فهرست عناوين +فهرست آيات فهرست روايات فهرست اشعار
أول حکومه إسلاميه في المدينه المنوره

آية الله محمد شيرازي

فهرست عناوين
     المقدمة2
     الأديان الثابتة3
     أثر الدين والمذهب في المجتمع3
     الأنبياء وتحمل الصعاب3
     الأديان في الجاهلية3
المؤلفات السياسة والدولة الصفحة الرئيسية4
     نقطة الإشراق4
     الدعوة الموفقة ودور أبي طالب(ع)4
     تحسن الوضع الاجتماعي4
      في صدر الإسلام4
     أسباب عدم تقبل4
      المجتمع المكي للإسلام4
     تقبل العرب للإسلام4
     أسباب التغيير الاجتماعي4
     تحسن الوضع الاجتماعي للمجتمع المسلم4
     ولادة الأمة الواحدة4
     هجرة في طريق العقيدة4
     سفير الرسول(ص) الى النجاشي4
     الهجرة المباركة الى المدينة4
     بيان فتح مكة4
     تأسيس دولة المدينة5
     لماذا أقدم النبي (ص) على التشكيلة السياسية للدولة5
     سبب تقدم الإسلام في المدينة5
     سكان المدينة الأصليين5
     هجرة بعض اليهود إلى المدينة5
     تاريخ قبيلتي الأوس والخزرج5
     التحولات الأساسية في مجتمع المدينة5
     تكوين الأمة5
     الآيات المتعلقة بالأمة5
     الأدوار في المجتمع الإسلامي للمدينة5
     بيعة العقبة6
     معاهدة العقبة الثانية6
     إحكام الدولة الإسلامية وسياستها الداخلية6
     رجل السياسة والحرب6
     الإدارة العسكرية6
     والتكتيك الحربي لنبي الإسلام (ص)6
     رسول الله (ص) والقوة الإيمانية6
      والمعنوية للجند6
     من خطط الرسول(ص) العسكرية6
     أمره(ص) بتطهير المدينة6
     من قوى التحالف اليهودي6
     مؤامرة يهود بني النضير لاغتيال6
      الرسول(ص)6
     إفشال خطة يهود بني قريظة6
     ما قاله المستشرقون في معاملة اليهود6
      مع نبي الأكرم(ص)6
     النبي(ص) ودفع الظلم6
     الرسول(ص) يقوم بمهمة التبليغ7
     محمد (ص) المعلم الأول7
     القرآن والسنة مصدرا التعليم7
     مكانة العلم في الإسلام7
     تأسيس المركز الثقافي ودار المعلمين7
     إيفاد المعلمين7
     النشاطات التعليمية في زمن النبي (ص)7
     الخبروية في الفقه الإسلامي7
     الأيديولوجية الفكرية والعملية7
     عدم نفوذ الغزو الفكري7
     برنامج الحكومة8
     الإسلام وخدمة الناس8
     التضامن الاجتماعي والمسؤولية العامة8
     الديمقراطية الإسلامية8
     التشكيلات الإدارية والممثلون السياسيون8
     الكادر السياسي والشورى الإدارية في المدينة8
     وظائف الممثلين السياسيين8
      نقباء المدينة8
     التقسيم الإداري للمدينة8
     الشورى وعدم الاستبداد8
     المديرية السياسية للمدينة8
     الوظيفة السياسية لخليفة النبي (ص)8
     إدارة الولايات الأخرى8
     التخصص أو التعهد في إدارة مراكز الدولة8
     سياسة التمركز في الحكومة الإسلامية8
     ممثلوا النبي (ص) واستمرارية أعمالهم الإدارية8
     اسماء بعض الممثلين السياسيين للنبي(ص)8
     تنظيم الأمور المالية في دولة المدينة9
     الجزية أو الضريبة المالية الخاصة9
      بأهل الكتاب9
     جزية سائر الكفار9
      إدارة الغنائم الحربية9
     الزكاة أو الضريبة الإسلامية9
     جمع الزكاة والوجوه الشرعية9
     تشكيل الإدارة المركزية للزكاة(المستوفي)9
     مكان حفظ الأموال الزكوية9
     الأوقاف والصدقات العامة9
     تتمة9
     النظام القضائي في دولة المدينة10
     الأنبياء (ع) أصحاب قوانين10
     حكام النبي(ص) وقضاته10
     الحكام في زمان النبي (ص) 10
     أول قانون قضائي للنبي (ص)10
     ديوان المظالم في زمن النبي (ص)10
     ديوان المظالم في زمن أميرالمومنين علي (عليه السلام)10
     نظام الحسبة والمحتسب10
     الشرطة والحرس10
     الحبس والسجن10
     الدعوة العالمية للإسلام11
     الاستقلال السياسي11
     نفي سلطة الأجنبي11
     تنظيم السياسة الخارجية للدولة11
     معاهدة التعاون وعدم التعرض للأجانب11
     المبعوثون السياسيون11
     ‎التشريفات الدبلوماسية11
     ردود الفعل على رسائله(ص)11
     تتمة11
     مضمون الرسائل12
     رسالة النبي (ص) إلى هرقل 12
     رسالة النبي (ص) إلى كسرى 12
     رسالة النبي (ص) إلى النجاشي12
     رسالة النبي (ص) إلى النجاشي الثاني12
     رسالة النبي (ص) إلى المقوقس 12
     رسالة النبي (ص) إلى ملك مصر 12
     رسالة النبي (ص) إلى صاحب دمشق 12
     رسالة النبي (ص) إلى ملك البحرين 12
     رسالة النبي (ص) إلى ملك اليمامة12
     رسالة النبي (ص) إلى ملوك عمان12
     تتمة12
     المعاهدات في الدولة الإسلامية13
     مجمل شروط المعاهدة بين المسلمين أنفسهم13
     مواد المعاهدة مع اليهود13
     مواد العهد بين جميع أهل الصحيفة13
     مواد العهد مع المشركين13
      سند المعاهدة13
     معاهدة صلح الحديبية 13
     المعاهدة مع يوض13
     المعاهدة مع نصارى نجران 13
     احترام المعاهدات والمواثيق13
     من قبل الدولة الإسلامية13
     الوفاء بالمعاهدات13
     قانون الإلزام في التعامل مع غير المسلمين13
     المحافظة على الأمن14
     التعايش السلمي14
     في ظل الدولة الإسلامية14
     التعامل مع النصارى 14
     التعامل مع اليهود 14
     معاملة الزردشتيين14
     الخاتمة15

1

في عصر كان العالم بأسره يعيش الظلام والجهل والعبودية، والاستبداد الذي يصل حد عبادة الطغاة، جاء الدين الأسلامي بالشريعة المحمدية السمحاء التي أشعت بأنوارها على كل أصقاع الأرض، وزرعت بذرة الخير في كل موطن، تصله، حيث كانت مبادي الحرية، والمساواة، والأخوة من المحرمات الشديدة في بلاد ومثل أوربا، فجاء الأسلام لينشرهذه المبادئ ويشعل الثورات الكبرى هناك ومنها الثورة الفرنسية وغيرها من الثورات والانتفاضات التي حررت أوربا من العهودالتي اطلق عليها لاحقا اسم (العصور المظلمة).

وفي مجتمع كمجتمع الجزيرة الذي كان التناحر والفرقة والغارات المتبادلة بين القبائل، من السمات الرئيسية له، كانت الثورة هنا زلزالا على قيم مجتمع متوارثه حيث كانت تمثل موازين حضارته وكيانه، فتحول هذا المجتمع من القبلية العصبية الى سيادة القوانين المدنية التي جاء بها هذا الدين القيم وكانت حكومة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله سلم ) في المدينة المنورة هي النواة الأولى للحكومة الأسلامية فيها، ومن خلال كتاب سماحة الامام الشيرازي (دام ظله) سنطلع على مفردات الحكم في هذة الدولة كنموذج وقدوة لقيام دولة الا سلام الكبرى.

القطع : كبير

عدد الصفحات:207

عدد الطبعات : 3

سنة الطبع : 1419 هـ / 1998 م -1420هـ / 1990م


2

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

تبحث هذه الرسالة عن كيفية تشكيل الدولة الإسلامية العادلة، وكيف أن الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شكل هذه الدولة في المدينة المنورة، وإن كان أساس هذه الحكومة منذ أيام الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة.

فقد قامت الدولة الإسلامية العادلة في المدينة ابتداءً على قيام الروابط الحسنة مع جميع الأديان حتى مع اليهود، فقد كان الإسلام دائماً ديناً سمحاً يؤمن بحرية العقيدة ومبدأ التعايش السلمي بين معتنقي المبادئ المختلفة ويعتبر أهل الكتاب متساويين مع بنيه في الحقوق والواجبات بطريقة أو بأخرى…

هذا وقد حاول اليهود مراراً أن يكيدوا مكائد شتى للدعوة الإسلامية ولأصحابها، وخاصة حينما رأوا زحفها الباهر وانتصاراتها الرائعة، فأخذوا ينشرون الأراجيف تارة، ويثيرون العصبيات القديمة بين العرب تارة أخرى، أو يدبرون المؤامرات لاغتيال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يناصرون أعداءه، إلا أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ مع ذلك ـ عقد معهم المواثيق والمعاهدات حتّى يعيشوا إلى جوار المسلمين في أمان وسلام، فلا عدوان ولا خيانة ولا غدر.

هكذا فعل (صلى الله عليه وآله وسلم) مع يهود "بني قريظة" و"بني النضير" و"بني القينقاع" وغيرهم(1)، لكنهم أبوا إلا إثارة الفتن والدسائس وناصروا المشركين المعتدين في عدوانهم على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة الأحزاب وفي غزوات أخرى.. ولم يردعهم عن ذلك عهود أو مواثيق، ولم يرجعوا عن غيهم وخيانتهم، مما اضطر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم بإبعادهم عن المدينة المنورة من دون أن يقتلهم أو يسجنهم أو ما أشبه.. وذلك دفاعاً عن العهود المعتدى عليها، ودفاعاً عن حرمات المسلمين ومستقبلهم وحفاظاً على الدعوة الخالصة التي أمره الله بنشرها بين أرجاء العالمين دون تفرقة بين لون ولون، وجنس وجنس، ودين ودين.

و هكذا كانت أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حسنة طيبة مع النصارى ومع المجوس بل ومع المشركين أيضاً.

وكان النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي من أهم العناصر الأساسية في تشكيل الدولة الإسلامية، فقد تم استحداث النظام التعليمي لإعداد وتهيئة المعلمين وقرّاء القرآن ونشر الفقه والثقافة الإسلامية، فيما تم العمل على إيجاد نظام قضائي يتم بموجبه تعيين الحكام والقضاة، كما اهتم بالنظام الحربي لحفظ الأمن والدفاع عن الوطن الإسلامي من هجمات الأعداء، وذلك بإعداد مجموعة تتولى الحراسة وتراقب تحركات الخصوم وتفتيش الطرق المؤدية للنفوذ، بالإضافة إلى تهيئة قوة عسكرية تستطيع أن تنفذ إلى مواقع العدو في حالة المساس بأمن الدولة الإسلامية، كما أنشأ حركة الخيالة لأجل الاطلاع على التحركات، كما أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين بالتقدم التجاري والصناعي.

وهذه الشؤون المهمة التي تم تشكيلها في الدولة الإسلامية، هي جزء من اختصاص النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في دولة المدينة، وكانت هذه المعايير سبباً في حفظ أبعاد النبوة والرسالة مع بساطتها، وكانت تتحاشى الآداب والرسوم الحكومية، فكان التمدن الإسلامي الذي يشار إليه قد قامت دعائمه وشيدت أركانه في دولة المدينة المنورة.

وهذه نبذة عن (أول حكومة إسلامية في المدينة المنورة) وهي أسوة وقدوة لجميع الحكومات في عالم اليوم وخاصة الإسلامية منها، نسأل الله أن ينفعنا بها ويوفقنا لها وهو المستعان.

قم المقدسة

محمد الشيرازي

1 ـ للتفصيل راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج1-2 للإمام المؤلف (دام ظله).


3

الأديان الثابتة

يمكننا تقسيم الأديان من وجهات النظر المتعددة إلى الدين الزردشتي، والدين اليهودي، والدين الكونفوشيوسي، والدين الإسلامي، وهذه الأديان يطلق عليها (الأديان الثابتة) لأنها تنظر إلى الحياة والأمور الدنيوية نظرة ثابتة وحتّى عند الظهور، فاستطاعت بنفوذها أن تؤثر تأثيراً مباشراً في مجالات: الاقتصاد، والتربية، والتعليم، والسياسة، وحتى إن البعض منها: كالزردشتي، أو اليهودي، أو الإسلامي، قام بتشكيل حكومة.

على عكس سائر الأديان: كالهندوسي، والمسيحي اليوم، مع أنها تعتبر من جملة الأديان الحية ولها أتباع ومريدون كثيرون، وهي من أكبر الأديان العالمية، إلا أنها من الأديان التي ليس فيها برامج للأمور الدنيوية من قبيل: الاقتصاد، والسياسة، والتربية، والتعليم، ولم يكن فيها إلا بعض النصائح الأخلاقية، إلا ما كان من المذهب البروتستانتي المسيحي، فبعد أن أعاد النظر في تعاليم الكنيسة، كان أساساً لبناء المجتمع الغربي الجديد، ويحتمل أن يكون رأس المال أحد العناصر الأساسية والعلل الأصلية لظهوره.

أثر الدين والمذهب في المجتمع

قبل أن نشرع في كيفية تأسيس حكومة إسلامية في المدينة لابد من الإشارة إلى مدى تأثير الدين في المجتمع، فإن هناك آثار كبيرة للدين على مختلف مسائل المجتمع، نشير الى بعضها:

1: في الموقع الجغرافي: فإن طراز السكنى وبناء الدور والمنازل في المدن والقرى غالباً ما يشير إلى الآداب والعقائد المذهبية لأهالي تلك المنطقة، ففي الدول المسيحية ـ عادة ـ يكون مركز تجمع القروي حول الكنيسة، فطراز السكن وبناء الدور والمنازل تنسجم مع مقتضيات المذهب بشكل أو بآخر.

2: أما بالنسبة للتخطيط السكاني: فزيادة السكان وقلته من توالد وتناسل غير بعيد عن تأثير المذهب، وهذا ما يلاحظ عند مطالعة الحياة الاجتماعية للأقوام، وكيف أن الأديان تقوم بتنظيم الروابط العائلية من القديم، وتقديس الزواج وتشوق الآباء والأمهات على إنجاب الأولاد.

فلو قايسنا التخطيط الديمقراطي الأوروبي بالتخطيط المذهبي نجد أن التوالد والتناسل يتفاوت بحسب الأديان التي يعتنقوها، فمثلاً: في بعض أقسام المذهب البروتستانتي تجد الزيادة في عدد المواليد على عكس ما في بعض أقسام المذهب الكاثوليكي.

3: مسألة هجرة الأقوام: فانها بالإضافة إلى الأسباب والعلل الطبيعية كالفيضانات، والمسائل الاقتصادية الناشئة عن جدب الأرض، فإن لها علل مذهبية أيضاً، وكذلك سفر المسلمين لأداء فريضة الحج، وأيضاً هجرة أكثر أهالي التبّت بسبب المعتقدات المذهبية وما أشبه.

4: بالنسبة للتشكيلات والنظام الاجتماعي: تتدخل الأديان والمذاهب في الأنظمة والعلاقات الاجتماعية المختلفة وتؤثر فيها تأثيراً مباشراً، وفي هذا الصدد ما نشاهده في التشكيلات الاجتماعية في الهند المعروفة بـ(كاست)، كذلك طبقة النجباء في اليونان، ومستوى أحبار اليهود، وكهنة مصر القديمة، بالإضافة إلى ما نلمسه في نظرات مفكري الإسلام المتأثرة بالإسلام من حيث المساواة، نزولاً على حكم الآية الشريفة: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(1).

5: وكذلك بالنسبة إلى الاقتصاد، حيث يجتمعون في أسواق خاصة وهكذا.

الأنبياء وتحمل الصعاب

إن الأنبياء الإلهيين (عليهم السلام) كانوا صورة مجسدة للحب الإلهي، ولماذا لا يكونون كذلك؟ وهم قد بلغوا بنظرتهم العميقة الشاملة حداً سامياً من المعرفة الإلهية.. فعرفوه تعالى أكثر من غيرهم ورأوا أن عظمته وجلاله أسمى وأعظم من أي شيء آخر، وعلموا بأنه تعالى أهل المحبة والطاعة فلم يكن لهم في حياتهم إلا أن يحققوا رضاه، ولم تتعلق قلوبهم إلا به وكل شيء لديهم فداء له… فهم على وعيٍ متكامل بعظمة معبودهم وجلاله.

ولهذا السبب فإن الأنبياء (عليهم السلام) كانوا في المجال التبليغي يتقبلون التعرض لكل المشاكل والحوادث الصعبة، وتراهم في أغلب الأزمات الشديدة يتوجهون بوجه طلق ملؤه الخضوع والاطمئنان والاجلال إلى الله تعالى… وتغمر أرواحهم هالة من سرور، إذ يتصورن أن كل تلك المتاعب إنما هي في سبيل الحبيب الواقعي.. في سبيل الله.. في سبيل الحق والحقيقة.

وهذا السنة الاجتماعية هي عين السنة الإلهية التي لا تتغير فيحالفها التوفيق والنجاح بعد المشقة والعسر والحرج، قال تعالى: (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا)(2).

ومع أن نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرى الأذى والعذاب من قومه إلا أن خصلته النبوية ونفسيته العظيمة أبت إلا أن يطلب من الله تعالى لهم الرحمة والهداية، كما عبر (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك بقوله:

(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)(3).

وقال تعالى: ﴿وانك لعلى خلق عظيم(4).

الأديان في الجاهلية

يقال: إن عدة من محلة النخلة القريبة من مكة جاءوا إلى نخلة كثيرة التمر، وكان تمرها يتساقط إلى الأرض، فقاموا بتنظيفها وجمع التمر المتساقط وذلك ليقيموا احتفالا إحياءً وتعظيماً للصنم "عزى" معبود العرب جميعاً ـ الا من عصمه الله ـ وخاصة قريش منها، وفي هذه الأثناء قال رجل فهم لأصحابه وإخوته: والله، إن قومكم ليسوا على شيء، وأنهم ضلوا وأضلوا، إن هذا الحجر الذي نصنعه لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يرى، العجب منهم أنهم يريقون الدماء من القرابين على رأسه، أيها الناس! تفرقوا عن هذا الجمع، واتخذوا ديناً غير هذا الدين الذي أنتم عليه واعتقدوا uhأعابه.

ثم تفرق ذلك الجمع، واتخذ كل وأحد منهم رباً له ومعبوداً:

فعدة منهم: تحولوا إلى المسيحية، كان منهم (ورقة بن نوفل) ومعه جماعة.

وأعرض فريق منهم عن الأصنام وعبادة الأوثان وتركوا الأهل والصحب والديار.

والقسم الآخر بقي منتظراً خروج يد من الغيب حتى يقرر مصيره، فلما سمعوا نداء الإسلام ودعوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أسلموا ولبوا.

أما بنو هاشم، وزهرة، وتيم، فقد عاهدوا الله المنتقم الجبار أن يكونوا مع المظلوم، حتى يأخذوا حقه ممن ظلمه، وهذا العهد هو ما يسمى بـ"حلف الفضول" الذي دخله النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في سن العشرين، وأقسم أن يدفع الظلم وينشر العدالة الاجتماعية، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك:

(ما أحب أن يكون لي بحلف حضرته في دار ابن جَدْعان حُمُرالنعم).

وفي هذا الحلف أنشدت الأشعار..

ومنها: قول ابن الزبير:

ألا يقـــــــــيم ببطن مكة ظالم
إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا

فالجار والمعسر فيهم سالم

أمــــر عليه تعاقدوا وتواثقوا

1 ـ سورة الحجرات: 13.

2 ـ سورة الشرح: 5و6.

3 ـ بحار الأنوار: ج35 ص177 باب3 ح85.

4 ـ سورة القلم: 4.


4

المؤلفات السياسة والدولة الصفحة الرئيسية

نقطة الإشراق

كانت البعثة وظهور نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بداية هذا التحول، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن يبلغ دعوته بمدة قد ترك الحياة الدنيا ولذاتها، وأدار بوجهه عنها، كما فعل من قبله الأنبياء الصادقون (عليهم السلام): كنوح، وإبراهيم، وموسى ، وعيسى (عليهم السلام).

فان في المدرسة السماوية التوحيدية لابد للمصلحين الاجتماعيين ولأنبياء الله تعالى وقبل أن يقوموا بإبلاغ دعوتهم أن يقلعوا عن الماديات حتى يستلهموا من إشراق نورانية الوحي الإلهي، ويكون طعامهم المعنوي مشاهدة نور المعرفة، كما حصل لنوح (عليه السلام) من العناية الربانية في إنقاذ نفسه وشيعته، (أي أصحابه) ولإبراهيم (عليه السلام) مشاهدة ملكوت السماء، ولموسى (عليه السلام) من التجلي الإلهي، ولعيسى (عليه السلام) في الإصغاء للنداء السماوي ـ وحتى قيل (بوذا) استلهم الإشراق من شجرة بودهي ـ وكذلك رسول الله محمد الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) في تأدية رسالته وصل إلى هذا المرحلة، وانتخب أولاً ترك الدنيا وملذاتها، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يخلو مع نفسه في ذهابه ومجيئه مشغولاً بالعبادة، وتحمل (صلى الله عليه وآله وسلم) مسؤولية كبرى بأمر الله تعالى حين خاطبه بقوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)(1) إلى آخر السورة.

نعم كانت البعثة نقطة الإشراق وبداية الرسالة والمسؤولية، وكان النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قام بتشكيل أول مجتمع إسلامي يضم نفسه وزوجته خديجة بنت خويلد (عليها السلام) وابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحين كان حدث السن.

فكان هذا المجتمع على خلاف ما كان مألوفاً من سنة الكهنة في المجتمع الجاهلي عبدة "هبل" والاوثان الذين تعرضوا للسخرية والاستهزاء.

وهكذا شكل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعة موحدة مؤلفة من ثلاثة أشخاص على مرأى ومسمع من قريش.

وقد وصف الإمام علي (عليه السلام) ذلك اليوم بقوله:

(ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة)(2)، الخبر.

الدعوة الموفقة ودور أبي طالب(ع)

ذكر المؤرخون أسماء عدة من الصحابة في الصدر الأول، الذين دخلوا الإسلام ولبوا دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد عرفت هذه المجموعة المؤمنة والجماعة الموحدة في المجتمع المكي وكانت شاخصة للعيان.

ولما أمر الله سبحانه رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصدع بما أمر به(3) قام (صلى الله عليه وآله وسلم) بإظهار دين الله ودعا الناس إلى الإسلام على رؤوس الأشهاد وذكر آلهة قريش وعابها، فأعظمت ذلك قريش وأنكروه وأجمعوا على عداوته وخلافه وأرادوا به السوء، فقام أبو طالب (عليه السلام) بنصرته ومنعه منهم وذب عنه من عاداه وحال بينه وبين كفار قريش بأحسن صورة.

ولمحاماة أبي طالب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيامه دونه وامتناعه من أن يسلّمه وإيمانه به، مشى إليه رجال من أشراف قريش، منهم: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وأبو سفيان صخر بن حرب، وأبو البختري بن هشام، والأسود ابن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمثالهم من رؤساء قريش، فقالوا له: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آراءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه.

فقال لهم أبو طالب (عليه السلام) قولاً رقيقاً وردهم رداً جميلاً، ولم يرض بما أرادوا فانصرفوا عنه.

ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، فوقع التضاغن في قلوبهم حتى أكثرت قريش ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بينها وتذامروا فيه وحض بعضهم بعضاً عليه، فمشوا إلى أبي طالب(4) مرة ثانية، فقالوا: (يا أبا طالب! إن لك سناً وشرفاً ومنزلةً فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، فإما أن تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين)، ثم انصرفوا.

فعظم على أبي طالب (عليه السلام) ذلك ولم تطب نفسه بخذلان ابن أخيه، وذلك لإيمانه العميق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعث إليه فقال له: يابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي: كذا وكذا.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عم! والله، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك فيه(5).

ثم استعبر (صلى الله عليه وآله وسلم) باكياً وقام وخرج، فلما خرج ناداهأبو طالب (عليه السلام) : أقبل يابن أخي.

فأقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) راجعاً.

فقال له: اذهب يابن أخي! فقل ما أحببت، فوالله لا أسلّمك لشيء.. أبدا، وأنشد أبو طالب (عليه السلام)(6).

حتى أوسد في التراب دفينــا
والله لن يصلوا إليك بجمعهـم

وأبشر وقر بذاك منك عيونـاً
فانفذ لأمرك ما عليك مخافـة

ولقد صدقت وكنت قبل أمينا

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي

من خير أديان البرية دينـــا
وعرضت ديناً قد علمت بأنـه

وهناك أدلة وشواهد كثيرة على إيمان أبي طالب، مذكورة في مظانها(7).

تحسن الوضع الاجتماعي

في صدر الإسلام

يقول علماء النفس: إن الشباب ـ عادة ـ يميلون للتجديد وكل ما هو عصري، ويعيرون اهتماماً خاصاً للأفكار الجديدة والتقدم بالمجتمع، ويحملونها على مقتضيات الزمن.

على عكس الكبار الذين ـ عادة ـ لهم علاقة شديدة بالمحافظة على العمل والإبقاء على الآداب والتقاليد الماضية..

وهذا التفاوت في الميل قد يكون ناشئا عن بعض اختلافات الشباب مع الكبار في الأبعاد الجسمية والروحية ومحيط الأسرة والمجتمع.

وبعد نزول الوحي على قلب النبي الطاهر والمبارك (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان كثير من أتباع الدين الجديد من الشباب المتفكرين والثوريين، وكانوا يتضايقون من الأوضاع السائدة في مكة المكرمة وحضارتهم الخرافية، منتظرين قدوم مصلح ينقذهم من غياهب الجهل والظلمات، خصوصاً ان أكثر المسلمين الأوائل كانت أعمارهم أقل من الأربعين سنة وحتى أقل من الثلاثين سنة، حسب ما هو مذكور في التاريخ

وكان الكثير من الذين دخلوا الدين الجديد بنظر قريش من مطرودي المجتمع وفاقدي الواقع الاجتماعي كبعض العبيد وما أشبه.. ولكن الإسلام ألغى جميع الفوارق الا التقوى.

وبعد نزول الوحي شهد المجتمع المكي مكافحة المستثمرين مع مخالفي الاستثمار لا كما يتصور من مكافحة الفقراء والمحرومين مع الأغنياء وأصحاب الثروات بل المكافحة في المبادئ.

فأتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الأوائل كافحوا أنواع الانحرافات من: فكرية، واعتقادية، واقتصادية، واجتماعية، بقيادة طالب العدالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحولوا قدراً من مجتمع مكة إلى التوحيد وضعضعوا أركان الشرك، هذا في مكة المكرمة، اما في المدينة المنورة: فيأتي تفصيله.

أسباب عدم تقبل

المجتمع المكي للإسلام

إن الوضع الروحي والثقافي بل الاقتصادي لأهل مكة كان هو السبب الرئيسي في عدم تقبلهم الإسلام في بدء الأمر، وسنشير إلى بعض العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بذلك:

1: أشار القرآن الكريم إلى عدم قبول دعوة الحق من قبل عرب الجاهلية، بدليل وجود عامل التعصب، والروح العصبية المتحكمة فيهم، فقال عز من قائل: )إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)(8).

وقال سبحانه ـ في موضع آخر ـ : )وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)(9).

وقد وصف الشاعر الجاهلي هذا التعصب بقوله:

في النائبات على ما قال برهاناً
لا يسألون أخاهم حين يندبهم

2: في مجتمع الحجاز كان التبليغ والرواج لأي نوع من المذاهب والأديان عملا‌ً يواجه الرفض ـ عادة ـ فكانوا عبدة الأوثان، وكان هناك من الأعراب من يقول بمذهب الزنادقة والطبيعيين: (وما يهلكنا إلا الدهر)(10).

حتى أن التاريخ قد روى عن قبيلة بني حنيفة أنها كانت تصنع لها رباً من التمر، وتبقى مدة تعبد هذا الرب التمري ولكن عندما كان يصيبها القحط وكانت تشرف على الهلاك من الجوع تأكله، وفي هذا الصدد يقول الشاعر:

زمن التقحم والمجاعـة
أكلت حنيفة ربهــا

ومن جانب آخر كان بين المشركين من بقايا دين إبراهيم (عليه السلام): كالنكاح، والختان، ومناسك الحج، واحترام الأشهر الحرم، وبعض الآداب الدينية، وفي مقابل هذا جاءت مجموعة من الغلاظ الجفاة الجامدين فكانوا لا يخرجون من الحرم المكي، ولا يقفون مع الناس في عرفات، ويقولون: نحن أبناء الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! ولنا أن لا نخرج من حرمه.

3: والعامل الاجتماعي والاقتصادي: هو خسران الرياسة والتجارة، فالكعبة أو الأوثان المتعددة بالنسبة لقريش هي رمز لوحدة العرب ووسيلة لرياستها على قبائل العرب الأخرى.

بالإضافة إلى أن مكة المكرمة كانت مركزاً تجارياً مهماً للعالم في ذلك الوقت، فقريش التي تسافر للتجارة سفرتين إلى الشام واليمن ـ رحلة الشتاء والصيف ـ جعلت من مكة مركزاً تجارياً مهماً، كما أقامت سوقاً تجارياً لكل فصول السنة، خصوصاً أيام الحج.

ولذا كانوا يتصورون انهم إذا آمنوا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تسقط مكانة مكة الاجتماعية والتجارية.

تقبل العرب للإسلام

أحياناً يطرح هذا السؤال: لماذا ظهر الإسلام ـ وهو أحد الأديان العالمية ـ عند العرب؟

ولماذا اختير نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين قوم بدو؟

إذا بحثنا تاريخ الأعراب قبل الإسلام بشكل عميق سنحصل على الجواب.

قال ابن خلدون: بنت الأعراب من العصبية القبلية قوة اجتماعية ووحدة متماسكة، وكانت فاقدة للقيادة والقانون فقط، فجاء الإسلام بهذين السلاحين: فالقيادة متمثلة بنفوذ وشخصية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والقانون متمثل بوحي السماء وهو القرآن، فبلغوا بهما ـ أي القيادة والقانون ـ قمة التمدن والوحدة المنسجمة المنشودة.

وكان العرب أقواماً بعيدين عن الثقافة والتمدن، أسرى الأهواء الجاهلية، وفاقدي النظام، أما قوتها فكانت من جراء مقاومة الطبيعة، نشأت على الجوع والمشقة، وتحمل البرد والحر، وكانت على الدوام لها حروب طاحنة مع القبائل الأخرى، تدافع عن نفسها وشرفها، ولها حملات مستمرة، واستفادت من شجاعتها وتهورها، وكانت رابطة القرابة والعصبية فيما بينها قوية جداً، وكانوا بعيدين عن التجملات والانشغال بعبادة الملذات والشهوات، وكانوا أقرب إلى الفطرة، وأما بالنسبة للاعتبارات الأخلاقية: كالشجاعة، والحمية، والوفاء بالعهد والقسم، والدفاع عن المواثيق حتى مواثيقهم، والعصبية بكل محتواها وأبعادها فقد كانت هي المسيطرة والحاكمة.

لم تستبد بمدينة معتبرة، ولم تجامل أحداً ولو كان عابداً، أو شبعاناً، أو يرتدي الملابس الثمينة، وتغلب عليهم الصراحة في اللهجة يتصفون بالكرامة والشجاعة الصحراوية والبساطة.

هذه الأبعاد والخلقيات هي التي أهلتهم لقبول الرسالة العالمية لرجل مثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقانون مثل القرآن، نعم إن العرب أسرعوا إلى قيادة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وانضموا تحت لوائه، فبرزوا إلى الوجود كأمة كبيرة تحمل رسالة عالمية وذلك ببركة الإسلام.

أسباب التغيير الاجتماعي

قال علي (عليه السلام): (فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً فعقد بملته طاعتهم، وجمع على دعوته ألفتهم، كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها، وأسالت لهم جداول نعيمها، والتفت الملة بهم في عوائد بركتها، فأصبحوا في نعمتها غرقين وعن خضرة عيشها فكهين، قد تربعت الأمور بهم في سلطان قاهر، وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب، وتعطفت بهم الأمور عليهم في ذرى ملك، ثابت فهم حكام على العالمين، وملوك في أطراف الأرضين، يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم)(11) ، الخبر.

ولا شك أن السبب الرئيسي والوحيد في التغيير الاجتماعي للمجتمع الجاهلي ـ يومذاك ـ هو العامل المعنوي والثقافي والأيديولوجي، فرسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الإسلام بإعطاء هذه الإيديولوجية الإلهية جعل من السراق الصحراويين ـ على حد تعبير رستم القائد الإيراني ـ ، من برزوا إلى الوجود كمسلمين طاهرين، من أمثال أبي ذر الغفاري (رضوان الله تعالى عليه).

تحسن الوضع الاجتماعي للمجتمع المسلم

قد عملت الأديان السماوية دوماً على إرجاع الناس من طرق الضلال والشرك إلى سبيل التوحيد، فمن نتائج التوحيد: الحرية الكاملة والكرامة.

إن الإنسان المؤمن بوحدانية الله وقدرته وعلمه بكل شيء وأن كل الموجودات مصنوعات ومخلوقات له تعالى، هذا الإنسان سوف لن يتملق إلى أي شخص ولن تستطيع أعتى القوى واكبر الثروات أن تجعله يخضع ويتوسل ويتصاغر أمامها، وإنما يخضع ويخشع فقط في رحاب الله الواحد ويسجد في محراب عظمته ويضع جبينه على الأرض أمامه تعالى.

كما أن من نتائج التوحيد أيضاً: العدالة الواقعية العامة: ففي ظل التوحيد لا سبيل لكل أحد من المسلمين إلا أن يتبعوا القانون الإلهي القائم على أساس الحكمة والعدل، ومن البديهي أن إتباع القانون الإلهي يوجب اتساع نطاق العدالة الأصيلة ومحو أي ظلم أو تعد على الحقوق.

في حين أن المشركين على العكس من ذلك لا يستطيعون أن يقيموا العدل الواقعي فيما بينهم، وذلك لأن كل مجموعة وقبيلة منهم اتخذت لها إلهاً متميزا عن آلهة الآخرين واعتمادا على هذا الإله فإنها تسمح لنفسها بالتعدي على حقوق الآخرين، وبهذا تزول العدالة الواقعية ويحل محلها التفرقة والتحكم الظالم وأشباههما.

والنتيجة: إن التوحيد بمعناه والواقعي يربي الإنسان الحر، الصحيح الفكر، المتوجه، المطمئن الخاطر، ولا يدع يتخبط في الدروب المعقدة للضلال والظلم والاختلاف، ومن هنا يتضح سر نداء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)(12).

فإن أنبياء الله جميعاً جاءوا يدعون البشر إلى عبادة الله وترك عبادة الطاغوت (الأصنام والظلمة)، قال تعالى: (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )(13).

وقال سبحانه: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (14).

إضافة إلى أن دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت أخذ البيعة على عبادة الله والعمل بالإسلام وترك الخرافات الجاهلية، وقد بينت الآية الكريمة(15) الموارد السيئة التي كانت من الأصول الاعتقادية والأخلاقية السائدة والتي ابتلي بها المجتمع يومذاك، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره مبعوث الله إلى الناس، دعاهم إلى ترك الشرك وعبادة الأوثان وإصلاح المجتمع، ومن المعلوم إن هذه الموضوعات كانت متعلقة بالجوانب الفكرية والمعنوية والأخلاقية في المجتمع، كما كانت ترتبط أيضا بالمشكلات الاقتصادية ونظائرها من بعض الوجوه.

ولادة الأمة الواحدة

جاءت الحركة الإسلامية بشكل جديد، وجعلت من المجتمعات المتفكّكة مجتمعاً وأحداً منسجماً متعاونا، وأوجدت خطاً سياسياً منيراً، و كانت هذه الحركة تحت قيادة الرسول الأعظم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن أمعن النظر في تاريخ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجد أن هذه الحركة الاجتماعية كانت ضرورة أرادها الله تعالى، وذلك بأن يبعث نبياً صادقاً أميناً يوجد أمة واحدة ومجتمعاً كبيراً منسجماً بعد أن كان متفككاً.. ويحدث تحولاً عظيماً نحو الخير والسعادة.

هذه الأمة التي تحولت من عبادة الأوثان والأصنام إلى عبادة الواحد القهار، هي التي وصفها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في (نهج البلاغة) بقوله:

"فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل (عليهم السلام) فما أشد اعتدال الأحوال وأقرب اشتباه الأمثال تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم، ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يجتازونهم عن ريف الآفاق وبحر العراق وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح و مهافي الريح ونكد المعاش فتركوهم عالة مساكين إخوان دَبَر ووَبَر، أذل الأمم داراً وأجدبهم قراراً، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها، فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء أزل، وأطباق جهل، من بنات موؤودة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة"(16).

هجرة في طريق العقيدة

قد يطرح هذا السؤال وهو: لماذا اختار النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هجرة أصحابه إلى الحبشة؟

وللإجابة على هذا السؤال لابد من ذكر بعض النقاط الدينية والسياسية:

1: لم يؤيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هجرة أصحابه إلى اليمن، لأنه كان على علم من أن اليمن كانت تحت نفوذ وسيطرة الدولة الساسانية، إضافة إلى عدم الاستقرار والأمن السياسي فيها، وتأثيرات عبدة الأوثان والزردشتيين فيها من خلال نفوذ السلطة الساسانية.

2: وهذه الموارد في اليمن تصدق على العراق أيضاً.

3: وأما بالنسبة إلى الشام فبالإضافة إلى الاضطراب السياسي فيها، كانت لها روابط تجارية مع قريش، ويمكن للحكام والمتنفذين وبأسرع وقت أن يثوروا على المسلمين ويلقوا عليهم القبض ثم يعذبونهم أو يقتلونهم.

4: ومن الطبيعي أن يكون الانتخاب الصحيح هو الحبشة، لأن الحبشة في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان الأمن فيها ثابتاً، والاستقرار السياسي موجوداً، وكان ملكها (النجاشي) ذا حكمة ومتانة وثبات رأي وشهرة، إضافة إلى قرب الحبشة من مكة المكرمة، ولم يفصلها عنها إلا بعض البحار، ويستطيع المسلمون من الهجرة إليها أو الرجوع منها على وجه السرعة، بالاضافة إلى أن الحبشة كانت مسيحية والمسلمون يحترمون دين المسيح (عليه السلام)، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مطمئناً بأن أصحابه وأتباعه يمكنهم من المهاجرة إلى بلاد الحبشة بكل هدوء وراحة، بدون تعرض لمشقة أو أذى، ومنها كان الانتخاب الصحيح: الحبشة، فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بهجرة أصحابه الى الحبشة..

سفير الرسول(ص) الى النجاشي

المهاجرون إلى الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب (عليهما السلام) تذاكروا مع النجاشي ملك الحبشة، وكان الملك شخصية مرموقة وحاكماً عادلاً.

فتكلم جعفر (عليه السلام) وقال له: أيها الملك! كنا أهل جاهلية لا نعرف اللهولا رسله، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام وكل ما يعرف من الأخلاق الحسنة، ونهانا عن الزنا والفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وكل ما يعرف من السيئات. تلا شيئاً يتلى لا يشبهه شيء..

فصدقناه وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند الله، فعبدنا الله وحده لا شريك له، وحرمنا ما حرم الله علينا، وأحللنا ما أحل لنا، ففارقنا عند ذلك قومنا، فآذونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا، وبلغنا ما نكره ولم نقدر على الامتناع، أمرنا نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) أن نخرج إلى بلادك اختيارا لك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.

فقال لهم النجاشي: هل معكم مما جاءكم به عن الله تعالى شيء؟

فقال له جعفر (عليه السلام): نعم.

قال: فاقرأ عليّ؟

فقرأ عليه صدراً من (كهيعص)(17).

فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلت لحاهم ومصاحفهم، ثم قال: والله، إن هذا الكلام هو الكلام الذي جاء به عيسى (عليه السلام) ليخرجان من مشكاة واحدة.

وهكذا باءت خطة قريش بالفشل، وبقي المهاجرون في الحبشة حيث الطمأنينة وحسن الجوار والسمعة الطيبة للإسلام العظيم، بسبب روح الالتزام الخلقي الذي أبداه المهاجرون في وطن الهجرة.

الهجرة المباركة الى المدينة

حينما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة المكرمة قاصداً المدينة المنورة، كان اليثربيون يترقبون لقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكل شوق ولهفة ويعدون اللحظات لذلك اللقاء.

فلما أبلغهم أحد اليهود والذي شاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بخبر قدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، استبشروا بذلك كثيرا وفرحوا شديدا واجتمعوا فرساناً ورجالة مبتهجين بقدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقاموا بإنشاد الأشعار، واحتفى به الفتيان والشبان معبرين عن فرحتهم بقدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واخذوا يهتفون:

وجــــب الـــشكر علينا ما دعـا لله داع
طلـــع البدر عــلينا من ثنيات الـوداع

جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع‎

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

بيان فتح مكة

وفي فتح مكة المكرمة أعلن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بيانا للنهضة الإسلامية الذي نص على ترك جميع الروابط الاجتماعية والاقتصادية الباطلة التي لا يقر بها الإسلام.

كما أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعفو العام حتى عن أكبر المجرمين، وأمر بالحرية بكل أشكالها، والمساواة، والأخوة الإسلامية، فأرسى بذلك قواعد النظام التوحيدي الإسلامي في أرض الوحي(18).

1 ـ سورة العلق: 1.

2 - بحار الأنوار: ج18 ص223 باب1 ح61.

3 - قال تعالى : ﴿فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين، سورة الحجر: 94.

4 - راجع بحار الأنوار: ج35 ص86 باب3 ح31.

5 - راجع تفسير القمي: ج2 ص288 تفسير سورة ص، وفيه: (فقال لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته ولكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم ويكونون ملوكا في الجنة).

6 - راجع سعد السعود: ص133، وفيه:

واللـــــه لن يصلوا إليك بجمعهـم
حتى أوسد في التراب دفينـا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
وابشر بذاك وقر منه عيونـا

ودعوتني وزعمت أنك ناصـح
ولقد صـــدقت وكنت ثم أمينا

وعرضـــــت دينا لا محالة أنـــه
من خير أديـــــــان البرية دينــا

7 - راجع العمدة: ص415 فصل ما جاء في أبي طالب(عليه السلام). وبحار الأنوار ج35 ص146 ب3

8 - سورة الفتح: 26.

9 - سورة المائدة: 104.

10 - سورة الجاثية: 24.

11 - بحار الأنوار: ج14 ص471 باب31 ح37.

12 - المناقب: ج1 ص56 فصل فيما لاقى (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكفار في رسالته.

13 - سورة النحل: 36.

14 - سورة الممتحنة: 12.

15 - سورة الممتحنة: 12.

16 - نهج البلاغة: الخطبة 192/ المقطع 93-97.

17 - سورة مريم: 1.

18 - راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج2 للإمام المؤلف (دام ظله).


5

تأسيس دولة المدينة

قام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة بتأسيس حكومة دنيوية ودينية في نفس الوقت مما اضطره لتخصيص قسم من وقته الشريف لأجل تنظيم الأمور الاجتماعية والأخلاقية والمناسبات السياسية القبلية والشؤون الحربية حتّى لا تنفصل الأعمال الدينية عن الأمور الدنيوية، كما كان سائداً في دين اليهود والنصارى من انفصال الدين عن السياسة، فإن رجال دينهم كانوا مشغولين بالكنسية ـ أي المسائل الدينية فقط ـ ولا علاقة لهم بالحياة الدنيوية، وكانت مقولتهم: (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر).

إن للدين المسيحي طبيعته ومبادئه الخاصة بالأمور الأخلاقية فحسب، ولرجال الكنيسة سلوكهم ومفاهيمهم التي لا تشتمل على أمور الحياة، أما النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد فهم الدين فهماً شاملاً متكاملاً، وكونه أصولاً وأحكاماً موحاة إليه، وكونه نسيجاً واحداً يضم الأخلاق الخاصة والعامة، ويتناول حياة الفرد وحياة الأمة، وينسّق العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويرسي أسس السلوك الفردي والجماعي ويبين أحكام الحرب والسلم، ويدير شؤون الزواج والطلاق، والجريمة والعقاب، وحتى آداب السلوك الإنساني فيما يتعلق بالطعام والشراب، والنوم واليقظة، والصدق والكذب، وله نظريته الخاصة في المال العام وميزانية الدولة، والمال الخاص المملوك للأفراد، ومعاملة الزوجة والأبناء والخدم، وعلاقات الدولة الإسلامية بجيرانها من الدول على مختلف نظمها وأشكالها ولغاتها وأجناسها.

ولذا قيل: كان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قيصراً وكان مسيحاً (عليه السلام) في وقت وأحد ـ إن صح هذا التعبير ـ والمقصود منه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدير أمر الدنيا والآخرة معا.

وهناك شاهدان من التاريخ من أن الدين والمذهب ليس فقط يؤثر تأثيراً في المجتمع والحياة، بل نراه بشكل واقعي واضح للعيان يأتي بالقدرة ويشكل الحكومة العادلة ومثل هذه الحكومة هي عين الديانة، بل تعتبر أصل الحياة، تلك الحكومة التي يقل نظيرها في تاريخ البشرية، فكانت تدير المجتمع بقوانين السماء العادلة وبأصول ديمقراطية صحيحة.

فقد كتب المفكر (نهرو) رئيس وزراء الهند في كتابه (نظرة في تاريخ العالم) عن الحكومة العادلة لنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة قائلاً:

"نادى الإسلام بالأخوة والمساواة لكل الذين أسلموا، فأوجد نظاماً ديمقراطياً للناس، وهذا الشعار الأخوي الإسلامي لو قايسناه بالمسيحية الفاسدة في ذلك الزمان، ليس فقط للعرب بل لأناس كثيرين من دول أخرى يدخل عليهم المسلمون، نجده يشدهم إليه ويجذبهم إليه جذباً".

فقد سن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) الآداب الاجتماعية والتعاليم الدينية والحقوقية والمساواة وتحكيم الروابط الأخوية والقوانين العادلة وحقوق الحاكم والمحكوم وروابط الدولة والأمة والسنن والأنظمة الحياتية والاقتصادية بإلهام من الوحي والقرآن، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) أول من وضع أسس التمدن الحضاري التي لم يقتصر أثرها على المسلمين الذي بلغوا مراتب التهذيب والكمال المعنوي فحسب، بل شملت أسس المجتمع الحر والديمقراطي إلى هذا اليوم.

وليس كما يتصور البعض بأن التمدن الإسلامي قد حصل أيام حكومة بني أمية وبني العباس، بل يرد هذا التصور الخاطئ بسببين، هما:

1: إن مؤسس التمدن الإسلامي هو نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم) الواضع لأسسه والمشيد لأركانه.

2: إن بني أمية وبني العباس قد حرّفوا التمدن الإسلامي وأخرجوه عن محتواه وإطاره الذي كان في صدر الإسلام وفي أيام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

3: ما ظهر من التقدم في زمانهم كان ببركة التعاليم الاسلامية وما سنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والفضل لا يعود الا الى الاسلام.

لماذا أقدم النبي (ص) على التشكيلة السياسية للدولة

وهنا من الممكن أن تطرح بعض الأسئلة الأساسية في تبيين الإسلام وتكوين دولة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، منها:

1: لماذا أقدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على السياسة؟

2: لماذا انتصر الإسلام في المدينة المنورة دون مكة المكرمة؟

3: ما هي موانع تقدم الإسلام في مكة المكرمة في ابتداء البعثة.

وقبل الإجابة على هذه الأسئلة يتبادر إلى الذهن سؤال آخر ينبغي الابتداء به والإجابة عليه، وهو: انه هل كان في ذهن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بدء الدعوة هذا الطرح الحكومي النظري؟ أو أن الإسلام هو دين التبليغ للتوحيد والوعد بالآخرة فقط.

إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبعث كبعض الأنبياء (عليهم السلام) يبلغون التوحيد الإلهي والبشارة بالآخرة فقط، بل بعثته كانت أشمل ودينه كان خاتما للأديان فلم تكن الحكومة ، هي كل شيء في نظره (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن كان دينه دنيا وآخرة وكان لازماً لرسالته أن يشكل مثل هذه الحكومة المباركة التي أسسها في المدينة المنورة وأن يطرح مثل هذا البرنامج المثالي للعالم بأجمعه، وهناك شواهد لإثبات هذا المطلب، منها:

1: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا(1)، وتملكوا به العرب، وتذل لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة).

2: نقل ابن إسحاق، عن الزهري قال: فحينما أسلم بنو عامر على يديه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له أحدهم: أرايت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء(2).

فالإسلام من بدء الأمر كان يهتم بمسألة الحكومة والتشكيلات الاجتماعية وكانت هذه موجودة في برنامج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك لأن الإسلام دين للدنيا والآخرة ـ كما سبق ـ قال تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)(3)، وقد وعد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك بقوله: (لو أسلم العرب ملكوا الدنيا)(4).

ونبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) كما كان مصلحاً اجتماعيا‌ فقد كان نبياً، ومن أهدافه أن يبعد الحرج والمشقة والعسر عن المجتمع، فيعطيهم الحريات الإسلامية الكثيرة ويحل لهم الطيبات، وينهى عن المنكرات والخبائث، ويحقق العدل الاجتماعي، ويزيل التمايز العدواني، ويمحيه من الوجود.. قال تعالى في وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم): (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(5).

سبب تقدم الإسلام في المدينة

في المدينة المنورة كان الناس يدافعون عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت لهم معرفة بالمفاهيم الأساسية للإسلام ويؤمنون به:

كاعتقادهم بأن الله سبحانه خالق الكون، وإله العالم، وهو الحاكم يوم القيامة، وأن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) هو نبي الله وخاتم المرسلين ويحمل الرسالة الإلهية إلى العالم بأجمعه و...

وذلك لإن اقتباس وأخذ المعارف والثقافات لمجتمع من مجتمع آخر يستلزم دائماً وجود الشرائط الاجتماعية التي تعتبر هذا الأمر إيجابياً، فيمكن أن يتلاءم وينسجم من هذا الوجه، ومن الممكن في الثقافتين من وجهة نظر الموقع الجغرافي أن تؤثر إحداهما على الأخرى لتماسهما وقربهما من الأخرى، فالمعارف العالية والثقافة الجيدة وخاصة التعاليم الإسلامية التي كانت مطابقة لفطرة الإنسان، لها تأثيراتها المباشرة في الثقافة المنحطة، وهكذا أثرت ثقافة الإسلام في ثقافة أهل المدينة.

كان (سويد بن صائب) من كبار يثرب، وكان يسمى بـ(الكامل) لذكائه وشرفه ونسبه، قيل: إنه قبل أن يلتقي بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء مع المدنيين إلى مكة لأداء الحج، وبعد أن فرغ من أعمال الحج، رآه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعاه إلى الله والإسلام.

فقال سويد: الشيء الذي عندك مثل الذي عندي.

فقال النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): وما هو الشيء الذي عندك؟

فقال سويد: حكمة لقمان.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أرني إياها.

فعرض سويد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يعرفه من حكم لقمان.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا الكلام لطيف، ولكن أجمل منه ما هو عندي، إنه القرآن الذي أنزله الله علي، وفيه النور والهداية.

ثم قرأ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض الآيات من القرآن الكريم لسويد بن صائب، ودعاه إلى الإسلام.

وما أن سمع سويد ذلك حتى نفذ إلى قلبه وقال: هذا شيء حسن، وأخذ يفكر، ثم أسلم.

وهكذا أخذ الإسلام يغزو القلوب، بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالسيف والقهر.

سكان المدينة الأصليين

كانت تعيش في (يثرب) مجموعتان من الناس، هما: العرب وبعض اليهود، ولكل منهما روابط مختلفة حسب العصور المختلفة كأيام الحرب وأيام الصلح.. وكانت روابط هذه الطوائف مع بعضها وتحولاتهم الاجتماعية والسياسية بفعل انتصار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أدت إلى انتقال المسلمين المؤمنين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وكانت خطوة مهمة جداً في تاريخ المدينة.

هجرة بعض اليهود إلى المدينة

لم يحدّث التاريخ على وجه التحديد كيف هاجر بعض اليهود إلى المدينة وفي أي زمان؟

فقيل: إن هجرة بعض اليهود إلى المدينة كانت سنة (139م) وهي السنة التي اندحر فيها ملك الروم.

والظاهر إن كثيرا من اليهود كانوا يعرفون بأن خاتم الأنبياء سيأتي إلى المدينة ويقطن فيها، فجاؤوا وسكنوا في المدينة ليؤمنوا به، ولكنهم عندما عرفوه لم يؤمنوا به، نعم آمن منهم الكثير. وعلى أي حال فهؤلاء اليهود اتخذوا من المدينة مسكنا لهم، واشتغلوا بالزراعة وغرس الأشجار في القصبات، وكان عملهم الدائمي هو التجارة وأكل الربا.

تاريخ قبيلتي الأوس والخزرج

كما لم يعلم بالضبط متى وكيف دخلت قبيلتا (الأوس) و(الخزرج) وهما قبيلتان عربيتان من عرب اليمن القحطانية (يثرب).

لكن قيل: إن مجيئهم إلى المدينة كان بعد انهدام سد مأرب وخراب اليمن، فقطعوا مراحل من الجنوب حتى وصلوا الشمال ويثرب، وسكنوها لطيب هوائها وعذوبة مائها وكثرة الماء في نقاطها المختلفة، كما أن البعض الآخر من عرب القحطانية أوجدوا دولاً أخرى كالغسانيين في الشام، وآل منذر في العراق، ودولة كندة في نجد.

كانت يثرب وتهامة تدفع ضرائبها إلى المرزبان الممثل السياسي للدولة الإيرانية، ولكن اليهود امتنعت من تسليم الضرائب للمرزبان، ولم تكتف بهذا فقط، بل أخذت تضغط على العرب وذهبت إلى استلام الضرائب المالية من عرب يثرب، وقد وصف الحالة بعض شعراء الأنصار، بقوله:

إلى رهطي قريظة والنضير
لا دنيا خراجاً بعد كسرى

واستمر الوضع على هذه الحالة إلى أن تكررت الهجرة من الأعراب إلى يثرب فازداد عدد نفوسها، ونشئوا البساتين وأثبتوا واقعهم، ولكن اليهود كانت لهم طلبات زائدة وكانوا يضيقون على جيرانهم.. ومع وجود المواثيق والعهود بين العرب واليهود لكن اليهود كانوا يبدؤون بالحرب ويشتعلون نار الفتنة دائما.

إلا أن الأعراب وبإشارة من قائدهم ـ مالك بن عجلان الخزرجي ـ تمكنوا من إقامة روابط مع ملوك الغسانيين في الشام، وطلب المساعدة لمواجهة العدو، واستطاع مالك أن يجعل من قبيلتي الأوس والخزرج قوة عظيمة في مقابل اليهود، كي يمنعوهم من التعدي على الآخرين.

هذا وعندما أسلم العرب وصاروا قوة عظيمة جدا وذلك ببركة الإسلام لم يبق لليهود قوة في المدينة.. فإن كثيرا منهم اسلموا وصاروا من ضمن المسلمين وبقي بعضهم على دينهم وكانوا يحاربون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعملون ضد المسلمين.. حتى انه كانت هناك جماعة في الأوس من المنافقين قد تحالفوا مع اليهود، وأخذوا يعملون ضد المسلمين، لذا وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم، بقوله: )ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم )(6).

ومن الحوادث التي وقعت قبل الإسلام، الحروب الطاحنة في الجاهلية التي أدت إلى سفك الدماء، والخراب والدمار، وتعرف تلك الحروب، بأيام العرب كما جاء في تاريخ العصر الجاهلي.

فاستمرت الحرب بين الأوس والخزرج (120) عاماً، وأشار اليعقوبي وغيره من المؤرخين إلى أهم أيام الحرب بين القبيلتين حسب الترتيب:

1: يوم صفية.

2: يوم سرارة.

3: يوم بني خطمة.

4: يوم بعاث.

5: يوم فجار.

التحولات الأساسية في مجتمع المدينة

لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نبياً مصلحاً فحسب، بل كان قائداً اجتماعياً وزعيماً سياسياً، فإلى جنب تبليغ رسالته، كان عليه حل المشكلات، وقد رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرورة التحول الاجتماعي في المدينة المنورة فقام بحل المسائل التالية:

1: تعيين حقوق ووظائف شخص الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك تعيين حقوق ووظائف الساكنين المحليين.

2: تنظيم السكن للمهاجرين المكيين.

3: التفاهم مع غير المسلمين الساكنين في المدينة، وبالأخص منهم اليهود.

4: تأمين الغرامات نتيجة الخسائر في الأرواح والأموال للمهاجرين التي تسببها قريش مكة.

كما قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعض الأعمال الأساسية، منها:

1: تغيير اسم يثرب.

لقد صمم نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بتغيير اسم يثرب، ويعتبر هذا الإقدام ضرورة عقلية اجتماعية، فاسم "يثرب" يعني محل المرض، أما الاسم الجديد الذي انتخب (صلى الله عليه وآله وسلم) لها فهو "طيبة" وتعنى: الطهارة.

وبعد نزول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها سميت بـ "مدينة الرسول".

وقد ألقى الاسم الجميل "طيبة" أثرا كبيرا في نفوس اتباعه وأصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم).

2: بناء مسجد المدينة.

ارتأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن بناء مسجد في المدينة يؤدي إلى انسجام المسلمين ووحدتهم، فشرع في ذلك.

وقد اشترك في بناء هذا المسجد جميع المسلمين، حتى رسول الله بنفسه المباركة، وكان الناس ينقلون في بناء المسجد النبوي لبنة لبنة، وعمار بن ياسر (رضوان الله عليه) ينقل لبنتين لبنتين فغشي عليه، فأتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: ويحك يابن سمية، الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الآخرة.

وعن حبيب بن ثابت قال: لما بنى المسجد جعل عمار (رضوان الله عليه) يحمل حجرين حجرين، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا أبا اليقظان! إني احب أن اعمل في هذا المسجد، ثم مسح (صلى الله عليه وآله وسلم) ظهره، قال: قال (صلى الله عليه وآله وسلم) انك من أهل الجنة تقتلك الفئة الباغية، ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وتلك دار الأشقياء والفجار.

3: إيجاد الأخوة الإسلامية.

أوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا النظام الأخوي في المجتمع المدني والمهاجر من مكة، بأمر من الله تعالى، وذلك لبناء أفضل مجتمع عرفه البشر ولإبعاد الغربة والوحشة عنهم سيما وانهم تركوا الأهل والوطن، وبإيجاد روح الأخوة الإسلامية نتج الإنس والألفة والتفاهم والتعاون فيما بينهم.

ذكر المؤرخون أنه: أوجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) روح الأخوة الإسلامية مرتين، مرة بين المهاجرين، ومرة بين المهاجرين والأنصار.

هذا وفي كل مرة جعل عليا (عليه السلام) أخا لنفسه دون غيره(7).

يقول مؤلف: كتاب (محمد النبي يجب أن يعرف من جديد)(8):

الانقلاب الذي أحدثه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الوقت في الجزيرة العربية مع ملاحظة العادات والتقاليد العربية والنفوذ الكثير لرؤساء القبائل، يكون قد شكل وحدة اجتماعية متماسكة من كل قبيلة وهذا الانقلاب الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يفوق الانقلاب الفرنسي حيث أن الانقلاب الفرنسي لم يتمكن من إيجاد المساواة بين الفرنسيين، كما أوجدها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين، فقد أزاح عن الوجود التمايز العائلي والطبقي والمادي.

وبهذه الطريقة استطاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحل أكبر مشكلة اجتماعية واقتصادية في مجتمعه.

أما فيما يتعلق ببعض المسلمين الفقراء جدا والذين يفتقرون لكل شيء فقد أسكنهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في (صفة) المسجد وطلب من المسلمين أن يطعموهم، وقيل انه كان من هؤلاء: أبوذر الغفاري.. وأبو هريرة.. وقد ذكر بعضهم أن عددهم و صل إلى أربعمائة شخص.

تكوين الأمة

كانت القبيلة أو القبائل التي تقوم بحماية الفرد أو الأسرة تطلق عليه اسم الحليف، وكان في مقابل ذلك يجب على الفرد أو الأسرة الولاء المطلق لهذه القبيلة في كل شيء صحيح أو باطل.

فكانت بعض مبادئ الجاهلية القائمة على التفوق السلالي والعصبيات القومية والقبلية تتناقض مع المبدأ الإسلامي الذي ألغى جميع هذه الامتيازات وحاربها فيما حاربه من نُظُم وأفكار ومعتقدات لم تكن لخير الإنسانية، وقد جاءت الشرائع السماوية من أجل عزتها وكرامتها وسعادتها وحمايتها من جور الحاكمين وجشع المتسلطين.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أكثر مواقفه يؤكد على إلغاء الفوارق والامتيازات التي تصنف الناس إلى فئات وطبقات وشريف ووضيع داعياً إلى وحدة إسلامية عروتها الوثقى الإيمان بالله،والعمل بما جاء به من عنده، وكان آخر تلك المواقف التي كان يقفها من اجل تلك الوحدة لاجتثاث تلك النزعة الجاهلية من نفوس المسلمين: موقفه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع بين عشرات الألوف من مختلف أنحاء شبه الجزيرة ، حيث قال في خطبته: (أيها الناس! إن ربكم واحد وأباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى)(9).

أدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العناصر الأخلاقية في السياسة، فالسياسة في الإسلام أنزه سياسة عرفها البشر، فالله سبحانه منشأ القدرة،وبعده القانون وعرف نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) به، فالأحكام التي يبلغها للناس عليه أن يلتزم بها قبلهم ويكون مساويا لهم.

فواقع الهجرة والمجموعة المهاجرة لا تعني تغيير المكان البسيط من مكة إلى المدينة أو أي مكان آخر، بل إن المفهوم الدقيق للهجرة والمهاجرين هي قطع العلاقات والروابط القومية والقبلية ، ونبذ نظام الشرك والانتماء إلى مجتمع التوحيد والإسلام المبني على أساس التقوى والعدالة.

الآيات المتعلقة بالأمة

وقد وردت في القرآن الكريم آيات تشتمل على هذه اللفظة (الأمة) نذكر بعضها، وهي تدل على أهمية موضوع (الأمة) في الإسلام:

1: قال تعالى : ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس(10).

2: وقال عزوجل: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف…(11).

3: وقال سبحانه: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون(12).

4: وقال سبحانه: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ايات الله اناء الّيل وهم يسجدون(13). ‎

5: وقال عزوجل: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم(14).

الأدوار في المجتمع الإسلامي للمدينة

قال عز من قائل: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)(15).

وهذه الآية ذكرت ثلاث مجموعات هي: (المهاجرين) و(الأنصار) و(التابعين بإحسان) ولكل منهم دور في تشكيل المجتمع الإسلامي المعبر عنه بـ(الأمة الإسلامية الواحدة).

1 ـ المناقب: ج1 ص56.

2 ـ راجع الطرائف: ص395، وفيه: (فقال ليس ذلك إليَّ إنما إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء).

3 ـ سورة البقرة: 201.

4 ـ راجع تفسير القمي: ج2 ص288 تفسير سورة ص، وفيه: (فقال لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته ولكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم ويكونون ملوكا في الجنة).

5 ـ سورة الأعراف: 157.

6 ـ سورة الحشر: 11.

7 ـ الأمالي للشيخ الصدوق: ص61 المجلس14 ح11.

8 ـ وهو: كونستان كوركيو.

9 ـ تحف العقول: ص34، خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع.

10 ـ سورة البقرة: 143.

11 ـ سورة آل عمران : 110.

12 ـ سورة الأنبياء : 92

13 ـ سورة آل عمران : 113.

14 ـ سورة الحج: 34.

15 ـ سورة الحشر: 8-10.


6

بيعة العقبة

وفي السنة الحادية عشرة من البعثة النبوية الشريفة جاء جمع من أهل يثرب والذين سموا فيما بعد بـ(الأنصار) إلى مكة المكرمة لأداء مراسم الحج، فالتقوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ـ عقبة منى ـ فهداهم الله إلى الإسلام والتوحيد، فبايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من صميم قلوبهم وعاهدوه أن يكونوا تبعاً له ولا يخالفون له أمراً..

فأرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم (مصعب بن عمير) ليقرأ لهم القرآن ويعلمهم مبادئ الإسلام..

فأخبر مصعب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة: بأن أرض يثرب مناسبة للعيش فيها ولنشر الدعوة الإسلامية منها، وكل يوم يزداد عدد الذين يدخلون في الإسلام طوعا، من دون ضغوط أو تعذيب يواجهونه من المخالفين.

فاستبشر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيما وأن اليثربيين قد واعدوه: لو أن الله تعالى وحدهم بسببه فسيكون عزيز الجانب.

معاهدة العقبة الثانية

وفي السنة التي بعدها، أي السنة الثانية عشرة من البعثة المباركة، وهي سنة (622م) زاد عدد الزوار اليثربيين، وكان من بينهم (75) من المسلمين: (73) من الرجال و(2) من النساء، ودعوا رسول الله ان يهاجر اليهم.

فوجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة أرضاً صالحة لإبلاغ دعوته السماوية، فعقد معاهدة مع اليثربيين على أن يكون المسلمون في أمان دون أن يلحقهم أذى المشركين واضطهادهم إن لجئوا إليهم.

فأخذ (البرآء بن معرور) يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: والذي بعثك بالحق لندافعن عنك كما ندافع عن أنفسنا وأهلنا، يا رسول الله! فنحن رجال حرب مجربون، وهذا سلاحنا الذي بأيدينا قد ورثناه من آبائنا جيلاً بعد جيل.

ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم): انتخبوا منكم اثني عشر رجلا لينظروا في مشاكلكم، ورأيهم يكون حجة لكم.

فحضر ممثلو الأنصار وكان تسعة منهم من خزرج وثلاثة من الأوس عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأسماؤهم مسجلة في التاريخ.. فكانت بيعة العقبة الثانية.

إحكام الدولة الإسلامية وسياستها الداخلية

فانه بعد أن ساعدت أرضية العمل، تمكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسرع وقت، أن يجعل من المدينة قاعدة اجتماعية نظامية ومذهبية محكمة، وكان المقصود من ذلك استمرار نظام سياسي قوي قائم على أساس الإسلام في شبه الجزيرة، ثم إلى العالم.

ومن هذا المنطلق كانت المدينة المنورة قوة معنوية وسياسية لجزيرة العرب سطع منها نفوذ الإسلام ليشع نوره إلى العالم الخارجي.

رجل السياسة والحرب

لم يكن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) نبياً ومصلحاً اجتماعياً وداعياً الناس إلى الاعتقاد برسالته فحسب، بل كان في نفس الوقت رجلاً سياسياً وعسكرياً أيضاً، وبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)القمة في التفكير السياسي والاجتماعي والإداري..

ودعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كسائر دعوات التوحيد والمصلحين الاجتماعيين نفذت إلى القلوب، بل كانت اقوى من جميعها، ولم يكن (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استقل قدرته وجرد سيفه ليستفيد به، بل كان همه الوحيد تحرير عقل الإنسان وكسر الأصنام والأوثان التي يتقرب إليها ويعتقد بها كإله، كما وصفه القرآن الحكيم: ) ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(1).

ولم يكن المسلمون في ابتداء الدعوة الإسلامية قد حاربوا وجردوا سيوفهم حتى في الدفاع عن الإسلام، بل كانوا يتحملون مختلف أساليب التعذيب والاعتداءات عليهم، وليس لهم إلا الصبر على ذلك، فمنهم: من هاجر إلى الحبشة، ومنهم: من كان يتحمل عذاب قريش، ولما تجاوز المشركون حدودهم، أمر الله سبحانه المسلمين أن يجاهدوهم ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) (2)، مع العلم أن حروب المسلمين كلها كانت دفاعية.

وكل الحروب الدفاعية سواء كانت مع قريش أو اليهود أو الروم كانت لأجل رد الاعتداء حتى أن في غزوة تبوك بعد أن تيقن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من رجوع الروم، أمر جنود المسلمين بالرجوع إلى المدينة على الرغم من تحمل الأذى والمصارف الكثيرة.

وخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زعماء القبائل والملوك والأمراء وأصحاب النفوذ، وأرسل مبعوثيه إليهم يدعوهم إلى الدخول في الإسلام وقبول دعوته، فلم يستجب أحد منهم لندائه إلا ما كان من النجاشي، وقد ثبت بالتجربة ان الذين امتنعوا من قبول الدعوة الإسلامية هم المستبدين من أصحاب النفوذ والقدرة والسلطة، وليس أصحاب الفكر، فحرب القوة بالقوة هي غير حرب الفكر بالقوة، وهذان ليس بينهما ارتباط.

فالدولة التي قام مخالفوها ضدها بحمل السلاح أو ما أشبه كان عليها الدفاع، وهذا القانون هو حكم العقل و صرح به القرآن الشريف: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) (3) وهذا القانون هو نفس دستور القرآن في مكان آخر: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) (4).

وفي كلتا الحالتين، يكون حمل السلاح للدفاع طريقاً لا مفر منه إذا تعذرت المحاولات، وفشلت السبل، في إنهاء الظلم والتعدي.

فالاسلام دين سياسي أيضاً ويدعو كافة الامم الى ندائه الرباني، بخلاف اليهودية أو الدين الإسرائيلي كما يظهر من اسمه فانه ينحصر في التعصب القومي لبني إسرائيل لإقامة الدولة، وتغلب على بني إسرائيل التنفر الشديد من دخول أبناء الأمم الأخرى غير الإسرائيليين في المجتمع اليهودي.

وكذلك بالنسبة للمسيحية فهي دين أخلاقي فقط كما هو ثابت عند المسيحيين وأنها لا تتدخل في المسائل الاجتماعية والسياسية والمعاملات، فالمسيحية ظهرت على أرض فلسطين، وبرزت إلى الوجود في وقت كان فيه الاستعمار الروماني مقتدراً، ولم تكن للمسيحية من القوة لمقاومة الدولة الظالمة بالطرق العادية، ولذا قيل إن المسيح (عليه السلام) كان لا يتدخل في شؤون الحكومة الدنيوية، بل كان يؤكد على أن ملكوت الله في السماء، واللازم على المسيحية أن يطلبوها فقط، كما قالوا: (ما لله لله وما للقيصر لقيصر) هكذا يقول المسيحيون.

أما الإسلام فقد ظهر وبرز إلى الوجود في أرض استاء منه وغضب عليه حتى الدول المجاورة واعتبروه تصرفاً في حقهم، مع أن ظهور الإسلام وبعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت لإصلاح الحياة وإقامة الروابط الاقتصادية العادلة واستقرار الأمن والنظام، ولو لم يكن ذلك لما استطاع أن ينفذ إليهم ويحكم فيهم، خصوصاً مع وجود النظام الجاهلي للعرب، ومجاورة دولتين عظيمتين لشبه الجزيرة: كإيران والروم.

فلم تكن سلطة الإسلام في كل الدول سلطة جائرة (طاغوتية)، ولم يكن مانع لانتشاره بل كان دينا يطابق الفطرة.. ومثله كالنور في الظلام، فقد أضاء القلوب.

هكذا كانت سياسة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر الإسلام، وكذلك في انتشاره في العالم، فكان نفوذ الإسلام في جنوب شرقي آسيا ودولة الهند بشكل طبيعي ـ باعتراف جميع المؤرخين من مسلمين وغير مسلمين ـ فلم ينفذ إلى تلك البقعة الواسعة بحد السيوف أو بسلاح آخر.

وقد كتب نهرو في كتاب "نظرة في تاريخ العالم" يقول:

كان للعرب المسلمين في الهند ذهاب وإياب، فقد بنوا المساجد، وأحياناً يبلّغون لمذهبهم عن طريق الوعظ، وحتى في بعض الأوقات يدخل غيرهم في معتقدهم ومذهبهم، كما لا يخفى، ولم تحصل أي مخالفة لهذا الدين الجديد قطعاً، ولم يكن ثمة تصادم ونزاع بين دين الهند والإسلام في ذلك الزمان، وهذه النقطة جديرة بالاهتمام والذكر، وبعدها حصل التنازع وعدم الارتياح بين المذهبين.

وقد ذكرنا في كتاب (كيف انتشر الإسلام): إن الإسلام دخل غالب البلاد بالتبليغ لا بالسيف.

فكان نفوذ الإسلام في شرق آسيا سلمياً، وكان عن طريق التبليغ من قبل تجار المسلمين ومن أشبه، حيث أوجدوا المساجد، والمراكز التعليمية، والمدارس وما أشبه.

وقد جاء في تاريخ إندونيسيا:

أنه قدم تجار المسلمين إلى إندونيسيا في القرن الثالث عشر الميلادي من كجرات وفارس، وعقدوا روابط تجارية بين الهند وفارس وإندونيسيا، ومن طريق الروابط التجارية بدأ مذهب الإسلام ينفذ وينتشر بين المجتمع الإندونيسي خصوصاً في سواحل جاوة، مثل: دماك.

وفي المراحل التي بعدها توسع نفوذ المسلمين حتى رغب ملوك الهند وإندونيسيا وغيرها في قبول دين الإسلام، وأول من اعتنق الإسلام سلطان دماك، فدعا إلى الإسلام في شرق وغرب إندونيسيا وجزائر جاوة، ونفذ الإسلام في شرق إندونيسيا حتى الساحل الشمالي لجاوة، بل شمل حدود كري سيك، وتقدم الإسلام في غرب منطقة تامركز كايربن وبنتن، وبعدها اجتاح سائر الجزائر الإندونيسية حتى أصبحت إندونيسيا اليوم كبرى الدول الإسلامية في تعداد نفوسها(5).

الإدارة العسكرية

والتكتيك الحربي لنبي الإسلام (ص)

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إدارة الحرب يكره الاستبداد في الرأي، وكان يقوم باستشارة أصحابه، فالاستشارة والمشورة إحدى علامات القائد المناسب والمدير اللائق الذي يتبادل وجهات النظر مع أصحابه أهل الفكر والخبرة في شأن من شؤون مصالح الأمة مما يعود بالنفع عليها.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الشجاعة الذاتية، فمثل هذا القائد اللائق يستطيع أن يجعل ـ وفي كل زمان ـ من الطاقات الفكرية والجسمية والعاطفية حشوداً عسكرية..

مع ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان معصوماً ومربوطاً بالسماء وغير محتاج إلى المشورة لكنه كان يستشير ليعلّم المسلمين طريق النجاح في مختلف شؤونهم، ولكي يرسم أسلوب الحكومة الصحيحة الاسلامية.

ففي معركة الخندق عندما تحالفت قريش مع يهود بني قريظة، أمر (صلى الله عليه وآله سلم) بحفر خندق حول المدينة المنورة وذلك بإشارة من سلمان الفارسي (رضوان الله عليه) فانتصر المسلمون على الكفار والمشركين بعدما قتل الإمام علي (عليه السلام) عمرو بن عبد ود العامري حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين)(6).

ثم حاصروا اليهود الذين نقضوا عهدهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ‎وغدروا به وبالمسلمين، وبعد ثلاثة أيام من محاصرة اليهود، اجتمعوا في بيت بإشارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وبعد ذلك وبحكم سعد بن معاذ ممثل الأنصار، وانتخاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حكماً بشأن بني قريظة، قد تم العفو عن أكثرهم، وقيل: إنهم رضوا بحكم سعد بن معاذ فحكم بقتل بعضهم وكانوا قليلين جدا(7).

رسول الله (ص) والقوة الإيمانية

والمعنوية للجند

كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يعتمد اعتماداً كاملاً على القوة الإيمانية في إدارته الحكيمة لجند الإسلام، وغالباً كانت نسبة القوة المعنوية للجند أكثر بكثير من القوة المادية والعسكرية، كما قال سبحانه: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين (8).

والمسلمون كانوا يربحون المعركة مع قلة عددهم وما كان ذلك إلا لدافع الإيمان المتأصل في القلوب، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، بقوله تعالى: ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله (9).

وفي معركة أحد، ولأجل وقف زحف العدو من الوراء، تطوع خمسون مسلماً بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمراقبة الطريق، فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): احموا ظهورنا، لأننا نخشى ان فاجئنا العدو من الخلف، ولا تتركوا مكانكم، حتى لو قتلونا.. لا نريد أن تدافعوا عنا، وكل ما نرجوه منكم هو ضرب خيول العدو بالسهام، لأن الخيل لو ضربت بالسهام لم تقم على أقدامها(10)، ولكن بعصيان بعض المسلمين هذا الأمر العسكري، هاجمهم العدو من الخلف وقتلوا كثيراً من المسلمين كما قُتل حمزة سيد الشهداء عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وان تدارك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر حتى انتهت الحرب بانتصار المسلمين وهزيمة الكفار..

وفي بعض الأحيان كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يصدر أمراً للحرب بشكل سري، وكنموذج على ذلك إرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عبد الله ابن جحش مع خطاب ليرصد القوافل التجارية لقريش، وأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بقراءة الخطاب بعد يومين من التحرك، وكان مكتوباً في الرسالة:

(سر حتى تأتي بطن نخلة على اسم الله وبركته، ولا تكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك، وامض فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصد بها قريش وتعلم لنا من أخبارهم).

ولا يخفى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه السرية قابل بالمثل فحيث ضرب قريش الحصار الاقتصادي حول المدينة أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حرب الحصار الاقتصادي على المشركين لصدهم عن أمثال ذلك.

من خطط الرسول(ص) العسكرية

يوجد من بين الأهداف العسكرية في الحرب شيئان مهمان، لابد من الإشارة إليهما.

1: امتناع العدو والناس بإحقاق حقهم وإثباته، وهذا المطلب قد أكد عليه القرآن الكريم والسنة الشريفة في حقانية الحروب الإسلامية.

2: إضعاف العدو عن طريق الحرب النفسية، وإيجاد الاختلاف بينه.

وقد أقدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إعمال هذا الطريق، بإضعاف العدو بواسطة أحد المسلمين، فقد ورد في التاريخ: أن نعيم بن مسعود الغطفاني جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، ولم يكن أحد من قومي مطلعاً بذلك، وأنا مستعد للقيام بأي عمل تأمرني به.

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت رجل واحد، فلو قدرت أن تأتي العدو، وتقع بينهم، وتفرق شملهم، فإن الحرب خدعة.

فجاء نعيم إلى بني قريظة، وكان نديماً لهم أيام الجاهلية، ويستأنس بهم، فقال لهم: يا بني قريظة! تعرفون جيدا إني احبكم، وكيف إن الصداقة تتحكم بيننا.

فقال بنو قريظة: صحيح ما تقوله، نعرفك جيدا بصداقتك لنا وحسن نيتك.

فقال نعيم: إن قريش وغطفان ـ الذين تحالفا مع بني قريظة في غزوة الأحزاب ـ لم يكونا مثلكم، المدينة مدينتكم، وجميع أموالكم وأولادكم ونسائكم موجودون في المدينة وتحت سيطرة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)،ولم تستطيعوا أن تنتقلوا إلى مكان غيره، وهذه قريش وغطفان جاءتا لحرب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وانتم تصاحبونهم في هذه الحرب، ولكن أموالهم ونسائهم في مكان آخر ـ أي في مكة ـ ، فهدف هؤلاء غير ما تصبون إليه، فلو انتصروا في هذه الحرب على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغوا ما يصبون إليه وتتطلع إليه آمالهم، وأما لو انهزموا واندحروا فيعودون إلى وطنهم، فعندها تبقون انتم ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تتمكنوا من قتاله وهو لم يترك قتالكم، فيلزم أن يكون تحت اختياركم بعض الأشخاص من قريش والمتحالفين معكم بصفة رهائن حتى لا يفروا في قتال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يلحقوا الهزيمة به.

فأجابه بنو قريظة: نِعم ما أشرت به علينا، وهو الأصلح لنا، فوقع اقتراح نعيم في بني قريظة موقع الرضا والتأثير.

ثم جاء نعيم إلى قريش وقال لأبي سفيان ورؤساء قريش: أنتم تعلمون جيدا بأنني أحبكم وقد افترقت عن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنا على علم واطلاع بخبر وأرى أن أعرضه عليكم لما يقتضيه واجب الصداقة بيننا، وأريد منكم أن تحتفظوا بهذا السر وألا تكشفونه لأحد.

فقالت قريش: سنفعل.

فقال نعيم: ألم تعلموا أن اليهود قد أصابهم الندم في تصميمهم لحرب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعثوا إليه أحدا يبدون له ندمهم وليطلعه بذلك، وأوعدوه بأن يأخذوا بعضا من زعماء قريش ويسلمونهم لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقتلهم، ثم يتحالفون معه ضد قريش، وقد وافق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الاقتراح، فلو جاءكم اليهود وطلبوا رهائن فلا تسلمونهم ولا شخصا واحدا.

ثم جاء نعيم إلى غطفان وقال لهم: يا بني غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وقومي وأقربائي وأحب الناس إليّ، وأنا مطمئن من عدم اتهامي وتقدرون صداقتي.

فقال له بنو غطفان: صحيح ما تقوله وأنت رجل صادق.

فقال نعيم: اكتموا هذا الأمر.

فقال بنو غطفان: ماذا نفعل؟ ما الذي عندك؟

فقال نعيم الكلام الذي قاله لقريش بأن يحذروا من تسليم الرهائن لليهود، وأكده على بني غطفان وحذرهم من التحويل.

وفي ليلة السبت الخامس من شوال أرسل أبو سفيان ورؤساء غطفان عكرمة بن أبي جهل مع عدة من أصحابهم إلى اليهود وقالوا لهم: إلى متى نصبر؟ وجميع الحيوانات هلكت، وغداً يصادف السبت فتهيؤوا حتى نجابه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ونصفي حسابنا معه، ونحل مشكلاتكم ومشكلاتنا.

فأرسلت بنو قريظة هيئةً إلى أرسلت بنو قريظة هيئ

قريش وقالت لها: إن غداً يصادف السبت وهو يوم عطلة اليهود، ونحن في يوم السبت لا نعمل أي عمل كان، ولنا شرط معكم وهو أننا لن نحارب محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى تضعوا عدة من رجالكم تحت تصرفنا بصفة رهائن، فنحن نخشى أنه لو أضرت بكم الحرب ان ترجعوا إلى دياركم وتتركونا لوحدنا مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن لا نتمكن من مقاومته.

فلما وصل خطاب بني قريظة إلى قريش وغطفان، قالوا:والله، لقد صدق نعيم بن مسعود بما قاله لنا..

ثم بعد ذلك أرسلوا خطاباً إلى بني قريظة جاء فيه: نحن غير مستعدين بأن ندفع لكم رجلاً واحداً كرهينة، وإذا صح ما تقولونه فاستعدوا غداً للحرب.

فلما وصل خطاب قريش إلى بني قريظة قالوا: إن كلام نعيم بن مسعود كان صحيحاً، وتريد قريش انتهاز الفرصة، وتتركنا لوحدنا، وتفر من الحرب وتعود إلى ديارها، وتتركنا مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لوحدنا ونحن لا نقدر على مقاومة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبهذه الخدعة الحربية تفككت جهة أعداء المسلمين ووقع الخلاف بينهم، فكان سبباً في انتصار المسلمين وعاملاً لعدم إراقة كثير من الدماء.

ومن جهة أخرى سلط الله الرياح والمطر في ليلة قارصة على قريش ـ وهذا كان من الإمداد الغيبي ـ حتى تقطعت حبال الخيم، وسقطت القدور من على النار، حتى صممت قريش على الفرار والعودة إلى مكة بأسرع وقت.

وبهذه الطريقة استطاع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفرق قوة العدو، ليعود إلى المدينة بأقل الخسائر في الأرواح.

والأهم من هذا كله أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قائداً محنكا، وكان يشرف إشرافاً مباشراً على كل الخطط الحربية وقادة الحرس والأشخاص، بالاضافة الى استشارته في الأمور، ففي معركة (مؤتة) وعلى إثر قتل السفير الإسلامي الحارث الغساني القائد العام للشامات، أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تتقوى الدعوة الإسلامية في أرض الشام، فقام ابتداء بتعيين جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) قائداً للحرس وفي حالة استشهاده يتولى الأمر زيد بن حارثة، وعند استشهاده يتولى القيادة عبد الله بن رواحة، وبعده أيّ أحد كان قد دخل الإسلام ورضي به الجيش، وقد أوصى جنود الإسلام بهذه الوصية:

(بسم الله.. جاهدوا عدو الله وعدوكم الموجودين في أرض الشام، راعوا الآداب مع المسيحية الرهــبان الــــذين يعيشـــون بمنأى عن الناس، ولا تتدخلوا في أمورهم، لا تقتلوا النساء والأطفال والشيوخ، لا تقطعوا النخل والأشجار،ولا تدخلوا البيوت)(11).

ثم تحرك الجنود وشرعوا في السفر إلى الشام للمقاومة والعمل بما جاء في الوصية وهكذا عملوا وأدخلوا الرعب في قلوب الروم.

أمره(ص) بتطهير المدينة

من قوى التحالف اليهودي

لقد علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أهل مكة بعد غزوة بدر لا تصبر على قتلاها، بل لابد من الانتقام ثأراً للدماء، فلهذا السبب لابد من مواجهة الخطر المترقب بتقوية البنية الدفاعية والسياسية.

ومن جانب آخر: اليهود في العداوة والتزوير والختل والمراوغة لم يشهد التاريخ مثله، فقد حشدت عناصرها في المدينة وتوابعها‎.

كما أن الخطة الخماسية لقريش لا تخفى عن الأنظار لابد من الإيفاء والقيام بالهجوم، وضرب الإسلام بخنجر في الظهر، فلابد من إيجاد حل مناسب لهذه المشكلة.

هذا وقد نقض يهود بني قينقاع عهودهم، والذي جرأهم على ذلك هو سكوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على مثل هذا الوضع، فظنوا أن هذا اعتراف رسمي بالهزيمة والفشل، فأصدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً بمحاصرتهم، فبقوا خمسة عشر يوماً محبوسين في بيوتهم، مما أدى إلى توسط المنافق المعروف ـ عبد الله بن أبيّ ـ فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعفو عنهم على أن يتركوا المدينة جميعهم، وكان هذا أخف من الانتقام والذي كان متعارفاً إلى ذلك الحين.

فقتل إنسانين إهانة صريحة بالمسلمين لم تغسلها إلا الدماء في نظر العرب المسلمين الذين اقتضت فطرتهم الصحراوية أن يكون الناموس شرفاً ومكانة لا تدانى، فالأعراض مصونة وهي أعز عندهم من النفس، وربما تحصل المشاجرات والحروب ولسنوات طويلة بين قبيلتين لهذا السبب، وهذا الموضوع لا يخفى على كل من طالع تاريخ العرب، ولكن في هذا المجال قد صرف النظر.

والملاحظة الأخرى التي تدخل في صلب هذا الموضوع هو أن اليهود أهانوا إهانة قبيحة امرأة مسلمة، وكان لها الأثر السيء في نفوس العرب المسلمين(12).

مؤامرة يهود بني النضير لاغتيال

الرسول(ص)

ثم إن اليهود بعد حرب أحد والفاجعتين المأساويتين: سرية رجيع(13)، وبئر معونة(14) ـ التي راح ضحيتها الكثير من قرّاء القرآن ـ أخذوا يستهزئون بالمسلمين ويقولون: النبي الحق المبعوث المرسل من الله، لا ينهزم أبداً..

وكان قد قتل رجلين من قبيلة (بني عامر) وكانا متحالفين مع المسلمين، وقد طلبوا ديتهم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان يهود بني النضير متحالفين مع (بني عامر) كالمسلمين، فطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من يهود بني النضير تسليم دية الرجلين من حلفائهم بالاشتراك، وفي بعض التواريخ أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) استعرضهم ذلك وكان الاستعراض جاريا بينهم ولكنهم خلا بعضهم ببعض وخططوا لقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء جبرائيل وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمؤامرة اليهود(15)، وهنا ظهرت النية الأصلية لهؤلاء اليهود.. فقد ذهب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعية عشرة أشخاص من أصحابه إلى قلعة بني النضير للمطالبة بالدية، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جنب جدار من بيوتهم فأرادوا أن يلقوا عليه صخرة كبيرة ليقتلوه.. فلما علم (صلى الله عليه وآله وسلم) سوء نياتهم بالتعرض على حياته وإرادتهم اغتياله رجع إلى المدينة، وهذه المؤامرة التي كانوا ينوونها وسائر المؤامرات الأخرى هي التي دفعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبعث إليهم محمد بن مسلمة ليقول لهم: اخرجوا من بلادنا ولا تساكنونا لأنا لانأمن خيانتكم لنا.

هذا وقد كان بإمكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقتلهم ولكنه لم يفعل ذلك.

إفشال خطة يهود بني قريظة

في معركة الأحزاب ـ الخندق ـ تعاهد بنو وائل، وقريش، وبنو غطفان، وحلفاؤهم، وشكلوا جيشاً قوامه عشرة آلاف رجل ليدخلوا به إلى المدينة المنورة ويقضوا على الإسلام والمسلمين.

وكان هذا من تخطيط زعماء اليهود، حي بن أخطب، وابن أبي الحقيق، حتى يواجه الإسلام عدواً مشتركاً من عبدة الأوثان واليهود، يعمل لاستئصال جذوره.

وأثناء محاصرة المدينة وقف يهود بني قريظة وكانوا حلفاء المسلمين ـ على خلاف ما تعاهدوه وتعاقدوه ـ موقفاً محايدا (عدم الانحياز) إلا أن حي بن أخطب (زعيم بني النظير) استطاع أن يؤثر في كعب بن أسد القريظي ـ صاحب عهد بني قريظة ـ تأثيراً مباشراً ويجره إلى صفوفهم للعمل ضد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك بأن يهجموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين من الخلف في معركة الخندق.

فلما علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من خيانة بني قريظة، واطلع المسلمون عليها، بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) سعد بن معاذ إلى يهود بني قريظة لإقناعهم بأن يلتزموا الوفاء بالعهد والحفاظ على أمن الوطن، إلا أنهم أبوا هذا الطلب وأصروا على غيهم واستكبروا استكبارا، فردوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلهجة قاسية وتعرضوا لشخصه وللإسلام بالسب والشتم وبأقبح الصفات التي لا تليق إلا بهم، فنقضوا العهد وخالفوا الوعد في أحرج ساعة على المسلمين.

وبعد أن انتهت غزوة الأحزاب (الخندق) بانتصار نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعدما استطاع (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتخذ تدبيراً حكيماً ينفذه (نعيم بن مسعود) وكان من أبدع أنواع العمل السري(16) حيث غيّر المعادلة لصالحه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أدى إلى تغيير مجرى الحرب فرجحت قريش الفرار منها، لتعود إلى مكة حاملة وراءها الخيبة والذل والانتكاسة الروحية ولم يكن من الصحيح ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتغافل ويصفح عن عظيم خيانة اليهود في هذه الساعة الحرجة، فاتخذ قرارا قطعيا باستئصال جذور العدو بتقوية الدولة الإسلامية الفتية.

فقد أصدر (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره إلى المسلمين بمحاصرة قلاع اليهود على وجه السرعة، وكان علي (عليه السلام) أول مجاهد إسلامي يحاصر قلعة اليهود، واستمرت هذه المحاصرة خمسة وعشرين يوماً، مما اضطر يهود بني قريظة أن يبعثوا (أبا لبابة) إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليحددوا موقعهم منه، وتصور بنو قريظة أن النتيجة ستؤدي بهم إلى التبعيد إلى ديار الشام كما حصل ذلك لبني النضير من قبل.

فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هل ترضون أن تجعلوا حكماً بيني وبينكم؟

فرضي اليهود بحكومة سعد بن معاذ، وقد حكم سعد بن معاذ بغير ما كان ينتظره اليهود، مما جاء في حكمه: يقتل المحاربون من اليهود.

فرضي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الحكم، فأمر بقتل المحاربين منهم خاصة وعفى عن الباقين.

إن مسؤولية هذه الدماء ـ وإن لم تكن كثيرة بل كانت قليلة جدا ـ تقع على عاتق حي بن أخطب (رئيس قبيلة النضير) فهو الذي حرك قريش وحرضهم على القتال، كما دعا بني قريظة أن ينقضوا عهدهم ويتخلفوا عن تحالفهم ومواثيقهم.

ولا يخفى أن الرجال الذين قتلوا في تصوري الذي استفدته من التواريخ أمثال (أسد الغابة) وغيره أنهم لم يكونوا فوق العشرين، أما المبالغة في عددهم فكأنها من مبالغات اليهود وذكرها بعض المسلمين بدون تحقيق، وإلا فقد ذكر التاريخ أنهم حبسوا في دار، وهل دور المدينة في ذلك اليوم ـ وهي قرية عادية ـ تسع لأكثر من عشرين.

بالإضافة إلى أنه أين قبورهم ومن قتلهم وهل مثل ذلك العمل يشبه أعمال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أشد أعدائه حينما كان يقول: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(17) ، إلى غيرها من القرائن…؟

ويحتمل أن سعد بن معاذ حكم بهم بحكم التوراة وطبق عليهم قوانينها الجزائية التي تنص صراحة:

عندما يريد العدو أن يحاربك في أرضك، فادعوه إلى الصلح أولاً، ولو أراد قتالك فحاصر مواقعه، ولو تسلطت عليهم فاقتل المحاربين منهم، وأما النساء والأطفال والحيوانات وكل ما هو موجود في المدينة فخذها غنائم لك.

ما قاله المستشرقون في معاملة اليهود

مع نبي الأكرم(ص)

يقول احد المستشرقين(18) في خاتمة بحثه بصدد روابط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع اليهود:

"ليس من اللائق لليهود أن يقابلوا صداقة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفائه لهم، بهذا الشكل من الجفاء، بعد أن أقام معهم روابط حسنة، ومن المناسب جداً أن نشير في هذا الصدد إلى أنه: لو أن اليهود بدل عداوتهم وخصومتهم لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا قد أقاموا معه روابط حسنة، واتصلوا به، لكان فيه صلاحهم وحصل لهم التوفيق، وكان هذا ممكناً لهم في هذا الموقع المناسب، ويستطيعون بالتالي جني ثماره من خلال:

1: المحافظة على استقلالهم الديني.

2: أن يكونوا جزءاً من الإمبراطورية الإسلامية.

فلو فعلوا ذلك لكان العالم غير ما عليه اليوم، ولكن الذي يؤسف له أن اليهود منذ الأيام الأولى لإقامة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة، زرعوا بذور الفاجعة المؤلمة، وضيعوا الفرص الجميلة في استقرارهم واستقلاليتهم.

والجدير بالذكر إن الإسلام بتعاليمه الدينية كان متساهلاً مع اليهود أكثر منه مع المسيحيين، مع أن الدين اليهودي والدين المسيحي يشتركان في التشريع والقانون، وكلاهما من الأديان الموحدة، إلا أن الغالب على دين المسيحية هو التوحيد الثلاثي، وهذا غير موجود عند اليهودية.

ومع وجود هذا التأكيد في رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن عقيدة الغلو عند اليهود المبنية على أساس التفوق السلالي والعنصري، أبت إلا أن تعارض ذلك.

فيهود المدينة حسب معتقدهم رفضوا نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو كان عندهم بعض المفكرين والمصلحين لاستطاعوا أن يغمضوا عيونهم عن هذه المسألة، وانتهزوا الفرصة الغالية بشكل يحفظ لهم كيانهم واستقلالهم، فليس من الضرورة أن يسخر اليهود من دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومما يدعو للأسف الشديد أنهم سلكوا هذا النهج، وطبيعي أن هذه الانتقادات الشديدة من جانب اليهود لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ودينه خطر كبير بالنسبة لتجربته السياسية والاجتماعية، ومع هذا العمل السلبي وقف محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قبالهم".

النبي(ص) ودفع الظلم

إن من إحدى الوظائف المهمة للأنبياء (عليهم السلام) بشكل عام: هو إقامة العدل والقسط، وإزالة أي نوع من الظلم والاضطهاد، وقد أشار الله سبحانه إلى هذه الحقيقة، بقوله جل وعلا: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (19).

وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله (20).

وهكذا كانت حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

قال (عليه السلام): (والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها واسترق لي قطانها مذعنة بأملاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها شعيرة ما فعلته وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها)(21).

1- سورة الأعراف: 157.

2- سورة الحج: 39.

3- سورة البقرة: الآية 193.

4- سورة الحجرات: الآية 9.

5- فان سكانها اكثر من 200 مليون نسمة، ونسبة المسلمين فيها 90% وهي أكبر دولة اسلامية بالعالم من حيث النفوس، ومساحتها 1919270كم2 وتقع في جنوب شرق آسيا، كما تتألف من 13500 جزيرة، عاصمتها (جاكرتا).

6- راجع بحار الأنوار: ج39 ص2 باب70 ح1.

7- راجع للتفصيل كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) للإمام المؤلف (دام ظله).

8- سورة الأنفال: 65.

9- سورة البقرة: الآية 249.

10- راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ص238و239.

11- حول هذه القصة راجع بحار الأنوار: ج21 ص85 باب24 ح11.

12- وهذا قد يشبه حادثة قتل ولي عهد النمسا (سراجيو) في سنة (1914م) الذي أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى والتي اشتركت فيها الدول الأوروبية جميعاً.

13- راجع (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ص269 للإمام الشيرازي (دام ظله).

14- راجع (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ص269.

15- راجع (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج1 ص271 – 273.

16- قد سبق تفصيل القصة، راجع الصفحة 85 من هذا الكتاب.

17- قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فتح مكة المكرمة حيث عفا عن الجميع حتى عن كبار المجرمين، راجع (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج3 ص61-92.

18- و هو المستشرق المعروف: (مونتكمري وات).

19- سورة الحديد: 25.

20- سورة النساء: 135.

21- نهج البلاغة: الخطبة224 المقطع10و11.


7

الرسول(ص) يقوم بمهمة التبليغ

لم تكن وظيفة التبليغ للإسلام وإبلاغ الرسالة مسؤولية صغيرة على مدى التاريخ، وأول من أدى هذه الوظيفة المهمة هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه المخلصون، وقد أشار إلى هذه الوظيفة القرآن الكريم في آياته:

1: قال تعالى: ﴿أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن(1).

2: وقال سبحانه: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد(2).

نعم، إن تربية الناس وإصلاحهم جزء من الأهداف المهمة لأنبياء الله (عليهم السلام)، ولهذا بعثوا ولأجل تحقيقه عملوا، كما ورد في الحديث: (إن الله قد خص الأنبياء بمكارم الأخلاق)(3).

إضافة إلى أن التعليم والتأديب هو جزء من حقوق الناس، وعلى الدولة الإسلامية أن تبذل قصارى جهودها في هذا الجانب، وفي هذا يقول الإمام علي (عليه السلام). (أما حقكم عليّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا)(4).

محمد (ص) المعلم الأول

من بين السمات والصفات للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي وصفه بها القرآن الكريم إضافة إلى (الرسول) و(الشاهد) و(المبشر): صفة المربي ] يزكي[ والمعلم ] يعلّم[، وأكثر القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في التأكيد على تربية المجتمع والنهوض به، كما تشير إليه الآية الكريمة: ) يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة( (5).

القرآن والسنة مصدرا التعليم

وبعد تشكيل دولة المدينة الإسلامية واستقرار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سنحت له الفرصة في تبليغ رسالته العالمية، فجاهد ثقافة الجاهلية المشركة والملوثة والمعدية، وجذب الناس لدين الحق وعبادة الله الواحد، واتخذ من دار أبي أيوب الأنصاري (رضوان الله عليه) أول منزل له (صلى الله عليه وآله وسلم) مركزاً للتبليغ، وانتخب المبلغين المعلمين.

وأول مجموعة لمبشري الرحمة كان قد أوفدها (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أطراف جزيرة العرب، وكان من وصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: (يا معاذ، علّمهم كتاب الله، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة، وأنزل الناس منازلهم، خيرهم وشرهم، وأنفذ فيهم أمر الله، ولا تحاش في أمره ولا ماله أحداً، فإنها ليست بولايتك ولا مالك، وأدِّ إليهم الأمانة في كل قليل وكثير، وعليك بالرفق والعفو في غير ترك للحق يقول الجاهل قد تركت من حق الله ، واعتذر إلى أهل علمك من كل أمر خشيت أن يقع إليك منه عيب حتى يعذروك، وأمت أمر الجاهلية إلا ما سنه الإسلام، وأظهر أمر الإسلام كله صغيره وكبيره، وليكن أكثر همك الصلاة، فإنها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين، وذكّر الناس بالله واليوم الآخر، واتبع الموعظة، فإنه أقوى لهم على العمل بما يحب الله، ثم بث فيهم المعلمين، واعبد الله الذي إليه ترجع ولا تخف في الله لومة لائم)(6).

مكانة العلم في الإسلام

يمكننا أن نعبر عن الدين الإسلامي بأنه هو الدين الوحيد من بين الأديان الذي يؤكد أكبر التأكيد على التفقه في المذهب وفهمه، ويصر على الفكر، والتعليم، ويرفض تقليد الآباء والأجداد في المعتقدات من دون دليل، ويجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، كما ورد في الحديث الشريف(7).

يقول الإمام علي (عليه السلام): (لا خير في دين لا تفقه فيه)(8).

وجميل جداً أن يشبه الإمام (عليه السلام) المعقول بالمحسوس، فمحل العلم في المخ والقوى الدماغية كما شبهه (عليه السلام) في الحديث الآتي ليوجه الفكر الإنساني، وشريان الحياة الإنسانية.

فيقول (عليه السلام): (إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة أسباب الأمور)(9).

وورد في الأحاديث: (مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء)(10).

وذكر المؤرخون: عندما أخذ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بزمام الخلافة،ولى الأشعث بن قيس الكندي على آذربايجان، فلما دخل الأشعث (أردبيل) ورأى أن أكثر أهالي آذربايجان قد اعتنقوا الإسلام، أخذ يعلم القرآن ويقرأه، فبنى مسجداً في أردبيل وعمر البلد..(11).

وروى أبو البختري قال: سألنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن علم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فقال (عليه السلام) : من تريدون؟

قلنا: عبد الله بن مسعود.

قال (عليه السلام) : هذا عالم بالقرآن والسنة، وقد بلغ من العلم درجة، وهذا المقدار من العلم يكون كافياً.

فسألناه عن أبي موسى الأشعري ماذا يقول فيه؟

فقال (عليه السلام) : صبغ في صبغة ثم خرج منه.

ثم سألناه عن حذيفة بني اليمان؟

فقال (عليه السلام) : أعلم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحوال المنافقين.

فسألناه عن أبي ذر الغفاري (رضوان الله تعالى عليه)؟

فقال (عليه السلام) : وعلى علماً.

ثم سألناه عن سلمان الفارسي (رضوان الله تعالى عليه)؟

فقال (عليه السلام) : ما أقول في رجل خلق من طينتنا، وروحه مقرونة بروحنا، خصه الله من العلوم بأولها وآخرها، وظاهرها وباطنها، وسرها وعلانيتها، وذلك منا أهل البيت(12).

فقلنا له: حدثنا عن نفسك يا أمير المؤمنين؟

قال (عليه السلام) : كنت إذا سألت محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) أجابني، وإذا سكت ابتدرني.

يعني أنه (عليه السلام) قضى عمره الشريف بخدمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستفيد من علمه، وقد قال (عليه السلام): (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علمني ألف باب من العلم، يفتح كل باب ألف باب)(13).

تأسيس المركز الثقافي ودار المعلمين

قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتبليغ للإسلام وتعليم القرآن في المدينة المنورة، واتخذ من منزل مخرمة بني نوفل "دار القراء" ومركزاً لتدريب المعلمين، ومن هذا المركز كان يتم إيفاد معلمي القرآن إلى خارج المدينة والمدن الأخرى.

ذكر المؤرخون: أن عبد الله بن أم مكتوم بصحبة مصعب بن عمير وردا إلى المدينة بعد معركة بدر، واتخذا من "دار القراء" سكناً لهما.

وذكر صاحب كتاب (نظام الحكومة النبوية)(14) التراتيب الإدارية وأسماء المبلغين والمعلمين الذين أرسلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خارج المدينة لتعليم القرآن، وكتب يقول:

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحث المسلمين ويشوقهم على تعليم القرآن والفقه من الجيران، وأمر عبادة بني الصامت أن يعلّم القرآن لأهل الصفة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ذكر بعض المؤرخين إن أهل الصفة كانوا أربعمائة شخص.

إيفاد المعلمين

كما ذكر في التاريخ أسماء بعض المعلمين والقراء الذين كان يبعثهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مختلف المناطق، منهم:

1: مصعب بن عمير:

بعث النبي ) صلى الله عليه وآله وسلم ( مصعب بن عمير، وذلك بعد معاهدة العقبة الأولى، بمعية النقباء الاثني عشر إلى المدينة المنورة لتعليم أهل يثرب القرآن والفقه، فورد منزل أسعد بن زرارة واتخذه مركزاً للتعليم، وكان يأتي العشرات من أهل المدينة إلى منزل أسعد ليأخذوا من مصعب القرآن والفقه وأحكام الإسلام، وقد أسلم الكثير بتأثير مصعب، ومن ضمنهم زعمائهم، أمثال سعد بن معاذ، وأسعد بن خضير من رؤساء الأوس.

2: معاذ بن جبل:

بعد فتح مكة المكرمة عيّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عتاب بن اسيد ممثلاً له، وأمره بأن يؤم الناس بالصلاة، كما أمر معاذ بن جبل أيضاً أن يقوم بتعليم الناس القرآن والفقه.

وكان معاذ قاضياً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليمن، فاشتغل بالقضاء وتعليم الأحكام والقرآن، وقد مرت وصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) لمعاذ(15).

3: عمرو بن حزم الخزرجي:

نقل بعض المؤرخين(16): ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اتخذ عمرو بن حزم الخزرجي ممثلاً له في نجران حتى يعلم الناس القرآن والفرائض، ويجمع خراجهم وصدقاتهم.

4: رافع بن مالك الأنصاري:

كان رافع في الجاهلية من الكاملين، وكان من جملة النقباء الاثني عشر الذين التقوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أول من جاء بسورة يوسف (عليه السلام) إلى المدينة المنورة وكان يقرؤها على الناس.

النشاطات التعليمية في زمن النبي (ص)

أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زيد بن ثابت أن يتعلم اللغتين ـ العبرية والسريانية ـ ليكون واسطة بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين اليهود، يقول زيد: استطعت أن أتعلم اللغة العبرية بمدة سبعة عشر يوماً وصرت أكتب فيها.

كما عين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة من المسلمين حتى يعلّموا صبيان الأنصار الكتابة، وكان منهم: عبد الله بن سعيد، وعبادة بن الصامت، وكانا معلمين ماهرين وكاتبين باهرين في المدينة وأخذا يعلّمان أهل المدينة القراءة والكتابة، حتى تعلّم العديد من الناس القراءة.

ونقل صاحب كتاب (أدب الدنيا والدين)(17): ان تعليم الخط والكتابة عند العرب كان من الأشياء المعتبرة والنافعة، فالخط والكتابة لا يقاس بهما شيء آخر، ومن هذا المنطلق فإنه بعد معركة بدر طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأسرى أن يرفعوا أربعة آلاف دينار كفدية مقابل إطلاق سراحهم، ولما لم يكن بمقدورهم دفع مبلغ الدية، أمرهم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعلموا مائة صبي من صبيان المدينة الكتابة.

وكان زيد بن ثابت مع عدة من فتيان الأنصار من جملة من تعلّم الخط من معلمي الكفار، وبعدها صار زيد من كتّاب الوحي ومن كتّاب القرآن.

وبالإضافة إلى الرجال فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستعين بالنساء المسلمات المتعلمات اللاتي يجدن القراءة وفن الكتابة، وكان يأمرهن بتعليم النساء، كما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شعثاء ـ أم سليمان بن أبي قمة ـ بأن تعلم زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الكتابة.

وكذلك كانت بيت فاطمة (عليها السلام) مركزاً لتعليم النساء وبيان الأحكام لهن.

ومن أثر هذه النهضة التعليمية المباركة أنه لم يمض وقت طويل على ذلك حتى ازداد عدد المتعلّمين في المدينة، حتى من بين النساء وربات البيوت والبنات..

فكانت حفصة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تعلمت الكتابة، وكذلك أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط تعلمت الكتابة، وقالت عائشة بنت سعد: علمني أبي الكتابة في البيت، وكانت كريمة بنت المقداد أيضاً تكتب، أما أم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانت تقرأ ولا تكتب، وكانت عائشة مثل أم سلمة تقرأ ولا تكتب.

وكانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) تكتب وتقرأ، ولنا كتاب باسم (مصحف فاطمة)(18). والمصحف في اللغة بمعنى الكتاب، أي كتاب فاطمة(عليها أفضل الصلاة والسلام).

الخبروية في الفقه الإسلامي

وكما أن الإيمان شرط في القضايا الإسلامية كذلك الخبروية والتخصص حتى أن البعض أجاز الاعتماد على الخبير الأمين وإن لم يكن عادلا.

يقول الفقيه الهمداني (قدس سره) في بحث خاص له عن عامل الزكاة في عصر الغيبة:

لو وجد الفقيه طفلا أو فاسقا ذا بصيرة في جريان الأمور ومطلعا على المسائل السياسية في إدارة الدولة ويقطع أن هذا الشخص أمين يريد الخير فلا مانع أن يقوم هذا الشخص بجمع الصدقات والزكاة وضبطها وكتابتها ويصح استخدامه لهذا الغرض إذا كان مثل هذا الموضوع يحرز فيه مصلحة المجتمع الإسلامي.

وهذا الكلام يدل على أهمية الخبروية والاختصاص في مختلف المجالات.

وأما أبناء العامة فقالوا: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤمر على القوم وفيهم من هو خير منه لأنه أيقض عينا وأبصر بالحرب(19).

الأيديولوجية الفكرية والعملية

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أعظم أنبياء أولى العزم وكانت رسالته عالمية، جاءت للناس كافة لإنقاذهم من الشرك والكفر، والظلم والعدوان وتبشيرهم بالآخرة وإنذارهم إن خالفوا الحق والعدل، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (20) وتكفلت رسالته العدالة الاجتماعية واستقامة الإنسان على مكارم الأخلاق، وتحقيق السعادة في حياة الفرد والمجتمع.

ولقد بشّر الأنبياء السابقون (عليهم السلام) أتباعهم بظهور الإسلام حتى أنه جاءت بعض أوصاف نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتبهم السماوية.

ومن هنا رأينا اليهود والنصارى وأتباع باقي الأديان في فترة ما قبل البعثة يعيشون فترة انتظار وشوق شديد لظهور الإسلام بعد أن دب إليهم الضعف والوهن والتمزق والتحريف، فعادت سفينتهم محطمة الشراع منهمكة القوى، فليس إلا الأمل وانتظار الوصول إلى ساحل النجاة، وحتى أن عدة من اليهود قد عينت كتبهم مكاناً بخصوصه يقع بين جبل (عير) في شمال المدينة وجبل (أحد) في جنوبها، كمركز للحكومة الإسلامية، ولذا فقد بحثوا عنه بجدٍ وارتحلوا إليه، وظلوا يعيشون على أمل ظهور الحق والإسلام.

والقرآن الكريم أصدق شاهد على أن التوراة والإنجيل قد أخبرا بظهور نبي الإسلام، إذ يقول تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (21).

فرسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي لنجاة الإنسان، وهدفها رسم أفق أوسع وأعلى، لإنقاذ البشرية من أوحال المادة والشهوة لكي تتعرف الإنسانية على حقول اللذة المعنوية الواقعية وترجع عن السير في دروب المادية البحتة، فتخطو بخطوات ثابتة على طريق السعادة.

ورسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حرية بأن تحيي النفوس الميتة والطاقات الهامدة بتعاليمها الرائعة فتنمو بعد الإحياء وتصل إلى رشدها وتكاملها، فتبدو للإنسان حياة سامية في ظل الإسلام وقوانينه وتستهدف أروع الأهداف، والآن فلنلاحظ بعض أبعاد تلك الحياة التي يريدها الإسلام للبشرية، وهي (الأمة والواحدة) و (الأخوة الإسلامية) و (الحرية فيما عدا المحرمات)، والرقابة الاجتماعية، والدفع نحو العلم، والعمل والسعي، والتشكيل العائلي النظيف، وجعل الخلافة الصحيحة لتسير البشرية بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) سيراً صحيحاً.

وهذه الحقيقة صرحت بها الآيات القرآنية باعتبارها النموذج الأمثل.

قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (22).

وقال سبحانه: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً (23).

وقال عز من قائل: ( يا أيها الــــرسول بلـــــغ ما انــــزل إليك مـــن ربــــك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(24).

وقال تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة (25).

وقال سبحانه: ﴿ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم (26).

وقال عز وجل: ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (27).

الى غيرها من الآيات، بالاضافة الى متواتر الروايات.

عدم نفوذ الغزو الفكري

كما أن المسلمين كانوا في معتقداتهم راسخين جدا، وقد أعطاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حصانة فكرية كاملة وذلك عن دليل وبرهان.

ومثل هذا الشيء تجده في بعض إشارات الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين(28).

وقوله سبحانه: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير (29).

هذا بالإضافة إلى أن الإسلام وتعاليمه مطابقة للفطرة السليمة كما أشار الحديث النبوي الشريف إلى هذه النقطة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كل مولودٍ يولد على الفطرة ثم أبواه يهودانه ويمجسانه وينصرانه)(30).

1 ـ سورة النحل: 125.

2 ـ سورة آل عمران: 20.

3 ـ الكافي: ج2 ص56 ح3.

4 ـ نهج البلاغة : الخطبة 34، المقطع 9و10.

5 ـ سورة الجمعة: 2.

6 ـ تحف العقول: ص25.

7 ـ بحار الأنوار ج1 ص177 ب1 ح54. والبحار ج2 ص31 ب9 ح20.

8 ـ المحاسن: ص59 ح9.

9 ـ منية المريد: ص148 فصل في مكايد الشيطان وأهمية الإخلاص.

10 ـ راجع من لا يحضره الفقيه: ج4 ص398 باب2 ح5853، وفيه: (إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء).

11 ـ راجع فتوح البلدان للبلاذري.

12 ـ راجع الاختصاص: ص221.

13 ـ الخصال: ص572 أبواب السبعين، الحديث1.

14 ـ هو عبد الحي الكتاني.

15 ـ راجع الصفحة 100 من هذا الكتاب.

16 ـ راجع كتاب (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) لابن عبد البر.

17 ـ هو الماوردي نقله عن ابن قتيبة.

18 ـ يعتبر هذا الكتاب من (ودائع الإمامة) وهو موجود عند الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف).

19 ـ راجع (تاريخ الخلفاء) لجلال الدين السيوطي.

20 ـ سورة الأنبياء: 107.

21 ـ سورة الأعراف: 157.

22 ـ سورة الأعراف: 158.

23 ـ سورة سبأ: 28.

24 ـ سورة المائدة: 67.

25 ـ سورة الأنبياء: 92.

26 ـ سورة الأعراف: 157.

27 ـ سورة المائدة: 55.

28 ـ سورة آل عمران: 149و150.

29 ـ سورة البقرة: 120.

30 ـ راجع علل الشرائع: ص376 باب103 ح2، وفيه: (ما من مولود ولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)، الحديث.


8

برنامج الحكومة

أجل إثبات الأصالة الشعبية والديمقراطية أو الاستشارية في حكومة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سنشير إلى بعض الفقرات من خطابه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع وأشار الى بعض أهداف دولته المباركة، وفيما يلي نص خطابه:

(أيها الناس! إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم…إن ربا الجاهلية موضوع… أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً، ولكم عليهن حق… أيها الناس! إنما المؤمنون اخوة ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه… أيها الناس! إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي ولا لعجمي فضل إلا بالتقوى)(1).

الإسلام وخدمة الناس

إذا كانت خدمة الناس، وقيام المساواة بينهم، والعمل على رفاههم، وإحياء الحقوق الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، معيار الحكومة الصالحة واللائقة، فإن الدولة الإسلامية بقيادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تعتبر النموذج الأمثل للحكومة الصالحة والراشدة التي تأسست في المدينة المنورة، وأقيمت على الأصول والأهداف الإنسانية العالية.

فكل حكومة استطاعت أن تقيم العدالة والمساواة في المجتمع وتجري القوانين الإنسانية كما في حكومات الأنبياء، يمكننا أن نعتبرها حكومة إسلامية إذا توفرت فيها سائر الشروط(2)، فشكل الحكومة تكون على حسب مقتضيات الزمن، لكن الأسس لا تتغير، كما تكون فيها جميع الحريات الإسلامية مع وجود الانتخابات الحرة بالاضافة الى ما ذكرنا تفصيله في الفقه.

إذن لو أردنا تشكيل الحكومة الإسلامية يجب أن تكون على غرار حكومة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المبعوث من قبل الله تعالى، فيجب أن تكون الشورى والانتخاب الحر، كما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يكثر من استشارة أصحابه في الأمور الاجتماعية، ولم يكن (صلى الله عليه وآله وسلم) يأبى مشورة الناس، وكان دائماً في إجراء الأمور والإشراف على الأعمال يطلب من الناس التدخل في مثل هذه الشؤون، حتى أنه في كثير من الأوقات كان يقدم رأي الأكثرية على رأيه، والتاريخ حافل بهذه الشواهد(3).

وكذلك كان حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنها كانت نموذجا صحيحا للحكومة الإسلامية.

وفي أول خطبة للإمام علي (عليه السلام)بعد تولي الحكم الإسلامي يقول: (أيها الناس! إنما أنا رجل منكم، لي مالكم وعلي ما عليكم).

التضامن الاجتماعي والمسؤولية العامة

للإسلام طريقة ناجحة في توثيق أواصر المجتمع، ودمج أفراده بعضهم ببعض، وتوحيد صفوفهم، وتعاضدهم وتكاتفهم.. وإيجاد الحب والوداد والأخوة بينهم، ونبذ الحزازات والفوارق وراء ظهورهم، فإن الإسلام يأمر الناس بما يقرب الناس من بعضهم، ويشيع فيهم الحب والإخاء والرحمة.. وينهى الناس عن أعمال تسبب التفرقة وتوجد البغضاء والشحناء والمهاترات بين أفراد المجتمع الواحد.

وفي نفس الوقت يصب الإسلام الأوامر والنواهي في قالب ينسجم مع العقل ويحرك العاطفة البشرية، وبذلك يتم تطبيق الأوامر والنواهي بكل بساطة وسهولة.

لقد أوجب الله تعالى (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(4) باعتبار أن المسؤولية العامة والتضامن الاجتماعي من الأصول الأساسية للمجتمع الديمقراطي الإسلامي، يقول القرآن الكريم مشيراً إلى هذه الحقيقة: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)(5) وفي آية اخرى يقول سبحانه: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر(6).

فالآثار الاجتماعية المترتبة على هذه المسؤولية العامة والتضامن الاجتماعي هي كثيرة وتكون لخير الإنسانية ولصالح المجتمع الإسلامي: فالناس بخير ما تذاكروا وتشاورا وتواصوا وتعاونوا، فإذا فرطوا في شيء من ذلك فقد تولاهم شرارهم فلا تستجاب فيهم دعوة الأبرار.

الديمقراطية الإسلامية

تقوم الديمقراطية الإسلامية، وبالأحرى الاستشارية الاسلامية على أسس عديدة، منها:

1: الحريات الإسلامية في جميع مجالات الحياة، قال تعالى: ﴿يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم(7).

فالناس جميعاً احرار في كافة الدول الإسلامية: في السفر والإقامة والزراعة والبناء والعمل والتجارة ونشر الكتب والمجلات والجرائد و الاستفادة من الاذاعة والتلفزيون وفي تأسيس الأحزاب والتكتلات وفي التأليف والخطابة والزواج وجميع النشاطات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها، الا في المحرمات الشرعية وهي قليلة جداً.

2: أن لا يتحمل الإنسان أخطاء الآخرين، حتى وإن كان مرتكب الخطأ والجرم آباء وأجداد ذلك الشخص، قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى(8).

3: أن يكون الإنسان مسؤولا عن أعماله الخاصة، قال سبحانه: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون(9).

وقال عزوجل: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )(10).

وقال تعالى: ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة (11).

وقد ورد هذا الحديث النبوي المعروف والذي يؤكد على مسؤولية الإنسان واحساساته التي يضطلع بها: قال (صلى الله عليه وآله وسلم):

(كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو المسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ وهو مسؤول عن رعيته والرجل راعٍ في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(12).

4: أن تراعى الحقوق العامة والمساواة بين الناس، قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (13).

فلا أثر للنسب والروابط القبلية دنيا وآخرة في عالم الإسلام، بل تتكافأ جهود الناس، يشير الحديث النبوي إلى هذه الناحية بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا اغني عنك من الله شيئاً لي عملي ولكم عملكم)(14).

ولا يخفى أن هذا الحديث لا ينافي مسألة الشفاعة فإنها صحيحة قد دلت عليها الآيات والروايات المتواترة.

وقد سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الصحابة يقول لصحابي آخر: يا بن السوداء!، فتألم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله هذا وقال: (ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو بعمل صالح)(15).

فالإسلام ليس كاليهودية التي جاءت لمجموعة خاصة، بل إن دعوة الإسلام دعوة عالمية عامة لكل الناس: (وما أرسلناك إلا كافة للناس )(16)، فالإسلام يرفض التعصب الأعمى والعصبية القبلية وينكرها أشد الإنكار، وكل من يدعو لعصبية فهو مطرود من رحمة الإسلام، يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قال بالعصبية، وليس منا من مات على عصبية).

وسئل عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) عن العصبية فقال: (العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين)(17).

عن أبي عبد الله (عليه السلام): (من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه)(18). وعنه (عليه السلام): (من تعصب عصبه الله بعصابة من نار)(19).

5: مشاورة الناس، يقول أحد الكتّاب الإسلاميين: (إن الحكومة العادلة ليست فقط تعطي حق الانتخاب للناس في تعيين الحاكم، وبعد أن يأخذ ذلك الحاكم المنتخب بزمام الأمور يكون قد نساهم واستبد بالأمور دونهم فلا رأي لهم ولا حل ولا عقد، فالحكومة العميقة تقضي معظم وقتها في التعاون والمراقبة المستمرة والمشاورة مع الناس بما يخدم المصلحة العامة وينتج التقدم والرقي والرفاه والسعادة للوطن). وسنشير إلى بعض الآيات والأحاديث التي تحث على المشاورة وأهميتها في الحكومة الإسلامية وقد ذكرنا جملة منها في كتاب (الشورى في الإسلام)(20).

قال تعالى: ) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون( (21). وقال سبحانه: ) فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله((22).

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيراً ما يؤكد ويقول: (أشيروا عليّ أصحابي، أشيروا عليّ أيها الناس)(23).

حتى أن بعض الروايات قد أشارت: في حالة عدم وجود آية أو حديث لحل مشكلة اجتماعية، يمكن حل هذه المشكلة الاجتماعية، عن طريق المشاورة مع الناس.

روى سعيد بن المسيب، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قلت: يا رسول الله! ينزل بنا الأمر ولم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنتك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (واجمعوا له العالمين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيها برأي واحد).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها)(24).

وقال الإمام علي (عليه السلام): (من استشار ذوي النهى والألباب فاز بالحزم والسداد)(25). وقال (عليه السلام) : (من شاور ذوي العقول استضاء بأنوار العقول)(26).

وقال (عليه السلام) : (من لزم المشاورة لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا)(27). وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : (شاور في أمورك)(28).

وقال (عليه السلام) : (وفي المشاورة اكتساب العلم، والعاقل من يستفيد منها علما جديدا، ويستدل به على المحصول من المراد، ومثل المشورة مع أهلها مثل التفكر في خلق السماوات والأرض وفنائهما)(29).

التشكيلات الإدارية والممثلون السياسيون

أول ما استعمله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إدارة الحكومة الإسلامية هو الاستفادة من التشكيلات الإدارية بالمعنى الصحيح لا بما هو متعارف في هذا اليوم من كثرة الإدارات وأعمال الروتين.

يقول المؤرخون(30): إن ديوان الإنشاء ـ الرسائل ـ أول تشكيل وجد في الإسلام، واستطاع نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الوسيلة وبواسطة بعض أصحابه أن يكاتب رؤساء القبائل والسلاطين والملوك ويدعوهم إلى الإسلام، ويكتب معهم المعاهدات والمواثيق وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم بنفسه بإنشاء هذه الرسائل، وجميع هذه المكاتيب تتعلق بديوان الإنشاء ويختلف هذا الديوان عن الديوان النظامي.

وذكر المؤرخون ايضاً: كان كتّاب الوحي والرسائل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم: علي بن أبي طالب (عليه السلام) وزيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، وأبي بن كعب. وفي حال غيابهم كان يقوم معاوية، وجابر بن سعيد، وأبان بن سعيد، والعلاء الحضرمي، وحنظلة بن الربيع بكتابة الرسائل والمكاتيب.

وقد أوصل بعضهم عدد من كان يكتب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى (42) صحابياً.

الكادر السياسي والشورى الإدارية في المدينة

هناك ثلاثة عناصر ضرورية وأساسية يتم بموجبها تشكيل الدولة.

1: الجمعية (الملة).

2: التراب والماء والفضاء.

3: الشورى السياسة والقوة الإجرائية والقضائية.

وهذه العوامل الثلاثة هي التي شكلت الدولة الإسلامية في المدينة، وجعلتها وطنا لكل المسلمين من دون فرق في اللغات أو القوميات أو ما أشبه، فإن الوطن الإسلامي لا حدود ولا حواجز فيه، وما نراه الآن في الدول الإسلامية من سد حدودها بوجه المسلمين المهاجرين إليها فهو من نظم الاستعمار، ولا يجوز شرعاً، ولنعم ما قال الشاعر في هذا الصدد:

عددت أرجاءه من لب أوطاني

وكل ما ذكر اسم الله في بلد

وظائف الممثلين السياسيين

كانت هناك عدة وظائف لممثلي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية يمكن الإشارة إلى بعضها في الأمور التالية:

1: تعليم القرآن والمعارف الإسلامية.

2: جمع الصدقات وزكاة الأموال.

3: حفظ حدود الولايات (الأمن الداخلي).

4: تشكيل قوة شعبية إسلامية للجهاد.

5: إجراء الأحكام والحدود الإسلامية.

6: حل المنازعات والاختلافات القضائية.

7: السعي لتقديم البلاد والعباد في جميع مجالات الحياة.

وفي موارد أخرى كانت القبائل وعشائر العرب يعيشون حياة قبلية، دون أن يتدخل بشؤونهم ممثلو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

نقباء المدينة

ذكر المؤرخون أسماء بعض نقباء المدينة الذين كانوا يتولون إدارة قبائلهم، فإن الدولة تحتاج إلى من يدير جميع شؤونها، والأسماء على الوجه التالي:

اسم النقيب قبيلته

أسيد بن حضير عبد

أبو الهيثم مالك بن التيهان عبد الأشهل

سعد بن خثيمة عمرو بن عوف

رفاعة بن عبد المنذر عمرو بن عوف

سعد بن الربيع بلحارث

عبد الله بن رواحة بلحارث

سعد بن عبادة ساعدة

المنذر بن عمرو ساعدة

البرآء بن معرور سلمة

عبد الله بن عمرو بن حرام سلمة

عبادة بن الصامت القوافل

رافع بن مالك زريق

أسعد بن زرارة النجار

وكان ثلاثة منهم من قبيلة الأوس، وتسعة من قبيلة الخزرج، فجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المجموعة بصفة (كادر سياسي) يتولى كل منهم إدارة قبيلته وكفالته.

التقسيم الإداري للمدينة

كما قسمت المدينة إلى نواحي وقصبات، فكانت تعيش كل قبيلة لوحدها بعيدة عن القبائل الأخرى، وفي كل ناحية أو قصبة يوجد رئيس (نقيب)، وبعض النواب للرئيس (عريف)، وكان لهم محل اجتماع يجتمعون فيه يسمى (السقيفة).. كما عين لكل النقباء رئيسا يسمى (نقيب النقباء).

وبعد أن دخل نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وتمت سيطرته عليها بالكامل خصوصا بعد أن أمضى المعاهدة الدفاعية المشتركة بينه وبين اليهود للمحافظة على أمنها، غير مجلس المشورة المؤلف من اثني عشر نقيبا،أو زاد على أعضائه بعد مشورة المسلمين ومشاركتهم الرأي في إدارة الأمور.

والدليل على ذلك إن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) في ابتداء تشكيل دولة المدينة ولاستحكام السيطرة عليها، كان قد استفاد من رؤساء الأوس والخزرج بالإضافة إلى المهاجرين وعلى رأسهم علي أمير المؤمنين (عليه السلام) كما استفاد (صلى الله عليه وآله وسلم) من تعاون المسلمين مع بعضهم، وبعد موت (أسعد بن زرارة) تولى شخصيا نقابة بني النجار، وتعهد بكفالة أمورهم.

وكان اعتماد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجانبين السياسي والحربي على المهاجرين والأنصار وعلى رؤساء القبائل كرئيسي القبيلتين ـ الأوس والخزرج ـ أسيد بن حضير، وأسعد بن زرارة، فطلب منهما التعاون والمساعدة، وهذه المسألة مشهودة لمن راجع تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة في حروبه وغزواته.

الشورى وعدم الاستبداد

وكان الأساس في سياسة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إدارة الأمور هو الشورى، وفي مواضع عديدة كان يأخذ برأي الأكثرية، ولا يخفى ان هذا النوع من الحكومة في العصر الحاضر قد يسمى (بالحكم الديمقراطي) وان كان بينهما بعض الفرق، وهذا النوع من الحكومة القائمة على الاستشارة في مختلف قضايا الدولة كان في المدينة المنورة وقد تحقق بقيادة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى مخاطبا نبيه: ( وشاورهم في الأمر )(31).

مع أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان معصوما ومعينا من قبل الوحي ولا يحتاج إلى مشورة أي أحد، ولكن الله أمره بالمشورة في إدارة البلاد والعباد كي يتأسى به.

المديرية السياسية للمدينة

منذ اليوم الأول الذي شكل فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دولته الإسلامية في المدينة المنورة، لم تكن إدارة المدينة بعيدة عن إشرافه، حتى في الظروف الحساسة التي يستعد فيها للحرب ويكون خارج المدينة، وعندما يكون في المدينة سيكون له حضور دائم بالإشراف عليها بنفسه، وعندما يغادر المدينة لسبب من الأسباب يعهد لممثليه السياسيين بالقيام بإدارتها.

وكان من يخلفه في غيبته (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان (عليه السلام) يشرف على كل المواقع باستمرار بأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى في الأوقات التي كان فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاضراً في المدينة أو أطرافها، وهذا الموضوع يدل دلالة واضحة بأن المدينة المنورة كانت مركز قوة سياسية، ولا يمكن أن تخلو من الإشراف المباشر للقائد السياسي وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو من كان يخلفه خاصة وهو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

والملاحظة الأخرى التي تثير الانتباه أن انتخاب عدد من الأفراد لإدارة شؤون المدينة يشير إلى عناية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقبائل والعشائر التي تسكن المدينة، وكان لا يرغب أن تكون المدينة تحت سيطرة مجموعة أو قبيلة خاصة.

الوظيفة السياسية لخليفة النبي (ص)

ربما يمكن تلخيص الأعمال العامة لخليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة بما يلي:

1: إقامة صلاة الجماعة وحفظ الشريعة الإسلامية وأحكامها بشكل عام.

2: حفظ الأموال العامة.

3: الحفاظ على النظام العام من عمليات البناء، بيع المواد في الأسواق، أو الأمور المتعلقة بها مع رعاية جميع الحريات الإسلامية في البناء والعمران والتجارة وما أشبه.

4: الحفاظ على أمن المدينة: كمراقبة تصرفات الأعداء الذين يدخلون فيها أو الذين يخرجون منها، ورصد نشاطات العناصر المشبوهة، وأحياناً حل الاختلافات القضائية لساكني المدينة.

5: السعي لتقدم المسلمين في المدينة وغيرها تقدما دينيا ودنيويا وفي جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية و…

وفي بعض الأمور المهمة كان خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصبر حتى يعود القائد السياسي وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقوم بنفسه في حل الأمور المستعصية.

وأشار التاريخ الإسلامي إلى الأعمال والوظائف التي يقوم بها خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما أشارت إليها وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) عند استخلافه إياه في غزوة تبوك: (يا علي! اخلفني في أهلي، وأضرب وخذ وأعط)(32) ثم دعا (صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه فقال: (اسمعن لعليً وأطعن)(33).

إدارة الولايات الأخرى

بعد فتح مكة المكرمة، انتشر نفوذ الإسلام في أكثر مناطق جزيرة العرب أو كلها تقريباً، لذا كان من الطبيعي أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإيفاد ممثليه السياسيين إلى تلك الولايات لإدارة أمورها السياسية وشؤونها الاقتصادية وذلك بتعليم القرآن والتبليغ للإسلام وبيان أحكامه للناس.

وقد ذكرت مصادر الحديث، وكتب السيرة والتاريخ أسماء بعض الممثلين السياسيين الذين أوفدهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتلك المدن والولايات للقيام بإدارة شؤونها، وقد أشارت إليهم تلك المصادر بالتفصيل، وفي بعض الولايات ذكر أسماء بعضهم بالإضافة إلى كيفية إدارتهم لها.

وكان من بين هؤلاء من هو حديث العهد بالإسلام، أمثال: عتاب بن اسيد ممثل مكة المكرمة، ويعلى بن أمية، وأبو سفيان، الذين أسلموا بعد فتح مكة المكرمة.

التخصص أو التعهد في إدارة مراكز الدولة

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعهد في الأمور الاجتماعية والإجرائية حتى إلى الذين قد أسلموا حديثاً حتى يستفاد من تجاربهم وخبراتهم ولكي يعرفوا الإسلام ويقدروه من صميم أنفسهم، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يألف قلوبهم ويدعمهم، حيث كان بينهم الكثير من المؤلفة قلوبهم، أمثال: الأقرع بن حابس.

وكان من بين المسلمين المؤمنين أفراد لائقون ومناسبون، تتوفر فيهم التجربة والإدارة، وإن كان أحيانا عددهم غير كافٍ لإدارة الأعمال الإدارية والاجتماعية في الدولة المركزية وأطرافها، خصوصاً لو قارنا الزمن الماضي وانتصارات المسلمين في كل يوم مع زيادة المساحة الجغرافية في الدولة الإسلامية والطاقة البشرية، إضافة إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) امتدت سلطته وتوسع نفوذه إلى الكويت وإلى أكيدر قرب الأردن وذلك في أواخر السنة العاشرة للهجرة، حتى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحكم بحسب خريطة اليوم ما يقارب تسع دول..

فعلى هذا ربما كان لم يتوفر العدد الكافي من بين المسلمين المؤمنين لإدارة مثل هذا المجتمع الكبير الذي يأخذ بالتوسع ويدخل المسلمون فيه زرافات ووحداناً، ولما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوفد مثل هؤلاء المسلمين المؤمنين إلى خارج المدينة للتبليغ وتعليم القرآن وجمع الصدقات والوجوه الشرعية الأخرى، فبطبيعة الحال أن المدينة في ظل الدولة المركزية وعند غياب هؤلاء المؤمنين كانت بأمس الحاجة إلى كادر مخلص ووفي، وقد ينجم عن عدم سد الفراغ بغيرهم إلى حدوث مشكلات عديدة في إدارتها فمن هذا المنطلق استفاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من جميع الكوادر في إدارة الحكومة الإسلامية وحتى من الذين كانوا قد أسلموا حديثا وكان هذا من أسرار نجاح الإسلام فالكل كان يشعر بمكانته الاجتماعية وبشخصيته في ظل حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى المنافقين من أمثال أبي سفيان.

لذلك عندما نقرأ كتب التاريخ والسيرة نجد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد لمن أسلم حديثاً بعد فتح مكة المكرمة بالولايات وإدارة المراكز الجديدة في خارج المدينة، وذلك بأن يقوموا بالشؤون الإدارية والإجرائية وجمع الصدقات والزكاة.. حتى ينتفع بتجاربهم وإدارتهم الاجتماعية، سيما وإن لهؤلاء الذين أسلموا حديثاً روابط مع القبائل والعشائر قبل فتح مكة، ولا شك ان لتنظيم هذه الأمور وإدارة المراكز الإسلامية بهذا الأسلوب تأثيراً كبيراً ومباشراً، اضافة الى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المؤمنين الأوفياء كأمير المؤمنين علي (عليه السلام) كان لهم الإشراف والمراقبة على أعمال هؤلاء.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تقدم: أن العلاء بن الحضرمي في تفتيش الحساب وبشكوى عبد القيس منه قد عزل عن البحرين، واحتل مكانه إبان ابن سعيد، وقد أوصاه (صلى الله عليه وآله وسلم) بخدمة أهل البحرين والتودد لهم.

سياسة التمركز في الحكومة الإسلامية

عندما وفد قيس بن عاصم ممثلاً قومه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، طرح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عباءته وافترشها له ليجلس عليها احتراماً وتكريماً له، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا سيد الوبر..

ولما ارتحل قيس بن عاصم عن هذه الدنيا، قال الشاعر في وصفه:

ورحمته ما شاء أن يترحما
عليك سلام الله قيس بن عاصم

إذا زار عن شحط بلادك سلما
تحية من ألبسته منك نعمة

ولكنه بـنيــــان قــــــومٍ تهدما
وما كان قيس هلكة هلك واحد

وعلى ضوء ذلك يمكننا القول: بأن كل منطقة كان لها نوع من الاستقلالية في إدارة موقعها وفي نفس الوقت كانت تحت سلطة ونفوذ وتصرف الدولة المركزية فلم تكن هناك الحدود الجغرافية، ما نراه اليوم من تقسيم البلاد الإسلامية وفصلها بالحدود الجغرافية المصطنعة فهو من الاستعمار ولم يعترف به الإسلام.

ففي السنة التاسعة للهجرة كانت القبائل العربية تأتي وتفد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعات جماعات، لتعلن عن إسلامها، حتى سمي ذلك العام بـ(عام الوفود).

فبعد إعلان إسلامهم عين لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شيخ القبيلة ليكون حاكماً عليهم بشرط العمل بالإسلام وإعطاء الصدقات وغيرها من الوجوه الشرعية، فقد أقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باذان ـ ملك اليمن ـ على عمله بعد إسلامه.

وفي ذيل رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى سلطان البحرين المتضمنة على إبقائه في وظيفته جاء فيها:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله إلى المنذر بن مساوي: سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد، فإني أذكرك الله عزوجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وأنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد آتوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية).

وأيضاً جاء في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمعاذ بن جبل بأن يعين ما يريد من المسلمين ويبعثهم إلى أطراف اليمن لتعليم القرآن والمعارف الإسلامية، وهكذا..

ممثلوا النبي (ص) واستمرارية أعمالهم الإدارية

ومن المناسب أن نشير إلى أسماء من كان يمثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأعمال الإدارية والذين بقوا في مناصبهم حتى بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

1: عتاب بن أسيد: كان والياً وأميراً لحجاج مكة المكرمة، وقد شغل هذا المنصب أيضاً في عهد أبي بكر.

2: باذان ـ ملك اليمن ـ كان قبل إسلامه والياً من قبل خسرو برويز ملك ايران، وبعد أن أشهر إسلامه أبقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منصبه الحكومي، وكان حاكماً لصنعاء، وكانت قد عاجلته المنية بعد حجة الوداع فخلفه ابنه (شهر بن باذان) بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

3: عبد الله بن عمر بن الربيع: كان ممثلاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبيلتي تغلب وعبس، وبقي على وظيفته حتى زمان عمر بن الخطاب.

4: الحارث بن نوفل: من بني هاشم، تولى بعض مناطق مكة المكرمة، واستمر في عمله حتى زمان عثمان بن عفان.

5: صيفي بن عامر: من قبيلة بني ثعلبة كان والياً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبيلته، وأمره أبو بكر على عمله.

6: عمرو بن حزم الأنصاري: كان يمثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بجران، وظل يمارس أعماله في عصر أبي بكر.

7: عمرو بن سعيد العاص: كان عاملاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وادي القرى، واستمر على عمله حتى أيام عمر بن الخطاب.

8: عبد الله بن سوار: كان ممثلاً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في البحرين.

9: مروة بن نغاثة: جاء مع قبيلته إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعلن إسلامه، فطلب منه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكون والياً له في قبيلته.

10: قيس بن مالك: ما أن أشهر إسلامه حتى اتخذه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والياً له في قومه آل حمدان مع توابعها من العرب والموالي والحلفاء، وطلب من آل حمدان أن يطيعوا أمره ويلتزموا بأوامره، بعد أن أخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم العهود والمواثيق.

11: عمر بن أبي ربيعة: الشاعر المعروف، عينه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاكماً على بعض مناطق عدن، واستمر في عمله حتى زمان قتل عمر بن الخطاب كما أن عثمان بن عفان قد رغب أن يبقى على عمله السابق.

وقد أورد بعض الشعراء (34) أسماء الممثلين والعمال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين تولوا بعض الأمور القضائية، وجمع الزكاة، وأمارة الحج.

اسماء بعض الممثلين السياسيين للنبي(ص)

وقد ذكر مؤرخو الإسلام أسماء بعض الممثلين السياسيين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدن والولايات، كما يلي:

ألف: الموفدون إلى جنوب جزيرة العرب

1: علي بن أبي طالب (عليه السلام) (قريش ـ هاشم) إلى نجران، ليقوم بجمع الصدقات والجزية.

2: المهاجر بن أبي أمية (قريش ـ مخزوم) إلى صنعاء.

3: زياد بن لبيد (الأنصار ـ بياضة) إلى صنعاء.

4: معاذ بن جبل (لأنصار ـ سلمة) إلى حمير واليمن لتعليم القرآن، وهو من المسلمين الأوائل وكانت له سابقة في الإسلام.

5: عبد الله بن زيد (الأنصار ـ بلحارث) إلى حمير، من أنصار المدينة، وكانت له سابقة حسنة.

6: مالك بن عبادة (حمدان) إلى حمير.

7: عقبة بن نمير (حمدان) إلى حمير.

8: مالك بن مرة الرهاوي (مذحج) إلى حمير، وكان من المسلمين المؤمنين، وكان يعتمد عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

9: شهر بن باذام (فارسي) عين حاكماً لصنعاء، وكان من أشراف الإيرانيين وقد أسلم.

10: عامر بن شهر الهمداني إلى همدان.

11: أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس إلى مأرب، من المسلمين قبل فتح مكة المكرمة.

12: خالد بن سعيد بن العاصي (قريش ـ عبد شمس) إلى منطقة بني نجران والرقة وزبيد وصنعاء، وكان من مسلمي صدر الإسلام في مكة المكرمة.

13: طاهر بن أبي هلة (تميم مولى عبد الدار ـ قريش) إلى عك وأشعر.

14: يعلى بن أمية (تميم مولى نوفل ـ قريش) إلى جند، وكان من مسلمي صدر الإسلام.

15: عمرو بن حزم (الأنصار ـ نجار) إلى نجران واليمن، وكان من أصحاب العقبة الثانية ومن شهداء الصحابة.

16: أبو سفيان صخر بن حرب (قريش ـ عبد شمس) إلى اليمن ونجران، وكان من أشراف قريش، تظاهر بالإسلام في فتح مكة المكرمة.

ب: الموفدون إلى شرق جزيرة العرب

17: العلاء بن الحضرمي (مولى قريش ـ عبد شمس) إلى البحرين، أسلم قبل فتح مكة المكرمة.

18: الأقرع بن حابس (تميم) إلى هجر (البحرين) من أشراف قريش، ومن المؤلفة قلوبهم، تسلم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مائة بعير.

ج: الموفدون إلى أطراف المدينة المنورة

19: الوليد بن عقبة بن أبي معيد (قريش ـ عبد شمس) إلى بني المصطلق، ولم يقبل ذلك، وكان من مشركي قريش، أسلم بعد فتح مكة، ولم تكن سيرته مرضية.

20: عدي بن حاتم (طي) إلى قبيلتي (طي وأسد)، أسلم في السنة التاسعة للهجرة، وكان ذا إيمان صلب، وقد حضر حرب صفين وكان من أنصار الإمام علي (عليه السلام).

21: مالك بن نويرة(35) (تميم) بعثه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بني حنظلة من قبائل بني تميم لجمع الصدقات.

22: الزبرقان بن بدر (تميم) أوفد إلى بعض بني سعد (تميم)، كان من وفد بني همدان في السنة التاسعة للهجرة، ومن المؤلفة قلوبهم.

23: قيس بن عاصم (تميم ـ المنتصر) إلى بعض بني سعد.

24: كعب بن مالك (الأنصار ـ سلمة) من مسلمي الأنصار ومن أصحاب العقبة الثانية ومن شهداء معركة بدر، وكانت له سابقة طيبة.

25: عباد بن بشر (الأنصار ـ عبد الأشهل) إلى سليم ومزينة لجمع صدقات القبائل، وكان من مسلمي الأنصار، ومبعوث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذا ذوق سليم، ومن شهداء بدر.

26: عمرو بن العاص (قريش) إلى قبيلة فزارة لجمع صدقاتها، من مسلمي مكة، ومن المهاجرين إلى الحبشة، وكان من أصحاب معاوية في صفين.

27: بسر بن سفيان (كعب) لجمع صدقات قبيلة كعب.

28: نعيم بن عبد الله النحام (قريش ـ عدي) لجمع صدقات قبيلة كعب، وكان من مسلمي صدر الإسلام ومن أشراف قريش، وهاجر إلى المدينة المنورة في السنة السادسة للهجرة.

29: عينية بن حص (فزارة) لجمع صدقات بني تميم، شارك في معركة هوازن.

30: قضاعة بن عمرو (عذره) إلى قبيلة أسد.

وقد ذكر المؤرخون: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فتح مكة ولى عتاب ابن أسيد على مكة، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين، وخالد بن سعيد على صنعاء، وكانوا قد أسلموا حديثاً ـ في فتح مكة ـ وتشرفوا بالإسلام.

1 ـ تحف العقول: ص34 خطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع.

2 ـ حول الحكومة الإسلامية وكيفيتها راجع للإمام المؤلف دام ظله: (الفقه: الحكم في الإسلام) و(هكذا حكم الإسلام) و (الفقه: طريق النجاة) و (إذا قام الإسلام في العراق) و(الى حكم الاسلام) و(الفقه: السياسة) و…

3 ـ راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم) ج1و2 للإمام المؤلف (دام ظله).

4 ـ راجع موسوعة الفقه: ج48 ص155 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

5 ـ سورة آل عمران: 104.

6 ـ سورة آل عمران: 110.

7 ـ سورة الأعراف: 157.

8 ـ سورة الأنعام: 164.

9 ـ سورة البقرة: 141.

10 ـ سورة النجم: 39.

11 ـ سورة المدثر: 38.

12 ـ غوالي اللئالي: ج1 ص129 ح3.

13 ـ سورة الحجرات: الآية 13.

14 ـ راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18 ص134، وفيه: (قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم…يا عباس بن عبد المطلب إني لا أغني عنك من الله شيئا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

15 ـ راجع بحار الأنوار: ج72 ص146 باب 56ح19.

16 ـ سورة سبأ: 28.

17 ـ الكافي: ج2 ص308 ح7.

18 ـ الكافي: ج2 ص307 ح1.

19 ـ الكافي: ج2 ص308 ح4.

20 ـ يقع هذا الكتاب في 104 صفحة من الحجم المتوسط وطبع مكررا. الطبعة الأولى 1409هـ دار الفردوس، بيروت ـ لبنان. يبحث الكتاب عن جوانب من الشورى، المشير والمستشير، المشورة، الأحزاب الديمقراطية والدكتاتورية، جملة من روايات المشورة.

21 ـ سورة الشورى: 38 ـ 39.

22 ـ سورة آل عمران: 159.

23 ـ راجع تفسير القمي: ج1 ص258 سورة الأنفال.

24 ـ بحار الأنوار ج74 ص141 باب7 ح1.

25 ـ غرر الحكم ودرر الكلم: ص442 الحديث10083.

26 ـ غرر الحكم ودرر الكلم: ص442 الحديث10082.

27 ـ غرر الحكم ودرر الكلم: ص442 الحديث10065.

28 ـ مصباح الشريعة: ص152 باب72 في المشاورة.

29 ـ مصباح الشريعة: ص152 باب72 في المشاورة.

30 ـ راجع كتاب صبح الأعشى للنقشبندي.

31 ـ سورة آل عمران: 159.

32 ـ راجع بحار الأنوار: ج21 ص232 باب 29، وفيه: (اخلفني في أهلي).

33 ـ راجع بحار الأنوار: ج28 ص107 باب3 ح3 وفيه: (فقال: لهن اسمعن ما أقول لكن وأشار بيده إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال لهن هذا أخي ووصيِّ ووارثي والقائم فيكن وفي الأمة من بعدي فأطعنه فيما يأمركن به ولا تعصينه)، الحديث.

34 ـ هو ابن كبر في ألفيته، فراجع.

35 ـ كان من شيعة علي عليه السلام.


9

تنظيم الأمور المالية في دولة المدينة

شرعت الجزية بعد خمس الغنائم، فالجزية على أهل الكتاب، والزكاة وخمس الغنائم وأرباح المكاسب على المسلمين.

وما جاء في السيرة والتاريخ يدل على أن تشكيلات الجباية (أخذ الزكاة) كانت في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد نزول الآية الكريمة: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم )(1).

وقد توسعت هذه التشكيلات بعد تشريع الزكاة.

ويفهم من الروايات: أنه كان في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده مركز اقتصادي اسمه (بيت المال) يجمع فيه الوجوه الشرعية من الزكوات وغيرها ويصرف في مصالح المسلمين.

الجزية أو الضريبة المالية الخاصة

بأهل الكتاب

الجزية في الإسلام هي الضريبة المالية التي تأخذها الدولة الإسلامية من أهل الكتاب حتى يكون لهم التأمين على الحياة والمال، وحرية المذهب والعقيدة، فالجزية كأموال الخمس والزكاة التي تستوفى من المسلمين، فالجزية كانت في صالح أهل الكتاب وكان مقدارها قليلاً جدا.

ومن فوائد ذلك: إن أهل الكتاب عبر اتصالهم بالمسلمين يكونوا قد تعرفوا على الأحكام والمعارف الإسلامية وبالتدريج يتجهون إلى الإسلام دون إراقة دماء.. والدولة في المقابل تحافظ على الدماء والأعراض والأموال لأهل الكتاب.

جزية سائر الكفار

وإني أتصور ـ وإن لم يكن مشهوراً ـ ان غير أهل الكتاب من سائر الكفار، يجوز أن تؤخذ منهم الجزية أيضاً.

فقد كان تحت لواء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المشركون كما كانوا في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) كما في نهج البلاغة.

فهل أنه لا يؤخذ شيء منهم إطلاقا مع أنه يؤخذ من أهل الكتاب أو يؤخذ لحفظ أموالهم وأعراضهم ودمائهم؟

إدارة الغنائم الحربية

روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عين معقب بن أبي فاطمة وأناط به مسؤولية ضبط الغنائم والمحافظة عليها.

إضافة إلى ذلك فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد عين مسؤولين معينين لخمس الغنائم يتولون ضبط الغنائم وكتابتها والحفاظ عليها بدقة كاملة.

وأيضاً فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصرف الغنائم على الاحتياجات، ومنها: ما كان يصرفها على عمال ضبط الغنائم، أمثال: عبد الله ابن كعب، ومحمد بن جزر.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عين سواد بن غزية الأنصاري لضبط أموال خيبر وخراجها، وكان يطلب منه تقريراً عن كيفية العمل.

الزكاة أو الضريبة الإسلامية

إن تشريع الزكاة في النظام المالي للدولة الإسلامية قد أحدث تحولاً كبيراً، فجمع الزكاة كان بحاجة إلى تشكيل مؤسسة تقوم بوظيفتها بشكل دقيق ومنظم وإلى العمال لإحصائها، وكانت هذه المؤسسة متشكلة من: عمال الزكاة (الجباة)، والمحاسبين (الخارصون)، و(الكتّاب)، ومن هذه الجهة فإن التشكيلات المالية المتعلقة بالزكاة كانت بحاجة إلى ثلاثة أقسام من الموظفين إن صح التعبير.

جمع الزكاة والوجوه الشرعية

من إحدى وظائف المسلمين هي إيتاء الزكاة وسائر الوجوه الشرعية، ومن جملة وظائف ولي أمر المسلمين الذي هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين من بعده (عليهم السلام) جمع هذه الوجوه الشرعية وإيداعها في بيت مال المسلمين.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعير اهتماماً كاملاً ودقيقاً لهذا الجانب، وكان يراقب بدقة كاملة جميع عماله الذين اختارهم لهذه المهمة حتى لا يرتكبوا خطأ ويستغلوا موقعهم الذي هم فيه.

فقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد عين رجلاً من قبيلة الأزد لجمع الزكوات والصدقات الواجبة، فلم يتصرف بالشكل المطلوب، فأغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: (في أي وضع هذا الرجل… كل من نوليه أمراً، فهو يتولانا ويعيننا، فهذه مسؤولية يوم القيامة يحاسب عليها، حتى ولو كانت حيوانات، ثم رفع بيديه إلى السماء وقال: اللهم قد بلغت).

وهكذا كان وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ففي كتاب المقنعة عن بريد العجلي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) مصدقا من الكوفة الى باديتها فقال: يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله ولا تؤثر دنياك على آخرتك، وكن حافظاً لما ايتمنتك عليه، راعياً لحق الله عزوجل، حتى تأتي نادي بني فلان، فاذا قدمت فانزل بمائهم من غير ان تخالط بيوتهم، ثم امض بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم، فتسلم عليهم، ثم قل: يا عباد الله أرسلني اليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه الى وليه، فإذا قال لك قائل: لا، فلا تراجعه، وان أنعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير ان تخيفه او تعده الا خيرا، فإذا أتيت ماله فلا تدخله الا بإذنه، فان أكثره له، وقل: يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك؟ فإذا إذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين)الحديث(2).

تشكيل الإدارة المركزية للزكاة(المستوفي)

قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتشكيل الإدارة المركزية للزكاة في أيام الحكومة الإسلامية في المدينة المنورة، والتي عرفت بعد ذلك في التمدن الإسلامي بـ(المستوفي)، وكانت وظيفة العامل المستوفي هي جمع الأموال الزكوية من العمال والإشراف عليها، ومن ثم تحويلها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقد كتب المؤرخون: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استخدم بعض الموظفين لتخمين الفواكه، مثل: عبد الله بن رواحة، وجبار بن صخر، وسهل ابن أبي حثمة، والصلت بن معدي كرب، وذكروا: أن حذيفة بن اليمان كان محاسباً لزكاة التمر، وعتاب بن اسيد كان محاسباً لزكاة العنب، وعروة بن عمرو، وعامر بن ساعدة كانا محاسبين لزكاة التمر في المدينة أيضاً.

وذكرت المصادر التاريخية أنه قد عهد إلى الزبير بن العوام، و جهيم بن الصلت كتابة مسائل الزكاة.

وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بريدة الأسلمي وأوصاه بقوله: (أيما عامل استعملنا وفرضنا له رزقاً مما أصاب بعد رزقه فهو غلول).

وفي رواية أخرى: (من كان لنا عاملاً فليكتب زوجه، فإن لم يكن له خادم فليكتب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتب مسكناً).

هذه الموارد تدل دلالة صريحة على دقة النظام الإداري في دولة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الحفاظ على بساطة الدولة وعدم الروتين الإداري.

مكان حفظ الأموال الزكوية

يستفاد من المصادر التاريخية أن الأموال الزكوية (الجمال، البقر، الشياه، الغلات، الحبوب، وأموال اخرى من قبيل الغنائم والجزية) كانت تحفظ في أماكن ومحلات خاصة..

فوجود مثل هذه الأماكن في الدولة الإسلامية لغرض حفظ أموال الدولة ضرورة حتمية، فليس من الصحيح أن تحفظ أموال الدولة في المنازل الشخصية وبدون أي إشراف ومراقبة.

الأوقاف والصدقات العامة

روى الواقدي وابن سعد وابن شبة في (تاريخ المدينة المنورة)(3):

ان رجلاً من يهود المدينة يسمى (مخيريق) أو (سلام بن مشكم) أسلم وجاء مع جيش الإسلام إلى معركة أحد وأوصى بأمواله للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قتل فيها.. حتى توضع بساتينه تحت تصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليعمل بها بأمر ربه، فقتل هذا الرجل في المعركة المذكورة ودفن إلى جنب مقبرة المسلمين.

فهذه البساتين السبعة كانت من جملة الأموال المخصوصة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي وهبها إلى ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأمر من الله سبحانه وتعالى.

وقد روى الحر العاملي (رحمه الله) عن الإمام الباقر (عليه السلام): (ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أوصى فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأن تحتفظ بأموال الإرث وتسلمها إلى علي (عليه السلام)، ثم سلمها علي (عليه السلام) إلى الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، ثم انتقلت إلى الولد الأكبر من ولد الحسين (عليه السلام)).

والظاهر إن المراد به: الأئمة (عليهم السلام).

تتمة

1 ـ سورة التوبة: 103.

2 ـ المقنعة ص255 باب الزيادات في الزكاة، الحديث 28.

3 ـ راجع (مقتطفات من تاريخ المدينة المنورة) ص 40 للإمام الشيرازي دام ظله.


10

النظام القضائي في دولة المدينة

قال سبحانه: ﴿فلا ربك لا يؤمنــــون حتـــى يحكموك فيمــــا شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً(1).

ومعنى (يحكموك): أي التحكيم بينهم، ولغة (قضيت) أي القضاء بينهم.

وهذه الآية الكريمة تشير إلى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أخذ بعهدته مقام التحكيم بين المسلمين، كما استقل بمقام القضاء وإدارته، فكان القضاء في دولته المباركة افضل قضاء عرفه البشر، كما كان قضاء أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كذلك.

الأنبياء (ع) أصحاب قوانين

نص القرآن الكريم والتوراة التي لها اعتبار ديني عند المستشرقين: على أن الله تعالى لم يبعث الأنبياء وقادة الدين إلا ليكونوا حكاماً في مجتمعاتهم، ولا يمكن في أي شكل من الأشكال انفصال الخلافة والإمامة الإلهية عن القضاء والحكومة، فقد ورد في القرآن الكريم: ) يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق)(2).

وسنشير إلى آيات من القرآن التي تثبت رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الناحية:

قال تعالى: ) فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم)(3).

وقال سبحانه: ) وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين)(4).

وقال عز من قائل: ) فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم)(5).

وأحياناً كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفوض القضاء إلى أصحابه وفي الحديث الشريف عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): (أقضاكم علي (عليه السلام))(6).

حكام النبي(ص) وقضاته

ذكر بعض المؤرخين(7) أسماء بعض علماء المسلمين الذين ألفوا تأليفات مستوعبة في قضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، نترك تفصيلها مراعاة للاختصار.

روت أم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حديثاً، قالت فيه: جاء رجلان إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قضية، وما أن سمعا كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى استغرقا في البكاء، وكل واحد منهما يقول: وهبت حقي لأخي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اتركا هذا الأمر واذهبا لتطلبا الحق واقرعا بينكما، وبعد ذلك يتنازل كل منكما عن حقه لصاحبه.

فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقضي في المسائل المختلفة بموجب الحكم الشرعي وملاحظة الدليل بعد طرح الآراء عليه، فإذا كان الدليل يساعد على إقامة الدعوى ويثبت به إدعاء المدعي، فحينئذٍ يحكم بين المتنازعين، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (أمرت أن أحكم في القضايا الظاهرية والعلنية، والله يتولى الأمور المخفية والباطنية).

وفي حديث آخر انه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان)(8).

وفي كتاب علي (عليه السلام) إلى رفاعة قاضية في الأهواز: (إنما عليك الظاهر).

وفي أحد الأيام جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلان يتنازعان في ملكية أرض، وطلبا منه أن يقضي بينهما، ولم يكن لهما من الأدلة الكافية التي تثبت مدعى كل منهما، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحلافهما حتى يجري القرعة بينهما.

وفي الشفعة أيضاً أعطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأيه، وعين سهم الشريك، وقضى في مسألة الدين وكان أحد المحكومين عليه معاذ الذي اضطر لبيع حصته إلى المرتبطين به من الشركاء.

وفي الحديث: (سوَّ بين الخصمين لحظك ولفظك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضى حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت كلام الأول فإنه أخرى أن يبين لك وجه القضاء)(9).

ومن جملة القواعد الحقوقية التي أسسها نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) هي:

قاعدة (التسلط)(10) .

وأصل (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)(11) وهي من أسس الحقوق الإسلامية، وتاريخ الحقوق يؤيد ذلك.

الحكام في زمان النبي (ص)

لم يكن منصب القضاء منفصلاً عن بقية المناصب الاجتماعية في دولة المدينة المنورة.. وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث والياً (محافظاً) إلى مكان فلا حاجة لإرسال قاض إلى جنبه، لأن الإسلام لا يؤيد كثرة الموظفين كما ذكرنا تفصيله في محله(12).

إضافة إلى أن المجتمع في ذلك اليوم كان مجتمعاً بسيطاً، فالتحقيق في الأمور الاجتماعية لا يستوجب أكثر من ذلك ، وهكذا كان في حكومة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) .. نعم قيل: إنه قد تم تأسيس بعض المقامات المختلفة أيام عمر بن الخطاب أوبعده.

وما ذكرناه لا ينافي إسناد مقام القضاء والحاكمية إلى الآخرين بدليل تزاحم الأعمال وكثرتها كما هو واضح.

جاء في التاريخ انه كان لأخوين شركة في دار، وقد شيداً جداراً يفصل بينهما، ثم مات الأخوان، فتنازع ورثتهما في ملكية هذا الحائط، وجاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقضي بينهم..

فما كان من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أن يوفد حذيفة بن اليمان لمشاهدة المحل وفحصه والتحقيق في هذا الصدد، فذهب حذيفة إلى المكان المتنازع عليه وتأمل فيه وصوب نظره على دقائق الأمور، وانتهى بعد المشاهدة والفحص إلى أن الحائط المشيد كان بفعل الورثة، فعاد حذيفة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واطلعه على التحقيق في القضية والنتيجة التي توصل إليها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أبديت رأياً صحيحاً، وعملت عملاً حسناً وفي محله.

فالولاية ومنصب القضاء في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن منفصلاً عن بقية الوظائف والولايات الأخرى بأي نحو كان، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسند مسؤولية القضاء لشخص بشكل كلي وعام، نعم في بعض الموارد كان يأمر بالرجوع إلى علي (عليه السلام) حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) (أقضاكم علي) (13) كما مر سابقاً، وذلك لأن القضاء جزء من الولاية والمسؤولية الملقاة على الحاكم أو الوالي، وكانت أكثر القضايا والاختلافات تحل بسهولة ويفصل بها لمجرد السؤال عن نوع المسألة وطرح الموضوع أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثم يرفع الاختلاف الناشئ عنها.

وقد رأيت أنا ما تبقى من سهولة القضاء الإسلامي قبل نصف قرن في كربلاء المقدسة(14) فمرجع التقليد كان هو القاضي وأحياناً يفوض الأمر إلى أحد العلماء وكانت القضايا تحل بكل بساطة، ومن دون تعقيد.

أول قانون قضائي للنبي (ص)

بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى اليمن، وأول ما سنه في هذا المجال هو البحث في المسائل القضائية وإصدار الحكم فيها، وهو ما اسنده إلى علي (عليه السلام).

فقال علي (عليه السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله! تبعثني لقضاء اليمن وأنا شاب لا خبرة لي في هذا العمل؟

فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: إن الله سيهدي قلبك، ويحكم لسانك، فلو جلس إليك طرفا الدعوى للتقاضي، فلا تقضي بينهما حتى تسمع أقوالهما، لأن إسماعك إلى أقوالهما يظهر لك الحكم دون أن يحجبه شيء.

ثم ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده على صدر علي (عليه السلام) وأخذ يدعو له، فقال علي (عليه السلام): ما شككت في قضاء بعد ذلك(15).

ومن جانب آخر: لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معاذ بن جبل قاضياً إلى اليمن أوصاه أن يلين للناس ويرأف بهم، ويحذر المحاباة لبعض والشدة على آخرين، ومما جاء في وصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) له قوله:

(يسر ولا تعسر، وصل عليهم صلاة أضعفهم، وإنك ستقدم على قومٍ من أهل الكتاب يسألونك: ما مفتاح الجنة؟ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له).

وفي حديث قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أقضاكم علي بن أبي طالب)(16) ، وهذه الرواية متواترة قد رواها مختلف صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واعترفوا بها.

والخلاصة: أن النظام القضائي كان برئاسة (وظهورها إلى الوجود، توسعت الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية، وازدادت مناطق المسلمين، واشتدت الحاجة إلى قضاة العدل أكثر من غيرها، فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستعين بصحابته ويستفيد منهم لمثل هذه الأمور، ولكن الموقع الحكومي أو ما يصطلح عليه بالولاية القضائية لمثل هؤلاء الصحابة كان عاديا جدا حسب بساطة الإسلام.

أما بالنسبة إلى المسائل المهمة من قبيل: الدم والقصاص فكان يرجع بها إلى شخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره المرجع القانوني لحل الخصومات المتنازع عليها.

هذا إذا كان الأمر وقع في المدينة المنورة وإلا كان المرجع ولاة المسلمين المنصوبين من قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك المناطق.

وبشكل عام: فإن مهمة القضاء في الحكومة الإسلامية كانت بسيطة جدا وبأحسن ما يمكن، ولم يكن فيها ما نراه اليوم من كثرة التعقيدات والروتين والرشوة والحكم بغير ما أنزل الله وما أشبه…

وأفضل دليل على ذلك حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كما هو مذكور في التاريخ.

ديوان المظالم في زمن النبي (ص)

يرى بعض المؤرخين وبعض المعاصرين: أن ديوان المظالم كان له وجود في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وربما يشهد لهذا الرأي قضية سقي الماء الواقعة بين الزبير بن العوام ورجل من الأنصار، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الزبير بقوله: اسق أنت يا زبير ثم الأنصاري. فقال الأنصاري: إن كان ابن عمتك يا رسول الله. فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله.

واعتقد ابن خلدون أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يدقق في المظالم.

وإن صح هذا الكلام وكان ديوان المظالم في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكن لديوان المظالم في ذلك الوقت مثل ديوان المظالم بعد ذلك.

ديوان المظالم في زمن أميرالمومنين علي (عليه السلام)

أما الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقد قام بتأسيس ديوان المظالم ليقف بوجه تجاوزات وغارات عمال الخليفة الثالث، وليسترجع منهم ما أخذوه من حقوق الناس.

وفي التعاليم والقوانين الإدارية في حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) نصوص يمكن أن نعتبرها الأسس الفقهية والإدارية للنظام القضائي والمظالم، ومن جملتها هذا النص الذي كتبه الإمام علي (عليه السلام) أيام خلافته لعماله:

(فإني قد سيرت جنوداً هي مارة بكم إن شاء الله، وقد أوصيتهم بما يحب الله عليهم من كف الأذى، وصرف الشذى، وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش، إلا من جوعة المضطر لا يجد عنها مذهباً إلى شبعه، فنكلوا من تناول منهم شيئاً ظلما عن ظلمهم… وأنا من بين أظهر الجيش، فارفعوا إلى مظالمكم وما عراكم مما يغلبكم من أمرهم، ولا تطيقون دفعه إلا بالله ربي، فأنا أغيره بمعونة الله، إن شاء الله)(17).

وفي مكان آخر يقول (عليه السلام) : (واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، ولا تجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلميهم غير متتعتع)(18).

وكذلك جاء في عهده (عليه السلام) : (ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحدٍ من حاشيتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك)(19).

نظام الحسبة والمحتسب

إن وظيفة المحتسب مهمة للغاية فلا يجوز إهمالها والإخلال بها، ويستحق الأجرة على عمله من بيت المال، فلو قام النظام القضائي بتأدية وظيفته من استيفاء الحقوق الضائعة والمهدورة، وتم تشكيل ديوان المظالم من قبل أصحاب النفوذ ورجال الدولة، وتم التحقيق والتدقيق فيه، فحينئذٍ يسمى مثل هذا النظام (نظام الحسبة والمحتسب).

وقوانين هذا النظام الصحيح تشبه القوانين القضائية، إلا أنها تختلف عنها فيما يعود إلى المخالفات الاجتماعية وعدم رعاية نظام المجتمع.

والحسبة تشبه النظام القضائي من وجهين هما:

1: ان نظام الحسبة يشبه النظام القضائي في كونه يقف بوجه التعدي والتجاوز على حقوق الناس، كالغلاء والغش والتدليس في الأجناس وقيمتها، وهذه المخالفات هي نوع من المنكر وأمر غير صحيح، فعلى المجتمع الإسلامي القائم على العدل والفضائل ومكارم الأخلاق أن يراعي هذه الظاهرة.

2: يمكن للقاضي والمحتسب إجبار المدعى عليه بتأدية الحق المستقر بذمته، لأن التأخير في تأدية الحق يكون عملاً عائقاً للأمور ونوعاً منكراً، فيلزم التصدي له والوقوف ضده.

ومما جاء في إحدى الروايات: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف يوماً في سوق المدينة إلى جنب مكان قد جمع فيه القمح (الحنطة) فأعجبه هذا المنظر وأدخل يده فيه، وأخرج شيئاً وقال لمالك القمح: ما هذا؟

فأجابه المالك: إن هذا قد وقع من السماء ـ أي من تساقط المطر ـ .

فسأله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): وأنت تعرض للناس بشيء جيد. ثم قال: أيها الناس! لا يجوز الغش بين المسلمين، فمن غشنا فليس منا(20).

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبعث أحداً من صحابته لمراقبة سوق المدينة، وبعد فتح مكة المكرمة أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سعيد بن العاص بن أمية، أن يقوم بمراقبة السوق.

الشرطة والحرس

في المفهوم الإسلامي يقال لكل من يضبط المخالفين والأوباش: (الشرطي) أو (العس).

وكلمة (عسّ) في لغة العرب من أصل (عسس)، أي الذي يجوب الليل ليحرس الناس من السراق والمعتدين.

جاء في بعض الروايات: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقظاً في الليلة التي سبقت مجيئه إلى المدينة، لأنه كان يتوقع أن يلحق به الضرر من قريش، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا ليت لنا من حارس يحرسنا في الليل.

فسمع عند ذلك خشخشة السلاح، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من أنت؟

فأجابه سعد بن أبي وقاص: أنا يا رسول الله!

فسأله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما الذي دعاك إلى المجيء في هذا الوقت من الليل؟

فأجاب سعد: قد وقع في قلبي أن قريش ستفجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لهذا جئت لأحرسك.

‎وكتب المقريزي في (الخطط): أول من تولى الحراسة في الليل هو عبد الله بن مسعود، فقد أمره أبوبكر أن يجوب شوارع المدينة في الليل.

وورد في كتاب "مشكل الصحيحين": أنه في زمان أبي بكر وعندما ادعى طليحة بن خويلد الأسدي النبوة الكاذبة، وأصبحت أوضاع المدينة في هرج ومرج، وكان يتوقع أن يهجم أتباعه على المسلمين، طلب أبو بكر من علي (عليه السلام) والزبير وطلحة أن يحرس كل منهم طريقاً جبلياً ينتهي إلى المدينة، كما أمر أيضاً عبد الله بن مسعود أن يجوب المدينة ليلاً للحراسة والمراقبة.

وقد استحدث نظام الحراسة (الشرطة) في عصر الإمام علي (عليه السلام)، وفي وصيته (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) تتجلى هذه الحقيقة حين يأمره بأن يجعل لحراسه وشرطته مجلساً لتزول عنهم الوحشة والخوف.

وروى الطبري: أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد أناط قيادة شرطة الخميس في إحدى الحروب بقيس بن سعد، وكان مؤلفاً من أربعين ألف رجل حربي.

الحبس والسجن

لم يكن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكان معين يسمى بـ(السجن) أو (المحبس).

بل إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غالباً ما كان يأخذ المتهمين إلى المسجد أو غرفة معينة ليكونوا تحت النظر..

وقيل انه استأجر عمر بن الخطاب داراً للسجن.

أما أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في أيام خلافته فاستفاد من مكان في الكوفة لهذا الغرض، وسماه (نافع) ثم سماه (مخيس)، وكان السجن عادياً جداً ولا يسجن احد الا في الموارد النادرة النادرة.

أما ما نراه اليوم من كثرة السجون فهذا مما يخالف الشرع الإسلامي، هذا بالاضافة الى ان للسجين حقوقاً كثيرة في الاسلام، ذكرناها في بعض كتبنا(21).

وأشار مؤلف كتاب "أقضية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)" إلى بعض الإجراءات القضائية في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكر نماذج منها:

فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة يحبس المتهم بالقتل لمدة ستة أيام ثم يخلي سبيله.

وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حبس رجلاً لارتكابه ديناً، وحكم أن في مقابل إطلاق سراحه عليه أن يحرر عبده، فامتنع الرجل من تحرير عبده، فأمره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تستوفى منه الخسائر لعبده.

فالمديون المتمكن الذي يمتنع من إيفاء الدين للحاكم أن يحبسه.

قال الراوي: أخذت مديناً لي وأتيت به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لي: ألزمه ـ فعل أمر من باب الإلزام ـ ثم قال: يا أهل تميم! أتريدون أن تفعلوا بأسيركم..

وقيل: إنه كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الهجرة إلى المدينة قد عيّن للأنصار نقيباً ليتحدث عنهم، كما عين (صلى الله عليه وآله وسلم) لكل اثني عشر قبيلة رئيساً، كما جعل العريف ـ وهو الممثل لمجموعة قوامها عشرة أفراداً ـ تحت إشراف وتصرف النقيب، وكان النقيب ممثلاً لكل القبيلة وكانت بعهدته مسؤولية الحرب والصلح ونحوها، فإذا لم يستطع النقيب على حل اختلاف مجموعته، أو أن طرفي الدعوى مرتبط بقبيلة أخرى، يكون التصميم النهائي لهذا الموضوع هو الرجوع إلى شخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 ـ سورة النساء: 65.

2 ـ سورة ص: 26.

3 ـ سورة المائدة: 42.

4 ـ سورة المائدة: 42.

5 ـ سورة المائدة: 48.

6 ـ كشف الغمة: ج1 ص263.

7 ـ راجع (كشف الظنون) للحاجي خليفة وكذلك كتاب (أقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) تأليف العالم الأندلسي محمد بن فرخ بن طلاع المتوفي سنة (497 هـ) وهو من أوائل الكتب المؤلفة في أقضية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو كتاب خطي موجود في مكتبات تونس، والمكتبة الرضوية، وأضاف العالم المغربي كتاني كتباً اخرى في كتابه (نظام الحكومة النبوية)[ ج1 ص 253-256 ]، وقد أشار إليها بالتفصيل، فقد فهرس أبواب الحقوق التي أصدر بها نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) فتاواه، وقام بنشرها.

8 ـ دعائم الاسلام: ج2 ص518.

9 ـ راجع مستدرك الوسائل: ج17 ص350 باب3 ح21546، وفيه: (اعلم أنه يجب عليك أن تساوي بين الخصمين حتى النظر إليهما حتى لا يكون نظرك إلى أحدهما أكثر من نظرك إلى الثاني).

10 ـ وهي قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم) راجع للتفصيل كتاب (القواعد الفقهية) للإمام الشيرازي (دام ظله).

11 ـ مستدرك الوسائل: ج13 ص308 باب13 ح15443.

12 ـ راجع كتاب (اذا قام الاسلام في العراق) ص 99 للإمام المؤلف، تحت عنوان (الموظفون والاصلاح الاداري).

13 ـ كشف الغمة ج1 ص263.

14 ـ راجع كتاب (حياتنا قبل نصف قرن) و(بقايا حضارة الاسلام كما رأيت) للإمام المؤلف (دام ظله).

15 ـ راجع العمدة: ص257 ح400، وكشف اليقين ص48.

16 ـ كشف الغمة: ج1 ص263.

17 ـ نهج البلاغة: الكتاب60 المقطع 1-5.

18 ـ نهج البلاغة: الكتاب53 المقطع 109و110.

19 ـ نهج البلاغة: الكتاب 53 المقطع 127و128.

20 ـ وهج الفصاحة: باب ما أوله "ميم".

21 ـ راجع موسوعة الفقه ج100 كتاب الحقوق، وكتاب (كيف ينظر الإسلام الى السجين) للإمام المؤلف (دام ظله).


11

الدعوة العالمية للإسلام

يمكن تلخيص روح الرسالة الإسلامية في شعار " لا إله إلا الله " وهو سر علو الإسلام وعطائه السخي، إذ لو أننا شبهنا الإسلام بالشجرة، كانت الأفكار والعقيدة بمنزلة الجذور الراسخة وأنه لمن الواضح أن سلامة الشجرة وأغصانها متوقفة تماماً على سلامة الجذور الأساسية، ولا ريب في أن أساس الأيدلوجية الإسلامية المتمركزة في ذلك الشعار الخالد يمتلك أروع وأقوى إمكانية على المدى المتواصل.

1: قال تعالى: ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين (1).

2: وقال سبحانه: ﴿ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين (2).

3: وقال عز وجل: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً (3).

4: وقال سبحانه: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون (4).

5: وقال عز من قائل: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين (5).

6: وقال تعالى: ﴿وما فرطنا في الكتاب من شيء (6).

7: وقال سبحانه: ﴿ قل ما كنت بدعاً من الرسل (7).

8: قال عز من قائل: ﴿ ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين (8).

الى غيرها من الآيات والروايات.

الاستقلال السياسي

يعتبر أصل الاستقلال السياسي وحاكمية الدولة في مقابل القوى الخارجية من الأصول المسلمة، فيلزم على كل دولة أن تتعهد بمراعاة ذلك.

وهكذا كانت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة مستقلة بتمام معنى الكلمة وذلك ببركة سياسة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكيمة.

يقول القرآن الكريم بصدد هذا الأصل: ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينـزل عليكم من خيرٍ من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (9).

وقال عزوجل: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما تعملون محيط )(10).

نفي سلطة الأجنبي

هذا القانون في الاصطلاح الحقوقي يبين في الأصل بنفي سبيل الأجنبي، وقد أشار القرآن الكريم الى هذا الأصل في قوله تعالى: ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً (11)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(12).

تنظيم السياسة الخارجية للدولة

ترتبط السياسة الداخلية بإدارة شؤون المدن وتنظيم القواعد الحكومية بالنسبة إلى الولايات والمحافظات مع ملاحظة الاعتبارات لأهالي المنطقة من: دين وفكر، وثقافة، وآداب ورسوم، التي تساعد على رفاهية الناس، وتعيين الشخصيات الكفوءة المتخصصة والمناسبة لإدارة الدولة، وإحلال الأمن، وتأمين رفاه الناس وسعادتهم، وكذلك العمل على وحدة الوطن والقوميات التي تعيش فيه، مع إيجاد الإحساس والشعور بالمسؤولية في الدفاع عن الحياة المعنوية والاقتصادية والسياسية .. حتى يشعر الكل بأنهم أعضاء أمة واحدة، ويساهمون في بناء وطن حر مستقل إسلامي.

أما السياسة الخارجية والروابط العالمية: فترتبط بالدول الأخرى من خلال إقامة علاقات مشتركة يعود نفعها على الجميع سواء كانت تلك الدول صديقة أم عدوة، والهدف من ذلك اتحاد البشرية وإزالة المشكلات الناجمة من تباين الأهداف، وتبادل المنافع المشتركة. وقد ذكرنا في كتاب (إذا قام الإسلام في العراق) بعض ما يرتبط بهذا الأمر(13).

وقد نقل صاحب كتاب "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي"(14)الوثائق السياسية والمعاهدات ورسائل الدعوة والتبليغ من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رؤساء الدول والملوك والقبائل والهيئات المذهبية..

معاهدة التعاون وعدم التعرض للأجانب

يمكن للحكومة الإسلامية استناداً للمصالح العامة والمنافع المشتركة أن تعقد معاهدات للتعاون بينها وبين الدول الخارجية إذا لم تؤدِّ هذه الروابط المتبادلة إلى تسلط النفوذ الأجنبي وأن يحيك المؤامرات الداخلية ويوسع شقة الخلاف في المجتمع الواحد، بل يعيش المسلمون وغيرهم في أمان وسلام دون ظلم وتحيز وتعسف واضطهاد.

ويمكن استفادة هذا الأصل من عدد من الآيات القرآنية الكريمة:

1: قال تعالى: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (15).

2: وقال سبحانه: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (16).

3: وقال تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (17).

كما يمكن استفادة ذلك من المعاهدة المشتركة التي عقدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين واليهود وإن كان اليهود خالفوا هذه المعاهدة ونقضوا بنودها، فكان فيها:

1: وإنه من يتضامن اليهود فإن له النصر غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.

2: وإن اليهود متفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.

3: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.

4: وإن على اليهود نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.

5: وإن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم.

6: وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.

المبعوثون السياسيون

تشكلت البعثة السياسية التي أوفدها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الملوك والرؤساء من:

1: عمرو بن أمية الضمري: أوفده إلى ملك الحبشة.

2: دحية بن خليفة الكلبي: أوفد ه إلى قيصر ملك الروم.

3: عبد الله بن حذافة المهمي: أوفده إلى خسرو برويز ملك إيران.

4: حاطب بن أبي بلتعة: أوفده إلى المصر، الإسكندرية إلى المقوقس ملك مصر.

5: شجاع بن وهب الأسدي: أوفده إلى الحارث بن أبي شكر الغساني ملك دمشق.

6: سليط بن عمرو العامري: أوفده إلى هوذة بن علي ملك اليمامة.

‎التشريفات الدبلوماسية

بالإضافة إلى العبارات الأدبية والكلامية في رسائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتباره نبياً ورئيساً لأكبر دولة إسلامية، كذلك كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يلاحظ فيها الأبعاد التبليغية، والأهداف السياسية والدبلوماسية، فكان يراعي أيضاً الأمور التالية:

1: الشجاعة والاعتماد الكامل بالنفس، فالشخص الدبلوماسي والرجل السياسي لابد أن يكون مطمئناً ومعتمداً اعتمادا كاملاً على شخصيته في إبلاغ ندائه وثقافته ورسالته لمخاطبيه.

2: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يراعي الألقاب الرسمية في الرسائل الرسمية، مثل: إلى هرقل عظيم الروم، إلى كسرى عظيم فارس، عظيم القبط، وغير ذلك.

3: الترغيب والتهديد المعقول والمناسب في ضمن رسالة واحدة، مثل: (أسلم تسلم).

4: الاستناد إلى الاستدلال والمنطق، عندما يكون مخاطبوه من أهل الكتاب، ومن له ثقافة عالية، مثل: الرسالة التي بعثها إلى النجاشي ملك الحبشة.

5: إبلاغ النداء النهائي للإسلام، وتحرير الإنسان، ونفي الاستثمار، وتشاهد هذه النقطة في خاتمة رسالته بآية: (يا أهل الكتاب )(18).

6: بقاء واستمرارية أعمال الحاكمية والقدرة ونفوذ السلطة في حالة الاستجابة لنداء الإسلام وقبول حاكمية الدولة الإسلامية، كما يظهر من رسالته إلى هوذة بن علي ملك اليمامة، والحارث بن أبي شمر الغساني ملك دمشق، والتأكيد عليهما في الرسالتين.

7: الاطمئنان من بسط نفوذه (صلى الله عليه وآله وسلم) وانتصار النداء، كما يظهر جلياً في ذيل رسالته إلى هوذة بن علي مشيراً إليه بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر".

ردود الفعل على رسائله(ص)

إن ردود الفعل من قبل رؤساء الدول على نداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التبليغي كان متفاوتاً، فبعضهم استجاب للواقع بذكاء سياسي، مثل: النجاشي الذي استجاب لدعوة التوحيد وتشرف بالدين الجديد، وأرسل هدية أيضاً إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولكن البعض الآخر أصر على تكبره وتجبره من قبول دعوة التوحيد، والاستخفاف بنداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل خسرو برويز ملك إيران حتى بعث اليه (صلى الله عليه وآله وسلم) برسالة تهديد.

والبعض الآخر كان متردداً في هذا الأمر، بين قبوله أو رفضه، مثل قيصر والمقوقس، اللذين كانا يخشيان ملتهما، وكونها من العوام، فامتنعا من قبول دعوة التوحيد وإبلاغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالكامل.

كما بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) برسائل أخرى إلى رؤساء القبائل والشيوخ، وأدت النتيجة إلى انتصاره (صلى الله عليه وآله وسلم) وبسط دولته العادلة ونفوذه الحكيمة على جميع أراضي الجزيرة العربية، وكانت قبائل العرب تأتي إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعات جماعات وأفواج أفواج معلنين عن استقبالهم لدين الإسلام والانضمام تحت راية التوحيد، كما قال تعالى:

(بسم الله الرحمن الرحيم، إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان تواباً) (19).

تتمة

1 ـ سورة ص: 87 و 88.

2 ـ سورة يس: 69 و70.

3 ـ سورة الفرقان: 1.

4 ـ سورة سبأ: 28.

5 ـ سورة النحل: 89.

6 ـ سورة الأنعام: 38.

7 ـ سورة الأحقاف: 9.

8 ـ سورة النحل: 123.

9 ـ سورة البقرة: 105.

10 ـ سورة آل عمران: 120.

11 ـ سورة النساء: 141.

12 ـ مستدرك الوسائل: ج17 ص142 باب1 ح20985.

13 ـ راجع كتاب (إذا قام الإسلام في العراق) ص77 و81 تحت عنوان (العلاقات الدولية) و(حسن الجوار).

14 ـ ص 246.

15 ـ سورة الممتحنة: 8 و 9.

16 ـ سورة الأنفال: 61.

17 ـ سورة التوبة: 4.

18 ـ سورة آل عمران: 64.

19 ـ سورة النصر: 1- 3.


12

مضمون الرسائل

وهنا لابد أن نشير إلى نماذج من رسائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تعتبر جزءاً مهماً في سياسته الخارجية.

فبعد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة، كتب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم واحد رسائل إلى زعماء الدول وؤساء القبائل، فكتب (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى: ﴿إمبراطور الروم، إمبراطور إيران، وملك الحبشة، وأقباط مصر، وإمبراطور الشام، وإمبراطور اليمامة ودعاهم فيها إلى الإسلام.

ومضمون هذه الرسائل واحد وإن اختلفت ألفاظها، وكلها تحكي عن الدعوة إلى الإسلام، والصلح، ومستقبل الحق والأمن والسلام في الدنيا والآخرة.

رسالة النبي (ص) إلى هرقل

1: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هرقل عظيم الروم:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، عبده ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين‎، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين(1) (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (2).

والأريسين: جمع أريس، أي المزارع، وفي بعض الروايات هكذا وردت عبارته (صلى الله عليه وآله وسلم): (فإن إثم الأكارين عليك) بدل (الأريسين) ومعناها الفلاّح.

رسالة النبي (ص) إلى كسرى

2: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى كسرى ملك إيران:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أدعوك بداعية الله عزوجل، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس)(3).

رسالة النبي (ص) إلى النجاشي

3: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ملك الحبشة:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأضخم ملك الحبشة: بسلمٍ أنت، فإني أحمد إليك الله الذي ‎لا إله هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، حمله من روحه ونفخ كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وإن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفر ونفراً من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عزوجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي، والسلام عليكم وعلى من اتبع الهدى)(4).

رسالة النبي (ص) إلى النجاشي الثاني

4: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى النجاشي الثاني:

(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى النجاشي عظيم الحبشة: سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني رسوله، فأسلم تسلم (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون )(5) فإن أبيت فعليك إثم النصارى)(6).

ولا يخفى أن لقب ملك الحبشة كان (الأضخم).

رسالة النبي (ص) إلى المقوقس

5: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المقوقس كبير القبط(7):

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط: سلام على من اتبع الهدي، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط، و ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (8).

رسالة النبي (ص) إلى ملك مصر

6: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ملك مصر:

روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب رسالة ثانية إلى المقوقس ملك مصر، وفيما يلي نصها:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى صاحب مصر، أما بعد، فإن الله أرسلني رسولاً، وأنزل علي قرآناً، وألزمني بالاعذار والإنذار ومقاتلة الكفار، حتى يدينوا ديني، ويدخل الناس في ملتي، وقد دعوتك إلى الإقرار لوحدانيته، فإن فعلت سعدت، وإن أبيت شقيت، والسلام).

رسالة النبي (ص) إلى صاحب دمشق

7: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر: سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله وصدق، وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك)(9).

رسالة النبي (ص) إلى ملك البحرين

8: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المنذر بن ساوي ملك البحرين:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي: سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله ممن أحب ذلك من المجوس فإنه آمن، ومن أبى فعليه الجزية)(10).

رسالة النبي (ص) إلى ملك اليمامة

9: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هوذة بن علي ملك اليمامة:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي: سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فاسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك)(11).

رسالة النبي (ص) إلى ملوك عمان

10: رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جعفر و عبد النبي ملكي عمان:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى جعفروعبد النبي الجلندي: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافةً لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، وانكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام، فإنه زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما)(12).

تتمة

1 ـ بحار الأنوار: ج20 ص386 باب20 ح8.

2 ـ سورة آل عمران: 64.

3 ـ بحار الأنوار: ج20 ص389 باب20 ح8.

4 ـ راجع بحار الأنوار: ج20 ص392 باب20 ح8.

5 ـ سورة آل عمران: 64.

6 ـ راجع بحار الأنوار: ج21 ص23 باب22 ح17، وقد أشار العلامة المجلسي (قدس سره) إلى أصل الرسالة من دون ذكر نصها.

7 ـ راجع بحار الأنوار: ج20 ص382 باب21 ح8 وقد أشار العلامة المجلسي (رحمه الله) إلى أصل الرسالة من دون ذكر نصها.

8 ـ سورة آل عمران: 64.

9 ـ راجع بحار الأنوار: ج21 ص58 باب24 ح11، وقد أشار العلامة المجلسي (رحمه الله) إلى أصل الرسالة من دون ذكر نصها.

10 ـ راجع بحار الأنوار: ج21 ص 49باب32 ح3، وقد أشار العلامة المجلسي إلى أصل الرسالة من دون ذكر نصها.

11 ـ راجع بحار الأنوار: ج20 ص394 باب20 ح8، وقد أشار العلامة المجلسي إلى أصل الرسالة من دون ذكر نصها.

12 ـ راجع بحار الأنوار: ج18 ص138 باب11 ح39، وقد أشار العلامة المجلسي (قدس سره) إلى أصل الرسالة من دون ذكر نصها.


13

المعاهدات في الدولة الإسلامية

وكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابا بين المهاجرين والأنصار ودعا فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم، واشترط عليهم.

بسم الله الرحمن الرحيم

1: هذا كتاب من محمد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.

2: إنهم أمة واحدة من دون الناس.

3: المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاملون بينهم ، وهم يفدون عاينهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

4: وبنو عوف على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

5: وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

6: وبنو الحارث على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

7: وبنو جشم على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

8: وبنو نجار على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

9: وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

10: وبنو البنيّت على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

11: وبنو الأوس على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

12: وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.

13: وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.

14: وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم.

15: ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن.

16: وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.

17: وأنه من تبعنا من يهود فان له النصر والأسوة غير مظلومين ولامتناصرين عليهم.

18: وأن سلم المؤمنين واحدة، ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.

19: وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا.

20: وأن المؤمنين بين بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.

21: وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.

22: وأنه لا يجير مشرك ولا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن.

23: وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.

24: وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه، فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.

25: وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عزوجل وإلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

26: وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.

27: وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وإثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.

28: وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.

29: وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.

30: وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.

31: وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.

32: وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.

33: وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وإثم، فانه لا يوتغ إلا نفسه, وأهل بيته.

34: وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.

35: وأن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن البر دون الإثم.

36: وأن موالي ثعلبة كأنفسهم.

37: وأن بطانة يهود كأنفسهم.

38: وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

39: وأنه لا ينحجز على ثار جرح، وأنه من فتك فنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم، وأن الله على أبر هذا.

40: وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.

41: وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم.

42: وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.

43: وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.

44: وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.

45: وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.

46: وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فان مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه.

47: وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها.

48: وأن بينهم النصر على من دهم يثرب.

49: وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فانهم يصالحونه ويلبسونه، وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.

50: وعلى كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.

51: وأن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحضر من أهل هذه الصحيفة، وقيل: مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة.

52: وأن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبرّه.

53: وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو إثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

يقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب هذا الكتاب قبل أن تفرض الجزية، وحين كان الإسلام غير قوي، وكان لليهود إذ ذاك نصيب في المغنم إذا قاتلوا مع المسلمين، كما شرط عليهم في هذا الكتاب النفقة معهم في الحروب.

وهذا العهد يشتمل على شروط كثيرة بين المسلمين أنفسهم من المهاجرين والأنصار، وعلى معاهدة بين المسلمين ومشركي المدينة، وهم لقلة عددهم بل إشرافهم على الفناء لم يذكر لهم شروطا كثيرة، ويتضمن أيضاً معاهدة بين المسلمين واليهود، ولا يخفى على من تدبر الكتاب عظم هذا العمل، وان هذا من أكبر الأعمال المهمة التي فعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل أكبر من بعض الأعمال الأخرى وأعم نفعا وأكثر ثمرا منها، لأن به أمن غوائل اليهود ومكرهم في الأمور التالية:

1: في تفريقهم بين المسلمين.

2: واتحادهم مع قريش وغيرهم من أعداء الإسلام.

3: وبه أمن المسلمون على أموالهم وذراريهم ودورهم وزروعهم وكل جانب يخافونه.

4: وبه انفسح المجال لنشر الدين وقتال المشركين في الحروب التي كانت تقام من قبل المشركين ضد المسلمين.

ولولا هذه المعاهدة الحكيمة من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تتمكن الملة الإسلامية وعلى رأسها النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من نشر الدين الإسلامي بالشكل المطلوب، ولم تقدر على المقاومة في الحروب المتتالية في بدر وأحد ونظائرهما في قبال المشركين، ولولا هذه المعاهدة لكان المشركون شديدي القتال..

ولو تدبرنا الكتاب وشروطه لخرجنا بالنتيجة التالية:

مجمل شروط المعاهدة بين المسلمين أنفسهم

1: المسلمون أمة واحدة من دون الناس فلا علقة إسلامية بين مسلم وكافر ولو كان أبا وولدا، وإن كان الإسلام يأمر باحترامهم واكرامهم، ولا مجانبة بين مسلم ومسلم، فالمسلم لا يكون بالنسبة إلى المسلم أجنبيا.

2: كل طائفة من المسلمين يتفادون بينهم كما كانوا يتفادون قبل الإسلام.

3: المسلمون المتقون على من بغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المسلمين.

4: لا يقتل مؤمن في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن.

5: ذمة الله واحدة فلا اعتداد بأشخاص المسلمين فيجير عليه أدناهم.

6: لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، فلا يكون السلم في الحرب إلا برأي من مولاه.

7: كل طائفة غازية غزت يعقب بعضها بعضا، فلا تجبر طائفة على الغزو مرتين متعاقبتين.

8: ومن قتل مؤمنا من دون جريرة ففيه القود إلا أن يرضي ولي المتقول.

9: إذا اختلف المسلمون فمردهم إلى الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم).

10: المسلمون لا يتركون بينهم مديونا قد أثقله الدين إلا أعانوه في فداء أو عقل.

11: المؤمنون بعضهم مولى بعض فلا ولاء للكافر على المؤمن.

12: لا يجير أحد حرمة كافر إلا بمصلحة سائر الجيش.

مواد المعاهدة مع اليهود

1: إن لليهود المعاهدين النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، إذا دعا المسلمون اليهود إلى المصالحة فعليهم أن يصالحوا، وكذا إذا دعا اليهود المسلمين إليها.

2: إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، على المسلمين نفقتهم، وعلى اليهود نفقتهم.

3: المسلمون واليهود المتعاهدان أمة واحدة، للمسلمين دينهم ولليهود دينهم، إلا من ظلم وإثم .

4: على المسلمين واليهود التعاون بينهم على من حارب أهل هذه الصحيفة.

5: لا يؤخذ امرؤ بإثم حليفه .

6: النصر للمظلوم فيما بينهم.

7: لا تجار حرمة كافر إلا بمصلحة من المسلمين واليهود.

8: الجار كالنفس لا يضار.

9: إن بينهم النصر على من دهم يثرب.

10: إن بينهم النصح والنصيحة.

مواد العهد بين جميع أهل الصحيفة

1: لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم.

2: إن يثرب حرام على أهل هذه الصحيفة بحسب المعاهدة، كما أن مكة حرام بتحريم الله تعالى.

3: لا تجار قريش ولا من نصرها.

مواد العهد مع المشركين

1: لا يجبر مشركو المدينة مالا لقريش ولا نفسا.

سند المعاهدة

ذكره العلامة المجلسي (رحمه الله) في (بحار الأنوار)(1) عن طريق رواية علي ابن إبراهيم بن هاشم، نقلاً عن الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدين).

ورواه ابن إسحاق كما ذكرته الكتب التاريخية، إلا أن ابن إسحاق لم يذكر أسماء رواة الحديث، وقد ذكر محدثو أهل السنة هذا المتن، أمثال: أحمد بن حنبل في (مسنده)(2) وتلقاه بالقبول، واستنسخه ابن سيد الناس في (عيون الأثر)(3) عن كتاب ابن خثيمة، ونقله عنه.

ونقله مؤرخو السنة أيضاً في كتبهم التاريخية، أمثال:

أبو عبيد قاسم بن سلام في كتاب (الأموال)(4).

وابن كثير (في البداية والنهاية)(5).

وكذلك البلاذري في (أنساب الأشراف)(6).

وأورد العلامة المجلسي (قدس سره) مضمون الرواية والتي تحتوي على اتفاقية تاريخية بين أهل المدينة والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد وقع هذه الاتفاقية من جانب اليهود كل من: حي بن أخطب من بني النضير، وكعب بن أسد من بني قريظة، ومخيريق العالم اليهودي من بني قينقاع، ومما جاء في هذه الوثيقة:

1: في السطور الأولى من وثيقة المعاهدة لدولة المدينة نرى الإشارة إلى تكوين الأمة الإسلامية (إنهم أمة واحدة من دون الناس) ولم ينحصر عددهم بمسلمي صدر الإسلام، بل يشمل بشكل عام كل من اعتنق الإسلام وآمن به.

2: ضمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمراكز القبائل في ذلك اليوم والتي عرفت رسمياً: حق اللجوء والدية المشتركة وبعض الحقوق المالية.

3: تضمنت الوثيقة وحدة الأمة، وتشترك الأمة كلها في الصلح والحرب، فلا يحق لأحد أن يتصالح عند الحرب، ولا يحارب عند الصلح، بل كلهم في أيام الحرب لهم مصالح مشتركة، (وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضه بعضاً)، فجميع المسلمين لهم مسؤولية تجاه بعضهم، وعليهم التعاضد أثناء الحرب وتقديم المساعدة فيما بينهم، وعلى كل فرد ـ صغيراً كان أم كبيراً ـ أن يؤدي وظيفته المرسومة له، (إن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس).

وتتجلى في هذا المنشور روح الأخوة والمساواة الحاكمة في المجتمع الإسلامي.

ولا ينحصر الدفاع والحماية عن الوطن بالمسلمين، بل يجب على اليهود أيضا الدفاع عن حرمة المدينة وأمنها، فهم شركاء للمسلمين في ذلك ومساهمون معهم (وإن بينهم النصر على من دهم يثرب).

4: الالتزامات المالية الناشئة عن وقوع الحروب تقسم بشكل مشترك بين الموقعين على الوثيقة: (إن اليهود، ينفقون مع المسلمين ما داموا محاربين).

5: تنص معاهدة المدينة لأصحاب الصحيفة أنها حرم: (وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة).

وعلى هذا فالأمن الداخلي للمدينة مضمون، ويحكم على أي نوع من التنازع الداخلي.

6: وفي الوثيقة بنود، منها: تشخيص العدالة الاجتماعية، وتنظيم الأمور القضائية والادارية.

ولا يخفى أن تنظيم العدالة الاجتماعية والقضائية من الأهداف المهمة للوثيقة، وتصرح الوثيقة: بأن السلطة القضائية هي بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنه المرجع القضائي الوحيد الذي تحال إليه القضايا المتنازع عليها وبدوره يقوم بحلها، سواء كانت هذه الاختلافات قد نشأت بين المسلمين أو بين اليهود: (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله).

وفي هذه المادة استحدثت قوة قضائية يرجع إليه عموم الناس.

7: وفي هذه المعاهدة تجري الأحكام على أمور الحرب والصلح والشؤون القضائية، ويستثنى من هذه الموارد الاستقلال في الدين، ولليهود إجراء أحكام الشرعية وفق دينهم، ولهم الحرية العقيدية في ذلك: (وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم).

8: يؤكد المنشور على المسؤولية المشتركة بني المسلمين ـ المهاجرين والأنصار ـ بصدد القتال والالتزامات المالية، دون استثناء أحد منهم، كما نصت عليه البنود (2 ،3، 4، 5، 6، 7، 8،10وخصوصاً البند 11).

9: تؤكد الوثيقة على ارتباط المسلمين مع بعضهم، خصوصاً الانتصار للمظلوم، وإحياء الحق، ولا يجوز الدفاع عن المجرم سواء كان أباه أو أقاربه، كما نص عليه (البند: 13).

10: ونصت المعاهدة على حق الجوار ـ اللجوء ـ بحق جميع القبائل العربية واليهودية وأنه حق محترم: (وأن الجار كالنفس غير مضار ولا إثم) كما ورد في (البند 25، 40، 46).

معاهدة صلح الحديبية

كما يمكن استفادة ذلك من معاهدة صلح الحديبية، وهذه المعاهدة عقدها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكان يدعى "الحديبية" مع مشركي مكة، وسنشير إلى بعض ما ورد فيها:

1: يتعهد المسلمون وقريش لمدة أربع سنوات أو عشر سنوات أن يتركوا النزاع والخصومات فيما بينهم ولا يتعرض كل منهم إلى الآخر.

2: أن لا يرتكبوا الخيانة والسرقة، وتكون أموالهم محترمة.

3: يكون المسلم في أمان عندما يدخل مكة المكرمة بقصد الحج أو العمرة أو السفر إلى اليمن أو الطائف، وكذلك يكون المشركون في أمان عندما يقصدون الشام أو المشرق ويدخلون المدينة المنورة.

4: يحق للمسلمين وقريش أن يتحالفوا مع أي قبيلة، ويكون الحليف محترماً.

5: يتعهد المسلمون وقريش أن لا يخونوا أحدهم الآخر، وأن لا يتعادوا أو يخدعوا، وأن يزيلوا الحقد من قلوبهم.

6: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه يدخلون مكة المكرمة العام القادم بقصد أداء مراسم الحج، وأن يتخلوا عن حمل السلاح، ولم يتوقفوا في مكة أكثر من ثلاثة أيام.

المعاهدة مع يوض

ما يمكن استفادة ذلك أيضا من معاهدة يوض وهذه معاهدة أمان كتبها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوض حاكم ايله، وهذا نصها:

(بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمان من الله ورسوله إلى يوض بن روزبه وأهالي ايله على أنفسهم وبواخرهم ووسائل بحرهم وبرهم، وكذلك أهل الشام واليمن والبحرين الذين يمرون من تلك الأرض في ذمة الله وذمة رسوله، كما يتعهد أهل أيله أنهم إذا ارتكبوا قتلاً فتدفع دية المقتول لأوليائه، كما يتعهدون أنهم عندما يردون بحراً أن لا يحرموا غيرهم من الاستفادة منه، وأن لا يسدوا الطرق البحرية والبرية بوجه الآخرين).

المعاهدة مع نصارى نجران

كما يمكن استفادة ذلك أيضا من المعاهدة التي عقدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع نصارى نجران وكان فيها:

1: يتعهد أهل نجران أن يدفعوا ألفي حلة كل عام بصورة جزية.

2: أن يضيفوا مبعوثي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لمدة شهر، وأن لايتوقف المبعوثون أكثر من شهر واحد في هذا المكان.

3: لو حدثت الحرب من جهة اليمن، فعلى أهل نجران أن يتعاونوا مع الحكومة الإسلامية، وأن يجعلوا تحت تصرف الجنود ثلاثين سلاحاً وثلاثين حصاناً بصورة عارية مضمونة في الذمة.

4: يكون أهالي نجران وأطرافها في ذمة الله وذمة رسوله على أنفسهم وأموالهم ومعابدهم، ويبقى الأساقفة والرهبان وخدمة المعابد على أعمالهم دون ممانعة.

5: لا يحق لأحد أن يقوم بإبعادهم من أرضهم، أو يأخذ منهم العشر أو يهجم عليهم.

6: كل من يطالب بحقه يجب أن يعامل بإنصاف وعدالة.

7: لا يؤخذ أحد بجرم غيره.

8: يتعهد أهل نجران بعدم تعاطي الربا.

وفي غير هذه الحالة يكون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) غير ملزم تجاههم.

احترام المعاهدات والمواثيق

من قبل الدولة الإسلامية

والأصل الآخر من أصول السياسة الخارجية للدولة الإسلامية التي سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول حكومة اسلامية أسسها في المدينة المنورة: هو احترام المعاهدات والمواثيق مطلقاً.

فالمعاهدات العالمية والدولية التي التزمت بها الحكومة الإسلامية محترمة ولا يجوز نقضها.

فلو أن الدولة الإسلامية رأت أن من صلاحها وبدون إجبار وإكراه أن تعقد اتفاقاً مع دولة أخرى أو مع أشخاص أو مع شركات مرتبطة بدول خارجية، فعليها أن تلتزم بعهدها وميثاقها، وتبقى وفية على العهد، وقد أشار القرآن الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إلى هذا الأصل السياسي والأخلاقي، يقول القرآن الكريم: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود )(7).

وقال عز وجل: ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) (8).

وقال سبحانه: ﴿و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون (9).

وقال تعالى: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (10).

وكان أئمة المسلمين أيضاً يحترمون العهود والمواثيق ويوفون بعهدهم، وكثيراً ما كانوا يؤكدون ويوصون بذلك، ففي عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) تتجلى هذه الحقيقة وهو عهد كتبه لمالك الأشتر :

(وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود)(11).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد)(12). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يجب على المؤمن الوفاء بالمواعيد والصدق فيها)(13).

وهذه الأحاديث تشمل بعمومها أو اطلاقها جميع العهود: الفردية والدولية، مع المسلمين أو غيرهم، كما هو واضح.

الوفاء بالمعاهدات

عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معاهدة مع المشركين في صلح الحديبية تنص على أنه لو فر أحد من قريش من مكة إلى المدينة فليسلّم إليهم..

وبعد انتهاء العقد فر (أبو بصير بن أسيد بن حارثة) من مكة ودخل المدينة، وكان قد أسلم حديثاً.

فأرسلت قريش أحد أفرادها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبت منه العمل بموجب المعاهدة وأن يسلمهم أبا بصير.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بصير: إني قد عقدت مع أهل قريش معاهدة أقوم بموجبها في تسليم الفارين منهم، وليس في ديننا غدر، ولايجوز أن نخلف الوعد، فاذهب أنت معهم، وكن مطمئناً بأن الله سيجعل لك سبيل النجاة بأسرع ما يكون.

فقال أبو بصير: يا رسول الله! أتسلمني إلى المشركين ليأخذوا ديني؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا بصير! ينبغي عليّ الوفاء بالعهد، فاذهب أنت معهم، وكن على يقين بأن الله سيجعل لك فرجاً ومخرجاً(14).

وهكذا أكد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على لزوم احترام العهود والمواثيق، حتى مع الكفار.

وكذلك فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحد القوانين السياسية والحكومية لعمرو بن حزم الذي أرسله إلى اليمن ليطلع الناس على تعاليم الإسلام، كتب له:

طبق على كل أهالي اليمن حتى اليهود والنصارى منهم قوانين الإسلام، ـ أي ما في الإسلام من الرأفة والرحمة وما يجب على الدولة الإسلامية من الحفاظ على أموال وأمن وأعراض رعيته ـ .

وجاء في الفقرة (21) من هذا العهد:

﴿وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل مالهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانية أو يهودية فإنه لا يرد عنها.

وفي معركة صفين اضطر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أن يعقد صلحاً مع معاوية لوقف الحرب فاقترح عليه الخوارج أن ينقض العهد، فقال لهم: ويحكم أبعد الرضا والعهد نرجع؟ أو ليس الله يقول: (أوفوا بالعقود ) (15)، وقال: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون) (16).

نعم، إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة الهدى (عليهم السلام) كانوا يوفون بالمعاهدات الشخصية والاجتماعية وهذا من علامات الإيمان والإسلام.

ولم ينقض العهد إلا في حالة نقض الطرف الآخر للمعاهدة، كما جاء في الآيات القرآنية: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنه لا أيمان لهم لعلهم ينتهون)(17).

وهذا القانون قد جاء بيانه في نصوص الروايات وألسنة الفقهاء، كما فصلناه في الفقه.

قانون الإلزام في التعامل مع غير المسلمين

وهناك قانون آخر يدل على عظمة الإسلام ورحمته الواسعة يسمى بقانون الإلزام، حيث انه يكون التعامل مع غير المسلمين والأجانب من أتباع الأديان الأخرى على طبق قوانينهم وإلزامهم بمقرراتهم.. وهذا القانون بنفسه يجري في أتباع المذاهب الأخرى فقد أشارت رواياتنا إلى هذه الناحية قائلاً: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم)(18).

وفي رواية أخرى عن محمد بن مسلم، عن الإمام الصادق u قال: (يجوز على أهل كل دينٍ ما يستحلون) (19).

فالأقليات وغيرهم من سائر الأديان والمذاهب احرار في نطاقهم ان يعملوا بما هو جائز عندهم وما الزموا به أنفسهم، فمثلا: لا يمنع أهل الكتاب ـ حتى من يعيش منهم في الدولة الإسلامية ـ من شرب الخمر في بيوتهم وهكذا..

وقد أفتى الفقهاء بالضمان اذا غصب المسلم خمر الكافر الذمي أو خنزيره أو ما أشبه، قال المحقق (قدس سره) في الشرائع: (ولا تضمن الخمر اذا غُصبت من مسلم ولو غصبها الكافر، وتضمن اذا غُصبت من ذمي مستتراً ولو غصبها المسلم، وكذا الخنزير)(20).

وعلى أساس هذه القاعدة الفقهية التي هي من الأصول المسلمة في العهود والمواثيق الدولية، يكون التعامل والعمل مطابقاً مع الأعراف الدولية، حسب ما قرره المسلمون معهم وقد ذكرنا تفصيلاً (حول قاعدة الإلزام) في كتاب الفقه (القواعد الفقهية)(21).

1 ـ بحار الأنوار: ج1 ص 110و 111.

2 ـ مسند أحمد بن حنبل: ج21 ص 10 ط دار المعارف ـ القاهرة 1968م.

3 ـ عيون الأثر: ج1 ص 198 ط بيروت 1970م.

4 ـ الأموال: ط مصر، فصل 517.

5 ـ البداية والنهاية: ج3 ص 224 ـ 226.

6 ـ أنساب الأشراف: ج1 ص 286ـ 308 (ط مصر).

7 ـ سورة المائدة: 1.

8 ـ سورة المؤمنون: 8.

9 ـ سورة النحل: 91.

10 ـ سورة التوبة: 4.

11 ـ نهج البلاغة: الكتاب53 المقطع 133-135.

12 ـ الكافي : ج2 ص64 ح2.

13 ـ راجع بحار الأنوار: ج72 ص96 باب 47 ح18.

14 ـ راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج2 ص19 تحت عنوان (من بركات صلح الحديبية).

15 ـ سورة المائدة: 1.

16 ـ سورة النحل: 91.

17 ـ سورة التوبة: 12.

18 ـ راجع التهذيب: ج9 ص322 باب4 ح12 وفيه: (ألزموهم بما ألزموا أنفسهم).

19 ـ راجع الاستبصار ج4 ص148 باب91 ح10 وفيه: (يجوز على كل ذي دين ما يستحلون).

20 ـ شرائع الاسلام، القسم الرابع، كتاب الغصب. وراجع أيضاً (موسوعة الفقه) للإمام الشيرازي (دام ظله) ج78 كتاب الغصب ص 78 – 89 المسألة 7 و8 تحت عنوان (ضمان الخمر المحترمة) و(اتلاف الخمر المحترمة).

21 ـ القواعد الفقهية: ص69-80.


14

المحافظة على الأمن

يظهر لمن طالع التاريخ السياسي وتتبع المصادر ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له اهتمام خاص بمراقبة النشاطات وأعمال الممثلين السياسيين وأمراء الجيوش، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يرسل بعض رجال الأمن للإطلاع على تلك الأوضاع والنشاطات التي يمارسونها، فإنه كما ذكرنا في الفقه: لا يجوز التجسس في الإسلام إلا على الطبقة الحاكمة حتى لا يخلوا بوظائفهم، وإلا على الأعداء(1) وقد جاءت الرواية: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بعث جيشاً فعين لهم أميراً بعث معه من ثقاته من يراقبه.

وكنموذج حي لذلك، تفقّد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عامله على البحرين : العلاء الحضرمي، بعد أن شكاه أهل تلك الديار ـ عبد القيس ـ وعين أبان بن سعيد خلفاً له، وأوصاه بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): استوح بعبد القيس خيراً، أكرم سراتهم.

وكان يستوفي الحساب على العمال محاسبتهم على المستخرج والمصروفة.

وفي عهد أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه) كما هو مذكور في "نهج البلاغة": (ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حَدوة لهم على استعمال الأمانة ،والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه)(2).

وكتب الإمام علي (عليه السلام) إلى عامله (كعب بن مالك) يقول: (أما بعد، فاستخلف على عملك، وأخرج طائفة من أصحابك حتى تمر بأرض السواد كورة على كورة فتسألهم عن عمالهم، وتنظر في سيرتهم).

التعايش السلمي

في ظل الدولة الإسلامية

ذكر القرآن الكريم الأديان الموحدة في موارد منها :

1: قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (3).

2: وقال سبحانه: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (4).

التعامل مع النصارى

فجاء خطاب القرآن ورسائل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسيحيين بلغة العطف والملائمة، سواء كان ذلك مع مسيحيي الحبشة الذين هاجر إليهم المسلمون، أو مع مسيحيي نجران الذين أبوا أن يباهلوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد أشار القرآن الكريم إلى المسيحيين بأنهم أهل عاطفة وتودد، وربما أثنى عليهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظمة تعاليم السيد المسيح (عليه السلام) التي بشرت برسالة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعت أتباعه إلى المحبة والرأفة والتي كان لها التأثير البالغ في نفوس الأتباع، لذا فإن الرهبان وأتباع السيد المسيح (عليه السلام) الواقعيين تراهم ـ عادة ـ أصحاب عاطفة وقلوب نقية، ومحبة صادقة، وطبيعي أن للمحبة تأثير بالغ في شخصية الإنسان ولطافة الروح، وهذا عامل مهم يحسب له حسابه.

ويشير القرآن الكريم إلى المسيحيين بقوله تعالى: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لايستكبرون (5).

ولما هاجر المسلمون الأوائل إلى الحبشة: ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النجاشي بأجمل الصفات حيث قال: (ولو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)(6).

وفي رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رؤساء المسيحيين، ومن ضمنهم النجاشي، أخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) يمجد السيد المسيح وأمه مريم (عليهما السلام)، وفي خاتمة رسالته (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤكد للنجاشي أنه يريد له الخير والعزة والرفعة: (وإني أدعوك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فاقبل نصحي، والسلام على من اتبع الهدى)(7).

وبعد أن يأس المسيحيون في نجران من مباهلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) لما وجدوا في الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من عظم شأن ومقام عند الله، وقالوا إن محمداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) شخصيات رفيعة ومقربة عند الله ولا يمكن مباهلتهم، عقدوا معه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلحاً يدفعوا الخراج والضريبة، وكان مسيحيو نجران يطبقون قوانينهم ومعتقداتهم بكل حرية ودون أي تعسف واضطهاد من قبل المسلمين.

يقول الكاتب المسيحي جرجي زيدان في كتابه "تاريخ التمدن الإسلامي" بعد بحث مفصل عن أسباب انتصار المسلمين.. فيصل إلى النتيجة التالية:

بأنه لم يتسلط أو يستول المسلمون على الآخرين من أتباع الأديان الأخرى بالسيف، وحتى أن الناس في المناطق التي فتحها المسلمون كانوا يفضلون الحاكم المسلم على حاكمهم ويرجحونه عليه، والجزية التي كانت تدفع للمسلمين لا تساوي شيئاً إذا قيست بمجموع الضرائب التي كان يستوفيها منهم حكام الروم وفارس، ويشهد لذلك الرسالة التي بعثها المسيحيون الذين يسكنون باب الدروازة في الأردن عند فتح المسلمين لها:

(أيها المسلمون! نحن نرحب بكم ونرجحكم على من هم من جنسنا، فأنتم تركتمونا لوحدنا، وأبديتم لنا المحبة والرحمة لنباشر طقوسنا بكل حرية وانطلاق، ولم يبد منكم ظلم وأذى لنا، فحكومتكم لنا أفضل بمراتب من حكومة الآخرين الذين أغاروا على أموالنا، واستولوا على دورنا).

التعامل مع اليهود

أما اليهود فقد كانوا على عكس ذلك، فإن الأيادي البيضاء التي لله على اليهود، ونطقت بفضلها كتب السماء… أورثهم الأرض… فضلهم على العالمين … نجاهم من الجبابرة… خصهم بالأنبياء والحكماء والمصلحين...

لكن اليهود أساءوا تماماً فهم الحكمة الإلهية الكامنة في هذا الكرم الإلهي العظيم… فقتلوا أنبياءه وخانوا أماناتهم، ولم يزدهم حلمه إلا جحوداً واستكباراً… هكذا كانوا مع الله.. فهل ينتظر منهم أن يكونوا خيراً من ذلك مع خلق الله؟

لقد حلل القرآن الكريم الخلق اليهودي ووصف ما انطوى عليه ذلك الخلق من الانحطاط، وليس المقصود إحصاء كل الذي نزل في اليهود، وإنما نكتفي بذكر جانب من الآيات الكريمة التي نزلت منذ أربعة عشر قرناً لتظل شاهدة أبد الدهر على ان اليهود لا يغيرون ما بأنفسهم من الصفات القبيحة والعادات الذميمة..

نعم كان منهم أناس على الفطرة وآمنوا برسول الله وهكذا آمن جماعات منهم طول التاريخ الإسلامي وصاروا من المسلمين المؤمنين ولكن الكلام في الطابع العام.

1: قال تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر (8).

2: وقال سبحانه : ( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون )(9).

3: وقال تعالى: ﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون (10).

4: وقال سبحانه: ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (11).

5: وقال تعالى: ﴿ قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (12).

6: وقال سبحانه: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين (13).

هذا وقد كان تعامل الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع اليهود بأحسن ما يمكن، وفي قمة الأخلاق، فقد أكرمهم وعفى عنهم وضمن لهم الحرية في مختلف جوانب حياتهم واقامة شعائرهم و..فكان ذلك سبباً في اسلام كثير منهم ، وقد فصلنا ذلك في بعض كتبنا(14).

لقد وقى الله النزعة القومية المتعصبة، ووقاه شر إكراه الناس على اعتناق مبادئه أو التنكيل بالمخالفين له في الرأي، فقد كان الإسلام دائماً ديناً سمحاً يؤمن بالحرية العقيدية ومبدأ التعايش السلمي بين معتنقي المبادئ المختلفة، ويعتبر أهل الكتاب متساوين مع بنيه في الحقوق والواجبات بطريقة أو بأخرى.. حتى قال فيهم (صلى الله عليه وآله وسلم): (من آذى ذميا فقد آذاني)(15).

معاملة الزردشتيين

يعد الزردشتيين كاليهود والمسيحيين من أهل الكتاب، والقرآن جعلهم بمستوى أهل الكتاب، كما وردت بعض الأخبار والروايات الإسلامية في عد المجوس من أهل الكتاب(16)، منها: ما ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)(17).

فعلى هذا يكونون مشمولين أيضاً بمعاهدة الذمة وفي الاعتبارات الحقوقية والاجتماعية لا يختلفون عن أهل الكتاب.

فإن لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عقد مع المجوس عهداً مباشرة، فقد أمر مبعوثه العلاء بن الحضرمي أن يعقد معهم عهداً في البحرين، وكان يأخذ منهم الجزية، كما سبق.

إضافة إلى روايات أخرى وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن علي (عليه السلام)، في جواب أهل مكة الذين طلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقبل منهم الجزية مقابل بقائهم على عبادة الأوثان والأصنام، فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): "لم أقبل الجزية إلا من أهل الكتاب"، ثم خاطب أهل مكة الذين اعترضوا على قبول الجزية من المجوس ولم يقبل منهم، بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): كان للمجوس نبي وقد قتلوه، وأيضاً كان لهم كتاب سماوي قد نزل عليهم وقاموا بإحراقه، وقد عرض عليهم نبيهم كتابه السماوي في اثني عشر جلد من جلود البقر.

وقال علي (عليه السلام) بشأن المجوس: (أنا أعلم الناس بأحوال المجوس، كان لهم كتاب يقرؤونه، وكانوا يستفيدون من علم النبوة، ثم نظف من قلوبهم).

ومن هذه الروايات فقد صرح المشهور من الفقهاء بعدم قبول الجزية وعهد الذمة من أي فريق عدا اليهود والنصارى والمجوس، حتى أن العلامة الحلي (رحمه الله) جوز النكاح الموقت في نساء المجوس، ورآه جائزاً.

1 ـ راجع كتاب (إذا قام الإسلام في العراق) ص67-69، للإمام المؤلف دام ظله.

2 ـ نهج البلاغة: الكتاب 53 المقطع 75-77.

3 ـ سورة البقرة: 62.

4 ـ سورة الحج: 17.

5 ـ سورة المائدة: 82.

6 ـ راجع بحار الأنوار:ج18 ص412 باب4، وفيه: (إن بها ملكا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عز وجل للمسلمين فرجا).

7 ـ راجع بحار الأنوار: ج18 ص419 باب4 ح5، وفيه: (فإني أدعوك وجيرتك إلى الله تعالى وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى).

8 ـ سورة الحشر: 14.

9 ـ سورة المائدة: 24.

10 ـ سورة المائدة: 70.

11 ـ سورة الأنفال: 56.

12 ـ سورة الجمعة: 6.

13 ـ سورة الأعراف: 152.

14 ـ راجع كتاب (لأول مرة في تاريخ العالم) ج1 و2، و(مقتطفات من تاريخ المدينة المنورة) و..

15 ـ الصراط المستقيم ج3 ص13 باب12.

16 ـ راجع بحار الأنوار ج10 ص119 باب8 ح1، وفيه: (قال الأشعث بن قيس يا أمير المؤمنين كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله تعالى عليهم كتابا وبعث لهم نبيا اللئالي ج2 ص99 ح273، وفيه: (في أخبار أهل البيت(عليهم السلام): إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب فحرفوه لهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): سنوا بهم سنة أهل الكتاب)

17 ـ راجع غوالي اللئالي ج2 ص99 ح273، وفيه: (في أخبار أهل البيت (عليهم السلام): إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه وكتاب فحرقوه لهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): سنوا بهم سنة أهل الكتاب.


15

الخاتمة

وهذا موجز من أحوال حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي أول حكومة إسلامية عقدت في المدينة المنورة، وكانت نموذجا صالحا لجميع الحكومات في طول التاريخ، الاسلامية وغيرها.

قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (1) فيجب على جميع الحكومات الاسلامية الاقتداء بهذه الحكومة المباركة، التي أسسها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واستخلف (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) يوم غدير خم بأمر من الله تعالى ليكون خليفته ووصيه والإمام من بعده.. فكان (عليه السلام) في حكومته كما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد شهد بذلك التاريخ وتفصيل الكلام في المفصلات، والله الموفق المستعان.

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة(2).

قم المقدسة

10 / صفر / 1419هـ

محمد الشيرازي

1 ـ سورة الأحزاب: 21.

2 ـ دعاء الافتتاح، راجع (مفاتيح الجنان) و(الدعاء والزيارة) في أعمال ليالي شهر رمضان المبارك.

+فهرست آيات
وانك لعلى خلق عظيم3
يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ...4
فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين4
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس5
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف…5
إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون5
من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ايات الله اناء الّيل وهم يسجدون5
ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم5
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين6
كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله6
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله6
أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن7
وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله ...7
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين7
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ...7
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ...7
وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً7
إن هذه أمتكم أمة واحدة7
ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم7
يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير ...7
ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي ...7
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر8
يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم8
ولا تزر وازرة وزر أخرى8
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون8
كل نفس بما كسبت رهينة 8
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم8
فلا ربك لا يؤمنــــون حتـــى يحكموك فيمــــا شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا ...10
إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين11
إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين 11
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً 11
وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون11
ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين11
وما فرطنا في الكتاب من شيء11
قل ما كنت بدعاً من الرسل11
ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين11
ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً11
لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله ...11
وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم11
إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى ...11
إمبراطور الروم، إمبراطور إيران، وملك الحبشة، وأقباط مصر، وإمبراطور الشام، وإمبراطور اليمامة12
و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله ...13
إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى ...13
وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ...13
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ...14
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم ...14
ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لايستكبرون 14
لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر 14
لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا ...14
الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون14
قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين14
إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين14
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة15
فهرست روايات
(إن الله قد خص الأنبياء بمكارم الأخلاق)7
(أما حقكم عليّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا)7
(من شاور ذوي العقول استضاء بأنوار العقول)8
(من لزم المشاورة لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا)8
(شاور في أمورك)8
(وفي المشاورة اكتساب العلم، والعاقل من يستفيد منها علما جديدا، ويستدل به على المحصول من المراد، ...8
(واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، ولا تجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع فيه لله الذي ...10
(ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك ...10
يا أبا بصير! ينبغي عليّ الوفاء بالعهد، فاذهب أنت معهم، وكن على يقين بأن الله سيجعل لك فرجاً ومخرجاً13
(أوفوا بالعقود ) 13
(وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله ...13
(يجوز على أهل كل دينٍ ما يستحلون) 13
فهرست اشعار
ألا يقـــــــــيم ببطن مكة ظالم   =    إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا3
فالجار والمعسر فيهم سالم أمــــر عليه تعاقدوا وتواثقوا 3
حتى أوسد في التراب دفينــا   =    والله لن يصلوا إليك بجمعهـم4
وأبشر وقر بذاك منك عيونـاً   =    فانفذ لأمرك ما عليك مخافـة4
ولقد صدقت وكنت قبل أميناودعوتني وزعمت أنك ناصحي4
من خير أديان البرية دينـــا   =    وعرضت ديناً قد علمت بأنـه4
في النائبات على ما قال برهاناً   =   لا يسألون أخاهم حين يندبهم4
زمن التقحم والمجاعـة   =   أكلت حنيفة ربهــا4
وجــــب الـــشكر علينا ما دعـا لله داع   =    طلـــع البدر عــلينا من ثنيات الـوداع4
جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع‎أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع4
واللـــــه لن يصلوا إليك بجمعهـم    =    حتى أوسد في التراب دفينـا4
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة    =    وابشر بذاك وقر منه عيونـا4
ودعوتني وزعمت أنك ناصـح    =    ولقد صـــدقت وكنت ثم أمينا4
وعرضـــــت دينا لا محالة أنـــه    =   من خير أديـــــــان البرية دينــا4
إلى رهطي قريظة والنضير   =    لا دنيا خراجاً بعد كسرى5
ورحمته ما شاء أن يترحما   =    عليك سلام الله قيس بن عاصم8
إذا زار عن شحط بلادك سلما   =    تحية من ألبسته منك نعمة8
ولكنه بـنيــــان قــــــومٍ تهدما   =    وما كان قيس هلكة هلك واحد8