1)مصباح المتهجد:664.


84

تكون أمور كثيرة دخيلة في اختلافها:منها:الارتضاع و المرضعة و زوجها،فإنّ في طهارة المرضعة و ديانتهاو نجابتها و أخلاقها و أعمالها،و كذا في زوجها،و كيفيّة الارتضاع و الرضاع،دخالة عظيمة في الولد.و منها:التربية في أيّام الصغر و في حجر المربّي.و منها:التربية و التعلّم في زمان البلوغ.و منها:المصاحب و المعاشر.و منها:المحيط و البلد الواقع فيه.و منها:مطالعة العلوم المختلفة و الممارسة للكتب و الآراء،فإنّ لها دخالةتامّة عظيمة في اختلاف الأرواح.و منها غير ذلك.و بالجملة:كلّ ما ذكر في الآيات و الأخبار من الآداب الشرعيّة صراحة أوإشارة،وجوبا أو حرمة أو استحبابا أو كراهة،لها دخالة في سعادة الإنسان‏و شقائه من قبل الولادة إلى الموت.هذا شمّة من كيفيّة وقوع الاختلاف في الأفراد الإنسانيّة،و لا يكون شي‏ءمنها ذاتيّا غير معلّل.و أمّا سبب اختلاف الموادّ الغذائيّة بل مطلق الأنواع،و كيفيّة وقوع‏الكثرة في العالم،فهو أمر خارج عمّا نحن بصدده،و لا دخالة له بالجبرو الاختيار،بل هو من المسائل الإلهيّة المطروحة في العلم الأعلى مع اختلاف‏


85

مشارب الفلاسفة و العرفاء فيه،فمن كان من أهله فليراجع مظانّه،و نحن لسنابصدد بيان الجبر و الاختيار و تحقيق الحال في تلك المسألة،فإنّ لها مقاما آخر،و لها مباد و مقدّمات مذكورة في الكتب العقليّة.

في أنّ السعادة قابلة للتغيير و كذا الشقاوة

ثمّ اعلم:أنّ تلك الاختلافات التي قد أوضحنا سبيلها و نبّهنا على‏أساسها،لم تكن من الأمور التي لا تختلف و لا تتخلّف مثل الذاتيّات الغيرالقابلة للتخلّف،بل الإنسان-أيّ إنسان كان-ما دام كونه،في عالم الطبيعةو تعانقه مع الهيولى القابلة للأطوار و الاختلافات،قابل لأن يتطوّر و أن يتبدّل‏و يتغيّر،إمّا إلى السعادة و الكمالات اللائقة به،أو إلى الشقاوة و الأمور المنافيةلجوهر فطرته،كلّ ذلك بواسطة الكسب و العمل.فالشقيّ الفاسد عقيدة و السيئ أخلاقا و القبيح أعمالا قابل لأن‏يصير سعيدا مؤمنا كاملا بواسطة كسبه و عمله و ارتياضه و مشاقّه،و تتبدّل جميع‏عقائده و أخلاقه و أعماله إلى مقابلاتها،و كذلك السعيد قابل لأن يصير شقيّابالكسب.و ذلك لأنّ الهيولى الأولى قابلة،و المفاض عليها-بعد تطوّراتها في‏مراتب الطبيعة من النطفة إلى أن تصير قابلة لإفاضة النّفس عليها-هو النّفس‏الهيولانيّة اللائقة للكمالات و أضدادها،و إذا اكتسبت الكمالات النفسانيّةلم تبطل الهيولى،و لم تصر تلك الكمالات ذاتها و ذاتيّاتها،فهي-بعد لمّا كانت‏


86

في أسر الهيولى و متعانقة معها-ممكنة التغيّر،كما هو المشاهد في مرّ الدهورو كرّ الليالي من صيرورة الكافر السيئ الخلق القبيح العمل مؤمنا صالحا حسن‏الخلق،و بالعكس.فالإنسان في تغيير الأخلاق و العقائد فاعل مختار،يمكنه بالاختيارتحصيل العقائد الحقّة و الأخلاق الفاضلة و الملكات الحسنة.نعم قد يحتاج إلى‏رياضة نفسانيّة و تحمّل مشاقّ علميّة أو عمليّة.و الدليل على إمكانه:دعوة الأنبياء و الشارعين-عليهم الصلاة و السلام-و إراءتهم طرق العلاج،فإنّهم أطبّاء النفوس و الأرواح.فما هو المعروف من‏أنّ الخلق الكذائيّ من الذاتيّات و الفطريّات غير ممكن التغيّر و التخلّف ليس‏بشي‏ء،فإنّ شيئا من العقائد و الأخلاق و الملكات ليس بذاتيّ،بل هي من‏عوارض الوجود داخلة تحت الجعل.ألا ترى أنها تحصل في الإنسان بالتدريج،و تستكمل فيه بالتكرار متدرّجة،و تكمل و تنقص،و ليس شي‏ء من الذات‏و الذاتيّات كذلك.فما وقع في الكفاية (1) :-من أنّ بعث الرسل و إنزال الكتب و الوعظو الإنذار إنّما تفيد من حسنت سريرته و طابت طينته،و تكون حجّة على من‏ساءت سريرته و خبثت طينته و لا تفيد في حقّهم-ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه،بل هو مناقض للقول بأنّ اختيار الكافر و العاصي الكفر و العصيان،و المطيع‏و المؤمن الإطاعة و الإيمان من الذاتيّات التي لا تختلف و لا تتخلّف،فإنّ‏

1)الكفاية:2:16.


87

الانتفاع بالشرائع و المواعظ لا يجتمع مع ذاتيّة الاختيار و السعادة و الشقاوة،فهل يمكن أن يصير الإنسان حماراً أو إنساناً أو الحمار إنساناً أو حماراً بالوعظو الإنذار؟!و إنّي لأَظنّك لو كنت على بصيرة ممّا أوضحنا سبيله و أحكمنا بنيانه،لَهديت إلى الصراط المستقيم،فاستقم و كن من الشاكرين.

في معنى قوله:(السعيد سعيد.).و(الناس معادن)

فإن قلت:فعلى ما ذكرت من البيان،فما معنى قوله:(السعيد سعيد في‏بطن أمّه و الشقيّ شقيّ في بطن أمه) (1) ،و قوله:(الناس معادن كمعادن‏الذهب و الفضّة) (2) ؟قلت:أمّا قوله:(الناس معادن)بناء على كونه رواية صادرة عن المعصوم‏عليه السلام فهو من مؤيّدات ما ذكرنا،من أنّ اختلاف أفراد الناس من جهةاختلاف الموادّ الغذائيّة الموجبة لاختلاف الموادّ المنويّة القابلة لإفاضة الصورو الأرواح عليها،فكما أنّ اختلاف الذهب و الفضّة وجودا يكون باختلاف‏الموادّ السابقة و الأجزاء المؤلّفة و التركيبات و الامتزاجات المختلفة و كيفيّة النضج‏و الطبخ-كما هو المقرّر في العلوم الطبيعية-كذلك أفراد الإنسان تختلف‏باختلاف الموادّ السابقة كما عرفت.

1)توحيد الصدوق:356-3 باب 58،كنز العمال 1:107-491.

2)الكافي 8:177-197،مسند أحمد بن حنبل 2:539.


88

و بالجملة:الإنسان من جملة المعادن في هذا العالم الطبيعي،و اختلافه‏كاختلافها.و أمّا قوله:(السعيد سعيد.).فقريب من مضمونه موجود في بعض‏الأخبار،فهو-أيضا-على فرض صدوره لا ينافي ما ذكرناه،بل يمكن أن يكون‏من المؤيدات;فإنّ اختلاف إفاضة الصور باختلاف الموادّ و سائر الاختلافات‏التي قد عرفتها،فالصورة الإنسانيّة التي تفاض على المادّة الجنينيّة في بطن أمّه‏تختلف باختلافها،بل جعل مبدأ السعادة و الشقاوة هو بطن الأمّ شاهد على‏ما ذكرنا،و لو كانتا ذاتيّتين فلا معنى لذلك.تأمّل.و يمكن أن لا يكون هذا القول ناظرا إلى تلك المعاني،بل يكون جارياعلى التعبيرات العرفيّة،بأنّ الإنسان السعيد يوجد أسباب سروره و سعادته من‏أوّل الأمر،و الشقيّ يوجد أسباب شقائه و نكبته من أوّل أمره.و يحتمل بعيدا أن يكون المراد من بطن الأمّ هو عالم الطبيعة،فإنّه دارتحصيل السعادة و الشقاوة.هذا ما يناسب إيراده في المقام،و لكن يجب أن يعلم أنّ لتلك المسائل‏و أداء حقّها مقاما آخر،و لها مقدّمات دقيقة مبرهنة في محلّها،ربّما لا يجوزالدخول فيها لغير أهل فنّ المعقول;فإنّ فيها مزالّ الأقدام و مظانّ الهلكة،و لذاترى ذلك المحقّق الأصوليّ-قدّس سرّه-كيف ذهل عن حقيقة الأمر،و خرج‏عن سبيل التحقيق.


89

في أنّ للمعصية منشأين للعقوبة

قوله:ثمّ لا يذهب عليك...إلخ‏ (1) .(1)لا يخفى أنّ الالتزامَ بكون منشأ استحقاق العقاب في المعصية و التجرّي‏أمرا واحدا هو الهتك الواحد-كما أفاده رحمه اللَّه-خلاف الضرورة;للزوم أن‏لا يكون للمنهي عنه مفسدة أخرويّة أصلا،بل لازمه أن يكون في الطاعةو الانقياد منشأ واحد للاستحقاق،و أن لا يكون للمأمور به مصلحة أصلا،و هوخلاف ارتكاز المتشرّعة،و خلاف الآيات الكريمة1و الأخبار الشريفة في باب‏الثواب و العقاب‏ (2) .كما أنّ الالتزامَ بأنّ التجرّي و الهتك لحرمة المولى لا يوجب شيئا أصلاأيضا خلاف الضرورة و الوجدان الحاكم في باب الطاعة و العصيان.بل الحقّ ما أوضحنا سبيله من كون التجرّي سببا مستقلا،و له عقوبات‏لازمة لذاته،و تبعات في عالم الملكوت و باطن النّفس،و صور مؤلمة موحشةمظلمة،كما أنّ للانقياد صورة ملكوتيّة بهيّة حسنة ملذّة.و في المعصية و الطاعة منشئان:1كقوله تعالى:(إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر)العنكبوت:29 و قوله تعالى:(و أذن في‏الناس بالحج...ليشهدوا منافع لهم)الحج:27-28.

1)الكفاية 2:17.

2)راجع كتاب علل الشرائع:247-275 باب 182 علل الشرائع و أصول الإسلام.و غيره‏من الأبواب.


90

أحدهما:ما ذكر،فإنّهما شريكان للتجرّي و الانقياد.و ثانيهما:استحقاق الثواب و العقاب على نفس العمل،إمّا بنحوالجَعل،أو بنحو اللزوم و تجسّم صور الأعمال.و لا يذهب عليك:أنّ القول بالعقوبة الجعليّة لا ينافي الاستحقاق;فإنّ‏الجعل لم يكن جزافا و بلا منشأ عند العدليّة،و العقل إنّما يحكم بالاستحقاق‏بلا تعيين مرتبة خاصّة،فلا بدّ من تعيين المرتبة من الجعل على القول به.


91

المبحث الأول‏في بيان أقسام القطع‏

قوله:الأمر الثالث...إلخ‏ (1) .(1)ها هنا مباحث:الأوّل في أقسام القطع:فإنّه قد يتعلّق بموضوع خارجيّ،أو موضوع ذي‏حكم،أو حكم شرعيّ متعلّق بموضوع مع قطع النّظر عن القطع،و هو في‏جميع الصور كاشف محض،و ذلك واضح.و قد يكون له دخالة في الموضوع:إمّا بنحو تمام الموضوعيّة،أو جزئها.فهاهنا أقسام،فإنّ القطع لمّا كان من الأوصاف الحقيقيّة ذات الإضافة،فله قيامٌ بالنفس قيامَ صدور أو حلول-على المسلكين في العلوم العقليّة-و إضافةٌ إلى المعلوم بالذات الّذي هو في صقع النّفس إضافة إشراق و إيجاد،

1)الكفاية 2:18.


92

فإنّ العلم هو الإضافة الإشراقيّة بين النّفس و المعلوم بالذات،بها يوجد المعلوم‏كوجود الماهيّات الإمكانيّة بالفيض المقدّس الإطلاقي،و له-أيضا-إضافةبالعرض إلى المعلوم بالعرض الّذي هو المتعلّق المتحقّق في الخارج.و قيام العلم بالنفس و كون الصورة المعلومة بالذات فيها،بناء على عدم‏كون العلم من مقولة الإضافة،كما ذهب إليه الفخر الرازي‏1فرارا عن‏الإشكالات الواردة على الوجود الذهني.فما وقع في تقريرات بعض المحقّقين‏رحمه اللَّه-من قيام الصورة في النّفس من غير فرق بين أن نقول:إنّ العلم من‏مقولة الكيف أو مقولة الفعل أو الانفعال أو الإضافة (1) -ناشٍ عن الغفلة عن‏حقيقة الحال.و بالجملة:أنّ العلم له قيام بالنفس و إضافة إلى المعلوم بالذات و إضافةإلى المعلوم بالعرض،بل هذه الإضافة على التحقيق هي علم النّفس،و هو أمربسيط،لكن للعقل أن يحلّله إلى أصل الكشف و تماميّة الكشف،فعليه يكون‏للقطع جهات ثلاث:جهة القيام بالنفس مع قطع النّظر عن الكشف،كسائر أو صافها مثل‏القدرة و الإرادة و الحياة.1المباحث المشرقية 1:331.الفخر الرازي:هو الشيخ محمّد بن عمر بن الحسين التميمي‏البكري الملقب بفخر الدين الرازي،ولد في بلدة ري سنة 544 ه،أشعري الأصول شافعي‏الفروع،له عدّة مؤلفات منها التفسير الكبير و المطالب العالية،توفي في هراة سنة 606 ه و دفن‏فيها.انظر وفيات الأعيان 4:248،الكنى و الألقاب 3:9،روضات الجنات 8:39.

1)فوائد الأصول 3:16.


93

و جهة أصل الكشف المشترك بينه و بين سائر الأمارات.وجهة كمال الكشف و تماميّة الإراءة المختصّ به المميّز له عن الأمارات.و لا يخفى أنّ تلك الجهات ليست جهات حقيقيّة حتى يكون العلم‏مركّبا منها،بل هو أمر بسيط في الخارج،و إنّما هي جهات يعتبرها العقل‏و يحلّله إليها بالمقايسات،كالأجناس و الفصول للبسائط الخارجيّة،و كاعتباركون الوجود الكامل الشديد ممتازا عن الناقص الضعيف بجهة التماميّة،مع أنّ‏الوجود بسيط،لا شديده مركّب من أصل الوجود و الشدّة،و لا ضعيفة منه و من‏الضعف،كما هو المقرّر في محلّه‏ (1) .و بالجملة:هذه الجهات كلّها حتّى جهة القيام بالنفس اعتباريّة،يمكن‏للمعتبر أن يعتبرها و يجعلها موضوعا لحكم من الأحكام.فالأقسام ستّة:الأوّل:أخذه بنحو الصفتيّة-أي بجهة قيامه بالنفس مع قطع النّظر عن‏الكشف عن الواقع-تمامَ الموضوع.و الثاني:أخذه كذلك بعضَ الموضوع.و الثالث:أخذه بنحو الطريقيّة التامّة و الكشف الكامل تمامَ الموضوع.و الرابع:أخذه كذلك بعضَ الموضوع.و الخامس:أخذه بنحو أصل الكشف و الطريقيّة المشتركة بينه و بين سائرالأمارات تمامَ الموضوع.

1)شرح المنظومة:22-23.


94

و السادس:أخذه كذلك بعضَ الموضوع.و سيأتي الفرق بينها في الجهة المبحوث عنها.

في الإيراد على بعض مشايخ العصر

فإن قلت:في إمكان أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقيّة إشكال،بل‏الظاهر أنّه لا يمكن،و من جهة أنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع‏و ذي الصورة بوجه من الوجوه،و أخذه على وجه الطريقيّة يستدعي لحاظ ذي‏الصورة و ذي الطريق،و يكون النّظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم،كما هو الشأن في كلّ طريق;حيث إنّ لحاظه طريقا يكون في الحقيقة لحاظالذي الطريق،و لحاظ العلم كذلك ينافي أخذه تمام الموضوع.فالإنصاف:أنّ أخذه تمام الموضوع لا يمكن إلاّ بأخذه على وجه الصفتيّة.قلت:نعم هذا إشكال أورده بعض محقّقي العصر-على ما في تقريرات‏بحثه‏ (1) -غفلة عن حقيقة الحال،فإنّ الجمع بين الطريقيّة و الموضوعيّة إنّمالا يمكن فيما إذا أراد القاطع نفسه الجمع بينهما،فإنّ القاطع يكون نظره‏الاستقلاليّ إلى الواقع المقطوع به،و يكون نظره إلى القطع آليّا طريقيّا،و لا يمكن في هذا اللحاظ اللئالي أن ينظر إليه باللحاظ الاستقلاليّ،مع أنّ النّظرإلى الموضوع لا بدّ و أن يكون استقلاليّا غير آليّ.هذا بالنسبة إلى القاطع.و أمّا غير القاطع إذا أراد أن يجعل قطع غيره موضوعا لحكم،يكون نظره‏

1)فوائد الأصول 3:11.


95

إلى قطع القاطع-الّذي هو طريق-لحاظا استقلاليّا،و لا يكون لحاظه لذي‏الطريق،بل يكون للطريق،فلحاظ القاطع طريقيّ آليّ،و لحاظ الحاكم لقطعه‏الطريقيّ موضوعيّ استقلاليّ.فأيّ محال يلزم إذا لحظ لاحظ باللحاظ الاستقلاليّ القطع الطريقيّ الّذي‏لغيره،و جعله موضوعا لحكمه على نحو الكاشفيّة على وجه تمام الموضوع؟!و هل هذا إلاّ الخلط بين اللاحظين؟!ثمّ إنّه لا اختصاص لعدم الإمكان-لو فرض-بأخذه تمام الموضوع أوبعض الموضوع،فتخصيصه به في غير محلّه.ثمّ إنّ القطع قد يتعلّق بموضوع خارجيّ،فتأتي فيه الأقسام الستّةالسابقة،و قد يتعلّق بحكم شرعيّ،فيمكن أخذه موضوعا لحكم آخر غيرما تعلّق العلم به،و تأتي-أيضا-فيه الأقسام.و أمّا إذا تعلّق بحكم شرعيّ،فهل يمكن أخذه موضوعا لنفس الحكم‏الّذي تعلّق العلم به؟قال بعض مشايخ العصر-على ما في تقريرات بحثه-:لا يمكن ذلك إلاّبنتيجة التقييد،و قال في توضيحه ما حاصله:إنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقة للحكم،فلا يمكن فيه‏الإطلاق و التقييد اللحاظي،كما هو الشأن في الانقسامات اللاحقة للمتعلّق‏باعتبار تعلّق الحكم به،كقصد التعبّد و التقرّب في العبادات،فإذا امتنع التقييدامتنع الإطلاق;لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم و الملَكة;لكنّ الإهمال الثبوتي‏


96

أيضا لا يعقل،فإنّ ملاك تشريع الحكم:إمّا محفوظ في حالتي الجهل و العلم‏فلا بدّ من نتيجة الإطلاق،و إمّا في حالة العلم فلا بدّ من نتيجة التقييد،فحيث‏لا يمكن بالجعل الأوّلي فلا بدّ من دليل آخر يستفاد منه النتيجتان،و هو متمّم‏الجعل.و قد ادعي تواتر الأدلّة على اشتراك العالم و الجاهل في الأحكام،و إن‏لم نعثر إلاّ على بعض أخبار الآحاد،لكنّ الظاهر قيام الإجماع بل الضرورةعلى ذلك،فيستفاد من ذلك نتيجة الإطلاق،و أن الحكم مشترك بين العالم‏و الجاهل.لكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص،كما خصّصت في الجهر و الإخفات‏و القصر و الإتمام‏ (1) انتهى.و فيه أوّلا:أنّ الانقسامات اللاحقة على ضربين:الضرب الأول‏:ما لا يمكن تقييد الأدلّة به،بل و لا يمكن فيه نتيجةالتقييد،مثل أخذ القطع موضوعا بالنسبة إلى نفس الحكم،فإنه غير معقول‏لا بالتقييد اللحاظي و لا بنتيجة التقييد،فإنّ حاصل التقييد و نتيجته:أنّ الحكم‏مختصّ بالعالم بالحكم،و هذا دور مستحيل;فإنّ العلم بالحكم يتوقّف على‏الحكم بالضرورة،و لو فرض الاختصاص-و لو بنتيجة التقييد-يصير الحكم‏متوقّفا على العلم به.نعم لا دور فيما إذا كان القطع تمام الموضوع;لعدم دخالة الواقع فيه حتّى‏

1)فوائد الأصول 3:11-12.


97

يلزم الدور.نعم في كون أحكام اللَّه الواقعيّة تابعة لآراء المجتهدين-كما عليه فرقة من‏غير أهل الحقّ-و قد أشكل عليهم بورود الدور.و يمكن الذبّ عنهم:بأنّ الشارع أظهر أحكاما صوريّة-بلا جعل أصلا-لمصلحة في نفس الإظهار;حتّى يجتهد المجتهدون و يؤدّي اجتهادهم إلى حكم‏بحسب تلك الأدلّة التي لا حقيقة لها،ثمّ بعد أداء اجتهادهم إلى حكم أنشأالشارع حكما مطابقا لرأيهم تابعا له.لكن هذا مجرّد تصوير و محض تخييل،و ربّما لا يرضى به المصوّبة.و بالجملة:اختصاص الحكم بالعالم بالحكم غير معقول بوجه من‏الوجوه.و أما في مثل باب الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام فلا يتوقّف الذبّ عن‏الإشكال فيه على الالتزام بالاختصاص،بل يمكن أن يكون عدم الحكم بالقضاءأو الإعادة من باب التخفيف و التقبّل،كما يمكن ذلك في حديث(لا تعادالصلاة) (1) بناء على عدم اختصاصه بالسهو كما لا يبعد.و يمكن أن تكون الإعادة أو القضاء ممّا بطل محلّهما في تلك الموارد،نظيرمريض كان دستوره شرب الفلوس مع البنفسج و أصل السوس،فشرب‏الفلوس الخالص،فإنّ إعادته مع الشرائط ممّا يفسد المزاج،فشربه خالصا أفسد

1)من لا يحضره الفقيه 1:181-17 باب 42 في القبلة و 1:225-8 باب 49 في أحكام السهو،و التهذيب 2:152-55 باب 9.


98

المحلّ و أخرجه عن قابليّة الشرب المخلوط،فلعلّ إعادة الصلاة تامّة مع إتيانهاناقصة من هذا القبيل،إلى غير ذلك من الاحتمالات.و الضرب الثاني من الانقسامات اللاحقة:ما يمكن تقييد الأدلّة به بدليل‏آخر،كقصد التعبّد و الأمر و التقرّب في العبادات.ففي هذا القسم لا يبعد إمكان التقييد اللحاظيّ أيضا،فإنّ تصوّر الأمرالمتأخّر عن الحكم ممكن قبل الجعل،و تقييد الموضوع به-أيضا-ممكن،فللآمرأن يلاحظ قبل إنشاء الحكم الموضوع الّذي أراد أن يجعله متعلَّقا للأمر،و يلاحظ حالة تعلّق الأمر به في الآتية،و يلاحظ قصد المأمور لأمره،و يجعل‏قصد المأمور للتقرّب و التعبّد من قيود المتعلّق و يأمر به مقيّدا،مثل سائر القيودالمتأخّرة.نعم نفس تعلُّق الأمر ممّا يمكّن المكلّف من إتيان المتعلّق،فإنّ قبل تعلُّقه‏لا يمكن له الإتيان بالصلاة مع تلك القيود،و بنفس التعلّق يصير ممكنا.فإن قلت:بناء على ذلك إنّ الموضوع المجرّد عن قيد قصد التقرّب و الأمرلم يكن مأمورا به،فكيف يمكن الأمر به مع قصد أمره؟قلت:نعم هذا إشكال آخر غير مسألة الدور،و يمكن دفعه:بأنّ الموضوع‏متعلّق للأمر الضمنيّ،و الزائد على قصد الأمر الضمنيّ لا يلزم و لا موجب له.و ثانيا:أنّ الإطلاق و التقييد اللحاظي اللذين جعلهما من قبيل العدم‏و الملكة،و حكم بأن كلّما امتنع التقييد امتنع الإطلاق،ممّا لا أساس له;فإنّه إن‏كان اللحاظ صفة لكلّ من التقييد و الإطلاق،و أراد أن الإطلاق-أيضا-لحاظيّ‏


99

كالتقييد،فيرد عليه:أوّلا:أنّ الإطلاق لم يكن باللحاظ،بل هو متقوّم بعدم التقييد،فإذا قال‏المولى:«أعتق رقبة»بلا تقييده بشي‏ء مع تماميّة مقدّمات الحكمة-لو بنينا على‏لزوم المقدّمات-تمّ الإطلاق،و لا يحتاج إلى اللحاظ أصلا.و ثانيا:أنّ لحاظ الإطلاق و لحاظ التقييد من قبيل الضدّين لا العدم‏و الملكة;فإنّ اللحاظين أمران وجوديّان.و إن كان اللحاظ صفة للتقييد فقط;حتّى لا يحتاج الإطلاق إلى‏اللحاظ،فيرد عليه:أنّ امتناع الإطلاق ممنوع،و ما ادعى أنّ كلّما امتنع التقييدامتنع الإطلاق ممّا لا أساس له،و مجرّد دعوى بلا بيّنة و لا برهان.و التحقيق:أنّ الإطلاق و التقييد من قبيل العدم و الملكة أو شبيه بهما،و هذا كلام صحيح استعمله هذا المحقّق في غير موضعه،و استنتج منه هذه‏النتيجة العجيبة;أي إنكار مطلق الإطلاق في الأدلّة الشرعيّة;حتّى احتاج إلى‏دعوى الإجماع و الضرورة لاشتراك التكليف بين العالم و الجاهل،و هذا أمرغريب منه جدّاً.و توضيح ذلك:أنّ المتعلّق قد لا يمكن تقييده لقصور فيه،و لم يكن له‏شأنيّة التقييد،ففي مثله لا يمكن الإطلاق،فإنّ هذا شأن العدم و الملكة في جميع‏الموارد،فلا يقال للجدار:أعمى،فإنّه غير البصير الّذي من شأنه البصيريّة،و لا يقال:زيد مطلق إطلاقا أفراديا.و قد لا يمكن التقييد لا لقصور في الموضوع،بل لأمر آخر و منع خارجيّ،


100

كلزوم الدور في التقييد اللحاظيّ،فإنّ ذلك الامتناع لا يلازم امتناع الإطلاق،لعدم لزوم الدور في الإطلاق،و لذا يجوز تصريح الآمر بأنّ صلاة الجمعةواجبة على العالم و الجاهل بالحكم و الخمر حرام عليهما بلا لزوم محال.و ليت شعري أيّ امتناع يلزم لو كانت أدلّة الكتاب و السنة مطلقة تشمل‏العالم و الجاهل كما أنّ الأمر كذلك نوعا؟!و هل يكفي مجرّد امتناع التقييد في‏امتناع الإطلاق بلا تحقّق ملاكه‏1؟!فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ اشتراك التكليف بين العالم و الجاهل‏لا يحتاج إلى التماس دليل من الأخبار و الإجماع و الضرورة،و الفقهاء-رضوان‏اللَّه عليهم-لا يزالون يتمسّكون بإطلاق الكتاب و السنّة من غير نكير.و ممّا ذكرنا يظهر حال ما استنتج من هذه المقدّمة،و يسقط كلّية ما ذكره‏-رحمه اللَّه-في هذا المقام.و في كلامه في المقام مواقع للنظر تركناها مخافةالتطويل.1بل يمكن إقامة البرهان على الإطلاق في المقام من دون احتياج إلى تمامية مقدماته،فإن‏اختصاص الحكم بالعالمين لما كان ممتنعا و لم يختص بالجاهل بالضرورة،يكون لا محالة مشتركابينهما.و لعلّ ذلك سند الإجماع و الضرورة.منه قدس سره‏


101

المبحث الثاني‏في قيام الطرق و الأمارات‏و الأصول بنفس أدلّتها مقام القطع بأقسامه‏

و فيه مقامان:الأوّل:في إمكان قيامها مقامه ثبوتا،و الثاني:في وقوعه‏إثباتا و بحسب مقام الدلالة.أمّا المقام الأوّل:فالظاهر إمكانه و عدم لزوم محذور منه،إلاّ ما أفاده المحقّق‏الخراسانيّ‏ (1) -رحمه اللَّه-من الإشكالين:أحدهما:ما محصّله:أنّ الجعل الواحد لا يمكن أن يتكفّل تنزيل الظنّ‏منزلة القطع و تنزيل المظنون منزلة المقطوع فيما أخذ في الموضوع على نحوالكشف;للزوم الجمع بين اللحاظين المتنافيين-أي اللحاظ اللئالي‏و الاستقلاليّ-حيث لا بدّ في كلّ تنزيل من لحاظ المنزّل و المنزل عليه،مع‏

1)الكفاية 2:21.


102

أنّ النّظر في حجّيته و تنزيله منزلة القطع آليّ طريقي،و في كونه بمنزلته في‏دخله في الموضوع استقلاليّ موضوعيّ،و الجمع بينهما محال ذاتا.أقول:هذا الإشكال ممّا استصوبه جلّ المشايخ المحققين-رحمهم اللَّه-فأخذ كلّ منهم مهربا:منهم:من ذهب إلى أنّ المجعول في الأمارات هو المؤدّى،و أنّ مفاد أدلّةالأمارات جعل المؤدّى منزلة الواقع،و بالملازمة العرفيّة بين تنزيل المؤدّى منزلةالواقع و بين تنزيل الظنّ منزلة العلم،يتمّ الموضوع‏ (1) .و منهم:من ذهب إلى أنّ المجعول هو الكاشفيّة و الوسطيّة في الإثبات‏ (2) و بنفس هذا الجعل يتمّ الأمران.و منهم:من سلك غير ذلك‏ (3) و لعلّنا نرجع إلى حال ما سلكوا سبيله.و التحقيق:أنّ لزوم الجمع بين اللحاظين ممّا لا أساس له بوجه،و ذلك لأنّ‏القاطع أو الظانّ بشي‏ء يكون نظر هما إلى المقطوع به أو المظنون نظرا استقلاليّااسميّا،و إلى قطعه و ظنّه آليّا حرفيّا،و لا يمكن له الجمع بين لحاظي الآليّةو الاستقلاليّة;لكنّ الناظر إلى قطع هذا القاطع و ظنّه إذا كان شخصا آخر يكون‏نظره إلى هذا القطع و الظنّ الآليّين لحاظا استقلاليّا،و يكون نظره إلى الواقع‏المقطوع و المظنون بهذا القطع و الظنّ و إلى نفس القطع و الظنّ،في عرض‏

1)هو المحقق الآخوند-قدس سره-في حاشيته على فرائد الأصول:9 سطر 7-10.

2)هو المحقق الميرزا النائيني-قدس سره-كما جاء في فوائد الأصول 3:21.

3)كالمحقق الشيخ الحائري-قدس سره-في درر الفوائد 2:8-10.


103

واحد بنحو الاستقلال.فما أفاد-من أنّ النّظر إلى حجّية الأمارة و تنزيلها منزلة القطع آليّ طريقيّ-مغالطةٌ من باب اشتباه اللاحظين،فإنّ الحاكم المنزّل للظنّ منزلة القطع لم يكن‏نظره إلى القطع و الظنّ آليّا،بل نظره استقلاليّ قضاء لحقّ التنزيل.نعم نظرالقاطع و الظانّ آليّ،و لا دخل له في التنزيل.فمن هو الجاعل و المنزّل يكون نظره إلى القطع الطريقيّ للغير استقلاليّا،كما أنّه يكون نظره إلى الواقع المقطوع به-أيضا-استقلاليّا،و كذلك في الأمارةو المؤدّى.و من هو العالم أو الظانّ يكون نظره إلى القطع أو الظنّ آليّا،لكنّه خارج‏عن محطّ البحث.و أمّا قصور أدلّة التنزيل عن تكفّل الجعلين فهو أمر آخر مربوط بمقام‏الإثبات و الدلالة،لا من باب لزوم الجمع بين اللحاظين،و سنرجع إلى‏البحث عنه‏ (1) .و الثاني من الإشكالين:ما أفاده-أيضا-في الكفاية (2) ردّا على مقالته في‏تعليقة الفرائد (3) ;حيث تشبّث في التعليقة-فرارا عن لزوم الجمع بين‏اللحاظين-بجعل المؤدّى منزلة الواقع و الملازمة العرفيّة بين التنزيلين بلا جمع‏

1)انظر صفحة رقم:105 و ما بعدها.

2)الكفاية 2:23-24.

3)حاشية فرائد الأصول:9 سطر 7-9.


104

بين اللحاظين.و حاصل ردّه في الكفاية:أنّ ذلك يستلزم الدور;فإنّ تنزيل المؤدّى منزلةالواقع فيما كان للعلم دخل،لا يمكن إلاّ بعد تحقّق العلم في عرض ذلك‏التنزيل،فإنّه ليس للواقع أثر يصحّ بلحاظه التنزيل،بل الأثر مترتّب على الواقع‏و العلم به،و المفروض أنّ العلم بالمؤدّى تحقّق بعد تنزيل المؤدّى منزلة الواقع،فيكون التنزيل موقوفا على العلم،و العلم موقوفا على التنزيل،و هذا دورمحال‏1.و فيه:أنّه يكفي في التنزيل الأثر التعليقيّ،فهاهنا يكون للمؤدّى أثرتعليقيّ;أي لو انضمّ إليه جزؤه الآخر يكون ذا أثر فعليّ،بل لو قلنا بعدم كفايةالأثر التعليقيّ لنا أن نقول:إنّ هاهنا أثرا فعليّا،لكن بنفس الجعل،و لا يلزم أن‏يكون الأثر سابقا على الجعل،ففيما نحن فيه لمّا كان نفس الجعل متمّماللموضوع يكون الجعل بلحاظ الأثر الفعليّ المتحقّق في ظرفه،فلا يكون‏الجعل متوقّفا على الأثر السابق.و إن شئت قلت:لا دليل على كون الجعل بلحاظ الآثار إلاّ صون جعل‏الحكيم من اللّغويّة،و هاهنا لا يلزم اللّغويّة:إمّا بواسطة الأثر التعليقيّ،أو1هكذا قرّر الدور بعض الأعاظم‏ (1) و هو غير تام.و الأولى أن يقال إنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع‏يتوقف على تنزيل الظن منزلة العلم في عرضه،لأنّ الأثر مترتب على الجزءين و تنزيل الظن‏متوقف على تنزيل المؤدّى بالفرض;أي دعوى الملازمة العرفية.منه قدس سره‏.

1)فوائد الأصول 3:28


105

بلحاظ الأثر الفعليّ المتحقّق بنفس الجعل،فتدبّر.و أمّا المقام الثاني:أي مقام الإثبات و الدلالة،فلا بدّ لاتّضاح حاله من‏تقديم مقدّمة:و هي أنّه لا بدّ في كون شي‏ء أمارة جعليّة-أي جعل الشارع شيئا أمارةو طريقا إلى الواقع-من أمور:الأوّل:أن يكون له في ذاته جهة كشف و طريقيّة،فإنّ ما لا يكون له جهةالكشف أصلا لا يليق للأماريّة و الكاشفيّة.الثاني:أن لا يكون بنفسه أمارة عقليّة أو عقلائيّة;فإنّ الواجدللأماريّة لا معنى لجعله أمارة،فإنّه من قبيل تحصيل الحاصل و إيجادالموجود.الثالث:أن تكون العناية في جعله إلى الكاشفيّة و الطريقيّة و تتميم‏الكشف.

في عدم قيام الأمارات العقلائية مقام القطع مطلقا

إذا عرفت ذلك:فاعلم أنّ الأمارات المتداولة على ألسنة أصحابنا المحقّقين‏كلّها من الأمارات العقلائيّة التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم و سياساتهم‏و جميع أمورهم;بحيث لو ردع الشارع عن العمل بها لاختل نظام المجتمع‏و وقفت رحى الحياة الاجتماعية،و ما هذا حاله لا معنى لجعل الحجية له و جعله‏كاشفا محرزا للواقع بعد كونه كذلك عند كافّة العقلاء،و ها هي الطرق‏


106

العقلائيّة-مثل الظواهر،و قول اللُّغويّ،و خبر الثقة،و اليد،و أصالة الصحّةفي فعل الغير-ترى أنّ العقلاء كافّة يعملون بها من غير انتظار جعل و تنفيذ من‏الشارع،بل لا دليل على حجّيتها بحيث يمكن الركون إليه إلاّ بناء العقلاء،و إنّما الشارع عمل بها كأنّه أحد العقلاء.و في حجّية خبر الثقة و اليد بعض‏الروايات‏ (1) التي يظهر منها بأتمّ ظهور أنّ العمل بهما باعتبار الأماريّة العقلائيّة،و ليس في أدلّة الأمارات ما يظهر منه بأدنى ظهور جعل الحجّية و تتميم الكشف،بل لا معنى له أصلا.و من ذلك علم أنّ قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه ممّا لا معنى له:أمّافي القطع الموضوعيّ فواضح،فإنّ الجعل الشرعيّ قد عرفت حاله و أنّه لا واقع‏له،بل لا معنى له.و أمّا بناء العقلاء بالعمل بالأمارات فليس وجهه تنزيل المؤدّى منزلةالواقع،و لا تنزيل الظنّ منزلة القطع،و لا إعطاء جهة الكاشفيّة و الطريقيّة أوتتميم الكشف لها،بل لهم طرق معتبرة يعملون بها في معاملاتهم‏و سياساتهم،من غير تنزيل واحد منها مقام الآخر،و لا التفات إلى تلك المعاني‏الاختراعيّة و التخيّلية،كما يظهر لمن يرى طريقة العقلاء و يتأمّل فيها أدنى تأمّل.و من ذلك يعلم حال القطع الطريقي،فإنّ عمل العقلاء بالطرق المتداولة

1)الكافي 7:387-1،التهذيب 6:261-100،الفقيه 3:31-27،تفسير علي بن إبراهيم:501،علل الشرائع:190-1 باب 151،الوسائل 18:251-2-3 باب وجوب الحكم بملكيةصاحب اليد...إلخ،و صفحة 98 باب 11 وجوب الرجوع في القضاء...


107

حال عدم العلم ليس من باب قيامها مقام العلم،بل من باب العمل بها مستقلاو من غير التفات إلى تلك المعاني.نعم القطع طريق عقليّ مقدّم على الطرق العقلائيّة،و العقلاء إنّمايعملون بها عند فقد القطع،و ذلك لا يلزم أن يكون عملهم بها من باب قيامهامقامه;حتّى يكون الطريق منحصرا بالقطع عندهم،و يكون العمل بغيره بعنايةالتنزيل و القيام مقامه.و ما اشتهر بينهم:من أنّ العمل بها من باب كونها قطعا عاديّا،أو من باب‏إلقاء احتمال الخلاف‏ (1) -على فرض صحّته-لا يلزم منه التنزيل أو تتميم‏الكشف و أمثال ذلك.و بالجملة:من الواضح البيّن أنّ عمل العقلاء بالطرق لا يكون من باب‏كونها علما و تنزيلها منزلة العلم،بل لو فرضنا عدم وجود العلم في العالم كانوايعملون بها من غير التفات إلى جعل و تنزيل أصلا.و ممّا ذكرنا تعرف وجه النّظر في كلام هؤلاء الأعلام المحقّقين-رحمهم‏اللَّه-من التزام جعل المؤدّى منزلة الواقع تارة (2) و التزام تتميم الكشف و جعل‏الشارع الظنّ علما في مقام الشارعيّة و إعطاء مقام الإحراز و الطريقيّة له‏أخرى‏ (3) إنّها كلمات خطابيّة لا أساس لها.

1)فوائد الأصول 3:108،و مقالات الأصول 2:4-5.

2)حاشية فرائد الأصول:8-9،نهاية الدراية 2:18 سطر 13-14.

3)فوائد الأصول 3:108.


108

و العجب أنّ بعض المشايخ المعاصرين-على ما في تقريرات بحثه‏ (1) -قداعترف كرارا بأنّه ليس للشارع في تلك الطرق العقلائيّة تأسيس أصلا،و في‏المقام قد أسّس بنيانا رفيعا في عالم التصوّر يحتاج إلى أدلة محكمة،مع خلوّالأخبار و الآثار عن شائبتها فضلا عن الدلالة.هذا حال الأمارات.

1)فوائد الأصول 3:30 و 91.


109

في قيام الأُصول مقام القطع‏

و أمّا الأُصول فهي على قسمين:أحدهما:ما يظهر من أدلّتها أنّها وظائف مقرّرة للجاهل عند تحيّره و جهله‏بالواقع كأصالة الطهارة و الحلّية،فهذه الأُصول ليست مورد البحث،فإنّ‏قيامها مقامه ممّا لا معنى له.و ثانيهما:ما يسمّونها بالأصول التنزيليّة،مثل الاستصحاب و قاعدةالتجاوز و الفراغ،و لا بدّ لنا من تحقيق حالها و إن كان خارجا عن محلّ البحث‏و له مقام آخر،لكن تحقيق المقام يتوقّف على تحقيق حالها،فنقول:قد عرفت:أنه لا بدّ في كون شي‏ء أمارة شرعيّة جعليّة أن يكون له جهةكشف،و أن لا يكون أمارة عقلائيّة معتبرة عند العقلاء،و أن تكون العناية في‏الجعل إلى جهة كاشفيّته و طريقيّته.


110

في أماريّة الاستصحاب‏

إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ الاستصحاب‏1فيه جهة كشف عن الواقع،1قولنا:فاعلم أنّ الاستصحاب.أقول:هذا ما أدى إليه نظري في سالف الزمان قبل الوصول إلى مباحث الاستصحاب و لقدجدّدت النّظر حين انتهاء بحثنا إليه فوجدت أنّه ليس أمارة شرعية،بل هو أصل تعبدي كما عليه‏المشايخ لأن عمدة ما أوقعنا في هذا التوهم أمران:أحدهما:توهم أن اليقين السابق كاشف عن الواقع كشفا ناقصا في زمان الشك فهو قابل‏للأمارية كسائر الكواشف عن الواقع.و ثانيهما:توهم أنّ العناية في اعتباره و جعله إنّما هي إلى هذه الجهة بحسب الروايات فتكون‏روايات الاستصحاب بصدد إطالة عمر اليقين و إعطاء تمامية الكشف له،و بعد إمعان النّظر في‏بناء العقلاء و أخبار الباب ظهر بطلان المقدمتين:أما الأولى:فلأن اليقين لا يعقل أن يكون كاشفا عن شي‏ء في زمان زواله و المفروض أنّ زمان‏الشك زمان زوال اليقين،فكيف يمكن أن يكون كاشفا عن الواقع في زمان الشك؟!نعم الكون السابق-فيما له اقتضاء البقاء-و إن يكشف كشفا ناقصا عن بقائه لكن لا يكون كشفه‏عنه أو الظن الحاصل منه بحيث يكون بناء العقلاء على العمل به من حيث هو من غير حصول‏اطمئنان و وثوق.و أمّا الثانية:فلأنّ العناية في الروايات ليست إلى جهة الكشف و الطريقية-أي إلى أنّ الكون‏السابق كاشف عن البقاء-بل العناية إنّما هي إلى أنّ اليقين لكونه أمرا مبرما لا ينبغي أن ينقض‏بالشك الّذي ليس له إبرام،فلا محيص‏عن القول بأن‏الاستصحاب أصل تعبدي شرعيّ كماعليه المشايخ المتأخرون‏ (1) .و أما الاستصحاب العقلائي الّذي في كلام المتقدمين‏ (2) فهو غير مفاد الروايات بل هو عبارة.عن الكون السابق الكاشف عن البقاء في زمن لا حق،و قد عرفت أنّ بناء العقلاء ليس على‏ترتيب الآثار بمجرد الكون السابق ما لم يحصل الوثوق و الاطمئنان.منه عفي عنه.

1)فرائد الأصول:319 سطر 4-7،أجود التقريرات 2:343 سطر 20-22.

2)الغنية-الجوامع الفقهية-:548 سطر 33،معارج الأصول:206-207،معالم الدين:227-228،فرائد الأصول:319 سطر 5 و 7-8


111

فإنّ القطع بالحالة السابقة فيه كاشفيّة عن البقاء،حتّى قيل:ما ثبت يدوم،و هذافي الشكّ في الرافع ممّا لا مجال للتأمّل فيه.نعم في الشكّ في المقتضي يمكن الترديد و التّأمّل فيه و إن كان قابلا للدفع.و بالجملة:أنّ الاستصحاب مطلقا قابل لأن يجعل أمارة و كاشفا عن‏الواقع بملاحظة اليقين السابق،و ليس من قبيل الشكّ المحض الغير القابل.و أمّا بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب-أي بمجرّد كون شي‏ء له‏حالة سابقة مقطوعة مع الشكّ في بقائه-فهو و إن ادُّعي فيه السيرةالعقلائيّة في سياساتهم و مراسلاتهم و معاملاتهم،لكن عملهم على‏مجرّد ذلك غير معلوم،بل يمكن أن يكون ذلك بواسطة احتفافه بأمورأخرى من القرائن و الشواهد و الاطمئنان و الوثوق،لا لمجرّد القطع بالحالةالسابقة.و بعض المحقّقين من علماء العصر-قدّس سرّه-و إن أصرّ على ما في‏تقريراته‏ (1) على استقرار الطريقة العقلائيّة على العمل بالحالة السابقة-حتى‏قال:لا ينبغي التأمّل في أنّ الطريقة العقلائيّة قد استقرّت على ترتيب آثار البقاءعند الشكّ في الارتفاع،و ليس عملهم لأجل حصول الاطمئنان لهم بالبقاء أولمحض الرجاء-لكن للتأمّل فيه مجال واسع.

1)فوائد الأصول 4:331-332.


112

ثمّ لو فرضنا أنّ سيرة العقلاء قد استقرّت على ذلك،فلا بدّ لنا من الالتزام‏بكون الاستصحاب من الأمارات و الطرق العقلائيّة،فإنّه ليس للعقلاء أصل‏تعبّديّ أو تنزيليّ،و ليس ما عندهم إلاّ الطرق و الأمارات،لا الأصول التعبّديّة،كما لا يخفى على من مارس طريقتهم،مع أنّ هذا المحقّق قائل بأصليّةالاستصحاب‏ (1) .و بالجملة:أنّ الاستصحاب و إن كان له جهة كشف ضعيف،لكن لا بنحويكون العقلاء مفطورين على العمل به،كما في العمل باليد و خبر الثقة.

في أنّ المستفاد من الكبرى‏المجعولة في الاستصحاب هو الطريقية

فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الجهتين من الجهات الثلاثة التي تتقوّم الأمارة بهامتحقّقتان في الاستصحاب،و بقيت الجهة الثالثة-و هي العمدة-حتّى ينخرطفي سلك الأمارات لكن بجعل الشارع،و هي كون اعتباره بجهة الكاشفيّة،و أنّ عناية الجاعل في جعله هي‏اعتباره‏علما في عالم الشارعيّةو إضفاءجهة الكشف و الطريقيّة له،و لو تمّت هذه الجهة لتمّت أماريّة الاستصحاب،و يكون له ما للأمارات من الآثار و اللوازم،و الفرق أنّه أمارة جعلية شرعيّةغير عقلائيّة،و هي أمارات عقلائيّة غير مجعولة بجعل شرعيّ،و لو ساعدناالدليل لم نتحاش عمّا ذهب إليه المحقّقون و أساطين الفنّ من المتأخّرين من‏

1)فوائد الأصول:4:307-308.


113

الخلاف،فإنّه ليس في البين إلاّ تلك الروايات الشريفة،و المتّبع هو مفادهالا فهم الأصحاب،مع أنّ في قدماء أصحابنا من قال بأماريّة الاستصحاب‏ (1) و كثير من الفروع الفقهيّة التي أفتى بها أصحابنا لا تتمّ إلاّ على القول بأماريّةالاستصحاب و حجّية المثبتات منه،تأمّل.فالمهمّ عطف النّظر إلى أخبار الباب،و المستفاد منها-بعد إلقاءالخصوصيّات و إرجاع بعضها إلى بعض-هو مجعوليّة كبرى كلّية هي‏قوله عليه السلام:(لا ينقض اليقين بالشك) (2) فإن الأخبار على كثرتهامتوافقة المضمون على هذه الكلّيّة،و أنت إذا تأمّلت في هذه الكبرى حقَّ التأمّل‏بشرط الخروج عن ربقة التقليد ترى أنّ العناية فيها بإبقاء نفس اليقين،و أنّ‏اليقين في عالم التشريع و التعبّد باق موجود لا ينبغي أن ينقض بالشكّ و يدخل‏فيه الشكّ،و أنّه عليه السلام بصدد جعل المحرز و إطالة عمر اليقين السابق‏و إضفاءصفة اليقين على من كان على يقين،كما ينادي بذلك قوله-عليه‏السلام-في مضمرة زرارة1:(و إلاّ فإنه على يقين من وضوئه،و لا ينقض‏1هو زرارة بن أعين بن سنسن الشيباني،قال الشيخ الطوسي:اسمه عبد ربه،كنيته أبو الحسن،لقبه زرارة،ذكره النجاشي في رجاله و وصفه بشيخ أصحابنا في زمانه و متقدمهم.و قال عنه‏ابن النديم:أكبر رجال الشيعة فقها و حديثا و معرفة بالكلام و التشيع،له كتاب في الاستطاعةو الجبر،توفي سنة 150 ه.انظر رجال النجاشي:175،فهرست الشيخ الطوسي:74.رجال الكشي 1:345،فهرست ابن النديم:276.

1)أجود التقريرات 2:343 سطر 1-4.

2)الكافي 3:351-352-3 باب السهو في الثلاث و الأربع،الوسائل 5:321-3 باب 10 من أبواب‏الخلل الواقع في الصلاة.


114

اليقين أبدا بالشك) (1) لا على الشاكّ بعنوان أنّه شاكّ،و لا جعل الشكّ يقينا،حتى يقال:لا معنى‏لإضفاءصفة الكاشفيّة و الطريقيّة للشكّ،و لاإضفاءاليقين على الشاكّ;لأنّ الشكّ ليس له جهة الكشف،فإنّا لا نقول بأنّ الشكّ له‏جهة كشف أو جعل الشارع الشكّ يقينا أو الشاكّ متيقّنا،بل نقول:إنّ اليقين‏السابق و لو زال إلاّ أنّ له جهة كشف ضعيف بالنسبة إلى حال زواله،لشهادةالوجدان بالفرق بين الشاكّ البدويّ و الّذي كان على يقين،حتىّ يدّعى أنّ بناءالعقلاء على العمل بالاستصحاب،مع أنّ العقلاء ليس لهم أصل تعبّدي‏يعملون به بلا جهة كشف.و إنّا و إن تردّدنا في سيرة العقلاء على عملهم بالاستصحاب صرفابلا احتفافه بأمور أخر،و لكنّ أصل الكاشفيّة-في الجملة-ممّا لا ينبغي التأمّل فيه.و إن أبيت عن ذلك:فلا إشكال في جواز إطالة عمر اليقين تعبّدا في عالم‏التشريع،و لا محذور فيه أبدا.فالأخذ بظاهر أخبار الباب مع كثرتها لا مانع منه،و الظاهر منها-مع‏اختلاف التعبيرات و الاتّفاق في المضمون الّذي يمكن دعوى القطع به-:أنّ‏العناية في الجعل هي بجعل اليقين و فرض وجوده في زمن الشكّ،فإنّ النهي‏عن نقض اليقين بالشكّ لا معنى محصَّل له،إلاّ على فرض وجود اليقين في‏عالم التشريع و إطالة عمره،و إلاّ فإنّه قد زال بحسب التكوين و وجد الشكّ،

1)التهذيب 1:8-11 باب 1 من أبواب الأحداث الموجبة للطهارة،الوسائل 1:174-175-1 باب 1من أبواب نواقض الوضوء(مع اختلاف يسير).


115

و لا معنى لنقضه،فإذا فلا معنى معقول له إلاّ التعبّد ببقاء نفس اليقين و إعطاءصفة اليقين و إطالة عمره.

إشكالات في تفصيات‏

فإن قلت:يمكن أن يكون مفاد الأخبار هو النقض العمليّ،و النهي‏قد تعلّق بنقضه عملا،و معناه هو البناء على وجود المتيقّن عملا في زمن الشكّ،فيصير المفاد هو الأصل المحرز لا الأمارة الكاشفة.قلت:نعم هذا غاية ما في الباب من تقريب أخبار الاستصحاب للدلالةعلى كونه أصلا،و قد تشبّث به مشايخنا رضوان اللَّه عليهم.لكنّ الإنصاف:أنّ العناية فيها هي بإبقاء نفس اليقين لا البناء العملي،و ليس لهذا البناء فيها عين و لا أثر.و قد عرفت:أنّ الفرق بين الأصل و الأمارة في عالم التشريع هو العناية في‏الجعل،فإن كانت العناية ببقاء اليقين نفسه و إطالة عمره و عدم نقضه و إبقائه‏سالما فهو من الأمارات،و إلاّ فهو من الأصول.و لا ينبغي التأمّل و الإشكال في‏أنّ مفاد أخباره من قبيل الأوّل.نعم في كلّ من الأمارة و الأصل يكون الجعل و التعبّد بلحاظ العمل،و إلاّ فيكون لغوا باطلا.لكن الفرق بينهما بعد اشتراكهما في ذلك:أنّ العناية في الأمارة هي‏بإعطاء وسطيّة الإثبات أو الكاشفيّة أو إعطاء صفة اليقين أو إطالة عمره و أمثال‏


116

ذلك،و في الأصول هي بالبناء العملي أو تعيين وظيفة الشاكّ و المتحيّرو أشباههما.فإن قلت:إنّ اليقين في الأخبار هو اليقين الطريقيّ،فيكون النّظر إلى‏إبقاء المتيقَّن لا اليقين،فلا يتمّ ما ذكرت.قلت:إنّ اليقين الطريقيّ للمكلّف في لسان الدليل أخذ موضوعا منظوراإليه،و تكون العناية ببقائه و كون صاحبه ذا يقين كاشف عن الواقع.إن قلت:إنّ الشكّ مأخوذ في موضوع الاستصحاب،و يكون‏الاستصحاب متقوّما بالشكّ،و كلّ ما كان كذلك فهو من الأصول،فإنّ‏الأمارات و إن كانت للشاكّ،لكنّه غير مأخوذ في موضوعها،بل هو في‏موردها،و الأمارة اعتبرت لإزالة الشكّ و رفعه،لا أنّه مأخوذ في‏موضوعها.قلت:معنى أخذ الشكّ موضوعا لحكم:هوأنّ الحكم جعل‏للشاكّ،و تكون العناية ببقاء الشكّ و حفظه،مع جعل الوظيفة للشاكّ،كما في‏أصلي الطهارة و الحلّية،فإنّ مفاد أدلّتهما جعل الطهارة و الحلّية للشاكّ بما أنه‏شاكّ،أو تكون العناية-مع حفظ الشكّ-بالبناء العمليّ على وجودالمشكوك فيه،كما في قاعدة الفراغ و التجاوز على أقوى الاحتمالين كماسيأتي‏ (1) .و الاستصحاب و إن كان متقوّما بالشكّ،لكنّه لا يكون موضوعا له،بل‏

1)انظر صفحة رقم:119.


117

يكون مورده،فإنّ الظاهر من الكبرى الكلّية المجعولة فيه-و هي قوله:(لا ينقض‏اليقين بالشكّ) (1) -ليس حفظ الشكّ و الحكم على الشكّ أو الشاكّ،بل العنايةببقاء اليقين السابق و عدم نقضه و إطالة عمره في عالم التشريع و إن كان زائلاتكوينا.بل يمكن أن يقال:إنّ أخذ الشكّ موضوعا في الاستصحاب غير معقول;للزوم التناقض في عالم التشريع،فإنّ الحكم بعدم نقض اليقين بالشكّ أو عدم‏دخول الشكّ في اليقين هو اعتبار بقاء اليقين و حفظه و إطالة عمره في عالم‏التشريع،و لازمه إزالة الشكّ و إقامة اليقين مقامه،و إبطاله و إبقاء اليقين،فلوأخذ الشكّ في موضوع الاستصحاب للزم اعتبار بقائه و حفظه،و الجمع بين‏الاعتبارين تناقض.إن قلت:ظاهر ذيل الصحيحة الثالثة لزرارة هو البناء العملي الّذي هوشأن الأصل،فإنّ قوله:(لكنّه ينقض الشكّ باليقين و يتمّ على اليقين،فيبني‏عليه) (2) ظاهرٌ في البناء العمليّ.قلت:كلاّ،فإنّ قوله:(يبني عليه)أي يبني على وجود اليقين،بل هذه‏الصحيحة من أقوى الشواهد و أتمّ الدلائل على ما ادّعيناه،فإنّ قوله:(لكنّه‏ينقض الشكّ باليقين)هو اعتبار بقاء اليقين و إزالة الشكّ تشريعا،و قوله:(و يتمّ‏على اليقين).إلى آخرها تأكيدٌ له.

1)الكافي 3:351-352-3 باب السهو...،الوسائل 5:321-3 باب 10 من أبواب الخلل.

2)المصدر السابق.


118

فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ العناية في الجعل في أخبار الاستصحاب‏هي جعل اليقين في زمان الشكّ،لا بمعنى جعل يقين في مقابل اليقين السابق،بل بمعنى إطالة عمر اليقين السابق و إبقائه و حفظه.فحقيقة الاستصحاب عبارة عن إبقاء اليقين و إطالة عمره إلى زمان‏الشكّ بلحاظ كشفه عن الواقع،لا البناء العملي على وجود المتيقّن،كماهو المستفاد من أدلّته،و بمجرَّد كون الجعل بلحاظ العمل لا ينسلك الشي‏ء في‏سلك الأصول،و إلاّ فالأمارات مطلقا على مبنى القائلين باحتياجها إلى الجعل‏الشرعيّ يكون جعلها بلحاظ العمل،و إلاّ لزم اللَّغوية.و بالجملة:ليس في أخبار الاستصحاب عين و لا أثر للبناء العمليّ‏و لا لأخذ الشكّ موضوعا،و عليك بأخباره مع رفض ما عندك من المسموعات‏التي صارت كالمسلّمات بل الفطريّات للناظر فيها،فصارت حجابا غليظا عن‏الحقيقة.و ممّا يؤيّد ما ذكرنا الروايات الواردة في باب جواز الشهادة بالاستصحاب‏كروايات معاوية بن وهب‏1فراجع.هذا حال الاستصحاب.1الكافي 7:387-2 و 4،التهذيب 6:262-263-101 و 103،الوسائل 18:245-246-1-3 باب‏17 من أبواب الشهادات.معاوية:هو معاوية بن وهب البجلي أبو الحسن،من أصحاب الإمام الباقر و الصادق‏عليهما السلام،ثقة حسن الطريقة،له كتب منها فضائل الحج.انظر رجال النجاشي:412،فهرست الطوسي:166،تنقيح المقال 3:226.


119

في حال قاعدة الفراغ و التجاوز

و أمّا قاعدة الفراغ و التجاوز:فالكبرى الكلّية المجعولة فيها بعد إرجاع‏بعض الأخبار (1) إلى بعض:هو وجوب الإمضاء و المضيّ العمليّ و عدم‏الاعتناء بالشكّ و البناء على الإتيان،و الأخبار التي مضمونها أنّ الشكّ ليس‏بشي‏ء و إن كانت توهم أنّها بصدد إسقاط الشكّ و لازمه إعطاء الكاشفية،لكنه إشعار ضعيف لا ينبغي الاعتداد به،بل الظاهر منها و لو بقرينةالأخبار الاخر التي مضمونها المضيّ عملا هو عدم الاعتناء بالشكّ عملا و البناءعلى الإتيان،كما يكشف عن ذلك رواية حمّاد بن عثمان‏1(قال:قلت لأبي‏عبد اللَّه عليه السلام:أشكّ و أنا ساجد،فلا أدري ركعت أم لا،فقال:قد ركعت) (2) .و بالجملة:العناية في الجعل في القاعدة هي عدم الاعتناء عملا و المضيّ‏العمليّ و البناء على الإتيان،و لا نعني بالأصل إلاّ ذلك.1هو حماد بن عثمان بن زياد الناب الرواس،من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ،ثقةجليل القدر عظيم المنزلة،توفي سنة 190 ه.انظر معجم رجال الحديث 6:212،تنقيح المقال‏1:365.

1)راجع الوسائل 4:936-937 باب 13 من أبواب الركوع،جميع أحاديث الباب،971-972-4 و 5 باب 15 من أبواب السجود،5:336-338-1 و 3 و 9 باب 23 من أبواب‏الخلل الواقع في الصلاة،342-443-1-3 باب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

2)التهذيب 2:151-52 باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة،الوسائل 4:936-2 باب 13 من‏أبواب الركوع.


120

في وجه تقدّم القاعدة على الاستصحاب‏

فإن قلت:إن كانت قاعدة التجاوز أصلا و الاستصحاب أمارة،فلا معنى‏لتقدّمها عليه،فهل يمكن تقدّم الأصل على الأمارة؟قلت:ما لا يجوز هو تقدّم الأصل عليها في حدّ ذاته و بنحو الحكومةأو الورود،و أمّا تقدّمه عليها لأجل أمر خارجي-كلزوم اللّغويّة لو لا التقدّم-فلا مانع منه.و إن شئت قلت:إنّ أخبار القاعدة مخصّصة لأخبار الاستصحاب‏لأخصيتها.هذا بناء على مسلكنا.و أمّا بناء على المسلك المعروف-من كون الاستصحاب أصلا و أخذ الشكّ‏في موضوعه-فتقدّم القاعدة عليه يكون بالحكومة،فإنّ مفاد أخبار القاعدة هونفي الشكّ مثل قوله:(فشككت فليس بشي‏ء) (1) ،و قوله:(فشكّك ليس‏بشي‏ء،إنّما الشكّ إذا كنت في شي‏ء لم تجزه) (2) ،و الفرض أنّ الشكّ موضوع‏الاستصحاب،فتقدّم القاعدة عليه كتقدّم قوله:(لا شكّ لكثير الشكّ) (3) على‏

1)التهذيب 2:352-47 باب 16 من أحكام السهو،الوسائل 5:336-1 باب 23 باب من شك‏في شي‏ء من أفعال الصلاة.

2)التهذيب 1:101-111 باب 4 في صفة الوضوء،مستطرفات السرائر:473 كتاب أحمد بن‏محمد بن أبي نصر البزنطي،الوسائل 1:330-331-2 باب 42 من أبواب الوضوء.

3)الظاهر أنها قاعدة متصيدة،حيث لم نعثر على هذا النصّ،راجع الوسائل 5:329-330باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.


121

أدلّة الشكوك،و هذا واضح جدّاً.

في الإيراد على القوم‏

و لا أدري أنّه مع كون لسان أدلّة القاعدة من أوضح موارد الحكومة بالنسبةإلى الاستصحاب بناء على مسلكهم،فما وجه تزلزل المحقّقين في وجه تقدّمهاعليه،حتّى احتمل بعضهم-بل التزم-أماريّتها (1) لأجل ما في بعض أدلّةالوضوءمن قوله‏:(هو حين يتوضّأ أذكر) (2) ؟مع أنّه كناية عن إتيان العمل‏و التعبّد بوجود المشكوك فيه،و أخبار القاعدة كلها عارية عن الدلالة على‏الأماريّة،كما يظهر بالرجوع إليها.و عن الشيخ الجليل الأنصاري-قدس سرّه-أنه يخفى حكومته على‏الاستصحاب‏ (3) ،و بيّن وجه الحكومة توضيحا لكلام الشيخ بعض المحقّقين من‏المعاصرين في تقريراته‏ (4) بما لا ينبغي التعرّض له،فراجع.و أوضح شي‏ء وجدوه للهرب عن الإشكال هو لزوم اللّغويّة لو لاتقدّمها عليه‏ (5) .

1)فوائد الأصول 4:618.

2)التهذيب 1:101-104 باب 4 صفة الوضوء،الوسائل 1:331-332-7 باب 42 من أبواب‏الوضوء.

3)فرائد الأصول:408 سطر 23-25.

4)فوائد الأصول 4:619.

5)درر الفوائد 2:240 سطر 6-9،فوائد الأصول 4:619.


122

و قد عرفت:أنّه على مبناهم من كون الاستصحاب أصلا و الشكّ مأخوذفيه يكون تقدّمها عليه من أوضح مصاديق الحكومة.إذا أحطت خبرا بما تلونا عليك فاعلم:أنّه قد ذكرنا سابقا أنّ القطع المأخوذفي الموضوع تارة يؤخذ على نحو الصفتيّة،و تارة على نحو الطريقيّة التامّة،و تارة على نحو الطريقيّة المشتركة،و على التقادير قد يكون تمام الموضوع،و قد يكون بعضه.فإن أخذ على نحو الصفتيّة أو الكاشفيّة التامة فلا معنى لقيام الطرق‏العقلائيّة مقامه.و إن أخذ على نحو الطريقيّة المشتركة فالقطع و غيره متساوي النسبة إليه،و يكون المأخوذ هو الكاشف المطلق،فكلّ من القطع و سائر الأمارات مصداق‏للموضوع بلا فرق بينهما،فلا يكون ترتيب الآثار على الأمارة من باب قيامهامقامه،بل من باب وجود المصداق الحقيقيّ و الموضوع الواقعيّ بلا حديث‏حكومة أو ورود.هذا حال الأمارات العقلائيّة التي لا تصرّف للشارع فيها.

في قيام الاستصحاب مقام القطع‏

و أمّا الاستصحاب بناء على ما حقّقنا من كونه أمارة جعليّة شرعيّة فقيامه‏مقام القطع الصفتيّ مشكل بل ممنوع،لأن مفاد أدلّة حجّية الاستصحاب أجنبيّةعن ذلك،فإنّ مفادها جعل الوسطيّة في الإثبات و إعطاء صفة الإحراز.


123

و بالجملة:المجعول هو القطع الطريقيّ تعبّدا و إطالة عمر اليقين الطريقيّ،و أين هذا من تنزيله منزلة القطع الصفتي؟!بل يمكن دعوى استحالة قيامه مقام القطع الصفتيّ و الطريقيّ،للزوم‏الجمع بين اللحاظين المتنافيين،فإنّ لحاظ الصفتيّة-كما عرفت-هو لحاظه مقطوع‏النّظر عن الكشف،و هذا ينافي لحاظ الكاشفيّة تلك.و أمّا القطع الطريقيّ بقسميه-أي بنحو كمال الطريقيّة و الطريقيّةالمشتركة-فإن كان بنحو تمام الموضوع فقيامه مقامه بنفس الأدلّة ممّا لا إشكال‏فيه،إذا كان للمقطوع أثر آخر يكون التعبّد بلحاظه.فإنّ مفادها إعطاء صفةاليقين و إطالة عمره،كما أنّ الأمر كذلك ظاهرا في المأخوذ بنحو الجزئية،فإنّ‏نفس الأدلّة التي يكون مفادها إطالة عمر اليقين تكفي لإثبات الجزءين من‏غير احتياج إلى التماس دليل آخر،فإنّ معنى إطالة عمر اليقين الطريقيّ‏هو الكشف عن الواقع و إحرازه،فالواقع يصير محرزا بنفس الجعل.و إن أبيت عن ذلك فيمكن أن يقال:إنّ المجعول بالذات هو إطالةعمر اليقين الطريقيّ،و لازمه العرفي إحراز الواقع،لكن في إطلاق القيام‏مقامه في ذلك تسامح واضح.هذا حال الاستصحاب‏1.1بناء على الأماريّة،و أمّا بناء على أنّه أصل كما هو الأقوى،فقيامه مقام القطع الطريقيّ مطلقاغير بعيد،لأنّ الظاهر من الكبرى المجعولة فيه:امّا التعبّد ببقاء اليقين الطريقيّ من حيث الأثر،و أمّا التعبّد بلزوم ترتيب أثره في زمان الشكّ.


124

في عدم قيام القاعدة مقام القطع‏

و أمّا قاعدة الفراغ:فقيامها مقام القطع الموضوعي بأقسامه ممّا لا وجه له،فإنّ مفاد أدلّتها-كما عرفت-ليس إلاّ المضيّ عملا و ترتيب آثار الإتيان تعبّدا،و هذا أجنبيّ عن القيام مقامه.نعم فيما إذا كان القطع طريقا محضا لمّا كان المقصود حصول الواقع،و يكون الواقع بواسطة القاعدة محرزا تعبّدا،يفيد القاعدة فائدة القيام،لا أنّهاتقوم مقامه.فإن قلت:إنّ للقطع جهات:الأولى:كونه صفة قائمة بالنفس،و الثانية:كونه طريقا كاشفا عن الواقع،و الثالثة:جهة البناء و الجري العمليّ‏فعلى الأول:يكون دليله حاكما على الدليل الّذي أخذ فيه القطع الطريقيّ موضوعا،لا بالوجه‏الّذي أفاده بعض أعاظم العصر (1) ،بل لكونه كسائر الحكومات المقرّرة في محلّه.فقوله:«إذا قطعت بكذا فكذا»محكوم لقوله:(لا تنقض اليقين بالشكّ) (2) إن كان المراد منه‏ابن علي وجود اليقين.و على الثاني:يكون الأثر مترتّبا بنتيجة الحكومة فيكون كالقيام مقامه،فإنّ لزوم ترتيب‏الآثار نتيجة التحكيم،فيقوم الاستصحاب مقامه على الأوّل بالحكومة،و على الثاني‏بنتيجتها.و أمّا القطع الصفتيّ فالظاهر قصور الأدلّة عن قيام الاستصحاب مقامه،لأنّها متعرّضة للقطع‏الطريقيّ و ظاهرة فيه بلا إطلاق لأدلّته،لا لامتناعه،بل لقصورها.منه قدس سره‏.

1)فوائد الأصول 3:24-25.

2)التهذيب 2:186-41 باب أحكام السهو في الصلاة،الوسائل 5:321-3 باب 10 من أبواب الخلل‏الواقع في الصلاة


125

على وفق العلم،حيث إنّ العلم بوجود الأسد-مثلا-في الطريق يقتضي‏الفرار عنه.ثمّ إنّ المجعول في باب الأصول المحرزة هو الجهة الثالثة،فهي قائمةمقام القطع الطريقيّ بالجهة الثالثة.قلت:نعم هذا حاصل ما أفاد بعض مشايخ العصر-على ما في تقريرات‏بحثه‏ (1) -لكنّه ممّا لا أساس له،فإنّ قيام شي‏ء مقام شي‏ء بواسطة الجعل إنّما هوبنحو من التنزيل،و لا بدّ فيه من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه و من كون الجعل بعنايةالتنزيل،و إلاّ فمجرّد كون لسان الجعل هو البناء على الإتيان أو المضيّ و عدم‏الاعتناء بالشكّ عملا-كما هو مفاد أدلّة القاعدة-لا يقتضي قيامها مقام القطع.و بالجملة:كما أنّ في الأمارة المجعولة لا بدّ من إعطاء صفة اليقين و إطالةعمره تعبّدا،و هذا لا يمكن إلاّ بعد لحاظ الطرفين و لحاظ الآثار المترتّبة على اليقين‏شرعا أو عقلا،كذلك في الأصل المحرز لا بدّ من إعطاء أثر اليقين بما أنه أثر اليقين‏حتّى يقوم مقامه،و إعطاء أثره بما أنّه أثره لا يمكن إلاّ بعد لحاظ الطرفين و كون‏الجعل بعناية إعطاء الأثر،مع أنّه في أدلّة الفراغ و التجاوز لا عين و لا أثر يفيد هذاالمعنى،بل لسان أدلّتها هو المضيّ و عدم الاعتناء بالشكّ عملا،بلا نظر إلى‏اليقين و آثاره،و لا شائبة تنزيل فيها أصلا.و ما في رواية حمّاد بن عثمان من‏قوله عليه السلام:(قد ركعت) (2) و إن يدلّ على البناء العمليّ على الإتيان،

1)فوائد الأصول 3:16-17.

2)التهذيب 2:151-52 باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة،الوسائل 4:936-2 باب 13 من‏أبواب الركوع.


126

لكن لا يفيد ما يدّعي كما لا يخفى.و بالجملة:إن كانت دعوى قيام القاعدة مقام القطع هي مجرّد كونهامحرزة للواقع تعبّدا،كما أنّ القطع محرز عقلا،فلا مضايقة فيها،و إن كانت‏هي القيام بمعناه المصطلح،كقيام الأمارات مقام القطع،ففيها منع منشؤه عدم‏استفادتها من الأدلّة،فراجع.و ممّا ذكرنا من أوّل المبحث إلى هاهنا يعرف وجوه النّظر في كلام هؤلاءالأعلام،خصوصا ما في تقريرات بعض مشايخ العصر (1) -رحمه اللَّه-فإنّ فيهامواقع للنظر تركناها مخافة التطويل.

في بيان عدم التضاد بين الأحكام الخمسة

قوله:الأمر الرابع‏ (2) ...(1)لا بدّ لتوضيح الحال من تقديم أمور حتّى يرتفع الخلط و الاشتباه عن كثيرمن المقامات:الأوّل:أنّه قد عرّف الضدّان بأنّهما الأمران الوجوديّان غير المتضايفين،المتعاقبان على موضوع واحد،لا يتصوّر اجتماعهما فيه،بينهما غايةالخلاف‏ (3) ،فما لا وجود له لا ضدّيّة بينه و بين غيره،كما لا ضدّيّة بين أشياء

1)فوائد الأصول 3:16-17.

2)الكفاية 2:25.

3)الأسفار 2:112-113.


127

لا وجود لها.فالأعدام و الاعتباريّات التي ليس لها وجود إلاّ في وعاء الاعتبارلا ضديّة بينها،كما أنّه لا ضدّية بين أشياء لا حلول لها في موضوع،و لا قيام لهابه قيام حلول و عروض.الثاني:أنّ الإنشائيّات مطلقا من الأمور الاعتباريّة التي لا تحقّق لها إلاّ في‏وعاء الاعتبار،و لا وجود أصيل حقيقيّ لها،فقولهم:إنّ الإنشاء قول قصد به‏ثبوت المعنى في نفس الأمر (1) يراد به أنّ نفس الإنشاء يكون منشأ لانتزاع‏المنشأ و ثبوته في وعاء الاعتبار،بحيث تكون الألفاظ التي بها يقع الإنشاء-كالأمر و النهي و غيرهما-مصاديق ذاتيّة للّفظ،و عرضيّة للمعنى المنشأ،لا أنّهاعلل للمعاني المنشأة،فإنّ العليّة و المعلوليّة الحقيقيّتين لا تعقل بينها،ضرورة أنّ‏منشئيّة الإنشاء للمنشإ إنّما هي بالجعل و المواضعة،و لا تعقل العلّيّة و المعلوليّةبين الأمور الاختراعيّة الوضعيّة،فليس للمعنى المنشأ وجود أصيل،و إنّما هوأمر اعتباريّ من نفس الإنشاء.فهيئة الأمر وضعت لتستعمل في البعث و التحريك الاعتباريّين،لا بمعنى‏استعمالها في شي‏ء يكون ثابتا في وعائه،بل بمعنى استعمالها استعمالاإيجاديّا تحقّقيا،لا كتحقّق المعلول بالعلة،حتّى يكون المعلول موجودا أصيلا،بل كتحقّق الأمر الاعتباري بمنشإ اعتباره.فتحصّل من ذلك:أنّ الإنشائيّات مطلقا-و فيها الأحكام الخمسةالتكليفيّة-لا وجود حقيقيّ لها،بل هي أمور اعتباريّة وعاء تحقّقها عالم الاعتبار.

1)الكفاية 1:98،الفوائد:285 سطر 9.


128

الثالث:أنّه للمعاني المنشأة بالألفاظ إضافات كلّها من الأمور الاعتباريّةالتي لا وعاء لها إلاّ في ظرف الاعتبار.مثلاً:للوجوب إضافة إلى الآمر إضافةصدوريّة،و إضافة إلى المأمور إضافة انبعاثية،و إضافة إلى الأمر إضافة منشئيّةو إضافة إلى المتعلَّق إضافة تعلّقيّة أوّلية،و إضافة إلى الموضوع إضافة تعلّقيةثانويّة تبعيّة،و كلّ هذه الإضافات تعتبر من نفس الإنشاء الخاصّ المتخصّص‏بالخصوصيّات،و لا وجود لشي‏ء منها في الخارج.و من ذلك يعلم أنّ نحو تعلّق الوجوب و غيره بالمتعلَّق و الموضوع ليس‏نحو تعلّق الأعراض بالموضوعات،و لا قيام للمعاني المنشأة بالموضوعات‏و المتعلقات قيام حلول و عروض،بل قيامها كنفسها من الاعتباريّات التي‏لا تحقّق لها في الخارج.إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم:أنّ المعروف المرسل على ألْسنة الأصحاب‏إرسال المسلَّمات:أنّ الأحكام الخمسة بأسرها متضادّة (1) يمتنع اجتماعها في‏موضوع واحد،و الظاهر المصرّح به في كلام كثير من المحقّقين‏ (2) أنّ المرادبالأحكام هي الأحكام البعثيّة و الزجريّة و غيرهما المنشأة بالألفاظ الإنشائيّةو غيرها من أداة الإنشاء،كما يظهر من تتبّع أقوالهم فيما نحن فيه و أبواب‏اجتماع الأمر و النهي و الترتّب و الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة و غيرها.و هذا ممّا لا أساس له،لعدم صدق تعريف الضدّ عليها،فإنّ الضدّين هما

1)-القوانين 1:142 سطر 14،فوائد الأصول 1:396.

2)-نهاية الدراية 1:259 و 266-267.


129

الأمران الوجوديّان،و هذه الأحكام ليست من الأُمور الوجوديّة،بل من‏الاعتباريّات كما عرفت.و أيضا نحو تعلُّق هذه الأحكام بالموضوع و المتعلّق و الآمر و المأمور ليس‏حلوليّاً عروضيّاً نحوَ قيام الأعراض بالموضوعات،بل قيامها بها قياماً اعتباريّاًلا تحقّق له أصلاً،فلا يمتنع اجتماعها في محلّ واحد،فلهذا يجوز اجتماع الأمرو النهي في الواحد الشخصي بجهة واحدة من شخصين أو من شخص واحدمع الغفلة،و لو كان بينها تضادّ لكان هذا ممتنعاً بالضرورة،كما أنّ البياض‏و السواد لا يجتمعان و لو كان موجدهما شخصين.و بعبارة أُخرى:إذا كانت الضدّيّة بين نفس الأحكام لوجب أن يمتنع‏اجتماعها مطلقاً بلا دخالة للجاعل و الموجد فيه;لعدم دخالة الجاعل في‏حقيقة مجعولاته و أحكامها المترتّبة عليها،و الضدّيّة من الأحكام المتأخّرةعن المجعولات المتأخّرة عن الجعل المتأخّر عن الجاعل،فكيف يمكن دخالته‏فيها؟!نعم يمتنع اجتماع الحكمين أو الأحكام في موضوع واحد شخصيّ بجهةواحدة من شخص واحد،لا من أجل تقابل التضادّ بينها،بل من أجل أمرين‏آخرين:أحدهما:أنّ مبادئها من المصالح و المفاسد و الحبّ و البغض و ترجيح‏الوجود و العدم و الإرادة و الكراهة ممّا يمتنع اجتماعها فيه.و ثانيهما:أنّ الأمر إنّما يكون لغرض انبعاث المأمور نحو إيجاد المأمور


130

به،و النهي لغرض امتناعه عنه و تركه إيّاه،و لمّا كان الجمع بينهما ممتنعاً يكون‏الجمع بين الأمر و النهي من آمر واحد مع العلم لغواً باطلاً،كما أنّ الأمر بشي‏ءمحال ممتنع،فملاك الامتناع فيما نحن بصدده هو ملاك امتناع الأمر بالمحال من‏آمر عالم عاقل،لا أنّ الملاك هو لزوم اجتماع الضدّين;حتّى تكون الأوامرو النواهي ممّا يمتنع اجتماعها بنفسها كما لا يخفى.و ممّا ذكرنا في الضدّية يعرف حال المِثليّة بين الأحكام،و أنّ اجتماع‏الأمرين في موضوع واحد ممّا لا يمتنع.نعم قد يمتنع الاجتماع لأجل اللَّغويّة،فإنّ الآمر إذا عرف من حال المأمورأنه يمتثل أمره بمجرّد صدوره لا معنى لأمره ثانياً،و يكون أمره الثاني لغواً لا يصدرمن عاقل ملتفت.نعم اجتماع الإرادتين أو الكراهتين في موضوع واحد ممتنع،لكن قدتكون الإرادة الواحدة المتعلقَة بموضوع مبدأً الصدور أوامر متعدّدة إذا عرف من‏حال المأمور عدم انبعاثه بالأمر الأوّل بل يحتاج إلى التكرار و التأكيد،و مثل‏الأوامر و النواهي الشرعيّة المتعلّقة بالموضوعات المهمّة لأجل إفادة أهميتها،و هذا ممّا لا إشكال فيه.

في بيان حال أخذ القطع و الظن في موضوع مثله أو ضده‏

إذا عرفت ما فصّلنا لك فلا بد من صَرف عِنان الكلام إلى حال أخْذ القطع‏أو الظنّ بحكم في موضوع مثله أو ضدّه على اصطلاحهم،و قد فرغنا عن امتناع‏


131

أخذ القطع بحكم في موضوع نفس ذلك الحكم‏1،و قلنا:إنه لا يمكن حتّى‏بنتيجة التقييد (1) .و منه يعرف حال الظنّ لاشتراكهما في الملاك،فلا نطيل بإعادته.و أمّا أخذهما في موضوع مثله أو ضدّه فما يمكن أن يكون وجه الامتناع‏أمور2:الأوّل:اجتماع الضدّين أو المثلين،فقد عرفت حاله،و أنّه ممّالا أساس لذلك.الثاني:لزوم اجتماع المصلحة و المفسدة في موضوع وحدانيّ شخصيّ.و فيه:أنّه لا مانع من كون موضوع ذا مصلحة بعنوانه الذاتي،و كونه‏بعنوان المقطوعيّة أو المظنونية ذا مفسدة أو مصلحة أخرى،كما أنّه يمكن أن تكون‏عطيّة زيد راجحة ذات مصلحة لك بذاتها،لكنها مع علم عدوّك بها مرجوحةذات مفسدة.1لكن فصلنا أخيراً بين الّذي‏هوتمام الموضوع،فيجوز،والّذي هوبعضه فلا،و كذا الظن.منه قدس سره‏2و التحقيق:التفصيل بين المأخوذ تمام الموضوع فلا يأتي من المحذورات فيه أبداً;لأنه مع تعدّدالعنوانين-اللذين هما مَركب الحكم-تدفع المحذورات طرّاً،حتى لزوم اللَّغويّة و الأمر بالمحال:أمّا اللَّغويّة:فلأنّ الطرق إلى إثبات الحكم أو موضوعه كثيرة،فجعل الحرمة على الخمرو الترخيص على معلوم الخمريّة لا يوجب اللغوية بعد إمكان العمل به لأجل قيام طرق أُخر،و كذا الحال في معلوم الحرمة.و أمّا لزوم الأمر بالمحال:فلأنّ أمر الآمر و نهيه لا يتعلقان إلاّ بالممكن،و عروض الامتناع في‏مرتبة الامتثال-كباب التزاحم-لا يوجب الأمر بالمحال،كما حقق في محلِّه.منه قدس سره‏

1)انظر صفحة رقم:96.


132

و بالجملة:كثيراً ما يكون اختلاف العناوين موجباً لاختلاف المصالح‏و المفاسد.الثالث:لزوم اجتماع الإرادة و الكراهة في موضوع واحد.و فيه:أنّه مع اختلاف العناوين و اختلاف المصالح و المفاسد لا مانع من‏تعلّق الإرادة و الكراهة.و بعبارة أخرى:ما يمتنع تعلّقها به هو الموضوع الواحد الّذي له صورةوحدانيّة في النّفس،و أمّا مع اختلاف العناوين فتكون صورها مختلفة فيها،و تعلّق الإرادة بواحد منها و الكراهة بالأُخرى ممّا لا مانع منه.و بالجملة:الخمر و معلوم الخمريّة و مظنون الخمريّة لها صور مختلفةو شخصيّات متكثّرة في النّفس،و يجوز تعلّق الإرادة و الكراهة بها،و ليست‏الصور الذهنيّة مثل الموضوعات الخارجيّة;حيث إنّ ذات الموضوع الخارجي‏محفوظة مع اختلاف العناوين،بخلاف الصور الذهنيّة،فإنّ الموضوع مع كلّ‏عنوان له صورة على حدة.الرابع:لزوم اللَّغويّة في بعض الموارد.الخامس:لزوم الأمر بالمُحال في بعض الموارد.و العمدة في الباب هي هذان الوجهان،فكلّما لزم-من تعلّق حكم‏بموضوع و تعلّق حكم آخر بمعلوم الحكم أو مظنونه-أحدُ هذين الوجهين أوكلاهما،فيمتنع،و معلوم أنّ الموارد مختلفة في هذا الوادي،فربّما يلزم في‏موردٍ اللَّغويّةُ دون مورد آخر،و كذا الوجه الخامس.


133

مثلاً:لو تعلّق حكم بموضوع،فتعلّق حكم مماثل به بعنوان المقطوعيةقد يكون لغواً،و هو ما إذا أحرز إتيان المأمور بمجرّد القطع و الإحراز،و قد يكون‏لازماً،و هو كلّ مورد أُحرز عدم الإتيان إلاّ بعد تعلّق أمر آخر بالمُحرَز المقطوع،و قد يكون راجحاً إذا احتمل انبعاثه بالأمر الثاني،بل لا يبعد أن يكون في هذه‏الصورة أيضا لازماً.هذا في الأحكام الجزئيّة و الشخصيّة.و أمّا الأحكام الكليّة فتعلّقها مطلقاً لا يكون لغواً،لعدم تحقّق إحرازالإتيان.و أمّا الحكم المضاد-على اصطلاحهم-فالظاهر أنّه في مورد القطع غيرممكن،فلا يمكن أن يكون الخمر حراماً و مقطوع الخمرية أو الحرمة واجباً،لا لأجل اجتماع الضدّين،بل لأجل لزومِ طلب المُحال-فإنّ امتثال التكليفين‏مُحال-و لزوم لَغويّة جعل الحرمة للموضوع كما لا يخفى.و لو فرضنا كون الخمر حراماً و مقطوع الخمريّة أو الحرمة مرخصاً فيه،يكون أيضا ممتنعاً للزوم اللَّغويّة،فإنّ جعل الحرمة للخمر إنّما هو لغرض‏صيرورة المأمور بعد علمه بالحكم و الموضوع ممتنعاً تاركاً،فجعلُ الترخيص في‏هذا المورد نقضٌ للغرض،أو جعل الحرمة للخمر يصير لغواً باطلاً.و كذا لو تعلّق الوجوب بموضوع لا يمكن تعلّق الحرمة به بعنوان مقطوع‏الحكم أو الموضوع;للزوم الأمر بالمُحال أو اللَّغويّة،و لا يمكن تعلّق الترخيص‏به للزوم اللَّغوية.إلاّ أن يقال:إنّ إمكان الإتيان بالمأمور به أو ترك المنهيّ عنه بإحرازهما


134

بسائر الطرق غير العلم يدفع اللغويّة و المحاليّة.نعم هذا لازم بناءً على أخذ العلم‏بالجهة الجامعة بينه و بين الطرق موضوعاً،لا الجهة الجامعة المتخصّصة بالعلم.هذا حال العلم.و أمّا الظنّ-سواء كان حجّة أم لا-فالظاهر عدم المانع من تعلّق حكم مماثل‏أو مضادّ بعنوانه:أمّا الظنّ غير المعتبر فواضح;لعدم لزوم اللغويّة أو الأمر بالمُحال:أمّا عدم لزوم اللغويّة،فلأنّ جعل الحكم لموضوع له موارد للعمل‏لا يكون لغواً،و لو جعل حكم آخر لمورد لا يكون منجّزاً للتكليف،فالظنّ‏غير المعتبر لمّا لم يكن منجّزاً للتكليف لا مانع في جعل حكم مضادّ له،و لا يلزم‏منه لَغويّة جعل الحكم لنفس الموضوع،فإنّ له موارد للعمل.و منه يعلم عدم لزوم طلب المحال;لأنّ الظنّ غير المعتبر لم ينجّز التكليف‏المتعلّق بالموضوع،فلم يبق إلاّ التكليف المتعلّق بالمظنون.و كذا لا مانع من تعلُّق الحكم المماثل;لعدم لزوم المحذورين أصلا.و أمّا الظنّ المعتبر:فإن كان دليل اعتباره مختصّا بكشف هذا الموضوع‏أو الحكم الّذي تعلّق به،فلا يمكن جعل حكم مضادّ له;للزوم اللغويّة في دليل‏الإحراز أو لزوم الأمر بالمحال.و إن كان دليل الاعتبار مطلقا شاملا له و لغيره يكون جعل الحكم المضادّبمنزلة المخصّص لدليل الاعتبار،و يصير حكمه حكم الظنّ غير المعتبر،و أمّا في‏جعل الحكم المماثل فحال الظنّ المعتبر حال القطع.


135

في نقل كلام بعض المشايخ و الإشارة إلى وجوه الخلط فيه‏

تنبيه:و ممّا ذكرنا يعرف حال ما ذكره الأصحاب من الخلط و الاشتباه،خصوصا ما فصله بعض مشايخ العصر رحمه اللَّه-على ما في تقريرات بحثه-فإنّه‏بعد بيان الأقسام المتصوّرة و بيان إمكان أخذ الظنّ موضوعا لحكم آخر مطلقا إلاّفيما أخذ تمام الموضوع على وجه الطريقيّة،كما تقدم في العلم و تقدّم ما فيه،و حال ما نحن فيه حال العلم إشكالا و جوابا فراجع‏ (1) .قال-قدّس سرّه-ما ملخّصه:و أمّا أخذه موضوعا لمضادّ حكم متعلقه‏فلا يمكن مطلقا،من غير فرق بين الظنّ المعتبر و غيره;للزوم اجتماع الضدّين و لوفي بعض الموارد،و لا يندرج في مسألة اجتماع الأمر و النهي،بل يلزم منه‏الاجتماع في محلّ واحد.و أمّا أخذه موضوعا لحكم المماثل،فإن لم يكن الظنّ حجّة فلا مانع منه،فإنّ في صورة المصادفة يتأكد الحكمان،فإنّ اجتماع المثلين إنّما يلزم لو تعلّق‏الحكمان بموضوع واحد و عنوان واحد،و أمّا مع تعلّقهما بالعنوانين فلا يلزم إلاّالتأكّد.و أمّا الظنّ الحجّة فلا يمكن أخذه موضوعا للمماثل،فإنّ الواقع في طريق‏إحراز الشي‏ء لا يكون من طوارئه;بحيث يكون من العناوين الثانويّة الموجبةلحدوث ملاك غير ما هو عليه من الملاك;لأنّ الحكم الثاني لا يصلح لأن يكون‏

1)انظر صفحة رقم:94 و ما بعدها.


136

محرّكا و باعثا لإرادة العبد،فإنّ الانبعاث إنّما يتحقّق بنفس إحراز الحكم‏الواقعيّ المجعول على الخمر،فلا معنى لجعل حكم آخر على ذلك المحرز،كمالا يعقل ذلك في العلم أيضا.و زاد-قدّس سرّه-في فذلكته:أنّ الظنّ الغير المعتبر لا يصحّ أخذه‏موضوعا على وجه الطريقيّة لا للماثل و لا للمخالف،فإنّ أخذه على وجه‏الطريقيّة هو معنى اعتباره;إذ لا معنى له إلاّ لحاظه طريقا.و أمّا أخذه موضوعا لنفس متعلقه إذا كان حكما فلا مانع منه بنتيجة التقييدمطلقا،بل في الظنّ المعتبر لا يمكن و لو بنتيجة التقييد1فإنّ أخذ الظنّ حجّةمحرزا لمتعلقه معناه أنه لا دخل له في المتعلّق;إذا لو كان له دخل لما أخذ طريقا،فأخذه محرزا مع أخذه موضوعا يوجب التهافت و لو بنتيجة التقييد،و ذلك‏واضح‏ (1) انتهى.و فيه مواقع للنظر نذكر بعضها إجمالا،فنقول:أمّا قضيّة اجتماع الضدّين فقد عرفت حالها،و أنّها ممّا لا أساس لها أصلا.و أمّا تفرقته بين الظنّ المعتبر و غير المعتبر في الحكم المماثل ففيها:أوّلا:أنّ اختلاف العنوانين إن كان رافعا لاجتماع المثلين فهو رافع‏لاجتماع الضدّين أيضا،فإنّ محطّ الأمر و النهي إذا كان عنوانين مختلفين و لو1وردت العبارة في المصدر هكذا:(فإن كان ذلك بنتيجة التقييد فلا محذور فيه...،و إن كان‏بالتقييد اللحاظي فهو مما لا يمكن،من غير فرق بين الظن المعتبر و غير المعتبر،بل في الظن المعتبرلا يمكن و لو بنتيجة التقييد.).فوائد الأصول 3:35.

1)فوائد الأصول 3:32 و ما بعدها.


137

اتّفق اجتماعهما في موضوع واحد،فهو كما يرفع اجتماع المثلين يرفع اجتماع‏الضدّين.و أمّا إذا كان أحد العنوانين محفوظا مع الآخر-كما فيما نحن فيه،فإنّ‏الخمر محفوظة بعنوانها مع مظنون الخمريّة-فكما لا يرفع معه التضادّ لا يرفع‏معه اجتماع المثلين.و ثانيا:أنّ ما ذكره من ميزان اجتماع المثلين و ميزان التأكّد مما لا أساس له‏أصلا،فإنّ التأكّد إنّما هو مورده فيما إذا كان العنوان واحدا و تعلّق الأوامرالمتعدّدة به تأكيدا،و حديث اجتماع المثلين كالضدين ممّا لا أصل له كما عرفت،فإنّ الإرادة المتعلّقة بموضوع مهتم به كما قد تصير مبدأ للتأكيد بأداته،كذلك‏قد تصير مبدأ لتكرار الأمر و النهي تأكيدا،كالأوامر و النواهي الكثيرة المتعلّقةبعنوان الصلاة و الزكاة و الحجّ و عنوان الخمر و الميسر و الرّبا في الشريعةالمقدّسة،فهل هذه من قبيل اجتماع المثلين؟!نعم تعلّق الإرادتين بعنوان واحد ممّا لا يمكن;لأنّ تشخّص الإرادةبالمراد.هذا حال العنوان الواحد.و أمّا مع اختلاف العنوانين فلا يكون من التأكيد أصلا و إن اتّفق‏اجتماعهما في موضوع واحد،فإنّ لكلّ واحد من العنوانين حكمه،و يكون‏الموضوع مجمعا لعنوانين و لحكمين،و يكون لهما إطاعتان و عصيانان،و لا بأس به.و ما اشتهر بينهم:أنّ قوله:«أكرم العالم»و«أكرم الهاشمي»يفيد التأكيد


138

إذا اجتمعا في مصداق واحد (1) ممّا لا أصل له.و ثالثاً:أنّ ما أفاد:من أنّ الظنّ المعتبر لا يمكن أخذه موضوعاً لحكم‏المماثل،معلّلاً تارةً بأنّ المحرز للشي‏ء ليس من العناوين الثانويّة الموجبة لحدوث‏الملاك،و تارةً بأنّ الحكم الثاني لا يصلح للانبعاث،و إن خلط الفاضل المقرّر-دام علاه-في تحريره.فيرد على الأوّل:أنّ عدم كون الظنّ المحرز من العناوين الثانويّة التي‏توجب الملاك هل هو من جهة كون الظنّ مختلفا مع الواقع المظنون في الرتبة،فيلزم أن يكون الظنّ الغير المعتبر-أيضا-كذلك،أو من جهة الاعتبار الشرعيّ،ففيه:أنّه أيّ دليل قام على أنّ الاعتبار الشرعيّ ممّا ينافي الملاكات الواقعيّةو يرفعها؟!و بالجملة:لا فرق بين الظنّ المعتبر و غير المعتبر إلاّ في الجعل الشرعيّ،و هو ممّا لا يضادّ الملاكات النّفس الأمريّة.مع أنّ الظنّ و القطع كسائر العناوين يمكن أن يكونا موجبين لملاك آخر.و يرد على الثاني:أنه يمكن أن لا ينبعث العبد بأمر واحد و ينبعث بأمرين‏أو أوامر،و إمكان الانبعاث يكفي في الأمر،و لو لا ذلك لصارت التأكيدات‏كلّها لغوا باطلا،مع أنّ المظنون بما أنّه مظنون يمكن أن يكون له ملاك مستقلّ في‏مقابل الواقع،كما هو المفروض فيما نحن فيه،فيتعلّق به أمر مستقلّ.و أمّا ما أفاد في فذلكته:من أنّ أخذ الظنّ على وجه الطريقيّة هو معنى‏

1)فوائد الأصول 3:36.


139

اعتباره،ففيه:أنّه ممنوع،فإنّ الظنّ لمّا كان له طريقيّة ناقصة و كاشفيّة ضعيفةذاتا،يمكن أن يؤخذ على هذا الوجه موضوعا،في مقابل الصفتيّة التي معناهاأن يؤخذ مقطوع النّظر عن كاشفيته.و أمّا معنى اعتباره فهو أن يجعله الشارع طريقا و كاشفا بالجعل‏التشريعيّ،فمجرّد لحاظ الشارع طريقيّته لا يلازم اعتباره شرعا،فضلا عن أن‏يكون معناه.و إن شئت قلت:إنّ لحاظ الطريقيّة من مقولة التصوّر،و جعل الاعتبار من‏الإنشاء و الحكم،و لا ربط بينهما و لا ملازمة،فضلا عن أن يكون أحدهما معنى‏الآخر.مضافا إلى أنّ لحاظ الطريقية لو كان بمعنى جعل الاعتبار و جعل الطريقيّة،لا بدّ و أن يلتزم بامتناعه في القطع،لأنّ جعل الطريقيّة و الاعتبار فيه ممتنع،فلحاظ القطع الطريقيّ موضوعا مطلقا يصير ممتنعا.اللّهمّ إلاّأنّ‏يدّعى أنّ ذاك اللحاظ عين معنى الاعتبار أعمّ من الاعتبارالذاتي أو الجعلي،و هو كما ترى.و أمّا ما أفاد:من أنّ أخذ الظنّ بالحكم موضوعا لنفسه لا مانع منه بنتيجةالتقييد،فقد عرفت ما فيه في أخذ العلم كذلك من لزوم الدور.و أمّا ما أفاده أخيرا:من عدم جواز أخذ الظنّ المعتبر موضوعا لحكم‏متعلَّقه،معلّلا بأنّ أخذ الظنّ محرزا لمتعلّقه معناه أنه لا دخل له فيه،و هو ينافي‏الموضوعيّة.


140

ففيه:أنّ ذلك ممنوع جدّاً،فإنّ الملاك يمكن أن يكون في الواقع المحرز بهذاالظنّ بعنوان المحرزيّة،فلا بدّ من جعل المحرزيّة للتوصّل إلى الغرض،لكن أخذالظن كذلك محال من رأس،للزوم الدور.و الّذي يسهّل الخطب أنّ ما ذكر من أقسام الظنّ الموضوعيّ مطلقا-بل‏و القطع غالبا-مجرّد تصوّرات لا واقع لها،و التعرّض لها إنّما هو تبعا للمشايخ‏رحمهم اللَّه تعالى.


141

الموافقة الالتزاميّة

قوله:الأمر الخامس...إلخ‏ (1) .(1)و فيه مطالب:

المطلب الأوّل‏في حال الموافقة الالتزاميّة في الأصول و الفروع‏

و توضيحها يتوقّف على تمهيد مقدّمات:

المقدمة الأولى:أنّ الأصول الاعتقاديّة تكون على أقسام‏

:منها:ما هي ثابتة بالبرهان العقليّ من غير دخالة النقل و النصّ فيها،بل‏لو ورد في الكتاب و السنّة ما بظاهره المنافاة لها لا بدّ من تأويله أو إرجاع علمه إلى‏

1)الكفاية 2:27.


142

أهله،كوجود المبدأ المتعال و توحيده و سائر صفاته الكماليّة و تنزيهه عن‏النقص،و كأصل المعاد بل و الجسمانيّ منه-أيضا-على ما هو المبرهن عندأهله‏ (1) ،و كالنبوّة العامّة و أمثالها من العقليّات الصّرفة،فما وقع في كلام‏بعض أعاظم المحدّثين من أنّ المعوّل عليه في التوحيد هو الدليل النقليّ‏ (2) ممّالا ينبغي أن يصغى إليه،و لا يستأهل جوابا و ردّا.و منها:ما هي ثابتة بضرورة الأديان أو دين الإسلام،كبعض أحوال المعادو الجنّة و النار و الخلود في النار و أمثالها،أو ضرورة المذهب.و منها:ما هي ثابتة بالنصّ الكتابي أو النقل المتواتر.و أمّا غيرها ممّا ورد فيه رواية أو روايات،فقد يحصل منها العلم‏أو الاطمئنان و قد لا يحصل.و الفروع الشرعيّة أيضا:تارة تكون ثابتة بضرورة الدين كوجوب الصلاةو الحجّ،و تارة بضرورة المذهب كوجوب حبّ أهل البيت و حرمة بغضهم،و تارة بالنقل المتواتر أو النصّ الكتابي أو الإجماع،و تارة بغيرها من الأدلّةالاجتهاديّة و الفقاهتية،و ربّما تثبت بالعقل أيضا.

المقدمة الثانية:

أنّ الأحوال القلبيّة من الخضوع و الخشوع و الخوف و الرجاء و الرضا

1)الأسفار 9:185 و ما بعدها،كشف المراد:320-321،اللوامع الإلهيّة:371-372،إرشادالطالبين:406-409.

2)انظر غاية المرام في شرح تهذيب الأحكام:46(مخطوط).


143

و السخط و أمثالها أنّما تحصل في النّفس قهرا تبعا لمبادئها الحاصلة فيها بعللها،بحيث لو حصلت المبادئ فيها تتبعها تلك الحالات بلا دخالة إرادة و اختيارأصلا.مثلا:العلم بوجود المبدأ و عظمته و قهّاريّته يوجب الخضوع و الخشوع‏لدى حضرته-جلّت كبرياؤه-و الخوف منه،و العلم برحمته الواسعة وجوده‏الشامل و قدرته النافذة يوجب الرجاء و الوثوق.و كلّما تمّت المبادئ و كملت،تمّت و كملت الحالات القلبيّة،أي‏درجات الثمرات تابعة لدرجات المبادئ،و لا يمكن تحصيل النتائج إلاّ بتحصيل‏مبادئها،و لا يمكن حصول تلك الحالات بالإرادة و جعل النّفس من دون‏تحقّق المبادئ،و مع تحقّقها تحصل قهرا و تبعا من غير دخالة الإرادة و الاختيارفيها.

المقدمة الثالثة:

أنّ عقد القلب و الالتزام بشي‏ء و الانقياد و التسليم القلبي لأمر،من‏الأحوال القلبيّة التي لا تحصل بالإرادة و الاختيار من دون حصول مبادئها،فضلاعن حصولها مع تحقّق أضداد مبادئها أو مبادئ أضدادها،فإذا حصلت مبادئهافي النّفس لا يمكن تخلّف الالتزام و التسليم و الانقياد القلبيّ عنها،و لا يمكن‏الالتزام بمقابلاتها و أضدادها،فتخلّفها عن المبادئ ممتنع،كما أنّ حصولهابدونها-أيضا-ممتنع.إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ الأصول الاعتقاديّة البرهانيّة أو الضروريّة


144

أو غيرها إذا حصلت بمبادئها في النّفس لا يمكن تخلّف الالتزام و التسليم‏و الانقياد القلبيّ عنها،و لا يمكن الالتزام بأضدادها،مثلا من قام البرهان الأوّليّ‏عنده على وجود المبدأ المتعال و وحدته لا يمكن له اختيارا و إرادة الالتزام و عقدالقلب بعدم وجوده و وحدته تعالى،كما لا يمكن عقد القلب حقيقة على ضدّأمر محقّق محسوس،كعقد القلب على أنّ النار باردة،و أنّ الشمس مظلمة،و أنّ الكوكب الّذي يفعل النهار هو المشتري،و قس على ذلك كلّيّة الاعتقاديّات‏و الفرعيّات الضروريّة و المسلّمة،فكما لا يمكن عقد القلب و الالتزام على ضدّأمر تكويني لا يمكن على ضد أمر تشريعيّ بالضرورة و الوجدان.و ما يتوهّم‏ (1) أنّ الكفر الجحوديّ يكون من قبيل الالتزام القلبيّ على‏خلاف اليقين الحاصل لصاحبه-كما قال تعالى‏ و جحدوا بها و استيقنتهاأنفسهم ظلما و علوّا (2) -فاسد،فإنّ الجحود عبارة عن الإنكار اللسانيّ،لا الالتزام القلبي كما هو واضح.و كذلك الحال في الفرعيّات الثابتة بالطرق و الأمارات و سائر الحجج‏الشرعيّة،فإن الالتزام بها و التسليم لها مع حصول مقدّماتها و العلم بها قهريّ‏تبعيّ،لا إراديّ اختياريّ،و الالتزام على خلافها غير ممكن،فلا يمكن للّذي‏ثبت عنده بالحجّة الشرعيّة أنّ حكم الغسالة هو النجاسة أن يلتزم بطهارتهاشرعا،أو لا يلتزم بنجاستها،إلاّ أن يرجع إلى تخطئة الشارع،و هو خلاف‏

1)نهاية الدراية 1:112 سطر 20.

2) النمل:14.


145

الفرض.فما اشتهر بينهم من حرمة التشريع و وجوب الموافقة الالتزاميّة (1) ،إن‏كان المراد من التشريع هو البناء و الالتزام القلبي على كون حكم لم يكن من‏الشرع-أو لم يعلم كونه منه-أنّه منه،و من وجوب الالتزام هو الالتزام القلبي‏-بالاختيار و الجعل-للأحكام الشرعية و الأصول الاعتقاديّة،كما هو ظاهركلماتهم بل صريحها،فهو ممّا لا يرجع إلى محصّل،فإنّ التشريع بهذا المعنى‏غير ممكن،فضلا عن أن يكون متعلّقا للنهي الشرعيّ،و كذلك الالتزام بالأحكام‏الشرعيّة-لمن يعتقد الرسالة،و ثبتت عنده الأحكام بطرقها و أدلّتها-واجب‏التحقّق ممتنع التخلّف،و لا يكون تحت اختيار العبد و إرادته حتّى يكون مورداللأمر.و إن كان المراد من التشريع هو إدخال ما ليس في الدين فيه،افتراء على‏اللَّه تعالى و على رسوله صلّى اللَّه عليه و آله فهو أمر ممكن واقع محرّم‏بالضرورة،و كذلك الموافقة الالتزامية إن كان المراد منها هو البناء القلبي على‏الالتزام العملي و الإطاعة لأمر المولى،و المخالفة هي البناء على المخالفة العمليّة،فهما أمران معقولان يكونان من شعب الانقياد و التجرّي.فتحصّل ممّا ذكر:أنّ وجوب الموافقة الالتزاميّة و حرمة مخالفتها-على‏ما يستفاد من كلام القوم-ممّا لا أساس لهما أصلا،و ما ذهب إليه بعض سادة

1)نهاية الدراية 2:26-27،حاشية فرائد الأصول:41-42،درر الفوائد 2:19-20،فوائدالأصول 3:42-43.


146

مشايخنا (1) -رحمهم اللَّه-في القضايا الكاذبة من التجزّم على طبقها،و جعله‏مناطا لصيرورة القضايا ممّا يصحّ السكوت عليها،و أنّ العقد القلبيّ عليها يكون‏جعليّا اختيارا.و قال شيخنا العلاّمة-أعلى اللَّه مقامه-:إنّ حاصل كلامه:أنّه كما أنّ‏العلم قد يتحقّق في النّفس بوجود أسبابه،كذلك قد تخلق النّفس حالة و صفةعلى نحو العلم حاكية عن الخارج،فإذا تحقّق هذا المعنى في الكلام يصير جملةيصحّ السكوت عليها،لأنّ تلك الصفة الموجودة تحكي جزما عن تحقّق النسبةفي الخارج‏ (2) .انتهى.فيرد عليه:أنّ العلم و الجزم ليسا من الأمور الجعليّة الاختياريّة،فإنّهمامن الأمور التكوينيّة التي لا توجد في النّفس إلاّ بعللها و بأسبابها التكوينيّة،فهل‏يمكن جعل الجزم في النّفس بأنّ الواحد ليس نصف الاثنين بل هو نصف‏الثلاثة،و أنّ النقيضين يجتمعان و يرتفعان؟!و أمّا الإخبارات الكاذبة إنّما تكون بصورة الجزم،و ليس في واحد منهاحقيقة الجزم الجعليّ بل إظهار الجزم،و المناط في صحّة السكوت هو الإخبارالجزمي،أي الإخبار الّذي بصورة الجزم،و لا ربط للجزم القلبي في صحّةالسكوت و عدمه،و لهذا لو أظهر المتكلّم ما هو مقطوع به بصورة الترديد لا تصيرالقضيّة ممّا يصحّ السكوت عليها.

1)نقله عنه في درر الفوائد 1:39.

2)المصدر السابق.


147

اللّهم إلاّ أن يقال:إنّ في تلك القضايا المظهرة بصورة الترديد ينشئ‏المتكلّم حقيقة الترديد في النّفس،و يصير مردّدا جعلا و اختراعا،و هو كماترى.فتحصّل:أنّ جعليّة هذه الأوصاف النفسانيّة ممّا لا وجه صحّة لها.

المطلب الثاني‏جريان الأصول لا يدفع الالتزام بالحكم الواقعي‏

بناء على ما ذكرنا من كون الموافقة الالتزاميّة من الملتزم بالشريعة و المؤمن‏بها من الأمور القهريّة الغير الاختياريّة،لا الجعليّة الاختياريّة،تكون الموافقةالالتزاميّة على طبق العلم بالأحكام و تابعة له كيفيّة و كميّة،فإن كان العلم‏متعلّقا بحكم تفصيلا يتعلّق الالتزام به تفصيلا،و إن كان متعلّقا إجمالا يكون‏الالتزام إجماليّا،ففي دوران الأمر بين المحذورين-الّذي يكون العلم بنحوالترديد و الإجمال في المتعلّق-يكون الالتزام به أيضا كذلك،فلو بنينا على جوازجعل حكم ظاهريّ في مورد الدوران بين المحذورين يكون الالتزام على طبق‏الحكم الظاهري،أي كما أنّه يجوز جعل الحكم الواقعي و الظاهري في‏موضوع بعنوان الذات و المشكوك-مثلا-و يكون تعلّق العلم بهما ممّا لا مانع‏منه،كذلك الالتزام يكون على طبقه،أي التزام بحكم واقعيّ و التزام بحكم‏ظاهريّ بلا تناف بينهما،فجريان الأصول فيه ممّا لا مانع منه من قبل لزوم‏الالتزام،كما أنّ جريانها لا يدفع الالتزام بالحكم الواقعيّ،لأنّ جريانها في طول‏


148

الواقع،و لا يدفع به العلم بالحكم الواقعي.بل لو بنينا على اختياريّة الالتزام و جعليّته فلا وجه لاختصاص محذورعدم الموافقة بما إذا لم تجر الأصول في الأطراف،كما مال إليه المحقّق‏الخراسانيّ‏ (1) -قدّس سرّه-لأنّ موضوع الالتزام بالحكم الواقعي في طول‏مجاري الأصول،و الالتزام بالواقع مع الأصول في الرتبتين،و لا وجه لدفع‏أحدهما بالآخر،فتدبّر.

المطلب الثالث‏عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي‏

في حال جريان الأصول العقليّة أو الشرعيّة في أطراف العلم الإجمالي‏فيما إذا دار الأمر بين المحذورين،و أمّا جريانها في غيره من موارد العلم‏الإجمالي فسيأتي حاله‏ (2) .و الظاهر عدم جريان الأصول العقليّة مطلقا في أطرافه،لعدم المجال‏للحكم العقليّ فيما هو ضروري تكوينا و حاصل بنفس ذاته،حتّى التخييرالعقلي بمعنى الحكم بالتخيير،فإنّه لا معنى له بعد ضروريّة حصوله.و أمّا الأصول الشرعيّة،مثل أصالة الحلّيّة و الإباحة فلا تجري،لمناقضةمضمونها للعلم الإجمالي،فإنّ جنس التكليف معلوم،و أصل الإلزام متيقّن،

1)كفاية الأصول 2:30-31.

2)انظر الجزء الثاني صفحة:177 و ما بعدها،و 271 و ما بعدها.


149

فلا موضوع لأصل الحلّيّة و الإباحة،فإنّ معنى الحلّيّة و الإباحة عدم الإلزام في‏طرفي الوجود و العدم،و هذا ليس بمشكوك بل معلوم.و أمّا أصالة البراءة-التي مستندها دليل الرفع و التوسعة-فالظاهر جريانهافي طرفي الوجود و العدم،و تساقطهما بالتعارض أو بواسطة العلم بالخلاف.و لو قلنا بعدم الجريان فإنّما هو بواسطة العلم بالخلاف،و هذا مناقضةبالعرض و من باب الاتّفاق،لا مناقضة في مفاد الدليل و الجعل،لأنّ الرفع‏و التوسعة في كلّ طرف لا يكون مفادها التوسعة و الرفع في الطرف الآخر،حتّى يناقض جنس التكليف المعلوم،فموضوع الأصل الّذي هو الشكّ في نوع‏التكليف محقّق في كلّ واحد من الطرفين في حدّ نفسه.

الإشكال على بعض محققي العصر

و ما أفاد بعض مشايخ العصر قدّس سرّه-على ما في تقريراته‏ (1) -من أنّ‏المحذور في جريان البراءة الشرعيّة هو أنّ مدركها قوله:(رفع ما لا يعلمون) (2) ،و الرفع فرع إمكان الوضع،و في مورد الدوران بين المحذورين لا يمكن وضع‏الوجوب و الحرمة كليهما،لا على سبيل التعيين و لا على سبيل التخيير،و مع‏عدم إمكان الوضع لا يعقل تعلّق الرفع،فأدلّة البراءة الشرعيّة لا تعمّ المقام.

1)فوائد الأُصول 3:448.

2)توحيد الصدوق:353-24 باب 56،الخصال:417-9،الوسائل 11:295-1 باب 56 من‏أبواب جهاد النّفس.


150

فيرد عليه:أوّلاً:أنّ ما لا يمكن الوضع‏فيه‏هو الوجوب و الحرمة كلاهما-أي‏المجموع من حيث هو مجموع-و الأفراد بهذه الحيثيّة ليست مشمولة للأدلّةمطلقاً،فإنّ مفادها هو كلّ فرد فرد بعنوانه،لا بعنوان المجموع،و لو كانت‏مشمولة بهذه الحيثيّة-أيضا-يلزم أن يكون كلّ فرد مشمول الدليل مرّتين بل‏مرّات غير متناهية:مرّة بعنوان ذاته،و مرّات غير متناهية بعنوان الاجتماعات‏الغير المتناهية،و هو ضروريّ البطلان.و ثانياً:أنّه يلزم بناءً على ذلك عدم جريان أصالة البراءة و غيرها في غيرمورد دوران الأمر بين المحذورين،لمناقضة مفادها مع المعلوم بما أنّه معلوم،فإنّ‏الرفع عن كلا الطرفين يناقض الوضع الّذي في البين،مع اعترافه بجريانها إذالم يلزم منه مخالفة عمليّة.و ثالثاً:أنّه لو فرضنا أنّ حديث الرفع يشمل المجموع-أيضا-لنا أن نقول‏بجريانه في الدوران بين المحذورين و غيره،لشموله بالنسبة إلى كلّ فرد فردبنفسه،فالفرد بعنوان ذاته مشمول للدليل،و إن كان بعنوان اجتماعه مع غيره‏غير مشمول له،و لا يتنافى عدمُ المشموليّة بعنوان مع المشموليّة بعنوان ذاته.هذا كلّه إذا كان مراده-قدّس سرّه-من قوله:لا يمكن وضع الوجوب‏و الحرمة كليهما،هو المجموع.و إن كان مراده الجميع بنحو الاستغراق،فمناقضته مع التكليف في البين لا تُنافي الجريان في كلّ واحد من حيث هو،بل لازمها السقوط بعد الجريان،كما هو الشأن في كلّ مورد يكون كذلك.


151

و أمّا الاستصحاب فما كان مفاده مناقضاً لأصل الإلزام و جنس التكليف‏كاستصحاب الاستحباب و الكراهة و الإباحة فعدم جريانه معلوم،لعدم‏الموضوع له.و أمّا استصحاب عدم الوجوب و عدم الحرمة فالظاهر جريانهماو سقوطهما بالمعارضة،كما عرفت في جريان أصل البراءة،و لا مانع من‏جريانهما سوى ما أفاد العلاّمة الأنصاري‏ (1) من عدم جريان الأُصول في أطراف‏العلم مطلقاً،للزوم مناقضة صدر الأدلّة مع ذيلها،و سيأتي ما فيه‏ (2) ،و سوى‏ما في تقريرات بعض المشايخ-قدس سرّه-و سيأتي ما فيه،فانتظر (3) .إن قلت:جريان الاستصحابين-بل مطلق الأُصول-في مورد الدوران‏يلزم منه اللّغويّة،فإنّ الإنسان-تكويناً-لا يخلو عن الفعل أو الترك،و هما مفاداستصحاب عدم الوجوب و عدم الحرمة،فوجودهما و عدمهما على السواء،و كذا الحال في أصالة البراءة عن الوجوب و الحرمة.و إن شئت قلت:لا معنى لجريان الأصل العملي في مورد ليس فيه عمل‏يمكن التعبّد به،كما فيما نحن فيه،فإنّ أحد الطرفين ضروريّ التحقّق.قلت:نعم،لو كان مفاد الأصل هو مجموع كلا الطرفين فمع لزوم‏اللّغويّة يلزم منه المناقضة مع المعلوم في البين،لكن قد عرفت ما فيه.

1)فرائد الأصول:429 سطر 10-13.

2)انظر صفحة رقم:162.

3)انظر صفحة رقم:164.


152

و أمّا مع ملاحظة كلّ واحد من الأصلين بحيال ذاته فلا يلزم من جريانه‏اللّغويّة،فإنّه مع استصحاب عدم الوجوب يجوز الترك،و مع استصحاب عدم‏الحرمة يجوز الإتيان،فأين يلزم اللّغويّة؟!و أيضا نفس الوجوب و الحرمة من الأحكام الشرعيّة التي يجري فيهاالاستصحاب بلا توقّع أثر آخر.نعم التعبّد بكليهما ممّا لا يمكن،للعلم بمخالفة أحدهما للواقع،فلهذايتساقطان بالتعارض.و هاهنا أمور اخر موكولة إلى محلّها.

في عدم تفاوت الآثار العقلية للقطع الطريقي‏

قوله:الأمر السادس...إلخ‏ (1) .(1)أقول:لا ينبغي الإشكال في عدم تفاوت القطع الطريقي عقلاً فيما له من‏الآثار العقليّة من حيث الموارد و القاطع و أسباب حصوله،و التعرّض له ممّالا طائل تحته،و ما ظاهره المخالفة مؤوّل أو مطروح.إنّما الكلام في بعض الجهات‏التي تعرّض‏لهابعض محقّقي العصر-رحمه اللَّه-على ما في تقريرات‏بحثه.قال في الجهة الأولى ما حاصله:نسب إلى جملة من الأشاعرة (2)

1)كفاية الأصول 2:31 سطر 9.

2)الأحكام في أصول الأحكام 1:119-120،المحصول في علم أصول الفقه 1:29-40،كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:234.


153

إنكار الحسن و القبح العقليّين،و عدم دوران أحكام الشارع مدار المصالح‏و المفاسد،و أنّه تعالى مقترح في أحكامه من دون مرجّح،و لا مانع من‏الترجيح بلا مرجّح:و لمّا كان هذا القول في غاية السقوط أعرض عنه المحقّقون‏منهم،و التزموا بثبوت المصالح و المفاسد،و لكن اكتفوا بالمصلحة و المفسدةالنوعيّة القائمة بالطبيعة في صحّة تعلّق الأمر ببعض الأفراد و إن لم يكن لتلك‏الأفراد خصوصيّة،و يصحّ ترجيح بعض الأفراد بلا مرجّح على بعضها بعد ماكان مرجّح في أصل الطبيعة،و مثّلوا برغيفي الجائع و طريقي الهارب مع‏تساوي الطرفين،فإنّه لا إشكال في اختيار أحدهما من غير مرجّح أصلاً،لأن‏المفروض تساويهما من جميع الجهات.قال الفاضل المقرّر1-دام علاه-:إنّ شيخنا الأستاذ يميل إلى هذا القول‏بعض الميل،و هذا ليس بتلك المثابة من الفساد،و يمكن الالتزام به،و لا ينافيه‏تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد،لكفاية المصلحة النوعيّة في ذلك،و ما لا يمكن الالتزام به هو إنكار المصالح و المفاسد مطلقاً،لعدم معقوليّة الترجيح‏بلا مرجّح‏ (1) .انتهى.أقول:كما أنّ القول باقتراح الشارع الأحكام من غير مرجّح في غاية1هو العالم الفاضل الشيخ محمد علي بن الشيخ حسن الجمالي القابچي الخراسانيّ الكاظمي،ولد في سامراء سنة 1309 ه-و تلقى أوليات العلوم فيها على يد والده،هاجر إلى النجف‏الأشرف و حضر عند الميرزا النائيني،له عدة مؤلفات أشهرها فوائد الأصول،تو في سنة1365 ه.انظر نقباء البشر 4:1386.

1)فوائد الأصول 3:57-58.


154

السقوط،كذلك القول باقتراح الخصوصيّة من غير مرجّح-أيضا-في غايةالسقوط،بل لا فرق بينهما فيما هو ملاك الاستحالة عند العقل أصلاً،فإنّ‏ملاكها هو تعلّق الإرادة-التي هي متساوية النسبة إلى الطرفين-بأحدهما من‏دون ملاك،الّذي يرجع إلى وجود الممكن بلا علّة توجبه،و هو مساوق لخروج‏الممكن عن كونه ممكنا،و هو يساوق اجتماع النقيضين،و هذا الملاك متحقّق عينافي ترجيح بعض الأفراد على بعض من غير مرجّح.و إن شئت قلت:إنّ استحالة الترجيح بلا مرجّح من الأحكام العقليّةالغير القابلة للتخصيص،فلو فرضنا أنّ ملاك الحكم يكون في الطبيعة نفسهابلا دخالة لخصوصيّة الأفراد فيه يكون نفس الطبيعة-بما هي-مأمورا بها،فاختصاص بعضها بالحكم و الإيجاد أو الاختيار و البعث يكون من الترجيح‏بلا مرجّح و الاختيار بلا ملاك،و مجرّد كون الطبيعة ذات ملاك لا يدفع استحالةالتخصيص ببعض الأفراد بلا مرجّح و ملاك،فإنّ كلّ ملاك لا يدعو إلاّ إلى‏نفسه،و لا معنى لدعوته إلى غيره.و بالجملة:استحالة الترجيح بلا مرجّح المنتهي بالآخِرة إلى الترجّح‏بلا مرجّح من ضروريّات الأحكام العقليّة أو المنتهية إليها،من غير افتراق بين‏مواردها أصلا.و أمّا الأمثلة الجزئيّة-التي لا تكون تحت ملاك برهانيّ و ضابطة ميزانيّة-فلا تفيد شيئا،و لا يدفع بمثلها البرهان الضروريّ،مع أنّ اختيار بعض التي‏هي‏مورد النقض في الأمثلة لا يكون بلا مرجّح،بل له مرجّحات خفيّة قد


155

يغفل عن تفصيلها الفاعل أو الآمر،مثل كون أحدهما أسهل تناولا لكونه على‏يمينه،أو توجّه النّفس و تعلّق إدراكها بأحدهما أوّلا،أو أكثر من الآخر بالعلل‏الخفيّة.فلو قيل:نحن نفرض التساوي من جميع الجهات واقعا و في نظرالفاعل.قلنا:فإذن يمتنع تعلّق الإرادة بأحدهما،و هذا الفرض مثل أن يقال:نحن‏نفرض تحقّق المعلول بلا علّة موجبة،أو تحقّق الإرادة من غير علّة و غاية،أونفرض اجتماع النقيضين،و هذه مجرّد فروض لا واقع لها،و أوهام‏لا حقيقة لها.و بالجملة:يرجع الترجيح بلا مرجّح في جميع الموارد إلى وجود الممكن‏بلا علّة،و بطلانه من البديهيّات الأوّليّة،و لا فرق بين قول الأشاعرة الغيرالمحقّقين و المحقّقين منهم لو وجد بينهم محقّق،و لو كان هذا الرّأي و التفرقة أثرتحقيقهم،فهو-كما ترى-ليس فيه أثر تحقيق أصلا.ثمّ إنّه قد أورد في الجهة الأولى من التقريرات كلاما آخر ملخّصه:أنّ‏دعوى تبعيّة الأوامر و النواهي لمصالح و مفاسد في نفسها دون متعلّقاتها ضعيفةو لو إيجابا جزئيّا،فإنّ المصلحة في الأمر ممّا لا معنى لها،و إلاّ يلزم أن تتحقّق‏المصلحة بمجرّد الأمر بلا انتظار شي‏ء آخر،و الأوامر الامتحانيّة التي مثلوا بهالذلك ليست كذلك،فإنّ المصلحة فيها قائمة بإظهار العبد الإطاعة،و هولا يتحقّق إلاّ بالجري على وفق المأمور به،و أين هذا من كون المصلحة في نفس‏


156

الأمر؟!فتحصّل:أنه لا سبيل إلى إنكار تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في‏المتعلّقات‏ (1) انتهى.و كلامه هذا يرجع إلى دعاوى ثلاث:الأولى:عدم تصوّر كون المصالح و المفاسد في نفس الأوامر و النواهي‏مطلقا.الثانية:كونهما مطلقا في المتعلّقات دون غيرها.الثالثة:المناقشة في الأمثلة التي مثلوا بها و إرجاع المصلحة في الأوامرالامتحانية إلى المتعلّقات.و في كلّ من الدعاوي إشكال و نظر:أمّا في الأولى:فلأنّه من الممكن أن تكون المصلحة في نفس الأمر،و تتحقّق بمجرّده بلا انتظار شي‏ء آخر،و ذلك مثل أن يكون غرض الآمر مجردإظهار الآمرية بلا غرض في المتعلّق و لا في إظهار العبد الإطاعة.مثلا:لو مرّ المولى على عدّة غلمان له،فتعلّق غرضه بمجرّد الآمريّةو الناهويّة-فإنّهما بنفسهما لذيذان-فأمرهم و نهاهم بلا انتظار عمل منهم،فلاإشكال في كون المصلحة في نفس الأمر،لا في المتعلّق و لا في إظهار العبدالطاعة،و لهذا يسقط الغرض بمجرّد الأمر و النهي في مثله،و لعلّ بعض أوامرالتقيّة من هذا القبيل،أي من قبيل كون المصلحة في نفس الأمر،كما لو كان في‏

1)فوائد الأصول 3:59.


157

نفس إظهار الموافقة معهم مصلحة،فتأمّل.و أمّا في الثانية:فلأنّه لو فرضنا عدم معقوليّة كون المصالح و المفاسد في‏نفس الأوامر و النواهي،فلا يلزم منه لزوم كونها في المتعلّقات،لإمكان كونهافي أمر ثالث،لا في الأوامر و لا في متعلّقاتها،لعدم كون الانفصال على سبيل‏منع الخلوّ،حتّى ينتج من نفي أحدهما إثبات الآخر،فإنّ الغرض الباعث للأمرقد يكون في المتعلّقات،و ذلك ظاهر،و قد يكون في الأوامر كما عرفت،و قديكون في أمر آخر غيرهما،كبعض أوامر التقيّة التي تكون المصلحة في إظهارالشيعة موافقتهم،لا في نفس المتعلّقات،فإنّ كون المصلحة في المتعلّق عبارةعن قيام المصلحة بنفسه أتى به المكلّف أو لم يأت به،و أمّا المصلحة إذا قامت‏بإظهار الموافقة مع العامّة فلا يكون في نفس المتعلّق مصلحة أصلا،بل قديكون فيه مفسدة،لكن لمّا كان في إظهار الموافقة لهم فيه مصلحة غالبة،و هوقد يتوقّف على إتيان المتعلّق،فلا بدّ من الأمر به و إتيانه.و بالجملة:لا يكون المتعلّق مصداقا ذاتيّا للمصلحة،بل قد يكون مصداقاعرضيّا،و الشاهد على ذلك أنّه لو أتى المكلّف بما يتوهّم العامّة موافقته لهم‏يسقط الغرض و الأمر بلا إشكال،كما لو شرب ما يتوهّم أنّه نبيذ،أو فعل‏ما يتوهّم منه التكتّف.و بالجملة:ما اشتهر بينهم‏ (1) -أنّ المصلحة:إمّا في المتعلّق،أو في الأمر-ممّا لا أصل له.

1)المصدر السابق.


158

إلاّ أن يقال:إنّ المأمور به في الحقيقة في تلك الموارد هو ما قامت به‏المصلحة بالذات،فإذا تعلّق الأمر بشرب النبيذ يكون تعلّقا عرضيّا،و المتعلّق‏بالذات هو إظهار الموافقة معهم.و هذا ليس بشي‏ء فإنّ الأغراض التي هي الغايات غير المتعلّقات،و إلاّلزم أن تكون كلّ الأوامر و النواهي الإلهيّة متعلّقة بغير متعلّقاتها الحقيقيّة،و هوكما ترى.و أمّا في الثالثة:فلأنّ الأوامر الامتحانيّة كما لا تكون المصلحة في‏نفسها،كذلك لا تكون في متعلّقاتها،بل قد تكون المصلحة في إتيان مقدّمات‏المأمور به بتوهم كونها موصلة إليه،كما في قضيّة الخليل‏ (1) -سلام اللَّه عليه-و قد تكون في نفس إظهار العبوديّة بلا دخالة للمتعلّق أصلا.و العجب أنّه-قدّس سرّه-مع اعترافه بأنّ المصلحة في الأوامر الامتحانيّةإنّما تكون في إظهار العبد الإطاعة و الموافقة،استنتج منه أنّ المصالح فيها في‏نفس المتعلّقات،و هذا من قبيل اشتباه ما بالعرض بما بالذات،و يشبه أن يكون‏تناقضا في المقال.

1)التبيان في تفسير القرآن 8:516-520،الميزان في تفسير القرآن 17:152-153.


159

البحث في العلم الإجمالي‏

قوله:الأمر السابع‏ (1) ...(1)أقول:ها هنا مباحث كثيرة طويلة الذيل،بعضها راجع إلى ما نحن فيه،و بعضها إلى مباحث الاشتغال،و نحن نذكر بعضها على سبيل الإجمال:أمّا ما هو راجع إلى ما نحن بصدده فالعمدة فيه هو مقامان:أحدهما:ما هو راجع إلى مقام ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي.و ثانيهما:ما هو راجع إلى مرحلة سقوطه به.

المقام الأول‏ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي‏

و فيه مطالب:

1)كفاية الأُصول 2:34 سطر قبل الأخير.


160

المطلب الأوّل‏

:لا إشكال في أنّ العلم طريق إلى متعلَّقه كاشف عنه‏-سواء كان متعلّقه مجملاً مردّداً بين أمرين أو أمور،أو مفصّلا-و بعد كشف‏المتعلّق و إحرازه يصير موضوعا لإطاعة المولى عقلا إذا تعلّق بأمره أو نهيه،و لا شبهة في أنّ الآتي بجميع أطراف الشبهة التحريميّة،و التارك لجميع أطراف‏الشبهة الوجوبيّة،حاله عند العقل كالآتي بالمحرّم المعلوم تفصيلا،و التارك‏للواجب المعلوم كذلك،و إنكار ذلك مكابرة لضرورة حكم العقل.و ما قيل:من أنّ موضوع حكم العقل في باب المعصية ما إذا علم المكلّف‏حين إتيانه أنّه معصية فارتكبه،و المرتكب لأطراف العلم الإجمالي لم يكن‏كذلك‏ (1) .يردّه العقل السليم،فإنّ العقل يحكم قطعا بقبح مخالفة المولى،و يرى أنّ ارتكاب الجميع مخالفة قطعيّة له،و لا فرق في نظر العقل بين قتل ولدالمولى بالسم المعلوم تفصيلا أو إجمالا،و هذا واضح لا سترة عليه.

المطلب الثاني:

لا شبهة في أنّه كما يقبح عند العقل المخالفة القطعيّة،كذلك تجب الموافقة القطعيّة،لكنّ العقل يرى فرقا بينهما،فإنّ المخالفة القطعيّةمعصية لا يمكن الإذن فيها من المولى،لكن المخالفة الاحتماليّة لم تكن معصيةو يكون حكم العقل بالنسبة إليها بنحو الاقتضاء،لا العلّيّة التامّة،لوجود الشكّ‏و السترة في البين،فلو فرض الإذن من الشارع بارتكاب بعض الأطراف‏و الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة لم يتحاش العقل منه كما يتحاشى من الإذن في‏المعصية،كما وقع في الشرعيّات.

1)القوانين 2:27.


161

و ما أفاد المحقّق الخراسانيّ:من النقض بالشبهة الغير المحصورة تارة-فإنّ‏الإذن في ارتكاب الجميع إذن في المخالفة القطعيّة-و بالشبهة البدويّة أخرى،فإنّ احتمال المناقضة كالقطع بها مستحيل‏ (1) ،منظورٌ فيه.أمّا في الشبهةغيرالمحصورة:فلعدم الإذن في جميع الأطراف،بحيث‏لو بنى المكلّف‏على‏إتيان جميعها و تكلّف بالإتيان كان مأذونا فيه.نعم إتيان بعض الأطراف من حيث هو ممّا لا مانع منه،لضعف الاحتمال،فإنّ الميزان في الشبهة الغير المحصورة أن تكون كثرة الأطراف بحدّ لا يعتني‏العقلاء بوجود المحتمل في مورد الارتكاب،فكأنّ الأمارة العقلائيّة قامت‏عندهم على عدم كون الواقع فيه،لشدّة ضعف الاحتمال.أ لا ترى أنّه إذا كان‏ولدك العزيز في بلد مشتمل على مائة ألف نفس،و سمعت بهلاك نفس واحدةمن أهل البلد فإنك لا تفزع لاحتمال كون الهالك ولدك،و لو فزعت لكنت على‏خلاف المتعارف،و صرت موردا للاعتراض،و هذا ليس من باب قصور في‏المعلوم كما أفاد المحقّق الخراسانيّ‏ (2) -رحمه اللَّه-فإنّ في المثال المذكور لم يكن‏الوالد الشفيق راضيا بهلاك ولده،بل لضعف الاحتمال لا يعتني به العقلاءو العقل.و أمّا ما أفاد بعض مشايخ العصر (3) رحمه اللَّه-على ما في تقريرات‏

1)كفاية الأصول 2:35 سطر 5-11.

2)كفاية الأصول 2:35 سطر 2.

3)فوائد الأصول 4:116 و ما بعدها.


162

بحثه-في ميزان الشبهة الغير المحصورة و تضعيف هذا الوجه،فضعيف يأتي إن‏شاء اللَّه وجهه في محلّه‏ (1) .و أمّا النقض بالشبهة البدويّة فسيأتي‏ (2) في بيان الجمع بين الحكم‏الواقعيّ و الظاهريّ من رفع إشكال التناقض و التضادّ،و ما هو وجه الامتناع في‏المقام من الترخيص في المعصية ليس في الشبهة البدويّة كما لا يخفى.

المطلب الثالث:

قد علم ممّا مرّ وجه عدم جريان الأصول في أطراف العلم‏الإجمالي.و قد قيل في وجه عدم جريانها وجوه اخر ربّما تأتي في محلها،و نكتفي هاهنا إجمالا بذكر بعضها و الخلل فيها:منها:ما عن الشيخ‏ (3) -رحمه اللَّه-من أنّ شمول أدلّة الأصول لجميع‏الأطراف مستلزم للتناقض بين صدرها و ذيلها،أمّا في الاستصحاب فلاشتمال‏دليله على قوله:(و لكن تنقضه بيقين مثله) (4) ،فقوله:(لا تنقض اليقين‏بالشكّ)إذا شمل الأطراف يناقض قوله:(و لكن تنقضه بيقين آخر)فإنّ عدم‏النقض في الطرفين مع النقض في أحدهما الّذي علم ارتفاع الحالة السابقة فيه‏متناقضان.

1)انظر الجزء الثاني صفحة رقم:222 و ما بعدها.

2)انظر صفحة رقم:199 و ما بعدها،و الجزء الثاني صفحة رقم:181 و ما بعدها.

3)فرائد الأصول:429 سطر 10-31.

4)التهذيب 1:8-11 باب الأحداث الموجبة للطهارة و 2:186-41 باب أحكام السهو في الصلاة،الوسائل 1:174-1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء و 5:321-3 باب 10 من أبواب الخلل‏الواقع في الصلاة،مع تفاوت يسير.


163

و فيه:أنّ قوله:(و لكن تنقضه بيقين آخر)ليس حكما شرعيا تعبّديّاو لا جعلا،بل لا يمكن أن يكون جعلا،فإنّه يرجع إلى جعل الاعتبار و الحجّيّةللعلم،فإنّ اليقين السابق إذا انتقض بيقين مخالف له-أي تعلّق يقينٌ بضدّ الحالةالسابقة المعلومة-فلا يمكن عدم نقضه،لكون النقض من لوازم حجّيّة العلم،فلا يتعلّق به جعل إثباتا و نفيا،فقوله:(و لكن تنقضه)ليس حكما و جعلا حتّى‏يناقض الصدر،بل هو لمجرّد بيان حدود الحكم الأوّل،أي عدم نقض اليقين‏بالشكّ إنّما يكون إلى أن يتبدّل اليقين بيقين مثله،و ينتقض قهرا.و ثانيا:أنّ الظاهر من أدلّة الاستصحاب أنّ المشكوك ما لم يصر معلومايكون موضوعا لحكمه،و لازمه أن يتعلّق العلم بعين ما تعلّق به الشكّ،و في‏العلم الإجمالي لم يكن كذلك.و بما ذكرنا يظهر الجواب عن دعوى المناقضة في دليل أصالة الحلّ من‏قوله:(كلّ شي‏ء حلال حتّى تعرف الحرام بعينه) (1) فإنّ فيه-أيضا-لم يكن‏جعلان،بل جعل واحد هو بيان وظيفة الشاكّ،و ذكر الغاية لبيان حدودموضوع الحكم،و ليس لجعل حكم آخر حتّى تأتي المناقضة.نعم لو كانت مناقضة في البين إنّما تكون مع الحكم الواقعيّ،فإنّ شمول‏الدليل لكلا المشتبهين ممّا يناقض الحكم الواقعي،و هذا-بما أنّه إذن في المعصيةو مستلزم للمخالفة القطعيّة-موجب لرفع اليد عن جريان الأصول في‏

1)الكافي 5:313-40،التهذيب 7:226-9 باب من الزيادات،الوسائل 12:60-4 باب 4 من‏أبواب ما يكتسب به.و الظاهر أن السيد نقله بالمعنى.


164

الأطراف،و مع قطع النّظر عن ذلك لا محذور فيه من قبل المناقضة،كما سيأتي‏في الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ،و المحذورات الاخر مرتفعة بما سيأتي‏في ذلك المقام‏ (1) .هذا،و أمّا ما أفاد بعض مشايخ العصر (2) رحمه اللَّه-على ما في تقريرات‏بعض الأفاضل رحمه اللَّه-في جواب الشيخ قدّس سرّه:من أنّ مناقضةالصدر للذيل على تقدير تسليمه إنّما يختصّ ببعض أخبار الاستصحاب الّذي‏اشتمل على الذيل.ففيه ما لا يخفى،فإنّه بعد حمل الأخبار بعضها على بعض تتحقّق‏المناقضة في الحكم المجعول.مع أنّ تحقّق المناقضة في بعض الأخبار يكفي في‏المحذور و الامتناع.و منها:ما أفاد المحقّق المتقدّم-على ما في تقريرات بحثه-من التفصيل بين‏الأصول التنزيليّة و غيرها،بعدم الجريان فيها لزم منه المخالفة القطعيّة أم لا،و في‏غيرها إذا لزمت،و أدرج الاستصحاب في سلكها.قال في بيان ذلك:إنّ المجعول في الأصول التنزيليّة إنّما هو البناء العمليّ،و الأخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع،و إلقاء الطرف الآخر،و جعل‏الشكّ كالعدم في عالم التشريع،فإنّ الظاهر من قوله:(لا تنقض اليقين‏بالشكّ)هو البناء العمليّ على بقاء المتيقّن،و تنزيل حال الشكّ منزلة حال‏

1)انظر صفحة رقم:199 و ما بعدها.

2)فوائد الأصول 4:22-23.


165

اليقين و الإحراز،فلا يمكن مثل هذا الجعل في جميع الأطراف،للعلم بانتقاض‏الحالة السابقة في بعضها،و انقلاب الإحراز السابق الّذي كان في جميع‏الأطراف إلى إحراز آخر يضادّه،و معه كيف يمكن الحكم ببقاء الإحراز السابق‏في جميع الأطراف و لو تعبّدا؟!فإنّ الإحراز التعبّدي لا يجتمع مع الإحرازالوجداني بالخلاف‏ (1) انتهى.و فيه:أوّلا:أنّ مفاد قوله:(لا تنقض اليقين بالشكّ)هو عدم النقض العملي،أي ترتيب آثار الواقع في زمان الشك عملا،و الجري العملي على طبق اليقين‏السابق،بلا تعرّض للبناء على أنّه هو الواقع،فليس للكبرى المجعولة في‏الاستصحاب إلاّ مفاد واحد،و هو إمّا إبقاء اليقين و إطالة عمره تعبّدا،و إمّا البناءالعملي على بقاء اليقين السابق،و ليس معناه إلاّ العمل على طبق الحالة السابقةأو اليقين السابق و الجري العمليّ على طبقه،و أمّا التعرّض للبناء على أنّه هوالواقع فليس في أدلّته ما يستشمّ منه ذلك أصلا.نعم إنّه دائر على ألسنة أهل‏العلم من غير دليل يدلّ عليه.فتحصّل من ذلك:أنّ الاستصحاب أصل عمليّ مفاده الجري العملي‏على طبق الحالة السابقة.و أمّا تقدّمه على بعض الأصول العمليّة-كأصالة الحلّ و البراءةو الطهارة-فلا يتوقّف على كونه من الأصول المحرزة التنزيليّة،كما سيأتي في‏

1)فوائد الأصول 4:14.


166

محله إن شاء اللَّه‏ (1) .فإذا كان مفاده هو الجري العملي على طبق الحالة السابقة ترتفع المنافاةبينه و بين الإحراز الوجداني بالخلاف،و ليس عدم الجريان لقصور في المجعول،كما أفاد رحمه اللَّه‏ (2) .و ثانيا:أنّه لو سلّم أنّ مفاد الاستصحاب هو البناء العمليّ على أنّه هوالواقع،فمنافاة الإحراز التعبّدي مع الوجداني في محلّ المنع،فإنّ للشارع أن‏يأمر بالتعبّد بوجود ما ليس بموجود واقعا،و بعدم ما ليس بمعدوم واقعا،كما أنّ‏له الأمر بالتعبّد بوجود العرض بلا موضوع،و بوجود المعلول بلا علّة،و بوجود أحد المتلازمين بلا متلازم آخر.نعم لا يمكن تعلّق الإحراز التعبّدي بشي‏ء و نقيضه،كما أنّه لا يمكن تعلّق‏الإحراز الوجداني بشي‏ء و نقيضه،لكن لا مناقضة بين الإحراز الوجداني‏و التعبّدي.هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

المقام الثاني‏سقوط التكليف بالعلم الإجمالي‏و الموافقة على سبيل الإجمال و الاحتياط

فاعلم أنّه لا إشكال في التكاليف التوصليّة و حصول الغرض و سقوط

1)انظر الرسائل(مبحث الاستصحاب)صفحة رقم:242 و ما بعدها.

2)فوائد الأصول 4:16.


167

الأمر بالاحتياط،لزم منه تكرار جملة العمل أو لا،حتّى مع اللعب بأمرالمولى،فإنّه و إن كان الاحتياط على هذا الوجه قبيحا،لكن يحصل الغرض‏و يسقط الأمر به.و أمّا في التعبّديات ففي حسن الاحتياط و سقوط التكليف به مطلقا،أو مع عدم التمكن من الامتثال التفصيليّ،أو عدم حسنه مطلقا،أو التفصيل بين‏لزوم التكرار و عدمه،وجوه.و قبل الخوض في المقام لا بدّ من تقديم أمور:

الأمر الأوّل:

قد حقّق في مبحث التعبّدي و التوصّلي جواز أخذ ما يأتي‏من قبل الأمر في المأمور به،كقصد التقرّب و الأمر و أمثالهما،و عدم المحذور فيه‏لا من ناحية تعلّق الأمر،و لا من ناحية إتيان المأمور به،خلافا للشيخ العلاّمةالأنصاري‏ (1) و بعض الأعاظم المتأخّرين عنه‏ (2) و قد أشبعنا الكلام في ذلك‏المبحث‏ (3) فلا نطيل بتكراره.ثمّ إنّ اعتبار قصد الوجوب و وجهه و تميّزه عقلا في العبادات ممّا لا وجه له‏بلا إشكال،فإنّ الإطاعة عند العقل ليست إلاّ الانبعاث ببعث الموالي و الإتيان‏للتقرّب به لو كان المأمور به تعبّديا،و العلم بأصل بعث المولى بل احتماله يكفي‏في تحقّق الطاعة،و أمّا العلم بمرتبة الطلب في الوجوب و الاستحباب و وجه‏

1)مطارح الأنظار:60 سطر 23-29.

2)فوائد الأصول 1:149.

3)انظر كتاب(مناهج الوصول)للسيد الإمام.


168

الإيجاب أو الاستحباب و التميّز ممّا لا دخل له فيها أصلا بحسب حكم العقل،فلو اعتبر أمثال ذلك فيها تكون بدليل شرعيّ من القيود الشرعيّة،و اعتبارهاشرعا أيضا ممّا لا دليل عليه،بل الدليل على خلافه،و لو وصلت النوبة إلى‏الشكّ فأصالة الإطلاق-لو كان إطلاق في الدليل ترفعه-و إلاّ فالأصل العمليّ‏يقتضي البراءة كما لا يخفى.و لو بنينا على لزوم تعلّق الطلب-على تقدير التعبّديّة-بذات الفعل مع‏أخصّيّة الغرض كما قيل‏ (1) ،لأمكن-أيضا-التمسّك بالإطلاق المقامي لرفع‏الشكّ،فإنّ الغرض إذا تعلّق بالأخصّ من المأمور به فللشارع بيانه و لو بدليل‏منفصل لئلا يلزم نقض غرضه،كما أنّ التمسّك بالبراءة ممّا لا مانع منه.و أمّا ما نقل شيخنا العلاّمة الحائريّ-قدّس سره-عن سيّده الأستاذ-طاب‏ثراه-بقوله:و يمكن أن يستظهر من الأمر التوصّليّة من دون الاحتياج إلى‏مقدّمات الحكمة بوجه آخر:و هو أنّ الهيئة عرفا تدلّ على أنّ متعلّقها تمام‏المقصود،إذ لو لا ذلك لكان الأمر توطئة و تمهيدا لغرض آخر،و هو خلاف ظاهرالأمر (2) .ففيه:أنّ هذا-على فرض التسليم-يتمّ في القيود التي يمكن أخذها في‏المتعلّق،و أمّا القيود التي لا يمكن أخذها فيه فلا معنى للتمسّك بالظهور العرفي‏كما لا يخفى.

1)مطارح الأنظار:61 سطر 20-22.

2)درر الفوائد 1:69-70.


169

ثمّ إنّ شيخنا العلاّمة (1) -رحمه اللَّه-نقل عن العلاّمة الأنصاري‏ (2) -قدّس سرّه-عدم جواز التمسّك بإطلاق اللفظ لرفع القيود المشكوكة،و كذاعدم إمكان إجراء أصالة البراءة (3) بناء على تعلّق الطلب في التعبّديّات بذات‏الفعل مع أخصيّة الغرض:أمّا الأوّل:فلأنَّ القيد غير دخيل في المتعلّق،و حدوده معلومة،فلا شكّ‏حتّى يتمسّك بالأصل،إنّما الكلام في أخصّيّة الغرض من المأمور به.و أمّا الثاني:فلأنّ الغرض المحدّث للأمر إذا لم يعلم حصوله شكّ في‏سقوط الأمر المعلول له،و معه فالأصل الاشتغال.و يرد على الأوّل منهما:ما ذكرنا من جواز التمسّك بالإطلاق المقامي.و على الثاني منهما:أن العقل يستقلّ بلزوم إطاعة أوامر المولى و نواهيه،و أمّا لزوم العلم بأغراضه و سقوطها فلا يحكم به العقل،و لا موجب له أصلا،بل يكون من قبيل(اسكتوا عمّا سكت اللَّه) (4) فلو أتى المكلّف بجميع ما هودخيل في المأمور به فلا إشكال في الإجزاء و سقوط الأمر،فلو فرضنا أنّ‏للمولى غرضا لم يحصل إلاّ بالإتيان بكيفيّة أخرى كان عليه البيان،و لا حجّة له‏على العبد،مع أنّ العلم بحصول الغرض و سقوطه ممّا لا يمكن لنا،فإنّه ليس لنا

1)درر الفوائد 1:68-69.

2)مطارح الأنظار:60 سطر 23-29.

3)مطارح الأنظار:61 سطر 20-22.

4)الخلاف 1:117 مسألة 59.


170

طريق إلى العلم به كما هو واضح.

تنبيه‏نقل كلام العلاّمة الحائري و وجوه النّظر فيه‏

قد رجع شيخنا العلاّمة في أواخر عمره عن أصالة التوصّلية في الأوامرإلى أصالة التعبّديّة،و توضيحه-على ما أفاد في مجلس بحثه-يتوقّف على‏مقدّمات:الأولى:أنّ متعلّق الأوامر هو الطبيعة القابلة للوحدة و الكثرة الجامعةللصّرف و غيره،لا صرف الوجود الّذي يحتاج إلى اعتبار زائد عن أصل الطبيعة،و الدليل عليه أنّ صيغ الأوامر مركّبة من هيئة هي تدلّ على نفس البعث‏و الإغراء،و مادّة هي نفس الطبيعة اللا بشرط التي هي المقسم للواحد و الكثير.الثانية:أنّ العلل التشريعيّة-و منها الأوامر الشرعيّة-كالعلل التكوينيّةحذو النعل بالنعل،فكما أنّ وحدة العلّة في التكوينيّات تقتضي وحدة المعلول،و كثرتها كثرته،فالنار الواحدة تؤثّر في إحراق واحد،و النيران الكثيرة في‏الإحراقات الكثيرة،فكذلك وحدة العلّة في التشريعيّات تقتضي وحدةالمعلول،و كثرتها كثرته.و بهذا يظهر السرّ في عدم دلالة الأوامر على التكرار،لأنّ الأمر الواحدلا يقتضي إلاّ المعلول الواحد،لا لأنّ الطبيعة لا تتكثّر،بل لعدم اقتضاء الكثرةفيها،و يبتني على هذين الأصلين فروع كثيرة:منها عدم تداخل الأسباب،


171

و منها اقتضاء الأمر الفوريّة.الثالثة:-و هي العمدة في الباب-أنّ القيود اللُّبية قد يمكن أن تؤخذ في‏المأمور به على نحو القيديّة اللحاظيّة،كالإيمان و الكفر للرقبة،و الطهور و السترفي الصلاة،و قد لا يمكن أن تؤخذ بنحو اللحاظ،كقيد الإيصال في المقدّمةعلى تقدير وجوبها،فإنّ المطلقة منها غير واجبة،و التقيّد بالإيصال غير ممكن،فليس فيها الإطلاق و لا التقييد،و لكن لا تنطبق إلاّ على المقيّدة،كالعلل‏التكوينيّة،فإنّ تأثيرها ليس في الماهيّة المطلقة،و لا المقيّدة بقيد المتأثّرة من قبلها،بل في الماهيّة التي لا تنطبق إلاّ على المقيّدة بهذا القيد،فالنار إنّما تؤثّر في الطبيعةالمحترقة من قبلها واقعا،لا المطلقة و لا المقيّدة،و من هذا القبيل العلل‏التشريعيّة،فإنّها-أيضا-تحرّك العبد نحو الطبيعة المتقيّدة لبّا بتحريكها إيّاه‏نحوها،لا المطلقة و لا المقيّدة بالتقيُّد اللحاظي.إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ الطبيعة لمّا كانت قابلة للتكرار و الكثرة،فإذاأثّرت فيها العلل المتكثّرة تتكثّر لا محالة باقتضائها،فإذا أوجد المكلّف فردا من‏الطبيعة بغير داعويّة الأمر لم يأت بالمأمور به و إن أتى بالطبيعة،فإنّ المأمور به هوالطبيعة المتقيّدة لبّا بتحرّك المكلّف نحوها بداعويّة الأمر و باعثيّته،فما لم ينبعث‏بباعثيّته لم يأت بالطبيعة المأمور بها،فعليه يكون مقتضى الأصل اللفظي في‏الأوامر هو التعبّديّة و التحرّك بداعويّة الأمر.انتهى ملخّص ما أفاده قدّس سرّه.و فيه أوّلا:أنّ قياس العلل التشريعيّة بالعلل التكوينيّة مع الفارق،فإنّ‏العلل التكوينيّة يكون تشخّص معلولاتها بها،فإنّ المعلول صرف التعلّق‏


172

و محض الربط بعلّته،و ليس له تحقّق قبل تحقّق علّته.و أمّا الأوامر المتعلّقة بالطبائع الباعثة نحو العمل لا تتعلّق بها إلاّ بعدتصوّرها و العلم بها و الاشتياق إليها و الإرادة لتحقّقها،فلا بدّ لها من التحقّق‏في الرتبة السابقة على الأمر،فلو كان لقيد-أيّ قيد كان-دخالة في تحصّل‏الغرض لا بدّ من تقييد الموضوع به و لو ببيان آخر.و أمّا التقييدات الآتية من قبل الأمر خارجا فلا يمكن أن يكون الأمر باعثانحوها،للزوم كون الأمر باعثا إلى باعثيّة نفسه أو ما هو متأخّر عنه وجودا.تأمّل‏1.و ثانيا:أنّ ما أفاده في التقييدات اللُّبية في المعلولات التكوينيّة و التشريعيّة ممّالا يستنتج منه ما هو بصدده،فإنّ النار-مثلا-إذا أحرقت طبيعة،فهاهنا أمورثلاثة:النار و الإحراق المتعلّق بها و متعلّق الإحراق،أي الطبيعة،و الإحراق‏المتعلّق بالنار يكون هويّة تعلّقية و متشخّصة بتشخّصها،و لا إطلاق للإحراق‏الحاصل من النار الشخصيّة،و النار توجد الإحراق الّذي من قبلها لبّا و واقعا،و أمّا القطن المتعلّق للإحراق فلا يكون قطنا مقيّدا بها أو بالإحراق حتّى تكون‏النار مؤثّرة في القطن المحترق من قبلها،بل ينتزع منه بعد التأثير هذا العنوان،فيكون التقيّد بنفس التأثير،فالنار تحرق القطن،لا القطن المحترق من قبلها.فهكذا الأمر،و البعث الحاصل منه،و متعلّق البعث أي المبعوث إليه،1فإنّه على ما أشرنا إليه يمكن أنّ تؤخذ هذه القيود-أيضا-في المتعلق من دون محذور أصلا كماحقق في محلّه.منه قدس سره‏


173

فالبعث و إن كان من قبل الأمر-و يكون تحصّله و تشخّصه به-لكن المتعلّق‏لا يكون مقيّدا به حتّى يكون البعث إلى الطبيعة المقيّدة،فما تعلّق به البعث‏و يكون الأمر داعيا إليه هو الطبيعة،و بعد تحقّق البعث و تعلّقه بها ينتزع منها أنهامعنونة بعنوان المبعوث إليه.و بعبارة أخرى:الأمر لا يدعو إلاّ إلى متعلّقه،و هو لا يكون إلاّ الطبيعةلا بشرط شي‏ء،لا المطلقة و لا المقيّدة لبّا أو لحاظا،كما اعترف-قدّس سرّه-به‏في المقدّمة الأولى،و بعد تعلّق الأمر و توجّه الدعوة إليها تصير مقيّدة بتعلُّق‏الأمر و البعث إليها،فمفاد الهيئة البعث إلى المادّة التي هي لا بشرط شي‏ء.و ثالثا:أنّ ما أفاده رحمه اللَّه-من أنّ الأمر الواحد إذا تعلّق بالطبيعةيقتضي المعلول الواحد،و الأوامر الكثيرة تقتضي المعلولات الكثيرة كالعلل‏التكوينيّة-منظور فيه،فإنّ المعاليل التكوينية لمّا كان تشخّصها بتشخّص العلل،لا محالة يكون تكثّرها بتكثّرها عللها أيضا،و هذا بخلاف الأوامر،فإنّها لا تتعلّق‏بالطبائع و لا تصير باعثة إليها،إلاّ بعد تصوّر المولى إياها و تعلّق اشتياقه بهاو انبعاث إرادته نحوها،فيأمر بإيجادها و يحرّك العبد نحوها،فتقدير الطبيعةالمأمور بها و تشخّصها الذهني يكون سابقا على تعلّق الأمر و على الإرادة التي‏هي مبدؤه،و لا يمكن أن تكون الطبيعة-بما هي أمر وحدانيّ و متصوّر فردانيّ-متعلّقة لإرادتين،و لا لبعثين مستقلّين تأسيسيّين،و لو تعلّق بها ألف أمر لا يفيدإلاّ تأكيدا.و إن شئت قلت:إنّ تكثّر المعلول التكويني بعلّته،و لكن تكثّر الإرادة


174

و الأمر التأسيسيّ بتكثّر المراد.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ أصالة التعبّديّة لا تستنتج من تلك المقدّمات‏الممهّدة.

الأمر الثاني:

لا إشكال في أنّ الحاكم بالاستقلال في باب الطاعة و حسنهاهو العقل،و هل للشارع التصرّف في كيفيّة الإطاعة بعد استقلال العقل بها،أم لا؟قال بعض أعاظم العصر رحمه اللَّه-على ما في تقريرات بحثه-:له‏ذلك،و القول بأنّه ليس للشارع التصرّف في كيفيّة الإطاعة بمعزل عن‏الصواب،لوضوح أنّ حكم العقل في باب الطاعة إنّما هو لأجل رعاية امتثال‏أوامره،فله التصرّف في كيفيّة إطاعتها زائدا عمّا يعتبره العقل كبعض مراتب‏الرياء،حيث قامت الأدلّة على اعتبار خلوّ العبادة عن أدنى شائبة الرياء مع أنّ‏العقل لا يستقلّ به،و له-أيضا-الاكتفاء في امتثال أوامره بما لا يكتفي به‏العقل،كما في قاعدة الفراغ‏ (1) .انتهى ملخّصه.و فيه:أنّه من الواضح الضروري أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يفيدالإجزاء و يسقط الأمر،و لا يعقل بقاء الأمر مع الإتيان بكلّ ما هو دخيل في‏المأمور به،فإن رجع التصرّف في كيفية الإطاعة إلى تقييد المأمور به-كما أنّ‏الأمر كذلك في باب الرياء،ضرورة تقيّد العبادة بالإخلاص عن جميع مراتب‏الرياء-فهو خارج عن التصرّف في كيفيّة الإطاعة،و راجع إلى التصرّف في‏

1)فوائد الأصول 3:68.


175

المأمور به،و إن رجع إلى التصرّف في كيفيّة الإطاعة بلا تقييد في ناحية المأموربه،فليس له ذلك،فإنّه مخالف صريح حكم العقل،و تصرّف فيما يستقلّ به،و الظاهر وقوع الخلط بين التصرّفين كما يظهر من مثاله.و أمّا قضيّة قاعدة الفراغ و التجاوز و أمثالهما،فلا بدّ من الالتزام بتقبّل‏الناقص بدل الكامل،و رفع اليد عن التكليف هو المصلحة التسهيل و غيرها،و إلاّ فمع بقاء الأمر و المأمور به على حالهما لا يعقل جعل مثل تلك القواعد،ففيها أيضا يرجع التصرّف إلى المأمور به،لا إلى كيفيّة الإطاعة.ثمّ إنه لو استقلّ العقل بشي‏ء في كيفيّة الإطاعة فهو،و إلاّ1فالمرجع‏أصالة الاشتغال،لأنّ الشكّ راجع إلى مرحلة سقوط التكليف بعد العلم‏بثبوته و حدوده.و أمّا ما في تقريرات المحقّق المتقدّم‏ (1) رحمه اللَّه من أنّ نكتة الاشتغال فيه‏هو رجوع الشكّ إلى التعيين و التخيير فهو تبعيد المسافة،مع أنّ الشكّ في‏التعيين و التخيير ليس بنحو الإطلاق مجرى الاشتغال،بل فيه تفصيل موكول‏إلى محلّه‏ (2) .و بالجملة:ميزان البراءة و الاشتغال هو رجوع الشكّ إلى مرحلة الثبوت‏و السقوط،و الشكّ في التعيين و التخيير-أيضا-لا بدّ و أن يرجع إلى‏1أي إذا شكّ في حصولها.منه قدس سره‏

1)فوائد الأصول 3:68-69.

2)انظر الجزء الثاني صفحة رقم:152 و ما بعدها.


176

ذلك الميزان.و العجب أنّ الفاضل المقرّر-رحمه اللَّه-ذيّل كلامه في المقام بقوله:سيأتي في مبحث الاشتغال أنّ اعتبار الامتثال التفصيليّ لا بدّ و أن يرجع إلى‏تقييد العبادة به شرعا و لو بنتيجة التقييد،و لكن مع ذلك الأصل الجاري فيه عندالشكّ هو الاشتغال،لدوران الأمر بين التعيين و التخيير (1) انتهى.فكأنه ورد نصّ-في باب التعيين و التخيير-بأن الأصل فيه هو الاشتغال،و إلاّ فمع كون اعتبار الامتثال التفصيليّ من القيود الشرعيّة لا وجه لأصل‏الاشتغال،فإنّ الشكّ يرجع إلى مرحلة ثبوت التكليف لا سقوطه،فإنّه لو كان‏القيد شرعيّا لا بدّ و أن يكون العقل-مع قطع النّظر عنه-يحكم بكفاية الامتثال‏الإجمالي،و لكن مع التقييد الشرعيّ في المأمور به يحكم بلزوم الإطاعةالتفصيليّة،فإذا شكّ في التقييد يكون شكّه في ثبوت تكليف زائد،و الأصل‏فيه البراءة.بل لنا أن نقول:إنّ الشكّ فيه راجع إلى الأقلّ و الأكثر،لا التعيين‏و التخيير،لأنّ أصل الامتثال الأعمّ من الإجمالي و التفصيليّ ثابت،و الشكّ‏إنّما هو في القيد الزائد،أي تفصيليّة الإطاعة.هذا كلّه مع الغضّ عمّا يرد على أصل كلامه-كما أسلفنا (2) -من أنّ تقييدالمأمور به بالعلم بالوجوب لحاظيّا أو لبّيّا ممّا لا يعقل،و يلزم منه الدور المستحيل،

1)فوائد الأصول 3:هامش 69.

2)انظر صفحة رقم:94 و ما بعدها.


177

و نتيجة التقييد إن رجعت إلى القيد اللُّبّي-حتّى يكون الواجب ما علم وجوبه-يرد عليه الدور،و إن لم ترجع إليه-لا لحاظيا و لا لبّيا-فلا يعقل بقاء الأمر مع‏الإتيان بمتعلّقه مع جميع ما يعتبر فيه.

الأمر الثالث:

لا إشكال في أنّ مراتب الامتثال أربع:الأولى:الامتثال‏التفصيليّ الوجداني،الثانية:الامتثال الإجمالي،الثالثة:الامتثال الظنّي،الرابعة:الامتثال الاحتمالي.

النّظر في مراتب الامتثال‏

لكن الإشكال في أمور:

الأمر الأوّل:

بناء على لزوم الامتثال التفصيليّ هل الامتثال بالطرق‏و الأمارات و الأصول المحرزة يكون في عرض الامتثال التفصيليّ الوجداني،أم‏لا،أو التفصيل بينها؟و المسألة مبتنية على حدّ دلالة أدلتها،فإن دلّت على اعتبارها مطلقا-مع‏التمكّن من العلم و عدمه-فيتّبع،و إلاّ فبمقدار دلالتها.فنقول:إنّ دليل اعتبار الأمارات-كما ذكرنا سابقا (1) -هو البناء العقلائي‏و سيرة العقلاء،و ليس للشارع حكم تأسيسيّ نوعا في مواردها،و حينئذ لا بدّمن النّظر في السيرة العقلائيّة و الأخذ بالمتيقّن مع الشكّ فيها،كما أنّ الأمركذلك في كلّيّة الأدلّة اللّبيّة.

1)انظر صفحة رقم:105 و ما بعدها.


178

و الظاهر أنّه لا إشكال في تعميم سيرة العقلاء في أصالة الصحّة و اليدو الأخذ بالظهور،فإنّ بناء العقلاء على العمل بها حتّى مع التمكّن من العلم،فتراهم يتعاملون مع صاحب اليد معاملة المالكيّة،و مع معاملاتهم معاملةالصحّة،و يعملون مع الظاهر معاملة المنكشف العلمي،تمكّنوا من العلم أو لا.و خبر الثقة-أيضا-لا يبعد أن يكون كذلك،و إن كان في النّفس منه‏شي‏ء.و أمّا الاستصحاب-سواء قلنا:إنّه أصل أو أمارة-فلا إشكال في إطلاق‏أدلّته،كما أنه لا إشكال في قاعدة الفراغ و التجاوز و الشكّ بعد الوقت،فإنّهاجعلت في موارد إمكان العلم التفصيليّ و لو بالإعادة.تأمّل.و أمّا الظنّ على الكشف فليس في عرض العلم،لا لأنّ اعتباره موقوف‏على انسداد باب العلم حتى يقال:إنّ المراد بالانسداد انسداد معظم الأحكام،فلا ينافي إمكان العلم بالنسبة إلى بعضها،بل لقصور مقدّمات الانسداد عن‏كشف اعتباره مطلقا حتّى مع التمكّن من العلم أو طريق شرعيّ معتبر.فما في تقريرات بعض الأعاظم‏ (1) رحمه اللَّه-من عرضيّته له-ممّالا يصغى إليه.

الأمر الثاني:

لا مجال للاحتياط مع العلم الوجداني،و أمّا مع قيام الظنّ‏الخاصّ فله مجال،لبقاء الاحتمال الوجداني،و هذا لا كلام فيه،إنّما الكلام‏في أنّ اللازم هو الإتيان أوّلا بمقتضى الظنّ الخاصّ ثمّ العمل بمقتضى الاحتياط

1)فوائد الأصول 3:70-71.


179

فيما يلزم منه التكرار،أو يتخيّر في التقديم و التأخير بينهما:اختار أوّلهما بعض أعاظم العصر (1) رحمه اللَّه-على ما في تقريرات‏بحثه-و نَسب ذلك إلى العَلَمين‏ (2) الشيخ الأنصاري‏ (3) و السيّد الشيرازي‏-قدّس سرّهما-و استدلّ له بأمرين:أحدهما:أنّ معنى اعتبار الطريق إلقاء احتمال مخالفته للواقع عملا و عدم‏الاعتناء به،و العمل أوّلا برعاية احتمال مخالفة الطريق للواقع ينافي إلقاءاحتمال الخلاف،فإنّ ذلك عين الاعتناء باحتمال الخلاف.و هذا بخلاف ما إذا قدّم العمل بمؤدّى الطريق،فإنّه حيث قد أدّى المكلّف‏ما هو الوظيفة،و عمل بما يقتضيه الطريق،فالعقل يستقلّ بحسن الاحتياطلرعاية إصابة الواقع.الثاني:أنّه يعتبر في حسن الطاعة الاحتماليّة عدم التمكّن من الطاعةالتفصيليّة،و بعد قيام الطريق المعتبر على وجوب صلاة الجمعة يكون المكلّف‏متمكّنا من الامتثال التفصيليّ بمؤدّى الطريق،فلا يحسن منه الامتثال الاحتمالي‏لصلاة الظهر (4) انتهى.و يرد على الأوّل منهما:أنّ مقتضى أدلّة حجّيّة الأمارات هو لزوم العمل‏على طبقها،و جواز الاكتفاء بها،لا عدم جواز الاحتياط و الإتيان بشي‏ء آخر

1)فوائد الأصول 4:264 و ما بعدها.

2)فوائد الأصول 3:71-72.

3)فرائد الأصول:16 سطر 16-18.

4)فوائد الأصول 4:265-266.


180

باحتمال إصابة الواقع،و لو كان مفادها عدم جواز الاعتناء باحتمال المخالف‏مطلقا،فلا فرق بين الاعتناء قبل العمل و بعده،فإنّ الإتيان على طبق الاحتمال‏عين الاعتناء به مطلقا.و الحقّ:أنّ العمل بالاحتياط لا ينافي أدلّة اعتبار الأمارات،و المكلّف‏مخيّر في تقديم الإتيان بأيّهما شاء.و على الثاني:-مضافا إلى ما أورد عليه الفاضل المقرّر (1) رحمه اللَّه:من‏عدم إمكان الإطاعة التفصيليّة في المقام،فإنّ الإتيان بالظهر على أيّ حال إنّمايكون بداعي الاحتمال،و التمكّن من الإطاعة التفصيليّة في صلاة الجمعةلا يوجب التمكّن منها في صلاة الظهر،فالمقام أجنبيّ عن مسألة اعتبار الامتثال‏التفصيليّ-ما سيأتي من منع تقدّم رتبة الامتثال التفصيليّ على الامتثال‏الاحتمالي و وقوع الخلط في المسألة،فانتظر (2) .فاتّضح من ذلك جواز تقديم العمل على مقتضى الاحتياط،ثمّ العمل‏على مقتضى الأمارة.

الأمر الثالث:

هل الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيليّ،فمع‏التمكّن من التفصيليّ يجوز الاكتفاء بالإجمالي،أم رتبته متأخّرة عنه؟ذهب بعضهم‏ (3) إلى الثاني فيما يلزم من الامتثال الإجمالي تكرار جملة

1)نفس المصدر السابق هامش رقم(2).

2)انظر صفحة رقم:184.

3)فرائد الأصول:299 سطر 15-17.


181

العمل،و تبعه فيه بعض مشايخ العصر رحمه اللَّه-على ما في تقريراته‏ (1) -و استدلّ عليه:بأنّ تكرار العمل لعب بأمر المولى‏ (2) و فيه ما لا يخفى.و أخرى بما فصّله المحقّق المعاصر رحمه اللَّه-على ما في تقريراته-بماحاصله:أنّ حقيقة الإطاعة عند العقل هو الانبعاث عن بعث المولى،بحيث‏يكون المحرّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به،و هذا المعنى في الامتثال‏الإجمالي لا يتحقّق،فإنّ الداعي في كلّ واحد في الطرفين هو احتمال الأمر،فالانبعاث إنّما يكون عن احتمال البعث،و هذا أيضا-نحو من الإطاعة،إلاّ أنّ‏رتبته متأخّرة عن الامتثال التفصيليّ.فالإنصاف:أنّ مدّعي القطع بتقدّم رتبة الامتثال التفصيليّ على‏الإجمالي مع التمكّن في الشبهات الموضوعيّة و الحكميّة لا يكون مجازفا،و مع‏الشكّ يكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال‏ (3) .و ربّما يظهر منه في المقام-و نقل عنه الفاضل المقرّر رحمه اللَّه-أنّ اعتبارالامتثال التفصيليّ من القيود الشرعيّة و لو بنتيجة التقييد (4) هذا.و فيه:أنّه أمّا دعوى كون الامتثال التفصيليّ من القيود الشرعيّة-على‏فرض إمكان اعتباره شرعا بنتيجة التقييد-فهو ممّا لا دليل عليه تعبّدا،و الإجماع‏

1)فوائد الأصول 3:72-73.

2)فرائد الأصول:299 سطر 21.

3)فوائد الأصول 3:73.

4)فوائد الأصول 3:69 هامش رقم(1).


182

المدّعى‏ (1) في المقام ممّا لا اعتبار لمحصّله،فضلا عن منقوله،لأنّ المسألة عقليّةربّما يكون المستند فيها هو الحكم العقليّ لا غير،فالعمدة هو الرجوع إلى العقل‏الحاكم في باب الطاعات.فنقول:إنّ الآتي بالمأمور به مع جميع قيوده و شرائطه بقصد إطاعة أمره‏و لو احتمالا يكون عمله صحيحا عقلا،و لو لم يعلم حين الإتيان أنّ ما أتى‏به هو المأمور به،فإنّ العلم طريق إلى حصول المطلوب،لا أنّه دخيل فيه.و دعوى:كون العلم التفصيليّ دخيلا في حصول المطلوب و تحقّق‏الطاعة،ممنوعة جدّاً،فإنّ العقل كما يحكم بصحّة عمل من صلّى الجمعة مع‏علمه بوجوبها تفصيلا،يحكم بها لمن صلّى الجمعة و الظهر بقصد طاعة المولى‏مع علمه بوجوب أحدهما إجمالا،بلا افتراق بينهما و لا تقدّم رتبة أحدهما على‏الآخر.فدعوى لزوم كون الانبعاث عن البعث المعلوم تفصيلا خاليةٌ عن‏الشاهد،بل العقل شاهد على خلافها،و لا شبهة في هذا الحكم العقلي أصلا،فلا تصل النوبة إلى الشكّ.بل لنا أن نقول:لو بنينا على لزوم كون الانبعاث عن البعث المعلوم يكون‏الانبعاث في أطراف العلم الإجمالي عن البعث المعلوم،فإن البعث فيهامعلوم تفصيلا و الإجمال إنّما يكون في المتعلّق،و دعوى لزوم تميّز المتعلّق‏و تعيّنه في حصول الإطاعة ممنوعة جدّاً.

1)نسبه إلى الحدائق في فرائد الأصول:299 سطر 22-23.


183

هذا كلّه فيما إذا لزم من الامتثال الإجمالي تكرار جملة العمل.و أمّا إذا لم يلزم منه ذلك فقد اعترف العلاّمة المعاصر-على ما في‏تقريرات بحثه-بعدم وجوب إزالة الشبهة و إن تمكّن منها،لإمكان قصد الامتثال‏التفصيليّ بالنسبة إلى جملة العمل،للعلم بتعلّق الأمر به و إن لم يعلم بوجوب‏الجزء المشكوك،إلاّ إذا قلنا باعتبار قصد الوجه في الأجزاء،و هو ضعيف‏ (1) .و فيه:أنّه-بعد البناء على أنّ الإطاعة عبارة عن الانبعاث عن البعث‏المعلوم تفصيلا مع التمكّن،و لا تتحقّق مع احتمال البعث-لا بدّ من الالتزام‏بعدم كفاية الامتثال الإجمالي في الأجزاء أيضا،فإنّ الأجزاء و إن لم تكن‏متعلّقة للأمر مستقلا،لكن الانبعاث نحوها لا بدّ و أن يكون بواسطة بعث‏المولى المتعلّق بها ضمنا،فما لم يعلم أنّ السورة-مثلا-جزء للواجب لا يمكن‏أن يصير الأمر المتعلّق بالطبيعة باعثا إليها،فلا يكون الانبعاث عن البعث،بل‏عن احتماله.و بالجملة:لا شبهة في أنّ الإتيان بأجزاء الواجب التعبّدي لا بدّ و أن يكون‏بنحو الإطاعة،و البعث نحو الأجزاء و إن كان بعين البعث نحو الطبيعة،لكن‏لا يمكن ذلك إلاّ مع العلم بالجزئيّة.هذا على مسلكه-قدّس سرّه-و أمّا على مسلكنا فالأمر سهل.

الأمر الرابع:

أنّه بعد ما عرفت مراتب الامتثال،فهل يجوز الامتثال‏الظنّي بالظنّ الغير المعتبر و الاحتمالي مع إمكان الامتثال التفصيليّ،

1)فوائد الأصول 3:74.


184

أم لا؟قال المحقّق المتقدّم رحمه اللَّه-على ما في تقريراته-:لا إشكال في أنّه‏لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي إلاّ بعد تعذّر الامتثال الظنّي،و لا تصل النوبة إلى الامتثال الظنّي إلاّ بعد تعذّر الامتثال الإجمالي‏ (1) انتهى.و الظاهر وقوع الخلط في كلامه-قدّس سرّه-بين جواز الاكتفاء بالامتثال‏الاحتمالي أو الظنّي في أطراف العلم الإجمالي مع التمكّن من الموافقةالقطعيّة،و بين المبحوث عنه فيما نحن فيه،فإنّ البحث هاهنا غير البحث عن‏لزوم الموافقة القطعيّة في أطراف العلم الإجمالي.فما أفاده-من عدم الإشكال‏في تقدّم الامتثال الظنّي على الاحتمالي،و في تقدّم العلمي الإجمالي على‏الظنّي مع التمكّن-أجنبيّ عن المقام،فإنّ المبحوث عنه في المقام هو أنه هل‏يعتبر العلم التفصيليّ بالأمر في العبادات مع الإمكان،أم تصحّ العبادة مع‏الاحتمال أو الظنّ؟فلو فرضنا إتيان أحد أطراف العلم الإجمالي باحتمال كونه مأمورا به،أوإتيان المحتمل البدويّ،ثمّ تبيّن مصادفته للواقع،فهل يصحّ و يجزي عن التعبّد به‏ثانيا،أم لا؟فمن اعتبر الامتثال التفصيليّ يحكم بالإعادة و عدم الإجزاء.و التحقيق:هو الصحّة مع الامتثال الاحتمالي حتّى مع التمكّن من‏الامتثال العلمي الوجداني التفصيليّ فضلا عن غيره،و ذلك لما عرفت من أنّ‏الإتيان بالمأمور به على وجهه للتوصّل به إلى مطلوب المولى يفيد الإجزاء،

1)فوائد الأصول 3:72.


185

و الانبعاث باحتمال البعث إطاعةٌ حقيقة لو صادف المأتيّ به الواقع،خصوصافي أطراف العلم الإجمالي.و دعوى لزوم العلم بالبعث في صدق الإطاعة (1) ممنوعة.نعم مع الانبعاث باحتمال البعث يكون تحقّق الطاعة محتملا،فإنّ المأتيّ‏به لو كان هو المأمور به يكون طاعة،و إلاّ انقيادا،و لا يعتبر في الطاعة أكثر من‏ذلك عند العقل،و اعتبار شي‏ء آخر زائد عمّا يعتبره العقل إنّما يكون بتقييدشرعيّ مدفوع بالإطلاق أو الأصل.و هاهنا تفصيل منقول عن سيّد مشايخنا الميرزا الشيرازي‏1-قدّس سرّه-و هو الحكم بفساد العبادة لو لم يكن قاصدا للامتثال على نحو الإطلاق في‏الواجبات،للتأمّل في صدق الإطاعة عرفا على فعل من يقتصر على بعض‏المحتملات،لكون القصد فيها مشوبا بالتجرّي،و هذا موجب للتردّد في صدق‏الإطاعة.هذا في الواجبات.و أمّا في المستحبّات فصدق الإطاعة على الإتيان ببعض محتملاتها ممّالا شبهة فيه،و لا مانع منه،لعدم الشوب بالتجرّي فيها.1هو الإمام زعيم الدين و الملة،سيد الفقهاء و مربي العلماء،السيد محمّد حسن بن السيدمحمود الحسيني الشيرازي.ولد سنة 1230 ه في شيراز،اشتغل في طلب العلم و حضرالأبحاث العالية عند مجموعة من العلماء الأعلام كصاحب الجواهر و الشيخ الأنصاري‏و الشيخ حسن كاشف الغطاء،له عدّة مؤلفات،توفي سنة 1312 ه-في سامراء،و دفن في‏النجف الأشرف.انظر أعيان الشيعة 5:305،معارف الرّجال 2:233،الكنى و الألقاب‏3:184.

1)فوائد الأصول 3:73 و الدعوى تستفاد من لازم كلامه قدس سره.


186

و يرد عليه:أنّ الإتيان ببعض المحتملات بقصد امتثال أمر المولى لا يكون‏مشوبا بالتجرّي أصلا،بل التجرّي إنّما يتحقّق بترك الآخر،لا بفعل المأتيّ به،و هذا واضح.و بما ذكرنا اتّضح حال الشبهات البدويّة الحكميّة،و أنّ الإتيان بالمشتبه‏بقصد الامتثال مجز،و لا يحتاج إلى الفحص،فما أفاده بعض محقّقي العصررحمه اللَّه-من الاحتياج إليه‏ (1) -ممّا لا أساس له.

1)فوائد الأصول 4:271.


187

مباحث الظّن‏


188


189

في إمكان التعبد بالأمارات‏

قوله:في بيان إمكان التعبّد...إلخ‏ (1) .(1)أقول:لا سبيل إلى إثبات الإمكان،فإنّه يحتاج إلى إقامة البرهان عليه،و لا برهان عليه كما لا يخفى.و لكن الّذي يسهّل الخطب أنّه لا احتياج إلى إثباته،بل المحتاج إليه هو ردّأدلّة الامتناع،فإذا لم يدلّ دليل على امتناع التعبّد بالأمارات و الأصول نعمل‏على طبق أدلّة حجّيّتها و اعتبارها.و بعبارة أخرى:لا يجوز رفع اليد عن ظواهر أدلّة اعتبارها إلاّ بدليل‏عقليّ على الامتناع،فإن دلّ دليل عليه فإنا نرفع اليد عنها،و إلاّ نعمل على‏طبقها.و من ذلك يظهر:أنّ الإمكان الّذي نحتاج إليه هو الّذي وقع في كلام‏

1)كفاية الأصول 2:42 السطر الأخير.


190

الشيخ رئيس الصناعة1من قوله:كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في‏بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان‏ (1) فإنّ مقصوده من ذلك الكلام هوالردع عن الحكم بالامتناع و الاستنكار من الإمكان بمجرّد غرابة أمر كما هو ديدن‏غير أصحاب البرهان.و الإمكان بهذا المعنى-أي الاحتمال العقلي و عدم الحكم بأحد طرفي‏القضيّة بلا قيام البرهان عليه-من الأحكام العقليّة،لا البناء العقلائي كما قيل‏ (2) ،و المحتاج إليه فيما نحن بصدده هو هذا المعنى،فإنّ رفع اليد عن الدليل الشرعيّ‏لا يجوز إلاّ بدليل عقليّ أو شرعيّ أقوى منه.فاتّضح بما ذكرنا:أنّ عنوان البحث بما حرّروا (3) من إمكان التعبّدبالأمارات الغير العلميّة،ليس على ما ينبغي.كما أنّ تفسير الإمكان بالوقوعي‏ (4) في غير محلّه،فإنّ إثبات الإمكان‏-كما عرفت-يحتاج إلى برهان مفقود في المقام،مع عدم الاحتياج إلى‏إثباته.1هو الشيخ الكبير أبو علي الحسين بن عبد اللَّه بن سينا المعروف بالشيخ الرئيس،ولد في بخارى‏سنة 370 ه،عرف بقوة الحافظة و شدة الذكاء و سرعة تلقيه للعلوم،له عدّة كتب أشهرهاالشفاء و الإشارات و القانون،توفي سنة 428 ه-و دفن في همدان.انظر وفيات الأعيان‏2:157،أعيان الشيعة 6:69،الوافي بالوفيات 12:391.

1)الإشارات 2:143 سطر 20-21.

2)فرائد الأصول:24 السطر الأخير.

3)فرائد الأصول:24 سطر 17-18،فوائد الأصول 3:88،درر الفوائد 2:22.

4)نهاية الأفكار:القسم الأول من الجزء الثالث:56.


191

نعم الاستحالة التي ادُّعيت‏ (1) هي الوقوعية أو الذاتيّة على بعض‏التقادير،فالأولى أن يقال في عنوان البحث:«في عدم وجدان دليل على‏امتناع التعبّد بالأمارات».و أمّا ما في تقريرات بحث بعض أعاظم العصر-رحمه اللَّه-:من أنّ‏المراد من الإمكان المبحوث عنه في المقام هو الإمكان التشريعي لا التكويني،فإنّ التوالي الفاسدة المتوهّمة هي المفاسد التشريعيّة لا التكوينيّة (2) .ففيه أوّلا:أنّ الإمكان التشريعي ليس قسما مقابلا للإمكانات،بل هو من‏أقسام الإمكان الوقوعي،غاية الأمر أنّ المحذور الّذي يلزم من وقوع شي‏ء قديكون تكوينيّا،و قد يكون تشريعيّا،و هذا لا يوجب تكثير الأقسام،و إلاّ فلنا أن‏نقول:الإمكان قد يكون ملكيّا،و قد يكون ملكوتيّا،و قد يكون عنصريّا،و قديكون فلكيّا..إلى غير ذلك،بواسطة اختلاف المحذورات المتوهّمة.و ثانيا:أنّ بعض المحذورات المتوهّمة من المحذورات التكوينيّة،مثل‏اجتماع الحبّ و البغض و الإرادة و الكراهة و المصلحة و المفسدة في شي‏ءواحد،فإنّها محذورات تكوينيّة.ثمّ إنّ المحذورات المتوهّمة بعضها راجع إلى ملاكات الأحكام كاجتماع‏المصلحة و المفسدة الملزمتين بلا كسر و انكسار،و بعضها راجع إلى مبادئ‏الخطابات كاجتماع الكراهة و الإرادة و الحبّ و البغض،و بعضها راجع إلى‏

1)ادعاها ابن قبة على ما نقله في فرائد الأصول:24 سطر 19-21.

2)فوائد الأصول 3:88.


192

نفس الخطابات كاجتماع الضدّين و النقيضين و المثلين،و بعضها راجع إلى لازم‏الخطابات كالإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة،فحصر المحذور في الملاكيّ‏و الخطابيّ ممّا لا وجه له،كما وقع من العظيم المتقدّم‏ (1) .كما أنّ تسمية الإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة بالمحذور الملاكي‏ (2) ،ممّالا ينبغي،فإنّها من المحذورات الخطابيّة و من لوازم الخطابات،و الأمر سهل.و كيف كان،فلا بدّ من دفع المحذورات مطلقا،فنقول:أمّا تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة فلا محذور فيهما إذا كانت‏مصلحة التعبّد بالأمارات و الأصول غالبة،أو محذور عدم التعبّد بها غالبا.و إن شئت قلت:إنّ ما فات من المكلّف بواسطة التعبّد بها تصيرمتداركة.بل لنا أن نقول:إنّ المفاسد الأخرويّة-أي العقاب و العذاب-لا تلزم بلاإشكال،و تفويت المصالح الأخروية إمّا ينجبر بواسطة الانقياد بالتعبّدبالأمارات،و إمّا يتدارك من جهة أخرى،و إمّا غير لازم التدارك،فإنّ ما يقبح‏على الحكيم هو الإلقاء في المفسدة،و أمّا إيصال المصالح فهو من باب التفضّل،و ليس في تركه قبح.و أمّا الدنيويّة منهما فلزومها غير معلوم،لعدم الدليل على اشتمال‏المتعلّقات أو الأحكام على المصالح و المفاسد الدنيويّة،و بعض المصالح‏

1)فوائد الأصول 3:89.

2)المصدر السابق.


193

الاستجراريّة تترتّب على التعبّد بالأمارات أيضا.ثمّ إنّ الإشكال لا ينحصر بصورة الانفتاح كما أفاد المحقّق المعاصر (1) -رحمه اللَّه-بل يجري في صورة الانسداد أيضا،فإنّه وارد في صورة الانسدادعلى رفع الاحتياط و ترخيص العمل على طبق بعض الأمارات.و ما أفاد:من أنّ العملَ على طبق الأمارة-لو صادف-خير جاء من‏قبلها (2) .يرد عليه:بأنّ الأمر لو كان دائرا بين العمل على طبق الأمارة و ترك العمل‏و الإهمال رأسا،كان الأمر كما أفاده،لكنّه ليس دائرا بينهما،بل هو دائر بين‏العمل بالاحتياط أو التجزّي فيه،أو العمل بالأمارة.فحينئذ يرد الإشكال عينا على الترخيص في ترك الاحتياط أوّلا،و على‏العمل بالأمارة دون التجزّي في الاحتياط ثانيا،و طريق‏دفع‏الإشكال هوسبيل‏دفعه‏في زمان الانفتاح من كون العمل بالأمارة ذا مصلحة جابرة،أوفي العمل بالاحتياط مفسدة غالبة.

تنبيه‏

قد أجاب الشيخ العلاّمة الأنصاريّ‏ (3) -قدّس سرّه-عن الإشكال بالتزام‏

1)فوائد الأصول 3:90.

2)المصدر السابق.

3)فرائد الأصول:26-27.


194

المصلحة السلوكيّة،و فصّلها المحقّق المعاصر قدّس سرّه-على ما في تقريرات‏بحثه بعد ردّ الوجهين من وجوه السببية-بما حاصله:الثالث:أن يكون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة في السلوك مع بقاءالواقع و المؤدّى على ما هما عليه من المصلحة و المفسدة من دون أن يحدث في‏المؤدّى مصلحة بسبب قيام الأمارة غير ما كان عليه،بل المصلحة تكون في‏تطرّق الطريق و سلوك الأمارة و تطبيق العمل على مؤدّاها و البناء على أنّه هوالواقع بترتيب الآثار المترتّبة على الواقع على المؤدّى،و بهذه المصلحة السلوكيّةيتدارك ما فات من المكلّف‏ (1) انتهى كلامه.و فيه أوّلا:أنّ الأمارات المعتبرة شرعا غالبها-ان لم يكن جميعها-طرق‏عقلائيّة يعمل بها العقلاء في سياساتهم و معاملاتهم،و لا تكون تأسيسيّةجعليّة،كما اعترف به المحقّق المتقدّم‏ (2) -رحمه اللَّه-و من الواضح أنّ الأمارات‏العقلائيّة ليست في سلوكها مصلحة أصلا،بل هي طرق محضة،و ليس لهاشأن إلاّ الإيصال إلى الواقع،و ليس إمضاء الشارع لها إلاّ بما لها من الاعتبارالعقلائيّ،فالمصلحة السلوكيّة ممّا لا أساس لها أصلا،و هذا بمكان من‏الوضوح،و لا ينبغي التأمّل فيه.و ثانيا:لا معنى لسلوك الأمارة و تطرّق الطريق إلاّ العمل على طبق‏مؤدّاها،فإذا أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعة فسلوك هذه الأمارة و تطرُّق هذا

1)فوائد الأصول 3:95-96.

2)فوائد الأصول 3:91.


195

الطريق ليس إلاّ الإتيان بصلاة الجمعة،فلا معنى لكون مصلحة تطرّق الطريق‏مصلحة مغايرة للإتيان بنفس المؤدّى،و الإتيان بالمؤدّى مع المؤدّى غير متغايرين‏إلاّ في عالم الاعتبار،و لا يرفع الإشكال بهذه الاعتبارات و التعبيرات.و لك أن تقول:إنّ هذه المفاهيم المصدريّة النسبيّة لا حقيقة لها إلاّ في عالم‏الاعتبار،و لا تتّصف بالمصالح و المفاسد،فموضوع المصلحة و المفسدة نفس‏العناوين،أي الصلاة و الخمر.و لو قلت:إنّ شرب الخمر و إتيان الصلاة متعلّق الحرمة و الوجوب‏و موضوع المفسدة و المصلحة.قلت:لو سلّم فتطبيق العمل في طبق الأمارة و تطرّق الطريق عبارة أخرى‏عن شرب الخمر و إتيان الصلاة.و ثالثا:لو قامت المصلحة في نفس العمل على طبق الأمارة و تطرّق‏الطريق-بلا دخالة للمؤدّى و الواقع فيها-فلا بدّ من التزام حصول المصلحة في‏الإخبار عن الأمور العاديّة،و قيام الأمارات على أمور غير شرعيّة،فإذا أخبرالثقة بأمر له عمل غير شرعيّ لا بدّ أن يلتزم بأنّ تطبيق العمل على طبقه و تطرّق‏هذا الطريق له مصلحة،و هو كما ترى،و القول بأنّ المصلحة قائمة في تطرّق‏الطريق القائم على الحكم الشرعيّ‏ (1) مجازفة.ثمّ إنّ لازم قيام المصلحة-التي يتدارك بها ما فات من المكلّف-في تطرّق‏الطريق و سلوك الأمارة،هو الإجزاء و إن انكشف الخلاف في الوقت،فضلا

1)فرائد الأصول:26 السطر الأخير.


196

عن خارجه،لاستيفاء المصلحة بواسطة سلوك الأمارة و العمل على طبقها.فإذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة،و قلنا:إنّ في سلوك‏الأمارة مصلحة يتدارك بها مفسدة فوت صلاة الظهر مثلا،فعمل المكلّف على‏طبق الأمارة،ثمّ انكشف الخلاف في الوقت-و لو وقت الفضيلة-يكون الإتيان‏بها مجزيا عن الظهر،لأنّ المصلحة القائمة في تطرّق الطريق غير مقيّدة بعدم‏انكشاف الخلاف.فما أفاد الشيخ العلاّمة الأنصاري‏ (1) -قدّس سرّه-و تبعه المحقّق المعاصر (2) -رحمه اللَّه-من التفصيل في الإجزاء،ممّا لا وجه له،و ما أفاده الثاني من‏الوجه‏ (3) ضعيف غايته،فراجع.ثمّ إنّ ما ذكرنا من الإجزاء إنّما هو على مسلك القوم،و أمّا التحقيق في‏مسألة الإجزاء و تحرير محلّ البحث فيها فهو أمر آخر وراء ما ذكروه،و هوموكول إلى محلّه.هذا ما يتعلّق بالجواب عن تفويت المصالح و الإلقاء في المفاسد.و أمّا محذور اجتماع المثلين و الضدّين و النقيضين و أمثاله،فيتوقّف‏التحقيق في دفعه على بيان مقدّمات:الأولى:أنّ مفاد أدلّة اعتبار الأمارات و الأصول مطلقا هو ترتيب الآثار

1)فرائد الأصول:28 سطر 16 حتى آخر الصفحة.

2)فوائد الأصول 3:96-97.

3)نفس المصدر السابق.


197

و التعبّد بالبناء عملا على طبق مفادها،فكما أنّ مفاد أدلّة أصالتي الطهارةو الحلّيّة-من قوله:(كلّ شي‏ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر) (1) و(كلّ شي‏ء لك‏حلال) (2) -هو التعبّد عملا بالطهارة و الحلّيّة،أي ترتيب آثار الطهارة و الحلّيّةعلى المشكوك فيه عملا،كذلك مفاد أدلّة الفراغ و التجاوز-أيضا-هو التعبّد بترتيب‏آثار الإتيان على المشكوك فيه في الجزء و الشرط،و عدم إتيان مشكوك المانعية.و مفاد أدلّة البراءة الشرعيّة هو ترتيب آثار عدم الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّةعند الشكّ فيها.و كذا مفاد أدلّة اعتبار الأمارات هو التعبّد بترتيب آثار الواقع عملا،فإذاقام خبر الثقة على عدم الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة،فمعنى تصديقه هو ترتيب‏آثار تلك الأعدام،و إذا قامت البيّنة على طهارة شي‏ء أو حلّيّة،أو قامت على‏إتيان الجزء عند الشكّ فيه،فوجوب تصديقهما عبارة عن ترتيب آثار الطهارةو الإتيان عملا.و قس على ذلك كلّيّة أدلّة اعتبار الأمارات و الأصول بلا افتراق من هذه‏الحيثيّة بينها أصلا.نعم الأمارات بنفسها لها جهة الكاشفيّة و الطريقيّة دون‏غيرها،و كلامنا في دليل اعتبارها لا في مفاد أنفسها،و قد خلط كثير منهم بين‏المقامين و الحيثيّتين،فلا تغفل.

1)التهذيب 1:284-285-199 باب 12 في تطهير الثياب و غيرها من النجاسات،الوسائل‏2:1054-4 باب 37 من أبواب النجاسات.

2)الكافي 6:339-2 باب الجبن من كتاب الأطعمة،الوسائل 17:91-2 باب 61 من‏أبواب الأطعمة المباحة.


198

و أمّا حديث حكومة دليل على دليل فهو باعتبار لسان أدلّة الاعتبار،لا باعتبار كاشفيّة الأمارات و عدم كاشفيّة غيرها،فإنّها أمور تكوينيّة لا دخل لهابالحكومة و مثلها.فمفاد أدلّة الأمارات و إن كان بحسب النتيجة مطابقا لأدلّة الأصول،لكن‏حكومتها باعتبار لسانها،فإنّ لسانها هو ترتيب آثار صدق العادل و كون خبره‏مطابقا للواقع،و هذا لسان إزالة الشكّ تعبّدا،و هو بهذا المفاد مقدّم على‏الأصول التي أخذ الشكّ في موضوعها،و للكلام محلّ آخر يأتي-إن شاء اللَّه‏تعالى-في مستأنف المقال‏ (1) .

عدم اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها

الثانية:لا يمكن اختصاص الأحكام الواقعيّة بالعالم بها،للزوم الدور،فإنّ العلم بالشي‏ء يتوقّف على وجود الشي‏ء بحسب الواقع،و لو توقّف‏وجوده على العلم به لزوم توقّف الشي‏ء على ما يتوقّف عليه،و هذا واضح.و مناقشة بعض المحقّقين من أهل العصر1-رحمه اللَّه-في ذلك-لجواز1هو المحقق الكبير و العالم الرباني الشيخ محمد حسين بن محمد حسن معين التجار الأصفهاني‏الشهير بالكمپاني.ولد في النجف الأشرف سنة 1296 ه-حضر الأبحاث العالية عند جملة من‏عظماء الطائفة الإمامية كالآخوند و السيد الفشاركي و الميرزا باقر الإصطهباناتي و غيرهم.توفي‏سنة 1361 ه-و دفن في النجف الأشرف.له مؤلفات كثيرة أشهرها نهاية الدراية.انظر معارف‏الرّجال 2:263،نقباء البشر 2:560.و انظر المطلب في نهاية الدراية 2:22-23.

1)انظر الجزء الثاني صفحة رقم:242.


199

القطع بالحكم بنحو الجهل المركّب،فلا يتوقّف العلم بالحكم عليه بحسب‏الواقع-خلط،و في غير محلّها.هذا مضافا إلى ظهور أدلّة الأصول و الأمارات في أنّ الأحكام الواقعيّةمحفوظة في حال الشكّ،فإنّ قوله:(كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف الحرام‏بعينه) (1) يدلّ على أنّ ما هو حرام واقعا إذا شكّ في حرمته يكون حلالا بحسب‏الظاهر و في حال الشكّ،و كذا قوله:(كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) (2) يدلّ على محفوظيّة القذارة الواقعيّة في حال الشكّ.و كذا أدلّة الأمارات-مثل‏أدلّة حجّيّة قول الثقة-تدلّ على تصديقه و ترتيب آثار الواقع على مؤداه.و بالجملة:لا إشكال في عدم اختصاص الأحكام الواقعيّة بالعالم بها،كما أنّ الخطابات الشرعيّة متعلّقة بعناوين محفوظة في حال العلم و الجهل،فإنّ‏الحرمة قد تعلّقت بذات الخمر و الوجوب تعلّق بذات الصلاة من غير تقيّدبالعلم و الجهل،فهي بحسب المفاد شاملة للعالم و الجاهل كما لا يخفى.

وجه الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية

الثالثة:أنّ الخطابات-كما عرفت-و إن لم تكن مقيّدة بحال العلم و لامختصّة بالعالم بها،و لكن هنا أمر آخر،و هو أنّ الخطابات إنّما تتعلّق بالعناوين‏

1)الكافي 5:313-40 باب المملوك يتجر...،الوسائل 12:60-4 باب 4 من أبواب‏ما يكتسب به.

2)مستدرك الوسائل 1:164-باب 29-ح 4.


200

و تتوجّه إلى المكلّفين لغرض انبعاثهم نحو المأمور به و لتحريكها إيّاهم نحوه،و لا إشكال في أنّ التكليف و الخطاب بحسب وجوده الواقعي لا يمكن أن يكون‏باعثا و زاجرا،لامتناع محرّكيّة المجهول،و هذا واضح جدّاً.فالتكاليف إنّما تتعلّق بالعناوين و تتوجّه إلى المكلّفين لكي يعلموافيعملوا،فالعلم شرط عقليّ للباعثيّة و التحريك،فلمّا كان انبعاث الجاهل غيرممكن فلا محالة تكون الإرادة قاصرة عن شمول الجاهلين،فتصير الخطابات‏بالنسبة إليهم أحكاما إنشائيّة.و إن شئت قلت:إنّ لفعليّة التكليف مرتبتين:إحداهما:الفعليّة التي هي قبل العلم،و هي بمعنى تماميّة الجهات التي‏من قبل المولى،و إنّما النقصان في الجهات التي من قبل المكلّف،فإذا ارتفعت‏الموانع التي من قبل العبد يصير التكليف تامّ الفعليّة،و تنجّز عليه.و ثانيتهما:الفعليّة التي هي بعد العلم و بعد رفع سائر الموانع التي تكون‏من قبل العبد،و هو التكليف الفعليّ التامّ المنجّز.إذا عرفت ما ذكرنا من المقدّمات سهل لك سبيل الجمع بين الأحكام‏الواقعيّة و الظاهريّة،فإنّه لا بدّ من الالتزام بأنّ التكاليف الواقعيّة مطلقا-سواءكانت في موارد قيام الطرق و الأمارات،أو في موارد الأصول مطلقا-فعليّةبمعناها الّذي قبل تعلّق العلم،و لا إشكال في أنّ البعث و الزجر الفعليّين غيرمحقّقين في موارد الجهل بها،لامتناع البعث و التحريك الفعليّين بالنسبة إلى‏القاصرين،فالتكاليف بحقائقها الإنشائيّة و الفعليّة التي من قبل المولى-بالمعنى‏


201

الّذي أشرنا إليه-تعمّ جميع المكلّفين،و لا تكون مختصّة بطائفة دون طائفة،لكن الإرادة قاصرة عن البعث و الزجر الفعليّ بالنسبة إلى القاصرين.فإذا كان التكليف قاصرا عن البعث و الزجر الفعليّين بالنسبة إليهم فلابأس بالترخيص الفعليّ على خلافها،و لا امتناع فيه أصلا،و لا يلزم منه‏اجتماع الضدّين أو النقيضين أو المثلين و أمثالها.نعم يمكن للمولى-بعد قصور التكليف الواقعي عن البعث و الزجر-إيجاب الاحتياط على المكلّف بدليل مستقلّ،فإنّ إيجاب الاحتياط لا يمكن‏بواسطة نفس الدليل الدالّ على الحكم الواقعيّ،لقصوره عن التعرّض لحال‏الشكّ،فلا بدّ من الدليل المستقلّ حفظا للحكم الواقعي،و لكن إذا كان في‏الاحتياط محذور أشدّ من الترخيص-مثل الحرج و اختلال النظام-فلا بدّ له من‏الترخيص،و لا محذور فيه أصلا.فالجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة بما ذكرنا ممّا لا محذور فيه ملاكاو خطابا،بل لا محيص عنه،فإنّ البعث و الزجر الفعليّين بالنسبة إلى الجاهل غيرمعقولين،كما أنّ الترخيص مع البعث و الزجر الفعليّين غير معقول.و أمّا مع قصور التكليف و الإرادة عنهما و حرجيّة إيجاب الاحتياط أومحذور آخر فيه،فلا محيص عن جعل الترخيص،و لا محذور فيه.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الأحكام الواقعيّة و الخطابات الأوّليّة-بحسب‏الإنشاء و الجعل،و بحسب الفعليّة التي قبل العلم-عامّة لكلّيّة المكلّفين‏جاهلين كانوا أو عالمين،لكنّها قاصرة عن البعث و الزجر الفعليّين بالنسبة إلى‏


202

الجهّال منهم،ففي هذه المرتبة التي هي مرتبة جريان الأصل العقلي لا بأس في‏جعل الترخيص،فإذا جاز الترخيص فما ظنّك بجعل الأمارات التي هي غالبةالمطابقة للواقع؟مضافا إلى ما عرفت فيما سبق‏ (1) أنّ الأمارات و الطرق الشرعيّة-جلّها أوكلّها-هي الأمارات العرفيّة العقلائيّة التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم‏و سياساتهم،و ليست هي تأسيسيّة جعليّة،فصرف عدم الردع كاف لحجّيتها،و لا تحتاج إلى جعل و إنشاء حجّية أو إمضاء كما قيل‏ (2) .نعم للشارع جعل‏الاحتياط و الردع عن العمل بها،و هو-كما عرفت-خلاف المصالح العامّةو سهولة الدين الحنيف،فإذا كان الأمر كذلك فلا ينقدح شوب إشكال الجمع‏بين الضدّين و النقيضين و المثلين حتّى نحتاج إلى رفعه،فتدبّر.

تنبيه‏الإشكال على الوجوه التي‏ذكرت للجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي‏

و هاهنا وجوه من الجمع لا تخلو كلّها أو جلّها من الخلل و القصور،لا بأس بالتعرّض لمهماتها:منها:ما أفاد بعض محقّقي العصر رحمه اللَّه-على ما في تقريرات بحثه-بعد

1)انظر صفحة رقم:105 و ما بعدها.

2)مقالات الأصول 2:38 سطر 9-11.


203

تفكيكه في التفصّي عن الإشكال بين موارد قيام الطرق و الأمارات و بين‏الأُصول المحرزة و بين الأُصول الغير المحرزة،فقال في موارد تخلّف الأمارات‏ما حاصله:إنّ المجعول فيها ليس حكماً تكليفيّاً،حتّى يتوهّم التضادّ بينها و بين‏الواقعيّات،بل الحقّ أنّ المجعول فيها هو الحجيّة و الطريقيّة،و هما من الأحكام‏الوضعيّة المتأصّلة في الجعل،خلافا للشيخ-قدّس سرّه-حيث ذهب إلى أنّ‏الأحكام الوضعيّة كلّها منتزعة من الأحكام التكليفيّة (1) .و الإنصاف عدم تصوّر انتزاع بعض الأحكام الوضعيّة من الأحكام‏التكليفيّة،مثل الزوجيّة،فإنّها وضعيّة و يستتبعها جملة من الأحكام،كوجوب‏الإنفاق على الزوجة،و حرمة تزويج الغير لها،و حرمة ترك وطئها أكثر من‏أربعة أشهر...إلى غير ذلك،و قد يتخلّف بعضها مع بقاء الزوجيّة،فأيّ حكم‏تكليفيّ يمكن انتزاع الزوجيّة منه؟!و أيّ جامع بين هذه الأحكام التكليفيّة ليكون‏منشأ لانتزاع الزوجيّة؟!فلا محيص في أمثالها عن القول بتأصّل الجعل،و منهاالطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات،فإنّها متأصّلة بالجعل و لو إمضاء،لما تقدّمت‏الإشارة إليه من كون الطرق التي بأيدينا عقلائيّة يعتمد عليها العقلاء في‏مقاصدهم،بل هي عندهم كالعلم لا يعتنون باحتمال مخالفتها للواقع،فنفس‏الحجّية و الوسطيّة في الإثبات أمر عقلائيّ قابل بنفسه للاعتبار من دون أن يكون‏هناك حكم تكليفيّ منشأ لانتزاعه.إذا عرفت حقيقة المجعول فيها ظهر لك أنّه ليس فيها حكم حتّى ينافي‏

1)فرائد الأصول:351 سطر 11-20.


204

الواقع،فلا تضادّ و لا تصويب،و ليس حال الأمارات المخالفة إلاّ كحال العلم‏المخالف،فلا يكون في البين إلاّ الحكم الواقعي فقط مطلقا،فعند الإصابة يكون‏المؤدّى هو الحكم الواقعي كالعلم الموافق و يوجب تنجيزه،و عند الخطأ يوجب‏المعذوريّة و عدم صحّة المؤاخذة عليه كالعلم المخالف،من دون أن يكون هناك‏حكم آخر مجعول‏ (1) انتهى.و فيه:أوّلا:أنّه ليس في باب الأمارات و الطرق العقلائيّة الإمضائيّةغالبا حكم مجعول أصلا،لا الحجّية،و لا الوسطيّة في الإثبات،و لا الحكم‏التكليفي التعبّدي،كما قد عرفت سابقا (2) و ليس معنى الإمضاء هو إنشاءحكم إمضائي،بل الشارع لم يتصرّف في الطرق العقلائيّة،و كان الصادع‏بالشرع يعمل بها كما يعمل العقلاء في سياساتهم و معاملاتهم.و ما ورد في‏بعض الروايات إنّما هي أحكام إرشاديّة.و العجب أنّه-قدّس سرّه-مع اعترافه كرارا بذلك‏ (3) ذهب إلى جعل‏الحجّيّة و الوسطيّة في الإثبات و تتميم الكشف‏ (4) و أمثالها ممّا لا عين لها في الأدلّةالشرعيّة و لا أثر.و ثانيا:لو سلّم أنّ هناك جعلا شرعيّا،فما هو المجعول ليس إلاّ إيجاب‏العمل بالأمارات تعبّدا،و وجوب ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها،كما هو مفاد

1)فوائد الأصول 3:105.

2)انظر صفحة رقم:105 و ما بعدها.

3)فوائد الأصول 3:30،91،195.

4)فوائد الأصول 3:17.


205

الروايات مثل قوله عليه السلام:(إذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس)و أشارإلى زرارة (1) ،و قوله:(و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا) (2) و قوله:(عليك بالأسديّ،يعني أبا بصير)1،و قوله:(العمري ثقتي)إلى أن‏قال:(فاسمع له و أطع،فإنه الثقة المأمون)2إلى غير ذلك من الروايات‏الكثيرة مما يستفاد منها-مع الغضّ عن الإرجاع إلى الارتكاز العقلائي-وجوب‏العمل على طبقها تعبّدا على أنّها هو الواقع و ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها.نعم لو كان للآية الشريفة: إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبيّنوا (3) دلالة،يمكن أن يتوهّم منها أنّها بصدد جعل المبيّنيّة و المكشوفيّة في مؤدّى خبر العادل،بتقرير أنّ المفهوم منها أنّ خبر العادل لا يجب التبيُّن فيه لكونه متبيّنا.1رجال الكشي:171-291،الوسائل 18:103-15 باب 11 من أبواب صفات القاضي.أبو بصير الأسدي:هو يحيى بن القاسم،كوفي تابعي،من أصحاب الإمامين الباقر و الصادق‏عليهما السلام،ذكره النجاشي و وصفه بالوثاقة و الوجاهة،تو في سنة 150 ه.انظر رجال‏النجاشي:441.معجم رجال الحديث 20:74.2الكافي 1:329-330-1 باب في تسمية من رآه عليه السلام ،الوسائل 18:99-4 باب 11 من‏أبواب صفات القاضي.العمري:هو الشيخ العظيم و الوكيل الجليل أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي،أول‏نائب خاص للإمام المهدي عليه السلام في الغيبة الصغرى،توفي ببغداد و لا زال قبره الشريف‏مقصد الزائرين.انظر تنقيح المقال 2:245،معجم رجال الحديث 11:111.

1)رجال الكشي:136-216،الوسائل 18:104-19 باب 11 من أبواب صفات القاضي‏بتفاوت يسير.

2)كتاب الغيبة:177،الاحتجاج 2:470 توقيعات الناحية المقدسة،الوسائل 18:101-9 باب‏11 من أبواب صفات القاضي.

3)الحجرات:6.


206

لكن فيه-مع الغضّ عن الإشكال بل الإشكالات في دلالتها-أنّها ليست‏بصدد جعل ما ذكر،بل بصدد جعل وجوب العمل على طبقه،و إنّما المتبيّنيّةالذاتيّة التي له جهة تعليليّة لوجوب العمل على طبقه.تدبّر تعرف.و ثالثا:أنّ الحجّية و الوسطيّة في الإثبات و الكاشفيّة و أمثالها لا تنالها يدالجعل تأصّلا.أمّا الحجّية بمعنى صحّة الاحتجاج و قاطعيّة العذر فواضح،فإنّها أمرتبعيّ محض متأخّر عن جعل تكليف أو وضع،و ليس نفس صحّة الاحتجاج‏و قاطعيّة العذر من الاعتبارات الاستقلاليّة للعقلاء،و ذلك واضح.و أمّا الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات و الكاشفيّة و الحجيّة التي بمعنى‏الوسطيّة في الإثبات:فلأنّ كلّ واحد من تلك المعاني ممّا لا يمكن جعله،فإنّ‏إعطاء جهة الكاشفيّة و الطريقيّة كما لا يمكن لما لا يكون له جهة كشف و طريقيّة،كذلك تتميم الكاشفيّة و إكمال الطريقيّة لا يمكن جعلهما لما هو ناقص الكاشفيّةو الطريقيّة،فكما أنّ الشكّ غير قابل لإعطاء صفة الكاشفيّة و الطريقيّة عليه-كمااعترف به‏ (1) قدّس سرّه-كذلك ما ليس له تمام الكاشفيّة و يكون هذا النقصان‏ذاتيّا له لا يمكن جعل التماميّة له،و كما أنّ اللاكاشفيّة ذاتيّة للشكّ لا يمكن سلبهاعنه،كذلك النقص ذاتيّ للأمارات لا يمكن سلبه عنها،فما فهو تحت يد الجعل‏ليس إلاّ إيجاب العمل بمفادها تعبّدا و العمل على طبقها و ترتيب آثار الواقع‏عليها،و لمّا كان ذاك التعبّد بلسان تحقّق الواقع و إلقاء احتمال الخلاف عملا،

1)فوائد الأصول 3:19.


207

ينتزع منه الحجيّة و الوسطيّة في الإثبات تعبّدا.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ ما هو ممكن المجعوليّة و ما تناله يد الجعل ليس إلاّالحكم التكليفي التعبّدي،أي وجوب العمل على طبق الأمارات و وجوب‏ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها،و الوضع إنّما ينتزع من هذا الحكم التكليفي.و أمّا قضيّة حكومتها على الأصول فهي أساس آخر قد أشرنا إليه فيماسلف‏ (1) .و سيأتي‏ (2) -إن شاء اللَّه-بيانها في مستأنف القول.و رابعا:أنّ ما أفاد من كون الزوجيّة مجعولة تأصّلا لعدم تصوّر وجودتكليف ينتزع منه الزوجيّة (3) ،ففيه:أنّ تلك الأحكام التكليفيّة التي عدّها-من‏وجوب الإنفاق على الزوجة...إلى آخر ما ذكره إنّما هي متأخّرة عن‏الزوجيّة،و تكون من أحكامها المترتّبة عليها،و معلوم أنّ أمثالها لا يمكن أن‏تكون منشأ لانتزاع الزوجيّة،لا لمكان عدم الجامع بينها،بل لمكان تأخّرها عن‏الزوجيّة و كونها من آثارها و أحكامها،فتلك الأحكام أجنبيّة عن انتزاع الوضع‏منها.نعم هنا أحكام تكليفيّة أخرى يمكن أن تكون‏1منا شي‏ء للوضع،كقوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء (4) و قوله: و أنكحوا الأيامى 1أي يتوهم أنهامنه قدس سره‏.

1)انظر صفحة رقم:198.

2)انظر الرسائل(مبحث الاستصحاب)صفحة رقم:242.

3)فوائد الأصول 3:105-106.

4)النساء:3.


208

منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم (1) ،و قوله تعالى: و أحلّ لكم‏ما وراء ذلكم (2) و أمثالها.و إن كان التحقيق عدم مجعوليّة الزوجيّة شرعا،لا بنحو الأصالة و لابنحو آخر،فإنّ الزوجيّة من الأمور العقلائيّة و من الاعتبارات التي يكون أساس‏الحياة الاجتماعية و نظامها متوقّفا عليها،و لا تكون من المخترعات الشرعيّة.نعم‏إنّ الشرائع قد تصرّفت فيها نوع تصرّفات في حدودها،لا أنّها اخترعتها،بل‏اتّخاذ الزوج و تشكيل العائلة من مرتكزات بعض الحيوانات أيضا.و خامسا:بعد اللّتيّا و التي لا يحسم ما أطنب مادّة الإشكال،فإنّ الأحكام‏الواقعيّة إذا كانت باقية على فعليّتها و باعثيّتها و زاجريّتها لا يمكن جعل الأمارةالمؤدّية إلى خلافها بالضرورة،فإنّ جعل الحجّية و الوسطيّة في الإثبات في‏الأمارات المؤدّية إلى مناقضات الأحكام الشرعيّة و مضادّاتها،يلازم الترخيص‏الفعليّ للعمل على طبقها،و هو محال مع فعليّتها.و بالجملة:لا يعقل جعل الأمارة المؤدّية إلى خلاف الأحكام الواقعيّة بأيّ‏عنوان كان،فمع بقائها على تلك المرتبة من الفعليّة،كما لا يمكن جعل أحكام‏مضادّة لها،لا يمكن جعل حجّة أو أمارة أو عذر أو أمثال ذلك.و قياس الأمارات على العلم مع الفارق،ضرورة أنّ العلم لم يكن بجعل‏جاعل،حتّى يقال:إنّ جعله لأجل تضمّنه الترخيص الفعلي يضادّ الأحكام‏

1)النور:32.

2)النساء:24.


209

الواقعيّة.هذا إذا قلنا ببقاء الأحكام على فعليّتها بعثا و زجرا.و أمّا مع التنزّل عنها و صيرورتها إنشائيّة أو فعليّة بمرتبة دون تلك المرتبة-كما عرفت‏ (1) -فلا مضادّة بينها و بين الأحكام التكليفيّة الظاهريّة،فلا وجه‏لإتعاب النّفس و الالتزام بأمور لم يكن لها عين و لا أثر في أدلّة اعتبار الأمارات،و إنّما هي اختراعات نشأت من العجز عن إصابة الواقع.و ممّا ذكرنا يعرف النّظر في كلام المحقّق الخراسانيّ‏ (2) -رحمه اللَّه-حيث‏ظنّ أنّ المجعول في باب الأمارات-إذا كان الحجّيّة غير مستتبعة لإنشاء أحكام‏تكليفيّة-يحسن مادّة الإشكال مع أنّه بحاله.كما أنّ الجمع على فرض الحكم التكليفي بما أفاد من كون أحدهما طريقيّاو الآخر واقعيّا (3) ممّا لا يحسم مادّته،فإنّه مع فعليّة الأحكام الواقعيّة لا يمكن‏جعل الحكم الطريقي المؤدّي إلى ضدّها و نقيضها،كما هو واضح بأدنى تأمّل.و بالجملة:لا محيص-على جميع المباني-عن الالتزام بعدم فعليّةالأحكام بمعناها الّذي بعد العلم كما عرفت.ثمّ إنّ المحقّق المعاصر المتقدّم-قدّس سرّه-قال في باب الأصول المحرزةما حاصله:إنّ المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أنّه هوالواقع،و إلقاء الطرف الآخر و جعله كالعدم،و لأجل ذلك قامت مقام القطع‏

1)انظر صفحة رقم:200 و ما بعدها.

2)الكفاية 2:44 سطر 12-14.

3)الكفاية 2:49-50.


210

الطريقي،فالمجعول فيها ليس أمرا مغايرا للواقع،بل الجعل الشرعيّ تعلّق‏بالجري العمليّ على المؤدّى على أنّه هو الواقع،كما يرشد إليه قوله-في بعض‏أخبار قاعدة التجاوز-:بأنّه(قد ركع) (1) فإن كان المؤدّى هو الواقع فهو،و إلاّكان الجري العملي واقعا في غير محلّه،من دون أن يتعلّق بالمؤدّى حكم على‏خلاف ما هو عليه،فلا يكون ما وراء الحكم الواقعيّ حكم آخر حتّى يناقضه‏و يضادّه‏ (2) انتهى.و أنت خبير بورود الإشكال المتقدّم عليه من عدم حسم مادّة الإشكال به‏أصلا مع بقاء الحكم الواقعي على فعليّته و باعثيّته،فإنّه مع بقائهما كيف يمكن‏جعل الأصول التنزيليّة بأيّ معنى كان؟!فالبناء العمليّ على إتيان الجزء أو الشرط-كما هو مفاد قاعدة التجاوزعلى ما أفاد-مع فعليّة حكم الجزئيّة و الشرطيّة،ممّا لا يجتمعان بالضرورة،و لايعقل جعل الهوهويّة المؤدّية إلى مخالفة الحكم الواقعي مع فعليّته و باعثيّته‏1.و هكذا الكلام في الاستصحاب و غيره من الأصول المحرزة على طريقته‏قدّس سرّه‏ (3) .1هذا،مع أنّ ظاهر كلامه لا يرجع إلى محصل،فإنّ البناء العملي و الجري العملي من‏-فعل المكلّف،و هو ليس تحت الجعل،و إيجاب الجري العملي حكم مضاد للواقع.منه‏قدس سره‏

1)الاستبصار 1:358-8 باب 208 من شك و هو قائم،الوسائل 4:937-6 باب 13 من‏أبواب الركوع.

2)فوائد الأصول 3:111-112.

3)فوائد الأصول 4:692.


211

هذا مضافا إلى ما مرّ ذكره من منع كون الاستصحاب من الأصول المحرزة:أمّا على استفادة الطريقيّة من أدلّته-كما قرّبناها1-فواضح،و أمّا على التنزّل‏من ذلك فلا يستفاد منها إلاّ وجوب ترتيب آثار الواقع على المشكوك و عدم‏جواز رفع اليد عن الواقع بمجرّد الشكّ،فالكبرى المجعولة في الاستصحاب‏ليست إلاّ الحكم التكليفي‏2و هو حرمة رفع اليد عن آثار الواقع،أو وجوب‏ترتيب آثاره،و أمّا جعل الهوهويّة فهو أجنبيّ عن مفادها.و أمّا قاعدة التجاوز و الفراغ فمفاد أدلّتها-أيضا-ليس إلاّ الحكم‏التكليفي،و هو وجوب المضيّ و عدم الاعتناء بالشكّ و ترتيب آثار إتيان الواقع‏المشكوك فيه،و هذا حكم تكليفيّ أجنبيّ عمّا ذكره من جعل الهوهويّة.و ليت شعري أنّه ما الداعي إلى رفع اليد عن ظواهر الأدلّة الكثيرة في باب‏الطرق و الأمارات و أبواب الأصول و الالتزام بما لا عين له في الأدلّة و لا أثر؟و لعلّ الإشكال المتقدّم ألجأه إلى الالتزام بهذه الأمور الغريبة البعيدة عن‏مفاد الأدلّة بل عن مذاق الفقاهة،مع أنّها-كما عرفت-لا تسمن و لا تغني من‏جوع.و بما ذكرنا-مع ما يأتي في محلّه‏ (1) -يظهر أنّ الأصول التنزيليّة-بما ذكره-ممّا لا أساس لها أصلا،و لا داعي للالتزام بها،كما أنّه لا داعي للالتزام بما التزم به‏1سابقا لكن رجعنا عنه.منه قدس سره‏2قد رجعنا عنه أيضا في مبحث الاستصحاب.منه قدس سره‏

1)انظر الجزء الثاني صفحة رقم:174.

.


212

في الأمارات و الطرق،كما يظهر بالتأمّل فيما ذكرناه.ثمّ‏1إنّه-قدّس سرّه-قال في باب الأصول الغير التنزيليّة-مع ما أطال‏و أتعب نفسه الزكيّة في تفصيل متمّمات الجعل-ما ملخّصه:إنّ للشكّ في الحكم الواقعيّ اعتبارين:أحدهما:كونه من الحالات و الطوارئ اللاحقة للحكم الواقعي أوموضوعه كحالة العلم و الظنّ،و هو بهذا الاعتبار لا يمكن أخذه موضوعا لحكم‏يضادّ الحكم الواقعي،لانحفاظ الحكم الواقعي عنده.ثانيهما:اعتبار كونه موجبا للحيرة في الواقع و عدم كونه موصلا إليه‏و منجّزا له،و هو بهذا الاعتبار يمكن أخذه موضوعا لما يكون متمّما للجعل‏و منجّزا للواقع و موصلا إليه،كما أنّه يمكن أخذه موضوعا لما يكون مؤمّنا عن‏الواقع،حسب اختلاف مراتب الملاكات النّفس الأمريّة،فلو كانت‏مصلحة الواقع مهمّة في نظر الشارع،كان عليه جعل المتمّم،كمصلحةاحترام المؤمن و حفظ نفسه،فإنّه أهمّ من مفسدة حفظ نفس الكافر،1و ذكر قبيل هذا:أنّ متمم الجعل فيما نحن فيه يتكفل لبيان وجود الحكم في زمان الشك فيه‏ (1) و مراده من المتمّم هو أصالة الاحتياط.و هذا مع بطلانه في نفسه،لأنّ أصل الاحتياط أو إيجاب‏الاحتياط لا يكون متكفلا لبيان وجود الحكم في زمان الشك بالضرورة،و إلاّ لكان أمارة،و وجوب الاحتياط مع الشك لغرض الوصول إلى الواقع غير كون أصل الاحتياط أو إيجابه مبيّناللواقع،و هو أوضح من أن يخفى،و مخالف لما قال سابقا من أنّه أصل غير محرز،و لبعض‏كلماته اللاحقة (2) فراجع..

1)فوائد الأصول 3:114.

2)فوائد الأصول 3:112،4:692


213

فيقتضي جعل حكم طريقيّ بوجوب الاحتياط في موارد الشكّ،و هذا الحكم‏الاحتياطي إنّما هو في طول الواقع لحفظ مصلحته،و لذا كان خطابه نفسيّالا مقدّميّا،لأنّ الخطاب المقدّمي ما لا مصلحة فيه أصلا،و الاحتياط ليس‏كذلك،لأنّ أهمّيّة الواقع دعت إلى وجوبه،فهو واجب نفسيّ للغير،لا واجب بالغير،و لذا كان العقاب على مخالفته،لا مخالفة الواقع،لقبح‏العقاب عليه مع الجهل.إن قلت:فعليه تصح العقوبة على مخالفة الاحتياط-صادف الواقع‏أولا-لكونه واجبا نفسيّا.قلت:فرق بين علل التشريع و علل الأحكام،و الّذي لا يدور الحكم مداره‏هو الأوّل دون الثاني.و لا إشكال في أنّ الحكم بوجوب حفظ نفس المؤمن علّةللحكم بالاحتياط،و لا يمكن أن يبقى في مورد الشكّ مع عدم كون المشكوك ممّايجب حفظ نفسه،و لكن لمكان جهل المكلَّف كان اللازم عليه الاحتياط تحرّزاعن مخالفة الواقع.من ذلك يظهر:أنّه لا مضادّة بين إيجاب الاحتياط و بين الحكم الواقعي،فإنّ المشتبه إن كان ممّا يجب حفظ نفسه واقعا فوجوب الاحتياط يتّحد مع‏الوجوب الواقعي،و يكون هو هو،و إلاّ فلا،لانتفاء علّته،و المكلّف يتخيّل‏وجوبه لجهله بالحال،فوجوب الاحتياط من هذه الجهة يشبه الوجوب المقدّمي‏و إن كان من جهة أخرى يغايره.و الحاصل:أنّه لمّا كان إيجاب الاحتياط من متمّمات الجعل الأوّلي‏


214

فوجوبه يدور مداره،و لا يعقل بقاء المتمّم-بالكسر-مع عدم المتمّم-بالفتح-فإذا كان وجوب الاحتياط يدور مدار الوجوب الواقعي فلا يعقل التضادّبينهما،لاتّحادهما في مورد المصادقة و عدم وجوب الاحتياط في مورد المخالفة،فأين التضادّ؟!هذا إذا كانت المصلحة مقتضية لجعل المتمّم و أمّا مع عدم الأهميّة،فللشارع جعل المؤمّن بلسان الرفع،كقوله:(رفع...ما لا يعلمون) (1) ،و بلسان الوضع مثل(كلّ شي‏ء...حلال) (2) فإنّ رفع التكليف ليس عن موطنه‏ليلزم التناقض،بل رفع التكليف عمّا يستتبعه من التبعات و إيجاب الاحتياط.فالرخصة المستفادة من دليل الرفع نظير الرخصة المستفادة من حكم العقل بقبح‏العقاب بلا بيان في عدم المنافاة للواقع.و السرّ فيه:أنّها تكون في طول الواقع لتأخّر رتبتها عنه،لأنّ الموضوع‏فيها هو الشكّ في الحكم من حيث كونه موجبا للحيرة في الواقع و غير موصل‏إليه و لا منجّز له،فقد لوحظ في الرخصة وجود الحكم الواقعي،و معه كيف‏يعقل أن تضادّه؟!و بالجملة:الرخصة و الحلّيّة المستفادة من حديث الرفع و أصالة الحلّ‏تكون في عرض المنع و الحرمة المستفادة من إيجاب الاحتياط.و قد عرفت أنّ‏

1)الخصال:417-9،توحيد الصدوق:353-24،الفقيه 1:36-4 باب 14 فيمن ترك‏الوضوء أو بعضه أو شك فيه،الاختصاص:31.

2)الكافي 5:313-40 باب النوادر من كتاب المعيشة،الوسائل 12:60-4 باب 4 من أبواب‏ما يكتسب به.


215

إيجاب الاحتياط يكون في طول الواقع،فما يكون في عرضه يكون في طول‏الواقع أيضا،و إلاّ يلزم أن يكون ما في طول الشي‏ء في عرضه‏ (1) انتهى كلامه‏رفع مقامه.و فيه أوّلا:أنّ تفريقه بين أخذ الشكّ باعتبار كونه من الحالات‏و الطوارئ،و بين أخذه باعتبار كونه موجبا للحيرة في الواقع،و جعله مناط رفع‏التضادّ هو الأخذ على الوجه الثاني،ممّا لا محصّل له،فإنّ الطوليّة لو ترفع‏التضادّ فالحالات الطارئة-أيضا-في طول الواقع،و إلاّ فالأخذ باعتبار كونه‏موجبا للحيرة في الواقع لا يرفعه.و بالجملة:أنّ الاعتبارين مجرّد تغيير في العبارة و تفنّن في التعبير،و بهذاو أشباهه لا يرفع التضادّ،لكون الحكم الواقعي محفوظا مع الشكّ و الحيرة.و ثانيا:أنّ الحكم الواقعي إن بقي على فعليّته و باعثيّته فلا يعقل جعل‏الاحتياط المؤدّي إلى خلافه،فضلا عن جعل المؤمّن كما في أصالة الإباحة،فهل يمكن مع فعليّة الحكم الواقعي جعل المؤمّن الّذي يلازم الترخيص في‏المخالفة أو عينه؟و هل مجرّد تغيير أسلوب الكلام و كثرة الاصطلاح و الاعتبارترفع التضادّ و التناقض؟!و إن لم يبق كما اعترف في المقام بأنّ الأحكام الواقعيّة بوجوداتها النّفس‏الأمريّة لا تصلح للداعويّة فالجمع بين الحكم الواقعي بهذا المعنى و الظاهري‏لا يحتاج إلى تلك التكلّفات،فإنّ الحكم الإنشائيّ أو الفعلي بالمعنى المتقدّم ممّا

1)فوائد الأصول 3:114 و ما بعدها.


216

لا ينافي الأحكام الظاهريّة.و ثالثا:أنّ ما تفصّي به عن إشكال صحّة العقوبة على مخالفة الاحتياط-بالتزامه عدم وجوب الاحتياط واقعا في مورد الشكّ مع عدم كون المشكوك فيه‏ممّا يجب حفظه،لكون وجوب حفظ المؤمّن علّة للحكم بالاحتياط لا علّةللتشريع-ممّا لا وجه له،فإنّ وجوب الاحتياط حكم ظاهريّ لغرض حفظالواقع،و لا بدّ لهذا الحكم الظاهريّ المتمّم للجعل الأوليّ أن يتعلّق حقيقة بكلّ‏مشكوك سواء كان المشكوك ممّا يجب حفظه،أم لا.و لو تعلّق وجوب‏الاحتياط بمورد الشكّ الّذي ينطبق على الواجب الواقعي دون غيره لاحتاج إلى‏متمّم آخر،فإنّ وجوب الاحتياط المتعلّق بالمشكوك فيه الواجب بحسب الواقع‏لا يصلح للداعويّة نحو المشكوك فيه،و قاصر عن أن يكون محرّكا لإرادة العبدكنفس التكليف الواقعي،فيصير إيجاب الاحتياط لغوا،فإنّ في جميع مواردالشكّ يكون تعلّق وجوب الاحتياط بها مشكوكا.و ما أفاد قدّس سرّه-من أنّ المكلّف لمّا لم يعلم كون المشكوك ممّا يجب‏حفظ نفسه أو لا يجب،كان اللازم عليه هو الاحتياط تحرّزا عن مخالفة الواقع-واضح الفساد،فإنّ وجوب الاحتياط على النحو الّذي التزم به لا يزيد سعةدائرته عن الحكم الواقعي،فكما أنّ الحكم الواقعي لا يمكن أن يتكفّل بزمان‏شكّه،كذلك حكم الاحتياط لا يمكن أن يتكفّل بزمان شكّه،و الحال أنّ تمام‏موارده كذلك،فإيجاب الاحتياط لا يكون إلاّ لغوا باطلا.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ حكم الاحتياط لا بدّ و أن يتعلّق بكلّ مشكوك،


217

لكن لمّا كان هذا الحكم لغرض حفظ الواقع،و ليس نفسه متعلّقا لغرض‏المولى،لا يوجب مخالفته بنفسها استحقاق العقوبة1و هذا واضح جدّاً.و رابعا:أنّ ما أفاد-من أنّ الرخصة و الحلّيّة المستفادة من حديث الرفع‏و أصالة الحلّ تكون في عرض المنع المستفاد من إيجاب الاحتياط،و لمّا كان‏إيجاب الاحتياط في طول الواقع فما يكون في عرضه يكون في طول الواقع‏أيضا،و إلاّ يلزم أن يكون ما في طول الشي‏ء في عرضه-منظور فيه،فإنّه قد ثبت‏أنّ ما في عرض المتقدّم على شي‏ء لا يلزم أن يكون في طول هذا المتأخّر،مع أنّ‏هذه الطوليّة ممّا لا ترفع التضادّ كما عرفت.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ ما أفاد هذا المحقّق-مع ما أطنب و أتعب‏نفسه في أبواب الأمارات و الأصول من وجوه الجمع-ممّا لا طائل تحته و لاأساس له.و في كلامه مواقع أنظار اخر تركناها مخافة التطويل.

وجه الجمع على رأي بعض المشايخ‏

و من وجوه الجمع:ما نقل شيخنا العلاّمة-أعلى اللَّه مقامه-عن سيّده‏الأستاذ-قدّس سرّه-و محصّله:عدم المنافاة بين الحكمين إذا كان الملحوظ في‏موضوع الآخر الشكّ في الأوّل.توضيحه:أنّ الأحكام تتعلّق بالمفاهيم الذهنيّة من حيث إنّها حاكية عن‏1بل العقاب على الواقع-لو فرض التخلّف-و لا يقبح العقاب عليه بعد إيجاب الاحتياط،كماهو واضح.منه قدس سره‏


218

الخارج،فالشي‏ء ما لم يتصوّر في الذهن لا يتّصف بالمحبوبيّة و المبغوضيّة.ثمّ المفهوم المتصوّر:تارة يكون مطلوبا على نحو الإطلاق،و أخرى على‏نحو التقييد،و على الثاني فقد يكون لعدم المقتضي في غير ذلك المقيّد،و قديكون لوجود المانع،و هذا الأخير مثل أن يكون الغرض في عتق الرقبة مطلقا إلاّأنّ عتق الرقبة الكافرة مناف لغرضه الآخر الأهمّ،فلا محالة بعد الكسرو الانكسار يقيّد الرقبة بالمؤمنة،لا لعدم المقتضي،بل لمزاحمة المانع.و ذلك موقوف على تصوّر العنوان المطلوب مع العنوان الآخر المتّحدمعه المخرج له عن المطلوبيّة الفعليّة.فلو فرضنا عدم اجتماع العنوانين في الذهن‏-بحيث يكون تعقّل أحدهما لا مع الآخر دائما-لم يتحقّق الكسر و الانكسار بين‏الجهتين،فاللازم منه أنّه متى تصوّر العنوان الّذي فيه جهة المطلوبيّة يكون‏مطلوبا مطلقا،لعدم تعقّل منافيه،و متى تصوّر العنوان الّذي فيه جهةالمبغوضيّة يكون مبغوضا كذلك،لعدم تعقّل منافيه.و العنوان المتعلّق للأحكام الواقعيّة مع العنوان المتعلّق للأحكام الظاهريّةممّا لا يجتمعان في الوجود الذهني أبدا،لأنّ الحالات اللاحقة للموضوع بعدتحقّق الحكم و في الرتبة المتأخرة عنه لا يمكن إدراجها في موضوعه.فلو فرضنا بعد ملاحظة اتّصاف الموضوع بكونه مشكوك الحكم تحقّق‏جهة المبغوضيّة فيه لصار مبغوضا بهذه الملاحظة،و لا يزاحمها جهة المطلوبيّةالملحوظة في ذاته،لأنّ الموضوع بتلك الملاحظة لا يكون متعقّلا فعلا،لأنّ‏تلك الملاحظة ملاحظة ذات الموضوع مع قطع النّظر عن الحكم،و هذه‏


219

ملاحظته مع الحكم.إن قلت:العنوان المتأخّر و إن لم يكن متعقّلا في مرتبة تعقّل الذات،و لكنّ الذات ملحوظة في مرتبة تعلّق العنوان المتأخّر،فيجتمع العنوانان و عادالإشكال.قلت:كلاّ،فإنّ تصوّر موضوع الحكم الواقعي مبنيّ على تجرّده عن‏الحكم،و تصوّره بعنوان كونه مشكوك الحكم لا بدّ و أن يكون بلحاظ الحكم،و لا يمكن الجمع بين لحاظي التجرّد و اللاتجرّد.و بعبارة أخرى:صلاة الجمعة التي كانت متصوّرة في مرتبة كونهاموضوعة للوجوب الواقعي لم تكن مقسما لمعلوم الحكم و مشكوكه،و التي‏تتصوّر في ضمن مشكوك الحكم تكون مقسما لهما،فتصوّرهما معا موقوف‏على تصوّر العنوان على نحو لا ينقسم إلى القسمين و على نحو ينقسم،و هذامستحيل في لحاظ واحد.فحينئذ نقول:متى تصوّر الآمر صلاة الجمعة بملاحظة ذاتها تكون‏مطلوبة،و متى تصوّرها بملاحظة كونها مشكوك الحكم تكون متعلّقة لحكم‏آخر (1) انتهى كلامه رفع مقامه.و فيه أوّلا:أنّ ما أفاد-من عدم إمكان تصوّر ما يأتي من قبل الحكم في‏الموضوع-ممنوع،فإنّ تصوّر الأمر المتأخّر ممّا لا إشكال فيه أصلا،فعدم اجتماع‏العنوانين في الذين من هذه الجهة ممنوع،و قد اعترف قدّس سرّه-في ردّ الشبهة

1)درر الفوائد 2:25-27.


220

المشهورة في باب التعبّدي و التوصّلي-بجواز أخذ ما من قبل الأمر في‏الموضوع‏ (1) ،فراجع‏1.و ثانيا:لازم ما أفاد-من مزاحمة جهة المبغوضيّة مع جهة المحبوبيّة-هو التقييد اللُّبّي و نتيجة التقييد،فإنّ الإهمال الثبوتي غير معقول،فالصلاة التي‏شكّ في حكمها لم تكن بحسب اللّبّ مع ابتلائها بالمزاحم الأقوى واجبة،فيختصّ الوجوب بالصلاة المعلومة الوجوب،فعاد إشكال التصويب،و مجرّدإطلاق الحكم بواسطة الغفلة عن المزاحم لا يدفع الإشكال كما لا يخفى.و ثالثا:أنّ ما أفاد في جواب«إن قلت»-من أنّ موضوع الحكم الواقعي‏هو المجرّد عن الحكم-يرد عليه:أنّه إن أراد بالتجرّد هو لحاظ تقييد الموضوع به‏حتّى يصير الموضوع بشرط لا-كما هو الظاهر من كلامه صدرا و ذيلا-فهوممنوع،فإنّ الموضوع للأحكام نفس الذوات بلا لحاظ التجرّد و التلبّس.مع أنّ‏لحاظ تجرّده عن الحكم يلازم لحاظ الحكم،و الحال أنّ الحكم متأخّر عن الموضوع‏و من الحالات اللاحقة له،فكما لا يمكن لحاظ مشكوكيّة الحكم في الموضوع‏على مبناه لا يمكن لحاظ نفس الحكم،لتحقّق المناط فيه،فيكون ما أفاد-قدّس‏1مع أنّ تأخر المشكوكيّة عن الحكم و حصولها بعد تعلّق الحكم ممنوع جدّاً لأنّ الشكّ قد يتعلّق‏بعنوان مع عدم المصداق له خارجا،كالشكّ في تحقق شريك الباري.و أمّا جعل الحكم على المشكوك إنّما يكون لغوا إذا لم يكن للحاكم حكم مطلقا،و لا يلزم أن يكون‏جعله متأخّرا عن جعل الأحكام الواقعية في مقام تدوين القوانين،بل لازم ما ذكره-من أنّ‏الشك متأخر عن الجعل-انقلاب الشك علما،لأنّه مع العلم بهذه الملازمة لا يمكن تعلق الشك،و مع الغفلة ينقلب إذا توجّه،مع أنّ تعلّقه مع الغفلة دليل على بطلان ما أفاد.منه قدّس سره‏

1)درر الفوائد 1:62.


221

سرّه-من قبيل الكرّ على ما فرّ منه‏1.و إن أراد بالتجرّد عدم اللحاظ،فعدم مقسميّته لمعلوم الحكم و مشكوكه‏و عدم ملحوظيّته مع العنوان المتأخّر ممنوع،لأنّه محفوظ معه،لكونه طبيعة بلاشرط كما لا يخفى.و ممّا ذكرنا في الوجهين المتقدّمين يعرف حال سائر الوجوه التي أفادهاالأصحاب في الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة،فلا نطيل بالتعرّض لهاو النّظر فيها.1مضافا إلى أنّ تعلّق الحكم بالموضوع بشرط لا مستلزم لعدم تعلق‏ (1) الحكم واقعا على الموضوع‏المشكوك الحكم،فلا يعقل معه الشك في الحكم.و لو جعل بشرط لا من المعلوم أيضا،فالفسادأفحش.منه قدس سره‏.

1)الكلمة في المخطوط غير واضحة و يمكن أن تقرأ تبقى أو تيقن‏


222


223

في تأسيس الأصل فيما لا يعلم اعتباره‏

قوله:ثالثها:أنّ الأصل...إلخ‏ (1) .(1)اعلم أنّ الحجّية إمّا بمعنى الوسطيّة في الإثبات و الطريقيّة إلى الواقع،و بهذا المعنى يقال للمعلومات التصديقيّة الموصلة إلى مجهولاتها:الحجّةو الدليل،و إطلاقها على الأمارات باعتبار كونها برهانا شرعيّا أو عقلائيّا على‏الواقع،لا باعتبار صيرورتها بعناوينها وسطا في الإثبات،و إمّا بمعنى الغلبة1على الخصم و قاطعيّة العذر و صحّة المؤاخذة و الاحتجاج.و هي بكلا المعنيين ممّا لا تقبل الجعل الابتدائي،و لا ينالها يد استقلال‏الجعل كما أشرنا إليه سابقا (2) و إنّما الممكن ثبوتا جعل منشأ انتزاعها،و الواقع‏1الظاهر أنّ إطلاق الحجة على الدليل أيضا بهذه الملاحظة.منه قدس سره‏

1)الكفاية 2:55.

2)انظر صفحة رقم:206 و ما بعدها.


224

إثباتاً-لو بنينا على أنّ الروايات الواردة في بعضها إنّما وردت للجعل‏و التأسيس-هو جعل وجوب اتّباعها و ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها على أنّهاهو الواقع.و بالجملة:مفاد الأدلّة هو الأحكام التكليفيّة لا الوضعيّة.إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص عدم‏الحجّيّة،و عدم جواز ترتيب الآثار عليه،و عدم صحّة الاحتجاج به،و هذاواضح.إنّما الكلام في تحقّق الملازمة بين الحجّيّة و بين جواز التعبّد و صحّةالانتساب إلى الشارع طرداً و عكساً و عدمه.و التحقيق:أنّ الحجّيّة بمعنى الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات ملازمةلهما طرداً و عكساً،ضرورة أنّه مع قيام الطريق الشرعيّ تأسيسا أو إمضاء لا معنى‏لعدم جواز التعبّد و صحّة الانتساب،و مع عدم الحجّيّة بهذا المعنى لا معنى‏لهما.و أمّا الحجّيّة بالمعنى الثاني-أي ما1يصحّ الاحتجاج به،و يكون قاطعاللعذر-لا تلازمهما،فإنّ الظنّ على الحكومة ليس بحجّة بالمعنى الأوّل،و لكنّه‏حجّة بالمعنى الثاني،و يصحّ الاحتجاج به،و يكون قاطعا للعذر كما هوواضح،و مع ذلك لا يصحّ معه الانتساب و لا يجوز التعبّد به.و بما ذكرنا يمكن إيقاع التصالح بين الأعلام،لأنّ المنكر للملازمة كالمحقّق‏1كون الشي‏ء بحيث...منه قدس سره‏


225

الخراسانيّ‏ (1) و شيخنا العلاّمة (2) أعلى اللَّه مقامهما-فسّراها بالمعنى‏الثاني‏ (3) و المثبت لها كالمحقّق المعاصر-على ما في تقريراته‏ (4) -فسّرها بالمعنى.الأوّل.تأمّل.

البحث عن قبح التشريع و حرمته‏

ثمّ إنّ المبحوث عنه في المقام هو تأسيس الأصل فيما لا دليل على اعتباره‏بالخصوص،حتّى يتبع في موارد الشكّ،كما أفاد المحقّق الخراسانيّ‏ (5) و أمّا البحث عن قبح التشريع و حرمته و المباحث المتعلّقة به كما فصّل المحقّق‏المعاصر (6) -رحمه اللَّه-فهو خارج عمّا نحن فيه،لكنّه لا بأس بالتعرّض‏لبعض ما حثه تبعا له،لتتّضح بعض جهات الخلط،فنقول:

هاهنا جهات من البحث:

الجهة الأولى:

أنّ التشريع عبارة عن إدخال ما ليس في الشريعة فيها،و هو مساوق للبدعة،و قبحه واضح عقلا،و حرمته شرعا كادت أن تكون من‏

1)الكفاية 2:55-58.

2)درر الفوائد 2:28.

3)الكفاية 2:44 سطر 12.

4)فوائد الأصول 3:122.

5)الكفاية 2:55.

6)فوائد الأصول 3:20(1)121.


226

الضروريّات،و دلّت عليها الآيات‏ (1) و الأخبار (2) .و بالجملة:إثبات حرمته لا يحتاج إلى تجشّم استدلال.و أمّا التعبّد بما لا يعلم جواز التعبّد به من قبل الشارع:إن كان‏المراد منه هو إتيان ما لم يعلم أنّه من العبادات بعنوان كونه منها،و التعبّدحقيقة بما لا يعلم أنّه عباديّ،فهو أمر غير ممكن،فإنّ التعبّد الحقيقيّ مع الشكّ‏في العباديّة غير ممكن من المكلّف،إذ ليس الالتزامات النفسانيّة ممّا هي‏تحت اختيار المكلّف،كما سبق منّا استقصاء الكلام فيه في مباحث‏القطع‏ (3) .نعم،اختراع بعض العبادات بواسطة الاستحسانات الظنّيّة-كبعض‏الأذكار و الأوراد من بعض أهل البدع-ممكن،لكنّه بعد حصول مبادئه من‏الاستحسان و الترجيح الظنّي.و أمّا إسناد ما لم يعلم كونه من الشريعة إليها فأمر ممكن،و هو محرّم‏شرعا،و قبيح عقلا،و يدلّ على حرمته-بعد كونه من المسلّمات-الأدلّة الدالّةعلى حرمة القول بغير علم،بل و أدلّة حرمة الإفتاء و القضاء (4) بغير علم‏1.1فيه إشكال،لأنّ الحكم إنشاء،لا إسناد إلى الشرع.منه قدّس سرّه‏

1)آل عمران:94،يونس:59-60،الأنعام:144.

2)الكافي 1:59-باب البدع...،الوسائل 18:24 و 39 و 40-7 و 46 و 49 باب 6 من‏أبواب صفات القاضي.

3)انظر صفحة رقم:142 و ما بعدها.

4)الكافي 1:2(4)43 باب النهي عن القول بغير علم،الوسائل 18:9-12-(1)10 و 18:6(1)17-29-33 باب 4 من أبواب صفات القاضي.


227

و هذا عنوان آخر غير عنوان التشريع و البدعة،و قد خلط بينهما المحقّق المتقدّم‏ (1) -قدّس سرّه-حيث طبّق عنوان التشريع عليه.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ هاهنا عنوانين كلّ واحد منهما محرّم شرعا و قبيح‏عقلا:أحدهما التشريع،و الآخر القول بغير علم و الإسناد إلى الشارع ما لا يعلم‏كونه منه.

الجهة الثانية:

أنّ حكم العقل بقبح التشريع و كذا حكمه بقبح القول بغيرعلم،ليسا من الأمور التي لا تنالهما يد الجعل الشرعيّ،فإذا ورد دليل شرعيّ‏على حرمتهما لا يحمل على الإرشاد،كما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ‏ (2) -قدّس سرّه-.لكن لا يستكشف من نفس الحكم العقليّ الخطاب الشرعيّ بقاعدةالملازمة،كما ذهب إليه بعض مشايخ العصر-على ما في تقريراته‏ (3) -فإنّ‏مجرّد كون الأحكام العقليّة في سلسلة علل الأحكام الراجعة إلى باب التحسين‏و التقبيح،لا يوجب استتباع الخطاب الشرعيّ،لجواز اتّكاء الشارع فيها إلى‏الحكم العقليّ من دون إنشاء خطاب على طبقها،فغاية ما يمكن دعواه هوالملازمة بين الأحكام العقليّة و بين المبغوضيّة الشرعيّة أو محبوبيّتها في موردالملازمة،و أمّا كشف الخطاب الشرعيّ فلا،لمكان الاحتمال المتقدّم.

1)فوائد الأصول 3:124.

2)حاشية فرائد الأصول:41-42.

3)فوائد الأصول 3:121.


228

نعم لو ورد دليل شرعيّ على الحرمة لا يجوز صرفه عن ظاهره و حمله‏على الإرشاد،لجواز أن يكون ملاكه أقوى ممّا أدركه العقل،فاحتاج إلى تعلّق‏الخطاب الشرعيّ،خصوصا إذا كان على وجه التأكيد.

الجهة الثالثة:

الظاهر عدم سراية قبح التشريع إلى الفعل المتشرّع به‏-بحيث يصير الفعل قبيحا عقلا و محرّما شرعا على القول بالملازمة،كما عن‏الشيخ العلاّمة الأنصاريّ‏ (1) -قدّس سرّه-و مال إليه بعض محقّقي العصر على‏ما في تقريرات بحثه‏ (2) -ضرورة أنّ ما هو مناط القبح عند العقل هو نفس عنوان‏التشريع،سواء كان التشريع عبارة عن التعبّد و الالتزام بما لا يكون في الشريعة،أو لا يعلم كونه فيها،أو عبارة عن الإسناد إلى الشارع و الافتراء عليه كذبا،أوالإسناد إليه من غير علم،و على أيّ حال لا وجه لتسرية القبح من عنوان إلى‏عنوان آخر مغاير معه،فالالتزام بحرمة الصلاة الواجبة لا يغيّرها عمّا هي عليه،و لا يصيّرها قبيحة عقلا،لعدم مناط القبح فيها،و هذا واضح جدّاً،فإذا كان‏القبيح عقلا هو عنوان التشريع لا غير،لا يستكشف من قاعدة الملازمة إلاّ حرمةنفس هذا العنوان،لا عنوان آخر مغاير له،لعدم معقوليّة أوسعيّة دائرةالمنكشف من الكاشف.و ما أفاده المحقّق المتقدّم رحمه اللَّه-في وجه السراية:من إمكان كون‏القصد و الداعي من الجهات و العناوين المغيّرة لجهة حسن العمل و قبحه،

1)فرائد الأصول:31 سطر 6 و 13-15.

2)فوائد الأصول 3:21(1)122.


229

فيكون الالتزام و التعبّد و التديّن بعمل لا يعلم التعبّد به من الشارع موجبالانقلاب العمل عمّا هو عليه،و تطرأ عليه بذلك جهة مفسدة تقتضي قبحه عقلاو حرمته شرعا (1) -من عجيب الاستدلال،فإنّه استنتج من مجرّد إمكان المقدّمةفعليّة الحكم.هب أنّ طريان العناوين على شي‏ء ممّا يمكن أن يغيّر جهاته،فبأيّ‏دليل تكون هذه العناوين كذلك؟!مضافا إلى ممنوعيّة تغيّر جهات الأفعال فيما نحن فيه بواسطة عنوان آخرمغاير له،فما هو القبيح المحرّم هو عنوان الالتزام و التعبّد بما لا يعلم،و نفس‏الالتزام بشي‏ء لا يوجب قبح ذلك الشي‏ء،كما أنّ نفس الافتراء على اللَّه كذبالا يوجب قبح متعلّقه كما لا يخفى،و مجرّد كون القصد في بعض المقامات‏مغيّرا للجهات لا ينتج كونه مغيّرا فيما نحن فيه،فالكبرى-أيضا-ليست كلّية.و أعجب منه الاستدلال على الحرمة بقوله:(رجل قضى بالحقّ و هولا يعلم) (2) ،لدلالته على حرمة القضاء و استحقاق العقوبة عليه،فيدلّ على‏حرمة نفس العمل‏ (3) ،فإنّ حرمة القضاء و الإفتاء بغير علم و كذا حرمة القول‏بغير علم ثابتة بلا إشكال و كلام،و ليس النزاع فيها،إنّما الكلام في متعلّقاتهالا في نفس عناوينها كما لا يخفى.

الجهة الرابعة:

قد عرفت في أوّل المبحث:أنّ التشريع-أي إدخال‏

1)نفس المصدر السابق.

2)الكافي 7:407-1 باب أصناف القضاة من كتاب القضاء و الأحكام،الفقيه 3:3-1 باب 2 في‏أصناف القضاة،الوسائل 18:11-6 باب 4 من أبواب صفات القاضي.

3)فوائد الأصول 3:122.


230

ما ليس في الشريعة فيها-قبيح عقلا و محرّم شرعا،و هو عنوان برأسه،كما أنّ‏القول بغير علم و إسناد ما لا يعلم كونه من الشارع إلى الشارع قبيح و محرّم.فاعلم الآن أنّ التشريع من العناوين الواقعيّة التي قد يصيبها المكلّف و قدلا يصيبها،فانسلاك ما هو واجب بحسب الحكم الشرعيّ في جملة المحرّمات أوغيرها مبغوض عند الشارع،و كذلك العكس،فنفس تغيير القوانين الشرعيّةو الأحكام الإلهيّة،و إدخال ما ليس في الدين فيه و إخراج ما هو منه عنه،من‏المبغوضات الشرعيّة التي قد يتعلّق بها العلم و قد لا يتعلّق.فالتشريع بهذا المعنى من العناوين الواقعيّة المبغوضة بمناط خاصّ به،كماأنّ القول بغير علم و إسناد شي‏ء إلى الشارع بلا حجّة-أيضا-من العناوين‏المبغوضة برأسها بمناط خاصّ غير مناط التشريع بالمعنى المتقدّم.فما أفاد بعض مشايخ عصرنا قدّس سرّه-على ما في تقريرات بحثه-:من‏أنّه ليس للتشريع واقع يمكن أن يصيبه المكلّف أو لا يصيبه،بل واقع التشريع هوإسناد الشي‏ء إلى الشارع مع عدم العلم بتشريعه إيّاه،سواء علم المكلّف بالعدم‏أو ظنّ أو شكّ،و سواء كان في الواقع ممّا شرّعه الشارع أو لم يكن.و الحاصل:أنّ للعقل في باب التشريع حكما واحدا بمناط واحد يعمّ‏صورة العلم و الظنّ و الشكّ‏ (1) .ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه،فإنّ مفسدة إدخال‏ما ليس في الدين فيه و التصرّف في حدود الأحكام الشرعيّة و التلاعب بها،من‏المستقلاّت العقليّة كالظلم،بل هو ظلم على المولى،و له مناط خاصّ به.

1)فوائد الأصول 3:24(1)125.


231

نعم مع عدم علم العبد لا يتّصف هذا التصرّف بالقبح مثل سائر القبائح‏العقليّة،فالتصرّف في أموال الناس و أعراضهم و قتل النّفس و غيرها-ممّا هي‏قبيحة عقلا و محرّمة شرعا-يكون قبحها الفاعليّ عند علم الفاعل،لكن الحرمةالشرعيّة متعلّقة بنفس العناوين الواقعيّة،و يكون العلم طريقا إليها،فالعقل‏يدرك مفسدة هذه العناوين الواقعيّة،كما أنّه يدرك مفسدة إدخال ما ليس في‏الدين فيه و إخراج ما هو منه عنه،و الحرمة الشرعيّة أيضا متعلّقة بهذا العنوان،و إنّما العلم طريق إليه كما في سائر الموارد،و لا ريب في أنّ لهذا المعنى واقعا قديصيبه المكلّف و قد لا يصيبه.و أمّا القول بغير علم فهو عنوان برأسه في مقابل هذا العنوان،و في مقابل‏عنوان الكذب الّذي هو الإخبار المخالف للواقع.و الحاصل:أنّ هاهنا ثلاثة عناوين كلّها محرّمة شرعا بعناوينها:التشريع،و الكذب،و القول بغير علم،فإذا صادف القول بغير علم التشريع أو الكذب،ينطبق عليه العنوانان واقعا،لكنّ خطابي التشريع و الكذب قاصران عن شمول‏مورد الشكّ،لأنّ الشبهة مصداقيّة للعامّ كما هو واضح.

تتمّةفي جريان استصحاب عدم الحجّيّة عند الشكّ فيها

قد عرفت أنّ الأصل:عدم حجّية الأمارات عند الشكّ في اعتبارها،و قديقرّر الأصل بوجه آخر:و هو استصحاب عدم الحجّية.


232

و منع الشيخ-قدّس سرّه-من جريانه،لعدم ترتّب الأثر العمليّ على‏مقتضى الاستصحاب،لأنّ نفس الشكّ في الحجّية موضوع لحرمة التعبّد،و لا يحتاج إلى إحراز عدم ورود التعبّد بالأمارة.و حاصله:أنّ الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الأثر مترتّبا على‏الواقع المشكوك فيه،لا على نفس الشكّ‏ (1) انتهى.و ردّه المحقّق الخراسانيّ‏ (2) بوجهين:أحدهما:أنّ الحجّيّة من الأحكام الوضعيّة،و جريان الاستصحاب‏-وجودا و عدما-فيها لا يحتاج إلى أثر آخر وراءها،كاستصحاب عدم الوجوب‏و الحرمة.و ثانيهما:لو سلّم الاحتياج إلى الأثر،فحرمة التعبّد كما تكون أثرا للشكّ‏في الحجّيّة،تكون أثرا لعدم الحجّية واقعا،فيكون الشكّ في الحجّية موردالكلّ من الاستصحاب و القاعدة المضروبة لحال الشكّ،و يقدّم الاستصحاب‏على القاعدة لحكومته عليها،كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدتها.هذا حاصل ما لخّصه بعض المحقّقين المعاصرين من كلامهما على ما في‏تقريراته‏ (3) .و ردّ المحقّق المعاصر-رحمه اللَّه-الوجهين بما ملخّصه:

1)فرائد الأصول:31 سطر 16 و ما بعده.

2)حاشية فرائد الأصول:4 سطر 13-24.

3)فوائد الأصول 3:126.


233

أمّا الوجه الأوّل:أن الاستصحاب من الأصول العمليّة،و لا يجري إلاّإذا كان في البين عمل،و ما اشتهر (1) أنّ الأصول الحكميّة لا تتوقّف على الأثر،إنّما هو فيما إذا كان المؤدّى بنفسه من الآثار العمليّة،لا مطلقا.و الحجّية و إن كانت من الأحكام الوضعيّة المجعولة،إلاّ أنّها بوجودهاالواقعي لا يترتّب عليها أثر عمليّ،و الآثار المترتّبة عليها:منها ما يترتّب عليهابوجودها العملي،ككونها منجّزة للواقع عند الإصابة و عذرا عند المخالفة،و منهاما يترتّب على نفس الشكّ في حجّيتها،كحرمة التعبّد بها و عدم جواز إسنادهاإلى الشارع،فليس لإثبات عدم الحجّية أثر إلاّ حرمة التعبّد بها،و هو حاصل‏بنفس الشكّ في الحجّية وجدانا،فجريان الأصل لإثبات هذا الأثر أسوأ حالا من‏تحصيل الحاصل،للزوم إحراز ما هو محرز وجدانا بالتعبّد (2) .و أمّا الوجه الثاني بقوله:و أمّا ما أفاده ثانيا من أنّ حرمة التعبّد بالأمارةتكون أثرا للشكّ في الحجّية و لعدم الحجّية واقعا،و في ظرف الشكّ يكون‏الاستصحاب حاكما على القاعدة المضروبة له.ففيه:أنّه لا يعقل أن يكون‏الشك في الواقع موضوعا للأثر الشرعيّ في عرض الواقع،مع عدم جريان‏الاستصحاب على هذا الفرض أيضا،لأنّ الأثر يترتّب بمجرّد الشكّ،لتحقّق‏موضوعه،فلا يبقى مجال لجريان الاستصحاب،و لا تصل النوبة إلى إثبات‏الواقع ليجري الاستصحاب،فإنّه في الرتبة السابقة على هذا الإثبات تحقّق‏

1)الكفاية 2:308 سطر(4)9 و 332 سطر 10-11.

2)فوائد الأصول 3:127 و ما بعدها.


234

موضوع الأثر،و ترتّب عليه الأثر،فأيّ فائدة في جريان الاستصحاب؟!و حكومة الاستصحاب على القاعدة إنّما تكون فيما إذا كان ما يثبته‏الاستصحاب غير ما تثبته القاعدة،كقاعدة الطهارة و الحلّ و استصحابهما،فإنّ‏القاعدة لا تثبت الطهارة و الحلّية الواقعيّة،بل مفادهما حكم ظاهريّ،بخلاف‏الاستصحاب،و قد يترتّب على بقاء الطهارة و الحلّية الواقعيّة غير جوازالاستعمال و حلّية الأكل،و على ذلك يبتني جوازُ الصلاة في أجزاء الحيوان‏الّذي شكّ في حليّته إذا جرى استصحاب الحلّية،كماإذاكان الحيوان غنمافشكّ في مسخه إلى الأرنب،و عدم جواز الصلاة في أجزائه إذالم يجر الاستصحاب و إن جرت فيه أصالة الحلّ،فإنّها لا تثبت الحلّية الواقعيّة.و كذا الكلام في قاعدة الاشتغال مع الاستصحاب،فإنّه في مورد جريان‏القاعدة لا يجري الاستصحاب و بالعكس،فالقاعدة تجري في مورد العلم‏الإجمالي عند خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء بالامتثال و نحوه،و الاستصحاب يجري عند الشكّ في فعل المأمور به،و أين هذا ممّا نحن فيه،ممّاكان الأثر المترتّب على الاستصحاب عين الأثر المترتّب على الشكّ!فالإنصاف:أنّه لا مجال لتوهّم جريان استصحاب عدم الحجّية عند الشكّ فيها (1) انتهى.أقول:قد عرفت سابقا أنّ التشريع و إدخال شي‏ء في الشريعة و تبديل‏الأحكام بعضها ببعض و التلاعب بها،ممّا هو مبغوض عند الشرع و محرّم واقعيّ‏علم المكلّف أو لا،و هذا عنوان برأسه،كما أنّ القول بغير علم و نسبة شي‏ء إلى‏

1)فوائد الأصول 3:130 و ما بعدها.


235

الشارع بلا حجّة قبيح عقلا و محرّم آخر شرعيّ بمناط خاصّ به،فالشكّ في‏الحجّية-كما أنّه موضوع لحرمة التعبّد و حرمة الانتساب إلى الشارع-موضوع‏لاستصحاب عدم الحجّية و حرمة التشريع و إدخال ما ليس في الدين فيه،و يكون‏الاستصحاب حاكما على القاعدة المضروبة للشكّ،لإزالته تعبّدا1.و من ذلك يعلم ما في كلام هؤلاء الأعلام-قدّس سرّهم-من الخلط،إلاّ أن يرجع كلام المحقق الخراسانيّ-قدّس سرّه-في الوجه الثاني إلى ما ذكرنا،و هو بعيد.و أمّا ما يرد على المحقّق النائيني-مضافا إلى ما ذكره الفاضل المقرّررحمه اللَّه‏ (1) في وجه التأمّل في المقام-أمور:الأوّل:أنّ ما ذكر أنّ جريان الاستصحاب تحصيل الحاصل بل أسوأ منه،فيه:أنّ حرمة التشريع لا تحصل بنفس الشكّ،بل ما يحصل بنفسه هو حرمة1بمعنى أنّه مع استصحاب عدم جعل الحجّية و عدم كون الشي‏ء الفلاني من الدين،يخرج‏الموضوع عن القول بغير العلم،لأنّ المراد من القول بغير العلم هو القول بغير حجّة،ضرورة أنّ‏الإفتاء بمقتضى الأمارة و الأصول و النسبة إلى الشارع،مقتضاهما غير محرّم و غير داخل في‏القول بغير علم،فحينئذ لا تكون النسبة مع استصحاب العدم نسبة بغير حجّة بل نسبة مع الحجّةعلى العدم،و هو كذب و افتراء و بدعة،و تكون حرمته لأجل انطباق هذه العناوين عليه،لا عنوان القول بغير علم.و توهم مثبتيّة الأصل في غير محلّه كما لا يخفى على المتأمّل،و لو نوقش فيه فلا يلزم إثبات تلك‏العناوين،بل مع استصحاب عدم كون شي‏ء من الشارع يكون حكمه حرمة الانتساب إليه،كاستصحاب عدالة زيد حيث يكون حكمه صحة الاقتداء به.منه قدس سره‏

1)فوائد الأصول 3:129 و ما بعدها هامش رقم.


236

القول بغير علم و التعبّد بما لا يعلم،و هو أمر آخر غير التشريع كما عرفت.و الثاني:أنّه لا دليل على عدم معقوليّة كون الشكّ في الواقع موضوعاللأثر في عرض الواقع،و إنّما هو دعوى خالية من البرهان مع جعلين مستقلّين.و الثالث:أنّ ما أفاد من أنّ الشكّ في الرتبة السابقة على الاستصحاب‏يترتّب عليه الأثر،فلا يبقى مجال لجريانه،يرد عليه:أنّه ليس رتبة الشكّ-الّذي‏هو موضوع للقاعدة-متقدّمة على ما هو موضوع الاستصحاب،بعد ما كان‏الأثر مترتّبات على الواقع كما هو المفروض،لا على العلم بعدم الواقع حتّى يكون‏تحقّق هذا العنوان تعبّدا في الرتبة المتأخرة عن جريان الاستصحاب،فالشكّ في‏الرتبة الواحدة موضوع لهما بلا تقدّم و تأخّر أصلا1على حكمه،فكما أنّه‏مقدّم على هذا الإثبات كذلك مقدّم على حكم الشكّ في القاعدة،فالشكّ في‏الرتبة السابقة على الحكمين موضوع لهما.نعم لمّا كان جريان الاستصحاب‏رافعا لموضوع القاعدة حكما يتقدّم عليها،و هو واضح.و الرابع:أنّ ما أفاد في وجه الفرق بين قاعدة الطهارة و الحليّةو استصحابهما في جواز الصلاة في مشكوكهما يرد عليه:أنّ اعتبار الطهارةو الحليّة بحسب الأدلّة الأوّلية و إن كان بوجودهما الواقعيّ،لكن أدلّة أصالتي‏الطهارة و الحلّيّة-التي مفادها هو ترتيب آثار الواقع على المشكوك-يستفاد منهاالتعميم بالحكومة بلا إشكال و ريب.نعم فيما إذا شكّ في مسخ الغنم بالأرنب يقدّم الاستصحاب الموضوعي‏1بناء على أنّ المجعول في الاستصحاب هو الجري العملي،كما هو مبناه.منه قدس سره‏


237

على القاعدة و على الاستصحاب الحكمي،و هذا أمر آخر غير مربوط بما نحن‏بصدده.و الخامس:أنّ ما أفاد من عدم جريان الاستصحاب في مورد قاعدةالاشتغال و بالعكس،إن ادّعى الكلّية ففيه منع واضح،و إن ادّعى في بعض‏الموارد-التي تختلّ‏فيهاأركان الاستصحاب مثلا-فهو خارج عن الموضوع،كما أنّ عدم جريان الاستصحاب في المثال الّذي ذكره لعلّه لاختلال بعض أركانه.و أمّا عدم جريان القاعدة في حدّ نفسها عند الشكّ في فعل المأمور به‏فممنوع.


238


239

مبحث في حجية الظهور

قوله:لا شبهة في لزوم اتّباع ظاهر كلام الشارع‏ (1) .(1)أقول:لا بدّ لإثبات الحكم الشرعيّ من طيّ مراحل،كإثبات أصل‏الصدور،و المتكفّل به كبرويّا هو بحث حجّية الخبر الواحد،و صغرويّا هو علم‏الرّجال و أسانيد الروايات،و كإثبات الظهور،و المتكفّل به هو الطرق التي تثبت‏بها الظهورات،كالتبادر و صحّة السلب و أمثالهما،و كقول اللغويّين و مهرةالفنّ و إثبات حجّيّة قولهم،و كإثبات كون الظهورات-كتابا و سنّة-مرادةاستعمالا،و كإثبات جهة الصدور،و يقال له:أصل التطابق.و لا إشكال و لا كلام في أنّ بناء العقلاء على اتّباع الظهورات في تعيين‏المرادات الاستعماليّة،فاللفظ الصادر من المتكلّم-بما أنّه فعل له كسائر أفعاله-يدلّ بالدلالة العقليّة-لا الوضعيّة-على أنّ فاعله مريد له،و أنّ مبدأ صدوره هو

1)الكفاية 2:58 سطر 13.


240

اختياره و إرادته،كما أنّه يدلّ بالدلالة العقليّة-أيضا-على أنّ صدوره يكون‏لغرض الإفادة،و لا يكون لغوا،كما أنّه يدلّ بهذه الدلالة على أنّ قائله أراد إفادةمضمون الجملة خبريّا أو إنشائيّا،لا الفائدة الأخرى،و تدلّ مفردات كلامه-من‏حيث إنّها موضوعة-على أنّ المتكلّم به أراد منها المعاني الموضوعة لها،و من‏حيث إنّه كلام مركّب-من ألفاظ و له هيئة تركيبيّة-على أنّه أراد ما هو الظاهر منه‏و ما هو المتفاهم العرفيّ لا غيره،و يدلّ أيضا على أنّ المتكلّم-المريد بالإرادةالاستعماليّة ما هو الظاهر من المفردات و الهيئة التركيبيّة-أراد ذلك بالإرادةالجدّيّة،أي تكون إرادته الاستعماليّة مطابقة لإرادته الجدّيّة.و كلّ هذه دلالات عقليّة يدلّ عليها بناء العقلاء في محاوراتهم،و الخروج عنها خروج عن طريقتهم،و يحتجّون‏بهاعلى غيرهم في كلّ من‏تلك المراحل،و لا يصغون إلى دعوى المخالفة،و هذا واضح.إنّما الكلام في أنّ حجّية الظهورات إنّما هي من أجل أصالة الحقيقة،أوأصالة عدم القرينة،أو أصالة الظهور،أو أنّ لهم في كلّ مورد أصلا برأسه،فمع الشكّ في وجود القرينة تجري أصالة عدم القرينة،و بعدها تجري أصالةالحقيقة،و في بعض الموارد تجري أصالة الظهور،مثل الظهورات المتعقدةللمجازات عند احتمال إرادة خلاف ظاهرها،فإنّه لا يجري فيها أصالة الحقيقة،و هو ظاهر،و لا أصالة عدم القرينة إذا لم يكن الشكّ من جهة وجودها،و في‏بعض الموارد تجري أصالة العموم،و في بعضها أصالة الإطلاق.و بالجملة:هل للعقلاء أصول كثيرة،كأصالة الحقيقة،و عدم القرينة،


241

و الظهور،و العموم،و الإطلاق،و كلّ منها مورد بناء العقلاء برأسه،أو لا يكون‏عندهم إلاّ أصل واحد هو مبناهم في جميع المراحل؟و ما هو هذا الأصل؟الظاهر-بعد التدبّر و التأمّل في طريقة العقلاء في محاوراتهم و مراسلاتهم-أنّ ما هو مأخذ احتجاج بعضهم على بعض هو الظهورات المتعقدة للكلام،سواء كانت في باب الحقائق و المجازات،أو العمومات و الإطلاقات،و لا يكون‏مستندهم إلاّ الظهور في كلّية الموارد،و المراد منها هو أنّ بناء العقلاء تحميل ظاهركلام المتكلّم عليه و الاحتجاج عليه،و تحميل المتكلّم ظاهر كلامه على المخاطب‏و احتجاجه به‏ (1) و هذا أمر متّبع في جميع الموارد،و مستنده أصالة العموم‏و الإطلاق و أصالة الحقيقة.و الظاهر أنّ أصالة عدم القرينة-أيضا-ترجع إلى‏أصالة الظهور،أي العقلاء يحملون الكلام على ظاهره حتّى تثبت القرينة،و لهذا تتّبع الظهورات مع الشكّ في قرينيّة الموجود ما دام كون الظهور باقيا.و بالجملة:المتّبع هو الظهور المنعقد للكلام و إن شكّ في قرينيّة الموجودما لم ينثلم الظهور.و بالجملة:لا إشكال في حجّية الظواهر،من غير فرق بين ظواهر الكتاب‏و غيره،و لا بين كلام الشارع و غيره،و لا بالنسبة إلى من قصد إفهامه و غيره.لكن في المقام خلافان:أحدهما من المحقّق القمّي‏1-رحمه اللَّه-:حيث فصّل بين من قصد1القوانين 1:229 سطر 16-19 و 1:398-403.المحقق القمي:هو شيخ الفقهاء و المحققين الإمام أبو القاسم بن المولى محمّد حسن الجيلاني‏القمي المعروف بالميرزا القمي.ولد في رشت سنة 1151 ه،درس مقدمات العلوم فيها،ثم‏هاجر إلى خونسار فحضر عند السيد حسين الخوانساري،ثم ارتحل إلى العراق و حضر عندمجموعة من العلماء منهم الوحيد البهبهاني،ثم انتقل إلى قم المقدسة و استقر فيها حتى وافاه‏الأجل سنة 1231 ه.له كتب كثيرة أشهرها كتاب القوانين في الأصول.انظر معارف الرّجال‏1:49،الكرام البررة 1:52،الكنى و الألقاب 1:137.

1)قد حقّقنا المقام في الدورة اللاحقة،فراجع.منه قدس سره‏


242

إفهامه و غيره.و لا ريب في ضعفه،فإنّ دعواه ممنوعة صغرى و كبرى،ضرورة أنّ بناءالعقلاء على العمل بالظواهر مطلقا.نعم لو أحرز من متكلّم أنّه كان بينه و بين‏مخاطب خاصّ مخاطبة خاصّة على خلاف متعارف الناس،و كان من بنائه‏التكلّم معه بالرمز،لم يجز الأخذ بظاهر كلامه،و المدّعي إن أراد ذلك‏فلا كلام،و إلاّ فطريقة العقلاء على خلاف دعواه.مع أنّه لو سلّم ذلك،فلنا أن نمنع الصغرى بالنسبة إلى الأخبارالصادرة عن المعصومين عليهم السلام فإنّهم بما هم مبيّنو الأحكام و شأنهم‏بثّ الأحكام الإلهيّة في الأنام،لا يكون كلامهم إلاّ مثل الكتب المؤلّفة التي‏لا يكون المقصود منها إلاّ نفس مفاد الكلام من غير دخالة إفهام متكلّم خاصّ،كما لو فرضنا أنّ متكلّما يخاطب شخصا خاصّا-في مجلس فيه جمع كثير-بخطاب مربوط بجميعهم،و لا يكون للمخاطب خصوصيّة في خطابه،لا يمكن أن يقال:إنّ ظاهر كلامه لا يكون حجّة بالنسبة إليهم،و إن فرّقنا بين من‏قصد إفهامه و غيره،لأنّ في مثل المورد لا يكون المخاطب ممّن قصد إفهامه‏


243

دون غيره.و معلوم أنّ أئمّتنا المعصومين عليهم السلام و إن كان مخاطبتهم مع‏أشخاص خاصّة،لكن لغرض بثّ الأحكام الإلهيّة في الأنام،و إفادة نفس‏مضمون الكلام بما أنّه تكليف عامّ للناس من غير خصوصيّة للمخاطب أصلا،و لهذا كثير من رواياتهم المنقولة إلينا يكون من غير المخاطب بالكلام،كقول‏بعضهم مثلا:كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السلام فسأله رجل عن كذا،فقال‏له:كذا،و الرّواة كانوا يأخذون هذا الحكم منه من غير نكير،و لم يكن هذا إلاّلبنائهم-بما أنّهم عقلاء-على العمل بالظواهر من غير فرق بينها،و هذاواضح.و ثانيهما:مقالة الأخباريّين‏ (1) بالنسبة إلى ظواهر الكتاب المجيد،و استدلّوا على ذلك بوجوه:منها:وقوع التحريف في الكتاب‏ (2) حسب أخبار كثيرة (3) ،فلا يمكن‏التمسّك به لعروض الإجمال بواسطته عليه.و هذا ممنوع بحسب الصغرى و الكبرى:أمّا الأولى:فلمنع وقوع التحريف فيه جدّاً،كما هو مذهب المحقّقين من‏علماء العامّة و الخاصّة،و المعتبرين من الفريقين،و إن شئت شطرا من الكلام‏

1)هداية الأبرار:162.

2)الدرر النجفيّة:294 سطر 12-16.

3)الكافي 2:634-28 باب النوادر من كتاب فضل القرآن،ثواب الأعمال:137-1 ثواب من‏قرأ سورة الأحزاب.


244

في هذا المقام فارجع إلى مقدّمة تفسير آلاء الرحمن‏ (1) للعلاّمة البلاغيّ‏1المعاصر-قدّس سرّه-.و أزيدك توضيحا:أنّه لو كان الأمر كما توهّم صاحب فصل الخطاب‏2الّذي كان كتبه لا يفيد علما و لا عملا،و إنّما هو إيراد روايات ضعاف أعرض‏عنها الأصحاب،و تنزه عنها أولو الألباب من قدماء أصحابنا كالمحمّدين الثلاثةالمتقدّمين‏3رحمهم اللَّه.1البلاغي:هو العالم الجليل،مشيد أركان الدين،دافع شبه الملحدين الشيخ محمّد الجواد بن‏الشيخ حسن البلاغي النجفي الربيعي،ولد في النجف الأشرف سنة 1282 ه،حضر الأبحاث‏العالية عند الشيخ الآخوند و الشيخ آقا الهمداني و غيرهما.له عدة مؤلفات منها الهدي إلى دين‏المصطفى،الرحلة المدرسية،آلاء الرحمن،ردود على أهل الديانات المنحرفة،توفي‏سنة 1352 ه.انظر أعيان الشيعة 4:255،نقباء البشر 1:323،معارف الرّجال 1:196.2هو المحدّث الشهير الشيخ حسين بن الميرزا محمد تقي النوري الطبرسي،ولد في طبرستان سنة1254 ه،ارتحل إلى النجف الأشرف فلازم شيخ العراقين،و كذلك الشيخ الأنصاري‏و غيرهما،له عدّة مؤلفات أشهرها المستدرك،توفي سنة 1320 ه.انظر معارف الرّجال‏1:271،الأعلام للزركلي 2:257،نقباء البشر 2:543.3الأول:ثقة الإسلام،رئيس المحدّثين الشيخ الحافظ الإمام أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن‏إسحاق الكليني،قال فيه النجاشي:شيخ أصحابنا في وقته بالري و وجههم،و كان أوثق الناس‏في الحديث و أثبتهم،توفي سنة 329 ه و دفن ببغداد،له عدّة مؤلفات أشهرها كتاب الكافي‏الّذي يعتبر من أجلّ كتب الشيعة و هو أحد الأصول الأربعة.انظر رجال النجاشي:377،تنقيح المقال 3:201،فهرست الشيخ:135.الثاني:الشيخ الأجل رئيس المحدثين أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه‏الصدوق القمي،ولد بقم حدود سنة 306 ه،وصفه الإمام عليه السلام في التوقيع الخارج من‏ناحيته المقدسة بأنه فقيه مبارك ينفع اللَّه به،له عدّة كتب منها:من لا يحضره الفقيه و هو أحدكتب الأصول الأربعة،و التوحيد،و معاني الأخبار و غيرها.توفي سنة 381 ه،و قبره الشريف‏في بلدة(ري)بالقرب من السيد عبد العظيم.انظر رجال العلاّمة:147،بلغة المحدثين:410،روضات الجنات 6:132.الثالث:هو رئيس الطائفة،شيخ الإمامية،مؤسس الحوزة العلمية في النجف الأشرف الشيخ‏محمَّد بن الحسن بن علي الطوسي،ولد في طوس سنة 385 ه في شهر رمضان المبارك،هاجرإلى بغداد مدينة العلم آنذاك سنة 408 ه فحضر عند زعيمي المذهب و علمي الشيعة الشيخ المفيدو السيد المرتضى،توفي في النجف الأشرف سنة 460 ه و دفن فيها،له عدَّة كتب منها:التهذيب،و الاستبصار و هما من كتب الأصول الأربعة،التبيان،المبسوط،الفهرست‏و غيرها.انظر رجال العلاّمة:148،أعيان الشيعة 9:159،تنقيح المقال 3:104.

1)تفسير آلاء الرحمن:24-29 الأمر الخامس من الفصل الثاني.


245

هذا حال كتب روايته غالباً كالمستدرك،و لا تسأل عن سائر كتبه المشحونةبالقصص و الحكايات الغريبة التي غالبها بالهزل أشبه منه بالجدّ،و هو-رحمه‏اللّه-شخص صالح متتبّع،إلاّ أنّ اشتياقه لجمع الضعاف و الغرائب و العجائب‏و ما لا يقبلها العقل السليم و الرّأي المستقيم،أكثر من الكلام النافع،و العجب‏من معاصريه من أهل اليقظة!كيف ذهلوا و غفلوا حتّى وقع ما وقع ممّا بكت‏عليه السماوات،و كادت تتدكدك على الأرض؟!و بالجملة:لو كان الأمر كما ذكره هذا و أشباهه،من كون الكتاب الإلهيّ‏مشحونا بذكر أهل البيت و فضلهم،و ذكر أمير المؤمنين و إثبات وصايته و إمامته،فلم لم يحتجّ بواحد من تلك الآيات النازلة و البراهين القاطعة من الكتاب‏الإلهيّ أمير المؤمنين،و فاطمة،و الحسن،و الحسين عليهم السلام و سلمان،و أبو ذرّ،و مقداد،و عمّار1،و سائر الأصحاب الذين لا يزالون يحتجّون على‏1سلمان:هو كبير الصحابة أبو عبد اللَّه سلمان الفارسي،و يعرف بسلمان الخير مولى رسول اللَّه‏صلى اللَّه عليه و آله و قد قال فيه:(سلمان منّا أهل البيت)و الأحاديث في فضله كثيرةمشهورة،تو في سنة 35 ه و قيل 36 ه.انظر أسد الغابة 2:328،الاستيعاب 2:56،الإصابة2:62.أبو ذر:هو الصحابي الكبير جندب بن جنادة بن سفيان الغفاري،بايع النبي صلى اللَّه عليه‏و آله على أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم،و على أن يقول الحق و إن كان مرّا،و قال فيه الرسول‏الأعظم:(ما أظلت الخضراء و لا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر)توفي بالربذة سنة32 ه.انظر الكنى و الأسماء للدولابي:28،حلية الأولياء 1:156،الإصابة 4:62.مقداد:هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة،المعروف بالمقداد بن الأسود،و هو أول من أظهرالإسلام بمكة،شهد المشاهد كلّها مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله ،و مدحه النبي بقوله:(إن اللَّه أمرني بحب أربعة و أخبرني أنه يحبهم،قيل يا رسول اللَّه سمهم لنا،قال:علي منهم‏يقول ذلك ثلاثا،و أبو ذر،و المقداد،و سلمان)توفي بالمدينة في خلافة عثمان.انظر سفينةالبحار 2:408،أسد الغابة 4:409،الجرح و التعديل للرازي 8:426.عمّار:هو أبو اليقظان عمّار بن ياسر حليف مخزوم،كان أحد الخمسة الذين تشتاق إليهم‏الجنة،و هو من أصفياء أصحاب الإمام علي عليه السلام ،و هو الّذي قال فيه الرسول‏صلى اللَّه عليه و آله:(عمّار مع الحق و الحق مع عمّار حيث كان،عمّار جلدة بين عيني‏و أنفي،تقتله الفئة الباغية)استشهد يوم صفين سنة 37 ه.انظر تاريخ الطبري 5:38،حليةالأولياء 1:39،معجم رجال الحديث 12:265.


246

خلافته عليه السلام ؟!و لم تشبّث عليه السلام بالأحاديث النبويّة،و القرآن بين أظهرهم؟!و لو كان القرآن مشحونا باسم أمير المؤمنين و أولاده المعصومين‏و فضائلهم و إثبات خلافتهم،فبأيّ وجه خاف النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في‏حجّة الوداع آخر سنين عمره الشريف و أخيرة نزول الوحي الإلهيّ من تبليغ آيةواحدة مربوطة بالتبليغ،حتّى ورد أنّ‏ اللَّه يعصمك من النّاس 1؟!1إشارة إلى قوله تعالى:(يا أيُّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك،و إن لم تفعل فما بلّغت‏رسالته،و اللَّه يعصمك من النّاس).المائدة:67.و هي التي نزلت في حق أمير المؤمنين عليه السلام .انظر شواهد التنزيل 1:187-243-250.


247

و لم احتاج النبيّ صلى اللَّه عليه و آله إلى دواة و قلم حين موته للتصريح‏باسم عليّ عليه السلام‏ (1) ؟!فهل رأى أنّ لكلامه أثرا فوق أثر الوحي الإلهيّ؟!و بالجملة:ففساد هذا القول الفظيع و الرّأي الشنيع أوضح من أن يخفى‏على ذي مسكة،إلاّ أنّ هذا الفساد قد شاع على رغم علماء الإسلام و حفّاظشريعة سيّد الأنام.و أمّا الكبرى:فلأنّ التحريف-على فرض وقوعه-إنّما وقع في غيرآيات الأحكام،ممّا هو مخالف لأغراضهم الفاسدة-و لو احتمل كونها طرفاللاحتمال-أيضا-فلا إشكال في عدم تأثير العلم الإجمالي.و دعوى العلم‏بالوقوع فيها بالخصوص مجازفة واضحة.و منها (2) :العلم الإجمالي بوقوع التخصيص و التقييد في العمومات‏و المطلقات الكتابيّة،و العلم الإجمالي يمنع عن التمسّك بأصالة الظهور.و منها (3) :الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب‏ (4) و منها غير ذلك.و لقد أجاب عنها الأصحاب،فلا داعي للتعرّض لها.هذا كلّه ممّا يتعلّق‏بحجّية الظواهر.

1)انظر صحيح البخاري 9:774-2169 كتاب الاعتصام بالسنة،باب كراهية الخلاف.

2)الدرر النجفيّة:171 سطر 3-5.

3)هداية الأبرار:155،الفوائد الطوسيّة:191-192.

4)الوسائل 18:129،باب 13 من أبواب صفات القاضي.


248


249

مبحث في حجية قول اللغوي‏

و أمّا ما يتعلّق بتشخيص الظاهر فبعض المباحث منها مربوط بمباحث‏الألفاظ،و ما يتعلّق بما نحن فيه فالعمدة هو دعوى حجّية قول اللُّغويّ و مهرةالفنّ.و قد استدلّ على حجّيته:بأنّ اللُّغويّ من أهل الخبرة،و بناء العقلاءالرجوع إلى أهل الصناعات و أصحاب الخبرة في صناعاتهم و مورد خبرويّتهم،فإنّ رجوع الجاهل إلى العالم ارتكازيّ،و بناء العقلاء عليه ممّا لا ريب فيه‏و لا إشكال يعتريه،و الشارع الصادع لم يردع عنه،فيتمّ القول بالحجّية.كما أنّ الأمر كذلك في باب التقليد،فإنّه-أيضا-من باب رجوع الجاهل‏بالصنعة إلى العالم بها الّذي تدور عليه رحى سياسة المدن و حياة المجتمع،كمالا يخفى.هذا غاية ما يقال في الاستدلال على حجّية قول اللُّغويّ.


250

و أمّا الإجماع و الانسداد فليسا بشي‏ء.و أمّا الجواب عن هذا الدليل:أمّا أوّلا:فبمنع كون اللُّغويّين من أهل خبرويّة تشخيص الحقائق من‏المجازات،و هذه كتبهم بين أيدينا ليس فيها أثر لذلك،و لا يدّعي لغويّ-فيمانعلم-أنّه من أهل الخبرة بذلك،و إنّما هم يتفحّصون عن موارد الاستعمالات.لا يقال:الاستعمال يثبت بقول اللُّغويّ،فإنّه‏من‏أهل الخبرة بمواردالاستعمال،و هو مع أصالة الحقيقة يتمّ المطلوب.فإنّه يقال:الاستعمال أعمّ من الحقيقة،خلافا للسيّد المرتضى‏1رحمه اللَّه.و أمّا ثانيا:فعلى فرض كونه‏من‏أهل الخبرة،فمجرّد بناء العقلاء على‏العمل بقولهم لا ينتج،إلاّ أنّ ينضمّ إليه عدم ردع الشارع الكاشف عن رضاه،و ليس هاهنا كلام صادر من الشارع يدلّ على جواز رجوع الجاهل إلى العالم،حتّى نتمسّك بإطلاقه أو عمومه في موارد الشكّ،و إنّما يجوز التشبّث ببناءالعقلاء و عدم الردع فيما إذا أحرز كون بناء العقلاء في المورد المشكوك متّصلا1الذريعة إلى أصول الشريعة 1:13.السيد المرتضى:هو سيد المشايخ و الفقهاء الإمام الكبير علم الهدى السيد المرتضى أبو القاسم‏علي بن الحسين الملقب بذي المجدين،ولد سنة 355 ه و تلقّى علومه على يد الشيخ المفيدرضوان اللَّه عليه و آخرين و أخذ عنه جملة من الأعلام كالشيخ الطوسي و سلاّر و أبو الصلاح‏و غيرهم،له عدّة مصنفات في الفقه و الأصول و الكلام و التفسير و غيرها من العلوم.توفي‏سنة 436 ه.انظر روضات الجنات 4:294،تاريخ بغداد 11:402،الدرجات الرفيعة:458.


251

بزمن الشارع و لم يردع عنه،مثل بنائهم على العمل بخبر الواحد و اليد و أصالةالصحّة،فإنّه لا إشكال في اتّصال عملهم في تلك الموارد إلى زمان الشارع،و لكن فيما إذا لم يكن كذلك أو لم يحرز كونه كذلك لا يفيد مجرّد بنائهم.و بناء العقلاء على العمل بقول أهل الصناعة و مهرة كلّ فنّ إنّما هو أمرلبّي لا لفظ فيه‏1كما هو واضح.إذا عرفت ذلك يتّضح لك الإشكال في حجّية قول اللُّغويّ‏2،و في مثله‏لا يجوز التشبّث بما ذكر،كما لا يخفى على المتأمّل.و من ذلك يمكن الخدشة-في باب التقليد أيضا-في التمسّك بهذاالدليل،لاحتمال أن يكون الاجتهاد-بهذا المعنى المتعارف في هذه الأزمنة-حادثا بعد غروب شمس الولاية فداه مهجتي.اللّهمّ إلاّ أن يقال:إنّه يظهر من أخبار أهل البيت أنّ الاجتهاد و الفتوى‏كان في زمنهم و بين أجلّة أصحابهم أمرا معمولا به،كما لا يبعد3.1فلا إطلاق فيه،ليتمسك به في حجيّة قول اللغوي،لذا يقتصر منه على القدر المتيقّن،و هوفيما عداه ممّا أحرز اتصاله مستمرا إلى زمن المعصوم عليه السلام .منه قدس سره‏2لعدم إحراز رجوع النّاس إلى أهل صناعة اللغة في زمن المعصوم عليه السلام بحيث أحرزكون اتكائهم في العمل على قوله محضا،كالراجع إلى الطبيب و الفقيه.و أمّا الرجوع إليه لتشخيص المعنى اللغوي بمناسبة سائر الجمل-كما في رجوعنا إلى اللغة-فلا يكون محطّ البحث و لا مفيدا للمدعى،فصرف إثبات تدوين اللغة في تلك الأزمنة-بل‏صرف الرجوع إليها-لا يفيد.و بالجملة فرق بين الرجوع إليها و إلى الطبيب و الفقيه و نحوهما ممالا نظر للمراجع في صنعتهما،فتدبّر.منه قدس سره‏3و قد أثبتنا ذلك في بحث الاجتهاد و التقليد،فراجع.منه قدس سره‏


252


253

مبحث في حجية الإجماع‏

قوله:الإجماع المنقول‏ (1) .(1)أقول:تحقيق المقام يتمّ برسم أمور:الأمر الأوّل:الظاهر أنّ انسلاك الإجماع في سلك الأدلّة و عدّة في‏مقابلها إنّما نشأ من العامّة،و قد عرّفوه بتعاريف:فعن الغزاليّ:أنّه اتّفاق أمّة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله على أمر من‏الأمور الدينيّة1.1المستصفى 1:181.الغزالي:هو الشيخ الكبير أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي الطوسي،ولد في طوس سنة450 ه.و بدأ دراسته فيها على يد أستاذه أحمد الرادكاني،و بعدها انتقل إلى نيسابور و أخذ عن‏إمام الحرمين أبي المعالي الجويني،انتقل إلى بغداد،ثم قصد الشام بعد رجوعه من الحج،و منهارجع إلى بلده طوس.له عدّة كتب أشهرها إحياء العلوم.توفي سنة 505 ه بالطابران و دفن‏فيها.انظر وفيات الأعيان 4:216،الكنى و الألقاب 2:450،روضات الجنات 8:7.

1)الكفاية 2:68 سطر ما قبل الأخير.


254

و عن الرازيّ:أنّه اتّفاق أهل الحلّ و العقد من أمّة محمّد صلى اللَّه‏عليه و آله على أمر من الأمور (1) .و عن الحاجبيّ:أنّه اجتماع المجتهدين من هذه الأمّة في عصر على‏أمر1.و الظاهر أنّ مستندهم في حجّيته ما نقلوا عن النبيّ صلى اللَّه عليه‏و آله:(لا تجتمع أمّتي على الضلالة) (2) و لعلّ الغزاليّ نظر إلى ظاهر الروايةفعرّفه بما عرّفه،و الرازيّ و غيره لمّا رأوا أنّ ذلك ينافي مقصدهم الأصيل-من‏إثبات خلافة مشايخهم-أعرضوا عن تعريف الغزاليّ،مع أنّ الإجماع-بأيّ‏معنى كان-لم يتحقّق على خلافة أبي بكر،لمخالفة كثير من أهل الحلّ و العقدو أصحاب محمّد صلّى اللَّه عليه و آله (3) .و بالجملة:الإجماع عندهم دليل برأسه في مقابل الكتاب و السُّنةو العقل.و أمّا عندنا فهو ليس دليلا برأسه في مقابل السنّة،بل هو عبارة عن قول‏1شرح العضدي(لمختصر المنتهى لا بن الحاجب)1:122،مع اختلاف في الألفاظ.الحاجبي:هو العلاّمة الشهير أبو عمر و عثمان بن عمر بن أبي بكر،يكنى بابن الحاجب،المالكي‏الكردي،ولد في(إسنا)-و هي بلدة صغيرة في صعيد مصر-سنة 570 ه،توفي بالإسكندريةسنة 646 ه،له عدة مؤلفات منها الأمالي و الكافية و الشافية و مختصر الأصول و غيرها.انظروفيات الأعيان 3:248،الكنى و الألقاب 1:244.

1)المحصول في علم الأصول 2:3.

2)الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة:180.

3)انظر العقد الفريد لا بن عبد ربه 4:259-260،شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد 1:131-134.


255

جماعة يستكشف منه قول المعصوم عليه السلام أو رضاه.و بالجملة:ما هو الحجّة هو رأيه عليه السلام و تدور الحجّية مداره،سواء استكشف من اتّفاق الكلّ،أو اتّفاق جماعة يستكشف منه ذلك،و ليس‏نفس اجتماع الآراء حجّة كما يكون عند العامّة.فتحصّل من ذلك:أنّ الإجماع-اصطلاحا و مناطا-عند العامّة غيره عندنا.و الظاهر أنّ عدّ أصحابنا الإجماع في الأدلّة لمحض تبعيّة العامّة،و إراءة أنّ‏لنا-أيضا-نصيبا من هذا الدليل،فإنّ اتّفاق الأمّة لمّا كان المعصوم أحدهم حجّةعندنا،و اتّفاق أهل الحلّ و العقد لمّا يستكشف منه قول الإمام-لطفا أو حدسا أوكشفا عن دليل معتبر-حجّة،و إلاّ لم يكن لنفس الإجماع و اجتماع الآراء عندنااستقلال بالدليليّة.و كثرة دعوى الإجماع من قدماء أصحابنا،كابن زهرة1في الغنيةو الشيخ و أمثالهما،إنّما هي لأجل تماميّة مناط الإجماع عندهم،و هو العثورعلى الدليل المعتبر الكاشف عن رأي الإمام،و لا ينافي هذا الإجماع خلافيّةالمسألة،كما يظهر من أصول الغنية (1) فراجع.الأمر الثاني:أدلّة حجّية خبر الثقة-من بناء العقلاء و الكتاب و السُّنّة-لو تمّت دلالتها إنّما تدلّ على حجّيّته بالنسبة إلى الأمر المحسوس،1هو الإمام السيد عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي،من فقهاء الإمامية،عالم‏فاضل جليل القدر له مصنفات كثيرة منها كتاب الغنية و النكت.روضات الجنات 2:374،تنقيح المقال 1:376.

1)الغنية-الجوامع الفقهية-:542 سطر 28.


256

أو الغير المحسوس الّذي يعدّ عند العرف كالمحسوس لقربه إلى الحسّ،و في‏المحسوس أيضا-إذا كان المخبر به أمرا غريبا غير عاديّ-تكون أدلّتها قاصرة عن‏إفادة حجّيته،لعدم إحراز بناء العقلاء و قصور دلالة غيره عليها.و من ذلك يعرف أنّ نقل قول شخص الإمام بالسماع منه عليه السلام‏في زمان الغيبة الكبرى-إمّا بنحو الدخول في المجمعين مع عدم معرفة شخصه،أو معها-لا يعبأ به،و لا دليل على حجّيته.و إن شئت قلت:احتمال تعمّد الكذب لا يدفع بأدلّة حجّية الخبر،كما أنّ‏أصالة عدم الخطأ-التي هي من الأصول العقلائيّة-لا تجري في الأمور الغريبةالغير العاديّة.فمن ادّعى أنّه تشرّف بحضوره لا يمكن إثبات دعواه بمجرّد أدلّةحجّية خبر الواحد،إلاّ أن تكون في البين شواهد و دلائل أخرى‏1.الأمر الثالث:أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد بالنسبة إلى الكاشف‏حجّة إذا كان له أثر عمليّ،و أمّا بالنسبة إلى المنكشف فليس بحجّة،فإنّه أمرغير محسوس اجتهاديُّ و لا تنهض أدلّة حجّيته على ذلك.و ما قيل:إنّه و إن كان غير محسوس إلاّ أنّ مبادئه محسوسة،كالإخباربالعدالة و الشجاعة (1) .فيرد عليه:أنّ العدالة و الشجاعة و أمثالهما من المعقولات القريبة من‏الحسّ،مع أنّ العدالة تثبت بحسن الظاهر تعبّدا بحسب الدليل الشرعيّ،1و لهذا ورد الأمر بتكذيب مدعي الملاقاة.منه قدس سره‏

1)نهاية الأفكار:القسم الأول من الجزء الثالث:97،درر الفوائد 2:40-41.


257

فتصير من الأُمور التي تُقبل الشهادة بالنسبة إليها،و أمّا الكشف عن رأي الإمام‏من قول المجمعين فليس سبيله كسبيلها،لأنّ للنظر و الاجتهاد فيه مجالا واسعا.الرابع:بما ذكرنا في بعض المقدّمات يعرف موهونيّة الإجماع على طريقةالدخول.و أمّا على طريقة اللطف فهو-أيضا-كذلك،لممنوعيّة قاعدته.و أمّا الحدس برأي الإمام و رضاه-بدعوى الملازمة العاديّة بين اتّفاق‏المرءوسين على شي‏ء و بين رضا الرئيس به‏ (1) -فهو قريب جدّاً،ضرورة أنّ من‏ورد في مملكة،فرأى في كلّ بلد و قرية و كورة1و ناحية منها أمرا رائجا بين‏أجزاء الدولة-كقانون النظام مثلا-يحدس حدسا قطعيّا بأنّ هذا قانون المملكة،و ممّا يرضى به رئيس الدولة.فلا يصغى إلى ما أفاد بعض محقّقي العصر رحمه اللَّه-على ما في‏تقريرات بحثه-:من أنّ اتّفاقهم على أمر:إن كان نشأ عن تواطئهم على ذلك‏كان لتوهّم الملازمة العاديّة بين إجماع المرءوسين و رضا الرئيس مجال،و أمّا إذااتّفق الاتّفاق بلا تواطؤ منهم فهو ممّا لا يلازم عادة رضا الرئيس،و لا يمكن دعوى‏الملازمة (2) انتهى.فإنه من الغرائب،ضرورة أولويّة إنكار الملازمة في صورة تواطئهم على‏1كورة:هي البقعة التي تجتمع فيها المساكن و القرى.قال أحمد بن فارس:و الكورة:الصقع،لأنّه يدور على ما فيه من قرى.معجم مقاييس اللغة 5:146 كور.

1)نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:97 سطر 20-25.

2)فوائد الأصول 3:150-151.


258

شي‏ء،لإمكان أن يكون تواطؤهم عليه معلَّلا بأمر غير ما هو الواقع،و أمّا مع‏عدمه فلا احتمال في البين،و يكشف قطعا عن الرضا.هذا،كما أنّ دعوى‏ (1) كشف اتّفاقهم-بل الاشتهار بين متقدّمي‏الأصحاب-عن دليل معتبر قريبةٌ جدّاً.فمناط حجّية الإجماع-على التحقيق-هو الحدس القطعي برضا الإمام،أو الكشف عن دليل معتبر لم نعثر عليه.إن قلت:دعوى الكشف عن الدليل المعتبر عند المجمعين و إن كانت‏قريبة1لكن يمكن أن يكون الدليل المنكشف دالا عندهم على الحكم المفتي‏به،لا عندنا،لاختلاف الأنظار في فهم الظهورات.قلت:كلاّ،بل الدعوى:أنّه كشف عن دليل لو عثرنا عليه لفهمنا منه‏ذلك أيضا،أ لا ترى لو اتفقت فتوى الفقهاء على حكم مقيّد،و يكون ما بأيدينامن الأدلّة هو المطلق،نكشف قطعا عن وجود قرينة أو مخصّص له،كما أنّه لواتّفقت فتواهم على إطلاق‏ودلّ الدليل على التخصيص و التقييد لم نعمل‏1بل الكشف عن الدليل المعتبر اللفظي بعيد،لبعد عثور أرباب الجوامع-كالكليني و الصدوق‏و الشيخ-على رواية قابلة للاعتماد عليها و عدم نقلها،بل امتناع ذلك عادة،و احتمال‏وجدانهم في كتاب و فقدانه أبعد.بل الإجماع أو الشهرة القديمة-لو تحقّقا-فالفقيه يحدس بكون الفتوى معروفة في زمن الأئمّةو الحكم ثابتا،بحيث لا يرون أصحاب الأصول و الكتب حاجة إلى السؤال من الإمام عليه‏السلام فلم يسألوا لاشتهاره و وضوحه من زمن الرسول عليه السلام فلم يحدّثوا برواية دالّةعليه،و هذا ليس ببعيد.منه قدس سره‏

1)فوائد الأصول 3:150-151.


259

بهما،أو على خلاف ظاهر نرفع اليد عنه بمجرّد فتواهم،و لا يمكن أن يقال:إنّ‏الناس مختلفون في فهم الظواهر.و بالجملة:فاتّفاقهم على حكم يكشف عن الدليل المعتبر الدالّ عليه.إذا عرفت ما ذكرنا،فاعلم أنّ الحاكي للإجماع إنّما تكون حكايته عن‏الكاشف معتبرة و مشمولة لأدلّة حجّية خبر الواحد،و حينئذ لو حصل تمام‏السبب بنظر المنقول إليه-لأجل الملازمة الواقعيّة عنده بين قولهم و رأي الإمام-فيأخذ به،و إلاّ احتيج إلى ضمّ ما يكون به تمام السبب من القرائن و ضمّ فتوى‏غيرهم.هذا،و ممّا ذكرنا يعرف حال التواتر المنقول أيضا.


260


261

مبحث في حجية الشهرة الفتوائية

قوله:ممّا قيل باعتباره بالخصوص الشهرة في الفتوى...إلخ‏ (1) .(1)اعلم أنّ الشهرة في الفتوى قد تكون من قدماء الأصحاب إلى زمن‏الشيخ أبي جعفر الطوسي-رحمه اللَّه-و قد تكون من المتأخّرين عن زمانه:أمّا الشهرة المتأخّرة فإنّما هي في التفريعات الفقهيّة،و ليست،بحجّة،و لادليل على حجّيتها.و ما استدلّ لها-من فحوى أدلّة حجّية خبر الواحد،أو تنقيح المناط،أو تعليل آية النبأ،أو دلالة المقبولة أو تعليلها عليها-مخدوش كلّه.و أمّا الشهرة المتقدّمة-و هي التي بين أصحابنا الذين كان ديدنهم ضبطالأصول المتلقّاة من الأئمّة في كتبهم بلا تبديل و تغيير،و كان بناؤهم على ضبطالفتاوى المأثورة خلفا عن سلف إلى زمن الأئمّة الهادين،و كانت طريقتهم في‏

1)الكفاية 2:77 سطر 6.


262

الفقه غير طريقة المتأخّرين،كما يظهر من أوّل كتاب المبسوط1-فهي حجّة،فإذا اشتهر حكم بين هؤلاء الأقدمين و تلقّي بالقبول يكشف ذلك عن دليل‏معتبر.و بالجملة:في مثل تلك الشهرة مناط الإجماع،بل الإجماع ليس إلاّذاك.فالشهرة المتأخّرة كإجماعهم ليست بحجّة،و الشهرة المتقدّمة فيهامناط الإجماع.و يمكن أن يستدلّ على حجّيّتها بالتعليل الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة،حيث قال:(ينظر إلى ما كان من روايتهم‏ (1) عنّا في ذلك الّذي حكما به،المجمع‏عليه بين أصحابك،فيؤخذ به من حكمهما (2) ،و يترك الشاذّ الّذي ليس‏بمشهور عند أصحابك،فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه)2ضرورة أنّ الشهرة بين‏1قد راجعنا الكتب التي كانت مؤلّفة قبل ولادة الشيخ أو قبل زمان تأليف المبسوط كالمراسم‏و كتب المفيد و السيّد علم الهدى،فلم نجد ما أفاد الشيخ الطوسي،لوضوح عدم كونهامتون الأخبار،و اختلاف ألفاظها معها،و بعضها مع بعض.نعم بعض كتب الصدوق‏كذلك.و الظاهر صحّة كلامه بالنسبة إلى الطبقة السابقة عن طبقة أصحاب الكتب الفتوائيّة،فلا يبعد أن‏يكون بناء تلك الطبقة على نقل الروايات المطابقة لفتواهم،أو نقل ألفاظها بعد الجمع و الترجيح‏و التقييد و التخصيص،كما لا يبعد أن يكون«فقه الرضا عليه السلام كذلك،و قريب منه كتاب‏«من لا يحضر»منه قدّس سرّه‏2الفقيه 3:6-2 باب 9 في الاتفاق على عدلين في الحكومة،الوسائل 18:75-1 باب 9 من‏أبواب صفات القاضي.هو عمر بن حنظلة أبو صخر العجلي الكوفي،من أصحاب الإمامين الباقر و الصادق عليهماالسلام،و قد مدحه الإمام الصادق عليه السلام في عدَّة روايات.انظر معجم رجال الحديث‏13:27،تنقيح المقال 2:342.

1)في المصدر:روايتهما.

2)في المصدر:حكمنا.


263

الأصحاب في تلك الأزمنة-بحيث يكون الطرف الآخر قولا شاذّا معرضا عنه‏بينهم،و غير مضرّ بإجماعهم عرفا،بحيث يقال:إنّ المجمع عليه بين الأصحاب‏ذلك الحكم،و القول الشاذّ قول مخالف للمجمع عليه بينهم-لا شبهة في‏حجّيتها و اعتبارها و كشفها عن رأي المعصوم،و هذا هو الإجماع المعتبر الّذي‏يقال في حقّه:إنّه لا ريب فيه‏1.إن قلت:إنّ الاستدلال بهذا التعليل ضعيف،لأنّه ليس من العلّةالمنصوصة ليكون من الكبرى الكلّية التي يتعدّى عن موردها،فإنّ المراد من‏قوله:(فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه)إن كان هو الإجماع المصطلح فلا يعمّ‏الشهرة الفتوائيّة،و إن كان المراد منه المشهور فلا يصحّ حمل قوله:(ممّالا ريب فيه)عليه بقول مطلق،بل لا بدّ أن يكون المراد منه عدم الريب‏بالإضافة إلى ما يقابله،و هذا يوجب خروج التعليل عن كونه كبرى كلّية،لأنّه يعتبر في الكبرى الكلّية صحّة التكليف بها ابتداء بلا ضمّ المورد إليها،كما في قوله:«الخمر حرام لأنّه مسكر»فإنّه يصحّ أن يقال:لا تشرب‏المسكر،بلا ضمّ الخمر إليه،و التعليل الوارد في المقبولة لا ينطبق على‏ذلك،لأنّه لا يصحّ أن يقال:يجب الأخذ بكلّ ما لا ريب فيه بالإضافة1فحينئذ لا دليل على حجيّة مجرّد الشهرة الفتوائية لو لم يحدس منها قول الإمام عليه السّلام أي‏لا دليل على حجيّة الشهرة التي‏هي‏من الأدلّة الظنّية.منه قدّس سرّه‏


264

إلى ما يقابله،و إلاّ لزم الأخذ بكلّ راجح بالنسبة إلى غيره،و بأقوى‏الشهرتين،و بالظنّ المطلق،و غير ذلك من التوالي الفاسدة التي لا يمكن الالتزام‏بها،فالتعليل أجنبيّ عن أن يكون من الكبرى الكلّيّة التي يصحّ التعدّي عن‏موردها.قلت:نعم،هذا ما أفاده بعض مشايخ العصر على ما في تقريراته‏ (1) لكن‏يرد عليه:أنّ التعليل ينطبق على الكبرى الكلّية،و يجوز التعدّي عن موردها،لكنها ليست بهذه التوسعة التي أفادها حتّى تترتّب عليها التوالي الفاسدة،بل‏الكبرى:هي ما يكون بلا ريب بقول مطلق عرفا،و يعدّ طرفه الآخر الشاذّ النادرالّذي لا يعبأ به،و لهذا عدّ مثل تلك الشهرة بالمجمع عليه بين الأصحاب،لعدم‏الاعتداد بالقول المخالف الشاذّ.بل يمكن أن يقال:إنّ عدم الريب ليس من المعاني النسبيّة الإضافيّة،حتّى‏يقال:لا ريب فيه بالنسبة إلى ما يقابله،بل هو من المعاني النفسيّة التي لا تقبل‏الإضافة.و بالجملة:كلّ ما لا ريب فيه عند العرف،و كان العقلاء لا يعتنون باحتمال‏خلافه،يجب الأخذ به،و لا شبهة في عدم ورود النقوض و التوالي الفاسدةالتي ذكرها عليه.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ مثل تلك الشهرة-التي بين قدماء أصحابنا الذين‏كان بناؤهم على ذكر الأصول المتلقّاة خلفا عن سلف،دون التفريعات‏

1)فوائد الأصول 3:154.


265

الاجتهاديّة-حجّة،و فيها مناط الإجماع.و أمّا الشهرة في التفريعات بل الإجماع فيها-كالشهرات و الإجماعات‏من زمن الشيخ إلى زماننا-فليست بحجّة،و لا دليل على اعتبارها،فإنّ في‏التفريعات سعة ميدان الاجتهاد و الآراء،فتدبّر جيّدا.


266


267

مبحث في حجية خبر الواحد

قوله:من أهمّ المسائل الأصوليّة...إلخ‏ (1) .(1)قد عرفت في مباحث التجرّي ميزان الافتراق بين المسائل الأصوليّةو الفقهيّة،فراجع‏ (2) .

في موضوع علم الأصول‏

و الّذي ينبغي التعرّض له هاهنا هو:أنّه قد استقرّ رأي محقّقي علماءالأصول قديما و حديثا إلى قريب من عصرنا على أنّ موضوع علم الأصول هوالأدلّة بعنوانها-أي الحجّة في الفقه- (3) و المسائل الأصوليّة هي التي تبحث‏

1)الكفاية:2:78 سطر 7.

2)انظر صفحة رقم:44-45.

3)القوانين 1:9 سطر 22-23،فرائد الأصول:67 سطر 7-8،مقالات الأصول 1:9 سطر 23إلى السطر الأخير.


268

عن عوارض الحجّة الذاتيّة.و لقد أوردوا على هذا الإشكال المشهور:من خروج معظم المسائل عن‏علم الأصول،كمباحث حجّية الخبر الواحد و الشهرة و الظواهر،و مسائل‏التعادل و الترجيح‏ (1) إلى غير ذلك،و ذلك لأنّ البحث فيها عن الحجّية،و هومن المبادئ لا المسائل.و تصدّى العلاّمة الأنصاريّ-قدّس سرّه-للجواب في مبحث حجّيةالخبر الواحد:بأنّ البحث فيه عن ثبوت السنّة به،و هو من العوارض‏ (2) .و ردّه المحقّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-:بأنّ الثبوت الواقعيّ مفاد كان‏التامّة،و هو من المبادئ،و الثبوت التعبّدي من عوارض الخبر الحاكي‏ (3) .و قد تصدّى بعض أعاظم العصر-على ما في تقريرات بحثه-للذبّ عن‏الشيخ:بأنّ البحث في حجّية الخبر إنّما هو عن انطباق السُّنّة على مؤدّى الخبرو عدم انطباقها،و هذا لا يرجع إلى البحث عن وجود السُّنّة و لا وجودها،بل‏يكون البحث عن عوارضها،بداهة أنّ انطباق الموضوع و عدم انطباقه يكون من‏العوارض اللاحقة له،كالبحث عن وجود الموضوع في زمان أو مكان‏ (4) .و فيه:أنّ الخبر الحاكي-على فرض مطابقته للواقع-إنّما هو عين السُّنّة،و نسبتها إليه نسبة الكلّي إلى الفرد،لا العارض إلى المعروض،و على فرض‏

1)الفصول:11،الكفاية 1:6 سطر 5-10،درر الفوائد 1:3-4.

2)فرائد الأصول:67 سطر 5-6.

3)الكفاية 1:6-9.

4)فوائد الأصول 3:157.


269

عدم المطابقة تكون نسبتهما التباين.و قياسه بكون الشي‏ء في الزمان و المكان مع‏الفارق،ضرورة عارضيّة مقولتي الأين و المتى.و بالجملة:بعد اللّتيّا و التي استقرّ رأي أكثر المتأخّرين فرارا عن‏هذا الإشكال على أنّ موضوع علم الأصول ليس الأدلة لا بعنوانها و لا بذاتها بل‏ربّما لا يكون لموضوع العلم-و هو الكلّي المتّحد مع موضوعات المسائل-عنوان‏خاصّ و اسم مخصوص،فموضوع علم الأصول عبارة عن أمر كلّي مبهم‏منطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة (1) .و لمّا كان المرضيّ‏1هو قول المشهور:-من كون موضوعه هو الحجّة في‏الفقه-لا بدّ من تحقيق الحال،حتّى يتضح الأمر و يرتفع الإشكال،و ذلك يتوقّف‏على بسط من الكلام،فنقول:الأعراض الذاتيّة-التي يبحث في العلم عنها-أعمّ من الأعراض‏الخارجيّة و الأعراض التحليليّة،بداهة أنّ في كثير من العلوم لم تكن الأعراض‏اللاحقة لموضوعاتها إلاّ من قبيل التحليليّة،أ لا ترى أنّ موضوع علم الفلسفةهو الوجود،أو الموجود بما أنّه موجود،و مباحثه هي تعيّناته التي هي الماهيّات،و لم تكن نسبة الماهيّات إلى الوجود نسبة العرض الخارجيّ إلى الموضوع،بل‏العرضيّة و المعروضيّة إنّما هي بتحليل من العقل،فإنّ الماهيّات بحسب الواقع‏تعيّنات الوجود،و متّحدات معه،و من عوارضه التحليليّة فإن قيل:الوجود1قد حققنا في‏مناهج الوصول‏ما هو المرضيّ عندنا فعليه يسقط ما في هذه الأوراق‏منه عفي عنه‏.

1)الكفاية 1:6 سطر 1-3،درر الفوائد 1:4،فوائد الأصول 1:29.


270

عارض الماهيّة ذهنا،صحيح،و إن قيل:الماهيّة عارض الوجود فإنّها تعيّنه،صحيح،حتّى قيل:«من و تو عارض ذات وجوديم».و إن شئت زيادة تحقيق لذلك،فاعلم:أنّ العرض له اصطلاحان:أحدهما:ما هو المتداول في علم الطبيعي،و المقولات العشر،و هومقابل الجوهر،و هو الحالّ في المحلّ المستغني.و ثانيهما:ما هو مصطلح المنطقيّ في باب الكلّيّات،و هو الخارج المحمول‏على الشي‏ء،أي ما هو متّحد مع المعروض في الخارج،و مختلف معه في‏التحليل العقليّ،و مأخوذ على نحو اللابشرطيّة.و الذاتيّة و العرضيّة في هذا الاصطلاح تختلف بحسب الاعتبار،بخلافهمافي الاصطلاح الأوّل،فإنّهما أمران حقيقيّان غير تابعين للاعتبار،مثلا إذالوحظ الحيوان و الناطق من حيث كونهما جزءين للماهيّة الإنسانيّة،فهما جنس‏و فصل و ذاتيان للماهية،و إذا لو حظا من حيث اختلافهما في العقل و اتّحادهمافي الخارج،يقال:كلّ منهما عارض للآخر،فالجنس عرض عامّ،و الفصل‏عرض خاصّ،و بهذا الاعتبار كلّ من الوجود و الماهيّة عارض للآخر.إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ موضوع علم الأصول هو الحجّة في الفقه،فإنّ الفقيه لمّا رأى احتياجه في علمه إلى الحجّة توجّه إليها،و جعلها وجهةنفسه،و تفحّص عن تعيّناتها التي هي الأعراض الذاتيّة التحليليّة لها المصطلحةفي باب الكلّيّات الخمس،فالحجّة بما هي حجّة موضوع بحثه و علمه،و تعيّناتها-التي هي الخبر الواحد و الظواهر و الاستصحاب و سائر المسائل‏


271

الأصوليّة-من العوارض الذاتيّة لها بالمعنى الّذي ذكرنا،فعلى هذا يكون‏البحث عن حجّية الخبر الواحد و غيره بحثا عن العرض الذاتيّ التحليليّ‏للحجّة،و تكون روح المسألة أنّ الحجّة هل هي متعيّنة بتعيّن الخبر الواحد،أم لا؟و بالجملة:بعد ما يعلم الأصوليّ أنّ للَّه تعالى حجّة على عباده في‏الفقه،يتفحص عن تعيّناتها التي هي العوارض التحليليّة لها،فالموضوع‏هو الحجّة بنعت اللابشرطيّة،و المحمولات هي تعيّناتها.و أمّا انعقاد البحث في الكتب الأصوليّة بأنّ الخبر الواحد حجّة،أوالظاهر حجّة،و أمثال ذلك،فهو بحث صوريّ ظاهريّ لسهولته،كالبحث في‏الفلسفة عن أنّ النّفس أو العقل موجودان،مع أنّ موضوعها هو الوجود،و روح البحث فيها:أنّ الوجود متعيّن بتعيّن العقل أو النّفس أو الجوهرأو العرض.هذا،مع أنّه لو كان البحث في حجّية الخبر الواحد هو بهذه الصورة،فأوّل ما يرد على الأصوليّين:أنّ الحجّة لها سمة المحموليّة لا الموضوعيّة،كما أنّ‏هذا الإشكال يرد على الفلاسفة أيضا،و نسبة الغفلة و الذهول إلى أئمّة الفنّ‏و الفحول غفلة و ذهول.بل لنا أن نقول:إنّ الموضوع-في قولهم:موضوع كلّ علم ما يبحث‏فيه عن عوارضه الذاتيّة (1) -ليس هو الموضوع المصطلح في مقابل المحمول،

1)الشمسية:14 سطر 13-14،الشواهد الربوبية:19.


272

بل الموضوع ما وضع لينظر في عوارضه و حالاته،و ما هو محطّ نظر صاحب‏العلم.و لا إشكال في أنّ محطّ نظر الأصوليّ هو الفحص عن الحجّة في الفقه،و وجدان مصاديقها العرضيّة و عوارضها التحليليّة،فالمنظور إليه هو الحجّةلا الخبر الواحد،فافهم و اغتنم.و بما ذكرنا يرتفع الإشكال،و تنسلك مسائل حجّية الخبر الواحد و غيرهافي المسائل الأصوليّة،مع التحفّظ على موضوع العلم بما يراه المحقّقون.و أمّا على ما التزم به المتأخّرون-مضافا إلى عدم الداعي إليه إلاّ الفرار من‏الإشكال،و إلى ورود عار عظيم عليهم من الجهل بموضوع علمهم،فكأنّهم‏يبحثون في أطراف المجهول و المبهم-يرد عليهم:أنّه لا جامع بين موضوعات‏المسائل الأصوليّة،فأيّ جامع يتصوّر بين الاستصحاب-مثلا-و الظواهر،إلاّبالالتزام بتكلّفات باردة؟!و يرد عليهم أيضا:أنّه بناء على ما التزموا يصير موضوع علمهم مختلفاحسب اختلاف المسالك في حجّية شي‏ء و عدمها،فمن يرى حجّيةالخبر الواحد لا بدّ له من تصوّر جامع بينه و بين غيره من المسائل،و من يرى عدم‏حجّيته لا بدّ له من تصوّر جامع بين ما عداه،بحيث يخرج الخبر الواحد عنه.و أمّا إذا كانت الحجّة-بعنوانها-موضوعا،فهي محفوظة،و لا تختلف‏بالزيادة و النقص في الحجج،كما لا يخفى.إن قلت:هب أنّ البحث عن الحجّية-في مسائل حجّية الظواهر


273

و الخبر الواحد و الاستصحاب و أمثالها ممّا يبحث عن حجّيتها-يرجع إلى‏ما ذكرت،و لكن أكثر المسائل الأصوليّة لم يكن البحث فيها عن الحجّية أصلا،مثل مسألة اجتماع الأمر و النهي،و مقدّمة الواجب،و مسائل البراءةو الاشتغال،و غيرها ممّا لا اسم للحجّية فيها و لا رسم،فلا محيص فيها عن‏الالتزام بما التزم به المتأخّرون.قلت:كلاّ،فإنّ المراد من كون موضوع علم الأصول هو الحجّة في‏الفقه:أنّ الأصوليّ يتفحّص عمّا يمكن أن يحتجّ به في الفقه،سواء كان‏الاحتجاج لإثبات حكم أو نفيه،كحجّية خبر الثقة و الاستصحاب و أمثالهما،أو لإثبات العذر أو قطعه،كمسائل البراءة و الاشتغال.و تفصيل ذلك:أنّ المسائل الأصوليّة:إمّاأن‏تكون من القواعدالشرعيّة التي تقع في طريق الاستنباط،كمسألة حجّية الاستصحاب،و حجّيةالخبر الواحد بناء على ثبوت حجيته بالتعبّد.و إمّا أن تكون من القواعد العقلائيّة،كحجّية الظواهر،و الخبر الواحدبناء على ثبوت حجيته ببناء العقلاء.و إمّا من القواعد العقليّة التي تثبت بها الأحكام الشرعيّة،كمسائل‏اجتماع الأمر و النهي و مقدّمة الواجب و الضدّ من العقليّات.و إمّا من القواعد العقليّة لإثبات العذر و قطعه،كمسائل البراءةو الاشتغال.و كلّ ذلك ممّا يحتجّ به الفقيه:إمّا لإثبات الحكم و نفيه عقلا أو تعبّدا،


274

أو لفهم التكليف الظاهريّ،و ليس مسألة من المسائل الأصوليّة إلاّ و يحتجّ بهافي الفقه بنحو من الاحتجاج،فيصدق عليها أنها الحجّة في الفقه،تدبّر.


275

أدلة عدم حجية خبر الواحد

في الاستدلال بالكتاب على عدم حجّية خبر الواحد

قوله:و استدلّ لهم بالآيات الناهية (1) ...(1)أقول:الآيات الناهية بعضها مربوط بالأصول الاعتقاديّة،مثل‏قوله تعالى: إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا (2) و بعضها أعمّ،مثل‏قوله تعالى و لا تقف ما ليس لك به علم (3) فإنّه في سياق الآيات الناهيةعن الأمور الفرعيّة،فلا يختصّ بالأصول لو لا اختصاصه بالفروع.و التحقيق في الجواب عنه:مضافا إلى عدم إبائه عن التخصيص،و إن‏كانت الآيات الأوّليّة آبية عنه-أنّ الاستدلال به مستلزم لعدم جواز الاستدلال‏

1)الكفاية 2:79 سطر 8-9.

2)يونس:36.

3)الإسراء:36.


276

به،و ما يلزم من وجوده العدم غير قابل للاستدلال به.بيان ذلك:أنّ قوله: لا تقف ما ليس لك به علم قضيّة حقيقيّة،تشمل‏كلّ ما وجد في الخارج و يكون مصداقا لغير العلم،مع أنّ دلالة نفسها على‏الردع عن غير العلم ظنيّة لا قطعيّة،فيجب عدم جواز اتّباعها بحكم نفسها.و بالجملة:إذا لم يجز اتّباع غير العلم لم يجز اتّباع ظاهر الآية،لكونه غيرعلميّ،و الفرض شمولها لنفسها لكونها قضيّة حقيقيّة.فإن قلت:الآية الشريفة لا تشمل نفسها،لعين هذا المحذور الّذي ذكرت.و بعبارة أخرى:إنّ الآية مخصّصة عقلا،للزوم المحال لو لا التخصيص.قلت:كما يمكن رفع الاستحالة بما ذكر،يمكن رفعها بالالتزام بعدم‏شمولها لمثل الظواهر،أي ما قام الدليل على حجيته،فتخصّص الآية بالظنون‏التي هي غير حجّة،و لا ترجيح،بل الترجيح لذلك،فإنّ الغرض من إلقاء الآيةالشريفة هو الردع عن اتّباع غير العلم،و لا يمكن رادعيّة الآية إلاّ أن تكون‏مفروضة الحجّية عند المتخاطبين،و لا وجه لحجّيتها إلاّ كونها ظاهرة في مفادها،و موردا لبناء العقلاء على العمل بها لأجل الظهور،فالآية لا تشمل ما كان من‏قبيلها من الظنون الخاصّة.فتحصّل ممّا ذكر:أنّ الآية لا تصلح للرادعيّة عن مثل الخبر الواحد.هذا،و قد تصدّى بعض أعاظم العصر-على ما في تقريرات بحثه-للجواب عنها بما حاصله:أنّ نسبة الأدلّة الدالّة على حجّية الخبر الواحد إلى الآيات نسبة الحكومة،


277

لا التخصيص لكي يقال:إنّها آبية عنه،فإنّ تلك الأدلّة تقتضي إلغاء احتمال‏الخلاف،و جعل الخبر محرزا للواقع،لكون حاله حال العلم في عالم‏التشريع.هذا في غير السيرة العقلائيّة القائمة على العمل بالخبر الواحد.و أمّا السيرة فيمكن أن يقال:إنّ نسبتها إليها هي الورود،بل التخصّص،لأنّ عمل العقلاء بخبر الثقة ليس من العمل بالظنّ،لعدم التفاتهم إلى احتمال‏المخالفة للواقع،فالعمل به خارج بالتخصّص عن العمل بالظنّ،فلا تصلح‏الآيات الناهية عن العمل به لأن تكون رادعة عنها،فإنّه-مضافا إلى خروج‏العمل به عن موضوع الآيات-يلزم منه الدور المحال،لأنّ الردع عن السيرة بهايتوقّف على أن لا تكون السيرة مخصّصة لعمومها،و عدم التخصّص يتوقّف‏على الرادعيّة.و إن منعت عن ذلك فلا أقلّ من كون السيرة حاكمة على الآيات،و المحكوم لا يصلح أن يكون رادعا للحاكم‏ (1) انتهى.أقول:أمّا قضيّة إباء الآيات عن التخصيص فقد عرفت أنّ قوله تعالى: و لا تقف ما ليس لك به علم (2) الّذي هو عامّ قابل للتخصيص،و ما ليس‏بقابل له هو الآيات المربوطة بالأصول الاعتقاديّة،فراجع.و أمّا حديث الحكومة فلا أصل له،فإنّ الأخبار على كثرتها لم يكن‏لسانها لسان الحكومة،مع أنّ الحكومة متقوّمة بلسان الدليل.

1)فوائد الأصول 3:160 و ما بعدها.

2)الإسراء:36.


278

إن قلت:قوله:(العمريُّ ثقة،فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي،و ما قال‏لك عنّي فعنّي يقول،فاسمع له و أطعه،فإنّه الثقة المأمون) (1) له نحو حكومةعلى الآيات،فإنّ لازمه إلقاء احتمال الخلاف.قلت:كلاّ،فإنّ لسان الحكومة غير ذلك،لأنّ غاية مفاد الرواية هووجوب اتّباع العمريّ لوثاقته،و أمّا أنّ ما أخبر به هو المعلوم،حتّى خرج عن‏اتباع غير العلم،فلا.و بالجملة:الحكومة و التخصيص مشتركان في النتيجة،و مفترقان في‏اللسان،و لسان الأدلّة ليس على نحو الحكومة.و أمّا قضيّة ورود السيرة العقلائيّة عليها،أو التخصّص،فهي ممنوعة،فإنّ كون العمل بالخبر عندهم من العمل بالعلم ممنوع،ضرورة وضوح عدم‏حصول العلم من الخبر الواحد.و لو سلّم غفلتهم عن احتمال الخلاف،لم يوجب ذلك تحقّق الورود11و إن اشتهيت بيان الورود،فيمكن تقريره بوجهين:أحدهما:أن يقال:إنّ المراد من قوله تعالى:(لا تقف ما ليس لك به علم)ليس هو العلم‏الوجداني،للزوم تعطيل أكثر الأحكام،أو ورود التخصيص الأكثريّ المستهجن عليه،كما أنّ‏المراد بحرمة القول بلا علم،أو حرمة الفتوى و القضاء كذلك ليس العلم الوجدانيّ،فحينئذٍيكون معناه:لا تقف ما ليس لك به حجّة،فتكون أدلّة حجّية الخبر الواحد واردة عليه،لإحداث‏الحجّة بالتعبّد.و ثانيهما:أن يقال إنّه بعد تماميّة حجّية الخبر الواحد يكون الاتّكال في العمل به على القطع‏بحجّيته،فالخبر و إن كان ظنّيا من حيث الكشف عن الواقع،لكن حجّيته قطعية،و المكلّف يتبع‏قطعه،لا ظنّه،لأنّ اتكاله ليس إلاّ على الحجّة المقطوعة،فلا يشمله قوله:(لا تقف ما ليس لك‏به علم)،لأجل أنّ ظاهر الكتاب-على فرض دلالته على لزوم اتّباع الخبر-حجّة قطعيّة،لأنّ‏العقلاء يحتجّون به قطعا،و عدم ورود الردع عنه قطعا،فينسلك اتباع الخبر في اتباع العلم‏بالتعبد،فيتم ميزان الورود.منه عفي عنه‏

1)الكافي 1:330-1 باب في تسمية من رآه عليه السلام ،الوسائل 18:100-4 باب 11 من‏أبواب صفات القاضي.مع اختلاف يسير.


279

أو التخصّص،فإنّ موردهما هو الخروج عن الموضوع واقعا،لا عند المخاطب.و الفرق بينهما:أنّ الورود يكون مع إعمال التعبّد،و التخصّص لا يكون‏كذلك و ما نحن فيه لا يكون الخروج واقعيّا،بل عند المخاطب.نعم يمكن دعوى عدم صلاحية الأدلة للردع عمّا هو مورد السيرة:إمّالعدم التفاتهم إلى مخالفة الخبر للواقع،فلا يرتدع العقلاء بتلك العمومات،بل‏لا بدّ من التصريح بالردع،و إمّا لدعوى انصراف الأدلة عن الظنّ الّذي هوحجّة.و أمّا حديث حكومة السيرة-على ما أفاد أخيرا-فهو أسوأ حالا من‏حكومة سائر الأدلة،فإنّ السيرة لا لسان لها،و إنّما هي عمل خارجيّ،و الحكومة إنّما هي بين ظواهر الأدلّة و مفادها اللفظيّ.و أمّا قضيّة الدور فمضافا إلى عدم كونه دورا مصطلحا-لعدم التوقّف‏بمعنى تقدّم الموقوف عليه على الموقوف،ضرورة عدم تقدّم الرادعيّة على عدم‏المخصّصيّة،و لا العكس-أنّ الرادعيّة تتوقّف على عدم المخصّص،و هو حاصل،إذ لا مخصّص في البين جزما،لأنّ النواهي الرادعة حجّة في العموم،و لا بدّمن رفع اليد عنها بحجّة أقوى،و لا حجّية للسيرة بلا إمضاء الشارع،فالرادع‏


280

رادع فعلاً،و السيرة حجّة لو أمضاها الشارع،و لا إمضاء في البين مع هذه‏النواهي،بل الردع موجود متحقّق.فإن قلت:إنّ الشارع أمضاها قبل ورود الآيات،فالأمر دائر بين‏تخصيصها بها أو ردعها إيّاها،كالخاصّ المقدّم و العامّ المؤخّر،حيث يدور الأمرفيهما بين التخصيص و النسخ،و مع عدم الترجيح يستصحب حجّيّتها.قلت-مضافاً إلى أنّ التمسُّك بالاستصحاب الّذي دليله أخبار الآحادلا معنى له في المقام-:إنّا لا نسلّم أنّ عدم الردع في أوائل البعثة يدلّ على‏الإمضاء،فإنّه إنّما يدلّ عليه لو انعقدت السيرة على العمل بالخبر الواحد في‏الأحكام الشرعيّة،كما انعقدت عليه في الأحكام العاديّة و العرفيّة،أو كان‏مظنّة لذلك،دون ما إذا انعقدت فيهما و لا تسري إلى الأحكام الشرعيّة.و من المعلوم أنّه في أوائل البعثة-التي لم تنتشر أحكام الإسلام في‏البلاد،و إنّما كانت محدودة بين أشخاص معدودة،خصوصاً في مكّة المعظّمةقبل هجرته صلّى اللَّه عليه و آله إلى المدينة-لا يحتاج تلك العدّة المعدودة من‏المسلمين إلى العمل بقول الثقة في الأحكام،بل كلّ حكم صادر عن النبيّ‏صلى اللَّه عليه و آله كان بمسمع من الأصحاب في الجامع أو غيره،بل في‏أوائل هجرته في المدينة كان الأمر بتلك المثابة،كما لا يخفى.فعدم الردع لعلّه لأجل عدم الاحتجاج،و عدم لزوم نقض الغرض،و مع‏احتمال ذلك لا يدلّ على الإمضاء،كما لا يخفى.و لعلّ الآيات الناهية صدرت في تلك الآونة،لغرض الردع عن السيرة


281

التي بينهم في العاديّات،لئلا يسري إلى الشرعيّات هذا حال الآيات.

في الاستدلال بالسنة على عدم حجّية خبر الواحد

و أمّا السُّنة1فهي مع كثرتها بين طوائف:منها:ما تدلّ على عدم جواز الأخذ بالخبر،إلاّ ما عليه شاهد أو شاهدان‏من كتاب اللَّه أو من قول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله (1) -و من هذه الطائفةما تدلّ على عدم جواز الأخذ إلاّ بما يوافق القرآن‏ (2) .و لا يخفى أنّ هذه الطائفة لا معنى محصّل لها،إلاّ إذا حملت على موردالتعارض،و تكون من سنخ الأخبار العلاجيّة،فإنّ الأخذ بالخبر الموافق‏1و لا يخفى أنّ المثبت و المنكر لا بدّلهمامن دعوى تواتر الروايات،مع أن دعواه بعيدة بعدالرجوع إلى الروايات،لأن تواتر جميع الطبقات غير ثابت بل عدمه ثابت،لأنّ جميع الروايات‏ترجع إلى عدّة كتب لا يقطع الإنسان بعدم وقوع الخلط و الاشتباه أو غير هما فيها،فإثبات عدم‏الحجّية بتلك الروايات ممّا لا يمكن.ثمّ على فرض التواتر لا يكون ذلك إلا إجمالياً،فلا بدّ من أخذ أخص المضمون و هو المخالفة إمّابالتباين،أو مع العموم من وجه،ضرورة أن المخالفة بغيرهما ليست مخالفة في محيط التقنين‏ (3) عرفاً،مع أنّ ورود المخصّص و المقيّد للكتاب عنهم قطعي ضروري،فلا يمكن حمل الروايات‏عليها.منه قدس سره‏

1)الكافي 1:69-2 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب و 2:222-4 باب الكتمان،الوسائل 18:78 و 80-11 و 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي.

2)الكافي 1:69-3 و 4 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب،الوسائل 18:78 و 79 و 80 و 86-10 و 12 و 14 و 15 و 19 و 35 و 37 باب 9 من أبواب صفات القاضي.

3)غير واضحة في المخطوط و يمكن أن تقرأ المتقنين.


282

للقرآن،أو بماله شاهد أو شاهدان منه،ليس أخذاً و عملاً بالخبر،بل هو أخذو عمل بالكتاب.نعم لو حملت على مورد التعارض يكون لها معنىً محصّل،و عليه تكون من شواهد حجّية الخبر الواحد.و منها:ما يدلّ على طرح غير الموافق‏ (1) ،و هو يرجع إلى المخالف عرفاً.و منها:ما يدلّ على طرح الخبر المخالف للكتاب‏ (2) .و لا يخفى أنّها آبيةعن التخصيص،مع ضرورة صدور أخبار مقيّدة أو مخصّصة للكتاب من‏رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام فلا بدّ من حمل تلك‏الطائفة على المخالفة التباينيّة،أو الأعمّ منها و من مخالفة العموم من وجه.و صدور الأخبار المتباينة مع الكتاب من المخالفين لا يبعد،إذا كان على‏وجه الدسّ في كتب أصحابنا،فإنّ في دسّها إحدى النتيجتين لهم:إمّا تضعيف‏كتب أصحابنا و إسقاطها عن النّظر،و إمّا التزلزل في اعتقاد المسلمين بالنسبة إلى‏أئمّة الحقّ عليهم السلام.

1)الكافي 1:69-3 و 4 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب،الوسائل 18:78 و 79 و 80 و 86-12 و 14 و 19 و 35 و 37 باب 9 من أبواب صفات القاضي.

2)الكافي 1:69-1 و 5 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب،الوسائل 18:78 و 80 و 1086-و 19 و37 باب 9 من أبواب صفات القاضي.


283

أدلة حجية خبر الواحد

في الاستدلال بالكتاب على حجّية خبر الواحد

آية النبأ

قوله‏ (1) :فمنها آية النبأ1...(1)و يمكن‏2تقريب الاستدلال بوجه آخر:و هو أنّه لا فرق في شمول العامّ‏1الحجرات:6.لا يخفى أنّه مع فرض المفهوم للآية الشريفة لا تدل على حجّية خبر العادل مطلقاً،لأن التبين‏لا يناسب الجزائية،فإنّ مجي‏ء الفاسق بالنبإ مع وجوب تحصيل العلم للعمل غير مترتبين عقلاًو لا عرفاً،فلا بدّ من أن يكون ذلك كناية عن الإعراض عن خبر الفاسق و عدم ترتيب الأثر عليه،و مفهومه-على فرضه-ترك الإعراض،و هو أعمّ من كونه تمام الموضوع للعمل،فلا يستفادمنه كونه حجّة بنفسه،كما لا يخفى.منه قدس سره‏2و هاهنا تقريبات اخر:منها:ما أفاده الماتن‏ (2) ،و لا يخفى مخالفته لظاهر الآية.

1)الكفاية 2:83.

2)الكفاية 2:83 سطر 4-6.


284

لأفراده،بين كونها أفراداً ذاتيّة له،بين كونها أفراداً عرضيّة إذا كانت بنظرالعرف شموله لها بنحو الحقيقة،فكما أنّ الأبيض صادق على نفس البياض‏لو فرضنا قيامه بنفس ذاته،كذلك إنّه صادق على الجسم المتلبّس به،مع أنّ‏صدقه عليه عرضيّ تبعيّ لدى العقل الدّقيق،لكنّه حقيقة لدى العقل العادي‏و العرف.إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ لعدم مجي‏ء الفاسق بالخبر فردا ذاتيّا،هو عدم‏تحقّق الخبر لا من الفاسق و لا من غيره،و أفرادا عرضيّة هي مجي‏ء غيره به،فيكون صدق عدم مجي‏ء الفاسق به على مجي‏ء العادل به صدقا عرضيّا في نظرالعقل،و صدقا حقيقيا في نظر العرف،فيشمل العامّ له كما يشمل الفردالذاتي.و منها:ما أفاده بعض المحقّقين‏ (1) :من أنّ الظاهر أن الشرط هو المجي‏ء مع متعلقه-أي‏مجي‏ء الفاسق-فيكون الموضوع نفس النبأ،و لمفهومه مصداقان:عدم مجي‏ء الفاسق،و مجي‏ء العادل،فلا يكون الشرط محقق الموضوع.و أمّا إذا جعل الشرط نفس المجي‏ء،و يكون‏الموضوع نبأ الفاسق،يكون الشرط محقّق الموضوع.و فيه:أنّ مفهوم«إن جاءك الفاسق بنبإ»ليس إلاّ«إن لم يجئك الفاسق بنبإ»،و أمّا مجي‏ء العادل‏فليس مفروضا في المنطوق و لا المفهوم،فلا تدل الآية عليه مطلقا.مع أنّ كون المفهوم ذا مصداقين-كما ذكره-لا يتوقف على جعل الشرط مجي‏ء الفاسق،بل لو كان الشرط هو المجي‏ء و الموضوع هو خبر الفاسق،فلعدم مجي‏ء خبره مصداقان،كما لا يخفى.لكن العمدة هو تفاهم العرف،و هو لا يساعد على ما ذكر.منه قدس‏سره‏.

1)نهاية الأفكار:القسم الأوّل من الجزء الثالث:111-112


285

فمفهوم قوله تعالى: إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيّنوا (1) هو إن‏لم يجئكم به فلا يجب التبيّن،سواء جاء به العادل أولا.و إن ضمّ إلى ذلك أنّ‏ظهور القضايا السالبة إنّما هو في سلب المحمول،لا سلب الموضوع،يصيرالمفهوم:إن جاءكم عادل بنبإ فلا يجب التبيّن.و بالجملة:مفهومها يدلّ على عدم وجوب التبيّن في خبر العادل:إمّابإطلاقه،و إمّا بالتعرّض لخصوص خبره.هذا.و فيه:أنّ الأمر في المثال و الممثّل متعاكسان بحسب نظر العرف،فإنّ‏المثال الّذي مثّلت-من صدق الأبيض على البياض و الجسم المتلبّس به-يكون‏صدقه على الفرد الذاتيّ العقليّ أخفى عند العرف من صدقه على الفردالعرضيّ،بل يمكن أن يقال:إنّه لا يصدق إلاّ على الثاني دون الأوّل عرفا،و إن‏كان الأمر عند العقل الدّقيق على عكس ذلك.و أمّا فيما نحن فيه و الممثّل،لا يكون مجي‏ء العادل بالخبر من مصاديق‏لا مجي‏ء الفاسق به عرفا،و إن فرض أنّ أحد الضدّين ممّا ينطبق عليه عدم الضدّالآخر،و يكون مصدوقا عليه بحسب اصطلاح بعض أكابر فنّ المعقول‏ (2) لكنّه‏أمر عقليّ خارج عن المتفاهم العرفيّ،و أخذ المفاهيم إنّما هو بمساعدة نظرالعرف،و لا إشكال في أنّه لا يفهم‏من‏الآية الشريفة مجي‏ء العادل به.و أمّا قضيّة ظهور القضايا السالبة في سلب المحمول،إنّما هو في القضايا

1)الحجرات:6.

2)الأسفار 2:114.


286

اللفظيّة،و أمّا فيما نحن فيه فليس قضيّة لفظيّة في البين.تأمّل.و لو فرضنا كون المفهوم قضيّة لفظيّة أو في حكمها،لكانت ظاهرة في سلب‏الموضوع،ضرورة ظهور قوله:«إن لم يجئ فاسق بنبإ»فيه،لا سلب المحمول.فتحصّل ممّا ذكر:أنّه لا إشكال في عدم دلالة الآية على المفهوم،و إنّمامفادها التبيّن في خبر الفاسق من غير التعرّض لخبر غيره.هذا،و لقد تصدّى بعض أعاظم العصر قدّس سرّه-على ما في تقريرات‏بحثه-لبيان أخذ المفهوم من الآية بما لا يخلو عن خلط و تعسّف.و محصّل ما أفاد:أنّه يمكن استظهار كون الموضوع في الآية مطلق النبأ،و الشرط هو مجي‏ء الفاسق به من مورد النزول،فإنّ مورده إخبار الوليد1بارتداد بني المصطلق،فقد اجتمع في إخباره عنوانان:كونه من الخبر الواحد،و كون المخبر فاسقا،و الآية وردت لإفادة كبرى كلّيّة،لتميّز الأخبار التي يجب‏التبيّن عنها عن غيرها،و قد علّق وجوب التبيّن فيها على كون المخبر فاسقا،فيكون هو الشرط،لا كون الخبر واحدا،و لو كان الشرط ذلك لعلّق عليه،لأنّه‏بإطلاقه شامل لخبر الفاسق،فعدم التعرّض لخبر الواحد و جعل الشرط خبرالفاسق،كاشف عن انتفاء التبيّن في خبر غير الفاسق.و لا يتوهّم أنّ ذلك يرجع إلى تنقيح المناط،أو إلى دلالة الإيماء،فإنّ‏1الوليد:هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي،أمه أروى بنت كريز بن ربيعة أم‏عثمان بن عفان،ولاه عثمان الكوفة و عزله بسعيد بن العاص،توفي بالرقة و دفن بالتل بلبيخ.انظرأسد الغابة 5:90.و بنو المصطلق:هم فخذ من قبيلة خزرج العربية الشهيرة.


287

ما بيّنّاه من التقريب ينطبق على مفهوم الشرط.و بالجملة:لا إشكال في أنّ الآية تكون بمنزلة الكبرى الكلّيّة،و لا بدّ من أن‏يكون مورد النزول من صغرياتها،و إلاّ يلزم خروج المورد عن العامّ،و هو قبيح،فلا بدّ من أخذ المورد مفروض التحقّق في موضوع القضيّة،فيكون مفاد الآية-بعد ضمّ المورد إليها-:أنّ الخبر الواحد إن كان الجائي به فاسقا فتبيّنوا،فتصيرذات مفهوم‏ (1) انتهى.و فيه أوّلا:أنّ كون مورد النزول إخبار الوليد لا ربط له بكون الموضوع في‏الآية مطلق النبأ،و الشرط خارج غير مسوق لتحقّق الموضوع،و مجرّد إخباره‏بكذا لا يصير منشأ لظهورها في إفادة الكبرى الكلّيّة لتميّز الأخبار التي يجب‏التبيّن عنها عن غيرها.نعم الآية الشريفة مسوقة لإفادة الكبرى الكلّيّة،و هي وجوب التبيّن عن‏خبر كلّ فاسق،من غير تعرّض لغيره،و ليست بصدد بيان التميّز بين خبرالفاسق و العادل.و بالجملة:إنّها متعرضة لخبر الفاسق فقط،دون العادل،لا منطوقاو لا مفهوما.و ثانيا:أنّ اجتماع العنوانين في خبر الوليد-أي كونه خبرا واحدا،و كون‏المخبر به فاسقا-بيان لمفهوم الوصف،لا الشرط،حيث لم يعلّق في الآيةوجوب التبيين على كون المخبر به فاسقا،بل علّق على مجي‏ء الفاسق بالخبر،

1)فوائد الأصول 3:169.


288

و معلوم أنّه لا مفهوم له،كما أنّه بذاك التقريب لا يكون للوصف أيضا مفهوم،لعدم إفادة العلّيّة المنحصرة.مع أنّ في ذكر الفاسق هاهنا نكتة هي التنبيه على فسق الوليد،فكون‏مورد النزول هو إخبار الوليد مضر بدلالة الآية على المفهوم،لا أنّه موجب لها،كما أفاد-رحمه اللَّه-و من ذلك يعرف ما في قوله:فإنّ ما بيّناه من التقريب‏ينطبق على مفهوم الشرط.و أمّا ما أفاد:-في تأييد كون الآية بمنزلة الكبرى الكلّيّة-:من أنّ موردالنزول من صغرياتها،و إلاّ يلزم خروج المورد،فهو صحيح،لكنّ الكبرى‏الكلّيّة ليست هي ما أفاد،بل هي وجوب التبيّن عن خبر كلّ فاسق،و إخبارالوليد من صغرياتها،من غير أن يكون للآية مفهوم.و بالجملة:إنّ الآية الشريفة لا مفهوم لها،و هذه التشبّثات لا تجعل الآيةظاهرة فيما لم تكن ظاهرة فيه.

تكملة

قد أورد على التمسّك بالآية الشريفة لحجّيّة الخبر الواحد بأمور:منهاما يختصّ بالآية،و منها ما يشترك بينها و بين غيرها:فمن الإشكالات المختصّة بها:هو كون المفهوم-على تقدير ثبوته-معارضا لعموم التعليل في ذيلها (1) فإنّ الجهالة هي عدم العلم بالواقع،و هو

1)الذريعة إلى أصول الشريعة 2:535-536،عدة الأصول:46 سطر 9-13.


289

مشترك بين إخبار الفاسق و العادل،فمفهوم التعليل يقتضي التبيّن عن‏خبر العادل،فيقع التعارض بينهما،و التعليل أقوى في مفاده،خصوصافي مثل هذا التعليل الآبي عن التخصيص،فعموم التعليل لأقوائيّته يمنع‏عن ظهور القضيّة في المفهوم،فلا يلاحظ النسبة بينهما،فإنّها فرع‏المفهوم.و لقد تصدّى المشايخ لجوابه،و ملخّص ما أفاد بعض أعاظم العصر قدّس‏سرّه-على ما في تقريرات بحثه-أنّ الإنصاف أنّه لا وقع له:أمّا أوّلا:فلأنّ الجهالة بمعنى السفاهة و الركون إلى ما لا ينبغي الركون‏إليه،و لا شبهة في جواز الركون إلى خبر العادل دون الفاسق،فخبر العادل‏خارج عن العلّة موضوعا.و أمّا ثانيا:فعلى فرض كونها بمعنى عدم العلم بمطابقة الخبر للواقع،يكون المفهوم حاكما على عموم التعليل،لأنّ أقصى ما يدلّ عليه التعليل هوعدم جواز العمل بما وراء العلم،و المفهوم يقتضي إلقاء احتمال الخلاف،و جعل خبر العادل محرزا للواقع و علما في عالم التشريع،فلا يعقل أن يقع‏التعارض بينهما،لأنّ المحكوم لا يعارض الحاكم و لو كان ظهوره أقوى،لأنّ‏الحاكم متعرّض لعقد وضع المحكوم إمّا بالتوسعة أو التضييق.فإن قلت:إنّ ذلك كلّه فرع ثبوت المفهوم،و المدّعى أنّ عموم التعليل‏مانع عن ظهور القضيّة فيه.قلت:المانع منه ليس إلاّ توهّم المعارضة بينهما،و إلاّ فظهورها الأوّلي‏


290

فيه ممّا لا سبيل لإنكاره،و قد عرفت عدم المعارضة بينهما،لأنّ المفهوم لا يقتضي‏تخصيص العموم،بل هو على حاله من العموم،بل إنّما يقتضي خروج‏خبر العادل عن موضوع القضيّة،لا عن حكمها،فلا معارضة بينهما أصلا،لعدم تكفّل العامّ لبيان موضوعه وضعا و رفعا،بل هو متكفّل لحكم الموضوع‏على فرض وجوده،و المفهوم يمنع عن وجوده‏ (1) انتهى.و يرد عليه:أوّلا:أنّ التعليل يمنع عن المفهوم بلا إشكال.و السرّ فيه ليس‏ما أفاد المستشكل،بل هو أنّ القضيّة الشرطيّة إنّما تكون ذات مفهوم‏لظهور التعليق في العلّيّة المنحصرة-كما هو المقرّر في محلّه‏ (2) -و هذا الظهورإنّما ينعقد إذا لم يصرّح المتكلّم بعلّة الحكم،لأنّه مع تصريحه بها لا معنى‏لإفادته العلّيّة،فضلا عن انحصارها.فقوله:«إن جاءك زيد فأكرمه»إنّما يدلّ على علّيّة المجي‏ء للإكرام‏و انحصارها فيه إذا أطلق المتكلّم كلامه،و أمّا إذا صرّح بأنّ علّة الإكرام هوالعلم،لا يبقى ظهور له في العلّيّة،فضلا عن انحصارها.و لعمري إنّ هذاواضح للمتأمّل،و من العجب غفلة الأعلام عنه.و هذا الإشكال ممّا لا يمكن دفعه أيضا،و عليه لا وقع لما أفاده المحقّق المعاصرو غيره‏ (3) في دفعه.

1)فوائد الأصول 3:172.

2)الفصول:47(1)148،مطارح الأنظار:171 سطر(1)4.

3)درر الفوائد 2:50،فرائد الأصول:73 سطر 21-23.


291

و ثانيا:أنّ الظاهر أنّ الجهالة في الآية في مقابل التبيّن،و معلوم أنّ التبيّن‏هو تحصيل العلم بالواقع و جعل الواقع بيّنا واضحا،و الجهالة التي في مقابلته‏بمعنى عدم العلم بالواقع،لا بمعنى السفاهة و الركون إلى ما لا ينبغي الركون‏إليه،كما أفاده-رحمه اللَّه-تبعا للشيخ‏1قدّس سرّه.و ثالثا:أنّ ما أفاد من حكومة المفهوم على عموم التعليل-مع كونه دوراواضحا،لأنّ الحكومة تتوقّف على المفهوم،و هو عليها-فممنوع،فإنّ غاية1حكاه الشيخ عن بعض في فرائده:73 سطر 14-16.بل الحقّ أنّ الآية ليست بصدد بيان أنّ خبر الفاسق مطلقا لا يعتنى به،لأنّ مناسبة صدرها و ذيلهاو تعليلها تجعلها ظاهرة في أنّ النبأ الّذي كان له خطر عظيم-و أنّ الإقدام على طبقه موجب‏للمفاسد العظيمة و الندامة،كإصابة القوم و مقاتلتهم-لا بدّ من تبينه و العلم بمفاده،و لا يجوزالإقدام عليه بلا تحصيل العلم،خصوصا إذا جاء به الفاسق،فحينئذ فلا بدّ من إبقاء الظاهر على‏حاله،فإنّ الظاهر من التبيّن طلب الوضوح و تحقيق كذب الخبر و صدقه و من الجهالة في مقابل‏التبيّن هو عدم العلم بالواقع و ليس معناها السفاهة.و لو فرض أنّها إحدى معانيها-مع إمكان منعه،لعدم ذكرها في جملة معانيها في الصحاح‏ (1) و القاموس‏ (2) و المجمع‏ (3) -و ذكرها في بعض اللغات‏ (4) ،مع مخالفته للمتفاهم العرفي،لأمكن أن يقال:إنّ إطلاقها على السفاهة لأجل أنّها جهالة،و السفيه جاهل بعواقب الأمورو تدبيرها،لا أنّها بعنوانها معناها.ثمّ إنّه على ما ذكرنا لا يلزم التخصيصات الكثيرة في الآية،على فرض حملها على العلم‏الوجداني،كما قيل‏ (5) ،فتدبّر.منه قدس سره‏.

1)الصحاح 4:1663 جهل.

2)القاموس المحيط 3:363-364 جهل.

3)مجمع البحرين 5:345 جهل.

4)مفردات الراغب:143 جهل.

5)نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:115 سطر 14-16


292

ما تدلّ عليه الآية هي جواز العمل على طبق قول العادل أو وجوبه،و ليس‏لسانها لسان الحكومة،و ليس فيها دلالة على كون خبر العادل محرزا للواقع‏و علما في عالم التشريع.نعم،لو ادّعى أحد أنّ قوله: إنّ جاء كم فاسق بنبإ فتبيّنوا (1) مفهومه‏عدم وجوب التبيّن في خبر العادل،لكونه متبيّنا في عالم التشريع،لكان‏للحكومة وجه،لكنّه غير متفاهمه العرفيّ كما لا يخفى.و من الإشكالات المختصّة:لزوم خروج المورد عن المفهوم،فإنّه من‏الموضوعات الخارجيّة،و هي لا تثبت إلاّ بالبيّنة،فلا بدّ من رفع اليد عن المفهوم‏لئلا يلزم التخصيص البشيع.و لقد تصدّى لردّه المحقّق المعاصر-رحمه اللَّه-بما ملخّصه:من أنّ الموردداخل في عموم المنطوق،و هو غير مخصّص،فإنّ خبر الفاسق لا اعتبار به‏مطلقا،لا في الموضوعات و لا في الأحكام.و أمّا المفهوم فلم يرد كبرى لصغرى‏مفروضة الوجود،لأنّه لم يرد في مورد إخبار العادل بالارتداد،بل يكون حكم‏المفهوم من هذه الجهة حكم سائر العمومات الابتدائيّة،فلا مانع من تخصيصه.و لا فرق بين المفهوم و العامّ الابتدائيّ سوى أنّ المفهوم كان ممّا تقتضيه‏خصوصيّة في المنطوق،و لا ملازمة بين المفهوم و المنطوق من حيث المورد،بل‏القدر اللازم هو أن يكون الموضوع في المنطوق و المفهوم واحدا (2) انتهى.

1)الحجرات:6.

2)فوائد الأصول 3:174.


293

و فيه ما لا يخفى:فإنّ الآية الشريفة-على فرض دلالتها على المفهوم-إنّما تدلّ على أنّ التبيُّن إنّما يختصّ بخبر الفاسق،و إنّما الاعتراض و التشنيع‏على ترتيب الأثر في المورد بإخبار الوليد الفاسق،و لو لا فسقه أو كون المخبرغيره من العدول لما توجّه اعتراض و لوم.و بالجملة:أنّ العلّة المنحصرة لتوجّه الاعتراض و التشنيع في المورد-حتّى‏أتى اللَّه بضابط عامّ و قانون كلّيّ-هو فسق المخبر،لا كونه واحدا.مع أنّه لو كان عادلا واحدا لتوجّه على العامل بقوله الاعتراض بترتيب‏الأثر على قول شاهد واحد في الموضوعات،مع لزوم التعدّد فيها.فتحصّل منه:أنّ التخصيص هاهنا في المفهوم بشيع،فلا بدّ من رفع اليدعن المفهوم،و الالتزام بأنّ الآية سيقت لبيان المنطوق فقط،كما هو الحقّ.و بما ذكرنا يظهر النّظر فيما أفاد الشيخ العلاّمة الأنصاريّ في الجواب عن‏الاعتراض‏ (1) فراجع.و من الإشكالات التي تعمّ جميع الأدلّة:هو وقوع التعارض بينها و بين‏عموم الآيات الناهية عن العمل بالظنّ و ما وراء العلم،و المرجع بعد التعارض‏إلى أصالة عدم الحجّيّة.و فيه ما عرفت:من أنّ الآيات-التي هي غير قابلة للتخصيص،و تقع‏المعارضة بينها و بين غيرها حتّى الأخصّ المطلق منها-مربوطة بالأصول‏الاعتقاديّة.

1)فرائد الأصول:76-77.


294

و أمّا ما هو عامّ أو مختصّ بالفروع-مثل قوله تعالى: و لا تقف ما ليس‏لك به علم (1) -فهو قابل للتخصيص،و تكون نسبته مع أدلة الحجّيّة عامّاو خاصّا مطلقا،أو إطلاقا و تقييدا.و أمّا ما أفاد بعض أعاظم العصر قدّس سرّه-من أنّ أدلّة الحجّيّة حاكمةعلى الآيات الناهية،لأنّ أدلّة الحجّيّة تقتضي خروج العمل بخبر العادل عن‏كونه عملا بالظنّ‏ (2) -فقد عرفت أنّه ممّا لا أساس له،لعدم كون لسانها لسان‏الحكومة.كما أنّ ما أفاد-من أن نسبة الآيات الناهية مع أدلّة الحجّيّة نسبة العموم‏و الخصوص،و الصناعة تقتضي تخصيص عمومها بما عدا خبر العدل‏ (3) -لا يكفي لدفع الإشكال،فإنّ العامّ إذا كان غير قابل للتخصيص تقع المعارضةبينه و بين الخاصّ منه،و الصناعة لا تقتضي التخصيص،و لمدّعي المعارضة أن‏يدّعي ذلك،و الجواب ما عرفت.و من الإشكالات الغير المختصّة:أنّه لا يمكن حجّيّة الخبر الواحد،لأنّه‏يلزم من حجّيّته عدم حجّيّته،فإنّه لو كان حجّة لكان خبر السيّد بطريق الإجماع‏على عدم حجّيّته حجّة،فيلزم من حجّيّة الخبر عدمها،و هو باطل بالضرورة،فالحجّيّة باطلة بالضرورة.

1)الإسراء:36.

2)فوائد الأصول 3:160 و ما بعدها.

3)فوائد الأصول 3:175.


295

و الجواب:-مضافا إلى أنّه من الإجماع المنقول،و أدلّة الحجّيّة لا تشمله-أنّ الاستحالة لا تستلزم من حجّيّة الخبر،بل من إطلاق دليل الحجّيّة و شموله‏لخبر السيّد،فإطلاقه و شموله له مستحيل،لا أصل الحجّيّة1.1و قد يقال باستحالة شمول إطلاق المفهوم لمثل خبر السيّد الحاكي عن عدم الحجيّة،لاستلزامه‏لشمول إطلاقه لمرتبة الشك بمضمون نفسه،لأنّ التعبّد بإخبار السيّد بعدم الحجّية،إنّما كان في‏ظرف الشكّ في الحجّية و اللاحجّية،و هو عين الشك بمضمون الآية،و إطلاق المفهوم لمثل هذه‏المراتب المتأخرة غير ممكن‏ (1) .و فيه:منع امتناع الشمول له،لعدم الدليل عليه إلاّ توهّم تأخر الشكّ عن الجعل،و عدم‏إمكان الإطلاق للمتأخّر عنه،و هو ممنوع،لأنّ الشكّ في جعل الحجّية لخبر الواحد ممكن،سواء جعل الحجّية له واقعا أو لا،و الآية الشريفة رافعة لهذا الشك،فإذا شك في شمول‏الآية لخبر السيّد-مع كونه نبأ-نتمسك بإطلاقها لدخوله.و لو لا إشكالات اخر لم يكن هذاإشكالا.و بهذا لو فرض عدم الإجماع على عدم الفرق بين النبأ قبل نبأ السيّد و بعده،و عدم كون إجماع‏السيّد على عدم الحجّية مطلقا،لجاز الأخذ بمفاد المفهوم،و الحكم بحجّية الأخبار إلى زمن‏السيد،و عدم الحجّية فيما بعده،كما أفاد المحقّق الخراسانيّ‏ (2) من غير ورود إشكال أصلا.فالقول بامتناع شمول الإطلاق لمثل خبر السيّد تقوّل بلا برهان.و قد يقال:إنّ الأمر في المقام دائر بين التخصيص و التخصّص،لأنّ شمول الآية لسائر الأخباريجعلها مقطوعة الحجّية،فيعلم بكذب خبر السيّد لأنّ مضمونه عدم الحجّية،و أمّا شمولها لخبرالسيد و إخراج غيره يكون من قبيل التخصيص،لعدم العلم بكذب مؤدّياتها و لو مع العلم بحجّيةخبر السيّد،لأنّ مؤدّياتها غير الحجّية و اللاحجّية (3) .و فيه:أوّلا:أنّ مفاد الآية-و كذا سائر أدلّة الحجّية-ليس حجّية الخبر،بل مفادها وجوب‏العمل،و تنتزع الحجّية من الوجوب الطريقي،كما أنّ مفاد إجماع السيّد حرمة العمل،و عدم‏الحجّية تنتزع منه،فحينئذ يسقط الدوران المذكور،بل يدور بين التخصيصين.و ثانيا:أنّ مضمون الآية لو كان جعل الحجّية للأخبار فلا إشكال،لعدم شموله لما قطع بعدم‏جعل الحجّية له،أو قطع بجعل الحجّية له.فحينئذ لو شملت الآية خبر السيّد لصار خبره مقطوع‏

1)نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:118-119

2)حاشية فرائد الأصول:63 سطر 11-19.

3)نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:119 سطر 11-19


296

و أيضا الأمر دائر بين تخصيص أدلّة الحجّيّة إلى بقاء فرد واحد تحتها،و بين تخصيص فرد واحد منها و بقائها بحالها في البقيّة،و مقتضى أصالةالعموم تعيّن الثاني.و أيضا في مقام إفادة عدم الحجّيّة،إلقاء الكلام الدالّ على الحجّيّة بشيع،لا ينبغي صدوره من الحكيم.و أمّا ما عن المحقّق الخراسانيّ:أنّه من الجائز أن يكون خبر العادل حجّة من‏زمن صدور الآية إلى زمن صدور هذا الخبر من السيّد،و بعده يكون هذا الخبرحجّة فقط،فيكون شمول العامّ لخبر السيّد مفيدا لانتهاء الحكم في هذا الزمان،و ليس هذا بمستهجن‏ (1) .ففيه:أنّ الإجماع كاشف عن كون حكم اللَّه من أوّل الأمر كذلك،لا من‏زمان دعوى الإجماع،فإذا كان الإجماع حجّة يكشف عن عدم حجّيّة خبرالعادل من زمن النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و عمل الناس على طبقه قبل دعوى‏السيّد الإجماع إنّما هو لجهلهم بالحكم الشرعيّ،و توهّمهم الحجّيّة لظاهر أدلّةمخالفة للإجماع بحسب الواقع،فلا معنى لما أفاده من انتهاء زمن الحجّيّة.الحجية،و خبر غيره مقطوع عدم الحجّية و إن لم يكن مقطوع المخالفة للواقع،فيصير حال غيرخبره كحاله في خروجه تخصّصا،فتدبّر.منه عفي عنه‏

1)حاشية فرائد الأصول:63 سطر 11-19.


297

و بذلك يعرف النّظر فيما أفاده شيخنا العلاّمة-أعلى اللَّه مقامه-في درره‏من قوله:إنّ بشاعة الكلام-على تقدير شموله لخبر السيّد-ليست من جهةخروج تمام الأفراد سوى فرد واحد،حتّى يدفع بما أفاده،بل من جهة التعبيربالحجّيّة في مقام إرادة عدمها،و هذا لا يدفع بما أفاد (1) انتهى.فإنّ البشاعة لا تدفع حتّى إذا كانت من الجهة الأولى،لما عرفت من أنّ‏الإجماع كاشف عن‏عدم‏الحجّيّة من زمن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فيكون‏-بحسب الواقع-تمام الأفراد خارجا عن العمومات سوى فرد واحد،و إن كان‏الكاشف عنه إجماع السيّد.و أمّا لو سلّمنا أنّ خبر السيّد يفيد انتهاء الحجّيّة في زمنه،فيدفع البشاعةحتّى من الجهة الثانية،فإنّ شمول إطلاق أدلّة الحجّيّة لفرد متأخّر عن زمان‏الصدور-يفيد انتهاء أمد الحكم بعد العمل به في الأزمنة المتتالية-لا بشاعة فيه‏أصلا.و من الإشكالات الغير المختصّة:إشكال شمول أدلّة الحجّيّة للأخبار مع‏الواسطة،و المهمّ منه إشكالان:أحدهما:دعوى لزوم إثبات الحكم لموضوعه،فإنّ إحراز الوسائط إنّمايكون بدليل الحجّيّة،مع أنّ مفاده وجوب التصديق الّذي هو حكم لتلك‏الموضوعات،فوجوب التصديق ممّا يحرز الموضوع و يترتّب عليه،و هو محال.و ثانيهما:دعوى لزوم كون الحكم ناظرا إلى نفسه،فإنّ وجوب التصديق‏

1)درر الفوائد 2:52.


298

الّذي يتعلّق بالخبر مع الواسطة،إنّما يكون بلحاظ الأثر الّذي هو وجوب‏التصديق‏1.و لقد تصدّى المحقّقون لجوابهما:بكون أدلّة الحجّيّة من قبيل القضاياالحقيقيّة المنحلّة إلى الموضوعات المتكثّرة المحقّقة و المقدّرة،فلا مانع من تحقّق‏الموضوع بها و شمولها لنفسها،كما في قوله:«كلّ خبري صادق»،فإنّه يشمل‏هذا الخبر،لكون القضيّة حقيقيّة.كما لا مانع‏من‏كون الحكم ناظرا إلى نفسه‏1و هاهنا إشكالات آخران،أحدهما:دعوى انصراف الأدلة عن الأخبار مع الواسطة،لا كما قرّره‏الشيخ‏ (1) و أجابه و جعله ضعيفا،بل أن يقال:إنّها منصرفة عن المصداق التعبّدي للخبر المحرزبدليل الحجّيّة،بل الظاهر منها هو الأخبار الوجدانيّة لا التعبديّة،خصوصا ما هو مصداق بنفس‏تلك الأدلّة.أو يقال:إنّ الوسائط إذا صارت كثيرة جدا-كالوسائط بيننا و بين المعصومين-تكون الأدلّةمنصرفة عنها،بل لا يمكن إحراز حجّيّتها ببناء العقلاء أيضا،لعدم إحراز بنائهم على الخبر الّذي‏كثرت وسائطه كذلك،و لم يكن في زمن الشارع بناء منهم على العمل بمثل ذلك،حتّى يكشف‏عدم الردع من السكوت.و الجواب عن الأوّل:بمنع الانصراف،بل الحقّ أنّ العرف لا يفهم الفرق بين الأخبار بلا واسطةو معها،بحيث لو قصر الإطلاق عن شمولها يحكم بمحكوميّتها بالحكم بإلقاء الخصوصيّة،أوبتنقيح المناط،كما ادّعى الشيخ الأعظم‏ (2) و عن الثاني:بأنّه لو سلم فإنّما هو في الوسائط الكثيرة جدا،و ليست أخبارنا كذلك،لأنّ‏الكتب الأربعة-التي دارت عليها رحى الاجتهاد-متواترة عن مصنفيها بحيث نقطع بكونهامنهم،و لا نحتاج في إثباتها إلى أدلة الحجّيّة،و الوسائط بينها و بين المعصومين ليست كثيرة يمكن‏دعوى الانصراف بالنسبة إليها،أو التردد في بناء العقلاء في مثلها،ضرورة أنّ العقلاء يتكلون‏على الأخبار مع مثل تلك الوسائط.منه قدس سره‏.

1)فرائد الأصول:75 سطر 1-2.

2)فرائد الأصول:76 سطر 1-10.


299

مع الانحلال إلى القضايا (1) .و لقد أطال بعض أعاظم العصر-على ما في تقريرات بحثه-في المقام بمالا يخلو عن خلط و إشكال،فقال ما ملخّصه:إنّ هذا الإشكال-أي الإشكال الثاني-غير وارد على طريقتنا:من أنّ‏المجعول في باب الأمارات نفس الكاشفيّة و الوسطيّة في الإثبات،لأنّ‏المجعول في جميع السلسلة هو الطريقيّة إلى ما تؤدّي إليه-أيّ شي‏ء كان المؤدّى-فقول الشيخ طريق إلى قول المفيد1،و هو إلى قول الصدوق،و هكذا إلى‏أن ينتهي إلى قول الإمام عليه السلام و لا نحتاج في جعل الطريق إلى أن‏يكون في نفس المؤدّى أثر شرعيّ،بل يكفي الانتهاء إلى الأثر،كما في‏المقام.هذا،و يمكن تقرير الإشكال بوجه آخر-لعلّة يأتي حتّى بناء على المختار-و هو أنّه لو عمّ دليل الاعتبار للخبر مع الواسطة،للزم أن يكون الدليل حاكماعلى نفسه،و يتّحد الحاكم و المحكوم،لأنّ أدلّة الأصول و الأمارات حاكمة على‏الأدلّة الأوّليّة الواردةلبيان‏الأحكام الواقعيّة،و معنى حكومتها هو أنّها مثبتة1الإمام الهمام شيخ العلماء و مربي الفقهاء الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان الملقّب‏بالمفيد من أجل علماء الشيعة،ولد سنة 336 ه،أخذ العلم عن جملة من العلماء منهم ابن‏قولويه و الصدوق رحمهما اللّه،انتهل من فيضه كبار العلماء كالسيد المرتضى و الرضي‏و الطوسي و النجاشي رحمهم اللّه جميعا.له ما يقارب من(190)مؤلف ما بين كتاب و رسالة.توفي رحمه اللّه سنة 413 ه و صلّى عليه السيد المرتضى و دفن عند الجوادين عليهما السلام.انظر رجال النجاشي:399،تاريخ بغداد 3:231.

1)نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:123-124.


300

لتلك الأحكام،و فيما نحن فيه يكون الحكم الواقعي هو وجوب التصديق،و أريد إثباته بدليل وجوب التصديق،فيكون دليل وجوب التصديق حاكما على‏نفسه،أي مثبتا لنفسه.و نظير هذا الإشكال يأتي في الأصل السببي و المسبّبي،فإنّ لازمه‏حكومة دليل(لا تنقض) (1) على نفسه.و التحقيق في الجواب:أنّ دليل الاعتبار قضيّة حقيقيّة تنحلّ إلى قضايا،فدليل التعبّد ينحلّ إلى قضايا متعدّدة حسب تعدّد السلسلة،و يكون لكلّ منهاأثر يخصّه غير الأثر المترتّب على الآخر،فلا يلزم اتّحاد الحاكم و المحكوم،بل‏تكون كلّ قضيّة حاكمة على غيرها.فإنّ المخبر به لخبر الصفّار1الحاكي لقول العسكريّ عليه السلام في‏مبدأ السلسلة لمّا كان حكما شرعيّا-من وجوب الشي‏ء أو حرمته-وجب‏تصديق الصفّار في إخباره عن العسكريّ بمقتضى أدلّة خبر الواحد،و الصدوق‏الحاكي لقول الصفّار حكى موضوعا ذا أثر شرعيّ،فيعمّه دليل الاعتبار،و هكذا إلى أن ينتهي إلى قول الشيخ المحرز بالوجدان،فبواسطة الانحلال‏لا يلزم أن يكون الأثر المترتب على التعبّد بالخبر بلحاظ نفسه،و لا حكومة الدليل‏1هو الشيخ الأجل أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ الصفار،ثقة عظيم القدر ضابط للحديث‏قليل السقط في الرواية،له كتب كثيرة و أصول عظيمة أهمها كتاب بصائر الدرجات،توفي‏سنة 290 ه في قم المقدسة.انظر رجال النجاشي:354،فهرست الطوسي:143.

1)التهذيب 1:8-11 باب الأحداث الموجبة للطهارة،الوسائل 1:174-175-1 باب 1 من‏أبواب نواقض الوضوء و 5:321-3 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.


301

على نفسه،فيرتفع الإشكال‏1.1لا يخفى أنّ الأجوبة التي ذكروها في دفع الإشكال عن الأخبار مع الواسطة غير مقنعة:أمّا أوّلا:فلأنّ أدلّة حجّية خبر الواحد-أي الآيات الكريمة (1) التي أهمّها آية النبأ (2) -ليس‏لسانها لسان تتميم الكشف،و جعل خبر الواحد مصداق العلم تشريعا كما يدّعى‏ (3) بل لسانهاإيجاب العمل على فرض الدلالة،و يمكن أن يكون حصول الظنّ النوعيّ منه،أو الكشف الظنّي‏عن الواقع،نكتة التشريع،أو ذلك مع عدم وقوع النّاس في الكلفة نكتته،و لا دليل على أنّ‏إيجاب العمل لإلقاء احتمال الخلاف و جعل مصداق من العلم،فحينئذ يسقط ما تشبّثوا (4) به‏من إحراز الموضوع بدليل«صدق العادل»و تعلّق الحكم الانحلالي به،و هكذا.كما أنّه لا دلالةلها على التعبّد بوجود المخبر به،حتّى يأتي فيه ذلك.و أمّا ثانيا:فعلى فرض تتميم الكشف لا بدّ من أثر عمليّ للمنكشف بالخبر،و لا إشكال في أنّ‏خبر الشيخ لا يكون وجوب صلاة الجمعة،بل لا يخبر إلاّ عن قول المفيد بكذا من غير إخبار عن‏مقول قوله،فلا أثر لقوله بما هو قوله.و الانتهاء إلى الأثر إن كان بالملازمة العقلية أو العادية،فلا بأس به،لكنّها ممنوعة،و الملازمةالشرعيّة تحتاج إلى جعل،و ليس في البين إلاّ هذه الأدلّة،فما أفاده شيخنا العلاّمة (5) غيرظاهر.و دعوى دخالة كلّ خبر في موضوع الحكم كما ترى‏ (6) فإنّ موضوع الوجوب-مثلا-هوصلاة الجمعة،لا هي مع كونها محكيّة.مع أنّ الانتهاء إلى الأثر إنّما هو بالتعبّد،و لا بدّ للتعبّد من الأثر.و بالجملة:أنّ خبر الشيخ لا عمل له،و لا أثر عملي له،و لا يكون جزء موضوع للعمل.نعم له أثرعملي بما هو موضوع من الموضوعات،و هو جواز (7) نسبة الخبر إلى المفيد،و هكذا،لكنّه‏لا بدّ فيه من البيّنة كسائر الموضوعات.و ثالثا:بناء على أنّ المجعول وجوب تصديق العادل،لا محيص إلاّ أن يكون المراد هو التصديق‏العمليّ،أي ترتيب الآثار عملا،و لا عمل لإخبار الشيخ،لأنّ وجوب صلاة الجمعة ليس مفادخبره،و لهذا لو لم تكن واجبة لم يكن قول الشيخ مخالفا للواقع،بل لو لم يخبر به المفيد لكان‏خبره مخالفا له و لو كانت الصلاة واجبة،فحينئذ فلا معنى للتعبّد بخبر الشيخ.و العجب منهم حيث تشبّثوا بتصحيح الحجّيّة بأوّل السلسلة و أنّ قول الصفار له أثر غير وجوب‏

1)كآية النفر،التوبة:122،و آية سؤال أهل الذّكر،النحل:43،و الأنبياء:7.

2)الحجرات:6.

3)فوائد الأصول 3:195.

4)فوائد الأصول 3:179،نهاية الأفكار:القسم الأوّل من الجزء الثالث:124-125.

5)درر الفوائد 2:53-54.

6)نهاية الأفكار:القسم الأوّل من الجزء الثالث:124-125.

7)فوائد الأصول 3:182 و ما بعدها،نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:124.


302

و من ذلك يظهر دفع الإشكال في حكومة الأصل السببيّ على المسبّبي،فإنّ انحلال قوله:(لا تنقض اليقين بالشكّ)يقتضي حكومة أحد المصداقين‏على الآخر،كما فيما نحن فيه،و إنّما الفرق بينهما أنّ الحكومة في باب الأصل‏السببيّ و المسبّبي تقتضي إخراج الأصل المسبّبي عن تحت قوله:(لا تنقض‏اليقين بالشكّ)،و حكومة دليل الاعتبار فيما نحن فيه تقتضي إدخال فرد في‏التصديق،فيجب تصديقه،فصار ذا أثر،فإذا أخبر الصدوق يكون إخباره موضوعا ذا أثر حتّى‏ينتهي إلى آخر السلسلة،مع أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان إخبار الصفّار للصدوق ثابتا،و هو لا يثبت إلاّبدليل التعبّد،فلا بدّ من التشبّث بأوّل السلسلة،و هو أيضا مخدوش كما عرفت.نعم،لا يبعد أن يقال:إنّ العرف و العقلاء لا يفرّقون بين الاخبار مع الواسطة و بلا واسطة،و يفهمون من دليل الحجّيّة أنّها لا تختصّ بالأخبار بلا واسطة،و لا يجب أن تكون كلّ واسطة ذا أثرشرعي،بل لا بدّ و أن لا تكون لغوا،و جعل الحجّيّة ليس بلغو في المقام.و السّرّ في عدم تفرقتهم بينهما يمكن أن يكون لأجل أنّ نظرهم إلى الوسائط يكون طريقيّا،و لهذالا يعدّون الخبر مع الوسائط أخبارا عديدة،بل خبرا واحدا ذا وسائط،فإذا قيل لهم:اعملوابقول العادل،و كان الوسائط عدولا،لا يخطر ببالهم أنّ هاهنا أخبارا متعدّدة،و لا عمل لغيرواحد منها،بل لا يرون إلاّ خبرا واحدا ذا عمل أمروا بالعمل على طبقه،و لهذا يكون الدّليل‏الدّال على احتياج الموضوعات إلى البيّنة منصرفا عن أقوال الوسائط،مع كونها موضوعات،بل قول الإمام أيضا كذلك،و لهذا لو كان لقول بعض الوسائط أثر خاص لم يمكن إثباته إلاّ بالبيّنة،فتدبّر.منه قدس سره‏.


303

دليل الاعتبار.هذا،و قد أوضح الفاضل المقرّر-رحمه اللَّه-مراده في ذيل الصحيفة بماحاصله:أنّ طريق حل الإشكال الأوّل-و هو إثبات الموضوع بالحكم-مع طريق‏حلّ الإشكال الثاني،و إن كان أمرا واحدا-و هو انحلال القضيّة-إلاّ أنّ حلّ‏الإشكال الأوّل يكون بلحاظ آخر السلسلة،و هو خبر الشيخ المحرز بالوجدان،فإنّ وجوب تصديقه يثبت موضوعا آخر،و حلّ الإشكال الثاني بلحاظ مبدأالسلسلة،و هو الراوي عن الإمام عليه السلام فإنّ وجوب تصديقه بلحاظالأثر الّذي هو غير وجوب التصديق،ثمّ يكون وجوب تصديقه أثرا لإخبارالآخر،و هكذا إلى آخر السلسلة (1) انتهى كلامهما رفع مقامهما.و فيه مواقع للنظر:الأوّل:أنّ ما أفاد-من أنّ الإشكال الثاني غير وارد على مسلك جعل‏الطريقيّة-منظور فيه،فإنّ ملخّص هذا الإشكال لزوم كون الدليل ناظرا إلى‏نفسه،و كون دليل الجعل باعتبار الأثر الّذي هو نفسه،و هذا بعينه وارد على‏هذا المسلك ببيان آخر،فإنّ خبر الشيخ المحرز بالوجدان طريق إلى خبر المفيدو كاشف عنه بدليل الاعتبار،و هو كاشف عن خبر الصدوق بدليل الاعتبارأيضا،و هكذا،فدليل جعل الكاشفيّة ناظر إلى جعل كاشفيّة نفسه،و يكون‏جعل الكاشفيّة باعتبار جعل الكاشفيّة،و هو محال.الثاني:أنّ ما أفاد-من أنّ أدلّة الأصول و الأمارات حاكمة على أدلّة

1)فوائد الأصول 3:180-183 هامش رقم 1.


304

الأحكام الواقعيّة،و معنى حكومتها هو أنّها مثبتة لتلك الأحكام-فيه:أوّلا:أنّ أدلّة الأصول ليست مثبتة للأحكام الواقعيّة،بل هي مثبتةلوظائف في زمان الشكّ حتّى في الأصول المحرزة،فإنّ مفادها البناء على‏الإحراز،لا الإحراز الّذي في الطرق.و ثانيا:أنّ مجرّد إثبات الأمارات الأحكام الواقعيّة لا يوجب حكومتهاعليها،لعدم انطباق ضابطة الحكومة على ذلك كما لا يخفى،و سيأتي في‏محلّه.نعم بعض أدلّة الأصول حاكمة على أدلّة الشرائط،كأصالة الطهارة،فإنّ مفادها توسعة دائرة الشرطيّة.الثالث:أنّ بيان كون الدليل حاكما على نفسه يمكن أن يكون بوجه‏آخر،و هو:أنّ أدلّة اعتبار الخبر لمّا كانت مثبتة لموضوع نفسها،تكون حاكمةعلى نفسها،ضرورة حكومة قوله:«أخبر العادل»على قوله:«صدّق خبرالعادل»،مثل حكومة قوله:«زيد عالم»على قوله:«أكرم العالم»،فمايكون مفاده تحقّق خبر العادل،يكون حاكما على ما يكون مفاده تصديقه،و الفرض أنّ دليل الاعتبار متكفّل لكلا الأمرين،فيكون حاكما على نفسه‏و لا يخفى أنّه على هذا التقرير يكون هذا الوجه تقريرا آخر للإشكال الأوّل،لا الثاني.و المظنون أنّ الفاضل المقرّر قد خلط في تقريره،و الشاهد عليه أنّه في‏ذيل كلامه-الّذي تصدّى لبيان الفرق بين حكومة الأصل السببي و المسبّبي،و بين ما نحن فيه قال:إنّ الحكومة في باب الأصل السببي و المسبّبي‏


305

تقتضي إخراج الأصل المسبّبي عن تحت قوله:(لا تنقض بالشكّ)،و حكومة دليل الاعتبار فيما نحن فيه تقتضي إدخال فرد في دليل الاعتبار،فإنّ‏وجوب تصديق الشيخ في إخباره عن المفيد يقتضي وجوب تصديق المفيدفي إخباره عن الصدوق،فوجوب تصديق الشيخ يدخل فردا تحت عموم‏وجوب التصديق،بحيث لولاه لما كان داخلا فيه‏ (1) انتهى.فإنّه صريح فيماذكرنا.فتحصّل من ذلك:أنّ حكومة دليل الاعتبار على نفسه إنّما هي باعتبارتحقّق موضوعه بنفسه،لا باعتبار إثبات الحكم كما أفاد أوّلا.الرابع:أنّ ما أفاد-من أنّ طريق حلّ الإشكالين و إن كان واحدا،و هوانحلال القضيّة إلى القضايا،إلاّ أنّ حلّ الثاني باعتبار أوّل السلسلة-فيه من‏الخلط ما لا يخفى.فإنّ قول الراوي عن الإمام عليه السلام -على فرض ثبوته-و إن كان ذاأثر غير وجوب التصديق،لكن وجوب تصديقه يتوقّف على ثبوته،و هويتوقّف على وجوب التصديق،فلا يمكن حلّ الإشكال باعتبار أوّل‏السلسلة،لعدم الموضوع لدليل وجوب التصديق،فلا بدّ من حلّ كلاالإشكالين باعتبار آخر السلسلة-و هو خبر الشيخ المحرز بالوجدان-دفعا للدورالمستحيل.

1)فوائد الأصول 3:184.


306

آية النفر

قوله:و منها:آية النفر (1) إلخ‏ (2) .(1)قد تصدّى بعض أعاظم العصر-رحمه اللَّه-لتقريب الاستدلال بها بمازعم أنّه يندفع به ما أورد على الاستدلال بها،فقال ما محصّله:إنّ الاستدلال‏يتركّب من أمور:الأوّل:أنّ كلمة«لعلّ»-مهما تستعمل-تدلّ على أنّ ما يتلوها يكون من‏العلل الغائيّة لما قبلها،سواء في ذلك التكوينيّات و التشريعيّات،و الأفعال‏الاختياريّة و غيرها،فإذا كان ما يتلوها من الأفعال الاختياريّة التي تصلح لأن‏يتعلّق بها الإرادة الآمريّة،كان-لا محالة-بحكم ما قبلها في الوجوب‏و الاستحباب.و بالجملة:لا إشكال في استفادة الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب‏علّته الغائيّة.و في الآية جعل التحذّر علّة غائيّة للإنذار،و لمّا كان الإنذار واجباكان التحذّر واجبا.الثاني:أنّ المراد من الجموع التي في الآية هي الجموع الاستغراقيّة،لا المجموعيّة،لوضوح أنّ المكلّف بالتفقّه هو كلّ فرد فرد من النافرين أوالمتخلّفين على التفسيرين،فالمراد أن يتفقّه كلّ فرد منهم،و ينذر كلّ واحد

1)التوبة:122.

2)الكفاية 2:92.


307

منهم،و يتحذّر كلّ واحد منهم.الثالث:المراد من التحذّر هو التحذّر العمليّ،و هو يحصل بالعمل بقول‏المنذر و تصديق قوله،و الجري على ما يقتضيه من الحركة و السكون،و ليس‏المراد الحذر عند حصول العلم من قول المنذر،بل مقتضى الإطلاق و العموم‏الاستغراقي في قوله: لينذروا هو وجوب الحذر مطلقا،حصل العلم من‏قول المنذر أو لم يحصل،غايته أنّه يجب تقييد إطلاقه بما إذا كان المنذر عدلا.و بعد العلم بهذه الأمور لا أظنّ أن يشكّ أحد في دلالتها على حجّيّةالخبر الواحد.و بما ذكرنا من التقريب يمكن دفع جميع ما ذكر من الإشكالات‏على التمسّك بها،انتهى.ثمّ تصدّى لبيان الإشكالات و دفعها (1) .أقول:يرد عليه:أوّلا:أنّ ما ادّعى-من أنّ ما بعد كلمة«لعلّ»يكون علّةغائيّة لما قبلها في جميع موارد استعمالاتها-ممنوع،كما يظهر من تتبّع موارداستعمالاتها،كما أنّ في قوله تعالى: فلعلّك باخع نفسك على آثارهم إن‏لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا 1لم يكن بخوع نفسه الشريفة علّة غائيّة لعدم‏إيمانهم،و معلوم أنّ الجملة الشرطيّة في حكم التقدّم على جزائها.و لكن‏الخطب سهل بعد كون ما نحن فيه من قبيل ما أفاده رحمه اللَّه.و ثانيا:أنّ دعوى كون التحذّر واجبا-لكونه غاية للإنذار الواجب‏ (2) -1الكهف:6.باخع نفسك:أي قاتلها و مهلكها.التبيان 7:8.

1)فوائد الأصول 3:185-187.

2)فرائد الأصول:78 سطر 18-20.


308

ممنوعة،فإنّ غاية ما يقال في وجه وجوبه هو كونه غاية للنَّفْر المستفاد وجوبه من‏لو لا التحضيضيّة الظاهرة في الوجوب.و فيه:أنّ قوله تعالى-قبل ذلك-: و ما كان المؤمنون لينفروا كافّة (1) منع عن النفر العموميّ،أي لا يسوغ لهم النفر جميعا،و إبقاء رسول اللَّه-صلى‏اللَّه عليه و آله وحده،كما هو منقول في تفسيرها (2) و بعد هذا المنع‏قال: فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ،فتكون الآية بصدد المنع عن النفرالعموميّ،لا إيجاب نفر طائفة من المؤمنين.فيصير محصّل مفادها-و العلم عند اللَّه-:أنّه لا يسوغ للمؤمنين أن ينفرواجميعا،فينفرد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله فلم لا يكون نفرهم بطريق‏التفرقة،و بقاء طائفة،و نفر طائفة أخرى؟فيتوجّه الحثّ المستفاد من كلمة«لو لا»التحضيضيّة إلى لزوم التجزئة و عدم النَّفر العموميّ،لا إلى نفر طائفةللتفقّه‏1.1و دعوى أنّ ذلك مخالف لظاهر الآية،فلو كان المراد ما ذكر لاكتفى بالآية الأولى،فذكر قوله:(فلو لا نفر)لإيجاب النَّفر للتفقّه.هذا مع أنّ ظاهر قوله:(و ما كان المؤمنون)ليس نهيا،بل‏إخبار عن عدم إمكان النفر العمومي،لاختلال النظام به.ممنوعة:بأنّ عدم الاكتفاء بالجملة الأولى لعلّه لدفع ما ينقدح في الأذهان:من أنّ عدم نفرالجميع يوجب بقاء سائر الطوائف في الجهالة،فقال تعالى ما قال،فليست الآية في مقام‏بيان وجوب النفر.و قوله:(و ما كان المؤمنون)إخبار في مقام الإنشاء،و لو بقرينة شأن نزول الآية،كما قال‏

1)التوبة:122.

2)مجمع البيان 5:83 سطر 21.


309

و ثالثا:أنّ ما ادّعى-من أنّ المراد من الحذر هو الحذر العمليّ،و هويحصل بالعمل بقول المنذر-في محلّ المنع،بل الظاهر من الآية الشريفة أنّ‏المنذرين لينذروا قومهم بالموعظة،و الإيعاد بعذاب اللَّه و شدّة بأسه،حتّى‏يخافوا من عقابه و عذابه،فإذا خافوا يعملون بوظائفهم الشرعيّة،و ليست الآيةفي مقام بيان وجوب التحذّر،حتّى يقال:إنّه تحذّر عمليّ،بل الظاهر أنّ‏المقصود حصول التحذّر القلبيّ و الخوف و الخشية للناس حتّى يقوموابوظائفهم.و لا يلزم أن يكون المنذر عادلا،بل قد يكون تأثير كلام غيره أكثر منه‏بمراتب،لحسن بيانه،و قوّة إفهامه،و نفوذ كلامه.و بالجملة:بين مضمون الآية الشريفة و الدلالة على حجّيّة الخبر الواحد،بون بعيد.و رابعا:لو سلّمنا جميع ذلك،فليس للآية إطلاق من هذه الجهة،فإنّهاليست في مقام بيان وجوب التحذّر،بل فيها إهمال من هذه الحيثيّة.و مجرّدكون الجموع استغراقيّة لا يوجب رفع الإهمال،فإنّ الإطلاق من أحوال الفرد،و أيّ ربط بين استغراقيّة الجمع و الإطلاق الفردي؟!المفسّرون‏ (1) ،و ليس المراد الإخبار بأمر واضح لم يختلج ببال أحد خلافه،إلاّ أن يحمل على‏كونه مقدّمة لقوله:(فلو لا نفر)،و هو خلاف الظاهر،بل ليس المراد بالنهي عن النفر إلاّ في‏مورد شأن نزول الآية،و إلاّ فعدم إمكان نفر جميع النّاس في جميع الأدوار واضح لا يحتاج إلى‏النهي.منه قدس سره‏

1)مجمع البيان 5:83 سطر 21.


310

و العجب منه-قدّس سرّه-حيث قال في جواب هذا الإشكال بهذه‏العبارة:و أنت خبير بأنّه‏بعدما عرفت من أنّ المراد من الجمع هو العامّ‏الاستغراقيّ،لا يبقى موقع لهذا الإشكال،فإنّه أيّ إطلاق يكون أقوى من‏إطلاق الآية بالنسبة إلى حالتي حصول العلم من قول المنذر و عدمه‏ (1) ؟!انتهى.و هو كما ترى في كمال السقوط،و ليته بيّن الربط بين الجمع الاستغراقيّ‏و الإطلاق الفرديّ.و خامسا:أنّ المستفاد من بعض الروايات الواردة في تفسير الآية (2) تطبيقها على النفر لأجل تحصيل العلم بإمامة بعض الأئمّة عليهم السلام بعدوفاة بعض منهم،و إخبارهم قومهم بها،و معلوم أنّ خبر الثقة لا يعتمد عليه في‏الأصول الاعتقاديّة،بل لا بدّ من العلم فيها،و هذا أيضا يشهد بعدم إطلاق لهاكما مرّ.

الاستدلال بالأخبار على حجية خبر الواحد

قوله:في الأخبار.. (3) ..(1)أقول:ما استدلّوا بها من الأخبار (4) على حجّيّة الخبر الواحد-مع كثرتها

1)فوائد الأصول 3:187.

2)الكافي 1:378-380-1-3 باب ما يجب على الناس عند مضيّ الإمام.

3)الكفاية 2:97.

4)الوسائل 18:52-75 باب 8 من أبواب صفات القاضي،و 18:98-111 باب 11 من أبواب‏صفات القاضي.


311

و تواترها إجمالا-لا تدلّ على جعل الحجّيّة و الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات‏للخبر الواحد1نعم يظهر من مجموعها أنّ حجّيّته كانت مفروغا عنها بين‏الراوي و المرويّ عنه.و مدّعي القطع بأنّ الشارع لم يكن في مقام تأسيس الحجّية للخبر في‏مقابل بناء العقلاء بل كان النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام‏يتعاملون معه معاملة سائر العقلاء،و يعملون به عملهم ليس بمجازف.و لمّا كان بناء العقلاء على العمل به مسلّما مرتكزا في أذهانهم،كانت‏الأدلّةالمستدلّ بهاعلى حجّيّته من الكتاب و السُّنّة-على فرض دلالتها-محمولة على الأمر العقلائي و الإمضاء لطريقتهم،لا على تأسيس الحجّيّةو جعل الطريقية و المحرزيّة و الكاشفية،كما تمور به الألسن مورا.و أمّا ما أفاد المحقّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-و تبعه شيخنا الأستاذ (1) -طاب‏ثراه-من أنّ الأخبار الدالّة على حجّيّة الخبر متواترة إجمالا،فيؤخذ بأخصّهامضمونا،و يتعدّى ببركته إلى الأعمّ منه‏ (2) .فالظاهر أنّه-بعد تسليم التواتر-مجرّد فرض،و إلاّ فلا أظنّ أن يكون في‏1لكن لو لم يستلزم منها وجوب العمل أو جعل الحجّيّة و أمثالها،يشكل التمسّك بها لكشف حال‏السيرة،لعدم الكشف القطعي،و هو واضح،و عدم كون ذلك حكما عمليا،فلا معنى للتعبّد به.و كيف كان،فالخطب سهل بعد إحراز بناء العقلاء في محيط الاحتجاج بالعمل بكلّ خبر من‏الثقة.و مع إنكار بنائهم فالرّواية تدلّ على التشريع و لزوم العمل على قوله،و ما ذكرنا-من عدم‏الدلالة على التأسيس-لأجل إحراز بناء العقلاء،فتدبّر.منه قدس سره‏

1)درر الفوائد 2:57.

2)الكفاية 2:97.


312

الأخبار ما يكون جامعا لشرائط الحجّيّة،و دالا على حجّيّة الخبر مطلقا1.1بل القدر المتيقّن هو الإخبار بلا واسطة،مع كون الراوي من الفقهاء،أضراب زرارة و محمّدابن مسلم و أبي بصير.و معلوم أنّه لم يصل إلينا خبر كذائي،حتّى يتمسك به لإثبات الحجّيّةالمطلقة.لكن هاهنا وجه آخر لإثبات حجّيّة مطلق خبر الثقة:و هو أنّه لا إشكال في بناء العقلاء في‏الجملة،فحينئذ إن ثبت بناؤهم في مقام الاحتجاج على العمل بمطلق خبر الثقة-كما هو الظاهر-فهو،و إلاّ فالقدر المتيقَّن من بنائهم هو العمل على الخبر العالي السند إذا كان جميع رواته مزكّى‏بتزكية جمع من العدول،و في الروايات ما يكون بهذا الوصف،مع دلالته على حجّيّة مطلق خبرالثقة،كصحيحة أحمد بن إسحاق،حيث روى محمد بن يعقوب عن محمد بن عبد اللَّه‏الحميري و محمد بن يحيى جميعا عن عبد اللَّه بن جعفر الحميري عن أحمد بن إسحاق عن أبي‏الحسن قال:(سألته،و قلت:من أعامل،و عمّن آخذ،و قول من أقبل؟فقال:العمري ثقتي،فما أدى إليك عنّي فعنّي يؤدّي،و ما قال لك عنّي فعنّي يقول،فاسمع له و أطع،فإنّه الثّقةالمأمون) (1) ،و نحوه صحيحته الأخرى،و سندها مع علوه‏فإنَ‏رواتها من المشايخ العظام،ممّن لا غمز في واحد منهم من أحد،فلا إشكال في بناء العقلاء على العمل بمثلها.و بمقتضى تعليلها نتعدّى إلى كلّ خبر ثقة مأمون.و الإشكال-بأنّ من المحتمل أنّ لوثاقة مثل‏العمري و ابنه دخالة في القبول،و لا يمكن التعدّي إلى مطلق الثقة-مردود،فإنّ الظاهر من‏التعليل أنّ لزوم القبول إنّما هو لأجل الوثاقة و المأمونيّة،لا وثاقة خاصّة و مرتبة كاملة لها،كماأنّ المستفاد من قوله:«لا تشرب الخمر،لأنّه مسكر»أنّ مجرد الإسكار كاف،لا إسكار خاصّ‏نحو إسكار الخمر.و أمثال هذه الروايات و إن لم تدل على جعل الحجّية (2) أو تتميم الكشف كما يدعى‏ (3) لكن‏تدلّ على كون العمل بقول مطلق الثقة المأمون كان معروفا في تلك الأزمنة،و جائزا من قبل‏الشرع.منه قدس سره‏.

1)الكافي 1:329-330-1 باب في تسمية من رآه عليه السلام ،الوسائل 18:99-100-4 باب 11 من‏أبواب صفات القاضي.

2)الكفاية 2:44.

3)فوائد الأصول 3:17،108.


313

بل لنا منع التواتر،لأنّ الأخبار-مع كثرتها-تكون منقولة عن عدّة كتب‏لا تبلغ مرتبة التواتر،فلا يكون في تمام الطبقات تواتر.و أمّا الاكتفاء بنفس التواتر الإجمالي لإثبات مطلق خبر الثقة كما يظهرمن بعض المحقّقين على ما في تقريرات بحثه‏ (1) فهو كما ترى.

الاستدلال بسيرة العقلاء على حجية الخبر الواحد

قوله:دعوى استقرار سيرة العقلاء (2) .(1)و هذه هي عمدة ما في الباب،و قد تقدّم منّا أنّ الآيات الناهية عن العمل‏بغير العلم أو العمل بالظنّ‏ (3) لا تصلح للرادعيّة،لا لما أفاده المحقّق الخراسانيّ‏-رحمه اللَّه-من لزوم الدور (4) فإنه مخدوش كما ذكرنا عند استدلال النافين‏للحجّيّة بالآيات فراجع،بل لأنّها لمّا كانت من قبيل القضايا الحقيقيّة تكون‏شاملة لنفسها،و هي تكون بحسب الدلالة غير علميّة،بل ظنّيّة،فيلزم من‏التمسُّك بها عدم جواز التمسُّك بها،لرادعيّتها لنفسها،و هو باطل بالضرورة.إن قلت:ما يلزم منه المحال هو شمولها لنفسها،فلا تشملها،فيتمّ رادعيّتهالغيرها بلا محذور.قلت:لا شكّ في أنّ هذه الآيات الظاهرة في المنع عن العمل بغير العلم‏

1)نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:136 سطر 2-6.

2)الكفاية 2:98.

3)الإسراء:36،النجم:23 و 28.

4)الكفاية 2:99.


314

إنّما أفادها المتكلّم بها لأجل الإفادة و الإفهام،فلا بدّ و أن تكون ظواهرها-مع‏كونها غير مفيدة للعلم-قابلة للإفادة و الإفهام،فتكون هذه الظواهر بين‏المتكلّم و المخاطب مفروغة الحجّيّة،و لا تكون حجّيّتها إلاّ للسيرة العقلائية على‏الأخذ بالظواهر،و المتكلّم-جلّ و علا-اتّكل على هذه السيرة العقلائيّة،لا على أنّ هذا الكلام لا يشمل نفسه لأجل لزوم المحال،فإنّه خارج عن المتفاهم‏العرفي و الطريقة العقلائيّة في الإفادة و الإفهام،فإذا كان الاتّكال في الإفهام‏على السيرة مع عدم إفادة العلم،يعلم بإلقاء الخصوصيّة أنّ الآية غير رادعة لماقامت به السيرة العقلائيّة،سواء كانت من قبيل الظواهر،أو من قبيل خبرالثقة.و بالجملة:لا تصلح تلك الآيات للرادعيّة.ثمّ إنّ هاهنا كلاما من بعض أعاظم العصر رحمه اللَّه-على ما في‏تقريرات بحثه-:و هو أنّه لا يحتاج في اعتبار الطريقة العقلائيّة إلى إمضاءصاحب الشرع لها و التصريح باعتبارها،بل يكفي عدم الردع عنها،فإنّ عدم‏الردع عنها مع التمكن منه،يلازم الرضا بها و إن لم يصرّح بالإمضاء.نعم،لا يبعد الحاجة إلى الإمضاء في باب المعاملات،لأنّها من الأمورالاعتباريّة التي يتوقّف صحتها على اعتبارها،و لو كان المعتبر غير الشارع فلا بدّمن إمضاء ذلك و لو بالعموم و الإطلاق.و تظهر الثمرة في المعاملات المستحدثة التي لم تكن في زمان الشارع،كالمعاملات المعروفة في هذا الزمان ب(البيمة)فإنّها إذا لم تندرج في عموم‏


315

أحلّ اللَّه (1) و أوفوا بالعقود (2) و نحو ذلك،فلا يجوز ترتيب آثارالصحّة عليها (3) انتهى.و فيه:أنّ احتياج المعاملات إلى التصريح بالإمضاء-لكونها من الأمورالاعتباريّة-ممنوع،فإنّ اعتباريّتها لا تلازم احتياجها إليه،فنفس عدم ردع الشارع‏يكفي في صحّتها و نفوذها،فالمعاملة النافذة عند العقلاء لو لم تكن نافذة لدى‏الشرع،لا بدّ من الردع عنها و يكفي في النفوذ عدم ردعه.نعم لا يكفي الرضا من المتعاملين لصحّة المعاملة،بل لا بدّ فيها من‏الإنشاء،و هو أجنبيّ عمّا نحن فيه،و لعلّه-قدّس سرّه-قايس بينهما.و أمّا ما أفاده:-رحمه اللَّه-في المقام-بعد اعترافه بأنّه من المحتمل قريبارجوع سيرة المسلمين في الأمور الغير التوقيفيّة التي كانت تنالها يد العرف‏و العقلاء قبل الشارع،إلى طريقة العقلاء-بأنّ ذلك لا يضرّ بالاستدلال بها،لكشفها عن رضا الشارع كما تكشف عنه طريقة العقلاء،غاية الأمر أنّه في‏مورد اجتماعهما يكونان من قبيل تعدّد الدليل على أمر واحد،فتكون سيرةالمسلمين من جملة الأدلّة،كما تكون طريقة العقلاء كذلك‏ (4) .ففيه ما لا يخفى،فإن سيرة المسلمين إذا رجعت إلى طريقة العقلاءلا تكون دليلا مستقلا،بل الدليل هو طريقة العقلاء فقط،و إنّما تصير سيرة

1)البقرة:275.

2)المائدة:1.

3)فوائد الأصول 3:193.

4)فوائد الأصول 3:194.


316

المسلمين دليلا لو قامت بما أنّهم مسلمون،لا بما أنّهم عقلاء كما في المقام.و بالجملة:لا تنعقد سيرة المسلمين بما هم مسلمون مع رجوعها إلى طريقةالعقلاء،فلا معنى لكونها دليلا كاشفا في مقابلها،و هذا واضح.


317

الفرق بين الانسداد الكبير و الصغير

قوله:أحدها1:أنّه يعلم إجمالاً.. (1) ..(1)أقول:هذا الدليل العقلي هو دليل الانسداد الصغير.و ضابط الفرق بين‏الانسدادين:أنّ المقدّمات المرتّبة في الانسداد إذا انتهت إلى حجّيّة مطلق الظنّ‏-بناءً على الكشف أو الحكومة-من أيّ طريق كان،من غير كونه مقيّداً1إني قد تركت البحث في هذه الدورة عن الأدلة العقلية مطلقا،لقلّة فائدتها،مع طول‏مباحثها.و المرجوّ من طلاّب العلم و علماء الأصول-أيدهم اللَّه-أن يضنّوا على أوقاتهم و أعمارهم‏الشريفة،و يتركوا ما لا فائدة فقهيّة فيه من المباحث،و يصرفوا همّهم العالي في المباحث المفيدةالناتجة.و لا يتوهم متوهم:أنّ في تلك المباحث فوائد علميّة،فإنّ ذلك فاسد،ضرورة أنّ علم الأصول‏علم آلي لاستنتاج الفقه،فإذا لم يترتب عليه هذه النتيجة فأيّة فائدة علمية فيه؟!و العلم ما يكشف‏لك حقيقة من الحقائق-دينيّة أو دنياوية-و إلاّ فالاشتغال به اشتغال بما لا يعني و اللَّه ولي‏التوفيق.جمادى الأولى 1374.منه قدس سره‏

1)الكفاية 2:100.


318

بحصوله من طريق خاصّ،فهو الانسداد الكبير،و إذا انتهت إلى حجّيّته إذاحصل من طريق خاصّ أو أمارة مخصوصة،أو تنتهي إلى حجّيّة الظنّ المطلق‏بصدور الرواية،أو جهة أخرى من الجهات،و لا يكون نطاقه وسيعا إلى غيرها،فهو الانسداد الصغير.و معلوم أن المنشأ في هذا الافتراق هو المقدّمة الأولى من دليل الانسداد،فإنّ العلم الإجمالي إذا كانت دائرته وسيعة،بحيث يشمل نطاقه جميع‏المشتبهات،من الأخبار،و الأمارات الظنّية،و غيرهما،فلا بدّ و إن ينتهي-مع‏ضمّ سائر المقدّمات-إلى حجّيّة مطلق الظنّ بناء على الكشف أو الحكومة.و أمّا إذا كانت دائرته ضيّقة-محصورة في الأخبار خاصّة،أو في‏الشهرات،أو الإجماعات المنقولة-فلا بدّ و أن ينتهي إلى حجّيّة الظنّ من طريق‏خاصّ من المذكورات،أو الظنّ بالصدور فقط.إذا عرفت ذلك فقد ادّعى المستدلّ:بأنّ العلم الإجمالي حاصل بصدورالأخبار الكثيرة المتضمّنة للأحكام الإلهيّة الوافية بالفقه،بحيث ينحلّ العلم‏الإجمالي بسائر المشتبهات في دائرة الأخبار،و بعد انضمام سائر المقدّمات يصيرالدليل منتهيا إلى حجّيّة الظنّ بصدور الأخبار،و هذا هو الانسداد الصغير.

نقل كلام بعض الأعاظم و وجوه النّظر فيه‏

و بما ذكرناه من الضابط يعلم ما في كلام بعض أعاظم العصر على ما في‏تقريرات بحثه،فإنّه-بعد الاعتراف بأنّ هذا الدليل هو ترتيب الانسداد الصغير


319

في خصوص الأخبار-تصدّى لبيان المراد من الانسداد الصغير و الفرق بينه و بين‏الكبير،فقال ما ملخّصه:إنّ استفادة الحكم الشرعي من الخبر تتوقّف على العلم بالصدور و جهته‏و الظهور و حجّيّته،فإن قام الدليل بالخصوص على كلّ واحد منها فهو،و إن‏لم يقم على شي‏ء منها-و انسدّ طريق إثباتها-فلا بدّ من جريان الانسداد لإثبات‏حجّيّة مطلق الظنّ بالحكم الشرعي.و قد جرى الاصطلاح على التعبير عن ذلك‏بالانسداد الكبير.و إن قام الدليل على بعض جهات الرواية دون بعض،كما لو فرض قيام‏الدليل على الصدور و جهته و إرادة الظهور،و لكن لم يمكن تشخيص الظهور،و توقّف على الرجوع إلى اللغوي في تشخيصه،و لم يقم دليل بالخصوص على‏اعتبار قوله،فلا بدّ من جريان مقدّمات الانسداد في خصوص معاني الألفاظ،لاستنتاج حجّيّة الظنّ من قوله في معنى اللفظ،و إن لم يحصل بالحكم‏الشرعي.و قد جرى الاصطلاح على التعبير عن ذلك بالانسداد الصغير.و حاصل الفرق بينهما:هو أن مقدّمات الانسداد الكبير إنّما تجري في‏نفس الأحكام ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ فيها،و أمّا مقدّمات الانسدادالصغير إنّما تجري في بعض ما يتوقّف عليه استنباط الحكم من الرواية في إحدى‏الجهات الأربع المتقدّمة،ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ في خصوص الجهةالتي انسدّ باب العلم فيها.ثمّ أطال الكلام في صحّة جريان مقدّمات الصغير مطلقا،أو عدمه‏


320

مطلقا،أو التفصيل،و اختار التفصيل:بأنّ بعض هذه الجهات ممّا يتوقّف عليهاالعلم بأصل الحكم كالصدور،فإنّه لو لا إثباته لا يكاد يحصل العلم بالحكم،ففيه تجري مقدّمات الانسداد الكبير،و بعضها ممّا يتوقّف عليها العلم بتشخيص‏الحكم و تعيُّنه إذا كان الإجمال في ناحية الموضوع أو المتعلّق،كالصعيد المردّدبين كونه التراب أو مطلق وجه الأرض،و الجهل بمعناه لا يغيّر العلم بأصل‏الحكم،لأنّ المكلّف يعلم بأنّه مكلّف بما تضمّنته الآية من الحكم،ففيه تجري‏مقدّمات الانسداد الصغير لحجّيّة مطلق الظنّ بالجهة التي انسدّ باب العلم فيهاانتهى‏ (1) .و فيه أوّلا:أنه يظهر من صدر كلامه أنّ هذا الدليل العقلي هو ترتيب‏مقدّمات الانسداد الصغير في خصوص الأخبار،و يظهر ممّا بعده أنّه مع عدم قيام‏الدليل الخاصّ بإثبات أصل الصدور تجري مقدّمات الانسداد الكبير،كما أنّه‏يظهر من تفصيله و توضيحه أنّ هذا الدليل العقلي يرجع إلى الانسداد الكبير.و بالجملة:كلامه في المقام لا يخلو من تهافت صدرا و ذيلا.و ثانيا:أنّ الضابط الّذي أفاده في الافتراق بين الانسدادين-من أنّ‏مقدّمات الانسداد الكبير إنّما تجري في نفس الأحكام ليستنتج منها حجّيّة مطلق‏الظنّ فيها،و أمّا مقدّمات الصغير تجري في بعض ما يتوقّف عليه استنباط الحكم‏من الرواية من إحدى الجهات الأربع ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ في‏خصوص الجهة التي انسدّ باب العلم فيها-ينافي تفصيله الآتي من الافتراق بين‏

1)فوائد الأصول 3:196 و ما بعدها.


321

هذه الجهات،و أنّ مع عدم الدليل على أصل الصدور لا بدّ من ترتيب مقدّمات‏الكبير،فإنّ ترتيب المقدّمات في أصل الصدور ينتهي إلى حجّيّة الظنّ‏بالصدور،لا حجّيّته بالنسبة إلى الأحكام مطلقا،فلا ينطبق الضابط عليه.فتحصّل من جميع ذلك:أنّ الضابط هو الّذي ذكرنا،و أنّ في كلامه‏-قدّس سرّه-اختلاطا و تهافتا،فراجع كلامه.ثم إنّه-قدس سره-أطال الكلام في تقرير الدليل العقلي و جوابه و في‏كلامه مواقع للنظر تظهر للمتأمّل فيه:منها:ما أفاده في جواب«إن قلت»الثاني:أنّ دعوى العلم الإجمالي في‏خصوص الأمارات الظنّيّة ليست ببعيدة،لأنّ من تراكم الظنون يحصل العلم‏الإجمالي،بخلاف تراكم الشكوك‏ (1) .فإنّ فيه ما لا يخفى،لأنّ مبادئ حصول العلم غير مبادئ حصول الظنّ‏و الشكّ،فلا يمكن حصول العلم من تراكم الظنون،أي كثرتها،و كثرةالمظنونات،فلو فرض آلاف من الظنون بآلاف من الأحكام من المبادئ الظنّيّة،لا يعقل حصول علم واحد منها،و هذا واضح،و لعلّه خلط بين التراكم بحسب‏المراتب و بينه بحسب الموارد.و منها:ما أفاده بقوله:و ثانيا:سلّمنا أنّ الأمارات الظنّيّة ليست من‏أطراف العلم الإجمالي،و لكن وجوب الأخذ بما في أيدينا من الأخبار إنّما هولأجل ما تضمّنتها من الأحكام الواقعيّة،لا بما هي هي،فالمتعيّن هو الأخذ بكلّ‏

1)فوائد الأصول 3:201.


322

ما يظنّ أنّ مضمونه حكم اللَّه الواقعي،لا خصوص ما يظنّ بصدوره من‏الأخبار،لأنّ الأخذ بمظنون الصدور إنّما هو لاستلزامه الظنّ بالمضمون غالبا،و مقتضى ذلك هو اعتبار الظنّ بالحكم،سواء حصل من الظنّ بالصدور،أو من‏الشهرة و الإجماع المنقول‏ (1) انتهى.فإنّ فيه ما لا يخفى أيضا،لأنّ الأخذ بمظنون الصدور في دائرة الأخبار إنّماهو لأجل العلم الإجمالي مع ضمّ بقيّة المقدّمات،لا لأجل كونه مستلزما للظنّ‏بالمضمون،حتّى نتعدّى إلى الشهرة و الإجماع المنقول،فمجرّد الظنّ بالمضمون‏لم يصر موجبا لوجوب الأخذ بما في أيدينا من الأخبار،بل العلم الإجمالي في‏دائرة الأخبار أدّى إلى ذلك،كما هو واضح.ثمّ إنّه-قدّس سرّه-تصدّى لتقريب مقدّمات الانسداد الصغير بوجه‏آخر،و قال:إنّه سالم عمّا أورد على الوجه الأوّل‏ (2) و لكنّه اعترف بعد أسطر:بأنّ الإشكال الثالث مشترك الورود بين التقريرين.ثمّ بعد كلام آخر قال:لا يخفى عليك أنّ ما ذكرناه من التقريب و إن كان‏يسلم عن كثير من الإشكالات المتقدّمة،إلاّ أنّه يرد عليه...إلخ،و هذا الإيرادهو الإيراد الثاني على التقريب الأوّل مع تغيير العبارة.ثمّ أفاد في جواب«إن قلت»عدم انحلال العلم الإجمالي الكبيربتقريبين،و هو عين الإشكال الأوّل على التقرير الأوّل مع تقريب آخر.

1)فوائد الأصول 3:203-204.

2)فوائد الأصول 3:205 و ما بعدها.


323

و بالجملة:مع تصريحه بعدم ورود شي‏ء من الإشكالات على التقريب‏الثاني،أورد تدريجا جميع الإشكالات المتوجّهة على الأوّل على الوجه الثاني‏أيضا،و هذا لا يخلو من غرابة.ثمّ إنّه في كلامه موارد للأنظار لا بدّ من التعرّض لها و إن يطل الكلام‏فنقول:حاصل تقريبه في الوجه الثاني من التقريبين:هو أنّا نعلم بصدور غالب‏الأخبار التي في أيدينا،و لا إشكال في وجوب الأخذ بما صدر عنهم،بما أنّهاأحكام ظاهريّة في مقابل الأحكام الواقعيّة،فلا يرجع إلى الوجه الأوّل.و حيث لا يمكن لنا تحصيل العلم بالأخبار الصادرة عنهم نتنزّل إلى الظنّ و الأخذبمظنون الصدور.و لا يرد عليه شي‏ء من الإشكالات،فإنّ مبناها كان على أنّ وجوب‏العمل بالأخبار من باب تضمّنها الأحكام الواقعيّة،فيرد عليه:أن العلم‏الإجمالي بالأحكام لا يختصّ بدائرة الأخبار،بل الأمارات الظنّيّة أيضا من‏أطرافه،إلى آخر الإشكالات.و أمّا هذا التقريب فمبنيّ على وجوب العمل بالأخبار لكونها أحكاماظاهريّة،فلا تكون سائر الأمارات التي لم يقم دليل على اعتبارها-من أطراف‏هذا العلم،فإنّها ليست أحكاما ظاهريّة،فدائرة العلم الإجمالي تختصّ‏بالأخبار،و نتيجته الأخذ بمظنون الصدور عند تعذُّر تحصيل العلم التفصيليّ،و عدم وجوب الاحتياط في الجميع،بل مقتضى العلم بصدور غالب الأخبار


324

هو انحلال العلم الإجمالي الكبير،لأنّ ما صدر عنهم يكون بقدر المعلوم‏بالإجمال في دائرة الكبير (1) انتهى.فتلخّص ممّا ذكره:أنّ العلم الإجمالي بالأحكام الظاهريّة ممّا ينجّز العمل‏بالأخبار،و لمّا كانت الأحكام الظاهرية الصادرة بمقدار الأحكام الواقعيّة فيحتمل‏انطباق الأحكام الواقعيّة عليها،و بهذا ينحلّ العلم الإجمالي الكبير في دائرةالعلم الإجمالي الصغير.

ميزان انحلال العلم الإجمالي الكبير في الصغير

أقول:ميزان انحلال العلم الإجمالي الكبير في العلم الإجمالي الصغير:هو أن يكون المعلوم بالعلم الإجمالي الصغير أسبق من المعلوم بالعلم الإجمالي‏الكبير،و يكون المعلوم بالكبير قابلا للانطباق على المعلوم بالصغير،فإذا تحقّق‏الشرطان ينحلّ الكبير في الصغير،و مع اختلال أحدهما لا يتحقّق الانحلال.مثلا:لو فرضنا العلم الإجمالي بوقوع قطرة من الدم في أحد الإناءين في‏صدر النهار،ثمّ حصل العلم بوقوع قطرة أخرى،إمّا في أحدهما أو في ثالث‏في آخر النهار،لا يكون هذا العلم الثاني منجّزا لجميع الأطراف،و ينحلّ في‏الأوّل،لأنّ العلم الأوّل قد تنجّز به الإناءان،و لا يعقل التنجيز فوق التنجيز،فيصير الثالث من الشبهة البدوية،فينحلّ الثاني.لكن لو فرضنا تقارن المعلومين أو تقدم المعلوم في دائرة الكبير على‏

1)نفس المصدر السابق.


325

المعلوم في دائرة الصغير لا ينحل العلم الكبير.أما في المقارن:فلأن التنجيز في جميع الأطراف يكون في عرض واحد،فيكون التنجيز بالنسبة إلى أطراف الصغير مستندا إلى كلا العلمين،و بالنسبة إلى‏الزائد مستندا إلى الكبير،فلا مانع من تأثير العلم في دائرة الكبير كما لا يخفى.و أما في صورة تقدم الكبير فهو أوضح،لأن العلم الإجمالي باعتبارالمعلومين يكون له ثلاث صور،تقدم الصغير على الكبير و بالعكس و تقارنهما.ففي الأولى ينحل العلم في دائرة الكبير دون الباقيتين.هذا كله مع مقارنة العلمين،و أما مع تقدم أحدهما على الآخر ففيه‏تفصيل،و لما كان ما نحن فيه من قبيل الصورتين الأخيرتين فلا معنى للانحلال‏الكبير،فإنّ العلم الإجمالي بكون الأحكام الواقعيّة بين الأخبار و سائر الطرق‏الظنّيّة مقارن بحسب المعلوم و العلم مع العلم الإجمالي بصدور الأخبار من‏الأئمّة الأطهار عليهم السلام.و من مواقع النّظر فيه:أنّه قال:إنّ تقريب مقدّمات الانسداد على هذاالوجه الثاني يقرب ممّا أفاد صاحب الحاشية1و أخوه‏2في الانسداد و إن كان‏1هداية المسترشدين:403-404.صاحب الحاشية:هو الإمام الشيخ محمّد تقي بن محمّد رحيم الأصفهاني،من قرية(إيوان‏كيف)هاجر إلى العراق فحضر عند الوحيد البهبهاني و السيد بحر العلوم و كاشف الغطاء و بعدها.رجع إلى أصفهان و استقر فيها حتى وافاه الأجل في سنة 1248 ه.له عدّة كتب أشهرها هدايةالمسترشدين.انظر هدية الأحباب:204،روضات الجنات 2:123،الكرام البررة 1:217.2الفصول:277 سطر 33-السطر الأخير.أخوه:هو الإمام الشيخ محمّد حسين بن محمّد رحيم الطهراني الأصفهاني الحائري،ولد في‏قرية(إيوان كيف)تلقى أوليات العلوم في طهران،ثمّ انتقل إلى أصفهان و أخذ عن أخيه الشيخ‏محمّد التقي صاحب الحاشية،و بعدها هاجر إلى كربلاء و تقلد المرجعية فيها،له عدّة مؤلفات‏أشهرها الفصول الغروية،انتقل إلى جوار ربه سنة 1254 ه و دفن في حمى سيد الشهداءعليه السلام .انظر الفوائد الرضوية:501،الكرام البررة 1:390.


326

فرق بينهما (1) و تصدّى لبيان الفرق بما لا يرجع إلى محصّل،و ظنّي أنه من‏قصور العبارة،فإنّ الفرق بينهما أظهر من أن يخفى على مثله،لأنّ ترتيب‏المقدّمات في المقام مبنيّ على الانسداد الصغير و انحلال العلم الكبير،و نتيجتها حجّيّة الأخبار المظنونة الصدور،و مبنى كلامهما على الانسداد الكبيرو انحلال دائرة العلم الإجمالي بالواقع في مطلق الطرق،و نتيجتها حجّيّةمطلق الظنّ،سواء كان من الأخبار أو من طرق أخرى غيرها،و لعلّ مراده‏-أيضا-ذلك،فراجع.و منها:أنّه-قدّس سرّه-بعد أن تصدّى لإيراد إشكال على التقريب‏الثاني ممّا يقرب ثاني الإشكالات الواردة على التقريب الأوّل،من أنّ الأحكام‏الظاهريّة ليست في مقابل الأحكام الواقعيّة،بل هي طرق إليها،فيجب العمل‏على الأحكام الواقعيّة من أي طريق حصل العلم بها،و مع فقدانه نتنزّل إلى‏الظنّ بها،لا إلى الظنّ بالصدور،و أورد إشكالا بقوله:«إن قلت»على ذلك‏بأنّ الواجب أوّلا و بالذات و إن كان امتثال الأحكام الواقعيّة،لكنّ العلم بهاينحلّ في دائرة العلم بالأخبار الصادرة التي بمقدار المعلوم بالإجمال في دائرة

1)فوائد الأصول 3:206.


327

الكبير.و تصدّى لجوابه بقوله:«قلت»بوجهين:أحدهما:ما محصّله:إنّ مجرّد العلم بصدور جملة من الأخبار لا يقتضي‏ترتّب الأحكام عليها،فإنّ الحكم الظاهري يتوقّف على العلم به موضوعاو حكما،لا بمعنى أن لا وجود واقعيّ له،فإنّه ضروريّ البطلان،بل بمعنى أنّ‏الآثار المرغوبة من الحكم الظاهري من تنجيز الواقع و العذر منه لا تترتّب عليه مع‏الجهل،بل الأصول العقلائيّة أيضا لا تجري مع الجهل بالصدور،فما لم يعلم‏صدور الرواية تفصيلا لا تجري فيها أصالة الظهور،و لا أصالة الجهة،لعدم العلم‏بظهور ما هو الصادر منها حتّى تجري فيها الأصول العقلائيّة،فلا يمكن أن يترتّب‏على الصادر من الأخبار ما للحكم الظاهري من الآثار،فيبقى العلم الإجمالي‏بالتكاليف الواقعيّة بين الأخبار و الأمارات الظنّيّة على حاله،و لا بدّ من ترتيب‏مقدّمات الانسداد الكبير،و لا أثر للظنّ بالصدور (1) انتهى.و لا يخفى ما فيه،فإنّ توقُّف جريان الأصول العقلائيّة على العلم‏التفصيليّ بما هو الصادر،ممنوع أشدّ المنع،فلو فرضنا العلم الإجمالي بصدورإحدى الروايتين-مثلا-يتضمّن إحداهما وجوب إكرام العلماء،و الأخرى‏وجوب الدعاء عند رؤية الهلال،و تركنا العمل بهما باحتمال إرادة خلاف‏الظاهر منهما،أو احتمال عدم الجدّ في مضمونهما،و اعتذرنا بأنّ الأصول‏العقلائية-من أصالة الظهور و أصالة الجدّ-لا تجري في غير المعلوم بالتفصيل،

1)نفس المصدر السابق.


328

لعدم العلم بظهور ما هو الصادر حتّى تجري فيه الأصول العقلائية،لخرجنا عن‏طريقة العقلاء،و يكون هذا الاعتذار غير موجّه عندهم،كما أنّ الأصول جاريةفي الخبرين المتعارضين اللذين نعلم إجمالا بكذب أحدهما،و إنّما يكون تقديم‏أحدهما على الآخر من باب تقديم الحجّة على الحجّة،و في صورة عدم الترجيح‏و الحكم بالتخيير تجري في كلّ منهما الأصول العقلائيّة من أصالة الظهورو الجهة،فعدم جريان الأصول في أطراف المعلوم بالإجمال ممّا لا وجه له.و بالجملة:لا فرق في انحلال العلم الإجمالي الكبير بين العلم التفصيليّ‏بالصادر بمقدار المعلوم بالإجمال من الأحكام و بين العلم الإجمالي به.نعم لوكان العلم الإجمالي في دائرة الصغير غير مقدّم على الكبير لم ينحلّ الكبير به،كما تقدّم.ثمّ قال في الوجه الثاني ما محصّله:إنّه على فرض تسليم كون الإجمال‏غير مانع عن ترتّب الأحكام الظاهرية على ما صدر من الأخبار،لكن مجرّد ذلك‏لا يكفي في انحلال الكبير،فإنّ تلك الأحكام الظاهرية التي فرض كونها بقدرالمعلوم بالإجمال من الأحكام الواقعيّة لم تحرز بالوجدان،و لم يجب الاحتياطفي جميع الأخبار،لثبوت الترخيص في غير المظنون،و مع هذا لا يمكن‏الانحلال،لعدم كون الأحكام الظاهريّة في مظنون الصدور بمقدار الأحكام‏الواقعيّة في مجموع الأخبار و الأمارات،فإنّ أقصى ما يدّعى هو أنّ مجموع‏ما صدر عنهم عليهم السلام من الأحكام الظاهريّة بقدر التكاليف الواقعيّة،لا أنّ مظنون الصدور بمقدارها،فالترخيص فيما عدا مظنون الصدور يوجب‏


329

نقصا في الأحكام الظاهريّة،و يلزمه زيادة الأحكام الواقعية عن الظاهريّة التي‏يلزم الأخذ بها.و بالجملة:أنّ الترخيص في ترك العمل ببعض الأخبار يوجب نقصا في‏الأحكام الظاهرية،للعلم بأنّ بعض الأحكام الظاهرية يكون في الأخبار التي‏رخص في ترك العمل بها،لأنّ مظنون الصدور من الأخبار ليس بقدر التكاليف‏الواقعيّة،فلا يبقى مجال للانحلال.إن قلت:الأخذ بمظنون الصدور إن كان من باب التبعيض في الاحتياطكان لعدم الانحلال وجه،و أمّا إن كان من باب أنّ الشارع جعل الظنّ‏بالصدور طريقا إلى الأحكام الظاهريّة و ما صدر من الأخبار،فلا محالة ينحلّ‏العلم الإجمالي،لأنّ الأحكام الظاهريّة التي فرضنا أنّها بقدر الأحكام الواقعيّةتكون محرزة ببركة حجّيّة الظنّ،فإنّ نتيجة جعل الشارع الظنّ بالصدور طريقاإلى ما صدر هي أنّ ما عدا المظنون ليس ممّا صدر،و اختصّ ما صدر بمظنون‏الصدور،و المفروض أنّ ما صدر بقدر الأحكام الواقعيّة،فينحلّ العلم‏الإجمالي.قلت:هذا إذا تمّت المقدّمات و وصلت النوبة إلى أخذ النتيجة،فتكون‏النتيجة حجّيّة الظنّ و كونه طريقا إلى ما صدر،و لكن المدّعى أنّه لا تصل النوبةإليه،لأنّ عمدة المقدّمات التي يتوقّف عليها أخذ النتيجة هو عدم جواز إهمال‏الوقائع المشتبهة من الأحكام الظاهريّة،و بعد بطلان هذه المقدّمة بجواز إهمال‏بعض الوقائع-و هو ما عدا المظنون-لا تصل النوبة إلى أخذ النتيجة،فينهدم‏


330

أساس الانحلال قبل أخذ النتيجة (1) انتهى كلامه رفع مقامه.و فيه أوّلا:أنّ نتيجة الانسداد الصغير أو الكبير هو التبعيض في الاحتياطكما سيأتي‏ (2) لا حجّيّة الظنّ كشفا أو حكومة،و لم نعلم زيادة الأحكام الواقعيّةعمّا يجب الاحتياط فيه من الأطراف،فدعوى زيادتها عن المظنون لا ينهدم بهاأساس الانحلال.نعم لو ادّعى زيادتها عمّا يجب الاحتياط فيه كان له وجه،لكنّها بمكان من المنع.و ثانيا:أنّه-مع تسليم كون النتيجة حجّيّة الظنّ بالصدور،و تسليم كون‏الأحكام الواقعيّة زائدة عمّا ظنّ صدوره-يكون العلم الإجمالي الكبير قاصراعن تنجيز أطرافه،و هو عين الانحلال أو في حكمه،لأنّ المفروض أنّ الأحكام‏الواقعيّة ليست زائدة عمّا صدر،و ما صدر إنّما هو بين المظنونات و المشكوكات‏و الموهومات،و المظنونات واجبة العمل،و الباقي مرخّص فيه،ففي رتبة المعلوم‏بالعلم الإجمالي الكبير يكون بعض أطرافها واجب العمل،و بعضها مرخّص‏فيه،و لا يكون المعلوم بالكبير زائدا عنهما،فلا يمكن تنجيزه للأطراف الاخر.مثلا:لو فرضنا العلم بنجاسة إناءين في خمسة،و احتملنا الزيادة،و علمنا بنجاسة إناءين في ثلاثة منها و احتملنا التطبيق،و كان المعلوم بالعلم‏الثاني مقدّما على المعلوم بالعلم الأوّل،مع مقارنة العلمين،أو تقدّم الثاني‏على الأوّل،يصير العلم الإجمالي الكبير منحلا بواسطة الصغير،لأنّ تنجيز

1)فوائد الأصول 3:209 و ما بعدها.

2)انظر صفحة رقم:357 و ما بعدها.


331

الصغير للأطراف،لمّا كان مقدّما على الكبير لم تصل النوبة إلى تنجيز الكبيرلهذه الأطراف،و لا يعقل التنجيز فوق التنجيز،و لمّا احتملنا انطباق المعلوم‏بالكبير على المعلوم بالصغير يصير الكبير-لا محالة-منحلا،كما ذكرنا سابقا.و لو فرضنا أنّ بعض أطراف الصغير صار منجّزا بمنجّز خاصّ،و بعضهاصار مرخّصا فيه بمرخّص،و تكون الأطراف المنجزة أقلّ عددا من المعلوم بالعلم‏الإجمالي الكبير،لا يصير العلم الإجمالي الكبير-الّذي كان ساقطا عن التأثير-مؤثّرا بواسطة كون المنجّز في الصغير أقلّ عددا من المعلوم بالعلم الكبير،لأنّ‏المنجّز و إن كان أقلّ،لكنّه مع الأطراف المرخّص فيها بمقداره،فإذا صار بعض‏الأطراف قبل تنجيز العلم جميع الأطراف منجّزا أو مرخّصا فيه-سواء كان‏التنجيز و الترخيص مقدّمين على العلم الإجمالي الكبير أو مقارنين معه،و يكون كلاهما بمقدار المعلوم،و يحتمل انطباق المعلوم عليه-يصير العلم‏لا محالة منحلا،لأنّ العلم بالتكليف الفعلي على جميع التقادير من أركان‏تنجيز العلم الإجمالي،و هو في المقام مفقود،لأنّ المعلوم إذا انطبق على‏المرخّص فيه و المنجّز التفصيليّ،لا يكون التكليف فعليّا.نعم لو فرض الترخيص في الزمان المتأخّر عن العلم الإجمالي يكون‏تنجيزه للأطراف الاخر بحاله،لأنّ تنجيز جميع الأطراف بالعلم الإجمالي بعدتحقُّقه لا يسقط بواسطة الترخيص في بعضها للاضطرار أو الحرج،على تفصيل‏يأتي في محلّه إن شاء اللَّه‏ (1) .

1)انظر صفحة رقم:352-353.


332

و ثالثا:أنّ تسليمه في جواب«إن قلت»بأنّه إذا تمّت المقدّمات،و وصلت النوبة إلى أخذ النتيجة،و صار الظنّ حجّة،ينحل العلم الإجمالي-في غير محلّه،فإنّه مع فرض العلم بكون الأحكام الواقعيّة زائدة عن مظنون‏الصدور-و إن كان الصادر بمقدارها-لا معنى لانطباقها عليه،لأنّ انطباق‏الأكثر على الأقلّ غير معقول،فدليل اعتبار الظنّ لا يمكن أن يخصّص الأخبارالصادرة-التي بمقدار الأحكام الواقعيّة-بالمظنون الصدور الّذي هو أقلّ منها.و رابعا:أنّ ما أفاده-من عدم وصول النوبة إلى أخذ النتيجة من جهةجواز إهمال بعض الوقائع،و هو ما عدا المظنون،فينهدم أساس الانحلال قبل‏أخذ النتيجة-ليس على ما ينبغي،لأنّ جواز الإهمال-الّذي هو من مقدّمات‏الانسداد الصغير-مع ضمّ باقي المقدّمات يكشف عن حجّيّة الظنّ من أوّل‏الأمر،لا أنّ المقدّمات موجبة لحجّيّته،فالمقدّمات هي الدليل الإنّي الكاشف عن‏جعل الشارع حجية الظنّ في موضوع الانسداد،لا أنّها موجبة لها،حتى تكون‏الحجّيّة متأخّرة عنها واقعا،فينهدم أساس الانحلال قبل أخذ النتيجة،تأمّل.


333

في ما استدل به على حجية مطلق الظن‏

قوله:الأوّل:أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه...إلخ‏ (1) .(1)أقول:الفرق بين هذا الدليل و بين الدليل المعروف بالانسداد:هو أنّ هذاالوجه مركّب من صغرى هي أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّة مظنّة للضرر،و كبرى‏هي أنّ الضرر المظنون واجب التحرّز عقلا،ينتج:أنّ مخالفة المجتهد لما ظنّه‏واجب التحرّز عقلا.و أمّا دليل الانسداد فهو مركّب‏من‏مقدّمات لا تشترك مع هذاالوجه في شي‏ء منها،فكلّ من الوجهين يسلك مسلكا غير مربوط بالآخر،و هما لا يشتركان في شي‏ء-إلاّ النتيجة-حتّى نحتاج إلى إبداء الفرق‏بينهما.فما أفاده بعض أعاظم العصر قدّس سرّه-من أنّ الفرق بينهما في توقّف‏

1)الكفاية 2:107.


334

أحدهما على انسداد باب العلم و العلميّ،بخلاف الآخر (1) الظاهر منه أنّ هذاما به الافتراق بينهما بعد اشتراكهما في غيره-ليس في محلّه،لما عرفت من‏عدم الاشتراك بينهما أصلا في شي‏ء من المقدّمات.لا يقال:لو جاز إهمال الوقائع المشتبهة،و ترك التعرّض لها بالرجوع إلى‏البراءة في جميع موارد الشكّ في التكليف،لم ينتج هذا الوجه،فإنتاجه يتوقّف‏على إبطال جواز الإهمال،و هو عين إحدى مقدّمات الانسداد.فإنه يقال:لو صحت الكبرى و الصغرى المأخوذتان في هذا الوجه،فهماتنتجان بلا احتياج إلى ضمّ هذه المقدّمة،فإنّ جواز الإهمال مناف للصغرى كمالا يخفى.ثمّ إنّ المحقق المعاصر-رحمه اللَّه-قد أطال الكلام في هذا الوجه،و نحن‏لا نذكر كلامه بطوله،و لكن ننبّه على محالّ أنظار فيه،و الطالب يرجع إلى‏تقريرات بحثه:قوله-قدّس سرّه-في المقام:فهي ممّا لا ينبغي التأمّل و الإشكال فيها...إلخ‏ (2) .بل للتأمّل و الإشكال فيها مجال واسع،فإنّ الإنسان-بل كلّ حيوان-و إن يدفع الضرر عن نفسه بمقتضى جبلّته و قوّته الدافعة عن مضارّه،و لكنّ‏حكمه العقلي بقبح الإقدام على ما فيه مظنّة الضرر-بحيث يستكشف منه حكما

1)فوائد الأصول 3:214.

2)نفس المصدر السابق.


335

شرعيّا لو التزمنا بالملازمة-فلا،فهذه جبلّة حيوانيّة مشتركة بين الحيوانات.قوله:لا يكاد يتحقّق الشكّ...إلخ‏ (1) .بل قد يتحقّق الشكّ و لو قلنا بأنّ البيان هو البيان الواصل،فإنّه قد يشكّ‏في كفاية مقدار الفحص،و منه يتولّد الشك بأنّ المورد من موارد قبح العقاب‏بلا بيان،أو من موارد دفع الضرر المحتمل،إلاّ أن يكون مورد جريان قاعدة قبح‏العقاب هو إحراز كفاية الفحص.قوله:و إلاّ يلزم التسلسل...إلخ‏ (2) .ليس هذا هو التسلسل الاصطلاحي،بل بمعنى عدم الوقوف إلى حدّ.قوله:إنّ الظاهر من تسالم الأصحاب...إلخ‏ (3) .قد ذكرنا سابقا (4) :أنّ حكم العقل بقبح التشريع ليس حكما واحدا بمناطواحد،بل حكمان بمناطين،و الآن نقول:إنّ حكمه بقبح الإقدام على ما لايؤمن معه الوقوع في الضرر-على فرضه-حكم طريقي لمناط عدم الوقوع فيه،و الإقدام على الوقوع في الضرر الواقعي حكم موضوعي،فللعقل بالضرورةحكمان:أحدهما متعلّق بموضوع واقعي،و الآخر حكم طريقي لحفظ الواقع،كما في الظلم،فالإقدام على مقطوع الظلم و الضرر أو مظنونهما قبيح،لا لأجل الموضوعيّة و الاستقلال،بل لأجل الطريقيّة.

1)فوائد الأصول 3:216.

2)فوائد الأصول 3:217.

3)نفس المصدر السابق.

4)انظر صفحة رقم:225 و ما بعدها.


336

و بالجملة:قبحه قبح التجرّي لو لم يصادف الواقع.و العجب منه-قدّس سرّه-حيث استظهر حكم العقل من تسالم‏الأصحاب على حكم شرعيّ،مع أنّه لا معنى للاستظهار في باب الأحكام‏العقلية،و لا معنى للتقليد فيها.و أمّا تسالم الأصحاب-على وجوب الإتمام في سلوك الطريق الّذي‏لا يؤمن‏معه‏من الوقوع في الضرر،معلّلا بكونه معصية-على فرض‏صحّته،فهو لا يدلّ على أنّ حكمهم إنّما يكون بملازمة حكم العقل،لإمكان‏أن يكون حكما تعبّديّا شرعيّا ابتدائيّا يكشف عنه إجماعهم و تسالمهم عليه.مع أنّ للخدشة في أصل الحكم مجالا واسعا،فإنّ الفتوى بإتمام الصلاةلا يلزم أن تكون لأجل المعصية،بل يمكن أن يستفاد حكمه من بعض روايات‏التصيّد اللهوي،و لا يلازم إتمام الصلاة كون السفر معصية،كما في باب السفرللصيد اللهوي،فإنّ حرمته محلّ إشكال و خلاف،مع أنّ لزوم الإتمام متسالم‏عليه بين الأصحاب.هذا،مع أنّ التجرّي عند كثير منهم معصيّة (1) فلعلّ الإقدام على مظنون‏الضرر يكون معصية لأجل كونه طريقا إلى الوقوع في الضرر الحرام‏عندهم،فتدبّر.قوله:في سلسلة علل الأحكام...إلخ‏ (2) .

1)الكفاية 2:18،نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:30-31.

2)فوائد الأصول 3:218.


337

لو قلنا بأنّ احتمال الضرر طريقيّ لحفظ الواقع،لم يكن في سلسلة علل‏الأحكام،بل يكون في سلسلة المعلولات.و المراد من العلل و المعلولات هو ما يتقدّم على الحكم و ما يتأخّر عنه،لا العلل و المعلولات الحقيقيّة كما لا يخفى.و بالجملة:قبحُ الإقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر لو كان طريقيالا يستكشف منه الحكم الشرعي المولوي،لكونه في سلسلة المعلولات،فماذكره من عدم الفرق ليس في محلّه.قوله:و لو موجبة جزئية ممّا لا سبيل إليها (1) .قد ذكرنا فيما سبق تصوير كون المصلحة في الأمر بنحو الموجبة الجزئيّة،فراجع‏ (2) .قوله:فإن كان من العبادات...إلخ‏ (3) .هذا غريب منه-قدّس سرّه-فإنّ قصد الامتثال لا يدور مدار العلم‏بالتكليف.نعم لو كان المراد بالقصد الجزم بالنيّة فهو و إن يتوقّف على ذلك،لكن‏صحّة العبادة لا تتوقّف عليه،و لا تكون العبادة بدونه تشريعا محرّما،فما تتوقّف‏عليه العبادة هو كونه للّه و لو على نحو الرجاء و الاحتمال،و هذا ممّا يمكن‏

1)فوائد الأُصول 3:219.

2)انظر صفحة رقم:155 و ما بعدها.

3)فوائد الأُصول 3:220.


338

قصده،و تصحّ العبادة معه،فما أفاده-من أنّ المصلحة تدور مدار قصدالامتثال،و هو يدور مدار العلم بالتكليف أو ما يقوم مقامه،و مع الظنّ الغيرالمعتبر لا يتمكّن المكلّف منه إلاّ على نحو التشريع المحرّم‏ (1) -ليس في محلّه،و غريب منه جدّاً.ثمّ إنّه لو فرضنا عدم تمكّن المكلّف من إتيانها كذلك،فلا يلزم منه رفع‏الملازمة بين الظنّ بالتكليف العبادي و الظنّ بالضرر،لأنّ تمكّن المكلّف من‏الإتيان أو عدم تمكّنه غير مربوط بالمصالح الكامنة في العبادات،فالظنّ‏بالتكليف-عباديّا كان أو غيره-يلازم الظنّ بالمصالح و المفاسد،و مع تسليم‏كون ترك المصالح و إتيان المفاسد من الضرر،لا معنى لرفع الملازمة بمجرّد عدم‏التمكّن من إتيان العبادة المتقوّمة بقصد الامتثال،فما أفاده-من أنّ حالَ المصلحةفي العبادات حالُ العقاب في عدم الملازمة بين الظنّ بالحكم و بين الظنّ بالحكم و بين الظنّ بها-ممّالا سبيل إلى تصديقه،و أغرب من شقيقه.ثمّ إنّه-قدّس سرّه-فرّق بين الأحكام النظاميّة و الشخصيّة،و التزم بعدم‏حكم العقل بقبح الإقدام على ما فيه الضرر النوعيّ و المفسدة النظاميّة النوعيّة،و إنما يحكم بقبح الإقدام على ما لا يؤمن منه الضرر الشخصيّ‏ (2) .هذا،و أنت خبير بما فيه،فإنّ العقل يحكم بقبح الإقدام على ما فيه‏المفاسد النوعيّة،خصوصا لو كانت من قبيل اختلال النظام و تفرُّق شمل‏

1)نفس المصدر السابق.

2)فوائد الأصول 3:220-221.


339

المجتمع،فلو أقدم أحد على ما فيه انقراض الحكومة من بين البشر حتّى يرجع‏المجتمع إلى اللانظامي التوحّشي المنتهي إلى اختلال أمورهم و سلب الأمن‏و الأمان من بينهم،لكان فعله هذا من أقبح القبائح بضرورة العقل،و كذلك‏الإقدام على ما يكون مظنّة لذلك ممنوع عقلا،بل احتماله أيضا منجّز في نظرالعقل،لكمال أهميّته.و أمّا المضارّ الشخصيّة فاحتراز الإنسان-كسائر الحيوانات-منها بحسب‏الجبلّة الحيوانيّة مسلَّم،لكن كون الإقدام عليها أو على ما لا يؤمن‏معه‏من‏الوقوع فيها قبيحا عند العقل-و يكون هذا من الأحكام العقلائيّة أو العقليّةحتّى يرى العقل صحّة عقوبة المولى لذلك-فلا.و الحقّ:أنّ التفصيل ثابت،لكن بعكس ما أفاده رحمه اللَّه.قوله:سلك مسلكا آخر في منع الصغرى...إلخ‏ (1) .ما سلكه الشيخ-قدّس سرّه-هو منع الكبرى لا الصغرى،كما يظهربالتأمّل فيما نقله عنه،فإنّ حاصل ما أفاده:أنّ الضرر المظنون بواسطة ترخيص‏الشارع بأدلّة البراءة و الاستصحاب متدارك،و العقل لا يستقلّ بقبح الإقدام‏على الضرر المتدارك و المفسدة المتداركة (2) .و هذا منع الكبرى،فإنّ الضرر المتدارك ضرر عقلا،لا أنّه ليس بضرر،نعم العرف يتسامح في سلب الضرريّة عنه،لكنّ الميزان في المقام هو الحكم‏

1)فوائد الأصول 3:222.

2)فرائد الأصول:109-110.


340

العقلي،و العقل يحكم بأنّ القبيح هو الإقدام على الضرر الغير المتدارك‏لا المتدارك.و إن شئت قلت:هذا نفي كليّة الكبرى،لمنع كلّيّة قبح الإقدام على كلّ‏ما لا يؤمن معه الضرر.قوله:و ذلك ينحصر بالتعبّد بالأمارات‏ (1) .هذا حقّ لو كانت الأمارات مجعولات شرعيّة،و أمّا لو كانت الأمارات‏أمورا عقلائيّة-يعمل بها العقلاء في جميع أمور معاشهم و سياساتهم-فلايكون وقوعهم في الضرر و المفسدة بإيقاع الشرع،و الأمارات كلّها عقلائيّة،و إنّما لم يردع عنها الشارع،و مجرّد عدم ردعه إيّاهم لا يوجب الإيقاع في‏المفسدة من قبله.و أمّا الأصول العمليّة فيمكن أن يقال:إنَّ ترخيص الشارع بنحو العموم‏لكلّ مشتبه إغراء للمكلَّف في الوقوع في المفسدة،و ذلك-أيضا-قبيح و لو في‏مورد حكم العقل بجواز الارتكاب.لا يقال:إنّ أدلّة حجّيّة الأمارات-أيضا-إغراء له فيها.فإنّه يقال:ليس في الآيات و الأخبار التي استدلّوا بها لحجيّتها دليل يصحّ‏الاعتماد عليه في الترخيص في العمل بالأمارات بنحو الإطلاق،و إنّما هي أدلّةفي موارد خاصّة و أشخاص معلومة،و لعلّهم كانوا مأمونين عن تخلُّف قولهم‏للواقع،لشدّة تحفّظهم و تقواهم.

1)فوائد الأصول 3:222.


341

و بالجملة:أنّ القضايا الشخصيّة لا يمكن أن تكون ميزانا لشي‏ء،و أمّا أدلّةالأصول فهي أدلّة مطلقة أو قضايا كليّة تدلّ على الترخيص و الإغراء.اللّهمّ إلاّ أن يقال:إنّ المستفاد من الأخبار هو إمضاء العمل على طبق‏قول الثقة مطلقا،كما لا يبعد،بل يظهر من بعضها،فتصير حالها حال أدلّةالأصول.قوله:و أمّا ثانيا فلأنّ العموم‏ (1) ...أقول:فيه أوّلا:أنّ دعوى عدم شمول العموم لما له مئونة زائدة-مثل‏ما نحن فيه-ممّا لا وجه لها،ضرورة عدم كون مثل تلك المئونة الزائدة مانعا عن‏شمول العامّ،فإنّ الكشف عن تدارك الضرر و المفسدة إنّما يكون بعد شمول‏العامّ للمظنونات،و لا يعقل أن يكون المنكشف مانعا عن شمول العامّ الكاشف‏له،مع أنّ في أصل الدعوى مطلقا ما لا يخفى.و ثانيا:سلّمنا ذلك،لكن يكون ما نحن فيه ممّا استثناه من القاعدةالمتوهّمة،للزوم عدم شمول العامّ للمظنونات عدم شموله للمشكوكات‏و الموهومات-أيضا-لتوقّف شموله على إثبات تدارك المفسدة و الضرر،مطلقا،و لا وجه للاختصاص بالمظنونات،لأنّ التدارك لازم ترخيص المولى مع تخلّف‏المرخَّص فيه عن الواقع،فلو رخَّص المولى في ارتكاب المشكوكات،و ارتكب‏العبد لأجل الترخيص،و صادف الحرام الواقعي،أو ترك لأجله،و صادف‏الواجب الواقعي،لكان الوقوع في المفسدة لأجل ترخيصه،فلا بدّ من جبرانه‏

1)فوائد الأصول 3:223.


342

و تداركه من غير فرق بين المظنون و غيره،و الظنّ الغير المعتبر عند العقلاء حاله‏حال الشكّ،فما أفاده-من أنّه لا يلزم من عدم شموله للمظنونات بقاء العموم‏بلا مورد،لأنَّ المشكوكات و الموهومات تبقى تحت العامّ‏ (1) -في غير محلّه.قوله:لا يبقى موقع للبراءة و الاستصحاب‏ (2) .أقول:عدم بقاء الموقع للبراءة و الاستصحاب يتوقّف على حكومة الحكم‏المستكشف من الحكومة العقليّة بقبح الإقدام على ما لا يؤمن معه الضرر،و هوغير معقول،لأنّ العقل كما يستقلّ بقبح الإقدام على ما لا يؤمن معه الضرر،كذلك يستقلّ بعدم قبح الإقدام على الضرر المتدارك،فهما حكمان يستقلّ بكلّ‏منهما العقل،و هذا ممّا لا إشكال فيه.إنّما الإشكال في كون ما نحن فيه-أي مورد الظنّ بالحكم-يكون صغرى‏لأيّ منهما حتّى لا يبقى للآخر مجال؟و الحقّ:أنّه صغرى للضرر المتدارك،فإنّ الظنّ الغير المعتبر يكون‏موضوعا لأدلّة البراءة و الاستصحاب،فإنّ موضوعهما هو عدم العلم و الشكّ،و الفرض شمولهما للظنّ الغير المعتبر أيضا،و أمّا الظنّ بالضرر فهو متأخّر رتبةعن الظنّ بالحكم،فإنّ الظنّ بالحكم كاشف عن المضارّ و المنافع و المصالح‏و المفاسد،فالظنّ بالضرر متأخّر عن الظنّ بالحكم،و تطبيق حكم العقل بقبح‏الإقدام على الضرر المظنون على الصغرى متأخّر عن الظنّ بالضرر،و كشف‏الحكم الشرعي بحكم الملازمة متأخّر عن الحكم العقلي،لكونه منكشفا منه،

1)نفس المصدر السابق.

2)نفس المصدر السابق.


343

فالظنّ بالحكم متقدّم على الظنّ بالضرر،و هو متقدّم على تطبيق حكم العقل‏بقبح الإقدام على الصغرى،و هو متقدّم على الحكم الشرعي المنكشف منه،فإذا تحقّق الظنّ بالحكم جرت قاعدة البراءة و الاستصحاب بلا مانع في البين،فإنّ موضوعهما الظنّ بالحكم،و قد تحقّق،و الفرض أنّ المانع ليس في هذه‏المرتبة،و في الرتبة الثانية يتحقّق الظنّ بالضرر،لكن في هذه الرتبة يكون‏التدارك بواسطة حكم الشرع بالترخيص ثابتا،فرتبة الظنّ بالضرر هي رتبةالتدارك،فيصير موضوعا لحكم العقل بعدم القبح،لا حكمه بالقبح،فلا تصل‏النوبة إلى قاعدة قبح الإقدام على الضرر حتّى ينكشف الحكم الشرعي،و تتحقّق الحكومة،أو تتحقّق حكومة الحكم العقلي.فتحصّل من جميع ذلك:أنّ تصحيح الحكومة و الورود يتوقّف على تقدُّم‏الشي‏ء على نفسه،فالحقّ ما أفاده الشيخ في هذا المقام‏ (1) لا في مبحث البراءةمن أنّه لا تجري البراءة العقليّة و الشرعيّة في موارد الظنّ بالضرر الدنيوي،كمانقل عنه‏ (2) .قوله-رحمه اللَّه-:و لو سلّم...إلخ‏ (3) .أقول:هذا منه غريب،فإنّه مع تسليم ملازمة الظنّ بالحكم للظن بالضررالدنيوي و الأخروي معا،فكيف يمكن جريان البراءة بالنسبة إلى الضرر

1)فرائد الأصول:109-110.

2)فرائد الأصول:222 سطر 4-15.

3)نقله في فوائد الأصول 3:224.


344

الأخروي؟!فهل ترى من نفسك:أنّه مع احتمال العقاب تجري البراءة العقليّة،فضلا عن الظنّ به؟!فالظنّ بالحكم إذا حصل منه الظنّ بالعقاب يصير من موارداستقلال العقل بقبح الإقدام عليه،لا من مورد جريان قبح العقاب بلا بيان،فالظن بالحكم لا يلازم الظنّ بالعقاب و لا احتماله،إلا مع كونه بيانا و معتبرا،فراجع كلامه.و لعلّ الخلط وقع من الفاضل المقرّر رحمه اللَّه تعالى.


345

في مقدمات الانسداد

قوله:الرابع:دليل الانسداد...إلخ‏ (1) .(1)اعلم:أنّه قد وقع الخلط و سوء الترتيب من الأعلام في تنظيم مقدّمات‏الانسداد:أمّا أوّلا:فلأنّ دليل الانسداد لا يتألّف من أربع‏ (2) أو خمس‏ (3) مقدّمات،و إنّما هو قياس استثنائي متألّف من شرطيّة و حمليّة،ينتج رفع التالي رفع المقدّم‏-كما سيأتي بيانه-فدليل الانسداد يتألّف من مقدّمتين،لا مقدّمات،كماهو الشأن في سائر الأقيسة.و أمّا ثانيا:فلأنّ كلّ ما هو دخيل في إنتاج حجّية الظنّ لو عدّ مقدّمة برأسه‏

1)الكفاية 2:114.

2)فرائد الأصول:111-112،درر الفوائد 2:64.

3)الكفاية 2:114-115.


346

على رغم علماء المنطق و علمهم لصارت المقدّمات أكثر ممّا ذكروا،فإنّ بطلان‏الاحتياط مقدّمة برأسه،و له دليل مستقلّ،و بطلان التقليد كذلك،و كذلك‏بطلان الرجوع إلى الأصل الجاري في كلّ مسألة،بل و انسداد باب العلم غيرانسداد باب العلميّ موضوعا و دليلا،فلا وجه لحصر المقدّمات في أربع أوخمس.و أمّا ثالثا:فلأنّه قد وقع الخلط في أخذ المقدّمات،فأخذت المقدّمة التي‏بلا واسطة تارة،و التي مع الواسطة أخرى،و أيضا في مقدّمة أخذت العلّة،و في الأخرى أخذ المعلول،و هو خلاف نظم البرهان،فمن أراد تنظيم البرهان‏على الوجه المقرّر في علم الميزان لا بدّ له من ترتيب المقدّمات القريبة المنتجة بلاواسطة،و أمّا أخذ مقدّمات المقدّمات و عللها فهو خلاف الترتيب،فضلا عن‏اختلاط القياس من المقدّمات التي بلا واسطة و التي مع الواسطة،كما وقع‏منهم في المقام،فإنّ العلم الإجمالي بالأحكام،و انسداد باب العلم و العلمي،و قبح ترجيح المرجوح على الراجح،من المقدّمات البعيدة و علل المقدّمات‏المنتجة في القياس.و بطلان إهمال الوقائع المشتبهة و الرجوع إلى البراءة،و بطلان الاحتياط و التقليد و الرجوع في كلّ مسألة إلى الأصل الجاري فيها،من‏المقدّمات القريبة المنتجة.فالأولى تنظيم البرهان على النَّظم القياسي المنطقي،فيقال:لو لا حجّيّة الظنّ المطلق،أو لو لا وجوب العمل بالظنّ المطلق،للزم‏-على سبيل منع الخلوّ-:إمّا إهمال الوقائع المشتبهة و الرجوع إلى البراءة في‏


347

جميع موارد الشكّ،و إمّا العمل على العلم التفصيليّ في جميع الوقائع،و إمّاالعمل على طبق الطرق الخاصّة العلميّة،و إمّا الاحتياط في جميع الوقائع،و إمّاالرجوع إلى فتوى الغير،و إمّا الرجوع إلى الأصل الجاري في كلّ مسألة من‏الاستصحاب و البراءة و غيرهما،و إمّا العمل على طبق المشكوكات‏و الموهومات،و التالي بجميع شقوقه فاسد:أمّا فساد إهمال الوقائع،فللعلم الإجمالي بالأحكام و الإجماع و غيرهما.و إمّا فساد العمل على طبق العلم التفصيليّ أو الطرق،فلانسداد باب‏العلم و العلمي.و أمّا فساد الاحتياط التامّ،فللزوم اختلال النظام أو العسر و الحرج.و أمّا فساد الرجوع إلى فتوى الغير،فلأنّه من رجوع العالم إلى الجاهل‏بنظره.و أمّا فساد الرجوع في كلّ مسألة إلى الأصل الجاري فيه،فلعدم كفايتهاو غير ذلك.و أمّا فساد الأخذ بالمشكوكات و الموهومات،فلقبح ترجيح المرجوح على‏الراجح.فإذا بطل التالي بجميع شقوقه بطل المقدّم،و هو عدم حجّيّة الظنّ،أوعدم وجوب العمل به،فيلزم منه حجّيّته أو وجوب العمل به في الجملة.و سيأتي‏ (1) توضيح المقدّمات تفصيلا،و المقصود هاهنا التنبيه على أنّ‏

1)انظر صفحة رقم:346 و ما بعدها.


348

دليل الانسداد قياس استثنائي مؤلّف من شرطيّة هي:لو لا كذا للزم كذا و كذا،و حمليّة هي:و التالي بجميع تقاديره باطل.و لا بدّ للمستدلّ من إثبات كلا1الأمرين حتّى ينتج القياس:أحدهما:إثبات التلازم بين المقدّم و التالي،و هو إنّما يحصل بإثبات‏الحصر العقلي بين التوالي بنحو منع الخلوّ،و إثبات عدم خلوّ الواقع عن‏الترديدات الواقعة في التالي حتّى ينتج بطلانها بطلان المقدّم،فيصير نقيضه‏حقّا.و ثانيهما:إثبات بطلان التوالي بأسرها و جميع تقاديرها،فمع حقّيّةالمقدّمتين ينتج القياس.و لا إشكال و لا كلام في الأمر الأوّل و المقدّمة الأولى،و إنّما الإشكال‏و الكلام في المقدّمة الثانية،أي بطلان التالي،و بما ذكرنا و أوضحنا-من كيفيّةتشكيل القياس المنتج-اتّضح الخلط الواقع من الأعلام في المقام من أخذ مقدّمةالمقدّمة مقام المقدّمة،و العلّة مقام المعلول،و الخلط بين المقدّمات التي مع‏الواسطة و التي بلا واسطة،فتدبّر تعرف.فلا بدّ للتعرّض لكلّ تقدير من التالي و التفتيش و الفحص عن حقّيّته‏و بطلانه،فنقول:أمّا بطلان العمل بالعلم التفصيليّ في جميع الوقائع فهو ضروري.و أمّا بطلان العمل بالعلميّ فهو مردود،لأنا قد فرغنا-بحمد اللَّه تعالى-1في(الأصل):أحد بدل:كلا.


349

عن حجّيّة الخبر الواحد،و هو واف بجميع الفقه من الطهارة إلى الدّيات،فدليل‏الانسداد-مع عرضه العريض و طول مباحثه-فاسد من أصله،و التعرّض له ممّالا طائل تحته،و إنّما هو محض تبعيّة المحقّقين و أساطين الفنّ رحمهم اللَّه.و لا ينقضي تعجّبي من الفاضل المقرّر لبحث بعض أعاظم العصر-رحمهما اللَّه-حيث بالغ في شكر مساعي شيخه الأستاذ في إفادة الدقائق‏العلميّة التي تقصر عنها الأفهام في دليل الانسداد (1) مع أنّ هذه الدقائق العلميّةالتي زعمها حقائق رائجة،مع الغضّ عن المناقشات الكثيرة فيها،و الإشكالات الواضحة عليها،كما سيأتي‏ (2) عند التعرّض لبعضها لا تفيد شيئا،لبطلان أساس الانسداد،فلا بدّ من شكر مساعي هذا المحقّق و سائر مشايخ العلم‏و أساطين الدين،لكن في غير هذا المبحث الّذي لا يفيد علما و لا عملا،و التعرّض لهذه المباحث مع طولها و عدم فائدتها العمليّة المتوقّعة من القواعدالأصولية لو لا غرض تشييد الأذهان و تحصيل قوّة الاجتهاد للمشتغلين و طلاّب‏العلوم،لكان الاستغفار منه للمتعرّض لها أولى من التشكّر،ككثير من‏المباحث المبحوث عنها في علم الأصول.و أمّا بطلان إهمال الوقائع المشتبهة فهو ضروريّ لا يحتاج إلى إقامةالبرهان،و قد استدلّ عليه بوجوه:الوجه الأوّل:الإجماع القطعيّ التقديريّ من كلّ من يحفظ منه العلم،

1)فوائد الأصول 3:225-226.

2)انظر صفحة رقم:352 و ما بعدها.


350

فإنّ المسألة و إن لم تكن معنونة في قديم الزمان،لكن القطع حاصل بأنّ إجماع‏العلماء في جميع الأعصار و الأمصار حاصل بأنّ ترك المشتبهات و إهمالها رأساغير جائز (1) .هذا.و فيه:أنّ هذا الاتّفاق لا يستكشف منه رأي المعصوم،و لا الدليل التعبّدي‏الّذي هو مبنى حجّيّة الإجماع،فإنّ المسألة عقليّة صرفة يمكن أن يكون مبناهاهو العلم الإجمالي بالأحكام،فإنّ تنجيز العلم الإجمالي و كونه كالتفصيلي في‏حرمة المخالفة القطعيّة ممّا لا ينبغي الشبهة فيه.و بالجملة:هذه المسألة ليست من المسائل التي يكون اتّفاقهم فيها كاشفاعن الدليل التعبّدي المعتبر.الوجه الثاني:لزوم الخروج من الدين،لقلّة الأحكام المعلومة بالتفصيل،بحيث يعدّ الاقتصار عليها و ترك التعرّض للوقائع المشتبهة خروجا من الدين،و تاركه غير ملتزم بأحكام سيّد المرسلين صلوات اللَّه عليه و آله أجمعين-و ذلك‏مرغوب عنه شرعا و إن لم نلتزم بتنجيز العلم الإجمالي‏ (2) .و فيه أوّلا:أنّ عدم التعرّض للمشتبهات و إن يلزم منه المخالفات الكثيرة،لكن كون ذلك بمثابة الخروج من الدّين،و كون الملتزم بصرف ضروريّات الفقه‏و إجماعيّاته و متواترات الأحكام و ما يستفاد من الكتاب خارجا من الدين و غيرملتزم بأحكام الإسلام،ممنوع،ضرورة أنّ الآتي بالصلاة و الصيام و الحجّ‏

1)فرائد الأصول:112-113.

2)فرائد الأصول:113 سطر 5-8.


351

و سائر الأحكام الضروريّة مع ما يستفاد من أحكامها من الإجماع و الضرورةو المتواتر من النقل،لا يعدّ خارجا من الدين،فإنّ صورة هذه الفروع الضروريّةمع كثير من أحكامها من قبيل ما ذكر،و الفروع الخلافيّة أمور خارجة عن‏حقائقها،أو داخلة لكن لا يكون التارك لها غير آت بتلك الحقائق،فمن صلّى‏مع الطهور و القبلة و الستر و سائر الشرائط و الأجزاء-التي تكون متسالما عليهاعند الفقهاء بواسطة الإجماع أو الضرورة أو النقل المتواتر أو دلالة الكتاب‏العزيز-و أتى بصيام شهر رمضان مقتصرا على ما يكون مفطّرا كذلك،و أتى‏بالحجّ و الزكاة و الخمس و سائر الواجبات التي تكون كذلك،و ترك المحرّمات‏المسلّمة،لا يعدّ خارجا من الدين،بحيث يعدّ هذا محذورا مستقلا في مقابل‏منجّزيّة العلم الإجمالي،نعم الآتي بالتكليفات كذلك غير آت بها،لمكان‏العلم الإجمالي بترك أجزاء أو شرائط دخيلة فيها،أو إتيان منافيات لها.و بالجملة:ليس ما وراء العلم الإجمالي بالمخالفات الكثيرة أمر آخرمرغوب عنه يكون مستقلا في مقابله.و ثانيا:لو سلّم كون هذا محذورا مستقلا لدى الفقهاء،بحيث يعدّفاعله كأنّه خارج من الدين،لكن كشف هذا عن كونه محذورا مستقلا لدى‏الشرع-غير مخالفة الأحكام الكثيرة،بحيث يعاقب التارك للأحكام الكثيرة:تارة لأجل المخالفة الكثيرة،و تارة لأجل صيرورته كأنّه خارج من الدين،و غيرملتزم بأحكام سيّد المرسلين صلّى اللَّه عليه و آله ممنوع.نعم لا شبهة في كون المخالفات الكثيرة الكذائيّة مرغوبا عنها عقلا و شرعا،


352

لكن كون هذا أمرا تعبّديّا-لا إرشاديّا-ممنوع.و بالجملة:ليس في البين من الشارع إلاّ الأمر بإطاعة جميع أحكامه،و هو أمر إرشاديّ عقليّ،لا تعبّدي شرعيّ.الوجه الثالث:العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف،و هو كالتفصيليّ في‏وجوب الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة،فلا تجري الأصول النافية في‏أطرافه‏ (1) .و هذا هو العمدة في هذا الباب،و أمّا الوجهان الأوّلان فقد عرفت النّظرفيهما،فما أفاده بعض أعاظم العصر-من أنّ هذه الوجوه الثلاثة في غايةالصحة و المتانة غير قابلة للخدشة فيها (2) -فيه ما لا يخفى.إن قلت:هذا الوجه-أيضا-مخدوش فيه،لأنّ بعض أطراف العلم‏الإجمالي إذا كان مرخّصا فيه،أو لزم الاقتحام فيه،فهل كان العقاب على‏المخالفة في سائر الأطراف-حينئذ-على تقدير المصادفة إلاّ عقابا بلا بيان،و المؤاخذة عليها إلاّ مؤاخذة بلا برهان.قلت:نعم هذا ما أفاد المحقّق الخراسانيّ-قدّس سرّه-في وجه عدم‏منجّزية العلم الإجمالي.و أجاب عنه:بأنّ هذا إنّما يلزم لو لم يعلم بإيجاب الاحتياط،و قد علم‏بنحو اللمّ،حيث علم اهتمام الشارع بمراعاة تكاليفه،مع صحّة دعوى الإجماع‏

1)فرائد الأصول:115 سطر 10-18.

2)فوائد الأصول 3:232.


353

على عدم جواز الإهمال في هذا الحال،و هو مرغوب عنه شرعا (1) .و محصّل جوابه يرجع إلى الوجهين الأوّلين في عدم جواز الإهمال،و قدعرفت النّظر فيهما.و التحقيق في الجواب عن الإشكال:أنّ ترخيص بعض الأطراف أو لزوم‏الاقتحام فيه إذا كان متأخّرا عن المعلوم بالعلم الإجمالي،لا يخلّ‏بتنجيز العلم و لو كان الترخيص أو لزوم الاقتحام في البعض المعيّن،فلو علم‏إجمالا بكون أحد الإناءين خمرا،ثمّ رخّص في ارتكاب أحدهما المعين،لم يكن العلم ساقطا بالنسبة إلى الموافقة الاحتماليّة و إن سقط بالنسبة إلى‏القطعيّة.و فيما نحن فيه يكون الأمر من هذا القبيل،فإنّ العلم بالأحكام مقدّم من‏حيث المعلوم على عروض الاشتباه و كثرته،و هما مقدّمان على ترخيص‏الشارع أو العقل لارتكاب بعضها.مع إمكان أن يقال:إنّ الترخيص هاهنا لم يكن من قبيل ترخيص بعض‏الأطراف معيّنا،بل يكون من قبيل الترخيص في البعض الغير المعيّن،فإنّ‏ما يدلّ على الترخيص هو أدلّة العسر و الحرج،و هي دالّة على رفع العسرو الحرج،و العقل إنّما يحكم بأنّ رفع العسر إنّما يجب أن يكون في دائرةالموهومات،و إن لم يرفع ففي دائرة المشكوكات،و يكون هذا الحكم العقليّ‏لأجل التحفّظ على التكاليف الواقعيّة،و الجمع بينها و بين رفع العسر حتّى‏

1)الكفاية 2:118.


354

الإمكان،و لا يعقل أن يصير ذلك موجبا لرفع تنجيز العلم عقلا مطلقا،كمالا يخفى.

القول في اختلاف‏نتيجة دليل الانسداد باختلاف المبنى‏

إيقاظ:قد تصدّى بعض الأعاظم-رحمه اللَّه-على ما في تقريراته لبيان‏مبنى اختلاف نتيجة الانسداد من حيث الكشف و الحكومة،فقال ما حاصله:إنّ اختلاف هذه الوجوه الثلاثة في مدرك المقدّمة الثانية يوجب اختلاف‏النتيجة،فإنّ المستند لعدم جواز إهمال الوقائع لو كان الوجه الأوّل و الثاني‏كانت النتيجة الكشف لا محالة،فإنّ مرجعهما إلى أنّ الشارع أراد من العبادالتعرّض للوقائع المشتبهة،فالعقل يحكم حكما ضروريّا بأنّه لا بدّ للشارع من‏نصب طريق للعباد و أصل بنفسه أو بطريقه،و الّذي يصحّ جعله في حال‏الانسداد مع كونه و أصلا بنفسه ينحصر بالاحتياط،لكونه محرزا للواقع،فالاحتياط هو الطريق المجعول الشرعي-نظير الاحتياط في الدماء-لا العقلي،فإنّ الاحتياط العقلي لا يكون إلاّ في أطراف العلم الإجمالي،فمع قطع النّظرعن العلم الإجمالي لا حكم للعقل،فلا إشكال في أنّ الاحتياط شرعيّ لا غير،ثمّ بعد إثبات بطلان طريقيّة الاحتياط-كما يأتي في المقدّمة الثالثة-تكون‏النتيجة حجّيّة الظنّ شرعا،و هي معنى الكشف.هذا،و أمّا إذا كان المدرك هو العلم الإجمالي،فيمكن أن تكون النتيجة


355

الكشف،و يمكن أن تكون التبعيض في الاحتياط-كما سيتّضح وجهه-و الغرض في المقام الإشارة إلى أساس الكشف و الحكومة (1) .انتهى كلامه‏رفع مقامه.أقول:و بما ذكرنا-من بطلان الوجهين الأوّلين-انهدم أساس هذاالبنيان.مضافا إلى أنّ الإجماع الّذي ادّعاه في المقام:إمّا أن يكون إجماعا على‏قضيّة كلّيّة،و هو الإجماع على عدم جواز إهمال شي‏ء من الوقائع المشتبهة،و إمّا إجماعا على عدم جواز إهمال مجموع الوقائع المشتبهة من حيث المجموع،و إمّا إجماعا على قضيّة مهملة،و هو الإجماع على عدم جواز الإهمال في‏الجملة،و إمّا إجماعا على أنّ صيرورة التكاليف الواقعيّة مجهولة بين المشتبهات‏لا توجب رفع اليد عنها،فالشارع لا يرضى بإهمال التكاليف الواقعيّة بمجرّدعروض الاشتباه عليها،فلا بدّ من إتيانها و لو لم يحكم العقل بإتيانها من ناحيةالعلم الإجمالي:فإنّ أريد الإجماع على النحو الأوّل،فيرد عليه-مضافا إلى أنّ الضرورةقاضية بأنّ عروض الاشتباه لا يوجب أن يكون المشتبه بما أنّه مشتبه مطلوبانفسيّا،بل لو كان مطلوبا يكون لأجل التحفّظ على الواقع،فيكون الواقع‏مطلوبا ذاتيّا نفسيّا و لو في زمان الاشتباه،فيرجع إلى الوجه الثالث-:أوّلا:أنّ هذا الإجماع هو عين الإجماع على جمع المشتبهات و الاحتياط

1)فوائد الأصول 3:232 و ما بعدها.


356

فيها،فإنّ الإجماع على عدم جواز إهمال شي‏ء من المشتبهات عبارة أخرى عن‏الإجماع على إيجاب الاحتياط،فلا وجه لما أفاده-رحمه اللَّه-من أنّ العقل‏يحكم حكما قطعيّا بأنّ الشارع لا بدّ له من نصب طريق و أصل بنفسه أو بطريقه،و الطريق الواصل بنفسه هو الاحتياط التام‏ (1) و هل هذا إلاّ وحدة الكاشف‏و المنكشف؟!و ثانيا:أنّ هذا الإجماع مخالف للعقل أو النقل،فإنّه إجماع على‏الاحتياط التامّ المخلّ بالنظام،أو إجماع على أمر يوجب العسر و الحرج،و هوكما ترى.و العجب أنّه اعترف-فيما يأتي-بأنّ هذا الإجماع لا يستكشف منه‏الاحتياط التامّ‏ (2) و في هذا المقام ادّعى القطع بأنّ حكم العقل هو كشف‏الاحتياط التامّ.و ثالثا:أنّ هذا الإجماع معارض للإجماعين اللذين ادّعاهما في‏الأمر الثالث‏ (3) و سيأتي التعرّض لهما (4) .و إنّ أريد الإجماع على النحو الثاني،كما صرّح بذلك فيما سيأتي‏عند التعرّض لإبداء الفرق بين الاحتياط العقليّ و الشرعيّ،من حكومة أدلّةالعسر و الحرج على العقليّ منه دون الشرعيّ،فقال:

1)فوائد الأصول 3:233.

2)فوائد الأصول 3:248.

3)فوائد الأصول 3:245-246.

4)انظر صفحة رقم:365 و ما بعدها.


357

و السرّ في ذلك:هو أنّ الوقائع المشتبهة لوحظت قضيّة واحدة مجتمعةالأطراف قد حكم عليها بالاحتياط،لأنّ الإجماع أو الخروج عن الدين إنّما كان‏دليلا على عدم جواز إهمال مجموع الوقائع المشتبهة من حيث المجموع،لا على‏كلّ شبهة شبهة،فإنّ إهمال كلّ شبهة مع قطع النّظر عن انضمام سائر الشبهات‏إليها لا يوجب الخروج عن الدين،و لا قام الإجماع على عدم جوازه،بل معقدالإجماع و لزوم الخروج عن الدين إنّما هو إهمال مجموع المحتملات من‏المظنونات و المشكوكات و الموهومات،و ذلك يقتضي نصب الشارع طريقةالاحتياط في المجموع،فيكون حكما خاصّا ورد على موضوع خاصّ‏ (1) انتهى.فيرد عليه:أنّ قيام الإجماع على عدم جواز إهمال مجموع المشتبهات من‏حيث المجموع،و كذلك لزوم الخروج عن الدين في ترك المجموع من حيث‏المجموع،لا يوجبان الاحتياط التامّ في جميع المشتبهات،و لا يمكن استكشاف‏ذلك منهما،فإنّ غاية ما يستكشف منهما لزوم إتيان بعض المشتبهات‏بنحو الإهمال،فإنّ هدم المجموع إنّما يكون بالبعض بنحو القضيّة المهملة،لا بالجميع بنحو الاستغراق،و لا بالمجموع بنحو لحاظ الوحدة.و بالجملة:مخالفة الإجماع و الخروج عن الدين إنّما يكونان بترك المجموع‏من حيث المجموع،و ذلك لا يقتضي الاحتياط في المجموع من حيث المجموع،بل‏يقتضي عدم جواز إهمال المجموع من حيث المجموع الملازم للتعرّض لبعض‏

1)فوائد الأصول 3:259.


358

المشتبهات،وَ لَعَمْري إنّ هذا بمكان من الغرابة منه قدّس سرّه.مع أنّ دعوى هذا الإجماع-أيضا-بمكان من الغرابة،فإنّ لازمه جوازترك جميع المشتبهات إلاّ واحدا منها،فلا بدّ من الالتزام بأنّ إتيان واحد من‏المشتبهات يوجب عدم الخروج عن الدين و عدم مخالفة الإجماع،فلو أتى‏المكلّف من بين جميع المشتبهات بالخرطات الاستبرائيّة،يكون داخلا في الدين‏و غير مخالف لإجماع المسلمين،و هذا-كما ترى-لا يلتزم به أحد،مع أنّه لازم‏تلك الدعوى.و إن أريد الإجماع على النحو الثالث،فيرد عليه:أوّلا:أنّه لا يمكن استكشاف الاحتياط التامّ من هذا الإجماع على قضيّةمهملة،فإنّ المهملة في حكم الجزئيّة،فلا ينتج إلاّ قضيّة مهملة في حكم‏الجزئيّة.و ثانيا:أنّ هذا هو الإجماع على التبعيض في الاحتياط،فإنّ الإجماع‏على عدم جواز إهمال المشتبهات في الجملة عبارة أخرى عن التبعيض في‏الاحتياط.نعم لو كان هذا الإجماع لأجل التحفّظ على الواقع لحكم العقل بإتيان‏المظنونات،لأجل أقربيتها إلى التكاليف الواقعيّة.اللهمّ إلاّ أن يقال:إنّ لهذا الإجماع إهمالا حتّى من جهة التبعيض‏في الاحتياط،فلا يستفاد منه شي‏ء إلاّ عدم جواز الإهمال رأسا،فلا بدّ من‏التماس دليل آخر على تعيين كيفيّة التعرّض للمشتبهات،و هو الإجماع الآتي.


359

و إن أريد الإجماع على النحو الرابع-كما أنّ المقطوع به أنّه لو كان‏إجماع في البين لكان على هذا النحو،لا على المشتبهات بما أنّها مشتبهات-فيكون الإجماع على لزوم التعرّض للتكاليف الواقعيّة حتّى مع عروض‏الاشتباه،فيرجع إلى أنّ التكاليف الواقعيّة بقيت فعليّة في زمان الانسداد.فيرد عليه:أنّ هذا الإجماع لا يقتضي جعل الاحتياط أصلا،بل مع العلم‏بأنّ التكاليف بقيت على فعليّتها في حال عروض الاشتباه عليها،يحكم العقل‏بالاحتياط التامّ و الجمع بين المشتبهات لأجل التحفّظ على الواقع.إن قلت:هذا يرجع إلى الوجه الثالث،و هو العلم الإجمالي بالتكاليف.قلت:كلاّ،فإنَّ الوجه الثالث هو أنّ العلم الإجمالي بالتكاليف الواقعيّةمن حيث هو موجب لوجوب الخروج عن العهدة،و يحكم العقل بالاحتياطلأجله،بخلاف هذا الوجه،فإنّه لا يحكم بوجوب إتيان المشتبهات لأجل العلم‏الإجمالي بالتكاليف الأوّليّة من حيث هي،بل لأجل حكم الشرع بأنّ التكاليف‏بعد عروض الاشتباه عليها-أيضا-بقيت على فعليّتها،فالجمع بين المشتبهات‏ليس لأجل تنجيز العلم الإجمالي كما في الوجه الثالث،بل لأجل التعرّض‏لحال اشتباه التكاليف.و ليس للعقل المعارضة مع الحكم الشرعيّ في ذلك،فإنّ الإجماع إذا قام‏على فعليّة الأحكام مع عروض الاشتباه،يحكم العقل قطعا بلزوم الجمع بين‏المشتبهات و لو لم ينجّز العلم الإجمالي.فتحصّل من ذلك:أنّ الإجماع الّذي يمكن دعواه-على إشكال فيه قد


360

تقدّم-هو الإجماع على النحو الرابع،و لا يستكشف منه نصب الشارع الطريق‏الواصل بنفسه-أي الاحتياط التامّ-بل يشترك هذا الوجه مع الوجه الثالث في‏حكم العقل بالاحتياط.هذا كلّه حال الإجماع.و أمّا قضيّة الخروج من الدين،فمحصّل الكلام فيه:أنّ الإجماع‏لو كان على ذلك العنوان فهو ملازم عقلا لترك التكاليف و إهمالها،مع قطع‏النّظر عن الإشكال المتقدّم،فإهمال التكاليف لازمه الخروج من الدين،فإذا كان الخروج من الدين مرغوبا عنه شرعا و محرّما إجماعا،فيكون إهمال‏التكاليف ملزومه،فيحكم العقل بإتيانها تحفّظا عن الخروج من الدين،و ليس‏هذا حكما شرعيّا بالاحتياط،بل حكم عقليّ صرف من باب المقدّميّة.هذا مضافا إلى أنّه لو سلّم وجوب التعرّض للتكاليف شرعا لأجل عدم‏الخروج من الدين،لا يمكن استكشاف الاحتياط التامّ،لأنّ الخروج من‏الدين‏لو سلّم إنّما يرتفع بالتعرّض لجملة من الأحكام،لا جميعها،فلا وجه للاحتياطالتامّ لأجله.فتحصّل من جميع ذلك:أنّ ما ادُّعي-من أنّ اختلاف نتيجة دليل‏الانسداد باختلاف المدارك في المقدّمة الثانية-ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه،فانهدم‏أساس ما أرعد و أبرق الفاضل المقرّر-رحمه اللَّه-من إيداع شيخه العلاّمةالدقائق العلميّة في المقام ممّا كانت الأفهام عن إدراكها قاصرة.هذا تمام الكلام في إبطال جواز إهمال الوقائع.


361

الكلام في المقدّمة الثالثة و هي الرابعة عند الآخوند

و أمّا الكلام في المقدّمة الثالثة باصطلاحهم‏ (1) و التقادير الاخر على‏التحقيق:فبطلان الرجوع إلى فتوى القائل بالانفتاح واضح،و القول بأنّ‏القائل بالانسداد معترف بجهله بالأحكام،فلا بدّ من رجوعه إلى الانفتاحي‏القائل بانفتاح باب العلم عليه،كما ترى.و أمّا بطلان الرجوع إلى الأصول الجارية في كلّ مسألة:فبالنسبة إلى‏الأصول العدميّة فواضح،للزوم المخالفة القطعيّة في موارد الأصول النافيةبالخصوص،لعدم انحلال العلم الإجمالي في موارد الأصول المثبتة،و معنى‏عدم انحلاله فيها كون موارد الأصول النافية متعلّقة للعلم بالتكليف.و أمّا عدم الانحلال في موارد الأصول المثبتة فواضح-أيضا-لقلّةمواردها جدّاً،و العلم بالتكاليف أضعاف مضاعفة بالنسبة إليها،فدعوى‏الانحلال‏ (2) فاسدة.

نقل كلام المحقق الخراسانيّ في المقام و وجوه النّظر فيه‏

و لقد تصدّى المحقّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-لبيان جريان الاستصحاب‏

1)فرائد الأصول:112 سطر 1-4 و 118 سطر 1-3،فوائد الأصول 3:234 و هي المقدمة الرابعةعند الآخوند-قدس سره-الكفاية 2:115.

2)الكفاية 2:123.


362

في المقام حتّى مع القول بعدم جريانه في أطراف العلم الإجمالي،فقال‏ما محصّله بتوضيح منّا:إنّ الاستصحاب و إن كان غير جار في أطراف العلم،لاستلزام شمول‏دليله لها التناقض في مدلوله،بداهة تناقض حرمة النقض في كلّ منها بمقتضى‏(لا تنقض.).لوجوبه في البعض بمقتضى(و لكن تنقضه بيقين آخر) (1) و لكن‏جريانه في المقام ممّا لا مانع منه،لأنّ التناقض إنّما يلزم إذا كان الشكّ و اليقين في‏جميع أطراف العلم فعليّين ملتفتا إليهما،و أمّا إذا لم يكن الشكّ و اليقين فعليّين‏ملتفتا إليهما إلاّ في بعض أطرافه،و كان البعض الآخر غير ملتفت إليه فعلا،فلا يلزم التناقض أصلا،لأنّ قضيّة(لا تنقض)ليست-حينئذ-إلاّ حرمة النقض‏في‏خصوص‏الطرف المشكوك،و ليس‏فيه‏علم بالانتقاض كي يلزم‏التناقض في مدلول دليله من شموله له،و ما نحن فيه كذلك،فإنّ المجتهد إنّمايستنبط الأحكام تدريجا،و ليس جميع موارد الاستصحابات ملتفتا إليها (2) انتهى.و فيه أوّلا:ما مرّت الإشارة إليه سالفا (3) من أنّ التناقض في مدلول دليل‏الاستصحاب في موارد الشكّ الفعلي-أيضا-ممّا لا أساس له،فإنّ التناقض إنّمايلزم لو كان قوله في ذيل أدلّة الاستصحاب:(و لكن تنقضه بيقين آخر)جعل‏

1)التهذيب 1:8-11 باب الأحداث الموجبة للطهارة،الوسائل 1:174-175-1 باب 4 من‏أبواب نواقض الوضوء،باختلاف يسير.

2)الكفاية 2:120-122.

3)انظر صفحة رقم:162 و ما بعدها.


363

حكم هو لزوم نقض اليقين باليقين،أو الشكّ باليقين،مع أنّه غير معقول جدّاً،لأنّ جعل لزوم نقض اليقين باليقين في قوّة جعل الحجّيّة لليقين،مع أنّ ناقضيّةاليقين الفعلي لكلّ شي‏ء قبله-من اليقين و الشكّ-أمر تكوينيّ قهريّ لا ينالها يدجعل إثباتا أو نفيا.و التحقيق:أنّ قوله:(و لكن ينقضه.).أتى لبيان حدّ الحكم السابق،لالتأسيس حكم آخر،فكأنّه قال:لا تنقض اليقين بالشكّ إلى زمان حصول يقين‏آخر ناقض له تكوينا.و ثانيا:أنّ الظاهر من قوله:(و لكن تنقضه بيقين آخر)أنّ ما هو متعلّق‏الشكّ عين ما هو متعلّق اليقين،أي المتيقّن السابق الّذي صار مشكوكا فيه إذاصار متيقّنا ثانيا يجب نقضه،و لا شكّ في أنّه لا يكون المشكوك في أطراف‏العلم عين المتيقّن،فإنّ اليقين إنّما تعلّق بأحدهما مردّدا،و الشكّ تعلّق بكلّ‏واحد معيّنا.و ثالثا:لو سلّمنا تناقض الصدر و الذيل و شمول الدليل لأطراف‏العلم،فلا يمكن الافتراق بين الاستصحابات الفعليّة و غيرها أصلا،لأنّ‏قضيّة(لا تنقض اليقين بالشكّ)،و كذلك(تنقضه بيقين آخر)من قبيل‏القضايا الحقيقيّة الشاملة للأفراد الفعليّة و المقدّرة،أي كلّما وجد في‏الخارج يقين سابق و شكّ لا حق لا يجوز نقضه به،و لا شكّ في لزوم‏التناقض بين هذا و بين قوله:(و لكن تنقضه بيقين آخر)،ضرورة لزوم‏التناقض بين قوله:لا تنقض اليقين بالشكّ إذا وجدا في هذا الطرف،و لا


364

تنقضه به إذا وجدا في ذاك الطرف،و لكن يجب النقض في أحدهما،و القضايا الحقيقيّة تنحلّ إلى القضايا الكثيرة بحسب الأفراد المحقّقةو المقدّرة.و بالجملة:وقع الخلط في المقام بين لزوم التناقض في مدلول الدليل و بين‏أمر آخر هو عدم منجّزية العلم في الأطراف المتدرّجة الوجود عقلا،مع أنّه‏لا ملازمة بينهما،فالتناقض في مدلول الدليل لا يتوقّف على العلم بالانتقاض،فقوله:و ليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض‏ (1) في غير محلّه،لأنّ لزوم‏التناقض بحسب الأفراد المقدّرة كلزومه بحسب الأفراد المحقّقة،و لا دخالةلعلم المكلّف و عدمه في لزوم التناقض.و رابعا:أنّ العلم الإجمالي بمخالفة بعض الاستصحابات للواقع يوجب‏هدم أساس الفتوى على طبقها،و هذا العلم حاصل للمجتهد قبل شروعه في‏الاستنباط و بعد فتواه طبقا لمفاد الاستصحابات،و لا فرق في نظر العقل بين‏ذلك و بين العلم بالمخالفة في الدفعيّات أبدا.هذا.

في ما استدل به على‏عدم وجوب الاحتياط في جميع الوقائع‏

و أمّا بطلان الاحتياط في جميع الوقائع:فقد استدلّ عليه بوجهين:الأوّل:الإجماع على عدم وجوبه،و الثاني:استلزامه العسر و الحرج المنفيّين،

1)الكفاية 2:122.


365

بل اختلال النظام‏ (1) .و لقد تصدّى بعض أعاظم العصر رحمه اللَّه-على ما في تقريراته-لتقريب الإجماع،فقال ما محصّله:إنّه يمكن تقريبه بوجهين:الأوّل:الإجماع على عدم وجوب إحراز جميع المحتملات.الثاني:الإجماع على أنّ بناء الشريعة ليس على امتثال التكاليف‏بالاحتمال،بل بناؤها على امتثال كلّ تكليف بعنوانه،و يكون الإتيان بعنوان‏الاحتمال و رجاء انطباقه على المكلّف به أمرا مرغوبا عنه شرعا.و هذان الإجماعان و إن لم يقع التصريح بهما في كلام القوم،إلاّ أنّه ممّايقطع باتّفاق الأصحاب عليهما،كما مرّ نظيره في دعوى الإجماع على عدم‏جواز إهمال الوقائع المشتبهة.ثمّ أطال الكلام في لزوم اختلاف النتيجة باختلاف الإجماعين‏ (2) .و حيث لا أساس لتلك الإجماعات عندنا فالنتائج المترتّبة عليها-على‏فرض تماميّتها-منهدمة الأساس،فلا وجه لإطالة الكلام و النقض و الإبرام‏فيها.أمّا الإجماع على عدم وجوب إحراز المشتبهات:فلا يمكن دعواه و لو مع‏

1)فرائد الأصول:118 سطر 6-20،نهاية الأفكار-القسم الأول من الجزء الثالث:153 سطر14-16.( )2)فوائد الأصول 3:246 و ما بعدها.


366

عنوان المسألة و اتّفاق كلمة الأصحاب،فضلا عن هذا الإجماع التوهّمي،لأنّ‏مبنى فتواهم يمكن أن يكون أدلّة العسر و الحرج أو لزوم اختلال النظام،و مثل‏هذا الاتّفاق لا يكشف عن دليل معتبر آخر.مع أنّ هذا الإجماع مناقض للذي ادّعى-أيضا-القطع بتحقّقه،و هو الإجماع على عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة بالتقريب الّذي سيأتي‏تعرّضه له‏ (1) و هو ملاحظة جميع المحتملات قضيّة واحدة مجتمعة الأطراف‏قد حكم عليها بالاحتياط،على أن يكون حكما خاصا ورد على موضوع‏خاصّ،فكيف يمكن تحقّق الإجماع على وجوب الجمع بين مجموع‏المحتملات من حيث المجموع،و على عدم وجوب الجمع بينها؟!و هل هذا إلاالتناقض؟!و أمّا الإجماع الثاني:و هو الإجماع على عدم بناء الشريعة على امتثال‏التكاليف بالاحتمال،ففيه:-مضافا إلى مناقضته للإجماع المتقدّم كما هوواضح-أنّه إن أراد من ذلك ما في بعض الكتب الكلاميّة-من لزوم العلم‏بالمكلّف به حتّى يؤتى به بعنوانه،أو لزوم قصد التميّز و أمثال ذلك‏ (2) -فهو أمرعقليّ،ادّعى بعضهم حكم العقل بذلك في باب الإطاعة،لا أمر شرعيّ تعبّديّ‏يكشف عن دليل تعبّديّ.

1)انظر صفحة رقم:367.

2)كشف المراد:252،اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية:146،إرشاد الطالبين إلى نهج‏المسترشدين:275.


367

و إن أراد غير ذلك فلا شاهد عليه،لأنّ الفقهاء بناؤهم على الاحتياطعملا و فتوى،فكيف يدّعي أنّه أمر مرغوب عنه عندهم؟!بل التحقيق:أنّ العمل بالاحتياط مع التمكّن من العلم لا مانع منه عقلاو لا شرعا،فضلا عن زمان الانسداد الّذي لا يتمكّن منه.هذا كلّه حال الإجماعات،و قد عرفت أنّها ممّا لا أساس لها أصلا.و أمّا لزوم العسر و الحرج،بل اختلال النظام،فمحصّل الكلام فيه:أنّه إن لزم منه الثاني فلا كلام،فإنّه ممّا حكم العقل بقبحه،و أمّا إن لزم‏العسر،ففي بطلان الاحتياط بدليله إشكالان:أحدهما:ما أفاد بعض أعاظم العصر-على ما في تقريراته-و مبنى إشكاله‏على تحقّق الإجماع على وجوب الجمع بين مجموع المحتملات من حيث‏المجموع،بحيث يكون الاحتياط حكما خاصّا ورد على موضوع خاصّ،هو المجموع من حيث المجموع،فبعد هذا الإجماع يصير الاحتياط حكما حرجيّا،و لا يكون دليل الحرج و الضرر حاكما على ما يكون بتمام هويّته حرجيّا أوضرريّا،كالجهاد و الخمس و الزكاة،بل أدلّة هذه الأحكام مقدّمة عليهمابالتخصيص،و إنّما أدلّتهما حاكمة على ما بإطلاقه أو عمومه يوجب الحرج‏و الضرر (1) .هذا،و قد عرفت ما فيه:أمّا أوّلا:فلعدم أساس للإجماع الّذي ادّعاه.

1)فوائد الأصول 3:250 و 259.


368

و أمّا ثانياً:فلعدم الإجماع-لو فرض-على المجموع من حيث المجموع،بل على عدم جواز ترك الواقعيّات لأجل عروض الاشتباه عليها،و حينئذٍتصير النتيجة مثل العلم الإجماليّ حكما عقليّا على وجوب الاحتياط،و سيأتي‏الكلام فيه‏ (1) .و أمّا ثالثا:فلأنّه لو فرض الإجماع على المجموع لا يستكشف منه إلاّالاحتياط في الجملة،فلا وقع لهذا الإشكال أصلا.و ثانيهما:ما أفاده المحقّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-في الكفاية،و ملخّصه:أنّ قاعدتي نفي الضرر و الحرج-اللتين مفادهما نفي الحكم بلسان نفي‏الموضوع-غير حاكمتين على قاعدة الاحتياط،لأنّ العسر فيه إنّما هو بحكم‏العقل من الجمع بين المحتملات،لا في متعلَّق التكليف.نعم لو كان معناه نفي‏الحكم الناشئ من قبله العسر،لكانت القاعدة محكَّمة على الاحتياط العسر (2) انتهى.و هذه العبارة-كما ترى-ممّا يستشمّ منه،بل يظهر حكومة القاعدتين على‏أدلّة الأحكام،إلاّ أنّ عدم الحكومة في المقام لأجل أنّ العسر إنّما لزم من حكم‏العقل،لا من الأحكام،لكنّه-قدّس سرّه-صرّح في غير المورد:بأنّ وجه‏تقديمها عليها ليس هو الحكومة،لعدم ناظريّتهما لأدلّة الأحكام،بل الوجه‏

1)انظر الجزء الثاني صفحة رقم:211.

2)الكفاية 2:118 و 120.


369

هو الأظهريّة (1) .و الإنصاف:أنّ فيما أفاده-قدّس سرّه-محالّ أنظار:أحدها:أنّ الظاهر من دليلي الضرر و الحرج و المتفاهم العرفي منهماهو عدم تحقّق الضرر و الحرج من ناحية الأحكام الشرعيّة مطلقا،لا أوّلاو بالذات،و لا ثانيا و بالتبع و العرض،خصوصا مع كونهما في مقام الامتنان‏على العباد.و بالجملة:بمناسبة الحكم و الموضوع و مساعدة الفهم العرفي و إلقاءالخصوصيّة بنظر العرف،يفهم منهما رفع الحكم الضرري و الحرجي و رفع‏ما ينشأ منه أحدهما،و إن كان الجمود على الظاهر ربّما لا يساعد على التعميم.و ثانيا:أنّ ما صرّح به في غير المقام-من عدم الحكومة،معلّلا بعدم‏ناظريّتهما إلى بيان كمّيّة مفاد الأدلّة،و عدم تعرّضهما لبيان حال أدلّة الأحكام-ليس في محلّه،فإنّ أدلّتهما ناظرة إلى الأحكام المجعولة بلا ريب:أمّا دليل الحرج:فلأنّ قوله تعالى: ما جعل عليكم في الدّين من‏حرج (2) صريح في ناظريّته إلى الأحكام المجعولة التي هي الدين.و أمّا دليل الضرر (3) :فمع اشتماله لكلمة(في الإسلام) (4) كما في‏بعض الروايات فهو-أيضا-مثل دليل الحرج،و مع عدمه يكون ظاهرا-أيضا-

1)حاشية فرائد الأصول:79-80.

2)الحج:78.

3)الكافي 5:292-294 باب الضرار،الوسائل 12:364-3-5 باب 17 من أبواب الخيار.

4)الفقيه 4:243-2 باب 171 في ميراث أهل الملل.


370

في نظره إلى الأحكام،فإنّ نفي الضرر في لسان صاحب الشرع هو نفي‏الأحكام الضرريّة،أي نفي الضرر في دائرة الشريعة و مملكته.و العجب منه-قدّس سرّه-حيث صرّح بأنّ مفاد دليل العسر و الحرج‏و الضرر هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع،و مع ذلك أنكر كونه ناظرا إلى‏الأحكام،حتّى قال:دون إثباته خرط القتاد (1) مع أنّ ذلك من أجلى مواردالنّظر و التعرّض.و ثالثا:أنّ الحكومة لا تتقوّم بالنظر و التعرّض إلى الدليل المحكوم‏بمدلوله اللفظيّ،بل الضابط فيها هو نحو تصرّف في المحكوم و لو بنحو من‏اللزوم.بيان ذلك:أنّ تقديم أحد الدليلين على الآخر عرفا،إمّا أن يكون بواسطةالأظهريّة،و ذلك فيما إذا كان التعارض و التصادم في مرتبة ظهور الدليلين،كتقديم قرينة المجاز على ذي القرينة،و تقديم الخاصّ على العامّ،و المقيّد على‏المطلق،فإنّ التصادم بينهما إنّما يكون في مرحلة الظهور،و الميزان في التقديم‏في تلك المرحلة هو الأظهريّة لا غير.و إمّا أن يكون بواسطة الحكومة،و الضابط فيها أن يكون أحد الدليلين‏متعرّضا لحيثيّة من حيثيّات الدليل الآخر التي لا يكون هذا الدليل متعرّضا لها،و إنّ حكم العقلاء مع قطع النّظر عن الدليل الحاكم بثبوت تلك الحيثيّة،سواءكان التعرّض بنحو الدلالة اللفظيّة أو الملازمة العقليّة أو العرفيّة،و سواء كان‏

1)حاشية فرائد الأصول:80 سطر 1.


371

التصرّف في موضوعه أو محموله أو متعلّقه إثباتا أو نفيا،أو كان التعرّض‏للمراحل السابقة أو اللاحقة للحكم،كما لو تعرّض لكيفيّة صدوره،أو أصل‏صدوره،أو تصوّره،أو التصديق بفائدته،أو كونه ذا مصلحة،أو كونه مرادا،أو مجعولا،أو غير ذلك.مثلا:لو قال:أكرم العلماء،فهو مع قطع النّظر عن شي‏ء آخر يدلّ على‏وجوب إكرام جميع العلماء،و يحكم العقلاء على كون هذا الحكم-موضوعاو محمولا-متصوّرا للحاكم،و يكون مجعولا و متعلّقا لإرادته استعمالاو جدّا،لا هزل فيه و لا تقيّة و لا غيرهما،و يكشف عن كونه ذا مصلحة ملزمة،كلّ ذلك بالأصول اللفظيّة و العقلائيّة.فلو تعرّض دليل آخر لأحد هذه الأمور يكون مقدّما على هذا الدليل‏بالحكومة،فلو قال:إنّ الفسّاق ليسوا بعلماء،أو المتّقين من العلماء،أو الشي‏ءالفلاني إكرام،أو الإكرام الكذائي ليس بإكرام،أو قال:ما جعلت وجوب‏الإكرام للفسّاق،أو ما أردت إكرامهم،أو لا يكون إكرامهم منظوري،أولا مصلحة في إكرامهم،أو صدر هذا الحكم عن هزل أو تقيّة،يكون مقدّما على‏الدليل الأوّل بالحكومة.و أمّا لو تعرّض لما أثبت الدليل الآخر،مثل أن قال:لا تكرم الفسّاق من‏العلماء،أو لا تكرم الفسّاق،يكون التعارض بينهما في مرحلة الظهورين،فيقدّم الأظهر منهما،و لا يكون تقديم أحد الظاهرين على الآخر بالحكومة،كمالا يكون تقديم قرينة المجاز على ذيها بالحكومة،بل إنّما يكون بالأظهرية،فميزان‏


372

الحكومة هو نحو من التعرّض لدليل المحكوم بما لا يرجع إلى التصادم الظهوري‏و لو كان التعرّض بالملازمة،فأدلّة الأمارات التي لسانها الكشف عن الواقع أوثبوت الواقع مقدّمةٌ على أدلّة الأصول بالحكومة-بناء على أخذ الشكّ في‏موضوعها-فإنّ التعبّد بالثبوت الواقعيّ ملازم عرفا لرفع الشكّ تشريعا فيكون‏تعرّضها لها بالملازمة العرفيّة،كما أنّ أدلّة الاستصحاب مقدّمة على أدلّةالأصول،لأنّ مفادها إطالة عمر اليقين،فيلازم رفع الشكّ،بل مفادها حصول‏غاية الأصول،و هو من أظهر موارد الحكومة،بل حكومة الاستصحاب على‏الأصول أظهر من حكومة الأمارات عليها و لو لم نلتزم بأماريّة الاستصحاب،كما هو المعروف بين المتأخّرين‏ (1) .فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الحكومة و لو كانت متقوّمة بنحو من‏التعرّض لدليل المحكوم ممّا لا يتعرّض المحكوم له،لكن هذا التعرّض لا يلزم أن‏يكون بنحو الدلالة اللفظيّة،و سيأتي-إن شاء اللَّه-التعرّض لمعنى الحكومةو أقسامها و افتراقها عن الورود و التخصيص في محلّه مستقصى‏ (2) .و رابعا:أنّ ما ذكره من أنّ لسان أدلّة الضرر و الحرج هو رفع الحكم بلسان‏رفع الموضوع ليس في محلّه إن كان المراد من الموضوع هو المصطلح-أي في‏مقابل الحكم-فإنّ الأحكام الشرعيّة المرفوعة في مورد الضرر ببركة قوله:(لا ضرر)لا يكون موضوعها الضرر،بل موضوعها الوضوء الضرري،أو

1)نهاية الدراية 3:130 سطر 5-11،فوائد الأصول 4:680.

2)انظر الرسائل(مبحث الاستصحاب)صفحة رقم:239 و ما بعدها.


373

الغسل الضرري،أو الصوم و البيع الضرريّان،بل الظاهر المفهوم من قوله:(لا ضرر)-الصادر من الشارع الناظر في مملكة التشريع و دائرة الشريعة-نفي‏حقيقة الضرر،فإنّ الضرر و إن كان أمرا تكوينيّا غير قابل للرفع و الوضع ذاتا،لكن لمّا كان قابلا للرفع بحسب المنشأ و الموجب،و تكون الأحكام الشرعيّة-التي بإطلاقها موجبة للضرر على العباد-مرفوعة و محدودة بحدود عدم‏إيراثها له،يجوز للمتكلّم الّذي لا يرى إلاّ مملكة التشريع أن يخبر بعدم الضررفيها،أو ينشئ عدم الضرر فيها بلسان الإخبار،كما أنّ سلطان المملكة إذاقلع بقدرته منا شي‏ء الفساد عنها يجوز له الإخبار بأن لا فساد في المملكة،أورفع الفساد منها،مع أنّ الفساد لا يرفع إلاّ بالمنشإ،فيكون هذا إخبارا عن نفي‏الفساد و لو بلحاظ المنشأ،و لا يضرّ بذلك وجود فسادات جزئيّة،فإنّ السلطان-بنظره إلى الجهات العموميّة و الكلّيّة-يجوز له الإخبار بقلع الفساد لقلع مادّته،و كذلك الناظر إلى دائرة التشريع لمّا رأى عدم منشأ للضرر في دائرة تشريعه‏يجوز له الإخبار،كما يجوز له إنشاء نفي الضرر بلحاظ نفي منشئه.فتحصّل من ذلك:أنّ قوله:(لا ضرر)-سواء يتقيّد بقوله:(في‏الإسلام)،أم لا-نفي حقيقة الضرر في دائرة التشريع بلحاظ نفي منشئه.و هكذا الكلام في قوله تعالى: ما جعل عليكم في الدّين من‏حرج (1) فإنّ الحرج غير قابل لتعلّق الجعل به،و كذلك غير قابل للرفع،فعدم‏جعل الحرج في الدين إنّما هو بملاحظة عدم جعل أحكام تكون منشأ للحرج.

1)الحج:78.


374

و خامسا:أنّ رفع الحكم بلسان رفع الموضوع من أقسام الحكومة،فبعدالاعتراف بأنّ لسان أدلّة الضرر و الحرج إنّما هو رفع الحكم بلسان رفعهما،لا وجه لإنكار الحكومة أصلا.

إشكالات بعض الأعاظم‏على المحقق الخراسانيّ و وجوه النّظر فيها

هذا،و بالتأمّل فيما حقّقناه يظهر النّظر في كثير ممّا أفاد بعض أعاظم العصررحمه اللَّه-على ما في تقريراته-في هذا المقام إشكالا على المحقّق الخراسانيّ‏رحمه اللَّه:منها:ما أفاد بقوله:ففيه أوّلا.و ملخّصه:أنّ عدم وجوب الاحتياط التامّ لا يبتني على حكومة أدلّةالعسر على الحكم العقلي بوجوب الاحتياط،بل ليس حال لزوم العسر من‏الجمع بين المحتملات إلاّ كحال الاضطرار إلى ترك بعض الأطراف،بل العسرو الحرج من أفراد الاضطرار،فإنّه لا يعتبر فيه عدم القدرة التكوينيّة على‏الاحتياط،و الاضطرار إلى بعض الأطراف المعيّن يوجب التوسّط في‏التكليف،أي ثبوته على تقدير و عدمه على تقدير،و إلى غير المعيّن يوجب‏التوسّط في التنجيز أو التكليف على احتمالين،ففي المقام حيث يتعيّن الأخذبالمظنونات و ترك المشكوكات و الموهومات-إن كان يلزم من الأخذ بهما كلاّ أوبعضا العسر و الحرج-كان حكمه حكم الاضطرار إلى المعيّن،و تكون النتيجة


375

التوسّط في التكليف،أي سقوطه إن كان في المشكوكات و الموهومات،و ثبوته‏إن كان في المظنونات،فتأمّل‏ (1) انتهى.و فيه أوّلا:-بعد التسليم بأنّ حال العسر حال الاضطرار،بل هو من‏أفراده-أنّ حال أدلّة نفي الاضطرار كأدلّة نفي الحرج،فكما أنّ‏مفادأدلّةنفي الحرج-على مسلك المحقّق الخراسانيّ‏ (2) رحمه اللَّه-هو نفي الحكم‏الحرجي،لا نفي ما ينشأ منه الحرج و لو بواسطة حكم العقل بالاحتياط،كذلك‏الحال بالنسبة إلى أدلّة الاضطرار،فإنّ قوله:(رفع...ما اضطرّوا إليه) (3) أي‏الحكم الّذي بإطلاقه شامل لمورد الاضطرار،كحرمة الخمر فيما إذااضطرّ المكلّف إلى شربه،لا ما يجي‏ء الاضطرار من قبل حكم العقل بالاحتياطكما في المقام.و بالجملة:الاضطرار الغير العقليّ لا بدّ و أن يرفع حكمه بالدليل‏التعبّديّ،و حال أدلّته كحال أدلّة العسر و الحرج بلا تفاوت و افتراق بينهما.و ثانيا:أنّ هذا المقام من الاضطرار إلى غير المعيّن،سواء رفع العسر بترك‏بعض المشكوكات أو الموهومات،أو بجميعها:أمّا في الصورة الأولى فواضح،فإنّ رفع العسر إنّما يتحقّق ببعض‏غير معيّن.

1)فوائد الأصول 3:257.

2)الكفاية 2:118-120.

3)توحيد الصدوق:353-24 باب الاستطاعة،الخصال 2:417-9 باب التسعة،الاختصاص:31.


376

و أمّا في الصورة الثانية فلأنّ ما اضطرّ إليه المكلّف إنّما هو ارتكاب بعض‏المشتبهات بلا تعيين من بين المظنونات و المشكوكات و الموهومات،لكن العقل‏يرجّح ترجيحا خارجيّا غير مربوط بنفس الاضطرار،و هذا غير الاضطرار إلى‏المعيّن،تأمّل.و منها:ما أفاده في جواب«إن قلت»:من إبداء الفرق بين الاحتياطالعقليّ و الشرعيّ من أنّ الوقائع المشتبهة لوحظت قضيّة واحدة مجتمعةالأطراف قد حكم عليها بالاحتياط...إلخ‏ (1) .و قد مرّ الإشكال-بل الإشكالات-فيه،و أضف إليها وجود المناقضة بين‏ما ذكره هاهنا مع ما ذكره في خلال الأمر الثاني من تنبيهات دليل الانسداد في‏الردّ على الشيخ الأنصاري-قدّس سرّه-فراجع قوله:و أنت خبير بما فيه.. (2) .إلى آخر كلامه،تجد صدق ما ادّعيناه.و منها:ما أفاد بقوله:و لا يعتبر في الحكومة أن يكون أحد الدليلين‏بمدلوله اللفظي شارحا و مفسّرا لما أريد من الدليل الآخر بمثل«أي»و«أعني» (3) و قد نسب ذلك في ضابطة الحكومة إلى المحقّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-مع عدم‏وجود هذا التفسير لها في شي‏ء من كلماته،لا في المقام و لا عند تعرّضه لقاعدة«لا ضرر»في كفايته و تعليقته،بل صرّح بخلاف ذلك في التعليقة،عند تعرّض‏

1)فوائد الأصول 3:259.

2)فوائد الأصول 3:298.

3)فوائد الأصول 3:261.


377

الشيخ العلاّمة-أعلى اللَّه مقامه-للحكومة في مبحث التعادل و الترجيح،حيث قال ما حاصله:إنّه لا يعتبر في الحكومة إلاّ سوق الدليل بحيث يصلح للتعرّض لبيان كمّيّةموضوع الدليل الآخر تعميما و تخصيصا،من دون اعتبار أن يكون المحكوم قبله‏فضلا من تفرّع الحاكم عليه،فإنّ الأمارات-مع حكومتها على الأصول-لا تكون متفرّعة عليها،بل تكون مستقلّة مفيدة فائدة تامّة،كانت الأصول أولم تكن.و لعلّ منشأ توهّم التفرّع كون الحاكم بمنزلة الشرح،و قد عرفت أنّ‏الحاكم مستقلّ و إن كان مسوقا بحيث يبيّن كمّيّة موضوع المحكوم،لا أنّه ليس‏مسوقا إلاّ لذلك‏ (1) انتهى.و ما ذكره من ميزان الحكومة تفصيل لما أفاده في غير المقام‏ (2) فمانسب إليه في التقريرات أجنبيّ عن مرامه،و تفسير بما لا يرضى به‏صاحبه.نعم يرد على المحقّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-أنّ اختصاص الحكومة ببيان‏كمّيّة الموضوع تعميما و تخصيصا ممّا لا وجه له كما عرفت.و أمّا أصل التعرّض لدليل المحكوم-و لو بنحو من الملازمة-فممّا لا بدّمنه،حتّى أنّ دليل الأمارات التي لها استقلال بما أنّها رافعة للشكّ لها نحوتعرّض لموضوع أدلّة الأصول كما لا يخفى.

1)حاشية فرائد الأصول:256-257.

2)الكفاية 2:376.


378

و بهذا يظهر التسامح في الضابط الّذي أفاد المحقّق المعاصر-رحمه اللَّه-على‏مافي تقريراته بقوله:و الضابط الكلّي في ذلك أن يكون أحدالدليلين متكفّلا لبيان ما لا يتكفّله دليل المحكوم‏ (1) .فإنّ هذا الضابط يحتاج‏إلى قيد،و هو كون الحاكم متعرّضا لدليل المحكوم نحو تعرّض و لو بالملازمة،و أمّا مجرّد تكفّل دليل لما لا يتكفّله الدليل الآخر غير مانع،فإنّه شامل‏للأدلّة التي لا يرتبط بعضها بالبعض،فإنّ أدلّة وجوب الصلاة تتكفّل بمالا تتكفّل أدلّة الخمس و الزكاة،فالتعرّض للمحكوم ممّا لا بدّ منه كما هوواضح.و عليه يمكن أن يقال:إنّ أحد الدليلين مفسّر و شارح للدليل الآخر،بل‏بمنزلة«أي»التفسيريّة،لكن بالمعنى الّذي أشرنا إليه،لا بما يوهم لفظا التفسيرو الشرح.و قد ظهر ممّا ذكرنا-في ضابطة الحكومة-أوسعيّة نطاقها ممّا يظهر من‏المحقّق المعاصر-رحمه اللَّه-من التصرّف في عقد الوضع و الحمل‏ (2) و لا يبعدأن يكون مراده-أيضا-أعمّ من ذلك،و لهذا تعرّض لحكومة نفي الحرج على‏الأدلّة الأوّليّة (3) بما هو موافق للتحقيق.و أمّا الحكومة الظاهريّة التي أصرّ عليها في بعض من الموارد (4)

1)فوائد الأصول 3:261.

2)فوائد الأصول 4:594.

3)فوائد الأصول 3:262.

4)فوائد الأصول 3:262 و 4:295 و 713.


379

فممّا لا محصّل لها،أمّا حكومة الأمارات على الأحكام الواقعيّة فلأنّ‏كون الشي‏ء طريقا إلى شي‏ء آخر و محرزا له لا ينطبق على الحكومةأصلا،فإنّ الحكومة من أقسام التعارض،و لا معارضة بين الطريق و ذي‏الطريق.نعم أدلّة الأمارات موسّعة لنطاق دائرة الإحراز،فتكون حاكمة على‏الحكم العقلائي إذا لم تكن الأمارة من الأمارات العقلائيّة.مثلا:لو فرضنا أنّ الخبر الواحد أمارة شرعيّة تعبّديّة تأسيسيّة،كانت أدلّةاعتباره حاكمة على حكم العقلاء و العقل بانحصار الإحراز بالقطع بتوسعةدائرة الإحراز،و هذه حكومة واقعيّة،كما أنّ حكومة بعض الأمارات على‏بعض و على الأصول من الحكومة الواقعيّة،فإنّ قاعدة الفراغ حاكمة على‏الاستصحاب واقعا،و حكومة الاستصحاب على الأصول واقعيّة،فتقسيم‏الحكومة إلى الواقعيّة و الظاهريّة يكون بلا ملاك صحيح،إلاّ أن يكون مجرّداصطلاح،و لا مشاحّة فيه.و قد تعرّض في خاتمة الاستصحاب لبيان الحكومة الظاهريّة (1) و لم يأت‏بشي‏ء.و منها:ما أفاده من أنّ مفاد أدلّة نفي الضرر و الحرج هو نفي الحكم‏الحرجيّ و الضرريّ،فهي بمدلولها المطابقي تنفي الأحكام الواقعيّة عن بعض‏حالاتها،و هي حالة كونها ضرريّة أو حرجيّة،فمفاد أدلّة نفي الضرر و الحرج‏

1)فوائد الأصول 4:596.


380

نفي تشريع الأحكام الضرريّة و الحرجيّة (1) ،و قد فصّل ذلك في رسالته المعمولةلقاعدة الضرر (2) و أصرّ و أبرم.لكن التحقيق-كما عرفت-خلافه،فإنّ ظاهر قوله:(لا ضرر)هو نفي‏نفس الضرر،لا نفي الحكم الضرري،و استعمال الضرر في الحكم الضرري‏بشيع بارد لا يصار إليه.بل التحقيق:هو نفي حقيقة الضرر ادّعاء بلحاظ نفي موجباته من‏الأحكام،و هذا من أبلغ أسلوب الكلام و أحسنه،كما لا يخفى على العالم‏بأساليب الكلام و محسّناته.و هكذا الكلام في عدم جعل الحرج،فإنّ الحرج غير قابل للوضع‏و الرفع،و ظاهر الكلام يقتضي عدم جعل نفس الحرج،فهو-أيضا-نفيه‏بلحاظ نفي موجباته من الأحكام و في عالم التشريع.و يمكن أن يكون مراد المحقّق الخراسانيّ-رحمه اللَّه-من نفي الحكم‏بلسان نفي الموضوع‏ (3) ما ذكرنا،و يكون مراده من الموضوع هو الموضوع‏الخارجيّ-أي الضرر و الحرج-لا الموضوع المقابل للحكم،و من الحكم‏الأحكام التي تصير منشأ للضرر و الحرج،لا الأحكام المتعلّقة بموضوع الضررو الحرج،حتّى يرد عليه ما أفاد المحقّق المعاصر-رحمه اللَّه-:من أنّ نفي الضرر

1)فوائد الأصول 3:262.

2)منية الطالب 2:199-200 و 207 و ما بعدها.

3)الكفاية 2:118-120.


381

بلحاظ نفي حكمه يلزم منه جواز الضرر و نفي حرمته،فإنّ الضرر إنّما هو حكمه‏الحرمة (1) ،تأمّل.و بما ذكرنا-من وحدة أسلوب نفي الضرر و الحرج-يظهر النّظر فيما أفاده‏من أنّ توهّم كون نفي الحكم بلسان نفي الموضوع إنّما يتمشّى مع دليل الضرر،لا الحرج،فإنّ في دليله ورد النفي على الدين،و هو عبارة عن الأحكام،فالنفي‏ورد على الحكم،لا على الموضوع،حتّى يتوهّم ذلك‏ (2) ،فإنّ فيه ما لا يخفى،ضرورة أنّ النفي لم يرد في قوله: ما جعل عليكم في الدّين من حرج (3) إلاّعلى الحرج،فعدم الجعل متوجّه إلى الحرج بلحاظ عدم جعل موجبه،كما في‏دليل الضرر،و إنّما يكون الدين مأخوذا على نحو الظرفيّة،لا أنّ النفي متوجّه‏إليه.و أمّا ما أفاد بقوله:-و ثالثا:أنّ نفي الحكم بلسان نفي الموضوع أيضا من‏أقسام الحكومة،فمجرّد كون مفاد الدليل ذلك لا ينافي الحكومة (4) -إنّماورد عليه لو كان منظوره أنّ المنافي للحكومة هو ذلك،لكنّه صرّح بخلافه،و قال:إنّما المانع هو عدم كون أدلّة الضرر و الحرج ناظرة إلى الأحكام‏الواقعيّة (5) .

1)فوائد الأصول 3:263-264.

2)فوائد الأصول 3:264.

3)الحجّ:78.

4)فوائد الأصول 3:264.

5)حاشية فرائد الأصول:79-80.


382

فما ذكره إيرادا عليه أجنبيّ عن مقصوده،و إن ورد عليه:أنّ أدلّتهما ناظرةإليها بنحو من النّظر الّذي تحتاج إليه الحكومة،كما أشرنا إليه‏ (1) .قوله:هل قضيّة المقدّمات...إلخ‏ (2) ؟(1)التحقيق:أنّ قضيّة المقدّمات في نفسها هي الظنّ بالواقع،لا الظنّ‏بالطريق،و لا الأعمّ منهما،ضرورة أنّ العلم الإجمالي بالأحكام الواقعيّة-مع‏ضمّ سائر المقدّمات-لا ينتج في نفسه إلاّ ذلك،و ما ذكر من دليل التعميم‏و التخصيص بالطريق-مع عدم تماميّته في نفسه-خارج عن حكم المقدّمات،خصوصا ما ذكره صاحب الفصول تبعا لأخيه المحقّق،فإنّ مبناه على العلم‏الإجمالي الآخر الّذي به ينحلّ العلم الإجمالي الّذي‏هومن مقدّمات‏الانسداد،و معلوم أنّه تخريب لمقدّمات الانسداد،و تأسيس لمقدّمات انسدادآخر لإنتاج الظنّ بالطريق،و هو أجنبيّ عن اقتضاء مقدّمات الانسداد المعروف.و لهذا يمكن أن يقال:إنّه لا نزاع بين القوم و بين العلمين في اقتضاء مقدّمات‏الانسداد على فرض تماميّتها،و إنّما النزاع في أمر آخر،و هو وجود مقدّمات‏أخرى لإنتاج الظنّ بالطريق.و أمّا ما أفاده العلاّمة الأنصاري-قدّس سرّه-لتعميم النتيجة،فيمكن‏دعوى اقتضاء مقدّمات الانسداد ذلك،بتقريب:أنّ العلم الإجمالي بالأحكام‏الواقعيّة-الّذي يكون مبنى عدم جواز إهمالها-يقتضي عقلا تحصيل براءة الذمّة

1)انظر صفحة رقم:377.

2)الكفاية 2:125.


383

عنها،فإن تمكّن المكلّف من تحصيلها علما تعيّن عليه،و إلاّ يتنزل إلى الظنّ،و العلم بالبراءة كما يحصل بإتيان الواقع،كذلك يحصل بإتيان طريقه،و هكذاالظنّ في زمان الانسداد (1) .هذا،و لكن مع ذلك إنّ هذا التعميم لا يكون من مقتضيات نفس دليل‏الانسداد،بل من هذه المقدّمة الخارجيّة.مضافا إلى عدم تماميّة الدعوى أيضا،فإنّ الظنّ بالطريق في حال الانسدادلا يكون ظنّا بالمبرئ،لأنّ مبرئيّة الطريق عن الواقع تتقوّم بوصوله،لا بوجوده‏النّفس الأمريّ.و هذا إشكال على التعميم أورده شيخنا العلاّمة-قدّس سرّه-في درره‏ (2) فمن شاء فليرجع إليه.و أمّا ما أفاده صاحب الفصول‏ (3) -رحمه اللَّه-تبعا لأخيه المحقّق‏ (4) -رحمه اللَّه-من الاختصاص بالطريق،فهو مبتن على مقدّمات جلّها-لو لاكلُّها-مخدوشة،و العمدة منها انحلال العلم الإجماليّ بالواقع في العلم‏الإجماليّ في دائرة الطرق-كما لا يبعد أن يكون هذا هو المقصود من قوله:و مرجع هذين القطعين عند التحقيق إلى أمر واحد (5) ...إلخ-و عدم وجوب‏

1)فرائد الأصول:128-129.

2)درر الفوائد 2:72.

3)الفصول الغروية:277 سطر 33-السطر الأخير.

4)هداية المسترشدين:391 سطر 19-27.

5)الفصول الغروية:277 سطر 36-السطر الأخير.


384

الاحتياط في دائرة الطرق.و في كليهما نظر:أمّا قضيّة الانحلال فممنوع،لما أشرنا إليه سابقا (1) :من أنّ العلم‏الإجمالي الكبير إنّما ينحلّ في دائرة الصغير إذا كان المعلوم بالإجمال في دائرةالصغير مقدّما على المعلوم بالإجمال في دائرة الكبير،حتّى يكون تنجيز العلم‏الإجمالي الصغير لأطرافه مانعا عن ورود تنجيز آخر فوقه بالنسبة إليها،فيصير العلم الكبير بالنسبة إليها بلا أثر،و بالنسبة إلى غيرها كالشكّ البدويّ،و أمّا مع مقارنتهما أو تقدّم الكبير على الصغير فلا ينحلّ،لمنجّزيّة الكبير بالنسبةإلى جميع الأطراف،فلا يرتفع حكمه مع العلم الإجمالي الصغير.إن قلت:لازم ما ذكرت عدم الانحلال حتّى مع قيام الطرق المعتبرة-التي‏هي‏بمقدار العلم الإجماليّ-على بعض الأطراف،مع عدم إمكان‏الالتزام به.قلت:فرق بين قيام الطرق المعتبرة في بعض الأطراف معيّنا،و بين العلم‏الإجماليّ،فإنّ قيام الطرق فيها يجعلها معلوما تفصيلا و لو تعبّدا،و مع العلم‏التفصيليّ لا يبقى إجمال أو أثر للعلم الإجماليّ،و أمّا الانحلال بالعلم‏الإجماليّ فموقوف على منجّزيّته لجميع أطرافه،و منجّزيته لها موقوفة على‏عدم مسبوقيّتها بمنجّز آخر،و الفرض أنّ العلم الكبير منجّز لها سابقا،أو في‏مرتبة العلم الإجماليّ الصغير.

1)انظر صفحة رقم:324 و ما بعدها.


385

إذا عرفت ذلك يظهر وجه النّظر في كلامه،فإنّ المعلوم بالعلم الإجماليّ‏الكبير فيما نحن فيه:إمّا مقدّم على الصغير،أو مقارن له،و لا يكون متأخّرا عنه‏جزما،فالانحلال باطل من أصله.و أمّا ما أفاده المحقّق صاحب الكفاية في وجه عدم الانحلال في خلال‏كلامه،فمبنيّ على أنّ الاضطرار إلى بعض الأطراف،و عدم لزوم رعاية العلم‏بالنسبة إلى بعض الأطراف،يرفع حكم العلم الإجماليّ‏ (1) ،و هو كما ترى.كما أنّ ما أفاده المحقّق المعاصر رحمه اللَّه-على ما في تقريراته-من وجه‏عدم الانحلال‏ (2) مبنيٌّ على مبناه من عدم جريان الأصول اللفظيّة و الجهتيّة إلاّفيما أحرز تفصيلا،و قد عرفت سالفا (3) فساد المبنى،فلا نطيل بالإعادة.«و الحمد للَّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا»إلى هنا تمّ الجزء الأول من هذاالكتاب،و يليه إن شاء اللَّه‏تعالى الجزء الثاني‏و صلى اللَّه على محمّد و آله الطّاهرين‏

1)الكفاية 2:131-132.

2)فوائد الأصول 3:285.

3)انظر صفحة رقم:326 و ما بعدها.


386


387

الفهارس العامّة

1-فهرس الآيات القرآنية2-فهرس الأحاديث الشريفة3-فهرس أسماء النبي صلى اللَّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام‏4-فهرس الأسماء و الكنى‏5-فهرس الكتب‏6-فهرس موضوعات الكتاب‏


388


389

1-فهرس الآيات القرآنية

أحل اللّه...البقرة 2-275-315يوم تجد كلّ نفس ما عملت...آل عمران 3-30 55فانكحوا ما طاب لكم من...النساء 4-3-207و أحل لكم ما وراء...النساء 4-24-208أوفوا بالعقود...المائدة 5-1-315يا أيها الرسول بلغ ما أنزل...المائدة 5-67-246و ما كان المؤمنون لينفروا...التوبة 9-112-307،308إنّ الظنّ لا يغني من...يونس 10-36-275و لا تقف ما ليس لك به...الإسراء 17-36-275،276،279،294فلعلّك باخع نفسك...الكهف 18-6-307و وجدوا ما عملوا...الكهف 18-49-55ما جعل عليكم في الدين...الحج 22-78-369،373،381و أذن في الناس بالحج...الحج 22-27-89كسراب بقيعة يحسبه الظمآن...النور 24-39-76و أنكحوا الأيامى منكم...النور 24-32-207،208


390

و جحدوا بها و استيقنتها...النمل 27-14-144إنّ الصلاة تنهى عن...العنكبوت 29-29-89إن جاءكم فاسق بنبإ...الحجرات 49-6-205،285،292إنّا خلقنا الإنسان من...الإنسان 76-2-81و ما تشاءون إلاّ أن...الإنسان 76-30-61فمن يعمل مثقال...الزلزال 99-7-8-55


391

2-فهرس الأحاديث الشريفة

إذا أردت حديثنا فعليك...205إذا استيقنت أنك قد...12إذا قطعت بكذا فكذا 124اسكتوا عمّا سكت اللَّه 169فاسمع له و أطع فانّه...205أشهد أنك كنت نورا...83و إلاّ فإنّه على يقين من...113-114و أمّا الحوادث الواقعة...205إنّ اللَّه أمرني بحب...246إنّ اللَّه تبارك و تعالى لم يدع...12إنّ اللَّه لما خلق...65رجل قضى بالحق و هو...229رفع...ما اضطروا إليه 375رفع ما لا يعلمون 149،214السعيد سعيد في بطن...79،87-88


392

سلمان منا أهل البيت 245فشككت فليس بشي‏ء 120فشككت ليس بشي‏ء إنّما...120عليك بالأسدي يعني أبا بصير 205عمّار مع الحقّ و الحقّ مع...246العمري ثقتي 205،312العمري ثقة فما أدّى إليك عني...278قد ركعت 119،125قد ركع 210كلّ شي‏ء...حلال 214كلّ شي‏ء طاهر حتى تعلم أنّه...49،199كلّ شي‏ء لك حلال...197كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف...119،163كلّ شي‏ء نظيف حتى تعلم أنّه...197كلّ شي‏ء يكون فيه حلال و حرام فهو...12لا تجتمع أمتي على...254لا تعاد الصلاة...97لا تنقض اليقين بالشك 124،162،164،165،300،302،362،363لا تنقض بالشك 305لا شك لكثير الشك 120لا ضرر 372،373،380و لكن تنقضه بيقين آخر 162،163،362،363و لكن تنقضه بيقين مثله 162


393

لا ينقض اليقين بالشك 113،117لكنّه ينقض الشك 117ما أظلت الخضراء و لا...246ما حجب اللَّه عن العباد...11ممّا لا ريب فيه 263الناس معادن كمعادن...79،87هو حين يتوضأ أذكر 121ينظر إلى ما كان من...262،263يهريقهما جميعا و يتيمم 13


394


395

3-فهرس أسماء النبي صلى اللَّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام‏

الرسول الرسول الأعظم-رسول اللَّه سيد المرسلين النبي محمد صلى اللَّه‏عليه و آله:9،78،246،247،253،254،258،281،282،296،297،308،311،350،351أمير المؤمنين علي عليه السلام:245-247فاطمة عليها السلام:245الحسن عليه السلام:245سيد الشهداء الحسين عليه السلام:83،245،326أبو جعفر الباقر عليه السلام:12،118،205،263أبو عبد اللَّه الصادق عليه السلام:10-12،118،119،205،243،263الصادقين عليهما السلام:10الإمام الكاظم عليه السلام:14الجوادين عليهما السلام:299العسكري عليه السلام:300الإمام المهدي عليه السلام :205الأئمّة أئمتنا أهل البيت أهل بيت الوحي و الطهارة:9-11،71،86،87،242،243،246،258،261،282،298،310،311،325،382


396


397

4-فهرس الأسماء و الكنى‏

ابن أبي الحديد:254ابن الجنيد محمّد بن أحمد بن الجنيد الكاتب الإسكافي‏ابن الحاجب عثمان بن عمر بن أبي بكرابن داود محمّد بن أحمد بن داودابن الراوندي:13ابن زهرة حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي‏ابن قبة:191ابن قولويه:299ابن النديم:113أبو بصير:205،312أبو بكر:254أبو الحسن المشكيني:18أبو ذر:245،246أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي النوبختي‏أبو الصلاح:250


398

أبو الفتح الكراجكي:14أبو القاسم الجيلاني القمي:16،241،242أبو المعالي الجويني:253إبراهيم بن محمّد شبر الحسيني:18أحمد بن إسحاق:312أحمد بن حنبل:79،87أحمد الرادكاني:253أحمد بن علي أصغر الشهرستاني:18أحمد بن فارس:257أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي:120أحمد بن محمّد كاظم الخراسانيّ:18أروى بنت كريز بن ربيعة:286إسماعيل الصدر:36إسماعيل بن علي بن إسحاق النوبختي:13الأنصاري مرتضى الأنصاري‏باقر الإصطهباناتي:198باقر الزنجاني:18بحر العلوم:325بكير بن أعين:12البلاغي:244البهائي:16الجرجاني:33جعفر بن الحسن الهذلي الحلي:15


399

جعفر كاشف الغطاء:325الحائري عبد الكريم بن محمد جعفر الحائري‏الحسن بن زين الدين العاملي:15حسن بن عزيز اللَّه الرضوي القمي:17حسن كاشف الغطاء:185حسن بن موسى النوبختي:13حسن اليزدي:18حسن بن يوسف بن المطهر الحلي:15حسين الخوانساري:242حسين بن عبد اللَّه بن سينا:190حسين بن علي بن أبي القاسم الحسيني البختياري:18حسين بن ميرزا محمّد تقي النوري:244حماد بن عثمان:119،125حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي:15،255المحقق الخراسانيّ محمّد كاظم الخراسانيّ صاحب الكفايةالإمام الخميني:21-23المحقق الداماد محمّد باقر بن محمّد الحسيني الدامادالشيخ الرئيس حسين بن عبد اللَّه بن سيناالرازي محمّد بن عمر بن الحسين البكري‏الرضي:299زرارة:113،117،205،312زكريا بن يحيى:11السبزواري:76


400

سعيد بن العاص:286سلاّر:250سلمان:245سماعة:12شهاب الدين بن محمود المرعشي النجفي:19الشهيد الأول محمّد بن جمال الدين مكي العاملي‏السيد الشيرازي:179،185صاحب الجواهر:185صاحب الحاشية:325،326صاحب فصل الخطاب حسين بن ميرزا محمّد تقي النوري‏صاحب الفصول:225،226،382،383السيد الشهيد الصدر:10صدر الدين الشيرازي محمد بن إبراهيم الشيرازي‏الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي‏الصرام النيشابوري:14الصفار:300-302ضياء الدين العراقي:21الشيخ الطوسي محمّد بن الحسن بن علي الطوسي‏الشيخ الطهراني:11،21عباس علي الشاهرودي:20عبد الحسين بن عيسى الرشتي النجفي:17عبد الحسين بن محمد تقي الدزفولي الكاظمي:19عبد العظيم:245


401

عبد الكريم الخوئيني:20عبد الكريم بن محمد جعفر الحائري:35،67،102،168،170،217،225عبد اللَّه بن بكير:12عبد اللَّه بن جعفر:312عبد اللَّه بن سنان:12عبد اللَّه بن محمّد البشروي الخراسانيّ التوني:16عبد اللَّه بن محمّد رضا شبر الحسيني الكاظمي:11عبد النبي الوفسي العراقي:19عثمان:246،286عثمان بن سعيد العمري الأسدي:205،278،312عثمان بن عمر بن أبي بكر:254شيخ العراقين:244علي بن إبراهيم:106علي بن الحسين بن موسى:14،245،250،262،296،297،299علي بن عبد الحسين بن علي أصغر:19علي العلوي:20علي بن قاسم القوچاني:17علي بن يوسف بن علي الحاريصي العاملي:19عمار بن ياسر:245،246عمر بن حنظلة:262،263عمر بن قيس:12العمري-عثمان بن سعيد العمري‏الغزالي محمد بن محمد الغزالي الطوسي‏فتاح بن محمد علي بن نور اللَّه الشهيدي التبريزي:19


402

الفخر الرازي-محمد بن عمر بن الحسين البكري‏الفشاركي:36،198قطب الدين الإشكوري:61المحقق القمي أبو القاسم الجيلاني‏المحقق الكركي:61الكليني محمد بن يعقوب بن إسحاق‏الكمپاني محمد حسين بن محمد حسن الأصفهاني‏الفاضل اللنكراني:22محسن بن الحسن الأعرجي:16محسن بن مهدي بن صالح الحكيم:17محمّد بن إبراهيم الشيرازي:61،62محمّد إبراهيم بن علي الكلباسي:18محمّد بن أحمد بن الجنيد الكاتب:14محمّد بن أحمد بن داود:14محمّد باقر بن محمّد أكمل:16،242،325محمّد باقر بن محمد الحسيني:61،62محمّد تقي بن يوسف الحاريصي العاملي:18محمّد تقي الگلپايگاني البصير:18محمّد بن جمال الدين مكي:15محمّد جعفر الشيرازي:20محمّد بن الحسن الشيرواني:16محمّد بن الحسن بن علي الطوسي:14،113،245،250،255،258،261،262،265،299،300،301،303،305


403

محمّد حسين الطباطبائي:18محمّد بن الحسين العاملي البهائي‏محمّد حسين بن محمّد حسن الأصفهاني:17،21،35،198محمّد حسين النائيني:21،36،102،235محمّد السلطان العراقي:17محمّد بن عبد اللَّه الحميري:312محمّد علي الاجتهاردي:20محمّد علي بن حسن الخراسانيّ الكاظمي:153محمّد بن علي بن الحسين الصدوق:12،79،87،244،258،262،299،300،302،303،305محمّد بن علي بن علي تقي الحسيني الكوه‏كمري:19محمّد علي بن محمد جعفر القمي:19محمّد علي الموسوي الحمامي:20محمّد بن عمر بن الحسين البكري:92،254محمّد كاظم الهروي الخراسانيّ:16،18،21،35،48،66،78،101،102،148،161،198،209،224،225،227،232،235،268،295،296،311،313،352،368،374-377،380،385محمّد الكرمي:20محمّد بن محمّد باقر الرضوي القمي:16محمّد بن محمّد الغزالي:253،254محمّد بن محمّد كاظم الخراسانيّ:19محمّد بن محمّد بن النعمان:14،245،250،262،299،301،303،305


404

محمّد بن مسلم:312محمّد الموسوي الكازروني:20محمّد النجف‏آبادي:20محمّد هاشم بن زين العابدين الموسوي:11محمّد بن يحيى:312محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني:11،12،244،258محمد بن علي بن الحسن الحمصي الرازي:14،15السيد المرتضى علي بن الحسين بن موسى‏مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري:16،35،37،121،151،162،164،167،169،179،185،193،196،203،228،232،268،291،298،339،343،376،382مرتضى بن محمد حسن المظاهري الأصفهاني:19،20مصطفى ابن الإمام الخميني:21معاوية بن وهب:118المقداد:245،246مهدي بن إبراهيم بن هاشم الدجيلي:20مهدي بن حسين بن عزيز الخالصي:17النجاشي:113،118،205،244،299،300نور الدين الموسوي:61الوحيد البهبهاني محمد باقر بن محمد أكمل‏الوليد بن عقبة:286،287،293هادي بن حسين الإشكوري:20هشام بن الحكم:13


405

الهمداني:244يحيى بن القاسم أبو بصيريونس بن عبد الرحمن:13


406


407

5-فهرس الكتب‏

إبطال القياس(لأبي سهل النوبختي):130إبطال القياس(للسيد المرتضى):14إبطال القياس(للنيشابوري):14أجود التقريرات:110،113الاحتجاج:205الإحكام في أصول الأحكام:52إحياء العلوم:253الاختصاص:214،375اختلاف الحديث و مسائله:13إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين:142،366الاستبصار:210،245الاستيعاب:246أسد الغابة:246،286الأسفار:55،62-64،67،74-77،82،126،142،285الإشارات:190


408

الإصابة:246الأصول الأصليّة و القواعد المستنبطة من الآيات و الأخبار المروية:11أصول آل الرسول:10الأعلام للزركلي:244أعيان الشيعة:35،61،62،185،190،244،245الألفاظ و مباحثها:13الأمالي(لا بن الحاجب):254بحار الأنوار:78بصائر الدرجات:298بلغة المحدثين:245تاريخ بغداد:250،299تاريخ الطبري:246التبيان في تفسير القرآن:158،245،307التعريفات للجرجاني:33تعليقة الإمام الخميني:21تعليقة على عدة الأصول:15تعليقة على الكفاية:21تعليقة على معارج الوصول:15تفسير آلاء الرحمن:244تفسير علي بن إبراهيم:106التفسير الكبير:92التنقيح:14تنقيح المقال:118،119،205،244،245،255،263


409

توحيد الصدوق:79،87،149،214،245،375التهذيب:97،106،112،114،118،119،121،124،125،162،163،197،245،300،362تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول:15ثواب الأعمال:243جامع المعارف و الأحكام:11الجرح و التعديل(للرازي):246الحاشية(محمد تقي بن محمد رحيم الأصفهاني):325،326الحاشية(محمد النجف‏آبادي الأصفهاني):20حاشية بر كفاية:20الحاشية على الكفاية(إبراهيم بن محمد شبر الحسيني):18الحاشية على الكفاية(ميرزا أحمد ابن المصنف الخراسانيّ):18الحاشية على الكفاية(أحمد بن السيد علي أصغر الشهرستاني):18الحاشية على الكفاية(باقر الزنجاني):18الحاشية على الكفاية(أبو الحسن بن عبد الحسين المشكيني):18الحاشية على الكفاية(حسن اليزدي):18الحاشية على الكفاية(حسين بن علي بن أبي القاسم الحسيني البختياري الأصفهاني):18الحاشية على الكفاية(عباس علي الشاهرودي):20الحاشية على الكفاية(علي بن عبد الحسين بن علي أصغر الإيرواني):19الحاشية على الكفاية(لولد المصنف ميرزا محمد):19الحاشية على الكفاية(محمد إبراهيم بن علي بن محمد حسين):18الحاشية على الكفاية(محمد تقي الگلپايگاني البصير):18الحاشية على الكفاية(مهدي بن إبراهيم بن هاشم الدجيلي الكاظمي):20


410

الحاشية على الكفاية(محمد بن علي بن علي تقي الحسيني التبريزي):19الحاشية على الكفاية(محمد علي بن محمد جعفر القمي):19الحاشية على الكفاية(محمد حسين الطباطبائي):18حاشية فرائد الأصول:48،102،103،107،145،227،232،296،396،370،376،377،381حاشية كفاية الأصول:20الحاشية على المعالم:16حقائق الأصول:17،71حلية الأولياء:246خبر الواحد و العمل به:13الخصال:149،214،375الخصوص و العموم(لأبي سهل النوبختي):13الخصوص و العموم(لأبي محمد النوبختي):13الخلاف:169الدرجات الرفيعة:250درر الفوائد:35،46،67،102،121،145،146،168،169،190،219،220،225،256،268،269،290،297،302،311،345،383الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة:254الدرر النجفيّة:243،247دروس و حلول في شرح كفاية الأصول:20الذريعة إلى أصول الشيعة:14،250،288الذريعة إلى تصانيف الشيعة:11،21رجال العلاّمة:245


411

رجال الكشي:113،205رجال النجاشي:113،118،205،244،299،300الرحلة المدرسية:244ردود على أهل الديانات المنحرفة:244الرسائل فرائد الأصول‏روضات الجنات:61،62،92،245،250،253،255،325زبدة الأصول:16سفينة البحار:246سلافة العصر:61،62الشافية:254شرح التهذيب الجمالي في أصول الفقه:15شرح العضدي:254شرح الكفاية(للرشتي النجفي):17شرح الكفاية(للسلطان العراقي):17شرح الكفاية(لعبد الكريم الخوئيني):20شرح الكفاية(لعلي بن قاسم القوچاني):17شرح الكفاية(فارسي موسوم به خودآموز كفاية):17شرح الكفاية(لمهدي الخالصي الكاظمي):17شرح نهج البلاغة(لا بن أبي الحديد):254شرح الوافية:16الشفاء:190الشمسية:271شوارق الإلهام:33


412

شواهد التنزيل:247الشواهد الربوبية:62،271الصحاح:291صحيح البخاري:247طبقات أعلام الشيعة:36طبيعيات الشفاء:82طريق الوصول إلى تحقيق كفاية الأصول:20عدة الأصول:14،288العقد الفريد لا بن عبد ربه:254علل الشرائع:89،106غاية المرام في شرح تهذيب الأحكام:142غاية الوصول في شرح مختصر الأصول:15غنية النزوع:15،110،255فرائد الأصول:16،35،37،110،121،151،162،179،180،181،190191،193،195،196،203،228،232،267-268،290،291،293،298،307،339،343،345،350،352،361،365،383فصل الخطاب:244الفصول الغرويّة:267،290،325،326،382،383فضائل الحج:118فقه الرضا عليه السلام:262الفقيه من لا يحضره الفقيه:12،97،106،214،229،244،269،369الفوائد:39،73،78،127


413

فوائد الأصول:36،44،47،48،51،57،92،94،96،102،104،107،،108،111،112،121،124-126،128،136،138،145،149،153،156،161،164-167،174-176،178،179،181،183-186،190-194،196،204،206،207،210،212،215،225،227-230،232-335،257،258،264،268،269،277،287،290،294،302،303،305،307،310،312،315،320-322،326،330،334-341،343،349،352،355-357،361،365،367،372،375،376،378-381،385الفوائد الحائرية:16الفوائد الرضوية:326الفوائد الطوسية:247فهرست ابن النديم:113فهرست الشيخ الطوسي فهرست الشيخ فهرست الطوسي:113،118،244،245،300القاموس المحيط:291القانون:190القبسات:61،62القوانين:16،128،160،241،242.الكافي:11،13،65،79،87،106،113،117،118،163،197،199،205،214،226،229،243،244،278،281،282،310،312،369الكافية:254كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي:120كتاب الغيبة:205كتاب في أصول الفقه(للشيخ المفيد):14


414

الكرام البررة:242،325،326كشف التمويه و الالتباس في إبطال القياس:14كشف المراد كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:142،152،366كفاية الأصول الكفاية:16،33،34،37،38،43،48،60،66،68،70،73،78-80،86،89،91،101،103،126،127،141،148،152،159،161،189،209،223،225،233،239،253،261،268،269،275،283،284،306،310-313،317،333،336،345،353،361،362،364،368،375-377،380،382،385كنز العمّال:79،87كنز الفوائد:14الكنى و الأسماء(للدولابي):246الكنى و الألقاب:92،185،190،242،253،254لسان العرب:37اللوامع الإلهية:142،366المباحث المشرقية:92مبادئ الوصول إلى علم الأصول:15المبسوط:245،262مجمع البحرين:291مجمع البيان:308،309المحصول:16المحصول في علم أصول الفقه:152،254مختصر الأصول:254المراسم:262


415

مسائل الحديثين المختلفين:14مسائل الخلاف في أصول الفقه:14مسائل حجّية الخبر الواحد:14مستدرك الوسائل:49،199،245المستصفى:253مستطرفات السرائر:120مسند أحمد بن حنبل:79،87المصادر في أصول الفقه:14مصباح المتهجد:83مطارح الأنظار:167-169،290المطالب العالية:92معارج الأصول:110معارج الوصول إلى علم الأصول:15معارف الرّجال:35،36،185،198،242،244المكاسب:35المعالم الجديدة للأصول:10معالم الدين معالم الدين و ملاذ المجتهدين:15،110معاني الأخبار:245معجم رجال الحديث:119،205،246،263معجم مقاييس اللغة:257مفاتيح الغيب:62مفردات الراغب:291مقالات الأصول:107،202،269


416

منتهى الوصول إلى علمي الكلام و الأصول:15منظومة السبزواري شرح المنظومة:76،93منية الطالب:380الميزان في تفسير القرآن:158نقباء البشر:35،153،198،244نقض اجتهاد الرّأي على ابن الراوندي:13النكت:255النكت البديعة في تحرير الذريعة:15نهاية الأفكار:190،256،257،284،291،296،299،302،313،336،365نهاية الدراية في شرح الكفاية:17،35،107،128،144،145،198،372نهاية المأمول في الأصول:20نهاية المأمول في شرح كفاية الأصول:(للميرزا حسن القمي):17نهاية المأمول في شرح كفاية الأصول(لعبد النبي العراقي):19نهاية المأمول في شرح كفاية الأصول(لمحمد علي الاجتهاردي):20نهاية المأمول في شرح كفاية الأصول(للشيخ مرتضى الأصفهاني):19نهاية الوصول إلى علم الأصول:15نهج الوصول إلى علم الأصول(للعلاّمة الحلي):15نهج الوصول إلى علم الأصول(للمحقق الحلي):15الوافي:16الوافية:16الوسائل:106،113،114،117-121،124،125،149،162،163،197،199،205،210،214،226،229،247،262،278،281،282،300،310،312،362،369


417

وسيلة الوصول إلى كفاية الأصول:18 وفيات الأعيان:92،190،253،254هداية الأبرار:243،247هداية العقول في شرح كفاية الأصول(للشهيدي التبريزي):19هداية العقول في شرح كفاية الأصول(لمحمد علي الحمامي):20الهداية في شرح الكفاية(لشهاب الدين المرعشي النجفي):19الهداية في شرح الكفاية(عبد الحسين الدزفولي):19الهداية في شرح الكفاية(لمحمد جعفر الشيرازي):20هداية المسترشدين:325،383الهدى إلى دين المصطفى:244هدية الأحباب:325


418


419

6-فهرس موضوعات الكتاب‏

مقدمة التحقيق:7

مباحث القطع‏

وجه أشبهيّة مسائل القطع بالكلام:33وجه تعميم متعلق القطع:34تنبيه:جواب اعتذار بعض مشايخ العصر رحمه اللَّه:36وجه عدم جعل الحجّية للقطع:37إشكال على مراتب الحكم:38التجرّي:43المبحث الأوّل:هل البحث عن التجرّي من المباحث الأصوليّة أم لا؟:43في الإيراد على القائلين بكون التجرّي من المباحث الأصوليّة:46المبحث الثاني:في عدم اختيارية الفعل المتجرّى به:48في الإشكال على بعض مشايخ العصر:50المبحث الثالث:قبح التجرّي و تحقيق الحال فيه:54في نقل كلام بعض مشايخ العصر و وجوه النّظر فيه:56


420

في اختيارية الإرادة و عدمها:60كلام المحقق الداماد:61إشكالات صدر المتألهين:62الجواب عن أصل الإشكال:63تتمّة:إشكالات على كلام بعض الأعلام:66في معنى البعد و القرب و الإيراد على المصنف:68في تحقيق الذاتي الّذي لا يعلّل:73في الإشكال على المحقق الخراسانيّ:78في سبب اختلاف أفراد الإنسان:80في أنّ السعادة قابلة للتغيير و كذا الشقاوة:85في معنى قوله(السعيد سعيد.).و(الناس معادن):87في أن للمعصية منشأين للعقوبة:89المبحث الأوّل:في بيان أقسام القطع:91في الإيراد على بعض مشايخ العصر:94حال الإطلاق و التقييد و النسبة بينهما:99المبحث الثاني:في قيام الطرق و الأصول بنفس أدلّتها مقام القطع بأقسامه:101في حال مقام الثبوت:103في حال مقام الإثبات و الدلالة:105في عدم قيام الأمارات العقلائيّة مقام القطع مطلقا:105في قيام الأصول مقام القطع:109في أماريّة الاستصحاب:110في أنّ المستفاد من الكبرى المجعولة في الاستصحاب هو الطريقيّة:112إشكالات في تفصيات:115


421

في حال قاعدة الفراغ و التجاوز:119في وجه تقدم القاعدة على الاستصحاب:120في الإيراد على القوم:121في قيام الاستصحاب مقام القطع:122في عدم قيام القاعدة مقام القطع:124في بيان عدم التضاد بين الأحكام الخمسة:126في بيان حال أخذ القطع و الظّن في موضوع مثله أو ضدّه:130في نقل كلام بعض المشايخ و الإشارة إلى وجوه الخلط فيه:135الموافقة الالتزاميّة:المطلب الأوّل:في حال الموافقة الالتزاميةفي الأصول و الفروع:141المطلب الثاني:جريان الأصول لا يدفع الالتزام بالحكم الواقعي:147المطلب الثالث:عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي:148الإشكال على بعض محققي العصر:149في عدم تفاوت الآثار العقلية للقطع الطريقي:152البحث في العلم الإجمالي:159المقام الأول:ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي:159وجوه النّظر في كلام بعض الأعلام:163المقام الثاني:سقوط التكليف بالعلم الإجمالي و الموافقة على سبيل‏الإجمال و الاحتياط:166تنبيه:نقل كلام العلامة الحائري و وجوه النّظر فيه:170هل للشارع التصرف في كيفية الإطاعة؟175هل الامتثال التفصيليّ في عرض الوجداني؟177النّظر في مراتب الامتثال:177


422

جواز العمل بالاحتياط ثم العمل بالأمارة:179هل الامتثال الإجمالي في عرض التفصيليّ؟181هل يجوز الامتثال الظني مع إمكان التفصيليّ؟183

مباحث الظّن‏

في إمكان التعبد بالأمارات:189تنبيه:القول في المصلحة السلوكية:193مفاد أدلة اعتبار الأمارات و الأصول:197عدم اختصاص الأحكام الواقعيّة بالعالم بها:198وجه الجمع بين الأحكام الظاهريّة و الواقعيّة:199تنبيه:الإشكال على الوجوه الّتي ذكرت للجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي:202أن الحجية و الكاشفيّة لا تنالها يد الجعل:207كلام النائيني و النّظر فيه:209وجه الجمع على رأي بعض المشايخ:217في تأسيس الأصل فيما لا يعلم اعتباره:223البحث عن قبح التشريع و حرمته:225تتمّة:في جريان استصحاب عدم الحجّية عند الشك فيها:231مبحث في حجّية الظهور:239مبحث في حجّية قول اللّغوي:249مبحث في حجّية الإجماع:253مبحث في حجّية الشهرة الفتوائية:261مبحث في حجّية خبر الواحد:267في موضوع علم الأصول:267


423

أدلة عدم حجية خبر الواحد:275في الاستدلال بالكتاب على عدم حجّية خبر الواحد:275في الاستدلال بالسنة على عدم حجّية خبر الواحد:281أدلّة حجية خبر الواحد:283في الاستدلال بالكتاب على حجّية خبر الواحد:283آية النبأ:283تكملة:288آية النفر:306الاستدلال بالأخبار على حجّية خبر الواحد:310الاستدلال بسيرة العقلاء على حجّية الخبر:313الفرق بين الانسداد الكبير و الصغير:317نقل كلام بعض الأعاظم و وجوه النّظر فيه:318ميزان انحلال العلم الإجمالي الكبير و الصغير:324مواقع للنظر في كلام بعض الأعلام:327في ما استدل به على حجّية مطلق الظن:333في مقدمات الانسداد:345القول في اختلاف نتيجة دليل الانسداد باختلاف المبنى:354الكلام في المقدمة الثالثة و هي الرابعة عند الآخوند:361نقل كلام المحقق الخراسانيّ في المقام و وجوه النّظر فيه:361في ما استدل به على عدم وجوب الاحتياط في جميع الوقائع:364إشكالات بعض الأعاظم على المحقق الخراسانيّ و وجوه النّظر فيها:374


424

الفهارس العامّة

1-فهرس الآيات القرآنية 3892-فهرس الأحاديث الشريفة 3913-فهرس أسماء النبي و الأئمة عليهم السلام 3954-فهرس الأسماء و الكنى 3975-فهرس الكتب 4076-فهرس موضوعات الكتاب 419

فهرست آيات
يوم تجد كلُّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضرا و ما عملت من سوء 55
و وجدوا ما عملوا حاضرا 55
فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرايره و من يعمل مثقال ذرّة شرّا يره 55
و ما تشاءون إلاّ أن يشاءاللَّه 61
كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء 76
إنّا خلقنا الإنسان من نطفةأمشاج 81
و جحدوا بها و استيقنتهاأنفسهم ظلما و علوّا 144
إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبيّنوا 205
فانكحوا ما طاب لكم من النساء 207
و أنكحوا الأيامى 207
منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم 208
و أحلّ لكم‏ما وراء ذلكم 208
اللَّه يعصمك من النّاس 246
إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا 275
و لا تقف ما ليس لك به علم 275
لا تقف ما ليس لك به علم 276
و لا تقف ما ليس لك به علم 277
إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيّنوا 285
إنّ جاء كم فاسق بنبإ فتبيّنوا 292
و لا تقف ما ليس‏لك به علم 294
لينذروا 307
فلعلّك باخع نفسك على آثارهم إن‏لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا 307
و ما كان المؤمنون لينفروا كافّة 308
فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة 308
أحلّ اللَّه 315
أوفوا بالعقود 315
ما جعل عليكم في الدّين من‏حرج 369
ما جعل عليكم في الدّين من‏حرج 373
ما جعل عليكم في الدّين من حرج 381