فهرست عناوين فهرست آيات
انوارالهداية فى التعليقة على الكفاية ج 2


1


7
فهرست عناوين
     الجزء الثاني‏7
     مباحث الشك‏9
     الأُصول العمليّة11
     ينبغي التنبيه على أُمور:11
     الأمر الأول‏في ترتيب مباحث الأُصول‏11
     الأمر الثاني‏وجه تقديم الأمارات على الأُصول‏14
     الأمر الثالث‏وحدة مناط البحث في أقسام الشبهات‏18
     أدلة القول بالبراءة19
     الاستدلال بالكتاب‏21
     الآية الأُولى‏21
     الآية الثانية26
     الاستدلال بالسنة33
     حديث الرفع‏33
     الأمر الأول‏في شموله للشبهات الحكمية33
     الأمر الثاني‏معنى حديث الرفع‏40
     الأمر الثالث‏حكومة الحديث على أدلّة الأحكام‏45
     الأمر الرابع‏في مصحح نسبة الرفع إلى العناوين المأخوذة في الحديث‏47
     الأمر الخامس‏في شمول الحديث للأُمور العدمية50
     الأمر السادس‏تصحيح العبادة المنسي منها جزء أو شرط بالحديث‏53
     في شمول الحديث للأسباب‏62
     في شمول الحديث للمسببات:65
     الأمر السابع‏تصحيح العبادة المشكوك في مانعية شي‏ء لها بالحديث‏68
     حديث الحجب‏70
     حديث الحلية72
     أدلة القول بالاحتياط81
     الاستدلال بالكتاب‏83
     الاستدلال بالسنة87
     الاستدلال بالعقل‏89
     ردود على أدلة الأخباريين‏91
     جواب المحقق الحائري قدس سره:91
     جواب المحقق الخراسانيّ قدس سره:93
     المختار من الأجوبة:95
     تنبيهات البراءة97
     اشتراط عدم أصل موضوعي في موردها97
     في أصالة عدم التذكية:97
     في بيان اعتبارات القضايا:101
     التحقيق في المسألة:106
     في الشبهة الموضوعية:113
     تتمّة:116
     التنبيه الثاني‏125
     تقرير إشكال الاحتياط في العبادة125
     تصحيح عباديّة الشي‏ء بأوامر الاحتياط127
     البحث عن أخبار(من بلغ)131
     الشبهة الموضوعية التحريمية139
     أنحاء متعلّق الأمر و النهي‏139
     اختلاف الأُصول العملية باختلاف متعلّقات الأحكام‏143
     عدم انحلال القضيّة الحقيقيّة إلى شرطيّة143
     في التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص‏147
     في تعلّق الأمر و النهي بصِرف الوجود أو بالمجموع‏149
     مسألتان‏151
     المسألة الأُولى‏151
     الأمر الأوّل‏حقيقة الواجب التخييري‏151
     الأمر الثاني‏أقسام الواجب التخييري‏153
     الأمر الثالث‏حكم الشك في اشتراط التكليف في مرحلة البقاء155
     الأمر الرابع‏في أنحاء الشكّ في التعيين و التخيير158
     في مقتضى الأصل في الأنحاء الثلاثة158
     في النحو الأوّل:158
     النحو الثاني:161
     النحو الثالث:162
     المسألة الثانيةفي دوران الأمر بين الواجب العينيّ و الكفائيّ:168
     في تصويرات الواجب الكفائي‏168
     اختلاف الأصل باختلاف الوجوه في الكفائي‏170
     في دوران الأمر بين المحذورين‏172
     في جريان الأصل العقلي‏172
     في جريان الأصل الشرعي‏175
     تنبيه‏فيما لو كان لأحد الحكمين مزية180
     هل التخيير في المقام بدويّ أو استمراريّ‏181
     في دوران الأمر بين المتباينين‏183
     في حرمة المخالفة القطعية للعلم الإجمالي‏185
     في وجوب الموافقة القطعية190
     تفصيل بعض الأعاظم‏192
     في شمول أدلّة الترخيص لبعض أطراف المعلوم بالإجمال‏197
     الوجه الأوّل:197
     الوجه الثاني:199
     التحقيق في المقام‏205
     تنبيه‏في بدلية الطرف الغير المأذون فيه عن الواقع‏206
     في الاضطرار إلى بعض أطراف المعلوم بالإجمال‏207
     ردّ على المحقق الخراسانيّ‏211
     في اشتراط الابتلاء بتمام الأطراف لتنجيز العلم الإجمالي‏213
     الأصل عن الشكّ في الخروج عن محلّ الابتلاء220
     في الشبهة الغير المحصورة228
     في الاستدلال على عدم وجوب الاحتياط في المقام‏229
     مناقشة بعض الأعاظم في ضابط الشبهة الغير المحصورة234
     تنبيه‏في سقوط حكم الشك البدوي بعد سقوط العلم الإجمالي‏237
     في ملاقي بعض أطراف المعلوم بالإجمال‏238
     الجهة الأُولى‏في صورة العلم بالملاقاة238
     الجهة الثانيةما هو الأصل العقليّ في هذه الصور؟239
     الجهة الثالثةبيان الأصل الشرعي في الملاقي‏244
     إشكال و حلول‏245
     جواب العلامة الحائري و مناقشته‏247
     الجهة الرابعةتعميم الأصل في الملاقي لجميع الصور249
     الجهة الخامسةفي خروج الملاقى عن محلّ الابتلاء250
     الجهة السادسةوجوه أُخرى في وجوب الاجتناب عن الملاقي‏252
     الجهة السابعةالأصل عند الشك في اختصاص الملاقي بجعل مستقل‏254
     في بيع أحد طرفي المعلوم بالإجمال حرمته‏261
     تذييل استطراديّ:261
     حكم التوابع لأطراف المعلوم بالإجمال حرمته‏264
     تنبيهات‏271
     التنبيه الأوّل‏في التفصيل بين الشرائط و الموانع في وجوب الاحتياط271
     التنبيه الثاني‏في كيفية النيّة لو كان المعلوم بالإجمال أو المحتمل من العبادات‏274
     التنبيه الثالث‏حكم ما لو كان المعلوم بالإجمال أمرين مترتّبين شرعاً276
     دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين‏278
     الإشكالات على جريان البراءة في المقام‏282
     جواب المحقّق النائيني عن الإشكال و ردّه‏285
     تقريران آخران للإشكال الرابع‏294
     الأصل الشرعي في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر305
     في دوران الأمر بين المطلق و المشروط310
     بقي أمران:316
     الأمر الأوّل‏في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في الأسباب و المحصّلات‏317
     الأمر الثاني‏في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّ في‏الشبهة الموضوعيّة و الأقسام المتصوّرة فيها،و ذكر غير الارتباطيّ تبعاً324
     الشكّ في الجزئية أو الشرطيّة في حال النسيان‏332
     المقام الأوّل‏و هو أنّه إذا ثبت جزئيّة شي‏ء في الجملة،و شكّ في أنّ نقصه سهواً يوجب بطلان‏المركّب أم لا،فهل الأصل العقليّ يوجب الإعادة أم الاكتفاء بالناقص؟333
     إشكال الشيخ الأعظم في المقام‏336
     الوجوه التي ذكرت في دفع إشكال الشيخ و ردّها338
     المقام الثاني‏مقتضى الأصل الشرعي عند الشك في المقام‏343
     المقام الثالث‏حال الزيادة العمديّة و السهوية347
     المقام الرابع‏و هو قيام الدليل على خلاف ما اقتضت القاعدة360
     البحث في تعذر الجزء أو الشرط372
     المقام الأوّل‏في مقتضى الأصل العقلي في المقام‏378
     المقام الثاني‏مقتضى سائر القواعد380
     في جريان قاعدة الميسور386
     في دلالة النبوي على المقام‏386
     الكلام في مفاد العلويّ الأوّل‏389
     الكلام في مفاد العلويّ الثاني‏392
     اعتبار صدق الميسور في جريان القاعدة395
     الإشكالات على أصالة الاحتياط399
     اعتبار الفحص في جريان البراءة العقلية411
     الدليل العقلي على وجوب الفحص‏411
     وجوه أُخرى للاستدلال على وجوب الفحص‏421
     مناط استحقاق تارك الفحص للعقاب‏422
     في صحّة عمل الجاهل أو فساده‏431
     اشتراط جريان البراءة الشرعيّة بالفحص‏437
     الفهارس العامة445
     1-فهرس الآيات القرآنية447
     2-فهرس الأحاديث الشريفة449
     3-فهرس أسماء النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام‏453
     4-فهرس الأسماء و الكنى‏454
     5-فهرس الكتب‏460
     6-فهرس مصادر التحقيق‏468
     7-فهرس موضوعات الكتاب‏482

الجزء الثاني‏

بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و صلى اللَّه على محمد و آله الطاهرين‏


9

مباحث الشك‏


11

الأُصول العمليّة

قوله:المقصد السابع:في الأُصول العمليّة..إلخ‏ (1) .

ينبغي التنبيه على أُمور:

الأمر الأول‏في ترتيب مباحث الأُصول‏

(1)أنّه قد جرى ديدنهم في أوّل مبحث القطع‏ (2) بتقسيم حالات المكلّف:من أنّه إمّا أن يحصل له القطعُ،أو الظنّ،أو الشكُّ،و ذكرِ مجاري الأُصول،و لقد أطالوا الكلام في النقض و الإبرام،و الإشكال في الطرد و العكس فيها.و بعد اللَّتيّا و التي لا يخلو شي‏ء منها من إشكال أو إشكالات;لأنّ أحسن‏ما قيل في المقام ما أفاده شيخنا العلاّمة (3) أعلى اللّه مقامه-:من أنّ‏

1)الكفاية 2:165.

2)انظر فرائد الأُصول:190 سطر 14-16،فوائد الأُصول 3:2-3،مقالات الأُصول‏2:2،نهاية الأفكار-القسم الأوّل من الجزء الثالث:2.

3)درر الفوائد 2:2.


12

المكلّف إذا التفت إلى حكم:فإمّا أن يكون قاطعاً به،أو لا.و على الثاني:فإمّا أن يكون له طريق منصوب من قِبَل الشارع،أو لا.و على الثاني:إمّا أن يكون له حالة سابقة ملحوظة،أو لاو على الثاني:إمّا أن يكون الشكّ في حقيقة التكليف،أو في متعلّقه.و على الثاني:إمّا أن يتمكّن من الاحتياط،أو لا1انتهى.و فيه أوّلاً:أنّ المراد بالقطع:إمّا أن يكون قطعاً تفصيليّاً،أو أعمّ منه و من‏الإجماليّ.فعالي الأوّل:يرد عليه أوّلاً:أنّ الاختصاص به ممّا لا وجه له;فإنّ المختارعدم الفرق بين القطع التفصيليّ و الإجماليّ في وجوب المتابعة.و ثانياً:بناءً على الاختصاص لا وجه لذكر القطع الإجماليّ في مبحث القطع.1كان الأولى في ترتيب مباحث الأُصول أن يبحثوا عن القطع بقسميه-التفصيليّ،و الإجماليّ-في مبحث،و يدرجوا فيه بعض مباحث الاشتغال و التخيير ممّا كان الحكم‏معلوماً إجمالاً بالعلم القطعيّ،ثمّ يردفوه بمبحث الظنّ و الأمارات،سواء كانت الأمارةتفصيليّة أو إجماليّة،و يدرجوا فيه سائر مباحث الاشتغال و التخيير،و يدرجوا بحث التعادل‏و التراجيح في ذيل حجّيّة الخبر الواحد،ثمّ يردفوه ببحث الاستصحاب،ثمّ مبحث البراءة;حتّى يكون ترتيب المباحث حسب ترتيب حالات المكلّف;فإنّه إمّا قاطع بالحكم إجمالاًأو تفصيلاً،أو ظانّ بظنّ معتبر تفصيلاً أو إجمالاً،أو شاكّ و قامت حجّة على الحكم‏الواقعيّ أو لا،فالأوّل مبحث القطع بقسميه،و الثاني مبحث الظنّ و الطرق بقسميها من‏التفصيليّ و الإجماليّ،و مبحث التعادل مناسب لمبحث الظن،و الثالث مبحث‏الاستصحاب،فإنه حجة على الحكم الواقعيّ من غير أن يكون طريقاً،و الرابع مبحث‏البراءة.و الأمر سهل‏منه قدس سرّه‏


13

و على الثاني:يحصل‏تداخل بينه و بين الشكّ في المتعلّق،فإنّ جميع‏أقسام الشكّ إنّما هو في مقابل القطع،و المفروض أنّه أعمّ من الإجماليّ،فالشكّ في المتعلّق من القطع،و لا بدّ و أن يذكر في مبحث القطع.هذا حال‏القطع.و كذلك الإشكال وارد على الطريق المنصوب من قِبَل الشارع إذا عرض‏الإجمال لمتعلَّقه،فيتداخل مع الشكّ في المتعلَّق بما ذكرنا.و ثانياً:أنّ الظاهر من هذا التقسيم أن يكون إجمالاً لما فصّل في الكتاب‏من المباحث،فيلزم أن يكون جُلّ مباحث الظنّ-لو لم يكن كلها-مستطرَداً،فإنّ الطريق المنصوب من قِبَل الشارع:إمّا مفقود رأساً;بناءً على‏ما هو الحقّ من أنّ حجّيّة الخبر الواحد إنّما هي إمضائيّة لا تأسيسيّة،فلا يكون نصب طريق من قبله أصلاً.و إمّا مختصّ بخبر الثقة إن قلنا بتأسيسيّة الحجّية له،فيكون سائر المباحث‏استطراداً،و الظنّ على الانسداد لا يكون حجّة شرعيّة كما عرفت‏ (1) .و ثالثاً:أنّ قيد اللحاظ في الاستصحاب-لأجل تخصيصه بما اعتبره‏الشارع-يجعله كالضروريّ بشرط المحمول،فكأنّه قيل:المختار في مجرى‏الاستصحاب ما هو معتبر شرعاً،و هو كما ترى.و الأولى أن يقال:إنّ التقسيم إجمال المباحث الآتية في الكتاب‏تفصيلاً،و بيان لسرّ تنظيم الكتاب على هذه المباحث،فإنّ هذا التنظيم لأجل‏

1)انظر الجزء الأول صفحة:347 و ما بعدها.


14

حالات المكلّف بالنسبة إلى الحكم الشرعيّ،فإنّه لا يخلو من القطع بالحكم أوالظنّ أو الشكّ به،و الشكّ لا يخلو:إمّا أن يكون له حالة سابقة أو لا،و الثاني‏لا يخلو:إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو المكلَّف به،و الثاني لا يخلو:إمّاأن يمكن الاحتياط فيه أولا،فرُتِّبت مباحث الكتاب على حسب حالات‏المكلَّف من غير نظر إلى المختار فيها.فللقطع مباحث تأتى في محلّها،و كذلك للظنّ و الشكّ بأقسامه،فلا يردعليه إشكال;لعدم التداخل بين المباحث و عدم الاستطراد.نعم يرد عليه:إشكال التداخل بين القطع و الشكّ في المتعلّق،فإنّه-أيضا-من القطع الإجماليّ.و يمكن أن يقال:إنّ ما ذكر في مبحث القطع هو حيثيّة حجّيّة القطع و مايرتبط بها،و ما ذكر في مباحث الاشتغال هو أُمور أُخر مربوطة بالشكّ،فلا يتداخلان;لاختلاف اللحاظ،و على ما ذكرنا لا احتياج‏إلى‏تقييدالحالة السابقة بالملحوظة.

الأمر الثاني‏وجه تقديم الأمارات على الأُصول‏

قد أشرنا سابقاً (1) إلى ضابطة الحكومة،و أنها هي كون الدليل الحاكم‏متعرّضاً للمحكوم نحوَ تعرّض و لو بنحو اللزوم العرفيّ أو العقليّ ممّا لا يرجع‏

1)انظر الجزء الأول صفحة:370-372.


15

إلى التصادم في مرحلة الظهور،أو كون دليل الحاكم متعرّضاً لحيثيّةٍ من‏حيثيّات دليل المحكوم ممّا لا يتكفّله دليل المحكوم توسعةً و تضييقاً.و بما ذكرنا من الضابط يظهر وجه تقديم الأمارات على الأُصول.لكن لا بدّ من التعرّض لنكتة:و هي أنّ الحكومة لم تكن بين‏نفس الأمارات و الأُصول،بل تكون بين دليليهما،فالحكومة إنّما تتقوّم‏بكيفيّة التأدية و لسان الدليل،فلم تكن بين الأدلّة اللُّبّية الصِّرفة.نعم‏قد يكون أحد الدليلين اللُّبّيين وارداً على الدليل الآخر اللُّبّي،لكنّ الدليل‏الحاكم لا بدّ و أن يكون دليلاً لفظيّاً يتصرّف في المحكوم نحوَ تصرّف،على‏ما فصّلناه سالفاً.إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ أدلّة الأمارات مختلفة:فقد يكون دليلها هوالبناء العقلائيّ أو الإجماع;مثل أصالة الصحّة في فعل الغير بناءً على‏أماريّتها،فإنّ دليلها السيرة العقلائيّة أو الإجماع،دون الدليل اللفظيّ،فتقديم‏دليلها على الاستصحاب لم يكن بنحو الحكومة،بل بنحو الورود أوالتخصيص أو غير ذلك،و سيأتي في محلّه‏ (1) .و مثل أدلّة حجّيّة خبر الثقة،فإنّها مختلفة;فإن كان المستند هو مفهوم آيةالنبأ-بناءً على المفهوم-فلا يبعد أن يكون بنحو الحكومة;لأنّ‏مفهوم‏قوله: إن جاءَكُم فاسِقٌ بنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَةٍ (2) أنّ خبر العادل‏

1)رسالة الاستصحاب المطبوعة ضمن كتاب(الرسائل)للسيد الإمام قدس سره:236-244.

2)الحجرات:6.


16

متبين،و لم يكن الإقدام معه جهالة،فيقدّم على أدلّة الأُصول التي يكون‏موضوعها عدم العلم و الجهالة.و إن كان المستند هو الأخبار،فلسان بعضها يكون بنحو الحكومة،و إن‏كان غالبها لم تكن بتلك المثابة.و إن كان المستند هو بناء العقلاء،فلا يبعد أن يكون التقديم بنحو الورود.و أمّا أدلّة قاعدة الفراغ و التجاوز فهي حاكمة على الاستصحاب و لو قلنابأماريّة الاستصحاب،فإنّ أدلّته-بناءً على أماريّته-و إن كان لسانها هو إطالةعمر اليقين-كما أشرنا إليه سابقاً (1) -لكن الشكّ أيضا مأخوذ فيها،لا بنحوالموضوعيّة و ترتّب الأحكام عليه حتّى يكون أصلاً،بل اعتبر الشكّ لكن بماأنّه أمر غير مُبرَم لا يُنقَض به اليقين الّذي هو أمر مُبرَم مستحكم.و أمّا دليل القاعدة فمفاده عدم شيئيّة الشكّ مع التجاوز،و ما كان مفاده‏عدم الشكّ مقدّم على ما كان مفاده تحقّق الشكّ،لكن لا يكون بمثابة يُنقَض‏به اليقين:فإنّ قوله:(إنّما الشكّ في شي‏ء لم تَجُزهُ-) (2) ،و قوله:(فشكُّك ليس‏بشي‏ء) (3) لسانهما الحكومة على قوله:(لا تنقض اليقين بالشكّ) (4) و لو قلنا

1)انظر الجزء الأول صفحة:37.

2)التهذيب 1:10-111 باب 4 في صفة الوضوء..،مستطرفات السرائر:25-3 من‏نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الوسائل 1:331-2 باب 42 من أبواب‏الوضوء.

3)نفس المصدر السابق.

4)التهذيب 1:8-11 باب 1 في الأحداث الموجبة للطهارة،الوسائل 1:174-1 باب 1من أبواب نواقض الوضوء.


17

بأماريّة الاستصحاب،و لا غَروَ في ذلك بعد أن يكون المناط في الحكومةهو لسان الأدلّة،فتقدّم أمارة على أمارة لأجل ذلك.و أمّا إن كان الاستصحاب أصلاً فلا إشكال في حكومة أدلّتها على أدلّته،فإنّ مفاد أدلّة الاستصحاب:أنّه إذا شككت فابنِ على اليقين عملاً،و رتِّب‏آثار اليقين الطريقي،فموضوعه الشكّ،و لسان أدلّة الفراغ و التجاوز هو عدم‏شيئيّة الشكّ،و هو لسان الحكومة كما لا يخفى.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الحكومة إنّما تكون بين أدلّة الأمارات‏و الأُصول،فلا بدّ من ملاحظة الأدلّة و كيفيّة تأديتها،فربما لا تكون الحكومةبحسب دليل،و تكون بحسب دليل آخر،و ربما يكون دليل الأصل حاكماًعلى دليل الأمارة،فتدبّر جيِّداً.ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر-رحمه اللَّه-نسب إلى ظاهر كلام الشيخ‏-قدّس سرّه-في المقام و في مبحث التعادل و الترجيح:أنّ الوجه في التنافي‏بين الأمارات و الأُصول العمليّة هو الوجه في التنافي بين الحكم الواقعي‏و الظاهري،و ما هو المناط في الجمع بين الأمارات و الأُصول هو المناط في‏الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.ثمّ ردّه:بأنّ المناطَينِ مُختلفان في الجمع و التنافي،و الجمع بين الأمارات‏و الأُصول إنّما بالحكومة،لا بما أفاد الشيخ‏ (1) انتهى.

1)فوائد الأُصول 3:326.


18

و لا ينقضي منه العجب،فإنّ كلامَ الشيخ قدّس سرّه-في المقام و في‏مبحث التعادل و الترجيح-عارٍ عمّا نسبه إليه،بل صرّح الشيخ بأنّ وجه‏تقديم الأمارات على الأُصول هو الحكومة (1) .و ظنّي أنّ المحقّق المعاصر لحُسن ظنِّه بضبطه و حفظه لم يراجع كلام الشيخ‏حين الإلقاء و التدريس،و الفاضل المقرّر-رحمه اللَّه-أيضا لحسن ظنِّه بضبطأُستاذه و إتقانه لم يراجع حين التقرير،فوقعا فيما وقعا،فراجع كلامهما.

الأمر الثالث‏وحدة مناط البحث في أقسام الشبهات‏

لا يخفى أنّ المناط واحد في البحث عن جميع أقسام الشبهات،موضوعيّة كانت أو حكميّة وجوبيّة و تحريميّة،تكون الشبهة لأجل فقدان‏النصّ أو إجماله أو تعارض النصَّين،و اختصاص بعض الأقسام بالخلاف دون‏غيره،أو بحكم من دليل خارج،لا يوجب إفراد البحث فيها;ضرورة أنّ ذلك‏خارج عمّا هو مناط البحث،فالأولى عدم إفراد البحث فيها،و عطف النّظرإلى ما هو محطّ الكلام و مناط البحث إشكالاً و حلاً و دليلاً. نعم بعض الأدلّةعامّ لجميع الشبهات و بعضها مخصوص ببعضها.

1)فرائد الأُصول:191-192 و 432 سطر 4.


19

أدلة القول بالبراءة


20


21

الاستدلال بالكتاب‏

إذا عرفت ذلك،فقد استدلّ على البراءة بالأدلّة الأربعة:أما الكتاب فبآيات:

الآية الأُولى‏

منها:قوله تعالى: و مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبعَثَ رَسُولاً (1) .و تقريب الاستدلال بها على وجه يدفع الإشكالات عنها أن يُقال،إنّه‏لا إشكال في أنّ المتفاهَم العُرفي من الآية الشريفة-و لو بمناسبة الحكم‏و الموضوع-أنّ بعث الرسل يكون طريقاً إلى إيصال التكاليف‏إلى‏العباد،لا أنّ له جهة موضوعيّة-خصوصاً مع انتخاب لفظ الرسول المناسب‏للرسالة و التبليغ-فلو فرضنا أنّه تعالى بعث رسولاً،لكنّه لم يُبلِّغ الأحكام‏إلى العباد في شطر من الزمان لجهة من الجهات و مصلحة من المصالح،

1)الإسراء:15.


22

لا يمكن أن يقلا:إنّه تعالى يُعذِّبهم لأنّه بعث الرسول;ضرورة أنّ‏المُتفاهم من الآية أنّ البعث لأجل التبليغ و إتمام الحجّة يكون غاية لعدم‏التعذيب،و هذا واضح.و كذا لو فرضنا أنّه بلّغ بعض الأحكام دون بعض،كان التعذيب بالنسبةإلى ما لا يبلّغه مخالفاً للوعد في الآية الشريفة،و كذا لو فُرض أنّه بلّغ إلى‏أهل بلد خاصّ دون سائر البلدان،و انقطع بالنسبة إليها لأجل حوادث،أو بلّغ‏جميع الأحكام إلى جميع البلدان في عصره،ثمّ عرض الاشتباه،و انقطع‏وصول التبليغ على ما هو عليه بالنسبة إلى سائر الأعصار،فإنّ في جميع‏تلك الصور يُفهم عُرفاً من الآية الشريفة:أنّ الغاية-التي هي إيصال الأحكام‏إلى العباد و إتمام الحجّة عليهم-لم تحصل،فكما أنّ مجرّد وجود الرسول بين‏الأُمّة قبل تبليغه الأحكام لا يصحِّح العقاب،كذلك التبليغ الغير الواصل إلى‏العباد في حكم عدم التبليغ في ذلك عند العقل و العرف.فإذا اشتبه حكم موضوع،و عمل العبد ما تقتضي وظيفته من التفتيش‏و الفحص،و لم يصل إلى حكم المولى،و لم يكن له علم إجماليّ أو تفصيليّ‏بالإلزام،يكون مشمولاً لقوله تعالى: ما كُنّا مُعَذِّبينَ حتّى نَبعَثَ رَسُولاً (1) ;لِما عرفت من أنّ البعث ليس له جهة موضوعيّة،بل هو لأجل إيصال الحكم‏إلى العباد جُعل غاية للوعد بحسب الفهم العرفي.فما أفاده بعض أعاظم العصر-قدّس سرّه-من أنّ مفاد الآية أجنبيّ عن‏

1)الإسراء:15.


23

البراءة;فإنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة;فلا دلالة لها على‏حكم مشتبه الحكم من حيث إنّه مشتبه‏ (1) ليس في محلّه;لأنّ المشتبه الّذي‏لم يصل حكمه من اللَّه تعالى إلى العباد بعد الفحص مشمول للآية:إمّابما ذكرنا من أنّ البعث كناية عن إيصال الحكم،أو بإلغاء الخصوصيّة بنظرالعرف بمناسبة الحكم و الموضوع.ثمّ اعلم أنّ التعبير بقوله: ما كُنّا مُعَذِّبينَ.. -دون قوله:ما عَذّبنا-ممّايشير إلى معنىً آخر بحسب المتفاهم العرفي:و هو أنّ التعذيب قبل البيان‏منافٍ لمقام الربوبيّة،و أنّه تعالى أجلّ من أن يعذِّب قبل تبليغ الحكم إلى‏العباد و إتمام الحجّة عليهم،فكأنّه تعالى قال:ما كُنّا مرتكبين لهذا الأمرالّذي ينافي مقامنا الأرفع و جنابنا الأمنع.و من هذا التركيب و البيان:إمّا أن يفهم عرفاً أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ‏لمقام عدله،و يكون أمراً قبيحاً مستنكراً منه تعالى كما لا يبعد،و إمّا أن‏يفهم أنّه منافٍ لمقام رحمته و لطفه بالعباد.فعلى الأوّل:يفهم منه عدم الاستحقاق أيضا;فإنّه مع الاستحقاق‏لا يكون التعذيب منكَراً منافياً لعدله تعالى و حينئذٍ يكون الاستدلال بهاللبراءة ممّا لا إشكال فيه.و على الثاني:لا يفهم منه إلاّ رفع فعليّة العقاب،و هو لا ينافي الاستحقاق.فأُورد على الاستدلال بها:

1)فوائد الأُصول 3:333-334.


24

تارةً:بأنّها مربوطة بنفي تعذيب الأُمم السالفة قبل بعث الرسل‏ (1) فهي‏أجنبيّة عمّا نحن فيه.و أُخرى:بأنّ الاستدلال بها لما نحن فيه متقوّم بكونها في مقام نفي‏الاستحقاق،لا نفي الفعليّة;لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق‏العقاب على ارتكاب المشتبه و عدمه،لا في فعليّة العقاب‏ (2) .هذا،و يرد على الإشكال الأوّل:أوّلاً:بمنع كونها مربوطة بالأُمم السالفة،بل الظاهر من الآيات المتقدّمةعليها أنّه عند الحساب يقال للإنسان الّذي أُلزم طائره في عُنُقه: اقرَأ كتِابَكَ‏كَفى بِنَفسِكَ اليومَ عَليكَ حَسيباً (3) و ترى أن الجزاء على ميزان العدل،من‏غير أن تزر وازرةٌ وزر أُخرى،و من غير أن يكون التعذيب بلا تماميّة التبليغ‏و إرسال الرسول و إيصال التكليف،فلا دلالة فيها على كونها راجعة إلى‏الأُمم. و لا دلالة لقوله: ما كُنّا بصيغة الماضي على ذلك،فإنّ النّظر إلى يوم‏الحساب،و يعتبر المضيّ بالنسبة إليه،و لذا قال: و كُلَّ إِنسان ألزَمناهُ طائِرَهُ (4) مع أنّ زمان صدور الآية لم يكون كذلك إلاّ بتأويل.و ثانياً:لو سُلّم بأنّ موردها نفي تعذيب الأُمم السالفة،لكن يُفهم منها-و لو

1)فرائد الأُصول:193 السطر الأخير.

2)الفصول:353 سطر 7-8.

3)الإسراء:14.

4)الإسراء:13.


25

بمناسبة الحكم و الموضوع،و كيفيّة التعبير-أنّ التعذيب قبل البيان منافٍ لمقامه‏الشامخ،و هو منّة ثابتة و سُنّة جارية إلى نفخ الصُّور،فهل ترى أنّه تعالى‏رفع العقوبة الدنيويّة-من مثل تسليط الوزغة في أيّام معدودة محدودة-منّةعلى عباده،ثمّ أخبر بأنّ ذلك أي هذه التعذيبات اليسيرة مُنافية لمقام رحمته‏و إفضاله،ثمّ عذّب العباد قبل البيان بالنار التي تطّلع على الأفئدة و بأنواع‏العقوبات العجيبة الخالدة الأُخروية؟!و بالجملة:يفهم من الآية-و لو بإلقاء الخصوصيّة و مئونة مناسبة الحكم‏و الموضوع-أنّ التعذيب قبل البيان لم يقع،و لا يقع أبداً.و على الإشكال الثاني:أنّ توقُّف الاستدلال بها على ما ذكر-و كون النزاع في البراءة إنّما هوفي استحقاق العقوبة لا فعليّتها-غير مُسلَّم،فإنّ نزاع الأُصوليّ و الأخباريّ‏إنّما هو في لزوم الاحتياط في الشبهات و عدمه،و بعد ثبوت المُؤَمِّن من قِبَل‏اللَّه لا نرى بأساً في ارتكابها،فشُرب التتن المشتبه حرمته إذا كان ارتكابه ممّالا عقاب فيه-و لو بمؤَمِّن شرعيّ و ترخيص إلهي-ليس في ارتكابه محذورعند العقل.و بالجملة:رفع العقوبة الفعليّة و حصول المُؤمِّن من عذاب اللَّه يكفي القائل‏بالبراءة في تجويز ارتكاب الشبهات و إن لم يثبت بها الإباحة،و لذاترى يستدلّون بحديث الرفع و أمثاله للبراءة و لو مع تسليم كون مفاده‏


26

رفع المؤاخذة (1) .و بما ذكرنا من تقريب الاستدلال يظهر:أنّه لا وقع لما زعمه الأخباريون‏من دلالتها على نفي الملازمة بين حكم العقل و الشرع‏ (2) بل لا وقعَ لكثيرٍ ممّاذُكر في المقام إشكالاً و دفعاً،تدبّر.كما يظهر-ممّا قّربنابه‏وجه الدلالة-أنّها أظهر الآيات التي استُدِلّ بهافي المقام.نعم لا يزيد دلالة الآية هذه-كما أفاده الشيخ الأعظم‏ (3) على حكم‏العقل،فلو دلّ دليل على لزوم التوقّف أو الاحتياط يكون وارداً عليها،كمالا يخفى.و قد استدلّ بآيات أُخر:

الآية الثانية

منها:قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّ ما آتاها (4) .و الاستدلال بها يتوقّف على كون المرادِ من الموصول التكليفَ،و من‏الإيتاء الإيصالَ و الإعلام،أو كون الموصول و الإيتاء مستعمَلَين في معنىً أعمّ‏

1)انظر فرائد الأُصول:196-197،درر الفوائد 2:104،مقالات الأُصول 2:58-59،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:225 سطر 5-8.

2)انظر فرائد الأُصول:194 سطر 1-2،القوانين 2:5 سطر 7-10.

3)فرائد الأُصول:194 سطر 13-16 و 195 سطر 5-10.

4)الطلاق:7.


27

شامل للتكليف و الإيصال.و أنت خبير بأنّ إرادة خصوص التكليف منه مُخالف لمورد الآية و ما قبلهاو بعهدها،و هو قوله تعالى: ليُنفِق ذو سَعَة مِن سَعَتِهِ وَ مَن قُدر عَلَيهِ رِزقُهُ‏فَليُنفِق ممّا آتاهُ اللّهُ لا يُكلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّ ما آتاها سَيَجعَلُ اللّهُ بَعدَ عُسرٍ يُسراً و هو-كما ترى-آبٍ عن الحمل المذكور.نعم الظاهر أنّ قوله: لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّ ما آتاها هو الكبرى الكلّيّةبمنزلة الدليل على ما قبلها،و هي أنّ اللّه تعالى لا يُكلّف نفساً إلاّ بشي‏ءأعطاها و أقدرها عليه،كما يظهر من استشهاد الإمام عليه السلام بها حين‏سُئل عن تكليف الناس بالمعرفة (1) فإنّ العرفان باللَّه-و هو العلم الشهوديّ‏الحضوريّ بوجوده الخارجيّ-لا يمكن للعباد إلاّ بإقداره و تأييده تعالى‏و مطلق العلم بوجود صانع للعالم-الّذي هو فطري-لا يكون معرفة و عرفاناً،و التعبير عن الإقدار-لإعطاء الكبرى-بالإيتاء الّذي بمعنى الإعطاء،لا يبعدأن يكون للمناسبة و المشاكلة مع قوله-قبيل ذلك-: فَليُنفِق ممّا آتاهُ اللّه .و أمّا كون الموصول أعمّ من التكليف فالظاهر عدم إمكانه;لأنّ نحو تعلّق‏الفعل بالمفعول المطلق-أعمّ من النوعيّ منه و غيره-يُباين نحو تعلُّقه بالمفعول‏مع الواسطة;أي المنصوب بنزع الخافض أو المفعول به;لعدم الجامع بين‏التكليف و المكلّف به بنحوٍ يتعلّق التكليف بهما على نعت واحد،فإنّ البعث‏

1)الكافي 1:163-5 باب و التعريف و لزوم الحجة من كتاب التوحيد،توحيدالصدوق:414-11 باب 64 في التعريف و البيان و الحجّة.


28

لا يصير مبعوثاً إليه،و لا العكس،و فيه قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّما آتاها تكون كلمة النّفس مفعولاً به،و الموصول منصوباً بنزع الخافض‏-على الظاهر-أو المفعول به،و لا يمكن أن يكون الموصول هو المعنى الأعمّ‏الشامل له و للمفعول المطلق-نوعيّاً كان أو غيره-لأنّ المفعول المطلق هوالمصدر أو ما في معناه المأخوذ من نفس الفعل-إمّا نوعاً منه أو غيره-و المفعول به ما يقع الفعل عليه،و لا جامع بينهما،كما لا جامع بين المفعول‏المطلق و المنصوب بنزع الخافض في المقام‏1.1و العجب من بعض أهل التحقيق;حيث زعم رفع الإشكال:بأنّ الموصول لم يستعمل‏إلاّ في معناه الكلّي العامّ،و أنّ إفادة الخصوصيّات إنّما هي بتوسيط دالّ آخر خارجيّ،و كذا في تعلّق الفعل بالموصول;حيث لا يكون إلاّ نحو تعلّق واحد،و التعدّد بالتحليل إلى‏نحو التعلّق بالمفعول به و المفعول المطلق لا يقتضي تعدّده بالنسبة إلى الجامع-أي الموصول‏-غاية الأمر يحتاج إلى تعدّد الدالّ و المدلول‏ (1) انتهى.و أنت خبير بما فيه،فإنّ مباينة نحو تعلّق الفعل بمفعول به-أي المبعوث إليه-و بمفعول‏مطلق;بحيث يكون أحدهما مفروض الوجود قبل الفعل،و الآخر من كيفيّات نفس‏الفعل،تمنع عن إرادتهما باستعمال واحد.و المراد من تعدّد الدالّ و المدلول إن كان دالّين‏آخرين و مدلولين آخرين غير مفاد الآية،فهو كما ترى،و إن كان القرينتين الدالّتين على‏المعنى المراد منها،فمع عدم إمكان إرادتهما منها معاً لا معنى لإقامة القرينةِ و الجامعُ بينهمامفقود،بل غير ممكن;حتّى تكون الخصوصيّات من مصاديقه.نعم لو كان المراد من التكليف هو المعنى اللغوي-أي الكُلفة و المشقّة-لأمكن تعلّقه‏بالحكم تعلّق المفعول به،فيرتفع الإشكال كما أفاد (2) .لكن بعد إمكان إرادة الجامع الانتزاعي لا يجوز التمسّك بالإطلاق على المطلوب،لا لما أفاد من أنّ القدر المتيقَّن في مقام التخاطب مانع منه‏ (3) فإنّه غير مانع،

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:202-203.

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:203 سطر 2-13

3)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:203-204.


29

...........كما حُقِّق في محلّه‏ (1) .و لا من جهة ما أفاد أيضا-تبعاً للشيخ‏ (2) -:من أنّ مفاد الآية مساوق لحكم العقل بقبح‏العقاب بلا بيان،فلا يضرّ الأخباريّ;لإثباته الكُلفُ من جهة جعل إيجاب الاحتياط (3) لأنّ جعل الاحتياط لأجل حفظ التكاليف الواقعيّة ينافي سوق الآية;حيث منَّ اللّه‏تعالى على المكلّفين بأن لم يجعلهم في الضيق و الكلفةمن جهة التكليف‏إلاّ مع‏الإيصال،و الاحتياطُ ضيق بلا إيصال بالضرورة;لأنّه لم يكن طريقاً إلى الواقع،فلاحتياطفي الشبهات البدويّة-على فرض وجوبه-كُلفة من قبل اللّه من غير إيصال الواقعيّات،و هو منافٍ للآية.و لا لما أفاد ثالثاً:بأنّ سوق الآية يكون مساق قوله:(إنّ اللّه سكت عن أشياء لم يسكت‏عنها نسياناً (4) فكانت دلالتها ممحّضة في نفي الكُلفة عمّا لم يوصل علمه إلى العباد لمكان‏سكوته و عدم بيانه‏ (5) ;ضرورة أنّ ذلك بعيد عن مساق الآية غاية البعد،بل تعرّض لمثل ماهو ضروريّ،فيرجع مفاد الآية:بأنّ اللّه لا يكلّف نفساً بما هو ساكت عنه و لم يكلّف‏العباد،و هو كما ترى.بل عدم جواز التمسّك بالإطلاق لأنّ الاحتجاج بالإطلاق إنّما هو بعد ظهور اللفظو دلالته،و حينئذٍ لو جعل طبيعة دالّة على معنىً موضوعاً لحكم،و احتملنا دخالة قيد في‏الحكم بحسب اللُّبّ و الجدّ،لدفع الاحتمال بأصالة الإطلاق،و في مثل المقام الّذي لا يثبت‏ظهور اللفظة-و أنّه هل أراد المعنى الجامع الانتزاعيّ الّذي نحتاج في تصوّر إرادته إلى‏تكلّف،أو أراد أحد المعاني الأُخر؟-لا مجال للتمسّك بالإطلاق،كما لا يخفى.منه قدس سره‏.

1)فوائد الأُصول 1:574-576

2)فرائد الأُصول:193-194 سطر 13-16.

3)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:204 سطر 2-6.

4)الفقيه 4:53-15 باب 17 في نوادر الحدود،الوسائل 18:129-61 باب 12من أبواب صفات القاضي.

5)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:204 سطر 22-24.


30

مضافاً إلى أنّ مجرّد الإمكان لا يوجب ظهور اللفظ،و لا إشكال في أنّ‏الظاهر-بمناسبة الصدر و الذيل في الآية الشريفة-هو أنّ‏مفادقوله: لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّ ما آتاها (1) أنّه لا يُكلِّف نفساً إلاّ بما أقدرها عليه‏و أعطاها.و بما ذكرنا يظهر النّظر فيما أفاده بعض أعاظم العصر رحمه اللّه:من‏أنّ المراد بالموصول خصوص المفعول به،و يكون مع ذلك شاملاً للتكليف‏و موضوعه،و أنّ إيتاء كلّ شي‏ء بحسبه،و أنّ المفعول المطلق النوعيّ و العدديّ‏يصحّ جعله مفعولاً به بنحو من العناية،و أنّ الوجوب و التحريم يصحّ تعلّق‏التكليف بهما باعتبار مالهما من المعنى الاسم المصدري‏1فراجع كلامه‏ (2) 1لا يخفى أنّ كلامه هذا مع عدم رجوعه إلى محصَّل-ضرورة أنّ تعلق البعث بالبعث‏بنحو المفعول به لا معنى له-أنّ لازمه الجمع بين الاعتبارين المتنافيين;فإنّ حاصل المصدرفي رتبة متأخِّرة عن المصدر،و المفعولُ به في الاعتبار مقدَّم على المصدر;لأنه إضافة إليه،فيلزم مما ذكره اعتبار المتأخِّر في الاعتبار متقدِّماً بالاعتبار في حال كونه متأخِّراً،فتدبَّر.منه‏قدس سره‏

1)الطلاق:7.

2)فوائد الأُصول 3:332.


31

فإنّه لا يخلو من تكلُّف أو تكلُّفات.و أمّا ما أفاده بقوله:ثانياً:في مقام الإشكال على دلالة الآية من الخدشةفي دلالتها-بعد تسليم كون الموصول بمعنى التكليف،و الإيتاء بمعنى‏الإيصال و الإعلام-:بأنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المؤاخذة لا تحسن‏إلاّ بعد بعث الرسل و تبليغ و الأحكام،و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ‏في التكليف بعد البعث و الإنزال و عروض اختفاء التكليف بما لا يرجع إلى‏الشارع،فالآية لا تدلّ على البراءة،بل مفادها مفاد قوله تعالى: ما كُنّامعذِّبينَ حتّى نَبعَثَ رَسولاً (1) (2) .فقد عرفت ما فيه عند تقرير دلالة هذه الآية.مع أنّه بعد التسليم‏المذكور في الآية يكون دلالتها على البراءة ظاهرة غير محتاجة إلى‏ما قرّرنا في آية: ما كُنا معذِّبينَ.. من إلقاء الخصوصيّة و غيره من البيان،كما لا يخفى.

1)الإسراء:15.

2)فوائد الأُصول 3:333.


32


33

الاستدلال بالسنة

حديث الرفع‏

قوله:و أمّا السُّنّة فروايات:منها:حديث الرفع‏ (1) (2) .(1)تقريب الاستدلال به واضح،فالمهمّ بيان أُمور يتمّ بها ما يستفاد من‏الحديث الشريف:

الأمر الأول‏في شموله للشبهات الحكمية

قد استشكل في الاستدلال به للشبهات الحكميّة التي‏هي‏محلّ‏البحث بوجوه:

1)الكافي 2:463-2 باب ما رفع عن الأُمة،توحيد الصدوق:353-24 باب 56 في‏الاستطاعة،الخصال 2:417-9 باب التسعة،الوسائل 11:295 باب 56 من أبواب‏جهاد النّفس...

2)الكفاية 2:168.


34

أحدها:أنّ دلالة الاقتضاء تقتضي تقديراً في الكلام;لشهادة الوجدان‏على وجود الخطأ و النسيان في الخارج،و كذا غيرهما،فلا بدّ من تقدير أمرٍصوناً لكلام الحكيم عن الكذب و اللَّغوية،و الظاهر أنّ المقدّر هو المؤاخذة،و هي في(ما لا يطيقون)،و(ما اضطُرّوا إليه)،و(ما استُكرِهوا عليه)على نفس‏هذه المذكورات،و لو قلنا بشمول الموصول في(ما لا يعلمون)الحكمَ-أيضا-لما أمكن مثل هذا التقدير;إذ لا معنى للمؤاخذة على نفس الحكم،فيخصّص‏بالشبهة الموضوعيّة (1) .و أجاب عنه بعض أعاظم العصر-على ما في تقريرات بحثه-:بأنّه‏لا حاجة إلى التقدير،فإنّ التقدير إنّما يحتاج إليه إذا توقّف تصحيح الكلام‏عليه،كما إذا كان الكلام إخباراً عن أمر خارجيّ،أو كان الرفع رفعاً تكوينيّاًفلا بدّ في تصحيح الكلام من تقدير أمر يخرجه عن الكذب،و أمّا إذا كان‏الرفع رفعاً تشريعيّاً فالكلام يصحّ بلا تقدير،فإنّ الرفع التشريعيّ كالنفي‏التشريعيّ ليس إخباراً عن أمر واقع،بل إنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي‏بنفس الرفع و النفي‏ (2) انتهى.و أنت خبير بما فيه،فإنّ الفرق بين الإخبار و الإنشاء في احتياج أحدهماإلى التقدير دون الآخر في غاية السقوط;فإنّ المصحح لنسبة الرفع إلى‏المذكورات إن كان متحقِّقاً،يخرج الكلام عن اللَّغويّة و البطلان إخباراً كان‏

1)فرائد الأُصول:195 سطر 16-21.

2)فوائد الأُصول 3:342.


35

أو إنشاءً،كما يخرج الإخبار عن الكذب،و إلاّ يصير الكلام لغواً باطلاً إنشاءًكان أو إخباراً،و الإخبار يصير كذباً،ففي كلّ مورد تصحّ النسبة إلى غيرِما هو له ادّعاءً تصحّ في الإخبار و الإنشاء،فيصحّ الإخبار بأنّ الشارع رفع مالا يطيقون و ما اضطرّوا إليه،كما يصحّ الإنشاء،و إلاّ فلا يجوز في الإخبارو الإنشاء1.هذا،و أمّا رفع أصل الشبهة فكما قال:بأنّه لا يحتاج إلى التقدير،لكن‏لا بما أفاده:من أنّ الرفع رفع تشريعي فلا يحتاج إلى التقدير;فإنّه-مع كونه‏خلاف الاصطلاح-لا محصَّل له،فإنّه يرجع إلى رفع الآثار و الأحكام‏الشرعيّة،و هو عين التقدير. بل بمعنى أنّ الرفع رفع ادّعائيّ،و ادّعاءكون‏مالا يقبل الرفع ممّا يقبله.اللّهمّ إلاّ أن يرجع الرفع التشريعيّ إلى ذلك،فيَرِد عليه:أنّ ذلك خلاف‏اصطلاح علماء فنّ البيان.فتحصّل ممّا ذُكر:أنّ نسبة الرفع إلى المذكورات غير محتاجة إلى التقدير،1مضافاً إلى منع كون حديث الرفع إنشاء،بل هو إخبار عن الواقع الثابت و هو رفع اللَّه‏تعالى هذه التسعة مِنّةً على هذه الأُمّة،و ليس رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مُشرِّعاً;حتّى يُحمل إخباره على الإنشاء.مع أنّ الإخبارات التي تكون بدواعي الإنشاءات لا تنسلخ عن الإخباريّة،و لا تكون من‏قبيل استعمال الإخبار في الإنشاء،بل تكون باقية على إخباريتّها،و يكون الإخبار بداعي‏البعث،كما هو الحال في الاستفهام بداعي أمر آخر،فخروجها عن الكذب إنّما هو لأجل‏تلك الدواعي.منه قدس سرّه‏.


36

بل هذه النسبة حقيقة ادّعائيّة سيأتي مصحّحها (1) إن شاء اللّه.ثانيها:أنّ وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد من الموصول في‏(ما لا يعلمون)الموضوع المشتبه;لأنّ المراد من الموصول في(ما استُكرِهوا عليه)و(ما لا يطيقون)و(ما اضطُرّوا إليه)هو الفعل الخارجيّ،لا الأحكام الشرعيّة;لعدم عروض هذه العناوين لها،فيختصّ الحديث بالشبهات الموضوعية (2) .ثالثها:أنّ إسناد الرفع إلى الحكم إسناد إلى ما هو له،و إسناده إلى الموضوع‏إلى غير ما هو له،و لا جامع بين الحكم و الموضوع،و لا يجوز أن يُراد كلّ منهمامستقلاً;لاستلزام استعمال اللفظ في معنيين،فلا بدّ أن يُراد من الموصول في‏الكلِّ الشبهاتُ الموضوعة;لوحدة السياق‏ (3) .و أجاب عنهما المحقّق المتقدِّم-على ما في تقريرات بحثه-:بأنّ المرفوع‏في جميع التسعة إنّما هو الحكم الشرعي،و إضافة الرفع في غير(ما لا يعلمون)إلى الأفعال الخارجيّة لأجل أنّ تلك العناوين إنّما تعرض الأفعال الخارجيّةلا الأحكام،و إلاّ فالمرفوع هو الحكم الشرعيّ في الجميع،و هو الجامع بين‏الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة،و مجرّد اختلاف منشأ الجهل في الشبهات‏لا يقتضي الاختلاف فيما أُسند الرفع إليه،فإنّ الرفع قد أُسند إلى عنوان‏(ما لا يعلمون)و لمكان أنّ الرفع التشريعيّ لا بدّ و أن يَرِد على ما يكون قابلاً

1)انظر صفحة:40.

2)فرائد الأُصول:195 سطر 14-15.

3)حاشية فرائد الأُصول:114 سطر 21-25.


37

للوضع و الرفع الشرعي،فالمرفوع هو الحكم الشرعيّ في الشبهات الحكميّةو الموضوعيّة،فكما أنّ قولَه:(لا ينقض اليقين بالشكّ)يعمُّ كلا المشتبِهين بجامع‏واحد،كذلك قوله:(رُفع عن أُمّتي تسعة أشياء) (1) انتهى.و فيه:أنّ كونَ المرفوع بحسب الواقع هو الحكم،لا يفي بردّ الإشكالين;لأنّ مناط الإشكال الأوّل:أنّ الموصول في أخوات(ما لا يعلمون)إذا كان‏الأفعال الخارجيّة و الموضوعات،فوحدة السياق تقتضي أن يُراد في‏(ما لا يعلمون)أيضا الموضوع الخارجيّ الغير المعلوم،فيختصّ بالشبهات‏الموضوعيّة،فكون رفع تلك العناوين بلحاظ رفع أحكامها و آثارها أجنبيّ عن‏الإشكال.و منه يعلم ما في جوابه عن ثاني الإشكالين;لأنّ مناطه إنّما هو في الإسنادبحسب الإرادة الاستعماليّة،فإنّ الإسناد إلى الحكم إسناد إلى ما هو له،دون‏الموضوع،فلا بدّ أن يراد في جميعها الموضوع;حتّى يكون الإسناد مجازيّا في‏الجميع،فكونُ المرفوع بحسب الجدّ هو الحكمَ الشرعيَّ أجنبيُّ عن الإشكال.و التحقيق في الجواب:هو ما أفاد شيخنا العلاّمة-قدّس سرّه-:أمّا عن‏الأوّل:فلأنّ عدم تحقّق الاضطرار و الإكراه في الأحكام لا يوجب التخصيص‏في قوله:(ما لا يعلمون)و لا يقتضي السياق ذلك،فإنّ عموم الموصول‏إنّما يكون بملاحظة سعة متعلّقة و ضيقه،فقوله:(ما اضطُرّوا إليه)أُريد منه‏كلّ ما اضطُرّ إليه في الخارج،غاية الأمر لم تحقّق الاضطرار بالنسبة

1)فوائد الأصول 3:245.


38

إلى الحكم،فيقتضي اتحاد السياق أن يراد من قوله:(ما لا يعلمون)أيضا كلّ‏فرد من أفراد هذا العنوان.ألا ترى أنّه إذا قيل:«ما يُؤكل و ما يُرى»في قضيّة واحدة،لا يوجب‏انحصارُ أفراد الأوّل في الخارج ببعض الأشياء تخصيصَ الثاني بذلك البعض‏11و إن شئت قلت:إنّ الموصول في تمام الفقرات مستعمل في معناه،و كذا الصّلات،و لا يكون شي‏ء منها مستعملاً في المصاديق الخارجية،و الاختلاف بينها إنّما هو في تطبيق‏العناوين على الخارجيّات،و هو غير مربوط بمقام الاستعمال و وحدة السياق،و كثيراً ما يقع‏هذا الخلط;أي بين المستعمل فيه و ما ينطبق عليه،كما في باب الإطلاق;حيث تُوهِّم‏إفادة العموم لأجل الخلط بين الدلالة و انطباق المدلول على الخارج.و أمّا ما أفاد بعضهم من إنكار وحدة السياق في الحديث أوّلاً لشهادة الطيرَة و الحسدو الوسوسة،مع أنّها ليست من الأفعال،و بلزوم ارتكاب خلاف وحدة السياق لو أُريدالشبهة الموضوعيّة ثانياً;لأنّ الظاهر من الموصول في«ما لا يعلمون»هو ما كان بنفسه غيرمعلوم،كما في غيره من العناوين;حيث كان الموصول فيها معروضاً للأوصاف،مع أنّ‏تخصيص الموصول بالشبهات الموضوعيّة يُنافي هذا الظهور;إذ لا يكون الفعل بنفسه‏معروضاً للجهل،و إنّما المعروض هو عنوانه،و لازم ذلك حفظاً لظهور السياق أن يحمل‏الموصول على الشبهات الحكميّة فقط;للترجيح العرفي بين السياقين‏ (1) انتهى.ففيه أوّلاً:أنّ المدّعى وحدة السياق في الموصولات،لا جميع الفقرات.و ثانياً:أنّ الفقرات الثلاث-أيضا-يراد بها الأفعال،غاية الأمر أنّها من قبيل الأفعال‏القلبيّة،و لهذا تقع مورداً للتكليف،فالحسد عمل قلبيّ،هو تمنّي زوال النعمة عن الغير،و الطِّيَرَة مصدر،و هي عمل قلبيّ،و هكذا الوسوسة.و ثالثاً:أنّ الشرب مجهول حقيقةً،و إن كانت الإضافة صارت موجبة لتعلّق الجهل به،فالعنوان من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض،و مثله لا يكون خلاف الظاهر و السياق.و رابعاً:بعد التسليم لا يوجبُ ذلك الاختصاص بالشبهة الحكميّة;لأنّ الرفع ادّعائيّ،و يجوز تعلّقه بنفس الموضوع،فيدّعى رفع الخمر بلحاظ آثاره،فلا وجه للاختصاص‏بالشبهة الحكميّة.منه قدس سره‏.

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث سطر:216 15 و ما بعده‏


39

و هذا واضح جدّاً (1) .و أمّا عن الثاني:فإنّ الأحكام الواقعيّة إن لم تكن قابلة للرفع و تكونَ باقيةعلى فعليّتها في حال الجهل،يكونُ الإسناد في كلّ العناوين إسناداً إلى غيرما هو له،و إن كانت قابلة للرفع يكون الإسناد إلى(ما لا يعلمون)إسناداً إلى ماهو له،و إلى غيره إلى غير ما هو له،و لا يلزم محذور;لأنّ المتكلّم ادّعى‏قابليّة رفع ما لا يقبل الرفع تكويناً،ثمّ أسند الرفع إلى جميعها حقيقةً (2) .و بعبارة أُخرى:جعل كلّ العناوين-بحسب الادّعاء-في رتبة واحدةو صفّ واحد في قبولها الرفع،و أسند الرفع إليها حقيقة،فلا يلزم منه‏محذور1.1و قد يقال‏ (3) .باختصاص الحديث بالشبهة الحكميّة;لأنّ الموضوعات الخارجيّة غير متعلّقةللأحكام،و إنّما هي متعلِّقة بنفس العناوين،فرفعُ حكم عن الموضوعات المشتبهة فرعُ‏و ضع الحكم لها،و هو ممنوع‏ (4) .و فيه أوّلاً:أنّه منقوض بسائر العناوين;فإنّ الاضطرار و الإكراه إنّما يحصلان في‏الموضوع،كالطلاق المُكرَه‏عليه‏مع أنّه مشمول للحديث بلا إشكال،كما في صحيح‏البزنطي‏ (5) .و ثانياً:أنّ الحديث رَفَع الحكمَ عن العناوين،كالبيع المُكرَه‏عليه‏و الشرب المضطرّ إليه،و الخمر المجهول حكماً أو موضوعاً،إلاّ أنّ معنى رفع الحكم هو رفع إيجاب الاحتياط،أو

1)درر الفوائد 2:102 سطر 5-11.

2)درر الفوائد 2:102-103.

3)موضع التعليقة في المخطوطة غير معيّن،و لعلّ المناسب ما أثبتناه‏

4)فوائد الأُصول 3:344

5)المحاسن للبرقي 2:339-124 من كتاب العلل،الوسائل 164-12 باب 12من أبواب الأيمان‏


40

الأمر الثاني‏معنى حديث الرفع‏

قيل إنّ الرفع في الحديث الشريف بمعنى الدفع أو الأعمّ منه،لا بمعناه‏الحقيقي;لعدم تحقّقه في بعض تلك العناوين‏ (1) .و التحقيق:أنّه فيه إنّما هو بمعناه الحقيقي،و هو إزالة الشي‏ء بعدوجوده و تحقّقه،و ذلك لأنّ الرفع إنّما نسب إلى نفس تلك العناوين;أي الخطأ و النسيان..إلى آخر التسعة،و هي عناوين متحقّقة قد نسب‏الرفع إليها ادّعاءً،و مصحّح هذه الدعوى بحسب الواقع و الثبوت‏كما يمكن أن يكون رفع الآثار،يمكن أن يكون دفع المقتَضِيات عن‏التأثير;لأنّ رفع الموضوع تكويناً كما يوجب رفع الآثار المترتّبة عليه‏و المتحقّقة فيه،كذلك يوجب عدم ترتّب الآثار عليه بعد رفعه و إعدامه،رفع الفعليّة،أو رفع المؤاخذة،على اختلاف المسالك،و رفع الموضوع كذلك إنّ لم نقل‏برفع الحكم عن الموضوع المجهول حقيقةً كما في سائر العناوين،و الظاهر عدم التزامهم به‏في بعض الموارد.منه قدس سره‏

1)درر الفوائد 2:104.


41

و لذلك يجوز نسبة الرفع إلى الموضوع ادّعاءً بواسطة رفع آثاره أو دفعهاأو دفع المقتَضي عن التأثير،و ذلك لا يوجب أن يكون الرفع المنسوب‏إلى الموضوع بمعنى الدفع،و لذا ترى أنّ تبديل الرفع الدفع يخرج الكلام‏عن البلاغة،فإذا قيل:دفع النسيان و الخطأ إلى غير ذلك،يصير الكلام‏بارداً مبتَذَلاً.هذا كلّه إذا نسب الرفع إلى نفس تلك العناوين ادّعاء من غير تقدير في‏الكلام،كما هو التّحقيق.و لو سلّمنا بأنّ التقدير رفع الأحكام و الآثار أمكن أن يقال-أيضا-:أنّه‏بمعناه الحقيقي لا بمعنى الدفع:أمّا في الخظإ و النسيان و ما استُكرِهوا عليه و مالا يطيقون و ما اضطُرّوا إليه فالأمر واضح;لشمول أدلّة الأحكام-إطلاقاً أوعموماً-مواردَها،فقولُه تعالى: السارِقُ وَ السَّارِقةُ فَاقطَعُوا أيدِيَهُما (1) و الزَّانِيَةُ و الزَّاني فَاجلدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُمَا مِائَةَ جَلدَةٍ (2) يشملُ جميع المُكَلَّفين‏و لو كانوا مُنطبقين للعناوين المذكورة،فدليل الرفع إنّما يرفع الأحكام عنهم،فالرفع إنّما تعلّق بالأحكام الثابتة المتحقّقة في الموضوعات بحسب الإرادةالاستعماليّة،و إن كان كلّ رفع بحسب الإرادة الاستعماليّة دفعاً بحسب‏اللُّبّ،كما أنّ كلّ تخصيص تخصص لُبّاً،و لكن ذلك لا يوجب أن يكون‏الرفع بمعنى،الدفع،و التخصيص و الحكومة بمعنى التخصّص;و ذلك لأنّ مناط

1)المائدة:38.

2)النور:2.


42

حسن الاستعمال هو الإرادة الاستعماليّة و حصول المناسبات في تلك‏المرحلة،فالرفع إنّما استعمل باعتبار رفع الحكم القانوني العامّ عن مُنطَبَق هذه‏العناوين،و لا معنى للدفع في هذا المقام.نعم،بناءً على عدم جواز خطاب الناسي يكون الرفع في الأحكام‏التكليفيّة البعثيّة بالنسبة إليه في غير مورده بناءً على هذا الوجه.هذا،و أمّا في الطِيَرة و الحسد و الوسوسة في الخلق،فالظاهر أنّ استعمال‏الرفع،فيها-أيضا-بمعناه الحقيقي;و ذلك لأنّ الظاهر من الحديث الشريف‏-من اختصاص رفع التسعة بالأُمّة المرحومة-أنّ لتلك العناوين كانت‏أحكام في الأُمم السالفة،و معلوم أنّ الأحكام الصادرة عن الأنبياءالمشرّعين-على نبيّنا و آله و عليهم السلام-لم تكن بحسب الوضع القانوني‏و الإرادة الاستعماليّة مقيّدةً بزمان،و محدودة بحدّ،بل كان لها الإطلاق أوالعموم بالنسبة إلى جميع الأزمنة،و بهذا الاعتبار يقال:إنّها منسوخة،و إن لم‏يكن بحسب اللُّبّ نسخ و رفع،بل كان أمدُها و أجلها إلى حدّ محدود،فإذاكان للأحكام المترتّبة على تلك الموضوعات إطلاق أو عموم بالنسبة إلى‏جميع الأزمنة،يكون استعمال الرفع فيها بمعناه الحقيقي،و لا يكون للدفع‏معنىً بالنسبة إليها إلاّ بحسب اللُّبّ و الواقع،و هو ليس مناط صحّة الاستعمالات.و لا يخفى أنّ هذا الوجه يأتي بالنسبة إلى جميع العناوين;فإنّ الظاهر أن‏لجميعها أحكام رُفعت عن هذه الأُمّة امتنانا،و لو لا ذلك كانت ثابتة لهاكالتي قبلها.


43

و أمّا في(ما لا يعلمون)بالنسبة إلى الشبهات الحكميّة،فإن قلنا بإطلاق‏الأحكام بالنسبة إلى العالم و الجاهل-كما هو التحقيق،و أشرنا إليه فيماسلف‏ (1) فالأمر واضح.و إن قلنا بعدم الإطلاق فلا إشكال في قيام الإجماع-بل الضرورة-على‏اشتراكهما في الحكم،فبهذا الاعتبار يصحّ استعمال الرفع فيه،تأمّل‏فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الرفع إنّما هو بمعناه الحقيقي،سواء قلنابتقدير الأحكام-كما قيل-أو لا،كما هو التحقيق.و بما حقَّقناه يظهر النّظر فيما أفاده بعض أعاظم العصر رحمه اللّه-على‏ما في تقريرات بحثه-من أنّ الرفع في الأشياء التسعة بمعنى الدفع،مضافاًإلى ما ادّعى من أنّ استعمال الرفع مكان الدفع ليس مجازاً،و لا يحتاج إلى‏عناية أصلاً،فإنّ الرفع في الحقيقة يمنع و يدفع المقتضي عن التأثير في الزمان‏اللاحق;لأنّ بقاء الشي‏ء-كحدوثه-يحتاج إلى علّة البقاء،فالرفع في مرتبةوروده على الشي‏ء إنّما يكون دفعاً حقيقةً باعتبار علّة البقاء،و إن كان رفعاًباعتبار الوجود السابق،فاستعمال الرفع في مقام الدفع لا يحتاج إلى علاقةالمجاز،بل لا يحتاج إلى عناية أصلاً،بل لا يكون خلاف ما يقتضيه ظاهراللفظ;لأنّ غلبة استعمال الرفع فيما يكون له وجود سابق لا يقتضي ظهوره‏في ذلك‏ (2) انتهى.

1)انظر الجزء الأول صفحة:198-199.

2)فوائد الأُصول 3:337.


44

و أنت خبير بما فيه:أمّا أوّلاً:فلأنّ إنكار ظهور الرفع في إزالة الشي‏ء عن صفحةالوجود بعد تحقّقه،و عدم احتياج استعماله في الدفع إلى عناية و علاقة،مُكابَرة ظاهرة.و أمّا ثانياً:فلأنّ كون بقاء الشي‏ء-كحدوثه-محتاجاً إلى العلّة،و كون‏الرفع-باعتبار دفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق-دفعاً،ممّا لا محصَّل‏له;لأنّ الرفع لا يصير دفعاً بهذا الاعتبار،بل الرفع عبارة عن إزالة الشي‏ء عن‏صفحة الوجود،و الدفع عبارة عن منع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق،و هذا لا يوجب أن يكون الرفع بمعنى الدفع،كما أنّ الحدوث عبارة عن جودالشي‏ء بعد العدم وجوداً أوّليّاً،و البقاء عبارة عن استمرار هذا الوجود،و ذلك‏لا يوجب أن يكون أحدهما بمعنى الآخر.و أمّا ثالثاً:فلأنّ ما أفاد في المقام يُنافي ما أفاده في التنبيه الأوّل من‏تنبيهات الاشتغال;حيث قال:إنّ الدفع إنّما يمنع عن تقرّر الشي‏ء خارجاً و تأثير المقتضي في الوجود،فهويُساوق المانع.و أمّا الرفع فهو يمنع عن بقاء الوجود،و يقتضي إعدام الشي‏ءالموجود عن وعائه.نعم قد يستعمل الرفع في مكان الدفع،و بالعكس،إلاّ أنّ‏ذلك بضرب من العناية و التجوُّز،و الّذي تقتضيه الحقيقة هو استعمال الدفع‏في مقام المنع عن تأثير المقتضي في الوجود،و استعمال الرفع في مقام المنع‏


45

عن بقاء الشي‏ء الموجود (1) انتهى.و أمّا رابعاً:فلأنّ ما أفاده في المقام يُنافي ما أفاده في الأمر الخامس في بيان‏عموم النتيجة:من أنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم،و أنّ الرفع‏يتوجّه على الموجود فيجعله معدوماً..إلى غير ذلك من تعبيراته‏ (2) .و في كلامه مواقع أُخر للنظر تركناها مخافة التطويل.

الأمر الثالث‏حكومة الحديث على أدلّة الأحكام‏

أنّ النسبة بين كلّ واحد من أدلّة الأحكام مع غالب تلك العناوين‏المأخوذة في الحديث و إن كانت عموماً من وجه،إلاّ أنّ الحديث حاكم‏عليها،فلا تلاحظ النسبة بينهما،كما لا تلاحظ النسبة بين أدلّة الأحكام و بين‏ما دلّ على نفي الضرر و العُسر و الحَرجَ لحكومتها عليها،إلاّ أنّ الشأن في‏الفرق بين الحكومات الثلاث.قال بعض أعاظم العصر-على ما في تقريرات بحثه-:و لا فرق بين أدلّةنفي الضرر و العُسر و الحَرَج و بين دليل الرفع،سوى أنّ الحكومة في أدلّة نفي‏الضرر و الحرج إنّما تكون باعتبار عقد الحمل;حيث إنّ الضرر و العسر و الحرج‏من العناوين الطارئة على نفس الأحكام،فإنّ الحكم قد يكون ضرريّاً أو

1)فوائد الأُصول 4:222.

2)فوائد الأُصول 3:353.


46

حَرَجيّاً،و قد لا يكون،و في دليل رفع الإكراه و نحوه إنّما يكون باعتبار عقدالوضع،فإنّه لا يمكن طروّ الإكراه و الاضطرار و الخظإ و النسيان على نفس‏الأحكام،بل إنّما تعرض موضوعاتها و متعلّقاتها،فحديث الرفع يوجب‏تضييق دائرة موضوعات الأحكام،نظير قوله:(لا شكّ لكثير الشكّ) (1) و(لا سهو مع حفظ الإمام) (2) (3) انتهى.و فيه أوّلاً:أنّ الحكومة في أدلّة نفي الضرر و الحرج لم تكن باعتبارعقد الحمل،فإنّ(لا ضرر) (4) نفي نفس الضرر و حقيقته،لا الأمر الضرري،حتّى يقال:أنّ الحكم قد يكون ضرريّاً،و قولُه: مَا جَعَلَ عَلَيكُم في الدِّينِ مِن‏حَرَجٍ (5) مفاده عدم جعل نفس الحرج،لا الحرجيّ.و قد مرّ كيفيّة الحكومةفيهما،فراجع‏ (6) .و ثانياً:أنّ لسان دليل نفي الضرر و الحرج لم يكن واحداً،و لم تكن‏

1)هذه قاعدة متصيّدة،راجع الوسائل 5:329-330 باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

2)هذه قاعدة متصيّدة أيضا،راجع الوسائل 5:338 باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

3)فوائد الأُصول 3:347.

4)الفقهية 4:243-2 باب 171 في ميراث أهل الملل،الوسائل 12:364-3-5 باب‏17 من أبواب الخيار.

5)الحج:78.

6)انظر الجزء الأول صفحة:369.


47

الحكومة فيهما باعتبار واحد،و قد عرفت سابقاً (1) أقسام الحكومة،فدليل‏الضرر مفاده نفى نفس الضرر،بخلاف دليل الحرج،فإنّه ينفي جعل الحرج،و هما ضربان من الحكومة كما مرّ (2) .و ثالثاً:أنّ الضرر و الحرج ليسا من العناوين الطارئة على نفس الأحكام،بل من العناوين الطارئة على الموضوعات الخارجيّة،فالوضوء و الصوم‏الحرجيان و الغَبن في المعاملة ضرر،و المعالمة الغَبنيّة ضرَريّة.نعم ينسب الضرر و الحرج إلى الأحكام-أيضا-بنحو من العنايةو المسامحة،فإنّ الحكم قد يصير منشأ لوقوع المكلّف في الضرر و الحرج،و قد مرّ (3) أنّ نفي نفس الضرر و الحرج إنّما هو بهذه العناية.و رابعاً:أنّ ما أفاد-من أنّ الخطأ و النسيان لا يمكن طروّهما على نفس‏الأحكام‏ (4) من عجيب الكلام،و الظاهر أنّه من سبق لسانه أو سهو قلم‏الفاضل المقرّر رحمهما اللّه.

الأمر الرابع‏في مصحح نسبة الرفع إلى العناوين المأخوذة في الحديث‏

قد عرفت أنّ نسبة الرفع إلى تلك العناوين التسعة تحتاج إلى ادّعاء

1)في الجزء الأول صفحة:370-371.

2)في الجزء الأول صفحة:396.

3)في الجزء الأول صفحة:380.

4)مرّ تخريجه قريباً.


48

و مسامحة،و اعلم أنّ المصحح لهذه المسامحة:إمّا أن يكون رفع جميع الآثار،أو رفع خصوص المؤاخذة في الجميع،أو رفع الأثر المناسب لكلّ من‏المذكورات،و الفرق بينها واضح.و التحقيق:أنّ المصحح لها إنّما هو رفع جميع الآثار التي بيد الشارع.أمّا رفع المؤاخذة فقط فممّا لا وجه له،فإنّها ليست من الآثار الواضحة،الظاهرة التي يدّعى رفع الموضوع لرفعها،و تكون هذه الدعوى و المسامحةمُصحّحتين لنسبة الرفع إلى أصل الموضوع،كما هو واضح.فما أفاده شيخنا العلاّمة أعلى اللّه مقامه-من أنّ الظاهر لو خُلّينا و أنفسناأنّ نسبة الرفع إلى المذكورات إنّما تكون بملاحظة رفع المؤاخذة (1) ممّالا ينبغي صدوره منه قدّس سرّه.و منه يعلم:أنّ استشهاد الإمام في صحيحة صفوان و البزنطي بحديث‏الرفع على الاستكراه على اليمين‏ (2) ليس بأمر مُخالف للظاهر في مقابل‏الخصم،فبقي الاحتمالان الآخران.و التحقيق:هو رفع جميع الآثار:لا لما أفاد شيخنا العلاّمة-أعلى اللّه‏مقامه-:من استلزام رفع الأثر المناسب في كلّ منها لملاحظات عديدة (3) ;لأنّ ذلك ممّا لا محذور فيه،بل لأنّ رفع الموضوع ادّعاءً مع ثبوت بعض الآثار

1)درر الفوائد 2:103.

2)المحاسن للبرقي:339-124 من كتاب العلل،الوسائل 16:164-12 باب 12 من‏أبواب الإيمان.

3)درر الفوائد 2:103.


49

له في نظر المتكلِّم،ممّا لا يجتمعان،و يكون من الجمع بين المتنافيين.إلاّ أن‏يُدّعى:أنّ رفع الأثر الكذائي بمنزلة رفع جميع الآثار،فيرفع الموضوع بادّعاءآخر.و بعبارة أُخرى:إنّ حمل الكلام على رفع بعض الآثار الخاصّة يحتاج إلى‏ادّعاءين و مسامحتين:إحداهما:دعوى أنّ الأثرَ الكذائي جميعُ الآثار.و ثانيتهما:دعوى أنّ الموضوع الّذي ليس له أثر فهو مرفوع.و أمّا الحمل على جميع الآثار فلا يحتاج إلاّ إلى الدعوى الثانية،فحمله على جميع الآثار أسلم عن مخالفة الظاهر،فافهم،فإنّه لا يخلوعن دقّة1مع أنّ إطلاق الدليل-أيضا-يقتضي رفعه لجميع الآثار.1إن قلت:الدعوى الأُولى محتاج إليها بلحاظ الآثار الغير الشرعيّة،فلا بدّ من دعوى‏كون غير الآثار الشرعيّة في حكم العدم،ثمّ ادُّعي الدعوى الثانية.قلت:إنّ الرفع في محيط التشريع،و معه لا يكون الآثار التكوينيّة منظوراً إليها،بل هي‏بهذا اللحاظ مغفول عنها،فلا يحتاج إلى الدعوى.فإن قلت:إنّ للخطإ و النسيان بعنوانهما آثاراً،و لا شبهة في عدم رفعها و عدم شمول‏الحديث لها،فلا بدّ من الدعوى الأُولى بلحاظها.قلت:إنّ الخظأ و النسيان-بما هما من العناوين التي‏هي‏كالعناوين المرآتيّة-أخذا طريقاًإلى المتعلّقات،فلا يفهم العرف من رفعهما إلاّ رفع آثار ما أخطئ و المنسيّ. ألا ترى أنّه لوقيل:(أنّ خطايا الأُمّة معفوّة)لا يفهم منه إلاّ ما أخطئوا،لا نفس الخطأ،كما لو قيل:(إنّ‏جهالاتهم معفوّة).فحينئذ نقول:إنّ الحديث ناظر آثار الخطأ و النسيان الطريقيين،لا آثار نفسهما،و لهذا


50

الأمر الخامس‏في شمول الحديث للأُمور العدمية

بناءً على أنّ المرفوع تمام الآثار،هل يشمل الحديث الأُمور العدميّة،أم‏يختصّ بالوجوديّات؟مثلاً:لو نذر أن يشرب من ماء دجلة،فأُكره على الترك،أو اضطرّ إليه،أونسي أن يشرب،و قلنا بعدم اختصاص الكفّارة بصورة تعمّد الحنث،فهل‏يمكن التمسّك بالحديث لرفع وجوب الكفّارة،أو لا؟ترى أنّ في صحيحة البزنطي نُقل الحديث بلفظ(ما أخطئوا)،و ليس ذلك إلاّ لأجل مايفهم منه عرفاً،لكن لا بمعنى استعمال اللفظ في غير ما وضع له كما لا يخفى.و بما ذكرنا يظهر:عدم شمول الحديث لآثار عنوانهما النفسيّ من غير لزوم تكلّف‏و تخصيص.و يدفع أيضا:إشكال التفكيك بين فقرات الحديث;و ذلك لأنّ العناوين السبعة الأوَل‏لمّا كانت عناوين طريقيّة،فلا محالة ينتقل ذهن العرف منها إلى المتراءى بها و لو فرض أخذنفس العناوين في الموضوع،فضلاً عن نسبته الرفع إلى الموصول في أربعة منها،و لا تفكيك بين الخطأ و النسيان و بين ما أخذ الموصول فيه موضوعاً،لما عرفت من طريقيةعنوانهما.و أمّا الثلاثة الأخيرة-أي الحسد و الطِّيَرةَ و الوسوسة-فعناوين نفسية منظور إليها،فلا محالةيتعلّق الرفع بذاتها.ففي الحقيقة تعلّق الرفع في جميع الفقرات بعناوين نفسيّة،لكن في‏المخطي و المنسيّ بتوسّط الطريق إليهما،و في غيرهما بتوسّط الموصول أو ذكر نفس‏العناوين،من غير ارتكاب خلاف كما تُوهِّم‏ (1) .منه قدس سرّه‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:211 سطر 8-9


51

ذهب بعض أعاظم العصر-على ما في تقريرات بحثه-إلى الثاني.و حاصل ما أفاد في وجهه:أنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم،لا تنزيل المعدوم منزلةالموجود;لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعاً لا رفعاً،و المفروض أنّ المكلّف قد ترك الفعل عن إكراه أو نسيان،فلم يصدر منه‏أمر وجوديّ قابل للرفع،و لا يمكن أن يكون عدم الشرب في المثال مرفوعاًو جعله كالشرب;حتّى يقال:أنّه لم يتحقّق مخالفة النَّذر،فلا حِنث‏و لا كفّارة.و الحاصل:أنّه فرق بين الوضع و الرفع،فإنّ الوضع يتوجّه على المعدوم‏فيجعله موجوداً،و يلزمه ترتيب آثار الوجود،و الرفع بعكسه،فالفعل الصادرمن المكلَّف عن نسيان أو إكراه يمكن ورود الرفع عليه،و أمّا الفعل الّذي لم‏يصدر من المكلّف عن نسيان أو إكراه فلا محلّ للرفع فيه;لأنّ رفع المعدوم‏لا يمكن إلاّ بالوضع و الجعل،و الحديث لا يتكفّل ذلك‏ (1) انتهى.و أنت خبير بما فيه:فإنّه يَرِد عليه-مضافاً إلى أنّ العدم إذا فرض تعلّق‏الرفع به يكون له ثبوت إضافيّ بالنسبة إلى عدمه،و ليس عدم العدم هوالوجود،و لا رفع المعدوم هو الوضع كما توهّم-أنّ الكفّارة إذا ترتّبت على‏ترك الشرب كما هو المفروض،يكون له ثبوت اعتباريّ في عامل التشريع،فإنّ‏ما لا ثبوت له بوجهٍ لا يمكن أن يصير موضوعاً للحكم،و قد فرض‏

1)فوائد الأُصول 3:353.


52

أنّ الكفّارة مترتِّبة على الترك،فلا بدّ أن يكون الترك-و لو باعتبار انطباق‏الحِنث عليه-ملحوظاً و معتبراً عند الشارع;حتّى يصير موضوعاً للحكم،و بعد هذا الثبوت الاعتباري لا مانع من تعلّق الرفع به بلحاظ آثاره،و هذاواضح جدّاً،فما أفاد من أنّ الرفع لا يمكن إلاّ بالوضع،في غاية السقوط1.و قد ظهر ممّا ذكرنا:أنّ كلَّ أمر عدميّ يكون موضوعاً لأثرٍ شرعيّ أو حكمٍ‏1هذا مضافاً إلى أنّ الرفع الادّعائي لا مانع من تعلّقه بالعدم،و المصحح له هو عدم ترتُّب‏الآثار عليه،كما أنّ الرفع لم يتعلّق بالوجوديّات حقيقةً،بل ادّعاءً بلحاظ الآثار،فكذا في‏جانب العدم.مع إمكان أن يقال:إنّ الرفع تعلّق بالأشياء بمعرِّفيّة العناوين المذكورة في الحديث-أي‏الاضطرار و غيره-فكما يمكن تعلّق الاضطرار بالعدم بنحو من الاعتبار يمكن تعلّق الرفع‏به.مع أن الرفع متعلّق بتلك العناوين-أي الموصول المشار به للأشياء-إجمالاً،و لا تكون‏الواقعيّات المشار إليها في ذهن المخاطب و المتكلِّم بنحو التفصيل حتّى تلاحظ الوجوديّات‏مستقلّة و العدميّات كذلك.فتحصّل ممّا ذكر:أنّه لا مانع من الأخذ بإطلاق الحديث.و أمّا ما أفاد بعضهم في مقام الجواب عنه:من أنّ الرفع مطلقاً متعلّق بموضوعيّةالموضوعات للأحكام،فمعنى رفع ما اضطُرّوا إليه أنّه رفع موضوعيّته للحكم،و كذا في‏جانب العدم و الترك‏ (1) فلا يخفى ما فيه;لأن ذلك أسوأ حالاً من تقدير الآثار.مع أنّ ظاهرالحديث هو الرفع الادّعائي،كما عرفت به هذا القائل‏ (2) و ذلك ينافي ما ذكره من‏الرجوع إلى رفع الموضوعيّة،إلاّ أن يرجع كلامه إلى ما ذكرنا،فتدبّر.منه قدس سره‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:219-220.

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:209 سطر 14-25 و 211سطر 16-22.


53

تكليفيّ أو وضعيّ،و يكون في رفعه منّة على العباد،مشمول للحديث،و لا يحتاج رفعه إلى الوضع.

الأمر السادس‏تصحيح العبادة المنسي منها جزء أو شرط بالحديث‏

بناءً على عموم الآثار لو نسي جزءً أو شرطاً من العبادات هل يمكن‏تصحيحها بالحديث،أم لا؟اختار ثانيهما المحقِّق المتقدِّم-على ما في تقريرات بحثه-و حاصل ما أفاده‏في وجهه أُمور:الأوّل:ما تقدّم منه من أنّ الحديث لا يشمل الأُمور العدميّة،لأنّه لا محلّ‏لورود الرفع على الجزء أو الشرط المنفيّين;لخلوّ صفحة الوجود عنهما،فلا يمكن أن يتعلّق الرفع بهما.الثاني:أنّ الأثر المترتّب على الجزء أو الشرط ليس إلاّ الإجزاء و صحّةالعبادة،و هما ليسا من الآثار الشرعيّة التي تقبل الوضع و الرفع،بل من الآثارالعقليّة.الثالث:أنّه لا يمكن أن يكون رفع السورة بلحاظ رفع أثر الإجزاء و الصحّة،فإنّ ذلك يقتضي عدم الإجزاء و فساد العبادة،و هو ينافي الامتنان،و ينتج‏عكس المقصود،فإنّ المقصود من التمسّك بالحديث تصحيح العبادة،لا فسادها.هذا كلّه بالنسبة إلى الأجزاء و الشرائط.


54

و أمّا بالنسبة إلى المركّب الفاقد للجزء أو الشرط المنسيّ،فهو و إن كان‏أمراً وجوديّاً قابلاً لتوجّه الرفع إليه،إلاّ أنّه:أوّلاً:ليس هو المنسيّ أو المُكرَه عليه ليتوجّه الرفع إليه.و ثانياً:لا فائدة في رفعه;لأنّ رفع المركّب الفاقد للجزء أو الشرط لا يثبت‏المركّب الواجد له،فإنّ ذلك يكون وضعاً لا رفعاً،و ليس للمركّب الفاقدللجزء أو الشرط أثر يصحّ رفع المركّب بلحاظه،فإنّ الصلاة بلا سورة-مثلاً-لا يترتّب عليها أثر إلاّ الفساد و عدم الإجزاء،و هو غير قابل للرفع الشرعي.و لا يمكن أن يقال:إنّ الجزئيّة و الشرطيّة مرفوعتان;لأنّ جزئيّة الجزء لم تكن‏منسيّة;و إلاّ كان من نسيان الحكم،و محلّ الكلام إنّما هو نسيان الموضوع،فلم يتعلّق النسيان بالجزئيّة حتّى يستشكل بأنّ الجزئيّة غير قابلة للرفع،فإنّهاغير مجعولة،فيجاب بأنّها مجعولة بجعل منشأ انتزاعها (1) انتهى بطوله.و التحقيق أن يقال:إنّ رفع الجزء و الشرط المنسيّين،كما يمكن أن يكون‏باعتبار نسيان الجزئيّة و الشرطيّة-أي نسيان الحكم-كذلك يمكن باعتبارنسيانهما مع تذكّر الحكم،فإنّ الجزء إذا صار منسيّاً فَتُرك،يرتفع بالحديث،و كذلك الشرط،فإنّ المُسلَّم من الحديث هن رفع ما نَسُوا-أي ما يكون‏منسيّاً-و الفرض أنّ الجزء الشرط هو المنسيّ،فالرفع يتعلّق به،فيصيرالمركّب الفاقد لهما تمام المأمور به.و بعبارة أُخرى:إذا كان المركّب المأمور به بحسب الجعل الابتدائيّ ذا أجزاء

1)فوائد الأُصول 3:353.


55

و شرائط،و يكون المأمور به هو المركب بجميع أجزائه و شرائطه،و يكون‏الحديث حاكماًعلى‏أدلّة الأحكام الأوّليّة من أدلّة الأجزاء و الشرائط و أدلّةأصل المركّبات،تصير نتيجة الأدلّة الأوّليّة-بعد إعمال الحكومة-هواختصاص الأجزاء بغير حال النسيان،فيصير المركّب المأمور به هو الطبيعةفاقداً للجزء أو الشرط المنسيّين،و لا دليل من عقل أو نقل على اختصاص‏الحديث بنسيان جزئيّة الجزء و شرطيّة الشرط-أي نسيان الحكم-بل يشمل‏نسيان الموضوع مع تذكّر الحكم،فإذا تُرك جزء أو شرط من المركّب يصيرالفرد الفاقد لهما مصداقاً للطبيعة بعد حكومة حديث الرفع،و مسقطاً لأمرهاو موجباً للإجزاء1.1و قد يقال:إنّ ما ذكر غير تامّ;لأنّ النسيان إذا تعلّق بالموضوع،و لم يكن الحكم منسيّاً،لا ترتفع جزئيّة الجزء للمركّب;لعدم نسيانها،فلا بدّ من التسليم بمصداق واجد للجزءحتّى ينطبق عليه عنوان المأمور به،و لا معنى لرفع الجزء و الشرط من مصداق المأمور به،و مع رفعهما فرضاً لا يكون مصداقاً للمأمور به ما لم يدلّ دليل على رفع الجزئيّة.و بالجملة:لا يعقل صدق الطبيعة المعتبر فيها الجزء و الشرط على المصداق الفاقد لهما،و لامعنى لحكومة دليل الرفع على الأدلّة الواقعيّة مع عدم النسيان بالنسبة إليها،كما أنّه لامعنى لحكومته على مصداق المأمور به‏ (1) .و فيه:أنّ مقتضى ما ذكرنا من عموم الآثار أنّ المنسيّ إذا كان الجزء يكون مرفوعاً،و معنى‏رفعه رفع جميع آثاره،و من آثاره الشرعيّة جزئيّته،فهي مرفوعة،و بعد رفعها في حال‏النسيان،يصدق على المأتيّ به أنّه تمام المأمور به،و لا محالة يسقط الأمر المتعلّق بالطبيعة;لأجل إتيانها بمصداقها التامّ،و لا مجال لبقاء الأمر بعد الإطاعة،فلا معنى لبقائه أوحدوثه بعد رفع النسيان،كما توهّم بعض أهل التحقيق;بزعم أنّ حديث الرفع لا يتكفّل‏بتحديد دائرة المأمور به،و لا إطلاق له لرفع الجزء أو الشرط حتّى بعد زوال النسيان‏ (2) .

1)انظر قوامع الفضول:461 سطر 37-السطر الأخير.

2)انظر مقالات الأُصول 2:56 سطر 21-السطر الأخير،نهاية الأفكار-القسم‏الثاني من الجزء الثالث:220-221.


56

و بهذا يظهر الخلل في جميع ما أفاده:أمّا في أوّل الوجوه:فلأن الجزء المنسيّ متعلَّق للرفع،و معنى تعلّقه به‏إخراجه عن حدود الطبيعة المأمور بها،و لا يكون ترك الجزء متعلَّقاً للرفع;حتّى‏يقال:إنّ الرفع لا يتعلّق بالأعدام.و أمّا في ثانيها:فإنّ الجزء و الشرط ممّا تنالهما يد الشارع و لو بواسطة منشأانتزاعهما،و لا يحتاج رفعهما إلى لحاظ أثر آخر.و بهذا يظهر الإشكال في ثالثها،و كذا في سائر ما أفاد،مع ما فيها من‏التكلّف و التعسّف.فإن قلت:إنّما يصحّح حديث الرفع العبادة الفاقدة للجزء و الشرط إذاأمكن اختصاص الناسي بالتكليف،و أمّا مع عدم إمكانه فلا يمكن تصحيحها.قلت:أوّلاً:يمكن اختصاصه بالخطاب ببعض التصويرات التي أفادهاو بما ذكرنا يدفع ما ذُكر;ضرورة عدم الاحتياج إلى كون الحديث ناظراً إلى بعد رفع‏النسيان،بل الرفع في حاله يكفي لتطبيق المأتيّ به على المأمور به،و معه يسقط الأمر،و لامعنى لتجديده.و إن شئت قلت:إنّ الحديث بحكومته على الأدلّة مخصِّص لها بلسان الرفع،فهوتخصيص واقعاً و دفع،استعمال الرفع لأجل الحكم القانوني المجعول على نحو العموم‏و الإطلاق.منه قدس سره‏


57

المشايخ‏ (1) و إن‏كان‏لا يخلو كلّها أو جلّها عن الخدشة.و ثانياً:تصحيحها لا يتوقّف على إمكان اختصاص الناسي بالخطاب،فإنَ‏الأمر المتعلّق بالطبيعة ممّا يبعث الذاكر للجزء و الناسي له بنحو واحد،فكما أنّ‏الذاكر للأجزاء و الشرائط إذا قام لإتيان الصلاة تكون مبعوثيّته لأجل الأوامرالمتعلّقة بالصلاة في الكتاب و السُّنّة،و يكون إتيان لها إطاعة لقوله: أقِمِ الصلاة لِدُلوكِ الشَّمسِ إِلى غَسَقِ الليلِ (2) فكذلك الناسي للجزء أوالشرط يكون آتياً لطبيعة الصلاة،و مطيعاً لقوله: أقِمِ الصلاة بلا افتراق‏بينهما من هذه الجهة،و إنّما الافتراق بينهما في مصداق الطبيعة المأمور بها،فإنّ مصداقها للناسي-بعد حكومة الحديث-يكون الفرد الناقص،و أنّ‏الطبيعة تصير متحقِّقة بعين الفرد الناقص،كما أنّها تتحقّق بالفرد الكامل،فالفرد الناقص و الكامل فردان من الطبيعة المأمور بها،و هي متحقّقة بهما،و بإتيانهما يسقط الأمر المتعلّق بها بلا افتراق بينهما من هذه الحيثيّة أيضا،كالصلاة مع الطهارة الترابيّة و المائيّة،فكما أنّ أدلّة تنزيل التراب منزلة الماء،و الطهارة الترابيّة منزلة المائيّة،تجعل الفرد مصداقاً للطبيعة،و لا تكون طبيعةالصلاة متعلّقة لأمرين:أحدهما الصلاة مع الطهارة المائيّة،و ثانيهما هي مع‏الترابيّة،فكذلك حديث الرفع يجعل الفاقد مصداق الطبيعة،و لا تصير الطبيعة

1)انظر الكفاية 2:240،فوائد الأُصول 4:70-74،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:421-422.

2)الإسراء:78.


58

متعلَّقة لأمرين:و لا تحتاج إلى خطابين;حتّى يبحث في إمكان اختصاص‏الناسي بالخطاب.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:صحّة التمسّك بحديث الرفع لتصحيح العبادةالفاقدة لبضع الأجزاء و الشرائط بواسطة النسيان.و من الغريب أنّ المحقّق المتقدّم تمسّك لمختاره في ذيل كلامه:بأنّ المدرك‏في صحّة الصلاة الفاقدة للجزء و الشرط نسياناً هو دليل:(لا تعاد) (1) .فإنّ المدرك فيها لو كان حديث الرفع كان اللازم صحّة الصلاة بمجرّدنسيان الجزء أو الشرط مطلقاً من غير فرقٍ بين الأركان و غيرها،فإنّه‏لا يمكن استفادة التفصيل من حديث الرفع.و يؤيّد ذلك أنّه لم يعهد من‏الفقهاء التمسّك بحديث الرفع الصحّة الصلاة و غيرها من سائر المركّبات‏ (2) انتهى.و فيه:أنّ حديث الرفع عامّ قابل للتخصيص،فاستفادة التفصيل من الأدلّةالأُخر المخصّصة لدليل الرفع لا توجب عدم جواز التمسّك بالحديث،و عدم‏كونه مَدركاً لصحّة الصلاة.و أمّا ما أفاد-من عدم معهوديّة تمسّك الفقهاء به لصحّتها-فهو ممنوع;لتمسّك القدماء و المتأخّرين به لصحّتها.

1)الفقيه 1:181-17 باب 42 في القبلة و 1:552-8 باب 49 في أحكام السهو في الصلاة،التهذيب 2:152-55 باب 9 في تفصيل ما تقدّم ذكره..،و الوسائل 4:934-5 باب 10 من أبواب الركوع.

2)فوائد الأُصول 3:355.


59

فهذا علم الهدى قد تمسّك به في الناصريّات;حيث قال:دليلنا على أنّ‏كلام الناسي لا يبطل الصلاة-بعد الإجماع المتقدّم-ما روي عنه عليه‏السلام:(رفع عن أُمّتي النسيان،و ما استكرهوا عليه) (1) و لم يرد رفع الفعل;لأنّ‏ذلك لا يرفع،و إنّما أراد رفع الحكم،و ذلك عامّ في جميع الأحكام إلاّ ما قام‏عليه دليل‏ (2) .و قريب منه كلام السيّد ابن زُهرة في الغُنية (3) .و كلامهما و إن كان في التكلّم،إلاّ أنّه يظهر من ذيل كلامهما شمول‏الحديث لجميع الموارد إلاّ ما قام عليه دليل.و قد تمسّك به العلاّمة1و الأردبيلي و غيرهما2و نقل الشيخ‏1التذكرة 1:131 سطر 4-6.العلاّمة:هو الإمام الأجل جمال الدين أبو منصور الحسن بن سديد الدين يوسف‏ابن زين الدين علي بن مُطهَّر الحلي،ولد سنة 648 ه في مدينة الحلة،قرأ على جمٍ غفيرمن علماء الإسلام،و تلمذ عليه كثير من الفضلاء،توفي سنة 726 ه،له مؤلفات جمةأشهرها:تذكرة الفقهاء،نهاية الأُصول،نهج الحق و غيرها.انظر مستدرك الوسائل 3:459،مقابس الأنوار:13.2مجمع الفائدة و البرهان 3:55 و انظر ذكرى الشيعة:216 سطر 14.الأردبيلي:هو الفقيه الكبير المحقق المولى الشيخ أحمد بن محمّد الأردبيلي النجفي كان‏

1)انظر الكافي 2:463-2 باب ما رفع عن الأُمة،توحيد الصدوق:353-24 باب 56في الاستطاعة،الخصال 2،:417-9 باب التسعة،الوسائل 11:295 باب 56 من أبواب‏جهاد النّفس.

2)الناصريّات-الجوامع الفقهيّة-:199 سطر 27-28 من المسألة:94.

3)الغُنية-الجوامع الفقهيّة-:566 سطر 12-14.


60

الأعظم‏ (1) في مسألة من ترك غسل موضع النجو:أنّ المحقّق في‏المعتبر تمسّك:بالحديث لنفي الإعادة في مسألة ناسي النجاسة1و تمسّك‏هو (2) و غيره‏ (3) في غير موضع به لتصحيح الصلاة،كما يظهر للمراجع‏المتتبع.هذا مضافاً إلى أنّ عدم تمسّكهم به لو سُلّم،إنّما هو لعدم الاحتياج إليه‏بعد ورود الأدلّة الخاصّة في غالب الموارد،كما أنّ التمسّك بقوله:(لا تعادالصلاة) (4) .أيضا لم يكن في كلماتهم في غالب الموارد;لورود الأدلّةأورع أهل زمانه و أعبدهم و أتقاهم،أخذ عنه العلاّمة السيد محمد الطباطبائي،و العلاّمةالأوحد الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني،له عدَّة مصنفات مشهورة منها:مجمع الفائدةو البرهان،زبدة البيان و غيرها،توفي سنة 993 ه بالنجف الأشرف.انظر أمل الآمل 2:23،إحياء الداثر:8،مقابس الأنوار:15.1المحقق:هو الإمام الفقيه الشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى الهذلي‏الحلي،المعروف بالمحقق على الإطلاق،ولد سنة 602 ه أخذ عن والده و الشيخ ابن نماو السيد محمَّد بن زهرة و غيرهم،توفي سنة 676 ه و خلّف آثاراً ثمانية منها:شرائع‏الإسلام،المعتبر،معارج الأُصول و غيرها.انظر رجال ابن داود:62،أمل الآمل 1:48،لؤلؤة البحرين:227.

1)كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري:166 سطر 1-3.

2)المعتبر:195 سطر 17-18.

3)انظر إيضاح الفوائد 1:116-117.

4)مرّ تخريجه آنفاً.


61

الخاصّة فيها.ثمّ إنّه-قدّس سرّه-قال:هذا إذا كان النسيان مستوعباً لتمام الوقت‏المضروب للمركّب،و أمّا في النسيان الغير المستوعب فالأمر في أوضح،فإنّه‏لا يصدق نسيان المأمور به عند نسيان الجزء في جزء من الوقت مع التذكّر في‏بقيّته;لأنّ المأمور به هو الفرد الكلّيّ الواجد لجميع الأجزاء و الشرائط و لو في‏جزء من الوقت،فمع التذكّر في أثناء الوقت يجب الإتيان بالمأمور به لبقاءوقته لو كان المدرك حديث الرفع;لأنّ المأتيّ به لا ينطبق على المأمور به،فلو لاحديث:(لا تعاد).كان اللازم هو إعادة الصلاة الفاقدة للجزء نسياناً مع‏التذكّر في أثناء الوقت‏ (1) انتهى.و أنت خبير بما فيه;لأنّك قد عرفت أنّ الأمر إنّما تعلّق بطبيعة المأمور به،فبعد حكومة حديث الرفع على أدلّة الأجزاء و الشرائط،و تحقّق النسيان و لوفي جزء من الوقت،و إتيان الناسي الفرد الفاقد للجزء أو الشرط المنسيّين،تصير النتيجة حصول المأمور به،و كون الفرد الناقص فرداً للطبيعة،و هي‏متحقّقة به،و بعد تحقّقها به لا معنى لبقاء الأمر.و بالجملة:لا فرق بين النسيان المستوعب و غيره;لأنّ تحقّق الطبيعة إنّمايكون بتحقّق الفرد الكامل في غير الناسي،و بالفرد الناقص مع تحقّق النسيان‏ببركة حديث الرفع‏سواءكان مستوعباً أو لا.

1)فوائد الأُصول 3:355.


62

في شمول الحديث للأسباب‏

و بالتدبّر فيما ذكرنا من أوّل هذا البحث إلى هاهنا يظهر النّظر فيما أفاده‏المحقّق المتقدّم في باب الأسباب:من أنّ وقوع النسيان و الإكراه و الاضطرارفي ناحيتها لا يقتضي تأثيرها في المسبب،و لا تندرج في حديث الرفع;لما تقدّم‏في باب الأجزاء و الشرائط من أنّ حديث الرفع لا يتكفّل تنزيل الفاقد منزلةالواجد،فلو اضطُرّ إلى إيقاع العقد بالفارسيّة،أو أُكره عليه،أو نسي العربيّة،كان العقد باطلاً بناءً على اشتراط العربيّة،فإنّ رفع العقد الفارسيّ لا يقتضي‏وقوع العقد العربيّ،و ليس للعقد الفارسيّ أثر يصحّ‏رفعه بلحاظرفع أثره،و شرطيّة العربيّة ليست منسيّة حتّى يكون الرفع بلحاظ رفع الشرطيّة (1) انتهى.أقول:أمّا النسيان:فقد يتعلّق بأصل السبب،و قد يتعلّق بشرائطه.و على‏الثاني:فقد يكون الشرط من الشرائط العقلائيّة التي يتقوّم تحقّق العقد عرفاًبها،كقصد تحقّق مفهوم العقد مثلاً،و قد يكون من الشرائط الشرعيّة،كالعربيّة،و تقديم الإيجاب على القبول،و أمثالهما.فإن تعلّق النسيان بأصل إيجاد السبب،أو بما يتقوّم العقد به عرفاً،فلاإشكال في عدم جواز تصحيح العقد بحديث الرفع،و وجهه واضح.و أمّا إن تعلّق بالشرائط الشرعيّة التي لا يتقوّم العقد بها،فلا إشكال في‏

1)فوائد الأُصول 3:356.


63

جواز التمسّك بالحديث لتصحيح العقد;لأنّ تحقّق العقد العرفيّ وجدانيّ،و الشرائط الشرعيّة قابلة للرفع،و النسيانُ و إن تعلّق بإيجاد الشرط لا بشرطيّته،لكن لا قصور في شمول الحديث لذلك;لرفع الشرط المنسيّ،و رفعه رفع‏شرطيّته.و بالجملة:يصير العقد الفاقد للشرط الكذائي تمام السبب،كما عرفت في‏شرائط العبادات.فما أفاده رحمه اللّه-من أنّ رفع العقد الفارسي لا يقتضي وقوع العقدالعربيّ-فيه ما لا يخفى،فإنّ الرفع لم يتعلّق بالعقد الفارسي،بل تعلّق بالعربيّةالمنسيّة،فجُعِل العقد مع فقدان العربيّة تمام السبب في ظرف النسيان‏11و قد يقال:إنّ رفع الشرائط خلاف الامتنان في حقّ المكلّف;لأنّ لازمه اقتضاء الوضع‏الّذي هو التكليف بالوفاء بالفاقد (1) .و فيه ما لا يخفى;ضرورة أنّ كلّ من يُقدم على معاملة-بحسب حوائجه و مهمّاته-غرضه صحّتها و نفوذها،و لو فُرض كون النسيان لشرط مثلاً موجباً لبطلانها صار المكلّف‏في حرج و كُلفة،فأيّ منّةٍ أعظم من أن يكون النكاحُ الواقع-بعد عشرين سنة و تشكيل‏العائلة-المنسيّ منه شرط من الشرائط صحيحاً،و يتعلّق الرفع بشرطيّة ما نُسي فيه،فدعوى‏عدم المنّة من غريب الدعاوي.ثمّ إنّ بما ذكرنا يظهر حال الاضطرار أيضا،و مجمل الكلام فيه:أنّ الاضطرار:إمّا أن‏يتعلّق بحكم تكليفيّ-أي بإيجاد حرام نفسيّ أو ترك واجب كذلك-فلا إشكال في رفع‏الحكم أي الحرمة في الإيجاد و الترك إن كان حراماً،و لو بالاستلزام العرفي بين الأمربالشي‏ء و مبغوضيّة تركه و حرمته.و إمّا أن يتعلّق الاضطرار بإيجاد مانع في العبادات،أو المعاملات على فرض المانع فيها،فلا إشكال في تعلّق الرفع و تصحيحها بما سبق في نظائرها.

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:221 سطر 14-17).


64

هذا كلّه في النسيان.و أمّا الإكراه:فإن تعلّق بترك إيجاد السبب،أو ترك ما يتقوّم به العقد،و أمّا إذا اضطُرّ إلى ترك جزء أو شرط،فإن كان لنفس الترك أثر شرعيّ،فيرفع أثره النفسيّ،و أمّا تصحيح العبادة و المعاملة فلا يمكن به;لأنّ ترك الجزء أو الشرط لا أثر لهما،و ليس‏البطلان و وجوب الإعادة إلى غير ذلك من آثار تركهما شرعاً،كما يتوهّم‏ (1) بل هي آثارعقليّة،و ليس للشارع إلاّ جعل الجزئيّة أو الشرطيّة تبعاً أو استقلالاً-بناءً على إمكانه-أوإسقاطهما،و أمّا بعد جعلهما فإيجاب تركهما للإعادة عقليّ،و كذا عدمُ انطباق المأتيّ به‏على المأمور به،و البطلانُ المنتزع منه.و أمّا رفع الجزئيّة و الشرطيّة،فلا وجه له بعد عدم تعلّق الاضطرار بهما،بل تعلّقه بتركهما،فالرفع لا بدّ أن يتعلّق بما اضطرّ إليه بلحاظ آثاره،و هو الترك،و لا تكون الجزئيّة من أحكام‏ترك الجزء.و ما قد يقال:إنّ وجوب الإعادة مترتّب على بقاء الأمر الأوّل،كترتّب عدم وجوبها على‏عدم بقائه،فإذا كان بقاء الأمر كحدوثه أمراً شرعيّا تناله يد الجعل و الرفع،فلا محذور في‏التمسّك بالحديث لنفي وجوب الإعادة (2) كما ترى;ضرورة أنّ وجوب الإعادة ليس‏حكماً مجعولاً،و لا أثراً شرعيّا لبقاء الأمر،و ما قد يرد في الشرع من إيجاد الإعادة،ليس‏هو إلاّ إشاداً إلى بطلان العمل و لزوم إطاعة الأمر الأوّل;و لهذا لا يستحقّ التارك للإعادةإلاّ عقاباً واحداً لترك المأمور به،لا لترك الإعادة،و استحقاق العقابين خلاف الضرورة،كانقلاب التكليف الأوّل إلى تكليف وجوب الإعادة.و بالجملة:ليس لترك الشرط و الجزء أثر يتعلّق الرفع به بلحاظه.و بهذا يظهر حال الإكراه على تركهما أيضا،كما يظهر الفرق بين نسيان الجزء و الشرطو الإكراه و الاضطرار إلى تركهما،فإنّ ما نُسي هو الجزء و الشرط.منه قدس سره‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:219-220).

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:219 سطر 5-10).


65

فهو كالنسيان،و إن تعلّق بإيجاد السبب و المسبّب،فلا إشكال في جوازالتمسّك به للحكم بالبطلان.و إن تعلّق بترك شرط شرعيّ أو إيجاد مانع شرعيّ:فإمّا أن يكون العاقدمضطرّاً بالاضطرار العاديّ أو الشرعيّ لإيجاد العقد،و المكره يُكرهه على ترك‏الشرط أو إيجاد المانع،فالظاهر جواز التمسّك بالحديث لرفع الشرط و المانع،و إن لم يكن مضطرّاً لذلك فلا يجوز;لعدم صدق الإكراه.كما أنّ المضطرّ إلى ترك الشرط أو إيجاد المانع أيضا كذلك،فمع‏الاضطرار إلى إيجاد العقد عادةً أو شرعاً،يجوز التمسّك به لرفعهما دون‏غيره،فمن اضطُرّ إلى إيجاد عقدٍ و لم يعرف العربيّة،و يضطرّ إلى إيجاده‏بالفارسيّة،يصحّ عقده دون غيره.اللّهم إلاّ أن يقال:إنّ الاضطرار تعلّق بترك الجزء و الشرط،و ليس للترك‏أثر شرعيّ،كما فصّلنا في الهامش.و بما ذكرنا يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق المتقدّم.

في شمول الحديث للمسببات:

و في كلامه في المسبَّبات-أيضا-بعض مواقع للنظر،خصوصاً في القسم‏الثاني منها،و هو ما كان المسبَّب من الأُمور الواقعيّة التي كشف عنها الشارع‏كالطهارة و النجاسة،فإنّها غير قابلة للرفع التشريعي إلاّ بلحاظ آثارها...إلى‏أن قال:و لا يتوهّم أنّ لازم ذلك عدم وجوب الغسل على من أُكره على‏


66

الجنابة،أو عدم وجوب التطهير على من أُكره على النجاسة;بدعوى،أنّ‏الجنابة المكرَه عليها و إن لم تقبل الرفع التشريعيّ،إلاّ أنّها باعتبار مالها من‏الأثر-و هو الغسل-قابلة للرفع،فإنّ الغسل و التطير أمران وجوديّان قد أمرالشارع بهما عقيب الجنابة و النجاسة مطلقاً،من غير فرقٍ بين الجنابةو النجاسة الاختياريّة و غيرها (1) انتهى.و فيه:أنّ ما تفصّي‏به‏عن الإشكال ممّا لا يرجع محصل،فإنّ‏كونهما أمرين وجوديّين لا يوجب عدم رفعهما بالحديث،و إطلاق أدلّتهمالحال الاختيار و غيره لا يوجب ذلك;لحكومته عليها،بل من شرط حكومته‏عليها إطلاقها لحال تلك العناوين المأخوذة في الحديث.و التحقيق في الجواب عن الإشكال أن يقال:إنّ غسل الجنابة مستحبّ نفسيّ‏و شرط للصلاة،فبالنسبة إلى الأثر الاستحبابيّ لا يشمله الحديث;لعدم المنّة في‏رفع المستحبّات،و أمّا بالنسبة إلى اشتراط الصلاة به،فالإكراه إنّما يتحقّق إذاأُكره على ترك الغُسل للصلاة،فحينئذ إذا كان المكلّف مختاراً في التيمّم‏و ضاق الوقت،يتبدّل تكليفه به،و وجهه ظاهر،و إن أُكره على تركه أيضا،فإن قلنا:بأنّ الصلاة بلا طَهور لا تكون صلاةً في نظر الشارع يسقط التكليف‏بها،فيكون حاله حال المكرَه على ترك الصلاة.و أمّا بالنسبة إلى الطهارة الخبثيّة،فمع كونه مكرَهاً على ترك غسل البدن‏و الساتر الراجع إلى الإتيان مع المانع،يرفع وجوب طهارتهما و اشتراطها بهما

1)فوائد الأُصول 3:358.


67

بدليل الرفع،و في غير الساتر ينزع،بل فيه-أيضا-على الأقوى،إلاّ أن يكون‏مكرَهاً في لبسه،فيكون مكرَهاً في إيجاد المانع،فيشمله دليل الرفع‏1.و يمكن أن يجاب عن الإشكال:بأنّ الإكراه-بحسب نظر العرف-لا يتعلّق‏1و قد يقال:باختصاص مجري الرفع في قوله:(رفع...ما أُكرهوا عليه)بباب المعاملات‏بالمعنى الأخصّ-بعكس عنوان الاضطرار-فلا يجري في التكليفيّات;لصدق الإكراه‏بمجرّد التوعد اليسير،و لا يمكن الالتزام بجواز ارتكاب المحرّم لأجله‏ (1) .و فيه:أوّلاً:أنّ ذلك لا يوجب الاختصاص بالمعاملات بالمعنى الأخصّ;ضرورة أنّ مثل‏الطلاق و العتاق و النكاح و الوصيّة و غيرها من المعاملات بالمعنى الأعمّ و الإيقاعات مشمولةللحديث،بل المصرّح به في بعض ما ذكر الشمول‏ (2) .و ثانياً:أنّ ما ذكر-من عدم إمكان الالتزام في الجملة-لا يوجب عدم الالتزام مطلقاً بعدتصريح بعض الروايات‏ (3) بأنّ رفع ما أُكرهوا إشارة إلى قوله تعالى: إلا مَن أُكرِهَ‏وَ قَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإيمانِ (4) ممّا هو في قضيّة عمّار (5) التي هي حكم تكليفيّ،و بعدورودِ عدم الشي‏ء على الزوجة المكرَهة على الجماع في يوم رمضان‏ (6) و عدمِ الحدّ على‏المكرَهة على الزنا (7) .و ما قال القائل:بأنّ الإكراه إن وصل إلى حدّ الحرج جاز ذلك،إلاّ إنّه من جهة الحرج‏لا الإكراه‏ (8) .ففيه أوّلاً:أنّه خلاف الإطلاق في الروايات و الآية.و ثانياً:أنّ الإكراه على عنوان مع التوعد الغير المتحمَّل لا يوجب أن يكون العنوان المكرَه‏عليه حرجيّاً،فضرب الخمر مع التوعد لا يكون حرجيّاً،و يكون متعلَّقاً للإكراه،فلا يشمله‏دليل الحرج إلاّ مع التكلّف،دون حديث الرفع.نعم بعض مراتب الإكراه لا توجب جواز الارتكاب،كما أنّ بعض المحرّمات و العظائم‏عند الشرع لا يمكن التزام رفع حكمه بالحديث،و لا بدليل الحرج،و لا بأدلّة التقيّة،كمافصّلنا ذلك في رسالة التقيّة (9) فتدبّر.منه قدس سره‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:224 سطر 1-9.

2)انظر الكافي 6:،127-128-1 و 2 و 4 باب طلاق المضطر و المكرَه و 191-1باب عتق السكران و المجنون و المكره،الوسائل 15:331 أكثر أحاديث باب 37 من‏أبواب مقدّماته و شرائطه و 16:29-1 و 2 باب 19 من أبواب العتق.

3)تفسير العيّاشي 2:272-75،الكافي 2:462-463 باب ما رفع عن الأُمّة.

4)النحل:106.

5)تفسير العيّاشي 2:271-72،التبيان 6:428،جامع البيان 14:121-122.

6)الفقيه 2:73-6 باب 33 فيما يجب على من أفطر أو جامع..،الوسائل 7:37-38-1 باب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

7)الكافي 7:196-1 باب المرأة المستكرهة،الفقيه 4:29-2 باب 5 في حد مايكون المسافر فيه معذوراً..،الوسائل 18:382-383-1 و 2 و 4 و 5 باب 18 من‏أبواب حدّ الزنا.

8)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:224 سطر 10-11.

9)الرسائل 2:177.


68

إلاّ بفعل المكلّف،و هو إمّا سبب كالجماع،أو مسبَّب كالإجناب بالمعنى‏المصدري،و رفعهما برفع آثارهما الشرعيّة،و المفروض أنّ الجنابة أمر واقعيّ‏لا شرعيّ،فلا معنى لرفعها،كما لا معنى لرفع أثرها;إذ لم يتعلّق الإكراه به،فالمرفوع آثار الجماع و الإجناب لا الجنابة،فتدبّر.

الأمر السابع‏تصحيح العبادة المشكوك في مانعية شي‏ء لها بالحديث‏

لو شُكّ في مانعية شي‏ء للصلاة،فالحديث ينفع لصحّة صلاته;لما


69

عرفت‏ (1) أنّ مقتضى حكومة الحديث على الأدلّة الأوّلية رفعُ المانعية،و صيرورة المأتيّ به مع وجود المانع المشكوك فيه مصداقاً للطبيعة،و عدم‏معقوليّة بقاء الأمر مع الإتيان بمصداق المأمور به،و لا فرق في ذلك بين الشبهةالحكميّة و الموضوعيّة بعد صيرورة المأتيّ به مصداقاً للطبيعة.و قد استشكل شيخنا العلاّمة-أعلى اللّه مقامه-في الشبهة الحكميّة،و قال:إنّ الصحّة فيها إنّما تكون ما دام شاكّا،فإذا قطع بالمانعيّة يجب عليه‏الإعادة،و لا يمكن القول بتخصيص المانع بما علم مانعيّته،فإنّه مستحيل،بخلاف الشبهة الموضوعيّة،لإمكان ذلك فيها (2) .و فيه:أنّ المستحيل هو جعل المانعيّة ابتداءً للعالم بالمانعيّة،و أمّا إنشاؤهابنحو الإطلاق،ثمّ رفع مانعيتها و فعليّتها عن المشكوك فيه،ممّا لا استحالة فيه‏أبداً،و قد حقّق ذلك في مبحث الإجزاء (3) و في مبحث الجمع بين الأحكام‏الظاهريّة و الواقعيّة (4) فراجع.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ مقتضى دليل الرفع هو توسعة نطاق الطبيعةإلى الفرد الناقص و الكامل،أو جعل الفرد الناقص مصداقاً لها،فبعد ذلك‏لا معنى لبقاء الأمر المتعلّق بها بعد إتيانها بإتيان الفرد.هذا تمام الكلام في حديث الرفع،و قد عرفت دلالته على المدّعى‏

1)في صفحة:45.

2)درر الفوائد 2:106 سطر 9-16.

3)انظر الجزء الأول من كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره.

4)الجزء الأول صفحة:200.


70

بما لا مزيد عليه.

حديث الحجب‏

و ممّا اُستدلّ‏به‏على البراءة:قوله:(ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم) (1) .و تقريب الاستدلال به أن يقال:إنّ الظاهر من حجب العلم عن العباد ليس‏هو الحَجب عن مجموع المكلّفين أو عن جميعهم على وجه الاستغراق،بل‏الظاهر منه أنّ كلّ من كان محجوباً عن الحكم فهو موضوع عنه،و لو كان‏معلوماً لغيره من سائر المكلّفين،كما أنّ قوله:(رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون)أيضاكذلك،أي كلّ من لا يعلم الحكم فهو مرفوع عنه،و هذا واضح جدّاً.كما أنّ الظاهر من قوله:(هو موضوع عنهم)أنّ الحكم المجعول بحسب‏الواقع موضوع عن الجاهل،و هكذا دليل الرفع.كما أنّ المصحح لنسبة الحجب إليه تعالى هو الحجب الّذي لا يكون‏بواسطة تقصير العبد عن الفحص،بل يكون لا باختياره،و إنّ الجهات‏الخارجيّة والحوادث‏الكونيّة موجبة للحجب،كوقوع المهالك العامّة،مثل الزلزلة،و الحريق،و الغرق،و أمثالها،فصارت سبباً لضياع الكتب‏و حجب العباد،فهذه الأُمور ممّا تنسب إلى اللّه تعالى،فقوله:(كلّ ما حجب‏اللّهُ علمَه عن العباد)أي كلّ حكم يكون المكلّف محجوباً عنه لا بتقصير منه‏

1)التوحيد للصدوق:413-9 باب 64 في التعريف و البيان..


71

-بل بواسطة أُمور خارجة عن قدرته،كطول الزمان،و ضياع الكتب‏بسبب حوادث‏كونيّة تكون بقدرة اللّه تعالى-فهو موضوع عنه،و كذلك‏الأمر فيما إذا كان الحجب لا بتقصير من العبد،بل لقصوره و بأمرغير اختياريّ.و إن شئت قلت:إنّه بمناسبة الحكم و الموضوع يُفهم أنّ الحجبَ لا بتقصيرمن المكلّف-بل بأمر غير اختياري يكون تحت قدرة اللّه تعالى دون العبد-تمامُ الموضوع لرفع الحكم و وضعه عنه.و الإنصاف:أنّ حديث الحجب لا يكون دون حديث الرفع في الدلالة على‏البراءة.و أمّا ما أفاده المحقّقون‏ (1) :من أنّ الظاهر من(ما حجب اللّه علمه)هو ما لم‏يبيّنه للعباد،و تعلّقت عنايته تعالى بمنع اطّلاع العباد عليه;لعدم أمر رسله‏بتبليغه;حيث إنّه بدونه لا يصحّ إسناد الحجب إليه تعالى فالرواية مساوقةلما ورد من:(إن اللّه تعالى سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً) (2) .فهو بمَعزِل عن مفهوم الرواية،و مخالف،و مخالف للمناسبة المغروسة في ذهن أهل‏المحاورة،و مخالف لقوله:(فهو موضوع عنهم)لما عرفت من أنّ الظاهر من‏الوضع عن العباد هو وضع ما هو المجعول،لا عدم التبليغ رأساً،كما عرفت‏

1)انظر فرائد الأُصول:199 سطر 9-12،الكفاية 2:176 سطر 1-5.

2)الفقيه 4:53-15 باب 17 في نوادر الحدود،الوسائل 18:129-61 باب 12 من‏أبواب صفات القاضي.


72

السرّ في نسبة الحجب إليه تعالى مع أنّ نسبة مطلق الأفعال إلى اللّه‏تعالى قد شاعت في الكتاب و السُّنة;بحيث صارت من المجازات الراجحةالتي كأنّه لا يُعدّ ارتكابها مخالفة الظاهر بنظر العرف،فلا تصادم الظهورات‏الأُخر،فتدبّر.

حديث الحلية

و منها:قوله:(كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام)1أو(أنّه حرام بعينه) (1) .و دلالته واضحة2و لا يختصّ بالشبهات الموضوعيّة بقرينة قوله:(بعينه)لعدم القرينيّة.نعم لا يبعد دعوى ظهور قوله:(بعينه)في مقابل المعلوم بالإجمال،فيكون‏الحديث بصدد الترخيص في ارتكاب أطراف المعلوم بالإجمال حتّى يعرف‏1لو قلنا:أنّه صدر الموثَّقة.منه قدّس سرّه‏2بناءً على كونها رواية مستقلّة هو ظاهر بعضهم‏ (2) و أمّا لو كانت صدر رواية مسعدةابن صدقة (3) ففي دلالتها إشكال.منه قدس سره‏

1)الكافي 5:313-40 باب النوادر من كتاب المعيشة،التهذيب 7:226-989باب من الزيادات،الوسائل 12:60-4 باب من أبواب ما يكتسب به،باختلاف يسير.

2)فرائد الأُصول:102 سطر 8-9،الكافية 2:203.

3)مرّ تخريجها قريباً.


73

الحرام بعينه;أي تفصيلاً.كما أنّ الظاهر من قوله:(كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال،حتّى‏تعرف الحرام بعينه) (1) هو ذلك;أي ترخيص في التصرف بالمال المختلط بالحرام.فهذان الحديثان يمكن أن يكونا منسلكين في سلك الأحاديث الواردة في‏المال المختلط بالحرام،و قد جمع شتاتها السيّد العلاّمة الطباطبائي في حاشيته‏على المكاسب في باب جوائز السلطان‏1منها:موثّقة سماعة:(إن كان خلطالحلال بالحرام،فاختلطا جميعاً،فلا يعرف الحلال من الحرام،فلا بأس)2و منها:1حاشية المكاسب للطباطبائي اليزدي:33 سطر 12-23.العلاّمة الطباطبائي:هو الفقيه الأكبر المحقق السيد محمّد كاظم بن السيد عبد العظيم‏الطباطبائي اليزدي،ولد في مدينة يزد سنة 1247 ه-تتلمذ على الميرزا الشيرازي،و الشيخ‏مهدي كاشف الغطاء و غيرهما،له عدَّة مصنفات في الفقه و الأُصول مثل:الحاشية على‏المكاسب،العروة الوثقى و غيرهما،توفي سنة 1337 ه.انظر معارف الرّجال 2:326،أعيان الشيعة 10:43،الأعلام للزركلي 7:122الكافي 5:126-9 كتاب المعيشة،الوسائل 12:59-2 باب 4 من أبواب مايكتسب به.سماعة:هو سماعة بن مهران بن عبد الرحمن الحضرمي الكوفي،من أصحاب الإمامين‏الصادق و الكاظم عليهما السلام،عدَّه الشيخ المفيد في(رسالته العددية)من الأعلام‏الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأحكام،الذين لا يطعن عليهم و لا طريق‏إلى ذم واحد منهم.انظر رجال النجاشي:193،رجال الشيخ الطوسي:214،معجم‏رجال الحديث 8:297.

1)الكافي 5:313-39 باب النوادر من كتاب المعيشة،التهذيب 7:226-988 و 9:79-337،الوسائل 12:59-1 باب 4 من أبواب ما يكتسب به.


74

صحيحة الحذّاء:(لا بأس به حتّى يعرف الحرام بعينه)1فراجع.فبناءً عليه أنّ الحديثين أجنبيّان عن الشبهات التحريميّة.و منها:قوله:(كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) (1) و لا يخفى ما فيه‏2.1الكافي 5:228-2 باب شراء السرقة و الخيانة من كتاب المعيشة،الوسائل 12:162-5باب 52 من أبواب ما يكتسب به.الحذاء:هو أبو عبيدة زياد بن عيسى الحذاء الكوفي،عدَّه الشيخ و غيره في أصحاب‏الإمامين الباقر و الصادق عليهما السلام،كان حسن المنزلة عند آل محمد صلّى اللّه عليه‏و آله،له كتاب يرويه علي بن رئاب،مات في حياة الإمام الصادق.انظر رجال الشيخ‏الطوسي:122 و 202،تنقيح المقال 1:456.2و ممّا يستدلّ به قوله:(النّاس في سعة ما لا يعلمون) (2) إذ لو كان الاحتياط واجباً لما كان‏الناس في سعة،و العلم بوجوب الاحتياط لا يرفع موضوع الحديث;لعدم كون إيجاب‏الاحتياط طريقاً إلى الواقع حتّى يرفع عدم العلم،و إطلاق العلم على الحجّة-كما سبق‏منّا (3) إنّما هو على الطرق العقلائيّة و الشرعيّة،لا على مثل الاحتياط الّذي ليس كاشفاًبوجه،فلا وجه لشمول العلم-و لو بالمعنى الموسّع-له;و لهذا لو أفتى أحد على الواقع بقيام‏أمارة عليه لا تكون فتواه بغير علم،بخلاف ما لو أفتى‏على‏الواقع بواسطة وجوب‏الاحتياط.و قد يقال إنّ وجوب الاحتياط إن كان نفسيّاً يدفع المعارضة بين الحديث و بين أدلةالاحتياط;لحصول الغاية بعد العلم بوجوب الاحتياط (4) .و فيه:أنّ الحكم بلزوم إتيان مجهول الحكم و الترخيص فيه متضادّان،و لو كان الترخيص‏لأجل مجهوليّة الواقع،فإذا كان شرب التتن مجهول الحرمة فالنّاس في سعة من شربه،و هو مخالف لأخبار الاحتياط و لو كان نفسيّاً.نعم لو أمكن القول بالسعة من حيث التكليف بما لا يعلمون،و إن كان الضيق من حيث‏

1)الفقيه 1:208-22 باب 45 في وصف الصلاة،الوسائل 18:127-128-60باب 12 من أبواب صفات القاضي.

2)الحدائق الناضرة 1:43.

3)في الجزء الأول صفحة:23.

4)الكفاية 2:177.


75

...........الاحتياط النفسيّ و مصلحة خاصّة،لكان له وجه.و لكنّه كما ترى;فإنّ جعل السعة يكون‏لغواً بعد عدم انفكاك موضوعه عن موضوع الاحتياط.و الحملُ على الشبهة الوجوبيّة أوالموضوعيّة اعتراف بالمعارضة،مع أنّه لا شاهد له.و ممّا يستدلّ به:صحيحة عبد الصمد بن بشير المنقولة في أبواب تروك الإحرام-باب 45من الوسائل‏-عن أبي عبد اللّه في حديث:(إنّ رجلاً أعجميّاً دخل المسجد يُلبّي و عليه‏قميصه،فقال لأبي عبد اللّه:إنّي كنت رجلاً أعمل-إلى أن قال-:ليس عليك الحجّ من‏قابل،أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‏ء عليه) (1) ،دلّ على أنّ الإتيان بمجهول الحكم لايوجب شيئاً.و قد ردّها الشيخ الأعظم:بظهور مثل هذا التركيب في الجاهل المركّب الغافل.و قيل في توجيهه:إنّ الباء للسببيّة،و الجاهل الغافل يكون جهله سبباً للارتكاب‏ (2) .و أيّد الشيخ مقالته:بأنّ تعميم الجهالة لصورة الترديد يحوج الكلام إلى التخصيص بالشّاك‏الغير المقصّر،و سياقه يأبى عن التخصيص،ثمّ أمر بالتأمّل‏ (3) و لعلّ وجه تأمّله:عدم تماميّة دعواه;ضرورة عدم كون هذه التراكيب ظاهرة فيما ذكر،كما في قوله تعالى: أن تُصِيبوا قَوماً بِجَهَالَةٍ (4) ،و قوله: إنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللّه للَّذِينَ‏يَعمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ (5) .نعم،مورد الرواية هو الجاهل الغافل،لكن لا يكون المورد مخصِّصاً،خصوصاً في مثل هذاالعامّ الّذي ورد لإلقاء قاعدة كلّيّة،و يكون من قبيل العموم.و يؤيّد ما ذكرنا:ورود روايات-في باب الحجّ‏ (6) و الصوم‏ (7) بمعذوريّة الجاهل من غيراستفصال عن جهله.و أما تأييده بكون الباء للسببيّة،ففيه منعه;ضرورة أنّ الجهل-بسيطاً أو مركباً-لا يكون‏سبباً للفعل،بل السبب له هو مبادئه.نعم ربّما يكون العلم بالحكم مع بعض المبادئ مانعاًعن ارتكاب الفعل،فالباء هاهنا يمكن أنّ تكون بمعنى«عن».و مع كونها للسببيّة يصدق أنّ الارتكاب يكون بجهالة مع الفحص عن الحكم،و عدم‏

1)الوسائل 9:125-126-3 باب 45 من أبواب تروك الإحرام.

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:229 سطر 18-20.

3)فرائد الأُصول:199 سطر 18-20.

4)الحجرات:6.

5)النساء:17.

6)الكافي 4:373-374-1 و 3 و 4 و 6 باب المحرم يواقع امرأته..من كتاب الحجّ،الوسائل 9:253-254-1-6،و 255-2،و 257-9 و 12 باب 2 و 3 و غيرهما من‏أبواب كفارات الاستمتاع.

7)التهذيب 4:221-19 و 21 باب 57 في حكم المسافر..،الوسائل 7:35-12باب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و 7:127-2 و 3 باب 2 من أبواب من يصحّ‏منه الصوم.


76

...........العثور عليه،فارتكب،فإنّ السببيّة لا تكون بمعنى صدور الفعل عنه،بل بمعنى دخالته و لوفي الجملة،و هي حاصلة في الجاهل الملتفت.و أمّا تأييده بلزوم التخصيص مع عدم جوازه،ففيه:-مضافاً إلى أنّ التخصيص لازم على‏أيّ حال-أنّه‏لا يكون في المقام مانع عن التخصيص،و دعوى إبائه عنه غير مسموعة;ضرورة عدم وجه للإباء،و عدم كون لسانه آبياً عنه،و لا التخصيص مستهجناً.و ممّا يستدلّ به للبراءة حسنة ابن الطّيار عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:(إنّ اللّه احتجّ‏على الناس بما آتاهم و عرّفهم) (1) .دلّت أنّ الاحتجاج إنّما يكون بإيتاء القدرة و السعةو العقل و الفهم،و بتعريف اللّه أحكامه.و الظاهر أنّ قوله:(آتاهم)إشارة إلى قوله تعالى: لا يُكلِّفُ اللّهُ نفساً إلاّ ما آتاها (2) ،و لا يُكلِّفُ اللّهُ نفساً إلاّ وُسعَها (3) ،كما استدلّ بهما أبو عبد اللّه عليه السلام‏في رواية عبد الأعلى لعدم التكليف على المعرفة،و أنّ على اللّه البيان،و ذلك لعجزهم‏عنها (4) .و لا يخفى أن إيتاء السعة و القدرة يكون بالنسبة إلى كلّ مكلَّف لإتمام الحجّة عليه،و لا يكفي الإيتاء في الجملة للاحتجاج‏على‏سائر المكلَّفين،فكذلك العلم و المعرفة،فمالم يُعرِّف اللّه عبدَه الحكمَ لا تتمّ حجّته عليه،فإذا جدّ و اجتهد المكلَّف،و لم يصل إلى‏معرفة حكم اللّه تعالى لأسباب لا تكون تحت قدرته،يصدق أنّه ما عرّفه اللّه،فلا تتمّ‏الحجّة عليه،و هو المقصود.ثمّ إنّ هذه الرواية منقولة مع ذيل في الكافي في باب حجج اللّه على خلقه عن ابن الطيّار-هو حمزة بن محمّد-عن أبي عبد اللّه،قال:(قال لي:اكتب،أملى علىَّ:أنّ من قولنا:إنّ اللّه يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرفهم،ثمّ أرسل إليهم رسولاً،و أنزل عليهم الكتاب،فأمر فيه و نهى.).إلخ‏ (5) .و قد يقال:إنّ الظاهر أنّ ابن الطيّار نقل الرواية مع ذيلها لأبان الأحمر في الثانية،و تقطيعاًلجميل في الأولى،فيشكل الاستدلال بها لمكان ذيلها،فإنّ الظاهر أنّ إرسال و إنزال‏

1)الحديث في أُصول الكافي في باب البيان و التعريف.منه قدّس سرّه‏.ج 1:ص‏162-163.

2)الطلاق:7.

3)البقرة:286.

4)الكافي 1:163-5 باب البيان و التعريف و لزوم الحجّة من كتاب التوحيد،التوحيدللصدوق:414-11 باب 64 في التعريف و البيان و الحجّة و الهداية.

5)الكافي 1:164-4 باب حجج اللّه على خلقه من كتاب التوحيد.


77

...........الكتب كانا بعد إيتائهم و تعريفهم،فلا بدّ من كون التعريف عبارة عن المعرفة الفطريّةبالصانِع،لا المعرفة بالأحكام،فتكون أجنبيّة عمّا نحن فيه‏أقول:الأخذ بظاهر الرواية غير ممكن;لأنّ ظاهرها إرسال الرسل و إنزال الكتب‏متأخّران عن الاحتجاج بما آتاهم و عرّفهم،فلا بدّ و أن يقال:إنّ المقصود منه أنّ سُنّة اللّه‏تعالى هو الاحتجاج على العباد بما آتاهم و عرّفهم،و هي منشأ لإرسال الرسل‏و التعريف،فتخلُّل لفظة(ثمّ)يكون مناسباً لذلك.مع أنّ في ذيل الرواية دلالة على ذلك،فإنّ الظاهر أنّ ذيلها مربوط بهذا الكلام،فقدتصدّى لبيان أنّ التعريف على اللّه لإتمام الحجّة بقوله: ثمّ رسل إليهم رسولاً... إلخ،و أنّ‏إيتاء السعة و القدرة-أيضا-شرط لإتمام الحجّة بقوله:(فنام رسول اللّه عن الصلاة).إلى‏آخر ما ذكر من الاستشهاد بالآيات على أنّ التكليف موضوع عن الضعفاء و المرضى‏و الفقراء فراجع.و بالجملة:هذا الذيل لا يضرّ بالدلالة،بل يؤيّدها.و أمّا ما قيل:إنّ ما دلّ على الاحتياط وارد على مثلها (1) ففيه ما لا يخفى;فإنّ الظاهر منهاأنّ المعرفة بالأحكام موجبة للاحتجاج،و بما أنّه في مقام الامتنان و التحديد،تدلّ على أنّه‏مع عدم المعرفة لا يقع الاحتجاج،و لا يكون الضيق و الكُلفة،كما دلّ عليه ذيل الروايةالثانية،و لزوم الاحتياط لا يوجب المعرفة بالأحكام،ضرورة عدم طريقيّته للواقع،لا حكماًو لا موضوعاً،فلو احتجّ علينا على الواقع بالاحتياط يكون احتجاجه بلا تعريف،و هويناقض الرواية،و ليس الاحتياط واجباً نفسيّاً حتّى يحتجّ به،بل بعد إلزام الاحتياط يحتجّ‏بالواقع،فلا إشكال في مناقضة الاحتياط معها.بل لا يبعد حكومتها على أدلّة الاحتياط;لتعرّضها لنفي الاحتجاج-الّذي لازم جعل‏الاحتياط-ممّا لا تتعرّض له أدلّة الاحتياط،فتدبّر.و قريب منهما ما روي في الوافي عن الكافي في باب البيان و التعريف بإسناده عن اليمانيّ،قال:(سمعت أبا عبد اللّه يقول:إنّ أمر اللّه كلّه عجب،إلاّ أنّه قد احتجّ عليكم بما عرّفكم‏

1)مقالات الأُصول 2:62 سطر 6-7.


78

...........من نفسه) (1) بالتقريب المتقدّم.و احتمال كون المراد من(عرّفكم من نفسه)تعريف و ذاته-حتّى تكون ذاته معروفةبتعريفه-بعيد،بل الظاهر أنّ الاحتجاج بالأحكام بعد تعريفه تعالى فتعريف أحكامه‏عليه،لا على غيره.و منها:المرسلة المروية في الوسائل-في باب 12-60 من كتاب القضاء عن محمّد بن‏عليّ بن الحسين،قال:قال الصادق:(كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي) (2) .و لا يخفى أنّ مثل هذا الإرسال و النسبة إلى المعصوم بنحو الجزم من مثل الصدوق‏لا يمكن إلاّ مع إحرازه صدور الرواية،فهي رواية محرزة لديه و لو بالقرائن القائمة لديه،و رفع اليد عن مثلها في غاية الإشكال في موارد إثبات حكم إلزامي،بل لا يبعد صحّةالاحتجاج بمثلها.و كيف كان فمحتملاتها كثيرة;لأن الإطلاق:إمّا بمعنى اللاحرج و الحظر،أو بمعنى‏الإباحة الشرعيّة الواقعيّة،أو بمعنى الإباحة الظاهريّة المجعولة للشاكّ.و النهي:إمّا بمعنى النهي الواقعيّ المتعلّق بالعناوين الأوّليّة،أو الأعم منه و منه الظاهريّ‏كالمستفاد من الاحتياط،أو خصوص الظاهريّ.و الورود:إمّا بالمعنى المساوق للصدور،أو المساوق للوصول إلى المكلّف.و قد يقال بامتناع إرادة بعض الاحتمالات‏ (3) :منه:إرادة الإطلاق بمعنى الإباحة الواقعيّة،و الورود بمعنى الصدور الواقعيّ;لأنّ الإباحةالواقعيّة ناشئة من لا اقتضاء الموضوع لخلوّه عن المصلحة و المفسدة،فلا يعقل ورود حرمةفي موضوعها;للزوم الخُلف من فرض اقتضائيّة الموضوع المفروض أنّه لا اقتضاء،و فرضُ‏عروض عنوان آخر مقتضٍ للحرمة،مخالف لظاهر الرواية الدالّة على أنّ الحرمة وردت على‏نفس ما وردت عليه الإباحة.و إن كان المراد بورود النهي تحديد الموضوع و تقييده بأنّ ما لم يرد فيه نهي مباح،فهو-مع‏كونه خلاف الظاهر-فاسد;لأنّه كان بنحو المعرّفيّة فهو كالإخبار بأمر بديهيّ‏

1)الكافي 1:86-3 باب أدنى المعرفة،الوافي-الجزء الأوّل من المجلّد الأوّل-:121باب البيان و التعريف.

2)الفقيه 1:208-22 باب 45 في وصف الصلاة..،الوسائل 18:127-60 باب‏12 من أبواب صفات القاضي.

3)نهاية الدراية 2:187-188.


79

...........لا يناسب شأن الإمام عليه السلام و إن كان بنحو التقييد و الشرطيّة فهو غير معقول;لأنّ تقييد موضوع أحد الضدّين بعدم الضدّ-حدوثاً أو بقاءً-غير معقول;لأنّ عدم الضدّليس شرطاً لوجود ضدّه.و منه:احتمال إرادة الإباحة الظاهريّة و الورود هو الصدور،بوجوه:منها،:لزوم تخلّف الحكم عن موضوعه التامّ;فإنّه مع فرض كون الموضوع-و هوالمشكوك-موجوداً،يرتفع حكمه بصدور النهي المجامع للشكّ واقعاً،فلا يعقل أن يتقيّد إلاّبورود النهي على المكلّف.و منها:أنّ الإباحة إذا كانت مُغيّاة بصدور النهي واقعاً،أو محدّدة بعدمه،و الغاية و القيدمشكوكا الحصول،فلا محالة يحتاج إلى أصالة عدم صدوره لفعليّة الإباحة.و إجراء الأصل إن كان لمجرّد نفي الحرمة فلا مانع منه،إلاّ أنّه ليس من الاستدلال بالخبر،و إن كان للتعبّد بالإباحة الشرعيّة-واقعيّة أو ظاهريّة-فقد علم امتناع ذلك مطلقاً،و إن كان‏للتعبّد بالإباحة بمعنى اللاحرج فهي ليست من مقولة الحكم،و لا هي موضوع ذو حكم.و منها:أنّ ظاهر الخبر جعل ورود النهي غاية رافعة للإباحة الظاهريّة المفروضة،و مقتضي‏فرض عدم الحرمة إلاّ بقاءً هو فرض عدم الحرم حدوثاً،و مقتضاه عدم الشكّ في الحلّيّةو الحرمة من أوّل الأمر،فلا معنى لجعل الإباحة الظاهريّة،و ليست الغاية غاية للإباحةالإنشائيّة-حتّى يقال:إنّه يحتمل في فرض فعليّة الشكّ صدور النهي واقعاً-بل غايةلحقيقة الإباحة (1) ... (2) ..منه قدس سره‏

1)نهاية الدراية 2:188 سطر 6 و ما بعده.

2)هكذا بياض في الأصل فلاحظ


80


81

أدلة القول بالاحتياط


82


83

الاستدلال بالكتاب‏

قوله:فبالآيات الناهية (1) .(1)احتجّ الأخباريّون على وجوب الاحتياط بآيات:منها:ما دلّ بظاهره على لزوم التورّع و الاتّقاء،مثل قوله: اتَّقُوا اللَّه حَقَ‏تُقَاتِهِ (2) و جاهِدُوا في اللَّهِ حَق جِهادِهِ (3) ،و قوله: فَاتَّقُوا اللّهَ مَااستَطَعتُم (4) .و لقد أجاب عنها شيخنا العلاّمة-أعلى اللّه مقامه-:بأنّ الاتّقاء يشمل‏فعل‏المندوبات و ترك المكروهات،و لا إشكال في عدم وجوبهما،فيدورالأمر بين تقييد المادّة بغيرهما،و بين التّصرف في الهيئة بحملها على إرادةمطلق الرجحان;حتّى لا ينافي فعل المندوب و ترك المكروه،و لا إشكال في‏

1)الكافية 2:182.

2)آل عمران:102.

3)الحجّ:78.

4)التغابن:16.


84

عدم أولويّة الأوّل إن نقل بأولويّة الثاني من جهة كثرة استعمالها في غيرالوجوب،حتّى قيل‏ (1) :إنّه من المجازات الراجحة المساوي احتمالها مع‏الحقيقة (2) انتهى.و يمكن المناقشة فيه:أمّا أوّلاً:فبالمنع من شمول الاتّقاء لفعل المندوب و ترك المكروه،فإنّ‏التقوي-عرفاً-عبارة عن الاحتراز عمّا يوجب الضرر أو محتمله،مثل ترك‏المحرّمات و مشتبهاتها،و استعمالها في فعل الواجب و مشتبهة إنّما هو بمناسبةأنّ في تركه ضرراً أو احتماله،و يتّضح ما ذكرنا بمراجعة موارد استعمال مادّةالتقوي في كتاب و السنّة و المحاورات العرفيّة.و أمّا ثانياً:فبالمنع أكثريّة استعمال الأمر في غير الوجوب من تقييدالمادّة،فإنّ تقييدها شائع كثير في جميع أبواب الفقه،حتّى يشكل الاطّلاع‏على مطلق باقٍ على إطلاقه،و لو كان فإنّه نادر جدّاً،و أمّا استعمال الأمر في‏الوجوب فإلى ما شاء اللّه و لا أظنّ أنّ ما أفاده في المقام،و تكرّر منه في مجلس‏بحثه-من رجحان التّصرف في الهيئة على التصرّف في المادّة عند الدوران-يكون مروداً لعمله قدّس سرّه في الفقه;لأنّه يلزم منه تأسيس فقه جديد كمالا يخفى.نعم يتعيّن في المقام حمل الهيئة على مطلق الرجحان،و عدم ارتكاب‏

1)معالم الدين:48 سطر 13-15.

2)درر الفوائد 2:91-92.


85

التقييد في المادّة لخصوصيّة فيه،لا لما ذكره;و ذلك لأنّ الآيات الشريفة آبيةعن التقييد،فإنّ الاستثناء من قوله: اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ (1) و أمثاله يكون‏بشيعاً،فلا يجوز أن يقال:«اتّقوا اللّه ما استطعتم إلاّ في مورد كذائيّ»و لمّاكانت الآيات الشريفة شاملة للشبهات الموضوعيّة و الحكميّة،و لا يجب‏الاحتياط فيها بلا إشكال،يدور الأمر بين تقييدها بغيرها و بين حمل الأوامرعلى مطلق الرجحان،و حيث كان التقييد غير جائز يتعيّن الحمل عليه.مضافاً إلى أنّ الآيات شاملة للمحرّمات و الواجبات المعلومة،و لا إشكال‏في امتناع تعلّق الأمر التعبّديّ بوجوب إطاعتهما،فيجب حمل الأوامر فيهاعلى الإرشاد،فتصير تابعة للمرشد إليه.

1)آل عمران:102.


86


87

الاستدلال بالسنة

قوله:و ما دلّ على وجوب الاحتياط (1) .(1)إنّ ما دلّ وجوبه طائفتان:إحداهما:الأخبار الخاصّة،كصحيحة عبد الرحمن بن حجّاج‏1و موثّقةعبد اللّه بن وضّاح‏2.1الكافي 4:391-1 باب القوم يجتمعون على الصيد من كتاب الحج،الوسائل 18:-1112 باب 12 من أبواب صفات القاضي.عبد الرحمن بن الحجاج:هو أبو علي البجلي الكوفي،بياع السابري،عدَّه الشيخ و البرقي‏في أصحاب الإمامين الصادق و الكاظم عليهما السلام،كان ثقة ثبتاً وجهاً،معروفاً بكثرةالعبادة،انظر رجال الشيخ الطوسي:230 و 353،رجال البرقي:24 و 48،معجم‏رجال الحديث 9:315.2التهذيب 2:259-68 باب 13 في المواقيت،الوسائل 18:122-37 باب 12 من‏أبواب صفات القاضي.عبد اللّه بن وضاح:هو أبو محمّد الكوفي،من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام ،له‏

1)الكفاية 2:182.


88

و يرد عليهما-مع كثرة الاحتمالات المسقطةلهماعن الاستدلال-أنّهما شاملتان للشبهات الموضوعيّة و الحكميّة الوجوبيّة،فيدور أمرهما بين‏التصرّف في المادّة و الهيئة،و الثاني أولى;لإبائهما عن التخصيص.و ثانيتهما:الأخبار العامّة،كقوله: أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت (1) .و يرد عليها-مضافاً إلى ما ذكر أخيراً-أنّ مثل حديث الرفع له‏نحو حكومة عليها،فإنّ الدني عبارة عن الأحكام;أي احتَط في موردتكون شبهةُ مخالَفَةِ الحكم الإلهيّ،و لسان حديث الرفع هو رفع الحكم‏الإلهيّ عن مورد الشبهة،و مع عدم الحكم لا يكون مورد للاحتياط لأجل‏التحفّظ عليه.و بمثل ما ذكر يمكن الجواب عن خبر التثليث‏ (2) فإنّ حديث الرفع يرفع‏موضوع الريب،و يرفع الإشكال و الشبهة.مضافاً إلى أنّ لسان خير التثليث هو لسان الإرشاد إلى عدم الوقوع‏في المحرّمات بواسطة التعوّد على ارتكاب الشبهات،كما تشهد عليه‏الروايات.عدَّة كتب منها:كتاب التفسير،و كتاب الصلاة. انظر رجال الشيخ الطوسي:355،فهرست الشيخ الطوسي:193،رجال النجاشي:251.

1)أمالي الشيخ الطوسي 1:109-22،الوسائل 18:123-41 باب 12 من أبواب‏صفات القاضي.

2)الفقيه 4:285-286-34 باب 176 في النوادر،الوسائل 18:114-9 و 118-23باب 12 من أبواب صفات القاضي.


89

الاستدلال بالعقل‏

قوله:و أمّا العقل‏ (1) .(1)استدلّوا بالعلم الإجماليّ بوجود واجبات و محرّمات كثيرة،فلا بدّ من‏الاحتياط (2) .و الجواب عنه يتوقّف على بيان ميزان انحلال العلم الإجماليّ حقيقةً أوحكماً;حتّى يتّضح الحال في المقام.فنقول:قد يتوهّم أنّ ميزان الانحلال الحقيقيّ أن يتعلّق العلم بأنّ ما عُلم‏إجمالاً من التكليف هو هذا المعلوم بالتفصيل‏ (3) فإذا علم بموطوئيّة غنم بين‏قطيعة لا بدّ في الانحلال أن يتعلّق العلم بأنّ هذه الغنم هي الغنم التي تعلّق‏بها العلم الإجماليّ.و بعبارة أُخرى:يحتاج في الانحلال إلى أمرين:أحدهما:العلم التفصيليّ‏

1)الكفاية 2:185.

2)الفوائد الطوسية:507.

3)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:250 سطر 11-16.


90

بمقدار المعلوم بالإجمال،و الثاني:العلم بانطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم‏بالتفصيل.و على هذا قلّما ينحلّ علم إجماليّ،خصوصاً في الشبهات‏الحكميّة،بل يمكن دعوى عدم مورد فيها كذلك.هذا،و لكنّ هذا خلاف التحقيق;لعدم تقوّم الانحلال بالعلم بالانطباق،بل احتماله كافٍ فيه;و ذلك لأنّ العلم الإجمالي إنّما يكون منجِّزاً للأطراف‏إذا بقيت الأطراف على طرفيّته،و إنّما تبقى عليها فيما إذا كان الإجمال باقياًفي النّفس،و إنّما يبقى الإجمال إذا كان كلّ طرف طرفاً للاحتمال بنحوالقضيّة الحقيقيّة،أو مانعة الخلوّ،فيصدق عليه:إمّا هو واجب أو الطرف‏الآخر،و مع العلم التفصيليّ بوجوب طرف لا يبقى الترديد;ضرورة خروج‏الطرف المعلوم بالتفصيل عن طرفيّة العلم الإجماليّ،لمناقضة مفاديهما،فينحلّ العلم الإجماليّ،و لا يبقى إجمال في النّفس،فيصير أحد الأطراف‏معلوماً بالتفصيل،و البقيّة محتملة.و بالجملة:تنحلّ القضيّة الحقيقيّة أو مانعة الخلوّ إلى قضيّة حمليّة بتّيّة،و إلى‏قضيّة أُخرى كذلك،أو قضيّة مشكوك فيها،من غير بقاء العلم الإجماليّ.إن قلت:لو خرج أحد الطرفين عن طرفيّة العلم بالسبب الحادث لانحلّت‏القضيّة المنفصلة إلى قضيّة بتّيّة و مشكوك فيها مع بقاء أثر العلم الإجماليّ‏بلا إشكال،كما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين في أوّل النهار،ثمّ‏وقعت نجاسة في أحدهما المعيّن في آخر النهار،فإنّ إحداهما تصير معلومةتفصيلاً،و الأُخرى مشكوك فيها،مع بقاء أثر العلم الإجماليّ،و وجوب‏


91

الاجتناب عن الأُخرى.قلت:يشترط في بقاء أثر العلم الإجماليّ أن يكون باقياً بالنسبة إلى الزمان‏الأوّل;أي يكون المكلّف عالماً في الزمان الثاني بوجود التكليف في الزمان‏الأوّل،و بهذا يُفرَّق بين صيرورة بعض الأطراف مفصَّلاً بالسبب الحادث،و بين احتمال الانطباق من أوّل الأمر،فإنّ الثاني يوجب الانحلال دون‏الأوّل،كما أنّ هذا وجه الافتراق بين ما نحن فيه،و بين الخروج عن محلّ‏الابتلاء،أو إتيان بعض الأطراف.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ ميزان الانحلال الحقيقيّ هو صيرورة القضيّةالمنفصلة قضيّتين:حمليّة بتّيّة موجبة،و حمليّة بتّيّة سالبة،إن كانت المنفصلةحقيقية،و قضيّة مشكوكاً فيها إن كانت مانعة الخلوّ.و أمّا الانحلال الحكميّ:فهو صيرورة القضيّتين كذلك،لكن بإعمال تعبّدمن الشارع و لو إمضاءً،كما لو قامت أمارة على أحد الأطراف،فإنّه يصيرالمعلوم الإجماليّ بها مفصَّلاً،و لا يبقى أثره بحكم التعبّد.

ردود على أدلة الأخباريين‏

إذا عرفت ذلك،فاعلم أنّه قد أُجيب عن الأخباريّين بأُمور:

جواب المحقق الحائري قدس سره:

أحدها أنّ العلم الإجماليّ منحلّ حقيقة،و ذلك لأنّ العلم لمّا كان صفة


92

قائمة بالنفس،و له إضافة كشف إلى المعلوم،يكون له جهتان:جهة كونه‏صفة نفسانيّة كالقدرة و الإرادة،وجهة كونه كاشفاً عن الواقع،و موضوع‏حكم العقل في تنجيز الواقع هو جهة كونه طريقاً إلى الواقع،لا كونه صفةقائمة بالنفس،و الأمارات مشتركات معه من هذه الحيثيّة،و امتيازه عنها إنّماهو في كونه صفة،و هو غير دخيل في التنجيز،فما هو ملاك حكم العقل‏مفصّل،و ما بقي على إجماله ليس ملاكاً لحكم العقل‏ (1) ..و بالجمة:الأمارات مصداق حقيقيّ للعلم بما هو طريق إلى الواقع‏و كاشف عنه،فينحلّ العلم بقيامها ببعض الأطراف.هذا و فيه:أنّ كون العلم صفة نفسانيّة مقابل القدرة و الإرادة أمر،و كونه كاشفاً مطلقاً أمر،و كونه متّصفاً بتمام الكشف و كمال الإراءةأمر آخر.و العلم و إن كان حقيقة بسيطة،لكن‏يحلّله‏العقل إلى مطلق الكشف‏الجامع بينه و بين سائر الأمارات بل الظنون،و إلى تمام الكشف و كمال الإراءةعن الواقع،و بهذا يمتاز عن سائر الأمارات و الظنون،و ما هو ملاك حكم العقل‏في التنجيز هو الكاشفيّة التامّة،التي هي ما بها الامتياز بين العلم و غيره;حيث‏يحكم العقل بعدم تطرّق الجعل إليه لأجلها نفياً و إثباتاً دون غيره،و أمّا مطلق‏الكاشفيّة المشتركة فليس ملاك حكم العقل في التنجيز،و إلاّ لزم كون مطلق‏الكواشف حجّة عقليّة بنفسها من دون جعل،و لزم امتناع الردع عنها أو

1)درر الفوائد 2:100.


93

تطرّق الجعل إليها،و هو كما ترى.فما هو ملاك حكم العقل في التنجيز في العلم ليس هو في الأمارات‏المجعولة أو الغير المردوعة،فإنّ ملاك حكم العقل فيه هو تماميّة الكشف،و ملاكه فيها هو النبأ العقلائيّ،أو التعبّد الشرعيّ جعلاً أو إمضاء،فالانحلال بها إن كان إنّما يكون انحلالاً تعبّديّاً لا حقيقيّاً.

جواب المحقق الخراسانيّ قدس سره:

ثانيها:ما أفاده المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه و محصّله:أنّ العلم‏الإجماليّ بالأحكام ينحلّ-تعبّداً و حكماً-بواسطة العلم الإجماليّ بثبوت‏طرف و أُصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار التكاليف المعلومة أو أزيد،و حينئذٍلا علم بتكاليف أُخر غير التكاليف الفعليّة في الموارد المثبتة في الطرق‏و الأُصول العمليّة.إن قلت:نعم،لكنّه إذا لم يكن العلم بها مسبوقاً بالعلم بالواجبات.قلت:إنّما يضرّ السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثاً،و أمّا إذا لم يكن‏كذلك،بل ممّا ينبط عليه ما علم أوّلاً،ينحلّ العلم الإجماليّ إلى التفصيليّ‏و الشكّ البدويّ....إلى آخر ما أفاد (1) .و فيه:أنّ ميزان انحلال العلم الإجماليّ في الدائرة الكبيرة بالعلم الإجماليّ‏في الدائرة الصغيرة،إنّما هو تنجيز الأطراف بالعلم الصغير بحيث لا يبقى‏

1)الكافية 2:187.


94

مجال لتنجيزها بالكبير،فلا محالة يصير العلم الصغير بمنجّزيّته للأطراف ممّاينحلّ به العلم الكبير،و ذلك إنّما يكون فيما إذا تقدّم المعلوم بالعلم الإجماليّ‏الصغير على المعلوم بالعلم الكبير،فإنّ المنجزيّة في هذه الصورة تختصّ‏بالصغير،و تكون منجّزيّة الكبير بالنسبة إليها من قبيل تنجيز المنجَّز،و هومحال،فلا محالة يصير العلم الكبير غير مؤثّر بالنسبة إلى الأطراف،فتنحلّ‏أطرافه إلى العلم بالمنجّز الفعليّ بالنسبة إلى أطراف الصغير و إلى الشكّ‏البدويّ.و أمّا في صورة مقارنة المعلومين،أو تقدّم الكبير،فلا وجه للانحلال;لأنّ‏العلم الكبير لا يصير بلا أثر،أمّا في صورة تقدّمه على الصغير فواضح،فإنّ‏الكبير منجِّز للأطراف دون الصغير إلاّ على نحو التعليق،و أما في صورةمقارنتهما;فلأنَّ الصغير و الكبير يشتركان في تنجيز أطراف الصغير;لمقارنةعلّتي التنجيز فيها،و يختصّ الكبير بتنجيز أطرافه المختصّة به.و بالجملة:في رتبة تنجيز الصغير لأطرافه يتنجّز أطراف الكبير به أيضا;لعدم استحالة مقارنة المنجّزَينِ لشي‏ء واحد كما لا يخفى.فتحصّل من ذلك:أنّ الانحلال بالعلم الإجماليّ ممّا لا يمكن فيما نحن فيه;لأنّ المعلوم بالعلم الإجماليّ في الدائرة الصغيرة يقارن المعلوم في الكبيرة أويتأخّر عنه،و لا يكون مقدّماً عليه قطعاً.و ممّا ذكرنا يظهر:النّظر فيما أفاده،مضافاً إلى الخلل في كلامه من تناقض‏الصدر و الذيل،و من الخلط بين قيام الأمارة على أحد الأطراف معيّناً و بين‏


95

قيامها بنحو الإجمال،فراجع.

المختار من الأجوبة:

الثالث-و هو المعتمد1-:أنّه بعد قيام الأدلّة و الأمارات-من قبيل‏الخبر الواحد-على الواجبات و المحرّمات بمقدار المعلوم،ينحلّ العلم الإجماليّ‏إلى العلم التفصيليّ و الشكّ البدويّ‏ (1) .و لا إشكال في أنّ خبر الثقة كافٍ في الفقه;بحيث لا يبقى لنا علم‏بالتكليف زائداً عمّا يكون مفاد الأخبار،و لا إشكال في انحلال العلم‏الإجماليّ تعبّداً لأجل قيام الأمارات على بعض الأطراف على نحو التعيين‏بمقدار المعلوم بالإجمال،فإنّها دالّة على التكاليف الواقعيّة،و يجب ترتيب‏الآثار عليها،فتصير الأطراف بين ما يجب أو يحرم معيّناً و بين مشكوكهما،فلا معنى لبقاء الإجمال و الترديد بكون التكليف إمّا في هذا الطرف أو هذا،فتنحلّ القضيّة المنفصلة الحقيقيّة إلى قضايا حمليّة بتّيّة موجبة و سالبة،إن‏كانت المنفصلة حقيقيّة،و القضيّة المنفصلة المانعة للخلوّ إلى قضايا حمليّة بتّيّةموجبة و قضايا مشكوكة.ثمّ إنّ ما ذكرنا من الانحلال إنّما هو إذا كان مفادُ أدلّة حجّيّة الأمارات‏التعبّدَ بالأحكام الواقعيّة.1-قد رجعنا عنه في الدورة اللاحقة.منه قدّس سرّه‏

1)-درر الفوائد 2:99.


96

و أما بناءً على جعل الحجّيّة:فإن قلنا:بأنّ للحجّة وجوداً واقعياً و إن‏لم نعثر عليها،ينحلّ العلم بها.و إن قلنا:بأن لا معنى للوجود الواقعيّ لها،بل الحجّة إنّما تتقوّم بالعلم،فلا ينحلّ العلم الإجماليّ;لأنّها حادثة عند تحقّق العلم،و التكليف الحادث ممّالا ينحلّ العلم‏به‏كما أشرنا إليه سابقاً (1) .هذا و لكن يمكن أن يقال بالانحلال في هذه الصورة أيضا;لأنّ الحجّةو إن كانت حادثة،لكنّها حجّة على التكليف الواقعيّ من أوّل الأمر،و قدعرفت‏ (2) أنّ ميزان الانحلال بمقارنة المعلوم بالتفصيل للمعلوم بالإجمال،أوتقدّمه عليه،من غير دخالة لتقدّم العلم و تأخّره.هذا مضافاً إلى أن لا معنى لجعل الحجّيّة،بل قد عرفت سابقاً (3) أنّ خبرالثقة أمارة عقلائيّة أمضاها الشارع،و حجّة عند العقلاء لأجل كشفه عن‏الواقع و طريقيّته،إليه و الحجّيّة من آثار الطريقيّة،و أمّا نفس الحجّيّة-أي‏احتجاج المولى على العبد،و هو عليه-فهي غير قابلة للجعل.نعم جعل‏الأمارة بحيث ينتزع منها الحجّيّة ممكن،لكنّه غير جعل الحجّيّة.

1)في صفحة:91.

2)في صفحة:94.

3)انظر الجزء الأول صفحة:105.


97

تنبيهات البراءة

اشتراط عدم أصل موضوعي في موردها

قوله:الأوّل أنّه إنّما تجري أصالة البراءة.. (1) ..(1)أقول:لا إشكال في أنّ جريان أصالة البراءة يتوقّف على عدم أصل‏حاكم أو وارد في مورده،موافقاً كان أو مخالفاً.و أمّا وجه تقديم الأمارات على الأُصول فسيأتي تفصيله في محلّه‏ (2) .فلو شكّ في حلّيّة حيوان أو طهارته من جهة الشكّ في قبوله التذكية،حكم عليه بالحرمة و النجاسة بناءً على جريان أصالة عدم التذكية،و لا تجري‏أصالة الحلّ و الطهارة فيه.

في أصالة عدم التذكية:

و لا بأس بالإشارة إلى ما يتعلّق بالمثال من جهة الشبهة الحكميّة

1)الكفاية 2:190.

2)رسالة الاستصحاب المطبوعة ضمن كتاب(الرسائل)للسيد الإمام قدس سره:236-244.


98

و الموضوعيّة على سبيل الاحتمالات الأُصوليّة،لا على سبيل التصديق‏الفقهيّ،فإنّه خارج عن المقام،و ذلك يتمّ برسم أُمور:الأوّل:أنّ الشبهة:إمّا حكميّة أو موضوعيّة،و الحكميّة:إمّا تكون لأجل‏الشكّ في قابليّة الحيوان الكذائيّ للتذكية،و إمّا لأجل الشكّ في شرطيّة شي‏ءأو جزئيّته لها،و إمّا لأجل الشكّ في مانعيّة شي‏ء عنها.و الشكّ في قبول التذكية:إمّا من جهة الشبهة المفهوميّة،كما لو شكّ في‏حيوان أنّه داخل في نوع الكلب،و إمّا من جهة أُخرى،كما لو شكّ في أنّ‏الحيوان المتولّد من الحيوانين-مع عدم دخوله في عنوان أحدهما-ممّا يقبل‏التذكية،أو لا.و الشكّ في المانعيّة:تارةً يكون لأجل وصف لازم،و تارةً يكون لأجل‏وصف حادث كالجَلَل.و الشبهة الموضوعيّة:تارةً تكون لأجل الشكّ في حيوان بأنّه غنم أو كلب‏لأجل الشبهة الخارجيّة،و تارةً يكون الشكّ في جزء من الحيوان أنّه جزء من‏الغنم أو الكلب،و تارةً يكون الشكّ في جزء من الحيوان بأنّه مأخوذ ممّا يعلم‏تذكيته أو ممّا لم يعلم تذكيته،و تارةً في جزء منه بأنّه مأخوذ ممّا يعلم تذكيته‏أو يعلم عدم تذكيته،و أيضا تارةً يكون الشكّ لأجل الشكّ في تحقّق التذكيةخارجاً،مع عدم كونه في يد مسلم أو سوق المسلمين،و عدم مسبوقيّته بهما،و تارةً يكون لأجل الشكّ في طروّ المانع بعد إحراز المانعيّة،كما لو قلنا بأنّ‏الجلَلَ مانع،و شككنا في حصوله.


99

الثاني:أنّ التذكية الموجبة للطهارة،أو هي مع الحلّيّة،إمّا أن تكون أمراًبسيطاً،أو مركّباً خارجيّاً،أو مركّباً تقييديّاً.و على الأوّل:تارةً تكون أمراً متحصّلاً مسبّباً من الأجزاء الخارجيّة،و تارةًتكون منتزعاً منها موجودة بعين وجودها كسائر الانتزاعيّات.و المراد من المركّب الخارجيّ-ها هنا-:أن تكون التذكية عبارة عن‏الأُمور الستّة:أي فري الأوداج،بالحديد،إلى القبلة،مع التسمية،و كون‏الذابح مسلماً،و الحيوان قابلاً و لا يكون أمر آخر معتبراً فيها سواها.و المراد من المركّب التقييديّ:أن تكون التذكية عبارة عن أمر متقيّد بأمرآخر،و حينئذٍ تارةً تكون أمراً بسيطاً متحصّلاً من الأُمور الخمسة متقيّداًبقابليّة المحلّ مثلاً،و تارةً تكون أمراً منتزعاً منها متقيّداً بها،و تارةً تكون أمراًمركّباً منها متقيّداً بها،ففي جميع هذه الصور يكون المركّب تقييديّاً.نعم قدتكون التذكية بسيطة متقيّدة،و قد تكون مركّبة متقيّدة.الثالث:إن دلّ دليل شرعيّ على تعيين أحد المحتملات،و رفع الشبهة من‏جهة أو جهات،فهو،و إلاّ فالمرجع هو الأُصول الموضوعيّة أو الحكميّة على‏اختلاف الموارد في جريانها،كما ستأتي الإشارة إليه‏ (1) .و أمّا تصديق بعض المحتملات فهو منوط بالبحث الفقهيّ،و خارج عمّانحن بصدده من بيان الأصل في كلّ محتمل.إذا عرفت ذلك فنقول:لو كان الشكّ من جهة قابليّة الحيوان للتذكية،سواء

1)في صفحة:113-116.


100

كانت الشبهة لأجل الشبهة المفهوميّة أو لا،و لم يدلّ دليل على قابليّة كلّ‏حيوان للتذكية،فهل تجري أصالة عدم القابليّة و تحرز الموضوع،أو لا؟قد يقال بجريانها،و توضيحه:أنّ العارض قد يكون عارض الماهيّة،و قد يكون عارض الوجود،و على‏أيّ تقدير قد يكون لازماً و قد يكون مفارقاً،فالعرض اللازم للماهيّةكزوجيّة الأربعة،و كون زوايا المثلّث مساوية للقائمتين،و المفارق لهاكعروض الوجود لماهيّة الممكن-تأمّل-و العرض اللازم للوجود كموجوديّته‏المصدريّة،و نوريّته،و منشئيّته للآثار،و المفارق كالسواد و البياض العارضين‏للموجود.و لا إشكال في أنّ قابليّة الحيوان للتذكية من العوارض اللازمة للوجود أوالموجود،و ليست من العوارض اللازمة للماهيّة،و تكون من العوارض المفارقةللماهيّة بتبع الوجود كجميع عوارض الوجود.إذا عرفت ذلك فنقول:إنّ الحيوان الكذائيّ-و نشير إلى مهيّته-لم يكن‏قابلاً للتذكية قبل وجوده،و نشكّ في أنّه حين تلبُّسه به عرض له القابليّة لها،أو لا،فالأصل عدم عروضها له.نعم لو كان الموضوع هو الوجود،أو كانت القابليّة من لوازم الماهيّة،لم يكن وجه لهذا الاستصحاب;لعدم الحالة السابقة،لكن الموضوع هوالماهيّة،و القابلية عارضة لها بعد وجودها،فهذه الماهيّة قبل تحقّقها لم تكن‏متّصفة بالقابليّة بنحو السالبة المحصّلة،و الآن كما كانت.


101

و من ذلك يعلم جريان أصالة عدم القرشيّة و أمثالها،فأصالة عدم القابليّةجارية و حاكمة على أصالة عدم التذكية،و على الأُصول الحكميّة.هذا غاية ما يمكن أن يقرّربه‏هذا الأصل.و لقد أصرّ شيخناالعلاّمة-أعلى اللّه مقامه-على جريانه‏1و لكنّ التحقيق أنّ هذا الأصل ممّالا أصل له.

في بيان اعتبارات القضايا:

توضيحه يتوقّف على بيان اعتبارات القضايا السالبة،و لا بأس بالإشارةإلى مطلق القضايا لكي يتّضح المقصود.فنقول:إنّ القضايا المعتبرة في العلوم إمّا تكون موجبة،أو سالبة،أومعدولة المحمول موجبة و سالبة،و الأُوليان قد تكونان بنحو الهَليّة البسيطة،و قد تكونان بنحو الهَليّة المركّبة،فإذن القضايا التي لها اعتبار عند العقل‏و العقلاء ستّة:الأُولى:القضيّة الموجبة بنحو الهليّة المركّبة،:كقولنا:«زيد قائم»و لا إشكال‏في أنّها تنحلّ إلى:موضوع،و محمول،و نسبة2و لكلّ منها محكيّ،1لم نعثر عليه في درر الفوائد،و ربما استفاده-قدّس سرّه-من مجلس بحثه أو مصدر آخر.2قد عدلنا عمّا هاهنا من اشتمال جميع لقضايا على النسبة،و فصّلنا بين القضايا،و حقّقنا حلها بما لا مزيد عليه في بحث أوضاع الحروف،و في العامّ و الخاصّ،فراجع‏منه عفي عنه‏


102

فالموضوع يحكي عن زيد الخارجيّ،و المحمول عن القيام،و النسبة عن‏حصوله له. و أمّا تحقيق أنّ الكون الرابط متحقّق في الخارج،أو لا،و على‏فرض تحقّقه فبأيّ نحو،فأمر صعب خارج عن مقصدنا،و مذكورفي محلّه‏ (1) و على أيّ حال للقضيّة حكاية و كشف عن أمر خارجيّ،موضوعاً،و محمولاً،و نسبة أو كوناً رابطاً.الثانية:القضيّة الموجبة بنحو الهَليّة البسيطة،كقولنا:«زيد موجود»،و«الوجود موجود»و لا إشكال في أنّ هذه القضيّة مركّبة ذهناً من الموضوع‏و المحمول و النسبة،كما لا إشكال في أنَّ المحكيّ عنه فيها لم يكن بنحو المحكيّ‏عنه في القضيّة الأُولى،فإنّ موجوديّة الماهيّة لم تكن على نحو نحو عروض‏الأعراض الخارجيّة للموضوع،كما أنّ موجوديّة الوجود لم تكن عارضة له‏في الخارج،بل المحكيّ الخارجيّ ليس إلاّ الوجود البسيط،فيحلّله العقل‏إلى موضوع و محمول،و يخترع له نسبة من دون أن يكون في الخارج‏معروض و عرض،و موضوع و محمول و نسبة.و أوضح ممّا ذكرنا قولنا:«زيد زيد»و«الوجود وجود»فإنّ المحكيّ ليس إلاّ نفس ذات الموضوع،و مناطالصدق في أمثال هذه القضايا هو تحقّق الموضوع بنفس ذاته،أو تحقّق‏المحمول بذاته.الثالثة:القضيّة الموجبة المعدولة،و الميزان في اعتبارها أن يكون للمعنى‏العدميّ المنتسب إلى الموضوع نحو حصول في الموضوع كأعدام الملكات،

1)الأسفار 1:327-330،منظومة السبزواري:61-62.


103

مثل«زيد لا بصير»المساوق ل«زيد أعمى»فإنّ إثبات العمى و اللا بصيرللموضوع إنّما هو باعتبار أنّ لهذا المعنى العدميّ نحو تحقّق فيه،و هو قابليّته‏للاتّصاف بالبصر،و هذا الاعتبار ليس في القضيّة السالبة المحصّلة;للفرق‏الواضح بين سلب شي‏ء عن موضوع و إثبات السلب له،فإنّ معنى الإثبات‏هو حصول الأمر العدميّ له،و معنى السلب البسيط سلب هذا الثبوت عنه،و لهذا تكون القضيّة المعدولة-التي لها اعتبار في مقابل القضايا-فيما إذا كان‏للسلب ثبوت بنحو العدم و الملكة،فقولنا:«زيد لا بصير»قضيّة معتبرة،و«زيدلا عمرو»غير معتبرة،ك«الجدار لا بصير أو أعمى»فمناط الصدق في مثلهاهو نحو تحقّق للمعنى السلبيّ في الموضوع،و ثبوته له بنحو من الثبوت،ف«الجدار لا بصير»قضيّة غير صادقة،و«هو ليس ببصير»صادقة،و«زيد لا بصير»صادقة،ك«زيد ليس ببصير».الرابعة:القضيّة السالبة المعدولة،كقولنا:«الجدار ليس بلا بصير«و هي‏أيضا قضيّة معتبرة،و مفادها سلب تحصل هذا الأمر العدميّ للموضوع.الخامسة:القضيّة السالبة بنحو الهليّة البسيطة،كقولنا:«زيد ليس بموجود»ممّا مفادها سلب الموضوع ففي مثل هذه القضايا ليست حكاية حقيقيّةو لا كشف واقعيّ عن أمر أصلاً،و ليس لها محكيّ بوجه،لكنّ العقل يدرك‏بنحوٍ من الإدراك بطلان الموضوع،و هذا الإدراك-أيضا-يكون بتبع أمروجوديّ،كالصورة المدركة الذهنيّة التي يخترعها العقل،و تكون مناطإداركه و حكمه.فقولنا:«المعدوم المطلق ليس بشي‏ء،أو معدوم»لا يحكي عن‏


104

أمر واقعيّ،بل ينبّه على بطلان المعدوم و عدم شيئيّته،و ليس للبطلان و عدم‏الشيئيّة واقعيّة حتّى يحكي شي‏ء عنها.فصرف البطلان-الّذي يخترع العقل له مفهوماً،يكون بالحمل الأوليّ‏هو البطلان،و يحكم عليه ببطلان مصداقه-هو مناط الصدق.نعم يتوهّم‏العقل المشوب أنّ للبطلان واقعيّة،و المفهوم يحكي عنه،و التخلّص عن‏ملاعبة الواهمة أمر صعب.السادسة:القضيّة السالبة المحصّلة بنحو الهَليّة المركّبة،كقولنا:«زيد ليس‏بقائم»ففي مثلها قد يكون الموضوع محقّقاً يسلب عنه المحمول،و قد يكون‏السلب بسلب الموضوع.فمع تحقّق الموضوع يكون لموضوع القضيّة حكاية و كشف،دون‏محمولها،لكنّ العقل يدرك بوسيلة الصورة المخترعة الموجودة في الذهن أنّ‏الموضوع لم يكن متّصفاً بالمحمول،فيحكم به من دون أن يكون لعدم‏الاتّصاف حقيقة خارجيّة،و لهذا المعنى السلبيّ واقعيّة محكيّة.و مناط صدقه‏عدم اتّصاف الموضوع بالمعنى المقابل للمعنى العدمي.و مع عدم تحقّق الموضوع ليس للقضيّة حقيقة واقعيّة أصلاً،لا موضوعاًو لا محمولاً و لا نسبة،و ليست هذه القضيّة مثل القضيّة الموجبة المركّبةممّا تحكي القضيّة اللفظيّة عن موضوع و محمول و نسبة،بل هذه‏القضيّة اختراع صِرف من العقل،منشؤه إدراك البطلان للموضوع بصورةذهنيّة،و إدراك البطلان للمحمول بصورة ذهنيّة أُخرى،و توهّم سلب المحمول‏


105

عن الموضوع.كلّ ذلك بملاعبة الواهمة و دعابة المتصرّفة،و أمّا بحسب‏الواقع فليس أعدام ممتازة:أحدها الموضوع،و الآخر المحمول،و الثالث‏النسبة;لعدم الميز في الأعدام،و عدم الكثرة و الوحدة فيها،فالبطلان‏الصّرف لا يكون حاكياً و لا محكيّا،و لا دالاً و لا مدلولاً،و لا موضوعاًو لا محمولاً،فهذه القضايا غير حاكية عن شي‏ء أصلاً،إلاّ بتوهّم شيطنةالواهمة و أُكذوبتها.إذا عرفت حال القضايا اتّضح لك:أنّ سلب شي‏ء عن شي‏ء قبل‏تحقّق الموضوع ليس له واقع،و إنّما هو من اختراع العقل،لا كاشفيّة و مكشوفيّة في البين،فقولنا:«هذه المرأة قبل تحقّقها لم تكن قرشيّة،أو هذا الحيوان قبل تحقّقه لم يكن قابلاً للتذكية،و الآن كما كان»ممّالا معنى له،لأنّ هذه المرأة قبل تحقّقها لم تكن هذه،و هذا الحيوان لم يكن‏هذا،و لا يمكن أن يشار إليهما حسّاً و لا عقلاً،و إنّما تتوهّم الواهمة أنّ‏لهذا المشار إليه هذيّة قبل تحقّقه،فهذه المرأة قبل وجودها لم تكن مشاراًإليها،و لا مسلوباً عنها شي‏ء على نعت سلب شي‏ء عن شي‏ء.فالقضيّة المشكوك فيها ليست لها حالة سابقة،و إنّما سابقتها في عالم‏الاختراع بتبع أُمور وجوديّة،و توهّم الواهمة لما ليس له تحقُّق تحقّقاً،و لماليس له واقع واقعاً.و بالتأمّل فيما ذكرنا يدفع ما يمكن أن يقال:إنّ المرأة الكذائيّة قبل تحقّقها


106

إمّا قرشيّة أو ليست بقرشيّة،لامتناع ارتفاع النقيضين،فإذا كذب‏«أنّها قرشيّة»صدق«أنّها ليست بقرشيّة» (1) .و ذلك لأنّ نقيض«أنّها قرشيّة»ليس«أنّها ليست بقرشيّة»على نعت‏سلب شي‏ء عن شي‏ء له واقعيّة،بل نقيضه أعمّ من ذلك و من بطلان‏الموضوع،و هو يلازم بطلان المحمول و النسبة،فليُتأمّل فإنّه دقيق.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ هذا الحيوان لم يكن هذا الحيوان،لا أنّه حيوان سابقاًو لم يكن قابلاً1فأصالة عدم القابليّة في الحيوان كأصالة عدم القرشيّة في‏المرأة،ليس لها أساس،من غير فرق في الشكّ في القابليّة بين الشبهة المفهوميّة-و أنَّ هذا الحيوان هل هو داخل في مفهوم السبع أم لا؟-و بين غيرها،كالشكّ في الحيوان المتولّد من الحيوانين مع عدم الشكّ في المفهوم،فمع عدم‏جريان أصالة عدم القابليّة يكون المرجع هو أصالة عدم التذكية.

التحقيق في المسألة:

و التحقيق فيها:أنّ التذكية إن كانت أمراً مركّباً خارجيّاً-ككونها نفس‏الأُمور الستّة الخارجيّة-فأصالة عدمها غير جارية بعد وقوع الأُمور الخمسة1و لو قيل:إنّ موضوع الأثر المرأة حال الوجود،و يكفي في الاستصحاب كون الموضوع ذاأثر في زمان الشكّ.يقال:إنّ استصحاب السلب المطلق لإثبات بعض حالاته أو مصاديقه مثبت،و هو نظيراستصحاب الحيوان الجامع بين البقّ و الفيل لإثبات الفيل و آثاره تدبّر.منه قدس سره‏

1)مستمسك العروة الوثقى 3:156.


107

على حيوان شُك في قابليته;لعدم جريان أصالة عدم القابليّة،و عدم كون‏التذكية أمراً مسبوقاً بالعدم;لكونها عبارة عن الأُمور الخارجيّة،و الفرض‏حصول خمسة منها،و عدم جريان الأصل في السادس منها،فحينئذٍ يكون‏المرجع أصالة الحلّ و الطهارة.و في غير هذه الصورة-من كون التذكية أمراً بسيطاً محضاً،أو بسيطاًمتقيّداً،أو مركّباً تقييديّاً-فأصالة عدم التذكية جارية مع الغضّ عن الإشكال‏الآتي المشترك الورود.أمّا إذا كانت أمراً بسيطاً متحصِّلاً من الأُمور الخارجيّة فواضح;لأنّه‏مسبوق بالعدم قبل تحقّق الأُمور الخارجيّة،و الآن كما كان،و اختلاف منشأالشكّ و اليقين لا يضرّ به.و كذلك إذا كانت أمراً بسيطاً منتزعاً;لأنّ هذا الأمر الانتزاعيّ الموضوع‏للحكم و إن كان على فرض وجوده يتحقّق بعين منشأ انتزاعه لكنّه مسبوق‏بالعدم.و أمّا إذا كانت أمراً مركّباً تقييديّاً-سواء كانت بسيطة متحصّلة أو منتزعةمن الأُمور الخمسة متقيّدةً بقابليّة المحلّ،أو مركّبة منها و متقيّدة بالقابليّة-فجريان أصالة عدم التذكية لا مانع منها;لأنّ المتقيّد بما أنّه متقيّد مسبوق‏بالعدم،و مشكوك تحقّقه،و الفرض أنّ موضوع الحكم متقيّد.و بما ذكرنا يظهر النّظر فيما أفاد بعض أعاظم العصر-على ما في‏تقريراته-من أنّ التذكية إذا كانت الأُمور الخمسةَ،و تكون قابليّة المحلّ شرطاً


108

للتأثير،و لها دخالة في تأثر الأُمور الخمسة،لا تجري أصالة عدم التذكية،بل‏المرجع أصالة الحلّ و الطهارة (1) .و ذلك لأنّ دخالة القابليّة في التأثير عبارة أُخرى عن تقيّد موضوع الحكم،فموضوع حكم الشارع بالحلّيّة،و الطهارة الواقعيّتين هو الأُمور الخمسةالمشترطة بالقابليّة،و هذا المعنى المتقيّد المشترط المسبوق بالعدم،و اختلاف‏منشأ الشكّ و اليقين ممّا لا يمنع عن جريان الاستصحاب.هذا ممّا لا إشكال فيه.إنّما الإشكال في جريان أصالة عدم التذكية مطلقاً-بسيطة كانت‏التذكية أو لا-من جهة أُخرى،و هي أنّ حقيقة التذكية-أي التي من فعل‏المذكّي-عبارة عن إزهاق روح الحيوان بكيفيّة خاصّة و شرائط مقرّرة،و هي‏القبلة،و آلته من حديد،و كون المذبوح قابلاً للتذكية،و عدمُ هذه الحقيقة بعدم‏الإزهاق بالكيفيّة الخاصّة و الشرائط المقرّرة.و لا إشكال في أنّ هذا الأمر العدميّ-بنحو«ليس»التامّة-ليس موضوعاًللحكم الشرعيّ،فإنّ هذا المعنى العدميّ متحقّق قبل تحقّق الحيوان و في زمان‏حياته،و لم يكن موضوعاً له،و ما هو الموضوع عبارة عن الميتة،و هي الحيوان‏الّذي زهقت روحه بغير الكيفيّة الخاصّة بنحو الإيجاب الدوليّ،أو زهوق‏الروح من الحيوان زهوقاً لم يكنن بكيفيّة خاصّة،على نحو«ليس»الناقصة أوالموجبة السالبة المحمول،و هما غير مسبوقين بالعدم;فإنّ زهوق الروح لم يكن‏

1)فوائد الأُصول 3:382.


109

في زمان محقَّقاً بلا كيفيّة خاصّة،أو مسلوباً عنه الكيفيّة الخاصّة،فما هوموضوع الحكم غير مسبوق بالعدم،و ما هو مسبوق به ليس موضوعاً له،و استصحاب«ليس»التامّة لا يثبت زهوق الروح بالكيفيّة الخاصّة إلاّ على‏الأصل المثبت. مضافاً إلى الإشكال الّذي سبق منّا (1) بالنسبة إلى تلك‏القضايا السلبيّة.إن قلت:إنّ الموضوع للحرمة و النجاسة مركّب من جزءين:زهوق روح‏الحيوان،و عدم تذكيته،و يكفي في تحقّق الموضوع اجتماع الجزءين في الزمان;لأنّهما عرضيّان لمحلّ واحد،و الموضوع المركّب-من عرضين لمحلّ واحد،أومن جوهرين،أو من جوهر و عرض لمحلّ آخر،كوجود زيد و قيام عمرو-لا يعتبر فيه أزيد من الاجتماع في الزمان،إلاّ إذا استفيد من الدليل كون‏الإضافة الحاصلة من اجتماعهما في الزمان دخيلة في الحكم،كعنوان الحاليّة،و التقارن،و السبق،و اللحوق،من الإضافات الحاصلة من جود الشيئين في‏الزمان،و لكن هذا يحتاج إلى قيام الدليل عليه،و إلاّ فالموضوع المركّب من‏جزءين لا رابط بينهما إلاّ الوجود في الزمان،لا يقتضي أزيد من اجتماعهمافي الزمان.و فيما نحن فيه-بعد ما كان الموضوع مركّباً من خروج الروح و عدم‏التذكية،و هما عرضيّان للحيوان-يكفي إحراز أحدهما بالأصل،و هو عدم‏التذكية،و الآخر بالوجدان،و هو خروج الروح،فمن ضمّ الوجدان إلى‏

1)في صفحة:105.


110

الأصل يلتئم كلا جزأي المركّب‏ (1) .قلت:هذا غاية ما يمكن أن يقال:و هو الّذي أفاده بعض أعاظم العصر-على ما في تقريراته-لكن يرد عليه:أنّ عدم التذكية ليس في عرض زهوق‏الروح،فإنّه عبارة عن زهوقه بلا كيفيّة خاصّة،كما أنّ التذكية عبارة عن‏إزهاقه بالكيفيّة الخاصّة.فما أفاده-من أنّهما عرضيّان لموضوع واحد-ليس على ما ينبغي.بل عدم التذكية عرض المحلّ إن كان الموضوع بنحو القضيّة المعدولة;أي‏الحيوان الغير المذكّى،و هو-أي عدم التذكية-زهوق الروح بلا كيفيّة خاصّة،فالكيفيّة الخاصّة من حالات زهوق الروح،و زهوق الروح بلا كيفيّة خاصّة من‏حالات الحيوان،فالحيوان قد تعرضه التذكية-أي زهوق الروح بالكيفيّةالخاصّة-و قد تسلب عنه التذكية،أي لم تزهق روحه بالكيفيّة الخاصّة،لكن‏هذا الأمر السلبيّ-أي عدم الزهوق الكذائيّ-ليس موضوعاً للحكم،بل‏الموضوع هو زهوق الروح بلا كيفيّة خاصّة،أو مسلوباً عنه الكيفيّة الخاصّة،و هما ممّا لم يكن لهما حالة سابقة،فالموضوع للحكم الشرعيّ هو الحيوان‏الّذي زهقت روحه بلا كيفيّة خاصّة بنحو العدول،أو بنحو الموجبة السالبةالمحمول،أو مسلوباً عنه الكيفيّة الخاصّة بنحو السلب الناقص،لا التامّ.فما أفاده رحمه اللّه لا يخلو من اختلاط و مغالطة،فإنّ جعلَ زهوق‏الروح و عدم التذكية عرضيّين لمحلّ واحد تفكيكٌ بين الشي‏ء و ذاتيّاته;

1)فوائد الأُصول 4:434.


111

لما عرفت من أنّ عدم التذكية عبارة عن زهوق الروح بغير الكيفيّة الذاتيّة،فزهوق الروح جزء مفهوم عدم التذكية-أي الّذي هو موضوع حكم الشرع-لا أنّ زهوق الروح و عدم التذكية جزءان للموضوع كما أفاده رحمه اللّه‏تعالى.إن قلت:ما ذكرت إنّما يصحّ لو كان الموضوع هو الحيوان الّذي زهقت‏روحه بلا كيفيّة خاصّة،أو مسلوباً عنه الكيفيّة الخاصّة،و أمّا لو كان الموضوع‏هو الحيوان الّذي زهقت روحه و لم ترد عليه الكيفيّة الخاصّة-أي لم يكن‏نحو القبلة،و لم يكن المسلم ذابحاً له،و لم يذكر اسم اللّه عليه،إلى غيرذلك-فلا;لأنّ هذه الأُمور كلّها مسبوقات بالعدم،فبعد زهوق الروح‏وجداناً،و لم ترد عليه الكيفيّات بالأصل،يحرز الموضوع.قلت:هذا مجرّد فرض لا واقع له،فإنّ الموضوع في التذكية هو الحيوان‏الّذي زهقت روحه بيد المسلم إلى القبلة،و عن التسمية،و بآلة الحديد،فهذه‏الأُمور أُخذت حالات للذبح و زهوق الروح،و عدم المذكّى-أي الميتة التي‏هي الموضوع للحكم-هو الزهوق لا بالكيفيّات الخاصّة.و بعبارة أُخرى:كلّ ذلك تقيّدات للموضوع المفروض الوجود;أي‏الزهوق،و ليس لواحد منها حالة سابقة.نعم الأعدام المطلقة لها حالة سابقة،لكنّها ليست بموضوعة.ثمّ لو شككنا في أنّ الموضوع ما ذكر أو ما ذكرنا أو غير ذلك،لا يجري‏الأصل;لعدم إحراز الحالة السابقة،و يصير المرجع هو أصالة الحلّيّة و الطهارة.


112

و ظنّي أنّ من تأمّل فيما ذكرنا حقّ التأمّل يصدّقه،و يتّضح له أنّ أصالةعدم التذكية مطلقاً ممّا لا أساس لها.و يؤيّد ما ذكرنا،بل يشهد عليه:ما رواه في الكافي عن أبي عبد اللّه-عليه‏السلام-:(أنّ أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن سُفرة وُجدت في الطريق‏مطروحة،كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها،و فيها سكّين.فقال أمير المؤمنين عليه السلام:يُقوّم ما فيها ثمّ يؤكل;لأنّه يفسد،و ليس له‏بقاء،فإن جاء طالبها غَرِموا له الثمن.فقيل:يا أمير المؤمنين لا يُدرى سُفرة مسلم أو سُفرة مجوسيّ.فقال:هم في سعة حتّى يعلموا) (1) .فإنّ التمسّك بدليل أصل الإباحة لا يتّضح وجهه إلاّ بما ذكرنا من عدم‏جريان أصالة عدم التذكية،و إلاّ فالسُّفرة إمّا كانت في أرض المسلمين و قلنابأماريتّها كَيَدِ المسلمين للتذكية،و إمّا لم تكن فيها،أو كانت و قلنا بعدم‏الأماريّة،و على أيّ حال لا وجه للتمسّك بأصالة الإباحة في مقابل الأمارةو الاستصحاب،و أمّا مع عدم جريان الاستصحاب فيتّضح وجهه.و كذا يشهد لما ذكرنا بعض الروايات الواردة في باب الجلود،فلراجع‏ (2) .

1)الكافي 6:297-2 باب النوادر من كتاب الأطعمة،الوسائل 2:1073-11 باب‏5 من أبواب النجاسات.

2)الفقيه 1:167 و 172-38 و 62 باب 39 فيما يصلّي و ما لا يصلّي فيه..;الوسائل 2:1071-1072-2-4 و 1073-1074-12 باب 50 من أبواب النجاسات.


113

هذا كلّه فيما إذا كان منشأ الشكّ الشكّ في قابليّة الحيوان للتذكية،سواءكانت الشبهة من جهة الاشتباه المفهوميّ،أو لا.و أمّا مع الشكّ في شرطيّة شي‏ء للتذكية،أو مانعيّة شي‏ء منها،أي الشكّ‏في جعل الشارع شيئاً زائداً عمّا ثبت اشتراطه و منعه،فأصالة عدم الجعل في‏بعض الموارد جارية،و في بعضها مثبتة.و لا يهمّنا البحث في أطراف الصور الأُخرى التي ذكرناها;لأنّ حالهامعلومة غالباً.

في الشبهة الموضوعية:

نعم فيما إذا كان الشكّ من جهة الشبهة موضوعيّة،و يكون الشكّ في‏أنّ الحيوان الكذائيّ هل ذُكي،أو لا؟أو شكّ في أنّ الجزء الفلانيّ‏-كالجلد-من المذكّى أو غيره أو من مشكوكه ممّا هو محلّ الابتلاء،ففي‏جريان أصالة عدم التذكية مطلقاً أو التفصيل بين الصور إشكال.هذا مع‏قطع النّظر عن الإشكال الّذي مرّ ذكره‏ (1) ممّا يعمّ جميع صور المسألة و أقسام‏الشكوك.فهاهنا صور:الصورة الأُولى:الشكّ في حيوان مذبوح أنّه مذكّى أو لا،أو في جزء من‏حيوان شُكّ في تذكيته.و هذا مورد تسالمهم على جريان أصالة عدم التذكية

1)في صفحة:105-106 و 108.


114

و لا إشكال فيها غير الإشكال السيّال الّذي مرّ ذكره‏ (1) .الصورة الثانية:الشكّ في جزء من الحيوان-كالجلد مثلاً-بأنّه مأخوذ ممّاعلم تذكيته،أو ممّا علم عدم تذكيته،فحينئذٍ إمّا أن يكون الحيوانان-المأخوذمن أحدهما-مع أجزائهما مشتبهين موردين للابتلاء،أو لا.فعلى الأوّل:لا تجري أصالة الحلّيّة و الطهارة فيه،و لا أصالة عدم التذكية;للعلم الإجماليّ المنجز،بناءً على عدم جريان الأصل في أطراف العلم مطلقاً،و إلاّ فبأصالة عدم التذكية في الحيوانين يحكم بنجاسة الجزء و حرمته;لعدم‏المخالفة العمليّة في جريانهما.و على الثاني:كما لو شكّ في جزء من الحيوان،كالجلود التي تأتي‏من البلاد النائية ممّا ليس الحيوان المأخوذ منه مورداً للابتلاء،فالظاهرعدم جريان أصالة عدم التذكية،بناءً على عدم جريان الأصل في الخارج‏عن محلّ الابتلاء،و عدم تأثير العلم الإجمالي;و ذلك لأنّ التذكيةو عدمها إنّما هما وصفان للحيوان،لا لأجزائه،فما هو غيرالمذكّى-أي زهقت روحه بلا كيفيّة خاصّة-أو المذكّى-أي ما ذبح‏بالشرائط الشرعيّة-هو الحيوان،و أمّا الحكم بنجاسة الأجزاء و حرمتها،أوطهارتها و حلّيّتها،إنّما هو من جهة أنّها أجزاء المذكّى أو غيره،فالأصل‏بالنسبة إلى الجزء ممّا لا معنى لجريانه،و أصالة عدم التذكية في الحيوان المأخوذمنه الجزء ممّا لا مسرح لجريانها;لأنّه مردّد بين معلوم التذكية و معلوم عدمها،

1)في صفحة:105-106 و 108 من هذا المجلَّد.


115

و ليس في البين ما شكّ‏في‏تذكيته.و بعبارة أُخرى:ليس في الخارج شكّ،و إنّما الشكّ في أنّ هذا من المعلوم‏تذكيته أو من المعلوم عدمها،و في مثله لا يجري الأصل،مع أنّ جريان‏الأصل في الحيوان لا يثبت كون الجزء منه.الصورة الثالثة:الشكّ في جزء من الحيوان بأنّه مأخوذ من الحيوان المشكوك‏تذكيته،أو من المعلوم تذكيته،أو من المعلوم عدمها;كالجلود التي صنعت في‏بلاد الكفر،ممّا هي مشتبهة بين الجلود التي نُقلت من بلاد المسلمين إليهم‏-فصنعوا بها ما صنعوا و رُدّت بضاعتهم إليهم-و بين غيرها ممّا هو من جلودذبائحهم،أو ممّا هو مشكوك تذكيته،ففي مثله-أيضا-لا تجري أصالة عدم‏التذكية;لما عرفت من أنّ التذكية و اللاتذكية إنّما هما ممّا تعرض الحيوان،لا أجزاءه،فلا يجري الأصل بالنسبة إليها.و أمّا بالنسبة إلى الحيوان المأخوذ منه فلا يجري-أيضا-نظراً إلى‏الشبهة المصداقيّة لدليل الأصل;فإنّ المأخوذ منه أمره دائر بين معلوم‏التذكية و غيره،فإن أُخذ من المعلوم يكون من نقض اليقين باليقين،و إلاّ فيكون من نقض اليقين بالشكّ.مضافاً إلى أنّ جريانه في الحيوان لا يثبت‏كون الجزء منه.و بالجملة:أنّ الجزء قد يشكّ في أخذه من معلوم التذكية تفصيلاً أو معلوم‏عدم التذكية تفصيلاً،و قد يشكّ في أخذه من أحد الحيوانين اللذين علم‏إجمالاً بتذكية أحدهما و عدم تذكية الآخر،و قد يشكّ في أخذه من معلوم‏


116

التذكية تفصيلاً أو مشكوكها،ففي جميع هذه الصور لا تجري أصالة عدم‏التذكية،و إن كان الوجه فيها مختلفاً.فتلخّص ممّا ذكرنا:أنّ الجلود التي صنعت في أرض غير المسلمين-ممّا يشكّ‏في كونها من المذكّى أو من غيره-لا تجري فيها أصالة عدم التذكية،و المرجع‏فيها أصالة الطهارة و الحلّيّة،إلاّ أن يدلّ دليل على خلاف ذلك.

تتمّة:

نقل عن ظاهر بعض الأساطين‏ (1) :التفصيل بين الطهارة و الحلّيّة في المثال‏المتقدّم‏1فحكم عليه بالطهارة،و حرمة اللحم.و لا وجه لهذا التفصيل،فإنّ مقتضى أصالة عدم التذكية النجاسة و الحرمة،و مقتضى أصالتي الطهارةِ و الحلّيّة الطهارةُ و الحلّيّةُ.و نقل عن شارح الروضة2في وجهه ما حاصله:أنّ ما حلّ أكله من‏1أي المتقدّم في كلام المحقّق الميرزا النائيني-قدّس سرّه-و المثال هو:الحيوان المتولّد من‏طاهر و نجس مخالف لهما بالاسم و لا يندرج تحت أحد العناوين الطهارة أو النجسة.2المناهج السويّة في شرح الروضة البهيّة 1:166 مسألة نجاسة الكلب و الخنزير(مخطوط).شارح الروضة:هو الإمام الفقيه الشيخ بهاء الدين محمّد بن تاج الدين الحسن بن محمّدالأصفهاني،الشهير بالفاضل الهندي،المولود سنة 1062 ه،و المتوفى في أصفهان سنة1137 ه له مصنفات كثيرة جداً منها:المناهج السوية في شرح الروضة البهية،و كشف‏اللثام و غيرها.انظر مقابس الأنوار:18،الكنى و الألقاب 3:8،الذريعة 22:345.

1)الروضة البهيّة 1:49.


117

الحيوانات محصور معدود في الكتاب‏ (1) و السُّنّة (2) و كذلك النجاسات‏محصورة معدودة فيهما،فالمشكوك إذا لم يدخل في المحصور منهما كان‏الأصل فيه الطهارة و حرمة اللحم‏ (3) .و فيه:أنّ المدّعى إن كان أنّ المستفاد من الأدلّة حصر المحلَّل في أُمور-بحيث دلّت بمفهوم الحصر على حرمة ما عداها-و كذلك في النجاسات،فهو ممنوع.نعم إنّما يشعر به بعض الروايات،كرواية تحف العقول‏ (4) لكن‏لا يمكن إثبات هذا الحكم بمثله.و إن كان المدّعى أنّ كونَ المحلّلات معدودة في عدّة محصورة لازمه‏الحرمة فيما يشكّ،مع عدم كونه من جملة تلك المعدودات،فهو-أيضا-ممنوع;لأنّ تعديد المحلَّل لا يدلّ على تحريم غيره،فأصالة الحلّيّة كأصالةالطهارة ممّا لا مانع منها.و الظاهر أن مراده ما ذكرناه.و أمّا بعض أعاظم العصر فوجّه قوله بما لا يخلو من غرابة و مناقشة،قال ماحاصله:إنّ تعليق الحكم على أمر وجوديّ يقتضي إحرازه،فمع الشكّ في‏هذا الأمر يُبنى ظاهراً على عدم تحقّقه;للملازمة العرفيّة بين تعليقه عليه و بين‏عدمه عند عدم إحرازه،و هذه الملازمة تستفاد من دليل الحكم،و هي ملازمة

1)الأنعام:118 و 142-144،النحل:5 و 14،الحج:28 و 30 و 36.

2)انظر على سبيل المثال تحف العقول:251-252 ما يحلّ أكله من لحوم الحيوان،الوسائل 17:61-62-1 باب 42 من أبواب الأطعمة المباحة.

3)فوائد الأصول 3:384.

4)تقدم تخريجه في الهامش رقم(2).


118

ظاهريّة في مقام العمل.و يترتّب على ذلك فروع مهمّة:منها:البناء على نجاسة الماء المشكوك الكرّيّة عند ملاقاته للنجاسة مع عدم‏العلم بالحالة السابقة،كمخلوق الساعة المجهول كرّيّته،فإنّ الحكم بالعاصميّةقد عُلّق على كون الماء كرّاً،كقوله:(إذا بلغ الماء قد كرّ لم يحمل خبثاً) (1) أو(لم ينجّسه شي‏ء) (2) فلا يجوز ترتيب آثار الطهارة عند الشكّ في الكرّيّة مع‏ملاقاته للنجاسة;لأنّه يستفاد من دليل الحكم أنّ العاصميّة إنّما تكون عندإحراز الكرّيّة،لا من جهة أخذ العلم في موضوع الحكم،بل من جهة الملازمةالعرفيّة الظاهريّة.و منها:أصالة الحرمة في باب الدماء و الفروج و الأموال،فإنّ الحكم بجوازالوطء قد عُلّق على الزوجة و ملك اليمين،و الحكم بجواز التصرف قد عُلّق‏على كون المال ممّا قد أحلّه اللّه،فلا يجوز الوطء و التصرّف مع الشكّ في‏الزوجيّة و كون المال ممّا قد أحلّه اللّه تعالى.و قد تخيّل شارح الروضة أنّ باب النجاسات و اللحوم من صُغريات‏تلك الكبرى،بتقريب:أنّ النجاسات معدودة في عناوين خاصّة،كالدم‏و الميتة و غير ذلك،و قد علّق وجوب الاجتناب على تلك العناوين الوجوديّة،

1)عوالي اللئالي 1:76-156،2:16-30،مستدرك الوسائل 1:27-6 باب 9 من‏أبواب الماء المطلق.

2)الكافي 3:2-1 و 2 باب الماء الّذي لا ينجّسه شي‏ء،الاستبصار 1:6-1-3 باب 1في مقدار الماء الّذي لا ينجّسه شي‏ء،الوسائل 1:117-118-1 و 2 و 6 باب 9 من‏أبواب الماء المطلق.


119

فلا بدّ في الحكم بالنجاسة من إحرازها،و مع الشكّ في تحقّقها يبنى على‏الطهارة.و كذا جواز الأكل قد علّق على عنوان الطيّب،كما قال تعالى: أُحِلَ‏لَكُمُ الطَّيِّبات (1) و هو أمر وجوديّ عبارة عمّا تستلذّه النّفس و يأنس به‏الطبع،و الحيوان المتولّد من حيوانين لم يعلم كونه من الطيّب،فلا يحكم عليه‏بالحلّيّة،بل يبنى على حرمته ظاهراً ما لم يحرز كونه من الطيّب.هذا غاية مايمكن أن يوجّه‏به‏كلامه.و لكن يرد عليه أوّلاً:أنّ الكبرى-و هي أنّ تعليق الحكم على أمر وجوديّ‏يقتضي إحرازه-و إن كانت من المسلّمات،إلاّ أنّ ذلك في خصوص ما عُلِّق‏الحكم الترخيصيّ الإباحيّ على عنوان وجوديّ،لا الحكم العزيمتيّ التحريميّ،فإنّ الملازمة العرفيّة بين الأمرين إنّما هي فيما إذا كان الحكم لأجل التسهيل‏و الامتنان،لا في مثل وجوب الاجتناب عن النجاسة،و إلاّ لم يبقَ موضوع‏لقوله:(كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) (2) فإدراج باب النجاسات في تلك‏الكبرى ليس في محلّه.نعم إدراج الحكم بحلّ الطيِّبات فيها في محلّه لو سَلم‏عمّا سيأتي.و ثانياً:منع كون الطيِّب أمراً وجوديّاً،بل هو عبارة عمّا لا تستقذره‏النّفس،و لا يستنفر منه الطبع،في مقابل الخبيث الّذي هو عبارة عمّا

1)المائدة:4 و 5.

2)مستدرك الوسائل 1:164-4 باب 29 من أبواب النجاسات.


120

يستنفر منه الطبع.و ثالثا:سلّمنا كون الطيّب أمراً وجوديّاً،و لكن الخبيث الّذي علّقت عليه‏الحرمة-أيضا-أمر وجوديّ،و الكُبرى المذكورة إنّما هي في مورد لم يعلّق‏نقيض الحكم على أمر وجوديّ آخر،و إلاّ كان المرجع عند الشكّ في تحقّق‏أحد الأمرين الوجوديّين-اللَّذين عُلّق الحكمان المتضادّان عليهما-إلى‏الأُصول العمليّة،و هي في المورد ليست إلاّ أصالة الحلّ.و لا يجري استصحاب الحرمة الثابتة للحيوان في حال حياته،فإنّ للحياةدخلاً-عُرفاً-في موضوع الحرمة،و لا أقلّ من الشكّ،فلا مجال‏للاستصحاب و الطهارة،فالأقوى ثبوت الملازمة بين الحلّ و الطهارة في جميع‏فروض المسألة (1) انتهى كلامه بطوله.و فيه أوّلاً:أنّ تلك الملازمة العرفيّة ممنوعة،لا دليل عليها،و إنّما هي‏دعوى مجرّدة عن البيّنة،و هذه نظير قاعدة المقتضي و المانع-بل عينها-ممّالا أساسَ لها.و بالجملة:لا أرى وجهاً للدعوى المذكورة،و عَدُّ تلك الكبرى من‏المسلّمات لا يخلو من غرابة و مجازفة.و أمّا الفروع التي رتَّبها عليها فمنظور فيها:أما الحكم بنجاسة الماء المشكوكِ كرّيّتُهُ عند ملاقاته للنجاسة فممنوع:أمّا أوّلاً:فلأنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الماء القليل ينفعل،و الماء البالغ‏

1)فوائد الأُصول 3:384 و ما بعدها.


121

حدّ الكرّ لا ينفعل،و أمّا أنّ الماء مقتضٍ له،و الكرّيّة مانعة،فلا يستفادمن شي‏ء منها،فأصالة الطهارة في الماء المذكور محكّمة،لا مانع من‏جريانها.و أمّا ثانياً:فلأنّه لو سُلِّم أنّ العاصم هو وصف الكرّيّة،و الماء مقتض‏للانفعال،لكنّ الحكمَ بالمقتضى مع إحراز المقتضي و الشكّ في المانع ممنوع،بل لا بدّ من إحراز عدمه حتّى يحكم بوجوده.و أمّا أصالة الحرمة في باب الفروج و الأموال فليست من جهة هذه‏الكبرى;فإنّه لو كانت من جهتها لم يختصّ الحكم بتلك الموارد،بل لا بدّ من‏إسرائه إلى كلّ مورد عُلّق الحكم على أمر وجوديّ،سواء كان في الأموال‏و الأعراض أو غيرهما مع أنّ الأمر ليس كذلك.مضافاً إلى أنّ في هذه الموارد تكون الحلّية مُعلَّقة على أسباب حادثة تكون‏مسبوقة بالعدم،و يُستصحب عدم حدوثها،كأصالة عدم حدوث العلاقةالزوجيّة،و أصالة عدم طيب نفس المالك،إلى غير ذلك.و ثانياً:أنّ ما أفاد من تخيُّل شارح الروضة-أنّ باب النجاسات و اللحوم‏من صُغرَيات تلك الكبرى-لا شاهدَ عليه،بل الظاهر من كلامه المنقول‏ما احتملناه من تخيّله استفادة الحصر من الأدلّة،فيدلّ الدليل الاجتهاديّ‏على حرمة ما عدا المحصور،كما تشعِر به بعض الروايات‏1.و الشاهد عليه:أنّ المنقول من كلامه أنّ ما حلَّ أكلُه من الحيوانات‏1كرواية تحف العقول التي مضى قريبا تخريجها.


122

محصور معدود في الكتاب و السُّنّة1لا أنّ الحلّيّة عُلِّقت على أمر وجوديّ‏مثل الطيّب.و لا يخفى أنّ حملَ كلامه على ما ذكره بعيد غايته.مع أنّ مثل هذا التعليق-أي إثبات حكم لأمر وجوديّ-لا يكون مورداًلتوهّم الدخول في الكبرى المدّعاة.نعم كلّ حكم تعلّق بموضوع وجوديّ أوعدميّ لا بدّ في الحكم بثبوته من إحراز الموضوع،فإذا ورد:«أكرم العلماء»فلا بدّ في الحكم بوجوب إكرام الأشخاص الخارجيّة أن يحرز كونها مصداقاًللعالم.و بالجملة:لا بدّ من إحراز الصُّغرى و الكُبرى‏سواءكان الموضوع‏وجوديّاً أو عدميّاً،و هذا غير ما يُدّعى من الملازمة العُرفيّة،فإنّ تلك الدعوى‏إنّما كانت في مثل:(لا يحلُّ مالُ امرِئ إلاّ بطيب نفسه) (1) أو(لا يحِلّ مال إلاّمن حيثُ ما أحلّه اللّه) (2) ممّا سُلب حكم بنحو كلّي،و جُعِل سبب انقلابه إلى‏ضدّه منحصراً في أمرٍ وجوديّ،ففي مثل قوله:(لا يحِلّ مالُ امرِئ إلاّبطيبِ نفسِهِ)جُعِل طريق الحلّيّة منحصِراً في أمر وجوديّ هو طيبُ‏نفس صاحب المال،فيدّعى أنّ العرف لا يحكم بالحلّيّة إلاّ إذا أحرزطيب نفسه،كما أنّ شيخنا العلاّمة-أعلى اللّه مقامه-أيضا كان يدّعي‏1مضى تخريج ما يستفاد ذلك منهما قريباً،فراجع.

1)عوالي اللئالي 1:222-98،مسند أحمد بن حنبل 5:72.

2)الكافي 1:547-548-25 باب الفي‏ء و الأنفال...،الاستبصار 2:59-9 باب 32فيما أباحوه عليهم السلام لشيعتهم من الخمس،الوسائل 18:114-8 باب 12 من‏أبواب صفات القاضي،و في المصادر الثلاثة:(..إلاّ من وجه أحلّه اللّه).


123

ذلك‏ (1) و يقول:هل ترى من نفسِكَ أنّ في مورد الشكّ في تحقّقِ‏طيبِ نفسِ صاحبِ المال يتصرّف الإنسان فيه،و يتعذّر بأنّه شبهة مصداقيّةللعامّ لا يجوز التمسُّك به،و يجوز التصرّف تمسُّكاً بقوله:(كلّ شي‏ء لك‏حلال.)1.؟و ما ادّعى رحمه اللّه في خصوص المثال و إن كان صحيحاً،لكن‏لا من جهة الضابط الكلّيّ و القانون العامّ في كلّ مورد استثني حكم وجوديّ‏من حكم كلّيّ بنحو الانحصار،فإذا ورد:«لا تشرب مائعاً إلاّ الماء»و كان مائع مردّداً بين كونه ماء أو غيره،لا يمكن أن يُدّعى أنّ نفس هذه‏القضيّة مانعة عن شربه;لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لنفسه‏لا لمخصّصه;لأنّ الاستثناء المتّصل بالكلام يوجب عدم انعقاد الظهورللعامّ،ففي المثال المذكور يتقيَّد المائع بغير الماء،فكأنّه قال:«لا تشرب‏غير الماء»و لا إشكال في عدم جواز التمسّك بالعموم في مثله،و دعوى الملازمة العرفيّة ممنوعة.و لا يبعد أن يكون في مثل الأموال لأجل‏الأهميّة في نظر العقلاء،أو لأجل استصحاب عدم طيب النّفس;لأنّه أصل‏عقلائيّ في الجملة.و ثالثاً:أنّ ما أفاده-من أنّ الملازمة العُرفيّة إنّما هي في خصوص ما عُلّق‏1لم نعثر على قول المحقّق الحائري-قدّس سرّه-في المصادر المتوفرة لدينا،و لعلّه مستفادمن مجلس بحثه.

1)درر الفوائد 2:112-113.


124

فيه الحكم الترخيصيّ الإباحيّ على أمر وجوديّ،فإنّها هي فيما إذا كان‏الحكم لأجل التسهيل و الامتنان-غريب منه;لخُلوّ هذه الدعوى عن الشاهد،بل هي دعوى مجرّدةٌ لا دليلَ عليها من عقل و نقل و حكم عقلائيّ،و إن كان‏أمثاله منه-قدّس سرّه-غير عزيز.مضافاً إلى أنّ الامتنان و التسهيل يقتضيان التوسعة،لا التضييق،فإذاعُلِّق حكمُ اعتصامِ الماء على الكرّيّة-امتنانا على العباد-لا يقتضي ذلك‏أن يكون الأمر مضيّقاً عليهم;بحيث لا يحكم بعدم الانفعال إلاّ مع‏إحراز الكرّيّة.و لَعمري إنّ ما ذكره هاهنا لا يخلو من قصور و خلط،فماهذا الحكم الترخيصيّ الامتنانيّ في قوله:(لا يحلُّ مال إلاّ من حيث ما أحلّه‏اللّه) (1) أو(لا يحلّ مالُ امرئ إلاّ بطيب نفسه) (2) أو فيما عُلّق جواز الوطءعلى الزوجيّة و مِلكِ اليمين؟!فإنّ كلّ ذلك من الأحكام التضييقيّة،لا التسهيليّة الامتنانيّة.و رابعاً:أنّ ما أفاد-من أنّ الطيّب أمر عدميّ هو ما لا تستقذِرُهُ النّفس،و لا يستنفِرُ منه الطبع-ممنوع;لأنّ حقيقة الطيّب ليست عبارة عن عدم‏الاستقذار و الاستنفار،بل هما من لوازم الطيّب،بل هو عبارة عن صفةو حالة وجوديّة يكون الطبع غير مستنفر منها.

1)تقدّم تخريجهما قريبا.

2)تقدّم تخريجهما قريبا.


125

التنبيه الثاني‏

تقرير إشكال الاحتياط في العبادة

قوله-قدّس سرّه-:ربّما يشكل في جريان الاحتياط في العبادات‏ (1) ...(1)أقول:ما يمكن أن يقال في تقرير الإشكال أمران:أحدهما:ما أفاد الشيخ رحمه اللّه:و هو أنّ العبادة لا بدّ فيها من نيّةالقربة المتوقّفة على العلم بأمر الشارع تفصيلاً أو إجمالاً،و في الشبهات‏البدويّة لا علم بالأمر،فلا يمكن الاحتياط (2) .و إن شئت قلت:إنّ العبادة متقوّمة بقصد التقرّب،و في الشبهات البدويّة:إمّا أن يُقصد ذات الشي‏ء بلا قصد التقرّب،أو ذات الشي‏ء مع قصد التقرّب،أو ذات الشي‏ء مع احتمال التقرّب:و الأوّل خُلف.و الثاني ممتنع;لأنّ القصد الحقيقيّ لا يتعلّق بالأمر المجهول المشكوك فيه.و الثالث غير مفيد،لأنّ الإتيان باحتمال التقرّب غير الإتيان بقصده،و ما يعتبر فيها قصده،لا احتماله.و فيه:أنّ هذا عبارة أُخرى عن اعتبار الجزم في النّية،و لا دليل عليه،و مايعتبر في عباديّة العبادة ليس إلاّ أن يكون الإتيان بداعٍ إلهي،و يكون الإتيان‏للتوصّل إلى أغراض المولى و لو احتمالاً،فإنّ العقل الحاكم في أمثاله لا يحكم‏

1)الكافية 2:194.

2)فرائد الأُصول:228 سطر 17-19.


126

بأزيد من ذلك كما هو واضح.و ثانيهما:أنّ حقيقة الإطاعة عبارة عن الانبعاث ببعث المولى و التحرّك‏بتحريكه،و لا يُعقل أن يكون الأمر بوجوده الواقعيّ محرّكاً للعبد و باعثاً إيّاه‏نحو العمل،ففي صورة احتمال الأمر يكون المحرّك هو احتمال الأمر-طابَقَ‏الواقع،أو لا-فلا يكون الأمر بوجوده النّفس الأمريّ محرّكاً،و إلاّ لزم أن‏لا يكون الاحتمال مع عدم مطابقته للواقع محرّكاً،مع أنّه محرّك و لولم يطابق الواقع.فتحصّل من ذلك:أنّ انبعاث العبد لا يكون في الشبهات البدويّة ببعث‏المولى،فلا يكون العبد مطيعاً،و لا هذا الإتيان إطاعة،مع أنّ صدور الفعل عن‏إطاعة المولى من مقوّمات العبادة.و فيه:أنّ الإطاعة أمر عقلائيّ،و لا إشكال عند العقلاء في أنّ العبد الآتي‏بالمحتمل يكون مطيعاً للمولى في صورة المطابقة،و يكون إتيانُهُ به نحوَ إطاعةو امتثال له.و إن شئت قلت:إنّ تقوّمَ الإطاعة بكون الانبعاث ببعثه ممنوع،بل‏الانبعاث و التحرّك التكوينيّ لا يكون في شي‏ء من الموارد بواسطة البعث‏و التحريك التشريعيّين في نفسهما،فإنّ مبادئ الانبعاث تكون أُموراً أُخَرَ في‏النّفس،كحُبِّ المولى،أو معرفته،أو الخوف من عقابه،أو الطمع في ثوابه،إلى غير ذلك من المبادئ حسبَ اختلاف العباد،و إنّما الأمرُ موضوع‏للطاعة،لا باعث نحوها،فإذا كان الأمرُ كذلك قد يكون بعض المبادئ‏


127

موجوداً في نفس العبد فيحرّكه نحو العمل مع احتمال أمره،فإن طابق الواقع‏يكون مطيعاً حقيقةً لأمره،و إلاّ يكون منقاداً له.و بالجملة:كونُ الإطاعة عبارةً عن الانبعاث ببعث المولى ممنوع،و الشاهدهو حكم العقل.

تصحيح عباديّة الشي‏ء بأوامر الاحتياط

ثمّ لو قلنا بعدم إمكان الاحتياط مع احتمال الأمر،هل يمكن تصحيح‏العبادة لأجل أوامر الاحتياط،فيقصد المكلّف الأمرَ الاحتياطيّ المتعلّق‏بالعبادة،أم لا؟التحقيق:عدم إمكانه;لأنّ الاحتياط في العبادات إذا كان غير ممكن‏حسب الفرض،فلا بدّ من تقييد أوامر الاحتياط بغير الشبهات الوجوبيّةالتعبّدية;لامتناع بالنسبة إليها;لحكم العقل بعدم إمكانه فيها،فتعلّق‏أوامر الاحتياط بالعبادات يتوقّف على إمكانه فيها،و لو توقّف إمكانه عليه لزم‏توقّف الشي‏ء على نفسه.و تخيُل تعلُّق أوامر الاحتياط بذات العمل،مع قطع النّظر عن قصدالتقرّب،أو مع قطع النّظر عن الإتيان بداعي احتمال الأمر (1) فاسد،و خروج‏عن موضوع الاحتياط،و التزام بالإشكال‏1.1مع أنّ أوامر الاحتياط تعلّقت بعنوانه،و لا يمكن التعدّي منه إلى ما ينطبق عليه خارجاً،

1)فرائد الأُصول:229 سطر 9-12.


128

و لقد تصدّى بعض مشايخ العصر رحمه اللّه-على ما في تقريراته-للجواب عمّن تصدّى تصحيح العبادات بأوامر الاحتياط،بما حاصله:أنّ الأمر بالعمل قد يكون بنفسه عباديّاً كالأمر بالصلاة،و قد يكتسب‏العباديّة من أمر آخر،و شرطُ اكتساب العباديّة أن يكون متعلَّق الأمرالتوصُّليّ و العباديّ متّحداً،مستحبّة،و إلاّ كان النذر باطلاً;لعدم القدرة على‏وفائه;لصيرورتها بالنذر واجبة،فلا يمكن إتيانها بعد النذر بعنوان‏الاستحباب،فالنذر لا بدَّ أن يتعلّق بذات الصلاة،و الأمر الاستحبابيّ-أيضا-متعلّق بذاتها،لا بوصف كونها مستحبّة;لأنّه جاء من قِبَلِ الأمر،و لا يمكن أن‏يؤخذ فيه،فإذا اتّحد متعلَّقهما يكتسب كلّ منهما من الآخر ما كان فاقداًله،فالأمر النذريّ يكتسب العباديّة من الاستحبابيّ،و هو يكتسب الوجوب‏من النذريّ.و أمّا إذا لم يتّحد متعلّقهما فلا يمكن الاكتساب المذكور،كالأمر بالوفاءبالإجارة إذا أُوجِر الشخص على الصلة الواجبة أو المستحبّة على الغير،فإنّ‏الأجير إنّما يُستأجر لتفريغ ذمّة الغير،و ما في ذمته إنّما هي الصلاة بوصف‏كونها واجبة أو مستحبّة،فمتعلّقه‏هي‏مع قيد الاستحباب،و متعلّق الأمرالاستحبابيّ نفس الصلاة،فلا يتّحد المتعلَّقان،فلا يكتسب أحدهما وصفَ‏و لهذا يكون الاحتياط في الواجب بنحو،و في المحرّم بنحو آخر،فلو كان مرجع الأمر به‏إلى التعلّق بذات العمل يلزم أن يكون الأمر بالاحتياط أمراً و نهياً.منه قدس سره‏.


129

الآخر،فالأمر الاستحبابيّ باقٍ على استحبابه;لأنّه مستحبّ على المنوب‏عنه،و الأمر الوجوبيّ باق على توصّليّته;لأنّه متعلّق بالأجير،فلا ربطلأحدهما بالآخر.إذا عرفت ذلك فالأوامر الاحتياطيّة فاقدة لكلتا الجهتين:أمّا الجهة الأُولى:-أي كونها عباديّة بنفسها-فواضح،فإنّها توصُّليّة،و إلاّيلزم بطلان الاحتياط في التوصُّليّات.و أمّا الجهة الثانية:فلأنّ متعلّق الأمر بالاحتياط إنّما هو العمل مع قيد كونه‏محتمل الوجوب;لأنّه مأخوذ في موضوعه،و إلاّ لم يكون من الاحتياط،بخلاف الأمر المتعلِّق بالعمل،فإنّه على فرض وجوده-متعلّق بذات العمل،فلا يتّحد المتعلّقان،فلا يكتسب الأمر بالاحتياط العباديّة منه.و بالجملة:إن كان إتيان العمل بداعي الاحتمال كافياً في العباديّة،فلا يحتاج إلى أوامر الاحتياط،و إلاّ فهي لا توجب عباديّة العمل‏ (1) انتهى‏كلامُه رُفِع مقامه.فيه أوّلاً:أنّ تعلّق الأمرين المستقلَّين-الوجوبيّين،أو الاستحبابيّين،أو المختلفين-بموضوع واحد ذاتاً و جهةً مستحيل،كاجتماع الأمر و النهي‏في موضوع واحد،لا من جهة التضادّ بين الأحكام،فإنّه لا أصل له،بل من جهة امتناع تعلّق الإرادتين كذلك من شخص واحد على موضوع‏واحد.

1)فوائد الأُصول 3:403.


130

نعم مع وحدة الإرادة لا مانع من تكرار الأوامر الوجوبية أو الاستحبابيّةعلى نعت التأكيد.و ثانياً:أنّ متعلَّق الأمر النذريّ غير متعلَّق الاستحبابيّ المتعلّق بذات‏الصلاة،فإنّ تمام متعلَّق الأمر النذريّ هو الوفاء بالنذر،لا الصلاة أو غيرها،فعنوان الوفاء بالنذر شي‏ء لا مساس له-في عالم متعلَّقيَّته للأمر النذريّ-مع‏متعلَّق الأمر الصلاتيّ،و إنما يتّحد العنوانان في الخارج،و هو ظرف سقوطالأمر،لا ثبوته.و بالجملة:ما نحن فيه نظير باب اجتماع الأمر و النهي،فكما أنّ الأمرَ هناك‏تعلّق بعنوان الصلاة،و النهي تعلّق بعنوان الغصب،و لا مساس بين العنوانين‏في ظرف التعلّق و إن اتّحدا في الخارج،فكذلك فيما نحن فيه،و هذا واضح‏جدّاً.و ثالثاً:على فرض تسليم اتّحاد المتعلَّقين،فأيُّ دليل على اكتساب‏الأمر التوصّلي وصف التعبّديّة،و الأمر الاستحبابي وصف الوجوب‏من صاحبه،و هل هذا إلاّ دعوى بلا برهان؟!بل الدليل على بطلانها;فإنّ مبادئ الإرادات إذا كانت مختلفة تختلف الإرادات حسب‏اختلافها،فإذا صارت الإرادات مختلفة تختلف الأوامر الناشئة منهاحسب اختلافها،فمبادئ الأوامر التوصّليّة غير مبادئ الأوامر التعبديّة،و كذا مبادئ الأوامر الوجوبيّة تغاير مبادئ الأوامر الاستحبابيّة،فانقلاب‏أحدها إلى الاخر لا يمكن مع اختلاف بمائها،و هي مختلفة ذاتاً لا يمكن‏


131

تبديل واحد منها بالآخر.و بالجملة:لا معنى لهذا الاكتساب.اللّهم إلاّ أن يكون الوجوب‏و الاستحباب و التوصّليّ و التعبّديّ كالمائعات الخارجيّة المختلطة المنفعلة بعضُهاعن بعض نحوَ انفعال.و في كلامه مواقع أُخرى للنظر تركناها مخافة التطويل،مع أنّه لا طائل‏تحته.

البحث عن أخبار(من بلغ)

ثمّ اعلم أنّ من مؤيّدات إمكان الاحتياط في التعبّديّات،بل من أدلّته،هوأخبار(من بلغ) (1) فإنّ الظاهر منها أنّ العمل المأتيّ به برجاء إدراك الواقع‏و التوصّل إلى الثواب و الأجر،إذا صادف الواقع يكون عين ما هو الواقع،و يستوفي المكلَّف نفسَ ثواب الأمر الواقعيّ،و إن لم يُصادف الواقع يعطى له‏مثلُ ثواب الواقع تفضُّلاً،و لو كان الإتيان باحتمال الأمر لغواً أو تشريعاًمحرّماً لما كان وجه لذلك.و أمّا تصحيح الاحتياط بأخبار(من بلغ)فلا يمكن إلاّ على وجه دائر،كما ذكرنا في أوامر الاحتياط (2) .

1)الكافي 2:87-1-2 باب من بلغه ثواب..،الوسائل 1:59 باب 18 من أبواب مقدّمة العبادات.

2)في صفحة:127.


132

ثمّ الأظهر أن يكون أخبار(من بلغ)بصدد جعل الثواب لمن بلغه ثواب،فعملَه باحتمال إدراكه،أو طلباً لقول النبيّ صلى اللّه عليه و آله فهذا الجعل‏نظير الجعل في باب الجُعالة:«بأنّ من ردّ ضالّتي فله كذا»فكما أنّ ذلك‏جعل معلّق على ردّ الضالّة،فهذا-أيضا-جعل معلّق على إتيان العمل بعدالبلوغ برجاء الثواب.و إنّما جعل الثواب على ذلك حثّاً على إتيان كلّيّة مؤدّيات الأخبارالدالّة على السنن;لعلم الشارع بأنّ فيها كثيراً من السنن الواقعيّة،فلأجل التحفّظ عليها جعل الثواب على مطلق ما بلغ عن النبيّ صلى اللّه‏عليه و آله نظير قوله تعالى: مَن جَاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أمثَالِهَا (1) حيث‏جعل تضاعف الأجر للحثّ على إتيان الحسنات،فالأخبار الشريفة بصددالترغيب و الحثّ على ما بلغ،و لها إطلاق بالنسبة إلى كلّ ما بلغ،بسند معتبرأو غيره.و بهذا يظهر:أنّ استفادة الاستحباب الشرعيّ منها مُشكِل،فإنّ المستحبّ‏ما يتعلّق به الأمر لأجل خصوصيّة راجحة في ذاته،و يكون الثواب لأجل‏استيفاء تلك الخصوصيّة الراجحة،و المستفاد من أخبار(مَن بلغ)أنّ إعطاءالثواب بما بلغ ليس لأجل خصوصيّة ذاتيّة فيما بلغ مطلقاً،بل لأجل إدراك‏المكلّف ما هو الواقع المجهول بينها،كما لو جعل الثواب على مقدّمات علميّةلأجل إدارك الواقع،و كما في جعل الثواب للمشي إلى زيارة قبر مولانا أبي‏

1)الأنعام:160.


133

عبد اللّه الحسين-عليه الصلاة و السلام‏ (1) ضرورة أنّ المشي ليس له‏خصوصيّة ذاتيّة سوى المقدّميّة،لكنّه تعالى جعل الثواب في كلّ خطوةلأجل الحثّ على زيارته.اللّهم إلاّ أن يناقش في هذا المثال:بأنّ المشي له خصوصيّة هي الأقربيّة إلى‏الخضوع للّه تعالى و لأوليائه عليهم السلام فيكون له جهة زائدة على‏المقدميّة.و بالجملة:أظهر الاحتمالات في أخبار(مَن بلغ)هو ما ذكرنا.و بهذا يظهر ما في قول المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه:من أنّه لا يبعددلالة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليه الثواب;لظهوره في أنّ‏الأجر كان مترتّباً على نفس العمل الّذي بلغ عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله‏أنه ذو ثواب‏ (2) .لما عرفت من أنّ الظاهر منها أنّ جعل الثواب إنّما هو لأجل الحثّ على‏الإتيان بمؤدّى الروايات;لإدراك ما هو محبوب و مستحبّ واقعاً،و في مثله‏لا يصير العمل مستحبّاً بذاته،و لا يسمّى مستحبّاً اصطلاحاً.و أمّا ما اختاره بعض علماء العصر رحمه اللّه بعد ذكر احتمالات‏و جعله أقرب الاحتمالات،فهو على الظاهر أبعدها من مساق الأخبار،بل‏

1)كامل الزيارات:132-134 باب 49،ثواب الأعمال:117-31-33،مصباح‏المتهجّد:657-658.

2)الكفاية 2:197.


134

مدّعي القطع بخلافه ليس مُجازفاً.مضافاً إلى بعض الأنظار في كلامه.قال ما حاصله:الثاني من الاحتمالات:أن تكون الجملة الخبريّة بمعنى الإنشاء،و في مقام‏بيان استحباب العمل،و يمكن أن يكون ذلك على أحد وجهين:أحدها:أن تكون القضيّة مسوقةً لبيان اعتبار قول المبلِّغ و حجّيّته،سواءكان واجداً لشرائط الحجّيّة أو لا،كما هو ظاهر الإطلاق،فيكون مفادالأخبار مسألة أُصوليّة هي حجّيّة الخبر الضعيف،و مخصِّصة لما دلّ على‏اعتبار الوثاقة و العدالة في الراوي.إن قلت:إنّ النسبة بينهما عموم من وجه;حيث ما دلَّ على‏اعتبار الشرائط يعمّ القائم على الوجوب و الاستحباب،و أخبار(من بلغ)تعمّ‏الواجد للشرائط و غيره،و تختصّ بالمستحبّات،فيقع التعارض بينهما.قلت:-مع إمكان أن يقال:إنّ أخبار(من بلغ)ناظرة إلى إلغاءالشرائط،فتكون حاكمة على ما دلّ على اعتبارها-إنّ الترجيح لها;لعمل المشهور بها.مع أنّه لو قُدّم ما دلّ على اعتبار الشرائط عليهالم يبقَ لها مورد،بخلاف تقديمها عليها،فإنّ الواجبات و المحرّمات‏تبقى مشمولة لها،بل يظهر من الشيخ‏ (1) رحمه اللّه-اختصاص ما دلّ‏على اعتبار الشرائط بالواجبات و المحرّمات،فإنّ ما دلّ عليه:إمّا الإجماع،

1)رسالة التسامح في أدلّة السنن-ضمن كتاب أوثق الوسائل في شرح الرسائل-:302السطر قبل الأخير،و عنها في فوائد الأُصول 3:413 و ما بعدها.


135

و إمّا آية النبأ (1) :و الإجماع مفقود في المقام،بل يمكن دعوى الإجماع على خلافه.و الآية بملاحظة ذيلها من التعليل مختصّة بالواجبات و المحرّمات.و لكن الإنصاف:أنّ ما أفاده لا يخلو من ضعف،فإنّ الدليل على اعتبارالشرائط لا ينحصر بالإجماع و الآية،بل العُمدة هي الأخبار المتضافرة أوالمتواترة،و هي تعمّ المستحبّات...إلى أن قال:و لا يبعد أن يكون هذا الوجه‏أقرب،كما عليه المشهور (2) انتهى كلامه.و فيه أوّلاً:أنّ هذا الاحتمال بعيد غايته عن مساق الأخبار،فإنّ لسان‏إعطاء الحجّيّة هو إلقاء احتمال الخلاف،و كون المؤدّى هو الواقع،و هو ينافي‏فرض عدم كون الحديث كما بلغه،أو فرض عدم صدوره عن رسول اللّه‏صلى اللّه عليه و آله فلو جمع قائل بين قوله:«خذ معالم دينك من فلان،و أنّ ما يؤدّي عنّي فعنّي يؤدّي»،و بين قوله:«و إن لم يكن المؤدّي عنّي»جَمعَ‏بين المتنافيين،فلسان أدلّة(مَن بلغ)آبية عن جعل الحجّيّة و الطريقيّة.و ثانياً:أنّ جعلَ أخبار(مَن بلغ)مخصِّصة أو معارضة لأدلّة اعتبار قول‏الثقة،في غير موقعه;لأنّ أخبار(مَن بلغ)و ما دلّ على الاعتبار-سوى‏منطوق آية النبأ-متوافقان،و لا استبعاد في أن يكون خبر الثقة مطلقاً حُجّة،و الخبرُ مطلقاً حُجّة في المستحبّات،و ليس-على الظاهر-في أخبار الاعتبار

1)الحجرات:6.

2)فوائد الأُصول 3:412 و ما بعدها.


136

ما دل على عدم اعتبار قول الفاسق أو غير الثقة،إلاّ إشعارات أو ما هو قابل‏للمناقشة،فالنسبة بينهما و إن كانت عموماً من وجه،لكنّهما متوافقتان من‏غير تعارض بينهما.و ثالثاً:حكومة أخبار(من بلغ)على تلك الأخبار ممنوع;لفقدان مناطالحكومة،و ما ادّعى-من أنّ أخبار(مَن بلغ)ناظرة إلى إلقاء الشرائط-فيه مالا يخفى.و بالجملة:تحكيمها عليها ممّا لا وجه له،فإنّ مفادها-بعد التسليم-حجّيّةقوله المخبرفي‏المستحبّات مطلقاً،و مفاد أدلّة اعتبار قول الثقة حجّيّة قول‏الثقة مطلقاً،و ليس إحدى الطائفتين ناظرة إلى الأُخرى،و لا متصرّفة في جهةمن جهاتها ممّا هي دخيلة في الحكومة.و رابعاً:أنّ ما أفاده-من ترجيح أدلّة(مَن بلغ)لعمل المشهور بها-ليس‏على ما ينبغي;لعدم معلوميّة وجه فتواهم،و لعلّهم عملوا بها لأجل عدم فهم‏التنافي بينهما،كما أشرنا إليه،أو لعلّ فتواهم بالاستحباب لأجل ذهابهم إلى‏أنّ نفسَ البلوغ من أيّ مُخبر موضوع لاستحباب المضمون،و موجب‏لحدوث المصلحة فيه.و ما ادّعى-من أنّ ظاهر عنوان المشهور لا ينطبق إلاّ على القول بإلقاءشرائط الحجّيّة في الخبر القائم على الاستحباب;حيث إنّ بناءهم على‏التسامح في أدلّة السُّنن-ممنوعة;لأنّ التسامح في أدلّة السُّنن كما يمكن أن‏يكون لأجل إلقاء شرائط الحجّيّة;يمكن أن يكون لأجل ما ذكرنا.


137

و بالجملة:الترجيح بعملهم فرع انقداح التعارض بينهما عندهم،و هو غير معلوم.و خامساً:أنّ ما أفاده-من أنّه لو قُدِّم ما دلّ على اعتبار الشرائط لم يبقَ‏لتلك الأخبار مورد،بخلاف العكس-فيه ما لا يخفى;فإنّه-بعد فرض‏التعارض-لا يكون إحدى المرجّحات ما ذكر.مضافاً إلى ممنوعيّة عدم بقاء مورد لها;لأنّها شاملة بإطلاقها لخبر الثقةو غيره،و مورد التعارض بينهما إنّما يكون في مورد خبر الفاقد للشرط،و أمّاالواجد له في المستحبّات فيكون مورداً لكلتا الطائفتين،و لا يلزم أن يكون‏المورد الباقي مختصّا بها.نعم لو كان مضمونها إلقاء اعتبار الشرائط،أو حجّيّة الخبر الضعيف‏بالخصوص،لكان لما ذكره وجه،لكن إذا كان مضمونها حجّيّة قول المُخبرفي المستحبّات،و كان إطلاقها شاملاً للواجد للشرائط و غيره ما كان وجه‏لقوله-قدّس سرّه-لأنّها بعد تقديم مورد التعارض تصير من أدلّة حجّيّة خبرالثقة في المستحبّات.ثمّ إنّه لم يحضرني رسالة الشيخ رحمه اللّه في مسألة التسامح في أدلّةالسُّنن،لكن من المحتمل أن يكون نظره-في جعل التعارض بين أخبار(من‏بلغ)و بين الإجماع و آية النبأ،دون الأخبار-إلى ما أشرنا إليه من أنّ مفادتلك الأخبار موافق لأخبار(من بلغ)بقي الإجماع المنعقد على عدم حجّيّةقول الفاسق و منطوق آية النبأ المعارض-بإطلاقه-للأخبار،فأجاب عنهما بماأجاب،و بناءً عليه يكون اعتراضه غير وارد عليه.


138


139

الشبهة الموضوعية التحريمية

قوله:الثالث:أنّه لا يخفى أنّ النهي عن شي‏ء...إلخ‏ (1) .

أنحاء متعلّق الأمر و النهي‏

(1)الأوامر و النواهي قد يتعلّقان بالطبيعة على نحو صِرف الوجود،و قديتعلّقان بها على نحو العامّ المجموعيّ،و قد يتعلّقان بها على نحو العامّ‏الأُصوليّ;أي الطبيعة السارية أو جميع أفراد الطبيعة،و قد يتعلّقان بنفس‏الطبيعة من غير لحاظ الوحدة و الكثرة و السريان و عدمه،و الاجتماع و عدمه.و المراد من الصِّرف:هو الطبيعة المأخوذة على نحو لا تنطبق إلاّ على أوّل‏الوجود،و لا تتكثّر بتكثّر الأفراد،فإذا وجد ألف فرد من الطبيعة دفعةً لا يكون‏الصِّرف إلاّ واحداً،و إذا وجد فرد و تحقّق الصِّرف به ثمّ وجد فرد آخر،لا يتكرّر الصِّرف به،و يكون الوجود الثاني غير منطبق للصِّرف،فصِرف‏

1)الكفاية 2:200.


140

الوجود هو ناقض العدم،و الطبيعة المأخوذة بقيد الوحدة بالمعنى الحرفيّ،و تكون نسبة الأفراد إليه نسبة المحصِّل إلى المتحصِّل،أو نسبة الأمر المنتزَع إلى‏المنشأ للانتزاع.فإذا تعلّق الأمر بالطبيعة على نحو صِرف الوجود يسقط الأمر بإتيان أوّل‏الوجودات،و لو أوجد المكلّف ألف فرد دفعةً لا يكون إلاّ إطاعة واحدة هي‏إتيان الصِّرف،و الأفراد مقدّمة عقليّة له ليست متعلّقة للأمر بنفسها،فوجوده‏بأوّل الوجودات،و عدمه بعدم جميعها،و ليست الكثرة فيه بل هي في‏المحصِّلات.هذه لوازم تعلّق الأمر بالصِّرف.و أمّا إذا تعلّق النهي بالطبيعة على نحو صِرف الوجود،يكون المزجور عنه‏واحداً هو الطبيعة المأخوذة على نحو ما ذكرنا،و لازمه أن يكون له إطاعةواحدة و عصيان واحد،فإن أتى المكلّف بواحد من أفرادها يسقط النهي‏و تتحقّق المعصية;تأمّل.و لو أتى بعدّة أفراد لا تكون إلاّ معصية واحدة هي‏إتيان الصِّرف،و إطاعته إنّما تكون بترك جميع الأفراد عقلاً.و أمّا إذا تعلّق الأمر أو النهي على نحو الوجود الساري-أي الطبيعةباعتبار السريان-أو بنحو العامّ الأُصوليّ-أي كلُ فرد من أفراد الطبيعة-فلازمه إتيان جميع الأفراد في جانب الأمر،و ترك جميعها في طرف النهي،فينحلان إلى الأوامر و النواهي،و لكلّ منهما إطاعات و عصايانات،و للطبيعةالكذائيّة وجودات و أعدام.و إذا تعلّق الأمر أو النهي بنفس الطبيعة،و يكون الأمر باعثاً نحو


141

الطبيعة-أي إيجادها-و النهي زاجراً عنها،من غير لحاظ شي‏ء في جانب‏المأمور به و المنهيّ عنه إلاّ نفس الطبيعة،فلازمه العقليّ في جانب الأمر أن‏يسقط بأوّل الوجودات;لتحقّق تمام متعلّق الأمر،و هو نفس الطبيعة بلا شرطو اعتبار زائد.و إذا1أتى بعدّة أفراد دفعةً يكون المطلوب كلّ واحد منها،و يكون‏مطيعاً بالنسبة إلى كلّ فرد منها،فإنّ الطبعة تتكثّر بتكثّر الأفراد،و الأمر قدتعلّق بنفس الطبيعة القابلة للكثرة،و إنّما يسقط الأمر بأوّل الوجودات‏لا لقصور في ناحية الطبيعة،بل لقصور مقتضى الأمر.و الفرق بين المقام و بين ما إذا تعلّق بالصِّرف:أنّ الصِّرف غير قابل للتكرارو التكثّر،و أمّا نفس الطبيعة فقابلة لهما،و تكون متكثّرة بتكثّر الأفراد،و لازمه‏انطباق المأمور به على كلّ واحد منها،و حصول الإطاعة بكلّ واحد منها.و إذا أتى المكلّف بواحد من الأفراد و ترك الباقي يكون مطيعاً محضاً;لأنّ‏الإتيان بالفرد إتيان بتمام مقتضى الأمر.و أمّا في جانب النهي،فالزجر عن الطبيعة و المنع عن تحقّقها زجر و منع‏عن جميع الأفراد عقلاً;لأنّ كلّ فرد هو الطبيعة نفسها،فإذا عصى العبدو أتى بفرد منها لم يسقط النهي;لأنّ النهي ليس طلب الترك‏2حتّى يقال:تحقّق مطلوبه،و العصيان لا يمكن أن يصير مسقطاً للأمر و لا للنهي،و ما هو1قد عدلنا في باب الأوامر،فراجع.منه قدّس سرّه‏2هذا حكم عرفي و لو كان النهي طلب الترك،كما قلنا في غير المقام.منه قدّس سرّه‏.


142

المعروف-من أنّ الأوامر و النواهي كما يسقطان بالإطاعة قد يسقطان‏بالعصيان‏ (1) بظاهره فاسد.نعم إذا كان الأمر موقتاً،و ترك العبد في جميع الوقت،يكون عاصياًو يسقط الأمر،لا للعصيان،بل لقصور مقتضاه،كما أنّ النهي عن الصِّرف‏-بالمعنى الّذي أشرنا إليه-يسقط مع العصيان;لقصور في المقتضى.و بالجملة:مقتضى الزجر عن الطبيعة أن تكون الطبيعة في كلّ فرد مزجوراًعنها،و ما دام بقاء النهي يزجر عنها،فلا يسقط بالعصيان،و هذا-أيضا-غيرالزجر عن كلّ فرد،بل زجر عن نفس الطبيعة،و لازمه العقليّ هو المزجوريّةعن كلّ فرد;لاتّحادها معها.و إذا تعلّق الأمر بمجموع الوجودات من حيث المجموع بحيث يكون‏المأمور به أمراً واحداً-يكون إطاعته بإتيان المجموع،و عصيانه بترك المجموع‏الّذي ينطبق على تركِ الجميع،و تركِ فردٍ من الأفراد.و إذا تعلّق النهي به‏يكون إطاعتُهُ بترك المجموع،و هو يتحقّق بترك البعض،و عصيانُهُ بالجمع بين‏جميعها.هذا كلّه بحسب مقام الثبوت و التصوّر،و أمّا بحسب مقام الإثبات‏فالأوامر و النواهي متعلّقة نوعاً بالطبائع أو بإيجادها،بلا تقيّد بشي‏ء أصلاً.

1)انظر هداية المسترشدين:176 سطر 33-34،مطارح الأنظار:19 سطر 22-23،الكفاية 1:252-253،فوائد الأُصول 1:242،نهاية الدراية 1:231 سطر 8و 232 سطر 6-8 و 279 سطر 19-22.


143

اختلاف الأُصول العملية باختلاف متعلّقات الأحكام‏

ثمّ اعلم:أنّ الأُصول العمليّة تختلف حسب اختلاف متعلّقات الأحكام‏و موضوعاتها،إذا تعلّق الأمر أو النهي بالوجودات السارية-كما لو تعلّق‏وجوب الإكرام بكلّ فرد من العلماء،أو تعلقت الحرمة بكلّ فرد من الخمر-يكون المرجع في الشبهات الموضوعيّة البدويّة هو البراءة،لأنّ العلم بالكبرى‏لا يصير حجّة على الصغرى،و لا يمكن كشف حال الفرد منها.فإذا شكّ في كون زيد عالماً،أو كون مائع خمراً،لا تكون الكبرى حجّةعليهما،لا لما ذكره بعض مشايخ العصر رحمه اللّه-كما في تقريرات بحثه-من أنّ الخطاب لا يمكن أن يكون فعليّاً إلاّ بعد وجود الموضوع;لأنّ التكاليف‏إنّما تكون على نهج القضايا الحقيقيّة المنحلّة إلى قضيّة شرطيّة،مقدّمهاوجود الموضوع،و تاليها عنوان المحمول،فلا بدّ من فرض وجود الموضوع في‏ترتب المحمول،فمع العلم بعدم وجود الموضوع خارجاً يُعلم عدم فعليّةالتكليف،و مع الشكّ فيه يشكّ فيها;لأنّ وجود الصغرى ممّا له دخل في‏فعليّة الكبرى‏ (1) انتهى.

عدم انحلال القضيّة الحقيقيّة إلى شرطيّة

ضرورة أنّ القضايا الحقيقيّة لا تنحلّ إلى قضايا شرطيّة حقيقةً،و إن أصرّ

1)فوائد الأُصول 3:393.


144

عليه رحمه اللّه في كثير من المواضع‏ (1) زعماً منه أنّ ما اشتهر-أنّ في‏القضايا الحقيقيّة يكون الحكم على الأفراد المحقّقة أو المقدّرة الوجود،في‏مقابل القضايا الخارجيّة التي يكون الحكم‏فيهامقصوراً على الأفرادالخارجيّة-أنّ المقصود منه أنّ تلك القضايا تنحلّ إلى الشرطيّات حقيقة.نعم‏يوهم ذلك بعض عبائر المنطقيين‏ (2) .لكنّ الأمر ليس كذلك قطعاً;فإنّ القضايا الحقيقيّة قضايا بتّيّة كالقضاياالخارجيّة،و لا افتراق بينهما من هذه الجهة،و إنّما أُريد من كون الحكم فيهاعلى الأفراد المحقَّقة أو المقدَّرة دفعُ توهُّم قصر الحكم على الأفراد الخارجيّة،و تفرقة بين القضيّتين،و إلاّ فالقضايا الحقيقيّة يكون الحكم فيها على عنوان‏الموضوع;بحيث يكون قابلاً للانطباق على الأفراد أعمّ من الموجود أوسيوجد.ف«كلّ نار حارّة»إخبار جزميّ و قضيّة بتّيّة يحكم فيها على كلّ فردمن أفراد النار،و ليس في الإخبار اشتراط أصلاً،لكن لا تكون النار ناراًو لا حارّة إلاّ بعد الوجود الخارجي،و هذا غير الاشتراط،و لا يكون مربوطاًبمفاد القضيّة.و لو كانت القضايا الحقيقيّة مشروطة حقيقةً،لزم أن يكن إثبات لوازم‏

1)انظر فوائد الأُصول 1:179،رسالة حكم اللباس المشكوك فيه-في ذيل كتاب مُنيةالطالب في حاشية المكاسب-:258 سطر 4-5.

2)شرح الشمسيّة:78 سطر 3-5،شرح المنظومة-قسم المنطق-:50 سطر 13-16.


145

الماهيات لها بنحو القضية الحقيقيّة مشروطاً بوجودها الخارجيّ،مع أنّها لازمةلها من حيث هي،فقولنا:«كلّ مثلّث فإنّ زواياه الثلاث مساوية لقائمتين»و«كلّ أربعة زوج»قضيّة حقيقيّة جزماً،و لو كانت مشروطة لزم أن يكون‏إثبات التساوي و الزوجيّة لهما مشروطاً بالوجود الخارجيّ،مع أنّ اللوازم ثابتةلذواتها من غير اشتراط أصلاً.نعم،لا تكون الماهيّة مهيّة و لا اللازم لازماً إلاّ بالوجود بنحو القضيّة الحينيّة،لا المشروطة;لأنّ الاشتراط معناه دخالة الشرط في ثبوت الحكم،و هو خلاف‏الواقع في لوازم الماهيّات.و كذا يلزم أن يكون حمل ذاتيّات الماهيّة عليها مشروطاً بتحقّقها،مع أنّ‏الذاتيّ ثابت للذات بذاته من غير اشتراط.مضافاً إلى أنّه لو كان الأمر كما زعم لزم عدّ تلك القضايا في‏الشرطيّات،لا الحمليّات،مع تسالم المنطقيّين‏على‏كونها حمليّات بتّيّات.و بالجملة:ما أظنّ التزام أحد من أهل التحقيق بكون القضيّة الحقيقيّة قضيّةشرطيّة على نهج سائر الشرطيّات،من غير فرق بين الإخباريّات‏و الإنشائيّات،على إشكال في إطلاق الحقيقيّة فيها،فقول القائل:«كلّ نارحارّة»إخبار فعلي بحرارة كلّ نار موجودة أو ستوجد،و قوله:«أكرم كلّ‏عالم»إنشاء للحكم الفعليّ لموضوعه;و هو عنوان«كلّ عالم».نعم،الإنشاءالكذائيّ لا أثر له إلاّ بعد تحقّق موضوعه خارجاً.فإن كان المراد من عدم فعليّة الحكم قبل تحقّق موضوعه خارجاً عدمَ‏


146

باعثيّته نحو الموضوع الغير المحقَّق،فهو حقّ،لكن لا يلزم أن يكون الحكم‏مشروطاً،بل يكون فعليّاً بالنسبة إلى موضوعه،و هو العنوان المأخوذللموضوعيّة،لكن كما لا يدعو حكم إلاّ إلى متعلّقه لا يدعو إلاّ إلى‏موضوعه،فكما لا يدعو وجوب إكرام العالم إلاّ إلى عنوان الإكرام،كذلك‏لا يدعو إلاّ إلى إكرام العالم،فلا معنى لدعوته إلى من ليس بعالم،كمالا معنى لأن يدعو إلى ما ليس بإكرام،و لكن لا يلزم من ذلك أن يكون‏الوجوب بالنسبة إلى الإكرام أو إلى العالم مشروطاً.و بالجملة:فرق بين اشتراط الحكم بأمر و بين عدم تحقّق موضوع الحكم.و إن كان المراد أنّه بعد تحقّق الموضوع إذا لم يعلم المكلّف به لا تكون‏الكبرى حجّة عليه،و لا يمكن للمولى الاحتجاج على العبد بالحكم المتعلّق‏بالكبرى الكلّيّة،فذلك حقّ لا مرية فيه،و لكن ليس هذا معنى عدم فعليّةالحكم;فإنّ الظاهر أنّ مرادهم من الفعليّة و اللا فعليّة أن تتغيّر إرادة المولى،و تكون قبل علم المكلّف بالموضوع أو قبل تحقّقه خارجاً معلّقة على شي‏ء،و يكون حكمه إنشائياً،و بعد تحققه و علم المكلّف به تغير إرادته،و يصير الحكم‏الإنشائيّ فعليّاً،و المشروط منجّزاً.و لازم ذلك أن تتغيّر إرادة المولى و حكمه‏في كلّ آن بالنسبة إلى حالات المكلّفين من حصول الشرائط العامّة و عدم‏حصولها.و هذا ضروريّ البطلان.نعم،ما هو المعقول من الإنشائيّة و الفعليّة هو أنّ الأحكام قد تصدر من‏الموالي العرفيّة أو الحقيقيّة على نعت القانونيّة و ضرب القاعدة،و أحالوا


147

مخصِّصاتها و حدودها إلى أوقات أُخر،ثمّ بعد ذكر المخصّصات و الحدودتصير فعليّة;بمعنى أنّها قابلة للإجراء و البعث الحقيقيّ.فقوله تعالى: وَ لِلّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطاعَ إلَيهِ سَبِيلاً (1) حكم قانونيّ مضروب يُحال بيان حدوده إلى خطاب آخر،و بعد تتميم‏الحدود و الشرائط يصير فعليّاً،و يقع في موقع الإجراء،إلاّ أنّه حكم متعلّق‏بعنوان خاصّ هو المستطيع،فإذا صار المكلّف مستطيعاً يصير موضوعاً له،و إذا تمت شرائط التكليف بالنسبة إليه يكون هذا الحكم حجّة عليه،و ليس له‏عذر في تركه.و بالجملة:لا معنى للإنشائيّة و الفعليّة المعقولتين إلاّ ما ذكرنا،و التنجّز عبارةعن تماميّة الحجّة على العبد.فتحصّل من جميع ذلك:أنّ الأحكام إذا كانت على نحو العامّ الأُصوليّ‏-بحيث تنحلّ إلى أحكام مستقلّة لموضوعات مستقلّة-فعند الشكّ في‏الموضوع لا تكون الكبرى الكلّيّة حجّة على الموضوع المشكوك فيه،فتجري‏أصالة البراءة.

في التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصِّص‏

إن قلت:إذا لم تكن الكبرى حجّة على المصاديق المشتَبِهة،فَلِمَ‏لا يتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية للمخصِّص؟!فإن المخصِّص لم يكن‏

1)آل عمران:97.


148

حجّة بالنسبة إلى الفرد المشكوك فيه،و العامّ حجّة بالنسبة إلى فرده،و لا يجوزرفع اليد عن الحجّة بلا حجّة.لا يقال:إنّ العامّ المخصِّص يُعنوَن،فقوله:«أكرم العلماء»بعد التخصيص‏بالفسّاق بمنزلة:«إكرام العلماء الغير الفسّاق»فالتمسّك به تمسّك في الشبهةالمصداقيّة لنفس العامّ،و هو غير جائز (1) .فإنّه يقال:فعليه يسري إجمال الخاصّ إليه في الشبهة المفهوميّة،مع أنّ‏الأمر ليس كذلك،و ليس ذلك إلاّ لأجل عدم تَعنوُنه بعنوانه.قلت:التحقيق عدم تعنونه بعنوان الخاصّ،و لا يسري الإجمال إليه،و مع ذلك لا يجوز التمسّك به في الشبهة المصداقيّة;و ذلك لأنّ حجّيّة العامّ‏تتوقّف على أُصول عقلائيّة،منها:أصالة تطابق الإرادة الاستعماليّة مع‏الجدّيّة،و هذا أصل عقلائيّ يتمسّك به العقلاء إذا شُكّ في أصل التخصيص،و أمّا مع العلم به و الشكّ في مصداق أنّه من مصاديق المخصِّص-حتّى‏لا تتطابق الإرادتان بالنسبة إليه-أو لا،فلا يجوز التمسّك بالأصل العقلائي;لعدم بناء العقلاء على ذلك.فعدم التمسّك بالعامّ ليس من قبيل رفع اليد عن‏الحجّة بلا حجّة،بل يكون اقتضاء العامّ ناقصاً;لأجل عدم تماميّة الأُصول‏العقلائيّة فيه.و لعلّ هذا مرادهم من أنّ المصداق المشتَبِه و إن كان مصداقاًللعام،إلاّ أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة;لاختصاص حجّيّته‏

1)درر الفوائد 1:185-186.


149

بغير الفاسق‏ (1) .و أمّا الإجمال فلا وجه لسرايته;فإنّ الإجمال و اللاإجمال من عوارض‏الظهورات،و الخاصّ المنفصل لا يتصرّف في ظهور العامّ.هذا كلّه فيما إذاتعلّق الحكم بالطبيعة السارية.

في تعلّق الأمر و النهي بصِرف الوجود أو بالمجموع‏

و أما إذا تعلّق الأمر بها على نحو صرف الوجود،و يكون حال المصاديق‏حال المحصِّلات،أو المناشئ للانتزاع بالنسبة إلى الأمر المنتزع منها،فالأصل‏في المشتَبِهات الاشتغال;لأنّ الاشتغال اليقينيّ بصرف الوجود يقتضي البراءةاليقينيّة،و مع إتيان المشتَبِه يشكّ في البراءة،كما إذا قيل:«كن لا شارب‏الخمر»يجب تحصيل هذه الصفة لنفسه،و مع ارتكاب المشكوك فيه يشكّ في‏إطاعة هذا الأمر.و أمّا إذا تعلّق النهي بالصِّرف،و يكون الأفراد من قبيل المحصِّلات من‏غير تعلّق نهي بها،يكون الأصل هو البراءة;لأنّ النهي ليس طلب الترك‏-كما مرّ في باب النواهي‏ (2) حتّى يكون مقتضاه كالأمر،فيقال:إنّ الطلب‏إذا تعلّق بالترك لا بدّ مع الاشتغال اليقينيّ بهذا العنوان‏من‏الخروج‏عن عهدته يقيناً،بل يكون مفاد النهي هو الزجر عن الطبيعة،و مع الشكّ‏

1)انظر الكفاية 1:343،درر الفوائد 1:185.

2)انظر كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره.


150

في كون الخارج محصّل الطبيعة أو مصداقها لا يكون النهي حجّة عليه‏عقلاً بالنسبة إلى المشكوك فيه،كما قلنا في الانحلاليّات،و لا فارق بينهمامن هذه الجهة.و هكذا الحال في تعلّق الأمر و النهي بالمجموع;فإنّ مقتضي تعلّق‏الأمر به هو الاشتغال;لأنّه مع ترك المشكوك فيه يشكّ في صدق‏المجموع على البقيّة،و مقتضى الأمر هو الاشتغال بالمجموع،فلا بدّ من البراءةاليقينيّة.و قياسه بالأقل و الأكثر الارتباطيّ مع الفارق;فإنّ فيما نحن فيه تعلَّق‏الأمرُ بعنوان يشكّ‏في‏انطباقه على الخارج،و في الأقلّ و الأكثر لو كان الأمركذلك لا محيص من الاشتغال،إذا أمر بالصلاة،و شكّ في جزء مع الشكّ‏في كونه مقوِّماً للصلاة-بحيث مع فقدانه شكّ في صدق الصلاة على المأتيّ‏به-لا شبهة في لزوم الاحتياط و البراءة اليقينيّة.و أمّا النهي إذا تعلّق بالمجموع فلا يكون حجّة على المشكوك فيه،لما قلنا:إنّ مفاده الزجر عن متعلّقه،لا طلب تركه.و ممّا ذكر يظهر الحال في مقتضى الأمر و النهي المتعلّقين بالطبائع أيضا.إنّما الكلام في الأصل المحرز للموضوع:أمّا إذا تعلّق النهي بالطبيعة بنحو العامّ الأُصوليّ،و يكون الأفراد موضوعةاستقلالاً،فلا إشكال في أنّ استصحاب الخمريّة يُحرز الموضوع،و استصحاب‏عدم الخمريّة يخرجه عن تحت النهي.


151

و أمّا إذا كان النهي متعلِّقاً بالصِّرف،أو يرجع إلى إيجاب عُدوليّ،فاستصحاب عدم الخمريّة لا يثبت أنّ ارتكابه لا يكون محصِّلاً للصِّرف،و لا يثبت أن بارتكابه لا يخرج عن وصف اللاشاربيّة.و هل استصحاب عدم كونه مرتكباً للخمر إذا شرب المشكوك فيه،أواستصحاب كونه لا شارب الخمر إذا شرب المشكوك فيه،أو بعد شربه،يفيدفي تجويز الارتكاب له؟لا يخلو من إشكال.

مسألتان‏

المسألة الأُولى‏

في دوران الأمر بين التعيين و التخيير،و أنّ الأصل فيه البراءة أو الاحتياط.و تنقيح البحث يستدعي رسم أُمور:

الأمر الأوّل‏حقيقة الواجب التخييري‏

هل الواجب التخييريّ قسم خاصّ من الواجب متعلّق بشيئين أو الأشياءعلى سبيل الترديد الواقعيّ;بأن يقال:إنّ الإرادة كما يمكن أن تتعلّق بشي‏ءمعيّن يمكن أن تتعلّق بشيئين على سبيل التردّد الواقعيّ،و كذلك البعث‏و الإيجاب.و بالجملة:الوجوب التخييريّ سنخ من الوجوب في مقابل التعيينيّ،و ليس‏


152

قسماً منه‏1أم يرجع إلى الواجب التعيينيّ بحسب اللُّبّ،و أنّ الواجب هوالقدر الجامع بين الأطراف،و يكون الأمر المتعلّق بها على سبيل الترديد إرشاداًعقليّاً إلى مصاديق الجامع;حيث لا طريق للعقل إلى إدراكه؟و قد يقال في كيفيّة إنشاء التخييريّ:إنّه عبارة عن تقييد إطلاق الخطاب‏المتعلّق بكلّ فرد من الأفراد بما إذا لم يأتِ المكلّف بعِدله،فيكون كلّ طرف‏مشروطاً بعدم إتيان عدله‏ (1) .و الحقّ هو الأوّل;بشهادة الوجدان به،و عدم الدليل على امتناعه.و ما يقال:من عدم تأثير الكثير في الواحد;لأنّ الواحد لا يصدر إلاّ من‏الواحد،كما أنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد (2) أجنبيّ عن مثل المقام كماهو واضح عند أهله‏2.1و قد حقّقنا في‏مناهج الوصول‏حقيقة الواجب التخييري بحيث لا يلزم محذور منه عقلاً،فراجع.منه قدّس سرّه‏2مع أنّه على فرض صحّته لا يلزم عدم الواجب التخييري;لإمكان كون كلّ من الطرفين‏واجداً لملاك تامّ،لكن يكون لإيجابهما محذور ملاكي أو خطابي،أو كانت مصلحةالتسهيل أوجبت الإيجاب تخييراً.هذا،مع أنّ الوجوب منتزع من البعث،فإذا تعلّق تخييراً يكون الواجب تخييريّاً،و إن كان المؤثّر لتحصيل الملاك هو الجامع الواحد على فرض صحّة إجراء القاعدة في مثل المقام.منه قدّس سرّه‏

1)أجود التقريرات 1:182 و 186.

2)الكفاية 1:226.


153

الأمر الثاني‏أقسام الواجب التخييري‏

قد قسّم بضع أعاظم العصر-على ما في تقريرات بحثه-الواجب‏التخييريّ إلى ثلاثة أقسام:الأوّل:الواجب التخييريّ الابتدائيّ،كخصال الكفّارات.الثاني:الواجب التخييريّ الناشئ من تزاحم الحكمين في مقام الامتثال،و قال:لمّا كان هذا التخيير يعرض للخطابين بعد ما كانا عينيّين يمتاز عن‏القسم الأوّل.الثالث:التخيير الناشئ من تعارض النصّين مع تساويهما في مرجّحات‏باب التعارض;فإنّه بناءً على الطريقيّة-كما هو المختار-قسم آخر من التخييرأجنبيّ عن القسمين.نعم،بناءً على السببيّة يكون التخيير بينهما من قبيل‏باب التزاحم‏ (1) انتهى محصّله.و أنت خبير بأنّ التخيير الناشئ من تعارش النّصين-بناءً على الطريقيّة-ليس قسماً في مقابل القسم الأوّل;فإنّ الاختلاف في المخيَّر فيه-أي كون‏أحدهما مسألة فقهيّة،و الآخر أُصوليّة-ليس اختلافاً في الواجب التخييريّ،و إلاّ تتكثّر الأقسام حسب تكثّر المتعلّقات.اللّهمّ إلاّ أن يقال:إنّ التخيير الناشئ من تعارض النصين مفترق عن‏

1)فوائد الأُصول 3:417 و ما بعدها.


154

الابتدائيّ;بأنّ في التخيير الابتدائيّ يكون كلّ من الأطراف واجداً للملاك‏و وافياً للغرض،بخلاف تخيير باب التعارض،فإنّ أحد الطرفين-لا محالة-مخالف للواقع،و غير واجد للملاك.و بالجملة:في التخييرات الابتدائيّة يكون التخيير ناشئاً من خصوصيّةٍ في‏كلّ من الأطراف،يكون بتلك الخصوصيّة مسقطاً للغرض;لاستيفاء الملاك،بخلاف التخيير في باب التعارض،فإنّه ناشٍ من نوعيّة أداء أحدهما للواقع‏من غير إمكان معرفته،و لمّا كن ما يكون مطابقاً للواقع مجهولاً نشأ التخييرالإلجائيّ على حذو التخيير في أطراف العلم الإجماليّ الّذي يكون المكلّف‏مضطرّاً إلى ارتكاب أحدها لا بعينه،فيكون حكم العقل بالتخيير في إتيان‏أحدها ناشئاً من الاحتياط للتوصّل إلى الواقع.فالحكم الشرعيّ بالتخيير1بعد سقوطهما عن الحجّيّة عقلاً-ليس على‏حذو التخييرات الشرعيّة الابتدائيّة;فإنّها عبارة عن نحو تعلّق للإرادةبالطرفين على سبيل التردّد الواقعيّ،و التخيير في باب التعارض يكون لأجل‏التحفظ على واقع معيّن في علم اللّه لا يمكن تعريفه للمكلّف،فيصحّ أن‏يقال:هذا قسم آخر يُباين القسمين.هذا،و لكن-بعد اللتيّا و التي-ليس هذا اختلافاً في التخيير حتّى يختلف‏القسمان،بل اختلاف في متعلّقه ممّا لا يكون مناطاً لتكثير أقسامه.بل يمكن أن يقال:إنّ التخيير في باب التزاحم-ممّا هو بحكم العقل-ليس‏1قد رجعنا عنه بما هو الحقّ.منه قدّس سرّه‏


155

قسماً للتخيير مخالفاً في حيثيّة التخيير عن أخويه،فتدبّر1.

الأمر الثالث‏حكم الشك في اشتراط التكليف في مرحلة البقاء

يعتبر في جريان البراءة العقليّة الشكّ في أصل التكليف من غير اعتبارشي‏ء آخر فيه،من كون وضعه و رفعه بيد الشارع ابتداءً أو مع الواسطة،و من‏غير أن يكون في رفعه مِنّة على العباد أو لا،أو يكن في وضعه ضيق عليهم‏أو لا،أو يكون من الأُمور الوجوديّة أو لا.و بالجملة:تمام المناط هو عدم تماميّة الحجّة على العبد،و كون العقاب عليه‏-على فرضه-بلا بيان.كما أنّ ميزان الاشتغال هو الشكّ في السقوط بعد تماميّة الحجّة،و وصول‏البيان،من غير اعتبار شي‏ء آخر;و هذا ممّا لا إشكال فيه.إنما الكلام فيما أفاده بعض أعاظم العصر-على ما في تقريرات بحثه-:من أنّ الشكّ في اشتراط التكليف في مرحلة البقاء و الاستمرار يرجع إلى‏1إلاّ أن يكون مراده تقسيم الواجب-أي المتعلَّق-لكن ظاهره هو تقسيم التخيير و إن جعل‏المقسم الواجب التخييري.ثمّ إنّه يرد عليه إشكال آخر:و هو أنّ الأمر في المتزاحمين ليس كما زعم من تقييد التكليف‏عقلاً و صيرورة التكليف بعد ذلك من قبيل الواجب المخيَّر (1) و قد حقّقنا ذلك بما لا مزيدعليه في باب الترتّب،فراجع.منه قدّس سرّه‏

1)فوائد الأصول 3:419.


156

الشكّ في السقوط،و الأصل فيه الاشتغال.قال ما حاصله:إنّه كما يمكن أن يكون التكليف في عالم الثبوت و التشريع‏مشروطاً كاشتراط الحجّ بالاستطاعة،كذلك يمكن أن يحدث للتكليف‏الاشتراط في مرحلة البقاء بعد ما كان مطلقاً في مرحلة الثبوت و الحدوث;كمالو فرض اشتراط بقاء التكليف بالصلاة بعدم الصيام،و هذان الفرضان متعاكسان‏في جريان البراءة و الاشتغال عند الشكّ;فإنّ الأصل في الأوّل البراءة،و في‏الثاني الاشتغال;لأنّ حقيقة الشكّ في الثاني يرجع إلى أنّ الصيام في المثال‏هل يكون مسقطاً للتكليف بالصلاة أو لا؟و ذلك واضح‏ (1) انتهي.أقول:مراده من الاشتراط في مرحلة البقاء-كما يظهر منه فيما سيأتي‏ (2) -نظير الاشتراط في الواجب التخييريّ;من كون كلٍّ من التكليفين مشروطاًبعدم إتيان الآخر،بناءً على رجوع الواجب التخييريّ إلى تقييد إطلاق كلّ‏من الطرفين بعدم إتيان الآخر،ففي مثل خصال الكفّارات يكون كلّ من‏الأطراف مقيَّداً بعدم إتيان الآخر.و لا يخفى أنّه لو قلنا برجوع الواجب التخييريّ إلى تقييد الإطلاق‏لا يرجع الشكّ إلى مرحلة البقاء و الاستمرار،بل يرجع إلى مرحلة الثبوت;لأنّ تقييدَ ما يكون مطلقاً بحسب اللُّبّ و الثبوت محال يرجع إلى البداءالمستحيل،فيكون التكليف واقعاً إمّا مطلقاً أتى بالآخر أو لا،و إمّا مشروطاً

1)فوائد الأصول 3:421.

2)في صفحة:159.


157

بعدم إتيان الآخر.و لا فرق في اشتراط التكليف بين أن يكون شرطه إتيان شي‏ء أو حصول‏شي‏ء،فالحجّ مشروط بحصول الاستطاعة،و الواجب التخييريّ يرجع لُبّاً-على الفرض-إلى الاشتراط بعدم الإتيان بصاحبه،فيكون التكليف في‏مرحلة الثبوت و الحدوث مشروطاً بعدم إتيان الآخر،فيرجع الشكّ إلى الشكّ‏في التكليف المطلق،و الأصل فيه يقتضي البراءة;لأنّ حجّة المولى لم تكن‏تامّة بالنسبة إلى الطرف بعد الإتيان بصاحبه.و لا يمكن أن يقال:إنّ التكليف قبل الإتيان بصاحبه كان مطلقاً،و بالإتيان‏صار مشروطاً;لعدم تعقّل صيرورة المطلق ثبوتاً مشروطاً كذلك،فالتكليف:إمّا مطلق مطلقاً،و إمّا مشروط كذلك.نعم عند حصول الشرط في المشروطيصير التكليف المشروط فعليّاً;لتحقّق شرطه.و بالجملة:لا وجه لما أفاده في الواجبات التي تكون شروطها شرعيّة.نعم‏فيما إذا كان الشكّ في الشروط العقليّة-كالشكّ في القدرة-يرجع الشكّ‏إلى السقوط،و الأصل فيه الاشتغال;لأنّ التكليف من قبل المولى مطلق،و الملاك تامّ،و يكون تقييد الإطلاق في مورد عدم القدرة عقليّاً،و من قبيل‏تفويت المصلحة اضطراراً1و في مثل ذلك يحكم العقل بالاحتياط إلاّ إذاثبت المُؤمِّن،فإذا شكّ المكلّف في القدرة لا يجوز له القعود عن التكليف‏حتّى يثبت له عجزه،و إلاّ تكون حجّة المولى عليه تامّة،بخلاف الشرط1بل التحقيق عدم التقييد أصلاً.منه قدّس سرّه‏


158

الشرعيّ،فإنّه من قيود الموضوع لُبّاً،و الفرق بينهما واضح لا يحتاج إلى تجشّم‏الاستدلال.

الأمر الرابع‏في أنحاء الشكّ في التعيين و التخيير

الشكّ في التعيين و التخيير قد يكون بعد العلم بتوجّه الخطاب بأحدالشيئين في أنّ وجوبه يكون تعيينياً أو يكون شي‏ءٌ آخرُ عِدلَه،و قد يكون بعدالعلم بتوجّه الخطاب بشيئين في أنّ وجوبهما يكون على سبيل التعيين أوالتخيير،و قد يكون بعد العلم بتعلّق التكليف بشي‏ء وجوباً و سقوطه بإتيان‏شي‏ء آخر،لكن يشكّ في أنّه عدله،أو يكون مباحاً أو مستحبّاً مسقطاًللواجب.

في مقتضى الأصل في الأنحاء الثلاثة

و ليعلم أنّ موضوع البحث هو مقتضى الأصل العقليّ أو الشرعيّ،مع قطع‏النّظر عن ظهور الأوامر.

في النحو الأوّل:

فنقول:إذا شككنا في التعيين و التخيير بعد العلم بتعلّق التكليف بأحدالشيئين،كما إذا شكّ في أنّ الشي‏ء الفلانيّ عِدل لهذا الواجب أو لا،و يكون‏


159

التخيير من التخييرات الابتدائيّة الشرعيّة-أي القسم الأوّل من التخيير-فهل‏الأصل العقليّ يقتضى البراءة عن التعيينيّة أو الاحتياط؟التحقيق:أنّه إن قلنا بأنّ الواجب التخييريّ يرجع إلى الواجبين أوالواجبات المشروطة بعدم إتيان ما بقي،فالأصل فيه البراءة;لأنّ الشكّ يرجع‏إلى الإطلاق و الاشتراط في التكليف،فمع الإتيان ببعض الأطراف يشكّ في‏أصل التكليف.و ما أفاده المحقّق المتقدّم:من أنّ الشكّ يرجع إلى السقوط;لأنّ التقييدإنّما يكون في مرحلة البقاء و الاستمرار (1) قد عرفت ما فيه‏ (2) .نعم لو كان‏التكليف مطلقاً،و شكّ في سقوطه بإتيان شي‏ء آخر من غير اشتراطه شرعاًبعدم إتيانه،كان الشكّ في السقوط،لكنّه خلاف المفروض.و إن قلنا بأنّ الواجب التخييريّ يرجع إلى التخيير العقليّ الّذي كشف عنه‏الشارع،و يكون الجامع بين الأطراف واجباً شرعيّا تعييناً.ففيه وجهان:من حيث إنّ الأمر دائر بين وجوب قدر الجامع بين الفرد و صاحبه‏و بين وجوب الخصوصيّة،فيكون من صُغريات المطلق و المقيّد،و الأصل فيه‏البراءة.و من حيث إنّ التكليف بالخاصّ هاهنا معلوم يجب الخروج عن عهدته،و لا يكون الجامعُ معلومَ الوجوب بما أنّه جامع و القيدُ مشكوكاً فيه،كما في‏

1)فوائد الأُصول 3:428.

2)انظر صفحة:156-157.


160

الطلق و المقيّد;فإنّ المطلقَ هناك معلوم الوجوب و القيدَ مشكوك فيه فيرفع‏بالأصل،بخلاف ما نحن فيه;فإنّ الجامع لا يكون متعلّق التكليف على أيّ‏حال،بل هو واجب على فرض الوجوب التخييريّ،فالتكليف بالخاصّ‏معلوم يجب البراءة منه عقلاً،و إتيان الفرد الآخر لا يوجب البراءة عن‏التكليف المتعلّق بأمر معلوم‏1.و إن قلنا بأن الواجب التخييريّ سنخ آخر من الوجوب متعلّق‏بالأطراف على نحو التردّد الواقعيّ،ففي جريان البراءة أو الاشتغال-أيضا-وجهان:من حيث إنّ الحجّة من قبل المولى لم تتمّ إلاّ بتكليف مردّد بين التعيّنيّةالمقتضية لإتيان الفرد الخاصّ،و التخييريّة الغير المقتضية إلاّ لعدم ترك جميع‏الأطراف،فما قامت به الحجّة هو عدم جواز ترك الأطراف،و أمّا وجوب‏الخصوصيّة فلا.و من حيث إنّ الحجّة قامت على الفرد الخاصّ;فإنّه واجب بلا إشكال،و الاشتغال اليقينيّ يوجب البراءة اليقينيّة،و لا يمكن البراءة بفرد أجنبيّ لدى‏1لكن هنا مطلب آخر،و هو أنّه بناءً على أنّ الواجب هو الجامع يكون الخطاب المتعلّق‏بالمصداق و إرشاديّاً،لا مولويّاً،و مع الشكّ في التعيّن و التخيير يشكّ في إرشاديّةالطلب و مولويّته،فلا يكون حجّة على المكلّف بالنسبة إلى الخصوصيّة;حتّى يقال:إنّ‏الاشتغال اليقينيّ بها يقتضي البراءة اليقينية،فلا حجة للمولى بالنسبة إليها،فالقاعدةتقتضي البراءة،و كون الأمر ظاهراً في المولويّة خلاف مفروض البحث العقليّ المناسب للمقام.منه قدس سره‏


161

العقل،و لا عذر للمكلّف في ترك التكليف المعلوم و إتيان الفرد المشكوك فيه‏بتوهم كونه أحد طرفي الواجب التخييريّ.و هذا هو الأقوى.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الواجب التخييريّ إن كان من قبيل الواجبات‏المشروطة،فالأصل في دوران الأمر بينه و بين الواجب التعيينيّ البراءة،و إلاّفالأصل هو الاشتغال.و أمّا البراءة الشرعيّة فالظاهر عدم جريانها;لأنّ رفع التعيينيّة-على فرض‏إمكانه-لا يثبت كون الفرد المشكوك الوجوب طرفاً لمعلوم الوجوب;حتّى‏يجوز الاكتفاء به عن الفرد المعلوم.

النحو الثاني:

ممّا ذكرنا يتّضح الأمر في الفرض الآخر من الشكّ في التعيين و التخيير،و هو ما إذا علم توجه التكليف بشيئين و شكّ في التعيين و التخيير،فإنّ الأصل‏فيه-أيضا-البراءةُ إذا رجع التكليف التخييريّ إلى الواجبات المشروطة،و الاشتغالُ على غيره،و إن كان احتمال البراءة في هذا الفرض أقرب من‏الفرض السابق،مع كون الواجب التخييريّ سنخاً آخر من الوجوب;لإمكان‏أن يقال:إنّ أصل تعلّق الوجوب بالفردين يقينيّ قامت الحجّة عليه،و أمّا كيفيّة تعلّقه بهما-و أنّه على سبيل التعيين حتّى يجب الإتيان بهما،أو على سبيل التخيير حتّى لا يجب إلاّ الإتيان بواحد منهما-فغيرمعلوم،و ليس للمولى حجّة على التعيينيّة;لأنّ المردّد بين الأمرين لا يكون‏


162

حجّة على أحدهما،فليس للمولى المؤاخذة على ترك البقيّة بعد الإتيان‏بواحد منهما1.كما أنّه لا يبعد جريان البراءة الشرعيّة-أيضا-عن تعيينيّة الوجوب.و لا يصغى إلى ما قيل:من أنّ وصف التعيينيّة ليس وجوديّاً قابلاً للرفع‏ (1) للمنع عن كونه عدميّاً;فإنّه ينتزع من تمركز الإرادة و الإيجاب في شي‏ءمعيّن،و لازمه عدم الاكتفاء بغيره عنه.مضافاً إلى منع تقوّم جريان حديث‏الرفع بكون الشي‏ء وجوديّاً،و ما ذكر في الضابط فيه ليس بشي‏ء (2) .

النحو الثالث:

بقي الكلام في الوجه الثالث من وجوه الشكّ في التعيين و التخيير:و هوما إذا علم بتعلّق التكليف بأحد الشيئين،و علم-أيضا-بأنّ الشي‏ء الآخرمسقط للتكليف به،و لكن شكّ في أنّ إسقاطه له لكونه عدلاً له أن لكونه‏مفوِّتاً لموضوعه،سواء كان إسقاطه من حيث كون عدمه شرطاً لملاك‏الواجب،و يكون هو بالنسبة إليه مشروطاً،أو كان إسقاطه من حيث كونه‏مانعاً عن استيفاء الملاك مع بقائه على ما هو عليه.1إلاّ أن يقال:إنّ التكليف المتعلّق بكلّ طرف لا يجوز تركه لأجل الإتيان بالآخر.منه قدّس سرّه‏

1)انظر فوائد الأُصول 3:427.

2)نفس المصدر السابق.


163

فإن شكّ في ذلك و تردّد الأمر بين أن يكون من أفراد الواجب التخييريّ‏أو أحد الوجهين الآخرين،فالأصل فيه يقتضي البراءة:فمع التمكّن من إتيان‏ما هو متعلّق التكليف يجوز الاكتفاء بالطرف الآخر;لأنّ كونه من قبيل‏الواجب المشروط أحد الاحتمالات،و مع تردّد الواجب بين المطلق و المشروطفالأصل البراءة مع فقدان شرطه،و مجرّد احتمال كون المسقط مفوِّتاً للملاك‏و مانعاً عن استيفائه،لا يوجب استحقاق العقوبة مع عدم تماميّة الحجّةبالنسبة إلى الواجب المطلق.فما أفاده بعض أعاظم العصر (1) على ما في‏تقريرات بحثه-منظور فيه‏1..و مع عدم التمكّن من إتيان ما هو متعلّق التكليف،فالأصل في الطرف‏الآخر المسقط-مع الشكّ في كونه أحد طرفي الواجب التخييريّ،أو كونه‏مباحاً أو مستحبّاً مسقطاً للتكليف-البراءة،و هذا واضح.هذا كلّه حال الشكّ في التعيين و التخيير مع القسم الأوّل من أقسام‏الواجب التخييريّ،أي التخيير الشرعيّ الابتدائيّ.و أمّا القسم الثاني:و هو تخيير باب التزاحم-فإن دارَ الأمر بين التخييرو التعيين في هذا القسم;بأن احتمل أقوائيّة ملاك أحدهما المعيّن-كما إذااحتمل كون أحد الغريقين هاشميّاً،مع العلم بأهمّيّة إنقاذ الهاشميّ أو1و يأتي فيه ما تقدّم بالنسبة إلى سائر احتمالات الواجب التخييريّ،و لا جدوى في‏تكراره.منه قدّس سرّه‏

1)فوائد الأُصول 3:430.


164

احتمالها-فالأصل فيه الاشتغال;لا لما ذكره بعض أعاظم العصر رحمه اللّه‏-على ما في تقريراته-:من أنّ تقييد الإطلاق في مرحلة البقاء يقتضي‏الاشتغال‏ (1) لما عرفت ما فيه‏ (2) بل لأنّ التقييد هاهنا عقليّ عبد تماميّة الملاك‏و الحجّة من قبل المولى;فإنّ في مثله لا يجوز للعبد التقاعد عن تكليف مولاه‏بمجرّد الشكّ في التقييد،نظير الشكّ في القدرة على امتثال أمره،فإنّ العقل‏يحكم بالاشتغال،و عدم جواز التقاعد عن الامتثال بمجرّد الشكّ;كلّ ذلك‏لأنّ التكليف من قِبل المولى مطلق و الملاك تامّ،و مع الشكّ في العذر لا بدّ من‏قيامه بوظائف العبوديّة،و ليس الشكّ عذراً له.و بالجملة:فرق بين التقييدات الشرعيّة و العقليّة التي ترجع إلى العجزعن إتيان تكليفه بعد تماميّة ملاكه،فمع الشكّ في الإطلاق و التقييدالشرعيين الأصل البراءة،و أمّا مع الشكّ في التقييد العقليّ فالأصل‏الاشتغال‏1.و أمّا القسم الثالث من أقسام الواجب التخييري،و هو ما إذا كان التخيير1هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقرير الاشتغال.لكن التحقيق هو البراءة،و فرق بين المقام و باب الشكّ في القدر;لأنّ حجّة المولى في‏المقام لا تتمّ إلاّ بالنسبة إلى طبيعة إنقاذ الغريق،و لا يمكن أن يصير مثل هذا الدليل حجّةعلى أمر زائد عن متعلّقه،فالشكّ يرجع إلى تكليف زائد متوجّه إلى إنقاذ محتمل‏الأهميّةو الأصل فيه البراءة....منه قدس سره‏

1)فوائد الأُصول 3:433.

2)انظر صفحة:156-157.


165

لأجل تعارض الحجتين فإن قلنا بالسببيّة في الأمارات،و سلكنا مسلك‏المنتسب إلى الأشعري‏ (1) من أنّ قيام الأمارات سبب لحدوث مصلحة في‏المؤدّى تستتبع الحكم على طبقها،بحيث لا يكون وراء المؤدّى حكم في حقّ‏من قامت لديه الأمارة،و تكون الأحكام الواقعيّة مختصّة بالعالم بها-فالأصل يقتضي البراءة عن التعيين لدى الشكّ;لأنّ الشكّ في كون إحدى‏الأمارتين ذا المزيّة شكّ في حدوث التكليف على طبقها.و كذا الكلام فيما إذا سلكنا مسلك المنتسب إلى المعتزلي‏ (2) و هو سببيّةقيام الأمارة لحدوث مصلحة في المؤدّى تكون أقوى من مصلحة الواقع،و يكون الحكم الفعليّ تابعاً للمؤدّى;فإنّ فيه أيضا-مع احتمال المزيّة في‏إحدى الأمارتين-يكون الشكّ في حدوث التكليف تابعاً لذي المزيّة،و الأصل فيه البراءة.نعم،بناءً على ماإذاسلكنا مسلك من قال:إنّ قيام الأمارة سبب‏لحدوث مصلحة في السلوك مع بقاء الواقع و المؤدّى على ما هما عليه،بل المصلحة إنّما تكون في تطرّق الطريق و سلوك الأمارة (3) فللقول‏بأنّ الأصل يقتضي الاشتغال-عند الشكّ في التعيين و التخيير-وجه;لصيرورة باب التعارض-بناءً عليه-كباب التزاحم،فإن قلنا به هناك نقُله‏

1)انظر المستصفى 2:363،فواتح الرحموت-المطبوع في حاشية المستصفى-2:380.

2)بدائع الأفكار 1:297.

3)فرائد الأُصول:26-27.


166

ها هنا;لأنّ مناط باب التزاحم أن يكون كلّ من المتزاحمين واجداً للملاك،و المتعارضان-بناءً على السببيّة في خصوص المسلك الثالث-يكونان‏كذلك;لأنّ في سلوك كلّ من الأمارتين ملاكاً تامّاً،فيصيران من صُغريات‏باب التزاحم.و أمّا بناءً على المسلكين الآخرين فلا يصير من قبيل باب التزاحم;لأنّ‏المؤدّى الواحد إذا قامت الأمارتان عليه يحكم إحداهما بوجوبه و الأخرى‏برحمته مثلاً،فَحدَث بمقتضاهما مصلحة و مفسدة فيه،يقع بينهما الكسرو الانكسار،فيصير الحكم تابعاً للغالب منهما إن زاد ملاك أحدهما،و إلاّفتصير النتيجة التخيير بينهما.فلو قامت أمارة على وجوب صلاة الجمعة،و أُخرى على حرمتها،فحدثت بمقتضى كلّ منهما مصلحة و مفسدة فيها،فإن كان إحدى‏الأمارتين ذات مزيّة مرجِّحة تكشف عن غلبة الملاك في ذيها،فيصير الحكم‏تابعاً لذيها،و إن تساويتا بحسب المزيّة يكشف عن تساوى الملاكين،فيحكم‏بالتخيير،و إن احتمل في إحداهما مزيّة يحكم بالبراءة;للشك في حدوث‏الحكم الشرعيّ التابع للملاك،و هذا بخلاف المسلك الثالث;فإنّ متابعة كلّ‏من الأمارتين غير متابعة الأُخرى،و الفرض أن في تطرّق الطريق مصلحةو ملاك يوجب الحكم،فيصير من صغريات باب التزاحم.و يمكن أن يقال بالبراءة في المقام دون باب التزاحم;لأنّ السرّ في‏الاشتغال هناك أنّ للمولى حكماً مطلقاً ذا ملاك متعلّقاً بكلّ واحد من‏


167

الموضوعين،و عند التزاحم بينهما يقيّد العقل إطلاقه لعجزه عن الجمع بينهما،و في التقييدات العقليّة الراجعة إلى مقام الامتثال يكون الأصل الاشتغال،و المولى لم يلاحظ ظرف المزاحمات،و لم يقيّد حكمه بلحاظ باب التزاحم،و لم يتكفّل ترجيح أحد المتزاحمين،بخلاف ما نحن فيه،فإنّ حكم المولى‏-بناءً على السببيّة-يحدث بتبع قيام الأمارة و ترجيح سلوكها على مصلحةالواقع،و قد لاحظ المولى مقام تزاحم الأمارتين و ترجيح إحداهما على‏الأُخرى،و جعل الحكم تابعاً لذي المزيّة.و بالجملة:يحدث الحكم عند حدوث المصلحة الراجحة بتبع قيام الأمارةالتي هي ذو المزيّة،فيرجع الشكّ في التعيين و التخيير إلى الشكّ في حدوث‏التكليف،و الأصل فيه البراءة.تأمّل.و قد اتّضح بما ذكرنا من التفصيل على السببيّة ما في تقريرات بحث‏بعض الأعاظم رحمه اللّه:من أنّ الكلام على السببيّة مطلقاً كالكلام في‏الغريقين عند احتمال أهمّيّة أحدهما المعيّن،و يكون الباب من صُغريات باب‏التزاحم‏ (1) هذا كلّه على السببيّة.و أمّا على الطريقية و الكاشفيّة:فبعد تعارض الأمارتين و تساقطهما عقلاً،و الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة في الأخذ بالمرجِّحات،يكون الأصلُ لدى‏الشكّ في التعيين و التخيير الناشئ عن الشكّ في المزيّة الاشتغالَ;لرجوعه‏إلى الشكّ في حجّيّة الأمارة التي ليس فيها احتمال المزيّة،و الأصل عدم‏

1)فوائد الأُصول 3:434.


168

الحجّيّة عند الشكّ فيها.

المسألة الثانيةفي دوران الأمر بين الواجب العينيّ و الكفائيّ:

هل الأصل يقتضى العينيّة فلا يسقط الواجب بفعل الغير،أو الكفائيّةفيسقط بفعله؟و ليس المقصود إثبات عنوان العينيّة أو الكفائيّة،بل المقصود أن‏الأصل يقتضي الاحتياط،فيجب إتيانه و لو أتى به الغير،أو البراءة إذا أتى به‏غيره.

في تصويرات الواجب الكفائي‏

و تحقيق المقام يبتني على تصوير الواجب الكفائيّ،و تحقيق حقيقته،و ما قيل في تصويره وجوه:الأوّل:أن يكون التكليف متعلِّقاً بجميع المكلّفين مشروطاً بعدم سبق الغيربالفعل،فينحلّ الخطاب إلى خطاباتٍ عديدة-حسب تعدّد المكلّفين-مشروطةٍ بعدم سبق الغير بالفعل.الثاني:أن يتعلّق خطاب واحد إلى النوع،و لمكان انطباق النوع على‏الآحاد يكن كلّ فرد منهم مكلّفاً،فإذا أتى‏به‏واحد منهم يسقط عن‏الآخرين;لأنّ الخطاب الواحد لا يقتضى إلاّ امتثالا واحداً (1) .

1)فوائد الأُصول 1:437.


169

الثالث:أن يكون التكليف متوجّهاً إلى آحاد المكلّفين على نحو الواجب‏العينيّ،لكنّ المكلَّف به يكون صِرف الوجود،فإذا أتى به واحد منهم يحصل‏المتعلّق و الغرض،و يسقط التكليف‏ (1) .و بناءً عليه يفترق الكفائيّ عن العينيّ بمتعلّق التكليف بعد اشتراكهما في‏تعلّقه بجميع المكلّفين عيناً;فإنّ متعلّق التكليف في الواجب العينيّ هو نفس‏الطبيعة القابلة للكثرة،أو الطبيعة المتقيِّدة بصدورها من كلّ مكلّف،فتتكثّربتكثّر المكلّفين،و لا يسقط بفعل بعضهم عن بعض;لأنّ الطبيعة المتقيّدةبصدورها عن كلّ مكلّف تغاير الطبيعة المتقيّدة بصدورها عن غيرها،لكن‏لا بدّ من فرضها بنحو لا يلزم المحذور العقليّ.و أمّا المتعلّق في الواجب الكفائيّ فهو صِرف الوجود الغير القابل للتكرار،و متوجّه إلى جميع المكلّفين،فيجب على جميعهم إتيانه،فإذا سبق أحدهم‏بالإتيان أتى بتمام المتعلّق و سقط الغرض و التكليف،و إن ترك الكلّ يكون‏جميعهم عصاةً;لعصيان التكليف المتوجّه إليهم،و إن أتى الجميع معاً يكون‏كلّهم مطيعين;لإتيان الكلّ ما هو متعلّق التكليف.الرابع:أن يكون المتعلّق في الواجب الكفائي هو واحد من المكلّفين-أي‏هذا العنوان القابل للانطباق على كلّ واحد منهم-لكن بإتيان واحد منهم‏يسقط التكليف،و هذا على نحوين:تارة يكون بشرط لا،و أُخرى لا بشرط.الخامس:أن يكون التكليف في الكفائي على نحو الواجب التخييري،

1)انظر القوانين 1:120-121،الكفاية 1:228-229.


170

لكن التخيير يكون بين المكلّفين،لا المكلّف به‏ (1) .السادس:أن يكون التكليف على آحاد المكلّفين،لكن إتيان بعضهم‏موجباً لسقوط التكليف،إما بملاك الاستيفاء لتمام الملاك،أو غير ذلك.

اختلاف الأصل باختلاف الوجوه في الكفائي‏

إذا عرفت ذلك فالأصل بحسب هذه الوجوه مختلف في البراءةو الاشتغال.أمّا على الوجه الأوّل:فلا إشكال في البراءة;لأنّ الأمر دائر بين الواجب‏المطلق و المشروط مع عدم تحقّق شرطه بعد إتيان بعض المكلّفين;فإنّ الشرطفيه لا بدّ و أن يكون عدم سبق الغير إلى زمان يفوت التكليف إن تأخّر منه،لا عدم سبقه في الجملة;لأنّ لازمه أن يصير التكليف مطلقاً بالنسبة إلى كلّ‏المكلّفين مع عدم السبق في الجملة،و لا يسقط بفعل بعضهم،و هو كما ترى;فإنّ الواجب الكفائيّ كفائيّ إلى آخر،فبناءً على أن يكون الشرط عدم سبق‏الغير إلى زمان يفوت لو تأخّر عنه،فمع إتيان بعضهم لا يكون شرطه محقّقاً،فدار الأمر-في الشكّ بين الوجوب العينيّ و الكفائيّ-بين الواجب المطلق‏و الواجب المشروط مع عدم تحقّق شرطه،كما لو دار أمر الحجّ بين كونه‏واجباً مطلقاً أو مشروطاً بالاستطاعة مع عدم تحقّقها،فإنّه لا إشكال في‏جريان البراءة فيه.

1)انظر قوامع الفضول في الأصول:177-178.


171

و أمّا الثالث:فقد يقال فيه بالبراءة;لأنّ الأمر دائر بين أن يكون التكليف‏متعلّقاً بنفس الطبيعة،أو بالطبعة المتقيّدة بصدورها عن آحاد المكلّفين،فتعلّقه بنفسه الطبيعة متيقّن،و قيدُ صدورها من الآحاد مشكوك فيه،و مدفوع‏بالأصل،فإذا أتى واحد منهم بالطبيعة لا يكون للمولى حجّة على إتيان‏البقيّة;لأنّ ما قامت الحجّة بها-و هي أصل الطبيعة-قد أُتي بها،و لا حجّة له‏على صدورها من الجميع.و بالجملة:يدور الأمر بين المطلق و المقيّد،و الأصل فيه البراءة.و فيه:أنّ الأمر دائر بين صِرف الوجود و الطبيعة المتقيّدة بصدورها من كلّ‏مكلّف-أي نفس الطبعة القابلة للكثرة-فمع إتيان بعضهم يشكّ في سقوطالأمر،فالأصل الاشتغال.و على الوجه الثاني:فالظاهر أنّ الأصل فيه يقتضي الاحتياط;لأنّ التكليف‏المتوجّه إلى المكلّف معلوم قبل إتيان الغير;لأنّه إمّا مكلّف بالتكليف العينيّ،أو مكلّف لانطباق النوع عليه،و بعد إتيان الغير يشكّ في سقوط التكليف.و ليس النوع مع الشخص من قبيل المطلق و المقيّد حتّى يقال:إنّ التكليفَ‏المتوجّه إلى النوع معلوم،و التكليفَ المتوجّه إلى الشخص مشكوك فيه يدفع‏بالأصل;لأنّ التكليف المتوجّه إلى الشخص ليس متوجّهاً إلى النوع‏المتشخص و إن ينسب إليه بعد التوجّه إلى الشخص.هذا،و لكنّ الإشكال في أصل المبنى،و أنّ التكليف في الواجب الكفائيّ‏متوجّه إلى النوع;لأنّ هذا لا يرجع إلى محصّل كما لا يخفى على المتأمل.


172

فظهر ممّا ذكرنا:أنّ الأصل في الشكّ بالعينيّ و الكفائيّ هو البراءة على‏بعض التصاوير و الاشتغال على بعض;كالشكّ في الواجب التعينيّ‏و التخييريّ،بل جريان الأصل هاهنا أظهر.فسقط بما ذكرنا جميع ما في‏تقريرات بعض أعاظم العصر رحمه اللّه في المقام من المبنى و البناء (1) .

في دوران الأمر بين المحذورين‏

قوله:فصل:إذا دار الأمر بين...إلخ‏ (2) .(1)ذهب بعض مشايخ العصر-على ما في تقريرات بحثه-إلى عدم جريان‏شي‏ء من الأُصول العقليّة و الشرعيّة في موارد دوران الأمر بين المحذورين،و لماكان في كلامه موارد من الخلط نذكر المهمّات منها،و نشير إلى ما فيها.

في جريان الأصل العقلي‏

و حاصل ما أفاد في باب عدم جريان الأصل العقليّ:أنّ التخيير العقليّ‏إنّما هو فيما إذا كان في طرفي التخيير ملاك يلزم استيفاؤه،و لم يتمكّن‏المكلّف من الجمع بين الطرفين،كالتخيير في باب التزاحم،و في دوران الأمربين المحذورين ليس كذلك;لعدم ثبوت الملاك في كلّ من الطرفين،فالتخييرالعقليّ فيه إنّما هو من التخيير التكوينيّ-حيث إنّ الشخص لا يخلو بحسب‏

1)فوائد الأُصول 3:436.

2)الكفاية 2:203.


173

الخلِقة من الأكوان الأربعة-لا التخيير الناشئ عن الملاك،فأصالة التخيير عندالدوران بين المحذورين ساقطة (1) .و أمّا البراءة العقليّة:فغير جارية;لعدم الموضوع لها،فإنّ مدركها قبح‏العقاب بلا بيان،و في دوران الأمر بين المحذورين يقطع بعدم العقاب;لأنّ‏وجود العلم الإجماليّ كعدمه لا يقتضي التنجيز و التأثير،فالقطع بالمؤمّن‏حاصل بنفسه بلا حاجة إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان‏ (2) .و فيه ما لا يخفى،أمّا بالنسبة إلى أصالة التخيير:فلأنّ انحصارهافي المتزاحمين اللذين يكون في كلّ منهما ملاك يلزم استيفاؤه،ممّا لا وجه له;فإنّ في موارد الاضطرار-إلى بعض الأطراف الغير المعيّن من العلم‏الإجماليّ-يحكم العقل بالتخيير في رفع الاضطرار بأيّهما شاء،و يحكم بالتخيير لترك أيّهما شاء،مع أنّ الملاك لا يكون في كلّ من الطرفين‏ففي دوران الأمر بين المحذورين يحكم العقل بعدم ترجيح أحدهما المعيّن;لقبح الترجيح بلا مرجّح،و يحكم بتساوي الفعل و الترك،و هذا هو حكمه‏بالتخيير.و بالجملة:إذا كان طرفا الفعل و الترك في نظر العقل متساويين يحكم‏بالتخيير بينهما،و مجرّد كون الإنسان لا يخلو من طرفي النقيض لا يوجب‏عدم حكمٍ للعقل في موردهما.

1)فوائد الأُصول 3:444.

2)فوائد الأُصول 3:448.


174

و بالجملة:إنّ العقل إمّا يرى ترجيحاً ملزماً في أحد الطرفين فيحكم‏بالتعيين،و إلاّ فيحكم بالتخيير،و لا يبقى مُرَدّداً لا يحكم بشي‏ء.و لا يخفى أنّ عدم خلوّ الإنسان من الأكوان الأربعة أجنبيّ عن المقام.نعم الإنسان كما لا يخلو عن الأكوان الأربعة لا يخلو عن أحد طرفي النقيض‏أيضا.و أمّا ما أفاد في وجه عدم جريان البراءة العقليّة فلا يخلو من غرابة;فإنّ‏كون العلم الإجماليّ كعدمه لا يوجب القطع بالمؤمّن،و لو لا قبح العقاب‏بلا بيان فأيّ مانع للمولى من العقاب على التكليف الواقعيّ وجوباً كان أوحرمة؟!و إنّما المؤمّن بالنسبة إلى نوع التكليف هو قبح العقاب بلا بيان،و أمّاأصل التكليف المردّد بين الوجوب و الحرمة،فلمّا كان معلوماً لا يكون مورداًللقاعدة،و لا يجوز العقاب لا للقاعدة،بل لعدم قدرة المكلّف على الموافقةالقطعيّة،فعدم العقاب بالنسبة إلى نوع التكليف لقاعدة قبح العقاب بلا بيان،و بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة للتكليف بينهما لعدم قدرة العبد عليها.هذا كلّه‏بالنسبة إلى الأصل العقليّ‏1.1و أمّا ما أفاده بعض المحقّقين في وجه عدم جريان الأُصول عقليّةً و شرعيّةً:من أنّ‏الترخيص الظاهريّ بمناط عدم البيان إنّما هو في طرف سقوط العلم الإجماليّ عن التأثير،و المسقط له-حيثما كان-هو حك العقل بمناط الاضطرار،فلا يبقى مجال لجريان البراءةالعقليّة و الشرعيّة;نظراً إلى حصول الترخيص حينئذٍ في الرتبة السابقة عن جريانها بحكم‏العقل بالتخيير بين الفعل و الترك‏ (1) .ففيه:أنّ حكم العقل بالتخيير في الرتبة المتأخّرة عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان في طرفي‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:293 سطر 22-السطر الأخير.


175

في جريان الأصل الشرعي‏

و أمّا الأُصول الشرعيّة فحاصل ما أفاد في عدم جريان أصالة الإباحةأُمور:الأوّل:عدم شمول دليلها للمقام;فإنّه يختصّ بما إذا كان طرف الحرمةالحلّ و الإباحة،لا الوجوب،كدوران الأمر بين المحذورين،كما هو ظاهر قوله:(كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال) (1) .الثاني:ما مرّ (2) من أنّ دليل أصالة الحلّ يختصّ بالشبهات الموضوعيّة،و لا يعمّ الشبهات الحكميّة.الثالث:أنّ جعل الإباحة الظاهريّة لا يمكن مع العلم لجنس الإلزام;فإنّ‏أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي تنافي المعلوم بالإجمالي;لأنّ مفادها الرخصةفي الفعل و الترك،و ذلك يناقض العلم بالإلزام و إن لم يكن لهذا العلم أثرالفعل و الترك،و إلاّ فرض عدم قبحه بالنسبة إلى خصوص أحد الطرفين لم يحكم‏بالتخيير بالضرورة،فالاضطرار لا يكون إلاّ لواحد منهما،و أمّا بخصوص كلّ منهما فلايكون مضطرّاً،فلو فرض كونه واجباً بحسب الواقع،و ترك المكلّف مع قدرته على فعله‏بالضرورة،لم يكون عدم العقاب للاضطرار و عدم القدرة،بل لقبح العقاب بلا بيان،و كذافي الترك بالخصوص.منه قدس سره‏

1)الكافي 5:313-39 باب النوادر من كتاب المعيشة،الفقيه 3:216-91 باب 96في الصيد و الذبائح،الوسائل 12:59-1 باب 4 من أبواب ما يكتسب به.

2)فوائد الأُصول 3:363-364.


176

عمليّ،إلاّ أنّ العلم بثبوت الإلزام لا يجتمع مع جعل الإباحة و لو ظاهراً،فإنّ‏الحكم الظاهريّ إنّما يكون في مورد الجهل بالحكم الواقعيّ.و بين أصالة الإباحة و أصالة البراءة و الاستصحاب فرق واضح;فإنّ جريان‏أصالة الإباحة في كلّ من الفعل و الترك يُغني عن الجريان في الآخر;لأنّ‏معنى إباحة الفعل هو الرخصة في الترك،و بالعكس،و لذلك يناقض مفادُها-مطابقةً-لجنس الإلزام،دون الاستصحاب و أصالة البراءة;فإنّ جريانهما في‏كلّ من الطرفين لا يغني عن الآخر;لأنّ استصحاب عدم الوجوب غيراستصحاب عدم الحرمة،و كذلك في البراءة (1) انتهى.أقول:أمّا ما مرّ منه من اختصاص دليل أصالة الحلّ بالشبهات الموضوعيّةفقد مرّ الكلام فيه‏ (2) فلا نعيده،و إن كان الاختصاص في بعضها لا يبعد.و أمّا ما أفاده أخيراً ففيه:أوّلاً:أنّه منافٍ لما أفاده أوّلاً من اختصاص دليل أصالة الإباحة بما إذا كان‏طرفُ الحرمة الحليّةَ لا الوجوب;لأنّ جعل الرخصة في الفعلِ و الترك إنّمايكون فيما إذا كانت الشبهة في الوجوب و الحرمة جميعاً،و أمّا مع مفروضيّةعدم الوجوب،و كون الشكّ في الحرمة و الحلّيّة،فلا معنى للرخصة في الترك;فإنّ الرخصة الظاهريّة تكون لغواً مع العلم بالرخصة الواقعيّة،فمفاد دليله‏الأوّل أنّ طرف الحرمة يكون الحلّيّة لا الوجوب،و لازم دليله الثالث-من جعل‏

1)فوائد الأُصول 3:445.

2)في صفحة:72 من هذا المجلّد.


177

الرخصة في الفعل و الترك-أنّ طرف الشبهة يكون الوجوب أيضا،و همامتنافيان‏1.و ثانياً:أنّ ما أفاد-من أنّ مفاد دليل الحلّ و الإباحة متنافٍ بمدلوله المطابقي‏مع العلم بالإلزام-لا وجه له;فإنّ دليل الحلّ لو كان مثل:(كلّ شي‏ء لك حلال‏حتّى تعرف الحرام) (1) لم يكن مفاده الرخصة في الفعل و الترك;ضرورة أن‏الحلّيّة إنّما هي في مقابل الحرمة،لا الوجوب،فدليل أصالة الحلّ يختصّ‏بالشبهات التحريميّة،و ليس في الأدلّة ما يظهر منه الرخصة في الفعل و الترك إلاّقوله:(كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي أو أمر)على رواية الشيخ‏ (2) على ماحكي‏ (3) مع إشكال فيه‏2.و ثالثاً:أنّ مناقضة الترخيص الظاهريّ مع الإلزام الواقعيّ ليس إلاّكمناقضة الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة،و الجمع بينهما هو الجمع بينهما;فإنّ‏1بل على ما ذكره يختصّ دليل أصالة الإباحة بمورد الدوران بين المحذورين;لبطلان جعل‏الترخيص في طرف الفعل في مورد الشبهة الوجوبيّة،و في طرف الترك في مورد الشبهةالتحريميّة.منه قدس سره‏2فلا دليل على أصالة الإباحة بالمعنى الّذي ذكره،بل مفاد الأدلّة أصالة الحلّ،و هي‏مختصّة بالشبهات التحريميّة.منه قدّس سرّه‏

1)الكافي 5:313-40 باب النوادر من كتاب المعيشة،الوسائل 12:60-4 باب 4 من‏أبواب ما يكتسب به،باختلاف يسير.

2)أمالي الشيخ الطوسي 2:281،مستدرك الوسائل 3:19-6 باب 12 من أبواب‏صفات القاضي،باختلاف يسير.

3)انظر القوانين 2:17 سطر 9،فرائد الأُصول:236 سطر 12.


178

المناقضة-لو كانت-إنّما هي بن نفس الأحكام بحسب مقام الثبوت،لا بين‏العلم بالإلزام و الرخصة،فإذا لم يكن بين الحكمين مناقضة لا مانع من العلم‏بالحكم الواقعيّ و العلم بالحكم الظاهريّ من ناحية المناقضة.نعم يمكن أن يقال:إنّ الرخصة إنّما هو مع الجهل بالإلزام،و مع العلم‏به تكون غايتها حاصلة.و لعلّ هذا مراده من عدم انحفاظ رتبة أصالةالإباحة (1) و قد خلط الفاضل المقرّر رحمه اللّه.هذا،و لكنّ الشأن في كون أصالة الإباحة بالمعنى الّذي ذكره يدلّ عليه‏دليل،مضافاً إلى منع كون أصالة الإباحة و الحلّيّة غير أصالة البراءة الشرعيّة،و لا يبعد أن يكون مفاد:(كلّ شي‏ء لك حلال)بعض مفاد حديث الرفع‏ (2) .تأمّل.و أمّا ما أفاده في وجه عدم جريان أصالة البراءة:و هو أنّ مدركها قوله:(رفع ما لا يعلمون)و الرفع فرع إمكان الوضع،و في مورد دوران الأمر بين‏المحذورين لا يمكن وضع الوجوب و الحرمة كليهما،لا على سبيل التعيين،و لا على سبيل التخيير،و مع عدم إمكان الوضع لا يعقل تعلّق الرفع،فأدلّةالبراءة الشرعيّة لا تعمّ المقام أيضا (3) .ففيه:أنّ مورد دوران الأمر بين المحذورين يُكَوِّن مصداقين لحديث الرفع:

1)فوائد الأُصول 3:446.

2)توحيد الصدوق:353-24 باب 56 في الاستطاعة،الخصال:417-9 باب التسعة،الاختصاص:31.

3)فوائد الأُصول 3:448.


179

فمن حيث إنّ الوجوب غير معلوم يكون الوجوب مرفوعاً،و من حيث‏إنّ الحرمة غير معلومة تكون الحرمة مرفوعة،و لا يكون المجموع من حيث‏المجموع مفاد دليل الرفع،و لا إشكال في إمكان وضع كلّ واحد من الوجوب‏و الحرمة في مورد الدوران،فما لا يمكن وضعه هو المجموع،و هو لا يكون‏مفاد الرفع،و ما يكون مفاده-و هو كلّ واحد منهما-يمكن وضعه،فيمكن رفعه.و التحقيق:أنّه لا مانع من شمول حديث الرفع للمقام;لأنّ المخالفة العمليّةو الالتزاميّة غير لازمتين.و أمّا المنافاة بين الإلزام و الرفع فلا مانع منه;لأنّ نفس‏الإلزام-أي الجامع بين الوجوب و الحرمة-فهو ليس بمجعول شرعيّ بل هوأمر انتزاعيّ،و ما هو المجعول نفس الوجوب و الحرمة;أي نوع التكليف،فمفهوم الإلزام أو جنس التكليف كمفهوم أحدهما أو واحد منهما ممّا لم‏يتعلّق الجعل به،و نوع التكليف الّذي هو مجعول غير مانع من جريان‏الحديث;لأنّه مشكوك فيه.و أمّا ما أفاده من عدم جريان الاستصحاب،فحاصله:أنّ الاستصحاب‏من الأُصول التنزيليّة،و هي لا تجري في أطراف العلم الإجماليّ مطلقاً;فإنّ‏النبأ على مؤدّى الاستصحابين ينافي الموافقة الالتزاميّة;فإنّ البناء على عدم‏الوجوب و الحرمة واقعاً لا يجتمع مع التديّن بأنّ للّه تعالى في هذه الواقعةحكماً إلزاميّاً (1) .

1)فوائد الأُصول 3:449.


180

ففيه:منع كون الاستصحاب من الأُصول التنزيليّة بالمعنى الّذي يدّعي‏ (1) فإنّه ليس في أدلّته ما يستشمّ منها ذلك إلاّ ما في ذيل صحيحة زرارة الثالثة;حيث قال:(و لكنّه ينقض الشكّ باليقين،و يتمّ على اليقين،فيبني عليه) (2) و أنت‏خبير بأنّ البناء على اليقين هو البناء على تحقّق اليقين و بقائه عملاً،و أمّا البناءالقلبيّ على كون الواقع متحقِّقاً فلا.كما أنّ الكبرى المجعولة في أدلّة الاستصحاب و هي:(لا ينقض اليقين‏بالشك)لا ينبغي أن يتوهّم منها أنّ عدم نقض اليقين بالشكّ يدلّ على البناءو الالتزام على كون الواقع متحقِّقاً،بل الأصل التنزيليّ بالمعنى المدّعى ممّالا عين له و لا أثر في الشرعيّات،فراجع أدلّة التجاوز و الفراغ،و سائر أدلّةالقواعد و الأُصول،حتّى تعرف صدق ما ادّعيناه.نعم قد يمكن أن يدّعى من‏أدلّة الشكوك في باب الصلاة ذلك،و لكن فيه ما فيه أيضا.

تنبيه‏فيما لو كان لأحد الحكمين مزية

إذا كان لأحد الحكمين مزيّة على الآخر-إمّا من حيث الاحتمال أوالمحتمل-فلا إشكال في جريان البراءة عن التعيينيّة،و لو قلنا بأصالة التعيين عند

1)فوائد الأُصول 4:486.

2)الكافي 3:351-352-3 باب السهو في الثلاث و الأربع،الوسائل 5:321-3 باب‏10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.


181

الشكّ في التخيير و التعيين;لأنّ أصل التكليف مشكوك فيه،فضلاً عن‏خصوصيّاته.نعم،لو كان أقوائيّة المحتمل بحيث يكون لازم الاحتياط عقلاً أو شرعاًحتّى في الشبهة البدويّة وجب الاحتياط فيه;كما لو دار الأمر بين كون المرأةزوجته التي حلف‏على‏وطئها أو أُمّه،أو دار الأمر بين كون شخص نبيّاً أوشخصاً لازم القتل.فما أفاد بعض الأعاظم رحمه اللّه-من أنّ وجود المزيّةكعدمها،حتى لو كان المحتمل من أقوى الواجبات الشرعيّة و أهمّها (1) ليس بإطلاقه صحيحاً.

هل التخيير في المقام بدويّ أو استمراريّ‏

تتميم:إذا تعدّدت الواقعة في دوران الأمر بين المحذورين،فهل التخييريكون بدويّاً أو استمراريّاً؟الأقوى هو الثاني;لأنّ في الواقعة الثانية إذا أتى بخلاف الواقعة الأُولى‏يعلم بمخالفة قطعيّة و موافقة قطعيّة،و ليس في نظر العقل ترجيح بينهما،فصرف لزوم المخالفة القطعيّة لا يمنع عن التخيير بعد حكم العقل بعدم الفرق‏بين تحصيل تكليف قطعاً و ترك تكليف قطعاً.فلو علم بوجوب صلاة الجمعةأو حرمتها في كلّ جمعة،و أتى بالجمعة في جمعة،و تركها في جمعة أُخرى،يعلم بموافقة التكليف الواقعيّ في يوم و مخالفته في يوم آخر،و ليس في نظر

1)فوائد الأُصول 3:450-451.


182

العقل فرق بينهما،فيحكم بالتخيير الاستمراريّ.و أمّا ما في تقريرات بعض أعاظم العصر رحمه اللّه ففيه نظر ظاهر،قال ما محصّله:إنّ المخالفة القطعيّة لم تكن محرّمة شرعاً،بل هي قبيحةعقلاً،و قبحها فرع تنجّز التكليف،فإنّ مخالفة التكليف الغير المنجز لا قبح‏فيها،كما لو اضطرّ إلى أحد أطراف المعلوم بالإجمال فصادف الواقع،فإنّه‏مع حصول المخالفة يكون المكلّف معذوراً،و ليس ذلك إلاّ لعدم تنجّزالتكليف،و فيما نحن فيه لا يكون التكليف منجّزاً في كلّ واقعة;لأنّ في كلٍ‏منها يكون الأمر دائراً بين المحذورين،و كون الواقعة ممّا تتكرّر لا يوجب تبدّل‏المعلوم بالإجمال،و لا خروج المورد عن الدوران بين المحذورين‏ (1) انتهى‏موضع الحاجة.و فيه:أنّ عدم تنجّز التكليف في المقام ليس لقصور فيه;ضرورة كونه تامّاًمن جميع الجهات،و إنّما لم تنجّز لعدم قدرة المكلّف على الموافقة القطعيّةو لا المخالفة القطعيّة،بحيث لو فرضنا-محالاً-إمكان الموافقة القطعيّة حكم‏العقل بلزومها،و لو فرض عدم إمكان الموافقة القطعيّة،لكن أمكن المخالفةالقطعيّة،حكم بحرمتها;لتماميّة التكليف.بالجملة:فيما نحن فيه يكون التنجيز فرع إمكان المخالفة،لا حرمة المخالفةفرع التنجيز،فإذا أمكن المخالفة يصير التكليف منجَّزاً;لرفع المانع،و هو امتناع‏المخالفة القطعية.

1)فوائد الأُصول 3:453-454.


183

و الشاهد عليه:أنّه لو فرضنا قدرة المكلّف على رفع النقيضين في الواقعةالواحدة حكم العقل بحرمته،و ليس ذلك إلاّ لعدم القصور في ناحيةالتكليف،و إنّما القصور في قدرة العبد،و في الوقائع المتعدّدة يكون العبدقادراً على المخالفة،فيتنجّز التكليف.

في دوران الأمر بين المتباينين‏

قوله:في دوران الأمر بين المتباينين...إلخ‏ (1) .(1)قد مضى شطر من الكلام في هذا المضمار (2) فلنتعرّض له بنحوالاختصار،فنقول:قد أصرّ المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه في جملة من‏تحريراته‏ (3) على أنّ للأحكام مراتب أربعة،و قد مضى أنّ ما هو متصوّر من‏المراتب ليس إلاّ مرتبتين‏ (4) :المرتبة الأولى:مرتبة الإنشاء و وضع الأحكام القانونيّة،كالأحكام الصادرةقبل عروض التقييدات و التخصيصات،و كالأحكام التي أوحى اللّه تعالى‏إلى نبيّه صلى اللّه عليه و آله و أمره بعدم تبليغها في صدر الإسلام،و جعلهامخزونة محفوظة عند أئمّة الهدى عليهم السلام و الآن مخزونة عند وليّ‏الأمر صلوات اللّه عليه-و لا تقتضي المصلحة إبرازها و إجراءها إلى زمن‏

1)الكفاية 2:208.

2)في الجزء الأول صفحة:159 و ما بعدها.

3)حاشية كتاب فرائد الأُصول:36 سطر 4-7،و الفوائد:314 سطر 9-13.

4)انظر الجزء الأول صفحة:39.


184

ظهوره عجّل اللّه تعالى فرجه و لمّا كان الوحي منقطعاً بعد النبيّ‏صلّى اللّه عليه و آله فلا محيص عن إيحاء الأحكام التي تكون المصلحة في‏إجرائها في آخر الزمان،و هذه الأحكام هي أحكام إنشائيّة،لا تكون المصلحةفي إجرائها إلى أمدٍ معيّن،كما أنّ موارد التخصيصات و التقييدات‏الأحكام الإنشائيّة التي لا تكون المصلحة في إجرائها.و المرتبة الثانية:مرتبة إجرائها و إنفاذها بين الناس،و هي المرتبة الفعليّة،و ليس سوى هاتين المرتبتين مرتبة أُخرى،فعدّ مرتبة الاقتضاء و التنجّز من‏المراتب ممّا لا وجه له،كما أشرنا إليه سابقاً (1) .نعم بعد فعليّة الحكم،و عدم الفرق من هذه الحيثيّة بين العالم و الجاهل‏و القادر و العاجز،لا يكون منجّزاً بالنسبة إلى الجاهل و العاجز،بمعنى عدم‏جواز مؤاخذة المولى للعبد ب«لِمَ تركتَ،أو فعلتَ»فعلم العبد بالحكم الفعليّ‏موجب لحكم العقل بقبح المخالفة،و جواز المؤاخذة.و أمّا في ناحية الحكم فلا يفرّق بين حال العلم و الجهل،فلا يكون حكم‏المولى بالنسبة إلى العالم غيره بالنسبة إلى الجاهل،و كذا بالنسبة إلى القادرو العاجز،و لا تتغير إرادته في جميع الحالات،فحكم المولى بحرمة الخمر حكم‏فعليّ للموضوعات المقدّرة متوجّهاً إلى كلّ مكلّف علم أو لم يعلم،فالمولى‏أنشأ هذا الحكم ليعلم المكلّف و ليطيع،و ليس في ناحية حكمه تقييد بحال‏العلم و الجهل;و لهذا أمر الأنبياء و العلماء بتبليغه إلى الناس،بل أوجب على‏

1)في الجزء الأول صفحة:39.


185

كلّ مكلّف تبليغ أحكامه.و إنّما الاختلاف بين حال العلم و الجهل عن عذر في تماميّة الحجّةو عدمها،و قبح المخالفة و عدمه،و صحّة العقوبة و عدمها،و هذه الأُمور متأخّرةعن الحكم،و لا ينبغي جعلها من مراتبه،كما أنّ الاقتضاء و المصلحة من‏مبادئ جعله،لا مراتبه.

في حرمة المخالفة القطعية للعلم الإجمالي‏

إذا عرفت ما تلوناه عليك فالكلام في العلم الإجماليّ يقع في مقامين:أحدهما:في حرمة المخالفة القطعيّة،و ثانيهما:في وجوب الموافقة القطعيّة.أمّا المقام الأوّل‏1:فلا إشكال في قبحها عقلاً إذا كان الحكم فعليّاً،و هذاممّا لا يحتاج إلى تجشّم استدلال،سوى مراجعة الوجدان و العقل الحاكم في‏مثل المقام.و لا يخفى أنّه ليس للمولى الإذن في جميع الأطراف;فإنّ الإذن في‏المعصية ممّا يشهد العقل بقبحه،و نقض الغرض ممتنع على كلّ ذي شعور،فضلاً عن الحكيم.فإن قلت:احتمال وقوع الشي‏ء عقلاً مساوق لعدم الامتناع;فإنّ الممتنع‏1ذكرنا تفصيل المطلب في ورقة على حدة،و رجعنا عمّا في الكتب إلى ما هو التحقيق.منه قدّس سرّه‏و مع الأسف فإنا لم نعثر عليها ضمن مصورة المخطوطة التي لدينا.


186

ممّا يحكم العقل بعدم وقوعه جزماً،فإذا احتمل وقوع شي‏ء عقلاً فهو يدلّ‏على عدم البرهان على امتناعه،فاحتمال الإذن في المخالفة و نقض الغرض‏في مورد يدلّ على عدم حكم العقل بامتناعهما،فحينئذٍ ما تقول في الإذن‏في ارتكاب الشبهة البدويّة،بل في ارتكاب أطراف المعلوم بالإجمال في‏الشبهة الغير المحصورة؟و هل هذا إلاّ احتمال نقض الغرض؟!و هو في‏الامتناع و اللاامتناع مساوق للعلم به.قلت:لا محيص لنا إلاّ تشريح موارد النقض و غيرها;حتّى يتّضح الأمر،و يدفع الإشكال،فنقول:أمّا النقض بالشبهة الغير المحصورة فغير وارد;لأنّ‏الإذن في ارتكاب جميع الأطراف ممتنع جدّاً كالإذن في المحصورة،كما أنّ‏ارتكاب بعضها-بقصد ضمّ البقيّة و ارتكاب تمام الأطراف-قبيح غير ممكن‏الإذن.و أمّا ارتكاب بعض الأطراف فهو جائز،لا لما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ‏رحمه اللّه من النقص في المعلوم‏ (1) ضرورة عدم حصول النقصان فيه‏بمجرّد عدم الحصر،بل التكليف بقي على فعليّته كالمحصورة،بل لما أشرنا إليه‏سابقاً (2) من أنّ الأطراف إذا كثرت جدّاً-بحيث عدّت غير محصورةعرفاً-يصير احتمال الإصابة في بعض الأطراف موهوماً بحيث لا يعتني به‏العقلاء،فكأنّ الطريق العقلائيّ قائم على عدم المعلوم في هذا المورد المنفرد

1)الكفاية 2:214-215.

2)الجزء الأول صفحة:161.


187

في مقابل الموارد الغير المحصورة.فإن قلت:كيف يجتمع الاطمئنان بعدم المعلوم في كلّ مورد مورد مع‏العلم الإجماليّ بوجوده في الأطراف;فإنّ الاطمئنان بالسالبة الكلّيّة لا يعقل‏مع العلم بالموجبة الجزئيّة؟قلت:هذه مغالطة نشأت من الخلط بين بعض الأطراف بشرط لا عن‏البقيّة،و بينه مع الاجتماع معها،فإنّ ما ذكرنا من الاطمئنان بعدم المعلوم في‏بعض الأطراف،فيما إذا كان بعض الأطراف مقيساً إلى البقيّة الغيرالمحصورة،و في مقابلها،فكلّ واحد من الأطراف إذا لوحظ في مقابل البقيّةيكون مورداً للاطمئنان بعدم كونه هو الواقع;ضرورة أنّه احتمال واحد في‏مقابل احتمالات غير محصورة،و ما لا يجتمع مع العلم هو الاطمئنان بعدم‏كون الواقع في جميع الأطراف.و إن شئت قلت:إنّ الاطمئنان متعلّق بكلّ واحد في مقابل البقيّة;أي‏سلب كلّ واحد في مقابل الإيجاب بالنسبة إلى البقيّة،و هو لا ينافي‏الإيجاب الجزئيّ،و المنافي هو السلب الكلّيّ في مقابل الإيجاب الجزئيّ.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ فعليّة الحكم في الأطراف الغير المحصورة لا ينافي‏تجويز ارتكاب بعض الأطراف;لقيام الطريق العقلائيّ على عدم كون المعلوم‏ذلك.و أمّا الشبهة البدويّة فالترخيص فيها-أيضا-لا ينافي فعليّة الحكم.توضيحه:بعد ما عرفت معنى الفعليّة;و أنّ المراد منها هو الحكم الّذي‏


188

يكون على طبقة إرادة جدّيّة،و يكون الحاكم بصدد إجرائه;لتماميّةالاقتضاء،و عدم موانع الإجراء-أنّه قد عرفت أنّ الأحكام لم تكن مشروطةأو مقيّدة بحال العلم،و تكون التكاليف فعليّة عَلِم المكلّف أو لا،لكن مع ذلك‏ليست التكاليف بوجودها الواقعيّ قابلة للباعثيّة،و المولى إنّما أنشأ التكاليف‏ليعلم المكلّف فيعمل بها;و لهذا أوجب على العالم إرشاد الجاهل و على‏الجاهل التعلّم;لئلا تصير أحكامه معطّلة.لكن مع كمال اهتمامه بتبليغ الأحكام و رفع الجهالة عن الأنام،كثيراًما يتّفق عدم وصول بعض الأحكام إلى العباد لعلل كثيرة،و لا يمكن أن تكون‏التكاليف بوجودها الواقعي باعثة للمكلّف و داعية إلى الاحتياط،فحينئذ إن‏لم يمنع مانع يلزم عليه إيجاب الاحتياط في مطلق الشبهات;للوصول إلى‏التكاليف الواقعيّة الفعليّة،و إن كان في إيجابه مفسدة-كاختلال النظام،أوالحرج و العسر-أو في تركه مصلحة غالبة،فلا يوجبه.و لمّا كان المورد من الموارد التي يحكم العقل بالبراءة لو خُلّي و نفسه،و يكون وجود التكليف الواقعيّ كعدمه بلا أثر على أيّ حال،لا يرى العقل‏ترخيص المولى في مثله قبيحاً،و لا منافياً لفعليّة التكليف،فالتكليف مع كونه‏فعليّاً لمّا كان غير مؤثّر في نفس العبد،و لا داعياً إيّاه نحو العمل،و يحكم‏العقل في مورده بالبراءة،لا يمنع عن الترخيص و التوسعة إذا كان في إيجاب‏الاحتياط مفسدة.و بالجملة:لا يوجب الترخيص إلقاء المكلّف في المفسدة;لأنّه لا يزيد على‏


189

حكم العقل،و لو لا مفسدة الاحتياط كان سكوت المولى في موارد الشبهة-إذا رأى إصابة الواقع و لو قليلاً-قبيحاً،و معها كما لا يقبح السكوت لا يقبح‏الترخيص.و مفسدة الاحتياط لا تزاحم فعليّة التكليف;لأنّ المزاحمة في رتبة المصالح‏و المفاسد مع وحدة الموضوع توجب قصور التكليف عن الفعليّة،كما لوفرضنا في مورد الشبهة يكون عروضها موجباً لحصول مصلحة غالبة على‏مصلحة الواقع في موضوعها،فإنّه مع مزاحمة المصلحة و المفسدة في موضوع‏واحد يقع الكسر و الانكسار بينهما،و يصير الحكم الفعليّ تابعاً للغالب‏منهما،فلا محالة يصير الحكم الواقعيّ مخصَّصاً بغير مورد الشبهة في صورةالإمكان.و أمّا مع تعدّد الموضوع،كما لو قامت المصلحة في موضوع و قامت‏المفسدة في غيره،لكن وقعت المزاحمة في مقام العمل-كما فيما نحن فيه;حيث قامت المصلحة أو المفسدة بالموضوع الواقعيّ،و قامت المفسدة في‏الجمع بين المشتبهات;أي الاحتياط بإتيان كلّ محتمل الوجوب و ترك كلّ‏محتمل الحرمة-فلا معنى لصيرورة التكليف ناقصاً عن الفعليّة.و من هذا الباب مزاحمة المهمّ و الأهمّ;فإنّ التكليف في المهمّ لا ينقص من‏الفعليّة بواسطة أهمّيّة تكليف آخر مزاحم معه في مقام العمل،و لا يكون‏التكليف في المهمّ مشروطاً أو مقيَّداً من قبل المولى بشي‏ء أصلاً،بل العقل‏يحكم بلزوم ترك المهمّ مع فعليّته و لزوم الأخذ بالأهمّ،و المولى لا يؤاخذ عبده‏


190

بتركه المهمّ،لا لمكان عدم التكليف الفعليّ،بل لمكان عدم قدرة العبد إطاعةتكليفه الفعليّ،و اشتراط التكاليف بالقدرة و العلم ليس مثل اشتراطهابالشرائط الشرعيّة المنافية لفعليّة التكليف.فاتّضح بما ذكرنا:أنّ الترخيص في موارد الشبهات البدويّة لا ينافي فعليّةالتكليف،و لا يكون مع ذلك قبيحاً من المولى.نعم تركه لإيجاب الاحتياطقبيح مع فعليّة التكليف لو لا مفسدته،و معها لا قبح فيه أيضا.

في وجوب الموافقة القطعية

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في ترخيص بعض أطراف المعلوم بالإجمال;فإنّه-أيضا-لا ينافي فعليّة التكليف إذا كان في الجمع بين المشتبهات‏مفسدة غالبة،فإنّه لا بدّ للمولى من الجمع بين غَرَضيه-حفظِ الواقع بمقدارالميسور،و التحرّزِ عن مفسدة الجمع بين المشتبهات-بالترخيص في بعض‏الأطراف.و أمّا في جميعها فلا يمكن مع فعليّة التكليف;فإنّه لا بدّ من مزاحمةمصلحة الواقع مع مصلحة الترخيص في المشتبه بما أنّه مشتبه،و قد عرفت أنّ‏المزاحمة في موضوع واحد توجب تبعيّة فعليّة الحكم لما هو أقوى ملاكاً،فلوزاحمت جهة المفسدة في شرب الخمر جهة المصلحة في ترخيص المشتبه،فإن‏غلبت مفسدة الخمر تكون الحرمة فعليّة،و لا يمكن الترخيص في جميع‏الأطراف;لامتناع نقض الغرض الفعليّ،و إن غلبت مصلحة الترخيص يكون‏


191

الحكم الفعليّ هو الترخيص،و لا يمكن أن تكون حرمة الخمر فعليّة.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الترخيص في المخالفة القطعيّة ممّا لا يمكن إلاّمع عدم فعليّة التكليف،و هو خارج عن موضوع البحث،و أمّا الترخيص في‏بعض الأطراف و الإذن في المخالفة الاحتماليّة فلا ينافي فعليّة التكليف،و لا يكون قبيحاً لو زاحم المفسدة الأقوى،سواء كان الترخيص في بعض‏أطراف المعلوم بالإجمال أو موارد الشبهات البدويّة.و اتّضح ممّا ذكرنا:أنّ عدم جريان الأُصول في أطراف المعلوم بالإجمال‏إنّما هو للزوم المخالفة القطعيّة العمليّة،من غير فرق بين الأُصول مطلقاً من‏هذه الجهة.و أمّا الشيخ العلاّمة الأنصاريّ رحمه اللّه فقد جعل المحذور في مقام‏الإثبات‏ (1) و أنّ أدلّة الأصول ممّا لا يمكن شمولها لأطراف المعلوم بالإجمال;للزوم مناقضة الصدر و الذيل في مثل قوله:(لا ينقض اليقين بالشكّ،و لكن ينقضه‏بيقين مثله) (2) و كذا قوله:(كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه) (3) و قدفرغنا من جوابه في مباحث القطع‏ (4) فراجع.

1)فرائد الأصول:241 سطر 10-12،و 429 سطر 10-16.

2)التهذيب 1:8-11 باب 1 في الأحداث الموجبة للطهارة،الوسائل 1:174--1175 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء،باختلاف يسير.

3)الكافي 5:313-40 باب النوادر من كتاب المعيشة،الوسائل 12:60-4 باب 4 من‏أبواب ما يكتسب به،باختلاف يسير.

4)الجزء الأول صفحة:163.


192

تفصيل بعض الأعاظم‏

و أمّا بعض أعاظم العصر رحمه اللّه فقد جعل المحذور أمراً آخر،و فصّل‏بين أصالة الإباحة في دوران الأمر بين المحذورين و بين الأُصول التنزيليّةو غيرها،و جعل محذور كلّ واحد منها أمراً غير الآخر (1) .و قد فرغنا من‏جوابه في ذلك المقام أيضا (2) و قلنا:إنّ الاستصحاب ليس من الأُصول‏المحرزة التنزيليّة.و الآن نقول أيضا:إنّ غاية ما يمكن أن يقال في كونه منها:إنّ الكبرى‏المجعولة فيه-و هي قوله:(لا ينقض اليقين بالشكّ) (3) تدلّ على حرمة نقض‏اليقين السابق بالشكّ عملاً،و وجوب ترتيب آثار اليقين الطريقيّ في ظرف‏الشكّ،و لمّا كان اليقين الطريقيّ كاشفاً عن الواقع كان العامل بيقينه يعمل‏به على أنّه هو الواقع;لكونه منكشفاً لديه.فإذا صلّى صلاة الجمعة مع علمه‏بوجوبها،و أنّ تكليفه الواقعيّ هو إتيانها،يأتي بها بما أنّها هي الواقع،فيصلّي‏صلاة الجمعة في زمن اليقين معتقداً بأنّها هي الواقع،و بما أنّها هي هو،فإذاقيل:لا ينقض اليقين بالشكّ عملا يكون معناه:عامل معاملة اليقين و رتّب‏آثاره في ظرف الشكّ،و معنى ترتيب آثاره و العمل على طبقه أن يأتي‏

1)فوائد الأُصول 3:444 و ما بعدها.

2)الجزء الأول صفحة:165.

3)تقدم تخريجه قريبا.


193

بالمشكوك فيه في زمان الشكّ مبنيّا على أنّه هو الواقع.و إن شئت قلت:إنّ هذا الأصل إنّما اعتبر لأجل التحفّظ على الواقع في‏ظرف الشكّ.هذا،و أنت خبير بأنّ المتيقّن إنّما يعمل على طبق يقينه من غير توجّه إلى‏أنّه هو الواقع توجّهاً اسميّاً استقلاليّاً،بل يعمل على طبقه،و يأتي بالواقع‏بالحمل الشائع،بلا توجّه إلى أنّه مصداق هذا المفهوم و معنون هذا العنوان،فضلاً عن أن يبني على أنّه هو الواقع،نعم لو سئل عنه:أنّ ما تعمل هو الواقع‏أو لا؟يتبدّل توجّهه الحرفيّ بالاسميّ،و يكون جوابه مثبتاً،فمعنى لا ينقض‏اليقين بالشكّ عملاً:هو ترتيب آثار القطع الطريقيّ،أي ترتيب آثار المتيقّن،لا ترتيب آثاره على أنّه هو الواقع.و أما حديث جعل الاستصحاب لأجل التحفظ على الواقع:إن كان المرادمنه أنّ جعله بلحاظ حفظ الواقع-كما لو دلّ دليل على الاحتياط في الشبهةالبدويّة-فهو كذلك،لكن لا يوجب ذلك أن يكون التعبّد بالمتيقّن على أنّه‏هو الواقع،كما في الاحتياط،فإنّه-أيضا-بلحاظ الواقع،لا على أنّ المشتبِه‏هو الواقع.و إن كان المراد منه هو التعبّد على أنّه هو الواقع فهو ممّا لا شاهد له‏في الأدلّة;فإنّ الكبرى المجعولة ليست إلاّ حرمة نقض اليقين بالشكّ،فهي إمّا بصدد إطاعة عمر اليقين،و إمّا بصدد حرمة النقض عملاً;أي‏ترتيب آثار اليقين أو المتيقّن،و أمّا كونها بصدد بيان وجوب البناء على أنّه‏


194

هو الواقع فلا.و لو سلّم كون الاستصحاب من الأُصول المحرزة و التنزيليّة،فعدم جريانه‏في أطراف العلم الإجماليّ ممنوع.و ما ذكره المحقّق المتقدّم ذكرُهُ في وجه المنع:من أنّ المجعول فيها لمّا كان‏هو البناء العمليّ،و الأخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع و إلقاء الطرف‏الآخر،فلا يمكن مثل هذا الجعل في تمام الأطراف،للعلم بانتقاض الحالةالسابقة في بعضها،و انقلاب الإحراز السابق الّذي كان في جميع الأطراف‏إلى إحراز آخر يضادّه،و معه كيف يمكن الحكم ببقاء الإحراز السابق في‏جميع الأطراف و لو تعبّداً؟!فإنّ الإحراز التعبّديّ لا يجتمع مع الإحرازالوجدانيّ بالخلاف‏ (1) انتهى.في محلّ المنع;لأنّ كلّ طرف من الأطراف يكون مشكوكاً فيه،فتمت‏أركان الاستصحاب،و مخالفة أحد الأصلين للواقع لا توجب عدم جريانه‏لو لا المخالفة العمليّة،كاستصحاب طهارة الماء و نجاسة اليد إذا غسل بالماءالمشكوك الكرّيّة،فإنّ للشارع التعبّد بوجود ما ليس بموجود،و التعبّد بتفكيك‏المتلازمين و تلازم المنفكّين.و بالجملة:لا مانع من اجتماع الإحراز التعبديّ مع الإحراز الوجدانيّ‏بالضدّ.و العجب أنّه-قدّس سرّه-قد تنبّه إلى هذا الإشكال في آخر مبحث‏

1)فوائد الأُصول 4:14.


195

الاستصحاب،و أجاب عنه بما هو في غاية السقوط،و محصّل كلامه في‏ذلك المقام:أنّه ربّما يناقش فيما ذكرناه-من عدم جريان الأُصول المحرزة في أطراف‏العلم الإجماليّ مطلقاً و إن لم يلزم مخالفة عمليّة-بأنّه يلزم على هذا عدم‏جواز التفكيك بين المتلازمين الشرعيّين،كطهارة البدن و بقاء الحدث عندالوضوء بمائع مُردّد بين البول و الماء;لأنّ الاستصحابين ينافيان العلم الوجدانيّ‏بعدم بقاء الواقع في أحدهما،و كذا بين المتلازمين العقليّين أو العاديّين،كاستصحاب بقاء الكلّيّ و عدم حدوث الفرد،و استصحاب حياة زيد و عدم‏نبت لحيته،و لا يمكن الالتزام بعدم جريان الاستصحاب في أمثال المقامات;لتنافيه مع القول بعدم حجّيّة الأصول المثبتة.و التحقيق في دفع الشبهة أن يقال:إنّه فرق بين كون مفاد الأصلين متّفقين‏على مخالفة ما يعلم تفصيلاً-كاستصحاب نجاسة الإناءين أو طهارتهما مع‏العلم بانتقاض الحالة السابقة،فإنّ الاستصحابين يتوافقان في نفي ما يعلم‏تفصيلاً-و بين ما لا يلزم من التعبّد بمؤدّى الأصلين العلم التفصيليّ بكذب‏ما يؤدّيان إليه،بل يعلم إجمالاً بعدم مطابقة أحد الأصلين للواقع من دون أن‏يتوافقا في مخالفة المعلوم تفصيلاً،و ما منعنا عن جريانه في أطراف العلم‏الإجماليّ هو الأوّل دون الثاني;لأنّه لا يمكن التعبّد بالجمع بين الاستصحابين‏اللذَينِ يتوافقان في المؤدّى مع مخالفة مؤدّاهما للمعلوم بالإجمال.و أمّا لزوم التفكيك بين المتلازمين الواقعيّين فلا مانع منه;لأنّ التلازم‏


196

بحسب الواقع لا يلازم التلازم بحسب الظاهر (1) انتهى.و أنت خبير بما فيه:أمّا أوّلاً:فلأنّ جريان استصحاب الطهارة أو النجاسة في كلّ واحد من‏الإناءين لا ينافي الإحراز الوجدانيّ،و ليس لمجموعهما أصل حتّى يكون منافياًللعلم التفصيليّ،بل المنافاة بين جريان كليهما مع العلم الإجماليّ;أي يعلم‏بعدم مطابقة أحد الأصلين للواقع،و هو عين المحذور في مورد النقض،أي‏التفكيك بين المتلازمين.و بعبارة أُخرى:إنّ استصحاب نجاسة أحد الإناءين لا يصادم العلم،و كذااستصحاب نجاسة الآخر،و ليس استصحاب آخر مصادم له،نعم جريانهمامخالف للعلم الإجماليّ،فيعلم مخالفة أحدهما للواقع،كما أنّ استصحاب‏طهارة البدن من الماء المردّد غير منافٍ للعلم،و استصحاب الحدث كذلك،لكن جريانهما منافٍ للعلم الإجماليّ،فيعلم كذب أحدهما.فما هو ملاك الجريان و اللاجريان في كليهما واحد،و مجرّد توافق‏الاستصحابين في المفاد لا يوجب الفرق.مع أنّ توافقهما فيه-أيضا-ممنوع;فإنّ مفاد أحدهما نجاسة أحد الإناءين و مفاد الآخر نجاسة الإناء الآخر،و إنّماتوافقهما نوعيّ،و مورد الموافقة ليس مجرى الأصل،و ما هو مجراه و هوالنجاسة الشخصيّة لا يكون موافق المضمون مع صاحبه بحيث ينافي العلم‏التفصيليّ.

1)فوائد الأُصول 4:693 و ما بعدها.


197

و أمّا ثانياً:فلأنّه يلزم ممّا ادّعى التفصيلُ في جريان الاستصحاب في‏أطراف العلم الإجماليّ بين موارد يكون الأصلان فيها متوافقي المضمون‏-كالمثالين المتقدّمين-و بين ما لا يكون كذلك،كما لو علم بوجوب صلاةالجمعة و حرمة شرب التتن سابقاً،و علم انتقاض أحدهما،فجريان‏الاستصحابين فيهما على ما ذكره ممّا لا مانع منه;لأنّهما غير متوافقي‏المضمون،مع أنّه لم يُفصِّل بين الاستصحابات.

في شمول أدلّة الترخيص لبعض أطراف المعلوم بالإجمال‏

ثمّ بعد ما علمت أنّ الإذن في بعض الأطراف ممّا لا محذور فيه،و لا ينافي‏فعليّة المعلوم في البين يقع الكلام في إمكان استفادة الترخيص في بعضها من‏الأدلّة العامّة بعد عدم دليل خاصّ في البين.و ما قيل في المقام وجوه مذكورة في مسفورات‏1المشايخ-رحمهم‏اللّه-مع أجوبتها:

الوجه الأوّل:

منها:أن يقال إنّ أدلّة الترخيص و إن لم تدلّ على الترخيص في الواحدالغير المعيّن،إلاّ أنّه يمكن استكشافه من الدليل اللفظيّ بضميمة حكم العقل،بأن يقال:إن مقتضى إطلاق المادّة في الأدلّة المرخّصة هو وجود الملاك في‏1سَفَرَ الكتاب يسفره سَفراً:أي كتبه،فهو مسفور،لسان العرب 4:370 سفر.


198

كلّ مشتبه،فالمشتبه بما أنّه مشتبه تمام الموضوع للحكم بالترخيص من غيردخالة قيد فيه،ففيه الملاك بلا تقيّده بشي‏ء،و لمّا كان التقييد العقليّ وارداً على‏الهيئة بواسطة لزوم الإذن في المعصية،يستكشف العقل-بعد سقوطالترخيصين المعيّنين في طرفي العلم بحكم العقل-ترخيصاً تخييريّاً بواسطةإطلاق المادّة و كشف الملاك،فكما أنّ الملاك في المشتبهات يُوجب الترخيص‏فيها،كذلك جود الملاك في أحد المشتبهين يوجب الترخيص فيه،كالواجبين المتزاحمين اللذَينِ بعد سقوط خطابهما يستكشف العقل حكماًتخييريّاً بواسطة الملاك المستكشف بإطلاق المادّة (1) .لا يقال:استكشاف الملاك لا يمكن إلاّ بإطلاق الهيئة،فإذا لم يكن لهاإطلاق فلا طريق إلى استكشافه;لإمكان أن يكون لمورد سقوطالخطاب خصوصيّة مزاحمة للملاك لا يجب على المولى بيانها;لعدم‏مفسدة في ترك البيان.فإنّه يقال:لو سلّم قصور إطلاق المادّة عن إثبات الملاك بعد تقييد الهيئة،فإنّما يكون قصوره بمقدار التقييد لا غير،و الفرض أنّ التقييد العقليّ ليس إلاّفيما يلزم‏منه‏الترخيص في المعصية،و هو في الجمع بين تمام الأطراف،و ليس في البين أمر آخر يوجب سقوط الخطاب.نعم،يسقط الخطاب عن الطرفين،لا لحكم العقل بالتقييد-لعدم‏لزوم المخالفة القطعيّة إلاّ في الجمع بينهما فيما نحن فيه،و عدم العجز إلاّ

1)درر الفوائد 2:115-116.


199

عن الجمع في باب التزاحم كالغريقين-بل لقبح الترجيح بلا مرجّح‏و لزوم‏ (1) شمول العامّ لواحد غير معيّن،مع كون المقتضي و الملاك في‏غير مورد المخالفة القطعيّة و الإذن في المعصية و في غير مورد العجز موجوداًبلا إشكال.هذا،مع أنّ في التقييدات العقليّة لا يكون التقييد من قبل المولى،بل‏يكون التكليف من قِبله تامّاً،و إنّما يحكم العقل بامتناع الخطاب الفعليّ‏المنجز في مورد العجز،أو الإذن الفعليّ في مورد لزوم الإذن في المعصية.هذا;و الجواب عنه:أنّ استكشاف الخطاب التخييريّ لو سلّم فإنّما هو فيماإذا يقطع بأنّ الجري على طبق أحد الاقتضاءين لا مانع منه كما في الغريقين،و أمّا فيما نحن فيه فكما أنّ الشكّ يقتضي الترخيص،كذلك التكليف‏الواقعيّ يقتضي الاحتياط بحكم العقل في أطراف العلم،و لعلّ اقتضاءالتكليف الواقعيّ يكون أقوى في الاحتياط من اقتضاء الشكّ في الترخيص،و مع هذا الاحتمال لا وجه للقطع بالترخيص‏ (2) .

الوجه الثاني:

و منها أن يقال:إنّ نسبة أدلّة الأُصول إلى كلّ واحد من الأطراف‏و إن كانت على حدّ سواء،لكن لا يقتضي ذلك سقوطها عن جميع‏

1)الكلمة غير واضحة في المخطوطة،و قد أثبتناه استظهاراً،فلاحظ.

2)درر الفوائد 2:116.


200

الأطراف.توضيحه:أنّ الأدلّة المرخِّصة كما يكون لها عموم أفراديّ بالنسبة إلى كلّ‏مشتبه،يكون لها إطلاق أحواليّ بالنسبة إلى حالات المشتبه،فكلّ مشتبه‏مأذون فيه أتى المكلّف بالآخر أو تركه،و عند التزاحم بينهما إنّما يقع التزاحم‏بين إطلاقهما لا أصلهما;فإنّ الترخيص في كلّ واحد منهما في حال ترك‏الآخر ممّا لا مانع منه،فالمخالفة العمليّة إنّما نشأت من إطلاق الحجّيّةو الترخيص لحال إجراء الآخر و عدمه،فلا بدّ من رفع اليد عن إطلاقهمالا أصلهما،فتصير النتيجة الإذن في كلّ واحد منهما مشروطاً بترك الآخر (1) و هذا مساوق للترخيص التخييريّ،و هذا نظير باب التزاحم،و حجّيّةالأمارات على السببيّة.و أجاب عنه بعض أعاظم العصر رحمه اللّه بما لا يخلو عن إشكال،بل‏عن إشكالات.فقال ما حاصله:إنّ الموارد التي نقول فيها بالتخيير مع عدم قيام دليل عليه‏بالخصوص لا تخلو عن أحد أمرين:إمّا اقتضاء الكاشفِ و الدليل الدالّ على‏الحكمِ التخيير في العمل،و إمّا اقتضاء المنكشف و المدلول ذلك و إن كان‏الدليل يقتضي التعيينيّة.فمن الأوّل:ما إذا ورد عامّ كقوله:«إكرام العلماء»و علم بخروج زيدو عمرو عنه،لكن شكّ في أنّ خروجهما هل هو على وجه الإطلاق بحيث‏

1)نفس المصدر السابق.


201

لا يجب إكرام كلّ منهما في حال من الأحوال-أو ليس كذلك،بل كان‏عدم وجوب إكرام كلّ منهما مقيَّداً بحال إكرام الآخر؟!أي يدور الأمر بين‏كون المخصّص أفراديّاً و أحواليّاً أو أحواليا فقط،فلا بد حينئذٍ من القول‏بالتخيير،و إنّما نشأ ذلك من اجتماع دليل العامّ و إجمال المخصِّص،و وجوب‏الاقتصار على القدر المتيقّن في التخصيص،و ليس التخيير لأجل اقتضاءالمجعول،بل المجعول في كلّ من العامّ و الخاصّ هو الحكم التعيينيّ،و التخييرنشأ من ناحية الدليل لا المدلول.و من الثاني:ما إذا تزاحم الواجبان في مقام الامتثال لعدم القدرة على‏الجمع بينهما،فإنّ التخيير في باب التزاحم إنّما هو لأجل أنّ المجعول في باب‏التكاليف يقتضي التخيير;لأنّه يعتبر عقلاً في المجعولات الشرعيّة القدرة على‏امتثالها،و المفروض حصول القدرة على امتثال كلّ من المتزاحمين عند ترك‏الآخر،و حيث لا ترجيح في البين،و كلّ تكليف يستدعي نفي الموانع عن‏متعلّقه و حفظ القدرة عليه،فالعقل يستقلّ حينئذٍ بصرف القدرة في أحدهماتخييراً:إمّا لأجل تقييد التكليف في كلّ منهما بحال عدم امتثال الآخر،و إمّا لأجل سقوط التكليفين و استكشاف العقل حكماً تخييريّاً;لوجود الملاك‏التامّ،و على أيّ حال التخيير في باب التزاحم لم ينشأ من ناحية الدليل،بل‏نشأ من ناحية المدلول بالبيان المتقدّم.إذا عرفت ذلك فنقول:إنّ القول بالتخيير في باب تعارض الأُصول ممّالا شاهد عليه،لا من ناحية الدليل،و لا المدلول:


202

أمّا من ناحية الدليل:فهو ممّا لا يكاد يخفى;فإنّ دليل اعتبار كلّ أصل إنّمايقتضي جريانه عيناً،سواء عارضه أصل آخر أو لا،و ليس في الأدلّة ما يوجب‏التخيير عند التعارض.و أمّا من ناحية المدلول:فلأنّ المجعول فيها ليس إلاّ الحكم بتطبيق العمل على‏مؤدّى الأصل مع انحفاظ رتبة الحكم الظاهريّ باجتماع القيود الثلاثة،و هي:الجهل بالواقع،و إمكان الحكم على المؤدّى بأنّه الواقع،و عدم‏لزوم الخالفة العمليّة،و حيث إنّه يلزم من جريان الأُصول في أطراف‏العلم الإجماليّ مخالفة عمليّة فلا يمكن جعلها جميعاً،و كون المجعول‏أحدها تخييراً ممكن إلاّ أنّه لا دليل عليه،لا من ناحية أدلّة الأُصول،و لا من‏ناحية المجعول فيها.و قياسها بباب الأمارات على السببيّة ليس في محلّه;لأنّ‏المجعول فيها ممّا يقتضي التخيير;لاندراجها في باب التزاحم‏ (1) انتهى.و فيه مواقع للنظر نشير إلى بعضٍ:منها:أنّ ما أفاد-من أنّ التخيير في الصورة الأُولى من مقتضيات‏الكاشف و الدالّ لا المنكشف و المدلول;فإنّ المجعول في كلّ من العامّ و الخاصّ‏هو الحكم التعيينيّ-ليس في محلّه;فإنّ دوران الأمر في المخصِّص بين التعيين‏و التخيير-أي خروج الفردين مطلقاً،أو خروج كلّ منهما مشروطاً بدخول‏الآخر-موجب للحكم بالتخيير;فإنّه القدر المتيقّن من التصرّف في العامّ،و إلاّ فلو علم أنّ المجعول في كلّ من العامّ و الخاصّ هو الحكم التعيينيّ،

1)فوائد الأُصول 4:28 و ما بعدها.


203

فلا مجال للحكم بالتخيير،و هذا واضح.نعم لو خرج واحد معيّن واقعاً و غيرمعيّن عندنا أمكن القول بالتخيير في بعض الصور أيضا.و منها:أنّ لنا أن نقول:إنّ التخيير في الأصلين المتعارضين من مقتضيات‏الدالّ و الكاشف،كالمثال المذكور في الصورة الأُولى;لأنّ اجتماع دليل العامّ‏و إجمال دليل الخاصّ بضميمة وجوب الاقتصار على القدر المتيقَّن في‏التخصيص كما أوجب الحكم بالتخيير،كذلك اجتماعُ دليل الأُصول-مثل‏قوله:(كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه) (1) مع لزوم التخصيص،و دورانه بين خروج الفردين مطلقاً و في جميع الأحوال،أو خروج كلّ منهمافي حال عدم ارتكاب الآخر،موجب للحكم بالتخيير.و بالجملة:الإطلاق الأحواليّ لدليل العامّ و لزوم الأخذ بالقدر المتيقّن في‏التخصيص،هو الملاك فيما نحن فيه و فيما ذكر من المثال،بل فيما نحن فيه‏أولى ممّا ذكره;لأنّ التخصيص فيه عقليّ،و العقل يحكم جزماً بأنّ ما يوجب‏الامتناع هو إطلاق الدليل لا عمومه الأفراديّ،فالمخصِّص لم يكون أمره دائراًبين الأقلّ و الأكثر كالمثال المذكور،بل يحكم العقل بأنّ ملاك التصرّف في‏العامّ-أي أدلّة الأُصول في أطراف العلم الإجماليّ-ليس إلاّ في تقييدالإطلاق،لا تخصيص الأفراد.و منها:أنّ ما أفاد في الصورة الثانية-من أنّ التخيير في باب تزاحم‏

1)الكافي 5:313-40 باب النوادر من كتاب المعيشة،الوسائل 12:60-4 باب 4من أبواب ما يكتسب به.


204

الواجبين من ناحية المدلول و المنكشف،لا الدالّ و الكاشف-ليس في محلّه;فإنّ التخيير فيه لأجل إطلاق العامّ أحوالاً،و لزوم الأخذ بالقدر المتيقّن في‏التصرّف فيه،فالتخيير إنّما نشأ من إطلاق الدليل،و عدم الدليل على‏التصرّف فيه إلاّ بمقدار يحكم العقل بامتناع العمل بالعامّ،و هو الأخذبالإطلاق الأحواليّ في كلا الفردين،فلا بدّ من التصرّف فيه من تلك الجهة،و نتيجته الحكم بالتخيير.و بالجملة:لا فرق بين الصورة الأُولى و الثانية إلاّ من ناحية المخصِّص;فإنّ‏المخصِّص في الأُولى دليل لفظيّ مجمل دائر بين الأقلّ و الأكثر،و في الثانيةدليل عقليّ يحكم بخروج القدر المتيقّن من العامّ.نعم لو بنينا على أنّ التكليفين يسقطان معاً،و يستكشف العقل لأجل‏الملاك التامّ حكماً تخييريّاً،يمكن أن يقال:إنّ التخيير بينهما إنّما يكون لأجل‏المدلول لا الدليل على إشكال فيه،لكنّه خلاف مسلكه.و منها:أنّ لنا أن نقول:إنّ ما نحن فيه أيضا يكون الحكم‏فيه‏بالتخيير من ناحية المدلول و المنكشف كما في المتزاحمين،فإنّ الترخيص‏المستفاد من أدلّة الأُصول مقيّد عقلاً بعدم لزوم الإذن في المعصيةالقطعيّة;أي بكون المكلّف قادراً تشريعاً على إتيانه،و كلّ واحد من‏المتعارضين يقتضي صَرفَ قدرة المكلّف إلى متعلّقه،و نفي الموانع عن‏وجوده،فلمّا لم يكون للعبد إلاّ صَرفُ قدرته في واحد منهما-أي يكون‏عاجزاً عن إتيانهما-يقع التعارض بينهما،فحينئذٍ:إمّا أن نقول بسقوط


205

التكليفين و استكشاف العقل تكليفاً تخييريّاً،أو نقول بتقييد إطلاق‏كلّ منهما بحال امتثال الآخر.و بالجملة:يكون حال ما نحن فيه حال‏المتزاحمين طابق النعل بالنعل.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنَّ جوابه مع طوله ممّا لا طائل تحته.

التحقيق في المقام‏

و التحقيق‏1:أنّ عدم جريان الأُصول بالنسبة إلى بعض الأطراف إنّماهو لأمر آخر،و هو قصور أدلّة الترخيص عن شمول الأطراف;لأنّ العقل بعدما يحكم حكماً ضروريّاً بلزوم الموافقة القطعيّة،و ترك جميع الأطراف في‏الشبهة التحريميّة،و إتيانها في الشبهة الوجوبيّة،و بعد فعليّة الحكم و تنجّزه،لا يكاد يمكن استفادة الترخيص من الأدلّة العامّة،بل لا بدّ من التصريح‏بذلك;لأنّه حكم مخالف لحكم العقل،و يحتاج بعد التصريح إلى تصويرإمكانه بالدقّة العقليّة و إقامة البرهان عليه،و ما كان حاله كذلك لا يستفادالترخيص فيه من مثل العمومات،نظير ما ذكر في باب حجّيّة الخبر الواحدو الأمارات العقلائيّة:من أنّ الأدلّة العامّة لا تصلح للرادعيّة عنها،بل لا بدّفي الردع من التصريح‏ (1) بل ما نحن فيه أولى بتلك الدعوى ممّا ذكر1قد ذكرنا في الورقة(العلى حِدة)ما هو التحقيق في المقام.منه قدس سره‏و مع الأسف فإنا لم نعثر عليها في تصوير الأصل المتوفر عندنا.

1)فوائد الأُصول 3:195.


206

في باب حجّيّة الخبر.و بالجملة:أنّ الأدلّة العامّة لا تصلح لشمول أطراف المعلوم بالإجمال.

تنبيه‏في بدلية الطرف الغير المأذون فيه عن الواقع‏

يظهر من الشيخ الأعظم‏ (1) و تبعه بعض آخر (2) :أنّ الترخيص في‏بعض الأطراف يرجع في الحقيقة إلى جعل الشارع الطرفَ الغير المأذون فيه‏بدلاً عن الواقع.و هذا بمكان من الغرابة;لعدم ملاك البدليّة في الطرف بوجه،فلو فرض الطرف مباحاً فتركه ليس فيه ملاك البدليّة حتّى يكون بدلاً عنه،و أسوأ منه لو كان الطرف مستحبّاً في الشبهة التحريميّة،و مكروهاً في الشبهةالوجوبيّة.و ترخيص الشارع ليس له سببيّة لتحقّق الملاك،خصوصاً بالنسبة إلى‏الطرف الآخر،و لو أمر بترك البقيّة فهو أمر إرشاديّ،و لا يعقل المولويّة في مقام‏الإطاعة،و لا يعقل فيه السببية و لو قلنابهافي غيره.و التحقيق:أنّ الترخيص-على فرضه-إنّما هو لمصلحة التسهيل،أومفسدة التضييق،من غير تغيّر في الواقعيّات بوجهٍ من الوجوه،فهو راجع إلى‏

1)فرائد الأُصول:242 سطر 8-10 و سطر 15-17.

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:311-314.


207

رفع اليد عن التكليف الواقعيّ على بعض الفروض;لأجل أغراض أهمّ من‏حفظ الواقع في هذا الحال.

في الاضطرار إلى بعض أطراف المعلوم بالإجمال‏

قوله:الأول:إنّ الاضطرار...إلخ‏ (1) .(1)لو اضطرّ المكلّف إلى بعض الأطراف:فتارة يكون اضطراره قبل تعلّق‏التكليف بأحدها و قبل تعلّق العلم.و تارة يكون قبل العلم و بعد التكليف.و تارة يكون بعد العلم و التكليف.و تارة يكون مقارناً لهما أو لأحدهما.و تارة يكون بعد العلم بالخطاب و قبل تعلّق التكليف،كما لو علم‏بالواجب المشروط قبل تحقّق شرطه،ثمّ اضطرّ إلى بعض الأطراف،ثمَّ تحقّق‏الشرط.و على جميع التقادير:تارة يكون الاضطرار إلى المعيّن،و تارة يكون إلى‏غيره.و على التقادير:قد يكون الاضطرار عقليّاً و نتكلّم فيه مع قطع النّظرعن حديث الرفع،و قد يكون عاديّاً مشمولاً للحديث و نتكلّم فيه مع‏النّظر إليه.

1)الكفاية 2:216.


208

و على التقادير:قد يكون المعلوم هو الحرام،و قد يكون هو الواجب.و على التقادير:قد يكون الاضطرار إلى ارتكاب بعض الأطراف،و قديكون إلى تركه.و مفروض الكلام في جميع التقادير ما إذا كان الاضطرار بمقدار المعلوم أوالزائد منه،و إلاّ فلا تأثير له في سقوط العلم عن التأثير.فإن كان الاضطرار إلى بعض الأطراف معيّناً قبل تعلّق التكليف أو بعده‏و قبل العلم به،فلا إشكال في عدم وجوب الاجتناب عن غير موردالاضطرار،سواء كان اضطرار عقليّاً أو عاديّاً،و سواء كان الاضطرارالعقليّ موجباً لتحديد التكليف و تقييد فعليّته كما عليه المشايخ‏ (1) أو غيرموجب له بل هو باقٍ على ما هو عليه من الفعليّة،لكنّ العبد يكون معذوراًفي تركه مع الاضطرار العقليّ،كما هو مسلكنا في جميع الأعذار العقليّة.أمّا بناءً على عدم فعليّة التكليف فواضح;لأنّ العلم الإجماليّ لم يتعلّق‏بالخطاب الفعليّ،و لا بدّ في تنجيز العلم من كون جميع الأطراف بحيث‏يكون التكليف بالنسبة إليها صحيحاً.و أمّا على مسلكنا فلأنّ التكليف الفعليّ و إن كان معلوماً حتّى بعدالاضطرار،لكن لا بدّ في تأثير العلم الإجمالي أن يتعلّق بتكليف فعليّ صالح‏للاحتجاج،و الاضطرار موجب لقطع الاحتجاج و لموجّهيّة عذر العبد.

1)انظر الكفاية 2:216،درر الفوائد 2:119-120،نهاية الدراية 2:250سطر 4-13.


209

فإن قلت:على هذا المبنى لو علم العبد بالتكليف الفعليّ،و شكّ في‏قدرته على إتيانه،فلا يكن معذوراً عن التقاعد،و لا بدّ له من العلم بالعذر،و ليس له الاكتفاء بالشكّ مع العلم الفعليّ،و ما نحن فيه من هذا القبيل;فإنّ‏العلم الإجماليّ قد تعلّق بالتكليف الفعليّ،و المكلّف شاكّ في كونه مضطرّاًإلى إتيان متعلّق التكليف،فيكون من قبيل الشكّ في القدرة،فيجب عليه‏الاحتياط،و لا فرق في ذلك بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ.قلت:نعم،لا فرق في الشكّ في القدرة و لزوم الاحتياط فيه بين العلم‏الإجماليّ و التفصيليّ،فلو علم إجمالاً بتكليف فعليّ و شكّ في قدرته لا بدّ له‏من الاحتياط،لكنّ المقام ليس كذلك;فإنّ العبد يعلم بعجزه و اضطراره‏و يشكّ في انطباق التكليف على مورد عذره و عجزه أو غيره،و فرق واضح‏بين الشكّ في القدرة أو الاضطرار مع العلم بالتكليف،و بين العلم بالعجز أوالاضطرار مع الشكّ في انطباقه عي مورد التكليف أو غيره;فإنّ العلم‏بالعجز و الاضطرار يكون عذراً وجدانيّاً،فلم يتعلّق علم العبد بتكليف فعليّ‏لا يكون معذوراً فيه،و لكنّ الشكّ في العجز لا يكون عذراً عند العقلاء مع‏فعليّة التكليف،و هذا هو الفارق بين المقامين.و إن اضطرّ إلى المعيّن مقارناً لحصول العلم:فلا تأثير للعلم أيضا;لأنّ‏العلم الإجماليّ المقارن للعذر لا يمكن أن يصير حجّة،و هذا واضح.و إن اضطرّ إليه بعد العم فلا إشكال في لزوم الاحتياط في البقيّة;لتحقّق‏العلم بالحجّة و اليقين بالاشتغال،فلا بدّ له من البراءة اليقينيّة،


210

و الاضطرار لا يكون عذراً إلاّ في الامتثال القطعيّ،دون الاحتماليّ الّذي‏يحكم به العقل أيضا.و بالجملة:بعد تماميّة الحجّة و العلم بالتكليف الفعليّ الصالح للاحتجاج به‏يحكم العقل بوجوب الموافقة القطعيّة،و مع عدم إمكانه يحكم بلزوم الموافقةالاحتماليّة،و الاضطرار لا يكون عذراً إلاّ بمقداره.و بما ذكرنا يظهر حال الواجب المشروط لو تعلّق العلم به قبل تحقّق شرطه،و كذا يُضطَرّ إليه قبله،فإنّه إن قلنا بأنّ الواجب المشروط قبل تحقّق شرطه‏لم يكون تكليفاً فعليّاً،يكون حاله حال الاضطرار قبل العلم بالتكليف،و إن‏قلنا بأنّه تكليف فعليّ-و يكون الشرط قيداً للمادّة،أو ظرفاً لتعلّق التكليف-يكون حاله حال الاضطرار بعد العلم.و أمّا الاضطرار إلى غير المعين:فالأقوى فيه وجوب الاجتناب مطلقاً;لعدم لحوق الاضطرار لمتعلّق التكليف،و جوازِ اجتماع التكليف الواقعيّ في‏بعض الأطراف مع الاضطرار إلى بعض من غير مصادقة بينهما،و إنّمايتزاحمان في مقام العمل لجهل المكلّف بعد الاختيار،و اختياره بعد فعليّةالتكليف و سبقه عليه لا يوجب عدم تأثير العلم،و الشكّ الحاصل بفعليّةالتكليف بعد اختيار المكلّف أحدَ الأطراف-لإمكان كون المأتيّ به موردالاضطرار-كالشكّ الحاصل بعد فقدِ أحدهما،أو إتيان المكلّف أحدهما مع‏عدم الاضطرار،طابق النعل بالنعل.و بالجملة:نفس الاضطرار لا يكون مزاحماً للتكليف في البين،كمنا أنّ‏


211

الجهل بمتعلّق التكليف لا يوجب سقوط العلم عن التأثير،فقبل إتيان بعض‏الأطراف يكون التكليف فعليّاً بلا مزاحم،و قابلاً للاحتجاج بالنسبة إلى‏الموافقة الاحتماليّة،و لا يمكن أن يكون الشكّ الحاصل من الإتيان به موجباًلسقوطه عن التأثير،و إلاّ لزم سقوط علّيّة العلوم الإجماليّة عن التأثير بعد إتيان‏بعض الأطراف أو فقده.

ردّ على المحقق الخراسانيّ‏

و المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه اختار سقوط العلم عن التأثير مطلقاً;معلِّلاً بأنّ جواز ارتكاب أحد الأطراف أو تركه تعييناً أو تخييراً،ينافي العلم‏بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينهما فعلاً،و نفى الفرقَ بين سبق الاضطرار على‏العلم و بين لحوقه;معلِّلاً بأنّ التكليف المعلوم بينهما يكون محدوداً بعدم‏عروض الاضطرار إلى متعلّقه من أوّل الأمر.و بهذا فرّق بين فَقدِ بعض‏الأطراف بعد تعلّق العلم و بين الاضطرار إليه بعده;حيث أوجب الاحتياطفي الأوّل دون الثاني‏ (1) .ثمّ رجع عمّا ذكره في الهامش،و فصّل بين الاضطرار إلى أحدهمالا بعينه و بين الاضطرار إلى المعين،و أوجب الاحتياط في الثاني دون الأوّل;معلِّلاً بأنّ العلم الإجماليّ بالتكليف الفعليّ المحدود في هذا الطرف أو المطلق‏في الطرف الآخر يكون منجّزاً،و أمّا إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه‏

1)الكفاية 2:216-218.


212

فإنّه يمنع عن فعليّة التكليف مطلقاً (1) انتهى ملخّصاً.و فيه نظر:أمّا أوّلاً:فلمنع منافاة الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه مع التكليف في‏البين;لعدم المزاحمة بينهما.نعم قد يكون مختار المكلّف منطبقاً على المحرّم‏الواقعيّ لأجل جهله بالواقعة،و لا يعقل أن يكون التكليف الواقعيّ متقيّداًباختيار المكلّف و عدمه،و الترخيص في أحدهما لا بعينه لا ينافي التكليف‏بأحدهما واقعاً،ألا ترى أنّه لو علم بالواقعة لوجب عليه رفع اضطراره بغيرمورد التكليف،و هذا يدلّ على عدم المزاحمة في رتبة التكليف.و ليته رحمه اللّه عدل في الهامش عن ذلك،فإنّه أولى بالعدول ممّاعدل عنه.و أمّا ثانياً:فلمنع كون الاضطرار و أضرابه من قيود التكليف و حدوده;ضرورة أنّ التكاليف ليست محدودة بأمثال ذلك من الأعذار العقليّة لو كان‏الاضطرار عقليّاً و يكون البحث عقليّاً،نعم في الأعذار العقليّة يكون ترك‏التكليف الفعليّ المتوجّه إلى كلّ المكلّفين بخطاب واحد ممّا لا مانع منه،و يكون المكلّف معذوراً فيه،و لا حُجّة للمولى على المكلّف،بل له عليه الحجّة،و هذا أمر آخر غير محدوديّة التكليف و تقيّده.نعم لو تكلّمنا على مقتضى حديث الرفع،و أنّ التكاليف محدودة به في‏الاضطرار العرفيّ،يكون لهذا الكلام مجال،لكن مع الاضطرار إلى غير

1)حقائق الأُصول 2:298-299.


213

المعيّن لا مصادقة بين حديث الرفع و أدلّة التكاليف;لعدم عروض الاضطرارإلى متعلّق التكليف كما أشرنا إليه،و مع الاضطرار إلى المعيّن يكون العلم‏الإجماليّ-المردّد بين أن يكون التكليف المحدود في هذا الطرف أو المطلق في‏الطرف الآخر-منجّزاً على الفرض المتقدّم.و أمّا ثالثاً:فلأنّ الافتراق بين فَقدِ المكلّف به و عروض الاضطرار فيما نحن‏فيه ممّا لا يرجع إلى محصّل;لأنّ تأثير التكاليف الواقعيّة إنّما يكون مع وجودالموضوع،و مع فقده لا تكون إلاّ كُبريات كلّيّة ممّا لا تأثير فيها;ضرورة عدم‏صحّة الاحتجاج بالكبرى على الصغرى،و لهذا لو فقد بعض الأطراف،ثمّ‏علم إجمالاً بأنّ المفقود أو الموجود خمر،لم يكن للعلم تأثير،كالاضطرار إلى‏المعيّن قبل العلم،كما أنّه لو فقد بعض الأطراف بعده كان العلم حجّة على‏الطرف الموجود;لأجل احتمال انطباق التكليف عليه،كما أنّه قبل فقده‏يكون نفس هذا الاحتمال حجّة عليه،و هذا بعينه يجي‏ء في الاضطرار إلى‏الطرف المعيّن كما لا يخفى.

في اشتراط الابتلاء بتمام الأطراف لتنجيز العلم الإجمالي‏

قوله:الثاني:لمّا كان النهي...إلخ‏ (1) .(1)قد استقرّت آراء المحقّقين من المتأخّرين‏ (2) على أنّ من شرائط تنجيز العلم‏

1)الكفاية 2:218.

2)انظر فرائد الأُصول:251 سطر 3-10،الكفاية 2:218-223،درر الفوائد 2:120،فوائد الأُصول 4:54،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:338-340.


214

الإجماليّ أن يكون تمام الأطراف ممّا يمكن عادة ابتلاء المكلّف بها،فلو كان‏بعضها خارجاً عن محلّ الابتلاء لا ينجِّز العلم،و يكون الطرف الآخر مورداًللبراءة العقليّة و الشرعيّة.و علّلوا ذلك باستهجان الخطاب أو الخطاب المنجّز أو التكليف الفعليّ‏بالنسبة إلى الخارج عنه;ضرورة أنّ النهي المطلق عن شرب الخمر الموجود في‏أقصى بلاد المغرب،أو ترك وطء جارية سلطان الصين يكون مستهجناً;لأنّ‏التكاليف إنّما تتوجّه إلى المكلّفين لأجل إيجاد الداعي إلى الفعل أو الترك،فمالا يمكن عادة تركه أو إتيانه لا مجال لتعلّق التكليف به. و المقصود من الخروج‏عن محلّ الابتلاء أعمّ ممّا يكون غير مقدور عادة،أو يرغب عنه الناس عادةو تكون الوداعي مصروفة عنه نوعاً،و الميزان:استهجان الخطاب عن العقلاء.و إن شئت قلت:إنّ الغرض من الأمر و النهي ليس إلاّ حصول ما اشتمل‏على المصلحة،أ عدم حصول ما اشتمل على المفسدة،و مع عدم التمكّن‏العاديّ من الترك أو الفعل لا تكاد تفوت المصلحة أو تحصل المفسدة،فلا موجب للتكليف بل لا يمكن;لاستهجانه.هذا غاية ما أفادوا-رحمهم‏اللّه-في وجه اعتبار هذا الشرط.و عندي فيه إشكال:و هو أنّه قد وقع الخلط بين الخطابات الكلّيّة المتوجّهةإلى عامّة المكلّفين و بين الخطاب الشخصيّ إلى آحادهم،فإنّ الخطاب‏الشخصيّ إلى خصوص العاجز أو غير المتمكّن عادة أو عقلاً ممّا لا يصحّ‏


215

كما أُفيد،و لكن الخطاب الكلّيّ إلى المكلّفين المختلفين بحسب الحالات‏و العوارض ممّا لا استهجان فيه.و بالجملة:استهجان الخطاب الخاصّ غير استهجان الخطاب الكلّيّ،فإنّ الأوّل فيما إذا كان الشخص غير متمكّن،و الثاني فيا إذا كان العموم‏أو الغالب-الّذي يكون غيره كالمعدوم-غير متمكّن عادة،أو مصروفةدواعيهم عنه.لا يقال:إنّ الخطابات الشرعيّة منحلّة بعدد نفوس المكلّفين،و لا يكاد يخفى‏أنّ الخطاب المنحلّ المتوجّه إلى غير المتمكّن مستهجن.فإنّه يقال:إن أُريد من الانحلال كون كلّ خطاب خطابات بعددالمكلّفين حتّى يكون كلّ مكلّف مخصوصاً بخطاب خاصّ به و تكليف‏مستقلّ متوجّه إليه،فهو ضروريّ البطلان;فإنّ قوله: يا أيُّها الَّذينَ آمَنُواأوفُوا بِالعُقودِ (1) خطاب واحد لعموم المؤمنين،فالخطاب واحد و الخاطب‏كثير،كما أنّ الإخبار ب«أنّ كلّ نار حارّة»إخبار واحد و المخبَر عنه كثير،و لذا لو قال أحد:«كلّ نار باردة»لا يكون إلاّ كذاباً واحداً فقوله: لا تَقرَبُوا الزِّنا (2) خطاب واحد متوجّه إلى كلّ مكلّف،و يكون الزنا تمام‏الموضوع للحرمة،و المكلّف تمام الموضوع لتوجّه الخطاب إليه،و هذا الخطاب‏الوحدانيّ يكون حجّة على كلّ مكلّف،من غير إنشاء تكاليف مستقلّة،أو

1)المائدة:1.

2)الإسراء:32.


216

توجّه خطابات عديدة.لست أقول:إنّ المنشأ تكليف واحد لمجموع المكلّفين فإنه ضروريّ الفساد،بل أقول:إنّ الخطاب واحد،و الإنشاء واحد،و المُنشَأ هو حرمة الزنا على كلّ‏مكلفّ،من غير توجّهه خطاب خاصّ أو تكليف مستقلّ إلى كلّ أحد،و لا استهجان في هذا الخطاب العموميّ إذا كان المكلّفُ في بعض الأحوال‏أو بالنسبة إلى بعض الأمكنة غيرَ متمكّن عقلاً أو عادةً.فالخمر حرام على كلّ أحد،تمكّن من إتيانه أو لم يتمكّن،و ليس جعل‏الحرمة لغير المتمكّن بالخصوص;حتّى قيل:يستهجن الخطاب أو التكليف‏المنجز،فليس للمولى إلاّ خطاب واحد لعنوان واحد يرى الناس كلّهم أنّه‏حجّة عليهم،و لا إشكال في عدم استهجان هذا الخطاب العموميّ.كما لا إشكال في أنّ التكاليف الشرعيّة ليست متقيّدة بهذه القيود;أي:عدم الجهل،و العجز،و الخروج عن محلّ الابتلاء،و أمثالها1.1و القائلون باستهجان الخطاب و لو بنحو لا عموم لا محيص لهم إلاّ الالتزام بأنّ الخطابات‏و الأحكام الوضعيّة-أيضا-مختصّة بما هو محلّ الابتلاء;لأنّ جعل الحك الوضعيّ إن‏كان تبعاً للتكليف فواضح،و مع عدم التبعيّة فالجعل إنّما هو بلحاظ الأثر،و لهذا لا يمكن‏جعل ما ليس له أثر مطلقاً،فجعل النجاسة للخمر و البول للآثار المترتّبة عليهما،كالشرب،و الصلاة فيه،و أمثال ذلك،و الفرض أنّ الآثار مع عدم كون الموضوع محلّ الابتلاء،لايجوز أن يترتّب عليها،فلا بدّ من القول بأنّ النجاسة و الحلّيّة و غيرهما من الوضعيّات من‏الأُمور النسبيّة بلحاظ المكلّفين،فالخمر و البول نجسان بالنسبة إلى من كان مبتلىً بهما دون‏غيرهما،و لا أظنّ التزامهم بذلك;للزوم الاختلال في الفقه،و الدليل العقليّ غير قابل للتخصيص.منه قدس سره‏


217

إذا عرفت ذلك:فالعلم الإجماليّ المتعلِّق بالتكليف الفعلي المنجّز لا بدّ من‏الخروج عن عهدته،و هو يقتضي الموافقة القطعية و الاحتماليّة،و ترك المخالفةالقطعيّة و الاحتمالية،و مجرّد كون أحد الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاءو مصروفة عنه الدواعي لا يوجب عدم تنجيز التكليف المعلوم.و لو لوحظ التكليفُ بالنسبة إلى كلّ أحد،و الخطابُ متوجِّهاً إلى كلّ‏واحد من المكلّفين،و يراعى الاستهجان و عدمه في التكليف الانحلاليّ،للزم‏استهجان الخطاب إلى التارك الّذي لا يصير التكليف باعثاً له،فلزم أن لا تكون‏العصاة مكلّفين بالفروع،و الكفار بالأُصول و الفروع،و لزم أن يكون التارك‏للمنهيّ عنه بمقتضى داعوية غير متوجّه إليه النهي;ضرورة عدم الفرق في‏الاستهجان بين النهي عن اشرب الخمر الموجود في أقصى بلاد المغرب،و بين‏النهي عن كشف العورة في ملأ من الناس لمن له شرف،و النهي عن أكل‏القاذورات و الخبائث،فلا فرق بين عدم القدرة العاديّة على المنهيّ عنه و بين‏كون الدواعي مصروفة عنه.لست أقول:إنّ التكليف متقيّد بالإرادة;حتّى يقال:إنّ التقييد بها غيرمعقول،دون التقييد بالقدرة العقليّة أو العاديّة،و لكن أقول:إنّ التكليف إنّمايتوجّه إلى المكلّف لأجل إيجاد الداعي له و لو بمبادٍ أُخر من خوف العقاب‏و الطمع في الثواب،و التارك للشي‏ء بإرادته-سواء تعلّق به النهي أم لا-لا يصير النهي داعياً له و باعثاً إيّاه،فيكون مستهجناً لغواً،بل في جميع تلك‏الموارد يكون التكليف الجدّيّ للبعث محالاً;لعدم تحقّق مبادئ الإرادة فيها،


218

فمن يترك الشرب بإرادته كمن لا يقدر عادةً عليه يستهجن بل يمتنع الخطاب‏بالنسبة إليه،و هذا واضح لا سُترة فيه.مع أنّ الالتزام بذلك ممّا لا يمكن،فلا يجوز أن يقال:إنّ صِرف مصروفيّةالدواعي عن إتيان المتعلّق يوجب استهجان التكليف،و السرّ في ذلك‏ما حقّقناه‏ (1) من أنّ استهجان الخطاب العموميّ غيره في الخطاب الشخصيّ،و لا ينبغي أن يقاس بينهما،فالخطابات الإلهيّة بنحو العموم ثابتة و تكون فعليّة،كان المكلّف جاهلاً أو عاجزاً أو لا،مصروفاً عنه داعيه أو لا،لكنّ الجاهل‏العاجز معذور في تركه.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الخروج عن محلّ الابتلاء لا يوجب‏نقصاناً في التكليف،و لا بدّ من الخروج عن عهدته بترك ما يكون في محلّ‏الابتلاء.فإن قلت:هذا بالنسبة إلى حكم العقل،فما تقول في الأدلّة النقليّةو الأُصول الشرعيّة كأصلي الطهارة و الحلّيّة،فإنّ جريان الأصل العمليّ‏بالنسبة إلى الخارج عن محلّ الابتلاء ممّا لا معنى له،و مع عدم جريانه بالنسبةإلى بعض الأطراف يكون جريانه بالنسبة إلى البعض الآخر ممّا لا مانع منه;لعدم لزوم الإذن في المخالفة القطعيّة،و الإذنُ في المخالفة الاحتماليّة ممّالا مانع منه؟!قلت:أوّلاً:إنّ عدم جريان الأُصول العمليّة في الخارج عن محلّ الابتلاء

1)في صفحة:214.


219

محلّ المنع;فإنّ جعل الطهارة و الحليّة الظاهريّتين في المشكوك فيه بنحو الجعل‏العامّ ممّا لا مانع منه،و ليس لكلّ أحد أصل مجعول بالخصوص،بل الشارع‏جعل الحلّيّة و الطهارة بنحو العموم للمشكوك فيه،و لازمه ترتيب الآثارالعمليّ،و ليست الأدلّة ناظرة إلى آحاد الأشخاص و آحاد الوقائع المشكوك‏فيها،كما ذكرنا في أدلّة الأحكام الواقعيّة (1) .و ثانياً:لو سلّم عدم جريانه في الطرف الخارج فلا يجري في الطرف‏الآخر;لعين ما ذكرنا (2) من أنّ الأدلّة العامّة لا تصلح للترخيص بالنسبة إلى‏أطراف المعلوم بالإجمال،بل لا بدّ فيه من دليل دالّ على نحو الصراحة،فراجع‏1.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء ممّا لا تأثير له‏في منجّزيّة العلم الإجماليّ.و أمّا صحيحة عليّ بن جعفر عليه السلام عن أخيه-الواردة فيمن‏رعف فامتخط،فصار الدم قطعاً صغاراً،فأصاب إناءه‏2فحمله على‏1و قد ذكرنا وجهاً آخر لعدم جريان الأُصول في بعض الأطراف.منه قدّس سرّه‏2الكافي 3:74-16 باب النوادر من كتاب الطهارة،الوسائل 1:112-1 باب 8 من‏أبواب الماء المطلق.علي بن جعفر:هو العالم الكبير سليل العترة أبو الحسن علي بن الإمام جعفر الصادق بن‏الإمام محمّد الباقر بن الإمام السجاد بن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب العُريضي‏الحسيني الهاشمي،روى عن أبيه الصادق و ابن أخيه الرضا و لزم أخاه الإمام الكاظم و روى‏

1)انظر الصفحة السابقة.

2)في صفحة:205.


220

العلم الإجماليّ بإصابة ظهر الإناء أو باطنه المحتوي للماء،و حملها على خروج‏ظاهر الإناء عن محلّ الابتلاء-كما صنع العلاّمة الأنصاريّ‏ (1) رحمه اللّه-فلا يخلو من غرابة;فإنّ ظاهر الإناء الّذي يكون تحت يد المكلّف و داخلاً في‏استعمالاته كيف لا يكون محلّ ابتلائه؟فلا بدّ من حملها-بعد ظهورها في إصابة الماء-:إمّا على ما ذهب‏إليه‏شيخ الطائفة (2) رحمه اللّه-من أنّ الأجزاءالصغار جدّاً-ممّا لا يدركها الطرف،و لا بدّ لرؤيتها من استعمال الآلات‏المكبّرة-ممّا لا حكم له شرعاً;لخروجها عن الموضوع العرفيّ،كالأجزاءالصغار التي تكون بنظر العرف لوناً،و لا ينافي العلمَ بالإصابة;فإنّ العلم بهاغير إدراك الطرف.و إمّا حملها على إبداء الشكّ في أصل الإصابة مطلقاً (3) .نعم حملها على خروج ذلك عن قاعدة الشبهة المحصورة بعيد.

الأصل عن الشكّ في الخروج عن محلّ الابتلاء

ثمّ لو قلنا بمقالة من قال بتأثير الخروج عن محلّ الابتلاء في عدم منجزيّةعنه شيئاً كثيراً له كتاب(المسائل)المشهور المتداول.انظر الإرشاد للمفيد:287،عمدةالطالب:241،معجم رجال الحديث 11:307-7967.

1)فرائد الأُصول:251 سطر 20.

2)الاستبصار 1:23 ذيل حديث 12 باب 10 في الماء القليل..،المبسوط 1:7.

3)مسالك الإفهام 1:3 سطر 6-7،المعتبر:11 سطر 12-13.


221

العلم الإجمالي‏ (1) لو شككنا في الخروج عن محلّ الابتلاء لا من جهة الأُمورالخارجيّة،بل من جهة إجمال ما هو خارج عن مورد التكليف الفعليّ،فهل‏الأصل العقليّ يقتضي الاحتياط أو البراءة؟قد يُقال بالأوّل قياساً بالشكّ في القدرة،بأن يُقال:إنّ البيان المصحح‏للعقاب عند العقل-و هو العلم بوجود مبغوض المولى بين أُمور-حاصل،و إن‏شكّ في الخطاب الفعليّ من جهة الشكّ في حسن التكليف و عدمه،و هذاالمقدار يكفي حجّةً عليه،نظير ما إذا شكّ في قدرته على إتيان المأمور به‏و عدمها بعد إحراز كون ذلك الفعل موافقاً لغرض المولى و مطلوباً له ذاتاً،فإنّه‏لا يجوز له التقاعد عن الإتيان بمجرّد الشكّ في الخطاب الفعليّ الناشئ‏من الشكّ في القدرة (2) .هذا،و لكنّ التحقيق:أنّ الأصل هو البراءة بعد البناء على كون المتعلّق‏في محلّ الابتلاء من قيود التكليف و حدوده;لأنّ الشكّ يرجع إلى‏الشكّ في أصل التكليف،و مجرّد احتمال كون المبغوض في الطرف‏هو المبتلى به لا يوجب تماميّة الحجّة على العبد،بل له الحجّة من جهة شكّه‏في أصل التكليف;لاحتمال كون المعلوم في الطرف الآخر،فلا يؤثّرالعلم الإجماليّ.

1)انظر فرائد الأُصول:251 سطر 3-10،الكفاية 2:218-223،درر الفوائد 2:120.

2)انظر درر الفوائد 2:121.


222

و أمّا قضيّة الشكّ في القدرة فهو أيضا كذلك لو قلنا بمقالة القوم‏ (1) من أنّ التكليف متقيّد بالقدرة،و أنّها من حدوده.و أمّا على ما هو التحقيق‏-من أنّ التكاليف الشرعيّة فعليّة حتّى مع العجز العقليّ،لكن معه‏يكون المكلف معذوراً في ترك التكليف الفعليّ،و له الحجّة عليه-فعندالشكّ في القدرة لا بدّ من الاحتياط;لأنّ التكليف الفعليّ حجّة إلاّ مع‏إحراز العذر،و مع الشكّ فيه تكون الحجّة تامّة.فقياس باب القدرةبما نحن فيه مع الفارق إلاّ على مبناهم،و عليه يكون الأصل البراءة في‏كلا المقامين.و قد يتمسّك لوجوب الاحتياط بإطلاق أدلّة المحرّمات،بأن‏يقال:لا إشكال في إطلاق ما دلّ حرمة شرب الخمر و شموله‏لصورتي الابتلاء به و عدمه،و القدر الثابت من التقييد عقلاً هو ما إذا كان‏الخمر خارجاً عن محلّ الابتلاء بحيث يلزم الاستهجان بنظر العرف،فإذاشكّ فيه فالمرجع هو إطلاق الدليل;لأنّ المخصِّص مجمل دائر بين الأقلّ‏و الأكثر،و لا يسرى إجماله إلى العامّ،خصوصاً إذا كان لبّيّا;فإنّ في‏المخصِّصات اللبية يتمسّك بالعامّ و لو في الشبهة المصداقيّة،فضلاً عن‏المفهوميّة.و السرّ في التمسّك بالعامّ في المخصِّصات اللبّيّة هو أنّ العقل‏لا يخرج العنوان عن تحت العموم;بل يخرج ذوات المصاديق الخارجيّة،

1)فرائد الأُصول:438 سطر 19-20،فوائد الأُصول 4:53،نهاية الأفكار-القسم‏الثاني من الجزء الثالث:338-339.


223

فالشكّ يكون شكّا في التخصيص الزائد،و لا تكون الشبهة مصداقيّةكالمخصِّصات اللفظيّة.فإن قلت:المخصِّصات اللُّبّيّة الحافّة بالكلام-كما نحن فيه-يسري‏إجمالها إلى العامّ كالمخصِّصات اللفظيّة المتّصلة المجملة.قلت-مضافاً إلى أنّه يمكن منع كون المخصِّص هنا من الضروريّات‏المرتكزة في الأذهان-:إنّ هذا مسلّم إذا كان الخارج عنواناً واقعيّاً غيرمختلف المراتب;كالفاسق المردّد بين مرتكب الكبيرة أو الأعمّ و أمّا إذا كان‏عنواناً ذا مراتب مختلفة،و علم بخروج بعض مراتبه عن العامّ و شكّ في بعض‏آخر،فلا;لأنّ الشكّ يرجع إلى التخصيص الزائد.فإن قلت:التمسّك بالإطلاق فرع إمكان الإطلاق الواقعيّ،و فيما نحن‏فيه يكون الشكّ في صحّة الإطلاق النّفس الأمري;لاحتمال استهجان‏التكليف.قلت:هذا ممنوع;لأنّ التمسّك بالإطلاق لو كان فرع الإمكان الواقعيّ‏لما جاز التمسّك به مطلقاً;لأنّ في كلّيّة الموارد يكون الشكّ في إمكان‏الإطلاق النّفس الأمريّ،فخصوصاً على مذهب العدليّة من تبعيّة الأحكام‏للمصالح و المفاسد،فإنّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في وجود مصلحة أومفسدة،و يمتنع الإطلاق مع عدمهما،فكما أنّ الإطلاق يكشف عن المصلحةالنّفس الأمريّة،فكذلك يكشف عن عدم الاستهجان.هذا محصّل تقرير كلمات بعض الأعاظم في جواز التمسّك بالإطلاق‏


224

فيما نحن فيه‏ (1) .و فيه أوّلاً:أنّ منع كون المخصِّص هنا ضروريّاً مرتكزاً في الأذهان‏قابل للمنع.مضافاً إلى أنّ التحقيق أنّ إجمال المخصص اللبّيّ-الّذي مثل‏ما نحن فيه-يسري إلى العامّ و لو كان نظريّاً;ضرورة أنّه بعد النّظر يكشف‏العقل بأنّ الخطاب من الأوّل غير متوجّه إلى الخارج عن محلّ الابتلاء،ففرق‏بين ورود المخصِّص منفصلاً،و بين الغفلة عن الواقع و العلم بمحدوديّة الخطاب‏و تقييده من أوّل الأمر.و هذا نظير كشف القرينة اللفظيّة الحافّة بالكلام‏بعد حين.و بالجملة:إذا علم بعد النّظر أنّ الخطاب لا يتوجّه إلى العاجز من أول الأمر،و أنّ الخارجَ عن محلّ الابتلاء خارج،و الخطابَ محدود بالداخل في محلّ‏الابتلاء يسري الإجمال بلا إشكال‏ (2) .و ثانياً:أنّ إجمال المخصِّص اللبّيّ الحافّ بالكلام كالمخصِّص اللفظيّ‏المتّصل به يسري إلى العامّ بلا كلام;ضرورة أنّ ظهور العامّ لا ينعقد إلاّ في‏المقدار المتقيّد،و الرفض أنّ القيد مجمل دائر بين الأقل و الأكثر،فلا يكون‏العامّ المقيّد حجّة إلاّ في القدر المتيقّن.كما أنّ التمسّك بالعامّ في الشبهات‏المصداقيّة في المخصِّص اللبّيّ لا يجوز أيضا،و لا فرق بينه و بين المخصِّص‏اللفظيّ.

1)فوائد الأُصول 4:57 و ما عدها.

2)الكلمتان(بلا إشكال)غير واضحة في الأصل و أثبتناهما استظهاراً.


225

و ما قال بعض المحقّقين‏ (1) تبعاً للشيخ الأنصاري‏ (2) على ما نقل عنه-:من أنّ السرّ في الجواز في اللُّبّيّ أنّ العقل يخرج ذوات المصاديق،لا العنوان‏حتّى تصير الشبهة فيه مصداقيّة،بل-تصير من قبيل التخصيص الزائد-ممنوع;فإنّ العقل قد يخرج الأفراد بملاك واحد،و قد يخرج كلّ فرد بملاكٍ‏يخصّه:فإن كان من قبيل الثاني فلا إشكال في جواز التمسّك بالعامّ;فإنّ الشكّ‏في الفرد الآخر يكون من قبيل الشكّ في التخصيص الزائد،لكن المخصِّص‏اللفظيّ-أيضا-لو أخرج كلي فرد بعنوانٍ خاصّ به يكون كذلك.و إن كان من قبيل الأوّل-أي يكون الإخراج بملاك واحد في الكلّ،كمالو كانت العداوة ملاك الخروج-فلا إشكال في أنّ المخرَج هو العنوان‏الوحدانيّ،و يكون المخصِّص واحداً،لا كثيراً،و تصير الشبهة مصداقيّة،لا يمكن‏التمسّك بالعامّ فيها لعين ما ذكر في المخصِّص اللفظيّ.و ما قيل:-إن الجهات قد تكون تعليليّة في اللُّبّيّات،و يخرج العقل نفس‏الأفراد بالجهة التعليليّة (3) فليس بشي‏ء;فإن كلّيّة الجهات التعليليّة عندالعقل ترجع إلى الجهات التقييديّة،فلو قيل:«لا تشرب الخمر لأنّه مُسكر»فالمسكريّة جهة تعليليّة في القضيّة اللفظيّة،لكنّ العقل يرى الموضوع بحسب‏

1)انظر فوائد الأُصول 2:537.

2)مطارح الأنظار:194 سطر 24-30 و 195 سطر 13-16.

3)فوائد الأُصول 1:288.


226

الواقع هو المسكر،و يثبت الحكم المسكر.و بالجملة:لا نجد فرقاً بين اللفظيّات و اللُّبّيّات من هذه الجهة أصلاً.و ثالثاً:أنّ ما أفاده بعض أعاظم علماء العصر رحمه اللّه:من الفرق بين‏المخصِّص الّذي له عنوان واقعيّ غير ذي مراتب،و بين الّذي له مراتب‏مختلفة،و جوّز التمسّك بالعامّ في الثاني حتّى في المخصِّص المتّصل-لفظيّاًكان أو لُبّيّاً-دون الأوّل;معلِّلاً بأنّ الشكّ في الثاني يرجع إلى التخصيص‏الزائد فيما عدا المراتب المتيقّنة (1) .ففيه أوّلاً:لم يتبيّن الفرق بين مفهوم الفاسق و مفهوم الخارج عن محلّ‏الابتلاء،حيث جعل الثاني مختلف المراتب دون الأوّل،مع أنّ الخروج عن‏طاعة الله له مراتب مختلفة:مرتبة منه ارتكاب الصغائر،و مرتبة منه أشدّ منه‏هو ارتكاب الكبيرة،و مرتبة أشدّ منهما هو ارتكاب الموبقات،و نشكّ في‏مفهوم الفاسق أنّه مطلق الخارج عن طاعة اللّه أو الخارج عنها بمرتبة شديدة،كما أنّ البلاد مختلفة المراتب من حيث القرب و البعد،فبعضها في أقصى‏بلاد المغرب،و بعضها أقرب منه،و نشكّ في أنّ الخارج عن محلّ الابتلاء هوالبلاد النائية جدّاً أو الأعمّ منها.و لعلّ مفهوم الفاسق أولى بادّعاء كونه ذامراتب من مفهوم الخارج عن محلّ الابتلاء.و ثانياً:أنّ دعوى عدم سراية الإجمال إلى العامّ في المخصّص المتّصل‏إذا كان مفهوم المخصّص ذا مراتب،ممنوعة،فلو ورد:«إكرام العلماء إلاّ

1)فوائد الأُصول 4:60.


227

الأبيض منهم»و شككنا في أنّ الخارج هو الأبيض الشديد أو أعمّ منه،فلاإشكال في عدم جواز التمسّك بالعامّ لوجوب إكرام الأبيض الناقص;لرجوعه إلى التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بالنسبة إلى نفس العامّ،لا المخصِّص;لأنّه ليس لكلام حينئذٍ إلاّ ظهور واحد،فمع إجمال القيدلا يعقل عدم السراية.و ثالثاً:فَرضُ كونِ مفهوم ذا مراتب،و شكّ في خروج بعض مراتبه من‏العام،خروج عن الشبهة المفهوميّة;لأنّ معناها أنّ المفهوم مجمل في مقام‏مفهوميّته،فلا يعلم انطباقه على موضوع;مثل مفهوم الفاسق المردّد بين كونه‏بمعنى مرتكب الكبائر أو الأعمّ،فيكون الشكّ في انطباق مفهوم الفاسق على‏مرتكب الصغيرة،و أمّا لو علم أنّ مفهوماً له مراتب،و شكّ في خروج بعض‏مراتبه بعد العلم بخروج بعضها،فهو خارج عن الشبهة المفهوميّة،و داخل في‏إجمال المراد بعد كون المفهوم مبيّناً.و أمّا ما ذكر-أنّ التمسّك بالإطلاق و العموم ليس مشروطاً بإحراز إمكان‏الإطلاق‏و العموم‏و إلاّ لانسدّ باب التمسّك بهما،خصوصاً على مذهب‏العدليّة-ففيه:أنّه فرق واضح بين قضيّة استهجان الخطاب و غيره;فإنّ في‏الشكّ في التقييد أو التخصيص في موارد أُخر يكون الخطاب تامّاً متوجّهاً إلى‏المكلّف،و يكون الأصل العقلائي هو مطابقة الإرادة الاستعماليّة للجدّيّة،ثمّ‏إذا شكّ في التقييد أو التخصيص تكون أصالة الإطلاق أو العموم محكّمة.و كون الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد النّفس الأمريّة ممّا يغفل عنه العامّة،


228

و إنّما هو أمر مبحوث عنه عند العلماء الباحثين عن دقائق المسائل،فإذا ورد:«أكرم العلماء»يفهم العرف و العقلاء وجوب إكرام كلّ عالم،و عند الشكّ‏في التخصيص يتمسّكون بالعامّ من غير توجّه إلى إمكان الإطلاق النّفس‏الأمريّ على مسلك العدليّة.و هذا بخلاف قضيّة استهجان الخطاب ممّا يكون‏كالضروريّ عندهم،و لو شكّ في استهجانه و لغويّته لا يكون بناؤهم على‏التمسّك بالإطلاق لكشف حاله،فالتمسّك بأصالة الإطلاق فرع إحرازإمكانه بهذا المعنى.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ التمسّك بالإطلاق-كما أفاد الشيخ،و قرّره بعض‏أعاظم العصر،و شيّد أركانه-ممّا لا يجوز.

في الشبهة الغير المحصورة

قوله:الثالث:أنّه قد عرفت أنّه مع فعليّة التكليف المعلوم....إلخ‏ (1) .(1)عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الغير المحصورة في الجملة ممّا لا إشكال‏فيه،و عليه دعوى الإجماع،بل الضرورة (2) و إنّما الكلام في وجهه.و لا بدّأن يمحّض الكلام فيها بحيث لو كانت محصورة وجب الاحتياط،ففرض‏خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء،أو الاضطرار إلى بعضها،أو

1)الكفاية 2:223.

2)انظر روض الجنان:224 سطر 18-21،حاشية مدارك الأحكام للوحيد البهبهاني:26-العمود الأيمن سطر 8.


229

حرجيّة الاحتياط،خروج عن محلّ البحث.

في الاستدلال على عدم وجوب الاحتياط في المقام‏

و قد اضطرب كلام القوم‏ (1) في ميزان الشبهة الغير المحصورة،و السِّر في‏عدم وجوب الاجتناب عن بعض أطرافها أو جميعها.و أسدّ ما قيل في المقام هو ما أفاده شيخنا العلاّمة الحائريّ-قدّس سرّه-لكنّه لأجل شبهة أشكل عليه الأمر في عدم وجوب الاحتياط.قال-قدّس سرّه-غاية ما يمكن أن يقال في وجه عدم وجوب الاحتياط:هو أنَّ كثرة الأطراف توجب ضعف احتمال كون الحرام مثلاً في طرف‏خاص;بحيث لا يعتني به العقلاء و يجعلونه كالشكّ البدويّ،فيكون في كلّ‏طرف يُقدِم الفاعل على الارتكاب طريق عقلائيّ على عدم كون الحرام‏فيه‏ (2) انتهى.و إن شئت توضيح ذلك و تصديقه فارجع إلى طريقة العقلاء ترى أنّ كثرةالأطراف قد تكون بحدّ يعدّ الاعتناء ببعضها خروجاً عن طريقة العقلاءو حكم العقل;مثلاً:لو كان الإنسان في بلد له عشرة آلاف بيت،و سمع أنّه‏وقع في واحد من بيوت البلد حريق،فوثب للتفتيش عن الواقعة،و أظهر

1)انظر مدارك الأحكام:174 سطر 4،روض الجنان:224 سطر 18-23،فرائدالأُصول:260-261،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:328-329،فوائدالأُصول 4:117.

2)درر الفوائد 2:125.


230

الوحشة و الاضطراب;معلِّلاً بأنّه يمكن أن يكون في بيتي،لعُدّ عند العقلاءضعيف العقل،و ليس ذلك إلاّ لكثرة الأطراف و ضعف الاحتمال،و إلاّ فالعلم‏الإجماليّ،محقّق،و بيته أحد الأطراف،غرضه تامّ في حفظ بيته.و لو سمع أحد أنّ واحداً من أهل بلدة فيها مائة ألف نسمة قتل‏و كان‏ولده العزيز فيها،فاضطرب من هذا الخبر،و رتّب عليه الأثر من التفتيش عن‏حال ولده و إظهار الوحشة و الاضطراب،لعدّ سفيهاً ضعيف العقل;و ليس‏ذلك إلاّ لكثرة الاحتمال،و أنّ العقلاء لا يعتنون به لأجل موهوميّته،و هذاواضح.و أمّا الشبهة التي أوقعت شيخنا العلاّمة في التأمّل في ذلك‏ (1) فقد مرّت‏مع جوابها في خلال المباحث السالفة (2) و حاصلها:أنّ الاطمئنان بعدم‏الحرام في كلّ واحد من الأطراف لا يجتمع مع العلم بوجود الحرام بينها.و جوابه:أنّ ما لا يجتمع هو الاطمئنان بعدم الحرام في كلّ من الأطراف‏بنحو السالبة الكلّيّة مع العلم بوجوده بينها،و أمّا الاطمئنان بعد الحرام في‏واحد في مقابل البقيّة،و مقايسة احتمال واحد في مقابل مائة ألف احتمال،فلا مانع من اجتماعه معه،فكلّ واحد من الأطراف إذا لوحظ في مقابل‏البقيّة يكون احتمالا واحداً في مقابل الاحتمالات الكثيرة،و لا إشكال في‏ضعف احتمال واحد في مقابل مائة ألف احتمال.

1)نفس المصدر السابق.

2)انظر صفحة:187.


231

و بهذا يتّضح الضابط في الشبهة الغير المحصورة،و هو أنّ الكثرة تكون‏بمثابة لا يعتني العقلاء باحتمال كون الواقع في بعض الأطراف في مقابل‏البقية;لضعف الاحتمال الحاصل لأجل الكثرة1.1و يمكن الاستدلال على المطلوب بطوائف من الروايات:منها صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:(كلّ شي‏ء فيه حلال‏و حرام فهو لك حلال أبداً،حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه) (1) فهي ظاهرة في خصوص‏العلم الإجماليّ كما قرّرنا سابقاً (2) خرج منها الشبهة المحصورة إمّا بالإجماع أو العقل،و بقيت الشبهة الغير المحصورة.و توهّم ندرة الغير المحصورة في غاية السقوط;ضرورة أنّ غالب الشبهات غير محصورة،و قد تتّفق المحصورة لبعض المكلّفين.و منها:الروايات الواردة في باب الجبن،كمرسلة معاوية بن عمّار عن أبي جعفر،و فيها:(سأُخبرك عن الجُبن و غيره:كل شي‏ءٍ فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال،حتّى تعرف الحرام‏فتدعه بعينه) (3) و قريب منها رواية عبد اللّه بن سليمان‏ (4) .و مصبّ هذه الروايات هو الشبهة الغير المحصورة،كما تشهد به رواية أبي الجارود،قال:(سألت أبا جعفر عن الجبن،فقلت له:أخبرني من رأي أنّه يجعل فيه الميتة،فقال:أمن أجل‏مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم ما في جميع الأرضين؟!إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكله،و إن لم تعلم فاشتر،و بِع،و كُل،و اللّه إنّي لأعترض السوق فأشتري بها اللحم و الجبن،و اللّهِ‏ما أظنّ كلّهم يسمّون;هذه البربر و هذه السودان) (5) ؟!و أورد عليها الشيخ الأعظم:باحتمال أنّ المراد جعل الميتة في الجبن في مكان واحدلا يوجب الاجتناب عن جبن غيره من الأماكن،فيكون خارجاً عن المدّعى،و أمّا قوله:(ما أظنّ كلّهم يسمّون)فالمراد منه عدم وجوب الظنّ أو القطع بالحلّيّة،بل يكفي أخذهامن سوق المسلمين،إلاّ أن يقال:إنّ المسلمين غير معتبر مع العلم الإجماليّ،فلا مسوّغ للارتكاب إلاّ كون الشبهة غير محصورة.ثمّ أمر بالتأمّل‏ (6) .و أنت خبير بأنّ احتماله الأوّل في غاية البعد عن مساق الرواية،خصوصاً مع ذيلها ممّا هو

1)الكافي 5:313-39 باب النوادر من كتاب المعيشة،الوسائل 12:59-1 باب 4من أبواب ما يكتسب به.

2)في صفحة:72.

3)المحاسن للبرقي:496-601 باب 75 في الجبن من كتاب المآكل،الوسائل 17:92-7 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.

4)الكافي 6:339-1 باب الجبن من كتاب الأطعمة،المحاسن للبرقي:495-596 باب 75في الجبن من كتاب المآكل،الوسائل 17:90-1 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.

5)المحاسن للبرقي:495-597 باب 75 في الجبن من كتاب المآكل،الوسائل 17:91-5 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.

6)فرائد الأُصول:259 سطر 6-10.


232

...........كالنص في العلم الإجمالي،و معلوم أنّ ذيلها لم يكن أمراً أجنبياً عن الصدر.كماأنّ قوله:(ما أظنّ.).إلخ ظاهر في أنّ القطع حاصل بعدم التسمية;فإنّ الطائفتين غيرمسلمين،فلا إشكال في دلالتها على المطلوب.نعم هي ضعيفة السند كرواية عبد اللّه بن سليمان،و فيهما احتمال التقيّة كما مرّ سابقاً.و منها:موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه في بعض عمّال بنى أُميّة،و فيها:(إن كان خلط الحرام‏حلالاً فاختلطا جميعاً،فلم يعرف الحرام من الحلال،فلا بأس) (1) .و لا يبعد أن يكون‏موردها الغير المحصورة.و منها:صحيحتا الحلبيّ و أبي المعزى في باب الرّبا (2) و موردهما-أيضا-العلم الإجماليّ،و الظاهر أنّ مصبّها الغير المحصورة إلى غير ذلك.و مقابلها روايات أُخر محمولة على المحصورة كروايات التخميس‏ (3) فإنّها محمولة على‏ما جهل المقدار و احتمل مقدار الخمس و الزيادة و النقيصة،و أمّا لو علم أنّ في ماله-الّذي‏بلغ خمسين ألفَ دينارٍ-ديناراً من الحرام لا إشكال في عدم وجوب الخمس.و بالجملة:دلالة الروايات على الشبهة الغير المحصورة واضحة.نعم يخرج منها بعض الموارد;كما لو عرف صاحب المال فيجب التخلّص من ماله.و محلّ الكلام في سائر الأقسام في‏الفقه.منه قدس سره‏

1)الكافي 5:126-9 باب المكاسب الحرام من كتاب المعيشة،الوسائل 12:59-2باب 4 من أبواب ما يكتسب به،باختلاف يسير عن رواية الكافي.

2)الكافي 5:145-4-5 باب الرّبا من كتاب المعيشة،التهذيب 7:16-69-70باب 1 في فضل التجارة..،الوسائل 12:431-2-3 باب 5 من أبواب الرّبا.

3)الفقيه 3:117-35 باب 60 في الدين و القروض،الوسائل 6:352-353 باب‏10 من من أبواب ما يجب فيه الخمس.


233

و بهذا يظهر:أنّ المكلّف لو شرع في الأطراف قاصداً ارتكاب جميعها-و لو في طول سنين-لم يكن معذوراً;لأنّ التكليف باقٍ على فعليّته.و كذالو قسّم الأطراف الغير المحصورة بأقسام معدودة محصورة،و أراد ارتكاب‏بعض الأقسام الّذي يكون نسبته إلى البقيّة نسبة محصورة;كأن تكون‏الأطراف عشرة آلاف،و قسّمها عشرة أقسام،و أراد ارتكاب قسم منها،فإنّه‏غير معذور فيه;لأنّه من قبيل الشبهة المحصورة;لعدم كون احتمال الواقع في‏القسم الّذي أراد ارتكابه ضعيفاً بحيث لا يعتني به العقلاء.نعم بناءً على أن‏يكون المستند الأخبار يجوز ارتكاب الجميع.و كذا الحال في الشبهة الوجوبيّة:فإنّه لو كان أطرافها كثيرة-بحيث لا يعتني العقلاء بكون الواجب في بعض الأطراف في مقابل البقيّة-لم يجب الاحتياط;كما لو نذر شرب كأس،و اشتبه بين غير محصورتكون جميع أطرافه محلّ ابتلائه،ثمّ خرج جميع الأطراف عن محلّ‏


234

الابتلاء،و بقي واحد منها،ففي هذه الصورة لا يكون الاحتياط واجباً;لقيام‏الأمارة العقلائيّة على عدم كونه هو الواقع،و لا يعتني العقلاء بمثل هذاالاحتمال الضعيف.نعم لو تمكّن المكلّف من إتيان عدّة من الأطراف يكون نسبتها إلى البقيّةنسبة محصورة وجب الاحتياط،فلو تمكّن من إتيان ألف من بين عشرة آلاف‏وجب عليه الاحتياط.و بما ذكرنا ظهر حال الشبهة الغير المحصورة موضوعاً و حكماً.

مناقشة بعض الأعاظم في ضابط الشبهة الغير المحصورة

و لقد تصدّى بعض أعاظم العصر رحمه اللّه-على ما في تقريراته-لبيان‏ضابطها،فقال ما حاصله:و الأولى أن يقال:إنّ ضابطها أن تبلغ الأطراف‏حدّاً لا يمكن عادةً جمعها في الاستعمال،من أكل و شرب و أمثالهما،فلو علم‏نجاسة حبّة من الحنطة في ضمن حُقّة لا يكون من غير المحصور;لإمكان‏استعمال الحقّة،مع أنّ نسبتها إلى الحقّة تزيد عن نسبة الواحد إلى الألف،و أمّا لو علم نجاسة إناء من لبن البلد فيكون منه،و لو لم تبلغ الأواني ألفاً;لعدم‏التمكّن العاديّ من جمع الأواني في الاستعمال،و إن كان المكلّف متمكّناًمن آحادها،فليس العبرة بكثرة العدد فقط;إذ ربّ كثير تكون الشبهة فيه‏محصورة كالحقّة من الحنطة،كما لا عبرة بعدم التمكّن من الجمع فقط;إذربّما لا يتمكّن عادة و الشبهة محصورة،ككون أحد الأطراف في أقصى بلاد


235

المغرب،بل لا بدّ من الأمرين:كثرة الأطراف،و عدم التمكّن العاديّ‏من الجمع،و بهذا تمتاز الشبهة الغير المحصورة عمّا تقدّم في الشبهةالمحصورة من أنّه يعتبر فيها إمكان الابتلاء بكلِّ واحدٍ من أطرافها،فإنَّ إمكان‏الابتلاء بكلِّ واحدٍ غير إمكان الابتلاء بالمجموع،فالشبهة الغير المحصورةما تكون كثرة الأطراف فيها بحدّ يكون عدم التمكّن في الجمع في‏الاستعمال مستنداً إليها.و من ذلك يظهر حكمها،و هو عدم حرمة المخالفة القطعيّة،و عدم وجوب‏الموافقة القطعيّة:أمّا عدم الحرمة فلأنّ المفروض عدم التمكّن العاديّ منها.و أمّا عدم وجوب الموافقة القطعيّة فلأنّ وجوبها فرع حرمة المخالفةالقطعيّة;لأنّها هي الأصل في باب العلم الإجماليّ;لأنّ وجوب الموافقةالقطعيّة يتوقّف على تعارض الأُصول في الأطراف،و تعارضها يتوقّف على‏حرمة المخالفة القطعيّة،فيلزم من جريانها في جميع الأطراف مخالفة عمليّةللتكليف،فإذا لم تحرم المخالفة القطعيّة لم يقع التعارض بين الأُصول،و معه‏لا يجب الموافقة القطعيّة (1) انتهى.و فيه أوّلاً:أنَّ المراد من عدم التمكّن من الجمع في الاستعمال:إمّا أن‏يكون عدم التمكّن دفعة،و إمّا أن يكون أعمّ منه و من عدمه تدريجاً و لو في‏ظرف سنين متمادية.

1)فوائد الأُصول 4:117 و ما بعدها.


236

فعلى الأوّل يلزم أن يكون غالب الشبهات المحصورة من غيرها،و على‏الثاني يلزم أن يكون غالب الشبهات الغير المحصورة من المحصورة;فإنّه قلّمايتّفق عدم إمكان الجمع بين الأطراف و لو في ستّين سنة،فلو كان جميع‏الأطراف في محلّ الابتلاء،و تمكّن المكلّف من جمعها في الاستعمال و لوتدريجاً في سنين متمادية،كانت الشبهة-بناءً على هذا الضابط-محصورة،و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به.لا يقال:إنّ ارتكاب جميع الأطراف في السنين المتمادية ممّا لا يمكن نوعاً;لفقدان بعض الأطراف في طول المدّة لا محالة.مع أنّ تأثير العلم في‏التدريجيّات محلّ إشكال.فإنّه يقال:-مضافاً إلى أنّ فرض الفقدان خلاف المفروض-إنّ فقدان‏بعض الأطراف بعد العلم لا يضرّ بتنجّز العلم الإجماليّ في بقيّة الأطراف.و تأثير العلم في التدريجيّ من حيث الاستعمال ممّا لا إشكال فيه،و في‏التدريجيّ من حيث الوجود-أيضا-مؤثّر على الأقوى.و أمّا ثانياً:فلأنّ الميزان في تأثير العلم الإجماليّ هو فعليّة التكليف،و عدم‏استهجان الخطاب،و الفرض أنّ مورد التكليف يكون محلّ الابتلاء;لأنّ كلّ‏واحد من الأطراف ممّا يمكن استعماله و يكون محلّ الابتلاء،فتعلّق التكليف‏به ممّا لا مانع منه،و أمّا الجمع بين الأطراف و عدمه فممّا لا يكون متعلّقاًلخطاب و تكليف،و إنّما هو حكم العقل في أطراف العلم الإجماليّ لا غير،فما يكون متعلّق التكليف يكون المكلّف متمكّناً من إتيانه;لأنّه متمكّن‏


237

بالنسبة إلى كلّ واحد منها،و المكلّف به لا يكون خارجاً منها،و ما لا يكون‏متمكّناً منه-و هو الجمع في الاستعمال-لم يتعلّق به تكليف من المولى،فالعلم الإجماليّ منجّز بالنسبة إلى الأطراف و إن لم يتمكّن المكلّف من الجمع‏بينها،و نتيجته حرمة المخالفة الاحتماليّة بارتكاب بعض الأطراف،فارتكاب‏بعضها لا يجوز عقلاً;لتعلّق العلم بالتكليف الفعليّ و كونه منجّزاً بالنسبة إلى‏جميع الأطراف.فاتضح بما ذكرنا النّظر فيما ادّعى في ذيل كلامه:من عدم حرمة المخالفةالقطعيّة،و عدم وجوب الموافقة القطعيّة;لأجل تفرّع الثانية على الأُولى.كما اتّضح بما أسلفناه-من ضابط الشبهة الغير المحصورة،و أنّه معه لا فرق‏بين الشبهات التحريميّة و الوجوبيّة-النظرُ فيما ذكر في ذيل التنبيه بقوله:ما ذكرنا في وجه عدم وجوب الموافقة القطعيّة إنّما يختصّ بالشبهات‏التحريميّة...إلخ‏ (1) فراجع.

تنبيه‏في سقوط حكم الشك البدوي بعد سقوط العلم الإجمالي‏

بناءً على ما ذكرنا في الشبهة الغير المحصورة-من أنّ العقلاء لا يعتنون‏بالعلم الإجماليّ بالنسبة إلى بعض الأطراف،بل يكون الاعتناء به من‏الوسوسة و خلاف المتعارف لديهم-يسقط حكم الشكّ البدويّ-أيضا-عن‏

1)فوائد الأُصول 4:119.


238

بعض الأطراف بعد سقوط العلم الإجماليّ;فلو علم إجمالاً بكون مائع‏مضاف بين الأواني الغير المحصورة من الماء جاز التوضّي ببعض الأطراف;لقيام الطريق العقلائيّ على عدم كونه مضافاً،فلا يجري فيه حكم الشكّ‏البدويّ أيضا.و أمّا على ما أفاد المحقّق المتقدّم من الضابط فلازمه عدم سقوط حكم‏الشكّ;لأنّ عدم حرمة المخالفة القطعيّة الجائية من قِبَل عدم إمكان الجمع في‏الاستعمال،اللازم منه عدم وجوب الموافقة القطعيّة،لا يلازم سقوط حكم‏الشكّ كما لا يخفى،مع أنّ الفاضل المقرّر رحمه اللّه قال:إنّه‏رحمه اللّه كان يميل إلى سقوط حكم الشبهة أيضا (1) و هذا ممّا لا وجه له‏على مبناه،و متّجه على ما ذهبنا إليه.

في ملاقي بعض أطراف المعلوم بالإجمال‏

قوله:الرابع:أنّه إنّما يجب عقلاً...إلخ‏ (2) .(1)ها هنا جهات من البحث:

الجهة الأُولى‏في صورة العلم بالملاقاة

أنَّ العلم بالملاقاة قد يكون بعد العلم الإجماليّ بنجاسة بعض الأطراف،

1)فوائد الأُصول 4:122.

2)الكفاية 2:224.


239

و قد يكون قبله،و قد يكون مقارناً له،و على أيّ حال:قد يكون الملاقى‏-بالفتح-خارجاً عن محلّ الابتلاء رأساً،و لا يعود إليه،و قد يكون عائداً إليه‏بعد خروجه حين العلم بنجاسة الملاقي-بالكسر-أو الطرف،و أمثلتهاواضحة.

الجهة الثانيةما هو الأصل العقليّ في هذه الصور؟

قد يقال:إنّ الأصل العقليّ في جميعها يقتضى البراءة،لأنّ العلم‏الإجماليّ بنجاسة بعض الأطراف منجِّز لها،فإذا علم بالملاقاة،أو بكون‏نجاسة الملاقي-على فرض كونه نجساً-من الملاقى،لا يؤثّر العلم الإجماليّ‏الثاني;لأنّ العلم الإجماليّ بنجاسة بعض الأطراف تكون رتبته سابقة على‏العلم بنجاسة الملاقي-بالكسر-و الطرف،سواءً كان بحسب الزمان مقارناًله،أو متقدّماً عليه،أو متأخّراً عنه،فينجِّز الأطراف في الرتبة السابقة على‏تأثير العلم الثاني،و بعد تنجيز الأوّلِ الأطرافَ لا يمكن أن يؤثّر العلم الثاني;لعدم إمكان تنجّز المنجَّز;للزوم تحصيل الحاصل.فإذا علم بنجاسة الملاقي-بالكسر-أو الطرف،ثمّ علم بنجاسة الملاقى‏-بالفتح-أو الطرف،و أنّ نجاسته-الملاقي بالكسر-على فرضها تكون من‏الملاقى،ينجِّز العلم المتأخِّر زماناً أطرافَه في الرتبة السابقة;لأنّ معلومه يكون‏متقدِّماً على المعلوم الأوّل،و المناط في التنجيز هو تقدّم المعلوم زماناً أو رتبةً،


240

لا العلم،كما لو علمنا بوقوع قطرة من الدم في أحد الأواني الثلاث،ثمّ‏علمنا بوقوع قطرة منه قبله في أحد الإناءين منها،يكون العلم الأوّل بلا أثر،و لا يجب الاجتناب عن الطرف المختصّ به;لأنّ العلم الثاني يؤثّر في تنجيزمعلومه في الزمان السابق على العلم الأوّل.و بالجملة:بعد تقدّم تنجّز الملاقى-بالفتح-على الملاقي-بالكسر-بالرتبة،يكون العلم المتعلّق بالملاقي و الطرف في جميع الصور بلا أثر فيجب‏الاجتناب عن الملاقى-بالفتح-و الطرف دون الملاقي.و أمّا قضيّة الخروج عن محلّ الابتلاء،فمضافاً إلى ما أسلفناه‏ (1) من عدم‏مانعيّته عن تأثير العلم الإجماليّ أساساً،سيأتي‏ (2) أنّ المقام له خصوصيّةلأجلها لا يكون الخروج عن محلّ الابتلاء مانعاً عن تأثير العلم.لا يقال:إنّ العلم الثاني و إن كان معلولاً للعلم الأوّل و متأخِّراً عنه‏رتبةً،لكن لِمَ لا يجوز أن يصيرا بجامعهما منجّزين بالنسبة إلى المعلوم الأوّل؟و بعبارة أُخرى:يمكن أن ينجِّز العلم السابق رتبةً الطرفين حدوثاً،و عبد تولّدالعلم الثاني من الأوّل يؤثّر العلم الأوّل و الثاني-أي المعلول و العلّة-بجامعهمافي تنجيز الطرفين،و يستقلّ المعلول في تنجيز الملاقي بالكسر،و ترتّبهما لا يضرّبتأثير جامعهما.فإنّه يقال:إنّ قضيّة تأثير الجامع في العلل التكوينيّة-أيضا-ممّا لا أساس‏

1)في صفحة:214 و ما بعدها.

2)في صفحة:251.


241

له،و إنّما هو كلام صدر ممّن لا قدم راسخ‏له‏في العلوم العقلية (1) اغتراراًببعض الأمثلة الجزئيّة ممّا لا مساس لها بالصادريّة و المصدريّة بنحو الفاعليّةالإلهيّة،كتأثير النار و الشمس في حرارة الماء،و تأثير«البندقتين»في قتل‏الإنسان،و أمثالهما من الفواعل الطبيعيّة،و هذه مسألةليس‏ها هنا مقام‏التعرّض لها،و إنّما حصل الاشتباه فيها من الخلط بين الفواعل الإلهيّةو الطبيعيّة،ثمّ بعد هذا الاشتباه انجرّ الأمر إلى أن اتّسعت دائرته،و جرّ ذيله‏إلى الأُمور الاعتباريّة و المعاني العقلائيّة المبحوث عنهما في مثل علم‏أُصول الفقه،فيقال-مثلاً-:إنّ موضوع علم الأُصول لا بدّ و أنّ يكون‏واحداً;لقاعدة عدم صدور الواحد إلاّ من الواحد،و إنّ الصلاة حقيقة واحدةلتلك القاعدة،و إنّ العلم في المنجّزيّة لا بدّ و أن يكون واحداً في التأثير،و مع‏اجتماع العلمين يكون الجامع مؤثّراً،كلّ ذلك للخلط الواقع بين مسائل‏العلوم العقليّة الإلهيّة و غيرها من العلوم الرسميّة المفترقة عنها موضوعاً،و محمولاً،و برهاناً.ففيما نحن فيه ليس تأثير و تأثّر و أثر و مؤثّر و صدور و صادر;حتّى يأتي فيه‏ما ذكر في غيره من تأثير الجامع عند الاجتماع،و إن كان تأثيره-أيضا-غيرمعقول كما هو ظاهر عند أهله;فتعلّق العلم بموضوعٍ ذي أثر شرعيّ يُتمّ‏الحجّةَ على العبد،و ينجّز الواقع،و يحكم العقل بلزوم الاجتناب عن‏الأطراف;لتماميّة الحجّة،و لا معنى لتماميّة الحجّة مرّتين بالنسبة إلى موضوع‏

1)انظر درر الفوائد-طبعة جامعة المدرسين-1:192 هامش رقم 1.


242

واحد،فلو علم بنجاسة بعض الأطراف تمت الحجّة على العبد،و يتنجّزالنجس في البين،بحيث لو ارتكب بعض الأطراف و صادف الواقع كان‏مستحقّاً للعقوبة،و لا معنى لحصول هذا الأمر مرّتين بالنسبة إلى موضوعٍ‏واحد.نعم لو علم بنجاسة أُخرى غير الأولى صار العلم بها-أيضا-منجِّزاًللأطراف;بحيث لو ارتكب الاثنين و صادفا للواقع صار مستحقّاً للعقوبةبالنسبة إليهما.ففي باب الملاقي و الملاقى يكون العلم الإجماليّ بنجاسة في البين حجّةعلى مكلّف و منجِّزاً للأطراف;بحيث لو ارتكب بعضها و صادف الواقع صارمستحقّاً للعقوبة،و عند حصول الملاقاة يعلم إجمالاً بأنّ الملاقي-بالكسر-أوالطرف نجس،لكن العلم الأوّل صار منجِّزاً للطرف بما ذكرنا،و لا معنى‏للتنجيز فوق التنجيز،فيكون الملاقي بحكم الشبهة البدويّة1.1هذا،و لكنّ الحقّ هو التفصيل الّذي اختاره المحقّق الخراسانيّ‏ (1) رحمه اللّه-فإنّ شرطمنجزيّة العلم الإجماليّ هو أن يكون كاشفاً فعليّاً و منجّزاً فعليّاً على جميع التقادير،و مع‏تعلّق العلم بالملاقي-بالكسر-و الطرف يكون العلم كاشفاً فعليّاً عن التكليف بينهماو منجزاً فعليّاً مع جميع التقادير،فإذا حصل العلم بأنّ نجاسة الملاقي-على فرضها-فمن‏الملاقى،يحدث علم إجماليّ،لكنّه لا يمكن أن يتّصف بالكاشفيّة الفعليّة و لا بالمنجّزيّةالفعليّة على جميع التقادير،فإنّه على تقدير كون النجس هو الطرف يكون مكشوفاً فعليّاًبالعلم الأوّل و منجَّزاً فعليّاً به،و لا يعقل تعلّق كشف فوق الكشف،و لا تنجيز فوق التنجيز،و توهّم انقلاب العلم و التنظير بالعلم بوقوع القطرة في غير محلّه;لأنّ العلم الأوّل باقٍ على‏ما هو عليه بالضرورة،بخلافه في المثال المتقدّم;لأنّه إذا علم بعد العلم بوقوع قطرة في‏

1)الكفاية 2:224-227.


243

...........إحدى الكئوس أنّه وقعت قطرة قبل القطرة المعلومة (1) أوّلاً في إحدى الكأسين يعلم بأنّ‏علمه‏ (2) بالتكليف على أيّ تقدير كان جهلاً مركّبا;لأنّ القطرة إذا كانت واقعة(فيماوقعت) (3) فيه القطرة قبلاً لم تُحدِث تكليفاً،فالعلم الثاني يكشف عن بطلان العلم الأوّل،بخلاف(ما نحن فيه) (4) ،فإنّ العلم الأوّل باقٍ على ما هو عليه،و مانع عن‏ (5) وقوع‏كشف و تنجيز بالنسبة إلى التكليف الثاني كان في الطرف.و بهذا يظهر(الحال في الصورة الثالثة) (6) و أنّ العلم متعلق بتكليف فعليّ منجّز إمّا في‏الطرف و إمّا في الملاقي و الملاقى،فالعلم كاشف فعليّ و منجِّز كذلك بالنسبة إلى جميع‏الأطراف.ثمّ اعلم:أنّه لا تأثير لتقدّم الرتبة عقلاً في تقدّم التنجيز-كما اشتهر في الألسن‏ (7) -ضرورة أنّ التنجيز إنّما هو أثر العلم في الوجود الخارجيّ،و تقدّم السبب على المسبّب ليس‏تقدّماً خارجيّا،بل هو معنىً يدركه العقل،و يُنتزع من نشوء أحدهما عن الآخر،فالعلم‏الإجماليّ المتعلّق بالملاقى-بالفتح-و الطرف لو كان مقدَّماً على العلم الإجماليّ بالملاقي‏و الطرف في الرتبة العقليّة لا يوجب تقدّمه في التنجيز،حتّى يصير مانعاً من تنجيز المتأخِّررتبة،فالعلم إذا تعلّق بالأطراف بعد العلم بالملاقاة،و العلم بأنّه ليس للملاقى نجاسة غير مااكتسب من الملاقى،لكن حصل العلم الإجماليّ بنجاسة الطرف و الملاقى في زمان حدوث‏العلم بنجاسة الملاقي-بالكسر-و الطرف،يكون منجّزاً،و يجب الاجتناب عن جميع‏الأطراف.و ما ذكرنا من عدم تأثير التقدّم الرتبيّ‏ (8) باب واسع يتّسع نطاقه إلى الأصل السببيّ‏و المسبّبيّ ممّا جعل الشيخ الأعظم‏ (9) من وجه تقدّمه عليه هو التقدّم الرتبيّ،و تبعه شيخناالعلاّمة10 أعلى اللّه مقامه-و يأتي التفصيل في الاستصحاب‏ 11 إن شاء اللّه.منه قدس سره‏

1)لم تظهر هذه الكلمات في المخطوطة،فأثبتناها استظهاراً.

2)لم تظهر هذه الكلمات في المخطوطة،فأثبتناها استظهاراً.

3)لم تظهر هذه الكلمات في المخطوطة،فأثبتناها استظهاراً.

4)هذه الكلمات اختفى أكثر حروفها،فأثبتناها استظهاراً أيضا.

5)هذه الكلمات اختفى أكثر حروفها،فأثبتناها استظهاراً أيضا.

6)هذه الكلمات اختفى أكثر حروفها،فأثبتناها استظهاراً أيضا.

7)فوائد الأُصول 4:81-82،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:358-359.

8)هذه الكلمات اختفى أكثر حروفها،فأثبتناها استظهاراً أيضا.

9)فرائد الأُصول:253-254.

10)درر الفوائد 2:258-259.

11)انظر رسالة الاستصحاب ضمن كتاب(الرسائل)للسيد الإمام قدس سره:246-249.


244

الجهة الثالثةبيان الأصل الشرعي في الملاقي‏

بناءً على ما قوّيناه من عدم جريان الأُصول الشرعيّة في أطراف المعلوم‏بالإجمال;و أنّ الأدلّة العامّة غير وافية للترخيص و لو في بعض الأطراف،لا يبقى إشكال بالنسبة إلى جريان الأُصول في الملاقي في الصورة الأُولى‏و الملاقى-بالفتح-في الثانية،بعد عدم تأثير العلم الإجماليّ بالنسبة إليه،و أنّه‏كالشبهة البدويّة عقلاً،فإنّ الأصل-بناءً عليه-لا معارض له.و أمّا بناءً على جريانه في الأطراف و سقوطها بالمعارضة،فقد تصدّى‏المحقِّقون لرفع التعارض‏ (1) :بأنّ الأصل في الملاقى حاكم على الأصل في‏الملاقي-بالكسر-لكون الشكّ في طهارته و نجاسته ناشئاً من الشكّ في‏الملاقى،فجريان الأصل فيه يرفع الشكّ عن ملاقيه،فلا مجرى للأصل في‏الملاقي في رتبة جريان الأصل في الملاقى-بالفتح-فأصالة الطهارة في الملاقى‏-بالفتح-معارِضة لمثلها في الطرف،و بعد سقوطهما تبقى في الملاقي جارية

1)انظر فرائد الأُصول:253-254،فوائد الأُصول 4:28.


245

بلا معارِض،من غير فرقٍ بين أخّر العلم بالملاقاة عن العلم بنجاسة بعض‏الأطراف أ تقدّمه أو مقارنته،و من غير فرقٍ بين خروج الملاقى-بالفتح-عن‏محلّ الابتلاء ثمّ عوده إليه و غيه;و ذلك لأنّ رتبة السبب مقدّمة على‏المسبَّب،و الأصل الجاري فيه يرفع الشكّ عن المسَّبب كلّما تحقّق;فإذا علم‏إجمالاً بنجاسة الملاقي-بالكسر-و الطرف،ثمّ علم بأنّه لو كان نجساً فإنّماهو من الملاقى-بالفتح-يكون الأصل فيه رافعاً للشكّ في ملاقيه،و يصير معارضاً للأصل في الطرف،و يصير الأصل في الملاقي-بالكسر-بلا معارض بقاءً.

إشكال و حلول‏

لكن‏1ها هنا إشكال استصعب حلّه على هذا المبنى ذكره شيخناالعلاّمة (1) قدّس سرّه:و هو أنّ الطرفين كما هما مشكوكان من حيث‏الطهارة و النجاسة،كذلك هما مشكوكان من حيث الحلّ و الحرمة،و الشكّ‏في الحلّ و الحرمة فيهما مسبّب عن الشكّ في الطهارة و النجاسة،فأصالةالطهارة فيهما حاكمة على أصالة الحلّ،فهي جارية في الطرفين قبل جريان‏أصالة الحلّ قبليّة بالرتبة-فإذا تساقطا بالتعارض جرت أصالة الحلّ في الملاقى‏1و هاهنا إشكال آخر أوردناه في باب الأصل السببيّ و المسبّبيّ في الاستصحاب،فراجع‏ (2) منه قدّس سرّه‏.

1)درر الفوائد 2:469 و 635.

2)انظر رسالة الاستصحاب ضمن كتاب(الرسائل)للسيد الإمام قدس سره:246-249.


246

-بالفتح-و الطرف و أصالة الطهارة في الملاقى-بالكسر-معاً;لكونها في‏عرض واحد بلا تقدّم و تأخّر;فإنّ الشكّ في الحليّة في الملاقى-بالفتح-و الشكّ في الطهارة في الملاقي-بالكسر-مسبِّبان عن الشكّ في الطهارة في‏الملاقي،و ليس بينهما سببيّة و مسبّبيّة،فإذا تعارضت الأُصول الثلاث-أي‏أصالتا الحلّ في الملاقى و الطرف،و أصالة الطهارة في الملاقي بالكسر-جرت‏أصالة الحلّ في الملاقي-بالكسر-بلا معارض.و بعبارة أُخرى:في كلّ من الطرفين و الملاقي أصل موضوعيّ،هو أصل‏الطهارة،و أصل حكميّ،هو أصل الحلّ،و الأُصول الحكميّة محكومةبالنسبة إلى الموضوعيّة،و الأصل الموضوعيّ في الملاقي-بالكسر-محكوم‏الأصل الموضوعيّ في الملاقى-بالفتح-فإذا تعارض الأصلان الموضوعيّان في‏الطرفين تصل النوبة إلى الأصلين الحكميَّين فيهما و إلى الأصل الموضوعيّ في‏الملاقي-بالكسر-فتتعارض هذه الأُصول،و يبقى الأصل الحكميّ في الملاقي‏سليماً عن إمعاض،فالملاقي-بالكسر-محكوم بالاجتناب من حيث‏النجاسة،و محكوم بالحلّيّة لأصالة الحلّ.هذا،و الجواب عن هذه الشبهة-بناءً على عدم جريان الأُصول في‏أطراف العلم الإجماليّ بالتقريب الّذي ذكرنا سابقاً (1) :من أنّ الأدلّة العامّةالمرخِّصة لا تصلح لشمول الأطراف أو بعضها-واضح،فعليه تكون الأُصول‏الموضوعيّة و الحكميّة غير جارية في الملاقى-بالفتح-و الطرف،و أمّا جريانها

1)في صفحة:205 من هذا المجلّد.


247

بالنسبة إلى ملاقيه فلا مانع منه;لعدم تأثير العلم الإجماليّ بالنسبة إليه،فيكون‏-بحكم العقل-كالشبهة البدويّة،فلا مانع من جريان الأُصول الشرعيّة فيه.

جواب العلامة الحائري و مناقشته‏

و لقد أجاب‏1شيخنا العلامة أعلى الله مقامه-عنها:بأنه يمكن‏1و التحقيق في الجواب عن الإشكال:-بعد تسليم كون الأصل المسبّبي لا يجري مع‏السببيّ،و الإغماض عمّا أوردنا عليه‏ (1) في الاستصحاب،و بعد تسليم وجود الدليل على‏قاعدة الحلّ في كلّ مشتبه،و الإغماض عمّا أوردنا عليه‏ (2) و بعد الإغماض عن أنّ أصالةالحلّ جارية في عرض أصالة الطهارة،و أنّ تقديم الشكّ السببيّ على المسبّبيّ في مثل المقام‏لا أصل له;لعدم الدليل على أنّ كلّ طاهر حلال-أنّ أصالة الطهارة في الملاقي-في‏الصورة التي تقدّم العلم الإجماليّ بنجاسة الملاقى بالفتح و الطرف-غيرُ معارِضة لأصالةالحلّ في الطرف،فلا مانع لجريانها;لأنّ التعارضَ بين أصلِ الطهارة فيه و أصلِ الحلّ في‏الطرف متقوّم بالعلم الإجماليّ المنجز;حتّى يلزم من جريانهما المخالفة العمليّة الغير الجائزة،و في المقام لا تأثير للعلم الإجماليّ الثاني لما تقدّم‏ (3) فمخالفة هذا العلم الغير المنجز لا مانع‏منها،فلا يوجب ذلك منع جريان الأصل في أطرافه،و في المقام يكون الملاقي-بالكسر-طرف العلم الغير المنجز،فيجري الأصل فيه بلا معارض،و عدم جواز ارتكاب الطرف‏للملاقى-بالفتح-ليس للعلم الإجماليّ الثاني،بل للأوّل المنجز،فحينئذٍ يجري أصل‏الطهارة و لا يعارض أصلَ الحلّ في الطرف،لكن يعارض أصلُ الحلّ‏هذاأصلَ الحلّ‏في‏الملاقى-بالفتح-لكونهما طرفي علم إجماليّ منجِّز.و بهذا يظهر وجه جريان الأصل في الصورة الثانية في الملاقى-بالفتح-و أمّا الصورة الثالثة-أي التي تعلّق‏فيهاالعلم بنجاسة الملاقي و الملاقى و الطرف في عرض‏واحد-فالتحقيق فيها عدم جريان الأُصول في شي‏ءٍ منها;لما حقّقنا من قصور الأدلة،و مع‏الغضّ تجري الأُصول و تعارض من غير تقدّم للأصل السببيّ على المسبّبيّ;لما حققنا

1)انظر رسالة الاستصحاب ضمن كتاب(الرسائل)للسيد الإمام قدس سره:246-247 و 249.

2)نفس المصدر السابق:112-113.

3)في صفحة:239 من هذا الكتاب.


248

أن يقال:إنّ الأُصول في أطراف العلم غير جارية حكميّة كانت‏أو موضوعيّة:إمّا لأجل التناقض الواقع في مدلول الدليل،و إمّا لأجل أنّ‏أصالة الظهور في عمومات الحلّ و الطهارة معلّقة بعدم العلم على‏خلافه،فحيثما تحقّق العلم يصير قرينة على عدم الظهور فيها،من غيرفرقٍ بين كون العلم سابقاً على مرتبة جريانها أو مقارناً،فحينئذٍ نقول:إنّ العلمَ الإجماليّ المانع من جريان الأصلين الموضوعيّين-لأجل التناقض،أو لأجل عدم جريان أصالة الظهور في العمومات-مانع عن جريان‏الأصلين الحكميّين أيضا;لكونه قرينة على عدم الظهور،غاية الأمر تكون‏قرينيّته بالنسبة إلى الأصل الموضوعي مقارنة،و بالنسبة إلى الأصل الحكميّ‏مقدّمة،و لا فرق من هذه الحيثيّة،فمورد جريان الأصل الحكميّ و وجود الشكّ‏في الأصل المحكوم كان حين وجود القرينة على خلافه،فلا يبقى الظهور لأدلّةالأُصول،فيبقى الأصل الموضوعيّ في الملاقي سليماً عن المعارض‏ (1) .وجهه‏ (2) في الاستصحاب‏ (3) .منه قدس سره‏

1)درر الفوائد 2:469.

2)انظر رسالة الاستصحاب للسيد الإمام قدس سره:249-250.

3)هذه الحاشية قد ضرب السواد على أطرافها،فمحا كثيراً من كلماتها،فبذلنا غايةالجهد في تصحيحها و تتميم نقصها.


249

و فيه أوّلاً:أنّ ما أفاد من لزوم التناقض في مدلول الدليل:إن كان مراده‏ما أفاد الشيخ الأنصاريّ رحمه اللّه في أدلّة الاستصحاب‏ (1) من لزوم‏تناقض صدرها لذيلها،و كذا في دليل أصالة الحلّ‏ (2) فقد فرغنا عن جوابه‏فيما سلف‏ (3) فراجع.و إن كان مراده لزومه بواسطة جريان الأصلين للعلم بمخالفة أحدهاللواقع،فهذا ليس تناقضاً في مدلول الدليل،بل هو مناقضة الحكم الظاهريّ‏مع الواقعي،و قد فرغنا عن رفع المناقضة بينهما (4) .و ثانياً:أنّ ما ادّعى من كون العلم قرينة على عدم الظهور في أدلّةالأُصول،فيرد عليه:أنّ كلّ واحد من الأطراف لا يكن إلاّ مشكوكاً فيه،و العلم بمخالفة بعضها للواقع لا يوجب صرف ظهورها بعد رفع المناقضة بينهاو بين الواقع.

الجهة الرابعةتعميم الأصل في الملاقي لجميع الصور

بناءً على جريان الأُصول العمليّة في الأطراف،و حكومة الأصل الجاري‏في الملاقى-بالفتح-على الجاري في الملاقي-بالكسر-لا إشكال في جريان‏

1)فرائد الأُصول:429 سطر 10-16.

2)فرائد الأُصول:241-247.

3)في الجزء الأول صفحة:163.

4)انظر الجزء الأول صفحة:199 و ما بعدها.


250

الأصل في الملاقي-بالكسر-من غير معارض في جميع صور الملاقاة،من‏غير فرقٍ تقدّم العلم بنجاسة أحد الطرفين على العلم بالملاقاة أو تأخّره عنه‏أو مقارنتهما،فإنّ الأصل في السبب في جميع الصور يرفع الشكّ عن‏المسبب،غاية الأمر أنّ الأصل السببيّ يمنع عن جريان الأصل المسبّبي من أوّل‏الأمر في بعض الصور،و يرفع الموضوع و يمنع عن الجريان في مرحلة البقاء في‏بعضها.فإذا علم بنجاسة الملاقي-بالكسر-أو شي‏ء آخر،ثمّ علم بنجاسة الملاقى‏-بالفتح-أو الطرف،و أنّ النجاسة في الملاقي لو كانت فهي من الملاقى‏-بالفتح-ينقلب الأمر عمّا هو عليه،و يجري الأصل السببيّ في الرتبةالسابقة،و يرفع موضوع الأصل المسبّبيّ.و لا معنى لما يقال:إنّ الأصل في المسبّب قد جرى و سقط بالتعارض،و الساقط لا يعود (1) فإنّه كلام شعريّ لا يصغى إليه;لأنّ التقدّم الزمانيّ‏لا دخالة له بعد رفع الموضوع.

الجهة الخامسةفي خروج الملاقى عن محلّ الابتلاء

من الصور التي أوجب المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه الاجتناب‏فيهاعن الملاقي-بالكسر-و الطرف دون الملاقى،ما إذا كان الملاقى-بالفتح-

1)انظر درر الفوائد 2:635 نهاية الأفكار 4:113.


251

خارجاً عن محلّ الابتلاء،قال رحمه اللّه:و كذا-أي و كذا يجب‏الاجتناب عن الملاقي بالكسر و الطرف دون الملاقى-لو علم بالملاقاة،ثمّ‏حدث العلم الإجماليّ،و لكن كان الملاقى خارجاً عن محلّ الابتلاء في حال‏حدوثه،و صار مبتلىً به بعده‏ (1) .فأورد عليه بعض أعاظم العصر-على ما في تقريراته-:بأنّه لا أثر لخروج‏الملاقى-بالفتح-عن محلّ الابتلاء في ظرف حدوث العلم مع عوده إلى‏محلّ الابتلاء بعد العلم،نعم لو فرض أنّ الملاقى-بالفتح-كان في ظرف‏حدوث العلم خارجاً عن محلّ الابتلاء و لم يعد بعد ذلك إلى محلّه و لوبالأصل،فالعلم الإجماليّ بنجاسته أو الطرف ممّا لا أثر له،و يبقى الملاقي‏-بالكسر-طرفاً للعلم الإجماليّ،فيجب الاجتناب عنه و عن الطرف‏ (2) .أقول:-مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الخروج عن محل الابتلاء ممّالا أثر له-إنّه لو سُلّم أنّ الخروج عن محلّه يؤثر في عدم جريان الأصل‏بالنسبة إليه،لكنّه فيما إذا لم يكن للخارج أثر يكون محلَّ الابتلاء،و أمّا لوفرض أنّ له أثراً في الجملة كان الأصل جارياً فيه بلحاظ ذلك الأثر،و فيمانحن فيه يكون كذلك;لأنّ أثر نجاسة الملاقى-بالفتح-الخارج عن محلّ‏الابتلاء هو نجاسة الملاقي الّذي هو محلّ الابتلاء،فأصالة الطهارة في الملاقى‏جارية بلحاظ أثره-الّذي هو محلّ الابتلاء-أي نجاسة ملاقيه.

1)الكفاية 2:227.

2)فوائد الأُصول 4:86.


252

فتحصّل:أنّ الأصل في الملاقى-بالفتح-جار و حاكم على الأصل في‏الملاقي و إن لم يعد إلى محلّ الابتلاء،فظهر أنّ الأصل في جميع الصور في‏الملاقي-بالكسر-سليم عن المعارض.

الجهة السادسةوجوه أُخرى في وجوب الاجتناب عن الملاقي‏

قد يستدلّ على وجوب الاجتناب عن الملاقي لأحد الأطراف:بأنّ معنى‏وجوب الاجتناب عن النجس هو الاجتناب عنه و عن ملاقيه‏ (1) ;بحيث‏يكون الاجتناب عن ملاقيه من شئون وجوب الاجتناب عنه،و ليس وجوب‏الاجتناب عن الملاقي لأجل تعبّد آخر وراء التعبّد بوجوب الاجتناب عن‏النجس،فالاجتناب و اللااجتناب عن الملاقي هو الاجتناب و اللااجتناب عن‏النجس،و يكون المرتكب للملاقي معاقباً على ارتكاب النجس لا على‏ارتكاب ملاقيه;لعدم الحكم للملاقي مستقلاً.و بالجملة:ليس في البين حكم إلاّ وجوب الاجتناب عن عين‏النجس،لكن لا يتحقّق الاجتناب عنها إلا بالاجتناب عنها و عن ملاقيها،فإذاعلم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين يحكم العقل بوجوب الاجتناب عنهماو عن ملاقي أحدهما بعين حكمه بوجوب الاجتناب عن الملاقى;للعلم‏بوجوب الاجتناب شرعاً إمّا عن الملاقى-بالفتح-و ملاقيه الّذي يكون‏

1)فرائد الأُصول:252 سطر 23-24.


253

اجتنابه من شئون اجتناب الملاقى،و إمّا بوجوب الاجتناب عن الطرف،فيتنجّز التكليف في البين،و لازمه الاجتناب عن الملاقي و الملاقى و الطرف.و استدلّ ابن زُهرة في الغنية على ذلك‏ (1) بقوله تعالى وَ الرُّجزَفَاهجرْ (2) و فيه ما فيه.كما لا وجه للاستدلال عليه برواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام‏فإنّ قوله عليه السلام (إنّ اللّه حرّم الميتة من كلّ شي‏ءٍ)1ليس للاستدلال‏على نجاسة الملاقي للفأرة،بل لبيان أنّ قوله:(إنّ الفأرة أهون عليّ من أن أترك‏طعامي لأجلها)استخفاف بحكم اللّه تعالى لتعلّق حكمه بكلّ ميتة.و يمكن أن يستدلّ على كون الملاقي نجاسةً أُخرى مستقلّة بالجعل و التعبّدبالاجتناب عنه بمفهوم قوله:(إذا كان الماء قدر كرٍّ لم ينجسه شي‏ء) (3) فإنّ‏1التهذيب 1:42-46 باب 21 في المياه و أحكامها،الاستبصار 1:24-3 باب 11في حكم الفأرة و الوزغة..،الوسائل 1:149-2 باب 5 من أبواب الماء المضاف.جابر:هو الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاري،نزل المدينة و شهد بدراً و ثماني‏عشرة غزوة مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و كان منقطعاً إلى أهل البيت عليهم السلام مات‏سنة 78 ه.انظر معجم رجال الحديث 4:11،بجهة الآمال 2:480.

1)الغنية-التي في ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة-2:379 حيث صرّح بانفعال الماء القليل‏بملاقاة النجس مستدلاً بالآية،و لم نعثر عليها في الطبعة الحجرية معتمدة سابقاً،انظر فرائدالأُصول:252-253.

2)المدثّر:5.

3)الكافي 3:2-1-2 باب المائة الّذي لا ينجّسه شي‏ء،الاستبصار 1:1-3 باب 1 في‏مقدار الماء الّذي لا ينجّسه شي‏ء،الوسائل 1،:117-118-1-2 و 5-6 باب 9 من‏أبواب الماء المطلق.


254

المفهوم منه أنّ الماء الغير البالغ حدّ الكرّ ينجسه بعض النجاسات;أي يجعله‏نجساً،فالظاهر منه أنّ الأعيان النجسة واسطة لثبوت النجاسة للماء،فيصيرالماء لأجل الملاقاة للنجس فرداً من النجاسات مختصّا بالجعل و وجوب‏الاجتناب،و بقوله:(الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) (1) أي حتّى تعلم أنّه صارقذراً بواسطة الملاقاة.و كذا يمكن أن يستدلّ عليه بما دلّ على أنّ الماء و الأرض و الشمس و غيرهامطهّرات للأشياء،فإنّ الظاهر منها أنّها صارت نجسة فتطهر بالمطهّرات.و بالجملة:لا إشكال في أنّ نجاسة الملاقي للنجاسات إنّما هي من نجاسةالأعيان النجسة التي يلاقيها،كما أنّ الظاهر أنّه مختصّ بجعلٍ آخر و وجوب‏اجتنابٍ مستقلّ به،لا أنّ وجوب الاجتناب عنه عين وجوب الاجتناب عن‏الأعيان النجسة من غير جعلٍ آخر متعلّق به.

الجهة السابعةالأصل عند الشك في اختصاص الملاقي بجعل مستقل‏

إذا شككنا في أنّ الملاقي مخصوص بجعلٍ مستقلّ حتّى لا يجب‏الاجتناب عنه،أو لا حتّى يجب الاجتناب عنه،فهل الأصل يقتضي‏الاحتياط أو البراءة؟

1)الكافي 3:1-2-3 باب طهور الماء،الوسائل 1:100-5 باب 1 من أبواب الماءالمطلق،بأدنى تفاوت.


255

الظاهر1جريان البراءة العقليّة و الشرعيّة فيه;لرجوع الشكّ فيه إلى‏الأقلّ و الأكثر،فإنّ التكليف بوجوب الاجتناب عن نفس الأعيان النجسةمعلوم،و شكّ في أنّ الوجوب هل هو متعلّق بها على نحوٍ و خصوصيّةيقتضي وجوب الاجتناب عن ملاقي بعض الأطراف أو لا؟و بعبارة أُخرى:تكليف المولى بوجوب الاجتناب عن النجس معلوم،و كونه بحيث يكلّف العبد بوجوب الاجتناب عن الملاقي مشكوك فيه،ألاترى أنّه لو لم يدلّ دليل على وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس لم تكن‏نفس الأدلّة الدالة على وجوب الاجتناب عن الأعيان النجسة حجّة على‏المكلّف لقصورها عن إفادة ذلك؟!نعم لو ادّعى أحد أنّ وجود الاجتناب عن الملاقي إنّما هو بحكم العقل،و أنّه من كيفيّات إطاعة وجوب الهَجر للرجز،لكان للاحتياط عند الشكّ‏1و التحقيق أن يقال:إنّ الاشتغال متقوّم بتعلّق العلم الإجماليّ بتكليفٍ واحد مقتضٍ‏للاجتناب عن النجس و ملاقيه،فيكون علم إجماليّ واحد متعلّق بتكليف واحد مع هذاالاقتضاء،و مع التردّد في أنّ الحكم على الأعيان النجسة كذلك أو لا،لا يمكن تنجيز العلم‏الإجماليّ الأوّل للتكليف مع تلك الخصوصيّة المشكوك فيها،و العلم الإجماليّ الثاني-على‏فرضه-غير منجّز كما مرَّ سابقا (1) و مع عدم تماميّة حجّة المولى و عدم منجّزيّة العلم‏الإجماليّ للخصوصيّة تجري البراءة العقليّة و الشرعيّة;لعدم المانع في الثانية بعد جريان‏الأُولى،فتبصّر.فما في تقريرات العَلَمين‏ (2) غير وجيه جدّاً.منه قدس سره‏

1)انظر صفحة:239 من هذا الكتاب.

2)فوائد الأُصول 4:86،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:365-366.


256

وجه،لكنّه معلوم البطلان.و اختار بعض مشايخ العصر رحمه اللّه-وجوب الاجتناب عنه،و جعل‏المسألة مبتنية على أمرٍ يشبه بالأكل من القفا،قال رحمه اللّه ما محصّله:إنّ الأقوى وجوب الاجتناب،و يتّضح وجهه بتمهيد مقدّمة:هي أنّه لو دارالأمر بين شرطيّة أحد الشيئين و مانعيّة الآخر،فتارةً كانا من الضدّين اللذين‏لا ثالث لهما;كما إذا شكّ في أنّ الجهر بالقراءة شرط في الصلاة،أو أنّ‏الإخفات بها مانع;لعدم الواسطة بينهما،لعدم إمكان خلوّ القراءة عن‏الوصفين،و أُخرى يكون واسطة بينهما;كما إذا شكّ في أنّ السورة بشرطالوحدة شرط في الصلاة،أو أنّ القِران مانع،فتكون الصلاة بلا سورةواسطة بينهما.لا إشكال في جريان البراءة عن الشرطيّة المشكوك فيها في القسم الثاني;لرجوع الشكّ فيه إلى الأقلّ و الأكثر;لأنّ شرطيّة السورة بقيد الوحدة تقتضي‏بطلان الصلاة بلا سورة،و مانعيّة القرآن لا تقتضي ذلك،فتجري البراءةبالنسبة إلى الأثر الزائد،و يعمّه حديث الرفع.و بعبارة أُخرى:يُعلم تفصيلاً بأنَّ القرآن مبطل،إمّا لفقد الشرط،أو لوجودالمانع،و يشكّ في بطلان الصلاة بلا سورة;للشكّ في الشرطيّة،فتجري فيه‏البراءة.و أمّا القسم الأوّل فالشكّ فيه يرجع إلى المتباينين;لاشتراك الشرطيّةو المانعيّة في الآثار،و ليس للشرطيّة أثر زائد;إذ كما أنّ شرطيّة الجهر تقتضي‏


257

البطلان عند الإخفات،كذلك مانعيّة الإخفات تقتضي ذلك عنده،فلا فرق‏بين الشرطيّة و المانعيّة في عالم الجعل و الثبوت في الأثر.نعم هما يفترقان عند الشكّ;لأنّ الشرط لا بدّ من إحرازه،و لا يكفي‏الشكّ في وجوده،بخلاف المانع،فإنّه لا يلزم إحراز عدمه بناءً على جريان‏أصالة عدم المانع.ففي المثال لو شكّ المأموم في أنّ الإمام أجهر بالقراءة أو أخفت بها،فبناءًعلى المانعيّة يجري الأصل و يتمّ صلاته معه،بناءً على شرطيّة الجهر ليس له‏الإتمام معه;لعدم إحراز ما هو الشرط في صحّة صلاته،فلزوم إحراز الشرطإنّما هو من آثار نفس الشكّ في الشرطيّة،لا جعل الشرطيّة.و حينئذٍ يقع الكلام في أنّ هذا المقدار من الأثر الّذي اقتضاه الشكّ‏لا الجعل ممّا تجري فيه البراءة و يعمهّ حديث الرفع أو لا؟بأن يقال:يلزم من‏جعل الشرطيّة ضيق و كلفة;للزوم إحراز الشرط،بخلاف جعل المانعيّة،ففي‏رفع الشرطيّة توسعة و مِنّة.و فيه:أنّه يعتبر في الرفع-مضافاً إلى ذلك-أن يكون المرفوع من‏المجعولات الشرعيّة و لو تبعاً،و خصوصيّة لزوم إحراز الشرط ليست بنفسها من‏المجعولات الشرعيّة و لا من لوازمها،بل هي من الآثار المترتبة على الشكّ فيماهو المجعول الشرعيّ،و مثل هذه الخصوصيّة لا يعمّها حديث الرفع.إذا عرفت ذلك فنقول:إنّ الوجهين اللذين ذكرناهما في نجاسة الملاقي‏يشتركان في الأثر;لأنّه يجب الاجتناب عن ملاقي النجس على كلّ تقدير،


258

سواء قلنا بالسراية أو لم نقل،و ليس هنا أثر يختصّ به أحد الوجهين في عالم‏الجعل و الثبوت،نعم يظهر لأحد الوجهين أثر زائد عند الشكّ،فإنّه بناءً على‏السراية يجب الاجتناب عن الملاقي لأحد طرفي المعلوم بالإجمال،و لا يجري‏فيه أصالة الطهارة،و بناءً على الوجه الآخر لا يجب الاجتناب عنه و تجري فيه‏أصالة الطهارة،فيكون الشكّ في أحد الوجهين كالشكّ في شرطيّة أحدالشيئين و مانعيّة الآخر في الضدّين اللّذين لا ثالث لهما،من حيث عدم‏اقتضاء أحد الجعلين أثراً زائداً،و اقتضاء الشكّ فيما هو المجعول أثراً زائداً،و حيث قلنا بعدم جريان البراءة هناك لم تجرِ هاهنا;لأنّه طرف العلم الإجماليّ‏وجداناً،و إنّما أخرجناه عن ذلك بمعونة السببيّة و المسببيّة،و هما مبتنيان على‏أن لا تكون نجاسة الملاقي بالسراية،فلو احتمل كونها بالسراية تبقى طرفيته‏للعلم الإجماليّ على حالها كالملاقى بالفتح‏ (1) انتهى.و فيه مواقع للنظر.الأوّل:ما ذكر في القسم الثاني-من رجوع الشكّ إلى الأقلّ و الأكثر،و مثل‏له‏بالشكّ بين شرطيّة السورة بشرط الوحدة و بين مانعيّة القِران،و جعل‏الواسطة بينهما خلوّ الصلاة من السورة-خلط و تركيب بين شكّين:أحدهماالشكّ في جزئيّة السورة في الصلاة و عدمها،و ثانيهما على فرض الجزئيّةالشكّ في شرطيّة الوحدة للسورة و مانعيّة القرآن.و بعبارة أُخرى:الوحدة شرط الجزء،لا الجزء بشرط الوحدة شرط الصلاة،

1)فوائد الأُصول 4:89.


259

و معلوم أنّ الشكّ في شرطيّة شي‏ءٍ لجزء الصلاة بعد الفراغ عن الجزئية،و ليس‏الشكّ في الجزئيّة و شرطيّة شي‏ءٍ للجزء في رتبة واحدة;حتّى يجعل أحدهماواسطة بين الآخر و ضدّه،و إلاّ فلنا أن نقول:إنّ ما مثّل‏به‏للقسم الأوّل‏أيضا من الضدّين اللذين لهما ثالث،بأن يقال:إن الشكّ في أنّ القراءةالمجهور بها شرط للصلاة أو الإخفات مانع،و تكون الصلاة بلا قراءة واسطةبينهما;لإمكان خلوّ الصلاة عن القراءة.الثاني:أنّ ما ادّعى-من أنّ لزوم إحراز الشرط من الآثار المترتّبة على نفس‏الشكّ في الشرطيّة،لا من آثار جعل الشرطيّة-فاسد;ضرورة أنّ لزوم الإحرازإنّما هو من آثار الشرطيّة،فإنّ الأمر إذا تعلّق بالصلاة بشرط الطهارة لا بدّ من‏إحرازها عند الامتثال،نعم إذا كانت محرزة لا معنى لإحرازها بأصل و غيره،و عند الشكّ يجب إحرازها و لو بالأصل.و بالجملة:أنّ لزوم الإحراز عند الشكّ من آثار جعل الشرطيّة،لا من آثارالشكّ فيها،و هذا واضح جدّاً.و منه يظهر:أنّ ما جعله مانعاً عن جريان البراءة و تعميم حديث الرفع-من‏أنّ خصوصيّة لزوم إحراز الشرط ليست بنفسها من المجعولات الشرعيّة،و لا تنلها يد الوضع و الرفع-ليس بشي‏ء;فإنّ المرفوع هو الشرطيّة الآتي من‏قبلها لزومُ الإحراز،لا خصوصية لزوم الإحراز.و منه اتّضح الأمر فيما نحن فيه;فإنّ لزوم الاجتناب عن الملاقي إنّما هومن آثار كيفيّة الجعل،و أنّه بما هو متعلّق بالأعيان النجسة هل تعلّق بنحوٍ


260

و خصوصيّة أوجب الاجتناب عن ملاقيها،و يكون الاجتناب عنه من شئون‏الاجتناب عنها،أو لا؟فجريان البراءة شرعاً و عقلاً إنّما هو من الخصوصيّةالزائدة في الجعل.الثالث:ما ذكر-أنّ الشرط لا بدّ من إحرازه،بخلاف المانع فإنّه لا يلزم‏إحراز عدمه بناءً على جريان أصالة عدم المانع عند الشكّ في وجوده-لا يخفى ما فيه من سوء التعبير;فإنّ عدم لزوم الإحراز ليس مبنيّا على أصالةعدم المانع عند الشكّ،فإنّها-على فرض جريانها-من وجوه(الإحراز،لا مبنى) (1) عدم لزومه.نعم بناءً على المانعيّة لا يلزم الإحراز و لو بالأصل;لجريان البراءة العقليةو الشرعيّة بناءً عليها،و عدمِ جريانها بناء على الشرطيّة. و لكن لو بنينا على‏لزوم الإحراز حتّى بناءً على المانعيّة،و بنينا على جريان أصالة عدم المانع،كان‏من وجوه الفرق بين جعل الشرطيّة و المانعيّة هو إمكان إحراز عدم المانع‏بالأصل و عدم إمكان إحراز الشرط عند الشكّ.و لعلّ هذا التعبير من فلتات‏قلم الفاضل المقرر رحمه اللّه.الرابع:أنّ ما قال:-إنّه لو شكّ المأموم في أنّ الإمام جهر بالقراءة أو أخفت‏بها،فبناءً على مانعيّة الإخفات يجوز الائتمام;لجريان أصالة عدم المانع،و بناءً على الشرطيّة لا يجوز له الائتمام-لعلّه بيان مقتضى القاعدة الأوّليّة مع‏قطع النّظر عن القواعد الأُخر،و إلاّ فلا إشكال في جواز الائتمام مع الشكّ‏

1)ما بين القوسين غير واضح في المخطوط و قد أثبتناه استظهاراً.


261

في واجديّة الإمام للشرائط أو فاقديته للموانع،فلو شكّ في أنّ الإمام على‏طهر أو أنّ قراءته صحيحة جاز الائتمام به;لأصالة الصحّة،و بناء المتشرّعةعلى الائتمام به من دون إحراز الشرائط و لو بالأصل،غير أصالة الصحّة.

في بيع أحد طرفي المعلوم بالإجمال حرمته‏

تذييل استطراديّ:

قد ذكر بعض أعاظم العصر رحمه اللّه-على ما في تقريرات‏بحثه-مقدّمة على البحث عن الملاقي لبعض أطراف الشبهة ما لا يكون‏التعرّض له خالياً عن الفائدة.قال ما محصّله:لا إشكال في وجوب ترتيب‏كلّ ما للمعلوم بالإجمال من الآثار الشرعيّة على كلّ واحد من الأطراف;للقطع بالفراغ،فكما لا يجوز شرب كلّ من الإناءين المعلوم خمريّة أحدهما،كذلك لا يصحّ بيع كلّ واحد منهما;للعلم بعدم السلطنة على بيع أحدهما،فأصالة الصحّة في كلٍّ معارضة له في الآخر،و بعد سقوطهما يحكم بفسادالبيع;لكفاية عدم ثبوت الصحّة للحكم به.إن قلت:ما ذكرت حقّ لو كان المعلوم بالإجمال تمام الموضوع للأثر،و أمّاإذا كان جزءه فما لم يثبت الجزء الآخر لا يجب ترتيب الأثر،ففي المثال الخمرلا يكون تمام الموضوع لفساد البيع بل جزءه،و جزؤه الآخر وقوع البيع;إذالصحّة و الفساد من الأحكام اللاحقة للبيع بعد صدوره،فلا وجه للحكم‏


262

بفساد بيع أحد الإناءين;للشكّ في وقوعه على الخمر،فتجري فيه أصالةالصحّة،و لا يعارضها أصالة الصحّة في بيع الآخر;لأنّ المفروض عدم وقوعه‏عليه،فلا موضوع لأصالة الصحّة فيه.قلت:لا وقع لهذا الإشكال;فإنّ الخمر تمام الموضوع لعدم السلطنة على‏بيعه،و عدم السلطنة عليه يلازم الفساد،بل عينه;لأنّه ليس المجعول الشرعيّ‏إلاّ حكماً واحداً،غايته أنّه قبل البيع يعبّر عنه بعدم السلطنة،و بعده يعبّر عنه‏بالفساد،فعدم السلطنة عليه عبارة أُخرى عن فساده،و السلطنة عليه عبارةأُخرى عن صحّته،فأصالة الصحّة في بيع كلٍّ منهما تجري قبل صدور البيع‏و تسقط بالمعارضة.و بالجملة:لا إشكال في أنّ عدم السلطنة على بيع الخمر و فساده من الآثارمترتّبة على نفس المعلوم بالإجمال،و قد عرفت أنّ كلّ ما للمعلوم بالإجمال‏من الأحكام وضعاً أو تكليفاً يجب ترتّبه على كلٍّ من الأطراف‏ (1) انتهى.و فيه أوّلاً:أنّه لم يتّضح مراده من أصالة الصحّة،هل هي عبارة عن أصالةالصحّة المعروفة الجارية في فعل الغير-التي يدلّ على اعتبارها بناء العقلاءعلى الأقوى،أو الإجماع على ما قيل‏ (2) و قوّاه هذا المحقّق في مبحثها (3) أوالمراد منها قاعدة الفراغ أو التجاوز،أو المراد منها عمومات حِلّ البيع‏ (4)

1)فوائد الأُصول 4:68.

2)فوائد الأُصول:416 سطر 6-9.

3)فوائد الأُصول 4:654.

4)البقرة:275.


263

و الوفاء بالعقود (1) أو المراد منها قاعدة السلطنة على الأموال؟فعلى الأوّل لا معنى لجريانها في فعل نفسه.و أمّا قاعدة التجاوز و الفراغ فلا تجريان قبل العمل.و أمّا العمومات فلا يجوز التمسّك بها و لو في الشبهة البدويّة;فإنّهامخصِّصة بالنسبة إلى بيع الخمر و أشباهه،فلا يجوز التمسّك بها في الشبهةالمصداقيّة.و منه يتّضح حال قاعدة السلطنة،فإنّها أيضا مخصَّصة،و تكون الشبهةمصداقيّة.فعدم جواز بيع أحد الإناءين المشتبهين ليس لأجل العلم الإجماليّ،بل و كانت الشبهة بدويّة-أيضا-لما حكمنا بالصحّة;لعدم الدليل‏عليها،و يكفي في الحكم بالفساد عدم ثبوت الصحّة.و ثانياً:أنّ ما ذكره-من أنّ المجعول الشرعيّ ليس إلاّ حكماً واحداً،غايته‏أنّه قبل البيع يعبّر عنه بعدم السلطنة و بعده يعبّر عنه بالفساد-ممّا لا محصّل له;لأنّ قاعدة السلطنة قاعدة عقلائيّة أو شرعيّة موضوعها الناس و محمولهاكونهم مسلّطين،و يكون اتّصاف الناس بالسلطنة في سلسلة علل المعاملات‏و المعاقدات،و الصحّة و الفساد ممّا تتّصف بهما المعاملات;لأجل حصول‏النقل و الانتقال الواقعيّين،و التأثير و التأثّر النّفس الأمريّين،فهما واقعان في‏سلسلة معاليلها،فما مختلفان موضوعاً و محمولاً و مورداً،فأين أحدهما من‏الآخر،حتّى قال:إنّ المجعول شي‏ء واحد يختلف اسمه باختلاف الاعتبار؟!

1)المائدة:1.


264

و ثالثاً:أنّ ما ادّعى-من أنّ المعلوم بالإجمال إذا كان تمام الموضوع لحكمٍ‏يجب ترتّبه على كلّ واحدٍ من الأطراف وضعاً كان أو تكليفاً-ممّا لا ينبغي أن‏يُصغى إليه،فإنّ وجوب الاجتناب عن الأطراف حكم عقليّ من باب‏الاحتياط و المقدّمة العلميّة،و لا معنى لترتيب آثار الواقع على كلّ واحد من‏الأطراف مع أنّ الواحد منها ليس واقعاً،و لازم ما ذكره أنّه لو ارتكب كلاالمشتبهين يكون معاقباً عليهما،إلاّ أن يقال:إنّ العلم التفصيليّ مأخوذ في‏موضوع حسن العقوبة،و يكون الواقع جزء الموضوع،و لازمه أن لا يكون‏معاقباً أصلاً،و كلا الالتزامين خلاف الضرورة.إن قلت:لو لا ترتّب آثار الواقع على الطرفين،فما وجه الحكم بفساد البيع‏الواقع على كلّ واحد من الأطراف؟قلت:عدم الحكم بالصحّة لعدم الدليل عليها،و يكفي عدم الدليل للحكم‏بالفساد،هذا إذا أُوقع البيع على واحد منها،و لو أُوقع على كليهما لم يمكن‏الحكم بالصحّة لو لم يكن الواقع متميّزاً عند البائع و المشتري;لعدم جوازالانتفاع بواحد منهما،نعم لو أمكن للمشتري تميّز الواقع و لو في المستقبل‏يجوز بيع ما هو الواقع بينهما مع ارتفاع الغرر بالتوصيف مثلاً.

حكم التوابع لأطراف المعلوم بالإجمال حرمته‏

ثمّ قال رحمه اللّه في تعقيب ما أفاده ما حاصله:إنّه قد عرفت أنّ كلّ‏ما للمعلوم من الأحكام يجب ترتّبه على كلّ واحدٍ من الأطراف،سواء كان‏


265

من مقولة الوضع أو التكليف،و سواء قارن زمانُ الابتلاء بالتصرّف في أحدالأطراف لزمان العلم أو تأخّر عنه;إذ المدار في ترتّب الأحكام عليها على‏فعليّتها و تنجّزها،لا زمان الابتلاءو على هذا يتفرّع وجوب الاجتناب عمّا للأطراف من المنافع و التوابع‏المتّصلة و المنفصلة،كما لو علم بمغصوبيّة إحدى الشجرتين،فإنّه كما يجب‏الاجتناب عن نفسهما يجب الاجتناب عن ثمرتهما،من غير فرقٍ بين أن‏يكون كلّ منهما من ذوات الأثمار أو أحدهما كذلك،و بين وجود الثمرةحال العلم و عدمه،و بين ثمرة هذا السنة و السنين الآتية،و بين بقاء الطرف‏الآخر أو الأصل حال وجود الثمرة و عدمهما،ففي جميع التقادير يجب‏الاجتناب عن الثمرة كالاجتناب عن أصلها و الطرف;لأنّ وجوب الاجتناب‏عن منافع المغصوب مّا يقتضيه وجوب الاجتناب عن نفسه،فإنّ النهي عن‏التصرّف فيه نهي عنه و عن توابعه و منافعه.فلو فرض أنّ الشجرة المثمرة مغصوبة،فوجوب الاجتناب عن‏ثمرها المتجدّد و إن لم يكن فعليّاً لعدم وجود موضوعه،إلاّ أنّه يكفي‏في وجوب الاجتناب عنه فعليّة وجوب الاجتناب عن نفس الشجرة بما لهامن المنافع و التوابع،و حينئذٍ تسقط أصالة الحلّ عن الثمرة بنفس سقوطهاعن ذي الثمرة المعارضة لأصالة الحلّ في الطرف الآخر،فلا تجري أصالةالحلّ في الثمرة بعد وجودها و فقدان طرف العلم الإجماليّ.و قس على ذلك‏الدار و منافعها،و الحمل و ذا الحمل،و سائر ما كان لأحد الأطراف منافع‏


266

متجدّدة دون الآخر.و ليس المقصود من تبعيّة حكم الثمرة للثمرة و الحمل لذي الحمل هوفعليّة وجوب الاجتناب عنهما قبل وجودهما،فإنّه معلوم البطلان،بل‏المقصود منها هوأنّ‏النهي عن التصرّف في الشجرة يقتضي النهي عن‏التصرّف في الثمرة عند وجودها،و كذا الدّابّة،فلا يحتاج حرمة التصرّف‏فيهما في ظرف وجودهما إلى تعبّدٍ و تشريعٍ آخر غير تشريع حرمة الأصل‏بمنافعه،فحرمة التصرّف في المنافع من شئون حرمة التصرّف في ذي المنفعة،فإن تمام الموضوع لوجوب الاجتناب عن الثمرة و الحمل و منافع الدار إنما هونفس المعلوم بالإجمال،و قد عرفت أنّه مهما كان المعلوم بالإجمال تمام‏الموضوع لحكم فلا بدّ من ترتبه على الأطراف،بخلاف ما إذا كان جزءالموضوع له،و على ذلك يتفرّع عدم جواز إقامة الحدّ على من شرب أحدطرفي المعلوم بالإجمال،فإنّ الخمر المعلوم في البين إنّما يكون تمام الموضوع‏بالنسبة إلى شربه و فساد بيعه،و أمّا بالنسبة إلى إقامة الحدّ فيتوقّف على أن‏يكون شربه عن عمدٍ و اختيار.و إن شئت قلت:إنّ علم الحاكم بشرب الخمر أُخذ جزء الموضوع لوجوب‏إقامة الحدّ،و لا علم مع شرب أحد الطرفين.انتهى‏ثمّ فرّع على ما ذكر حكم الملاقي و بنى وجوب الاجتناب عنه على كونه‏بالنسبة إلى الملاقى-بالفتح-كثمرة الشجرة بالنسبة إليها (1) .

1)فوائد الأُصول 4:70 و ما بعدها.


267

و أنت خبير بما فيه:أمّا أوّلاً:فلأنّ دعوى كونِ وجوب الاجتناب عن التوابع و المنافع بعين‏وجوبه عن المتبوع و ذي المنفعة-بحيث يكون أحدهما من شئون الآخر من‏غير تعلّق جعلٍ و تعبُّد به،و كونِ أدلّة الغصب دالّة على حرمة العين المغصوبةبمنافعها و توابعها من غير تعلّق حكم بهما-خالية عن البينة و البرهان،و إنّماهي مجرّد الدعوى،فإنّه لم يرد في باب الغصب دليل لفظيّ معتدّ به يكون‏دالاً على مدّعاه،و ما ورد:(أنّ الغصب كلّه مردود) (1) لا يدلّ على ما ذكر،و ما نسب إلى صاحب الزمان روحي له الفداء-:(لا يحلّ لأحدٍ أن يتصرّف في‏ما غيره بغير إذنه) (2) لا يدلّ على ذلك.مضافاً إلى عدم ملازمة التصرّف للغصب.مع إمكان أن يقال:إنّه يدلّ‏على تعلّق الحرمة بكلّ ما يكون مالاً بالاستقلال،فهو على خلاف المطلوب‏أدلّ.و بالجملة:لا دليل على مدّعاه بوجه.و أمّا ثانياً:فلأنّ ما ينتج في باب المنافع و التوابع و الملاقي هو أن‏يكون وجوب الاجتناب عنها من شئون وجوب الاجتناب عن المتبوعات،بحيث يعاقب المكلّف في التصرّف في التوابع على المتبوعات،فيقال‏

1)الكافي 1:539-542-4 باب الفي‏ء و الأنفال..،الوسائل 6:365-4 باب 1 من‏أبواب الأنفال،،و 17:30-3 باب 1 من أبواب الغصب.

2)الاحتجاج 2:480 توقيعات الناحية المقدّسة،في أجوبة محمّد بن جعفر الأسدي،السوائل 6:376-377-6 باب 3 من أبواب الأنفال،و 17:309-4 باب 1 من‏أبواب الغصب.


268

لمن تصرّف في الثمرة و الحمل و الملاقى:لِمَ تصرّفت في الشجرة و ذي الحمل‏و ارتكبت الملاقى-بالفتح-؟مع أنّ الضرورة في الشجرة و ذي الحمل قاضية على خلافه;لأنّ الغصب‏مفهومه مبيَّن،فإنّه استيلاء اليد و استقلالها على مال الغير بغير إذنه،فلواستقلت اليد على ثمرة الشجرة و حمل الدابّة دون الشجرة و ذي الحمل،لا يمكن أن يؤاخذ على غصب الشجرة و ذي الحمل;لأنّه لم يغصبهما و إنّماغصب منافعهما.و بالجملة:استيلاء اليد على الشجرة و ذي الحمل دون منافعهما،و على‏المنافع دون الأُصول،بل على الدار دون المنفعة،و عليها دون الدار،ممكن،و يكون الاستيلاء على كلٍّ غير الآخر،و لا يمكن أن يعاقب على ما ليس‏بمغصوب لأجل غصبٍ آخر.نعم النهي عن ارتكاب الملاقى يمكن أن يكون بوجهٍ يكون الملاقي‏-بالكسر-من شئونه،و يكون العقاب في ارتكابه لأجل عدم هجرالرجس،فقياس باب الشجرة و الحمل بباب الملاقي مع الفارق;لأنّ الحرمةبملاك الغصب لا يمكن أن تتعلّق بما ليس بمغصوب،و لا يمكن أن تكون الحرمةمن شئون أمرٍ غير محرّم كما في غصب الثمرة دون الشجرة،فغصب‏الشجرة قد يكون منفكّاً عن غصب ثمرتها،و قد يكون توأماً معه،فيكون‏غصب الثمرة غصباً مستقلاً و له حرمة مستقلّة.و دعوى:أنّ في الصورة الثانية-أي إذا كانا توأمين-تكون حرمة واحدة


269

متعلّقة بغصب الشجرة دون الثمرة،كما ترى،و لو سلّم إمكانه ثبوتاً لا دليل‏عليه إثباتاً.مع أنّ في المنافع المنفصلة لا يمكن الالتزام به قطعاً;لكونه خلاف‏الضرورة و البداهة.و أمّا ثالثاً:فلأنّ ما ذكره-من أنّ الخمر بالنسبة إلى حرمة شربه و فسادبيعه تمام الموضوع،و بالنسبة إلى إقامة الحدّ جزؤه،و جزؤه الآخر أن‏يكون الشرب عن عمد و اختيار،أو أنّ علم الحاكم جزؤه الآخر-فمنظورفيه;لأنّ شرب أحد الأطراف شرب اختياريّ،فلو صادف الواقع‏يكون شرب الخمر اختياريّاً،فلهذا لو ارتكب أحد الأطراف و صادف الواقع‏يستحقّ العقوبة عليه،مع أنّ صحّة العقوبة تكون في مخالفة الواقع عن عمدو اختيار.كما أنّ أخذ علم الحاكم جزء الموضوع-أيضا-واضح البطلان;ضرورةأنّ موضوع الحدّ بحسب الأدلّة هو شرب الخمر عصياناً،و في صورة ارتكاب‏بعض الأطراف لا يثبت الحدّ;للشكّ في حصول شرب الخمر،و لو كان الخمرتمام الموضوع لحكم الحدّ لا يجوز إجراء الحدّ-أيضا-على من شرب بعض‏الأطراف;لعدم العلم بتحقّق الموضوع.و دعواه-بأنّه مهما كان المعلوم بالإجمال تمام الموضوع لحكمٍ تكليفيّ أووضعيّ،فلا بدّ من ترتيب آثار ذلك الحكم على كلّ واحد من الأطراف-قدعرفت ما فيها،و أنّه ممّا لا يمكن الالتزام بها.


270


271

تنبيهات‏

ثمّ ينبغي التعرّض لتنبيهات ذكرها الشيخ العلاّمة الأنصاريّ‏ (1) و تعرّض‏لها المحقّق المتقدّم‏ (2) :

التنبيه الأوّل‏في التفصيل بين الشرائط و الموانع في وجوب الاحتياط

لا ينبغي الإشكال في عدم الفرق في وجوب الاحتياط عند الجهل‏بالموضوع بين الشرائط و الموانع و غيرها،فيجب تكرار الصلاة إلى أربع جهات‏عند اشتباه القبلة،أو في الثوبين المشتبهين عند اشتباه الطاهر بالنجس،و لا وجه لسقوط الشرط و المانع بمجرّد الإجمال.فما حكي عن المحقّق القمّيّ رحمه اللّه من التفصيل بين ما يستفاد

1)فرائد الأُصول:269-272.

2)فوائد الأُصول 4:134 و ما بعدها.


272

من مثل قوله:(لا تُصلِّ فيما لا يؤكل) (1) فذهب إلى السقوط،و بين ما يستفاد من مثل قوله:(لا صلاة إلاّ بطهور) (2) فذهب إلى عدم‏السقوط (3) ;لعلّه مبنيّ على ما ذهب إليه من عدم منجّزيّة العلم الإجمالي‏ (4) و أنّه كالشكّ البدويّ،على ما هو المعروف منه،ففصّل بين الشرائط و الموانع،فيكون حالهما بعد سقوط العلم الإجماليّ عن الأثر كالشكّ البدويّ،فيجب‏إحراز الشرط دون عدم المانع،فما هو المستفاد من مثل:(لا تصلّ فيما لا يؤكل)لا يجب إحرازه،فيجوز أن يصلّي المصلّي في الثوبين المعلوم كون أحدهما ممّالا يؤكل،و ما هو المستفاد من مثل قوله:(لا صلاة إلاّ بطهور)حيث يستفاد منه‏الشرطيّة-يجيب إحرازه،فيجب أن يكرّر الوضوء بالماء المشتبه بالمضاف،و أن‏يكرّر الصلاة إلى أربع جهات عن اشتباه القبلة لتحصيل الشرط.و أمّا ما احتمل بعض أعاظم العصر رحمه اللّه-على ما في تقريراته-من‏أنّ المحقّق قاس باب العلم و الجهل بالموضوع بباب القدرة و بالعجز،ثمّ‏

1)الكافي 3:397-401 باب اللباس الّذي تكره الصلاة فيه،علل الشرائع 2:342-1-2 باب 43،الوسائل 3:250-252 باب 2 من أبواب لباس المصليّ.و الحديث منقول‏بالمضمون.

2)الفقيه 1:35-1 باب 14 فيمن ترك الوضوء..،الوسائل 1:256-1 و باب 1 من‏أبواب الوضوء.

3)ثم نعثر على هذا التفصيل في القوانين،و إنما عثرنا على قوله بالمساواة بالسقوط في الشرط و المانع،راجع القوانين 2:38-39.

4)القوانين 2:25 سطر 3-15.


273

استشكل عليه‏ (1) فهو ساقط احتمالاً و إشكالاً:أمّا احتمالاً:فلأنّ القياس المذكور لا يقتضي التفصيل الّذي ذهب إليه‏المحقّق;ضرورة أنّ العجز عن الشرط و المانع على حدٍّ سواء،فإن كان الشرطو المانع على نحو الإطلاق-أي حتّى حال العجز-فلازمه سقوط التكليف عن‏المشروط و الممنوع،و إلاّ فلازمه سقوط الشرطيّة و المانعيّة.و أمّا إشكالاً:فلأن محصّل إشكاله:أنّ القدرة من شرائط ثبوت التكليف،و العلم من شرائط التنجيز،و فيه ما مرّ سابقاً (2) من منع كون القدرة من‏شرائط التكليف،بل حالها حال العلم،و لهذا يجب الاحتياط عند الشكّ‏فيها.و أمّا ما نسب المحقّق المعاصر رحمه اللّه إلى الحلّي-من أنّ ذهابه‏إلى عدم وجوب الستر عند اشتباه اللباس،لعلّه بدعوى سقوط الشرطعند عدم العلم به تفصيلاً،فيأتي بالمشروط فاقداً للشرط (3) فهو من‏غرائب الكلام;فإنّ الحلّي رحمه اللّه قد صرّح في السرائر بخلاف ذلك،و جعل وجه ما ذهب إليه هو لزوم كون المكلّف عالماً بتحقّق الشرط عندإتيانه‏1.1السرائر 1:185.الحلي:هو الفقيه الكبير المحقق الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن إدريس العجلي الربعي‏

1)فوائد الأُصول 4:135.

2)انظر صفحة:222.

3)فوائد الأُصول 4:134.


274

التنبيه الثاني‏في كيفية النيّة لو كان المعلوم بالإجمال أو المحتمل من العبادات‏

إذا كان المعلوم بالإجمال أو المحتمل من العبادات،وقع النزاع في كيفيّةالنيّة،ففصّل الشيخ رحمه اللّه بين الشبهات البدويّة و المقرونة بالعلم،بكفاية مجرّد قصد احتمال المحبوبيّة و الأمر في الشبهات البدويّة،فإنّه هوالّذي يمكن في حقّه و عدم كفايته في المقرونة بالعلم،بل لا بدّ من قصدامتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير.قال:و لازمه أن يكون المكلَّف حال الإتيان بأحد المحتملين قاصداً للإتيان‏بالمحتمل الآخر;إذ مع عدم قصد ذلك لا يتحقّق قصد امتثال الأمر المعلوم‏بالإجمال على كلّ تقدير،بل يكون قاصداً لامتثال الأمر على تقدير تعلّقه‏بالمأتيّ به،و هذا لا يكفي في تحقّق الامتثال مع العلم بالأمر (1) .و تنظّر فيه بعض أعاظم العصر رحمه اللّه بأنّ العلم بتعلّق الأمر بأحدالمحتملين لا يوجب فرقاً في كيفيّة النيّة في الشبهات،فإنّ الطاعة في كلٍّ من‏الحلي،كان من شيوخ الفقه بالحلة،متقناً للعلوم،كثير التصانيف،يروي عن الشيخ‏عربي بن مسافر العبادي،و أبي المكارم حمزة الحسيني و غيرهم،و يروي عنه جماعةمن الأفاضل منهم:الشيخ نجيب الدين بن نما الحلي،و السيد شمس الدين فخار بن معدالموسوي،توفي سنة 598 ه.انظر مقابس الأنوار:11،أمل الآمل 2:243،لؤلؤة البحرين:279.

1)فرائد الأُصول:270 سطر 10-15.


275

المحتملين ليست إلاّ احتماليّة كالشبهة البدويّة;إذ المكلّف لا يمكنه أزيد من‏قصد امتثال الأمر الاحتماليّ عند الإتيان بكلٍّ من المحتملين،و ليس المحتملان‏بمنزلة فعل واحد مرتبط الأجزاء حتّى يقال:العلم بتعلّق التكليف بعمل واحديقتضي قصد امتثال الأمر المعلوم،فلو أتى المكلّف بأحد المحتملين من دون‏قصد الإتيان بالآخر يحصل الامتثال على تقدير تعلّق الأمر بالمأتيّ به،و إن‏كان متجرّياً في قصده عدم الامتثال على كلّ تقدير (1) انتهى.أقول:أمّا قضيّة كيفيّة قصد الامتثال فلا ينبغي أن يستشكل في أنّ الداعي‏للإتيان بالمحتمل في الشبهة البدويّة ليس إلاّ احتمال الأمر أو الأمر المحتمل،و أمّا في الشبهة المقرونة بالعلم فالداعي ليس احتمال الأمر فقط،بل الداعي‏بالنسبة إلى أصل الإتيان هو الأمر المعلوم،لكن ينشأ من هذا الداعي داعٍ آخرلإتيان المحتمل لأجل احتمال انطباق المعلوم عليه،فالداعي الأوّل لإتيان‏المحتمل هو الأمر المعلوم،و الداعي الآخر المنشأ منه هو احتمال الانطباق،فماأفاد الشيخ رحمه اللّه-من أنّه لا بدّ من قصد الامتثال الأمر المعلوم-حقّ لوكان مراده ذلك،لكن مع توسُّط قصدٍ متعلِّقٍ بالظرف;لاحتمال انطباق‏المعلوم عليه.و ما أفاد المحقّق المعاصر-من أنّه لا يمكن للمكلّف أزيد من قصد امتثال‏الأمر الاحتماليّ-غير تامّ;ضرورة أنّ الداعي للإتيان ليس إلاّ امتثال الأمرالمعلوم في البين،لكن لا يكفي هذا الداعي للتحريك نحو المحتمل،بل لا بدّ

1)فوائد الأُصول 4:136-137.


276

من إرادة أُخرى منشأة منه،و هذا بوجهٍ نظير إرادة ذي المقدّمة التي يتولّد منهاإرادة المقدّمات.و أمّا ما أفاد الشيخ رحمه اللّه-من أنّ إطاعة الأمر المعلوم تتوقّف على أن‏يكون المكلّف حال الإتيان بأحد المحتملين قاصداً للإتيان بالمحتمل الآخر-فهوممنوع;لأنّ الداعي إلى إتيان أحد المحتملين ليس إلاّ إطاعة المولى،فهو على‏فرض الانطباق مطيع لأمره،و كونُهُ قاصداً لترك الإتيان بالمحتمل الآخرو متجرّئاً بالنسبة إليه لا يضرُّ بذلك،فلا يتوقّف امتثال الأمر المعلوم على قصدامتثال كلا المشتبهين،و هذا-أيضا-واضح.

التنبيه الثالث‏حكم ما لو كان المعلوم بالإجمال أمرين مترتّبين شرعاً

لو كان المعلوم بالإجمال أمرين مترتّبين شرعاً كالظهر و العصر المردّدين‏بين الجهات عند اشتباه القبلة،هل يجب استيفاء جميع محتملات المترتّب‏عليه قبل الشروع في الآخر،أو يجوز الإتيان بهما مترتّبين إلى كلّ جهة،فيجوز الإتيان بظهور و عصر إلى جهة و ظهر و عصر إلى الأُخرى و هكذا حتّى‏يستوفي جميع الجهات‏ (1) ؟اختار بعض أعاظم العصر رحمه اللّه أوّلهما (2) بناءً على ما قوّاه سابقاً

1)فرائد الأُصول:271 سطر 18-22.

2)فوائد الأُصول 4:137-138.


277

من ترتّب الامتثال الإجماليّ على الامتثال التفصيليّ‏ (1) و أنّ فيما نحن فيه‏جهتين:إحداهما:إحراز القبلة،فهو ممّا لا يمكن على الفرض،و الأُخرى:إحراز الترتيب بين الظهر و العصر،و هو بمكانٍ من الإمكان،و ذلك بإتيان‏جميع محتملات الظهر،ثمّ الاشتغال بالعصر،و عدم العلم حين إتيان كلّ‏عصر بأنّه صلاة صحيحة واقعة عقيب الظهر إنّما هو للجهل بالقبلة،لا الجهل‏بالترتيب،و سقوط اعتبار الامتثال التفصيليّ في شرطٍ لعدم إمكانه لا يوجب‏سقوطه في سائر الشروط مع الإمكان.هذا حاصل ما ذكره.و فيه منع كبرى و صغرى:أمّا ممنوعيّة الكبرى:فقد مرّ ذكره‏ (2) من عدم طوليّة الامتثال الإجماليّ‏بالنسبة إلى الامتثال التفصيليّ،فيجوز الاحتياط مع التمكّن من الاجتهادو التقليد،و يجوز الجمع بين المحتملات مع التمكّن من العلم،ما لم ينجر إلى‏اللعب بأمر المولى،و يكون فيه غرض عقلائيّ،و الشاهد عليه حكم‏العقل و العقلاء.و أمّا ممنوعيّة الصغرى:فلأنّ الإتيان بكلّ ظهر و عصر مترتّبين إلى كلّ جهة;ممّا يكون فيه موافقة تفصيليّة على تقدير،و عدم الموافقة رأساً بالنسبة إلى‏الظهر و العصر على تقدير آخر،و ليس الأمر دائراً بين الموافقة الإجماليّةو التفصيليّة حتّى يقال:إنّهما مترتّبتان،فإنّ كلّ جهة إمّا تكون قبلة،فيكون‏

1)فوائد الأُصول 3:72.

2)انظر الجزء الأول صفحة:182.


278

الظهر و العصر مترتّبين بحسب الواقع،و إمّا لا تكون قبلة فلا يتحقّق ظهرو لا عصر،و لا ترتيب بينهما حتّى يقال:إنّه موافقة إجماليّة،و العلم بحصول‏الترتيب بين الظهر و العصر حين الإتيان بهما لا يمكن على أيّ حال،سواء أتى‏بجميع محتملات الظهر قبل العصر أو لا.و لا يُصغى إلى ما ادّعى رحمه اللّه من أنّ ذلك إنّما هو من جهة الجهل‏بالقبلة لا الجهل بالترتيب;ضرورة أنّ الترتيب إذا كان بين الظهر و العصرالواقعيّين يكون مجهولاً عند الإتيان بكلّ عصر،فإنّه لا يعلم المكلّف عندالإتيان به أنّها صلاة واقعيّة عقيب الظهر،بل يعلم إجمالاً أنّها إمّا صلاةواقعيّة مترتّبة على الظهر،و إمّا ليست بصلاة،و هذا العلم حاصل عيناً فيما إذاأتى بكلّ ظهر و عصر مترتّبين إلى كلّ جهة،فإنّه يعلم بأنّ العصر إمّا صلاةواقعيّة مترتّبة على الظهر،و إمّا ليس بصلاة،و هذا من الوضوح بمكان.

دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين‏

قوله:المقام الثاني:في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين...إلخ‏1.1الكفاية 2:227.و اعلم أنّ الفرق بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين و الارتباطيّين ظاهر،و الفرق بينهما إنّما هوقبل تعلّق التكليف و في مرتبة الغرض القائم بالموضوع،فما قد يقال:-إنّ الفرق إنّما هوبوحدة التكليف و كثرته‏ (1) غير وجيه،إلاّ أن يراد بيان فرق آخر غير مربوط بموضوع الأقلّ‏و الأكثر.ثمّ إنّ محطّ البحث متقوّم بأخذ الأقلّ لا بشرط،و إلاّ يرجع إلى المتباينين.و قد يتوهّم‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:373 سطر 5-7.


279

(1)تنقيح البحث يتوقّف على بيان مقدّمات:الأُولى:أنّ وِزان المركّبات الاعتباريّة في عالم الاعتبار من بعض الجهات‏وزانُ المركّبات الحقيقيّة في الخارج،فإنّ المركّب الحقيقي إنّما يحصل بعدكسر سَورة الأجزاء بواسطة التفاعل الواقع بينها،فتخرج من استقلال‏الوجود بواسطة الفعل و الانفعال و الكسر و الانكسار،و تحصل صورة مستقلّةأُخرى هي صورة المركّب،فلها وجود و وحدة غير ما للأجزاء،و المركّب‏الاعتباريّ أيضا يحصل بكسر سَورة الاجزاء في عالم الاعتبار،و خروجهاعن استقلال الوجود اللحاظيّ،و فنائها في صورة المركّب،و حصول الوحدةالاعتباريّة كالوجود الاعتباريّ،فما لم يحصل للمركّب صورة وحدانيّة في‏خروج ما دار الأمر بين الطبيعيّ و الحصّة من موضوع البحث،كتردّده بين وجوب إكرام‏الإنسان و إكرام زيد،بدعوى أنّ الطبيعيّ-باعتبار قابليّته للانطباق على حصّة أُخرى منه‏المباينة مع حصّة أُخرى-لا يكون محفوظاً بمعناه الإطلاقي في ضمن الأكثر (1) .و فيه:-مضافاً إلى أنّ ما سمّاه حصّة مخالف للاصطلاح-أنّ لازم ما ذكر خروج المطلق‏و المقيّد عن محطّ البحث بعين ما ذكر،فإنّ المطلق لم يبق بإطلاقه في ضمن المقيّد.و التحقيق:أنّ خروج الطبيعيّ و فرده عن البحث لأجل أنّه يشترط في باب الأقلّ و الأكثركون الأمر في الأكثر داعياً إلى الذات و القيد;بحيث لو فرضنا الانحلال ينحلّ إلى الأمربالذات و القيد،و الطبيعيّ و الفرد ليسا كذلك عرفاً،و إن انحلّ الفرد بالنظر الفلسفي إلى‏الذات و الخصوصيّة،فدوران الأمر بين الفرد و الطبيعيّ و الجنس و نوعه كالحيوان و الإنسان‏خارج عن موضوع البحث.نعم لا يبعد دخول مثل الحيوان و الحيوان الأبيض أي الطبيعيّ‏و حصّته في مورد البحث.منه قدس سره‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:373 سطر 22-25.


280

عالم الاعتبار لم يكن له وجود،فإنّ مالا وحدة له لا وجود له،و إنّما تحصل‏الوحدة بذهاب حكم الأجزاء و حصول صورة أُخرى مجملة غير صورةالأجزاء;أي المفصّلات.الثانية:أنّ كيفيّة تحصُّل المركّب في ذهن الآمر غالباً إنّما تكون عكس‏كيفيّة إتيانه في الخارج،بمعنى أنّ المكلّف إذا همّ بإتيان مركّب تتعلّق إرادته‏أوّلاً بوجوده الوحدانيّ،غافلاً عن أجزائه و شرائطه،ثمّ ينتقل منه إليها،و تتولّدإرادات أُخرى متعلّقة بها على وجهٍ يحصل المركّب منها،فإذا همّ بإتيان‏الصلاة تتعلّق إرادته أوّلاً بأصل طبيعتها من غير تعلّق بالأجزاء،و يكون المحرّك‏للعبد الأمر المتعلّق بالطبيعة،و لمّا رُئي أنّها لا تحصل إلاّ بإتيان أجزائهاو شرائطها على طبق المقرّر الشرعيّ تتولّد إرادات تبعيّة متعلّقة بها.و أمّا الآمر إذا همّ بتعليق الأمر بالمركّب فلا بدّ له-غالباً-من تصوّرالأجزاء و الشرائط أوّلاً مستقلاً،ثم ترتيبها حسب ما تقتضي المصلحة و الملاك‏النّفس الأمريّين ثم لحاظها على نعت الوحدة و إفناء الكثرات فيها ليحصل‏المركّب الاعتباريّ،ثمّ يجعلها موضوعاً للأمر و متعلَّقاً للإرادة،فالأمر ينتهي‏من الكثرة إلى الوحدة غالباً،و المأمور من الوحدة إلى الكثرة1.1ثمّ إنّ الصور في المركبات الاعتباريّة غير مغايرة للأجزاء بالأسر،بل هي هي،و الاختلاف بينهما بالوحدة و الكثرة،فلا تكون صور المركّبات بالنسبة إلى أجزائهاكالمحصَّل و المحصِّل;ضرورة أنّ الأمر لم يتعلّق بأمرٍ خارجٍ من الأجزاء تكون هي محصّلة له،فالأمر بالعشرة عين الأمر بالوحدات في لحاظ الكثرة.و بالجملة:الفرق بينهما بالوحدة و الكثرة و الإجمال و التفصيل،لا بالمحصِّليّة و المحصّليّة.


281

الثالثة:أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب واحد متعلّق بواحد،و ليست الأجزاءمتعلَّقة للأمر;لعدم شيئيّة لها في لحاظ الآمر عند لحاظ المركّب،و لا يرى عندالبعث إليه إلاّ صورة وحدانيّة هي صورة المركّب فانياً فيها الأجزاء،فهي‏تكون مغفولاً عنها،و لا تكون متعلَّقة للأمر أصلاً،فالآمر لا يرى في تلك‏الملاحظة إلاّ أمراً واحداً،و لا يأمر إلاّ بأمرٍ واحد،لكن هذا الأمر الوحدانيّ‏يكون داعياً إلى إتيان الأجزاء بعين داعويته للمركّب و حجّة عليها بعين‏حجّيّته عليه;لكون المركّب هو الأجزاء في لحاظ الوحدة و الاضمحلال‏1و الأجزاء هو المركّب،فلكون المركّب يتركّب من الأجزاء و ينحلّ إليها يكون‏الأمر به حجّة عليها لا بحجّيّة مستقلّة،و داعياً إليها لا بداعويّة على حدة2.الرابعة:أنّ الحجّة على المركّب إنّما تكون حجّة على الأجزاء،و الأمرو لا يذهب عليك عدم تنافي ما ذكرناه هاهنا لما ذكرناه في بحث المقدّمة من‏إسراء النزاع إلى الأجزاء (1) فتدبّر تعرف.و إن شئت فاجعل هذا مقدّمة أُخرى للمقصود.منه قدس سره‏1بنحو،و هذا لا ينافي ما ذكرنا في مبحث مقدّمة الواجب‏ (2) من أنّ كلّ جزء مقدّمة،و هو غير الكلّ،و فيه مناط المقدّميّة،فلا تغفل.منه قدس سره‏2و من ذلك ينبغي أن يقال:إنّ في عقد البحث بأنّ الواجب يتردّد بين الأقلّ و الأكثرلا يخلو من مسامحة;لأنّ الأمر متعلّق بالصورة الوحدانيّة،و في هذا اللحاظ لا أقلّ‏و لا أكثر في البين،و إنّما الدوران في صورة لحاظ الكثرة و باعتبار الانحلال،و الأمر سهل.منه قدس سره‏

1)انظر كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره.

2)انظر كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره.


282

المتعلّق به إنّما يكون داعياً إليها،إذا قامت الحجّة على كون المركّب متركّباًمن الأجزاء الكذائيّة و منحلاً إليها،و أمّا مع عدم قيام الحجّة عليه فلا يمكن أن‏يكون الأمر به حجّة عليها و داعياً إليها،فمع الشكّ في جزئيّة شي‏ء للمركّب‏لا يكون الأمر المتعلّق به حجّة عليه;ضرورة أنّ تماميّة الحجّة إنّما تكون‏العلم،و العلم بتعلّق الأمر بالمركّب إنّما يكون حجّة على الأجزاء التي عُلم‏بتركّب المركّب منها;لما عرفت من أنّ داعويّة الأمر المتعلّق به للأجزاءليس إلاّ كونه منحلاً إليها و متركّباً منها،فمع الشكّ في دخالة شي‏ء في‏المركّب و اعتباره فيه عند ترتيب أجزائه،لا يكون الأمر بالمركّب حجّة عليه.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الأصل العقلي في باب الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين هوالبراءة،فإذا اجتهد العبد في تحصيل العلم بأجزاء المركّب،و بذل جهده في‏التفحّص عن الأدلّة بمقدار ميسوره،و قامت الحجّة على عدّة أجزاء للمركّب،و علم أنّ المولى قد أخذها فيه قطعاً،و شكّ في اعتبار شي‏ء آخر جزءً،فأتى بماقامت الحجّة عليه،و ترك غيرها ممّا هو مشكوك فيه،لا يُعدّ عاصياً،و يكون‏العقاب على تركه بلا بيان و لا برهان.

الإشكالات على جريان البراءة في المقام‏

نعم هاهنا إشكالات لا بدّ من التفصيّ عنها لتحقيق المقام:الأوّل:أنّ العلم الإجماليّ بوجوب الأقلّ أو الأكثر حجّة على التكليف‏و منجّز له،و لا بدّ من الاحتياط بإتيان الجزء المشكوك فيه،و لا ينحلّ هذا العلم‏


283

الإجماليّ بالعلم،بوجوب الأقلّ و الشكّ في الأكثر;لتردّد وجوبه بين المتباينين،فإنّه لا إشكال في مباينة الماهيّة بشرط شي‏ء للماهيّة لا بشرط;لكونهما قسيمين،فلو كان متعلّق التكليف هو الأقل فالتكليف به إنما يكون لا بشرطٍ عن الزيادة،و لو كان الأكثر فالتكليف بالأقلّ يكون بشرط انضمامه مع الزيادة،فوجوب‏الأقلّ يكون مردّداً بين المتباينين،باعتبار اختلاف سنخي الوجوب الملحوظلا بشرط شي‏ء أو بشرطه.كما أنّ امتثاله يكون مختلفاً-أيضا-حسب اختلاف الوجوب،فإنّ‏امتثال الأقلّ إنّما يكون بانضمام الزائد إليه إذا كان التكليف به ملحوظاًبشرط شي‏ء;بخلاف ما إذا كان ملحوظاً لا بشرط،فيرجع الشكّ في الأقلّ‏و الأكثر الارتباطيّين إلى الشكّ بين المتباينين تكليفاً و امتثالا1.و فيه أوّلاً:أنّ التكليف لم يكون ملحوظاً لا بشرط أو بشرط شي‏ء،بل‏اللابشرطيّة أو بشرط الشيئيّة-لو كانتا-إنّما هما في متعلّق التكليف لا نفسه،فلا يخلو ما أفاده من سوء التعبير.و ثانياً:أنّ متعلّق التكليف-أيضا-لم يكن من قبيل الماهيّة لا بشرط شي‏ءو بشرطه،فإنّ التكليف لم يكن مردّداً بين تعلّقه بالأقل لا بشرط انضمامه مع‏1نسب هذا الإشكال في الفوائد 4:152 إلى صاحب الحاشية،و لكن بمراجعة الهداية:449-450 تجد الوجه الأول من وجوه أقوائية الاحتياط في المقام ينطبق على مختارالمحقق النائيني رحمه اللّه كما جاء في الفوائد 4:158،و قد نبه على ذلك المحقق الكاظمي‏رحمه اللّه راجع الفوائد هامش صفحة:158.


284

الزيادة،أو بشرط الانضمام بحيث يكون الأقل متعلَّقاً له و الزيادة من قبيل‏الشرائط،فإنّ الأجزاء كلّها في رتبة واحدة لا يكون بعضها جزء و بعضهاشرط الجزء،بل الأمر دائر بين تعلّق التكليف بالأقلّ-أي المركّب المنحلّ إليه-أو الأكثر-أي المركّب المنحلّ إليه-و لا تكون الأجزاء متعلَّقة للتكليف بما أنّهاأجزاء،كما عرفت في كيفية تعلّقه بالمركّبات‏ (1) .و ثالثاً:أنّ الأقل اللا بشرط أو التكليف الّذي هو اللابشرط-بتعبيره-لم يكن مبايناً لما هو بشرط الشي‏ء،فإن معنى كون الأقلّ لا بشرط أنّ الملحوظنفس الأقلّ من غير لحاظ انضمام شي‏ء معه،لا كون عدم لحاظ شي‏ء معه‏ملحوظاً حتّى يصير متبايناً مع الملحوظ بشرط شي‏ء،و معلوم أنّ نفس الأقلّ‏مع الأقلّ بشرط شي‏ء لم يكونا متباينين،فيكون الأقلّ متيقَّناً،و الزيادةمشكوكاً فيها،فينحلّ العلم الإجماليّ إلى العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ،و الشكّ البدويّ في وجوب الزيادة.هذا،لكنّ التحقيق-كما عرفت‏ (2) :أنّ الأجزاء لم تكن متعلَّقة للتكليف‏بل متعلَّقُهُ واحد هو المركّب في نعت الوحدة،كما أنّ نفسه واحد،لكنّه حجّةعلى الأجزاء المعلومةِ الاعتبار فيه،و لا يكون حجّة على الزيادة المشكوك فيها.و رابعاً:لازم كون الأقلّ و الأكثر من قبيل المتباينين لزوم إتيان الأقلّ‏منفصلاً عن الأكثر،لا منضمّاً إليه،فيجب الإتيان بالصلاة مرّة مع الزيادة،

1)في صفحة 281.

2)مرَّ ذلك قريباً فلاحظ.


285

و مرّة بغيرها;لأنّ المتباينين غير ممكني الاجتماع في التحقّق و الامتثال،مع أنّ‏القائل لم يلتزم به.

جواب المحقّق النائيني عن الإشكال و ردّه‏

هذا و أجاب عن الشبهة بعض أعاظم العصر رحمه اللّه:بأنّ الماهيّةلا بشرط و الماهيّة بشرط شي‏ء ليستا من المتباينين اللذينِ لا جامع بينهما;فإنّ‏التقابل بينهما ليس تقابل التضادّ،بل من تقابل العدم و الملكة،فإنّ الماهيّةلا بشرط ليس معناها لحاظ عدم انضمام شي‏ء معها بحيث يؤخذ العدم قيداًللماهيّة;و إلاّ رجعت إلى الماهيّة بشرط لا،و يلزم تداخل أقسامها،بل الماهيّةلا بشرط معناها عدم لحاظ شي‏ء معها،و من هنا قلنا:إنّ الإطلاق ليس أمراًوجوديّاً،بل هو عبارة عن عدم ذكر القيد،فالماهيّة لا بشرط ليست مباينةبالهويّة و الحقيقة مع الماهيّة بشرط شي‏ء بحيث لا يوجد بينهما جامع،بل‏يجمعهما نفس الماهيّة،و التقابل بينهما بمجرّد الاعتبار و اللحاظ.ففيما نحن فيه يكون الأقلّ متيقّن الاعتبار على كلّ حال-سواء لوحظالواجب لا بشرط أو بشرط شي‏ء-فإنّ التغاير الاعتباريّ لا يوجب خروج‏الأقلّ من كونه متيقَّن الاعتبار (1) انتهى.و فيه:أنّ الماهيّة لا بشرط-أي التي لم يلحظ معها شي‏ء-هي الماهيّةالمقسميّة التي هي نفس الماهيّة،و لا يعقل الجامع بين الماهيّة الكذائيّة و غيرها،

1)فوائد الأُصول 4:154.


286

و نفس ذات الماهيّة عبارة أُخرى عن الماهيّة التي لم يلحظ معها شي‏ء بنحوالسلب البسيط،لا الإيجاب العُدوليّ،و أقسام الماهيّة-أي بشرط شي‏ء،و بشرط لا،و لا بشرط-من الاعتبارات الواردة على نفس الماهيّة،و تكون تلك‏الأقسام متقوّمة بالاعتبار الذهنيّ،و ليس لها وجود في الخارج حتّى الماهيّةبشرط شي‏ء،فإنّ الماهية الملحوظة بشرط شي‏ء إنّما تتقوّم باللحاظ.و ما قيل:إنّ اللحاظ حرفيّ لا اسميّ،أو أنّ هذه الاعتبارات مصحّحةلموضوعيّة الموضوع على الوجه المطلوب،لا أنّها مأخوذة فيه‏ (1) ممّا لا ينبغي أن‏يُصغى إليه;فإنّ تحصُّل الأقسام الثلاثة للماهيّة ليس إلاّ بتلك الاعتبارات،و هذه الاعتبارات مقوِّمة للأقسام،و ما هو موجود في الخارج لم يكن إلاّ نفس‏الماهيّة،لا الماهيّة بشرط الوجود التي هي إحدى أقسامها و اعتباراتها،و إنّماخرجت الماهيّة عن كونها من حيث هي بالوجود لا قبله،كما أنّ الاعتبارات‏الملحقة بالماهيّة تخرجها عن كونها من حيث هي،لا أنّها خرجت عن نفس‏كونها مهيّة من حيث هي قبل الاعتبارات،و تكون هي واردة على الماهيةالملحوظة بالقياس إلى أمر خارج عن ذاتها،كما ذهب إليه بعض أعاظم فنّ‏المعقول على ما قيل‏ (2) و تبعه بعض محقّقي مُحشّي الكفاية (3) ممّن له حظّمن هذا الفنّ.

1)نهاية الدراية 1:353 سطر 13-14.

2)انظر شرح المنظومة-قسم الفلسفة:58 و 70 و 92 و 95.

3)نهاية الدراية 1:352-353.


287

و بالجملة:أنّ الماهيّة لا بشرط شي‏ء-التي هي مقسم الاعتبارات-إنّما هي‏نفس الماهيّة من غير لحاظ شي‏ء معها،و لحوق الاعتبارات الثلاثة بها يجعلهاأقساماً،و هي متقوّمة بالاعتبار،لا يمكن انسلاخُ الاعتبار عنها و بقاؤها على‏تقرّر القسميّة;و لهذا لا تكون الأقسام موجودة في الخارج،و الموجودات‏الخارجيّة مصداق نفس الماهيّة لا الماهيّة بشرط شي‏ء،و إن ذهب إليه بعض‏المحقّقين من أهل المعقول،و استدلّ على موجوديّة الماهيّة:بأنّ الماهيّة التي بشرطشي‏ء موجودة،و المقسم هو القسم،فالمقسم موجود (1) لكنّه خلاف‏التحقيق،كما لا يخفى على المتأمّل الدّقيق.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ نفس الماهيّة ليست جامعة للماهيّة بشرط شي‏ء و الماهيّةلا بشرط-أي التي لم تلحظ معها شي‏ء و لم تتقيّد بشي‏ء-و إنّما تكون جامعةللماهيّة بشرط شي‏ء و اللا بشرط أي التي تلحظ متقيّدة باللابشرطيّة و متقوّمةبها،فالماهيّة اللا بشرط بالمعنى الأوّل ليست متقابلة مع الماهيّة بشرط شي‏ء بنحوٍمن التقابل،لا العدم و الملكة و لا غيره،فما أفاده-من تقابلهما بنحو العدم‏و الملكة-ليس بشي‏ء،مع أنّ المتقابلين بنحو التضادّ-أيضا-يكون لهما جامع‏جنسيّ،كالبياض و السواد الداخلين تحت مطلق اللون.مضافاً إلى أنّ مجرّد وجود الجامع بينهما لا يوجب سقوط الاحتياط إذاكان بين المتعلّقين تباين و لو بنحو العدم و الملكة;ألا ترى أنّه لو علم إجمالاً

1)شرح المنظومة-قسم الفلسفة:96-97.


288

بوجوب إكرام أحد مردّد بين كونه كوسجاً1أو ملتحياً يجب الاحتياطعقلاً،و لكن لو علم بوجوب إكرام أحد مردّد بين مطلق الإنسان و الإنسان‏الروميّ،لا يجب إلاّ إكرام إنسان واحد روميّاً كان أو غيره;لعدم التقابل‏بينهما،و عدم كون المتعلّق مردّداً بين المتباينين‏2.الإشكال الثاني:أن يقال أيضا:إنّ متعلّق التكليف في باب الأقلّ و الأكثرمردّد بين المتباينين،فإنّ المركّب الملتئم من الأقلّ له صورة وحدانيّة غير صورةالمركّب الملتئم من الأكثر،فهما صورتان وحدانيّتان متباينتان،و يكون‏التكليف مردّداً بين تعلّقه بهذا أو ذاك،فلا بدّ من الاحتياط (1) .و فيه:أنّ ما ذكرنا في كيفيّة تركيب المركّبات الاعتباريّة-من أنّ الأجزاءفي لحاظ الوحدة مركّب-ليس المقصود منه أن المركّب الاعتباريّ له صورةأُخرى وحدانيّة تكون تلك الصورة نسبتها إلى الأجزاء نسبة المتحصِّل إلى‏المحصِّل،و يكون الأمر متعلِّقاً بالصورة التي هي حقيقة أُخرى وراء الأجزاء;1الكوسج:الّذي لا شعر على عارضيه،قال سيبويه:أصله بالفارسية كُوسَه.لسان العرب‏2:352 كسج.2ثمّ اعلم أنّ ما ذكرنا في المقام في تقسيم اللا بشرط إلى الأقسام و كيفيّته،إنّما هو موافق‏لظاهر كلام القوم و المشهور بينهم،و أمّا التحقيق عندنا فغير ذلك،و قد ذكرنا نبذة ممّا هوالتحقيق في باب المطلق و المقيّد (2) و بعض موارد أُخر في مباحث الألفاظ (3) فراجع تجدالحقّ.منه قدس سره‏

1)هداية المسترشدين:449-450.

2)انظر كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره.

3)انظر كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره.


289

حتّى يكون المتحصّل من عدّة أجزاء غير المتحصّل من عدّة أُخرى أكثر،بل‏ليس للمركّب تحصُّل إلاّ تحصُّل الأجزاء،فهو هي،و هي هو،لكنّ العقل قديرى الأجزاء في لحاظ الوحدة،و قد يرى الكثرات،و اختلاف ملاحظة العقل‏لا يوجب اختلافاً جوهريّاً في الملحوظ.و بالجملة:ليس الاختلاف بين الأقلّ و الأكثر إلاّ بالأقليّة و الأكثريّة لا غير،فهما مشتركان في عدّة أجزاء،و ممتازان في بعض أجزاء أُخر،و ليس‏اختلافهما في الأجزاء الداخلة في الأقلّ،بل في الزيادة،و مجرّد لحاظ العقل‏للأجزاء بنحو الوحدة لا يوجب تباين الملحوظ لملحوظ آخر.و إن شئت قلت:لا إشكال في أنّ الحجّة قائمة على وجوب إتيان الأقلّ،و الزيادة مشكوك فيها لم تقم حجّة عليها.هذا،مضافاً إلى أنّ ما ذكرت من إيجاب تباين الصورتين للاحتياط لازمه‏تكرار المركّب بإتيانه تارةً في صورة الأقل،و تارةً في صورة الأكثر،و لا يكاديكفي إتيان الأكثر كما لا يخفى.الإشكال الثالث:أن يقال:إنّ وجوب الأقلّ دائر بين كونه نفسيّاًأصليّا توجب مخالفته العقاب،و بين كونه نفسيّاً ضمنيّاً لا يعاقب على تركه;فإنّ العقاب إنّما هو على ترك الواجب الأصليّ لا الضمنيّ،فلا يحكم‏العقل بلزوم إتيان الأقلّ على أيّ تقدير،بل يكون أمره من هذه الجهةكالمردّد بين الواجب و المستحبّ،فإذا لم يحكم العقل بوجوب إتيانه‏كذلك فلا ينحلّ به العلم الإجماليّ،فلا بدّ من الخروج عن عهدته‏


290

بضمّ الزيادة إليه‏ (1) و الجواب عنه:أوّلاً:أنّ ترك المركّب الّذي هو واجب أصليّ إنّما هو بترك‏كلّ واحد من الأجزاء أو جميعها،لا بمعنى أنّ للمركّب تروكاً;لأنّ نقيض‏الواحد لا يمكن أن يكون إلاّ واحداً،بل بمعنى أنّ المركّب له ترك واحد هوعدمه،و هو كما يتحقّق بعدم الإتيان به رأساً يتحقّق بعين عدم الإتيان بكلّ‏جزء أو شرط منه،فعدم الحمد عين عدم الصلاة،و عدم السورة كذلك،:و هكذا.فحينئذٍ إذا ترك المكلّف المركّب رأساً،أو ترك الأجزاء المعلومة منه-أي‏الأقلّ-فقد ترك بعين تركه أو تركها المأمور به من غير عذر،فيكون معاقباًعلى ترك المأمور به بلا عذر،و أمّا لو أتى بالأقلّ المعلوم و ترك الزيادة بعدالفحص و الاجتهاد و عدم العثورعلى ما يفيد العلم‏بكونها جزءً،فقد ترك‏المأمور به عن عذر.ففي كلتا الصورتين يكون المكلّف تاركاً للمركّب المأمور به،لكنّ الفرق‏بينهما:أنّه في الأُولى يكون تركه عصياناً للمولى;لأنّ تركه للأجزاء عين ترك‏المأموربه‏سواء كان الأقلّ أو الأكثر،فيكون معاقباً على ترك المأمور به‏بلا عذر و إن كان هو الأكثر;لأنّ ترك الأكثر عين ترك الأجزاء.و أمّا في الثانيةفلا يكون تركه عصياناً للمولى،فإنّه عن عذر،فالأقلّ واجب الإتيان بحكم‏العقل على كلّ حال،و الزائد مشكوك فيه.

1)انظر الفصول:357 سطر 11-17.


291

و ثانياً:أنّ مستند حكم العقل بالبراءة-فيما يحكم بها-هو القطع‏بالمؤمّن،و هو لا يكون إلاّ في مورد يحكم بأنّ العقاب قبيح،و القبيح ممتنع‏على اللّه تعالى فالعقاب ممتنع عليه،و تمام الموضوع لحكم العقل بالاحتياطهو احتمال العقاب و عدم المؤمِّن القطعي و لو كان الاحتمال ضعيفاً،و لو كان التكليف مردّداً بين كونه ممّا يعاقب عليه أو لا،لحكم العقل بلزوم‏الاحتياط.و ليعلم:أنّ ما يصحّح العقوبة و يخرجها عن كونها بلا بيان هو بيان‏الأحكام،لا بيان العقوبة عليها،فإذا بيَّن المولى حكم الخمر بأنّه محرّم يكون‏العقاب على ارتكابه مع البيان،و لو احتمل العبد أنّ المولى لا يعاقبه عليه،فالشكّ في العقوبة لا يكون مؤمِّناً بعد بيان التكليف.ألا ترى:أنّه لو شكّ العبد في أنّ المحرَّم الكذائيّ هل هو موجب للعقوبةالشديدة أو الضعيفة،فارتكبه فصادف كونه ممّا يوجب العقوبة الشديدة،لم يكن له عذر،و يكون العقاب عليه مع البيان;لأنّ المولى ليس له إلاّ بيان‏الحكمِ لا العقوبة عليه.إذا عرفت ذلك نقول:إنّ التكليف بالمركّب-كما عرفت-عين التكليف‏بالأجزاء،فالأقلّ يكون متعلَّقاً للأمر بعين تعلّقه بالمركّب،لكنّ أمره دائر بين‏كونه تكليفاً نفسياً أصليا-أي كونه تمام المركَّب حتى يكون العبد معاقَباً على‏تركه-أو كونه ضمنيّاً،و يكون المركّب هو الأكثر،و لا يكون معاقَباً على ترك‏الأقلّ،ففي مثله يحكم العقل بلزوم إتيانه;لأنّه لو صادف كونه تمام المركّب‏


292

فلا يكون العقاب عليه بلا بيان،فإنّ ما لزم على المولى هو بيان التكليف‏الإلزاميّ،و الفرض أنّه بيَّنه،و ليس عليه بيان كون الواجب ممّا في تركه عقوبةأو لا،فإذا أمر المولى بالصلاة،و علم العبد أنّ الأجزاء الكذائيّة مأمور بها بعين‏الأمر بالصلاة،فترك الصلاة،فصادف كون تلك الأجزاء تمام حقيقةالصلاة،يكون العقاب عليها مع البيان،فإذا حكم العقل بلزوم إتيان الأقلّ‏و شكّ في الزيادة ينحلّ العلم.و لَعمري:إنّ انحلال العلم في المقام ممّا ينبغي أنّ يعدّ من الضروريّات;لأنّ كون الأقلّ واجباً تفصيليّاً ممّا هو واضح،و لا يعقل أن يكون شي‏ءواجباً تفصيليّاً و طرفاً للعلم الإجماليّ،و لا ينبغي أن يُصغى إلى ما قيل:إنّ‏تفصيله عين إجماله،فإنّه كلام شعريّ،و إن صدر عن بعض الأعاظم‏رحمه اللّه‏ (1) .الإشكال الرابع:ما ذكره بعض أعاظم العصر رحمه اللّه-على ما في‏تقريراته-و هو أنّ العقل يستقلّ بعدم كفاية الامتثال الاحتماليّ للتكليف‏القطعيّ;ضرورة أنّ العلم بالاشتغال يستدعي العلم بالفراغ;لتنجّز التكليف‏بالعلم به و لو إجمالاً،و يتمّ البيان الّذي يستقلّ العقل بتوقّف صحّة العقاب‏عليه،فلو صادف التكليف في الطرف الآخر الغير المأتي به،لا يكون العقاب‏على تركه بلا بيان.ففيما نحن فيه لا يجوز الاقتصار على الأقلّ عقلاً;لأنّه يشكّ معه في‏

1)فوائد الأُصول 4:160.


293

الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف المعلوم في البين،و لا يحصل العلم‏بالامتثال إلاّ بعد ضمّ الخصوصيّة الزائدة المشكوكة،و العلم التفصيليّ بوجوب‏الأقلّ المردّد بين كونه لا بشرط أو بشرط شي‏ء هو عين العلم الإجماليّ‏بالتكليف المردّد بين الأقلّ و الأكثر،و مثل هذا العلم التفصيليّ لا يعقل أن‏يوجب الانحلال;لأنّه يلزم أن يكون العلم الإجماليّ موجباً لانحلال‏نفسه‏ (1) انتهى.و فيه ما لا يخفى;فإن الاشتغال اليقينيّ و إن استدعى البراءة اليقينيّة،لكن‏ثبوت الاشتغال إنّما هو بمقدار تماميّة الحجّة و العلم بالتكليف،و لا إشكال في‏أنّ الحجّة لا تكون قائمة إلاّ على وجوب الأقلّ،و أمّا الزيادة فليست إلاّمشكوكاً فيها بالشكّ البدويّ;فإنّ الضرورة قاضية بأنّ الأقلّ واجب;لأنّ‏الأكثر ليس إلاّ الأقل و الزيادة،و لا يفترق حال الأقل بالنسبة إلى تعلّق أصل‏التكليف به،ضمّ إليه الزيادة أو لم تضمّ.و بالجملة:القطع التفصيليّ من غير دخول الإجمال و الاحتمال حاصل‏بالنسبة إلى وجوب الأجزاء التي يعلم انحلال المركّب إليها،و إنّما الشكّ في‏أنّ الجزء الزائد هل يكون دخيلاً فيه حتّى يكون متعلَّق التكليف بعين تعلّقه‏بالمركّب أم لا فلا يكون هذا إلاّ الشكّ الساذج،كما لا يكون ما تعلّق بسائرالأجزاء المعلومة إلاّ العلم التفصيليّ الساذج.و ما ادّعى-من أنّ الأقلّ المردّد بين لا بشرط و بشرط شي‏ء هو عين العلم‏

1)فوائد الأُصول 4:159.


294

الإجماليّ،فيلزم أن يكون العلم الإجماليّ موجباً لانحلال نفسه-واضح‏البطلان;لأنّ الأقلّ متعلَّق للعلم التفصيليّ ليس إلاّ،و الشكّ إنّما هو في‏الزيادة،لا في مقدار الأقلّ.و إن شئت قلت:إنّ تعلّق العلم الإجماليّ بالأقلّ و الأكثر لا يعقل;لامتناع‏أن يكون ما به الاشتراك بينهما طرفاً لما به الامتياز،فما به الاشتراك مختصّ‏يتعلّق العلم التفصيليّ،و ما به الامتياز مشكوك فيه ليس إلاّ،فلا يكون في البين‏علم إجماليّ من رأس;لا أنّ العلم الإجماليّ يكون متحقّقاً فانحلّ،كما في‏قيام الأمارة مثلاً بأحد الأطراف.

تقريران آخران للإشكال الرابع‏

ثمّ إنّه-قدّس سرّه-قرّب مدّعاه بتقريب آخر حاصله:أنّ الشكّ في تعلّق‏التكليف بالخصوصيّة الزائدة المشكوكة من الجزء أو الشرط،و إن كان عقلاًلا يقتضي التنجيز و استحقاق العقاب على مخالفته من حيث هو;للجهل‏بتعلّق التكليف به،إلاّ أنّ هناك جهة أُخرى تقتضي التنجيز و استحقاق‏العقاب على ترك الخصوصيّة على تقدير تعلّقه بها،و هي احتمال الارتباطيّةو قيديّة الزائد للأقل،فإنّ هذا الاحتمال بضميمة العلم الإجماليّ يقتضي‏التنجيز،فإنّه لا رافع لهذا الاحتمال،و ليس من وظيفة العقل وضع القيديّة أورفعها،بل ذلك من وظيفة الشارع،و لا حكم للعقل من هذه الجهة،فيبقى‏حكمه بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم و القطع بامتثاله على حاله،


295

فلا بدّ من ضمّ الخصوصيّة الزائدة (1) انتهى موضع الحاجة.و فيه:أنّه بعد الاعتراف بأنّ الخصوصيّة مشكوك فيها لا يكون العقاب‏عليها إلاّ عقاباً بلا بيان،لا وقع لدعوى العلم الإجماليّ المنجّز،و احتمال‏الارتباطية و القيديّة-أيضا-من القيود الزائدة المشكوك فيها،و لا تكون الحجّةقائمة بالنسبة إليها.و بالجملة:لا فرق بين الجزء الزائد و حيثيّة الارتباطيّة في جريان البراءةالعقليّة،و ليس معنى البراءة العقليّة هو رفع التكليف حتّى يقال:إنّه ليس من‏وظيفة العقل،بل كما أنّ العقل يحكم بأنّ العقاب على الجزء الزائد بلا برهان‏-كما اعترف به،و جرى الحقّ على لسانه-كذلك يحكم بأنّ العقاب على‏الارتباطيّة بلا برهان بعد تعلّق العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ من غير كون‏الخصوصيّة متعلَّقة للعلم،بل تكون مشكوكاً فيها بالشكّ البدويّ.و لَعمري:إنّ بين صدر كلامه و ذيله مناقضة ظاهرة،تدبّر فيها لعلّك‏تجد مفرّاً منها.و هاهنا تقرير ثالث للاشتغال:و هو أنّ الأقلّ معلوم الوجوب بالضرورة،و مع‏إتيانه يشكّ في البراءة عن هذا التكليف المعلوم;لأنّ الأكثر لو كان واجباًلا يسقط التكليف المتوجّه إلى الأقلّ بإتيانه بلا ضمّ القيد الزائد،فلا بدّ للعلم‏بحصول الفراغ من ضمّه إليه‏ (2) .

1)فوائد الأُصول 4:161.

2)انظر نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:387-388،الفصول:357سطر 11-17.


296

و فيه:أنّ الأقلّ لا يكون واجباً مستقلاً،بل هو واجب بعين وجوب‏المركّب،بمعنى أنّ الوجوب المتعلّق به يكون حجّة على الأقلّ بلا إشكال‏و ريب،فحينئذٍ نقول:ما قامت الحجة عليه-و هو الأقلّ-يكون المكلّف آتياًبه،و ما تركه لم تقم الحجّة عليه،و ليست نسبة الأجزاء إلى المركّب نسبةالمحصِّل إلى المتحصّل منه،بل المركّب عين الأجزاء،و قيام الحجّة عليه عين‏قيام الحجّة عليها فيما كانت الأجزاء معلومة.و بالجملة:لا يعقل داعويّة الأمر بالمركّب بالنسبة إلى أجزائه‏مرّتين،فالمكلّف إذا جدّ جهده في الفحص عن أجزاء المركّب،و أتى بما هومعلوم و ترك ما هو مشكوك فيه،يكون العقاب عليه عقاباً بلا بيان.و إن شئت قلت:بعد الإتيان بالأقلّ لا يكون الأمر داعياً إليه،و ما لم يأت‏به يكون مشكوكاً فيه،فلا دعوة للأمر بالنسبة إليه رأساً.الإشكال الخامس:ما أفاده المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه:و هو دعوى‏تحقّق العلم الإجماليّ و امتناع الانحلال:إمّا للزوم الخلف،و تقريره:أنّ تنجّز التكليف مع تعلّقه بالأكثر لا بدّ و أن‏يكون مفروضاً حتّى لزم الأقلّ فعلاً على أيّ تقدير إمّا لنفسه أو لغيره;لأنّه مع‏عدم مفروضيّة تنجّزه لا يعقل العلم بفعليّة التكليف بالنسبة إلى الأقل على أيّ‏تقدير،فإنّ أحد التقديرين كونه مقدّمة للأكثر،فلو لزم من فعليّة التكليف‏بالأقلّ عدم تنجّز الأكثر كان خُلف الفرض.


297

و إمّا للزوم كون وجود الانحلال مستلزماً لعدمه،و تقريره:أنّ لازم‏الانحلال عدم تنجّز التكليف على أيّ تقدير،أي على تقدير تعلّقه بالأكثر،و عدمُ تنجّز التكليف على أيّ تقدير مستلزم لعدم لزوم الأقلّ على أيّ تقدير،و هو مستلزم لعدم الانحلال،فلزم من وجود الانحلال عدمه،و هو محال،فالعلم الإجمالي منجّز بلا كلام و لا إشكال‏ (1) .و فيه:أنّ منشأ الإشكالين إنّما هو توهّم الوجوب الغيريّ المقدّميّ للأقلّ‏الناشئ من الأكثر،و معه لا مناص عن الإشكال،فإنّ المقدّمة في الوجوب‏و تنجّزه تابعة لذيها،و لا يعقل تنجّزه بالنسبة إليها مع عدم تنجّزه بالنسبة إليه;لأنّ العلم بالتكليف الفعليّ موجب للتنجّز سواء كان العلم إجماليّاً أوتفصيليّاً،و العلم بالتكليف الفعليّ للأقلّ على أيّ تقدير لا يمكن إلاّ مع العلم‏بفعليّة التكليف على تقدير كون الأكثر واجباً،و معه يكون التكليف منجّزاًعلى تقدير تعلّقه بالأكثر للعلم الإجماليّ،و هو موجب لعدم الانحلال إلاّعلى الوجه المحال.و بالجملة:لا مناص عن الإشكال بعد تسليم كون وجوب الأجزاء مقدّميّاً،فما تفصّى عنه بعض أعاظم العصر على ما في تقريراته-بقوله:ثانياً.. (2) .ممّا لا ينبغي أن يُصغى إليه.و لكن كون وجوبها مقدّميّاً ناشئاً من الوجوب المتعلّق بالمركّب،محلُ‏

1)انظر الكفاية 2:228،حاشية كتاب الفرائد:151-152.

2)فوائد الأُصول 4:158.


298

منع كما عرفت‏ (1) و اعترف رحمه اللّه به في غير المقام‏ (2) .و مع كون الأجزاء واجبة بعين وجوب الكلّ،لا يتوقّف وجوب الأقلّ على‏تنجّز الأكثر،فإنّ الأمر بالمركّب معلوم،و هو أمر بالأجزاء المعلومة،أي ينحلّ‏المركّب الّذي تنجّز الأمر بالنسبة إليه إلى الأجزاء المعلومة بلا إشكال،سواءكان الجزء الآخر واجباً أو غير واجب،فتنجّز الأمر بالأقلّ عين تنجّز الأمربالمركّب،و لا يتوقّف وجوبه على وجوب شي‏ء آخر،فلا إشكال في وجوب‏الأقلّ على أيّ تقدير;أي كان المركّب منحلاً إلى تلك الأجزاء فقط أو إليهاو إلى أمر آخر.الإشكال السادس:ما أورده العلاّمة الأنصاريّ و أجاب عنه‏ (3) و توهّم‏وروده المحقّق الخراسانيّ و ردّ جوابه‏ (4) و هو:أنّ المشهور بين العدليّة أنّ‏الأوامر و النواهي تابعة لمصالح و مفاسد في المأمور بها و المنهيّ عنها،و أنّ‏الواجبات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة،و هذه العناوين النّفس‏الأمريّة;أي المصلحة و اللّطف:إمّا هي المأمور بها بالأمر النفسيّ،و تعلّق الأوامر بما تعلّقت بهاظاهراً،كالصلاة و الصوم و الحجّ و أمثالها;لأجل كونها محصِّلات للمأموربها النّفس الأمريّة،و أنّ الأوامر إرشاديّة محضة،أرشد المولى إليها لعدم علم‏

1)في صفحة:296 من هذا المجلَّد.

2)الكفاية 1:140-141.

3)فرائد الأُصول:273-274.

4)الكفاية 2:232-234.


299

العباد بكيفيّة تحصيل متعلَّقات الأوامر الواقعيّة،و لو اطّلع العقل على تلك‏المصالح و هذه المحصِّلات لَحكم بلزوم إتيانها،فالمصالح و الألطاف هي المأموربها بالأمر النفسيّ،و متعلَّقات التكاليف في ظاهر الشرع هي المحصِّلات،و أوامرها إرشاديّة مقدّميّة،و معلوم أنّه مع الشكّ في المحصِّل يكون الاحتياطمحكّماً.و إمّا تكون تلك المصالح و الألطاف من قبيل الأغراض الداعية إلى‏الأوامر،و لا يحرز الغرض إلاّ بإتيان الأكثر.و إن شئت قلت:إنّ تحصيل الغرض علّة تامّة لتعلّق التكليف بتلك‏المتعلَّقات،و الأشياء ذوات العلل كما لا يمكن وجودها إلاّ بعللها لا يمكن‏انعدامها إلاّ بانعدامها،فلا بدّ في سقوط الأوامر من سقوط الأغراض الداعيةإليها،فلا بدّ في إحراز سقوطها من إحراز حصولها،فمع إتيان الأقلّ يشكّ‏في إحراز المصالح،فيشكّ في سقوط الأوامر،فمع العلم بالثبوت لا بدّ من‏العلم بالسقوط،و هو لا يحصل إلاّ بإتيان الأكثر.و الفرق بين الأوّل و الثاني ممّا لا يكاد يخفى;فإنّ محصَّل الأوّل:أنّ المأموربها بالأوامر النفسيّة هي المصالح و الألطاف،و محصَّل الثاني:أنّ الأوامرالنفسيّة هي التي تعلّقت بالمتعلَّقات في ظاهر الشرع،لكنّها لأجل ترتّب آثارو حصول مصالح و ألطاف،فما لم تحصل تلك الأغراض لا تسقط الأوامر.و هذا الثاني هو الموافق لما في الكفاية،لكنّ العلاّمة الأنصاريّ قرّر الإشكال‏بكلا التقريرين.


300

و لا يخفى على المتأمّل أنّ ما ذكرنا هو الموافق تقريباً لما أفاده الشيخ‏رحمه اللّه بتقريب و توضيح منّا;ضرورة أنّ قوله:-فاللّطف إمّا هو المأموربه حقيقة،أو غرض للأمر،فيجب تحصيل العلم بحصول اللطف،و قوله‏قبيل ذلك:كما إذا أمر بمعجون،و علم أنّ المقصود منه إسهال الصفراء;بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة،أو علم أنّه الغرض من المأمور به‏ (1) ظاهر بل كالنصّ في أنّ ما هو المأمور به في الشقّ الأوّل هو الغرض من الأمرفي الشقّ الثاني.و بذلك ظهر فساد ما زعم بعض أعاظم العصر:أنّ مراده لا يكون مصلحةالحكم و ملاكه،بل المراد منه التعبّد بالأمر و قصد امتثاله،ثمّ فصّل في أطراف‏هذا الاشتباه تفصيلاً و تطويلاً لا يخلو من غرابة (2) ،و سيأتي-إنّ شاء اللّه-التعرّض لبعض كلامه.و كيف كان،فالجواب عن الأوّل:أمّا أوّلاً:أنّ مسألة كون الأوامر و النواهي تابعة لمصالح و مفاسد في المأموربها و المنهيّ عنها شعبة من المسألة الكلاميّة المعروفة:من أنّه تعالى يفعل‏لغرض،و يمتنع عليه تعالى الإرادة الجزافيّة;للزوم العبث في فعله و الظلم على‏العباد في تكليفه،فالأوامر و النواهي لكونها من الأفعال الاختياريّة للّه‏تعالى لا بدّ لها من غرض و غاية،في مقابل الأشاعرة النافين للأغراض‏

1)فرائد الأُصول:273 سطر 15.

2)فوائد الأُصول 4:171.


301

و الغايات في مطلق أفعاله.و أمثال هذه الأدلّة الكلاميّة لا تثبت دعوى كون الأوامر النفسيّة متعلِّقةبتلك العناوين و المصالح،كما لا تثبت كون المصالح و المفاسد في المأمور بهاو المنهيّ عنها;لإمكان أن يكون الغرض في نفس الأمر،أو تكون تلك‏المتعلَّقات في ظاهر الشرع محبوبات ذاتيّة من قبيل نفس الأغراض،أوالغرض منها أمر آخر لا نعلمه.و بالجملة:هذه الأدلّة-على فرض تماميّتها-لا تدلّ على تعلّق الأوامربالمصالح و الألطاف.و أمّا ثانياً:إنّ تعلّق الأوامر بتلك المصالح النّفس الأمريّة محال عليه تعالى;للزوم اللَّغويّة و العبث عليه،فإنّ تعلّق الأوامر بالمتعلَّقات إنّما يكون للبعث‏و الحثّ و الإغراء نحوها،فلا بدّ و أن تكون تلك الأوامر ممّا يمكن أن تكون‏باعثة نحوها،و لا يعقل أن تكون الأوامر النّفس الأمريّة الغير الواصلة إلى‏المكلّفين متعلِّقة بعناوين واقعيّةٍ مجهولةٍ لديهم،باعثةً نحوها،فتعلّقها بهالا يكون إلاّ لغواً ممتنعاً عليه تعالى.و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عن الثاني أيضا;فإنّ ما قام به‏الدليل الكلاميّ إنّما هو امتناع خلوّ فعله تعالى عن الغرض،و أمّاكون الغرض قائماً بأيّ شي‏ء فلا دلالة عليه،و احتمال كون الغرض في‏نفس الأمر أو المأمور به-بمعنى كونه محبوباً بالذات،من غير أن‏يكون محصِّلاً للغرض و خارجاً عنه-ينفي الاشتغال،و يصير من قبيل‏


302

الأقلّ و الأكثر1.مضافاً إلى أنّ العلم الإجماليّ إذا كان بعض أطرافه مجهول العنوان بحيث‏لا ينقدح في ذهن المكلّف أبداً لا يكون منجّزاً،فإنّ تنجيزه متوقّف على إمكان‏الباعثية على أيّ تقدير،أي في أي طرف من الأطراف،و إذا كان بعضهامجهول العنوان لا يمكن البعث نحوه.و ما نحن فيه كذلك،فإنّه ما من تكليف من التكاليف المركّبة إلاّ و يحتمل‏أن يكون له جزء دخيل في سقوط الغرض يكون مخفيّا عنّا لعدم العثور على‏دليله،فمن الممكن أن يكون للصلاة جزء أو شرط آخر لم يصل إلينا و يكون‏دخيلاً في سقوط الغرض،فالعلم بأنّ الغرض إمّا قائم بالأقلّ أو الأكثر،أو هومع شي‏ء آخر لا نعلمه،لا يمكن أن يكون منجّزاً.و قريب ممّا ذكرنا ما أفاده الشيخ رحمه اللّه:من احتمال دخالة قصد1مع أنّ العقل لا يحكم إلاّ بالخروج عن العهدة بمقدار الاشتغال،و الغرض إذا لم تقم حجّةعليه لا يحكم العقل بلزوم تحصيله،و لمّا لم تقم حجّة إلاّ على الأقلّ فلا يحكم العقل إلاّبإتيانه،فلو لم يسقط لأجل بقاء الغرض يكون من قبل قصور المولى;لعدم إقامة الحجّة أوإيجاب الاحتياط.و بالجملة:أنّ الكشف عن الغرض إنّما هو بمقدار قيام الحجّة،و مع إتيان ما قامت عليه‏الحجّة يكون العقاب على الأزيد بلا بيان و حجّة،و العلم بسقوط الأمر بهذا المعنى المدّعى‏غير ممكن لنا;لاحتمال دخالة أُمور أُخر لم تصل إلينا.بل لنا أن نقول:إنّ الأمر الفعليّ يسقط بإتيان الأقلّ،و يحصل الغرض بمقداره،و لو لا ذلك لوجب على المولى إيجاب الاحتياط،و إلاّ لزم نقض الغرض عليه،فتدبّر.منه‏قدس سره‏


303

الوجه أو التميّز في المأمور به،و يكون دخيلاً في سقوط الغرض،و المكلّف‏لا يقدر على إتيانه‏ (1) .و إن شئت قلت:العلم الإجماليّ إذا كان بعض أطرافه غير مقدور من أوّل‏الأمر لا يكون منجّزاً،و ما نحن فيه كذلك;فإنّا نعلم بأنّ الغرض إمّا قائم‏بالأكثر،أو الأقلّ مطلقاً،أو مع قصد الوجه و التميّز تفصيلاً،و معلوم أنّه غيرمقدور من أوّل الأمر،فلا يكون العلم الكذائيّ منجّزاً،تأمّل.الإشكال السابع:ما يختصّ بالواجبات التعبّديّة،و هو أنّ الواجب فيها قصدالتقرّب،و لا يحصل إلاّ بقصد إتيان ما هو تكليف نفسيّ للمولى;إذ الواجبات‏الغيريّة لا يتأتّى فيها قصد التقرّب،فيجب منه جهة حصول هذا المعنى المبيّن‏إتيان الأكثر،و قصد التقرّب بما هو واجب في الواقع‏ (2) .و أجاب عنه شيخنا الأُستاذ (3) رحمه اللّه-بما لا يخلو من إشكال.و التحقيق في الجواب:أنّ ما هو المعتبر في العبادات هو أن يكون العبدمتحرّكاً بتحريك الأمر،و يكون الأمر باعثاً فعليّاً نحو المتعلَّق،أو يكون‏متحرّكاً بداعي العبوديّة،و لا يكون الداعي في إتيانه أغراضه النفسانيّة،لا بأن‏يكون قصد الأمر و الامتثال و التقرّب و أمثالها،منظوراً إليها بالحمل الأوّلي،بل‏حقيقة الامتثال ليست إلاّ كون الأمر داعياً و به يحصل التقرّب،و يصير العبد

1)فرائد الأُصول:273-274.

2)فرائد الأُصول:275 سطر 17-18 و 276 سطر 7-11.

3)درر الفوائد 2:131-132.


304

ممتازاً عن غيره ممّن لا تحرّكه أوامر الموالي.هذا أصل.و قد عرفت أنّ المركّب العباديّ عبارة عن أجزاء و شرائط في لحاظالوحدة،و يكون الأمر الداعي إلى نفس المركّب داعياً إلى الأجزاء و الشرائطلا بداعويّة أُخرى،بل بداعويّة نفس المركّب.و هذا أصل آخر.و إذا عرفتهما نقول:لا إشكال في أنّ الآتي بالأقلّ القائل بالبراءة،و الآتي‏بالأكثر القائل بالاشتغال كليهما متحرّكان بتحريك الأمر المتعلّق بالمركّب،فإذا سُئل منهما ما محرّككما في إتيان هذا الموجود الخارجيّ؟أجابا قوله‏تعالى: أقيموا الصلاة (1) و أمثاله،فإتيانهما للأجزاء المعلومة يكون‏بداعويّة الأمر المتعلّق بالمركّب،من غير فرق بينهما من هذه الجهة أصلاً،و إنّما يفترقان في أنّ القائل بالبراءة لا يرى نفسه مكلّفاً بإتيان الجزء المشكوك‏فيه،بخلاف القائل بالاشتغال،و هذا لا يصير فارقاً فيما هما مشتركان فيه،و هو الإتيان بالأجزاء المعلومة بداعويّة الأمر المتعلّق بالمركّب‏1.هذا كلّه في‏الأصل العقليّ.1هذا هو التحقيق.و أمّا مع فرض الوجوب الغيريّ للأجزاء فيمكن أن يقال:إنّ الآتي‏بالأقلّ يمكنه قصد التقرّب،و ما لا يمكن له إنّما هو الجزم بالنيّة،و هو غير معتبر في‏العبادات،و لهذا كان التحقيق صحّة عمل الاحتياط و ترك طريقي الاجتهاد و التقليد،و كماأنّ الجزم بالنيّة غير ميسور مع الإتيان بالأقلّ غير ميسور مع الإتيان بالأكثر-أيضا-للشكّ‏في أنّ الواجب هو الأقلّ أو الأكثر،و معه لا يمكن الجزم بالنّية،فقصد القربة ممكن منهماو الجزم غير ممكن منهما بلا افتراق بينهما.منه قدس سره‏

1)البقرة:43.


305

الأصل الشرعي في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر

و أمّا الأصل الشرعيّ:فجريان مثل حديث الرفع و الحجب ممّا لا مانع منه‏بناءً على ما ذكرنا من انحلال العلم الإجماليّ،و كون الجزء أو الشرط الزائدمشكوكاً فيه.و توضيحه:أنّ شأن حديث الرفع في مشكوك الجزئيّة هو الرفع التعبّديّ،و معناه البناء على عدم‏كون‏المشكوك فيه جزءً للمركّب،فالآتي بسائرالأجزاء-أي المعلومة-إنّما يأتي بها بداعويّة الأمر المتعلّق بالمركّب الداعي إلى‏الأجزاء،و يعمل مع الجزء المشكوك فيه بواسطة حديث الرفع عملَ من يرى‏عدم جزئيّته;من الاكتفاء بسائر الأجزاء و عدم الإتيان بالمشكوك فيه،من غيراحتياج إلى إثبات كون الأجزاء تمام المأمور به أو مصداقاً له.فإذا أتى بما هو المعلوم و ترك ما هو المرفوع بحديث الرفع يكون مأموناً من‏العقاب،و لكن كون البقية هو المأمور به لا يمكن إثباته بحديث الرفع.أمّا إثبات كونها مصداقاً للمأمور به الواقعيّ;فلأنّ حديث الرفع لا يتكفّل‏رفع الجزئيّة واقعاً،و لا يكون مخصِّصاً للأوامر الواقعيّة،فضلاً عن الدلالة على‏تعيين ما هو المأمور به واقعاً.و أمّا التعبّد بكونها هو المأمور به;فلأنّ الحديث لا يتكفّل إلاّ تعبّداً واحداًهو التعبّد بنفي الجزئيّة،و أمّا التعبّد بكون البقيّة حالها ما هو فلا،و هذا واضح.و بهذا يظهر النّظر فيما أفاده المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه:من كون‏


306

نسبة الحديث إلى الأدلّة الدالّة على بيان الأجزاء نسبة الاستثناء،و هو معهايكون دالاً على جزئيّتها إلاّ مع الجهل‏ (1) ضرورة أنّ حديث الرفع لا يكون‏مخصِّصاً للأحكام الواقعيّة،و إنّما هو حكم ظاهريّ تعبّديّ.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الحديث لا يكون مثبتاً لكون البقيّة مصداق المأمور به‏و تمام متعلّق الأمر1.إن قلت:إنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد ليس تقابل التضادّ;لكي يكون‏إثبات أحد الضدّين برفع الآخر من الأصل المثبت،بل التقابل بينهما تقابل‏العدم و الملكة،و ليس الإطلاق إلاّ عبارة عن عدم لحاظ القيد،فحديث الرفع‏بمدلوله المطابقي يدلّ على إطلاق الأمر بالأقلّ و عدم قيديّة الزائد.قلت:نعم هذا ما أفاده بعض أعاظم العصر (2) رحمه اللّه.و فيه أوّلاً:ليس ما نحن فيه من قبيل الإطلاق و التقييد فيما إذا كان الشكّ‏في الجزئيّة،فإنّ الشكّ في أنّ المركّب ذو تسعة أجزاء أو عشرة،لا أنّ التسعةمطلقاً تكون مأموراً بها أو مقيّدة بالعاشرة،نعم يمكن إرجاع الشكّ إليه‏بالعرض،و لكنّه لا يُعتنى به.1هذا ما ذكرنا سابقاً،لكن عدلنا عنه في باب الإجزاء (3) و في الاجتهاد و التقليد (4) فراجع.منه قدس سره‏

1)الكفاية 2:238.

2)فوائد الأُصول 4:163.

3)انظر كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره).

4)انظر كتاب الرسائل للسيد الإمام-قدس سره-رسالة الاجتهاد و التقليد:164.


307

و ثانياً:أنّ الإطلاق عبارة عن كون الشي‏ء تمام الموضوع للأمر من غيردخالة شي‏ء معه،و سلب الجزئيّة لا يثبت كون البقيّة تمام الموضوع.و ثالثاً:أنّ تقابل العدم و الملكة في قوة تقابل الضدّين من هذه الجهة،فإنّ‏سلب الجزئيّة لا يثبت عدم التقييد عمّا من شأنه كذلك،و ليس الإطلاق‏-باعترافه-عبارة عن السلب المطلق;حتى يكون سلب الجزئية مساوقاً له،و يكون المدلول المطابقي لحديث الرفع هو الإطلاق.إن قلت:يمكن أن يدّعي أنّ رفع الوجوب عن جزء المركّب بعد فرض‏وجوب الباقي،يفهم منه عرفاً أنّ الباقي واجب نفسيّ.و يؤيّده:قول الإمام عليه السلام في خبر عبد الأعلى:(يعرف هذاو أشباهه من كتاب اللّه‏ مَا جَعَلَ عَلَيكُم في الدّينِ مِن حَرَج (1) امسح على‏المرارة) (2) ;حيث إنّ الإمام عليه السلام دلّنا على أنّ المدلول العرفيّ للقضيّةرفع ما يكون حرجاً،و هو مباشرة اليد الماسحة للبشرة الممسوحة،و إثبات‏الباقي و هو أصل المسح،و هاهنا نقول أيضا:بأنّ المجهول مرفوع،و التكليف‏ثابت في الباقي بمدلول قضيّة:(رُفع ما لا يعلمون).قلت:نعم هذا ما أفاده شيخنا العلاّمة (3) أعلى اللّه مقامه-و لكن‏يرد عليه:

1)الحج:78.

2)الكافي 3:33-4 باب الجبائر...،الاستبصار 1:77-78-3 باب 46 في المسح على‏الجبائر،الوسائل 1:327-5 باب 39 من أبواب الوضوء،بأدنى تفاوت.

3)درر الفوائد 2:133.


308

أوّلاً:أنّه لم يتّضح أنّ مراده عليه السلام من قوله:(هذا و أشباهه يعرف‏من كتاب اللّه)أنّ المسح على المرارة-أيضا-يعرف منه،و لعلّ ما يعرف منه هورفع المسح عن البشرة لا إثباته على المرارة،فإنّ العرف لا يفهم هذا من كتاب‏اللّه كما يتّضح بالرجوع إلى الوجدان،و ليس المسحُ على المرارة ميسورَ المسح‏على البشرة;حتّى يُدّعى أنّ قاعدة«الميسور»ارتكازيّة.و بالجملة:ليس قوله تعالى: امسَحوا بِرءوسِكُم و أرجُلَكُم (1) من‏الأحكام الانحلاليّة عرفاً من أصل المسح و مباشرة الماسح للممسوح حتّى‏يرفع أحدهما و يبقى الآخر.و ثانياً:لو سلّم أنّ العرف يفهم ذلك،لكن لا يفهم أنّ الوجوب‏المتعلّق بالباقي وجوب نفسيّ إلاّ بالملازمة العقليّة،فإنّ كون بقيّة الأجزاءواجبة أمر،و كونها تمام المكلّف به و مصداقه أمر آخر لا يمكن إثباته بحديث‏الرفع.و بالجملة:ما يفهم من حديث الرفع ليس إلاّ رفع جزئيّة السورة-مثلاً-و الأمر بالصلاة يدعو إلى بقيّة الأجزاء،و أنّها واجبة،و أمّا كونها تمام المأموربه أو كونها واجباً نفسيّاً فلا يفهم منهما إلاّ بالملازمة.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الحديث يدلّ على الرفع التعبّديّ للجزء و لوبرفع منشئه،و الأمر بالمركّب يدلّ على وجوب الأجزاء المعلومة بعين وجوب‏الكلّ،و المكلّف إذا أتى بها فهو في أمن من العقاب،و غنىً عن إثبات كونها

1)المائدة:6.


309

تمام المكلّف به،أو كونها واجباً نفسيّاً.هذا كلّه بناءً على ما ذكرنا من انحلال العلم الإجماليّ.و أمّا بناءً على عدمه فيشكل جريان حديث الرفع،سواء قلنا بأنّ الأجزاءواجبات عقليّة من باب المقدّمة،أو شرعيّة كذلك،أو شرعيّة بالوجوب‏الضمنيّ،فإنّ رفع الوجوب النفسيّ عن الأكثر معارَض برفع الوجوب النفسيّ‏عن الأقلّ،و رفع جزئيّة الجزء لا معنى له على مذهبهم إلاّ رفع منشئه،فإن‏الجزء غير مجعول إلاّ بالعرض،و معنى المجعوليّة العرضيّة هو انتساب الجعل‏إليه ثانياً و بالمجاز،و إلاّ فلا جعل إلاّ للوجوب المتعلّق بالمركّب،و أمّا كون‏المركّب هو المأمور به و الأجزاء أجزاءَه،ككون المتكلّم آمراً و المكلّف مأموراً،فهي أُمور انتزاعيّة غير متعلَّقة للجعل أصلاً،و مثل هذا المجعول المجازيّ غيرقابل للرفع إلاّ برفع ما هو مجعول حقيقة،و المجعول ليس إلاّ الوجوب النفسيّ‏المتعلّق بالأكثر،و هو معارَض بمثله.و أمّا رفع وجوب الجزء،فبناءً على وجوبه العقليّ فلا معنى لرفعه،و بناءًعلى وجوبه الشرعيّ المقدّميّ،فحيث كان وجوب المقدّمة و لو شرعاً للملازمةالعقليّة بين وجوب الشي‏ء و وجوب ما يتوقّف عليه،لا يكون جريان الحديث‏في السبب رافعاً للشكّ في المسبّب إلاّ بالأصل المثبت،و بناءً عليه يكون‏جريان الحديث في عرض واحد بالنسبة إلى الوجوب النفسيّ في الأقلّ‏و النفسيّ في الأكثر و الغيريّ للجزء،فتتعارض.مضافاً إلى أنّ رفع الوجوب عن الجزء ممّا لا ينحلّ به العلم الإجماليّ‏


310

المتعلّق بالأقلّ و الأكثر،و لا يثبت به رفع الوجوب عن الأكثر حتّى ينحلّ‏العلم.

في دوران الأمر بين المطلق و المشروط

قوله:إنّه ظهر ممّا مرّ حال...إلخ‏ (1) .(1)أمّا دوران الأمر بين المطلق و المشروط-سواء كان منشأ انتزاع الشرطيّةأمراً مبايناً للمشروط في الوجود كالطهارة في الصلاة،أو أمراً متّحداً معه‏كالإيمان في الرقبة-فالكلام فيه هو الكلام في الأقلّ و الأكثر في‏المركّبات،من جريان البراءة العقليّة بالنسبة إلى الشرط المشكوك فيه:أمّا فيما إذا كان المنشأ أمراً مبايناً فظاهر;فإنّ داعويّة الأمر إلى ذات المقيّدمعلومة تفصيلاً،سواء تعلّق الأمر بها من غير اشتراط،أو تعلّق بها مشروطةو التقيّد و الاشتراط مشكوك فيه،أو القيد و الشرط مشكوك فيه،و مورد جريان‏البراءة العقليّة.و أمّا فيما إذا كان المنشأ أمراً متّحداً معه كالإيمان بالنسبة إلى الرقبة،فقديقال:إنّ الأصل هو الاحتياط;لرجوع الدوران بين المطلق و المقيّد فيه إلى‏المتباينين‏ (2) .توضيحه يتوقّف على بيان مقدّمتين:

1)الكفاية 2:238.

2)القوانين 1:325-326.


311

الأُولى:أنّ المناط في الانحلال هو صيرورة بعض الأطراف معلوماًتفصيلاً،و بعض آخر مشكوكاً فيه بالشكّ البدويّ،كالدوران بين الأقلّ‏و الأكثر في الأجزاء كما عرفت‏ (1) ففيما نحن فيه-أي الدوران بين المطلق‏و المقيّد المتّحدين في الوجود،كالرقبة و الرقبة المؤمنة-لا بدَّ في الانحلال من‏الرجوع إلى العلم التفصيليّ بوجوب مطلق الرقبة و لو في ضمن الكافرة،و الشكّ في اعتبار كونها مؤمنة،و لو لم يرجع إلى ذلك لا يمكن القول‏بالانحلال،و هذا واضح.الثانية:أنّ التحقيق في باب الكلّيّ الطبيعيّ-كما عليه أهله-أنّه في‏الخارج إنّما يتحقّق بنعت الكثرة و التباين;بمعنى أنّه ليس للأفراد جامع في‏الخارج،و إنّما الجامع أمر عقليّ ذهنيّ لا الخارجيّ،و إلاّ لزم قول الرّجل‏الهمدانيّ-المصادف للشيخ الرئيس في مدينة همدان‏ (2) :من كون الكلّيّ‏بنعت الوحدة موجوداً في الخارج،فالرقبة-فيما نحن فيه-في ضمن الرقبةالكافرة مباينة لها في ضمن الرقبة المؤمنة في الخارج.إذا عرفت ذلك يتّضح لك عدم الانحلال;فإنّ الرقبة المطلقة بما أنّهاجامعة بين الطرفين لم تتحقّق في الخارج،و إنّما المتحقّق فيه الرقبة المؤمنةخاصّة،و الرقبة الكافرة خاصّة،و هما متباينتان،فالأمر دائر بين المتباينين،فيجب الاحتياط.هذا غاية تقريب القول بالاحتياط.

1)في صفحة:291 من هذا المجلّد.

2)انظر الأسفار 1:272-273.


312

لكنّه مدفوع;لوقوع الخلط في المقدّمة الثانية;فإنّ التحقيق في باب الكلّيّ‏الطبيعيّ هو أنّه موجود في الخارج بنفس ذاته،و لكن بنعت الكثرة لا التباين،فإنّ الطبيعيّ هو نفس الماهيّة،و هي موجودة بتبع الوجود في الخارج،و حيث‏إنّها لم تكن بذاتها واحدة و لا كثيرة و لا كلّيّة و لا جزئية،تكون مع الواحدواحدة و مع المتكثّر متكثّرة،فيكون الطبيعيّ موجوداً مع كلّ فرد بتمام ذاته،و يكون متكثّراً بتكثّر الأفراد.فزيد إنسان،و عمرو إنسان آخر،و بكر إنسان ثالث،لا أنّها متباينات من‏حيثيّة الإنسانية،فالحقيقة،الإنسانيّة تتكثّر بتكثّر الأفراد،لا أنّها متباينة كمازعم القائل في المقدّمة الثانية،و لا أنّها واحدة بالوحدة العدديّة كما زعم‏الرّجل الهمدانيّ،فالطبيعيّ في الخارج موجود بنفس ذاته مع كلّ فرد،و الكثرة و الوحدة في الخارج و العقل خارجتان عن ذاته.إذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ الرقبة المؤمنة في الخارج ينطبق عليها العنوانان:أحدهما:طبيعيّ الرقبة،و ثانيهما:طبيعيّ المؤمنة،فهي مصداق لمفهومين،كما أنّ الرقبة الكافرة مصداق لمفهومين:طبيعيّ الرقبة،و طبيعيّ الكافرة،فهمافي مصداقيّتهما للرقبة لا افتراق بينهما،فالرقبة المؤمنة مصداق الرقبة،و كذاالكافرة-أيضا-مصداقها،و ليستا بمتباينتين مع كونهما رقبتين،و إنّما افتراقهمامن جهات أُخرى،ككون إحداهما مصداق المؤمنة،و الأُخرى مصداق‏الكافرة،و إحداهما متشخّصة بتشخّص خاصّ غير الأُخرى،و أمّا في‏مصداقيّتهما لطبيعيّ الرقبة فلا افتراق بينهما،بمعنى أنّهما مصداقان للرقبة.


313

فإذا أمر المولى بعتقٍ مُردّدٍ بين طبيعيّ الرقبة و الرقبة المؤمنة-أي الطبيعيّ مع‏قيد زائد-يكون طبيعيّ الرقبة موضوعاً للأمر،و الأمر داعياً إليه،غايته أنّه إذاكان المأمور به بحسب الواقع هو الرقبة المؤمنة لا ينطبق على الرقبة الكافرة،كما أنّ الأمر كذلك في باب الأقلّ و الأكثر في جميع الموارد،و عدم انطباق‏المأمور به عليها ليس لأجل عدم انطباق الرقبة عليها،بل لأجل عدم انطباق‏القيد عليها،فالأمر يكون حجّة على الرقبة تفصيلاً،و القيد مشكوك فيه،فإذاأتى المأمور بالرقبة الكافرة أتى بما قامت الحجّة عليه،و ما لم يأت به لم يقم‏حجّة عليه،فتجري البراءة بالنسبة إليه.و ممّا ذكرنا يظهر الحال في المركّبات التحليليّة مطلقاً،سواء كانت بسائطخارجيّة كالبياض و السواد المنحلّين إلى اللون المُفرِّق أو القابض للبصر،أولا كالإنسان المنحل عقلاً إلى الحيوان الناطق،فإنّهما لم يكونا من الأجزاءالخارجيّة للمحدود،بل هما من أجزاء الحدّ،و إن كان مأخذهما المادّةو الصورة بوجه،على ما هو المقرّر في مقارّه‏ (1) .و قريب منهما بعض الأصناف و الأشخاص المنحلّين في العقل إلى الماهيّةو العوارض المصنّفة،و الماهيّة و الشخصيّة.و سواء توقّف اعتبار الخصوصيّة الزائدة المشكوك فيها على مئونة زائدةثبوتاً و إثباتاً،كبعض الألوان و الروائح و الطعوم التي لم يوضع بإزائها لفظخاصّ،بل تعرف بإضافتها إلى أمر خارج،كاللون الفستقيّ و الطرنجي،

1)الأسفار 2:37-39.


314

و رائحة المسك و الجلاب،أو لا كالبياض و السواد و الإنسان،ففي جميعهاتجري البراءة عن الخصوصيّة الزائدة.فإذا دار الأمر بين صبغ ثوب المولى بمطلق اللون أو الأسود،يكون مطلق‏اللون-أي اللا بشرط المنطبق على الأسود و غيره على السواء-معلوماً تفصيلاً،و خصوصيّة الأسوديّة مشكوك فيها،فاللون الأحمر-مثلاً-في الخارج‏مصداق طبيعيّ اللون،و لا افتراق في مصداقيّته له بينه و بين سائر الألوان،فيكون متيقّناً و الخصوصيّة الزائدة مورد البراءة،و هكذا سائر الأمثلة و المواردمن غير فرق بينها.بل التحقيق:أنّ ملاك جريان البراءة موجود في جميع الموارد المتقدّمة،فإنّ‏جميع الأمثلة في الوجود الخارجيّ موجودة بوجود واحد،و في الانحلال‏العقليّ تنحلّ إلى المعلوم و المشكوك فيه،فالصلاة المشروطة بالطهارة عين‏الصلاة في الخارج،كما أنّ الرقبة المؤمنة عين مطلقها فيه،و الإنسان عين‏الحيوان...و هكذا،و إنّما الافتراق في التحليل العقليّ،و هو-أيضا-في‏جميعها على السواء،فكما تنحلّ الصلاة المشروطة بالصلاة و الاشتراط،كذاينحلّ الإنسان بالحيوان و الناطق،ففي جريان البراءة و عدم تماميّة الحجّةبالنسبة إلى الزائد لا فرق بين جميع الموارد،و إنّما الاختلاف في وضوح الأمرو خفائه،و هو صار منشأ للاشتباه و التفصيل.و أمّا ما أفاده بعض أعاظم العصر رحمه اللّه-على ما في تقريراته-من‏أنّ الترديد بين الجنس و النوع و إن كان يرجع بالتحليل العقليّ إلى الأقلّ‏


315

و الأكثر،إلاّ أنّه خارجاً بنظر العرف يكون من الترديد بين المتباينين;لأنّ الإنسان بماله من المعنى المرتكز في الذهن مباين للحيوان عرفاً،فلو علم إجمالاً بوجوب إطعام الإنسان أو الحيوان،فاللازم هو الاحتياطبإطعام خصوص الإنسان;لأنّ نسبة حديث الرفع إلى كلّ من وجوب إطعام‏الإنسان و الحيوان على حدّ سواء،و أصالة البراءة في كلٍّ منهما تجري و تسقطبالمعارضة مع الأُخرى،فيبقى العلم الإجماليّ على حاله،و لا بدّ من العلم‏بالخروج من عهدة التكليف،و لا يحصل ذلك إلاّ بإطعام خصوص الإنسان;لأنّه جمع بين الأمرين،فإنّ إطعام الإنسان يستلزم إطعام الحيوان أيضا (1) انتهى.فهو من غريب المقال:أمّا أوّلاً:فلأنّ الإنسان و الحيوان و إن كانا بنظر العرف من قبيل المتباينين،لكن ليس جميع موارد الترديد بين النوع و الجنس كذلك،كما إذا دار الأمربين الحيوان و الفرس،فإنّهما ليسا بنظرهم من قبيل المتباينين،أو دار الأمر بين‏مطلق اللون و اللون الأبيض،أو مطلق الرائحة و رائحة المسك.و بالجملة:إشكاله يرجع إلى المناقشة في المثال.و أمّا ثانياً:فلأنّ الدوران بين الإنسان و الحيوان لو كان من قبيل المتباينين،لا بدّ من الجمع بين إطعامهما في مقام الامتثال،و لا معنى لما ذكره من أنّ‏طريق الاحتياط إنّما هو بإطعام الإنسان لأنّ إطعامه يستلزم إطعام الحيوان،

1)فوائد الأُصول 4:208.


316

و هل هذا إلاّ مناقضة في المقال‏1؟!.و ممّا ذكرنا يتّضح النّظر في مقالة المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه أيضا:من‏أنّ الصلاة-مثلاً-في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصّة موجودة بعين‏وجودها،و في ضمن صلاة أُخرى فاقدة لشرطها و خصوصيّتها تكون مباينةللمأمور بها (1) .فإنّك قد عرفت‏ (2) أنّ تكثُّرَ الماهيّة اللا بشرط بتكثّر الأفراد،و اتّحادها معهافي الوجود،غيرُ تباينها في كلّ فرد فرد،فإنّ التباين بين الخصوصيّات لا يجعل‏الماهيّة المتّحدة مع كلّ فرد و خصوصيّة متباينة مع الأُخرى،فإنّ الإنسان بحكم‏كونه مهيّة لا بشرط شي‏ء غير مرهون بالوحدة و الكثرة،و هو مع الكثير كثير،فهو بتمام حقيقته متّحد مع كلّ خصوصيّة،فالإنسان متكثّر غير متباين مع‏الكثرة،فافهم;فإنّه دقيق جدّاً،و قلّما يتّفق الوصول إلى مغزاه إلاّ للأوحديّ‏من أهله.و لا يخلو صدر كلام المحقّق الخراسانيّ و ذيله‏ (3) من تهافت.

بقي أمران:

1بل ما ذكره هو الدليل على انحلال العلم الإجماليّ;لأنّ إطعام الإنسان إذا كان إطعام‏الحيوان-أيضا-لا بدّ و أن يكون عنوان الحيوان منطبقاً عليه،و معه يكون الحيوان متيقّناًو الزائد مشكوكاً فيه.منه قدّس سرّه‏

1)الكفاية 2:238.

2)في صفحة:311-312 من هذا المجلّد.

3)الكفاية 2:238-240.


317

الأمر الأوّل‏في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في الأسباب و المحصّلات‏

1أمّا العقليّات و العاديّات منها فلا مجال لجريان البراءة فيها،لأنّ المأمور به‏1و محطّ البحث في المقام هو العلم بتعلّق الأمر بطبيعة،و لا يكون في محطّ الأمر و متعلّقه‏شكّ بين الأقلّ و الأكثر،و إنّما الشكّ في أسبابه و محصِّلاته.فلو علمنا باشتراط الصلاة بالطهر،و شككنا في حصوله بالمسحتين و الغسلتين مطلقاً،أو مع‏شرط أو كيفيّة خاصّة،لكان الأمر في المحصِّل دائراً بين الأقلّ و الأكثر لا في المحصِّل‏-بالفتح-و معه لا إشكال في عدم جريان البراءة،من غير فرق بين كون العنوان البسيط-الّذي هو المأمور به-ذا مراتب متفاوتةٍ متدرّج الحصول،و بين كونه دفعيّ الحصول.فلو قلنا بحصول الطهارة في الغسل تدريجاً،لكن شككنا في أنّ هذه الحقيقة المتدرّجةالوجود هل تحصل بمطلق الغسل،أو يشرط بأمر آخر كقصد الوجه-مثلاً-أو تقديم بعض‏الأجزاء على البعض،فلا إشكال في الاشتغال.فما في تقريرات بعض المحقّقين من التفصيل‏ (1) خلط و خروج عن محطّ النزاع على فرض،و هو فرض الشكّ في المأمور به بين الأقلّ و الأكثر،و خلاف التحقيق على فرض آخر،و هوفرض معلوميّة المأمور به و الشكّ في محصِّله.كما أنّ تفصيله الآخر (2) -و هو التفصيل بين كون العلم الإجماليّ مقتضياً أو علّة تامّة-في غير محلّه;لأنّ الاشتغال اليقينيّ بعنوان معلوم بالتفصيل يقتضي البراءة اليقينيّة،و ليس المقام من قبيل العلم الإجماليّ في المأمور به حتّى يأتي فيه ما ذكر،و العلم‏الإجماليّ في المحصِّل عين الشكّ في البراءة،لا الشكّ في مقدار الاشتغال،فراجع كلامه.منه قدس سره‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:401-402).

2)نفس المصدر السابق:402 سطر 10-20.


318

فيها مبيّن،و الشكّ إنّما هو في حصوله و امتثاله،كما لو أمر المولى‏بقتل زيد و تردّد سببه بين ضربة أو ضربتين،أو أمر بتنظيف البيت و ترددحصوله بين كنسها أو هو مع رشّ الماء،فالاشتغال اليقينيّ لا بدّ له من البراءةاليقينيّة.و أمّا ما وقع في تقريرات بعض أعاظم العصر-من أنّ المجعول الشرعيّ‏فيها ليس إلاّ المسبّب‏ (1) فهو منظور فيه;فإنّ المسبّبات العقليّة و العاديّةكأسبابها ليست تحت الجعل التشريعيّ،نعم قد يتعلّق الأمر بتحصيلها كماأشرنا إليه.و كيف كان فلا إشكال في وجوب الاحتياط فيها،و عدم جريان‏البراءة شرعاً أو عقلاً.و أمّا الشرعيّات منها فقد يقال بجريان البراءة الشرعيّة فيها،و توضيحه‏يحتاج إلى بيان كيفية جعل الأسباب و المسبّبات الشرعيّة،فنقول:لا إشكال في أنّ السببيّة و المسبّبيّة في الشرعيّات و الأُمور الاعتباريّةالعقلائيّة،ليست بمعنى كون الأسباب مؤثّرات حقيقية في المسبّبات;بحيث‏قبل تحقّق السبب لم يكن المسبَّب في عالم التكوين،و بعده وجد في عالم‏التكوين شي‏ء هو المسبّب،و هذا واضح.و ليست-أيضا-بمعنى تأثير الأسباب في إيجاد المسبَّبات في عالم‏الاعتبار،لا اعتبار العقلاء و لا اعتبار الموجد للسبب;و ذلك لأنّ اعتبار العقلاءأمر قائم بأنفسهم و له أسباب خاصّة،و ليس جعل المنشئ للسبب مؤثِّراً في‏

1)فوائد الأُصول 4:144.


319

نفوس العقلاء بمعنى أن يكون قول القائل:«بعت»،و«اشتريت»علّة موجدةلاعتبار العقلاء،و كذا في اعتبار نفسه،فإنّ للاعتبار و المعتَبر أسباباً خاصّة من‏قبيل مبادئ الإرادة،و ليس وراء وجود الحقيقيّ و الاعتباريّ شي‏ء آخر يؤثّرالسبب فيه نحو تأثير الأسباب في المسبّبات.بل التحقيق:أنّ معنى السببيّة و المسببية العقلائيّة،أنّ الأسباب تكون‏موضوعاً لاعتبار العقلاء،فإذا قال القائل:«بعت داري من زيد بكذا»بماله‏من المعنى الإنشائيّ يصير موضوعاً لاعتبار العقلاء بأنّ الدار التي كانت‏مضافة إلى البائع قبل إنشائه بالإضافة الاعتباريّة صارت مضافة إلى زيدبواسطة بيعه له،فإذا علم البائع هذا المعنى-أي اعتبار العقلاء عقيب إنشائه‏الجدّي للبيع-و يريد بيع داره لزيد،يستعمل لفظة الصيغة استعمالاً إيجاديّاًبالمعنى الّذي ذكرنا،أي يريد تحقّقه الاعتباريّ بمعنى صيرورته كذا،فيصيرموضوعاً لاعتبار نفسه و سائر العقلاء.و ليس معنى الإيجاد الاعتباريّ أن يصير اللفظ موجداً لمعنى اعتباري;لعدم حقيقة للمعنى الاعتباريّ مع قطع النّظر عن اعتبار العقلاء،و الفرض أنّه‏ليس اعتبار العقلاء و لا المنشئ للبيع مسبَّباً عن هذا اللفظ،بل له أسباب‏خاصّة تكوينيّة.و بالجملة:إذا استُعمل لفظ موضوع للإنشاء بداعي تحقّق المنشأ،يصير بماله من المعنى موضوعاً للاعتبار المذكور،من غير أن يصير اللفظ علّة لتحقّق‏الاعتبار و لا لتحقّق شي‏ء آخر.


320

إذا عرفت ذلك نقول:إنّ المجعولات الشرعيّة في باب الأسباب و المسبَّبات‏على قسمين:أحدهما:أنّ يكون المسبّب أمراً عقلائيّاً يكون متعارفاً عندهم بأسباب‏خاصّة عقلائيّة،فيردع الشارع‏عن‏تلك الأسباب،و يسلب السببيّة عنها،و يجعل السببيّة لأمر آخر،كباب الطلاق،فإنّ الطلاق-أي الهجران‏للزوجة و زوجيّتها-متعارف عند العقلاء في كلّ ملّة منتحلة بدين‏و غيره،و لم يتصرّف الشارع في تلك الحقيقة،و ليست مجعولة من‏قِبل الشرائع،بل هو أمر عقلائيّ كسائر الحقائق العقلائيّة،و إنّما تصرّف‏الشارع في سببها،و سلب السببيّة عن الأسباب المتعارفة العقلائيّة،و ردعهم‏عن ترتيب الآثار على تلك الأسباب،و حصر السببيّة على لفظ خاصّ‏هو«هي طالق»فاعتبر السببيّة الاعتباريّة لتلك اللفظة دون غيرها،فخلع‏سائر الأسباب عن السببيّة من غير تصرّف في المسبّب،و يمكن أن لا يردع‏الشارع عن الأسباب العقلائيّة،لكن يجعل سبباً آخر في عرض سائرالأسباب،فيعطي السببيّة للفظ أو فعل آخر،فتتّسع به دائرة الأسباب المحقِّقةلتلك الحقيقة.و ثانيهما:أن لا يكون المسبّب من الأُمور العقلائيّة،بل يكون من المخترعات‏الشرعيّة من غير سابقة له عند العقلاء،ففي مثله لا بدّ و أن يكون سببه‏-أيضا-أمراً مجعولاً شرعيّا،و لا يعقل أن يتعلّق الجعل بالمسبّب دون سببه;لأنّ المفروض أنّ المسبّب ليس أمراً عقلائيّاً،بل يكون اختراعيّاً،و ما كان‏


321

كذلك لا يعقل أن يكون له سبب عقلائيّ أو عقليّ أو عاديّ،فلا بدّ من كون‏سببه-أيضا-اختراعيّاً،فيجب تعلّق الجعل بالسبب و مسبّبه،سواء تعلّق‏ابتداءً بالسبب أو بالمسبّب أو أدّى كلاماً يتكفّل الجعلين.و بالجملة:في الأسباب و المسبّبات الجعليّة لا يمكن أن يتعلّق الجعل بالسبب‏فقط أو بالمسبّب فقط،و يكون جعل أحدهما مُغنياً عن جعل الآخر.و من ذلك يتّضح فساد دعوى بعض أعاظم العصر رحمه اللّه-على ما في‏تقريرات بحثه-:من أنّه لا يعقل أن يتعلّق الجعل الشرعيّ بكلّ من السبب‏و المسبّب;لأنّ جعل أحدهما يغني عن جعل الآخر،فبناءً على تعلّق الجعل‏بالمسبّبات تكون الأسباب الشرعيّة كالأسباب العقليّة و العادية غير قابلةللوضع و الرفع...إلخ‏ (1) .ضرورة أنّ المسبّب الاختراعيّ لا يعقل أن يكون له سبب عقليّ أو عاديّ،أو يكون سببه مثلهما في التناسب الذاتيّ بينه و بين مسبّبه،فإذا كان المسبّب‏اختراعيّاً اعتباريّاً يكون سببه-أيضا-كذلك،و إلاّ فإمّا أن يكون المسبّب‏بذاته متعلِّقاً بسببه،فيكون التأثيرُ و التأثّرُ التكوينيَّ،فيخرج عمّا نحن فيه;لأنّ‏المفروض أنّ المسبّب اختراعي جعليّ،و إمّا أن يكون له أسباب عقلائيّة،فلا بدّو أن يكون المسبّب أيضا كذلك،و هو-أيضا-خلاف المفروض.فاتّضح من ذلك:أنّه لا يعقل أن يكون جعل المسبّب مُغنياً عن جعل‏سببه،و لا يخفى أنّ الجعل إنّما يتعلّق بوصف السببيّة;أي يجعل الشارع‏

1)فوائد الأُصول 4:145.


322

ما ليس بسبب سبباً،و يعطيه وصف السببيّة،ف«أنتِ كظهر أمّي»-مثلاً-قبل‏تعلّق الجعل به لم يكن سبباً للظهار،و بعد إعطاء السببيّة به صار سببا له،فالجعل يتعلّق بوصف السببيّة،أي صيّره الشارع سبباً بعد مالم يكن كذلك،لا أنّ الجعل تعلّق بالسبب و يكون وصف السببيّة انتزاعيّاًكما اشتهر بينهم‏ (1) .و سرّ هذا الاشتهار مقايسة الأسباب التشريعيّة بالأسباب التكوينيّة،فإنّ‏الجعل التكوينيّ إنّما يتعلّق بوجود السبب جعلاً بسيطاً،و سببيّة السبب غيرمجعولة إلاّ بالعرض،فالجاعل جعل النار،لا النار ناراً أو مؤثّرة و سبباً،و لمّا كان الأمر في الأسباب التكوينيّة كذلك صار منشأ للاشتباه في الأسباب‏التشريعيّة،و اشتهر أنّ الجعل إنّما يتعلّق بالسّبب لا بالسببيّة.مع أنّ الأمر في التشريع ليس كذلك;فإنّ لفظة«أنتِ كظهر أُمّي»-مثلاً-ليست متعلَّقة للجعل التشريعيّ،لا مفرداتها و لا جملتها التركيبيّة،بل‏هي موضوعة بالوضع اللغويّ،لكنّها لم تكن قبل اعتبار الشارع و جعلِه مؤثّرةًفي الافتراق بين الزوجين،فأعطاها الشارع وصف السببيّة بالمعنى الّذي‏ذكرنا.فالمجعول هو سببيّة تلك اللفظة بما لها من المعنى الإنشائيّ،لا ذات‏السبب;أي ذات تلك اللفظة التي تكون مجعولة بالجعل اللغويّ،و كذا الأمرفي مطلق الأُمور الاعتباريّة العقلائيّة و الشرعيّة،و لا إشكال في جواز جعل‏

1)فوائد الأُصول 4:394.


323

السببيّة الاعتباريّة;لعدم التأثير و التأثّر الحقيقيّ،بل السببيّة في عالم التشريع‏عبارة عن كون السبب موضوعاً لاعتبار الشارع المقنِّن،و صيرورته كذلك‏يكون نافذاً في أُمّته و تابعيه،و ذلك واضح عند التأمّل في موارد المجعولات‏الشرعيّة و العقلائيّة.إذا عرفت ذلك،فغاية ما يمكن أن يقال في جريان البراءة الشرعيّة:إنّ‏السببيّة و التسبّب إذا كانتا شرعيّتين،فتردّد الأمر بين الأقلّ و الأكثر،فأتى‏المكلّف بالأقلّ،يصير الشكّ في تحقّق المسبّب مسبّباً عن الشكّ في دخالةالجزء أو الشرط المشكوك فيهما،فجريان حديث الرفع في السبب يرفع الشكّ‏عن المسبّب،فيحكم بتحقّقه;لوجود الأقلّ وجداناً،و رفع الزيادة بالحديث،فيرفع الشكّ عن تحقّق السبب،فيحكم بأنّه موجود،و ليست السببيّة عقليّةحتّى يكون من الأصل المثبت.و فيه:أنّ السببيّة و إن كانت شرعيّة،و لكن الشكّ في تحقّق المسبّب ناشٍ‏عن كون الأقلّ تمام السبب و تمام المؤثّر،و رفع الزيادة لا يثبت كونه كذلك‏إلاّ بالأصل المثبت.و ليس عدم دخالة الزيادة و حصول الأقلّ سبباً بنحو التركيب;حتّى يقال:إنّ الموضوعات المركّبة ممّا يمكن تحصيلها بالأصل و الوجدان،فيحكم‏بحصول السبب و ترتب المسبّب عليه;لأنّه شرعيّ لا عقليّ;ضرورة أنّه مع‏سببيّة الأقلّ لا تكون الزيادة-وجوداً و عدماً-دخيلة في حصول المسبّب،و إنّما الأقلّ هو تمام السبب،فلا بدّ من إثبات سببيّة الناقص و أنّ الأقلّ هو تمام‏


324

السبب حتّى يترتّب عليه المسبّب،و ذلك لا يمكن بجريان حديث الرفع في‏الزيادة.نعم لو دلّ دليل شرعيّ بأنّه إذا وجد الأقلّ و لم تتحقّق الزيادة وجدالمسبّب،أمكن دعوى إثبات أحد الجزءين بالأصل و الآخر بالوجدان،لكنّه‏عدول عن مبحث الأقلّ و الأكثر.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الأصل في باب الأقلّ و الأكثر في‏الأسباب و المحصِّلات هو الاشتغال،و ليس فيه مورد جريان البراءة العقليّةو الشرعيّة.

الأمر الثاني‏في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّ في‏الشبهة الموضوعيّة و الأقسام المتصوّرة فيها،و ذكر غير الارتباطيّ تبعاً

و اعلم أنّ التكليف قد يكون له تعلّق بالموضوع الخارجيّ،أي‏يكون لمتعلّقه متعلّق،و إن شئت قلت:قد يكون له موضوع،و قد لا يكون‏كذلك،بل يكون له متعلّق و ليس لمتعلّقه متعلّق،فالأوّل مثل«أكرم العلماء»،و الثاني مثل«صلِّ».و على أيّ حال:قد يكون التكليف أمراً و قد يكون نهياً.و أيضا قد يكون الشكّ في أصل التكليف،و قد يكون في جزء المكلّف به،و قد يكون في شرطه،و قد يكون في مانعه،و قد يكون في قاطعه.


325

و على أيّ حال:قد يكون الموضوع أو المتعلَّق صرف الوجود،و قد يكون‏تمام الوجودات،و قد يكون مجموعها.و جميع الأقسام متصوّرة،و إن كان بعضها صرف التصوّر و لا واقعيّة له.و لا يخفى أنّ الشبهة الموضوعيّة متصوَّرة سواء تعلّق التكليف بموضوع‏خارجيّ أو لا،و سواء كان الشك في الشرط أو الجزء أو المانع.و الأوّل كالشكّ في أنّ زيداً عالم أو لا،أو أنّ المائع الكذائيّ خمر أو لا.و الثاني مثل مالوعلم أنّ الغناء المحرّم هو التضيّف‏ (1) و شكّ في أنّ الصوت‏الكذائيّ تضيّف‏ (2) أو لا من جهة الشبهة الخارجيّة.و الشكّ في الشرط و المانع‏معلوم.و الشكّ في الجزء كما لو شكّ في أنّ سورة النور هي من القرآن أوسورة الناس و الفلق منه أو لا.فما ادّعى بعض أعاظم العصر رحمه اللّه:من أنّه لا يمكن تحقّق‏الشبهة الموضوعيّة في الأجزاء;لأنّ التكليف بها ليس له تعلّق‏بالموضوع الخارجيّ‏ (3) منظور فيه،كادّعاء بعض آخر من عدم تصوّر الشبهةالموضوعيّة مطلقا (4) .إذا عرفت ذلك فنقول:إذا كان التكليف الإيجابيّ بنحو صرف الوجود،سواء كان له تعلّق بالموضوع الخارجيّ كقوله:«أكرم عالماً»،أو لا كقوله:

1)كذا في المخطوطة.

2)كذا في المخطوطة.

3)فوائد الأُصول 4:202-203.

4)أورده في الفوائد 4:200 كاحتمال في كلام الشيخ الأعظم رحمه اللّه.


326

«صلِّ»فلا إشكال في لزوم الإطاعة و الخروج عن الاشتغال بإكرام عالم معلوم‏و إتيان الصلاة،و لا يجوز الاكتفاء بإكرام من كان مشكوك العالمية،و لا الاكتفاء بأمر يكون صدق الإكرام عليه مشكوكاً فيه،و كذا الحال في‏الخروج عن عهدة الصلاة.كما أنّ الأمر كذلك فيما إذا كان الاشتراط و الجزئيّة بنحوصرف الوجود،كاشتراط كون الصلاة مع الطهور،و كجعل صرف‏وجود السورة جزءً للصلاة،فلا يجوز الاكتفاء بسورة مع الشكّ في كونهامن القرآن‏1.1و كذا الحال فيما إذا تعلّق الأمر بالمجموع،فإنّ الاشتغال بهذا العنوان مقتضاه البراءةاليقينيّة منه،كما مرّ فيما سلف فراجع.و منه يظهر الحال فيما إذا جعل الجزء أو الشرط مجموع الوجودات.و السرّ في أنّ الحكم على نحو الاستغراق عند الشكّ مورد البراءة بخلاف المجموع:أنّ‏الحكم في الأوّل لم يتعلّق بعنوان واحد شكّ في انطباقه على المأتيّ به،فإنّ الكلّ في قوله:«أكرم كلّ عالم»أو«صلّ مع كلّ سورة»لم يكن له موضوعيّة،بل هو وسيلة لإيصال‏الحكم إلى الموضوعات الواقعيّة،و هي أفراد الطبيعة،فكأنّه أنشأ أحكاماً عديدة علم مقداراًمنها و شكّ في شي‏ء منها.و أمّا العامّ المجموعيّ فبخلاف ذلك;فإنّ وصف الاجتماع مأخوذ في موضوع الحكم،فيكون ما هو الموضوع أمراً وحدانيّاً في الاعتبار،هو المجموع من حيث المجموع،و مع الشكّ‏في الموضوع يكون الشكّ في انطباق المأمور به على المأتيّ به،و لا إشكال في كونه موردالاشتغال.و بهذا ظهر أنّ ما أفاد الشيخ الأعظم من لزوم الاحتياط إذا أمر بالصوم بين الهلالين‏ (1) في‏غاية المتانة،و تكون الشبهة-مع الشكّ في تمامية الشهر و نقصانه-موضوعيّة،و في انطباق‏

1)فرائد الأُصول:283-284.


327

...........المأتيّ به للمأمور به.نعم،مثّل-قدّس سرّه-للشبهة الموضوعيّة بمثال آخر هو الأمر بالطهور،و فسّره بالفعل‏الرافع للحديث أو المبيح للصلاة،و حكم بالاشتغال فيه أيضا (1) .و لا إشكال في الاشتغال في هذا المثال أيضا،و لا يكون الشكّ في المحصِّل;لأنّ المفروض‏بحسب تفسيره عدم تعلّق الأمر بالطهور حتّى يكون الشكّ في محصِّله،بل بالفعل الرافع،و يكون الشكّ في انطباق المأمور به مع المأتيّ به،و يكون كالشبهة الموضوعيّة بوجه،و إن‏كانت الشبهة حكميّة بوجه آخر،لكن لمّا تعلّق الحكم بعنوان الفعل الرافع للحدث عُلم‏الاشتغال بهذا العنوان،و لا بدّ من الخروج عن عهدته بإيجاد مصداق مُحرَز،فالإشكالات‏الموردة من الأعلام‏ (2) عليه في غير محلّها،فراجع.و هذا الّذي ذكرنا هو الميزان في البراءةو الاشتغال في جميع الموارد.هذا حال الأمر.و أمّا النهي:فلمّا لم يكن طلباً بل زجراً عن الوجود-كما مرّ سابقا (3) فلا فرق في جريان‏البراءة في الشبهة الموضوعيّة فيه بين أنحاء تعلّقه،فإذا تعلّق بصِرف وجود الخمر،و شكّ في‏موجود خارجيّ أنّه خمر،يجوز ارتكابه،و تجري البراءة.كما أنّها تجري لو تعلّق بالمجموع و ترك المشكوك فيه و ارتكب الباقي;للشكّ في كون الباقي‏موضوعاً للحكم و متعلّقاً للنهي.و كذا الحال في الموانع،هذا إذا قلنا بأنّ المانع للشي‏ء هو ما كان وجوده مضادّاً له،لا ماكان عدمه شرطاً،فحينئذٍ تجري البراءة في الشكّ في المانع،و لو كان المانع بنحو صرف‏الوجود،أو نفس الطبيعة،أو مجموع الوجودات،على إشكال في الكلّ،فلا نحتاج في‏جريان البراءة في اللباس المشكوك فيه إلى الذهاب إلى تحليليّة النهي في قوله:(لا تصلِّ في‏وبرِ ما لا يؤكل) (4) .نعم لو قلنا بأنّ المانع ما يكون عدمه قيداً،يصير حاله حال الشرط في التفصيل بين‏الانحلال و عدمه.و لا يبعد أن يكون الشكّ في القاطع-أيضا-كذلك;لأنّ الشكّ يرجع إلى مضادّة الشي‏ء

1)فرائد الأُصول:284 سطر 1-2.

2)فوائد الأُصول 4:200،نهاية الدراية-القسم الثاني من الجزء الثالث:410 سطر19-26.

3)انظر مناهج الوصول للسيّد الإمام قدّس سرّه.

4)لم نعثر على حديث بهذا النص،و عثرنا على روايات عديدة بهذا المضمون،لاحظذلك في الكافي 3:397-399 باب اللباس الّذي تكره الصلاة فيه،و علل الشرائع:342 باب 43،و الوسائل 3:250-252 باب 2 من أبواب لباس المصلّي.


328

و أمّا في بقيّة الصور فالظاهر أنّها مورد جريان البراءة العقلية و الشرعيّة،سواء كان التكليف المستقلّ النفسيّ كقوله:«أكرم كلّ عالم»و شكّ في عالميةزيد،أو«لا تشرب الخمر»أو صرف وجود الخمر،أو مجموع وجوداته،و شكّ‏في إناء أنّه خمر،أو جعل الشرط بنحو الاستغراق،أو الجزء كذلك،أو المانع‏و القاطع بنحو الصِرف أو الاستغراق أو مجموع الوجودات،ففي جميع‏الصور تجري البراءة;للرجوع إلى الأقلّ و الأكثر.فلو جعل المانع صِرف وجود غير المأكول،و شكّ في شي‏ء أنّه من غيرالمأكول،يرجع الشكّ إلى مانعيّة هذا الموجود،فتجري البراءة،و كذا الحال‏في سائر الصور.مع الهيئة الاتّصاليّة المأخوذة في المركّب،و مع الشكّ في عروض القاطع تجري البراءة،و إن‏لا تخلو من إشكال لو قلنا بأنّ الهيئة الاتّصاليّة مأخوذة في المأمور به على وجه العنوان،و سيأتي تتميم في ذلك في استصحاب الهيئة الاتصاليّة عن قريب إن شاء اللّه‏ (1) .منه قدس‏سره‏

1)في صفحة:353.


329

إنّ قيل:إنّ وظيفة الشارع بيان الكبريات لا الصغريات،فإذا قال:«أكرم العلماء»تمّ بيانه بالنسبة إلى إكرام كلّ عالم واقعيّ،و كذا إذا قال:«لا تشرب الخمر»و كذا الحال في الأجزاء و الشرائط و الموانع للمأمور به،فإن بيانه بالنسبة إلى الكبرى تامّ،و ليس من وظيفته بيان الصغرى،فلا بدّمن الاحتياط خروجاً عن مخالفته بحسب الأفراد الواقعيّة التي تمّ بيانه‏بالنسبة إليها.و بعبارة أُخرى:لا بدّ للمكلّف من الخروج عن عهدة تلك الكُبرى المعلومةيقيناً،و هو لا يحصل إلاّ مع الاحتياط.قلت:إن أردت من كون الكُبرى بياناً أنّها بيان بالنسبة إلى الفرد المشكوك‏فيه،فلا إشكال في بطلان تلك الدعوى،فإنّ قوله:«لا تشرب الخمر»لا يعقل‏أن يكون بياناً واصلا بالنسبة إلى ما كان مصداقيّته مشكوكاً فيها،و التكليف‏لا يدعو إلاّ إلى متعلّقه.و إن أردت أنّ التكليف تعلّق بحسب الواقع بالفرد الواقعيّ سواء شكّ فيه‏أو لا،فهذا مسلّم لكنّه لا يكفي في البيان.و أمّا ما ذكرت-من أنّ وظيفة الشارع بيان الكُبريات-فهو أيضامُسلّم لكن الكُبرى لا تصير حجّة على الصغرى ما لم تحرز وجداناً أو بطريق‏متّبع.و بالجملة:إنّ بيان الشارع بنحو الكُبرى لا ينتج ما لم يضمّ إليه صُغرى‏محرزة.


330

و قياس ذلك بالعلم الإجماليّ-حيث يكون حجّة على المشكوك فيه‏مع عدم إحراز كونه واقعاً-مع الفارق;لأنّ العلم الإجماليّ قد تعلّق‏بالصُّغرى،و تردّد أمرها بين أمرين أو أزيد،فالحجّة بالنسبة إلى الصغرى تامّة،و عروض الإجمال لا تأثير له في تماميّة الحجّة،بخلاف ما نحن فيه،فإنّ‏الصُّغرى لم تتعلّق بها الحجّة و لم تكن معلومة لا تفصيلاً و لا إجمالاً،و ذلك‏واضح‏1.إن قلت:عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة-كما هوالمعروف بينهم‏ (1) مبنيّ على كون الخاصّ حجّة بالنسبة إلى الأفراد الواقعيّة،و إلاّ يلزم رفع اليد عن الحجّة بغير الحجّة،فعليه تكون الكُبرى حجّة على‏الصُّغرى،و ذلك يوجب الاحتياط.قلت:لا نسلّم كون المبنى فيه ذلك،بل هو مبنيّ على أنّ بناء العقلاء في‏تطابق الإرادة الجدّية للاستعماليّة في العامّ قاصر عن شمول مثل الشبهةالمصداقيّة للمخصِّص،فإذا علم خروج الفسّاق من العلماء عن قوله:«أكرم العلماء»و شكّ في فرد أنّه فاسق أو لا،لا يكون قوله:«لا تكرم الفسّاق»حجّة على الفرد المشكوك فيه،لكن يُوجب سلب الحجيّة عن قوله:«أكرم العلماء»;لما ذكرنا من قصور شمول بناء العقلاء لذلك.1و لا يكون عنوان الكلّ مأخوذاً في الموضوع حتّى يكون الشكّ من قبيل الشكّ في الأداء،بل يكون بالنسبة إلى المشكوك فيه الشكّ في الاشتغال.منه قدّس سره‏

1)انظر مطارح الأنظار:192-193،فوائد الأُصول 2:525،درر الفوائد 1:183-186.


331

و إن شئت قلت:إنّ مورد الشبهة المصداقيّة شبهة مصداقيّة لبناء العقلاءعلى تطابق الإرادتين.و بالجملة:بعد خروجِ عنوان الخاصّ عن العامّ،و الشكِّ في كون المصداق‏من الخارج أو الداخل،لا يحكم العقلاء بتطابق الإرادتين في العامّ بالنسبة إلى‏الفرد المشكوك فيه،فيخرج العامّ عن الحجيّة.إن قلت:إنّ جعل شي‏ء مانعاً باعتبار مجموع الوجودات يرجع‏إلى اشتراط تركِ واحدٍ من أفراد ما جعل مانعاً،فلا بدّ من إحرازه;لأنّ أصل‏الاشتراط معلوم،فاللازم منه العلم بوجود الشرط،و هذا واضح.قلت:لازم كون مجموع الوجودات مانعاً أن لا يكون تمام الوجودات‏باستثناء واحد منها مانعاً،فيجوز الصلاة في جميع الأفراد المعلومة،و لا يجوزالجمع بين تمام الأفراد المعلومة و المشكوك فيها;لأنّ في الجمع بينها يصيرمصداق المانع محرَزاً.و أمّا إتيان المشكوك فيه مع ترك واحد من المعلومات فممّا لا مانع منه فرداًو جمعاً مع البقيّة،كما أنّ ترك المشكوك فيه مع ارتكاب تمام المعلومات لا مانع‏منه;للشكّ في تحقّق المانعِ لاحتمال أن يكون المشكوك فيه من تتمّةالمجموع،و معه لا تتحقّق المانعيّة مع تركه.و بالجملة:مانعيّة المجموع المركّب من المشكوك فيه و المعلوم معلومة،و مع‏ترك واحد من المعلومات لا تكون المانعيّة للبقيّة قطعاً،و مع ترك المشكوك فيه‏و ارتكاب البقية تكون المانعيّة بالنسبة إليها مشكوكاً فيها،فتجري البراءة


332

بالنسبة إليها1.

الشكّ في الجزئية أو الشرطيّة في حال النسيان‏

قوله الثاني:أنّه لا يخفى أنّ الأصل...إلخ‏ (1) .(1)الكلام في هذا التنبيه و التنبيه الثالث يقع في مقامات:الأوّل:فيما إذا ثبت جزئيّة شي‏ء في الجملة،و شكّ في أنّ نقصه سهواًيوجب بطلان المركّب أم لا،و ما هو الأصل العقليّ؟و بعبارة أُخرى:الأصل هو الركنيّة أو لا؟الثاني:في حال الأصل الشرعيّ في ذلك.الثالث:في حال الزيادة العمديّة أو السهويّة،و مقتضى الأصل العقليّ‏و الشرعيّ فيهما.الرابع:في أنّه على فرض أصالة الركنية هل قام دليل شرعيّ على الاجتزاءبالمأتيّ به في حال النسيان أو الأعمّ منه أم لا؟1و قد تقدّم‏ (2) عدم رجوع جعل المانع إلى جعل عدمه شرطاً،و السرّ في جريان‏البراءة هو هذا.و أمّا لو جعل العدم قيداً فلا محيص من الاشتغال في مثل المقام.منه قدس سره‏

1)الكفاية 2:240.

2)انظر هامش صفحة:327.


333

المقام الأوّل‏و هو أنّه إذا ثبت جزئيّة شي‏ء في الجملة،و شكّ في أنّ نقصه سهواً يوجب بطلان‏المركّب أم لا،فهل الأصل العقليّ يوجب الإعادة أم الاكتفاء بالناقص؟

و لا بدّ قبل تحقيق المقام من تذكّر أمر،و هو أنّ محطّ البحث في جريان‏البراءة أو الاشتغال العقليّين ما إذا لم يكن لدليل المركّب و الجزء أو الشرطإطلاق،و إلاّ لم يصل المجال إليهما.ثمّ إنّه ليس‏لديناميزان كلّيّ في ثبوت الإطلاق و عدمه لدليل المركّب أوالأجزاء و الشرائط.نعم،لا يبعد أن يكون دليل المركّب غالباً بصدد مقام‏التشريع،و لأدلّة الأجزاء و الشرائط إطلاق غالباً،و كيف كان لا بدّ من‏ملاحظة الموارد و الأدلّة.و قد يقال‏ (1) :إنّ أدلة إثبات الأجزاء و الشرائط و كذا الموانع إن كانت‏بنحو التكليف،مثل قوله:(اغسل ثوبك) (2) و قوله: فاغسلوا وجوهكم... (3) إلخ،و(لا تصلِّ في وَبَر ما لا يؤكل)و هكذا،لا يمكن إثباتها لحال الغفلة و النسيان;لانتزاع الوضع من التكليف،و لا يمكن تعلّق التكليف بهما (4) ،بخلاف ما إذا

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:424 سطر 3-6.

2)الكافي 3:57-3 باب أبوال الدوابّ و أرواثها،الوسائل 2:1008-2 باب 8 من‏أبواب النجاسات و 2:1011-13 باب 9 من أبواب النجاسات.

3)المائدة:6.

4)أي بالغافل و الناسي.


334

كانت بنحو الوضع،مثل:(لا صلاة إلاّ بطهور) (1) أو(بفاتحة الكتاب) (2) .و هو حقّ لو سلّم امتناع إطلاق أدلّة التكاليف و عمومها لهما،لكن قد مرّمنّا في باب الخروج عن محلّ الابتلاء (3) تصحيح تعلّق التكليف بمثلهم،فراجع.و قد يقال:على فرض الامتناع-أيضا-لا مانع من ذلك:إمّا لأجل ظهورتلك الأدلّة في الإرشاد إلى الحكم الوضعيّ،و أنّ ذلك جزء أو شرط أومانع،و إمّا لأجل أنّه مع تسليم ظهورها في المولويّة لا يكون امتناع تكليف‏الناسي و الغافل من ضروريّات العقول;حتّى يكون كالقرينة الحافّة بالكلام‏المانعة من الظهور،بل هو من النظريّات المحتاجة إلى التأمّل في مبادئها،فتكون حاله كالقرائن المنفصلة المانعة عن حجّيّة الظهور،لا أصل الظهور.فيمكن أن يقال:إنّ غاية ما يقتضيه العقل المنع عن حجّيّة ظهورهافي الحكم التكليفيّ دون الوضعيّ،فيؤخذ بظهورها بالنسبة إلى إثبات‏الجزئيّة و نحوها.و على فرض الإغماض عنه يمكن التمسّك بإطلاق المادّة لدخل الجزء في‏الملاك و المصلحة حتّى حال النسيان‏ (4) انتهى.

1)الفقيه 1:35-1 باب 14 فيمن ترك الوضوء...دعائم الإسلام 1:100،الوسائل 1:256-1 باب 1 من أبواب الوضوء.

2)عوالي اللئالي 1:196-2 و 2:218-13،مستدرك الوسائل 1:274-5 باب 1 من‏أبواب القراءة في الصلاة.

3)انظر صفحة:222 من هذا الكتاب.

4)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:424 سطر 9-25.


335

و أنت خبير بما فيه:أمّا أوّل الوجوه:فلأنّ الأوامر و النواهي الإرشاديّة ليست مستعملة في النهي‏الإرشاديّ،و لا تنسلخ عن حقائقها و معانيها،أي البعث و الزجر،غاية الأمرأنّ البعث و الزجر في وادي المركّبات يفهم منها الإرشاد،فمعنى(لا تصلّ في‏وبر ما لا يُؤكل)هو النهي حقيقةً عن الصلاة فيه،لكن العرف يفهم من هذا أنّ‏تعلّق النهي و الزجر عن الصلاة فيه ليس لأجل مفسدة ذاتيّة فيه،بل لأجل‏مانعيّته عنها،فحينئذٍ يكون الإرشاد إلى الجزئيّة و غيرها بمقدار إمكان تعلّق‏النهي،و إلاّ فلا وجه للإرشاد و لا دليل عليه.و أمّا ثاني الوجوه:فلأنّ استفادة الجزئيّة تبع لتعلّق التكليف،فحينئذٍ لوسُلّم نظريّة الامتناع،فالعقل-بعد النّظر إلى المبادئ-يحكم حكماً جازماًعلى هذا المبنى بامتناع صدور التكليف متوجّهاً إلى الغافل‏و الساهي،و معه كيف يمكن انتزاع الوضع مع فقد منشئه؟!و ما قرع الأسماع‏من التفكيك في حجيّة الظهور بين الملزوم و اللازم ليس في مثل المقام،كمايظهر بالتأمّل.و أمّا ثالثها:فلأنّ كشف الملاك و المصلحة من إطلاق المادّة،إنّما هوفي مورد تعلّق التكليف بها مطلقاً;لأنّ كشف المصلحة على مذهب العدليّةإنّما هو من الأمر و الطلب الحقيقي،و مع امتناع ذلك لا يمكن الكشف.نعم قد يقطع بوجود الملاك في بعض الموارد،و هو خارج عمّا نحن فيه،فتدبّر.


336

إشكال الشيخ الأعظم في المقام‏

إذا عرفت ذلك ففي جريان البراءة و عدمه وجهان:اختار ثانيهما العلاّمة الأنصاريّ،و احتجّ عليه:بأنّ ما كان جزءًحال العمد يكون جزءً حال الغفلة و النسيان;لامتناع اختصاص الغافل‏و الساهي بالخطاب بالنسبة إلى المركّب الناقص;لأنّ الخطاب إنّما يكون‏للانبعاث،و يمتنع انبعاث الغافل;لأنّه يتوقّف على توجّهه إلى الخطاب‏بعنوانه،و معه يخرج عن كونه غافلاً،فخطابه لغو،فالأصل العقليّ هو لزوم‏الاحتياط (1) .و أجاب عنه المحقّقون‏ (2) بما لا يخلو جلّها عن الإشكال.و التحقيق أن يقال:لا يتوقّف جريان البراءة على اختصاص الغافل و الساهي‏بالخطاب،بل اختصاصهما بالخطاب لغو;لأنّ الخطاب ليس إلاّ لأجل‏التحريك و البعث نحو المطلوب،فلو فرض أنّ نفسَ الخطابات الباعثة للعامدو العالم نحو المركّب التامّ باعثة للغافل و الساهي نحو المركّب الناقص‏بلا افتراق بينهما من هذه الجهة،يكون اختصاصهما بالخطاب لغواً،و الأمر

1)فرائد الأُصول:286-287،مطارح الأنظار:22 سطر 20-31،درر الفوائد 2:141.

2)انظر حاشية فرائد الأُصول:156 سطر 8-21،فوائد الأُصول 4:210درر الفوائد 2:141-143،نهاية الدراية 2:279-281،نهاية الأفكار-القسم الثاني‏من الجزء الثالث:420-422.


337

كذلك;ضرورة أنّ الساهي عن جزء من المركّب و الغافل عنه لا يكون محركه‏و باعثه نحو المركّب الناقص إلاّ قوله تعالى: أقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشَّمسِ إلى‏غَسَقِ اللَّيلِ (1) مثلاً،كما أنّ العالم العامد ينبعث و يتحرّك نحو التامّ منه،فإذا فرض أنّ المركّب التامّ ذو ملاك و اقتضاء بالنسبة إلى العامد،و المركّب‏الناقص ذو ملاك و اقتضاء بالنسبة إلى الساهي الغافل،و يكون باعثهما نحوما هو المطلوب منهما هو الخطابات المتعلّقة بالطبائع،فلا معنى لاختصاص‏كلّ منهما بخطاب.و بعبارة أُخرى:ليس الغرض من الخطاب إلاّ صيرورته وسيلة إلى‏تحريك المكلّف نحو ما هو المطلوب،أو صيرورته متمكّناً من العبوديّةلو فرض أنّ في نفس تعلّق الأوامر بالمأمور بها ملاكاً و اقتضاءً،من جهةعدم حصول كمالات المكلّف إلاّ بالإتيان على نعت العبوديّة،و هو لا يحصل‏إلاّ بالأمر،و على أيّ حال تكون الخطابات الواقعيّة المتعلّقة بالطبائع محرّكةللعامد نحو ما هو المطلوب منه،و هو المركّب التامّ،و للغافل الساهي نحوما هو المطلوب منه،و هو المركّب الناقص،فلا معنى لاختصاص الخطاب‏بكلّ منهما.فإذا أتى الساهي بالمركّب الناقص،ثمّ تنبّه و شكّ في أنّ الجزء المنسي هل‏كان له اقتضاء بالنسبة إليه في حال النسيان حتّى تكون صلاته تامّة،أو لا حتّى تحتاج إلى الإعادة،يمكن جريان البراءة في حقّه لعين ما ذكرنا في‏

1)الإسراء:78.


338

باب الأقلّ و الأكثر (1) من غير فرق بين النسيان المستوعب لجميع الوقت‏و غيره;لأنّ الأمر المتعلّق بالمركّب كان داعياً إلى الأجزاء بعين داعويته إلى‏المركّب،و الفرض أنّ الأجزاء التي كان داعياً إليها قد أتى المكلّف بها،و الحال‏شاكّ في أنّ الأمر هل له دعوة أُخرى إلى إتيانها ثانياً و يكون داعياً إلى إتيان‏الجزء المنسيّ،أم لا؟فالأصل فيه يقتضي البراءة.و الحاصل:أنّ المقام من صُغريات الأقلّ و الأكثر إشكالاً و جواباً.هذا إذا قلنا بأنّ التكليف ساقط عن الناسي،و فُرّق بينه و بين غيره في تعلّق‏التكليف،و أمّا لو قلنا بأنّ النسيان و الغفلة و العجز و القدرة كالعلم و الجهل في‏تعلّق التكليف،و أنّه فعليّ بالنسبة إليهم،غاية الأمر أنّ مخالفة التكليف‏الفعليّ قد تكون لعذر و قد تكون لا لعذر،و أنّ الناسي معذور عقلاً في ترك‏تكليفه الفعليّ بالطبيعة كالجاهل و العاجز،لا أنّ التكليف يتغيّر عمّا هو عليه،فمع ترك الجزء نسياناً يجب الإعادة إذا كان لدليل الجزء إطلاق;لعدم الإتيان‏بالمأمور به بجميع أجزائه.

الوجوه التي ذكرت في دفع إشكال الشيخ و ردّها

و هاهنا وجوه أُخر في رفع إشكال المحقّق الأنصاري:أحدها:الالتزام بعدم الخطاب أصلاً حين الغفلة،لا بالتامّ المغفول عنه،و لا بالناقص المأتيّ به;لأنّه غير قادر على التامّ،و غير قابل للخطاب بالناقص،

1)انظر صفحة:281 من هذا الكتاب.


339

فتوجّه الخطاب إليه لغو،هذا حال الخطاب.و أمّا مجرّد الاقتضاء و الملاك‏فبالنسبة إلى التامّ و الناقص سواء.فعلى هذا إنّا نشكّ بعد ارتفاع العذر أنّ الغافل صار مكلّفاً بغير المركّب‏الناقص الّذي أتى به،و الأصل عدمه،و ثبوت الاقتضاء بالنسبة إلى الجزءالفائت لا دليل عليه،و الأصل البراءة عنه،كما هو الشأن في الأقلّ‏و الأكثر (1) هذا.و هذا الوجه دافع للإشكال،لكن دعوى امتناع بعثه نحو الناقص قدعرفت ما فيها.الثاني:ما حكاه بعض أعاظم العصر عن تقريرات بعض الأجلّة لبحث‏الشيخ،من إمكان أخذ الناسي عنواناً للمكلّف و تكليفه بما عدا الجزء المنسيّ;بتقريب:أنّ المانع من ذلك ليس إلاّ توهّم كون الناسي لا يلتفت إلى نسيانه‏في ذلك الحال،فلا يمكنه امتثال الأمر;لأنّه فرع الالتفات إلى ما أُخذ عنواناًللمكلّف.و لكن يرد عليه:بأنّ امتثال الأمر لا يتوقّف على الالتفات إلى ما أُخذ عنواناًله بخصوصه،بل يمكن الامتثال بالالتفات إلى ما ينطبق عليه و لو كان من‏باب الخطأ في التطبيق،فيقصد الأمر المتوجّه إليه بالعنوان الآخر،فالناسي‏للجزء يقصد الأمر الواقعيّ له،و إن أخطأ في تطبيق أمر الذاكر عليه.و أورد عليه الحاكي المعظم له:بأنّه يعتبر في صحّة البعث و الطلب أن يكون‏

1)درر الفوائد 2:141.


340

قابلاً للانبعاث عنه;بحيث يمكن أن يصير داعياً لانقداح الإرادة و حركةالعضلات نحو المأمور به و لو في الجملة،و هذا التكليف الّذي يكون دائماً من‏الخطأ في التطبيق لا يمكن أن يكون داعياً أصلاً،فهو لغو،و لا يقاس هذا بأمرالأداء و القضاء;لأنّ الخطأ في التطبيق فيهما قد يتّفق بخلاف ما نحن فيه‏ (1) .و يرد على المورِد:أنّه-بعد تصديق كون الأمر الواقعيّ المتعلّق بالناسي‏بعنوان أنّه ناسٍ محرّكاً واقعاً،و إنّما وقع الخطأ في تطبيق عنوان أمر الذاكرعلى الناسي-لا مجال لهذا الإشكال;لأنّ المفروض أنّ المحرّك للناسي دائماًإنّما هو الأمر الواقعيّ المتعلّق به،لا الأمر المتوجّه إلى الذاكر.نعم يرد على المجيب:أنّ دعوى كون الأمر الواقعيّ المتوجّه إلى الناسي‏محرّكاً له واقعاً و إن كان الخطأ في التطبيق،ممنوعة;لأنّ المحرّك له ليس إلاّالأمر المتوجّه إلى الذاكر،فإنّ خطأه إنّما هو في تطبيق عنوان الذاكر على‏نفسه،و توهّمه أنّه متذكّر،و بعد هذا الخطأ لا يكون محرّكه إلاّ الأمر المتوجّه‏إلى الذاكر.و الشاهد عليه:أنّ وجود الأمر المتوجّه إلى الناسي و عدمه سواء;بمعنى أنّه‏يتحرّك نحو المأمور به كان في الواقع أمر متوجّه إلى الناسي أو لا.الوجه الثالث:ما أفاده المحقّق الخراسانيّ و ارتضاه بعض أعاظم العصر (2) و حاصله:

1)فوائد الأُصول 4:211-212.

2)فوائد الأُصول 4:213.


341

أنّه يمكن أن يكون المكلّف به أوّلاً في حقّ الذاكر و الناسي هو خصوص‏ما عدا الجزء المنسيّ،و يختصّ الذاكر بخطاب يخصّه،و إنّما المحذور في‏تخصيص الناسي بخطاب يخصّه‏ (1) .و فيه:أنّه لا داعي إلى الخطابين مع انبعاث الذاكر و الناسي بالخطاب‏الواحد المتوجّه إلى مطلق المكلّفين،كما عرفت سالفاً.ثمّ اعلم:أنّه إن لم يكن لدليل الجزء إطلاق،و احتمال اختصاص الجزئيةبحال الذّكر،فالمرجع هو البراءة،سواء كان النسيان مستوعباً لجميع الوقت‏أو لا:أمّا بناءً على عدم تكليف الناسي لا بالتامّ و لا بالناقص فواضح;لأنّ الآتي‏بالناقص بعد تذكّره يشكّ في توجّه التكليف إليه،و منشأ شكّه أنّ الجزءالمنسيّ هل كان له اقتضاء في حال النسيان أم لا،و الأصل يقتضي البراءة.و كذا الحال بناءً على الوجه الثاني من كون الناسي مكلّفاً بما عدا الجزء،فإنّه بعد الإتيان يشكّ في توجّه التكليف إليه،و الأصل هو البراءة.و من ذلك يعرف الأصل بناءً على الوجه الثالث،فإنّ المكلّف به في حقّ‏الذاكر و الناسي بحسب الخطاب الأوّل هو بقيّة الأجزاء،و بحسب الخطاب‏الخاصّ للذاكر هو الجزء المنسيّ،فإذا أتى الناسي بالبقيّة في حال النسيان فقدأتى بما يدعوه‏إليه‏الخطاب الأوّل،و يشكّ بعد التذكّر في توجّه الخطاب‏الثاني إليه،و منشأ شكّه أنّ جزئيّة الجزء المنسيّ هل هي مختصّة بحال الذّكر

1)الكفاية 2:240.


342

أم لا،فهو من مصاديق الأقلّ و الأكثر،و المرجع هو البراءة كما عرفت.فما أفاده بعض أعاظم العصر على ما في تقريراته-من التفصيل بين‏استيعاب النسيان لتمام الوقت و غيره بحسب الأصل العقليّ-منظور فيه،فإنّ‏حاصل ما أفاده في وجهه:أنّ أصالة البراءة عن الجزء المنسيّ في حال النسيان لا تقتضي عدم وجوب‏الفرد التامّ في ظرف التذكّر،بل مقتضي إطلاق الأدلّة وجوبه;لأنّ المأمور به‏هو صِرف وجود الطبيعة التامّة في مجموع الوقت،و يكفي في وجوب ذلك‏التمكّن من إيجادها كذلك و لو في جزء من الوقت،و لا يعتبر التمكّن في‏تمامه،كما هو الحال في سائر الأعذار.و الحاصل:أنّ رفع الجزئيّة بأدلّة البراءة في حال النسيان لا يلازم رفعها في‏ظرف التذكّر;لأنّ الشكّ في الأوّل يرجع إلى ثبوت الجزئيّة في حال النسيان،و في الثاني يرجع إلى سقوط التكليف بالجزء في حال الذّكر.هذا إذا لم يكن المكلّف ذاكراً في أوّل الوقت ثمّ عرض له النسيان في‏الأثناء،و إلاّ فيجري استصحاب التكليف;للشكّ في سقوطه بسبب النسيان‏الطارئ الزائل في الوقت‏ (1) انتهى.و فيه:أنّه بعد الاعتراف بأنّ التكليف بالنسبة إلى الجزء المنسيّ ساقط في‏حال النسيان،يرجع الشكّ إلى ثبوتِ التكليف بالجزء بعد التذكّر،و توجّهِ‏داعويّة أُخرى للتكليف الثابت للمركّب بالنسبة إلى بقيّة الأجزاء المأتيّ بها،

1)فوائد الأُصول 4:220.


343

و الأصل يقتضي البراءة.و كونُ المأمور به هو صرف الطبيعة التامّة في‏مجموع الوقت و كفايةُ التمكّن فيه في الجملة حقّ لو لم يأتِ بالمأمور به‏رأساً،و أمّا لو أتى به بعد سقوط التكليف عن الجزء،فتوجّه التكليف إليه‏و تجديد داعوية أُخرى بالنسبة إلى البقيّة مشكوك فيهما و يجري فيه البراءة،كما أنّ التمسّك باستصحاب التكليف الثابت في أوّل الوقت بعد سقوطالتكليف عن المركّب التامّ كما ترى.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الأصل العقليّ في الجزء المنسيّ يقتضي البراءة،إلاّعلى مسلك من ذهب إلى أنّ التكليف بالنسبة إلى الناسي و غيره سواء إلاّ في‏المعذوريّة العقليّة،و هي لا تقتضي سقوط التكليف.

المقام الثاني‏مقتضى الأصل الشرعي عند الشك في المقام‏

فالتحقيق:أنّ التمسّك بحديث الرفع لرفع الجزئيّة في حال النسيان-و لونسيان الموضوع ممّا لا مانع منه،و تصير نتيجة الأدلّة الأوّليّة-على فرض‏إطلاقها لحال النسيان-و حديث الرفع الحاكم عليها الدال على أنّ الجزءمرفوع في حال النسيان،أنّ المأمور به في حال النسيان هو البقيّة1.1و تقريبه أن يقال:لا إشكال في أنّ النسيان إنّما يتعلّق بطبيعة الجزء لا بوجودها الخارجيّ،و يصير النسيان للطبيعة منشأ لعدم الإيجاد،فرفع النسيان يقتضي رفع جميع الآثار بعدإرجاعه إلى رفع ما يكون النسيان منشأ للابتلاء به;إمّا لكونه منسيّاً،أو لكون النسيان‏موجباً له:


344

لا يقال:رفع الجزئيّة غير ممكن لأنّها من الأُمور الانتزاعيّة،فليست الجزئيّةتحت الجعل و لا تنالها يد التشريع،و كون منشأ انتزاعها بيد الشرع عبارةأُخرى عن رفع التكليف عن المركّب،فلا بدّ من القول بأنّ التكليف مرفوع‏فالأوّل:مثل ترك الجزء أو الشرط،حيث يكون المنسيّ هو طبيعة الجزء و الشرط.و الثاني:كإيجاد المانع و القاطع،حيث يكون النسيان منشأ لإيجادهما.و المصحّح لذلك الإرجاع هو دعوى كون ما يلابس النسيان نسياناً،و دعوى رفعه بواسطةرفع جميع الآثار،على ما نبّهنا عليه سابقاً (1) و من آثار طبيعة الجزء و الشرط الجزئيّةو الشرطيّة.فما يقال:-إنّ أثر وجود الجزء هو الصحّة،و رفعها يناقض المطلوب-ليس بشي‏ء:أمّا أوّلا:فلأنّ المنسيّ هو الطبيعة لا وجودها.و ثانياً:أنّ وجود الطبيعة في الخارج عين الطبيعة،و الصحّة ليست أثراً جعليّاً،بل لا يمكن‏أن تكون مجعولة إلاّ بمنشئها،و ما هو المجعول هو الجزئيّة أو الشرطيّة،على ما هو التحقيق‏من قابليّة تعلّق الجعل بهما،و كيف كان يرفع الحديث الجزئيّة و الشرطيّة.لا يقال:إنّ رفع الجزئيّة في مقام الدخل في الملاك ممتنع;لأنّه تكوينيّ ممتنع الرفع،و الرفع‏التشريعيّ بلحاظ الانتزاع عن التكليف فرع إمكان تكليف الناسي،و هو ممنوع‏ (2) .فإنّه يقال:-مضافاً إلى ما تقدّم من إمكان تكليفه-هذا مخالف لقوله حيث قال بجوازالجزئيّة المطلقة إذا كان لسان الجعل نحو قوله:(لا صلاة إلاّ بطهور)أو كانت التكاليف‏إرشاديّة (3) بل تنبّه في مورد من كلامه بأنّ البحث عن البراءة الشرعيّة بعد الفراغ عن‏إطلاق أدلّة الجزء و الشرط (4) فتذكّر.منه قدّس سرّه‏

1)انظر صفحة:48 من هذا الكتاب.

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:427 سطر 7-12.

3)نفس المصدر السابق:424 سطر 3-10.

4)نفس المصدر السابق:426 سطر 4-7.


345

عن المركّب بحديث الرفع;لتعلّق الرفع بمنشإ انتزاع الجزئيّة،و بناءً عليه‏لا يمكن إثبات التكليف لبقيّة الأجزاء،فلم تكن البقيّة مصداقاً للمأمور به حتّى‏يكون الإتيان بها مجزياً عنه‏ (1) .فإنّه يقال:ليس معنى رفع الجزئيّة في حال النسيان هو أنّ الجزء الثابت‏بالأدلّة الأوّليّة جدّاً مرفوع بحديث الرفع جدّاً;فإنّه من قبيل النسخ الممتنع،بل الرفع بحسب الإرادة الاستعماليّة،و كاشف عن سلب الإرادة الجدّيّةمن رأس.و إن شئت قلت:إنّ الرفع رفع بحسب التعميم القانوني،لا الحكم الواقعيّ،كما أنّ الحال كذلك في جميع الأدلّة الثانويّة الحاكمة على الأدلّة الأوّليّة،فحديث الرفع يكشف عن أنّ الأمرَ المتعلّقَ بالمركّب التامّ صورة المطلق لحال‏الذّكر و النسيان لا يكون متعلّقاً إلاّ بالمركّب الناقص في حقّ الناسي‏1.1و به يدفع ما قد يقال:إنّ غاية ما يقتضي الحديث إنّما هو رفع إبقاء الأمر الفعليّ و الجزئيّةالفعليّة حال النسيان،الملازم-بمقتضي الارتباطيّة-لسقوط التكليف عن البقيّة ما دام‏النسيان،و أمّا اقتضاؤه لسقوط المنسيّ عن الجزئيّة و الشرطيّة-في حال النسيان-لطبيعةالصلاة المأمور بها رأساً،على نحو يستتبع تحديد دائرة الطبيعة في حال النسيان بالبقيّة،و يقتضي الأمر بإتيانها،فلا;بداهة عدم تكفّل الحديث لإثبات الوضع و التكليف;لأنّ شأنه‏هو الرفع محضاً (2) انتهى.ضرورة أنّ حديث الرفع لا يتكفّل الوضع على ما قرّرنا (3) بل يكشف عن عدم الجزئيّةو الشرطيّة لحال النسيان من أوّل الأمر،و معه لا معنى لرفع التكليف عن البقيّة،بل الرفع بماذكره يرجع إلى النسخ المستحيل و البداء المحال،كما يظهر بالتأمّل.

1)فوائد الأُصول 4:226.

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:429 سطر 13-22.

3)انظر صفحة:51-53 من هذا المجلّد.


346

لا يقال:لا بدّ في التمسّك بحديث الرفع من كون المرفوع له نحو تقرّرو ثبوت،فلا يتعلّق الرفع بالمعدومات و إن تنالها يد التشريع،و رفع النسيان‏لو تعلّق بجزئية الجزء يكون من نسيان الحكم لا الموضوع،و الحال أنّ المنسيّ‏نفس الجزء;أي الإتيان به قولاً أو فعلاً،و معنى نسيانه خلوّ صفحة الوجودعنه،فلا يعقل تعلّق الرفع به;لأنّه معدوم.و أيضا ليس محلّ البحث النسيان المستوعب،و نسيان الجزء في بعض‏الوقت كنسيان أصل المركّب فيه،فكما أنّ الثاني لا يوجب سقوط التكليف‏رأساً كذلك الأوّل‏ (1) .فإنّه يقال:إنّ الرفع يتعلّق بالجزئيّة حال نسيان الموضوع،فالجزء المنسيّ‏مرفوع من المركّب الّذي هو جزؤه بحسب الأدلّة الأوّليّة،و لا دليل على‏اختصاص الرفع بنسيان الحكم،بل يعمّ نسيان الموضوع،و عدم نسيان الحكم‏لا يقتضي ثبوت الجزء من حيثية نسيان الموضوع،و حديث الرفع يقتضي رفعه‏من حيث نسيانه.و بالجملة:الرفع إنّما يتعلّق بالجزئيّة حال نسيان الموضوع،و هي أمروجوديّ،فما ادّعى-من لزوم تعلّق الرفع بالمعدوم-لا ينبغي أن يُصغى إليه.فالبقيّة مأمور بها بنفس الأوامر الأوّليّة،و مع رفع الجزئيّة تكون البقيّة مصداقاً للمأمور به،و يسقط الأمر المتعلّق بالطبيعة،و هذا معنى الإجزاء.منه قدس سره‏

1)فوائد الأُصول 4:225.


347

و أمّا قياس نسيان الجزء بنسيان نفس المركّب فهو من عجيب الأمر;فإنّ‏عدم الإتيان بالمركّب لا يمكن أن يقتضي الإجزاء،بخلاف الإتيان به مع رفع‏جزئه بالحديث;فإنّ الناقص يصير مصداق المأمور به بعد حكومة الحديث‏على الأدلّة،و الإتيان به يقتضي الإجزاء.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ مقتضى جمع الحديث مع الأدلّة الأوّليّة،هوكون المكلّف به ما عدا الجزء المنسيّ في النسيان،من غير فرق بين المستوعب‏و غيره.

المقام الثالث‏حال الزيادة العمديّة و السهوية

فلا بدّ قبل التعرّض له من التنبيه على أمر،و هو أنّ وقوع الزيادة على وِزان‏وقوع النقيصة ممّا لا يتصوّر و لا يُعقل،سواء أُخذ المركّب بشرط لا و الجزءكذلك،أو كلاهما لا بشرط،أو أُخذا مختلفين;و ذلك لأنّ الجزئيّة من الأُمورالانتزاعيّة من تعلّق الأمر بمجموع أُمور في لحاظ الوحدة،كما مرّ سابقاً (1) فإذا تعلّق به كذلك ينتزع من المجموع الكلّية،و من كلّ واحد منها الجزئيّةللمأمور به،فالجزئيّة من الانتزاعيّات التابعة لتعلّق الأمر بالمركّب،فحينئذٍنقيصة الجزء ممكنة،فإنّها عبارة عن إتيان المركّب مع ترك ما اعتبر جزءً و أُخذفيه في لحاظ التركيب.

1)انظر صفحة:279-281 من هذا المجلَّد.


348

و أمّا الزيادة بهذا المعنى فإنّها تنافي الجزئيّة،فلا يعقل الإتيان بشي‏ءٍ مُعتبرفي المركّب لمكان انتزاع الجزئيّة و مع ذلك يكون زائداً1فوقوعُ الزيادة في‏1و قد تصدّى بعض المحقّقين لتصوير الزيادة الحقيقيّة،و أوضحه بمقدّمات:منها:لزوم كون الزيادة من سنخ المزيد فيه.و منها:اعتبار كون المزيد فيه محدوداً بحدّ مخصوص و لو اعتباراً.ثمّ قال:الثالث:أنّ أخذ الجزء أو الشرط في المركّب في مقام الاعتبار يتصوّر على وجوه:أحدها:بنحو بشرط لا من طرف الزيادة.و ثانيها:بنحو لا بشرط في طرف الزيادة،على معنى أنّه لو زِيد عليه لكان الزائد خارجاً عن‏المركّب;باعتبار عدم تعلّق اللحاظ بالزائد في مقام اعتباره جزءً للمركّب،كما لو فرض‏-في جعل مهيّة الصلاة-الركوع الواحد لا مقيّداً بكونه بشرط عدم الزيادة و لا طبيعةالركوع،فإنّ في مثله يكون الوجود الثاني خارجاً عن الصلاة;لعدم تعلّق اللحاظ به في‏مقام جعل الماهيّة.ثالثها:بنحو لا بشرط،بنحو لو زِيد عليه لكان الزائد-أيضا-من المركّب لا خارجاً عنه،كمالواعتبر الركوع الجامع بين الواحد و المتعدّد في الصلاة;أي في كلّ ركعة،لا الركوع الواحد.فحينئذٍ لا مجال لتصوّر الزيادة على الأوّل;لرجوعها إلى النقيصة،و كذا على الثاني;لأنّ‏الزائد عليه ليس من سنخ المزيد عليه;لخروج الوجود الثاني عن دائرة اللحاظ،فيستحيل‏اتّصافه بالصلاتيّة.و أمّا على الثالث فيتصوّر الزيادة الحقيقيّة،سواء أُخذ الجزء في مقام الأمر بشرط لا أولا بشرط بالمعنى الأوّل أو الثاني.أمّا على الأوّلين فظاهر;لأنّ الوجود الثاني من طبيعة الجزء ممّا يصدق عليه الزيادة بالنسبةإلى ما اعتبر في المأمور به من تحديد الجزء بالوجود الواحد;حيث إنّه بتعلّق الأمر بالصلاةالمشتملة على ركوع واحد تتحدد طبيعة الصلاة بالقياس إلى دائرة المأمور به منها بحدّيكون الوجود بالنسبة إلى ذلك الحدّ من الزيادة;لقلب حدّه إلى حدّ آخر،و إن لم تصدق‏


349

الأجزاء و الشرائط على وزان وقوع النقيصة فيهما ضروريّ البطلان،من غيرفرق بين أنحاء الاعتبارات المذكورة.الزيادة بالنسبة إلى المأمور به بما هو مأمور به.و كذلك الأمر على الأخير;إذ بانطباق صِرف‏الطبيعيّ على الوجود الأوّل في المتعاقبات تتحدد دائرة المركّب و المأمور به بحدّ قهراً يكون‏الوجود الثاني زيادة في المركّب و المأمور به،فتأمّل‏ (1) انتهى ملخّصاً.و لعلّه بالتأمّل أشار إلى وجوه من الخلط الواقع في كلامه،نذكر بعضها:منها:أنّ اللا بشرط بالمعنى الأوّل مع تمثيله بالركوع الواحد ممّا لا يرجع إلى محصّل;فإنّ‏معنى اللا بشرط هو أخذ نفس الطبيعة بلا قيد،لا الطبيعة المقيّدة بالوحدة،فحينئذٍ إن كان‏الواحد قيداً يصير بشرط الوحدة،و هو مساوق للماهيّة بشرط لا عن الزيادة،و إن لم يكن‏قيداً يكون المأخوذ نفس الطبيعة،فيرجع إلى المعنى الثاني من اللا بشرط.و منها:أنّ الظاهر من كلامه-كما صرّح به فيما يأتي‏ (2) أنّ ما يعتبر قبل تعلّق الحكم غيرما تعلّق به الحكم،و بهذا يريد تصوير الزيادة،و هذا بمكان من الغرابة;ضرورة أنّ اعتبارَالماهيّة قبل تعلّق الحكم لا بشرط ثمّ تعليق الحكم بها بنحو بشرط لا أو لا بشرط بالمعنى‏الثاني لغو محض،و إنّما يعتبر الناقص قبل تعلّق الحكم موضوعاً يريد أن يحكم عليه،فلا معنى لاعتباره بوجه ثمّ الرجوع عنه و اعتباره بوجه آخر يريد أن يحكم عليه،و لا يمكن‏الجمع بين الاعتبارين لتنافيهما.و منها:أنّه مع تسليم كلّ ذلك لا يتصوّر الزيادة;لأنّ ما يوجب البطلان هو الزيادة في‏المكتوبة،و الزيادة في صلاة المكلّف،و الموضوع الّذي اعتبره قبل تعلّق الحكم و لم يأمر به‏لم يكن مكتوبة و لا مرتبطة بالمكلّف حتّى يكون صلاته.و منها:أنّ الزيادة المتخيّلة لا تكون في المأمور به كما اعترف به،و لا يمكن أن تكون في‏الطبيعة اللا بشرط;لفرض كونها بنحو كلّ ما أُوجد يكون من المركّب،فأين الزيادة؟!منه قدس سره‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:436-438.

2)نفس المصدر السابق).


350

كما أنّ الزيادة بالمعنى العرفيّ ممكنة،فإنّ وجودَ الثاني لما أُخذ جزءًللمركّب زائد عرفاً،سواء أُخذ المركّب و الجزء لا بشرط أو بشرط لا أومختلفين،فإنّ الجزء إذا أُخذ بشرط لا،ينحلّ إلى ذات الجزء للمركّب و شرطللجزء له،فالإتيان بالوجود الثاني يكون زيادة لذات الجزء و نقيصة لشرطه،فالوجود الثاني كما هو منشأ انتزاع النقيصة يكون منشأ انتزاع الزيادة،فهوبذاته زيادة و باعتبار آخر منشأ للإخلال بقيد الجزء،و لا مانع من كون شي‏ءزيادة و منشأ للنقصان.فما أفاده المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه:-من اعتبار عدم الزيادة شرطاً أوشطراً في الواجب مع عدم اعتباره في جزئيّته،و إلاّ لم يكن من زيادته بل من‏نقصانه‏ (1) ليس على ما ينبغي.نعم،ها هنا بحث آخر وراء تصوير الزيادة،و هو أنّ البطلان هل يستندعقلاً إلى الزيادة أو إلى النقيصة؟و لا إشكال في أنّ الزيادة العمديّة فضلاً عن السهويّة لا تُوجب البطلان;لأنّ الفساد و البطلان إنّما ينتزع من عدم تطابق المأتيّ به للمأمور به،و الفرض‏أنّ الجزء الزائد بما أنّه زائد غير دخيل في المأمور به،فما هو الدخيل هو تقيّدالجزء أو المأمور به بعدمها،و بهذا الاعتبار يكون المأتيّ به غير منطبق على‏المأمور به،فالبطلان مستند إلى النقيصة لا الزيادة.كما أنّ الإتيان بضميمة زائدة-مع عدم أخذ عدمها قيداً في المأمور به أو

1)الكفاية 2:244.


351

في جزئه-على نحو التشريك في الداعويّة يوجب البطلان،لا للزيادة بما هي‏زيادة،بل لنقص ما هو معتبر عقلاً في الامتثال من كون الأمر مستقلاً في‏الداعويّة.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الزيادة مطلقاً لا توجب البطلان،إلاّ إذا أُخذ عدمهافي المركّب أو الجزء حتّى ترجع إلى النقيصة،فإذا شكّ في ذلك يكون من‏مصاديق الأقلّ و الأكثر،و المرجع فيه البراءة.ثمّ إنّه قد يتمسّك لصحّة ما أُتي به مع الزيادة بالاستصحاب،و يمكن‏تقريره بوجوه:أحدها:استصحاب عدم قاطعيّة الزيادة أو مانعيّتها بنحو العدم الأزليّ،فيشار إلى ماهيّة الزائد بأنّها قبل تحقّقها لم تكن متّصفة بالقاطعيّة،و الآن كماكان‏ (1) .و فيه ما عرفت سابقاً (2) :من عدم محفوظيّة الهذيّة;لأنّ الشي‏ء قبل‏تحقّقه لم يكن مشاراً إليه،و لا محكوماً بشي‏ء إثباتاً و نفياً،و الماهيّة قبل‏وجودها لا شيئيّة لها حتّى يقال:إنّها قبل وجودها كانت كذا،أو لم تكن‏كذا.و إن شئت قلت:لا بدّ في الاستصحاب من وحدة القضيّة المتيقّنةو المشكوك فيها،و ليس في السالبة بانتفاء الموضوع-على حذو سائر القضايا-

1)انظر فوائد الأُصول 4:232-233.

2)في صفحة:104-105 من هذا الكتاب.


352

موضوع و محمول و نسبة حاكية عن الواقع و لو بنحو من الحكاية،فاستصحاب العدم الأزليّ ممّا لا أصل له.مع إمكان أن يقال:إنّ إثبات صحّة المأتيّ به باستصحاب عدم‏اتّصاف الزائد بالقاطعيّة عقليّ،بل لا يبعد أن يقال:إنّ سلب قاطعيّته‏للصلاة الموجودة بذلك الاستصحاب-أيضا-عقليّ‏ (1) و فيه نظر آخر يطول‏ذكره.ثانيها (2) :استصحاب عدم وقوع القاطع في الهيئة الاتّصاليّة التي في‏الصلاة،بناءً على اعتبارها فيها-على ما سيأتي الإشارة إليه‏ (3) بأن يقال:إنّ الصلاة لها هيئة اتّصاليّة متحقّقة حين اشتغال المصلّي بها،و لم يكن القاطع‏واقعاً فيها قبل تحقّقها;أي تحقّق الزيادة،فإذا وجدت الزيادة يشكّ في‏حصول القاطع،فيستصحب عدمه.و بهذا البيان يمكن أن يستصحب عدم المانع لدى الشكّ في كون الزيادةمانعة.لا يقال:لعلّ الصلاة تكون مُتقيّدة بعدم المانع،و الاستصحاب لا يثبت‏التقيّد.فإنّه يقال:إنّه جار في نفس التقيّد-أي الكون الرابط-فإنّ استصحاب‏

1)انظر درر الفوائد 2:514،فوائد الأُصول 4:320.

2)فوائد الأُصول 4:233.

3)في صفحة:359 من هذا المجلّد.


353

عدم تحقّق المانع في الصلاة عبارة أخرى عن كونها بلا مانع،و هذا ممّالا إشكال فيه‏1.ثمّ إنّا لا نحتاج إلى إثبات الهيئة الاتّصاليّة للصلاة في جريان هذاالاستصحاب.و لا يخفى أنّ هذا إنّما يجري في غير ما يقارن الصلاة من أوّل وجودها،و إلاّ فلا يجري كاللباس المشكوك فيه،كما أنّ المفروض في القاطع أيضاكذلك.ثالثها (1) :استصحاب الهيئة الاتّصاليّة،و هي أمر اعتباريّ وراء نفس‏الأجزاء،يكون تحقّقها من أوّل وجود المركّب إلى آخره،فصار المركّب‏بحسب هذا الاعتبار أمراً وحدانيّاً متّصلاً كالموجودات الغير القارّة،يكون‏أوّله بأوّل جزئه،و يكون متّصلاً ممتدّاً بلا تخلّل عدم إلى آخره.و الأجزاء مع قطع النّظر عن هذا الاعتبار في المركّبات و إن كانت لهاوحدة بحسب الاعتبار;لأنّ المركّب يتقوّم بنحو من الوحدة،كما ذكرنا في‏1إلاّ أن يقال:إنّ عدم تحقّق المانع فيها ملازم عقلاً لكونها بلا مانع،نظير استصحاب‏عدالة زيد لإثبات كونه عادلاً،فإنّ الظاهر أنّه مثبت أيضا.ثمّ إنّ جريان هذا الاستصحاب موقوف على البناء على أنّ المانع و القاطع منتزعان‏من تقيّد المأمور به بعدمهما مع نحو اختلاف في اعتبارهما.و أمّا لو قلنا:إنّ اعتبارهمامن جعل الضدّية بينهما و بين المأمور به فلا يجري الاستصحاب;لكونه مثبتاً.منه قدس سره‏

1)فرائد الأُصول:290 سطر 1-السطر قبل الأخير.


354

باب الأقلّ و الأكثر (1) لكن السكونات المتخلّلة في البين إذا لم تعتبر الهيئةالاتّصاليّة تكون خارجة عن نفس المركّب،و معه تكون داخلة فيها،لا على‏حذو سائر الأجزاء فتكون في عرضها،بل هي أمر معتبر فيه كخيط يَنظِم‏شتات الأجزاء و يتّصل به بعضها ببعض،فيكون الآتي بالمركّب داخلاً فيه من‏أوّله إلى آخره حتّى في السكونات المتخلّلة.و هذا يحتاج إلى دليل يدلّ عليه،و قد دلّ عليه الدليل في الصلاة،فإنّهابحسب ارتكاز المتشرّعة-الكاشف القطعيّ عن اعتبار الشارع-أمر مستمرّمن أوّلها إلى آخرها،يصير المصليّ بتكبيرة داخلاً فيها إلى أن يخرج منهابالسلام،و يرى كلّ مصلّ نفسه داخلاً في الصلاة و مشتغلاً بها حتّى في‏السكونات.ألا ترى أنّ تعبيراتهم في باب فساد الصلاة هو القطع و النقض،فيقال:فلان قطع صلاته أو نقضها،ممّا يكشف عن كونها بحسب ارتكازهم أمراًمتّصلاً ممتداً قابلاً للقطع و النقض،و هذا أمر تلقّاه المتشرّعة كلّ طبقة عن‏طبقة،و كلّ خلف عن سلف،حتّى ينتهي إلى صاحب الشريعة.و يدلّ عليه الروايات المستفيضة المعبّرة عن جملة من المفسدات‏بالقواطع‏ (2) و لو لا اعتبار الهيئة الاتّصاليّة فيها لما يحسن التعبير

1)انظر صفحة:279-281 من هذا المجلَّد.

2)انظر الكافي 3:364-366 باب ما يقطع الصلاة...،الوسائل 4:1240-1253أبواب قواطع الصلاة.


355

بالقطع و القاطع.و استشكل بعض أعاظم العصر رحمه اللّه على استصحاب‏الهيئة الاتّصاليّة:تارةً:بأنّ مجرّد تعلّق النواهي الغيريّة لا يدلّ على اعتبار الهيئة الاتّصاليّةفيها;إذ من الممكن أن تكون الصلاة هي الأجزاء و الشرائط مُقيّدة بعدم‏تخلّل القواطع في أثنائها.و أُخرى:بأنّه بعد تسليم ذلك يمكن أن يمنع تعلّق الطلب بها على‏نحو تعلّقه بالأجزاء،بل هو إنّما تعلّق بنفس عدم تخلّل الالتفات و نحوفيها.و ثالثةً:على فرض تسليم ذلك،إلاّ أنّه لا إشكال في تعلّق الطلب بعدم‏وقوع القواطع فيها;لدلالة ظواهر الأدلّة عليه،فلا بدّ من علاج الشبهة عندوقوع ما يشكّ في قاطعيّته،و لا ترتفع باستصحاب الهيئة الاتّصاليّة;لأنّ‏الشكّ في بقائها مسبّب عن الشكّ في قاطعيّة الموجود،و الشّكّ المسببي‏لا يرفع الشكّ السببيّ إلاّ بالأصل المثبت،و على فرض منع السببيّة فلا أقلّ من‏كونهما متلازمين،فلا مجال لاستصحاب الهيئة لرفع الشّكّ عن قاطعيّةالزيادة،و لا بدّ من علاجه،و طريقه ينحصر بأصالة البراءة (1) انتهى ملخّصاً.و يرد على أُولاها:بأنّ استفادة الهيئة ليست من تعلّق النواهي الغيرية;ضرورة عدم دلالتها عليها،بل ممّا ذكرنا آنفاً.

1)فوائد الأُصول 4:235.


356

و على ثانيتها:أنّه بعد تسليم كونها مُعتبرة فيها بحسب الأدلّة لا معنى‏لإنكار تعلّق الطلب بها على نحو سائر ما يعتبر فيها،فإنّ الأجزاء و الشرائط-أيضا-لم يتعلّق بها طلب مستقلّ،بل لم يتعلّق الطلب إلاّ بالمركّب بما أنّه‏مركّب،و معلوم أنّه كلّ ما يعتبر فيه من الأجزاء و الشرائط يكون متعلّقاً له‏بعين تعلّقه بالمركّب،فمنع تعلّق الطلب الاستقلاليّ في محلّه،لكن الأجزاء-أيضا-لم يتعلّق بها الطلب كذلك،و أمّا منع تعلّقه مطلقاً على نعت تعلّقه‏بالأجزاء فممنوع.و على ثالثتها:أنّه تسليم تعلّق الطلب بالهيئة الاتّصاليّة لا مجال‏لتعلّقه بالقواطع أيضا;لأنّ شرطيّة أحد الضدّين و مانعيّة الآخر أو قاطعيّته‏ممّا لا يمكن،كما اعترف به و فصّله في الأمر الثالث في رسالته المعمولةفي اللباس المشكوك فيه،بل جعل امتناعه في الوضوح تالياً لامتناع اجتماع‏الضدّين فيه،فراجع‏ (1) .فحينئذٍ بعد تسليم تعلّق الطلب بالهيئة الاتصاليّة لا بدّ من صرف ظواهرالنواهي المتعلّقة بالقواطع عن ظاهرها إلى كونها إرشاديّة إلى اعتبار الهيئةالاتّصاليّة،فاستصحاب الهيئة كافٍ لإثبات الصحّة من غير احتياج إلى‏إحراز عدم قاطعيّة الزائد;لعدم تقيّد الصلاة بعدم القواطع،بل تتقيد بوجودالهيئة الاتصاليّة.إن قلت:امتناع شرطيّة أحد الضدّين و مانعيّة الآخر مُسلّم فيما إذا كان‏

1)منية الطالب في حاشية المكاسب 2:243-246.


357

الضدّان تكوينيّين،و أمّا في الأُمور الجعليّة الاعتبارية،كشرطيّة شي‏ء للمأموربه و مانعيّة شي‏ء له،ممّا تكون الشرطيّة باعتبار التقيّد بوجود شي‏ء،و المانعيّةباعتبار التقيّد بعدم شي‏ء،فممّا لا يمكن الالتزام به;لأنّ الضدّية لا تتحقّق‏إلاّ باعتبار أخذ عدم شي‏ء في تحقّق الآخر في عالَم الاعتبار و التشريع،فإنّ الطهور-مثلاً-لا يكون مضادّاً للحدث تكويناً،بل الضدّية إنّما هي‏باعتبار أخذ عدم الأحداث في تحقّق الوضوء حدوثاً و بقاءً،و من ذلك ينتزع‏الضدّية و التمانع.فإذاً لا يمكن تحقّق الضدّية بين الهيئة الاتّصاليّة و القواطع لها إلاّ باعتبارتقيّدها بعدمها،و إلاّ فمع عدم اعتبار عدمها فيها لا يكاد يحصل الرفق بين‏القهقهة و التبسّم،و لا بين البكاء لأمر الدنيا و لخوف اللّه تعالى حيث يكون‏أحدهما قاطعاً دون الآخر،و ليس ذلك إلاّ باعتبار أخذ عدم أحدهما فيهادون الآخر،فحينئذٍ لا محيص من اعتبار الهيئة الاتّصالية و اعتبار تقيّد الصلاةقدم القواطع،فلا بدّ من أخذ أحد الضدّين شرطاً و الآخر قاطعاً.قلت:ما يكون ممتنعاً هو جعل أحد الضدّين شرطاً لشي‏ء و الآخر قاطعاً له،بحيث يكون اعتبار كلا الضدّين وجوداً و عدماً في نفس المركّب;ضرورةلزوم اللّغويّة.و أمّا اعتبار عدم شي‏ء في شي‏ء،و اعتبار المتقيّد بذلك في شي‏ء آخر،فلا إشكال فيه،ففي باب الطهارة يكون عدم الأحداث المعهودة معتبراً فيهاحدوثاً و بقاءً،فتنتزع منه القاطعيّة و تقع الضدّية بينهما بهذا الاعتبار،لكن‏


358

ما جعل معتبراً في الصلاة هو الطهارة لا عدم الأحداث،فلا تكون الصلاة إلاّمشروطة بالطهارة.و قِس على ذلك اعتبار الهيئة الاتّصاليّة في الصلاة،فإنّها هي المعتبرةفيها،و أمّا القواطع فأعدامها معتبرة في تحقّق الهيئة الاتّصاليّة،لا في‏الصلاة في عرض الهيئة،فعدم القواطع قيد شرط الصلاة لا قيدها،فلا يكون‏ممتنعاً.إن قلت:ظاهر أدلّة القواطع أنّه قاطعة للصلاة نفسها;ضرورة أنّ قوله:(الالتفات إذا كان بكلّه يقطع الصلاة) (1) و قوله:(لا يقطع الصلاة إلاّ أربع:الخلإو البول،و الريح،و الصوت) (2) ظاهران في كونها قاطعة لنفس الصلاة،لا أنهاقاطعة لشرطها و ينسب القاطعيّة إليها بالعرض و المجاز.قلت:-مضافاً إلى أنّ ما نتعرّض‏له‏ها هنا إنّما هو تصوّرات في مقام‏الثبوت،و لاستفادة شرائط الصلاة و قواطعها محلّ آخر-إنّه بعد إثبات كون‏الصلاة ذات هيئة اتّصاليّة بالارتكاز القطعيّ من المتشرّعة و دلالة أدلة القواطع،لا مجال لهذا الإشكال;لأنّ المركّب كما أنّه موجود بعين وجود أجزائه‏و شرائطه لا بوجود آخر مسبّب منهما،كذلك عدمه بنفس عدمهما،لا أنّ‏

1)الاستبصار 1:405-1 باب 244 في الالتفات في الصلاة..،الوسائل 4:1248-3 باب 3 من أبواب قواطع الصلاة،بتفاوت يسير.

2)الكافي 3:364-4 باب ما يقطع الصلاة،الاستبصار 1:440-1 باب 242 في أنّ‏البول و الغائط و الريح يقطع الصلاة..،الوسائل 4:1240-2 باب 1 من أبواب قواطع‏الصلاة،بتفاوت يسير.


359

عدمه مسبّب عن إعدامهما،فانتساب قواطع الهيئة إلى الصلاة لا يوجب‏مجازاً في اللفظ و لا مخالفة للظواهر.رابعها:استصحاب الصحّة التأهّليّة للأجزاء بعد وقوع ما يشكّ في‏قاطعيّته أو مانعيّته‏ (1) و معنى الصحّة التأهّليّة:أنّ الأجزاء السالفة تكون لهاحيثيّة استعداديّة للحوق الأجزاء اللاحقة بها،و لم تخرج بواسطة تخلّل‏ما يشكّ في قاطعيّته عن تلك الحيثيّة،و لم يبطل الاستعداد بواسطته.فحينئذٍ لا يرد عليه ما أورده بعض أعاظم العصر (2) :من أنّه استصحاب‏تعليقيّ أوّلاً،و لا مجال لجريانه ثانياً;لأنّ معنى الصحّة التأهليّة هو أنّه‏لو انضمّ إليها البقيّة تكون الصلاة صحيحة،و هذا المعنى فرع وقوع‏الأجزاء السالفة صحيحة،و هذا ممّا يقطع به،فلا شكّ حتّى يجري‏الاستصحاب;لما عرفت أنّ معنى الصحة التأهّليّة هو الحيثيّة الاستعداديّةالمعتبرة في الأجزاء السابقة لتأهّل لحوق البقيّة إليها،و هذا أمر مشكوك فيه،و لا يكون تعليقيّاً.نعم يرد على هذا الاستصحاب:أنّ أصالة بقاء الاستعداد في الأجزاءالسابقة لا يثبت ربط الأجزاء اللاحقة بها و تحقّق الصحّة الفعليّة إلاّ بالأصل‏المثبت.

1)فرائد الأُصول:289-290،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:441 سطر 11-22.

2)فوائد الأُصول 4:232-233.


360

المقام الرابع‏و هو قيام الدليل على خلاف ما اقتضت القاعدة

فقد قامت الأدلّة على بطلان الصلاة بالزيادة:منها:ما في الكافي بإسناده عن أبي بصير،قال:قال أبو عبد اللّه-عليه‏السلام-:(من زاد في صلاته فعليه الإعادة) (1) .و منها:ما فيه بإسناده عن زُرارة و بُكير ابني أعين،عن أبي جعفر-عليه‏السلام-قال:(إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتدّ بها،و استقبل صلاته‏استقبالاً إذا كان قد استيقن يقيناً)1.و منها غير ذلك.و بإزائها حديث(لا تعاد):و هو ما عن محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن زرارة،عن أبي جعفر1الكافي 3:354-2 باب من سها في الأربع و الخمس...،الوسائل 5:332-1 باب‏19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.بكير بن أعين:ابن سنسن الشيباني الكوفي،يكنى أبا عبد اللَّه،و يقال أبو الجهم،روى عن‏الإمام الباقر و الإمام الصادق عليهما السلام،و روى عنه أبان و جميل بن دراج و حريزو غيرهم.مات في حياة الصادق عليه السلام .اُنظر معجم رجال الحديث 3:352،رجال‏الكشي 2:419.

1)الكافي 3:355-5 باب من سها في الأربع و الخمس...،الوسائل 5:332-2 باب‏19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.


361

-عليه السلام-أنّه قال(:لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة:الطهور،و الوقت،و القبلة،و الركوع،و السجود،ثمّ قال:القراءة سُنّة،و التشهّد سُنّة،و لا تُنقض السُّنّةُالفريضة) (1) .و المهم بيان نسبة الحديثين و ما هو بمضمونهما مع حديث(لا تعاد.).فنقول:أمّا ما دلّ بظاهره على بطلان الصلاة بمطلق الزيادة كالحديث الأوّل،و كقوله فيمن أتمّ في السفر:(إنّه يعيد;لأنّه زاد في فرض اللّه) (2) و ما ورد في‏النهي عن قراءة العزيمة في الصلاة،معلّلاً بأنّ:(السجود زيادة في المكتوبة) (3) فالظاهر منها أنّ كلّ زيادة في الصلاة موجبة للبطلان،أعمّ من أن تكون من‏سنخ الصلاة كالركعة و الركعتين،أو من نسخ الأجزاء كالسجدة و الركوع‏و القراءة،أو من غيرهما كالتكتّف و قول:«آمينَ»و أمثالهما إذا أتى بها بعنوان‏الصلاة،فإن‏هذه‏كلّها زيادة في المكتوبة.و استظهار شيخنا العلاّمة-أعلى اللّه مقامه-من قوله:(من زاد في‏صلاته.).إلخ أنّه بمعنى الزيادة التي من سنخ الصلاة،و لا تتحقّق إلاّ بالركعة،

1)الفقيه 1:225-8 باب 49 في أحكام السهو في الصلاة،التهذيب 2:152-55باب 9 في تفصيل ما تقدّم ذكره في الصلاة،الوسائل 4:770-5 باب 29 من أبواب‏القراءة في الصلاة.

2)الوسائل 5:532-8 باب 17 من أبواب صلاة المسافر،و الحديث قد نقل بالمضمون.

3)الكافي 3:318-6 باب عزائم السجود،الوسائل 4:779-1 باب 40 من أبواب‏القراءة في الصلاة.


362

كقوله:«زاد اللّه في عمرك» (1) منظور فيه،بل الظاهر أنّ كلّ زيادة إذا زادت‏بعنوان الدخولِ في الصلاة و كونِها جزءً منها-جهلاً كانت أو عمداً أو سهواًأو نسياناً-تعدّ زيادة في المكتوبة.نعم لو لم يأتِ‏بهابعنوان الصلاة لم يصدق أنّه زاد في صلاته،و لم تدلّ‏مثل هذه الأدلّة على بطلانها بها إلاّ قوله في باب زيادة سجدة العزيمة إنّها:(زيادة في المكتوبة) (2) فإنّه يدلّ على أنّ الإتيان بأمثالها و لو بعنوان آخر من‏الزيادة.و بالجملة:أن قوله:(من زاد في صلاته فعليه الإعادة)ظاهر في مطلق الزيادة:و أمّا قوله:(لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة.).إلخ،فهو و إن كان شموله لمطلق‏النقصان و الزيادة و لو عن عمد ممّا لا محذور فيه عقلاً;لإمكان أن يكون‏الإتيان بالخمسة موجباً لاستيفاء مرتبة من المصلحة ممّا لا يبقى معه مجال‏لاستيفاء المصلحة ثانياً بإعادتها مع بقيّة الأجزاء،لكنّه منصرف عن الزيادةالعمدية قطعاً،و أمّا الزيادة من غير العمد فلا إشكال في شموله لها،إلاّ أنّ‏المحكيّ عن المشهور اختصاصه بالخلل السهويّ‏ (3) .

1)انظر كتاب الصلاة للعلاّمة الحائري:312،درر الفوائد 2:491 و 493.

2)الكافي 3:318-6 باب عزائم السجود،الوسائل 4:779-1 باب 40 من أبواب‏القراءة في الصلاة.

3)كتاب الصلاة للشيخ الأعظم:217 سطر 3-4،فرائد الأُصول:293سطر 712 حاشية فرائد الأُصول:159 سطر 5،أوثق الوسائل في شرح الوسائل:384 سطر 33-34،فوائد الأُصول 4:239،نهاية الأفكار-القسم الثاني من‏الجزء الثالث:433 سطر 9-19.


363

و أمّا محتملات الحديث فكثيرة،لا يبعد كون الأظهر منها أنّه لا تعادالصلاة من قبل شي‏ء زيادة أو نقيصة إلاّ من قبل الخمسة زيادة أو نقيصة،و عدم تصوّر الزيادة في بعضها لا يضرّ بالظهور.و دعوى ظهوره في النقيصة فقط،أو في النقيصة في المستثنى دون‏المستثنى منه حتّى تصير الزيادة في الخمسة داخلة في المستثنى منه‏ (1) .مدفوعة،ضرورة أنّ الزيادة في الماهيّة بشرط لا مضرّة عرفاً بما أنّها زيادة فيهاو إن كانت راجعة إلى النقيصة عقلا،فإذا قيل:إنّ الصلاة أوّلها التكبيرو آخرها التسليم من غير زيادة و نقيصة،تكون الزيادة مُخلّة بها عرفاً،من غيرتوجّه إلى أنّ العقل بحسب الدقة يحكم بأنّ عدم الزيادة من قيود المأمور به‏و ترجع الزيادة إلى النقصان،كما يشهد بذلك التعبير في الروايات بالزيادة في‏المكتوبة،فإذا قيل:(لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة)يكون ظهوره العرفيّ أنّ‏الزيادة و النقيصة الواردتين عليها من قِبل غير الخمسة لا توجبان الإعادة،بخلاف الخمسة فإنّ زيادتها أو نقيصتها مُخلّة.فحينئذٍ تصير النسبة بين(لا تعاد.).و قوله:(من زاد في صلاته فعليه الإعادة)هي العموم من وجه،إن قلنا بأنّ المستثنى و المستثنى منه جملتان مستقلّتان‏يقاس كلّ منهما إلى غيره في مقام التعارض بعد ورود الاستثناء على المستثنى‏منه،فتنقلب النسبة،فإنّ جملة المستثنى منه حينئذٍ تختصّ بغير الأركان و تعمّ‏

1)أوثق الوسائل في شرح الوسائل:384 سطر 23-26.


364

الزيادة و النقيصة،و قوله:(من زاد.).يختصّ بالزيادة و يعمّ الأركان و غيرها،فيقع التعارض بينهما في الزيادة الغير الركنيّة.و إن قلنا بأنّهما جملة واحدة لهما ظهور واحد تلاحظ النسبة بينها و بين‏غيرها بنسبة واحدة و لحاظ واحد،يمكن أن يقال أيضا:بينهما العموم من‏وجه;لأنّ(لا تعاد.).أعمّ من النقيصة و الزيادة،و لا يشمل الزيادة العمديّةانصرافاً،و هو بمنزلة التقييد،و قوله:(من زاد.).أعمّ من العمد و غيره على‏الأظهر.و لو قلنا بأنّه منصرف-أيضا-عن العمد;لأنّ الزيادة العمديّة لا تصدر من‏المكلّف الّذي بصدد إطاعة المولى،فيكون منصرفاً عنها،و البطلان بسببها إنّماهو بالمناط القطعيّ أو بدلالة نفس أدلّة الأجزاء و الشرائط،فتصير النسبةُ الأعمَ‏المطلق;لأنّ الموضوع في(لا تعاد.).هو الصلاة بلحاظ جميع الأجزاءو الشرائط،و المحمول كالمردّد بين الركنيّة و غيرها،فحديث(لا تعاد.).كقضيّةمردّدة المحمول،فيكون الملحوظ فيها كلّ الأجزاء و الشرائط و إن كان حكمهامختلفاً،و قوله:(من زاد.).أيضا-يشمل كلّ الأجزاء إلاّ أنّه مختصّ‏بالزيادة،فحينئذٍ يخصّص(لا تعاد.).بالنقيصة،فتبقى الزيادة موجبة للبطلان‏بمقتضى الدليل الخاصّ.و أمّا بناءً على كون النسبة هي العموم من وجه،فقد يقال:إنّ حديث‏(لا تعاد.).حاكم على قوله:(من زاد.).و على سائر الأدلّة الدالّة على بطلان‏الصلاة بالزيادة،كما أنّه حاكم على الأدلّة المعتبرة للأجزاء و الشرائط،


365

فقد ذهب إليه العلاّمة الأنصاريّ‏ (1) قدّس سرّه-و تبعه المحقّقون‏ (2) .و قيل في وجه حكومته:إنّ قوله:(من زاد في صلاته فعليه الإعادة.).إنّما هوبصدد بيان كون الصلاة متقيدة بعدم الزيادة،فهو على وِزان الأدلّة الدالّة على‏اعتبار الأجزاء و الشرائط،فقوله:(لا تعاد.).ناظر إلى تحديد حدودها بأنّ‏الزيادة و النقيصة السهويّة لا توجب الإعادة،فهو حاكم عليها (3) .و لا يخفى ما فيه;لأنّ قوله:(من زاد في صلاته.).إنّما هو متعرّض‏للزوم الإعادة في صورة الزيادة،و إن كان ملازماً لتقيدها بعدم‏الزيادة،و الحكومة إنّما تتقوّم بلسان الدليل،و معلوم أنّ لسان(لا تعاد.).و لسان(عليه الإعادة.).واحد،من غير أن يتعرّض أحدهما لما لا يتعرّض‏الآخر.و بالجملة:ليس فيهما ميزان الحكومة،و فرق بين قوله:«فاتحة الكتاب‏-مثلاً-جزء الصلاة»،أو«اقرأ في الصلاة»و بين قوله:(من زاد في صلاته فعليه‏الإعادة.).;فإنّ الأوّل متعرّض لاعتبار القراءة فيها من غير تعرّض لحال‏تركها أو زيادتها،و لسان(لا تعاد.).المتعرّض لحال تركها أو زيادتها لعذرٍلسانُ الحكومة.و أمّا الثاني فهو متعرّض لحال الزيادة و أنّه يجب الإعادة معها،و لسانه لسان(لا تعاد.).بعينه.

1)فرائد الأُصول:293 سطر 12

2)درر الفوائد 2:145،فوائد الأُصول 4:238،أوثق الوسائل في شرح الرسائل:384سطر 35 و 385 سطر 21،نهاية الدراية 2:294 سطر 8-11.

3)نهاية الدراية 2:293 سطر 11-15.


366

و الميزان الّذي حقّقناه في الحكومة-من كون دليل الحاكم متعرّضاً لعقدالوضع أو الحمل توسعةً أو تضييقاً،أو متعرّضاً لسلسلة العلل أو المعلولات-لم يكون في المقام،فإنّ الدليلين هاهنا كلّ منهما متعرّض لما تعرّض الآخر،و ينفي أحدهما ما يثبت الآخر مع وحدة الموضوع و المحمول.هذا،و لكن يمكن أن يقال:إنّ حديث(لا تعاد.).أقوى ظهوراً من‏تلك الأدلّة;لقوّة ظهوره لأجل الاستثناء،و لأجل اشتمال ذيله على‏قوله:(...القراءة سنّة،و التشهّد سنّة،و لا تنقض السنّة الفريضة)لكونه تعليلاًللحكم.بل يمكن أن يقال:إنّ لقوله:(السنّة لا تنقض الفريضة.).نحو حكومة على‏الأدلّة;لأنّ النقض و اللا نقض في سلسلة علل الإعادة،فإذا قيل:لا ينقض‏الصلاةَ الزيادةُ الكذائية تنهدم علّة الإعادة.لكن في تقديم(لا تعاد.).على(من زاد في صلاته..).إشكال آخر،و هولزوم تخصيص الأكثر منه في الأدلّة،فإنّ في المستثنى من حديث(لا تعاد.).لا يتصوّر الزيادة إلاّ في الركوع و السجود،و الزيادة العمدية على فرض دخولهافي تلك الأدلّة تكون نادراً.مضافاً إلى إمكان دعوى أنّ حديث(لا تُعاد.).يكون شموله للزيادةظهوراً ضعيفاً;حتّى أنكره بعض الفحول و ادّعى ظهوره في النقيصة (1) فيحمل الحديث على النقيصة حملاً للظاهر على الأظهر،فتبقى الزيادة

1)درر الفوائد 2:144-145.


367

موجبة للبطلان مطلقاً1.هذا حال(لا تعاد.).مع قوله:(من زاد في صلاته‏فعليه الإعادة).و أمّا النسبة بينه و بين قوله:(إذا استيقن أنّه في صلاته.).إلخ،فهي‏العموم من وجه إن اعتبرت بينهما بلحاظ المستثنى منه;فإنّ(لا تعاد.).أعمّ‏من الزيادة و مختصّ بغير الخمسة،و(إذا استيقن.).أعمّ من الخمسة و مختصّ‏بالزيادة.و إن اعتبرت بلحاظ مجموع المستثنى و المستثنى منه-كما أشرنا إليه‏آنفاً (1) فالنسبة هي العموم المطلق;فإنّ(لا تعاد.).أعمّ من الزيادة و النقيصة،و متكفّل بجميع أجزاء الصلاة و شرائطها،و أعمّ من السهو و سائر الأعذار،بل الجهل عن تقصير-أيضا-بحسب الظاهر مع قطع النّظر عن الجهات‏الخارجية،و الحديث مختصّ بالزيادة،و مثل(لا تعاد.).في سائر الجهات.فعلى الثاني يُخَصّ(لا تعاد.).بالنقيصة،و على الأوّل يقع التعارض‏بينهما،و قضيّة الحكومة قد عرفت حالها،و تقديم(لا تعاد.).عليه موجب للتخصيص الأكثر،و أمّا تقديمه على(لا تعاد.).فلا محذور فيه،1و يمكن التخلّص عن الإشكال بحمل قوله:(من زاد في صلاته).على زيادة الركعة أوالركن-كما ادّعى شيخنا ظهورها في الأوّل‏ (2) و هذا أقرب إلى فتاوى الأصحاب،و إن‏ضعّفناه سابقاً (3) في نفسه.منه قدس سره‏

1)انظر صفحة:363 من هذا الكتاب.

2)انظر صفحة:361 من هذا الكتاب.

3)انظر صفحة:362 من هذا الكتاب.


368

إلاّ إذا صحّ الإجماع على الملازمة بين مبطلّية الزيادة السهويّة و مبطليّةالنقيصة السهويّة;لما يلزم منه صيرورة(لا تعاد.).بلا مورد،لكن الدعوى‏غير ثابتة.و لكن الّذي يسهّل الخطب أنّ هذا الحديث قد رواه في الكافي‏ (1) و التهذيب‏ (2) و الاستبصار (3) على ما في الوافي‏ (4) كما قدّمنا،و رواه في‏الوسائل‏ (5) مع زيادة(ركعة)فيه،و كذا رواه في شرح الكافي في باب السهوفي الركوع‏ (6) بالسند المذكور بإسقاط بكير بن أعين،و المتن المذكور بزيادةلفظة(ركعة)،و في باب من سها في الأربع و الخمس‏ (7) رواها عن زُرارةو بُكير بلا زيادة لفظ(ركعة)مع تفاوت يسير،ممّا يطمئنّ الفقيه بأنّهما روايةواحدة قد سها بعض الرّواة فيها بزيادة أو نقص،و في دوران الأمر بينهمالا يبعد تقديم أصالة عدم الزيادة.و بالجملة:من لاحظ الروايتين يطمئنّ بأنّهما واحدة،و لا أقلّ من أنّه‏

1)الكافي 3:354-2 باب من سها في الأربع و الخمس..

2)التهذيب 2:194-64 باب 10 في أحكام السهو في الصلاة.

3)الاستبصار 1:376-1 باب 219 فيمن تيقّن أنه زاد في الصلاة.

4)الوافي 2:144 باب السهو في أعداد الركعات من أبواب ما يعرض المصلي من‏الحوادث.

5)الوسائل 4:938-1 باب 14 من أبواب الركوع و 5-332-1 باب 19 من أبواب‏الخلل الواقع في الصلاة.

6)الكافي 3:348-3 باب السهو في الركوع،مرآة العقول 15:187-3.

7)الكافي 3:354-2 باب من سها في الأربع و الخمس،مرآة العقول 15:200-2.


369

لا يبقى وثوق بالنسبة إليها فتصير مُجملة،و القدر المتيقّن منها هو زيادةالركعة،و لا يبعد أن تكون(الركعة)بمعنى الركوع كما أُطلقت عليه في‏روايات أُخر (1) فلا معارضة بينها و بين حديث(لا تعاد.)1.و بعض أعاظم العصر رحمه اللّه على ما في تقريرات بحثه‏ (2) قدارتكب اشتباهاً في بيان النسبة بين هذه الرواية و(لا تعاد.).ممّا لا ينقضي منه‏العجب،فراجع.و أعجب من ذلك ما وقع منه أو من الفاضل المقرّر-رحمهما اللّه-في‏ذيل قوله:«تكملة»،فإنّه بعد بيان ما صدق عليه الزيادة و ما لم يصدق قال‏ما حاصله:إنّ الظاهر من التعليل في بعض الأخبار الناهية عن قراءة العزيمة في‏الصلاة من أنّ:(السجود زيادة في المكتوبة) (3) أنّه لا يعتبر في صدقها عدم‏قصد الخلاف،بل الإتيان بمطلق مسانخ أفعال الصلاة زيادة.و لكن يمكن أن يقال:إنّ المقدار المستفاد منه صدق الزيادة على ما لا يكون‏1و ظنّي أنّ الكُليني لم يروِ الرواية تارةً مع الزيادة و أُخرى مع النقيصة،بل رواها مع الزيادة،و لمّا احتمل في قوله:(ركعة)أن يكون بمعنى الركوع أثبتها في باب سهو الركوع،و لمّا كان‏ظاهرها زيادة الركعة أثبتها في السهو في الركعات.منه قدّس سرّه‏

1)التهذيب 2:148-38 باب في تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة،تفسير القمّي 1:42،الوسائل 4:934-935 باب 11 من أبواب الركوع و 4:928-8 باب 6 من‏أبواب الركوع.

2)فوائد الأُصول 4:239-240.

3)الكافي 3:318-6 باب عزائم السجود،الوسائل 4:779-1 باب 40 من أبواب‏القراءة في الصلاة.


370

له حافظ وحدة و لم يكن بنفسه من العناوين المستقلّة،و أمّا ما كان كذلك‏كإتيان صلاة في أثناء صلاة الظهر،فالظاهر عدم اندراجه فيه;لأنّ السجودو الركوع المأتيّ بهما لصلاة أُخرى لهما بصلاة الظهر،و لا تصدق‏عليهما الزيادة فيها.و يؤيّد ذلك بل يدلّ عليه:ما ورد في بعض الأخبار (1) أنّه لو ضاق وقت‏صلاة الآيات،و خاف المكلّف أنّه لو أخّرها إلى فراغ اليوميّة يفوت وقتها،صلاّها في أثناء الصلاة اليوميّة،و يبني عليها بعد الفراغ من الآيات من غيراستئناف،و ليس ذلك إلاّ لعدم صدق الزيادة،فيمكن التعدّي إلى عكس‏المسألة بإتيان الصلاة اليوميّة في أثناء الآيات في ضيق الوقت،فإنّ بطلان‏الآيات إمّا للزيادة فالمفروض عدم الصدق،و إمّا لفوات الموالاة فلا ضير فيه إذاكان لأجل واجب أهمّ،و على هذا يبتني جواز الإتيان بسجدتي السهو من‏صلاة في أثناء صلاة أُخرى‏ (2) انتهى.و فيه أوّلاً:أنّ كون الشي‏ء ذا عنوان مستقلّ لا دخل له بصدق الزيادة و عدم‏صدقها،و لا مجال للتشكيك في أنّ العرف يفهم من التعليل الوارد في باب‏النهي عن قراءة العزيمة من أنّ(السجدة زيادة في المكتوبة)أنّ الإتيان بصلاةمشتملة على التكبير و الركوع و السجود و السلام أنّها زيادة فيها.

1)انظر الفقيه 1:346-22 باب 81 في صلاة الكسوف و الزلازل،الوسائل 5:147-148-2-4 باب 5 من أبواب صلاة الكسوف.

2)فوائد الأُصول 4:242-243.


371

نعم لو لا التعليل الوارد في هذه الرواية يمكن أن يقال:إن الإتيان بشي‏ءبغير عنوان الصلاة لا يعدّ من الزيادة-كما أشرنا إليه سابقاً (1) كان له عنوان‏مستقلّ أو لم يكن.و ثانياً:أنّ سجدة العزيمة-أيضا-لها عنوان مستقلّ و لها حافظ و حدة،فلِمَ‏صارت الصلاة عنواناً مستقلاً دون سجدة العزيمة،مع أنّها عنوان مستقلّ‏مسبّب عن تلاوة آية السجدة؟!و ثالثاً:ما الفرق بين سجدة العزيمة و سجدتي السهو؟!حيث يظهر منه‏عدم إبطالهما الصلاة،مع أنّهما أشبه بعدم الاستقلال.و رابعاً:أنّ ما ورد في بعض الأخبار إنّما هو في عكس المسألة،و هو ما إذاضاق وقت الفريضة اليوميّة في أثناء صلاة الآيات،فدلّ الدليل على إقحامهافي وسطها و البناء عليها بعد الفراغ من اليوميّة،و قد أفتى الأصحاب على‏طبقها (2) و لا محذور فيه،و لكن لا يجوز إسراء الحكم إلى إقحام الآيات في‏اليوميّة،أو إقحام يوميّة في يوميّة أُخرى;لجواز أن يكون للآيات خصوصيّةبها جاز إقحام اليوميّة فيها دون العكس.و خامساً:أنّ ما ذكره-من أنّ البطلان إمّا للزيادة فلا تصدق،و إمّا لفوات‏الموالاة فلا ضير;لأهميّة الفريضة-ممنوع و لو على اشتباهه;لأنّ أهميّة

1)انظر صفحة:362 من هذا المجلَّد.

2)مدارك الأحكام 1:234 سطر 12-13،رياض المسائل 1:201 سطر 35-السطرالأخير.


372

الفريضة لا توجب سقوط الموالاة إذا دلّ الدليل على اعتبارها مطلقاً،بل إنّماتوجب تقديم الأهمّ على المهمّ و إتيانه خارج الوقت،إلاّ أن يسقط لأجل‏أهميّة الوقت.نعم لو دلّ الدليل على طبق اشتباهه لا يبعد إلغاء الخصوصيّة عرفاً بالنسبةإلى سائر الفرائض.و لا يخفى أنّ أمثال هذه الاشتباهات العظيمة من الأعاظم إنّما هي‏للاعتماد على الحافظة و الاغترار بها،و ليكن المحصّلون على ذكر من أمثاله،و لا يعتمدون في الأحكام الشرعيّة على حفظهم،فإنّه لا يتّفق للإنسان‏العصمة من الزلل إلاّ مَن عصمه اللّه.

البحث في تعذر الجزء أو الشرط

قوله:الرابع:أنّه لو علم بجزئيّة شي‏ء...إلخ‏ (1) .(1)محصّل الكلام في المقام أنّه قد يكون للدليل الدالّ على المركّب إطلاق‏دون دليل اعتبار الجزء أو الشرط،و قد يكون بعكس ذلك،و قد لا يكون لواحدمنهما إطلاق،و قد يكون لكليهما.لا إشكال في الأوّلين;لأنّه على الأوّل منهما يجب الإتيان بالمركّب الفاقدللجزء أو الشرط بحكم إطلاق دليله،و على الثاني لا يجب;لتعذّره بتعذّرجزئه أو شرطه.

1)الكفاية 2:245.


373

و أمّا إذا كان لكلا الدليلين إطلاق،فإمّا أن يكون لأحدهما تقدّم على‏الآخر بنحو الحكومة أو غيرها،أو لا.فعلى الأوّل:فإن كان التقدّم لدليل المركّب يكون حكمه كإطلاقه،أولدليل الجزء أو الشرط فكإطلاق دليلهما.و أمّا ما يقال:من أنّ إطلاق دليل القيد حاكم على إطلاق دليل المقيّد،كحكومة إطلاق القرينة على ذيها (1) فممنوع في المقيس و المقيس عليه.أمّا في باب قرائن المجاز;فلأنّ التقدّم ليس على نحو الحكومة غالباً،بل من باب تقديم الأظهر على الظاهر،و الفرق بين البابين مُحقّق في‏محلّه‏ (2) .و أمّا فيما نحن فيه;فلأنّ دليل المركّب قد يكون حاكماً على دليل اعتبارالجزء أو الشرط،كقوله:(الصلاة لا تترك بحال)بالنسبة إلى قوله:(اقرأ)أو(الركوع جزء الصلاة)مثلاً.لا يقال:المركّب ينتفي بانتفاء جزئه،و كذا المقيّد بانتفاء قيده،فلا تكون‏الصلاةُ بلا قراءة أو ركوع أو ستر صلاةً،فلا يكون دليل المركّب حاكماً على‏دليلهما،بل العكس أولى.فإنّه يقال:المفروض في المقام هو القول بالأعمّ في باب الماهيّات المركّبة،و إلاّ لا وجه للتمسّك بالإطلاق،فالفاقد لهما صلاة،و قوله:(الصلاة لا تُترك‏

1)فوائد الأُصول 4:250.

2)انظر رسالة الاستصحاب ضمن كتاب(الرسائل)للسيد الإمام قدس سره،237-239.


374

بحال) (1) حاكم على أدلّتهما،و وجه الحكومة أنّ دليل المركّب تعرّض لمالا تتعرّض له أدلّة اعتبار الجزء و الشرط،و هو مقام الترك المتأخّر عن اعتبارهما،و قد ذكرنا في محلّه أنّه داخل في باب الحكومةنعم قد يكون دليل اعتبارهما حاكماً على دليل المركّب،كقوله:(لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب) (2) و(لا صلاة إلاّ بطهور) (3) فإنّهما حاكمان‏على قوله:(الصلاة لا تُترك بحال)فضلاً عن غيره من أمثال قوله: أقِمِ الصلاةَ (4) .و أمّا لو لم يكن لأحد الدليلين حكومة،أو تقدّم على الآخر مع قطع النّظرعن باب الترجيح،يكون الحكم كما لو لم يكون لهما إطلاق.و لعل‏1إلى ما ذكرنا-من التفصيل بين ما إذا كان دليل اعتبارهما مثل‏قوله:(لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب)أو(لا صلاة إلاّ بالطهور)و بين غيرهما ممّالا يكون لدليل اعتبارهما حكومة على دليل المركّب-يرجع ما نسب من‏1وجه رجوعه إليه:أنّه في صورة حكومة دليل اعتبارهما يصير المركّب متعذّراً،فيسقطالأمر به،و في صورة عدم الحكومة،يكون قوله:(الصلاة لا تترك بحال)محكّماً،فيجب‏الإتيان به.منه عفي عنه‏

1)انظر جواهر الكلام 5:232،مستمسك العروة الوثقى 4:382.

2)عوالي اللئالي 1:196-2 و 2:218-13،مستدرك الوسائل 1:274-5 باب 1 من‏أبواب القراءة الصلاة.

3)الفقيه 1:35-1 باب 14 فيمن ترك الوضوء..،دعائم الإسلام 1:100،الوسائل 1:256-1 باب 1 من أبواب الوضوء.

4)الإسراء:78.


375

التفصيل إلى الوحيد البهبهاني‏1قدّس سرّه-على ما في تقريرات بعض‏أعاظم عصرنا،لا إلى ما ذكره من التوجيه،فإنّه غير وجيه.قال ما محصّله:إنّ مقتضى إطلاق دليل القيد سقوط الأمر بالمقيّد عندتعذّر القيد مطلقاً،سواء يستفاد القيد من مثل(لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب)أومن مثل:الأوامر و النواهي الغيريّة،و قد نسب التفصيل بينهما إلى الوحيدالبهبهاني،فذهب إلى سقوط الأمر بالمقيّد عند تعذّر القيد في الأوّل دون‏الثاني.و يمكن توجيهه:بأنّ الأمر الغيريّ مقصور بالتمكّن من متعلّقه;لاشتراطكلّ خطاب بالقدرة عليه،فلا بدّ من سقوط الأمر بالقيد عند عدم التمكّن‏منه،و يبقى الأمر بالباقي على حاله،و هذا بخلاف القيدية المستفادة من مثل‏قوله:«لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب،و الطهور»ممّا يفيد القيديّة بلسان الوضع‏لا التكليف،فلا يشترط فيه القدرة،هذا غاية ما يمكن توجيهه.و لا يخفى ما فيه;لأنّ القدرة معتبرة في مُتعلّقات التكاليف النفسيّة،1الوحيد البهبهاني:هو الإمام المحقق الشيخ محمّد باقر بن محمّد أكمل الأصفهاني‏البهبهاني،ركن الطائفة و عمادها،و أورع نساكها و عبادها،الشهير بالأستاذ الأكبرو بالوحيد،ولد سنة 1118 ه في مدينة أصفهان،انتهت إليه في عصره زعامة الشيعةو رئاسة المذهب الإمامي،خرج من معهد درسه جم من أعلام الدين و شيوخ الطائفة منهم‏السيد المقدس الأعرجي،و الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء،و السيد مهدي بحر العلوم،توفي سنة 1205 ه و دفن في حرم الإمام الحسين عليه السلام .انظر الكنى و الألقاب 2:99،الكرام البررة:171،مستدرك الوسائل 3:384.


376

لكونها طلباً مولويّاً و بعثاً فعليّاً،بخلاف الخطابات الغيريّة،فإنّه يمكن أن يقال:إنّ مفادها ليس إلاّ الإرشاد إلى دخل متعلّقاتها في متعلّق الخطاب النفسيّ،كالخطابات الغيريّة في باب الوضع و الأسباب و المسبّبات،حيث إنّ مفادهاليس إلاّ دخل المتعلّق في حصول المسبّب،ففي الحقيقة الخطابات الغيريّةمطلقاً بمنزلة الإخبار من دون بعث و تحريك حتى تقتضي القدرة على المتعلّق.و لو سلّم الفرق بين الوضعيّات و التكليفيّات،و أنّ الخطاب في الثانيةيتضمّن البعث،فلا إشكال في أنّه ليس في آحاد الخطابات ملاك البعث‏المولويّ،و إلاّ لخرجت عن كونها غيريّة،بل ملاك البعث المولويّ قائم‏بالمجموع،فالقدرة مُعتبرة فيها لا فيها،فلا فرق بين القيديّة المستفادة من مثل:(لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب)أو المستفادة من الأمر و النهي الغيريّ‏ (1) انتهى.و فيه أوّلاً:أنّه لو أراد الوحيد البهبهاني رحمه اللّه أن يفصّل بين‏الوضعيّات و التكليفيّات،فلا وجه لاختصاصه بمثل المثالين ممّا لهما جهة زائدةعلى إفادة الوضع،فالظاهر منه تحقّق نحو خصوصيّة في مثلهما دون غيرهما.تأمّل.و ثانياً:أنّ ما ذكره-من أنّ الخطابات الغيريّة تكون بمنزلة الإخبار بالجزئيّةأو الشرطيّة،و لا بعث فيها بوجه-ممّا تكون الضرورة على خلافه،فإنّ الأوامرمطلقاً نفسيّة كانت أو غيرها مولويّة أو إرشاديّة،إنّما هي للبعث و التحريك‏نحو المتعلّق من غير فرق بينها من هذه الجهة.

1)فوائد الأُصول 4:251-253.


377

إنّما الفرق بينها من جهات أُخرى:فإنّ الغرض من البعث النفسيّ‏المولويّ الوصول إلى المطلوب الذاتي،و من البعث الغيريّ إفادة دخالته في‏المطلوب الذاتي جزءً أو شرطاً،و من البعث الإرشاديّ هو الإرشاد إلى‏ما يحكم به العقل،أو الإرشاد إلى دخالته فيما هو مطلوب المكلّف،كأوامرالأطبّاء التي هي إرشاد إلى دخالة المأمور به في إرجاع الصحّة،فجميع الأوامرو النواهي مشتركة في كونها بعثاً و تحريكاً نحو المتعلّقات كما يحكم به‏الوجدان،و يظهر بالمراجعة إلى موارد استعمال الأوامر و النواهي الإرشاديّةو الغيريّة،و لا إشكال في عدم الفرق في اعتبار القدرة في المتعلّقات بين أنحاءالبعث و التحريك.فما ذكره أخيراً-من أنّه لا إشكال في أنّه ليس في آحاد الخطابات الغيريّةملاك البعث المولويّ،و إلاّ لخرجت عن كونها غيريّة-فيه ما لا يخفى،فإنّه‏بعد تسليم أنّ التكاليف الغيريّة-أيضا-تتضمّن البعث و التحريك،لا بدّ من‏تسليم اعتبار القدرة في متعلّقاتها،فإنّ الملاك في اعتبارها ليس المولويّة،بل‏نفس البعث و التحريك.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ كلاً من توجيهه لكلام الوحيد و إشكاله عليه ليس‏على ما ينبغي.ثمّ إنّ محلّ البحث في المسألة إنّما هو في موردين:أحدهما:إذا لم يكن لدليل المركّب و لا لدليل اعتبار الجزء أو الشرطإطلاق.


378

و ثانيهما:ما إذا كان لهما إطلاق،و لكن لا يكون أحد الإطلاقين مقدّماًعلى الآخر بنحو من التقدّم.فالكلام إنّما يقع في مقامين:أحدهما في مقتضى الأصل العقليّ‏و القاعدة الأوّليّة،و ثانيهما:في مقتضى القواعد الأُخر:

المقام الأوّل‏في مقتضى الأصل العقلي في المقام‏

فالحقّ فيه جريان البراءة،سواء كان العجز من أوّل زمن التكليف،كمن‏لا يقدر على القراءة من أوّل بلوغه،أو كان طارئاً في واقعة واحدة،كما إذاكان في أوّل الظهر قادراً على إتيان الصلاة تامّة ثمّ طرأ عليه العجز عن جزءأو شرط في الوقت،أو في واقعتين كالقادر في الأيّام السابقة الطارئ عليه‏العجز في يومه;لأنّ الشكّ في كلّها يرجع أصل التكليف:أمّا في الأوّل:فواضح.و أمّا في الثالث:فلأنّ التكليف في الأيّام السابقة لم يكن حجّة عليه‏بالنسبة إلى يومه،فهو في هذا اليوم شاكّ في توجُّه التكليف إليه.و أمّا في الثاني:فلأنّ التكليف و إن توجّه إليه في أوّل الوقت،لكنّ المتيقّن‏منه هو التكليف بالصلاة الجامعة لجميع الأجزاء و الشرائط،و هو ساقط للعجزعنه،و التكليف بالفاقد للجزء أو الشرط مشكوك فيه من أوّل الأمر،فلا يكون‏الشك في السقوط،بل يكون في الثبوت.


379

و القياس بالشكّ في القدرة-حيث يحكم العقل فيه بالاحتياط-مع‏الفارق;لأنّ‏في‏مورد الشكّ في القدرة يكون التكليف الفعليّ من قِبل‏المولى معلوماً يشكّ في العجز عن إتيانه،و فيما نحن فيه يكون المعلوم هوالجزئيّة في حال القدرة،و في حال العجز يشكّ في جزئيّته،فالعجز عن الجزءمعلوم،و التكليف بالفاقد مشكوك فيه مع القدرة عليه،فلا يقاس بالشكّ‏فيها.كما أنّ القياس بالعلم الإجماليّ الّذي طرأ الاضطرار على بعض أطرافه;حيث يحكم العقل بحرمة المخالفة القطعيّة مع العجز عن الموافقة القطعيّة-أيضا-مع الفارق;لعدم العلم الإجماليّ في المقام،و إنّما فيه علم تفصيليّ‏بوجوب الصلاة التامّة الأجزاء و الشرائط،و شكّ بدويّ في وجوب الفاقدةلبعضها،فلا إشكال في جريان البراءة العقليّة.كما لا إشكال في عدم جريان مثل حديث الرفع لإثبات وجوب البقيّةإذا لم يكن لدليل المركّب و لا لدليل اعتبارهما إطلاق;لأنّ رفع الجزئيّةأو الشرطيّة لا يفيد وجوب البقيّة،و وجوبها لم يكن مفاد دليل الرفع;لأنّ مفاده ليس إلاّ الرفع لا الإثبات،و هذا غير كونه خلاف المنّة;لأنّ فرض‏مخالفة المنّة إنّما هو بعد فرض جريانه في ذاته،و الحال أنّ إثبات الحكم‏ليس مفاده.نعم إذا كان للدليلين إطلاق من غير تقدّم لأحدهما على الآخر،يمكن‏رفع الجزئيّة بالحديث،و التمسّك بإطلاق دليل المركّب لإثبات وجوب البقيّة;


380

لرفع التعارض بينه و بين دليل الجزء ببركة حديث الرفع و حكومته،و ليس هذاخلاف المنّة حتّى لا يجري الحديث;لأنّ موافقة المنّة و مخالفتها إنّما تلحظان‏في مجرى الحديث،و رفع الجزء حين الاضطرار مِنّة،و إثبات وجوب البقيّةليس بمفاده،و لا من لوازمه العادية أو العرفيّة أو العقليّة،بل لازمه رفع‏التعارض،و مع رفعه يكون إثبات الحكم مفاد دليل المركّب.هذا،لكن الحديث إنّما يجري في الاضطرار العادي،و أمّا الاضطرارالعقليّ فيمكن أن يقال:إنّه لا يكون مجرى الحديث;لأنّ العقل يحكم‏بسقوطه.تأمّل‏1.

المقام الثاني‏مقتضى سائر القواعد

فربّما يتمسّك بالاستصحاب لوجوب ما عدا المتعذر،و بقاعدة الميسور.أمّا الاستصحاب فيقرّر بوجوه:أحدها:استصحاب القسم الثالث من الكليّ‏ (1) .1ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما هو على فرض جريان حديث الرفع في الاضطرار على الترك،و أمّاعلى عدمه فلا،و جريان قوله:(..ما لا يعلمون).و إن كان لا مانع منه و لا فرق فيه بين‏الموارد،لكنّه لا يفيد في المقام على الظاهر،و يشكل القول بحكومته على دليل الجزء،و مع‏تعارضه مع دليل المركّب حتّى يبقى دليل المركّب قابلاً للتمسّك به لإثبات وجوب البقيّة.منه قدس سره‏

1)الكفاية 2:249.


381

إمّا بأن يقال:إنّ البقيّة كانت واجبة بالوجوب الغيريّ حال وجوب الكلّ،و قد ارتفع،و شكّ في حدوث الوجوب النفسيّ لها مقارناً لزواله،فالجامع‏بينهما كان متيقّناً و شكّ في ارتفاعه‏ (1) .أو بأن يقال:إنّ البقيّة كانت واجبة بالوجوب الضمنيّ النفسيّ،و قد ارتفع،و شكّ في حدوث الواجب النفسيّ الاستقلاليّ،فالجمع بينهماكان متيقّن الوجود بوجود مصداقه،و مشكوك فيه لأجل الشكّ في‏حدوث مصداقه الآخر (2) .و يرد عليها:أنّ الجامع بين الوجوبين لا يكون حكماً و لا موضوعاً ذا حكم،فلا يجري فيه الاستصحاب،أمّا عدم كونه موضوعاً فواضح،و أمّا عدم كونه‏حكماً فلأن الحكم المجعول هو كلّ واحد من الوجوبين،أي ما هو بالحمل‏الشائع وجوب و حكم،و أمّا الجامع بينهما فهو أمر انتزاعيّ غير متعلّق للجعل،فبعد ما حكم الشارع بوجوب الصلاة و وجوب الصوم-مثلاً-ينتزع العقل‏منهما أمراً مشتركاً جامعاً بينهما من غير تعلّق جعل به،فالحكم هو مصداق‏الجامع لا نفسه.و إن شئت قلت:إنّ الجامع بنعت الكثرة حكم شرعيّ،و بنعت الوحدةلم يكن حكماً و لا مجعولاً،فلا يجري فيه الاستصحاب.هذا مضافاً إلى أنّ الوجوب الغيريّ للأجزاء ممّا لا محصّل له كالوجوب‏

1)فرائد الأُصول:294 سطر 6-7.

2)انظر فرائد الأُصول:397-398.


382

النفسيّ لها أيضا،أمّا الأوّل فواضح،و أمّا الثاني فسيأتي الكلام فيه.الثاني:استصحاب الوجوب النفسيّ الشخصيّ بدعوى المسامحة العرفيّةفي موضوعه،فإنّ تعذّر بعض أجزاء المركّب لا يضرّ به عرفاً،كما إذا كان‏زيد واجب الإكرام فقطعت يده أو رجله فشكّ في وجوب إكرامه،فإنّه‏لا إشكال في استصحاب الوجوب‏ (1) .و فيه أوّلاً:أنّ قياس العناوين الكلّيّة بالموجود الخارجيّ مع الفارق،فإنّ‏كلّ عنوان كلّيّ مع فقدان قيد أو جزء أو زيادة قيد أو جزء يصير عنواناًمُغايراً للأوّل عرفاً،فالإنسان العالم غير الإنسان الغير العالم،و الماء المتغيّرغير الماء الغير المتغيّر،و الصلاة مع السورة غير الصلاة بغيرها...و هكذا،و أمّا الأُمور الموجودة في الخارج فقد يكون فقدان أمر أو أُمور منه،أوزيادة صفة أو جزء عليه،لا يوجب اختلاف الشخصيّة و الهذيّة ممّا تُعتبر في‏الاستصحاب.فإذا وجوب إكرام زيد،أو تنجّس الكرّ بالتغيّر،ثمّ زال بعض أجزاء زيد أوأوصافه،و زال تغيّر الماء،و شكّ في بقاء الحكم،فلا إشكال في جريان‏الاستصحاب;لوحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوك فيها،و ذلك لبقاء الهوهويّةعرفاً،و هذا بخلاف العناوين الكلّيّة الغير المتحقّقة،كالصلاة الكلّيّة المركّبةمن الأجزاء و الشرائط،فإنّ رفع جزء أو قيد منها مُوجب لتبدّل الموضوع إلى‏

1)فرائد الأُصول:294 سطر 8-10 و 397 سطر 7-12.


383

موضوع آخر عرفاً.و ثانياً:أنّ ما يقال في الاستصحاب من أنّ تبدّل بعض الحالات لا يوجب‏تغيّر الموضوع،إنّما يكون فيما إذا تعلّق حكم بعنوان و شُكّ في كونه واسطةفي الثبوت أو في العروض،و إن شئت قلت:شُكّ في أنّ العنوان دخيل في‏الحكم حدوثاً و بقاءً أو حدوثاً فقط،فيستصحب مع زوال العنوان،و أمّا إذاعلم أنّ العنوان دخيل في الحكم و يكون جزءً للموضوع،فلا معنى لجريان‏الاستصحاب.و ما نحن فيه من قبيل الثاني،فإنّا نعلم أنّ الأمر متعلّق‏بالمركّب بما له من الأجزاء،فمع انتفاء جزء منه ينتفي الحكم المتعلّق بالمركّب‏بالضرورة،فلا معنى للشكّ في بقاء شخص الحكم.و لا يمكن أن يقال:إنّ وجود الجزء المفقود و عدمه سواء لدى العرف،فإنّه‏نظير الحالات المتبادلة،نظير استصحاب الكرّيّة فيما نقص منه مقدار فشكّ‏في بقائه على الكرّيّة;و ذلك لأنّ الجزء بالنسبة إلى المركّب-بعد تسليم كونه‏جزء-لا يكون إلاّ مقوّماً،لا من قبيل الحالات،و قياسه باستصحاب الكرّيّة مع‏الفارق;لأنّ دخالة المقدار المفقود في الكرّيّة مشكوك فيها;لاحتمال كون‏الكرّ هو البقيّة،فيكون المقدار الناقص كالحجر جنب الإنسان،و أمّا جزءالمركّب فدخالته في تعلّق الحكم به معلومة،كما أنّ فقدان المركّب بفقدان‏بعض الأجزاء كذلك،كما أنّ رفع الحكم برفع موضوعه كذلك،فلا مجال‏لدعوى الشكّ في المقام.فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّه لا مجال لاستصحاب الحكم الشخصيّ من باب‏


384

المسامحة العرفيّة في الموضوع.الثالث:استصحاب الوجوب النفسيّ الشخصيّ أيضا;بأن يقال:إنّ‏البقيّة واجبة بالوجوب النفسيّ،و نشكّ في ارتفاعه;لاحتمال أن‏تكون الجزئيّة مقصورة على حال التمكّن منه،فيبقى وجوب الباقي على‏حاله‏ (1) .و فيه:أنّه لا يعقل أن يتعلّق طلب شخصيّ أو إرادة شخصيّة بالمركّب التامّ‏و الناقص،و تعدّد المطلوب مُوجب لتعدّد الطلب و الإرادة،فيتعلّق طلب و إرادةعلى التامّ لمن يقدر عليه،و طلب آخر و إرادة أُخرى على الناقص لمن لا يقدرعليه،و لا يعقل بقاء الطلب المتعلّق بالتامّ مع فقد جزئه،فلا مجال‏لاستصحاب الحكم الشخصيّ.الرابع:استصحاب الحكم الشخصيّ النفسيّ أيضا،بأن يقال إنّ‏الأجزاء الباقية واجبة بعين الوجوب المتعلّق بالمركّب،فإنّ وجوبه ينبسط على‏الأجزاء بالأسر،فإذا زال انبساطه عن الجزء المتعذّر يشكّ في زوال انبساطه‏عن سائر الأجزاء،فيستصحب بلا مسامحة في الموضوع و لا في‏المستصحب‏ (2) .و فيه ما لا يخفى:أمّا أوّلاً:فلأنّ انبساط الوجوب على الأجزاء ممّا لا يرجع إلى محصّل;لأنّ‏

1)فرائد الأُصول:397 سطر 12-15.

2)فوائد الأُصول 4:558-560.


385

الإرادة أمر بسيط تتعلّق بالمركّب في حال الوحدة و اضمحلال الأجزاءو فنائها في صورته الوحدانيّة،فتعلّق الإرادة بالمركّب من قبيل تعلّق واحدبواحد لا واحد بكثير،لا بمعنى كون الأجزاء من قبيل المحصّلات له،بل هي‏عينه في صورة الوحدة،فلا معنى لانبساط الإرادة البسيطة على الأجزاءو تجزّئها بتبعها،و لا تعلّق إرادات بها.و كذا الحال في الوجوب و البعث الناشئ عنها،فإنّه-أيضا-واحد متعلّق‏بواحد من غير قبول تجزئة و لا انبساط،فلا يبعث الأمر إلاّ إلى نفس المركّب‏في حال رؤية الوحدة،و لا يتعلّق الوجوب إلاّ به في هذا الحال.نعم البعث إلى المركّب عين البعث إلى الأجزاء في حال الوحدة من غيرتجزئة و تكثير،و قد بسطنا القول فيه في مبحث الأقلّ و الأكثر (1) فلا معنى‏لرفع الوجوب عن جزء و بقائه للبقية.و ثانياً:لو سُلّم كونه منبسطاً على الأجزاء انبساط العرض على موضوعه،لكن الوجوب المتعلّق بالأجزاء تبع لوجوب المركّب،و لا يعقل بقاء الوجوب‏على المركّب مع انتفاء بعض أجزائه،فالوجوب الشخصيّ المتعلّق بالمركّب‏ينتفي بالضرورة،و بانتفائه ينتفي الوجوب الضمنيّ التبعيّ المتعلّق بالأجزاء،فلا معنى للشكّ في بقائه.فتحصل من جميع ما ذكرنا:أنّ الاستصحاب ممّا لا مجرى له في‏بقيّة الأجزاء.

1)انظر صفحة:278 من هذا المجلّد.


386

في جريان قاعدة الميسور

و أمّا القاعدة،فقد يقال:إنّ وجوب الإتيان بالبقيّة هو مقتضى النبويّ‏المشهور:(إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم) (1) و العلويّين المشهورين:(الميسور لا يسقط بالمعسور) (2) و(ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه) (3) فلا بدّ من بيان‏حدود دلالتها مع الغضّ عن ضعف إسنادها،و عدم جبرها باستناد المتأخّرين‏عليها مع عدم ذكرها في كلام المتقدّمين على ما ذُكر (4) .

في دلالة النبوي على المقام‏

أمّا النبويّ فمع قطع النّظر عن صدره المروي في قضيّة الحجّ،فأظهراحتمالاته أنّه إذا أمرتكم بشي‏ءٍ أعمّ من المركّب ذي الأجزاء أو الكلّي ذي‏الأفراد،فأتوا منه كلّ ما كان في استطاعتكم.و ما يقال:إنّ نسبة الأفراد إلى الكلّي ليست نسبة البعض إلى الكلّ،و الظاهر من لفظة«من»هو كونها تبعيضيّة،فلا بدّ من حمله على المركّب‏

1)عوالي اللئالي 4:58-206،مجمع البيان 2:250 في ذيل آية:101 من سورةالمائدة.

2)عوالي اللئالي 4:58-205،باختلاف يسير.

3)عوالي اللئالي 4:58-207.

4)أوثق الوسائل في شرح الوسائل:388 سطر 18-21.


387

دون الأعمّ‏ (1) .فمردود;لأنّ معنى كون لفظة«من»تبعيضيّة ليس كونها مرادفة للفظ«بعض»فإنّه ضروريّ البطلان،بل المراد أنّه قد ينطبق على ما هو بعض‏المركّب،فليس معنى«أكلت من السمكة»أنّه أكلت بعضها،كما يظهربالمراجعة إلى موارد استعمالاتها في العربيّة و مرادفها في الفارسيّة،ألا ترى أنّ‏قوله:«البيع الكذائي من طبيعة البيع»و«إنّ زيداً من طبيعة الإنسان»ليس‏تجوّزاً،و لو قال:«إذا أمرتكم بطبيعة الصلاة فأتوا منها كلّ فرد يكون في‏استطاعتكم»ليس مرتكباً لخلاف الظاهر.و إن أبيت عن ذلك يمكن أن يقال:إنّ الطبيعة في نظر العرف بمنزلة مخزن‏يخرج منه الأفراد،فيكون منطبقاً على التبعيض بالحمل الشائع عرفاً،فحينئذٍيكون قوله:(إذا أمرتكم بشي‏ء.).أعمّ من المركّب و الطبيعة،و لا داعي‏لاختصاصه بأحدهما.و منه يعرف النّظر في كلام بعض أعاظم العصر-من أنّ إرادة الأعمّ‏توجب استعمال لفظة«من»في الأكثر;لعدم الجامع بين الأجزاء و الأفراد،و لحاظ الأجزاء يُباين لحاظ الأفراد،و لا يصحّ استعمال كلمة«من»في الأعمّ‏و إن صحّ استعمال لفظة«شي‏ء»في الأعمّ من الكلّ و الكلّيّ‏ (2) لما عرفت‏من أنّ لفظة«من»ليست مرادفة للبعض،بل يكون معناها أنّ ما بعدها مقتطع‏

1)نهاية الدراية 2:298 سطر 24-26.

2)فوائد الأُصول 4:254-255.


388

ممّا قبلها بنحوٍ من الاقتطاع،أو يكون ما قبلها مخزناً لما بعدها كالطبيعةبالنسبة إلى الأفراد عرفاً.هذا كلّه مع قطع النّظر عن صدره.و أمّا بالنظر إليه فالظاهر منه إرادة الأفراد،لا الأجزاء و لا الأعمّ منهما;لمخالفتهما لسوق الحديث،فإنّ الظاهر منه أنّ إعراضه عن عكاشة أو سراقة1و اعتراضه صلّى اللّه عليه و آله عليه،لمكان أنّ العقل يحكم بأنّ الطبيعة إذاوجبت يسقط وجوبها بإتيان أوّل مصداق منها،فبعد هذا الحك العقليّ‏لا مجال للسؤال و الإصرار عليه،و لذا قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بناءًعلى هذا النقل:(و يحك،ما يؤمنك أن أقول:نعم؟!و اللّه لو قلت:نعم،لوجب) (1) أي في كلّ سنة.و أمّا مع عدم قوله:(نعم)فيكون على طبق حك العقل،و هو السقوطبإتيان أوّل المصاديق،فقوله:(إذا أمرتكم بشي‏ء.).بعد هذا السؤال و الجواب‏-قاعدة كلّيّة مطابقة لحكم العقل من السقوط بأوّل المصاديق،فحنيئذٍ تكون‏1سُراقة:هو ابن مالك بن جُعشم المدلجي الكناني أبو سفيان،له صحبة روى عن النّبيّ‏صلّى اللّه عليه و آله،و عنه جابر بن عبد اللّه،و ابن عباس،و الحسن و غيرهم،مات في‏صدر خلافة عثمان سنة 24 ه و قيل إنه مات بعد عثمان.انظر التاريخ الكبير للبخاري 4:208،تهذيب التهذيب 3:456،تقريب التهذيب 1:284.عُكاشة:هو أبو محصن عُكاشة بن مِحصَن الأسدي حليف قريش،الصحابي المعروف،روى عنه أبو هريرة،و ابن عباس و غيرهما،قُتل في خلافة أبي بكر سنة 12 ه.انظرسير أعلام النبلاء 1:307،تهذيب الأسماء و اللغات 1:338،الجرح و التعديل‏للرازي 7:39.

1)انظر مجمع البيان 2:250 ذيل آية:101 سورة المائدة.


389

لفظة(ما)في قوله:(ما استطعتم)مصدريّة زمانيّة،أي إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوامنه زمان استطاعتكم،و ليست موصولة حتى يكون النبيّ صلّى اللّه عليه‏و آله بصدد تحميل كلّ مصداق مُستطاع،فإنّه خلاف مساق الحديث،فحنيئذٍ لا معنى لإرادة المركّب،فإنّ المركّب إذا وجب علينا لا بدّ لنا من إتيان‏تمام أجزائه لا بعض أجزائه.

الكلام في مفاد العلويّ الأوّل‏

و أمّا العَلَويّ الأوّل ففيه احتمالات:أحدها:أنّ الميسور لا يسقط عن عهدة المكلّف.و الثاني:أنّ حكمه لا يسقط عن عهدته.و الثالث:أنّ حكمه لا يسقط عن موضوعه.و الرابع:أنّ الميسور لا يسقط عن موضوعيّته للحكم.أظهرها الأوّل;لأنّه يعتبر في تحقّق مفهوم السقوط أمران:أحدها:كون ما يتعلّق به السقوط ثابتاً بنحو من الأنحاء.و ثانيهما:كون ما ثبت في محلّ مرتفع بنحو من الارتفاع يمكن أن يسقطمنه و أن لا يسقط.و الطبائع لمّا كانت ثابتة على عهدة المكلّف و رقبته بواسطة الأوامر،فكأنّ‏عهدته و رقبته محلّ مرتفع يكون المكلّف به محمولاً عليه بواسطة الأمر،فإذاثبت المكلّف به على عهدته ثبتت أجزاؤه بعين ثبوته،و إذا تعذّر جزء منه‏


390

و سقط لتعذّره لا تثبت بقيّة الأجزاء لو لا قيام الدليل عليه.و أمّا بعد ورود مثل قوله:(الميسور لا يسقط بالمعسور)فلا تسقط البقيّةحقيقةً من غير مسامحة و لو كان ملاك الثبوت مختلفاً;فإنّ ملاكه قبل التعذّرهو الأمر المتعلّق بالمركّب،و بعده هو الأمر المتعلّق بالبقيّة المستفاد من مثل قوله‏ذلك،و اختلاف جهة الثبوت لا يوجب اختلاف أصله،كالدعائم التي تتبدّل‏تحت سقف محفوظ بها،فإنّ شخص السقف محفوظ و باقٍ بواسطتهاحقيقةً و إن كانت هي متبادلة.فحاصل المعنى:أنّ الميسور من الطبيعة الّذي هو ثابت على عهدة المكلّف‏لا يسقط عنه بالمعسور و إن كان عدم السقوط لأجل أمر آخر;لتعدّد المطلوب‏و الطلب.و أمّا الاحتمالات الأُخر فأردؤها الأخير،و إن اشترك الكلّ في مخالفةالظاهر و الاحتياج إلى المسامحة،و إنّما الأردئيّة باعتبار أنّ لفظة«السقوط»لا تلائم هذا الاحتمال;لما عرفت من اعتبار كون الساقط في محلّ مرتفع و لواعتباراً ككون الحكم بالنسبة إلى الموضوع،و أمّا كون الموضوع موضوعاًللحكم فلا يُعتبر فيه العلوّ حتّى يطلق عليه السقوط إلاّ مسامحة;لأنّ الحكم‏يسقط عن الموضوع،لا الموضوع عن الموضوعيّة إلاّ تبعاً و عرضاً،نعم لو كان‏الموضوع لأجل موضوعيّته صار مكانه مرتفعاً يقال:سقط عنه،كسقوطالأمير عن الأمارة،و ليس هذا الاعتبار فيما نحن فيه.و أمّا خلاف الظاهر المشترك بينها;فلأنّ الحكم الأوّل المتعلّق بالميسور


391

-سواء قلنا:إنّه وجوب غيريّ أو نفسي ضمنيّ-يسقط بتعذّر بعض الأجزاء،و الثابت له إنّما هو حكم آخر بأمر آخر،فنسبة السقوط إليه يحتاج إلى‏المسامحة،بخلاف الاحتمال الأوّل‏1.1و ممّا ذكر يتّضح فساد ما قيل:إنّ المراد من عدم السقوط عدم سقوطه بما له من الحكم‏الوجوبيّ أو الاستحبابي;لظهور الحديث في ثبوت ما ثبت سابقاً بعين ثبوته أوّلاً،الراجع‏إلى إبقاء الأمر السابق،نظير قوله:«لا تنقض اليقين بالشكّ» (1) الشامل للوجوب‏و الاستحباب‏ (2) و ذلك لأنّ الحكم الوحدانيّ الثابت على المركّب،و الإرادة الوحدانيّة المتعلّقة بالمجموع‏الوحدانيّ المتشخّصة بتشخّص المراد،لا يمكن بقاؤهما مع عدم بقاء الموضوع و المتعلّق،و عدم بقاء المركّب بعدم بعض الأجزاء ضروريّ،و معه كيف يمكن البقاء؟!و القياس بأدلّة الاستصحاب في غير محلّه;ضرورة أنّ مفادها التعبّد بإبقاء اليقين عندالشكّ في بقاء المتيقّن،و في المقام لا شكّ في سقوط ما ثبت;أي الحكم،نعم يشكّ في‏ثبوت البقيّة على الذمّة;لاحتمال مقارنة وجود علّة أُخرى لفقد علّته الأولى كما عرفت.و أمّا التشبّث بالتسامح العرفيّ-كما صنع الشيخ‏ (3) و تبعه شيخنا العلاّمة (4) أعلى اللّه مقامه‏-فغير واضح;لمنع ذلك،فإنّ الوجوب التبعيّ الغيريّ الساقط كيف يكون عند العرف عين‏الوجوب النفسيّ الثابت بدليل آخر؟!و قد عرفت سابقاً حال التسامح في الموضوع‏ (5) أيضا.منه قدس سره‏

1)الكافي 3:351-352-3 باب السهو في الثلاث و الأربع،الوسائل 5:321-3باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

2)فوائد الأُصول 4:255،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:457-458)..

3)فرائد الأُصول:397 سطر 4-6.

4)درر الفوائد 2:146-147.

5)انظر صفحة:382-384 من هذا المجلّد.


392

ثمّ إنّه على هذا الاحتمال لا يبعد ظهوره في الواجبات;لعدم العهدة في‏المستحبّات،و إن كان اعتبار العهدة فيها-أيضا-لا يخلو من وجه،و أمّا مع‏دعوى ظهوره في الواجبات فتسرية الحكم إلى المستحبّات-بدعوى تنقيح‏المناط أو إلقاء الخصوصيّة (1) فمجازفة.

الكلام في مفاد العلويّ الثاني‏

و أمّا العلويّ الثاني و هو قوله:(ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه) (2) فلا يبعدظهوره في الكلّ المجموعي،لكن دلالته على حرمة ترك البقيّة مبنيّة على‏أظهريّة(لا يُترك كلُّه)في مفاده من ظهور الموصول في مطلق الراجحات،و هوغير معلوم.و ما أفاد العلاّمة الأنصاريّ-من أنّ قوله:(لا يُترك)كما أنّه قرينة على‏تخصيص الموصول بغير المباحات و المحرمات قرينة على ذلك أيضا (3) ممنوع;فإنّ القرينة على صَرف الموصول عن غير الراجحات هو قوله:(لا يدرك كلّه);لأنّ الدرك و اللا درك إنّما يطلقان في مقام يكون للمكلّف-بما هو كذلك-داعٍ إلى إتيانه و كذا للآمر،و هو لا يكون إلاّ في الراجحات.فيكن معنى قوله:(ما لا يُدرك كلُّه).أي كلّ راجح يكون للمكلّف داعٍ‏

1)فرائد الأُصول:296 سطر 1.

2)عوالي اللئالي 4:58-207.

3)فرائد الأُصول:295 سطر 18-19.


393

إلى إتيانه و لم يدرك كلُّه لا يترك كلّه،فيمكن أن يُدّعى أنّ ظهور الصدر في‏مطلق الراجحات قرينة على صَرف الذيل عن الظهور في التحريم،فيُحمل‏على مطلق المرجوحيّة.و السرّ في قرينيّة الصدر على الذيل غالباً،إلاّ أن يكون ظهور الذيل أقوى:أنّه إذا توجّه ذهن المخاطب إلى الصدر و جلب ذهنه إلى ظهوره،يمنع ذلك عن‏انعقاد الظهور للذيل،فلا بدّ أنّ يكون للذيل ظهور أقوى منه حتّى ينصرف‏الذهن عمّا توجّه إليه.و إن شئت قلت:إنّ مانعيّة ظهور الصدر عن انعقاد ظهور الذيل أهون من‏رافعيّة ظهور الذيل لظهور الصدر;فإنّ الدفع أ هو من الرفع.و لو منع من ذلك لا أقلّ فيما نحن فيه من عدم رجحان ظهور الذيل‏على ظهور الصدر في العموم.ثمّ إنّ الكلّ في الجملتين إمّا أن يُراد منه المجموع،أو كلّ جزء منه،أو يُرادفي الأُولى المجموع و في الثانية كلّ جزء منه،أو بالعكس.لا سبيل إلى الأوّل;لأنّ دركَ المجموع بدرك جميع أجزائه،و عدمَ دركه‏بعدم درك بعضها،و أمّا ترك المجموع فبترك بعض أجزائه،و عدم تركه بإتيان‏جميعها،فيصير المعنى-حينئذٍ-ما لا يمكن إتيان جميع أجزائه يؤتى بجميع‏أجزائه،و فساده واضح،و منه يظهر فساد الاحتمال الرابع.و أمّا الاحتمال الثاني،و هو أنّه ما لا يدرك كلّ جزء منه لا يترك كلّ‏جزء منه،فهو ممّا لا مانع منه;لأنّ مقابل درك كلّ جزء منه عدم درك‏


394

كلّ جزء،و هو مساوق لدرك البعض،و مقابل ترك كلّ جزء عدم‏تركه المساوق لعدم ترك البعض،و يفهم منه عرفاً عدم ترك البقيّة;أي الغيرالمتعذّر من الأجزاء.و ما أفاد العلاّمة الأنصاريّ قدّس سرّه-من:أنّه لا بدّ أن يراد من(مالا يُدرَك كلُّه)المجموعُ لا المتعدّد،و إلاّ يكون المعنى ما لا يُدرَك شي‏ء منه لا يُترَك‏شي‏ء منه،و هو فاسد (1) ممنوع;لوضوح الفرق بين قولنا:«ليس كلّ إنسان‏في الدار»،و بين قولنا:«ليس واحد منه فيها»;فإنّ الأوّل يفيد سلب العموم،و الثاني عموم السلب.و ما يقال:-إنّ المسلوب لمّا كان متعدّداً،فالسلب و المسلوب عنه يجب أن‏يكونا كذلك;لمكان التضايف الواقع بينها (2) ممنوع;ضرورة أنّ«ليس كلّ‏إنسان في الدار»ليس قضايا متعدّدة و لا سُلوباً كثيرة،كما نبّهنا عليه فيماسلف.فمثل قوله:(إذا بلغ الماء قدر كُرّ لا ينجّسه شي‏ء) (3) يكون مفهومه:إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ليس لا ينجّسه شي‏ء،و لازمه سلب تلك القضيّة

1)فرائد الأُصول:295 سطر 22-23.

2)نهاية الدراية 2:300 سطر 17-20.

3)الكافي 3:2-1-2 باب الماء الّذي لا ينجّسه شي‏ء،الاستبصار 1:6-1-3 باب 1 في‏مقدار الماء الّذي لا ينجّسه شي‏ء،الوسائل 1:117-118-1 و 2 و 6 باب 9 من أبواب‏الماء المطلق.


395

السالبة الكلّية،و هو يتحقّق بالإثبات الجزئيّ،فنقيض«كلّ إنسان حيوان»هو«ليس كلّ إنسان حيواناً»;فإنّ نقيض كلّ شي‏ء رفعه،و هو ملازم‏لِ«بعضُ الإنسان ليس بحيوان»;و لهذا يكون نقيضُ السالبةِ الكلّيةِالموجبةِ الجزئّية.و الجملة:ما ذكره الشيخ هاهنا من فروع النزاع بينه و بين بعض‏الفحول‏ (1) في باب المفاهيم‏ (2) و الحقّ مع ذلك البعض.و ممّا ذكرنا يتّضح صحّة الاحتمال الثالث أيضا،فإنّ معنى ما لا يُدرَك‏مجموعه لا يُترك كلّ جزء منه:أنّ ما يتعذّر بعض أجزائه لا يُترك بكلّيته،و الأظهر من الاحتمالين أن يُراد بالكلّ في الجملة الأُولى المجموع،و في الثانيةكلّ جزء منه;أي ما لا يُدرك مجموعه لا يترك بالكليّة و بجميع أجزائه،و بمساعدة العرف يفهم منه أنّه لا يُترك غير المتعذّر لأجل المتعذّر،و هذا هوالاحتمال الثالث من بين الاحتمالات.

اعتبار صدق الميسور في جريان القاعدة

قوله-قدّس سرّه-:ثمّ إنّه حيث كان الملاك...إلخ‏ (3) .(1)قد اشتهر بينهم أنّ جريان قاعدة الميسور يتوقّف على صدق الميسور-أي‏

1)انظر جواهر الكلام 1:107.

2)مطارح الأنظار:174 سطر 31.

3)الكفاية 2:253.


396

ميسور الطبيعة-على البقيّة عرفاً (1) و طريق استفادة ذلك إنّما يكون من‏حدود دلالة الأدلة الدالّة عليها،فنقول:أمّا قوله:(إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم) (2) فبعد قرينيّة صدره‏يحتمل أن يكون دالاً على المقصود في بادئ النّظر;بأن يقال،إنّ معناه إذاأمرتكم بطبيعة ذات أفراد فأتُوا منها ما يكون في استطاعتكم،أعمّ من الأفرادالعرضيّة أو الطوليّة;بمعنى أنّه إذا كانت الطبيعة صادقة على الأفراد الفاقدةلبعض الأجزاء و الشرائط لا بدّ من إتيانها لدى تعذّر الواجد،بخلاف ما إذا لم‏تصدق لفقد معظم أجزائها أو بعض أجزائها الركنيّة في نظر العرف،فيكون‏المعنى‏إذا أمرتكم بطبيعة الصلاة و تعذّر مصداقها الكامل،فأتُوا منهاما تصدق عليها و لو كان ناقصاً بالنسبة إلى المتعذّر.لكن قد عرفت‏ (3) أنّ الأظهر باعتبار سياق الرواية كون«ما»مصدريّةوقتيّة لا موصولة.و أمّا قوله:(ما لا يُدرَك كلّه.).فيمكن أن يقال:إنّ الظاهر منه أنّ كلّ‏مركّب لا يدرَك كلّ جزء من أجزائه لا يُترك ذلك المركّب بكلّيّته;أي لا بدّ من‏إتيان المركّب الناقص إذا تعذّر التامّ.و فيه:أنّ الأظهر في معنى الحديث أنّ كلّ مركّب لا يُدرَك مجموعه أو

1)انظر الكفاية 2:253،فوائد الأُصول 4:256،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:458 سطر 12-13.

2)عوالي اللئالي 4:58-206.

3)انظر صفحة:388-389 من هذا الكتاب.


397

كلّ جزء من أجزائه لا يُترك جميع أجزائه،بل يؤتى بما تيسّر منها لا من‏الطبيعة،و لا إشكال في صدق جزء المركّب على كلّ جزء منه و لو أصغرصغير منها.فالعمدة في ذلك هو قوله:(الميسور لا يسقط بالمعسور) (1) و احتمالاته أربعة:الأوّل:أنّ الميسور من كلّ طبيعة مأمور بها لا يسقط بالمعسور منها;بمعنى‏أنّ ميسور الطبيعة لا يسقط بمعسورها.و الثاني:أنّ الميسور من أجزاء الطبيعة المأمور بها لا يسقط بالمعسور منها;أي من أجزائها.الثالث:أنّ الميسور من الطبيعة-أي الطبيعة الميسورة-لا تسقط بالمعسورمن أجزائها.الرابع:عكس الثالث.فعلى الاحتمال الأوّل و الثالث تكون الرواية دالّة على المقصود،و لا يبعددعوى أظهريّة الاحتمال الأوّل،أو يقال:إنّ القدر المتيقّن من القاعدة هوما يصدق على البقيّة ميسور الطبيعة المأمور بها1.1ثمّ إنّ المرجع في تعيين الميسور هو العرف كما في جميع الموضوعات،من غير فرق بين‏الموضوعات العرفيّة و الشرعيّة;لأنّ الظاهر أنّ موضوع القاعدة هو نفس الطبائع المأمور بهاكما أشرنا إليه‏ (2) و لا شبهة في أنّ العرف يشخّص الميسور منها;ضرورة أنّ الوضوء-مثلاً-طبيعة قد تصدق بنظر العرف على الناقص لشرط أو جزء و قد لا تصدق،فوضوء ذي‏الجبيرة وضوء ناقص إذا كانت الجبيرة في بعض العضو،و إن عمّت جميع الأعضاء و بقي‏

1)عوالي اللئالي 4:58-205 باختلاف يسير.

2)انظر صفحة:389-390 و 397.


398

...........منها جزء كموضوع المسح لا يصدق عليه الوضوء،و قد يشكّ في الصدق مثل الشكّ في‏الموضوعات العرفيّة،فالتفصيل بين الموضوعات الشرعيّة و العرفيّة (1) في غير محلّه.و ليس المراد من الميسور هو ما يكون وافياً بالغرض أو ببعضه حتّى يقال:ليس للعرف‏تشخيصه;ضرورة أنّه خروج عن ظاهر اللفظ بلا داعٍ،فعليه يكون ما ورد على خلاف‏القاعدة مخصّصاً لها.و قد يقال:إنّه بناءً عليه لا يجوز الاتّكال على القاعدة;لكثرة ورود التخصيص عليها،فلا بدّ في التمسّك بها من انتظار عمل المشهور (2) .و فيه:أنّه بعد ما قلنا بظهور القاعدة في الواجبات بقرينة عدم تحقّق العهدة في غيرها،و بعد ما قلنا باعتبار الميسور بالمعنى المتقدّم فيها،لم يتّضح ورود كثرة التخصيص عليها;ضرورة عدم ورود التخصيص عليها في الصلاة و مقدّماتها،و في الحجّ كذلك،و كذا سائرالواجبات.و أمّا الصوم فلا يتحقّق فيه الميسور و المعسور;لأنه ليس عبارة عن الاجتناب عن المفطرات،بل هو أمر بسيط وضعيّ تكون المفطرات مفسداته،فلا يصدق الصوم و لو ناقصاً مع‏الشرب القليل مثلاً.نعم لو كان المراد بالميسور الأجزاء كما تقدّم،و لم نعتبر كون البقيّة مصداقاً للطبيعة،لكان‏ورود التخصيص الكثير المستهجن حقّاً،و لكنّه خلاف التحقيق كما مرّ.نعم لو أنكرنا ظهور قوله:(الميسور)في الطبيعة،و قلنا بأنّ المحتمل منها أن يكون الميسورمن الأجزاء،أو قلنا بأنّ القدر المتيقّن منها هو ما يصدق عليه الميسور،يشكل الأمر.منه قدس سره‏

1)فوائد الأُصول 4:256-258.

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:460 سطر 9-11.


399

الإشكالات على أصالة الاحتياط

قوله-قدّس سرّه-:أمّا الاحتياط (1) .(1)ها هنا إشكالات،بعضها راجع إلى مطلق الاحتياط،و بعضها إلى‏الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي،و بعضها إلى الاحتياط فيما قامت‏الأمارة على خلافه،كما لو دلّت الأمارة على وجوب الجمعة فأراد المكلّف‏إتيان الظهر أيضا احتياطاً:أمّا الإشكال على مطلق الاحتياط:فهو أنّ الاحتياط ليس عبارة عن إتيان‏العمل مطلقاً،بل لا بدّ من إتيان العمل بانبعاث من قِبَل المولى;لعدم صدق‏الإطاعة بغيره،فإطاعة المولى إنّما تتحقّق مع كون الأمر داعياً إلى إتيان المأموربه،و صيرورة العبد متحرّكاً بتحريكه،مع أنّ محرّكيّة الأمر المجهول غيرمعقولة،و احتمال الأمر و إن كان محرّكاً لكنّ المحرّك نفس الاحتمال،كان‏الأمر في الواقع أو لم يكن،و لو كان الأمر الواقعيّ دخيلاً في تحريك العبدبنحو الاستقلال أو جزء الموضوع،فلا يعقل تحريكه و انبعاثه بدونه،مع أنّه‏منبعث حتّى مع عدم الأمر الواقعي.و بالجملة:نسبة احتمال الأمر إلى الأمر الواقعيّ و عدمه على السواء،فكون‏الأمر الواقعيّ باعثاً و محرّكاً ممّا لا يعقل مع استواء نسبته إليه و إلى عدمه،فإذاامتنعت محرّكيّة الأمر يصير الاحتياط ممتنعاً;لتوقّفه على باعثيّة الأمر.

1)الكفاية 2:255.


400

و بعبارة أُخرى:أنّ الباعث هو الصورة القائمة بالنفس من غير دخالةللأمر الواقعي و لو بنحو التشريك،و معه لا تتحقّق الإطاعة،فلا يمكن‏الاحتياط.بل يمكن توسعة دائرة الإشكال;بأن يقال:إنّ محرّك الإنسان في جميع‏حركاته و أفعاله ليس إلاّ الصورة الذهنيّة،غاية الأمر أنّه يتوهّم الفاعل كونهاحاكية عن الواقع،لكنّ وجود الواقع و عدمه على السواء.مثلاً:من اعتقد أنّ الأسد في طريقه،فيخاف و يفرّ منه،لا يكون خوفه‏و فراره إلاّ من الصورة المتوهّمة التي اعتقد أنّها حاكية عن الواقع،فالخائف‏و إن توهّم أنّ خوفه من الواقع،لكن لا يخاف حقيقةً إلاّ من توهّم الواقع،و هوصورة قائمة بنفسه.و الدليل عليه:أنّ المعتقد المتوهّم يخاف و يفرّ كان أسد بحسب الواقع أولم يكن،فلو كان الأسد دخيلاً-و لو بنحو جزء الموضوع-في الإخافةو الفرار،لم يمكن أن تؤثّر الصورة المتوهّمة التي ليست لها واقعيّة فيهما،مع أنّ‏وجود الأسد و عدمه في الخوف و الفرار على السواء.و كذا الكلام في إطاعة الأمر المعلوم من المولى;فإنّ المكلّف إذا اعتقدوجود الأمر فانبعث نحو المأمور به،يكون انبعاثه لأجل اعتقاده بالأمر كان‏أمر في الواقع أو لا،فوجوده و عدمه سواء،فالباعث نفس الاعتقاد لا الأمر،و لو كان الواقع دخيلاً فالتحريك و لو بنحو جزء الموضوع لم يتحرّك في صورةتخلّف الاعتقاد عن الواقع،مع أنّ الأمر ليس كذلك بالضرورة،فالصورة


401

المتوهّمة هي الباعثة و الزاجرة،فأين إطاعة أمر المولى؟!و صورة البرهان على هيئة الشكل الأوّل:أنَّ كلّ إطاعة هو انبعاث ببعث‏المولى،و لا شي‏ء من الانبعاث ببعث المولى بممكن،فلا شي‏ء من الإطاعةبممكن.و الجواب:أمّا عن دعوى امتناع الإطاعة في صورة العلم بالأوامرو النواهي:فأوّلاً:أنّ الصورة الذهنيّة الاعتقاديّة لمّا كانت حاكية بنظر القاطع عن‏الواقع،ففي صورة مصادفتها يكون الانبعاث عن نفس الواقع;لأنّه منكشف‏و لو بالواسطة،فتلك الصورة وسيلة إلى انكشاف الواقع،و الانبعاث يكون من‏نفس الواقع المنكشف لا بالجهة التقييديّة،كما أنّه في صورة اعتقاد الأسدو مصادفة الاعتقاد للواقع يكون الأسد الواقعيّ المنكشف موجباً لخوفه و فراره،لا الصورة الاعتقاديّة الفانية فيه،فالإنسان العالم خائف من الأسد و منبعث‏من أمر المولى و مطيع لأمره.و ثانياً:إن كان المراد من الانبعاث ببعث المولى-المأخوذ في صغرى‏البرهان-هو الانبعاث بالذات فنمنع دخالته في الطاعة;لأنّها متقوّمةبالبعث و لو بالعرض;ضرورة أنّ العقلاء لا يشكّون في أنّ المولى‏إذا أمر عبده فأتى بالمأمور به لأجله يكون مُطيعاً له،مع أنّ الباعث أوّلاًو بالذات هو الصورة الذهنيّة و ثانياً و بالتبع هو الواقع المنكشف بها،فلا يُعتبرفي حقيقة الطاعة أن يكون أمر المولى بنفسه حاضراً في ذهن العبد و موجباً


402

لتحريك عضلاته;فإنّه غير معقول،و لا ينال أحد شيئاً من خارج ذاته نيلاًبالذات و بلا واسطة،بل العلم بالخارج لا يكون إلاّ بالعرض و الواسطة كالبعث،و يكفي ذلك في حقيقة الطاعة.و إن كان المراد من البعث أعمّ ممّا بالعرض فنمنع كلّيّة الكبرى;ضرورةإمكان تحقّق الانبعاث بالبعث بالعرض بل وقوعه دائماً;لأنّ الواقع منكشف‏بالتبع و باعث العرض.هذا كلّه في الأوامر المعلومة و لو بالعلم الإجماليّ،فإنّ الواقع حينئذٍمُنكشف و لو بالإجمال،و هو محرّك للعبد.و أمّا الاحتياط في الشبهة البدويّة و المحتمل المخالف ليقام الأمارة،فلا يمكن‏أن يقال:إنّ الأمر المحتمل باعث،و يكون في صورة مصادفة الاحتمال للواقع‏ما هو المحرّك هو نفس الواقع بالذات أو بالعرض;لأنّ الأمر الواقعيّ غيرمُنكشف،و لا يكون الأمر المحتمل داعياً،بل الداعي الباعث هو احتمال الأمرلا الأمر المحتمل،و فرق واضح بينهما،إلاّ أن يُراد به الأمر المحتمل بما هومُحتمل حتّى يرجع إلى احتمال الأمر،و إلاّ فلو قيل:إنّ الأمر المحتمل-أي‏الأمر الواقعيّ الّذي هو موصوف بكونه محتملاً-باعث و محرّك،فلا بدّو أن يكون هذا الأمر الواقعيّ بهذه الصفة مُنكشفاً حتى يكون باعثاً بالعرض،و هو غير معقول،فالباعث في الشبهة البدويّة هو احتمال الأمر،فلا يأتي فيه‏الجواب المتقدّم،و لا تتحقّق الإطاعة-أي الانبعاث ببعث الأمر-في هذاالاحتياط.


403

لكن الّذي يسهّل الخطب أنّ عباديّة العبادة لا تتقوّم بداعويّة الأمرو تحقّق مفهوم إطاعة الأمر،بل لو كان الداعي إلى إتيانه هو شي‏ء آخرراجع إلى المولى كقصد التقرّب أو الوصول إلى غرضه يصير العمل عبادة،ألا ترى أنّه لو سقط أمر المولى بواسطة المزاحمة أو الضدّية مع القول‏بامتناع الترتّب،يكون المأتيّ به عبادة صحيحة مع عدم صدق مفهوم إطاعةالأمر عليه؟!فلا نحتاج في صحّة العبادة و عباديّتها إلى كون الانبعاث ببعثه،بل‏الانبعاث باحتمال أمر المولى-أيضا-كافٍ في العباديّة،فالإتيان بالمحتمل‏لاحتمال تعلّق أمر المولى به إذا صادف الواقع عبادة صحيحة،بل الّذي‏ينبعث باحتمال الأمر كان الأتمّ في العبوديّة ممّن لا ينبعث إلاّ بالأمر المعلوم،فلا إشكال في تحقّق الاحتياط المرغوب فيه من هذه الجهة.الإشكال الثاني:ما يختصّ بالاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ إذا صارمُوجباً للتكرار:و هو أنّ تكرار العبادة فيما يمكن تحصيل العلم التفصيليّ لعب‏بأمر المولى،و معه كيف تتحقّق العبادة (1) ؟!ألا ترى أنّه لو علم عبد بأنّ‏للمولى مطلوباً،و تردّد أمره بين أُمور كثيرة غير مرتبطة،فترك السؤال عنه مع‏إمكانه،فقام بإتيان الأطراف،فدعا جمعاً من العلماء باحتمال أنّ منظوره‏انعقاد مجلس عقد النكاح،و أخبر حملة الموتى باحتمال موت بعض أقربائه،و أتى بعدّة من الحمّالين و البنّائين و النجّارين و المواشي و الأنعام و الطيور،

1)فرائد الأُصول:299 سطر 18-22.


404

عُدّ لاعباً بأمر مولاه،و تكون هذه الكيفيّة سخرية بالمولى مع إمكان السؤال‏و رفع الاشتباه.و الجواب أوّلاً:أنّ استنتاج النتيجة الكلّية من الأمثلة الجزئيّة ممّا لا يجوز،فالمدّعى هي عبثيّة مطلق التكرار،و هي لا تثبت بهذا المثال،بل لا بدّ من قيام‏دليل على كون مطلق التكرار عبثاً و لعباً،و هو مفقود.و ثانياً:أنّه لو فرض كون العبد بصدد السخرية بالمولى و إهانته،و لم يكن‏الباعثُ له للجمع بين المحتملات احتمالَ أمر المولى،بل له بواعث أُخر مثل‏اللعب و العبث و السخرية فهو خارج عن محطّ النزاع،و لا إشكال في‏استحقاقه للعقوبة لأجله،بل لو أتى بالمعلوم بالتفصيل كذلك يستحقّ‏العقوبة عليه.و أمّا لو فرض كونه بصدد إطاعة المولى،و يكون الباعثُ له نحو المحتملات‏هو العلم الإجماليّ بمطلوب المولى،فحينئذٍ إن كان في التكرار غرض عقلائيّ‏فلا إشكال فيه،و لو فرض عدمه و كونه لاعباً في كيفيّة إطاعته-و إن كان‏الإتيان بأصل المأمور به لأجل إطاعة المولى-فلا يضرّ بعباديّته;فإنّه من قبيل‏الضمائم المباحة،و لا تخلو عبادة من ضمائم هي الخصوصيّات الفرديّة الغيرالدخيلة في العباديّة;فإنّ الأوامر إنّما تعلّقت بالطبائع و خصوصيّات الأفرادخارجة عن حريمها.و لو كانت الخصوصيّات الخارجة مُضرّة بالخلوص لزم عدم صحّة جميع‏العبادات;لعدم إمكان خلوّها منها،فتلك الخصوصيّات الغير الدخيلة إذا


405

انضمّت إلى المأمور به مع كون الداعي إلى إتيان أصل المأمور به هو الداعي‏الإلهي،و الداعي إلى الخصوصيّات أغراضاً أُخر عقلائيّة أو غيرها،لا توجب‏بطلانها،مع أنّ التكرار لم يكن من قبيل الضمائم،بل أمره أهون كمالا يخفى.فما يقال:إنّ التكرار لعب بأمر المولى‏ (1) إن أراد باللعب به أنّه لا ينبعث‏عن أمر المولى المعلوم بالإجمال،بل يكون داعيه السخرية بالمولى و اللعب‏بأمره،فهو خارج عن موضوع البحث،و إن أراد أنّه مع انبعاثه عن أمره يكون‏التكرار مع إمكان الاكتفاء بواحد منها سفهيّاً،فهو لا يوجب بطلان العبادة،بل لو فرض أنّ الداعي‏إلى‏إتيان الخصوصيّة يكون اللعب و المزاح و إدخال‏السرور في قلوب الحضّار لا تكون مبطلة لها،مثلاً:لو أتى المكلّف بصلاته في‏رأس منارة مرتفعة،و يكون داعيه اللعب لكن في الخصوصيّة لا في أصل‏العبادة تكون صحيحة.فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ التكرار لأجل الاحتياط ممّا لا بأس به.الإشكال الثالث:أنّه يعتبر في العبادات قصد الوجه عقلاً و شرعاً،و هولا يحصل إلاّ بالعلم التفصيليّ،و أيضا يعتبر الجزم في النيّة،و هو موقوف على‏العلم التفصيليّ‏ (2) .و فيه:أنّه أمّا قضيّة اعتبار قصد وجه الوجوب و الاستحباب فممنوع أوّلاً،

1)فرائد الأُصول:299 سطر 21.

2)الغنية-الجوامع الفقهيّة-:525 سطر 14-17.


406

و مع تسليمه ممكن مع الجهل ثانياً،سواء فرض الشكّ البدويّ أو المقرون‏بالعلم،نعم لو اعتبر الجزم في النيّة فيها فهو غير ممكن إلاّ مع العلم التفصيليّ،فالإشكال إنّما هو في صورة اعتبار الجزم فيها،و لكن لا دليل عليه عقلاًو لا شرعاً:أمّا الأوّل:فلأنّ الأمر لا يقتضي إلاّ الإتيان بمتعلّقه بتمام قيوده و حدوده،و الواجب التعبّدي يُعتبر فيه قصد التقرّب و الإخلاص،و لا دليل على اعتبارشي‏ء آخر فيه من قصد الأمر أو الجزم في النيّة،فلو أتى المكلّف بالصلاة بتمام‏قيودها الشرعيّة من التكبيرة إلى التسليم باحتمال مطلوبيّتها و تعلّق الأمر بها،يكون عند العقل و العقلاء مُطيعاً مُقرّباً،من غير فرق في ذلك بينه و بين من‏أتى بها مع علمه بالوجوب،و لا فرق عند العقل و العقلاء بين الانبعاث بالبعث‏المعلوم و الانبعاث باحتمال البعث و لو مع إمكان تحصيل العلم التفصيليّ،فالميزان في صحّة العبادة عقلاً موافقة المأتي به للمأمور به.و أمّا عدم الدليل الشرعي فيظهر لمن تتّبع في مظانّه.نعم قد يستدلّ بالإجماع على اعتبار قصد الوجه في العبادة (1) و أنّ تارك‏طريقي الاجتهاد و التقليد عبادته باطلة،المعتضد بدعوى الاتّفاق المحكيّ عن‏أهل المعقول و المنقول‏ (2) المعتضدة بالشهرة المحقّقة (3) .و فيه:أنّ دعوى الإجماع الكاشف عن الدليل المعتبر التعبّدي في‏

1)رياض المسائل 1:153 سطر 17.

2)فرائد الأُصول:299.

3)فرائد الأُصول:299.


407

مثل تلك المسألة العقليّة التي يكون الاستدلال بحكم العقل فيها رائجاًعندهم ممّا لا يخلو من مجازفة،أمّا اتّفاق المتكلّمين-على فرضه-فليس إلاّلأجل عقليّة المسألة،كما أنّ الفقهاء-أيضا-لا يبعد أن تكون دعواهم‏مبنيّة عليها.و دعوى السيّد الأجلّ الرضيّ-قدّس سرّه-إجماع أصحابنا على بطلان‏صلاة من صلّى صلاة لا يعلم أحكامها1لا يبعد أن تكون مبنيّة على وضوح‏اعتبار قصد الوجه و أمثاله عقلاً عندهم،كما أنّ المنقول عن المحقّق الطوسي‏-قدّس سرّه-2دعوى الإجماع أو الاتّفاق على أنّ استحقاق الثواب في العبادةموقوف على نيّة الوجه مع وضوح أنّ قضيّة استحقاق الثواب عقليّةلا شرعيّة.1حكاه عنه الشهيد في ذكرى الشيعة:259.الرضي:هو العلاّمة الكبير الأديب السيد الأجل أبو الحسن محمّد بن الحسين بن موسى بن‏محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام ،أخو الشريف المرتضى،أمره في العلم و الفضل و علو الهمة و الجلالة أشهر من أن يُذكر،ولد سنة 359 ه و توفي سنة406 ه،و أشهر تآليفه(نهج البلاغة)جمع فهي كلام الإمام علي عليه السلام .انظر سفينةالبحار 1:526،الكنى و الألقاب 2:272،مستدرك الوسائل 3:510.2المحقق الطوسي:هو الحكيم الفيلسوف قدوة المحققين الإمام الشيخ محمّد بن محمّدابن الحسن الطوسي،ولد في سنة 597 ه بطوس،صنَّف كتباً و رسائل نافعة نفيسةفي فنون العلم،و بنى بمدينة مراغة مرصداً عظيماً و ظل يعمل فيه حتى وفاته‏في سنة 672 ه.انظر أعيان الشيعة 9:414،أمل الآمل 2:299،الكنى‏و الألقاب 3:250.


408

فظهر:أنّ الإشكال من هذه الحيثيّة-أيضا-مرتفع،فالاحتياط جائز حتّى‏مع إمكان العلم التفصيليّ.الإشكال الرابع:أنّه يُعتبر في حسن الاحتياط إذا كان على خلافه حجّةشرعيّة أن يعمل المكلّف أوّلاً بمؤدّى الحجة،ثمّ يعقّبه بالعمل على خلاف‏مقتضى الحجّة إحراز للواقع،إلاّ إذا لم يستلزم منه تكرار العمل و استئناف‏جملته،فإذا قامت الحجّة على وجوب الجمعة لا يجوز الابتداء الظهور،نعم‏إذا أتى بالجمعة لا بأس بإتيانه من باب الاحتياط.و السرّ فيه:أنّ معنى اعتبار الطريق إلقاء احتمال مخالفته للواقع عملاًو عدم الاعتناء به،و العمل على طبق الاحتمال المخالف للحجّة عين الاعتناءبه،و هذا بخلاف ما إذا قدّم العمل بمؤدّى الطريق;فإنّه حيث أتى بما هووظيفته فالعقل يستقلّ بحسن الاحتياط رعاية للواقع،هذا،مع أنّه يُعتبر في حسن الإطاعة الاحتماليّة عدم التمكّن من الإطاعةالتفصيليّة،فإنّ للإطاعة مراتب عقلاً:الأوّل:الامتثال التفصيليّ.الثاني:الامتثال الإجماليّ.الثالث:الامتثال الظنّي.الرابع:الامتثال الاحتماليّ.و لا يجوز الانتقال إلى المرتبة اللاحقة إلاّ بعد تعذّر السابقة;لأنّ حقيقةالإطاعة هي أن تكون إرادة العبد تبعاً لإرادة المولى،بانبعاثه عن بعثه و تحرّكه‏


409

عن تحريكه،و هذا يتوقّف على العلم بالبعث،و لا يمكن الانبعاث بلا بعث‏واصل،و الانبعاث عن البعث المحتمل ليس في الحقيقة انبعاثاً،فلا تتحقّق معه‏الإطاعة،نعم هو-أيضا-نحو من العبوديّة فيما إذا تعذّر الانبعاث عن البعث‏المعلوم الّذي هو حقيقة العبوديّة (1) .هذا و الجواب عنه:أوّلاً:أن معنى اعتبار الأمارة ليس إلقاء احتمال الخلاف بمعنى عدم جوازالعمل على طبق الاحتمال،بل مفاد أدلّته وجوب العمل على طبقها و ترتيب‏أثر الواقع عليه عملاً،و أمّا عدم جواز العمل على الاحتمال المخالف من باب‏الاحتياط فلا دليل عليه،و لا يكون ذلك معنى اعتبار الأمارة.نعم،لا يجوز الاكتفاء بالعمل على طبق الاحتمال المخالف،لا من باب‏عدم جواز العمل على طبقه،بل من باب ترك العمل بالأمارة المعتبرة،و ذلك‏واضح.و ثانياً:أنّه لو فرض أنّ معنى اعتبار الأمارة إلقاء احتمال الخلاف لزوماً،فالعمل على طبقه عين الاعتناء به،سواء لزم منه التكرار أو لا،أو كان الاعتناءقبل العمل أو لا،فلا وجه للتفصيلين المذكورين.اللّهمّ إلاّ أن يُدّعى أنّ‏أدلّة الاعتبار-الدّالّة على إلقاء احتمال الخلاف-مُنصرفة عن الموردين،و هو كما ترى.و ما ذكر-أنّ العقل بعد العمل بالوظيفة يستقلّ بحسن الاحتياط رعايةللواقع-حقّ،لكنّه مستقلّ بحسنه قبل العمل بالوظيفة أيضا;فإنّ الاحتياط

1)فوائد الأُصول 4:265 و ما بعدها.


410

لا ينافي العمل بها،فلا فرق بينه قبل العمل بها و بعده.و ثالثاً:أنّ ترتّب مراتب الامتثال عقلاً بما ذكر ممنوع;فإنّ العقل يستقلّ‏بكفاية إتيان الماهيّة المأمور بها بجميع قيودها و لو باحتمال الأمر،فمع‏احتمال وجوب الجمعة يجوز الإتيان بها احتياطاً و لو مع التمكّن من العلم‏التفصيليّ.و كون الإطاعة انبعاثاً ببعث الأمر،و هو لا يحصل إلاّ مع العلم،فمع‏ممنوعيّته-لما ذكرنا سالفاً (1) أنّ الانبعاث له مبادٍ أُخر من مثل الخوف و الطمع‏في نفس المكلّف،و إنّما الأمر يكون موضوعاً لتحقّق الطاعة،فمع احتمال‏الأمر يكون بعض تلك المبادئ محرّكاً-يرد عليه:أنّ صحّة العبادة لا تتوقّف‏على باعثيّة الأمر،و لو لم يصدق على الإتيان حينئذٍ إطاعة أمر المولى،بل‏صحّتها متوقّفة على إتيان الماهيّة موافقة لغرض المولى مع جميع قيودها،كمالو فرض أنّ المولى كان غافلاً عن الأمر بمتعلّق له مصلحة ملزمة بحيث لوتوجّه إليه لأمرَ به قطعاً،كإنقاذ ولده الغريق يجب عليه القيام به،و معه يكون‏مقرباً و مستحقّاً للثواب،و لو كان المأتي به عبادة تقع صحيحة،كما أنّ الأمربالصلاة لو سقط للابتلاء بالضدّ،لا يوجب بطلانها و لو مع امتناع الترتّب،مع‏احتمال أن تصدق الطاعة على المأتيّ به باحتمال الأمر عرفاً إذا صادف‏الواقع;لأنّ الباعث لا يكون الأمر على أيّ حال كما عرفت،و المبادئ الباعثةموجودة في كلتا الصورتين كالإتيان بالمأمور به مع جميع قيوده،فالمسألة

1)في صفحة:126 من هذا المجلّد.


411

خالية من الإشكال.

اعتبار الفحص في جريان البراءة العقلية

قوله:و أمّا البراءة العقليّة (1) .(1)و أمّا البراءة في الشبهة الحكميّة فشرط جريان الأصل فيها الفحص،و استدلّ عليه بالأدلّة الأربعة:

الدليل العقلي على وجوب الفحص‏

أمّا العقل:فبأن يقال:إنّ مناط قُبح العقاب بلا بيان و إن كان البيان‏الواصل عقلاً،لكنّ ميزان وصول البيان ليس إيصاله إلى مسامع المكلّفين‏و مداركهم،بل المعتبر فيه هو الإيصال المتعارف‏ (2) بحسب اختلاف الموالي‏و العبيد و الأحكام.فالمولى المقنّن للعباد جميعهم يكون إيصاله للأحكام بوسيلة أنبيائه و رسله،و كتبه المنزلة،و الأحاديث المرويّة عنهم المحفوظة في الزبر و الكتب المعدّة لها،لا الإرسال إلى كلّ واحد واحد من المكلّفين كتاباً مخصوصاً به و خطاباًمسموعاً لديه،فبيان المولى المقنّن هو التقنين و الإيصال إلى رُسُله،و إيصال‏الرُّسُل هو البثّ في العباد بنحو متعارف،و هو تعليمها لعدّة من العلماء و كَتبها

1)الكفاية 2:255.

2)فوائد الأُصول 4:278.


412

في الدفاتر و الزُّبُر و بسطها بين الناس.فلو لم يصل البيان من قبل المولى،أو وصل إلى الرسول و لم يُبلّغ،أو بلّغ‏دون المتعارف،يكون العقاب على المخالفة بلا بيان،و أمّا مع إيصال اللّه‏تعالى و تبليغ الرسول و الأئمّة،و حفظ الأحكام في الكتب و الصحف،وَ تَرَكَ العبد وظيفته من الفحص و التفتيش،فلم يكن عقابه بلا بيان،و ليس عندالعقلاء معذوراً،فالعقل يحكم بوجوب الفحص لدى الشبهة،و لا تجري‏البراءة العقليّة حينئذ.و قد يستشكل بأنّ الحكم ما لم يعلم غير قابل للباعثية و المحرّكيّة;ضرورةأنّه بوجوده الواقعيّ غير باعث و لا زاجر،بل بوجوده العلميّ يكون كذلك،و إنّما تتّصف الأوامر الخارجيّة بالباعثيّة بالعرض بواسطة كشفها بوجودهاالعنواني الفاني فيها كما في المعلوم بالعرض،و الكشف عن الواقع إنّمايكون مع الوجود العلميّ التصديقيّ لا الاحتماليّ;فإنّه غير كاشف‏عن الواقع،و ما كان حاله كذلك لا يمكن أن يكون مُنجّزاً للواقع;فإنّ‏الواقع بنفسه لا يكون باعثاً بالضرورة،و الفرض أنّ احتمال تحقّقه ليس‏كاشفاً عنه،فلا يكون الاحتمال مُوجباً لاتّصاف الواقع بالباعثيّة و لو بالعرض،فالواقع ليس باعثا بالذات و لا بالعرض،فلا يكن الاحتمال مُنجّزاً له،فاحتمال الواقع ليس مساوقاً لاحتمال المنجّز،و لا يعقل فعليّة الأمر الواقعيّ‏الّذي عليه طريق واقعيّ بنحو الباعثيّة و المحرّكيّة إلاّ بعد وصوله حقيقةً،فإذالم يكن فعليّاً و باعثاً حقيقةً فكيف يعقل أن يكون مُنجّزاً حتّى يكون احتماله‏


413

احتمال المنجّز (1) ؟!و فيه:أنّ تنجّز الحكم كفعليّته لا يتوقّف على علم المكلّف،فالأحكام التي‏تكون من قبل المولى تامّة و قابلة لإجراء فعليّة منجّزة،و معنى تنجّزها كون‏مخالفتها مُوجبة لصحّة العقوبة اتّصفت بالباعثيّة أو لا،بل قد عرفت‏ (2) أنّ‏الأوامر و النواهي ليست باعثة و لا زاجرة بذاتها حتى في صورة العلم بها،بل‏الزاجر و الباعث مبادٍ أُخرى موجودة في نفس المكلّف.و بالجملة:أنّ تنجّز التكليف-أي صيرورته بحيث يحكم العقل بأنّ‏مخالفته موجبة لصحّة العقوبة-لا يتوقّف على الباعثيّة و المحرّكيّة،بل قد يكون‏احتمال التكليف موجباً للتنجيز كما فيما نحن فيه;ضرورة أنّ العقل يحكم‏بأنّ العبد غير معذور في مخالفة حكم المولى الّذي هو مكتوب في صحيفةمرسلة إليه مع احتماله لذلك،و ليس للعبد أن يترك قراءته قائلاً بأنّه لا يكون‏التكليف بوجوده الواقعيّ مُنجّزاً و لا داعي لي إلى تحصيله،فنفس الاحتمال‏قبل الفحص مُوجب لصحّة العقوبة على التكليف الواقعيّ لو صادف الواقع.و لو توقّف التنجيز على المحرّكيّة و الباعثيّة الفعليّة للزم منه أن لا تصحّ‏العقوبة على التكليف الواقعيّ في صورة قيام الأمارة المعتبرة عليه مع الشكّ‏فيه أو الظنّ بخلافه;لأنّ التكليف الطريقيّ المعلوم لا يوجب صحّة العقوبة،و التكليف الواقعيّ مع الشكّ فيه لا يكون محرّكاً و منكشفاً و لو بالعرض،

1)نهاية الدراية 2:305-306.

2)انظر صفحة:126 من هذا المجلّد.


414

و مجرّد معلوميّة الأمارة لا يوجب انكشاف التكليف عقلاً حتّى يصير لأجله‏محرّكاً،و مدّعى هذا القائل أنّ الحكم ما لم يصر محرّكاً و باعثاً فعليّاً لا يصيرمنجّزاً،مع أنّه ضروريّ البطلان،فالتنجيز لا يتوقّف على المحرّكيّة الفعليّة كماادّعى القائل.فتلخّص من ذلك:أنّ احتمال التكليف قبل الفحص مُنجّز،مُوجب لصحّةالعقوبة عقلاً على التكليف الواقعيّ.و قد يُقرّر حكم العقل على وجوب الفحص بوجه آخر:و هو أنّ الاقتحام قبل‏الفحص خروج عن زيّ الرقيّة و رسم العبوديّة فيما إذا كان التكليف لا يعلم‏عادةً إلاّ بالفحص،فالاقتحام بلا فحص ظلم على المولى.و الفرق بين هذا الوجه الأوّل:أنّ العقوبة على الوجه الأوّل إنّما هي‏على مخالفة التكليف الواقعيّ المنجز،و على الثاني على الإقدام بلا فحص;لأنّه بنفسه ظلم و ملاك لاستحقاق العقوبة،سواء خالف الواقع أو لا،كما في‏التجرّي،فمناط صحّة العقوبة هو تحقّق عنوان الظلم،لا مخالفة التكليف‏الواقعيّ حتّى يقال:إنّها قبيحة بلا بيان،فعقاب المولى عبدَه على مخالفةالتكليف الواقعيّ قبيح و ظلم،كما أنّ إقدام العبد أو تركه بلا فحص ظلم على‏المولى،و لكلٍّ منهما حكمه.نعم التحقيق أنّ الظلم لا ينطبق على الإقدام،بل‏على ترك الفحص عن التكليف الّذي لا يعلم عادةً إلاّ به‏ (1) .و فيه نظر واضح;ضرورة أنّه ليس تحقّق الظلم إلاّ باعتبار احتمال مُخالفة

1)نهاية الدراية 2:305 سطر 11-20.


415

المولى،و لا ينطبق عنوان الظلم على ترك الفحص بالذات،بل بلحاظ احتمال‏المخالفة،و بعد جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان،و حكم العقل بأنّ التكليف‏الواقعيّ على فرض وجوده لا أثر له،و العبد في سعة من مخالفته،لا معنى‏لتحقّق عنوان الظلم على ترك الفحص عنه.و بالجملة:تحقّق عنوان الظلم و التجرّي مُتفرّع على تنجّز التكليف،و التكليف الغير المنجّز الّذي يحكم العقل بعدم قبح ارتكابه لا يعقل أن يصيرمنشأ لتحقّق عنوان قبيح على ترك الفحص منه،فدعوى أنّ لكلٍّ من مخالفةالتكليف الواقعيّ و ترك الفحص حكمَه،ممنوعةٌ بعد وضوح تفرّع عنوان‏الظلم و التجرّي على الأوّل;أي على تنجّز التكليف الواقعي;إذ قد عرفت أنّ‏عنوان الظلم و التجرّي فيما نحن فيه لا يكون مستقلا في مقابل تنجّزالتكليف;حتّى لا يتنافى تحقّقه مع عدم تحقّق ذلك.ثمّ إنّه لا يخفى ما في تحقيقه أخيراً من أنّ عنوان الظلم ينطبق على ترك‏الفحص دون الإقدام;ضرورة أنّ نفس ترك الفحص لم يكن ظلماً مع احتياطالمكلّف بإتيان مُحتمل الوجوب و ترك مُحتمل الحرمة،بل الظلم ينطبق على‏مُخالفة المحتمل;لأنّه لا نفسيّة لترك الفحص،بل إنّما هو بلحاظ التحفّظ على‏التكليف.و قد يُقرّر حكم العقل بوجوب الفحص بتقرير ثالث:و هو حصول العلم‏الإجماليّ لكلّ أحد-قبل الأخذ في استعلام المسائل-بوجود واجبات‏و محرّمات كثيرة في الشريعة،و معه لا يصحّ التمسّك بأصل البراءة;لأنّ‏


416

الشكّ في المكلّف به لا التكليف‏ (1) .و هو من الضعف بمكان;لأنّ كلامنا في المقام إنّما هو في شرائط جريان‏أصل البراءة بعد المفروغيّة عن مجراه،و هو الشكّ في التكليف لا المكلّف به،فالاستدلال بالعلم الإجماليّ خروج عن موضوع البحث،فالنقض و الإبرام‏في أطرافه في غير محلّهما،لكنّ المحقّقين لمّا تعرّضوا له فلا محيص عنه بنحوالإجمال.فقد نوقش فيه أوّلاً:بأنّه أخصّ من المدّعى;فإنّه وجوب الاستعلام عن كلّ‏مسألة كان علم إجماليّ أو لا،و الدليل إنّما يوجب الفحص قبل استعلام‏جملة من الأحكام بمقدار يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيه لانحلال‏العلم الإجماليّ بذلك‏ (2) .و ثانياً:أنّه أعمّ منه;لأنّه هو الفحص عن الأحكام في خصوص ما بأيدينامن الكتب،و المعلوم بالإجمال هو الأحكام الثابتة في الشريعة مطلقاً،و الفحص في تلك الكتب لا يرفع أثر العلم الإجماليّ‏ (3) .و ردّهما بعض أعاظم العصر رحمه اللّه بما حاصله:و لا يخفى ما في‏كلا وجهي المناقشة من الضعف:أمّا في الأوّل:فلأنّ استعلام مقدار من الأحكام يحتمل انحصار المعلوم‏

1)فرائد الأُصول:301 سطر 3-5،فوائد الأُصول 4:278.

2)فرائد الأُصول:301 سطر 13-14.

3)فرائد الأُصول:301 سطر 12-13.


417

فيها لا يوجب الانحلال;إذ مُتعلّق العلم تارة يتردّد من أوّل الأمر بين الأقلّ‏و الأكثر،كما لو علم بأنّ في هذا القطيع من الغنم موطوء و تردّد بين العشرةو العشرين،و أُخرى يكون المتعلّق عنواناً ليس بنفسه مُردّداً بين الأقلّ و الأكثرمن أوّل الأمر،بل المعلوم هو العنوان بما له من الأفراد الواقعيّة،كما لو علم‏بموطوئيّة البيض من هذا القطيع و تردّدت بين العشرة و العشرين.ففي الأوّل ينحلّ العلم الإجمالي دون الثاني،فإنّه لا ينحلّ بالعلم‏التفصيليّ بمقدار يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيه،بل لا بدّ من الفحص‏التامّ عن كلّ مُحتمل;لأنّ العلم يوجب تنجّز متعلّقه بما له من العنوان.و ما نحن فيه من هذا القبيل;لأنّ المعلوم بالإجمال هي الأحكام الموجودةفيما بأيدينا من الكتب،و لازم ذلك هو الفحص التام;ألا ترى أنّه ليس‏للمكلّف الأخذ بالأقلّ لو علم اشتغاله لزيد بما في الطومار و تردّد بين الأقلّ‏و الأكثر،بل لا بدّ له من الفحص‏في‏الطومار كما عليه بناء العقلاء،و مانحن فيه من هذا القبيل بعينه.و أمّا في الوجه الثاني:فلأنّه و إن علم إجمالاً بوجود أحكام في الشريعة أعمّ‏ممّا بأيدينا من الكتب،إلاّ أنّه يعلم إجمالاً بأنّ فيما بأيدينا أدلّة مُثبتة للأحكام‏مُصادفة للواقع بمقدار يحتمل انطباق ما في الشريعة عليها،فينحلّ العلم‏الإجماليّ العامّ بالعلم الإجماليّ الخاصّ،و يرتفع الإشكال،و يتمّ الاستدلال‏بالعلم الإجماليّ لوجوب الفحص‏ (1) انتهى.

1)فوائد الأُصول 4:279-280.


418

و فيه أوّلاً:أنّه لا فرق في الانحلال بين تعلّق العلم بعنوان و يكون العنوان‏بما له من الأفراد الواقعيّة مُردّداً بين الأقلّ و الأكثر،و تردّدِ المتعلّق من أوّل الأمربينهما،فيما إذا كان العنوان ممّا ينحلّ بواسطة انحلال التكليف،فإذا علم‏بوجوب إكرام العالم بما له من الأفراد و تردّدت بين الأقلّ و الأكثر،فلا محالةينحلّ العلم الإجماليّ بالعلم التفصيليّ و الشكّ البدويّ.نعم إذا كان نسبة العنوان إلى المعنون نسبة المحصَّل و المحصِّل و تردَّدالمحصَّل بين الأقلّ و الأكثر لا بدّ من الاحتياط،و أمّا العنوان المنحلّ إلى‏التكاليف المستقلّة كالبيض من الغنم،فلا إشكال في كونه كالمردّد من أوّل‏الأمر بين الأقلّ و الأكثر.و ثانياً:لو سلّم ذلك فلا إشكال في عدم كون ما نحن فيه من هذا القبيل;لأنّ معنى تعلّق العلم بعنوان و تنجّزه به أن يكون العنوان بذاته مُتعلّق الحكم،و أمّا تعلّق العلم بعنوان غير ذي حكم فلا أثر له.فحينئذٍ نقول:إنّ العلم بوجود أحكام في الكتب التي بأيدينا لا يُوجب‏تنجّزها بهذا العنوان،فإنّ عنوان كون الأحكام في الكتب ليس من العناوين‏التي تعلّق بها الحكم حتّى يتنجّز بما له من العنوان;ضرورة أنّه من الانتزاعيّات‏بعد جمع الأحكام في الكتب،و هذا ممّا لا يتعلّق به حكم،و لا تكون الأحكام‏بذلك العنوان مورداً لتكليف،فالعلم الإجماليّ المؤثّر متعلّق بنفس الأحكام‏بوجودها الواقعيّ،و يتردّد من أوّل الأمر بين الأقلّ و الأكثر،فينحلّ العلم‏الإجماليّ إلى التفصيليّ و الشكّ البدويّ.


419

و ممّا ذكرنا يتّضح أنّ ما ذكره من المثالين المتقدّمين مورد للمناقشة;فإنّ‏عنوان البيض ليس ممّا تعلّق به الحكم حتّى يكون العلم المتعلّق به مُنجّزاً له‏بعنوانه،فإنّه عنوان عرضيّ مُقارن من باب الاتّفاق مع ما تعلّق به التكليف،و هو عنوان الموطوء،فالمتعلّق هو الموطوء لا الأبيض،فالعلم المتعلّق به موضوع‏الأثر أي التنجّز،فحينئذٍ لو صحّ ما ذكره-من أنّه لو كان العلم متعلّقاً بعنوان‏كان مُنجّزاً لأفراده الواقعيّة،و لا ينحلّ العلم الإجماليّ إلى التفصيليّ و الشكّ-كان المثال الأوّل كذلك لتعلُّق العلم بالموطوء و تردّده بين الأقلّ و الأكثر،كماأنّ المثال الثاني أيضا كذلك لما ذكرنا،لا لتعلّق العلم بعنوان البيض من الغنم‏كما هو واضح.و ثالثاً:بناءً على صحّة دعواه لا يبقى مجال لدعوى انحلال العلم‏الإجماليّ العامّ بالعلم الإجماليّ الخاصّ الّذي تعلّق بما في الكتب التي بأيدينا;لإمكان أن يقال:إنّ العلم الإجماليّ العامّ تعلّق بعنوان واحد هو الأحكام التي‏في الكتب مطلقاً أو الأحكام الصادرة عن الشريعة و أمثال ذلك،و المفروض‏أنّ تعلّقه به موجب لتنجّزه بما له من الأفراد الواقعيّة،و تردّدُهُ بين الأقلّ‏و الأكثر لا يوجب الانحلال.اللّهمّ إلاّ أن يُدّعى أنّ كون الأحكام في الكتب التي بأيدينا عنوان واحد;دون كونها في مطلق الكتب أو غير ذلك من العناوين،و هو كما ترى.و أمّا ما ذكره-من أنّه ليس للمكلّف الأخذ بالأقلّ لو علم باشتغاله بما في‏الطومار-فهو أجنبيّ عن المقام:بل هو من قبيل الشبهات الموضوعيّة-التي‏


420

سيتعرّض هذا المحقّق لها،و يختار وجوب الفحص فيها-ممّا لا يحتاج حصول‏العلم بالموضوع‏فيهاإلى مُقدّمات كثيرة،بل يحصل بمجرّد النّظر (1) فالفحص فيها لازم و لو مع عدم العلم الإجماليّ،فالعلم الإجماليّ من قبيل‏الحجر المضموم لجنب الإنسان‏1.1و قد يقال في الجواب عن إشكال أخصّيّة الدليل:بأنّه متّجه لو كان متعلّق العلم الإجماليّ‏مطلقاً،أو كان مقيداً بالظفر به على تقدير الفحص،و لكن كان تقريب العلم الإجماليّ هوكونه بمقدار من الأحكام على وجه لو تفحّص و لو في مقدار من المسائل لظفر به،و أمّا لوكان تقريبه بأنّا نعلم بمقدار من الأحكام في مجموع المسائل المحرّرة على وجه لو تفحّص‏في كلّ مسألة تكون مظانّ وجود محتمله لظفر به فلا يرد إشكال‏ (2) .و فيه:أنّ هذا مجرّد تقريب و فرض يرجع إلى أمر واضح الخلاف،و هو العلم بأن في كلّ‏مسألة دليل إلزاميّ لو تفحّصنا لظفرناً به،و هو-كما ترى-مخالف للوجدان،فكأنّ القائل‏أراد دفع الإشكال بأيّ وجه و تقريب ممكن طابق الواقع أو لا.و الإنصاف أنّه لا علم إجماليّ إلاّ بأحكام بنحو الإجمال،و مع التفحّص في أبواب الفقه‏لا يتّفق انحلاله بالضرورة،فلو كان المستند هو العلم الإجماليّ فلا محيص عن الإشكال،لكن قد عرفت أنّ الاستنادإلى‏العلم الإجماليّ خروج عن الفرض،و هو شرط أصالةالبراءة هذا حال الشبهات الحكميّة.و أمّا الموضوعيّة فالظاهر أنّ حكم العقل فيها-أيضا-الفحص،و عدم معذوريّة الجاهل قبل‏الفحص;لحكومة الوجدان بأنّ المولى إذا أمر عبده بإكرام كلّ ضيف‏له‏و شكّ في كون‏زيد ضيفه،لا يجوز له بحكم العقل-مع إمكان تفحّص حاله،و العلم بأنّه ضيفه أو لا-غضُّ البصر عنه،خصوصاً إذا كان رفع الشبهة سهلاً أو المشتبه مهمّاً.فحكم العقل بمعذوريّة الجاهل،و قبح العقاب بلا حجّة و سبب،إنّما هو فيما إذالم يكن جهله في معرض الزوال،و لم يكن العبد مقصّراً في تحصيل غرض المولى،نعم‏بعد جدّ العبد و اجتهاده في تحصيل غرضه،و عدم حصول العلم له،يكون حكم العقل‏

1)فوائد الأُصول 4:302.

2)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:471-472.


421

وجوه أُخرى للاستدلال على وجوب الفحص‏

ثمّ اعلم أنّه بعد تماميّة حكم العقل بوجوب الفحص،و عدم‏معذوريّة الجاهل قبل الفحص كما عرفت‏ (1) لا تتمّ دعوى الإجماع‏القطعيّ على وجوبه‏ (2) ;ضرورة قوّة احتمال كون مُستند المجمعين هوالدليل العقليّ لا الشرعيّ،كما أنّ دعوى كون الآيات و الروايات الدالّةعلى لزوم التفقّه و التعلّم إرشاديّةً إلى حكم العقل‏ (3) لا تأسيسيّةً تعبّديّةً،غيرُبعيدة.هذا مضافاً إلى أنّ الأمر إذا تعلّق بالعناوين المرآتيّة كالتفقّه و التعلّم يكون‏ظاهراً في المقدّميّة للتحفّظ على العناوين المستقلّة الذاتيّة،فإذا قيل:(تفقّهوا في‏الدين)أو(طلب العلم فريضة) (4) يكون ظاهراً في الوجوب المقدّميّ لحفظبالبراءة محكّماً.فملاك لزوم الفحص عقلاً هو عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا حُجّة و سبب قبل‏الفحص،و معه لا أمن من العقاب إلاّ بعد الفحص،و سيأتي حال البراءة الشرعية.منه قدس سره‏

1)انظر صفحة:411 و ما بعدها من هذا المجلَّد.

2)فرائد الأُصول:300 سطر 15 و 301 سطر 19-20.

3)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:474 سطر 19-21.

4)تقدم تخريجهما.


422

الدين و أحكام اللّه و العمل بها.مع أنّ في نفس الأدلّة شواهد على ما ذكرنا،مثل آية النّفر (1) الدالّة على‏أنّ غاية وجوب التفقّه في الدين تحذّر المستمعين،و معلوم أنّ نفس التحذّرليس مطلوباً،بل المطلوب هو العمل بالأحكام.و مثل ما ورد في تفسير قوله تعالى: فللّه الحجّة البالغة (2) أنّه:(يقال للعبد يوم القيامة:هل علمت؟فإن قال:نعم،قيل:فهلا عملت،و إن قال:لا،قيل له،هلاّ تعلّمت حتّى تعمل) (3) فإنّه صريح في أنّ التعلّم إنّما هو للعمل‏و لا نفسيّة له.

مناط استحقاق تارك الفحص للعقاب‏

و اتضح ممّا ذكرنا:أنّ استحقاق عقاب التارك للفحص إنّما هو على ترك‏الواقع لا الفحص كما نسب‏ (4) القول به إلى المدارك‏ (5) و لا على ترك‏الفحص و التعلّم المؤدّيين إلى ترك الواقع كما ذهب إليه بعض أعاظم‏العصر (6) رحمه اللّه.

1)التوبة:122.

2)الأنعام:149.

3)أمالي الشيخ الطوسي 1:8-9،تفسير نور الثقلين 1:775-776-300.

4)الناسب هو الشيخ الأعظم في فرائد الأُصول:302 سطر 9-10.

5)مدارك الأحكام:123 سطر 31-32.

6)فوائد الأُصول 4:285.


423

أمّا كونه على ترك الواقع فما عرفت من أنّ الواقع منجّز مع الاحتمال‏قبل الفحص،و معنى تنجّزه صحّة العقوبة على تركه و لا يكون الجهل به‏عذراً.و أمّا عدم العقاب على ترك الفحص فلعدم الدليل على حرمته،بل ظاهرالأدلّة هو الإرشاد إلى حكم العقل بلزوم الفحص،و هو لا يكون إلاّ لحفظالواقعيّات و لا نفسيّة له.و من ذلك يعلم أنّ دعوى قبح ترك الفحص لأجل التجرّي‏ (1) -أيضا-ممّا لا أساس لها;فإنّ تحقّق التجرّي-أيضا-إنّما يكون بعد تنجّز التكليف‏الواقعيّ على فرض وجوده،فترك مُحتمل الوجوب كإتيان مُحتمل الحرمةقبل الفحص تجرٍّ على المولى مع عدم المصادفة و معصية في صورة المصادفة،فلا يكون العقاب على ترك الفحص.و أمّا ما ذهب إليه بعض الأعاظم-من كون العقاب على ترك الفحص‏المؤدّي إلى ترك الواقع،قائلاً:إنّ العقاب على ترك الفحص يُنافي وجوبه‏الطريقيّ الّذي لا نفسيّة له،و لا يجوز على ترك الواقع للجهل به،فلا بدّ و أن‏يكون لترك الفحص المؤدّي إلى ترك الواقع‏ (2) فممّا لا محصّل له;لأنّ الواقع‏ممّا لا عقاب عليه فرضاً،و ترك الفحص-أيضا-لا عقاب عليه،فكيف يعقل‏أن يكون العقاب على مثل ذلك;أي على ترك الفحص الّذي لا عقاب عليه‏

1)الكفاية 2:258.

2)فوائد الأُصول 4:285.


424

المؤدّي إلى ترك الواقع الّذي لا عقاب عليه؟!مضافاً إلى أنّ التعلّم إذا كان وجوبه طريقيّاً محضاً فلا يمكن تبدّل‏طريقيته إلى النفسيّة بمجرّد أدائه إلى ترك الواجب،فالعقاب عليه ممّا لا معنى له‏و إن أدّى إلى ترك واجب نفسيّ.هذا،مع أنّ إنكار استحقاق العقوبة على الواقع الفحص إنكارللضروريّ كما عرفت‏ (1) 1.هذا حال التبعة.1و التحقيق:أنّه مع قطع النّظر عن روايات الباب و ملاحظة حكم العقل أنّ حكمه يدورمدار مخالفة الواقع،و أنّها مع البيان توجب الاستحقاق و بلا بيان لا توجبه،و لمّا كان‏وصول البيان إنّما هو بوروده في الكتاب و السُّنّة يحكم العقل بلزوم الفحص،و مع عدمه‏يحكم باستحقاقه العقاب على الواقع;لعدم كون العقاب عليه بلا بيان،فلا قبح لترك‏الفحص بذاته،و لا نفسيّة للفحص عند العقل،و ما قيل:-إنّه ظلم على المولى بنفسه‏ (2) كلام شعريّ ممنوع.ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّه مع ترك الفحص يستحقّ العقاب على الواقع-على فرض‏مخالفته-و لو لم يكن بيان عليه بحيث لو تفحّص وصل إليه،بل و لو كان طريق على ضدّه‏بحيث وصل إليه مع الفحص،فلو كان شرب التتن حراماً واقعاً،فشربه بلا فحص،استحقّ‏العقوبة و لو لم يكون فيما بأيديه طريق إلى حرمته،بل و لو كان طريق إلى حلّيته،أو يستحقّ‏إذا كان طريق إلى حرمته لو تفحّص عنه وصل إليه.يمكن أن يقال بالاستحقاق مطلقاً،إمّا لأجل أنّه خالف الواقع بلا عذر،و الطريق الواقعيّ‏على الحلّية ليس عذراً و حجّة يمكن أن يتّكل عليه في مقام الاعتذار (3) و إمّا لأجل حكم‏العقل بالاحتياط على فرض ترك الفحص،و هو بيان على الواقع،نعم لو تفحّص لم يحكم‏بالاحتياط،و يختصّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان‏بمالو لم يصل إليه بيان،و أمّاقبل الفحص فيحكم العقل على سبيل التخيير بلزوم الفحص أو الاحتياط،و مع عدم‏

1)انظر صفحة:412 و ما بعدها من هذا المجلّد.

2)نهاية الدراية 2:305 سطر 11-14.

3)فرائد الأُصول:307 سطر 5-6 و 22-25.


425

...........الفحص لزم عليه الاحتياط،فمخالفة الواقع مع حكم العقل بالاحتياط موجبةللاستحقاق‏ (1) .اللّهمّ إلاّ أن يقال:إنّ حكم العقل بالاحتياط في المقام ليس لأجل التحفّظ على الواقع‏مستقلاً و مستقيماً،بل لاحتمال وصول البيان و ضبطه في الكتاب و السُّنّة،و معه يتمّ البيان‏و يرفع موضوع القاعدة،و في مثله لا يوجب ترك الاحتياط استحقاق العقاب على الواقع‏بلا بيان،فضلاً عن ورود بيان الضدّ.ثمّ إنّه يتمّ الكلام بذكر أمرين ذكرهما في الكفاية:الأوّل:ظاهر الكفاية أنّ المخالفة فيما نحن فيه تكون مغفولاً عنها،لكن لمّا كانت منتهية إلى‏الاختيار يستحقّ العبد العقوبة عليها (2) .و هو غير وجيه على إطلاقه;لأنّ الكلام في شرائط جريان الأصل،و لا إشكال في أنّ الموردملتفت إليه،و احتمال المخالفة مورد الالتفات و إن كانت المخالفة غير معلومة،ففرق بين‏كونها غير معلومة و كونها مغفولاً عنها،و المقام من قبيل الأوّل.و كيف كان لو فرض أنّ ترك الفحص صار موجباً لبقاء الغفلة عن تكليف،كما لو فرض‏أنّ الفحص عن حرمة شرب التتن يصير موجباً للعثور على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال،و كان الثاني مع عدم الفحص عن الأوّل مغفولاً عنه،فشرب العبد التتن مع عدم الفحص،و ترك الدعاء عند رؤية الهلال غفلة عن وجوبه،فهل يستحقّ العقاب على ترك الدعاءباعتبار أنّ هذه الغفلة الباقية بتقصير منه و لو في ترك الفحص عن تكليف آخر ليست عذراً،فهو ترك الواقع و خالف المولى بلا عذر،أو أنّها عذر و مجرّد عدم الفحص و التقصير في‏تكليف آخر لا يوجب انقطاع عذره؟لا يبعد عدم معذوريّته عند العقل;لأنّ المعذوريّة:إمّا لأجل عدم فعليّة الأحكام الواقعيّة في‏حال غفلة المكلّف عنها،و قد ذكرنا في محلّه‏ (3) عدم دخل الغفلة و الجهل و العجز في عدم‏فعليّتها و مقابلاتها في فعليّتها،و أنّ مناط الفعليّة و الشأنيّة أو الإنشائيّة ليس ما ذكر.و إمّالأجل كون الغفلة مطلقاً-بأيّ سبب كان-عذراً عند العقل مع فعليّة الأحكام.

1)فوائد الأُصول:4:288-289،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:478-479.

2)الكفاية 2:258.

3)انظر الجزء الأول صفحة:198-201.


426

...........ففيه:منع كونها بنحو الإطلاق كذلك،ألا ترى أنّه لو أوجد سبب الغفلة باختياره كما لوشرب اختياراً دواءً يوجب الغفلة فترك المأمور به غفلة لا يعذره العقل،ففيما نحن فيه‏يكون سبب بقاء الغفلة و ترك المأمور به عن غفلة هو تركه الفحص طغياناً و بلا عذر،و في‏مثله لا يكون معذوراً في ترك المأمور به و فعل المنهيّ عنه الفعليّين،بل العقاب في مثله‏لا يكون بلا بيان و بلا مناط.الثاني:لو صار ترك الفحص موجباً لترك واجب مشروط أو موقّت;بمعنى أنّه ترك‏الفحص قبل تحقّق الشرط و الوقت مع احتمال كون تركه موجباً لترك المشروط و الموقّت في‏زمان تحقّق الشرط و الوقت،فصار كذلك،فهل يكون مستحقّا للعقوبة كما في ترك‏الفحص في الواجب المطلق أو لا؟قد يقال بالتفصيل بين ما إذا قلنا في المشروط و الموقّت بفعليّة الوجوب و إن كان الواجب‏استقباليّاً (1) و بين ماإذاقلنا فيهما بمثل مقالة المشهور في الواجب المشروط من عدم‏الوجوب إلاّ عند تحقّق الشرط (2) خصوصاً لو قلنا بأنّ وجوب الفحص غيريّ من باب‏وجوب المقدّمة;لأنّ تبعيّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها كالنار على المنار (3) .أقول:التحقيق:استحقاقه العقوبة مطلقاً سواء قلنا بمقالة المشهور أو لم نقل،و سواء قلنابأنّ مناط وجوب الفحص هو المقدّميّة أو لا;فإنّا لو قلنا بمقالة المشهور في الواجب‏المشروط،و قلنا بالوجوب المقدّمي أيضا،نقول:إنّا قد حقّقنا في باب وجوب المقدّمة (4) أنّ‏ما هو المعروف-من أنّ وجوبها مترشّح من وجوب ذيها (5) و عليه لا يعقل وجوبها قبل‏وجوبه;للزوم كون المعلول قبل علّته-ليس على ما ينبغي،بل لوجوب المقدّمة-كوجوب‏ذيها-مبادٍ و مقدّمات خاصّة بها،إذا وجدت وجد الوجوب و إلاّ فلا;وجب ذو المقدّمةفعلاً أو لا.فلو قلنا بوجوب المقدّمة و سلّمنا التلازم نقول:إنّ المولى إذا تصوّر توقُّف الواجب المشروط-الّذي سيتحقّق شرطه-على شي‏ء قبل مجي‏ء الشرط;بحيث لو تركه العبد في الحال‏يوجب سلب القدرة عنه في حال تحقّق الشرط،فلا ريب في تعلّق إرادته بإيجاده بمناط

1)مطارح الأنظار:45-46،نهاية الأفكار 1:295.

2)الفصول الغروية:79 سطر 23،هداية المسترشدين:192 سطر 22-26،الكفاية 1:152.

3)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:479-481.

4)انظر كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره.

5)الفصول الغروية:82 سطر 20،الكفاية 1:200،فوائد الأُصول 1:262.


427

...........المقدّمية;لحصول مبادئ إرادتها من التصوّر و التصديق بالفائدة و غيرهما،و عدم تحقّق‏الوجوب في الحال لا يوجب عدم حصول مبادئ إرادة المقدّمة و إيجابها.نعم بناءً على ما قيل من معلوليّة وجوب المقدّمة عن وجوب ذيها،و ترشّح وجوبها عن‏وجوبه،تكون التبعيّة كالنار على المنار،لكنّ التأمّل في إرادة ذي المقدّمة و مبادئها و إرادةالمقدّمة و مبادئها،يرفع الريب عن عدم وجاهة ما ذكروا،فحينئذٍ يكون ترك الفحص‏الموجب لفوات الواجب في محلّه بلا عذر-موجباً لاستحقاق العقوبة.و لو لم نقل بوجوب المقدّمة أو كون وجوبها بمناطها-كما هو الحقّ في المقامين-فلا شبهةأيضا في استحقاقه العقوبة;لحكم العقل و العقلاء بأنّ تفويت الواجب المشروط-الّذي يأتي‏شرطه في محلّه-بلا عذر موجب للاستحقاق،و لا عذر لمن يعلم أنّ شرط الواجب يحصل‏غداً أن يتساهل في مقدّماته الوجوديّة المفوّتة و لو صرّح المولى بأنّ الواجب المشروط قبل‏شرطه ليس بواجب أصلاً.و ذلك لا للقاعدة المعروفة:أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار كما توهّم بعض أهل‏التحقيق‏ (1) لما ذكرنا في محلّه‏ (2) من أنّ تلك القاعدة العقليّة غير مربوطة بمثل المقام،بل‏هي مربوطة بمسألة عقليّة فلسفيّة في قبال توهّم بعض المتكلّمين المنكر للإيجاب و الامتناع‏السابقين،بتوهّم أنّ التزامه موجب لصيرورة الفاعل موجَباً-بالفتح-فأنكر على مثله أهل‏الفنّ بأنّ الوجوب بالاختيار و كذا الامتناع بالاختيار لا ينافيان الاختيار (3) .و أمّا مثل المقام فلا شبهة أنّ الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار،فمن ترك السير إلى أن ضاق‏الوقت خرج إتيان الحجّ عن اختياره و لو كان الامتناع باختياره،لكن لا يكون هذا الامتناع‏عذراً عند العقل و العقلاء،و هو قاعدة أُخرى غير القاعدة المشتهرة.فاتّضح من ذلك دفع ما قال المحقّق المتقدّم‏من أنّ مورد القاعدةما إذا كان الامتناع بسوءاختياره،و لا يكون ذلك إلاّ بعد فعليّة التكليف و تساهله في تحصيل المقدّمات حتّى عجزعن امتثاله‏ (4) و ذلك لأنّ العقل لا يفرّق بين الواجب المشروط المعلوم تحقّق شرطه و بين‏الواجب المطلق في عدم معذوريّة العبد،و العقلاء حاكمون بالاستحقاق،فارجع إليهم‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:481 سطر 4-13.

2)انظر كتاب مناهج الوصول للسيد الإمام قدس سره.

3)كشف المراد:218.

4)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:481 سطر 4-6


428

...........حتّى يتّضح الحال.و أمّا ما عن الأردبيليّ‏ (1) و صاحب المدارك‏ (2) من الالتزام بالوجوب النفسيّ التهيّئي‏و استحقاق العقوبة على تركه مطلقاً،فغير وجيه،لا لما قال المحقّق المتقدّم من لزوم محذوروجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها،و أنّ تبعيّة وجوبها عن وجوبه كالنار على المنار (3) ;ضرورة عدم مناط المقدّمية فيه;لعدم التوقّف الوجوديّ،لكن لما رأى المولى أنّ ترك‏الفحص موجب للوقوع في ترك المأمور به أو فعل المنهيّ عنه أحياناً،و لا يكون في الفحص‏مناط المقدّميّة حتّى يجب بناءً على الملازمة،فلا محالة يأمر به لسدّ الاحتمال،كالأمربالاحتياط في الشبهة البدويّة.لكن يرد عليهما:-مضافاً إلى عدم دليل من عقل أو نقل عليه:أمّا العقل فواضح،و أمّاالنقل فسيأتي‏عندبيان مفاد الأدلّة-أنّ مخالفة الوجوب النفسيّ التهيّئي لا توجب‏عقوبة عقلاً;لعدم المحبوبيّة الذاتيّة فيه،و لا يكون تعلّق الأمر به لأجله حتّى يكون مولويّاًذاتيّاً موجباً لاستحقاق العقوبة،بل يكون لأجل التحفّظ على الغير كالأمر بالاحتياط،فالالتزام بما ذكرا-مع كونه بلا موجب-لا يدفع الإشكال.مع أنّ إنكار استحقاق‏العقوبة على مخالفة نفس الواقع غير وجيه.هذا كلّه حال حكم العقل مع قطع النّظر عن الأدلّة الشرعيّة.و أمّا حال الأدلّة فملخّص الكلام فيها:أنّ مقتضى التدبّر في الاخبار الكثيرة المتفرّقة في‏أبواب متفرّقة،أنّ التفقّه-و تحصيل مرتبة الفقاهة و الاجتهاد في الأحكام-مستحبٌّ نفسيّ‏أكيد أو واجب كفائيّ نفسيّ.و يدلّ على المطلوبيّة النفسيّة أخبار كثيرة في فضل العلم و العلماء،كقول أبي جعفر في‏مرسلة ربعي:(الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين،الصبر على النائبة،و تقديرالمعيشة) (4) و كقول أبي عبد اللّه:(إنّ العلماء ورثة الأنبياء) (5) و كقوله:(العلماء أُمناءاللّه) (6) و قوله:(العلماء منار) (7) و كقوله رسول اللّه:(من سلك طريقاً يطلب فيه‏علماً سلك اللّه به طريقاً إلى الجنّة) (8) و كأخبار فضل العالم على العابد (9) و غيرها

10

1)مجمع الفائدة و البرهان 1:342.

2)مدارك الأحكام:123 سطر 31-32.

3)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:481 سطر 2-3

4)الكافي 1:32-4 باب صفة العلم و فضل العلماء.

5)الكافي 1:32-2 باب صفة العلم و فضل العلماء،ثواب الأعمال:159-160-1 ثواب طالب العلم.

6)الكافي 1:33-5 باب صفة العلم و فضله و فضل العلماء،باختلاف يسير.

7)نفس المصدر السابق.

8)الكافي 1:34-1 باب ثواب العالم و المتعلّم،ثواب الأعمال:159-1 ثواب‏طالب العلم.

9)الكافي 1:34-1 باب ثواب العالم و المتعلم،ثواب الأعمال:159-160-1باب ثواب طالب العلم،بصائر الدرجات:26-28 باب فضل العالم على العابد.

10)الكافي 1:32-33 باب صفة العلم و فضله و فضل العلماء و 34-35 باب ثواب‏العالم و المتعلم.


429

...........ممّا لا تعدّ،و لا ريب في دلالتها على المطلوبيّة النفسيّة،و لا يبعد استفادة الوجوب الكفائيّ‏من طائفة منها (1) بل من آية النفر (2) أيضا.و هنا طائفة منها تدلّ على أنّ ترك السؤال و الفحص لا يكون‏عذراً،كما يدلّ عليه مرسلةيونس عن بعض أصحابه،قل:(سئل أبو الحسن عليه السلام هل يسع الناس ترك‏المسألة عمّا يحتاجون إليه؟فقال:لا) (3) .و صحيحة الفضلاء قالوا:(قال أبو عبد اللّه عليه السلام لحمران بن أعين في شي‏ء سأله:إنّما يهلك الناس لأنّهم لا يسألون) (4) .و رواية المجدور الّذي غسّلوه و لم ييمموه‏ (5) .و ما ورد في تفسير قوله تعالى:(فَلِلَّهِ الحجّةُ البالِغَةُ) (6) أنّه(يقال للعبد يوم القيامة:هل‏علمت؟فإن قال:نعم،قيل:فهلا عملت،و إن قال:لا،قيل له:هلا تعلّمت حتّى‏تعمل) (7) إلى غير ذلك ممّا هو ظاهر في أنّ العلم للعمل‏ (8) .و هذه الروايات إرشاد إلى حكم العقل من لزوم السؤال و التعلّم;لتماميّة الحجّة على العبدعلى فرض ورود البيان من المولى،و لا تدلّ على الوجوب النفسيّ،و لا النفسيّ التهيئي;لأنّ‏مفادها تابع لحكم المرشد إليه،و هو حاكم بعدم وجوبه نفسيّاً.و هاهنا روايات كثيرة لا يسع المقام لإيرادها و توضيح مقاصدها،و فيما ذكرنا كفاية إن‏شاء اللّه تعالى‏ (9) منه قدس سره‏

1)الكافي 1:30-31 باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحثّ عليه.

2)التوبة:122.

3)الكافي 1:30-3 باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحثّ عليه.

4)الكافي 1:40-2 باب سؤال العالم و تذاكره.

5)الكافي 3:68-5 باب الكسير و المجدور..و 1:40-1 باب سؤال العالم و تذاكره،الوسائل 2:967-1 و 3 باب 5 من أبواب التيمّم.

6)الأنعام:149.

7)أمالي الشيخ الطوسي 1:8-9،تفسير نور الثقلين 1:775-776-300.

8)الكافي 1:44-45 باب استعمال العلم.

9)ما بين الحاصرتين أخذناه من تهذيب الأصول 2:430 لتتميم السقط الموجودهنا.


430


431

في صحّة عمل الجاهل أو فساده‏

و أمّا حال الأحكام فلا إشكال في وجوب الإعادة في صورة المخالفة،بل‏في صورة الموافقة في العبادات فيما لا يتأتى منه قصد القربة;و ذلك لعدم‏الإتيان بالمأمور به،مع عدم الدليل على الصحّة و الإجزاء إلاّ في الإتمام في‏موضع القصر،أو الإجهار و الإخفات في موضع الآخر;لورود الدليل و فتوى‏الأصحاب على صحّة الصلاة في الموردين‏ (1) و تماميّتها مع الجهل و لو عن‏تقصير،مع استحقاق العقوبة على ترك المأمور به على ما هو عليه،فصار

1)انظر تذكرة الفقهاء 1:117 سطر 8-9 و 193 سطر 4-6،رياض المسائل 1:162 سطر 1 و 257-258،كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري:126-127،و 403 سطر 10.


432

الموردان‏منشأ لإشكال في المقام;لأنّه لو كان المأتيّ به هو المأمور به‏فلا وجه لاستحقاق العقاب،و إلاّ فلا وجه للصحّة.و إن شئت قلت:إنّ وجوب الجهر و الإخفات‏وكذا القصر إن توقّف‏على العلم به فهو يستلزم الدور المعروف،و إن كان غير متوقّف عليه فيلزم‏عدم صحّة الصلاة;لعدم الإتيان بالمأمور به،و إن كان من باب تقبّل العمل‏الناقص بعد وجوده بدلاً عن الكامل،و سقوط ما كان واجباً من قبل،فهو ممّايأباه العقل،من سقوط الواجب مع بقاء وقته مع المؤاخذة على تركه،و إن‏قلنا بعدم استحقاقه العقوبة فهو يتنافى مع ما تسالموا عليه من عدم معذوريّةالجاهل و استحقاقه للعقوبة.و الحاصل:أنّه كيف تجتمع الصحّة و العقوبة مع بقاء الوقت؟فإنّ الناقص لوكان وافياً بمصلحة التامّ لصحّ العمل و لا يستحقّ العقاب،و إلاّ فلا وجه‏للصحّة إلاّ إذا كان الناقص مأموراً به،و هو خلاف الواقع;للإجماع على‏عدم وجوب صلاتين في يوم واحد.و لقد أجاب عن هذه العويصة ثُلّة من المحقّقين،لا بأس بالإشارة إلى تلك‏الأجوبة:منها:ما أفاده المُحقّق الخراسانيّ من احتمال كون الناقص واجداً لمصلحةملزمة مضادّة في مقام الاستيفاء مع المصلحة القائمة بالتامّ،و التامّ بما هو تامّ‏مُشتمل على مصلحة مُلزمة،و يكون مأموراً به لا الناقص،لكن مع الإتيان‏بالناقص يستوفي مقدار من المصلحة المضادّة لمصلحة التامّ،فيسقط أمر التامّ‏


433

لأجله،و تكون الصلاة صحيحة لأجل استيفاء تلك المصلحة (1) انتهى.و هذا الجواب يدفع الإشكال بحذافيره:أمّا صحّة الصلاة المأتيّ بهافلعدم توقّفها على الأمر و اشتمالها على المصلحة الملزمة،و أمّا العقاب‏فلأنّه ترك المأمور به عن تقصير،و الإتيان بالناقص أوجب سقوط أمره قهراً،و عدمَ إمكان استيفاء الفائت من المصلحة;لأجل عدم اجتماعها مع‏المستوفاة.و أورد عليه بعض أعاظم العصر بأنّ الخصوصيّة الزائدة من المصلحةالقائمة بالفعل المأتيّ به في حال الجهل;إن كان لها دخل في حصول الغرض‏من الواجب،فلا يعقل سقوطه بالفاقد لها،خصوصاً مع إمكان استيفائها في‏الوقت،كما لو علم بالحكم في الوقت.و دعوى عدم إمكان اجتماع المصلحتين في الاستيفاء-لأنّ استيفاءأحدهما يوجب سلب القدرة عن استيفاء الأُخرى-واضحة الفساد;لأنّ‏القدرة على الصلاة المقصورة-القائمة بها المصلحة التامّة-حاصلة،و لا يعتبرفي استيفاء المصلحة سوى القدرة على متعلّقها.و إن لم يكون لها دخل فاللازم هو الحكم بالتخيير بين القصر و الإتمام،غايته أن يكون القصر أفضل فردي التخيير (2) (3) .

1)الكفاية 2:261.

2)فوائد الأُصول 4:291-292.

3)ما بين الحاصرتين مقتبس من تهذيب الأُصول 2:430-432 تتميماً للنقص الحاصل‏في المخطوطة.


434

و فيه:أنّ الخصوصيّة الزائدة لازمة الاستيفاء،لكن لا دخالة لها في حصول‏المصلحة القائمة بالناقص،فالمصلحة القائمة به تُستوفى مع الإتيان به فاقداًللخصوصيّة الزائدة اللازمة الاستيفاء بحسب الغرض الأكمل،و مع الإتيان‏به تكون المصلحة القائمة بالخصوصيّة الزائدة غير ممكنة الاستيفاء;للتضادّالواقع بين المصلحتين،أو لعدم إمكان استيفائها إلاّ في ضمن المجموع،و إعادةالناقص بعد إتيانه ممّا لا مجال لها;لاستيفاء المصلحة القائمة به،فإعادته لغو،و لا يمكن استيفاء المصلحة الزائدة بإتيانها مستقلاً أو في ضمن الناقص الغيرالقائم به المصلحة،و هذا معنى عدم القدرة على استيفاء الخصوصيّة بعدالإتيان بالناقص،فما أفاده-من أنّ هذه الدعوى واضحة الفساد;لأنّ القدرةعلى إتيان الصلاة المقصورة حاصلة-خلط بين القدرة على صورة الصلاةالمقصورة و بين القدرة على ما قامت به المصلحة،و القدرة حاصلة بالنسبة إلى‏الأُولى لا الثانية1.1و قد يُدفع الإشكال بتعدّد الطلب و المطلوب;بتعلُّق أمر بالطبيعة الجامعة و أمر آخر بالواجدللخصوصيّة (1) .و هذا إنّما يصحّ لو قلنا بكون المطلق و المقيّد عنوانين دافعين للتضادّ بين الأحكام،و قدرجّحنا عدم كون المطلق و المقيّد العنواني داخلاً في محلّ النزاع في باب الاجتماع،بدعوى عدم كون المطلق عنواناً مغايراً للمقيّد،بل المقيّد هو هو مع قيد،فلا يدفع التضادّبين الأمر و النهي المتعلّقين بهما.اللّهمّ إلاّأن‏يفرّق بين الأمر و النهي و الأمرين;بدعوى امتناع تعلّق إرادة البعث و الزجربالمطلق و المقيّد،دون إرادة أمرين بهما مع تعدّد المطلوب;لعدم التضادّ المتوهّم بين‏الأحكام،و عدم إمكان تعلّق إرادة البعث و الزجر ليس للتضادّ بل لأمر آخر.

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:484 سطر 20-23.


435

و من الأجوبة عن الإشكال من نقل‏ (1) عن كاشف الغطاء من الالتزام‏بالأمر الترتّبي،و أنّ الواجب على المكلّف أوّلاً هو القصر،و عند العصيان و ترك‏الصلاة المقصورة و لو لجهله بالحكم يجب عليه الإتمام‏1.و استشكل عليه:تارةً بعدم تعقّل الترتب‏ (2) و تارةً مع تسليم إمكانه أنّ‏المقام أجنبيّ عنه;لأنه يعتبر في الخطاب الترتبي أن يكون كلّ من المتعلّقين‏و بالجملة:يمكن دعوى شهادة الوجدان بإمكان تعلّق أمرين بهما;ضرورة أنّ من كان‏مطلق الماء دافعاً لهلاكه يطلبه بنحو الإطلاق،و كان مطلوبه الآخر الماء البارد يطلب المقيد،و لا تنافي بين مطلوبيّتهما،بخلاف المطلوبيّة و المبغوضيّة،فإنّهما لا يجتمعان في نفس الماءو المقيّد منه مع بقاء الإطلاق على إطلاقه.فلو قيل.إنّ تشخص الإرادة بالمراد;فمع وحدته لا يمكن تعلّق الإرادتين،و مع كثرته‏لا فرق بين الأمرين و الأمر و النهي.يقال:يكفي في تشخّصهما اختلاف المتعلّق هويّة،و لا يكفي ذلك في جواز تعلّق البعث‏و الزجر;أي تعلّق الإرادتين المتضادّتين.منه قدس سره‏1كشف الغطاء:27 سطر 22-23.كاشف الغطاء:هو الفقيه الأكبر الإمام المحقق الشيخ جعفر بن الشيخ خضر بن يحيى بن‏سيف الدين المالكي الجناجي النجفي،زعيم الإمامية و مرجعها الأعلى في عصره،ولد سنة1156 ه في النجف الأشرف،حضر عند الوحيد البهبهاني،و الشيخ محمّد مهدي‏الفتوني،و السيد بحر العلوم،ترك آثاراً ناصعة في جبين الدهر أشهرها و أهمها(كشف‏الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء)توفي سنة 1228 ه.انظر الكرام البررة:248،مستدرك الوسائل 3:397،مقابس الأنوار:19.

1)الناقل هو الشيخ في فرائده:309 سطر 5-7.

2)فرائد الأُصول:309 سطر 8.


436

واجداً لتمام ما هو ملاك الحكم،و يكون المانع من تعلّق الأمر بكلّ منهما هوعدم القدرة على الجمع للتضادّ بينهما،و المقام ليس كذلك;لعدم ثبوت‏الملاك فيهما،و إلاّ لتعلّق الأمر بكلٍّ منهما;لإمكان الجمع بينهما و ليساكالضدّين،فعدم تعلّق الأمر بهما يكشف عن عدم الملاك.هذا،مع أنّه يُعتبر في الخطاب الترتّبي أن يكون خطاب المهم مشروطاًبعصيان الأهمّ،و في المقام لا يعقل أن يخاطب التارك للقصر بعنوان العاصي;فإنّه لا يلتفت إليه،و إلاّ يخرج عن عنوان الجاهل،و لا تصحّ منه حينئذٍ الصلاةالتامّة،فلا يندرج المقام في صغرى الترتّب‏ (1) .و الجواب أمّا عن الإشكال الأوّل:فبأنّه مبنيّ على إمكان الترتّب،فالإشكال‏بنائيّ.و أمّا عن الثاني:فبأنّه لا يعتبر فيه أن يكون كلّ من المتعلّقين واجداً للملاك‏في عرض الآخر و مقارناً له،بل لو حدث الملاك-عند الجهل بحكم القصر،أو عند العصيان-بنحو ما يُعتبر في الترتّب،كفى في الخطاب الترتّبي،و يمكن‏أن يكون ما نحن فيه كذلك،بل لا إشكال في واجديّتهما للملاك;لصحّةصلاة القصر لو فعل،و صحّة التمام مع عدم إتيان القصر نصّاً و إجماعاً،و قدتقدّم كونهما متضادّين و معنى تضادّهما (2) .و أمّا الإشكال بأنّه لا يعقل أن يخاطب التارك بعنوان العاصي،

1)فوائد الأُصول 4:293.

2)انظر الجزء الأول صفحة:126 و ما بعدها.


437

ففيه:أنّه لا يعتبر في صحّة توجّه الخطاب أن يكون المخاطب متوجّهاً إلى‏العنوان بما أنّه هو،بل لو كان الشرط حاصلاً بحسب الواقع يجوز توجّه‏الخطاب إليه.و ما نحن فيه كذلك;فإنّ عنوان الجهل بحكم القصر أو العصيان للأمرالقصريّ حاصل بحسب الواقع،و المكلّف ينبعث باعتقاد الأمر التمامي،فإذاتوجّه إليه هذا الأمر يكون انبعاثه بهذا البعث المتوجّه إليه و لو لم يعلم بأنّه‏عاصٍ للأمر القصريّ،و لا يحتاج في البعث أن يتوجّه المبعوث إلى شرائطالبعث لو كان الشرط حاصلاً بحسب الواقع،فالتصحيح بالأمر الترتبي-على‏فرضه-بمكان من الإمكان،تأمّل‏1.ثمّ إنّ هاهنا وجوهاً أُخر لدفع الإشكال‏ (1) بعضها تامّ و بعضها غير تامّ‏تركتها مخافة التطويل.هذا كلّه في البراءة العقليّة.

اشتراط جريان البراءة الشرعيّة بالفحص‏

و أما البراءة الشرعيّة فقد يقال:إنّ مقتضى إطلاق أدلتها عدم وجوب‏1قوله:-«تأمّل»-وجهه:أنّ الترتّب مع فرض معقوليّته غير صحيح في المقام;إذ العصيان‏-المنوط به الأمر بالإتمام-بترك القصر في تمام الوقت،و المفروض بقاء الوقت،و لا يحصل‏العصيان إلاّ بخروجه.و يمكن أن يقال:إنّ هذا الإشكال وارد على كبرى صحّة الترتّب،فراجع.منه قدس سره‏

1)فوائد الأُصول 4:294-301.


438

الفحص;فإنّ قوله:(رفع...ما لا يعلمون) (1) و(الناس في سعة ما لا يعلمون) (2) هورفع ما لا يعلم و التوسعة فيه،كان قبل الفحص أو لا (3) .و أُجيب عنه بقيام الإجماع على وجوب الفحص‏ (4) و به تقيّدالإطلاقات،و هو كما ترى،كما أنّه لا مجال للتمسّك بالعلم الإجماليّ‏ (5) لما عرفت‏ (6) أنّ الكلام في شرائط جريان أصل البراءة بعد تحقّق مجراه،و هومع فقد العلم الإجماليّ.و يمكن أن يقال:إنّ أدلّة البراءة ممّا لا يمكن إطلاقها لما قبل الفحص;ضرورة أنّ حكم العقل بوجوب اللطف على اللّه تعالى في بعث‏الرسل و إنزال الكتب لئلا يكون الناس كالبهائم و المجانين إنّما هو للانتفاع‏بأحكام اللّه في العاجل و الآجل و العمل على طبقها صلاحاً لحال‏معاشهم و معادهم،و إنّما أرسل اللّه تعالى رسله و أوحى إليهم لهذه‏الغاية،فهل يجوز عند العقل بعد ذلك أن يكون من أحكامه تعالى‏

1)الخصال 2:417-9 باب التسعة،الوسائل 11:295-1 باب 56 من أبواب جهادالنّفس و ما يناسبه.

2)الكافي 6:297-2 باب نوادر،الوسائل 2:1073-11 باب 50 من أبواب‏النجاسات و 16:373-2 باب 38 من أبواب الذبائح.

3)الكفاية 2:255-256،نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:469 سطر13-15.

4)فرائد الأُصول:300 سطر 15،الكفاية 2:256.

5)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:470 سطر 12-16.

6)و ذلك في صفحة:416 من هذا المجلّد.


439

رفع ما لا يعلم،بمعنى أنّ قاطبة الناس يجوز لهم عدم سماع قول الأنبياءو العلماء،و ترك تعلّم أحكام اللّه،و جعل أصابعهم في أذانهم،و الذهاب إلى‏أقطار لا يسمعون‏فيهامن أحكامه شيئاً؟!فهل هذا إلاّ الإذن بأن يصيرالناس كالبهائم و المجانين؟!و إن أبيت عن التقييد العقليّ،و قلت:لا امتناع عند العقل-بعد وضوح‏كثير من الأحكام و العلم الإجماليّ بكثير منها-أن تجري البراءة بالنسبة إلى‏البقيّة،فلا أقلّ من انصراف أدلّة البراءة عمّا قبل الفحص‏1.1بل التحقيق أنّ في مثل قوله:(رفع..ما لا يعلمون)لا يكون الموضوع هوعدم العلم الوجداني،حتّى تكون أدلّة الأمارات و الأُصول الحاكمة عليه من قبيل‏المخصّص له;لاستهجان مثله و لو كان بنحو الحكومة،بل الموضوع هو عدم الحجّة،فكأنّه‏قال:رفع ما لا حجّة عليه،و لا إشكال في أنّ الحجّة الموجودة في الكتاب و السنّة حجّةواصلة بحسب المتعارف،فمع عدم الفحص لا يعلم تحقّق موضوع الأصل،و هذا واضح‏لدى التأمّل.و لو فرض الإطلاق فيقيّد بما في نفس أدلّة البراءة،مثل قوله تعالى:(ما كنّا معذّبين‏حتّى نبعث رسولاً) (1) فجعل بعث الرسول غاية لرفع التعذيب،و بمناسبة الحكم‏و الموضوع يكون المراد أنّ الرسول إذا بلَّغ من أُرسل إليه بحسب المتعارف تتمّ الحجّةو وقع التعذيب على فرض المخالفة،و المفروض-كما تقدّم-أنّ التبليغ المتعارف‏تحقّق،و وجود الأحكام في الكتاب و السنّة حجّة تامّة على الأُمّة،و لا يجوز لهم غضّ‏البصر عنها.و مثله قوله:(لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ ما آتاها) (2) بناءً على كونه من الأدلّة،و مثلهماالروايات التي بهذا المضمون أو قريبة منه،كقوله:(إنّما يحتجّ على العباد بماآتاهم و عرّفهم) (3) و قوله:(كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي) (4) فإنّها صالحةلتقييد الإطلاقات على فرضها.منه قدس سره‏

1)الإسراء:15.

2)الطلاق:7.

3)الكافي 1:162-163-1 باب البيان و التعريف و لزوم الحجّة،باختلاف يسير.

4)الفقيه 1:208-22 باب 45 في وصف الصلاة..،الوسائل 18:127-128-60باب 12 من أبواب صفات القاضي.


440

ثمّ مع الغضّ عنها فلا إشكال في تقدّم أدلّة وجوب التعلّم و التفقّه‏ (1) عليها;لحكومتها عليها،كقوله-صلّ اللّه عليه و آله في المستفيضةالمشهورة(طلب العلم فريضة على كلّ مسلم (2) .و كمرسل الكافي عن عليّ عليه السلام:(ألا و إنّ طلب العلم أوجب‏عليكم من طلب المال-إلى أن قال-:و العلم مخزون عند أهله،و قد أُمرتم بطلبه من‏أهله،فاطلبوه) (3) .و ما في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السلام:(تفقّهوا في الدين،فإنّه من‏لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابيّ) (4) .و ما في الكافي عن يونس،عن بعض أصحابنا،قال:(سئل أبو الحسن:

1)الكافي 1:30-31 باب فرض العلم و وجوب طلبه..،بصائر الدرجات:22-23-3في العلم أنّ طلبه فريضة على الناس.

2)الكافي 1:30-31-1 و 5 باب فرض العلم و وجوب طلبه..،بصائر الدرجات:22--1و 23-3 باب 1 في العلم أنّ طلبه فريضة على الناس.

3)الكافي 1:30-4 باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحثّ عليه.

4)الكافي 1:31-6 باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحثّ عليه.


441

هل يسع الناس ترك المسألة عمّا يحتاجون إليه؟فقال:لا) (1) .و ما في الكافي في الصحيح:(قال أبو عبد اللّه لحمران بن أعين في شي‏ءسأله:إنّما يهلك الناس لأنّهم لا يسألون)1.إلى غير ذلك من الروايات‏2.و معلوم أنّها حاكمة على إطلاق أدلّة البراءة على فرضه;فإنّ روايات‏البراءة بإطلاقها تدلّ على رفع ما لا يعلم حتى قبل الفحص،و هذه الروايات‏تحكم بوجوب التفقّه و التعلّم و الفحص،فهذه تتعرّض لموضوع أدلّة البراءةو تتقدّم عليها بالحكومة3.1الكافي 1:40-2 باب سؤال العالم و تذاكره.حمران بن أعين:الكوفي الشيباني،يكنى بأبي الحسن،تابعي و من أكابر مشايخ الشيعةالمفضلين،و كان أحد حملة القرآن و مشاهير القُرّاء،عدَّه الشيخ في أصحاب الإمامين الباقرو الصادق عليهما السلام.انظر مجمع الرّجال 2:233،معجم رجال الحديث 6:254،رجال السيد بحر العلوم 1:227.2كرواية غسل المجدور (2) و رواية طول الجلوس في بيت الخلإ (3) و ما ورد في تفسير قوله:(فللّه الحجّة البالغة) (4) (5) 3و قد يقال:إنّ هذه الأدلّة لا تصلح لتقييد المطلقات;لظهورها في الإرشاد إلى حكم‏

1)الكافي 1:30-3 باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحثّ عليه.

2)الكافي 1:40-1 باب سؤال العالم و تذاكره،الوسائل 2:967-1 و 3 باب 5 من‏أبواب التيمّم.

3)الفقيه 1:45-46-6 باب 18 في الأغسال،الوسائل 2:957-1 باب 18 من‏أبواب الأغسال المسنونة.

4)أمالي الشيخ الطوسي 1:8-9،تفسير نور الثقلين 1:775-776-300.

5)الأنعام:149.


442

و قد ذُكِر لجريان أصل البراءة آخران،لا يخفى‏مافيهما من‏الضعف.العقل،فتكون المطلقات واردة عليها كما وردت على حكمه.مضافاً إلى إمكان دعوى اختصاصها بصورة العلم الإجماليّ،فتكون إرشاديّة أيضا.مع أنّها قاصرة عن إفادة تمام المطلوب;لأنّها ظاهرة في الاختصاص بصورة يكون الفحص‏مؤدياً إلى العلم بالواقع،و المطلوب أعمّ من ذلك‏ (1) انتهى.و فيه ما لا يخفى،أمّا في دعوى ورودها عليها فلأنّه على فرضه لا معنى لتعيير العبد على‏عدم العلم‏ (2) و لا وجه لهلاك العبد بعدم السؤال‏ (3) و لا للدعاء عليه بقوله:(قاتلهم اللّه) (4) .فكيف يجمع بين ما ذكره و بين إطلاق أدلّة الرفع و ورودها عليها؟!بل يكشف من ذلك أن‏لا إطلاق لها،أو هي مقيّدة على فرضه.و أمّا دعوى الاختصاص بالعلم الإجماليّ فساقطة;لعدم شاهد عليها،بل إطلاقها يعمّ‏الشبهة البدويّة.و أمّا ما ذكره أخيراً-من‏اختصاصها بصورة كون الفحص مؤدّياً-ففيه منع واضح;لإطلاق الأدلّة لصورة الشكّ في الوصول و عدمه.نعم لا إشكال في عدم وجوبه مع العلم بعدم الوصول;لأنّ إيجاب التعلّم مقدّمة للعلم‏على فرض الواقع،و مع العلم بعدم النتيجة لا وجه للتعلّم و السؤال و لا موضوعيّة له،و أمّا مع‏الشكّ في الحكم و احتمال الوصول فالإطلاق محكّم كما لا يخفى،فلا إشكال في تقديم‏الأدلّة على الإطلاقات لو سلّمت،فتدبّر.منه قدس سره‏

1)نهاية الأفكار-القسم الثاني من الجزء الثالث:474-475.

2)الكافي 1:40-1 باب سؤال العالم و تذاكره و 3:68-4 و 5 باب الكسيرو المجدور..،الوسائل 2:967-968-1 و 3 و 6 باب 5 من أبواب التيمّم.

3)الكافي 1:40-2 باب سؤال العالم و تذاكره.

4)الكافي 3:68-4 باب الكسير و المجدور..،الوسائل 2:967-968-6 باب 5 من‏أبواب التيمّم.و في المصدرين:(قتلهم اللّه).


443

ثمّ إنّ المحقّق الخراسانيّ‏ (1) رحمه اللّه-تبع العلاّمة الأنصاريّ‏ (2) -قدّس سرّه-في الاستطراد بذكر قاعدة الضرر،و لمّا كانت مباحثها كثيرةأفردنا لها رسالة مُستقلّة كافلة لجميع مطالبها.هذا تمام الكلام في مباحث البراءة و الاشتغال،و الحمد للّه أوّلاً و آخراًو ظاهراً و باطناً،و قد فرغت من تبييضها صبيحة يوم الحادي عشر من شهررمضان المبارك سنة«1368»القمريّة في قرية«دركه»من محالّ شميران.«و الحمد للّه أوّلاً آخراً و ظاهراً و باطناً»

1)الكفاية 2:265.

2)فرائد الأُصول:313 سطر 24.


444


445

الفهارس العامة

1-فهرس الآيات القرآنية2-فهرس الأحاديث الشريفة3-فهرس أسماء النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام‏4-فهرس الأسماء و الكنى‏5-فهرس الكتب‏6-فهرس مصادر التحقيق‏7-فهرس موضوعات الكتاب‏


446


447

1-فهرس الآيات القرآنية

أقيموا الصلاة...البقرة 2-43 304لا يكلّف اللّه نفساً...البقرة 2-286 76و للّه على الناس...آل عمران 3-97 147اتقوا اللّه حق تقاته...آل عمران 3-102 83،85إنّما التوبة على اللّه...النساء 4-17 75يا أيها الذين آمنوا أوفوا...المائدة 5-1 215أُحلَّ لكم الطبيات...المائدة 5-4،5 119امسحوا برءوسكم و أرجلكم...المائدة 5-6 308فاغسلوا وجوهكم...المائدة 5-6 333السارق و السارقة فاقطعوا...المائدة 5-38 41فللّه الحجّة البالغة...الأنعام 6-149 422،429،441من جاء بالحسنة...الأنعام 6-160 132إلاّ من أُكره و قبله...النحل 16-106 67و كلّ إنسان ألزمناه...الإسراء 17-13 24


448

اقرأ كتابك كفى...الإسراء 17-14 24ما كنّا معذبين حتى...الإسراء 17-15 21،22،31،439لا تقربوا الزنا...الإسراء 17-32 215أقم الصلاة لدلوك...الإسراء 17-78 57،337،374و جاهدوا في اللّه...الحج 22-78 83ما جعل عليكم في الدين...الحج 22-78 46،،307الزانية و الزاني فاجلدوا...النور 24-2 41إن جاءكم فاسق بنبإ...الحجرات 49-6 15أن تصيبوا قوماً...الحجرات 49-6 75فاتّقوا اللّه ما استطعتم...التغابن 64-16 83لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ...الطلاق 56-7 26،76،439و الرجز فاهجر...المدثر 74-5 253


449

2-فهرس الأحاديث الشريفة

أخوك دينك فاحتط...88إذا استيقن أنَّه زاد...360،367إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه...386،387،388،396إذا بلغ الماء قدر كر لا...394إذا بلغ الماء قدر كر لم...118إذا علمت أنه ميتة...231إذا كان الماء قد كر...253اغسل ثوبك 333ألا و إنَّ طلب العلم...440الالتفات إذا كان بكلّه...358أمن أجل مكان واحد...231إنَّ اللّه احتجّ على الناس...76إنَّ اللّه حرّم الميتة...253إنَّ اللّه سكت عن أشياء...29،71إنَّ اللّه يحتج على العباد...76


450

إنَّ أمر اللّه كلّه عجب...77إنّ العلماء ورثة الأنبياء 428إنّ الغصب كلّه مردود 267إنّ الفأرة أهون عليّ من...253إن كان خلط الحلال...73إنّما الشك في شي‏ء...16إنّما يحتجّ على العباد...439إنّما يهلك الناس لأنهم...429،441أنَّه يعيد لأنه زاد...361تفقّهوا في الدين...421،440ثم أرسل إليهم رسولاً 77رفع عن أُمتي تسعة...37.رفع عن أُمتي ما لا يعلمون 70رفع عن أُمتي النسيان...59رفع ما أُكرهوا عليه 67رفع ما لا يعلمون 178،307،438،439الركوع جزء الصلاة 373سأُخبرك عن الجبن و غيره 231سئل أبو الحسن عليه السلام هل يسع الناس...فقال:لا 429،440السجدة زيادة في المكتوبة 370السجود زيادة في المكتوبة 361،369السنة لا تنقض الفريضة 366الصلاة لا تترك بحال 373


451

طلب العلم فريضة 421،440العلماء أُمناء اللّه 428العلماء منار 428فشكّك ليس بشي‏ء 16فنام رسول اللّه عن الصلاة...77قاتلهم اللّه 442القراءة سنة و التشهد...366كل شي‏ء طاهر حتى تعلم...119كل شي‏ء فيه حلال و حرام...73،175،231كلّ شي‏ء لك حلال...72،123،177،178،191،203كلّ شي‏ء مطلق...74،78،177،439كلّ ما حجب اللّه علمه...70الكمال كلّ الكمال التفقه...428لا بأس به حتى يعرف...74لا تصلّ فيما لا يؤكل 272لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل 327،333،335لا تعاد الصلاة...58،60،61،360-369لا تنقض اليقين بالشك 16،391لا سهو مع حفظ الإمام 46لا شك لكثير الشك 46لا صلاة إلاّ بطهور 272،334،344،374لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب 334،374-376لا ضرر..46


452

لا يحلّ لأحد أن يتصرف...267لا يحلّ مال إلاّ من حيث...122،124لا يحلّ مال امرئ إلاّ...122،124لا يقطع الصلاة إلاّ في أربع...358لا ينقض اليقين بالشك...37،180،191،192ليس عليكم الحج من قابل...75الماء كلّه طاهر حتى تعلم...254ما حجب اللّه علمه عن العباد...70،71ما لا يدرك كله لا يترك...386،392،394،396من بلغ...131-137من زاد في صلاته...360-367من سلك طريقاً يطلب...428الميسور لا يسقط بالمعسور 386،390،397،398الناس في سعة ما لا يعلمون 74،438هذا و أشباهه يعرف...308هل يسع الناس ترك...429هم في سعة حتى يعلموا 112و لكنّه ينقض الشك...180و يحك ما يؤمنك...388يعرف هذا و أشباهه...307يقال للعبد يوم القيامة...422،429يقوّم ما فيها ثم يؤكل...112


453

3-فهرس أسماء النبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام‏

النبي رسول اللّه محمّد صلى اللّه عليه و آله:35،42،77،132،133،135،183،184،253،388،389،412،428أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام:112،407،440أبو عبد اللّه الحسين عليه السلام:133،375أبو جعفر الباقر عليه السلام:74،219،231،253،360،428،441أبو عبد اللّه الصادق عليه السلام:73-78،87،112،219،231،232،360،428،429،440،441أبو الحسن الكاظم عليه السلام:73،87،219،429،440،الرضا عليه السلام:219صاحب الزمان عليه السلام:267أهل البيت الأئمة آل محمّد عليهم السلام:74،183،253،412


454

4-فهرس الأسماء و الكنى‏

ابن داود:60ابن زهرة:59،253ابن الطيّار حمزة بن محمّدابن عبّاس:388ابن نما:60أبو بصير:360أبو بكر:388أبو الجارود:231أبو المعزى:232أبو هريرة:388أبان:360أبان الأحمر:76أحمد بن حنبل:122أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي:16،39،48،50


455

أحمد بن محمّد الأردبيلي النجفي:59،428الأردبيلي:أحمد بن محمّد الأردبيلي النجفي‏المُقدّس الأعرجي:375السيد الإمام:15،69،97،149،281،488،306الشيخ العلاّمة الأنصاري:18،26،29،59،60،75،125،134،137،191،206،220،225،228،231،243،249،271،275،298،299،302،325،326،336،338،339،362،365،391،392،394،395،422،431،435،443بحر العلوم:375،435،441البخاري:388البرقي:48،87،232البزنطي أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي‏بعض أعاظم العصر بعض مشايخ العصر الفاضل المقرّر المحقق الكاظمي‏بكير بن أعين:360،368جابر بن عبد اللّه الأنصاري:253،388جعفر بن خضر بن يحيى المالكي الجناجي النجفي:375،435جميل بن دراج:76،360المُحقق الحائري:11،37،48،69،83،91،101،122،123،229،230،243،245،247،303،307،361،367،391الحذّاء زياد بن عيسى الكوفي‏حريز:360الحسن:388


456

الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني:60الحلبي:232الحلّي:273حمران بن أعين:429،441حمزة الحسيني:274حمزة بن محمّد:76المحقق الخراسانيّ:93،133،183،186،211،242،250،296،298،305،316،340،350،432،443الرازي:388ربعي:428الرّجل الهمداني:311،312السيد الرضي:407زرارة بن أعين:180،360،368الزركلي:73زياد بن عيسى الحذّاء الكوفي:74سراقة بن مالك بن جُعشم المدلجي الكناني:388سماعة بن مهران بن عبد الرحمن الحضرمي الكوفي:73،232سيبويه:288شارح الروضة الفاضل الهندي‏الشهيد الأول:407الشهيد الثاني:60الشيخ الشيخ الأعظم الشيخ العلاّمة الأنصاري الشيخ الرئيس:311


457

شيخنا العلاّمة شيخنا الأُستاذ المحقق الحائري‏الميرزا الشيرازي:73صاحب الحاشية:283صاحب المدارك:428الصدوق محمّد بن علي بن الحسين‏صفوان:48شيخ الطائفة الشيخ الطوسي‏السيد الطباطبائي:73الشيخ الطوسي:73،74،87،177،220،423المحقق الطوسي:407عبد الأعلى:76،307عبد اللّه بن سليمان:231،232عبد اللّه بن سنان:231عبد اللّه بن وضاح:87عبد الرحمن بن الحجاج:87عبد الصمد بن بشير:75عثمان:388الشيخ عربي بن مسافر العبادي:274عكاشة:388العلاّمة الحلي:59علم الهدى:59


458

علي بن إبراهيم القمي:369علي بن جعفر:219علي بن رئاب:74عمّار:67العياشي:68الفاضل الهندي:116،118فخار بن معد الموسوي:274القمي علي بن إبراهيم القمي‏المحقق القمي:271،272كاشف الغطاء جعفر بن خضر بن يحيى المالكي الجناجي النجفي‏المحقق الكاظمي:17،18،22،30،34،36،43،45،51،58،62،65،107،110،117،128،133،143،153،155،159،163،164،167،172،178،181،182،192،194،200،226،228،234،238،251،255،256،260،261،271،272-277،285،292،297،300،306،314،318،321،325،339،340،342،355،359،369،375،387،416،422،433الكشي:360الكليني:369المحقق:60محمّد تقي البروجردي:255محمّد بن جعفر الأسدي:267


459

محمّد بن زهرة:60السيد محمّد الطباطبائي:60محمّد بن علي بن الحسين الصدوق:27،33،59،70،78،80،178،360السيد محمّد مهدي بحر العلوم بحر العلوم‏محمّد مهدي الفتوني:435المرتضى:407مسعدة بن صدقة:72معاوية بن عمّار:231الشيخ المفيد:73،220مهدي كاشف الغطاء:73الميرزا النائيني:116،283النجاشي:73نجيب الدين بن نما الحلي:274الوحيد البهبهاني:228،375اليماني:77يونس:429،440


460

5-فهرس الكتب‏

أجود التقريرات:152الاحتجاج:267إحياء الداثر:60الاختصاص:178الإرشاد(للمفيد):220الاستبصار:118،122،220،253،307،358،368،394الأسفار:102،311،313أُصول الكافي:80الأعلام(للزركلي):73أعيان الشيعة:73،407أمالي الشيخ الطوسي:88،177،422،431،441أمل الآمل:60،274،407أوثق الوسائل في شرح الرسائل:134،362،363،365،386إيضاح الفوائد:60


461

بدائع الأفكار:165بصائر الدرجات:430،440بهجة الآمال:253التاريخ الكبير(للبخاري):388التبيان:68تحف العقول:117،121تذكرة الفقهاء:59،431التفسير(لعبد اللّه بن وضاح):87تفسير العيّاشي:68تفسير القمّي:369تفسير نور الثقلين:422،431،441تقريب التهذيب:388تنقيح المقال:74التهذيب:16،58،72،73،80،87،191،233،253،361،368،369تهذيب الأسماء و اللغات:388تذهيب الأُصول:431،433تهذيب التهذيب:388التوحيد(للصدوق):27،33،59،70،80،178ثواب الأعمال:133،430جامع البيان:68الجرح و التعديل(للرازي):388


462

جواهر الكلام:374،395حاشية فرائد الأُصول(للشيخ محمّد كاظم الخراسانيّ):36،183،297،336،362حاشية مدارك الأحكام(للوحيد البهبهاني):228حاشية المكاسب(للطباطبائي اليزدي):73الحدائق الناضرة:79حقائق الأُصول:212الخصال:33،59،178،438درر الفوائد:11،26،39،40،48،69،84،92،95،101،123،148،149،198،199،208،213،241،244،245،248،250،303،307،330،336،339،352،365،366،391دعائم الإسلام:334،374الذريعة إلى تصانيف الشيعة:116ذكرى الشيعة:59،407رجال ابن داود:60رجال السيد بحر العلوم:441رجال البرقي:87رجال الشيخ الطوسي:73،74،87رجال الكشّي:360رجال النجاشي:73،87الرسائل(للسيد الإمام):15،68،97،244،245،248،373رسالة الاستصحاب(للسيد الإمام):15،97،244،245،248


463

رسالة التسامح في أدلّة السنن:134،137رسالة التقيّة:67رسالة حكم اللباس المشكوك فيه:144،356روض الجنان:228،229رياض المسائل:371،406،431زبدة البيان:60السرائر:273سفينة البحار:407سير أعلام النبلاء:388شرائع الإسلام:60شرح الشمسية:144الصلاة(للشيخ الأنصاري):431الصلاة(لعبد اللّه بن وضاح):87شرح المنظومة:102،144،287الطهارة(للشيخ الأنصاري):60العروة الوثقى:73علل الشرائع:272عمدة الطالب:220عوالي اللئالي:118،122،334،374،386،392،396،397الغنية:59،253،405فرائد الأُصول:11،18،24،26،30،34،71،72،79،125،127،165،177،191،200،207،220-222،229،233،


464

244،249،252،253،262،271،274،276،298،300،303،328،336،353،359،362،365،381،382،384،391،392،394،403،405،406،416،421،422،429،435،438،443الفصول الغروية:34،290،295،43الفقيه:30،46،58،68،71،74،80،88،112،175،233،361،370،374،440،441الفهرست(الشيخ الطوسي):87فوائد الأُصول:11،17،23،29،30،34،37،40،43،45،46،51،54،57،58،61،62،66،108،110،117،120،129،134،135،142-144،153،155،156،159،162-164،167،168،172،173،176،178-182،192،194،196،202،205،213،222،224-226،229،235،237،238،244،251،255،258،262،271266،273،275-277،283،292،293،295،297،300،306،315،318،321،322،325،328،330،336،340،342،345،346،351،352،355،359،362،365،369،370،373،376،384،387،391،396،398،409،411،416،417،420،422،423،429،430،433،436،437الفوائد الطوسية:89فواتح الرحموت:165


465

قوامع الفضول:56،170القوانين:26،169،177،272،310الكافي:27،33،59،68،72-74،76،77،80،87،112،118،122،131،175،177،180،191،203،219،232،233،253،254،267،271،272،307،328،333،354،358،360،361،362،368،369،391،394،430،431،438،440-442كامل الزيارات:133الكرام البررة:375،435كشف الغطاء:435كشف اللثام:116كشف المراد:430الكفاية:11،33،57،71،79،83،87،89،93،97،125،133،139،142،152،169،172،183،186،207،208،211،213،221،228،238،243،251،278،297،298،306،310،316،332،341،350،372،380،395،396،399،411،423،425،429،430،433،438،443الكنى و الألقاب(للشيخ القمي):116،375،407لؤلؤة البحرين:60،274لسان العرب:197،288المبسوط:220مجمع البيان:386،388


466

مجمع الرّجال:441مجمع الفائدة و البرهان:59،60،430المحاسن(للبرقي):40،48،232مدارك الأحكام:371،422،430مرآة العقول:368المسائل(لعلي بن جعفر):220مسالك الأفهام:220مستدرك الوسائل:59،118،177،334،374،375،407،435المستصفى:165مستطرفات السرائر:16مستمسك العروة الوثقى:106،374مسند أحمد بن حنبل:122مصباح المتهجد:133مطارح الأنظار:142،225،330،336،395،429معارج الأُصول:60معارف الرّجال:73معالم الدين:84المعتبر في شرح المختصر:60،220معجم رجال الحديث:73،87،220،253،360،441مقابس الأنوار:59،60،116،274،435مقالات الأُصول:11،26،56،80المناهج السويّة في شرح الروضة البهية:116


467

مناهج الوصول:69،149،281،288،206،328،430منية الطالب في حاشية المكاسب:144،356الناصريات(ضمن الجوامع الفقهية):59نهاية الأُصول:59نهاية الأفكار:11،26،29،30،50،52،56،57،64،68،79،89،175،206،213،222،229،244،255،279،295،317،333-335،344،346،349،359،362،391،398،421،429،430،435،438،442نهاية الدراية:80،142،208،286،328،336،365،387،394،413،414،429نهج البلاغة:407نهج الحق:59هداية المسترشدين:142،283،288،430الوافي:77،368الوسائل:16،30،40،46،48،59،68،71-75،78-80،87،88،112،117،118،131،175،177،180،191،203،219،232،233،253،254،267،272،307،328،333،334،354،358،360-362،368،370،374،391،394،431،438،440-442


468

6-فهرس مصادر التحقيق‏

1-أجود التقريرات:لآية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي-نشر مكتبةمصطفوي-قم المقدَّسة.2-الاحتجاج:للشيخ أحمد بن علي الطبرسي-نشر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات‏-بيروت(1403 ه).3-إحياء الداثر من القرن العاشر:للشيخ آغا بزرگ الطهراني-نشر جامعة طهران‏-طهران(1366 ه ش).4-إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين:للشيخ جمال الدين مقداد السيوري-نشر مكتبة آية اللّه المرعشي-قم(1405 ه).5-الاعتقادات:للشيخ محمّد باقر المجلسي-نشر مكتبة العلاّمة المجلسي-أصفهان‏(1409 ه).6-الأعلام:لخير الدين الزركلي-نشر دار العلم للملايين-بيروت(1986 م).7-أعيان الشيعة:للسيد محسن الأمين-نشر دار التعارف للمطبوعات-بيروت‏(1403 ه).8-أمل الآمل:للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي-نشر مكتبة الأندلس-بغداد (1385 ه).


469

9-إيضاح الفوائد في شرح القواعد:لفخر المحققين الشيخ محمّد بن الحسن الحلي‏-المطبعة العلميّة-قم(1387 ه).10-بدائع الأفكار:للشيخ حبيب اللّه الرشتي-نشر مؤسسة آل البيت-قم‏المقدَّسة.11-البداية و النهاية:للحافظ ابن كثير الدمشقي-نشر مكتبة المعارف-بيروت‏(1410 ه).12-البرهان في تفسير القرآن:للسيّد هاشم البحراني-نشر مؤسسة إسماعيليان-قم المقدَّسة.13-البصائر النصيريّة في المنطق:لزين الدين الساوي-منشورات المدرسة الرضويّة-قم المقدَّسة.14-بهجة الآمال في شرح زبدة المقال:للشيخ ملاّ علي العلياري-المطبعة العلمية-قم(1408 ه).15-البهجة المرضية في شرح الألفية:لجلال الدين السيوطي-منشورات المكتبةالإسلامية-طهران.16-تاج العروس من جواهر القاموس:لمحمّد مرتضى الزبيدي-نشر دار مكتبةالحياة-بيروت.17-تاريخ بغداد:للحافظ الخطيب البغدادي-نشر دار الكتب العلميّة-بيروت.18-تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام:للإمام السيد حسن الصدر-منشورات‏الأعلمي-طهران.19-تشريح الأُصول:للشيخ علي بن فتح اللّه النهاوندي-طُبع سنة(1320 ه).20-التعريفات:للسيد علي بن محمّد الجرجاني-دار الكتاب العربي-بيروت(1405 ه).


470

21-تعليقات على شرح فصوص الحكم:للإمام الخميني قدّس سرّه-نشر مؤسسةپاسدار إسلام-قم(1410 ه).22-تقريرات السيد الشيرازي:للشيخ علي الروزدري-نشر مؤسسة آل البيت-قم‏(1409 ه).23-تنقيح المقال في علم الرّجال:للشيخ عبد اللّه المامقاني-نشر المكتبةالمرتضويّة-النجف الأشرف(1352 ه).24-تهذيب الأحكام:للشيخ محمّد بن الحسن الطوسي-نشر دار الكتب‏الإسلامية-طهران(1390 ه).25-تهذيب الأُصول:للإمام الخميني قدّس سرّه-نشر جماعة المدرّسين-قم‏(1405 ه).26-التوحيد:للشيخ محمّد بن علي الصدوق-نشر مؤسسة جماعة المدرّسين-قم المقدَّسة.27-ثواب الأعمال:للشيخ محمّد بن علي الصدوق-نشر مكتبة الصدوق-طهران(1391 ه).28-جامع الرّواة:للشيخ محمّد بن علي الأردبيلي-نشر مكتبة آية اللّه المرعشي-قم(1403 ه).29-جامع المقاصد:للمحقّق الثاني الشيخ علي الكركي-نشر مؤسسة آل البيت-قم(1411 ه).30-جوامع الجامع:للشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي-نر مكتبة الكعبة-طهران(1404 ه).31-جواهر الكلام:للشيخ محمّد حسن النجفي-نشر دار الكتب الإسلامية-طهران(1367 ه ش).


471

32-الجوهر النضيد:للعلاّمة الحسن بن يوسف الحلّي-نشر بيدار-قم‏(1363 ه ش).33-حاشية المشكيني:للشيخ أبو الحسن المشكيني-نشر المكتبة الإسلامية-طهران.34-حاشية ملاّ عبد اللّه في المنطق:للمولى عبد اللّه بن الحسين اليزدي-منشورات‏الرضي-قم المقدَّسة.35-الحدائق الناضرة:للشيخ يوسف البحراني-نشر مؤسسة جماعة المدرسين-قم(1363 ه ش).36-حقائق الأُصول:للإمام السيد محسن الحكيم-نشر مؤسسة آل البيت-قم‏المقدَّسة.37-حكمة الإشراق:لشهاب الدين يحيى السهروردي-من مجموعة مصنّفات‏شيخ الإشراق المجلّد الثاني-تصحيح و تقديم هنري كربين.38-الحكمة المتعالية:لصدر المتألّهين الشيرازي-نشر دار إحياء التراث العربي-بيروت.39-الخصال:للشيخ محمّد بن علي الصدوق-نشر مؤسسة جماعة المدرّسين-قم(1403 ه).40-دائرة المعارف:بطرس البستاني-نشر دار المعرفة-بيروت-لبنان.41-دائرة معارف القرن العشرين:محمّد فريد وجدي-نشر دار الفكر-بيروت-لبنان.42-درر الفوائد:للإمام الشيخ عبد الكريم الحائري-نشر مكتبة 22 بهمن-قم‏المقدَّسة.


472

43-دعائم الإسلام:للقاضي أبي حنيفة المغربي-نشر مؤسسة آل البيت-قم‏المقدَّسة.44-الذريعة إلى تصانيف الشيعة:للشيخ آغا بزرگ الطهراني-نشر دار الأضواء-بيروت(1403 ه).45-ذكرى الشيعة:للإمام الشهيد الشيخ محمّد بن مكّي العاملي-نشر مكتبةبصيرتي-قم المقدَّسة.46-رجال العلاّمة الحلّي:للشيخ الحسن بن يوسف-نشر منشورات الرضي-قم‏(1402 ه).47-رجال النجاشي:للشيخ أحمد بن علي النجاشي-نشر مؤسسة جماعةالمدرّسين-قم(1407 ه).48-الرسائل:للإمام الخميني قدّس سرّه-نشر مؤسسة إسماعيليان-قم‏(1410 ه).49-رسالة الطلب و الإرادة:للإمام الخميني قدّس سرّه-مركز انتشارات علمي‏و فرهنگي-إيران(1362 ه ش).50-روض الجنان:للشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي-نشر مؤسّسةآل البيت-قم المقدَّسة.51-رياض العلماء:للشيخ عبد اللّه أفندي الأصبهاني-نشر مكتبة آية اللّه المرعشي-قم(1401 ه).52-رياض المسائل:للسيد علي الطباطبائي-نشر مؤسّسة آل البيت-قم المقدَّسة.53-زبدة الأُصول:مخلوط في مكتبة المدرسة الفيضيّة برقم(5162).54-السرائر:للشيخ ابن إدريس الحلّي-نشر مؤسّسة جماعة المدرّسين-قم‏المقدَّسة.


473

55-سُلافة العصر:للعلاّمة السّيد علي خان المدني-نشر المكتبة المرتضوية-طهران.56-سنن ابن ماجة:للحافظ محمّد بن يزيد القزويني-نشر دار الفكر-بيروت.57-سنن النسائي:للحافظ أحمد بن شعيب النسائي-نشر دار الكتب العلمية-بيروت.58-سير أعلام النبلاء-للذهبي-مؤسسة الرسالة-بيروت.59-شذرات الذهب:للمؤرّخ أبي الفلاح بن عماد الحنبلي-نشر دار إحياء التراث‏العربي-بيروت.60-شرائع الإسلام:للشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي-نشر مطبعة الآداب‏-النجف الأشرف(1389 ه).و كذلك الطبعة الحجرية نشر المكتبة العلمية الإسلامية بطهران.61-شرح الإشارات:للشيخ نصير الدين الطوسي-دفتر نشر الكتاب-إيران‏(1403 ه).62-شرح ابن عقيل لألفيّة ابن مالك:للقاضي بهاء الدين عبد اللّه بن عقيل‏الهمداني-نشر دار إحياء التراث العربي-بيروت.63-شرح تجريد العقائد:لعلاء الدين علي بن محمّد القوشجي-منشورات بيدار-قم المقدَّسة.64-شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب:لأبي محمّد عبد اللّه جمال الدين‏ابن يوسف بن أحمد بن عبد اللّه بن هشام الأنصاري المصري-تحقيق محمّدمحيي الدين عبد الحميد.65-شرح الشمسيّة:لقطب الدين محمود بن محمّد الرازي-نشر المكتبة العلميةالإسلامية-طهران.


474

66-شرح مختصر المعاني:للتفتازاني-نشر وفا-طهران.67-شرح المطالع:لقطب الدين الرازي-نشر مكتبة الكتبي النجفي-قم المشرفة.68-شرح المنظومة:للحكيم المتألّه الشيخ هادي السبزواري-نشر ناب-طهران‏(1413 ه).69-شروح التلخيص:لعدّة من العلماء-نشر أدب الحوزة-قم المقدَّسة.70-الشفاء:للشيخ أبي علي الحسين بن سينا-نشر مكتبة آية اللّه المرعشي-قم‏(1405 ه).71-شهداء الفضيلة:للشيخ عبد الحسين الأميني-نشر دار الشهاب-قم المقدَّسة.72-شوارق الإلهام:للفيلسوف الشيخ عبد الرزاق اللاهيجي-نشر مهدوي-أصفهان.73-الشواهد الربوبيّة:لصدر المتألّهين الشيرازي-نشر جامعة مشهد-مشهد(1260 ه ش).74-صحيح مسلم:لأبي الحسين مسلم بن الحجاج-نشر مؤسّسة عزّ الدين-بيروت(1407 ه).75-طبقات أعلام الشيعة:للعلاّمة آغا بزرگ الطهراني-نشر دار المرتضى-مشهد(1404 ه).76-الطراز المتضمّن لأسرار البلاغة و علوم حقائق الإعجاز:للسيد الإمام يحيى‏ابن حمزة بن علي بن إبراهيم العلوي اليمني-طبع بمطبعة المقتطف بمصر.(1332 ه-1914 م)-دار الكتب الخديويّة.77-عدّة الأُصول:لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي-الطبعةالحجرية-إيران.78-علل الشرائع:للشيخ محمّد بن علي الصدوق-نشر دار إحياء التراث العربي-بيروت.


475

79-عوالي اللئالي:للشيخ محمّد بن علي الأحسائي-نشر مكتبة آية اللّه المرعشي‏-قم(1403 ه).80-الغنية-ضمن الجوامع الفقهيّة-:للسيد أبي المكارم بن زهرة-نشر مكتبةآية اللّه المرعشي-قم(1404 ه).81-فرائد الأُصول:للعلاّمة الشيخ مرتضى الأنصاري-نشر مكتبة مصطفوي-قم(1374 ه).82-الفصول الغرويّة:للشيخ محمّد حسين الأصفهاني-نشر دار إحياء العلوم‏الإسلامية-قم(1404 ه).83-فوائد الأُصول:للشيخ محمّد علي الكاظمي-نشر مؤسّسة جماعة المدرّسين‏-قم(1404 ه).84-الفوائد الرضويّة:للشيخ عبّاس القمّي طبع إيران.85-الفوائد الضيائيّة شرح على كافية ابن الحاجب:لملاّ جامي-نشر وفا-طهران.86-فوات الوفيات:لمحمّد بن شاكر الكتبي-نشر دار الثقافة-بيروت.87-قاموس الرّجال:للشيخ محمّد تقي التستري-مركز نشر الكتاب-طهران‏(1379 ه).88-القبسات:للسيد الداماد-جامعة طهران.89-قواعد الأحكام:للعلاّمة الحسن بن يوسف الحلّي-منشورات الرضي-قم‏(1405 ه).90-قوانين الأُصول:للمحقق الميرزا أبو القاسم القمي-نشر المكتبة العلميةالإسلاميّة-طهران.91-الكافي:للإمام الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني-نشر دار الكتب الإسلامية-طهران(1391 ه).


476

92-كامل الزيارات:للشيخ أبي القاسم جعفر بن قولويه-المطبعة المرتضويّة-النجف الأشرف(1356 ه).93-الكرام البررة:للشيخ آغا بزرگ الطهراني-نشر دار المرتضى-مشهد(1404 ه).94-كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد:للعلاّمة الشيخ جمال الدين أبي منصورالحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلّي-نشر مكتبة المصطفوي-قم‏المقدَّسة.95-كفاية الأحكام:للعلاّمة الشيخ محمّد باقر السبزواري-مركز نشر مهدي-أصفهان.96-كفاية الأُصول:للشيخ محمّد كاظم الخراسانيّ-نشر المكتبة الإسلامية-طهران.97-كمال الدين و تمام النعمة:للشيخ محمّد بن علي الصدوق-نشر مكتبةالصدوق-طهران(1390 ه).98-الكنى و الألقاب:للشيخ عبّاس القمّي-نشر بيدار-قم المقدَّسة.99-كنز الفوائد:للشيخ أبي الفتح محمّد الكراجكي-دار الذخائر-قم‏(1410 ه).100-لؤلؤة البحرين:للشيخ يوسف بن أحمد البحراني-نشر مؤسّسة آل البيت-قم المقدَّسة.101-لسان العرب:لأبي الفضل جمال الدين محمّد بن منظور-نشر أدب‏الجوزة-قم(1405 ه).102-اللوامع الإلهيّة:للشيخ جمال الدين المقداد السيوري الحلّي-حقّقه و علّق‏


477

عليه الشهيد السيد محمّد علي القاضي الطباطبائي قدس سرّه-مطبعةشفق-تبريز(1397 ه).103-المباحث المشرقيّة:للعلاّمة فخر الدين محمّد الرازي-مكتبة بيدار-قم‏(1411 ه).104-مبادئ الوصول إلى علم الأُصول:للعلاّمة الحسن بن يوسف الحلّي-نشرمكتب الإعلام الإسلامي-قم(1404 ه).105-المبدأ و المعاد:صدر الدين الشيرازي-مكتبة المصطفوي-قم المقدَّسة.106-مجمع البحرين:للعالم المحدّث فخر الدين الطريحي-نشر دار و مكتبةالهلال(1985 م).107-مجمع البيان:للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي-دار المعرفة-بيروت.108-مجمع الرّجال:للشيخ عناية اللّه القهبائي-نشر مؤسّسة إسماعيليان-قم‏المقدَّسة.109-مجمع الفائدة و البرهان:للفقيه المولى أحمد الأردبيلي-نشر مؤسّسةجماعة المدرّسين-قم(1403 ه).110-محاضرات في أُصول الفقه:للشيخ محمّد إسحاق الفياض-دار الهادي‏للمطبوعات-قم(1410 ه).111-محجّة العلماء:للشيخ محمّد هادي الطهراني-طبع حجري-طهران.112-مختصر المعاني:لسعد الدين التفتازاني-مطبعة مصباحي-طهران.113-مختلف الشيعة:للعلاّمة الحسن بن يوسف الحلّي-نشر مكتبة نينوى‏الحديثة-طهران.114-مدارك الأحكام:للسيّد محمّد بن علي العاملي-الطبعة الحجرية.


478

115-مسالك الإفهام:للشهيد السعيد الشيخ زين الدين العاملي-دار الهدى‏للطباعة و النشر-قم المقدَّسة.116-مستدرك الوسائل:المحدِّث الشيخ ميرزا حسين النوري-المكتبة الإسلاميةو مؤسّسة إسماعيليان-إيران.117-مسند أحمد:للإمام أحمد بن حنبل الشيباني-نشر دار الفكر-بيروت.118-مشارق الشموس:للمحقّق حسين بن جمال الدين محمّد الخوانساري-نشر مؤسّسة آل البيت-قم المقدَّسة.119-مصباح الفقيه:للعلاّمة آغا رضا الهمداني-نشر مكتبة الداوري-قم‏المقدَّسة.120-مطارح الأنظار:للعلاّمة أبو القاسم كلانتري-نشر مؤسسة آل البيت-قم‏المقدَّسة.121-المطوّل:للتفتازاني و بهامشه حاشية السيّد مير شريف-مكتبة الداوري-قم‏-إيران.122-معارف الرّجال:للشيخ محمّد حرز الدين النجفي-نشر مكتبة آية اللّه‏المرعشي-قم(1405 ه).123-المعالم الجديدة للأُصول:للشهيد السعيد السيد محمّد باقر الصدر-مكتبةالنجاح-طهران.124 معالم الدين:للشيخ أبي منصور الحسن بن زين الدين العاملي-مكتبةالرضي-قيم المقدَّسة.125-المعتبر في شرح المختصر:للمحقّق الشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي-مؤسّسة سيد الشهداء عليه السلام-قم(1364 ه ش).126-معجم رجال الحديث:لآية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي قدس سرّه-دار الزهراء للطباعة و النشر-بيروت(1403 ه).


479

127-معجم مقاييس اللغة:لأبي الحسين أحمد بن فارس-مكتب الإعلام‏الإسلامي-قم(1404 ه).128-مغني اللبيب عن كتب الأعاريب:لأبي محمّد عبد اللّه بن هشام الأنصاري‏المصري-مطبعة المدني-القاهرة.129-مفاتيح الأُصول:للعلاّمة المجاهد السيد محمّد الطباطبائي-نشر مؤسسةآل البيت-قم المقدَّسة.130-مفتاح العلوم:للشيخ أبي يعقوب يوسف السّكاكي-نشر دار الكتب‏العلميّة-بيروت.131-مفردات ألفاظ القرآن:للراغب الأصفهاني-نشر المكتبة المرتضوية لإحياءالآثار الجعفريّة.132-مقالات الأُصول:لآية اللّه الشيخ آقا ضياء الدين العراقي-نشر مكتبةالكتبي النجفي-قم المقدَّسة.133-مقدّمة المكاسب:للسيد محمّد كلانتر-نشر مؤسّسة دار الكتاب-قم‏(1410 ه).134-الملل و النحل:لأبي الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني-نشردار المعرفة-بيروت(1395 ه).135-منتهى الأُصول:لآية اللّه السيد ميرزا حسن البجنوردي-نشر دار الكتب‏الإسلامية-النجف الأشرف(1379 ه).136-المنخول:للغزالي-تحقيق الدكتور محمّد حسن هيتو-نشر دار الفكر.137-من لا يحضره الفقيه:للإمام الأجل الشيخ محمّد بن علي الصدوق-نشردار الكتب الإسلامية-طهران(1390 ه).


480

138-موسوعة الفلسفة:الدكتور عبد الرحمن بدوي-نشر المؤسّسة العربيةالدراسات و النشر-بيروت(1984 م).139-نفح الطيب:لأحمد بن محمّد التلمساني-نشر دار الفكر-بيروت‏(1406 ه).140-نقباء البشر:للمحقق الكبير الشيخ آغا بزرگ الطهراني-نشر دار المرتضى-مشهد(1404 ه).141-نقد الرّجال:للسيد مصطفى التفريشي-انتشارات الرسول المصطفى‏صلّى اللّه عليه و آله قم المقدَّسة.142-نهاية الأفكار:للشيخ محمّد تقي البروجردي النجفي-نشر مؤسسة جماعةالمدرّسين-قم(1405 ه).143-نهاية الدراية:للشيخ محمّد حسين الأصفهاني-نشر مهدوي-أصفهان.144-نوابغ الرّواة:للعلاّمة الثبت الشيخ آغا بزرگ الطهراني-نشر دار الكتاب‏العربي-بيروت(1390 ه).145-هداية المسترشدين:للعلاّمة الشيخ محمّد تقي الأصفهاني-نشر مؤسسةآل البيت-قم المقدَّسة.146-هداية الأحباب:للعلامة المحقق الشيخ عباس القمّي-مؤسسة أمير كبير-طهران(1363 ه ش).147-الوافي بالوفيات-صلاح الدين الصفدي-دار نشر فرانزشتايز-فيسبادن‏(1381 ه).148-وسائل الشيعة:للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي-نشر المكتبةالإسلامية-طهران(1403 ه).149-وفيات الأعيان:لأبي العباس أحمد بن محمّد بن خلكان-منشورات الشريف الرضي-قم(1364 ه ش).


481

150-وقاية الأذهان:لآية اللّه الشيخ أبي المجد محمّد رضا الأصفهاني-نشرمؤسّسة آل البيت-قم(1413 ه).


482

7-فهرس موضوعات الكتاب‏

مباحث الشك‏الأُصول العملية...11الأمر الأول:ترتيب مباحث الأُصول...11الأمر الثاني:وجه تقديم الأمارات على الأُصول...14الأمر الثالث:وحدة مناط البحث في أقسام الشبهات...18أدلّة القول بالبراءة...19الاستدلال بالكتاب...21الآية الأُولى...21الآية الثانية...26الاستدلال بالسنّة...33حديث الرفع...33الأمر الأول:شموله للشبهات الحكمية...33الأمر الثاني:معنى حديث الرفع...40الأمر الثالث:حكومة الحديث على أدلّة الأحكام...45


483

الأمر الرابع:مصحح نسبة الرفع إلى العناوين المأخوذة في الحديث...47الأمر الخامس:شمول الحديث للأُمور العدمية...50الأمر السادس:تصحيح العبادة المنسي منها جزء أو شرط بالحديث...53في شمول الحديث للأسباب...62في شمول الحديث للمسبّبات...65الأمر السابع:تصحيح العبادة المشكوك في مانعيّة شي‏ءٍ لها بالحديث...68حديث الحجب...70حديث الحلية...72أدلّة القول بالاحتياط...81الاستدلال بالكتاب...83الاستدلال بالسنّة...87الاستدلال بالعقل...89ردود على أدلّة الأخباريين...91جواب المحقق الحائري قدس سره...91جواب المحقق الخراسانيّ قدس سره...93المختار من الأجوبة...95تنبيهات البراءة...97اشتراط عدم أصل موضوعي في موردها...97أصالة عدم التذكية...97بيان اعتبارات القضايا...101التحقيق في المسألة...106الشبهة الموضوعية...113


484

تتمة...116تقرير إشكال الاحتياط في العبادة...125تصحيح عبادية الشي‏ء بأوامر الاحتياط...127البحث عن أخبار(من بلغ)...131الشبهة الموضوعية التحريمية...139أنحاء متعلّق الأمر و النهي...139اختلاف الأُصول العملية باختلاف متعلّقات الأحكام...143عدم انحلال القضية الحقيقة إلى شرطية...147التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية للمخصص...147تعلّق الأمر و النهي بصرف الوجود أو بالمجموع...149مسألتان...151المسألة الأُولى:في دوران الأمر بين التعيين و التخيير...151الأمر الأول:حقيقة الواجب التخييري...151الأمر الثاني:أقسام الواجب التخييري...153الأمر الثالث:حكم الشك في اشتراط التكليف في مرحلة البقاءالأمر الرابع:إنجاء الشك في التعيين و التخيير...158مقتضى الأصل في الأنحاء الثلاثة...158النحو الأول...158النحو الثاني...161النحو الثالث...162المسألة الثانية في دوران الأمر بين الواجب العيني و الكفائي...168تصويرات الواجب الكفائي...168


485

اختلاف الأصل باختلاف الوجوه في الكفائي...170دوران الأمر بين المحذورين...172جريان الأصل العقلي...172جريان الأصل الشرعي...175تنبيه:فيما لو كان لأحد الحكمين مزية...180هل التخيير في المقام بدوي أو استمراري؟...181دوران الأمر بين المتباينين...183حرمة المخالفة القطعية للعلم الإجمالي...185وجوب الموافقة القطعية...190شمول أدلّة الترخيص لبعض أطراف المعلوم بالإجمال...197الوجه الأول...197الوجه الثاني...199التحقيق في المقام...205تنبيه:في بدلية الطرف الغير المأذون فيه عن الواقع...206الاضطرار إلى بعض أطراف المعلوم بالإجمال...207ردّ على المحقق الخراسانيّ قدس سره...211اشتراط الابتلاء بتمام الأطراف لتنجيز العلم الإجمالي...213الأصل عند الشك في الخروج عن محل الابتلاء...220الشبهة الغير المحصورة...228الاستدلال على عدم وجوب الاحتياط في المقام...229مناقشة بعض الأعاظم في ضابط الشبهة الغير المحصورة...234


486

تنبيه:في سقوط حكم الشك البدوي بعد سقوط العلم الإجمالي...237ملاقي بعض أطراف المعلوم بالإجمال...238الجهة الأُولى:صور العلم بالملاقاة...238الجهة الثانية:ما هو الأصل العقلي في هذه الصور؟...239الجهة الثالثة:بيان الأصل الشرعي في الملاقي...244إشكال و حلول...245جواب العلاّمة الحائري و مناقشته...247الجهة الرابعة:تعميم الأصل في الملاقي لجميع الصور...249الجهة الخامسة:خروج الملاقي عن محل الابتلاء...250الجهة السادسة:وجوه أُخرى في وجوب الاجتناب عن الملاقي...252الجهة السابعة:الأصل عند الشك في اختصاص الملاقي بجعل مستقل...254تذييل استطرادي:في بيع أحد طرفي المعلوم بالإجمال حرمته...261حكم التوابع لأطراف المعلوم بالإجمال حرمته...264تنبيهات...271التنبيه الأول:في التفصيل بين الشرائط و الموانع في وجوب الاحتياط...271التنبيه:الثاني:في كيفية النية لو كان المعلوم بالإجمال أو المحتمل من العبادات...274التنبيه الثالث:حكم ما لو كان المعلوم بالإجمال أمرين مترتبين شرعاً...276دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين...278الإشكالات على جريان البراءة في المقام...282جواب المحقق النائيني عن الإشكال و ردّه...285الإشكال الثاني...288


487

الإشكال الثالث...289الإشكال الرابع...292تقريرات آخران للإشكال الرابع...294الإشكال الخامس...296الإشكال السادس...298الإشكال السابع...303الأصل الشرعي في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر...305في دوران الأمر بين المطلق و المشروط...310الأمر الأول:في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الأسباب و المحصلات...317الأمر الثاني:في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطي...324الشك في الجزئية أو الشرطية في حال النسيان...332المقام الأول...333إشكال الشيخ الأعظم في المقام...336الوجوه التي ذكرت في دفع إشكال الشيخ و ردّها...338المقام الثاني:مقتضى الأصل الشرعي عند الشك في المقام...343المقام الثالث:حال الزيادة العمدية و السهوية...347المقام الرابع:و هو قيام الدليل على خلاف ما اقتضت القاعدة...360البحث في تعذّر الجزء أو الشرط...372المقام الأول:في مقتضى الأصل العقلي في المقام...378المقام الثاني:مقتضى سائر القواعد...380في جريان قاعدة الميسور...386في دلالة النبوي على المقام...386


488

الكلام في مفاد العلوي الأول...389الكلام في مفاد العلوي الثاني...392اعتبار صدق الميسور في جريان القاعدة...395الإشكالات على أصالة الاحتياط...399اعتبار الفحص في جريان البراءة العقلية...411الدليل العقلي على وجوب الفحص...411وجوه أُخرى للاستدلال على وجوب الفحص...421مناط استحقاق تارك الفحص العقاب...422في صحة عمل الجاهل أو فساده...431اشتراط جريان البراءة الشرعية بالفحص...437الفهارس العامّة1-فهرس الآيات القرآنية...4472-فهرس الأحاديث الشريفة...4493-فهرس أسماء النبي و الأئمة عليهم السلام...4534-فهرس الأسماء و الكنى...4545-فهرس الكتب...4606-فهرس مصادر التحقيق...4687-فهرس موضوعات الكتاب... 482

فهرست آيات
إن جاءَكُم فاسِقٌ بنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَةٍ 15
و مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبعَثَ رَسُولاً 21
ما كُنّا مُعَذِّبينَ حتّى نَبعَثَ رَسُولاً 22
ما كُنّا مُعَذِّبينَ.. 23
اقرَأ كتِابَكَ‏كَفى بِنَفسِكَ اليومَ عَليكَ حَسيباً 24
ما كُنّا 24
و كُلَّ إِنسان ألزَمناهُ طائِرَهُ 24
لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّ ما آتاها 26
ليُنفِق ذو سَعَة مِن سَعَتِهِ وَ مَن قُدر عَلَيهِ رِزقُهُ‏فَليُنفِق ممّا آتاهُ اللّهُ لا يُكلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّ ما آتاها سَيَجعَلُ اللّهُ بَعدَ عُسرٍ يُسراً 27
لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّ ما آتاها 27
فَليُنفِق ممّا آتاهُ اللّه 27
لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّما آتاها 28
لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفساً إلاّ ما آتاها 30
ما كُنّامعذِّبينَ حتّى نَبعَثَ رَسولاً 31
ما كُنا معذِّبينَ.. 31
السارِقُ وَ السَّارِقةُ فَاقطَعُوا أيدِيَهُما 41
الزَّانِيَةُ و الزَّاني فَاجلدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُمَا مِائَةَ جَلدَةٍ 41
مَا جَعَلَ عَلَيكُم في الدِّينِ مِن‏حَرَجٍ 46
أقِمِ الصلاة لِدُلوكِ الشَّمسِ إِلى غَسَقِ الليلِ 57
أقِمِ الصلاة 57
إلا مَن أُكرِهَ‏وَ قَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإيمانِ 67
أن تُصِيبوا قَوماً بِجَهَالَةٍ 75
إنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللّه للَّذِينَ‏يَعمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ 75
لا يُكلِّفُ اللّهُ نفساً إلاّ ما آتاها 76
لا يُكلِّفُ اللّهُ نفساً إلاّ وُسعَها 76
ثمّ رسل إليهم رسولاً... 77
اتَّقُوا اللَّه حَقَ‏تُقَاتِهِ 83
و جاهِدُوا في اللَّهِ حَق جِهادِهِ 83
فَاتَّقُوا اللّهَ مَااستَطَعتُم 83
اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ 85
أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت 88
أُحِلَ‏لَكُمُ الطَّيِّبات 119
مَن جَاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أمثَالِهَا 132
وَ لِلّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطاعَ إلَيهِ سَبِيلاً 147
يا أيُّها الَّذينَ آمَنُواأوفُوا بِالعُقودِ 215
لا تَقرَبُوا الزِّنا 215
وَ الرُّجزَفَاهجرْ 253
أقيموا الصلاة 304
مَا جَعَلَ عَلَيكُم في الدّينِ مِن حَرَج 307
امسَحوا بِرءوسِكُم و أرجُلَكُم 308
فاغسلوا وجوهكم... 333
أقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشَّمسِ إلى‏غَسَقِ اللَّيلِ 337
أقِمِ الصلاةَ 374
فللّه الحجّة البالغة 422