فهرست عناوين فهرست آيات
بحرالفوائد ج 2

1
 فهرست عناوين
 الجزء الثّاني في أصالة البراءة و ما يتعلّق بها2
     في الحكم الظاهري و الواقعي‏2
     في الفرق بين العلم و الظن بحسب الجعل و غيره إجمالا فهي ستة2
     في تحقيق الحكم الظاهري و الواقعي‏3
     في انقسام الحكم الظّاهري إلى الشأني و الفعلي‏3
      في وجه تسمية الحكم الظاهري بالواقعي الثانوي و في الفرق بين الدليل و ...4
     في بيان عدم لزوم مطابقة الحكم الظاهري للحكم الواقعي‏4
      في الجواب الأول عن التناقض‏4
     في الجواب الثاني عن التناقض‏5
     في الجواب الثالث عن التناقض‏5
     في الجواب الرابع و الخامس عن التناقض‏5
      الكلام في أقسام الأصل و الدليل و بيان النّسبة بينهما و أنّهما وارد ...6
      في حكومة الدليل الظّني على الأصل‏7
      في بيان المراد بأصل البراءة ما ذا8
     في الإشكال في أنّ مفاد البراءة ليس بحكم شرعي‏8
     في أنّ المبحوث عنه هل هو من المسائل الأصوليّة و الفقهيّة أو من باب ...9
     في الفرق بين أصالة الإباحة و البراءة في تحقيق أن أصالة الإباحة قسم من ...9
     الكلام فيما يكون الشك في أصل التكليف‏10
     في الاستدلال على حكم ما لا نصّ فيه‏11
     في دلالة آية الإيتاء على أن الحكم فيما لا نصّ فيه إباحة الفعل شرعا و ...11
      ذكر كلام المحقّق القمي في ورود التناقض في التمسّك بالآية في المقامين‏12
     في بيان عدم دلالة الآية على أصالة البراءة13
      في دلالة حديث ما لا يعلمون على البراءة فيما لا نصّ فيه‏14
     في الاحتمالات و الوجوه التي في حديث ما لا يعلمون‏14
      في اختصاص ما لا يعلمون بالشّبهات الموضوعيّة15
      في بيان إرادة الشبهة الحكمية من حديث ما لا يعلمون‏16
      تحقيق متعلّق ببيان المراد من الحديث الشريف‏17
      في أين المراد من الرّفع معنى يشمل الدفع‏19
     في أن حديث الرّفع لا يرفع الضّمان‏19
     في دلالة حديث ما حجب الله علمه عن العباد على أصالة البراءة فيما لا نص ...20
      في بيان التعارض بين النّاس في سعة ما لا يعلمون و دليل الاحتياط20
     في دلالة كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي على أصالة البراءة فيما لا نصّ ...20
      في بيان أن الرواية لا تعلّق لها بالمعذوريّة من جهة الحكم التكليفي بل ...21
      في تقريب الاستدلال بصحيحة عبد اللّه بن سنان‏22
      في بيان اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعية و شواهده‏23
      في الأبحاث التي أوردها الفاضل القمي على الشارح السيّد25
      في التمسّك بالإجماع على البراءة فيما لا نصّ فيه‏26
     في حكم العقل بأن العقاب من دون بيان قبيح و بأن دفع الضرر المحتمل ...27
      في منع استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل الدنيوي‏29
     في توجيه كلام السّيد أبي البركات في الغنية و غيره‏29
      في الاعتراض على المستدلّ بالاستصحاب على البراءة30
      في البحث و الاعتراض على التمسّك بالاستصحاب فيما لا نصّ و رجوع ...31
     في المناقشة في التمسّك بغير الاحتياط فيما الكلام فيه‏31
      في الاستدلال الأخباريين على حكم ما لا نصّ بالآيات‏32
     في الجواب عن الاستدلال بآية التهلكة32
     في دليل القول بوجوب الكف 33
      في استدلال الأخباريين بالأخبار و عدم تماميّتها بالنسبة إلى‏33
     حكاية كلام صاحب الوسائل في صحيحة جميل بن درّاج‏33
      في بيان كون الأمر في تلك الأخبار إرشاديّا33
     في بيان أنّ المستفاد منها الضّرر الأخروي المعلول للطّلب الشرعي ...34
      في أنّ الأصل الحكمي في أمثال هذه الشبهة الموضوعيّة الحرمة لا البراءة35
     في بعض الأجوبة عن أخبار التوقف بوجوه غير خاليّة عن النّظر35
     في الإيراد على صاحب القوانين‏35
      في أن أكثر أدّلة البراءة بالنسبة إلى هذه الأخبار من قبيل الأصل و ...35
     تحقيقات متعلّقة ببيان النسبة بين أدلّة البراءة و أخبار التوقف‏36
      بيان محذور لزوم إخراج ما تعارض النّصان عن عموم أخبار التوقف‏37
     في كلام الفاضل النّراقي في الإيراد عليه‏37
      ذكر كلام صاحب الوسائل في احتمالات الرواية38
     في عدم دلالة الصّحيحة على مدّعاهم و بيان مورد الاستدلال بالصحيحة38
      في الجواب عن الاستدلال بموثقة عبد اللّه بن وضاح‏39
      في أن النبوي لو دلّ على الوجوب للزم من إثباته نفيه‏40
     في بيان وجه دلالة النبوي على إرادة وجوب اجتناب الشبهات‏41
      تحقيقات متعلّقة بخبر التّثليث‏42
     43 في الاستدلال بالدليل العقلي على مذهب الأخباري و تحرير المقام على ...43
      في الإيراد على عدم تماميّة الدليل المذكور و جوابه‏44
      في الجواب التحقيقي عن الدليل العقلي للأخباري‏45
      بسط كلام و توضيح مقام متعلّق بأن الأصل في الأفعال الغير الضّرورية ما ...46
      في الجواب عن التمسّك بأنّ الأصل في الأفعال الغير الضرورية الحظر47
     تنبيهات في مسألة ما لا نص فيه 47
      في بيان أن المحقّق قدس سره لم يتعرّض لأصل البراءة في هذا الكلام فضلا ...47
      الكلام في أنّ حسن الاحتياط من حيث ذاته و نفسه أو من جهة سعادة فاعله‏49
     في بيان أنّ أوامر الاحتياط إرشادية أم مولوية49
      في بيان أن الحكم العقلي الإشاردي ملازم للأمر المولوي الشرعي في مورد ...50
     في الفرق بين المذاهب الأربعة المنسوبة إلى الأخبارين‏50
      في بيان أصالة الإباحة51
     في بيان حصر المحلّلات في الطّيبات‏51
      في دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من جهة إجمال النصّ‏52
     في بيان أخصّية الرواية من أخبار التخيير52
      في توافق الأخباري مع المجتهد في الشبهات الموضوعية53
      في الإشارة إلى أنظار متعلّقة بكلام بعض المعاصر54
      في عدم جريان مناط قاعدة الاشتغال في المقام‏55
     في عدم جريان مناط قاعدة الاشتغال في المقام‏56
      في الجواب عن السؤال الأول بوجوه متعدّدة57
     في إلزام العقل بدفع الضّرر المشكوك فيه‏57
     تنبيهات المسألة58
     الأول في تشخيص محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة المحكومة بالإباحة و ...58
      في ردّ كلام صاحب المدارك و من توهم أن أصالة عدم التذكية معارضة ...59
     التنبيه الثاني‏59
      في أن الأئمة عليهم السّلام عالمون بما كان و ما يكون و ما هو كائن‏60
     التنبيه الثالث 61
     التنبيه الرابع 61
     في دوران حكم الفعل بين الوجوب و غير الحرمة و ذكر جملة من الأمثلة61
     فيما اشتبه حكمه الشرعي الكلي من جهة عدم النص المعتبر61
      في بيان أنّ التّقرب في العبادة يتوقّف على العلم بالأمر تفصيلا أو ...62
      في أن ما ذكر مستلزم للدّور مع جوابه النقضي و الحلي‏63
      في دفع المناقشة المذكورة بوجوه أربعة64
      في الأخبار المستدل بها على التسامح في السّنن‏65
     في أدلة المثبتين لاستحباب الفعل و ما فيها66
      في تحقيق أن المسألة مسألة أصولية67
     تحقيق في بيان منع دلالة الأخبار المذكورة على المدعي بوجوه ستّة68
     في أخصية الأخبار المذكورة69
      تنبيهات متعلّقة بأدلّة التسامح‏70
     في جريان التسامح على القول به في الأحكام الشرعيّة71
      في بيان حكم ما إذا ورد خبر ضعيف على استحباب فعل و ورد خبر آخر على ...72
      نقل كلام صاحب الذخيرة و تحسينه و تجويده‏73
      في اختصاص أدلّة البراءة بصورة الشك في الوجوب العيني‏74
     في جريان أصل العدم بالنسبة إلى حكم التكليفي‏74
      فيما اشتبه حكمه الشرعي من جهة إجمال اللفظ76
     فيما اشتبه حكمه الشرعي من جهة تعارض النصّين‏76
      في أن الإرجاع إلى الحكم الظاهري خلاف منصب الإمام عليه السلام 77
     في حكم الشبهة الموضوعيّة الوجوبيّة77
     في الاستدلال على وجوب الاحتياط في المقام بوجوه‏78
      في بيان وجوه ضعف التقريب المذكور أمّا أوّلا79
     في تقريب أصالة عدم الإتيان و الجواب عنها79
      في الوجه الثالث من وجوه الاحتياط80
     في أن حكومة البعض هنا غير محصّلة المراد80
     فيما دار الأمر فيه بين الوجوب و الحرمة80
      في وجه تخصيص محلّ البحث بالقسمين‏81
      في أن استفادة التخيير في المقام مما ورد في الخبرين المتعارضين فاسد82
     في أن الحق ما قرره قدس سره في أول الكتاب من عدم جريان أصالة الإباحة ...82
      دليل القول بالتخيير في المقام‏83
     وجوه القول بلزوم الأخذ بالتحريم‏83
     في أن التخيير على القول به بدوي أو استمراري‏84
      في الشكّ في المكلّف بعبد العلم بالتكليف و بيان أقسامه‏86
      في الأدلّة الدالة على وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة و النّقض و ...86
      في أنه لا يمكن الحكم بالإباحة الظاهريّة في أطراف الشبهة المحصورة88
     في أنه لا فرق بين الإذن في الارتكاب الدفعي و التّدريجي‏88
      في أنه لا معنى للرجوع إلى البراءة بعد تنجّز التكليف بالواقع‏89
     في الإشكال على ما ذكره المصنف قدس سره من الفرق بين التخيرين‏89
      في أن الحكم الظاهري في حق أحد هل له واقعيّة في حق الغير أم لا90
     في أنه لا فرق بين الخطاب الواحد و المردد بين العنوانين‏90
     البحث في وجوب اجتناب الكل و عدمه 91
      في إثبات الملازمة بين حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعيّة91
     في أنه لا معنى للحكم بالتخيير بين الأصلين في المقام‏91
      في أنه لا يمكن إجراء أصالة الإباحة في الشبهة المحصورة على التخيير92
     نقل كلام الفاضل النراقي قدس سره‏92
      في استقلال العقل بوجوب الموافقة القطعيّة بعد ثبوت الاشتغال‏93
     تقريب الاستدلال بالخبر الواحد في الشبهة المحصورة93
      تقريب الجواب عن الخبر المتقدّم‏94
     في سائر ما يتوجّه على التقريب المتقدّم غير ما ذكره المصنف قده‏94
      في ذكر الأخبار الظاهرة في عدم جواز الارتكاب في الشبهة المحصورة95
     في الإشكالات الواردة على الاستدلال بحديث التثليث في المقام‏95
      في الأخبار الواردة في الشبهة المحصورة التي يستأنس بها حكم المقام‏96
     في الاستئناس بما ورد في القرعة96
     تنبيهات في الشبهة المحصورة 97
      في نقل كلام صاحب المدارك و صاحب الحدائق فيما يتعلق بالشبهة المحصورة97
     في الأمرين الذين ينبغي التنبيه عليهما98
      في كيفيّة حكم العقل بوجوب دفع الضرر الدّنيوي و الأخروي‏99
     في جواز الرّجوع إلى أصالة الإباحة عند الشكّ في الضّرر الدنيوي‏100
     في الأعراض المتوجّه على التحقيق المذكور و الجواب عنه‏100
      في أن وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة موقوف على تنجيز التكليف على ...101
     في أن انتفاء التّنجز يتحقّق بأمور101
      الثالث من الموارد التي لا يتنجّز فيها العلم الإجمالي‏102
     في أنّ ما ذكر أصل يترتّب عليه فوائد جليلة102
      في ذكر الموارد التي لا يجب الأخبار فيها مع كون الشبهة فيها محصورة من ...103
      في أن الكلام في موارد الشّكّ في الابتلاء يقع في مواقع‏104
      في التنبيه الرابع من تنبيهات الشبهة المحصورة الذي يتوهّم الأمور105
      في حكم ملاقي الشبهة المحصورة106
     في الاستدلال على الملازمة بوجهين و الجواب عنهما106
      جوابان آخران عن الوجه الأوّل ينبغي التعرّض لهما107
     في الإشارة إلى ضعف الجواب و السؤال عند النظر الثاني‏107
      في أن ما ذكر يجري في ملاقي النجس المعلوم‏108
     في ذكر المسلكين الأخيرين لوجوب الاجتناب عن الملاقي‏108
      في أنه لا تعارض بين الأصل في الشّكّ السّببي و الأصل في الشّكّ ...109
      في إثبات عدم وجوب الاحتياط في الملاقى و دفع ما توهمه بعض‏110
     في حكم باقي صور مسألة الشبهة المحصورة110
     في أنه لو اضطر إلى ارتكاب بعض الأطراف‏111
     ذكر الشبهات المتوجهة إلى المختار و هو وجوب الاحتياط الكلّي في الشبهة ...112
     في بيان ما يقتضيه القاعدة عند الانسداد113
     في الإشكال الوارد على القائلين بحجّية مطلق الظن و التفصّي عنه بوجوه‏114
      في أنه لا فرق في الحكم المذكور بين ارتكاب الأطراف دفعة أو تدريجا115
      في أن مقدمات الواجب المشروط تتصف بالوجوب المطلق قبل حصول شرط الوجوب‏116
      في أنه لا مانع من الرّجوع إلى أصالة الإباحة و الفساد في المعاملة ...117
     في أنّه هل يمكن التمسّك بالعمومات في المثال المذكور أم لا117
      في بيان حكم الخنثى و ما هو وظيفتها في الأحكام المختصة و الأحكام ...118
      في التنبيه الثامن من تنبيهات الشبهة المحصورة119
     المقام الثاني في الشبهة الغير المحصورة119
     في تقرير الإجماع على عدم وجوب الموافقة القطعية في الشبهة الغير ...120
     في تقرير دليل لزوم الحرج من الاحتياط في المقام‏120
      في أن المنفي بأدلّة نفي الحرج هل هو الحرج الشّخصي أو النوعي‏121
      نقل كلام المحقّق القمّي و صاحب الفصول قدس سرهما 121
     في توجّه المناقشة على ما أفاده الفاضلان المتقدّمان‏122
      تحقيق الكلام في حكم الحديد123
     في تقريب الاستدلال بالوجه الثالث و ما يتوجّه عليه من وجوه المناقشات‏123
      في المناقشة الرابعة على الوجه الثالث‏124
     في المناقشة فيما أفاده المصنّف من وجوه‏124
      في الأخبار الدّالة بظاهرها على جواز الارتكاب في الشبهة الغير المحصورة125
      في أن العلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة لا يمنع من الرجوع إلى ...126
      في أنّه هل يجوز ارتكاب الكلّ في الشبهة الغير المحصورة أم لا127
     في الذب عن الوجوه الظاهرة في جواز المخالفة القطعية127
     في أن بيان ضابط المحصور و غيره يتوقف على تقديم أمور128
      في بيان ما يمكن أن يكون ضابطا للمحصور و غيره مزينا و مقبولا130
      في أن شبهة الكثير في الكثير حكمها حكم الشبهة المحصورة130
     في حكم الشبهات الحكميّة من دوران الأمر بين الحرام و غير الواجب‏131
     في بيان محتملات الحديث المعروف و هو قوله عليه السّلام من جدّد قبر إلى ...132
     في اشتباه الواجب بغير الحرام و أقسامه‏132
      في الفرق بين الأقل و الأكثر في الشبهة الوجوبيّة و بينهما في الشبهة ...132
     في حرمة المخالفة القطعيّة133
      في أن مقتضى التحقيق عدم كون العلم أيضا شرطا كالتّنجز134
     في أنّ الحق وجوب الموافقة القطعيّة أيضا134
      في إمكان قناعة الشارع عن امتثال الواقع بالإتيان ببعض محتملاته‏135
      في أن الواجب في المقام الاحتياط الكلّي و أدلّة البراءة غير جارية فيه‏136
     في أن كلام المحقّق القمّي لا يبتني على التّصويب‏136
      في أن حاصل ما يتوجه على كلام الفاضل‏القمي في المقام يرجع إلى وجوه‏137
     في أنه لا يعقل اشتراط التكليف بالعلم سواء كان من الشرع أو العقل‏138
      في إمكان قصد الوجه في مورد الاحتياط على نحو قصد القربة فيه‏139
     في أن الأوامر الظاهريّة غيريّة لا يصح قصد التقرّب بها139
      في توضيح أن الأمر الغيري الإرشادي لا يصحّح قصد التقرّب و الامتثال‏140
     في أن العمل بالاحتياط في مورد لا يلازم التشريع أبدا140
      في أن طاعة الأمر الغيري الشّرعي الواقعي موجبة للتقرب أم لا141
     في أن الأمر الظّاهري الشّرعي موجب لحصول القرب أم لا141
     في تقرير الاستصحاب المتوهم في المقام على وجوه و الذّب عنها142
      في جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا اقتضت المصلحة ذلك‏143
     في الإشارة إلى الأخبار الدالّة على التخيير في المتعارضين‏143
      في أنه لا فرق في الشبهة الموضوعيّة في المقام بين أنحائها144
      في أن شرط الاحتياط قصد إتيان تمام المحتملات من أوّل الأمر145
      في أنّه هل يفرق بين الشّبهة الغير المحصورة في المقام و بينها في ...146
      في الإشارة إلى حكم طروّ المانع قبل العلم الإجمالي أو معه أو بعده‏147
     في حكم ما لو كان الواجب المردّد أمرين مترتّبين‏147
      في دوران الواجب بين الأقل و الأكثر149
     في بيان حكم الأقل و الأكثر149
      في الإشارة إلى ضعف الوجوه المذكورة151
      في بيان القول المختار و ذكر مستنده و دليله‏153
      في إبداء الفرق بين أوامر المقام و أوامر الأطباء154
     في المناقشة على ما أفاده المصنّف من وجوه‏155
      في أن المثال المذكور في الكتاب للكليّة لا يخلو عن مناقشة156
      في توضيح ما أفاده من تضعيف التمسّك بأصالة العدم‏157
      في بيان حكومة أصالة البراءة على استصحاب الاشتغال في المقام‏159
     في وجه تأمّله في الدليل العقلي على البراءة160
      في إمكان إجراء البراءة بالنسبة إلى وجوب الأكثر161
     نقل كلام صاحب الفصول‏161
      في التعرّض لما اعترضه المصنّف على الكلام المذكور163
     في تشخيص ما هو محلّ البحث و النزاع في مسألة مقدّمة الواجب‏165
     في أنّ أصالة عدم الجزئية لا ينفع في المقام على شي‏ء من التقادير166
     في أن لازم قول الصّحيحي الإجمال الذاتي و قول الأعمّي البيان الذاتي‏167
      في أنه لا فرق في معظم الأجزاء بين القول بالوضع للصّحيح و القول ...168
      في فساد ما ذكروه من ترتّب الثمرة المذكورة على القولين‏169
      في الإشارة إلى شرائط التمسّك بالإطلاق‏170
      في الإشارة إلى توهّم اقتضاء القول بالأعمّ لوجوب الاحتياط و الجواب ...170
     في الإشارة إلى توهّم آخر و تضعيفه‏171
      في بيان تحكيم أخبار التخيير على أصالتي الإطلاق و العموم‏172
      في أن المثالين المذكورين في الكتاب للشبهات الموضوعية محلّ للمناقشة173
      في وجه إلحاق دوران الأمر بين التخيير و التعيين بالأقل و الأكثر174
      في تقسيم الشرط إلى القسمين‏175
     في أنّ القسم الأوّل لا يمكن تسبّبه من الأمر النّفسي‏175
      في بيان أنّ القسم الثاني من الشرط المستفاد من النهي النفسي و ما ...176
      في بيان معنى الركن و المراد منه‏177
     في بيان عدم إمكان كون مثل السّهو و النسيان ممنوعا177
      في تتميم ما عرفت من عدم إمكان توجيه الخطاب إلى الناسي‏178
     في الإشارة إلى أمهات مطالب الإجزاء178
      في أنّ مقتضى القاعدة عدم اقتضاء موافقة الأمر الظاهري للإجزاء179
      في أن امتثال الأمر الخيالي العقلي لا يقتضي الإجزاء180
      في بيان ما هو المرفوع في حديث الرّفع‏181
     في كيفية اعتبار الإجزاء في المركّب المأمور به‏181
      في فساد التمسّك باستصحاب صحة الأجزاء السّابقة عند الشكّ‏182
      في الإشارة إلى الفرق بين القاطعيّة و المانعيّة183
      في بيان محتملات قوله تعالى و لا تبطلوا أعمالكم‏184
      في بيان مبنى الجواب عن حرمة الإبطال و المناقشة فيه‏185
     في بيان وجوه الأخبار الواردة في حكم الثلاث‏185
      في بيان ما هو مقتضى الأخبار المذكورة186
     في كيفيّة علاج تعارض هذه الأخبار186
      في حكم دوران الأمر بين الشرطيّة المطلقة و غيرها و كذا الجزئيّة187
      ملخّص القول في الموضع الثاني من المواضع‏188
      محصّل القول في الموضع الثالث من المواضع‏189
     في رواية عبد الأعلى و المناقشة في الاستشهاد بها189
      في نقل كلمات صاحب الفصول ممّا يتعلّق بالمقام و ما يرد عليها190
      في المناقشات الواردة على تقريب الاستدلال بالعلوي الثّاني‏191
      نقل كلام الرّياض و ما يتوجّه عليه‏192
     في دوران الأمر بين الشرطيّة و الجزئيّة192
      في حكم دوران الأمر بين الشرطيّة و المانعية و أنه يحتمل وجوبها193
      في حكم دوران الأمرين الواجب و الحرام‏194
     خاتمة فيما يعتبر في العمل بالأصل 194
      في بيان حكم المحتاط التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد و الإشارة إلى ...195
      في أنّه لا يكفي في نية القربة و الوجه قصد الوجوب الظاهري و الأمر ...196
      في إثبات عدم وجوب في الشبهات الموضوعيّة و وجوبه في الشبهات الحكميّة196
      في أنّ مقتضى الوجه الرابع دخول تمام الشبهات البدويّة تحت عنوان الشكّ ...198
     في توضيح المناقشة المتوجّهة على الوجه الرابع‏199
     في الإشارة إلى كيفيّة اعتبار العلم و حجّيته‏199
     في نقل كلمات الأردبيلي و صاحب المدارك في مسألة العلم‏200
     في توضيح الحكومة من القول المشهور و قول صاحب المدارك و من تبعه‏201
     في الإشارة إلى جملة من الأحكام الخلل الواقع في الصّلاة201
     في الإشارة إلى جملة من أحكام مقدّمة الواجب و تحقيقاته الشريفة المنيفة203
     في بيان حكم المعاملات و افتراقها عن العبادات فيما تقدّم‏204
      في بيان مراد الفاضل النراقي من كلامه المفصل في المناهج فيما يتعلّق ...205
     نقل كلام آخر للفاضل المذكور في مسألة تبدّل الرأي‏206
     في المناقشات الواردة على ما أفاده المحقق المذكور قدّس سرّه‏207
     في بيان حال الوجوه الأربعة المذكورة في الكتاب و إلحاق الوجه الخامس بها209
     في أنّ عمل الجاهل إذا خالف الواقع غير مجد إلا في موضعين‏210
     في تقرير الإشكال على الحكم بالمعذورية في الموضعين و دفعه بوجوه‏211
     في تصحيح عبادة الناسي في بعض الموارد و أنّ النسيان لا يعقل أن يكون ...211
     نقل كلام المحقق الثاني و كاشف الغطاء و صهره قدس سرهم في تصحيح أمر ...212
     في توضيح دفع ما أفاده من الترتّب القصدي‏214
     في تصحيح مسألة الضّدّ بغير الابتناء على الترتب المذكور215
     في إعادة ما تقدّم من عدم وجوب الفحص في الشبهة الموضوعيّة لنكتة215
     في أن الحق بمقتضى القاعدة عدم وجوب الفحص في الشبهة الموضوعيّة مطلقا216
     توضيح الكلام في مقدار الفحص اللازم‏217
     نقل كلام الفاضل التّوني في شروط الرجوع إلى أصالة البراءة217
     في المناقشات المتوجّهة على ظاهر كلام الفاضل التوني قدّس سرّه‏218
     في بيان حال أصالة التّأخّر و أصالة عدم التقدّم‏220
     في حكم الصورة الأولى من الصّور الثّلاث المتصورة في المقام‏221
     في قاعدة نفي الضّرار و الضّرار و شرح القول فيها222
     في أنّ أخبار الضّرار متواترة أم لا223
     في التّعرض للأخبار الواردة في الباب‏224
     في بيان معنى الضّرر و الضّرار224
     في أن الاحتمالات المتطرقة في الحديث الشريف ثلاثة225
     نقل كلام الفاضل النراقي و ما يتعلّق به‏226
     تنبيهات في قاعدة لا ضرر و لا ضرار227
     التنبيه الأول في بيان أنّ القاعدة حاكمة على العمومات المثبت للتكليف ...227
     التنبيه الثاني من تنبيهات نفي الضّرر228
     التنبيه الثّالث‏228
     التنبيه الرّابع‏228
     التنبيه الخامس و السّادس‏229
     التنبيه السابع‏230
     التنبيه الثامن 230
     التنبيه التاسع‏230
     التنبيه العاشر230
     التنبيه الحادي عشر230
     التنبيه الثاني عشر في دوران الأمر بين الحكمين الضررّيين‏231
     التنبيه الثالث عشر231
     نقل جملة من الكلمات في مسألة تعارض الضررين‏232
    بيان ما يقتضيه التحقيق من حكم الصّور الثلاث‏232

2
الجزء الثّاني في أصالة البراءة و ما يتعلّق بها
في الحكم الظاهري و الواقعي‏
في الفرق بين العلم و الظن بحسب الجعل و غيره إجمالا فهي ستة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على نبيّه محمّد و آله الطّيبين الطّاهرين حجج اللّه على خلقه أجمعين و على سائر أنبيائه وأوليائه و ملائكته المقرّبين و لعنة اللّه على أعدائهم من الأوّلين و الآخرين إلى يوم الدين‏ قوله قدس سرّه قد قسمنا في صدرهذا الكتاب المكلّف الملتفت إلى الحكم الشّرعي العملي إلى آخره‏(1) أقول قد أسمعناك في الجزء الأوّل من التّعليقة وجه التقييد بالالتفات والحصر في الثّلاثة و إلقاء الوهم و كون اعتبار العلم بالنّسبة إلى الحكم المترتّب على متعلّقه ذاتيّا ككشفه عن متعلقة و طريقيّة إليه و استحالةتعلّق الجعل مطلقا به سواء كان من الشّرع و العقل و إقامة البرهان على ذلك و فساد توهّم من ذهب إلى الخلاف غفلة عن حقيقة الحال‏أو فتح باب الاعتراض ذاهلا عن المراد و أن الظّن سواء كان شخصيّا أو نوعيّا يشارك العلم في الكشف و الطريقيّة الذاتية بحسبه و أنّه‏يمكن أن يعتبر من حيث كونه كاشفا عن متعلّقه و طريقا إليه في الشّرعيّات و أنّه يفارق العلم من هذه الحيثيّة و أنّه ليس لازم الاعتبار بذاته ولا تمنع الاعتبار كذلك فيفارق الشك أيضا و أن الحكم بوقوع اعتباره و حجيّته في الشّرعيات يتبع قيام الدّليل على الوقوع شرعا أو عقلاو الآخر خرج عن الإمكان إلى الوجوب و هو خلف محال و أنه في مورد الشك في قيام الدّليل على الوقوع يبني على عدمه و أنه لا شك في وقوعه‏في الجملة في الشّرعيّات و التّأمل في الأصل الثانوي الذي جرى في لسان جمع ممن قارب عصرنا أو عاصرناه من لزوم البناء على الوقوع‏في الحكم الفقهي أو الطريق أو هما معا إلاّ ما خرج كما أنا أسمعناك هناك امتناع طريقة الشّك و كشفه عن المشكوك و إلا خرج عن كونه شكّامضافا إلى لزوم الطريقية إلى المتنافيين و المتناقضين ذاتا و امتناع اعتباره من الحيثية المذكورة بعد فرض فقدانها بالذات و فسادتوهّم بعض من عاصرناه خلاف ذلك و أن مرجع اعتبار الاستصحاب إلى اعتبار احتمال الحالة السّابقة و كذا مرجع أصالة الحلية في الأشياءإلى اعتبار احتمال الحلية و ترجيحه على احتمال الحرمة و هكذا الأمر في الطرق التعبدية غفلة عن المراد عن كون المستحيل في الشك اعتباره‏من حيث كونه طريقا و كاشفا لا مطلق ترتب الحكم عليه و إلا فما ذكرنا بعد الالتفات من الواضحات الملحقة بالبديهيات الأولية وكيف يتصور عروض الحكم الشرعي للشك من حيث كونه طريقا و كاشفا مع امتناع وجود الحيثية المذكورة فيه و عدم صلاحيته لملاحظته‏بهذا الاعتبار لعدم وجدانه له و امتناع تأثير جعل الشاعر فيه كما هو ظاهر و أن كلا من الأوصاف الثلاثة قابل لتعلق الحكم لمورده ويصير موضوعا للحكم و يشارك من هذه الجهة و الحيثية مع الآخر و إن تفارقت من الحيثية التي عرفت الإشارة إليها و إلى ذلك أشار قدس‏سره بقوله و أما الشك فلما لم يكن فيه كشف أصلا لم يعقل أن يعتبر يعني لا يعقل أن يعتبر طريقا إلى متعلقه و كاشفا عنه فلو ورد في‏مورده حكم إلى آخره يعني بذلك تعلق الحكم بالمشكوك من حيث كون الشك مأخوذا فيه و ما هو المراد من الحكم الواقعي و الظاهري و تحقيق‏مجاري الأصول و أن المأخوذ في موضوعاتها الشك أو العنوان المنطبق عليه في الجملة و الإشارة إلى خلاف بعض من قارب عصرنا أو عاصرناه‏
3
في فصوله في معنى الحكم الواقعي و الظاهري إلى غير ذلك مما فصلنا لك القول فيه ثمة و لكن نعيد الكلام في تحقيق الحكم الواقعي و الظاهري و نجدده‏فيه لما هو المقصود بالبحث في المقام و لعلنا نشير ضمنا إلى بعض ما طوينا ذكره في الجزء الأول من التعليقة
في تحقيق الحكم الظاهري و الواقعي‏
فنقول أما الحكم الواقعي فالمراد به‏هو الحكم المجعول للموضوعات بالملاحظة الأولية و بعبارة أخرى الحكم المجعول لها جعلا أوليا و بعبارة ثالثة هو الحكم المجعول لها من دون ملاحظةالجهل بحكمها الأولي المجعول لها و إن لوحظ في عروضه لها و تعلقه بها سائر الاعتبارات و الأوصاف كالحضر و السفر و الصحة و المرض ووجدان الماء و فقدانه إلى غير ذلك فالأحكام الثابتة لذوي الأعذار و الموضوعات الاضطرارية أحكام واقعية بل و إن لوحظت في عروضه‏لها العلم بالموضوع أو الظن به أو الشك فيه بحيث لا يكون مع قطع النظر عن هذه لها حكم بحيث يكون المجعول بملاحظتها مجعولا أوليا لها أوكان و لكن لم يكن من سنخها أو و إن كان من سنخها بالنسبة إلى غير العلم على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأول من التعليقة و أما الحكم الظاهري‏فهو المجعول للموضوعات من حيث الجهل و عدم العلم بالحكم المجعول لها أولا و بالذات سواء لوحظ فيه الظن به شخصا أو نوعا أو الشك فيه بالمعنى‏المقابل للظن و هو التسوية كما هو الملحوظ في موارد التخيير و شكوك الصلاة في ركعاتها أو أفعالها بالمعنى الأعم من الأقوال أو الشك بالمعنى‏اللغوي و هو خلاف اليقين على ما في القاموس كما هو الملحوظ في الاستصحاب بناء على القول به من باب الأخبار و على ما ستقف على تفصيل‏القول فيه أو العنوان المنطبق على الشك بالمعنى الأعم في الجملة كما هو الملحوظ في موارد وجوب الاحتياط عقلا و شرعا و موارد البراءةالعقلية و الشرعية على ما ستقف عليه عن قريب من إناطة الاحتياط باحتمال العقاب لا الشك و إناطة البراءة بعدم وصول البيان الكافي‏من الشرع و إن كان ظنا معتبرا بل أصلا من الأصول الشرعية كالاستصحاب و إن كان في إناطتها بهذا المعنى كلام بالنسبة إلى البراءة الشرعيةأو منع في الجملة و لو بالنسبة إلى الموضوعات الخارجية بدعوى كون المناط فيها هو عدم العلم بالحكم الإلزامي فينطبق على الشك بالمعنى الأعم كمافي موارد الاستصحاب و ستقف على ما هو المختار من المسلكين عن قريب فقد ظهر مما ذكرنا أن الحكم الثابت بمقتضى الأدلة الظنية المعتبرة شرعاو الأمارات الشرعية حكم ظاهري على مذهب أهل الصواب من المخطئة كما اتفقت عليه كلمة علماء الإمامية بل يكون الأمر كذلك عند العامةأيضا بالنسبة إلى الأمارات القائمة على الموضوعات الخارجية بل على الأحكام فيما كان الدال عليها ظواهر الكتاب و السنة كما عرفت البحث‏فيه في الجزء الأول من التعليقة و لذا ذكروا أن المستنتج من البرهان المعروف الذي يترتبه المجتهدون هو العلم بالحكم الظاهري و وجهوا به‏أخذ العلم بالحكم في تعريف الفقه في دفع الإيراد عليه بكون أكثر مباديه ظنية بأن المراد بالحكم أعم من الظاهري و الواقعي فلا ينافي أخذ العلم‏في حد الفقه و إلى ذلك يشير قوله قدس سره بعد ذلك و لذا اشتهر أن علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانية و هي هذا ما ادعى إليه ظني وكبرى برهانية و هي كلما أدى إليه ظني فهو حكم الله في حقي فإن الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري فإن صريحه كون الحكم الظاهري‏أعم من مفاد الأصول و إن كان ربما يوهم قوله قبل ذلك في بيان الفرق بين الأصل و الدليل كون الحكم الظاهري مختصا بمفاد الأصل‏كظاهر ما يتراءى منه ذلك في باب الاستصحاب و من هنا قيل إن للحكم الظاهري إطلاقين عنده أعم و أخص و لكن المتأمل يشهد بأن مراده ليس‏تخصيص مطلق الحكم الظاهري بمفاد الأصل بل تخصص ما لا يلاحظ في تعلقه بالموضوع المجهول الحكم الكشف الظني عن الواقع و لكن الأمر في‏ذلك سهل و أما إطلاق الحكم الظاهري على الفعلي المنجز سواء كان واقعيا تنجز بالعلم أو ظاهريا بالمعنى الذي عرفته و الواقعي على‏الثاني الغير المنجز فلم نقف عليه إلا في كلام بعض الأفاضل مقاربي عصرنا في فصوله و قد تقدم نقله في الجزء الأول من التعليقة
في انقسام الحكم الظّاهري إلى الشأني و الفعلي‏
ثم إن الحكم الواقعي بالمعنى الذي عرفت كما ينقسم إلى الشأني و الفعلي بالنظر إلى حكم العقل بوجوب إطاعته و تنجزه على المكلف و ترتب الآثارعليه و حكمه بكونه معذورا في مخالفته على تقدير ثبوته في نفس الأمر لا أن يكون هناك إنشاءان و حكمان من الشارع أحدهما الحكم الشأني‏ثانيهما الفعلي كما قد يتوهم أو توهم كذلك الحكم الظاهري ينقسم إلى الثاني و الفعلي فإن ثبوته في موضوعه لا تعلق له بعلم المكلف به‏فإذا علم المكلف به تنجز في حقه كوجوب تصديق العادل مثلا فإنه ربما يكون هذا الحكم ثابتا و لا يعلم به المجتهد أو وجوب تقليدالأعلم مثلا فإنه و ربما يكون ثابتا و لا يعلم به المجتهد و لا العامي و لكن مجرد ثبوته النفس الأمري بل الفعلي لا يكفي في ترتب الآثار عليه إلابعد الاستناد إليه في العمل فإذا فرض كون فعل حراما في الواقع فإذا استند العامي في ارتكابه إلى رأي من يفتي بجوازه مع جواز تقليده‏في حقه يكون معذورا و إلا فلا و لا ينافي ما ذكرنا من وجود القسمين للحكم الظاهري ما اتفقت عليه كلمتهم من التصويب في الأحكام الظاهريةفي الجملة ألا ترى أن الخبرين المتعارضين المتساويين من جميع الجهات إذا أخذ مجتهد بأحدهما و آخر بالآخر يكون مفاد المأخوذ مع الاختلاف‏حكما ظاهريا للآخذ و كذا في دوران الأمر بين الحرمة و الوجوب مع تساوي الاحتمالين و هكذا و بالجملة ما ذكرنا مما لا إشكال فيه لأن‏
4
القول بتوقف ثبوت الحكم الظاهري في نفس الأمر على العلم بثبوته دوري كالقول باشتراط ثبوت الحكم الواقعي على العلم به كما صرح به العلامةقدس سره في غير موضع من كتبه حيث إن العلم متأخر عن المعلوم فكيف يتوقف المعلوم عليه و من هنا ذكروا أن اشتراط التكاليف بالعلم ليس على حد اشتراطهابالبلوغ و العقل و القدرة فإن المتوقف على العلم تنجز الخطابات الواقعية لا وجودها النفس الأمري بل ربما نقول بعدم اشتراط التنجز بالعلم أيضافضلا عن الثبوت النفس الأمري فإن الجاهل الملتفت إذا ترك الفحص تنجز عليه جميع الخطابات الواقعية أصولا و فروعا و لو عرض له الغفلةبعد الالتفات و ترك الفحص‏
في وجه تسمية الحكم الظاهري بالواقعي الثانوي و في الفرق بين الدليل و الأمارة
ثم إن الحكم الظاهري كما يسمى ظاهريا بكونه معمولا به عند العجز عن تحصيل الواقع يسمى واقعيا ثانويا أيضا أماالوجه في تسميته بالواقعي فلأن كل شي‏ء فرض له ثبوت فله واقعية في موضوعه فهو واقعي بهذا المعنى و أما توصيفه بالثانوي فمن حيث تأخر موضوعه‏عن الواقعي بقول مطلق و الواقع الموصوف بالأولي و إليه أشار بقوله رحمه الله و يطلق عليه الواقعي الثانوي أيضا إلى آخره و يسمى الدال على الحكم الظاهري‏الغير الملحوظ فيه الكشف الظني عن الواقع أصلا و الدال على الحكم الواقعي الكاشف عنه علما أو ظنا بحيث يكون الكشف الظني ملحوظا في اعتباره‏دليلا و قد يطلق على الكاشف الظني أمارة أيضا و قد يختص الأمارة بما يكون معتبرا من حيث الكشف الظني في الموضوعات الخارجيةفالاستصحاب إذا كان مبناه على الظن كما هو المشهور بين القدماء لا يكون أصلا بالمعنى المذكور و كذا البراءة إذا كان مبناها على الظن كما يظهر من الشيخ البهائي و الشيخ‏حسن صاحب المعالم و غيرهما قدس الله أسرارهم كما أن الأول قد يسمى بالدليل الفقاهتي من حيث كونه موجبا للعلم بالحكم الظاهري و الثاني قديقيد بالاجتهادي من حيث كونه موجبا للعلم أو الظن بالحكم الشرعي و هذان اصطلاحان على ما وقفنا عليه من الفاضل المازندراني في شرح‏الزبدة و شايعه الأستاذ الأكمل الفريد البهبهاني في فوائده قال قدس سره في محكي فوائده الجديدة في الفائدة الأخيرة ما هذا لفظه المجتهد و الفقيه‏و المفتي و القاضي و حاكم الشرع المنصوب عبارة الآن عن شخص واحد لأنه بالقياس إلى الأحكام الشرعية الواقعية يسمى مجتهدا لما عرفت‏من انسداد باب العلم و بالقياس إلى الأحكام الظاهرية يسمى فقيها لما عرفت من كونه عالما بها على سبيل اليقين انتهى كلامه رفع مقامه و المستفادمنه كما ترى كون الاجتهاد عنده عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل خصوص الظن بالحكم الشرعي أو حصول ملكة ذلك فتحصيل العلم بالحكم‏من الدليل خارج عن حقيقة الاجتهاد عنده و هذا و إن كان مذهب غير واحد بل مذهب جميع العامة و أكثر الخاصة كما يظهر لمن راجع كلماتهم في بحث‏الاجتهاد إلا أن الحكم بخروج تحصيل العلم بالحكم عن الاجتهاد مطلقا حتى في النظريات محل تأمل و كلام مذكور في بابه و من هنا قال شيخنا قدس سره‏و قد يقيد بالاجتهادي فقد جعل مطلقة مقيدا به إلا أن يحمل على المهملة فيوافق ما في الفوائد و الذي يقتضيه التحقيق في المقام أن الشخص‏من حيث كونه مستنبطا للحكم يسمى مجتهدا و إن كان الحكم المستنبط ظاهريا و من حيث كونه عالما بالحكم يسمى فقيها من غير فرق بين كون المعلوم حكماظاهريا أو واقعيا و الخطب في ذلك سهل‏
في بيان عدم لزوم مطابقة الحكم الظاهري للحكم الواقعي‏
ثم إنه ظهر مما ذكرنا في بيان حقيقة الحكم الواقعي و الظاهري أن ثبوت الحكم الظاهري في‏موضوعه لا يعتبر فيه مطابقته للحكم الواقعي المتحقق في نفس الأمر كيف و هو مستحيل عقلا كيف و اعتبار المطابقة يوجب ارتفاع الحكم‏الظاهري و هو أمر ظاهر فالحكم الظاهري قد يطابق الحكم الواقعي و قد يخالفه فعند الجهل بالحكم الواقعي يكون هناك حكمان باعتبار نفس‏الواقع من حيث هو مجردا عن جميع الملاحظات و باعتبار الجهل بهذا الحكم الأولي فيمكن أن يكون شي‏ء حراما في الواقع و حلالا في الظاهر كمايمكن عكس ذلك فقد يكون شي‏ء حراما في الواقع و واجبا في الظاهر كعكسه فإذا يقع الإشكال في أنه كيف يمكن اجتماع الحكمين المتنافيين‏فإن لحاظ التجريد عن العلم و الشك و الظن في عروض الحكم الواقعي لا يوجب انتفاء الحكم الواقعي في صورة الشك مثلا لأن المفروض عدم‏ملاحظته لا ملاحظة عدمه و إلا كان ثبوته مشروطا بالعلم به و هو مع كونه خلفا محالا محال من جهة لزوم الدور الظاهر على ما عرفت الإشارةإليه
في الجواب الأول عن التناقض‏
و أشكل من ذلك ما اتفقت عليه مقالتهم ظاهرا في مسألة امتناع اجتماع الأمر و النهي من أن الممتنع على القول به هو اجتماع الفعليين‏من الوجوب و التحريم لا الفعلي و الشأني و من هنا حكموا بصحة صلاة الجاهل بموضوع الغصب في الدار المغصوبة و اللباس المغصوب اتفاقابل الجاهل بالحكم و الحرمة مع القصور بل ناسيهما إلا العلامة قدس سره في الناسي هذا و قد يذب عن الإشكال المذكور في المقام بوجوه الأول ما سبق إلى بعض الأوهام من كون الحكم الواقعي عبارة عن شأنية الحكم و ليس حكما حقيقة فإن شئت قلت إن الموجود في حق الجاهل جهة الحكم‏و هي المصلحة و المفسدة لا الإنشاء فلا ينافي تعلق الإنشاء بالجاهل على الخلاف لعدم اجتماع الحكمين حقيقة و بمثل ذلك يقال في دفع الإشكال‏عما بنوا عليه الأمر في مسألة اجتماع الأمر و النهي من عدم المضادة بين الفعلي و الواقعي و أنت خبير بفساد هذا الوجه لأن الذي يتعلق به العلم‏تارة و الظن أخرى و الشك ثالثة ليس الحكم بهذا المعنى و أيضا لم يؤمر السفراء بتبليغ هذا المعنى إلى الخلق و كذلك ليس المعنى المذكور و مدلول‏الخطابات الواقعة الصادرة من الشارع و بالجملة القول بالحكم الواقعي الثابت في حق جميع المكلفين المختلفين بالعلم و الظن و الشك مجرد المصلحة
5
و المفسدة فاسد جدا و لعل المصوبة لا ينكرون ثبوت هذا المعنى أيضا كما عرفت الإشارة إليه في الجزء الأول من التعليقة
في الجواب الثاني عن التناقض‏
الثاني ما وقفنا عليه في كلمات بعض من قارب عصرنا و اشتهر و تداول في ألسنة طلبة عصرنا من التصرف في الحكم الظاهري عكس الوجه الأول‏الراجع إلى التصرف في الحكم الواقعي و هو كونه عبارة عن مجرد المعذورية في مخالفة الواقع فهو إخبار حقيقة عن المعذورية و توسعة للمكلفين‏في عدم تعين تحصيل الواقع عليهم و يزيدك وضوحا كون الأوامر المتعلقة بالطرق إرشاديا صرفا و أن السالك منها تصل إلى الواقع غالباو أنه معذور في مخالفته على تقدير خطاء الطريق فهي إخبار حقيقة عن هذا المعنى لا أن يكون لها جهة إلزام و مولوية بحيث يكون في موردهامصلحة ملزمة لجعل الحكم و هو كما ترى كسابقه فإن القول بكون جعل الحكم الظاهري راجعا إلى المعذورية مطلقا كما ترى فكيف‏يجعل الخطاب الوارد في باب الاستصحاب بحرمة النقض على المعذورية الصرفة و كذلك الخطاب الوجوبي في باب الاحتياط عليها و كذلك الخطاب‏المتعلق بوجوب العمل بالطرق الشرعية نعم لا ننكر كون حكم العقل في باب البراءة راجعا إلى المعذورية لا أن يكون الأمر كذلك مطلقا و أماحديث كون الخطاب المتعلق بالطريق إرشاديا فهو أجنبي عن المقام لما بينا في مسألة امتناع اجتماع الحكمين من عدم الفرق بين الإرشادي و غيره‏نعم من جعل الطلب الإرشادي إخبارا صرفا بصورة الإنشاء كبعض أفاضل مقاربي عصرنا في ظاهر كلامه في الفصول تبعا لظاهر أخيه‏المحقق المحشي قدس سرهما فهو مستريح عن توجه هذا الإشكال في الجملة لكن المبنى فاسد عندنا على ما أسمعناك شرح القول فيه في الجزء الأول‏من التعليقة
في الجواب الثالث عن التناقض‏
الثالث ما عرفت الإشارة إليه في طي الإشكال من أن الحكم الواقعي لم يتعلق بالموضوع النفس الأمري بملاحظة عمومه‏و شموله لحالتي العلم بالحكم و الجهل به كيف و هما متأخران من مرتبة الجعل و لذا لا يمكن اعتبارهما فيه فلا يمكن ملاحظة العموم و الإطلاق بالنسبةإليهما بل إنما هو متعلق به بالحيثية التجريدية عن جميع الاعتبارات و الملاحظات المتأخرة عن جعله حتى ملاحظة العموم و الإطلاق فلا يصح أن يقال‏إنه يعرض الموضوع بعنوان لا بشرط و الحكم الظاهري يعرضه بعنوان بشرط شي‏ء فيجتمعان عند الجهل فإن كانا متوافقين فيؤكد الحكم الواقعي‏بالحكم الظاهري و إن كانا متخالفين فيئول إلى اجتماع الضدين كما هو مبنى الإشكال فالموجود و إن كان حكمين في صورة الجهل إلا أن كل حكم‏موجود في موضوعه و ليس موضوع الحكم الظاهري من جزئيات موضوع الحكم الواقعي و أفراده حتى يتصادقا لما عرفت من استحالة ذلك غايةما هناك تحقق الحكم الظاهري في مورد وجود الحكم الواقعي في موضوعه فيئول إلى الاجتماع الموردي المجوز بالاتفاق لا المصداق الممنوع‏عند المحققين هذه غاية ما يقال في تقريب هذا الوجه و أنت خبير بفساده أيضا لأن عروض الحكم الواقعي لفعل المكلف الذي هو الموضوع‏للأحكام الشرعية و لحوقه به و إن كان لذاته من حيث هي هي لحوقا أوليا حتى أنه لا يلاحظ فيه جهة اللابشرطية القسمية و العموم لما ذكر في‏الجواب من عدم كون الحالتين في مرتبة الحكم الواقعي و موضوعه إلا أنه لا شبهة في عروض الحكم الظاهري لفعل المكلف أيضا و إن كان‏بواسطة الجهل أو الظن و من الواضح البين عدم تعدد معروض الحكمين في الوجود الخارجي بحيث كان معروض الحكم الواقعي موجودا و معروض‏الحكم الظاهري موجودا آخر مغايرين في الخارج و إن كان المعروضان متمايزين مفهوما و في الذهن و مدار الإمكان و الاستحالة على تعددموضوع الحكمين في الخارج و وحدته فيه لا مجرد تغايرهما مفهوما كيف و الغصب و الصلاة لا إشكال في تغايرهما بحسب المفهوم‏فالاجتماع الموردي المتوهم كالصلاة و النظر إلى الأجنبية حال الصلاة أو الوضوء و الغسل و النظر إليهما في حالهما أجنبي عن المقام لأن‏الفعلين في الاجتماع الموردي متمايزان في الخارج مضافا إلى اختلافهما مفهوما و ليس هناك فعل واحد مصداق لهما فهذا الوجه‏أيضا لا محصل له أصلا و إن كان ربما يجري في لسان شيخنا قدس سره لدفع الإشكال في مجلس البحث
في الجواب الرابع و الخامس عن التناقض‏
الرابع ما أشرنا إليه أيضا في طي‏تقرير الإشكال من كون وجود الحكم الظاهري مشروطا بموافقته للواقع فعند المخالفة له ليس هناك إلا حكم واحد و إن كان المكلف‏مأمورا بالبناء على الموافقة و ترتيب آثار الواقع دائما ما لم ينكشف الخلاف و قد عرفت الإشارة إلى ضعف هذا الوجه أيضا و أنه لا يمكن‏اعتبار موافقة الواقع في الحكم الظاهري كيف و لازمه ثبوت الحكم الظاهري مع العلم بوجود الشرط و هو الموافقة و هو محال و خلف‏لأن المعتبر في موضوع الحكم الظاهري الجهل بالواقع وافقه أو خالفه فافهم الخامس ما قد يتوهم أو يقال في المقام و في مسألةاجتماع الحكم الفعلي مع الحكم الواقعي على الخلاف في مسألة اجتماع الأمر و النهي من أن استحالة اجتماع الحكمين إنما هي من جهة عدم إمكان‏امتثالهما و عجز المكلف عنه فإذا كان أحدهما واقعيا لم ينجز التكليف به و الآخر فعليا أو ظاهريا لم يجب امتثال الحكم الواقعي فيهمافلا مانع من اجتماعهما و من هنا ذكر غير واحد حتى صاحب المعالم أن الواجب التوصلي يجتمع مع الحرام و ليس هذا إلا من جهة كون الحرام مسقطاللواجب و أنه لا يقصد منه الامتثال عن المكلف هذا و أنت خبير بفساد هذا الوجه أيضا لابتنائه على عدم التضاد بين الأحكام‏
6
بالنظر إلى أنفسها و هو بديهي البطلان مضافا إلى اتفاق كلمتهم عليه و الاستشهاد باجتماع الواجب التوصّلي مع الحرام فإن أراد ذات‏الواجب فلا ينفع في المقام أصلا و إن أراد الواجب المتّصف بالوصف فيمتنع اجتماعه مع الحرام لأن الحيثيّة التوصّليّة إنما تفيد في سقوطالخطاب بفعل الحرام من حيث حصول الغرض به و ارتفاع موضوع الخطاب معه لا في تعلّق الخطاب بالحرام كيف و الضدّيّة بين الحكمين‏لا تعلّق له بالتّعبديّة و التوصّليّة و من خالف في ذلك في ظاهر كلامه فلا بد من أن يصرف عنه أو يحكم بخطائه في القول لأن ما ذكرنا من‏الأمور الواضحة عند ذوي الأفهام المستقيمة هذه غاية ما قيل أو يقال في دفع الإشكال و قد عرفت عدم تماميّتها بأسرها و قدطال البحث بيني و بين شيخنا قدّس سرّه في مجلس المذاكرة في الإشكال المذكور في هذا المقام و مسألة اجتماع الأمر و النهي و لم يحصل‏لي من إفاداته ما يدفع به الإشكال عن نفسي و زعمت أنّه ممّا لا ذبّ عنه فلعلّك تهدى إلى وجه دفعه و لكني أسألك التأمّل في هذاالمقام و عدم المسارعة فيه و أن لا تسلك سبيل طلبة عصرنا من الإيراد على كل ما يسمعونه من غير تأمّل في موضوع القضيّة و محمولها و إلاّفالسهو و الخطاء بمنزلة الطبيعة الثانية لغير الإنسان الكامل الذي عصمه اللّه منهما أو من يحذو حذوه من المعصومين و لقد صار من‏المثل كم ترك الأوّل للآخر مع أني معترف بقصور الباع في العلم فلعلّه اختفى عليّ جهات المسألة في الموضعين و ممّا ذكرنا كله يظهر لك المرادمن قوله قدس سره لا لعدم اتحاد الموضوع و قوله أ لا ترى أنه لا معارضة و لا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الإباحة و بين كون‏حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشك فيه هي الحرمة و ما يوجّه به ثم إنّك قد عرفت مما ذكرنا كلّه أنّ تقابل الشكّ و الظّن و إن‏اقتضى كون المراد بالشك ما يقوم بالاحتمالين المتساويين إلا أن المراد به في مجاري الأصول ليس خصوص ذلك يقينا و من هنا قال قدّس سرّه‏ثم إنّ الظّن المعتبر حكمه حكم الشك بمعنى أن الموضوع في دليل الأصل ما يعمّهما و ينطبق عليهما من غير فرق‏
الكلام في أقسام الأصل و الدليل و بيان النّسبة بينهما و أنّهما وارد أو حاكم و الآخر بورود و محكوم‏
قوله قدّس سرّه و ممّا ذكرنا من تأخّرمرتبة الحكم الظاهري‏(1) أقول توضيح القول في النّسبة بين الأصل و الدليل و أنّها من التعارض أو غيره يحتاج إلى بسط في المقال و إن كان‏محلّ ذكره مسألة تعارض الأدّلة إلاّ أن تعرّض شيخنا لها في المقام الجأني إلى التكلّم فيها فنقول بعون اللّه و توفيقه و دلالة أوليائه صلوات‏اللّه عليهم أجمعين الدليل المقابل للأصل إمّا أن يكون علميّا أو ظنيّا منوطا بوصفه أو نوعه مطلقا أو مقيّدا و كذا الأصل المقابل‏له إما أن يكون من الأصول الشرعية المحضة كالاستصحاب أو العقلية كذلك كأصل التخيير في دوران الأمر بين الوجوب و التحريم أومن الأصول الشرعيّة و العقليّة بمعنى وجود الجهتين له كأصل البراءة و أصل الاحتياط بناء على عدم إناطة حكم الشارع بهما بماهو المناط في حكم العقل بهما بأن يكون ما ورد فيهما في الشرعيّات مؤكّدا محضا لحكم العقل بهما فإن حكم العقل بالبراءة منوط بقبح‏العقاب من دون وصول بيان من الشارع إلى المكلّف و لو بالطريق الظنيّة المعتبرة بل بأصل من الأصول الشرعيّة على ما ستقف على‏تفصيل القول فيه و حكم الشارع بالإباحة الظاهريّة يمكن أن يكون مترتبا على عدم العلم بالحرمة الواقعيّة كما هو المستظهر من أخبارها على‏ما ستقف عليه و كذلك حكم العقل بوجوب الاحتياط في موارده مبنيّ على احتمال العقاب و أما حكم الشارع به فيمكن أن يكون‏منوطا على الجهل بالواقع كما ربما يدّعى ظهوره من أخباره بل ادّعى ذلك حسبما يقع الكلام فيه في محلّه إن شاء الله تعالى فإن كان الدليل المقابل‏عليهما و مفيدا للعلم بالحكم الواقعي فلا إشكال في وروده على الأصل و ارتفاع موضوعه به حسّا و حقيقة من غير فرق بين أقسام‏الأصل ضرورة اشتراطه مطلقا بعدم العلم بالخلاف بل بعدم العلم مطلقا سواء كان موافقا للأصل أو مخالفا له كما هو ظاهر لاسترة فيه أصلا و إن كان ظنّا معتبرا فإن كان الأصل المقابل أصلا عقليا محضا أو كان له جهة عقليّة فلا إشكال في وروده عليه أيضاو رفع موضوعه به ضرورة ارتفاع التسوية التي أنيط به التخيير العقلي بالظن المعتبر و ارتفاع احتمال العقاب الذي أنيط به وجوب‏الاحتياط في حكم العقل به أيضا و تحقّق البيان المعتبر عدمه في حكم العقل بالبراءة بالظنّ المعتبر و هذا هو المراد بقوله قدس سره و أمّا الأدّلةالعقلية القائمة على البراءة و الاشتغال فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلّة الظنّية واضح إلى آخر ما أفاده و إن كان أصلا شرعيّاكالاستصحاب بناء على القول به من باب التعبّد و الأخبار و أمّا على القول باعتباره من باب الظني فيخرج من الأصول كالتخيير الشرعي بين‏المتعادلين فإنه لا دخل له بالأصل أيضا و إن كان مدركه الأخبار على ما عرفت الكلام فيه في الجزء الأوّل من التعليقة و إليه أشاربقوله بعد ذلك و أما التخيير فهو أصل عقلي لا غير و منه يظهر فساد إيراد من لا خبرة له عليه أو كان له جهة شرعية كالبراءة و الاحتياط ففيه‏وجوه بل أقوال أحدها كون الدليل واردا عليه أيضا و رافعا لموضوعه كما يظهر من كلمات جماعة من المتأخرين نظرا إلى أن المراد من‏عدم العلم بالحكم المأخوذ في موضوع الأصول هو عدم العلم به واقعا و ظاهرا إلى كونه غير معلوم مطلقا بحسب الجعل الأوّلي و الثانوي‏
7
و بعبارة أخرى المعتبر في مجاري الأصول الجهل بالحكم الشرعي حدوثا و بقاء بجميع مراتبه ما يكون مجهولا مطلقا فلو علم به من حيث قيام‏الظّن المعتبر به خرج عن كونه مجهولا بهذا العنوان و إن كان مجهولا بحسب بعض مراتبه و هو ثالثة ثبوته و بعبارة في نفس الأمر و في ذات الموضوع من حيث هي‏و هذا الوجه كما ترى لا يساعد عليه الأدلّة الشرعيّة القائمة على الأصول خصوصا الاستصحاب فإنه و إن أمكن القول به بالنّسبة إلى‏بعض أدّلة البراءة كتابا و سنّة كما ستقف عليه إلا أنّه خلاف مدلول أكثرها كقوله عليه السلام كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي و قوله كلّ شي‏ء لك حلال‏حتى تعلم أنّه حرام بعينه و نحوهما ممّا سيمرّ عليك و كيف كان لا إشكال في ضعف هذا الوجه ثانيها كون الدليل الظنّي معارضاللأصل المذكور و مخصّصا له و هذا الوجه يظهر من كلمات السيّد السند صاحب الرياض قدس سرّه فإنه كثيرا ما سلك هذا المسلك‏في تقابل الدليل الظني مع الأصل و يقول يخرج عن الأصل بالدليل أو يخصّص الأصل بالدليل أو نرجح الدليل على الأصل و نحوهامن العبارات الظاهرة في ذلك و كلامه و إن كان مطلقا شامل للأصل العقلي أيضا إلاّ أنه لظهور فساده يحمل على مقابلته مع الأصل‏الشرعي ضرورة عدم تصوّر التعارض و التخصيص بالنسبة إلى الأصل العقلي و وجهه ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب من أنّ دليل‏الأصل يثبت مفاده في موضوع عدم العلم بالواقع سواء قام هناك الأمارة التي دلّ الدليل على حجيّتها كخبر العادل مثلا أم لا فإن اعتبارخبر العادل و إن كان علميّا كاعتبار الأصل إلاّ أنّ مفاده ليس علما و إلاّ خرج عن الدليل الظّني فخبر العادل الدال على حرمة بعض الموضوعات‏يدلّ على حرمته مع عدم العلم بحكمه الواقعي و ما دلّ على أصالة الإباحة أيضا يدل على إباحته مع عدم العلم بحكمه الواقعي فكلّ منهما بالظن‏إلى دليل اعتباره يثبت حكما ظاهريّا على خلاف الآخر في الموضوع الواحد و هذا معنى تعارضهما و أمّا وجه ترجيح الدليل على الأصل وتخصيصه به مع كون النسبة بين دليلهما العموم من وجه كون دليل الحرمة بمنزلة الخاص المطلق بالنّسبة إلى دليل الأصل بملاحظة الإجماع القائم‏على عدم الفرق في حجيّة الخبر و وجوب الأخذ به بين وجود الأصل على خلافه و عدمه فإنه بعد قيامه لو عمل بدليل الأصل في مادّة التعارض‏لزم طرح الخبر في مورد سلامته للملازمة الثابتة بينهما بالفرض فيلزم طرح الخبر رأسا و هذا بخلاف ما لو علمنا بالخبر في مادّة التّعارض فإنه‏لا يلزم منه طرح الأصل في مادّة الافتراق فيصير الخبر بمنزلة الخاص المطلق و الأصل بمنزلة العام المطلق و هذا معنى ما ذكرنا من كون دليل‏الجزء بمنزلة الخاص بالنسبة إلى دليل الأصل فإن شئت قلت إن التعارض بينهما و إن كان العموم من وجه إلاّ أن دليل حجيّة الخبر أظهر دلالةمن دليل اعتبار الأصل فيلزم العمل عليه في مادة التعارض و هذا معنى تخصيص الأصل بالدليل و ترجيحه عليه و هذا الوجه كما ترى‏و إن كان له وجه في بادي النظر و ظاهره إلا أنه لا إشكال في ضعفه أيضا بعد التأمّل كما يظهر وجهه من بيان الوجه الثالث الذي اختاره شيخناقدس سره‏
في حكومة الدليل الظّني على الأصل‏
ثالثها ما جزم به قدس سره في الكتاب في هذا المقام بقوله و لكن التحقيق أن دليل تلك الأمارة إلى آخره و في غيره من حكومة الدليل الظنّي‏بالنظر إلى دليل حجيّة على الأصل الشرعي حيث إنه بمدلوله ناظر إلى دليل الأصل و شارح و مفسّر له و مبيّن لمقدار مدلوله فهو مقدّم‏عليه بالتقدّم الذاتي لا لمكان الترجيح و التخصيص فلا معارضة بينهما حقيقة أصلا توضيح ذلك أن معنى حجيّة الخبر مثلا و وجوب‏البناء على صدقه و ترتيب آثار الواقع عليه هو عدم الاعتناء باحتمال كذبه في إخباره الذي يراعى شرعا لو لا الحكم بحجيّته و من المعلوم أنّ‏نفي الاعتناء بالاحتمال المذكور شرعا راجع إلى إلقاء ما يقابل عند احتمال كذبه من الرجوع إلى الأصل بحكم الشارع و بعد إلقاء الوسائطيكون معنى حكم الشارع بحجّية الخبر في معنى رفع اليد عن الأصل و هذا معنى كونه شارحا له و ناظرا إليه و هو ما ذكرنا من الحكومة و منه‏يظهر فساد القول بالتعارض و الترجيح و التخصيص في المقام ثم إن هذا الذي ذكرنا من حكومة الدليل الظّنيّ على الأصل الشرعي إنما هو في‏الأصل الأعمّ و أما إذا فرض هناك أصل أخصّ من دليل اعتبار الأمارة الظّنيّة بمعنى وجود الأمارة المفروضة في جميع موارد جريانه‏فلا معنى لحكومته على الأصل بل يتعيّن تخصيصه بالأصل كما إذا قيل باعتبار الاستصحاب من باب الظّن في مقابل قاعدة الشك بعدالفراغ عن العمل أو بعد التجاوز عن المحلّ أو بعد خروج الوقت بناء على القول باعتبارها من باب التعبّد الظاهري أو في مقابل البناء على‏الأكثر عند الشك في الأخيرتين من الرباعيّة بناء على جريان الاستصحاب فيه على ما زعمه بعض أفاضل مقاربي عصرنا في باب الاستصحاب‏كما سيجي‏ء نقله في محله فإنه لا مناص عن تخصيص الاستصحاب بالأصلين و هذا لا يختصّ بالمقام بل هو جار بالنسبة إلى جميع ما يكون حاكماعلى أدلة الأحكام كدليل نفي الحرج و الضرر و أشباههما فإنه لا معنى لحكومتها على ما يثبت خلافها في مورد الخاص فلو قام هناك دليل‏على ثبوت حكم حرجيّ في مورد أو ضرريّ كالتصرف في مال الغير فيما يتوقّف حفظ النفس عليه فلا ينظر إلى كونه حرجيا أو ضرريّا و هذا أمرواضح لا سترة فيه أصلا هذا بعض الكلام فيما يتعلق بالمقام و سنتكلم في تمامه في الجزء الرابع من التعليقة إن شاء الله تعالى‏ قوله قدس سره و اعلم أن‏
8
المقصود بالكلام في هذه الرسالة إلى آخره‏(1) أقول الغرض ممّا أفاده كون المقصود الأصلي بالبحث التكلم عن حال الأصول الحكميّة أي ما يجري‏في الشبهات الحكمية و إن جرت في الشبهات الموضوعيّة أيضا كالأصول الأربعة فإنها جارية في الشبهتين و أما الأصول الموضوعية الصرفةأي ما لا يجري إلاّ في الشبهات الموضوعية كأصالة الصحّة في فعل الغير و في فعل النفس و نحوهما بناء على اعتبارهما من باب التعبّد فليست‏مقصودة بالبحث فإن وقع فيها كلام لمناسبة كيفيّة معارضتها مع الاستصحاب أو غيره فهو خارج عن المقصود فالحصر المدّعى في المقام‏إنما هو بالإضافة إليه فلا ينقض بخروج ما لا يجري إلاّ في الموضوعات الخارجيّة عن الأصول الأربعة فإن المقسم على ما عرفت هو المكلّف‏الملتفت إلى الحكم الشرعي لا الأعمّ منه و من الملتفت إلى الموضوع الخارجي ثم إن ما أفاده من حصر الأصول الحكمية في الأربعة و كون‏الحصر عقليّا دائرا بين النفي و الإثبات و بيان مجاري الأصول و مناطها و إن كان محل النقض و الإبرام على ما عرفت شرح القول فيه في‏الجزء الأول من التعليقة فلا نطيل بالإعادة إلا أن ما أفاده في المقام في بيان مجاري الأصول أسلم عن المناقشة ممّا أفاده في الجزءالأول من الكتاب في بيانها و إن لم يخل عن بعض المناقشات أيضا كالحكم بتعيّن الرّجوع إلى التخيير في جميع ما لا يمكن الاحتياط فيه إذ من مصاديقه‏دوران الأمر بين الحكمين الإلزاميّين و غيرهما كالوجوب و التحريم و الإباحة مثلا مع اتفاقهم فيه على الرجوع إلى البراءة كما ستقف على تفصيل‏القول فيه و التفصّي عنه باعتبار ملاحظة الحيثيّة قد عرفته مع فساده في الجزء الأول من التعليقة ثم إن المراد مما أفاده من تداخل مواردالأصول بقوله و قد ظهر ممّا ذكرنا أن موارد الأصول قد تتداخل إلى آخره ليس ما قد يسبق إلى بعض الأوهام من جريان الأصلين في مورد واحدو إن لم يكونا متصادقين فيجري الاستصحاب في مورد جريان البراءة أو الاشتغال كيف و يعتبر في مورد جريان الاستصحاب ترتّب الحكم‏على المشكوك و في جريان سائر الأصول ترتب الحكم على الشك أو ما ينطبق عليه و مع ذلك لا يمكن اجتماعه معها موردا بالمعنى المتوهّم بل‏المراد مجرّد جريان سائر الأصول فيما تفرض فيه الحالة السّابقة و إن اعتبر في جريانها عدم ترتب الحكم على المشكوك بل على الشك أو ما ينطبق عليه‏
في بيان المراد بأصل البراءة ما ذا
ثم إن هنا أمورا ينبغي التعرض لها تبعا لجمع من أفاضل المتأخرين الأوّل أن المراد من أصل البراءة هل هو بمعنى القاعدة أوالدليل أو الاستصحاب أو الظاهر وجوه أوجهها على ما عرفته في معنى الأصل و مبنى البراءة و ستعرفه أيضا هو الأول من غير فرق بين ابتنائه‏على العقل أو النقل و إن صحّ حمل الدليل مقيّدا بالفقاهتي عليه على ما عرفته بالنظر إلى مدركه كما أنه يتعيّن إرادة الدليل أو الظاهر منه‏بناء على ابتنائه على الظّن كما هو ظاهر و أمّا الاستصحاب فلا يصحّ إرادته منه إلا على القول بالاستناد إليه في باب البراءة كما يظهر من جماعةفي المقام و في باب الاستصحاب حيث أنهم قسّموه باعتبار المستصحب إلى حال الشرع و إلى حال العقل و هو المسمّى بالبراءة الأصليّة لكنّه‏فاسد لما عرفت و ستعرف من فساد الاستناد إليه قطعا و في كلام غير واحد توجيه عدم إرادته بأن النسبة عموم من وجه من حيث جريان‏البراءة فيما ليس له حالة سابقة قال بعض أفاضل من قارب عصرنا في فصوله بعد ذكر وجوه الأربعة للأصل ما هذا لفظه و المراد به هنا المعنى‏الأول أعني القاعدة فالمعنى القاعدة المحرّرة في البراءة أو البراءة دون الدليل لعدم ملائمته للمقام فإن البحث هنا عن مدلوله لا نفسه‏و دون الاستصحاب و إن كان من جملة أدلّته لاختلاف مدارك المسألتين و أقوالهم فيهما و دون الراجح إذ المراد به المظنون أو المقطوع به ولا يسمى أصلا في عرفهم و لا خفاء في أن البراءة إن قيست إلى الواقع فقد لا يكون ظنّ بها و إن قيست إلى الظاهر فهي مقطوع بها انتهى كلامه‏رفع مقامه و قال قدس سره في مقام آخر بعد ذكر الاستصحاب من أدلة البراءة ما هذا لفظه و لا يخفى أن هذا الدليل أخصّ من المدعى إذ بين‏مورد الاستصحاب و مورد أصل البراءة عموم من وجه لجريان الاستصحاب في غير البراءة و جريان أصل البراءة حيث لا يتقدّم براءة كمن علم‏بوقوع جنابة و غسل عمّا في الذمّة منه و شك في المتأخر فإن قضيّة أصل البراءة هنا عدم تحريم جواز المسجدين و اللبث في المساجد و قراءةالعزائم عليه مع أنه لا معنى حينئذ للاستصحاب انتهى كلامه رفع مقامه و ذكر بعض الأفاضل بعد الجزم بالتخلف و كون النسبة العموم من وجه‏أنه يتخلف البراءة في مسألة القضاء فإن مقتضى البراءة عدم وجوبه و مقتضى استصحاب التكليف الثابت أولا وجوبه انتهى كلامه ويظهر من المحقق القمي قدس سره جواز إرادة غير القاعدة أيضا فراجع القوانين و التحقيق ما عرفت إلا أن ما ذكره الفاضلان لعدم جواز إرادة الاستصحاب‏من جهة اختلاف النسبة كما ترى فإنا لا نتصور جريان البراءة فيما ليس له حالة سابقة
في الإشكال في أنّ مفاد البراءة ليس بحكم شرعي‏
أما ما ذكره في الفصول مثالا لمورد التّخلف فيتوجّه عليه‏أن العلم الإجمالي بوجود الجنابة و الغسل و الشك في التّقدم و التأخر مع احتمال الجنابة السابقة أيضا كما هو لازم ما فرضه من حيث إنّ قصدالغسل عما في الذمّة مع الالتفات يوجب العلم بتقدم الجنابة المعلومة مع عدم احتمال الجنابة السابقة و حاصله عدم العلم بالحالة السابقةإن لم يمنع من التمسّك بالبراءة بالنّسبة إلى الجواز في المسجدين و اللبث في سائر المساجد لم يمنع من استصحابها و عدم الحرمة الأزليّة غاية ما
9
هناك تعارض أصالة عدم تقدم كل من الحالتين بأصالة عدم تقدّم الأخرى و إن منع منه نظرا إلى العلم بحدوث التكليف بالحرمة بالنّسبة إليهمامن العلم بحصول الجنابة و المفروض الشّك في ارتفاعها منع من استصحابها أيضا و بالجملة لم يعلم وجه لتخلف استصحاب البراءة من أصل‏البراءة في المقام و أمّا ما ذكره بعض الأفاضل من مورد التخلف في مسألة القضاء فلم يعلم له محصّل أيضا لأنه على القول بكون القضاءبالفرض الجديد كما هو مبنى الرجوع إلى أصالة البراءة كما يجري أصالة البراءة عن القضاء عند الشك في الفوت كذلك يجري استصحاب البراءةالأزليّة عن التكليف بالقضاء لفرض الشك في أصل حدوثه بالفرض فيستصحب عدمه من غير فرق بين العلم بالفوت في الجملة و تردّد الغائب بين الأقلّ‏و الأكثر و عدم العلم به كما هو الظاهر بما فرضه هذا على القول بكون القضاء بالفرض الجديد و أما على القول بكونه بالفرض الأول فيجري أصالةالاشتغال بالنسبة إلى خارج الوقت عند الشك كما يجري بالنسبة إلى الإتيان عند الشك في الإتيان في بعض أجزاء الوقت إلا أن يتمسك بقاعدةالشك بعد خروج الوقت و لا دخل لها بأصل البراءة كما هو ظاهر و بالجملة لا إشكال في عدم انفكاك البراءة عن الحالة السابقة و إن لم يجرالاستصحاب في مورد جريان البراءة و كذا العكس على ما عرفت شرح القول فيه و ستعرفه‏
في أنّ المبحوث عنه هل هو من المسائل الأصوليّة و الفقهيّة أو من باب المبادي الأحكاميّة
الثاني أن البحث عن حكم الشك في المقام هل هوبحث عن المسألة الأصوليّة أو الفقهيّة أو المبادي الأحكامية وجوه لكل وجه أوجهها عند شيخنا قدس سره الأوّل نظرا إلى أنه الأوفق بتعريف‏الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة و إلى أنه لاحظّ للعامي فيه و هذا من خواص المسألة الأصوليّة فإنّها لمّا مهدت‏للاستنباط لم يكن حظ لغير المستنبط فيها و إلى عنوانه في علم الأصول و ذكره في عداد الأدلّة العقليّة فلا فرق فيما ذكر بين الاستناد في البراءةأو الاحتياط إلى حكم العقل بهما أو إلى النقل و ربما يرجّح الثاني نظرا إلى أن التكلم في هذه المسألة نظير التكلم في سائر القواعد الفقهيّة المستفادةمن الأدلّة كقاعدة نفي الجرح و الضرر و التسلط و اليد و أشباهها و إن استفيدت من الأدلّة بإعمال المسائل الأصوليّة كما هو الشأن في استنباطجميع المسائل الفرعيّة هذا كله بناء على كونها قاعدة ظاهريّة سواء كان مدركها العقل أو النقل و أمّا بناء على كون اعتبارها من باب‏الظن فالتكلم فيها نظير التكلم في الاستصحاب من باب الظّن و سيجي‏ء شرح القول فيه في الجزء الثالث من التعليقة كما أنك ستقف على كون‏مختاره في باب الاستصحاب ربما ينافي ما أفاده في المقام في مجلس البحث‏ الثالث أنه قد يستشكل في جعل البراءة و الاشتغال العقليين‏من الأدلّة العقلية أو الأحكام الظاهريّة الثابتة للشاك لأن الذي يحكم به العقل في باب البراءة هو مجرّد قبح العقاب من غير بيان و معلوم‏أن هذا لا دخل له بالحكم الشرعي و حكمه بعدم الوجوب ظاهرا على تقدير تسليمه ليس حكما بالحكم الشرعي ضرورتان الحكم الشرعي هو الوجوب‏لا عدمه و إلا لزم جعل الأحكام الشرعية عشرة لا خمسة وجه اللزوم كوجه بطلان التالي أظهر من أن يحتاج إلى البيان و الترخيص المطلق اللازم‏لنفي الوجوب ليس من الأحكام الشرعيّة أيضا نعم هو جنس لما عدا الحرام من الأحكام الأربعة و منه يظهر تطرق الإشكال إلى جعل البراءة من الأحكام الظاهريّةإذا استندت إلى الشرع أيضا بالنسبة إلى أكثر أخبارها فإن مساقه مساق حكم العقل كحديث الرفع و أشباهه ممّا يكون ظاهرا في نفي المؤاخذةفإن الظاهر منه تأكيد حكم العقل بذلك هذا بالنّسبة إلى حكم العقل في باب البراءة و أما حكمه بالاشتغال فلأن مبناه كما عرفت الإشارة إليه‏مرارا و ستعرف الكلام فيه تفصيلا على وجوب دفع الضرر المحتمل و من المعلوم أن حكمه بذلك إرشاديّ محض لا يستتبع حكما شرعيّا في الواقعةلا واقعيّا أو لا ظاهريا بل الأمر كذلك في حكمه بوجوب دفع الضرر المظنون أو المقطوع فضلا عن المحتمل على ما أسمعناك في محلّه و منه يظهر الكلام فيمالو استند فيه إلى الشرع أيضا فإن مساق أخباره بأسرها مساق حكم العقل على تقدير تسليم دلالتها على وجوب الاحتياط اللّهمّ إلاّ أن يقال كفايةهذا المقدار في جعل الاشتغال من الأصول الظاهرية فإنه أيضا نحو من الحكم بالوجوب و إن لم يكن طلبا شرعيّا مولويا فبقي الإشكال بالنسبة إلى‏البراءة فإن قلت إنا نفرض الكلام فيما لو دار الأمر بين الوجوب و الإباحة فإذا نفي الوجوب بالأصل المذكور ثبتت الإباحة من جهة الدوران المفروض‏و هي من الأحكام الشرعيّة و هكذا في دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب و نحوه قلت مضافا إلى عدم اختصاص محل الكلام بدوران الأمر بين‏الحكمين أنه مبنيّ على جواز إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر بالأصل ضرورة تضادّ الأحكام بأسرها و هو ممنوع عندنا على ما عرفت الإشارة إليه‏و ستعرف الكلام فيه مفصّلا من عدم جواز التعويل على الأصول المثبتة من غير فرق بين الاستصحاب و غيره من الأصول هذا و يمكن الذبّ عن‏الإشكال المذكور بأن العقل يحكم في موارد البراءة من جهة حكمه بقبح العقاب من دون بيان بعدم الحرج في الفعل و الترك و جواز كل منهما و هذاالمعنى مساوق للإباحة الظاهريّة و لا ينافيه العلم الإجمالي بكون حكم الواقعة في نفس الأمر غير الإباحة في بعض الموارد كما لا ينافي العلم المزبورالحكم بالإباحة الشرعيّة الظاهرية في ذلك الموارد فتأمل‏
في الفرق بين أصالة الإباحة و البراءة في تحقيق أن أصالة الإباحة قسم من أصالة البراءة
الرابع أن الوجه في عنوانهم أصالة الإباحة مستقلاّ في قبال أصالة البراءة و الفرق‏بينهما و إن كان مذكورا في محلّه و تقدّمت الإشارة إليه في الجزء الأوّل من التعليقة إلا أنا نشير إلى جملة من وجوه الفرق في المقام أيضا منهاأن أصالة الإباحة في مقام نفي احتمال التحريم و أصالة البراءة في مقام نفي احتمال الوجوب و منها أن التكلم في أصالة الإباحة من حيث حكم‏
10
العقل و في أصالة البراءة من حيث حكم الشرع و منها أن التكلم في أصالة الإباحة من حيث الحكم الواقعي و في أصالة البراءة من حيث الحكم الظاهري‏و منها أن التكلم في أصالة الإباحة من حيث الحكم الشرعي الظاهري و في أصالة البراءة من حيث الحكم بمجرّد نفي المؤاخذة و العقاب من غير أن‏يستتبع حكما شرعيّا و لو في مرحلة الظّاهر إلى غير ذلك مما ذكروه من وجوه الفرق بينهما و الحقّ ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنافي الجزء الأول من التعليقة من كون أصالة الإباحة قسما من أصالة البراءة و مما ذكرنا يظهر الفرق بين أصالة الحلّ و أصالة البراءة أيضا فإنّهامن أقسام أصالة البراءة أيضا و الفرق بينها و أصالة الإباحة أنها تستعمل في مقابل احتمال الحرمة في الشبهات الموضوعيّة و أصالة الإباحةتستعمل في قبال احتمال الحرمة في الشبهات الحكمية فتدبّر
الكلام فيما يكون الشك في أصل التكليف‏
قوله قدس سره و صور الاشتباه كثيرة و هذا مبني على اختصاص التكليف بالإلزام إلى آخره‏(1) أقول أما كثرة صور الاشتباه فلأن الدوران بين التحريم و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة على ما عرفت الإشارة إليه قد يعتبر ثنائيّاكالتحريم و الإباحة أو التحريم و الكراهة أو التحريم و الاستحباب و قد يعتبر ثلاثيّا و صوره أيضا ثلاثة و قد يعتبر رباعيّا و له صورة واحدة و كذلك‏دوران الأمر بين الوجوب و غير التحريم من الأحكام الثلاثة الباقية و لما كان المقصود بالبحث في جميع صور الدوران التي عرفتها معرفة حالهامن حيث البناء على البراءة و نفي الحكم الإلزامي في مرحلة الظاهر و البناء على وجوب الاحتياط و رعاية احتمال الحكم الإلزامي لم يجعل لكلّ صورةعنوانا مستقلا لعدم الفرق بينها من الجهة المقصودة بالبحث و إن كان بينها فرق من جهة أخرى كما في دوران الأمر بين الحرمة و الكراهةمثلا أو دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب فإنه لو فرض هناك حكم مترتب على مطلق مرجوحية الفعل ترتّب على الأول كما أنّه لو فرض هناك‏حكم مترتب على مطلق رجحانه ترتّب في الثاني لكون كل منهما معلوما بالفرض و إن لم يثبت بالبراءة عن التحريم الكراهة في الأول و بالبراءة عن الوجوب‏الاستحباب في الثاني فيجمع بين ترتب آثار القدر المشترك في الصورتين و نفي الخصوصيتين فيهما و أمّا ما أفاده بقوله و هذا مبني إلى آخره فهو غير محصّل المرادفإن ما أفاده من اختصاص التكليف بالإلزام إن أراد منه الاختصاص عند العلماء فقد اتفقوا على تعميمه بالنسبة إلى جميع الأحكام‏الخمسة حتى الإباحة و إن أراد منه الاختصاص بحسب اللغة و العرف العام فهو مبنيّ على كون الحكم في المقام مترتّبا في جميع الأدلّة اللفظيّةكتابا و سنة على لفظ التكليف و هو و إن كان كذلك بالنسبة إلى بعض الآيات و جملة من الأخبار التي ستمرّ عليك إلاّ أن الأمر ليس كذلك‏على الإطلاق و لا ينفع كون لفظ التكليف واقعا في موضوع البعض و إن كان الظاهر من لفظ الكلفة في اللغة و العرف الإلزام فعلا أو تركامع أنه لا حاجة إلى هذا الظهور عند التحقيق لأن المشتمل على لفظ التكليف ظاهر في الإلزام لاقترانه في أكثره بما يكون دليلا عليه أ لا ترى إلى‏قوله تعالى لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها و نحوه فإنه بقرينة لفظ الوسع ظاهر في نفي التكليف الإلزامي كما هو ظاهر و أما ما أفاده من اختصاص‏الخلاف بين العلماء في البراءة و الاحتياط بما هناك احتمال الإلزام فهو متعين ظاهرا و ليس محلا للترديد إذ المستفاد من كلماتهم كأدلّة الطرفين‏نقلا و عقلا اختصاصه به كما يعلم من الرجوع إليها و التأمّل في أدلّة القولين لأن حكم العقل بالبراءة مبنيّ على قاعدة قبح العقاب من غيربيان و دفع العقاب المحتمل و الأدلة النقلية أكثرها صريحة في ذلك و بعضها ظاهر فيه كما ستقف عليها لأنّ جملة من أخبار البراءةفي بيان إثبات الطلق و الحليّة في موارد احتمال النهي و الأمر و أخرى ظاهرة في نفي المؤاخذة و العقاب على ما لا يعلم و كذا أخبار الاحتياطظاهرة في إثبات الحكم عند احتمال التهلكة فلا معنى مع ذلك لتعميم محل البحث فإن شئت قلت بعد القطع بجواز كل من الفعل و الترك‏لا يحتاج اختيار أحدهما إلى البناء على حكم خاصّ بل ينفى كل من الخصوصيّات المحتملة بالنّسبة إلى الأحكام المترتبة عليها بأصل العدم ففي‏دوران الأمر بين الاستحباب و الإباحة مثلا يحكم بجواز الفعل قطعا و أما الحكم المترتب على خصوص الاستحباب فيفي بالأصل بل الحق‏نفي الإباحة الخاصّة أيضا بالأصل فيما فرض هناك حكم مترتّب عليها نعم في دوران الأمر بين الاستحباب و الكراهة التعبديّين لو فرض في‏الشرعيّات يمكن الحكم بجريان التخيير كدوران الأمر بين الوجوب و التحريم التعبّديين فتأمّل و لو قال عند عدم احتمال الحكم الإلزامي حكمه‏يعلم من الرجوع إلى الأصول و القواعد بعد استظهار اختصاص النزاع في المسألة بما كان هناك احتمال الإلزام فعلا أو تركا أو فعلا و تركا كان أولى‏مما أفاده في تحرير المقام كما لا يخفى وجهه و المراد من المستحب و المكروه في العبارة هما باعتبار عنوانهما فلو أبدلهما بالاستحباب و الكراهةكان أولى هذا و لكن ظاهر المحقق القمي قدس سره في القوانين تخصيص التكليف بالإلزام و لذا خصّ محلّ الكلام بموارد وجود احتماله و قال في‏الفصول بعد نقل ما عرفته عن القوانين و لعلّه ناظر إلى ما قيل من أن التكليف مأخوذ من الكلفة و معناه الإلقاء في المشقة و لا يصدق‏على غيرهما و ضعفه ظاهر لأن ذلك معنى التكليف لغة و أمّا في الاصطلاح فهو الأعم من ذلك إلى أن قال و كان المتداول في كلامهم استعمال‏أصل البراءة في نفي الوجوب و أصل الإباحة في نفي التحريم و الكراهة و التعميم أولى بالمقام لصلوح اللفظ له بالمعنى الذي ذكرنا مع اشتراك‏
11
الجميع في الأدلّة انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بأن تعميمه التكليف بحسب الاصطلاح و إن كان جيّدا إلاّ أنّ حكمه بتعميم العنوان لما يشمل‏غير الإلزام من جهة عموم أدلّة البراءة قد عرفت ما فيه نظرا إلى اختصاصها عقلا و نقلا بنفي الإلزام نعم قد عرفت الإشارة إلى عدم‏الإشكال في نفي الاستحباب و الكراهة و الأحكام المترتّبة على عنوانهما لكنه لا تعلّق له بأصل البراءة ثم إن المراد من النصّ المضاف‏إليه العدم و الإجمال و التعارض في الكتاب هو الدليل لا ما يرادف الحديث أو ما يقابل الظاهر كما يدل عليه تمثيله لإجماله و تعارضه‏بالآية الشريفة و هذا أمر ظاهر كما أن المراد من الإجمال في المقام أعمّ من الإجمال الاصطلاحي فيشمل الإهمال و نحوه ثم إن مثل القول‏بتواتر القراءات في الحكم بوقوع التعارض بين قراءتي التخفيف و التشديد القول بجواز الاستدلال بكل قراءة و حجيّته على تقدير عدم تواترهاعلى ما عرفت الكلام فيه في الجزء الأول من التعليقة عند البحث عن حجيّة ظواهر الكتاب فالحكم بالإجمال و جعل الآية مثالا لإجمال النص مبنيّ‏على عدم التواتر و عدم جواز الاستدلال و إلاّ فتدخل في تعارض النّصين‏
في الاستدلال على حكم ما لا نصّ فيه‏
قوله قدس سره و ربما نسب إليهم أقوال أربعة إلى آخره‏(1) أقول قد نسب‏الأقوال الأربعة إليهم الفريد البهبهاني قدس سره في فوائده و ظاهره بل صريحه كونها متمايزة مختلفة بحسب المعنى لا أن يكون اختلافها بمجرّد التعبيرمن جهة اختلاف ما ركنوا إليه من الأخبار الواردة مع عدم اختلاف بينها بحسب المعنى و المراد كما هو المستظهر منها عند شيخنا قدس سره و الظاهرمن كلمات الأخباريين عند التأمل‏
في دلالة آية الإيتاء على أن الحكم فيما لا نصّ فيه إباحة الفعل شرعا و عدمه وجوب الاحتياط
قوله قدس سره قيل دلالتها واضحة و فيه أنها غير ظاهرة فإن حقيقة الإيتاء الإعطاء إلى آخره‏(2) أقول ذكرفي الفصول بعد عد الآية في عداد الآيات التي استدل بها على المدّعى أن دلالتها واضحة و لم يذكر في تقريبها شيئا و أنت خبير بأن محتملات‏الآية كثيرة تدلّ على المدّعى على بعضها و لا تدلّ عليه على بعضها الآخر توضيح ذلك أنه لا يخلو الأمر إما أن يراد من الموصول خصوص المال‏فيراد من نسبة التكليف إليه بدلالة الاقتضاء دفعه و إنفاقه أو يقدّر الدفع و الإنفاق فالمعنى أنه لا يكلف اللّه تعالى نفسا إنفاق مال إلاّإنفاق ما أعطاه من المال فإن كان ممّن وسع اللّه عليه فيكلّف بالإنفاق من سعته و إن كان ممن ضيق عليه في معيشته فلا يكلف بالإنفاق أو يكلّف‏بقدر مقدوره و هذا هو الظاهر من الآية بملاحظة السياق صدرا و ذيلا و إن كان بعيدا من جهة أخرى ستقف عليها أو يراد منه فعل‏المكلف بالمعنى الأعم من الترك فيكون إيتاؤه و إعطاؤه بمعنى الإقدار عليه فتدل على نفي التكليف بغير المقدور كما في مجمع البيان حيث قال في‏تفسير الآية الشريفة أي إلا بقدر ما أعطاه من الطّاقة و في هذا دلالة على أنّه سبحانه لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه و لا يطيقه انتهى كلامه و يحتمل‏أن يكون إيتاؤه كناية عن الوسع في مقابل الضيق و الحرج فتوافق قوله تعالى و لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها كما جمع بينهما في رواية عبد الأعلى‏الآتية فيدلّ على نفي التكليف الحرجي و كيف كان هذا المعنى أظهر من الأوّل من جهة عدم توقّفه على التقدير أو التصرف في النسبة مضافاإلى أن كون سياق الآية في مقام التعليل فلا يناسب حملها على المعنى الأول و لا ينافي كون سوقها في مقام الإنفاق لأن الإنفاق من الميسورو ممّا أعطاه اللّه من المال داخل في المقدور و من هنا قال قدس سره و هذا المعنى أظهر و أشمل فيناسب سوقها في مقام التعليل بخلاف المعنى‏الأول فإنه في قوّة التكرار فلا يناسب التعليل أو يراد منه الحكم الشرعي فيكون إيتاؤه و إعطاؤه كناية عن إعلامه فالمعنى بعد التصرّف في النّسبةأو التقدير ضرورة استحالة تعلّق التكليف بالحكم الشرعي بمعنى كونه مكلّفا به أن اللّه لا يكلّف نفسا إطاعة حكم إلا إطاعة حكم أعطاه إلى أعلمه النفوس‏فتدلّ على عدم لزوم إطاعة الحكم المجهول و هذا معنى دلالتها على البراءة في محل البحث و هذا مع كونه خلاف الظاهر من جهة توقفه على التصرف‏أو التقدير مضافا إلى منافاته للمورد قد يستشهد له برواية عبد الأعلى المذكورة في الكتاب من حيث إن جوابه عن سؤال التكليف النّاس‏بالمعرفة بقوله لا على اللّه البيان ظاهر في إرادة الإعلام و البيان من الإيتاء في الآية التي استشهد عليه السلام بها لكنّه ضعيف من حيث إن المعرفة قبل تعريف‏اللّه تعالى و لو بدلالة العقول و إرشادها من اللّه تعالى حيث إن العقل حجة باطنيّة من اللّه تبارك و تعالى غير مقدور فيدخل في المعنى الثاني و لو أريد من‏البيان ما يشمل المودع في النفوس من اللّه تعالى من الفطرة الجبليّة عمّ السؤال لمعرفة الإجماليّة مطلقا و إلا فيحمل على المعرفة التفصيليّة بحسب الطاقةالبشريّة و يحتمل أن يكون المراد المعرفة بحال حجج اللّه تعالى و معلوم أن معرفتهم غير مقدور من دون بيان اللّه تعالى بإظهار خوارق العادات الدّالة على‏صدقهم و كونهم أدلاء على صراطه و حججا على خلقه و قد أطلق المعرفة المطلقة على هذا المعنى في بعض الأخبار و لا يأبى عنه الحديث أيضا و أمّا حمل‏المعرفة على معرفة اللّه تعالى بكنهه الغير المقدور لكل أحد و جعل قوله عليه السلام لا على اللّه البيان على مجرّد التقدير و الفرض فهو كما ترى أو يراد منه المعنى الأعم‏من الفعل و الحكم فيراد من الإيتاء باعتبار نسبته إلى الفعل الإقدار و باعتبار و نسبته إلى الحكم الإعلام لأن إعطاء كل شي‏ء بحسبه فقد أورد الأستاذالعلامة قدس سره عليه بأنه موجب لاستعمال الموصول في المعنيين و لعل المراد استعماله في المعنيين باعتبار صلته و إلا فيتوجّه عليه الإشكال جزمابل قد يتأمّل فيما أفاده بالنسبة إلى الصّلة أيضا من أن الإيتاء بمعنى الإعطاء جامع بين المعنيين بل المعاني و الاختلاف إنما يحصل بحسب متعلّقاته‏
12
و هذا معنى ما يقال إن إعطاء كل شي‏ء بحسبه و قد التزم بإرادة الجامع عند توجيه استدلال السيد أبو المكارم على البراءة و عدم وجوب‏الاحتياط في الشبهة التحريمية في قبال الأخباريّين بأن التكليف بالاجتناب تكليف بما لا يطاق كما ستقف عليه و في غير هذا المقام لكنّ الظاهرمن لآية الشريفة بقرينة التكليف إرادة فعل المكلف من الموصول من دون تصرّف في النسبة بإرادة الإطاعة فلا تعلّق لها بالمقام أصلا مع‏أنه على تقدير عدم ظهورها في المعنى الأخير يسقط الاستدلال بالآية الشريفة هذا كله مع أنّ مساقها مساق قوله تعالى لا يكلّف اللّه نفساإلاّ وسعها كما جمع بينهما في رواية عبد الأعلى فظاهرهما أمّا نفي التكليف بغير المقدور أو التكليف بغير الميسور فلا تعلق لهما بالمقام و منه يظهرعدم جواز الاستدلال للمقام بقوله تعالى في أواخر سورة البقرة لا يكلف اللّه نفسا إلاّ وسعها قوله قدس سره بناء على أن بعث الرسول كناية إلى آخره‏(1) أقول الآية الشريفة في سورة بني إسرائيل و قد تمسّك بها غير واحد للمقام وفاقا للفاضل التوني في شرح الوافية و المراد من بعث الرّسول‏بعثه ببيان التكاليف و الأحكام و إلا فمجرّد إرسال الرّسل لا يصحّح العذاب قطعا ثم إن مجرى البراءة لما كان مختصّا بما لا بيان فيه أصلا و كان الحكم‏العقلي أيضا بيانا كالبيان النقلي توقف تقريب الدلالة على التصرّف في الآية الشريفة نعم لو قيل بعدم حجيّة حكم العقل و عدم التلازم‏بينه و بين حكم الشرع أو عدم حسن العقاب إلا بالتأكيد الذي يرجع إلى عدم حجيّة حكم العقل بنوع من الاعتبار كما في الكتاب لم يحتج إلى التصرّف‏فيها وجوه التصرّف على القول بحجيّة حكم العقل تعميم الرسول لما يشمل العقل لأنه رسول من الباطن كما عن بعض و إن كان في كمال البعد و جعله‏كناية عن البيان لأنه يكون به غالبا كما في الكتاب و تخصيص الآية بغير المستقلاّت العقلية كما في القوانين و الكتاب من حيث قيام البرهان الذي‏قضى بحجيّة حكم العقل عليه و إن كان ما أفاده في الكتاب مع كون الأخير من باب التخصّص أحسن من الكل كما هو ظاهر فيتم الاستدلال بالآية على كلاالقولين في مسألة التلازم هذا و أورد على الاستدلال بها شيخنا قدس سره في الكتاب بأن ظاهرها الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث‏فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة و يمكن المناقشة فيه بأنّ كون الآية إخبارا عما أفاده لا ينافي دلالتها على المدّعى بعد كونه مبنيّا على‏مقتضى العدل و الحكمة الإلهيّة الذي لا يعقل الفرق فيه بين الأمم السّابقة و اللاحقة و العذاب الدنيوي و الأخروي الذي هو أشدّ من الدنيوي‏بمراتب شتى الذي يدل على سوق الآية لهذا المعنى المبتنى على الحكمة مضافا إلى شهادة كثير من الآيات المتحد معها من حيث المساق كقوله تعالى في سورةالقصص و ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولا يتلو عليهم آياتنا و ما كنّا مهلك القرى إلاّ و أهلها ظالمون و مثله فإنّ ظاهره‏كما هو ظاهر أن الحكمة الإلهية اقتضت أن لا يكون الهلاك إلا بعد البعث و إتمام الحجّة و أن كلّما وقع الهلاك في أنّه من الأمم كان بعد إتمام الحجّة و إن‏كان الهلاك الواقع فيهم من العذاب الدنيوي كما يشهد له كلمات المفسرين قال في مجمع البيان ما هذا لفظه معناه و ما كنا معذّبين قومابعذاب الاستئصال إلاّ بعد الإعذار إليهم و الإنذار لهم بأبلغ الوجوه و هو إرسال الرسول إليهم مظاهرة في العدل و إن كان تجويز مؤاخذتهم‏على ما يتعلّق بالعقل مستحيلا فعلى هذا التأويل يكون الآية عامة في العقليّات و الشرعيّات و قال الأكثرون من المفسرين و هو الأصحّ إن المرادبالآية أنه سبحانه لا يعذّب في الدنيا و لا في الآخرة إلا بعد البعثة فيكون الآية خاصة فيما يتعلق بالسّمع من الشّرعيّات انتهى كلامه رفع مقامه‏و قال في محكي الكشاف في تفسيرها و ما يصح لنا صحة يدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن نبعث إليهم رسولا فيلزمهم الحجّة انتهى كلامه‏ فالإنصاف ظهور الآية في المدعى فيقال في تقريب دلالتها بناء على ما ذكرنا في معناها أنه كما يستدل بما دلّ على ثبوت العذاب على‏الفعل أو الترك بالتحريم أو الوجوب حيث إنه من لوازمهما و آثارهما كذلك يستدلّ على نفي التحريم قبل البيان بنفي العذاب قبله بناء على كون‏المراد وصول البيان إليهم من الرسول لا مجرّد بيانه و إن لم يصل إليهم فيدلّ على المدعى‏
ذكر كلام المحقّق القمي في ورود التناقض في التمسّك بالآية في المقامين‏
قوله قدس سره ثم إنه ربما يورد التناقض إلى آخره‏(2) أقول الجامع هو الفاضل التوني في الوافية فإنه قد تمسّك بالآية الشريفة على البراءة في المقام و أورد على من تمسّك بها في مسألة الملازمة بين‏العقل و الشرع نظرا إلى دلالتها بظاهرها على إناطة العذاب ببيان الرسول و يلزمها عدم حجيّة حكم العقل و الملازمة ظاهرة بأن مفاد الآيةالشريفة نفي فعليّة العذاب قبل بعث الرسول فلا ينافي ثبوت الاستحقاق بالنظر إلى حكم العقل في بعض الموارد قبله و الملازمة بيّنة على‏الاستحقاق لا على الفعلية و المورد للتناقض بينهما المحقق القمّي قدس سره في القوانين و حاصل التناقض أن الأخبار بنفي التعذيب قبل بعث الرّسول‏إن دل على عدم التكليف شرعا و لو في مورد ثبوت حكم العقل فلا وجه للثاني أي الإيراد فيصحّ التمسّك بالآية على نفي الملازمة و إن لم يدل عليه‏كما هو مبنى الإيراد فلا وجه للأوّل إلى التمسّك بالآية في المقام و إن توجّه الإيراد المانع عن الاستدلال بها في مسألة الملازمة فالجمع بين‏التمسّك بالآية في المقام و الإيراد على التمسّك بها على نفي الملازمة لا يصحّ على كل تقدير هذا و أجاب عنه بعض أفاضل مقاربي عصرنافي الفصول بأن الجامع بين المقامين كأنه أراد نفي الوجوب و التحريم بالمعنى الذي أثبته الخصم فإنه لا يلتزم بكونه ذنبا موعودا عليه العفو و
13
عدم المؤاخذة و لو مع الإصرار بل يجعله كغيره من الذنوب فلا يكون تناف بين كلامه انتهى كلامه رفع مقامه و يوافقه ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب ويرجع إليه و إن تغايرا بالإجمال و التفصيل كما هو واضح و حاصلهما ما عرفت من أن مبنى الملازمة على كون حكم العقل دليلا على حكم الشرع و ثبوته بالدّليل‏العقلي أو غيره يلازم الاستحقاق لا الفعليّة فلا ينافي العفو عنه إذا لم يكن هناك بيان من الرسول على ثبوته في مورد حكم العقل كما في بعض‏المحرّمات الشرعيّة كالظهار و العزم على المعصية على القول بكونه معصية موعودا على عفوه كما استظهر من بعض أخباره و إن مضى الإشكال في‏ذلك في الجزء الأوّل من التعليقة و أن العفو كيف يجامع وجوب اللطف بالوعد و الوعيد على الحكيم تعالى و مبنى البراءة و إن كان على المعذوريةو نفي الاستحقاق إلا أن نفي الفعليّة بارتكاب الشبهة تلازمه باعتراف الخصم فإذا حملت الآية على ظاهرها و هو نفي الفعلية كان الجمع صحيحا بضميمةهذه المقدّمة الخارجيّة نعم لو كان المدّعي للملازمة بين الحكمين مدّعيا لثبوت حكم الشارع بحكم العقل على نحو ثبوته بالنقل من غير أن يكون‏هناك عفو و كان تسالمهم على كون هذا المعنى محلاّ للكلام كما يظهر من جعلهم ثمرة النزاع ترتب الثواب و العقاب على حكم العقل و عدمه و زوال‏العدالة بمجرّد المخالفة أو الإصرار عليها و عدمه إلى غير ذلك و استدلال النافين بأن الثواب و العقاب إنما يترتّبان على إطاعة الشارع و معصيته فلايفيد حكم العقل لجاز التمسّك بالآية على نفي الملازمة و توجّه التناقض على الجمع و الأولى في الإيراد على المتمسّك بالآية على نفي الملازمة حملها على‏الغالب فإن مورد حكم العقل في غاية القلّة أو جعل البعث كناية كما عرفت في الكتاب إلى غير ذلك مما ذكرنا في باب الملازمة و لما كان زعم شيخنا قدس سره‏على ما عرفت ورود الآية في مقام الإخبار عن العذاب الدنيوي في الأمم السابقة و النقل عن حالهم قال في الكتاب و الإنصاف أن الآية لا دلالةلها على المطلب في المقامين أي البراءة و نفي الملازمة قوله قدس سره و منها قوله تعالى و ما كان اللّه ليضلّ قوما بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم مايتّقون أي ما يجتنبونه من الأفعال و التروك إلى آخره‏(1) أقول الآية في سورة البراءة و في الصافي عن الكافي و تفسير العيّاشي و كتاب التوحيدعن الصّادق عليه السلام حتى يعرفهم ما يرضيه و يسخطه و قال في مجمع البيان أي ما كان اللّه ليحكم بضلالة قوم بعد ما حكم بهدايتهم حتى يبيّن لهم ما يتّقون من‏الأمر بالطّاعة و النهي عن المعصية فلا يتّقون فعند ذلك يحكم بضلالتهم و قيل و ما كان اللّه ليعذّب قوما فيضلّهم عن الثواب و الكرامة و طريق الجنّةبعد إذ هداهم و دعاهم إلى الإيمان حتى يبيّن لهم ما يستحقون به الثواب و العقاب من الطاعة و المعصية و قال في سبب النزول قيل مات قوم من‏المسلمين على الإسلام قبل أن ينزل الفرائض فقال المسلمون يا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله إخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم فنزل و قيل لما نسخ بعض‏الشرائع و قد غاب أناس و هم يعملون بالأمر الأوّل إذ لم يعلموا بالأمر الثاني مثل تحويل القبلة و غير ذلك و قد مات الأولون على الحكم الأوّل‏و سئل النبيّ صلى اللّه عليه و آله عن ذلك فأنزل اللّه الآية و بيّن أنّه لا يعذّب هؤلاء على التوجّه إلى القبلة الأولى حتى يسمعوا بالنسخ و لا يعملوا بالناسخ فحينئذ يعذبهم به انتهى‏كلامه رفع مقامه و قيل الآية لمجرد الإخبار عن حال الأمم السابقة على ما صنعه شيخنا قدس سره في الكتاب كالآية السابقة و هو ينافي ماعرفته في تفسير الآية و سبب نزولها مع أن النفي في قوله تعالى و ما كان اللّه ظاهر في بيان مقتضى الحكمة و أنه تعالى لمكان حكمته لا يضلّ قوما قبل هدايتهم‏و بيان الأحكام لهم كما عرفت في تقريب دلالة الآية السابقة سواء أريد من الإضلال العذاب أو الخذلان فإنه لا يكون إلا عن سبب يرجع إلى العباد و هوالمعصية فإنّه نوع من العذاب و العقاب حقيقة و إن كان في الدنيا مضافا إلى أن الخذلان بدون البيان و الإعلام إذا كان منفيّا من حيث كونه على‏خلاف الحكمة الإلهيّة كان العذاب الأخروي أيضا منفيا بالفحوى و مفهوم الموافقة كما استدركه بقوله اللهمّ إلا بالفحوى فإن نفي الاستلزام في‏كلامه محمول على ما ذكرنا من المعنى الراجع إلى دلالة الآية على توقف الخذلان على البيان بالنظر إلى الحكمة من غير فرق بين الأمم و إلاّ لم يكن معنى للاستدراك‏فالإنصاف أن الآية لا تخلو عن ظهور في المدّعى سيما إذا لوحظ ما تقدم عليها من قوله تعالى‏ و ما كان للنّبي و الّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين‏و لو كانوا أولي قربى من بعد أن تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه الآية
في بيان عدم دلالة الآية على أصالة البراءة
قوله قدس سره و في دلالتها تأمل ظاهر(2) أقول الآية في سورة الأنفال و هي تعليل لما صنع اللّه تعالى قضية بدر و فيها احتمالان أحدهما أن يكون المراد من الهلاكة و الحياة ظاهرهما أي‏الموت و التّعيش في الدنيا ثانيهما أن يكونا استعارتين عن الإسلام و الكفر أي يكون كفر من كفر عن وضوح بيّنة و علم لا عن شبهة حتّى لا يبقى‏له على اللّه حجّة و يكون إسلام من أسلم عن يقين و برهان و على كل تقدير لا دلالة لها على المدّعى و إنه تعالى لا يؤاخذ على كلّ حكم مجهول عند العبادغاية الأمر كونها مشعرة بذلك‏ قوله قدس سره و يرد على الكل أن غاية مدلولها إلى آخره‏(3) أقول لا يخفى عليك ما يتوجّه على ما أفاده من‏المناقشة فإن المستفاد من أخبار الاحتياط مطابقة كأخبار التثليث أو التزاما ثبوت المؤاخذة على النهي الواقعي المجهول على تقدير تسليم دلالتهاعلى وجوب الاحتياط في محل البحث فلا محالة تكون منافية للآيات المذكورة فكيف يجعل نسبتهما نسبة الأصل و الدليل اللّهم إلا أن يكون المراد من‏الجهل الجهل بجميع مراتب النهي الواقعي حتى من حيث الظاهر كما يظهر من قوله بعد ذلك و الإنصاف ما ذكرنا إلى آخره فإنه قرينة على مراده من هذه العبادة
14
أيضا فإن العلم بوجوب الاجتناب عن محتمل التحريم علم بحرمته في مرحلة الظاهر فليس مجهولا على الإطلاق إلا أن هذا التوجيه ربما ينافي ظاهر ماأفاده من إناطة الجهل بالحكم الواقعي مع أن إيجاب الاحتياط قد يمنع كونه موجبا للعلم بالنهي و لو في مرحلة الظاهر قوله قدس سره و لكن الإنصاف أنّ غايةالأمر أن يكون إلى آخره‏(1) أقول الآية في سورة الأنعام و إلقاء هذا التعبير إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله في مقام الردّ من جهة كونه أقرب إلى قبول طاعتهم لا من جهة عدم‏جواز الالتزام بالحرمة مع عدم وجدانها في حكم عفو لهم فالرد مبني على التلازم بين عدم وجدان النّبي صلى اللّه عليه و آله و الحرمة بحسب نفس الأمر و النّكتة في العدول‏ما عرفت فلا دلالة للآية على المدعى و أمّا ما أفاده بقوله مع أنّه لو سلّم دلالتها إلى آخره فربما يناقش فيه بأن الفرق ثبوت العلم الإجمالي في أمثال زماننابالاجتناب يخرج الكلام عن محل البحث كما هو ظاهر فتدبّر قوله قدس سره و لعل هذه الآية أظهر إلى آخره‏(2) أقول ما أفاده في وجه الأظهريّة يرجع‏إلى ما سيذكر مفصّلا من أن الأخباري لا يحكم بوجوب اجتناب و إنما يترك الفعل لاحتمال كونه حراما فيلتزم بالترك و لا يلتزم بحكم و سيجي‏ء ما يتوجّه‏عليه من أنه لا مناص للأخباري عن الحكم في مرحلة الظاهر اللهم إلا أن يكون المراد من الحرمة في السّابقة الحرمة الواقعية و هذا ليس محلاّ لإنكارالأخباري فإنهم لا يجوّزون الحكم بالحرمة الواقعيّة أيضا فتأمّل‏ قوله قدس سره و الإنصاف ما ذكرنا من أن الآيات المذكورة إلى آخره‏(3) أقول الإنصاف أن تنزيل الآيات المذكورة على ما أفاده قدس سره في معناها من إثبات المعذوريّة فيما لا يكون هناك بيان أصلا و لو بعنوان العموم حسبماهو قضية العقل في باب البراءة فيكون الآيات مؤكدة لحكم العقل فيثبت الأصل في المسألة و لا تكون من أدلّتها لا يخلو عن مناقشة ثمّ إن هذا على‏تقدير تسليم دلالة أخبار الاحتياط على وجوبه شرعا ظاهر في مطلق محتمل الإلزام أو خصوص محتمل الحرمة و أمّا على تقدير كون مفادها مطلق‏الطلب القدر المشترك الشرعي أو الإرشادي أو خصوص الإلزام الإرشادي في محتمل العقاب و الهلاكة الأخرويّة فلا يثبت بها على الأوّل ماينافي دليل البراءة أصلا كما لا يخفى كما أنها مورودة بالنسبة إليه مطلقا على الثاني فيكون حالها حال حكم العقل في باب دفع الضرر المحتمل كماستقف على تفصيل القول فيه فلا بد من حملها على ما لا يجري فيه دليل البراءة من صور العلم الإجمالي فلا بد أن يكون مراده قدس سره من تماميّة أدلّةالاحتياط و دلالتها هو المعنى الأوّل‏
في دلالة حديث ما لا يعلمون على البراءة فيما لا نصّ فيه‏
قوله قدس سره فإن حرمة شرب التتن مثلا ممّا لا يعلمون فهي مرفوعة عنهم و معنى رفعها كرفع الخطإ و النسيان‏(4) أقول ما أفاده في تقريب دلالة الصحيحة على المدّعى يتم على أحد وجهين أحدهما أن يريد من الموصول فيما لا يعلمون خصوص الحكم المجهول ثانيهماأن يريد منه المعنى الأعمّ من فعل المكلّف الذي هو الموضوع و من الحكم بناء على جواز إرادتهما معا و على الأول يختص بالشبهات الحكمية و على الثاني‏يعمّها و الشبهات الموضوعيّة كما أنه على تقدير إرادة خصوص الموضوع يختص بالشبهات الموضوعيّة و لا يجوز الاستدلال بها على المدّعى كماأنه مبني على أحد الوجهين في المقدّر أحدهما جميع الآثار ثانيهما المؤاخذة من حيث كونها الأثر المناسب على البيان الذي ستقف عليه و نتعرّض‏له بعد ذلك فلا ينافي تقدير ما يقتضي المؤاخذة كإيجاب الاحتياط و نحوه من حيث كونها أمرا غير شرعيّ هذا و لكن قد يتوهّم أن تقريب الدّلالةلا يتوقّف على تقدير بالنّسبة إلى قوله ما لا يعلمون بعد إرادة الحكم من الموصول فإن تقدير جميع الآثار أو خصوص المؤاخذة بالنسبة إلى أخواته‏من فقرات الرواية إنما هو من جهة دلالة الاقتضاء و لزوم الكذب على تقدير حملها على ظواهرها و هذا المحظور غير متوجّه بالنسبة إلى قوله‏ما لا يعلمون على هذا الفرض لأن رفع الحكم الشرعي كإثباته شرعا باختيار الشارع و جعله فلا يلزم هناك كذب على تقدير إرادة الظاهرمنه و مجرد إرادة الخلاف من أخواته بالقرينة العقليّة الصارفة لا يوجب إرادته منه إذ ليس فيه إلا التفكيك في السّياق و لا يقاوم ظهوره‏على تقدير اعتباره و كونه لفظيا الظهور المذكور هذا و لكنك خبير بفساد التوهم المذكور لأن المراد من رفع الحكم إن كان رفعه بحسب الواقع‏بحيث يكون الحكم الواقعي الثاني مرفوعا عن الجاهل و مختصا بالعالم به فهو مناف لنفس الرواية مضافا إلى استلزامه للدور و التصويب ونحوهما من المحذورات و إن كان رفعه بحسب الظاهر و الفعلية و التنجّز فهو راجع إلى ما ذكره لا محالة لما أسمعناك مرارا عند الكلام في بيان‏حقيقة الحكم و أقسامه أن التنجّز و الفعلية من مراتب الحكم الواقعي بالنظر إلى استحقاق المؤاخذة عليه فيرجع الأمر بالأخرة إلى رفع المؤاخذة و إيجاب‏الاحتياط المقتضى لها كما لا يخفى‏
في الاحتمالات و الوجوه التي في حديث ما لا يعلمون‏
قوله قدس سره و يمكن أن يورد عليه بأن الظاهر من الموصول فيما لا يعلمون إلى آخره‏(5) أقول توضيح ما أفاده من‏اختصاص الموصول بالشبهات الموضوعيّة و عدم شمول الحديث الشريف للشبهات الحكمية و بيان الوجه في شموله لها و تنقيح القول في ذلك‏يحتاج إلى شرح الكلام في محتملات الرواية و وجوه معانيها فنقول إنه لا إشكال في عدم جواز إرادة الظاهر من نسبة الرفع إلى‏التسعة من حيث لزوم الكذب على الشارع بعد فرض وجود التسعة بالوجدان في هذه الأمة فلا بد أن يكون المراد بمقتضى العقل بالنظر إلى‏دلالة الاقتضاء خلاف الظاهر منها إما بالمجاز في الكلمة أو الحذف و التقدير أو التصرّف في النسبة و الأمر العقلي بأن يريد من نسبة الرفع إليهارفع غيرها مما يأتي من الوجوه كما هو الشأن في أمثال ذلك كنسبة النقض إلى المتيقن في الأخبار الواردة في عدم جواز نقض اليقين بالشك على‏
15
وجه يأتي الإشارة إليه في باب الاستصحاب و كالتحريم المنسوب إلى الأعيان و نسبة السؤال إلى القرية في قوله تعالى و اسأل القرية إلى غيرذلك و إن كان الأظهر من هذه الوجوه الأخير منها عند الدوران و عدم قيام القرينة على إرادة غيره كما برهن عليه في محلّه ثمّ بعد البناءعلى التصرف في النسبة أو التقدير فهل يجعل المنسوب إليه في المقام أو المقدّر جميع الآثار و الأحكام و للوازم أو الأثر المناسب و إن اتفق‏كونه المؤاخذة بالنسبة إلى بعضها أو المؤاخذة عليها لا من حيث كونها أثرا مناسبا لها وجوه و هذا نظير ما ذكروا في نسبة التحريم إلى‏الأعيان من أن المراد تحريم جميع الأفعال المنسوب إليها أو خصوص ما كان مناسبا و مقصودا منها في العادة ثمّ الموصول في قوله عليه السلام ما لايعلمون على ما عرفت الإشارة إليه يحتمل أن يكون المراد منه خصوص الموضوع أو خصوص الحكم أو الأعمّ منهما و الاستدلال بالرواية مبنيّ على‏أحد الوجهين الأخيرين إذ على الأول يخرج عن محل البحث من غير فرق بين محتملات المختار و محتملات المقدر كما هو ظاهر و بعد ذلك‏نقول لا إشكال في بعد إرادة المعنى الثالث أي المعنى الجامع بين الموضوع و الحكم بل قد يقال بعدم إمكانه لعدم الجامع بين نسبة عدم العلم إلى‏الحكم و الموضوع فإنّ المراد من عدم العلم بالحكم عدم العلم بذاته و من عدم العلم بالموضوع عدم العلم بعنوانه أي عدم العلم بكونه من مصاديق الحلال أوالحرام من حيث كونه مردّدا بينهما و إلاّ فذاته معلومة فتدبّر و كيف كان لا إشكال في توقّف إرادته على تكلف بعيد و تمحّل بارد فلا يحمل اللّفظعليه فبني الاستدلال على إرادة المعنى الثاني فيدور الأمر بينه و بين المعنى الأوّل
في اختصاص ما لا يعلمون بالشّبهات الموضوعيّة
و الذي يقربه و يبعّد المعنى الثاني أمور أحدها ظهوركون المراد من الموصول فيما لا يعلمون ما أريد من أخواته من الفقرات المذكورة في الرواية لوحدة السياق و لا إشكال في كون المراد منها الموضوع‏أعني فعل المكلّف أمّا بالنسبة إلى غير الخطاء و النسيان فظاهر و أمّا بالنّسبة إليهما فلأن إرادة الخطاء و النسيان بالنسبة إلى الحكم يحتاج إلى‏تكلف مع أنه على تقدير إرادته يراد من حيث إنه فعل المكلّف بالنسبة إلى الخطاء فتدبّر ثانيها أن الظاهر من محتملات المقدر هو الثالث أي‏المؤاخذة على المذكورات لا من حيث كونها أثرا لها و لا معنى للمؤاخذة على الحكم ضرورة كونه فعل الشارع نعم على تقدير إرادة الأثر المناسب‏أو جميع الآثار يسقط الاستدلال بهذا الوجه إذ كما أن ارتكاب الحرام له دخل و تأثير في استحقاق المؤاخذة كذلك للنهي الصادر من الشارع‏دخل و تأثير في الاستحقاق فيصحّ نسبة الرفع إلى المؤاخذة من حيث كونها من آثارها كما هو واضح و المعنى الأول و إن كان أقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقي ضرورةكون الموجود الذي لا يترتّب عليه أثر الوجود أصلا أقرب إلى المعدوم من الموجود الذي يترتّب عليه الأثر في الجملة إلا أنه قرب اعتباريّ لاعرفيّ و لذا لم يجعل في باب الاستعارة وجه الشبهة جميع آثار المستعار منه و لوازمه بل ما يظهر منه عرفا و يساعد عليه العرف بحسب الموارد و أمّاالمعنى الثاني فهو و إن كان أقرب عرفا في نفسه بالنّسبة إلى المعنى الأوّل إلاّ أن الظاهر في خصوص المقام المعنى الثالث فيتعين إرادة الموضوع من الموصول على‏ما عرفت لا يقال إنما ذكر إنما يستقيم لو جعل المقدّر نفس المؤاخذة و سيجي‏ء أنه لا مناص من تقدير حكم شرعي قابل للرفع على كل تقديرو هو وجوب التحفظّ بالنسبة إلى الخطاء و النسيان و الاحتياط بالنسبة إلى ما لا يعلمون إلى غير ذلك فنسبة الرفع إلى المؤاخذة إنما هي من حيث‏كونها من آثار وجوب الاحتياط بحكم العقل سواء فرض مورده الحكم الشرعي المشتبه أو الموضوع المشتبه من غير فرق بينهما لأنّا نقول‏المرفوع أولا و بالذات و إن كان وجوب الاحتياط فيما لا يعلمون و يترتب عليه قهرا استحقاق المؤاخذة على الحرام الواقعي على ما ستقف على‏شرح القول فيه إلاّ أنه لا يتفاوت الأمر في الظهور الذي ادعيناه لأنا نقول الظاهر من الرواية رفع وجوب الاحتياط بالنسبة إلى ما لولاه‏لاستحق المكلّف المؤاخذة عليه فينطبق مورده على فعل المكلف و لا يشمل الحكم كما هو ظاهر ثالثها لزوم التقييد على تقدير إرادة الحكم‏بما بعد الفحص ضرورة اشتراط الفحص في الرجوع إلى الأصل في الشبهة الحكمية على ما ستقف على تفصيل القول فيه و هذا بخلاف إرادة الموضوع‏فإنه لا يلزمها تقييد أصلا رابعها أن تعميم الموصول يوجب التخصيص في أدّلة الآثار و الأحكام المترتبة على التسعة فلا بد من الحكم باختصاص‏الحديث برفع المؤاخذة حتى لا يوجب التخصيص فيها و قد يناقش فيه تارة بأن ذلك إنما يستقيم فيما لو كان تقدير المؤاخذة متيقنا على كلّ تقديرو إلاّ فللخصم أن يقول بتقدير الأثر المناسب أو دوران الأمر بينه و بين تقدير المؤاخذة اللّهم إلا أن يفرض كون تقدير المؤاخذة أظهر بالنّسبةإليه عند الدوران و أخرى بأن ذلك إنما يستقيم و يفيد فيما حكم بإجمال الحديث و الرجوع إليها بعد الإجمال لا لإثبات ظهور الحديث اللّهم إلاّ أن‏يريد أن يتمسّك بظهوره لرفع إجماله و هو محلّ كلام فيما لو ورد هناك عام و ورد دليل منفصل مجمل يوجب تخصيصه على تقدير و لا يوجبه على‏تقدير آخر كما إذا ورد من المولى أمر بإكرام العلماء و ورد منه نهي عن إكرام زيد و كان مشتركا بين عالم و جاهل فإنه لا إشكال في أن إجماله لا يسري‏في ظهور العام و أمّا سراية ظهوره في إجماله و رفعه و الحكم بأنه ظاهر من جهة أصالة العموم في إرادة الجاهل فهو محل تأمّل و من هنا أمر شيخنا قدس سره‏بالتأمّل و إن كان الأظهر عندنا رفع العموم للإجمال لكن لا بدّ أن يعلم أن المقام من قبيل ما ذكرنا من المثال لا من دوران الأمر في المخصّص بين ما
16
يوجب قلة التخصيص و كثرته كما أفاده شيخنا في الكتاب بقوله فإن المخصّص إذا كان مجملا إلى آخره فإن الحقّ فيه عندنا و عنده قدس سره التفصيل بين المخصّص‏المتصل و المنفصل فيما إذا كان مجملا بحسب المفهوم كما حققناه في مسألة التخصيص بالمجمل خامسها أن الحكم بعمومها يوجب التخصيص فيها من حيث‏عدم ارتفاعها بالنسيان و الخطاء و غيرهما و قد حكم شيخنا قدس سره بكونه أبعد من سابقه من حيث كونه ناشئا عن عدم تحصيل معنى الرواية كما هوحقه فإنه مبني على توهّم عدم الفرق على العموم بين الآثار الشرعيّة و غيرها و كذا ما يترتب في الشرع على ذات الفعل أو عليه بوصف النسيان و الخطإو سيجي‏ء ما هو المراد على تقدير العموم و فساد ما توهّم من عدم الفرق هذا مضافا إلى أن الرواية إن كانت ظاهرة في عموم المرفوع لا يوجب‏طرو التخصيص صرفها عنه و إن لم تكن ظاهرة فيه لا يوجب ظهورها في غيره فتدبّر سادسها تقييد رفع الحسد و التفكر في ذيل الروايةبعدم الإظهار فإنه يناسب إرادة رفع المؤاخذة عنهما فيكون المقدر في غيرهما ذلك أيضا فتدبّر هذا بعض الكلام فيما يقتضي ظهور الرواية في إرادةالموضوع من الموصول‏
في بيان إرادة الشبهة الحكمية من حديث ما لا يعلمون‏
و أمّا ما يقتضي إرادة الحكم منه أو يوجب وهن إرادة الموضوع منه فأمور أحدها نسبة عدم العلم إلى نفس‏الموصول و هي تقتضي إرادة الحكم منه إذ على تقدير إرادة الموضوع على ما عرفت لا بد أن يتوسّع في النسبة و يراد منها عدم العلم به باعتبار عنوانه‏فإن شئت قلت المراد من الموصول الشي‏ء المجهول و المشتبه و فعل المكلف ليس فيه اشتباه بالنظر إلى ذاته و إنما الاشتباه فيه من حيث كونه حلالاأو حراما أي مصداقا لعنوان علم حرمته أو مصداقا لعنوان علم حليّته و ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى أخواته فإنّ مورد الخطاء أو النسيان أو الإكراه‏أو الاضطرار نفس فعل المكلف و هذا الظهور أقوى من ظهور وحدة السياق على تقدير اعتباره و كونه لفظيّا يعتمد عليه في المحاورات في تفهيم المرادعند أهل اللسان و العرف و إن كانت نسبته رفع المؤاخذة إليه من حيث كونه سببا له لا من حيث كونه موردا على هذا التقدير إلا أنه لا مناص‏منه بعد ملاحظة الظهور المذكور فتدبّر ثانيها إرادة غير المؤاخذة من النبوي في رواية المحاسن المذكورة في الكتاب فإن المراد من اللزوم‏في السؤال هي صحّة الحلف بحيث يترتّب عليه الحنث و سائر أحكامه كما هو ظاهر فحكم الإمام عليه السلام بعدم الصحة و اللزوم استشهادا بالنبويّ يدلّ‏على عدم اختصاص المرفوع بالحديث الشريف بالمؤاخذة فيعم جميع الآثار إذ لا واسطة كما هو ظاهر فيسقط ظهور الرواية في الشبهة الموضوعيّةبل مورد الرواية السؤال عن حكم الواقعة من حيث كون الشك فيه و إن كان مورد الإكراه الحلف فتأمل و الحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك‏و إن كان باطلا عند الإمامية في حالة الاختيار أيضا حيث إنه لا بد من الحلف باللّه إلا أن الاستشهاد بالنبويّ يدلّ على ما ذكرنا و دعوى‏كونه نبويّا آخر بعيد كما أن القول بالتعميم في خصوص الثلاثة من التسعة أيضا بعيد من حيث لزوم التفكيك بين الفقرات و هو المراد من أمر شيخناقدس سره بالتأمّل ثالثها أن تخصيص المرفوع باستحقاق المؤاخذة يوجب عدم اختصاص المرفوع بهذه الأمة و هو خلاف ظاهر الحديث‏الشريف فإن سوقه في مقام الامتنان على الأمة المرحومة من جهة نبيّهم صلى اللّه عليه و آله من حيث كونه أشرف الأنبياء قدرا و أعلاهم درجة و أفضلهم عنداللّه تبارك و تعالى بيان الملازمة أنّ المؤاخذة على كثير ممّا ذكر في الرواية كالخطاء و النسيان و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطرّواإليه و ما أكرهوا عليه قبيحة بحكم العقل من غير فرق بين الأمم فلا بد من الحكم بتعميم المرفوع حتى يكون رفع جميع الآثار من خواصّ الأمة المرحومة و إن‏كانت المؤاخذة مرفوعة من جميع الأمم فيسقط ظهور الرواية عن الاختصاص بالشبهة الموضوعيّة لابتنائه على تخصيص المرفوع بالمؤاخذة ودعوى كون الاختصاص بالأمة المرحومة مع تقدير خصوص المؤاخذة باعتبار مجموع التسعة من حيث المجموع و إن كانت المؤاخذة على أكثرهامرفوعة من جميع الأمم مما تضحك به الثكلى كما لا يخفى هذا و قد تفصّى شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره عن هذا الإشكال على تقدير اختصاص‏المرفوع بالمؤاخذة بعد النقض بالكتاب العزيز فإن صريحه استيهاب النبيّ صلى اللّه عليه و آله ليلة المعراج المؤاخذة على النسيان و الخطاء و نحوهما ممّا هومورد الإشكال في الحديث بقوله تعالى‏ ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربّنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا بقوله‏لكن الذي يهوّن الأمر في الرواية جريان هذا الإشكال في الكتاب العزيز أيضا إلخ بمنع قبح المؤاخذة على الأمور المذكورة بقول مطلق في حكم‏العقل و إنما تقبح عليها في الجملة فيحمل الآية على تقدير الاختصاص بتقدير المؤاخذة على إرادة رفعها عن هذه الأمّة بقول مطلق حيث‏إنّ المؤاخذة على النسيان و الخطاء الصّادرين عن ترك التحفظّ لا قبح فيها عقلا و كذا العقاب على ما لا يعلم مع إمكان الاحتياط و كذاالتكليف الشاق الناشئ عن اختيار المكلّف بقوله و الذي يحسم أصل الإشكال مع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الأموربقول مطلق إلى آخر ما أفاده و لكن قد يناقش فيما أفاده بالنسبة إلى ما لا يعلمون بأن مورد حكم العقل بقبح المؤاخذة على ما لا يعلمون إنّماهو فيما أمكن فيه الاحتياط كما ستقف على تفصيل القول فيه عند الاستدلال في الدليل العقلي على البراءة في الكتاب فلو بدّل قوله قدّس سره‏مع إمكان الاحتياط بمع إيجاب الاحتياط كان سليما عن المناقشة فلعلّه سهو من قلمه الشريف نعم لو كان الدليل العقلي على البراءة
17
ما توهمه السيّد أبو المكارم من قبح التكليف بما لا يطاق كان ما أفاده قدس سره صحيحا و سليما عن الإيراد فإن إمكان الترك يرفع موضوع القاعدةالمذكورة لكنّه توهّم أفسده قدس سره فيما سيأتي من كلامه فتدبّر و كذا ما أفاده بالنسبة إلى ما لا يطيقون لأنه إن أريد من التكليف الشاق التكليف‏بغير المقدور لم يكن فرق في قبحه عقلا بين ما كان مسبّبا عن اختيار المكلف و غيره كما برهن عليه في محلّه و إن زعم بعض التفصيل فيه على‏خلاف التحقيق الذي بني الأمر عليه وفاقا للمحققين و إن كان المراد منه كما هو صريح قوله و المراد بما لا يطاق في الرواية ما لا يتحمّل عادة التكليف‏بالأمر الحرجيّ المتعسّر فلا قبح فيه أصلا عنده و عند المشهور كما بيّن في محلّه كيف و هو واقع في الشرعيّات في الجملة و إن زعم بعض مشيخة شيخنا خلافه‏في عوائده متخيلا أنّ رفع الجرح عقلي و أن الواقع في الشرعيّات من التكاليف بالأمور العسرة كالجهاد و نحوه ليست من التكليف بالأمر الحرجي‏بعد ملاحظة زيادة الأجر و الثواب عليه فالحق أن نقول مع قبح التكليف عقلا بالأمر الحرجي مطلقا إنّ الرواية من أدلّة نفي الجرح شرعا كقوله تعالى‏ما جعل عليكم في الدّين من حرج و قوله تعالى يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر و نحو ذلك هذا و كذا يقال بالنّسبة إلى باقي التسعة فإنّ المؤاخذةعليه مما لا يحكم العقل بقبحه حتى في مورد الإكراه و الاضطرار فإن المراد من الأول ليس الفعل الصّادر عن إجبار بحيث يرتفع الاختيار عن المكره‏بالفتح بل المراد به ما يوقعه المكره اختيارا خوفا من المكره بالكسر و لذا وقع التكليف به في الشرعيّات كما في الزناء و نحوها و من الثاني ليس الاضطرارالرافع للاختيار بل ما يختاره الفاعل لضرورة داعية إليه كأكل مال الغير و الميتة فيما لو انحصر التعيّش به أو التداوي بالمحرّمات على القول‏بجوازه و نحو ذلك و دعوى اقتضاء اللّطف تجويز ذلك على الحكيم تعالى و رفع المؤاخذة عنه كما ترى و كذا المؤاخذة على الجسد من دون إظهارو استعمال و كذا الوسوسة في التفكّر و على الطيرة ليست ممّا يحكم العقل بقبحها قطعا بل لم يتوهّمه أحد جزما هذا بعض الكلام في الحديث الشريف‏المتعلق ببيان المراد منه من حيث إرادة خصوص الموضوع من الموصول في قوله ما لا يعلمون حتى لا يجوز الاستدلال به أو الحكم حتى يكون من‏أخبار المقام و محلّ البحث‏
تحقيق متعلّق ببيان المراد من الحديث الشريف‏
و نتبعه بالتكلّم في مواضع أخر متعلّقة ببيان المراد من الحديث الشريف تبعا لشيخنا قدس سره الأوّل أنّ الآثار والأحكام الشرعيّة المترتّبة على الأفعال بالمعنى الأعمّ من الترك لا يخلو الأمر فيها من وجوه ثلاثة لأنها إما مترتّبة بظاهر دليلها على الفعل‏اللابشرط أي الفعل من حيث هو من دون أخذ العمد و الذكر و الخطإ و النسيان و العلم و الجهل و نحوها فيه كما هو الغالب في أكثر الأحكام والآثار الشرعيّة المترتبة على أفعال المكلّفين و إمّا مترتبة على الفعل من حيث أخذ وصف التعمّد و الذكر و نحوهما فيه أي الفعل بشرط هذه الأوصاف‏كالقصاص المترتّب على تعمّد القتل مثلا و الكفارة المترتّبة على الإفطار عمدا في نهار رمضان و بطلان الصلاة المترتّب على الصلاة في النجاسةمع العلم بها و هكذا و إما مترتبة على الفعل بشرط الخطإ و النسيان و الشكّ و نحوها من الأوصاف كالدية المترتبة على القتل الصادر خطأو سجدتي السهو المترتّبين على النقص أو الزيادة الصادرين سهوا أو الشكّ بين الأربع و الخمس بعد الفراغ عن السجدتين و رفع الرأس منهما و صلاةالاحتياط المترتبة على الشك في الركعات و هكذا ثم على القول بعموم المرفوع لجميع الآثار في الحديث الشريف المسوق لبيان الامتنان‏على العباد و حكومته على أدلّتها كدليل نفي الحرج و الضرر و نحوهما يحكم بحكومته على القسم الأول إذ هو الذي يقبل للشرح و التفسير و البيان‏و أما القسمان الآخران فلا تعرّض للحديث لبيان حالهما أصلا بل لا معنى له جزما إذ القسم الثاني منتف بانتفاء موضوعه في صورة عروض‏الحالات المذكورة في الحديث و القسم الثالث يثبت موضوعه بعروض الحالات المذكورة بحيث لا يكون له موضوع بالفرض إلا في صورة عروض‏الحالات فكيف يجعل الحديث شارحا له و موجبا لحمله على غير صورة عروض الحالات و إن هو إلاّ طرحه رأسا و المفروض ثبوته مضافا إلى ماعرفت من كونه خلاف معنى الحكومة و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا كما لا يخفى الثاني أن اللوازم و الآثار المترتبة على الأفعال تنقسم‏باعتبار آخر إلى أقسام فإنها إما أن تكون شرعيّة أو عقلية أو عادية و على الأول لا يخلو الأمر فيها إمّا أن يكون ترتّبها على الفعل ترتّباأوّليّا و محمولا له من دون توسيط أمر آخر و إما أن يكون ترتبها عليه بتوسيط أمر لازم عقلي للفعل أو عاديّ له و على القول بعموم المرفوع في الحديث‏إنما يحكم برفع خصوص المحمولات الشرعية التي حملت على الأفعال في الأدلّة الشرعيّة أولا و بالذات من دون توسيط أمر آخر فلا يحكم بعمومه لغيرالآثار الشرعيّة من العقليّة و العاديّة كما أنه لا يحكم بعمومه لما كان من الآثار الشرعيّة مترتبة عليها بواسطة أحدهما لأن الظاهر من رفع‏الشارع من حيث إنه شارع لآثار الفعل إنما هو رفع ما كان ثبوتها له بجعله و كان موضوعا لها بحسب جعله لا مطلقا نعم لو كان هناك‏أثر عقليّ أو عاديّ مترتّب على الأثر الشرعي المترتب على الفعل الذي حكم برفعه يحكم بارتفاعه قهرا من حيث ارتفاع موضوعه و هذا نظير ماسنذكره في باب الاستصحاب في جانب الإثبات من أن الثابت بأخباره هو جعل خصوص ما كان من الأحكام الشرعيّة المترتّبة على المستصحب‏بلا واسطة في مرحلة الظاهر لا الآثار العقليّة و العادية و لا ما يترتّب عليهما من الآثار الشرعيّة إلا ما كان من اللوازم الغير الشرعيّة مترتّبا على‏
18
الآثار الشرعية الثابتة و لو في مرحلة الظاهر لتحقّق موضوعها قهرا بجعل الشارع و من هنا يحكم بعدم الفرق فيما كان المستصحب حكما شرعيّابين لوازمه فإن المراد من هذا هو ما كان الموضوع لما فرض لازما عقليّا أو عاديّا الأعمّ من الحكم الواقعي و الظاهري كما ستقف على تفصيل القول‏فيه في بابه فإن قلت ما ذكر إنّما يسلّم في باب الاستصحاب من حيث إن الشارع في مقام الجعل و التشريع لا يجعل غير الأحكام الشرعيّة لا في مثل‏المقام الذي يرجع فعل الشارع فيه إلى الإخبار لا الإنشاء ضرورة رجوع الرفع إلى بيان عدم شمول دليل الحكم و عدم إرادة العموم منه أو قصورالمقتضي لثبوته لإثباته كما يكشف عنه قوله تعالى ما جعل عليكم في الدّين من حرج و نحوه و من هنا ذكروا أن مرجع النسخ إلى بيان الانتهاء و لا يعقل‏له معنى آخر إذ الشي‏ء سواء فرض ثابتا أو منفيّا لم يمكن تعلّق الرّفع به كما هو ظاهر فإذا لا مانع من إخبار الشارع من عدم ثبوت غير الأحكام الشرعيّةقلت رجوع الرفع إلى الإخبار عما ذكر أمر لا نمنعه إلا أنّا نقول إخبار الشارع من حيث إنه شارع لا بدّ و أن يرجع إلى الإخبار عن كيفيّة حكمه الشرعيّ‏إذ كما أن إنشاءه يحمل على ذلك مع أنّ إيجاده التكويني يتعلّق بكلّ شي‏ء كذلك إخباره بهذه الملاحظة لا بد و أن يحمل على ما ذكر فإذا أخبر مثلا عن‏رفع الحكم الثابت شرعا بمقتضى دليله للفعل إذا صدر نسيانا فلا محالة يحمل على الإخبار عن مقتضى دليل الحكم المثبت له في الموضوع المذكور ابتداءفلا فرق إذا بين الإنشاء و الإخبار في التعلق بالمحمول الشرعي الأولي للأفعال فإن قلت على ما ذكرت في المراد من الرواية و بيان معناها في طي‏الأمرين على تقدير إرادة العموم ليس هنا معنى محصّل لها بالنسبة إلى ما لا يعلمون بل بالنّسبة إلى غيره أيضا على تقدير اختصاص الرواية برفع المؤاخذةلأن استحقاق العقوبة مضافا إلى كونه من الأحكام و الآثار العقلية مترتّب على عنوان المعصية الذي لا يتحقّق إلا مع العلم و العمد فليس بالنسبة إلى‏ما لا يعلمون أثر شرعي مترتّب على الفعل اللابشرط و أما نفس المؤاخذة فليست من الآثار أصلا بل هي فعل المؤاخذة نعم الحرمة الواقعيّة حكم شرعي مترتّب‏على الفعل اللاّبشرط أوّلا و بالذات إلاّ أن الحكم برفعه عن مورد الشك يلزم تخصيصه بصورة العلم و هو بالنسبة إلى الشبهة الحكمية محال و مناف لنفس‏الحديث و بالنسبة إلى الشبه الموضوعيّة مناف لنفس الحديث فإنّه يوجب أن يكون الموضوع المردّد حلالا واقعيّا مع أنّ المدّعى الذي يريد إثباته بالرواية كونه‏حلالا ظاهريّا قلت المرفوع بالحديث الشريف بالنسبة إلى ما لا يعلمون و غيره ليس استحقاق المؤاخذة و العقوبة أوّلا و بالذات حتى يتوجّه عليه‏السؤال المذكور بل المرفوع أوّلا و بالذات أمر شرعيّ يترتّب على رفعه رفع الأثر العقلي المزبور و هو ممّا لا غبار عليه حسبما عرفت في طي الأمر الثاني و هذاالأمر الشرعي المرفوع أوّلا و بالذات هو إيجاب التحفّظ و الاحتياط لا نفس الحكم الواقعي حتى يلزم على رفعه المحذور المزبور على كلّ تقدير فإن قلت لا معنى لجعل‏المرفوع أوّلا و بالذات هو إيجاب الاحتياط أمّا أولا فلأنه مبنيّ على تسليم دلالة أخبار الاحتياط على وجوبه عموما و هو ممنوع و أمّا ثانيا فلأنّ وجوب‏الاحتياط على تقدير ثبوته مترتّب على الشك في الحكم الإلزامي و احتمال الحرمة لا على المشكوك و الفعل اللاّبشرط فوجوب الاحتياط و إن كان حكماشرعيّا إلاّ أنّه مترتّب على الفعل بشرط الجهل و عدم العلم قلت جعل المرفوع إيجاب التحفّظ و الاحتياط لا يتوقّف على قيام دليل على ثبوته في‏الشرعيّات بل يكفي وجود المقتضي لثبوته على ما سننبّه عليه من كون المراد من الرفع ما يشمل الدفع و بعد ذلك نقول إنّ الحرمة الواقعيّة مثلاالمنبعثة عن المفسدة الملزمة الكامنة في ذوات الأفعال المأخوذة بالعنوان اللابشرطي اقتضت إيجاب الشارع لامتثالها و إطاعتها مطلقا و من‏حيث رعاية وجودها الواقعي و النفس الأمري من غير فرق بين قيام الطريق إليها و عدمه فمقتضاه إيجاب الشارع للاحتياط عند احتمال وجودها فإذاأخبر الشارع بقوله رفع ما لا يعلمون عن عدم رعاية تمام الرعاية علم عدم إيجابه الاحتياط عند الشكّ في الحكم الإلزامي فالمرفوع حقيقة مقتضى‏الحرمة الواقعيّة المحمولة على الفعل اللابشرط لا نفسها حتّى يتوجّه عليه ما ذكر في طيّ السؤال فيحكم بارتفاع إيجاب الاحتياط من حيث إنّه‏من مقتضيات الإلزام الواقعي المحمول على الفعل المأخوذ بالعنوان التجريدي المعرّى عن العلم و الشك فكان المرفوع الحكم الواقعي بحسب‏بعض مراتبه و هو تنجزّه و إن لم يكن التنجّز على ما أسمعناك مرارا حكما مجعولا للشارع في قبال الحكم الواقعي الثاني فالمرفوع ما كان له مقتضى‏الثبوت لا الثابت فعلا بحسب قيام الدليل عليه فإن الدليل على الحكم الواقعي لا يمكن إثباته للمعنى المذكور و دلالته عليه و جعله طريقاإليه مع الشكّ و إن كان الحكم الواقعي على تقدير ثبوته في نفس الأمر ثابتا واقعا و مرادا عن المكلّفين كذلك و الفرق بينهما أي الدلالة و الثبوت النفس‏الأمري و الإرادة الواقعيّة لا يكاد أن يخفى و على ما ذكرنا يحمل قوله قدس سره في الجواب و حينئذ إذا فرضنا أنه لا يقبح في العقل أن يوجّه التكليف بشرب‏الخمر على وجه يشمل صورة الشك فيه إلى آخره فإن المراد منه عدم إيجاب الشارع امتثال الحكم الواقعي بقول مطلق لا التوجيه من نفس الخطاب‏المتعلّق بشرب الخمر فإن ثبوت الحكم في مرحلة الواقع تابع للخمر الواقعي و جعله دليلا عليه و مع الشك و طريقا إليه محال لا يمكن تصرّف الشارع فيه أصلاكما أنه المراد بقوله بعد ذلك و إلا فليس في التكاليف ما يعمّ صورة النسيان إلخ فإن العموم بمعنى الثبوت النفس الأمري لا يمكن إنكاره و الذي يقبح عقلا هوهو إيجاب امتثاله مطلقا حتى مع النسيان الصادر عن ترك التحفّظ الذي لا ينفكّ عن الطبيعة الإنسانية فينطبق مع المراد بالتوجيه في العبارة
19
المتقدّمة هذا على تقدير عدم دليل على وجوب الاحتياط مطلقا حتى في الشبهات البدوية و أما على تقدير قيام دليل عليه فيمكن جعل‏الحديث مخصّصا له بما إذا كان هناك علم إجماليّ بالتكليف فيخرج عن المعنى الذي ذكرنا أعني حكومة الحديث على أدلّة أحكام الموضوعات‏هذه غاية ما يقال في الجواب عن السّؤال و شرح ما أفاده في المقام و إن بقي في النفس مع ذلك شي‏ء ثم إنه قدس سره فرّع على ما أفاده من الجواب‏عن السؤال بأن المرفوع أوّلا و بالذات حكم شرعي يترتّب عليه رفع الأمر الغير الشرعي دفع الإيراد الموارد على المتمسّك بالحديث الشريف في الحكم بصحّةالعبادة المنسيّ عنها بعض أجزائها أو شرائطها من حيث إنّ وجوب الإعادة إن سلّم كونه أمرا شرعيّا مترتّب على مخالفة المأتي به للمأمور به وهي ليست أمرا شرعيّا فلا يجوز التمسّك بالحديث الشريف لإثبات الصحّة عند نسيان بعض ما يعتبر في العبادة لما عرفت من أن المرفوع أوّلا وبالذات لا بد أن يكون شرعيا ببيان أن المرفوع أولا و بالذات في المقام أمر شرعيّ أيضا يترتب عليه ارتفاع سبب الإعادة و هي شرطية المنسيّ‏أو جزئيّته فيصحّ التمسّك بالحديث الشريف و جعل الأصل بمقتضاه الحكم بصحّة العبادة مع نسيان بعض أجزائها أو شرائطها كما صنعه بعض الأصحاب‏ثمّ أمر بالتأمّل و بيّن الوجه فيه في مجلس البحث و جعله كون الشرطيّة و الجزئيّة من الأحكام الوضعيّة التي ليست مجعولة عنده وفاقا للمحققين‏فالإيراد في محلّه و دعوى أنها و إن كانت غير مجعولة لكنّها منتزعة عن الأحكام التكليفيّة فالمرفوع أوّلا و بالذات الأمر بالمركّب المشتمل عليهما ويترتّب على رفعه ارتفاع المخالفة المذكورة فاسدة جدّا لأن مجرّد ارتفاع الأمر بالمركّب المشتمل عليهما لا يقتضي تعلّق الأمر بالمركب الخالي عنهمابل التّحقيق كما ستقف على تفصيل القول فيه عند الكلام في تنبيهات الأقلّ و الأكثر امتناع التنويع بحسب الذكر و النسيان فلا يفيد مجرّدارتفاع الأمر عن التام في الحكم بإجزاء الناقص و كفايته عند الذكر هذا و لكن يمكن أن يناقش في وجه التأمّل بأن المراد من الشرطيّة و الجزئيّة في‏المقام هو المقدميّة و هي ليست أمرا اعتباريّا بل التحقيق كونه منشأ للأمر الغير المتعلّق بالجزء و الشرط و النفسي المتعلّق بالمركب المشتمل عليهما إلاّ أنّه‏لا ينفع في الحكم بصّحة العبادة في الفرض أيضا لما عرفت من امتناع التنويع بحسب حالتي الذكر و النسيان هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بهذا المقام‏و سنوقفك على تمامه عند البحث في فروع الأقلّ و الأكثر
في أين المراد من الرّفع معنى يشمل الدفع‏
الثالث أنه قد يستظهر من الحديث الشريف على ما عرفت الإشارة إليه كون‏صدق الرفع موقوفا على وجود دليل يقتضي ثبوت المرفوع بعنوان العموم لكن ذكر شيخنا قدس سره أن المراد من الرّفع ما يشمل الدفع فيكفي في صدقه‏مجرّد وجود المقتضي لثبوته و إن لم يكن عليه دليل لكن إحراز المقتضي مما لا بدّ منه فلو كان هناك حكم متعلّق في ظاهر دليله بحالة العمد مثلا و علمنابوجود المقتضي لثبوته في حالة النسيان يكشف ذلك عن كون التخصّص في دليل الحكم من جهة رعاية ما بيّنه الشارع في حديث الرفع و إن لم يكن‏الحكم بارتفاعه في الفرض محتاجا بحديث الرفع فتأمّل و من هنا اكتفي بوجود المقتضي للاحتياط في صورة الشكّ من غير أن يكون عليه دليل‏على ما عرفت الكلام فيه فتدبّر
في أن حديث الرّفع لا يرفع الضّمان‏
الرّابع أن الحديث الشريف على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا لما كان واردا في مقام الامتنان‏بالنظر إلى سياقه فلو قيل بعموم المرفوع فلا بد أن يحكم باختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الأمة فإتلاف المال المحترم نسيانا أوخطأ لا يرفع معه وجوب الغرامة و الضمان لأن رفعه ينافي الامتنان على مالكه و إن كان فيه امتنان على المتلف و كذلك إتلافه و أكله في مقام الاضطرارو الضرورة لا يرفع معه وجوب الغرامة و الضمان فيجمع بين الحكم بجواز أكله في مقام الاضطرار و الضمان بمقتضى ما دلّ على سببيّة الإتلاف للضمان بل‏لو توجّه ضرر إلى مسلم لا يجوز صرفه عن نفسه بإضرار الغير نعم لو توجّه ضرر إلى الغير ابتداء لم يجب صرفه عنه تحمل الضرر ففي موارد الإكراه‏بإضرار الغير يحكم بجوازه من حيث إن الضرر متوجّه إلى الغير ابتداء بمقتضى إرادة المكره بالكسر لا إلى المكره بالفتح فلا يجب عليه تحمّل الضرر إلاّ فيمادل دليل عليه كما في الدماء و سبّ الأولياء صلوات اللّه عليهم و إن كان مقتضى غير واحد من الأخبار جواز السّب لدفع الضرر و القتل دون البراءةعنهم و أفتى به جمع من الأصحاب و تحقيق المسألة يطلب من الفقه‏ الخامس أن الظاهر من الحديث الشريف بعد حمله على الرفع الشرعي و أنّ‏المرفوع حكم شرعيّ على كلّ تقدير و قول حتى على القول باختصاصه برفع استحقاق العقوبة و المؤاخذة كون الطيرة و الحسد و إن لم يظهره الحاسدو الوسوسة في التفكّر و إن لم يظهرها المتفكّر من المحرّمات في الأمم السّابقة نظرا إلى إمكان رفعها بتزكية النفس بل ظاهر جملة من الآيات و كثير من‏الروايات و بعض الكلمات كون الحسد حراما مطلقا في هذه الشريعة أيضا و إن لم يكن من الكبائر قبل الإظهار و كيف كان ظاهر الرواية كونهامنهيّا عنها في الأمم السابقة و ربما يكشف عنه ما ورد في باب الطيرة أنها شرك و إنما يذهبها التوكّل من حيث إنّها مبنيّة على الاعتقاد بوجودتأثير نفس التطيّر أو ما يتطيّر به و هو مناف لبعض مراتب التوحيد و إن لم يناف التوحيد المعتبر في الإيمان لعدم الاعتقاد بتأثيرها استقلالاحتى ينافيه و إذهاب التوكل لها من حيث إنه بالتوكل على اللّه تعالى يرفع أثرها كما هو مقتضى كثير من الأخبار فيعلم أن تأثير المؤثرات بإرادة اللّه تعالى‏و مشيّته فليس التأثير من لوازم ذاتها و هذا مثل تأثير العين الوارد لرفعه و الحفظ عنه المعوّذات المأثورة حتى في باب تأثيرها في صاحبها كما ربما
20
نشاهد بالوجدان من تأثير تعجّب الشخص في حق نفسه و كون دفع الحسد واجبا خلقيّا و ممّا أكّد عليه في الأخبار أيضا لا ينافي عدم وجوبه شرعا على‏هذه الأمّة فقوله قدس سره في بيان حكم الطيرة و المراد إمّا رفع المؤاخذة عليها إلى قوله و إمّا رفع أثرها لأن التطيّر كان يسدهم عن مقاصدهم فنفاه‏الشارع قد يناقش فيه من حيث كونه منافيا لما أفاده من عدم تعلق الرفع بالأمر الغير الشرعي مضافا إلى ما يرى بالوجدان من تأثيره في حقّ‏من يعتني به و لا يتوكل على اللّه في مورده فتدبّر هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالفقرات الثلاثة المذكورة في الحديث الشريف أخيرا على ما هو المعروف‏في معناها و بقي فيها أبحاث أخر نذكر في محلّ آخر مثل ما ذكره الصّدوق في معناها و المراد بها في رواية خصال فإنه معنى آخر لا ينطبق على ماذكرناه في الحديث الشريف المتقدّم فإن مقتضاه ثبوت المذكورات في الجملة و لو في حق الأنبياء و من دونهم فلا معنى لرفعها بناء عليه كما هوظاهر
في دلالة حديث ما حجب الله علمه عن العباد على أصالة البراءة فيما لا نص فيه
قوله قدس سره و فيه أن الظاهر ممّا حجب اللّه علمه إلى آخره‏(1) أقول لا إشكال في ظهور الحديث فيما أفاده في بيان معناه من أن المراد منه الحكم‏الذي لم يؤمر الأنبياء بتبليغه و كان مخزونا عندهم و مخفيّا عن الخلق كما هو مقتضى كثير من الأخبار و لا ينافي ذلك قوله صلى اللّه عليه و آله في حجة الوداع‏من تبليغه تمام الدين إلى الخلق و تكميله ذلك بتبليغ أمر الولاية التي هي بمنزلة الروح له حقيقة فإنه يكفي في صدقه تبليغه إلى الوصيّ عليه السلام و أمره‏بالبيان حسب اقتضاء المصلحة فيخرج عن محل البحث و ليس هنا إجماع مركّب و عدم قول بالفصل فتأمّل‏
في بيان التعارض بين النّاس في سعة ما لا يعلمون و دليل الاحتياط
قوله قدس سره و فيه ما تقدّم في الآيات‏من أن الأخباريّين إلى آخره‏(2) أقول قد يناقش فيما أفاده من جعل مفاد الرواية أصلا في المسألة بحيث لا يصلح للمعارضة مع دليل الاحتياط فإنه‏على تقدير كون الكلمة موصولة أضيف إليه السّعة يكون مفادها إثبات السّعة و نفي الضيق بالنسبة إلى الحرمة المجهولة فإنّها غير معلومة ولو بملاحظة أخبار الاحتياط فإنها لا توجب العلم بالحرمة الواقعيّة و إنما تثبت وجوب التحرّز في مورد احتمالها فتثبت الضيق في قبال الروايةفالرواية تنفي وجوب الاحتياط عند احتمال الحرمة من حيث عدم العلم بها لا من حيث عدم العلم به حتى يقال بثبوته و الفرق بينهما ظاهر فافهم‏و أمّا على تقدير كونها مصدرية زمانيّة فالأمر كذلك أيضا و إن لم يكن مثل الأوّل في الظهور فإنّه يصدق بعد ورود أخبار الاحتياط أيضاأن المكلّف غير عالم بالحكم الواقعي و إن لم يصدق عليه الجاهل بقول مطلق بعد فرض علمه بالحكم الظاهري فتأمل و جعل العلم بوجوب الاحتياطمن بعض مراتب العلم بالحكم الواقعي كما ترى‏ قوله قدس سره بناء على أنّ المراد بالشي‏ء الأوّل إلى آخره‏(3) أقول لا يخفى ظهور الرواية في المعنى الثاني فلا دلالة لهاعلى المدّعى‏ قوله قدس سره و فيه أن الظاهر من الرواية إلى آخره‏(4) أقول ظهور الرواية فيما أفاده من إرادة الجهل المركّب لا البسيط الذي هو محلّ الكلام‏لا إشكال فيه أصلا لظهور كلمة الباء في السببيّة الغير المتحققة إلا مع الجهل المركّب لأن الشك بما هو لا يكون سببا كما هو واضح إلاّ أنّ تأييد له بأنه‏على تقدير إرادة المعنى الثاني لا بد من ارتكاب التخصيص في الرواية بإخراج الشاك المقصّر مع أنها آبية عن التخصيص ربما يناقش فيه بأن التخصيص‏مما لا بدّ منه على كل تقدير إذ الجاهل المركب المقصّر أيضا غير معذور و من هنا أمر قدس سره بالتأمّل فإن هذه المناقشة ممّا لا يمكن الذبّ عنه كما لا يخفى‏ قوله قدس سره و فيه أن مدلوله كما عرفت إلى آخره‏(5) أقول إن إيتاء وجوب الاحتياط و تعريفه لا يفيد بالنسبة إلى الحكم الواقعي اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ‏إيجاب الاحتياط لما كان مصحّحا للعقاب بالنسبة إلى الواقع فيكفي في صدق الإيتاء و التعريف فتأمل أو يقال إن إيتاء الشارع للاحتياط بالنسبة إلى‏الواقع إيتاؤه في الجملة فتدبّر
في دلالة كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي على أصالة البراءة فيما لا نصّ فيه‏
قوله و دلالته أوضح من الكلّ إلى آخره‏(6) أقول ظهور الرواية في كون غاية الطلق و الإباحة العلم بورودالنهي في كل شي‏ء بعنوانه الخاص لا بعنوانه من حيث كونه مشتبها و مجهول الحكم ممّا لا يقبل الإنكار إذ النهي عن عنوان العام نهي عنه حقيقة و هو أمرواحد لا عن كل شي‏ء فافهم و المراد بالورود على ما عرفت ورود النّهي في الشي‏ء بحيث يبلغ إلى المكلّف و يعلم به لاستحالة جعل المغيا الإباحة الواقعيّةكاستحالة جعل الغاية الورود الواقعي مع جعل المغيا الإباحة الظاهريّة و هي نصّ في الإباحة في مجهول الحرمة من غير فرق بين هذا الطريق وطريق آخر للرواية ذكر فيه حتى يرد فيه أمر أو نهي و أخبار الاحتياط على تقدير تسليم دلالتها ظاهرة في وجوب الاحتياط حتى أخبار التّثليث‏الواردة في الشبهة التحريميّة فإنّ حملها على صورة العلم الإجمالي بالحرمة أو رجحان الاحتياط ممكن و هذا بخلاف الرواية إذ لا معنى لهاإلا الإباحة و التصرّف فيها بجعلها في مقام بيان حكم الشي‏ء مع قطع النظر عن أخبار الاحتياط ليس عملا بها حقيقة بل هو طرح لها رأسا إذلا يبقى مورد للعمل بها إذ حملها على الشبهة الموضوعيّة التي وافق الأخباريون مع المجتهدين على القول بالإباحة فيها غير ممكن ضرورة اختصاص‏الرواية و صراحتها في الشبهة الحكميّة و ليس مثل قوله عليه السلام فيما سيجي‏ء كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام كما لا يخفى و منه يظهر أن كثيرا من الأخبارالمتقدّمة المختصة بالشبهة الحكمية كجملة من الآيات على تقدير تسليم دلالتها نصّ بالنسبة إلى أخبار الاحتياط بالنظر إلى ما عرفته أو أظهر منهاو إن أمكن حمل ما يعمّ الشبهة الوجوبيّة عليها كما عليه أكثر الأخباريّين و لكن هذا الحمل لا يمكن ارتكابه في المرسلة من حيث صراحتها في‏الشبهة التحريميّة على الطريقين هذا و سيجي‏ء تمام الكلام في بيان النسبة بين أدلّة الطرفين و الغرض من ذكر هذا الكلام في المقام التنبيه على‏
21
ما يتطرّق من المناقشة في ظاهر عبارة الكتاب من الحكم بالتعارض و إن أمكن دفعها بأن المراد من التعارض في المقام كونها متّحدة الموضوع‏مع أخبار الاحتياط بخلاف الآيات و أكثر الأخبار فلا ينافي كونها نصّا بالنسبة إليها فافهم و الرواية و إن كانت مرسلة إلا أنها مجبورةبالعمل و الاعتضاد بغيرها فتدبّر
في بيان أن الرواية لا تعلّق لها بالمعذوريّة من جهة الحكم التكليفي بل لبيان الحكم الوضعي الذي لا دخل له بالمقام‏
قوله قدس سره و فيه أن الجهل بكونها في العدّة إن كان إلى آخره‏(1) أقول لا إشكال في أن فقه الحديث لا تعلّق له‏بالمقام أصلا على كل تقدير فإنّ صريحه كون السؤال و الجواب عن الحكم الوضعي للعقد الواقع في العدّة عن جهل أي تأثيره في التحريم الأبدي‏الدائمي سواء كان المراد بالجهل فيه الجهل البسيط أو المركّب و سواء حكم بمعذوريّته من حيث الحكم التكليفي أو حكم بعدم معذوريته من هذه‏الحيثيّة فإن قوله عليه السلام في الجواب أوّلا أما إذا كان بجهالة فليزوّجها بعد ما ينقضي عدتها فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك صريح في‏ذلك و أن المراد من المعذورية هو عدم تأثير عقده لمكان جهله في جواز العقد عليها بعد انقضاء العدّة كما هو المراد بالمعذورية في سؤال‏الراوي بعد ذلك بقوله قلت بأيّ الجهالتين أعذر بجهالته أن ذلك محرّم عليه أي الجهل بتحريم العقد على المرأة في عدتها و هو الجهل بالحكم‏أم بجهالته أنها في العدّة أي الجهل بكونها ذات عدّة و هو الجهل بالموضوع كما هو المراد بالأهونيّة في جوابه عليه السلام عن السؤال المذكور كما فهمه السائل‏أيضا و سأل من باب الاحتياط بقوله قلت فهو في الأخرى معذور كما أن الجواب عنه بقوله عليه السلام نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في أن يزوجهاصريح في ذلك أيضا فالرواية لا تعلّق لها بالمعذوريّة من حيث الحكم التكليفي على ما هو محل البحث و هو جواز العقد في حال الجهل و ترتّب آثاره‏أصلا بل هي نصّ في بيان الحكم الوضعي بالنسبة إلى الجهل بالحكم و الموضوع معا صدرا و ذيلا و أمّا معذوريّته من حيث الحكم التكليفي فلا بدّفيه من التماس دليل آخر و ملخّص القول فيها أن الجاهل بأصل عدم جواز النكاح في العدّة إمّا أن يكون جاهلا مركّبا كما هو صريح المفروض‏في الرواية أو جاهلا بسيطا فإن كان جاهلا مركّبا فإما أن يكون قاصرا غافلا أو يكون مقصّرا فإن كان قاصرا كان معذورا من حيث الحكم‏التكليفي و إن كان مقصّرا لم يكن معذورا كما هو الشأن في غير المقام و إن كان جاهلا بسيطا لم يكن معذورا من حيث الحكم التكليفي لكشف‏شكّه عن عدم فحصه و إلا لاطّلع على الحكم لوضوحه بين المسلمين بل هو من ضروريات الفقه فلا يجري في حقّه البراءة مضافا إلى أن مرجع الشكّ‏إلى سببيّة النكاح و الأصل فيه الفساد إجماعا فلا معنى للرجوع إلى الأصل الحكمي بل قد يظهر من كلام شيخنا قدس سره عدم معذوريّته‏من حيث الحكم الوضعي أيضا لخروجه عن مورد الرواية فتدبّر و أما الجاهل بالموضوع فقد يكون من جهة الجهل بأصل العدّة و كون المرأة ذات‏عدّة أو لا و قد يكون من جهة الجهل بالمقدار و هو على قسمين لأنه قد يكون من جهة الجهل بتقدير العدّة و كميتها بحسب الشّرع فيدخل من هذه‏الجهة في الجهل بالحكم الشرعي و قد يكون من جهة الجهل بالانقضاء مع العلم بالمقدار و الكميّة و كون المرأة ذات عدّة مع العلم بحكم النكاح في‏العدّة و الحكم في جميع صور الجهل بالموضوع فيما كان جهلا بسيطا هو الحكم بالفساد و عدم جواز ترتيب الآثار من جهة الأصل الأوّلي في‏المعاملات مضافا إلى جريان الأصل الموضوعي في القسم الثاني من الجهل بالمقدار أي الشبهة الموضوعيّة على تقدير القول بجريان الاستصحاب‏في خصوص هذا القسم من الشكّ في المقتضي و إن لم نقل بجريانه فيه مطلقا على ما ستقف عليه في الجزء الثالث و مضافا إلى وجوب الاحتياطفي الشبهة الحكميّة من الجهل بالمقدار لعدم جريان البراءة قبل الفحص نعم قد يتوهم أنّ الأصل الأوّلي و إن اقتضى الفساد في الشك في أصل‏العدّة أيضا إلا أن مقتضى الأصل الموضوعي فيه الصّحة و جواز ترتيب الآثار و هو حاكم على أصالة الفساد فإنها أصل حكمي بالنسبة إليه‏و إن كانت جارية في الشبهة الموضوعيّة و عليه يحمل الجهل بالعدّة في كلام الإمام عليه السلام في الصحيحة لكنه كما ترى لأن احتمال الاعتداد في المرأةإن كان مع العلم بكونها مزوجة من جهة احتمال الطلاق أو الموت في الزوج فالأصل الموضوعي يقتضي المنع من جهة استصحاب الحياة و الزوجيّةو إن كان مع عدم العلم بالزوجيّة السابقة فلا معنى للشكّ في كونها في العدّة إلاّ على تقدير التزويج و الموت أو الطلاق و هو كما ترى فتأمل‏و كيف كان لا بدّ من أن يريد المتوهم هذا الفرض و أما القسم الأول من الجهل بالمقدار فلا يجري فيه الأصل الموضوعي أي استصحاب العدّةبعد فرض كون الشبهة في الحكم لأن نسبة الأقل و الأكثر متساوية بالنظر إلى الحكم و هذا نظير الشكّ في مقدار الوقت في الموقّت من جهةالشبهة الحكميّة و ستقف على عدم جريان الاستصحاب فيه في باب الاستصحاب في الكتاب و إن كان مقتضى صريحه في المقام جريان الأصل و أمّااستصحاب حكم العدّة فلا معنى لجريانه بعد فرض كون الشكّ فيه من جهة الشكّ في الموضوع اللّهم إلاّ أن يتسامح فيه هذا ما يقتضيه الأصل‏في المقام مع قطع النظر عن الأخبار و أمّا بملاحظتها فلا إشكال في أنه مع الشّكّ في المقدار من جهة الشك في الحكم يجب الاحتياط كما هوهو مقتضى الأصل مع قطع النظر عن أصالة الفساد لعدم جريان البراءة قبل الفحص المفروض في المقام على ما عرفت الإشارة إليه ففي الحسن‏لإبراهيم بن الهاشم عن أبي أيّوب عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام و فيه قلت فإن كانت تعلم أنّ عليها عدّة و لا تدري كم هي فقال عليه السلام إذا علمت أنّ‏
22
عليها العدّة لزمتها الحجّة فتسأل حتى تعلم و فيه أيضا ما من امرأة من نساء المسلمين إلا و هي تعلم أنّ عليها عدّة في طلاق أو موت و لقد كنّ نساءالجاهليّة يعرض ذلك و ورودها في المرأة لا يقدح بعد وضوح عدم الفرق في الحكم في الشكّ في المقدار في مفروض البحث كما هو ظاهرفقد ظهر ممّا ذكرنا كله أن فقه الحديث بيان المعذوريّة من حيث الحكم الوضعي في الجهل بالموضوع لكن مورده في الأوّل في الجاهل المركّب و في‏الثاني الجاهل البسيط لصراحة تعليل الأهونيّة في ذلك في الرواية في ذلك كما هو ظاهر و ليس فيها تفكيك بعد حمل الجهل فيها على المعنى‏الأعمّ أي عدم العلم بالواقع مع إرادة الخصوصيّة من الخارج فاللفظ استعمل في الجامع و يعلم إرادة الخصوصيّة في الموردين بقرينة التعليل‏و إلى ما ذكرنا أشار شيخنا قدس سره بقوله فتأمّل فيه و في دفعه فإن كان المراد بالجاهل المركب في الحكم القاصر منه و بالجاهل البسيط في الموضوع‏القسم الأوّل منه مع فرض جريان يقتضي معذوريّته من حيث الحكم انطبق مورد المعذوريّة من حيث الحكم الوضعي مع مورد المعذوريّة من حيث‏الحكم التكليفي فافهم‏
في تقريب الاستدلال بصحيحة عبد اللّه بن سنان‏
قوله قدس سره و قد يستدلّ على المطلب أخذا من الشهيد إلى آخره‏(1) أقول الحديث ما رواه في الذكرى عن الكافي في‏النوادر في المعيشة بسنده الصحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال كلّ شي‏ء يكون فيه حرام و حلال فهو حلال لك أبدا حتّى‏تعرف الحرام منه بعينه فتدعه و قريب منه صحيحة أخرى لابن سنان عن أبي جعفر عليه السلام عن الجبن إلى أن قال فقال عليه السلام أخبرك عن الجبن و غيره كلّ ما فيه حلال‏و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه و تقريب الاستدلال بالصحيحة الأولى كما في شرح الوافية للسيّد صدر الدين أن قوله‏كل شي‏ء فيه حلال و حرام يحتمل أحد معان ثلاثة الأوّل أن كل فعل من جملة الأفعال التي تتّصف بالحلّ و الحرمة و كذا كل عين ممّا يتعلق به فعل‏المكلّف و يتّصف بالحلّ و الحرمة إذا لم يعلم الحكم الخاص به من الحل أو الحرمة فهو لك حلال فيخرج ما لا يتّصف بهما جميعا من الأفعال الاضطراريةو الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف و ما علم أنه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه و ليس الغرض من ذكر هذا الوصف مجرّد الاحترازبل هو مع بيان ما فيه الاشتباه فصار الحاصل أن ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراما فهو حلال سواء علم حكم كليّ‏فوقه أو تحته بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحققه في ضمنه لعلم حكمه أيضا أم لا الثاني أن كل شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك بمعنى أنّك‏تقسمه إلى هذين و تحكم عليه بأحدهما لا على التعيين و لا تدري المعيّن منهما فهو لك حلال الثّالث أن كل شي‏ء يعلم له نوعين أو صنفين نصّ‏الشارع على أحدهما بالحل و على الآخر بالحرمة و اشتبه عليك اندراج فرد فلا تدري من أيّ النوعين أو الصنفين فهو لك حلال فيكون معنى‏قوله فيه حلال و حرام أنه ينقسم إليهما و يمكن أن يكون المراد بالشي‏ء الجزئي المعيّن و حينئذ يكون المعنى أنه يحتمل الحلّ و الحرمة للاشتباه في كونه فرداللحلال و الحرام مع العلم بهما لنصّ الشارع عليهما و حاصل المعنيين أمر واحد و المعنى الثالث أخصّ من الأولين و الثاني مرجعه إلى الأوّل و هو الذي‏ينفع القائلين بالإباحة و الثالث هو الذي حمل القائل بوجوب التوقف و الاحتياط هذه الأحاديث عليه انتهى كلامه رفع مقامه و ما ترى في‏الكتاب لخّصه شيخنا قدس سره من كلامه وفاقا للمحقق القمّي قدس سره في القوانين و المعنى الثالث سواء اعتبر وجود النوعين أو الصنفين في الشي‏ء بجعله كليّاأو حمل على الاحتمال و الترديد في الشي‏ء بجعله جزئيّا فالتقسيم يعتبر فيما هو فوقه فينطبق على الشبهة الموضوعيّة فقط و من هنا ذكر أن القابل بالاحتياطيحمل الأحاديث على المعنى الثالث فإنهم يلتزمون بالإباحة في الشبهة الموضوعيّة ثم إنه زاد الفاضل النراقي في المناهج احتمالات أخر على ما ذكره‏في الرواية من الاحتمالات فإنه بعد ما ذكر الاحتمالات الثلاثة المتقدمة من شارح الوافية قال هذا ما لفظه الرّابع أن كل فعل أو عين له أنواع نصّ الشارع‏على أحدها بالحلّ و على الآخر بالحرمة و اشتبه عليك في نوع ثالث هل نصّ عليه بالحل أو الحرمة فهو لك حلال مثاله اللحم له أنواع لحم الغنم ولحم الخنزير و لحم الحمير تعلم حلية الأوّل و حرمة الثاني و اشتبه عليك الأمر في الثالث الخامس أن كل شي‏ء من فعل أو عين له نوعان حلال‏و حرام و اشتبه عليك الأمر في صنف أنه هل هو مندرج تحت الأول أو الثاني فهو من الأوّل إلى حلال مثاله اللحم له نوعان حلال وحرام و اشتبه عليك الأمر في لحم الحمير أنه هل هو من النوع الحلال أو الحرام و الفرق بين هذا و الثالث أنّ التنويع في هذا باعتبار الحليّة والحرمة و في الثالث باعتبار آخر و كذا في الرابع مضافا إلى أن المعلوم في هذا هو أن هذا الشي‏ء له نوعان حلال و حرام سواء علم بعض أصناف‏كلّ منهما أم لا خلاف الرابع فإنه يعلم فيه الحلال و الحرام بخصوصهما السّادس أعم من الثلاثة و هو أنّه كلّ شي‏ء له نوعان أو أنواع و اشتبه عليك‏الأمر في فرد أو صنف في حليّته و حرمته لأجل الاشتباه في الحكم أو الاندراج تحت أحد النوعين أو في نوع في أنه هل هو أيضا نوع حلال أوحرام فهو لك حلال مثاله اللحم فيه الحلال و الحرام و المذكى و الميتة و لحم الغنم و الخنزير و الحمير و اشتبه عليك الأمر في لحم إما لأجل أنه لا يعلم أنّه من المذكى أو الميتة أو لأجل أنه لا يعلم أنّه‏من الحلال أو الحرام أو لأجل أنه لا يعلم أنه في نفسه كيف هو ثمّ قال قدس سره ثمّ نقول لا شك في دلالة هذه الأحاديث أي الأخبار الواردة بأنّ‏كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال التي منها هذه الصحيحة على إباحة ما لا نص فيه على المعنيين الأولين و كذا على الثلاثة الأخيرة كما ظهر من أمثلتها
23
نعم على المعنى الثالث لا دلالة عليها و الأوّلان و إن كانا خلاف الظاهر لأن الظاهر من قوله فيه حلال و حرام أنه مشتمل على النوعين منقسم‏إليهما في الواقع لكن الثالث أيضا غير صحيح إذ لا شكّ أنّ قوله عليه السلام كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام عامّ شامل بعمومه الصريح لمثل اللحم في الأمثلة الأربعةو كذلك الاشتباه المفهوم من عبارة الحديث التزاما يشمل الاشتباه في جميع تلك الصور و المعنى الثالث يوجب تخصيص قوله عليه السلام بما علم فيه‏خصوص النّوع الحلال و خصوص الحرام و بما كان النوعيّة باعتبار غير الحليّة و الحرمة و تقييد الاشتباه بما يكون لأجل الاشتباه في الاندراج تحت النوع الذي عنوانه غير الحليّة و الحرمة مع العلم بخصوص الحلال و الحرام و لا باعث على ذلك التخصيص‏و التقييد الذي ليس في الحديث منه عين أو أثر و لو جاز ذلك لما تمّ العمل بعامّ و لا مطلق بل و كذلك الرابع و الخامس أيضا أي يوجب التخصيص‏في العموم من دون قرينة و كون المورد خاصّا لا يوجب خصوص الحكم مع أنه لا مورد في الصحيحة الأولى و تبادر الشخص الموجود في الخارج من‏العين ممنوع بل الظاهر من قوله بعينه أي بخصوصه مع أنه لا يضرّ لأن اللحم عين خارجيّ و تمام المطلوب يعني في شرب التتن الذي ليس من هذاالقبيل لعدم القول بالفصل و ما قيل إن الظاهر من الرواية أن كل شي‏ء له نوعان أو صنفان حكم الشارع في أحدهما بالحلّ و في الآخر بالحرمةفهو غير ضار لأنك قد عرفت أن هذا المعنى مأخوذ في جميع المعاني الأربعة انتهى كلامه رفع مقامه ثمّ حكى بعد ذلك كلام المحقق القمي قدّس سره‏في القوانين و بالغ في الإيراد عليه حيث إنه ذهب إلى اختصاص الصحيحة بإثبات الحليّة في الشبهات الموضوعيّة و قال الشيخ في الفصول بعدالجزم بظهور الرواية في الشبهات الموضوعيّة و تضعيف ما ذكره الشارح للوافية ما هذا لفظه نعم ربما أمكن أن يقال بأنا إذا ضممنا عنوانامشتبه الحكم إلى عنوان معلوم الحرمة و عنوان معلوم الحليّة يصدق على المجموع بأنّه شي‏ء فيه حلال و حرام فيثبت الحليّة في مشتبه الحكم لعدم‏العلم بحرمته و كذا لو جمعنا بين المصاديق الثلاثة فينسحب الحكم حينئذ من المصداق إلى العنوان و في كلا الوجهين تعسّف فإن المتبادر من الروايةحلية المشتبه انتهى كلامه رفع مقامه‏
في بيان اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعية و شواهده‏
و الإنصاف أن اختصاص الرّواية بالشبهات الموضوعيّة ممّا لا يقبل الإنكار كما جزم به شيخنا قدس سره وفاقالمن عرفته و غيرهم فإن فيها شواهد و قرائن واضحة على ذلك منها قوله فيه حلال و حرام فإن ظهوره في وجود القسمين في الشي‏ء سواء أريد منه‏الأعيان باعتبار الأفعال المتعلقة بها أو الأفعال أو الأعمّ منهما أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا من غير فرق بين أن يلاحظ القسمين في فوقه فيكون‏المراد من الشي‏ء الجزئيّ الحقيقي كاللحم المردّد بين المذكّى و الميتة في الخارج و إن كان اللحم المردّد بين المذكى و الميتة إذا لوحظ بهذا العنوان كليّا و عليه لا بدّ من ارتكاب الاستخدام في ضمير فيه لعدم‏إمكان وجود القسمين في الجزئي الحقيقي أو تحته فيكون المراد من الشي‏ء الكلي كلحم الغنم الذي فيه المذكّى و الميتة و أيّا ما كان تنطبق على الشبهةالموضوعية و إن كان الأظهر هو المعنى الثاني للزوم الاستخدام في الضمير في موضعين من الرواية يعني في ضمير فيه و منه و هو خلاف الظاهر جدّا و أمّاما ذكره الشارح من التقسيم على تقدير التعميم الذي يرجع إلى الترديد و الاشتباه و الاحتمال حقيقة كما اعترف به فهو مناف للتقسيم و ضدّله و من هنا ذكر شيخنا قدس سره أنه لا تقسيم مع الترديد لا ذهنا و لا خارجا و من هنا ذكر الشارح في طيّ المعنى الثالث المنطبق على الشبهة الموضوعيّةفيكون معنى قوله فيه حلال و حرام أنه ينقسم إليهما و بالجملة إمّا أن يراد من قوله فيه حلال و حرام وجود الاحتمالين في الشي‏ء أي احتمال الحليّة و الحرمةالذي يتقوّم الشّكّ و الترديد به فيحمل الشي‏ء على الأعمّ من الكلي و الجزئي و الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة كما ارتكبه السيّد الشارح و عليه‏مرجع المعنيين الأولين أو وجود المحتملين الذي هو بمعنى التقسيم كما اعترف به فينطبق على المعنى الثالث أي خصوص الشبهة الموضوعيّةكما ذكره و أنت خبير بأن الاحتمال الأول الذي مبنى دلالة الصحيحة على بيان حكم الشبهة الحكميّة في كمال الضعف و السقوط نعم لازم الاحتمال‏و الترديد المأخوذ في موضوع الحكم عقلا كون المحلّ قابلا لتعلّق الحكم الشرعي به كما أن المحمول الشخصي المحمول عليه منفي بحكم العقل عن غيره‏و لو لم نقل بكون التعليق بالوصف ظاهرا في المفهوم ضرورة كون النزاع بالنسبة إلى سنخ الحكم الثابت في جانب المنطوق لا شخصه فإنه ممّا لا يقبل‏القيام بغير الموضوع المذكور في المنطوق عقلا فلا يتوهّم وقوع النزاع فيه و الكلام في دلالة التعليق على انتفائه بل التحقيق كون انتفاء سنخ‏الحليّة إذا أريد بها الظاهري كما هو الظاهر من المعلوم عقليا أيضا من غير ابتنائه على المفهوم و إن كان انتفاء أصل الحليّة بالمعنى الأعم من‏الظاهري و الواقعي بحكم المفهوم بالنسبة إلى معلوم الحليّة لا بالنسبة إلى معلوم الحرمة فتدبّر و إن كان الظاهر من قوله و ليس الغرض من ذكر هذاالوصف مجرّد الاحتراز بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه كون خروج معلوم الحليّة و معلوم الحرمة من جهة توصيف الشي‏ء بقوله فيه حلال وحرام فيكون مبنيّا على دلالة التعليق بالوصف على المفهوم فيكون الغرض منه أمران أحدهما بيان مورد الحكم و أنه فيما يقبل الاتصاف بالحكم‏الشرعي حتى يحتمل فيه الاحتمالان في قبال ما لا يقبل الاتصاف من الأعيان و الأفعال ثانيهما الاحتراز عن معلوم الحكم فالمعلوم الحرمة ابتداءيخرج بقوله فيه حلال و حرام و أمّا معلوم الحرمة ثانيا بعد كونه مشكوكا في زمان فيخرج بالغاية كالموضوع المردد الذي يبنى على حليّته ثم‏يحصل العلم بكونه من مصاديق الحرام لا يقال ظهور قوله فيه حلال و حرام في التقسيم و وجود النوعين في الشي‏ء إنما يمنع من الحكم بشمول الصحيحة
24
للشبهة الحكمية على ما زعمه السيد الشارح و من هنا جعله بمعنى الاحتمال و الترديد حتّى يشملها لا على الاحتمالات التي ذكره الفاضل النراقي‏و الشيخ في الفصول فإنه مع كون المراد منه التقسيم الحقيقي يشمل الشبهتين لأنا نقول وجود الأقسام الثلاثة بالنظر إلى الحكم ممّا لا يقبل‏الإنكار إلا أنّه مع ذلك لا بد من الحكم باختصاص الرواية بالشبهة الموضوعيّة أيضا حيث إن لقوله عليه السلام فيه حلال و حرام ظهور تامّ بملاحظة تماميةالكلام بدونه كما في جملة من الروايات في كون الغرض منه الإشارة إلى بيان منشإ الاشتباه في الشي‏ء و تردّده بين الحلال و الحرام و من‏المعلوم ضرورة اختصاص هذا المعنى بالشبهة الموضوعيّة حيث إن الاشتباه في حكم الموضوع الكلي كلحم الحمير مثلا لا تعلّق له بوجودالقسمين في مطلق لحم الحيوان كالغنم و الخنزير مثلا و لا ينشأ منه أصلا فإنه لو فرض القسمان متّحدين بحسب الحكم يقع الشك فيه أيضا بل‏السبب فيه أمر راجع إلى نفسه و هو أحد أمور ثلاثة على سبيل المنفصلة الحقيقية و هو عدم الدليل على حكمه أو إجمال ما دلّ عليه أو تعارضه‏مع غيره مع التكافؤ على ما عرفت و ستعرف من كون سبب الشكّ في الحكم أحد الأمور المذكورة و هذا بخلاف الشبهة الموضوعية فإنه لو لا وجودالقسمين في نوع الموضوع لم يكن هناك شكّ من حيث الحليّة و الحرمة في فرد من أفراده كما هو ظاهر فتبيّن مما ذكرنا من كلامه ضعف ما أفاده الفاضل النراقي‏قدس سره شاهدا على التعميم من لزوم التخصيص من الوجهين و التقييد من وجه على تقدير حمل الصحيحة على كلّه خصوص الشبهة الموضوعية بقوله و المعنى‏الثالث يوجب تخصيص قوله عليه السلام كل شي‏ء بما علم فيه خصوص النوع حلال و خصوص الحرام و بما كان النوعيّة باعتبار غير الحليّة و الحرمة إلى آخر ما ذكره فإن‏ظهور قوله عليه السلام فيه حلال و حرام فيما ذكرنا من بيان منشإ الاشتباه يكشف عن اختصاص الشي‏ء الذي هو الموضوع بما يكون وجود القسمين‏فيه منشأ للشكّ الواقع فيه و سببا له بنحو من السببيّة فلا عموم و إطلاق له حتى يلزم التخصيص و التقييد من غير مخصّص و مقيّد مع أنه على تقديرلزومهما يكون ما ذكرنا من الظهور قرينة عليهما و كاشفا عنهما و لا يمكن العكس لكونه حاكما عليهما كما لا يخفى فإن قلت إنه كما يكون وجودالنوعين سببا دائما للاشتباه الواقع في الشبهة الموضوعيّة على ما ذكرت كذلك يمكن صيرورته سببا له في الشبهة الحكميّة أيضا كما إذا فرض العلم‏إجمالا بأن في اللحم في الشرع حلالا و حراما و لم نتميّز بالأدلة الشرعيّة الحلال عن الحرام فلحم كل حيوان يشكّ في كونه حلالا و حراما و السّبب للشكّ‏فيه وجود القسمين في مطلق لحم الحيوان بحيث لو فرض وجود قسم واحد لما وقع الشكّ في لحم حيوان من الحيوانات فإذا يحكم بشمول الرواية له و يحكم‏بإلحاق غيره عليه ممّا لا يوجد القسمان فيه أصلا أو يوجدان لا بالوصف المذكور بعدم القول بالفصل فيكون الصحيحة بهذه الملاحظة دليلاعلى الحليّة في الشبهة الحكميّة أيضا و إليه يرجع الوجه الخامس الذي ذكره الفاضل النراقي رحمه الله قلت وجود القسمين على الوجه المذكور في الشبهةالحكميّة مع أنه مجرّد فرض يوجب الحكم بحرمة جميع اللحوم المرددة بين الحلال و الحرام لمكان العلم الإجمالي فإن شئت قلت إنه يخرج عن محلّ البحث حيث‏إنه في الشكّ في التكليف لا في الشكّ في المكلف به و العلم الإجمالي بوجود الحرام في اللحم مع عدم العلم التفصيلي به أصلا يوجب دخوله في‏الشكّ في المكلّف به فيجب الاحتياط في محتملاته من حيث كونه من المتباينين لا الأقل و الأكثر كما هو ظاهر هذا كلّه مضافا إلى كونه خلاف‏ظاهر الصحيحة من وجوه مضافا إلى أن الظاهر منها وجود القسمين بحيث يعلم بهما تفصيلا لا مجرّد العلم بوجودهما كيف ما اتفق كما هو ظاهر وبالجملة لا بدّ من أن يحكم باختصاص الرّواية بالشبهة الموضوعيّة بالنظر إلى الظهور المذكور هذا مضافا إلى قوله حتى تعرف الحرام منه بعينه فإنّ‏الظاهر منه كما ترى كون الغاية معرفة الحرام المفروض وجوده و لا ينطبق هذا المعنى كما ترى إلا على الشبهة الموضوعيّة مضافا إلى أنه لا معنى‏لجعل معرفة حرمة بعض الموضوعات الكليّة غاية لحليّة الموضوع الكلي المشتبه الآخر ضرورة أنه لا يوجب رفع الاشتباه عنه و لا تعلّق له به‏أصلا مع أنه لو بني عليه لم يكن معنى لجعل الحليّة الظاهريّة في الموضوعات الكليّة مع فرض العلم بحرمة بعضها و هذا كما ترى و بالجملة من تأمّل‏في الرواية صدرا و ذيلا يحصل له القطع باختصاصها بالشبهة الموضوعيّة و أن ما ارتكبه الفاضل المتقدم ذكره من التحمّل لإثبات عمومهاللشبهة الحكميّة لا يجديه في شي‏ء منها قوله حتى تعرف الحرام منه فإن فيه دلالة من وجهين أيضا على الاختصاص بالمعنى الثالث فإنه على أحد المعنيين‏الأولين لا بدّ أن يقول حتى تعرف حرمته لا حتّى تعرف الحرام منه فالقول المذكور من جهة الاشتمال على الحرام و كلمة منه تدل على اختصاص الروايةبالمعنى الثالث و منها قوله عليه السلام بعينه فإن التأكيد بالكلمة المذكورة لا مساس له بالشبهات الحكميّة أصلا كما لا يخفى دلالته على الاختصاص بهذه‏الملاحظة لا بملاحظة كون المراد منه التعيّن و التشخّص بحسب الخارج يعني متعيّنا متشخّصا حتى يتوجّه عليه بأن المراد منه هو التأكيد للمعرفةو الاهتمام بشأن اعتبارها فتنطبق على الشبهة الحكمية و الموضوعية معا و منها إطلاق الرواية من حيث الفحص عن الحرمة و ثبوت الحليّة ما لم يحصل‏معرفة الحليّة و هو شاهد على إرادة الشبهة الموضوعية إذ على تقدير إرادة المعنى الأعم لا بدّ من ارتكاب التخصيص أو التقييد فيها بالنّسبة إلى موارداشتباه الحكم بما بعد الفحص و اليأس فتدبّر فقد تبيّن مما ذكرنا كله الوجه في ضعف ما أفاده السيّد الشارح في معنى الرواية كظهور ضعف ما
25
أفاده الفاضل النراقي من المعاني الثلاثة الأخيرة فإن الأوّل منها الذي هو رابع الوجوه في كلامه ليس منشأ الاشتباه فيه وجود النوعين مضافاإلى منافاته للغاية و الأخيرين منها لا يناسبا المقام و لا تعلّق لهما بالشكّ في التكليف مضافا إلى منافاتهما للمدّعى لو جعل المراد من المعرفة في‏الغاية معرفة الحرام في الجملة و لو باعتبار بعض أنواعه لما عرفته من أن معرفة بعض المحرّمات في الشبهة الحكميّة لا تصلح غاية للإباحة بقول مطلق‏
في الأبحاث التي أوردها الفاضل القمي على الشارح السيّد
و تنظّر المحقّق القميّ قدس سره فيما ذكره السيّد الشارح قدس سره من وجوه أربعة أحدها أنّه يوجب استعمال قوله عليه السلام فيه حلال و حرام في معنيين أحدهماأنه قابل للاتصاف بأحدهما و يمكن تعلّق الحكم به ليخرج ما ليس كذلك من الأعيان و الأفعال ثانيهما ما يوجد فيه النوعان في الواقع أو عندنا ليخرج‏ما تعيّن حليّته و حرمته ثانيها أنّه يوجب استعمال المعرفة في قوله حتّى تعرف الحرام في معنيين أحدهما المعرفة من الأدلة حيث أريد من الرواية الشبهةالحكميّة ثانيهما المعرفة من الأمارات الخارجيّة كالبيّنة و نحوها إذا أريد منها بيان حكم الشبهة الخارجيّة و من المعلوم عدم جواز استعمال‏اللفظ في معنيين ثمّ أمر بالتّأمّل و الوجه فيه ظاهر من حيث إنّ اختلاف أسباب المعرفة لا يوجب اختلاف معناها و قال شيخنا قدس سره وليته أمر بالتأمّل في الإيراد الأوّل أيضا ضرورة عدم لزوم استعمال قوله فيه حلال و حرام في معنيين أيضا لما عرفت من أن لازم وجود الاحتمال‏إمكان تعلّق الحكم الشرعي فإرادته من حيث اللزوم لا من حيث استعمال اللفظ فيه و يمكن إرجاعه إليهما كما ذكره في الكتاب و إن كان في كمال‏البعد ثالثها أنه لا معنى لإخراج المعلوم من الرواية من حيث إن الضمير في قوله فهو لك حلال يرجع إلى المجهول و لا جهالة فيهما يعني أن خروجهمامن الشي‏ء خروج موضوعيّ بعد إرادة المجهول منه فلا معنى لأخذ المفهوم لإخراجهما رابعها أنه لا معنى لأخذ المفهوم المخالف في المقام من حيث إيجابه لحمل السالبة على المنتفية بانتفاءالموضوع من حيث أن سلب الحليّة عن المعلوم من حيث عدم تحقق الجهالة فيه و هو كما ترى خلاف الظاهر جدّا هذا حاصل ما أفاده‏و أنت‏خبير بأن الإيرادين الأخيرين على تقدير ورودهما لا تعلق لهما بأصل المعنى الذي ذكره الشارح من التقسيم الاحتمالي ثم إن الشي‏ء في قوله عليه السلام كلّ شي‏ءفيه حلال و حرام و إن لم يستعمل في المجهول و كذلك الضمير في قوله فهو لك حلال راجع إلى نفس الشي‏ء المنقسم إلى القسمين لا إلى المجهول منه إلاّ أن‏الغرض إعطاء الحكم في مورد الجهل بالحرمة ضرورة عدم إمكان جعل الحلية الواقعية و الظاهريّة بإنشاء واحد و عدم إمكان أخذ الغايةالمذكورة في الرواية قيدا لهما لأنّ الحليّة الواقعيّة تعرض الفعل بحسب نفس الأمر من غير مدخليّة لعدم العلم بالحرمة في عروضها له بل امتناع‏مدخليّته فيه و الحليّة الظاهريّة تعرض الفعل بملاحظة الجهل و عدم العلم بالحرمة بل نمنع عروضها له من دون الملاحظة المذكورة فالمحمول‏في قوله عليه السلام فهو لك حلال لا يمكن أن يحمل على الأعمّ من الحليّة الظاهريّة و الواقعيّة بل لا بد من أن يحمل على الحليّة الظاهريّة نظرا إلى الغاية المتعلقّةبها فالمرجع هو الشي‏ء المنقسم باعتبار تحقّقه في ضمن الفرد المردّد فما في كلام بعض أفاضل مقاربي عصرنا من أن المراد من الشي‏ء هو الكلي المنقسم‏إلى القسمين و الحكم بحليّته على الإطلاق فيما يعلم تحقّقه في النوع الحرام تفيد البيان و التأكيد بالنسبة إلى الحلال المعلوم لم يعلم له‏معنى محصّل نعم لو جعلت القضيّة إخبارا عن ثبوت الحليّة بالمعنى الأعمّ للشي‏ء المنقسم إلى القسمين ما لم يعلم تحققها في ضمن القسم الحرام‏منه فيكون حلالا واقعيّا بدليله فيما علم تحقّقه في قسم الحلال من غير مدخليّة للعلم في عروضها و حلالا ظاهريّا فيما شك في تحقّقه في ضمن أحدهماكما أنه حرام واقعيّ فيما علم تحقّقه في القسم الحرام من غير مدخليّة للعلم في عروضها فيكون الصحيحة إخبارا عن ثبوت الترخيص بالمعنى الأعمّ وبقول مطلق لما كان شأنه من الأفعال و الأعيان الانقسام إلى القسمين و إن كان الغرض متعلقا بالأخبار عن خصوص الحليّة الظاهريّة للفردالمردّد و على ذلك لا بدّ من أن يحمل ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب و غيره في غيره في معنى الصحيحة في قبال ما أفاده السيد الشارح في معناها من جعل‏المراد من الشي‏ء هو خصوص المجهول و الأمر المردّد بين الحلال و الحرام بما يرجع إلى قوله و على ما ذكرنا فالمعنى و اللّه العالم أن كل كلي فيه قسم‏حلال و قسم حرام كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكى و الميتة فهذا الكلي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام متعيّنا في الخارج فتدعه و على‏الاستخدام يكون المراد أن كلّ جزئي خارجيّ في نوعه القسمان المذكوران فهذا الجزئي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام معيّنا في الخارج‏فتدعه إلى آخر ما أفاده و لما كان الحمل على الإنشاء بالمعنى الأعم ممّا لا يجامع مع الشي‏ء كليّا كما هو مبنى هذا التوهّم و على الأخبار بعيداكما هو ظاهر حمل الشي‏ء في قوله كل شي‏ء فيه حلال و حرام على الجزئي مع اعتبار التقسيم في فوقه و هذا و إن استلزم الاستخدام في الضمير في‏الموضعين من الرواية و اعتبار معرفة نوع الحرام بحيث ينطبق على الشي‏ء بالنسبة إلى الغاية إلا أنه لا مناص عنه بعد الامتناع و البعد المذكورين‏و عليه ينطبق الشي‏ء كما ترى على المجهول من غير أن يرجع الضمير في قوله فهو لك حلال إلى المجهول من الشي‏ء الملحوظ بهذا العنوان و إن كان في الواقع‏متصفا بالعنوان المذكور فليس هنا مجهول مضاف إلى الشي‏ء و لا مقدّر يرجع الضمير في قوله فهو لك حلال إليه هذا بعض الكلام فيما يتعلّق‏بالصحيحة و ما في معناها مما جعل دليلا على الحليّة في الشبهة الحكميّةو استدلال الفاضل النراقي في المستند على الحليّة في محل البحث أيضا بضربين‏
26
آخرين من الأخبار أحدهما ما دل على حصر الحرام بما حرّمه اللّه في كتابه و هي جملة من الأخبار منها صحيحة محمد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام فيماسألاه عن لحوم الحمير الأهلية قال نهى رسول الله صلى اللَّه عليه و آله عن أكلها يوم خيبر إلى أن قال و إنما الحرام ما حرّم الله في القرآن و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن‏أبي جعفر عليه السلام و فيها و ليس الحرام إلاّ ما حرّم اللّه في كتابه و منها صحيحته الأخرى و فيها و إنما الحرام ما حرّم اللّه و رسوله في كتابه و منها ما عن زرارة عن أحدهماقال إن أكل الغراب ليس بحرام إنما الحرام ما حرّم اللّه في كتابه قال قدس سره في تقريب الاستدلال بها بعد نقلها دلّت هذه الأخبار على انحصارالحرام بما حرّمه اللّه في القرآن و أن ما سواه مباح يخرج ما خرج بالدليل فيبقى الباقي و هي بعمومها شاملة للأعيان و الأفعال و تخصيص‏مواردها بالمأكولات غير ضارّ لأن العبرة بعموم الجواب مع أنه لا قائل بالفصل انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بأنه لا تعلّق لهذه الأخبارو أمثالها من العمومات الاجتهادية المقتضية لحليّة الأشياء من الآيات مثل قوله تعالى أحلّ لكم الطيّبات و نحوه و الأخبار بالمقام فإنّ البحث‏عن حكم ما لم يقم دليل على حليّته و حرمته بحسب الأصل الأوّلي لا عن قيام الدليل على حليّة كلّ شي‏ء بعنوان العموم و إن كان قيامه مع تماميّته من‏جميع الجهات مغنيا عن التكلم في الأصل الأوّلي فإنه على تقدير تسليم كون الأصل هو الخطر و وجوب الاحتياط فيما شك في حرمته و عليّته كان‏المتعيّن الرجوع إلى تلك العمومات الاجتهادية أيضا فلا ينفع الأخباري أخبار الاحتياط كما أنه لا جدوى للمجتهد لطول البحث فيما دلّ على‏البراءة في الشبهة الحكميّة ثانيهما ما دلّ من الروايات على أن كلّ شي‏ء حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه و هي كثيرة يأتي ذكر بعضها في الكتاب في الشبهةالموضوعية منها ما ورد في شراء الإبل و الغنم من السلطان و هو يعلم بأنه يأخذ أكثر من الحق الذي يجب عليهم من أن الإبل و الغنم مثل الحنطةو الشعير و غير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه و قوله عليه السلام و غير ذلك عام يشمل الأعيان و الأفعال و منها رواية مسعدة بن صدقة المعروفةالتي ستقف عليها و منها رواية عبد اللّه بن سليمان عن أبي عبد اللّه عليه السلام في الجبن كل شي‏ء هو لك حلال حتى يجيئك شاهدان عندك بأنّ فيه‏الميتة قال قدس سره بعد نقلها ما هذا لفظه و السؤال في الأولى و المثال في الثانية و المورد في الثالثة و إن كانت مختصّة بما اشتبه فيه‏الموضوع لكن خصوصيّتها لا يخصّص الجواب و قوله في الثانية أو يقوم به البيّنة لا يوجب التخصيص لسبق قوله أو يستبين لك غيره على أنّ البيّنةيطلق على من سمع الحرمة من أهله كذلك قوله في الأخيرة حتى يجيئك شاهدان فإنه يدلّ بمفهوم الغاية على أن كل شي‏ء لم يجئ فيه شاهدان‏بذلك فهو حلال نعم يمكن المناقشة في الأخيرة بأن قوله بأن فيه الميتة قرينة على التخصيص بما شأنه ذلك انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بأنه‏لا عموم و لا ظهور للأخبار المذكورة و أمثالها لمحلّ البحث إذ اختصاصها بالشبهة الموضوعيّة مما لا يقبل الإنكار فإن قوله و غير ذلك لا عموم‏فيه للمقام أصلا و صدر رواية مسعدة و إن كان عامّا إلا أن ذيلها يكشف عن اختصاصها بما يكون من شأنه قيام البيّنة أو تعلّق الحكم على‏الاستبانة من دون فحص و أين هذا من الشبهة الحكميّة و منه يظهر اختصاص رواية عبد اللّه بما من شأنه قيام الشاهدين فلا عموم لهذه الأخبارأصلا و من هنا لم يتمسّك بها أصحابنا لحكم المقام بل تمسكوا بها في الشبهة الموضوعيّة كما ستقف عليه‏
في التمسّك بالإجماع على البراءة فيما لا نصّ فيه‏
قوله قدس سره الأول دعوى إجماع‏العلماء كلهم إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن الإجماع المذكور يسمّى عند بعضهم بالإجماع التقديري تارة و التعليقي أخرى و عند آخر بالاجتماع‏على الأصل و القاعدة و ذكر ثالث أنه لا اعتبار بمثله بعد وقوع الاختلاف في قيام الدليل على وجوب الاحتياط و عدمه كما هو الشأن‏في سائر الإجماعات التعليقية التي وقع الاختلاف في وجود المعلّق عليه في مواردها لأنه لا يكشف عن شي‏ء نعم الإجماع في قبال الأخباريين‏على أن الحكم الظّاهري فيما لم يرد نصّ على تحريمه بعنوانه الخاص الإباحة مفيد جدّا من غير فرق بين أن يكون قوليّا حاصلا بملاحظة الفتاوى‏من أهلها أو عمليّا حاصلا بملاحظة سيرة خصوص المسلمين أو أهل الشرائع سواء كان طريق تحصيله على الأول بتتبّع الفتاوى و كلماتهم‏في الأصول و الفقه في موارد الاستدلال أو ملاحظة الإجماعات المنقولة في العلمين و لو بضميمة الشهرة العظيمة المحقّقة في المسألة فالمرادبالإجماع المحصّل بأحد الوجوه المذكورة في الكتاب لا بدّ أن يكون أعمّ من القولي و العملي لا خصوص القولي فإنه لا معنى لجعل الوجه الثالث طريقاإليه كما هو ظاهر ثم إنّ معلوميّة مذهب من تمسّك بالاحتياط أحيانا في بعض جزئيّات المسألة في الفقه بملاحظة غيره في الفروع و الأصول‏كالسيّد و الشيخ و العلامة يكشف عن أن الغرض هو مجرّد التأييد و الاعتضاد لا الاعتماد و الاستدلال كما يذكرونه أحيانا في طيّ الاستدلال‏في الشبهة الوجوبيّة أيضا مع ذهاب أكثر الأخباريّين فيها إلى البراءة و من هنا تراهم كثيرا ما يذكرون القياس في مطاوي استدلالهم بل ربمالا يذكرون غيره مع أن المعلوم من المذهب عدم جواز الاعتماد به فليس ذلك إلاّ من جهة ما ذكرنا من كون الغرض التأييد و إن وقع بعض أصحابناالأخباريين في التوهّم و تخيل كون الغرض الاستدلال و فتح باب الطعن على حملة الشريعة و رؤساء الملة ثم إن القائلين بالتحسين‏و التقبيح العقليّين بعد اتفاقهم على أن للفعل أحكاما أربعة اختلفوا في أن للعقل الحكم بالإباحة أم لا و جعلوا مورد هذا الاختلاف‏
27
الأشياء الغير الضروريّة المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة قبل الاطلاع على حكم الشارع بعد الفحص في مظان وجود الدّليل‏على الحرمة فذهب غير واحد إلى أنّها على الإباحة في حكم العقل و بعضهم إلى أنها على الخطر في حكمه و آخر إلى أنها على الوقف كالمفيد و الشيخ‏بمعنى أنه لا حكم للعقل بشي‏ء من الخطر و الإباحة و هذا العنوان كما ترى إنما هو بالنظر إلى حكم العقل فلا ينافي الإباحة بالنظر إلى الشرع بل‏التحقيق عدم منافات القول بالإباحة بالنظر إلى الشرع مع الالتزام بالحظر من جهة العقل بناء على كونه ظاهريّا مبنيّا على وجوب دفع الضرر المحتمل لا واقعيّاو بالجملة لا إشكال في شهادة التتبع في كلماتهم على أنّ الحكم عندهم فيما احتمل حرمته الإباحة ظاهرا و لو من جهة الاستناد إلى أخبارها و إن‏كانوا يذكرون الاحتياط في مقام الاستدلال تأييدا في مطلق الشبهة الحكمية و من هنا نسب إليهم القول بالاحتياط من فتور تأمل في باقي كلماتهم و من هنا احتمل كون نسبة المحقق القول بالاحتياط إلى جماعة مبنيّا على ماذكر حيث قال في المعارج ما هذا لفظه المحكي العمل بالاحتياط غير لازم و صار آخرون إلى وجوبه و قال آخرون مع اشتغال الذمة يكون العمل‏بالاحتياط واجب أو مع عدمه لا يجب انتهى كلامه رفع مقامه و هو كما ترى لا يجامع بظاهره ما حكي عنه في المسائل المصريّة من تقريره تعليل السيّددعواه الإجماع على جواز إزالة النجاسة بالمائعات مع عدم ورود نصّ به بأن من أصلنا العمل بالأصل حتى يثبت الناقل و لم يرد منع عن استعمال‏المائع في إزالة النجاسة فإنه حكى هذا الكلام عن السيّد و لم يناقش في دعواه الإجماع العمل بالأصل حتى يثبت خلافه في الشرعيّات و إن لم‏يكن المورد بزعمنا من موارد الرجوع إلى أصالة البراءة و الإباحة بل يتعيّن الحكم بعدم كفايته في التطهير بالنظر إلى استصحاب النجاسة وقاعدة الاشتغال على تقدير عدم اعتبار الاستصحاب إلا أن الغرض التنبيه على دعواه الإجماع على الأصل و تقرير المحقق له في ذلك‏و بالجملة لا ينبغي الإشكال في إجماع المجتهدين على كون الحكم الظاهري في الشبهة التحريميّة جواز الفعل من غير فرق بين الشبهة الحكميّة والموضوعيّة و عدم وجوب الاحتياط فيهما قوله قدس سره الثالث الإجماع الكاشف عن رضاء المعصوم إلى آخره‏(1) أقول قد يناقش في جوازالتمسّك بالسّيرة في المقام من حيث عدم العلم بتحقّقها من المتديّنين مضافا إلى عدم العلم بتحقّق شرائط كشفها عن تقرير المعصوم عليه السلام كيف‏و يكفي في الردع أخبار التوقف و الاحتياط فلا يتم الاستناد إليها إلا بعد منع دلالتها و لا خلاف في البراءة على التقدير المذكور و أمّاالقول بأن بناء الشرع على تبليغ المحرّمات دون المباحات و ليس ذلك إلاّ من جهة عدم حاجة الإباحة إلى البيان و كفاية عدم العلم بالتحريم‏في الحكم بالرخصة سيّما بملاحظة ما روي عنه صلى اللَّه عليه و آله في حجّة الوداع فهو كما ترى إذ يتوجّه عليه مضافا إلى أن بناء الشرع على تبليغ جميع الأحكام‏من غير فرق بين التحريم و الإباحة أنّ ذلك إنما يفيد فيما لو كان عدم العلم بالتحريم دليلا على الإباحة الواقعية لا على الإباحة العقلية الظاهريّةفتدبّر و أمّا ما أفاده المحقق قدس سره في بيان اتفاق أهل الشرائع على عدم تخطئة من بادر إلى تناول المشتبهات بل المحرّمات عن جهل‏فلم يعلم له معنى محصّل إذ مبادرتهم إلى تناول المحرّمات من دون فحص غير مجوّزة بالاتفاق فكيف يكفّون عن نهيهم عنه مع عدم جوازه في‏حقهم حتى على القول بالبراءة إلاّ إذا فرض غفلتهم عن إلزام العقل بوجوب الفحص بحيث يرتفع عنهم التقصير إذا لم نقل بوجوب تنبيههم على‏ذلك و أمّا ما أفاده شيخنا قدس سره في ردّه فيراد به أن تقرير أهل الشرائع إنما هو من جهة ما ارتكز في عقولهم مع عدم حكم الشارع بوجوب‏الاحتياط فلا يثبت بذلك إلا الأصل في المسألة فلا يكون الاتفاق المذكور من أدلّة المسألة بل هو نظير حكم العقل الآتي فتدبر
في حكم العقل بأن العقاب من دون بيان قبيح و بأن دفع الضرر المحتمل الأخروي واجب‏
قوله الرابع من الأدلة حكم العقل بقبح العقاب على شي‏ء إلى آخره‏(2) أقول لا إشكال في استقلال العقل في ذلك و حكمه حكما ضروريّا بقبح مؤاخذةالمولى عبده على مخالفة ما يريده منه سواء لم يبيّنه له أصلا لمصلحة أو لا لها أو بيّنه و لم يطّلع عليه بعد الفحص عنه بقدر وسعه كما في‏الشبهات الحكميّة أو مطلقا كما في الشبهات الموضوعيّة و إن كان الأمر أوضح فيما لم يبيّنه له أصلا كما لا يخفى و إن كان بحسب مناط التقبيح متّحداحكما مع ما لو فرض فيه عدم وصول البيان الصادر إلى العبيد و من هنا يستشهد لحكم المقام بحكم العقلاء كافة بقبح المؤاخذة في الصّورةالأولى ثم إنه كما لا إشكال في حكم العقل بما عرفت كذلك لا إشكال في حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل الأخروي و هو العقاب و هو المناطفي حكمه في موارد كثيرة مثل النظر في معجزة من يدّعي النبوة و الفحص عن الحكم في موارد احتمال وجوده في الشبهات الحكمية و وجوب الاحتياطفي صور الشك في المكلف به في موارد اشتباه الحكم أو الموضوع كما في الشبهة المحصورة إلى غير ذلك إنما الكلام في صلاحيته بيانا للتكليف‏المحتمل في محل البحث فيكون واردا على قاعدة القبح بتوهم أن البيان الصالح للعقاب الرافع لموضوع حكم العقل المذكور أعمّ من الواقعي والظاهري و من الشرعي و العقلي و من هنا اتفقوا على صحة عقاب الكافر بل مطلق الجاهل مع التقصير و ليس ذلك إلاّ من جهة صلاحية حكم‏العقل المذكور لرفع العذر و قطعه فإذا سلم حكم العقل بذلك فيكون مصحّحا للعقاب على الواقع المحتمل فيكون بيانا له و رافعا لموضوع‏حكم العقل في قاعدة قبح العقاب من غير بيان و من هنا قد يناقش فيما أفاده قدس سرّه في الكتاب بقوله و دعوى أن حكم العقل بوجوب‏
28
دفع الضرر المحتمل بيان إلى آخره بأن الغرض من منع كونه بيانا إن كان منع كونه دليلا على الحكم الشرعي و طريقا إليه فهو مستقيم إلاّ أن البيان‏الرافع لموضوع حكم العقل المذكور ليس منحصرا فيه و إن كان منع صلاحيته لتنجّز الخطاب بالنسبة إلى الواقع المحتمل و صلاحيته للمؤاخذةعلى مخالفته فهو غير مستقيم لما عرفت من صلاحيته لذلك كما فيما عرفت من الموارد و المواضع المسلّمة التي لا محيص عن الالتزام فيها بماذكر و أما ما أفاده من أن الحكم المذكور على تقدير ثبوته ليس بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه و إنما هو بيان لقاعدة كليّة ظاهريّةو إن لم يكن في مورده تكليف في الواقع فيتوجّه عليه بأن الحكم المذكور على تقدير ثبوته كما هو الشأن في جميع موارد ثبوته لا يصلح إلاّ بياناللتكليف المجهول ضرورة كونه إرشاديّا صرفا لا يترتّب عليه إلا العقاب المحتمل على تقدير ثبوت الواقع في مورده و لا يكون حكما شرعيّامولويا ظاهريّا هذا مع أنّه على تقدير كونه قاعدة ظاهريّة يترتب عليه تنجز الخطاب بالنسبة إلى الواقع المحتمل في مورده قطعا سواء قلنابالعقاب على مخالفة الأحكام الظاهريّة بالنظر إلى أنفسها أم لا كما هو التحقيق عندنا فلو تمت عوقب على مخالفة الواقع الثابت في موردهاقطعا سواء قلنا بالعقاب على مخالفتها بالنظر إلى نفسها أم لا فإذا كان مبنى منع ورود القاعدة على قاعدة القبح ما أفاده من منع صلاحيةكونها بيانا بالنسبة إلى الواقع كما هو ظاهر ما أفاده بقوله فلا تصلح للورود على قاعدة القبح المذكور بل قاعدة القبح واردة عليها عقيب‏قوله فلو تمّت عوقب على مخالفتها توجّه عليه المناقشة لا محالة هذا و لكنك خبير بفساد التوهّم المذكور فإن البيان الرافع لصغرى قاعدةالقبح و إن كان أعمّ من البيان العقلي و لو كان ظاهريّا على ما ذكر في بيان التوهّم إلا أن قاعدة وجوب الدفع لا تجري في المقام حتى نتكلّم في‏كونها بيانا لأنّ إجراءها يتوقّف على تحقّق موضوعها و هو احتمال العقاب مع قطع النظر عن ملاحظة حكم العقل بوجوب الدفع و احتمال‏العقاب مع قطع النظر عن ملاحظة حكم العقل بوجوب الدفع و احتمال العقاب على مخالفة الحكم الإلهي الواقعي يتوقّف على أحد أمرين أحدهماوجود البيان بالنسبة إليه و لو في مرحلة الظاهر ثانيهما ترك الفحص عنه عند احتمال الوقوف عليه بالفحص و ليس شي‏ء منهما متحقّقا في‏محل البحث أما الثاني فظاهر حيث إن المفروض الحكم بالترخيص بعد الفحص عن وجود الدليل على الحرمة و أما الأوّل فلأن المفروض عدم‏وجود بيان من الخارج بالنسبة إلى التحريم المحتمل فينحصر الأمر في جعل نفس حكم العقل بوجوب الدفع بيانا و هو لا يصلح له جدّا بعد توقفه‏عليه للزوم الدور الظاهر فجعل القاعدة بيانا و رافعا لموضوع قاعدة القبح و واردة عليها دوريّ فيختصّ جريانها بموارد وجودالبيان بالنسبة إلى الواقع كمواضع العلم الإجمالي بالتكليف المنجّز أو موارد احتمال العقاب من دون بيان كمواضع احتمال التكليف‏الإلزامي من دون فحص في موارد الشكّ في الحكم الكلي و من هنا اتفقوا على وجوب النظر في معجزة مدّعي النبوّة من حيث احتمال الضررفي تركه فتبين ممّا ذكرنا كله أن القاعدة لا تصلح مانعة من جريان قاعدة القبح و التمسّك بها في المقام و هذا البيان كما ترى تمام لا يحتاج‏إلى جعل قاعدة القبح واردة على قاعدة وجوب الدفع و إن كان الأمر كذلك في نفس الأمر من حيث إن عدم احتمال العقاب على الواقع‏المحتمل بعد الفحص في مظان وجوده و اليأس عنه مستند إلى حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان و لا يتوجّه عليه لزوم الدور أصلاحتى قيل بتعاكس الدورين مع امتناعه ضرورة أن عدم العلم بالتحريم لا يستند إلى حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان و هذا بخلاف‏احتمال العقاب فإنه لا بدّ أن يستند إلى حكم العقل بوجوب الدفع على تقدير إجزائه و الاستناد إليه و يشهد لما ذكرنا مع وضوح أمره أن‏توهّم ورود القاعدة على قاعدة قبح العقاب من غير بيان يوجب رفع اليد عن القاعدة رأسا و عدم العمل بها في مورد من الموارد و هذابخلاف العكس فإن موارد إعمال قاعدة وجوب الدفع على ما عرفته لا تحصى كثرة هذا و إن شئت قلت إن كبرى القاعدتين عقلية قطعيّةيحكم العقل بها على سبيل البداهة و الضرورة فكل مورد يحكم بعدم جريان إحداهما فلا بدّ أن يستند إلى عدم الموضوع و الصغرى‏ضرورة امتناع طريان التخصيص في الأحكام العقلية و قد عرفت عدم تحقق احتمال العقاب في المقام و محلّ البحث نعم البيان الصّالح‏لرفع موضوع القاعدة هو حكم الشارع بوجوب الاحتياط في موارد احتمال الحكم بالوجوب الظاهري الشرعي على ما ستقف على شرح‏القول فيه عن قريب و أما ما أفاده شيخنا قدس سره بقوله المتقدّم فلو تمّت عوقب على مخالفتها إلى آخره فقد يوجّه بأن المراد من تماميّتهابعد البناء على عدم صلاحيتها للبيان بالنسبة إلى الواقع المحتمل من حيث لزوم الدور المحال لا معنى لها إلاّ بجعلها حكما ظاهريّا و طلبانفسيّا يعاقب على مخالفته من غير أن يكون بيانا بالنسبة إلى الواقع مع أنّ هذا المعنى ممّا لا يمكن الالتزام به بالنسبة إلى القاعدة المبتنيةعلى مجرّد الطلب العقلي الإرشادي فهذا القول في مقام الاعتراض و إلزام الخصم بما يكون ظاهر الفساد هذا و قد مضى شطر من الكلام‏فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الأول من التعليقة عند الكلام على الاستدلال بحجيّة الظنّ يدفع الضرر المظنون و لعلّه يأتي بعض الكلام فيه في الشبهة الموضوعية
29
في منع استقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل الدنيوي‏
قوله قدس سره هذا كله إن أريد بالضرر العقاب و إن أريد به مضرّة أخرى إلى آخره‏(1) أقول قد عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة أن الأحكام الشرعيّةعلى مذهب العدليّة مبنيّة على الجهات الكامنة في أفعال المكلّفين من المصالح و المفاسد بحيث لا تعلّق للعلم بالحكم في وجودها أصلافاحتمال التحريم لا ينفكّ عن احتمال الضرر و المفسدة في الفعل كما أن الظنّ به ظنّ بها و العلم به علم بها سواء كانت دنيويّة أو دينيّة غير العقاب‏فوجود هذا الضرر كنفس الحكم الشرعي المعلول له مقدّم على العلم و البيان لا تعلّق له فيه أصلا فإن سلم حكم العقل بوجوب دفع‏الضرر المحتمل الدنيوي و لو كان موهوما لم يصلح قاعدة القبح للورود عليه بل هو وارد عليها و رافع لموضوعها كما هو ظاهر والمستفاد من كلامه في المنع عن مزاحمة الحكم المذكور للقاعدة وجهان أحدهما المنع من استقلال العقل في الحكم بلزوم دفع الضررالدنيوي المحتمل كيف و لو بني عليه لكان مشترك الورود في المقام بالبيان الذي ستقف عليه مضافا إلى ورود النقض على الأخباري بالشبهةالوجوبية و الموضوعيّة و إنما المسلّم حكم العقل و الشرع بقبح الإقدام على المضرّ الدنيوي و تحريم ارتكابه فالمحرّم هو مفهوم الإضرارو صدقه في مورد الشكّ في الحكم الشرعي مشكوك كالشكّ في صدق المسكر المعلوم الحرمة على المائع الخاصّ و في الشبهة الموضوعيّةلا يجب الاحتياط باعتراف الأخباريّين فليس هنا ما يقتضي وجوب دفع الضرر المحتمل حتى يكون بيانا بالنسبة إلى الواقع و رافعا لموضوع‏قاعدة القبح فالضرر و إن كان محتملا عند احتمال التحريم إلا أنه لا يجب دفعه ثانيهما أن حكم العقل بلزوم دفع الضرر سواء كان أخرويّاأو دنيويا و سواء كان معلوما أو مظنونا أو مشكوكا أو موهوما على تقدير تسليم حكمه بالنسبة إلى جميع مراتب الضرر مقيد بعدم تداركه‏من جانب الشارع كيف و قد يؤذن في الإقدام على الضرر المعلوم بل يؤمر به فالواجب هو دفع الضرر الغير المتدارك و لما كان الإذن‏مع التدارك بالنسبة إلى الضرر الأخروي ممّا لا معنى له فكلما ثبت إذن من الشارع في فعل فلا محالة يكشف عن عدم الضرر الأخروي‏بالنسبة إليه و أمّا الضرر الدّنيوي فلما كان مجامعا للتدارك فكلّما ورد إذن من الشارع في مورده فيكشف عن التدارك بالنسبة إليه‏فيرتفع موضوع حكم العقل بوجوب الدفع و لو باعتبار قيده فإذا حكم الشارع بإباحة ما لم يعلم حرمته فيكشف منه تدارك المفسدة فيه‏على تقدير حرمته في نفس الأمر هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام و قد أسمعناك شرحه في الجزء الأوّل من التعليقة و لكنّ الجواب عن‏عدم ورود حكم العقل في باب الضرر الدنيوي على قاعدة القبح هو الوجه الأول حقيقة و أمّا الوجه الثاني فيتوقّف على التمسّك بذيل‏الدليل النقلي على البراءة و معه لا حاجة إلى التمسّك بقاعدة القبح و بدونه يكون حكم العقل واردا عليها كما لا يخفى‏
في توجيه كلام السّيد أبي البركات في الغنية و غيره‏
قوله و الظاهرأن المراد به ما لا يطاق الامتثال به‏(2) أقول لا يخفى عليك أنّ توجيه كلامهم بما أفاده و تنزيله عليه مع الغضّ عمّا يتوجه عليه كما ستقف‏عليه موجب لتخصيص محل كلامهم بما يعتبر في صحّته و سقوط الأمر المتعلّق به الامتثال و الإطاعة ضرورة عدم جريان التوجيه المذكور في‏التوصّليات الّتي لا يطلب فيها إلا نفس الفعل فيخرج غالب صور محل البحث عنه بل كثير من صور الشّكّ في الحكم الشرعيّ عنه حتّى الشبهةالوجوبيّة فإن محلّ الكلام في مسائل هذه المباحث لا يختصّ بالتعبّديات كيف و لم يجدوا مثالا للحرام التعبّدي في الشرعيّات مع أنّه لامعنى لتخصيص البحث بالتعبّدي كما هو ظاهر فقد ظهر ممّا ذكرنا ما يتوجّه على الشق الأول من وجهي المناقشة في التوجيه المذكور فإنه لو كان‏التكليف المحتمل من التعبّديات على تقدير ثبوته لم يحتمل كون الغرض منه مجرّد صدور الفعل و لو بدون قصد الإطاعة رأسا و إن كان‏توصّليا على تقدير ثبوته لم يكن الغرض منه إلاّ ذلك فالاحتمال المذكور ساقط على كل تقدير و فرض الكلام فيما تردّد أمره بين التوصّلي و التعبّدي‏على تقدير ثبوته فيحمل كون الغرض منه مجرد صدور الفعل نظرا إلى احتمال كونه توصّليّا كما ترى إذ هو موجب لتخصيص محل البحث بفردنادر على تقدير وقوعه فتدبّر و أما الشق الثاني و الوجه الآخر منهما و هو كون الغرض من التكليف العمل بمقتضاه و تحصيل متعلّقه‏في الخارج بداعي احتمال كونه مطلوبا مع الشّك فيه فلا يتوجّه عليه شي‏ء عند التأمّل فإن غاية ما يرد عليه ما أفاده شيخنا الأستاذالعلامة بقوله في دفع الاحتمال المذكور و إفساده بأنه إن قام دليل على وجوب إتيان الشاك في التكليف بالفعل لاحتمال المطلوب عليه أغنى‏ذلك عن التكليف بنفس الفعل و إلا لم ينفع التكليف المشكوك في تحصيل الغرض المذكور إلى آخر ما أفاده و هو كما ترى فإنه يتوجّه عليه‏على تقدير قيام الدليل على وجوب الإتيان أو الترك لاحتمال الوجوب أو التحريم الواقعيّين بحيث يجعل الداعي احتمال التكليف مثل مادلّ على وجوب الاحتياط على تقدير القول بدلالته عليه أنه كيف يغني ذلك عن التكليف الواقعي مع أنه يترتب عليه آثار و ثمرات غير مايترتّب على مجرّد الحكم الظاهري بل التحقيق استحالة إغنائه عنه و عدم إمكانه مع كونه متفرّعا عليه كما هو الشأن في جميع الأحكام الظاهريّةبالنسبة إلى الأحكام الواقعيّة الثابتة في مواردها فإنه لا معنى لالتزام تأثير الحكم الظاهري في رفع الحكم الواقعي الثابت في مورده من‏
30
غير فرق بين وجوب الاحتياط و غيره من الأحكام الظاهريّة و على تقدير عدم قيام الدليل عليه في محل البحث كما هو الحقّ عندنامع احتماله يحكم بعدم وجوب العمل بمقتضى التكليف المحتمل من حيث قبح العقاب من غير بيان لا من حيث قبح التكليف بما لا يطاق كيف‏و لا إشكال في حسن الاحتياط و رجحانه و لا خلاف من أحد فيه و الأخبار المتضافرة ناطقة به مضافا إلى دلالة الكتاب و العقل‏عليه مع أنه لا فرق في قبح التكليف بما لا يطاق بين التكليف الوجوبي و الاستحبابي اتفاقا فيكشف ذلك عن بطلان الاستناد في المقام إلى‏قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق و ممّا ذكرنا كلّه يظهر أن ما أفاده بعد القول المتقدّم بقوله و الحاصل أن التكليف المجهول إلى آخره لامحصّل له حيث إن المستند للقضية المذكورة يعني عدم صلاحية التكليف المشكوك لحمل المكلف بالعمل بمقتضاه إنما هو ما ارتكز في‏العقل من قبح العقاب من غير بيان أو ما دلّ من النقل على البراءة في مورد البحث و أين هذا من قبح التكليف بما لا يطاق و الحاصل‏أنه إن كان المراد من عدم إمكان الامتثال في موارد الشك في التكليف عدم إمكان الإتيان بالفعل بداعي الأمر المحقّق بحيث يقصدمن الفعل امتثاله فهو أمر مسلّم لا نزاع فيه أصلا إلا أنّ أحدا لم يتوهّم القول بوجوب الفعل أو الترك في محل البحث بهذا العنوان‏و إن كان المراد منه عدم إمكان الامتثال رأسا و بالنسبة إلى جميع مراتبه حتّى الاحتمالي منها فهو ممنوع جدّا كيف و الوجدان يشهدبخلافه و إن كان المراد أن التكليف الواقعي المحتمل لا يدلّ على وجوب الإتيان بالفعل بداعي احتمال المطلوبيّة فيتوجّه عليه أنّ أحدا لم‏يدّع ذلك كيف و التكليف المعلوم لا يقتضي ذلك و لا يدلّ عليه ضرورة أن وجوب الامتثال و إطاعة الأحكام الشرعيّة متأخّرعن الحكم الشرعي و متفرّع عليه فلا يعقل دلالة إنشاء الحكم عليه و من قال بوجوب الاحتياط لم يقل به من جهة دلالة نفس التكليف المحتمل‏عليه مع أنه على تقدير كون وجوب الامتثال من مداليل إنشاء الحكم و الغضّ عن عدم إمكانه لا يمكن القول به مع الشك فيه ضرورة قضيّةتبعيّة المدلول للدّليل الشكّ فيه مع الشكّ في الدّليل لا الجزم به مع الشك فيه هذا كلّه مضافا إلى أن اللازم من التوجيه المذكورالالتزام بسقوط الاحتياط رأسا حتى فيما قام الإجماع عليه فإن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص بإجماع و غيره و قيام الدليل على وجوبه‏لا يخرجه عن حقيقته فهذه مفسدة أخرى لما أفاده من التوجيه فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أن ما أفاده السيّد و من تبعه من الاستدلال‏على حكم المقام لا محصّل له عند التأمّل فيغلب على الظنّ كون مراد السيّد قدس سره مما ذكره نفي التكليف عن الغافل بقرينة ذكر ذلك في‏دليل اشتراط العلم للتكليف في قبال الغفلة عن التكليف رأسا فتأمّل‏ قوله قدس سره و اعلم أن هذا الدليل العقلي كبعض إلى آخره‏(1) أقول لا إشكال فيما أفاده من كون الدليل المذكور بمنزلة الأصل في المسألة كبعض ما دلّ على البراءة من الأدلّة النقلية المتقدّمة بالنسبة إلى‏جميع ما يفرض من الأخبار الدالة على وجوب الاحتياط بالوجوب الظاهري الشرعي في محتمل التحريم إلا أنّه مجرّد فرض غير واقع لما ستقف‏عليه من عدم دلالة خبر من الأخبار على هذا المعنى‏
في الاعتراض على المستدلّ بالاستصحاب على البراءة
قوله قدس سره و فيه أن الاستدلال به مبنيّ إلى آخره‏(2) أقول الاستدلال بالاستصحاب‏في المقام سواء قيل به من باب الظنّ أو التعبّد مبنيّ على الإغماض ممّا عرفت من الأدلّة النقلية و العقليّة على البراءة أو عدم تماميّتهاعند المستدلّ بالاستصحاب و إلا فلا معنى للاستدلال به في المقام حتى على القول باعتباره من باب الظنّ و إثباته جميع ما لا ينفكّ‏من المستصحب من اللوازم و المقارنات لما عرفت إجمالا و ستعرف تفصيلا في باب الاستصحاب إن شاء الله تعالى من اختصاص جريانه بماترتب الأثر المقصود إتيانه بالاستصحاب على المشكوك أو لازمه لا على نفس الشك و عدم العلم و إلا لم يكن معنى لجريان الاستصحاب بالنسبةإليه فإذا فرض استقلال العقل بنفي المؤاخذة عند عدم العلم بالتكليف لم يكن معنى لاستصحاب عدم المنع و البراءة في حال الصغر المترتّب‏عليه عدم استحقاق العقوبة بواسطة إثبات الإذن بالواسطة فتدبّر ثم إن حاصل ما أفاده شيخنا قدس سره في الاعتراض على‏المتمسّك باستصحاب البراءة و عدم التكليف الثابت في حال الصغر يرجع إلى وجهين أحدهما أن الاستصحاب المذكور بناء على القول‏به من باب الأخبار و التعبّد غير جار من حيث إن المقصود به نفي المؤاخذة و استحقاق العقوبة في الزمان اللاحق و لا يمكن ترتّبه عليه‏جزما نظرا إلى عدم كونه من الأحكام الشرعيّة القابلة للجعل و التشريع و قد عرفت إجمالا مرارا و ستعرف تفصيلا في باب الاستصحاب‏أنه لا يترتب على الاستصحاب بناء على الأخبار إلا ما كان من الأحكام و المحمولات الشرعيّة الأوليّة للمستصحب فلا يترتب عليه ما لايكون من الأحكام الشرعيّة من الأحكام و اللوازم العقليّة أو العاديّة و العرفيّة أو ما كان من الأحكام الشرعيّة الغير المحمولة على‏المستصحب بالحمل الأوّلي بل بالحمل الثانوي و بواسطة لازم غير شرعيّ للمستصحب سواء كان بواسطة أو بوسائط فإذا لم يكن الأثر المذكورممّا يقبل تعلق الجعل به و المفروض أن الأخبار الواردة في باب الاستصحاب من مقولة الإنشاء لا الإخبار فلا محالة يكون احتمال‏
31
العقاب موجودا فيحكم العقل بلزوم الاحتياط ما دام الاحتمال باقيا فلا بدّ من التمسّك بذيل قاعدة القبح من غير بيان أو غيرها من‏أدلّة البراءة لنفي الاحتمال المذكور و هذا معنى قوله إن المطلوب هو القطع في الزمان اللاحق بعدم العقاب و هو لا يترتّب على‏الاستصحاب المذكور و منه يظهر أنه كما لا يمكن إثبات عدم العقاب بالاستصحاب المذكور كذلك لا يمكن إثبات الإذن بالاستصحاب‏المذكور حتى يترتب على ثبوته القطع بعدم العقاب من حيث منافاته للعقوبة في حكم العقل فإن الإذن في الفعل و إن سلّم كونه أمراشرعيّا إلاّ أنّه ليس من أحكام المستصحب و محمولاته الشرعيّة و إنّما هو لا ينفكّ عنه في حكم العقل من حيث إن عدم المنع عن الفعل في‏اللاحق ملازم لكونه مرخّصا فيه من جهة العلم بعدم خلوّ الواقعة عن أحد الحكمين أعني المنع أو الترخيص فهو من إثبات أحد الضدّين بنفي‏الآخر بالأصل
في البحث و الاعتراض على التمسّك بالاستصحاب فيما لا نصّ و رجوع التمسّك في المقام بالأخرة إلى دليل البراءة
فإن قلت لم لا تجعل المستصحب نفس الإذن و الترخيص الثابت في السّابق و تجعله ما يلازمه بحكم العقل حتى يلزمه‏التعويل على الأصل المثبت فلا إشكال في ثبوت الإذن في السابق كما أنه لا إشكال في ترتّب القطع بعدم العقاب عليه لأن الإذن‏الشرعي و لو كان في مرحلة الظاهر ينافي العقاب في حكم العقل قطعا فثبوته الظاهري يلازم عدمه في مرحلة الواقع و ليس هناك تعويل‏في نفس العقاب على الاستصحاب حقيقة و إنما التعويل على القطع بعدمه نظرا إلى المقدّمة المذكورة قلت لا معنى لاستصحاب الإذن‏و الإباحة في المقام جدّا فإن المراد من الترخيص المستصحب إن كان هو الواقعي منه على ما هو معنى استصحابه ففيه أنه لا قطع بثبوته في السابق‏و إن قلنا ثبوت الأحكام الغير الإلزاميّة في حق الصغير في الجملة إذ المفروض احتمال حرمة الموضوع في الشريعة و الثابت في حق الصغير في‏محرّمات الشريعة ليس إلاّ رفع قلم التكليف و المؤاخذة لا الإذن و الترخيص الشرعي كما هو ظاهر و إن كان الظاهريّ منه الذي قضى بثبوته‏ما دلّ على إباحة غير معلوم الحرمة ففيه بعد الإغماض عن اختصاصه بالمكلّفين فلا معنى لإثبات مفاده و مقتضاه قبل التكليف كما هو ظاهرأنه لا يعقل استصحابه للقطع بثبوته كما لا يخفى فيرجع الأمر بالأخرة إلى التمسّك بدليل البراءة فالتمسّك بالاستصحاب في المقام أشبه شي‏ءبالأكل من القفا فإن شئت قلت إن الثابت في السّابق مطلق الترخيص الذي ليس حكما شرعيّا مضافا إلى أن ثبوته في السابق إنما هو من جهةثبوت التلازم بينه و بين نفي المنع فليس ثبوته ثبوتا بعنوانه و مستقلاّ حتى يجري فيه الاستصحاب فتأمل فإن قلت نفي العقاب في زمان الشكّ مترتب‏على مجرّد ثبوت عدم المنع المستصحب ضرورة أنه يكفي في نفي الاستحقاق و لا يحتاج إلى إثبات الإذن فيه أصلا حتى يتوجّه عليه ما ذكر حيث‏إن الموجب لاستحقاق العقاب المعصية المترتبة على المنع فإذا حكم بعدمه في مرحلة الظاهر ثبت نفي العقاب عليه قلت عدم المنع‏ليس حكما شرعيّا حتى يحكم من جهة الحكم بثبوته على ترتب جميع اللوازم عليه من الشرعية و العقليّة و غيرهما و إلا كانت الأحكام عشرة لا خمسةفلا يجدي الحكم بعدم المنع في مرحلة الظاهر في نفي العقاب فإن قلت إن الإذن الذي يراد إثباته في المقام من استصحابه أو من استصحاب عدم‏المنع و البراءة من التحريم ليس الإذن الخاصّ المتحقق في ضمن الأحكام الأربعة حتى يمنع من ثبوته في السابق أو يقال إن إثباته بالأصل من‏إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر بل الإذن العام الذي هو جنس للأحكام الأربعة و المقصود و هو نفي العقاب في اللاحق يحصل بمجرّدإثبات الإذن بالمعنى الأعمّ قلت ثبوت الإذن بالمعنى المذكور أيضا غير معلوم في الزمان السابق كيف و لا وجود له إلاّ في ضمن الأحكام‏الخاصّة الأربعة فإذا فرض عدم العلم بها في السابق فكيف يعلم بتحقّقه مع أن الجنس لا وجود له إلا في ضمن الفصل و كذلك إثباته باستصحاب‏عدم المنع لا يجوز قطعا حيث إنه ليس من محمولات المستصحب شرعا و إن لم يكن ضدّا للمنع مع أنّ اتصافه بالضّدين باعتبار ما يتحقق في ضمنه‏من الحصص بالتبع و العرض ممّا لا غبار فيه أصلا كما لا يخفى هذا كلّه بناء على القول بالاستصحاب من باب التعبّد و الأخبار و أمّا على‏القول به من باب الظّنّ فلا إشكال في جواز التمسّك بالاستصحاب في المقام مع قطع النظر عمّا يتوجّه عليه في الوجه الثاني ثانيهما أنّ‏الاستصحاب المذكور غير جار مطلقا من غير فرق بين القول به من باب التعبد أو الظنّ لتغيّر موضوع المستصحب و عدم بقائه في الزمان اللاحق‏حيث إن عدم المنع كان ثابتا في حق الصّغير و بوصف عدم البلوغ نعم الأمر على القول به من باب الظّن أظهر من حيث توجّه هذا الاعتراض‏فإنه لا معنى لحصول الظّنّ بقسميه من النوعي و الشخصي مع تغيّر الموضوع و أمّا على التعبّد فيكون دعوى صدق النقض بعد حكم العرف‏ببقاء الموضوع مسامحة بناء على الرجوع إليه في تميز الموضوع و تشخيصه على ما تسمعه في محلّه و من هنا أمر قدس سره بالتأمل فإن إرجاعه إلى‏بعض ما تقدّم من الأسئلة على الوجه الأوّل مما لا وجه له أصلا كما لا يخفى‏
في المناقشة في التمسّك بغير الاحتياط فيما الكلام فيه‏
قوله و فيه أن تعسّره ليس إلاّ من حيث كثرة موارده‏(1) أقول ما أفاده من استناد تعسّر الاحتياط في محل البحث إلى كثرة موارده المسبّبة عن كثرة الشبهات التحريميّة الحكميّة الممنوعة عندالأخباريّين القائلين بحجية أكثر الأخبار بل تمام الموجود في الكتب المعتمدة و عند المجتهدين القائلين بانفتاح باب العلم كما عليه‏
32
السيّد و أتباعه أو بحجيّة الظنون الخاصّة الكافية كما عليه أكثرهم أو المطلقة من جهة عدم كفايتها مع اختلاف مشاربهم من حيث كون‏النتيجة حجيّة الظّن في الفروع أو الأصول أو هما معا كما عليه جمع من المتأخرين منهم ممّا لا ينبغي الارتياب فيه إلا أن ما أفاده قدس سره بقوله‏و لو فرض بعضهم قلّة الظنون الخاصّة إلى آخره مبني على ما سلكه القائلون بحجيّة مطلق الظّنّ من كون نتيجة دليل الانسداد هي حجيّة الظّنّ‏لا التبعيض في الاحتياط على ما عرفته من شيخنا قدس سره و أما على ما سلكه فلا يلزم التعسّر من الاحتياط في المشكوكات أيضا لقلّتها كما أنه لايلزم أيضا على ما سلكنا في نتيجة المقدمات على تقدير تماميّتها من حجيّة خصوص الظنّ القوي الاطمئناني حسبما عرفت تفصيل القول‏فيه فالاستدلال المذكور ساقط على كل قول في باب الطريق إلى الأحكام‏ قوله قدس سره و فيه ما لا يخفى إلى آخره‏(1) أقول توجّه الإيرادإلى الوجه المذكور من الأمور الواضحة عند كل أحد ضرورة أنّ محلّ الكلام في وجوب الاحتياط فيما أمكن فيه لا فيما لا يمكن فيه فكيف يظنّ‏بأحد القول بوجوب الاحتياط في دوران الأمر بين المحذورين مع عدم إمكان الاحتياط فيه و أمّا على القول بتقديم جانب احتمال‏التحريم فيه فليس من جهة الاحتياط بل لما سيجي‏ء من الوجه في محلّه قال الشيخ الحرّ العاملي في باب وجوب التوقف و الاحتياط بعدإيراد رواية الحجب ما هذا لفظه هذا مخصوص بالوجوب و أنه لا يجب الاحتياط بمجرّد احتمال الوجوب بخلاف الشّكّ في التحريم فيجب‏الاحتياط و لو وجب الاحتياط في المقامين لزم التكليف بما لا يطاق إذ كثير من الأشياء يحتمل الوجوب و التحريم انتهى كلامه رفع مقامه‏و هو عجيب من مثله‏
في الاستدلال الأخباريين على حكم ما لا نصّ بالآيات‏
قوله قدس سرّه و لا يرد ذلك على أهل الاحتياط إلى آخره‏(2) أقول لا يخفى عليك أن استدلال الأخباري بالكتاب مع‏قوله بعدم حجيّة ظواهره إمّا من جهة صراحة الآيات المذكورة عنده و إما من جهة الإلزام و إمّا من جهة موافقتها للنقل فتدبّر ثم إنّ‏ظاهر سكوته عن توجّه هذا الإيراد و المعارضة في الجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة من الآيات تسليم عدم وروده كما يظهر من‏بعض كلماته الآتية مع أنه لا إشكال في وروده كما هو صريح بعض كلماته الأخر التي ستمرّ عليك ضرورة أن البحث مع الأخباري ليس إلاّفي حكم الشبهة التحريميّة لا في دواعي الترك و الفعل فإنها ليست ممّا يعنون في الكتب و يتكلم فيه العلماء فلو كان القول بوجوب الترك‏من الأخباري قولا يعلم من جهة دليل وجوب الاحتياط كان القول بجواز الفعل من المجتهد اعتمادا على دليل البراءة قولا يعلم أيضاو بالجملة مفاد هذه الطائفة من الآيات ممّا لا ينكره أحد فإنها تدل على قضيّة كليّة ثابتة عند كلّ أحد لأنها ممّا يحكم به ضرورة العقل‏مضافا إلى تطابق الأدلة الثلاثة عليه فالمجتهد إنّما يحكم بالإباحة الظاهريّة لما دلّ عليها من الأدلّة القطعيّة من العقلية و النقليّة فليس‏قولها بها قولا بغير علم فهو مثل قول الأخباري بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية الحكميّة بزعمه و قوله بالبراءة في الشبهة الوجوبيّةو الموضوعيّة مطلقا و مما ذكرنا يظهر المراد من قوله قدس سره في الجواب الحلّي عن الطائفة الأولى فبأن فعل الشي‏ء المشتبه حكمه إلى آخره فإن المراد منه فعله‏بعنوان الجواز الظاهري اتّكالا على دليله من العقل و النقل و إن كان ربما يناقش في توصيف حكم العقل بالقبح بالاتفاق الذي ذكره‏من حيث استدلال الأخباري في المسألة بحكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل فإنه لا يجامع تسليمه حكم العقل المذكور فتأمّل‏ قوله قدس سره و نحوهما في الدلالة على وجوب الاحتياط إلى آخره‏(3) أقول دلالة الآية الأولى على وجوب الاحتياط إنما هي بالنظر إلى ظاهر هيئة النهي كماأن ظاهر دلالة سائر الآيات أيضا إنّما هي بالنظر إلى هيئة الأمر أو النهي أيضا و أما الآية الثانية فلأن المراد من التنازع فيها هو التردّد والشكّ لا مجرّد الاختلاف في حكم المسألة مع جزم كلّ فريق من المختلفين بما حكم به كما بيّن ذلك في مسألة الإجماع‏ قوله قدس سره و أمّاعمّا عدا آية التهلكة إلى آخره‏(4) أقول قد يناقش فيما أفاده من الجواب عن الطائفة الثانية أوّلا بأن ارتكاب المشتبه مناف للتقوى و المجاهدةقطعا و إن بني على إباحته في مرحلة الظاهر اللهم إلا أن يقال باختصاصها بترك الحرام المحقق و الواجب كذلك فتدبّر نعم ارتكاب المباح‏الواقعي لا ينافي التقوى و المجاهدة جزما فلو سلّمت دلالة الآيات على الوجوب لم ينفع الجواب المذكور فالأولى التشبّث بذيل ما أفاده‏ثانيا بعد النقض بما وافقنا الأخباري على البراءة فيه من ظهور المادّة في الاستحباب سيما بملاحظة قوله حق تقاته و حق جهاده فيصرف‏ظهور الهيئة أو يوجب إجمالها و ثانيا بأن ما أفاده لا ينفع في الجواب عن قوله تعالى فإن تنازعتم فإنه ليس فيه ما يصرفه عن الظهور فلا بدّ من‏أن يجاب عنه بأنه لا تردّد لنا في الإباحة الظاهريّة و إنما التردّد في الحكم الواقعي فيجب ردّه إلى اللّه و رسوله نعم النقض عليهم بالشبهةالموضوعية لا يتوجّه بالنسبة إلى هذه الآية كما هو ظاهر فتدبّر
في الجواب عن الاستدلال بآية التهلكة
قوله قدس سره و أمّا عن آية التهلكة إلى آخره‏(5) أقول لا يخفى أن الاستدلال‏بالآية في المقام مبنيّ على شمولها لموارد احتمال الهلاكة و إلاّ فلا يجوز الاستدلال بها جدّا و قد مضى شطر من الكلام في ذلك في الجزء الأوّل‏من التعليقة ثم إن حاصل ما أفاده في الجواب عن الاستدلال بالآية الشريفة أن مفادها إثبات كبرى الكليّة و نحن نمنع صغراها في‏
33
محلّ النزاع بالنظر إلى الضرر الأخروي حيث أن العقاب من دون بيان أصلا مقطوع الانتفاء و لا يمكن جعل نفس الآية بيانا للزوم الدّورالظاهر و المفروض عدم بيان آخر حيث إن المقصود الاستدلال بالآية و إلا لم يحتج إليها و لم يستدل بها هذا مضافا إلى النقض بالشبهةالوجوبيّة و الموضوعيّة و بالجملة حال الآية على تقدير دلالتها على حكم المقام حال حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل و سيجي‏ء ما في‏الاستناد إليه في المقام و أشباهه هذا بالنسبة إلى الضرر الأخروي و أمّا الضرر الدنيوي المحتمل في موارد احتمال الحكم الإلزامي فلايجب دفعه باعتراف الأخباريّين من حيث كون الشبهة من هذه الجهة موضوعيّة حيث إن المحرّم عندهم عنوان المضر الدنيوي و المفروض‏الشكّ في صدقه و البناء على وجوب دفعه من جهة الآية هدم لما بنوا عليه من عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعيّة و التفصيل‏في حكم احتمال الضرر الناشئ من احتمال التحريم و الضرر ابتداء مضافا إلى ورود النقض عليهم بالشبهة التحريميّة الموضوعيّة و الوجوبيّةمطلقا لا دليل عليه أصلا بعد عموم الآية فلا بدّ من حمل الآية على تقدير تسليم دلالتها على حكم المقام مع كمال ضعفها على الطلب القدرالمشترك الإرشادي فلا يجوز الاستدلال بها كما لا يخفى‏
في دليل القول بوجوب الكف
في استدلال الأخباريين بالأخبار و عدم تماميّتها بالنسبة إلى‏
قوله قدس سره و ظاهر التوقف المطلق السكون إلى آخره‏(1) أقول ما أفاده في بيان‏المراد من التوقّف في الأخبار المشتملة عليه و أنه كناية عن السكون عند الشبهة و عدم الحركة إليها و اندفاع ما أورده غير واحد من المتأخّرين‏على الاستدلال بها منهم المحقق القمي قدس سره في القوانين في كمال الوضوح و الظهور إلاّ أن تخصيصه بعدم الحركة بارتكاب الفعل يوجب‏تخصيصه بالشبهة التحريميّة فلا يتوجّه النقض على المستدلّ بها بالبراءة في الشبهة الوجوبيّة اللهم إلاّ أن يكون تخصيصه مبنيّا على كونهامحل البحث في المقام و إلا فأصل الوقوف عند الشبهة كناية عن عدم ارتكاب الشبهة فعلا كان أو تركا فيشمل الشبهتين و لا ينافي ذلك‏اختصاص موارد جملة ممّا اشتمل على التعليل بالوقوف عند الشبهة بالشبهة التحريميّة كما لا ينافيه اختصاص جملة منها بالشّبهة الحكمية لأن العبرة بعموم التعليل مع ورود بعضها في الشبهةالوجوبيّة الحكميّة و بعضها في الشبهة الموضوعيّة و منه ينقدح عدم جواز الاستدلال الأخباري بعمومها من جهة امتناع تخصيص الموردو هذا كما ترى لا تعلّق له بالجواب النقضي الذي يشير إليه في الكتاب ثم إنه كان عليه قدس سره أن يذكر عنوان الطائفة الثانية ما دل على وجوب‏التوقف بظاهره أو ما يرجع بحسب المعنى إليه فإن جميع ما يذكر في الطائفة الثانية لا يشتمل على لفظ التوقف كما لا يخفى لمن راجع إليها
حكاية كلام صاحب الوسائل في صحيحة جميل بن درّاج‏
قوله و زاد فيها أن على كلّ حق حقيقة إلى آخره‏(2) أقول رواها في الوسائل في باب وجوه الجمع بين الأحاديث من رسالة سعد بن هبة الله الراوندي‏كروايات الزهري و عبد الأعلى و السّكوني فإنها مرويّة في الوسائل أيضا و الغرض منها الحثّ على ترك الحديث الذي لم يصل إلى المكلّف من‏طريق معتبر عملا أو رواية و إن كان التفصيل قرينة على إرادة روايته و ورود صحيحة جميل في المتعارضين كالمقبولة لا ينافي العموم لكلّ شبهةمع عموم الكلية المستفادة منها سيّما في الصحيحة التي جعل الأخذ فيها بما وافق الكتاب تفريعا على الكلّية فالكتاب هو النور و الحقيقة والميزان للحقّ و الباطل عند التعارض فبموافقته يرتفع الشبهة الحاصلة بسبب التعارض و في محكي الوسائل بعد نقل رواية السّكوني‏و عبد الأعلى التفضيل في أمثال هذا على وجه الممارات و المماشات مع الخصم كما ورد في أحاديث كثيرة قليل من سنّة خير من كثير في بدعةو أمثال ذلك في الحديث و في الكلام الفصيح كثير انتهى كلامه رفع مقامه و يشهد له ما رواه شيخنا قدس سره في الكتاب فلفظ الخبر و إن لم يكن ظاهرافي الإلزام بل كان ظاهرا في غيره في بادي النظر إلا أنّه ظاهر فيه بملاحظة ما أفاده في الكتاب في تقريب دلالة الأخبار المذكورة في الكتاب‏و في الوسائل مما لم نذكره في باب وجوب التوقف في القضاء و الفتوى و العمل على وجوب التوقف‏ قوله قدس سره و الجواب أنّ بعض‏هذه الأخبار مختصّ بما إذا كان إلى آخره‏(3) أقول لا يخفى عليك أن تسليم دلالة جملة من الأخبار التي أشار إليها على وجوب التوقف مع عدم‏انطباقها على محلّ البحث و حمل جملة منها على الاستحباب لا ينافي ما أفاده في الجواب بقوله و ملخص الجواب عن تلك الأخبار إلى آخره فإنّ استفادةالوجوب و الاستحباب فيما ذكره أولا في الجواب إنما هي بالقرينة الخاصّة فلا ينافي حمل الطّلب فيها على القدر المشترك فيكون الدلالة على‏الخصوصية بملاحظة أخرى و على ما ذكرنا يحمل قوله بعد ذلك في ذيل الجواب عن السؤال الذي أورده على نفسه فهي قضيّة تستعمل في‏المقامين إلى آخره فإن المراد من الاستعمال ليس ما يتوهّم من ظاهره في ابتداء النظر من إرادة الخصوصيّة من نفس اللفظ حتى ينافي ما ذكره من حمل‏الطلب المستفاد من جميع الأخبار على الطلب الإرشادي القدر المشترك بل المراد منه الإطلاق في مقام إرادة كل من الخصوصيّتين بدلالةأخرى فتدبّر
في بيان كون الأمر في تلك الأخبار إرشاديّا
قوله و ملخص الجواب عن تلك الأخبار إلى آخره‏(4) أقول حاصل ما أفاده في الجواب عن الأخبار المذكورة بأسرها أن الطلب‏المستفاد منها لا بد من أن يحمل على الطلب الإرشادي القدر المشترك من حيث دلالتها على كون علّة طلب التوقف أو ما يرجع إليه هو التحرّزعن الهلكة المحتملة في الشبهة و أن في تركه تعريض لها مع أن في بعض موارد الشبهة لا يحتمل العقاب قطعا باتفاق الأخباريين و التخصيص فيها
34
بإخراجه مع إبائها عنه كما لا يخفى لكل من راجع إليها مناف لاختصاص مورد بعضها بما لا يحتمل فيه التهلكة الأخروية مع وحدة السّياق‏في الجميع فلا بدّ من أن يحتمل على ما ذكر حتى يشمل جميع موارد الشبهة و لا ينافي ذلك إرادة خصوص الطلب الإلزامي الإرشادي من بعض مواردهابدلالة أخرى كما لا ينافي إرادة خصوص الاستحبابي الإرشادي من موارد بعضها الآخر من القرينة على ما عرفت الإشارة إليه ودعوى عدم استفادة تعليل المذكور منها و إنّما المستفاد منها كون الاقتحام في الهلكة حكمته فلا ينافي الطلب الشرعي فاسدة جدّامع أنّه إذا حمل على الطلب القدر المشترك لم يفرق في عدم دلالتها على مدّعى المستدل بين حمله على الطلب الشرعي القدر المشترك و بين‏حمله على الطلب الإرشادي القدر المشترك لما ستقف عليه فإذا كان الطلب المستفاد هو منها القدر المشترك الإرشادي فلا يمكن استفادةخصوص الطلب الإلزامي منها ضرورة عدم دلالة العام على الخاصّ بل استفادته يتوقّف على إحراز كون الهلكة المحتملة العقاب فيحكم بوجوب التوقف‏بعد إحرازه بدلالة أخرى كما في موارد العلم الإجمالي بالتكليف المنجّز كما في الشبهة المحصورة أو مع التمكن من تحصيل العلم بالحكم في الشبهةالحكمية في موارد الشك في التكليف إلى غير ذلك ممّا يحتمل فيه العقاب فلا بدّ إذا من إحراز احتماله من الخارج ضرورة عدم دلالة الحكم المترتّب‏على موضوع كلّ على وجوده في مورد خاصّ فكما لا يمكن دلالة هذه الأخبار بعد حملها على الجامع على خصوصيّات الطلب كذلك لا تدل‏بأنفسها على كون المحتمل من الهلكة العقاب الذي يجب دفعه عقلا و نقلا أو غيره من المضارّ الدنيويّة التي لا يجب دفع محتملها بالاتفاق بالنسبةإلى الموارد الشخصيّة من المشتبهات و إن دلّت على وجود احتمال التهلكة بالمعنى الأعمّ في كل شبهة و من هنا ذكر قدس سره أن هذه الأخبار لاينفع في إحداث هذا الاحتمال و لا في حكمه من حيث إن مطلق الطلب المحمول على مطلق التهلكة كما لا يدلّ على خصوص الإلزام كذلك لا يدلّ على‏خصوص كون المحتمل في الشبهة الخاصّة العقاب و منه يظهر أنه لا فرق فيما ذكر بين جعل الطلب المستفاد منها إرشاديّا أو شرعيّا على ماعرفت الإشارة إليه بل ربما يقال إن حمل الطلب على الإلزام الإرشادي المترتّب على احتمال العقاب لا يجدي الخصم أيضا من حيث إن مفادالأخبار على هذا التقدير مفاد حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل و قد عرفت ورود دليل البراءة عليه و إن كان القول المذكور منظورا فيه‏من حيث إن ظاهرها بل صريحها احتمال التهلكة في كلّ شبهة و هذا بخلاف حكم العقل في مسألة دفع الضرر المحتمل فإنه حكم في موضوع‏كليّ يتبع تحققه في الخارج فيحصل الفرق بينها و بين حكم العقل في مسألة دفع الضرر المحتمل هذا مضافا إلى منافاة ما ذكر لموارد جملةمنها كما لا يخفى
في بيان أنّ المستفاد منها الضّرر الأخروي المعلول للطّلب الشرعي المولوي مع جوابه‏
و من هنا توجّه السؤال بقوله فإن قلت إن المستفاد منها احتمال التهلكة في كل محتمل التكليف إلى آخره و حاصله أنّ الظاهرمن الأخبار المتقدمة إعطاء الحكم في كلّ شبهة معلّلا باحتمال التهلكة فيه و ظاهر التهلكة في لسان الشارع ما يعود إلى المكلف في الآخرةفيدلّ على احتمال الضرر الأخروي في كل شبهة و لمّا كان الضرر الأخروي معلولا لطلب شرعي مولويّ و لو كان ظاهريّا و كان الحكم‏المترتّب على احتمال الضرر غير صالح لذلك ضرورة كونه إرشاديّا مضافا إلى كونه محمولا عليه و معلولا له فكيف يصير علّة له و مؤثرا فيه‏فلا محالة يكشف هذه الأخبار الكاشفة عن وجود احتمال العقاب في كل شبهة عن الطلب الشرعي الإلزامي المتعلّق بعنوان محتمل الحكم الإلزامي‏عن جانب الشارع في كل شبهة حتى يصلح علّة و بيانا للتكليف الواقعي المحتمل فإن شئت قلت ظاهر الأخبار المذكورة الأخبار عن ترتّب‏العقاب على الواقع المحتمل على تقدير ثبوته و بعد ضمّ حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان و حكم الشرع برفع المؤاخذة عما لم يبيّنه الشارع‏لا واقعا و لا ظاهرا لا مناص عن الالتزام بوجوب الاحتياط في محتمل التحريم شرعا في مرحلة الظاهر لعدم صلاحيّة الطلب المستفادمن الأخبار من حيث كونه إرشاديّا مترتّبا على احتمال العقاب لصيرورته بيانا للواقع على ما تقدّم فهذه الأخبار نظير ما ورد من‏الوعد و الوعيد على الأفعال حيث إنّها يكشف عن تعلّق الطلب بها شرعا فاكتفى الشارع عن بيان الملزوم ببيان لازمه فإذا كان الإخبارالجزمي عن العقاب على الفعل كاشفا عن تعلق الطلب به شرعا حتى يرجع الإخبار عن المعصية بالفعل كي يترتب العقاب عليه كان الإخبارعن ترتب العقاب على الشبهة على تقدير مصادفة الحرام كاشفا عن تعلّق طلب ظاهري بها كي تصير معصيته على تقدير الحرمة فهذاالطلب المستكشف عن الأخبار المذكورة يتعلّق بمحتمل الحكم الإلزامي فيكون بيانا للواقع على تقدير ثبوته في نفس الأمر هذا و الجواب‏عن السؤال المذكور منحصر بمنع الاستظهار المزبور من حيث منافاته لمورد ما لا يحتمل فيه العقاب اتّفاقا من الأخبار المذكورة كمافي مسألة النكاح و عمومها لما لا يحتمله قطعا مع إبائها عن التخصيص على ما عرفت الإشارة إليه فالمهلكة المحتملة في مطلق الشبهة أعمّ‏من العقاب نعم فيما يحتمل العقاب نلتزم فيه بتنجز الخطاب مع قطع النظر عن الأخبار المذكورة هذا و أمّا ما أفاده في الكتاب من الجواب‏عنه بقوله قلت إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعي إلى آخر ما أفاده فغير نقيّ عن المناقشة لأن الاحتمال الأوّل‏
35
عين ما مرّ منه فلا يحتمله كلامه و أما الاحتمال الثاني فإن كان المراد منه الحكم الظاهري الشرعي المتعلّق بمحتمل الإلزام على ما عرفت إرادته في‏توضيح السؤال فيتوجّه على ما أفاده في تضعيفه أن لازم الحكم الظاهري بالمعنى المزبور صحة العقاب من جهته على مخالفة الواقع‏على تقدير المصادفة على ما يفصح عنه كلامه في غير موضع من الكتاب فيما مضى و سيأتي عن قريب سيّما في الجواب عن دليل‏البراءة في قبال أخبار الاحتياط فراجع إذ هذا أقلّ فائدة للحكم الشرعي الظاهري سواء قيل بثبوت العقاب على مخالفته من حيث‏هو على خلاف التحقيق أم لا و إن كان المراد منه معنى آخر غير ما ذكر فيتوجّه عليه مضافا إلى عدم معنى معقول للحكم الظاهري غير ماذكر أن هنا معنى آخر يتم معه المدّعى و هو المعنى المذكور الذي عرفت استقامته‏
في أنّ الأصل الحكمي في أمثال هذه الشبهة الموضوعيّة الحرمة لا البراءة
قوله قدس سره لكونها شبهة موضوعيّة ولأصالة عدم تحقق مانع النكاح‏(1) أقول قد يتوجّه على ما أفاده أوّلا بأن الأصل الحكمي في هذه الشبهة الموضوعيّة و أمثالهاالحرمة لا البراءة و الحليّة بالاتفاق حيث إن أصالة الفساد في المعاملات من الأصول المسلّمة عندهم فالحكم بالحليّة فيها لا يمكن أن‏يستند إلى نفس الشك و احتمال الحليّة بل لا بدّ من أن يستند إلى ما يكون واردا على الأصل المذكور أو حاكما عليه كأصالة عدم تحقّق‏النسب و الرضاع المحرّمين و إليها يرجع أصالة عدم تحقق مانع النكاح نعم لو كان الشكّ في الحليّة و الحرمة من غير جهة الشك في الصّحة والفساد بل من جهة نفس إيقاع العقد بناء على تحريم إيقاعه على المحارم مطلقا كان من الشكّ في الموضوع الذي يرجع فيه إلى‏البراءة بالاتفاق فيجمع بينها و بين الحكم بالفساد من جهة الأصل المذكور لكنها كما ستقف عليه لا يجامع مع الأصل الموضوعي هذا و لكن‏ظاهر العبارة الحكم بجواز ترتيب الآثار من جهة أصالة الحلّية لا مجرّد الحكم بجواز ارتفاع العقد و إن حكم بفساده و ثانيا بأن الجمع‏بين الأصلين أي أصالة الحلّية مع الإغماض عن عدم جريانه كما عرفته و أصالة عدم تحقق مانع النكاح مع كون الشكّ في مجرى الأوّل‏مسبّبا عن الشك في مجرى الثاني لا يستقيم بناء على ما أفاده في باب الاستصحاب من عدم شمول أخبار الاستصحاب لهما معا و إن‏كانا متعاضدين بل الأمر كذلك عنده بناء على القول به من جهة العقل أيضا كما ستقف عليه‏
في بعض الأجوبة عن أخبار التوقف بوجوه غير خاليّة عن النّظر
قوله قدس سره و في كلا الجوابين مالا يخفى إلى آخره‏(2) أقول أما ضعف الجواب الأول فأظهر من أن يحتاج إلى البيان لمن راجع الأخبار المتقدّمة التي فيها الصحاح و الموثقات‏و إن كان فيها الضعيف أيضا هذا مضافا إلى إمكان دعوى تواترها إجمالا فلا يلاحظ حال السند و أمّا ضعف الجواب الثاني فيظهرأيضا لمن راجع ما تقدّم من الأخبار فإنه و إن كان في بعضها المنع من العمل بالرأي إلا أنه لا يصحّ دعوى كون جميعها في مقام المنع من ذلك‏ قوله قدس سره و فيه أن مقتضى أكثر أدلّة البراءة المتقدّمة إلى آخره‏(3) أقول لما كان مبنى الجواب بالتعارض و الترجيح على تسليم دلالة أخبارالتوقف على وجوب الاحتياط توجّه الإيراد عليه بما أفاده من أن التعارض و الترجيح فرع كون الطائفتين في مرتبة واحدة و ليس الأمركذلك من حيث إن مفاد أكثر أخبار البراءة كمفاد أكثر أدلّتها نفي المؤاخذة على ما لم يبيّنه الشارع أصلا لا واقعا و لا ظاهرا أو الترخيص‏فيما يكون كذلك و إليه أشار بقوله فتلك الأدلة بالنسبة إلى هذه الأخبار من قبيل الأصل بالنسبة إلى الدليل فالمراد أنه لا تعارض‏بينهما حتى يلاحظ الترجيح نعم بعض أخبار البراءة كقوله كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي ظاهر في نفي وجوب التوقّف من حيث ظهوره‏على ما عرفت الإشارة إليه في كون الغاية العلم بورود النهي في عنوان الشي‏ء لا فيه بعنوان أنه مجهول الحكم فيقع التعارض بينه و بين مادلّ على وجوب التوقّف فيما لم يعلم فيه ورود الترخيص بعنوانه الخاص على تقدير تسليم دلالة أخبار التوقّف على هذا المعنى على ماعرفته من كونه مبنى الجواب بالمعارضة و الترجيح لكن الترجيح لم يعلم للمرسلة عليها بل الأمر بالعكس من حيث الترجيح الصدوري و جهته من‏حيث وجود الصحاح و الكثرة في أخبار التوقف و كونها مخالفة للعامّة و أما الترجيح من جهة قوّة الدلالة لها عليها فممنوع أيضاو أمّا الترجيح من حيث الاعتضاد بالأدلّة الثلاثة فهو فرع كونها في مرتبة أخبار التوقف و قد عرفت منعه و إلا لم يتصور هناك تعارض‏أصلا ضرورة امتناع التعارض بين القطعي و الظنّي فكيف يمكن جعل العقل و الإجماع مرجّحين للمرسلة
في الإيراد على صاحب القوانين‏
و أمّا ما ذكره المحقق القمّي‏في القوانين بعد الجواب بما عرفته من الترجيح من أنه على تقدير التكافؤ يحكم بالتخيير و مرجعه إلى البراءة أيضا ففيه بعد الغضّ عما يتوجّه‏عليه بأن التخيير في المسألة الأصولية بين الخبرين غير القول بكون الحكم الظاهري مفاد البراءة معيّنا و إن كان الغرض هو جواز الأخذبما دل على البراءة على القول بالتخيير فيختاره و يبني على مفاده فلا يتعيّن عليه القول بالتوقّف ففيه أنه على تقدير تسليم الخصم للتكافؤو تسليمه كون الحكم في المتعارضين المتكافئين التخيير لا الاحتياط له أن يختار ما دلّ على التوقف فيرجع التخيير إلى التوقف بالمعنى الذي‏عرفته للرجوع في المقام فتدبّر
في أن أكثر أدّلة البراءة بالنسبة إلى هذه الأخبار من قبيل الأصل و الدّليل‏
قوله قدس سره و فيه ما تقدم من أن أكثر أدلّة البراءة بالإضافة إلى آخره‏(4) أقول لا يخفى عليك أن دعوى‏
36
اختصاص جميع أخبار البراءة بالشبهة التحريمية فاسدة جدّا إلا أن يراد وجود ما له الاختصاص بالشبهة المذكورة في الجملة لأن الغرض‏يتم بذلك ضرورة عدم توقفه على اختصاص جميع أخبارها بها فالمراد ليس العموم كما أن أعميّة أخبار التوقف مبنيّة على ما عرفته في‏معناها من كونها كناية عن عدم الإقدام على المشتبه فعلا أو تركا لا الدخول في الفعل و أمّا ما أفاده قدس سره فهو مبني على ما زعمه من كونه‏مفاد أكثر أخبار البراءة إثبات الأصل في المسألة فلا تعارض أخبار التوقّف على تقدير تسليم دلالتها على الوجوب الشرعي الظاهري‏على ما هو مبنى هذا الجواب كسابقه كما أن مبنى ما أفاده في بيان نسبة المرسلة بالإضافة إلى أخبار التوقف على كون المراد من الغايةورود النهي بالمعنى الأعم من النهي السليم مع ملاحظة النسبة من جهة منطوق المرسلة مع أخبار التوقف ضرورة أنه على تقدير إرادةالمعنى الأخص من النهي تشمل المرسلة ما تعارض فيه النصّان المفروضان في الكتاب كما أنه مبني على الإغماض عن معارضة أخبارالتوقف لما دلّ على التخيير في تعارض النصّين المتكافئين و تقديمه عليها ثم إن المراد من العموم المنفي لأخبار التوقف بالنسبةإلى المرسلة ليس ما يقتضيه ظاهر العبارة في بادي النظر بل المراد هو العموم الذي يجوز تخصيصه بالمرسلة فالمنفي هو العموم الخاص لامطلق العموم ضرورة أن شمول أخبار التوقف لما تعارض فيه النّصان و عدم شمول المرسلة له لا يوجب انقلاب النسبة و لعلّه الوجه‏في أمره بالتّأمّل عقيب ما أفاده من بيان النسبة و إن كان له وجه آخر سيأتي الإشارة إليه ثم إن الوجه فيما أفاده هو أنه بعد ثبوت‏التلازم بين ما لا نصّ فيه على التحريم و ما تعارض فيه النصّان حكما من جهة الإجماع من المجتهد و الأخباري عليه حيث إن الحكم عند الأخباري‏هو وجوب التوقّف فيهما و إن حكموا في الأول بالإباحة و في الثاني بالتخيير لو بني على تخصيص أخبار التوقف بالمرسلة بالنسبة إلى‏ما لا نصّ فيه لزم طرحها بالنسبة إلى ما تعارض فيه النصّان أيضا نظرا إلى الملازمة فيلزم طرحها رأسا فهما بمنزلة المتباينين بهذه الملاحظةو من هنا حكم بعدم عموم لأخبار التوقف كما هو الشائع في باب تعارض الخاص و العام بحسب النّسبة المنطقيّة في باب التعارض نعم‏قوله يوجد في أخبار التوقف إلى آخره قد يناقش فيه بإيهامه لتحقق ما أفاده بالنسبة إلى بعض أخبار التوقف مع أنه متحقّق بالنسبة إلى جميعهافالحق في التحرير أن يقال إن المرسلة و إن كانت بحسب النسبة أخص من أخبار التوقف إلا أنه لا يجوز تخصيصها بها من جهة لزوم المحذورو هو طرح أخبار التوقف رأسا بالملاحظة المذكورة فهما في حكم المتباينين أو يقال إن المرسلة و إن كانت أخصّ من أكثر أخبار التوقف‏إلا أنها متباينة بالنسبة إلى ما ورد في خصوص المتعارضين من أخبار التوقف ثم إن ما أفاده في الجواب كما ترى لما كان مبنيّا على ثبوت‏الصورتين من جهة الإجماع بالتقريب الذي عرفت الإشارة إليه فلا محالة يتطرّق المناقشة إليه بالمنع من اتحاد حكم الصورتين عند الفريقين‏أمّا عند المجتهد فظاهر و أمّا عند الأخباري فلأن جماعة منهم بل الأكثر مع التزامهم بالتوقف فيما تعارض فيه النصّان التزموا بالبراءةفي الشبهة الوجوبيّة مع أن أخبار التوقف يشمل صورة العلم الإجمالي بالتكليف قطعا و كذا ما لا نصّ فيه مع عدم الفحص أو التمكّن من‏تحصيل العلم نوعا في المسألة و المرسلة كسائر أخبار البراءة لا تشملها فلا يلزم من إخراج الصورتين على تقدير ثبوت التلازم أيضا طرح لأخبارالتوقف فلعلّه أشار إلى أحد الوجهين في أمره بالتأمّل نعم هنا وجه آخر للحكم بعدم جواز تخصيص أخبار التوقف بالمرسلة مع ثبوت‏التلازم و هو أن المرسلة بناء على ما عرفته في بيان الغاية و إن كان ضعيفا تنفي بحسب المفهوم للإباحة فيما تعارض فيه النصّان فإثباتهالها فيما لا نصّ فيه منطوقا يوجب التدافع بحسب دلالتها منطوقا و مفهوما فتدبّر
تحقيقات متعلّقة ببيان النسبة بين أدلّة البراءة و أخبار التوقف‏
فإن شئت قلت بعد ثبوت التلازم إن إخراج ما لانصّ فيه من أخبار التوقف يوجب إخراج ما تعارض فيه النصّان و هو مناف للمرسلة مفهوما فلا يجوز تخصيصها بالمرسلة و إن كانت‏النسبة العموم و الخصوص و هذا الوجه أولى ممّا عرفته في بيان منع النسبة المذكورة فإنه يتوجّه عليه مضافا إلى ما أسمعناك أنّ طرح‏أخبار التوقّف بالنسبة إلى الصورتين لا يوجب طرح أخبار التوقف رأسا بعد شمولها للشبهة الوجوبيّة اللهمّ إلا أن يقال بكونهانصّا بالنسبة إلى الشبهة التحريميّة و إن شملت الشبهة الوجوبيّة هذا على رواية كون الغاية ورود النهي فقط و أمّا على رواية كون الغايةوروده أو ورود الأمر فيشمل المرسلة الشبهة الوجوبيّة أيضا فلا يتوجّه ما ذكرنا أخيرا و كيف كان لا إشكال في قصور العبارة في إفادة المرادفإن المراد منها ليس ما يتراءى بظاهرها من نفي نسبة الخصوص و العموم بين أخبار التوقف و المرسلة بحسب النسبة المنطقيّة كيف و قيام الإجماع‏على ثبوت التلازم في الحكم الظاهري بين ما لا نص فيه و ما تعارض فيه النصّان لا يوجب انقلاب النّسبة بين الطائفتين و إن فرض عدم جواز تخصيص أخبارالتوقف بهذه الملاحظة بمثل قوله عليه السلام كل شي‏ء مطلق على ما ستقف عليه بل المراد عدم جواز إجراء حكم الخصوص و العموم و تخصيص أخبار التوقف‏بقوله عليه السلام كل شي‏ء مطلق للزوم المحذور الذي يلزم من التخصيص فهما كالمتباينين حكما لا موضوعا مع أن العبارة غير وافية ببيان المحذور الذي‏
37
يلزم من إخراج ما تعارض فيه النصان عن عموم أخبار التوقف بل غير متعرضة له أصلا و رأسا
بيان محذور لزوم إخراج ما تعارض النّصان عن عموم أخبار التوقف‏
بيان ذلك أنه بعد فرض قيام الإجماع على‏التلازم لا يجوز إخراج ما تعارض فيه النصّان من وجوه أحدها أنّه مناف لمفهوم قوله كل شي‏ء مطلق بناء على جعل الغاية النّهي‏الأعمّ من المعارض كما هو مبنى كلامه قدس سره و أمّا بناء على جعل الغاية النهي السليم فيدخل مورد المعارضة في المغيا و منطوق الروايةفلا يتصوّر هناك تعارض بين منطوق الرواية و مفهومها كما هو واضح ثانيها أنه موجب لتخصيص المورد بالنسبة إلى ما ورد في‏خصوص المتعارضين من أخبار التوقف ثالثها أنه موجب لحمل أخبار التوقف على ما قام فيه الإجماع على الشبهة الوجوبيّة أوالموضوعيّة مطلقا ضرورة اتحاد حكم ما لا نصّ فيه و ما أجمل فيه النصّ فيلزم طرح أخبار التوقّف رأسا أو حملها على الاستحباب‏المنفي بتسليم المورد من حيث كونه منافيا لإيراده كما هو واضح و من المعلوم أن العبارة لا دلالة لها على شي‏ء من الوجوه المذكورةفيمكن أن يكون الوجه في أمره بالتأمّل ما ذكر و إن كان له وجه آخر و هو منع قيام الإجماع على التلازم بين ما لا نصّ فيه و ما تعارض فيه‏النصّان في الحكم نظرا إلى اختلاف كلماتهم في حكم ما تكافأ فيه النصّان و ورود جملة من الأخبار على وجوب الاحتياط في خصوص‏المسألة و هذا هو الوجه ظاهرا ثم إن المحذور الذي ذكرنا ثانيا من لزوم تخصيص المورد في بعض أخبار التوقف إنما يلزم من تخصيص ماتعارض فيه النصّان و إخراجه من أخبار التوقف من غير فرق بين أن يجعل الدليل عليه الإجماع المركّب أو نفس الرواية منطوقا بناء على إرادةخصوص النهي السليم من النهي فيها كما لا يخفى و ممّا ذكرنا يظهر مناقشة أخرى في العبارة حيث إن لزوم غير المحذور الثاني ليس مختصّاببعض أخبار التوقف و هو خصوص ما ورد فيما تعارض فيه النصّان بل يعمّه و غيره و لزومه فقط ليس مبنيّا على الإجماع المركب إذ قد عرفت لزومه‏على إرادة خصوص النهي السليم كما استظهر من الرواية و إن استظهر شيخنا قدس سره خلافه فالحكم بنفي نسبة العموم و الخصوص بالنسبة إلى بعض‏أخبار التوقّف على ما هو ظاهر الكتاب مع كون لزوم المحذور عاما كما ترى هذا مع أن قوله و يشمله أخبار التوقّف ظاهر في عموم الحكم‏فالحق أن يقال في التعبير عن المرام بدل قوله لكن يوجد أو فيوجد كما في بعض النسخ إلا أنه لا يجوز تخصيص أخبار التوقف به من جهة لزوم المحذورفيكونان كالمتباينين حكما و جعل الوجه في أمره بالتأمّل توجّه هذه المناقشة في كمال البعد هذا و أمّا ما أفاده شيخنا في بيان عدم لزوم‏محذور في تخصيص أخبار التوقف بالنسبة إلى الصورتين بقوله مع أن جميع موارد الشبهة إلى آخره الراجع إلى نفي نسبة العموم و الخصوص حقيقة لاحكما حيث إن قوله كل شي‏ء مطلق يشمل جميع موارد الشبهة و يعمّها و لو من حيث الفتوى و الاعتقاد بالحكم في الشبهة و لو كانت نفس الشبهةشبهة في الوجوب أو الموضوع فإن الحكم على خلاف ما حكم به الشارع و اعتقاده حرام فإذا تردد حكم الواقعة فتجعل النهي عن كل ما يريدالحكم به فيكون مرخصا فيه بمقتضى الرواية كما أنه يكون ممنوعا ظاهرا بمقتضى أخبار التوقف فيتّحدان موردا فيكونان من العامّين المتباينين‏فربما يناقش فيه بعد توجيه العبارة بأن المراد منها أن جميع موارد الشبهة لا يخلو من أن يكون فيها عنوانا محتمل الحرمة لا أن يكون كلّ شبهةمحتمل الحرمة و إلا لم يصحّ الحمل إلاّ بتكلّف بعيد بأنه إن فرض قيام الدّليل على ما يحكم به أو يعتقده المكلّف ظاهرا أو واقعا خرج عن عنوان‏الشبهة و إن لم يقم دليل عليه كذلك كان حراما واقعيّا قطعا فيخرج على كل تقدير عن عنوان الشبهة فالشبهة إنما يتصوّر بالنسبة إلى نفس‏الفعل و الترك من حيث التحريم أو الوجوب و بعبارة أخرى الفتوى و الحكم من غير علم تشريع و افتراء على الشارع واقعا أو ظاهرا فيكون‏حراما واقعيّا أو ظاهريّا فلا يقبل لورود الترخيص و الإباحة الظاهرية فيه فإن شئت قلت ليس بالنسبة إلى الفتوى المردّدة واقعا تردّدبين الحلال و الحرام حتى يجري فيها القضيّة المغيّاة الظاهريّة هذا مع أنه إذا جعل حكم نفس الواقعة وجوب التوقف و الاحتياط من حيث‏شمول أخبار التوقف لها بالفرض و عدم شمول قوله كل شي‏ء مطلق لها حيث إنه لا يحتمل فيه إلا الوجوب أو الاستحباب مثلا كما هو المفروض‏فيصير حكم الواقعة معلوما في مرحلة الظاهر و الترخيص و الإرجاع إلى مشيّة الفقيه و إرادته إنما هو فيما لم يعلم حكم الموضوع حتى يتحقق‏هناك حكم مردّد بين الأمرين فهذه الأخبار واردة على قوله كل شي‏ء مطلق على هذا الاحتمال فلا يتصوّر هناك تعارض بينهما أصلاهذا مع أن الحكم بشموله للاعتقاد كما ترى ضرورة استحالة الاعتقاد بالحكم مع الشكّ فيه فلا يتصوّر ورود الترخيص فيه من الشارع‏فقوله فتأمل إشارة إلى بعض ما ذكرنا أو تمامه فافهم‏
في كلام الفاضل النّراقي في الإيراد عليه‏
و في المناهج للفاضل النراقي بعد جعل النسبة الخصوص و العموم بين ما ذكره سادس الأقسام‏لما دل على حليّة محتمل التحريم في الشبهة الحكميّة قال مع أنك قد عرفت المناقشة و التأمل في دلالة المرسلة على حكم المقام نظرا إلى أن فيها احتمالين‏أحدهما أن كل شي‏ء مطلق لكل أحد حتى يرد إليه نهي و حينئذ يكون دالاّ على البراءة في محل البحث ثانيهما أنه كذلك حتى ينهى عنه الشارع فمن وصل إليه‏النهي فحكمه واضح و أما من لم يصل إليه فلا دلالة له على حكمه إذ لا يعلم فيما لا نص فيه أنه هل ورد نهي أم لا إلاّ أن يتم باستصحاب عدم ورود
38
النهي انتهى ما ذكره ملخّصا و فيه ما لا يخفى على من راجع ما ذكرنا في توضيح دلالة الرواية فإن المعنى الثاني لا محصّل له جدّا إذ حاصله أن‏ما لم يحرّمه الشارع واقعا فهو مباح واقعا و هو كما ترى
ذكر كلام صاحب الوسائل في احتمالات الرواية
هذا مضافا إلى ما في الاستدراك الذي ذكره هذا و في الوسائل في طيّ‏الاحتمالات في المرسلة ما يظهر منه كون ما دلّ على الاحتياط و التوقّف رافعا لموضوعها و إن المراد من ورود النهي في الشي‏ء أعمّ من وروده‏فيه بعنوانه الخاص أو العام أي كونه مشكوك الحكم حيث قال بعد نقل الرواية أقول هذا يحتمل وجوها أحدها الحمل على التقيّة فإنّ‏العامة يقولون بحجيّة الأصل فيضعف عن مقاومة ما سبق من أخبار الاحتياط مضافا إلى كونه خبر واحد لا يعارض المتواتر ثانيها الحمل‏على الخطاب الشرعي خاصّة يعني أن كل شي‏ء من الخطابات الشرعيّة يتعين حمله على إطلاقه و عمومه حتى يرد فيه نهي يخصّ بعض الأفراد و يخرجه‏من الإطلاق مثاله قوله عليه السلام كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر فإنه محمول على إطلاقه فلما ورد النهي عن استعمال كل واحد من الإناءين إذانجس أحدهما و اشتبها تعيّن تقييده بغير هذه الصّورة و لذلك استدلّ به الصّدوق على جواز القنوت بالفارسيّة لأنّ الأوامربالقنوت مطلقة عامّة و لم يرد نهي عن القنوت بالفارسيّة يخرجها من إطلاقها و ثالثها التخصيص بما ليس من نفس الأحكام الشرعيّة و إن‏كان من موضوعاتها و متعلّقاتها كما إذا شك في جوائز الظالم أنها مغصوبة أم لا و رابعها أن النهي يشمل النهي العام و الخاص والنهي العام بلغنا و هو النهي عن ارتكاب الشبهات في نفس الأحكام و الأمر بالتوقّف و الاحتياط فيها و في كل ما لا نصّ فيه و خامسهاأن يكون مخصوصا بما قبل كمال الشريعة و تمامها و أمّا بعد ذلك فلم يبق شي‏ء على حكم البراءة الأصلية و سادسها أن يكون مخصوصابمن لم يبلغه أحاديث النهي عن ارتكاب الشبهات و الأمر بالاحتياط لما مرّ و لاستحالة تكليف الغافل عقلا و نقلا و سابعها أن يكون‏مخصوصا بما لا يحتمل التحريم بل علمت إباحته و حصل الشك في وجوبه فهو مطلق حتى يرد فيه نهي عن تركه لأن المستفاد من الأحاديث هناعدم وجوب الاحتياط بمجرد احتمال الوجوب و إن كان راجحا حيث لا يحتمل التحريم و ثامنها أن يكون مخصوصا بالأشياء المبهمة التي يعمّ‏بها البلوى و يعلم أنه لو كان فيها حكم مخالف للأصل لنقل كما يفهم من قول عليّ عليه السلام و اعلم يا بنيّ أنّه لو كان إله آخر لأتتك رسله و لرأيت‏آثار مملكته و قد صرّح بنحو ذلك المحقّق في المعتبر و غيره انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بما في تمام الاحتمالات التي ذكرها سيّما ماذكره رابع الوجوه و سادسها الذي يرجع إليه حقيقة و عند التأمّل ثم إن الفاضل النراقي في المناهج و إن جعل ما دل على حليّةالمشتبه كرواية مسعدة و أضرابها أخصّ من أخبار التوقف إلا أنك عرفت ظهوره في خصوص الشبهة الموضوعيّة
في عدم دلالة الصّحيحة على مدّعاهم و بيان مورد الاستدلال بالصحيحة
قوله قدس سره و الجواب‏أمّا عن الصحيحة فبعدم الدلالة لأن المشار إليه إلى آخره‏(1) أقول لا ريب في دوران الأمر في الصحيحة بين الوجهين المنتهيين إلى وجوه لا تعلّق لهابالمقام أصلا توضيح ذلك أن مورد الاستدلال بالصحيحة على وجوب الاحتياط قوله عليه السلام إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدورا فعليكم بالاحتياطحتى تسألوا و تعلموا و المشار إليه يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مسئولية المكلفين عن حكم ما لا يعلمونه من الوقائع حيث إن جزاء الصّيدالمشترك بين شخصين كان كذلك على ما فرض في السؤال فالمعنى أن كلما سألتم عن مسألة لا تدرون حكمها كما سألتم عن واقعة الصيّد ولم تدروا حكمها فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا و تعلموا ثم إن قوله فعليكم بالاحتياط على هذا الوجه يحتمل وجهين أحدهما أنه يجب‏ترك الإفتاء مطلقا من غير فرق بين الإفتاء بالحكم الواقعي و الظاهري حتى بالاحتياط فلا بد أن يفرض الواقعة في غير محلّ الحاجة و إلاّ لم يكن‏معنى له و هي بهذا المعنى تمنع من القولين في المسألة في الجملة فلا بدّ على كلا القولين من حملها على ما يتمكّن من تحصيل العلم بحكمه نوعا ودعوى أن الأخباري يلتزم بمضمونها و إنما يترك الفعل لاحتمال الحرمة فاسدة بما عرفته و ستعرف من فساد هذا التوهم و أنه لا مناص‏للأخباري من الحكم بوجوب الاحتياط في مرحلة الظاهر و أن النزاع القابل إنما هو في حكم المشتبه لا في دواعي الترك و الفعل أو الإفتاءبخصوص الحكم الواقعي للواقعة فلا تعرّض لها للمنع عن الإفتاء بالحكم الظاهري بمقتضى الأصول فلا يجدي في المقام أصلا ثانيهما أنه‏يجب الإفتاء بالاحتياط و هذا مع كمال بعده عن مساق الرواية كما هو ظاهر لا بد من تنزيلها على ما يمكن فيه الاحتياط و هذا كما ترى مبنى‏الاستدلال بالرواية و يتوجّه عليه مضافا إلى لزوم ارتكاب التخصيص فيها بإخراج ما وافقنا الأخباري على عدم وجوب الاحتياط فيه كالشبهةالوجوبيّة مع كمال بعد التخصيص فيها بأنه لا معين لهذا الاحتمال و مجرّد احتماله لا يوجب رفع اليد عن مقتضى الأدلّة العقليّة و النقليّةالقاضية بالبراءة فيما لا نصّ فيه مع أن الالتزام بمقتضى هذا الاحتمال لا يجدي الأخباري في شي‏ء ضرورة أن مقتضاه المنع من البراءةفيما يمكن من تحصيل العلم فيه و لو نوعا و لا نضايق من القول بوجوب الاحتياط فيه و لا تثبت وجوب الاحتياط مطلقا و دعوى الإجماع‏المركّب و عدم القول بالفصل كما ترى ثانيهما أن يكون المشار إليه نفس واقعة الصّيد على أبعد الوجهين فتدل بظاهرها على وجوب الاحتياط
39
في كلّ ما كان مثلها فإن جعلنا الشك فيها من الشكّ في التكليف النفسي المستقل نظرا إلى رجوع الدوران فيها إلى الأقل و الأكثرالاستقلاليّين فتدلّ بظاهرها على وجوب الاحتياط في كل ما كان من هذا القبيل مع التمكن من تحصيل العلم و لو نوعا من غير فرق‏بين الشبهة الحكمية و الموضوعيّة في وجه و المقام ليس مماثلا لها من وجهين أحدهما انتفاء العلم بالتكليف فيه رأسا ثانيهما عدم‏التمكن من تحصيل العلم فيه أصلا و مراده قدس سره من دعوى الاتفاق على عدم وجوب الاحتياط في الفرض هو الاتفاق بعنوان الإيجاب‏الكلي فلا ينافي ذهاب غير واحد إلى وجوب الاحتياط في الفوائت المردّدة بين الأقلّ و الأكثر فتأمل هذا كلّه مضافا إلى عدم ظهورهافي هذا الاحتمال غاية الأمر دوران أمر الصحيحة بينه و بين غيره من الوجوه و الاحتمالات و إن جعلنا الشكّ فيها في المكلّف به نظرا إلى‏رجوع الدوران فيها إلى الأقلّ و الأكثر الارتباطي فتدل على وجوب الاحتياط في كل ما كان أمره من الشكّ في المكلف به مردّدا بين‏الأقلّ و الأكثر في الجملة و لا تعلّق لها بما يبحث عنه من الشكّ في أصل التكليف‏
في الجواب عن الاستدلال بموثقة عبد اللّه بن وضاح‏
قوله و أمّا عن الموثقة فبأن ظاهرها الاستحباب إلى آخره‏(1) أقول لا إشكال في أن الظاهر من الموثقة السؤال عن حكم الشكّ في دخول المغرب في الشبهة الموضوعيّة مع وجود الأمارات عليه‏بالنظر إلى مساقها مع قطع النظر عما أفاده في وجه ظهورها فيه من كون الإرجاع إلى الاحتياط و بيان الحكم الظاهري في القضيّة الشخصيّةالمسئول عنها منافيا لمنصب الإمام المنصوب لإزالة الشبهة عن حكم الوقائع فإن احتمال الجهة المقتضية لتقرير الجاهل على جهله و بيان‏الحكم الظاهري له خلاف الأصل و القاعدة و لا ريب أن الانتظار في مورد السؤال و أمثاله من الشبهات الموضوعيّة الراجعة إلى‏الشك في الإتيان بما كلّف به يقينا لازم قطعا لقاعدة الشغل و قوله أرى لك و إن كان يستشمّ منه رائحة الاستحباب إلا أنه لا بدّ من حمله‏على إرادة الوجوب من جهة ما ذكر فالمراد من استظهار الاستحباب في كلامه قدس سره محمول على ظهوره بالنظر إلى نفس التعبير المذكور فلا ينافي‏ما ذكره بعد ذلك من نفي الرّيب في وجوب الانتظار فيما فرضه و فرضنا فإن الجزم بإرادة الوجوب إنما هو بملاحظة أخرى غير نفس التعبير و لايتوهم دلالتها على وجوب الاحتياط على هذا التقدير أيضا نظرا إلى ظهور قوله عليه السلام و تأخذ الحائطة لدينك في علّة الحكم على ما اعترف به في‏تقريب الاستدلال بالموثقة كيف و يلزمه وجوب الاحتياط في جميع موارد الشكّ في التكليف في الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة مع كونه‏خلاف مذهب الأخباري جزما و التعليل آب عن التخصيص قطعا فلا بدّ من أن يحمل على إرادة وجوب الاحتياط في كل ما كان مماثلا لموردالرواية أو الطلب الإرشادي القدر المشترك فلا تعلّق لها بالمقام أصلا كما لا يخفى هذا و أما التمسّك بوجوب الانتظار في الفرض‏باستصحاب عدم الدليل أو الاشتغال بالصّوم و قاعدة الاشتغال بالصلاة فقد يناقش في الأول منهما بكونه أصلا مثبتا و في‏الثاني بعدم جريانه أصلا كما ستقف على شرح القول فيه في الجزء الثالث من التعليقة إن شاء اللّه تعالى على ما عرفت في مطاوي كلماتنا و ستعرفه‏من أن استصحاب الشغل سواء أريد به ما ينتزع من التكليف أو نفسه لا محصّل له في أمثال المقام أصلا هذا مع أن جريانهما مانع عن جريان‏القاعدة كما هو ظاهر و منه يظهر أنه لو قيل بجريان استصحاب اليوم في الفرض لم يكن معنى للتمسّك بأصل الاشتغال و إن كان هو الأصل‏في المسألة نعم التمسّك باستصحاب عدم دخول الليل للمنع عن صلاتها لا غبار فيه بل ربما يقال بتعيّن الرجوع إليه و عدم جوازالتمسّك بقاعدة الشغل بالنسبة إليها من جهة الشك في أصل الاشتغال مع الشك في دخول الوقت و إن كان فاسدا نظرا إلى استقلال العقل‏في حكمه بعدم جواز القناعة باحتمال الامتثال عمّا توجّه إلى المكلّف أو يتوجّه إليه مع التمكّن من الإطاعة العلميّة فلا فرق في مناط القاعدة بين‏الصورتين و أمّا المنع من الرجوع إلى استصحاب عدم دخول الليل بالنسبة إلى الصوم فإنّما هو من جهة أن استصحاب عدم دخول الغاية لايثبت كون الزمان المردد قبلها و إن كان ملازما له واقعا و من هنا استندنا في منعه إلى كونه من الأصول المثبتة فتدبّر نعم يتوجّه على ما ذكرنامن جريان استصحاب عدم دخول الليل لنفي ما ترتّب عليه من الأحكام أن احتمال عدم دخول الوقت المضروب للصّلاة مع عدم قيام أمارةمعتبرة عليه يكفي للحكم بعدم جوازها نظرا إلى استقلال العقل في الحكم بعدم جواز القناعة بالموافقة الاحتمالية مع التمكن من الإطاعةالعلمية كما هو المفروض في المقام فلا يترتّب أثر على عدم دخول الوقت في نفس الأمر حتى يحكم به من جهة الاستصحاب نعم لو اعتقد دخول‏الوقت و صلّى و شكّ بعد الفراغ في دخول الوقت و أن صلاته وقعت قبل دخول الوقت بتمامها أو بعده فربما يقال بتعيّن الرجوع إلى استصحاب‏عدم دخول الوقت للحكم بوجوب الإعادة لو لا حكومة قاعدة الشكّ بعد الفراغ عليه لو قيل بجريانها في المقام و إن كان قد يمنع من الجريان‏في الفرض أيضا نظرا إلى كفاية احتمال وقوع العمل قبل الوقت في الفرض أيضا من جهة قاعدة الاشتغال فتدبّر ثم إن تعليل وجوب الانتظارفي الرواية فيما استظهرناه من الشبهة الموضوعيّة في فقه الحديث بالاحتياط يدل على عدم جريان استصحاب الزمان و إلا لم يكن معنى للتعليل‏
40
المذكور كما هو ظاهر قوله قدس سره هذا كله على تقدير القول بكفاية إلى آخره‏(1) أقول لما استظهر من الرواية على ما عرفت اختصاصهابالشبهة الموضوعيّة أراد الإشارة إلى عدم دلالتها على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية و محلّ البحث من حيث التعليل على تقديرإرادة الشبهة الحكميّة أيضا و إن كان في كمال البعد نظرا إلى أن الانتظار واجب واقعا على تقدير إرادة الحمرة المشرقيّة التي لا بدّ من زوالهافيكون التعبير بقوله أرى لك الذي يستشمّ منه رائحة الاستحباب من جهة التقيّة ممن يقول بدخول المغرب مع عدم زوالها فقد علّله‏بالاحتياط حتى يتأدّى منه التقيّة فيزعم المخالف أنّ طلب الانتظار من جهة الجزم بغروب القرص لا أن المغرب لا يدخل معه مع عدم‏زوال الحمرة المشرقيّة فلا بدّ من أن يكون المراد مجرّد رجحان الاحتياط و حسنه ضرورة أن وجوبه ينافي التقيّة كما هو ظاهر فيدلّ على‏رجحان الاحتياط في جميع الموارد و هذا ممّا لا ننكره أصلا فإن العقل مستقل في الحكم به على ما عرفت مرارا و ستعرفه تفصيلا قوله و أما عن رواية الأمالي إلى آخره‏(2) أقول لا إشكال فيما أفاده من عدم جواز إرادة وجوب الاحتياط من الرواية و إن كان الأمر بحسب الهيئة ظاهرافيه نظرا إلى أن حمله عليه يوجب التخصيص في الرواية بإخراج ما اتفق الفريقان على عدم وجوب الاحتياط فيه و هي آبية عن التخصيص جدّانظرا إلى جعل الدين بمنزلة الأخ و حمله عليه فكيف يعقل ارتكاب التخصيص فيها فلا بد من أن يلتزم بإرادة ما لا ينافيه التنزيل المذكور في الروايةمن الطلب الشرعي القدر المشترك بين الوجوب و الاستحباب فلا يلزم هناك تخصيص أصلا أو الإرشادي القدر المشترك فلا ينافي وجوبه أيضا في بعض الموارد و عدمه في بعض آخر فإنه إذا جامع الطلب مع الإرشاد على ماهو الحق الواضح عندنا فلا محالة يوجد له قدر مشترك بين القسمين كما لا شبهة في وجود القسمين نظرا إلى ما أفاده قدس سره في الكتاب بقوله لأنّ‏تأكّد الطلب الإرشادي إلى آخره و أما التشبيه بالأمر في أوامر الإطاعة في الكتاب و السنّة حيث إن المراد منه الطلب الإرشادي القدر المشترك‏الجامع لجميع موارد الأحكام الاقتضائية فلعلّنا نتكلّم فيه بعد ذلك بعض الكلام فإنه و إن لم يكن إشكال في كون الأمر المتعلّق بالإطاعةللإرشاد المؤكّد لحكم العقل إلا أن صرفه عن ظاهره لا يخلو عن مناقشة و جعل تأكيده لحكم العقل قرينة عليه حيث إنه لا إشكال في حكمه بالإطاعةفي جميع موارد الطلب فاسد جدّا فإنه يحكم بالإلزام في موارد الطلب الإلزامي الشرعي و بالاستحباب الإلزامي في موارد الطلب الغيرالإلزامي فليس هنا قدر مشترك في حكمه الوارد على القضايا الشخصيّة من سنخ الطلب الشرعي اللهمّ إلاّ أن يقال إن وجود المحذور من‏إرادة المعنيين من لفظ الشارع مع وجود مما في نفس الأمر المستكشف عن الحكم العقلي أوجب حمل الكلام على إرادة الجامع بينهما فتدبّر فالمرادمن قوله و حينئذ فلا ينافي وجوبه إلى آخره بيان حكم حمل الرواية على الإرشاد فالمراد من الإرشاد في كلامه هو الطلب الإرشادي القدر المشترك‏كما أن المراد من قوله أو على الطلب القدر المشترك هو الطلب الشرعي القدر المشترك و إن كان ما أفاده بقوله و حينئذ فلا ينافي وجوبه إلى آخره من نفي‏المنافاة لا يفرق فيه بينهما إلا أن مراده بيان حال الطلب الإرشادي نظرا إلى التعليل بقوله لأن تأكّد الطلب الإرشادي إلى آخره أو خصوص‏الاستحباب بحمل الرواية على إرادة مرتبة خاصّة من الاحتياط و هي أعلى مراتبه و أوفاه برعاية احتمال الواقع في جميع موارده و هذه أتمّ‏المراتب و أكملها و تنزيل الدين منزلة الأخ ربما يعيّن هذا المعنى حيث إنه يقتضي كمال الاهتمام بشأنه و إن أيّ مرتبة من الاحتياط روعيت‏فهي في محلّها فتأمّل حتى لا يختلط عليك الفرق بين هذا المعنى و القدر المشترك و خصوص الوجوب في جميع الموارد و خصوص الاستحباب‏في جميعها فإنه لا يخلو عن غموض‏ قوله و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عن سائر الأخبار إلى آخره‏(3) أقول أما عدم ظهور باقي الأخبار المذكورة بعدرواية الأمالي في وجوب الاحتياط مضافا إلى ما عرفت من لزوم ارتكاب التخصيص فيها بإخراج ما لا يجب فيه الاحتياط اتفاقا مع إبائها عن‏التخصيص كما لا يخفى لمن راجع إليها فلمنافاة مساق أكثرها أو كلّها لإرادة خصوص الوجوب فلا بدّ من حملها على الطلب القدر المشترك‏الإرشادي أو خصوص النّدبي من الإرشادي بالمعنى الذي عرفته في رواية الأمالي كما هو ظاهر قوله عليه السلام و خذ الاحتياط في جميع أمورك‏ما تجد إليه سبيلا و أمّا ضعف أسانيد باقي الأخبار فممّا لا حاجة إلى البيان أصلا فلا يجوز الاستدلال بها على تقدير تسليم ظهورهافي وجوب الاحتياط و لا ينافي ما أفاده قدس سره في المقام لما سيذكره في رد المحقق قدس سره بقوله ثمّ منع كون النبوي من أخبار الآحاد المجرّدة إلى آخره‏لأن إمكان دعوى تواتر مطلوبيّة ترك الشبهة بالمعنى الأعم لا ينافي القدح في سند كل واحد على تقدير تسليم ظهوره في الوجوب لأن‏الوجوب غير متواتر جدّا و إنما ادّعى تواتر مضمون مطلق المطلوبيّة فتدبّر
في أن النبوي لو دلّ على الوجوب للزم من إثباته نفيه‏
قوله قدس سره نعم يظهر من المحقق إلى آخره‏(4) أقول قد تقدم مااختاره المحقّق قدس سره في مسألة العمل بأخبار الآحاد و أنه ليس تابعا لصحّة السند و لا يعتبرها و إنما المعتبر عنده في عنوان القبول عمل جلّ‏الأصحاب بالخبر و في عنوان الرد إعراضهم عنه فلعلّه الوجه عنده في ترك العمل بالخبر في المسألة الأصولية حيث إنه لم يعهد منهم بزعمه العمل‏به فيها و أما ما أجاب به ثانيا عن النبوي الراجع إلى المناقشة في دلالته فهو مبنيّ إلى ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السابقة
41
و ستقف عليه من أن الذي دلّت الأدلّة الأربعة عليه إنما هو حسن الاحتياط و رجحانه مطلقا و أمّا وجوبه كذلك فلم يدل عليه دليل فليس‏أمرا يقينيّا فهو ريب فلو دل النبوي على الوجوب فيلزم من إثباته نفيه و هو محال فيكشف ذلك من عدم إرادة الوجوب منه هذا و أمّاما أفاده شيخنا قدس سره من المناقشة فيما أفاده المحقق قدس سره فيرجع إلى وجوه بعضها يرجع إلى المناقشة فيما أفاده أوّلا و بعضها يرجع إلى ما أفاده‏ثانيا في تقريب عدم الدلالة منها منع كون المسألة المبحوث عنها أصوليّة بل هي فرعيّة سواء كان التكلّم فيها من حيث الدليل النقلي أوالعقلي نظرا إلى رجوع البحث فيها إلى البحث عن عوارض فعل المكلف بلا واسطة من غير أن يكون له تعلّق بعوارض الأدلّة و البحث عن أحوالهاو إن كان استنباط حكمها موقوفا على إعمال الأدلّة و البحث عن دلالتها كما هو الشأن في استنباط جميع الأحكام الفرعيّة و إنما الكلام في‏الحكم المستنبط من حيث تعلّقه بفعل المكلف بلا واسطة و كونه محمولا أوّليّا له و إن كان حكما ظاهريّا كليّا متعلّقا بالأفعال المشتبهةحكمها فإنه لا يمنع من اندراجها في الحكم الفرعي كما هو الشأن في جميع القواعد الفقهيّة التي يبحث عنها في الفقه من الواقعيّة و الظاهريّةكقاعدة نفي الضرر و الجرح و وجوب الوفاء بالعقود و حليّة الأشياء و طهارتها في الشبهات الحكميّة و هذا أحد الوجهين في المسألة الجاري في‏جميع الأصول العمليّة الجارية في جميع الشبهات الحكمية من البراءة و الاستصحاب و التخيير و هنا وجه آخر يقتضي اندراجها في المسألة الأصوليّةستقف عليه في الجزء الثالث من التعليقة عند تكلم شيخنا فيه إن شاء اللّه تعالى و إن كان الأوجه الأوّل كما استظهره قدس سره في المقام منها منع‏كون النبوي من أخبار الآحاد لكون مضمونه و هو مطلوبيّة ترك الشبهة متواترا و الكلام إنما هو في حجيّة أخبار الآحاد في المسائل الأصوليّةالعمليّة لا في الأخبار القطعيّة هذا و قد يناقش فيما أفاده بأن التواتر بالمعنى المذكور لا يجدي نفعا في ردّ المحقق قدس سره فإنه إنما ذكر الجواب المذكوربعد تسليم ظهور النبوي في الوجوب نعم لو كان متواترا لفظيّا توجّه الإيراد عليه فتأمل منها منع اختصاص دليل حجيّة خبر الواحد بالمسألةالفرعيّة فإنه ليس منحصرا بالإجماع قولا و عملا حتى يدّعى عدم عموم له بالنسبة إلى المسألتين لأن من أدّلتها ما دلّ من الأخبار المتواترة على‏حجيّة خبر الثقة الشامل للمسألتين نعم الممنوع عندنا عدم حجيّة خبر الواحد في المسائل الاعتقاديّة على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأول‏من التعليقة منها أن ما أفاده في تقريب منع دلالة النبوي على وجوب الاحتياط من حيث إنه يدلّ على وجوب اختيار ما لا ريب فيه عندالدوران بينه و بين ما فيه ريب و الإلزام بالأثقل فيه ريب أيضا سيّما بملاحظة ما دلّ على ابتناء الشرع على اليسر و السهولة محل نظر حيث إنّ مدلوله‏حكم الواقعة المردّدة بين الأمرين فيلاحظان بالنسبة إلى الفعل و الترك و أين هذا من بيان حكم الواقعة فإنه لا يتصوّر فيه الدوران أصلامن حيث إنه لا يتّفق بالنسبة إلى الأحكام المردّدة أصلا هذا و إن شئت قلت إن الإلزام بالأثقل و وجوب الاحتياط إنما استفيد بملاحظةالنبوي و حمل أمره على الوجوب فلا يمكن أن يصير موضوعا له كما هو ظاهر
في بيان وجه دلالة النبوي على إرادة وجوب اجتناب الشبهات‏
قوله قدس سره وجه الدلالة أن الإمام عليه السلام أوجب طرح الشاذ إلى آخره‏(1) أقول لا إشكال في دلالة استدلال الإمام عليه السلام بالنبوي عليه السلام على وجوب طرح الشاذ من حيث وجود ريب فيه لا يوجد في مقابله و هو المشهور روايةعلى إرادة وجوب اجتناب الشبهات المردّدة بين الحلال و الحرام من النبوي و إن سلّم عدم ظهور النبوي بنفسه في ذلك على تقدير تسليم دلالةالحديث على الاستدلال لكنه مبنيّ على ما أفاده قدس سره من كون الشاذّ من المشكل في التثليث الإمامي عليه السلام لا بيّن الغيّ و يدلّ عليه مضافا إلى ظهوره‏و وضوحه و إن منعه بعض الأفاضل ممن قارب عصرنا أمور منها عدم صلاحيّة الشهرة من حيث الرواية لذلك كما هو ظاهر لا يرتاب فيه منها أن قطعيّة البطلان من جميع الجهات يرفع التحير و التعارض فلا داعي للسؤال و لا معنى له أصلا كما لا يخفى منها أنه لا يناسب تقديم‏الترجيح من حيث الصفات على الترجيح من حيث الشهرة و الشذوذ من حيث الرواية فإن إطلاقه يقتضي جواز الأخذ بالأرجح من حيث صفةالراوي و إن كان الآخر مشهور الرواية بين الأصحاب بناء على إناطة الترجيح بالمرجحات المنصوصة و منه يظهر فساد توهّم جعل الشاذّ من البيّن‏الغي من حيث الصّدور و المشهور من البيّن الرشد كذلك ضرورة أن القطع بعدم الصدور يمنع من التعارض و الترجيح منها أن الحكم بعدم‏جواز الأخذ بما هو ظاهر البطلان لا يناسب تثليث الأمور و لا الاستشهاد بتثليث النبوي فإنه أمر مركوز في النفوس لا يحتاج إلى تقريب‏و مقدّمة و منها أن إيجاب الشهرة صيرورة المشهور بيّن الرشد من جميع الجهات لا يجامع فرض الراوي الشهرة في كلا الخبرين إلى غير ذلك‏مما ستقف عليه في محلّه إن شاء اللّه تعالى هذا كله مضافا إلى ظهور النبوي في وجوب الاحتياط بنفسه مع قطع النظر عن استشهاد الإمام فإنّ قوله صلى اللَّه عليه و آله فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم و إن كان إخبارا عن لازم ترك الشبهة وارتكابها إلا أنه مستتبع لا محالة عن حكم إنشائي و طلب من الشارع فإنه من أحد وجوه بيان الأحكام للموضوعات فإنه كثيرا يكتفي الشارع‏عن بيان الحكم بذكر لازم الفعل و الترك و هذان اللازمان مستتبعان لطلب الإلزامي سيّما الهلاك المترتّب على ارتكاب الشبهة الظاهر في‏
42
الهلكة الأخروية و إلا يلزم ما يحكم به العقل بقبحه من العقاب من دون بيان و هذا الذي ذكرنا في تقريب دلالة النبوي على وجوب الاحتياطهو المراد بقول شيخنا قدس سره مضافا إلى دلالة قوله نجا من المحرّمات إلى آخره و مثله في الدلالة على وجوب الاحتياط النبوي المروي عن أبي عبد اللّه عليه السلام المتقدّم‏ذكره في أخبار التوقف فإن قول رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله فيه إنما الأمور ثلاثة مثل قوله عليه السلام في هذا الحديث في الدلالة على وجوب الاحتياط و إن كان دونه‏في الظهور من حيث عدم استشهاد الإمام عليه السلام به على مطلب إلزاميّ و دونه في الظهور مرسلة الصّدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام فإنّ المترتّب على‏ترك الشبهة فيها صيرورته سببا لترك المحرّم المعلوم كما أن المترتّب على ارتكابها حمل نفس المكلّف له على ارتكابه و جرّه إليه بنحو من السّببيّةو الجرّ هذا و الجواب عن الاستدلال بالنبوي على الوجه الأوّل في تقريب دلالته المبني على استدلال الإمام عليه السلام به على وجوب طرح الشاذّمن المتعارضين المنع من كون الإمام عليه السلام في مقام الاستدلال أوّلا و إنما هو في مقام التقريب و ذكر ما يسهل بملاحظته أخذ المطلب و قبوله فإنّ‏رجحان ترك ما يحتمل التحريم على ما قرّره النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و بيّنه مع عدم محذور فيه يقرّب قبول لزوم ترك الشاذّ الذي فيه ريب في طريق الحكم في مقام‏التحيّر و دوران الأمر بينه و بين الأخذ بما لا ريب فيه بالنسبة إليه و منع دلالته على كون ترك الشبهة واجبا على تقدير الإغماض ثانيا فإنّ‏الاستدلال برجحان ترك المشتبه المردّد بين الحلال و الحرام على لزوم ترك الشاذ من الخبرين في مقام الطريق المترتّب على العمل به الخطاء كثير أوالأخذ بما ليس طريقا شرعا لا ضير فيه أصلا و إن هو إلا نظير الاستدلال بكراهة الصّلاة في ثوب من لا يحترز عن النجاسات على عدم جواز الصّلاةفي الثوب النجس و هذا الجواب الثاني كما ترى لا يخلو عن مناقشة و من هنا أمر شيخنا قدس سره بالتأمّل فيه فإنّ مبني ما أفاده بقوله فيكفي حينئذ إلى آخره على الجواب‏الثاني لا الجواب الأوّل و إن أمكن إرجاعه إليه بنحو من التكلّف هذا و أمّا الجواب عنه على التقريب الثاني في وجه دلالته فهو أن المستفادمنه بالالتزام هو الطلب الإرشادي المشترك بين الوجوب و الندب حسب الهلكة المحتملة في الفعل فإن الهلكة المحتملة بقول مطلق ليست ملزومةلطلب إلزامي إرشاديّ فضلا عن الشرعي
تحقيقات متعلّقة بخبر التّثليث‏
توضيح ذلك أنه رتب في النبوي على ارتكاب الشبهات الوقوع في المحرّمات المستلزم للهلاك‏من حيث لا يعلم فأما أن يراد من الشبهات الاستغراق الحقيقي على ما هو قضيّة الجمع المحلّى بظاهره أو الاستغراق بالنسبة إلى ما يكون واقعةللمكلّف أو الجمع العرفي أو جنس الجمع أو جنس الفرد و كذلك قوله المحرّمات إما أن يراد منه جميع المحرّمات الواقعيّة من المعلومة و المجهولة أو خصوص‏المجهولة المحقّقة في ضمن المشتبهات أو جنس الجمع أو غير ذلك ممّا عرفت و المراد منهما هو جنس الجمع فإنه المناسب للمقام من حيث كون النبوي في مقام‏إعطاء حكم الأمر المردد بين الحلال و الحرام لا حكم جميعها من حيث جمعها في الارتكاب و المراد من متعلّق العلم في قوله و هلك من حيث لا يعلم‏إمّا الحرام أو سبب وقوعه فيه إذا عرفت ذلك فنقول إما أن يراد من الحرام الحرام المتحقّق في ضمن المشتبه على تقدير مصادفته له فيكون المرادمن الوقوع الوقوع على هذا التقدير لا مطلقا و إما أن يراد من الحرام الحرام المحقّق المعلوم فلا بد أن يكون المراد من الوقوع الإشراف و تقريب‏النفس إلى ارتكاب الحرام كما هو المستفاد من مرسلة الصدوق و ما رواه مولانا الباقر عليه السلام عن جدّه و غيرهما من الأخبار التي ذكرت في الكتاب ضرورةعدم التلازم بين ارتكاب المشتبه و الوقوع في الحرام المعلوم و الاستدلال لا بد أن يكون مبنيّا على الوجه الأوّل و أما الوجه الثاني فغاية مايستفاد منه رجحان الترك و مطلوبيّته إرشادا ندبا ليس إلاّ فإنه لم يقل أحد بأن إشراف النفس إلى الحرام من المحرّمات الشرعيّة فإنه موجود في‏ارتكاب المكروه أيضا إذا كان كثيرا و كذا في ارتكاب الشبهات الموضوعيّة التي اتفق الأخباريون على إباحتها و بالجملة النبوي على هذا الوجه‏يدل على إثبات الصغرى و بيانها و الكبرى المطويّة المسلّمة إنما هو رجحان تبعيد النفس من الوقوع في الحرام إرشادا ليس إلاّ و لعله الظاهر من‏النبوي سيّما بملاحظة سائر الأخبار المساوقة له الظاهرة فيه من دون تأمّل فلا معنى للاستدلال به أصلا فإنه على هذا التقدير ظاهر في‏خصوص الندب كما هو ظاهر و أمّا الوجه الأول الذي عرفت كونه مبنى الاستدلال فيتوجّه عليه أن الوقوع في الحرام الواقعي كيف ما كان ولو لم يكن هناك بيان بالنسبة إليه و كان المكلف معذورا في مخالفته لا يلازم العقاب و الهلكة الأخروية لتطابق الأدلة الأربعة على نفي‏المؤاخذة و العقاب من دون بيان فلا بدّ من أن يكون المراد من الهلكة المعنى الأعمّ من المفسدة الدنيوية و الأخروية و من المعلوم أنّ‏هذا المعنى يستكشف من إثباته بالنبويّ و إنّما يلازم الطلب القدر المشترك الإرشادي فيتبع خصوصيّات هذا القدر المشترك خصوصيات‏الهلكة في الموارد الخاصّة فإن كان المحتمل العقاب كما في الشبهة المحصورة و نحوها من موارد عدم العذر فيحكم العقل بوجوب الاحتياطإرشادا و إن كان غيره من المفاسد الكامنة في الأفعال فيحكم العقل بحسن الاحتياط فهذا النبوي لا يجدي في إثبات الموضوع و لا في‏إثبات محموله في الموارد الشخصيّة على ما أسمعناك في طيّ ما قدمناه لك فراجع و دعوى أن الظاهر من الهلكة في لسان الشارع الأخرويّةفيستكشف من النبوي بالالتزام من الطلب الشرعي الظاهري الإلزامي بضميمة حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان قد عرفت فسادها في مطاوي‏
43
كلماتنا السابقة بما لا مزيد عليه و أمّا المؤيّدات المذكورة في الكتاب لصرف النبوي عن ظاهره على تقدير تسليم ظهوره المنطبقة على‏ما يستفاد منه و الموافقة له مفادا في الجملة فهي أدلّة على المدعى و شواهد عليه حقيقة لا أن يكون الحاصل منها مجرّد التأييد و التقوية اللهم‏إلاّ أن يكون المراد من التأييد ما يعمّ الدلالة فإنها نحو من التأييد أيضا إذا لوحظ وجود دليل آخر نعم قد يتوهم أن الوجه الأخير أي‏الأخبار لا يصلح للدلالة لكنّه فاسد بعد التأمل في مساقها و أن الغرض من الجميع مطلب واحد فيكفي دليلا للصرف أو تأييدا للمستفاد من‏النبوي من إرادة مطلق الرجحان لا خصوص الإلزام نعم مفاد الوجه الثالث خصوص الطلب الندبي على ما عرفت الإشارة إليه فينطبق‏على المعنى الثاني للوقوع في الحرام الذي قد عرفت عدم ابتناء الاستدلال عليه فالغرض مجرّد ذكر ما يدلّ على عدم كون النبوي في مقام خصوص‏الإلزام و جعله ردّا على من زعم ذلك و إن كان مفاده الطلب الإرشادي الندبي فإنه يكفي ردّا عليه و إن انطبق على المعنى الثاني و ممّا ذكرناكلّه يندفع ما يتوجه على ما أفاده شيخنا في المقام من الخلط بين المعنيين و أنّ مبنى ما ذكره في الجواب من حمل الأمر في النبوي على الطلب القدرالمشترك الإرشادي على إرادة المعنى الأوّل من الوقوع لا الثاني منه فتدبّر ثم إن ما أفاده في تقريب الأمر الأوّل من منافات التخصيص‏و لو لم يكن كثيرا أو أكثر لسياق النبوي الوارد في مقام الحصر و أن الوقوع في الحرام الموجب للهلاك لا ينفكّ عن ارتكاب المشتبه الكاشف‏عن طلب ترك الارتكاب أينما وجد ممّا لا إشكال فيه و أمّا لزوم تخصيص الأكثر بإخراج الشبهات الموضوعيّة التحريميّة فهو مبنيّ على كون خروجهابإخراجات كثيرة و بعنوانات متعدّدة و أما إذا كان بعنوان واحد و إن كان المخرج كثيرا على ما يقتضيه التأمّل في دليل الجواز فلا يتوجّه عليه‏لزوم تخصيص الأكثر الموجب لوهن العموم كما حقّق في محلّه و أمّا توهّم الخروج الموضوعي للشبهة الموضوعيّة من حيث أن دليل جوازهايقتضي بإباحتها ظاهرا فيكون من الحلال البيّن فيكون واردا على النبوي لا مخصّصا فقد أوضح فساده في الكتاب و أنه بناء عليه نقول‏بمثله في الشبهات الحكميّة و أن دليل جواز ارتكابها من الأدلّة المتقدمة يقتضي بكونها من الحلال البيّن فيكون واردا على النبوي فيختص بمالا يجري فيه دليل البراءة من الشكّ في المكلّف به‏
43 في الاستدلال بالدليل العقلي على مذهب الأخباري و تحرير المقام على نحو ينبغي‏
قوله قدس سره أحدهما أنا نعلم إجمالا قبل مراجعة الأدلّة الشرعيّة بمحرّمات كثيرة إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك الاستدلال بالدليل العقلي على مذهب الأخباري إما أن يكون من جهة كونه من العقل الفطري على أبعد الوجوه أو الضروري‏الغير المعارض بالعقل أو النظري المعاضد بالنقل أو يكون مبنيّا على الإلزام لأن الاستدلال به على مذهبهم لا يجوز إلا بأحد التقادير ثمّ إن‏الفرق بين الوجهين مع ابتنائهما على احتمال الضرر هو ملاحظة العلم الإجمالي على الوجه الأوّل و عدم ملاحظته على الوجه الثاني ثمّ إن‏محصّل هذا الوجه أنا نعلم إجمالا بوجود محرّمات كثيرة في الوقائع المشتبهة نسبتها إلى المحتملات نسبة الحرام إلى الحلال في الشبهة المحصورة فهي‏من شبهة الكثير في الكثير كما أن الشبهة المحصورة من شبهة القليل في القليل و مقتضى العلم الإجمالي بحكم العقل المستقل على ما عرفت مرارا وستعرفه تنجّز الخطاب بالمعلوم إجمالا فلمّا كان محتملا في كلّ شبهة فيحتمل العقاب عند ارتكاب كل شبهة و يستقل العقل بوجوب دفعه و هذامعنى أن الاشتغال اليقيني يقتضي في حكم العقل البراءة اليقينيّة فإن مبنى وجوب تحصيل العلم بالبراءة عن التكليف المعلوم و الخطاب المنجّز في حكم‏العقل هو حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل و من هنا أنكر وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة و نحوها من صور الشكّ في المكلّف به من زعم عدم‏إلزام العقل بدفع الضرر المحتمل كالمحقق القمي قدس سره في القوانين على ما ستقف عليه فالصغرى و هي وجود العلم بالمحرّمات الكثيرة في الوقائع المشتبهةو إن كانت وجدانية إلا أن الكبرى عقليّة و إن كشف حكم العقل عن حكم الشارع على الملازمة بينهما كما هو الشأن في جميع ما يستقل العقل‏بحكمه لكنه ليس من التمسّك بالدليل النقلي الكاشف عن حكم الشارع أيضا كالدليل العقلي و بمثل ما عرفته ينبغي تحرير المقام في بيان الوجه الأوّل‏لا بمثل ما حرّره قدس سره في الكتاب فإنه قد يشتبه أمره على بعض الأوائل فيزعم أنه يريد التمسّك لإثبات الكبرى بالكتاب و نحوه من الأدلة النقليّة الدّالّةعلى وجوب الانتهاء عما نهى النبيّ صلى اللَّه عليه و آله عنه فيورد عليه بأنه خروج عن الفرض و عدول عن التمسّك بالدليل العقلي إلى الدليل النقلي مضافاإلى أن الآية و أمثالها لا تقتضي ثبوت تكليف شرعيّ متعلّق بالحرام المعلوم و إنما تقتضي خطاب إلزامي إرشاديّ هذا مضافا إلى أن قوله لأن‏الاشتغال اليقيني إلى آخره لا يناسب المقام أيضا أصلا لأن اقتضاء الاشتغال اليقيني البراءة اليقينيّة من جهة الاتفاق خروج عن الفرض أيضا فلامساسة له أصلا و إن كان الزعم المذكور فاسدا نظرا إلى وضوح المراد لمن أعطى النظر إلى أطراف كلماته فإن المراد ليس التمسك بالآيةالشريفة بل المراد التمسّك بما هو مركوز في النفوس من وجوب إطاعة خطابات الشارع بالوجوب الإرشادي الذي أكّده الآية الشريفة و ليس مدلولهاحكما تأسيسيّا من الشارع بل هو تأكيد لحكم العقل كما يدلّ عليه قوله و نحوه فتدبّر و أما قوله لأن الاشتغال اليقيني إلى آخره فليس الغرض منه‏التمسّك بالإجماع الاصطلاحي بل الغرض أن اقتضاء الشغل اليقيني في حكم العقل البراءة اليقينيّة ممّا اتفق عليه الكل و لا منازع فيه أصلا
44
من الفريقين فالغرض من قوله و يجب بمقتضى قوله تعالى الإشارة إلى وجوب إطاعة الخطابات المعلومة و من قوله لأن الاشتغال اليقيني إثبات‏أن الواجب في حكم العقل من مراتب الإطاعة في المقام الإطاعة العلميّة فهو دليل للزوم الخروج عن عهدة مخالفة النواهي المعلومة بعدتنجّزها و وجوب إطاعتها بأحد الوجهين لكن الأولى مع ذلك تحرير المقام بما عرفته فاستفادة المراد منه لا تحتاج إلى تكلف أصلا
في الإيراد على عدم تماميّة الدليل المذكور و جوابه‏
ثم إن تماميّة الدليل المذكور لما كانت موقوفة على بقاء العلم الإجمالي المذكور بعد الرجوع إلى الأدلّة الشرعيّة و حصول العلم منها بالأحكام‏المعلومة إجمالا بعنوان التفصيل فلا بد من ضم قوله و بعد مراجعة الأدلّة إلى آخره إلى ما ذكره حتى يتم الدليل المذكور و حاصله أن الرجوع إلى الأدلّةالشرعية لا يوجب ارتفاع العلم الإجمالي بالمحرّمات الكثيرة غاية ما هناك حصول العلم التفصيلي منها بجملة من المحرّمات الواقعيّة و معه يعلم أيضابوجود محرّمات كثيرة في الوقائع المشتبهة فلما كانت الضميمة المذكورة ممّا يتوقّف عليه تمامية الدليل و ادّعي ثبوتها توجّه عليه السؤال بقوله‏فإن قلت بعد مراجعة الأدلّة إلى آخره الذي يرجع حاصله إلى المنع من بقاء العلم الإجمالي المذكور بعد الاطلاع على محرّمات كثيرة من الأدلّة الشرعيّةيحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيها فيخرج المشكوكات بالملاحظة المذكورة عن أطراف العلم الإجمالي فلا يتم الدليل المذكور حيث إن الكلام في‏المقام بعد التفحّص التام إذ لم يقل أحد بعدم وجوب الاحتياط و الرجوع إلى البراءة قبل الفحص في الشبهة الحكمية و حاصل ما أفاده في الجواب‏عن السؤال المنع من حصول الاطلاع التفصيلي العلمي بالمحرمات الإجماليّة بعد الرجوع إلى الأدلة و إن حصل العلم ببعضها فإنه إن كان المراد من‏حصول العلم بها في مرحلة الواقع فيتوجّه عليه المنع من حصول العلم التفصيلي بالواقعيّات المعلومة إجمالا المجهولة تفصيلا من الأدلّة الشرعيّةبعد وضع ما علم بالضرورة الدينيّة أو المذهبيّة حرمته حيث إنه خارج عن الفرض ضرورة قلّة ما يوجب العلم بالواقع فيما بأيدينا من الأدلّة القطعيّةمن العقل المستقلّ و الإجماع القطعيّ الكاشف عن الحكم الواقعي و الآية المحكمة التي تكون نصّا بحسب الدلالة على المراد و السنّة القطعيّة من‏جميع الجهات فإن القطعية في الجملة و لو بحسب السند لا تجدي في قطعيّة الحكم المستفاد ضرورة تبعيّة النتيجة لأخسّ المقدّمتين فكثرة آيات الأحكام‏و السنة المتواترة و الآحاد المحفوفة بما يوجب القطع بصدورها لا تجدي نفعا في قطعيّة الحكم مع عدم قطعيّة جهة صدورها أو المراد منهاأو هما معا فمن يدّعي انفتاح باب العلم بالأحكام لعله يريد مجرّد العلم بصدور أكثر الأخبار المودعة في الكتب بسند واحد كالسيّد و أضرابه في‏قبال من يدّعي ظنّية صدورها و العمل بها و الحال هذه كما يشهد به بعض كلمات السيّد و إن كان ينافيه بعض كلماته الأخر بظاهره و بالجملة حصول‏العلم التفصيلي بحرمة جملة من الأمور يحتمل انحصار المعلوم إجمالا فيها و إن كان في حكم العقل و الوجدان منافيا لبقاء العلم الإجمالي في الوقائع‏المشكوكة و رافعا له فيخرج المشكوكات عن أطراف العلم الإجمالي الكلي فيرجع فيها إلى الأصول الجارية في مجاريها بملاحظة نفس الشك في الواقعةإلا أن الكلام في حصوله و الحوالة إلى الوجدان لمن راعى الإنصاف بعد المراجعة إلى الفقه و إن كان المراد العلم بها في مرحلة الظّاهر الذي يرجع‏إلى دعوى قيام ظنون معتبرة بالمعنى الأعم من الظن الشخصي و النوعي على حرمة جملة من الأمور بحيث يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيها و يلحق‏به الدليل المعتبر لا بملاحظة الكشف بقسميه إن كان موجودا في أدلّة الأحكام فيتوجّه عليه منع ارتفاع العلم الإجمالي الكلّي به لعدم منافات‏بينها و بين بقاء العلم الإجمالي أصلا أما عدم التنافي ذاتا فغنيّ عن البيان ضرورة عدم المنافاة بين الظن في بعض أطراف الشبهة مع العلم‏الإجمالي سواء كان على طبق العلم الإجمالي أو على خلافه و أما عدم التنافي بملاحظة دليل اعتباره فلأنّ معنى حجيّة الأمارة على ما عرفت مراراترتيب الآثار الشرعية المترتبة على موردها و لو بواسطة عند قيامها و جعلها من الشارع في مرحلة الظاهر ما دامت الأمارة قائمة فمؤدّاهاواقع جعليّ بهذا المعنى لا تنزيلها منزلة العلم في ترتب ما يترتّب عليه قهرا عليه ضرورة عدم إمكان تعلق الجعل به مضافا إلى عدم مساعدة دليل‏الاعتبار عليه و من المعلوم ضرورة عدم منافات الاعتبار بهذا المعنى لبقاء العلم الإجمالي بالمحرّمات في ضمن المشبّهات فإنه إذا قامت‏الأمارة على حرمة بعض الأمور كان معنى اعتبارها ترتيب الآثار الشرعيّة المترتّبة على المحرّمات على موردها في مرحلة الظاهر فلا ينافي‏الحكم بوجوب الاجتناب عن الموارد الخالية عنها احتياطا لمراعات العلم الإجمالي الكلي و إذا قامت على إباحة بعض الأمور كان معناه‏أيضا ترتيب آثارها الشرعيّة و يلزمه عقلا ارتفاع العقاب عن الحرام الواقعي المتحقق في ضمنها على تقدير الخطاء و هذا لا ينافي ثبوت‏العقاب على مخالفته بالنسبة إلى ما لا أمارة على إباحته نعم لو كان مفادها حصر الواقعات في مواردها كالبيّنة القائمة على تشخيص‏النجس أو الحرام في الشبهة المحصورة أو كان مفاد دليل اعتبارها تشخيص المحرّمات بها بحيث يرجع مفاده إلى قضيّتين أي البناء على حرمةما قامت الأمارة على حرمته و حلّيته ما عداه تعيّن الحكم بعدم وجوب الاحتياط في الوقائع الخالية عنها لكن الدعويين ممنوعتان جدّا ضرورةعدم رجوع مفاد الأمارة القائمة على حرمة بعض الأشياء إلى حصر الحرام فيه و إلا تعارضت الأمارات دائما كضرورة عدم رجوع مفاد
45
دليل اعتباره إلى قضيّتين و إلاّ وقع التعارض بين أدلّة اعتبار الأمارات كذلك نعم من يذهب إلى انقلاب التكليف الفعلي إلى مؤدّيات‏الطرق المجعولة و أن الواقع الذي لم يقم عليه طريق لا يكلف به فعلا و رخّص الشارع في مخالفته يلزمه القول بالرجوع إلى الأصول في‏الوقائع الخالية عن الأمارات المجعولة لكن هذا القول بمعزل عن التحقيق على ما عرفت شرحه في الجزء الأول هذا محصّل ما يستفاد من‏الكتاب في الجواب عن السؤال المذكور و عليه لا يتمّ ما بين و بنوا الأمر عليه من أن انفتاح باب الظن الخاصّ في الأحكام يمنع من حجيّة الظنّ‏المطلق و كذا ما بني الأمر عليه في الجزء الأول من الكتاب من الفرق بين حجية الظنّ و الأخذ به بعنوان الاحتياط حيث إن حجيّته يلازم تعيين‏المعلومات الإجماليّة به و الرجوع في موارد فقده إلى الأصول إلا أن الجواب المذكور على نحو ما عرفته قد حرّر لا تمام صورة دليل الخصم‏ قوله قدس سره و الجواب إذ لا منع تعلّق تكليف غير القادر إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن الأولى أن يجاب أولا بالنقض بالشبهات الحكميّةالوجوبيّة فإنها أيضا من موارد العلم الإجمالي الكلي كما هو ظاهر مع أن جلّ الأخباريين التزموا فيها بالرجوع إلى البراءة و لم يوجبوا الاحتياطكما ستقف عليه و أمّا ما أجاب به عن الدليل أولا في الكتاب فقد يناقش فيه برجوعه إلى ما أفاده بعض أفاضل مقاربي عصرنا في الفصول‏لإثبات حجيّة الظن في خصوص الطريق و قد أوضح فساده بما لا مزيد عليه في الجزء الأول من الكتاب في الأمر الأول من تنبيهات دليل الانسدادفإن حاصل القول بانقلاب التكليف الفعلي إلى مؤدّيات الطرق المجعولة و رجوع الجعلين إلى جعل واحد إلى ما أفاده شيخنا قدس سره في‏الجواب الأول و ابتناء الجواب على مذهبه خلاف الظاهر جدّا فيتوجّه عليه أن العلم الإجمالي مع تيقّن بعض أطرافه موجب لتنجّز الخطاب بالنسبةإلى المعلوم بالإجمال في حكم العقل كما صرّح به مرارا في أجزاء الكتاب من غير فرق بين الشبهة الحكمية و الموضوعيّة فغير القادر على تحصيل‏العلم بالواقع مع إمكان الاحتياط في حقه مكلف فعلا بالواقع المجهول و من هنا بني على وجوب الاحتياط في صورة المتباينين من الشك‏في المكلّف به وفاقا للمشهور خلافا لبعض المحققين القائل بالمقالة المذكورة من منع تكليف غير القادر على تحصيل العلم التفصيلي فعلا بالواقع‏المجهول كما ستقف على شرح القول فيه و أمّا نصب الطرق و جعلها فليس الغرض منه إلا تسهيل الأمر على المكلف في ترتيب آثار الواقع على‏مؤدّياتها في مواردها ما دامت قائمة فلا ينافي رعاية الواقع في موارد خلت عنها و ثبوت الجعل للطرق مع جعل الواقع لا يثبت رفع الشارع‏اليد عن الواقع فعلا و قناعته في الامتثال عن الواقعيّات بموارد الطرق القائمة على التكليف إلا بأحد وجهين عرفتهما في توضيح الجواب عن‏السؤال في تقريب الدليل كيف و لو بني الأمر عليه لزم بطلان الرجوع إلى الأصول و جعلها رأسا حتى البراءة فإنه يحكم بمقتضى أدلّة الأمارات بعدم‏التكليف الفعلي في موارد فقدها فلا يطلب هناك واقع حتى يحكم بإثباته بالأصل أو نفيه به فتدبّر اللهمّ إلا أن يستفاد من مجموع‏أدلّة اعتبار الأمارات الكافية في الفقه كما هو المفروض قناعة الشارع عن امتثال الواقع في موارد وجودها بامتثالها فتأمل و بالجملة هذا الجواب‏بظاهره غير نقيّ عن الإشكال و اللّه العالم بحقيقة الحال و أمّا ما أجاب به ثانيا فقد يناقش فيه أيضا بأن وجوب الاجتناب عن بعض أطراف‏الشبهة معيّنا إذا كان سابقا على العلم الإجمالي أو مقارنا معه منع ذلك من تأثير العلم الإجمالي في تنجّز الخطاب بالنسبة إلى الطرف الآخرإذا كان المعلوم بالإجمال من سنخ المعلوم بالتفصيل كالمثال المذكور في الكتاب من غير فرق بين حصول العلم بنجاسته قبل العلم الإجمالي‏بوقوع قذر في أحدهما الغير المعيّن و بين كونه معلوم النجاسة في مرحلة الظاهر و لو من جهة الاستصحاب و أما إذا كان لاحقا فلا يرفع تنجّزالخطاب المفروض و إلا جازت الحيلة في رفع وجوب الاحتياط عن كثير من موارد الشبهة المحصورة سيّما في اشتباه النجس بالطاهر فإنه يرفع وجوب الاحتياطبتنجيس بعض المعين من أطراف الشبهة و هذا مما لم يلتزم و لم يلتزموا به في الشبهة المحصورة و لا يجي‏ء توضيح الحكم بعدم وجوب الاجتناب في الفرض أي‏فيما كان العلم الإجمالي سابقا في الشبهة المحصورة بل المستفاد من أطراف كلماته فيها وجوب الاحتياط في الفرض و عدم جواز الرجوع إلى‏الأصل في الطرف الآخر و أما قيام البيّنة على تشخيص الحرام من القطيع فلا يقاس به المقام فإنه كقيام البيّنة على تشخيص النجس من الإناءين فإنّه‏يرجع إلى قيام الأمارة على تعيين الواقع فلازم حجيتها هو البناء على حصر النجس فيما قامت على نجاسته‏
في الجواب التحقيقي عن الدليل العقلي للأخباري‏
فالأولى في الجواب عن الدليل‏المذكور بعد النقض بالشبهات الوجوبيّة على ما عرفته أن يقال إن المعلوم بالإجمال في مفروض البحث مردد بين الأقلّ و الأكثر ضرورةعدم التحديد و الحصر في المحرّمات الواقعيّة و كذا في واجباتها المعلومة إجمالا فهذا العلم لمكان تردّد المعلوم بالإجمال لا يؤثّر في تنجّز الخطاب‏إلاّ بالنسبة إلى القدر المتيقّن من المعلوم إجمالا فإذا كان الحرام الواقعي مردّدا بين ألف و ألفين مثلا فلا يؤثر العلم الإجمالي إلا بالنسبة إلى‏الألف كما أن المفروض قيام الأمارات الشرعيّة على حرمة ما ينطبق على المقدار المتيقن من المعلوم بالإجمال على المذهبين في طريق الأحكام‏أعني الظنّ الخاص و المطلق لأنه معنى نصب الطرق الكافية الوافية في الفقه و لازم هذا عدم وجوب امتثال الواقع في حكم العقل في غير موارد
46
الأمارات لا من جهة دلالتها على الحصر بل من جهة أن الواجب الفعلي بعد العلم الإجمالي بالخطابات الشرعيّة الإلزاميّة امتثالها بأحدالوجهين إما بالعلم بتحصيل متعلقاتها و لو بالاحتياط أو بإيجاد ما حكم الشارع بالبناء على كونه عين الواقع و عدم الاعتناء باحتمال كونه‏غيره لأن الطرق الظاهريّة لم تجعل في قبال الواقع و إنما يعمل بها من حيث البناء على كون مؤدّياتها الواقعيّات الأوّليّة فامتثالها امتثال‏لها بالجعل و البناء فالواجب امتثاله حقيقة هو الواقع الأوّلي ليس إلاّ و إنما يمتثل الطرق من حيث البناء في حكم الشارع على مطابقتهاله فإذا عمل بمقتضى الطريق فقد امتثل الواقع حقيقة و لا يجب امتثال آخر إذ لا واقع آخر بالفرض و إن احتمل خطاء الأمارة لأن المفروض بحكم‏الشارع عدم الاعتناء بالاحتمال المذكور فالأمارات القائمة على تحريم ما ينطبق على القدر المتيقّن من المعلوم بالإجمال كالعلم التفصيلي بحرمةالمقدار المتيقن فيرجع إلى أصالة البراءة في سائر الأطراف في الموضعين من جهة احتمال كون المعلوم بالإجمال زائدا على ما فرض امتثاله و ليس‏مبنى ما ذكرنا على كون معنى جعل الأمارة تنزيلها منزلة العلم و لا على كون مفادها حصر الواقع في مؤدّياتها بحيث يرجع إلى قضيّتين بل على‏حصول امتثال الواقع المعلوم المتيقن بسلوكها في حكم الشارع و لا يعلم بواقع آخر بالفرض و إن كان محتملا فيرجع إلى الأصل من جهة الاحتمال‏المذكور كما يرجع إليه فيما فرض العلم التفصيلي بالمقدار المتيقن و هذا نظير ما لو فرض قيام البيّنة في الشبهة المحصورة بعد العلم الإجمالي بنجاسته‏بعض الأطراف بحيث يردّد بين الواحد و الاثنين على نجاسته بعضها المعيّن فإنه يحكم بمقتضى دليل اعتبارها بحصول امتثال الخطاب بالاجتناب‏عن النجس المنجّز بمقتضى العلم الإجمالي بوجود متعلّقه بالاجتناب عمّا قامت البيّنة على نجاسته ما دامت البيّنة قائمة و يرجع إلى أصالة الطهارةبالنسبة إلى باقي الأطراف لاحتمال نجاسته الزائد على الواحد من أول الأمر لا من جهة احتمال خطاء البيّنة فإنه ممّا لا يعتنى به بمقتضى دليل حجّيتها كماأنه يرجع إلى أصالة الطهارة في الفرض فيما حصل العلم التفصيلي بنجاسة بعضها المعين لا فيما أوقع نذرا في بعضها المعين بعد العلم الإجمالي‏بنجاسة بعضها لا على التعيين فإنه لا يعلم بكون بعضها لا على التعيين فإنه لا يعلم بكون الاجتناب عمّا أوقعه فيه امتثال للخطاب المعلوم بالإجمال‏و هذا كما ترى و إن لم يسلم عن النقض و الإبرام إلا أنه أوجه ما يذكر لدفع الشبهة المذكورة و مع ذلك في النفس شي‏ء و قد مضى شطر من الكلام فيمايتعلّق بالمقام في الجزء الأول من التعليقة فراجع إليه و تأمّل فيما ذكرنا هنا و هناك و فيما أفاده شيخنا قدس سره لعلّك تهدى إلى ما اختفى علينافي طريق دفعها و الله الهادي إلى سواء الطريق‏
بسط كلام و توضيح مقام متعلّق بأن الأصل في الأفعال الغير الضّرورية ما ذا
قوله قدس سره إن الأصل في الأفعال الغير الضروريّة الحظر إلى آخره‏(1) أقول قد أسمعناك أنّ مبنى‏الوجه الثاني على لزوم دفع الضرر المحتمل أيضا مع عدم ملاحظة العلم الإجمالي بالمحرّمات و إن كان هناك وجه آخر عندهم للأصل المذكور لا يبنى‏عليه و هو قبح التصرّف في ملك الغير ثمّ إن توضيح المقام يتوقف على بسط في الكلام فيما يتعلق بالأصل المذكور فنقول بعد اتفاق القائلين‏بالتحسين و التقبيح العقليّين و هم العدليّة على وجود أحكام أربعة اقتضائيّة للعقل اختلفوا في ثبوت الحكم التخييري و الإباحة للعقل وجعلوا محله و مورده الأفعال الغير الضروريّة للتعيش المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المفسدة قبل الاطلاع على حكم الشارع فإن الكلام‏من حيث حكم العقل فالأكثر على ثبوته و استقلال العقل في الحكم به و إن اختلفوا بين كون حكمه بالإباحة واقعيّة أو ظاهريّة و غير واحد على‏منعه منهم المفيد و السيّدان من أصحابنا و قد اختلف القائلون بالمنع في أنه هل يحكم بالحظر في مرحلة الواقع أو الظاهر أو لا يحكم بشي‏ء لا إباحةو لاحظر أو هذا معنى كون الأشياء على الوقف عند العقل لا أنه يحكم بالوقف كما يتوهّمه الجاهل بمقالتهم و قد ذهب بعض القائلين بالوقف‏في الأشياء من جهة العقل إلى الحكم بالإباحة فيها من جهة الشرع لعدم التنافي أصلا بل القول المذكور لا تعلّق له حقيقة بالمسألة المبحوث‏عنها إلا أن يكون لازم الوقف الحكم بالاحتياط من جهة الشرع عند بعضهم و آخر إلى الحكم بالإباحة الواقعية من جهة العقل بملاحظة ثانويةو قاعدة أخرى و هي قاعدة اللطف من جهة أنه لو كان في الفعل مفسدة آجلة لوجب من باب اللطف على الحكيم بيانها و من هنا أجاب عن‏هذه المقالة في العدّة بأنه ربما يكون في البيان مفسدة و يكون المصلحة في كون الفعل على الوقف و ثالث إلى الحكم بالجواز و الترخيص المطلق‏في مرحلة الظاهر و نفي العقاب من جهة العقل بملاحظة حكمه بقبح العقاب من غير بيان و هذا غير حكمه بالإباحة الخاصّة في مرحلة الظاهر أوالواقع و ممّا ذكرنا كله يظهر أنّ التنزّل عن القول بالحظر مع اختيار القول بالوقف لا يجدي في المقام أصلا و إنما يجدي في ردّ القول بكون‏الأشياء على الإباحة فإن المقصود الاستدلال لوجوب الاحتياط لا مجرّد نفي القول بالإباحة العقليّة فما أفاده قدس سره في تقريب الوجه‏المذكور بقوله و لو نزّلنا عن ذلك فالوقف لا يستقيم بظاهره إلا أن يكون هناك ملازمة بينه و بين وجوب الاحتياط عقلا و هو ممّا لا معنى‏له على هذا القول إلا بتكلف فتدبر ثمّ إن القول بالإباحة الخاصّة الظاهريّة في الأشياء عند العقل أشكل من القول بالإباحة الواقعيّةعنده المتوقّفة على إحاطة العقل بجميع الجهات المحسنة و المقبّحة و فقدانها في فعل لأن الحكم بالإباحة إنما هو من جهة فقدان الفعل حقيقة
47
الجهات المذكورة لا من جهة وجدانه ما يقتضيها فالمباح كالممكن و إلا لم يعقل صيرورة المباح واجبا بالعرض مثلا أو حراما كذلك إلاّ بدعوى‏غلبة إحدى الجهتين بعد تصادمهما نعم القول بالإباحة بمعنى الجواز و الترخيص المطلق و مجرّد عدم الحرج في الفعل و الترك في مورد عدم‏ثبوت المنع من الشارع لا غبار فيه أصلا فإنه لازم التمسّك للبراءة فيما لا نصّ فيه و إذ قد عرفت أن القائلين بالحظر مختلفون بالنظر إلى ظواهر أدلّتهم‏من حيث القول بالحظر الواقعي و الظاهري فيستدلّ للقول بوجوب الاحتياط في محل البحث بأنه إذا احتمل الحرمة في الفعل احتمل المفسدةو الضرر فيه و العقل من جهة حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل يحكم بوجوب ترك الفعل و هذا معنى حكمه بوجوب الاحتياط
في الجواب عن التمسّك بأنّ الأصل في الأفعال الغير الضرورية الحظر
و ملخّص الجواب عنه بعد النقض بالشبهة الوجوبيّة مطلقا من حيث إنه يحتمل الضرر في تركها كما يحتمل الضرر في الفعل في الفرض و الشبهة التحريميّةالموضوعية أن ما دلّ على البراءة عقلا و نقلا مما عرفت الإشارة إليه وارد على الأصل المذكور سواء أريد من الضرر العقاب أو المفاسد الدنيويةالكامنة في الأفعال الغير المتوقفة على البيان على تقدير تسليم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل الدنيوي بجميع مراتبه و لو كان موهوما ضرورةكون حكم العقل بدفع الضرر إنما هو في الضرر الغير المتدارك كما هو الشأن في حكمه بدفع الضرر المقطوع أيضا فإذا حكم الشارع بجواز الإقدام‏بالفعل و لو في مرحلة الظاهر كان اللازم تدارك الضرر على تقدير ثبوته في نفس الأمر هذا في الضرر الدنيوي و أما الضرر الأخروي فلمّا لم‏يعقل ثبوته مع التدارك فحكم الشارع بالجواز يلازم عدم ثبوته و هذا أمر ظاهر قد شرحنا القول فيه في الجزء الأوّل من التعليقة و سيجي‏ء بعض‏الكلام فيه في الشبهة الموضوعيّة أيضا و دعوى كون حكم العقل بوجوب دفع الضرر بيانا و دليلا على حرمة الفعل و لو في مرحلة الظاهر فيكون وارداعلى حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان بل على حكم الشارع بجواز الفعل فيما لم يكن هناك دليل على الحرمة فاسدة من حيث إن صيرورته بياناو دليلا يتوقف على وجود احتمال الضرر المنفي بأدلّة البراءة فلو استند في إثباته إلى حكم العقل المذكور لزم الدور الباطل كما هو ظاهر هذا و قدمضى القول في هذا التوهّم سؤالا و جوابا في الجزء الأوّل فارجع إليه و أمّا ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب من الجواب عن الدليل فلا يخلو عن‏إجمال بل عن إشكال أيضا فإنّ قوله أوّلا في عنوان الجواب و الجواب بعد تسليم استقلال العقل بدفع الضرر الظاهر في المنع و كون القبول من‏جهة المماشاة لا بد من أن يحمل على القضيّة الكليّة فكأنه قال بعد تسليم استقلال العقل بدفع الضرر مطلقا سواء تعلّق بالضرر الأخروي أو الدنيوي‏أو منع حكمه بالنسبة إلى الضرر الأخروي مضافا إلى كونه خلاف ضرورة العقل مناف لتصريحاته في مواضع من كلماته فالمنع المستفاد ضمنامتوجّه إلى بعض أقسام الضرر فلا ينافي القول بالنسبة إلى بعض أخر إلا أنه ينافي مع ذلك التوجيه كلامه بعد ذلك و هو قوله و إن أريد غيره ممّالا يدخل في عنوان المؤاخذة إلى آخره فإنه بعد تسليم استقلال العقل في الحكم بدفع الضرر مطلقا سواء تعلّق بالآخرة أو بالدنيا كيف يجامعه القول المذكور الراجع‏إلى المنع عن حكم العقل اللّهمّ إلاّ أن يرجع القولان إلى الإجمال و التفصيل لا إلى الجوابين فكأنه قال و الجواب أن المسلّم حكم العقل بدفع‏الضرر في الجملة لا مطلقا و لا يجدي نفعا للمستدلّ لأنه إن أريد إلى آخره و مع ذلك أصل منعه لحكم العقل بدفع الضرر الدنيوي مطلقا كما هو ظاهره‏حتى في المقطوع منه كما ترى و ستسمع تصريحه بحكم العقل بوجوب دفع الضرر المشكوك الدنيوي في الشبهة الموضوعيّة من مسائل البحث‏اللهمّ إلاّ أن يحمل المنع على الكليّة في قبال الإثبات بالنسبة إلى جميع مراتب الضرر و إن سلّم قبوله بالنسبة إلى بعض مراتبه ثم قوله و على‏تقدير الاستقلال فليس ممّا يترتب عليه العقاب لكونه من باب الشبهة الموضوعيّة إلى آخره لا بدّ من تكلّف فيه أيضا بأن يقال إن الممنوع أوّلا حكم العقل‏بدفع الضرر الدنيوي حتى في المقطوع و المسلّم ثانيا حكم العقل في عنوان الضرر الواقعي و لا يترتّب على محتمل الضرر الذي هو محل البحث شي‏ءو لا يجدي التسليم المذكور بالنسبة إلى وجوب الاحتياط فيه إذ هو كمحتمل التحريم من سائر الموضوعات المردّدة الثابت تحريمها في الشريعةفإن ثبوت حرمتها لا يجدي في إثبات العقاب مع الشك في الموضوع باعتراف الأخباريّين و هذا مراده جزما كما يظهر من أطراف كلماته لكنّه‏مع ذلك لا يخلو عن مناقشة مطلقا فإن حكم العقل بلزوم دفع الضرر الدنيوي على تقدير تسليمه لا يمكن أن يتبع الموضوع النفس الأمري كحكم الشارع‏بتحريم الموضوعات لما قد عرفت مرارا كثيرة من استحالة تعلق الحكم في نظر الحاكم بالموضوع النفس الأمري بحيث يحتمل وجود حكمه مع الجهل‏بالموضوع فلا بد إمّا من القول بعدم حكم العقل في محتمل الضرر جزما فلا يحتمل التحريم العقلي و إن احتمل التحريم الشرعي لأن حكم العقل لاحق‏للموضوع الوجداني عنده كما أن حكم الشارع يلحق الموضوع الوجداني عنده و إما من القول بحكمه في المحتمل كالمقطوع لكنه مقيّد بعدم‏التدارك فلا يجدي منع ثبوت ما يقضي بالتدارك على ما أسمعناك فكأنه أجمل القول في المقام اتكالا على ما سيذكره من التفصيل في الشبهةالموضوعيّة كما أنا لخصنا الكلام فيه اتكالا على ما قدّمنا من التفصيل في الجزء الأول من التعليقة
تنبيهات في مسألة ما لا نص فيه
في بيان أن المحقّق قدس سره لم يتعرّض لأصل البراءة في هذا الكلام فضلا عن التفصيل المنسوب إليه‏
قوله قدس سره و لا بدّ من حكاية كلامه في المعتبرو المعارج إلى آخره‏(1) أقول كأنه قدس سره أحال ظهور الحال إلى فهم الناظر في العبارتين من الكتابين و من هنا لم يبيّن شرح المطلب عقيب نفس العبارتين‏
48
و أشار إلى كذب الحكاية في آخر الأمر بقوله و الحاصل إلى آخره و أنت خبير بأن كلامه في المعتبر نصّ في عدم التفصيل في أصل البراءة لو كان هو المقصودمن استصحاب حال العقل كما ربما يستظهر منه و أمّا لو كان المراد معناه المقابل لأصل البراءة كما هو الظاهر منه لأنه في مقام تقسيم الاستصحاب‏فقد جعل القسم الأول التمسّك بالبراءة لأنفسها فكلامه في هذا التقسيم ساكت عن حكم أصل البراءة لأنه خارج عن المقسم و مقابل له حقيقةفإن كلامه صريح في تقسيم الاستصحاب و إن تسامح في جعل عدم الدليل دليل العدم من أقسامه فإنه بعد تقسيم مستند الأحكام في الفصل‏الثالث إلى خمسة أقسام الكتاب و السنة و الإجماع و العقل و الاستصحاب و التعرض للكلام في الأربعة قال و أما الاستصحاب فأقسامه‏ثلاثة الأول استصحاب حال العقل إلى آخر ما ذكره في الكتاب و إنما ذكر ما ذكره من القيد الراجع إلى التفصيل في عدم الدليل دليل العدم الذي‏هو في مقابل القسم الأول و ذكر في ذيله أنه لو استند في إثبات الإباحة إلى الأصل المذكور أي عدم الدليل دليل العدم جرى فيه‏التفصيل أيضا و هذا كما ترى لا تعلّق له بالتفصيل في باب البراءة و أما كلامه في المعارج فينطبق على قوله في المعتبر في ذيل القسم الثاني و منه‏القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب و الحظر فإن مراده من التمسّك بالبراءة الأصليّة ما ذكره من بيانه بقوله فنقول لو كان ذلك الحكم ثابتاإلى آخره و مع ذلك لا تعلق له بالتفصيل المحكيّ عنه أصلا و بالجملة التأمّل في أطراف كلمات المحقق قدس سره سيّما قوله في آخر كلامه في المعارج المحكيّ في‏الكتاب يقتضي القطع بعدم تعرّضه لأصل البراءة و أن محلّه في الكتابين عدم الدليل دليل العدم مع أن جعله عدم الدليل على الحكم دليلاعلى عدم الحكم من جهة لزوم التكليف بما لا يطاق على تقدير ثبوته مع عدم الدليل لا تعلق له بالتفصيل المذكور في عدم الدليل دليل العدم‏أيضا ثم إن كان مراده جعل ذلك دليلا على نفي الحكم في مرحلة الواقع كما هو الظاهر من كلامه فلا تعلّق له بباب البراءة أصلا و إن كان ماأفاده محل مناقشة من حيث إن عدم الدليل على حكم الفعل لا يجعله غير مقدور و إن كان مراده جعل ذلك دليلا على نفي التكليف في مرحلةالظاهر أي التكليف الفعلي كما استظهره شيخنا قدس سره منه أمكن الاستدلال به في باب البراءة و إن لم يكن تامّا فإن الدليل العقلي على نفي‏التكليف الفعلي إنما هو حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان لا قبح التكليف بما لا يطاق على ما عرفته في محلّه فما زعمه المحدث الأسترآبادي‏في تحقيق ما أفاده المحقق قدس سره مضافا إلى عدم استقامته كما يظهر بالتأمّل فيما أفاده شيخنا قدس سره و عدم محصّل للعلم العادي المذكور في‏كلامه أجنبيّ عنه إذ النفي عند المحقّق سواء كان المنفي الحكم الواقعي أو الفعلي مستند إلى قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق و لا يعقل التفصيل‏المذكور و لا غيره من التفاصيل بناء على الاستناد إليها كما هو ظاهر كما أنه لا يعقل التفصيل المذكور على تقدير الاستناد في باب البراءةإلى قاعدة قبح العقاب من غير بيان كما أنه لا يعقل الفرق بين قولي المخطّئة و المصوّبة على التقديرين أيضا نعم الفرق بين المذهبين أنّ المصوّبةلا يقولون بثبوت الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل و المخطّئة يقولون بذلك إلا أن الفريقين متفقون على إناطة العقاب بالبيان‏و أنه يقبح العقاب بدونه و إن كان هنا حكم واقعي في حال الجهل و هذا معنى نفي الحكم الفعلي على المذهبين لما أسمعناك مرارا أنّ الحكم‏الفعلي ليس إنشاء آخر من الشارع في قبال الحكم الشأني و إنما هو يعتبر من حكم العقل بجواز المؤاخذة على المخالفة و عدمه فالشأنيّة و الفعليّةمن مراتب الإنشاء الصادر من الشارع بالنظر إلى حكم العقل نعم عنوان الخطاب و الحكم و التكليف يتبع عند بعضهم تنجّز الإنشاء الصادرمن الشارع فوجوده النفس الأمري عنده لا يتّصف بالأوصاف المذكورة ما لم يحكم العقل بثبوت العقاب على مخالفته و كيف ما كان‏فيما حكم العقل بقبح العقاب يحكم قطعا بنفي الحكم الفعلي لأنه يتبع نفي العقاب حقيقة و هذا ملاك البراءة العقليّة لا غيره كما أنه ملاك البراءةالشرعيّة أيضا و إن استفيد من أخبارها الإباحة الظاهريّة فإن الحكم بالإباحة في مرحلة الظاهر يلازم نفي التكليف الفعلي أيضا نعم على القول‏باعتبار البراءة من باب الظنّ استناد إلى الاستصحاب أو غيره يحكم بنفي التكليف الواقعي ظنّا لكنه لا تعلّق له بالمقام لأنه يدخل البراءةحينئذ في الأدلّة و يخرج من الأصول كما أنه على تقدير قول المحقق المتقدم و بعض آخر ممن وافقه في ظاهر كلامه يكون من الأدلّة القطعيّة على نفي‏الواقع استنادا إلى ما عرفت من قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق فما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب في ردّ المحدّث المتقدّم ذكره في كمال الجودةفقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أن التفصيل المنسوب إلى المحقّق في باب البراءة بل مطلقا لا أثر له في كلامه‏ قوله قدس سره نعم هذا القسم الثاني أعمّ موردامن الأوّل إلى آخره‏(1) أقول قد عرفت الإشارة إلى ما وقع من المحقّق قدس سره من التسامح في تقسيم الاستصحاب بجعل عدم الدليل دليل العدم من‏أقسامه بإرادة مطلق الحكم على طبق الحالة السابقة من الاستصحاب و إن لم يكن مستندا إليها بل إلى شي‏ء آخر و أما النّسبة بين الأصلين بحسب‏المورد فهي عموم من وجه لجريان الأصل المذكور في المسائل الاعتقادية و العمليّة دون الموضوعات الخارجيّة و جريان الاستصحاب في‏الأحكام الشرعيّة العملية بالمعنى الأعمّ من الأصوليّة العملية و الفقهيّة و الموضوعات الخارجيّة دون المسائل الاعتقادية فغرضه قدس سره من الحكم‏
49
بتعميم مورد الثاني إنما هو لدفع توهّم كونه أخصّ مطلقا من الاستصحاب موردا لا لبيان كون الاستصحاب أخصّ منه مطلقا و إن كان الأصل‏المذكور لا دليل عليه عندنا مع دعوى الإجماع عليه في كلماتهم إلا إذا أفاد القطع بالعدم فإن جرى في مورده الاستصحاب حكمنابمقتضاه و إلاّ أعرضنا عنه فيرجع إلى أصل آخر لكنه كلام آخر لا تعلّق له بالمقام‏ قوله قدس سره الثاني مقتضى الأدلة المتقدّمة إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن هذا الكلام لا تعلق له بخصوص المسألة بل هو جار في جميع موارد البراءة فإنك قد عرفت في أول المسألة أن عدّ أصل‏البراءة في الأصول العمليّة مبني على ما هو التحقيق من عدم إناطته بالظن بالواقع عقلا و شرعا شخصا و نوعا و أن مفاده القطع بعدم‏العقاب و الإلزام في مرحلة الظاهر و إن كان صريح صاحبي المعالم و الزبدة قدس سرهما إناطته بالظنّ حيث أبطلا الرجوع إليه في مقابل الخبر بأنه لا يحصل‏منه الظن مع قيام الخبر الواحد الجامع للشروط على خلافه بل هو الظاهر من الأكثرين نظرا إلى تقسيمهم الاستصحاب إلى حال العقل و إلى حال‏الشرع و مصيرهم إلى إناطة الاستصحاب بالظن بل صريح غير واحد منهم في باب البراءة جعل المستند فيها استصحاب البراءة بل المراد من‏التمسّك بالبراءة الأصليّة المدّعى عليها الإجماع في كلام المحقق هو ذلك كما هو واضح إلا أنه ستقف في الجزء الثالث على عدم إفادة الاستصحاب‏الظنّ بقسميه أولا و عدم دليل على حجيّته ثانيا و إنّما المسلّم عندنا الإجماع على البراءة في مواردها لا الإجماع على العمل بالظن الحاصل‏منها على تقدير تسليمه فانتظر
الكلام في أنّ حسن الاحتياط من حيث ذاته و نفسه أو من جهة سعادة فاعله‏
قوله قدس سره الثالث لا إشكال في رجحان الاحتياط إلى آخره‏(2) أقول الكلام في هذا الأمر و إن تعلّق من جهة بالمسألةالكلاميّة إلا أنه لمكان ترتّب بعض الثمرات الفقهيّة عليه عنونه في المقام و الكلام في المقام قد يقع في نفس الاحتياط و قد يقع في الأمر المتعلّق‏به أمّا نفس الاحتياط فلا إشكال بل لا خلاف في رجحانه و حسنه لاستقلال العقل بذلك و يكشف عنه الأوامر الشرعيّة المتعلّق به في الشريعة بل في جملةمن الأخبار التصريح بما يستفاد منه رجحانه الذاتي إنما الكلام في أن حسنه و استحقاق المدح عليه من حيث كشفه عن صفة السعادة في الفاعل‏المحتاط و أنه في مقام إطاعة المولى فلا يكون الفعل أو الترك المتحقق به الاحتياط حسنا و إنما هو كاشف عن صفة في الفاعل فالمدح فاعليّ فلايكون هنا استحقاق للثواب فإن المدح على الفعل ملازم له لا المدح مطلقا و لو رجع إلى الفاعل على ما حقق في مسألة التحسين و التقبيح أومن حيث ذاته و نفسه فإذا عنون به الفعل أو الترك يعرض عليهما عنوان يوجب حسنهما فيلزمه استحقاق الأجر و الثواب عليهما صريح كلام شيخنافي المقام و مواضع أخر من كلماته الثاني و إنّ الالتزام باستحقاق المحتاط الثواب على الاحتياط عقلا لا يلازم الالتزام باستحقاق التجرّي‏العقاب على المتجرّي و هو لا يخلو عن غموض بل تأمّل
في بيان أنّ أوامر الاحتياط إرشادية أم مولوية
و أمّا الأمر المتعلّق به و طلبه فلا ينبغي الإشكال في كون طلبه العقلي إرشاديّا محضابل هو الشأن في جميع الأحكام العقليّة لأن حكمه أينما وجد إرشادي صرف غاية الأمر كونه في المقام و في باب الإطاعة و المعصية أوضح من‏حيث إن المطلوب حقيقة عنوان في الغير كما هو ظاهر و أما الأمر و الطلب المتعلّق به شرعا فهل هو إرشادي محض كالطلب العقلي أو له جهةمولويّة أيضا فيثاب على إطاعته كسائر الأوامر الندبيّة الشرعيّة المولوية فيه وجهان كما في الكتاب من ظاهر الأمر بعد فرض عدم إرادة الوجوب‏فإنه يقتضي كون الطلب مولويّا فإنه الأصل في الأوامر الصادرة من الشارع بل مطلق الموالي من غير فرق بين الأمر الإلزامي و غيره و منه يظهر أن‏قوله بعد فرض عدم إرادة الوجوب ليس من القيود الظهور المذكور بحيث لا يكون ظاهرا في الطلب المولوي على تقدير إرادة الوجوب بل هوبيان لما هو المفروض من الحكم بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّة التحريميّة و الوجه فيما ذكرنا من الأصل على القول بكون الأمر مجازافي الطلب الإرشادي كما قيل أو منسلخا عن معنى الطلب رأسا و مستعملا في الأخبار كما زعم ظاهر و أمّا على ما هو الحق و عليه شيخنا قدس سره‏كما أوضحناه في محلّه من كونه حقيقة في الطلب الإرشادي أيضا فلأن صدور الطلب الإرشادي من المولى العالي المطاع يحتاج إلى تخليةنفسه من المولوية فيتوقف على ملاحظة زائدة حقيقة فتدبّر نعم هنا مناقشة فيما أفاده من جهة أخرى حيث إن المفروض عند استعمال الأوامرالمتعلقة بالاحتياط في الأخبار المتقدّمة في الطلب القدر المشترك و خصوصيّة الاستحباب لا بد أن تستفاد من دليل آخر فكيف يتمسّك بظهورلفظ الأمر في الطلب الندبي المولوي لكن يدفعها أن الطلب القدر المشترك المستفاد منها أيضا يمكن أن يكون إرشاديّا و يمكن أن يكون مولويّافإذا استفيد الندب من الخارج في مفروض البحث فيحكم بكونه مولويّا فتدبّر و من جهة بعض الأخبار الظاهرة في أن مطلوبية الاحتياط من‏جهة خاصية مترتّبة على ذاته و هي صيرورة نفس المكلّف أطوع للشارع لا أن يكون من جهة مجرّد كونه عنوانا في غيره و مقدّمة له و من أن الظاهرمن أكثر الأخبار الواردة في باب الاحتياط بعد التأمّل فيها كون الأمر به من جهة كونه عنوانا في غيره و مقدمة له فيكون مؤكدة للطلب العقلي‏لا أن يكون الغرض منه التأسيس فيكون حاله حال الأمر المتعلّق بالإطاعة كتابا و سنّة من حيث كونه مؤكّدا لحكم العقل بالإطاعة و كالأمرالمتعلق بالإشهاد و الكتابة و التوبة و غيرها من الأوامر الشرعيّة التي يعلم كون المقصود منها التوصّل إلى ما يترتّب على فعل المأمور به بحيث لا
50
يكون الأمر في مقام المولويّة أصلا في أمره أ لا ترى إلى قوله عليه السلام من ارتكب الشبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم حيث‏إنّ الظاهر منه كون طلب ترك الارتكاب من حيث كونه في معرض الهلاكة و أن الغرض منه مجرّد النجاة عن ذلك و عليه يترتّب على فعل‏الاحتياط ثوابان على تقدير موافقته للواقع من حيث إطاعة الخطاب الواقعي و إدراك حسنه العقلي لو كان حسنه راجعا إلى الفعل‏و إلا فثواب واحد و على الوجه الأول يترتّب عليه استحقاق الثواب زائدا على الثوابين بملاحظة إطاعة الأمر المتعلّق بالاحتياط و لا يبعد استظهارالوجه الثاني من سياق الأخبار الواردة في الباب على ما في الكتاب مضافا إلى الاقتران الذي أفاده ضرورة كون طلب الاجتناب‏عن المحرّم المعلوم إرشاديّا لا يحتمل غيره فيكون طلب الاجتناب عن الشبهة كذلك و إن أشكل بناء على ما استظهر شيخنا قدس سره من كون الاحتياطحسنا بالذات يستحق فاعله عند العقل المدح على فعله فيستحق الثواب فإن هذا المعنى من الحسن يلازم الطلب الشرعي المولوي إلاّ فيمالا يمكن كما في الإطاعة حيث إنها و إن كانت حسنة بالذات إلا أنه يستحيل تعلّق الطلب الشرعي المولوي بها لا من جهة عدم إمكان تعلّق‏الحكم المستفاد من الأدلّة اللفظيّة المتعلّقة بالإطاعة بنفس هذا الحكم حتى يقال بأن أوامر الإطاعة على تقدير كونها مولويّة شرعيّة لا يشمل‏نفسها فلا يرد هناك محذور لما عرفت مرارا من أن قصور اللفظ مع ظهور مناط الحكم لا يقدح في الحكم بالإرادة بل من جهة لزوم التسلسل‏على تقدير كون الإرادة المتعلقة بإطاعة الأمر المولوي مولويّة
في بيان أن الحكم العقلي الإشاردي ملازم للأمر المولوي الشرعي في مورد القابل‏
فإن شئت توضيح ذلك فنقول إن حكم العقل بحسن الفعل و قبحه وطلبه المتعلّق به و إن كان إرشاديّا دائما لعدم تصوّر مولويّة للعقل إلا أنه بعد ثبوت الملازمة بين حكمه و الحكم الشرعي الذي يرجع إلى‏كونه دليلا و كاشفا عنه يكون الحكم الشرعي المستكشف عنه شرعيّا مولويّا في مورد القابل نعم يكون حكمه الإدراكي تابعا للمدرك‏واقعا من غير أن يختلف حاله بحسب الإدراك العقلي فإذا بني على كون الاحتياط حسنا عقلا يستحق فاعله المدح عند العقل على فعله ويستحق الأجر و الثواب عليه فيكون قابلا لتعلق الأمر الشرعي المولوي به فلا محالة)يستكشف بقاعدة الملازمة عن تعلّق أمر مولويّ به من جانب الشارع‏و لا ينافي ذلك ما تقدّم من الأخبار لأنه يحتمل قريبا كون المراد منها بيان كون الحكمة في الأمر به التوصّل إلى الغير كما هو الشأن في كثير من‏الواجبات النفسيّة لا أن يكون الأمر المتعلّق به غيريّا مقدميّا و الفرق بينهما لا يكاد أن يخفى بل الأمر في جميع الواجبات الشرعيّة يلاحظفيه عند العدليّة التوصّل إلى الغير فإنهم حكموا بأنها إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة و مع ذلك يكون الأمر المتعلّق بهاشرعيّا مولويّا و هذا الذي ذكرنا من كون الحكم العقلي الإرشادي ملازما للأمر الشرعي المولوي في مورد القابل مع وضوحه قد حققناالقول فيه و فصّلناه في مسألة الملازمة اللّهمّ إلاّ أن يقال إن حسن الاحتياط عقلا إنما هو من حيث كونه من مراتب الإطاعة فيكون حال‏الأمر المتعلّق به المستكشف من قاعدة الملازمة حال الأمر المتعلّق بالإطاعة نعم يمكن أن يلاحظ الشارع في أمره المستكشف من الأدلّة اللفظيّةعنوانا آخر للاحتياط فأمر به أمرا مولويّا بهذه الملاحظة كما أنه يحتمل أن يكون جهة أمره عنوانه الملحوظ في حكم العقل فتأمل ثم إن هنا إشكالاأيضا على القول بكون حسن الاحتياط و المدح المتعلّق به فاعليّا أيضا و ملخّصه أنه بناء عليه يتعيّن القول بكون الأمر المتعلّق به غيريّا مقدّميّاصرفا إذ لا حسن فيه بالفرض أصلا فعلى هذا لا بد أن يبنى الكلام في حكم الأمر المتعلّق بالاحتياط من حيث كونه إرشاديّا أو مولويّا على‏الكلام في نفس الاحتياط من حيث كونه حسنا بالذات أم لا فلا معنى للتكلّم في المقامين هذا و قد يذبّ عنه أيضا بأن عدم إدراك العقل‏لجهة محسّنة في نفس الاحتياط لا يلازم عدمها في نفس الأمر و عند الشارع فيمكن تعلّق الأمر الشرعي المولويّ به فيستظهر منه وجود جهة في‏الاحتياط غير ما استكشفه العقل فتأمل ثمّ إن ما أفاده شيخنا قدس سره في ذيل هذا الأمر بقوله ثم لا فرق فيما ذكرنا من حسن الاحتياط إلى آخره ممّا لاإشكال فيه أصلا لأن حكم جميع صور دوران الأمر بين التحريم و غير الوجوب من الأحكام الثلاثة سواء فرض الدوران ثنائيّا أو ثلاثيّا أو رباعيّاواحد عقلا بل شرعا أيضا بالنظر إلى الأخبار الواردة نعم في دوران الأمر بين الحرمة و الكراهة نعلم بمرجوحيّة الفعل شرعا و تعلّق الطلب‏الشرعي بتركه فلا يتكلف في الحكم برجحانه شرعا بأن الطلب المتعلّق بالاحتياط شرعيّ مولويّ كما هو ظاهر كما أن ما أفاده من دفع التوهّم على التّعميم‏المذكور بقوله و لا يتوهّم أنه يلزم من ذلك إلى آخره لا إشكال فيه أيضا ضرورة أن التحريم الذي يبحث عن احتماله في جميع المسائل هو التحريم الذاتي‏لا التشريعي‏
في الفرق بين المذاهب الأربعة المنسوبة إلى الأخبارين‏
قوله قدس سره و الاحتياط أعمّ من موارد احتمال التحريم إلى آخره‏(1) أقول فيكون التوقف الأعمّ من الاحتياط أعمّ أيضا من موارد احتمال‏التحريم فمن عبّر بالتوقف أراد الأعمّ من محتمل التحريم و محتمل الوجوب فإنك قد عرفت سابقا أن المراد من التوقف هو السكون عند الشبهة وعدم الدخول فيها سواء كانت الشبهة في الفعل أو الترك فإن الظاهر من بعضهم الالتزام بالاحتياط في الشبهة الوجوبية الحكميّة أيضاو إن كان الأكثرون على خلافه‏ قوله أو بملاحظة أنه إذا منع الشارع المكلف إلى آخره‏(2) أقول مبنى هذا الوجه كما ترى على عدم إمكان اجتماع‏
51
الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي على خلافه فكلما حكم الشارع بحرمة الشي‏ء في مرحلة الظاهر فلا بد أن يكون حراما في الواقع فالحرمة ظاهريّةبالملاحظة الأوّلية و إلا فهي واقعيّة و كذا إذا حكم بحليّة الشي‏ء في مرحلة الظاهر فلا بدّ أن يكون حلالا واقعيّا و هكذا فيلزم على هذاارتفاع الأحكام الظاهرية و التصويب الباطل و من هنا أمر قدس سره بالتأمل عقيب الوجه المذكور و قد أسمعناك في أوّل هذا الجزء من التعليقةالإشكال فيما تسالموا عليه من عدم التنافي بين الحكمين المتضادين إذا اختلفا بالواقعية و الظاهرية قوله قدس سره و يحتمل الفرق بأن معنى‏الحرمة الظاهريّة حرمة الشي‏ء في الظاهر إلى آخره‏(1) أقول مبنى الاحتمالين على ما عرفت من أن الأمر بالاجتناب شرعيّ مولوي مع الالتزام بثبوت‏العقاب على مخالفة الأحكام الظاهرية أو إرشاديّ عقليّ أو شرعيّ لا يعاقب على مخالفته من حيث كونه ظاهريّا فالعقاب على التقديرين‏على مخالفة الواقع لو اتفقت لأنه لازم البيان الشرعي و لو كان بلسان الإرشاد كما أنه على الأوّل يستحقّ العقابين على تقدير مخالفةالواقع‏ قوله قدس سره كأن يكون الشي‏ء مقطوع الحرمة بالجهل المركّب و لا يلزم من تسليم إلى آخره‏(2) أقول لا يخفى عليك أن التقييد بالجهل المركب ليس‏من جهة عدم تحقق التجرّي في صورة مطابقة الاعتقاد للواقع كما ربما يتوهّمه الجاهل بل من جهة وضوح الأمر في هذه الصورة نظرا إلى‏انفكاك التجري عن الواقع و قد عرفت ما يتعلّق بالمقام في الجزء الأول من التعليقة و أمّا ما أفاده بقوله و لا يلزم من تسليم استحقاق‏الثواب إلى آخره فقد أسمعناك الإشكال في التفكيك بين المدح الفعلي في الاحتياط بكونه راجعا إلى الفعل و الذم العقلي في التجري بكونه‏راجعا إلى الفاعل لأنه ملاك الفرق العقلي في الحكم بالاستحقاق و العدم كما هو ظاهر
في بيان أصالة الإباحة
قوله قدس سره إن أصالة الإباحة في مشتبه الحكم إنما هومع عدم إلى آخره‏(3) أقول ما أفاده قدس سره من الشرط في الرجوع إلى أصالة الإباحة في الشبهة الحكميّة أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا كما هو الشأن في‏جميع ما يكون الشكّ في الحكم مسبّبا عن الشكّ في الموضوع لأن الشك في الحليّة المسبّب عن الشكّ في قبول الحيوان للتذكية لا أثر له بعدالحكم بمقتضى الأصل على عدم قبوله للتذكية بمعنى أن الأصل عدم تحقق التذكية الشرعية بالنسبة إليه لكن الرجوع إلى الأصل المذكورمشروط بعدم وجود عموم أو إطلاق من الكتاب و السنة يقتضي قابليّة كلّ حيوان للتذكية إلا ما خرج فإنه مع الدليل المذكور لا يبقى‏شكّ بحكم الشارع في القابليّة حتى يرجع إلى الأصل المذكور فالشأن إذا التكلم في وجود الدليل و عدمه و محلّه في الفقه و إن كان تمسّك‏غير واحد لأصالة القبول بالآيات الواردة في حليّة ما أمسك الكلاب و ما ذكر اسم اللّه عليه و بالأخبار الواردة في الاصطياد بالسّهم‏و السيف و الكلاب و نحوها محل نظر بل منع لعدم إطلاق لهما ينفع المقام أصلا نظرا إلى سوقهما لبيان مطلب آخر كما هو ظاهر نعم لا بأس‏في التمسّك للأصل المذكور بما دلّ عموما على حليّة كلّ حيوان مثل قوله تعالى‏ قُلْ لا اَجِدُ فيما أوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية و نحوه فإن حلّيّة كلّ حيوان‏بالحلّيّة الذاتيّة إلا ما خرج لا يجامع عدم قبوله للتذكية كما هو ظاهر قوله قدس سره و إن كان الوجه فيه أصالة عدم التذكية إلى آخره‏(4) أقول الحكم بالطهارة فيما فرضناه فإنما هو من جهة جريان أصالة الطهارة في الشبهة الحكميّة كالموضوعيّة على ما هو المشهور خلافا للمحقّق الخوانساري‏فالمقصود طهارته الذاتيّة في مقابل نجاسته كذلك فلا ينافي الحكم بنجاسته لو حكم بحرمة أكل لحمه من جهة الشك في التذكية و الحكم بعدمهاو أنّه ميتة كما هو ظاهر و أمّا الحكم بحرمة الحيوان المذكور فلا بد أن يكون مستندا إلى أصالة عدم التذكية نظرا إلى عدم تسليمهما أصالة القبول‏و قول شيخنا قدس سره و كيف كان فلا يعرف وجه إلى آخره نصّ في تسليمه أصالة القبول التي حكاها قبل ذلك عن بعض و أمّا ما حكاه عن الفاضل‏الهندي في الشرح وجها لما ذكر من قضيّة الحصر فلا محصّل له أصلا مع قطع النظر عما أفاده قدس سره في ردّه فإنه لم يعلم المراد من الحصر في كلامه‏فإنه إن كان المراد منه أن هناك قضيّة حاصرة في الشرع للنجاسات و المحلّلات فيتوجّه عليه مضافا إلى منعها أنه لا معنى للرجوع إلى أصالةالطهارة و أصالة الحرمة حينئذ بل يتعيّن الرجوع إلى الظهور اللفظي اللّهمّ إلاّ أن يكون مراده من الأصل الظهور فتدبّر و إن كان المراد مجرّد عدم‏الاطلاع بعد التفحّص في الأدلّة الشرعيّة إلا على نجاسات و محلّلات كما أنه مراد شيخنا قدس سره من حصر المحرّمات فيتوجّه عليه أن الحصر بهذاالمعنى الذي ليس بحصر حقيقة لا يمنع من الشّك في الحلّيّة و الحرمة فيرجع إلى الأصل و العجب أنه قال في محكيّ الشرح بعد ما حكاه عنه‏في الكتاب و هو ظاهر مع أنّك قد عرفت أنه لا محصّل له فلا وجه إذا لما أفاده إلا ما عرفت من عدم ثبوت أصالة القابليّة عندهما و عرفت مايقضي بثبوتهما ممّا دلّ بظاهره على حلّيّة كلّ حيوان فإنه يلازم قبوله التذكية كما هو ظاهر
في بيان حصر المحلّلات في الطّيبات‏
قوله قدس سره و لو قيل إن الحلّ قد علّق إلى آخره‏(5) أقول هذا وجه آخر للحصر غير ما ذكرناه من الوجهين و هو حصر الإجمالي للمحلّلات في الطيّبات و إن كانت إرادته بعيدة عن كلام الشارح و دلالةالقضية على الحصر ليست مستندة إلى مفهوم الوصف حتى يمنع سيّما في الوصف الغير المعتمد على الموصوف المحقق المذكور بل من جهة ورودهافي جواب الاستفهام في سورة المائدة يسألونك ما ذا أحلّ لهم على ما أفاده قدس سره فمعناه أن الطيّب حلال ليس إلاّ فيلزم أن يكون غيره حراما
52
فإذا أريد الحكم بحليّة حيوان أو غيره فلا بد من إحراز كونه طيّبا و إلا فلا يجوز الحكم بحليّته لأنه معنى حصر الحلّيّة في الطّيّب لأن نفس الشكّ في‏إرادته من الكلام و لو من جهة الشك في صدق الموضوع عليه يكفي في الحكم بعدم المحمول له في مرحلة الظاهر فيحكم بالتحريم لأنه معنى نفي التحليل‏فلا يحتاج إلى إحراز عدم الموضوع بإجراء الأصل في الوصف العنواني للموضوع المردّد حتى يقال بعدم حالة سابقة له سواء كان الطّيّب أمرا وجوديّاأو عدميّا أي مجرّد عدم تنفّر الطبع و استقذاره فتأمّل و أمّا ما أجاب به عنه شيخنا قدس سره من المعارضة بقوله قلنا إن التحريم إلى آخره فقد يناقش‏فيه أوّلا بأن مجرّد تحريم الخبائث في الكتاب العزيز مع عدم دلالة القضيّة على الحصر لا يفيد شيئا فإنّ تحريمها من حيث كونها من أفراد المفهوم‏و ثانيا بأن تقابل الطّيّب و الخبيث تقابل التضادّ كما حكي عن الصحاح و القاموس و يستفاد من تفسير الطيّب بما يستلذّ به النفس و الخبيث‏بما يستكرهها و لم يعلم عدم ثالث لهما بل الثالث بين المعنيين موجود بالوجدان فإذا لا معنى للتعارض بين الأصلين حتى يرجع إلى‏أصالة الحلّ و عموم الحلّيّة في الآية و الرواية نعم لو كان تقابل الخبيث و الطّيّب تقابل الإيجاب و السلب أمكن الحكم بالحلّيّة في موردالشكّ من جهة الأصل الموضوعي كما ذكره إذ لا يتصوّر هناك معارض له إلا أن يناقش فيه بما عرفت التأمّل فيه هذا و الذي يقتضيه‏التحقيق أنه على تقدير دلالة الآية على الحصر لا معنى لإجراء الأصل الحكميّ حتى يعارض بأصالة عدم التحريم كما أنه لا معنى للتمسّك بالعموم والأصل اللفظي للشّك في الموضوع فإن جرى هناك أصل موضوعي سليم عن المعارض تعيّن الرجوع إليه و إلاّ فالحصر بالمعنى المذكورأيضا لا يجدي في رفع اليد عن أصالة الحلّ و ما ذكرناه في تقريب عدم الحاجة إلى الأصل عند الشكّ مع تسليم الحصر كان مبناه على‏تقريب الاستدلال لا على الاعتقاد و التحقيق‏ قوله قدس سره و على كلّ تقدير فلا ينفع قول الأخباريّين إلى آخره‏(1) أقول الغرض أنّه بعد سدّباب طريق الإفتاء للمجتهد المرجع من حيث تساوي أدلّة البراءة و الاحتياط في نظره و عدم قدر متيقّن في البين بالفرض و عدم جواز الرّجوع‏للجاهل بالحكم الظاهري للمسألة إلى الأموات فلا محالة يرجع إلى ما يحكم به عقله من الوجهين على التقديرين و لا ينفع قول كل من المجتهد والأخباري له من حيث لزوم الأخذ به من حيث التعبّد لفرض عدم الدليل عليه و إلاّ فلو فرض إيجابه للردع عن حكم عقله فلا إشكال‏في لزوم الارتداع لكنه لا تعلّق له بما هو المقصود من البيان فإن النفع بهذا المعنى موجود بالنسبة إلى جميع موارد الرجوع إلى العقل‏في المسائل الاعتقادية كما هو ظاهر
في دوران الأمر بين الحرمة و غير الوجوب من جهة إجمال النصّ‏
قوله المسألة الثانية ما إذا كان دوران حكم الفعل إلى آخره‏(2) أقول قد أسمعناك في أوائل هذاالمقصد أن من أسباب اشتباه الحكم الكلي الصادر من الشارع و موجباته إجمال اللفظ المتكفّل لموضوع القضية الشرعيّة أو محمولهابمعنى عدم ظهور مراد الشارع منه بما هو المناط في باب الألفاظ من غير فرق بين الإجمال الاصطلاحي و غيره و أن يكون مستندا إلى‏هيئة النهي من جهة الاشتراك اللفظي أو المعنوي مع عدم ظهور بعض الأفراد أو كثرة الاستعمال في الكراهة مع الوضع للتحريم بحيث‏يوجب إجمال اللفظ أو غيرها أو مادته و معروضه بأحد موجبات عدم تبيّن المراد كالغناء إذا كان الاختلاف بحيث يرجع إلى الأقل والأكثر بحيث يكون هناك ما يعلم صدق الغناء عليه على كل تقدير و يعلم بكونه مرادا و إنما الشكّ في إرادة بعض الأصوات من حيث‏عدم تبيّن حقيقة اللفظ عرفا بكنهه و حدّه و حقيقته كما هو الشأن في أكثر المفاهيم العرفيّة و أمّا إذا تبيّن المفهوم و شكّ في الإرادةمن جهة أخرى و لم يوجد هناك شرائط التمسّك بالإطلاق كما فيما ذكره من مثال الخمر من باب مجرّد الفرض فأقل قليل و ممّا ذكرنا كله يظهرأنه لا تعلّق للمسألة بالشبهة الموضوعيّة العرفيّة التي تسمّى بالشبهة في طريق الحكم عند الأخباريّين و قد وافقوا المجتهدين في الحكم‏بالإباحة فيها و إن سمّيت بالشبهة في الموضوع المستنبط و أطلقت عليها الشبهة في الموضوع بقول مطلق من حيث إن الموضوع الكلّي‏للحكم فيها غير معلوم إلاّ أن الإطلاق لا يؤثر في إخراج المسألة عن الشبهة الحكميّة المنوط بعدم تبيّن القضيّة الشرعيّة موضوعا أومحمولا أو هما معا لأن الحكم على ما عرفت مرارا ليس مجرّد المحمول و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا و إن وقع وهم هناك لبعض أوائل الطلب‏ ثم إن حكم المسألة حكم المسألة الأولى عند المجتهد و الأخباري من غير فرق بينهما أصلا عند الفريقين‏
في بيان أخصّية الرواية من أخبار التخيير
قوله قدس سره و هذه‏الرواية و إن كانت أخص من أخبار التخيير إلى آخره‏(3) أقول أخصيّتها بظاهرها من أخبار التخيير لا تحتاج إلى البيان فإن ما دل على التخيير على ضربين‏أحدهما ما حكم فيه بالتخيير ابتداء من دون اعتبار فقد المرجّحات ثانيهما ما حكم به بالتخيير مع فقد المرجّحات مطلقا سواء أمكن الاحتياط أو لم‏يمكن كما في دوران الأمر بين المحذورين و ظاهر أن كلاّ منهما أعمّ مطلقا من الرّواية فلو كانت معتبرة من حيث السند لزم تقديمها على أخبارالتخيير و العمل بها و إن كان حملها على صورة عدم إمكان الاحتياط بعيدا إلا أنه لا مناص عنه بعد أخصيّة الرواية إلا أنها غيرمعتبرة سندا جدّا فلا تعارض أخبار التخيير و أمّا ما دلّ على التوقّف و الاحتياط فهو على ضربين أيضا أحدهما ما ورد في مطلق الشبهة
53
و قد عرفت حاله مضافا إلى كونه أعمّ فلا تعارض ما دلّ على التخيير ثانيهما ما ورد في خصوص المتعارضين من الأخبار كمقبولة عمر بن حنظلةالتي رواها المشايخ الثلاثة فإنّه حكم فيها بالتوقّف و الإرجاء بعد فقد المرجّحات إلاّ أنّ الحكم بالتوقّف فيها لما كان مختصّا بالتمكّن من إزالةالشبهة بالرجوع إلى الإمام عليه السلام نوعا فتكون أخصّ من أخبار التخيير بهذه الملاحظة فيرجع إليها و يحكم في أمثال زماننا بالتخيير و لا إجماع‏على عدم الفصل بين الزمانين كما أنه لا إجماع على اتّحاد حكم العلاج ترجيحا و تخييرا بل ظاهر المقبولة و غيرها إعمال المرجّحات في موردالتمكن بل هو موردها فتدبّر ثم إنه قدس سره ليس في مقام التحقيق في قوله ثم إذا لم نقل بوجوب الاحتياط إلى آخره بل الغرض مجرّد الإشارة إلى‏الوجوه و الأقوال و إلاّ فلا معنى لمرجّحيّة الأصل عنده و لا التوقف في الأخبار لأن المختار في تعارضها بعد التكافؤ التخيير بين الخبرين وإنما التوقف المراد به التساقط في مورد التعارض و الرجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما إن كان أو إلى التخيير إن لم يكن في غير الأخبارلا التساقط مطلقا و الرجوع إلى الأصل كذلك‏ قوله قدس سره بقي هنا شي‏ء و هو أن الأصوليّين إلى آخره‏(1) أقول الكلام فيما يتعلّق بما أفاده يأتي‏إن شاء اللّه تعالى في الجزء الرابع من التعليقة و بزعمي أن مسألة الناقل و المقرر أعمّ من مسألة المبيح و الحاظر و تخطئة البعض أولى من جعل المسألتين‏متقابلتين كما أن خلافهم في المسألتين في تقديم الموافق أو المخالف مبني على الترجيح بالموافقة من حيث الاعتضاد بالأصل نظرا إلى‏اعتباره عندهم من باب الظنّ كما يقتضيه كلمات الأكثرين أو التعبّد بناء على جواز الترجيح بما لا يوجب أقربيّة أحد المتعارضين على خلاف‏التحقيق الذي تسمعه في محلّه أو المخالفة من حيث إن التأسيس أولى من التأكيد و إن بناء الشارع على تبليغ ما يخالف الأصل فالظنّ في‏جانب المخالف و أمّا حكمهم بالتخيير كما عليه المجتهدون أو الاحتياط كما عليه الأخباريّون فمفروض فيما لم يكن هناك مرجّح و لو كان أصلا من‏الأصول هذا بناء على التعدّي عن المرجّحات المنصوصة كما عليه الأكثرون و إلاّ فيحكم بالتخيير مع وجود الأصل في المسألة أيضا كما صرّح‏به الشيخ في العدّة و هذا الوجه و إن كان في ظاهر النظر ممّا لا غبار فيه إلا أنه ربما يأباه كلمات جماعة كما أن ما أفاده في الكتاب من تنزيل كلماتهم‏في المسألتين على التكلّم في حكم المسألة بحسب الأصول و القواعد مع قطع النظر عن أخبار التخيير و إلاّ فيحكمون به بالنظر إليها ربما ينافيه أيضابعض أدلّتهم بل كلماتهم فإن كلام جمع ينادي بالترجيح بالأصل فراجع و انتظر لبقيّة القول في ذلك في محلّه‏
في توافق الأخباري مع المجتهد في الشبهات الموضوعية
قوله قدس سره و الظاهر عدم الخلاف‏في أن مقتضى الأصل فيه الإباحة إلى آخره‏(2) أقول لمكان اختصاص جملة ممّا دلّ على الحلّيّة في الشبهة التحريميّة بالشبهة الموضوعيّة منها مثل ماذكره في الكتاب و ما لم يذكره وافق الأخباريون من أصحابنا المجتهدين في الحكم بالإباحة فيها و قد خرجوا بها عما اقتضى بزعمهم وجوب‏التوقف في مطلق الشبهة الشاملة للشبهة الموضوعيّة بعمومها كأخبار التثليث و نحوها و مما استدلّ به غير واحد على الإباحة في الشبهةالموضوعيّة تبعا للعلامة قدس سره رواية مسعدة بن صدقة و لا إشكال في ظهورها صدرا و ذيلا في المدّعى مع عدم استظهار التمثيل من الأمثلةالمذكورة فيها للكليّة المذكورة فيها صدرا و ذيلا سواء استظهر التقريب كما استظهره بعض أفاضل مقاربي عصرنا في فصوله أو لم‏يستظهر شي‏ء منها و حكم بإجمال الرواية من هذه الجهة في وجه توضيح ذلك أنه لا إشكال في أن الحلّيّة في الأمثلة المذكورة في الروايةليست مستندة إلى نفس الشكّ في الحلّيّة إذ لو لا الأمارات المقتضية للحلّيّة فيها و كذا الأصول الموضوعيّة المقتضية لها الحاكمة على مايقتضي التحريم فيها بالاتفاق الحاكم على أصالة الحلّيّة لم يحكم فيها بالحلّيّة فالحلّيّة مستندة إلى تلك لا إلى نفس الشّك فإن الثوب و العبدإن لم يلاحظا من حيث التصرّف و اليد كان مقتضى الأصل الموضوعي و هو عدم تملّك البائع مضافا إلى أصالة الفساد في المعاملات‏و أصالة الحريّة في الإنسان فساد المعاملة الواقعة و حرمة التصرّف فيهما فالحكم فيهما بصحّة الشراء و حلّيّة التصرّف من جهة أصالة الصّحّة في‏اليد و التصرّف و كذا المرأة مع احتمال النسب المانع من النكاح بينها و بين الزوج أو تحقق الرضاع المحرّم بينهما إن لم يلاحظ فيها أصالة عدم‏تحقّق النسب و الرضاع حكم فيها بالحرمة و فساد النكاح من جهة أصالة الفساد الراجعة إلى أصالة عدم تحقق الزوجيّة بينهما لا يقال إنّ‏الشك في الصّحة و الفساد إذا كان مسبّبا عن احتمال وجود المانع لتأثير النكاح تعيّن إجراء أصالة عدم المانع الموافقة لأصالة الحليّة فالرجوع إليهارجوع إلى أصالة الحلّيّة حقيقة نعم إذا كان الشك مسبّبا عن وجود المقتضي كما في المثالين الأوّلين كان مقتضى الأصل الأوّلي الحكم بالحرمة لو لاالأصل الحاكم لأنّا نقول ما ذكر من الرجوع إلى أصالة عدم المانع إن أريد به ذات المانع أي أصالة عدم النسب و الرضاع فهو صحيح لا محيص‏عنه و هو معنى ما ذكرنا أوّلا إلاّ أن ما ذكر من أنّها في معنى الرجوع إلى أصالة الحلّيّة ممّا لا محصّل له أصلا و إن توافقتا من حيث المضمون و إن أريد عنوانه ففيه أنه من الأصول المثبتة مضافا إلى رجوعه إلى الوجه الأول بعد التسليم والحاصل أن الحكم بالحلّيّة من جهة أصالة عدم النسب المانع من تأثير العقد ليس حكما بها من جهة نفس الشكّ لأن الشكّ من جهة وجود السبب‏المحلل لا يقتضي الحكم بالحلّيّة بل مقتضاه الحكم بعدم وجود السبب و الحرمة كما هو ظاهر فلا فرق في أمثلة الرواية من جهة عدم استناد الحلّيّة فيها
54
إلى نفس الشكّ ثم إنّ من العجب ما حكي عن بعض السادة الأجلّة من أفاضل معاصرينا في هذا المقام حيث زعم أن قوله عليه السلام كلّ شي‏ء لك حلال في‏الرواية بقرينة الأمثلة المذكورة فيها في مقام إعطاء الضّابطة و القاعدة للبناء على سببيّة الموجود المردد بين السبب و غيره نظير قوله تعالى‏ أحَلّ اللّهُ البَيْعَ الدالّ على تشريع سببيّة البيع في الشرع إذ لا فرق بين قوله تعالى و قوله عليه السلام كلّ شي‏ء لك حلال إلاّ من حيث الموضوع فإن الآية مسوقة لبيان‏سببيّة خصوص البيع و الرواية مسوقة لبيان سببيّة كلّ شي‏ء شكّ في سببيّته في الشبهة الموضوعيّة و إلاّ فالمحمول في الموضعين هو التحليل وقد أسري هذا المعنى في باب الشّكّ في وجود شرط الصّلاة من جهة الشكّ في لباس المصلّي من حيث إنه ممّا يجوز الصّلاة فيه أولا و أنت خبير بأنّ‏المعنى المذكور مضافا إلى كونه موجبا لهدم بناء الفقه و القواعد المسلمة عند الفقهاء في كمال البعد من الرواية و أعجب منه ما في كلام بعض‏المعاصرين في تقريب جعل ما في الرواية مثالا للكليّة المذكورة فيها و كون الحلّيّة فيها مستندة إلى نفس الشك حيث قال يمكن أن يقال إن إجراء أصالةالإباحة في الثوب المشترى بملاحظة الشك في أن بائع الثوب هل كان بيعه حلالا باحتمال كونه مالكا أو مأذونا منه أو كان حراما باحتمال كونه سارقاو غاصبا فيشكّ في حلّيّة الشراء منه و حرمته فالشراء حلال حتى تعرف أنه سرقة و غصب و كذا الكلام في شراء المملوك فمع قطع النظر عن اليد هذاالشراء محتمل الحلّية و الحرمة و إذا جاء أدلّة النقل و الانتقال فيما حلّ شراؤه انقطع أصالة بقاء الثوب على ملك مالكه و أصالة الحرّيّة و كذا المرأة لهاعنوانا يجوز نكاح أحد العنوانين و هي التي ليس بينها و بين الرجل نسب و رضاع و تحرم نكاح العنوان الآخر فإذا شككنا في امرأة خاصّةأنها من أيّ العنوانين فيحلّ نكاحها إلى أن يعلم الحرمة ثمّ إن المرأة المفروضة تولّدت من امرأة قطعا و ارتضعت من امرأة قطعا و لا يمكن تعيين أنّ الوالدةأمّ أو أخت للرجل أو أجنبيّة بالأصل و كذا المرضعة سلّمنا جريان الأصل غاية الأمر تطابق الأصلين ثم إعمال أصالة حرمة التصرّف في المثالين الأوّلين‏و أصالة عدم تأثير العقد إن كان بعد ملاحظة عمومات البيع و عمومات النكاح فلا وجه له و إن كان قبل ملاحظتها ففي كون الحرمة هي الأصل الأوّلي‏تأمّل واضح بل الأصل الأوّلي هي الحلّيّة و الحرمة إنما نشأت من أصل موضوعيّ فتدبّر جدّا انتهى كلامه و فيه كما ترى أنظار ظاهرة لمن كان له‏أنس بكلمات شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره و مطالبه‏
في الإشارة إلى أنظار متعلّقة بكلام بعض المعاصر
بل بكلمات القوم أيضا فلا فائدة كثيرة مهمّة في إيرادها إلاّ أنه لا بأس بالإشارة إليهالئلا يقع في الوهم بعض أوائل الطلبة فنقول أوّلا إن بيع مال الغير من حيث هو عقد لا حرمة فيه أصلا حتى مع العلم بالغصبيّة فإنّه ليس‏تصرّفا في ملك الغير و إنما هو تصرّف في جوارح البائع فأين حرمة بيع مال الغير حتى يشكّ في الحرمة عند الشكّ في عقد البيع نعم التصرّف في‏الثمن و المثمن و ترتيب الآثار على بيع مال الغير حرام من حيث كونه تصرّفا في ملك الغير و الشكّ بهذه الملاحظة عند الشكّ في المالكيّة ينشأ من‏الشكّ في سببيّة العقد و لم يقل أحد إن الأصل السببيّة و الصحّة في المعاملات فمرجع الحكم بالحلّيّة في الفرض إلى الحكم بتحقّق الوضع لا التكليف و هو كماترى نعم لو فرض في مقام كون إيقاع نفس العقد من المحرّمات مع قطع النظر عن ترتيب الآثار بالحرمة النفسيّة كما قيل في باب الرباء و إيقاع العقدعلى الأمّ فشكّ في حرمته بهذا المعنى كان مقتضى الأصل الأوّلي الحليّة و الفساد و حرمة ترتب الآثار لكنّه لا تعلّق له بالمقام بقي هنا وجهان آخران‏لحرمة إيقاع العقد أيضا أحدهما حرمته من حيث الإعانة على الإثم فيما كان سببا و لو بالسببيّة الناقصة لترتّب الآثار فيما كان فاسدا ثانيهماحرمته من حيث التشريع أمّا الأول فلا يجري الأصل فيه لأنه تابع لحرمة ترتيب الآثار و الأصل الحرمة كما عرفت و الثاني لا يتصوّر فيه شكّ حتّى‏يرجع فيه إلى الأصل لأنّه مع الشكّ في سببيّة العقد كان إيجاده بعنوان السببيّة على تقدير تصوّر التشريع القصدي تشريعا محرّما قطعا فلاشكّ فيه حتّى يرجع إلى أصالة الحلّيّة هذا مضافا إلى أن أصالة عدم السببيّة تثبت الموضوع في مرحلة الظاهر فلا معنى للرجوع إلى أصالة الحلّيّةفإن شئت قلت إن الحرمة التشريعيّة كما ثبت قطعا مع القطع بعدم السببيّة كذلك تثبت قطعا مع الشكّ في السببيّة فافهم و منه يظهر أن قوله‏و إذا جاء أدلة النقل و الانتقال إلى آخره لا محصّل له لأن الشكّ في الحلّيّة نشأت من الشكّ في الملكيّة فلا يجوز الحكم بالحلّيّة بعد الحكم بعدم الملكيّةحتى يجي‏ء أدّلة النقل و الانتقال و بعبارة أخرى الشكّ إنّما هو في موضوع دليل النقل فإذا كان مقتضى الأصل عدم تحقّق الموضوع فأين‏دليل النقل و الانتقال هذا و ثانيا سلّمنا حرمته كما توهّمه بعض لكن يتعيّن في المقام الحكم بالحرمة أيضا من حيث إن الشك فيه كالشك في حرمة ترتيب الآثارمسبّب عن الشك في الملكيّة فإذا حكم بعدمها بمقتضى الأصل الموضوعي فلا يبقى محل للرجوع إلى الأصل الحكمي فالشكّ في حرمة العقد في الفرض‏على هذا القول أيضا لا يوجب الرجوع إلى أصالة الحليّة و أمّا ما ذكرناه سابقا من الجمع بين الحكم بحلّيّة إيقاع العقد و الحكم بفساده فإنما هو فيمالم يكن الشكّ في الحلّية و الحرمة مسبّبا عن الشك في الصحّة و الفساد بل من حكم الشارع في نفسه فإنه ربما يكون المعاملة فاسدة و نقطع بأنّ إيقاعهامباح فتدبّر و ممّا ذكرنا يظهر أن ما ذكره بقوله و كذا المرأة لها عنوانان لا محصّل له أيضا لأنّ وجود العنوانين للمرأة من حيث تأثير العقد و عدمه لايجدي فيما إذا شكّ في وجود العنوان المؤثر مع كون الأصل الفساد و عدم تأثير العقد مع قطع النظر عن أصل موضوعيّ يقتضي خلوّ المحلّ عن تأثير
55
النكاح المقتضي لتأثير العقد و صحّته و ثالثا أن العلم الإجمالي الذي جعله مانعا من الرجوع إلى الأصل الموضوعي بتولد المرأة من والدة و رضاعهامن مرضعة لم يعلم له معنى صحيح أيضا لأنّه لا يترتّب على توليدها من غير والدة الزوج و كذا رضاعها من غير مرضعة أثر أصلا و إنّما الغرض نفي‏النسب و الرضاع بينها و بين الزوج نعم لو قيل بالأصل المثبت أمكن فرض التعارض في المقام لكنه بمكان من الضعف و السقوط سيّما في مثل المقام‏و رابعا أن قوله سلّمنا جريان الأصل إلى آخره مبنيّ على ما عرفت فساده في غير موضع من عدم جواز الجمع بين الأصل الموضوعي و الحكمي سواء تعارضاأو تعاضدا و خامسا أن قوله ثم إعمال أصالة حرمة التصرّف في المثالين إلى آخره مبنيّ على جواز التمسّك في الشبهات الموضوعيّة بالعمومات و الإطلاقات‏و هو في كمال الضعف و السقوط أيضا لأن الرجوع إلى الأصل اللفظي إنما هو في الشكّ في المراد و لا يتصوّر شك فيه بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيةكما هو ظاهر و سادسا أن قوله و إن كان قبل ملاحظتها إلى آخره لا محصّل له أيضا لأن كون مقتضى الأصل الأوّلي مع قطع النظر عن أصالة الفساد المتّفق‏عليها الحلّيّة مع تعيّن الرجوع إلى الأصل المذكور المقتضي للحرمة لا فائدة فيه و لا يمكن تنزيل الرواية عليه فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّه لا مناص من‏جعل ذكر المذكورات في الرواية من جهة التقريب و التنظير لا التمثيل و كونها من جزئيّات الكليّة المذكورة فيها ثمّ إنّه قد علم من مطاوي ما ذكرنا من‏المقصود من رواية مسعدة بن صدقة و غيرها مما دل على حليّة المشتبه مطلقا أو في خصوص الموضوع إثبات الحلّيّة عند احتمال التحريم الذاتي بل قدعرفت سابقا أنه المراد من جميع صور دوران الأمر بينه و بين غيره فإذا شكّ في لباس أنه من جنس ما يصلّى فيه أم لا فإن كان المنع عن الصّلاة فيه من حيث‏احتمال تحريم لبسه نفسا و ذاتا فيجوز الرجوع فيه إلى أصالة الحلّيّة و الحكم من جهتها بصحة الصلاة فيها و إن كان من جهة أمر وضعيّ من مانعيّة لبسه‏للصّلاة مثلا مع جواز لبسه بحيث لا يحرم فيه الصلاة إلا من حيث بطلانها به فيحرم تشريعا إن فرض التشريع فلا معنى للرجوع إلى أصالة الحلّيّة و الحكم‏بجواز الصّلاة فيه الذي هو في معنى الحكم بالصحّة و ثبوت الأمر الوضعي بل مقتضى ما دلّ على الشرطيّة أو المانعيّة إحراز حال اللباس و الحكم ببطلانهامع الشك كما هو ظاهر الفقهاء و قد أشرنا إلى ذلك فيما قدّمناه لك و أعدنا القول فيه و كررناه من جهة ما رأينا من بعض أفاضل أهل العصر من سلوك خلافه‏ قوله قدس سره و توهّم عدم جريان قبح التكليف بلا بيان إلى آخره‏(1) أقول ما ذكره قدس سره مجرّد توهّم نظرا إلى ما أفاده من أن البيان الذي هو من وظيفةالشارع قد صدر منه و وصل إلى المكلف في الفرض فلا يحكم العقل بقبح المؤاخذة على تقدير مصادفة الحرام لا مطلقا و إلاّ فلا يظنّ وقوع أحد في‏هذا الوهم نظرا إلى أنّ مناط القاعدة ليس قبح ترك البيان على الشارع حتى يدفع بصدوره و وصوله بل علم قبح مؤاخذة من لا يعلم بتوجّه الخطاب إليه وتنجّزه في حقّه سواء لم يبيّنه الشارع أصلا أو بينه و لم يصل إليه أو وصل إليه و لم يعلم بتوجّهه إليه من جهة عدم العلم بوجود موضوعه في واقعةلا تفصيلا و لا إجمالا و مجرّد تعلق الخطاب بالموضوعات النفس الأمريّة و تبعيّة الحكم للواقع و إن جهل المكلف به لا يوجب شيئا على المكلّف في حكم‏العقل و الشرع لأن النتيجة تابعة للعلم بالمقدّمتين و لا يكفي مجرّد العلم بالكبرى و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا نعم قد وقع في هذا الوهم بعض‏في الشبهة الموضوعيّة الوجوبيّة كما سيجي‏ء الكلام فيها و إن كان الحقّ عدم الفرق بين الشبهتين و وضوح فساد التوهم المذكور هذا
في عدم جريان مناط قاعدة الاشتغال في المقام‏
و أمّا ما أفاده‏قدس سره من النقض بجريان التوهم المذكور في الشبهة الحكميّة أيضا بقوله و ما ذكر من التوهّم جار فيه أيضا قد يناقش فيه بأن ما يفرض من الشبهة الحكميّةمن جزئيّات المسألة الثانية أي إجمال النصّ الذي هو محلّ النقض فالقياس عليه في غير محلّه لأنّ البيان التام لم يصل إلى المكلّف بالفرض إذالمفروض عدم تبيّن الموضوع الشرعي و عدم وضوح المراد من اللفظ لإجماله و ما لا مدخل فيه كمطلق الشبهة الحكميّة من حيث الشكّ في دخولهافي قوله تعالى‏ ما نَهاكُم عَنْهُ فانتَهُوا وَ أَطيعُوا اللَّهَ وَ رَسُوله و نحو ذلك فيتوجّه عليه أن هذه الخطابات لا تؤثر في ذمّة المكلّف شيئا لأنّهاخطابات إرشاديّة كما هو ظاهر فالنقض لا توجّه له على كلّ تقدير فإن شئت قلت إن قياس المقام بالشبهة الحكميّة في جريان حكم العقل بالبراءةفيهما من حيث إناطته بعدم توجّه الخطاب إلى المكلّف سواء لم يعلم بالخطاب أصلا أو علم و كان مجملا أو كان مبيّنا معارضا بما كان مكافئاله أو علم به و كان مبيّنا سليما عن المعارض و لكن شك في تحقق موضوعه و وجوده أو كون الموجود من مصاديق موضوعه في كمال الاستقامةنظرا إلى عدم علم المكلّف بتوجّه خطاب الشارع إليه في جميع الصور المذكورة إلا أن قياسه بها في جريان القياس المغالطي لحكم العقل بالاشتغال‏من حيث وصول البيان الذي كان من وظيفة الشارع إلى المكلّف في المقامين فيجب من أجله الاحتياط و تحصيل القطع بالاجتناب عن جميع مايحتمل تعلّق الخطاب المبيّن به من حيث إن الموضوع الكلّي الذي يشكّ في تحريمه كشرب التتن مثلا و إن كان الشك فيه شكّا في الحكم الكلّي الإلهي‏من حيث هو إلا أنه يرجع إلى الشكّ في صدق الخبيث عليه الذي ثبت تحريمه في الكتاب أو صدق عنوان المنهيّ عليه الذي ثبت وجوب الانتهاءعنه في الكتاب فهو بهذا الاعتبار يرجع إلى الشك في الموضوع و متعلّق الخطاب مع تبيّن نفس الخطاب فيجب الاحتياط فيه بهذه الملاحظة و الحيثيّة غيرمستقيم أمّا أوّلا فلأن وجوب الانتهاء عما نهى الشارع عنه إرشاديّ محض لا يوجب اشتغالا و لا احتياطا في حكم العقل نظير وجوب‏
56
الإطاعة و حرمة المعصية بل هو هو و أما ثانيا فلأن الشكّ في صدق الخبيث على شرب التتن مثلا إن كان من جهة الشك في المفهوم و إن كان له‏أفراد واضحة كما هو الشأن في غالب المفاهيم العرفيّة بل الأمر كذلك فيما حكموا بوضوحه و لم يتعرّضوا له كالماء مثلا حيث إنه بحدّه و كنهه و حقيقته غيرمعلوم و إن كان له أفراد واضحة و من هنا قد يشك في صدقه على بعض المائعات و الموجودات من جهة الشك في حقيقته و مفهومه كما هو ظاهر فلايجوز قياس المقام به ضرورة ثبوت الفرق بين المقامين من جهة تبيّن القضيّة الشرعيّة و وصولها إلى المكلف في الشبهة الموضوعية فيوهم جريان قاعدةالاشتغال فيها و عدم تبيّنها في الشبهة الحكميّة فلا مانع من الرجوع إلى حكم العقل بالبراءة و لو بني على القياس و الحال هذه لجاز القياس بالمسألةالثانية من مسائل الشبهة التحريميّة الحكميّة من غير تكلّف أصلا و إن كان من جهة الشك في الأمور الخارجيّة مع تبيّن الخبيث مفهوما بحيث لم يكن فيه‏شك أصلا من حيث المفهوم و المراد من اللفظ و لم يكن هناك شكّ في حكم شرب التتن مثلا إلا من حيث الشكّ في صدق الخبيث عليه من جهة اشتباه‏الأمور الخارجيّة و إن كان في كمال البعد فيرجع إلى المقام فلا معنى للتفصيل و القياس إذ لا فرق بعد رجوع الشكّ في حكم الموضوع إلى الشك فيه‏من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة مع تبيّن القضيّة الشرعيّة موضوعا و محمولا بين كون الموضوع المردّد أمرا جزئيا حقيقيّا و بين كونه كليّا في نفسه‏ قوله قدس سره و نظير هذا التوهّم إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن المفروض في الشبهة الوجوبيّة الموضوعيّة و إن كان مشابها للمقام بعينه‏من جهة حيث يئول الشكّ فيه إلى الشكّ البدوي في التكليف النفسي المستقل و إن كان هناك قدر متيقّن يقينيّ و من هنا يحكم فيه بالبراءة كما في‏المقام إلا أن المقام أولى بجريان البراءة من حيث أن المفروض هناك علم إجمالي بخطاب متوجّه إلى المكلّف فيتوهّم جريان قاعدة الاشتغال و من‏هنا ذهب جماعة من المجتهدين فيه إلى الاحتياط بل نسب إلى الأكثر و هذا بخلاف المقام فإن المفروض فيه عدم العلم بتوجّه الخطاب أصلا
في عدم جريان مناط قاعدة الاشتغال في المقام‏
قوله قدس سره قلت إن أريد بالضرر العقاب إلى آخره‏(2) أقول لما بيّن قدس سره جريان حكم العقل بالبراءة في المقام في قبال توهّم مانعيّة العلم بصدور الخطاب المبيّن‏الواصل إلى المكلّف عن حكمه بالبراءة أراد دفع توهم جريان مناط قاعدة الشغل في المقام و هو وجوب دفع الضرر المحتمل في حكم العقل بأن قاعدةالقبح واردة على قاعدة وجوب الدفع بالنسبة إلى الضرر المحتمل الأخروي و توهّم العكس مدفوع بلزوم الدور على ما نبّه عليه سابقا هذا بالنسبةإلى الضرر الأخروي و أمّا الضرر الدنيوي فالمستفاد من كلامه قدس سره في المقام منع حكم العقل بوجوب دفع محتمله أوّلا ثم منع كون حكم العقل به‏دليلا على حكم الشارع و كاشفا عنه ثانيا من حيث تصريح الشارع بحلّيّة ما لم يعلم حرمته شرعا و هذا كما ترى لا يخلو عن إجمال فإن فيه وجوهامن حيث احتمال رجوعه إلى منع التلازم و لو في خصوص المقام أو كونه ظاهريّا مشروطا بعدم حكم الشارع بخلافه أو كونه واقعيّا إلاّ أن حكم الشارع‏بخلافه ظاهرا في مورده يكشف عن ارتفاع موضوعه على ما ستقف عليه من الشرح و البيان في قوله لكن الإنصاف فالفرق بالإجمال و التفصيل فتأمل‏ قوله قدس سره و إن أريد ما لا يدفع العقل ترتّبه إلى آخره‏(3) أقول لا بد من أن يحمل ما احتمله في الجواب على تقدير إرادة الضرر الدنيوي المحتمل على تماميّته‏بعد ذلك من أنّ حكم العقل بدفع الضرر مطلقا حتى في المقطوع مقيّد بعدم التدارك فلا يحكم بوجوب دفعه شرعا فيما ثبت تداركه من جهة انتفاءالحكم العقلي حقيقة لا من جهة التفكيك بينهما كما ربما يوهمه قوله فوجوب دفعه عقلا لو سلّم إلى آخره ثمّ إنّ السؤال المذكور متعلّق بأصل الحكم في المسألةلا بالاستدلال عليها بحكم العقل من جهة قاعدة قبح العقاب من غير بيان و إلا فالجواب المذكور على تقدير إرادة الضرر الدنيوي لا يفيد في شي‏ءمن حيث رجوعه إلى التشبّث بالأخرة بذيل لأدلّة النقليّة قوله قدس سره فإن قيل نختار أوّلا احتمال الضرر إلى آخره‏(4) أقول لا يخفى عليك أن ما ذكرأوّلا لا تعلق له بالشبهة الموضوعيّة أصلا لأن المفروض صدور البيان التام من الشارع و وصوله إلى المكلّف فأين عدم البيان حتى نتكلّم فيه‏أنه لمصلحة أو لا لها و قد جرى ذكره في المقام غفلة و سهوا من القلم و إلاّ فهو مختصّ بالشبهة الحكميّة كما صرّح به في العدّة و غيرها جوابا لما استدلّ‏به القائلون بأصالة الإباحة في الأشياء من أنه لو كان هناك مضرّة آجلة لبيّنها الشارع‏ قوله قدس سره و هذا الدليل و مثله رافع للحلّيّةالثابتة إلى آخره‏(5) أقول وجه وروده على الرواية على ما يوهمه ظاهر العبارة كون الغاية في الحديث العلم بالحرمة و لو في مرحلة الظاهر و بعبارة أخرى‏العلم بحرمة الشي‏ء مطلقا و لو من جهة كونه مجهول الحليّة و الحرمة و المفروض أنّ حليّته المشكوك في مرحلة الظاهر لا ترفع احتمال الضرر لكونه دنيويّابالفرض لا يختلف فيه الحال بحسب العلم و الجهل كالضرر الأخروي فموضوع الآية موجود و لو مع ملاحظة الحديث بخلاف العكس نعم لوكانت الغاية للحليّة في الحديث العلم بالحرمة في مرحلة الواقع و بعبارة أخرى العلم بحرمة الشي‏ء من حيث هو لا بعنوان كونه مجهول الحرمة وقع التعارض‏بينهما لا محالة قوله قدس سره قلت سلّمنا احتمال المصلحة إلى آخره‏(6) أقول قد عرفت أن حديث وجود المصلحة في ترك البيان و عدمه أجنبيّ عن المقام مع‏أنك قد عرفت أنه لا فائدة فيه في وقوف العقل عن الحكم بعدم الضرر الأخروي في الشبهة الحكميّة أيضا نظرا إلى أن مناط حكم العقل بدفع العقاب‏هو استقلاله في الحكم بقبح العقاب من غير وصول البيان إلى المكلف و علمه به سواء بيّنه الشارع أو لم يبيّنه لمصلحة مع أن البيان من الشارع
57
بعد تكميل الدين مفروض فلا تعلق لهذه المقالة بباب البراءة أصلا نعم لو أريد استكشاف الإباحة الواقعيّة و عدم التحريم النفس الأمري للفعل‏من جهة ثبوت الملازمة في حكم العقل بين ثبوت التحريم و بيانه بقاعدة اللطف كما هو ظاهر استدلالهم في مسألة الحظر و الإباحة كان الجواب‏المذكور مستقيما مع فرض عدم العلم بتكميل الدين لكنّه لا تعلّق له بباب البراءة أصلا سيّما بالشبهة الموضوعيّة على ما عرفت‏
في الجواب عن السؤال الأول بوجوه متعدّدة
فإن شئت قلت إنّ‏الجواب عن السؤال الأول من وجوه أحدها أن وجود احتمال المصلحة في ترك البيان و عدمه لا تعلّق له بالمقام أصلا فإن الكلام في الشبهةالموضوعيّة و المفروض وجود البيان التّام من الشارع و وصوله إلى المكلفين و وقوع الاشتباه في بعض الجزئيّات من جهة اشتباه الأمور الخارجيّةلا يجب على الشارع رفعه إذ ليس من شأنه من حيث إنه شارع إزالة الشبهة عن الموضوعات الخارجيّة كما هو واضح ثانيها أن المفروض في الشبهات‏الحكميّة بعد فرض تكميل الدين أيضا بيان أحكام جميع الموضوعات و وصولها إلى نوع المكلفين و إن لم يصل إلى جميع أشخاصهم من جهة المقصّرين‏فلا يحتمل ترك البيان في الشبهات الحكميّة أيضا حتى نتكلّم فيه أنه لمصلحة أو لا لمصلحة فقضيّة احتمال المصلحة في ترك البيان أجنبيّة عن المقامين و إنّماتفيد على تقدير الإغماض عمّا سيجي‏ء في أوائل البعثة ثالثها أنّ تجويز العقل المصلحة في ترك البيان بالنسبة إلى جملة من الأحكام من حيث كون‏بناء الشارع على تبليغ الأحكام على الوجه المتعارف و على حسب اقتضاء المصالح الموجبة لبيانها إنّما يرفع قبح ترك البيان من الشارع من حيث‏كونه لطفا و مقصودا من الخلقة و لا يوجب حسن المؤاخذة و العقاب و الحال هذه ضرورة استقلال العقل في الحكم بالقبح مع عدم وصول‏البيان التامّ إلى المكلفين أو عدم توجيهه إليهم و إن وصل إليهم كما هو المفروض في المقام على ما عرفت و إن قطع بترك بيان الشارع لحكم الواقعة لمصلحةمن المصالح فضلا عما لم يقطع بذلك و احتمل البيان مع عدم وصوله إلى المكلّفين فتدبّر رابعها أنه على تقدير الإغماض عما ذكر يوجب وقوف‏العقل عن حكمه بقبح العقاب و البراءة في المقام و لا يمنع من الحكم بالبراءة الشرعيّة من جهة أخبارها فيحكم لأجلها بالبراءة و عدم الضرر الأخروي فتأمل‏هذا و لعلّ اقتصار شيخنا قدس سره في الجواب على الوجه الأخير إنما هو لوضوح الأجوبة الثلاثة هذا ملخّص الجواب عن السؤال الأوّل و أما الضرّر الدنيوي‏فقد أجاب بمنع قيام الدليل الشرعي على وجوب دفع مشكوكه حيث إن الآية الشريفة لا يظهر منها حكم المشكوك و من هنا ذهب المشهور في باب الصّوم‏و التيمّم من جهة ما زعمه من دلالة الأخبار عليه من حيث لحوق الحكم بالخوف بمقتضاها فيصدق مع الشكّ أيضا و الثمرة بين القولين مضافا إلى‏ما ذكر ظاهرة هذا و الذي أظنّ أن حكم المشهور بذلك إنما هو من حيث حكمهم بحجيّة الظنّ في باب الضرر الدنيوي لا من حيث دلالة الآية عليه من‏حيث الموضوعية أو الطريقية في زعمهم و إن استند بعضهم إليها فراجع‏
في إلزام العقل بدفع الضّرر المشكوك فيه‏
قوله قدس سره و لكنّ الإنصاف إلزام العقل إلى آخره‏(1) أقول قد أسمعناك شرح‏الكلام فيما يتعلّق بالآية الشريفة في الجزء الأول من التعليقة كما أسمعناك شرح القول فيما يتعلّق بمسألة الضرر ثمّة و ذكرنا هناك ما حاصله‏أنه و إن لم يكن فرق في حكم العقل في الضرر الدنيوي الغير المتدارك فيما يحكم العقل بلزوم دفعه بين مراتبه فما يحكم في مقطوعه بلزوم الدفع يحكم به‏في مظنونه و مشكوكه لكنّه فيما تعلّق الظن و الشكّ ابتداء بالضرر لا من جهة الظن بالحرمة أو الوجوب أو الشكّ فيهما بناء على تبعيّة الأحكام عندالعدليّة للمصالح و المفاسد إذ ربما يكون هناك عنوان منطبق على الفعل يمنع من ترتب الضرر عليه و ما دلّ على إلغاء الظنّ في الشرعيّات سيّمافي الموضوعات الخارجيّة و على الرجوع إلى الأصول العمليّة مطلقا في الشبهات الحكمية و الموضوعيّة يثبت تدارك المفسدة على تقدير ثبوتها نعم‏فيما تعلّق الظنّ ابتداء بالضرر الدنيوي كان ظاهرهم الاتفاق على اعتباره و يقتضيه شبه دليل الانسداد أيضا عند شيخنا قدس سره كما عرفته في‏الجزء الأوّل من الكتاب لكنّه لا تعلّق له بالظنّ بالمفسدة المتولد عن الظنّ بالحكم الإلزامي في الواقعة الكلّيّة و الجزئيّة هذا و لكن قد يناقش‏فيما أفاده مضافا إلى ما عرفت الإشارة إليه من منع حكم العقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي بقول مطلق و بجميع مراتبه حتى ما يستكشف‏من احتمال الحرمة المعلومة للمفسدة على ما ذهب إليه العدلية و ما لا يرجع إلى هلاك النفس و نحوه في المرتبة بأنه على تقدير تسليم استقلال‏العقل في الحكم بالوجوب يكون حكم العقل من حيث كون الشكّ في الضرر موضوعا في حكمه فيكون الإقدام معه بملاحظة قاعدة التلازم حراماشرعيّا واقعيّا لا ظاهريّا فلا معنى للحكم بالبراءة في مورده حتى يستكشف من تدارك الضرر بما يرجع إلى الدنيا أو الآخرة حيث إن عدم العلم بالحكم‏و الجهل فيه مأخوذ فيه و إن كان هذا الحكم العقلي كحكمه عند القطع بالضرر الدنيوي أو الظنّ به لا يمنع من ترخيص الشارع لارتكابه من حيث كشفه‏عن عنوان منطبق على المضرّ مزاحم عن تأثيره فإن الضرر في حكم العقل ليس علّة تامّة لحكمه كالظلم و الكفر بالله و الإيمان به مثلا و إنما هو مقتض لذلك‏كالكذب و الصّدق و نحوهما فيرجع إلى العنوان التقييدي أي الضرر الذي لم يعلم انطباق النفع عليه إلا أن دليل الترخيص لا بد أن يكون تنجيزيّا غيرمعلّق على عدم العلم بالحكم و إلا فلا يكون مفيدا في ردع العقل عن حكمه في مورد الشكّ كما لا يكون مفيدا في مورد الظن بالضّرر و هذا بخلاف‏الضّرر الأخروي فإن حكم العقل بوجوب دفعه حتى في المعلوم منه لا يمكن أن يكون كاشفا عن حكم شرعيّ في عنوان الضرر فيكون ترخيص الشارع‏
58
في مورد احتماله و لو من جهة دليل البراءة رافعا لموضوعه هذا و لكنّ الإنصاف فساد المناقشة المذكورة أمّا أوّلا فلأنّ حكم العقل بلزوم دفع الضررالمشكوك و إن لم يكن من حيث كون الشكّ طريقا إلى الضرر من حيث عدم إمكان طريقيّة إلا أنه ليس حكما نفسيّا واقعيّا و إنما هو طلب غيريّ إرشادي‏لرعاية عدم الوقوع في الضرر الواقعي كما يحكم به بهذا العنوان في الضرر المحتمل الأخروي أيضا فإذا كان هناك ما يقتضي ترخيص الشارع في محتمل التحريم‏فلا يمنعه حكم العقل المذكور من حيث كونه كاشفا قطعيّا عن تدارك الضرر الواقعي على تقدير مصادفته فيرفع القيد المأخوذ في موضوع حكم‏العقل و المفروض عدم إيجابه العلم بالحكم الواقعي و لو في مرحلة الظاهر حتى يرفع موضوع أدلّة البراءة فيكون أدلّة البراءة واردة على الحكم المذكوركما تكون واردة على حكم العقل بالنسبة إلى الضرر المحتمل الأخروي حرفا بحرف غاية ما هناك أنها ترفع أصل الضرر بالنسبة إلى الضرر الأخروي وترفع قيده بالنسبة إلى الضرر الدنيوي و هذا لا يجدي فرقا بعد فرض عدم حصول العلم بالحكم الواقعي من حكم العقل بوجوب دفع الضرر من حيث‏كونه تعليقيّا و توهّم عكس ما ذكر و ورود قاعدة وجوب الدفع على دليل البراءة جار في الموضعين كما أن دفعه بلزوم الدور من ورود القاعدةعلى دليل البراءة متوجّه فيهما حيث إن ورود القاعدة عليه أو تحكيمها عليه يتوقف على عدم ثبوت الترخيص و التدارك من الشارع في مورد الاحتمال‏و لو في مرحلة الظاهر و المفروض ثبوته فإن شئت قلت إن الحكم المأخوذ في وجود موضوعه عدم شي‏ء لا يمكن أن يكون مانعا عن وجوده و إلا لزم‏الدور و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا و أمّا ثانيا فلأنه بعد الإغماض عن كون حكم العقل في المقام غيريا إرشاديّا و تسليم كونه نفسيّا شرعيّايعاقب على مخالفته لا يجدي في التحكيم أو الورود على دليل البراءة بل الأمر بالعكس نظرا إلى كونه ثابتا في موضوع احتمال التحريم الواقعي الذي لم‏يثبت الترخيص فيه من الشارع و لو في مرحلة الظاهر فإن ثبوت الترخيص من حيث كونه كاشفا عن التّدارك رافع لقيد موضوع حكم العقل فلايمكن إطلاقه بالنسبة إليه فإذا فرض قوله عليه السلام كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام الترخيص و الإذن في محتمل التحريم إذ المفروض عدم الدليل على ثبوت‏الحرمة الواقعيّة و لو في مرحلة الظاهر و إن كان هناك حرمة نفسيّة واقعيّة مترتّبة على نفس الشك في الضرر فلا محالة يكون كاشفا عن تدارك الضرر على‏تقدير ثبوته فيكون رافعا لقيد الموضوع في الحكم العقلي و لو فرض كونه واقعيّا و من هنا ذكر شيخنا قدس سره في بعض كلماته السابقة أن قاعدة وجوب‏الدفع لو تمت عوقب على مخالفتها لا على الواقع المحتمل فما لم يوجد هناك طريق معتبر إلى الضرر و لو كان هو الظنّ به كما ثبت اعتباره فيما لو تعلّق بالضررابتداء في الشبهات الموضوعيّة للضرر حكم بالإباحة الظاهريّة من جهة أدلّتها و لا ينافي القول المذكور أصلا كما أنه إذا كان هناك طريق معتبر إليه‏حكم بالحرمة الشرعيّة الظاهريّة و هذا ملخّص ما تقدّم في ردّ الاستدلال على حجيّة مطلق الظنّ في الأحكام الشرعيّة من حيث إن الظنّ بالحكم الإلزامي‏ظن بالضرر و دفعه لازم في حكم العقل و هذا الكلام و إن لم يكن محرّرا في الضرر المشكوك إلا أن طريق الرد واحد فإن قلت إذا فرض تسليم‏حكم العقل بوجوب دفع الضرر المشكوك الدنيوي بالوجوب النفسي المترتّب على مخالفته استحقاق العقوبة و المؤاخذة من حيث كشفه عن الوجوب‏الشرعيّ المولوي فكيف يمكن الالتزام بترخيص الشارع لها في مرحلة الظاهر الكاشف عن تدارك الضرر حيث إنّه يئول إلى الإذن في مخالفة الخطاب الإلزامي‏فإن المفروض اجتماع متعلّق الخطاب الإلزامي و الترخيص الشرعي فلا بد من تنزيل الترخيص على غير مورد حكم العقل في باب الضرر قلت ما ذكر يرجع‏إلى إعادة الإشكال بعبارة أخرى حقيقة و قد عرفت دفعه بأن تطبيق الموضوع الكليّ الذي يحكم به العقل المستقل على الشبهة الموضوعيّةالتحريميّة يتوقّف على منع جريان دليل الإباحة الشرعيّة الرافع لما هو المأخوذ قيدا في الموضوع العقلي فيها فلو استند المنع إلى نفس حكم‏العقل فيلزمه الدور الباطل فإن شئت قلت إن ترتيب القياس في المقام يتوقّف على إحراز صغرى الضرر المشكوك الغير المتدارك و هو يتوقف‏على منع جريان دليل الإباحة فلو استند منعه إلى نفس الكبرى المتوقّفة على الصغرى فيلزمه ما ذكرنا من توقّف الشي‏ء على نفسه فلا يكون هناك‏اجتماع بين الحكمين أصلا بل الحكم الشرعي بالحلّيّة رافع لموضوع الحكم العقلي فافهم هذا كلّه مضافا إلى لزومه لغويّة دليل الإباحة الشامل‏للمقام يقينيا بحيث لا يحتمل خروجه عنه نظرا إلى كونه موردا لبعض أخبار الحلّيّة و هذا بخلاف حمل القاعدة على غير المقام ممّا فرض فيه وجود العلم‏الإجمالي بالحرمة في الشبهة المحصورة فإنه لا يلزم طرح القاعدة رأسا هذا كله مضافا إلى أن الحقيق بالمقام هو الوجه الأول و أن ما ذكر ثانيافإنما هو بناء على الإغماض و التسليم فإن إثبات كون حكم العقل في باب دفع الضرر المشكوك من حيث هو لا من جهة مراعات عدم الوقوع في‏المضرّة الواقعيّة المحتملة دونه خرط القتاد
تنبيهات المسألة
الأول في تشخيص محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة المحكومة بالإباحة و في أن كلّ أصل حكمي مشروط بعدم أصل موضوعي حاكم عليه‏
قوله قدس سره الأوّل أن محل الكلام في الشبهة إلى آخره‏(1) أقول ما أفاده مضافا إلى ما تقدّم الإشارةإليه في مطاوي الكلمات مرارا لا إشكال فيه أصلا و لا يختصّ بأصالة الإباحة لأن كلّ أصل حكميّ مشروط بعدم أصل موضوعيّ حاكم عليه‏سواء كانا متعارضين متنافيين بحسب المفاد أم كانا متعاضدين فمثل المرأة المردّدة بين الزوجة و الأجنبيّة لا يجري أصالة الإباحة فيها من‏جهة حكومة أصالة عدم حدوث علاقة الزوجيّة بينهما و أصالة عدم وقوع النكاح عليها على أصالة الحلّيّة بل لو أغمض النظر عنها لم يجز الرجوع‏
59
إلى أصالة الإباحة من جهة أخرى فإن استصحاب الحرمة و إن كان أصلا حكميّا أيضا حاكم عليها و إن كان خارجا عن محل البحث كما هو ظاهر بل ربمايناقش في جريانه من حيث إن الحرمة كانت محمولة في السابق على الأجنبيّة و المفروض الشكّ فيها فكيف يستصحب حكمها إذ مع استصحاب‏الموضوع أي الأجنبيّة لا يبقى شكّ في الحرمة فاستصحاب الحرمة ساقط على كلّ تقدير إلاّ أن يتسامح في موضوع المستصحب و معروضه‏فيقال إن وطي المرأة المردّدة و النظر إلى محاسنها كانا محرّمين في السابق يقينا فيجعل الموضوع نفس المرأة لا بعنوان كونها أجنبيّة و تحقيق‏ما يتعلّق بالمقام يأتي في باب الاستصحاب إن شاء الله تعالى و أمّا المال المردّد بين ملك نفسه و ملك الغير فله صور الأولى ما لم يعلم الحالة السابقةله من حيث كونه ملك غيره أو ملك نفسه الثانية ما علم أنه ملك غيره الثالثة ما علم أنه ملك نفسه لا إشكال في ترتيب آثار ملكه عليه في الثالثةكما أنه لا إشكال في ترتيب آثار ملك غيره عليه في الثانية و الحكم ببقائه في ملك الغير و عدم حدوث علاقة الملكيّة لنفسه في زمان الشكّ نعم لو كان‏هناك يدله عليه و قلنا بكونها طريقا إلى الملك في زمان الشكّ حتى في حقّ ذي اليد حكم بمقتضاها بجواز التصرّف فيه و ترتيب آثار ملكه عليه لكنّه‏خارج عن المفروض كما أنه خارج عن الصورة الأولى أيضا فإن الكلام في صور المسألة في حيث اقتضاء الأصل و أمّا الصّورة الأولى فلا إشكال‏في نفي ما يتوقّف على الملك كالبيع و العتق و نحوهما فيها لأن الأصل عدم دخوله في ملكه و لا يعارض بأصالة عدم دخوله في ملك غيره لأنه لم يقصدمن الأصل المذكور حتى ينفى بالأصل فيتعارضان و أمّا التصرّفات الغير المتوقفة على الملك فهل يحكم بإباحتها من جهة الأصل أو بحرمتها نظرا إلى‏الشك في وجود السبب المحلّل وجهان كما في الكتاب هذا في المال المردّد و أمّا في غيره ممّا علم قطعا بعدم سبق ملك أحد عليه فإن ملكه بأحدالأسباب المملكة فلا إشكال فيه و إن لم يملكه فإن أراد ترتب ما يتوقف على الملك فلا يجوز له قطعا و إن أراد غيره كإحراق الحطب المباح مع عدم قصدتملّكه فلا إشكال في جوازه ظاهرا كما هو ظاهر و أمّا اللحم المردد بين المذكى و الميتة فلا إشكال أيضا في تعيين الرجوع فيه إلى أصالة عدم التذكيةالمقتضية للحكم بالحرمة و النجاسة لحكومتها على ما عرفت على أصالة الإباحة لكون الشكّ في حليته مسبّبا عن الشكّ في التذكية نعم من ينكر اعتبار الاستصحاب‏مطلقا حتى في العدميّات كصاحب المدارك يذهب إلى الحكم بالحليّة و الطهارة لأصالتيهما فإنه صرّح بأن حكم المشهور بالحرمة و النجاسة مبنيّ على اعتبارالاستصحاب و هو ممنوع عندنا لكنّه ضعيف مضافا إلى ما يستفاد من جملة من الأخبار من كون أصالة الحرمة في اللحوم مسلّما عند الأئمّة عليهم السلام كما يظهر مما ورد في حكم الصّيد المرميّ الذي لم يعلم استناد موته إلى الرمي و كذا فيما أرسل إليه الكلب و لم يعلم استناد موته إليه و من هنا ذهب‏بعض المتأخرين إلى أصالة الحرمة في اللحوم مع حكمه بعدم الجدوى لاستصحاب عدم التذكية من جهة المعارضة
في ردّ كلام صاحب المدارك و من توهم أن أصالة عدم التذكية معارضة بأصالة عدم موت حنف الأنف‏
و بالجملة هذا القول ضعيف كضعف‏تضعيف الأصل المزبور من جهة معارضته بأصالة عدم موت حتف الأنف فيحكم بالحلية و الطهارة كما عرفته سابقا عن شارح الوافية بتوهّم أن موضوع‏الحرمة و النجاسة الميتة المقابلة للمذكّى كما أن موضوع الحليّة و الطهارة المذكى فكما أن أصالة عدم التذكية تقتضي نفي الحليّة و الطهارة كذلك أصالة عدم موت‏حتف الأنف تقتضي نفي الحرمة و النجاسة و المفروض العلم بثبوت واحد مما نفاه الأصلان فيتعارضان فيحكم بالحليّة و الطهارة نظرا إلى الأصل فيهماو هذا البيان أولى مما ذكره السيد الشارح من أن أصالة عدم التذكية يثبت موت حتف الأنف و أصالة عدم موت حتف الأنف يثبت التذكيةفتعارضان فيرجع إلى الأصل المحكوم فإن الحكم الشرعي من الحلّيّة و الحرمة رتّب على المذكّى و غيره فلا يكون للميتة حكم كما يدلّ عليه الآيات و الأخبارفالحكم بحرمة الميتة في بعض الآيات و الأخبار من جهة انطباق غير المذكّى عليه هذا مع إمكان أن يقال إن المراد من الميتة في لسان الشارع ما خرج‏روحه بغير التذكية الشرعيّة فالمراد منها ما ينطبق على سائر الآيات و الأخبار هذا و قد مضى شطر من الكلام في ذلك في بعض المسائل السّالفةفراجع‏
التنبيه الثاني‏
قوله قدس سره الثاني أن الشيخ الحر أورد في بعض كلماته اعتراضا إلى آخره‏(1) أقول قال الشيخ رحمه الله في محكيّ الفوائد الطّوسيّة فائدة سئل بعض الفضلاء عن الشبهة التي يجب اجتنابها كيف خصّصوها بالشّبهة في نفس الحكم الشرعي دون طريق الحكم الشرعي و ما حدّهما و الدليل على‏التقسيم و على هذا يكون شرب التتن داخلا في القسم الثاني قال و الجواب حدّ الشّبهة في نفس الحكم الشرعي ما اشتبه حكمه الشرعي أعني الإباحةو التحريم كمن شكّ في أن أكل الميتة حلال أو حرام و حدّ الشبهة في طريق الحكم الشرعي ما اشتبه فيه موضوع الحكم الشرعي مع كون محموله معلوماكما في اشتباه اللحم المشترى من السوق لم يعلم أنه مذكى أو ميتة مع العلم بأن الميتة حرام و المذكّى حلال و هذا التفسير يستفاد من أحاديث‏الأئمة عليهم السلام و من وجوه عقلية مؤيّدة لتلك الأحاديث و يأتي جملة منها و يبقى قسم آخر مردّد بين القسمين إلى آخر ما حكاه عنه في الكتاب إلى قوله و هذه‏التفاصيل يستفاد من مجموع الأحاديث إلى آخر كلامه المحكي في الكتاب و الظاهر أن غرضه من قوله و هذه التفاصيل يستفاد من مجموع الأحاديث‏ليس دلالة كل حديث على التفصيل بين الشبهتين في الحكم بل دلالة المجموع من حيث المجموع و لو بدلالة بعضها على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكميّةمن غير تعرّض لحكم الشبهة الموضوعيّة و بعضها على الحلّيّة في الشبهة الموضوعيّة من غير دلالة على حكم الشبهة الحكميّة كما يفصح عنه كلماته عند
60
التأمّل فيها فما أفاده شيخنا قدس سره في الردّ عليه بقوله كان مطلبه أن هذه الرواية و أمثالها مخصّصة لما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياطإلى آخره لعلّه لا تعلّق له به نعم من حكم بعموم الرواية للشبهتين له أن يورد عليه بعمومها لهما لكنك قد عرفت اختصاص الرواية بالشبهة الموضوعيّةو فساد القول بعمومها لهما كما عليه غير واحد ممن عاصرناه أو قارب عصرنا كما أن ما أفاده في الردّ عليه بقوله أقول فيه مضافا إلى ماذكرناه من إباء سياق الخبر عن التخصيص إلى آخره كأنه لا توجّه له به لأن قوله بعد نقل الحديث و هذا إنما ينطبق على ما اشتبه فيه نفس الحكم‏الشرعي كالنصّ في دعوى الاختصاص و إن كان استدلاله عليه بقوله و إلاّ لم يكن الحلال البيّن و لا الحرام البيّن موجود الوجود الاختفاء و الاشتباه‏في النوعين من زمان آدم عليه السلام إلى الآن بحيث لا يوجد الحلال البيّن و لا الحرام البيّن و لا يعلم أحدهما من الآخر إلاّ علاّم الغيوب محلّ نظر بل منع‏لأنّ فساد الاستدلال مع صراحة المدّعى و الدّليل فيما ذكرناه لا يوجب قلب المراد نعم الإيراد عليه بعموم الحديث للشبهتين ممّا لا محيص‏عنه و العجب أن المستفاد من قوله قدس سره بعد ذلك في طيّ الإيراد و لو استشهد بما قبل النبوي من قول الصّادق عليه السلام إنما الأمور ثلاثة كان‏أظهر في الاختصاص كون الشّيخ في مقام دعوى الاختصاص لا التخصيص و مع ذلك أورد عليه بما عرفت فلا بدّ من الإيراد عليه بعموم أخبارالتثليث النبوي التي منها ما استشهد به للشبهتين كما عرفت نعم التثليث الإمامي في الرواية المذكورة مختصّ بالشبهة الحكمية جدّا لأن قوله عليه السلام و أمرمشكل يردّ إلى اللّه و رسوله صلى اللَّه عليه و آله كالنص في الاختصاص بالشبهة الحكميّة لأن الشبهة الموضوعية لا ترد إلى اللّه و رسوله صلى اللَّه عليه و آله و إن ردّ حكمها إليهما كما هو ظاهر و فساد ما استند إليه في دعوى الاختصاص من عدم وجود البيّن من القسمين‏في الموضوعات الخارجيّة و لا يعلم بهما إلاّ علاّم الغيوب لكثرة تخصيص القسمين في الموضوعات بل أكثريّتهما من الأحكام لأن الحلال البيّن في الموضوع‏كالتصرّف في المباحات الواقعيّة من الأراضي و الجبال و الشطوط و الأنهار و غير ذلك كثير في الغاية و أظهر منه أمر المحرّم من حيث الموضوع نعم‏الحلال البيّن في بعض الموضوعات كما في الطهارة و الأملاك قليل مع قطع النظر عن قيام الأمارة الشرعيّة عليه لكنّه لا يوجب القلّة مطلقافضلا عن الانعدام رأسا مع أن القلّة مطلقا مع كونها خلاف المدّعى لا تقدح في الحكم بإرادة العموم نعم لو أريد التمسّك بالإطلاق في موردبالنسبة إلى الفرد النادر كان الإشكال فيه في محلّه لكنّه لا تعلّق له بالمقام و أمّا ما أفاده بقوله أقول ما دلّ على التخيير و التوسعة إلى آخره ردّا على‏قول الشيخ و منها ما ورد من الأمر البليغ إلى آخره قد يناقش فيه أيضا بأن الأولى أن يجاب عما دلّ على التوقّف و الاحتياط في تعارض الخبرين بما عرفته‏في المسألة الثالثة فراجع و عمّا دلّ على الاحتياط و التوقّف مطلقا بما عرفته في المسألة الأولى نعم على تقدير تسليم ظهورها في وجوب‏الاحتياط بالوجوب الظاهريّ الشرعي يتصرّف فيها بما دلّ على الحلّيّة في خصوص الشبهة الحكميّة مثل قوله كلّ شي‏ء مطلق الحديث‏لكونه نصّا بالنسبة إليها على ما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السابقة و أمّا ما أفاده قدس سره في ردّ ما ذكره الشيخ رحمه الله و منها أن الشّبهة في‏نفس الحكم يسأل عنها الإمام عليه السلام إلى آخره بقوله أقول ما ذكره من الفرق لا مدخل له إلى آخر ما أفاده فقد يناقش فيه بأن غرضه من الفرق المذكور بيان‏اختصاص ما دلّ على الوقف و الاحتياط بالشبهة الحكميّة نظرا إلى أن المذكور في غير واحد من أخباره الأمر بالوقوف حتى يسأل فيستظهرمنها الاختصاص بالشبهة الحكميّة نظرا إلى أن وجوب البحث و السؤال إنما هو فيها
في أن الأئمة عليهم السّلام عالمون بما كان و ما يكون و ما هو كائن‏
و أمّا الشبهة الموضوعيّة فإنما يسأل عن حكمها الظاهري لا عنهامن غير فرق بين أن يكون علم النبيّ و الأئمة عليهم السّلام و الصلاة بها على الوجه الذي ذكره الشيخ رحمه الله بزعم أن علمهم الحضوري بجميع الموضوعات‏الخارجيّة من علم الغيب المختصّ بالباري تعالى و إن كان مقتضى الآية كونهم عالمين بالغيب أيضا من حيث كونهم من الراسخين في العلم يقينا أو على‏غيره من الوجوه التي أشار إليها في الكتاب و إن كان الحق وفاقا لمن له إحاطة بالأخبار الواردة في باب كيفيّة علمهم صلوات الله عليهم أجمعين وخلفهم كونهم عالمين بجميع ما كان و ما يكون و ما هو كائن و لا يعزب عنهم مثقال ذرّة إلاّ اسم واحد من أسمائه الحسنى تعالى شأنه المختص علمه به تبارك‏و تعالى سواء قلنا بأن خلقتهم من نور ربّهم أوجب ذلك لهم أو مشيّة أفاضته باريهم في حقّهم أودعه فيهم ضرورة أن علم العالمين من أولي العزم‏من الرسل و الملائكة المقرّبين فضلا عمّن دونهم في جميع العوالم ينتهي إليهم فإنهم الصّادر الأوّل و العقل الكامل المحض و الإنسان التّام التمام‏فلا غرو في علمهم بجميع ما يكون في تمام العوالم فضلا عما كان أو ما هو كائن كما هو مقتضى الأخبار الكثيرة المتواترة جدّا و لا ينافيه بعض الأخبارالمقتضية لكون علمهم على غير الوجه المذكور لأن الحكمة قد تقتضي بيان المطلب على غير وجهه من جهة قصور المخاطب و نقصه أو جهة أخرى من‏خوف و نحوه مع عدم كذبهم من جهة التورية و لو لا مخافة الخروج عن وضع التعليقة بل عن الفنّ لفصّلنا لك القول في ذلك و أسأل اللّه تعالى‏التوفيق لوضع رسالة مفردة في هذا الباب‏ قوله قدس سره ثم قال و منها أن اجتناب الشبهة في نفس الحكم إلى آخره‏(1) أقول الأولى نقل عبارةالشيخ بألفاظها في هذا الوجه فقال و منها أن اجتناب الشبهة في نفس الحكم الشرعي أمر ممكن مقدور لأن أنواعها قليلة لكثرة الأنواع التي‏ورد النصّ بإباحتها و الأنواع التي ورد النصّ بتحريمها و جميع الأنواع التي يعمّ بها البلوى منصوصة و كلما كان في زمان الأئمّة عليهم السلام متداولا و لم يرد
61
النهي عنه فتقريرهم فيه كاف و أمّا الشبهة في طريق الحكم فاجتنابها غير ممكن لما أشرنا إليه سابقا من عدم وجود الحلال البيّن فيها و تكليف مالا يطاق باطل عقلا و نقلا و وجوب اجتناب كل ما زاد على قدر الضرورة حرج عظيم و عسر شديد و هو منفي لاستلزامه وجوب الاقتصارفي اليوم و الليلة على لقمة واحدة و ترك جميع الانتفاعات إلاّ ما استلزم تركه الهلاك و الاعتذار بإمكان الحمل على الاستحباب لا يفيد شيئالأن تكليف ما لا يطاق باطل بطريق الوجوب و الاستحباب كما لو كان صعود الإنسان إلى السماء واجبا أو مستحبّا فإن كليهما محال من الحكيم انتهى‏كلامه رفع مقامه في بيان هذا الوجه و غرضه ممّا ذكره كما ترى بعد تسليم العموم لأخبار وجوب الاجتناب بالنظر إلى اللفظ صرفها عنه بالقرينةالعقلية و النقليّة و لا ريب في توجّه ما أفاده في الكتاب عليه ضرورة أن البحث في المسألة على ما عرفت الإشارة إليه فيما كان المورد خاليا عما يقتضي‏الحلّيّة أو الحرمة من الأمارات و الأصول الموضوعيّة أو الحكمية المسلّمة عند الفريقين و بعد وضعه لا يبقى إلاّ موارد قليلة يرجع فيها إلى الأصل‏المذكور و لا يلزم منه حرج فضلا عن التكليف بما لا يطاق هذا و أمّا ما أفاده قدس سره في ردّ ما ذكره الشيخ المحدّث رحمه الله أخيرا و منها أنه قد ثبت وجوب‏اجتناب الحرام عقلا و نقلا و لا يتمّ إلى آخره بقوله أقول الدليل المذكور أولى بالدلالة إلى آخره فهو و إن كان مستقيما إلا أن مراده على ما يقتضيه ظاهر كلامه كما لايخفى هو الاستدلال بما دلّ على وجوب إطاعة النواهي الشرعيّة من الأدلّة النقلية و العقليّة لا نفس أدلّة المحرّمات لأن مفادها نفس التحريم ليس إلاّو يتوجّه عليه مضافا إلى النقض بالشبهة الحكميّة الوجوبيّة و إلى ما أفاده في الكتاب ما أسمعناك مرارا من أن دليل وجوب الإطاعة لا يثبت تكليفاعلى ذمّة المكلّف بحيث يعاقب على مخالفته و يجري قاعدة الشغل و حديث المقدّميّة بالنسبة إليه‏
التنبيه الثالث
قوله قدس سره فالأولى الحكم برجحان الاحتياط في‏كل مورد إلى آخره‏(1) أقول مراده قدس سره من الحرج هو البالغ منه حدّ الاختلال كما هو ظاهره و ما أفاده في وجه دفع كون التحديد بذلك عسر ما من أن دليل الحرج‏ينفي التكليف الإلزامي بالأمر الحرجي لا التكليف الندبي فهو ظاهر لا سترة فيه أصلا لأن الحكمة في رفع التكليف العسري و الموجب له مع تفويت‏المصلحة فيه على المكلّف هو التدارك بالتسهيل و التسهيل مفروض في التكليف الندبي فلا مسوّغ لرفعه هذا مضافا إلى ظهور الأدلّة بنفسهافي نفي الإلزام نعم يكفي رعاية عدم وقوع المكلّف من غاية الاحتياط في الموضوعات في الوسواس فإن الشيطان يغتنم الفرصة و يتوسّل كثيراما من طريق الإطاعة إلى إلقاء المكلّف في الهلكة و اللّه العاصم‏
التنبيه الرابع
قوله قدس سره الرابع إباحة ما يحتمل الحرمة غير مختصّة إلى آخره‏(2) أقول ما أفاده قدس سره من‏عدم اشتراط الرجوع إلى الإباحة في الشبهة الموضوعيّة بالفحص ممّا لا إشكال بل لا خلاف فيه بل الأمر كذلك في الرجوع إلى الأمارات و الأصول‏مطلقا في مطلق الشبهة الموضوعيّة إلاّ في الشبهة الموضوعية الوجوبية في بعض جزئيّاتها عند بعض على ما ستقف عليه في الخاتمة عند الكلام في‏شروط البراءة و يدلّ عليه مضافا إلى إطلاق ما دلّ على الحكم فيها من العمومات و الخصوصات جملة من الأخبار الظاهرة في نفي اشتراط الفحص‏منها قوله عليه السلام في ذيل رواية مسعدة بن صدقة و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غيره أو تقوم به البيّنة و العقل حيث إنه يجوز الرجوع إلى الأصل‏قبل الفحص في الشبهة الموضوعيّة بخلاف الشبهة الحكميّة هذا بعض الكلام في ذلك و ستقف على تفصيله و شرح القول فيه في الخاتمة إن شاء الله‏
في دوران حكم الفعل بين الوجوب و غير الحرمة و ذكر جملة من الأمثلة
فيما اشتبه حكمه الشرعي الكلي من جهة عدم النص المعتبر
قوله قدس سره ثم ذكر الأمثلة للأقسام الثلاثة إلى آخره‏(3) أقول الأولى نقل بقيّة العبارة بعينها قال بعد قوله لاستفاضة الأخبار بالنهي عن السؤال عند الشراء من‏سوق المسلمين ما هذا لفظه ما يحتمل تطرق احتمال النجاسة أو الحرمة إليه كأخبار الجبّة و أخبار الفراء جريا على مقتضى سعة الحنفية كما أشار إليه في صحيحة البزنطي‏الواردة في السؤال عن شراء جبّة فراء لا يدرى أ ذكيّة هي أم غير ذكيّة يصلى فيها حيث قال عليه السلام ليس عليكم المسألة إن أبا جعفر عليه السلام كان يقول إن الخوارج‏ضيّقوا على أنفسهم لجهالتهم و إن الدين أوسع من ذلك إذا عرفت ذلك فاعلم أن الاحتياط قد يكون متعلّقا بنفس الحكم الشرعي و قد يكون متعلّقا بجزئيات‏الحكم الشرعي و أفراد موضوعه و كيف كان فقد يكون الاحتياط بالفعل و قد يكون بالترك و قد يكون بالجمع بين الأفراد المشكوك فيها و لنذكر جملة من‏الأمثلة ليظهر منها ما قلناه فمن الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي المتعلّق بالفعل ما إذا اشتبه الحكم من الدليل بأن تردّد بين احتمال الوجوب و الاستحباب‏فالواجب التوقف في الحكم و الاحتياط بالإتيان بذلك الفعل و من يعتمد على أصالة البراءة يجعلها هنا مرجّحة للاستحباب و فيه أوّلا ما عرفت من‏عدم الاعتماد على البراءة الأصليّة في الأحكام الشرعيّة و ثانيا أن ما ذكروه يرجع إلى أن اللّه تعالى حكم بالاستحباب لموافقته البراءة الأصليّة و من‏المعلوم أن أحكام اللّه تعالى تابعة للحكم و المصالح المنظورة له تعالى و هو أعلم و منه ما إذا حصل الاشتباه في الحكم من جهة تعارض الدليلين على وجه يتعذّرفيه الترجيح بينهما بالمرجّحات المنصوصة فإن مقتضى الاحتياط التوقف عن الحكم و وجوب الإتيان بالفعل متى كان مقتضى الاحتياط ذلك فإن قيل‏إن الأخبار في الصورة المذكورة قد دلّ بعضها على الإرجاء و بعضها على العمل من باب التسليم قلنا هذا أيضا من ذلك فإن التّعارض المذكور مع عدم‏ظهور مرجّح لأحد الطرفين و لا وجه يمكن الجمع به في البين ممّا يوجب دخول الحكم المذكور في المتشابهات المأمور فيها بالاحتياط و سيأتي ما فيه مزيدبيان لذلك و من هذا القسم أيضا إلى آخر ما حكاه عنه في الكتاب و هو كما ترى صريح في ذهابه إلى وجوب الاحتياط في مفروض البحث قول المحدّث ثمّ‏
62
أقول هذا الحديث المتواتر إلى آخره أقول أراد بذلك الإشارة إلى أنه فرض قيام الدليل على البراءة في الشبهة الحكميّة كان مقتضاه كونها الأصل الأوّلي‏في الأشياء فلا ينافي الخروج عنها من جهة قيام الدليل على وجوب الاحتياط في مطلق الشبهة الشامل للمقام و في المقام قد ورد بطريق التواترو غيره ما يقتضي وجوب الاحتياط أيضا فيلزم الخروج بهما عن مقتضى الأصل الأوّلي و لكنك قد عرفت عند التكلّم في الأخبار ما في هذا الكلام‏فراجع‏ قوله قدس سره و الأقوى فيه جريان أصالة البراءة إلى آخره‏(1) أقول استظهار كون المسألة خلافيّة مع الاستدلال لها بالأدّلة الأربعةالتي منها الإجماع لعلّه من جهة عدم الاعتناء بالخلاف و عدم قدحه سيّما مع دعوى المخالف في موضع آخر نفي الخلاف عن الرجوع إلى البراءة في‏المقام على ما عرفت و تمسّك مثل الشيخ و السيّد قدّس سرهما بالاحتياط أحيانا في الشبهة الوجوبيّة مع وضوح مذهبهما من تصريحاتهم في مواضع أخرلا بدّ أن يحمل على مجرّد التأييد للدليل على الاستدلال بها و يدلّ على الحكم في خصوص المقام مرسلة الفقيه كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي أو أمرعلى بعض طرقها و أمّا الإجماع المركب الذي استند إليه فلا إشكال في تحقّقه في المقام فإن كل من قال بالبراءة في الشبهة الحكمية التحريميّة قال بالبراءةفي المقام و إن لم يكن الأمر كذلك من طرف العكس لما عرفت الإشارة إليه فإثبات البراءة في تلك المسألة يغني عن التكلم في المقام‏ قوله قدس سره و الظاهرترتّب الثواب عليه إلى آخره‏(2) أقول قد عرفت الإشكال في الفرق بين الاحتياط و التجرّي على المعصية في حكم العقل و العقلاء بدعوى كون المدح في الأوّل‏راجعا إلى الفعل و الذم في الثاني راجعا إلى الفاعل‏
في بيان أنّ التّقرب في العبادة يتوقّف على العلم بالأمر تفصيلا أو إجمالا و مع انتفائه لا يكون الاحتياط مشروعا مع ما يتعلق به‏
قوله قدس سره و في جريان ذلك في العبادات إلى آخره‏(3) أقول المشهور بين من تعرّض للمسألة هو الوجه‏الثاني و حكي عن بعض الأوّل و استند للمنع بما أفاده شيخنا قدس سره في وجهه من اعتبار قصد القربة في العبادات اتفاقا و هو يتوقف على العلم بالأمرتفصيلا أو إجمالا و المفروض انتفاؤه فلا يكون الاحتياط مشروعا من حيث توقّفه موضوعا على إتيان الواقع على تقدير ثبوته بجميع ما يعتبر فيه شرطاأو شطرا و المفروض عدم إمكانه في المقام و القول بأن الأمر المتوقّف عليه قصد التقرّب لا يلزم أن يكون واقعيّا بل يكفي العلم بالأمر الظاهريّ الشرعي‏و من هنا يقصد التقرّب بما يكون واجبا في مرحلة الظاهر من جهة قيام الطريق الشرعي عليه اجتهادا أو تقليدا كما لا يلزم أن يكون أمرا وجوبيّا و الفعل‏المأتي به بعنوان الاحتياط متعلّق بالأمر الندبي الظاهري الشرعي بعد فرض استقلال العقل بحسنه و رجحانه بملاحظة كشفه عن الأمر الشرعي بقاعدةالتطابق و التلازم أو من جهة الأوامر الشرعيّة المتعلّقة به المحمولة على الاستحباب بعد الصّرف عن الوجوب و لو فرض كون حسنه العقلي فاعليّا لايوجب رجحان الفعل و المدح عليه عقلا فاسد جدّا من جهة أن الأمر المستكشف من قاعدة التلازم في المقام كالأوامر المتعلّقة بعنوان الاحتياطفي الشرعيّات لا يكون أمرا مولويّا بل إرشاديا محضا فلا يوجب موافقته تقرّبا نظير الأوامر المتعلقة بعنوان الإطاعة فإن إطاعتها لا يوجب تقرّباو لا يترتب عليها الأجر و الثواب بل حسن الاحتياط عند التحقيق من جهة كونه نحوا من الانقياد و الإطاعة و من مراتبها فكما أن الأمر بالإطاعة لايصلح لجعل المأمور به عبادة بالمعنى الأخصّ من حيث انطباق الإطاعة عليه و إلاّ كان كل واجب واجبا عباديّا فكذلك الفعل المنطبق عليه الاحتياطلا يمكن أن يصير عبادة من جهة قصد التقرّب بإطاعة الأمر المتعلّق بعنوان الاحتياط و هذا هو المراد بقوله قدس سره كما أن إطاعة الأوامر المتحقّقة لم تصرعبادة و إن كانت العبارة لا يخلو عن شي‏ء هذا و استدل للجواز تارة بمنع توقف قصد التقرّب مطلقا على العلم بالأمر الشرعي المولوي بأحد الوجهين‏بل يكفي فيه احتماله بمعنى أنه يلزم أن يجعل الداعي في العبادات المحققة امتثال الأمر اليقيني المتعلّق بها و في العبادات المحتملة امتثال الأمر الاحتمالي‏المتعلّق بها كلّ على حسبه بل التحقيق على ما أسمعناك شرح القول فيه في الجزء الأول عند الكلام في الظن أن الذي يقصد التقرّب بامتثاله فيما أدّى‏الطرق الشرعيّة إليه من العبادات هو الأمر الواقعي الذي يحكي عنه الطرق لا أوامر الطرق حيث إنها غيرية محضة لا يوجب إطاعتها قربا أصلا و أخرى بمنع توقف العبادة و قصد التقرّب على جعل الدّاعي امتثال الأمر المتعلّق بها و لو احتمالا بل يكفي رجحانها و حسنها العقلي و إن لم‏يتعلّق بها أمر شرعي أصلا ألا ترى أنه يصح الإتيان بالوضوء بعد دخول الوقت بداعي الغايات المستحبّة مع استحالة تعلّق الأمر الندبي به‏لأجلها من حيث تعلّق الأمر الوجوبي به المانع من تعلّق الأمر الندبي و من هنا قال ثاني الشهيدين قدس سرهما في الروضة و غيره في غيرها إنّ الوضوءقبل الوقت لا يكون إلاّ مستحبّا و بعد الوقت لا يكون إلاّ واجبا نظرا إلى أن تعدّد غاياته لا يوجب الاختلاف فيه و تعدّد عنوانه و هذا بخلاف‏الغسل و لذا قيل بتداخل الأغسال من حيث المسبّبات و لم نقل بذلك في الوضوء و إنما التداخل فيه من حيث الأسباب بل التحقيق كون الوجه‏في عباديّته رجحانه النفسي و إلاّ فالأمر المتعلّق به سواء فرض كونه وجوبيّا أو ندبيّا ليس إلاّ غيريّا لا يصلح لجعله عبادة فليس المصحّح لكونه عبادة إلاّرجحانه النفسي الذي لا يوجب تعلّق الأمر النفسي به دائما من جهة قضاء الضرورة بتضادّ الوجوب و الاستحباب و لو كان أحدهما نفسيّا و الآخرغيريّا بل التحقيق استحالة اجتماع الاستحباب النفسي و الغيري أيضا كما حققناه في محلّه و إن زعم بعض المحقّقين ممن قارب عصرنا خلاف ذلك‏و أن الاختلاف بالنفسيّة و الغيرية يوجب رفع التضادّ بين الأحكام مطلقا حتى إذا كان أحدهما أمرا و الآخر نهيا فأيّ مانع من أن يجعل المقرّب نفس عنوان‏
63
الاحتياط الراجح ذاتا و إن كان الأمر المتعلق به إرشاديّا و مناط هذا الوجه و إن لم ينفكّ عن الوجه الأول حيث إنّ جميع موارد الاحتياط لا ينفكّ‏عن احتمال الحكم الإلزامي الواقعي في محل البحث إلاّ أنّ الحيثيّة مختلفة بل التحقيق أنّ الوجهين مختلفان من حيث الذات من غير أن يجتمعا مصداقا أصلاو إن كان في مورد وجود الاحتياط احتمال الأمر موجودا دائما فليس الاختلاف بينهما بمجرّد الحيثيّة فتدبّر ثم إن كلامه قدس سره في بيان وجه الجريان من حيث‏الاستناد إلى الوجه الأول أو الثاني أو هما معا لا يخلو عن تشويش و قد يستفاد منه اتحادهما و إن كان الظاهر منه بعد التأمّل الاستناد إلى الوجه الثاني‏و عليك بالتأمل في أطرافه ثم لا يخفى عليك أن ما حكاه عن الشهيد قدس سره في الذكرى من الاستدلال لحكم المقام أعني مشروعيّة إتيان ما يحتمل الوجوب‏العبادي سواء كان من جهة اشتباه الحكم أو الموضوع و إن كان البحث المحرّر في الكتاب في الأول بالآيات المذكورة مبنيّ على إرادة معنى الاحتياط من‏التقوى و لو بقرينة قوله تعالى حقّ تقاته و قوله ما استطعتم بحيث يشمل الشبهة الوجوبيّة و أمّا لو أريد منها ما يساوق الاحتياط في خصوص الشبهةالتحريميّة و ما يساوق الاجتناب عن المحرّمات فلا تعلّق للآيات بالمقام كما هو ظاهر
في أن ما ذكر مستلزم للدّور مع جوابه النقضي و الحلي‏
قوله قدس سره و التحقيق أنه إن قلنا إلى آخره‏(1) أقول حاصل ما أفاده‏قدس سره من الاعتراض على الاستدلال بالآيات في المقام الظاهر في الالتزام بتوقّف العبادة على العلم بالأمر تفصيلا أو إجمالا سواء كان واقعيّا أو ظاهريّاحيث إنّه على تقدير القول بكفاية مجرّد احتمال الأمر في مشروعيّة العبادة لا يكون ثمّة حاجة أصلا إلى التمسّك بتلك الآيات كما هو ظاهر أنّ الاستدلال‏بظاهر أوامر التقوى كأوامر الاحتياط لإثبات المشروعيّة يكون دوريّا حيث إن تحقّق موضوع التقوى كموضوع الاحتياط على القول بتوقّف‏مشروعيّة العبادة على العلم بالأمر يتوقّف على الإتيان بمحتمل العبادة بجميع ما له دخل فيه شطرا أو شرطا حتى قصد القربة المتوقف على العلم بالأمر كماهو المفروض و ليس هناك أمر محقق بالفرض إلا الأمر بالتقوى المتوقف على التقوى المتوقفة على الأمر حيث إن الأمر في مرتبة المحمول للمأمور به فيلزم‏توقّف الأمر بالتقوى عليها و توقّفها عليه و هذا دور ظاهر فإن شئت قلت إن مدلول الهيئة من عوارض مدلول المادّة الذي هو فعل المكلّف يتوقف‏عليه لا محالة فلو فرض توقفه على مدلول الهيئة يلزمه الدور الباطل و لا يلزم هذا على القول بكفاية مجرّد الاحتمال ضرورة وجود احتمال الأمرالواقعي مع قطع النظر عن مطلوبيّة الاحتياط هذا و حاصل ما أفاده في الجواب عن الاعتراض يرجع إلى وجهين أحدهما النقض بالعبادات المحقّقةالتي يعلم تعلّق الأمر بها في الشريعة حيث إن المفروض ثبوت مشروعيتها بتلك الأوامر المتوقفة على قدرة المكلّف على الإتيان بها بجميع ما له دخل فيهاشرطا أو شطرا التي منها قصد التقرب المتوقّف على العلم بالأمر و المفروض أنه لا أمر هناك إلا تلك الأوامر فيتوقف العبادة التي هي مدلول المادّة على‏الأمر الذي هو مدلول الهيئة العارضة على المادّة فيلزم الدور ثانيهما الحلّ و بيانه أن المراد من المأمور به الذي هو معروض الهيئة هو الفعل‏الجامع لجميع ما يعتبر فيه بأحد الوجهين عدا نيّة التقرب فلم يؤخذ قصد التقرّب المتوقّف على العلم بالأمر في المأمور به حتى يلزم الدور فإن قصد القربةليس في عداد سائر الشرائط المأخوذة في المأمور به و في عرضها و مرتبتها و إنما هي مأخوذة في الإطاعة المتأخرة عن الأمر فكيف يعتبر في المأمور به المقدّم‏على الأمر فيقال إنّ المراد من الصّلاة مثلا المتعلّقة بها الأمر هو الفعل الجامع لجميع الأجزاء و الشرائط من غير أن يلاحظ فيها قصد التقرب و بعد قيام‏الدليل على كونها عبادة يحكم بوجوب إيجادها بعنوان العبادة و امتثال أمر الشارع المتوقف على الأمر المفروض تعلّقه بها مجرّدة عن قصد التقرّب‏و كذلك يقال في التقوى و الاحتياط و إن المراد من عنوانهما المنطبق على العبادة المحتملة هو الفعل القابل للوجوب بجميع ما له دخل فيه عدا نيّة التقرّب‏فالفعل يتعلّق به الأمر الندبي مجرّدا عن قصد الامتثال فإذا فرض كون المحتمل عبارة على تقدير وجوبه يؤتى به بداعي امتثال أوامر التقوى و الاحتياطو الذي يشهد لما ذكر من تجريد الفعل عن قصد الأمر استقرار سيرة المجتهدين على الفتوى باستحباب الفعل المذكور و إن لم يعلم المقلّد بكونه محتمل‏الوجوب فضلا عن أن يوجبون عليه الإتيان به لداعي امتثال الأمر المحتمل و لو أريد بالاحتياط معناه الظاهر لم يجز للمفتي أن يفتي باستحبابه على‏الوجه المزبور هذا حاصل ما أفاده في دفع الإشكال و الاعتراض على استدلال الشهيد قدس سره و هو كما ترى مبنيّ على الإغماض عمّا أفاده قدس سره من كون‏الأمر بالاحتياط إرشاديّا محضا لا يوجب إطاعته تقرّبا و البناء على كونه أمرا شرعيّا مولويّا و إلا لم يكن الجواب المذكور مفيدا بالنسبة إلى أوامر الاحتياطأصلا كما لا يخفى بل الأمر بالنسبة إلى أوامر التقوى و نحوها كذلك فإن حالها حال أوامر الاحتياط من حيث كونها إرشاديّا محضة على ما هو الظاهرمنها هذا و قد يناقش فيما أفاده من الجواب الحلّي مضافا إلى منافاته لما عليه ظاهر الفقهاء رضوان الله عليهم و استظهره منهم من اعتبار النيّةفي العبادات شرطا أو شطرا بأنه إذا فرض عدم دخل النيّة في العبادة بأحد الوجهين من حيث استحالة أخذها فيها كما و كيفا فما الفارق بينها و بين‏الواجب التوصّلي مع أن كلماتهم تنادي بأعلى صوتها بانحصار الفارق بينهما بتوقف الصحة في العبادات على قصد التقرب و عدم توقفها عليه في‏الواجبات التوصّلية فإن جعلت الفارق بينهما كون الإطاعة المتوقّفة على قصد الامتثال و المتقوّمة به مطلقا معتبرة في العبادات دون غيرها من‏التوصّليّات عاد الإشكال المذكور فإن اعتبار الإطاعة في العبادة مع استحالته لا بد أن يكون بأحد الوجهين فإن جعلت الفارق كون سقوط
64
الأمر في العبادة موقوفا على الإطاعة دون غيرها يقال إنه بعد البناء على عدم أخذها في العبادة و عدم دخلها في المأمور به أصلا لا معنى‏لاعتبارها في سقوط الأمر إذ لا مقتضي له أصلا على هذا التقدير و هذا الإشكال كما ترى لا تعلّق له بخصوص المقام بل يجري في العبادات المحقّقةأيضا كما أن التفصّي عنه يجري بالنسبة إليها أيضا على ما عرفته من كلام شيخنا قدس سره
في دفع المناقشة المذكورة بوجوه أربعة
و يمكن دفع المناقشة المذكورة بوجوه أحدها أنه كما يمكن أن يكون‏المراد من الأمر بالشي‏ء و الغرض منه و الداعي عليه أعمّ منه مع قصور الأمر عن التعلّق به كما هو مطّرد في الواجبات التوصّلية حيث إنه يسقط الأمرالمتعلّق بها إذا وجدت من دون قصد و اختيار بل كثيرا ما تسقط بفعل الغير و لو لم يكن مكلّفا مع استحالة تعلّق الأمر بالعنوان الأعمّ من الاختيار و غيره‏و من فعل النفس و فعل الغير و يوجد أحيانا في العبادات أيضا كما في عبادة الناسي لما حكم بسقوط الأمر مع نسيانه من الأجزاء و الشرائط و التارك‏جهلا لما حكم بسقوطه معه و غير ذلك و كما في الطهارة الحدثيّة فيما لم يتمكّن من إيجادها مباشرة في وجه و في العبادة التبرعيّة من الميّت في القضاءعنه مع فرض وجوبها على الوليّ على تأمّل ظاهر في كونها من قبيل المقام و إن توهّمه بعض على خلاف التحقيق من حيث إن الأمر المتعلّق بالولي من حيث‏كونه مأمورا بإبراء ذمة الميت توصّلي كذلك يمكن أن يكون أخصّ من المأمور به بحيث يكون المأخوذ في حصوله ما لا يمكن أخذه في المأمور به لقصورتعلّق الأمر به مع أخذه كما في قصد القربة في العبادات و هذا المعنى و إن كان على خلاف ظاهر القضيّة اللفظية حيث إن ظاهرها انطباق الغرض والمقصود على ما تعلّق به الأمر إلا أنه لا بدّ من الالتزام به بعد قيام الدليل على كون الواجب عبادة و هذا هو المراد ممّا ذكره بعض أفاضل مقاربي‏عصرنا أو عاصرناه في بيان عنوان أخذ قصد التقرّب في العبادات من كونه مأخوذا في المأمور به الواقعي الظاهري فإنّ المراد مما أمر به واقعا في كلامه‏في مقابل الظاهري حسب ما يفصح عنه كلماته ليس ما يتراعى من ظاهر اللفظين في بادي النظر بالنظر إلى المعنى المعروف بل المراد به ما تعلّق إرادة الشارع‏به واقعا و يحكي عنه الأوامر اللفظيّة بحسب الدلالة الالتزاميّة ثانيها أن ما وجب في الشرع إنما هو من جهة عنوان ينطبق عليه أو واجب عقلي متّحدمعه وجودا و من هنا ذكر المتكلمون من أصحابنا و غيرهم أن الواجبات السمعيّة إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقلية و قد أشير إلى هذه‏المقالة في الكتاب العزيز يقول جل قائله و عز اسمه تبارك و تعالى‏ إِنَّ الصلاة تَنْهى‏ عَن الْفَحْشاءِ وَ المُنْكر و لمّا كان الغرض و العنوان المذكور معلومافي الواجبات التوصّلية فحكم بدوران سقوط الأمر مدار حصوله كيف ما اتفق و حصل و لو من غير اختيار المكلّف أو بفعل الغير و لما لم يكن‏حقيقته معلومة في الواجبات التعبّدية و إن علم إجمالا بوجوده و اعتباره في سقوط الأمر المتعلّق بها فيحكم من جهة لزوم تحصيل القطع بوجوده‏بلزوم الإتيان بالمأمور به بعنوان الإطاعة و الامتثال حتّى نقطع بحصوله من حيث احتمال توقّف وجوده على إيجاد الفعل بعنوان المباشرة و الاختيارو الامتثال و عدم كفاية وجود الفعل بعنوان الإطلاق في ترتّبه عليه و انطباقه معه و هذا أمر ممكن معقول فوجوب إيجاد الفعل بقصد الإطاعةو الامتثال في العبادات إنما هو من جهة توقّف القطع بسقوط الغرض الموجب لسقوط الأمر عليه و من باب الاحتياط اللازم حقيقة لا من جهةدخله في المأمور به بأحد الوجهين في مرحلة الواقع كما عرفت أو الظاهر و هذا نظير الوجه الذي ذكروه لاعتبار قصد الوجه في العبادات على ماعرفت الكلام فيه و لعلّك تعرفه أيضا في بعض المسائل الآتية إن شاء الله تعالى و قد ذكر المحقق القمي قدس سره في القوانين في بيان الفرق بين الواجب العبادي و التوصّلي‏ما يرجع إلى ما ذكرنا فراجع إليه ثم إن هذا الذي أفاده قدس سره و إن لم يخلو عن النقض و الإبرام بل عن بعض المناقشات طردا و عكسا كما يظهر من الرجوع‏إلى الفصول بل لا يساعده كلماتهم بظواهرها إلا أنه لا ضير في الالتزام به في دفع المناقشة المذكورة في المقام إذا انحصر الوجه فيه و لم يكن هناك‏مدفع ثالثها أنه قد قام في الواجب التعبّدي ما يقضي بمدخليّة حصول عنوان الإطاعة و الامتثال في سقوط الأمر المتعلّق بذات الفعل مجرّداعن اعتبار قصد القربة فيه و يعلم أن هناك جهة توجبه عند الشارع و إن لم نعلمها بعينها و لا يتوقف قصد التقرّب في إتيان الواجب على العلم‏التفصيلي بما أوجب اعتباره في سقوط الأمر المتعلّق به و هذا مطّرد في جميع الموارد حتى في مسألة نسيان ما لا يوجب بطلان العبادة أو الإخلال بمالا يوجبه جهلا لأن قصد الإطاعة مفروض من الناسي و الجاهل مع غفلتهما عن مخالفة المأتي به للمأمور به كما ستقف على شرح القول فيه في محلّه‏و في مسألة سقوط المباشرة في الطهارة الحديثة عن العاجز حيث إن الفعل لا يخلو عن قصد الامتثال من المكلّف أو عن المباشر أو هما معا على‏الخلاف و هكذا في سائر ما توهّم الصحّة مع عدم القصد و لا يكاد يخفى عليك الفرق بين هذه الوجوه رابعها ما يستفاد من كلام بعض الأفاضل‏ممّن عاصرناه من أن غاية ما قضى به البرهان هو التمكن من الفعل و القدرة عليه عند إيجاده لا في زمان الأمر به و المكلّف قادر في العبادات على‏إيجادها بقصد الإطاعة في زمان الفعل المتأخر عن زمان الأمر لفرض سبق الأمر به و إن لم يكن قادرا عليه في زمان الأمر و لا امتناع في تأثير الأمرفي القدرة على متعلّقه في زمان وجوده إذ لا برهان يقضي باستحالته لا يقال إن تصوّر الموضوع مقدّم على المحمول و كيف يتصوّر الموضوع‏المأخوذ فيه عنوان متأخر عن المحمول لأنّا نقول المتصوّر هو الفعل الذي يوجد بقصد القربة في الزمان المتأخر عن الأمر و هذا معنى معقول‏
65
و إن توقف وجوده الخارجي على سبق الأمر و هو كما ترى لا محصّل له عند التأمّل و هنا بعض وجوه أخر في كمال الضعف و السقوط مثل أن‏الامتناع إنما هو إذا كان الدليل على اعتبار القصد نفس الأمر لا الدليل الخارجي من إجماع و غيره فإنه كما ترى حيث إنّ برهان الامتناع كيف‏يعقل الفرق فيه بين اختلاف الدليل من حيث الداخل و الخارج مع كون الخارج كاشفا عن المراد و مبيّنا للمأمور به إلى غير ذلك ممّا يتلو الوجه‏المذكور في ظهور الضعف هذه غاية ما يقال في دفع الإشكال المذكور في المقام لكنه كما ترى لا يقتضي تجريد عنوان الاحتياط عن حقيقته‏و رفع اليد عنه و حمله على إرادة مجرّد الإتيان بالفعل و لو لم يكن بداعي احتمال المطلوبيّة كما هو ظاهر ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب مع توقفه على‏تمحّل ذلك في خصوص العبادات المحتملة إذ مبنى الوجه المزبور على ما عرفت على حمل الأمر المتعلّق بالاحتياط على الأمر الشرعي المولوي مع‏تجريد الاحتياط عن قصد التقرّب بامتثال الأمر المتعلّق به و هذا لا يقتضي تجريده عن الإتيان بالفعل حذرا عن مخالفة الواقع المحتمل الذي يتقوّم‏به حقيقة الاحتياط و أمّا ما استشهد به لذلك من استقرار سيرة أهل الفتوى على الفتوى باستحباب الفعل إلى آخر ما أفاده قدس سره فقد يناقش‏فيه بأن الإفتاء بالاستحباب على الوجه المذكور في الشبهة الحكميّة من جهة ورود خبر ضعيف في المسألة أو فتوى فقيه فيها ليس من جهة أخبار الاحتياطحتى يتوقّف على تجريده عن عنوانه على تقدير تعقّله و تسليمه و إنما هو من جهة ما دلّ على التسامح في السنن عندهم من الأخبار الواردة في هذا الباب‏فإنّ دلالتها على ما زعموا و إن لم يخل عن إشكال سيّما عند شيخنا قدس سره على ما ستقف عليه عن قريب إلاّ أنهم لم يلتفتوا إلى هذا الإشكال أو لم يعتنوا به‏من جهة ضعفه و وهنه عندهم و اعتقدوا الدلالة على ما ذهبوا إليه كما يظهر من عنوان المسألة في الكتاب عن قريب و من هنا لم يفت أحد منهم باستحباب‏الفعل مجرّدا عن عنوان الاحتياط في الشّبهة الموضوعيّة بل قيّدوه بعنوان الاحتياط فيعلم من ذلك أن قولهم بذلك و مصيرهم إليه في الشبهة الحكمية من‏الجهة المذكورة لا من جهة ما ذكره قدس سقر و إلا لم يكن معنى للفرق بين الشبهتين كما هو ظاهر فافهم‏
في الأخبار المستدل بها على التسامح في السّنن‏
قوله قدس سره ثم إن منشأ احتمال الوجوب إذا كان خبراضعيفا لا حاجة إلى أخبار الاحتياط إلى آخره‏(1) أقول تحقيق المقام و توضيحه على وجه يرفع به غواشي الأوهام يحتاج إلى بسط في الكلام فلا بد أوّلا من‏نقل تمام ما وصل إلينا من الأخبار التي استدلوا بها على مسألة التسامح في السنن ثم التكلم ثانيا فيما يستفاد منها و الجهات التي وقع البحث‏عنها في كلماتهم منها ما رواه في المحاسن في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال من بلغه عن النبيّ صلى اللَّه عليه و آله شي‏ء من الثواب فعمله كان‏أجر ذلك له و إن كان رسول الله صلى اللَّه عليه و آله لم يقله و عن البحار بعد ذكره أن الخبر من المشهورات رواه العامة و الخاصّة بأسانيده و منها ما في الوسائل‏نقلا عن المحاسن أيضا بسنده عن محمد بن مروان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال من بلغه من النبي صلى اللَّه عليه و آله شي‏ء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبيّ صلى اللَّه عليه و آله كان‏له ذلك الثواب و إن كان النبي لم يقله و منها في الوسائل أيضا نقلا عن عدّة الداعي لابن فهد الحلي قال روى الصدوق عن محمّد بن يعقوب بطرقه‏عن الأئمّة عليهم السلام من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه و إن لم يكن الأمر كما نقل إليه و منها ما في الوسائل أيضا عن كتاب الإقبال لعليّ‏بن موسى بن جعفر بن طاوس عن الصادق عليه السلام قال عليه السلام من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له ذلك و إن لم يكن الأمر كما بلغه و منها ما في الوسائل أيضا عن‏كتاب ثواب الأعمال لمحمّد بن علي بن بابويه بسنده عن عنوان البصري عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال من بلغه شي‏ء من الثواب على شي‏ء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك و إن كان‏رسول الله صلى اللَّه عليه و آله لم يقله و منها ما عن الكافي بسنده الصحيح عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال عليه السلام من سمع شيئا من الثواب على شي‏ء فصنعه كان له و إن لم يكن‏على ما بلغه و منها ما عن الصافي أيضا عن محمد بن مروان قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك‏الثواب أوتيه و إن لم يكن الحديث كما بلغه و منها ما عن طرق العامّة عن عبد الرحمن الحلواني رفعا إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال قال‏رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله من بلغه من الله فضيلة فأخذ بها و عمل بها إيمانا باللّه و رجاء ثوابه أعطاه اللّه ذلك و إن لم يكن كذلك هذه ما وصلت إلينا من‏الأخبار و وفقنا عليه إذا عرفت ذلك فنقول إن المشهور بين الأصحاب بل العامة ثبوت التسامح في أخبار السنن بمعنى إثباتها بما لا يجتمع فيه‏شرائط حجية الخبر كل على مذهبه فيها بل عن غير واحد نقل الإجماع على ذلك فعن الذكرى أن أخبار الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم و عن عدّةالداعي لأحمد بن فهد بعد نقل الروايات المتقدّمة ما هذا لفظه فصار هذا المعنى مجمعا عليه بين الفريقين و عن الشيخ البهائي قدس سره في أربعينه‏نسبته إلى فقهائنا و عن الوسائل نسبته إلى الأصحاب مصرّحا بشمول المسألة لأدلّة المكروهات أيضا و عن بعض الأصحاب نسبته إلى العلماءالمحقّقين إلى غير ذلك من كلماتهم الظاهرة في دعوى الإجماع و خالف فيه العلامة في الموضعين من محكي المنتهى و بعض الأخباريّين على ما حكى عنه طاعنا على‏الأصحاب من حيث ذهابهم إلى إثبات الاستحباب و الكراهة بالأخبار الضعيفة عندهم مع أنه لا تفصيل في مدرك الأحكام و صاحب المدارك حيث قال في‏أوّل كتابه بعد ذكر جملة من الوضوءات المستحبّة و ذكر ضعف مستندها ما لفظه و ما يقال من أن أدلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه‏لأن الاستصحاب حكم شرعي يتوقّف على دليل شرعيّ انتهى كلامه رفع مقامه بل ربما يستظهر المنع من الصدوق و شيخه ابن الوليد قال الصدوق في‏
66
كتاب الصّوم من الفقيه على ما حكي ما هذا لفظه و أمّا خبر صلاة غدير خم و الثواب المذكور لمن صامه فإن شيخنا محمد بن الحسن بن وليد لا يصحّحه ويقول إنه من طريق محمّد بن موسى الهمداني و كان غير ثقة و كلّ ما لم يصحّحه ذلك الشيخ و لم يحكم بصحّته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح انتهى كلامه‏رفع مقامه إذ لو جوّز التسامح لم يكن لهما داع إلى ردّ الخبر المذكور و أمّا المانعون فيكفيهم عدم الدليل على ما أشار إليه في المدارك و لا يحتاج‏إلى التمسّك باستصحاب العدم أو أصالة العدم أو عدم الدليل دليل العدم لأن الغرض ليس الحكم بعدم الاستحباب بل عدم الحكم به و يكفي فيه‏الأصل الأوّلي في غير العلم حقيقة و إليه يرجع ما في المدارك لا إلى التمسّك بالأصول المذكورة
في أدلة المثبتين لاستحباب الفعل و ما فيها
و أمّا المثبتون فيستدلّ لهم بوجوه أحدها ما عن الوحيد البهبهاني قدس سره و تبعه جماعة من حسن الاحتياط و رجحانه الثابت بالأدلّة الأربعة و قد عرفت الكلام فيه في الكتاب فإنه و إن ذكر فيه‏عنوان المسألة في العبادات المحتملة بالمعنى الأخص إلا أن الاحتياط بالتقرب بالأمر المحتمل بحيث يترتّب عليه أثر العبادة بقول مطلق لا يفرق فيه بين العبارتين‏على القول بتوقف العبادة على العلم بالأمر نعم جواز الفعل لا بداعي الأمر المحتمل أو بداعيه مع عدم الالتزام بترتّب آثار العبادة عليه ممّا لا شبهةفيه في غير العبادة بالمعنى الأخصّ و كيف ما كان الكلام في المقام في إثبات استحباب الفعل لا في إثبات حسن الاحتياط عقلا أو رجحانه شرعا و أدلّةالاحتياط لا تثبت هذا المعنى إلا بإثبات مقدّمتين إحداهما كون الأمر به مولويّا الثانية تجريد الاحتياط عن عنوانه على ما عرفته في الكتاب و همافي حيّز المنع على ما عرفت فهذا الوجه لا يثبت المقصود في المسألة و إنما يثبت رجحان الفعل بعنوان الاحتياط و لو لم يكن هناك خبر أصلا و هذاالمعنى ممّا لا ينكره أحد ظاهرا ثانيها الإجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة العظيمة المحققة و المنقولة من الخاصة و العامّة بل لو ادّعى أحدالإجماع المحقق في المسألة بملاحظتها و الفتاوي المحصّلة له بالتتبع يصدّق في دعواه بل لو ادّعى الاتفاق من غير صاحب المدارك كان مصدّقا لأنّ‏المحكيّ عن العلامة قدس سره الرجوع عما ذكره بل هو المحكي عن السيّد في المدارك في باب الصلاة أيضا و بالجملة دعوى الإجماع في المسألة ليست ببعيدة كلّ البعيدبعد ملاحظة ما عرفت ثالثها الأخبار المستفيضة التي عرفتها و فيها الصحاح و غيرها بل نفى شيخنا قدس سره في الرسالة التي أفردها في المسألةالبعد عن دعوى تواترها معنى أو احتفافها بالقرائن الموجبة للقطع بصدورها التي منها الإجماعات المعتضدة بالشهرة العظيمة هذا و قد أوردعلى التمسّك بها بوجهين أحدهما ما يرجع إلى المنع عن التمسّك بها في المسألة مع تسليم صحتها سندا و دلالتها على المدّعى ثانيهما ما يرجع إلى المنع عن‏دلالتها و إن سلّم جواز التمسّك بها في المسألة أما الأول فلما قيل إن المسألة أصوليّة و لا يجوز التمسّك بأخبار الآحاد في الأصول و إن كانت صحيحةو إن جاز التمسّك بها في الفروع و أجيب عنه تارة بمنع كون الأخبار المذكورة من الآحاد المجردة و أخرى بمنع عدم جواز التمسّك بالآحاد في الأصول العمليّة فإن‏الممنوع عدم جواز التمسّك بها في الأصول الاعتقادية لا العمليّة و ثالثة بما ذكره غير واحد من المشايخ المتأخرين من أن مرجع البحث في‏المسألة ليس إلى إثبات حجيّة خبر الضعيف في السنن حتى يمنع منها من حيث كون المسألة أصوليّة فلا يجوز التمسّك بأخبار الآحاد فيها أويستبعد ثبوتها بالخبر الضعيف من حيث إن أحكام الشرع لا يختلف من حيث المدرك فإن خبر الضعيف الغير المنجبر بالعمل ليس بحجّة مطلقا من‏غير فرق بين مفادها حتّى أنه لا يجوز إثبات الإباحة بها فضلا عن الاستحباب بل إلى إثبات استحباب كل فعل بلغ عليه الأجر و الثواب من‏النبيّ صلى اللَّه عليه و آله أو الوصيّ الراجع إلى البلوغ عن اللّه تعالى و خبر الضعيف موجد و محدث لهذا العنوان الوجداني حقيقة فإن صدق البلوغ لا يتوقف‏على الحجيّة أصلا و من هنا تعدّى غير واحد و سرى المسألة إلى إثبات السنن بفتوى الفقيه أيضا بناء على تعميم البلوغ بالنسبة إلى الخبر الحدسيّ‏أيضا كما ستقف على شرح القول فيه في تنبيهات المسألة و كذا التزموا بإثبات الاستحباب فيما دلّ الخبر الضعيف على وجوب شي‏ء من حيث إنّ‏الإخبار عن الوجوب إخبار عن الثواب بالالتزام فالبحث يرجع إلى البحث عن مسألة فرعيّة كليّة و هو استحباب كل فعل بلغ فيه الخير و الدليل‏على هذا الحكم الفرعيّ الكلي الأخبار المتقدّمة الصحيحة المعمول بها و المثبت للصغرى بحكم الحسّ و الوجدان خبر الضعيف و أين هذا من التمسّك بخبرالضعيف لإثبات الأحكام الشرعيّة و هذا نظير جبر ضعف السند بالشهرة أو غيرها من الأمارات الغير المعتبرة على القول بأن الحجيّة الخبر المظنون الصدورمطلقا أو الدلالة كذلك فحصل بملاحظتها الظن بالصدور أو الدلالة فإنه لا يمكن أن يقال بالمنع عن ذلك من حيث إن الشهرة ليست بحجة مثلا فإن الحجّةفي المسألة حقيقة الخبر بمقتضى ما دلّ على حجيّته و الشهرة إنّما يوجب وجود أمر وجداني فلا يتمسّك بها حقيقة و بالجملة فرق بين جعل خبر الضعيف حجّة في‏مدلوله من غير فرق بين مدلوله و بين تأثيره في أمر وجداني و هو الإخبار من الثواب على الفعل و لو التزاما و إن كان مدلوله الوجوب مطابقةو الأوّل يتوقّف على إثبات حجيّته كالخبر الصحيح من غير فرق بينهما و الثاني لا يتوقف على حجيّته لكونه سببا له بحكم الوجدان فهذا نظير أن يقال‏إذا اختلف الأقوال في المسألة فافعل كذا فإن سببيّة كل قول لحدوث الاختلاف لا يتوقّف على حجيّته و هكذا و هذا نظير يد المسلم و الجهل بالطهارةفي كلماتهم فإن الدليل على الملكيّة حقيقة ما دلّ على ملكيّة ما في يد المسلم و طهارة المجهول لا نفس اليد و الجهل حقيقة و الأولى جعل النظير ما دلّ‏
67
على وجوب الاحتياط في موارده و الأخبار الدالة على حرمة نقض اليقين بالشكّ في الشبهات الحكميّة فإن الشكّ في المكلّف به و سبق‏اليقين ليسا دليلا على الحكم الظاهري حقيقة و إنما هما من قبيل الموضوع له فكذا المقام فتدبّر هذا ملخّص ما يقال في تقريب الجواب الثالث‏و أورد عليه شيخنا قدس سره بوجوه أحدها كونه خلاف ظاهر كلمة القائلين بالتسامح فإن ظاهرها كما لا يخفى لمن راجع إليها جعل خبر الضعيف حجّةفي السنن و الاستدلال لها به و جعل الأخبار المذكورة دليلا على حجيّة خبر الضعيف و من هنا ذكروا أنه يتسامح في أدلّة السنن و الفضائل ثانيها أن ما ذكروه يرجع عند التأمّل إلى التمسّك بالخبر الضعيف في باب السنن و جعله حجّة فيه إذ لا فرق بين أن يقال كل فعل دلّ خبر ضعيف على استحبابه‏فهو مستحبّ و بين أن يقال كل خبر ضعيف حجّة في إثبات الاستحباب فإن معنى حجيّة الشي‏ء في الأدلّة الظنّيّة جعله موضوعا للحكم الظاهري ووسطا لحكم متعلّقه ثالثها أنا نسلّم الفرق بين المعنيين و أن مرجع التسامح في السنن ليس إلى كون خبر الضعيف حجّة في مدلوله بحيث يصدّق‏فيه و يترتّب عليه أحكام بل إلى كون الخبر موجدا لموضوع بلوغ الثواب و الدليل على استحباب هذا الفعل الأخبار المتقدمة نظير احتمال التكليف‏الإلزامي الذي قضى بوجوب الاحتياط فيه ما دلّ على الاحتياط و نظير احتمال بقاء الثابت سابقا الذي قضى على البناء بالبقاء فيه الأخبارالنّاهية عن نقض اليقين بالشك كما ذكروه‏
في تحقيق أن المسألة مسألة أصولية
لكن نقول إن مرجعه إلى إثبات المسألة الأصوليّة عند التحقيق بالأخبار المذكورة لا إثبات المسألةالفرعيّة و من هنا منع المحقق قدس سره من التمسّك بالنبوي دع ما يريبك إلى ما لا يريبك في إثبات وجوب الاحتياط من حيث إنه مسألة أصوليّةلا يجوز التمسّك لها بالخبر الواحد و المحقق السبزواري و بعض أخر من التمسّك بأخبار الاستصحاب من حيث إن مسألة الاستصحاب مسألةأصوليّة لأن الحكم المستنبط من الأخبار المذكورة لا ينفع العامي و لا يتعلق بالعمل بلا واسطة كما أن الحكم المستنبط من قوله لا تنقض اليقين بالشكّ في‏الشبهة الحكميّة لا ينفع العامي من حيث توقّفه على إحراز أركانه بالفحص و عدم قيام دليل على خلافه كما أن التشبث بذيل الخبر الضعيف نظرا إلى الأخبارالمذكورة يتوقّف على فهم مدلوله و عدم احتمال الحرمة في المسألة و عدم قيام دليل معتبر على خلافه فالأخبار المذكورة كأخبار الاستصحاب والاحتياط ينفع المجتهد و المستنبط فقط و لاحظّ للعامي فيها و إن كان الحكم المستنبط في الجزئيّات ينفع المجتهد و العامي كما أن الخبر الدّال على وجوب‏فعل يعمل به الفريقان مع أن حجيّته لا ينفع العامي و الوجه في ذلك أن المسألة الأصوليّة لما مهّدت للاستنباط فلا ينفع إلا للمستنبط و هذابخلاف المسألة الفرعيّة فإنه يشترك فيه الفريقان بعد استنباط المجتهد حكمها من الأدلّة كوجوب السورة أو الاستعاذة أو البناء على الأكثر في‏شكوك الصّلاة أو عدم الالتفات إلى الشّكّ بعد التجاوز إلى غير ذلك من الجزئيّات و الكليّات فإنها أحكام لموضوعات أفعال المكلّفين‏لا مدخل لخصوص المجتهد في موضوعها و ينفع الفريقان و يعملان بهما بعد الاستنباط و هذا بخلاف المقام فإنه كالعمل بالأدلّة و الأصول‏في الشبهات الحكميّة من حيث توقف العمل على تشخيص مداليلها و مجاريها و الفحص عن معارضاتها فكما أنه ليس للمفتي أن يقول للعامي خذ بمقتضى‏الحالة السابقة فيما شككت من بقاء الحكم الشرعي الكلي كذلك لا يجوز له أن يقول للعامي خذ بالخبر الضعيف الدالّ على استحباب فعل إذا لم يكن هناك‏معارض و هذا بخلاف الاستصحاب في الموضوعات فإنه حكم فرعيّ يشترك فيه المجتهد و المقلّد و من هنا يكون مسألة فرعيّة و لو قلنا باعتباره‏من باب الظنّ و من هنا يظهر أن تنظر المقام بالعمل باليد و قاعدة الطهارة في الشبهات الموضوعيّة ليس ممّا ينبغي بل نظير المقام العمل بالقاعدة في‏الشبهات الحكميّة لا يقال العمل بالخبر الضعيف الدال على استحباب فعل يشترك فيه المجتهد و العامي غاية ما هناك كون المجتهد نائبا عن العامي‏في تشخيص مدلول الخبر و دفع معارضاته لأنا نقول ما ذكر جار بالنسبة إلى جميع المسائل الأصوليّة فإنه كما يعمل المجتهد بخبر العادل في الفروع‏كذلك يعمل العامي به غاية الأمر كون المجتهد نائبا عنه في تشخيص مدلول الخبر و دفع معارضاته و من هنا جاز للعامي في زمان الحضور العمل بالروايات كماجاز له التقليد و العمل بالفتاوي مع أنه لم يقل أحد بكون مسألة حجيّة خبر الواحد مسألة فرعيّة فاختصاص مسائل الأصوليّة في زماننا هذا وأشباهه بالمجتهد إنما هو عارضيّ من جهة قدرته على العمل بها و عجز العامي عنها هذا ما لخّصناه من إفاداته بطولها في الرسالة في الإيراد على الجواب‏الثالث و قال قدس سره بعد ما لخصناه ما هذا لفظه إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك أن قاعدة التسامح مسألة أصوليّة لأنها بعد إتقانها و استنباط ماهو مراد الشارع منها في الأخبار المتقدّمة فهو شي‏ء يرجع إليه المجتهد في استحباب الأفعال و لا ينفع المقلّد في شي‏ء لأن العمل بها يحتاج إلى إعمال‏ملكة الاجتهاد و صرف القوّة القدسية في استنباط مدلول الخبر و الفحص عن معارضة الراجح عليه أو المساوي له أو نحو ذلك ممّا يحتاج إليه العمل بالخبرالصحيح فهو نظير مسألة حجية الخبر الواحد و مسائل الاستصحاب و البراءة و الاحتياط في أنها يرجع إليها المجتهد و لا ينفع المقلّد و إن كانت نفس القاعدةقطعيّة المراد من حيث العموم أو الخصوص و ممّا ذكرنا ظهر أن إطلاق الرخصة للمقلّدين في العمل بقاعدة التسامح غير جائز كيف و دلالة الأخبار الضعيفةغير ضروريّة فقد يظهر منها ما يجب طرحها لمنافاته لدليل معتبر عقليّ أو نقلي و قد يعارض الاستحباب احتمال الحرمة الذي لا يتفطن له المقلد و قد يخطأ
68
في فهم كيفيّة العمل إلى غير ذلك من الاختلال نعم يمكن أن يرخّص له ذلك على وجه خاصّ تؤمن معه الخطاء كترخيص أدعية كتاب زاد المعاد مثلاللعامي الذي لا يقطع باستحبابها و هو في الحقيقة إفتاء باستحبابها لا إفتاء بالتسامح انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بأن العمدة ما ذكره أخيرامن التمسّك بلازم المسألة الأصوليّة و خاصيّتها في المقام و إلا فيتوجّه المناقشة إلى ما أفاده أوّلا و ثانيا بما لا يحتاج إلى البيان و مع ذلك يناقش‏فيه أوّلا بأن العمل بما ورد من التسامح في السنن لا يتوقف كثيرا مّا على إعمال قوّة نظريّة كما في الأدعية و الآداب و الزيارات و نحوها بل في الفروع الفقهيّةإذ كثيرا مّا يعلم العامي بعدم احتمال الحرمة الذاتية في المسألة التي ورد الخبر الضعيف في استحبابها و الحرمة التشريعيّة غير مانعة جزما لارتفاع موضوعهابالأخبار المذكورة و مجرّد هذا ليس اجتهادا في المسألة و لو بمعنى التجزي في الاجتهاد مثلا إذا ورد خبر ضعيف في الاستعاذة قبل القراءة في الركعةالأولى و يرجع العامي في المسألة و علم بأن القول منحصر بين الفقهاء فيها بين الوجوب و الاستحباب و لم يقل أحد بحرمتها فعمل بأخبار التسامح‏فيها لم يكن هذا منه اجتهادا في المسألة من حيث هي إذ لا قدرة له على استنباط نفس حكم المسألة من الأدلّة فتدبّر و ثانيا بأن ما أفاده من اللازم‏للمسألة الأصوليّة و الفرعية ممنوع و إنما يسلّم بالنسبة إلى غالب المسائل الفرعيّة فإنها كما أفاده في حكمها كيف و قد استظهر قدس سره كما يظهرمن مطاوي كلماته في باب الاستصحاب في ردّ بعض السادة الفحول كما ستقف عليه و في ردّ المحقق فيما أفاده بالنسبة إلى النبوي و في غيرهما كون‏الأصول العمليّة في الشبهات الحكميّة من المسائل الفرعيّة نعم على القول بها من باب الظّنّ يكون البحث فيها بحثا عن المسألة الأصوليّة فافهم‏و انتظر لبقيّة الكلام و توضيح المقام فيما يتلو عليك في الجزء الثالث هذا حاصل الكلام فيما يرجع إلى الإيراد على التمسّك بالأخبار في المسألةبعد تسليم تماميّتها سندا و دلالة و أما ما يرجع إلى الوجه الثاني أعني منع دلالتها فيتوقّف بيانه و توضيحه على تقريب دلالتها على المدّعى أولاعلى سبيل الإجمال ثمّ التعرض للمناقشة فيها فنقول أمّا دلالتها عليه فإنما هي من جهة أن المستفاد منها الأخبار بتنجز الثواب الموعود على العمل‏بمقتضى الخبر الضعيف الدال عليه و الظاهر منها استحقاق العامل لذلك بمقتضى عمله و لا يكون ذلك بحكم العقل إلا بكونه مطيعا و لا إطاعة إلاّ مع‏تعلّق الأمر بالمأتيّ به فالإخبار بالثواب على العمل إخبار عن تعلق الأمر الشرعي المولويّ به و لو كان ظاهريّا حيث إن مرجع الأخبار المذكورة إلى الإخبارعن الثواب و لو على تقدير عدم مطابقة الخبر للواقع و هذا كما ترى لا يجامع الاستحباب الواقعي فهو نظير كثير من المستحبّات الواقعيّة المبنيّةفي لسان الشرع بالإخبار عن الثواب عليها من الجهة التي ذكرناها كما أنه قد يكتفى عن بيان الوجوب بالعقاب على ترك الفعل و عن بيان التحريم‏بالإخبار عن العقاب على الفعل‏
تحقيق في بيان منع دلالة الأخبار المذكورة على المدعي بوجوه ستّة
ثمّ إن الثواب على الطّاعة و إن كان لازم أعمّ من الأمر الندبي ضرورة تحققها بالنسبة إلى الأمر الإيجابي‏أيضا إلاّ أنّ لازم الأمر الإيجابي لما كان ترتب العقاب على مخالفته أيضا و المفروض قصر الأخبار على إعطاء الأجر و الثواب فيستظهر منها أن الأمرالمستفاد منها بالدلالة العرفية هو الأمر الندبي هذا مضافا إلى أن المستفاد منها كونها في مقام الترتيب على العمل و إلى أنه قد لا يكون مفاد الخبرالضعيف كما هو الغالب في موارد التسامح إلاّ استحباب الفعل هذه غاية ما يقال في تقريب دلالة الأخبار المذكورة على ما ذكره المشهور فقد نوقش فيهابوجوه الأوّل أن الإخبار عن الثواب في الأخبار المذكورة لا يكشف عن تعلّق الأمر الشرعي بنفس الفعل استحبابا حيث إن الثواب الموعود على‏الفعل إنما هو فيما إذا أتي به باحتمال أن يكون مطلوبا للمولى و أن يكون الخبر الدالّ على استحبابه أو الثواب عليه مطابقا للواقع لا مطلقا كيف و لايكون الأمر ظاهريّا إلاّ بالملاحظة المذكورة و يكشف عن ذلك قوله عليه السلام في بعض تلك الأخبار التماس ذلك و قوله عليه السلام التماس قول النبي صلى اللَّه عليه و آله فإن المقصودمن هذا التعبير جعل احتمال الواقع الذي أخبر عنه الخبر الضعيف داعيا على العمل و هذا التعبير و إن لم يكن موجودا في أكثر الأخبار إلا أن النّاظر إليهايستظهر كون المراد منها مطلب واحد لا مطلبين فالمستظهر منها الإخبار عن الثواب على العمل بعنوان الاحتياط فيكشف عن رجحان الاحتياطشرعا كما يستقلّ به العقل فإن قلنا بأن المحتاط يستحقّ الأجر عقلا من حيث كون نفس الاحتياط حسنا عقلا و إطاعة حكميّة فلا يلزم هناك أمر شرعيّ‏مولويّ أصلا فهذه الأخبار على التقدير المذكور نظير ما دلّ على الأجر على الإطاعة الحقيقة فإنه لا يكشف عن تعلّق أمر مولويّ بالإطاعة و إن قلنا بعدم‏حكم العقل باستحقاقه الأجر من حيث كون المدح عليه فاعليّا فمرجعها إلى الإخبار عن تفضّل الشارع بإعطاء الأجر فيكون كقوله تعالى من جاء بالحسنة فله‏عشر أمثالها فلا يكشف أيضا عن تعلّق الأمر الشرعي بالفعل إلا بعنوان الاحتياط و بالجملة المدّعى و الغرض إثبات استحباب الفعل بالأخبار المذكورةكما هو مدلول الخبر الضعيف لا إثبات رجحان الاحتياط في مورده فإنه راجح و إن لم يكن هناك خبر أصلا و من هنا أشرنا إلى خروجه عن محلّ البحث‏هذا كله مضافا إلى بعد كون الأمر الظاهري المستفاد من الأخبار المذكورة ممّا يترتّب على إطاعته الأجر و الثواب بخصوصه على خلاف ما يقتضيه‏التحقيق في إطاعة سائر الأوامر الظاهريّة و إلى هذه المناقشة أشار شيخنا قدس سره في الكتاب بعد دفع الإيرادين بقوله و أمّا الإيراد الأوّل فالإنصاف‏أنه لا يخلو عن وجه لأن الظاهر من هذه الأخبار كون العمل متفرّعا على البلوغ و كونه الدّاعي على العمل و يؤيّده تقييد العمل في غير واحد من تلك الأخبار
69
بطلب قول النبي صلى اللَّه عليه و آله و التماس الثواب الموعود إلى آخر ما أفاده هذا و قد يدفع المناقشة المذكورة بأن ظاهر الأمر المستفاد من الأخبار لا يقتضي إلاملاحظة جهل المكلّف بالواقع و احتماله في موضوعه أمّا ملاحظة المكلّف احتمال الواقع حين العمل و جعله الداعي عليه فلا يقتضيها أصلاكما هو الشأن في جميع الأوامر الظاهريّة حيث إنّ مقتضاها بأسرها ما ذكرنا نعم موافقة الأمر بالاحتياط إنما هي بجعل احتمال الواقع‏داعيا على العمل لكنها ليست من جهة اقتضاء الأمر الظاهري لذلك بل من جهة عدم تحقّق الاحتياط الذي هو موضوع للأمر إلاّ بالإتيان‏بالفعل بالداعي المذكور و أما التقييد في بعض الأخبار بما يقتضي ملاحظة الواقع في العمل في حق العامل فليس محلاّ للإنكار إلاّ أنه لا يوجب التقييد في الأخبار المطلقة لعدم التنافي بين المثبتين في المندوبات كما هو ظاهر و أما الظهور العرفي المدّعى للأخباربملاحظة وحدة السّياق فهو ظهور غير مستند إلى اللفظ فلا يعارض به ظهور المطلقات في الإطلاق و إلى ما ذكرنا أشار قدس سره في مواضع من‏الرسالة منها ما لفظه فالأخبار الخالية عن تعليل الفعل برجاء الثواب غير ظاهرة في مضمون الأخبار المشتملة على التعليل بل هي ظاهرة في‏ترتّب الثواب على نفس الفعل و اللازم من ذلك كونها مسوقة لبيان استحبابه لما عرفت من أن إتيان محتمل المطلوبيّة بما هو هو لا يوجب الثواب‏فالإخبار بثبوت الثواب عليه بيان لاستحبابه و يؤيّد ما ذكرنا فهم الأصحاب القائلين بالتسامح انتهى كلامه رفع مقامه و ما أفاده من إطلاق‏أكثر ما ورد في الباب مضافا إلى فهم الأصحاب و إن كان مستقيما إلاّ أنّ في النفس من ذلك شي‏ء الثاني أنّ مورد الأخبار المذكورة والمستفاد من مجموعها هو التسامح في مقدار الثواب الخاص بعد مفروغيّة الثواب و الاستحباب كالوارد في شأن كثير من المستحبّات الثابتة في‏الشرع كما في الزيارات و الأدعية لا أصل الثواب الكاشف عن الاستحباب و يدلّ عليه قوله في بعض الأخبار المتقدّمة من بلغه شي‏ء من الثواب على‏شي‏ء من الخير فعمل به مضافا إلى ما تقدّم من الإشكال في أوامر الاحتياط من أنّ قصد القربة مأخوذ في الفعل المأمور به بهذه الأخبار فلا يمكن أن‏يكون هي المصحّحة للفعل إلى آخر ما عرفته و يدفعه أن ما ذكر و إن كان مقتضى ظاهر بعض الأخبار المتقدّمة إلاّ أنه خلاف مقتضى إطلاق الأكثر و هو المرجع لماعرفت من أنه لا يحمل في المقام المطلق على المقيّد و أما الإشكال المتقدّم في أوامر الاحتياط فقد عرفت التفصّي عنه نقضا و حلاّ فراجع‏
في أخصية الأخبار المذكورة
الثالث أنّ الأخبار المذكورة أخصّ من المدّعى نظرا إلى اختصاصها بما دلّ الخبر على الثواب على العمل لا ما إذا دل على طلب الفعل و رجحانه فإنه ليس إخبارا عن الثواب‏و دعوى أن الإخبار عن الطلب أو الأمر بالفعل إخبار عن الثواب التزاما من حيث كون إطاعة الأمر ملازمة للثواب مدفوعة بأن ظاهر الأخبار المذكورةالإخبار عن الثواب ابتداء و بالذات لا ثانيا و بالعرض من حيث اللزوم العقلي و يدفعه مضافا إلى عدم القول بالفصل و منع ظهور الاختصاص بالنسبةإلى كثير أن المستظهر منه ما ذكرنا اقتصر فيه ببلوغ الثواب و المراد منه بقرينة قوله فعمله نفس الفعل الذي يوجب الأجر و الثواب لا نفس الثواب‏ الرّابع أنها معارضة بما دلّ على عدم حجيّة خبر الفاسق من آية النبإ و غيرها و المرجع بعد التعارض الأصل و يدفعه ما عرفت من أن مدلولها ليس حجيّة خبر الضعيف‏حتّى يعارض بما دل على عدم حجيّته بل الحجة في المسألة نفس الأخبار المتقدمة الصحيحة المعتضدة بما عرفت هذا و أجاب عنه بعض أفاضل مقاربي عصرنا بعد جعل‏النسبة بين الأخبار المتقدمة و الآية العموم من وجه من حيث إن أخبار المذكورة تشمل جميع أقسام الخبر في الأحكام المترتّبة على بلوغها الثواب و الآية تشمل‏جميع أفراد خبر الفاسق من غير فرق بين الموضوعات و الأحكام بجميع أقسامها بما هذا لفظه و الجواب أن تناول أخبار الباب لخبر الفاسق أقوى من تناول‏آية النبإ لأن المطلقات التي يقع في سياق العموم كالرجل في قولك من أكرم رجلا فله كذا تفيد العموم تبعا لألفاظ العموم للتلازم إلى أن قال مضافا إلى‏اعتضاد عموم الأخبار بالشهرة و بظاهر العقل كما عرفت انتهى كلامه رفع مقامه و فيه ما لا يخفى و ذكر شيخنا قدس سره في الرسالة أن التحقيق في الجواب أنّ‏دليل طرح خبر الفاسق إن كان هو الإجماع فهو في المقام غير ثابت و إن كان آية النبإ فهي مختصّة بشهادة تعليلها بالوجوب و التحريم فلا بدّ في التعدّي‏عنهما من دليل مفقود في المقام انتهى كلامه رفع مقامه و هذا الجواب كالسابق عليه مبني على ما عرفت تضعيفه من دلالة الأخبار على حجيّة خبر الفاسق‏و يتوجّه عليه مضافا إلى ما عرفت المنع من اختصاص التعليل بخصوص الوجوب و التحريم لأن المراد منه كون خبر الفاسق في معرض الوقوع في خلاف الواقع‏من غير فرق فتدبّر هذا مضافا إلى أن دليل طرح خبر الفاسق ليس مختصا بالإجماع و الآية بل يستفاد من الأخبار أيضا كقوله عليه السلام لا تأخذن معالم دينك‏من غير شيعتنا و غيره مما تقدّم في البحث عن حجيّة أخبار الآحاد فتأمل الخامس أنّها على تقدير تسليم دلالتها على ترتب الثواب على العمل الذي أخبربترتّبه عليه و لو بطريق ضعيف لا يدلّ على الإذن في الإتيان بذلك العمل بل غاية ما يستفاد منها الإخبار بسعة فضله و كرمه تعالى إلى آخر ما ذكره الشيخ‏الفاضل قدس سره في الفصول و قد أطال الكلام قدس سره في دفعه و الجواب عنه بما لا يخلو عن مناقشة و لما كان أصل المناقشة غير محصّل المراد أعرضناعنه السّادس أنّها أخصّ من المدّعى من جهة أخرى حيث إنّها مختصّة بما إذا كان الخبر الوارد دالاّ على الاستحباب أو الثواب على العمل و أمّا إذا دلّ‏على الوجوب أو الثواب على الفعل و العقاب على الترك أو اقتصر على العقاب على الترك فلا يظهر حكمه من الأخبار المذكورة مع أن حكمهم بالتسامح يشمل‏جميع الصور و لعلّه المراد بقوله قدس سره في الكتاب و ثالثة بظهورها فيما بلغ فيه الثواب المحض إلى آخره و يدفعه أن المراد على بلوغ الثواب بأيّ وجه كان و يصدّق في‏
70
جميع الصّور المذكورة مضافا إلى عدم التفصيل في المسألة كما ستقف عليه إلى غير ذلك ممّا ذكر في كلماتهم و العمدة ما ذكرنا
تنبيهات متعلّقة بأدلّة التسامح‏
و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل أن عنوان المسألة في كلمات الأكثرين يقتضي اختصاص الكلام بالتسامح في أدلّة السّنن بظاهره فلا يتسامح في أدلّة المكروهات وصرّح غير واحد بالتعميم بحيث يظهر منه كونه من المسلّمات عندهم و قد عرفت الإشارة إلى بعض الكلمات المقتضي له سيما ما عرفته عن ذكرى الشهيد قدس سره‏و صرّح شيخنا قدس سره في الرسالة بأن المشهور إلحاق الكراهة بالاستحباب و قال في الفصول في عنوان المسألة قد تداول بين أصحابنا التسامح في أدلّةالسّنن و المكروهات بإثباتها بالرواية الضعيفة الغير المنجبرة و حمل الأخبار المفيدة للوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة عند ضعف السند وعدم الجابر انتهى كلامه رفع مقامه و يستدل للتعميم بعموم الشي‏ء في الأخبار لهما بل الظّاهر ممّا يتراءى منه الاختصاص العموم عند التأمّل فإن المرادمن العمل في قوله من بلغه ثواب على عمل هو الأعمّ من الفعل و الترك و لذا كان قوله تعالى لا يُضيعُ عَمَلَ عامِلِ مِنْكُمْ شاملا للأعمال مطلقا من الوجوديّة و العدميةلكن قال شيخنا قدس سره في الرسالة و لا إشكال فيه بناء على الاستناد إلى قاعدة الاحتياط و أمّا بناء على الاستناد إلى الأخبار فلا بدّ من تنقيح المناطبين الاستحباب و الكراهة و إلا فموارد الأخبار ظاهر الاختصاص بالفعل المستحبّ و لا يشمل المكروه إلا أن يدّعى عموم لفظ الفضائل في النبوي صلى الله عليه و آله بل عموم لفظ الشي‏ء في غيره للفعل و الترك فتأمل مضافا إلى ظاهر إجماع ذكرى انتهى كلامه رفع مقامه الثّاني أنك قد عرفت أنّ محلّ الكلام‏هو الخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة من غير فرق بين أن يكون مضمونه الثواب أو الطلب الغير الإلزامي المتعلّق بالفعل أو الترك أو الإلزامي المتعلّق بأحدهمافلو دلّ علي الوجوب أو الحرمة يحكم بالاستحباب و الكراهة في مورده نظرا إلى الأخبار المذكورة لا للتصرّف في الخبر بحمله على إرادة الاستحباب أوالكراهة منه فإن ذلك غير معقول و إن أوهمه بعض العبائر حيث إنهم يذكرون كثيرا ما إن الخبر ضعيف فيحمل على الاستحباب فما أفاده الشيخ المتقدّم في‏الفصول في عنوان المسألة لا يخلو عن نظر فلا بدّ من حمله على ما ذكرنا نعم على ما ذكره و ذكره شيخنا قدس سره في الرسالة من رجوع الكلام في المسألة إلى حجيّةالخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة في إثبات الاستحباب و الكراهة بأخبار الباب لا بدّ من التصرّف في أدلّة التصديق و التبعيض من حيث الأخذ و الطرح كما صنعه‏في الرسالة و ليس هذا أيضا كما ترى تصرّفا في دلالة الخبر الثالث أنا قد أشرنا سابقا إلى أنه سرى بعض الأصحاب أمر التسامح إلى الاكتفاء بفتوى‏الفقيه من أصحابنا به أو مطلقا على احتمال ضعيف قال في محكيّ المعتبر بعد أن حكى عن أبي الصّلاح كراهة الصلاة إلى إنسان مواجه أو باب مفتوح ما هذا لفظه‏هو أحد الأعيان فلا بأس باتّباع فتواه انتهى كلامه رفع مقامه و كلام الأكثرين خال عن السراية و التعميم و الإنصاف أن التعميم لا يخلو عن إشكال لأنّ الظاهرمن البلوغ هو البلوغ بطريق الحسّ لا الحدس و الاجتهاد بل قد يقال إنه ليس إخبارا عن الواقع أصلا فإن مرجع إخبار الفقيه حقيقة عن الواقع إلى الإخبارعن الرأي و الترجيح النفساني و أين هذا من الإخبار عن النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و خلفائه نعم لو استند في التسامح إلى حسن الاحتياط و رجحانه العقلي تعين التعميم‏لكنه لا يختصّ بما كان مستند احتمال الواقع فتوى الفقيه بل يشمل احتمال الواقع مطلقا على ما عرفت الإشارة إليه نعم يلحق بالرواية فتوى من نزّلوا فتاويه منزلةرواياته من حيث كونها روايات منقولة بالمعنى حقيقة قال شيخنا قدس سره في الرسالة لا إشكال في الإلحاق بناء على الاستناد إلى قاعدة الاحتياط و أما بناءعلى الاستناد إلى الأخبار فالتحقيق أن يقال إن كان يحتمل ذلك استناده في ذلك إلى الشارع أخذ به لصدق البلوغ بإخباره و أما إن علم خطأ في المستند بأن‏اطّلعنا أنّه استند في ذلك إلى رواية لا دلالة فيها فلا يؤخذ به و إن احتمل مطابقته للواقع لأن مجرّد احتمال الثواب غير كاف بمقتضى الأخبار بل لا بدّ من صدق‏البلوغ من اللّه تعالى أو النبي صلى اللَّه عليه و آله و أقل ذلك احتمال صدقه في حكايته و المفروض أنا نعلم أنّ هذا الرجل مخطئ في حكايته فهو نظير ما إذا قال الرّجل سمعت عن‏النبيّ صلى اللَّه عليه و آله أن في كذا ثواب كذا مع أنا لم نشكّ في أنه سمع رجلا اشتبه برسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله و أما الاكتفاء بمجرّد احتمال أن يكون رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله قال كذا فهو اكتفاءبمجرّد الاحتمال و لا يحتاج إلى قيد البلوغ و كذا لو علمنا أنه استند في ذلك إلى قاعدة عقليّة فإن البلوغ منصرف إلى غير ذلك و من ذلك يظهر أن ما حكي‏من الغزالي من الحكم باستحقاق الثواب على فعل مقدّمة الواجب لا يصير منشأ للتسامح لأن الظاهر استناده في ذلك إلى قاعدة عقليّة مثل تحسين‏العقل للإقدام على تهيؤ مقدّمات الواجب و نحو ذلك و منه يظهر النظر فيما ذكره المحقق القميّ قدس سره في القوانين من إمكان كون ذلك منشأ للتسامح‏و أضعف من ذلك ما ذكره في حاشية منه على ذلك الكلام من أن القول بالتسامح في مثل المقام يستلزم تسديس الأحكام انتهى كلام شيخنا قدس سره‏و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا تعلم أن مجرّد احتمال استناد الفقيه في فتواه إلى الرواية لا يوجب العلم بصدق البلوغ و إنما يوجب احتماله على احتمال وهو غير كاف للشكّ في صدق الموضوع الرابع أنه لا إشكال في اختصاص مورد المسألة فتوى و نصّا بما إذا لم يكن هناك خبر ضعيف يدلّ على‏تحريم الفعل أو كراهته فيما ورد الخبر الغير الجامع لشرائط الحجيّة على وجوبه و استحبابه من غير فرق بين الاستناد في المسألة إلى قاعدة الاحتياط فيماإذا كان مفادهما الحكم الإلزامي أو إلى الأخبار مطلقا لأن الحكم بطلب كل من الفعل و الترك بعد تعميم المسألة بالنسبة إلى التسامح في الكراهة ممّالا معنى له لعدم القدرة على امتثال الطلبين و إن قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي ضرورة خروج الفرض عن موضوع تلك المسألة لعدم المندوحة
71
بالفرض و صرف الأخبار إلى استحباب أحدهما تخييرا موجب لاستعمالها في معنيين مع أن التخيير بين الفعل و الترك في الاستحباب لا محصّل له فتعيّن‏الحكم بخروج الفرض عن مورد الأخبار مضافا إلى انصرافها إلى غيره جزما و أما لو كان في المسألة التي ورد الخبر فيها بالاستحباب أو الوجوب مجرّداحتمال التحريم أو العكس بأن كان هناك مجرد احتمال الوجوب فيما كان هناك خبر على التحريم أو الكراهة فالحكم من حيث جريان القاعدة ما عرفت و أمّا من‏حيث شمول الأخبار فقد يستشكل فيه من حيث انصرافها إلى غير الفرض سيّما بملاحظة التعليل المذكور في بعضها برجاء الثواب و استظهر شيخنا قدس سره‏في الرسالة الشمول نظرا إلى إطلاق أكثرها و عدم صلاحية المقيّد للتقييد في المقام على ما عرفت الإشارة إليه مرارا لكنه لا يخلو عن إشكال ثم قال‏قدس سره في الرّسالة و على الإطلاق ففي صورة احتمال الحرمة فيما وردت الرواية الضعيفة باستحبابه يتعارض استحباب الفعل لأجل الأخبار و استحباب الترك لأجل‏قاعدة الاحتياط و الظاهر عدم التعارض بل يحكم بكون كل من الفعل و الترك مستحبّا و لا ضير في ذلك كما إذا دلّ على الاستحباب شي‏ء دليل معتبرو دلّ على تحريمه أمارة غير معتبرة كالشهرة مثلا فإن فعله من حيث هو مستحبّ و تركه لداعي احتمال مبغوضيّة المولى أيضا محبوب فلم يتوجّه الاستحبابان‏إلى الفعل المطلق و الترك المطلق ثم لو فرض حكم العقل بأن دفع مضرّة التحريم المحتملة أولى من جلب منفعة الاستحباب المقطوع به حكم الشارع بطلب‏محتمل التحريم و استحباب تركه فلا بدّ من تقييد الأخبار بما عدا صورة احتمال التحريم انتهى كلامه رفع مقامه و هو كما ترى لا يخلو عن إجمال بل مناقشة من‏حيث إن الحيثيّة التقييدية على تقدير تعلّق الأمر بكل من الفعل و الترك لا يجدي شيئا فلا بد إما من الالتزام بعدم تعلق الأمر بعنوان الاحتياطفي الفرض أو الالتزام بعدم تعلّق الطلب بالفعل من جهة الأخبار و هذا معنى تقييدها حقيقة ثم إنه يعلم ممّا ذكرنا كلّه حكم ما لو احتمل الكراهة فيماورد الخبر الضعيف على وجوبه أو استحبابه من حيث حكم العقل و الأخبار فلا حاجة إلى التكلم فيه السّادس أنه لا فرق ظاهرا عندهم على ماصرّح به غير واحد منهم بين وجود الخبر في كتب الخاصة و مرويّا من طرقهم أو في كتب العامة و مرويّا من طرقهم لإطلاق الأخبار المتقدّمة و عن بعض من‏أنكر التسامح أنه يلزم القائلين به العمل بما رواه المخالفون مع ورود المنع من الرجوع إليهم بل تشديد الإنكار في ذلك و هذا كما ترى مبنيّ على مااستظهره غير واحد منهم شيخنا قدس سره من أن مرجع التسامح إلى حجيّة خبر الضعيف في باب السنن و الكراهة و إلا فالحكم بالاستحباب و الكراهة على ما عرفت‏منا مستندا إلى الأخبار المذكورة ليس من الرجوع إليهم أصلا و هذا ما ذكروه من التعارض بين الأخبار المذكورة و آية النبإ و أجاب عنه شيخنا قدس سره في‏الرسالة بأن الممنوع الرجوع إليهم في أخذ الفتوى و أمّا مجرّد الرجوع إلى كتبهم لأخذ الروايات و الآداب في الأخلاق و السنن فنمنع قيام الدليل‏إلى منعه و تحريمه و هو كما ترى فإنه لا يساعده جميع ما دل على المنع من الرجوع إليهم كما لا يخفى لمن راجع إليها
في جريان التسامح على القول به في الأحكام الشرعيّة
السّابع أنه لا إشكال في جريان التسامح على القول به في‏الأحكام الشرعيّة لأنه المتيقّن ممّا دلّ عليه و أما لورود خبر ضعيف في تشخيص الموضوع و المصداق أو أخبر عدل واحد عن موضوع المستحبّ و تشخيص‏مصداقه على القول بعدم حجيّة خبره في الموضوعات كالوارد في رأس سيّدنا و مولانا أبي عبد الله الحسين عند أمير المؤمنين عليهما السّلام و مثله‏الأخبار الواردة من الطرق الضعيفة في تشخيص مدفن الأنبياء و الأولياء و أولادهم و مثل الواردة في تشخيص المقامات في مسجد الكوفة و غيره من المساجدالإلهيّة و هكذا فهل يلحق بالخبر الوارد في الأحكام أم لا وجهان من اختصاص الأخبار و الفتاوي بظواهرها بما ورد في الأحكام و من اقتصار تمسّكهم‏بقاعدة الاحتياط للإلحاق في العموم مضافا إلى تنقيح مناط الأخبار بل قد يدّعى برجوع الخبر عن الموضوع بالخبر عن الحكم حقيقة قال شيخنا في الرسالةبعد نفي الإشكال في الإلحاق من حيث الاستحباب العقلي من باب الاحتياط إن الأخبار و إن كانت ظاهرة في الشبهة الحكميّة أعني ما إذا كانت الروايةمثبتة لنفس الاستحباب لا لموضوعه إلا أن الظاهر جريان الحكم في محلّ الكلام بتنقيح المناط إذ من المعلوم عدم الفرق بين أن يعتمد على خبر الشخص في‏استحباب العمل الفلاني في هذا المكان كبعض أماكن مسجد الكوفة و بين أن يعتمد عليه في أن هذا المكان هو المكان الفلاني الذي علم أنه يستحبّ فيه‏العمل الفلاني مضافا إلى إمكان أن يقال إن الإخبار بالموضوع مستلزم للإخبار بالحكم بل قد يكون الغرض منه هو الإخبار بثبوت الحكم في هذاالموضوع الخاص و الحاصل أن التسامح أقوى نعم لو ترتب على الخبر المذكور حكم آخر غير الاستحباب فلا يترتب عليه لما عرفت فلو ثبت كيفيّة خاصّة للزيارةمن القرب بحيث لا يجوز من البعد فلا يجوز لأن الثابت من الرواية استحباب حضور هذا المكان لا كون الشخص مدفونا فيه و كذا يستحبّ الصّلاة في المكان‏الذي يقال له المسجد و لا يجب إزالة النجاسة عنه و لا يجوز الاعتكاف فيه إلى غير ذلك ممّا هو واضح انتهى كلامه رفع مقامه‏ الثامن لا إشكال في اختصاص‏الأخبار و كلمات المشهور بالتسامح من حيث سند الأخبار و أما التسامح من حيث الدلالة بأن يكون هناك خبر صحيح السند مجمل يحتمل إرادة الاستحباب‏منه فلا يستفاد منها قطعا و إن حكي عن بعض المتأخرين القول به فلعلّه تخيّل كون المستند في التسامح قاعدة الاحتياط على ما يستفاد من كلام غيرواحد حسبما عرفت و عليه و إن لم يكن إشكال في جريان التسامح بحسب الدلالة الضعيفة أيضا إلا أنّك قد أسمعناك فيما تقدم أن الدائرة على تقدير الاستنادفيها إلى القاعدة أوسع مما ذكره بمراتب التاسع ذكر غير واحد أنه كما يتسامح في السنن يتسامح في القصص و المواعظ و الفضائل بل استظهر ممّا
72
عرفت عن الشهيد قد سره في الذكرى أن أخبار الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم كونه مسلّما عند القائلين بالتسامح و عن ثاني الشهيدين قدس سرهمافي الرواية التصريح به حيث قال جوّز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في القصص و المواعظ و فضائل الأعمال لا في صفات اللّه تعالى و أحكام الحلال و الحرام‏و هو حسن حيث لم يبلغ الضعيف حدّ الوضع و الاختلاف انتهى كلامه رفع مقامه فلعلّ المراد من التسامح في الخبر الضعيف الوارد في هذه الأمور ماذكر شيخنا قدس سره في الرسالة من نقلها و استماعها و ضبطها في القلب و ترتيب الآثار عليها عدا ما يتعلّق بالواجب و الحرام قال قدس سره بعد هذا و الحاصل‏أن العمل بكل شي‏ء على حسب ذلك الشي‏ء و هذا أمر وجداني لا ينكر و يدخل فيها فضائل أهل البيت عليهم السلام و مصائبهم و يدخل في العمل الإخبار بوقوعهامن دون نسبة إلى الحكاية على حدّ الإخبار بالأمور الواردة بالطرق المعتمدة بأن يقال كان أمير المؤمنين يقول كذا و يفعل كذا و يبكي كذا و نزل على مولاناسيّد الشهداء كذا و كذا و لا يجوز ذلك في الأخبار الكاذبة و إن جازت حكايتها فإن حكاية الخبر الكاذب ليس كذبا مع أنه لا يبعد عدم الجواز إلا مع بيان‏كونها كاذبة ثمّ إن الدليل على جواز ما ذكرنا من طريق العقل حسن العمل بهذه مع أمن المضرّة فيها على تقدير الكذب و أمّا من طريق النقل فروايةابن طاوس و النبوي مضافا إلى إجماع الذكرى المعتضد بحكاية ذلك من الأكثر انتهى ما أردنا نقله من كلامه قدس سره (1) أقول الذي يقتضيه التحقيق في‏الاستدلال على التعميم أن يقال إنه لا شبهة و لا ريب في ثبوت رجحان نقل فضائل النبيّ و الأئمة عليهم السلام و الصّدّيقة الطاهرة سلام الله عليها و ذكر حالاتهم‏و مصائبهم بالدليل العلمي و وعد الثواب و الأجر عليه و كذا كتبه و استماعه فالخبر الضعيف الوارد فيها يتضمّن الإخبار على الثواب بنقل مضمونه كالخبرالضعيف الوارد في استحباب فعل فإنه يتضمّن الإخبار عن الثواب عليه و ليس هذا أسوأ من الخبر الوارد في تشخيص الموضوعات من الطرق الضعيفة على ماعرفت الكلام فيه فالخبر الضعيف الوارد في فضيلة من فضائلهم إخبار عن ترتّب الثواب على نقله و استماعه فهو من هذه الجهة نظير الخبر الصحيح‏الوارد في فضيلة من فضائلهم فإنه يجوز نسبة مضمونه إلى الواقع استنادا إلى الخبر الصحيح بأن يجعل جهة النّسبة كالإخبار عن الموضوعات العاديةفيما كان طريقه معتبرا عند العقلاء و أدلّة حجيّة الطرق الشرعيّة و إن لم يقتضي بنفسها وجوب إظهار مضامينها و نقلها إلا أنّها ربما يقتضيه‏بضميمة ما دلّ على وجوب نقل الأخبار و إظهار الحق للناس و نحو ذلك و هذا البيان كما ترى أوفى ممّا أفاده قدس سره و إن أمكن إرجاعه إليه بنحو من‏التكلّف هذا و ربما يؤيّد الإلحاق بل يستدلّ عليه كما في محرق القلوب للفاضل النراقي بما دل على رجحان الإبكاء و ذكر الفضائل و المناقب‏و الإعانة على البرّ و التقوى و أنت خبير بأن التأييد بأمثال هذه في المقام لا وجه له فضلا عن الاستدلال به فإنه يتوجّه عليه مضافا إلى أنه لاإطلاق لها بالنسبة إلى السبب كما هو واضح أنها قد قيّدت بالإجماع على تقدير الإطلاق بالسبب المباح كما هو الشأن في جميع ما يثبت الرجحان‏للأفعال بالعنوانات الثانوية كإجابة المؤمن و نحوها فإنّها لا يقاوم المحرّمات الشرعيّة و ليست في مرتبتها كما فصّل في محلّه و إلا لجاز التوصّل‏بها و لو من جهة المعارضة بالعموم من وجه و الرجوع إلى الأصل إلى الحكم بإباحة المحرّمات الشرعيّة كالغناء في المراثي و قراءة القرآن و الأدعية و العمل بالملاهي‏من جهة إجابة المؤمن و هو كما ترى و إن أوهم جواز الالتزام به كلام بعض المتأخّرين فذهب إلى جواز التغنّي في المراثي و قراءة القرآن لما عرفت من التعارض‏الموجب للرجوع إلى الأصل لكنه بمكان من الضّعف و السقوط نعم هذه العمومات المثبتة للرجحان و الأجر و المثوبة لتلك العنوان ينفع في المقام‏بملاحظة الأخبار الواردة في باب التسامح على ما أسمعناك العاشر لا إشكال في جريان الأخبار فيما لو احتمل الاستحباب في الواقعة في نفس‏الأمر و أما لو علم بانتفاء الاستحباب في نفس الأمر كما لو دار حكم الواقعة بين الوجوب و الإباحة مثلا فهل يحكم بجريانها نظرا إلى ما عرفت من صدق بلوغ‏الثواب بالإخبار عن الوجوب أو عدم جريانها نظرا إلى العلم بانتفاء الاستحباب واقعا فكيف بحكم بثبوته ظاهرا وجهان أوجههما الأول نظراإلى ما عرفت مرارا من أن مخالفة الحكم الظاهري للواقع إذا لم يوجب المخالفة القطعيّة العمليّة لا ضير فيها أصلا حيث إنه ليس في المقام مخالفة عمليّةبالفرض و لو كان المأمور به على تقدير ثبوته من العبادات لإمكان قصد التقرب بالأمر الواقعي المحتمل أو الظاهري المقطوع من حيث كونه مقرّبا على‏ما قضت به الأخبار المتقدّمة و لا الالتزاميّة أيضا لأن المفروض الالتزام بكون الحكم النفس الأمري هو ما ثبت للواقعة في نفس الأمر و إنما يلتزم بالاستحباب‏في مرحلة الظاهر
في بيان حكم ما إذا ورد خبر ضعيف على استحباب فعل و ورد خبر آخر على عدمه‏
الحادي عشر إذا ورد خبر ضعيف في استحباب فعل و ورد خبر آخر على عدم استحبابه لا على حرمته فإن كان الآخر ضعيفا أيضا فلاإشكال في الحكم بالاستحباب سواء كان تقابلهما من التباين أو الإطلاق و التقييد و العموم و الخصوص و إن كان الآخر معتبرا فلا ينبغي الإشكال في‏التسامح على تقدير الاستناد فيه إلى قاعدة الاحتياط ضرورة عدم التنافي بين عدم الاستحباب و نفيه في مرحلة الظاهر و حسن الاحتياطبملاحظة احتمال الواقع و من هنا يحكم في جميع موارد قيام الطرق الظاهريّة بتحقق الواقع من جهة احتمال خطاء الطريق و دعوى اقتضاء دليل الخبر القائم‏على عدم الاستحباب عدم مشروعيّة الاحتياط من حيث كون مفاده تنزيل الخبر منزلة القطع بالواقع فكما لا يحتاط في صورة القطع بعدم الاستحباب‏كذلك لا يجوز الاحتياط فيما دل الخبر على عدمه فاسدة جدّا لما عرفت مرارا من الاستفادة المذكورة من أدلّة اعتبار الطرق و الأمارات الشرعيّة و أنّ‏
73
مفادها تنزيل ما قامت عليه الأمارة منزلة الواقع في محمولاته الشرعيّة لا القطع به و حسن الاحتياط إنما هو من آثار الاحتمال لا المحتمل حتّى يقال‏بنفيه بالنظر إلى دليل الخبر على المعنى المختار في مفاده أيضا و أمّا على تقدير الاستناد فيه إلى الأخبار و القول بدلالتها على ثبوت الاستحباب‏الشرعي لما دلّ الخبر الضعيف على استحبابه لا مجرّد حسن الاحتياط في مورده فلا محالة يقع التعارض بينه و بين الأخبار المذكورة سواء كان التقابل بين‏الخبرين في المسألة الفرعيّة على وجه التباين أو الإطلاق و التقيد من غير فرق بين القول برجوع الأخبار المذكورة إلى إثبات حجيّة الخبر الضعيف في‏السّنن و بين القول بإثباتها استحباب ما كان فيه بلوغ الثواب من غير نظر لها إلى إثبات حجيّة الخبر على ما عرفت الكلام فيه ضرورة ثبوت التنافي‏بين استحباب الفعل بالعنوان المذكور ظاهرا و عدم استحبابه في مرحلة الظاهر بمقتضى الخبر القائم عليه فيخرج بمقتضى دليل اعتباره عن الأخبارنظرا إلى رجوع التعارض بينهما إلى العموم و الخصوص نعم على القول برجوع الأخبار في المسألة إلى إثبات حجيّة الخبر الضعيف في السنن لا بدّ من‏ملاحظة النسبة بين الخبرين نظرا إلى رجوعهما إلى الإثبات و النفي فيرجع في صورة التباين إلى ما يقتضيه قاعدة العلاج بين المتعارضين المتباينين‏لكن يمكن على هذا القول أيضا الرجوع إلى الخبر النافي مطلقا بدعوى انصراف أخبار المقام إلى غير الفرض كما أنه يمكن أن يقال بعد منع الانصراف بثبوت‏الاستحباب بصدق بلوغ الثواب بعد وقوع التعارض بينهما فإنه لا يمنع من تحقّق الأمر الوجداني فيشمله أخبار المقام بحسب المناط و إن امتنع الشمول‏بحسب الدلالة اللفظيّة لكنّه كما ترى و إن اختاره شيخنا قدس سره في الرسالة حيث قال بعد إظهار العجب ممّن أنكر التسامح في الفرض مع تمسّكه فيه‏بقاعدة الاحتياط ما هذا لفظه و التحقيق أنه لا إشكال في التسامح في المقام من باب الاحتياط بل هو إجماعيّ ظاهرا و أما من باب الأخبار فمقتضى‏إطلاقها ذلك أيضا إلاّ أن يدّعى انصرافها إلى غير ذلك و لا شاهد عليه فيقع التعارض بين هذه الأخبار و أدلّة حجيّة ذلك الدليل المعتبر لانفسه لاختلاف الموضوع و مقتضى القاعدة و إن كان هو التساقط إلا أن الأمر لما دار بين الاستحباب و غيره و صدق بلوغ الثواب و لو من جهة أخباربلوغ الثواب حكم بالاستحباب تسامحا فإن قلت أخبار بلوغ الثواب لا يعمّ نفسها قلنا نعم هو غير معقول إلا أن المناط منقّح فلا يقدح عدم العموم‏اللفظي لعدم تعقله فافهم فالقول بالتسامح قوي جدّا انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه‏ الثاني عشر أنه يظهر الثمرة بين الاستناد في رجحان‏الفعل في موارد ورود الخبر الغير المعتبر على الاستحباب إلى قاعدة حسن الاحتياط و إلى الأخبار مع القول بأن مفادها الاستحباب الشرعي فيمايترتّب شرعا من الآثار على المستحبّ فإنه على الأول لا يحكم بترتّبه و إن قيل بترتّب الثواب لأنه بمجرّده لا يلازم الطلب الشرعي على ما هو المفروض و على الثّاني‏يحكم بترتّبه و على هذا فيما ورد الخبر الضعيف على استحبابه من الوضوءات لا يحكم بكونه رافعا للحدث على الأول و يحكم به على الثاني لو ثبت في الشرع كون‏الرفع من أحكام ما أمر به شرعا من الوضوء كما هو الظاهر من غير واحد منهم بل المشهور على ما قيل و إلا فلا ثمرة بين القولين بالنسبة إليه و هو الوجه في أمر شيخناقدس سره بالتأمّل في الكتاب عقيب الثمرة المذكورة فإنه مبنيّ على التأمّل في الكليّة المذكورة في كلماتهم من أنّ كلّ وضوء أمر به شرعا يكون رافعا للحدث إلاّما خرج و إن كان مستظهرا من بعض الأخبار المعتبرة و تحقيق المسألة يطلب من الفقه و بالجملة هذا البحث متعلّق بالصغرى و إلاّ فلا إشكال في‏الكليّة التي ذكرنا من ترتب الرّفع على الوضوء المأمور به بالأخبار المذكورة على تقدير تسليم دلالتها على الاستحباب الشرعي على القول بكون الأصل‏في الوضوء المأمور به أن يكون رافعا للحدث و إن هو إلا نظير منع جواز المسح ببلل المسترسل من اللحية فيما يجوز أخذ البلل من مواضع الوضوء للمسح على‏القول باستحباب غسله بالنظر إلى الأخبار المذكورة من جهة دلالة بعض الأخبار الغير المعتبرة عليه نظرا إلى أن استحباب غسله لا يوجب دخوله في الوجه‏حتى يجوز أخذ البلل منه‏
نقل كلام صاحب الذخيرة و تحسينه و تجويده‏
و ممّا ذكرنا يظهر أن ما ذكره في محكيّ الذخيرة بعد الحكم بالتسامح في السنن من جهة الأخبار المذكورة من جهة أن هذا الوجه إنّمايفيد مجرّد ترتّب الثواب على ذلك الفعل و لا يستفاد منه الأمر الشرعي حتى يترتّب عليه الأحكام الوضعيّة المترتّبة على الأحكام الواقعيّة في كمال الجودةو الاستقامة بناء على حمل الأخبار على بيان قاعدة الاحتياط و الإطاعة الحكمية و إن كان الثابت بها خصوص الثواب البالغ لا أصل الثواب حيث‏إن المعنى المذكور أيضا لا يلازم الأمر الشرعي بعد ابتنائه على التفضّل نعم يلازم تعلّق الأمر الإرشادي من الشرع و العقل بالفعل لكنه ليس مفيدابالفرض لأن حاله حال أصل الأمر بالاحتياط في عدم الاستحباب الشرعي منه‏ الثالث عشر أنه لو ورد خبر ضعيف على اعتبار خصوصيّة في المستحبّات‏الثابتة في الشريعة كالزيارات و الأدعية و النوافل كالوارد في اعتبار الغسل مثلا في الزيارة الجامعة و نحوه فهل يحمل المطلقات عليه مطلقا أو عندالتمكّن من الخصوصيّة أو لا يحمل عليه مطلقا و إن حكم بأولويّة الأخذ به عند التمكّن وجوه لا إشكال في تعيّن الأخير بناء على القول بانصراف أخبارالباب إلى ما يستفاد من قاعدة الاحتياط و في تعين أحد الأولين بناء على استفادة حجيّة خبر الضعيف من أخبار الباب لو قيل بشمولها للمقام‏من حيث رجوع الخبر الضعيف إلى إثبات استحباب كيفيّة خاصّة للفعل فيما كان مدلوله نفي الاستحباب عند انتفاء الكيفيّة فتأمل و أما على ما استظهرنامنها من دلالتها على استحباب كل فعل دلّ الخبر عليه فيشكل الحكم بالتقييد مطلقا و إن حكم باستحباب الكيفيّة الخاصّة فهو مستحبّ في مستحبّ حتّى‏
74
فيما لو دلّ على نفي الاستحباب عند انتفاء الكيفيّة فإنه من الحيثية المذكورة لا يصدق عليه عنوان البلوغ بل يمكن القول بعدم التقييد فيمالو دلّ على تحريم الفعل ذاتا عند انتفاء الخصوصيّة نظرا إلى عدم حجّيّة حتى يقاوم مطلقات العبادة المفروضة هذا فيما كان أصل استحباب الفعل‏بعنوان العموم و الإطلاق ثابتا من الأدلة المعتبرة و ورد الخبر الضعيف على اعتبار خصوصيّة فيه و أما لو عكس الأمر بأن كان أصل استحبابه مستنداإلى قاعدة التسامح و ورد دليل معتبر على أخذ خصوصيّة فيه بحيث استظهر منه عدم مشروعيّة الفعل عند انتفائها و حرمته فالحكم بعدم اعتبارالخصوصيّة و الحمل في غاية الإشكال و إن كانت الحرمة التشريعيّة لا يزاحم قاعدة التسامح قطعا نظرا إلى أن الظّاهر منه عدم تحقق امتثال الأوامر المطلقةمع انتفاء الخصوصيّة المفروضة فتدبّر و في الرسالة في هذا الفرع ما لا يخلو عن إجمال فراجع إليه‏
في اختصاص أدلّة البراءة بصورة الشك في الوجوب العيني‏
قوله قدس سره إن الظاهر اختصاص أدلّة البراءةإلى آخره‏(1) أقول محلّ الكلام فيما ثبت الوجوب قطعا و تيقّن تعلّقه بأحد الفعلين و شكّ في تعلّقه بالآخر بحيث لو تعلّق به كان واجبا تخييريّا فالمسألةمن دوران الأمر بين التخيير و التعيين إلا أن الكلام فيها في المقام إنما هو من حيث جريان الأصل في نفي التخيير لا في جريانه في نفي التعيين حتى يترتب عليه ثبوت‏التخيير فإنه كلام آخر لا تعلّق له بالمقام أصلا سيجي‏ء عنوانه في الكتاب ثم إن الكلام في محل البحث قد يقع من حيث جواز الرجوع إلى أصالة البراءة في‏نفي التخيير الذي هو المقصود بالبحث في مسائل البحث و قد يقع من حيث الرجوع إلى سائر الأصول أمّا الكلام من الجهة الأولى فحاصله أنه لا ينبغي‏الإشكال في عدم جريان دليل البراءة بالنسبة إلى نفي الوجوب التخييري مع بقائه على عنوانه و عدم خروجه عنه بالعرض أما العقل فعدم جريانه ظاهرواضح حيث إنه ليس هناك مؤاخذة مشكوكة محتملة يقصد دفعها بحكم العقل على كل تقدير فإنه على تقدير الإتيان بما هو المتيقّن وجوبه يقطع بعدم‏العقاب و لو كان المحتمل واجبا تخييريّا و على تقدير تركه يقطع بالعقاب مع ترك المحتمل و لو لم يكن واجبا في الواقع فليس هنا صورة شكّ يحتمل فيهاالمؤاخذة يدفع احتمالها بحكم العقل نعم على تقدير تعذر الإتيان بما تيقّن وجوبه يحتمل المؤاخذة على تركه مع قطع النظر عن دليل البراءة لكن الوجوب‏المحتمل في هذا الفرض تعييني لا تخييريّ أمّا النقل فانتفاء الإجماع في المقام مما لا شبهة فيه و أمّا الكتاب و السنة فما كان من الآيات و الأخبارمساقه مساق حكم العقل ظاهرا في نفي المؤاخذة على الحكم المجهول فقد ظهر حاله ممّا ذكرنا في بيان عدم جريان حكم العقل في المقام و ما لم يكن منهماكذلك فالظاهر منهما بعد التأمّل على ما هو المستفاد من أكثرها هو نفي التكليف المجهول فيما كان ثبوته موجبا لضيق على المكلف فيختصّان بما كان كذلك‏و ليس الأمر كذلك في المقام ضرورة عدم ضيق في الوجوب التخييري في مفروض البحث بل فيه سعة على المكلّفين و ما كان له إطلاق يشمل المقام في بادي‏النظر ينصرف عنه لا للتنافي لانتفائه قطعا بل لوحدة السياق المنساقة من آيات الباب و أخباره كما هو ظاهر للمتأمّل فيهما هذا
في جريان أصل العدم بالنسبة إلى حكم التكليفي‏
و أمّا الكلام‏من الجهة الثانية فقد يقع في إجراء أصالة العدم بالنسبة إلى الوجوب التخييري المشكوك و الطلب المتعلّق بالفعل و قد يقع بالنسبة إلى الأمر الوضعي‏المترتب عليه و هو سقوط المتيقن به فيما كان السقوط مترتبا على الوجوب و قد يقع بالنسبة إليه فيما شكّ فيه على تقدير عدم وجوبه و إن كان هذا الفرض‏خارجا حقيقة عن مسائل البحث فإنه يفرض مع القطع بعدم الوجوب أيضا و أمّا الكلام في إجراء الأصل بالنسبة إلى الحكم التكليفي أعني الوجوب التخييري‏فقد يفرض فيما لو كان الشك فيه مسبّبا عن احتمال إرادته من الأمر بالكلي المشترك بين الفرد المشكوك و الفرد المتيقن إرادته بحيث يقطع بعدم أمر في‏الشريعة إلاّ بالكلّي المفروض مع فرض عدم إطلاق له يجوز التمسّك به و الحكم بإرادة المشكوك منه و العلم بإرادة الفرد الآخر على كل تقدير بحيث يكون متيقناكذلك فيكون هنا خطاب واحد حقيقة مردّد من حيث المتعلّق في نفس الأمر بين الكلّي بما هو كلّي و الطبيعة المطلقة و الفرد الذي علم وجوبه و إرادته‏على كل تقدير و إن كان المتعلّق بحسب صورة القضيّة الكلّي و من هنا يكون هذا القسم خارجا حقيقة عن الشكّ في الوجوب التخييري المصطلح و قديفرض فيما لو كان الشكّ فيه مسبّبا عن احتمال تعلق أمر بالفرد المشكوك بالخصوص كما تعلّق بالفرد الآخر المتيقّن وجوبه مع العلم بكونه تخييريا على تقديرتعلّقه أما الفرض الأوّل فقد استشكل شيخنا قدس سره في الكتاب في جريان الأصل فيه نظرا إلى ما عرفت و إليه يرجع ما أفاده في وجهه بقوله إذ ليس هناإلاّ وجوب واحد من أن متعلّق التكليف حقيقة مردّد بين الكلي بما هو كلّي و الفرد بما هو فرد و ليس هناك قدر متيقّن من حيث متعلّق الخطاب و إن‏كان تعلّق الوجوب المردّد بين التعيين و التخيير بالفرد الآخر يقينيّا فتعلّقه بالكلّي في مرتبة تعلّقه بالفرد فنفي أحد التعلّقين بالأصل معارض بنفي‏الآخر فهو في الحقيقة يرجع إلى نفي أحد الحادثين مع العلم بحدوث أحدهما إجمالا فيكون من تعيين الحادث بالأصل إن أريد منه التعيين فيعارض كماعرفت مضافا إلى كونه أصلا مثبتا و إن أريد منه مجرّد النفي دون الإثبات فيقع التعارض بينهما كما عرفت هذا و لكن يمكن أن يقال بعدم التعارض‏بينهما نظرا إلى العلم بتعلق الإرادة الحتمية بالفرد المتيقن وجوبه و إن لم يعلم كونها بعنوان التعيين أو التخيير فنفي الوجوب بالنسبة إلى الكلّي بالأصل‏فيما ترتب أثر شرعا عليه لا يعارض بنفيه بالنسبة إلى الفرد للعلم بوجوبه على كل تقدير نعم لا يجوز إثبات الوجوب التعيّني للفرد المذكور بالأصل‏المزبور لأنه مضافا إلى كونه مثبتا معارض بنفي التعيين للفرد بالأصل و من هنا استشكل شيخنا قدس سره في جريان الأصل في الفرض و لم يجزم به هذا
75
مع أنه قد يقال إن المنفي بالأصل في الفرض هو الوجوب بالنسبة إلى الفرد المشكوك لا بالنسبة إلى الكليّ و إن كان شكه مسبّبا عن احتمال تعلّق الأمربالطّبيعة الكلّيّة و ليس وجوبه عين تعلّق الطلب بها و إن كان حاصلا منه فيرجع إليه بعد سقوط الأصل في الشكّ السببي لمكان التعارض أوعدم جريانه لمكان العلم الإجمالي لما ستقف عليه في محله من عدم كون الأصل في الشك المسبّب في مرتبة الأصل في الشكّ السبب و لكنّه محلّ مناقشةمن حيث إن تعلّق الطّلب بالطبيعة الكلّيّة عين تعلّقه بالأفراد ذاتا حقيقة و إن افترقا بالإجمال و التفصيل و بحسب العنوان فليست هنا إرادتان‏يتبع إحداهما الأخرى على وجه العلّيّة و المعلوليّة فمعنى أصالة عدم وجوب الفرد حقيقة أصالة عدم تعلّق الأمر بالطبيعة الكليّة فافهم‏ ثم إن ما ذكرنا من جواز الرجوع إلى الأصل في الفرض على ما عرفت الإشارة إليه إنما هو فيما ترتب أثر شرعي على مورده و مجراه من دون واسطةكما أن الحكم بالتعارض أيضا مبني على ذلك و إلا لم يكن معنى لحكم الشارع بنفي الوجوب في مرحلة الظاهر كما هو ظاهر و القول بأن اعتبار ذلك‏في جريان الاستصحاب إنما هو في الاستصحاب الجاري في الموضوع لا في الحكم فإنه يترتّب عليه جميع ما لا ينفك من المستصحب من اللوازم مطلقاكما ستقف عليه في باب الاستصحاب فاسد جدّا لأنّ الحكم الشرعي إنما هو الوجوب و أمّا عدمه فليس حكما و إلا كانت الأحكام عشرة لا خمسة على مانبّهنا عليك في مطاوي ما قدّمناه لك هذا و أمّا الفرض الثاني فلا إشكال في جريان الأصل بالنسبة إلى المشكوك فيما ترتب عليه أثر شرعيّ و عدم‏جريانه بالنسبة إلى المتيقّن وجوبه حتى يعارض الأصل في المشكوك و ممّا ذكرنا يظهر لك أن مراده قدس سره من قوله و في جريان أصالة عدم الوجوب تفصيل‏هو فرق القسمين من حيث جريان الأصل و عدمه من حيث الوضوح و الخفاء لا في أصل الجريان و عدمه و إن كان ما ذكرنا خلاف ظاهر العبارة في بادي‏النظر هذا بعض الكلام في جريان أصل العدم بالنسبة إلى الحكم التكليفي و أما الكلام في جريانه بالنسبة إلى لازمه الوضعي و هو سقوط الواجب المعلوم‏إجمالا بفعل المشكوك فيما فرض ترتّبه على وجوبه فحاصله أن الظاهر من شيخنا قدس سره في الكتاب بل صريحه في وجه جريانه بالنسبة إليه في الفرضين لكن قديناقش فيما أفاده لا من جهة أن نفي التكليف بالأصل يلزمه نفي ما يترتب عليه من الأثر الوضعي فلا معنى لإجراء أصل آخر في الأثر الوضعي بل من جهة أن مرجع‏الشك في السقوط إلى الشك في حصول البراءة عن التكليف النفسي بفعل المشكوك و العقل مستقل بعدم جواز الاقتصار عليه فالحكم بعدم السقوط ممّايستقلّ به العقل عند الشكّ فهو من الأحكام العقليّة لنفس الشكّ و الاحتمال و ليس حكما شرعيّا للمشكوك حتى يحكم بثبوته في مرحلة الظاهر بإجراء أصل‏العدم اللهمّ إلاّ أن يكون مراده قدس سره من أصالة عدم سقوط ذلك الفرد المتيقّن الوجوب بفعل المشكوك هو البناء على العدم من جهة قاعدة الاشتغال‏لا الاستصحاب فتدبّر و مما ذكرنا يظهر أنه لا ريب في الحكم بعدم إسقاطه للواجب فيما شكّ فيه مع القطع بعدم وجوبه لعدم الفرق في حكم العقل لكنّه‏خارج عن فروض محل البحث كما هو ظاهر و أما لو قطع بكونه مسقطا و شكّ في كونه واجبا تخييريّا مسقطا أو مباحا مسقطا كالسفر المباح المسقط لوجوب‏الصوم فلا إشكال في عدم جريان الأصل بالنسبة إلى هذا الأثر بأيّ معنى كان نعم يجري أصل العدم بالنسبة إلى وجوبه فيما حكم بجريانه فيه من‏الفرضين بالنسبة إلى ما يترتّب عليه من الآثار الشرعيّة كما أنه لا إشكال في جريان أصل البراءة بالنسبة إلى وجوبه التعيّني بالعرض فيما فرض تعذّر المتيقّن‏وجوبه في الفرض كما أنه لا إشكال في جريانها بالنسبة إليه عند تعذّره فيما شك في كونه مسقطا في الفرضين أيضا و تخصيص الصورة بجريان أصل البراءةمع حكمه بجريانه مطلقا عند الشك في الوجوب التعيّني و لو بالعرض فيما تقدم ليس الغرض منه التخصيص حقيقة و نفي جريانها في غير الفرض بل لكنّه توهّم وجوب‏الإتيان به عند التعذّر من جهة العلم بكونه مسقطا فتدبّر قول الفخر المحكي في الكتاب و المنشأ أن قراءة الإمام بدل أو مسقط(1) أقول ابتناءالمسألة على ما أفاده قدس سره في كمال الاستقامة و الظاهر مما ورد في تحمل الإمام عن المأموم القراءة فيما أدركه المأموم في الركعة التي يقرأ فيها كون‏قراءته بدلا عن قراءة المأموم فكأن المأموم قار في صلاته و إليه أشار بقوله في أوّل كلامه في وجه تقريب والده قدس سرهما وجوب الائتمام على العاجزوجه القرب تمكّنه من صلاة صحيحة القراءة و شرح الكلام فيما يتعلّق بالمسألة يطلب من الفقه‏ قوله قدس سره ثم إن الكلام في الشكّ في الوجوب الكفائي‏إلى آخره‏(2) أقول الكلام في المسألة قد يقع في جريان أصالة البراءة في حق الشاكّ في ثبوت الوجوب الكفائي بالنسبة إليه و قد يقع في جريان أصالةعدم الوجوب في حقّه و قد يقع في جريان أصالة عدم سقوط الواجب في حق العالمين بالتكليف بفعل الشاك أمّا الكلام من الجهة الأولى فحاصله‏أنه لا ينبغي الإشكال في جريان البراءة في حقّه عند ترك العالمين متعلّق الوجوب بهم من غير فرق بين الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة لوجود احتمال‏المؤاخذة على تركه و الحال هذه على تقدير طلب الفعل منه كفاية لو لا دليل البراءة فالوجوب الكفائي من هذه الجهة نظير الوجوب العيني لا فرق بينهماأصلا فلا يقاس بالوجوب التخييري المشكوك بالنسبة إلى بعض الأفراد في عدم تحقّق المؤاخذة على مخالفته على كل تقدير على ما عرفت فما يظهر من‏الكتاب في ابتداء النظر من كونه كالوجوب التخييري المشكوك من حيث عدم جريان البراءة فيه كما ترى اللّهم إلاّ أن يحمل ظهور الكلام في الوجوب الكفائي‏من حيث جريان البراءة من الكلام في الوجوب التخييري من حيث عدم الجريان نظرا إلى عدم تطرّق الوجه المذكور لعدم الجريان فيه في الوجوب الكفائي‏
76
لكنّه كما ترى لا يخلو عن تكلّف و تمهّل أمّا الكلام من الجهة الثانية فلا إشكال في كون حكمه من هذه الجهة أيضا حكم الوجوب العيني من غير فرق بينهما أصلافلو فرض ترتّب حكم شرعيّ على خصوص الوجوب الكفائي أو مطلق الوجوب غير جواز الفعل في مرحلة الظاهر المترتّب على الشكّ في التكليف بمقتضى‏دليل البراءة يترتّب على الأصل المذكور فحينئذ لا يجوز له الجواب عن السّلام في فرض الكتاب حال الصّلاة على تقدير قصد ردّ التحيّة منه نعم لو قصدالدعاء خرج عن الفرض و يكون جوازه مبنيّا على جواز مطلق الدعاء في الصلاة و أمّا الكلام من الجهة الثالثة فلا إشكال في عدم جواز القناعةبفعله لمن علم بتوجّه الخطاب الكفائي إليه لا من جهة أصالة العدم بل لما عرفت من ترتّب الحكم بعدم السّقوط في مرحلة الظاهر على مجرّد احتمال‏عدمه و إن كان الاستناد فيه إلى أصالة عدم الوجوب بل إلى البراءة الجاريتين في حقّه ربما يكون جائزا في وجه‏
فيما اشتبه حكمه الشرعي من جهة إجمال اللفظ
قوله قدس سره قال في الحدائق‏بعد ذكر وجوب التوقّف‏(1) أقول و أنت خبير بأنه لم يعهد من أحد جعل البراءة مرجّحة للاستحباب في الفرض حتى يتوجّه عليه ما ذكره ثانيا مع أنّه لامحصّل له عند التأمّل على تقدير الترجيح بالبراءة فإنّ حاصله يرجع إلى أنه يظنّ بملاحظة أصالة البراءة كون الحكم الواقعي الاستحباب فيما دار الأمربينه و بين الوجوب و أين هذا من القول بأن اللّه تبارك و تعالى حكم بالاستحباب من جهة موافقة البراءة قوله قدس سره نعم الأخبار المتقدّمةفي من بلغه الثواب لا تجري هنا إلى آخره‏(2) أقول لا إشكال في عدم العلم بصدق العنوان المأخوذ في أخبار التسامح عند احتمال الإباحة أو الكراهةو قد أشرنا عند الكلام في مسألة التسامح إلى فساد من زعم جريانه من جهة الأخبار في باب ضعف الدلالة و إجمالها و قصورها مع أنه على هذا الزعم‏الفاسد إنما يمكن التمسّك بها في دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب و الإباحة أو الوجوب و الإباحة لا في دوران الوجوب و الاستحباب والكراهة أو الوجوب مع الكراهة على ما عرفت شرح القول فيه عند الكلام في المسألة كما أنه لا إشكال في عدم الحاجة إلى الأخبار لإثبات أصل‏الرجحان في دوران الأمر بين الوجوب و الاستحباب من حيث كونه قطعيّا بعد العلم الإجمالي بوجود إحدى الخصوصيتين فيحكم بترتّب الحكم المترتّب‏على مطلق الرجحان في الفرض من غير حاجة إلى شي‏ء بل يحكم بترتب الحكم المترتّب على العلم بوجود إحدى الخصوصيّتين و لو إجمالا لتحقّقه بالفرض فلوقيل بتوقّف صحّة العبادة على تقدير الأمر و لو إجمالا و عدم كفاية قصد مطلق الرجحان الذي هو بمنزلة الجنس للوجوب و الاستحباب حكم بالصحّةفي المقام عند قصد امتثال الأمر الواقعي المردّد بينهما نعم لا يجوز ترتّب الحكم المترتّب على أحد الخصوصيّتين بخصوصها لعدم المعين لها و القول‏بأنه يثبت الاستحباب بنفي المنع من الترك بالأصل الذي هو فصل الوجوب كما زعم فاسد جدّا من حيث كونه أصلا مثبتا كفساد إثباته بما ورد في‏باب التسامح من حيث إن المستفاد من مساقه غير ما علم ثبوت الأمر من الشارع و لو إجمالا فما أفاده قدس سره في الكتاب بقوله و لو دار بين الوجوب والاستحباب إلى آخره يراد به نفي الاحتياج من حيث إثبات الاستحباب كما لا يخفى‏
فيما اشتبه حكمه الشرعي من جهة تعارض النصّين‏
قوله قدس سره المسألة الثالثة فيما اشتبه حكمه الشرعي إلى آخره‏(3) أقول حكم ما تعارض فيه النصّان المتكافئان في جميع مسائل البحث من الشكّ في التكليف و المكلّف به من حيث القاعدة و الأصل الأوّلي حكم ما لا نصّ فيه‏و ما أجمل فيه النصّ منها من حيث الرجوع إلى البراءة أو الاحتياط سيّما إذا جعل الغاية في المرسلة ورود النهي و الأمر السليمين على ما عرفت الكلام فيه‏حتى لو قيل بكون مقتضى الأصل التخيير في تعارض النصّين نظرا إلى القول باعتبارهما من باب السّببية لا الطريقيّة على ما ستقف على شرح القول‏فيه في الجزء الرابع من التعليقة فإنه بالملاحظة الثانوية أيضا فتدبّر كما أنه يغايرهما من حيث الحكم عندنا في جميع المسائل بالنظر إلى الأخبار القاضيّة بالتخييربين النصّين المتكافئين كما ستقف على شرح القول فيه في محلّه فإذا لا معنى للحكم بوجوب الاحتياط في المسألة استنادا إلى ما اقتضاه في عموم الشبهةلما عرفت حاله في المسائل المتقدّمة كما أنه لا يجوز الحكم به من جهة ما دلّ على التوقف و الاحتياط في خصوص المتعارضين كالمقبولة من حيث اختصاصه‏بصورة التمكن من تحصيل العلم و إزالة الشبهة و منه يظهر الوجه في عدم جواز الاستدلال بصحيحة ابن الحجّاج بناء على دلالتها على حكم المقام مع‏اختصاصها موردا بعدم النصّ من حيث تنقيح المناط كما في الكتاب نظرا إلى أن الوجه في إيجاب الاحتياط فيها هو تحيّر المكلّف في الحكم الشرعي من‏جهة عدم دليل عليه و وجود الدليل مع معارضته بمثله لا يجدي في رفع التحيّر و الجهل بالحكم أو بالدلالة اللفظيّة نظرا إلى ما أسمعناك سابقا من‏الوجه في دلالتها على وجوب الاحتياط في مسائل الشكّ في التكليف فإنّها مختصّة أيضا كالمقبولة بصورة التمكّن من إزالة الشبهة هذا و أمّا الاستنادإلى المرفوعة القاضية بالاحتياط أوّلا ثمّ بالتخيير بعد عدم إمكانه التي يكون أخصّ من جميع أخبار التخيير فقد عرفت عدم جوازه في طيّ المسائل المتقدّمة من‏حيث عدم اعتبارها سندا مضافا إلى دلالتها على كون الاحتياط مرجّحا لا مرجعا و الفرق بينهما بحسب الآثار ظاهر و لا يظنّ القول به من الأخباريين‏هذا مع أن تخصيص أخبار التخيير بصورة عدم التمكن من إزالة الشبهة من جهة المقبولة على ما عرفت و إن كان بعيدا يوجب انقلاب النسبة المذكورة فيمكن‏حملها على صورة التمكن من إزالة الشبهة كما هو صريح المقبولة فلا يعارض أخبار التخيير في أمثال زماننا لو لم يكن هناك إجماع على عدم الفرق في حكم التخييربحسب الأزمنة كما يكون على عدم الفرق في الرجوع إلى المرجّحات كما مال إليه شيخنا قدس سره فيما تقدّم من كلامه نظرا إلى كون التخيير المبحوث عنه و إن كان في‏
77
المسألة الأصوليّة إلا أنه كالأصل فيمكن تخصيصه بصورة العجز فتدبّر هذا كله مضافا إلى دلالة التوقيع المروي في الإحتجاج عن الحميري على حكم‏المقام بالأولوية القطعيّة و الإجماع على عدم الفرق مع أن مورده صورة التمكن من إزالة الشبهة كما هو واضح‏ قوله قدس سره فإن الحديث الثاني وإن كان أخصّ من الأول‏(1) أقول أخصّية الثاني ممّا لا إشكال فيها كعدم الإشكال في ترتّب التخيير كالترجيح الراجعين إلى الطرح في الجملة على الجمع الذي‏يساعده العرف بين المتعارضين فتجويز الإمام عجل اللّه فرجه و صلاته عليه و على آبائه الطاهرين الأخذ بهما تخييرا يكشف عن كونهما بمنزلة المتباينين‏في عدم تطرّق التخصيص نظرا إلى ثبوت التلازم بين أفراد العام بحسب الحكم فالتخصيص يوجب طرح العام رأسا فلا يمكن حصر الإرادة في غير موردالتعارض مع الخاص و هذا هو المراد بقوله قدس سره بحيث لا يتمكّن إرادة غير هذا الفرد منه أي على وجه الحصر فتأمّل‏
في أن الإرجاع إلى الحكم الظاهري خلاف منصب الإمام عليه السلام
قوله قدس سره ثم إن وظيفة الإمام عليه السلام و إن كانت إزالة الشبهة إلى آخره‏(2) أقول ما أفاده في كمال الوضوح و الظهور حيث إن الإرجاع إلى الحكم الظاهري في القضايا الشخصيّة التي يسأل عنهامن الإمام عليه السلام خلاف منصب الإمام المنصوب لحفظ الأحكام و المكلّفين عن الخطاء فيها و رفع جهلهم عما بيّنه النبي صلى اللَّه عليه و آله للوقائع عن اللّه تعالى إلا أنّه قد يقتضي‏المصلحة تقرير الجاهل على جهله و عدم بيان الواقع له ليعلم حكم صورة التعارض كليّة مع عدم إيجابه تفويت الواقع على المكلّف كما في مورد الرواية بل و مع‏إيجابه ذلك إذا كانت مصلحة بيان الحكم الظاهري أقوى من مصلحة الواقع و ليس فيه الإغراء بالجهل أصلا ضرورة عدم الإغراء في عدم البيان و على‏تقديره نمنع قبحه من حيث هو فإن المسلّم منه ما إذا وجب تفويت الواقع و من هنا ذهب المحققون إلى جواز تأخير القرينة عن وقت الخطاب و على تقديرتسليم قبحه في نفسه و من حيث هو فإنما هو فيما لم يزاحمه المصلحة الأقوى و بالجملة حديث الإغراء بالجهل لا تعلّق له بالمقام أصلا و لو تصوّر بما في الكتاب في‏بيانه بتوضيح منّا من أن الإرجاع إلى التخيير يوجب جواز الأخذ بالخبر الدّالّ على الوجوب مع عدم وجوب التكبير في الواقع فيقصد وجوبه مع انتفاء الوجوب‏في نفس الأمر فيلزمه قصد الخلاف الممنوع عند أكثر القائلين بعدم اعتبار قصد الوجه فيوجب التخيير إيقاع المكلّف في هذا المحذور فيتوجّه عليه‏بعدم لزوم المحذور بالملاحظة المذكورة أيضا أصلا حيث إن المجوّز على تقدير اختيار الخبر الدالّ على الوجوب هو قصد الوجه الظاهري و هو أمر ثابت‏في مرتبته بحسب الواقع لا قصد الوجه الواقعي فإنه غير جائز إلا على وجه الاحتمال و إن هو إلا نظير قصد الوجه الظاهري في جميع موارد قيام الأمارات‏الشرعيّة فإنه لا يتوهّم كون جعل الأمارات موجبا للإغراء بالجهل من الحيثيّة المذكورة و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا و أما دفع الإغراء بما في‏الكتاب من كفاية قصد القربة فقد يناقش فيه بأن القول بكفاية قصد القربة لا يمنع من قصد الوجه و إنما يمنع لزومه و الإغراء مترتب على جوازه لا على لزومه‏نعم لو كان القول بكفاية قصد القربة ملازما لعدم قدح قصد الخلاف جاز تعليل منع لزوم الإغراء به و ليس الأمر كذلك كما يظهر من التتبع في كلماتهم ثم إن ما وقع من الكلمات في المقام إنما هو بالنظر إلى ظاهر الرواية سؤالا و جوابا و إلاّ فالإجماع قائم على عدم وجوب غير تكبيرة الإحرام في الصلاة فلا بدّ أن يحمل‏الوجوب على مجرّد الثبوت و لو بعنوان الاستحباب فإذا لا يجوز الاستدلال بالرواية على حكم المقام إلا بضميمة عدم القول بالفصل بين موارد تعارض‏الأخبار في الأحكام الإلزاميّة و غيرها إذ لا أولويّة ظنيّة على التقدير المزبور فضلا عن القطعيّة كما هو ظاهر بل ربما يقال بأن الوجه في حكم الإمام‏بالتخيير في مورد الرواية على تقدير الاستحباب هو عدم فوت الواقع على كل تقدير إذ على تقدير عدم الاستحباب لا يكون التكبير حراما نفسيّا ذاتيّاو إنما يكون حراما تشريعيّا و الإتيان به بعد اختيار الخبر الدال عليه يرفع موضوع التشريع و هذا بخلاف التخيير في المقام فإن له أن يختار الخبر الدّالّ‏على الإباحة فيترك الفعل مع وجوبه في نفس الأمر فتدبّر
في حكم الشبهة الموضوعيّة الوجوبيّة
قوله قدس سره و يدلّ على حكمه جميع ما تقدّم في الشّبهة الموضوعيّة التحريميّة(3) أقول لا يخفى‏عليك أن العموم المستفاد من لفظ الجميع إنما يعتبر بالنسبة إلى نوع ما دلّ على حكم الشبهة الموضوعيّة التحريميّة أعني الأدلة الأربعة لا أشخاص ما دلّ‏على الحكم في تلك الشبهة ضرورة اختصاص جملة من الأخبار المتقدّمة بالشبهة التحريميّة و أمّا المناقشة في الإجماع في الشبهة الموضوعية الوجوبيّةمن جهة ذهاب أكثر المجتهدين إلى وجوب الاحتياط في الفائتة المردّدة بين الأقلّ و الأكثر و عدم تجويزهم الرجوع إلى البراءة ففاسدة حيث إنّهابزعمهم من الأقلّ و الأكثر لا الشبهة الموضوعية الابتدائية فإن العلم الإجمالي فيها من حيث رجوع أمرها إلى الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين و إن لم‏يقتضي الاحتياط و من هنا لم يلتزموا به في نظائر الفائتة المردّدة إلا أن مجرّده يكفي فارقا بين المسألتين موضوعا و من هنا أجمعوا على عدم وجوب‏الاحتياط فيما احتمل فوت صلاة واحدة هذا كله مضافا إلى إمكان دعوى الإجماع على كون الأصل في الشبهة الموضوعيّة الوجوبيّة البراءة ما لم‏يكن هناك مخرج عنه و قد قام ما يقضي بالخروج عنه في الفائتة المردّدة بين الأقلّ و الأكثر من بعض الأخبار التي سيمرّ عليك و إن لم يكن تامّا عندنا كماستقف عليه فالإجماع المدّعى من الإجماع على القاعدة فتدبّر و بالجملة لا ينبغي الإشكال في عدم الفرق بين الشبهتين من حيث الحكم من جهة الأدلّةالنقليّة كما أنه لا فرق بينهما من جهة الدليل العقلي على البراءة ثبوتا و منعا عند التأمّل أيضا فإنا قد بيّنا لك في تقريب حكم العقل هناك أن القاطع‏لعذر المكلّف في حكم العقل هو علمه بتوجّه الخطاب الإلزامي إليه تفصيلا أو إجمالا لا مجرد علمه بصدور الخطاب من الشارع و إن لم يتوجّه إليه أصلا
78
فالبيان القاطع للعذر الموجب لصحة المؤاخذة و حسنها هو هذا المعنى الذي ذكرنا فمع انتفائه يقبح في حكم العقل المؤاخذة و إن اتفقت مخالفةالعمل للواقع فإذا لم يعلم المكلّف بوجود الموضوع الذي تعلّق به الخطاب فلا يعلم بتوجّه الخطاب إليه و إن كان أصل تعلّقه في نفس الأمر تابعا لتحقّق‏موضوعه و إن لم يعلم المكلّف به فلا فرق بينه من هذه الجهة و بين عدم علمه بصدور الخطاب من الشارع أصلا فإنه لا يمنع إلاّ من جهة توجّه الخطاب إليه وإلاّ فأصل تعلّق الخطاب لا يعقل توقّفه على العلم في الشبهات الحكميّة و إن أمكن في الشبهات الموضوعيّة بدعوى وضع اللفظ للمعلوم التفصيلي أوانصرافه إليه أو قيام الدليل و القرينة الخارجيّة عليه إلا أنه لا يفيد بعد كون الوقوع على خلافه كما بيّن في محلّه و من هنا يرجع إلى البراءة في المقامين‏فإنّه على التوهّم المذكور لم يكن معنى للرّجوع إليها في الشبهات الموضوعيّة أصلا كما لا يخفى و بالجملة مناط الرجوع إلى البراءة في حكم العقل في الشبهة الحكميّةموجود في الشبهة الموضوعيّة مطلقا من غير فرق بين الموضوعيّة التحريميّة و الوجوبيّة كما أن وجه منعه و حكمه بالاشتغال متحقق في الشبهتين من غير فرق فإنه‏كما يحكم العقل في زعم المتوهّم بعد علم المكلّف بصدور الخطاب الإلزامي المتعلّق بالفعل مع تبيّن موضوعه بوجوب تحصيل العلم بالبراءة عنه بفعل كلّ‏ما يحتمل كونه مصداقا لمتعلّق الخطاب كذلك يحكم بعد علمه بصدور النهي عن الشارع و تعلّقه بالموضوع المبيّن مفهوما المشكوك وجوده في الخارج لوجوب‏تحصيل العلم بالانتهاء بترك ما يحتمل كونه من مصاديق متعلّق النهي من غير فرق بينهما أصلا و الغرض المهمّ إثبات عدم الفرق بين الشبهتين و إلاّفقد أوضحنا فساد الشبهة المذكورة في مطاوي كلماتنا بما لا مزيد عليه و أنه لا يعدّ مجرّد العلم بصدور الخطاب دليلا على الحكم مع الشكّ في الموضوع‏و الصغرى كما هو الشأن في جميع القضايا فإن العلم بالنتيجة نتيجة العلم بالمقدّمتين لا العلم بالكبرى فقط و إن لم يتوقّف أصل وجود المحمول في نفس‏الأمر على العلم بتحقّق الموضوع كما لا يتوقف على العلم بالكبرى أيضا و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا قد أوضحه شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في‏الكتاب في هذا المقام و غيره ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا من جريان دليل البراءة في المقام بين عدم العلم بوجود موضوع الخطاب أصلا و رأساو بين العلم بوجود موضوعه في الجملة مع تردّده بين الأقلّ المتيقّن و الأكثر المشكوك بالشكّ المستقلّ كما إذا علم إجمالا بفوائت مردّدة بين الأقلّ والأكثر سواء علم بعينها و لم يعلم عددها كما إذا علم بفوت الصبح منه فقط و لكن لا يعلم عددها أو لم يعلم بعينها كما إذا علم بفوت إحدى الثنائية و الثلاثيةمنه مع عدم علمه بالعدد فإنه لا يجب في حكم العقل و النقل الإتيان بالزائد المشكوك في جميع الصور كما أنه لا يجب الإتيان بالمشكوك فيما لم يعلم بالفوت‏أصلا كما أنه لا فرق في صورة العلم الإجمالي بين علم المكلّف بعلمه تفصيلا بالفوائت في زمان عقيب الفوت و طروّ النسيان له الذي أوجب تردّده و بين‏عدم علمه بذلك سواء علم بعدم علمه و غفلته أو لم يعلم ذلك أيضا فإن الحكم في جميع ذلك هو البناء على الأصل و نفي الزائد المشكوك فعلا بالأصل‏هذا و لكن صريح الأكثرين و ظاهر المشهور مخالفة الأصل المذكور في خصوص الفوائت الغير المعلوم عددها فالتزموا بوجوب الاحتياط بإتيان‏الأكثر إلا إذا بلغت الكثرة حدّا يوجب الجرح من إتيانه فاكتفوا بالظنّ بناء على الأصل الثابت عندهم من قيامه مقامه مطلقا فيما كان في تحصيله الجرح مع‏اقتضاء الدليل وجوبه من غير فرق بين الأحكام و الموضوعات بل المحكيّ عن التذكرة كما في الكتاب نسبة القول بعدم وجوب الاحتياط إلى الشافعيّةو لم يلتزموا برفع اليد عن الأصل المذكور في نظائر المسألة بل التزموا فيها به على ما حكاه عنهم شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في الكتاب و إن لم أقف على‏الفرق عندهم بعد التتبّع بحسب وسعي و بضاعتي لكنه قدس سره مصدّق في حكايته جدّا فإنه عالم بمواقع كلماتهم و محالّها مع أنّ مثله يصدّق قطعا فيما كان‏إخباره عن حدس و استنباط أيضا و إن كان استدلالهم لوجوب الاحتياط في المسألة كما هو ظاهر لمن راجع إلى كلماتهم يقتضي عدم الفرق حدّا و يكفي‏في ذلك ملاحظة ما حكاه شيخنا قدس سره عنهم قدس سرهم في الكتاب سيّما ما حكى عن الشيخ قدس سره في التهذيب فإنه ينادي بأعلى صوته بعدم الفرق كما هو ظاهر فيغلب‏على الظنّ كون مراد شيخنا قدس سره عدم وقوفه على حكمهم بوجوب الاحتياط في اشتباه المسألة بعد الفحص في كلماتهم فتأمل فيما أفاده في الكتاب و إن كان ظاهره‏استظهار الرجوع إلى البراءة في نظائر المسألة لكنه يقبل الحمل على ما ذكرنا فتدبّر
في الاستدلال على وجوب الاحتياط في المقام بوجوه‏
ثم إنه قد يستدلّ لوجوب الاحتياط و الإتيان بالأكثر في مفروض‏المسألة بوجوه أحدها قاعدة الاشتغال بالبيان الذي ذكره الشيخ قدس سره و تبعه غيره و قد عرفت الإشارة إليه و لما كان الاستدلال بها بعدخروج الوقت و مرجع الشكّ بالنسبة إلى الزائد بعد الوقت إلى الشكّ في أصل التكليف المستقلّ من جهة انحلال العلم الإجمالي بالقياس إلى‏طرفيه في مفروض البحث إلى معلوم الإلزام و مشكوكه رأسا فلا معنى لجريان قاعدة الاشتغال بالنسبة إليه جدّا فالاستدلال بها في كمال الفصاحةأراد به شيخنا قدس سره تصويرا لمطلبهم بتطبيقه على قاعدة الاشتغال المسلّمة عندنا و عند الكلّ على القول بكون القضاء بالفرض الجديد إذ على القول‏بكونه بالفرض الأوّل و من مقتضيات الخطاب المتعلّق بالفعل في الوقت لم يكن هناك إشكال في جريان قاعدة الاشتغال إذا شكّ بعد الوقت‏على هذا القول نظير الشكّ في الوقت في إتيان المأمور به و لا إشكال و لا خلاف في كون مقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الإتيان به إذا شكّ فيه‏قبل خروج الوقت و حاصل ما أفاده في التطبيق بقوله و إن شئت تطبيق ذلك على قاعدة الاحتياط اللازم إلى آخره يرجع إلى أن ملاك الفرق بين القولين في‏
79
باب القضاء من حيث كونه بالفرض الأول أو الجديد و منشأ الاختلاف بينهما بعد الاتفاق على كون الفعل في خارج الوقت مطلوبا بالأمر الأوّل على‏كل تقدير هو أن الدّالّ على إرادة هذا المعنى من الأمر الأوّل و كونه مطلوبا مطلقا و في الوقت مطلوبا آخر بمعنى لزوم الإتيان به في خصوص الزّمان المعيّن‏بإرادة مستقلّة من غير أن يكون مقيّدا للأمر بالطبيعة المطلقة المشتركة نظير الأمر بالطبيعة المطلقة و الأمر بتعجيلها و فوريّة الإتيان بها للدّليل الخارجي‏على القول بكونه بالفرض الجديد و نفس الأمر الموقّت على القول بكونه بالفرض الأول فالاختلاف إنما هو في الدالّ على المعنى المذكور لا في نفس‏المعنى و إلاّ فالدّليل الخارجي أيضا يكشف عن استمرار مطلوبيّة الطبيعة و أن الأمر بها في الوقت من جهة الاهتمام بشأن الوقت من حيث إن الطبيعةالمشتركة ذات مصلحة ملزمة مطلقا و في الوقت ذات مصلحة ملزمة أيضا فهي في الوقت مطلوبة في مطلوب من غير أن يكون ارتباط بين المصلحتين بحيث يوجب‏التقييد في المطلوبيّة مطلقا كما هو الشأن في الشرائط المطلقة و هذا هو الفارق بين المسألة و نظائرها من الدين المردّد و نحوه من غير الموقّتات‏التي لا يجري قاعدة الاشتغال فيها و لم يلتزموا بوجوب الاحتياط فيما دار أمره بين الأقلّ و الأكثر فإن قلت مقتضى ذلك وجوب الاحتياطفيما شكّ في أصل فوت صلاة بعد الوقت مع أنّهم لا يلتزمون به قطعا قلت مقتضى الأصل و القاعدة و إن كان عدم الفرق بين المقام و الفرض‏المزبور إلا أنّ مقتضى ما دلّ على عدم الاعتناء بالشكّ بعد خروج الوقت الفرق بينهما نظرا إلى انصرافه إلى صورة عدم العلم الإجمالي بالفوت‏فلا يقال إن مقتضاه أيضا عدم الفرق بين الصورتين هذا حاصل ما يستفاد من إفاداته قدس سره في تقريب جريان قاعدة الاشتغال في خصوص المقام‏ و ربما يتمسّك في مورد القاعدة بالاستصحاب أيضا كما في الكتاب لكنه كما ترى مبنيّ على مذاقهم من الجمع في موارد القاعدة بينها و بين الاستصحاب‏و هو بمكان من الضعف عند شيخنا قدس سره كما عرفت مرارا
في بيان وجوه ضعف التقريب المذكور أمّا أوّلا
و كيف كان لا إشكال في ضعف التقريب المذكور لجريان القاعدة كما أشار إليه في الكتاب‏أيضا أمّا أوّلا فلأن ما أفاده من الفرق بين القولين لا محصّل له أصلا فإن مرجع القول بكون القضاء بالأمر الأول كون الفعل في خارج الوقت‏أيضا مرادا منه سواء كان الدّالّ عليه نفس الدليل الموقّت أو دليل ثبوت القضاء الكاشف في زعمه عن استمرار مطلوبيّة الفعل بل التعيّن على هذاالقول عند التحقيق الالتزام بالثاني إذ لا معنى لجعل نفس دليل الموقّت دليلا على مطلوبية الطّبيعة في خارج الوقت عند عدم الإتيان به في‏الوقت كما هو ظاهر و مرجع القول بكونه بالفرض الجديد إلى أن مطلوبيّة الفعل في الوقت لمكان مدخليّة الوقت فيها على وجه الإطلاق قد انقطعت‏بخروج الوقت غاية ما هناك قيام الدليل على وجوب تداركه بعد فوته فالقضاء واجب آخر لا تعلّق له بالأداء و إن جعلت بدلالة في الشرع فالفعل‏في خارج الوقت مطلوب بأمر آخر متعلّق بتدارك ما فات عن المكلّف في وقته لا أن يكون مطلوبا بنفس الأمر الأول و كان الدليل القائم على القضاءكاشفا عنه فالاختلاف بين القولين راجع إلى الاختلاف في المعنى و تعدّد الواجب و عنوانه حقيقة على القول بكون القضاء بالفرض الجديد كمااستظهره شيخنا قدس سره من كلماتهم و أمّا ثانيا فلأن ما ذكر من منع جريان دليل عدم الالتفات بالشك بعد خروج الوقت في المقام و انصرافه‏إلى صورة عدم العلم بالفوت أصلا لا شاهد له أصلا بعد انحلال العلم الإجمالي في الفرض إلى المعلوم و المشكوك على ما عرفت فلا مانع من التمسّك‏به بالنسبة إلى المشكوك أصلا و أمّا ثالثا فلأنه منقوض بما لو علم الولي الذي يجب عليه القضاء عن الميّت بفوت صلوات كثيرة عنه مردّدةبين الأقل و الأكثر فإن ظاهرهم كما في الكتاب عدم الالتزام بوجوب الاحتياط على الوليّ في الفرض مع أنّه لا فرق بينه و بين المقام أصلا نعم لو علم‏الوليّ بتردّد الميّت قبل فوته فيما فات عنه بين الأقلّ و الأكثر و أهمل في القضاء أو غفل عنه التزموا بوجوب الاحتياط على الولي بفعل الزائدمن حيث كونه واجبا على الميّت في زعمهم فيجب على الوليّ من حيث كونه مكلّفا بقضاء ما وجب على الميّت و لو ظاهرا
في تقريب أصالة عدم الإتيان و الجواب عنها
ثانيها أصالة عدم‏الإتيان بالأكثر في الوقت فيجب قضاؤه في خارجه فإنه و إن قلنا بكون القضاء بالأمر الجديد إلاّ أنّ الأصل المذكور يحكم بتحقق موضوع الأمرالجديد و هو فوت الواجب عن المكلّف في وقته و القول بعدم جواز إثبات الفوت بالأصل المذكور نظرا إلى كونه من الأصول المثبتة فاسد حيث‏إن الفوت ليس أمرا وجوديّا لازما لمجرى الأصل المذكور بل هو عين عدم الإتيان بالفعل في الوقت الذي هو مجرى الأصل فليس من الأصول‏المثبتة و النقض بالشبهة الابتدائية و الجواب عنه جاريان بالنسبة إلى هذا الوجه أيضا ضرورة عدم الفرق في جريان الأصل المذكور بين الشبهتين‏أي الابتدائيّة و المقرونة بالعلم الإجمالي كما أن الجواب بتحكيم قاعدة الشّكّ بعد خروج الوقت على الأصل المذكور كورودها على قاعدة الاشتغال‏جار في هذا الموجه كالوجه السّابق و الفرق في القاعدة بين الشبهتين بدعوى الانصراف جار بالنسبة إلى الوجه المذكور أيضا حرفا بحرف هذا و يتوجّه‏عليه بعد تسليم خروج الأصل المذكور عن الأصول المثبتة أوّلا بأنه لا وجه لمنع تحكيم قاعدة عدم الالتفات بالشكّ بعد خروج الوقت على‏الأصل المذكور كما أسمعناك في الوجه السّابق و ثانيا بأنه منقوض بما لو علم الوليّ بفوت صلوات كثيرة عن الميّت مردّدة بين الأقلّ و الأكثر و نحوه‏و القول بأن أصالة عدم إتيان الميّت بالمشكوك فوته لا يثبت وجوب إتيانه على الوليّ من حيث كونه أصلا مثبتا حيث إن تكليف الولي متفرّع على‏
80
تكليفه فلا بدّ من أن يحكم أوّلا بمقتضى الأصل المذكور على وجوب إتيانه على الميّت حتى يحكم بوجوبه على الوليّ هذا مضافا إلى احتمال علم الميّت‏بما فات عنه و كونه الأقل فكيف يحكم بوجوب الإتيان بالأكثر على الوليّ فاسد جدّا فإن العامل بالأصل و المكلّف بإجرائه الولي الشاكّ في كميّةما فات عن أبيه لا الميّت حتى يقال بعدم العلم بشكّه و تكليفه و إن كان متفرّعا على تكليف الميّت إلا أنّه محكوم في ظاهر الشرع بمقتضى الأصل‏المذكور بالبناء على فوت الأكثر منه و أنه كان مكلّفا بإتيانه فوجوب الإتيان بالأكثر في حقّه الثابت بالأصل موضوع لتكليف الوليّ فليس أصلامثبتا لما سننبّه عليه في باب الاستصحاب من أن الحكم الشرعي الثابت بالأصل من غير فرق بين إجراء الأصل فيه أو في موضوعه الراجع إلى جعله في‏مرحلة الظاهر يترتب عليه جميع لوازمه و آثاره المحمولة على مطلق الحكم الشرعي سيّما إذا كان من الأحكام الشرعيّة فتدبّر
في الوجه الثالث من وجوه الاحتياط
ثالثها النصّ الوارد في‏كيفيّة قضاء النوافل الفائتة المردّدة من أن من عليه من النافلة ما لا يحصيه من كثرته قضى حتى لا يدري كم صلّى من كثرته و التقريب كما في الكتاب‏بوجهين أحدهما أن المستفاد منه كونه طريقا لتدارك ما فات مع عدم إحصائه من غير فرق بين النافلة و الفريضة و إن كان مورده النافلةثانيهما دلالته على حكم المقام بالفحوى من حيث إن مطلوبية الاحتياط بإتيان الأكثر إنما هي من جهة الاهتمام بشأن المطلب و من المعلوم أن‏الاهتمام بشأن الفريضة آكد و أقوى فيكون الإتيان بالأكثر فيها مطلوبا بطريق أولى و فيهما ما لا يخفى لأنّ دعوى كون المستفاد منه كونه‏طريقا للتدارك مطلقا ممنوعة و أشدّ منعا دعوى الفحوى و الأولويّة لأنه إن أريد أولويّة الإتيان بالأكثر في الفريضة الفائتة المردّدة فلا نمنعهالاستقلال العقل بحسن الاحتياط لكنّه ليس مدّعى المدّعي جزما و إن أريد لزوم الإتيان بالأكثر في الفريضة الفائتة المردّدة كما هو المدّعى‏فيتوجّه عليه أنّ مطلوبيّة الاحتياط في النافلة لا يوجب مشقّة على المكلّف و هذا بخلاف إلزامها في الفريضة المردّدة و من هنا أمر قدس سره بالتأمّل‏عقيب الوجه المذكور و يمكن إرجاعه إلى الوجه الأوّل أيضا لأن المنع متوجّه إليهما معا و بمثل ما حرّرناه ينبغي تحرير المقام فإن نظمه في الكتاب لا يخلوعن اضطراب في الجملة فقد تبيّن ممّا ذكرنا كلّه أنه ليس هنا ما يصحّ الاعتماد إليه للقول بوجوب الاحتياط في الفائتة المردّدة بين الأقل و الأكثر كماعن الأكثر بل المشهور و من هنا خالفهم غير واحد من المحققين فحكموا بوجوب الاحتياط في المسألة كنظائرها و الرجوع إلى البراءة منهم المحقّق‏السبزواري في الذخيرة
في أن حكومة البعض هنا غير محصّلة المراد
و أمّا الحكومة المحكيّة عن بعض المحققين في الكتاب بين قول المشهور و قول المحقق السبزواري الراجعة إلى القول بالتفصيل‏فليست بمحصلّة المراد قولا و دليلا أمّا قولا فلأن ظاهر كلامه أوّلا كون البحث فيما لو علم المكلّف الشاكّ بعلمه في السّابق بكميّة الفائت منه فعرض‏له النسيان فشكّ لاحقا فيها كما أن الاستدراك بقوله نعم في الصورة التي يحصل للمكلّف علم إجمالي إلى آخره يظهر منه كون المفروض فيه حصول العلم‏الإجمالي بالفوائت من دون علم له بسبق العلم التفصيلي بها و عروض نسيانها و ظاهر قوله و الحاصل أن المكلّف إلى آخره هو القول بوجوب الاحتياطفي المسألة مطلقا فيما كان هنا علم إجمالي مطلقا من غير فرق بين الصورتين و تخصيص عدم وجوب الاحتياط بما لم يكن هناك علم إجماليّ أصلا بل لو علم‏تفصيلا بفوت صلاتين أو ثلاث مثلا معلومة العين و شكّ في فوت صلاة أخرى من غير أن يكون علم إجمالي ينحل إلى طرفين و هو كما ترى لا يجتمعان‏أصلا و أمّا دليلا فلأن أحدا لم يتوهّم كون النسيان رافعا للحكم الثابت بالأدلّة الاجتهاديّة من القطعيّة كالإجماع و الظنيّة كالإطلاقات و الأصول‏الفقاهيّة كالاستصحاب مع أنّه لا محصّل للاستصحاب في الفرض فإنه قبل النسيان لم يكن شاكّا و بعد النسيان و عروض الشكّ في الكميّة لم يتيقن‏التكليف بالأكثر حتى يستصحب و إلا لم يكن معنى للشكّ فأين الاستصحاب حتّى يقبل أو ينكر بل المدّعى أنه مع عروض نسيان المقدار و الشكّ لا تكليف‏ظاهرا بالمشكوك لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في أصل التكليف و أين هذا من رفع الحكم الواقعي الثابت بأحد الوجوه المذكورة في كلامه و منه‏يظهر أنه لا معنى للرجوع إلى قاعدة الاشتغال بعد إنكار الاستصحاب فإنا لا نعلم الاشتغال بالأكثر من أول الأمر و إنما الحاصل من العلم الإجمالي‏بالفائتة المردّدة العلم بالتكليف بالأقلّ ليس إلاّ فتبيّن أن التحكيم المذكور مضافا إلى أنّه لا محصّل له في الظاهر لا دليل يساعده أصلا كما تبيّن‏أنه بناء على إعمال قاعدة الشكّ بعد الوقت مع عدم الحاجة إليها لا معنى للتفصيل المذكور أيضا
فيما دار الأمر فيه بين الوجوب و الحرمة
قوله قدس سره و لا ينبغي الإشكال في إجراء أصالة عدم كلّ‏من الوجوب و الحرمة(1) أقول الغرض مما أفاده الإشارة إلى أن الكلام المقصود في المقام هو البحث عن حال الأصول الثلاثة في هذا المقصد وبيان مجاريها في صور الدوران و الشكّ و أمّا أصل العدم الراجع إلى الاستصحاب عندنا فهو و إن كان أصلا في كلّ حادث و لو مع العلم بالحدوث‏و الشكّ في تعيين الحادث فيما ترتّب هناك أثر شرعيّ على مجرى الأصل المذكور بشرط عدم لزوم المخالفة القطعيّة العمليّة من الرجوع إليه و إن‏استلزم المخالفة الالتزاميّة للعلم الإجمالي بل للعلم التفصيلي بل المخالفة العمليّة له في ظاهر النظر على وجه تقدّم في أوّل الكتاب التفصّي عنه‏بالوجوه المذكورة هناك حيث إن العقل يستقلّ بقبح المخالفة العمليّة مطلقا فلا بدّ من توجيه ما يقتضي بظاهره خلافه و إن أوهمت عبارة الكتاب‏غير ما ذكرنا في ابتداء النظر لكنه يرجع إليه نظرا إلى قوله على وجه تقدّم إلى آخره إلاّ أنّه ليس مقصودا بالبيان و إنما يقع الكلام فيه في باب الاستصحاب‏
81
ثم إن تحرير الكلام و تحقيقه من شيخنا قدس سره في المقام يخالف ما أفاده في أوّل الكتاب و لا بدّ من بسط القول فيه و الإشارة في طيّ الكلام‏إلى مخالفة كلاميه في الموضعين و بيان ما يقتضيه النظر القاصر في الترجيح و الحق منهما فنقول الأقسام الواقعيّة من حيث تعبّديّة الحكمين الإلزاميّين‏و توصّليّتهما و تعبّديّة أحدهما معيّنا و توصليّة الآخر لا يخلو من أربعة إلا أنه قد يضيف إليها قسم خامس ليس مقابلا لها بحسب الواقع و هو تعبّديةأحدهما لا على التعيين و توصليّة الآخر و محل البحث و الوجوه التي سيمرّ عليك أو الأقوال هو القسم الثاني و هو ما لو كانا توصّليّين أو القسم‏الأخير الذي أضيف إلى الأقسام باعتبار جهل المكلّف بحال الحكم معيّنا مع علمه إجمالا بكون أحدهما تعبّديّا و أما لو لم يعلم بالحال أصلا و احتمل‏كلاّ من التعبّديّة و التوصّليّة في كلّ منهما أو في أحدهما المعيّن فهو ليس قسما آخر في قبال الأقسام أصلا فإنه لا بد أن يرجع مع الشّكّ المفروض إلى الأصول‏و القواعد فإن كان مقتضاها في زعم الشاكّ التوصّليّة فيبني على توصّليّة المشكوك و إن كان مقتضاها التعبّديّة فيبني على تعبّديّته فيلحقه الحكم ثم
في وجه تخصيص محلّ البحث بالقسمين‏
إن تخصيص محلّ البحث بالقسمين مبنيّ على ما يقتضيه التحقيق و عليه المشهور من عدم جواز الرجوع إلى أصالة البراءة مع المخالفة القطعيّة العمليّة و لك أن‏تجعل محلّ الكلام دوران الأمر بين الحكمين الإلزاميين ثم تفصل في الحكم بين الأقسام المذكورة إذ لا يترتّب على تحرير البحث بأحد الوجهين ثمرة و كيف كان‏لا إشكال في عدم جواز الرجوع إلى البراءة و كذا التوقّف و عدم الالتزام بحكم أصلا في مرحلة الظاهر في غير القسمين أمّا البراءة فأمرها ظاهر حيث إنّ‏تجويز الشارع البناء على الإباحة فيه تجويز للمخالفة القطعيّة العمليّة حتى فيما لو كان أحدهما المعين تعبّديّا كما هو ظاهر و إن لم يستلزم الإباحة الظاهريّةالمخالفة القطعيّة العمليّة في الصورة المفروضة كما يستلزمها فيما لو كانا تعبّديين حيث إنه بعد البناء على الإباحة الظاهريّة لا يتمكّن من قصد القربة على‏تقدير اختيار كل من الفعل و الترك فيقطع بالمخالفة من حيث العمل باختيار كلّ منهما و هذا بخلاف ما لو كان أحدهما المعيّن تعبّديّا فإنه إذا اختارالطرف الآخر لا يقطع بالمخالفة العمليّة كما هو ظاهر إلاّ أنّ تجويز الشارع موجب لاختيار ما يكون تعبّديّا فيقع في المخالفة العمليّة و بمثل ما عرفت ينبغي‏تحرير الوجه لا بمثل ما في الكتاب فإنه يوهم كون البناء على الإباحة مطلقا مستلزما للمخالفة القطعيّة العمليّة بل التحقيق كون البناء على الإباحة لا يوجب‏المخالفة القطعيّة العمليّة في التعبّديين أيضا فإن البناء على الإباحة الظاهريّة لا يمنع من كون الفعل أو الترك بداعي احتمال الوجوب أو التحريم بحسب الواقع‏إلاّ أنّه مستلزم لتجويز اختيار كلّ منهما بعنوان الإباحة الظاهريّة فيكون إذنا في المعصية و المخالفة فافهم و أمّا التوقّف و عدم الالتزام بحكم ظاهريّ‏شرعيّ فلأنّه لا ينفكّ عن التجويز العقلي لاختيار كل من الفعل و الترك و إن لم يكن معنونا بعنوان الحكم و إلا كان إلزاما بالنسبة إلى أحدهما و هو خروج‏عن التوقّف و هذا التجويز المطلق لا يجامع تعبديّة أحدهما فضلا عن كليهما اللهمّ إلا أن يلتزم مع التوقّف بإيقاع كل من الفعل و الترك بعنوان الاحتمال‏و هو نحو من الالتزام فتأمل و كيف ما كان فمحلّ الوجوه بحيث يجري فيه جميعها ما ذكرنا من القسمين أمّا التوصّليّان فأمرهما ظاهر من حيث إن البناء على‏الإباحة فيهما لا يوجب المخالفة القطعيّة العمليّة في واقعة واحدة و أمّا إذا كان أحدهما لا على التعيين توصّليّا فلأنه إذا اختار كلاّ من الفعل و الترك‏يحتمل كونه متعلّقا للخطاب التوصّلي فلا علم بالمخالفة من حيث العمل بل لا يمكن في حقّه تحقق المخالفة القطعيّة العمليّة و المخالفة الاحتماليّة ممّا لا بدّ منهاعلى كل وجه و تقدير إذ المفروض عدم إمكان الاحتياط و دوران الأمر بين المحذورين و كيف ما كان قد يقال فيهما بالإباحة الظاهريّة و البراءة عن كلّ من‏الوجوب و التحريم كما هو الحكم في دوران الأمر بين التحريم و غير الوجوب أو الوجوب و غير التحريم‏ و قد يقال فيهما بوجوب الالتزام بأحد الحكمين و هو المشهوربينهم ظاهرا و قد يقال بالتوقف بالمعنى الذي عرفت بمعنى عدم حكم ظاهريّ للواقعة أصلا لا عدم علمنا به و تردّدنا فيه كعدم علمنا بالحكم الواقعي‏مع ثبوته و يوجّه الأوّل بجريان دليل البراءة عقلا و نقلا في الجملة في المقام كما في غيره من موارد الشك في نوع التكليف الإلزامي حيث إنّ عدم‏العلم بالتحريم علّة في حكم العقل بقبح المؤاخذة عليه كما أن عدم العلم بالوجوب علّة تامّة في حكمه بذلك من غير فرق بين دوران حكم الواقعة بينهماو غيره في حكم الشارع بالنظر إلى عمومات أخبار البراءة و الحلّيّة سيّما المرسلة بناء على روايةجعل الغاية العلم بورود النهي و الأمر على تقدير كون المراد ورود كل منهما بخصوصه فيدخل الفرض في المغيا و المفروض أنه لا يلزم من الرجوع‏إلى البراءة ما يمنع عنه من محذور المخالفة القطعيّة و الالتزاميّة أما الأول فظاهر حيث إنه بعد البناء على البراءة لا يخلو من الفعل الموافق لاحتمال‏الوجوب و الترك الموافق لاحتمال التحريم لكونهما توصّليين و أما الثاني فلأن الالتزام بالبراءة و الإباحة في مرحلة الظاهر لا ينافي الالتزام بكون حكم‏الواقعة بحسب الواقع أحد الحكمين الإلزاميّين فإنما يجب الالتزام و التديّن بحكم الشارع على نحو ثبوته إجمالا أو تفصيلا واقعيّا أو ظاهريّا ضرورةعدم الفرق في وجوب تصديق الشارع بين حكمه الواقعي و الظاهريّ فإن شئت قلت إن دليل وجوب التديّن و التصديق بما جاء من الشارع على‏ما جاء به إنما يثبت كبرى القياس كما هو الشأن في جميع القضايا الشرعيّة و أخذ النتيجة بالنسبة إلى وجوب الالتزام بحكم خاصّ يتوقّف على ثبوت‏كونه حكم الشارع للواقعة فلا يمكن إثبات وجوب الالتزام بالنسبة إليه إلا بعد ضمّ الصغرى المعلومة إليها من غير فرق بين إرادة إثبات وجوب الالتزام‏
82
بالنسبة إلى حكم معيّن أو أحد الحكمين بحسب الواقع على وجه الترديد أو التخيير الواقعي أو الظاهري فنفس دليل وجوب الالتزام لا يقتضي في المقام الأخذبأحد الحكمين تخيير العدم قيام دليل على كون حكم الواقعة بحسب الظاهر التخيير بينهما في المقام كما قام عليه في الخبرين المتعارضين و الأخذ بأحدهمامن جهة الاحتياط و المقدميّة نظرا إلى العلم بثبوت أحد الحكمين في مرحلة الواقع مما لا يعقل له معنى أصلا فإنه يعلم بعدم مطابقته للواقع بل‏هو تشريع محرّم بالأدلة الأربعة و من هنا قال قدس سره و ليس حكما شرعيّا ثابتا في الواقع حتى يجب مراعاته و لو مع الجهل التفصيلي فحديث المقدّميّةأجنبيّ عن المقام‏
في أن استفادة التخيير في المقام مما ورد في الخبرين المتعارضين فاسد
و القول باستفادة حكم التخيير الظاهري في مفروض البحث ممّا ورد في الخبرين المتعارضين بتنقيح المناط من حيث إن حكم الشارع‏بالتخيير بين الخبرين من جهة توافقهما على نفي الثالث بالدلالة الالتزاميّة المعتبرة و المفروض في المقام العلم بعدم الثالث فلا بدّ من الحكم بمراعاته‏بل المقام أولى بالملاحظة من مورد التعارض كما هو الظاهر و من هنا قال في أول الكتاب إنه يمكن استفادة المطلب من فحوى أخبار التخيير الواردةفي المتعارضين فاسد إذ من المحتمل قويّا كون مبناه على التعبّد الظاهري لا مراعاة ما ذكر من الدّلالة الالتزاميّة للخبرين على نفي الثالث فإن ذلك لايقتضي الحكم بالتخيير مطلقا بل مقتضاه الحكم بالتساقط بالنسبة إلى مورد التعارض و الرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما إن كان و إلاّ فالتخيير هذا مع‏احتمال كون مبناه على رعاية الحكم الشرعي الأصولي المتعلّق بكلّ من المتعارضين من حيث استجماعهما لشرائط الحجيّة و لما عجز المكلّف عن تصديقهما معالمكان التعارض فأوجب الشارع تصديق أحدهما كما هو قضيّة العقل أيضا لو لا حكم الشارع به من حيث رجوع الأمر في الحقيقة على هذا التقديرإلى تزاحم الواجبين بناء على حجية الأخبار من باب السببيّة لا الطريقيّة و القول به و إن كان ضعيفا عندنا على ما ستقف عليه في باب التعارض إلاّ أنّ احتماله‏مانع عن تنقيح المناط و استفادة حكم المقام ممّا اتفقوا عليه في باب اختلاف المجتهدين في الرأي مع تساويهما من تخيير العامي في الأخذ بهما حيث‏إن فتوى المجتهد للعامي بمنزلة الخبر للمجتهد فيكون حكم الشارع بالتخيير من جهة رعاية أدلّة وجوب الأخذ بالفتوى لا الحكم الفرعي الواقعي فتدبّر لا يقال ما ذكر في حكم المسألة و إن كان موافقا لعمومات أدلّة البراءة إلا أن اتفاقهم فيما إذا اختلفت الأمّة على قولين بحيث علم دخول‏الإمام عليه السلام في إحدى الطائفتين على عدم جواز إحداث القول الثالث مطلقا معلّلا بإيجابه لطرح قول الإمام عليه السلام مع أنه ليس طرحا له بحسب العمل بقول مطلق‏يكشف عن عدم جواز القول بالإباحة فيما إذا اختلفت الأمّة بين الوجوب و التحريم لأنا نقول بعد تسليم اتفاقهم على ذلك مع أن بعضهم جوّز الرجوع‏إلى الثالث إذا اقتضاه الأصل مضافا إلى أن الظاهر من الشيخ قدّس سرّه القائل بالتخيير هو التخيير الواقعي الموجب لطرح قول الإمام عليه السلام على ما استظهره المحقّق‏منه و أورد عليه بأنه لا ينفع القول بالتخيير فرارا عن اطراح قول الإمام عليه السلام حيث إنه مع اتفاقهم على أحد القولين بعد الاختلاف مستلزم لبطلان التخيير الذي‏حكم به الإمام فإنّ التخيير إذا كان حكما ظاهريّا يدور مدار الشكّ و التخيّر فلا يمنع من قيام القاطع على الحكم الرافع لموضوعه و إن لم يعقل الحكم بالتخيير الواقعي‏بين الحكمين لواقعة واحدة و من هنا ذكر في المعالم و تبعه غير واحد بأن مراده هو التخيير الظاهري و إن أخطأ في الحكم بعدم جواز الاتفاق على أحد القولين بعدالاختلاف نمنع من إرادتهم إطلاق القول بذلك حتى فيما لا يوجب الرجوع إلى الثالث الطرح من حيث العمل و إن كان التأمّل يشهد بإرادتهم إطلاق القول‏بذلك كما يظهر بالرجوع إلى كلماتهم حيث إن ظاهرهم كون الثالث طرحا للحكم الذي قال به الإمام عليه السلام و جعله حكم الواقعة و لا دخل له بالطرح العملي أصلاو من هنا أمر قدس سره بالتأمّل عقيب استظهار الطرح من حيث العمل من كلماتهم لا يقال كيف يجوز الالتزام بالإباحة في مرحلة الظاهر مع العلم بكونهامخالفة للحكم الواقعي الثابت للواقعة في نفس الأمر لأنّا نقول بعد النقض بالتخيير الظاهري في المقام على قول المشهور و التخيير في موارد تعارض الأخبارو موارد التسامح فيما لا يحتمل في الواقع إلا الوجوب و الإباحة و غير ذلك ممّا لا يخفى لا مانع منه أصلا فإنه إن كان من جهة التضاد بينهما فممنوع عندهم و من‏هنا يحكم في الظاهر كثيرا مّا مما يكون مخالفا للواقع عند الله تبارك و تعالى و إن كان من جهة إيجابه طرح الواقع فقد عرفت أنه لا يوجبه عملاو لا التزاما و إن كان من جهة عدم مساعدة دليل الإباحة فهو ليس وجها آخر يتمسّك به للمنع في قبال دليل البراءة و قد أسمعناك شمول دليلهاللمقام أيضا هذا حاصل ما يقتضيه تحريره قدس سره في المقام‏
في أن الحق ما قرره قدس سره في أول الكتاب من عدم جريان أصالة الإباحة هنا
و لكنّ الحق ما أفاده قدس سره في أول الكتاب من عدم جواز الرجوع إلى البراءة و الحكم بالإباحةلا لما أفاده في المقام من انصراف أدلّتها اللفظيّة إلى غير المسألة المفروضة من دوران حكم الواقعة بين الوجوب و التحريم حتى يمنع منه و عدم‏استقلال العقل بعد تجويز ورود الالتزام بأحد الحكمين من الشارع كما قال به المشهور و إن لم يساعده دليل فلا بد من التوقف و عدم الالتزام‏بحكم ظاهريّ من حيث عدم الدليل عليه و المفروض عدم توقّف الموافقة بحسب العمل عليه لكون الحكمين توصّليّين و إن هو إلاّ نظير دوران‏الأمر بين الوجوب و الاستحباب في العبادات حيث إنه يكفي العلم بالرجحان المشترك في قصد القربة و لا يتوقف على العلم بالخصوصيّة حتى يقال‏بأن عدم قيام الدليل على وجوب الالتزام بأحد الحكمين عند العقل و إن جوّز وروده كاف في حكمه بالبراءة و إلا لم يحكم بالبراءة في مورد من المواردبل لما أفاده هناك من أن ترخيص الشارع و الحكم بإباحة ما تردّد أمره بين الوجوب و التحريم في الشبهات الحكميّة قبيح في حكم العقل من حيث رجوعه‏
83
إلى الإذن في المعصية و المخالفة القطعيّة العمليّة في واقعتين فلا بد من الالتزام بأحد الحكمين فرارا عن ذلك و لا يرد ذلك على القول بالتخيير على القول بكونه‏استمراريّا ضرورة كون المكلّف في كل واقعة مطيعا للشارع و لو في مرحلة الظاهر فيتدارك مفسدة فوت الواقع بالأمر الظاهري و منه يظهر فسادالقياس بالتخيير الاستمراري في موارده كما في تعارض الخبرين أو فتوى المجتهدين و العدول عن تقليد القائل بالوجوب إلى تقليد القائل بالحرمة من جهة وجود بعض مسوّغاته من فوت‏أو جنون أو نحو ذلك ممّا فصّل في محلّه و بالجملة القبيح عند العقل المخالفة القطعيّة العمليّة و لو في واقعتين من دون التزام بما يحتمل الموافقة للواقع عندكل واقعة لما عرفت من الوجه و لا يتوهّم عدم الابتلاء للمكلّف بالنسبة إلى الوقائع المستقلة فلا يمنع تحقّق المخالفة القطعيّة بملاحظتها من الرجوع إلى‏البراءة كما ستقف عليه في فروع الشبهة المحصورة ضرورة ثبوت الفرق بين الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة و تحقّق الابتلاء في الشبهات الحكميّة دفعةواحدة فتدبّر لا يقال نتيجة ذلك عدم جواز اختيار المكلّف للترك إذا اختار الفعل في واقعة و كذا العكس لا التخيير بين الحكمين لأنا نقول عدم تجويزالشارع للترك للمكلّف إذا اختار الفعل في واقعة مع حكمه بالإباحة لا يجتمعان قطعا كما لا يخفى و ممّا ذكرنا كله و إن ظهر وجه القول بالتخيير و وجه التوقف وإن لم يقل به أحد غير شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره في ظاهر كلامه في بادي النظر و إن احتمل قريبا كون ذكره من حيث كونه وجها في المسألة و يكون المختار عنده‏ما أنصفه في أول الكتاب من التخيير بعد استظهار اتفاقهم عليه في مسألة اتفاق الأمّة على القولين كما أن أمره في المقام بالرجوع إلى ما ذكره في أوّل الكتاب‏و الحوالة عليه ربما يستظهر منه ذلك إلا أنه لا بأس في الإشارة إليهما و التكلّم فيهما على وجه التلخيص و الإجمال‏
دليل القول بالتخيير في المقام‏
فنقول أمّا وجه القول بالتخيير و دليله في المقام‏فهو حكم العقل به بضميمة بطلان الترجيح بلا مرجح بعد إثبات وجوب الالتزام بأحد الحكمين من حيث إن في تركه و تجويز الرجوع إلى الإباحة أو البناء على عدمهماو لو في مرحلة الظاهر تجويز للمعصية و مخالفة للواقع عملا و لو في واقعتين و هو قبيح عقلا و يستأنس له بالأخبار الدالّة على التخيير بين الخبرين المتعارضين‏ لا يقال حكم العقل بالتخيير على ما ذكرت مبنيّ على مقدّمتين إحداهما وجوب الالتزام بأحد الحكمين الثانية عدم ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر ولا كلام في الثانية في المقام فإن المخالف فيها من قدّم جانب الترجيح على الوجوب و سيجي‏ء الكلام عليه أمّا الأولى فهي كما يتوقّف على بطلان الرجوع إلى‏الإباحة و إثبات ذلك كذلك يتوقّف على بطلان التوقّف حيث إنه لولاه لا يثبت وجوب الالتزام بأحد الحكمين في مرحلة الظاهر و الأول و إن كان ثابتابالنظر إلى ما عرفت من أن تجويز ذلك قبيح عقلا و لكن الثاني لم يثبت مما تقدّم و ليس عليه دليل أيضا و إن سبق ادّعاء بطلانه حيث إن عدم التخطّي عمّااختاره من الفعل و الترك من غير التزام بالحكم في مرحلة الظاهر لا محذور فيه أصلا و ليس الالتزام بما اختاره من الفعل و الترك التزاما بحكمه كما أنّه ليس‏التخيير بين الفعل و الترك تخييرا بين الحكمين كما هو ظاهر لأنّا نقول الالتزام المزبور بعد الاختيار مسبوق بالتخيير بين الفعل و الترك من أوّل الأمر و هو و إن‏كان غير التخيير بين الحكمين على ما ذكر إلا أنه يرجع إلى الإباحة الظاهريّة حقيقة فإن المراد منها عدم الجرح في كلّ من الفعل و الترك هذا و أمّا وجه القول بالتوقف‏عن الحكم بكل حكم في مرحلة الظاهر من الإباحة و التخيير فهو عدم الدليل عليه حقيقة بعد عدم توقّف العمل بالواقع عليه كما هو المفروض لما عرفت من عدم‏مساعدة دليل على البراءة في مفروض البحث كعدم الدليل على الالتزام بأحد الحكمين في مرحلة الظاهر بعد عدم اقتضاء دليل وجوب تصديق الشارع‏و الالتزام بما جاء به ذلك هذا بعض الكلام في وجوه الاحتمالات في المسألة
وجوه القول بلزوم الأخذ بالتحريم‏
و هنا قول آخر على تقدير وجوب الالتزام ذهب إليه غير واحد من الخاصّة والعامّة و هو لزوم اختيار احتمال التحريم و البناء عليه في مرحلة الظاهر لا بد من الإشارة إلى وجهه و الكلام عليه و قد ذكروا له وجوها الأوّل الأصل أي‏قاعدة الاحتياط عند دوران الأمر بين التخيير و التعيين فإنّ مقتضاها تقديم احتمال التحريم و البناء عليه في مرحلة الظّاهر و فيه ما لا يخفى لأن الدّوران‏في المسألة ليس بحسب الحكم الواقعي جدّا كما في دوران الخصال و نحوه ضرورة كون الحكم في مرحلة الواقع أحدهما المعيّن بل قد عرفت في طيّ المناقشةفيما استظهر من كلام الشيخ قدس سره عدم تعقّل التخيير الواقعي بين الوجوب و التحريم في مفروض البحث بل إنّما هو بحسب الحكم الظّاهري الذي يحكم به الشارع أوالعقل و الدليل عليه من الشرع ليس إلاّ ما عرفت من فحوى أخبار التخيير الواردة في تعارض الخبرين و لا يحتمل منها تعيين احتمال التحريم في المسألة قطعاو أمّا العقل فلا يعقل الدوران و الترديد فيما يحكم به فإمّا أن يستقلّ بالتخيير أو التعيين ضرورة أن الترديد من الحاكم لا يجامع الحكم على كل تقدير فلا دوران‏حتى يرجع إلى الأصل و لما كان حكمه بالتعيين مبنيّا على ترجيح احتمال التحريم و أهميّته في نظر العقل و لا ترجيح عنده لاحتمال التحريم على احتمال الوجوب فلا محالةيحكم بالتخيير و أمّا القول بأنه و إن لم يحتمل تعيين احتمال التحريم في نظر العقل إلا أنه يحتمل تعيّنه عند الشارع من جهة احتمال تماميّة بعض الوجوه التي استدلّوابها على التعيين و هو يوجب وقوف العقل عن الحكم بالتخيير فيجب البناء على التحريم من حيث كونه متيقّنا على كل تقدير فاسد فإنّ مجرّد احتمال كون الحكم الظاهري‏عند الشارع الأخذ باحتمال التحريم لا يوجب وقوف العقل عن الحكم بالتخيير لما عرفت و تعرفه من أن العلم بالتعيّن مانع لحكم العقل و رافع لموضوعه مع أنّ تيقّن‏التعيّن لا معنى له إذ هو في عرض التخيير نعم الأخذ باحتمال التحريم على التقدير المذكور متيقّن و أين هذا من تيقن التعيين فتدبر لا يقال إن حكم العقل‏بالتخيير مبنيّ على ما عرفت على مقدّمتين أحدهما ثبوت وجوب الأخذ بأحد الحكمين الثانية عدم الترجيح لأحدهما على الآخر و مع احتمال التعيين لا يقطع‏
84
بالمساوات فلا يحكم بالتخيير و أما التعيين فلا نقول بكونه ممّا يحكم به العقل من حيث كونه متعيّنا في نظره أولا و بالذات و إنما نقول بحكمه بلزوم الأخذ باحتمال‏التحريم من حيث كون الأخذ به جائزا على كل تقدير لأنا نقول بعد وقوف العقل عن الحكم الظاهري ليس هناك حكم ظاهري مردّد فتأمل الثاني ما دل على وجوب التوقف عند الشبهة بناء على كون المراد من التوقف هو عدم الدخول في الشبهة و عدم الحركة إليها و السكون عندها على ما عرفت‏بيانه في مطاوي ما قدّمناه لك عند ذكر الاحتمالات المتطرقة في لفظ التوقف و فيه مضافا إلى ما عرفت من عدم دلالته على الوجوب و ظهور التوقف‏في المعنى الأعمّ الشامل للشبهة الوجوبيّة أيضا إنه ظاهر بالنظر إلى تعليله فيما لا يحتمل الضرر على ترك الشبهة فلا يشمل مفروض البحث هذا و قد استظهرفي الكتاب من السيد الشارح للوافية التمسّك بأخبار الاحتياط في المقام أيضا و هو كما ترى لا محصّل له أصلا إذ المفروض عدم إمكان الاحتياط الثالث ما عن غير واحد من حكم العقل و اتفاق العقلاء على رعاية جانب المفسدة و لزوم دفعها عند دوران الأمر بينها و بين المصلحة و تحصيل المنفعة و مبنى‏الاستدلال به على كون الحرمة مسبّبة عن المفسدة الملزمة في الفعل و الوجوب مسبّبا عن المصلحة فيه من دون أن يكون مفسدة في تركه و استشهدللكليّة المذكورة بما ورد في غير واحد من الأخبار عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه و على أولاده الطاهرين المعصومين من أن اجتناب السيّئات أولى‏من اكتساب الحسنات و فيه أيضا ما لا يخفى لأنه بعد تسليم كون دفع كل ضرر أولى من جلب كل منفعة عند العقلاء أن فوت المصلحة الملزمة عن المكلّف‏ضرر أيضا و إلاّ لم يقتض الإلزام على المكلّف كما لا يخفى و أمّا الاستشهاد بما عرفت من الأخبار فهو في غير محلّه ضرورة كون ترك الواجب سيّئةكيف و قد عدّ ترك الصلاة من أكبر الكبائر و يتلوه ترك الزكاة فالمراد من الحسنة ما لا يكون في تركها عصيان و بالجملة الأخبار المذكورة لا تعلّق‏لها بالمقام أصلا الرّابع أن اقتضاء الحرمة إلى مقصودها أتمّ من حيث إن الترك يجامع كل فعل مضافا إلى حصوله مع الغفلة فيما لم يكن الحرام على‏تقدير ثبوته تعبّديّا كما هو الغالب و هذا بخلاف الوجوب فإن المقصود منه الفعل و الغالب في الأفعال التنافي و عدم الاجتماع فكان اختياراحتمال الحرمة بهذه الملاحظة أرجح و أولى عند العقلاء مضافا إلى أن بناء الشارع على ملاحظة اليسر و السهولة في الأحكام فيكون احتمال التحريم‏أولى عند الشارع أيضا و هو كما ترى إذ لو كان المراد أن مجرّد السهولة مرجّح يوجب منع حكم العقل بالتخيير ففيه المنع من ذلك و إن كان المراد أنّه‏بعد الحكم بالتخيير عند العقلاء يختارون جانب الترك من حيث كونه أسهل الأمرين ففيه أنه لا يجدي نفعا الخامس الاستقراء بالتقريب الذي‏ذكره قدس سره في الكتاب بناء على أن تقديم جانب التحريم في موارد اشتباه الواجب بالحرام يقتضي تقديم احتمال التحريم على احتمال الوجوب عند الشارع من حيث‏إن تقديم المعلوم يكشف عن اهتمام الشارع بشأن الحرام و فيه مضافا إلى عدم تحقق استقراء التام بل الناقص الغير المفيد بالأمثلة القليلةالمذكورة أن ترك العبادة في أيام الاستظهار فيما تجاوز الدم العادة فيما كانت أقل من عشرة ليس على سبيل الوجوب عند المشهور بل الاحتياط عندهم‏الجمع بين تروك الحائض و أفعال المستحاضة فلو قيل بالوجوب فليس من مصاديق الفرض أصلا حيث إن حرمة العبادة في حق الحائض تشريعيّة لا ذاتيّةو من هنا يحتاط فيها كثيرا مّا فلا بدّ من أن يكون القول بالحرمة مستندا إلى الأصل الموضوعي أي استصحاب الحيض لا الأصل الحكمي كما توهّمه عبارةالكتاب و أما ترك غير العادة العبادة بمجرّد الرؤية فلا بد أن يكون مستندا إلى قاعدة الإمكان و نحوها ممّا يقتضي كون الدم حيضا فيرفع اليد بهما عن‏استصحاب الطّهارة و إلا فقد عرفت خروج المسألة عن دوران الأمر بين الواجب و الحرام الذاتي و أمّا ترك الإناءين المشتبهين من جهة النصّ‏الوارد فيهما و ترك الوضوء بهما مع الانحصار على تقدير القول بكون الوضوء بالنجس الأعم من المتنجّس حراما ذاتيّا لا تشريعيّا من حيث كونه من الانتفاع‏بالنجس المحرّم بالنص و الفتوى فليس له تعلّق بالمقام أيضا من تقديم الشارع جانب الحرمة على الوجوب من جهة الدوران حتى يستكشف حكم المقام عنه فإن‏الوضوء من جهة ثبوت البدل له لا يزاحم الحرام لا من جهة كون الحرام من حيث هو مقدّما على الواجب من حيث هو عند الدوران حتى يستنبط منه‏العلّة الظنيّة بملاحظته و نظائره على تقدير ثبوتها فيتعدى منه إلى المقام و من هنا يحكم بترك الوضوء فيما لو انحصر الإناء في المشتبهين بالذهب و الفضّةأو الغصب مع الانحصار و كيف لا يكون لما ذكرنا من ثبوت البدل للوضوء مع أن المفروض رفع اليد عن الواجب العيني و تجويز المخالفة القطعيّةمن جهة رعاية الموافقة القطعيّة في جانب الحرام و ستقف في مسألة دوران الأمر بين الواجب و الحرام من مسائل الشك في المكلّف به كونه ممّااتفق العلماء بل العقلاء على خلافه فإن المخالفة القطعيّة لخطاب لا تصير مقدّمة للموافقة القطعيّة لخطاب آخر إلا إذا فرض رفع الخطاب من جهة أهميّةغيره في نظر الشارع و الأهميّة قد يكون في جانب الحرام و قد يكون في جانب الواجب و من هنا جوّز الشارع أكل مال الغير إذا توقف حفظ النفس عليه‏و كذا التصرّف فيه عند توقّف إنقاذها عليه و جوّز تعريض النفس المحترمة للهلاك إذا توقّف حفظ بنية الإسلام عليه و هكذا
في أن التخيير على القول به بدوي أو استمراري‏
قوله قدس سره ثم لوقلنا بالتخيير فهل هو في ابتداء الأمر إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن الوجوه الثلاثة المذكورة إنما تطرق في المقام على القول باستفادة التخيير فيه من‏الأخبار الواردة في باب تعارض الخبرين فإنه إذا كان التخيير شرعيّا و كان الحاكم به الشرع يمكن القول بعدم إطلاق في دليل حكمه يشمل بعد الأخذ من‏
85
حيث كونه مسوقا لبيان حكم أصل الأخذ بالخبرين أو الاحتمالين فلا تعرّض له لحكم بعد الأخذ بأحدهما و إن كان التخيير باقيا فيجري استصحاب المختار مطلقاأو إذا كان بانيا على الأخذ و الاستمرار على ما اختاره نظرا إلى كون الحكم تابعا للاختيار ما دام باقيا و موجودا فيرتفع الموضوع بارتفاعه أو قاعدةالاحتياط مع قطع النظر عن الاستصحاب لا جمعا بينهما أو استصحاب التخيير الحاكم على الأول و الوارد على الثاني على تقدير البناء على كفاية وحدة الموضوع‏في القضية المتيقنة و المشكوكة مسامحة و أمّا إذا كان التخيير عقليّا فقد عرفت مرارا أنه لا يعقل التّردّد و الشك في حكمه حتّى ترجع فيه إلى الأصل فلا بد في‏المقام إما من الالتزام بكونه حاكما بالتخيير الاستمراري لوجود مناط حكمه بالتخيير قبل الأخذ فيه بعد الأخذ ضرورة عدم كون الأخذ و العمل بمقتضى حكم‏العقل موجبا لترجيح المأخوذ على المطروح في الوقائع المستقبلة أو حاكما بالترجيح فعلى كل تقدير لا يتصوّر هنا شكّ و تردّد كما هو ظاهر قوله قدس سره فالحكم هنا التخيير لإطلاق أدلّته إلى آخره‏(1) أقول المشهور بين الأخباريّين موافقة المجتهدين في الحكم بالتخيير في المسألة لسلامة أخباره عن معارضةأخبار التوقف و الاحتياط حتى ما ورد منها في باب التعارض كالمقبولة بل ما هو أخصّ منها كالمرفوعة كما هو ظاهر إلا بتوهم جعل الوقف كناية عن ترك‏الفعل على ما عرفت سابقا و عرفت فساده هذا مضافا إلى ما ورد من التخيير في خصوص المسألة نعم هنا خلاف آخر لا من جهة معارضة الأخباربل من جهة وجود المرجّح لما دلّ على التحريم لما دل على الوجوب من المرجّحات المذكورة في المسألة الأولى و غيرها فيخرج المسألة عن موضوع أخبارالتخيير فإنه فيما لا يكون هناك مرجّح لأحد المتعارضين على صاحبه لكنه ضعيف لضعف المرجّحات المذكورة كما عرفت بل لو قيل بتقديم جانب التحريم‏لقاعدة الاحتياط في دوران الأمر بين التخيير و التعيين و نحوها في المسألة الأولى قلنا بالتخيير في المسألة من جهة الأخبار الحاكمة بالتخيير فيها و وجه‏الفرق و التفصيل ظاهر ثم بعد البناء على التخيير فهل يحكم بالاستمرار أو العدم أو التفصيل وجوه تقدّمت إليها الإشارة وجها و دليلا و الحق هوالتخيير الاستمراري لا لإطلاق أخباره لما عرفت من ضعفه بل لاستصحابه الحاكم على استصحاب المختار نعم لو قيل بعدم كفاية المسامحة في الحكم‏بوحدة الموضوع في القضيتين في باب الاستصحاب كما أشار إليه بقوله إلا أن يدّعى أن موضوع المسألة إلى آخره تعين الحكم بالثاني لا من جهة استصحاب‏المختار بل للشك في حجيّة المطروح بعد عدم وجود الإطلاق للأخبار و عدم جريان الاستصحاب في المسألة الأصوليّة استنادا إلى عدم العلم‏ببقاء الموضوع بالمداقة و عدم كفاية المسامحة العرفية و إن كان محلاّ للتأمّل عند شيخنا قدس سره بل مرجوحا عنده كما ستقف عليه في باب الاستصحاب‏و من هنا أمر بالتأمّل في المقام‏ قوله قدس سره و قد مثل بعضهم له باشتباه الحليلة(2) أقول لما كان المفروض البحث في دوران الأمر بين الوجوب‏و التحريم لا الواجب و الحرام فلا بدّ من التمثيل بما لا يكون هناك علم إجمالي يوجب دخول المثال في الشك في المكلف به فلا بد أن يكون محل الابتلاء في‏مسألة المرأة المردّدة و المائع المردّد بمرأة واحدة و مائع واحد و أما لو فرض الابتلاء بمرأتين أو ما تعين يعلم بتحقق خطابين إلزاميين بالنسبة إليهماأحدهما الوجوب و الآخر الحرمة فيخرج عن مفروض البحث كما هو ظاهر ثمّ إنه لا إشكال في عدم كون المقام الأول متعلّقا بالمقام من حيث إن الكلام في‏الأصل الحكمي مطلقا حتى في الشبهات الموضوعيّة فيما لم يكن هناك أصل موضوعي سليم عن المعارض يشخص حال الموضوع و يرفع الدوران عنه بحكم‏الشارع فإذا كان الحكم في المرأة المردّدة الرجوع إلى أصالة عدم تحقق العلاقة الزوجيّة بينها و بين المكلّف فيحكم بحرمة وطيها من جهة الأصل المذكورفيرتفع الشكّ عن الحكم بالحكومة الشرعيّة و إن لم يرتفع واقعا و ممّا ذكرنا يظهر أنه لا معنى لإجراء أصالة عدم وجوب الوطي بعد الأصل المذكور كمايستظهر من شيخنا قدس سره في الكتاب فإن الحكم بالحرمة من جهة كونها أجنبيّة بالأصل الموضوعي يرفع موضوع وجوب الوطي و إن كانا متعاضدين ومنه يظهر الكلام في المثال الثاني أيضا فإنه إذا كان مقتضى الأصل الموضوعي الحكم بعدم تعلق الحلف بشرب المائع الخاص المردد بين الخمر و الخل و الخل‏المحلوف على شربه فلا يلتفت إلى احتمال وجوب شربه قبل احتمال حرمته من جهة احتمال كونه خمرا فيرجع فيه إلى أصالة الحلّيّة و البراءة من حيث إن نفي تعلّق‏الحلف لشربه لا يثبت كونه خمرا من حيث كونه أصلا مثبتا و إن كان ملازما لحرمته في نفس الأمر و منه يظهر الفرق بين المثال و المثال الأوّل حيث‏إن الأصل فيه اقتضى كون المرأة أجنبيّة فلا معنى للرجوع إلى أصالة البراءة فافهم و أما المثال المذكور في الكتاب فهو مفروض أيضا فيما لم يكن‏لزيد حالة سابقة متيقنة من حيث الفسق و العدالة و إلا فيخرج عن مسألة الفرض أيضا ثم إنّ محلّ الكلام في الشبهة الموضوعيّة كالشبهةالحكميّة على ما عرفت فيما لم يوجب الإرجاع إلى أصالة الحل الإذن في المخالفة القطعية العمليّة كما إذا كان كل من الوجوب و التحريم المحتملين تعبّديامثلا و الحكم في هذه المسألة حكم الشبهة الحكميّة من غير فرق بينهما أصلا فيما فرض فيه تعدّد الواقعة بحيث يلزم من تجويز الرجوع إلى الأصل المخالفةالقطعية العمليّة و لو في واقعتين و إن كان هناك تأمّل في جريان فحوى أخبار التخيير في المقام إلا أنّك قد عرفت أن المستند عندنا في الشبهة الحكميّة حكم‏العقل بالتخيير لا الأخبار و أما لو فرض وحدة الواقعة فلا إشكال في جواز الرجوع إلى أصالة البراءة من حيث عدم لزوم محذور منه أصلا هذاو صريح شيخنا في المقام الحكم بالتوقّف و عدم الالتزام بأحد الاحتمالين في مرحلة الظاهر بل صريحة كون المختار عنده في الشبهة الحكمية من حيث‏
86
عدم لزوم اطراح قول الإمام فيها أصلا و ليس فيها أيضا مخالفة عمليّة معلومة و لو إجمالا مع أنّ مخالفة المعلوم إجمالا في العمل فوق حد الإحصاء في‏الشبهات الموضوعيّة هذا ما أفاده قدس سره و المراد مما أفاده بقوله مع أن مخالفة المعلوم إجمالا إلى آخره وقوع ذلك كثيرا في الشبهات الموضوعيّة في ابتداءالنظر و إلا فقد وجّه ما يتراءى منه ذلك في أوّل الكتاب و صرّح بقبح ذلك في مواضع من كلماته هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام و قد مضى شطر منه في‏الجزء الأوّل من التعليقة عند الكلام في فروع العلم فراجع إليه‏ قوله قدس سره و أما دوران الأمر بين ما عدا الوجوب و الحرمة إلى آخره‏(1) أقول قد مضى منّاتفصيل القول في ذلك في أول التعليقة فإن أردت الوقوف على حقيقة الأمر فراجع إليه نعم قد بقي من صور الدوران ما لم يتعرّض له في الكتاب وهو دوران الأمر بين الحكمين الإلزاميين و غيرهما من الأحكام الثلاثة الباقية بأقسامه و صوره المتصوّرة و إن كان يستفاد حكمه مما أفاده في حكم دوران‏الأمر بين الوجوب و غير التحريم و عكسه فإن رجع الدوران في الفرض حقيقة إلى الإلزام و غيره فيرجع إلى البراءة في نفي الإلزام و تجويز كل من الفعل و الترك‏و الوجه في عدم تعرّضه له هو ظهور حكمه ممّا ذكره في القسمين و قد ذكرنا بعض الكلام فيه عند الكلام في حصر الأصول في الأربعة فراجع كما أنا ذكرنابعض الكلام فيما يتعلّق بحكم دوران الأمر بين ما عدا الحكم الإلزامي من الأحكام الثلاثة بصوره الثلاثة سواء كان في الشبهة الحكمية بأقسامها أو الموضوعيةفي أوّل هذا الجزء من التعليقة و ذكرنا اختلاف حكمه مع دوران الأمر بين الحكم الإلزامي و غيره من حيث عدم جواز الرجوع إلى البراءة في مفروض البحث‏من حيث كون جواز كل من الفعل و الترك قطعيّا فلا يحتمل فيهما المؤاخذة حتى يرفع بأدلّة البراءة نعم لو كان مستند الدوران في المقام في صوراشتباه الحكم تعارض الأخبار كان متّحدا حكما لدوران الأمر بين الحكم الإلزامي و غيره فيحكم فيهما بالتخيير كما يحكم به فيه على ما عرفت شرح القول فيه و الوجه‏فيما ذكرنا ظاهر بعد ملاحظة عموم أخبار التخيير لجميع صور التعارض مع تعادل المتعارضين‏
في الشكّ في المكلّف بعبد العلم بالتكليف و بيان أقسامه‏
قوله في الشك في المكلّف به إلخ‏(2) أقول مجمل‏القول في صور الشك المتصوّرة في المقام هو أن الشك و الدوران لا يخلو إما أن يكون بين الحرام و غير الواجب سواء كان المباح أو المكروه أو المستحبّ‏أو بين الواجب و غير الحرام كذلك أو يكون بين الواجب و الحرام أو بين الحرام و الواجب و غيرهما من الثلاثة و إن كان حكمه حكم دوران الأمر بين الواجب والحرام كما هو ظاهر و على جميع التقادير إما إن يكون الشبهة حكميّة بأن يكون أصل متعلّق الوجوب و التحريم مردّدا في الشريعة ضرورة أن الحكم ليس‏نفس الوجوب و التحريم مجرّدا بل باعتبار تعلّقه بالمكلف فالشكّ في كلّ منهما و عدم العلم به موجب للشكّ في الحكم و هذا أمر واضح لا سترة فيه‏أصلا أو موضوعيّة و على تقادير الشبهة الحكمية إما أن يكون سبب الشكّ عدم الدليل على التعيين أو إجمال ما دل عليه و عدم بيانه أو تعارض‏الدليلين فيه و على جميع تقادير الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة إما أن يكون دوران الأمر بين المتباينين أو الأقل و الأكثر و على التقدير الثاني إما أن يكون‏استقلاليّا بمعنى عدم توقف وجود الأقل على وجود الأكثر على تقدير ثبوته أو ارتباطيّا بمعنى ضدّ الاستقلالي و على التقدير الثاني إما أن يكون‏الكثرة خارجيّة و يعبّر عنها بالشكّ في الجزئيّة أو ذهنية و يعبّر عنها بالشكّ في الشرطيّة و أما الشك في المانعيّة فيرجع إلى الشكّ في الشرطيّة كما لا يخفى‏و على التقدير الأول أي دوران الأمر بين غير الأقل و الأكثر إمّا أن يكون الاشتباه بين أمور محصورة أو غيرها ثم المراد بالحرام في المقام كالتحريم في‏الشكّ في التكليف هو ما كان تحريمه من غير جهة التشريع فدوران الأمر بين الواجب و الحرام التشريعي داخل في دوران الأمر بين الواجب و غير الحرام و هكذافي باقي الصور و هذا الذي ذكرنا كله من الأقسام إنما هو مبني على ملاحظة متعلّق التكليف الإلزامي من الوجوب و التحريم و لك إجراء جملة ممّا ذكرنامن الأقسام في المستحب و المكروه أيضا حسبما عرفت في الشكّ في التكليف أيضا لكنّ الفرق بين المقامين هو أن أدلّة البراءة من العقل و النقل لم تكن‏جارية بالنسبة إلى الحكم الغير الإلزامي في المقام الأوّل لما عرفت من أنّها تدل على نفي العقاب و الضيق المنفيّين في التكليف الغير الإلزامي و لكن دليل الاحتياطفي المقام و هو حكم العقل حسبما عليه المشهور يجري في المستحب و المكروه أيضا غاية الأمر أن يكون حكمه به فيهما غير إلزامي على نحو ما تعلّق بهما من الطلب‏بخلاف الواجب و الحرام و لكن ما ذكرنا مبني على القول بالاحتياط في الشك في المكلف به و أما لو قلنا بالبراءة فيه أو في بعض أقسامه فلا فتأمل ثم إن الأستاذ العلاّمة أهمل حكم بعض هذه الأقسام في المقام لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في التكليف مستقلاّ الذي تقدّم الكلام فيه في المقام‏الأول‏
في الأدلّة الدالة على وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة و النّقض و الإبرام فيها
قوله و بعبارة أخرى‏(3) أقول و بعبارة ثالثة تأثير العلم الإجمالي في تنجّز الخطاب و لو في الجملة و عدمه فيكون حاله حال الشك في التكليف‏ قوله حتى من يقول إن الألفاظ إلخ‏(4) أقول أراد بذلك الإشارة إلى أن ثبوت المقتضي للاحتياط يعمّ جميع المذاهب في باب الألفاظ و لا يختصّ‏بمذهب القائلين بوضع الألفاظ للأمور النفس الأمريّة كما عليه المشهور بل يجري على مذهب من يذهب إلى كونها موضوعة للمعاني المعلومة أومنصرفة إليها إذا وقعت في حيّز الطلب حسبما هو قضيّة مقالة بعض من تأخّر لأن الظاهر أن المراد بالقائل بالوضع للمعلوم أو الانصراف إليه هو الأعمّ من‏العلم الإجمالي أو التفصيلي هذا و لكن لا يخفى عليك أن هذا الاستظهار لا يخلو عن تأمّل على مذهب القائل بالوضع للأمور المعلومة بل الظاهرإرادتهم لخصوص العلم التفصيلي حسبما يعلم من الرجوع إلى كلماتهم نعم بعض القائلين بالانصراف إلى المعلوم قد رأيناه يلتزم في المقام بشمول‏
87
الخطاب للحرام المعلوم بالإجمال فالأولى ابتناء ثبوت المقتضي على اعتراف الخصم فإنه يعترف بأن الحليّة في المقام ليست هي الحليّة الواقعيّةبل الحلّيّة الظاهريّة المجامعة للحرمة الواقعيّة قوله و أما عدم المانع فلأن العقل إلخ‏(1) أقول لا يخفى عليك أن ما يتصوّر أن يكون مانعامن جانب العقل أمور ثلاثة أحدها قبح العقاب من غير بيان و علم ثانيها قبح التكليف بما لا يطاق ثالثها قبح الخطاب بالمجمل و هذه أمور تمسّكوابها على البراءة في الشك في التكليف بل في الشكّ في المكلّف به أيضا في الشّبهة الحكمية بل في الشبهة الموضوعيّة أيضا في الجملة و شي‏ء منها لا يقتضي‏للمانعيّة في المقام أمّا الأوّل فلأن البيان الذي يحكم العقل بقبح العقاب مع عدمه هو الأعمّ من البيان الإجمالي و التفصيلي يشهد بذلك حكم‏العقلاء قاطبة بحسن مؤاخذة المولى عبده الغير الآتي بما قطع إرادة المولى منه إجمالا في ضمن أمور محصورة فالعقاب على المعلوم بالإجمال كالعقاب‏على المعلوم بالتفصيل عقاب مع البيان لا بدونه و أمّا الثاني فلأن مسألة التكليف بما لا يطاق لا دخل لها بمسألة البراءة و الاشتغال‏حتى في الشك في التكليف أيضا لأن البحث فيها مختصّ بما إذا تمكّن المكلّف من الإطاعة و الاحتياط و قد مضى تفصيل القول في ذلك في المقام الأول فراجع‏إليه و أمّا الثالث فلأنه لو سلّم قبح الخطاب بالمجمل حتى فيما يتمكّن المكلّف من الامتثال فلا نسلمه في المقام لأن الاشتباه فيه لا دخل له بإجمال الخطاب‏الصادر من الشارع كما لا يخفى و إلا حسن أن يقال إن العقل مضافا إلى عدم منعه من تنجّز الخطاب المعلوم بالإجمال يحكم بالاستقلال على وجوب‏إطاعته و قبح مخالفته و تجويز الشارع إيّاها كتقبيحه تجويز الشارع المخالفة في صورة العلم التفصيلي و الوجه فيما ذكرنا من أولويّة التقرير المذكورمضافا إلى كون الأمر كذلك واقعا هو ابتناء تماميّة ما يذكره في بيان عدم المانع الشرعي عليه كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى و هذا و إن أمكن‏استفادته مما ذكره دام ظلّه إلا أن ما ذكرنا من البيان أولى و أوفى كما لا يخفى بل قد يقال بأن المقتضي للتحريم الواقعي و المثبت له و إن كان هو الخطاب‏الواقعي إلا أن الحاكم بوجوب إطاعته ليس إلا العقل فهو بالنسبة إلى وجوب الإطاعة لا اقتضاء له أصلا نعم هو موجد لموضوع حكم العقل‏لا أن يكون مقتضيا لوجوب الإطاعة و بعبارة أخرى الخطاب الواقعي لا أثر له إلاّ بالنسبة إلى إيجاد الحرمة الواقعيّة و أمّا تنجزه المقتضي لحسن المؤاخذةعلى مخالفته فهو ممّا يحكم به العقل ليس إلاّ فتدبّر قوله فلم يرد فيه ما يصلح للمنع إلخ‏(2) أقول و مثل الخبرين الأخبار المطلقة الدالة على البراءة الشاملةللشبهة الحكميّة و الموضوعيّة كقوله الناس في سعة ما لم يعلموا و رفع عن أمتي تسعة و عدّ منها ما لا يعلمون إلى غير ذلك بناء على كون الظاهر من العلم‏هو العلم التفصيلي لا الأعمّ منه و من الإجمالي و من هنا تمسّك بها بعض الأصحاب على الحليّة في المقام أيضا إلاّ أن صلاحية الخبرين أقوى لضعف القول بأن‏المراد من العلم في هذه الأخبار هو خصوص التفصيلي لا الأعمّ و لمكان ضعفه أعرض الأستاذ العلاّمة عن ذكرها و يمكن أن يقال إن مراده دام ظلّه من‏قوله فيما سيجي‏ء و غير ذلك هي الأخبار المطلقة أو الأعمّ منها و مما يقرب الخبرين في المضمون فإنه كثير أيضا فتدبّر و أمّا الخبران فليس الاستدلال بهما من جهةادعاء ظهور المعرفة في المعرفة التفصيلية بنفسها بل إنما هو من جهة دعوى الظهور بملاحظة لفظه بعينه فتدبّر قوله و يؤيّده إطلاق إلخ‏(3) أقول لا يخفى عليك ما في التأييد بإطلاق الأمثلة لأنك قد عرفت من كلام الأستاذ العلاّمة خروج الأمثلة عن محل البحث حتى في المقام الأول اللّهمّ‏إلا أن يقال إن اعتبار العلم الإجمالي و عدم جواز الرجوع في مورده إلى الأصول لا يفرق فيه بين الأصول الموضوعيّة و الحكميّة إلا أن يقال إن عدم‏منع العلم الإجمالي عن الرجوع إلى الأصول في الأمثلة لا يلزم عدم منعه في المقام لعدم حصول الابتلاء بجميع الأطراف العلم فيها و سيجي‏ء عدم اعتبارالعلم الإجمالي إذا كان الأمر كذلك فلا يصير إطلاقها مؤيدا مع ما فيه من التأمّل اللّهم إلاّ أن يقال إنها بإطلاقها يشمل صورة الابتلاء أيضا و إن كانت‏قليلة فتأمّل‏ قوله بل الغالب ثبوت العلم الإجمالي إلخ‏(4) أقول لا يخفى عليك أن ثبوت العلم الإجمالي غالبا مع كون الشبهة غير محصورة لا ينفع إذا لم‏تكن جواز ارتكاب جميع الأطراف في الشبهة الغير المحصورة مسلما عند الكل حسبما هو قضيّة التحقيق الذي ستقف عليه إن شاء الله تعالى و إلا فلا نفع فيه أصلافتدبّر بل أقول إنه لا ينفع على كل تقدير لأن العلم الإجمالي الحاصل على سبيل الغالب جميع أطرافه ليست محلا للابتلاء و هذا النحو من العلم غير مؤثرجزما قوله لأنها كما تدلّ على حليّته إلخ‏(5) أقول لا يخفى عليك أن المراد إن حرمة ذلك المعلوم إجمالا يكشف عن اختصاصها بغير صورة العلم الإجمالي لأنّ‏الدلالة على الحرمة لا يجامع الدلالة على الحليّة ضرورة أن التكليف يقتضي الامتثال نعم يمكن فرض دلالتها على حلّيّة كل واحد من المشتبهين مع قطع النظر عن العلم‏الإجمالي لكنه مجرّد اعتبار لا ينفع أبدا لأن المفروض وجود العلم الإجمالي و الغضّ عنه لا يجعله معدوما قوله و أمّا قوله فهو لك حلال إلخ‏(6) أقول لا يخفى عليك الوجه في الظهور الذي ذكره دام ظلّه العالي حيث إن جعل قوله بعينه تأكيدا للضمير المجرور بعيد في الغاية و ركيك إلى غير النهاية فلا بد أن‏يجعل قيدا للمعرفة و هذا بخلاف الحديث الأوّل فإن ظاهره كونه تأكيدا لا قيدا للمعرفة على عكس الحديث و منشأ الدعويين و مدركهما ليس إلا الوجدان والرجوع إلى العرف‏ قوله إلا أن إبقاء الصحيحة إلخ‏(7) أقول عمدة الدليل على عدم إرادة ما هو الظاهر من الخبر و الصّارف منه بعد فرض وجود المقتضي و هوشمول الخطاب الواقعي على ما هو المفروض استقلال العقل بقبح تجويز المخالفة من الشارع على ما عرفت تفصيل القول فيه لا يقال إن الخبر يدلّ على كون‏
88
العلم التفصيلي جزء الموضوع الأحكام الصادرة من الشارع فليس هناك حرمة للموضوع الواقعي المجرّد عنه حتى يلزم محذور التناقض و نحوه لأنّانقول دلالته على ما ذكر موقوفة على كون المراد من الحلّية المغيّاة بالعلم في هذه الأخبار هي الحلّية الواقعيّة لا الظاهرية و من المعلوم لكلّ من‏راجع إليها ظهورها بل صراحتها في ثبوت الحرمة الواقعية للشي‏ء على ما يشهد به قوله منه و غيره هذا مضافا إلى تسليم الخصم عدم كون الحلّية واقعيّة فعدم تقيّدالحرمة واقعا بالعلم اتفاقي فالحكم بالمنافاة عقلي و إن كان ثبوت كل من المقدمتين بغير حكم العقل و هذا الذي ذكرنا هو المراد مما ذكره الأستاذ العلامةمن الجواب و أما قوله و النصّ فيحتمل أن يكون المراد به نفس الدليل الواقعي و لكنه بعيد لحكومة تلك الأخبار على فرض الدلالة عليه فتدبّر و جعل المراد غيره‏أبعد منه‏
في أنه لا يمكن الحكم بالإباحة الظاهريّة في أطراف الشبهة المحصورة
قوله فإن قلت مخالفة الحكم الظاهري للحكم الواقعي لا يوجب إلخ‏(1) أقول لما جعل الصارف عمّا يظهر منه الإذن في كلا المشتبهين ظاهرافي الجواب عن السؤال الأول نفس ما دل على تحريم العنوانات الواقعيّة من حيث إيجابه لرفع الحكم الواقعي واقعا و في نفس الأمر فلا محالة توجّه عليه السؤال‏المذكور فلو جعل الصارف حكم العقل من حيث إيجابه وجوب الإطاعة بعد العلم بتوجّه الخطاب الواقعي إلى المكلّف من جهة العلم بتحقق موضوعه وحكمه بقبح معصيته و الإذن فيها و لو في مرحلة الظاهر كما صرّح به في الجواب عن هذا السؤال و جعله مانعا من إذن الشارع لم يتوجه عليه السؤال المذكور أصلاكما لا يخفى نعم هنا كلام في تصوير عدم منافاة الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي على الخلاف و لو مع جهل المكلّف بالمخالفة لا من جهة المنافاةلحكم العقل في باب الإطاعة بل للتضاد و التنافي الذاتي بينهما كالحكمين الواقعيّين تقدّم في أوائل هذا الجزء من التعليقة مع ما يقال عليه و مقتضى ما أفاده في‏المقام في الجواب عن السؤال المذكور كصريح كلامه في أول هذا الجزء من الكتاب عدم التنافي الذاتي بينهما كما هو ظاهر مقالة الأصحاب أيضا قوله قدس سره‏قلت الحكم الظاهري لا يقدح مخالفته إلخ‏(2) أقول لما كان مبنى ما أفاده في الجواب على ما عرفت الإشارة إليه على عدم التنافي بين الحكمين ذاتا و ثبوت‏التنافي للحكم الظاهري على خلاف الواقع مع حكم العقل في باب الإطاعة فينبغي تقييده بعد تخصيص التنافي بصورة العلم بالمخالفة كما في الجواب‏بما إذا أوجب جعل الحكم في مرحلة الظاهر على خلاف الواقع الإذن في مخالفة الواقع بحسب العمل و أما لا مع ذلك فلا قبح فيه مع العلم بالمخالفة أيضاكما في التخيير الظاهري بين الاحتمالين أو الخبرين أو فتوى المجتهدين فإنه و إن علم بمخالفته للحكم الواقعي المعين عند الله تبارك و تعالى إلا أنه لا يوجب الإذن‏في مخالفة العمليّة في كل واقعة من دون التزام بما يحتمل مطابقته للواقع و قد أشرنا إلى عدم منافاته لحكم العقل في مطاوي كلماتنا في دوران الأمر بين‏الوجوب و التحريم من مسائل الشك في التكليف و أما ما أفاده في الجواب من رجوع الحكم الظاهري على خلاف الواقع مع جهل المكلّف إلى مجرد المعذوريةكما في موارد البراءة فإنما يستقيم ذلك في البراءة العقليّة أو ما يرجع إليها من الأخبار لا فيما يفيد إعطاء الحلّيّة و الإباحة في مرحلة الظاهر كما هو ظاهرو قد تقدم في أول هذا الجزء من التعليقة في وجوه التفصّي للتنافي بين الحكمين أن الظاهر من بعض إرجاع الحكم الظاهري مطلقا إلى مجرّد المعذورية و تقدّم‏أيضا الكلام في فساده فراجع إليه حتى تقف على حقيقة الأمر كما أنا أشرنا هناك إلى عدم الجدوى فيما أفاده بالنسبة إلى الطرق الظاهرية إلا أن يرجع إلى‏نوع من التصويب الباطل عندنا قوله فإن قلت إذن الشارع في فعل الحرام إلخ‏(3) أقول لما كان مبنى ما أفاده في الجواب عن السؤال السابق على‏كما عرفت الكلام فيه على منافاة تحليل الشارع للمشتبهين في مرحلة الظاهر لحكم العقل بوجوب الإطاعة و قبح الإذن في المعصية إنما هو فيما كان‏الارتكاب معصية في علم المكلف و لا يتحقق ذلك إذا كان الارتكاب على التدريج كما ذهب إليه غير واحد ممن قال بجواز ارتكاب المشتبهين فلا يكفي الدليل‏المذكور ردّا عليه و إن كفى في ردّ القول بجواز الارتكاب مطلقا لكنه لا يفيد فإن المقصود الاستدلال للقول بالمنع مطلقا و لا يكفي مجرد العلم‏بتحقق المخالفة مطلقا و لو بعد الارتكاب لعدم مساعدة العقل عليه مضافا إلى منافاته لما وقع في الشرعيّات كما يظهر من الأمثلة المذكورة في‏السؤال‏ قوله قلت إذن الشارع في أحد المشتبهين إلخ‏(4) أقول محصّل ما ذكره دام ظله أنه بعد العلم بتحقّق العنوان المحرّم الواقعي إجمالا يحكم‏العقل على سبيل الاستقلال بوجوب إطاعته بترك جميع محتملاته و يقبّح تجويز الشارع مخالفته بتركها سواء كان واقعيّا الذي يلزم منه التناقض‏أو ظاهريّا الذي يرجع إلى رفعه إيجاب الإطاعة للخطاب المعلوم بالإجمال لاستقلال العقل بقبح الثاني كالأوّل لأن طلب الشارع على سبيل‏الإلزام لا يجامع مع إذنه في المعصية لا يجامع في نظر العقل و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه عند ذوي الأفهام المستقيمة
في أنه لا فرق بين الإذن في الارتكاب الدفعي و التّدريجي‏
ثم لا يتفاوت الأمر فيما ذكر بين‏أن يكون إذنه بارتكاب الجميع دفعة أو تدريجا لاتحاد المناط للمنع و وجوده فيهما على نحو سواء لأن الثاني أيضا إذن في المعصية كالأول هذا كلّه بالنسبةإلى إذنه في المخالفة و الارتكاب بقول مطلق أي بالنسبة إلى جميع أطراف الشبهة حسبما هو محل البحث و أما إذنه بالنسبة إلى بعض الأطراف فالذي‏صرّح به الأستاذ العلاّمة في المقام بقوله نعم إلى آخره إنه لا يجوز إلا بعد جعل الاجتناب عن الآخر بدلا عن الاجتناب عن الحرام الواقعي المعلوم بالإجمال‏لأن رفع اليد عن الواقع و لو على بعض التقادير بعد العلم به من دون جعل البدل قبيح عند العقل فلو ورد ما يدلّ على الإذن في بعض المقامات فلا بدّأن يجعل كاشفا عن جعل البدل و لكن الذي صرّح به دام ظله في الجزء الأول من الكتاب عند التكلم في دليل الانسداد حسبما يقف عليه من راجع إليه جوازه‏
89
من دون جعل بدل أصلا نعم إذنه في مخالفة الاحتياط الكلي الذي قد يتفق معه فوت الواقع لا بد أن يكون مشتملا على مصلحة جابرة لمفسدة الوقوع‏في خلاف الواقع فيما يقع فيه و أما لزوم جعل البدل فلا لأن العقل مستقل بعد ورود الدليل من الشارع على عدم مطلوبيّة الاحتياط الكلي الذي‏يعبّر عنه بالموافقة القطعيّة إن المتعيّن في طريق الامتثال هو الاحتياط الجزئي لأنه أقرب من الامتثال الظني و الاحتمالي إلى إدراك الواقع و ليس‏على الشارع جعل البدليّة و الطريق لامتثال الأحكام الشرعية المجعولة في مرتبة من المراتب و إنما الحاكم في كيفية طريق الإطاعة كالحاكم بنفس وجوب الإطاعةالعقل ليس إلاّ و إنما على الشارع الإمضاء إن لم يرى المصلحة في النهي عن بعض الكيفيّات أو الإذن في مخالفته و أما بعد الإذن لمصلحة فليس‏عليه إلا الإمضاء و الرضا بما يحكم به العقل بطريقيّته بعد تعذر ما حكم به أولا
في أنه لا معنى للرجوع إلى البراءة بعد تنجّز التكليف بالواقع‏
لا يقال بعد استقلال العقل بكون طريق الإطاعة الاحتياطالكلي مثلا كيف يجوز للشارع النهي عنه و إلا لزم التناقض في كلام الشارع أو عدم حجيّة حكم العقل و كلاهما باطلان بالضرورة لأنّا نقول حكم العقل في باب طريق الإطاعة معلّق على عدم حكم الشارع على الخلاف عن مصلحة لأن للعقل طرقا في باب الإطاعة مرتّبة لا يجوز العدول عن‏سابقه إلى لاحقه إلا بعد تعذّر السابق أو إذن الشارع في عدم سلوكه لكن بعد إذنه يحكم بسلوكه ما يلحقه من دون إيجاب جعل البدل على‏الشارع أصلا و هذا بخلاف أصل وجوب الإطاعة الذي يحكم به العقل فإنه لا يجوز للشارع أن يحكم بخلافه حسبما عرفت سابقا و هذا الذي‏ذكره ثمّة هو الحق على ما عرفت تفصيل القول فيه في الجزء الأول من التعليقة و اعترف به دام ظله في مجلس البحث أيضا و هذا الذي ذكرنا مبني على تقريردليل الانسداد على وجه الحكومة كما هو المختار عندنا و عند شيخنا الأستاذ العلامة على ما تقدم شرح القول فيه في محله كما أن لازم ما أفاده في المقام‏من الالتزام بجعل البدل عند ترخيص مخالفة العلم الإجمالي في بعض أطرافه هو تقرير الكشف فإن مبناه على ما عرفت في محلّه على ذلك فراجع إليه حتّى‏تقف على صدق ما ذكرنا و بالجملة الجواب عن سؤال السائل هو ما عرفت من استقلال العقل بقبح إذن الشارع في المعصية من غير فرق بين الارتكاب دفعةو تدريجا و ليس مبنيّا على القول باستقلال العقل بوجوب الاحتياط و عدمه حسبما ربما يظهر من كلام الأستاذ العلامة لأن الكلام ليس فيه‏ قوله قلت الإذن في فعلهما إلخ‏(1) أقول الوجه في منافاته له ما عرفته من استقلال العقل بعد العلم به بوجوب إطاعته من غير تعليق على شي‏ء الذي يلزمه‏قبح إذن الشارع في مخالفته على كل تقدير و فرض و أما الإذن في ارتكاب أحدهما من الشارع و إن كان مجوّزا عند العقل مع المصلحة إلاّ أن العقل يحكم بعدوروده بوجوب الاجتناب عن الآخر مطلقا لأنه الذي يحصل به الامتثال و أما الاجتناب عنه في زمان ارتكاب صاحبه فلا يصلح عنده لحصول الامتثال‏به كما لا يخفى هذا بناء على التحقيق الذي عرفته منا و من الأستاذ العلامة في غير المقام و أما بناء على ما ذكره دام ظلّه هنا من عدم جواز الإذن في‏ارتكاب أحد المشتبهين إلا بجعل الاجتناب عن الآخر بدلا ظاهريّا عن اجتناب الحرام الواقعي فالأمر كذلك لأن الذي يصلح بدلا هو الاجتناب عن الآخرمطلقا كالمبدل فلا بد أن يتعلق أمر الشارع به لا الاجتناب في الجملة و في زمان ارتكاب الآخر فإنه لا يصلح بدلا فمعنى البدليّة هو المنع عن فعل الآخر بعد ارتكاب‏صاحبه و من المعلوم عدم حصول إطاعة هذا النهي و عدم حصول الغرض المقصود منه بعدم فعله حين ارتكاب صاحبه‏
في الإشكال على ما ذكره المصنف قدس سره من الفرق بين التخيرين‏
قوله قلت تجويز ارتكابهمامعا إلخ‏(2) أقول ما ذكره مع أنّه مما لا إشكال فيه يعلم الوجه فيه مما ذكرنا سابقا إلا أن ما ذكره من الفرق في جواز التخيير الاستمراري بين ما إذا سبق تكليف‏بالفعل و بين ما إذا سبق تكليف بالترك قد يستشكل فيه بأن المانع ليس إلا المخالفة القطعيّة و هي حاصلة في المقامين و إن صالح للحكم الظاهري في كل واقعةلرفع قبحها فلا يفرق بينهما و إلا فلا فرق أيضا و الأولى أن يقال علي تقدير تسليم جواز التخيير الاستمراري فيما يستلزم منه المخالفة القطعيّة بأنه لا دخل‏له بمطلب الخصم فإنه إنما يبنى على الرجوع إلى أصالة الحلّيّة و البراءة في جميع المشتبهات لا على التخيير و الالتزام بحرمة أحدهما و ترتيب آثار الحرام عليه ما دام‏ملتزما بحرمته و إن كان له العدول أيضا و إلا فالالتزام بحرمة أحدهما حين ارتكاب الآخر في نظر العقل كالالتزام بوجوب أحد الفعلين حين ترك الآخر و إنماالمانع ما ذكرنا مضافا إلى عدم الدليل على التخيير في المقام لأن الإذن في ارتكاب أحدهما يحتاج إلى دليل و بدونه يمنع العقل منه هذا و لكن يمكن أن‏يقال بالفرق بين المقامين فإن التخيير فيما فرضه دام ظلّه و إن استلزم المخالفة القطعيّة بالنسبة إلى الواقعتين إلا أنه مستلزم للموافقة القطعيّة أيضا مثلاإذا خيرنا الشارع بين فعل الجمعة و الظهر استمرارا فإذا فعلنا الجمعة في يوم و الظهر في يوم آخر نعلم بالمخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال في أحد اليومين‏إلا أنه يعلم بالموافقة القطعيّة بالنسبة إلى تكليف أحد اليومين و كذلك إذا علمنا بوجوب إكرام أحد الشخصين و خيرنا الشارع بين إكرامهما على سبيل الاستمرارفإنه بعد إكرامهما تدريجا يعلم بمخالفة الخطاب المعلوم بالإجمال إذا كان المطلوب منه الاستمرار إلا أنه لا يعلم بالموافقة أيضا إجمالا و هذا بخلاف‏المقام فإن المحصّل من التخيير الاستمراري فيه ليس إلا الإذن في المخالفة القطعيّة محضا فحينئذ فإن جوزنا المخالفة القطعية للتكليف المردّد في واقعتين‏فلا إشكال في جواز التخيير على النحو المذكور إلا أنه لغو بعد تجويز المخالفة القطعية كما هو المفروض و إلا فيمنع منه و كيف كان لا دخل له بالمقام هذاو تمام الكلام فيما يتعلّق بالمقام يطلب من الجزء الأول من التعليقة في فروع العلم الإجمالي‏ قوله قلت أما الشبهة الغير المحصورة(3) أقول
90
لا يخفى عليك أن ما ذكره دام ظله هنا مناف لما سيبنى عليه من عدم جواز المخالفة القطعيّة في الشبهة الغير المحصورة أيضا من حيث استقلال العقل‏بقبح تجويز المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال من غير فرق بين الشبهتين نعم لو قلنا بأن العلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة غيرمؤثر في تنجز الخطاب في نظر العقلاء فيكون كالشكّ البدوي استقام ما ذكره هنا و لكن بناؤه ليس عليه حسبما ستقف عليه فلعلّ ما ذكره مبني على‏ما عليه المشهور إذ كلامه في المقام ليس في تحقيق المسألة بل مسوق لبيان فساد القياس و أنّ في الشبهة الغير المحصورة وجها يقتضي عدم تأثير العلم الإجمالي‏في عدم تنجّز الخطاب بالواقع و كونها كالشبهة الابتدائية المجرّدة كما يدلّ عليه قوله فيجي‏ء وجه جواز المخالفة فيها فافهم و على كل تقدير القياس بالشبهةالغير المحصورة في غير محلّه كما لا يخفى ثم إن الجواب عن التنظير بالتخيير الاستمراري و الشبهة الغير المحصورة الذين ذكرهما السائل في السؤال الثالث‏علم من مطاوي كلمات الأستاذ العلامة إلا أن الجواب عن التنظير بالإذن في الشبهة المجرّدة التي يعلم المولى باطّلاع العبد بالوقوع في الحرام بعدالارتكاب لم يعلم من كلامه و كأنه لغاية وضوحه أعرض عنه حيث إن المانع من الإذن فيما يدّعي المانع منه ليس إلا كونه إذنا في المعصية في نظر المكلّف للتكليف‏الذي حكم العقل بوجوب إطاعته و معلوم أن هذا المناط غير موجود في الشبهة المجرّدة
في أن الحكم الظاهري في حق أحد هل له واقعيّة في حق الغير أم لا
قوله إلا إذا قلنا بأن ما يأخذه كل منهما إلخ‏(1) أقول حاصل ما ذكره دام ظله يرجع إلى كون الحكم الظاهري في حق كل أحد مما يجب على الغير الالتزام به بحسب الواقع بمعنى ترتيب آثار الحكم الواقعي عليه مالم يعلم تفصيلا خلافه و هذا المعنى و إن قام الدليل عليه عندنا في الجملة إلا أنه ليس الأمر كذلك في جميع المقامات و لذا لا يجوز الاقتداء بواجدي المني في‏صلاة واحدة بل في صلاتين أيضا و منه يظهر أنه لو قيل بعدم الموضوعيّة في باب الأملاك كما هو الحق لم يجز للحاكم أخذ العين و القيمة من المقرين لهما كغيره‏نعم له الحكم بأخذهما لهما عن المقر كما أنه لا يجوز له الصلاة خلف واجدي المني و إن أفتى بجواز الصّلاة لهما و صحّتها قوله أو يحمل على حصول الشركة إلخ‏(2) أقول لا يخفى عليك أن لازم حصول الشركة بالاختلاف في المقام هو صيرورة الثلث من الدرهمين لمالك الواحد و الثلثين لمالك الاثنين فكيف يستقيم ماأفاده من التقسيم فاللازم الحكم بتقسيم الدرهمين الباقيين أثلاثا فافهم فالأولى الالتزام بكونه صلحا يحكم مالك الملوك هذا و تفصيل الكلام فيمايتعلق بالمقام نقضا و حلا قد تقدّم في الجزء الأول من الكتاب مع ما عقلنا عليه فإنه دام ظله قد استوفى الكلام فيه حق الوفاء و من أراده فليرجع إليه‏ قوله خصوصا إذا قصد من ارتكاب إلخ‏(3) أقول قد يورد على ما ذكره دام ظله بأنه ليس خصوصيّة لما ذكره فإنه إن كان العلم الإجمالي منجّزا للخطاب‏المعلوم بالإجمال في نظر العقل فارتكاب المشتبهين مما لا يجوز عند العقل سواء قصد من ارتكابهما تحصيل العلم بالوصول إلى الحرام أو ارتكبهما من غير هذاالقصد و إن لم يكن منجّزا للخطاب المعلوم بالإجمال عنده فلا وجه للالتزام بعدم جواز ارتكابهما إذا قصد منه التوصّل إلى الحرام نعم لا إشكال أنه على‏التقدير الأول يكون ذم القاصد أشدّ عند العقلاء لكنه نظير الذم على المتجرّي لا يوجب شيئا عند الأستاذ العلامة و دعوى قبح الارتكاب على تقديرقصد التوصّل عند العقلاء مع قطع النظر عن التزامهم بإيجاب العلم الإجمالي تنجز الخطاب مطلقا كما ترى و منه يظهر صحة ما ذكره بعض أفاضل من تأخر من إلزام‏القائل بالجواز بإفضاء قوله إلى جواز التوصل إلى فعل جميع المحرّمات على وجه مباح بأن يجمع بين الحلال و الحرام المعلومين تفصيلا على وجه يوجب الاشتباه‏حتى بالنسبة إلى المثال الذي ذكره من الجمع بين الأجنبيّة و الزوجة ضرورة أنه بعد القول بعدم تأثير العلم الإجمالي في تنجز الخطاب عند العقل لم يفرّق فيه من‏الأمثلة غاية ما في المثال أن يقال إن اهتمام الشارع في حفظ الأنساب يمنع عن الجمع فيه و هو لا يصلح للمنع لأن ما ذكر حكمة لم يقم دليل على وجوب مراعاتهادائما هذا و لكن لا يخفى عليك أنه يمكن القول بعدم صحة ما ذكره هذا الفاضل على تقدير البناء على جواز الارتكاب في الشبهة المحصورة و عدم الالتزام‏بالإطاعة رأسا و إن كان الارتكاب مع قصد التوصّل أيضا حيث إن الجمع على النحو الذي ذكره مع ارتكاب المشتبهين مخالفة عند العقلاء للخطاب التفصيلي‏المتعلق بالأمر المعلوم قبل إيجاد الاشتباه لكنه كما ترى لا تعلق له بما أفاده الأستاذ العلامة من قصد التوصّل‏
في أنه لا فرق بين الخطاب الواحد و المردد بين العنوانين‏
قوله كما مثّلنا سابقا إلى آخره‏(4) أقول لا يخفى عليك أن التمثيل بالمثال الذي ذكره لم يسبق منه دام ظله في هذا الجزء من الكتاب فلعلّه أراد سبقه في الجزء الأول منه و كيف كان لا إشكال‏في صحّة ما ذكره دام ظلّه و إن خالف غير واحد منهم بعض الأفاضل ممن قارب عصرنا نظرا إلى أن الشك بالنسبة إلى كل من الخطابين يرجع إلى الشك الابتدائي‏لفرض عدم العلم بوجود متعلّقه و النهي عن العنوان المردّد بين العنوانين أيضا لم يقع في أحد من الأدلّة فلا مانع من البناء على الرجوع إلى الأصل في المقام هذاو لكنك خبير بفساد هذه المقالة و اندفاع هذه الشبهة لأن الحاكم في مسألة الإطاعة و المعصية و في مسألة تأثير العلم الإجمالي ليس إلا العقل و نحن نرى‏بالمشاهدة و العيان استقلال العقل بعدم الفرق في الحكم بوجوب الإطاعة بعد العلم بوجود متعلّق الخطاب الشرعي إجمالا بين كون الخطاب مردّدابين الخطابين و بين كونه مفصّلا مميّزا عما عداه و يوضح ما ذكرنا غاية الإيضاح ما ذكره الأستاذ العلامة من فرض الكلام في شي‏ء واحد مرددا أمره بين كونه أحدالعنوانين الذين نهى الشارع عنهما فإن ما ذكر من الدليل بعينه جار فيه أيضا مع أن ضرورة العقل يحكم بعدم جوازه و ليس الفرق بينه و بين المقام إلا تردّد العنوان‏المردّد بين العنوانين و عدمه و المفروض أن تردّد المتعلّق لا أثر له عند العقل في زعم هذا القائل في حكمه بتنجز الخطاب فلم يبق إلا تردّد عنوان الحرام و لهذا
91
بنى على وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة و منه يظهر فساد ما يقال في الفرق بين المقام و المثال من حصول العلم التفصيلي بالحرام في المثال و إن‏كان متولّدا من العلم الإجمالي بخلاف المقام هذا و قد تقدّم تفصيل القول في ذلك مشروحا في الجزء الأول فراجع إليه ثم إن ظاهر الكتاب بل‏صريحه نسبة الخلاف إلى صاحب الحدائق و لكن الذي يحكي عنه في تنبيهات المسألة لا تعلّق له بالتفصيل في المقام بل صريحه التفصيل بين كون المشتبهين مندرجين‏تحت عنوان واحد و غيره كما ستقف عليه فراجع إلى الحدائق لعلّك تظفر على مخالفته في المسألتين و إن كنا لم نقف عليها بعد المراجعة
البحث في وجوب اجتناب الكل و عدمه
قوله لناعلى ما ذكرنا أنه إذا ثبت إلخ‏(1) أقول مما يحكم به العقل ضرورة بعد ثبوت الاشتغال على وجه اليقين وجوب تحصيل القطع بالبراءة مهما أمكن و لذااشتهر بين العوام فضلا عن الخواص أن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة و هو معنى ترك ارتكاب كلام المشتبهين في المقام و الوجه في حكمه بذلك‏وجوب الدفع الضرر المحتمل الأخروي عنده كما يحكم بوجوب النظر إلى المعجزة لذلك و هكذا في جملة من الأمور و هذه القاعدة الظاهر أنها مسلّمة بين الكلّ‏و أما من لم يحكم بوجوب الاحتياط في المقام مع اعترافه يتنجّز الخطاب فإنما هو من جهة الأخبار الكاشفة عن عدم احتمال الضرر في فعل أحدهما حيث إن إجراءهابالنسبة إليه لا مانع عنه على ما يدّعيه حسبما ستقف عليه نعم ربما يجري في لسان بعض متأخري المتأخرين من الأصحاب عدم وجوب دفع الضررالمحتمل لعدم الدليل عليه لأن الذي يحكم به العقل هو دفع الضرر المقطوع أو المظنون و أما الضرر المحتمل فلا يحكم العقل بوجوب دفعه و لكنك قدعرفت فساده بما لا مزيد عليه في مطاوي كلماتنا السابقة
في إثبات الملازمة بين حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعيّة
قوله و بعبارة أخرى المكلف إلخ‏(2) أقول أراد بذلك دعوى الملازمة في نظر العقل‏بين حرمة المخالفة القطعيّة و وجوب الموافقة القطعيّة فإن حرمة الأولى إنما هو من جهة تنجّز التكليف بالمعلوم بالإجمال عند العقل و قد عرفت أن‏العقل مستقلّ بأن طريق الامتثال بعد ثبوت الاشتغال و تنجز الخطاب هو الاحتياط المطلق و تحصيل الموافقة القطعيّة فالقول بالأولى و عدم‏القول بالثانية حسبما هو قضية دعوى الخصم مما لا معنى له نعم هنا مطلب آخر قد أشار إليه الأستاذ العلاّمة في الجزء الأول من الكتاب وهو أنه لو فرض عدم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل فهل يحكم بقبح المخالفة القطعيّة و عدم جوازها أو لا و قد بنى على حكمه بقبحها مع قطع النّظرعن حكمه بوجوب الموافقة القطعيّة لأن حكم العقل بدفع الضرر المقطوع لا دخل له بحكمه بدفع الضرر المحتمل و إن كان الثاني أيضا ثابتا عندنا هذا كلّه‏مضافا إلى إمكان القول بلزوم الاحتياط مع قطع النظر عن حكم العقل أيضا لدلالة بعض الأخبار عليه كالمرسل المروي في بعض كتب الفتاوي‏اترك ما لا بأس به حذرا عمّا به البأس المجبور ضعفه بالشّهرة المحققة و الإجماع المنقول المحكي في الكتاب عن جماعة و غيره من الأخبار التي ستمرّ عليك‏ قوله قلت أصالة الحل غير جارية هنا إلخ‏(3) أقول لا يخفى عليك أن محصّل ما ذكره دام ظلّه في الجواب عن السؤال المذكور يرجع إلى وجهين‏أحدهما أنه بعد العلم الإجمالي لا يجري أصالة الحل في المشتبهين أصلا حتى يتحقق التعارض بينهما فيحكم بالتخيير لأن طريق الإطاعة في نظر العقل بعدتنجز الخطاب هو لزوم الاحتياط فلا معنى لورود الدليل الشرعي على خلافه هكذا استفيد من كلام الأستاذ العلاّمة بالنظر إلى ما يقتضيه النظر الجلي‏في كلامه لكنك خبير بتطرّق المناقشة إلى هذا البيان لأنك قد عرفت منا و من الأستاذ العلامة إن حكم العقل بلزوم الاحتياط معلّق على عدم ورودالدليل من الشارع على جواز ارتكاب بعض الأطراف في الشبهة المحصورة فالإذن من الشارع وارد على حكم العقل بلزوم الاحتياط فلا يمكن أن يصيرلزوم الاحتياط مانعا من الإذن الشرعي فالأولى أن يقال في تقرير عدم جريان أصالة الحلّ بعد العلم الإجمالي أنه لا يخلو إما أن يجري بالنسبة إلى كلّ واحدمن المشتبهين بالخصوص على سبيل اليقين بمعنى كون المراد من الأخبار إثبات الحليّة في كل منهما بالخصوص و إما أن يجري بالنسبة إلى كل واحد منهماعلى سبيل البدليّة و التخيير على ما هو مدعى الخصم و إما أن يجري بالنسبة إلى أحدهما المعيّن عند الله الغير المعيّن عندنا بمعنى كونه المراد من الأخبارو إما أن يجري بالنسبة إلى أحدهما الغير المعين الذي يرجع بالمآل إلى الثاني لا سبيل إلى الأول لمنافاته لا العلم الإجمالي مضافا إلى عدم قول الخصم به‏أيضا و لا إلى الثاني لعدم الدليل عليه عدا ما عرفته من أخبار البراءة و هي غير دالّة عليه قطعا لأن مفادها إثبات الإباحة في كل مشتبه على‏سبيل التعيين فإن قيل بشمولها لصورة العلم الإجمالي فلا بد من القول بجواز المخالفة القطعيّة و المفروض التسالم على عدم جوازها و إن قيل بعدم شمولهاحسبما قضيّة التحقيق فلا بد من القول بعدم دلالتها على الإباحة في صورة وجود العلم الإجمالي أصلا و رأسا و لا إلى الثالث لوجوه لا يخفى على‏المتأمل مضافا إلى عدم نفعه للمستدل كما لا يخفى و لا إلى الرابع لأن أحد المشتبهين ليس فردا آخر مغايرا للمشتبهين و إنما هو مفهوم منتزع عنهما مضافاإلى أن الخصم إنما يريد إجراءها بالنسبة إلى كل من المشتبهين حتى يحكم بالتخيير من باب التعارض فتعيّن أن يقال بأن العلم الذي غاية للحليّة في أخبارها أعمّ من‏التفصيلي و الإجمالي هذا ملخّص الكلام في الوجه الأول‏
في أنه لا معنى للحكم بالتخيير بين الأصلين في المقام‏
ثانيهما أنه بعد تسليم جريان أصالة الحليّة بالنسبة إلى كل من المشتبهين و تعارض‏الأصلين فيهما نمنع من جواز الرجوع إلى التخيير لأن مقتضى الأصل في تعارض الأصلين هو الحكم بالتساقط لا التخيير حتى لو قلنا بأنه الأصل في تعارض‏الخبرين كيف و لا نقول به و إنما نحكم فيه بالتخيير من جهة الأخبار الواردة به المذكورة في محلّها هذا و تفصيل الكلام فيما يتعلّق بالمقام يطلب ممّا كتبناه‏
92
في مسألة تعارض الأدلة على سبيل الاستقلال و ممّا تعلّقه على ما كتبه الأستاذ العلامة فيها قوله فإن قلت قوله صلى اللَّه عليه و آله كل شي‏ء لك حلال إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أنّ حاصل هذا الكلام يرجع إلى اختيار الشق الثاني من الشقوق المتقدّمة عن قريب و توضيحه أن المراد من شمولها لكل من المشتبهين‏على البدل في صورة العلم الإجمالي ليس هو استعمالها في التخيير و البدليّة في المقام و التعيين في غيره حتى يلزم استعمال للفظ في أكثر من معنى فيمنع منه نبأعلى ما عليه الأكثر بل بناء على القول بالجواز أيضا حيث إن ظاهر الأخبار هو التعيين لا التخيير بل المراد أن مفاد الأخبار ليس إلا التعيين في جميع المقامات‏لكنها إنما تدلّ على الإباحة التعيينية في مشكوك الحلّيّة بمعنى دلالتها على عدم الاعتناء باحتمال الحرمة و جعل محتمل الحليّة بمنزلة مقطوعها و البناء على‏كونه هو الموضوع المحلّل و هذا المعنى في المشتبهات بالشبهة البدوّية موجود بالنسبة إلى جميعها لأن المفروض عدم العلم الإجمالي فيها فالبناءعلى حليّة بعضها لا تنافي البناء على حليّة بعضها الآخر فتدل على حلية جميعها يقينا و أما في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي فلا يوجد إلاّ بالنسبةإلى بعضها لأن الموجود فيها ليس إلا شكّ واحد و احتمال كون بعضها حلالا و بعضها الآخر حراما فالبناء علي حليّة بعضها و كونه الموضوع‏المحلّل يستلزم عقلا للبناء على كون غيره هو الموضوع المحرّم فالتخيير الموجود فيها إنما هو من لوازم وحدة الشكّ فيها و وجوده على البدل في كلّ‏من المشتبهات لا من جهة استعمال اللفظ في التخيير
في أنه لا يمكن إجراء أصالة الإباحة في الشبهة المحصورة على التخيير
قوله الظاهر من الأخبار المذكورة إلخ‏(2) أقول لا يخفى عليك أنه لما كان دليل الخصم مركبّا من مقدمتين‏أحدهما كون الأخبار مسوقة لبيان وجوب البناء على كون محتمل التحريم هو الموضوع المحلّل ثانيتهما وحدة الشك في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي‏فأراد الأستاذ العلامة إبطال دليله و إفساده بمنع كلتا المقدّمتين أمّا ما ذكره في منع المقدمة الأولى فمراده مما لا يحتاج إلى البيان إلا أن الإشكال في‏توجّه المنع إليها توضيح الإشكال أن القول بكون الأخبار مسوقة لبيان وجوب البناء على كون المشكوك هو الموضوع المحلّل يحتمل معنيين‏أحدهما أن يكون مسوقة للدلالة على وجوب البناء على كون المشكوك هو الموضوع المحلّل المفروض وجوده قطعا على سبيل الإجمال و كونه منطبقاعليه ثانيهما أن يكون مسوقة للدلالة على وجوب البناء على كون المشكوك هو الحلال واقعا و كونه موضوعا محلّلا في نفسه كذلك لا كونه الموضوع المحلل المفروض‏وجوده و الفرق بينهما غير مخفيّ على المتأمل إذا عرفت هذا فنقول إن أراد الخصم من قوله هو المعنى الأوّل ففساده و ورود ما ذكره دام ظله عليه غير خفيّ‏على ذي مسكة لكنّه لا يقول به قطعا و ليس بمراد له جزما كيف و لازمه تخصيص دلالة الأخبار بناء عليه بالشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي و إن أراد المعنى‏الثاني فلا إشكال في صحته لأنه معنى عدم الاعتناء باحتمال الحرمة كما لا يخفى و هو يكفي في إثبات دعواه على تقدير تمامية المقدّمة الثانية فإنه إذافرض وحدة الشك في الشبهة المحصورة فمن اللوازم العقلية للحكم بحلّيّة بعض أطرافها و البناء على كونه حلالا واقعا هو البناء على حرمة الآخر فهذا المعنى‏إنما يحصل من فرض وحدة الشك لا من جهة دلالة الأخبار عليه فتأمل و أما ما ذكره في منع المقدّمة الثانية فبيانه أن مقابل احتمال الحلّية في كل من‏المشتبهين في الشبهة المحصورة هو احتمال الحرمة فيه لا في صاحبه فكل منهما محتمل الحلّية و الحرمة فالشك موجود في كل منهما فبناء على تعميم الأخبارلصورة وجود العلم الإجمالي و جعل الغاية هو العلم التفصيلي لا بد من الحكم بحليّة كليهما و المفروض التسالم على عدم جوازه نعم حلية أحدهما في‏الواقع تلازم حرمة الآخر لمكان العلم الإجمالي لا أن مقابل احتمال الحليّة في أحدهما احتمال الحرمة في الآخر حتى يكون معنى إلغائه فيه إعمال احتمال الحرمةفي الآخر هذا فبيّن مما ذكرنا كلّه أن إذن الشارع في بعض أطراف الشبهة و إن لم يكن ممنوعا عقلا على الوجه الذي عرفته إلا أنه ما لم يرد الدليل القطعي به ولا الظني المعتبر يحكم العقل بوجوب الاحتياط و البناء على عدم الإذن فقد عرفت أن في أخبار البراءة ليس من الإذن عين و لا أثر فاللازم الحكم بوجوب‏الموافقة القطعيّة و عدم جواز الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة
نقل كلام الفاضل النراقي قدس سره‏
قوله و أما لما ذكره بعضهم إلى آخره‏(3) أقول لا يخفى عليك أن هذا البعض الفاضل النراقي‏في مناهجه فإنه قال في الجواب في توضيح الجواب الثالث عما استدلوا به ثانيا للقول بوجوب الاحتياط من أن المفروض وجود النجس أو الحرام القطعي فالحكم بطهارةالجميع و حليّة حكم بطهارة النجس و حليّة الحرام و بطهارة واحد و حليته ترجيح بلا مرجّح بعد ما أجاب عنه أوّلا بالمعارضة بوجود الحلال و الطاهر القطعيين‏أيضا و ثانيا و ثالثا بما يطول المقام بذكره ما هذا لفظه و التوضيح أنه منع الشارع عن استعمال الحرام المعلوم و جواز استعمال ما لم يعلم حرمته و المجموع‏من حيث المجموع معلوم الحرمة و لو باعتبار جزئه و كذا كل منهما بشرط الاجتماع مع الآخر فيجب اجتنابه و كل منهما بشرط الانفراد مجهول الحرمة فيكون حلالاو لا نرجّح أحدهما حتى يلزم الترجيح بلا مرجّح و لا المجموع حتى يلزم العلم باستعمال الحرام ثم قال فإن قيل الحرام المعلوم في كل منهما بشرط الاجتماع إمّا هوالمشروط أو الشرط أو مجموعهما و الكل باطل قلنا غير الثلاثة فإن هنا أمورا أربعة مجموع الشرط و المشروط و كل واحد منهما بعينه و أحدهما لا بعينه أي المجهول عندناو الحرام هو الأخير و نجاسته كل بشرط الاجتماع باشتماله على ذلك لا باعتبار نفسه و لا شرطه و إذا ترك واحد لم يشمل الباقي على الواحد لا بعينه من المجموع فلذايجوز استعماله انتهى ما أردنا نقله من كلامه و قد أطال الكلام في توضيح مرامه بإيراد أسئلة و أجوبة عنها لا ثمرة مهمّة في نقله و من أراد الوقوف عليه فليراجع إلى‏كتابه‏ قوله و الجواب عن ذلك إلخ‏(4) أقول قد عرفت ما هو المبنى للترديد من كون الغاية في الأخبار حصول العلم التفصيلي فتشمل المشتبهين جميعا
93
أو الأعمّ منه و من العلم الإجمالي فلا يشمل أحدهما
في استقلال العقل بوجوب الموافقة القطعيّة بعد ثبوت الاشتغال‏
قوله و إن أريد أن الممنوع عنه إلخ‏(1) أقول لا يخفى عليك بداهة استقلال العقل و حكم العقلاءقاطبة بوجوب تحصيل الموافقة القطعيّة بعد ثبوت اشتغال الذمة بالأمر المردد على ما عرفت تفصيل القول فيه بل أقول إن قضية ظاهر كلمات العلماءأيضا تسليم ذلك لأن الوجوب الذي حكم جماعة بنفيه في مقدّمة الواجب حتى بالنسبة إلى المقدّمة العمليّة على تقدير تسليم شمول كلامهم لها هو غير الوجوب‏المبحوث عنه في المقام لأن المدّعى في المقام هو الوجوب الإرشادي لا الغير التبعي و الفرق بينهما غير خفيّ على ذي مسكة فإن الأول من منشآت‏العقل و الثاني من منشآت الشرع و إن كان مدركه العقل على تقدير القول بوجوب المقدّمة و ثبوت الملازمة عند العقل بين طلب الشي‏ء و طلب مايتوقف عليه و لما كان وجوب تحصيل العلم من باب الإرشاد فلا يتعلّق بمقدّمته إلا الوجوب الإرشادي المبني على رفع الضرر المحتمل و لما كان الوجوب‏بهذا المعنى مسلّما عندهم لمطلق المقدّمة ضرورة حكم العقل بلزوم تحصيلها من جهة تحصيل الواجب قيل بخروج المقدّمة العلميّة عن محل النزاع و إلا فالتحقيق‏كما فصّلنا القول فيه في بحث الملازمة خروج مطلق المقدمة عن محلّ النزاع بهذا المعنى و بالجملة لا إشكال في أن النزاع في بحث المقدّمة في الوجوب الغيري‏التبعي لا الإرشادي الثابت في المقدّمة العمليّة حسبما فصّلنا القول فيه في محلّه هذا مع أنا لا نحتاج إلى اتفاق العلماء حتى بمنع ثبوته أو كشفه نظرا إلى كون‏النزاع في المسألة العقليّة لأن حكم العقل بالوجوب على سبيل الضرورة من باب وجوب دفع الضرر المحتمل يكفي مؤنته الاستدلال بغيره هذا كله ممّالا إشكال فيه إن شاء اللّه إنما الإشكال فيما ذكره دام ظله من منع حرمة المخالفة العمليّة التي تعلّق العلم بها بعد المخالفة فإنه كيف يجامع ما بنى عليه دام ظلّه‏في غير مورد من كلامه من استقلال العقل و حكم العقلاء قاطبة بقبح المخالفة القطعيّة و كونها مبغوضة عندهم مع قطع النظر عن حكمهم بوجوب‏الموافقة القطعيّة و لو حصلت تدريجا كارتكاب أحد الإناءين بعد ارتكاب الآخر و كلّما تأمّلت لم يظهر لي ما يدفع به الإشكال و التدافع بين كلاميه‏هذا كلّه بناء على ما ذكره و أمّا بناء على ما ذكرنا من التلازم في حكم العقل و العقلاء بين حرمة المخالفة القطعيّة و وجوب الموافقة القطعيّة بمعنى‏أنهم لو لم يحكموا في مورد من الموارد بالثاني من غير ما يمنع عنه من إذن الشارع و غيره لم يحكموا بالأوّل أيضا فلا إشكال في صحّة ما ذكره دام ظله من الإيراد على‏الوجهين فتدبّر قوله و مما ذكرنا يظهر فساد الوجه الثاني إلخ‏(2) أقول قد عرفت من كلام الفاضل المتقدّم ذكره أن حرمة المجموع ليس باعتبار نفسه و كذاحرمة كل بشرط الاجتماع ليس باعتبار شرطه بل باعتبار الحرام الواقعي الموجود فيهما المعيّن عند اللّه الغير المعيّن عندنا فلا يعقل أن يكون لوصف‏الاجتماع و انضمام الجزء الأخير عليّة في حرمة الجزء الحرام قطعا و إنما يكون له مدخل في حصول القطع بتحقق الحرام فإذا فرضنا عدم حكم العقل بقبح‏تحصيل العلم بتحقق الحرام فلا معنى للحكم بحرمة ما هو سببه كما لا يخفى فإثبات حرمته بدون إثبات حرمة تحصيل العلم بتحقق الحرام دونه خرط القتاد قوله أو بضميمة ما دل على المنع إلخ‏(3) أقول لا يخفى عليك ما في انضمام الضميمة المذكورة من حيث دلالتها على خلاف المدّعى و المقصود فإنّ المقصود في المقام‏إيقاع التعارض بين ما دل على جواز الارتكاب في الشبهة المحصورة و ما دل على المنع عن ارتكاب الحرام الواقعي حتى يجمع بينهما بحمل ما دل على الجواز على جوازارتكاب بعض الأطراف و الاجتناب عن الباقي من باب البدليّة إن كان له ظهور في ارتكاب الجميع و معلوم أن هذه الضميمة تدل على المنع لا على الجوازحتى يجعل منضمة إلى ما يكون المقصود منه الدلالة على الجواز اللهم إلا أن يقال إن الغرض من هذا الوجه الثاني الاستدلال بما دل على جواز ارتكاب بعض‏مصاديق الشبهة الغير المحصورة فإن كان ظاهرا في ارتكاب البعض و لم يكن ظاهرا في ارتكاب الكل فلا إشكال فإنه يحمل على البدليّة فلا ينافي ما دلّ على‏تحريم العنوان الواقعي على ما عرفت مرارا و إن كان ظاهرا في ارتكاب الجميع فلا بد من صرفه و حمله على إرادة بعض الأطراف نظرا إلى تقبيح العقل الإذن‏في الجميع من حيث كونه إذنا في المعصية و هذا هو المراد من دليل المنع لا ما يتوهّم منه من دليل تحريم العنوان الواقعي و بعد الصرف يحصل الجمع‏بينه و بين ما دلّ على تحريم العنوان الواقعي بجعل البعض الممنوع بدلا على ما عرفت فقوله على تقدير ظهوره في جواز تناول الكل لا بد أن يكون مذكوراقبل قوله على جواز تناول الشبهة أو مقصودا قبله كما أن المراد من الدلالة على الجواز في الجملة و لو بالنسبة إلى بعض الأطراف فعلى هذا لا يتوجّه‏على العبارة شي‏ء فتدبّر
تقريب الاستدلال بالخبر الواحد في الشبهة المحصورة
قوله فإن ظاهره نفي البأس إلخ‏(4) أقول لا يخفى عليك أن ما ذكره تقريب للاستدلال بالرواية و بيانه أن الرواية ليست‏بظاهره في جواز ارتكاب الجميع لأن السؤال لم يقع عنه و إنما وقع عن التصرّف فيه في الجملة بالحج و صلة الأقارب و ليس إطلاقها مقصودا و إنما هو واردمورد بيان الحكم الآخر و هو جواز الحج و الصدقة و سائر ما يتقرب به إلى الله عن المال الواقع عند الرّجل و معلوم أنها ليس في صدد بيان جواز ارتكاب‏الجميع فيدل الرواية حينئذ على جواز ارتكاب بعض أطراف الشبهة في الشبهة المحصورة في الجملة و بضميمة عدم القول بالفصل يثبت المدّعى و هو إطلاق الجواز كمالا يخفى هذا مع أنه لو سلّمنا ظهور الرواية في جواز ارتكاب الجميع يصرف عنه بملاحظة استقلال العقل في حكمه بقبح الإذن في المخالفة القطعيّة من حيث‏كونه إذنا في معصية النهي الواقعي الذي فرض العلم بوجود متعلّقه بين المشتبهين بل يحكم العقل بوجوب الاحتياط و عدم جواز إذن الشارع على خلافه‏بمعنى تجويز بعض الأطراف إلا على وجه البدليّة على ما أفاده شيخنا دام ظلّه في مبنى صحّة إذن الشارع و بعد الصرف يحصل التوفيق بينهما و بين ما دل على تحريم‏
94
العنوان الواقعي فيحمل على إرادة الإذن في البعض مع جعل الاجتناب عن الآخر بدلا عن إطاعة النهي الواقعي هذا على ما أفاده من المبنى في هذا الجزء من‏الكتاب لإذن الشارع في ارتكاب بعض الأطراف و أمّا على ما بينا الأمر عليه تبعا لما أفاده في الجزء الأول من الكتاب فلا يجعل الصارف إلا حكم العقل بقبح الإذن‏في المخالفة القطعيّة كما هو ظاهر و المراد من الموصول في قوله صرف عنه بما دل ليس نفس دليل الحرام بل ما ورد في الشرع و حكم به العقل من وجوب الاجتناب عن‏الحرام الواقعي و الانتهاء عنه فيرجع إلى ما ذكرنا في شرح المقام و إن كان تحريره بما عرفت أولى مما حرّره به كما لا يخفى‏
تقريب الجواب عن الخبر المتقدّم‏
قوله و الجواب عن هذا الخبر أن ظاهره إلخ‏(1) أقول لا يخفى عليك أن حاصل ما ذكره دام ظله يرجع إلى أن الخبر و إن سلم أنه لا إطلاق له بالنسبة إلى الحج و الصدقة و صلة الأقارب بجميع المال المختلطإلاّ أن التصرّف في بعضه بالتصرّفات المذكورة مع حبس الباقي أيضا تصرّف في جميع المال المختلط فيلزم منه التصرّف على سبيل القطع في مال الغير المحرّم و القول بأنّ‏الرواية مسوقة لبيان جواز التصرّف التقلّبي لا الحبسي و إن كان هو من لوازم الأول ممّا لا يصغى إليه قطعا فعلى هذا لا وجه لمنع ظهور الرواية في جواز التصرّف في‏الجميع فحينئذ ننقل الكلام فيما ذكره المستدل على تقدير تسليم ظهور الرواية في جواز التصرّف في الجميع من حمله على إرادة التصرّف في البعض جمعا بينه و بين ما دلّ‏على عدم جواز الإذن من الشارع في المعصية و نقول إن وجه الجمع غير منحصر فيما ذكره المستدل مع استلزامه للتصرّف في ظاهر الخبر لأن هنا وجه آخر يمكن‏التوفيق بينهما بسببه و هو أن يحمل الحرام المجهول في الفرض على ما يعذر الجاهل فيه كالربا بناء على ما يستفاد من الروايات الكثيرة من حليّة الربا الذي أخذجهلا ثمّ لا يعرف عينه في المال المخلوط و هذا الذي ذكرنا إن لم يكن أظهر من الوجه الذي ذكره الخصم فلا أقل من مساواته له فيسقط الرواية عن الاستدلال بهاهذا ملخّص ما يستفاد من كلامه دام ظله ثم إن كلامه أخيرا و هو قوله ليس بأولى من حمل الحرام على حرام خاصّ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المحمول عليه نفس‏الربا ثانيهما أن يكون حراما آخر يعذر فيه الجاهل كما يعذر في الربا و على كل تقدير لا بد أن يجعل ما دل على المعذورية كاشفا عن أخذ العلم التفصيلي مأخوذافي موضوع الحرمة واقعا بمعنى أن يكون معروض الحرمة الربا المعلوم تفصيلا مثلا فما لم يعلم تفصيلا يكون حلالا واقعا فيكون إطلاق العذر حينئذ من باب التسامح‏كما لا يخفى و إلا فلا معنى للعمل بهذه الروايات بل لا بد من طرحها لما عرفت مرارا من تقبيح العقل الإذن من الشارع في مخالفة الحرام الذي تعلّق العلم به و لوإجمالا و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه عند دوي الأفهام المستقيمة
في سائر ما يتوجّه على التقريب المتقدّم غير ما ذكره المصنف قده‏
ثم إن هاهنا كلاما آخر على ما ذكره المستدل بالرواية بالتقريب المتقدّم لم يتعرّض‏له الأستاذ العلامة دام ظله من جهة وضوح فساده و هو أنه إذا فرض كون الرواية مخالفة بحسب ظاهرها لحكم العقل فأيّ دليل على وجوب الجمع المستلزم‏لطرح ظهورها فليحكم بطرحها و أنت خبير بأن هذا الكلام في غاية الضعف و السقوط أمّا أوّلا فلأنه لا يجعل طرح ظهور الرواية مانعا عن الأخذ بسندهاحيث إن اعتبار الظهور متفرّع على الأخذ بالسند فلا يعقل أن يعارض أدلة الأخذ بالظهور أدلة وجوب الأخذ بالسند و هذا مع كمال وضوحه بحيث‏لا يكاد يخفى على جاهل فضلا عن عالم يأتي شرح القول فيه في الجزء الرابع من الكتاب و التعليقة إن شاء اللّه تعالى و أمّا ثانيا فلأن طرح الظهور إذا كان بقرينةكاشفة عن إرادة خلاف الظاهر كما هو في مفروض البحث مما لا غبار فيه و إلا لزم سدّ باب المجازات كما لا يخفى و من هنا قد يقال بترجيح هذا الوجه من‏الجمع على الوجه الذي ذكره الأستاذ العلاّمة من حيث استلزامه للتخصيص أو للتقييد و في مقام دوران الأمر بينها و بين غيرهما من أقسام ارتكاب خلاف الظّاهرلا خلاف في تقديمهما لكنك خبير بفساد هذا الكلام لأن الوجه الذي ذكره الأستاذ العلامة إما لا يستلزم خلاف ظاهر أصلا بناء على عدم إطلاق في الرواية بالنسبةإلى جميع أقسام المحرّمات أو يستلزم التقييد في إطلاقها بناء على ثبوت الإطلاق فعلى الأول لا إشكال في ترجيحه و كذلك على الثاني على أحد التقديرين و على تقدير التسويةيسقط الرواية عن الاستدلال أيضا قوله و الشبهة الغير المحصورة إلخ‏(2) أقول لا يخفى عليك أن هذا الكلام إنما هو على تقدير القول بجواز ارتكاب جميع‏أطراف الشبهة الغير المحصورة و إلا كما عليه الأستاذ العلامة حسبما تقف عليه فيكون حالها كحال الشبهة المحصورة إن بني على استفادة جواز ارتكاب غير الحرام فيهامن الخبر قوله بل متعذّر(3) أقول الوجه فيه استلزامه لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى مع أن مفهوم واحد لا بعينه ليس فردا مع قطع النظر عن المشتبهين بل هومفهوم منتزع عنهما فلا بدّ من حمله على الشبهة المجرّدة و نحوها مما لا يكون الحرام الواقعي فيه مما كلف به فعلا على كلّ تقدير قوله و من ذلك يعلم حال ما ورد في‏الربا إلخ‏(4) أقول و منه يعلم فساد تمسّك بعض من قارب عصرنا بما ورد في الربا على جواز ارتكاب غير مقدار الحرام في الشبهة المحصورة قوله و هي وجوب‏دفع الضرر المقطوع به‏(5) أقول لا يخفى عليك أن مرجع الضمير المؤنث هي القاعدة العقليّة و المراد بنشوها عما دلّ على تحريم العنوان الواقعي الموجود بالفرض بين‏المشتبهين صيرورته سببا لتحقق متعلّق حكمه و هذا مما لا إشكال فيه و إنما الإشكال فيما ذكره دام ظله من قوله المتوقفة على الاجتناب عن كلا المشتبهين حيث إنّ‏المتوقّف على الاجتناب عن كلا المشتبهين ليس نفس وجوب الدفع و وجوب الإطاعة و لا نفس الدفع و الإطاعة الواقعيين بل المتوقف عليه العلم بحصول متعلّق الوجوبين‏كما لا يخفى و هذا هو المراد قطعا لكنه دام ظلّه قد تسامح في التعبير عنه نعم يمكن أن يقال إن تحقّق نفس الإطاعة موقوف على الإتيان بجميع المحتملات لكن هذا يتم فيمايعتبر في تحققه الإطاعة كالواجب و الحرام التعبّديّين و أما في التوصّلي فلا هذا مع أن المدرك في وجوب الاحتياط هو حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل لا ما ذكره‏دام ظله و دفع الضرر المحتمل بنفسه موقوف على الاجتناب عن الجميع كما لا يخفى ثم إنه لا يخفى عليك أن عدم جواز الخروج عن القاعدة العقليّة بهذه الأخبار ليس من جهة
95
عدم جواز الخروج عن القاعدة العقليّة بالخبر لما عرفت من أن الإذن الوارد من الشارع يرفع‏صغرى حكم العقل بوجوب الدفع بل من جهة عدم دلالة تلك الأخبار و ظهورها في ارتكاب البعض و لو من جهة إجمالها و عبارة الكتاب و إن لم يخل عن شي‏ء لكن لا بدّمن حملها على ما ذكرنا في بيان المراد
في ذكر الأخبار الظاهرة في عدم جواز الارتكاب في الشبهة المحصورة
قوله و المرسل المتقدّم اتركوا إلخ‏(1) أقول لا يخفى عليك أن الاستدلال بالمرسل مبني على كون الأمر للوجوب كماهو الظاهر لا للطلب الراجح المشترك بينه و بين الاستحباب كما تقدّم في أخبار التوقف و الاحتياط قوله و حيث إن دفع العقاب المحتمل إلى آخره‏(2) أقول لا يخفى عليك أن‏هذا ليس استدلالا بحديث التثليث بل هو استدلال بحكم العقل ليس إلا كما هو ظاهر كلامه هنا و قد تقدّم أيضا عند الجواب عن استدلال الأخباري أن مفاده هوالطلب القدر المشترك بين الوجوب و الاستحباب و كلما يحكم بخصوص الوجوب و الاستحباب فإنما هو من جهة إحراز الهلكة المقتضية لهما فلا بد أن يكون من دليل‏آخر فذكر هذا الخبر في المقام مما لا جدوى فيه أصلا كما لا يخفى حيث إنه لا ينفع في إحراز الموضوع و لا في حكمه بعد إحرازه من الخارج و الحاصل أن حاصل هذاالاستدلال يرجع إلى التمسّك بنفس القاعدة العقليّة لا إلى ما يعاضدها
في الإشكالات الواردة على الاستدلال بحديث التثليث في المقام‏
قوله و فائدة الاستدلال إلخ‏(3) أقول الظاهر أن مراده من الخبر هو الجنس حتى يشمل‏جميع ما تقدم من الأخبار لا خصوص حديث التثليث حتى يكون للعهد و هذا الذي ذكرنا و إن كان خلاف ظاهر كلامه في بادي النظر إلا أنه بعد التأمّل فيه صدرا وذيلا و هو قوله بالنبويين يظهر أنه المراد ليس إلاّ هذا و لا يخفى عليك أن فيما ذكره إشكالات لا محيص عنها أحدها أنه كيف حكم بوقوع التعارض بين حديث التثليث و مادلّ على البدليّة مع أن حديث التثليث على فرض دلالته نظير حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل و ما دل على البدليّة رافع لاحتمال الضرر فهو وارد على حديث التثليث‏لا معارض له ثانيها أنه كيف حكم بحكومة ما دل على البدليّة على ما دل على الاجتناب عن عنوان المحرّم الواقعي فإنه إن أراد منه دليل تحريمه ففيه أنه لا يدلّ على وجوب‏الاحتياط حتى يصير دليل البدليّة حاكما عليه و إن أريد منه حكم العقل بوجوب الاحتياط من جهة دفع الضرر المحتمل على أبعد الاحتمالات ففيه أن دليل الإذن والبدليّة وارد عليه ضرورة عدم تصوير الحكومة بالنسبة إلى الأحكام العقليّة و إن أريد منه دليل تحريم العنوان الواقعي بملاحظة حكم العقل المذكور ففيه أنه لا يتصوّرالحكومة أيضا كما هو الظاهر اللّهم إلا أن يتسامح في الدلالة فإنه لو لا الدليل الدّال على تحريم العنوان الواقعي لم يحكم العقل بوجوب الاحتياط أو في لفظ الحكومة على‏أبعد الاحتمالين بجعل المراد منها الأعم من الورود هذا كلّه مضافا إلى ما في جعل دليل الإذن و التخيير حاكما على دليل تحريم العنوان الواقعي مع أنه ليس في مرتبته‏ضرورة استحالة ذلك و إن كان يوهمه ما أفاده في المقام و في الجزء الأول من الكتاب و قد مضى شطر من الكلام عليه في الجزء الأول من التعليقة فراجع إليه ثمّ‏هذا كله على تقدير تسليم ما أفاده من دلالة دليل جواز الارتكاب في الجملة على البدليّة و إلاّ فما أفاده ساقط من جهة أخرى أيضا و إن كانت الثمرة بين ما أفاده من البدليّةو ما ذكرنا ظاهرة فإنه يترتّب على البدلية الظاهريّة جميع آثار الحرام و النجس لو كان هو المعلوم بالإجمال في مرحلة الظاهر فيحكم بتنجّس ملاقي المتروك و على ما ذكرنايحكم بوجوب الاجتناب عن الباقي من حيث كونه من أطراف العلم الإجمالي و من باب الاحتياط فلا يترتّب عليه آثار الحرام و لا النجس و هذا و إن كان لازم ما أفاده إلاّأن التزامه به في غاية الإشكال اللّهمّ إلا أن يكون مراده من البدلية مجرد القيام مقام الحرام الواقعي في وجوب الاجتناب فتدبّر ثالثها أنه كيف حكم‏بأن مثل حديث التثليث مخصّص لما دلّ على البدليّة أو معارض له مع عدم استقامته بظاهره فإنه إن كان المراد من دليل البدليّة الأخبار العامّة الدالّة على‏حلّيّة المشتبه بالتقريب الذي تقدّم من مدّعي الدلالة مثل قوله كل شي‏ء لك حلال الحديث ففيه أنه معارض لحديث التثليث و نحوه بالتعارض التبايني على تقديرشمولهما للشبهة الحكمية و الموضوعيّة و تسليم دلالة حديث التثليث على وجوب الاحتياط لا على الطلب القدر المشترك كما هو محصّل ما أفاده في المقام و كذاعلى تقدير اختصاصهما بالشبهة الموضوعيّة و دلالتهما على صورة العلم الإجمالي كما هو المفروض و أخصّ مطلقا من حديث التثليث و نحوه على تقدير اختصاصه بالشبهةالموضوعيّة كما هو ظاهر بعض أخبارها على ما عرفت الكلام فيه في محلّه فالإضراب من المعارضة إلى التخصيص لا معنى له إلا على تقدير تخصيص حديث التثليث بالشبهات‏الموضوعية و تعميم دليل الحلّيّة للشبهة الحكميّة و هما كما ترى اللّهمّ إلا أن يراد بتيقّن إرادة الشبهة الموضوعيّة المقرونة بالعلم الإجمالي من حديث التّثليث و نحوه فيكون‏بمنزلة الخاص المطلق فتدبر نعم يستقيم ما أفاده على هذا التقدير بالنسبة إلى غير حديث التثليث المختصّ بصورة العلم الإجمالي ممّا ذكره من الأخبار و إن كان‏الأخبار الخاصّة الواردة في خصوص الشبهة المحصورة مثل ما ورد في باب الربا و نحوه فلا إشكال في كونه أخصّ مطلقا من حديث التّثليث اللهم إلا أن يقال بأنّ‏تخصيصه بالأخبار الخاصّة يوجب حمله على الشبهة الابتدائية بملاحظة عدم الفرق في حكم أفراد الشبهة المحصورة و هو كما ترى و من هنا ذكرنا كون إرادة الشبهةالمحصورة متيقنة من الحديث فتخصيصه توجب طرحه رأسا أو حمله على مطلق الطلب لكنّه على هذه الملاحظة أيضا لا يكون الحديث أخصّ مطلقا من الأخبار الخاصّة غايةالأمر التباين بينهما كما لا يخفى هذا كله بالنسبة إلى حديث التثليث‏و أما بالنسبة إلى النبويّين على تقدير إرادة المرسل و ما قبله منهما كما هو الظاهر إذ لا يناسب‏إرادة غيرهما فلا إشكال في كون الأخبار الواردة في الموارد الخاصّة أخصّ مطلقا منهما مع قطع النظر عن الخارج فإنهما و إن كانا واردين في الشبهة المقرونة بالعلم‏الإجمالي إلا أنهما عامان لمطلق الشبهة المقرونة بالعلم من غير اختصاص بمورد خاص و تلك الأخبار وردت في موارد خاصّة فيكون أخصّ منهما و أما بملاحظة الخارج‏و هو عدم التفصيل في حكم أفراد الشبهة المحصورة فتنقلب نسبة العموم و الخصوص إلى التباين فالأخبار الخاصة أخصّ مطلقا من حديث التثليث و النبويّين على تقدير
96
و مباينة لها على تقدير آخر فالحكم بأخصيّة العكس لا يستقيم على كل تقدير و أما بالنسبة إلى رواية ضريس فلا نسبة بينهما لاختصاص كل بمورد غير مورد الآخر فلاتعارض بينهما حتى يلاحظ النسبة اللهم إلا أن يلاحظ عدم الفصل فيقع التعارض بينهما على وجه التباين كما لا يخفى و منه يظهر نسبتها مع رواية ابن سنان‏و أنه لا تعارض بينهما أصلا إلاّ بملاحظة عدم القول بالفصل فيقع التعارض على وجه التباين أيضا فافهم‏ قوله و لكن الإنصاف عدم بلوغ ذلك حدّايمكن استفادة الحكم منه مستقلا إلخ‏(1) أقول الوجه فيما أفاده أن الاستقراء التام غير حاصل كما هو ظاهر و النّاقص غير مفيد جزما لعدم رجوعه إلى‏الظن اللّفظي على تقدير تسليم الاستقراء إلا على القول بحجيّة الظن المطلق نظرا إلى رجوع الظن إلى الظنّ بالحكم الشرعي الكلي الظاهري نعم لو حصل من مجموع ماورد في الباب بانضمام بعضها مع بعض من جهة تراكم الاحتمالات المستندة إلى اللفظ الظن بالحكم دخل في الظنّ اللفظي لكنّه محلّ تأمّل عند شيخنا الأستاذ العلامةفلم يبق إلا انضمام عدم القول بالفصل إليها و لعلّه المراد من التقييد بالاستقلال في كلامه فيمكن استفادة الحكم منها بضميمة الإجماع المركب لو كان موجودا إلاّأنه ليس من الاستفادة مستقلاّ كما لا يخفى‏
في الأخبار الواردة في الشبهة المحصورة التي يستأنس بها حكم المقام‏
قوله منها ما ورد في المائين المشتبهين إلخ‏(2) أقول و هو الموثق عن رجل معه إناء أن فيهما ماء وقع في أحدهما قدر لايدري أيّهما هو و ليس يقدر على ماء غيره قال يهريقهما و يتمّم و دلالته على الاحتياط بترك الوضوء عن الإناءين ظاهر و لكنه لا يخفى عليك أن دلالته على المدّعى مبني‏على تحريم استعمال النجس بالمعنى الأعمّ من المتنجس ذاتا توضيح ذلك أنه لا يخلو إما أن نقول بكون حرمة التطهير بالماء النجس ذاتيّا كالتطهير بالماء المغصوب كما نسبه في‏الكتاب في هذا المقام إلى الأصحاب و إن خالف ظاهر ما تقدّم منه بل صريحه في دوران الأمر بين الوجوب و التحريم من مسائل الشك في التكليف فحينئذ لا إشكال في أن الحكم‏بترك الوضوء عنهما موافق للاحتياط المقصود في الشبهة المحصورة و إمّا أن نقول بكون حرمة التطهير بالماء النجس تشريعيّا كالتطهير بالماء المضاف فحينئذ لا إشكال‏في أن مقتضى القاعدة بناء على وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة هو الوضوء عنهما كما حكموا به من غير خلاف بينهم في المضاف المشتبه بالمطلق ضرورة ارتفاع‏التشريع موضوعا بالاحتياط فلا وجه لإلقاء الأمر بالوضوء و حينئذ يكون الأمر بترك الوضوء عنهما من باب محض التعبد على خلاف القاعدة في الشبهة المحصورةحسبما اعترف به الأستاذ العلاّمة سابقا في ردّ التمسّك بالاستقراء في تقديم جانب احتمال التحريم على احتمال الوجوب فلا يمكن حينئذ الاستدلال به على المدعى نعم هنا إشكال‏على هذا التقدير في الرواية و هو أنه كيف جوز هنا المخالفة القطعيّة للأمر بالوضوء بالماء الطاهر مع أنه مما يحكم به العقل بقبحه حسبما عرفت تفصيل القول‏فيه هذا و يمكن دفعه بكشفه عن عدم الأمر بالوضوء واقعا في المقام من جهة تقديم الطهارة الخبيثة لوجود البدل للوضوء و الجمع بين الوضوء بأحدهما والتيمّم لا يحصل إلاّ احتمال التطهير بالماء و هو معارض باحتمال نجاسته البدن من الوضوء به و بالجملة العلم التفصيلي مأخوذ في موضوع الأمر بالوضوء بالماءالطاهر فليس في صورة الاشتباه أمر واقعي بالوضوء حتى يكون ترك الوضوء بالمائين مخالفة قطعيّة له هذا و قد يقال بملاحظة ما ذكرنا في مقام التوجيه كون الحكم‏بترك الوضوء عن المائين موافقا للقاعدة على تقدير الحرمة التشريعيّة نعم مقتضى القاعدة وجوب رفع النجاسة بهما على التعاقب لو فرض انحصار الماء بهما لأنّ‏استصحاب الطهارة مثبت للطهارة ظاهرا فتأمل و العجب من صاحب الحدائق أنه كيف تمسّك بالاستقراء بالمقام مع كونه أخباريّا مع كونه داخلا تحت عنوان القياس عندبعض المجتهدين لعدم استقامة إرادة الاستقراء التام في المقام على ما عرفت ثمّ إنّ ما ذكره من الخصوصيّة الظاهر أنه لا يخلو عن إشكال أيضا لأن الظاهر أن الحكم المذكورليس اتفاقيا بينهم كما يعلم من الرجوع إلى كلماتهم‏ قوله و منها ما ورد في الصلاة إلخ‏(3) أقول هذا المثال و إن لم يكن من أمثلة الفرض لأن الكلام في الشبهةالتحريميّة لا الوجوبيّة إلا أن المناط في المقامين واحد كما لا يخفى‏ قوله و منها ما ورد في وجوب إلخ‏(4) أقول لا يخفى عليك أن هذا الخبر أوضح دلالة من جميع‏هذه الأخبار بل يمكن استفادة الحكم منه كلية بملاحظة التعليل و إن كان لا يخلو من إشكال من حيث احتمال الاختصاص بخصوص الطهارة فتدبّر قوله و منهاما دلّ على بيع الذبائح إلخ‏(5) أقول قد يورد عليه بأنه تدل على خلاف المدّعى حيث إنه يدل على جواز التصرّف في بعض أطراف الشبهة فلو سلّم أن قضيّة بيع خصوص‏المذكى يرفع الحرمة في المقام لم يكن له دلالة على أحد المذهبين هذا و لكنك خبير بفساد هذا الإيراد لأن المقصود هو بيع مجموع الذبائح من أهل الكتاب مع جعل‏الثمن بإزاء خصوص المذكّى منها أو هو مع ما لا تحلّه الحياة من الميتة هذا معنى قصد المذكى فلا وجه للإيراد المذكور أصلا نعم هنا شي‏ء آخر و هو أن يقال‏إن الرواية لا دلالة لها على أحد المذهبين و لا تنافيهما اللهم إلا أن يوجّه ما ذكر على وجه يكون له المفهوم و هو لا يخلو عن تأمّل فتأمل‏
في الاستئناس بما ورد في القرعة
قوله و قد يستأنس له إلخ‏(6) أقول وجه الاستئناس من دلالته على وجوب الاحتياط عن جميع الغنم قبل القرعة على ما يظهر من كلامه دام ظله بعد هذا و لكن لا يخفى عليك أن الاستئناس بهذا المعنى‏موجود لقول الخصم أيضا لأنه يدلّ على جواز الارتكاب في الجملة فالحق أنه لا دخل له بأحد القولين‏ قوله لكنه لا تنهض لإثبات إلخ‏(7) أقول لا يخفى عليك أنه أراد دام ظله‏بذلك الردّ على من ذهب إلى القرعة من جهة هذا الخبر و هو لا يخلو عن تأمّل لأن الأصل في المقام ليس إلا أصالة الاحتياط المبنيّة على وجوب دفع الضرر المحتمل الذي‏يستقل به العقل و بعد ورود الخبر لا يبقى احتمال الضرر و ليس هذا الأصل من القواعد التي لا يجوز الخروج عنها بمجرد ورود خبر على خلافها من جهة إبائها عن التخصيص‏و لو استند دام ظله في عدم النهوض بعدم اعتباره من جهة إعراض المشهور عنه لكان أولى و لعلّه المراد من كلامه دام ظله بأن يجعل المشار إليه الخبر من حيث وصف‏إعراض المشهور عنه فتأمل و مما ذكرنا كله يظهر الكلام في التمسّك للقول بالقرعة بعموماتها الواردة في كل مجهول و مشتبه حيث إنها و إن كانت واردة على أصالة الاحتياط
97
على ما عرفت بها على تقدير العمل بها إلا أنها من جهة كثرة ورود التخصيص عليها لا يعمل بها من دون جبر و هاهنا الحاصل بكثرة الخارج بعمل جمع من الأصحاب‏في الموارد الشخصيّة و المفروض أن المشهور قد تركوا العمل بها في المقام و أعرضوا عنها فكيف يتمسّك بها بل قد عرفت قدح إعراضهم في الرواية الخاصّة فكيف‏بالعمومات الموهونة فافهم‏ قوله و لكن الإنصاف أن الرواية إلخ‏(1) أقول لا يخفى عليك الوجه فيما ذكره فإنه بناء على حمل القرعة على الاستحباب تدلّ‏الرواية على جواز الارتكاب من دون القرعة أيضا مع إبقاء مقدار الحرام أولا معه و لكن يحمل عليه جمعا بينه و بين ما دلّ على عدم الإذن في المخالفة القطعيّة للحرام الواقعي‏و من المعلوم أنه لا قول بالفصل في جواز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام بين مورد الرواية و غيره نعم بناء على حملها على الوجوب لا يدلّ على أحد المذهبين‏حسبما عرفت القول فيه فعلى فرض الأخذ بالرواية سندا مع حمل القرعة فيها على الاستحباب لا بد من القول بدلالته على مطلب الخصم و أما على مذهب المشهورمن وجوب الاحتياط كليّة فلا بد من طرح الرواية أو العمل بها في خصوص موردها و الله العالم هذا بحمل القول في أصل المسألة و قد عرفت ما يجب سلوكه‏فيها و هاهنا وجوه أخر مذكورة في كتب الأصحاب تمسّكوا بها لوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة و إنما أعرضنا عن ذكرها لضعفها
تنبيهات في الشبهة المحصورة
في نقل كلام صاحب المدارك و صاحب الحدائق فيما يتعلق بالشبهة المحصورة
قوله فإنه ذكر كلام صاحب‏المدارك إلخ‏(2) أقول أي ذكر كلاما لصاحب المدارك الذي ذكره في مقام تأييد ما قوّاه و ذهب إليه من عدم وجوب الاحتياط عن المشتبهين‏ قوله و فيه بعدمنع كون إلخ‏(3) أقول لا يخفى عليك أنه يرد عليه أيضا أن ما ذكره الأصحاب من الفرض لا يلزم أن يكون من باب الشبهة الغير المحصورة بل يعمّها و المحصورة فتدبّر ثم إن الوجه في حكمهم بعدم وجوب الاحتياط في الفرض و أمثاله مثل ما ذكره الأستاذ العلامة من فرض العلم بوقوع النجاسة إما في الإناء أو في ظهره مع‏أن بناءهم على وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة مطلقا سواء كان المشتبهان مندرجين تحت حقيقة واحدة أو حقيقتين كما هو واضح لمن راجع إلى كلماتهم هوما سيتلى عليك من أن الشرط في إيجاب العلم الإجمالي وجوب الاحتياط هو كون جميع أطرافه محلاّ للابتلاء فلو خرج بعضها عن محل الابتلاء لم يؤثر العلم المذكورفي إيجاب الاحتياط بل يكون حاله حال الشك الابتدائي في كون الحكم فيه الرجوع إلى البراءة و كلامهم في بادي النظر و إن كان مطلقا إلا أنه يعلم بعد التأمل التّام‏أن مرادهم ما ذكرنا لا الإطلاق و ستقف على ما ذكرنا من التوجيه في كلام الأستاذ العلامة أيضا قوله كما يدلّ عليه تأويلهم بصحيحة إلخ‏(4) أقول و هي ما عن رجل‏امتخط فصار الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح الوضوء منه فقال إن لم يكن شي‏ء يستبين في الماء فلا بأس الحديث و استدل به الشيخ على عدم تنجيس مالا يدركه الطرف من النجاسة مطلقا كما عن ط أو خصوص الدم كما عن الإستبصار و أجاب المشهور عنه بأن المراد من عدم الاستبانة في الماء هو عدم العلم بإصابته بالماءلا عدم إدراك الطرف له مع القطع بوصوله و في السؤال إنما فرض إصابته الدم بالإناء و هي أعم من إصابته بمائه فلا تدل على المدّعى‏ قوله أمّا أوّلا فلعموم الأدلّةالمذكورة إلخ‏(5) أقول قد عرفت مرارا أن الدليل على وجوب الاجتناب عن المشتبهين إنما هو حكم العقل بعد فرض شمول الخطاب الواقعي لا نفس الخطاب الموجودفي الأدلّة و لكن يمكن إرجاع ما أفاده إلى ما ذكرنا قوله و أما ثانيا فإنه لا ضابطة إلخ‏(6) أقول يمكن أن يقال إن الضابط عنده هو اشتراكهما في عنوان قريب وصدقه عليهما كالإناء في الإناءين و الماء في المائين و الثوب في الثوبين و الأرض في قطعتين منها إلى غير ذلك ثم قد يقال علي ما ذكره دام ظله ثانيا بأن مجرد عدم وجودالضابط التميّز به الأفراد المشكوكة لا يقدح في أصل التفصيل الذي ذكره على فرض دلالة دليل عليه فليؤخذ بمقتضاه فيما هو متّضح الفرديّة و يرجع في المشكوك إلى‏الأصول و القواعد فتدبّر قوله و الأقوى أن المخالفة القطعيّة إلى آخره‏(7) أقول قد أسمعناك سابقا أن الظاهر من جماعة من متأخر الأصحاب منهم بعض أفاضل من عاصرناه‏هو التفصيل في الشبهة المحصورة بين كون الخطاب المعلوم وجود متعلّقه بين الشيئين أو الأشياء المحصورة مفصّلا أو مردّدا بين الخطابين فحكموا بوجوب‏الاجتناب عن جميع أطراف الشبهة في الأول و جوزوا المخالفة القطعيّة في الثاني تمسّكا بأن حسن المؤاخذة إنما هو فيما توجه خطاب تفصيلي إلى العبد من المولى و لوكان متعلّقه مرددا بين الشيئين مثلا و أمّا لو لم يوجد ذلك فلا فإذا شرب ما يعين يعلم بأن أحدهما إمّا نجس أو مال الغير كان معذورا لأنه لم يعلم بتوجّه خطاب النجس‏إليه حتّى يبنى على امتثاله و لا يتوجّه خطاب حرمة التصرّف في مال الغير إليه حتى يبنى على امتثاله فالعقاب على ما صادف منهما الواقع عقاب على أمر مجهول فيرجع إلى العقاب من غير بيان الذي يستقل العقل بقبحه فإن قلت إذا علم بحرمة أحد الشيئين و لو باعتبار العلم بتعلّق أحد الخطابين به فقد علم بوجوب الاجتناب عنه من قبل الشارع تفصيلا فالخطاب المعلوم أولا و إن لم يكن خطاباتفصيليّا إلاّ أنه ينتقل منه إلى خطاب تفصيليّ قلت نمنع الانتقال منه إلى خطاب تفصيلي خاطب به الشارع و إنما ينتزع من الخطاب المردد خطاب تفصيلي‏فلا عبرة به قطعا هذا و لكن قد عرفت فيما تقدّم أن ما حققه الأستاذ العلامة هو الحق الذي يتعيّن المصير إليه و الحكم به لأن الحاكم في مسألة قبح العقاب في صورةالجهل و حسنه في صورة العلم و لو إجمالا إنما هو العقل و بناء العقلاء الكاشف عنه و لا ريب عند من راجع الوجدان كون العقل مستقلا في الحكم بحسن‏العقاب في صورة العلم بتعلّق خطاب بالمكلف و لو كان مردّدا بين الخطابين سواء كانا من جنس واحد أو من جنسين كالوجوب و التحريم بل قد عرفت في طيّ كلماتناالسابقة في الشك في التكليف حكم العقل بحسن العقاب في بعض صور الشكّ في التكليف أيضا كما في البناء على البراءة قبل الفحص في الشبهة الحكمية فكيف فيماكان هنا علم بالخطاب و يدلّك على ما ذكرنا و يوضح لك الأمر ما ذكره دام ظله من فرض وحدة متعلّق الخطاب المردد فإن لازم المفصل أن يقول بجواز الرجوع‏إلى البراءة فيه أيضا لجريان ما ذكره في الشبهة المحصورة بعينه في الفرض أيضا كما لا يخفى حيث إن القادح في وجوب الاحتياط عنده و المجوّز للرجوع إلى البراءة فيما
98
جوّزه هو نفس تردّد الخطاب من غير مدخليّة تردّد المتعلق مع أن بداهة العقل يحكم بعدم جواز ارتكاب المانع المردّد بين النجس و مال الغير مثلا و الحاصل أنّ‏تردّد المتعلق غير مؤثر عند المفصّل في تنجز الخطاب و لهذا حكم بوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة في الجملة و إنما المانع عنده تردد الخطاب فلا فرق‏فيه بين تردّد متعلّق الخطاب المردّد و عدم تردّده كما هو واضح و مما يدلّك على ما ذكرنا هو ما ذكره دام ظله بقوله و الحاصل أن النواهي الشرعيّة إلى آخره و حاصله‏يرجع إلى أن الوجه في عدم جواز تجويز الشارع لارتكاب الشبهة في صورة العلم الإجمالي بالحرام هو لزوم الإذن في معصية النهي أو التناقض في جعله‏و هو بعينه موجود في صورة تردّد الخطاب لأن العلم بوجود متعلّق أحد الخطابين المشتبهين يكون الإذن في ارتكابهما إذنا في ارتكاب ما نهي عنه‏قطعا و هذا معنى كون النواهي الشرعيّة بعد الاطلاع عليها بمنزلة نهي واحد هذا و لكن لا يخفى عليك أنه يمكن إرجاع هذا إلى ما ذكرنا أوّلا في تقرير دليل‏حكم العقل كما يعلم من الرجوع إليه و التدبر فيه‏ قوله و بالجملة فالظاهر إلى آخره‏(1) أقول ما ذكره لا يخفى وضوحه على من له أدنى تدبّر إذ بعد فرض كون العلم‏على الوجه المذكور منجّزا للخطاب المردّد لزم احتمال الضرر في كل من المشتبهين لاحتمال وجود متعلّقه و قد عرفت أنّ المناط في حكم العقل بوجوب الاحتياطو تحصيل الموافقة القطعية ليس إلاّ احتمال الضرر الأخروي في فعل المشتبه و هو لازم قضية تنجّز الخطاب كما لا يخفى فلا تفكيك في المقام بين حرمة المخالفة القطعيّة و وجوب الموافقة القطعية بل‏قد عرفت في غير مورد من كلماتنا السابقة أنه لا تفكيك بينهما بالنظر إلى حكم العقل في جميع الموارد و أنه لا ينافي عدم التفكيك بينهما في حكمه تجويزه إذن الشارع‏في عدم تحصيل الموافقة القطعيّة و عدم تجويزه إذنه في المخالفة القطعيّة فراجع إليه حتى تقف على حقيقة الأمر و لكن لا يخفى عليك أن ما ذكره دام ظله في تقرير إثبات وجوب‏الموافقة القطعيّة لا يخلو عن تأمّل لأن الظاهر منه كما لا يخفى على المتأمل إرادة إثبات الوجوب مع قطع النظر عن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بنفس عدم جريان‏أدلة البراءة و نظير هذا قد تقدّم منه في أول مسألة الشبهة المحصورة و قد عرفت ما فيه ثمّة و من الرجوع إليه و التأمّل فيه يظهر لك حقيقة الحال في المقام أيضا فلا حاجةإلى إطالة الكلام و إن أمكن أن يقال إن مراده ممّا أفاده إثبات عدم المانع بعد فرض وجود المقتضي لوجوب الاحتياط لفرض انحصاره في دليل البراءة و إن لم يساعده‏قوله بل الظاهر استقلال العقل في المقام لما عرفت من أن الدليل على وجوب الاحتياط و الموافقة القطعيّة هو حكم العقل المذكور بعد شمول الخطاب الواقعي‏فتأمل‏ قوله أقواهما الأوّل إلى آخره‏(2) أقول لا يخفى أن ما أفاده من أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل حكم إرشادي لا يترتب على مخالفته من حيث هي مخالفته شي‏ءعلى ما هو الشأن في الطلب الإرشادي مطلقا في غاية الوضوح و قد تكرر القول منّا فيه في طيّ كلماتنا السّابقة في هذا الجزء و في الجزء الأول من التعليقة إلاأن ما أفاده من الترقي بالنسبة إلى الضرر المقطوع لا بد من أن يحمل على الضرر الأخروي كما هو الظاهر من العبارة عند التأمل أيضا كيف و يصرّح بعد ذلك بكون‏ارتكاب الضرر المقطوع الدنيوي من المحرّمات الشرعيّة و لا ينافي كون حكم العقل في باب الضرر مطلقا إرشاديّا كما هو شأن حكمه في جميع الموارد لامتناع صدورالطلب المولوي الذي يناط به الثواب و العقاب من العقل و إن كان الحكم الشرعي المنكشف منه بقاعدة التلازم في مسألة التحسين و التقبيح مولويا على ما عرفت‏شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا السابقة ثم إن الكلام في المسألة لا تعلّق له بالفقه و لا أصوله لعدم ترتب ثمرة عمليّة عليها من حيث إن تعدّد العقاب‏و وحدته لا يثمر أن أصلا في هذه النشأة اللهم إلا أن يفرض هناك ثمرة نادرة قوله و إلى هذا المنع أشار إلى آخره‏(3) أقول قد يورد على ما ذكره بأن إيجاب الشارع‏ترك ما لا بأس به في نفسه و مع قطع النظر عن هذا الخطاب لا ينافي وجود البأس بملاحظة هذا الخطاب و مجرّد المعنى المذكور لا يدلّ على كون الأمر بالترك إرشاديّافيؤخذ بظاهره و يحكم باستحقاق العقاب على مخالفته و إن لم يكن هناك عقاب مع قطع النظر عن هذا الأمر إلاّ على ارتكاب المنهيّ عنه واقعا هذا و لكن‏قد عرفت عند التكلّم في أخبار التوقف ما يظهر منه فساد هذا الإيراد و نقول هنا أيضا أن الأمر بالترك في نفسه و إن كان ظاهرا في الطلب الشرعي على ماهو قضيّة ظاهر الأمر الصّادر من الشارع على الإطلاق إلاّ أن تعقيبه عليه السلام الأمر بقوله حذرا عما به البأس الظاهر في العليّة لا الحكمة قرينة على كون المقصود من‏الأمر مجرد الإرشاد و ظهوره حاكم على ظهور الأمر في الطلب الشرعي كما لا يخفى وجهه فتبيّن أن الظاهر من الأوامر الشرعيّة الواردة في المقام أيضا هو الإرشادهذا
في الأمرين الذين ينبغي التنبيه عليهما
ثم إن هاهنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما أحدهما أنه يمكن أن يقال بعدم استحقاق العقاب على مخالفة الأمر بترك المشتبهين و إن قلنا بكونه شرعيّاظاهريّا نظرا إلى عدم استحقاق العقاب على مخالفة الأمر الظاهري إلا على القول باستحقاق العقاب على التجري الممنوع عند شيخنا قدس سره و عليه لا نفرق‏بين كون الطلب شرعيّا و بين كونه إرشاديّا لعدم ثبوت الملازمة بين استحقاق العقاب و الطلب الشرعي بقول مطلق و ستقف على تصريح الأستاذ العلامة بهذاالمعنى في آخر هذا الجزء من الكتاب في مسألة وجوب الفحص و إن كان الظاهر منه في المقام و في غير مورد من الجزء الأول خلافه و إن في مخالفة الأحكام الظاهريّة مطلقااستحقاق للعقاب و قد عرفت تفصيل القول فيما يقتضيه التحقيق ثمّة و ستعرفه إن شاء اللّه بعد هذا ثانيهما أنه لو كان الأمر بوجوب الاجتناب عن المشتبهين شرعيّامقتضيا للعقاب على مخالفته للزم الالتزام بتعدّد العقاب بتعدّد أطراف الشبهة زائدا على عقاب مخالفة الواقع المفروض على كل تقدير ضرورة تعدّدالمسبّب بتعدّد سببه لأن المفروض أن مخالفة الأمر الظاهري علّة لاستحقاق العقاب و مخالفة الأمر الواقعي أيضا علّة لاستحقاق العقاب فهما عنوانان لا دخل‏لأحدهما بالآخر و القول بأن مرتكب المشتبهين قد خالف أمرين أمرا واقعيا متعلقا بالواقع و أمرا ظاهريّا متعلّقا بالمشتبهين لا ثلاثة أوامر مما لا يخفى فساده ضرورة أنّ‏
99
كل واحد من المشتبهين متعلّق بوجوب ظاهري لا دخل له بالوجوب المتعلق بالآخر و إن كان حاصلا بأمر واحد و إن هو إلا كالأمر المتعلق بالعام الأصولي‏ينحل إلى أوامر متعدّدة بعدد أفراد العام بل اللازم على هذا القول بناء على ثبوت العقاب على التجرّي القول بضعف العقاب الذي ذكرنا و إن لم يلتزم‏القائل به على ما عرفت الكلام فيه في محلّه ضرورة تعدّد التجرّي بمخالفة الأوامر الواقعي و الظاهري فيلزم أن يضاعف الاستحقاق لأن المفروض أن التجري‏على مذهب قائله عنوان مورث لاستحقاق العقاب مستقلا و لذا أورد الأستاذ العلامة عليه فيما عرفته في مسألة التجري حيث ذهب إلى تداخل العقابين‏عند مصادفة التجري للحرام الواقعي بأنه لا معنى لتداخل العقابين إن أريد وحدة العقاب بعد فرض كون كل من العنوانين علة للعقاب كما نقول على القول‏بتأثير الحكم الظاهري في استحقاق العقاب أنه لا معنى لوحدة العقاب في صورة مصادفة ارتكاب المشتبه للحرام الواقعي بعد فرض كون كل من مخالفة للحكم‏الواقعي و الظاهري علة تامّة لاستحقاق العقاب و إلا لم يقتض مخالفة الأمر الظاهري لاستحقاق العقاب عند عدم المصادفة أيضا و القول بأن اقتضاءهاالعقاب مشروط بعدم المصادفة مما لا وجه له و إلا لزم القول به في التجري أيضا و لكن لا يخفى عليك أنه يمكن أن يوجّه القول بالاشتراط المذكور مع بيان الفارق‏بين الحكم الظاهري و التجرّي بأنه و إن قلنا باستحقاق العقاب على مخالفة الطلب الظاهري إلا أنه لا يخفى على أحد أن الحكم الظاهري فيما كان المقصود من‏جعله إدراك الواقع ليس في عرض الواقع حتى تكون له اقتضاء مستقل عند مصادفة له فهو طريق إليه فلا أثر له عند المصادفة و هذا بخلاف التجري فإنه لا وجه‏للطريقيّة فيه أصلا بل هو عنوان مستقل ليس فيه شائبة المرآتية أصلا بل لا يعقل فيه ذلك جزما فتأمل‏
في كيفيّة حكم العقل بوجوب دفع الضرر الدّنيوي و الأخروي‏
قوله و من هنا ظهر أنه لا فرق إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى‏عليك أنه دام ظله عنى بذلك الكلام الردّ على من زعم الفرق بينهما و قال إن حكم العقل بوجوب الاحتياط و إن لم يقتض العقاب على مخالفته من حيث كونه‏إرشاديّا إلا أن حكم الشارع به يقتضيه لا محالة من حيث كونه حكما ظاهريّا يقتضي بحكم العقل العقاب على مخالفته‏ قوله و أما حكمهم بوجوب دفع الضررالمظنون شرعا إلى آخره‏(2) أقول كما يظهر من حكمهم بالإتمام في السفر المظنون الحظر من حيث كونه معصية على ما استظهره شيخنا الأستاذ العلامة من الأصحاب‏فيما تقدم من كلامه في الجزء الأوّل من الكتاب ثمّ إن ما أفاده كأنه دفع لما يتوجّه على ما أفاده من أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر حتى مع القطع حكم إرشادي‏لا يؤثر مخالفته في استحقاق العقوبة فإنّه إذا كان الأمر بالنسبة إلى الضرر المقطوع كذلك و لو كان ضررا أخرويّا من حيث إن المناط هو التضرر من غير فرق بين‏الضررين كان حكمه بالنسبة إلى الضرر المظنون كذلك بطريق أولى إذ الظن لا يزيد على القطع مع أن ظاهرهم في باب الظن بالضرر خلاف ذلك و حاصل ما أفاده‏في المقتضي و الفرق هو ما أفاده مرارا في كلماته السابقة من أن حكم العقل بدفع الضرر الدنيوي كحكمه بدفع الضرر الأخروي و إن كان إرشاديّا على ما هو الشأن‏في جميع أحكامه كما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السابقة إلا أن الأول مستتبع بقاعدة التلازم لحكم شرعيّ مولويّ و الثاني لا يعقل فيه ذلك للزوم‏التسلسل الظاهر هذا مضافا إلى دلالة الأدلة النقليّة على تحريم ارتكاب الضرر الدنيوي مع قطع النظر عن حكم العقل و التقييد بالعلم في قوله لأن ارتكاب‏الضرر الدنيوي مع العلم حرام ما ليس الغرض منه ما يتراءى منه بظاهره من أخذ العلم في موضوع التحريم بالنسبة إلى الضرر الدنيوي و إلا لم يكن معنى‏للحكم بقيام الظن مقامه بل الغرض ثبوت التحريم الشرعي في مورد العلم بالضرر من حيث كونه طريقا إليه ذاتا كما هو شأنه بالنسبة إلى جميع ما تعلّق به فإذا كان‏ارتكاب الضرر الدنيوي حراما شرعا و قام الدليل القاطع على حجيّة الظن المتعلق به و كونه طريقا شرعيّا إليه كسائر الطرق المعتبرة القائمة على الموضوعات والأحكام فيكون وجوب العمل به شرعيّا لا عقليّا إرشاديا و هذا بخلاف الضرر الأخروي فإن وجوب دفعه حتى مع العلم به لا يمكن أن يكون شرعيّا سواءحكم به العقل أو الشرع فإذا ورد حكم من الشارع أو العقل على لزوم دفع محتمله أو مظنونه فلا يمكن أن يكون إلا إرشاديّا و هذا هو الفرق بين الضررين المترتّب‏عليه الفرق بين الإدراك المتعلق بأحدهما و بين المتعلّق بالآخر نعم لو قيل بوجوب الاحتياط شرعا من حيث كون تركه موجبا للوقوع في المهلكة لزمه القول بثبوت استحقاق‏العقاب على مخالفته و إن لم يخالف الواقع على ما عرفت الإشارة إليه فعلى ما أفاده من ثبوت العقاب على مخالفة الأحكام الشرعيّة الواقعية و الظاهريّةمطلقا حتى ما تعلّق بالطرق الشرعيّة يلزم أن يكون الظن المعتبر في المقام و غيره أولى من هذه الجهة من العلم حيث إنه لا عقاب على مخالفته من حيث هو و إنما هوفيما صادف الواقع إلا على القول بحرمة التجري و هذا بخلاف الظن المعتبر فإنه يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته من حيث هو و إن لم يصادف الواقع و لم نقل‏بحرمة التجري كما أنه أولى منه من جهة أخرى أيضا فإن الإجزاء في مورد انكشاف مخالفة الطريق الشرعي للواقع معقول قال به جماعة و هذا بخلاف العلم فإنه لا جعل‏للشارع بالنسبة إليه أصلا و قد أشرنا إلى ذلك كله في الجزء الأول من التعليقة هذا و لكن لا يخفى عليك أن ما أفاده مبني على القول بثبوت استحقاق العقوبة على مخالفةالطريق المعتبر مطلقا و قد عرفت ما فيه و سيجي‏ء الكلام عليه أوّلا بأنه محلّ منع مطلقا حتى بالنسبة إلى الطرق الشرعيّة الملحوظة في الأمر بسلوكها مصلحة متداركة و لو كان‏هو تسهيل الأمر على المكلّف لأن الأمر بسلوكه مع هذه الملاحظة أيضا غيري لا يؤثر في استحقاق الذم أصلا و ثانيا أنه على تقدير الإغماض إنما يسلّم فيمالوحظ فيه المصلحة و يكون له جهة موضوعيّة لا فيما لم يلاحظ في الأمر بسلوكه إلا الطريقيّة و الإصابة الغالبيّة و الكشف و المرآتية المحضة كما هو الشأن في عنوان‏اعتبار الظنّ عند انسداد باب العلم على المذهبين في تقرير دليله من حيث الحكومة و الكشف فإنه على الكشف أيضا إنما يحكم العقل بإيجاب جعل الظنّ على الشارع‏
100
من حيث كونه أقرب إلى الواقع من الشكّ و الوهم على ما أسمعناك في محلّه فالأمر بسلوكه من العقل و الشرع من حيث الإرشاد و إدراك الواقع ليس إلا و الظن بالضررالدنيوي إنما حكم باعتباره من حيث جريان شبه دليل الانسداد فيه على ما اعترف به شيخنا قدس سره في الجزء الأول من الكتاب فلا معنى للحكم باستحقاق العقاب على‏مخالفته من حيث هي نعم لو قيل باعتباره شرعا لا من حيث حكم العقل به أمكن القول بذلك مع الإغماض عما ذكرنا أولا كما أنه لو قيل بأن الإقدام على مظنون‏الضرر حرام شرعا واقعا لا ظاهرا كما ربما استفيد من الآية الشريفة و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة تعين الحكم باستحقاق العقاب على مخالفته فإنه يخرج عن الطريقيةحينئد لكنك قد عرفت ما فيه في الجزء الأول من التعليقة مع أنه خروج عن الفرض و ما أفاده شيخنا في بيان الفرق و القول بأن غرضه الحكم باستحقاق العقوبة على مخالفةالطريق عند مصادفته للواقع لا مطلقا كما ترى فإن هذا المعنى ثابت في مخالفة الأحكام الإرشادية مطلقا من غير اختصاص بمخالفة الطرق المعتبرة كما أسمعناك القول‏فيه عن قريب فإنه لو لا العقاب عند مخالفة الحكم الإرشادي فيما صادف الواقع كان جعله لغوا بل ربما كان خلاف فرض الإرشاد إلى التخلّص عن العقاب فيماكان الطلب لأجله كما هو ظاهر
في جواز الرّجوع إلى أصالة الإباحة عند الشكّ في الضّرر الدنيوي‏
قوله نعم لو شكّ في هذا الضرر يرجع إلى أصالة الإباحة إلى آخره‏(1) أقول الوجه فيه كون الشكّ فيه مع كونه من المحرّمات الشرعيّةالواقعيّة كالشكّ في موضوع سائر المحرّمات الشرعيّة في الخارج الذي اتفقوا فيه على الرجوع إلى أصالة الحليّة و البراءة و هذا بخلاف القطع أو الظن به فإنه و إن جازإذن الشارع في الإقدام معهما مع التدارك و الجر بخلاف الضرر الأخروي فإنه لا يجامعه إذن الشارع و لا يعقل التدارك بالنسبة إليه فكلما وردالإذن من الشارع كشف عن عدم الضرر الأخروي على ما عرفت الفرق بينهما مرارا إلا أنّ أدلّة الحليّة و البراءة مورودة و محكومة بالنسبة إليهما فلا يمكن استفادةالإذن منها مع القطع و الظن حتى يحكم بكشفه عن التدارك بل لا بدّ في موردهما من قيام دليل خاصّ على الإذن كما هو الشأن فيما تعلّق بسائر الموضوعات المحرّمة مع‏فرض اعتبار الظن و هذا الفرق إنما نشأ من عدم إمكان طريقية الشكّ ذاتا فلا يمكن أن يمنع من الرجوع إلى الأصول و لو تعلق بالضرر نعم لو فرض هناك‏تعلّق حكم واقعا بالشكّ في الضرر أو بعنوان صادق عليه قطعا و منطبق معه جزما لم يكن معنى للرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى هذا الحكم الخاص و إن جاز في‏مورده الرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى الحكم المترتّب على موضوع الضرر واقعا و هذا كما في مسألة التيمم و الإفطار فإنه ذهب غير واحد إلى تعلّق الحكم‏في المسألتين في مرحلة الواقع بخوف الضرر عن استعمال الماء و الصوم فيحكم على هذا القول بعدم جواز الوضوء و الغسل مع الشك في الضرر و كذا بعدم‏جواز الصوم لا من جهة حرمة استعمال الماء بل من جهة عدم الأمر فيحكم بجواز استعمال الماء و عدم جواز الوضوء و الغسل من جهة عدم الأمر فيحكم بوجوب تطهيربدنه عن البحث للصلاة بل للتيمّم أيضا فيما كان في موضعه و عدم صحّة الوضوء و الغسل كما أنه بجواز الإمساك مع الشك في إضراره بل بوجوبه لو نذره مع فرض‏رجحانه و عدم جواز الصوم له و هذا من جهة لزوم إسراء حكم كل موضوع في موضوعه و تبعيّة الأحكام لموضوعاتها و إن جاء منه التفكيك و الاختلاف فإن‏قلت ما ذكرته إنما يستقيم على القول بعدم حكومة العقل في الشك في الضرر الدنيوي و أما على القول بحكومته فيه و حكمه بوجوب دفعه كما يستفاد من مواضع‏من كلمات شيخنا الأستاذ العلامة فيما تقدم منه من أول الكتاب إلى هنا على ما هو المسلّم عندهم في باب الشك في الضرر الأخروي على ما عرفت الكلام فيه‏مرارا فلا يستقيم أصلا فإنه بعد حكم العقل بوجوب دفعه تحقق هناك بيان عقلي رافع لموضوع أدلّة الحليّة و البراءة فيصير حال الشك حال الظن بالضررمع أنه في مقام الفرق بينهما كما هو صريح كلامه و مبناه في المقام قلت بعد تسليم استقلال العقل في الشك في الضرر الدنيوي كالشك في الضرر الأخروي‏و عدم المنع عنه كما ربما يستظهر ممّا أفاده في المقام و مقتضى صريح كلامه في بعض المقامات أن حكمه في باب الضرر كليّة من باب الإرشاد و عدم الوقوع في الضررعلى ما عرفت سابقا مقيد بعدم التدارك من جانب الشارع و لما لم يعقل التدارك في الضرر الأخروي حكم في مورد احتماله مع إذن الشارع فيه بعدم الضرر أصلاو من هنا حكمنا بورود قاعدة القبح على قاعدة وجوب دفع الضرر الأخروي فيما تقدّم من كلماتنا و كذا بالنسبة إلى الأدلّة النقليّة للبراءة و أما الضرر الدنيوي فلمّاأمكن التدارك بالنسبة إليه و لم يكن هناك طريق بالنسبة إليه مع الشك كما هو المفروض و إن حكم العقل فيه من باب الإرشاد مقيّدا بعدم التدارك فلا يكون مانع من‏الرجوع إلى الأصل المثبت للتدارك فهو رافع في الحقيقة لقيد الموضوع فلو استند منع جريانه إلى حكم العقل في العنوان التقييدي لزم الدور الظاهر كما هو ظاهر هذاو قد تقدّم شطر من الكلام فيما يتعلّق بالمقام في هذا الجزء و الجزء الأوّل من التعليقة فراجع إليه‏
في الأعراض المتوجّه على التحقيق المذكور و الجواب عنه‏
قوله قلت حكمهم باستحقاق العقاب على ترك الشكر إلى آخره‏(2) أقول لما بنى في هذاالأمر على كون وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة وجوبا إرشاديّا لا يترتّب على مخالفته من حيث مخالفة العقاب توجّه عليه السؤال في بادي النظر بكونه خلاف‏ما اتفقت عليه كلمة العدلية في استدلالهم على وجوب المعرفة باستقلال العقل بوجوب شكر المنعم المتوقف على معرفته من حيث إن ترك الشكر في معرض الضرر و سلب‏النعمة و قد جعلوا ثمرة حكومة العقل بذلك استحقاق العقوبة على ترك الشكر المفضي إلى ترك المعرفة مع أن حكم العقل بوجوب الشكر نظير حكمه بوجوب الاجتناب‏عن بعض أطراف الشبهة في مفروض البحث فيكشف ذلك عن ثبوت الاستحقاق على مخالفته من حيث هي فأجاب عنه بقوله المذكور من حيث إن البحث في ثبوت الاستحقاق‏و العدم على مجرّد مخالفته حكم العقل الإرشادي مع قطع النظر عن ثبوت الواقع في مورده لا على مخالفة الواقع فيما صادفته الحكم العقلي الإرشادي فإنه غير منكرفي المقام و لم يتوهم أحد منعه لما قد عرفت من ترتب آثار الواقع على مخالفة الحكم العقلي الإرشادي جدّا و إلا كان لغوا فكونه بيانا بالنسبة إلى الواقع المحتمل‏
101
مما لا بدّ منه و ليس محلاّ للإنكار فإذا خالف حكم العقل في المقام و كان ما ارتكبه من بعض أطراف الشبهة حراما في الواقع يترتب عليه استحقاق العقوبة على مخالفته بالنسبةإلى الواقع فلو انكشف حرمته لغيره و كان المرتكب العالم إجمالا جاهلا حكم باستحقاقه العقوبة على فعله و إن لم يحكم بذلك من حيث جهله و في المسألة المفروضةلما كان أصل المطلب ثابتا واقعا و في نفس الأمر فإن قلنا بحكومة العقل في المسألة كما عليه العدلية صحّ عقاب تارك الشكر لإتمام الحجّة عليه من جهة دلالة عقله على‏ذلك و إن لم نقل بحكومته كما عليه الأشاعرة لم يجز للشارع مؤاخذته على ترك الشكر فهذه ثمرة حكومة العقل في مقابل عدمها و أين هذا ممّا ذكرنا و نظيره ما قيل في مسألةوجوب النظر في معجزة من يدّعي النبوّة مع ثبوتها في نفس الأمر فإن ثمرة حكومة العقل بوجوبه من جهة حكمه إرشادا بوجوب دفع الضرر المحتمل استحقاق عقاب تارك‏النظر مع بلوغ دعوة النبيّ إليه و احتمال صدقه في دعوته من حيث تمامية الحجة في حقه و هكذا الأمر في الحكم باستحقاق مطلق الجاهل المقصّر في الفحص عن الواقع الثابت‏في نفس الأمر بعد البناء على إلزام العقل الفحص عليه‏
في أن وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة موقوف على تنجيز التكليف على كلّ تقدير
قوله الثالث وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين إنّما هو مع تنجّز التكليف إلى آخره‏(1) أقول ما أفاده من اشتراط تنجّزالخطاب الإلزامي المعلوم بالإجمال بالنسبة إلى كل من المشتبهين أو المشتبهات في الشبهة المحصورة و اعتباره في الحكم بوجوب الاحتياط مما لا إشكال فيه و لا شبهةتعتريه في الجملة توضيح ذلك أن المراد به كما يفصح عنه كلامه صحّة توجّه الخطاب الفعلي بالاجتناب عن الحرام المعلوم وجوده بين الشبهتين بتحقّقه في ضمن كلّ منهما بالخصوص‏بحيث لو فرض العلم التفصيلي بحرمته توجّه الخطاب بالاجتناب عنه فعلا من دون الاشتراط بشي‏ء على ما هو المراد بالفعلية و التنجّز بقول مطلق و من المعلوم‏عند كل أحد حكم العقل بمعذورية الجاهل بالواقع تفصيلا مع العلم بانتفاء الخطاب على الوجه المذكور مع العلم الإجمالي بوجود الحرام ضرورة تبعيّةحكم العقل بوجوب الإطاعة و حرمة المعصية للخطاب الفعلي المتوجّه إلى المكلّف من المولى لا مجرّد العلم بوجود المنهي عنه كيف ما اتفق و لو لم يستتبع العلم بتوجّه‏الخطاب إلى المكلّف على كل تقدير فمع انتفاء الاستتباع المذكور يكون حكم العقل بوجود الحرام حكم الشكّ في أصل التكليف فيحكم العقل بقبح المؤاخذة على‏مخالفة الواقع لو اتفقت فيكون العلم الإجمالي بوجود الحرام بين المشتبهين و الحال هذه كالشك في أصل وجوده فيحكم فيه بالرجوع إلى أدلة البراءة كما يحكم بالرّجوع‏إليها مع الشك فيه فقد ظهر مما ذكرنا أنه يصحّ القول بأن العلم الإجمالي بوجود الحرام بقول مطلق لا يوجب إلزاما في حكم العقل و الشرع على المكلف في جميع مواردوجوده بحيث يؤثّر في رفع عذره في مخالفة الواقع على تقدير المصادفة و يصير بيانا للتكليف مانعا عن الرجوع إلى البراءة فقد تبين أن المدار على فعليّة التكليف وتنجّزه على تقدير وجوده لا على العلم بوجود متعلّقه كيف ما اتّفق فقد لا يكون علم بالتكليف أصلا و يحكم بثبوت العقاب على مخالفة الواقع لو اتفقت و بعدم‏جواز الرجوع إلى البراءة و إن كان موردا لها في نفسه كما في موارد الشك في التكليف في الشبهات الحكميّة قبل الفحص المعتبر عنه و من هنا حكمنا بعقاب الجاهل المقصّرعلى مخالفة الواقع مع شكّه في التكليف بل و مع علمه بعدمه فضلا عن شكّه فيه و هذا مع وضوحه قد تقدّم القول فيه و سيتلى عليك شرحه في خاتمة هذاالجزء عند الكلام في شروط البراءة و قد يكون هناك علم و يحكم بكون وجوده كعدمه
في أن انتفاء التّنجز يتحقّق بأمور
ثم إن انتفاء التنجّز و الفعليّة بالمعنى الذي عرفته يتحقّق على ما يفصح‏عنه كلام شيخنا في المقام بأمور أحدها و هو أظهرها و أوضحها أن لا يكون للمعلوم بالإجمال و العلم المتعلّق به بالنسبة إلى خصوص أحد المشتبهين على‏فرض العلم بوجوده في ضمنه و صدقه عليه و انطباقه معه تأثير في إحداث الخطاب أصلا لا مطلقا و لا مشروطا و هذا في كلّ مورد فرض فيه قبل العلم الإجمالي‏العلم التفصيلي بحرمة واحد معيّن من المشتبهين مع كون الحرام المعلوم بالإجمال من جنسه بحيث لا أثر له على تقدير انطباقه مع المعلوم بالتفصيل أو نجاسةواحد معيّن منهما مع فرض القول بعدم تأثير النجس في النجس أو في المتنجّس مع كونهما من جنس واحد أو مطلقا كما لو علم بوقوع قطرة من البول في أحد الإناءين‏أحدهما بول بخصوصه أو متنجّس بالبول أو في أحد ثوبين أحدهما بالخصوص متنجّس بالبول بتمامه أو أحد موضعين من الأرض أحدهما نجس بخصوصه إلى غيرذلك من الأمثلة الكثيرة أو فرض فيه عدم تأثيره في أحدهما بالخصوص من جهة انتفاء شرط من شروط التأثير أو وجود مانع بالنسبة إليه من التأثير كما إذا علم‏بوقوع قطرة من البول في أحد إناءين أحدهما كثير لا ينفعل بها أو جار مثلا إلى غير ذلك من الأمثلة و لك أن تجعل الضابط ما ذكرنا أخيرا و ترجع الأول إليه‏بنحو من الإرجاع و الوجه في التقييد بالخصوصيّة في مسألة النجاسة ظاهر حيث إنه مع انتفاء الخصوصيّة يجب الاجتناب عن المشتبهين و لو من جهة العلم‏الإجمالي السابق و أما في مسألة عدم الانفعال بالنسبة إلى بعض الأطراف فهو عدم الالتفات إلى احتمال وجود المانع عن تأثير مقتضى الانفعال و هو الملاقاةفغاية ما يفرض هناك على تقدير حصول العلم تفصيلا بوقوع النجس في كل واحد من الإناءين احتمال كونه كرا أو جاريا و هو مما لا يلتفت إليه سيّما في المسبوق بعدم‏الكرية و الجريان على المحلّ بعدم التنويع في الماء فتأمل نعم على القول باعتبار إحراز القلّة في تأثير الملاقاة بالانفعال على ما ذهب إليه غير واحد من الأصحاب‏كان التقييد المذكور في غير محلّه و إن هو إلا نظير ماء واحد لاقاه نجس مع الشكّ في جريانه و كرّيته في زمان الملاقاة مع عدم سبقه بالقلّة فتدبّر ثانيها أن لا يكون له تأثير في إحداث الخطاب المطلق بالنسبة إلى بعض الأطراف بخصوصه على تقدير العلم بوجوده في ضمنه تفصيلا و إن كان له تأثير في إحداث الخطاب‏المشروط بالنسبة إليه فيرجع الشكّ بالنسبة إلى الطرف الآخر إلى الشكّ في أصل التكليف من جهة عدم قدرته عقلا على الاجتناب عن بعض أطراف الشبهة بخصوصه‏من حيث عدم قدرته على ارتكابه فإنه يقبح عقلا النهي عن ارتكابه على وجه الإطلاق بعد فرض انتفاء القدرة العقلية ضرورة اشتراط جميع التكاليف بالقدرة
102
و إن صحّ النهي عنه على وجه الاشتراط و حصول القدرة ثم إن الوجه في التقييد بالخصوصيّة بالنسبة إلى هذا الأمر إنما هو من جهة رجوع الأمر مع انتفائه‏إلى فرض سلب القدرة عن الاجتماع بينهما و على تقدير الانحلال بالنسبة إلى كل طرف بخصوصه لم يكن هناك مانع عن توجيه الخطاب المطلق بالنسبة إليه كما هوظاهر هذا و لعلّه يأتي بيان أوضح من هذا في وجه ما ذكرنا و إن كان ظاهرا عند التأمّل ثم إنّ هذا الوجه كما ترى يتلو الأوّل في الوضوح و إن لم يكن في مرتبته‏لما عرفت من رجوعه إلى اشتراط التكليف بالقدرة الواضح عند كل أحد و الخطاب المشروط و إن كان له تحقّق في مرتبته مع العلم بانتفاء الشرط في مقابل عدمه رأسا إلاّ أنه‏لا أثر له في حكم العقل فعلا في باب الإطاعة لقضية الاشتراط و من هنا لا يلزم العقل المكلّف بفعل الواجبات المشروطة قبل تحقق شرائط وجوبها فيرجع الشكّ‏في الفرض لا محالة على ما عرفت إلى الشكّ في أصل التكليف بالنسبة إلى المقدور من طرف الشبهة فيرجع فيه إلى دليل البراءة
الثالث من الموارد التي لا يتنجّز فيها العلم الإجمالي‏
ثالثها و هو دون الثاني في‏الظهور أن لا يكون للعلم الإجمالي تأثير في إحداث الخطاب المطلق الفعلي المنجر بالنسبة إلى خصوص بعض أطراف الشبهة أيضا لكن لا من جهة انتفاء القدرة العقليةبالنسبة إلى بعض الأطراف بالخصوص بل من جهة عدم ابتلاء المكلّف فعلا بحسب حاله بحيث يكون واقعة له و يصحّ عرفا توجيه الخطاب الفعلي بالاجتناب عنه‏على تقدير العلم بحرمته و إن صحّ توجيه الخطاب إليه بعنوان الاشتراط و صيرورته واقعة له مع فرض القدرة العقلية على فعله مع كون المكلف أجنبيّا عنه‏فعلا و إن أمكن ابتلاؤه به بعد ذلك كما إذا علم بوقوع النجاسة مثلا في إنائه أو إناء غيره أو في ثوبه أو ثوب غيره مثلا بحيث يعلم عادة عدم ابتلائه بإناء الغيرو ثوبه بعارية و نحوها و هكذا فإن هذا النحو من العلم الإجمالي أيضا لا أثر له في توجيه الخطاب المنجز إلى المكلّف على كل تقدير ألا ترى أنه يصحّ من المولى في حكم‏العقل الأمر بالاجتناب عن الطعام الذي ليس من شأن عبده ابتلاؤه به عادة على وجه التنجيز و الإطلاق و إن حسن على وجه الاشتراط و التقييد بالابتلاء وتوهّم أن المطلوب بالنواهي هو الترك و لا يعتبر فيه القدرة الفعلية على الفعل غاية ما هناك اعتبار الإمكان العقلي بالنسبة إليه و توطين النفس على الامتناع‏عنه عند صيرورته واقعة له فاسد جدّا بشهادة العقلاء قاطبة على تقبيح النهي المطلق عن المولى بالنسبة إلى ما يكون العبد أجنبيّا عنه بحسب حاله فلعلّ الوجه‏فيه ما أفاده بقوله و لعل السرّ في ذلك أن غير المبتلى تارك للمنهي عنه بنفس عدم الابتلاء فلا حاجة إلى نهيه فيئول النهي على ما أفاده إلى نحو من طلب الحاصل القبيح عندالعقلاء و هذا أصل يترتب عليه فوائد جليلة بالنسبة إلى غير المقام أيضا منها ما تسالم عليه كل من تعرّض له من عدم وجوب تعلّم ما لا يكون واقعة للمكلّف‏بحسب حاله من المسائل قبل العمل و لا يتفق له عادة مع اتفاقهم ظاهرا على وجوب تعلّم ما لا يبعد ابتلاء المكلّف به و كونه جاهلا مقصّرا على تقدير تركه التعلّم‏بالنسبة إلى هذا القسم دون القسم الأول فيترتّب عليه بالنسبة إليه وضعا و تكليفا حكم الجاهل القاصر بل لا يمنع مجرّد احتماله عن قصد التقرب في العبادةبخلاف القسم الأول فلا يجوز عند احتماله قصد التقرّب نعم لو فرض غفلته و ذهوله حين العمل قصد التقرب في الأول أيضا
في أنّ ما ذكر أصل يترتّب عليه فوائد جليلة
ثم إن اشتراط الابتلاء بمتعلّق‏التكليف عادة بحسب حال المكلفين في توجيه التكاليف المطلقة و إن لم نقف على التصريح به في كلماتهم بل المتراءى منها في قصر شرائط التكليف و حصرها في‏أربعة عدم اشتراطه و من هنا كان بعض مشايخنا كثيرا مّا يطعن على شيخنا الأستاذ العلامة بكونه منفردا في تأسيس هذا الأصل و الشرط حيث إن الذي‏ثبت بالدليل و وقع الاتفاق عليه اعتبار القدرة العقلية في التكاليف ليس إلاّ فإن رجع عدم الابتلاء إلى انتفاء القدرة فلا بحث و إلا فلا معنى لقدحه في‏التكليف إلاّ أنه يجده المنصف المتأمل المتتبّع أ لا ترى فتوى الفقيه بوجوب تعلّم مسائل الحيض و النفاس مثلا على العامي الغير المزوّج و كذا بوجوب‏تعلّم مسائل الجهاد على العوام و هكذا مع أنه لا يمتنع عقلا تحقق الحاجة إليه بالنسبة إلى هذه المسائل حاشا ثم حاشا مع أنه يجب تعلّمها و استنباطها على‏المستنبط و أضرابها من المسائل الفقهيّة من حيث حفظ أحكام الشرع من الاندراس و إلا لم يكن حاجة إليها أصلا فكم من مسألة غير معنونة في كلماتهم يعلم‏حكمها بحكم الحدس القطعي عندهم ثم إن الوجه في اعتبار التعيين بالنسبة إلى البعض في عنوان هذا الوجه يظهر مما ذكرنا له في الوجه السابق فإن عدم الابتلاءبالنسبة إلى أحدهما لا على التعيين يرجع على تقدير تحقّقه إلى عدم الابتلاء بالمجموع من حيث المجموع فلا ينافي الابتلاء بكل واحد بخصوصه ثم إن هذا كله فيما لو علم انتفاء الخطاب التنجيزي بالنسبة إلى بعض أطراف الشبهة بأحد الوجوه و الأمور الثلاثة و أما لو شكّ فيه من جهة الشكّ‏في الابتلاء بالنسبة إلى تمام الأطراف و هو الواقع كثيرا من حيث خفاء مراتب الابتلاء و العدم فيجي‏ء التعرض لحكمه في كلام شيخنا و نتكلّم فيه أيضاو أما لو شكّ فيه من جهة أحد الأولين و لم يكن هناك أصل موضوعيّ تشخّص حال الأطراف من حيث تحققهما بالنسبة إليهما و عدمه كاستصحاب العلّةأو الكريّة أو النجاسة أو الطهارة أو التمكن أو عدمه فلا إشكال في البناء على عدم تحقق الشرط بالنسبة إلى المشكوك فيرجع إلى البراءة كما فيما علم عدم تحقّق‏أحدهما بالنسبة إلى بعض الأطراف و ليست المسألة مما يرجع فيها إلى إطلاقات أدلة التكليف و عموماتها لرجوع الشكّ فيها بالفرض إلى الشك في الموضوع‏الخارجي و الشبهة الموضوعيّة لا يرجع فيها إلى الأصل اللفظي من حيث اختصاصه بالشكّ في المراد من اللفظ لا في تحقّق ما أريد منه في الخارج كما هو ظاهر ثم إنه على تقدير الإشكال في اعتبار الابتلاء على الوجه الذي عرفته أو منعه فإنما هو بالنسبة إلى ما علم كونه من أطراف العلم الإجمالي مع خروج صاحبه عن محلّ‏الابتلاء و أما بالنسبة إلى ما يكون خارجا من أطرافه و إن فرض هناك علم إجمالي للمكلّف تعلّق بأحد أمرين أو أمور يكون أحدهما أو أحدها خارجا عن محل الابتلاء فلا
103
إشكال في الرجوع إلى الأصل بالنسبة إليه من غير فرق بين أصل البراءة و غيره من الأصول و هذا الذي ذكرنا و إن كان أمرا واضحا إلا أنه دعاني إلى التنبيه عليه‏بعض كلمات شيخنا قدس سره فيما تقدّم و يأتي ممّا يوهم بظاهره التباس الأمر
في ذكر الموارد التي لا يجب الأخبار فيها مع كون الشبهة فيها محصورة من جهة الخروج عن الابتلاء
قوله و هذا باب واسع ينحلّ منه الإشكال عما علم إلخ‏(1) أقول لا إشكال في‏وضوح ما أفاده من عدم وجوب الاحتياط فيما ذكره من الأمثلة و نظائرها عند الفقهاء و جواز المخالفة القطعيّة فيها مع أن المشهور بينهم وجوب‏الاحتياط في الشبهة المحصورة فضلا عن تسالمهم على حرمة المخالفة القطعية فربما يتوهم الجاهل خروجها لدليل خاص في كل مورد مع انتفائه قطعامضافا إلى عدم إمكان طروّ التخصيص في حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة و الإذن فيها من الشارع و من هنا جعل بعض المشايخ وضوح الحكم في الأمثلةدليلا على البراءة في الشبهة المحصورة فليس الجامع للأمثلة المذكورة و أشباهها ممّا يعلم فيه رجوعهم إلى الأصل و الوجه لمخالفتهم لقاعدة الشبهة المحصورةإلا خروج بعض أطراف العلم الإجمالي عن محلّ الابتلاء في جميعها و مثل ما ذكره في الكتاب من الأمثلة ما هو محلّ ابتلاء الغالب في الشتاء من وقوع طين‏السوق أو الطريق على لباس الشخص أو بدنه مع حصول العلم الإجمالي بنجاسة بعض ما فيهما على وجه ينتهي إلى الشبهة المحصورة قطعا فإنّ محلّ ابتلاء المكلّف خصوص‏ما وقع في لباسه أو بدنه و أما الموجود في أرض السوق و الطريق فهو خارج عن محل ابتلائه فلا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة بالنسبة إلى ما وقع على بدنه ولباسه فيجوز له الصّلاة في تلك الحال من دون إزالة الطين فضلا عن تطهير البدن نعم هنا وجه آخر في خصوص المثال و أشباهه لجواز الصّلاة من دون‏تطهير على تقدير الإشكال في اعتبار الابتلاء أو إرادة الاحتياط في المسألة و هو أن يزيل الطين من البدن و اللباس بحيث لا يبقى له عين أصلا فيدخل نفس‏البدن أو اللباس في عنوان ملاقي الشبهة المحصورة فيرجع فيه إلى أصالة الطهارة السليمة عن المعارض على ما هو المشهور بين الأصحاب كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى‏ ثم إن المفروض فيما مثّل به من شكّ الزوجة و الزوج في باب الطلاق و الفرق بينهما في الحكم و جواز الرجوع إلى الأصل و عدمه فيما علما إجمالا بوقوع طلاق إحدى‏الأزواج و الغرض من ترتيب أحكام الزوجيّة من جهة الاستصحاب في حقّهن مع العلم الإجمالي لكل واحدة بوقوع طلاق بعضهنّ من الزوج إنما هو فيما لم يوجب‏إعانة على الإثم في حق الزوج المكلّف بالاجتناب عن جميعهنّ كما أنه مشروط على ما صرّح به بعدم صيرورة طلاق البعض واقعة لغيرها كما إذا أرادت التصرّف في‏نفقتها و نفقة ضرّاتها مثلا و من أمثلة المقام أيضا ما لو علم الزوج بحيض بعض زوجاته مع عدم ابتلائه ببعضهن كما إذا كانت غائبة عنه و أراد الوقاع مع‏الحاضرة فإنه يجوز له ذلك و لو أراد طلاق الحاضرة و الحال هذه جاز له ذلك فيما كانت الغيبة مجوّزة لطلاق الحائض لكنه ليس من فروع هذا الأمر بل من فروع‏الأمر الأوّل كما هو ظاهر و من أمثلته أيضا ما لو علم الزوج بارتداد بعض زوجاته مع غيبة بعضهنّ فإنه يجوز إجراء الاستصحاب بالنسبة إلى الحاضرة إلى غيرذلك من الفروع الكثيرة المتفرعة على الأصل المذكور بحيث يعلم عدم ابتنائها إلاّ عليه مع وضوح الحكم فيها و من هنا قال قدس سره و مثل ذلك كثير في الغاية نعم ما وقع عنوانه في كلام غير واحد من علم واجدي المني في الثوب المشترك بينهما بجنابة واحد منهما لا على التعيين من فروع الأمر الأوّل بالنسبة إلى‏الأمر بالغسل فإن جنابة شخص لا يؤثر في الأمر بالغسل بالنسبة إلى غيره من المكلّفين أصلا نعم لو فرض هناك أثر مترتّب على جنابة الغير كما في مسألة الائتمام‏بناء على القول بكون جنابة الإمام من الموانع الواقعيّة في حق المأموم أيضا كما في حقّ نفسه فلو علم بها بعد الفراغ يجب عليه الإعادة كما يجب على الإمام كماعليه المشهور لم يجز لأحدهما الائتمام بالآخر مطلقا كما لا يجوز لغيرهما الائتمام بهما أو بأحدهما مع الالتفات إلى حالهما نعم على القول بترتّب صحة صلاة المأموم‏واقعا على طهارة الإمام و لو بحسب تكليفه الظاهري صح الائتمام واقعا من دون أن يجري المأموم أصلا في حق الإمام و إن كانت أصل صلاته صحيحة ظاهرامن حيث استناد المأموم في إحراز طهارته إلى الاستصحاب كصلاة الإمام فليس هذا الاستدراك من خصائص هذا الفرع و لا من خصائص هذا الأمرلاختلاف الأحكام باختلاف الحالات و الموضوعات فكما أنه قد لا يكون بعض أطراف العلم واقعة للمكلّف بالنسبة إلى حكم و أثر و يكون واقعة له بالنسبةإلى حكم آخر كما أنه قد يكون واقعة له بالنسبة إلى حكم خاصّ في حال دون حال فكذلك قد لا يؤثر العلم الإجمالي في خطاب و تكليف بالنسبة إلى بعض أطرافه و يكون له‏تأثير في هذا الطرف بالنسبة إلى خطاب آخر بل قد يكون الحال على هذا الوجه بالنسبة إلى الاشتراط و إطلاق الخطاب و اشتراطه أيضا و هو الأمر الثاني فقد لا تؤثّرفي تنجّز خطاب خاصّ بالنسبة إلى بعض أطرافه و لا يوجب تعلّقه به إلاّ على وجه الاشتراط و تؤثّر في هذا الطرف الخاصّ بالنسبة إلى خطاب آخر و يوجب تعلّقه به‏و توجّهه إلى المكلّف على وجه الإطلاق فلا بدّ من ملاحظة الأحكام المتعلّقة بالمعلوم بالإجمال و أطرافه و حالات المكلّف و غير ذلك من الخصوصيّات الموجبةللاختلاف و منه يظهر الوجه في حملهم لصحيحة عليّ بن جعفر في قبال الشيخ قدس سره القائل بالعفو عما لا يدركه الطرف من الدّم لصغارته استنادا إليها على أن المفروض فيها إصابةالدم للإناء و هي لا يستلزم إصابة الماء و هذا النحو من العلم الإجمالي لا يؤثر في وجوب الاحتياط لعدم الابتلاء فظهر الإناء الذي هو طرف للعلم أيضامحمول على الغالب من عدم الابتلاء بظهر الإناء كما أن ما حكاه صاحب الكفاية عن الأصحاب تأييدا لما قواه من عدم وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة من عدم‏وجوب الاحتياط عندهم عن الإناء الذي علم بوقوع النجاسة فيه أو في خارجه مع حصر الشبهة أيضا صحيح على ما قدّمنا من الضابط لوجوب الاحتياط في‏الشبهة المحصورة لكنه أيضا محمول على الغالب من عدم الابتلاء بخارج الإناء لسجدة و نحوها إذ ليس مرادهم إطلاق القول بذلك جزما كيف و قد صرّحوا بوجوب‏
104
الاحتياط في الشبهة المحصورة هذا و قد أشرنا إلى ذلك في مطاوي كلماتنا السابقة أيضا ثم إنه كثيرا ما يشتبه الأمر بالنسبة إلى حكم خاصّ بالنسبة إلى‏بعض أطراف العلم الإجمالي من حيث كونه محلاّ للابتلاء و واقعة للمكلّف من حيث خفاء الأمر حيث إن تحقّق الابتلاء عرفا بالنسبة إلى جميع أطراف الشبهة أو عدمه‏بالنسبة إلى بعضها ليس أمرا واضحا بالنسبة إلى جميع الموارد و إن كانا واضحين في الجملة فلا بد من الرجوع في موارد خفاء الأمر و عدم وضوحه إلى القواعد والأصول و إلى ذلك أشار شيخنا قدس سره بقوله إلا أن الإنصاف أن تشخيص موارد الابتلاء إلى آخر ما أفاده لبيان إثبات موارد الاشتباه و الالتباس و عدم وضوح الأمربذكر الأمثلة و توهّم عدم وقوع الاشتباه المحوج إلى الرجوع إلى القواعد و الأصول بعد كون الضابط في تحقق الابتلاء بالنسبة إلى جميع الأطراف و حسن توجيه‏الخطاب بعنوان الإطلاق و التنجيز إلى كل واحد على تقدير العلم التفصيلي بحرمته و في عدم قبح ذلك بالنسبة إلى بعضها بحكم العرف فلا بد من عرض المطلب‏عليهم في موارد الخفاء و الاشتباه فيرتفع الاشتباه بمعونة حكمهم فلا يبقى شكّ حتّى يرجع فيه إلى الأصل فاسد جدّا لأن إيكال الأمر إلى العرف لا يزيد إلازيادة التحيّر و إلى ما ذكر أشار بقوله و المعيار في ذلك إلخ‏
في أن الكلام في موارد الشّكّ في الابتلاء يقع في مواقع‏
ثم إن الكلام في موارد الشكّ يقع في مواقع الأوّل في مقتضى الأصول العمليّة الثاني في مقتضى الأصول اللفظيّة الثالث في بيان وجود الضابط الشرعي و عدمه و أنه هل ورد في الشرع ما يتميّز به مورد تحقّق الابتلاء عن مورد عدمه أم لا أمّا الموضع الأول فلا شكّ في أن قضية الأصل العملي الأوّلي عند الشكّ و الدوران البناء على عدم تحقّق الابتلاء نظرا إلى رجوع الشكّ المذكور إلى‏الشك في أصل التكليف و الخطاب التنجيزي الذي هو القاطع لعذر المكلّف و المصحّح لمؤاخذته على مخالفة الواقع لا وجود الخطاب كيف ما اتفق كماهو المفروض فالشكّ في المقام نظير الشكّ في إطلاق التكليف و اشتراطه الذي اتفقوا فيه على كون الأصل فيه البراءة بل الشكّ في الفرض يرجع إلى‏الشك المزبور باعتبار حقيقته و نظير الشكّ في الشرطية و الجزئية المطلقتين فيما عجز المكلف عن الشرط و الجزء كما في فاقد الطهورين مثلا فإن إطلاق المقدّميّةمع العجز عن المقدّمة توجب العجز عن ذيها فيرتفع التكليف عنه من حيث إن القدرة على جميع المقدّمات الوجوديّة شرط و مقدّمة للوجوب فإذا شكّ في‏إطلاقها و اختصاصها بحال القدرة فلا محالة يشكّ في وجوب ذيها فيرجع إلى أصالة البراءة و هذا مع وضوحه قد حقق في بحث وجوب المقدّمة ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا من قضيّة الأصل الأوّلي بين صور الشكّ المتصوّرة و مواردها مع عدم وجود ما يكون واردا أو حاكما عليه هناك من الأصل اللفظي‏أو دليل آخر سواء كان الشكّ في أصل الاشتراط و الإطلاق أو كان الشكّ في وجود الشرط و ما قيّد به المكلف يقينا أو كون الموجود و المتحقّق من أفراده‏و مصاديقه من غير فرق بين استناد الشكّ و التردّد إلى الشبهة الحكميّة المستقلّة أو المستندة إلى الشبهة المفهوميّة أو الموضوعية المستنبطة و استناده‏إلى الشبهة الموضوعيّة الخارجيّة الصرفة لما قد عرفت من جريان البراءة في جميع صور الشكّ في التكليف من غير فرق بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّةو الوجوبية و التحريميّة و إلى ما ذكرنا من مقتضى الأصل الأولي أشار قدس سره بقوله نعم يمكن أن يقال عند الشكّ في حسن التكليف التنجيزي عرفا بالاجتناب‏إلى آخر ما أفاده في بيان قضيّة الأصل هذا بعض الكلام في الموضع الأول و أمّا الموضع الثاني و هو تحقيق الأصل اللفظي فيما ثبت الوجوب أوالتحريم بالدليل اللفظي فحاصل القول فيه أنه لا إشكال في الرجوع إلى إطلاق الهيئة الدالّة على الطلب عند الشكّ في أصل التقييد فيما تحقق فيه‏شرائط التمسّك بالإطلاقات و من هنا تسالموا على كون مقتضى الأصل اللفظي إطلاق الواجب عند الشكّ في الاشتراط كما ذكر في بحث المقدّمة كما أنه‏لا إشكال في عدم الرجوع إليه فيما لو علم بالقيد و الاشتراط و شكّ في أصل وجود القيد في الخارج من جهة الشبهة في الموضوع لا في كون الخارج من‏مصاديقه فيرجع فيه إلى الأصول العمليّة و إن اقتضت وجود الشرط كما إذا كان مسبوقا بالوجود أما لو علم بالاشتراط و القيد و شكّ في كون الموجود في‏الخارج من مصاديقه و أفراده فإن كان مستندا إلى الشبهة الموضوعيّة الخارجيّة فلا إشكال في عدم ظهور اللفظ و إطلاق له حتى يرجع إليه بالنسبة إلى‏هذا الشك و التردّد مطلقا كما هو الشأن في جميع موارد الشكّ في الأمور الخارجيّة لعدم تعلّق الشكّ بالمراد من اللفظ حتى يرجع إليه و إن كان مستندا إلى‏الشبهة المفهوميّة فإن كان التردّد بين المتباءنين فلا إشكال في عدم الظهور و سراية الإجمال إلى لفظ المطلق و إن كان التردّد في المراد من التقييد بين الأقل والأكثر كما هو الغالب في إجمال المفاهيم العرفيّة فإن كان المقيّد متّصلا فلا إشكال في سراية إجماله إلى لفظ المطلق و صيرورته مجملا أيضا و إن كان منفصلا فلا إشكال‏عندنا في عدم سراية إجماله إلى بيان المطلق ثم إن هذا كلّه فيما كان للمقيّد أو الخاص لفظ و عنوان قيّد به المطلق أو خصّص به العام و أما إذا لم يكن الأمركذلك بل ورد مطلق و علم تقييده بحكم العقل أو العرف بما يعلم تحققه في الخارج و عدمه في بعض الموارد في الجملة و شكّ في تحقّقه في بعضها من جهة عدم الإحاطةبحقيقته العرفية و لم يكن له عنوان فربما قيل بكونه من المقيّد المتّصل فيوجب الإجمال في المطلق مطلقا و لكن الأمر ليس كذلك عند شيخنا قدس سره على ما يظهر مما أفاده في‏المقام في وجه يحمل عليه كلامه إذا عرفت ذلك على سبيل الضابطة فنقول إنّه لا إشكال في إطلاق ما دلّ على تحريم المعلوم بالإجمال و شموله لمورد الشك‏في تحقق الابتلاء من جهة عدم العلم بحقيقته العرفيّة و المعلوم خروجه عنه هو ما علم تقبيح العرف إرادته من المطلق فيرجع في محلّ الشكّ إلى الإطلاق فيحكم‏بوجوب الاحتياط بعد شمول النهي و الحكم بتنجّزه بمقتضى الإطلاق فيصير مقتضى الأصل وجوب الاحتياط بعد هذه الملاحظة و على ما ذكرنا يحمل قوله قدس سره في‏
105
تقريب الأصل اللّفظي إلا أن هذا ليس بأولى من أن يقال إن الخطابات بالاجتناب عن المحرّمات مطلقة إلى آخر ما أفاده و إن كان ربما يستظهر منه في بادي‏النظر غير ما ذكرنا فتدبّر أمّا الكلام في الموضع الثالث فملخص القول فيه أن ما يصلح مميّزا لموارد الشكّ ممّا ورد شرعا في هذا الباب ليس إلاّ صحيحةعليّ بن جعفر بعد فساد حملها على ما أفاده الشيخ قدس سره على ما عرفت كفساد حملها على كون المراد منها بيان عدم وجوب الاحتياط في خصوص هذه الشبهةالمحصورة خروجا عن القاعدة المقررة في الشبهة المحصورة كما استبعده قدس سره في الكتاب بقوله إذ يبعد حملها على خروج ذلك إلخ أو مطلقا بانضمام عدم القول بالفصل‏بين أفراد الشبهة المحصورة على ما زعمه القائل بعدم وجوب الموافقة القطعيّة في الشبهة المحصورة بناء على أن الظاهر منها السؤال عن حكم خصوص الماء الذي في‏الإناء لا عن جميع أطراف الشبهة و المراد بالجواب بيان خصوص جواز استعمال الماء أو طهارته فيما لم يعلم بإصابة الدّم له لا البناء على طهارة جميع الأطراف الموجب‏للإذن في المخالفة القطعيّة بتقريب أن حملها على ما ذكرنا من الضابطة لعدم وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة من حيث خروج ظهر الإناء عن محلّ الابتلاءغالبا يوجب تبين الحال و رفع الاشتباه عن غالب موارده و إن لم يوجب رفع الاشتباه عن جميع موارده فإنه بعد عرض موارد الاشتباه على مورد الصحيحة يحكم‏بعدم تحقق الابتلاء فيما كان مساويا له من حيث الوضوح و الخفاء و ما كان أجلى منه من حيث عدم الابتلاء نعم يبقى ما كان أخفى منه من حيث تحقّق عدم‏الابتلاء و هو قليل في الغاية و إلى ما ذكرنا كله أشار قدس سره بقوله إلا أن يقال إن المستفاد من صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة كون الماء و ظاهر الإناء إلى آخره‏
في التنبيه الرابع من تنبيهات الشبهة المحصورة الذي يتوهّم الأمور
قوله قدس سره‏الرابع أن الثابت في كل من المشتبهين لأجل العلم الإجمالي بوجود الحرام إلى آخره‏(1) أقول لما كان هذا الأمر أهمّ الأمور في هذا الباب و قد اشتبه أمره على بعض الأساطين من‏المتقدّمين و غير واحد من المتأخرين و إن كان واضحا عند المشهور فبالحريّ أن نبسط فيه الكلام حسبما يساعدنا التوفيق من الملك العلام فنقول إنّ‏الحكم الشرعي المتعلّق بالنجس الواقعي أو الحرام الواقعي على أنحاء فإنه قد يتعلق بهما من حيث تعلّقه بالفعل المتعلق بهما أوّلا و بالذات كالحرمة المتعلّقة بفعل المكلّف‏المتعلّق بالنجس و الحرام كحرمة أكلهما و شربهما أو الانتفاع بهما أو التصرّف في الحرام كما في الغصب أو الصلاة فيهما و لو بالحرمة التشريعيّة إلى غير ذلك و قد يتعلّق بفعل‏المكلف المتعلّق بالحرام مثلا بواسطة فعل آخر للمكلّف متعلق بالحرام كوجوب إقامة الحدّ مثلا المتعلّق بالخمر من حيث الشرب المتعلّق به و قد يتعلّق بفعل المكلّف‏المتعلق بهما بواسطة أمر متعلّق بهما ليس من مقولة فعل المكلف أصلا كوجوب الاجتناب المتعلّق بملاقي النجس بتوسّط الملاقاة التي ليست من مقولة الفعل‏أصلا أمّا الأوّل فلا إشكال في تنجّزه على المكلّف بعد العلم الإجمالي بوجود الحرام أو النجس بين المشتبهين مثلا المقتضي في حكم العقل و الشرع لوجوب الاحتياطعن جميع أطراف الشبهة على ما عرفت عند الكلام في أصل المسألة على المشهور الذي قويناه في قبال بعض من خالفهم فيجب الاجتناب عن كلّ مشتبه بالحرام أو النجس المعلومين‏إجمالا من باب المقدّمة العمليّة لتحصيل اليقين بالبراءة بعد ثبوت الاشتغال بهما من جهة دفع الضرر المحتمل فيه و لو بالوجوب الإرشادي العقلي فهذا الحكم‏يسري من الحرام الواقعي إلى المشتبهين من باب المقدّميّة و لو كان الحكمان مختلفين من حيث النفسيّة و المقدّميّة و من حيث الشرعيّة و الإرشاديّة و من حيث الظاهريّةو الواقعيّة أما الأخيران فلا إشكال بل لا خلاف في عدم اقتضائهما شيئا على المكلّف بمجرّد العلم بوجود الحرام بل لا يعقل اقتضاؤهما له ضرورة لزوم الخلف من‏الاقتضاء كما هو واضح على الأوائل فضلا عن الأواخر و منه يظهر أنه لا معنى لتوهّم اقتضائهما الالتزام بهما ظاهرا عند ارتكاب أحد المشتبهين من باب المقدّمةالعلميّة فلا معنى لإقامة الحدّ مثلا على من شرب أحد المشتبهين بالخمر بتوهّم وجوب تحصيل العلم بإقامة الحدّ على من شرب الخمر ضرورة أن وجوب تحصيل العلم إنّما هو بعدثبوت التكليف بمجرّد العلم الإجمالي بالحرام فإذا لم يثبت ذلك على ما عرفت فلا معنى لإيجاب العقل تحصيل العلم المتوقف على الاحتياط من جميع أطراف‏الشبهة فالمرتكب لأحد المشتبهين بالخمر كالمرتكب للمشتبه بالخمر و مشكوكه بالشبهة المجرّدة في عدم جواز إقامة الحدّ عليه من غير فرق بينهما من هذه الجهة أصلا و هذامعنى ما يستفاد من إفادات شيخنا قدس سره من عدم جريان باب المقدّميّة بالنسبة إلى الآثار المترتّبة على فعل الحرام فإن شئت قلت وجوب إقامة الحدّمثلا إنما هو على من شرب الخمر من المكلّفين و دخل في هذا العنوان و مجرّد العلم بوجود الخمر بين المشتبهين لا يقتضي حصول تعلّق هذا التكليف و وجوده في‏الخارج و هو شرب المكلّف له فلا معنى لجريان المقدّميّة و لا يعلم صدقه بالفرض على شرب أحد المشتبهين فلا محالة يتعيّن الرجوع إلى أصالة عدم تحقّق موجب‏الحدّ كارتكاب الشبهة المجرّدة على ما عرفت و هذا معنى ما قرع سمعك أن فعل الحرام بالنسبة إلى هذه الآثار من قبيل الوضع فلا معنى للحكم بثبوتها من دون‏العلم به حيث إن شرب الخمر مثلا سبب في حكم الشارع لوجوب إقامة الحدّ على شاربه فإن علم بهذه العلامة الوضعيّة وجب ترتيب أثرها عليها عند اجتماع الشرائطو إلاّ فيرجع إلى أصالة عدم وجود السبب فيحكم بعدم المسبب فالقاتل لأحد المشتبهين بمهدور الدّم لا يجوز قصاصه و إن كان معاقبا مطلقا أو عند المصادفةلقتل محقون الدم و هكذا بالنسبة إلى سائر الآثار التي تكون من هذا القبيل نعم لا إشكال في لزوم الالتزام بمقتضائهما عند ارتكاب كلا المشتبهين‏للعلم بحصول متعلّقها حينئد لكنّه خارج عن محلّ الكلام هذا و قد يستدلّ للمدّعى في كثير من الموارد و الأمثلة بأن الأمر فيه دائر بين المحذورين فإنه كما يجب إقامةالحدّ على من شرب الخمر أو زنى بامرأة أو أوقب غلاما مثلا كذلك يحرم إقامة الحدّ على من لم يشرب الخمر و لم يزن و لم يدخل بغلام ففي ارتكاب أحد المشتبهين يدورالأمر بين المحذورين و هكذا في مسألة القصاص فيما وجب و أمثالها من موارد الدوران و فيه ما لا يخفى فإن نتيجة ذلك جواز ترتيب آثار فعل الحرام‏
106
تخييرا و هو كما ترى و قد يستدل له أيضا في الجملة مما دل على درء الحدود بالشبهات منطوقا أو من باب فحوى الخطاب و الأولى ما ذكرنا في تقريب الاستدلال‏من حيث إن غيره على تقدير تماميته لا يفي بالمدّعى في جميع صوره
في حكم ملاقي الشبهة المحصورة
ثم إن ما ذكرنا من حكم الأقسام مما لا إشكال بل لا خلاف فيه ظاهرا بين أهل العلم من حيث‏الكبرى و إن وقع الإشكال بل الخلاف بينهم من حيث الصغرى في بعض الموارد كما في ملاقي أحد المشتبهين بالشبهة المحصورة فإنّ المحكيّ عن المشهور عدم وجوب‏الاجتناب عنه و ترتيب آثار الطهارة عليه و المحكي عن بعض الأصحاب وجوب الاجتناب عنه كالملاقى بالفتح و مبنى الإشكال و الخلاف بينهم مع اتفاقهم على ماذكرنا في حكم الأقسام على أنه هل يكون هناك ملازمة بين وجوب الاجتناب عن الشي‏ء و الاجتناب عن ملاقيه كلّيّة بحيث يكون الخطاب الدّال عليه بالدلالة الأوليّةدالاّ عليه بالملاحظة الثانويّة و بالملازمة أو لا يكون بينهما ملازمة أصلا فلا يكون الخطاب الدالّ عليه دالاّ على وجوب الاجتناب عن ملاقيه فيكون الدليل على‏وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس بناء عليه هو الدليل الخاصّ الخارجي التعبّدي الدالّ على تنجّس ملاقي خصوص النجس من غير أن يكون للدليل الدال على وجوب‏الاجتناب عن النجاسات دلالة على وجوب الاجتناب عن ملاقيها بإحدى الدلالات أصلا بل المراد منها خصوص الاجتناب عن أعيانها ليس إلاّ بحيث لو لم‏يثبت هذا الحكم التعبّدي في باب النجاسات لم يقل به من حيث انتفاء دليل يدلّ عليه فيكون ملاقاة الظاهر للنجس مع التأثر و السراية سببا تعبّديا في‏حكم الشارع لتنجسه و وجوب الاجتناب عنه فيدخل في القسمين الأخيرين من الأقسام و المدّعي لوجوب الاجتناب عن ملاقي أحد المشتبهين إنما يقول به من‏جهة ما استفاده من الملازمة المذكورة بين وجوب الاجتناب عن الشي‏ء و ما يلاقيه بزعمه لا من جهة ما دلّ على تنجّس ملاقي النجس ضرورة عدم حكم أحد بنجاسة المشتبهين‏و إلاّ لم يكن معنى للاشتباه و هو خلف و المفروض عدم جريان باب المقدّميّة بالنسبة إلى هذا النحو من الأثر أيضا على ما أسمعناك فخلافه ليس في المعنى الذي‏ذكرنا أصلا نعم هنا مسلك آخر للحكم بوجوب الاجتناب عن ملاقي أحد المشتبهين سلكه بعض الأصحاب يغاير المسلك المعروف ستقف عليه بعدالتكلّم فيما هو المعروف بينهم‏
في الاستدلال على الملازمة بوجهين و الجواب عنهما
فنقول قد استدلّ على الملازمة المذكورة في قبال المشهور القائلين بعدم الملازمة و الرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى الملاقي بالكسر بوجهين‏ أحدهما ظهور ما دل على وجوب الاجتناب عن الشي‏ء فإن ظاهره وجوب الاجتناب عما يلاقيه فما دلّ على وجوب الاجتناب عن كل مشيّة في الفرض يدلّ‏على وجوب الاجتناب عمّا يلاقيه و من هنا استدل في محكّي الغنية على تنجّس الماء القليل بملاقاة النجاسة و وجوب الاجتناب عنه بما دلّ على وجوب هجرالنجاسات من الآية الشريفة فإنه لو لا الملازمة المدعاة لم يكن معنى للاستدلال المذكور أصلا كما لا يخفى ثانيهما ما في بعض الأخبار من استدلاله عليه السلام على حرمة الطعام الذي مات فيه الفأرة بأن اللّه تعالى حرّم الميتة من كلّ شي‏ء حيث قال عليه السلام للراوي بعد حكمه عليه السلام بوجوب الاجتناب عن السمن و الزيت اللذين مات‏فيهما الفأرة و قول السائل عقيبه إنّ الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي لأجلها إنك لم تستخف بالفأرة و إنما استخفت بدينك إن اللّه حرّم الميتة من كل‏شي‏ء و لو لا استلزام تحريم الشي‏ء و وجوب الاجتناب عنه تحريم ما يلاقيه و وجوب الاجتناب عنه لم يكن أكل الطعام استخفافا بتحريم الميتة فلم يكن‏معنى لقوله عليه السلام إن اللّه حرّم الميتة من كل شي‏ء فيدلّ الرواية على كون الكبرى و الملازمة بين وجوب الاجتناب عن الشي‏ء و وجوب الاجتناب عمّا يلاقيه‏مفروغا عنه و مسلّما في الخارج إذ لو لا مسلّمية الكبرى لم تصحّ الاستدلال بصغرى القياس كما هو ظاهر فيستفاد من الرواية وجوب الاجتناب عن ملاقي أحدالمشتبهين من جهة وجوب الاجتناب عما لاقاه بالفرض نظرا إلى الملازمة المستفادة منها و إلى ما ذكرنا يرجع ما عن العلامة قدس سره في المنتهى في الاستدلال على‏وجوب الاجتناب عن ملاقي أحد المشتبهين من أن الشارع أعطاهما حكم النجس إذ لم يقل أحد بأن كل واحد من المشتبهين في حكم النجس بالنسبة إلى جميع الآثاربل الغرض كونه في حكمه بالنسبة إلى خصوص وجوب الاجتناب عما يلاقيه نظرا إلى الملازمة المذكورة هذا حاصل ما قيل في وجه إثبات الملازمة ولكنك خبير بفساد كلا الوجهين أمّا الأوّل فلمنع ظهور دليل وجوب الاجتناب عن الشي‏ء و تحريمه إلا في الاجتناب عن عينه في الأكل و الشرب ونحوهما ممّا يتعلّق به من الأفعال المقصودة الظاهرة عند الإطلاق من دون أن يكون له ظهور في حكم ما يلاقيه نفيا و إثباتا أصلا و دعواه لا شاهدلها جزما بل الشاهد بملاحظة عرف الخطابات على خلافها كما لا يخفى على من راجعه و أمّا الثّاني فلأنه يتوجّه عليه أوّلا ضعف الرواية سندا وثانيا بأن المراد من تحريم الميتة منها إنما هو من حيث نجاستها لا من الحيثية الأخرى الثابتة لها مع قطع النظر عن نجاستها فإنّ الملازمة المسلّمة الثابتة عندالسائل المفروغ عنها في الخارج إنما هي بين نجاسة الشي‏ء و نجاسة ملاقيه لا حرمة الشي‏ء و حرمة ملاقيه فلا يتم كلامه المسوق لبيان الإلزام إلاّ بحمله على ما ذكرناهذا مضافا إلى أن حمل الرواية على ما زعمه المستدلّ موجب لتخصيص الأكثر المستهجن جدّا ضرورة عدم الملازمة بين حرمة الشي‏ء و حرمة ملاقيه بالنسبة إلى‏غير النجاسات من المحرّمات بل الثابت خلافها فإذا لا ينفع الرواية للمستدل أصلا فإن مجرّد وجوب الاجتناب و التحريم لا يدلّ على النجاسة حتى يدلّ على‏نجاسة ملاقيه فيستدلّ بها للمقام مضافا إلى أنه على تقدير الدلالة لا ينفع في المقام جدّا لما عرفت من عدم توهّم أحد كون كل من المشتبهين بالنجس‏نجسا هذا حاصل ما يستفاد من إفادته في الكتاب‏ و قد يناقش فيه بأن هذا المعنى المسلّم يكفي المستدلّ أيضا بناء على كون الأحكام الوضعيّة حتى الطهارةو النجاسة كما يظهر من الشهيد قدس سره من الأمور الاعتبارية فإن مرجع نجاسة الميتة على هذا في حكم الشارع إلى جعل وجوب الاجتناب عنها فيرجع الأمر بالآخرة
107
إلى الملازمة بين وجوب الاجتناب عن الشي‏ء و ما يلاقيه فيدل على حكم المقام أيضا و دعوى ابتناء الرواية حينئذ على ثبوت الملازمة المختصّة بين الحكمين في‏خصوص النجاسات لا مطلقا و إلا لزمه تخصيص الأكثر القبيح كما ترى نعم على القول بكون الأحكام الوضعيّة حتى الطهارة و النجاسة مجعولة أو أموراواقعيّة كشف عنها الشارع لم تدل الرواية على حكم المقام على تقدير حملها على ثبوت الملازمة بين نجاسة الشي‏ء و نجاسة ما يلاقيه كما لا يخفى و المستظهرعند شيخنا قدس سره نفي الجعل بالنسبة إلى الأحكام الوضعيّة مطلقا كما يفصح عنه كلامه في الجزء الثالث من الكتاب و إن لم يستبعد الوجه الأخير بالنسبة إلى بعضهاكالملكية و الزوجيّة و أضرابهما هذا و لكن يمكن أن يقال إن المقصود من الرواية ليس بيان الملازمة أصلا و إنما الغرض منها كون الميتة من النجاسات و إلاّفأصل الحكم و هو تنجّس ملاقي النجس تعبّدا كان معلوما للسائل فالغرض إرشاد السائل إلى نجاسته فتدبّر هذا كله مع أن في الجواب الأوّل و هو ضعف الروايةسندا غنى و كفاية و كون الحكم المذكور فيها مسلّما بينهم لا يدلّ على تمسّكهم فيه بالرواية مع وجود العموم المسلّم عندهم بل ذكرها في كلماتهم ربما لا يدلّ عليه أيضافلعلّ الغرض تأييد العموم بها
جوابان آخران عن الوجه الأوّل ينبغي التعرّض لهما
و هنا جوابان آخران عن الوجه الأول سبقا ببالي القاصر ينبغي التعرّض لهما الأوّل أن الظهور المذكور مضافا إلى ماعرفت من تطرّق المنع إليه موهون بخروج غير النجاسات و المشتبهين بالنجس إذ لم يذهب أحد إلى وجوب الاجتناب كليّة عن ملاقي جميع المحرّمات حتى ملاقي‏أحد المشتبهين بالحرام إذا لم يكن نجسا كما هو المستظهر حتى الخصم فكيف يدّعي مع ذلك ظهور دليل وجوب الاجتناب عن الشي‏ء على وجوب الاجتناب عمّايلاقيه مع القطع بعدم إرادته في أكثر الاستعمالات بل كلّها إلاّ نادرا الثاني أنه على فرض ظهور ما دلّ على وجوب الاجتناب عن الشي‏ء على وجوب‏الاجتناب عما يلاقيه و عدم وهنه بما ذكر فإنما هو بالنسبة إلى غير المقام و أمّا المقام فيعلم بقصر دلالة الدليل على وجوب الاجتناب عن نفس المشتبهين‏ليس إلاّ و الوجه فيه أنك قد عرفت أن الدليل على وجوب الاجتناب و الاحتياط في الشبهة المحصورة أمران أحدهما حكم العقل بذلك بعد تنجّز الخطاب وثبوت الاشتغال بالواقع المردّد من جهة العلم الإجمالي على ما عرفت شرح القول فيه ثانيهما حكم الشرع به من جهة الأخبار المتقدّمة و من المعلوم عدم‏دلالة شي‏ء منهما على وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه أما العقل فظاهر من حيث أن حكمه بوجوب الاجتناب عن كل مشتبه من جهة كونه من أطراف الشبهةو من محتملات المعلوم بالإجمال و لا يتحقق هذا المناط في الملاقي بالكسر قطعا و أما الشرع فلما عرفت من أن مفاد الدال من الأخبار على وجوب الاجتناب‏في الشبهة المحصورة هو مفاد حكم العقل بذلك من دون زيادة و نقيصة فهي مؤكّدة لحكم العقل بذلك حقيقة أ لا ترى إلى قوله عليه السلام في المرسلة اتركواما لا بأس به حذرا عمّا به البأس نعم لو كان مفاده إثبات الحكم الشرعي الظاهري لوجوب الاجتناب عن كل مشتبه بحيث لم يكن ناظرا إلى حكم العقل‏أصلا على ما ذهب إلى بعض الأوهام كان الاستدلال به على حكم المقام مستقيما على تقدير الإغماض عما عرفت و دون إثباته خرط القتاد فإن قلت كيف يمنع حكم العقل بوجوب الاحتياط بالنسبة إلى الملاقي بالكسر مع أن مناط حكمه بوجوب الاحتياط عن المشتبهين متحقق بالنسبة إليه أيضا من حيث‏إن محلّ الكلام و البحث في ملاقي أحد المشتبهين إنما هو فيما تأثر بالملاقاة إذ لم يقل أحد بوجوب الاجتناب فيما لم يتأثر قطعا حتى في ملاقي النجس فضلا عن ملاقي‏المشتبه و من المعلوم أن الأثر القائم بالملاقي بالكسر هو عين ما حكم به العقل و الشرع بوجوب الاجتناب عنه عند قيامه بالملاقى بالفتح و تحصّله فيه ومن المعلوم ضرورة عدم تأثير تعدّد المحل و اختلافه و تغيّره و تبدّله في حكم الحالّ فإذا حكم بوجوب الاجتناب عن الأثر القائم بالملاقي بالكسر من حيث‏كونه عين ما كان قائما بالملاقى بل من أجزائه حقيقة فيجب الحكم بوجوب الاجتناب عن محلّه أيضا لعدم تغاير حكم الحال و المحلّ في الشرع و مقتضاه كما ترى‏هو ثبوت الملازمة بين المتلاقيين في الحكم كما لا يخفى قلت مجرّد اختصاص النزاع و محلّ الكلام بصورة التأثّر لا يوجب الحكم بوجوب الاجتناب‏عن الملاقي بالكسر ضرورة اختصاص النزاع أيضا بما إذا لم يكن في الملاقي بالكسر ما يصدق عليه عنوان الملاقى بالفتح و إلا فلا إشكال و لا خلاف في الحكم‏بوجوب الاجتناب عنه سواء في المقام أو في ملاقي النجس أو المتنجّس و مجرّد التأثر لا يوجب صدق العنوان على الأثر القائم بالمتأثّر ضرورة ارتفاع‏الصدق كثيرا بتلاقي الأجزاء و افتراقها و انعدام العنوان الصادق عليها عند الاجتماع من جهة دخل الهيئة الاجتماعيّة في صدق العنوان و من‏هنا يختلف حكم الأجزاء عند الافتراق مع حكمها عند الاجتماع كثيرا كاختلاف الآثار الحسيّة و من هنا حكموا بأن بقاء الأجزاء الصغار من الغاية في‏محلّها في التطهير بالاستجمار لا ينافي تحقق الطهارة و إن بقاء اللون في المصبوغ بالمتنجّس بل النجس لا ينافي حصول الطهارة له بالتطهير مع أن المحقّق‏عند محققي الحكماء استحالة بقاء اللون مع انعدام العين القائم به رأسا من حيث استلزامه عندهم وجود العرض لا في موضوع من بقاء اللون فقطو هو محال و أن تفريق المال المغصوب و تجزيته يوجب انتقال العهدة و الضمان إلى القيمة في كثير من موارده إلى غير ذلك مما تسالموا عليه و قالوا به هذاما يقال في الجواب عن السؤال في النظر الأول‏
في الإشارة إلى ضعف الجواب و السؤال عند النظر الثاني‏
و لكن الذي يقتضيه النظر الثاني ضعف كل من السؤال و الجواب أمّا السؤال فلابتنائه على الغفلة عما هومحلّ النزاع و البحث فإن الكلام إنما هو في حكم الملاقي من حيث ملاقاته لما يجب الاجتناب عنه و أما الأثر القائم فيما اتفق فلا إشكال في وجوب‏الاجتناب عنه ما دام موجودا لكن لا يجب إزالته بالطرق الشرعيّة المقررّة في تطهير النجاسات حتى يقال إنه عين الالتزام بوجوب الاجتناب عن الملاقي‏
108
بالكسر بل يكفي مجرّد زواله و لو بفعل غير المكلّف كالريح و الشمس أو بنفسه في رفع الوجوب كما إذا فرض الملاقى المشتبه ماء مثلا لاقاه ثوب المكلف أو بدنه‏فيبسا فالحكم بوجوب الاجتناب عن الأثر القائم بالملاقي بالكسر ما دام موجودا لا دخل له بوجوب الاجتناب عن نفس الملاقي كما لا يخفى‏
في أن ما ذكر يجري في ملاقي النجس المعلوم‏
ثم إنّ هذاالذي ذكرنا في بيان محلّ الكلام ليس مختصّا بالمقام بل يجري في ملاقي النجس المعلوم أيضا فإن البحث في دلالة ما دل على وجوب الاجتناب عن النجس وهجره على وجوب الاجتناب عن ملاقيه إنما هو في الملاقي من حيث هو لا في الأثر القائم عليه فيما فرض قيامه به و هذا الذي ذكرنا من غاية ظهوره لا يعتريه‏شبهة أصلا لمن كان له أدنى تأمل في كلماتهم فإن قلت لو كان الأمر كما ذكر لزم الحكم بطهارة أحد الإناءين إذا جفّ ماؤه المشتبه مثلا أو أهريق مع أنّ‏ظاهرهم عدم الالتزام بذلك قلت لا إشكال في لزوم الالتزام به فيما لم يوجد له طرف آخر يصيران موردين للعلم الإجمالي تنجّس أحدهما فإنه من جزئيّات‏محلّ البحث و أفراده و استظهار عدم التزامهم بذلك في غير محلّه إذ لا شاهد له أصلا بل قضيّة إطلاق كلامهم و عمومه شموله للفرض كما لا يخفى و أما الجواب‏فلأنه يتوجّه عليه أولا ما توجّه على السؤال فإن ظاهره بل صريحه تسليم كون النزاع في الحال و المحلّ جميعا مع أنك قد عرفت فساده و ثانيا بأنّ حديث ارتفاع‏الصدق و العنوان و التسمية بتفرق الأجزاء أجنبيّ عن المقام و إن كان صحيحا في الجملة و مسلّما عند كل أحد لأن حكم العقل بوجوب الاحتياط عن كلّ واحدمن المشتبهين ليس من حيث كونه ماء أو دبسا أو زبيبا أو سمنا مثلا حتى يقال بعدم صدق هذه العنوانات عند تشتت الأجزاء و تفرّقها بل من حيث كونه‏مشتبها و طرفا للعلم الإجمالي و من المعلوم بقاء هذا العنوان و صدقه على الأجزاء المتفرقة الصغار هذا مضافا إلى أن ارتفاع الصدق في الجملة على تقديركون الحكم العقلي للعنوانات الخاصّة لا يجدي بالنسبة إلى ما يكون عنوانه صادقا مع التفرق أيضا كما هو ظاهر و القول بتتميمم المدّعى بعدم القول بالفصل كما ترى‏و أما الأمثلة المذكورة لارتفاع الحكم الشرعي بارتفاع العنوان المعلّق عليه الحكم بتفرّق الأجزاء فإن كان المقصود منها إثبات ذلك في الجملة فقد عرفت‏أنه لا خفاء فيه و ليس محلاّ لإنكار أحد لكنه لا ينفع في المقام أصلا و إن كان المقصود منها إثبات الكليّة فتطرق المنع إليه جليّ هذا مع ما عرفت من عدم‏لحوق الحكم في المقام للعنوانات الخاصّة مضافا إلى تطرّق المناقشة إلى بعض الأمثلة المذكورة كما في مثال الاستجمار فإن حكم الشارع و الأصحاب قاطبةبطهارة المحلّ مع بقاء أجزاء الصغار فيه ليس من حيث ارتفاع التسمية و العنوان و إلاّ لزم الحكم بطهارته و الحال هذه إن كان تطهيره بالماء أيضا مع أنه خلاف‏قضيّة كلماتهم و اتفاقهم على بقاء النجاسة مع بقائها في المحلّ بل من جهة صدق عنوان النقاء عليه عرفا الذي تعلّق به الحكم بالطهارة في الاستجمار دون التطهير بالماءو لو مثل بماء الاستنجاء من حيث حكمهم بطهارته مع اجتماع الشرائط فيه فيما لو وجد فيه أجزاء الصغار من الغاية ما لم يبلغ حدّ التغيّر كان أولى فتأمل و ثالثا بأن ملاقاة شي‏ء لأحد المشتبهين ليس ملازما لاستصحاب بعض أجزائه كما أن محلّ الخلاف ليس مختصّا به بل الكلام فيه من حيث الملاقاة كما أن الكلام في ملاقي النّجس‏من حيث الملاقاة أيضا على ما عرفت الإشارة إليه فتلخّص مما ذكرنا كله فساد الملازمة المدّعاة في كلام الجماعة بين وجوب الاجتناب عن شي‏ء و وجوب الاجتناب عمايلاقيه نعم قد يستفاد منه بواسطة بعض الأمارات الخارجيّة كما في ملاقي البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء فإنه استفيد من أمر الشارع بالطهارة عقيبه كونه‏من جهة تقديم ظهور نجاسته من جهة الغلبة على الأصل فالأمر بالطهارة من حيث الحكم الظاهري بكونه نجسا فيحكم بترتيب جميع الآثار عليه التي منها نجاسة ما يلاقيه‏فلم يدلّ مجرّد الأمر بالاجتناب عنه أو الطهارة عقيبه على وجوب الاجتناب عما يلاقيه فلا تعلّق له بالملازمة المذكورة أصلا و ممّا ذكرنا في بيان حال ملاقي‏البلل يندفع تعجّب صاحب الحدائق قدس سره من حكم الأصحاب بنجاسة ما يلاقيه و طهارة ملاقي أحد المشتبهين مع أنه لم يحكم الشارع في البلل و الملاقى بالفتح إلا ببعض أحكام‏النجاسة و هو وجوب الاجتناب في الملاقي و وجوب الوضوء عقيب البلل هذا و ظاهر عبارة الكتاب كون كلام صاحب الحدائق في نفس البلل لا فيما يلاقيه‏
في ذكر المسلكين الأخيرين لوجوب الاجتناب عن الملاقي‏
هذا بعض الكلام في المسلك المعروف لإثبات وجوب الاجتناب عن ملاقي أحد المشتبهين و هنا مسلكان آخران تعرض لأحدهما شيخنا الأستاذ العلاّمة في الكتاب من‏دون ابتنائهما على المسلك المعروف لا بد من التعرّض لهما الأوّل أن الملاقي بالكسر مورد للعلم الإجمالي بالنجاسة كالملاقى بالفتح غاية ما هناك كونهما معاطرفا و صاحب الملاقى طرفا آخر فهو نظير ما لو قسّم أحد المشتبهين قسمين و جعل كلّ في إناء فإنه لا ريب في وجوب الاجتناب عنهما معا و لا خلاف فيه أيضافيلزم أن يحكم به في المقام أيضا و هذا الوجه هو الذي أشار إليه شيخنا قدس سره في الكتاب بقوله فإن قلت وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه و إن لم يكن من‏حيث ملاقاته له إلى آخر ما أفاده و حاصله كون الملاقي كالملاقى طرفا فإما أن يحكم بعدم جريان الأصل فيه كما في الملاقى و صاحبه لمكان العلم الإجمالي‏أو يتعارض الأصل فيه مع الأصل في صاحب الملاقى على الوجهين في الرجوع إلى أصالة الاحتياط كما عرفت الكلام فيهما غاية ما هناك كون الأصل‏في صاحب الملاقى في الفرض معارضا بأصلين معاضدين لكنه لا يجدي بعد البناء على عدم الترجيح في تعارض الأصول بل قد يقال بكون المقام أولى‏بالحكم بوجوب الاجتناب فيه عن ملاقي النجس المعلوم مع الإغماض عن سببيّة الملاقاة فيه لنجاسته بحكم الشارع هذا و لكنّك خبير بفساد هذا المسلك‏و ابتنائه على المغالطة الواضحة حيث إنّه عند التأمّل مبنيّ على ما أوضحنا لك فساده غاية الإيضاح من كون النزاع فيما كان من أجزاء الملاقى موجودا في‏الملاقي بالكسر و إنه من باب مجرّد تبدّل المحلّ و الاجتماع و الافتراق و من هنا توهّم كون الملاقي بالكسر طرفا للعلم الإجمالي و إذ قد عرفت فساده بما لا مزيد
109
عليه تبيّن لك فساد دعوى كون الملاقي طرفا كالملاقى فظهر منه فساد جريان الوجهين للرجوع إلى قاعدة الشغل و الاحتياط في المشتبهين بالنسبة إلى‏الملاقي بالكسر أمّا عدم جريان حصول الغاية للطهارة و الحلّية في المشتبهين في المقام من حيث كون الغاية فيهما الأعمّ من العلم الإجمالي و العلم التفصيلي فلا يجري‏الأصل فلأنه إنما يعتبر بالنسبة إلى محتملات هذا المعلوم بالإجمال و الملاقي ليس من محتملاته قطعا و أما التعارض و التساقط فلأن الأصل في الملاقي بالكسر ليس‏في مرتبة الأصل الجاري في المشتبهين لكون الشّكّ فيه مسبّبا عن الشبهة القائمة بالمشتبهين و الشك المحقق بالنسبة إليهما فلا معنى لجريانه مع جريان الأصل فيهما حتى‏يعارضه الأصل في الملاقى بالفتح و يعارض الأصل في صاحبه على ما هو الشأن في كل أصل كان الشك المأخوذ فيه مسبّبا عن الشكّ في مجرى غيره من الأصول‏فإنه لا يحكم بجريانهما معا في زمان واحد سواء كانا متخالفين و متنافيين بحسب المفاد أو معاضدين كما ستقف على شرح القول فيه في الجزء الثالث فجريان‏الأصل في الشكّ المسبّبي مشروط بعدم جريان الأصل في الشك السببي في زمان جريانه سواء لم يجر أصلا أو جرى و حكم بعدم الالتفات إليه من جهة معارضةما هو في مرتبته من الأصول بناء على كون الحكم في تعارض الأصول هو التساقط كما هو الحق المحقّق في محله كما ستقف عليه و المفروض في المقام فإذا حكم بتعارض‏الأصلين في المشتبهين و تساقطهما فيجري الأصل في الملاقي سليما لعدم أصل في المشتبهين بعد التساقط بالفرض و هذا ما قرع سمعك من أنّ الأصل في الشكّ‏السببي حاكم على الأصل في الشكّ المسبب و بمنزلة الدليل بالنسبة إليه مطلقا سواء كانا متنافيين أو متوافقين من جنسين أو من جنس واحد حيث إن الحكومة بل‏الورود أيضا لا يختصّ بموارد وجود الدليل و الأصل في المسألة بل قد يتحققان في موارد وجود الاجتهاديّة أو الأصول غاية ما هناك عدم تحقّق التعارض‏بين الدليل و الأصل أصلا و رأسا و تحقّقه بين الأدلة و الأصول في الجملة على ما ستقف على تفصيل القول فيه في الجزء الثالث و الرابع من الكتاب و التعليقة
في أنه لا تعارض بين الأصل في الشّكّ السّببي و الأصل في الشّكّ المسبّبي‏
فما دام يكون الأصل في المشتبهين جاريا لم يجر الأصل في الملاقي بالكسر فإذا حكم بعدم جريانه فيهما أو جريانه فيهما مع تعارضهما و تساقطهما على أضعف الوجهين‏جرى الأصل في الملاقي بالكسر و هذا مطّرد في جميع ما يكون الشكّ في مجرى أحد الأصلين مسبّبا عن الشكّ في مجرى الآخر إلا في الأصل الموضوعي و الحكمي‏فيما إذا كان الشك في الحكم مسبّبا عن الشك في بقاء الموضوع حيث إنه لا يجري الأصل الحكمي مطلقا سواء جرى الأصل الموضوعي أو لا و لأجل ما ذكر حكمناتبعا للمحققين عند تتميمم الماء النجس كرّا بطاهر بأن مقتضى القاعدة بعد الحكم بتعارض الاستصحابين في المتمّم و المتمّم بناء على عدم جعل الملاقاة مقتضياو الكرّية عاصمة بعد قيام الإجماع على اتحاد حكم ماء الواحد هو الحكم بتساقطهما و الرجوع إلى قاعدة الطهارة الجارية في الماء أو جميع الأشياء و لايجعل معاضد الاستصحاب الطهارة و لا معارضا لاستصحاب النجاسة و إن قلنا بالترجيح في تعارض الأصول أيضا كالأدلّة على خلاف التحقيق الذي تقف‏عليه في محلّه من حيث إن الترجيح بين المتعارضين فيما كانت المزيّة في مرتبتهما و من هنا لا نقول بترجيح الأدلّة بموافقة الأصول‏ نعم على القول بعدم التنويع‏و كون الكريّة عاصمة يمكن الحكم بالنجاسة في الفرض من غير أن يحكم بجريان الأصلين بناء على استفادة اعتبار سبق الكريّة على الملاقاة في الاعتصام من قوله عليه السلام إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجّسه شي‏ء أو لم يحمل خبثا كما في بعض الروايات و إن كانت الاستفادة نظريّة و إلا حكم بتعارضهما و الرجوع إلى القاعدة من حيث إن‏المقتضي المقارن لوجود المانع لا يعلم تأثيره كما أنه لا يعلم تأثير المانع أيضا فيتعارض الأصل من الجانبين فتأمل و كذا حكم غير واحد في غسل محل النجس بماءين مشتبهين‏بعد الحكم بتساقط أصالتي عدم سبق كل من الظاهر و النجس و تقدّم الغسل به إلى قاعدة الطهارة لعدم كونها في مرتبة الأصلين و إن كان هناك قولان‏آخران أحدهما الحكم بنجاسته من حيث جريان استصحاب النجاسة و لو بالنسبة إلى الكلي الغير المعلوم الزوال و إن علم بارتفاع بعض خصوصياته ثانيهما الحكم بطهارته من حيث جريان استصحاب الطهارة الحاصلة عقيب زوال النجاسة الأوليّة قطعا و هذا معنى الأخذ بضدّ الحالة السّابقة في‏أمثال المقام كما هو أحد الأقوال في المسألة و إن كان الأوجه في المسألة الحكم بالاجتناب عن المحلّ كما أن الأوجه عند التوضّي أو الغسل بهما غفلةالحكم بعدم الاقتصار عليهما و التيمم معهما عند انحصار الماء فيهما و تحصيل الطهارة المتيقّنة للمحلّ و إعادتهما عند التمكّن من الماء الطاهر اليقيني‏ ثم إن هذا الذي ذكرنا من حكومة الأصل في الشكّ السببي على الأصل في الشك المسبب و عدم تعارضهما و عدم جريان الثاني ما دام الأوّل‏جاريا و جريانه فيما لا يجري فعلا و لو من جهة التعارض و التساقط إلا في الأصل الموضوعي و الحكمي فيما عرفت من الفرض و إن كان أمرا واضحا في نفسه و ستقف‏على شرح القول فيه في محلّه مع وضوحه إلا أنه مع ذلك قد خالف فيه المحقق القمي في بعض كلماته و إن وافقه في بعضها الآخر و بعض أفاضل من تأخّر بل قديظهر المخالفة عن بعض المتقدمين من الأصحاب رضوان الله عليهم كما يظهر مما أفاده المحقق قدس سره في باب الاستصحاب فإنه عارض استصحاب الطهارة فيما ستقف‏على كلامه باستصحاب اشتغال ذمّة المصلّي بالصلاة و غيره فيما يتلو عليك في باب الاستصحاب إن شاء الله تعالى الثّاني ما لم يتعرّض له شيخنا الأستاذالعلامة في الكتاب و إن أشار إليه في مجلس البحث من أن الحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي بالكسر ليس من جهة المدّعاة في كلام من تقدم حتى يمنع على ما سمعته‏و لا من جهة كونه من أطراف العلم الإجمالي المتحقق في الشبهة المحصورة على ما عرفت لكي يجاب عنه مما عرفت بل من جهة علم إجمالي آخر هو من أطرافه قطعا و هوالعلم بتنجّسه أو نجاسة صاحب الملاقى بالفتح و وجود هذا العلم الإجمالي ممّا لا يقبل الإنكار جدّا و قد أسمعناك مرارا في مطاوي كلماتنا تبعا لشيخنا
110
أنّه لا فرق في تأثير العلم الإجمالي في تنجّز الخطاب بالمعلوم و وجوب الاحتياط عن أطرافه بين تعلّقه بخطاب مفصل و تعلّقه بخطاب مردّد بين الخطابين كما في المقام حيث إنه يعلم بتوجّه‏أحد الخطابين إليه إمّا الخطاب بالاجتناب عن النجس أو الخطاب بالاجتناب عن المتنجّس و قد رأيت بعض أفاضل أهل العصر يجعل لزوم هذا المحذور من‏القول بالتعميم الذي ذكرنا دليلا على بطلانه بعد مسلميّة عدم وجوب الاحتياط عن ملاقي بعض أطراف الشبهة في زعمه هذا
في إثبات عدم وجوب الاحتياط في الملاقى و دفع ما توهمه بعض‏
و لكنّك خبير بضعف هذاالوجه أيضا كالوجه السابق بل كونه أضعف منه بمراتب عند التّأمّل بعد البناء على التعميم المذكور كما عليه مبنى هذا الوجه حيث إن المعلوم بالإجمال‏خطاب مفصّل لا تردّد فيه أصلا و إن تردّد متعلّقه بين المشتبهين أو المشتبهات بالشبهة المحصورة فإنا نعلم بتوجّه الخطاب بالاجتناب عن النّجس إلى‏المكلّف العالم بالإجمال جزما و لا تردد في تحقّقه و تنجّزه غاية ما هناك أنه يحتمل بالشك البدوي الغير المقرون بالعلم الإجمالي أصلا توجّه خطاب آخر إليه‏بالنسبة إلى الملاقي بالكسر من حيث احتمال كون متعلّق الخطاب المعلوم بالإجمال الملاقى بالفتح من المشتبهين و مجرّد ضم هذا المحتمل إلى صاحب الملاقى‏و ملاحظتهما معا و الغض و قطع النظر عن الملاقى بالفتح لا يوجب تغيّر الواقع قطعا فإن أراد المستدلّ وجود علمين و معلومين أحدهما تعلّق بالخطاب‏المفصّل و الآخر بالخطاب المردّد فالحوالة على الوجدان و إن أراد وجود علم واحد تعلّق بالخطاب المردّد بحيث يكون بعض أطرافه المشتبهين و بعض أطرافه‏الملاقي بالكسر فيقول أعلم إجمالا بنجاستهما أو تنجّس الملاقي فهو أشد ضعفا لما عرفت مرارا من أن تنجّسه من لوازم كون النجس الملاقى بالفتح فهذا احتمال‏حدث من العلم بخطاب مفصّل تعلّق بأحد المشتبهين لا أنه طرف له بحيث يكون المعلوم مردّدا بين الخطابين و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا و إن سلكه‏بعض السادة من أفاضل أهل العصر عند مناظرتي معه في المسألة للقول بوجوب الاحتياط عن ملاقي بعض المشتبهين‏ ثم إنه لا فرق في فساد هذاالوجه أيضا بين المسلكين للقول بوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة كما هو ظاهر فتبيّن ممّا ذكرنا كله أنه لا مناص عن القول بما ذهب إليه المشهور في‏المسألة من عدم وجوب الاحتياط عن ملاقي بعض المشتبهين و الرجوع إلى الأصل الجاري فيه نعم لو حكمنا بوجوب الاجتناب عن المشتبهين فيما كانامسبوقي النجاسة من جهة الاحتياط بعد إلغاء الاستصحابين بل من جهة الاستصحاب نظرا إلى عدم لزوم مخالفة قطعيّةلتكليف إلزامي من العمل بالاستصحابين في الفرض على ما أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا و سنفصّل القول فيه في محلّه لم يكن بدّ من القول بوجوب الاجتناب‏عن الملاقي من جهة الحكم بتنجّسه في مرحلة الظاهر من جهة استصحاب نجاسة الملاقى و لا يعارضه أصالة الطهارة في الملاقي من جهة حكومته عليها كما هوظاهر و لعلّه خارج عن مورد كلام المشهور و إن كان شيخنا يزعم إطلاقه كما ستقف على كلامه في ذلك كما أنه لا يكون بدّ من الاحتياط عن الملاقي فيما تحقق له‏طرف بحيث يعلم يتنجّس أحدهما كما إذا لاقى الشيئان المشتبهين بأن لاقى أحدهما أحدهما و لاقى الآخر الآخر فيما انحصر العلم الإجمالي في الشيئين لعين ما عرفت من‏الدليل لوجوب الاحتياط بالنسبة إلى المشتبهين‏
في حكم باقي صور مسألة الشبهة المحصورة
قوله قدس سره و لو كان ملاقاة شي‏ء لأحد المشتبهين إلى آخره‏(1) أقول ما تقدّم من الكلام كلّه في حكم الملاقي‏إنما هو بالنسبة إلى إحدى صور المسألة و هي ما لو كان ملاقاة شي‏ء لأحد المشتبهين بعد العلم الإجمالي و كان الملاقى بالفتح موجودا بقي الكلام في حكم باقي‏الصور المتصوّرة في المسألة و هي أربع صور لا خامس لها الأولى ما لو كانت الملاقاة قبل العلم الإجمالي مع بقاء الملاقى بالفتح و لا إشكال في عدم‏وجوب الاحتياط عن الملاقي في هذه الصورة أيضا كالصورة السابقة لعين ما عرفت من الوجه في تلك الصّورة الثانية ما لو كانت الملاقاة قبل العلم‏الإجمالي و حصل العلم بعد فقد الملاقى بالفتح و لا إشكال في وجوب الاحتياط عن الملاقي بالكسر في هذه الصورة و قيامه مقام الملاقى في وجوب الاجتناب‏عنه أمّا على ما اختاره غير واحد من المسلك للحكم بوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة من تعارض الأصلين في المشتبهين و تساقطهما و الرجوع إلى قاعدةالاحتياط من جهة العلم الإجمالي فواضح حيث إن الأصل في الملاقي بالكسر في الفرض لا محالة بالأصل في صاحب الملاقى حيث إنه لم يجر الأصل في الملاقى بالفتح‏حتى يعارضه الأصل في صاحبه و يبقى الأصل في الملاقي بالكسر سليما بعد تعارضهما و تساقطهما أمّا قبل حصول العلم الإجمالي فظاهر لعدم شكّ فيه أو عدم‏معارض للأصل الجاري فيه مع فرض الشكّ فيه أمّا بعده فلفرض عدم وجوده حتى يجري الأصل فيه و يعارض الأصل في صاحبه ضرورة عدم جريان‏الأصل في المعدوم لأن حكم الشارع بالبناء على طهارة الشي‏ء إنما يستقيم بالنسبة إلى ما يمكن حكمه بوجوب الاجتناب عنه و المعدوم ليس قابلا لذلك‏جزما فإن شئت قلت إن المعدوم الذي لا يمكن وجوده لا يمكن تعلّق الحكم الشرعي به سواء كان واقعيّا أو ظاهريّا ترخيصيّا أو إلزاميّا فإذا لم يجرالأصل في الملاقى بالفتح كان الأصل في صاحبه معارضا للأصل في الملاقي بالكسر لا محالة فيتساقطان و يرجع إلى الاحتياط بالنسبة إليهما حيث إنه‏يلزم من الرجوع إلى الأصل بالنسبة إليهما طرح العلم الإجمالي الموجود فيهما فلا بدّ من الحكم بالاحتياط الكليّ على ما هو الوجه في الحكم بوجوب الاحتياطفي أصل مسألة الشبهة المحصورة بالفرض و بالجملة المحذور اللازم من الرجوع إلى الأصلين في أصل المسألة يلزم من الجروع إلى الأصلين بالنسبة إلى‏الملاقي بالكسر و صاحب الملاقى بالفتح فلا مناص عن الرجوع إلى قاعدة الاحتياط اللازم هذا على مسلك التعارض و التساقط و الرجوع إلى قاعدةالاحتياط في أصل المسألة و أمّا على المسلك الذي اخترناه تبعا لشيخنا و وفاقا لغير واحد من عدم جريان أصالتي الطهارة و الإباحة فيما وجد العلم الإجمالي‏
111
المنجّز للخطاب لحصول الغاية الرافعة للأصلين و كون الاحتياط مرجعا من أول الأمر فيجب الاحتياط عن الملاقي بالكسر في الفرض أيضا نظرا إلى ما عرفت‏مرارا و ستعرفه من عدم الفرق في مانعيّة العلم الإجمالي من الأصل بين تعلّقه بالخطاب المفصّل المنجّز على كل تقدير و بين تعلقه بالخطاب المردّد المنجّزكذلك ضرورة تعلّق العلم في الفرض بالقسم الثاني حيث إنه يعلم بعد العلم بنجاسة أحد المشتبهين في المقام بتعلّق أحد الخطابين بالنسبة إليه و هو قوله‏اجتنب عن النجس على تقدير كون الباقي من المشتبهين مصداقا له أو قوله اجتنب عن المتنجّس على تقدير كون النجس هو المفقود و أمّا عدم الالتزام بذلك في‏الصورتين الأوليين فلما عرفت من عدم ترديد في الخطاب المعلوم بالإجمال أصلا غاية ما هناك احتمال وجود خطاب آخر بالشكّ البدوي فيرجع بالنسبة إليه‏إلى الأصل السليم الثالثة ما لو كانت الملاقاة بعد العلم الإجمالي مع فقد الملاقى بالفتح بعده أيضا لا إشكال في هذه الصّورة في عدم وجوب‏الاجتناب عن الملاقي و عدم قيامه مقام الملاقى أيضا على كل من المسلكين في وجوب الاحتياط عند العلم الإجمالي أمّا على مسلك التعارض و التساقط فسلامةالأصل في الملاقي في الصورة كالصورتين الأوليين عن معارضة الأصل في صاحب الملاقى لسقوطه من جهة المعارضة للأصل في الملاقى بالفتح فلا يمكن‏عوده بعد فقده فيكون الأصل في الملاقي سليما و لو لا ذلك لأمكنت الحيلة في الحكم بجواز ارتكاب أحد المشتبهين بإتلاف أحدهما و إبقاء الآخر حيث‏إنه يعود الأصل فيه سليما بناء على التوهم المذكور مع أنه كما ترى بمكان من الضعف و السقوط بحيث لم يتوهمه أحد و أمّا على ما اخترنا من المسلك في وجوب‏الاحتياط فالأمر أوضح لعدم جريان الأصل في المشتبهين في الفرض أصلا حتى يتوهّم المنع من الرجوع إلى الأصل في الملاقي بالكسر فإن شئت قلت إن الملاقي‏في الصورة ليس طرفا للعلم الإجمالي أصلا فكيف يؤثّر في المنع عن الرجوع إلى الأصل فيه و توهّم العلم الإجمالي بالخطاب المردّد في الفرض قد عرفت فساده‏بما لا مزيد عليه في الصورتين الأوليين الرابعة ما لو كانت الملاقاة قبل العلم الإجمالي مع كون فقد الملاقى و حصول العلم متقارنين و لا إشكال‏في الحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي بالكسر في هذه الصورة و قيامه مقام الملاقى كالصورة الثانية على المسلكين فإن تقارن الفقد مع حصول‏العلم أوجب عدم الأثر للعلم بالنسبة إلى المفقود و قيام ما لاقاه مقامه فيكون الأصل فيه معارضا لا محالة للأصل مع الطرف الآخر كما أنّ العلم‏الإجمالي بتنجّسه أو نجاسة الطرف الآخر يكون مؤثّرا في وجوب الاحتياط بالنسبة إليهما فالمسلكان لوجوب الاحتياط يقتضيان الحكم به في هذه‏الصورة من غير فرق بينهما أصلا كما لا يخفى نعم لمّا كان المختار عندنا من المسلكين الأخير منهما تبعا لشيخنا قدس سره و كان المعلوم بالإجمال في هذه‏الصورة كالصّورة الثانية الخطاب المردّد و كان في تأثيره كلام بل وجوه تقدّم شرح القول فيه في الجزء الأول من الكتاب و التعليقة و إن كان المختارإلحاقه بالخطاب المفصّل مطلقا أمر شيخنا الأستاذ العلامة بالتأمل عقيب الفراغ من بيان حكم الصّورة الثانية المشاركة للمقام في الحكم‏
في أنه لو اضطر إلى ارتكاب بعض الأطراف‏
قوله الخامس‏لو اضطرّ إلى ارتكاب بعض المحتملات فإن كان إلى آخره‏(1) أقول توضيح الكلام في المقام على وجه يرفع الحجاب عن وجه المرام هو أنه إذا حصل الاضطرار إلى‏ارتكاب بعض المحتملين أو بعض المحتملات في الشبهة المحصورة بحيث يحتمل انحصار المعلوم بالإجمال فيه في الصورة الثانية إما لدفع عطش مضر بحاله أو معالجةمرض فلا يخلو إما أن يكون الاضطرار إلى واحد معيّن من أطراف الشبهة كما إذا كان أحدهما ماء و الآخر ماء لرمّان مثلا فاضطرّ إلى شرب الماء من جهةرفع العطش أو إلى شرب ماء الرمّان من جهة المعالجة أو إلى واحد غير معيّن كما إذا كانت أطراف الشبهة جميعها ماء أو ماء الرمّان فاضطرّ المكلّف إلى‏شرب بعضها من جهة فقد غيرها من المياه الغير المقرونة بالعلم الإجمالي و على كل تقدير إما أن يكون الاضطرار قبل العلم الإجمالي أو بعده أو معه أمّالو كان الاضطرار إلى واحد معيّن فإن كان قبل العلم الإجمالي فلا إشكال في عدم وجوب الاجتناب عن غير المضطرّ إليه أيضا لعدم تأثير العلم الإجمالي في الفرض في الخطاب‏المنجّز حتى يحكم بوجوب الاجتناب عن غير ما قضت الضرورة بجواز ارتكابه حيث إن الحرام أو النجس لو كان هو المضطرّ إليه لم يحدث بالعلم الإجمالي خطاب‏بالاجتناب عنه أصلا غاية ما هناك احتمال وجود الخطاب باحتمال كون الحرام أو النجس غير المضطرّ إليه فيكون كالشبهة البدويّة في تعيين الرجوع إلى‏الأصل لا الرجوع إلى أصالة الاحتياط على ما أسمعناك شرح القول فيه مرارا من أن العلم الإجمالي الغير المؤثر في الخطاب المنجّز على كل تقدير وجوده‏كعدمه ضرورة عدم تأثيره في الاشتغال اليقيني حتى يقتضي بحكم العقل و الشرع من جهة دفع الضرر المحتمل و المقدّمة العلميّة البراءة اليقينية و إن‏كان بعده فلا إشكال في وجوب الاجتناب عن غير المضطر إليه كما لو لم يكن هناك اضطرارا لما أسمعناك سابقا من أنه بعدتنجّز الخطاب الاجتناب عن الحرام الواقعي يجب بحكم العقل إطاعته في المقدار المقدور من المحتملات و يقبح بحكمه إذن الشارع في ارتكاب جميع الأطراف‏فيجب بحكم العقل الاجتناب عن غير المضطرّ إليه فإن شئت قلت إن مقتضى اعتبار العلم الإجمالي و كونه مؤثرا في الخطاب المنجّز كما هو المفروض في المقام‏احتمال الضرر في كل محتمل من أطرافه و الاضطرار إلى واحد معيّن بعده لا يقتضي إلاّ ارتفاع الاحتمال المذكور بالنسبة إليه في حكم العقل على تقدير المصادفةللحرام فيلقى بالنسبة إلى غيره من محتملات المعلوم بالإجمال فيجب بحكم العقل الاجتناب عن جميع ما عداه دفعا للضرر المحتمل هذا بناء على ما قضى به التحقيق‏في باب إذن الشارع في ارتكاب بعض أطراف الشبهة و بنى عليه شيخنا الأمر عليه في الجزء الأوّل من الكتاب من عدم لزوم جعل البدل الظاهري للواقع‏على الشارع عند إذنه في ارتكاب بعض أطراف الشبهة و أما بناء على ما بنى الأمر عليه في هذا الجزء من عدم جواز الإذن عليه في ارتكاب البعض إلاّ بعد جعل‏
112
الاجتناب عن غيره من الأطراف بدلا ظاهريّا عن اجتناب الحرام الواقعي فكذلك أيضا لأن المفروض تنجّز الخطاب بالواقع من جهة العلم الإجمالي الحاصل‏قبل الاضطرار فلا يجوز الإذن من الشارع إلا بعد جعل البدل على ما هو مبنى هذه الطريقة و هذه بخلاف الصورة الأولى فإن المفروض فيها حصول‏الاضطرار قبل العلم الإجمالي و قد حكم بكونه مانعا من تنجّز الخطاب بالواقع المعلوم فليس هناك خطاب إلزامي منجّز بالنّسبة إلى الواقع حتى يمنع من إذن الشارع‏في محتملاته إلا بعد جعل البدل له هذا و إن كان مع العلم الإجمالي فلا إشكال أيضا في عدم وجوب الاحتياط بالنسبة إلى غير المضطرّ إليه كما في الصّورةالأولى لأنّ حصول الاضطرار مع العلم يمنع من تأثيره في إحداث الخطاب المنجّز بالنسبة إلى المعلوم بالمعنى الذي عرفته مرارا فلا مقتضي للحكم بوجوب الاحتياط بالنسبة إلى‏غير المضطرّ إليه هذا كلّه فيما لو كان الاضطرار إلى ارتكاب واحد معيّن من المشتبهين أو المشتبهات و أما لو كان إلى ارتكاب واحد غير معيّن فالحق هو وجوب‏الاجتناب عن غير المضطر إليه فيما كان الاضطرار قبل العلم الإجمالي فضلا عن القسمين الأخيرين لعدم مانعيّة الاضطرار إلى الغير المعيّن عن تنجّز الخطاب بالنسبةإلى الحرام المعلوم بالمعنى المقصود الذي عرفته مرارا و اجتماعهما فإنه لو فرض انقلاب علمه الإجمالي بالعلم التفصيلي و علم كون الحرام الواقعي هو هذابالخصوص أو ذاك لم يمنع الاضطرار إلى ارتكاب أحدها لا على التعيين عن الأمر بالاجتناب عنه منجّزا مثلا إذا كان هناك إناءان من ماء الرمّان و اضطرّ المكلّف‏من جهة المعالجة و انحصار ماء الرمّان فيهما إلى شرب أحدهما من غير فرق بينهما أصلا في رفع حاجته و اضطراره ثم علم بوقوع قطرة من البول مثلا في أحدهمالم يكن إشكال في صحّة توجيه الخطاب بالنجس الواقعي في الفرض و المثال بالمعنى الذي عرفته و عدم صلاحيّة سبق الاضطرار إلى شرب أحدهما لا على التعيين‏للمانعيّة عن توجيه الخطاب فيه و هذا و إن كان أمرا ظاهرا لا سترة فيه عند التأمّل و النظر التام إلا أنّه لمكان غموضه في أول النظر توجّه عليه سؤال أورده‏في الكتاب‏
ذكر الشبهات المتوجهة إلى المختار و هو وجوب الاحتياط الكلّي في الشبهة المحصورة و الجواب عنها
بقوله فإن قلت ترخيص ترك بعض المقدّمات دليل على عدم إرادة الحرام الواقعي إلى آخره‏و توضيحه أن التكليف بالواقع المجهول إن كان ثابتاو باقيا فلا يجوز الاكتفاء في امتثاله بغير الاحتياط الكلي و الاجتناب عن جميع أطراف الشبهة لعدم إحراز الواقع بدونه و إن لم يكن بالواقع بما هو هو باقياكما هو قضيّة تجويز ارتكاب بعض أطراف الشبهة فلا مقتضي لوجوب الاحتياط الجزئي و الاجتناب عن بعض أطراف الشبهة فإن شئت قلت إن ترخيص الشارع‏لارتكاب بعض أطراف الشبهة دليل على عدم تعلّق الإرادة الحتميّة بالاجتناب عن الحرام الواقعي من غير فرق بين ترخيص البعض المعيّن أو المردّد فإن‏الإذن في ترك المقدّمة المطلقة كاشف عن ارتفاع وجوب ذيها كما أنّ إيجابه ملازم في حكم العقل لإيجابها على ما حققنا القول فيه في بحث مقدّمةالواجب فالتلازم من الطرفين و الحاصل أن المضطر إليه الذي يرتكبه المكلّف لو كان حراما في علم اللّه قبح توجّه الخطاب بالنسبة إليه فلم يبق إلاّ احتمال‏توجّه الخطاب بالنسبة إلى المكلّف المضطر مطلقا فيرجع إلى البراءة لا إلى الاشتغال لرجوع الشك مع الاضطرار إلى الشك في أصل التكليف هذا و قدسبق ذكر هذه الشبهة في الجزء الأوّل عند الكلام في حجيّة مطلق الظنّ و لكنك خبير بضعف هذه الشبهة و فسادها أمّا أوّلا فبالنقض بمواردالأمارات المعتبرة و الأصول الشرعيّة المقتضية للاقتصار على بعض المحتملات الواقع كالأمارات القائمة على تعيين المكلّف به و الاستصحابات المقتضيةلذلك من الاستصحابات الموضوعيّة و الحكميّة كاستصحاب التمام أو القصر فإن تعلّق الإرادة الحتميّة بالواقع لا يجامع الاكتفاء و القناعة ببعض محتملاته‏على ما هو مبنى الشبهة المذكورة و مع عدم تعلّق الإرادة الحتميّة لا مقتضي لإيجاب سلوك ما يكون طريقا إليه أو ما يجب معه البناء على كونه الواقع الأوّلي‏ضرورة كون الحكم الظاهري مطلقا من غير فرق بين موارد الأمارات و مجاري الأصول تابعا لبقاء الحكم الواقعي و فرعا له و أمّا ثانيا فبالحلّ و بيانه أنه‏إن أريد من عدم كفاية غير الاحتياط في امتثال الواقع عدم وجود الواقع في نفس الأمر بغير الاحتياط الكلّي و عدم تحقق إتيانه إلاّ به فهو في محلّ المنع جدّاكيف و قد يحصل ترك الحرام النفس الأمري بترك بعض المحتملات حيث إنه لازم كونه من محتملاته و إن أريد منه عدم كفايته في إحراز الواقع و تحصيل العلم‏بالاجتناب عنه حسبما يفصح عنه ظاهر السؤال فهو صحيح لا محيص عنه إلا أنه لا يجدي شيئا في المقام حيث إن ترك جميع المحتملات كما هو المفروض مقدّمةللعلم بترك الواقع الواجب تحصيله في حكم العقل من جهة لزوم دفع الضرر المحتمل في حكمه فاللازم من إذن الشارع في فعل بعض المحتملات رفع‏إيجاب تحصيل العلم المترتب على تركه من جهة استلزام إذنه رفع احتمال الضرر بالنسبة إلى مورد إذنه فيبقى احتمال الضرر في فعل باقي الأطراف فيجب‏بحكم العقل تركه دفعا لاحتمال الضرر إذ ليس وجود احتمال الضرر بالنسبة إلى كل محتمل منوطا بترك غيره أو احتمال الضرر بالنسبة إليه بحيث يناطبترك المجموع من حيث المجموع ضرورة فساد ذلك فإن احتمال الحرمة بالنسبة إلى كل واحد من المحتملات ليس منوطا باحتمالها في غيره و هذا أمر ظاهر لا سترةفيه أصلا فإن شئت قلت إنه إن أريد من بقاء التكليف بالنسبة إلى الواقع في جميع موارد قناعة الشارع ببعض محتملاته و إذنه في ترك غيره هو التكليف‏الواقعي الشأني المقابل للفعلي ففيه أنه لا يقتضي في حكم العقل ما لم يبلغ مرتبة الفعليّة امتثالا أصلا لا بطريق الاحتياط و لا بغيره و إن أريد منه‏التكليف الفعلي ففيه أن فعلية التكليف إنما هو بملاحظة حكم العقل بوجوب إطاعة الحكم الواقعي الصادر من الشارع ضرورة عدم كون التكليف الفعلي‏حكما مجعولا لا للشارع في قبال الحكم الواقعي بحيث يكون له إنشاءان و حكمان بالنسبة إلى كلّ موضوع أحدهما الشأني و الآخر الفعلي و إنما الشأنية و الفعلية
113
من شئون الخطاب الوحداني الصادر من الشارع و مراتبه و حالاته بالنسبة إلى حكم العقل بقبح المؤاخذة على مخالفته و حسنها و إيجابه إطاعته فالحكم‏الواحد الصادر من الشارع شأني في مرتبته و فعلي في مرتبة أخرى فإذا كان الأمر كذلك فالحاكم بعدم كفاية غير الاحتياط الكلي في إطاعة الأحكام الشرعيّةو كفايته العقل و ليس أمر الكفاية و العدم في حكمه على نهج واحد و قد يحكم بعدم الكفاية في حالة و بالكفاية في حالة أخرى و قد أسمعناك غير مرّة في مطاوي‏كلماتنا سيّما في الجزء الأوّل في التعليقة عند الكلام في مقدمات دليل الانسداد أن للعقل و حكمه طرقا متعدّدة في باب إطاعة المولى و امتثال‏أمره كالعلم التفصيلي و الظن المعتبر بالخصوص من جانب المولى و الأصول المعتبرة في الجملة و العلم الإجمالي الذي يعبّر عنه بالاحتياط الكلي و الاحتياطالجزئي بمراتبه و الامتثال الظنّي و الشكيّ الحاصل بالأخذ بأحد الاحتمالين المتساويين و الوهمي و إن هذه الطرق مترتبة لا يجوز العدول عن السابق‏إلى اللاحق إلا بعد تعذّره أو تجويز الشارع أو ترخيصه للأخذ باللاحق كما هو المشاهد في الظن المعتبر بالخصوص مطلقا حيث إن حكم العقل في باب ترتب الطّرق‏ليس كحكمه في أصل مسألة وجوب الإطاعة و قبح المعصية على الوجه الكلّي و القضية المطلقة حتى لا يقبل ورود حكم الشرع عليه بحيث يرفع موضوعه‏بل إنّما هو في القضيّة المقيّدة القابلة لارتفاع موضوعه بترخيص الشارع نعم هنا كلام في الترتيب بين العلم التفصيلي و الظنّ الخاص و بين العلم‏الإجمالي مطلقا أو في الجملة تقدّم شرح القول فيه في الجزء الأول و إن كان المختار خلافا للأكثر عدم الترتيب بينهما مطلقا و من هنا جوزنا الأخذ بالاحتياط للعامي‏القادر على التقليد فراجع إليه حتى تقف على حقيقة الأمر فقد تلخّص ممّا ذكرنا الجواب عن السؤال المذكور و أنه لو لا ترخيص الشارع لترك بعض المحتملات‏كان الواجب في حكم العقل الاحتياط الكلي الموجب للعلم بامتثال الواقع الأوّلي و أمّا بعد ترخيصه له فالواجب في حكمه الإتيان بغير المرخص في تركه من المحتملات‏الباقية و إن لم يختلف الحكم الواقعي بحسب اختلاف الطرق فإن الاختلاف في طريق الإطاعة لا في أصل الحكم الصادر من الشارع إلا فيما يرجع إلى اختلاف‏الموضوع النفس الأمري كالمرض و الصحّة و نحوهما من الحالات فإن أريد من بقاء التكليف بالواقع بقاؤه بحيث يعاقب على مخالفته مطلقا فيمنع منه و إن أريدمنه بقاؤه في الجملة بحيث يعاقب على مخالفته إذا اتفقت في ضمن غير ما رخّص في تركه فنسلّمه لكنه لا ينتج ما أراده و هذا الذي ذكرنا هو المراد من التكليف‏المتوسّط البرزخ بين التكليف بالواقع بما هو هو و عدم التكليف رأسا لا ما ربما يتوهّمه الغافل عما أراده من الكتاب كما انقدح ممّا فصّلنا لك في تحقيق‏المقام استقامة ما أفاده تفريعيا على ما ذكره في جواب السؤال‏
في بيان ما يقتضيه القاعدة عند الانسداد
بقوله و مما ذكرنا تبين أن مقتضى القاعدة عند انسداد باب العلم بالأحكام‏الشرعيّة إلى آخر ما أفاده‏حيث إنك قد عرفت أن قضيّة تنجّز الخطاب بالعلم الإجمالي هو وجود احتمال الضرر في كل طرف في أطراف الشبهة و هذا الاحتمال‏على ما عرفته مرارا هي العلّة في حكم العقل بوجوب الاحتياط الكلي و تحصيل العلم بل العلّة في حكمه في جميع موارد قاعدة الشغل و أن إذن الشارع في‏مخالفة مقتضى العلم الإجمالي في بعض أطراف الشبهة لا يقتضي إلا رفع وجوب الاحتياط بالنسبة إليه خاصّة من حيث استلزامه الأمن من الضرر بالنسبة إليه‏فيجب الاحتياط عن غيره من المحتملات بمقتضى نفس العلم الإجمالي من غير فرق بين أن يكون هذا البعض المرخّص في تركه بعد العلم الإجمالي بعضا معيّنا أو غيرمعيّن على ما عرفت الكلام فيه و هذا أصل لا يجوز العدول عنه مطلقا من غير فرق بين الشبهات الموضوعيّة و الحكميّة فيما كان العلم الإجمالي فيها مؤثّرا في‏تنجّز الخطاب بالواقع المجهول بالتفصيل و لازمه كما ترى كون مقتضى القاعدة عند انسداد باب العلم التفصيلي و الظن الخاص بأغلب الأحكام المعلومةإجمالا و بطلان الرجوع إلى غير الاحتياط من الأصول و بطلان الرجوع إليه على الوجه الكلّي بحيث يحتاط في جميع موارد احتمال التكليف الإلزامي وجوبا أوتحريما الأخذ بالاحتياط الكلّي بالنسبة إلى غير ما رخّص في ترك الاحتياط بالنسبة إليه من غير أن يلاحظ الشكّ في نفس الواقعة من دون انضمام إلى سائر الوقائع‏و يرجع إلى الأصل الجاري فيه مع أن المعهود ممّن تمسّك بدليل الانسداد خلاف ذلك حيث إنهم يرجعون في موارد فقد الظن بالتكليف إلى الأصل‏الجاري فيها من غير التفات إلى الاحتياط الناشئ من العلم الإجمالي الكلي و إن التزموا بالاحتياط فيما كان الشكّ في نفس الواقعة مقتضيا له كالشكّ في‏المكلّف به توضيح ذلك أن أطراف العلم الإجمالي في الوقائع المشتبهة بعد فرض انسداد باب العلم التفصيلي و الظن الخاص في غالب الأحكام بالنسبةإلى كل من الواجبات المعلومة بالإجمال و المحرّمات خمسة المظنون الوجوب بالظن الاطمئناني و مظنونه بالظن الغير الاطمئناني و موهوم الوجوب في‏مقابل الظنّ الأول و موهومه في مقابل الثاني و مشكوكات الوجوب و هكذا بالنسبة إلى الوقائع المحتملة للتحريم و مقتضى القاعدة التي عرفتها هو وجوب‏الاحتياط في كلّ ما يحتمل الوجوب أو التحريم بأقسامهما الخمسة فإذا فرض لزوم العسر أو الاختلال من الاحتياط الكلّي فلا بدّ من تجويز تركه بالنسبة إلى ماما يندفع به الاختلال و الحرج و يبقى الاحتياط على حاله بالنسبة إلى غيره من محتملات التكليف الإلزامي غاية ما هناك أن العقل يحكم باختيار مخالفة الاحتياطالكلّي المجوزة في الجملة من جهة لزوم الحرج منه في ضمن ما كان احتمال مخالفة الواقع فيه في كمال البعد و هو القسم الأول من موهوم الإلزام فإن كفى في دفع العسرفيقتصر عليه و يحتاط في باقي الأقسام الأربعة و إن لم يكف من جهة قلّته فيلحق به القسم الآخر منه فيحتاط في الأقسام الثلاثة الباقية فيأخذ في المشكوكات‏بالاحتياط الكلي من جهة رعاية العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي في جميع الوقائع المشتبهة كما يأخذ به لذلك في مظنونات التكليف مطلقا من غير فرق بين عنوان رعاية
114
احتمال التكليف فيهما فلزوم الأخذ بمظنون الوجوب مثلا من حيث كونه من أطراف العلم الإجمالي الكلّي بوجود الواجبات بين الوقائع المحتملة للوجوب كما أنّ‏لزوم الإتيان بمشكوك الوجوب من هذه الحيثيّة و الجهة و أين هذا من حجيّة الظن المطلق بل من حجيّة الظنّ في الجملة أيضا حتى ينتج الرجوع في المشكوكات إلى‏الأصول الجارية فيها بملاحظة الشكّ في أصل الواقعة من غير ملاحظة العلم الإجمالي الكلّي نظرا إلى خروج المشكوكات من جهة قيام الظن الثابت حجيّته على تعين المعلومات الإجمالية الموجب لخروج المشكوكات عن أطرافه كما يقول به المتمسّك بدليل‏الانسداد و مما ذكرنا كله يظهر المراد مما أفاده شيخنا في الكتاب‏ بقوله أعني موارد الظن مطلقا أو في الجملة إلى الاحتياطفإن المراد منه الظنّ القائم على خلاف‏التكليف مطلقا أو خصوص الاطمئناني منه بل هو المراد مما ذكره بعده بقوله و وجوب العمل مطلقا أو في الجملة فتدبّر
في الإشكال الوارد على القائلين بحجّية مطلق الظن و التفصّي عنه بوجوه‏
نعم لم يظهر من القائلين بحجيّة الظنّ‏مطلقا في الأحكام الشرعيّة الالتزام برعاية هذا المسلك فيما اضطرّ إلى ارتكاب واحد غير معيّن في الشبهات الموضوعيّة المقرونة بالعلم الإجمالي بل لم‏يظهر الترتيب الذي ذكرنا من تعيين اختيار موهوم التكليف في حكم العقل عند الحاجة إلى مخالفة العلم الإجمالي من شيخنا الأستاذ العلامة و غيره ممن سلك‏بمسلكه الذي عرفت في المشبهات الموضوعيّة فلعلّ الوجه عند القائلين بحجيّة مطلق الظنّ قيام الدليل عندهم على بطلان سلوك الاحتياط رأساو مطلقا في الشبهات الحكميّة دون الموضوعيّة كما ستقف عليه و أمّا كلام شيخنا و من تبعه فليس في مقام الإطلاق من الجهة المذكورة بالنسبة إلى‏الشبهات الموضوعيّة فتدبّر هذا حاصل ما يورد من الإشكال على القائلين بحجيّة مطلق الظن و الرجوع في المشكوكات إلى الأصول و مرجعه كما ترى‏إلى كون نتيجة الدليل التبعيض في الاحتياط لا الحجيّة و يتفصّى عنه بأحد أمور أحدها المنع من اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الاحتياط و الموافقةالقطعية إذ مبناه على حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل و هو في حيّز المنع و لم يرد به شرع أيضا غاية ما هناك تسلّم حكم العقل و الشرع بلزوم دفع‏الضرر المظنون و هو الذي يظهر من المحقق القميّ قدس سره في القوانين و يلوح من كلام من تقدّم عليه و تأخّر عنه و هذا كما ترى مضافا إلى مخالفته لصريح‏العقل ضرورة استقلاله في الحكم بلزوم دفع الضرر المحتمل الأخروي و هو مبنى وجوب المعرفة و النظر في معجزة مدّعي النبوة و النقل من الآيات الدّالة على‏وجوب تحصيل العلم و التفقه في الدين و الأخبار الكثيرة الواردة في ذلك خلاف ما قضت به كلمة المستدلّين بدليل الانسداد فإن ظاهرهم بل صريحهم‏على الاتفاق على كون مقتضى القاعدة بعد العلم الإجمالي بالتكاليف الإلزاميّة في الوقائع المشتبهة هو لزوم الأخذ بالاحتياط الكلّي و أن الاكتفاءبالظن من باب الترخيص من جهة لزوم الجرح من الاحتياط الكلّي بانضمام قاعدة قبح ترجيح اعتبار مخالفة الاحتياط في مظنونات التكليف من حيث قبح ترجيح‏المرجوح على الراجح فيستنتج من هاتين المقدّمتين جواز العمل بالظن و الاقتصار عليه في مقابل الاحتياط الكلي و أين هذا من عدم وجوب الاحتياط من أوّل الأمرمن جهة عدم الدليل عليه ثانيها عدم اندفاع العسر و الحرج بمخالفة الاحتياط في موهومات التكليف مطلقا فلا بدّ من ضمّ المشكوكات إليها فلا يجب فيهاالاحتياط أيضا و يتعيّن فيها الرجوع إلى الأصل الجاري في نفس المسألة من غير ملاحظة كونها من أطراف العلم الإجمالي الكلّي و هذا الوجه كما ترى مبني على دعوى‏قلة الموهومات في الوقائع المشتبهة و أنت خبير بفسادها لوجود الأمارات في أكثر المسائل و قلّة ما لا يوجد فيه أمارة أصلا كما يظهر بالمراجعة إلى الفقه‏ ثالثها قيام الإجماع على عدم إرادة الشارع للامتثال الاحتياطي في الأحكام المشتبه بالعلم الإجمالي الكلّي رأسا لا بعنوان الكلّي و لا بعنوان التبعيض والجزئي بمعنى عدم إيجابه لذلك على العباد و يكشف عن ذلك عدم التزامهم بالاحتياط في مسألة من المسائل من جهة كونها من أطراف العلم الإجمالي الكلّي بل‏استدلالهم في مسألة حجيّة خبر الواحد بالحاجة و أنه لولاها لزم سدّ باب الأحكام في قبال الرجوع إلى البراءة ينادي بأعلى صوته بعدم تعلّق الإرادةالحتمية من الشارع بالأخذ بالاحتياط فإنه على تقدير لزوم الاحتياط في الشرعيّات لا يلزم سدّ باب الأحكام من ترك العمل بالخبر و إنّما يلزم ذلك من الرجوع إلى‏البراءة أو نمنع بطلانه على تقدير لزومه فإن الأخذ بالطريق من حيث مراعاة الواقع و المفروض تحصيل الواقع بالاحتياط على تقدير ترك العمل بالخبر فلو لاكون بطلان الاحتياط رأسا أمرا مفروغا عندهم بحيث لا يحتاج إلى البيان لم يحسن لهم الاستدلال المذكور جدا و هذا كما ترى و إن كان أحسن من الوجهين‏الأولين إلا أنه يتوجّه عليه مع ذلك مضافا إلى رجوع دعوى الإجماع على بطلان الاحتياط رأسا في الشرعيّات إلى دعوى الإجماع على وجود الحجّة الكافيةكما هو ظاهر أنه إن كان المراد من الإجماع عليه اتفاق الكل حتى من القائلين بانفتاح باب العلم و حجيّة الظنون الخاصّة ففيه أن اتفاق هؤلاء على ذلك لا يجدي‏بعد وجود الطرق الكافية عندهم لتعيين المعلومات الإجمالية سيّما على القول بانفتاح باب العلم في أغلب الأحكام فإن ارتفاع العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي‏في غالب الأحكام قهريّ وجداني لا يحتاج إلى البرهان أصلا كما لا يخفى اللّهمّ إلا أن يكون المراد الإجماع التقديري فإن في كلماتهم حتّى السيّد علم‏الهدى قدس سره دلالة على قيام الظنّ مقام العلم عند الحاجة فلو كان الاحتياط عندهم طريقا إلزاميّا لما حكموا بذلك فتأمل و إن كان المراد اتفاق القائلين بحجيّةمطلق الظنّ فهو لا يجدي نفعا مع قلّتهم و عدم تحقق الإجماع باتفاقهم مضافا إلى كونه مبنيّا على زعم غير مرضي عندنا و كون الكلام معهم فيما سلكوا و ممّاذكرنا كله يظهر المراد من قوله قدس سره في بيان الإشكال أعني موارد الظن مطلقا أو في الجملة حيث إن المراد بالظن القائم بعدم التكليف و الترديد بين الإجمال و الإطلاق‏باعتبار عدم اندفاع الحرج بمخالفة الاحتياط في ضمن خصوص الظنون الاطمئنانيّة القائمة على عدم التكليف و اندفاعه بذلك كما أنه المراد من الإطلاق‏
115
و الإجمال من قوله و وجوب العمل بالظن مطلقا أو في الجملة على الخلاف بينهم كما أنه ظهر ممّا ذكرنا المراد من اعتبار الظن في قوله في غير موارد الظنّ المعتبر إلى‏الأصول حيث إن المراد منه اعتبار الظن بالمقدّمات التي ذكروها لاعتباره لا من جهة قيام دليل عليه بالخصوص كظهور المراد من قوله في الاستدراك‏نعم لو قام بعد بطلان وجوب الاحتياط إلى آخره حيث إن المراد من بطلان وجوب الاحتياط هو بطلانه في الجملة على ما هو قضيّة ما أقاموه على بطلانه بزعم‏شيخنا لا بزعمهم و إلا لم يكن هناك إشكال في الرجوع إلى الأصل في المشكوكات أيضا كظهور المراد من قوله و عدم جواز ترجيح المرجوح و غيره من العبارة ثم إن ما أفاده من الفرق و الثمرة بين التبعيض في الاحتياط و حجيّة الظن مبني على ما تقدّم منه في الجزء الأول من الكتاب عند الكلام في حجيّة الظنّ‏المطلق من أن لازم حجيّة الظنّ مع قيامه في غالب الوقائع المشتبهة على التكاليف نفيا و إثباتا الرجوع إلى الأصول الجارية في المشكوكات من غير التفات‏إلى العلم الإجمالي الكلّي من حيث خروجها عن أطراف العلم الإجمالي لقيام الظن المعتبر في كثير من المسائل الموجب لارتفاع العلم الإجمالي بحكم الشارع كارتفاعه‏بالعلم التفصيلي بحكم الوجدان فيرجع الشكّ في غير ما كان هناك علم إجمالي خاصّ إلى الشكّ في أصل التكليف فيحكم بمقتضى الأصل الجاري فيه سواءكان نافيا للتكليف أو مثبتا له حسب اختلاف الشكوك و الموارد و أمّا بناء على ما بنى عليه الأمر في هذا الجزء من الكتاب من الإشكال في اللازم المذكور بل‏ترجيح عدمه حتى بالنسبة إلى الظنون الخاصّة عند التكلّم في الشبهة التحريميّة الحكميّة إلاّ فيما قام الظنّ المعتبر على تعيين المعلوم بالإجمال بحيث يرجع مفاده إلى‏الإثبات و النفي عن الغير أو علم من دليل اعتباره كون نصبه لذلك و إلا فلا ينفع الظن القائم على جملة من أطراف الشبهة في رفع أثر العلم الإجمالي بالنسبة إلى‏ما لم يقم عليه ضرورة عدم منافاته ذاتا للعلم الإجمالي على ما هو شأن العلم التفصيلي بجملة من المحرّمات المعلومة إجمالا مع احتمال انحصار المعلوم‏الإجمالي فيه و عدم دلالة دليل اعتباره إلاّ على ترتيب آثار الواقع عليه و معذوريّة العامل عند مخالفة الظن للواقع كما هو المفروض فلا فائدة في حجّيّة الظنّ‏المطلق للرجوع إلى الأصول في المشكوكات فيحتاج إثباته إلى دعوى لزوم الحرج من الاحتياط في المشكوكات منضما إلى العمل بالظن في مظنونات التكليف‏الممنوعة بما عرفت أو التشبث بذيل الإجماع من القائلين بحجيّة الظنّ الخاص و المطلق فإن إجماعهم على الرجوع في المشكوكات إلى الأصول على هذا البناء يكشف‏عن عدم تعيّن الرجوع إلى الاحتياط في الوقائع المشتبهة عند الشارع و لولاه لما اتفقوا على الرجوع إلى الأصول في المشكوكات اللّهمّ إلاّ أن يمنع من كشف‏الاتّفاق المذكور من حيث ابتنائه على الملازمة بين حجيّة الظنّ و رفع العلم الإجمالي الفاسدة في زعمنا فتأمل نعم هنا كلام في تأثير الظن المعتبر القائم على القدرالمتيقّن من المعلومات الإجمالية في الوقائع في رفع أثر العلم الإجمالي عن المشكوكات من غير ابتنائه على كون لسان الظن التعيين أو لسان دليل اعتباره ذلك‏قد فصّلناه عند الكلام في الشبهة التحريميّة من أراده راجعه كما أن هنا كلاما في حلّ كلام الفريقين من القائلين بحجيّة الظنون الخاصّة و القائلين بحجيّةالظنون المطلقة من جهة الحاجة إلى العمل بالظن على لزوم وجود الطريق إلى الأحكام عندهم في كل زمان مقدّمة لبقاء الدين لا العمل حتى يقال إنّ الاحتياطأيضا طريق إلى العمل فمفروغيّة بطلان الاحتياط عندهم بالملاحظة المذكورة لا تعلّق لها بمسألة نفي الحرج حتى يتوجّه عليه ما عرفت و قد فصّلنا القول‏في هذا الموضع في الجزء الأول من التعليقة و إنما تعرّضنا لإجماله في المقام تبعا لشيخنا الأستاذ العلامة أدام اللّه ظله العالي‏
في أنه لا فرق في الحكم المذكور بين ارتكاب الأطراف دفعة أو تدريجا
قوله التحقيق أن يقال إنه لا فرق بين‏الموجودات إلى آخره‏(1) أقول لا إشكال فيما أفاده قدس سره من عدم الفرق بين الموجودات التدريجيّة و الدفعيّة في الحكم بوجوب الاحتياط عن الأطراف على تقدير تحقق‏الابتلاء دفعة بالنسبة إلى جميعها ضرورة عدم الفرق بينهما في حكم العقل و الشرع على التقدير المذكور إنما الكلام في تحقق الشرط المذكور بالنسبة إلى الموجودات‏التدريجيّة و صريح شيخنا في الكتاب الفرق بين الموارد و الأمثلة في تحقّق الابتلاء دفعة و العدم و ربما يقال بعدم تحقق الشرط المذكور بالنسبة إلى‏التدريجيّات مطلقا من غير فرق بين الأمثلة و الموارد نظرا إلى عدم تحقق الابتلاء باللاحق في زمان وجود السابق و عدم تحقق الابتلاء بالسّابق المعدوم‏في زمان وجود اللاحق لأن المفروض انعدام كلّ منهما في زمان وجود الآخر و استحالة تعلّق القدرة بإعادة المعدوم السابق و إيجاد ما يوجد في المستقبل‏في الحال و إلاّ لزم الخلف فكيف يعقل مع هذا البرهان الفرق بين الموارد و الأمثلة فالخطاب التنجيزي بالحرام المردّد بين الموجود في الحال و المستقبل‏لا يصحّ مطلقا و إنما يصحّ على تقدير الاشتراط و التعليق فيرجع الشكّ دائما إلى الشكّ في أصل التكليف التنجيزي من غير فرق بين الزّمان السابق و اللاحق‏فيرجع إلى الأصول و القواعد كسائر ما لا يتحقّق الابتلاء فيها إلاّ بالنسبة إلى بعض أطراف الشبهة نعم قد لا يأبى العرف عن الحكم بتحقّق الابتلاء الدفعي بالنسبةإلى ما يتدرج بحسب الوجود في الزمانين المتصلين على تقدير كفاية العرف في المقام من حيث إن الحاكم بتقييد الخطابات بالابتلاء و كون متعلّقها واقعةللمكلّف هو العرف فتأمل فلعلّ ما أفاده شيخنا دام ظلّه من التفصيل في المقام بحسب الأمثلة و الموارد مبنيّ على ذلك هذا و يمكن أن يقال بالفرق بين مثال‏النذر و غيره من وجهين أحدهما أن المفروض في الأوّل انعقاد النذر و كون متعلّقه معلوما بالتفصيل و إنما طرأ الاشتباه لعارض و قضيّة انعقاده‏لزوم الاحتياط فيه تحصيلا للعلم بالوفاء و هذا بخلاف غيره من الأمثلة ثانيهما وجود الخطاب المطلق بالنسبة إلى الزمان اللاحق في مثال النذر من‏حيث كون الزمان فيه ظرفا بخلاف غيره فإنه قيد و شرط و لكنّك خبير بما في الوجهين أما الأوّل فلأن وجوب الوفاء بالنذر المفروض إنّما هو من جهة ما دلّ‏
116
عموما على الوفاء به و لا فرق بينه و بين ما دلّ على إثبات الحكم لسائر الموضوعات الواقعيّة فكما يمنع من شموله لما لا يكون واقعة للمكلّف فعلا على وجه‏التنجيز عند العلم التفصيلي كذلك يمنع من شمول خطاب الوفاء على الوجه المذكور و مجرّد كون الاشتباه و التردّد عارضيّا لا يؤثّر في الفرق جدّاإذ قد عرفت منع توجّه الخطاب المتنجّز بالمتأخّر عند العلم التفصيلي مع أن عروض الاشتباه من جهة النسيان قد يعرض بالنسبة إلى غير النذر أيضامضافا إلى عدم الفرق في حكم الشبهة المحصورة بين كون الاشتباه عارضيّا مسبوقا بالعلم التفصيلي بالحرام و بين غيره و إن توهّمه بعض بتوهّم جريان‏استصحاب وجوب الاجتناب في الأول دون الثاني مع وضوح فساده نظرا إلى شمول الخطابات الواقعيّة للمعلوم بالإجمال قطعا فلا شكّ حتى يتمسّك‏بالاستصحاب و على تقدير اختصاص مواردها بالمعلوم بالتفصيل فلا يجري الاستصحاب أيضا ضرورة ارتفاع موضوعه و على تقدير الشكّ في‏متعلق الخطابات من الوجهين يشكّ في بقاء الموضوع فالاستصحاب ساقط على كلّ تقدير و أمّا الثاني فلأنه مبني على ما زعمه بعض أفاضل مقاربي‏عصرنا في بحث مقدّمة الواجب من الفرق بين الواجب المعلّق و كونه من أقسام الواجب المطلق و بين الواجب المشروط و قد فصّلنا القول فيما يتوجّه عليه‏تبعا لشيخنا في ذلك المبحث مضافا إلى عدم الفرق بناء عليه أيضا بين النذر و غيره إذ لم يدل دليل على جعل الزمان ظرفا بالنسبة إلى النذر و قيدابالنسبة إلى غيره فنسبته إليهما نسبة واحدة
في أن مقدمات الواجب المشروط تتصف بالوجوب المطلق قبل حصول شرط الوجوب‏
ثم إنّ ما ذكرنا كله مبنيّ على القول باشتراط تحقق الابتلاء دفعة بالنسبة إلى جميع أطراف الشبهة في‏الحكم بوجوب الاحتياط عقلا و شرعا مطلقا و أمّا لو منع من إطلاق اشتراط ذلك نظرا إلى أن المسلّم منه ما لو لم يعلم المكلف بوجود الطرف الآخر قهراو صيرورته واقعة للمكلّف لا باختياره و إلاّ فيحكم العقل بوجوب الاحتياط و إن لم يعلم بتوجّه الخطاب الفعلي إليه بالنسبة إلى بعض الأطراف على‏تقدير تحقّق الحرام في ضمنه نظير ما التزم به غير واحد في بحث مقدّمة الواجب من اتصاف المقدّمة الوجودية للواجب المشروط بالوجوب المطلق مع عدم‏تحقّق شرط وجوبه بحكم العقل الحاكم في المسألة لكن لا مطلقا فإن ذلك ثابت لها بالوجوب المشروط الثابت لذيها بل فيما علم المكلّف بتحقق شرط الوجوب‏قهرا كالزمان و من هنا أفتى جماعة بوجوب حفظ الماء للطهارة فيما لو علم المكلّف بعدم القدرة عليه بعد دخول الوقت و بوجوب غسل الجنابة و نحوه‏على المكلّف في ليلة رمضان بل هو محلّ الاتفاق بينهم كنظائره و إن زعم بعض أفاضل مقاربي عصرنا كون ما حكموا بوجوبه قبل تحقّق الوقت من‏مقدّمات الواجب المطلق نظرا إلى كون الواجب مطلقا بالنسبة إلى وقته و إن كان مطلقا لا مشروطا على ما عرفت الإشارة إليه و شرح القول في ذلك يطلب‏ممّا كتبناه في ذلك المبحث فلا فرق في الحكم بوجوب الاحتياط بين القسمين في المسألة كما أنه لا معنى للفرق بناء على المنع المذكور بين الأمثلة أيضا كما هوظاهر تنبيه اعلم أن ما ذكرنا من الكلام كلّه إنما هو بالنسبة إلى المتدرجين بحسب الوجود و أما الموجودان في الحال مع عدم إمكان ارتكابهما دفعةفلا تعلّق لهما بالمقام أصلا فإنه لا إشكال في الحكم بوجوب الاجتناب و الاحتياط عنهما للعلم بتوجّه الخطاب التنجيزي إلى المكلّف و الحال هذه و هذه‏المسألة في كمال المشابهة لمسألة الاضطراري إلى واحد غير معيّن من أطراف الشبهة التي قد عرفت تحقق الخطاب التنجيزي بالنسبة إليها بل هي أولى منها نظرا إلى ماعرفت من الشبهة فيها و إن كانت مندفعة عندنا بما عرفته في تلك المسألة ثم إنه على القول بعدم وجوب الاحتياط في الموجودين تدريجا مطلقا أو في الجملةفلا إشكال في جواز المخالفة القطعيّة فيما إذا اقتضى الأصل في المسألة ذلك لأن المانع عن الحكم بجوازها العلم بتنجّز الخطاب المفروض عدمه و بعبارة أخرى‏الممنوع عقلا المخالفة القطعيّة للخطاب المنجّز لا مطلقا و لذا بنينا على جوازها في نظائر المسألة مما لم يكن هناك خطاب منجّز على ما عرفت تفصيل القول‏فيه و بعبارة ثالثة لا إشكال في ثبوت الملازمة في حكم العقل على ما أسمعناك غير مرّة بين وجوب الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة و عدم الانفكاك‏بينهما في حكمه و إن جوّز ترخيص الشارع لارتكاب بعض الأطراف على ما عرفت شرح القول فيه فإذا لم يحكم العقل في مورده بوجوب الاحتياط من جهة الأمن من‏الضرر و عدم العلم بتنجّز الخطاب فلا يحكم بحرمة المخالفة القطعيّة من حيث إن قبحها في حكم العقل من حيث قبح المعصية المترتّب على حكمه بحسن الإطاعة و وجوبهافإذا لم يحكم بوجوب إطاعة الخطاب الواقعي في الفرض من جهة عدم العلم بالتنجّز فلا معنى لحكمه بقبح المخالفة و المعصية و من هنا قد يناقش في تعبير شيخنا في الكتاب‏عن حكم المقام بما يظهر منه عدم جزمه بذلك كما أنه لا إشكال فيما أفاده من الرجوع إلى الأصل في المسألة على القول المذكور سواء كان مقتضاه إثبات التكليف‏أو نفيه لانحصار المانع بالفرض في العلم الإجمالي الغير المؤثر على هذا القول فيرجع في المثال الأوّل إلى استصحاب الطهر إلى أن يبقى مقدار العدد العادي‏للحيض المفروض في المثال لعدم العلم بانتقاض الحالة السابقة الطهريّة قبل ذلك الزمان مع العلم بخروج الدّم المشكوك حاله فلا مانع من جريان الاستصحاب على‏ما هو المشهور من كفاية المسامحة في إحراز الموضوع فلا يجوز الرجوع إلى أصالة الإباحة نظرا إلى حكومة الاستصحاب عليها و إن كانا متعاضدين و بالنسبة إلى‏المقدار المذكور يتعيّن الرجوع إلى أصالة الإباحة بالنسبة إلى الأفعال المحرّمة في حقّ الحائض بالنسبة إلى الزوج للعلم بارتفاع الحالة السابقة بالنسبة إلى‏ذلك الزمان و إن لم يجز معه الرجوع إلى استصحاب الحيض أيضا نظرا إلى اعتبار سبق المتيقّن على المشكوك في جريان الاستصحاب و إن لم يعتبر فيه سبق اليقين‏على الشكّ و الموجود في الفرض العلم بتحقّق الحيض المتردّد بين الدم الموجود و السّابق المعدوم فلا علم بوجود المتيقّن في السّابق نعم قد يقال بأن لازم القول‏
117
بالأخذ بالضدّ في مسألة الشكّ في تقدّم الحدث و الطهارة و أشباهها فيما كانت الحالة السّابقة معلومة الحكم بجريان استصحاب الحيض في المقام‏فتدبر لكنّه ضعيف كما فصّل في محلّه و سننبّه عليه في باب الاستصحاب لما عرفت من عدم تحقّق شرط الجريان و أما بالنسبة إلى الزوجة فيرجع إلى استصحاب‏الطهر بالنسبة إلى السابق على المقدار المزبور فيما كان الدم مردّدا بين الحيض و غير الاستحاضة من الدماء التي لا أثر لها في الشرع فتبني على وجوب الصّلاة عليها و إباحة ما تحرم على الحائض و أما لو كان مردّدا بين الحيض و الاستحاضة فمقتضى القواعد الجمع بين تروك الحائض و أفعال المستحاضة للعلم الإجمالي‏بتوجّه أحد الخطابين إليها و إن كان مردّدا و المفروض أن حرمة الصلاة في حق الحائض تشريعيّة لا ذاتيّة حتى يمنع احتمالها من الاحتياط و استصحاب الطهر من حدث‏الحيض معارض باستصحاب الطهر من حدث الاستحاضة و إن كان الحق على ما عرفت عدم جريانهما و أما بالنسبة إلى المقدار المزبور ففيما كان الدم مردّدا بين الحيض‏و الاستحاضة تحتاط بما عرفت و فيما كان الدم مردّدا بين الحيض و غير الاستحاضة يرجع إلى أصالة الإباحة بالنسبة إلى المحرّمات على الحائض و لكن لا يثبت بذلك‏وجوب العادة عليها فينفى بأصالة البراءة و لا يجوز الرجوع إلى عمومات العبادة في المسألة لكون الشبهة موضوعيّة
في أنه لا مانع من الرّجوع إلى أصالة الإباحة و الفساد في المعاملة المذكورة
نعم على القول باعتبار الأصول‏المثبتة يحكم في الفرض بكونها حائضا من حيث إن طهرها قبل ذلك الزمان ملازم لحيضها بالنسبة إلى المقدار المزبور بعد العلم الإجمالي فلا يجري أصالتي‏الإباحة و البراءة هذا ما يقتضيه القواعد و الأصول في الدم المردّد و التفصيل يطلب من الفقه هذا بالنسبة إلى المثال الأوّل و أما المثال الثاني فلاإشكال فيما أفاده في حكمه من الرجوع إلى أصالتي الإباحة و الفساد بالنسبة إلى حكمه التكليفي على تقدير كون إيقاع المعاملة الربويّة حراما ذاتا كسائر المحرّمات‏الشرعيّة فيرجع في مورد الشكّ في عنوان المعاملة إلى ما هو الأصل في كلّ ما شك في حليّته و حرمته و بالنسبة إلى حكمه الوضعي لأنها الأصل في كل عقد أوإيقاع شكّ في صحّته و فساده فيحكم بكون العقد المردّد في الفرض فاسدا بالنظر إلى الأصل المذكور لا كونه ربويّا فلا يقال إن الشك في الحليّة و الحرمة في الفرض‏مسبّب عن الشكّ في كونه ربويّا فإذا حكم بفساده فلا يجري أصالة الإباحة لما عرفت من أن الحكم بالفساد غير الحكم بكونه ربويّا و إن كان ملازما له بحسب الواقع‏إلا أنه لا يثبته فلا يترتب على أصالة الفساد الحكم بالحرمة حتى يمنع من جريان أصالة الإباحة كما لا يجوز القول بأن إباحته ملازمة لعدم كونه ربويّا فإذا حكم بالإباحةمن جهة الأصل فيحكم بصحّته نظرا إلى ما عرفت هذا مضافا إلى أن فساد المعاملة الربويّة لا يلازم حرمتها بل يجامع إباحتها و لذا يحكم بفسادها في حق القاصربالجهل أو النسيان بل يحكم بفسادها في حق الصغير أيضا على القول بصحة معاملاته في الجملة فلا ملازمة بين الإباحة و الفساد نعم أصالة الفساد حاكمة على‏أصالة الإباحة بالنسبة إلى التصرّفات المترتّبة على المعاملة المذكورة حيث إن الشكّ في حليّتها و حرمتها مسبّب عن الشكّ في الصحّة و الفساد فلا يجري أصالةالإباحة بالنسبة إليها بعد جريان أصالة الفساد لا يقال جواز إيقاع العقد و إن لم يكن ملازما لصحّته كلّيّة و إلا لما جاز الانفكاك مع ثبوته في الجملةفي الشرعيّات كما فيما ذكر من المثال إلا أنه ملازم لها في حق المكلف الملتفت الجامع لشرائط التكليف الفعلي كما في الفرض فإذا حكم بجوازه فيحكم بصحّته نظرا إلى الملازمة لأنا نقول نمنع من ثبوت الملازمة في الفرض أيضا فإن الصحّة من أحكام كون المعاملة غير ربويّة لا من أحكام جواز إيقاع العقد فلا يمكن إثباتها إلا بإثباته ومن المعلوم كما عرفت عدم إمكان إثبات كونها غير ربويّة بجواز إيقاعها في مرحلة الظاهر و لا فرق فيما ذكرنا بين القول بكون الأحكام الوضعيّة حتى الصحّة و الفسادمجعولة أو منتزعة من الأحكام التكليفيّة فإن الحكم التكليفي الذي ينتزع منه الفساد حرمة التصرّف في المال لا جواز إيقاع العقد كما هو ظاهر لا سترة فيه أصلا لا يقال إن العلم الإجمالي في المشتبهين تدريجا كما لا يقدح في إجراء الأصول العمليّة على ما هو المفروض كذلك لا يقدح في إجراء الأصول اللفظيّة أيضا فيرجع‏في حكم المعاملة المردّدة إلى عمومات العقود المقتضية للصحّة بالنسبة إلى أطراف الشبهة فلا تعارض بعمومات الرباء المقتضية للفساد لرجوع الشك بالنسبة إليهاإلى الشكّ في أصل الموضوع و هذا بخلاف عمومات العقود ضرورة الفراغ عن صدق العقد و تحقّق الموضوع و كما لا يجوز الرجوع إلى أصالة الفساد التي‏هي الأصل الأولي في المعاملات بعد الحكم بالصحّة من جهة العمومات كذلك لا يجوز الرجوع إلى أصالة الإباحة أيضا و إن كانت أصلا عمليّا أوّليّا في المسألة قد حكم‏بالجمع بينها و بين أصالة الفساد على ما عرفت نظرا إلى كون مقتضى العموم عدم كونها ربويّة فلا يجري شي‏ء من الأصلين‏
في أنّه هل يمكن التمسّك بالعمومات في المثال المذكور أم لا
لأنّا نقول الشكّ في الفرض ليس من جهةالشكّ في الحكم و المراد من العام من حيث إرادة تمام الأفراد و بعضها حتى يرجع إلى العموم من جهة الشكّ في حال العقد الموجود من حيث كونه ربويّا أو غيره و هذاالشكّ لا تعلّق له بالشكّ في المراد حتى يرجع فيه إلى اللفظ و إنما هو شكّ في المصداق بعد وضوح مراد الشارع من اللفظ فعدم جواز الرجوع إلى العموم ليس‏من جهة العلم الإجمالي بكون بعض ما يتجدّد من مصاديق الخارج من العام حتى يقال بعدم قدحه بناء على عدم الفرق بين الأصول العمليّة و اللفظيّة بل من جهة إجماله الذاتي‏و عدم ظهوره بالنسبة إلى الشكّ في المصداق و من هنا يحكم بعدم جواز الرجوع إلى العموم فيما لم يكن هناك إلا معاملة واحدة شكّ في كونها ربويّة أو غيرها فلاتعلّق للسّؤال المذكور أصلا نعم على القول بجواز الرجوع إلى العمومات في الشبهات المصداقية فيما كانت من قبيل المقام من حيث إحراز صدق عنوان العام مع وقوع‏الشكّ من جهة الشكّ في صدق عنوان الخاصّ من جهة الشبهة الموضوعيّة الخارجيّة لا بد من أن يستند المنع عن الرجوع في المقام إلى العلم الإجمالي المفروض فيتوجّه‏عليه السؤال المذكور فيجاب عنه بدعوى ثبوت الفرق في تأثير العلم في التدريجيّات بين الأصول العمليّة فلا تأثير له و بين الأصول اللفظية فيحكم بتأثيره بالنسبة
118
إليها فيسقطها عن الاعتبار من حيث إن مبناها على حكم العرف التابع لظهور اللفظ المرتفع بالعلم الإجمالي و لو كان بعض أطرافه خارجا عن محل الابتلاء فعلالا على تعبّد الشارع حتى يقال بعدم قدح العلم الإجمالي المذكور على ما هو المفروض و إن كان الفرق محلّ تأمّل و نظر من حيث إن بناء العرف و العقلاء فيما كان بعض‏الأطراف المعلوم خروجه إجمالا من العموم خارجا عن محلّ الابتلاء هو التمسّك بالعموم جدّا كما يكشف عن ذلك الاختبار عن حال عبدين أمرهما المولى بحكم متعلّق‏بعام علما بخروج فرد من أحد عامّين فإنه لا ريب في تمسّكهما بالعموم من دون تأمّل و لا يسمع عنهما الاعتذار في تركه عند العقلاء بالعلم الإجمالي المذكور و من هناأمر شيخنا في الكتاب بالتأمّل فيه مع استظهاره و إن أمكن جعل الوجه فيه ما ذكرناه من عدم جواز الرجوع إلى العموم في الفرض مع عدم العلم الإجمالي أيضا كما اختاره‏دام ظله في الأصول و جرى عليه في الفقه هذا و أمّا توهّم رجوع الشكّ في الفرض بعد إلقاء العلم الإجمالي إلى الشكّ في الخروج لا إلى الشك في الخارج‏فلا مانع من التمسّك بالعموم ففاسد من حيث إن الشك في الخروج إنما يجوز بعد الرجوع إلى العموم إذا لم يرجع إلى الشكّ في الموضوع الخارجي كفسادتوهّم كون مقتضى الأصل الموضوعي في الفرض الحكم بعدم كون المعاملة المردّدة ربويّة لأن الأصل عدم زيادة أحد العوضين على الآخر و من المعلوم إجراءحكم العموم فيما كان هناك أصل موضوعيّ على طبقه كما إذا كان العالم المردّد بين العادل و الفاسق فيما أمر بإكرام العلماء مع إخراج الفسّاق منهم مستصحب‏العدالة من حيث إن إثبات حال المعاملة بالأصل المذكور مبنيّ على القول باعتبار الأصل المثبت المنفيّ عندنا فتأمل و أمّا في مثال النذر و الحلف المذكور في‏الكتاب فيتعيّن الرجوع إلى أصالة الإباحة على القول بعدم تأثير العلم الإجمالي فيه إذ لا أصل فيه غيرها كما هو ظاهر
في بيان حكم الخنثى و ما هو وظيفتها في الأحكام المختصة و الأحكام المشتركة
قوله و قد يكون من جهة اشتباه المكلّف‏كما في الخنثى العالم إلى آخره‏(1) أقول إنما لم يتعرض دام ظله لحكم ما إذا كان طرفا الشبهة في المكلف احتمالين في مخاطبين كما في واجدي المني في الثوب المشترك لرجوع الشك‏فيه إلى الشكّ في التكليف حسبما عرفت غير مرّة إلا فيما فرض توليد العلم الإجمالي بالتكليف أو التفصيلي منه ثم إنّه لا إشكال في كون اشتباه المكلّف في مفروض‏البحث موجبا للاشتباه في المكلّف به فإن الخنثى من جهة دورانها بين الرجل و الأنثى على القول بعدم كونها طبيعة ثالثة تعلم بالنسبة إلى التكاليف المختصّة بإحدى‏الطائفتين بتوجّه أحد الخطابين و التكليفين إليها مع جهلها بالمكلّف به كما أنه لا إشكال فيما أفاده في حكم المقام بالنظر إلى الأصل و القاعدة الأوّليّة في العلم‏الإجمالي على ما عرفت شرح القول فيه في غير موضع من عدم الفرق في حكم العقل بوجوب الاحتياط بين تعلّق العلم بالخطاب المفصّل مع تردّد متعلّقه و بين تعلّقه‏بالخطاب المردّد كما في الفرض فيحتاط بالنسبة إلى جميع ما يختصّ بالرجال و النساء فيجتنب عما كان محرما على كل من الطائفتين بالخصوص فيجب عليها ستر كل من‏قبيلها للعلم بأن أحدهما عورة بل قد يقال بوجوب سترهما عليها و إن لم نقل بوجوب الاحتياط فيما تعلّق العلم بالخطاب المردّد حيث إن المعلوم فيه الخطاب‏المفصّل مع تردّد متعلّقه كما يجب عليه الاجتناب عمّا يجوز التلبّس بها للمرأة في الصّلاة و ستر جميع بدنها لاحتمال كونها امرأة و ليس المقام مورد التمسّك بأصالةعدم الشرطية كما لا يخفى هذا بالنسبة إلى الصلاة و أمّا في غير الصّلاة فالظاهر عدم الفرق في حكمه و إن توهّم الفرق بينهما نظرا إلى رجوع الشاكّ في ستر غيرالعورتين بالنسبة إليه إلى الشك في أصل التكليف و إن كان بالترديد بين الأقل و الأكثر فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة و لا يلزم منه الحكم بجواز عدم الستر في‏الصلاة فإن وجوب السّتر عليها فيها ليس من حيث حرمة نظر الناظر و إنما هو من حيث ثبوت الشرطيّة و كذا يحرم عليها التزويج و التزوّج و إن قلنا بعدم وجوب‏الاحتياط عليها بالنسبة إلى التكاليف المختصّة بأحد الفريقين لوجوب إحراز الرجوليّة في الزوج و الأنوثية في الزوجة من حيث كون الشبهة موضوعية فيتعيّن‏الرجوع إلى أصالة فساد العقد و إن قيل بجواز الرجوع إلى الأصل الموضوعي في الفرض أي أصالة عدم الرجولية عند إرادة التزوج و أصالة عدم الأنوثيةعند إرادة التزويج من حيث إن المقصود منهما مجرّد النفي لكون الأثر مترتّبا عليه لا إثبات الضدّ حتى يكون من الأصول المثبتة مضافا إلى ما يتوجّه عليه من التعارض‏على هذا التقدير كما هو ظاهر و لكنه كما ترى و إن كان مفاده الحكم بالفساد أيضا و أمّا التكلم مع الرجال و النساء و استماع صوتهما فيبتني وجوب الاجتناب‏عنهما عليها لا لحاجة و ضرورة على حرمتهما على كل من الفريقين بالنسبة إلى الآخر كما هو صريح شيخنا في الكتاب و غير واحد و ظاهر بعض الأخبار من دون ريبة وإلا لم يكن إشكال و لا خلاف في الحرمة و إن كان ظاهر بعض مشايخنا بل صريحه التأمّل في الحرمة بل المنع عنها إلى غير ذلك من الأحكام ثم إن ما ذكرنا كلّه إنما هوبالنظر إلى قضيّة الأصل عند العلم الإجمالي مع قطع النظر عن اقتضاء الدليل على خلافه في بعض الموارد و الأحكام و إلا فيحكم بمقتضاه كما في مسألة اللّباس‏و النظر و نحوهما فإنه قيل بلزوم الجرح الشديد من الاحتياط عن لبس ما يختصّ بهما عليها و اختيار لباس ثالث خارج عنهما أو الاقتصار بما يشترك بينهما إن كان‏هناك لباس مشترك كما في بعض البلاد و كذا في مسألة النظر لا إشكال في لزوم الحرج عليها من الغض عن الطائفتين ثم فيما اقتضى دليل نفي الحرج عدم وجوب‏الاحتياط لم يكن إشكال هناك في عدم جواز المخالفة القطعيّة عليها لما أسمعناك مرارا من قبح تجويزها على الحكيم تعالى فيتخير في اختيار أحد الطرفين لدفع الجرح تخييرابدويّا لا يجوز لها العدول إلى الطرف الآخر و الوجه فيه ظاهر ثم إنّ هنا شبهتين فيما ذكرنا من وجوب الاحتياط على الخنثى بالنسبة إلى التكاليف المختصّةبالفريقين أشار إليهما شيخنا في الكتاب مرجعهما إلى المنع عن العلم الإجمالي بتوجّه الخطاب الإلزامي إليها الأولى دعوى انصراف الخطابات المختصة سيّما الواردةفي باب اللباس المتعلّقة بعنوان تشبيه كل من الرجل و الأنثى بالآخر إلى غير الخنثى فعلى هذا يجوز لها لبس كلاّ اللّباسين المختصّين في زمان واحد فضلا عن زمانين لرجوع الدعوى‏
119
المذكورة كما ترى إلى انصراف الخطاب إلى معلوم الذكورية و الأنوثيّة فالمجهول لا يتعلّق به الخطاب و إن لم يكن في الواقع خارجا عن الفريقين كما هو المفروض وأنت خبير بفساد الدعوى المذكورة و إن سلّم ندرة الخنثى المشكل فإن المفروض عدم خروجها عن الفريقين نعم على القول بكونها طبيعة خارجة عن الفريقين‏أمكن جعل ندرتها موجبة للانصراف على ما زعمه غير واحد في تعميم سببه بالنسبة إلى ندرة الوجود و إن انفكّ عن ندرة الاستعمال الثانية دعوى‏اختصاص تنجّز الخطاب بعلم المكلّف بتوجّه خطاب إليه من الشارع بخصوصه و إن كان مردّدا بين الخطابين و هذا المناط غير متحقق بالنسبة إلى الخنثى و هذه أيضاكما ترى إذ بعد تعميم الخطاب بالنسبة إلى الخطاب المردّد لا وجه لمنع العلم به في المقام و المقام نظير المكلف المردّد بين كونه حاضرا أو مسافرا فهل يجوز له ترك‏الصلاتين ثم إن هذا كلّه في معاملتها مع كل من الرجل و الأنثى و حكمها بالنسبة إلى ما يختصّ بهما من التكاليف و أمّا معاملة كل من الطائفتين بالنسبةإليها في النظر و التكلّم و استماع الصوت و نحوها فقد يقال بجوازها لهما نظرا إلى رجوع الشكّ في حقّهما إلى الشبهة الموضوعيّة فيرجعان إلى البراءةو لا عبرة بعلمهما الإجمالي بتعلّق خطاب واقعيّ إلزاميّ إلى أحدهما فإنه لا يوجب العلم بالخطاب المنجّز بالمعنى الذي عرفته غير مرّة و ليس مثلهما إلاّ كمثل واجدي‏المني في الثوب المشترك و تسليم العموم لآيتي الغضّ في قوله تعالى‏ قُلْ لِلْمُؤمنينَ يَغضُّوا مِنْ أَبْصارِهم وَ يَحفَظُوا فُروجَهُمْ و في قوله تعالى‏ و قل لِلْمُؤمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ‏أَبْصارِهِنّ الآية غير مفيد مع كون المقام من الشبهة الموضوعية إلا على القول بجواز التمسّك بالعموم في الشبهة الموضوعيّة على ما عرفت الكلام فيه عن قريب‏ نعم لا إشكال في جواز التمسّك بالعموم على تقدير ثبوته في المقام على القول بكونها طبيعة ثالثة خارجة عن الفريقين هذا على تقدير تسليم العموم لآية الغضّ‏و أمّا على تقدير منعه نظرا إلى أن القول بثبوته لحذف متعلّق الخطاب يوجب وهنه بلزوم تخصيص الأكثر فلا بد من حمله على العهد فالأمر أوضح و دعوى وجود الأصل‏الموضوعي على تقدير تسليم العموم لكلّ فريق نظرا إلى أن الخارج من العموم هو عنوان المماثل و كل فريق شاكّ في تحقّق المماثلة في حقّه فينفيه بالأصل و يترتّب عليه‏حكم العموم فاسدة فإن نفي المماثلة في معنى نفي الرجوليّة و الأنوثيّة الغير المسبوقين بالعدم إلاّ في زمان عدم الموضوع فلا يقاس بنفي النسب بالأصل في باب الشّكّ‏في السيادة و غيره لوضوح الفرق بين المقامين بما لا يخفى فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه وجه للقول بعدم الجواز في حقّهما مضافا إلى ما أفاده شيخنا في وجهه في الجزء الأوّل‏من الكتاب كما أنه قد ظهر منه حكم معاملة الخنثى مع الخنثى في غير التزويج فإنه لا يجوز قطعا و أمّا في مسألة النظر و نحوها فيمكن الحكم بالجواز لما عرفت في معاملة كل‏من الرجل و المرأة معها و المقام أشبه شي‏ء بالنظر إلى شخص لا يعلم كونه رجلا أو امرأة مع إمكان العلم التفصيلي بحاله على تقدير الفحص و تبيّن أمره هذا بعض الكلام في‏المسألة و قد أشبعناه في الجزء الأوّل من التعليقة
في التنبيه الثامن من تنبيهات الشبهة المحصورة
قوله الثامن أن ظاهر كل من الأصحاب التسوية بين كون الأصل إلى آخره‏(1) أقول أمّا كون الحكم عند جلّ الأصحاب‏المانعين لجواز الارتكاب هو عدم جوازه فيما إذا اقتضى الأصل في المشتبهين الحرمة فممّا لا شبهة فيه أصلا و أمّا ما استظهره من كلماتهم من أن ذلك من جهة الاحتياطو عدم جريان الأصل المقتضي للحرمة في المشتبهين فمحلّ تأمّل لم لا يكون من جهة العمل بالأصلين فيهما نظرا إلى عدم لزوم محذور من العمل بهما أصلا لا المخالفة العمليّةالقطعيّة و لا غيرها فلا تعارض بينهما حتى يرجع إلى الاحتياط و الثمرة بين الحكم بوجوب الاحتياط من جهة إعمال الأصل و الاحتياط لا يكاد أن يخفى فإنّه يترتّب على‏الأوّل جميع آثار الحرام الواقعي و النجس على المشتبهين فيحكم بتنجّس ملاقي أحدهما بخلاف الثاني هذا و لعلّنا نتكلم في ذلك زائدا على ما عرفت في الجزء الثالث من التعليقة إن شاء الله‏و أمّا المجوّزون للارتكاب فيلزمهم الفرق بين القسمين و الحكم بعدم الجواز فيما إذا اقتضاه الأصل الجاري في المشتبهين لأن مبنى حكمهم بالجواز فيما إذا اقتضاه الأصل‏هو عدم تأثير العلم الإجمالي في رفع الأصل الجاري في المسألة فيصير الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي كالشبهة المجرّدة من غير فرق بينهما في الحكم أصلا و لازمه كما ترى‏عدم الفرق بين القسمين فعليه يخرج ما اقتضى الأصل فيه الحرمة عن محل البحث على ما حرّرناه على القول بالمنع لا على ما حرّره شيخنا قدس سره اللهم إلا أن يكون مراده من‏خروجه عن محل البحث خروجه عنه غير ملاحظ فيه عنوان الحكم بوجوب الاجتناب و أما استظهار التعميم من استدلالهم في المسألة بالأخبار الدّالة على حليّة المال المختلط الحرام كما في الكتاب فهو مبني على كون مقتضى الأصل في الشبهة المجرّدة في المسألة الحرمة و أمّا على القول بكون مقتضى الأصل فيها الحلّيّة و الجواز على ما هو أحد الوجهين‏المذكورين في الكتاب سابقا فلا وجه للاستظهار المذكور أصلا كما لا يخفى ثم إن القول بكون محل كلام المجوّزين في غير الأنفس و الأعراض المشتبهة بالشبهة المحصورةكما استظهره منهم المحقّق المحشّي في آخر بحث مقدّمة الواجب من حيث كون المنع في اشتباههما ضروريّا محلّ نظر لأن الضرورة قضت بحرمة نفس العنوانات المشتبهة فيهما بل‏في كثير من غيرهما و أمّا المنع عند الاشتباه فليس بضروريّ مطلقا نعم بناء على ما استظهرناه من خروج ما اقتضى الأصل فيه الحرمة عن محل كلامهم لزم الحكم بالمنع فيماذكره لكن ما ذكرنا لا يختصّ بما خصّه به بل ربما يجري في النجس المشتبه كما إذا كان المشتبهان مسبوقي النجاسة قوله التاسع أن المشتبه بأحد المشتبهين حكمه حكمها لأنّ‏مقدّمة المقدمة مقدّمة و هو ظاهر إلى آخره‏(2) أقول لا سترة فيما أفاده و من هنا ادّعى وضوحه لأن توقّف شي‏ء على غيره يستلزم توقّفه على ما يتوقّف عليه ذلك الغير ضرورة امتناع‏وجود الغير بدون ما يتوقّف عليه و إلا لزم الخلف فيمتنع وجود ما يتوقّف على الغير أيضا لفرض توقّفه عليه فمقدّمة مقدّمة الشي‏ء مقدّمة لنفس ذلك الشي‏ء فالعلم الذي‏يتوقّف تحصيله على الاجتناب عن المشتبهين يتوقف لا محالة على ما يتوقّف عليه تحصيل العلم باجتناب أحد المشتبهين فيجب الاجتناب عنه أيضا
المقام الثاني في الشبهة الغير المحصورة
قوله المقام الثاني‏في الشبهة الغير المحصورة و المعروف فيها عدم وجوب الاجتناب إلى آخره‏(3) أقول الكلام في المقام كالكلام في المقام الأوّل يقع في مقامين أحدهما وجوب الاحتياط أو عدمه‏
120
و بعبارة أخرى وجوب تحصيل الموافقة القطعيّة و عدمه ثانيهما في جواز المخالفة القطعيّة على تقدير القول بعدم وجوب الاحتياط و عدمه و قد قدم الكلام في المقام الأول حسبما يفضح عنه كلامه و يدلّ على عدم وجوب الاحتياط في المقام على خلاف الشبهةالمحصورة وجوه‏
في تقرير الإجماع على عدم وجوب الموافقة القطعية في الشبهة الغير المحصورة
الأوّل الإجماع القطعي عليه بحيث لا يرتاب فيه بعد الرجوع إلى كلماتهم بل لو لم يكن في المسألة إلا الإجماعات المنقولة في كلمات جمع من الأساطين‏قولا و عملا فضلا عن دعوى نفي الرّيب عنه بل الضرورة عليه في كلام بعض و عدم الخلاف المشاهد عنهم لكفى في حصول القطع بالإجماع في المسألة بل الشاكّ في‏تحققه في المسألة لا أرى أن يحصل له القطع بالإجماع في مسألة من المسائل قال الفريد المولى البهبهاني قدس سره في الفوائد بعد جملة كلام له في بيان الفرق بين المحصورو غيره ما هذا لفظه مع أن عدم وجوب الاجتناب عن غير المحصور مجمع عليه بين الكل و لا ريب فيه و مدار المسلمين في الأعصار و الأمصار كان على ذلك و قد حقّقناه‏في مواضع أخر و كثيرا ما يعاضده أصالة الصحّة في تصرّفات المسلمين انتهى كلامه رفع مقامه و هو كما ترى صريح في دعوى الإجماع قولا و عملا بل في نفي الريب عنه‏و مع ذلك كلام شيخنا العلاّمة دام ظله العالي ظاهر لو لم يكن صريحا في عدم جزمه بتحقّق الإجماع و إن جزم بكفاية نقله في المسألة من حيث كونه مستفيضا معتضدابغيره و كون المسألة فقهيّة و إن دوّنها جماعة في الأصول خلافا لكثير لا أصولية حتى يمنع من العمل فيها بالظن الخاصّ فضلا عن الظن المطلق و إن كانت هذه المضايقةفاسدة عندنا لما أسمعناك في الجزء الأول من التعليقة من عدم الفرق فيما دلّ على حجية الأمارات من حيث الخصوص أو من باب الظن المطلق بين كون موردهاالمسألة الفرعيّة أو الأصوليّة العمليّة لا يقال كون المسألة من المسائل الفرعيّة كالبحث في حكم الشبهة الموضوعيّة في جميع مسائل الباب و إن كان أمرا واضحالا سترة فيه أصلا و إن قيل بكون البحث عن البراءة و الاشتغال في الشبهات الحكمية من مسائله بحثا عن المسألة الأصوليّة لكن قد تقدم منه دام ظلّه في الجزء الأول‏من الكتاب عند البحث عن حجيّة النقل الإجماع المنع عن كونه من الظنون المخصوصة على تقدير القول بحجيّة الخبر الواحد من حيث الخصوص في الجملة لأنّا نقول ما تقدّم منه دام ظله كان مقصورا على ما لا يكون المنقول منه حسّا على تقدير تحقّقه لنا ملازما عادة لقول الإمام عليه السلام أو تقريره أو فعله و أما ما كان كذلك و لو بضميمة ماحصّله المنقول إليه من الأقوال و القرائن فقد صرّح بحجيّة نقله فيكون مستقلاّ في الحجيّة إذا كان سببا تامّا على تقدير تحقّقه أمّا من حيث نقل السبب أو المسبّب‏إذا رجع الناقل في تحصيله إلى الحسّ أو كان محتاجا إلى ضمّ جزء آخر من الأقوال أو القرائن إذا لم يكن سببا تامّا و المنقول في المسألة من القسم الثاني جدّا نظرا إلى استفاضةنقله و اعتضاده بعدم الخلاف في المسألة و دعوى الضرورة و الشهرة المحقّقة و غير ذلك من القرائن و الأمارات هذا و لكن قد يناقش في ذلك بأن ما أفاده ثمّة من‏حجيّة نقل الإجماع في الجملة وفاقا لبعض المحققين كان مبنيّا على تسليم دلالة آية البناء على حجيّة خبر العادل في الحسيّات أو ما يرجع إليه على ما عرفت هناك من حيث‏اختصاص غير الآية من الأدلة المتقدّمة بالروايات المصطلحة و قد سبق منه دام ظله المنع من دلالة الآية على حجيّة خبر العادل نعم نقل الإجماع على طريقة القدماء يدخل‏في الرواية لكن نعلم أن الناقل لم يطّلع عليه عن حسّ فكيف يجوز الاعتماد على نقله هذا بعض الكلام في المقام و إن أردت شرحه ما رجع إلى ما حرّرنا في الجزء الأوّل‏فالأولى التشبّث بذيل الإجماع المحقق في المسألة كما عرفته منا فإنك قد عرفت عدم الارتياب فيه‏
في تقرير دليل لزوم الحرج من الاحتياط في المقام‏
قوله الثاني ما استدلّ به جماعة من لزوم المشقة في الاجتناب‏إلى آخره‏(1) أقول هذا الوجه مما تمسّك به في المقام أكثر الأصحاب بل لم أر من لم يتمسّك به ممن تعرّض لحكم المسألة بل ربما يجعلون الضابط لغير المحصور على ما ستقف عليه‏ما يكون الحرج في الاجتناب عنه و قد تلقّوه بالقبول و لم يستشكل فيه إلا بعض أفاضل المتأخّرين و لما كانت الكبرى و هو عدم جعل الحكم الحرجي في الشرع بمقتضى‏عمومات الآيات و الأخبار من الأمور المسلّمة بينهم كورود ما دلّ عليه على قاعدة الاحتياط كوضوح فساد دعوى اطراد الصغرى بالنسبة إلى جميع جزئيّات الشبهةالغير المحصورة فلا بد من توجيه الاستدلال بالوجه المذكور على وجه يتم به صورة القياس و البرهان و من هنا ذكر شيخنا في الكتاب في تقريب الاستدلال و لعلّ المرادبه لزومه في أغلب أفراد هذه الشبهة لأغلب أفراد المكلفين فيشمله عموم قوله تعالى إلى آخر ما أفاده و الغرض أن الكبرى بمقتضى ما دل على نفي الحرج الحرج الغالبي بالنسبة إلى‏جزئيّات الفعل و المكلّف معا بمعنى أن كل فعل كان حرجيا بالنسبة إلى غالب جزئيّاته في حق غالب المكلّفين فحكمه مرفوع عن جميع جزئيّاته حتى الجزئي الذي لا حرج فيه‏أصلا في حق جميع المكلفين حتى عن المكلّف الذي لا يكون الفعل في حقّه حرجيّا أصلا و لما كان هذا المعنى خلاف ما يظهر من الكتاب و السنّة الواردين في هذا الباب‏في ظاهر النظر أثبت إرادته بقوله إلا أنه يتعيّن الحمل عليه إلى آخر ما أفاده هذا و لكنّ المحكيّ عن غير واحد ظهور أدلّة نفي الحرج بأنفسها في ذلك من غير احتياجهاإلى الضميمة فتقريب دلالتها على المدعى من وجهين و قد يناقش في هذا الوجه أولا بأن الكبرى المستفادة منها هو نفي الحرج الشخصي لا الغالبي بالمعنى الذي‏سبق ذكره حيث إن الخطاب فيما دلّ من كتاب العزيز على ذلك متعلّق بكلّ مكلّف على ما يقتضيه ظاهر خطاب الجمع فلا بد أن يكون المنفيّ حرجيّا في حقّ كلّ‏مكلّف نعم لو لم يكن الحرج علة لرفع الحكم في مورد و دليلا عليه بل كان دليل رفعه ما ورد في عنوانه و استفيد من الخارج أن الحكمة في رفعه لزوم الحرج على‏تقدير تشريع الحكم لم يلزم اطّراده من الوجهين كما قيل في باب الحديد من جهة بعض الأخبار و ورد في بعض المستحبّات كما في السواك و بالجملة الفرق بين رفع‏الحكم الثابت بدليله بما دل على نفي الحرج و دفع اقتضاء ما يقتضي جعل الحكم بما دل عليه بملاحظة حكمة الحرج ظاهر لا سترة فيه و قد نبّهنا عليه في الجزء الأوّل من‏التعليقة و يؤيّد ما ذكرنا بل يدل عليه في وجه مضافا إلى ما عرفت من كونه قضيّة ظاهر أدلّة نفي الحرج أنه لا شبهة في كون ما ورد في ذلك مسوقا للامتنان على العبادكما يكشف عن ذلك حديث رفع التسعة لو كان ما فيه الحرج مرادا مما لا يطاق الحديث حيث إن جعل التكليف مع الحرج على العباد و لو كان أجر إطاعته أكثر يوجب‏
121
غالبا عصيان الشارع بالنسبة إلى غير التكليف الحرجي فضلا عن الحرجي بل ربما يوجب مع كثرته رفع اليد عن الدين في حق الغالب و بهذه الملاحظة كان مبنى تبليغ‏الرسل على بيان الأحكام تدريجا فإذا فوّت الشارع مصلحة التكليف في حق المكلّف فيتداركها بالتسهيل و من المعلوم عدم اقتضاء ذلك رفع الحكم عن فعل‏لا حرج فيه أصلا بالنسبة إلى بعض جزئيّاته في حق تمام المكلّفين أو عن فعل لا حرج فيه أصلا و مطلقا بالنسبة إلى مكلّف خاصّ و إن كان حرجيّا في حق غيره بالنسبة إلى‏تمام جزئياته و مصاديقه فإن تفويت شخص المصلحة عن نوع المكلفين و تفويت نوع المصلحة الملزمة عن مكلّف مع عدم التدارك بالتسهيل خلاف سوقه للامتنان‏على العباد مضافا إلى ما قيل من كونه خلاف مقتضى الحكمة و العقل إذ كما لا يجوز جعل التكليف بلا جهة كذلك لا يجوز رفعه مع وجود الجهة بلا تدارك لا يقال تعميم رفع الحكم من دون مصلحة توجبه و إن كان قبيحا كرفعه رأسا من دون تدارك أصلا إلا أن نفس اطّراد الحكم عندهم مصلحة صالحة لتدارك ما يفوت عن المكلّف‏فلا يحتاج إلى مصلحة أخرى و من هنا ذكروا أن الحكمة لا يلزم اطّرادها مع اطراد الحكم بالفرض لأنّا نقول ما ذكر فاسد جدّا ضرورة أن الاطراد بنفسه ليس شيئاقابلا لتدارك ما يفوت عن المكلّف‏
في أن المنفي بأدلّة نفي الحرج هل هو الحرج الشّخصي أو النوعي‏
نعم قد يكون هناك مصلحة في اطّراد الحكم من الشارع مع عدم وجود المصلحة الشخصيّة في الفعل الذي تعلّق به الحكم و من‏هذا الباب قولهم بعدم لزوم الاطراد في حكمة الحكم فإن شئت قلت فرق بين جعل التكليف لمصلحة في نوع الفعل و إن تخلّف عن بعض أشخاصه و رفع التكليف‏عن نوع الفعل بما دلّ على نفي الحكم الحرجي مع وجود المصلحة الملزمة في بعض أشخاص الفعل من دون أن يكون فيه حرج و قد نبّهنا على ذلك عن قريب و سننبّه عليه‏أيضا في طيّ ما سيتلى عليك و أما الاستعانة بالرواية في إثبات دلالتها على المعنى المذكور فهي موقوفة على تماميّتها سندا و دلالة حتى تصلح لصرف ما عرفت عن ظاهره‏و هي في محل المنع ثمّ إن هذا الذي ذكرنا لا يختصّ بالمقام بل يجري بالنسبة إلى ما دلّ على نفي الضرر أيضا و ثانيا نسلّم كون الكبرى المستفادة من دليل نفي الحرج‏هو رفع الحكم عمّا كان في غالب أفراده الحرج و إن تخلّف عن بعض أفراده لكن نمنع كون المعنى المذكور مفيدا في المقام فإنه على المعنى المذكور لا بدّ من أن يلاحظ كل موضوع‏كليّ تعلّق به الحكم في الأدلّة فإن لزم من جعله الحرج على أغلب أفراد المكلّفين في أكثر أفراد هذا الموضوع الكلّي حكم بارتفاعه عن ذلك الموضوع الكلّي بإطلاقه عن جميع‏أفراده و عن جميع المكلفين حتى من الفرد الذي لا حرج فيه أصلا لتمام المكلّفين و عن المكلّف الذي لا حرج في حقّه أصلا بالنسبة إلى تمام الأفراد و هذا المعنى كماترى لا تعلّق له بالمقام أصلا إذ الشبهة الغير المحصورة لم يتعلّق بها حكم في الشرع بهذا العنوان و إنما هو عنوان و مفهوم منتزع عن موضوعات مشتبهة والمقتضي لوجوب الاحتياط في كل موضوع مشتبه هو نفس دليل تحريم ذلك الموضوع بضميمة حكم العقل فلا بد أن يلاحظ الحرج بالنسبة إلى كلّ حرام مشتبه‏فإن لزم بالنسبة إلى أغلب أفراد حرام بالنسبة إلى أغلب المكلّفين حكم بارتفاع وجوب الاحتياط عن تمام أفراده و عن جميع المكلّفين و إن لم يلزم بالنسبة إلى أغلب أفرادحرام مخصوص مشتبه بالشبهة الغير المحصورة لم يكن معنى لرفع وجوب الاحتياط عنه كلّيّة و إن حكم بارتفاعه عن فرد شخصيّ يلزم منه الحرج في حق مكلّف شخصيّ كما يكون‏الأمر كذلك بالنسبة إلى الشبهة المحصورة أيضا فقد علم ممّا ذكرنا أن هذا الوجه مع تسليمه لا يفي بإثبات المدّعى في تمام أفراد هذا المفهوم المنتزع لحرام مشتبه بالشبهةالغير المحصورة الذي لا يلزم الحرج من الاحتياط في أغلب أفراده لأغلب المكلّفين باعتراف الخصم و منه يظهر أن الاستعانة بالأخبار الدالّة على إناطة الأحكام بالعسر و اليسرالغالبيّين لا ينفع أصلا على تقدير الإغماض عن المناقشة فيها فلعلّ الوجه في الاستدلال بهذا الوجه مع ما عرفت ما أفاده شيخنا في الكتاب بقوله و كان المستدل‏بذلك جعل الشبهة الغير المحصورة واقعة واحدة إلى آخر ما أفاده قدس سره و ثالثا على تقدير تسليم إرادة المعنى المذكور مما دلّ على نفي الحرج و كون الشبهة الغير المحصورةعنوانا في نفسه اقتضى الدليل وجوب الاحتياط عن نفس هذا العنوان نمنع من لزوم الحرج بالنسبة إلى أغلب أفرادها التي هي أنواع حقيقة لأن بعض الأطراف من كثيرأفراد الشبهة الغير المحصورة ليس محلاّ لابتلاء غالب المكلّفين كما يشهد به الوجدان و بعد إخراج هذه عن محلّ الكلام سواء كان الاحتياط فيها موجبا للحرج أم لالما عرفت من عدم وجوب الاحتياط فيما كان بعض أطراف العلم الإجمالي خارجا عن محلّ الابتلاء مع حصر الشبهة فضلا عن كونها غير محصورة توجّه منع وجود الحرج بالنسبةإلى أغلب أفراد محلّ الكلام من الشبهة الغير المحصورة و إن سلم تحقّقه في أغلب أفرادها بقول مطلق و في المجموع ممّا هو محلّ الكلام و غيره و إن قيل المدّعى وجود الحرج‏في أغلب أفراد محلّ الكلام و بعد تسليم الغلبة و إناطة حكم الرفع بها و كون الشبهة الغير المحصورة عنوانا مستقلاّ بالملاحظة لم يكن معنى لهذا الجواب الثالث قلنا المدعى و إن كان ذلك لما عرفت من خروج ما لم يكن تمام أفراده محلا للابتلاء عن محلّ البحث إلا أنه لم يسبق منا الاعتراف بما ذكره أي عسر في الاجتناب عن الخمر المشتبه بالشبهةالغير المحصورة و المرأة المحرّم نكاحها المشتبهة في نساء في صقع من الأرض و كذلك بالنسبة إلى المال المشتبه و مهدور الدم المشتبه إلى غير ذلك و رابعا نمنع من لزوم‏الحرج على الغالب بالنسبة إلى أفراد نوع واحد تسالموا على لزوم الحرج الغالبي بالنسبة إليه فإن النوع الذي يلزم بالنسبة إليه الحرج من دون إشكال النجس‏المشتبه و من المعلوم أنه لا يلزم الحرج الغالبي من الاجتناب عن كثير من أفراده المشتبهة بالنسبة إلى الأرض و الطعام و غيرهما فتأمل فهذا الوجه لا يسمن و لا يغني‏أصلا نعم لا إشكال في عدم وجوب الاحتياط بالنسبة إلى مورد و فرد من نوع يلزم الحرج من الاحتياط فيه و إن لم يلزم في أغلب أفراده كما هو واضح و قدعرفت الإشارة إليه و ممّا ذكرنا كله يظهر توجّه النقض عليهم بالشبهة المحصورة فإنه لا إشكال في لزوم الحرج من الاحتياط فيها في الجملة
نقل كلام المحقّق القمّي و صاحب الفصول قدس سرهما
ثم إن للمحقق القمي و بعض‏أفاضل معاصريه قدس سرهما كلاما متعلّقا بالمقام لا بد من إيراده قال في القوانين في مقام النقض على ما استدلّوا به لوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة
122
بأن التكليف بالاجتناب عن الحرام و النجس الواقعيين الموجودين بين المشتبهات يقينيّ إلى آخر ما عرفت شرحه ما هذا لفظه مع أنه يرد على ذلك النقض بغيرالمحصورة فإن الحرام و النجس فيها أيضا يقينيّ و التمسّك بلزوم العسر و الحرج لا يثبت الحل و الطهارة بمعنى ترتيب جميع آثارهما سيّما بحيث تصير قاعدة كليّة مثبتةللحكم مطردا لأن مقتضى ذلك الحكم بطهارة صحراء وسيع الفضاء الذي تنجّس بعضه و لم يعلم محلّها لمن يزاولها بالرطوبة و يحتاج إلى مزاولتها و لا حرج على‏من لا يزاولها و لا يحتاج إليها في الاجتناب عنها و ليس تطهير عضو منه إذا اتفق مباشرته عسرا و حرجا كما لا يخفى و قد يكون اجتناب الثوبين اللذين أحدهما نجس‏حرجا عظيما كما لو احتاج إلى لبس أحدهما في السفر في أيّام الشتاء و وقوع المطر فإن كان لزوم العسر يوجب الحكم بالطهارة فاحكم هنا بالطهارة و كذلك الكلام في‏الاضطرار إلى أكل الميتة و شرب الماء النجس فإن الاضطرار و العسر و الحرج لا يوجب الحكم بالطهارة و أمّا ما قد يتمسّك بذلك في مثل طهارة الحديد مع ورود الأخباربالنجاسة فذلك تأسيس في الحكم و دفع لا رفع لحكم ثابت و بينهما فرق واضح انتهى كلامه رفع مقامه و قال فاضل معاصره في فصوله بعد إبداء الفرق‏بين المحصور و غير المحصور بما هو المشهور من لزوم العسر في الاجتناب عن الثاني دون الأول ما هذا لفظه و أمّا ما أورده بعض المعاصرين بأن العسر و الحرج قدلا يتحقّقان في غير المحصور كما إذا لم يكن هناك ما يوجب استعمال البعض و قد يتحقّقان في المحصور أيضا كما إذا اضطر إلى استعمال البعض مع أنهما يقتضيان‏رفع الإثم دون غيره من النجاسة و لهذا لو اضطر إلى أكل الميتة لم يرتفع عنه حكم النجاسة فمدفوع بأن العسر و الحرج إنما يقتضيان رفع الحكم الذي يترتبان عليه‏على قدر ترتبهما عليه ففي غير المحصور لما كان ترتبهما على وجوب الاجتناب عنه و ما في حكمه كوجوب الاجتناب عن ملاقيه ثابتا على الإطلاق حتى بالنسبة إلى‏ما يزيد فيه على قدر الضرورة لوضوح ترتيبهما على تقدير تحديد رفع المنع باندفاعهما أيضا لعموم مورده و ابتلاء عامّة النّاس به في عامة الأحوال أو أغلبها لزم ارتفاعه‏على الإطلاق بخلاف المحصور لندرة الاضطرار إليه و على تقدير حصوله فدوران المنع فيه مدار رفع العسر و الحرج لا يوجب عسرا و لا حرجا و لهذا جاز ثبوت‏حكمه إلى أن قال و لا فرق فيما ذكرنا بين كون الحكم حرمة أو نجاسة أو غيرهما و إلى هذا ينظر إلى احتجاج بعض الأصحاب بذلك على طهارة الحديد في مقابلة الأخبارالدالّة على نجاستها و اعتذار المعاصر المذكور عنه بأنه تأسيس للحكم و دفع لا رفع لحكم ثابت و بينهما فرق واضح غير واضح فإن ما يصلح للتأسيس و الدفع في‏مثل المقام يصلح للرفع أيضا سلّمنا لكن المقام من باب الدفع لا الرفع حيث يدفع بلزوم العسر و الحرج عموم الأدلّة الدالّة على التحريم بصورة الاشتباه بغيرالمحصور انتهى كلامه رفع مقامه‏
في توجّه المناقشة على ما أفاده الفاضلان المتقدّمان‏
و أنت خبير بما يتطرّق إليهما من المناقشة أمّا ما أفاده في القوانين فيتوجّه عليه بعد اختيار كون قضيّة الأصل بعد ثبوت‏الاشتغال بالعلم الإجمالي عدم الفرق بين الشبهة المحصورة و غيرها أن الفارق ما عرفت من قيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في غير المحصور و ليس‏المقصود إلاّ رفع وجوب الاحتياط إلاّ الحرمة و النجاسة واقعا عن الواقع المعلوم إجمالا و لم يدّعه أحد من القائلين بعدم وجوب الاحتياط في المقام بحيث‏يحكمون بطهارة ما لاقى جميع أطراف الشبهة الغير المحصورة و أمّا الحكم بطهارة ما يلاقي بعض الأطراف فليس من جهة الحكم بطهارة الملاقى بالفتح بل من الجهة التي‏عرفتها في ملاقي الشبهة المحصورة من سلامة الأصل فيه عن المعارض و خروجه عن أطراف الشبهة فإذا كان الحال هذه مع حصر الشبهة فالحكم بطهارته مع‏عدم الحصر أولى كما لا يخفى و بالجملة المنفيّ في المقام مجرّد وجوب الاحتياط الثابت بالعلم الإجمالي لا آثار الواقع فإن ثبوتها لا تعلّق له بالعلم الإجمالي فإنّها من‏مقولة الوضع لا أثر للعلم الإجمالي بالنسبة إليها أصلا فالمنفي بالإجماع أو دليل نفي العسر هو مجرّد وجوب الاحتياط لا غيره من الأحكام و الآثار نعم ما أفاده بالنسبةإلى دليل نفي الحرج في المقام من عدم جواز التمسّك به فهو حقّ لا محيص عنه لكن لا من الجهة التي ذكرها بل لما عرفت هذا و أمّا ما ذكره في الفصول تحقيقاللمقام و دفعا لما أورده المحقق القميّ على المتمسّكين بدليل نفي الحرج في المقام الفارقين بينه و بين الشبهة المحصورة فيتوجّه عليه ما عرفت من المناقشات مضافا إلى‏ما يتوجّه عليه في مواضع من كلماته لأن ما ذكره في تتميم المدّعى و الفرق من أن التحديد بلزوم العسر و الحرج في المقام يكون حرجيّا بخلاف الشبهة المحصورة يتوجّه‏عليه أنّ ذلك إنما يفيد على تقدير تسليمه بالنسبة إلى نوع خاصّ يكون الحرج في الاحتياط عن غالب أفراده و قد عرفت المنع عنه و ما ذكره تحقيقا لاقتضاءأدلّة نفي العسر رفع النجاسة في المقام من أن قضيّة نفي الحرج هو رفع كلّ حكم يترتّب على جعله الحرج من غير فرق بين النجاسة و غيرها من الأحكام يتوجّه عليه أنه لاينفع في ردّ ما أفاده المحقق القميّ قدس سره للمنع من لزوم الحرج في بقاء النجاسة في الشبهة الغير المحصورة كما هو واضح نعم يتوجّه عليه ما أشرنا إليه من أن الغرض‏التمسّك بدليل نفي الحرج لمجرّد عدم وجوب الاحتياط و يحصل الموافقة القطعيّة لا طهارة النجس الواقعي الموجود بين المشتبهات و ما ذكره في عدم الفرق بين‏مسألة الحديد و المقام لأن ما يصلح للتأسيس و الدفع يصلح للرفع أيضا يتوجه عليه أن دليل نفي العسر ليس من المطهرات حتى يرفع النجاسة الثابتة المسلّمة بين المشتبهات‏و اقتضاؤه لدفع النجاسة في الحديد يرجع إلى منعه من ثبوت أصل النجاسة لها و أين هذا من المقام ثم إن هذا الذي عرفت في مسألة الحديد إنما هو على مقتضى‏ما وقع من المحقّق القميّ و فاضل عصره قدس سرهما و الذي يقتضيه التحقيق فيها أن يقال إنه لو كان هناك دليل معتبر على نجاسة الحديد لم يكن معنى للحكم بطرحه‏من جهة ما دلّ على نفي الحرج في الشريعة لما عرفت غير مرّة من أن أدلّة نفي الحرج و إن كانت حاكمة على أدلّة التكاليف القاضية بثبوتها في الموضوع الأعمّ من مورد لزوم‏الحرج إلاّ أنه يتعيّن تخصيصها بما هو أخصّ منها يدلّ على ثبوت حكم حرجيّ إذا كان معتبرا من جميع الجهات هذا مضافا إلى ما عرفت من مطاوي كلمات شيخنا
123
الأستاذ العلاّمة قدس سره في الكتاب من كون عمومات نفي الحرج من العمومات الموهونة بكثرة الخارج منها فلا يجوز التمسّك بها من غير جابر لها فضلا عمّا إذا كان‏هناك ما يقتضي تخصيصها هذا مضافا إلى أنه لو كان الدليل على طهارة الحديد ما دلّ على نفي الحكم العسري لزم الاقتصار على صورة وجود العسر و لم‏يجز الحكم بالطهارة على الإطلاق لما أسمعناك من أن التحقيق في مفاده هو نفي الحرج الشخصي لا الغالبي و النوعي و إن لم يكن هناك دليل معتبر على نجاسته أوكان و كان معارضا لأخبار الطهارة مع التكافؤ فالمتعيّن الرجوع إلى قاعدة الطهارة بناء على جريانها في الشبهة الحكميّة على ما هو الحق و عليه المشهور وعلى هذا لا معنى للتمسّك بدليل نفي الحرج‏
تحقيق الكلام في حكم الحديد
فالتحقيق أن الدليل على طهارة الحديد أمّا الأخبار الدالة على طهارته لمكان رجحانها على أخبار النجاسة بضرب‏من الترجيح من العمل و غيره أو ضعف أخبار النجاسة أو أصالة الطهارة بعد تعارض الأخبار و تساقطها فتأمل أو قيام الإجماع عليها فليس المستند أدلّة نفي‏الحرج حتى يتوجّه عليه ما عرفت من لزوم الاقتصار على المورد العسري و غيره و إن كان حكمة في حكم الشارع بطهارته فلا يلزم اطرادها في موارد رفع‏النجاسة و هذا نظير ما ذكرنا في مسألة الانسداد من الفرق بين كونه حكمة لا يلزم اطّرادهما فيعمل بالظّن حتى مع التمكّن من تحصيل العلم من المسألة و علّة يدورالحكم مدارها و كذلك ذكرنا ثمّة الفرق بين كون لزوم العسر من الاحتياط الكلّي علّة لإبطال وجوب الاحتياط بأن يتمسّك له بدليل نفي الحرج فيدور البطلان‏مداره و حكمة بأن يتمسّك له بالإجماع و نحوه و أمّا ما يقال و أشرنا إليه في طيّ كلماتنا من أن ما اشتهر من عدم لزوم الاطراد في الحكمة كلام لا محصّل له من‏حيث استلزامه تجويز العبث على الحكيم تعالى نظرا إلى كون لازمه الالتزام بثبوت الحكم في مورد مع فقدان جهة مقتضية له بل ربما يمكن القول بامتناعه الذاتي‏فتدبّر فيتوجّه عليه بأن ما جعل حكمة في تشريع الحكم و هي المصلحة الغالبة لمصلحة من المصالح لا ينفكّ عن الحكم ضرورة صدق وجود مصلحة في غالب الأفراد دائماو إنما المنفكّ نفس المصلحة بالاعتبار الذي اقتضى تشريع الحكم فتدبّر
في تقريب الاستدلال بالوجه الثالث و ما يتوجّه عليه من وجوه المناقشات‏
قوله الثالث الأخبار الدّالة على حلّيّة كل ما لم يعلم حرمته فإنها بظاهرها إلى آخره‏(1) أقول تقريب الاستدلال بهذا الوجه ما أفاده في الكتاب من أن قضيّة عموم أخبار الحليّة بناء على شمولها لصورة العلم الإجمالي بالحرام هو الحكم بالحلّيّة وعدم وجوب الاحتياط في المقام و هي على هذا التقدير و إن لم تكن فارقة بين الشبهتين بل مقتضاها كما ترى هو الحكم بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورةأيضا إلا أنه لمكان الجمع بينها و بين ما يعارضها من أخبار التوقّف و الاحتياط العامة للشبهتين أيضا يحمل على الشبهة الغير المحصورة لكونها متيقنة منها كما أنّه يحمل‏أخبار الاحتياط على الشبهة المحصورة للجهة المذكورة فيتم الاستدلال و الفرق بعد الجمع بين الطائفتين هذا حاصل ما يقال في تقريب الاستدلال بهذا الوجه‏و يتوجّه عليه أوّلا أن المستند في الحكم بوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة هو حكم العقل بالوجوب من باب استقلاله بوجوب دفع الضرر المحتمل على ما عرفت‏شرح القول فيه و لا ريب في وجود المناط المذكور بعينه في الشبهة الغير المحصورة أيضا بناء على فساد الوجه الخامس حسبما ستقف عليه أو الأخبار المختصّة بصورةالإجمالي مثل اتركوا ما لا بأس به حذرا عما به البأس و هي عامة للشبهتين أيضا بلا ارتياب لا الأخبار العامّة الواردة في التوقف و الاحتياط و الأخبار المانعة كماترى أخصّ من الأخبار المرخّصة على تقدير تسليم شمولها لصورة العلم الإجمالي و أمّا حكم العقل فهو و إن كان مورودا بالنسبة إلى الأخبار المرخّصة على تقديردلالتها على حكم صورة العلم الإجمالي من غير فرق بين الشبهتين إلاّ أن ظاهرها لما كان ثبوت الرخصة بالنسبة إلى جميع الأطراف لعدم إمكان حملها على إرادةبعض الأطراف على ما عرفت تفصيل القول فيه في الشبهة المحصورة فلا بدّ من جعل الغاية فيها الأعم من العلم الإجمالي فلا يجوز الاستدلال بها على حكم المقام كما لا يجوز الاستدلال بها في الشبهة المحصورةفغرض شيخنا قدس سره مما ذكره في الجواب الأول هو دفع ما يتوهّم من الدليل المذكور من كون الوجه في وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة ما دلّ على وجوب التوقف‏و الاحتياط من الأخبار العامة التي حكم باختصاصها جمعا بينها و بين ما دلّ على الإباحة و أن الوجه فيه هو حكم العقل بالوجوب بعد العلم الإجمالي بوجودالحرام بين المشتبهات المتحقق في الشبهة الغير المحصورة لا جعل حكم العقل معارضا لأخبار الإباحة اللهم إلا أن يكون المراد ما أشرنا إليه من أن ظاهر أخبار الرّخصةعلى تقدير تسليم الظهور لما كان ترخيص ارتكاب جميع الأطراف و هو مصروف بحكم العقل القطعي بقبحه على الحكيم تعالى من حيث كونه إذنا في المعصية للخطاب‏المنجّز و حملها على الترخيص في البعض أيضا غير ممكن فلا مناص عن حملها على غير صورة العلم الإجمالي بالخطاب المنجّز ثم إن الوجه في قصر شيخنا في دليل الاحتياطعلى حكم العقل به لعلّه مبنيّ على المناقشة في سند الرواية من حيث إرسالها فتدبّر أو كونها مؤكدة لحكم العقل به كالأخبار العامة للوقف و الاحتياط و ثانيا سلمنا كون المستند لوجوب الاحتياط الأخبار العامة لكن قد عرفت غير مرّة اختصاص أخبار الحلّ و البراءة بالشبهة الابتدائية فلا يعارض أخبار الاحتياطحتى يجمع بينهما بما ذكر و ثالثا سلمنا شمول أخبار الحلّ و البراءة لصورة العلم الإجمالي فيشمل الشبهتين لا محالة لكن نقول إن أخبار الاحتياط و التوقف أخصّ‏مطلقا منها و لو من جهة قيام الإجماع على خروج الشبهات الابتدائيّة منها فأخبار الحلّ على عمومها لصورة العلم الإجمالي أعمّ مطلقا من أخبار التوقف فيتعيّن‏تخصيصها بالشبهات الابتدائية و إبقاء كلتا الشبهتين تحت أخبار التوقّف لا يقال كيف يدّعى الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في الشبهات‏الابتدائية مع أن جماعة من الأصحاب كالأخباريين قالوا بوجوبه في الشبهة الحكمية التحريميّة لأنا نقول مخالفتهم في ذلك لا يقدح في انعقاد الإجماع على‏ما أسمعناك في محلّه هذا مضافا إلى أن قيام الإجماع على عدم وجوبه في الشبهة الموضوعية البدوية مطلقا و الشبهة الابتدائية الوجوبيّة الحكميّة كاف في‏
124
أخصيّة أخبار التوقّف بالنسبة إلى أخبار الحلّ لا يقال إن أخصّيّة أخبار التوقّف بالنسبة إلى أخبار الحل إنما هي فيما لوحظت بالنسبة بينهما بعد تخصيص‏أخبار التوقّف بالإجماع لم لا يلاحظ النسبة بينهما قبل العلاج بالتخصيص و هما قبل العلاج بالتخصيص و هما قبل العلاج عامّان تعارضا يجمع بينهما بما ذكر في طيّ الاستدلال لأنّانقول ما ذكر توهّم قد سبق إلى ذهن بعض أفاضل من تأخّر على خلاف ما يقتضيه التحقيق و مقالة المشهور في تعارض أزيد من دليلين فإن الأخصّ من المعارضات‏يقدّم في العلاج و لو أوجب تقديمه انقلاب النسبة بين الباقي منها و وجهه مضافا إلى ظهوره من حيث إن عدم تقديمه ربما يوجب طرحه يأتي في الجزء الرابع‏من التعليقة هذا مضافا إلى أن التوهّم المذكور على تقدير صحّته إنما يتمشّى في المخصّص المنفصل اللفظي لا في المتّصل و لا في المخصّص اللبي كالإجماع و العقل على‏ما ستقف على شرح القول فيه‏
في المناقشة الرابعة على الوجه الثالث‏
و رابعا أغمضنا عما ذكر ثالثا من أخصيّة أخبار التوقف و كونهما عامّين متباينين يلاحظ النسبة بينهما بملاحظة وضعهماقبل العلاج بالإجماع على ما سبق من التوهّم لكن نقول إنه لا معنى للجمع المذكور إذ لا شاهد له أصلا لا من الداخل و لا من الخارج لأنه مع الغض عما ذكرنا تكون‏النسبة المنطقيّة بين الطائفتين التباين الكلي لشمولها جميع الشبهات غاية ما هناك كون الشبهات الابتدائيّة متيقنة الإرادة من أخبار الحل و البراءة فيكون نصّا فيها بهذا المعنى و الشبهة المحصورة متيقنة الإرادة من أخبار التوقف فيكون نصّابالنسبة إليها بالملاحظة المذكورة و كل ظاهر في الشبهة الغير المحصورة فإدراجها في أحدهما و إخراجها عن الأخرى ليس جمعا بل ترجيح بلا مرجح بعد فرض عدم الشاهدهذا بناء على كفاية النصوصيّة بالمعنى المذكور في باب التعارض لصرف الظاهر عن ظهوره و إلا فلا بدّ من إعمال المرجّحات و الحكم بالطّرح ثم إن تحرير المقام‏بما حرّرناه من جعل ما حرّر أخيرا جوابا برأسه أولى مما حرره شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظلّه من جعل ما أفاده ثانيا الراجع إلى ما ذكرناه لثالث الأجوبة فإنه ظاهرفي اتحادهما بحسب المفاد و إن اختلفا بالتفصيل و الإجمال و ليس الأمر كما ذكر قطعا لابتناء ما ذكره ثانيا على أخصية أخبار التوقف من أخبار الحل بملاحظة الإجماع‏القائم على إخراج الشبهات الابتدائية منها و إبقائها تحت أخبار حلّ الشبهات و ابتناء ما ذكره في الحاصل على ما يقتضيه وضع الطائفتين قبل العلاج بالتخصيص‏من التباين الكلي فالمقام بهذه الملاحظة نظير ما إذا ورد الأمر بإكرام جميع العلماء و النهي عن إكرام الجميع و قلنا بأن العدول متيقن الإرادة من مورد الأمر و الفساق‏متيقن الإرادة من مورد النهي و كل منهما ظاهر بالنسبة إلى الواسطة بين العادل و الفاسق لو قلنا بثبوت الواسطة كالشخص في أول بلوغه مع فرض عدم حصول‏الملكة له و عدم صدور الكبيرة منه هذا و لكن يمكن توجيه ما أفاده بأن ما ذكره في الحاصل يرجع إلى ما أفاده ثانيا بإسقاط ملاحظة الإجماع فتدبّر و قد ظنّ بعض طلبةالعصر كون ما ذكره في الحاصل منافيا لما أفاده في الجواب الثاني من جهة كون مبناه على جعل النسبة بين الطائفتين العموم من وجه من حيث كون الشبهات الابتدائيّةمادّة افتراق أخبار الحلّ و الشبهة المحصورة مادّة افتراق أخبار الاجتناب و الشبهة الغير المحصورة مادة تعارضهما و اجتماعهما و هو كما ترى ظن فاسد جدّا لصراحةكلامه في الحاصل بشمول الطائفتين المشبهات الابتدائيّة و المحصورة غاية الأمر تيقن إرادة الشبهات الابتدائيّة من أخبار الحلّ و تيقّن إرادة الشبهة المحصورةمن أخبار المنع لا خروج الأولى عن الثانية موردا و خروج الثانية عن الأولى كذلك حتى تكون النسبة العموم من وجه‏ قوله دام ظله إلا أن يقال إن أكثر أفراد الشبهةالابتدائية إلى آخره‏(1) أقول أراد بذلك الاستدراك عما أفاده في الحاصل من تسوية الطائفتين من الأخبار بالنسبة إلى الشبهة الغير المحصورة و عدم مزيّة لإحداهماعلى الأخرى بحسب الدلالة و كونهما ظاهرين بالنسبة إليها و إثبات كون أخبار الحلّ أظهر من أخبار المنع بالملاحظة التي ذكرها حيث إن كثرة أخبار الحل الظاهرةفي الاهتمام بشأن المطلب مقتضية لكثرة موردها فإذا رجع أكثر أفراد الشبهة الابتدائيّة إلى الشبهة الغير المحصورة من جهة العلم بوجود الحرام بعد النظرةالثانية في المشتبهات بكون الواقعة الشخصيّة من أطرافها لم يبق تحت أخبار الحلّ على تقدير إخراج الشبهة الغير المحصورة عنها إلا القليل النادر و هي بالملاحظةالتي عرفتها آبية عن ذلك و هذا بخلاف أخبار المنع فإن تخصيصها بإخراج الشبهة الغير المحصورة لا يوجب قلّة موردها فهي أقوى دلالة من أخبار المنع و إن‏كان تعارضهما بالتباين الكلّي و هذا مع وضوحه قد برهن عليه في باب التعارض فلو فرض في نظير المقام الذي أشرنا إليه قلة أفراد العدول من العلماء فلا محالةيكون ما دلّ على وجوب إكرام العلماء أقوى دلالة بالنسبة إلى الواسطة مما دلّ على النهي عن إكرامهم هذا
في المناقشة فيما أفاده المصنّف من وجوه‏
و لكن قد يناقش فيما أفاده من وجوه أحدها المنع من رجوع أكثر أفراد الشبهة الابتدائيّة إلى الشبهة الغير المحصورة ضرورة وقوع الشكّ كثيرا في نجاسة شي‏ء أو حرمته من غير أن يكون هناك علم‏إجمالي بوجود النجس أو الحرام بين أشياء يكون المشكوك من أطرافه و إن كان هناك علم إجمالي لا تعلّق له بالمشكوك أصلا فإنه غير موجب لصيرورة المشكوك‏من الشبهة الغير المحصورة كما هو ظاهر فإذا شك في نجاسة البدن أو الثوب من جهة الشكّ في خروج البول عن المحلّ لم يكن معنى للحكم بكونه من الشبهةالغير المحصورة من جهة العلم الإجمالي بوجود النجس في العالم و كذا إذا شكّ في تنجّس البدن أو الثوب أو غيرهما من جهة الشك في ملاقاتها للنجس المعلوم بالتفصيل‏من غير أن يكون هناك علم إجمالي بملاقاة شي‏ء له يحتمل كونه أحد المذكورات إلى غير ذلك من الأمثلة الواضحة و بالجملة لا إشكال في أن الشكّ لا يخرج عن‏كونه ابتدائيّا إلا إذا كان له تعلّق بما علم إجمالا باحتمال انطباق المعلوم بالإجمال على مورده بحيث يصير سببا للشكّ و إلاّ فربّما يشكّ في نجاسة أشياء كثيرةو حرمتها مع عدم العلم بوجود النجس أو الحرام بينهما و عدم احتمال كونها مما علم إجمالا بنجاستها أو حرمتها فلا يكون من الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي و هذاالذي ذكرنا أمر واضح لا سترة فيه أصلا و لا ينكره أحد جزما و قد صرّح به شيخنا قدس سره غير مرّة في مجالس تبيّن فيها الفرق بين الشبهة الابتدائية و المقرونة بالعلم الإجمالي‏
125
ثانيها المنع من كونه مقيّدا على تقدير تسليمه لما عرفت في مطاوي كلماتنا السابقة و كلام شيخنا الأستاذ العلامة و ستعرفه ممّا نذكره عن قريب من أن محلّ‏البحث في حكم الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي حتى الشبهة المحصورة ما إذا كان جميع أطراف العلم الإجمالي مورد الابتلاء المكلّف بها فعلا بحيث يكون هناك علم‏إجمالا بتوجّه خطاب منجّز إلى المكلّف و إلا فمجرّد العلم الإجمالي لا يؤثّر في شي‏ء حتى في حرمة المخالفة القطعيّة ما لم يؤثر في العلم بتوجّه الخطاب المنجّز و من المعلوم أنّه لوسلّم رجوع الشّكوك الابتدائيّة إلى الشبهة الغير المحصوريّة فإنما يسلّم رجوعها إلى ما لا يكون جميع أطرافه مورد الابتلاء لظهور فساد دعوى رجوعها إلى ما يكون‏جميع أطرافه موارد الابتلاء و لا يظن بأحد ادّعاء ذلك سيّما مثل شيخنا قدس سره ثالثها أنه على تقدير تسليم رجوع المشكوك البدوية إلى الشبهة الغير المحصورة فإنما يسلّم‏بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة لا الأعمّ منها و من الشبهة الحكميّة و أخبار الترخيص أعمّ من الشبهتين فلا يلزم من إخراج الشبهة الغير المحصورة منها و إبقاؤهاتحت أخبار المنع تخصيص أخبار الجواز بالفرد النادر فتأمل إلا أن يقال إن المراد من أخبار الحل و الجواز كما هو الظاهر من العبارة هو خصوص ما ورد في الشبهة الموضوعيّةلا ما ورد في الأعمّ من الشبهتين فلا ينفع و لا يفيد وجود الشكّ الابتدائي و كثرته في الشبهات الحكميّة في دفع ما ذكر لكن يتوجّه عليه أنه على ما ذكر ينهدم أساس‏بعض الإيرادات و الأجوبة السّابقة كالجواب بعدم شمول أخبار الحلّ للشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي و الجواب بأخصيّة أخبار الوقف لأن الأخصيّة غير مفيدة بعدلزوم المحذور من التخصيص كما لا يخفى نعم لا إشكال في أنه لا يوجب ارتفاع الأخصيّة عن أخبار المنع بخروج الشبهة الابتدائيّة منها مطلقا و على كلّ تقدير و لوبملاحظة قيام الإجماع عليه و شمول أخبار الجواز و الحلّ للشبهة الابتدائيّة الموضوعيّة كما أنه لا إشكال في انقلاب النسبة على التقدير المذكور على القول بشمول أخبارالمنع للشبهة الحكميّة و لو كان خصوص ما اقترن بالعلم الإجمالي كالشكّ في المكلّف به من التباين إلى العموم من وجه فينهدم أساس بعض الأجوبة الأخر أيضا كما هو ظاهرو الذي يسهل الأمر في المقام أنه قدس سره لا يقول بهذه المقالة التي ذكرها استدراكا كما يظهر من مجموع كلماته السابقة و اللاحقة و إنما ذكرها وجها من غير اعتمادعليه ثم إن ما ذكر كلّه مبنيّ على القول بدلالة الأخبار العامة للتوقّف و الاحتياط على المنع و وجوب الاجتناب حتى يجوز التمسّك بها في المقام و أمّاعلى ما ذكرنا في بيان المراد منها تبعا لما أفاده شيخنا في تحقيق ذلك فلا معنى لهذه الكلمات أصلا لفساد التمسّك بها على هذا كما لا يخفى‏
في الأخبار الدّالة بظاهرها على جواز الارتكاب في الشبهة الغير المحصورة
قوله الرابع بعض‏الأخبار الدالّة على أن مجرّد العلم بوجود الحرام إلى آخره‏(1) أقول تقريب الدلالة إن الظاهر من الجواب حصول العلم للسّائل من أخبار المخبر و لو من جهة الاحتفاف بالقرينة الدّالةعلى صدقه بجعل الميتة في الجبن و تقريره عليه السلام لذلك لكن من المعلوم ضرورة عدم تعلّق إخبار المخبر إلا بالجبن الذي يعمل في مكان مخصوص لعدم تعلّق رؤيته إلاّبذلك فلو أخبر عن غيره كان إخباره مستندا إلى الحدس و القياس لا الإحساس كما هو ظاهر فالجواب مبنيّ على حصول العلم إجمالا بوجود ما لا يجوز شراؤه و أكله‏في كليّ الجبن فيدلّ على عدم مانعيّة العلم الإجمالي عن الحكم بالحلّيّة و ترتيب آثار الحلال على أطراف الشبهة و يؤيّد ما ذكرنا من التقريب بل يدلّ عليه قوله عليه السلام أخيرافي الجواب و اللّه إني لأعترض السوق الحديث فإن مثل ذلك القول إنما يقال عرفا في مقام العلم بانتفاء متعلّق الظن و أنه لا يصلح تعلّق الظن به أبدا لا في مقام‏مجرّد عدم وجوب تحصيل الظن و الإعلام بذلك كما هو ظاهر عند من حاول العرفيات و هذا الكلام و إن كان ظاهرا في عمل الإمام عليه السلام بالحكم الظاهري كسائر الناس كما هو ظاهر بعض الأخبار الأخر أيضا مع كونه خلاف ما قضى به الدليل القطعيّ في باب علمهم و لو بالنسبة إلى‏الموضوعات حيث إن لازمه الوقوع في خلاف الواقع أحيانا المنافي لساحة شأنهم و كونهم خزّان علم اللّه إلاّ أن هذا التعبير إنما هو بحسب ما يزعمه كثير من أهل‏زمانهم من تجويز الجهل عليهم بالنسبة إلى الموضوعات الخارجيّة ككثير من أهالي سائر الأعصار و الأزمنة و ليس المقام مقام شرح القول في ذلك و قد مضى بعض‏الكلام ممّا يتعلّق بالمقام في الجزء الأول من التعليقة و لعلّنا نتكلّم فيه أيضا حسبما يساعدنا التوفيق و إن كانت الإحاطة بما لهم من الشأن محالا لغير خالقهم جلّ جلاله‏ ثم إن الرواية عند التأمّل ظاهرة في خصوص الشبهة الغير المحصورة و إن أبيت إلا عن ظهور قوله عليه السلام عقيب الاستفهام الإنكاري في مقام التحديد و إعطاءالضابطة فما علمت أنّ فيه الميتة إلى آخره في العلم التفصيلي و تجويز الارتكاب مع العلم الإجمالي و لو في الشبهة المحصورة فلا بد من صرفه عن ذلك بما دلّ على وجوب‏الاجتناب فيها هذا حاصل تقريب دلالة الرواية على المدّعى و يتوجّه عليه ما أفاده بقوله إلا أن يدّعى أن المراد إلى آخره الذي يرجع حاصله إلى أن الاستدلال بالروايةعلى ما ذكر في تقريب الاستدلال مبنيّ على كون الرواية مسوقة سؤالا و جوابا لبيان حكم الجبن الذي يحتمل كونه من أطراف العلم الإجمالي و ليس الأمر كذلك بل هي مسوقةلبيان دفع توهّم كون مجرد العلم بجعل الميتة في مكان موجبا للاجتناب عن جبن غيره من الأمكنة الخارجة عن أطراف العلم لمجرد احتمال كونه مثل المكان المعلوم حاله ويدلّ على ذلك مضافا إلى كون هذا المعنى ظاهرا منها الاستفهام الإنكاري فإنه على الأوّل لا معنى للإنكار أصلا بل الاحتياط في محلّه و هذا بخلاف مالو كان السؤال عن حكم مجرّد الاحتمال قياسا على مورد العلم الإجمالي فإن الإنكار في محلّه ثم على تقدير مساواة هذا الاحتمال في الرواية للاحتمال الأوّل تسقط عن‏الاستدلال أيضا لا يقال قوله صلى اللَّه عليه و آله في مقام التفريع فما علمت فيه الميتة الحديث ظاهر في إناطة الجواز و المنع بعدم العلم التفصيلي و وجوده فما لم يعلم تفصيلا كون‏الجبن الخاصّ مما جعل فيه الميتة جاز أكله و لو كان من أطراف العلم الإجمالي غاية ما هناك قيام الدليل على خروج الشبهة المحصورة من هذه الكليّة المذكورة في مقام‏إعطاء الضابطة لأنّا نقول إناطة المنع بالعلم التفصيلي بالحرمة على ما هو ظاهر القضيّة مسلّمة لا شبهة فيها إلا أنها لا تفيد في إثبات المدّعى أصلا من حيث‏إن قوله تعالى تفريع على إنكار كون العلم الإجمالي سببا للاجتناب عمّا ليس من أطرافه من الشبهات البدوية على ما عرفت من معنى الرواية فيستقيم إناطة المنع فيها بالعلم‏
126
التفصيلي كما هو ظاهر لفرض فقد العلم الإجمالي بالنسبة إليها هذا حاصل ما يستفاد مما أفاده شيخنا قدس سره من الجواب عن الرواية بقوله إلا أن يدّعى أن المراد أن‏جعل الميتة إلى آخره و هنا جواب آخر عن الاستدلال بالرواية على تقدير تسليم ظهورها في تجويز التناول مع العلم الإجمالي و إناطة المنع بالعلم التفصيلي بالنسبة إلى أطرافه‏و هو أن محلّ الابتلاء من الجبن من المكان الذي يعلم بجعل الميتة فيه إنما هو بعض أطرافه لا جميعها و قد أسمعناك غير مرّة أنه لا أثر للعلم الإجمالي و الحال هذه مع‏حصر الشبهة فضلا عمّا إذا كانت غير محصورة فيستقيم إذا الإناطة المتفرّعة على الإنكار المذكور في الحديث ضرورة صحّة إناطة المنع بالعلم التفصيلي مع العلم الإجمالي‏المزبور كما أنه يظهر ممّا ذكرنا استقامة قوله عليه السلام و اللّه إنّي لأعترض السّوق الحديث المذكور تأكيدا لما نبه عليه قبل ذلك فإنه و إن كان ظاهرا في الشراء مع العلم الإجمالي‏بوجود الحرام في السوق على ما عرفت سابقا في تقريب الاستدلال مضافا إلى وجود العلم الإجمالي غالبا بوجود النجس و الحرام في السوق إلا أن من الظاهر عدم‏الابتلاء دفعة بتمام ما في السوق فتدبّر نعم ما ذكر لا يستقيم بالنسبة إلى اللّحم فإن مقتضى الأصل عندنا و عند المشهور الحكم بحرمته عند الشكّ و لو لم يكن‏هناك علم إجماليّ أصلا فلا بد أن يكون المستند في الحكم بحلّيّة سوق المسلمين و يد المسلم الحاكمين على أصالة عدم التذكية فيكون مقصوده عليه السلام من ذكر هذه الفقرةبيان مجرّد الإقدام على الشراء مع عدم العلم بالتذكية و الحلّية بل مع عدم الظنّ بهما لا كون الحلّية مستندة إلى مجرّد الشكّ اللهم إلا أن يقال بأن الأمارات كالأصول‏الشرعيّة لا يعتبر مع العلم الإجمالي بخلافها فلا يكون المسوّغ إلا عدم الحصر الشبهة فيكون الأمارة معتبرة بالملاحظة المذكورة إلا أن يفرض قيام الأمارة على‏بعض أطراف الشبهة لكن يتوجّه عليه ما عرفت من عدم الابتلاء بتمام الأطراف دفعة واحدة فيكون هذا هو المسوّغ للرجوع إلى الأمارة لا عدم حصر الشبهة و في أمر شيخنابالتأمّل إشارة إلى ذلك و منه يظهر أن قول شيخنا و أمّا قوله ما أظن أن كلهم يسمّون إلى آخره ليس متمّما لقوله في مقام الجواب إلا أن يدّعى إلى آخره بل إشارة إلى ما ذكرنا أخيرامن الجواب و إلا كان منافيا للجواب المذكور سيّما بملاحظة الاستدراك الذي ذكره بعد بقوله إلا أن يقال إن سوق المسلمين غير معتبر إلى آخره‏
في أن العلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة لا يمنع من الرجوع إلى أصالة البراءة
قوله الخامس أصالة البراءةبناء على أن المانع من إجرائها إلى آخره‏(1) أقول حاصل ما أفاده قدس سره في بيان هذا الوجه و تقريبه هو أن المدرك لوجوب الاحتياط عند العلم الإجمالي بالتكليف على ما عرفته مراراهو حكم العقل به نظرا إلى حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل الأخروي من حيث إن العلم الإجمالي يوجب في حكمه تحقق الاحتمال المزبور في كل ما يكون طرفا له و من المعلوم اختلاف‏مراتب الاحتمال بحسب الحكم عند العقل و العقلاء من جهة القوّة و الضعف فربما تبلغ الاحتمال من جهة كمال الضعف و البعد مرتبة يعدون الاعتناء به سفاهةو احتمال الضرر في الشبهة الغير المحصورة من هذا القبيل ضرورة إيجاب كثرة الاحتمالات المتعارضة ضعف الاحتمال و إن كنت شاكّا فيما ذكرنا فارجع إلى‏عقلك و بناء العقلاء في الضرر المحتمل الدنيوي فيما ذكره شيخنا في الكتاب من الأمثلة في مسألة وجود السمّ و القذف و الإخبار بالموت و نظائرهافإنك لا ترتاب في الحكم بعدم الاعتناء مع عدم حصر الشبهة و من هنا ذكروا في باب الغيبة بأن ذكر بعض أهل بلد بهذا العنوان الغير المعيّن بما فيه من السّوء لا يكون غيبةبخلاف ذكر غالب أهل البلد بالسوء فإذا لم يحكم العقل بوجوب دفع الضرر مع عدم حصر الشبهة فيكون العقاب بارتكاب بعض المحتملات مع مصادفة الواقع وتحقّق المخالفة في نفس الأمر عقابا من دون بيان من جانب الشرع و العقل فيكون قبيحا كارتكاب الشبهة البدوية و هذا معنى جريان البراءة في المقام فإن شئت قلت ملاك البراءة و الاحتياط على حكم العقل بوجوب دفع المحتمل و عدمه لا على كون الشكّ في التكليف أو المكلّف به فربما يحكم العقل بالاحتياط مع‏كون الشكّ في التكليف كما هو الشّأن في الشبهة الحكميّة قبل الفحص و ربما يحكم بالبراءة مع كون الشكّ في المكلّف به حتّى مع حصر الشبهة على ما عرفت فيما كان بعض‏أطرافه خارجا عن محلّ الابتلاء فإن قلت إن ما ذكر من عدم اعتناء العقلاء باحتمال الضرر إذا كان بعيدا في الغاية مسلّم بالنسبة إلى الضرر الدنيوي و لومع العلم الإجمالي و لذا يذمّ العقلاء من يترك المسافرة إلى الحجّ أو التجارة باعتذار علمه بموت بعض في الطريق أو مكّة أو البلد الذي يريد المسافرة إليه أو نهب‏أموال بعض الناسكين أو المسافرين إلى البلد أو غير ذلك و لا يكون معذورا شرعا في ترك الحجّ بمجرّد الاحتمال المذكور و أمّا بالنسبة إلى الضرر الأخروي فلا نسلم‏حكم العقل و العقلاء بعدم وجوب دفعه و من هنا لا يفرق في الحكم بوجوب الاحتياط مع حصر الشبهة بين كون احتمال التحريم في بعض المشتبهين مساويا لاحتمال‏التحريم في الآخر أو مختلفا معه في القوّة و الضعف و لو كان في غاية الضعف و البعد بل لم يعهد التفصيل في المسألة بحسب الشدّة و الضعف من أحد من العلماءأيضا فلو كان بعد الاحتمال موجبا للفرق في الحكم عند العقلاء و العلماء لحكموا بالفرق مع حصر الشبهة إذ مناط الفرق بعد الاحتمال كما أن العقلاء لم يفصّلوا أيضا في حكمهم بعدم وجوب الاحتياط مع عدم حصر الشبهة بين مراتب الاحتمال إذ ربما يكون تحقق الحرام في ضمن بعض‏المحتملات مظنونا في الشبهة الغير المحصورة قلت حكم العقل بلزوم التحرّز إذا كان مبنيّا على رفع احتمال الضرر فلا معنى للفرق في حكمه بين الضررين أ لا ترى أن العبدإذا احتمل مؤاخذة المولى على فعل أو تركه مع كمال بعد الاحتمال لا يلتفت إليه أصلا و لا يلزمه العقل و العقلاء على الفعل و الترك مع أن المحتمل العقوبة فتأمل و الأولى في‏تقرير هذا الوجه أن يقال بعدم احتمال الضرر الأخروي مع عدم حصر الشبهة من حيث إن العلم الإجمالي مع كثرة أطرافه لا يوجب تنجّز الخطاب في حكم العقل و العقلاءفيكون الشكّ في كل طرف منه كالشكّ البدوي في عدم احتمال الضرر الأخروي لا بوجوده و ضعفه و حكم العقل بعدم وجوب دفعه فإنه فاسد جدّا ضرورة ثبوت‏الفرق عند العقل و العقلاء بين الضررين و دعوى حكم العقل و العقلاء بعدم إلزام العبد بالاحتياط في المثال المذكور ممنوعة لأنه إنما يستقيم فيما لم يعلم إجمالابالتكليف أصلا فإنه لا يحتمل العقوبة مع احتمال التكليف و أمّا مع علمه إجمالا بالتكليف عن جانب المولى مع عدم حصر الشبهة فيمنع عدم إلزام العقل و العقلاء العبد على‏
127
الاحتياط مع الالتزام بوجود احتمال العقوبة هذا و لكنّ الشأن في ثبوت هذا و دون إثباته خرط القتاد لأن دعوى كون العلم الإجمالي مع عدم حصر الشبهةمع فرض الابتلاء دفعة بجميع أطرافه كالشكّ البدوي لا يؤثر في تنجّز الخطاب و احتمال العقوبة كما ترى و من هنا نلتزم فيما سيتلى عليك بعدم جواز المخالفةالقطعيّة في المقام مع أنه بناء على ما ذكر من الوجه أخيرا لا بد من الالتزام بجوازها على ما يلتزم به شيخنا بعد ذلك و إن كان صريحه في المقام على ما يستفاد من قوله في آخرهذا الوجه فعلم من ذلك أن الأمر اكتفى إلى آخره الفرق بينهما و عدم تجويز المخالفة القطعيّة و إن كان توصيف العلم بالتفصيلي في كلامه ربما يوهم في بادي النّظرتجويز المخالفة القطعيّة في المقام لكنه ليس مراده جزما سيّما بملاحظة قوله و لم يعتبر العلم بعدم إتيانه مع أن القيد المذكور ليس في بعض النسخ الصحيحة لكنك خبيربما فيه من المناقشة لما أسمعناك مرارا من ثبوت الملازمة في حكم العقلاء بين المخالفة القطعيّة و الموافقة القطعيّة فإذا لم يلتزموا في مورد بوجوب الثانيةلم يلتزموا بحرمة الأولى و أمره قدس سره بالتأمّل إمّا إشارة إلى فساد الفرق المذكور أو إشارة إلى فساد أصل الوجه المبنيّ على عدم الفرق بين الضررين فيما كانا مختلفين‏ببعد الاحتمال و قربه لما عرفت من وضوح الفرق بينهما عند العقل و العقلاء و كون الظن بالسّلامة من المضارّ الدّنيويّة ممّا عليه مدار معاشهم كالظّنّ بالمضارّالدنيويّة و هذا بخلاف الظن المتعلّق بالسّلامة من المضرّة الأخرويّة مع عدم قيام دليل من الشارع على اعتباره و إلاّ كان مقتضى الأصل الأوّلي حجيّة الظن سواءتعلّق بالحكم الإلزامي أو غيره مع أنك قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه في الجزء الأوّل من التعليقة و بالجملة لا إشكال في فساد هذا الوجه و إن كان و لا بدّ من التمسّك‏به فليقرّر بما عرفته منا من عدم تأثير العلم الإجمالي في المقام أصلا لكن كلام شيخنا مبنيّ على الوجه الأوّل في تقريره و إن كان ربما يستظهر من قوله و إن شئت قلت إلى آخره‏ما ذكرنا لكنّه مناف لقوله بعد ذلك و حاصل هذا الوجه أن العقل إذا لم يستقل إلى آخره فإنه صريح في وجود احتمال العقاب و عدم الاعتناء به لضعفه لكنّك قدعرفت فساده أيضا كالوجه الأوّل هذا كله مضافا إلى دلالة بعض الأخبار المقتضي لوجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة على حكم المقام أيضا قوله السّادس أن‏الغالب عدم ابتلاء المكلّف إلاّ ببعض إلى آخره‏(1) أقول لا إشكال و لا كلام فيما أفاده من عدم الابتلاء غالبا إلا ببعض معيّن من أطراف الشبهة مع عدم حصر الشبهة و كون‏الحكم في مثله عدم وجوب الاحتياط حتى مع حصر الشبهة على ما عرفت مرارا لكنّه لا يفي بتمام المطلب بل محل الكلام أصلا لأنك قد عرفت أن محل البحث في الشبهتين ماكان جميع الأطراف منهما محلاّ للابتلاء المكلّف دفعة واحدة غاية ما هناك كون عدم الابتلاء مع عدم حصر الشبهة غالبيّا و مع حصره اتفاقيّا لكنّه لا يفيد بالنسبةإلى محلّ البحث نعم لو كان عدم الابتلاء دائميّا مع عدم حصر الشبهة كان التكلم في حكمه فرضيّا غير لائق بشأن العلماء لكن الأمر ليس كذلك و دعوى الإجماع المركّب‏و عدم الفصل في حكم الشبهة مع عدم الحصر بين صورها و إتمام الدليل بهذه الملاحظة كما ترى ثم ما أفاده قدس سره في حكم المقام بعد الفراغ عن ذكر الوجوه‏بقوله لكن المجموع منها لعلّه يفيد القطع أو الظن إلى آخره و قد عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السابقة و أنه لا شبهة في تحقق الإجماع على عدم وجوب الاحتياطو احتمال حصول القطع لا يفيد في المسألة كالظن إلا إذا قيل بحجيّة مطلق الظنّ في الأحكام الشرعيّة و على تقدير القول به لا فرق بين المسألة الفرعيّة و الأصوليّةالعمليّة على ما عرفت تفصيل القول فيه كما أنك قد عرفت ما هو الحقّ من حجيّة و عدمها فيما قدّمناه لك فإن الظنّ المذكور ليس حاصلا من اللفظ و لو بتراكمه حتى يقال بكونه‏لفظيّا ليس يبنى اعتباره على القول بحجيّة الظنّ المطلق‏
في أنّه هل يجوز ارتكاب الكلّ في الشبهة الغير المحصورة أم لا
قوله الأوّل في أنه هل يجوز ارتكاب جميع المشتبهات إلى آخره‏(2) أقول هذا هو المقام الآخر المتعلّق بالمسألةالذي ذكرنا أنه لا بدّ من التكلم فيه بعد البناء على عدم وجوب الاحتياط و الموافقة القطعيّة للخطاب المعلوم بالإجمال و مرجعه إلى أن إذن الشارع في الارتكاب‏هل هو متعلّق بتمام الأطراف حتى يكون حاصله إلقاء العلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة و كونه كالشك البدوي أو متعلّق بما عدا مقدار الحرام المعلوم و لازمه‏رفع اليد عن الاحتياط الكلّي و تحصيل الموافقة القطعيّة لا الإذن في المخالفة القطعيّة فيكتفى في حكم العقل بالموافقة الاحتماليّة للخطاب المعلوم على ما عرفت في‏الجزء الأوّل من كونه آخر مراتب الامتثال عند العقل من غير أن يلزم على الشارع جعل المحتمل بدلا عن الحرام الواقعي حسبما هو ظاهر كلام شيخنا بل صريحه في غير موضع وإن كان بعض كلماته يساعد على ما ذكرنا ثم إن صور ارتكاب الكلّ كثيرة بحسب إرادة المرتكب و عدمها فإنه لا يقصده من أوّل الأمر فيتّفق له ذلك و قد يقصده بنفسه‏من دون أن يجعله مقدّمة لارتكاب الحرام الواقعي و قد يقصد ارتكاب الحرام و يجعل ارتكاب الكلّ في قصده مقدّمة له و التحقيق عدم الفرق في حكم الصور على القول‏بعدم تأثير العلم الإجمالي في تنجز الخطاب في المقام و كونه كالشكّ و إن كان ربما يستظهر من كلام شيخنا الفرق على هذا القول و أما على القول بتأثيره فالفرق بين الصّورإنما هو بتحقّق التجري من أوّل الأمر بقصده من حيث كونه قاصدا للمعصية في الصّورتين الأخيرتين من غير فرق بينهما إلا بالوضوح و الخفاء و إن كان صريح شيخنا الفرق‏من جهة أخرى و بعدم تحقّقه في الصورة الأولى من أوّل الأمر و إن كان متجرّيا في ارتكاب مقدار الحرام و إن لم يصادف الواقع و كيف ما كان لا بد من صرف الكلام إلى بيان‏حكم ارتكاب الكلّ و لما كان مقتضى الوجوه المتقدّمة لعدم وجوب الاحتياط مختلفا من الجهة المذكورة لم يكن مناص من بيان مقتضى كل وجه في ذلك و إن كان الحقّ‏عندنا هو الوجه الأول ليس إلا على ما عرفت في طي ذكر الوجوه‏
في الذب عن الوجوه الظاهرة في جواز المخالفة القطعية
فنقول أما الوجه الذي اعتمدنا و هو الإجماع المحقّق فلا إشكال في عدم الجزم بانعقاده على جوازالمخالفة القطعيّة و ارتكاب جميع الأطراف بعد احتمال كون المراد مما ذكره في المقام من عدم وجوب الاحتياط في مقابل الشبهة المحصورة التي حكموا فيها بوجوب الاحتياطو إن كان من يذهب إلى جواز المخالفة القطعيّة في الشبهة المحصورة يقول بها في المقام أيضا لكنّه غير مفيد جزما هذا مضافا إلى تصريح بعض أفاضل من تأخّر بعدم‏
128
الجواز حاكيا له عن غيره مع أنه على تقدير تسليم ظهور كلماتهم في الجواز لا بد من صرفها عن ظاهرها بحكم العقل القاطع بقبح الإذن في المعصية على الشارع فتدبّر و منه‏يظهر أن ظهور الأخبار على تقدير تسليم دلالتها على حكم المقام لا يجدي أيضا في مقابل العقل المستقل فلا بد من صرفها أيضا نعم على تقدير القطع بالجوازمن جهة الإجماع لا بد من التصرّف في الموضوع و جعل الجهل في المسألة مانعا من أصل تعلّق الخطاب لاستحالة حكم الشرع على خلاف ما يحكم به العقل‏القاطع كما هو ظاهر لكنّه تقدير في تقدير ليس واقعا عندنا و مما ذكرنا كلّه يظهر أنه على تقدير التمسّك في حكم المسألة بنقل الإجماع أيضا لم يجز الحكم من جهته‏بجواز المخالفة القطعيّة أيضا هذا و أمّا الوجه الثاني و هو عموم ما نفى الحكم الحرجي في الشريعة فلا إشكال في عدم دلالته على جواز ارتكاب الكلّ لاندفاع‏الحرج بتجويز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام و ليس في تحديده حرج قطعا حتى يقال بنفيه كما كان يلزم في تحديد وجوب الاجتناب بالحرج على ما عرفته من كلام بعض‏أفاضل من تأخّر حيث جعله دليلا على عدم وجوب الاحتياط من أوّل الأمر و بالجملة لا إشكال في عدم اقتضاء هذا الوجه أصلا سواء جعل المدار على الحرج الشخصي‏أو الغالبي بل لو قيل بأن مقتضاه رفع اليد عن الاحتياط بقدر ما يندفع به الحرج فيعمل في الباقي بمقتضى القاعدة العقليّة فالنتيجة بملاحظتهما التبعيض في‏الاحتياط لا مجرّد ترك مقدار الحرام كان حسنا بل متعيّنا على ما عرفته في نتيجة مقدّمات الانسداد إلاّ أنّ الظاهر عدم التزام أحد بذلك في المقام فتدبّر و أمّا الوجه الثالث فلا إشكال في اقتضائه جواز ارتكاب الكلّ إلا أنّ بقاءه على هذا الظهور ينافي حكم العقل المستقل فلا بد من صرفه إلى ما لا ينافيه اللهمّ إلاّ أن يقال‏بأن حمل الأخبار على إرادة غير مقدار الحرام غير ممكن فلا بد من الالتزام بحملها على الشبهة المجرّدة و هو خلف لأن الكلام في مقتضى الوجوه على تقدير تماميّتها فتأمل‏ و أمّا الوجه الرابع فالظاهر من قوله عليه السلام من أجل مكان واحد و إن كان هو نفي وجوب الاحتياط عن جميع الأطراف فلا يقتضي الحكم بجواز ارتكاب الكلّ إلاّ أنّ‏مقتضى قوله عليه السلام فما علمت منه الحديث من حيث ظهوره في إناطة الحكم منعا و ترخيصا بالعلم التفصيلي بالحرام هو الجواز اللّهمّ إلا أن يصرف عن هذا الظهوربملاحظة حكم العقل كما صرف عنه غيره بهذا الصارف العقلي و أمّا الوجه الخامس فمقتضاه جواز ارتكاب الكلّ بناء على ما عرفت في تقريبه أخيرا و أما بناء على ماأفاده شيخنا في تقريبه فيمكن الحكم بعدم الجواز نظرا إلى أن مبناه على عدم الاعتناء باحتمال الضرر الموهوم و أمّا القطع بالضرر اللازم من ارتكاب الكلّ‏فالعقل مستقلّ بعدم جواز الإقدام عليه و هذا و إن كان مبنيّا على أصل فاسد عندنا من التفكيك عند العقل بين الموافقة القطعيّة و المخالفة القطعيّة بحسب‏الحكم إلا أنه بناء عليه يستقيم الحكم بعدم جواز ارتكاب الكلّ كما هو ظاهر و تحرير مقتضى الوجه بما عرفت أولى ممّا حرّر به في الكتاب لأنه حكم بأن مقتضاه جواز ارتكاب‏الكل بشرط عدم العزم عليه من أوّل الأمر و إلا كان عاصيا بمصادفة الحرام و إن لم يرتكب الكلّ و أكّده بقوله فالأقوى في المسألة إلى آخره و إن كان ظاهره الحكم بالمنع‏مع القصد مطلقا فيكون فرقه مع قوله بعد ذلك و التحقيق عدم جواز ارتكاب الكل إلى آخره كونه مسوقا لبيان حكم صورة القصد و قوله الأخير مسوقا لبيان حكم أصل‏ارتكاب الكلّ لذاته أو مقدّمة حيث إنه جعل العقاب في الأول تابعا لمصارفة الحرام و في الثاني حكم به بمجرّد الارتكاب مبنيّا على ملاحظة التجري في الثاني دون‏الأول لا أن التجري لا يتحقّق في الأوّل حتى يتوجّه عليه سؤال الفرق كما عرفت الإشارة إليه لكنه مع ذلك ليس على ما ينبغي لأنه ليس للعزم تأثير في المسألة أصلا اللّهمّ‏إلا أن يقال إن القدر المتيقّن من كلامهم صورة عدم القصد فيبقى صورة القصد تحت قاعدة العلم الإجمالي فارتكاب بعض الأطراف مع قصد ارتكاب الكلّ من أوّل‏الأمر مثل ارتكاب بعض أطراف الشبهة المحصورة فيعاقب مع المصادفة للحرام لا مطلقا إلاّ على القول بحرمة التجرّي مطلقا فيعاقب مطلقا لكنّه كما ترى لا يساعده كلماتهم‏في المقام فراجع هذا و أمّا الوجه السّادس فلا إشكال في اقتضائه جواز ارتكاب الكلّ لكن قد عرفت خروج مقتضاه عن محلّ البحث و لعلّه لذا لم يتعرّض لحكمه‏في الكتاب فتدبّر هذا حاصل ما يقتضيه الوجوه المذكورة و قد عرفت ما يلزم سلوكه عندنا في حكم المقام و وجهه و إن كان ما ذكر له في الكتاب من الوجه في طيّ التحقيق‏لا يخلو عن إجمال في تأدية المرام و قد تقدّم نظيره في بيان حكم الشبهة المحصورة
في أن بيان ضابط المحصور و غيره يتوقف على تقديم أمور
قوله قدس سره الثاني اختلف عبارات الأصحاب في بيان ضابط المحصورة و غيره إلى آخره‏(1) أقول توضيح القول في المقام بحيث يرفع الحجاب عن وجه المرام يتوقف على تقديم أمور الأوّل لا إشكال في أن بحث الفقيه عن معنى اللفظ إنما هو إذاوقع موضوعا للحكم الشرعي في الكتاب و السنّة أو معقد الإجماع أهل الحل و العقد بحيث علم كون مورده معنى اللفظ و إلا فالفقيه من هو فقيه لا يتعلق له غرض بالبحث‏عن معنى اللفظ من حيث هو نعم قد يبحث عن معنى اللفظ مع عدم تعلّق الحكم الشرعي الكلّي به فيما وقع موردا للأحكام الجزئيّة في باب العقود و الأقارير و الوصايالكنه خارج عن فنّه و لا يكون تشخيصه حجّة في حق غيره إلا من باب الشهادة أو الحكم و القضاء فيما إذا فرض محلّ النزاع و الترافع إلى من عين المراد من محلّ الخصومةو من هذا الباب عنوانهم لمعاني كثير من الألفاظ في باب الوقف و الوصية و الإقرار و غيرها الثّاني أن الرجوع إلى العرف فيما لم يعلم مراد الشارع إنّماهو في تشخيص الوضع العرفي أو اللغوي بضميمة أصالة عدم النقل و أمّا الرجوع إليهم في تشخيص مصداق معنى اللفظ المبيّن مفهوما فلا تعلّق له بما هو المسلّم‏المفروغ عنه عندهم من حجيّة فهم العرف في باب الألفاظ نعم قد يرجع إليهم في ذلك إذا اجتمع فيهم شروط الشهادة مثلا إذا شكّ في معنى الكلب و أنه الأعمّ من‏البحري فيرجع في ذلك إلى العرف و أمّا إذا شكّ في موجود خارجي أنه كلب بريّ أو بحريّ بعد تعيين معنى الكلب و أنّه البري ليس إلاّ مع تبيّن مفهوم البريّ أيضافلا معنى للرجوع إلى حكم العرف إلا مع الشرط المذكور أو حصول القطع من شهادتهم و هكذا الأمر في غير المثال المذكور و هذا مع وضوحه قد تبيّن مستقصى في‏
129
محلّه و إن اشتبه الأمر مع ذلك على بعض طلبة عصرنا الثالث إذا وقع لفظ في معقد الإجماع المحقّق بمعنى وقوعه موضوعا للحكم في فتاوي جميع‏المجمعين أو المنقول فإن ثبت لهم عرف خاص و اصطلاح بالنسبة إليه فلا إشكال في لزوم حمله عليه عند عدم القرينة و إن لم يثبت لهم اصطلاح فلا إشكال‏في حمله على المعنى العرفي فإن لم يختلف الناقل و المنقول إليه فيه فلا إشكال و إن اختلفا فإن رجع اختلاف الناقل إلى المصداق فلا إشكال في عدم‏متابعته و إن رجع إلى الاختلاف في المفهوم فهل يلزم متابعته اعتقاد الناقل فيه فيما كان راجعا إلى الطريقيّة إلى المعنى العرفي بحيث علم كون نقله متعلّقابالمعنى العرفي و إن اعتقده المعنى الفلاني على خلاف اعتقاد المنقول إليه لا ما إذا تعلّق نقله بمعتقده وجهان بل قولان و الذي اختاره شيخنا قدس سره فيماتعلّق بفروع الإجماع في مجلس البحث متابعة المنقول إليه لاعتقاده في مفهوم اللفظ لا اعتقاد الناقل نظير اختلاف الراوي و المروي له في معنى لفظالرواية فإنه لا معنى لمتابعة الراوي فيه أصلا بل لا دليل على حجيّة فهمه عند عدم الاختلاف فضلا عن صورة الاختلاف نعم فهمه سيّما إذا ظنّ في حقّه‏التلقّي عن المروي عنه أمارة على إرادة ما زعمه في المراد عن الرواية لكن لا دليل على حجيّتها كما فصّل في محلّه و هذا هو الأقوى نعم لو فرض تعلّق نقله بمعتقده لامن حيث كونه عنوانا للواقع و مرآة إليه بل من حيث كونه موضوعا لم يكن إشكال في لزوم متابعته فيما يترتّب على نقله أثر و يكون معتبرا و الوجه فيه أيضاظاهر لا يحتاج إلى البيان الرّابع أنه لا كلام في عدم ذكر من المحصور و غيره في الكتاب و السنة و عدم تعلّق حكم بهذين المفهومين فيهما و إنما وقع‏ذكرهما في كلمات الأصحاب في الفتوى و نقل الإجماع كما أنه لا شبهة في اختلاف كلمتهم في تعريف اللفظين بما يرجع إلى الاختلاف المفهومي لكن لا إشكال‏في رجوع اختلافهم إلى الاختلاف في لازم المعنى لا حقيقته العرفيّة حتى ما أفاده شيخنا دام ظله العالي في بيان الضابطة فإنه راجع إلى الأخذ باللازم كماستقف عليه الخامس أنه لا إشكال في كون مقتضى الأصل الأوّلي عند دوران الأمر بين الأمرين في شبهة وجوب الاحتياط و مراعاة العلم الإجمالي لأنك‏قد عرفت مرارا أن العلم الإجمالي فيما كان جميع أطرافه محلاّ لابتلاء المكلّف دفعة واحدة منجز للخطاب بحكم العقل من غير فرق بين حصر الشبهة و عدم حصرهاإلا فيما أوجب الاحتياط الكلي اختلال النظم أو قيام الدليل الشرعي على جواز تركه و لو من جهة لزوم الحرج الغير البالغ حدّ الاختلال فينتقل الأمر إلى الاحتياطالجزئي فإن علم عدم حصر الشبهة حكم بعدم وجوب الاحتياط من جهة العلم بإذن الشارع في تركه الموجب للعلم بارتفاع ما هو المناط في حكم العقل بوجوبه من‏احتمال الضّرر و إن لم يعلم بذلك فقضيّة حكم العقل من جهة وجود احتمال الضرر هو لزوم الاحتياط هذا كلّه بناء على ما عرفت تحقيقه في المسألة من عدم الفرق‏بين الشبهتين في نظر العقل و أمّا بناء على ما عرفته في الوجه الخامس فلا إشكال في كون قضيّة الأصل عند الدوران الحكم بعدم وجوب الاحتياط لرجوع الشكّ على هذا الوجه‏عند دوران الأمر في الشبهة بين القسمين إلى الشكّ في أصل الخطاب المنجّز السّادس أنه لا إشكال في كون أكثر المفاهيم العرفيّة بل جلها إن لم يكن كلها ممالا نعلمها بكنهها و حقيقتها بحيث لا يبقى لنا شكّ في مصداق مما يوجد في الخارج من جهة الشكّ في المفهوم و رجوع الشكّ دائما إلى الشكّ من جهة الأمور الخارجيّةو إن كان هناك مصاديق واضحة لها يعلم صدق المفهوم عليها مع عدم الإحاطة به على وجه التحديد من جهة رجوع الشكّ غالبا إلى دوران المفهوم بين قليل‏الأفراد و كثيره و هذا الذي ذكرنا كأنه لا يحتاج من جهة وضوحه إلى بسط القول فيه و قد أشرنا إليه في الجزء الأول من التعليقة أيضا فإنا نرى بالوجدان كثيرا من المفاهيم‏الواضحة التي لم يتعرض لمعناها في اللغة من جهة وضوحه كلفظ الماء مثلا يشكّ في صدقها على بعض الأشياء من جهة عدم الإحاطة بحقيقتها العرفية من غير أن‏يكون للأمور الخارجيّة مدخل فيه فليس السبب فيه إلا ما ذكرنا فإرجاع الفقيه الأمر إلى العرف في هذه المفاهيم إنما يفيد في كون الموضوع للحكم الشرعي عنده‏هو الموضوع العرفي و عدم حقيقة شرعيّة لها و لا متشرّعة و لا عرف خاصّ إذ على تقدير ثبوت أحد الأخيرين لم يتعلّق الحكم الشرعي به لا في تبين موضوع الحكم‏بقول مطلق ضرورة عدم إفادة الإرجاع إلى العرف و الحال ما عرفت إلا زيادة التحيّر فإذا سئل الفقيه عن الغناء من جهة رفع التحيّر عن المصاديق المشتبهة من جهةالمفهوم فأحال في الجواب الأمر إلى العرف فلا فائدة فيه أصلا للعامي و إنما المفيد له بيان الحكم الظاهري له الذي يقتضيه الأصول الشرعيّة عند الشكّ في صدق‏المفهوم عرفا كما يبين له مقتضى الأصل عند الشكّ في الصدق من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة السّابع أن ظن الفقيه في حال المصداق المردّد فيما تعلّق الحكم‏بالموضوع العرفي إن كان فيما يرجع الشك في الصدق إلى الشك في المفهوم فيبني اعتباره على اعتبار الظن المطلق في اللّغات أو الأحكام سواء تعلق بالصدق أوبالعدم و إن كان فيما يرجع إلى الشكّ من جهة الأمور الخارجيّة فيحكم بعدم اعتباره و إن قيل بحجيّة الظن في اللغات أو الأحكام على ما أسمعناك شرح القول في الجزءالأول من التعليقة إذا عرفت ما قدّمناه لك من الأمور علمت استقامة ما أفاده شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره في الاعتراض على القائل بكونهما من الحقائق‏العرفيّة فيرجع إلى العرف في تشخيص مصداقهما من أن تحديد المفهوم العرفي بتعسّر العد و عدمه مضافا إلى عدم استقامته في نفسه و إلى أن الإرجاع إلى العرف‏إنما يستقيم فيما كان مدرك الحكم فيهما نقل الإجماع على الحكم المشهور فيهما أو تحصيل الإجماع من فتاوي من عبر عن موضوع المسألة باللفظين لا ما إذا كان غيرهمامن الوجوه المتقدّمة لا يجامع تعليل الحكم في كلماتهم بتعسّر الاجتناب فإنه لا تلازم بين عسر العد و عسر الاجتناب فإن الألف و ما فوقه و إن كان من المصاديق القطعيّةلغير المحصور عندهم مع أنه ليس عسر الاجتناب بقول مطلق كما يظهر أمره مما بيّنه في الكتاب و إن سلّم كونه عسر العدّ مع أنه غير مسلّم بالنسبة إلى الألف كاستقامة ما
130
أفاده ثانيا في الاعتراض على ما ذكره المحقّق الثاني قدس سره في فوائد الشرائع من الرجوع إلى الظن بإلحاق مورد الشك بأحد الطرفين الحاصل من العرض على الأشباه والنظائر سواء أريد به الظنّ بالموضوع المستنبط كما هو الظاهر بل المقطوع من كلامه أو بالموضوع الخارجي لما أسمعناك في طي الأمور من عدم الدليل على‏حجيّة الظن المطلق بالموضوعات اللغويّة و العرفية فضلا عن الظن بالموضوعات الخارجيّة
في بيان ما يمكن أن يكون ضابطا للمحصور و غيره مزينا و مقبولا
و أما ما أفاده في الاعتراض الثالث عليه الراجع إلى ما ذكره قدس سره من‏الرجوع إلى الاستصحاب الذي جعله متمتّعا للضابطة الذي ذكره لتميز المحصور عن غيره في جميع الموارد فلا يخلو عن إجمال في البيان بل عن مناقشة في المرام و حقّ‏البيان و التحرير أن يقال إن الرجوع إلى الاستصحاب في موارد الشكّ غير مستقيم مطلقا سواء أريد به استصحاب الحليّة الواقعيّة أو الظاهرية أو الحرمة الواقعيّةأو الظاهريّة ضرورة عدم حالة سابقة للعدد المردد أصلا سواء قلنا بكون مقتضى الأصل عند الدوران بين الشبهتين الاحتياط كما عرفت تحقيقه منّا أوالبراءة كما يقتضيه البناء على الوجه الخامس على ما عرفت ضرورة كون كل منهما حكما ظاهريّا لنفس العدد المردّد لا حكما ثابتا له في السابق يشك في بقائه حتى يتوهّم‏استصحابه و أمّا الحرمة الواقعيّة لما يكون من مصاديق الحرام الواقعي في المحصورة و غيره كالحلية الواقعيّة لما يكون من مصاديق الحلال الواقعي فممّا لا شكّ فيه‏أصلا حتى يجري فيه الاستصحاب لأن احتمال عدم الحصر ليس معناه ارتفاع الحرمة الواقعية احتمالا كما أن احتمال الحصر ليس معناه ارتفاع الحليّة الواقعيّة عن‏الحلال الواقعي و إلا لم يكن معنى للشبهة كما هو ظاهر هذا فإن شئت قلت مفروض البحث الشبهة المردّدة بين المحصورة و غيرها مع العلم بحكم الشبهتين بحسب الواقع‏و الظاهر و من المعلوم عدم الجدوى لهذا العلم بالحكم بالنسبة إلى الموضوع المردّد و لا في جريان الاستصحاب بالنسبة إليه كما أن العلم بحكم البول و الماء لا ينفع‏في العلم بحكم الموضوع المردّد بينهما و لا في استصحابه فإن قلت إنا نفرض عددا يعلم بكونه محصورا أو غير محصور ثم يزيد عليه في الأوّل بما يوجب الشّك‏في الصّدق أو ينقص عن الثاني بما يوجب الشكّ و التردّد فيستصحب في الأول وجوب الاجتناب و الحرمة الظاهريّة و في الثاني الحلية الظاهريّة نظير استصحاب‏الكريّة و القلّة في المسبوق بهما بعد النقيصة و الزيادة بما يوجب الشكّ في بقائهما و المناقشة بعدم بقاء الموضوع و تغيّره في الاستصحاب المبحوث عنه جاريةفي الاستصحابين أيضا مع أنهما من الاستصحابات المسلّمة عندهم قلت قياس المقام بالاستصحابين قياس مع الفارق لأن العرف يساعد على بقاء الموضوع‏فيهما بخلاف المقام لوضوح الفرق في المسامحة العرفيّة بين اتصال الكم و انفصاله في كل من الزيادة و النقيصة نعم لو كان مراد المحقق من الاستصحاب غيرمعناه بأن يكون مراده أصالة الحلّيّة مجازا مسامحة على تقدير صحة الإطلاق استقام الرجوع إليها على تقدير الاستناد في حكم الشبهة الغير المحصورةإلى الوجه الخامس و إن كان فاسدا عندنا على ما عرفت شرح القول فيه و أمّا ما أفاده في الاعتراض على ما حكاه عن كاشف اللثام و مفتاح الكرامة فهو أيضامستقيم لأنه يتوجّه عليه مضافا إلى عدم مساعدة العرف و هذا دليل آخر عليه إن التأدية إلى ترك الصّلاة غالبا إنما هو إذا لوحظ بالنسبة إلى آخر الوقت لا مطلقا كماأن ترك التزويج لا بد من أن يلاحظ بالنسبة إلى المكان الخاصّ و إلا لم يكن معنى له و حينئذ قد يفرض تحقّقه في الشبهة المحصورة أيضا و بالجملة النسبة بين ما ذكراه و الشبهة الغيرالمحصورة عموم من وجه و أما ما ذكره قدس سره في بيان الضابط بقوله و يمكن أن يقال بملاحظة ما ذكرنا في الوجه الخامس إلى آخره و يقرب عنه ما حكي عن المحقق المحشي للمعالم ففيه‏مضافا إلى ابتنائه على تماميّة الوجه الخامس الممنوعة عنده أنه لا يرفع التحيّر و التردّد في كثير من الموارد لأنه كثيرا ما لا يعلم باعتناء العقلاء بالعلم الإجمالي و عدمه فيرجع‏الأمر بالآخرة إلى عدم فائدة له في تشخيص موارد الاشتباه و من هنا اعترف بعدم استقامته في طي ما أفاده بقوله بعد ذلك و هذا غاية ما ذكروا أو يمكن أن يذكرإلى آخره فإنه صريح في عدم الوثوق بتماميّة شي‏ء من الوجوه المذكورة و أما ما أفاده لتقريب الوجه المذكور بقوله و قد ذكرنا أن المعلوم بالإجمال إلى آخره فيتوجّه عليه ماعرفت سابقا في رد الوجه الخامس من الفرق بين تلك الآثار و احتمال العقاب فإنه إذا وجد في مورد و لو كان في غاية الضعف حكم العقل بلزوم دفعه و هذابخلاف سائر الآثار حتى الآثار العرفيّة المترتبة على الظواهر و أما ما أفاده في تحديد كثرة المحتملات و قلّتها بما يقع واقعة للمكلّف و محلا لابتلائه و تناوله بقوله و ليعلم‏أن العبرة في المحتملات كثرة و قلّة إلى آخره فهو و إن لم يخلو عن وجه بناء على الوجه الخامس الذي هو مبنى ما أفاده ظاهرا إلا أنه قد يقع الاشتباه أيضا في الضّابط الذي‏أفاده فلا بد من الرجوع إلى الأصل كل على ما ذهب إليه فقد تلخص ممّا ذكرنا كلّه أنه لا مناص عن الرجوع إلى قاعدة وجوب الاحتياط عند الدوران نظرا إلى‏وجود احتمال الضرر في كل شبهة و هو المراد ممّا أفاده شيخنا بقوله فالأولى الرجوع في موارد الشكّ إلى آخره فإن مراده تعيين الرجوع إلى ما ذكره كما هو واضح‏
في أن شبهة الكثير في الكثير حكمها حكم الشبهة المحصورة
قوله الثالث إذا كان المردّد بين الأمور الغير المحصورة إلى آخره‏(1) أقول الحرام المشتبه قد يكون واحدا و قد يكون متعدّدا و على الأول إما أن يكون مشتبها بين أمور قليلةفيسمّى بالشبهة المحصورة و باشتباه القليل في القليل في لسان بعض و إما أن يكون مشتبها بين أمور كثيرة فيسمّى بالشبهة الغير المحصورة و لو في الجملة و باشتباه‏القليل في الكثير و قد عرفت حكمهما و على الثاني لا يخلو أيضا إما أن يبلغ مترتبة الكثرة أو لا يبلغها فإن لم يبلغها يدخل في أحد القسمين لا محالة فيلحقه حكمه و إن بلغهافلا بد أن يكون الاشتباه بين أمور كثيرة كما فيما ذكره من المثال له في الكتاب من اشتباه خمسمائة في ألف و خمسمائة و نحوه لاستحالة اشتباه القليل في الكثيرو يسمّى هذا القسم باشتباه الكثير في الكثير و هو إن كان خارجا عن الشبهة الغير المحصورة موضوعا ظاهرا إلا أنه ملحق بها حكما جزما لأنك قد عرفت أن قضية العلم‏الإجمالي فيما تعلّق بالخطاب المنجّز بحسب جميع أطرافه هو وجوب الاحتياط مطلقا من غير فرق في نظر العقل الحاكم بهذه القضيّة بين صور الاشتباه غاية ما هناك‏
131
قيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط الكلي في الشبهة الغير المحصورة و المتبع منه على تقدير تسليم الصدق غير الفرض قطعا فيرجع إلى حكم العقل بل الظّاهر من‏كلماتهم في طيّ التمسّك بدليل الانسداد التسالم على كون قضيّة الأصل وجوب الاحتياط في الوقائع المنسد فيها باب العلم مع أنها من اشتباه الكثير في الكثيربالضرورة و من هنا تمسّكوا بعدم وجوب الاحتياط الكلّي فيها بالإجماع و لزوم الاختلال و الحرج و لو لا كون مقتضى القاعدة وجوب الاحتياط فيها لمااحتاجوا إلى ذلك لوضوح عدم وجوب الاحتياط عندهم في الشبهة الغير المحصورة فيكفي في نفي وجوب الاحتياط الإشارة إلى الموضوع و كون الشبهة في المقام‏من الشبهة الغير المحصورة هذا كله على تقدير التمسّك في المسألة بالإجماع بقسميه و أمّا على تقدير التمسّك فيها بالوجه الخامس فلا إشكال أيضا في عدم اقتضائه‏لعدم وجوب الاحتياط بل اقتضاؤه الوجوب في الفرض بل قد يقال إن الأمر على تقدير التمسّك به أوضح منه على تقدير التمسّك بالإجماع حيث إن الوجه في‏عدم اعتناء العقلاء بالعلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة على ما عرفت في طيّ تقرير الوجه الخامس هو ضعف احتمال الحرمة و بعده أو وهنه و من المعلوم‏ضرورة أن ضعف احتمال الحرمة في كل مشتبه إنما هو من جهة كثرة الاحتمالات المعارضة له من حيث تباينها و عدم اجتماعها معه كما فيما فرض مثلا أنه حصل العلم‏بنجاسة واحد من ألفي إناء على سبيل الإجمال فإن احتمال نجاسة كل واحد معارض باحتمالات كثيرة عدد المشتبهات فيوجب هذه المعارضة ضعف الاحتمال‏الموجب لعدم الاعتناء به عند العقلاء و هذا المناط كما ترى غير متحقّق بالنسبة إلى المقام جدّا فإنا إذا فرضنا العلم بوجود خمسمائة شاة محرّمة في ألف‏و خمسمائة و أردنا أكل واحد من الشياه لم يكن احتمال تحريمه معارضا بألف و أربعمائة و تسع و تسعين احتمال بعدد الشياه ضرورة اجتماع تحريمه مع تحريم‏أربعمائة و تسع و تسعين شياه لأن المفروض العلم بحرمة خمسمائة فيكون الاحتمالات المتباينة المتعارضة في الفرض ثلاثة و أمّا غيرها من الاحتمالات و هي و إن كانت‏كثيرة إلا أنها لا يكون متعارضة فلا يوجب ضعف احتمال التحريم و وهنه عند العقلاء فهي كاشتباه الواحد بين الثلاثة من الحيثيّة المذكورة و من هناقد يقال بكون الاشتباه الكثير في الكثير من الشبهة المحصورة موضوعا حيث إن الحصر و عدمه لا بدّ أن يلاحظ بالنسبة إلى قلّة الاحتمالات المتعارضة وكثرتها لا بالنسبة إلى مطلق الاحتمالات و لو اجتمعت ضرورة كون موصوف الوصفين الشبهة بمعنى الدوران الذي لا يتحقّق إلا بتعارض الاحتمالات وتنافيها و عدم اجتماعها فتأمل و مما ذكرنا كلّه يظهر لك المراد مما أفاده في الكتاب و إن كان قوله و أما ما عدا هذه الاحتمالات إلى آخره لا يخلو عن تكلّف بظاهره إذ اشتمال‏سائر الاحتمالات على الحرام لا يتحقّق إلا في بعض الفروض النادرة فبالحريّ أن يعتبر بدل قوله المذكور و أمّا ما عدا هذه الاحتمالات فهي احتمالات غير متعارضةكما رأيته في بعض النسخ و كيف ما كان لا ينبغي الإشكال في حكم المسألة و لو فرض لزوم الحرج من الاحتياط الكلي في المقام في بعض الصور فلا بدّ من الحكم بعدم‏وجوبه كما عرفته فيما مثلثا لك في صورة انسداد باب العلم و الظن الخاص بالأحكام و هذا غير إلحاق المقام على الإطلاق بالشبهة الغير المحصورة فإنّ الحرج قديتّفق بالنسبة إلى الشبهة المحصورة أيضا فافهم‏
في حكم الشبهات الحكميّة من دوران الأمر بين الحرام و غير الواجب‏
قوله الأولى منها الشبهة الموضوعيّة و أما الثلاث الأخر إلى آخره‏(1) أقول مقتضى إطلاق ما أفاده كما ترى‏الحكم بوجوب الاحتياط في جميع صور الشبهة الحكميّة إذا كانت من شبهة القليل في القليل كالشبهة المحصورة و الحكم بعدم وجوبه إذا كانت من شبهةالقليل في الكثير كالشبهة الغير المحصورة غاية ما هناك ندرة الفرض الثاني في الشبهات الحكميّة لما عرفت من إلحاق ما يوجد من الشكّ في المكلّف به في‏الشبهات الحكميّة على القول بانسداد باب العلم في الأحكام بالشبهة المحصورة و هذا كما ترى لا ينافي كون الحكم التخيير عندنا و عند المشهور فيما تعارض النصان‏من جميع صور الاشتباه في الحكم من غير فرق بين الشكّ في التكليف و المكلّف به لأنه حكم ثبت من الشارع في باب التعارض على خلاف الأصول و القواعدبناء على حجية الأخبار من باب الطريقيّة كما هو المختار عندنا و الظاهر عند المشهور على ما ستقف عليه في محلّه و إلاّ فمقتضى الأصل على هذا القول هوالحكم بالتوقّف تساقط المتعارضين في مورد التعارض و الرجوع إلى الأصل الغير المخالف لهما و المفروض أن الأصل في المسألة هو وجوب الاحتياط فماأفاده مبنيّ على هذه الملاحظة من دون نظر إلى الدليل الخارجي الوارد من الشارع فتأمل ثم إن الدوران بين الحرام و غير الواجب من جهة تعارض النصّين‏إنما هو فيما تعارضا في تعيين الحرام بعد الفراغ عن أصل ثبوته و إلا لم يكن من الشكّ في المكلّف به ثم إن جعل الغناء من أمثلة الفرض إنما هو فيما تردّدبين مفهومين بينهما عموم من وجه كالصوت المشتمل على الترجيع و إن لم يكن فيها طرب أو المشتمل على الطرب و إن لم يكن فيها ترجيع كما صنعه في الكتاب فإن مادّتي الافتراق مما يعلم بحرمة إحداهما مع العلم‏بحرمة مادّة الاجتماع و أما إذا احتمل كون الغناء مادة الاجتماع فقط فيخرج من أمثلة الفرض و يدخل في أمثلة دوران الأمر في الحرام بين الأقل و الأكثر الذي‏يندرج في صور الشكّ في التكليف النفسي كما ستقف على تفصيل القول فيه فلا تعلّق له بالمقام أصلا أو قيل بكونها الصوت اللهوي أي كيفيّة في‏الصوت من غير مدخل لمادّة مخصوصة فيها كما هو الأظهر فيعلم صدقها في جملة من الموارد و يشك في جملة من جهة عدم الإحاطة بحقيقتها فيخرج من‏أمثلة الفرض أيضا و أمّا الأذان الثالث الذي دلّت جملة من الروايات كرواية حفص و غيرها على حرمته في يوم الجمعة فقد قيل إن المراد منه الأذان للعصربناء على أن المراد بالأوّل و الثاني أذان صلاة الصبح و الظهر أو الجمعة أو بناء على أن المراد بالأوّل أذان الظهر و بالثاني إقامتها إذ قد يسمّى الإقامة أذانا و قيل‏الأذان الثاني للجمعة بناء على أن المشروع من الأذان للجمعة ما كان قبل صعود الإمام المنبر للخطبة أو بعد صعوده و جلوسه على المنبر فالأذان الثالث ما
132
لم يكن بين يدي الخطيب‏
في بيان محتملات الحديث المعروف و هو قوله عليه السّلام من جدّد قبر إلى آخره‏
و أمّا ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من جدد قبرا أو مثّل مثالا فقد خرج عن الإسلام ففيه وجوه بل أقوال أشار إليها في الكتاب‏قال الشيخ الصدوق في محكي الفقيه قدّس الله نفسه الزكيّة قال أمير المؤمنين من جدّد قبرا أو مثّل مثالا فقد خرج عن الإسلام و اختلف مشايخنا في‏معنى هذا الخبر فقال محمد بن الحسن الصفار رحمه الله هو جدد بالجيم لا غيره و كان شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه يحكى عنه أنه قال لا يجوزتجديد القبر و تطيين جميعه بعد مرور الأيام عليه و بعد ما طيّن في الأول و لكن إذا مات ميّت و طيّن قبره فجائز أن ترمّ سائر القبور من غير أن تجدد و ذكر عن سعد بن‏عبد الله أنه كان يقول إنما هو من حدّد بالحاء الغير المعجمة يعني من سنتم قبرا و عن أحمد بن عبد الله البرقي أنه قال إنما هو جدث و نفس الجدث القير فلا ندري ما عنى به‏و الذي أذهب إليه أنه جدّد بالجيم و معناه نبش قبرا و جدّده و أحوج إلى تجديده و قد جعله حدثا محفورا و أقول إن التجديد على المعنى الذي ذهب إليه محمّدبن الحسن الصفّار و التحديد بالحاء الغير المعجمة الذي ذهب إليه سعد بن عبد الله و الذي قال البرقي إنّه حدث كله داخل في معنى الحديث و إن من خالف الإمام‏في التحديد و التسنيم و السعي أو استحلّ شيئا من ذلك فقد خرج من الإسلام انتهى كلامه رفع مقامه و الاحتمال الثاني في كلامه رضوان اللّه عليه من‏جهة ظهور الرواية في ابتداء النظر في كفر الفاعل و خروجه عن الإسلام كما حمل غيرها مما ظاهره كفر العاصي بفعل جملة من المحرّمات و ترك جملة من الواجبات‏على هذا المعنى و إن كان خلاف الظاهر من جهة و على المعنى الأوّل و في كلامه لا بد من أن يحمل الرواية على المبالغة في العصيان و تأكّده ثم إن ما أفاده قدس سره‏من دخول المعاني الثلاثة في مفهوم الحديث لعلّ مراده منه ثبوت الحكم المستفاد من الحديث لها من باب الاحتياط من جهة العلم الإجمالي بحرمة بعضها المستفادةمن الحديث و إلا فكيف يمكن إرادة الجميع مع اختلافها و عدم الجامع لها و ليس هذا من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى حتى يتوهّم جوازه على القول به ضرورةوجود التردّد و الاختلاف في الحديث بالنسبة إلى اللفظ لا المعنى و إنما اشتبه المعنى من جهة تردّد اللفظ فلا تعلّق له بمسألة جواز الاستعمال في أكثر من معنى‏فلا معنى لما أفاده إلاّ ما ذكرنا و إن كان خلاف ظاهره جدّا اللّهمّ إلا أن ينزّل اختلاف المشايخ في لفظ الحديث منزلة الروايات المتعدّدة فيعمل بجميعها لعدم‏التعارض و الإجمال فيخرج عن محلّ البحث فتدبّر ثم إن قراءة خدد بالخاء المعجمة محكيّة عن المفيد رضوان اللّه عليه قال العلاّمة طيّب الله رمسه الشريف‏في التذكرة تكره تحديد القبور لقول عليّ عليه السّلام من جدّد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الإسلام و اختلف علماؤنا فقال محمّد بن الحسن الصفّار بالجيم‏أي يجدّد بناءها أو يطيّنها و حكي أنه لم تكره ريّها و قال البرقي من جدث بالجيم و الثاء أي يجعل القبر جدثا دفعة أخرى و قال سعد بن عبد الله إنها بالحاء وعنى به التسنيم و قال المفيد إنها بالخاء المعجمة و عنى شقها من خددت الأرض أي شققتها انتهى كلامه رفع مقامه و المستفاد منه حمل الرواية على الكراهة بناءعلى ما اختاره من كون لفظها جدّد بالجيم و الدال المهملة المشدّدة و عن كشف اللثام احتمال كون تجديد القبور في الرواية كناية عن النبش حكما فإنه سبب لتجديدالقبور فلعلّ ضعف الرواية كما في محكي كشف اللثام عن بعض الأصحاب من جهة وجود ابن سنان في سنده دعي حملها على الكراهة بناء على التسامح في دليل‏الكراهة فتأمل‏
في اشتباه الواجب بغير الحرام و أقسامه‏
قوله المطلب الثاني في اشتباه الواجب بغير الحرام و هو على قسمين إلى آخره‏(1) أقول حاصل أقسام هذا القسم هو أن الدوران لا يخلو إما أن يكون بين متباينين‏أو الأقلّ و الأكثر الارتباطيين و على كل تقدير إما أن يكون الاشتباه و التردّد من جهة عدم الدليل على التعيين أو إجمال ما دلّ عليه أو تعارض الدليلين فيه أومن جهة اشتباه الأمور الخارجية و الثلاثة الأول تسمّى بالشبهة الحكميّة من حيث عدم تبيّن أصل الموضوع للحكم الشرعي و باشتباهه يشتبه الحكم الشرعي لا محالة و الأخيرةتسمّى بالشبهة الموضوعيّة و في لسان بعض بالشبهة المصداقيّة فالكلام في كل من القسمين يقع في أربع مسائل و لمّا لم يفرق الحكم من حيث البراءة و الاحتياطبين كون الدوران ثنائيّا أو ثلاثيّا أو رباعيّا و كذا بين الواجب و المستحبّ أو الواجب و المباح أو الواجب و المكروه لم يذكر لكلّ عنوانا مستقلاّ كما أنه لم يتعرّض لكون‏الشبهة بين القليل في القليل أو الكثير في الكثير إلاّ بتقريب بيان الفرق حكما بين الشبهة الغير المحصورة في دوران الأمر بين الحرام و غير الواجب و المقام بما ستقف عليه‏في الشبهة الموضوعيّة و إلاّ فأصل التقسيم جار في المقام غاية ما هناك ظهور عنوانهم في القسم الأوّل و إلا فالمناط موجود في المقامين كما لا يخفى ثم إن المقصودمن الحرام في المقام كالحرمة في مسائل الشكّ في التكليف على ما عرفت الإشارة إليه ثمّة هو الحرام الذاتي لا التشريعي و إلاّ فيدخل في دوران الأمر بين الواجب و غيرالحرام كما هو واضح ثم إن ما أفاده من نفي كون المثالين الأولين من الأقلّ و الأكثر بقوله و ليس المثالان الأوّلان إلى آخره على القول بجزئيّة التّسليم و عدم جواز العدول‏ظاهر لا شبهة فيه أصلا و إن توهم الإشكال في القصر و التمام من حيث كون التمام مشتملا على القصر غاية الأمر اختلاف محلّ التسليم فيهما لكنه كما ترى و أمّاعلى القول بعدم جزئيّته و جواز العدول فقد يتأمّل فيه في بادي النظر لكنك خبير بفساده لأن مرجع القصر إلى أقل بشرط لا و مرجع المقام إلى أقلّ بشرط شي‏ء لالا بشرط فلا محالة يكون بينهما التباين و جواز العدول لا يدلّ على عدم تباينهما إذ ليس العدول في المقام إلا مثل العدول عن العصر إلى الظهر هذا كله مع أن‏الركعتين المخصوصتين باعتبار استحباب التسليم عقيبهما و الخطبة كما في الجمعة تغايران أربع ركعات التمام و الظهر كما لا يخفى‏
في الفرق بين الأقل و الأكثر في الشبهة الوجوبيّة و بينهما في الشبهة التحريميّة
قوله و اعلم أنّا لم نذكر في الشبهةالتحريميّة من الشكّ في المكلّف به إلى آخره‏(2) أقول أما أصل جريان التقسيم بين الأقلّ و الأكثر في دوران الأمر بين الحرام و غير الواجب كجريانه في دوران الأمر بين الواجب وغير الحرام فهو مما لا شبهة فيه أصلا و عدم التعرّض لحكمه في المطلب الأوّل إنما هو لما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة من رجوع الشكّ و الدوران بينهما فيه إلى‏
133
الشكّ في أصل التكليف النفسي المستقلّ بالنسبة إلى الأقلّ حيث إن الأكثر معلوم الحرمة و لو من جهة اشتماله على الحرام و الأقل مشكوك الحرمة من جهة احتمال‏كونه هو المركّب المحرّم فينحلّ العلم الإجمالي إلى معلوم و مشكوك بالشكّ البدوي فيدخل في الشكّ في التكليف الذي عرفت حكمه في المقام الأوّل و هذابخلاف دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في مفروض البحث فإن الأقلّ فيه متيقّن الوجوب و إنما الشكّ في وجوب الزائد بالوجوب الغيري و الفرق أن وجوب الأكثريستلزم وجوب الأقلّ من غير عكس و تحريم الأكثر لا يستلزم تحريم الأقل كما أن تحريم الأقل لا يستلزم تحريم الأكثر و إن كان الإتيان بالأكثر إتيانا بالحرام من‏حيث الاشتمال من غير أن يكون للحرام أثر بالنسبة إليه فيرجع الأمر حقيقة إلى تحريم الأقلّ المتحقق في ضمنه و هذا من جهة ما تقرّر في مسألة وجوب المقدّمةعندهم من أن وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب ما يتوقف عليه سيّما إذا كان من الأجزاء بخلاف تحريم الشي‏ء فإنه لا يوجب تحريم مقدّماته إلاّ المقدّمة السببيّةعند المشهور و لا ينافي هذا ما قضى به النص و الفتوى من تحريم بعض الأفعال المقصود به ترتب الحرام عليه كغرس الخمر و بيع الخشب ليعمل صنما و المشي لسعايةمؤمن إلى غير ذلك مما لا يحصى فإن ذلك ليس من باب المقدّميّة و التحريم التبعي الغيري بل من حيث الإعانة و التحريم النفسي ضرورة استحالة اقتضاء المقدّميّةالتحريم في حق غير فاعل الحرام كما هو الشأن بالنسبة إلى الواجب أيضا فهو خارج عن عنوان المسألة ورد التعبّد به خصوصا أو عموما نعم في كلام بعض من تأخّرالحكم بتحريم ما يتوقّف عليه الحرام مطلقا إذا كان الغرض منه التوصل إلى فعل الحرام و هو كما ترى مما لا يقتضيه العقل الحاكم في المسألة نعم لا بأس به على ما اختاره من حرمةالتجرّي لكنّه بناء عليه أيضا يخرج عن عنوان الحرمة الغيريّة فهو يشبه قول بعض الأساطين بحرمة مقدّمة الحرام فيما قصد التوصّل بها إليه من حيث حرمة الإعانة على الإثم‏و الحاصل أن القول بحرمة المقدّمة الغير السببيّة بالنسبة إلى الحرام مما لم يعهد و إلا لزم الحكم بحرمة أكثر الأفعال المباحة بالذات من حيث كونها مقدّمة لمحرّم من المحرّمات فإن‏كان وجوب المركب مستلزما لوجوب أجزائه و حرمة الأكثر غير مستلزمة لحرمة أجزائه كان الأقل عند دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الأول متيقن الإلزام فيحكم العقل بوجوب‏الإتيان به من حيث العلم بكون تركه سببا لاستحقاق العقوبة و في الثاني مشكوك التحريم رأسا فيرجع بالنسبة إليه إلى البهاية فإن قلت على القول بالرجوع إلى البراءة عنددوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في الواجب كما هو المختار و عليه المشهور على ما سيجي‏ء في محلّه لا مناص من إرجاع الشك بالنسبة إلى الأكثر إلى الشك في أصل التكليف‏و إلا لم يكن معنى للرجوع إليها على ما ستقف عليه غاية الأمر رجوع الشكّ في الفرض بالنسبة إلى الأكثر إلى الشك في أصل التكليف و في الدوران في الحرام بين الأقلّ والأكثر بالنسبة إلى الأقل إلى الشكّ في أصل التكليف و هذا لا يؤثر في جعل الأول من أقسام الشكّ في المكلّف به و الثاني من أقسام الشك في التكليف بعد انحلال‏العلم الإجمالي فيهما إلى معلوم و مشكوك فلو لم يكن هذا الانحلال موجبا لخروج مورده عن الشكّ في المكلّف به لم يكن موجبا في المقامين و إن كان موجبا كان كذلك‏في المقامين فالفرق لا معنى له و أما الفرق بينهما برجوع الشك في تحريم الأقلّ إلى الشك في التحريم النفسي بخلاف الشكّ في وجوب الزائد فإنه يرجع إلى الشكّ في‏الوجوب الغيري ففاسد من حيث إن مورد البراءة الشكّ في وجوب الأكثر لا الجزء الزائد و وجوبه لا يكون إلاّ نفسيّا كحرمة الأقل قلت الفرق بين الموضعين‏في غاية الظهور و الوضوح على تقدير جعل مورد البراءة وجوب الأكثر لا الزائد فإن مجرى البراءة مطلق وجوب الأكثر لا خصوص النفسي و إن كان الثابت في‏الواقع على تقدير ثبوته هو النفسي ليس إلا إلا أنه لا يلاحظ بلحاظ النفسيّة عند الرجوع إلى البراءة فإن الوجوب المعلوم بالنسبة إلى الأقل هو مطلق الإلزام لاخصوص النفسي فإنه مشكوك الثبوت له كما أنه مشكوك الثبوت للأكثر أيضا فإن شئت قلت إن دوران الأمر في الحرام بين الأقل و الأكثر كدوران الأمر في الواجب‏بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليين في الخروج عن الشكّ في المكلّف به منتهى الأمر كون الأقل معلوم الوجوب في الفرض و الأكثر معلوم الحرمة في الحرام المردّد و من هنالم يجعله الأستاذ العلاّمة من صور الشك في المكلّف به مع أنه قد قيل بالرجوع إلى الاشتغال في بعض فروضه بل هو الظاهر عن الأكثر في دوران الفائتة على‏ما عرفت شرح القول فيه‏
في حرمة المخالفة القطعيّة
قوله أما الأول فالظاهر حرمة المخالفة القطعيّة إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن الحق في تحرير المقام أن يسلك ما سلكه في إثبات‏المطلب الثاني في إثبات المطلب الأوّل و بعد إثباته يتشبّث في إثبات المطلب بذيل حكم العقل المستقلّ بوجوب دفع العقاب المحتمل كما صنعه في إثبات الحرمة المخالفةالقطعيّة في الشبهة المحصورة و غيرها و ما أفاده و إن كان كافيا في إثبات المرام إلاّ أنّا نتكلّم في حكم الموضعين بعض الكلام لعلّه يوجب توضيح المقام على أوائل الأفهام‏ فنقول أما المخالفة القطعيّة فلا إشكال في قبحها و حرمتها على ما يشهد به ضرورة العقل بعد ملاحظة شمول الخطاب للمعلوم بالإجمال و عدم المانع من تنجّزه‏على المكلف و يحكم به العقلاء كافّة على التقدير المذكور و لعله ممّا لا خلاف فيه أصلا إذ المخالف إمّا يدّعي عدم شمول الخطاب أو المانع عنه بعد ثبوت المقتضي‏على ما ستقف عليه أما عموم الخطاب و شموله للمعلوم بالإجمال فلعدم إمكان تخصيص الخطابات الواقعيّة و الأحكام النفس الأمريّة بالعالم بها تفصيلا سواء كان‏بجعل الحاكم و تخصيصه من أول الأمر و في زمان الخطاب أو نصب الدليل عليه من الخارج من حيث لزوم الدور على تقدير التخصيص بأيّ وجه كان ضرورة تأخر العلم عن‏المعلوم فكيف يتوقّف المعلوم على العلم و من هنا يعلم أنه لا اختصاص لما ذكرنا بالعلم التفصيلي بل هو جار في العلم الإجمالي أيضا حيث إن توقّف تعلّق الحكم الواقعي‏عليه موجب للدور أيضا و لذا ذكرنا في غير موضع من كلماتنا تبعا للعلامة قدس سره و غيره أن شرطيّة العلم للتكاليف في حكم العقل ليس على حدّ سائر الشروط كالقدرةو العقل و التميز في حكمه فإنها شروط لأصل تعلّق الحكم و العلم بالمعنى الأعمّ شرط لتنجّزه بل ما ذكرنا ليس مختصا بالعلم بل يجري بالنسبة إلى جميع الإدراكات من‏
134
حيث تأخرها عن المدرك فلا يمكن توقفها عليها و لذا قيل باستحالة التصويب على بعض تقريراته على ما عرفته في محلّه ضرورة توقف الظن على المظنون فكيف‏يؤخذ فيه و يجعل قيدا لموضوعه نعم يمكن أن يجعل الظن بحكم المخاطبين موضوعا لحكم غيرهم كما أنه يمكن أن يجعل كلاّ من الظن و الشكّ بحكم موضوعا لحكم‏آخر سواء كان هذا الحكم الآخر حكما ظاهريّا أو واقعيّا من سنخ حكم متعلّقه أو من غير سنخه كما أنه يمكن ذلك بالنسبة إلى العلم أيضا بأن يؤخذ العلم بحكم واقعي موضوعالحكم آخر من غير سنخ حكم لمتعلّقه و بهذا يفترق مع الظن من حيث إنه يمكن أن يؤخذ موضوعا واقعا و في نفس الأمر لحكم من سنخ حكم متعلّقه و قد أشرنا إلى ذلك في‏الجزء الأول من التعليقة تبعا لشيخنا دام ظله هذا
في أن مقتضى التحقيق عدم كون العلم أيضا شرطا كالتّنجز
و لكن الذي يقتضيه التحقيق على ما أسمعناك في طي كلماتنا السّابقة عدم شرطيّة العلم بالمعنى الأعمّ من‏الإجمالي في التنجز أيضا في الأحكام الشرعيّة مطلقا سواء كانت من الاعتقادية أو العمليّة مع التمكن من الفحص عن الواقع و من هنا يلزم العقل النظر في معجزة مدّعي‏النبوّة و يحكم باستحقاق الجاهل الملتفت العقاب على مخالفة الواقع مع ترك الفحص على المختار المشهور عند الأصحاب و إن زعم بعض فيما سيجي‏ء من كلامه في الخاتمة كون عقابه‏على ترك الفحص و التعلم نعم لا إشكال في كون العلم بالمعنى الأعمّ شرطا لتنجّز التكليف في الموضوعات الخارجيّة و معذورية الجاهل البسيط بها عقلا و شرعا على‏ما عرفته مرارا و ستعرفه مفصّلا هذا و أمّا عدم المانع عن تنجّز الخطاب بعد شموله و ثبوت مقتضاه في نفس الأمر فلأن المتصوّر منه في المقام ليس إلاّ الجهل التفصيلي‏بالمأمور به و مانعيّته إمّا بحكم العقل و إما بحكم الشرع أما مانعيّته عقلا فهي إمّا من جهة عجز الجاهل عن الإتيان بالواقع حتى يرجع عدم الجهل إلى شرط من شروطوجود المأمور به من حيث إن الجهل مانع عن وجوده و إمّا من جهة عدم قابليّة الجاهل لتوجّه التكليف إليه و إمّا من جهة حكمه بقبح عقاب الجاهل تفصيلاعلى مخالفة الواقع و شيئا من هذه الوجوه لا يكون موجودا أما الأول فظاهر ضرورة تمكّن الجاهل تفصيلا من إتيان الواقع سيّما في التوصّليات التي لاتعتبر في صحتها بل وقوعها واجبا قصد التقرّب فضلا عن قصد الوجه نعم لو قيل باعتبار قصد الوجه التفصيلي في التعبديّات حتى فيما لا يتمكن المكلّف من‏تعيينه تعيّن القول في الفرض بعدم تنجّز الخطاب لكنّه مما لم يقل به أحد ظاهرا بل لا يعقل القول به أيضا حيث إن لازمه القول بعدم وجود الحكم واقعا في حقّ‏الجاهل لأن القدرة على المقدّمة الوجودية شرط للوجوب بالاتفاق بل بالضرورة على ما قرّر في بحث المقدّمة فيلزم عليه الدور أيضا و إن كان مع الواسطةو من هنا تعرف أن جعل هذا الوجه و الوجه الثاني دليلا لنفي التنجيز لا يخلو عن مسامحة و مناقشة بل لا بدّ من أن يجعلا صارفين من أصل شمول الخطاب للجاهل‏فالجواب عنهما ممّا يتوقّف عليه إثبات المقتضي لا إثبات عدم المانع فتدبّر و بالجملة لا ينبغي الإشكال في عدم مانعيّة الجهل بهذا الاعتبار و لذا اعترف جمع من‏الأساطين منهم المولى الأستاذ البهبهاني بعدم قبح التكليف بالمجمل في الجملة و هذا كما يشهد على فساد هذا الوجه يشهد على فساد الوجه الثاني أيضا و أما الثاني‏فأشدّ ظهورا لأن الجاهل المبحوث عنه ليس أسوأ حالا من الجاهل البسيط و من المعلوم ضرورة بالوجدان و العيان صحّة مخاطبة بل لولاه لزم الدور أيضا و أمّاالثالث فلاستقلال العقل باستحقاق الجاهل التارك للمأمور به العقاب على الترك و كفاية العلم الإجمالي في البيان الرافع لموضوع قاعدة القبح هذا كله‏مضافا إلى أنّه لو كان الجهل مانعا في المقام لزم قبح عقاب الجاهل المقصّر على الواجبات و المحرّمات الواقعيّة سواء كان من الكفار أو المسلمين بل لزم قبح عقاب‏الكفار على الأصول أيضا لأن الحاصل للجاهل المقصّر في المقامين الموجب لحسن عقابه ليس إلا العلم الإجمالي الموجود في الفرض بل ربما لا يكون الحاصل له إلاّ الشكّ‏مع عدم الفحص على ما أسمعناك عن قريب مع أن قضية اتفاق كلمتهم و بناء العقلاء على عدم قبح ذلك بل حسنه بل أقول إذا كان هذا المعنى ثابتا مع الشّكّ‏على ما يقتضيه اتفاق كلمتهم كان ثبوته مع العلم الإجمالي المفروض في محل البحث أولى كما لا يخفى هذا بعض الكلام في عدم مانعيّة الجهل التفصيلي عقلا و أمّا عدم‏مانعيّته شرعا فلأن ما يتوهّم دلالته عليه ليس إلاّ ما دلّ على البراءة عند الجهل بالحكم ممّا تقدّم ذكره في الشكّ في التكليف و قد عرفت مرارا عند التكلّم في حكم‏الشبهة المحصورة و غيره عدم إمكان شموله لموارد العلم الإجمالي المنجز للتكليف من حيث كونه إذنا في المعصية عند العقل هذا مضافا إلى أن الظاهر منها كون‏الغاية الرافعة للبراءة و ترخيص الشارع العلم بالمعنى الأعمّ من الإجمالي و التفصيلي و إلى ما قيل من معارضتها لأخبار الاحتياط التي تكون نصّا في الشكّ في المكلّف‏به بالبيان الذي تقدّم تفصيل القول فيه فإن مقتضاها و إن كان وجوب الموافقة القطعيّة و ليس محلّ الكلام في المقام إلا أن التمسّك بها باعتبار الفحوى فتدبر هذا بعض‏الكلام في المخالفة القطعيّة
في أنّ الحق وجوب الموافقة القطعيّة أيضا
و أما الموافقة القطعيّة فالذي ينبغي القطع به بحيث لا يغير به ريب أصلا هو وجوبها على الجاهل في المقام من حيث احتمال العقاب بعدتنجّز الخطاب العلم الإجمالي على ما عرفت في ترك كل مشتبه فيجب بحكم العقل دفعه و نتيجة ذلك كما ترى وجوب الاحتياط و تحصيل الموافقة القطعيّة و الحاصل أنا أسمعناك غير مرّة ثبوت الملازمة بين حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعيّة في حكم‏العقل بحيث لا انفكاك بينهما أصلا في حكمه و أنه كلما تنجّز الخطاب بالواقع يلزم في حكم العقل إحرازه و لا يجوز الاكتفاء باحتمال حصوله إلا أنّ مبنى حكمه بلزوم‏الإحراز على ما عرفت لما كان حكمه بلزوم دفع العقاب المحتمل فإذا ورد حكم من الشارع بكفاية بعض المحتملات في مقام امتثال الواقع لزم رفع موضوع حكم العقل‏بلزوم الإحراز و تحصيل العلم بالواقع فلا بدّ للقول بكفاية بعض المحتملات من إقامة الدليل الشرعي عليه و ليس في المقام على ما عرفت إلا ما دلّ من الأخبار على البراءةو لا يمكن شمولها للمقام بعد البناء على الحرمة في المقام الأوّل لا لأحدهما المعيّن و لا لأحدهما المخيّر على ما عرفت تفصيله في الشبهة المحصورة و ممّا ذكرنا كله يعلم أن‏التعبير عن حكم المقام بما أفاده في الكتاب من الاستظهار لا يخلو عن مناقشة سيّما بملاحظة تعليله للحكم بكونه معصية عند العقلاء لكن الأمر سهل بعد وضوح الحكم‏
135
عنده بملاحظة ما أفاده في مطاوي كلماته و على كل تقدير ينبغي تحرير المقام بما عرفت في المقامين‏ قوله بل في بعض الأخبار ما يدل على وجوب الاحتياطإلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن الاستدلال بالصحيحة في المقام إنما هو على تقدير كون المراد بالمتماثلة فيها هو مجرّد الشكّ في الحكم الشرعي و عدم العلم به أو كون‏مورد السؤال فيها من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيّين أو مطلقا من حيث إن وجوب الاحتياط فيه يستلزم وجوب الاحتياط في المقام بالأولويّةالقطعيّة الواضحة و لكنك خبير بما يتوجّه على الاستدلال بها أمّا أوّلا فلما عرفت تبعا لشيخنا و المشهور من عدم وجوب الاحتياط عند الشك في الحكم الشرعي بقول‏مطلق و في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بقسميه كما ستقف على شرح القول فيه فإذا لم يقل بوجوب الاحتياط في المسألة فكيف يتعدّى عنها إلى المقام مع أنّ‏المفهوم بقسميه تابع للمنطوق فيكشف ذلك عن كون المراد من الرواية معنى لا يتوجّه عليه محذور أصلا فلا يقال إن المسلّم تبعيّة المفهوم للمنطوق في الوجود لا في‏الاعتبار و أمّا ثانيا فلأن المفروض في الرواية يغاير المقام و خارج عن محل البحث و الكلام حتى لو أريد منها وجوب الاحتياط عند الشك في الحكم مطلقا و لو في الشكّ‏في التكليف حيث إن موردها التمكن من إزالة الشك بالرجوع إلى ما يوجب العلم بالحكم أو الطريق المنصوبة من الشارع للأحكام و من الواضح عدم جواز الرجوع إلى‏البراءة و الحال هذه في الشكّ في التكليف و وجوب الاحتياط فيه لأنه لازم شرطية الفحص للرجوع إلى البراءة في الشبهة الحكميّة هذا و قد سلك شيخنا ما سلكناه‏من عدم دلالة الصحيحة على حكم المقام و أشباهه في غير موضع من مطاوي كلماته فلعلّ التمسّك بها مبنيّ على زعم بعض الأصحاب و عليه كان الاستدلال بما دلّ‏على وجوب التوقّف و الاحتياط مطلقا من حيث تيقّن إرادة المقام منه أولى فتأمل‏
في إمكان قناعة الشارع عن امتثال الواقع بالإتيان ببعض محتملاته‏
قوله فإن قلت إن تجويز الشارع لترك أحد المحتملين إلى آخره‏(2) أقول ما أفاده من السؤال‏مبنيّ على أمر مسلّم من الخارج مفروغ عنه قد اعترف به مرارا في مطاوي كلماته من جواز إذن الشارع في موارد الاحتياط بالاكتفاء ببعض محتملات الواقع و هوكما ترى متوجّه على ما أفاده في حكم المقام الثاني و حاصله أن العلم الإجمالي لو كان علّة تامة في نظر العقل لوجوب الاحتياط و تحصيل الموافق القطعيّةلم يعقل ورود الشرع على خلافه كما في العلم التفصيلي حيث إنه لا يمكن أن يرد من الشرع الإذن في مخالفته في مورد من الموارد حيث إن القضايا العقلية غير قابلةللتخصيص فلو كان حال العلم الإجمالي حال العلم التفصيلي لجرى فيه ما يجري فيه و لو لم يكن علّة تامّة لم يعقل حكم العقل بوجوب الاحتياط في موارده و تجويز إذن‏الشارع بالاكتفاء ببعض المحتملات كاشف عن عدم كونه علّة تامّة فيلزمه على ما عرفت انتفاء حكم العقل بوجوب الاحتياط و لا يتوجّه عليه كون لازم ذلك الحكم بجوازالمخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي في المقام عند العقل فلا يحكم بحرمتها حيث إن الإذن فيها كالإذن في مخالفة العلم التفصيلي إذن في المعصية في حكم العقل فلا يجوزمطلقا فلا تدلّ حرمة المخالفة القطعيّة على وجوب الموافقة القطعيّة بحكم العقل فيحتاج إثباته على إقامة الدليل الشرعي عليه هذا تقرير السؤال و لكنّك خبير بوضوح فساده‏حيث إن العلم الإجمالي علة تامّة في حكم العقل لوجوب الاحتياط و إحراز الواقع المعلوم فيما تعلّق بالخطاب المنجّز في موضوع عدم العلم باكتفاء الشارع ببعض‏محتملات الواقع عنه لما أسمعناك مرارا من كون حكمه بوجوب الاحتياط في جميع موارده مترتّبا على حكمه بلزوم دفع العقاب المحتمل المرتفع بقناعة الشارع ببعض‏المحتملات فما دام الموضوع في حكم العقل يكون متحقّقا و موجودا لا ينفكّ عنه الحكم العقلي و إن ارتفع موضوعه في صورة العلم بإذن الشارع فالعلم الإجمالي علّةتامّة في حكم العقل لوجوب الاحتياط من حيث عنوانه الأولي بل من حيث كونه منشأ للعقاب المحتمل في أطرافه فالعلة الأوّليّة و الموضوع الأصلي هو العنوان‏المذكور فلمّا كان منطبقا على العلم الإجمالي بالشرط المتقدّم فيما لم يعلم الإذن من الشارع قلنا بكونه علّة تامّة لوجوب الاحتياط فيما لم يعلم الإذن من الشارع تجويزاكتفاء الشارع ببعض المحتملات الواقع لا يكشف عن عدم حكم العقل بوجوب الاحتياط أصلا حتى في مورد عدم العلم بالإذن كما توهّم في السؤال فإن شئت قلت‏إن حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي على ما أسمعناك مرارا إنما هو من حيث حكمه بوجوب إطاعة الخطاب المنجّز بالعلم الإجمالي و إلا فليست المخالفةللعلم الإجمالي من حيث هي هي قبيحة مع قطع النظر عن تنجّز الخطاب و وجوب إطاعته في حكم العقل و قد عرفت عدم الانفكاك في حكمه بين المخالفة القطعيّةو الموافقة القطعيّة فلو فرض عدم حكمه بوجوب الثانية في مورد لم يحكم بحرمة الأولى أيضا كما هو الشأن في موارد عدم تعلّق العلم الإجمالي بالخطاب المنجّز فالالتزام‏بحرمة الأولى و عدم وجوب الثانية لا يجوز في حكم العقل أصلا و لا ينافي ذلك تجويز قناعة الشارع عن الواقع ببعض محتملاته لأن مقتضاه إثبات إذن الشارع‏و ترخيصه في القناعة فما لم يثبت حكم بوجوب الاحتياط كما يقول به القائل به إذ ليس مراده إلا ذلك فيكون مقتضى الأصل و القاعدة هو وجوب الاحتياط في‏مورد العلم الإجمالي بالخطاب المنجّز فلا يتوقّف الحكم به على قيام دليل عليه من جانب الشارع كما توهّم في السؤال فقد علم مما ذكرنا من البيان في الجواب عن السؤال‏إنه ليس هنا مناقضة بين حكم العقل و الشرع فيما ورد على الاكتفاء ببعض محتملات الواقع أصلا لعدم تواردهما على الموضوع الواحد حقيقة حيث إن حكم الشارع‏يتعلّق بترك بعض أطراف الشبهة و يلزمه ارتفاع احتمال العقاب عنه على تقدير كونه الواجب الواقعي و حكم العقل يتعلّق بفعله فيما كان تركه موجبا لاحتمال الضررو العقاب فلم يرخّص الشارع الإقدام على محتمل العقاب حتى ينافي حكم العقل كما أنه لم يوجب العقل فعل كل مشتبه من أطراف الشبهة من حيث هو حتى ينافي حكم الشارع‏بجواز تركه فلا تنافي بينهما أصلا كما لا يخفى هذا و قد تقدّم نظير هذه الشبهة و دفعها فيما أسمعناك في هذا الجزء و في الجزء الأول من التعليقة عند الكلام في‏دليل الانسداد فراجع إليه ثمّ إن ما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة دام ظله العالي في الجواب راجع إلى ما ذكرنا و إن كان ظاهره الالتزام بلزوم جعل بعض المحتملات بدلا
136
عن الواقع فيما جوّز ترك غيره كما هو ظاهره في غير موضع من هذا الجزء من الكتاب على خلاف ما استظهرناه منه في الجزء الأول من الكتاب و اخترناه في هذا الجزء و الجزءالأول من التعليقة من حيث إن المجوز لإذن الشارع هو ملاحظة المصلحة فيه من غير توقف على جعل غير المأذون بدلا عن الواقع حتى يلزمه ترتيب آثار الواقع عليه‏في مرحلة الظاهر بل إنما يحكم العقل بوجوب إتيانه من حيث كونه من أطراف الشبهة كما كان يحكم به قبل إذن الشارع في ترك غيره لكنّه كما ترى كلام آخر لا تعلّق له‏بالجواب عن السؤال فإنه كلام في أصل عنوان إذن الشارع لا في عدم منافاته لحكم العقل بوجوب الاحتياط في مورد ثبوته و وقوعه بأيّ عنوان كان كما لا يخفى‏
في أن الواجب في المقام الاحتياط الكلّي و أدلّة البراءة غير جارية فيه‏
قوله و مما ذكرنا يظهر عدم جواز التمسّك في المقام بأدلّة البراءة إلى آخره‏(1) أقول لما أثبتنا في طيّ ما قدّمناه لك كون قضيّة الأصل بعد تنجّز الخطاب بالواقع وجوب الاحتياطو تحصيل الموافقة القطعيّة بإتيان تمام محتملات الواقع في المقام و أن القائل بخلافه لا بدّ له من إقامة الدليل عليه من جانب الشارع الدال على اكتفائه عن الواقع في‏مرحلة الظاهر ببعض محتملاته و أنه ليس ممّا يتوهّم دلالته عليه إلا ما دلّ على البراءة عموما عند عدم العلم بالحكم الشرعي تعرّض لبيان عدم صلاحيّته للدلالة عليه‏متفرّعا ذلك على ما فرغ عن ثبوته من حرمة المخالفة القطعيّة من حيث إن إجراءه بالنسبة إلى كل مشتبه بخصوصه موجب لطرح العلم الإجمالي رأسا و هو مع‏منافاته لما بنى عليه في المقام الأوّل و لحكم العقل مناف لنفس الأخبار من حيث إيجابه لطرح المعلوم و إجرائه بالنسبة إلى أحدهما المعيّن مع عدم المعيّن‏موجب للترجيح من غير مرجح و هو محال و إجراؤه بالنسبة إلى أحدهما لا على التعيين لا يتحمّله الأخبار بعد خروج المشتبهين منها على ما عرفت شرحه في مطاوي‏ما قدّمناه لك فليس هنا ما يرفع موضوع حكم العقل بوجوب الاحتياط و هذا كما ترى لا سترة فيه أصلا و قد نبّهنا عليه في غير موضع من كلماتنا السابقةو نبّه عليه شيخنا دام ظلّه أيضا في مطاوي كلماته السابقة إنما الكلام فيما أفاده في المقام من دلالة الأخبار مفهوما على وجوب الاحتياط في مورد العلم الإجمالي‏بضميمة حكم العقل و كون كل من المشتبهين معلوم الوجوب ظاهرا و من باب المقدّمة العلميّة و إن لم يكن معلوم الوجوب واقعا و في مرحلة ذاته لعدم التنافي بين الأمرين‏فيخرج عن منطوق الأخبار من حيث إن مقتضاه إثبات البراءة في غير المعلوم مطلقا و لو في مرحلة الظاهر و أمّا من الحكم بأنّ شمولها للواحد المعيّن المعلوم وجوبه إلى‏آخر ما أفاده فإنه قد يناقش فيه أوّلا بأن حكم الشارع بوجوب الاجتناب في معلوم الحرمة و الارتكاب في معلوم الوجوب كترخيص الارتكاب في معلوم الحلّيّة ليس‏حكما تأسيسيّا من الشارع وراء جعل الحرمة و الوجوب للواقع و إنّما هو إرشاد إلى حكم العقل و تأكيد له فيرجع الأمر إليه لا محالة و إنما الغرض من أخبار البراءةهو تأسيس ما أثبت فيها في جانب المنطوق على تقدير دلالتها على الحكم الظاهري الشرعي فليس الغرض منها بيان تعيين هذا على تقدير تسليم دلالة التعليق‏بالقيد و الوصف في نفسه على المفهوم و الانتفاء عند الانتفاء و إن نفي السعة في جانب المفهوم عين الضيق و إلاّ فللنظر فيما أفاده وجه آخر غير ما ذكرنا و ثانيا بأن ما أفاده من عدم التنافي بين عدم وجوب الشي‏ء في مرحلة الظاهر لنفسه و وجوبه ظاهرا لغيره و من باب المقدّمة العلميّة كعدم التنافي بين عدم وجوبه واقعالنفسه و وجوبه واقعا لغيره كما في المقدّمات الوجوديّة للواجبات الشرعيّة و إن كان ممّا لا يعتريه ريب و شكّ و إن كان هناك كلام فيما هو خارج عمّا أفاده من اجتماع‏الوجوب النفسي و الغيري في شي‏ء واحد من جهتين بأن يجعل الشارع بعض الواجبات النفسيّة مقدّمة لغيره كالإسلام الذي هو واجب لنفسه و شرط في صحّةالعبادات فيصير مطلوبا من حيث ذاته و من حيث المقدّميّة على وجه يرجع إلى التأكيد كاجتماع عنوانين من الوجوب النفسي في شي‏ء واحد لا إلى اجتماع المثلين أو الضدّين‏و التحقيق في محلّه إلا أنّ ما أفاده من ورود المفهوم بضميمة حكم العقل على المنطوق ممّا لا محصّل له حيث إن المنطوق على تقدير دلالته على الإذن في نفسه كما هوالمفروض في بيان هذا الوجه يرفع موضوع حكم العقل في باب المقدّمة العلميّة هذا مع ما في معارضة مفهوم الحديث لمنطوقه مع تفرّعه عليه ما لا يخفى على الفطن‏فلا بد من التمسّك بذيل الوجه الأول في كلامه الراجع إلى عدم دلالة أخبار البراءة على حكم صورة وجود العلم الإجمالي بالخطاب المنجّز اللّهم إلا أن يكون مراده من‏الوجه الثاني استكشاف ذلك أيضا من حيث إن شمولها للمقام لما كان موجبا للتعارض و منافيا لثبوت المفهوم فلا بدّ من الحكم بعد الشمول فتأمل‏
في أن كلام المحقّق القمّي لا يبتني على التّصويب‏
قوله فإنّ‏التحقيق أن الذي ثبت علينا بالدليل إلى آخره‏(2) أقول لا يخفى عليك أن مراد المحقق القمّي قدس سره مما أفاده في المقام من حصر التكليف فيما ادّعى إليه الطرق الظنيّة فيجب تحصيله من‏باب المقدّمة فلا تكليف بالواقع النفس الأمري حتى يجب تحصيله بالعلم إن أمكن أو بالاحتياط إن لم يمكن ليس ما ربما يتوهمه الغير المتأمل في أطراف كلامه من كون التكليف‏الواقعي الواقع في الشرعيات تابعا لما أدّي إليه الطرق الظنيّة فيورد عليه بأنه كيف يجامع القول بالتخطئة مع أنه جعل هذا المعنى أولى بالثبوت على مذهب أهل‏الحق من التخطئة في الكلام المتعقب بالكلام المزبور بل ما يقتضيه النظر الأولى في كلامه من حصر التكليف الفعلي الذي هو مناط الإطاعة و العصيان و الثواب‏و العقاب عند العقل فيما أدّي إليه الطرق الظنيّة فالتكليف الشأني الواقعي الصادر من الشارع في نفس الأمر متعلّق بنفس الواقع إلا أنّه ليس منجّزا على المكلّف‏بمجرّد ثبوته النفس الأمري ما لم يساعد عليه الأمارات الظنيّة فهو أشبه كلام بكلام القائل بحجّيّة الظّن بالطريق نعم فيما أفاده من أولويّة ثبوت هذا المعنى‏على القول بالتخطئة تأمل ظاهر بل الظاهر في النظر تعيّن ذلك على القول بالتصويب إذ لا واقع عليه إلا ما أدّي إليه الطرق الظنّية نعم على تقدير إرادة الحكم الظاهري‏من التكليف لا بدّ من ابتنائه على القول بالتخطئة فلا يناسب أولوية الثبوت أيضا ثمّ إن الوجه فيما أفاده قدس سره و الحامل له على ذلك هو ما يستفاد من مطاوي‏كلماته و بني عليه في غير موضع منها من أن الذي يحكم به العقل و عليه بناء العقلاء في أمورهم هو وجوب دفع الضرر المظنون لا المحتمل و الموهوم فلا يجب دفعه حتّى‏
137
يلزم تحصيل العلم بالواقع أو الاحتياط في تحصيله و من هنا بني على كون مقتضى الأصل الأوّلي عند انسداد باب العلم بالأحكام الشرعيّة العمل بالظنّ دون الاحتياطبل ظاهر قوله في المقام بعد الكلام المذكور على وجه التفريع و لذا لم نقل بوجوب الاحتياط و ترك العمل بالظنّ الاجتهادي من أول الأمر و عن المعالم سلوك‏هذا المسلك عند انفتاح باب العلم أيضا و هذا كما ترى و إن كان ضعيفا من وجوه أشرنا إليها في الجزء الأول من التعليقة عند الكلام في حجيّة الظن المطلق إلاّأن الغرض من التعرّض له في المقام و عنوانه مجرّد بيان مرامه و أنه لا يقول بتبعيّة الأحكام الواقعيّة لما ساعد عليه الطرق الظنّيّة حتى يلزمه التصويب الباطل‏عند أهل الصواب‏ قوله و الحاصل إذا ورد نصّ أو إجماع إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن ما ذكره من الفرض أوّلا من تعلّق الوجوب بما هو معيّن معلوم‏عندنا شكّ في حصوله و الإتيان به في الخارج لا تعلّق له بالمقام أصلا إذ المفروض الشبهة الموضوعيّة و إنّما المتعلّق به ما ذكره بعده من الفرض الثاني‏و الثالث و لما كان غرضه استيفاء الأقسام تعرّض للفرض الأوّل الخارج من الشبهة الحكميّة ثم إن مراده من الظنّ بوجود ذلك الأمر المعلوم الذي‏جعله أحد الطريقين للكفاية لا بد أن يكون هو الظن المعتبر من جانب الشارع بالخصوص إذ لم يقل أحد بكفاية مطلق الظن في حصول المكلف به المعيّن المعلوم‏بالتفصيل أو في انطباق الحاصل عليه كما هو ظاهر
في أن حاصل ما يتوجه على كلام الفاضل‏القمي في المقام يرجع إلى وجوه‏
قوله و أمّا ما ذكره الفاضل القمّي إلى آخره‏(2) أقول حاصل ما يتوجّه على ما أفاده المحقق القمّي قدس سره يرجع‏إلى وجوه الأوّل أنه لا دليل على قبح الخطاب بالمجمل ذاتا و من حيث هو هو مع الإغماض عن عدم تعلّقه بالمقام بل عدم تعلّقه بالمقام الثاني و هو إجمال‏النصّ أيضا لما ذكره شيخنا و نذكره من عدم الإجمال أصلا في الخطاب الصادر من الشارع كيف و قد يكون اللطف و المصلحة في تأخير البيان و إنما المسلّم قبحه فيما أوجب‏نقض الغرض و فوت المصلحة إما من جهة زعم المكلّف نظرا إلى أن ظاهر الخطاب كون المكلّف به ما يقتضيه ظاهره فيأتي به مع أن المقصود غيره الذي هو خارج عن محلّ‏البحث أو من جهة عدم قدرته على الجمع بين محتملات الخطاب المجمل توضيح ذلك أن الخطاب الصادر من الشارع إما أن يكون ظاهرا في معنى لا يكون مرادا في‏نفس الأمر و في الواقع بل يكون المراد غيره و إما أن لا يكون ظاهرا في معنى بل يكون مجملا و محتملا لمعاني متعدّدة و الأول و إن كان خارجا عن مفروض البحث إلاّ أنّ‏صريح المشهور فيه عدم قبح تأخير البيان فيه عن وقت الخطاب و ظاهر إطلاق الأكثر قبحه عن وقت الحاجة فيه و الذي يقتضيه التحقيق فيه عدم قبحه عن وقت الحاجةأيضا وفاقا لشيخنا و جمع من المحققين إذا اقتضت المصلحة تأخيره و إخفاء الواقع في برهة من الزمان فيكون المخاطبون بالظاهر الذي لا يكون مرادا في الواقع‏مكلّفين في الظاهر بما يقتضيه ظاهر الخطاب من حيث إن وجود المصلحة المجوّزة للتأخير على خلاف الأصل فلا ينافي الاحتمال المذكور في الظواهر حجيّتها في‏حقّهم هذا و ستقف على شرح القول فيه في الجزء الرابع من التعليقة و أما الثاني فهو متعلق بالمقام و ظاهرهم و إن كان إطلاق القول فيه بقبح تأخير البيان عن‏وقت الحاجة أيضا كما صرّح به المحقق القمّي قدس سره إلا أن الذي يقتضيه التحقيق فيه أيضا وفاقا لجمع من المحقّقين منهم الفريد البهبهاني قدس سره في الفوائد كون قبحه دائرا مدارفوت الواقع لأجله فإذا كان متعلّق الخطاب مردّدا بين أمرين يمكن للمكلف الجمع بينهما بالاحتياط فلا دليل على قبحه فيما إذا اقتضت المصلحة تأخير البيان نعم هو بلا مصلحة مقتضية له خلاف وضع الشارع المبيّن للأحكام و للحلال و الحرام لكنّه لا تعلّق له بالمقصود أيضا إذ وجوب إزالة الاشتباه على الشارع من حيث‏إنه شارع إذا لم يكن هناك مصلحة مقتضية لترك البيان لا تعلّق له بسقوط الامتثال عن المكلّف فيما تمكّن منه و لو بالجمع فلو فرض المتكلّم ممن يخاطب بالمجمل و يتعمّد في‏ترك البيان لا لمصلحة كما في المولى العرفي مع قدرة العبد على امتثاله بإتيان الأمرين لم يكن إشكال في وجوبه عليه عند العقلاء أو عدم سقوطه عنه الثاني أنه على فرض تسليم قبح الخطاب بالمجمل ذاتا من حيث هو هو مع تأخير البيان عن وقت الحاجة مطلقا و إن كان هناك طريق للمكلّف لامتثاله و لو بالاحتياط نمنع كون المقام‏من جزئيّاته إما من جهة ما ذكرنا و أشرنا إليه و إما من جهة ما ذكره شيخنا الأستاذ العلامة دام ظلّه العالي في الكتاب من أن الذي يجب على الحكيم تعالى على تقدير تسليمه إنما هو إزالة الاشتباه عن المخاطبين بالخطابات و رفع التردّد و الإجمال عنهم و أمّا إزالة و الإجمال العارض من جهة اختفاء القرائن أو التقصير في ضبطها و حفظها و تبليغها إلى الغائبين‏عن مجلس الخطاب أو المعدومين في زمان الخطاب فلا تجب على الحكيم تعالى على وجه القصر و إنما يجب عليه لمكان بقاء الشريعة إلى يوم القيامة نصب الوليّ والإمام و الحافظ للقرائن و الأحكام على وجه يبلغها إلى الجميع على تقدير كونه مأمونا يتمكّنون من إطاعته لا مطلقا كما برهن عليه في محلّه و الاشتباه العارض في المقام إنما هو من‏هذا القسم لا القسم الأول كما هو ظاهر الثّالث أن ما أفاده قدس سره بقوله و نظير ذلك مطلق التكليف بالأحكام الشرعيّة سيّما في أمثال زماننا إلى آخره الظاهربل الصريح في عدم التكليف بأزيد من تحصيل الظن في زمان التمكن من تحصيل العلم التفصيلي بالواقع نظرا إلى عدم الدليل على وجوب دفع الضرر الموهوم ممّا لامحصّل له بظاهره و لم يقل به أحد فيما علم لتطابق الأدلة على حرمة العمل بالظنّ و استقلال العقل بتنجّز الخطابات الواقعيّة و فعليتها بالعلم الإجمالي و حكمه‏بالضرورة بوجوب دفع الضرر الموهوم الأخروي هذا مضافا إلى قيام الأدلّة الشرعيّة القطعيّة على وجوب تحصيل العلم فكيف يبتني على حكم العقل بوجوب‏دفع الضرر المحتمل و بالجملة قد ذكرنا في محلّه بما لا مزيد عليه كون الأصل في الظن الحرمة من غير فرق بين الزمانين الرّابع أنه لم يعلم معنى محصّل لما استدرك‏بقوله نعم لو فرض حصول الإجماع أو ورود النصّ إلخ فإن التكليف بأمر معيّن عند اللّه تعالى مردّد في الظاهر ما بين أمور إن كان ممكنا على الحكيم تعالى فلم ادّعى‏اتفاق أهل العدل على استحالته و إن لم يكن ممكنا فكيف يمكن قيام الدليل عليه من الشارع إذ القبيح لا يصير حسنا بقيام الدليل عليه من الشارع بل‏
138
قيام الدليل عليه محال و بالجملة ما أفاده في الاستدراك المذكور يلازم حسن توجيه التكليف بالواقع على وجه الإطلاق من دون اشتراط بالعلم و هويناقض تصريحه قبله بقبحه فلا يمكن التوفيق بينهما الخامس أن الدليل على التكليف بالواقع المعين عند اللّه موجود في جميع موارد وجود الدليل على التكليف‏بالواقع و إن كان مجملا نظرا إلى ما تقرّر في محلّه و اعترف به المحقق المذكور من وضع الألفاظ للمعاني النفس الأمريّة و الأمور الواقعيّة من غير مدخل للعلم‏في وضعها لها فإذا فرض قيام الدليل عليه ممكنا كان موجودا في جميع الموارد فيلزمه القول بالاحتياط فيها نظرا إلى ما اعترف به فيكون مقتضى الأصل في‏موارد العلم الإجمالي وجوب الاحتياط و هو المقصود هذا كله مضافا إلى ما ستقف عليه من عدم إمكان اشتراط التكليف بالعلم في الشبهة الحكميّة السّادس أنه لا محصّل لما أفاده بقوله المستلزم ذلك الفرض لإسقاط قصد التعيين في الطاعة إلى آخره لأنه إن أريد أن به قصد التعيين من شروط صحة المأمور به مطلقا حتّى‏في صورة الجهل فيحكم لأجله بعدم التكليف بالواقع المجهول نظرا إلى العجز عن تحصيل شرط وجوده فلا يكون مقدورا للمكلّف بعد البناء على الشرطيّةالمطلقة و أما إذا قام الدليل على التكليف بالواقع المجهول في مورد فيكشف عن سقوط اعتبار قصد التعيين بالنسبة إلى ذلك المورد الخاصّ لا محالة فيجب‏الاحتياط لعدم المانع منه حينئذ ففيه أوّلا أن الكلام ليس مختصّا بالتعبديّات بل يعمّها و التوصّليّات كما هو ظاهر و قصد التعيين غير معتبر فيها إجماعاو ثانيا أنه لا دليل على اعتبار قصد التعيين في الطاعة على وجه الإطلاق حتى في صورة إمكانه و ثالثا أنّه لو قيل باعتبار قصد التعيين فإنما هو فيما إذاتمكّن المكلّف من التعيين لا مطلقا لعدم مساعدة دليل عليه كذلك و لم يقل أحد باعتباره كذلك إلاّ نادرا في ظاهر كلامه لا يعبأ بخلافه و إن أريد به أن نفس قيام‏الدليل على التكليف بالواقع المجهول مقتض لسقوطه و سبب له بحيث يكون سقوطه مستندا إليه من غير كشفه عمّا ذكرناه في الشق الأوّل ففيه أن عدم التمكّن‏من قصد التعيين مستند إلى نفس تردّد المكلّف به بين أمرين و عدم العلم به تفصيلا سواء قام الدليل على التكليف بالواقع المجهول أو لم يقم و سواء قلنافي المسألة بالبراءة أو الاحتياط فلا يكون لقيام الدليل فيه مدخل أصلا بل هو مستند إلى العجز و عدم القدرة عليه لكن الظاهر أن مراده قدس سره هو الشقّ‏الأوّل لعدم محصّل للثاني مضافا إلى ظهور كلامه فيه عند التأمل فما أورده عليه شيخنا دام ظله في الكتاب مما لا يتوجّه عليه ظاهرا فالتحقيق أن‏يناقش فيما أفاده بما عرفته منّا بعد حمل كلامه على الشق الأوّل‏
في أنه لا يعقل اشتراط التكليف بالعلم سواء كان من الشرع أو العقل‏
قوله و أما اشتراط التكليف به شرعا فهو غير معقول إلى آخره‏(1) أقول قد عرفت غير مرّةفي مطاوي كلماتنا استحالة اشتراط تعلّق التكليف واقعا بالعلم التفصيلي من حيث استلزامه الدور الظاهر فلا يصحّ قيام الدليل عليه من جانب‏الشارع من غير فرق بين الأدلة المثبتة للتكاليف الواقعيّة و غيرها من الأدلّة الخارجيّة الكاشفة عن هذا الأمر الغير المعقول بل قد عرفت فيما تقدّم أن اشتراطتعلّقه بالعلم الإجمالي بل الظنّ بل و بالوهم أيضا كذلك ضرورة تأخر هذه الأمور عما تعلّقت به فكيف يمكن توقفه عليها نعم توقّف فعليّة التكليف الواقعي و تنجّزه‏على المكلّف بتعلّق العلم التفصيلي به أو غيره من الأمور المذكورة ممّا لا يلزم عليه الدور فلا يكون محالا ذاتيّا فلا يكون قيام الدليل عليه من قيامه على‏وقوع المحال الذاتي لكنّه لا يمكن أن يراد من نفس الخطابات الواقعيّة و يعتبر فيها ضرورة عدم كون فعليّة التكليف من مداليلها و مفادها بل لا بدّ أن‏يقوم عليه دليل من الخارج إلا أنا أسمعناك مرارا أيضا كون العلم الإجمالي بالتكليف علّة تامّة لفعليّته و تنجّزه على المكلّف في حكم العقل و يقبح من الشارع‏الإذن في مخالفة القطعيّة و من المكلّف الإقدام عليها فيكون قيام الدليل عليه من الشارع بعد قبحه عليه محالا أيضا بالملاحظة المذكورة و إن كان بالعرض لأن تجويز القبيح‏محال على الحكيم تعالى نعم لا استحالة في توقّف تعلق التكليف واقعا بالعلم بموضوعه و متعلّقه في الموضوعات الخارجيّة كتوقّف حرمة الخمر واقعا على العلم بالخمريّة كما نبّهناعليه في مطاوي كلماتنا لكنه لا تعلّق له بالمقام لأن كلامنا في الشبهة الحكميّة و في إمكان توقف التكليف على العلم به و كونه شرطا فيه هذا كله مضافا إلى اقتضاءنفس ما يتوهّم منه الدلالة على الترخيص و رفع التكليف الفعلي في صورة العلم الإجمالي من أخبار البراءة لاعتبار العلم الإجمالي و كفايته في رفع البراءة و عدم المعذوريّةمنطوقا و مفهوما على ما عرفت الإشارة إليه من أن الحكم الثابت فيها لموضوع الجهل و عدم العلم رأسا فتدبّر نعم قد عرفت سابقا إمكان إذن الشارع في ترك‏بعض المشتبهين الراجع إلى الإذن في ترك الاحتياط الكلّي لكن لا يكفي مجرّد احتماله بل يعتبر في رفع موضوع حكم العقل بلزوم الاحتياط القطع بإذن الشارع و ليس في المقام‏مما يصلح للدلالة على الإذن باعتراف الخصم إلاّ أخبار البراءة و قد عرفت حالها بما لا مزيد عليه مع أن إجمالها من جهة ما ذكرنا يمنع عن الاستدلال بها في المقام فلا حاجةإلى إثبات ظهورها في الدلالة على المرام كما لا يخفى فقد تبين ممّا ذكرنا كلّه أن ما يصحّ أن يرد من الشارع بعد إخفاء الحكم الشرعي و الخطاب الصادر منه في المقام أمران‏لا ثالث لهما أحدهما ما يدلّ على وجوب الاحتياط الكلّي في إحراز الواقع المجهول و امتثاله مؤكّدا لحكم العقل به ثانيهما ما يدل على جواز الاكتفاء في امتثال الواقع بالموافقةالاحتماليّة و فعل بعض المشتبهين لكن أدلّة البراءة لا يصلح لذلك فتعين المصير إلى الأوّل و بمثل ما ذكرنا ينبغي تحرير المقام لا بمثل ما حرّره شيخنا دام ظله في الكتاب‏فإنه لا يخلو عن بعض المناقشات الظاهرة و ممّا ذكرنا كلّه يظهر ما يتوجّه على ما أفاده المحقق الخوانساري قدس سره من المناقشات فلا حاجة إلى إطالة البحث و الكلام و لعلّه لذلك‏ترك التعرض له في الكتاب لأن ما يتوجّه عليه المناقشة من كلامه متحدّ مع ما أفاده المحقق القمي كما هو ظاهر قوله و هذا الوجه هو الذي ينبغي أن يقصد إلى آخره‏(2) أقول الوجه فيما أفاده من تعيّن الوجه الثاني في المقام و إن كان ربما يتوهّم من هذا التعبير جواز إرادة الوجه الأوّل ظاهر ضرورة أن نيّة الفعل لا يمكن أن تكون على غير الصّفة التي‏
139
هو عليها و لأجلها صار معروضا للوجوب و تعلّق أمر الشارع به و من المعلوم أن علة الوجوب في كل منهما ليس إلا احتمال كونه واجبا واقعيّا متعبّدا به فلا بدّ من‏أن يقصد حين الإتيان به هذا العنوان لا غيره لعدم وجوده فيه لا يقال إن كلا منهما عبارة بالفرض فكيف يكتفى باحتمال كونه واجبا متقرّبا به مع أن قصد التقرّب من الشرائطالمطلقة للعبادة حيث إن قوامها به ضرورة كونه فارقا بين العبادة و المعاملة لأنّا نقول إن أريد من كون كل منهما عبارة تعلّق الأمر به من الشارع على وجه‏القطع على الوجه المذكور فهو خلاف المفروض و إن أريد أن كلاّ منهما بصورة العبادة و يحتمل كونه الواجب الواقعي العباديّ الذي يشترط في تحقّقه أو صحّته‏قصد التقرّب فهو مسلّم لا محيص عنه على ما هو قضيّة الفرض إلا أن من المعلوم عدم اقتضاء هذا المعنى قصد التقرب في كلّ منهما بخصوصه لعدم العلم بكونه‏عبادة متقرّبا بها بالفرض بل الإتيان بكلّ منهما بهذا المعنى تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة على تقدير إمكان التشريع القصدي فلا بدّ من الإتيان بكلّ منهما باحتمال‏كونه مطلوبا و هو ما ذكرنا
في إمكان قصد الوجه في مورد الاحتياط على نحو قصد القربة فيه‏
لا يقال الإتيان بكلّ منهما باحتمال كونه متعبّدا به كيف يكون قصدا للتقرّب على وجه الجزم في الواجب الواقعي المردّد بينهماضرورة أن انطباقه في نفس الأمر على المقصود على وجه الاحتمال لا يوجب إلا القصد على وجه الاحتمال فلا يكون كافيا في العبادة اليقينيّة لأنّا نقول الإتيان‏بكلّ منهما بالعنوان المذكور و بداعي تحصيل الواجب الواقعي العبادي الموجود في ضمنهما عين قصد التقرب في الواجب الواقعي لأنّ الإتيان بكل منهما بالدّاعي‏المذكور لا ينفكّ عن قصد التقرّب فيه لأنّ المحرّك للإتيان بكلّ منهما بالفرض امتثال الأمر المتعلّق من الشارع بأحدهما في علم اللّه فكيف ينفكّ قصد الإتيان‏بكل منهما بالعنوان المذكور عن قصد التقرّب في الواجب هذا كله مضافا إلى أن الاقتصار بفعل أحدهما فرارا عن المخالفة القطعيّة في معنى الاكتفاء بالموافقةالاحتماليّة فالداعي في فعله ليس إلا احتمال حصول الواجب التعبّدي في ضمنه من دون أن يكون من قصده تحصيله على وجه الجزم و اليقين فهو أردأ حالا من الاحتياطالكلّي قطعا و من هنا قلنا ببطلان عبادة الجاهل فيما يجب الاحتياط و الجمع عليه إذا كان من قصده الاقتصار على أحد المحتملين هذا مع أنه على تقدير استفادةوجوب الإتيان بأحدهما تخييرا من أخبار البراءة بما تقدم وضوح فساده في مطاوي كلماتنا لا يكون الوجوب المذكور إلاّ ظاهريّا توصّليّا لا يمكن التقرب بقصد امتثاله‏و لا يكون قصده قصد التقرّب في الواجب الواقعي العبادي هذا مع الإغماض عما ذكرنا في شرح إذن الشارع في ترك الاحتياط الكلّي و الموافقة القطعيّة من رجوعه‏إلى الإذن في مخالفة الواجب الواقعي لمصلحة على تقدير لا إلى جعل البدل له على ما زعمه شيخنا في مواضع من كلامه هذا كلّه مضافا إلى دوران الأمر على تقديرالإغماض عمّا ذكرنا من تحقّق قصد القربة في الواجب الواقعي على وجه الجزم و اليقين بالقصد على الوجه الذي ذكرنا بين الإتيان بكل من المحتملين بالعنوان الذي ذكرناو إن لم يكن موجبا لقصد التقرّب على وجه الجزم و اليقين في الواجب الواقعي على ما زعمه الخصم أو المتوهّم و بين الإتيان بأحدهما مقتصرا عليه بزعم كون قصد الوجوب‏الظاهري قصدا للتقرّب في الواجب الواقعي و لا ريب أن ما ذكرنا هو المتعين من حيث كونه موجبا للعلم بحصول ذات الواجب و إن فات معه من المكلّف قصد التقرّب‏على وجه الجزم في العبادة الواقعية و هذا معنى كون المحتاط غير متمكن من تمام الاحتياط في العبادة التي يأتي بها احتياطا و إليه يرجع ما أفاده شيخنا دام ظلّه في‏الكتاب إغماضا بقوله و وجه اندفاع هذا التوهّم مضافا إلى أن غاية ما يلزم من ذلك عدم التمكّن من تمام الاحتياط في العبادات حتى من حيث قصد التقرّب إلى آخره و إلاّفلم يتوهّم أحد كون اشتراط قصد التقرّب في العبادات البدنيّة مما يقبل اختصاصه بحال بل هو من مقوّمات العبادة اتفاقا و ممّا ذكرنا كلّه يظهر كيفيّة قصدالوجه فيما يؤتى به احتياطا على القول باعتباره مطلقا في العبادات فإنه يجعل الداعي للإتيان بهما معا وجوب أحدهما في نفس الأمر فقد قصد الوجه الواقعي في الواجب‏كما أنه يقصد التقرّب بفعل أحدهما المقرّب واقعا الداعي لفعل المحتملين و قد أوضحنا في الجزء الأول من التعليقة كفاية هذا القسم من قصد الوجه على القول باعتباره‏و إن كان ربما يأبى عنه كلام بعض القائلين به‏
في أن الأوامر الظاهريّة غيريّة لا يصح قصد التقرّب بها
قوله و أما الوجه الأول فيرد عليه إلى آخره‏(1) أقول حاصل ما أفاده هو أنّه على القول باعتبار قصد الوجه في العبادةلا بدّ من أن يقصد وجه ما هو الواجب واقعا بعنوان العبادة كقصد التقرب المعتبر فيها و من المعلوم ضرورة عدم حصول القصد المزبور بقصد الوجوب المقدّمي‏الإرشادي العقلي في كل من المحتملين لتغايرهما إلا أن يلغى في قصده جهة النفسيّة و الغيريّة و المولوية و الإرشاديّة فيقصد الوجوب المشترك فيكون قصدالوجوب في كل منهما حينئذ قصدا للوجوب الواقعي عند المصادفة إلا أنّه حقيقة ليس قصدا للوجوب العبادي و لا يظهر من القائل باعتباره كفايته بل الظاهرمنه عدم كفايته لما عرفت من رجوعه إلى إلغاء قصد الوجه في الواجب حقيقة و من هنا ذكرنا الإشكال فيما يؤتى به من الواجبات العباديّة الظاهريّة بمقتضى‏الطرق الظاهريّة سيّما إذا كان اعتبارها من جهة دليل الانسداد و الظن المطلق حيث إن مفاد أدلّة وجوب العمل بالطّرق هو الوجوب التوصّلي الغيري فقصدهذا الوجوب المعلوم ليس قصدا للوجوب الواقعي النفسي لتغايرهما و الوجوب الواقعي ليس معلوما بالفرض فلا يكون قصده إلا بعنوان الاحتمال أو الظنّ‏النوعي أو الشخصي و كيفما كان لا يكون مجزوما به و دعوى كون مقتضى دليل حجيّة الأمارة ترتيب آثار الواقع على موردها التي منها قصد الوجه و التقرّب فتفارق‏موارد قيام الأمارات و الأصول الشرعيّة على العبادات للمقام فاسدة إذ الأثر المذكور ليس ممّا يقبل تعلّق الجعل الشرعي به حتى يحكم بجعله بدليل حجيّة الأمارةضرورة كون قصد الوجوب الواقعي على وجه الجزم متوقّفا على العلم به و قصد الوجوب الظاهري المعلوم مضافا إلى ما عرفت من كونه غير مفيد في المقام‏متفرّع على جعل الوجوب فلا يمكن أن يكون موردا للجعل كما هو ظاهر هذا و سنورد بعض الكلام فيما يتعلّق بهذا المقام عن قريب هذا بالنسبة إلى قصد
140
الوجه و أمّا قصد القربة فلا معنى لإمكانه في فعل كل منهما و لو بملاحظة الأمر الظاهري المتعلّق به حتى يقال بكفايته في إحراز قصد القربة في الواجب الواقعي فإنّ‏من المقرّر في محلّه عدم إيجاب إطاعة الأمر المقدّمي سيما الموجود في المقام الممحّض للإرشاد التقرّب إلى الأمر بل الأمر كذلك بالنسبة إلى الأوامر الشرعيّة المتعلّقةبموضوع الاحتياط حيث إنها على ما أسمعناك سابقا ممحضة في الإرشاد إلى رفع المهلكة المحتملة في الفعل أو الترك كأمر العقل بالاحتياط فهي مؤكدة في‏الحقيقة لحكم العقل في باب الاحتياط فلو قلنا بإيجاب إطاعة الأمر الغيري بالنسبة إلى غير المقدّمة العلميّة للتقرّب لم نقل بذلك بالنسبة إليها لما عرفت من‏الوجه فإن المناط في الحكم بالوجوب بالنسبة إليهما و إن كان واحدا و هو توقف الواجب وجودا عليهما إلا أن الواجب المتوقف بالنسبة إلى المقدّمة العلميّةحصول العلم بتحقق الواجب و طلبه ليس إلا من باب الإرشاد فلا يمكن أن يكون الطلب المتعلق بما يتوقّف عليه أعلى منه و هذا بخلاف المقدّمة الغير العلميّةبل قد يقال إن الواجب في حكم العقل إذا كان تحصيل العلم إرشادا كان الإتيان بالمحتملين لإحراز الواقع المعبّر عنه بالاحتياط عين تحصيل العلم في الخارج و إن‏كانا مختلفين مفهوما فتأمل
في توضيح أن الأمر الغيري الإرشادي لا يصحّح قصد التقرّب و الامتثال‏
و الحاصل أن حكم العقل و الشرع بوجوب الإتيان بكل من المحتملين لدفع الضرر المحتمل في تركه حكم إرشادي لا يوجب إطاعته تقرّباأصلا على ما هو شأن الأوامر الإرشاديّة مطلقا نظير حكمهما بوجوب إطاعة الأوامر الشرعيّة الحقيقيّة و إن كان هناك فرق بينهما من جهة أخرى حيث إنّ حكمهمابوجوب إطاعة الأوامر الشرعيّة الحقيقيّة لا يمكن إلا أن يكون إرشاديّا و لا يقبل لغير ذلك و هذا بخلاف إيجاب الشارع للاحتياط فإنه يمكن أن يكون على‏الوجه الشرعي الظاهري المتعلّق بموضوع عدم العلم بالواقع على ما أسمعناك شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا فلا مناص إذا من قصد التقرب في المقام وغيره من موارد الاحتياط إلاّ على الوجه الذي ذكرنا هذا محصّل ما يستفاد من كلام شيخنا دام ظله في تحقيق المقام و توضيح المرام و لكن هنا كلام آخر و وجه‏ثالث لقصد التقرّب قد طوى دام ظله العالي ذكره في المقام و إن تعرّض له في طيّ ما أفاده في تحقيق مسألة التسامح في الشكّ في التكليف و هو التقرّب بفعل‏كل من المشتبهين من جهة نفس عنوان الاحتياط من حيث كونه راجحا و حسنا ذاتا لا من جهة الأمر المتعلق بعنوان الاحتياط حتى يقال بكونه إرشاديّا عقلا و شرعاعلى ما عرفت توضيح ذلك أنه قد مضى فيما سبق أن حال الاحتياط الذي هو إطاعة حكميّة و الأمر به حال الإطاعة الحقيقية و الأمر بها من حيث كون نفس عنوانهماحسنا و راجحا ذاتا فيكون موجبا للتقرّب من غير مدخل للأمر المتعلّق بهما و كون الأمر المتعلق به إرشاديا لا يؤثر إطاعته في القرب أصلا فإذا يقصد التقرب بفعل‏كل من المشتبهين فإذا صادف الواقع فلا محالة يكون إتيانه بقصد التقرب فيسقط الأمر المتعلّق به بعنوان العبادة من حيث انطباق الاحتياط المتقرّب به عليه‏بالفرض‏ لا يقال قصد التقرّب المعتبر في صحّة العبادة إنما هو فيما إذا تحقق حين الإتيان بها من جهة الأمر المتعلّق بها بحيث يكون امتثاله ملحوظا حين الفعل‏و قصد التقرب في عنوان الاحتياط على تقدير تسليمه و الإغماض عن كون حسنه فاعليّا كقبح التجرّي ليس قصدا للتقرب على الوجه المذكور فلا يكون كافيا في المقام‏و هذا نظير ما إذا كان هناك فعل مطلوب للشارع بعنوانين فقصد المكلّف حين الإتيان به امتثال أحد الأمرين المتعلقين به من جهة انطباق عنوان المأموربه عليه فإنه لا يكون امتثالا للأمر الغير المقصود في مقام الامتثال لأنّا نقول الاحتياط و إن كان عنوانا مستقلاّ و حسنا ذاتا من حيث عنوانه و إن انفكّ‏عن الواقع إلا أنه لا شبهة في كونه عنوانا للواقع و مطلوبا من حيث مراعاته فلا يكون في عرض الواقع فإذا انطبق على الواقع و صادفه كان التقرّب المطلوب من‏الواقع حاصلا لا محالة و هذا بخلاف ما إذا كان هناك فعل اتفق انطباق عنوانين من المطلوب عليه قصد المكلّف بفعله امتثال أحد الأمرين فإنه لا إشكال‏في عدم حصول امتثال الأمر الغير المقصود و عدم سقوطه فيما إذا كان أمرا عباديّا يقصد منه التعبّد بفعل المأمور به من جهة كون كل من العنوانين في عرض الآخرفلا يمكن أن يجعل أحدهما عنوانا للآخر و هذا بخلاف المقام فلا يجوز قياس أحدهما بالآخر و من هنا ذكرنا في محلّه أن مقتضى الأصل عدم التداخل في المسبّبات‏
في أن العمل بالاحتياط في مورد لا يلازم التشريع أبدا
قوله لكنه مبنيّ أيضا على لزوم ذلك من الأمر الظاهري إلى آخره‏(1) أقول لا إشكال في أن الإيراد بلزوم التشريع المحرّم من العمل بالاحتياط في العبادات من حيث‏لزوم قصد التقرّب و الوجوب في كلّ من المحتملين من جهة كونه عبادة فلا يمكن الاحتياط فيها و إنما يمكن في غيرها لا يتوجّه على شي‏ء من المسلكين بل المسالك المتقدمةأما على المسلكين الأخيرين فظاهر لأنه على الأول منهما لا يقصد التقرب و الوجوب إلا بالنسبة إلى الأمر الواقعي الصادر من الشارع على ما عرفت و على الثاني وإن كان قاصدا للتقرب بفعل كل منهما إلا أنه يقصده في عنوان الاحتياط المطلوب عقلا و شرعا فكيف يكون تشريعا و أمّا على المسلك الأوّل و هو قصد الوجوب‏و التقرب بفعل كل منهما من حيث كونه واجبا في مرحلة الظاهر فلأنه لا يقصد بفعل كل منهما كونه واجبا في مرحلة الواقع و التقرب بامتثال أمره الواقعي‏حتى يكون مشرعا و إنما يقصد به كونه واجبا في مرحلة الظاهر و يقصد التقرّب بامتثال أمره الظاهري المعلوم كما إذا شكّ في الوقت أنه صلّى الظهرمثلا أم لا فإنه يجب عليه فعلها فينوي الوجوب و القربة بحسب الأمر الظاهري المتوجّه إليه مع الشكّ المفروض و إن احتمل كونه لغوا في الواقع فإنه لا يكون‏مشرّعا قطعا هذا بحسب ما بنى عليه القائل من تأثير الأمر الظاهري في التقرّب بما تعلّق به و لو كان أمرا عقليّا إرشاديّا و كفاية قصد امتثاله من قصد التقرّب‏بالنسبة إلى الأمر الواقعي المصادف معه مما لا إشكال فيه أصلا إنما الإشكال و الكلام معه في صحّة المبنى و شرح المقام و توضيحه في مواضع الأوّل في‏الأمر المقدّمي العقلي الإرشادي و هو المتحقق بالنسبة إلى المقدّمة العلمية و قد عرفت حكمه و إن إطاعته لا أثر لها في القرب أصلا و إن جاز قصد وجوبه العقلي‏
141
إلا أن في كفاية قصد هذا الوجوب عن الوجوب الشرعي الواقعي العبادي على القول باعتبار قصد الوجه ما عرفت شرحه و أما كفاية قصد امتثاله عن قصدامتثال الواقع و القرب المعتبر بالنسبة إليه فلا يتوهّمه أحد بعد البناء على عدم كون امتثاله موجبا للتقرّب‏
في أن طاعة الأمر الغيري الشّرعي الواقعي موجبة للتقرب أم لا
الثاني في الأمر الغيري الشرعي الواقعي المتحقق‏بالنسبة إلى ما يتوقف عليه وجود الواجب واقعا سواء كان مستكشفا من حكم العقل الإدراكي بعد إحراز المقدّمية و التوقّف أو ورد الشرع به و قد اختلفوافي كون إطاعته موجبة للتقرب و استحقاق الثواب في بحث المقدّمة بعد اتفاقهم على كفايته بالنسبة إلى قصد الوجه فيما كان قصده معتبرا كما في الطهارات‏بل عن غير واحد جعل ثمرة النزاع في بحث المقدّمة في استحقاق الثواب بفعلها و عدمه و عن بعضهم أخذ الثمرة بالنسبة إلى استحقاق العقاب على الترك أيضاو الذي يقتضيه كلمات المحققين من المتأخرين في تلك المسألة فساد الثمرة المذكورة و عدم تأثير إطاعة الأمر الغيري في استحقاق الثواب و هو الذي‏جزم به شيخنا دام ظلّه في تلك المسألة و أشار إليه في الكتاب و هو الحقّ كما فصّلنا القول فيه في تلك المسألة نعم لا إشكال في استحقاق الثواب بفعل المقدّمةفيما لو كانت عبادة في نفسها و جعلها الشارع من مقدّمات الواجب كما في الطهارة المائيّة من حيث رجحانها الذاتي لا من حيث إطاعة الأمر الغيري المتعلّق‏بها و أما الطهارة الترابيّة على القول بعدم كونها عبادة في نفسها بحيث يكون فعلها راجحا و مأمورا به من دون ملاحظة غاية من الغايات فيكون نقضالما ذكرنا من عدم تأثير امتثال الأمر الغيري في القرب و استحقاق الثواب فإن كونها من العبادات و عدم سقوط أمرها إلاّ بقصد التقرّب من المسلّمات عندهم مع‏عدم تعلّق أمر نفسيّ بها على هذا القول و انحصار أمرها في الأمر الغيري هذا و يمكن التفصّي عن الإشكال المذكور بالتزام رجحان و مصلحة نفسيّة لها لا تبلغ‏حدّا يؤثّر في الأمر بها نفسا و إنما هي بمقدار تؤثّر في المصلحة الملزمة بالنسبة إلى غاياتها و توجب ارتباطها بها كما في الركوع على القول بعدم كونه عبادة في‏نفسه كالسجود فتأمل و تمام الكلام في الفقه‏
في أن الأمر الظّاهري الشّرعي موجب لحصول القرب أم لا
الثالث الأمر الظاهري المتعلّق بالعمل بالأمارات و الأصول الشرعيّة كالاستصحاب و نحوه في الأحكام و الموضوعات‏الخارجيّة و ظاهر ما أفاده شيخنا دام ظله في المقام بقوله المتقدّم ذكره لكنه مبنيّ إلى آخره سيما بملاحظة قوله في تقريب ذلك كما إذا شكّ في الوقت إلى آخره و كلامه ظاهر في حصول‏التقرّب بامتثاله و إطاعته فيتحقق قصد التقرّب لأجله فيكفي قصده عن قصد التقرّب بالنسبة إلى الأمر الواقعي عند المصادفة بناء على ما عرفت برهانه في‏طيّ إثبات كفاية التقرّب من جهة عنوان الاحتياط عن الواقع عند المصادفة لكن قد عرفت الإشكال في ذلك على القول بالتخطئة حيث إن المفروض على هذا القول‏كون الملحوظ في جعلها الطريقيّة إلى الواقع و غلبة إيصالها إليه و كشفها عنه نوعا أو شخصا و لو كان الأمر بها في زمان التمكّن من تحصيل العلم بالواقع فضلاعن زمان الانسداد إذ غاية ما يلزم في الأوّل كون أمر الشارع بسلوكها مما يتدارك به ما يفوت لأجل العمل بها من مصلحة الواقع فلا تحدث فيما قام عليه على تقديرالخطاء مصلحة و رجحان أصلا كيف و قد عرفت تساوي نسبة الأمر المتعلق بالعمل بها بالنسبة إلى جميع مواردها فيلزم أن يكون عبادة و لا يلتزم به أحد ودعوى الالتزام بذلك غاية ما هناك صيرورتها بالملاحظة المذكورة من العبادة بالمعنى الأعمّ فإذا قامت الأمارة على تعيين الواجب العبادي يحكم بلزوم‏قصد التقرّب في امتثال هذا الأمر الظاهري و عدم سقوطه عن المكلّف بدونه فاسدة من جهة أن الالتزام به مبنيّ على صيرورة الفعل راجحا من جهة قيام الأمارةو قد عرفت فساده على القول بالتخطئة فتدبّر مع أنّك قد عرفت عدم اختصاص البحث بزمان الانفتاح و عدم لزوم ملاحظة المصلحة بالنسبة إلى زمان الانسدادجزما سيّما إذا كانت حجيّتها من جهة حكم العقل بها فلا يجوز قصد التقرّب إلا بالنسبة إلى الأمر الواقعي المستكشف بالأمارة كما أوضحنا لك أمره سابقا و أثبتناه‏و ممّا ذكرنا يظهر حال العمل بالأصول الشرعيّة في الأحكام و الموضوعات فإن الالتزام بوجود مصلحة في فعل الشارع و جعل الحكم الظاهري منه و لو كانت‏تسهيل الأمر على المكلّفين كما هو المشاهد في جعل أصالة الطهارة لا يوجب المصلحة في مورد الأصل و منه يظهر أن تقريب المقام بالاستصحاب فيماشكّ في الوقت أنه صلى الظهر أم لا ليس على ما ينبغي مع أن التقريب المذكور لا بدّ أن يبتني على مذهب القائل بجريان الاستصحاب الحكمي أو الموضوعي في الشكّ‏المذكور و إلاّ فالتحقيق عندنا و عند شيخنا دام ظلّه على ما يصرّح به في الجواب عن السّؤال الآتي في كلامه هو جريان قاعدة الاشتغال المبنيّة على لزوم دفع الضررالمحتمل في الشكّ المفروض دون الاستصحاب فهو عين حكم العقل بلزوم الاحتياط في المقام المبني على الإرشاد و القول بأن معنى جعل الأمارة في حكم الشارع‏ترتيب جميع آثار الواقع على موردها التي منها قصد التقرب فيما كان من العبادات قد عرفت فساده و أن التنزيل الشرعي إنّما يؤثّر بالنسبة إلى الآثار الشرعيّة القابلةللجعل و إمكان قصد التقرّب بإطاعة الأمر الواقعي على تقدير العلم به من الآثار العقليّة للأمر العبادي المعلوم فكيف يمكن ترتيبه على الأمر الطريقي التوصّليّ‏الإرشادي هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام و لعلّنا نتكلّم فيه بعد ذلك أيضا حسبما يساعدنا التوفيق‏ قوله دام ظلّه قلت أما المحتمل المأتي به أوّلا فليس واجبا إلى آخره‏(1) أقول حاصل ما أفاده في الجواب عن السؤال المتوهم بتوضيح لنا هو أن إجماعهم على وجوب الإتيان ببعض المحتملات و حرمة المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي إنّما هو من‏جهة حكم العقل به على ما أسمعناك من أن حكم العقل بوجوب الموافقة الاحتماليّة و حرمة المخالفة القطعيّة من جهة الإرشاد إلى دفع الضرر المقطوع بعد تنجّز الخطاب‏فلا يكشف عن حكم شرعيّ و لو كشف فإنما يكشف عن حكم إرشاديّ على طبق العقل نظير أخبار الاحتياط على ما عرفت من كون مدلولها الإرشاد نعم لو كشف عن إيجاب‏الشارع لبعض المحتملات في مرحلة الظاهر من غير ابتنائه على الجهة العقليّة نظير أخبار الاحتياط على ما توهّمه غير واحد من الأخباريّين في دلالتها على ما عرفت‏
142
الإشارة إليه و قلنا بكون الامتثال الحكم الظاهري الشرعي كامتثال حكمه الواقعي مما يوجب التقرّب و قلنا بكون مصادفته للواقع و يكفي عن قصدالتقرب بالنسبة إليه كان الإجماع المذكور مفيدا في المقام فهو تقدير في تقدير لم يثبت شي‏ء منها
في تقرير الاستصحاب المتوهم في المقام على وجوه و الذّب عنها
و أما الإتيان بباقي المحتملات بعد الإتيان‏بما أتى به فقد توهّم إثبات وجوبه الشرعي الظاهري من جهة الاستصحاب و قرّر في ظاهر السؤال بوجوه منها استصحاب الاشتغال و منها استصحاب‏عدم الإتيان بالواجب الواقعي الراجع إلى الاستصحاب الحكمي و هذه الاستصحابات كما ترى متعاضدة من حيث وجوب الإتيان بباقي المحتملات في ظاهر الشرع‏و أنت خبير بما فيها بعد تسليم كون امتثال الحكم الظاهري مقرّبا و كافيا عن التقرب بامتثال الأمر الواقعي أما استصحاب الاشتغال فلأن المراد بالمستصحب إما حكم‏العقل بوجوب الإتيان بجميع المحتملات المتحقق قبل الإتيان بشي‏ء منها و إما الأمر المنتزع منه الثابت في الذمّة التي هي أمر اعتباري لا وجود لها في الخارج عومل‏معها مع ذلك في العرفيّات و الشرعيّات معاملة الموجود الخارجي المتأصّل في الوجود و أما الاعتباري المنتزع من إيجاب الشارع أمّا الوجه الأول فلا ريب‏في فساد توهّم جريان الاستصحاب بالنسبة إليه لعدم تطرّق الشكّ بالنسبة إليه على ما هو الشأن في جميع موارد حكمه كما أسمعناك في غير موضع ضرورةأن حكم العقل بوجوب الاحتياط و الجمع بين المحتملات من جهة لزوم دفع الضرر المحتمل لا يحتمل ارتفاعه بفعل بعضها الذي كان إطاعة للعقل حقيقة و إلاّ لم‏يحكم بالوجوب من أول الأمر و هو خلف و الملازمة ظاهرة كبطلان التالي هذا مع أن استصحاب هذا الحكم العقلي الإرشادي على تقدير تسليمه و الإغماض‏عما ذكرنا لا يعقل أن يكون مفيدا في المقام ضرورة عدم وجود مزيّة لوجوده الاستصحابي على وجوده العلمي المتحقق كما هو ظاهر لا سترة فيه أصلا و أمّا اشتغال‏الذمة بالواجب الواقعي المنتزع من حكم العقل بوجوب الاحتياط فيتبع حدوثا و بقاء الحكم العقل فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه و كذا اشتغال الذمّة المنتزع‏من إيجاب الشارع فلو جرى استصحابه لم يكن معنى لإجراء الاستصحاب بالنسبة إليه و كذا إذا لم يجر استصحابه و ستقف على تحقيق أمره مع أن بقاء الاشتغال‏بالنسبة إلى الواجب الواقعي المردّد بحكم الاستصحاب لا يجدي في الحكم بوجوب الإتيان بباقي المحتملات إلاّ على القول بالأصل المثبت كما ستقف عليه في استصحاب‏الحكم الشرعي و موضوعه إذ على القول بنفيه يحتاج إلى ضم حكم العقل و التشبّث به و معه يكون إجراؤه كالأكل من القفا لاستقلال العقل بدونه بوجوب الإتيان‏بالباقي كما حكم به أوّلا فليس هنا وجوب شرعيّ متعلّق بالباقي على كل تقدير كما هو ظاهر و أمّا استصحاب عدم الإتيان بالواجب الواقعي فلا يجدي شيئا أيضا إلا بانضمام‏حكم العقل و معه لا معنى لإجرائه على ما عرفت أو التشبّث بذيل الأصل المثبت ليثبت به كون الواجب هو الباقي في مرحلة الظاهر و يترتب عليه حكم العقل بوجوب‏إتيانه كما إذا علم بكونه واجبا في الشرع إذ الموضوع في حكم العقل بوجوب إطاعة حكم الشارع الحكم بالمعنى الأعمّ من الواقعي و الظاهري و كذا يقال بالنسبة إلى‏استصحاب بقاء وجوب الواجب الواقعي فإنه بنفسه لا يترتب عليه أثر في المقام من دون انضمام أحد أمرين إليه ضرورة أن نفس بقاء وجوب الواجب المردّد في حكم‏الشارع لا يقتضي الإتيان بالباقي إلا بعد إثبات كونه الواجب الشرعي حتى يترتب عليه حكم العقل بوجوب الإطاعة نظرا إلى ما أسمعناك من كون الموضوع‏في حكم العقل المعنى الأعم من الحكم الظاهري و الواقعي و من هنا يحكم بوجوب الإطاعة فيما كان المستصحب نفس الحكم الشرعي كما في مسألة الشكّ في النسخ أو موضوعه‏المعيّن كما في مسألة الشكّ في الإتيان بالواجب المعيّن في وقته فإنه لا يحتاج إلى انضمام شي‏ء على تقدير القول بجريان الاستصحاب فيه و عدم المنع عنه من حيث‏كون الحكم بوجوب الإتيان في الشكّ في الوقت من أحكام نفس الشك و الاحتمال لا من أحكام المشكوك نعم لو فرض هناك أثر آخر مترتب شرعا على نفس بقاء الموقّت‏واقعا يترتّب على استصحابه كما أنّه يحكم بترتّب هذا النحو من الأثر في مفروض البحث لو فرض وجوده و بالجملة كون الأثر عقليّا لا يمنع من جريان استصحاب نفس الحكم‏أو ما يرجع إليه بعد فرض تعلّقه بالموضوع الأعمّ و هذا معنى عدم الفرق في الأثر بين كونه شرعيّا أو عقليّا فيما كان المستصحب الحكم الشرعي كما ستقف على شرح‏القول فيه في باب الاستصحاب لا ما قد سبق إلى بعض الأوهام فالفرق بين المقام و بين مسألة الشكّ في إتيان الواجب المعين في الموقت أن جريان الاستصحاب في المقام‏ليس في نفس ما يراد إثباته بالاستصحاب بل فيما يلازمه عقلا نظير إثبات الفرد و الخصوصيّة باستصحاب الكلي المشترك بينه و بين ما هو زائل على تقدير وجود الكلّي في ضمنه‏فلا بد من أن يبتني على القول باعتبار الأصول المثبتة و هذا بخلاف استصحاب التكليف في الوقت أو استصحاب عدم الإتيان بالموقّت فيه في الفرض المذكور فإن المستصحب‏نفس ما يراد إثباته بالاستصحاب فلا ضير فيه من هذه الجهة و هذا هو المقصود بالفرق بينهما و إلا فقد عرفت المنع من جريان استصحابه من حيث إن الحكم بوجوب إتيانه مترتب‏على مجرّد احتمال بقائه لا على بقائه الواقعي حتى يكون مورد الاستصحاب و على ما ذكرنا لا بد من أن يحمل ما أفاده شيخنا دام ظله من الفرق بين الاستصحابين في الكتاب و إن‏كان خلاف ظاهره في بادي النظر كما أن الجمع بين الاستصحابين أعني الموضوعي و الحكمي في الموضعين مما لا معنى له جدّا كما هو ظاهر و مع ذلك كله لا بدّ من أن يبتني‏ما أفاده على تسليم تأثير الحكم الظاهري الشرعي في التقرب بامتثاله و إلا فلا يجدي جريان الاستصحاب في التقرب بفعل الباقي أصلا على القول بالأصل المثبت المنفيّ عندناو على كون الواجب مرددا بين أمرين كما هو الغالب في الشبهة الحكميّة و إلا فلا توجّه للسؤال المذكور أصلا حتّى يجاب عنه بما عرفت ضرورة عدم إمكان إثبات وجوب‏المتعدد بالاستصحاب بأي نحو كان كما لا يخفى و مع ذلك ينبغي تحرير المقام بما عرفت لا بما حرره دام ظله في الكتاب فإنه لا يخلو عن بعض المناقشات فإن ظاهر قوله أوّلاعند المناقشة في الاستصحاب و ما ذكر من الاستصحاب فيه بعد منع جريان الاستصحاب إلخ إرادة الوجه الأول مما عرفت من الوجوه من استصحاب نفس الحكم‏
143
العقلي مع أن قوله إن مقتضى الاستصحاب إلخ الذي هو بمنزلة الجواب الآخر لا يجامع معه قطعا بل لا بد من أن يراد منه وجه آخر من الوجوه المذكورة إذ مع تسليم‏جريان الاستصحاب في نفس الحكم العقلي إغماضا لا يحتاج إلى ضمّ شي‏ء كما هو ظاهر إلى غير ذلك من المناقشات‏ قوله بل هنا أولى لأن الخطاب هنا تفصيلامتوجّه إلى المكلفين فتأمل إلخ‏(1) أقول ما أفاده دام ظله من أولوية هذه المسألة بوجوب الاحتياط فيها من تلك المسألة مبني على ما زعمه بعض من الفرق‏بينهما من جهة وصول الخطاب التفصيلي إلى المكلف في المسألة فيحكم العقل بوجوب الاحتياط فيها من جهة تبيّن الخطاب و العلم به تفصيلا و هذا بخلاف‏المسألة السابقة فإن الحاصل فيها العلم بتعلّق التكليف بأحد الموضوعين فلا علم تفصيلا بالخطاب و التكليف فيمكن المنع عن وجوب الاحتياط فيها بهذه‏الملاحظة لكنك خبير بضعف هذا الفرق و التوهّم بل فساده لأن العلم التفصيلي بالخطاب مع إجماله و عدم تبيّن معناه لا يجدي في حكم العقل بوجوب الاحتياطعلى تقدير اعتبار العلم التفصيلي بالحكم في حكم العقل بوجوب الاحتياط لأن الحاصل من هذا الخطاب المجمل ليس إلا العلم بوجوب أحد الفعلين كالسبب‏الموجب للعلم بوجوب أحدهما في المسألة الأولى فإن قلنا بكفاية العلم الإجمالي بوجوب أحد الفعلين المتنافيين في إلزام العقل بوجوب الاحتياط كما هوالحق و عليه المحققون فلا يعقل الفرق بين المسألتين لأن اختلاف سبب العلم لا يكون فارقا في نظر العقل قطعا و إن لم نقل بكفايته فلا يعقل الفرق بينهما أيضافالفرق فاسد على كل تقدير فإن شئت قلت إن بيانية اللفظ إنما هو باعتبار تبيّن مدلوله و كشفه عن المراد و دلالته عليه لا باعتبار ذاته فإذا فرض إجماله‏و عدم دلالته إلا على وجوب أحد الفعلين فلا يعقل الفرق بينه و بين غيره مما يكشف عن وجوبه و هذا مع وضوحه قد وقع التصريح به في مواضع من كلمات‏شيخنا دام ظله و من هنا أمر بالتأمّل في الفرق المذكور
في جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا اقتضت المصلحة ذلك‏
قوله و دعوى قبح توجيهه على العاجز عن استعلامه إلخ‏(2) أقول لما كان ما أفاده بقوله و خروج‏الجاهل لا دليل عليه إلى آخره المبني على منع قبح تأخير البيان عن وقت الخطاب خارجا عن محل الكلام التجأ إلى منع قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما كان المكلّف‏قادرا على الفعل و لو بالاحتياط إذا اقتضته المصلحة و هذا و إن كان خلاف ما يقتضيه كلمات الأكثر في ظاهر النظر إلا أنه مما لا اعتبار عليه أصلا لاستقلال‏العقل بجوازه و فقد دليل من الشارع على منعه و يمكن أن يقال إن حكمهم بقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما هو من حيث إيجابه لتفويت المطلوب عن‏المخاطب و نقض الغرض من تشريع الأحكام و هو غير لازم في المقام لفرض قدرة المخاطب على إتيان المكلّف به بالاحتياط فلا ينافي ما ذكرنا لما ذكروه من قبح تأخيرالبيان عن وقت الحاجة و القول بأن الاحتياط موجب لقاء معرفة الوجه و تميز الواجب عن غيره و هو معتبر في صحة العمل مع التمكّن قد عرفت فساده في مطاوي‏كلماتنا السابقة كالقول بمنافاته لاعتبار قصد الوجه مع ما عرفت مرارا و ستعرف من إمكان قصد الوجه في موارد الاحتياط كقصد القربة فيما يؤتى به احتياطاهذا و لكن يمكن أن يقال إن ما ذكر و إن كان حقا لا محيص عنه إلا أنّ من يقول باعتبار قصد الوجه لا يلتزم بكفاية القصد الإجمالي هذا مع أن تأخير البيان موجب‏لاختفاء الأحكام الواقعيّة المؤدّي إلى اندراسها و هو مناف لما دلّ على وجوب صونها و حفظها و إن لم يوجب مخالفتها من حيث العمل مع إمكان الاحتياطكما هو المفروض فتأمل‏ قوله و لكن التأمّل في كلام بعض عدم ظهوره إلخ‏(3) أقول قد يناقش فيما أفاده من الاستدراك بأن الموضوع لنفي الاستبعاد من وجوب الاحتياطفي كلامه يقين المكلف بأمر لا يقين المخاطب به و هو أعمّ من المخاطب فيشمل مفروض البحث مع أن موضوع البحث في المسألة على ما يصرّح به إذا كان إجمال الخطاب لمن خوطب‏به فالتحقيق موافق للمختار غاية الأمر عدم تحقّق المسألة في حقّنا على القول بعدم شمول الخطاب للمعدومين هذا مع ما قيل من أن الالتزام بوجوب الاحتياط على‏المخاطبين بالخطاب الحمل يوجب الالتزام بوجوبه على غيرهم و إن لم يشملهم الخطاب من حيث إن خصوصيّة المخاطبة لا مدخل لها من حيث إيجابها العلم يتعلّق التكليف‏بالواقع المجهول على المكلّف و المفروض حصوله لغير المخاطبين أيضا و القول بمدخليّة المخاطبة في هذا الحكم من حيث هي عدم لما اتفقوا عليه من الاشتراك في التكليف‏اللهمّ إلا أن يقال إن مدخلية المخاطبة في نظر المحقق إنما هي من جهة دلالتها على تعلّق التكليف بالواقع الموجب لسقوط قصد التعيين في الإطاعة و هذا المناطغير موجود في حق غير المخاطب في زعمه و إن كان متحققا بالنسبة إلى جميع التكاليف من حيث امتناع أخذ العلم مطلقا فيها بحسب وجودها النفس الأمري و تحقق العلم الإجمالي‏الموجب لتنجّزها عند العقل في الفرض و ما دل على اشتراك التكليف بين الكل لا ينافي القول باعتبار قصد التعيين في الإطاعة مطلقا إلا فيما دلّ الدليل على‏سقوطه و إن كان القول به فاسدا من جهة أخرى فإن شئت قلت إن اشتراك التكليف بقسميه من الواقعي و الظاهري بين الكل لا ينافي الالتزام بوجوب الاحتياطعلى من خوطب بالمجمل مع الالتزام بعدم وجوبه على غيره مع الالتزام بمدخليّة خصوص المخاطبة في ذلك من حيث إيجابها لدفع اعتبار قصد التعيين في صحة العبادة
في الإشارة إلى الأخبار الدالّة على التخيير في المتعارضين‏
قوله فالمشهور فيه التخيير إلى آخره‏(4) أقول ما دلّ على التخيير في تعارض الخبرين على أقسام أحدها ما دلّ على التخيير مطلقا كما هو مدلول أكثرها ثانيها ما دلّ‏على التخيير بعد فقد جملة من المرجّحات ثالثها ما دلّ على التخيير بعد فقد كثير من المرجّحات و عدم موافقة أحدهما للاحتياط كالمرفوعة كما أن ما دل على الاحتياطأيضا على أقسام أحدها ما دل على مطلوبية الاحتياط في مطلق الشبهة الشامل لصورة التعارض ثانيها ما دل عليه في خصوص المتعارضين بعد فقدأكثر المرجّحات كالمقبولة بناء على إرادة لزوم الاحتياط من الأمر بالإرجاء و لو بترك الفتوى بمضمون أحد المتعارضين التخيير ثالثها ما دل على الترجيح بالاحتياطفي مورد وجوده كالمرفوعة و مقتضى القاعدة هو الحكم بوجوب الاحتياط في المسألة كالمسألتين المتقدّمتين مع قطع النظر عن الأخبار بعد فرض رجوع التعارض‏
144
إلى تعيين الواجب المعلوم إجمالا لعين ما عرفت من الوجه فيهما إلاّ أن مبناه لما كان على لزوم دفع الضرر المحتمل على ما عرفته فلا محالة يكون أخبار التخييرواردة عليه كما أنها حاكمة أو واردة على ما دلّ على الاحتياط في مطلق الشبهة من حيث إن مفادها حجيّة أحد المتعارضين كمفاد الدليل الدال على حجيّةأصل الخبر أو غيره من الأدلّة فإنه لا يتوهّم معارضة لما دلّ على الاحتياط في الشبهة هذا على تقدير تسليم دلالتها على وجوب الاحتياط و إلا فلا يتوهّم التعارض‏أصلا كما لا يخفى فيبقى مما دلّ على الاحتياط القسمان الأخيران فإن الأول منهما يعارض ما دلّ على التخيير المحمول على صورة التكافؤ من جميع الوجوه جمعا بينهما على‏وجه التباين في ظاهر النظر و الثاني منهما يعارضه على وجه العموم و الخصوص و شي‏ء منهما لا يمنع من الأخذ بما دلّ على التخيير في الفرض أما الأول فلأنه بعد التسليم‏ظاهر في وجوب الإرجاء و ما دل على التوسعة نصّ في عدم وجوبها هذا على تقدير التلازم بين الزمانين في الحكم و إلا فربما يقال بكون المقبولة أخصّ لكنّه‏فاسد أيضا من حيث إن إرادة خصوص الزمان الذي لا يتمكّن من عرض الواقعة على المعصوم عليه السلام مما لا يحتمل من أخبار التخيير فلا يجدي عمومه لغيره من الزمان فيبقى ما ذكرنامن نصوصيّة أخبار التخيير نعم يمكن الحكم بأعميّة أخبار التخيير من حيث شمولها لما لا يمكن فيه الاحتياط فتدور الأمر بين التخصيص و التصرّف في ظاهر الأمر فتأمل و أمّاالثاني فلخروج مفروض البحث عن مورد الأخذ بما وافق الاحتياط في المرفوعة و دخوله في ذيلها الدال على التخيير عند فقد المرجح المذكور و حملها على ما استظهرمنها كما في الكتاب من إرادة مطلوبية الاحتياط عند تصادم الأدلة و هو ممكن في الفرض بالجمع بين المحتملين و إن لم يكن شي‏ء منهما موافقا للاحتياط يوجب تخصيص‏جميع أخبار التخيير بما لا يمكن فيه الاحتياط مما دار أمره بين المحذورين من موارد الشك في التكليف أو المكلّف به و هذا كما ترى يأباه ما دل على التخيير هذا مع أنه موجب‏لإلقائها رأسا من حيث إن مفادها الترجيح بالاحتياط لا الرجوع إليه بعد الحكم بتساقطهما كما زعمه الأخباريون من أصحابنا فإن ظاهرهم تعيّن الرجوع إلى الاحتياطبعد فقد المرجّحات المنصوصة لا الترجيح به هذا على تقدير اعتبار المرفوعة سندا من جهة الجبر بالعمل و إلا كما في الحدائق فلا تصلح لمعارضة أخبار التخيير أصلا كما لا يخفى‏
في أنه لا فرق في الشبهة الموضوعيّة في المقام بين أنحائها
قوله و يؤيّد ما ذكرنا ما ورد إلى آخره‏(1) أقول جعل ما ورد في باب الفائتة المردّدة دليلا على المدّعى بالنظر إلى ما أشار إليه من التعليل الجاري في جميع مصاديق المسألةأولى من جعله مؤيّدا فهو بملاحظة التعليل مؤكد لحكم العقل بوجوب الاحتياط في جزئيّات المسألة بل التحقيق دلالته على وجوب الاحتياط في جميع موارد حكم‏العقل بوجوبه من غير فرق بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة نعم الحكم فيه بكفاية الثلاث لا بد من أن يكون مبنيّا على سقوط الجهر و الإخفات و قصد التعيين فإن‏مقتضى القاعدة الإتيان بالخمس لا الثلاث فهو من هذه الجهة نظير ما دل على كفاية الصّلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة فإن مقتضى القاعدة فيه أيضاعدم القناعة بالصّلاة إلى أربع جهات كما لا يخفى‏ قوله بل النزاع فيما كان من هذا القبيل إلى آخره‏(2) أقول لا إشكال في أن قضيّة دليل وجوب الاحتياط في المسألةالرابعة عدم الفرق بين كون تردّد الواجب من جهة الشبهة الموضوعيّة من جهة ذاته أو شرطه إذا كان مقتضى دليل اعتباره في الواجب بعنوان الإطلاق من غير تقييدبالعلم التفصيلي به و إلاّ فيخرج عن موضوع المسألة في مفروض البحث كما إذا قيل بكون اعتبار الترتيب بين الفوائت مشروطا بالعلم به فإنه مع عدم العلم به لا ترددفي الواجب من جهة شرطه أصلا هذا على القول بالاحتياط في المسألة كما هو المشهور و أمّا على القول بعدم وجوب الاحتياط و الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية فراراعن لزوم المخالفة القطعيّة فالظاهر عدم الفرق بين الصورتين أيضا لعدم المقتضي فيه أصلا إذ الالتزام بكفاية الموافقة الاحتماليّة من جهة الشرط ليس أوضح فسادا من الالتزام‏بكفايتها في صورة تردد الواجب بحسب ذاته نعم على القول بجواز المخالفة القطعيّة في الشبهة الموضوعية يحكم بجواز الإتيان بالواجب على وجه يقطع معه بانتفاء الشرطلا بجواز ترك الواجب رأسا كما إذا تردّد الواجب ذاتا و ممّا ذكرنا كله يظهر أن ما أفاده لا يخلو عن مناقشة لانتفاء ما يقتضي الفرق بين القسمين من التردّد في الواجب في‏الشبهة الموضوعية على القولين في المسألة بعد ثبوت الشرطيّة الواقعيّة على ما يقتضيه مفروض البحث و أما الكلام في اقتضاء دليل الشرط فهو راجع إلى تشخيص‏ما يتعلّق بالمقام و لا إشكال في أن مقتضى الأصل العملي عند الشك و عدم قيام دليل على تشخيص حال الشرط هو الحكم باختصاص الشرط بصورة العلم به لرجوعه إلى الشك‏في الشرطيّة في الشبهة الحكميّة و لا ينافي العلم بها في الجملة كما هو ظاهر كما أن مقتضى الأصل اللفظي فيما كان الدالّ عليها القضية اللفظيّة هو الحكم بالشرطية الواقعية نظرا إلى‏وضع اللفظ للأمر النفس الأمري كما هو الحق أو الأعمّ من المعلوم إجمالا و أما دعوى الانصراف فلا يصغى إليها بالنسبة إلى جميع الشروط نعم مقتضى القاعدة المستفادةمن صحيحة زرارة لا تعاد الصلاة إلا من خمسة صحة الصلاة مع الإخلال بغير الخمسة من الشرائط و الأجزاء لكنها على تقدير تعميمها بالنسبة إلى الجهل و عدم اختصاصهابالسهو لا يشمل الجهل التفصيلي مع العلم الإجمالي بالشرط قبل الصلاة قطعا على ما حرّرناه في باب الخلل من الصّلاة هذا مع أن في تعميمها لصورة الجهل البسيط أو المركّب‏كلاما مذكورا في محلّه فضلا عن المقام و الحاصل أن الكلام في تشخيص حال الشرط الراجع إلى تشخيص الحكم الشرعي حقيقة لا تعلّق له بالمقام و مفروض البحث أصلا قوله قدس سره‏و أما الثاني فلأن ما دل إلى آخره‏(3) أقول قد أسمعناك مرارا أنه ليس هناك ما يقتضي باعتبار قصد الوجه في صحة العبادات على الوجه الذي ذكروه مع أنه على تقدير تسليمه يتمكّن‏المحتاط منه كما يتمكن من قصد التقرّب هذا مع أن كلمة القائلين باعتبار قصد الوجه التفصيلي متفقة على اعتباره عند التمكّن من إحراز الوجه لا فيما لا يتمكّن منه و القول بالتمكّن منه‏بإلقاء الشرط المردّد كما هو مبنى كلام الحلّي فاسد من جهة عدم قيام دليل على أهميّة اعتباره بالنسبة إلى سائر الشرائط مع ما عرفت من اتفاق كلمة القائلين باعتباره على‏اختصاصه بغير المقام فتأمل هذا مضافا إلى ما أفاده في الكتاب بقوله المتقدم و إن نوقش فيه بأنه راجع إلى الاعتبار فإن المدار على الأهميّة عند الشارع لا على‏
145
تقدّم الملاحظة و تأخّرها بل قد يقال إن أمر قصد الوجه عند القائل به كما مر قصد التقرّب فهو من مقوّمات العبادة مطلقا فتدبّر
في أن شرط الاحتياط قصد إتيان تمام المحتملات من أوّل الأمر
قوله و يترتّب على هذا أنّه‏لا بد من أن يكون إلى آخره‏(1) أقول ترتب ما أفاده على ما ذكره من كيفيّة النيّة عند تردّد الواجب من كونه حين الإتيان ببعض المحتملات إذا لم يكن المحتمل الأخير عازما على‏الإتيان بباقي المحتملات مما لا خفاء فيه أصلا ضرورة أن الإتيان بالشي‏ء من حيث كونه مقدّمة لا يمكن مع عدم قصد الإتيان بذيها فإذا كان وجوب كل محتمل في‏المقام من حيث كونه مقدّمة علميّة فلا محالة لا بد أن يكون عازما على تحصيل العلم بالواجب في زمان الإتيان به الذي لا يتحقّق إلا بإتيان جميع المحتملات و من هنا ذكرنا في‏من عليه قضاء الصّلاة أنه لا يمكن له قصد الإتيان بمقدّمات الصّلاة قبل الوقت مع عدم عزمه على القضاء فلا يتمكن من قصد الوجوب في الطهارة قبل الوقت و إن‏وجبت عليه نعم لو لم يتمكّن من الإتيان بجميع المحتملات في مقام و لو بضيق الوقت أو تمكّن و كان حرجيّا أو تمكّن و قام الدليل على عدم تنجّز الخطاب بالواقع‏على كل تقدير كما في موارد الطرق الشرعيّة أو فرض عدم العلم بالتكليف كما في موارد احتمال الوجوب أو قلنا بعدم وجوب الاحتياط و كفاية الموافقة الاحتماليّةكان الامتثال في حكم العقل و العقلاء بإتيان الفعل بداعي امتثال الأمر المحتمل المتعلّق به لأنه غاية ما يمكن من الإطاعة و الامتثال فلو بني على عدم كفايته لزم ماقضى العقل و الشرع ببطلانه و هذا بخلاف المفروض في المقام فإنه لا يتحقق الامتثال بحكم العقل و العقلاء فيما لو عزم على الاقتصار ببعض محتملات الواجب فيحكم‏بفساده و لو انكشف كونه الواقع بعد العمل لا يقال ما ذكر من الوجه إنما يتم فيما لو كان قصد الفاعل امتثال الأمر العقلي بوجوب الاحتياط و تحصيل العلم‏بالواقع فإنه لا يتمكّن مع عدم العزم على فعل جميع المحتملات لا فيما كان من قصده امتثال الأمر الشرعي المتعلّق بأحدهما في نفس الأمر ضرورة عدم كون الانضمام مقدّمةوجودية للواجب في مفروض البحث فإذا كان من قصده الاقتصار على بعض محتملات الواجب فقد قصد امتثال الأمر الواقعي على تقدير انطباق الواجب على ما أتى‏به فيكون مسقطا للأمر على تقدير المطابقة نعم على تقدير عدم المطابقة لا يكون معذورا في مفروض البحث بخلاف ما لو كان في تكليفه عدم وجوب الإتيان بتمام‏المحتملات و لو ظاهرا من جهة قيام الطريق الشرعي أو اقتضاء بعض الأصول فإنه يكون معذورا مطلقا ما لم ينكشف الخلاف و من هنا قال شيخنا الأستاذ العلامة في‏رسالته المعمولة في بحث التقليد بكفاية هذا النحو من الامتثال من الجاهل المقصّر التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد و الاحتياط المقتصر على بعض المحتملات‏و لو من جهة الاعتماد على بعض ما لا يكون طريقا في الشرع فإنه يتأتى منه قصد التقرب و الامتثال لأنا نقول الأمر العقلي المتعلّق بالاحتياط أمر إرشاديّ لاتقرب لامتثاله أصلا بل و كذا الأمر الشرعي المتعلّق به لا يكون عباديّا و الكلام إنما هو في كيفيّة امتثال الأمر الشرعي الواقعي المولويّ المعلوم المتعلق بأحد الفعلين‏و ليس الوجه في الحكم بعدم تحقق قصد الامتثال و الإطاعة من العازم على الاقتصار ببعض المحتملات كون الانضمام مقدّمة وجوديّة للواجب الواقعي و كونه‏مقدّمة لحصول العلم بالواجب على ما ذكر في السؤال بل كونه غير مطيع في حكم العقل و العقلاء من حيث إن المحرّك للإقدام و الدّاعي على الفعل إذا كان امتثال‏الأمر المحقق الواحد المتعلّق بأحد الفعلين أو الأفعال فلا يمكن تحقّقه إلا بكونه عازما على الإتيان بجميع محتملات الواجب المفروض في المقام فالعازم على الاقتصاربالبعض ليس ممتثلا عندهم على كل تقدير نعم لو كان هناك أمران متعلّقان بفعلين كان امتثال كل أمر بالعزم على إيجاد متعلّقه و لو لم يكن عازماحين العزم عليه على إيجاد متعلّق الأمر للآخر بل عازما على عدمه لبعض الدواعي النفسانيّة كما إذا كان عازما حين إرادة الصلاة على ترك الزكاة و الصّيام‏مثلا فإنه مطيع بالنسبة إلى أمر الصلاة و إن كان التفكيك المذكور منافيا لمقام العبوديّة التي ورد فيها كونها جوهرة كنهها الربوبيّة ضرورة عدم تصوّرالتفكيك بالنسبة إلى المقام المذكور المختصّ بالأولياء و النفوس المطمئنّة القدسيّة و أمّا ما أفاده في الرسالة فإنما ذكر وجها لا اختيارا كيف و مصنفاته فقها وأصولا مشحونة من القول بعدم الكفاية كما هو المسلّم عندهم فإن قلت المناط و العلّة في حكم العقل بوجوب الاحتياط في جميع موارد حكمه من غير فرق بين‏التعبديّات و التوصّليات هو لزوم دفع الضرر المحتمل و مقتضى ما بنيت عليه في الأمر باب الاحتياط اعتبار القصد بإتيان جميع المحتملات في صحّة المأتي به أولا نظرا إلى عدم‏تحقق امتثال الأمر المحقّق إلاّ على الوجه المذكور هو القطع بترك الواجب و العلم بالعصيان مع القصد على الاقتصار بفعل بعض المحتملات سواء كان الواجب ما قصد إتيانه‏أو غيره لأن المفروض بطلان المأتيّ به على تقدير كونه واجبا في نفس الأمر لعدم تحقق الامتثال بالفرض و إن كان آتيا بذات الواجب فيلزم العلم بالتضرّر على تقديرترك البعض كما يلزم على تقدير ترك الكلّ فيكون مناط حكم العقل بوجوب الاحتياط في العبادات مغايرا لمناط حكمه بوجوبه في التوصّليّات و هو كما ترى‏ قلت الحاصل من الإتيان بكل محتمل في مفروض البحث مع القصد المزبور ليس إلا رفع العقاب المحتمل في تركه من حيث احتمال كونه واجبا واقعيّا فإذا كان من قصده‏الإتيان بجميع المحتملات عند فعل البعض فلا يحصل بعد فعله بالقصد المذكور ما لم ينكشف الحال إلاّ دفع العقاب المحتمل على تقدير كونه واجبا لا القطع بعدم‏العقاب ضرورة منافاته مع فرض تردّد الواجب ففعل البعض مع القصد المزبور لا يترتّب عليه إلاّ دفع العقاب المحتمل نعم فعله لا بالقصد المذكور كتركه رأسالا يترتّب عليه إلا الوقوع في محتمل الضرر إذا لوحظ مجرّدا عن ترك غيره نعم يترتّب عليه الوقوع في مقطوع الضرر إذا لوحظ مع ترك غيره لا مع مجرّد عدم العزم على‏فعل غيره غاية ما هناك في العبادات المردّدة بين المتباينين عدم إمكان دفع الضرر المحتمل في ترك البعض إلا بإتيانه على الوجه الذي ذكرنا و أين هذا من تغيّرعنوان حكم العقل بوجوب الاحتياط بحسب موارده و كونه دفع الضرر المقطوع في العبادات المردّدة و الضرر المحتمل في التوصليات المردّدة هذا ما أدّي إليه‏
146
النظر عاجلا و عليك بالتأمل التام في المقام و إن كان أمره واضحا عند الأعلام‏ قوله الثالث الظاهر أن وجوب كل من المحتملات عقلي إلى آخره‏(1) أقول المرادمن كون وجوب كل من المحتملات عقليّا كونه إرشاديّا محضا لا يترتب على موافقته من حيث هي و لا على مخالفته كذلك أثر أصلا كما هو شأن الطلب الإرشادي‏في جميع موارده و قد تقدّم القول في ذلك مرارا و إن الطلب العقلي لا يكون إلا إرشاديّا محضا من غير فرق بين إلزاميّاته و غيرها ضرورة عدم مولويّة للعقل‏حتى يصحّ صدور الطلب المولويّ منه نعم المستكشف منه بقاعدة التلازم في غير حكمه في باب الإطاعة و المعصية الحقيقيّين أو الحكميّين الطلب المولوي من الشارع‏و إن كان له جهة إرشاد إلى إدراك المصلحة و المفسدة على مذهب العدليّة و لو بملاحظة وجود اللطف في صدور الطلب المولوي من الشارع و إخباره استحقاق‏الثواب و العقاب على مخالفة الأوامر و النواهي كليّة و إطاعتهما و لما كان المستظهر ممّا ورد في الشرعيّات في باب الاحتياط كونها مؤكدة لحكم العقل به بل في بعضهاالتصريح بما يستفاد منه ذلك فلا محالة يحكم بكون الطلب الشرعي الوارد في باب الاحتياط إرشاديّا محضا كالطلب العقلي و إن فرض إمكان تعلّق الطلب المولويّ‏به من الشارع ظاهرا كما يتصوّر ذلك بالنسبة إلى سائر الأحكام الظاهريّة كالطرق الشرعية و الاستصحاب و من هنا ساق قوله و أمّا إثبات وجوب التكرار شرعافيما نحن فيه بالاستصحاب إلى آخره فإنه مبنيّ على كون الطلب المستفاد من أخبار الاستصحاب مولويّا يعاقب على مخالفته و إن كان فيه كلام منه قدس سره و منا ستقف عليه‏في خاتمة هذا الجزء من الكتاب و أمّا عدم جريان الاستصحاب في مفروض البحث فقد أسمعناك شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا فراجع‏ قوله الرابع‏لو انكشف إلخ‏(2) أقول إذا كان المأتي به أوّلا من المحتملات علم الله تعالى واجبا كان الإتيان به إذا كان من قصده و عزمه الإتيان بباقي المحتملات عند إتيانه‏موجبا للامتثال و مسقطا للأمر المتعلّق به في نفس الأمر سواء انكشف الحال للمكلّف بعد إتيانه أولا و سواء أتى بعده على التقدير الثاني بباقي المحتملات أو لا ضرورةكون إتيان الواقع على الوجه المذكور جامعا لجميع ما يعتبر فيه فيكون مجزيا في حكم العقل و لا يعقل مدخليّة الإتيان بباقي المحتملات في تحقّق الامتثال غاية الأمركونه متجزّيا على تقدير تركه الإتيان بباقي المحتملات بعد فعله في صورة عدم الانكشاف و هذا لا دخل له بتحقّق الامتثال واقعا بالنسبة إلى الأمر الواقعي وسقوطه لأنّ تحقق التجرّي من لوازم احتمال بقاء الأمر لا من لوازم بقائه الواقعي و الانكشاف في الكتاب إنما اعتبر الحكم بالسقوط جزما لا لأصل السقوط النفس‏الأمري و إن كان ربما يتوهّم في بادي النظر اعتباره في أصل السقوط نظرا إلى التعليل بقوله إذ لا فرق بين أن يكون الجزم بالعمل إلى آخره‏
في أنّه هل يفرق بين الشّبهة الغير المحصورة في المقام و بينها في التحرميّة أم لا
قوله الخامس لو فرض محتملات‏الواجب غير محصورة إلى آخره‏(3) أقول لا فرق مع عدم حصر الشبهة في مفروض البحث بين كون التردّد في الواجب من جهة شرطه أو ذاته إلا على تقدير القول بتجويز المخالفةالقطعيّة مع عدم حصر الشبهة مطلقا حتى في المقام فإنه على هذا القول و إن كان فاسدا عندنا في الشبهة التحريميّة فضلا عن المقام على ما عرفت شرح القول فيه لا يجوزترك الواجب المعلوم إجمالا رأسا فيما كان التردّد فيه من جهة شرطه جزما و أما إذا كان التردّد من جهة ذاته فهل يفرق بينه و بين الشبهة التحريميّة على القول بجواز المخالفةالقطعيّة فيها أم لا صريح شيخنا الأستاذ العلامة في الكتاب الفرق من حيث إن الترك ليس أمرا تدريجيّا كالفعل حتى يعلم بالمخالفة بعد إتيان جميعها بل هو أمردفعيّ فيعلم بكونه مخالفة تفصيليّة للخطاب الإجمالي فالعلم الإجمالي في المقام يتولّد منه العلم التفصيلي بكون القعود و السكون عن تمام الأطراف حراما تفصيلالا من حيث كونه تركا للواجب على كل تقدير و إن لم يعلم التقدير تفصيلا و ما يضاف إليه و لكن قد يناقش فيه بأن حرمة الترك في الواجب ليس إنشاء و خطابا إلزاميّابنفسه غير وجوب الفعل بحيث يكون هناك خطابان من الشارع أحدهما تعلق بالفعل و الثاني تعلّق بالترك بل هو عين وجوب الفعل معنا و إن اختلفا تعبيراو مثله الخطاب التحريمي المتعلق بالفعل فإنه عين الأمر بتركه بالمعنى الذي عرفت فإذا قلنا بعدم تأثير العلم الإجمالي في الشبهة الغير المحصورة حتى في المقام فليس في‏ترك الكلّ مخالفة لخطاب منجّز من الشارع فتأمل هذا و أما حكم المسألة و إلحاقها بالشبهة الغير المحصورة التحريميّة و عدمه فتفصيل القول فيه أنّك قد عرفت ثمّة أنّ‏مقتضى القاعدة تنجّز الخطاب بالعلم الإجمالي فيما كان أطرافه محلاّ للابتلاء دفعة مطلقا من غير فرق بين الشبهة المحصورة و غيرها فيجب الاحتياط في كلتا الشبهتين‏لكن ظاهرهم الإجماع على عدم وجوب الاحتياط و الموافقة القطعيّة في الشبهة الغير المحصورة و قد نقل غير واحد الإجماع على ذلك و إن استدل له في كلمات الأكثربما دل على نفي الحرج و غيره ممّا عرفت الإشارة إليه و إلى ضعفه و إن العمدة الإجماعات المنقولة المستفيضة المعتضدة بالشهرة المحقّقة الغير المانعة من الحكم بوجوب الموافقةالاحتماليّة هذا في الشبهة التحريميّة و أمّا المقام فالكلام فيه قد يقع فيما يلزم الحرج من الاحتياط فيه و قد يقع فيما لا يلزم منه ذلك أما الموضع الأول فلا إشكال‏بل لا خلاف في عدم وجوب الموافقة القطعيّة و الاحتياط الكلي فيه لورود دليل نفي الحرج على حكم العقل بوجوب الاحتياط المبني على لزوم دفع العقاب المحتمل‏فلو كان هناك دليل على وجوبه شرعا ظاهرا من غير ابتنائه على دفع التهلكة المحتملة فالدليل المذكور حاكم عليه قطعا فهل يقتصر على ترك ما يندفع به الحرج من‏المحتملات فيأتي بالباقي أو يقتصر في الإتيان بواحد من المحتملات و يترك الباقي الزائد على ما يندفع به الحرج وجهان أوجههما الأول لعدم الدليل على الخروج عن‏مقتضى قاعدة الاحتياط اللازم في غير ما يندفع به الحرج بعد ظهور كلماتهم في عنوان الشبهة الغير المحصورة في التحريميّة على تقدير تسليم مساعدتها على الوجه‏الثاني في تلك الشبهة و أما ما أفاده في الكتاب وجها للثاني بقوله من أن التكليف بإتيان الواقع ساقط إلى آخره فمردود بالمنع من سقوط التكليف بالواقع رأسا و إنّماالساقط لزوم الاحتياط بالنسبة إلى ما يتركه دفعا للحرج و أمّا بالنسبة إلى باقي المحتملات فالعلّة في وجوب الإتيان به من أول الأمر و هو لزوم دفع العقاب المحتمل‏
147
في تركه موجودة فلا مقتضي لتجويز تركه أصلا و من هنا ذكرنا في الجزء الأول من التعليقة تبعا لشيخنا الأستاذ العلاّمة إن مقتضى دليل الانسداد و نتيجته‏التبعيض في الاحتياط لا حجيّة الظنّ مطلقا و قد أسمعناك شرح القول في فساد الوجه المذكور في الجزء الأول نقضا بجميع موارد الطرق الشرعيّة حيث‏إن التكليف بالواقع لو كان باقيا فيها فكيف يكتفى في امتثاله بما يحتمل خطاؤه و إن لم يكن باقيا فكيف يكلّف بالعمل بما هو طريق إليه و حلاّ بما عرفت حاصله هنامن أن التكليف المتعقّب باستحقاق العقاب ساقط عن الواقع على بعض التقادير لا مطلقا و لا يلزم السقوط في الجملة السقوط رأسا كما هو ظاهر و أما الموضع الثاني‏فلا إشكال في أن مقتضى القاعدة فيه الاحتياط الكلي و الموافقة القطعيّة بعد عدم ظهور كلماتهم في الشبهة الغير المحصورة في التعميم و إن كان محتملا ضرورةعدم التفات العقل باحتمال قناعة الشارع ببعض المحتملات الباقي معه احتمال الضرر في الترك‏
في الإشارة إلى حكم طروّ المانع قبل العلم الإجمالي أو معه أو بعده‏
قوله و هذا الحكم مطّرد في كل مورد وجد المانع إلى آخره‏(1) أقول قد عرفت شرح القول في طروّ المانع بقسميه في الشبهة الموضوعيّة التحريميّة منا و من شيخنا و إن طروّ المانع عن الاحتياط بالنسبة إلى غير المعين من المحتملات لا يمنع من‏تنجّز الخطاب مطلقا و إن كان عروضه قبل العلم الإجمالي و عن المعيّن يمنع من تنجّز الخطاب بالنسبة إلى المعلوم الإجمالي إذا كان الطروّ قبل العلم أو معه و لا يمنع إذا كان بعده وحكم طروّه في الشبهة الوجوبيّة حكمه في الشبهة التحريميّة من غير فرق بينهما أصلا بل الأمر كذلك بالنسبة إلى الشبهة الحكميّة أيضا من غير فرق بين التحريميّة و الوجوبيّة فماعن المشهور في الكتاب و إن لم نتحقّقه من إطلاق القول بوجوب الاحتياط فيما طرأ المانع عن المعين لا وجه له كالإشكال فيه عن شيخنا إلا أن يحمل كلامهم على طروّ المانع‏بعد العلم الإجمالي و عليه لا إشكال فيه أصلا فالإشكال متوجّه على إشكال شيخنا على كل تقدير و مما ذكر يظهر الإشكال فيما وجّه به الإشكال في قول المشهور بقوله من‏عدم العلم بوجود الواجب بين الباقي و الأصل البراءة حيث إنّ عدم العلم بالوجود إذا كان المانع مسبوقا بالعلم الإجمالي لا يقدح في تنجّز الخطاب بالنسبةإلى الباقي سيّما على ما أفاده شيخنا في الشبهة التحريميّة و بنى عليه الأمر من رجوع إذن الشارع بعد العلم إلى جعل البدل عن المعلوم مطلقا و عدم جوازه‏بدون ذلك‏ قوله و يتفرّع على ذلك أنه لو قدر إلخ‏(2) أقول أما الكلام في أصل المسألة فقد تقدّم شرحه في الجزء الأول عند التكلّم في فروع العلم‏و لعلّنا نتكلم فيه بعض الكلام في خاتمة هذا الجزء اقتداء لكن نقل القولين في الكتاب في المقام و نسبة عدم الجواز إلى الأكثر مع استظهاره الاتفاق على عدم‏الجواز في الجزء الأوّل من الكتاب فيما يتوقف الاحتياط على التكرار و مما لا يجامعان سيّما مع تعليله عدم الجواز عندهم في المقام بوجوب اقتران الواجب بوجه‏الأمر و إن قيل في توجيه الكلامين أن كلامه هناك في الشبهة الحكميّة و في المقام في الشبهة الموضوعيّة لكنّه كما ترى و أمّا التفريع المذكور فقد يناقش‏فيه بأن تقديم الامتثال التفصيلي على الإجمالي إذا كان من جهة اعتبار قصد الوجه في العبادة على ما علّل به في المقام فلا يقتضي ذلك تقديمه عليه إلاّ فيما يمكن‏من قصد الوجه التفصيلي مع إلقاء الإجمالي لا فيما لا يمكن منه مع إلقائه و المفروض أن تحصيل العلم التفصيلي من بعض الجهات المعتبر في الواجب مع عدم التمكّن‏من بعضها الآخر لا يوجب التمكّن من قصد الوجه لفرض بقاء تردّد الواجب فلا مقتضي لإلقاء الإجمالي نعم لو استند في التقديم إلى بناء العقلاء على‏التقديم أو إلى نقل الإجماع المعتضد باستظهاره و الشهرة المحققة أو غيرهما من الوجوه المتقدّمة في الجزء الأول من الكتاب كان للتفريع المذكور وجه‏
في حكم ما لو كان الواجب المردّد أمرين مترتّبين‏
قوله السابع لو كان الواجب المشتبه أمرين مترتبين شرعا إلى آخره‏(3) أقول شرح القول فيما أفاده يقتضي التكلم في مواضع أحدها في أنه هل يجوز أن يوقع‏المكلّف بعض محتملات أحد الواجبين المترتبين عقيب بعض محتملات الأخر المتقدّم عليه رتبته مع اتحاد البعضين سنخا كان صلى العصر القصري عقيب الظهرالقصري فيما دار الأمر بين القصر و التمام أو صلّى العصر إلى الجهة التي صلى الظهر إليها عند اشتباه القبلة و هكذا ثانيها الصورة بحالها مع اختلافهماسنخا كان صلّى الظهر قصرا و صلّى العصر تماما عقيبه في الدوران من جهة الذات أو صلّى العصر إلى غير الجهة التي صلّى الظهر إليها في الدوران من جهة الشرطو هكذا ثالثها في أنه هل يجوز إيقاع جميع محتملات الواجب اللاحق المتأخر عقيب بعض محتملات الواجب المتقدّم كأن صلّى العصر قصرا و تماما عقيب‏الظهر القصري مثلا و الإقدام بإتيان محتملات اللاحق قبل الفراغ عن محتملات الواجب المتقدّم لا يخلو عن الصور المذكورة و الكلام في كل موضع و صورة قديقع فيما كان الإتيان بما ذكر من الوجه و العنوان في الوقت المشترك و قد يقع فيما كان الإتيان به في الوقت المختصّ فالكلام في كل موضع يقع في مقامين ثم إن الكلام في غير الموضع الثالث مبنيّ على تقديم الامتثال التفصيلي مطلقا مع الإمكان و لو من بعض الجهات على الامتثال الإجمالي و إلاّ فلا إشكال في الحكم‏بالصحّة فيه أصلا أمّا الكلام في المقام الأوّل من الموضع الأول فتحقيق القول فيه مبنيّ على ملاحظة ما دلّ على لزوم مراعاة الامتثال التفصيلي و تقديمه‏على الامتثال الإجمالي و فهم مقدار مدلوله و عنوان لزومه و إن كان مفاده لزوم تقديمه من حيث إن تركه موجب للتردّد في الواجب فيكون المطلوب الأصلي‏حقيقة عند الإمكان إزالة التحيّر و التردّد في الواجب و إنما وجب تحصيل العلم التفصيلي توصّلا إليه فلا إشكال في الجواز في المقام ضرورة عدم تفاوت‏الحال في التردّد الحاصل للواجب في مفروض البحث بين أن يأتي بمحتملات الواجبين على الوجه المفروض أو يأتي بمحتملات اللاحق بعد الفراغ عن تمام محتملات‏السابق فإن كيفيّة الإتيان بمحتملات الواجبين على الوجهين لا يوجب زيادة الاحتمال و التردّد فإن الإتيان بالقصر المقصورة عقيب الظهر المقصورة مثلا لايوجب ترددا زائدا على التردد الحاصل في الواجب من جهة القصر و الإتمام فإن القصر المقصورة إن كانت واجبة في الواقع كانت واجدة لشرطها و هو الترتب‏
148
على الظهر و إن لم يكن واجبة و كانت مخالفة للواقع كان تحصيل الترتب بينها و بين الظهر الواقعي لغوا ضرورة اعتبار الترتب بين الواجبين بحسب الواقع لا مطلقا فإن قلت مقتضى أصالة بقاء الاشتغال بالواجب الواقعي و عدم الإتيان بالظهر عدم مشروعيّة الدخول في محتملات العصر لأنه مقتضى ترتّبها على‏الظهر مع ثبوت عدم الإتيان بها في حكم الشارع بمقتضى الاستصحاب قلت المصحّح للإتيان بمحتمل العصر في الفرض هو مجرّد احتمال تعلّق الأمر به على تقديرصحة ما أتى به من محتمل الواجب المقدّم بحسب الرتبة مع العلم بأصل الأمر بالعصر كما هو المصحّح حقيقة لإتيان محتمل الظهر فإنه لا مصحّح له إلا ما ذكرنا مع عدم العلم‏بتعلّق الأمر به بل الأصل المذكور على تقدير جريانه جار بالنسبة إليه أيضا و من هنا حكم في الكتاب باشتراكهما من جميع الجهات و المفروض حصول الشرط و هوالترتب على الظهر الواقعي على تقدير المطابقة و لو لا كفايته لما صحّ الإتيان بمحتمل الظهر أيضا و استصحاب الاشتغال و عدم الإتيان بالظهر على تقدير جريانه‏لا يمنع من الإتيان بمحتمل العصر في مفروض البحث لأن منعه إنما هو من حيث عدم حصول الترتيب بين الواجبين و المفروض حصوله قطعا على تقدير الأمر نعم قد يقال باقتضائه المنع فيما أقدم على الإتيان بمحتمل العصر على غير الوجه المبحوث عنه من الوجهين الأخيرين و إن كان فاسدا أيضا حيث إن المانع في الموضع الثاني‏على ما ستقف عليه العلم بعدم تعلّق الأمر بما يأتي به من محتمل العصر و في الثالث الشك في حصول الترتيب و عدم العلم به فلا أثر للمستصحب المشكوك لما عرفت‏من استناد المنع إلى نفس الشكّ و ممّا ذكرنا يظهر تطرّق المناقشة إلى ما أفاده في الكتاب بقوله لأن المترتّب على بقاء الاشتغال و عدم فعل الواجب إلى آخره فإنه‏ربما يستظهر منه تسليم الرجوع إلى الاستصحاب في غير المقام من الموضعين الأخيرين و إن كان مفاده لزوم تحصيل العلم من الجهة الممكنة من حيث توقف حصول الإطاعةعليه من غير مدخليّة كون تركه موجبا لزيادة التردّد و الإخلال بوجه العمل و نحو ذلك فيجب إحراز كل خصوصيّة أمكن إحرازها بالعلم التفصيلي فلا إشكال في‏الحكم بعدم الجواز في مفروض البحث حيث إنه يمكن للمكلّف تحصيل العلم التفصيلي بكون العصر مترتّبا على الظهر بإتيان تمام محتملات الظهر قبل الإقدام بفعل‏العصر و هو الوجه عند من ذهب إلى عدم الجواز في الفرض ممن أشار إليهم في الكتاب و إن كان الأقوى وفاقا لجمع الجواز نظرا إلى ما عرفت في وجهه هذا بعض الكلام‏في الوقت المشترك و أمّا الوقت المختصّ الذي هو المقام الثاني فملخّص القول فيه أنه قد يقال فيه بعدم الجواز و إن قيل به في الوقت المشترك نظرا إلى عدم العلم بأصل‏الأمر بالواجب اللاحق بمجرّد الإتيان ببعض محتملات الواجب السابق بل الأصل عدم الأمر به فكيف يقدم على الإتيان بما يتوقّف صحّته على قصد التقرّب المتوقّف‏على العلم بالأمر تفصيلا أو إجمالا و إن هو الأمثل الإقدام بالصلاة مع احتمال دخول الوقت فإنه لا يتوهم جوازه فإن شئت قلت إن الاحتياط و الإتيان بالمحتملين أوالمحتملات في مفروض البحث و أمثاله مما يجب فيه الاحتياط إنما هو من جهة المقدّمة العلميّة لامتثال الخطاب المعلوم بالإجمال المنجّز المتوجّه إلى المكلّف و الإتيان ببعض‏محتملات الواجب المقدّم في الوقت المختصّ لا يحصل معه العلم بتوجّه الخطاب بالواجب المتأخّر فكيف يجوز الإتيان ببعض محتملاته من باب المقدّمة العلميّة لامتثال خطابه الغير المعلوم هذا و ناقشه في الكتاب بما زيّف به الأصل‏في الوقت المشترك من أن الإتيان ببعض محتملات المتأخر المتّحد سنخا مع ما أتى به‏من محتملات المتقدّم لا يمنعه الأصل المذكور لأن مصحّحه احتمال الأمر مع اجتماع الشرائط على تقدير وجود الأمر فإن المكلّف إذا أتى بكل محتمل من محتملات اللاحق عقيب‏كل محتمل من محتملات السابق في الفرض يعلم بأنه امتثال الأمرين و الأصل المذكور لا يمنع من ذلك و إلا كفى الشكّ في المنع عنه من دون جريان الأصل و إنما يمنع من‏الإتيان بغير الوجه المبحوث عنه من الوجهين الأخيرين فإن شئت قلت إن الاحتياط لإحراز الواقع على كل تقدير لا يمنع منه أصالة عدم الأمر و قياس المقام‏بالشكّ في دخول الوقت قياس مع الفارق كما هو ظاهر هذا حاصل ما يستفاد مما أفاده في الكتاب و لكن التحقيق أن يقال إنه إن قلنا بأن الوقت المختصّ‏في حق المكلّف في مفروض البحث هو مضيّ مقدار زمان إتيانه بجميع المحتملات كما ربما يتوهّم من قولهم باختلاف الوقت المختصّ باختلاف حالات المكلف الموجبةلاختلاف المكلّف به في حقّه كالحضر و السفر و الصحة و المرض بتوهّم شموله للحالات الموجبة لاختلاف المكلّف به في مرحلة الظاهر كما ذهب إليه بعض الأصحاب‏فلا إشكال في الحكم بعدم جواز شروعه في محتملات اللاحق قبل الفراغ عن محتملات السابق لعدم الأمر قطعا باللاحق على هذا التقدير و إن قلنا بأن المراد من‏الحالة الموجبة لاختلاف المكلّف به غير ما يوجبه من جهة الشكّ و التردّد في الواجب ذاتا أو شرطا كما هو الظاهر من كلماتهم عند التأمّل فلا إشكال في تحقق الأمربعد الإتيان ببعض محتملات الواجب المقدم في مفروض البحث في أكثر الصور مما كان التردّد من جهة الشرط أو الذات فإنه إذا صلّى الظهر إلى بعض الجهات أو في أحدالثوبين مثلا أو صلّى الظهر تماما عند الدّوران بين القصر و التمام دخل الوقت المشترك قطعا و تعلّق الأمر بالعصر يقينيّا و هكذا الأمر في الدوران بين الجمعة والظهر إذا قدّم الظهر و هكذا نعم في بعض الصور لا يعلم بدخول الوقت و تعلّق الأمر كما إذا قدّم العصر أو الجمعة في المثالين لاحتمال كون الواجب الأكثر كما ويمكن تنزيل ما أفاده في الكتاب على هذا الفرض و يتوجّه عليه ما ذكره مضافا إلى ما أشرنا إليه من أن جواز الدخول في محتملات الواجب لو كان مشروطا بالعلم‏بالأمر كان مجرّد الشك مانعا و إن لم يكن مشروطا على ما أفاده شيخنا لم يكن معنى لجريان الأصل أيضا فهو ساقط على كل تقدير هذا ملخص الكلام في الموضع‏الأول و أمّا الموضع الثاني فلا إشكال في عدم الجواز فيه حتى في الوقت المشترك للعلم بعدم تعلّق الأمر بالمأتي به و فساده تفصيلا لا من جهة الشكّ أو جريان‏الأصل و منه ينقدح طروّ المناقشة إلى ما أفاده في الكتاب بقوله في منع جريان الأصل في الموضع الأوّل و يمكن أن يقال إن أصالة عدم الأمر إنما تقتضي عدم‏مشروعيّة الدخول إلخ فإنه كما ترى صريح في جريان الأصل في محل البحث و كون المنع مستندا إليه كما أشرنا إليه سابقا اللهم إلا أن يحمل على التنزّل و المماشاة
149
و أمّا الموضع الثالث فلا إشكال في عدم الجواز فيه أيضا حتى في الوقت المشترك من جهة الشكّ في حصول الشرط الواجب و هو الترتيب مع الإتيان على هذا الوجه‏فيستقل العقل في الحكم بعدم الجواز من هذه الجهة و إن كان الأمر محتملا و كذا حصول الترتيب إذ احتمال الأمر إنما يجدي فيما تحقق شرط الواجب مع مراعاته كما في‏الموضع الأول لا فيما لم يعلم مع مراعاته بتحقق الشرط و مما ذكرنا يظهر أنه لا مجرى للأصل في محل البحث حيث إن المنع فيه مستند إلى نفس الشكّ فيتوجه المناقشةكما أشرنا إليه سابقا إلى ما أفاده بقوله و لذا لا يجوز الإتيان بجميع محتملات العصر اللهم إلا أن يحمل على المماشاة و التسليم هذا ما أدّي إليه النظر في حكم المواضع‏عاجلا و عليك بالتأمّل فيه و عدم المبادرة إلى ردّه و الله العالم و هو العاصم‏
في دوران الواجب بين الأقل و الأكثر
قوله قدس سره الثاني فيما دار الأمر في الواجب بين الأقل و الأكثر(1) أقول قد عرفت ممّا أسمعناك سابقا في بيان دوران الأمر بين المتباينين موضوعا الفرق بينه و بين دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و أن مرجع الدوران هناك و لو كان‏بين الأقل و الأكثر إلى أقل بشرط لا و الأكثر بشرط شي‏ء كالقصر و التمام و هذا بخلاف المقام فإن مرجع الدوران فيه إلى أقلّ لا بشرط و الأكثر حتى فيما احتمل مانعيّةشي‏ء للمأمور به فإن مرجعه إلى الشكّ في الشرطيّة بالنسبة إلى عدمه فلو كان الواجب هو الأمر الغير المربوط بعدمه كان لا بشرط بالنسبة إليه لا محالة و من هناأدرجه شيخنا قدس سره في أقسام المقام و تعرّض لحكم دوران الأمر بين الجزئيّة و المانعيّة فيما سيأتي من كلامه ثم إنّ موضوع البحث و محلّه هو الأقلّ و الأكثرالارتباطيين فإنه من صور الشكّ في المكلّف به و دورانه و إن كان القائل بالبراءة قائلا برجوع الشكّ بالنسبة إلى الزائد و الأكثر إلى الشكّ في التكليف كما ستقف‏عليه و أما الأقل و الأكثر الاستقلاليّان فهو خارج عن محل البحث و موضوعه فإن وجود الأكثر على تقدير وجوبه ليس معتبرا في صحة الأقل و سقوط الأمر به فإنّ الأمرالمعلّق بالأقلّ فيه نفسيّ استقلاليّ على كل تقدير فهو خارج عن موضوع الشكّ في المكلّف به و داخل في الشكّ في التكليف حقيقة من غير فرق بين تعلّق العلم‏التفصيلي أوّلا بالأقلّ و الشكّ بالزائد و بين انحلال المعلوم إجمالا إلى معلوم تفصيليّ و مشكوك على ما عرفت شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا عند التكلم‏في حكم الموضع الأوّل يعني الشك في التكليف فما في كلام بعض المتأخرين من إدراجه في المقام ليس ممّا ينبغي و إن كان المتراءى من الأكثر تبعا للشيخ قدس سره القول‏بجريان قاعدة الاشتغال و التمسّك بها في بعض جزئيّاته و فروضه كدوران الفائتة بين الأقل و الأكثر مع التزامهم به في سائر جزئيّاته و فروضه على ما عرفته‏من كلام شيخنا في الموضع الأوّل فإن مجرد ذكر القاعدة اعتمادا أو تأييدا في بعض جزئيّات المسألة لا يوجب دخولها في الشكّ في المكلّف به كما هوواضح ثمّ إن الكثرة المحتمل اعتبارها قد تلاحظ بحسب الوجود الخارجي للمأمور به فيكون الأكثر المحتمل وجوبه زائدا بحسب الوجود الخارجي على الأقل فيكون‏الزائد من مقولة الكمّ و يعبّر عن هذا القسم بالشك في الجزئيّة و قد تلاحظ بحسب الوجود الذهني للمأمور به فيكون التركب ذهنيّا مع اتحاد وجود المحتمل‏اعتباره في المأمور به معه في الخارج فيكون الزائد من مقولة الكيف فالمعتبر حقيقة هو تقييده لا نفسه و يعبّر عنه بالشكّ في الشرطيّة و يدخل فيه الشكّ في المانعةأيضا من حيث إن تقييد المأمور به بعدم المانع كتقييده بوجود الشرط فالشرط دائما من الحيثيّة المعتبرة في المأمور به خصوصيّة متحدة معه في الوجود من غير فرق‏بين ما يحتاج إلى إيجاد فعل في الخارج لتحصيلها في الغالب كالطهارة و نحوها مما يعتبر في الصلاة و هو المراد من الانتزاع في كلامه قدس سره و بين غيره مما لا يحتاج‏في الغالب إليه و إن توهّم الفرق بينهما حكما بإلحاق الأول بالشكّ في الجزئيّة من حيث الرجوع إلى البراءة و الثاني بالمتباينين من حيث الرجوع إلى قاعدة الاشتغال‏كما ستقف عليه من كلام شيخنا العلاّمة و من هنا أفرده في التكلم و البحث ثمّ إن الكلام في المسألة كسائر مسائل الباب قد يقع في الشبهة الحكميّة الراجعةإلى عدم تبيّن القضيّة الشرعيّة إما من جهة عدم الدليل أو إجماله بالمعنى الأعمّ الذي عرفت المراد منه أو تعارض الدليلين و قد يقع في الشبهة الموضوعيّة فالمرادمن النصّ في الكتاب هو الدليل لا خصوص الحديث أو قسم منه كما هو واضح‏
في بيان حكم الأقل و الأكثر
قوله و الظاهر أنه المشهور بين العامة و الخاصّة إلى آخره‏(2) أقول ما استظهره قدس سره من‏ذهاب المشهور إلى البراءة بقول مطلق بعد حمل تمسّك جمع من القدماء بقاعدة الاشتغال في بعض جزئيّات المسألة على التأييد لما دلّ على حكم موردالتمسّك كما ترى تمسّكهم بها فيما اتفقوا على كون الأصل فيه البراءة كالشكّ في التكليف خصوصا الشبهة الوجوبيّة في كمال الاستقامة و إن زعم بعض خلافه‏و ذكر آخر كالمحقق المحشيّ على المعالم أنه اختلف نقل الشهرة على طرفي المسألة و اضطربت فيها كلماتهم و كيف كان ما اختاره شيخنا هو الحقّ الذي لا محيص عنه و إن ذهب‏جمع من أفاضل المتأخّرين ممن قارب عصرنا أو عاصرناه إلى وجوب الاحتياط منهم الأستاذ الشريف شيخ شيخنا قدّس اللّه سرّهما و بالحريّ أن نتعرّض أوّلالما اعتمدوا عليه على سبيل الإجمال و الاختصار ثمّ نعقبه بالكلام فيما أفاده قدس سره من دليل المختار فنقول إنهم تمسّكوا على ذلك بوجوه أحدها ما يظهر من غير واحد من حكم العقل بذلك من حيث إن الشغل اليقيني بالتكليف بالأمر المردّد بين الأقل و الأكثر يقتضي البراءة اليقينيّة و تحصيل العلم بفراغ الذمة عنه في حكم‏العقل على ما هو الأصل في جميع ما يكون من هذا القبيل ضرورة كون مبنى الأصل المذكور هو حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل من غير فرق بين الموارد و لا يحصل‏العلم بالفراغ من هذا التكليف النفسي إلاّ بإتيان الأكثر فإنه على تقدير وجوب الأكثر يكون فعل الأقلّ لغوا فلا يقال إن القدر الثابت هو وجوب الأقل و وجوب‏الزائد مشكوك فالاشتغال اليقيني إنما هو بالنسبة إليه و أمّا الأكثر فاشتغال الذمة بالنسبة إليه مشكوك فيرجع إلى البراءة كما يرجع إليها بالنسبة إلى الأقل و الأكثر الاستقلاليين‏ضرورة منافاته لفرض الدوران في المقام فإن الثابت هو وجوب الأقل بالمعنى الأعمّ لا وجوبه بالوجوب النفسي و إلا لم يكن الواجب النفسي مردّدا بين الأمرين‏
150
و لا يعلم حصول البراءة من الواجب النفسي بفعل الأقل و منه يظهر فساد قياس المقام بالأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين فإن الأقل فيه واجب نفسيّ من غير أن يكون له ارتباطبالأكثر أصلا ثانيها استصحاب الاشتغال اليقيني بالطبيعة المردّدة بين الأقل و الأكثر حيث إنه لا يعلم بكون فعل الأقل رافعا له فيحتمل بقاؤه قال المحقق المحشي‏قدس سره في تقريب الاستصحاب إنه لا شكّ في اشتغال ذمّة المكلّف بتلك العبادة المعيّنة و حصول البراءة بفعل الأقل غير معلوم لاحتمال الاشتغال بالأكثرفيستصحب إلى أن تبيّن الفراغ انتهى كلامه رفع مقامه و مثل الاستصحاب المذكور استصحاب بقاء الوجوب و التكليف و استصحاب عدم حصول الواجب بعدالإتيان بالأقلّ و غيرهما ممّا يوهم جريانه في المتباينين ثالثها ما دل بظاهره على وجوب الاحتياط المختصّ بالشكّ في المكلّف به بل المقام على وجه و احتمال‏و إن استفيد منه حكم غيره كالصحيحة الواردة في جزاء الصيد و قد تقدم نقلها في الكتاب أو المحمول على الشكّ في المكلّف به بحيث يشمل المقام جمعا بينه وبين ما دل على البراءة و قد تقدّمت الطّائفتان في الكتاب أيضا رابعها ما سلكه بعض من تأخر و ركن إليه من أن الأحكام الشرعيّة لما كانت مبنيّة على المصالح‏و المفاسد الكامنة في الأفعال و معلولة لها حقيقة على ما استقر عليه رأي العدليّة من الإماميّة و المعتزلة فالمطلوب الأوّلي في كل واجب في الحقيقة هو تحصيل‏المصلحة الموجبة لوجوبه إذ هو المقصود بالطلب و العنوان في الواجب و إن كان الأمر معلّقا في الظاهر بنفس الفعل إلاّ أنّا نعلم من جهة انطباق العنوان المطلوب‏حقيقة عليه فالواجب هو تحصيل تلك المصلحة النفس الأمريّة أوّلا و بالذات و يكون الأمر بالفعل من حيث كونه وصلة إليه و هذا معنى قولهم إن الواجبات‏السمعيّة إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة و لو بالإجمال حيث إن العقل يحكم بلزوم ما أوجبه الشارع من حيث اشتماله على ما يجب تحصيله في حكم‏العقل و إن شئت تقرير الدليل على معنى آخر لقولهم فقل إنه لا شكّ في كون العنوان في الواجب السّمعي الذي أوجب وجوبه كونه لطفا و مقرّبا إلى المستقلاّت‏العقليّة التي يحكم العقل بها تفصيلا مع قطع النظر عن الأحكام الشرعيّة السمعيّة كردّ الوديعة و نحوه من حيث إن إيجاب فعل الواجبات تكميل النفوس الموجب للتنزّه‏عن القبائح و المنكرات العقليّة كما يدل عليه قوله تبارك و تعالى‏ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَن الفَحْشاءِ وَ الْمُنْكر فالواجب أوّلا هو تحصيل اللطف فإذا لم يعلم‏تحصيل المصلحة أو اللطف بفعل الأقل فيجب في حكم العقل الإتيان بالأكثر من حيث كونه محصّلا يقينيّا لهما ضرورة لزوم تحصيل المأمور به على سبيل الجزم واليقين و عدم جواز الاكتفاء باحتمال حصوله و لم يخالف فيه أحد من العلماء و العقلاء و سيجي‏ء الاعتراف به من شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في المسألة الرابعةفإن مرجع الدليل المذكور إلى رجوع الشبهة الحكميّة دائما إلى الشبهة الموضوعيّة بالاعتبار المذكور و إن كان الفرق بينهما من جهة أخرى و هي عدم تبيّن‏القضيّة الظاهريّة الشرعيّة في الأولى و تبيّنها في الثانية خامسها ما سلكه بعض أفاضل مقاربي عصرنا لو عاصرناه في فصوله من أن دليل البراءة لا يثبت ماهيّةالمأمور به و لا يبيّنها و لا يعيّن كونها الأقل نظرا إلى عدم جواز التعويل على الأصول المثبتة مضافا إلى أن مفاده مجرّد نفي العقاب فيلزم للقول بالاحتياط من جهةاستقلال العقل بلزوم تحصيل المأمور به على سبيل القطع و اليقين ما لم يقم طريق ظاهريّ على تبيّنه و الفرق بين المقام و غيره ممّا علم فيه التكليف على سبيل الإجمال‏مع كون التكليف المتعلّق نفسيّا كما في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين غير خفيّ على المتأمّل و ما ذكرناه و إن كان ملخّص كلامه إلا أن الأولى نقله بألفاظه و طوله قال قدس سره‏بعد جملة كلام له في المسألة و نقل الخلاف فيها و الإشارة إلى ما ذكره فيها عند البحث في الحقيقة الشرعيّة ما هذا لفظه و نقول هنا توضيحا و تنقيحا إنّ أصل‏البراءة و إن كان باعتبار عموم أدلّته قاضيا بنفي الوجوب الغيري عند الشكّ كالنفسي فيصحّ نفي وجوب الأجزاء و الشرائط المشكوكة للتوصّل بها إلى فعل الكلّ وللشروط إلا أن المستفاد من أدلته إنما هو مجرّد نفي الحكم لا إثبات لوازمه العادية ككون الماهيّة المجعولة معرّاة عن اعتبار ذلك الجزء أو ذلك الشرط فلا يصلح دليلا على‏نفي الجزئيّة و الشرطيّة ليتعيّن به الماهيّة المخترعة كما هو الثمرة في الاستدلال بالأصل بل حينئذ قضيّة ثبوت الاشتغال بها وجوب الإتيان بهما تحصيلا لليقين بالبراءةو الفرق بين هذا الوجوب و الوجوب الذي نفيناه أوّلا هو الفرق بين وجوب مقدّمة الواجب و وجوب مقدّمة العلم به فاتّضح بما قرّرنا أن لا ثمرة يترتّب على نفي الوجوب‏بالاعتبار الأوّل و حيث إن مرجع النزاع في جريان أصل البراءة في المقام و عدمه إلى جريانه فيه على وجه يترتب عليه الثمرة و عدمه فالمتّجه هو القول بعدم جريانه مطلقاو أما وجوب الجزء في ضمن الكلّ فلا سبيل إلى نفيه بالأصل لأنه في معنى نفي وجوب أحد المركّبين مع أن نسبة الوجوب إلى كل واحد منهما سواء و الفرق بين المقام وبين بقيّة موارد أصل البراءة حيث يجري فيها و لا يجري فيه أن البراءة من القدر المتيقّن من الاشتغال هنا لا يحصل بإتيان القدر المتيقّن بخلاف بقيّة الموارد فإنّ‏البراءة بفعل ما ثبت الاشتغال به لا يناط بحصول غيره في غير المقام على تقدير الاشتغال به في الواقع بخلاف المقام فإن البراءة بفعل البعض منوطة بفعل الباقي‏على تقدير الاشتغال به فيتوقف العلم بها عليه إذ لا علم بمطلوبية القدر المعلوم مستقلاّ و إنما المعلوم مطلوبيّة في الجملة إما مستقلاّ أو منضمّا و لا سبيل إلى تعيين‏الأوّل بأصالة عدم تعلّق الوجوب التبعي بالجزء أو الشرط المشكوك فيه لأن ذلك أصل مثبت و لا تعويل عليه عندنا و دعوى أن التكليف لا يتعلّق إلا بالقدر المتيقّن‏و إلا لزم التكليف بالمجمل و هو محال ممنوعة لأن المجمل الذي لا يجوز تعلّق التكليف به هو المجمل الذي لا سبيل إلى امتثاله و ظاهر أن المقام ليس منه و إلحاق الغائبين عن‏مجلس الخطاب بالحاضرين فيه في وجوب الاقتصار على ما ثبت لهم و بلغهم من البيان إنما يتمّ إذا وصل إليهم خطاب دال بظاهره على حصر أجزاء الماهيّة و شرائطها في أمورمعيّنة كما هو الغالب في حق الحاضرين كقوله صلى اللَّه عليه و آله صلّوا كما رأيتموني أصلّي و الكلام هنا مبنيّ على تقدير عدمه إذ المقصود إثبات حجيّة أصل البراءة و أصل العدم في المقام‏
151
دون ظاهر النصّ و أمّا إذا لم يدلّ الخطاب على الحصر كما لو ورد نص بأن الركوع جزء للصّلاة ثم ورد نصّ بأن السجود جزء و هكذا كان تمسّك الحاضرين بأصل البراءةو أصل العدم في نفي غير المذكور مثل تمسّك الغائبين بهما في كونه في محلّ المنع قد نبّهنا عليه سابقا و كذا الكلام في أصل العدم نعم لا يبعد دعوى مساعدةجملة من أخبار الباب على أصالة عدم الزيادة المشكوك فيها في المقام لا باعتبار حجب العلم أو عدم العلم بالتكليف المشكوك فيه ليتوجّه عليه دعوى عدم الحجب فيه‏بالنظر إلى الظاهر تحصيلا ليقين البراءة كما في سائر أحكام التعليقيّة الظاهريّة بل باعتبار دلالتها على نفي الجزئية و الشرطيّة ممّا شكّ في جزئيّته أو شرطيته من‏حيث حجب العلم عنهما ظاهرا و واقعا إذ ليس في وجوبهما من باب المقدّمة تحصيلا ليقين البراءة دلالة على إثبات الجزئيّة و الشرطيّة للواجب مطلقا فإذا ثبت بعموم الروايات‏المذكورة سقوط اعتبار جزئيّته أو شرطيّته في الظاهر حصل العلم بالبراءة بدونه في الظاهر فيسقط اعتبار كونه مقدّمة و هل هذا إلا كسقوط اعتبار جزئيّةما عدا الأركان في حقّ الناسي و شرطيّة بعض الشرائط كطهارة البدن و اللباس بالنسبة إلى الجاهل و سيأتي لهذا مزيد توضيح إن شاء الله تعالى انتهى كلامه رفع في الخلدمقامه و مرجعه كما ترى إلى الاستناد إلى قاعدة الاشتغال بعد منع جريان دليل البراءة بحيث ينفع في المقام و أمّا ما استدركه أخيرا بقوله نعم إلى آخره و نفي البعدعن دعوى مساعدة جملة من أخبار الباب على نفي الجزئيّة و الشرطيّة المشكوكتين و بيان ماهيّة المأمور به فقد ضعفه في باب أصالة العدم بأن الجزئيّة و الشرطيّةمن الأمور الاعتباريّة فلا يشملهما الأخبار و هذا و إن كان مخالفا لما بنى عليه الأمر في أول كتابه من كون الأحكام الوضعيّة مجعولة إلا أنه رجوع عنه و يثبت‏بناؤه على الاحتياط في المقام هذه عمدة ما اعتمد عليه القائلون بالاحتياط في المسألة و لهم بعض وجوه أخر ضعيفة يأتي الإشارة إليها في مطاوي الكتاب‏و كلماتنا
في الإشارة إلى ضعف الوجوه المذكورة
و أنت خبير بأن الوجوه المذكورة لا تصلح للاعتماد عليها في قبال دليل البراءة و لا بأس بالإشارة إلى بيان ضعفها على سبيل الإجمال و إن كان ما أفاده شيخنافي الكتاب كافيا في البيان أمّا الوجه الأوّل فيتوجّه عليه بأن اقتضاء الاشتغال اليقيني تحصيل العلم بالبراءة و البراءة اليقينيّة في حكم العقل إنما هو من حيث‏حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل على ما اعترف به المستدلّ في طيّ دليله مضافا إلى وضوح ابتنائه عليه و نحن نحكم بمقتضى قاعدة قبح العقاب من غير بيان بعدم العقاب‏و الضرر في ترك الواجب المسبّب عن ترك المشكوك أو في ترك الأكثر على تقدير وجوبه في نفس الأمر فالقاعدة واردة على قاعدة وجوب الدّفع على نحو ما عرفته في‏الشكّ في التكليف و دعوى عدم جريان القاعدة بالنسبة إلى الوجوب الغيري المشكوك من حيث إن العقاب على تقدير ثبوته على ترك الواجب النفسي لا الغيري‏كما حكي عن شيخ شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سرهما فاسدة مضافا إلى أن مقتضاها على تقدير التسليم منع جريان القاعدة بالنسبة إلى ترك الجزء المشكوك لاالأكثر فإنه لا يحتمل إلا الوجوب النفسي و يتمّ المدّعى كما لا يخفى بأن ترك الواجب الغيري سبب و علّة تامّة للعقاب و هذا المقدار يكفي في حكم العقل و إن كان المعاقب‏عليه ترك الواجب النفسي المسبّب عن تركه هذا مضافا إلى أن ترك الجزء عين ترك الكلّ لا يقال إن ورود القاعدة على قاعدة وجوب الدفع إنما هو فيما لم‏يكن هناك بيان و انحصر الأمر في جعل حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيانا كما في موارد الشكّ في التكليف و ليس المقام منه إذ المفروض ثبوت الاشتغال‏و العلم بالتكليف و وقوع الشكّ في المكلّف به فالبيان القاطع للعذر موجود متحقّق واصل إلى المكلّفين فكيف يقاس المقام بموارد الشكّ في أصل التكليف‏فإن شئت قلت إن العلم الإجمالي بالتكليف كما ذكر في غير موضع من كلماتنا السّابقة و في الكتاب منجّز للتكليف بالمعلوم إجمالا و مانع من الرجوع إلى البراءةبالنسبة إلى أطرافه و رافع لموضوعها و بيان للتكليف المتعلّق بالواقع المحتمل بالنسبة إلى جميع المحتملات فيصحّ إذا العقاب على ترك الأكثر لو كان واجبا في‏نفس الأمر فكيف يرجع إلى البراءة بالنسبة إليه و يقاس بموارد الشكّ في التكليف لأنّا نقول ما ذكر من كون العلم الإجمالي بيانا إنما يسلّم في الجملة لا على إطلاقه فإنّ من‏شرائط كونه بيانا و منجّزا للخطاب بالواقع المردّد عدم انحلال المعلوم بالإجمال إلى معلوم تفصيليّ و مشكوك بالشك البدوي و من هنا حكمنا بالبراءة و حكموا بها في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الاستقلاليّين مع وجود العلم الإجمالي و نقول في المقام أيضا بأن الحاصل من العلم الإجمالي هو العلم التفصيلي بوجوب الأقل و الشكّ البدوي بالنسبة إلى وجوب الأكثر فلو عاقبناالشارع على مخالفته كان قد عاقبنا مع عدم بيان بالنسبة إليه لا يقال ما ذكر من الشرط أمر مسلّم لم يخالف فيه أحد من العقلاء و العلماء إلا أنا نقول بتحقّق‏الشرط المذكور في محل البحث حيث إن المعلوم بالإجمال و هو الواجب الشرعي النفسي المردّد بين الأقلّ و الأكثر لم ينقلب و لم ينحل إلى المعلوم التفصيلي و إلاّ لم يبق‏شك بالنسبة إلى الزائد كما في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين و الفرق بينه و بين المقام واضح فإن المفروض هناك واجبان حقيقة أحدهما معلوم و الآخر مشكوك وفي المقام واجب واحد فلو فرض العلم به تفصيلا في ضمن الأقلّ لزمه ما ذكرنا من ارتفاع الشك و هو خلف غاية ما في المقام حصول العلم من الدوران المذكور بوجوب‏الأقلّ بالوجوب القدر المشترك بين النفسي و الغيري و أين هذا من انحلال المعلوم بالإجمال و هو الواجب النفسي المردّد بين الأقلّ و الأكثر لأنّا نقول ما سلّم‏أخيرا من حصول العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ من الدوران في المقام بالوجوب الجامع يكفي مانعا لتنجّز الخطاب الواقعي بالنسبة إلى الأكثر فإن التحريك العقلي‏تابع للعلم بالوجوب من غير فرق بين أن يكون غيريّا أو نفسيّا فالحكم لاحق لوجود الجامع بينهما من غير أن يكون للخصوصيّات مدخل فيه أصلا فلو رجع إلى البراءةبالنسبة إلى الأكثر لم يعارض بجريانها بالنسبة إلى الأقلّ و هذا هو الميزان و المدار في تنجّز الخطاب بالنسبة إلى موارد العلم الإجمالي و إن كان المختار عدم جريان‏الأصول فعلا في موارد تنجّز الخطاب بالعلم الإجمالي على ما أسمعناك في مطاوي كلماتنا السّابقة من أنه المسلك الحقيق بالسلوك دون الحكم بجريان الأصول‏و تعارضها و تساقطها و الرجوع إلى أصالة الاحتياط هذا كلّه مع أنّ في حكم الشرع بالبراءة بالنسبة إلى ما شكّ فيه من التكليف بمقتضى أخبارها المتقدّمة
152
غنى و كفاية للحكم بعدم جريان قاعدة الاشتغال في المقام من غير حاجة إلى حكم العقل بها فلو فرض توقف العقل عن الحكم بالبراءة في المقام فليرجع إلى أخبارهاو من هنا كان شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره جاز ما بالبراءة في المسألة مع تأمّله في حكم العقل بها في المقام كما صرّح به في الكتاب هذا فيما لو قرّر دليل‏البراءة بالنسبة إلى وجوب الأكثر و منه يعلم كيفيّة تقريره بالنسبة إلى الوجوب الغيري للجزء المشكوك فلا يحتاج إلى بسط القول فيه و أمّا الوجه الثاني‏الذي سلكه من عرفت فيتوجّه عليه مضافا إلى ما أسمعناك مرارا من عدم جريان استصحاب الاشتغال و ما يطابقه و استصحاب البراءة و ما يرجع‏إليه في مورد من الموارد أوّلا بأن الوجود العلمي للمستصحب إذا لم يكن مؤثّرا في إيجاب الأكثر على المكلّف فكيف يكون وجوده الاستصحابي و التنزيلي مؤثّرافي إيجابه عليه من غير فرق بين أن يجعل الاستصحاب المتوهّم جريانه من الاستصحاب التقديري كما في غالب فروض المسألة أو التنجيزي كما في بعض فروض‏و هو ما لو كان الجزء المشكوك بحسب المحلّ آخر أجزاء المركّب لا يقال عدم تأثير الوجود العلمي إنما هو من جهة دوران المعلوم بين الأقل و الأكثر و بعد استصحابه‏يثبت كونه منطبقا على الأكثر فلا يجوز الرجوع إلى البراءة بالنسبة إليه لأنا نقول مضافا إلى ابتناء ما ذكر على اعتبار الأصول المثبتة التي قدفرغنا عن إبطالها بناء على اعتبار الأصول من باب التعبّد و الأخبار إن الوجود الظاهري للشي‏ء سواء كان من جهة الاستصحاب أو غيره فيما لم يكن من الأحكام‏الشرعيّة إنما ينفع بالنسبة إلى ما يترتّب على وجوده الواقعي النفس الأمري من الأحكام الشرعيّة و كون الواجب هو الأكثر أو الأقلّ ليس ممّا يترتّب عليه شرعا وجوب‏الإتيان بهما و إن الحاكم في هذه القضيّة العقل فتدبّر و ثانيا بأنّه إذا حكمنا بعدم وجوب الأكثر من جهة دليل البراءة عقلا و نقلا في مرحلة الظاهرفيرتفع الشكّ عن البقاء الموجب لجريان الاستصحاب بحكم الشارع لأن الشكّ فيه مسبّب عن احتمال وجوب الأكثر الذي فرض عدم الإتيان به و المفروض نفيه‏من أوّل الأمر بدليل البراءة فهي حاكمة في خصوص المقام على الاستصحاب و إن كان واردا عليها في وجه و حاكما عليها في وجه في غير المقام لا يقال حكومةالبراءة على الاستصحاب إنما يسلّم في المقام فيما لو بني على مساعدتها لإثبات كون الواجب هو الأقلّ و هي لا يساعد عليه بعد البناء على بطلان الأصول المثبتة لأنا نقول حكومتها عليه مبنيّة على مساعدتها لنفي وجوب الأكثر في مرحلة الظاهر لا لإثبات كون الواجب هو الأقل كما هو ظاهر لا يقال مفاد البراءةمجرّد نفي المؤاخذة على الواقع المشكوك فلا ينفي وجوب الأكثر حتى يكون حاكما على الاستصحاب لأنا نقول نفي وجوبه في مرحلة الظاهر يكفي فيه نفي المؤاخذةعليه فتدبّر مضافا إلى كفاية ما دلّ من الأخبار على ثبوت الحكم الشرعي الظاهري في مورد الشكّ هذا بالنسبة إلى استصحاب الاشتغال و منه يعلم ما يتوجّه‏على غيره من الاستصحابات المتوهّمة فلا يحتاج إلى بسط الكلام و طوله و أمّا الوجه الثالث فيتوجّه عليه بأن الصحيحة الواردة في جزاء الصيد ظاهرة في عدم‏جواز الحكم و الفتوى بالنسبة إلى حكم الواقعة بحسب نفس الأمر مع عدم العلم به فمساقها مساق ما دلّ من الآيات و الأخبار على النهي عن القول بغير العلم و العمل بالآراءفلا تعلق لها بمحل الكلام من حيث كون الحكم الظاهري وجوب الاحتياط أو البراءة و نحن نقول بمقتضاها حتى فيما وقع الاتفاق فيه على البراءة كالشبهة الوجوبيّةمن صور الشكّ في التكليف هذا مضافا إلى أن دلالتها على وجوب الأقسام بالاحتياط مع الغضّ عمّا يتوجّه عليه من عدم التزام المستدلّ به في موردها إذا كان‏من الأقل و الأكثر الاستقلاليّين و في سائر موارد شمولها على ما عرفت تفصيل القول فيه عند الاستدلال بها في الموضع الأول مقصودة على صورة التمكّن من استعلام‏حكم الواقعة و أرجائها إلى لقاء الحجّة و لو بالنسبة إلى سبيل الأوقات و لا نضايق من الحكم بالاحتياط فيها و أين هذا من محلّ البحث هذا بالنسبة إلى الصحيحة و أمّا ما دلّ‏من الأخبار على التوقّف و الاحتياط عموما فقد عرفت شرح القول فيما يستظهر منه و ما يحمل عليه فلو فرض حمله على موارد الشكّ في المكلّف به فلا مناص من حمله على‏ما يجب الاحتياط فيه منها كالمتباينين من الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة فلا يشمل المقام فالجمع المذكور فاسد جدّا و أمّا الوجه الرابع فيتوجّه عليه أوّلاأنه ليس المراد من ابتناء الأحكام الشرعيّة على المصالح حسبما اتفقت عليه كلمة العدليّة من جهة استحالة الترجيح بلا مرجّح و الإيجاب بلا موجب و امتناع كون الإرادةمرجّحة على ما زعمه الأشعري كونها واجبا أوّليّا و مأمورا بها في الحقيقة بحيث يرجع الأمر المتعلّق بما اشتمل عليه إلى الأمر الغيريّ المقدّمي في الحقيقة فيدخل‏جميع صور دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في الشبهة المصداقيّة و الموضوعيّة بهذه الملاحظة فلا متيقّن هناك أصلا لأن احتمال حصول العنوان المذكور والمصلحة المطلوبة بفعل الأقل كاحتمال حصولها بفعل الأكثر من غير فرق بين الأمرين فيدخل في المتباينين بهذه الملاحظة و إن كان فعل الأكثر في المقام من جهةاشتماله على الأقلّ لا بشرط محصّلا قطعيّا له بل المراد كونها مما لاحظها الشارع في تشريع الأحكام من غير أن يجب على المكلّف تحصيلها فهي علّة لفعل الشارع‏و تشريعه و إيجابه فالواجب الشرعي هو نفس الفعل و الواجب العقلي الذي يحكم به قاطبة العقلاء إطاعة حكم الشارع على وجه يدفع به الضرر و العقاب و أمّاوجوب تحصيل منشإ وجوب الفعل من المصالح أو شي‏ء آخر من الغايات فلا يحكم العقل به قطعا نعم لا إشكال في حكمه بجنسه لكنه لا يجدي نفعا فإن قلت سلمنا عدم كون المصلحة واجبا أوّليّا و نفسيّا بحيث يرجع الأمر في جميع الواجبات إلى الأمر الغيري لكن لا كلام في كونها الفرض للشارع من تشريع الواجبات‏فيجب تحصيلها على المكلّف في حكم العقل و العقلاء أ لا ترى إلزامهم المريض بتحصيل ما يحتمل مدخليّة في المركب الذي أمره الطبيب بشربه مع علمه بعدم كونه ضارّاو مفسدا على تقدير عدم المدخليّة و ليس ذلك إلا من جهة احتمال عدم حصول الغرض من المركب المأمور بشربه بدونه و المقام من هذا القبيل لأن الشارع الذي‏
153
هو طبيب النفوس لا يأمر بشي‏ء يرجع فائدته إليه بل أمره دائما يرجع إلى تداوي النفوس و الفوائد الراجعة إليهم و إلا فهو غنيّ بالذات قلت نمنع لزوم تحصيل‏الغرض الذي يكون من العلّة الغائية و الفائدة المقصودة من تشريع الأحكام لأن الواجب في حكم العقل هو تحصيل البراءة عمّا أوجبه الشارع ليس إلاّ و أمّاقياس المقام بأمر الطبيب ففاسد جدّا لأن أمر الطبيب إرشاديّ صرف لا يتكلّم فيه من حيث الإطاعة و المعصية و الثواب و العقاب و من هنا لا يفرّق بين أمره‏و إخباره عن الدواء المركّب و إنها نافعة بل الأمر كذلك فيما لو تعلّق غرض المريض أو غيره بتحصيل عنوان من فعل مركّب يشكّ في مدخليّة بعض الأمور في‏حصوله مع علمه بعدم كونه ضارّا فإنّ ترك الاحتياط فيه نقض للغرض عند العقلاء و هذا بخلاف المقام الذي نتكلّم فيه من حيث المعصية و الإطاعة و إن‏كان للأمر الشرعي المولوي جهة إرشادي أيضا لكنه ليس ممحّضا فيه كما تبيّن في محلّه فإن قلت يجب على الشارع إيجاب الاحتياط في المقام إذ لولاه لزم‏نقض الغرض من تشريع الأحكام المبتنية على المصالح فتسليم الابتناء يلازم الالتزام بذلك فيتمّ المدّعى قلت الابتناء المذكور و إن كان مقتضيا لذلك‏كما يكشف عنه حديث الرفع بالبيان الذي عرفته في الموضع الأوّل عند التكلم في الحديث الشريف إلا أنه ليس علّة تامّة له فربما يكون هناك موانع و مصادمات‏لمقتضاه لا يعلم بها إلا علاّم الغيوب و من هنا كان بناء الشرع على رفع الأحكام الحرجيّة و تدريج بيان الأحكام و قال صلى اللَّه عليه و آله بعثت على السّمحة السّهلة و لولاه‏كان مقتضى ما ذكر وجوب الاحتياط حتّى في الشك في التكليف كما هو ظاهر و ثانيا سلمنا كون مقتضى الابتناء المذكور تعلّق التكليف الواقعي النفس الأمري‏بتحصيل المصلحة و إيجادها لكن نمنع من اقتضائه وجوب الاحتياط في المقام نظرا إلى كون المحصّل شرعيّا فيجب بيانه على الحكيم تعالى فإذا كان مردّدا بين الأقل و الأكثرفيرجع إلى البراءة بالنسبة إلى الزائد و هذا نظير الأمر بالوضوء و الغسل المحصّلين للطهور مع كونه شرطا للصّلاة إذا فرض الشكّ في جزئيّة شي‏ء للوضوء مثلافإنا نحكم فيه بالبراءة و لا نوجب الاحتياط و هذا و إن كان مخالفا لما أطلقه شيخنا قدس سره في المسألة الرابعة أو لما صرّح به إلا أنه الحق الذي لا يختص عنه و سيأتي له‏مزيد بيان في تلك المسألة و ممّا ذكرنا كله يظهر فساد التمسّك بما ذكره المتكلمون من كون الواجبات السمعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة لإيجاب الاحتياطفي المقام نظرا إلى كون اللطف واجبا أوليّا حقيقة أو غرضا من تشريع الواجبات السمعيّة على نحو ما عرفت في تقريب الاستدلال بالابتناء المذكور هذا وسيأتي بعض الكلام فيه مضافا إلي ما عرفته عند تكلم شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره عليه و أمّا الوجه الخامس الذي استند إليه الشيخ الفاضل في‏الفصول فمرجعه في الحقيقة إلى التمسّك بالوجه الأوّل مبنيّا على منع جريان دليل البراءة في المقام حقيقة من جهة عدم مساعدته لإثبات كون الماهيّة هي الأقلّ الذي هو مبنى‏عدم جريان قاعدة الاشتغال بزعمه و إن سلّم نهوضه لنفي الوجوب الغيري كنفي الوجوب النفسي المستقل فيتوجّه عليه بأن ابتناء جريان القاعدة على عدم‏تعيين الماهيّة و منعه على نفيها لم يعلم له مستند أصلا إذ مجرّد نفي العقاب المحتمل في ترك الأكثر أو الزائد يكفي رافعا لموضوع القاعدة أعني الضرر المحتمل فلاشاهد لما أفاده أصلا بل الشاهد على خلافه ثمّ إن في ما أفاده بطوله أنظارا يطول المقام بذكرها و لعل المتأمل يقف عليها هذا ما ساعد عليه المجال في‏ذكر ما هو العمدة من مستند القائل بالاحتياط و الإشارة إلى ضعفه على سبيل الإجمال و سيجي‏ء الإشارة إلى بعض وجوه أخر في الكتاب و ضعفه و ليكن في‏ذكر منك لعلّه ينفعك في الوقوف على حقيقة الحال فإن ما أفاده شيخنا قدس سره في تحرير المقام فإنه لا يخلو عن ثبوت الإجمال و الله أعلم بحقيقة الحال‏
في بيان القول المختار و ذكر مستنده و دليله‏
قوله قدس سره‏و أمّا العقل فلاستقلاله بقبح مؤاخذة من كلّف بمركّب إلخ‏(1) أقول لا يخفى عليك أن ما ذكره قدس سره من الوجهين في الاستدلال على المدّعى هو الذي ينبغي أن‏يذكر و يعتمد عليه على ما عرفت الإشارة إليه و أمّا سائر الوجوه التي استدلوا بها للقول المختار فتعرف عدم نهوضها لإثباته و عدم تماميتها ثمّ إن ماذكره من استقلال العقل في الحكم بقبح المؤاخذة في الفرض المذكور ممّا لا شبهة فيه و لا ريب يعتريه يشهد به الوجدان و تقبيح العقلاء كافة من يعاتب عبده و يؤاخذه‏على ترك المركّب المسبّب عن ترك بعض أجزائه الذي لا يعلم العبد بوجوبه بعد الفحص التام بقدر وسعه عنه فيما نصبه المولى لمعرفة أحكامه و ما حكم به العقل عندفقد الطريق المنصوب من قبل المولى سيّما بملاحظة الخصوصيّة التي ذكرها الأستاذ العلامة بقوله خصوصا مع اعتراف المولى بأني ما نصبت لك عليه دلالةفإن حكم العقل بقبح المؤاخذة في الفرض أوضح و دعوى أن العقل إنما يقبح المؤاخذة على المولى فيما لم ينصب دلالة على الحكم أصلا لا فيما نصبتها و اختفت على‏العبد و الكلام إنما هو في الثاني لا الأول فاسدة جدّا لأنه إذا قيل بكون العلم الإجمالي بالتكليف علّة تامّة في نظر العقل في حكمه بوجوب الاحتياط و إن تردّدمتعلّقه بين الأقل و الأكثر لم يكن معنى للدعوى المذكورة أصلا و من هنا نلتزم بوجوب الاحتياط فيما التزمنا بوجوبه من المتباينين حتى في صورة العلم بعدم‏نصب الدلالة عن المولى على بيان المكلّف به على ما عرفت تفصيل القول فيه سابقا غاية ما في الباب كون ترك النصب منه قبيحا لو فرض عدم المصلحة فيه لكنه لايرفع قبح ترك الاحتياط من العبد و حسن مؤاخذته على الواقع المتروك إذ لا ملازمة بينهما أصلا و لا دخل لأحدهما بالآخر جزما إذ مورد أحد القبيحين فعل العبدمن غير أن يكون له دخل بفعل المولى و مورد الآخر فعل المولى من غير أن يكون له دخل بفعل العبد و الحاصل أنّ هنا قاعدتين لا دخل لأحدهما بالأخرى و لاارتباط بينهما أصلا أحدهما وجوب اللطف و البيان على المولى الثانية وجوب الاحتياط و تحصيل الإطاعة القطعيّة العلميّة على العبد بعد العلم الإجمالي‏بإرادة المولى و إن لم يعلم المراد تفصيلا بأن تردّد بين أمرين أو أمور متباينة أو الأقلّ و الأكثر فالتوهم المذكور فاسد جدّا فقد تبيّن مما ذكرنا كلّه عدم الارتياب‏
154
في حكم العقل بالبراءة في المقام بالنظر إلى قاعدة قبح العقاب من غير بيان سواء جعل مورده الوجوب النفسي المحتمل المتعلّق بالأكثر أو الغيري المتعلّق بالجزء المشكوك‏بالنظر إلى ذاته من حيث توقف وجود الكل عليه من جهة كون تركه سببا لترك الكل أو عينه على ما عرفت الإشارة إليه سابقا لأن المعاقب عليه و إن كان ترك الكلّ‏إلا أن السبب له ترك الجزء الذي لم يبيّنه الشارع و هذا المقدار يكفي في جريان القاعدة و حكم العقل‏
في إبداء الفرق بين أوامر المقام و أوامر الأطباء
قوله قدس سره فإن قلت إن بناء العقلاء إلى آخره‏(1) أقول هذا السؤال إشارة إلى ما زعمه غير واحد و ركن إليه في منع جريان قاعدة القبح في المقام و كون العقل مستقلاّ في الحكم بوجوب الاحتياط من جهة إلزامه دفع‏الضرر المحتمل مستكشفا ذلك من بناء العقلاء على ذلك في الأوامر العرفيّة الصّادرة من الموالي بالنسبة إلى العبيد أو الأطبّاء بالنسبة إلى المرضى فهو إيماء إلى‏ما عرفته في طيّ الاستدلال للقول بوجوب الاحتياط في المقام‏ قوله قلت أما أوامر الطبيب فهي إرشاديّة إلخ‏(2) أقول ما أفاده في الجواب عن السؤال يرجع‏إلى إبداء الفرق بين المقام و بين أوامر الأطبّاء مع تسليم وجوب الاحتياط في الثاني بأن أوامرهم إرشاديّة محضة لا يقصد منها إلا تحصيل ما هو الثابت‏في المأمور به من الخواص و الفوائد و من المعلوم ضرورة لزوم الاحتياط فيما إذا تعلق الغرض بتحصيل عنوان من الفعل يشكّ في حصوله بترك بعض ما يعلم بعدم‏كون فعله مضرّا و لم يزل بناء العقلاء على الالتزام بفعله و لو لم يكن هناك أمر من أحد أصلا على ما عرفت الإشارة إليه لئلا يلزم نقض الغرض و هذا بخلاف‏المقام المفروض كون الأمر فيه مولويّا و إن كان له جهة إرشاد يتكلّم فيه و يبحث عنه من حيث الإطاعة و المعصية فإن العقل مستقلّ في الحكم فيه بكفاية فعل‏الأقلّ في التخلّص عن تبعة العقاب و تحقّق الإطاعة التي لا واقعيّة لكيفيّتها و شئونها إلاّ بملاحظة حكم العقل و إن لم يقطع بحصول الواجب الواقعي في ضمن‏ما يتحقّق به الإطاعة و هو فعل الأقلّ في مفروض البحث فإن هذا ليس شرطا في تحقق الإطاعة الموجب لاستحقاق الثواب و رفع العقاب إذ قد عرفت من مطاوي‏كلماتنا السابقة في هذا الجزء و في الجزء الأوّل من التعليقة غير مرّة أن الخطابات الواقعيّة و الأحكام النفس الأمريّة ليس ممّا يقتضي بأنفسها وجوب الإطاعةو حرمة المعصية بحيث يترتّبان على وجودها النفس الأمري و يكون لهما كنفس الأحكام ثبوت واقعيّ و نفس أمريّته بل هما من الأحكام العقليّة الوجدانيّة يختلف‏مراتبهما في حكم العقل بحسب اختلاف الموارد و الحالات فقد يحكم العقل في مقام بلزوم تحصيل العلم و القطع و لا يكتفى بغيره في مقام الإطاعة و قد يحكم في مقام‏بلزوم تحصيل مرتبة من الظن و لا يكتفى بغيره في حصول الإطاعة و قد يحكم بكفاية مطلق الظنّ و لا يكتفى بغيره و قد يكتفى في مقام الإطاعة ببعض محتملات‏الواقع هذا بالنسبة إلى أوامر الطبيب و أمّا الأوامر الصادرة من الموالي بالنسبة إلى عبيدهم فإن كانت مولويّة فتلتزم فيها بما التزمنا بالنسبة إلى الأوامر الشرعيّةمن قبح المؤاخذة على ترك الواقع المسبّب عن ترك الجزء المشكوك للمركّب الذي تعلّق به الأمر المولوي و دعوى حكم العقلاء على خلافه مكابرة بنية واضحةو إن كانت إرشادية محضة فحالها حال أوامر الأطبّاء قوله قدس سره نعم قد يأمر المولى بمركّب يعلم أن المقصود منه إلخ‏(3) أقول ما استدركه إشارة إلى تسليم‏وجوب الاحتياط بفعل ما شكّ في مدخليّة و جزئيّته و حسن المؤاخذة من المولى على تركه فيما يفرض الأمر المولوي المتعلّق بالمركّب المردّد بين الأقلّ‏و الأكثر منبعثا عن عنوان يشكّ في حصوله بفعل الأقل بحيث يكون هو المأمور به الحقيقي حقيقته و يكون الأمر بالفعل غيريّا أو غرضا من الأمر بالفعل من غيرفرق بين كون العنوان المذكور معلوما بالتفصيل أو مجهولا فإن تحصيل العلم بحصول العنوان المذكور لازم عند العقلاء في الصورتين و إن كان حكمهم به في الصورة الأولى‏أظهر و أوضح من حكمهم به في الصورة الثانية هذا و لكنّك عرفت ما يتوجّه على ما أفاده في طيّ الجواب عن وجوه القول بالاحتياط و ستمرّ الإشارة إليه في‏مطاوي كلماتنا بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى‏ قوله قدس سره فإن قلت إن الأوامر الشرعيّة إلخ‏(4) أقول لمّا سلّم قدس سره وجوب الاحتياط فيما كان من الأمر المولوي العرفي المتعلّق‏بالمركّب قصد به عنوان و وجه يكون هو المكلّف به حقيقة أو غرضا للأمر به فقد تفطّن ورود سؤال على نفسه فيما بني الأمر عليه من عدم وجوب الاحتياط في‏محل البحث من الشرعيّات و قد عرفت أنه من وجوه القائلين بالاحتياط في المقام و نقول توضيحا لما أفاده أن من المسلّمات عند العدليّة كون الأحكام الشرعيّةبأسرها مبنيّة على جهات الأفعال أو الأحكام كما زعمه بعض من المصالح و المفاسد و إن لم يعلم بها تفصيلا و بحقائقها و من هنا حكموا في مسألة الملازمة بثبوت‏التلازم من الطرفين و إنه كما يكون حكم العقل دليلا على حكم الشرع و كاشفا عنه يكون حكم الشرع أيضا كاشفا عن حكم العقل و لو كان بين الكشفين فرق من حيث‏الإجمال و التفصيل فالمصلحة إمّا من قبيل العنوان و الوجه للمأمور به كالطهور المطلوب حقيقة من الأمر بإزالة الخبث و الحدث بالوضوء و الغسل الرافعين أوالغرض من الأمر به فلا بدّ إذا من الالتزام بوجوب الاحتياط في المقام و أمثاله ممّا يشكّ في حصول المصلحة بفعل بعض محتملات الواجب على ما وقع الاعتراف‏به سابقا و الحاصل أن الأوامر الشرعيّة بأسرها على قسمين أحدهما ما يكون إرشاديّة محضة كأوامر الإطاعة و التوبة على ما يقتضيه التحقيق و الإشهاد عندالمعاملة و نحوها ثانيها ما يكون له جهتان جهة مولويّة و جهة إرشادية إلى ما هو المكنون في المأمور به من المصلحة كأكثر الأوامر الواردة في الشريعة خلافالبعض المدقّقين فيما حكي عنه في تعليقه على المعالم حيث ذهب إلى كون الأوامر الشرعيّة بأسرها إرشاديّة محضة في قبال الأشعري القائل بكونها مولويّة محضة ولآخر حيث اكتفى بوجود المصلحة في الأمر و ليس لهما قسم ثالث عند العدليّة فإذا لا بدّ من الالتزام بوجوب الاحتياط في الشكّ في المكلّف به مطلقا بناء على‏الاستدراك المذكور هذا حاصل ما أفاده في تقريب السؤال و أما ما أفاده بقوله قدس سره و بتقرير آخر المشهور بين العدليّة أن الواجبات الشرعيّة إلى آخر ما أفاده‏
155
فليس معناه عند التحقيق كون الواجبات السّمعيّة منطبقة على الواجبات العقليّة بحيث يحكم العقل بها تفصيلا على تقدير علمه بجهات الأحكام و كاشفةعنها بهذه الملاحظة على وجه الإجمال بل كونها مقرّبة إلى الواجبات العقليّة التي استقل العقل بها مع قطع النظر عن الشارع كردّ الوديعة و نحوه‏كما يشير إليه قوله تعالى إن الصلاة تَنْهى‏ عَنِ الفَحْشاءِ وَ الْمُنْكر و إن كان تقريبها إليها من جهة اشتمالها على ما يوجب كمال النفس و التشبّه بالروحانيّين‏فلعلّه قدس سره لاحظ الجهة المذكورة فتأمل و كيف كان الظاهر من القضيّة المذكورة في كلمات المتكلّمين ما ذكرنا كما صرّح به قدس سره في مجلس البحث‏ قوله قدس سره قلت‏أوّلا إن مسألة البراءة و الاحتياط إلخ‏(1) أقول قد يناقش فيما أفاده بأن ابتناء الكلام في المسألة على مذهب الأشعري مضافا إلى ما فيه لا يجامع التمسّك‏للقول بالبراءة في مفروض البحث بقاعدة قبح العقاب من غير بيان عقلا نعم التمسّك بالدليل العقلي ممّا لا غبار فيه على مذهبهم نعم ما أفاده يستقيم‏على ما ذهب إليه بعض المتأخرين ممن قال بوجوب الاحتياط في المقام إلا أنه بنى المسألة على جريان قاعدة الاشتغال من غير التفات إلى ما ذكر من الوجه‏ قوله قدس سره و ثانيا أن نفس الفعل إلى آخره‏(2) أقول حاصل ما أفاده ثانيا هو أن للأمر الشرعي جهتين جهة ابتنائه على المصلحة و كون الواجب لطفا في غيره على مذهب‏العدليّة و هي الجهة الإرشاديّة في الأوامر و جهة المولويّة المستتبعة لوجوب الإطاعة و حرمة المعصية و لمّا تعذّر تحصيل القطع بالجهة الأولى في المقام من‏جهة احتمال اعتبار قصد الوجه في حصول الإطاعة المعتبرة في تحقّق المصلحة اتفاقا من حيث كون الفعل عبادة لا يترتّب عليه أثر بدون الامتثال فإنّ من‏صرّح من العدليّة بكون الواجبات السمعيّة ألطافا في الواجبات العقليّة التزم باعتبار قصد الوجه أو معرفته في حصول الإطاعة و المفروض عدم إمكانهما من‏جهة تردّد الواجب بالفرض و لم يقتض الجهة الثانية إلا التخلّص عن تبعة العقاب و التضرّر بحكم العقل و هو يأمن المكلّف من العقاب بالنظر إلى قاعدة القبح فيحكم‏بالبراءة و الاكتفاء بفعل الأقلّ هذا حاصله‏
في المناقشة على ما أفاده المصنّف من وجوه‏
و قد يناقش فيه أوّلا بأن النزاع و البحث في المقام يجري في التوصّليّات أيضا كالتعبّديات لا في البحث عن حكم مطلق الواجب المردّد غاية الأمر وقوع التمثيل في كلماتهم بالتعبّديات و هو لا يكون مختصّا كما هو ظاهر و ما له لا يجري في التوصّليّات قطعا لعدم اعتبار حصول‏الإطاعة في ترتب المصلحة الموجبة لوجوبها و إن اعتبر في استحقاق الثواب عليها لفرض كونها توصّليّة لا يعتبر فيها قصد القربة فضلا عن قصد الوجه‏و تتميم المدّعى فيها بعدم القول بالفصل و إجماع المركّب مع كونه معارضا بالمثل مما لا معنى له أصلا كما لا يخفى و دعوى أن الواجب العقلي في جميع الواجبات‏الإطاعة إلاّ أنه في التوصّلي يرتفع موضوع الأمر إذا أتى به بغير قصد الطاعة كما أن الأمر كذلك في بعض الموارد في التعبّدي أيضا لا ينفع فيما هو المقصود بالمقام‏على تقدير تسليمها كما لا يخفى و ثانيا بأن بناء جماعة و إن كان على اعتبار قصد الوجه في صحة العبادة إلا أنه يخالف ما بنى قدس سره عليه الأمر وفاقا للمحققين‏من عدم اعتباره على ما أسمعناك و أسمعك في الجزء الأول من الكتاب حتى مع العلم التفصيلي بالوجه و دعوى كون ما أفاده من باب الإلزام على الخصم فاسدةفإنه إنما يتمّ فيما لو كان الخصم ممن يذهب إلى اعتبار قصد الوجه و ليس الأمر كذلك إذ كثيرا ممّن التزم بوجوب الاحتياط في المقام رأيناهم لا يلتزمون باعتباره فراجع‏إلى كلماتهم و ثالثا بأنه لا يتمّ حتى على مذهب القائلين باعتبار قصد الوجه ضرورة كون اعتباره عندهم مشروطا بالتمكّن من تحصيل الوجه و لو ظنّا وسقوطه في ظاهر كلماتهم بل مقطوعها في صورة عدم التمكّن لأن أحدا لم يذهب إلى إنكار حسن الاحتياط في المقام بل صريحها الإطباق على ذلك فكيف‏ذلك عن الشرط المذكور و القول بإمكان قصد الوجه في المقام إجمالا أو تفصيلا و لو كان هو الوجه الظاهري على كلا القولين و المذهبين في المقام مضافاإلى ما فيه هدم لما أفاده من الجواب كما لا يخفى و رابعا بأن احتمال اعتبار قصد الوجه في مفروض البحث لا يجامع القطع بوجوب الواجب ضرورة كون‏قضيّة احتمال اعتباره مطلقا مع فرض ابتناء الحكم على المصلحة التي لا يعلم بحصولها عدم حصول القطع بالوجوب المعلول لها فيشكّ في أصل الوجوب فيرجع إلى‏البراءة بالنسبة إليه و هو خلف إلى غير ذلك من المناقشات فالأولى في الجواب عن السؤال التشبث بذيل ما ذكرنا سابقا في الاستدلال بهذا الوجه فإنه لا مناص‏عنه‏ قوله قدس سره نختار هنا أن الجهل مانع عقليّ إلى آخره‏(3) أقول لا يخفى عليك أن المراد من توجيه التكليف هو فعليّة المقتضية لاستحقاق العقوبة و المؤاخذةعلى المخالفة لا مجرّد التعلّق الواقعي فإنه غير منكر في المقامين بل في الشك في التكليف أيضا ضرورة استحالة اشتراط تعلّق التكليف الواقعي بالعلم على ما عرفت الكلام‏فيه مرارا مضافا إلى أنه أمر لا سترة فيه أصلا من غاية وضوحه كما أن ما أفاده من استقلال العقل في الحكم بقبح توجيه التكليف به بالنسبة إلى الجزء المشكوك بحيث‏يورث تركه العقاب على ترك الكل المسبّب عنه على تقدير جزئيّته في نفس الأمر ممّا لا غبار و لا شبهة فيه عند من لم يسبق ذهنه بالشبهات على ما عرفت بعض القول‏فيه مثل وضوح ما أفاده في فساد المعارضة بقبح المؤاخذة على ترك الأقل من حيث الجهل بوجوبه النفسي فإنه من القضايا الأوليّة عند ذوي الأفهام المستقيمةضرورة أن المحرّك العقلي و الباعث على حكمه بلزوم الإقدام على الفعل هو دفع العقاب المترتّب عند ترك الإقدام و أمّا حيثيّة كون العقاب على ترك نفس المتروك‏أو ترك ما هو مسبّب عن تركه فملقاة في نظر العقل قطعا و إن هو إلاّ نظير المائع الذي يقطع الشخص بأن شربه يوجب هلاكه لكن لا يعلم أن هلاكه من جهة تأثيرنفسه في ذلك أو من تأثير يكون شربه سببا له فإنه لا شبهة في إلزام العقل بترك شربه مع عدم علمه بأن الهلاكة المترتبة من معلولات نفسه و هذا أمر ظاهر لمن له‏وجدان سليم‏ قوله قدس سره أما الأوّل فلأن عدم جواز المخالفة القطعيّة إلخ‏(4) أقول عدم جريان ما ذكر سند المنع كون الجهل مانعا في المتباينين من‏توجّه الخطاب بالواقع المعلوم إجمالا المجهول تفصيلا من استلزامه المخالفة القطعيّة على تقدير القول بالمانعية في المقام من الأمور الواضحة لأن لزومه كان من‏
156
دوران لا يجري في المقام جزما فإنه في المتباينين إما أن يلتزم بإجراء البراءة بالنسبة إلى أحد المشتبهين أو كلاهما و على الأول إما أن يجعل مورد البراءة أحدهماالمعيّن عندنا أو المعيّن عند اللّه تعالى و في الواقع و النفس الأمر أو أحدهما لا على التعيين يعني مفهوم أحدهما لا سبيل إلى شي‏ء من هذه الوجوه أما الأول فلاستلزامه‏الترجيح بلا مرجّح و لزومه كبطلانه ظاهر لا سترة فيه و أمّا الثاني فلأن موردها لا يخلو إمّا أن يكون ما هو جائز في نفس الأمر أو ما هو واجب كذلك و شي‏ء منهمالا يصلح موردا للبراءة مضافا إلى لزوم لغويّتها إذ إجراؤها بحيث ينتفع بها موقوف على إحراز موردها و بعده يرتفع موضوعها كما هو ظاهر هذا مع‏أن إناطة الحكم الظاهري بالواقع لا يخفى بطلانها على الأوائل و أمّا الثالث فلأنه مفهوم منتزع عن المشتبهين غير متعلّق لحكم يغاير حكمهما مع أنه ممّا لامعنى له مع قطع النظر عمّا ذكر على ما عرفت تفصيل القول فيه فيتعيّن الوجه الثاني و هو إجراء البراءة بالنسبة إلى كليهما و عليه يلزم ما ذكر من الاستلزام‏فلا بدّ من الالتزام بوجه ثالث و هو وجوب الاحتياط و هذا بخلاف المقام فإنه لو حكم بجريان البراءة بالنسبة إلى الجزء المشكوك أو الأكثر كما هو المدّعى لم يعارض‏بجريانها بالنسبة إلى الأقلّ فإن القطع بوجوبه و استحقاق العقوبة عند تركه مانع من الرجوع إلى البراءة بالنسبة إليه و ليس فيه ترجيح بلا مرجّح أصلا للفرق بينهمابما يوجب تعيين جريانها بالنسبة إلى الأقلّ حسبما عرفت‏ قوله قدس سره و أمّا عدم معذورية الجاهل إلخ‏(1) أقول حاصل ما أفاده في بيان عدم جريان الدّليل‏الثاني لعدم صلاحيّة مانعيّة الجهل في المتباينين في المقام هو أن الشكّ في المتباينين لم ينحل إلى معلوم تفصيلي و مشكوك بالشكّ البدوي بل كان طرفا لشبهةمتساويين من حيث احتمال تحقق المعلوم بالإجمال و انطباقه على كل واحد منهما فيكون نظير الشكّ الحاصل للجاهل المقصّر العالم إجمالا بوجود واجبات و محرّمات‏كثيرة في الشريعة فمعذوريّة الجاهل في المتباينين مستلزمة لمعذوريّة الجاهل المقصّر بالنسبة إلى الواقع مع كونها خلاف الإجماع في الجملة أو مطلقا بناء على عدم قدح مخالفةمن ذهب إلى كون عقاب خصوص الغافل من المقصّر على ترك تحصيل العلم عند الالتفات على ما ستسمعه بعد ذلك أو المشهور بينهم و هذا بخلاف المقام لما أسمعناك‏من انحلال المعلوم بالإجمال فيه إلى معلوم و مشكوك فالحكم بمعذورية الجاهل فيه بالنسبة إلى المشكوك لا يلازم الحكم بمعذورية الجاهل المقصّر و لا يقاس أحدهمابالآخر نعم يشابه العلم الإجمالي في مفروض البحث العلم الإجمالي بالواجبات و المحرّمات الكثيرة في الشريعة مع تردّد المعلوم بالإجمال بين الأقلّ و الأكثر و من هنابنينا على الرجوع إلى البراءة بالنسبة إلى الزائد على الأقل المتيقّن من المعلوم بالإجمال بعد تحصيل العلم به في غير موضع من كلماتنا السابقة و لعله يأتي الإشارة إليه‏في مطاوي ما يبحث عنه بعد ذلك كما أنه يشابهه في عدم جواز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص عمّا يكون حاكما أو واردا على البراءة من الأدلّة من حيث اشتراط الفحص في الشبهةالحكميّة في الرجوع إلى الأصل مطلقا بالأدلّة الأربعة لكنه أمر مفروغ عنه لا تعلّق له بالمقام أصلا لأن الكلام في حكم المسألة بعد إحراز ما هو شرط لجريان الأصل كما هوواضح‏
في أن المثال المذكور في الكتاب للكليّة لا يخلو عن مناقشة
قوله قدس سره كما لو علم إجمالا بكون أحد من الإناءين إلخ‏(2) أقول حاصل ما أفاده من عدم تأثير العلم الإجمالي في إيجاب الاحتياط فيما لو انحل المعلوم بالإجمال‏إلى المعلوم بالتفصيل و المشكوك بالشكّ البدوي ممّا لا خفاء فيه و لا ريب يعتريه على ما عرفت توضيح القول فيه مرارا إلا أن ما مثل به للكليّة المذكورة و شابه المقام‏به لا يخلو عن مناقشة لأن العلم الإجمالي بالخمر في المثال يوجب العلم بتوجّه خطاب إجمالي و لو بالنسبة إلى معلوم النجاسة تفصيلا ضرورة أن حرمة الخمر ليست من حيث‏نجاسته و استخباثه و لذا لا يكون إشكال في تعدّد العقاب فيما لو شرب مائعا يعلم بكونه مركّبا من الخمر و البول و هذا بخلاف ما لو شرب مائعا يعلم بوجود البول و الغايةفيه مثلا فإنه لا إشكال في وحدة العقاب فيه لوحدة الخطاب فالمتعيّن التمثيل له بما إذا علم المكلّف بوقوع قطرة من البول من أحد إناءين يعلم بنجاسة أحدهما المعيّن‏من جهة كونه بولا أو بنجس آخر من النجاسات التي لم يثبت لها جهة تحريم من غير جهة النجاسة بناء على تداخل النجاسات حكما من حيث وجوب الاجتناب في الأكل و الشرب‏و إن لم يتداخل من حيث المانعيّة في الصلاة ثم إنه لا بد من أن يعلم وجود الفرق الواضح بين المقام و المثال الذي ذكرناه و أمثاله مما لم نذكره و إن لم يكن فرق بينهما من‏حيث الرجوع إلى البراءة بالنسبة إلى المشكوك حيث إن العلم الإجمالي في المقام يؤثر في توجيه الخطاب و تنجيزه بالنسبة إلى المعلوم بالإجمال في الجملة و لو بالنسبة إلى‏الأقلّ و يوجب في حكم العقل لزوم إطاعته بحيث لولاه لم يكن هناك ملزم عقلي أصلا لعدم المقتضي له سواه و هذا بخلاف العلم الإجمالي في المثال و نظائره فإنّه‏لا يؤثر في الخطاب المنجّز أصلا لأن الحكم بوجوب الاجتناب عن الطرف المعيّن مستندا إلى العلم التفصيلي المفروض بالنسبة إليه و لو لم يكن هنا علم إجمالي أصلاو من هنا قيل بالفرق بينهما حكما من حيث تأثير العلم الإجمالي في المقام في تنجيز الخطاب فيقتضي تحصيل القطع بالبراءة كما زعمه القائل بوجوب الاحتياط في المسألةو هذا بخلاف المثال و أشباهه فإنه لم يتوهم أحد وجوب الاحتياط بالنسبة إلى الطرف المشكوك و إن كان هذا الفرق فاسدا عندنا على ما عرفت و بالجملة الفرق بين‏العلمين لا يكاد أن يخفى فالغرض تشبيه المقام بالمثال في عدم تأثير العلم الإجمالي بالنسبة إلى الطرف المشكوك بالشكّ البدوي لا مطلقا كما هو واضح‏ قوله قدس سره و ممّاذكرنا يظهر أنه يمكن التمسّك في عدم إلخ‏(3) أقول وجه ظهور ما أفاده مما ذكره في المقام من جهة كون الأقلّ معلوم الوجوب تفصيلا فكما لا يعارض جريان البراءةبالنسبة إلى الجزء المشكوك أو الأكثر بجريانها في الأقل كذلك لا يعارض جريان أصالة العدم بالنسبة إلى وجوب الجزء أو الأكثر بجريانها بالنسبة إلى الأقل و القول‏بأن المعلوم بالنسبة إلى الأقلّ هو مطلق الوجوب لا خصوص النفسي و الغيري فيعارض الأصل بالنسبة إلى كلّ من الخصوصيتن في الجزء المشكوك أو الأكثر بمثله‏بالنسبة إلى الأقل فيقع التعارض لا محالة و هذا بخلاف بالبراءة فإن إجراءها بالنسبة إلى الجزء أو الأكثر لا يعارض بإجرائها بالنسبة إلى الأقل فإن الخصوصيّات ملقّاة
157
بالنسبة إليها كما هو مبنى القول بالبراءة في المقام على ما عرفت فاسد جدّا لأن نفي كل من الخصوصيّتين بالنسبة إلى الأقل معارض بنفي الأخرى بالنسبةإليه فيبقى الأصل في الجزء المشكوك و الأكثر سليما فتأمّل نعم ما أفاده قدس سره في تقريب عدم المعارضة و ثبّته و دفع توهّمها بقوله و تردّد وجوبه بين‏النفسي و الغيري إلى آخره لا يخلو عن مناقشة ظاهرة فإن الخطابات المذكورة خطابات غيريّة مقدّميّة بالأجزاء على سبيل القطع و اليقين في الخطابات المتوجّه بالنسبةإلى الأقلّ كما يحتمل كونه غيريا يحتمل كونه نفسيّا فلا يعقل انطباقه على الخطابات المفصّلة فإن شئت قلت الخطاب بالنسبة إلى الأقل إجمالي و الخطابات المذكورة تفصيليّةو لو علم الانطباق ارتفع الشكّ عن المسألة ضرورة استلزامه للعلم بوجوب الأكثر فالتقريب المذكور لا يتمّ بالنسبة إلى ما أفاده و إنما يتم فيما لو فرض إجراء أصالة عدم‏الوجوب بالنسبة إلى الجزء المشكوك فتدبّر اللهمّ إلا أن يريد بالتقريب المذكور بيان العلم التفصيلي بوجوب الأجزاء من غير نظر إلى كونها تمام الماهيّة المأموربها أو بعضها و بعبارة أخرى مع قطع النظر عن انفراد كل جزء و انضمامها فتأمّل كما أن عطف قوله و أصالة البراءة على قوله و أصالة عدم الوجوب لا يخلوعن مناقشة أيضا إذ الحق أن يعبّر بدل العطف كما لم يوجب جريان أصالة البراءة فإن الكلام في ظهور حال أصالة العدم مما أفاده بالنسبة إلى أصالة البراءة لا في‏جريان البراءة و عدمه فتدبّر ثم إن المقصود بالكلام المذكور مجرّد بيان عدم المعارضة و إن لم يحكم بجريان أصالة العدم من جهة أخرى أشار إليها بقوله‏لكن الإنصاف إلى آخره هذا و لكن العبارة آبية عما ذكرنا من الحمل فالأولى حملها على تعدّد النظر بعيني النظر الأولي و الثانوي و من هنا جعل الأصل المذكور بعض‏المتأخرين من وجوه المختار و استند إليه في المقام و إن كان خارجا عن عنوان أصالة البراءة
في توضيح ما أفاده من تضعيف التمسّك بأصالة العدم‏
قوله قدس سره لكن الإنصاف أن التمسّك بأصالة(1) أقول توضيح‏ما أفاده قدس سره في ضعف التمسّك بأصالة العدم في المقام هو أنه لا يخلو الأمر من أنه إما أن يقصد من أصالة عدم وجوب الأكثر ترتّب عدم استحقاق العقاب عليه ونفيه بها و إمّا أن يقصد منها نفي الآثار المترتّبة على خصوص الوجوب النفسي و إما أن يقصد منها نفي الآثار المترتّبة على مطلق الوجوب القدر المشترك الجامع‏بين النفسي و الغيري فإن قصد منه الأوّل فيتوجّه عليه أوّلا أن عدم استحقاق العقاب ليس من أحكام المستصحب و آثاره حتى يتمسّك له بأصالة عدمه و بعبارةأخرى عدم استحقاق العقوبة ليس من آثار عدم الوجوب الواقعي النفس الأمري بل من أحكام ما ينطبق على الشكّ في الوجوب قطعا و هو عدم المعصية التي لا يتحقّق إلاّبتنجّز الخطاب بالواقع المنفيّ مع الشكّ فيه لاستقلال العقل على ما عرفت مرارا بقبح العقاب من غير بيان واصل إلى المكلّف بالطريق العلمي أو ما يقوم مقامه‏و قد عرفت من مطاوي كلماتنا السابقة و ستعرف مشروحا في محله إن شاء الله تعالى أن إجراء الاستصحاب لترتيب الآثار المترتّبة على نفس موضوع الشكّ أو ما ينطبق عليه‏و يوجد في ضمنه من العناوين غير معقول لا أنه ممّا لا يحتاج إليه مع جريانه حسبما ربما يتوهّم من تعبير شيخنا قدس سره في الكتاب و من هنا أوردنا و أورد شيخنا قدس سره في الجزءالأول من التعليقة و الكتاب على من وافقنا في الأصل الأوّلي في الظن و لكن تمسّك له بأصالة عدم الحجيّة و الجعل نظرا إلى كونهما من الحوادث المسبوقة بالعدم بأنّ‏الغرض من الأصل المذكور إن كان إثبات الحرمة التشريعيّة لما شكّ في اعتباره من الظنون فهو غلط ظاهر لثبوتها عند الشكّ في الحجيّة قطعا لكونها من آثار عدم‏العلم بالحجيّة لا من آثار عدمها فلا معنى للأصل المذكور و إن كان إثبات الحرمة الذاتيّة له فهو غلط أيضا لعدم ثبوتها في الواقع و نفس الأمر حتى مع العلم بعدم‏الحجيّة كما في القياس و أشباهه نعم لو قيل بأن الحرمة التشريعيّة مترتبة على عدم الجعل الواقعي لا على عدم العلم به كما لم نستبعد هناك تعيّن التمسّك بالأصل المذكورو يحمل عليه تمسّك من وافقنا في الأصل هذا فإن شئت قلت إن استحقاق العقاب و عدمه من آثار المعصية و عدمها لا من آثار الوجوب الواقعي و عدمه وثانيا أنه من الآثار العقلية و الأحكام التي يستقل العقل بها و لو سلّم ترتّبه على نفس الواقع و إن كان محالا عندنا كما هو الشأن في مطلق الأحكام العقليّة بل‏مطلق الأحكام بالنسبة إلى الحاكم بها على ما عرفته في محلّه و لا يمكن إثباته بالأصل أيضا و لا يجري بالنسبة إليه لما عرفته من كلماتنا السابقة إجمالا و ستعرفه‏في الجزء الثالث من الكتاب و التعليقة مفصّلا من أنه لا يترتّب على الاستصحاب و لا يثبت به إلا خصوص الآثار الشرعية المترتبة على المستصحبات بالترتب الأوّلي و من‏غير توسيط أمر آخر عقلي أو عاديّ نعم لو فرض كون عدم الوجوب من الأحكام الشرعيّة الجعليّة استقام ترتّب عدم استحقاق العقاب عليه على الإغماض المذكورلما ستعرفه في باب الاستصحاب أيضا من أن المستصحب إذا كان أمرا شرعيّا يترتب عليه جميع لوازمه من غير فرق بين الشرعيّ منها و غيره بشرط أن يكون الموضوع للآثار الغيرالشرعية الأعمّ من الحكم الشرعي الواقعي و الظاهري و إلا كان كاستصحاب غير الحكم الشرعي و لكن دون إثباته خرط القتاد و إن قصد منه الثاني فيتوجّه عليه أن‏أصالة عدم وجوب الأكثر بالوجوب النفسي معارضة بأصالة عدم وجوب الأقلّ بالوجوب النفسي لعدم العلم بثبوت هذا النحو من الوجوب له أيضا و إلا لم يعقل‏دوران الواجب النفسي بينه و بين الأكثر كما لا يخفى فهو من باب إجراء الأصل في أحد طرفي الحادث المعارض بجريانه في الطرف الآخر هذا و لكن قد يناقش فيه بما عرفت‏الإشارة إليه من أن نفي الوجوب النفسي بالأصل في الأقل معارض بنفي الوجوب الغيري له لأن كلاّ منهما حادث يعلم بثبوت أحدهما للأقلّ فيبقى الأصل بالنسبة إلى‏الأكثر سليما و هكذا الكلام فيما لو أريد إجراء الأصول بالنسبة إلى الوجوب الغيري للجزء المشكوك فإنه سليم عن معارضة الأصل بالنسبة إلى الوجوب الغيري‏للأقلّ لمعارضته بأصالة عدم الوجوب النفسي له و إن شئت قلت إن العلم الإجمالي بثبوت الوجوب للأقلّ بالوجوب المردّد بين النفسي و الغيري يمنع من إجراءالأصل بالنسبة إليه في نفي كل من الوجوبين فيبقى كل من أصالتي عدم وجوب الأكثر بالوجوب النفسي و عدم وجوب الجزء المشكوك بالوجوب الغيري سليما نعم لا
158
إشكال في عدم جواز إثبات الوجوب النفسي للأقل من نفيه بالنسبة إلى الأكثر و إن كان أصله سليما نظرا إلى عدم جواز التعويل على الأصول المثبتة هذا ولكن يمكن التفصّي عن المناقشة المذكورة بأن أصالة عدم الوجوب الغيري للأقل إنما يعارض أصالة عدم الوجوب النفسي له لو أريد بها إثبات الوجوب الغيري‏له و أما لو أريد بها نفي الوجوب النفسي له ليعارض الأصل في الأكثر فلا يعارضها أصلا فتأمل و الأولى في التفصّي عن المناقشة المذكورة أن يقال إن الوجوب‏الغيري للأقل و عدمه تابع للوجوب النفسي للأكثر و عدمه فنفي وجوب النفسي للأكثر في معنى نفي الوجوب الغيري للأقلّ فالمعارضة إنما هي بين أصالتي عدم الوجوب‏النفسي بالنسبة إلى الأكثر و الأقلّ ليست إلا و إن شئت قلت إن الحادث الأصلي المردّد في المقام هو الواجب الشرعي المردّد بين الأقل و الأكثر و إن استتبع واستلزم تردّده احتمال الوجوب الغيري بالنسبة إلى الأقلّ فالاحتمال المذكور تابع و معلول للتردّد المذكور فلا يجري الأصل بالنسبة إليه حتى يعارض الأصل‏الجاري في الشكّ المتبوع فافهم و تأمّل فإن المقام حقيق بالتأمّل التام و إن قصد منه الثالث أعني نفي الأثر الشرعي المترتّب على الوجوب القدر المشترك الجامع‏بين الخصوصيّتين فلا ضير فيه إلا أن مثل هذا الأثر نادر جدّا و من هنا ذكر شيخنا قدس سره أنه قليل الفائدة و الجدوى لكنه على كل تقدير لا تعلّق له بالمقام و لا يمكن‏جعله من وجوه محل البحث كما هو ظاهر لا يقال كيف لا ضير في الأصل المذكور لترتيب الأثر المزبور و لا قادح له مع أن الوجوب الثابت للأكثر على تقدير الثبوت‏ليس إلا الوجوب النفسي على ما هو المفروض فلا معنى لنفي وجوبه بالأصل إلا نفي الوجوب النفسي له و المفروض عدم جواز نفيه بالأصل كما مرّ لأنا نقول الثابت في الواقع‏بالنسبة إلى الأكثر على تقدير وجوبه أمران أحدهما الخصوصيّة و الشخص المعبّر عنه بالوجوب النفسي ثانيهما الحصّة المتحققة في ضمنها المعبّر عنه بالوجوب القدر المشترك والمفروض إجراء الأصل في الثاني مع تجريد النظر عن الخصوصيّة و إن كانا متلازمين وجودا و عدما و ليس حال نفي الجامع بالأصل إلا كحال إثباته بالأصل مع كونه ملازم‏للخصوصيّة في الخارج بل عينه بالنظر إليه كما ستعرف تفصيل القول فيه في استصحاب القدر المشترك في بابه هذا مع ما يقال من أن نفي الوجوب النفسي لنفي الأثر المترتّب‏على الوجوب الجامع لا غبار فيه و إن لم يمكن نفيه من حيث الأثر المترتّب على نفيه لسلامته عن المعارض من الجهة الأولى و معارضته من الجهة الثانية و استلزامه‏للحكم بوجوده و عدمه في زمان واحد لا ضير فيه إذا كان مبنى الحكمين على الظاهر كما في نظائره ممّا وقع في الشرعيّات كثيرا بل فوق حدّ الإحصاء فتأمّل قوله قدس سره ثم مما ذكرنا في منع جريان إلخ‏(1) أقول لا يخفى أن جعل الوجه الثاني مقابلا و مغايرا لما تقدّم ضعفه محلّ نظر كما يشير إليه عند الجواب عن الوجوه المذكورةكما أن عده و الوجه الرابع وجهان محلّ نظر أيضا لأن مبنى قاعدة الاشتغال هو وجوب دفع الضرر المحتمل ثم إن المراد من قوله في بيان الاستصحاب بعد الإتيان‏بالأقل لا بدّ من أن يحمل على فرض كون الجزء المشكوك بحسب المحل آخر الأجزاء أو على التقدير فيكون من الاستصحاب التقديري و الفرضي كما هو ظاهر قوله قدس سره‏فإن الأول مندفع إلخ‏(2) أقول قد يراد بالمستصحب في استصحاب الاشتغال حكم العقل بوجوب الاحتياط و قد يراد به الأمر المنتزع من التكليف و قد يراد به نفس‏التّكليف أعني الوجوب الشرعي المتعلّق بالأمر الواقعي المردّد في نظرنا بين الأقل و الأكثر و مراده في المقام هو الأخير بقرينة قوله بأن بقاء وجوب الأمر المردّد إلى آخره‏و ما تقدم منع جريان الاستصحاب فيه من حيث عدم إمكان عروض الشكّ عليه هو الأول كما هو الشأن في جميع الأحكام العقليّة و أما الثاني فليس مرادا في‏المقامين و إن كان الحق عدم جريان الاستصحاب فيه أيضا بعد فرض كونه أمرا اعتباريّا منتزعا من التكليف كما هو ظاهر و بالجملة الذي تقدّم في المتباينين عدم‏إمكان جريان الاستصحاب فيه هو المعنى الأول و أما المعنى الأخير فلم يكن له قادح عند شيخنا في المتباينين إلا أنه أصل مثبت كما عرفت شرح القول فيه و الفرق بينهمالا يكاد أن يخفى فإن الأول من الأحكام العقليّة و الأخير من الأحكام الشرعيّة و لا يمكن إرادة المعنى في المقام و إن أغمضنا عما ذكرنا من عدم تصوّر الشكّ في الأحكام‏العقليّة و يمكن إرادته في المتباينين مع الغضّ عما ذكر لثبوت حكم العقل بوجوب الاحتياط و الجمع بين المشتبهين في المتباينين فيشك في بقائه بعد الإتيان بأحدهماو ثبوته في المقام عين المدّعى و هو وجوب الإتيان بالأكثر فتأمّل ثمّ إن ما أفاده في المقام في الجواب عن التمسّك باستصحاب الوجوب كما ترى يرجع إلى وجهين‏أحدهما أن استصحاب الوجوب المردد لا يترتب عليه وجوب الإتيان بالأكثر بعد فرض عدم اقتضاء وجوده العلمي اليقيني له لأن معنى استصحاب الشي‏ء ترتيب مايترتب عليه على وجوده العلمي في السابق و المفروض عدم اقتضاء نفس التكليف المردّد المعلوم قبل الإتيان بالأقل وجوب الأكثر و إلا ارتفع النزاع و هو كما ترى‏يرجع إلى منع جريان الاستصحاب من جهة عدم ترتيب الأثر المقصود بالإثبات على المستصحب نعم على القول بجواز التعويل على الأصول المثبتة يمكن القول‏بجريان الاستصحاب المذكور لكي يثبت به كون الواجب المردّد هو الأكثر في مرحلة الظاهر لا يقال كيف يثبت ذلك و يزعم به على القول المذكور مع أنه‏ليس مما يترتّب على المستصحب بالفرض فكيف يمكن ترتبه بالاستصحاب لأنا نقول وجود اللاحق للمستصحب يلازم وجوب الأكثر عقلا فهو من الأحكام‏العقليّة لوجوده اللاحق و هذا المقدار يكفي في جريان الاستصحاب و إلا اختل أمره بالنسبة إلى استصحاب الأمور المستقبلة فإن مبناه على ذلك فإن قلت وجوب الأكثر المترتب على الوجود اللاحق للمستصحب أعني التكليف و الوجوب حكم شرعي و ليس حكما عقليّا و لازما عاديّا و لا مما يترتّب على المستصحب بتوسطهابل ترتّبه عليه ترتب أوّلي فكيف تجعله من الأصول المثبتة قلت أولا إن المترتّب على بقاء الوجوب كون الواجب هو الأكثر لا وجوب الأكثر و الحكم الشرعي إنّماهو الثاني لا الأول و الفرق بين المترتبين كوضوح ترتّب الأول لا الثاني لا يكاد أن يخفى على من له أدنى مسكة و ثانيا إن وجوب الأكثر و إن كان حكما شرعيّا إلاّ
159
أن ترتّبه على المستصحب ليس شرعيّا و بعبارة أخرى ليس من أحكامه الشرعيّة و إن كان حكما شرعيّا في نفسه و المعتبر في الاستصحاب كون الأثر الشرعي من أحكام‏المستصحب شرعا و من هنا قلنا في باب الاستصحاب كما ستقف على تفصيل القول فيه بأنه لا يترتّب على استصحاب الشي‏ء ملزوماته الشرعيّة فإنها و إن كانت‏أحكاما شرعيّة بالنظر إلى أنفسها إلا أنها لما لم يكن من أحكام المستصحب شرعا لم ينفع استصحابه في إثباتها فإن قلت قد ذكر شيخنا العلاّمة في باب الاستصحاب‏أن المستصحب إذا كان أمرا شرعيّا و حكما جعليّا إلهيّا يترتّب على استصحابه جميع لوازمه من غير فرق بين لوازمه الشرعيّة و غيرها و المفروض أن المستصحب في المقام‏شرعيّ فكيف يبتني اعتباره على اعتبار الأصول المثبتة قلت ما أفاده في باب الاستصحاب من عدم الفرق بين الآثار في المستصحب الشرعي و إن كان مستقيما إلاّأنه مختصّ بما إذا كان الأثر الغير الشرعي ممّا يترتّب واقعا على الحكم الشرعي بالمعنى الأعمّ من الظاهري و الواقعي كوجوب الإطاعة عقلا المترتّب على إلزام الشارع من‏غير فرق بين إلزامه الواقعي و الظاهري و أما ما يترتّب على وجوده الواقعي من الآثار الغير الشرعيّة فلا يمكن جعلها بالاستصحاب و كلامه قدس سره في هذا الباب‏و إن كان مطلقا إلا أنه لا مناص عن تنزيله على ما ذكرنا لعدم معقولية الإطلاق في ذلك و ستقف على برهانه في باب الاستصحاب فإن قلت إذا لم يكن‏وجوب الإتيان بالأكثر من لوازم المستصحب بل الذي يلزمه كون الواجب هو الأكثر فوجوب الإتيان به بعد تعيين الواجب إنما هو من حيث حكم العقل بوجوب‏الإطاعة فهو ليس حكما شرعيّا بهذه الملاحظة و من المقرّر في باب الاستصحاب على القول باعتبار الأصول المثبتة اشتراط ترتب أثر شرعيّ على الواسطة و ليس‏هذا الشرط متحققا في مفروض البحث قلت تعلّق الوجوب بالأكثر بمعنى كونه واجبا شرعيّا و تعيينه مستتبع لوجوب إثباته عقلا فهو مترتّب على تعيين‏الواجب و لو في مرحلة الظّاهر لا أن يكون مجعولا شرعيّا و هو ممّا لا غبار عليه كما عرفته عن قريب فتأمّل و راجع ما ذكرنا في الجواب عن الاستدلال بالاستصحاب‏في طيّ وجوه القول بوجوب الاحتياط في المقام هذا بعض الكلام في توضيح الوجه الأوّل الذي أفاده في الجواب عن الاستصحاب‏
في بيان حكومة أصالة البراءة على استصحاب الاشتغال في المقام‏
ثانيهما أنه على تقدير الإغماض‏عما ذكر و تسليم عدم ابتناء الأصل المذكور على اعتبار الأصول المثبتة لا يجوز التمسّك بالاستصحاب المذكور في المقام من حيث حكومة أصالة البراءة الجاريةقبل الإتيان بالأقلّ و في زمان اليقين عليه فإنا نفينا بمقتضى الأصل المذكور في ذاك الزمان وجوب الزائد و الأكثر و رفعنا به الشك عما اشتغلت الذمة به في‏السابق فكيف يثبت في اللاحق فليس هنا وجوب مردّد بين الأمرين بمقتضى الأصل المذكور حتى يثبت بالاستصحاب بعد الإتيان بالأقل تعلّقه بالأكثر و ليس هذامن باب تعارض الاستصحاب مع أصل البراءة و تقديمه عليه حتى يقال بأن المقرر في محلّه ورود الاستصحاب على البراءة العقليّة لأن المفروض عدم جريان الاستصحاب‏في الموضع الذي يجري فيه أصل البراءة و بعد جريانه يتعيّن التكليف به في مرحلة الظاهر فلا يبقى تردّد حتى يجري الاستصحاب لاحقا و في موضوعه فأصالة البراءةالجارية في السابق و إن لم يكن رافعا لموضوع الاستصحاب حقيقة لبقاء الشكّ في ماهيّة المأمور به بالوجدان إلاّ أنّها رافعة له بحكم الشارع و من هنا حكمنابكونها حاكمة عليه و رافعة لموضوعه بالتنزيل و الجعل لا بالوجدان و الحقيقة فإن قلت إن تعيين الماهيّة المأمور بها و إنّها الأقل بأصالة البراءة الذي‏هو مبنى حكومتها على الاستصحاب لا يتمّ إلا على القول باعتبار الأصول المثبتة و المختار عند المصنف وفاقا للمحقّقين من المتأخّرين عدم جواز التعويل على الأصول‏المثبتة إذا لم يكن مبنى الأصل على الظنّ من غير فرق بين أصالة البراءة و غيرها و قد صرّح قدس سره في طيّ الجواب الأول عن الاستصحاب المذكور و التزم ببطلانه فكيف‏يجعل جوابا عن التمسّك به قلت أوّلا إن ابتناء ما ذكره في الجواب الثاني من حكومة أصل البراءة على الاستصحاب في خصوص المقام على تعيين الماهيّة بالأصل‏الذي يقتضي التعويل على الأصول المثبتة بظاهره مبني على إرادة الإلزام على الخصم حيث إنه أراد تعيين الماهيّة في ضمن الأكثر بالاستصحاب فيجاب عنه بأنه إذا بني‏على الأصول المثبتة تعيّن الماهيّة في ضمن الأقل بالأصل الحاكم على الاستصحاب المذكور و ثانيا إن تحكيم أصل البراءة على الاستصحاب و المنع من جريانه لا يتوقّف‏على القول بمساعدة أصل البراءة لتعيين الماهيّة و اعتباره حتى يبتني على القول باعتبار الأصول المثبتة بل مجرّد حكم الشارع بعدم وجوب الأكثر في مرحلة الظاهرقبل الإتيان بالأقلّ بمقتضى أصل البراءة حاكم على استصحاب الأمر المردّد المقصود إثبات ما حكم بنفيه في السابق ظاهرا نعم لو ترتّب حكم بالفرض على نفس بقائه‏بوصفه الترديدي من غير أن يريد إثبات وجوب الأكثر به لم يكن إجراء البراءة مانعا من استصحابه لترتب خصوص الأثر المفروض هذا و قد تقدم بعض الكلام فيمايتعلّق بهذا المرام في طيّ الأجوبة عن وجوه الخصم فراجع إليه‏ قوله و قد عرفت الجواب عنه و أن الاشتغال إلخ‏(1) أقول لا يخفى عليك أن المراد مما أفاده هوالاشتغال المتحقّق بحكم العقل بمقتضى الخطاب المتنجّز المتوجه إليه بمقتضى العلم الإجمالي لا التكليف الواقعي النفس الأمري المردّد بين تعلّقه بالأقلّ أو الأكثرفإنه متعلّق بنفس الواقع من حيث هو إلا أنه لا يقتضي بحكم العقل إلا الإتيان بالأقلّ على ما عرفت تفصيل القول فيه‏ قوله قدس سره و أما الثالث إلخ‏(2) أقول ما أفاده في المقام في غاية الوضوح فإن دليل الاشتراك لا يقتضي إلاّ اشتراك الغائبين و المعدومين مع الحاضرين في مجلس الخطاب في التكاليف المتوجّهة إليهم‏بعد دخولهم في موضوعهم الذي تعلّق الحكم المخصوص عليهم فيه و باعتباره فإذا كان تكليفهم من حيث كونهم مسافرين القصر يحكم بأن تكليف غيرهم القصرإذا سافر و إلا مطلقا و هكذا و هذا من غاية وضوحه لا سترة فيه أصلا و لم يخالف فيه أحد جزما ضرورة أن دليل الاشتراك إنما يثبت الكبرى و أما الصّغرى فلاشبهة في اختلافها بحسب حالات المكلّفين و لا خلاف فيه أيضا و إنما خالف من خالف في خصوص المقام و استدل بدليل الاشتراك غفلة عن حقيقة الحال‏
160
بتوهّم أن مقتضاه الاحتياط بإحراز محتملات الواقع حتى يقطع بالعمل بما كان مقتضى تكليفهم فإذا احتمل كون تكليفهم في المقام الأكثر فيجب الإتيان‏به و هكذا و لكنك خبير بفساده فإنه إذا احتمل كون تكليفهم بالأكثر من حيث بلوغ الخطاب به إليهم و علمهم به لم ينفع هذا الاحتمال في الحكم بوجوب الاحتياطعلينا مع جهلنا بذاك الخطاب نعم لو ثبت أنّ تكليف الحاضرين مع الجهل بالمكلّف به و دورانه بين الأقل و الأكثر الاحتياط لزمه القول به بالنسبة إليناأيضا و لكن نمنع من كون تكليف الحاضرين في هذا الموضوع الاحتياط إذا تحقّق في حقّهم لعدم قيام دليل عليه من العقل و النقل بل مقتضاهما في حقهم عدم‏تكليفهم به فدليل الاشتراك لنا لا علينا و إن كنا غير محتاجين إلى إثبات ذلك فإن مجرّد احتمال كون تكليفهم مع جهلهم الاحتياط لا ينفع في المقام بل لا بدّ من‏إثبات كون تكليفهم ذلك لأن التمسّك بالكبرى مع الشكّ في الصغرى لا معنى له كما هو واضح و قد يقال في منع جواز التمسّك بدليل الاشتراك في‏المقام بأن المسألة عقليّة لا سبيل للاحتمال و الشكّ فيه أصلا حتى يتمسّك فيها بدليل الاشتراك و غيره لأنه بعد ثبوت التكليف في الجملة إما أن يستقل العقل‏في الحكم بوجوب الاحتياط على ما يزعمه القائل بوجوبه في المقام أو يستقل بالبراءة فلا شكّ و لا دوران في الحكم الظاهري أصلا هذا و فيه أن حكم العقل بالبراءةعلى سبيل القطع لا ينافي ورود دليل من الشرع على وجوب الاحتياط فإنه وارد عليه و لا يكون منافيا له كما أن حكمه بالاحتياط لا ينافي ورود دليل من الشرع على‏مقتضى البراءة بل عندنا الأمر كذلك على تقدير القول باقتضاء الشغل اليقيني الاحتياط في المقام بالنظر إلى حكم العقل كما ستقف عليه و بالجملة لا سبيل إلى‏القول المذكور أصلا فإنه ناش عن قلّة التدبّر قوله قدس سره و أمّا الرابع فلأن وجوب المقدّمة فرع وجوب ذي المقدّمة إلخ‏(1) أقول قد يتوجّه على ما أفاده‏بأن المقدّمة العلميّة مقدّمة للعلم لا للواقع فجعل ذي المقدّمة في كلامه نفس الأمر المردّد لا العلم بحصوله محلّ نظر فالأولى تبديل قوله و هو الأمر المردّد بقوله‏و هو تحصيل العلم بالأمر الواقعي المردّد و هذا هو المراد قطع و إن كانت العبارة قاصرة عن الدلالة عليه في ابتداء النظر قوله قدس سره و أما الخامس فلأنه يكفي‏في قصد القربة إلخ‏(2) أقول قد يجاب عن الوجه المذكور مضافا إلى ما أفاده من عدم توقف قصد القربة بالفعل على العلم بكونه مطلوبا نفسيّا و متعلّقاللأمر الأصلي لكفاية العلم بمطلوبيّته في الجملة و إدّاء تركه إلى العقوبة و فعله إلى التخلّص عنها بالفرض على القول بوجوب الاحتياط فإنه لا يعلم بكون الأكثر مطلوباأصلا لأنفسنا و لا مقدّمة و امتثال الأمر الاحتياطي المتعلّق به لا يكون مقرّبا قطعا لكونه إرشاديّا جزما مع أن الالتزام بكونه مقرّبا يوجب الالتزام بكون‏امتثال الأمر المردّد المتعلّق بالأقلّ مقرّبا بل بطريق أولى فإنه إما أمر نفسيّ أو غيريّ و على كلّ تقدير يعلم بكونه مطلوبا شرعا و هذا بخلاف الأكثر فإنّ تعلّق الأمرالشرعي به احتمالي و الأمر المعلوم المتعلّق به إرشاديّ صرف فلو قيل بكفايته كان الأمر المردّد المتعلّق بالأقلّ قطعا أولى بالكفاية و لا يقاس المقام بالمتباينين‏حتى يقال بأنه يقصد التقرّب بامتثال الأمر الشرعي النفسي المتعلق بأحد الفعلين يقينا اللّهمّ إلا أن يقال بأنا نعلم أن فعل الأكثر مقرب قطعا و لو من جهة اشتماله على‏الواجب النفسي و لو لم يعلم بكونه مقرّبا بعنوانه و من حيث كونه أكثرا فالمحرّك حقيقة بفعل الأكثر امتثال الأمر النفسي المتوجّه إلى المكلّف يقينا من الشارع بل‏هو أولى بقصد التقرّب فيه من قصد التقرّب بالاحتياط و الجمع بين المحتملين في المتباينين فإن شئت قلت حصول التقرّب بفعل الأكثر اتفاقي حتى من القائل بالبراءةفإنه يجوّز الاحتياط قطعا بل نقول برجحانه هذا مع كفاية الحسن العقلي الثابت للاحتياط في قصد التقرّب بفعل الأكثر بهذا العنوان و إن كان الأمر المتعلّق‏بالاحتياط إرشاديّا صرفا و عقليّا محضا فتأمّل و راجع ما قدّمناه لك في تحقيق هذا البحث في مطاوي كلماتنا السابقة قوله قدس سره و الدليل العقلي على‏البراءة إلخ‏(3) أقول قد عرفت أنه لا تأمّل في حكم العقل بالبراءة في المقام فهو مطابق للنقل من حيث إن مجرّد العلم الإجمالي كيف ما كان و لو صار أحد طرفيه‏معلوم الالتزام تفصيلا لا يوجب تنجّز الخطاب بالنسبة إلى المجهول و إن المثال أجنبيّ عن المقام و لا دخل له به أصلا و إن الحكم فيه وجوب الاحتياط عن غير معلوم‏النجاسة من جهة تنجّز الخطاب بسبب العلم الإجمالي بوجود الخمر و حمل المثال على ملاحظة النجاسة للخمر مع قطع النظر عن حرمته من حيث خمريّته فالمقصودالتمثيل من الحيثيّة الأولى لا الثانية لا ينفع بعد عدم انفكاك الثانية عن الأولى وجودا و إن كانتا مفترقين من حيث اللحاظ كما لا يخفى و بالجملة المددعلى المتحيّث في المقام لا الحيثيّة كما هو ظاهر
في وجه تأمّله في الدليل العقلي على البراءة
ثم إن الوجه في تأمّل شيخنا العلاّمة قدس سره في حكم العقل بالبراءة على ما يستفاد من قوله نعم لو ثبت أن ذلك إلخ‏و صرّح به في مجلس البحث هو أن الوجه في المصير إلى الاحتياط في المتباينين و البناء عليه إن كان تعارض الأصلين في المشتبهين و تساقطهما و الرجوع‏إلى الاحتياط كما هو أحد الوجهين في موارد الحكم بوجوب الاحتياط فلا تأمل في الحكم بالبراءة في المقام لما عرفت من عدم جريان الأصل في الأقلّ بعد العلم‏بوجوبه حتّى يعارض الأصل في الأكثر و إن كان الوجه فيه حصول الغاية الرافعة لموضوع البراءة بعد العلم الإجمالي بالتكليف المنجزّ نظرا إلى تعميم البيان في حكم‏العقل بالبراءة في موضوع عدم البيان لما يشمل العلم الإجمالي كما هو الوجه و المختار في موارد وجوب الاحتياط سواء كانت في الشبهة الموضوعيّة كما في الشبهةالمحصورة أو الحكميّة كما في المتباينين كما عرفت تفصيل القول فيه في الشبهتين فيمكن القول بالاحتياط في المقام نظرا إلى حصول العلم الإجمالي و كونه مؤثّرا في‏تنجيز الخطاب و وجوب الأخذ بمقتضاه في الجملة على ما عرفت في مطاوي كلماتنا السّابقة من الفرق بين المقام و ما لا تأثير للعلم الإجمالي فيه في تنجّز الخطاب من‏جهة كون أحد طرفيه معلوم الخطاب تفصيلا هذا و لكنّك عرفت أيضا أن مطلق العلم الإجمالي المؤثر أيضا لا يمنع من الرجوع إلى البراءة إلا إذا كان تأثيره في بعض الأطراف‏
161
مستندا إلى احتمال كونه من موارد العلم لا إلى العلم بكونه مطلوبا كيف و لو جعل الغاية العلم بالخطاب المنجّز مطلقا و كيف ما اتّفق أشكل الفرق بين العقل و النقل في‏ذلك فلا بدّ إذا من القول بأن المستظهر من أخبار البراءة أو المتيقّن من مدلولها هو الرجوع إليها فيما لم يكن هناك خطاب منجّز أصلا فإذا يتأمل في البراءة من جهةالنقل أيضا فلا ينبغي تخصيص التأمّل في ذلك من جهة العقل فتأمل‏
في إمكان إجراء البراءة بالنسبة إلى وجوب الأكثر
قوله قدس سره و يمكن تقريب الاستدلال إلخ‏(1) أقول قد عرفت مرارا أنه كما يجري دليل البراءةعقلا و نقلا بالنسبة إلى الوجوب الغيري للزائد كذلك يجري بالنسبة إلى الأكثر أيضا لا بمعنى الجمع بينهما بل بمعنى كفاية جريانه بالنسبة إلى كلّ منهما عن جريانه بالنسبة إلى‏الآخر بل قد يقال بأن المتيقن إجراؤه بالنسبة إلى وجوب الأكثر حيث إنّ وجوب الجزء المشكوك تابع له و مسبّب عنه و ليسا في مرتبة واحدة على ما عرفت الإشارة إليه‏فالجزء ذاتا و إن كان مقدّما على وجوب الأكثر من حيث كونه مأخوذا في موضوعه إلا أنه حكما متأخّر عنه فلا يجتمع معه في الإرادة المستقلّة نعم لو شكّ‏في وجوبه من جهة الشكّ في ورود خطاب تفصيليّ بالنسبة إليه و لو كان غيريّا لا من جهة الشكّ في الخطاب بالكلّ المشتمل عليه جاز الرجوع إلى البراءة بالنسبة إليه و على‏كل تقدير الأولى الرجوع إلى البراءة بالنسبة إليه لأنه سالم عما يستشكل في الرجوع إلى البراءة بالنسبة إلى الوجوب الغيري من جهة النقل نظرا إلى كون الظاهر منها الترخيص‏في الحكم الشرعي المتعلّق بالموضوعات من حيث الاستقلال كما عن شيخ شيخنا قدس سره بعد منع جريان الدّليل العقلي على البراءة في المقام نظرا إلى ما عرفت فساده لا يقال كيف يحكم بما ذكر من الأولويّة مع أن وجوب الأكثر معلوم في الجملة و لو من جهة وجود الواجب في ضمنه لأنه على تقدير وجوب الأقلّ يكون الموجود الخارجي المشتمل‏على الزائد فردا منه لا محالة فيتّصف بالوجوب و من هنا يقصد التقرّب بفعله و لو لم يعلم بوجوبه بعنوانه و بوجهه و بعبارة أخرى الأكثر إما واجب نفسا أو مشتمل على‏الواجب فيكون في الخارج من مصاديقه بهذه الملاحظة و من هنا حكم في الكتاب بإمكان تقريب الاستدلال بالأخبار بالنسبة إلى وجوب الأكثر لأنّا نقول ما ذكر من كون الأكثر مصداقا للواجب على تقدير وجوب الأقلّ توهّم فاسد لأن صدق الواجب على الأقل المتحقّق في ضمن الأكثر إنما هو بالنسبة إلى الأقلّ و من هذه‏الحيثيّة و ليس الأقل و الأكثر من الكلّي و الفرد و مجرد الاشتمال لا يوجب التسرية من حيث الحكم و إلا جاز الحكم بوجوب الأكثر مع العلم بكون الواجب النفسي هو الأقلّ‏فإنه ليس ملحوظا بعنوان بشرط لا على هذا التقدير أيضا قوله قدس سره نعم لو كان الظاهر من الأخبار إلخ‏(2) أقول لعلّ المستشكل نظرا إلى أن الظاهر من الأخبار نفي‏الحكم الصادر من الشارع عند الجهل به أو المؤاخذة على الحكم المجعول من الشارع أصالة لا تبعا فإنّه ربّما يتوهّم من قوله ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم‏أن الموضوع الحكم الابتدائي من الشارع لا ما يتبع حكما آخر و إن كان هذا التوهّم فاسد أيضا لأن الوجوب الغيري صادر من الشارع و بيانه و أعلامه قد يكون‏بإيجاب المركب المشتمل عليه‏ قوله قدس سره مع إمكان أن يقال إن العقاب إلخ‏(3) أقول توضيح ما أفاده أن الجزء إذا لوحظ من حيث الوجود فقد يلاحظمن حيث ذاته و من حيث توقف وجود الكل على وجوده فيعرضه الوجوب الغيري التبعي كالمقدّمات الخارجيّة و قد يلاحظ من حيث عنوانه و بملاحظة انضمامه مع‏سائر الأجزاء فيعرضه الوجوب النفسي فإنه بهذه الملاحظة عين الكلّ كما هو ظاهر و أمّا إذا لوحظ من حيث العدم فعدمه عين عدم المركّب بعنوانه التركيبي‏الذي يكون معروضا للوجوب و ليس له بهذه الملاحظة وجهان و هذا بخلاف المقدّمات الخارجيّة فإن عدمها مستلزم لعدم ذي المقدّمة و ليس عينه‏ قوله قدس سره هذا كله إن جعلنا المرفوع إلخ‏(4) أقول قد يتوجّه على ما أفاده قدس سره و يناقش فيه بأن التعميم لمطلق الآثار الشرعيّة لا يوجب قوّة دلالةالأخبار بعد البناء على عدم كون الجزئيّة و فساد الصّلاة و وجوب الإعادة من الأحكام و الآثار المجعولة الشرعيّة كما عليه المصنف قدس سره نعم على القول‏بتعلّق الجعل بها ربما يكون الدلالة أقوى و أوضح فتأمل‏ قوله قدس سره ثمّ إنه لو فرضنا عدم تماميّة الدليل إلخ‏(5) أقول لا يخفى عليك أن التعبير بالحكومة في‏المقام لا يخلو عن مسامحة لعدم تصوّر الحكومة بمعناها الظاهر عنده قدس سره الراجع إلى التخصيص واقعا بلسان الشرح و التفسير بالنسبة إلى الأحكام العقليّةكما هو ظاهر فالمراد منها الورود كما يظهر من بيان الكتاب أيضا كما أنه المراد من ظاهر ما حكيناه ممن عاصره من بعض الأفاضل إلا أنه لم يفرق بين الحكومة و الورودفأطلق الحكومة على الورود في موارده‏
نقل كلام صاحب الفصول‏
قوله قدس سره و قد توهّم بعض المعاصرين إلى آخره‏(6) أقول ذكره في مسألة الصحيح و الأعمّ فإنه قال في عداد الوجوه التي‏ذكرها لنفي الثمرة المعروفة للمسألة على ما زعمه المحقق القمي قدس سره من جواز الرجوع إلى أصالة البراءة على القول بالوضع للصحيح أيضا ما هذا لفظه السابع عموم‏قوله في الموثّق ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و غير ذلك ممّا يفيد مفاده كالصحيح رفع عن أمتي تسعة و عدّ منها ما لا يعلمون و قوله من عمل بما علم‏كفى ما لم يعلم فإن لفظة ما للعموم فيتناول حكم الجزء و الشرط أيضا لا يقال لا نسلّم حجب العلم في المقام لقيام الدليل و هو أصل الاشتغال على وجوب‏الإتيان بالأجزاء و الشرائط المشكوكة لأنّا نقول المراد حجب العلم بالحكم الواقعي و إلا فلا حجب في الحكم الظاهري و فيه نظر لأنّ ما كان لنا إليه طريق و لوفي الظاهر لا يصدق في حقّه حجب العلم قطعا و إلا لدلّت هذه الرواية على عدم حجيّة الأدلة الظاهرية كخبر الواحد و شهادة العدلين و الاستصحاب و غير ذلك‏مما تفيد العلم بالظاهر فقط و لو التزم تخصيصها بما دلّ على حجيّته تلك الطرق تعيّن تخصيصها أيضا بما دلّ على حجيّة أصالة الاشتغال من عمومات أدلة الاستصحاب‏و وجوب مقدمة العلم بل التحقيق عندي أن يتمسّك بالرّوايات المذكورة باعتبار دلالتها على نفي الحكم الوضعي نظرا إلى حجب العلم و انتفائه بالنسبة إلى جزئيّةالجزء المشكوك و شرطيّة الشرط المشكوك فيكون بمقتضى النصّ موضوعا و مرفوعا في الظاهر و يكون مكفئين عنه فلا تكليف به لأن ما ثبت عدم جزئيّته أو
162
عدم شرطيّته في الظاهر لا يجب الإتيان به في الظاهر قطعا كما لو قام عليه نصّ بالخصوص و أصل الاشتغال و وجوب مقدّمة العلم لا يثبتان الجزئيّة و الشّرطيّةفي الظاهر بل مجرّد بقاء الاشتغال و عدم البراءة في الظاهر بدونهما و بالجملة فمقتضى عموم الروايات أن ماهيّة العبادات عبارة عن الأجزاء المعلومة بشرائطها المعلومة فتبيّن‏موارد التكليف و يرتفع عنها الإبهام و الإجمال و ينتفي الإشكال و لو تشبّث مانع بضعف عموم الموصولة و ادّعى أن المتبادر منها بقرينة ظاهر الوضع و الرفع‏إنما هو الحكم التكليفي فقط فأمكن دفعه أوّلا بأن الوضع و الرفع لا اختصاص لهما بالحكم التكليفي فإن المراد رفع فعليّة الحكم و وضعها و هو صالح للتعميم إلى‏القسمين فيكون التخصيص تحكما و ثانيا بأن من الأصول المتداولة المعروفة ما يعبّرون عنه بأصالة العدم و عدم الدليل دليل العدم فيستعملونه في نفي‏الحكم التكليفي و الوضعي و نحن قد تصفّحنا و لم نجد لهذا الأصل مستندا يمكن التمسّك به غير عموم هذه الأخبار فيتعيّن تعميمها للحكم الوضعي و لو بمساعدةأفهامهم و حينئذ فيتناول الجزئية و الشرطية المبحوث عنهما في المقام و لك أن تقول بأن ضعف شمول الرواية للمقام منجبرة بالشهرة العظيمة التي كادت‏أن تكون إجماعا على ما حكاه الفاضل المعاصر و ربما يظهر بالتفحّص في مصنّفاتهم و التتبع في مطاوي كلماتهم و ساق الكلام إلى أن قال و لنا في المقام كلام آخريأتي بيانه في الأدلة العقليّة انتهى كلامه رفع مقامه و الأولى نقل كلامه بطوله في الأدلّة العقليّة أيضا لارتباطه بالمقام قال قدس سره بعد جملة كلام له في بيان أصل‏العدم و الفرق بينه و بين أصالة البراءة بجريانه في الأحكام الوضعيّة كالجزئيّة و الشرطيّة دونها و الاستدلال له بوجهين أحدهما أخبار الاستصحاب و الإيراد عليه‏بأن التعويل عليها لإثبات الماهيّة المردّدة تعويل على الأصول المثبتة التي لا نقول بها ما هذا لفظه الثاني عموم ما دلّ على أنه رفع عن هذه الأمّة ما لا يعلمون و أنّ‏ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم إلى غير ذلك من الأخبار التي مرّ ذكرها و تخصيصها بالحكم التكليفي خروج عما يقتضيه وضع اللفظ من غير دليل‏و قيام الدليل في بعض الأحكام الوضعيّة و عدم اشتراطه بالعلم لا ينافي تعميمه إلى الموارد التي لا دليل فيها على ذلك ثم دائرة أصل العدم بحسب هذا الدليل‏أعني الأخبار أوسع من دائرته بحسب الدليل السابق لجريانه بمقتضى هذا الدليل في مطلق أحكام الوضع حتى الجزئيّة منها و الشرطيّة و المانعيّة لأن المفهوم من‏أخبار الباب رفع الحكم المجهول و إثبات ما يترتّب عليه من الأحكام الشرعيّة و غيرها ممّا يترتب عليه أحكام شرعيّة عملا بظاهر الإطلاق السالم عما يقتضيه صرفه هناعنه إذ الوجه الذي قرّرناه في منع الإطلاق أخبار الاستصحاب غير متطرّق إلى إطلاق هذه الأخبار و لو لا ذلك لالتزمنا بالإطلاق هناك أيضا فاتّضح بماقرّرناه أن الأصل المثبت بالمعنى المذكور إن كان استصحابا لم يعتبر و إن كان أصل العدم بالاعتبار الذي ذكرنا كان معتبرا هذا تحقيق ما أدّي إليه نظري سابقاو الذي أدّي إليه نظري لاحقا فساد هذا الوجه فإن الظاهر من أخبار الوضع و الرفع و ما في معناهما إنما هو وضع المؤاخذة و العقوبة و رفعهما فيدلّ‏على رفع الوجوب و التحريم الفعليّين في حقّ الجاهل دون غيرهما و حملهما على رفع نفس الحكم و تعميمه إلى حكم الوضع مع بعده عن سياق الرواية مناف لماتقرر عند الأصحاب من أن أحكام الوضع لا تدور مدار العلم بل و لا العقل و البلوغ و لهذا تراهم يحكمون في مباحث الفقه بترتّب أحكامها الوضعيّة كالحدث‏بأنواعه و الطهارة و النجاسة و الملكيّة المتعلّقة بالعين و المنفعة بأقسامها المقررة و الضمان و الخيارات و الصحة و البطلان إلى غير ذلك مما لا يحصى على‏الصغير و المجنون و الجاهل و العاقل إلاّ فيما شذ و ندر و بالجملة فالذي يظهر من اتفاقهم أن الأصل في أحكام الوضع عمومها للعالم و غيره و أن الخروج من‏هذا الأصل في بعض الموارد النادرة إنما هو لدلالة دليل عليه بالخصوص ثم نؤكّد الكلام في منع دلالة هذه الأخبار على أصالة عدم الجزئيّة و الشرطيّة وما في معناهما بالنسبة إلى ما شكّ في اتصافه بذلك بأن مرجع عدم وضع الجزئيّة و الشرطيّة في الجزء و الشرط المشكوك فيهما إلى عدم وضع المركّب من ذلك الجزء والمشروط بذلك الشرط فإن عدم جزئيّة الجزء بمعنى عدم كليّة الكلّ و على قياسه الشرط و المشروط و لا ريب في عدم جريان أصل العدم بالنسبة إلى المركّب و المشروطلأن أصالة عدم وضع الأكثر في مرتبة أصالة عدم وضع الأقلّ و أصالة عدم وضع المقيّد في مرتبة أصالة عدم وضع المطلق يعارضهما العلم الإجمالي بوضع‏أحدهما فيسقطان عن درجة الاعتبار فكذا ما يرجع إلى ذلك ممّا لا يغايره إلاّ بمجرّد المفهوم سلّمنا مغايرتهما بغير المفهوم لكن لا خفاء في أن الجزئية و الشرطيّةلا يستدعيان وضعا مغايرا لوضع الكل و المشروط بل هما اعتباريان عقليان متفرعان على وضع الكل و المشروط و عدمهما من الحكم الشرعي مبني على مراعاةهذا الاعتبار و إلا قلنا عند التحقيق منه فلا ينصرف الوضع و الرفع في الأخبار إليهما سلّمنا لكن لا ريب في أن الجزئيّة و الشرطيّة كما ينتزعان من اعتبارالجزء في الكلّ و الشرط مع المشروط كذلك ينتزع عدمهما من عدم اعتبارهما فيكون عدمهما أيضا حكما وضعيّا كثبوتهما و نسبة عدم العلم إلى كل منهما بالخصوص‏سواء فلا وجه لترجيح إعمال الأصل بالنسبة إلى أحدهما بالخصوص مع العلم بانتقاض الأصل‏بالنسبة إلى أحدهما لا على التعيين فيسقط الاستدلال بأخبار الوضع و الرفع و ما في معناهما بقي الاحتجاج برواية من عمل بما علم كفى ما لم يعلم فالوجه في الجواب‏القدح في دلالته بأن الظاهر مما علم ما علمه من المطلوبات النفسيّة دون الغيريّة و الإتيان بما علم من أجزاء العبادة و شرائطها ليس إتيانا بما علم أنه مطلوب‏نفسي فلا يندرج في عموم الرواية سلّمنا لكن معنى ما علم ما علم مطلوبيّته لا ما علم جزئيّته أو شرطيّته و لا ريب في العلم بمطلوبيّة الجزء و الشرط المشكوك فيهما من‏باب المقدّمة فلا يندرجان في عموم ما لم يعلم فاتضح ممّا حققنا أن المستند على حجيّة أصل العدم في أحكام الوضع منحصر في الاستصحاب و قد بيّنا عدم‏
163
مساعدته على جريانه بالنسبة إلى وضع الجزئيّة و الشرطيّة فالتحقيق إذا هو القول بوجوب الاحتياط فيهما حيث لا يقوم دليل على نفيهما انتهى كلامه المتعلّق‏بالمقام بتمامه رفع الله في الخلد مقامه‏
في التعرّض لما اعترضه المصنّف على الكلام المذكور
و في كلامه كما ترى أنظار غير مخفيّة على الواقف بما ذكرنا في طيّ أجزاء التعليقة و سنذكره يطول المقام بذكرها و نقتصر فيه‏على التعرّض لما أورده شيخنا قدس سره عليه في الكتاب بقوله قدس سره أقول قد ذكرنا في المتباينين و فيما نحن فيه أن استصحاب الاشتغال إلى آخره و حاصله كما ترى يرجع إلى وجوه‏ الأوّل أن الحكم بحكومة قاعدة الاشتغال على أخبار البراءة كرواية الحجب و نحوها لا معنى له سواء كان مدركها حكم العقل بها من باب حكمه بوجوب‏دفع الضرر المحتمل أو استصحاب الاشتغال أو الأخبار أما الأول فلما عرفت من ورود أخبار البراءة على الحكم المذكور نظرا إلى ارتفاع موضوعه و ما هو المناطله من العقاب المحتمل من جهة حكم الشارع بالجواز و عدم الوجوب من الأخبار المذكورة فليس الحكمان في مرتبة واحدة فضلا عن حكومة الأول على الثاني و ليس‏حكم العقل بوجوب الاحتياط في المقام على تقدير تسليمه أقوى من حكمه به في المتباينين من الشبهة الحكميّة و الموضوعية كاشتباه القبلة مثلا و المناطفيه في كليهما دفع الضرر المحتمل في أطراف الشبهة و المحتمل كما في المقام فإذا حكم الشارع بجواز ترك الصلاة إلى بعض الجهات كما وقع في الشرعيّات فهل يتوهّم‏أحد أن الحكم المذكور مناف لحكم العقل بوجوب الاحتياط و يجعله مخصّصا له حاشا بل يحكم كل أحد بكونه رافعا لموضوع حكم العقل بوجوب الاحتياطفإذا كان حال الحكم المذكور بالنسبة إلى حكم العقل كذلك كان حال حكم الشارع بجواز ترك الجزء المشكوك أو الأكثر من جهة أخبار البراءة بالنسبة إلى حكمه كذلك فلا محالةيكون واردا عليه إذ الفرق بالخصوص و العموم لا يصلح فارقا بعد عدم إمكان التخصيص في العقليّات و أما على الثاني فأمّا أوّلا فبأن استصحاب الاشتغال‏بأحد معنييه لا معنى له أصلا على ما عرفت سابقا و بالمعنى الآخر لا ينفع جزما و لا يثبت وجوب الاحتياط إلا على القول بجواز التعويل على الأصول المثبتةالذي لا نقول به وفاقا للفاضل المذكور و المحققين بناء على القول باعتبار الاستصحاب من جهة الأخبار الناهية عن نقض اليقين بالشكّ و من هناالتزم بوجوب الاحتياط فيما عرفت من كلامه من جهة عدم جواز إثبات الماهيّة بأصالة البراءة و ما يرجع إليها من أصالة العدم بناء على الاستدلال لهابأخبار الاستصحاب و كونها منه مبتنيا المسألة على جواز تعيين الماهيّة بالأصل و عدمه هذا مع أنه على تقدير جواز التعويل على الأصل المثبت لا معنى للرجوع‏إلى استصحاب الاشتغال لحكومة أصالة البراءة المعيّنة للماهيّة و كذلك أصل العدم المعيّن لها عليه كما هو ظاهر و أمّا ثانيا فبأنّه على فرض تسليم جواز التعويل‏على الأصل المثبت لا ينفع الاستصحاب المذكور في محلّ البحث لحكومة أخبار البراءة عليه في خصوص الفرض حيث إن المقصود من استصحاب الاشتغال في الزمان‏اللاحق و تعيين الواجب في ضمن الأكثرية ليس إلا إثبات وجوب الجزء المشكوك و الحكم به و قد تعلّق الحكم الظاهري بنفي وجوب الأكثر و الجزء المشكوك قبل جريان‏الاستصحاب المذكور و تحقّق موضوعه فبعد الحكم بنفيه ظاهرا في السّابق و تجويز تركه لا معنى للحكم بإثباته ظاهرا في اللاحق فإن شئت قلت في بيان الحكومة إنّ‏الشكّ في بقاء الاشتغال و الوجوب مسبّب عن الشكّ في وجوب الأكثر أو الجزء المشكوك في أصل الشرع فإذا حكم بنفيهما بمقتضى أخبار البراءة فيرتفع الشكّ‏عن البقاء بحكم الشارع و هذا معنى الحكومة و العكس بأن يقال إن الشكّ في أصل حكم الشارع مسبّب عن الشكّ في بقاء الاشتغال و الوجوب بعد الإتيان‏بالأقلّ لا معنى له كما هو ظاهر مع أنه مستحيل مطلقا ضرورة امتناع صيرورة علة الشي‏ء معلولا له و بالتأمّل فيما ذكرنا من شرح الحكومة و بيانها يظهر لك فسادما قد يورد على ما أفاده شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره في بيان الحكومة بقوله و ممّا ذكرنا يظهر حكومة هذه الأخبار إلى آخره بأن الذي يظهر مما ذكره حسبما يفصح‏عنه مقالته اقتضاء الأخبار نفي العقاب ليس إلاّ و من المعلوم عدم ظهور حكومة أخبار البراءة بملاحظة هذا المعنى المستظهر منها على الاستصحاب المذكورلأن حكم الشارع بنفي العقاب إنما ينفع في رفع اليد عن الحكم المبتني على احتمال العقاب كحكم العقل بوجوب الاحتياط لا في رفع اليد عمّا يكون مقتضيا في‏الظاهر لوجوب الإتيان بالمشكوك من حيث هو بل المتعيّن عليه هو القول بعكس ذلك و تحكيم الاستصحاب المقتضي لوجوب الجزء المشكوك ظاهرا بناء على‏القول بالأصل المثبت على أخبار البراءة فإن رفع العقاب على ترك المشكوك رفع لوجوبه في مرحلة الظاهر كما أن الإخبار بثبوت العقاب على ترك فعل إثبات‏لوجوبه فالتحكيم الذي أفاده إنما هو بالنظر إلى رفع الوجوب لا مجرّد رفع العقاب فقط فتأمل حتى لا يختلط عليك الأمر في المقام و أما على الثالث فلماعرفت في طيّ الكلام على أخبار الاحتياط في الموضع الأول من الشك في الشبهة التحريميّة الحكميّة التي ذهب الأخباريّون إلى وجوب الاحتياط فيها مستدلّين‏بتلك الأخبار من أن مساق أكثرها إن لم يكن كلّها مساق حكم العقل المبتني على دفع الضرر فيحمل على الطلب الإرشادي لا الشرعي فيرتفع موضوعها بأخبارالبراءة و على تقدير حملها على الطلب الشرعي لا بدّ من أن يحمل على الطلب القدر المشترك لئلا يرد التخصيص عليها بإخراج ما لا يجب الاحتياط فيه باتفاق الأخباريين مع‏إبائها عن التخصيص هذا مع ما عرفت من أنه على تقدير حملها على الطلب الشرعي الإلزامي الظاهري لا يجوز تحكيمها على أخبار البراءة لما عرفت من أن نفي العقاب‏على الحكم الواقعي المجهول في معنى تجويز الفعل و عدم وجوب الاحتياط سيما حديث الرفع الظاهر في رفع وجوب الاحتياط الثابت في الشريعة بل الأمرعكس ما ذكره بالنسبة إلى الحديث الشريف و من هنا جعلناه حاكما على ما دلّ على ثبوت الآثار الشرعيّة بعمومها في مورد الحالات المذكورة في الرواية على‏تقدير التعميم لجميع الآثار نعم لو كان الموضوع في أخبار البراءة الجهل المطلق بحكم الشي‏ء و بجميع مراتبه و الموضوع في أخبار الاحتياط الجهل بحكم الشي‏ء
164
في مرحلة الواقع و من حيث هو و كان المحمول وجوب الاحتياط كانت أخبار الاحتياط حاكمة على أخبار البراءة في وجه و واردة عليها في وجه آخر لكن المقدّرات‏بأسرها ممنوعة و إن أمكن تقديرها لأن فرض المحال ليس بمحال فضلا عن الممكن المخالف لظاهر الدليل و إلى التقدير الأخير ينظر تصديقه في الكتاب بقوله‏نعم لو كان مستند الاحتياط إلى آخره فافهم و راجع ما ذكرنا في شرح المقام في الموضع الأوّل من الشكّ الثاني ما أفاده من الملازمة بين حكومة أخبارالبراءة على قاعدة الاشتغال و بين دلالتها على عدم حجيّة الأدلّة الظنيّة كأخبار الآحاد و تعارضها معها من حيث عدم حصول العلم منها بالواقع كما لا يحصل‏من القاعدة بقوله و إلاّ لدلّت هذه الأخبار إلى آخره مما لا معنى له عند من له أدنى تأمّل لوجود الفرق البيّن بينهما بما لا يخفى على الأوائل فإن حجيّة الأدلّة الظنيّة ليست‏من حيث احتمال الضرر و العقاب بل من حيث كشفها عن الواقع ظنّا و لو بحسب النوع و الطبع و دليل اعتبارها إنما دلّ عليه من هذه الحيثيّة و الجهة و حاصل‏مفاده عدم الاعتناء باحتمال عدم إصابتها للواقع و خطائها و معناه رفع اليد عن الأصل الذي أسّس شرعا في موضوع احتمال الواقع و الشكّ فيه فهو شارح‏لدليل اعتبار الأصل و مفسّر له و مبيّن لمقدار مدلوله فهو و إن لم يكن رافعا لموضوع الاحتمال وجدانا و حقيقة إلا أنه رافع له بحكم الشارع و هذا بخلاف‏القاعدة المبتنية على وجوب دفع الضرر المحتمل فإنّها لا يمكن أن تكون شارحة لما سواها من الأصول الشرعيّة و لو جعل الموضوع فيها عدم العلم بالحكم بالمعنى‏الأعمّ من الظاهري و الواقعي لا خصوص الأخير و العجب كل العجب من اشتباه هذا الفرق البيّن عليه مع ما عليه من مقام العلم هذا مع أن لنا قلب ما أفاده عليه‏بأنه لو كانت القاعدة حاكمة على أخبار البراءة لوجب الحكم بحكومتها على الأدلّة الظنيّة المطابقة لها في القضايا إذ المفروض على ما زعمه حكومة القاعدة على ما ينفي‏التكليف في مرحلة الظاهر من غير فرق بين أقسامه إذ المفروض أن مفاد الأدلة الظنيّة أيضا حكم ظاهريّ كمفاد أخبار البراءة فإذا بني على عدم التميز و الفرق لزمه ذلك فتأمل‏و منه يظهر ما في قوله و لو بني على تخصيصها إلى آخره إذ قد عرفت أن وجه العمل بها في قبال الأصول الشرعيّة بأسرها هو حكومتها عليها مع أن تخصيصها بها مع الغضّ‏عمّا ذكرنا من الترتّب و التقدّم الذاتي و تسليم كونهما في مرتبة واحدة لا يوجب الحكم بجواز تخصيص أخبار البراءة بالقاعدة المبتنية على احتمال العقاب مع ورود الأخبارعليها كما هو ظاهر الثالث أن عدوله عن التمسّك بالأخبار المذكورة لنفي الحكم التكليفي إلى التمسّك بها لنفي الحكم الوضعي في ذيل كلامه أشدّ ضعفاأمّا أوّلا فيمنع العموم للأخبار المذكورة لنفي الحكم الغير التكليفي على ما عرفت تفصيل القول فيه في طيّ كلماتنا و اعترف به أيضا قدس سره في كلامه الذي نقلناه عنه أخيرا في‏باب أصل العدم و أمّا ثانيا فبمنع كون الجزئيّة أمرا شرعيّا حتى يتعلّق الحكم بإثباتها و نفيها بل هي كسائر الأحكام الوضعيّة من الأمور الاعتباريّة المنتزعة من‏الأحكام التكليفيّة على ما عرفت بعض الكلام فيه و ستعرف تفصيله في كلماتنا بعد ذلك و قد اعترف به أيضا في كلامه المذكور بل قيل معنى جعل الحكم الوضعي جعل‏الحكم التكليفي الذي ينتزع عنه كما هو الظاهر من قول شيخنا قدس سره و منع كون الجزئيّة أمرا مجعوليّا شرعيّا غير الحكم التكليفي فإن المراد مغايرتهما بحسب الجعل بمعنى‏تعلّق الجعلين بهما و إن كان ظاهر كلام هذا الفاضل في أوّل الكتاب كونه مجعولا مستقلاّ في قبال جعل الحكم التكليفي لا أن يرجع جعله إلى جعله فإن مرجعه إلى‏إنكار جعل الحكم الوضعي فإن أحدا لم ينكر الجعل بالنسبة إلى الحكم التكليفي في مورد الأحكام الوضعيّة و بالجملة جزئيّة الجزء كليّة الكلّ كما اعترف به قدس سره من‏الاعتباريّات العقليّة لا يجامع الحكم لشمول الرواية لها كما لا يخفى و أما ثالثا فبأنه إذا بني على عدم مساعدة الأخبار لإثبات الأصول المثبتة و لأجله قال‏إن نفي الوجوب بمقتضى الأخبار لا يثبت الماهيّة و لا يعيّنها في ضمن الأقلّ و كذلك نفي الجزئيّة بمقتضى أخبار الاستصحاب أيضا لا يثبتها لم يعقل الفرق في مدلولهابين الاستناد إليها لنفي الحكم التكليفي و بينه لنفي الحكم الوضعيّ فكما أن نفي وجوب الجزء المشكوك و كذلك نفي وجوب الأكثر بالأخبار المذكورة لا يثبت الماهيّةكذلك نفي جزئيّة المشكوك و كليّة الأكثر المشتمل عليه بالأخبار المذكورة لا يثبتها إذ لا يعقل الفرق بين الأمرين بعد البناء على كون المجعول بالروايات المذكورةهو خصوص الآثار الشرعيّة المترتّبة على المنفيّ بها في مرحلة الظاهر و كأنه قدس سره زعم كون مفادها فيما إذا نسب إلى الحكم التكليفي هو النفي في مرحلة الظاهر و فيماإذا نسب إلى الحكم الوضعي هو النفي في مرحلة الواقع فيكون دليلا اجتهاديّا بهذه الملاحظة كما يفصح عنه قوله إن مقتضى هذه الروايات أن ماهيّة العبادات إلخ‏و أنت خبير بما فيه إذ كيف يعقل الفرق في مفاد رواية واحدة بين النسبتين و أما ما أفاده في المقام في كلامه الذي حكينا عنه أخيرا من المعارضة بين الجزئية و عدمهانظرا إلى كون كل منهما حكما شرعيّا بناء على القول بتعلّق الجعل بالأحكام الوضعيّة فيتعارض الأصلان بالنسبة إلى وجودها و عدمها للعلم الإجمالي‏بجعل أحدهما فهو مما لا محصّل له و إن هو إلا كالقول بأن الوجوب كما يكون حكما شرعيّا كذلك عدمه أيضا حكم شرعيّ فكل مورد شكّ فيه يجري الأصلان فيه‏بالنسبة إلى وجوده و عدمه و يتعارضان فتأمل و القول بأن تعيين الماهيّة في الأقل يحتاج إلى جنس وجوديّ و هو اعتبار الأجزاء المنسيّة و فصل عدميّ‏و هو عدم اعتبار غيرها و الجنس موجود بالفرض و الفصل مورد للأصل فلا يلزم هناك من تعيين الماهيّة بنفي الجزئيّة التعويل على الأصل المثبت و هذابخلاف نفي الوجوب فإنه يلازم كون الماهيّة هي الأقلّ و ليس عين مجرى الأصل و من هنا يفرق بين الحكمين في مفاد الروايات فليس هنا اختلاف في أصل معناهافاسد مضافا إلى ما ستقف عليه عن قريب من ضعف هذا التوهّم بأنه اعترف بأن نفي الجزئيّة بأخبار الاستصحاب لا يجدي في تعيين الماهيّة إلا على القول بجوازالتعويل على الأصل المثبت و إنما أراد الفرق بين الحكمين بالنظر إلى أخبار البراءة الرابع أن ما استشهد لتعميم روايات الباب أخيرا من فهم العلماء منها
165
ذلك حيث إن من الأصول المعروفة المسلّمة عندهم أصالة العدم و عدم الدليل دليل العدم و يستعملونها في نفي ما شكّ فيه مطلقا من غير فرق بين‏الحكم التكليفي و غيره و لا مستند لهم في ذلك إلا الروايات فلا بد من تعميمها و لو بمساعدة أفهامهم ممّا لا معنى له أيضا لأن استنادهم إلى الأصلين في نفي غيرالحكم التكليفي في الجملة مما لا مجال لإنكاره كما أن عدم استنادهم في الأصلين إلى روايات الباب مما لا ينبغي التأمّل فيه أمّا غير حديث الرفع مثل رواية الحجب‏و نظائرها فلم يستظهر منهم إلا الاستناد إليه في نفي المؤاخذة و الحكم التكليفي فقط كما هو الظاهر منه بلا ارتياب و أمّا حديث الرفع فهم بين مخصّص له‏برفع المؤاخذة و الحكم التكليفي على ما عرفت في القسم الأوّل من الشكّ من أنه الظاهر منه و بين معمّم له لرفع غير المؤاخذة من الآثار الشرعيّة المترتّبة على الموضوعات‏المذكورة في الرواية بالمعنى الذي عرفته ثمّ فيجعلونه حاكما على أدلّة الآثار كدليل نفي الحرج و الضرر بالنسبة إلى أدلّة الأحكام الشرعيّة و هذا المعنى لما لم‏يتصوّر بالنسبة إلى قوله ما لا يعلمون ضرورة عدم إمكان رفع ما له دليل علمي و لو على وجه العموم على ثبوته بما دلّ على رفع الحكم عند عدم العلم به بل على تقديرجعل المراد من الرفع المعنى الأعم الشامل للدّفع أيضا لا يمكن تعميمه بالنسبة إلى قوله ما لا يعلمون لشمول المعنى العام لصورة وجود الدليل الغير المجامعة على ما عرفت‏مع تعلّق الرفع بعدم العلم كما هو ظاهر فلا يمكن الاستناد للأصلين بالروايات المذكورة غاية ما هناك تصادق الروايات بحسب‏المورد مع موارد الأصلين في الجملة وهذا لا يدلّ على الاستناد فيهما إليها بل‏يدل على العدم ضرورة امتناع‏أخصّيّة العلّة من المعلول و افتراقهامنه و لو في بعض الموارد كما هو ظاهر فلا بد أن يكون استنادهم في الأصلين إلى شي‏ء آخر غير الأخبار المذكورة إما أصل العدم فهو من أقسام الاستصحاب فيدلّ‏عليه ما دلّ على اعتباره من الأخبار أو بناء العقلاء و يمكن الاستدلال في خصوص باب الألفاظ ببناء أهل اللسان و العرف عليه من باب الظنّ و الظهور من‏غير أن يكون بناؤه على ملاحظة الحالة السّابقة حتى يدخل بذلك في الاستصحاب و أما عدم الدليل دليل العدم فبناؤه إما على حصول القطع منه كما في مسألة النبوّةو أمثالها من مسائل الأصول و إمّا على حصول الظنّ منه كما يظهر بالتصفّح في كلماتهم سيّما كلام المحقّق قدس سره و إن لم تقل باعتباره على الوجه الثاني على تقدير تسليم‏حصول الظن منه مطلقا أو فيما يحصل منه إذا لم نقل بحجيّة مطلق الظن في الأحكام الشرعيّة
في تشخيص ما هو محلّ البحث و النزاع في مسألة مقدّمة الواجب‏
قوله قدس سره و حاله حال سابقه بل أردأ إلخ‏(1) أقول ظاهر ما أفاده‏بل صريحه إجراء أصل العدم بالنسبة إلى الحكم التكليفي المتصوّر للجزء في قبال ما يذكره بعده و محصّل القول في ذلك أن للحكم التكليفي الثابت للجزء وجوهابعضها محلّ النزاع و الكلام في مسألة وجوب المقدّمة و بعضها خارج عن حريم البحث أحدها الوجوب العارض عليه بملاحظة انضمامه مع سائر الأجزاءو ما له دخل في تحقّق المطلوب و بعبارة أخرى من حيث صيرورته جزءا فعليّا للمركّب و وجوبه بهذا الاعتبار و اللحاظ عين وجوب الكلّ لأنّه عين الكلّ بهذه‏الملاحظة و أن غايره بحسب التعبير أو الاعتبار فمرجع أصالة عدم وجوب الجزء بهذا المعنى و الاعتبار في المقام إلى أصالة عدم وجوب الأكثر ثانيها اللزوم‏و اللابديّة أي الوجوب بالمعنى اللغوي و ذكر شيخنا قدس سره في الكتاب أن الوجوب بهذا المعنى ليس حادثا مغايرا للجزئيّة و المقدّميّة بل حدوثه بحدوث المقدميّةكالزوجيّة للأربعة فلا يمكن إجراء الأصل فيه و إن هو إلا نظير إجراء الأصل في عدم الزوجيّة في العدد المردّد بين الأربعة و الثلاثة مثلا و لكن التحقيق أن الوجوب‏بهذا المعنى عين المقدميّة فليس نفيه بالأصل من نفي الحكم التكليفي حقيقة فتدبّر ثالثها الوجوب الإرشادي العقلي الثابت لجميع المقدّمات الداخليّة والخارجيّة و هذا المعنى و إن لم يقع النزاع في ثبوته في مسألة مقدّمة الواجب على ما حقّقناه فيها وفاقا لشيخنا قدس سره و من هنا توهّم بعض خروج المقدّمة العلميّةعن حريم البحث زعما منه عموم النزاع لما يشمل الوجوب الثابت للمقدّمة العلميّة من الوجوب الإرشادي العقلي مع وضوح فساده لأن الوجوب الإرشادي‏ثابت لجميع المقدّمات اتفاقا من غير فرق بين المقدّمة العلميّة و الوجوديّة غاية ما هناك عدم إمكان عروض غير الوجوب الإرشادي للمقدّمة العلميّة حيث‏إن الوجوب الثابت لذيها ليس إلا الوجوب الإرشادي العقلي إذ مبناه على وجوب دفع الضرر المحتمل و ليس له وجوب شرعيّ حتى يتوهم الوجوب بمعنى آخر لمقدميّته‏إلا أنه لا يعقل الشكّ فيه مع الشك في الجزئيّة حتى يرجع إلى الأصل فيه كما هو الشأن في جميع الأحكام العقليّة و من هنا ذكرنا في مسألة وجوب المقدّمةفي قبال من جعل الأصل في المسألة عدم الوجوب أنه لو كان المشكوك الوجوب الغيري الذي أنشأه الشارع للمقدّمة جاز الرجوع إلى الأصل بالنسبة إليه‏على تقدير وقوع الشكّ فيه و لو كان المشكوك الوجوب العقلي أو حكم العقل بثبوت الملازمة بين طلب الشي‏ء و طلب مقدّماته لا الملازمة الواقعيّة التي يرجع‏إلى المعنى الأول باعتبار و أراد القائل نفيها بالأصل لم يكن معنى له لأنه لا يمكن وقوع الشكّ في الحكم العقلي رابعها الطلب الشرعي التوصّلي التّبعي الغيري‏الثابت للجزء من حيث توقف وجود الكل عليه كما هو ثابت للمقدمة الخارجيّة بهذه الملاحظة و إن كان العقل يحكم به و يكشف عن ثبوته أيضا بعد إحرازالمقدّميّة و هو الذي وقع النزاع فيه في مسألة وجوب المقدّمة و إنما الكلام في جواز الرجوع إلى الأصل المذكور بالنسبة إليه فإن كان الغرض من الأصل‏المذكور نفي الأحكام الشرعيّة المترتّبة على الوجوب الغيري فلا إشكال في جريانه بناء على ما ستقف عليه من عدم معارضة الأصل في الأقل معه و إن‏كان المقصود منه مجرّد نفي المؤاخذة المطلوب بأصالة البراءة فحاله حال الأصل المتوهم جريانه في الأكثر لترتب هذا الأثر و قد عرفت أن عدم استحقاق المؤاخذةمضافا إلى كونه مما يحكم به العقل فلا معنى للشكّ فيه مترتّب على عدم العلم بالوجوب لا على عدم الوجوب في نفس الأمر و إن كان الغرض منه تعيين الماهيّة و الواجب‏النفسي في المركب الخالي عنه و هو الأقل فهو مبنيّ على القول باعتبار الأصول المثبتة بناء على عدم معارضته بالأصل الجاري في الأقل من حيث وجوبه‏لابتلائه بالأصل الجاري في الأكثر من حيث وجوبه بهذا المعنى مع كونهما في مرتبة واحدة و كون الشكّ في الجزء المشكوك ناشئا عن الشكّ المتقوّم بهما فيكون‏
166
الأصل الجاري في الجزء نظير الأصل الجاري في الملاقي بالكسر فتأمّل في المقام فإنه من مزالّ الأقدام و قد تقدّم منّا فيه الكلام فراجع إليه هذا و لعلّك تظفرممّا فصّلنا لك على كون الأصل المذكور أردأ من الأصل الجاري في وجوب الأكثر و إن كان الظاهر منه الاحتمال الأخير المتّحد مع سابقه حكما بل ربما يكون‏سابقه أردأ بالنظر إلى ما ذكرنا من البيان كما لا يخفى‏
في أنّ أصالة عدم الجزئية لا ينفع في المقام على شي‏ء من التقادير
قوله قدس سره و منها أصالة عدم جزئيّة المشكوك و فيه أن جزئية الشي‏ء المشكوك إلخ‏(1) أقول لا يخفى‏عليك أن المراد مما أفاده أوّلا من الوجه في الجزئيّة الذي حكم بعدم كونه حادثا مسبوقا بالعدم هو التوقّف و المقدّمية لا المعنى الوضعي المعروف كماسبق إلى بعض الأوهام فلا معنى لجعل قوله و إن أريد إلى آخره تفصيلا لما أجمله و بالجملة لا إشكال عندنا في عدم جريان الأصل في الجزئيّة بمعنى التوقف‏و المقدّميّة لأن العدم المتحقق في زمان عدم ذي المقدّمة لا ينفع في إجراء الأصل بالنسبة إلى زمان فرض ذي المقدّمة و تحقّقها و بعبارة أخرى عدم وجودالجزئيّة في زمان عدم وجود جزء و كل لا يجدي استصحابه لإثبات عدمه بعد جعل الكل و بعبارة ثالثة عدم الوصف باعتبار عدم الموصوف و عدم‏العرض باعتبار عدم الموضوع و المعروض ليس مما يجري فيه الاستصحاب بعد وجود الموصوف و المعروض و هو المراد من الأصل الاعتباري في السنة جمع‏ممن قارب عصرنا في باب الاستصحاب الذي حكموا بعدم اعتباره هذا و إن أريد من الجزئيّة الحكم الوضعي المعروف الذي وقع الكلام في كونه مجعولا شرعيّاأو أمرا اعتباريّا عقليّا و مفهوما منتزعا من الحكم التكليفي حسبما هو الظاهر من كلام المتمسّك بالأصل فيكون المراد من عدم جزئيّة السّورة مثلا عدم صيرورتهاجزءا للمركب المأمور به فيكون المقصود من نفيها بالاستصحاب إثبات خلوّ المركّب المأمور به عنه فيتوجّه عليه أن قضيّة التحقيق الذي ستقف على تفصيل القول فيه في محلّه عدم تعلّق الجعل بالأحكام الوضعيّة فلا يعقل‏الحكم بنفيها بالأصل إلاّ باعتبار نفي منشإ انتزاعها بالأصل فمرجع الأصل المذكور بعد فرض جريان الأصل في نفس الجزئيّة إلى أصالة عدم الأمر به أو إلى أصالةعدم الأمر بما يكون مركّبا منه و جزءا له فيرجع إلى الأصل في الحكم التكليفي بالنسبة إلى الجزء أو الأكثر فيتوجّه عليه ما عرفت شرحه في إجراء الأصل بالنسبة إلى الحكم التكليفي‏فلا ينبغي إعادته و إن أريد من الجزئيّة تصوّر الجزء و ملاحظته مع سائر ما له دخل في المركّب شيئا واحدا و إن كان خلاف الظاهر منها عند الإطلاق إلا أنّه لا كلام‏في ثبوتها لجميع ما يكون جزءا للمركبات الاعتباريّة بحيث لا يعقل إنكاره و إلا لزم إنكار المركّب الاعتباري و اختراع الماهيّات و الجعل بالنسبة إليها فإنّ معنى تركيبهاو اختراعها و جعلها هو ملاحظة المركب و المخترع من غير فرق بين الشارع و غيره عدّة أمور لا ارتباط بينها حسّا و لا تجتمع وجودا أصلا شيئا واحدافالجعل و الاختراع و التركيب إنما هو بحسب الملاحظة لا الحقيقة فمرجع أصالة عدم جزئيّة المشكوك إلى عدم ملاحظته مع سائر ما فرغ عن دخله في المركّب المأمور به‏شيئا واحدا فإن أريد من نفيها بالأصل ترتيب ما فرض ترتّبه شرعا على مجرى عدم الجزئيّة بهذا المعنى فلا كلام فيه إلا أنه لا جدوى له إذ لا تعلّق له بالمقام أصلا وإن أريد منه إثبات خلوّ المركّب المأمور به عنه و أنه اعتبر المركّب بالنسبة إلى ما عداه و هو الأقل فيثبت بذلك كليّة الأقل فيتوجّه عليه مضافا إلى معارضته بالمثل لأنّ‏الأصل عدم ملاحظة التركيب بالنسبة إلى سائر الأجزاء فإن مجرّد الملاحظة المعلومة بالنسبة إلى سائر الأجزاء لا تفيد في تحقّق التركيب بالنسبة إليها لتوقّفه على ملاحظتهابعنوان الوحدة بأنه أصل مثبت فإن قلت نمنع من كونه أصلا مثبتا لأن كون الماهيّة الأقل و يتوقّف على أمرين أحدهما ملاحظة ما فرض دخله في المركّب‏و هو بمنزلة الجنس له و عدم ملاحظة غيره معه و هو بمنزلة الفصل له و الجنس موجود بالفرض و الفصل ثابت بالأصل فلا يراد إثبات شي‏ء آخر و هذا بخلاف كونهاالأكثر فإنه يتوقف على جنس وجوديّ و فصل وجوديّ أيضا ضرورة أن القلّة و الكثرة من الأمور الإضافيّة بالنسبة إلى ما فوقها و ما تحتها فأقليّة الأقل إنّماهي باعتبار عدم اشتماله على ما يشتمل عليه الأكثر لا باعتبار اشتماله على ما يشتمل عليه الأجزاء ضرورة عدم اتصافه بكونه أقل بهذا اللحاظ و الاعتبار كما أنّ‏أكثرية الأكثر إنما هي باعتبار اشتماله على ما لا يشتمل عليه دونه من المراتب فإذا فرض كون الأقلّ مركبا من جنس وجوديّ متحقق بالفرض و فصل عدميّ شكّ في ثبوته فالشكّ‏في عنوانه مسبب لا محالة عن الشكّ في اشتماله على الجزء الزائد فمعنى الحكم بعدم جزئيّة المشكوك و دخله في المركّب و عدم ملاحظته مع سائر الأجزاء الحكم بكون سائر الأجزاءملحوظا بدونه و كونه غير ملحوظ معها و هو معنى الأقلّ فلا يقصد بالأصل إلاّ الحكم بتحقق نفس مجراه و ترتيب آثاره عليه من غير أن يقصد منه ترتيب لوازمه العقلية أوالعاديّة المترتب عليها الأحكام و أين هذا من الأصل المثبت قلت بعد تسليم تربت الأثر الشرعي على أقليّة الأقلّ أوّلا أن مجرّد ثبوت أحد جزئي المفهوم بالوجدان‏و الفرض مع إثبات جزئه الآخر بالأصل لا يخرج الأصل المذكور عن الأصول المثبتة ضرورة ترتّب الحكم على العنوان لا على نفس الجزءين حسبما ستقف على شرح القول فيه‏في الجزء الثالث من التعليقة و من هنا أوردنا فيما تقدّم من كلامنا على بعض الأفاضل ممن قارب عصرنا القائل بإثبات الاستحباب في دوران الأمر بينه و بين الوجوب‏بنفي المنع من الترك بالأصل حيث إن الاستحباب مركّب من جنس متحقق بالفرض و هو الرجحان و فصل مثبت بالأصل و هو عدم المنع من الترك بأنه تعويل على‏الأصل المثبت فراجع إليه نعم على القول بالتفصيل في اعتبار الأصل المثبت بين الواسطة الخفيّة و الجليّة كما ستعرف الميل إليه من شيخنا قدس سره في الجزء الثالث يمكن القول‏باعتبار الأصل المذكور في المقام مع قطع النظر عما سنذكره و ثانيا أن كليّة الأقلّ و كونه المركّب المأمور به و كليّة الأكثر ليستا بمجرّد عدم ملاحظة المشكوك مع‏سائر الأجزاء و ملاحظته معها بل يحتاج مضافا إلى تلك الملاحظة و العدم إلى اعتبار الملحوظ شيئا واحدا حتى يتحقّق هناك وحدة اعتباريّة يجمعها كي يوجد التركيب‏على ما عرفت فمجرّد عدم ملاحظة المشكوك لا يترتب عليه كليّة الأقل إلاّ بعد إثبات ملاحظة ما لوحظ من الأجزاء بلحاظ الوحدة و نسبة هذه الملاحظة إلى الأقلّ و الأكثر
167
سواء فمرجع الأصل المذكور إلى المذكور إلى أصالة عدم ملاحظة الشارع للمشكوك مع سائر الأجزاء شيئا واحدا و هو معنى نفي كليّة الأكثر ليثبت بذلك ملاحظته لغيرهامن الأجزاء شيئا واحدا و هو معنى كليّة الأقلّ فيرجع إلى إثبات كلية الأقلّ بنفي كليّة الأكثر فهو من إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر بالأصل فيتوجّه عليه ما ذكرناأوّلا من المحذورين من كونه معارضا بالمثل و أصلا مثبتا فالمعنى المذكور و إن كان ثابتا للجزء و لا دخل له بالحكم الوضعي و لا بالجعل الإنشائي و إن كان نوعا من‏الإيجاد و التكوين فلا دخل له بما هو محل البحث في باب الأحكام الوضعيّة إلا أن يريد قائل ما يعمّ ذلك و يشمله فلا تنكره إلا أنه لا يجدي نفيه بالأصل شيئا على ما عرفت‏و مثله الكلام فيما لو أريد من الجزئيّة المعنى الثابت للأجزاء بالثبوت التكويني على مذهب العدليّة من مدخليّته في المصلحة الملزمة الموجبة لتشريع الحكم فإنه لايقبل الإنكار أيضا و إلا لزم الترجيح من غير مرجّح كما هو ظاهر فإنه لا يترتّب على نفي مدخليّة المشكوك في مصلحة المركّب ما هو المقصود بالبحث أصلا كما لا يخفى و كذالو أريد من نفيها نفي الالتفات إليه بالأصل عند الالتفات إلى سائر الأجزاء فإنه أيضا حادث مسبوق بالعدم فيجري الأصل بالنسبة إليه هذا مع أنّ نفي الالتفات‏من الشارع المنزّه عن الغفلة و الذهول الذي قضى البرهان الضروري على حضور جميع الأشياء في علمه بحقيقها و كنهها لا يعقل له معنى مع أن الالتفات‏مع قطع النظر عمّا ذكرنا مفروض في بعض فروض المسألة و هو دوران الأمر في الجزء بين الوجوب و الاستحباب اللّهمّ إلاّ أن يقال إن المعلوم في الدوران المذكورالالتفات في الجملة لا خصوص الالتفات بعنوان الوجوب فالمنفي الالتفات الخاصّ و لعلّه أشار إليه قدس سره بقوله فتأمّل إلا أنه شطط من الكلام لأن جزء الواجب‏و المستحبّ لا يختلفان من حيث الالتفات و الملاحظة و التصوّر جزما فقد تلخّص ممّا ذكرنا كله أن الرجوع إلى أصالة عدم الجزئيّة في محل البحث بأي معنى فرض لهالا محصّل له‏
في أن لازم قول الصّحيحي الإجمال الذاتي و قول الأعمّي البيان الذاتي‏
قوله قدس سره و الإجمال قد يكون في المعنى العرفي إلخ‏(1) أقول قد عرفت المراد من الإجمال مرارا و أن الغرض منه عدم ظهور اللفظ بأي سبب كان و أمّا المرادبالمعنى العرفي في كلامه قدس سره فالظاهر أنه مقابل الشرعي فيشمل العرف العام و اللغة بل العرف الخاصّ فيما يحمل كلام الشارع عليه سواء كان عرف بلد الإمام عليه السلام أو المخاطب فيمالو اختلف عرف البلدين‏ قوله قدس سره على أن هذه الألفاظ موضوعة للماهيّة إلى آخره‏(2) أقول قد يناقش فيما أفاده من الابتناء بأنه مبني على جعل المراد من‏المعنى الشرعي هو الذي اخترعه الشارع و وضع اللفظ له و ليس الأمر كذلك لأن المراد منه المعنى الذي اخترعه الشارع سواء وضع اللفظ له أو استعمله فيه مجازا وهذا هو المتعيّن منه في المقام لأن الإجمال اللازم على القول الصحيحي ليس ملازما للقول بثبوت الحقيقة الشرعيّة لعدم ابتناء أصل المسألة عليه بل على مجرّد الاستعمال‏في الصحيح و لو مجازا و لو فرض تحرير النزاع في المسألة من القائلين بثبوت الحقيقة الشرعيّة و وقوع النزاع منهم كما احتمل لم يكن إشكال في ترتب الإجمال على مجرّد الاستعمال‏هذا و يمكن التفصيّ عن المناقشة المذكورة بأن المراد من الوضع ما يشمل الوضع النوعي الترخيصي الثابت في المجازات فيكون في قبال ما اختاره الباقلاني و من‏تبعه في المسألة من بقاء ألفاظ العبادات في عرف الشارع على معانيها اللغويّة و العرفيّة كألفاظ المعاملات عند المشهور و إنما جعل الشارع في ترتيب أحكامه‏عليها شروطا هذا مع أنه بناء على إرادة المعنى الأخصّ من الوضع كما هو ظاهره لا يتوجّه عليه شي‏ء لعدم إرادة المفهوم مما أفاده فإن الغرض منه بيان إجمال اللفظبحسب معناه الشرعي في الجملة لا استقصاء موارد إجمال اللفظ بحسب ما أراده الشارع منه حتى يشمل المجازات الشرعيّة فتدبّر و هاهنا كلام آخر على ما أفاده‏لا بأس بالإشارة إليه و إلى دفعه و إن كان ما يفيده بعد ذلك كافيا في دفعه و هو أن بناء الإجمال على القول بالوضع للصحيح ظاهر في عدمه على القول بالوضع للأعمّ‏مع أن الأمر ليس كذلك فإن ألفاظ العبادات على هذا القول قد لا يكون لها ظهور و إطلاق يتمسّك على نفي ما شكّ في اعتباره فيها شطرا أو شرطا من جهة ورودهافي مقام بيان القضيّة المهملة أو ورودها في مقام حكم آخر أو تقيّدها بقيد مجمل إلى غير ذلك ممّا ذكر مانعا للتمسّك بإطلاقها في محلّه كما هو الشأن في سائرالمطلقات أيضا هذا بالنسبة إلى غير معظم الأجزاء و أما بالنسبة إليها فحالها حال الوضع للصحيح ضرورة عدم تصوّر الوضع للأعمّ بالنسبة إليها فإن شئت قلت‏الوضع للصحيح بالنسبة إلى معظم الأجزاء مما اتفق عليه الفريقان فإذا كان الجزء المشكوك على تقدير اعتباره من معظم الأجزاء لم يكن إطلاق للعبادة بالنسبة إليه‏على كلا القولين نعم يمكن فرض الإطلاق لألفاظ العبادات على القول بالوضع للأعمّ بالنسبة إلى غير معظم الأجزاء كما إذا فرض وجود ما يعتبر في التمسّك بالإطلاق‏بخلاف الوضع للصحيح فإنه لا يمكن فرض البيان و الظهور للّفظ بالنظر إلى نفسه لكن مجرّد هذا لا يوجب ابتناء الإجمال على القول بالوضع للصحيح هذا و يدفعه‏أنه نشأ عن قلة التدبّر في المراد من الوضع للصحيح أو الأعمّ فلا بد من بيانه إجمالا فنقول إن معنى الوضع للصحيح كما يشير إليه في الكتاب أيضا كون اللفظ موضوعاللمركب التام الجامع لجميع الأجزاء و الشرائط بناء على تعميم الكلام و البحث بالنسبة إلى الشرائط في قبال القول بالتفصيل المحكّي عن الفريد البهبهاني قدس سره بحيث‏لو انتفى جزء أو شرط انتفى الصّدق لانتفاء الموضوع له فيكون اللفظ مستعملا في غير معناه و ما وضع له على تقدير استعماله في الناقص لفرض مدخليّة كلّ جزءو شرط في الموضوع له من حيث إنه كذلك فإذا شكّ في جزئيّة شي‏ء للعبادة كالاستعاذة مثلا فيرجع الشك لا محالة إلى الشك في الموضوع له و أنه الأقلّ أوالأكثر فيصير حاله على هذا القول حال ما لو فرض العلم بوضع اللفظ لأحد شيئين متباينين ضرورة عدم وجود القدر المتيقن بالنظر إلى الوضع فهو نظير مالو فرض وضع اللفظ لمفهوم معيّن مبيّن شك في صدقه على بعض الأمور الخارجيّة من جهة الشبهة الموضوعيّة و إن كان الفرق بينهما موجودا من حيثيّة أخرى‏فلا بدّ من الحكم بإجمالها ذاتا بالنظر إلى أنفسها على هذا القول نعم يمكن عروض البيان لها من جهة دليل خارجيّ يدلّ على حصر أجزائها و شرائطها في أمور
168
مخصوصة مع أنّ لنا كلاما عند قيام الدليل على الحصر في أن المرجع عند الشك في الفرض الدليل الخارجي الذي اقتضى الحصر أو لفظ العبارة و كيف كان لا إشكال‏في الإجمال الذاتي للفظ العبارة على هذا القول هذا و معنى الوضع للأعمّ كونها موضوعة للأعم من الجامع لجميع الأجزاء و فاقد غير معظم الأجزاء و بعبارة أخرى‏موضوعة لماهيّة لا بشرط اشتمالها على غير معظم الأجزاء و إن وضع لها في حال اشتمالها عليه لكنه لم يلاحظ في الوضع و هذا ما يقال إن المسمّى شرعي و التسمية عرفيّةفيكون حالها على هذا القول حال الألفاظ الموضوعة في العرف للمركّبات كالسرير و البيت و نحوهما من المركّبات و إن كان المراد دائما المركب التام لا محالة لعدم إمكان‏التعميم بالنسبة إلى الإرادة ضرورة منافاته لفرض الاعتبار و الجزئيّة كما هو ظاهر فإذا شكّ في جزئيّة شي‏ء للمأمور به و لم يكن ممّا يتوقف عليه صدق و قوام الماهيّةفيرجع الشكّ لا محالة إلى الشكّ في التقييد لفرض صدق الموضوع له و تحقّقه بدونه و عدم شكّ بالنظر إلى الوضع أصلا فيكون اللفظ مبيّنا بالنظر إلى ذاته كالمطلقات‏العرفيّة و إن شكّ في إرادة خلاف الظاهر و المقيّد منه من جهة الشكّ في الجزئيّة فالشك إنّما هو في الإرادة لا الوضع و الصدق غاية ما هناك عدم جوازالأخذ بإطلاقها فيما فرض عدم وجود ما يعتبر في التمسّك بالإطلاق فيرجع إلى الأصول العمليّة و أين هذا من إجمال اللفظ المراد به عدم وضوح دلالته بحسب‏الوضع فإن الأمر في جميع المطلقات و الألفاظ المبنيّة كذلك فإنه إذا لم يكن لها إطلاق معتبر من حيث انتفاء شرائط التمسّك به يرجع إلى الأصل في المسألةالفقهيّة فإن قلت على ما ذكرت من كون الموضوع له مفهوما مبيّنا لا إجمال و لا تردّد فيه أصلا على القول بالوضع للأعمّ يلزمك القول بتعيّن الرجوع‏إلى أصالة الاشتغال في ماهيّة العبادات بناء عليه لما مرّ و يأتي من أن المأمور به إذا كان مبيّنا من حيث المفهوم و شك في مصداقه يجب تحصيل القطع بإحرازه‏و لا يجوز الرجوع إلى أصالة البراءة فيه مع أن النزاع في البراءة و الاشتغال يأتي على كلّ من القولين و المختار البراءة على كل حال على ما سيأتي تفصيل القول فيه‏ قلت ما ذكرنا و نذكره مبنيّ على تبيّن المراد من اللفظ لا مجرّد تبيّن مفهومه كما لا يخفى و مجرّد تبيّن الوضع لا يوجب تبيّن المراد كما هو واضح بل مفروض و كيف كان‏لا إشكال في عدم توجّه الكلام المذكور على ما أفاده‏
في أنه لا فرق في معظم الأجزاء بين القول بالوضع للصّحيح و القول بالوضع للأعمّ‏
نعم حال ألفاظ العبادات على القول بالوضع للأعمّ بالنسبة إلى معظم الأجزاء حال القول بالوضع للصحيح بالنسبةإلى مطلق الأجزاء كما هو الشأن بالنسبة إلى الألفاظ الموضوعة للمركّبات في العرف و لكن لا يتوجّه على ما أفاده إشكال من هذه الجهة فإن غرضه مما أفاده لزوم‏الإجمال بناء على القول بالوضع للصحيح لا عدم تصوّره على القول بالوضع للأعمّ بل يمكن التفصّي بملاحظة ما ذكرنا عن الإشكال بوجه آخر بناء على تعميم الإجمال‏لما يشمل مطلق اللفظ الذي لا يكون ظاهرا في المراد و لو لعارض مع تبيّنه بحسب الوضع حتى يشمل المطلق الذي لا يجوز التمسّك بإطلاقه نظرا إلى فقدشرطه فيعمّ ألفاظ العبادات على القول بالوضع للأعمّ في الجملة فإن الإجمال كما عرفت لازم القول بالوضع للصحيح بخلافه على القول بالوضع للأعمّ فإن الإجمال بالمعنى‏المذكور لا يلزمه و إن أمكن وجوده في الجملة فتأمّل‏ قوله قدس سره و الحاصل أن مناط وجوب الاحتياط إلى آخره‏(1) أقول ما أفاده من عدم الفرق في حكم الشكّ‏في المقام بين وجود اللّفظ المجمل المتعلّق بالماهيّة المردّدة و عدمه لعدم الفرق في جريان دليل البراءة عقلا و نقلا بالنسبة إليهما فيكون المسألتان متحدّتين حكما أمرظاهر لا سترة فيه أصلا كما هو الشأن في جميع ما يرجع فيه إلى البراءة أو الاحتياط من مسائل الباب فإن مجرّد وجود اللفظ مع عدم تبيّن المراد منه لا يؤثر في شي‏ء قطعاغاية الأمر كونه كالدليل العلمي المقتضي لوجوب أحدهما مع فقد الدليل على التعيين الذي يعبّر عنه بعدم النصّ و توهّم الفرق سار في القسم الأول من الشكّ أيضاو هو الشك في التكليف و قد عرفت وضوح فساده هناك نعم قد يستظهر مما أفاده في بيان مناط وجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي كون الوجه في‏وجوب الاحتياط عنده فيها جريان الأصل في كلا المشتبهين أو المشتبهات و تعارض الأصل الجاري في كل شبهة مع الأصل الجاري في الأخرى و تساقطهما والرجوع إلى أصالة الاحتياط بعد الجريان و التساقط كما هو أحد المسلكين على ما عرفت تفصيل القول فيه مع أن الذي يقتضيه التحقيق عنده و عندنا بل عندجمع من المحققين كون المناط عدم شمول دليل الأصل لشي‏ء من المشتبهين بالبيان الذي عرفته غير مرّة و يمكن أن يقال إن الوجه عنده و إن كان عدم جريان الأصل في‏شي‏ء من المشتبهين بعد العلم الإجمالي بتنجّز الخطاب التوجّه إلى أحدهما إلا أن المناط المذكور لما لم ينفكّ عن الوجه المذكور موردا فجعله مناطا لوجوب الاحتياطفي موارده من غير أن يكون استناده إليه في وجوب الاحتياط لا ضير فيه فتدبّر قوله قدس سره فإن قلت إذا كان متعلّق الخطاب مجملا إلخ‏(2) أقول هذا السؤال‏مبنيّ على ما يبتني الأمر عليه في المسألة الرابعة من نفي الإشكال في وجوب الاحتياط فيما إذا كان ثمّة خطاب متعلّق بما هو مبيّن مفهوما دار الأمر في مصداقه و ما يحصّل‏به في الخارج بين الأقلّ و الأكثر بيان ذلك أن الخطاب و إن كان مجملا بحسب متعلّقه نظرا إلى تردّده بين الأقل و الأكثر إلاّ أنا نقطع بأن الحكم تعلّق بما هو المراد من‏اللفظ و المقصود منه فالتكليف قد تعلّق و تنجّز بما هو مبين مفهوما أي المراد أو ما يئول إليه من المفاهيم المبيّنة من المقصود و المفهوم و المدلول و الموضوع له و المعنى‏و نحوها ضرورة كون هذه العنوانات مبيّنة من حيث المفهوم قد شكّ في صدقها على الأقلّ أو الأكثر فيجب الإتيان بالثاني تحصيلا للبراءة اليقينيّة عمّا اشتغلت‏الذمّة به قطعا فقد حصل الفرق بين المسألتين أي عدم النصّ و ما أجمل فيه و عدم وجود الخطاب التفصيلي في المسألة و وجوده فيها و بطل القول بعدم الفرق‏بينهما هذا و لكنك خبير بأنه توهّم فاسد و تمحّل بارد كما صرّح به شيخنا قدس سره أيضا لأن التكليف لم يتعلّق بمفاهيم الألفاظ المذكورة حتى يقال إن متعلّق التكليف مبيّن‏مفهوما دار الأمر في مصداقه بين الأقل و الأكثر كيف و لو كان كذلك خرج الفرض عن إجمال النصّ بل إنما تعلّق بمصاديقها المردّدة حيث إن اللفظ وضع لها
169
لا لتلك المفاهيم المنتزعة عنها بالاعتبارات المختلفة بل التحقيق عدم إمكان وضع اللفظ لها لتأخّرها عن الوضع بمرتبة أو بمرتبتين أو بمراتب فكيف يمكن‏مع ذلك وضع اللفظ لها فإن اتصاف المعنى الذي وضع له اللفظ بالموضوع له بعد الوضع و بالمستعمل فيه بعد الوضع و الاستعمال و بالمراد و المقصودبعد الوضع و الاستعمال و الإرادة و هكذا فإذا يستحيل تعلّق التكليف المستفاد من اللفظ بتلك المفاهيم المتأخرة عن الوضع كما أنه يمتنع وضع اللفظ لهافالموضوع له الذي تعلّق به التكليف هو معروض تلك المفاهيم المنتزعة بالاعتبارات المختلفة و مصداقها المردد بين الأقل و الأكثر فالاشتباه من المتوهم في‏المقام من اشتباه العارض بالمعروض نفس متعلّق التكليف مردّد بين الأمرين لا مصداقه فإذا بطل توهّم الفرق بين المسألتين و قد وقع هذا الخلط و الاشتباه‏في مواضع منها ما وقع في مسألة الصحيح و الأعمّ على القول بوضع ألفاظ العبادات للصحيح أو استعماله فيه مجازا فتوهّم أنّ الموضوع له الذي تعلّق به التكليف‏أمر مبيّن مفهوما حيث إن اللفظ وضع للصحيح و هو المركّب التامّ الجامع لجميع الأجزاء و الشرائط فهو مبيّن مفهوما و إن تردّد مصداقه بين الأقل و الأكثر و لذافرّعوا على القول بوضع الألفاظ للصحيح تعيّن الرجوع إلى أصالة الاشتغال في ماهيّات العبادات المردّدة و عدم جواز الرجوع إلى أصالة البراءة بل جعلوه ثمرةللمسألة و فساد هذا التوهّم يظهر بأدنى التفات لأن لفظ العبادة لم يوضع لمفهوم الصحيح بل لمصداقه كيف و لو كان كذلك كان لفظ الصلاة و الصحيح مترادفين بل كان لجميع‏العبادات حقيقة واحدة و هو مفهوم الصحيح و هو كما ترى فنفس متعلّق التكليف على هذا القول مردّد بين الأقلّ و الأكثر لا مصداقه و أما الثمرة الّتي فرّعوهاعلى القول بوضع الألفاظ للصحيح من وجوب الاحتياط في ماهيّات العبادات فإن أراد المتوهّم المستشهد بتفريع تلك المسألة تفريعها من الكلّ حتى من القائلين بالبراءةعند دوران الأمر بين الأقل و الأكثر في ماهيّات العبادات فهو في محلّ المنع كما لا يخفى على المتتبع و إن أراد التفريع من القائلين بالاشتغال في تلك المسألة فهو لا يدلّ‏على كون الموضوع له مفهوما مبيّنا دار الأمر في مصداقه بين الأقل و الأكثر كما هو ظاهر و الحاصل أنا لم نجد في كلام الكلّ بل و لا الأكثرين تفريع الثمرة المذكورة و إنّماذكره غير واحد ممّن تأخّر تبعا لما أفاده الفريد البهبهاني قدس سره في فوائده و ردّه جماعة من المتأخرين حتى بعض تلامذته مثل المحقق القمّي قدس سره في القوانين و منعوا من‏لزوم الاحتياط على القول بالوضع للصحيح و قد وجّه شيخنا الأستاذ العلاّمة ما أفاده الفريد البهبهاني قدس سره في المقام بأن غرضه ليس بيان الثمرة للمسألة و أنّ كلّ من‏قال بالوضع للصحيح يقول بالاشتغال أو يلزمه القول به بل بيان الثمرة على ما اختاره من الرجوع إلى الاحتياط في ماهيّات العبادات المردّدة بل ربما يتطرّق هذاالتوجيه في كلام من تبعه في ذكر الثمرة المذكورة للمسألة كيف و المشهور مع قولهم بالوضع للصحيح قد ملئوا طواميرهم من إجراء أصالة البراءة عند الشكّ في الجزئيّة والشرطيّة و لا يظن اشتباه مثل هذا الأمر الواضح المبيّن على مثل هؤلاء الأعلام فغرضه أن القول بالصحيح ينفع الاشتغاليين لا أن كل من قال بالصحيح يلزمه القول بالاشتغال‏فضلا عن أن يقول به هذا و لكنك خبير بأن هذا التوجيه و إن كان حسنا ينبغي إرادته إلا أن كلامهم يأبى عن إرادته سيّما بملاحظة ما ذكروه من أن لازم القول بالأعمّ عدم‏وجوب الاحتياط بل في كلام بعضهم أن لازمه الرجوع إلى البراءة فراجع إلى كلماتهم‏
في فساد ما ذكروه من ترتّب الثمرة المذكورة على القولين‏
قوله قدس سره و التحقيق أن ما ذكروه ثمرة للقولين إلخ‏(1) أقول لا خفاء فيماأفاده من عدم ترتب الثمرة المذكورة على القولين و فساده أمّا عدم تعيّن الرجوع إلى أصالة الاشتغال في ماهيّات العبادات المردّدة بين الأقلّ و الأكثر على القول‏بالوضع للصحيح فقد اتضح أمره مما فصّلنا لك القول فيه من أن ما يلزم هذا القول الراجع إلى مدخليّة كل ما يعتبر في مهيّة المأمور به في أصل الوضع و الصدق إجمال‏اللفظ عند الشكّ في مدخليّة شي‏ء للمأمور به ليس إلاّ و أمّا حكمه فهو مبنيّ على حكم المجمل في المقام على الوجه الكلّي من الرجوع إلى البراءة كما عرفت أنه المختار الذي‏عليه الأكثرون أو الاشتغال على ما عليه جماعة و أما عدم لزوم الاحتياط على القول بالأعمّ سواء قيل بأن لازمه الرجوع إلى البراءة و كونها الأصل في‏المسألة كما زعمه غير واحد في بيان الثمرة على ما في الفصول و غيره قال في الأول ذكر جماعة أن فائدة النزاع يظهر في إجراء أصل البراءة عند الشكّ في جزئيّةشي‏ء أو شرطيّته للعبادة و الشكّ في المانعيّة راجع إلى الشكّ في الشرطيّة من حيث أن عدم المانع شرط بالمعنى الأعمّ فإنه على القول بأنّها موضوعة للمعنى‏الأعمّ يمكن إجراء الأصل المذكور في نفيها بعد تحصيل ما يصدق عليه الاسم لأن الأمر حينئذ إنما تعلّق بالمفهوم العام و قضيّة الأصل إجزاء كلّ ما يصدق عليه ذلك‏المفهوم ما لم يثبت اعتبار أمر زائد عليه شطرا أو شرطا و أمّا على القول بأنّها موضوعة بإزاء الصحيحة فلا يمكن نفي ما شكّ فيه بالأصل المذكور إلى آخر ما ذكره‏في المقام أو قيل بأن لازمه الرجوع إلى أصالة الإطلاق عند الشكّ كما عن آخرين و هو المستفاد مما أفاده شيخنا في المقام في بيان ما زعموه فلأن غاية ما يلزم على‏هذا القول تحقّق الصدق بالنسبة إلى غير معظم الأجزاء و ما به قوام الماهيّة و مجرّد تحقّق الاسم و الصدق لا يلزم شيئا من الأمرين لأنه مع القطع بالصدق إذا شكّ‏في جزئيّة شي‏ء و دخله في المراد و المطلوب لعدم التنافي بين الصدق و تقييد المراد و لم يتحقّق هناك ما يعتبر في التمسك بالإطلاق لا يلزم الرجوع إلى البراءة كماأنه لا معنى للتمسّك بالإطلاق بل يلزم الرجوع إلى أصالة الاشتغال على القول بها في دوران الأمر في ماهيّات العبادة بين الأقل و الأكثر توضيح ما ذكرنا أنّاقد أسمعناك سابقا أن ألفاظ العبادات على القول بالوضع للأعمّ كالألفاظ العرفيّة الموضوعة عند العرف للمركبات و من هنا قالوا إن الوضع عرفي و إن كان‏المسمّى شرعيّا و من البيّن أنه لا يمكن اعتبار الإطلاق في الألفاظ الموضوعة للمركّبات الاعتباريّة و الخارجيّة بالنسبة إلى جميع الأجزاء و الشرائط بحيث يكون‏صدق الماهيّة المركّبة على وجه اللابشرط بالنسبة إلى كل جزء من الأجزاء على وجه لا يكون شي‏ء منها مقوّما للصدق و داخلا في تحقّق الحقيقة و المعنى الموضوع له و
170
إن كان كلام بعضهم في بيان الثمرة و تحرير القول و الدليل موهما لذلك في بادي النظر بل لا بدّ من أخذ بعض الأجزاء في تحقق الحقيقة و إن كانت على وجه‏اللابشرطيّة بالنسبة إلى بعض آخر فلا بد أن يكون اعتباره على وجه التقييد و لو كان المعتبر جزءا لفرض تحقق الصّدق بدونه فهو جزء للفرد و مقوّم للمطلوب‏و تقييده اعتبر في تعلّق الأمر به إلا أنه لا يتوقّف الصّدق عليه فاعتباره كاعتبار التقييد في تمام المطلقات فإنه على هذا الوجه مع صدق الحقيقة المطلقة على فاقدالقيد و الشرط حقيقة و إلا لم يعقل التقييد كما هو واضح فحال ألفاظ العبادات على القول بالوضع للأعمّ بالنسبة إلى ما يكون مقوّما للصّدق و الحقيقة حالهاعلى القول بالوضع للصحيح بالنسبة إلى جميع ما فرض اعتباره في الماهيّة كما أن حالها بالنسبة إلى ما لا يتوقف الصّدق عليه حال تمام المطلقات بالنسبة إلى القيود المقسّمة لها فإن‏فرض كون مشكوك الاعتبار مقوّما للصّدق و الحقيقة في نظر الشارع على تقدير اعتباره أو احتمل ذلك على تقدير الاعتبار و إن لم يقطع بذلك بل و لم‏يظنّ به لم يكن معنى للتمسّك بالإطلاق لرجوع الشك على ما هو المفروض إلى الشكّ في صدق أصل الحقيقة كما أنه لا معنى للرجوع إلى البراءة على القول بالاشتغال في‏دوران الأمر في ماهيّة العبادة بين الأقل و الأكثر و إن فرض كونه على تقدير الاعتبار بأحد الوجهين مما لا يتوقّف الصّدق عليه بل مأخوذ في المطلوب و قيدله و إن كان من الأجزاء الخارجيّة المعتبرة تقييده في المطلوب فإن وجد هناك تمام ما يعتبر في التمسّك بالإطلاق و ظهور الألفاظ المطلقة و كشفها عن إرادةالطبيعة المطلقة تعيّن الرجوع إليه و الحكم لأجله بعدم اعتبار المشكوك في المطلوب أصلا من غير فرق بين كون المذهب وجوب الاحتياط عند دوران الأمرفي المكلّف به بين الأقل و الأكثر أو البراءة لأن الرجوع إلى الأصل العملي إنما هو فيما إذا لم يكن هناك دليل و لو على طبق الأصل و الإطلاق المعتبر من الظواهر و الأدلّةالاجتهاديّة خلافا لبعض أفاضل مقاربي عصرنا حيث لم يرى الدليل الموافق للأصل مانعا من الرجوع إليه في ظاهر كلامه بل صريحه في طيّ كلماته و إن لم يوجدهناك ما يعتبر في التمسّك بالإطلاق من الشرائط تعيّن الرجوع إلى الأصل العملي كل على مذهبه من البراءة أو الاحتياط عند الشكّ في المكلّف به إذ مجرّد الصّدق و تحقق‏الحقيقة لا يجدي في المنع عن الرجوع إلى الأصل إذ المانع الدليل و هو اللفظ الكاشف عن إرادة المتكلم لا مجرّد صدق المعنى الموضوع له اللفظ و لو لم يكشف عن‏المراد أصلا و إلا لزم أن يكون الفاسد مرادا و هو خلف محال فإن شئت قلت الدليل المانع عن الرجوع إلى الأصل في أمثال المقام إطلاق اللفظ الظاهر في‏إرادة المعنى المطلق عنه فإذا لم يكن ظاهرا لم يكن دليلا كما هو ظاهر
في الإشارة إلى شرائط التمسّك بالإطلاق‏
و من المعلوم أن للتمسّك بالإطلاق شروطا مذكورة في مسألة المطلق و المقيّد كما أشرنا إليه‏في مطاوي كلماتنا منها أن يكون في مقام بيان تمام المراد و لا يكون في مقام الإهمال و الإعلام في الجملة ككثير من مطلقات الكتاب و السّنة و منها أن لا يكون‏مسوقا لبيان الحكم من جهة خاصّة و بعبارة أخرى واردة لمورد حكم آخر و يمكن إرجاعه إلى الوجه الأوّل في وجه و منها عدم تطرّق التقيّد بما يوجب الوهن في‏إطلاقه و منها عدم تقييده بقيد مجمل متصل أو مطلقا على الخلاف و منها عدم اقترانه بما يصلح للتقييد و منها عدم انصرافه إلى بعض الأفراد لكثرة الاستعمال الغيرالبالغ حدّ الوضع أو شيوع الفرد على الخلاف و منها عدم ذهاب المشهور إلى خلافه على ما ذكره بعض الأفاضل و إن كان ممنوعا عندنا إلى غير ذلك مما ذكر في محلّه من‏الشرائط أو الموانع الغير المطّردة جميعها فإذا فرض هناك مطلق اقترن ببعض ما يكون مانعا عن ظهوره في إرادة الإطلاق فلا معنى للتمسّك به في نفي ما شك في اعتباره‏في ماهيّات العبادات و إن كان الصدق متحققا بالنسبة إلى فاقده فإذا كان المذهب وجوب الاحتياط في المسألة فلا ينفع صدق الماهيّة و الحقيقة على الفاقد لما شكّ‏في اعتباره في المنع عنه كما أنه لم يمنع عدم صدقها من الرجوع إلى أصالة البراءة على القول بالوضع للصحيح عند القائل بكونها الأصل في المسألة هذاو في هامش‏الفصول كلام منسوب إلى المصنف في المقام لا محصّل له قال فيه ناظرا إلى كلام في المتن في بيان الثمرة المذكورة و منعها ما هذا لفظه و فيه أن يحصّل المسمّى بصدق‏الاسم عرفا الموجب لشمول الإطلاق مع فرض عدم المعارض كاف على القولين لأنّ المكلّف به المسمّى عند الشارع الذي يكشف عنه الصدق عند المتشرّعة و قد حصل‏و لازمه حصول الامتثال إذا أتى به نظرا إلى الإطلاق و أصالة عدم اعتبار أمر آخر سواء قلنا إنّ المسمّى هو الصحيح أو الأعمّ ضرورة أن الصدق العرفي الذي هو المناطفي المقام لا يدور مدار اختيارنا القول بالأعم أو الصحيح بل هو شي‏ء منضبط في نفسه و دعوى صدق الاسم عرفا على القول بالأعمّ على خصوصيّات موارده دون القول‏بالصحيح مجازفة انتهى كلامه رفع مقامه و هو كما ترى غير محصّل المراد إذ لا يظن بمن دونه بمراتب في العلم الاعتقاد بظاهر هذه المقالة فتبين ممّا ذكرنا كله أنّ مافرّعوه على القول بالأعمّ و جعلوا من لوازمه من الرجوع إلى أصالة البراءة مطلقا حتى على القول بأن الأصل وجوب الاحتياط في ماهيّات العبادات سواء كان‏هناك إطلاق معتبر أم لا إذ الرجوع إلى إطلاق ألفاظ العبادات مطلقا حتى بالنسبة إلى معظم الأجزاء سواء كان شرط التمسك بالإطلاق متحققا أم لا فاسد جدّاكتفريع الرجوع إلى أصالة الاشتغال على القول بالصحيح بل الذي يلزم القول بالصحيح على ما عرفت الإشارة إليه الإجمال الذاتي و القول بالأعمّ صلاحيّة اللفظ وقابليته للتمسّك به في نفي الشكّ في اعتباره بالنسبة إلى غير معظم الأجزاء و بعد تحقّق ما يعتبر في التمسّك بالإطلاق نحكم بمقتضاه من غير التفات إلى الأصل العملي‏في المسألة و قد يعتبر عنه بالبيان الذاتي بالنسبة بناء على كون الأصل عند الشكّ في طروّ المانع من التمسّك بالإطلاق أو كون المتكلم بالمطلق في مقام بيان تمام المرادالبناء على عدمه و الحكم بكونه في مقام بيان تمام المراد و يعتبر عنه بأصالة البيان نعم هنا توهّما أن أحدهما يقتضي وجوب الاحتياط على القول بالأعم مطلقاانبعث من التوهم المقتضي له على القول بالصحيح على ما عرفت الكلام فيه قد تعرّض له شيخنا في الكتاب كالتوهم المذكور
في الإشارة إلى توهّم اقتضاء القول بالأعمّ لوجوب الاحتياط و الجواب عنه‏
و توضيحه أنه لا إشكال في اتفاق الفريقين‏
171
على أن المطلوب و مراد الشارع من ألفاظ العبادات الماهيّة الصحيحة التامة الجامعة لجميع الأجزاء و الشرائط فقد قيّدت بتمامها دفعة واحدة بقيد مبيّن مفهوماشكّ في مصداقه و محصّله في الخارج فيجب الاحتياط في تحصيله على ما قضت به كلمتهم في المسألة الرابعة لعدم الفرق في المسألة بين تعلّق الحكم‏بعنوان مطلق مبيّن مفهوما و بين تعلّقه بعنوان مقيّد بقيد مبيّن كذلك إذ كما يجب في حكم العقل تحصيل ما يقطع بحصول المطلوب معه في الأقلّ كذلك‏يجب تحصيل ما يقطع معه بحصول العنوان المقيّد في الثاني و لا يجوز الاقتصار بما يحتمل معه الحصول في المقامين كما هو ظاهر و ليس هذا الدوران و الترديدفي نفس المقيّد حتى يرجع معه إلى أصالة الإطلاق بناء على القول بالرجوع إليها عند إجمال المقيّد و دورانه بين ما يوجب قلّة التقييد و كثرته أو إلى أصالة البراءةبناء على القول بعدم الرجوع إليها مطلقا كما قيل أو إذا كان المقيّد متّصلا لبيّا كالإجماع و نحوه كما هو المختار لحصول الإجماع المانع من التمسّك‏بالإطلاق فيرجع إلى أصالة البراءة لكونها الأصل في المسألة بل في مصداقه و محصّله الخارجي بعد تبيّن مفهومه هذا و يظهر فساده مما ذكرنا سابقا من أنّ‏لفظ الصحيح و إن كان مبيّنا لا إجمال فيه أصلا إلاّ أن لفظ العبادة كالصّلاة مثلا لم يوضع على القول بوضعه للصحيح لمفهوم هذا اللفظ بل لمصداقه المردّد و كذلك‏نقول في المقام إن الصّلاة على القول بوضعها للأعمّ بعد العلم بإرادة الصحيحة منها بالنظر إلى الاتفاق بل الضرورة لم يقيّد بمفهوم لفظ الصحيح بل مقيّد على فرض‏تسليم التقييد و الإغماض عمّا سيجي‏ء من منعه بما يكون المفهوم المذكور صادقا عليه‏
في الإشارة إلى توهّم آخر و تضعيفه‏
ثانيهما يقتضي المنع عن التمسّك بالإطلاق مطلقا فيرجع إلى أصالة الاشتغال‏على ما هو لازم القول بالوضع للصحيح على ما زعموا فيتجّه القولان من حيث اللازم و الثمرة و مبناه على ما عرفت في التوهّم الأول من قيام الإجماع بل الضرورة على‏كون المراد من ألفاظ العبادات هي الماهيّة التامّة الجامعة فيقال في بيان التوهّم إن لازم تقييدها بما ذكر مع إجماله و تردّده بين الأقل و الأكثر نظرا إلى تقييدهابالمصداق إلاّ بالمفهوم صيرورة المطلقات بأسرها مجملة فيكون حالها حال القول بالصّحيح من عدم الإطلاق لها أصلا و أنت خبير بضعف هذا التوهم أيضا لأن‏الصلاة كما لم يقيّد بمفهوم الصحيحة كذلك لم يقيّد بمصداقها بمعنى استعمال اللفظ فيه حتى يلزم الإجمال كما عرفت على القول بالوضع للصحيح بل القدر المسلّم هو تقييدإطلاقها بما ثبت من الدليل اعتباره فيها شطرا أو شرطا فيما لو فرض وجود الإطلاق لها فيلزم رفع اليد من الإطلاق بالنسبة إليه خاصّة و كون المراد و المطلوب‏هو الصحيح في الواقع و نفس الأمر لا يستلزم تقييد الإطلاق به بحيث يعتبر عنوانا ضرورة أن الإرادة لا يقيّد اللفظ بحيث يصير المراد عنوانا كما أنه لا يوجب استعمال‏اللفظ فيه كيف و قد تقرّر في محلّه حسبما مرّت الإشارة إليه أيضا أن النزاع في مسألة الصحيح و الأعمّ ليس مبنيّا على ثبوت الحقيقة الشرعيّة و عدمه و لا محرّرة على‏القولين في تلك المسألة بل النزاع إنما هو فيما استعمل فيه اللفظ و إن كان الاستعمال بطريق المجاز و إن بلغ حدّ الحقيقة في عرف المتشرّعة من باب الاتفاق من غيرأن يكون النزاع مبنيّا عليه فكيف يمكن أن يقال مع ذلك إن المستعمل فيه على القول بالأعمّ هو خصوص الصحيح الجامع لتمام ما يعتبر في العبادة بل اللازم بعد قضاء الأدلّةالقطعيّة على ثبوت الملازمة بين إرادة الشارع و الصحّة و عدم تعلّق إرادته بالفاسد كما يقتضيه فرض فساده هو الحكم بعدم انفكاك ما أراده الشارع بظاهر اللفظعن الصّحة في الواقع لا بطريق الاستعمال بل على وجه التصادق و التقارن و من الواضح البيّن أن هذا المعنى لا يوجب الإجمال في اللفظ أصلا فلا يوجب منع الرجوع إلى‏إطلاق اللفظ فيما فرض له إطلاق معتبر و قد وقع نظير التوهّم المذكور لبعض المتأخرين في قوله تعالى أوفوا بالعقود في قبال المتمسّكين بالآية الشريفة على اللزوم و الصحّة حيث‏زعم أنه لا يجوز التمسّك بالآية الشريفة على اللزوم إلا بعد إحراز صحة العقد من الخارج و من دليل آخر نظرا إلى أن المراد من العقد الذي تعلّق الأمر بوفائه هو الصحيح فلا يمكن‏إحرازه من نفس الأمر و يظهر فساده أيضا مما ذكرنا من عدم إرادة الصحّة من اللفظ بأحد الوجهين المتقدّمين فيستكشف من لزوم العقد صحّته بالدلالة الالتزاميّة التبعيّةبعد ثبوت الملازمة المسلّمة و بالجملة لا ينبغي الإشكال في فساد التوهم المذكور في المقام لما عرفت مضافا إلى استلزامه لعدم جواز التمسّك بشي‏ء من الإطلاقات‏بل العمومات الواردة في الكتاب و السنّة في أبواب الفقه من أوّله إلى آخره حتى المعاملات بالمعنى الأعمّ و ظهور الملازمة كفساد التالي مما لا يحتاج إلى البيان أصلا وقد أشرنا إلى سريان التوهم المذكور إلى الآية الشريفة فإنه بناء على التوهم المذكور إلى الآية الشريفة فإنه بناء على التوهم المذكور إذا أريد التمسّك بالإطلاق قوله تعالى‏أَحَلَّ اللَّهُ البيع أو عمومه على الوجهين لصحّته ببيع وقع الكلام فيه مثلا يقال إن مورد تحليل الشارع هو البيع الجامع للشرائط و الأمور المعتبرة في تأثيره و صحّته عنده‏إذ تحليله لا يتعلّق بالفاسد فقد ثبت تقييده بهذا العنوان المبيّن مفهوما أو مصداقه المجمل المردّد فلا إطلاق للآية الشريفة فيجب الرجوع إلى أصالة الاشتغال و لايجوز الرجوع إلى أصالة البراءة أيضا و هكذا الكلام إذا أريد التمسّك بالعمومات كما عرفت تقريبه مما ذكرنا سابقا في بيان توهّم بعض المتأخرين و الدافع للتوهم المذكورفي جميع موارده ما عرفت من أن الدليل القاضي بعدم إرادة الشارع للفاسد لا يقتضي أخذ عنوان الصحيح على وجه التقييد و لا استعمال اللفظ فيه و لو مجازا بل مقتضاه‏هو التلازم بين الإرادة و الصحّة في نفس الأمر فيكشف من جهة إطلاق اللفظ أو عمومه عن كون الفاقد لما يحتمل اعتباره مرادا في الواقع فيحكم بصحّته و عدم دخل المحتمل‏فيها أصلا بالنظر إلى التلازم المذكورفتبيّن مما ذكرنا كلّه الفرق بين جعل الشي‏ء قيدا للعنوان و الموضوع الذي تعلّق به الحكم أو استعمل فيه اللفظ فيه كما لو قال‏المولى أكرم العلماء العدول مثلا أو أكرم جيراني المحبّين إلى غير ذلك و بين العلم بعدم إرادة المولى من متعلّق خطابه إلاّ من كان واجدا لصفة كذائيّة أو ما كان‏كذلك في نفس الأمر كما إذا قال أكرم جيراني و علم من الخارج أن إرادته لا يتعلّق بإكرام من كان عدوّا له أو ورد أمر من المولى بلعن طائفة كبني أميّة مثلا أو إظهار البراءة
172
و العداوة و علم من الخارج أنه لا يأمر بلعن من لا يكون مستحقّا له فإنه لا يمكن الأخذ بالعموم في الفرض الأول في مشكوك العداوة و المحبّة و يجب الأخذ به في الفرض‏الثاني في مشكوك المحبّة و العداوة و استحقاق اللعن و نحكم لأجله بكونه محبّا و مستحق اللعن و الأمر في العرفيّات و الشرعيّات في باب الألفاظ على نهج واحدكما هو واضح‏ قوله قدس سره و هذا الفرض خارج عن موضوع المسألة إلخ‏(1) أقول ظاهر ما أفاده بل صريحه عند التأمّل كون أصالة التخيير الجارية في تعارض‏الخبرين أو مطلق الدليلين المتكافئين أصلا عمليّا كسائر الأصول العمليّة و من هنا توجّه السؤال المذكور في الكتاب عليه فيكون حالها حال أصالة التخييرالجارية في المسألة الفرعيّة في دوران الأمر بين المحذورين بحكم العقل في كونهما من الأصول العمليّة و هو مبني على القول بأن حكم الشارع بالتخيير بين المتعارضين‏المتكافئين إنما هو من جهة رعاية الحجة المحتملة بالنسبة إلى كل منهما مع العلم بوجودها إجمالا بينهما و هذا الوجه و إن كان فاسدا عندنا و عنده قدس سره كما ستقف‏على تفصيل القول فيه في الجزء الرابع من الكتاب و التعليقة إلا أنه لا مناص عنه بعد البناء على ما أفاده من كون التخيير أصلا عمليّا اتفق الفريقان المختلفان‏في حكم المسألة من حيث وجوب الاحتياط و البراءة على الرجوع إليه و هو مبني على ما يقتضيه الرأي في بادي النظر و إلا فقوله بعد ذلك و لكن الإنصاف‏صريح في خلافه ثم إن فرض الإطلاق المعتبر الجامع لشرائط التمسّك به في العبادات لا بدّ أن يكون مبنيّا على القول بالأعمّ في ألفاظ العبادات كما ذهب‏إليه جمع من المتأخّرين و أمّا على القول بالصحيح فيها على ما اختاره شيخنا قدس سره في المسألة وفاقا للمحقّقين فلا يفرض لها إطلاق أصلا كما لا يخفى‏ قوله قدس سره فإن قلت فأيّ فرق بين وجود إلى آخره‏(2) أقول السؤال المذكور على ما عرفت الإشارة إليه مبنيّ على جعل التخيير الجاري في المسألة الأصوليّة من الأصول العمليّةكالتخيير العقلي الجاري في المسألة الفرعيّة قوله قلت أما لو قلنا بأن المتعارضين إلخ‏(3) أقول لا إشكال فيما أفاده قدس سره من خروج الفرض عن محلّ البحث على‏القول بكون موافقة أحد الخبرين للأصل اللفظي من الإطلاق أو العموم يوجب ترجيح الخبر الموافق له فإن التخيير إنّما هو في مورد التكافؤ كما أن الأمر كذلك بالنسبةإلى الأصل العملي على القول بكونه مرجّحا كما إذا وافق أحد الخبرين على الاستصحاب على القول باعتباره من باب الظن و أمّا الفرق بين الأصل اللفظي و العملي‏على القول بعدم الترجيح بهما من حيث كون اعتبارهما من باب التعبّد فحاصل ما أفاده في بيانه هو دعوى سوق أخبار التخيير لإثبات جواز الأخذ بكل من المتعارضين‏فيما لم يكن دليل على قول الشارع بحيث يكون المكلّف متحيّرا في الأخذ بأيّ قولي الشارع الذين وقع التعارض بينهما في مرحلة الظاهر و الأصل اللفظي من‏الإطلاق أو العموم أصل في المسألة الأصوليّة اللفظيّة مفاده البناء على وجود قول الشارع في المسألة فيكون حاكما على أخبار التخيير و أمّا الأصل العملي فهوأصل في المسألة الفرعيّة مع عدم وجود دليل في تلك المسألة و مفاد أخبار التخيير البناء على دليليّة أحد المتعارضين عند عدم وجود الدليل فهي حاكمة على‏الأصل العملي الشرعي و واردة على الأصل العملي العقلي فالمراد من الحكومة في كلامه قدس سره أعمّ من الورود و لو مسامحة هذا مضافا إلى أن القول بعدم الفرق بينهمايوجب تخصيص أخبار التخيير بما لا يكون هناك أصل عمليّ أو بما كان الأصل في المسألة التخيير و هو كما ترى هذا ما يقتضيه النظر الأول في تحقيق المقام و أما ما يقتضيه‏النظرة الثانية فهو الذي أفاده بقوله قدس سره‏
في بيان تحكيم أخبار التخيير على أصالتي الإطلاق و العموم‏
و لكن الإنصاف إلى آخره من تحكيم أخبار التخيير على أصالتي الإطلاق و العموم و إن كان اعتبارهما من باب الظنّ و الظهورو مفادها الأخذ بأحدهما من حيث التعبّد نظرا إلى عدم إمكان ملاحظة الطريقيّة في مقام التخيّر مع قطع النظر عما اقتضى ترجيح أحد المتعارضين و تقديمه بمايوجب قوّته كما أنها حاكمة على الأصل العملي المفيد للظنّ أيضا مع قطع النظر عما ذكرنا نظرا إلى أن كلاّ من الأصلين الجاريين في كلام الشارع و لفظه و إن كان مقتضاه‏وجود قول الشارع و الدليل في المسألة الفرعيّة إلا أنه أصل تعليقي ضرورة كونه مشروطا بعدم ورود التقييد و التخصيص و أخبار التخيير المقتضية لحجيّة المخالف‏للمطلق و العام يجعله مقيّدا و مخصّصا لهما فهي من هذه الحيثيّة كالأدلّة الدّالة على حجيّة الأخبار فإنه لا إشكال في حكومتها على الأصلين فيما كان هناك خبرسليم يخالفهما ضرورة اتحادهما من حيث الدلالة على حجيّة الخبر المخالف لهما و القول بالفرق بينهما من حيث الدلالة على الحجيّة التعيينيّة و التخييرية شطط من‏الكلام بعد تسليم كون مفاد أخبار التخيير تجويز الأخذ بالخبر المخالف و حجيّته إذ تجويز ذلك لا يجامع البناء على كل من الأصلين كما هو ظاهرو دعوى‏أن الأصل المذكور و إن كان تعليقيّا إلاّ أنّ أصالة التخيير أيضا تعليقيّة فلنا أن نقلب الدليل فنقول‏إن الأصل المذكور يقتضي البناء على الإطلاق و عدم التقييد فيثبت الدليل و قول الشارع في المسألة فيرتفع موضوع التخيير فلا يجوز تقديم أخبار التخييرإلا على القول بثبوت إطلاق فيها يشمل صورة وجود الإطلاق مثلا فيكون تنجيزيّا بالنسبة إليه و إلا فلا معنى لتحكيم أحد التعليقين على الآخر أو وروده‏عليه للزوم الترجيح بلا مرجّح فاسدة بأن إجراء الأصل المذكور موقوف على منع جريان أخبار التخيير المقتضية للتقييد و رفع موضوعه بالفرض و هو لا يصلح‏للمانعيّة جزما و إلا لزم الدور الظاهر و إن هو إلا نظير جعل قاعدة وجوب دفع الضرر واردة على قاعدة القبح و قد عرفت امتناعه فتأمّل فإذا لا بدّأن يكون مبنى حكم المشهور بعدم التخيير بين الخبرين في صورة وجود أصالتي الإطلاق و العموم ما نصّ عليه في أخبار العلاج من تقديم ما وافق الكتاب و السنّةبتعميم الموافقة لما يشمل الموافقة بالإطلاق و العموم مضافا إلى الكليّة المستفادة منها من لزوم الترجيح بكل مزيّة على ما ستقف على تفصيل القول فيه‏بناء على كون اعتبار الأصلين من باب الظن و الظهور كما هو المسلّم عندهم فالعمل بالمطلق ليس من حيث كونه مرجعا بعد تساقط الخبرين أو عدم شمول‏أخبار التخيير لصورة وجود المطلق في المسألة بل من حيث كونه مرجّحا للخبر الموافق له و الفرق بينهما لا يكاد أن يخفى لا يقال بناء على ما ذكر لا فرق في‏
173
كون مبنى اعتبار الأصل على الظن و الظهور أو التعبّد لأنا نقول الفرق إنما هو من جهة عدم مساعدة أخبار العلاج على الترجيح بالأمور التعبّدية لحصردلالتها على ما يوجب قوّة لأحد المتعارضين و ما كان من سنخهما في الطريقيّة و إن لم يكن حجّة في نفسه لا يقال على ما ذكر لا يبقى فرق بين الأصل اللفظي‏و الأصل العملي إذا كان مبناه على الظن كما عن المشهور فإن الترجيح به و إن لم يكن منصوصا عليه في الأخبار إلا أنّ الكليّة المستفادة منها يشمله مع أن كلماتهم‏لا يساعد على الترجيح بالأصل العملي لأنا نقول نحن نلتزم بعدم الفرق على القول المذكور إلا أن القول به ضعيف عندنا و أمّا تقديم جمع في باب الترجيح‏الخبر المخالف للأصل فليس من جهة عدم الترجيح بما يوجب القوة و الأقربية بل من جهة وجه رجحان عندهم للخبر المخالف مذكور في ذلك الباب مثل أن بناء الشارع حالناعلى تبليغ المحرّمات و ما يخالف الأصل فيظن صدور المخالف إلى غير ذلك مما يرجع إلى تسليم الكلّيّة و البناء عليه في ترجيح المخالف فراجع باب التعارض‏
في أن المثالين المذكورين في الكتاب للشبهات الموضوعية محلّ للمناقشة
قوله قدس سره المسألة الرابعة فيما إذا شكّ في جزئيّة شي‏ء للمأمور به من جهة الشبهة في الموضوع الخارجي إلخ‏(1) أقول وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعيّةمن الأقل و الأكثر مضافا إلى أنه مما لا إشكال و لا خلاف فيه بين الأصحاب إلا ما يحكى عن المحقق الخوانساري و القمي قدس سرهما إلا أنّ التمثيل لها بما في الكتاب محلّ مناقشة أمّا المثال الأوّل فلأن دوران الأمر في الشهر الهلالي المبيّن بحسب المفهوم بين الأقل و الأكثر من الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين فلا تعلّق لها بالمقام ضرورة كون‏صوم كلّ يوم واجبا مستقلا في الشرعيّات و إن قلنا بكفاية نيّة واحدة عن تمام الشهر كما عن علم الهدى و بعض آخر من الأصحاب فإن القول بذلك ليس من جهة كون‏صوم الشهر عندهم تكليفا واحدا بحيث لو لم يمتثل الأمر في بعض الأيّام نسيانا أو عمدا بطل صومه فيما صامه من الأيّام فإن أحدا من علماء الإسلام لم يقل بذلك‏بل لما ذكروه في باب الصوم في الفقه نعم يمكن فرض ذلك في النذر بأن تعلّق بالشهر على وجه الاجتماع بحيث لو أخلّ بصوم يوم حصل الحنث معه و إن لم يفسد صومه بالنسبة إلى‏ما صامه فهو نظير التتابع المعتبر في الكفارة فتأمّل و أما المثال الثاني فلأن الظاهر منه تعلّق الشكّ بجزئيّة شي‏ء للوضوء و الغسل من جهة الشبهة الحكميّة و لوكانت مسبّبة عن إجمال المفهوم كالشكّ في كون شي‏ء من ظاهر البدن أو باطنه فيهما من جهة عدم تحقّق معنى الظاهر و الباطن بكنههما بحيث لا يبقى شك في مصداق من‏مصاديقهما من جهة المفهوم فالظهور و إن كان بحسب المفهوم مبيّنا لا إجمال فيه إلاّ أنّ الشكّ في حصوله حقيقة في الخارج ليس مستندا إلى اشتباه الأمور الخارجيّة بل‏إلى عدم العلم بحقيقة الوضوء و الغسل الواجبين شرعا فهو اشتباه مسبّب عن الاشتباه في الحكم الشرعي حقيقة لا عن اشتباه الأمور الخارجيّة و مرجع هذاالاشتباه و إن كان إلى اشتباه المصداق إلا أنه لا دخل له باشتباه الموضوع الخارجي بل هو من اشتباه المصداق الشرعي و من هنا جعله من أمثلة المسألة الثانيةمن الشبهة الحكميّة فيما تقدّم من كلامه بل قد يتأمّل في تبيّن الطهور بمعنى الفعل الرافع مع عدم تبيّن حقيقة الوضوء و الغسل فإنه عبارة عنهما في الخارج ليس له‏وجود آخر فتأمل و كيف كان لا يمكن الجمع بين التمثيل بالمثال للمقام و التمثيل به للشبهة الحكميّة مع أنه على تعميم العنوان في المقام لما يشمل المثال نمنع من وجوب الاحتياطفيما يرجع من هذا العنوان إلى الشبهة الحكميّة و إن رجع شكّه إلى الشكّ في المصداق الشرعي لأن الشكّ في حصول الطهور إذا كان مسبّبا عن الشكّ في حقيقة الوضوءو الغسل شرعا و أجرينا البراءة بالنسبة إليهما لعدم المانع منها أصلا ارتفع الشكّ عن حصول الطهور فلا معنى للرجوع إلى قاعدة الاشتغال بالنسبة إليه لابتنائهاعلى احتمال العقاب على تقدير الاكتفاء باحتمال حصوله كما هو واضح فإذا حكم الشرع و العقل بالأمن منه فيرتفع موضوع القاعدة فلا بدّ على القول بالتعميم من‏اختيار التفصيل في المسألةفالمثال الصحيح للمقام بحيث لا يتطرّق إليه مناقشة أصلا هو تردّد اليوم الذي يجب فيه الصوم مع تبيّن مفهومه بين الأقلّ والأكثر من جهة الشكّ في حصول المغرب من جهة الشبهة الموضوعيّة لا من جهة الاختلاف في معنى الغروب الذي هو غاية اليوم و عدم فهم المراد منه أو الاختلاف‏في معنى ذهاب الحمرة و أنّها المغربيّة أو المشرقيّة و كيف كان لا بدّ من تمثيل المقام به و بأمثاله ثم إنه يدلّ على وجوب الاحتياط في محلّ البحث و الفرق بينه و بين السائل‏الراجعة إلى الشبهة الحكميّة العقل الحاكم على وجه القطع بوجوب تحصيل اليقين عما اشتغلت الذمّة به يقينا في مقام الامتثال و عدم الاكتفاء باحتمال امتثال الأمرالمتوجّه إلى المكلّف و الخطاب الصّادر من الشارع يقينا الواصل إلى المكلّف بحيث لا اشتباه فيه موضوعا و محمولا و نسبة و إنما وقع الاشتباه في تحقّق موضوعه‏المعيّن في الخارج من جهة اشتباه الأمور الخارجيّة الذي لا تعلّق له بالشارع أصلا و لا يجب إزالته عليه جزما و إلاّ وجب عليه بيان الموضوع الخارجي دائما كالحكم‏الشرعي و ليس المقام إلا مثل ما لو شكّ المكلف في الوقت في إتيانه بالصلاة المفروضة أو شكّ في إتيانه بالجزء الذي علم بوجوبه و نحوهما فإنه لا ريب في حكم العقل‏بوجوب الإتيان و عدم جواز القناعة بالاحتمال مع قطع النظر عن حكم الشارع بعدم الالتفات بالشكّ في إتيان الجزء بعد التجاوز عن محلّه لحكمه باعتبار الظنّ‏النوعي الحاصل للمكلّف بالإتيان على ما هو قضيّة بعض أخباره أو مجرّد التعبّد و منه يظهر الفرق بين المقام و المسائل الثلاث الراجعة إلى الشبهة الحكميّة و عدم جريان‏أدلّة البراءة المضيات الجارية فيها فيه حيث إن مفادها عقلا و نقلا نفي المؤاخذة عما لم يعلم إلزام الشارع به لا عن ترك ما علم تعلّق الإلزام به من الشارع كما في‏المقام و بمثل ما حرّرناه ينبغي تحرير المقام لا بمثل ما حرّره شيخنا قدس سره فإن التمسّك للمدّعى بأصالة عدم تحقّق المشكوك أو استصحاب بقاء الاشتغال و الجمع بين‏التمسّك بهما و قاعدة الاشتغال لا يستقيم على ما بني الأمر عليه مرارا من عدم جريان الاستصحاب في مورد جريان القاعدة كالعكس اللّهمّ إلاّ أن يريد منه الإشارةإلى مسلك غيره في المقام و أمثاله لا التمسّك بخصوص ما هو الحق عنده فتدبّر قوله قدس سره و أمّا الثاني فالظاهر اتحاد حكمهما و قد يفرق بينهما إلى آخره‏(2) أقول وجه الاتحاد أنّ‏
174
الشرط بما هو شرط على ما عرفت من مقولة الكيف المتّحد مع المشروط بحسب الوجود الخارجي فإن المعتبر حقيقة تقيّد الشروط به و اشتراطه فهو و إن كان زائدا على المشروطفي الذهن و معقولا متصوّرا في نفسه إلا أنّهما متحدان في الخارج و بهذا افترق عن الجزء الخارجي فإنه من مقولة الكمّ يزيد المركّب بملاحظته في الخارج إلاّ أنّ في مواردالشكّ في الشرط يشكّ في وجوب المشروط بعنوان أنه مشروط مع العلم بوجوب ذات المشروط في الجملة مع قطع النظر عن كونه لا بشرط أو بشرط شي‏ء فمعلوم الوجوب‏هو اللاّبشرط المنقسم إليهما و إن لم ينفكّ في الواقع عن أحدهما إلا أنه يعرضه الوجوب لا محالة على كلّ تقدير لأن مطلق الوجود أمر معقول في نفسه مع قطع النظر عن الوجودالمطلق و إن كان تحققه بأحد الأمرين فالفعل الذي يؤخذ بشرط شي‏ء و يعرضه الطلب الوجوبي مثلا بهذا العنوان يكون واجبا نفسيّا و نفس الفعل و ذاته الغيرالملحوظة بالملاحظة المذكورة يعرضها الطلب التبعي الغيري من حيث توقّف وجود العنوان على وجوده و حقيقته فتأمّل فإذا كان هناك معلوم و مشكوك من‏جهة الشكّ في الشرط نحكم من جهة دليل البراءة عقلا و نقلا بعدم وجوب المشكوك فلا يعارض بأن وجوب الفعل لا بعنوان شي‏ء بشرط غير معلوم أيضا فإنه إن أريد من هذه القضيّةكون وجوب الفعل بعنوان اللاّبشرط غير معلوم فهو مسلّم فإن العلم به موجب للعلم بعدم الشرطيّة و إن أريد منه كون وجوب ذات الفعل مع قطع النظر عن عنوان‏اللاّبشرط و بشرط شي‏ء غير معلوم فهو ممنوع و هذا المعنى كما ترى لا فرق فيه بين ما يتوقف وجوده على تحصيل فعل في الخارج يؤثر في وجوده كالطهارة و ما لايكون كذلك نعم لو كان المعتبر في دليل البراءة تعلّق الشكّ بوجوب فعل في الخارج منفكّ عن وجود معلوم الوجوب أمكن الفرق بينهما بدعوى أنّ‏اعتبار الشرط في القسم الأول لمّا كان راجعا إلى إيجاب سببه في الخارج فيشمله دليل البراءة بخلافه في القسم الثاني فإنه ليس فيه فعلان في الخارج أحدهما معلوم الوجوب‏و الآخر مشكوك الوجوب لفرض اتحاد القيد و المقيّد في الخارج و إليه ينظر من ذهب إلى الفرق بينهما فإن شئت قلت في وجه الفرق بينهما أن الصفة الحاصلة من الفعل‏من مقولة الفعل التوليدي فيمكن أن يعرضها الوجوب و هذا بخلاف الصفة الغير الحاصلة منه فإنه لا يتعلّق بها الطلب و إن كان الفعل الملحوظ بهذه الصفةمتعلّقا للطلب كما أنك لو شئت قلت في وجه عدم الفرق أن المؤاخذة في حكم العقل على ترك المأمور به من حيث ترك شرطه مع عدم العلم به قبيح في حكم العقل‏مطلقا من غير فرق بين القسمين كما أن مقتضى ما دلّ على إثبات السّعة و عدم الضيق من جهة الجهل من الدليل النقلي عدم الفرق بينهما أيضا فافهم و تدبّر
في وجه إلحاق دوران الأمر بين التخيير و التعيين بالأقل و الأكثر
قوله قدس سره‏و ممّا ذكرنا كله يظهر الكلام فيما لو دار الأمر بين التخيير و التعيين إلى آخره‏(1) أقول الوجه في إلحاق الدوران المذكور بالدوران بين الأقلّ و الأكثر لا المتباينين كماعليه بعض الأصحاب هو جريان ما اقتضى الرجوع إلى البراءة في الأقلّ و الأكثر في الدوران المذكور من العقل و النقل حيث إنّ في الدوران المفروض أيضا نعلم‏بوجوب قدر مشترك بين الأمرين و هو أحدهما و يشك في وجوب خصوص الواحد المعيّن منهما و حيث إن بيانه من الشارع فيحكم العقل بقبح المؤاخذة على ترك الواجب‏المسبّب عن ترك الخصوصيّة المجهولة و كذا الدليل النقلي دلّ على وضع ما حجب علمه عن العباد و هو وجوب خصوص الواحد المعين في المقام و لا يعارض بأن وجوب‏الواحد المخيّر أيضا محجوب لأن وجوبه بهذا العنوان التخييري و إن كان محجوبا إلاّ أن وجوبه لا بهذا العنوان بل بالعنوان الذي يجامع وجوب الواحد المعيّن في الواقع‏غير محجوب و بعبارة أخرى وجوبه بعنوان اللابشرط المقسمي غير محجوب و إن كان وجوبه بعنوان اللابشرط القسيمي محجوبا على نحو ما عرفت تقريبه في الشك في الشرط حرفابحرف و كذا الضيق الناشئ من الالتزام بالخصوصيّة التعيينيّة لمكان الجهل بالإلزام المذكور منفي بمقتضى قوله الناس في سعة ما لا يعلمون و لا يعارض بأن في المتباينين‏أيضا قد يكون أحدهما أثقل من الآخر كالتمام بالنسبة إلى القصر في موارد دوران الأمر بينهما فيحكم بنفي وجوبه بما دلّ على تقديم ما فيه السعة على ما فيه الضيق و هو كما ترى‏لأن المستفاد من الرواية نفي الضيق المستند إلى الجهل و إثبات السعة بالنسبة إلى ما لا يعلم لا ترجيح ما فيه السعة على ما فيه الضيق كيف ما اتفق و هذا أمر ظاهر لا سترةفيه أصلا لمن له أدنى خبرة بمعنى الرواية هذا و أما وجه عدم إلحاق الدوران المذكور بالدوران بين الأقلّ و الأكثر حتى من جهة الشكّ في الشرط بقسميه و إلحاقه بالدوران بين المتباينين‏في وجوب الاحتياط و إن كان الاحتياط في المتباينين بحسب الكيفيّة يغاير الاحتياط في المقام حيث إنه في المتباينين بالجمع بين المحتملين و في المقام باختيار ما يحتمل‏تعيينه فهو أنه ليس في المقام قدر مشترك يعلم بوجوبه و يشكّ في وجوب الزائد عليه لأنّ مفهوم أحدهما أمر ينتزع من الفعلين و ليس متعلّقا لخطاب الشارع يقيناسواء فرض الواجب معيّنا أو مخيّرا لأن الخطاب التخييري في الواجب المخيّر يتعلّق بكلّ من الفعلين لا بعنوان أحدهما المنتزع منهما و إن صحّ الحكم بأن أحدهما واجب إلاّأن الوجوب لا يتعلّق بالفعلين من أجل كونهما مصداقين لهذا المفهوم نعم ربما يتوهّم الإلحاق مما لا يجب الاحتياط فيه على مذهب العامّة في الواجب للمخيّرلكنه فاسد أيضا لعدم العلم بالوجوب التخييري و لم يتوهّم أحد تعلّق الخطاب بهذا المفهوم المنتزع في الواجب المعيّن فالذي تيقن وجوبه على كل تقدير هو الذي‏يحتمل وجوبه التعييني و وجوب غيره و إسقاطه عنه مشكوك كيف يجوز العقل العدول في مقام الامتثال من اليقين إلى الاحتمال و كيف ينفى وجوبه بالدليل النقلي‏على وجه اليقين معه إن تعلّق الخطاب به بخصوصه أو به لا بهذا العنوان و صاحبه في مرتبة واحدة و ممّا ذكرنا كله يعلم فساد قياس المقام بدوران الأمر بين المطلق‏و المقيّد حيث إن الدوران فيه أيضا يئول إلى الدوران بين التخيير و التعيين غاية الأمر كون التخيير المحتمل في الدوران المذكور من جهة حكم العقل به و في المقام من جهة حكم‏الشارع لانتفاء الخطاب التخييري في دوران الأمر بين المطلق و المقيّد قطعا لأنّه على تقدير وجوب المطلق ليس هناك خطاب تخييريّ بالنسبة إلى الخصوصيّات‏أصلا لا من الشارع و لا من العقل أمّا الأوّل فلأنه المفروض و أما الثاني فلأن الذي يحكم به العقل على وجه الإدراك لا الإنشاء بعد العلم بأن الواجب و هو
175
الطبيعة المطلقة نسبته إلى الأفراد على وجه سواء و نسبته واحدة جواز اختيار المكلف كل فرد في مقام الامتثال فإذا اختاره فقد وجد الواجب المعيّن في الخارج وهذا أمر ظاهر قد نبّهنا عليه في مسألة تعلّق الأمر بإيجاد الطبيعة فالصفة الجامعة بين المطلق و المقيّد يعرضها الوجوب لا محالة على كل تقدير فلا يجوز قياس المقام‏به أصلا فاتضح ممّا ذكرنا كلّه أنه لا مناص عن القول بوجوب الاحتياط في المقام و عدم جواز العدول عمّا احتمل تعيّنه لا الحكم بعدم وجوب الطرف الآخر فإنّه مبنيّ‏على جواز الرجوع إلى البراءة في نفي التخيير و لا تعلّق له بالمقام و قد عرفت ما يقتضيه الدليل بالنسبة إليه في مطاوي كلماتنا السابقة قوله قدس سره و أما الشكّ‏في القاطعيّة إلى آخره‏(1) أقول القاطع و إن كان قسما من المانع حقيقة كما ستقف على تفصيل القول فيه و حق المقام أن نحكم بإلحاقه بالمانع من حيث جواز الرجوع إلى‏البراءة بالنسبة إليه و عدمه فإن الكلام في مسائل الباب من حيث الاحتياط و البراءة لا الاستصحاب إلا أن المختار عنده قدس سره لما كان جريان الاستصحاب‏في الشكّ في القاطع دون مطلق الشكّ في المانع كما ستقف عليه إرادة الإشارة إلى أن المتعين فيه الرجوع إلى الاستصحاب سواء كان المذهب الاحتياط في‏الأقلّ و الأكثر بقسميه أو البراءة كما هو ظاهر
في تقسيم الشرط إلى القسمين‏
قوله قدس سره ثم إنّ الشكّ في الشرطيّة قد ينشأ إلخ‏(2) أقول توضيح ما أفاده يحتاج إلى بسط الكلام فيما يتعلّق‏بالمقام فنقول بعون الله الملك العلاّم و دلالة أهل الذكر عليهم أفضل التحيّة و الصّلاة و السلام إن الشرط على قسمين أحدهما ما يكون شرطا و معتبرا في‏المأمور به و يكون مأخوذا في موضوع الأمر فيكون مقدّما عليه بحسب الملاحظة كسائر ما له دخل في وجود المأمور به مثل الأجزاء كغالب الشرائط للعبادات‏ثانيهما ما يكون معتبرا في امتثال الأمر المتعلّق بالمأمور به بحيث لا يكون له تعلّق و ارتباط بالماهيّة المأمور بها أصلا فيكون المتوقّف الامتثال دون وجود المأموربه في الخارج كإباحة المكان و اللباس للصّلاة مثلا و إباحة الماء و التراب في وجه في الغسل و الوضوء و التيمّم إلى غير ذلك من استفادة الإباحة من مانعيّةالغصب المجامع للعبادة وجود المتحد معها مصداقا المستفادة من النهي المتعلّق به في نفسه الذي يمنع من تحقّق الامتثال الأمر المتعلّق بالعبارة من حيث امتناع‏التقرّب بما يكون مبغوضا للمولى حسبما تبين مفصّلا في مسألة امتناع اجتماع الأمر و النهي و ليس الإباحة المستفادة من مانعية الغصب بالتقريب الذي‏عرفته مأخوذة في مهيّة العبادات على حد سائر شرائط المأمور به كالطهارة و الستر و القبلة و نحوها و من هنا يصحّ العبادات بارتفاع النهي عن الغصب‏واقعا كما في مورد الضرورة و الاضطرار و لو من جهة الأمر بالخروج فيمن توسّط الدار المغصوبة أو فعلا كالجاهل القاصر بالحكم بالمعنى الأعمّ من الغافل و الناسي‏و الشاك أو بالموضوع كذلك بناء على أن المزاحم للأمر هو النهي الفعلي كما بنوا عليه الأمر في مسألة امتناع اجتماع الأمر و النهي لا النهي الواقعي النفس الأمري وإن لم يتوجّه إلى المكلّف أصلا لعذر عقلي أو شرعيّ من توجيهه إليه أو القول بإمكان الامتثال بالمبغوض إذا كانت له جهة محبوبيّة أيضا فيما كانت الجهتان‏تقييديتين على ما بني الأمر عليه من ذهب إلى جواز الاجتماع في تلك المسألة و بالجملة لا إشكال في افتراق القسمين بحسب الآثار و الأحكام كثيرا في الفقه‏
في أنّ القسم الأوّل لا يمكن تسبّبه من الأمر النّفسي‏
أمّا القسم الأول فممتنع عقلا لمن يكون مسبّبا من الخطاب النفسي و معلولا له و ناشئا منه بل هو علّة تامّة بناء على القول بوجوب المقدّمة لأمر غيري تبعيّ‏متعلق به فهو علّة للأمر الغيري و إن كان الكاشف عنه الخطاب المتعلّق بالمشروط بعد ثبوت الملازمة العقليّة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّماته فحال هذاالقسم من الشرط حال الجزء في امتناع صيرورته مسبّبا عن الأمر النفسي ضرورة امتناع تأثير طلب الشي‏ء لنفسه في كونه ممّا يتوقّف عليه وجود الغير شطرا أو شرطا بحيث‏يوجب حدوث المقدّميّة و الارتباط بينهما نعم لا امتناع بين اجتماع جهتي الغيرية و النفسيّة بمعنى صيرورة الشي‏ء المطلوب نفسا مقدّمة للغير كالطهارة من‏الحدث مثلا أو الصلاة على النّبي عند ذكر اسمه الشريف المطلوبة نفسا حيث صارت جزءا للتشهّد و هكذا لكنّه لا تعلّق له بالمقام أصلا فإن المدّعى أن الأمر الدّال‏على الأمر بالصّلوات عند ذكره صلوات اللّه عليه و آله لا يدلّ على كون الصلوات عليه جزءا للصّلاة أو عبادة أخرى و كذا الأمر بالسجود عند قراءة آية السجدة أو استماعهالا يدل على كون السجود للعزيمة جزءا للصّلاة و النهي عن الغصب بما هو غصب لا يدلّ على كون الغصب من موانع الصّلاة و ممّا يكون عدمه مأخوذا في مهيّة الصّلاة مع‏كون النهي المتعلّق به نفسيّا بل نقول إن تحريم الشي‏ء في العبادة نفسيّا بحيث لا يكون محرّما في غيرها لا يمكن دلالته على المانعيّة و من هنا ذهب جمع من القدماءو المتأخرين إلى أن تحريم الارتماس و الحقنة و القي‏ء في الصوم لا يدلّ على كونها من موانع الصوم و إن هي إلا كالمحرّمات النفسيّة في حال الإحرام نعم لو استفيد من‏النهي كونه إرشاديّا و غيريّا كما استظهره كليّة بعض الأساطين من المتأخّرين و جعله الأصل في النواهي المتعلّقة بما يوجد في ضمن العبادة كما هو مسلّم في جملة من‏الموارد بالاتفاق كالتكليف و نحوه دل على المانعية لا محالة لكنّه يخرج عن النهي النفسي و لا تعلق له بالمقام فإن النهي الإرشادي الغيري معلول للمانعية السابقةعليه و إن كان متعلّقا بالمعاملة أيضا و هذا ما ذكرنا من أن الشرط علة للخطاب الغيري و بالجملة الخطاب النفسي بما هو نفسي لا يمكن دلالته على المقدمية و الارتباط وإن كان ظرف متعلّقه العبادة فضلا عما إذا لم يكن كذلك بل نقول إن النهي النفسي المتعلّق بما فرغ عن شرطيّة يدلّ على الفساد و المانعيّة فضلا عن غيره ولذا نقول بأنه إذا ورد النهي النفسي عن لبس الحرير في الصلاة لم يدل على فساد الصّلاة في الحرير بخلاف ما لو ورد النهي النفسي عن الصلاة في الحرير فإنّه‏يدخل في المنهي عنه بشرطه من أقسام النهي في العبادات نعم لو استفيد من النهي عن لبس الحرير في الصلاة الإرشاد إلى مانعيّة نفس الحرير عن الصلاة دلّ على الفسادلا محالة و خرج عن محلّ الفرض و السرّ إن الفعل المحصل للشرط ترتّبه عليه قهريّ توصلي لا يفرق في حصوله بين كون مبدئه و محصّله مبغوضا للمولى و بين أن لا يكون‏
176
مبغوضا و ليس أمره كالجزء للعبادة حتى لا يجامع مبغوضية للأمر بالعبادة و هذا ما يقال و قرع سمعك و سمع كل أحد من أن حيثيّة الشرط حيثيّة توصّليّةتحصل بفعل الحرام إذا لم يكن المحصّل بنفسه من العبادات كالطهارات تفارق حيثيّة الجزء و كيف ما كان لا ينبغي الارتياب في أن الخطاب النفسي بما هو خطاب نفسيّ‏لا يمكن دلالته على كون متعلّقه مقدّمة للعبادة و شرطا فيها و من هنا قد حكمنا بأن عطف الجزئيّة على الشّرطيّة كما في جملة من نسخ الكتاب غلط ظاهر لعدم جريان‏القسمين في الجزئيّة و من هنا صرّح شيخنا قدس سره في الكتاب فيما سيجي‏ء من كلامه بأن الخطاب النفسي بالفعل لا يمكن دلالته على كون متعلّقه جزءا للعبادة
في بيان أنّ القسم الثاني من الشرط المستفاد من النهي النفسي و ما يتفرّع عليه‏
و أمّا القسم الثاني فيستفاد من النهي النفسي لكن يعتبر في دلالته إذا لم يكن متعلّقا بالعبادة أن يكون متعلّقا بعنوان متّحد وجودا مع العبادة و لو باعتبار جزئهاو بعبارة أخرى يعتبر في دلالته تصادق متعلقه مع العبادة وجودا و إن انفكّ عن موارد العبادة و وجد في غيرها أيضا فمثل النهي عن لباس الشهرة أو النهي‏عن لبس الرّجل لباس النساء أو العكس و نحوهما خارجة عن محلّ الكلام فإنّها لم يتعلّق بما يتّحد وجودا مع العبادة فلا يحكم بفساد الصّلاة فيها و لا يقال علي هذا كيف‏يحكم بفساد الصّلاة في لباس الحرير للرجال أو لباس الذهب لهم و نحوهما فإن الحكم بفساد الصّلاة فيها ليس من جهة النهي النفسي المتعلّق بلبسها بل من جهة النّهي‏عن العبادة فيها و لولاه لم يحكم بالفساد لأجلها و من هنا أفتى جماعة بصحّة الوضوء من أواني الذهب و الفضّة مع عدم الانحصار زعما منهم أن الوضوء منهما ليس‏استعمالا لهما و إن كان الاعتراف منهما استعمالا حراما إلاّ أنّه خارج عن الوضوء فحالهما حال الإناء المغصوب مع عدم الانحصار و إن كان الحق خلافه على ما بيّنّاه‏في الفقه و ذهب بعض إلى عدم بطلان الصلاة في المحمول المغصوب إذا لم يتحرّك بحركات الصّلاة مستقلا و مال إليه شيخنا قدس سره في الفقه و إن كان لنا كلام فيه‏من حيث كفاية الحركة التبعيّة الغير المنفكّة في المنع من حيث كونه نحو أمن التصرّف أيضا و بالجملة المدار في هذا القسم المستفاد منه الشرطيّة تصادق المنهي عنه مع‏المأمور به وجودا و لو بحسب الاتفاق لا مجرّد اجتماعهما موردا فإنه لا يمكن استفادة الشرطيّة منه و لو تعلّق النهي بمبدإ الشرط كما عرفته من التمثيل بلبس لباس‏الشهرة و أمثاله و لذا حكموا بصحّة الصّلاة مع النظر إلى الأجنبيّة بشهوة فيها بحيث لم يتوهّم أحد فساد الصّلاة معها و الوجه فيه ما ذكرنا من عدم تصادفه مع الصّلاةأصلا و إن وقع في أثنائها و من هنا يحكم بصحّة الصّلاة مع حمل ساعة الذهب و إن فرض كونها إناء و قلنا بأن وضعها في الجيب مثلا استعمال لها لعدم اتحاد الحرام مصداقامع الصّلاة و إن أفتى بعض المعاصرين رحمه الله بفساد الصّلاة فيها زاعما اتّحاد كون الصّلاة معها كما سمعته منه مشافهة و تشخيص مصاديق هذه الكليّة و مواردهابنظر الفقيه و ليس علينا الاستقصاء و العمدة بيان الضابطة ثم إن الوجه في استفادة الشرطيّة من هذا القسم من النهي ما أشرنا إليه من أنه بعد فرض التصادق‏و الاتحاد في وجود واحد لمّا امتنع الامتثال و إن كان جهة الأمر و الطلب موجودة فلا محالة يجعل الغصب المتعلّق للنهي الفعلي مانعا من قصد التقرّب بالأمر فجعل‏إباحة المكان مثلا شرطا و هكذا و أولى منه ما لو تعلّق النهي التحريمي بنفس العبادة كما إذا تعلّق النهي بالصّلاة في الدار المغصوبة أو الحرير أو في غير المأكول إلى غير ذلك‏مع كونه نفسيّا على ما هو مبنى المسألتين أي مسألة اجتماع الأمر و النهي و النهي في العبادات لما عرفت من أن النهي الإرشادي لا يعقل البحث فيه فإن الامتثال‏بالخصوصيّة المبغوضيّة محال فجهة الفساد في الفرض و إن كانت هي جهة في الفرض الأول حقيقة إلاّ أن بعض القائلين بجواز الاجتماع حكم بالفساد في مسألةالنهي في العبادات نظرا إلى عدم تحقق جهة الصحّة فيها و إن حكم بالفساد بعضهم كالمحقق القمّي في القوانين من جهة الدلالة العرفية و التخصيص مع اعترافه بأنّ‏المسألتين من واد واحد بالنظر إلى حكم العقل و هذا نظير قول بعض المتأخرين في مسألة اجتماع الأمر و النهي و ابتناء حكمها على مسألة تعارض العامّين من‏وجه و تقديم النهي في مادّة الاجتماع من جهة كون دلالته أقوى من دلالة الأمر و إن كان فاسدا عندنا من جهة أن مبنى المسألة على التزاحم لا على التعارض‏و من هنا قد حكمنا بصحّة العبادة في موارد الغصب مع عذر المكلّف و انتفاء النهي الفعلي و إن حكمنا بأجرة المثل و الضمان مع العذر أيضا و لو لا ما ذكرنا من‏المبنى لم يكن لما ذكرنا و تسالموا عليه وجه أصلا كما لا يخفى هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام على سبيل الضّابطة و بقي هنا مطالب آخر جليلةتعرّضناها في محالّها فلعلّ المتأمّل الدقيق يكتفي بما ذكرنا عما طوينا ذكره و يتضح له أبواب من الفقه بشرطها و شروطها و هو الموفق للصواب إذا عرفت‏ما ذكرنا فلنعد إلى بيان حكم المقام فنقول إذا تسبّب الشكّ في الشرطيّة في القسم الثاني عن الشكّ في الخطاب النفسي تعيّن الرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى‏الشكّ في الخطاب سواء قلنا بالبراءة في الشك في الشرطيّة أو الاشتغال لما عرفت مرارا من عدم جريان الأصل في الشكّ المسبّب مع جريانه في الشكّ السّبب من غيرفرق بين أن يكون الأصلان متوافقين أو متخالفين من جنس واحد أو جنسين فإذا كان قضيّة الأصل في الشكّ في التكليف البراءة باتفاق المجتهدين بل الأخباريّين‏أيضا في الجملة حكم بعدم الالتفات إلى الشكّ في الشرطيّة المسبّبة عنه و لا يكون مقتضاه الاحتياط إلا على مذهب الأخباريّين في الشبهة التحريميّة فقوله قدس سره في‏الكتاب فيحكم بما يقتضيه الأصل الحاكم من وجوب ذلك المشكوك في شرطيّته أو عدم وجوبه مبنيّ على الفرض و الغرض أنه لا يلاحظ مقتضى الأصل في الشكّ في الشرطيّة في‏هذا القسم أصلا بل يتبع حكمه حكم الشكّ في التكليف النفسي فتدبّر قوله قدس سره أو مبني على مسألة البراءة و الاحتياط إلخ‏(1) أقول قد حكى قدس سره الابتناء المذكورفي مجلس البحث عن شيخه الشريف قدس سره و لا بدّ أن يكون المراد من ابتناء حكم المقام على الخلاف في المسألة على سبيل المهملة و لو بالنسبة إلى الزيادة العمديّة إذ إرادة القضيّةالمطلقة لا معنى لها أصلا لعدم تصور جريان الأصل بالنّسبة إلى النقض السّهوي و الزيادة السّهويّة ضرورة عدم تحقّق الشكّ الفعلي المعتبر في مجاري الأصول مع الغفلة
177
لأنه فرع الالتفات كما هو ظاهر لا يقال إجراء أصل البراءة بالنسبة إلى الجزء المتروك سهوا و إن لم يكن ممكنا ما دام المكلّف غافلا إلا أنّه يمكن إجراؤها بعد زوال الغفلة و حصول‏الالتفات بالنسبة إلى وجوب الإعادة المشكوك المترتّب على احتمال الجزئيّة حال الغفلة فيستكشف من الحكم بعدم وجوب الإعادة بعد الالتفات لأصالة البراءةعن عدم الجزئيّة حال الغفلة لأنا نقول الشكّ في وجوب الإعادة و عدمه مسبّب عن الشكّ في قناعة الشارع عن المأمور به بغيره و حكمه بكونه مسقطاعنه كما ستقف على تفصيل القول فيه و لم يقل أحد ممن قال بالبراءة في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بأن مقتضاها الحكم بقناعة الشارع بفعل الناقص الغيرالمأمور به عن التام بل كلمتهم متفقة على أنّ مقتضى قاعدة الاشتغال هو البناء على عدم القناعة و وجوب الإتيان بالتام كما هو واضح لمن له أدنى تتبّع كيف و العقل‏الضروري يحكم بعدم جواز الاقتصار بالناقص مع الشكّ هذا و انتظر لتمام الكلام في ذلك فيما سيتلى عليك عن قريب‏
في بيان معنى الركن و المراد منه‏
قوله قدس سره فنقول إن الركن‏في اللغة و العرف معروف إلخ‏(1) أقول الركن مصدر ركن يركن بمعنى الاعتماد و قد يطلق على ما به قوام الشي‏ء و ليس له في الكتاب و السنّة ذكر حتى نتعرّض لمعناه‏في زمان تعلّق الحكم به من الشارع و أن المراد منه المعنى المتبادر منه عرفا المنطبق على اللّغة إذا لم يكن للشارع عرف و اصطلاح خاصّ فيه كما هو الشأن في الألفاظالواقعة في كلام الشارع ضرورة أن بحث الفقيه عن معنى اللفظ و وضعه و ظاهره و خلافه مع عدم تعلّق الحكم به في كلام الشارع مما لا معنى له و إنما يبحث عنه‏اللغوي من حيث إنه لغوي نعم قد يبحث عنه إذا وقع في معقد الإجماع محقّقا أو منقولا كما في المقام ففي الأوّل يرجع إلى العرف العام إذا لم يكن للمجمعين عرف خاصّ فيه‏و في الثاني إلى ما أراده حاكي الإجماع إن علم ما أراده و إلا فإلى عرف الفقهاء إن كان و إلاّ فإلى العرف العام و لما وقع الخلاف بينهم في معنى الركن مع الاتفاق على‏ثبوته في الجملة و إنه هل يتقوّم بثبوت البطلان على ترك الجزء سهوا كما يبطل بتركه عمدا و إلا لم يكن جزءا و هو خلف كما اقتصر به جمع و هو الأوفق بمعناه العرفي المطابق‏للّغة كما هو واضح أو للبطلان بزيادته عمدا و سهوا مدخل فيه كما عن آخرين فإذا أريد فهم مقتضى الأصل الأوّلي أو الثانوي في الجزء الذي ثبت جزئيّته و يشكّ‏في ركنيّته فلا بدّ من تحرير الكلام في مسائل ثلاث لاختلاف مقتضى الأصل كما ستقف عليه بالنظر إلى النقيصة و الزيادة ثم إن البحث و إن لم يكن له اختصاص‏بباب الصّلاة إلا أن حال الأجزاء من حيث الأحكام المذكورة ظاهرة عندهم في غيره‏
في بيان عدم إمكان كون مثل السّهو و النسيان ممنوعا
قوله قدس سره لأن ما كان جزءا حال العمد كان جزءا في حال الغفلة إلخ‏(2) أقول لا يخفى عليك أن ما أفاده قدس سره في تقريب أصالة البطلان بنقض الجزء سهوا يرجع إلى القياس المركّب من الصغرى و الكبرى و لما كانت الكبرى واضحة مسلّمة حرّرالكلام في الصغرى و مقتضى القياس المذكور بظاهره كما ترى و إن كان بطلان العبادة بنقض الجزء سهوا كيف ما اتفق إلا أنّ المراد كما يعلم من كلامه قبل ذلك وبعده الحكم بالبطلان ما لم يقم هناك دليل على الاكتفاء بالناقص عن التام و لا يتنافى بين نتيجة القياس و ما ذكره أصلا لأن النتيجة كون المأتي به غير مأمور به‏و مقتضاه كما ترى البطلان و وجوب الإعادة ما لم يقم هناك دليل من الشارع على القناعة بغير المأمور به عن المأمور به فإذا شكّ في قيام الدليل فيرجع إلى‏أصالة الاشتغال فالمراد من الأصل في المقام لا بدّ أن يكون ما ذكرنا لا ما يقتضيه ظاهر الكتاب من أصالة عدم القناعة و الإسقاط و ما يرجع إليهما من الأصول‏العدميّة لعدم ترتّب الحكم على مجاريها بل على مجرّد احتمال عدم القناعة كما هو ظاهر إلاّ أن الأمر في ذلك سهل و توضيح ما أفاده في بيان الصغرى هو مامرّت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة من استحالة تنويع المأمور به في نفس الأمر و الواقع بحسب العلم و الجهل و الالتفات و الغفلة و السهو و النسيان بأن‏يكون المأمور به في حال العلم بوجوب الحمد مثلا الصّلاة المشتملة على الحمد و مع الجهل به الصّلاة الخالية عنه و كذا يكون المأمور به في حال الالتفات إلى السورةالصلاة المشتمل عليها و مع الغفلة عنها الصّلاة الخالية عنها أمّا عدم إمكان التنويع بحسب حالتي العلم و الجهل فللزوم الدور الظاهر الذي أسمعناك القول‏فيه مرارا و أمّا عدم إمكانه بحسب الغفلة و الالتفات فلأنّ الحالة التي يؤخذ موضوعا لا بدّ من أن يكون قابلة لأن يخاطب المكلّف بالفعل في حال الاتّصاف بهامع الالتفات إليها و الغفلة و النسيان و السهو لا يكون قابلة لذلك ضرورة أنه بمجرّد التفات المكلّف إلى كونه ناسيا عن السورة يزول نسيانه و غفلته فينتفي‏موضوع التكليف المتعلّق بالفعل الناقص من حيث كون المكلّف غافلا عن التّام و هو أمر ظاهر كظهور المقدّمة الأولى لا يقال إنّ الآتي بالصّلاة بدون‏السورة يلتفت إلى ما يأتي به من الأجزاء فلا مانع من أمره بها غاية الأمر عدم التفاته إلى كونها مقرونة بنسيان السّورة و عدم الالتفات إلى هذا العنوان لا تعلّق‏له بما يأتي به من الأجزاء فإن شئت قلت المأمور به في حق ناسي السّورة مثلا غيرها من الأجزاء التي يأتي بها و المفروض أنه يلتفت إليها و إنما لا يلتفت إلى ما نسيه والمفروض سقوطه عنه فالذي أمر به لم يتعلّق به النسيان و الذي تعلّق به النسيان لم يؤمر به فلم قلت بعدم إمكان التنويع بحسب الالتفات و الغفلة مع أنّه لا محذورفيه أصلا بعد رجوع الأمر إلى ما ذكر و إلاّ يلزم في التكليف بشي‏ء الالتفات إلى غيره ممّا لم يكلف به لأنّا نقول إن لم يكن لنسيان السّورة في الفرض دخل‏في التكليف بغيرها من الأجزاء فيتوجّه عليه أن لازمه عدم دخل السّورة في الصّلاة أصلا فيلزم أن يكون سائر الأجزاء مكلّفا بها على كلّ حال و هو خلف‏مضافا إلى منافاته لفرض التنويع و إن كان له دخل فيه فلا بدّ أن يكون عنوانا للتكليف بغيرها فيلزم ما ذكرنا من المحذور فإن قلت نسيان السورة أوجب التكليف بغيرها من الأجزاء في حالته لا أن يكون شرطا للتكليف بغيرها بحيث يلزم الالتفات‏إليه في زمان الإتيان به فالتكليف إنما هو في حال نسيانها لا بشرطه قلت ما ذكر لا محصّل له أصلا لأنه خلاف فرض التنويع فإن معناه دخل الحالة في موضوع‏
178
الحكم فإن كان للحالة المذكورة دخل في عروض الحكم و بقائه فيعود المحذور و إلا فلا معنى للقول بكون التكليف في حال النسيان لا بشرطه فإنه إذا فرض عدم‏اشتراطه فأيّ معنى للقول المذكور
في تتميم ما عرفت من عدم إمكان توجيه الخطاب إلى الناسي‏
قوله قدس سره فإن قلت عموم جزئيّة الجزء لحالتي النسيان إلى آخره‏(1) أقول لمّا أفاد قدس سره في صغرى القياس الذي أفاده‏لتأسيس الأصل في المسألة عموم جزئيّة المنسي لحالتي النسيان و الالتفات فقد توهّم أن المراد التمسّك بالعموم اللفظي لدليل الجزئيّة فيتوجّه السؤال بأن‏ذلك إنما يستقيم فيما لو كان له عموم و أمّا إذا لم يكن له عموم سواء كان لبيّا أو لفظيّا بصورة الجملة الخبريّة مع إهماله و الإنشائيّة الغير القابلة لأن يشمل‏صورة النسيان و الغفلة فلا معنى للحكم بالعموم فيرجع إلى إطلاق دليل العبارة إن كان له إطلاق يشمل صورة النسيان على قول الأعمّي في ألفاظ العبارات‏و إلاّ فيبني على مسألة البراءة و الاشتغال في ماهيّات العبادات فإن ثبوت الجزئيّة في الجملة كما هو المفروض لا ينافي الرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى حالة يشكّ في‏عموم الجزئيّة بالنسبة إليها كما لا يخفى فإذا بني على عدمها من جهة الأصل اللفظي أو العملي يكون حال الجزء حال الشرط المختصّ بحال الذكر و أجاب عنه بقوله قلت إلى آخره‏بما عرفت من أن التنويع بحسب حالتي الغفلة و الالتفات يستحيل عقلا فلا يمكن توجيه التكليف إلى الغافل عن الفعل حقيقة لأن التام غير مقدور له و النّاقص و إن‏كان مقدورا له ذاتا إلا أنه غير مقدور له بعنوانه فهو ما دام غافلا كالنائم في برهة من الوقت لا يكون مكلّفا بشي‏ء و إذا زالت غفلته توجّهت الخطابات الواقعيّةبالمركب التام إليه نعم يمكن أن يكون الناقص مشتملا على مصلحة ملزمة كافية عن المصلحة الموجودة في المركّب التام في حق خصوص الناسي مع قصوره عن توجّه التكليف‏بالنسبة إليه لعجزه و لكن هذا مجرّد إمكان لا ينفع إلا بعد قيام الدليل على كفاية الناقص عن التام فإنه يستكشف منه ذلك رفعا للحكم الجزافي القبيح عن الشارع المنزّه‏فيحكم بعد قيام الدليل كما قام في جملة من الموارد بأن غير المأمور به مسقط عن المأمور به في العبادات كما نقول بمثله في مسألتي الجهر و الإخفات في الجاهل‏المركّب و المتمّم في السفر جهلا مركّبا كما ستقف على تفصيل القول فيه بعد ذلك إن شاء الله تعالى فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أن النّاسي ما دام ناسيا لا يتوجّه إليه خطاب‏و أمر لا من الشارع و لا من العقل نعم يحكم العقل بكونه معذورا ما دام غافلا و هذا لا تعلّق له بكونه مأمورا عقلا كيف و العقل ليس مشرّعا مضافا إلى ماعرفت من عدم إمكان توجيه الخطاب بالنسبة إليه شرعا و عقلا لعدم قدرته نعم يأتي بالفعل بداعي امتثال الأمر الواقعي المتعلّق بالمركب غفلة عن بعض أجزائه‏و هذا الإقدام لا يحدث في حقه أمرا و من هنا قال قدس سره و مما ذكرنا ظهر أنه ليس هذه المسألة من مسألة اقتضاء الأمر للأجزاء إلى آخر ما أفاده فإن ابتناء حكم‏المقام على المسألة المذكورة موقوف على فرض أمر فيه و قد عرفت عدم إمكانه‏
في الإشارة إلى أمهات مطالب الإجزاء
و حيث انجر البحث إلى هذا المقام فلا بأس بإيراد بعض الكلام في المسألة المذكورةعسى أن ينفع في توضيح المقام فنقول بعون اللّه و توفيقه و دلالة أوليائه الكرام عليهم آلاف التحيّة و السلام إنهم ذكروا للأمر في تلك المسألةوجوها و أقساما أربعة لا خامس لها أحدها الأمر الواقعي الاختياري و هو الذي يتعلّق بالموضوعات تعلقا أوّليّا بمعنى عدم أخذ الظن أو الشكّ‏في حكم آخر في موضوعه و عدم دخل العذر بالمعنى الأعم من المرض و الخوف و التقيّة و الاضطرار الشامل لفقدان الماء و نحو ذلك فيه و إن اختلف بحسب سائرحالات المكلّفين كالحضر و السفر و هذا هو الذي ادّعي اتفاق الفريقين على القول بالإجزاء فيه إلا عن أبي هاشم من العامّة و قد ادّعي اتفاق العقلاء في‏تخطئته و من غاية افتضاحه وجّهه بعض بأن بحثه في إمكان أن يرد من الشارع عقيب امتثاله بإتيان الفعل ثانيا لا بعنوان المتدارك و جعل مرجع النزاع في المسألةإلى إمكان ورود الأمر المذكور و عدمه و إن كان في غاية الضعف لأن إمكان ذلك بمعنى إيجاب الشارع للفعل ثانيا بعنوان التكرار مما لا يعقل النزاع فيه و بالجملةاقتضاء أمثال هذا القسم من الأمر سقوط الفعل ثانيا بالمعنى الأعمّ من الإعادة و القضاء عقلي مع فرض تعلّق الأمر بنفس إيجاد الطبيعة بل التحقيق أنّ اقتضاءامتثال كل أمر لعدم إمكان تعلّق الأمر بإيجاد الفعل على طبقه ثانيا لا بعنوان طلب التكرار عقليّ من غير فرق بين أقسام الأمر كما هو ظاهر فإن كان البحث في المسألة عن‏هذا المعنى كما استظهره بعض كان الاقتضاء عقليّا بالنسبة إلى الجميع و إن كان النزاع في الأعم منه كما يظهر من الشهيد قدس سره و غيره فيشمل النزاع في اقتضاء امتثال‏أمر سقوط الفعل بمقتضى أمر آخر افترق هذا القسم عن باقي الأقسام إذ لا يتصوّر بالنسبة إليه أمر آخر كما هو ظاهر ثانيها الأمر الواقعي الاضطراري المتعلّق بالموضوعات‏الأوليّة بالمعنى الذي عرفته مع دخل العذر بالمعنى الأعمّ في موضوعه فأمر ذوي الأعذار إذا قيل بجواز البدار لهم واقعا بمجرّد طروّ العذر في بعض أجزاء الوقت وإن علم بزواله في جزء آخر يدخل في هذا القسم و هذا كالأوّل في اقتضاء امتثاله عقلا لسقوط الفعل ثانيا من غير فرق بين الوقت و خارجه و إن زال العذر فيهما لأنّ‏المفروض كونه واقعيّا نعم يمكن تعلق الأمر الندبي بعد زوال العذر بإيجاد الفعل على طبق الأمر الأوّل كما أنه يمكن تعلّق الأمر الندبي بإيجاد الأفضل بعد إيجادغيره لإدراك المصلحة الأوليّة الفائتة كالمعادة جماعة هذا و لكن ربما يجري في لسان شيخنا قدس سره عند البحث عن هذه المسألة أن مقتضى الأصل و إن كان الإجزاءبالنسبة إلى هذا القسم إلا أنه يمكن الأمر الإلزامي بإيجاده ثانيا لتدارك المصلحة الأوليّة الفائتة سيّما في خارج الوقت و قال قدس سره في تقريب ذلك أنه لا ينبغي الإشكال‏في أن قضيّة الأصل و القاعدة في امتثال التكليف الاضطراري حصول الإجزاء به فيجري على مقتضى هذا الأصل ما لم يقم دليل على خلافه فإن مقتضى اختلاف‏التكليف الواقعي في أجزاء الوقت بحسب أحوال المكلّف التي منها الاضطرار مع فرض وحدة التكليف كما هو المفروض هو رفع التكليف عن المكلف المضطرّ الآتي‏بوظيفته كالآتي بالصلاة تقيّة أو الوضوء كذلك أو الآتي بالصلاة مع الطهارة الترابيّة إلى غير ذلك إلا أنه يصحّ أن يرد دليل من الشارع على وجوب الإتيان‏
179
بالواقع الاختياري بعد ارتفاع الاضطرار لأجل إدراك مصلحته التي هي الأصل المكتفي عنها بالمصلحة الموجودة في حال الاضطرار من باب البدليّة و ليس‏الأمر فيه كامتثال الأمر الواقعي الاختياري الذي لا يتصوّر عدم الإجزاء فيه بل ربما يقال إن مقتضى ما دلّ على وجوب تدارك ما فات بعد خروج الوقت‏هو ثبوت القضاء إلا أن يقوم دليل على سقوطها لفرض فوت الواجب الاختياري هذا حاصل ما أفاده في مجلس المذاكرة و لكني لم أستصوبه لأن الفعل‏الناقص في حال الاضطرار إن لم يكن فيه مصلحة يتدارك بها المصلحة الملزمة و لم يبلغ إلى تلك المرتبة كان الأمر به من الشارع واقعا قبيحا و إن كان فيه المصلحة المذكورةلزم من إيجاده على طبق الأمر المتعلّق به ارتفاع الأمر عن الواقع فإن شئت قلت إن الواقع الاضطراري من مراتب الواقع حقيقة فإذا أتى به المكلّف فقد أتى بالواقع‏فيرتفع أمره الإلزامي و منه يظهر فساد التمسّك في المقام بما دلّ على وجوب القضاء على من فاته الفريضة في الوقت فإنا نمنع من صدق الفوت بعد ثبوت التّدارك‏بل نمنع من صدق مجرّد عدم الإتيان بالواجب الواقعي أيضا لو جعل الفوت عبارة عن هذا المعنى لما عرفت من أن الإتيان بالواقع الاضطراري من مراتب الإتيان‏بالواقع و إن شئت قلت إن القضاء و إن كان بأمر جديد إلا أنّه بعد ثبوته من مراتب الأمر بالواقع أيضا و بعد امتثاله لا يبقى موضوع الأمر بالقضاء و من هناقلنا تبعا للعلاّمة قدّس اللّه نفسه الزكيّة إن مرجع أمر الكفار بالقضاء و تكليفهم به حقيقة إلى مؤاخذتهم على تفويت الواقع الذي أمروا به فلا يتوجّه الإشكال‏المشهور بأن القضاء غير مقدور لهم لا قبل الإسلام و لا بعده لسقوط التكليف بدليل جبّه عمّا قبله فإن قلت بعد اشتمال الفعل على مصلحة الواجب‏الواقعي على ما هو المفروض لا بد أن يكون بدلا اختياريّا و التكليف به و الواجب الاختياري تكليفا تخييريّا و هو خلف قلت ما ذكر توهّم فاسد إذ لا امتناع‏في أن يكون للفعل مصلحة في حال دون حال كالصلاة مع الطهارة الترابيّة فإن مصلحتها إنما هي في حق الفاقد للماء فإن قلت بعد تسليم ارتفاع‏الأمر عن الواقع رأسا أيّ معنى لقولك بإمكان تعلّق الأمر الندبي من الشارع بإتيان الواقع الاختياري بعد ارتفاع العذر فإن الأمر الندبي كالأمر الإيجابي‏يتوقف على المصلحة و المفروض تداركها قلت إنما التزمنا بتدارك المقدار الموجب من مصلحة الواقع لإتمام المصلحة لعدم الدليل عليه أصلا فيمكن‏صدور الأمر الندبي عن الشارع لأجل تداركه و قد التزمنا بمثله في الإتيان بالبدل الاختياري كالصلاة المعادة جماعة في الجملة فكيف البدل الاضطراري‏
في أنّ مقتضى القاعدة عدم اقتضاء موافقة الأمر الظاهري للإجزاء
ثالثها الأمر الظاهري الشرعي و لو كشف عنه العقل المتعلّق بالموضوعات تعلّقا ثانويّا من حيث الظن بالواقع الأوّلي بالمعنى الأعمّ من الظن النوعي أو عدم‏العلم به فينطبق على مجاري الأصول العمليّة و هذا على قسمين أحدهما ما يتعلّق بالمكلف من حيث عجزه عن تحصيل الواقع كالأصول الحكميّة و بعض الأصول‏الموضوعيّة و الأمارات الظنيّة في الأحكام و الموضوعات بشرط الانسداد و عدم التمكّن من تحصيل العلم بالواقع الأوّلي ثانيهما ما يتعلّق به لا من الحيثيّةالمذكورة بل من حيث ظنّه بالواقع أو عدم علمه به و لو تمكن من تحصيل العلم بالواقع كالظنون الخاصّة المطلقة و أكثر الأصول الموضوعيّة أما الأوّل فلاإشكال في عدم اقتضاء سلوكه القناعة به عن امتثال الأمر الواقعي و سقوط الفعل على طبقه أداء و قضاء فيحكم بمقتضى الأمر الواقعي بعد تبيّن خطاء الحكم‏الظاهري و عدم موافقته للواقع بوجوب الإتيان على طبقه في الوقت و خارجه فيما يثبت له القضاء و لو بالعموم إذ الحكم الظاهري لا يوجب التصرف في‏الواقع أصلا غاية الأمر حكم العقل بكون سالكه معذورا في مخالفة الواقع ما لم ينكشف الخلاف و دعوى أن الحكم الظاهري و إن لم يوجب التصرّف في الواقع‏و إلا لزم التصويب الباطل عند أهل الصواب إلا أنّ مقتضاه لما كان ترتيب جميع آثار الواقع التي منها سقوط الفعل ثانيا بعد تحقّقه الإجزاء شرعافاسدة بأن الأمر المذكور على ما عرفت توضيحه من اللوازم العقليّة لإتيان الواقع الأولي فلا يمكن تعلّق جعل الشارع به على ما عرفت الكلام فيه و ستعرفه‏في محلّه و هذا هو الذي يلزم سلوكه في هذا القسم و عليه المحققون و زعم جماعة بالنظر إلى إطلاق كلماتهم خلافه و أمّا القسم الثاني فلا إشكال في‏عدم اقتضاء سلوكه الإجزاء عن الواقع أيضا فيما لو تبيّن الخطاء و الوقت باق لتدارك الواقع بعين ما عرفته في القسم الأوّل من عدم تصرّف الحكم الظاهري‏في الواقع و إن ترتّب عليه تمام آثار الواقع من حيث البناء على كونه واقعا ما دام الحكم الظاهري موجودا بل الإشكال في تصوير الإجزاء بعد قيام الدليل‏عليه في بعض الموارد على ما أفاده شيخنا قدس سره من أن الأصل في امتثال الأمر الظاهري عدم الإجزاء فيبني على مقتضاه فيما لم يقم هناك دليل من الشارع‏على الإجزاء و قد عرفت في الجزء الأول من الكتاب ابتناء ثاني الشهيدين قدس سرهما القول بالإجزاء على القول بالتصويب و جعل الإجزاء و عدمه ثمرة للقول بالتصويب‏و التخطئة و غاية ما يقال في توجيه الإجزاء بعد قيام الدليل عليه إن قيامه يكشف عن أن في أمر الشارع ظاهرا و حكمه بالبناء على ترتيب آثار الواقع مصلحةيتدارك بها تمام المصلحة الملزمة في الواقع فيرتفع الحكم الواقعي لأن بقاءه بعد الفرض المزبور يوجب ثبوته بلا صفة تقتضيه و إن أشكل الأمر حينئذ بعدم انفكاك‏الفرض عن التصويب و لو بعد قيام الدليل على الإجزاء اللهم إلا أن يقال إن ثبوت الواقع في الجملة و لو قبل العمل بالحكم الظاهري يكفي في التفصّي عن لزوم‏إشكال التصويب فإنه لا إشكال في جواز تحصيل العلم بالواقع في حقه فيرتفع موضوع الحكم الظاهري فتأمّل و أولى بالإشكال ما لو قام الدليل على الإجزاء في‏القسم الأول لأنه لا يحكم فيه العقل بلزوم المصلحة في تشريع الحكم الظاهري اللهم إلا أن يقال إن عدم حكمه به فيما لم يقم هناك دليل على الإجزاء و أما بعد قيامه‏فيحكم به لا محالة فيتّحد القسمان من هذه الجهة و إن افترقا من حيث إطلاق الاعتبار و تقييده هذا فيما لو تبيّن الخطاء في أثناء الوقت و أما لو تبيّن بعد خروج‏
180
الوقت المضروب للفعل فقد بنى شيخنا قدس سره لزوم تدارك الواقع و عدمه في الجزء الأول من الكتاب عند الكلام في كيفيّة جعل الطرق على كون المرادمن الفوت في دليل القضاء مجرد ترك الواجب الواقعي في الوقت و إن تداركت مصلحته حيث إن في ترخيص الشارع لترك الواقع في الجزء الأخير من الوقت‏مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع في حكم العقل أو فوت الواقع من حيث إن فيه مصلحة لكن قد عرفت الإشكال في هذا المبنى منّا فيما بيّنا لك في المقام‏و ممّا ذكرنا لك كله تعرف حكم تبدل رأي المجتهد في المسألة قبل العمل و بعده قبل خروج الوقت و بعده تبدّل رأيه إلى العلم بالخلاف أو الظنّ المعتبر به‏فإن مقتضى القاعدة العمل بمقتضى الرأي الثاني إذا كان التبدّل قبل العمل بل لم يخالف فيه أحد و وجوب الإعادة و التدارك إذا كان بعده مطلقا و نقض الآثارالسابقة حتى في المعاملات بالمعنى الأعمّ إلا فيما إذا قام هناك إجماع على عدم النقض أو دليل آخر كدليل نفي الحرج نعم فيما لو تبدّل ترجيحه إلى الشكّ و التردّدفي المسألة بعد العمل بالترجيح السابق يمكن الحكم بصحّته من جهة قاعدة الشكّ بعد الفراغ و إن كانت الشبهة في الحكم في نفس المسألة و إن كان فيه ما فيه و تعيّن‏عليه الرجوع إلى مقتضى الأصل بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة و في المسألة أقوال يطلب من محلّها سيجي‏ء الإشارة إلى بعضها في آخر هذا الجزء من الكتاب إن شاء الله تعالى‏
في أن امتثال الأمر الخيالي العقلي لا يقتضي الإجزاء
رابعها الأمر العقلي العذري و في السنة بعض من عاصرناه أو قارب عصرنا توصيفه بالأمر الظاهري العقلي و إن كان الحق توصيفه بالأمر الخيالي و قد عرفت‏توهم وجوده في زعم غير واحد في الجاهل المركب و الناسي و أضرابهما و قد بنى الأمر عليه المحقق القمي قدس سره في القوانين في مواضع منه و لكنك قد عرفت أنّه‏لا أمر هناك أصلا بالنسبة إلى ما يأتون به لا من الشارع و لا من العقل و إنما يأتي الغافل بالفعل بداعي الأمر الغير المتوجّه إليه فإذا انكشف الخلاف و ارتفع‏العذر يجب عليه تدارك الواقع في الوقت و خارجه ما لم يقم عليه دليل من الشارع على الاجتزاء بما فعله و بعد قيامه يكشف عن وجود مصلحة متداركة في فعله‏و إن عوقب على مخالفة الواقع كالجاهل بالجهر و الإخفات بناء على شمول كلامهم للجاهل المقصّر كما ستقف على تفصيل القول فيه فإن قلت إذا اعتقد المكلّف مطابقة ما يأتي به للواقع و أتى به بهذا العنوان فيحكم العقل بوجوبه من حيث كونه إطاعة للشارع في زعم المكلّف و انقيادا له و إن أخطأفي هذا الاعتقاد لأن الخطاء في اعتقاد الحكم الشرعي لا يوجب الخطاء في حكم العقل كما هو ظاهر فالمراد من الأمر العقلي في كلماتهم هذا المعنى و إن كان توصيفه‏بالظاهري خطاء إلا أنه لا مشاحة في الاصطلاح قلت بعد تسليم حكم العقل في الجزئيات إن حكمه بوجوب الإطاعة حكم إرشاديّ صرف لا يوجب‏تصحيح العمل المخالف للواقع و ارتفاع الأمر الشرعي المتعلّق به مع عدم موافقته بالفرض من جهته و هذا أمر لا ينبغي الارتياب فيه أصلا فإن كان مقصود القائل‏هذا الأمر فلا يجديه في شي‏ء فافهم نعم لو كان المكلف غافلا لجهله المركب في برهة من الزمان ثم تفطّن و شكّ في مطابقة أعماله السابقة للواقع أو الطريق‏الذي يرجع إليه لاحقا بني على الصحّة نظرا إلى قاعدة البناء على الصحّة بعد الفراغ و لعلّنا نتكلّم في هذا زيادة على هذا إن شاء الله تعالى فإن قلت بعد قيام الدليل‏على الاكتفاء بغير الواقع عنه ما المصحّح للعبادة فإن كان الأمر الواقعي فالمفروض انتفاؤه و إن كان أمر آخر فقد التزمت بعدم حدوث أمر آخر بسبب طروّ الغفلة و النسيان‏و إن لم يكن هناك أمر أصلا فكيف يقصد التقرّب بالفعل قلت المصحّح رجحان الفعل في نفس الأمر و اشتماله على جهة الأمر و إن كان هناك مانع في المكلّف من‏تأثيرها في توجيه الأمر إليه و هذا المقدار يكفي في صحّة العبادة و من هنا نقول بصحة الوضوء بعد دخول الوقت في الغايات المستحبّة و إن لم يتعلّق به الأمر الاستحبابي‏لأجلها لوجود المانع و هو الأمر الوجوبي حيث إن الغايات للوضوء ليست كالغايات في الغسل حتى يوجب اختلاف متعلّق الأمر الإيجابي و الندبي غاية مافي المقام عدم جعل المكلف الداعي رجحان الفعل واقعا بل جعله الأمر الواقعي الغير المتوجّه إليه إلا أنه مع هذا القصد قاصد للرجحان ضمنا و نلتزم بكفاية هذاالمقدار أيضا فتدبّر و قد خرجنا بطول البحث في المسألة عن وضع التعليقة إلا أن رجاء انتفاع المشتغلين و وقوعهم على لبّ المسألة و خالصها سيّما ولدي وقرّة عيني وفّقه اللّه تعالى لمرضاته حملني على ذلك و إن مضى بعض الكلام فيها في الجزء الأوّل من التعليقة أيضا قوله قدس سره و من ذلك يعلم الفرق بين ما نحن فيه‏إلى آخره‏(1) أقول قد عرفت شرح القول فيما أفاده من الفرق بين الجزئيّة المستكشفة من التكليف الغيري التي لا يلزم من انتفاء التكليف انتفائها و إن لم يكن انتفاؤه‏دليلا على وجوده أيضا و الشرطيّة المسبّبة من التكليف النفسي المعلولة له التي يلزم من انتفاء التكليف انتفاؤه كشرطيّة إباحة المكان و اللباس المسبّبة عن تحريم‏الغصب و مانعيّة لبس الحرير المسبّبة عن النهي عن الصّلاة في الحرير إلى غير ذلك لا يقال مقتضى ارتفاع الشرطيّة بحسب الواقع في صورة الغفلة عن التكليف‏النفسي و لو كان الفعل المتعلّق للخطاب التحريمي النفسي من حيث عدم تعلق الغفلة به اختياريّا متعلّقا للخطاب الواقعي يستلزم سقوط التكليف بالنسبة إلى الشرطو المشروط معا و المفروض عدم حدوث تكليف آخر بالفعل الفاقد للشرط فلا مصحّح له فيحتاج الحكم بالاجتزاء به إلى دليل كالفاقد للجزء نسيانا أو جهلا مركّبا فيتّحدالجزء و الشرط حكما لأنا نقول ما ذكر إنما يستقيم فيما كان شرطا للمأمور به و مأخوذا في مرتبة الجزء لا فيما كان مأخوذا في الامتثال على ما هو المفروض فإن‏الغفلة عنه لا يوجب الغفلة عن المأمور به فلا يكون هناك مانع من تعلّق التكليف به كما هو ظاهر قوله قدس سره قلت بعد تسليم إرادة رفع جميع الآثار إلى آخره‏(2) أقول لا يخفى عليك أن ظاهر ما أفاده في الجواب كون المراد من الجزئيّة في السؤال الحكم الوضعي بالمعنى المعروف الذي وقع الكلام في كونه مجعولا شرعيّا مستقلاّفي قبال جعل الحكم التكليفي في مورده أوامرا اعتباريّا منتزعا من جعل الحكم التكليفي في مورده فيكون جزئيّة الجزء ككليّة الكلّ و مأموريّة المأمور به مثلا فيتوجّه‏
181
عليه بأن المراد منها في المقام ليس هذا المعنى قطعا بل المراد هو مقدّميته و توقف المركّب عليه في نفس الأمر و ليس هذا المعنى أمرا اعتباريّا في المقدّمات جزماكيف و الدليل على الصحة في موارد نسيان بعض الأجزاء يكشف عن هذا المعنى و إلا لما أمكن حكم الشارع بصحة عمل الفاقد للجزء مع فرض جزئيّته و توقّف‏العمل عليه و إن لم يمكن تعلّق التكليف و الأمر بالعمل الفاقد له لما عرفت من استحالة التنويع بحسب الالتفات و الغفلة فمراد السائل كشف النبوي بناء على تعميمه‏لرفع غير المؤاخذة عن كون الأمر في مقدّميّة المقدّمات على هذا الوجه فيستدلّ به على الأصل الثانوي في نسيان الأجزاء فيحكم بمقتضاه إلاّ فيماقام هناك دليل خاصّ على خلافه كما قام عليه في أركان الصلاة و لا يريد بذلك إثبات التكليف بالناقص و لا رفع الجزئيّة التي هي من أحكام الوضع‏هذا و لكن يمكن التفصّي عنه بأن المراد و إن كان ما ذكر في المناقشة إلا أن الجزئية بالمعنى المذكور أيضا ليست أمرا جعليّا للشارع بل هو أمر ثابت في نفس‏الأمر كشف عنه بيان الشارع على القول بتعميم النبوي لا يشمل رفع الجزئيّة بالمعنى المذكور أيضا بناء على اختصاصه برفع الآثار الشرعيّة على ما هو المفروض‏فالنبوي لا يجدي في إثبات القاعدة الواردة على أصالة الاشتغال في المسألة و يمكن تنزيل كلام شيخنا قدس سره على هذا المعنى و إن كان بعيدا عن‏مساق كلامه‏
في بيان ما هو المرفوع في حديث الرّفع‏
قوله قدس سره نعم لو صرّح الشارع بأن حكم نسيان الجزء الفلاني إلى آخره‏(1) أقول ما أفاده من الفرق في الحكم برفع الأثر الشرعي المترتّب‏على المنسيّ بواسطة أمر عقليّ أو عاديّ بين النبوي المقضي بناء على عدم اختصاصه برفع المؤاخذة لرفع جميع الآثار الشرعيّة و الدليل الخاصّ الواردفي نسيان بعض الأجزاء الحاكم بكونه مرفوعا من حيث إن الأوّل لا يقتضي بدلالة الاقتضاء رفعه و الثاني يقتضيه مما لا ينبغي الارتياب فيه أصلا لأن‏رفع الأثر المذكور من حيث كونه شرعيّا أمر ممكن لا غبار فيه أصلا و من هنا لا يفرق بينه و بين الأثر الشرعي بلا واسطة في الأمارات الظنيّة المعتبرة إذاكان اعتبارها من حيث كشفها بعنوان الإطلاق و إنما لم يقل بالتعميم و عدم الفرق بينهما بالنسبة إلى النبوي و أخبار الاستصحاب من حيث عدم‏ظهورها في التعميم لا من حيث عدم قابليّة الأثر المذكور لتعلّق الجعل الشرعي به و أما إذا ورد دليل على تنزيل الموجود منزلة المعدوم أو العكس و لم يكن‏له إلا الأثر المزبور فلا بد من رجوع التنزيل إلى جعله من جانب الشارع و إن كان التنزيل ظاهريّا نظرا إلى تعيّن إرادته بحكم العقل بل يحكم العرف أيضا بعدالالتفات إلى ما ذكر فيحكم في المقام بعد ورود دليل على رفع نسيان السورة مثلا إن الأمر الشرعي المتعلق بالصّلاة يرتفع بعد الإتيان بالصلاة الخالية عنهامن حيث إن بقاءه كحدوثه بجعل الشارع فلا يجب الإعادة من حيث كونه من لوازم بقاء الأمر بعد الالتفات و إن كان عقليّا و بمثل ما حرّرنا ينبغي تحريرالمقام لا بمثل ما أفاده من حمل الكلام فيما ورد هناك دليل خاصّ على إرادة رفع الإعادة فإن المستفاد من بعض كلماته كون وجوب الإعادة أمرا عقليّااللهم إلا أن يكون المراد من رفعه رفع الحكم الشرعي الموجب له فتدبّر و أمّا ما أفاده الشيخ قدس سره في الفصول في بيان معنى النبوي و مساعدته على رفع الجزئيّةبخلاف أصالة عدم الجزئيّة فقد عرفت أو ما أفاده في رجوعه عنه و إن كان مبنى رجوعه أيضا على كون الجزئية أمرا انتزاعيّا اعتباريّا كظاهر ما أفاده شيخناقدس سره في تحرير المقام على ما عرفته ثم إن الكلام في حكم نسيان شرط المأمور به كالكلام في حكم نسيان الجزء حتى بالنسبة إلى القاعدة الثانوية المسلّمة في‏باب الصلاة فإن في بعض أخبارها تصريح بحكم الشرط مثل الصحيحة لمكان استثناء الشرط فيها و بعضها ظاهر في حكم نسيانه كالمرسلة و ما بعدها و أما حكم النسيان‏شرط الامتثال فقد عرفت من شيخنا قدس سره التصريح بمخالفة حكمه لحكم نسيان غيره و منه يظهر أن مراده من الشرط في قوله ثم إن الكلام في الشرط إلى آخره هو شرط المأمور به‏لا مطلقا كما هو ظاهر
في كيفية اعتبار الإجزاء في المركّب المأمور به‏
قوله قدس سره المسألة الثانية في زيادة الجزء عمدا إلى آخره‏(2) أقول اعتبار فعل في المأمور به بعنوان الجزئيّة لا يخلو أمره من صور منها اعتباره بشرطشي‏ء بمعنى كون الجزء الموجودين المنضمّين كالسجود للصلاة في كل ركعة و منها اعتباره بشرط لا أي بشرط عدم الزيادة و منها اعتباره بعنوان لا بشرط بمعنى‏الطبيعة الصادقة على القليل و الكثير عرفا بحيث يكون كل منهما فردا عرفا للطبيعة كالمشي الصادق على القليل و الكثير بنسبة واحدة بمعنى كون الكثير ما دام المكلّف‏متشاغلا به أمرا مستمرّا واحدا في نظر العرف و إن كان مقتضى المداقة العقليّة خلافه فتأمل و منها اعتباره و أخذه في المأمور به من دون ملاحظة شي‏ء من الملاحظات‏و نظر إليها حتى الملاحظة الأخيرة فلو قام الدليل الشرعي على بطلان المأمور به بزيادته لم يكن من جهة نقص في الجزء بل من جهة كونها مانعة و عدمها معتبرا في المأموربه في قبال وجود الجزء و محل الكلام في المقام إنما هو في هذا القسم الأخير لا في غيره من الأقسام السابقة عليه و الوجه فيه ظاهر لا يحتاج إلى البيان ثم إنه يعتبرفي زيادة الجزء أمران أحدهما كون المزيد من جنس المزيد عليه و سنخه ثانيهما كون الإتيان به بعنوان الجزئيّة و قصدها لا لداع و غرض آخر ديني أو دنيوي راجح‏أو مرجوح أو متساوي الطرفين و أمّا تسمية السجود للعزيمة بالزيادة في المكتوبة فيما نهي عن قراءة السورة المشتملة إليها الموجبة للسجود لقراءة آية السجدة معلّلا بأن‏السجود زيادة في المكتوبة فلعل المراد بها الإلحاق الحكمي فالتسمية من باب المسامحة من حيث الشباهة الصورية لأجزاء الصلاة و يحتمل أن يراد بالزيادة في المكتوبة غيرما هو المراد من زيادة الأجزاء و هو الأمر الخارجي المغيّر للهيئة المخصوصة المعتبرة في نظر الشارع للصلاة و لا ينافي دخوله في العنوان المذكور كونه من العبادات أيضاو ما أفاده قدس سره في المقام من الوعد لتعرض معنى الزيادة في المكتوبة بعد ذلك لا يفي به‏ قوله قدس سره كما لو اعتقد شرعا أو تشريعا عن تقصير إلى آخره‏(3) أقول المراد من‏الاعتقاد التشريعي المستند إلى التقصير على ما أفاده قدس سره في مجلس المذاكرة هو الاعتقاد الحاصل لأكثر العوام الذين لا يرتدعون عنه و لا يزيل عنهم مع نهيهم عن‏
182
العمل و تنبيههم على فساد سلوك الطريق الذي يسلكونه من جهة عدم اعتنائهم بقول الناهي فيقلّدون سلفهم أو من يحذو حذوهم بجبلتهم العواميّةالمنحرفة عن الحقّ المائلة إلى الباطل كما نشاهد بالوجدان في حق أهل البوادي بل البلدان بل بما نشاهد في حق بعض من يدّعي كونه من الخواصّ و أهل‏الاجتهاد في الأحكام فإنه كثيرا لا يرتدع بردع غيره عن سلوك ما ليس أهلا له عصمنا اللّه و إخواننا من الأهواء الباطلة و النفس الأمّارة بالسّوء ثم إن حصر أقسام الزيادة فيما ذكره و صدقها بالنسبة إلى جميعها ممّا لا يعتريه ريب أصلا و لا يتوهّم كون رفع اليد بعد الفراغ عنها و الإتيان بسورة أخرى‏من القرآن ضرورة اشتراط صدقه بعدم رفع اليد عن السّابقة فتدبّر نعم التمثيل للقسم الثالث بإتيان بعض الأجزاء رياء إنما يستقيم على تقدير عدم إيجاب الرياء في الجزء صدق الرّياء عرفا في الكل و إلا كان خارجا عن مفروض البحث كما هو ظاهر و أمّا ما أفاده في حكم الأقسام فلا إشكال فيه أيضا لأن حكمه بالبطلان‏في القسم الأوّل بعد الفراغ عن عدم اعتبار كون الجزء بشرط شي‏ء مستندا إلى قصد الإتيان بالعمل على وجه يعلم عدم الأمر به على كل تقدير لأن واقعة لا يخلو إمّاأن يكون مأخوذا بشرط لا أو لا بشرط فقد قصد خلاف الأمرين فيكون فاسدا و حكمه بالصحّة في الأخيرين مبنيّ على ما أفاده في أصل دوران الأمر في المكلّف‏به بين الأقل و الأكثر من اختيار الرجوع إلى البراءة بعد رجوع الشكّ في حكم الزيادة فيهما إلى الشكّ في مانعيّتهما
في فساد التمسّك باستصحاب صحة الأجزاء السّابقة عند الشكّ‏
قوله قدس سره و نظير الاستدلال بهذا للبطلان‏الاستدلال إلى آخره‏(1) أقول الاستدلال باستصحاب الصحّة في محل البحث لإثبات عدم مانعيّة الزيادة و صحّة العمل الذي وقعت فيه و أمثاله وقع في كلام غير واحدمن المتقدّمين و المتأخّرين من جهة تخيّل عروض الشكّ في بقاء الصحّة المحقّقة اليقينيّة بعد عروض ما يشكّ في مانعيّته أو ترك ما يشكّ في جزئيّته المطلقة كماعرفت حكاية الاستدلال به عن شيخنا قدس سره في المسألة السابقة و تحكيمه على أصالة العدم المقتضية للفساد و أنت خبير بعدم جريان استصحاب الصحّة في أمثال‏المقام أصلا سواء أريد بالمستصحب صحّة مجموع العمل الذي وقع الشكّ في إخلاله به في أثنائه أو ما أتى به من الأجزاء السابقة على وجود ما يشكّ في حكمه وهو المراد من عدم الجدوى للاستصحاب في الكتاب في قوله فهي غير مجدية و كونه غير محتاج إليه في قوله فاستصحاب صحّة تلك الأجزاء غير محتاج إليه ضرورة أنّه على‏تقدير الجريان مست الحاجة إليه لا محالة فعدم الحاجة إليه من جهة القطع ببقاء المستصحب يلازم لعدم جريانه إذ ليس المراد من عدم الحاجة الاستغناء عنه في‏المسألة فعلا من جهة وجود الدليل على طبقه حتى لا يمنع من جريانه في نفسه كما هو ظاهر بل المراد ما ذكرنا فيلازم عدم الجريان كما يشهد له تفريع قوله المذكور على‏القطع ببقاء الصحة و تعليله أيضا بالقطع ببقائها و كيف كان لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب المذكور بكلا وجهيه و احتماليه لأنه إن أريد بالمستصحب‏صحة المجموع فليس هناك متيقّن سابق لامتناع وجود الصفة بدون الموصوف و العرض بدون المعروض كما هو ظاهر بل لو أريد بهذا المعنى الاستصحاب‏التعليقي و التقديري أيضا لم يكن له معنى إذ القطع بترتّب الصحّة على تقدير وجود جميع الأجزاء بدون تخلّل ما يشكّ في مانعيّته و قادحيّته لا يلازم الصحّة مع‏وجوده فإن شئت قلت الصحّة بالمعنى المذكور لا يشكّ في بقائها أصلا لأن مرجعها إلى التلازم بين وجود ما له دخل في تحقّق المركّب و ترتّب الأثر و سقوط الأمرو هو مما لا يعرضه شكّ أصلا و لو قطع بعدم وجود بعض ما له دخل لأنّ صدق الشرطيّة لا يتوقّف على صدق الشرط كما هو ظاهر و ستعرف توضيحه على الوجه الكامل‏في الشق الثاني من الترديد و إن أريد به صحة الأجزاء المأتي بها على وجهها كما هو المفروض فليس هناك مشكوك لاحق للقطع ببقائها على كل تقدير سواء أريدبالصحة موافقة الأمر أو الامتثال أو ترتيب الأثر المقصود من الشي‏ء على اختلاف مراتبها بحسب الأشياء الراجعين إلى حقيقة واحدة حقيقة و إن اختلفابحسب الاعتبار و الأنظار على ما تبيّن في محلّه و سبقت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا من أن الصّحة التي يعبّر عنها بالفارسيّة بدرستى و درست بودن‏معنى محفوظ عند المتكلّمين و الفقهاء في العبادات و المعاملات و إن وقع الاختلاف في التعبير عنها بحسب الأنظار و الأغراض أما إذا أريد بها المعنى الأوّل‏فلأن المفروض وقوع الأجزاء السابقة على وجهها و على طبق الأمر المتعلق بها و إلا لم يكن هناك متيقّن سابق يجري الاستصحاب فيه و انقلابها عما وقع عليه‏مستحيل عقلا و لو مع القطع بإيجاد ما يكون مانعا أو إعدام ما يكون وجوده معتبرا في تحقق المأمور به فلا يعرضه شكّ حتى يجري الاستصحاب فيه و إن أريد بهاالمعنى الثاني فلا يعرضه شك أيضا فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه أيضا لأن صحّة كل جزء من أجزاء المركّب في مرتبته ليست على وجه يوجب تحققه وجوده وإلاّ خرج عن كونه جزءا كما يخرج المركب عن كونه مركّبا بل يكون علّة تامّة و معلوله أمرا بسيطا و هو خلف بل وجوده على صفة و وجه اعتبر في تماميّة جزئيّته يؤثّرفي تحقق الكل على تقدير انضمام تمام ما له دخل في تحقّقه في عرض الجزء المفروض في مقابل فساده بالمعنى المقابل للمعنى المذكور من جهة خلل فيه في مرتبة جزئيّته‏فصحّته يرجع حقيقة إلى أهليّته و شأنيّته و صلاحيّته للانضمام إلى غيره ممّا يعتبر في تحقّق الكلّ و بعد تحقّقه على الصفة المذكورة لا يفرّق في قيامها به و بقائهاله بين انضمام غيره إليه و عدمه فمع القطع بعدم الانضمام يكون صحّته باقية لأن مرجع الصحّة المزبورة حقيقة إلى الشرطيّة الصادقة مع كذب الشرط و من هنا يظهر أنّ الأمرفي الجزء الأخير من العلل المركّبة و الأجزاء السابقة على نهج سواء في الدخل في تحقق المركب و أنّ للكلّ وجودا إعداديا و تأثيرا ناقصا بالنسبة إلى‏المعلول و إن لم ينفكّ وجود المعلول عن الجزء الأخير إلا أنّ التأثير التام مستند إلى المجموع من حيث المجموع فلكل جزء أثر ناقص في مرتبته بالنسبةإلى المعلول و لذا يعبر عنه بالعلة الناقصة و عن المجموع بالعلة التامة و ليس هذا المعنى مختصّابأجزاء العبادات بل نسبته إليها و إلى أجزاء المعاملات بل المركبات الخارجيّة على نهج سواءفصحّة الإيجاب يراد بها تحقّقه على وجه لو انضمّ إليه تمام ما يعتبر في ترتيب أثر العقد من القبول وغيره تعقّب الأثر المذكور من قصد الإنشاء و العربيّة الصحيحة و الماضويّة و التقدّم على القبول و الصراحة إلى غير ذلك ممّا يعتبر في تماميّة الإيجاب مادّة و هيئة في‏مقابل فساده الذي يراد به عدم وجوده على الوجه المزبور فإذا لم ينضم إليه القبول بعد وجوده على الوجه المعتبر في صحّته في مرتبته لم يتحقق العقد و لم يترتّب أثره‏
183
لكنّه لا يوجب عروض الفساد على الإيجاد بعد تحققه صحيحا و هكذا الأمر بالنسبة إلى صحّة أجزاء المركّبات الخارجيّة كصحّة الخل الذي يكون جزءا للسّكنجبين على مامثّل به في الكتاب فقد اتضح من هذا البيان الوجه فيما ذكرنا من عدم جريان الاستصحاب في المقام من جهة عدم المشكوك اللاّحق‏
في الإشارة إلى الفرق بين القاطعيّة و المانعيّة
قوله قدس سره نعم حكم الشارع‏على بعض الأشياء بكونه قاطعا إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك الأمر أن القاطع قسم من الرافع كما أنه قسم من المانع حقيقة فإن المانع إن أضيف إلى الوجود الأولى‏للشي‏ء يسمّى دافعا و إن أضيف إلى الوجود الثانوي له الذي يعبّر عنه بالبقاء يسمّى رافعا ضرورة امتناع تعلّق الرّفع بالموجودات بالنسبة إلى أزمنة وجودهاو إلا لزم اجتماع النقيضين كما هو ظاهر و المراد بالقاطع هو الرافع للهيئة الاتصاليّة و الوضع المخصوص المعتبر للأجزاء و المركّبات الشرعيّة الاعتباريّة فيما تام‏هناك دليل على اعتبارها فإن لم يعتبر في أجزاء المركّب في مربيها وجودها على وضع خاص اعتبر في تركيب المركّب منه في نظر الشارع و ليس مما يعرفه العرف‏و لا اطّراد في رفعه في الشرعيّات بمعنى لزوم رفعه ببعض الأشياء مع رفعه بغيره و إنما استكشف من اعتباره في الصّلاة من جهة يعتبر الشارع عن بعض المبطلات‏بالقاطع فإنه يستكشف منه أن لأجزائها مضافا إلى ما يعتبر في جزئيّتها في مراتبها و ذواتها وضعا مخصوصا لا يعرف حقيقته إلا الشارع الذي اخترع التركّب‏للمركّبات الاعتباريّة التي لا يجتمع أجزاؤها في الوجود الخارجي أصلا فعدمه معتبر في بقاء الأجزاء على الوضع المخصوص فإذا وجد ارتفع ذلك الوضع فيفسدالجزء بعد وجوده على صفة الأهليّة فلا يتحقّق الكل من جهة عروض الفساد للجزء بدل وجوده على الوجه الصحيح القابل و نظيره في عروض الفساد لبعض الأجزاء في‏المركبات الخارجيّة خل تام في مرتبة جزئيته وقع فيه بعد وجوده على الوجه الصحيح القابل ما أفسده و أخرجه عن القابليّة و الشأنيّة الثابتة له بالفرض فالقانع‏في المقام أيضا يخرج الجزء عما كان عليه من القابليّة المفروضة الثابتة فيه إذا تخلّل بين الأجزاء فيخرج كلا من السابق و اللاحق من قابلية الانضمام فعدمه وإن كان معتبرا في تحقق المركب المأمور به إلاّ أنّ اعتباره ليس من جهة قدحه ابتداء و منعه عن وجود المركّب بالذات حتى يكون اعتباره في عرض اعتبارالأجزاء و شرائط المأمور به و في مرتبته كما هو الشأن في المانع عن وجود المركّب بل من جهة قدحه في وضع الأجزاء ابتداء فيوجب فساد المأمور به‏من جهة تأثيره في فساد الجزء ففساد المركّب مستند إلى فساد جزئه و فساده مستند إلى القاطع و هذا هو الفرق بين القاطع و المانع كما نبّه عليه في‏الكتاب أيضا على وجه واف بأداء الفرق بينهما كما لا يخفى على من تأمّل فيه هذا هو الفرق المفهومي بين القاطع و المانع في المقام و قد عرفت أن تحقّق القاطع‏بالنسبة إلى أجزاء المركّب و تعيين مصداقه موكول إلى حكم الشارع الجاعل للمركّبات الشرعيّة بالمعنى الذي عرفته في مطاوي كلماتنا السابقة و أما حكمه‏من حيث جريان الاستصحاب عند الشكّ في وجوده أو صفته من جهة الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة فقد بني الأمر في هذا الجزء من الكتاب و الجزء الثالث‏المتعلّق بالاستصحاب على جريانه و إن منع منه في مطلق الشكّ في المانع على ما عرفت توضيحه و تقريب جريانه على ما في الكتاب بوجهين أحدهما أن تجعل‏المستصحب صحة الأجزاء بمعنى قابليتها و شأنيتها لأن تصير أجزاء فعلية للمركب و يترتب وجوده على وجودها بعد حقيقتهافي الخارج حيث إن وجودها على الصفة المذكورة كان متيقنا يشكّ في بقائه من جهة الشك في وجود الرافع فيحكم بالبقاء من جهة الاستصحاب‏ثانيهما أن يجعل المستصحب الاتصال القائم بالأجزاء السابقة و ما يلحقها من الأجزاء اللاحقة و الجزء الصوري الملحوظ للمركّب الذي يعرض مواد الأجزاء و يتقوّم بهاو قد يعبّر عنه بالهيئة الاتصاليّة بين الأجزاء بعضها مع بعض و هذا المعنى و إن لم يتحقّق فعلا بين الجزءين اللذين تخلّل ما يحتمل قاطعيّته بينهما ضرورةاستحالة قيامه بالموجود و المعدوم إلا أنه لما كان في معرض الوجود باعتبار ركنه اللاحق فألحق بالموجود عرفا في باب الاستصحاب و ليس مثل استصحابه‏إلاّ مثل استصحاب الأمور التدريجيّة من الزمان و الزمانيّات كالتكلم و المشي و الحيض بمعنى سيلان الدم و النبع و الجريان و نحو ذلك هذا و قد ناقش شيخنافي الكتاب في كل من التقريرين للاستصحاب أمّا في التقرير الأوّل فبأنّه من الأصول المثبتة حيث إن الحكم الشرعي مترتّب على فعليّة الاتصال و تحقق الجزءالصوري لأجزاء المركّب و وجوده لا على مجرّد القابليّة و شأنية الأجزاء لأن تصير جزءا فعليّا للمركّب فلا بدّ من أن يثبت ببقاء القابليّة تحقّق الفعلية المترتّبةعليه الحكم و هذا معنى كونه مثبتا و تفصّى عن المناقشة المذكورة فيه بأن الحكم الشرعي في مفروض البحث و إن ترتب على المستصحب بواسطة إلا أنه لمكان خفائهايمكن القول باعتبار الاستصحاب فيه على ما ستقف عليه في باب الاستصحاب من اعتبار الأصل المثبت فيما كانت الواسطة خفيّة في نظر العرف بحيث‏يجعلون الحكم الشرعي من محمولات نفس المستصحب بلا واسطة أمر آخر و أمّا في الثاني فلأن المستصحب لمكان قيامه بالفرض المتصلين الّذين لم يتحقق أحدهما لم‏يوجد يقينا فكيف يحكم ببقائه بالاستصحاب المتوقف على العلم بوجود المستصحب في السّابق و تفصّى عن المناقشة فيه أيضا بأن مبنى الاستصحاب و إحرازموضوع المستصحب إن كان على المداقة العقليّة في باب الاستصحاب لم يكن للسؤال المذكور و الإيراد المزبور جواب و دافع أصلا و إن كان على المسامحة العرفيّةكما هو مبناه في كثير من الاستصحابات المسلّمة بينهم كاستصحاب كريّة الماء و قلّته و نحوهما على ما هو المختار في باب الاستصحاب لم يتوجّه على الاستصحاب‏المذكور شي‏ء فإنه كما يقال في استصحاب الكريّة مثلا في الجواب عن الإشكال في جريانه بأنه إن كان الموضوع هو الماء الموجود فلا يتيقّن الكرية في السّابق فكيف يشكّ في‏بقائه على الكريّة و إن كان الماء الموجود في السابق الذي أخذ منه مقدار فلا معنى لاستصحاب كرّيّته لعدم الشكّ في كريّته أصلا فعدم‏الكريّة في اللاحق مستند إلى عدم موضوعه لأن الموجود من الماء بلغ ما بلغ موضوع و موجود واحد قامت صفة الكريّة بمجموعه فإذا نقص بعض أجزائه فقد انعدم‏موضوع الكريّة بأن الموضوع هذا الماء الموجود فعلا مسامحة في كونه غير الماء الموجود سابقا الذي قام به صفة الكريّة تنزيلا للجزء المأخوذ منزلة الموجود كذلك‏
184
يقال في الجواب عن إشكال جريان الاستصحاب في المقام بأن المراد من المستصحب و هو الاتصال إن كان هو الاتصال بين الأجزاء السابقة بعضها مع بعض‏فهو متيقّن البقاء و إن كان بين الجزء السابق على وجود ما يشكّ في قاطعيّته و اللاحق عليه فإن لم يفرض وجود الجزء بعد وجوده فهو مقطوع العدم من‏أول الأمر و إن فرض وجوده فهو مشكوك الحدوث فكيف يحكم ببقائه بأن موضوع الاتصال و المستصحب في المقام أيضا هو الأجزاء السابقة بقول مطلق من غيرنظر إلى كون موضوعه هو خصوص الأجزاء السابقة بقول مطلق من غير نظر إلى كون موضوعه هو خصوص الأجزاء السابقة أو ما تخلل ما يشكّ في قاطعيّته‏بينهما من السابق و اللاحق هذا بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام و ستقف على تمام القول فيه في الجزء الثالث من التعليقة إن شاء الله تعالى و أمّا ما أورده على استصحاب‏الصحّة في الفصول كما حكاه عنه في الكتاب بقوله و لربما يرد استصحاب إلخ فلما كان مبناه على وقوع الشكّ و طروّه في صحة الأجزاء مطلقا من غير فرق بين الشكّ في‏القاطع و المانع و عدم الجدوى في استصحابها على تقدير و ابتنائه على اعتبار الأصول المثبتة على تقدير آخر غير مجد في حكم المقام فردّه في الكتاب بأنه إن كان‏المفروض في كلامه الشكّ في المانع فلا يعرض شكّ في بقاء الصحّة من جهته حتى يبنى اعتبار الاستصحاب فيه على الأصل المثبت و إن كان الشكّ في القاطع فلامانع من الاستصحاب فيه بعد دفع المناقشة عنه على ما عرفت‏ قوله قدس سره فإن حرمة الإبطال إيجاب إلى آخره‏(1) أقول الاستدلال مبنيّ على إرادة الحرمةالإبطال نفسا الكاشفة عن كون الشروع في العمل ملزما و معينا لاختيار الفرد في مقام امتثال الأمر بالطبيعة و الآية على تقدير إرادة حرمة الإبطال‏بالحرمة الشرعيّة منها ظاهرة في هذا المعنى من غير حاجة إلى ضمّ الإجماع المركّب كما يصرّح بذلك فيما بعد في ردّ الجواب عن الآية بقوله و فيه نظر فإنّ‏البراءة اليقينيّة إلى آخره فتأمل مع أن الواجب على الصائم إذا أفسد صومه هو الإمساك لا إتمام الصوم و في الحج أيضا كلام مذكور في محلّه في أن الفرض هوالأول و الثاني عقوبة أو العكس فراجع‏
في بيان محتملات قوله تعالى و لا تبطلوا أعمالكم‏
قوله قدس سره و النهي على هذين الوجهين ظاهره الإرشاد إلى آخره‏(2) أقول لا إشكال فيما أفاده من كون النهي على‏الوجهين الأولين يعني إحداث البطلان في العمل الذي وقع صحيحا بعجب و نحوه على القول بكون العجب مبطلا للعمل أو إيجاده على وجه باطل ظاهرا في الإرشادإلى عدم جعل العمل لغوا و عدم إيجاده على الوجه الباطل اللغو و إن كان الثاني حراما تشريعيّا أيضا إذا تحقّق معه التشريع و الفعل الموجب للإبطال حراما ذاتيّاكالعجب على الأول إذ الكلام في حرمة الإبطال لا ما يحصل به أو ما يقارن معه فلو جعل العمل أعمّ من الجزء و الكل يكون المراد من إحداث البطلان في الجزءالذي وقع صحيحا إيجاد ما يرفع قابليّته للانضمام أو إيجاد ما يمنع من تحقق سائر ما يعتبر في وجود المركب مسامحة في إطلاق البطلان على الجزء فلا ينافي ما ذكره‏في الجواب عن السؤال المتقدّم بقوله نعم و لا ضير في التزام ذلك إلى إلى آخره‏ ثم إنه لا إشكال فيما أفاده أيضا من كون المعنى الأوّل أظهر بقوله و كيف كان فالمعنى‏الأول أظهر إلى آخره لموافقته لوضع باب الأفعال و موافقته لآية النهي عن إبطال الصدقات بالمن و الأذى و ظهور سياق نفس الآية بملاحظة الآية السّابقةعليها من حيث إن تعقيب إطاعة الله و رسوله صلى اللَّه عليه و آله بالنهي عن الإبطال ظاهر في إرادة عدم إبطالها بعد وجودها هذا مضافا إلى ظهور النهي المتعلّق بالأعمال‏بصيغة الجمع في إرادة جميعها فينزل على الإبطال بالكفر و الشرك بعد الإيمان و الإتيان بالأعمال فإن الإبطال به اتفاقيّ و إن سمّي إحباطا فإن الإحباطبمعنى الموازنة موافق للعقل و الشرع بالنسبة إلى جميع الطاعات و المعاصي و لما كان الكفر لا يوازن به شيئا من الطاعات من حيث إن أثره الخلود في النار اتفقواعلى الإحباط به و أمّا غيره من المعاصي فلا يعلم بغلبته على الطاعة إلاّ علاّم الغيوب و من أفاضه علم ذلك من رسله و أوليائه صلواته عليهم فلا يحكم بكونه‏موجبا للحبط بالمعنى المذكور و الموافق للعقل فإذا كان المراد من الإبطال و الإحباط هذا المعنى فلا يخالف حكم العقل بامتناع عروض الفساد على العمل‏الصحيح المؤثر و استحقاق الأجر و الثواب من حيث استلزامه لاجتماع النقيضين على ما عرفت الإشارة إليه هذا و قد تقدّم بعض الكلام فيما يتعلّق بالمقام‏في الجزء الأوّل من التعليقة مضافا إلى ظهور بعض الأخبار الواردة في الاستشهاد بالآية الشريفة في المعنى الأوّل و هو المرويّ في الكتاب عن الأمالي‏و ثواب الأعمال و الغرض من الاستدلال به إثبات كون الظاهر من الآية المعنى الأوّل مع قطع النظر عن ظهورها في إبطال الجميع فلا تنافي بين الاستدلالين‏فتدبّر هذا كلّه مضافا إلى أن المعنى الثالث الذي هو مبنى الاستدلال كما هو ظاهر موجب لتخصيص الأكثر المستهجن إلا أن يكون المراد منه العهد أي خصوص‏العبادات الواجبة فإنه سالم عن تخصيص الأكثر و إن لم يسلم عن التخصيص في الجملة كما هو ظاهر و لا شاهد لهذا المعنى أصلا قوله قدس سره فإذا ثبت ترجيح المعنى‏الأوّل إلى آخره‏(3) أقول قد يناقش فيما أفاده بأن استظهار الإرشاد على تقدير إرادة المعنى الأول على ما ذكره سابقا ينافي الاستدلال بها على حرمةالقطع في الأثناء على تقدير إرادة المعنى الأعمّ من الأعمال إذ لا يجوز الجمع بين إرادة المعنيين منها قطعا فتدبّر ثم إنه لا إشكال فيما أفاده من عدم جوازالاستدلال بالآية الشريفة على حكم المقام حتى على إرادة المعنى الثالث منها نظرا إلى رجوع الشكّ في المقام إلى الشكّ في موضوع الإبطال و إن كانت‏الشبهة حكميّة فإنه لا يعلم بعد عروض ما يشكّ في مانعيّته إن رفع اليد عن العمل قطع له أو انقطاع و من المعلوم ضرورة عدم جواز التمسّك بالعموم في‏الشبهات الموضوعيّة لعدم رجوع الشك فيها إلى الشكّ في المراد من اللفظ كما هو ظاهر كما أنه لا إشكال فيما أفاده من عدم جريان استصحابي حرمة القطع و وجوب‏الإتمام و ظهور أمر عدم جريانهما مما أفاده في عدم جواز التمسّك بالآية في المقام على تقدير إرادة المعنى الثالث من رجوع الشكّ إلى الشكّ في الموضوع فإنّه‏
185
مع الشكّ المفروض يشكّ في صدق موضوع النقض المنهي بأخبار الاستصحاب فيرجع الشكّ بالنسبة إليها إلى الشكّ في الموضوع أيضا و من هنا اعتبر في‏جريان الاستصحاب إحراز الموضوع نعم قد يناقش فيما أفاده من أضعفيّة الاستصحاب الثاني من الاستصحاب الأوّل مع أنه علّله بما جعله وجها لمنع‏جريان الاستصحاب الأول من رجوع الشّكّ إلى الشك في الموضوع اللهم إلاّ أن يجعل الوجه كون وجوب الإتمام مانعا لحرمة القطع و متولدا منها إذليس هنا تكليفان قطعا أحدهما حرمة القطع ثانيهما وجوب الإتمام فإذا لم يحكم بالحرمة فكيف يحكم بالوجوب فتدبّر
في بيان مبنى الجواب عن حرمة الإبطال و المناقشة فيه‏
قوله قدس سره و ربما يجاب عن حرمة الإبطال‏إلخ‏(1) أقول مبنى الجواب المذكور على أن حرمة الإبطال بالحرمة النفسيّة لا يلازم صحة العمل فيجمع بين مقتضى الاستصحابين و أصالة الاشتغال المقتضيةلإعادة العمل من حيث عدم العلم بأن المكلف به إتمام العمل أو إعادته فيكون الأمر دائرا بين المتباينين فيجب الاحتياط بالجمع بينهما لكنّك قد عرفت عدم‏جريان الاستصحاب في المقام و إن كان الحكم وجوب الإتمام على القول بدلالة الآية أو قيام الإجماع عليه من حيث إن الشكّ في الموضوع كان مسبّبا عن‏مانعيّة الزيادة في الشرع فإذا حكم بعدمها و لو من جهة أصالة البراءة تعيّن الحكم بوجوب إتمام العمل في مرحلة الظاهر فيلزمه جواز الاقتصار عليه و عدم‏وجوب إعادته فيرتفع موضوع أصالة الاشتغال لانتفاء احتمال الضرر بناء على ما عرفت و نبّه عليه شيخنا قدس سره من أن حرمة الإبطال مستلزمة لصحّة العمل‏و توهّم عدم جواز إثبات موضوع الحرمة بأصالة البراءة في مانعيّة الزيادة نظرا إلى أن الإبطال ليس حكما شرعيّا و إن كان ملازما لمجرى البراءة فالحرمةمترتّبة عليه بواسطة إثبات الإبطال فيكون من الأصول المثبتة فيبقى أصالة البراءة عن حرمة القطع و الإبطال سليمة عن الأصل الحاكم عليها و من‏هنا ذكر في الكتاب في ردّ الجواب بأنه على تقدير عدم العمل بالاستصحاب و تحصيل البراءة اليقينيّة بالقطع و الاستئناف و يدفع احتمال حرمته بأصالةالبراءة فاسد فإنه لا معنى لحكم الشارع بعدم الاعتناء باحتمال المانعيّة إلا أنه يجب البناء على صحة العمل و حرمة قطعه نظير حكمه بالبراءة عن احتمال الدين‏المانع عن تحقق الاستطاعة أو احتمال سائر حقوق الناس من الخمس و الزكاة و غيرهما مع كون المال في نفسه بقدر الاستطاعة و حكمه بالبراءة عن الدين المانع‏عن الخمس في فاضل المئونة و غير ذلك فتأمل و أمّا ما أفاده في الإيراد عن الجواب فهو مبني على الإغماض عما ذكرنا و إلا فلا معنى لما أفاده من أن الفقيه إذا كان متردّداإلى آخره فإنّه لا معنى لتردد الفقيه في التكليف مع جريان الأصل في حقّه و إن كان الحكم في مورد الدوران أولويّة القطع للفقيه و إيراده على الجواب مستقيما سواء قلنابجريان الاستصحاب أو عدمه مع قطع النظر عما ذكرنا ثم إن ما ذكره في حكم التردّد إنما هو بالنسبة إلى الفقيه و أمّا العامي فحكمه إذا تردّد في صحة عمله في الأثناءمغاير لحكمه بل يجب عليه البناء على ما يظنّه مع البناء على الفحص عن الحكم بعد العمل و العمل بما يقتضيه الفحص فهذا نوع من الاحتياط في حقّه و لعلّنا نتكلّم‏في هذه المسألة بعد ذلك إن شاء الله تعالى‏ قوله قدس سره فأصالة البراءة الحاكمة بعدم البأس إلى آخره‏(2) أقول لا يخفى عليك أن حق التحرير أن يحكم بالتعارض الصوري‏بين الأصلين على تقدير القول بعدم جواز الفصل الظاهري بمقتضى الأصول بين المسألتين اللتين لا فصل بينهما واقعا لانتفاء التعارض رأسا على القول بجوازالفصل و التفكيك الظاهري كما اختاره بعض أفاضل مقاربي عصرنا و مال إليه شيخنا قدس سره بعض الميل على خلاف ظاهر الأكثر في مسألة الإجماع على ما هوببالي عند قراءتي المسألة عليه و الوجه في كون التعارض صوريّا على القول بعدم الجواز ظاهر لعدم التّعارض الحقيقي بين الحاكم و المحكوم على ما أفاده من تحكيم‏القاعدة على أصالة البراءة ثم إن الوجه في تحكيم القاعدة على البراءة الشرعيّة و ورودها على البراءة العقليّة على القول بعدم جواز الفصل المبنيّ على‏عدم جواز المخالفة القطعيّة و العملية و لو في المسألتين و لو كان هناك حكم ظاهريّ في كلّ مسألة أو المخالفة الالتزاميّة مطلقا هو أن مرجع الشكّ في مسألة النقيصةالسهويّة لما كان إلى الشكّ في الأمر الوضعي حقيقة و بدلية الناقص عن التام و قناعة الشارع به عنه فلا يصلح أصالة البراءة لإثباته و هذا بخلاف الشكّ في مانعيّةالزيادة و حكم العقل بوجوب الاحتياط يصلح بيانا لحكم الشارع بالبناء على شرطيّة عدمها في مرحلة الظاهر فيرتفع موضوع البراءة العقليّة حقيقة و الشرعيّةحكما فإن شئت قلت بعد البناء على عدم جواز التفصيل يلحق مسألة الزيادة بمسألة النقيصة فيكون الشكّ فيها أيضا شكّا يجب الاحتياط فيه كالشكّ في النقيصةفتأمل‏
في بيان وجوه الأخبار الواردة في حكم الثلاث‏
قوله قدس سره هذا كلّه مع قطع النظر عن القواعد الحاكمة على الأصول إلخ‏(3) أقول لا يخفى عليك أن ما ورد في بيان حكم المسائل الثلاث من الأخبارالتي يستفاد منها حكمها على سبيل الضابطة على أربعة وجوه منها ما يكون مفاده بطلان الصّلاة بزيادة شي‏ء من الأجزاء من غير فرق بين العمد و النسيان و السّهومثل قوله عليه السلام من زاد في صلاته فعليه الإعادة و التعليل في الحكم بوجوب الإعادة على من أتمّ في السفر بقوله عليه السلام لأنه زاد في فرض اللّه عزّ و جلّ و مثله تعليل المنع‏من قراءة العزائم في الصلاة بأن السجود زيادة في المكتوبة إلى غير ذلك و منها ما يقتضي بطلان الصّلاة بزيادة شي‏ء من أجزائها نسيانا من غير أن يكون دالاّعلى حكم العمد مطابقة مثل قوله عليه السلام إذا استيقن أنه زاد في المكتوبة استقبل الصلاة فإن الظاهر من الاستقبال بالزيادة عدم الالتفات إليها في زمان الفعل‏كما لا يخفى و منها ما يقتضي عدم بطلان الصلاة بزيادة شي‏ء من أجزائها و نقصانها سهوا و يشمل نقص الشرائط سهوا أيضا على تأمّل مثل قوله عليه السلام في المرسلة تسجدسجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة تدخل عليك و منها ما يقتضي التفصيل في الحكم بالبطلان بالنقص السهوي و الزيادة السهويّة كقوله عليه السلام في الصّحيحة لا تعادالصلاة إلا من خمسة أشياء الركوع و السجود و الطهور و القبلة و الوقت بناء على شمولها للزيادة السهويّة نظرا إلى كونها في مقام بيان عدم وجوب إعادة
186
الصّلاة بكل إخلال فيها زيادة و نقيصة
في بيان ما هو مقتضى الأخبار المذكورة
إلا إذا كان الإخلال من جانب الخمسة فإن ظاهرها بل صريحها عند التأمّل بيان حكم الإخلال بما ثبت أخذه و اعتباره‏في الصلاة فيختصّ بصورة السهو لا بيان ماهيّة الصلاة و أنها ليست إلا خمسة أشياء من غير أن يكون له دخل بمسألة السهو كما زعمه بعض مشايخنا في شرحه على‏الشرائع ضرورة استهجان التعبير عن ماهية الصلاة بالعبارة المذكورة بل لا بدّ من التعبير بما يناسب بيان الماهيّة كما في الأخبار فإن الظاهر منها بيان حكم‏ما فرغ عن بيانها من حيث الأجزاء و الشرائط من جهة الإخلال بشي‏ء منها و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا و مثلها في الدلالة على التفصيل في خصوص النقص‏السهوي قوله عليه السلام فيمن نسي الفاتحة أ ليس قد أتممت الركوع و السجود فإن استظهار حكم الزيادة السهويّة منه في غاية الغموض فلو جعل الحصر فيه إضافيّا و بالنسبةإلى نقص الأجزاء فلا ينافي الصحيحة و إلا فلا يكون منافيا لها فلا بد من الجمع بينهما بما ستعرفه هذه جملة ما ورد من الأخبار في هذا الباب و لا يخفى تعارضهابظواهرها حيث إن مقتضى الطائفة الأولى بطلان الصلاة بزيادة كل جزء عمدا كانت أو سهوا و مقتضى الثانية بطلانها بها فيدل على البطلان عمدا من‏باب الأولوية و مقتضى الثالثة عدم البطلان بكل من الزيادة السهوية و النقص السهوي على وجه التصريح و النصوصيّة لا الظهور و العموم و مقتضى الرابعة التفصيل‏في الحكم بالبطلان في المقتضية السهويّة و الزيادة السهويّة بناء على عموم الصحيحة لهما فيدخل في تعارض الزائد من الدليلين فلا بد من أن يسلك في المقام مايسلك فيه من تقديم الأخصّ و الأظهر و إن انقلبت النسبة بعده بين الباقي كما برهن عليه في باب التعارض‏
في كيفيّة علاج تعارض هذه الأخبار
فيقع الكلام في علاج تعارضها في مواضع الأوّل‏في علاج تعارض الطائفة الأولى المقتضية لبطلان الصلاة بالزيادة مطلقا من حيث أنها زيادة من غير فرق بين العمد و السهو مع غيرها مما دلّ على عدم بطلان‏الصلاة بالزيادة السهويّة مطلقا أو في الجملة فنقول لا إشكال في كون تعارضهما في الزيادة السهوية في بادي النظر فإن ما دلّ على عدم البطلان لايشمل العمد قطعا فلا بدّ من العمل بالطائفة الأولى في الزيادة العمديّة لسلامتها عن المتعارض فيكون الحكم في المسألةالثانية بالنظر إلى القاعدة بطلان الصّلاة بالزيادة العمدية مطلقا و بالنسبة إلى جميع الأجزاء و أمّا الزيادة السهوية التي وقع التعارض فيها فيحكم‏بعدم بطلان الصّلاة بها مطلقا إذا لوحظت الطائفة الأولى مع المرسلة من حيث كونها أخصّ منها و إن عمّت النقيصة أيضا نظرا إلى ما عرفت من حيث كون عمومهالهما على وجه التصريح و التنصيص فلا يقبل التخصيص بأحدهما فإن شئت قلت إنّهما مشتملة على قضيتين أحدهما عدم بطلان الصلاة بالزيادة السهويّة والأخرى عدم بطلانها بالنقص السهوي و يحتمل كون تقديمها عليها من باب الحكومة لا التخصيص و أما إذا لوحظت مع الصحيحة فيحكم بتقديمها عليها أيضا بناءعلى شمولها للزيادة السهويّة و إن كانت النسبة بينهما العموم من وجه حيث إن الطائفة الأولى تفارقها في الزيادة العمديّة مطلقا و تفارقها في النقص السّهوي‏نظرا إلى حكومة الصحيحة عليها من حيث إن الظاهر منها على ما عرفت بيان حكم ما ثبت إخلال الصلاة من جهته في الجملة و إن المقصود منه صورة العمد لا مطلقا فهي‏شارحة للطائفة الأولى كما أنها شارحة لمطلق ما يقتضي بطلان الصّلاة من جهة الإخلال بما يعتبر فيه إذا لم يكن من الخمسة كقوله لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ونحوه هذا الثاني في علاج تعارض الطائفة الثانية المقتضية لبطلان الصلاة بالزيادة السهويّة مطلقا مع كلّ من المرسلة و الصحيحة أما مع المرسلة فلا إشكال‏في كون تعارضهما على وجه التباين حيث إن مقتضى الطائفة الثانية بطلان الصلاة بكل زيادة سهويّة و مقتضى المرسلة عدم بطلان الصّلاة بها لكن يحتمل‏قريبا كون المرسلة أظهر منها حيث إن المرسلة نصّ في الزيادة السهويّة و هي ظاهرة فيها لاحتمال كون التعبير بالاستيقان من جهة الاهتمام في عدم قدح احتمال‏الزيادة و إن القادح الزيادة اليقينيّة فلا ينافي اعتبار التعمّد في القدح بها و هذا الاحتمال لا يتطرّق في المرسلة فيحكم بكون المراد منها الزيادة العمديّة فينطبق‏على الطائفة الأولى و أما مع الصحيحة فلا إشكال في كون تعارضهما بالعموم من وجه فإن التعارض بينهما إنما هو بالنسبة إلى العقد السلبي من الصحيحة و بعبارةأخرى المستثنى منه فيها ضرورة عدم التعارض بينهما من حيث العقد الإيجابي و المستثنى فيها و الصحيحة بناء على عمومها للزيادة السهوية يشمل النقيصةالسهويّة قطعا و هي يشمل زيادة الخمسة فيفترقان في النقيصة و زيادة الخمسة و يجتمعان في زيادة غير الخمسة و هي أظهر من الصحيحة حيث إنها نصّ في الزيادةو الصحيحة ظاهرة على تقدير العموم في الزيادة و نصّ في النقيصة و إلاّ فقد يمنع من شمولها للزيادة من حيث عدم تصوّر الزيادة بالنسبة إلى ثلاثة منها و إن كان‏لا يمنع العموم عند التحقيق هذا و لكن يمكن أن يقال بكونها و إن كانت نصّا في الزيادة إلا أنّها ليست نصّا في غير الخمسة لاحتمال إرادة خصوص الخمسة منها فكلاهماظاهران في غير الخمسة الثالث في علاج الصحيحة مع المرسلة و لا إشكال في كونها أخصّ من المرسلة بالنسبة إلى النقيصة فإن التعارض بينهما إنما هو بالنسبة إلى‏العقد الإيجابي من الصحيحة و هو أخصّ منها قطعا كما هو ظاهر و أمّا بالنسبة إلى الزيادة فكذلك بناء على شمولها لها إذ الأخذ بالعقد الإيجابي منها بالنسبة إلى‏النقيصة دون الزيادة فيعمل فيها بالمرسلة كما ترى فإن شئت قلت إنّها و إن كانت ظاهرة في الزيادة و المرسلة نصّا فيها إلاّ أنّها أظهر منها بالنسبة إلى زيادةما يتصوّر الزيادة فيه من الخمسة الرّابع في علاج الصحيحة مع قوله عليه السلام أ ليس قد أتممت الركوع و السجود و لا إشكال في كونها أظهر حيث إنه بعمومه يقتضي عدم قدح‏الإخلال بغير الركوع و السجود و هي نصّ في قدح الإخلال بالثلاثة أيضا فلا بدّ من العمل بالصحيحة هذا فيما لوحظت الأخبار بعضها مع بعض و إن شئت سلكت ماأشرنا إليه من المسلك عند الدخول في المسألة من تقديم الأظهر من بين المجموع مع ملاحظتها بهذه الملاحظة و إن انقلبت النسبة بين الباقي و قلت إن الصّحيحةأخصّ من المرسلة بما عرفت من البيان و بعد تخصيص المرسلة بغير الخمسة تصير أخصّ مما دلّ على إعادة الصّلاة بالزيادة السهويّة مطلقا فيخصّص بها كما أنّها
187
خصّصت بالصحيحة فيكون المرجع الصحيحة بالنسبة إلى العقد السلبي و الإيجابي فيكون مقتضى القاعدة الثابتة من الأخبار عدم قدح نقص غير الخمسة سهواو زيادتها كذلك فيظهر حكم المسألتين بالنظر إلى القاعدة فيحتاج في إلحاق غير الخمسة بها إلى دليل خاصّ وارد في عنوان زيادة بعض الأجزاء و الشرائط ونقصها سهوا هذا كله مع قطع النظر عن ثبوت التلازم بين النقص السهوي و الزيادة بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل و أمّا بملاحظته فلا إشكال‏في كون الصحيحة أخصّ من جميع أخبار الباب حتى على القول باختصاصها بالنقص السهوي فإنها كما يكون نصّا في حكم نقص الخمسة و زيادتها بالملاحظة المذكورةكذلك يكون نصّا في حكم نقص غير الخمسة و زيادته سهوا و أنها لا توجب الإعادة فيكون أخصّ مطلقا مما دلّ على الإعادة بالزيادة السهويّة مطلقا فإن احتمال اختصاصهابالنقص السهوي مدفوع بالملازمة المذكورة و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا كما لا يخفى و مما ذكرنا يظهر المراد مما أفاده قدس سره بقوله ثم لو دلّ دليل على قدح‏الإخلال بشي‏ء سهوا كان أخصّ من الصحيحة إلى آخر ما أفاده و إن كان مما لا مناص عنه فإن حكومة الصحيحة على عمومات أخبار الزيادة و النقصان لا ينافي تخصيصهابما هو أخصّ منها كالوارد في تكبيرة الإحرام و القيام المتّصل بالركوع و غيرهما من الأجزاء و الشرائط إلا أن ما أفاده من أخصيّة ما دلّ على بطلان الصّلاة بمطلق‏الزيادة السهويّة بقوله و الظاهر أن بعض أدلّة الزيادة مختصّة بالسهو مثل قوله عليه السلام إذا استيقن أنه زاد في المكتوبة استقبل الصّلاة قد يناقش فيه بما عرفته في‏بيان نسبته الصحيحة معه إلا أنه قد تقدّم ثمّة ما يوجّه به كلامه فراجع لكنّه لا بد من أن يحمل على ما ذكرنا أخيرا من بيان النسبة مع قطع النظر عن الملازمة الخارجيّة و إلاّفلا يستقيم بحال كما لا يخفى فالأولى التمثيل بما مثّلنا مما ورد في الموارد الخاصّة في حكم الإخلال بالأجزاء و الشرائط المخصوصة لا بما دلّ على حكم الزيادة سهوامطلقا فافهم هذا مع أن ما دل على بطلان الصلاة بالزيادة السهويّة مطلقا يدلّ على بطلانها بالزيادة العمديّة و لو بالفحوى فتأمل هذا كلّه فيما لو حملنا الصحيحةعلى بيان حكم الإخلال السهوي و أمّا لو حملناها على بيان حكم الماهيّة كما زعمه بعض مشايخنا فلا تعلّق لها بالمقام أصلا فإنها على هذا التقدير في بيان مقام‏أصل الماهيّة فيعارض ما دل على ثبوت الأجزاء و الشرائط و الموانع المغايرة للخمسة حتى ما دلّ على بطلان الصلاة بالزيادة مطلقا و كونها من موانع الصّلاة وإن تعيّن تخصيصها بها نظرا إلى كونها أخصّ منها كما لا يخفى و أين هذا من الإخلال السهوي بما ثبت اعتباره في الصّلاة فيرجع في حكم المسائل الثلاث إلى غيرالصحيحة من الأخبار المتقدّمة و قد عرفت مفادها بعد الجمع و العلاج مما قدّمنا لك فلا نطيل بالإعادة كما أنك قد عرفت من مطاوي ما قدّمنا لك سابقا في‏تأسيس الأصل معنى حكم الشارع في طيّ الأخبار بعدم وجود الإعادة عند السّهو عن بعض ما يعتبر في العبادة و أن مرجعه إلى قناعة الشارع عن التام بالناقص‏لاشتماله على المصلحة لا إلى الأمر بالناقص فراجع إليها
في حكم دوران الأمر بين الشرطيّة المطلقة و غيرها و كذا الجزئيّة
قوله قدس سره الأمر الثاني إذا ثبت جزئيّة شي‏ء أو شرطيّته في الجملة إلخ‏(1) أقول الكلام في المقام حسبماأفاده قد يقع في مقتضى الأصول العمليّة و قد يقع في مقتضى الأصول اللفظيّة و قد يقع في مقتضى القاعدة العامّة المستفادة من الأخبار الخاصّة الواردة في‏مقام إعطاء القاعدة و أمّا التكلم فيما يقتضيه الأخبار الخاصّة في الموارد الشخصيّة فيقع في الفقه و لا تعلّق له بالمقام فالكلام يقع في ثلاثة مواضع أمّا الموضع‏الأول فقد يقال بل قيل بل ينسب إلى غير واحد أن مقتضى الأصل العملي عند الشكّ و دوران الأمر بين الجزئيّة المطلقة و الخاصّة المقيّدة بحال التمكّن من الجزء و كذاعند الشك في الشرطية المطلقة و المقيّدة بعد الثبوت في الجملة في الموضعين هو البناء على الجزئيّة و الشرطيّة المطلقتين من غير فرق بين القول الصحيح و الأعمّي كعدم‏الفرق بين كون المذهب الرجوع إلى البراءة في مهيّات العبادات المردّدة أو الرجوع إلى أصالة الاشتغال لرجوع الشكّ في الدوران المذكور إلى الشكّ في أصل‏التكليف على كل تقدير ضرورة استلزام تعذّر المقدّمة مع كونها مقدّمة ارتفاع التكليف عن ذي المقدّمة لوضوح اشتراطه بالقدرة على المقدّمة حسب ما بيّن‏في بحث وجوب المقدّمة من أن كل واجب مطلق مشروط بالنسبة إلى القدرة على المقدّمات الوجوديّة من حيث إن امتناعها يوجب امتناع ذيها و المفروض احتمال‏المقدّميّة المطلقة في المقام و هذا ما ذكرنا من رجوع الشكّ إلى الشكّ في أصل التكليف الوجوبي و المرجع فيه البراءة اتفاقا و لا يجري الاستصحاب حتى يكون‏واردا أو حاكما عليها بالنسبة إلى العقلية و الشرعيّة منها لأن الوجوب النفسي للباقي المقدور مفروض الانتفاء في السّابق فكيف يحكم ببقائه و وجوده‏الثانوي بمقتضى الاستصحاب و الوجوب الغيري الثابت له سابقا مقطوع الارتفاع لاحقا لكونه تابعا لوجوب الكل و المشروط المرتفع جزما و القدرالمشترك بين الخصوصيّتين تابع لهما في الوجود فكيف يحكم به مع عدم الحكم بهما فضلا عما حكم بعدمهما هذا و قد يقال بل قيل إن مقتضى الأصل في مفروض‏البحث البناء على التقيّد و الاختصاص و الحكم بوجوب الباقي المقدور للمكلّف لأن مقتضى الدوران المذكور و إن كان الرجوع إلى البراءة كما ذكر إلاّ أن الاستصحاب‏وارد أو حاكم عليها و تقرير جريانه بوجهين أحدهما أن يجعل المستصحب الوجوب القدر المشترك المتحقّق سابقا في ضمن الوجوب الغيري المتعلّق بالباقي‏الذي يحتمل بقاؤه باحتمال قيام الوجوب النفسي بعد زوال الوجوب الغيري مقامه غاية ما هناك عدم إمكان إثبات الوجوب النفسي به لعدم جواز التعويل‏على الأصول المثبتة كما أنه لا يمكن نفي القدر الجامع بنفي الوجوب النفسي في الزمان اللاحق بالأصل للوجه المذكور فيجمع بين ترتيب الآثار المترتّبة على الوجوب‏بقول مطلق و نفي أثر خصوص الوجوب النفسي كما هو الشأن في أمثال المقام ثانيهما أن يجعل المستصحب الوجوب النفسي المتعلّق بالمقدور مسامحة في‏مدخليّة الجزء المتعذر في معروض المستصحب نظير استصحاب الكريّة و القلّة للماء المسبوق بالكريّة مع المقدار الذي أخذ منه في الزمان اللاحق أو الماء
188
المسبوق بالقلّة مع عدم خلط ما زيد عليه لاحقا لا الوجوب النفسي المتعلّق بالمركّب سابقا حتى يكون من قبيل استصحاب الكر في الماء الذي لا يفيدفي إثبات الكريّة إلا على القول بالأصل المثبت فيقال في تقريب الاستصحاب إن هذه الأجزاء المقدورة كانت واجبة بالوجوب النفسي و يشكّ في بقائها على‏ما كان و لو كان عروض الوجوب النفسي عليها في السابق من حيث اشتمالها على المفقود فيجعل اشتمالها عليه في السابق مع انتفائه في اللاحق‏من قبيل الحالات المتبدّلة كما يقال في تقريب استصحاب الكريّة للماء الموجود الذي نقص عن المقدار الذي يحتمل قوام الكريّة به إن هذا الماء كان كرّا و يشك في بقاءكرّيّته مع أن عروض الكرّية عليه كان مع اشتماله على الجزء الذي فقد لاحقا و لو لا هذه المسامحة العرفيّة في موضوع المستصحب الموجبة للحكم باتّحادالقضيّة المتيقّنة و المشكوكة لاختلّ أمر الاستصحاب في كثير من موارده سيّما في استصحاب العوارض الزمانيّة المتجددة و كذا استصحاب الزمان بل بطريق‏أولى مع أن استصحاب الليل و النهار من الاستصحابات المسلّمة عندهم و كذا استصحاب الكريّة و القلّة في المثالين و دعوى الفرق بين الاستصحاب في المقام‏و استصحابهما حيث إن دخل المتعذر في موضوع الوجوب النفسي في السابق معلوم بخلاف المقدار المأخوذ في استصحاب الكرية فلعلّ معروضه في السابق‏هذا الماء الموجود لاحقا فاسدة مضافا إلى انتفاء الاحتمال المزبور في استصحاب القلة فتدبّر بما عرفت توضيحه في طي كلماتنا السابقة من أنّ الموجودالمقداري بلغ ما بلغ أمر واحد فالكريّة قائمة بمجموع أجزائه و لو كان زائدا على الكريّة لا بالمقدار المعيّن كما هو الشأن في جميع مصاديق المقادير المنقسمة إلى‏الزائد و الناقص فتأمّل نعم يعبّر في هذا التقرير الثاني مساعدة العرف على الحكم باتحاد القضيتين و عدم كون المفقود من معظم الأجزاء فتدبّر هذه‏غاية ما يقال في تقريب الاستصحاب و سيجي‏ء تفصيل الكلام فيهما و عليهما في باب الاستصحاب في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى و أمّا جعل المستصحب الوجوب المردّدبين النفسي و الغيري المتعلّق بالمركب فلم يعلم له محصّل غير استصحاب الكلّي إذ المردّد بعنوانه الترديدي لا وجود له في الخارج و إنما الموجود في الأعيان الأمورالمتعيّنة المتشخّصة كما أن جعله الوجوب النفسي المتعلّق بالموضوع الأعم عن الجامع لجميع الأجزاء و الفاقد لبعضها يرجع إلى التقريب الثاني لا محالة ثم إن الوجوب‏المستصحب في التقريبين قد يفرض منجّزا فعليّا فلا بد أن يفرض قدرة المكلّف على تمام الأجزاء و الشرائط بعد دخول الوقت بقدر زمان الفعل و عروض‏العجز عن بعضهما في الأثناء و قد يفرض معلّقا شأنيّا بدخول الوقت و بعبارة أخرى الوجوب الثابت للموقّت في أصل الشرع هذا بعض الكلام في الموضع‏الأوّل‏
ملخّص القول في الموضع الثاني من المواضع‏
و أما الموضع الثاني فملخّص القول فيه أن فرض الأصل اللّفظي في المقام من العموم أو الإطلاق الذي يرجع إليه عند الدوران في أمر الجزء أو الشرط مبنيّ‏على القول بالأعمّ في ألفاظ العبادات إذا فرض الدوران فيها بشرط أن يوجد هناك أمور أحدها كون الجزء المردّد من الأجزاء الغير المقوّمة للصّدق و الحقيقةضرورة اعتبار الصّدق في الإطلاق و العموم ثانيها فرض العموم و الإطلاق للمأمور به بالنسبة إلى الأجزاء و الشرائط و إلا لم ينفع كما هو ظاهر ثالثها اجتماع‏تمام ما يعتبر في التمسّك بالإطلاق من الأمور التي عرفت الإشارة إليها في مطاوي كلماتنا السّابقة رابعها عدم العموم و الإطلاق لما دلّ على التخصّص و التقيّدمن دليل الجزء و الشرط و إلا تعيّن الرجوع إليه مثل قوله لا صلاة إلا بطهور و لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب و نحوهما فإن ظاهرهما على القول الأعمّي نفي الصحّةبدونهما مطلقا من غير فرق بين حالتي الاختيار و التعذّر فيقيّد إطلاق الصلاة بهما في الحالتين ضرورة حكومة إطلاق المقيّد على إطلاق المطلق المقيّد بحسب الحالات‏المشمولة لدليل التقيّد خامسها عدم ثبوت الجزئيّة و الشرطيّة من نفس دليل العبادة ضرورة عدم إمكان فرض إطلاق له بنفي الجزئيّة و الشرطيّة في صورةالتعذر كما هو ظاهر فإذا اجتمع هذه الأمور تعيّن الرجوع إلى إطلاق المأمور به و الحكم بعدم الجزئيّة و الشرطيّة في حال تعذّرهما فيرفع اليد به عن أصالة البراءةالقاضية بعدم وجوبه عند دوران الأمر في الجزئية و الشرطيّة بين الإطلاق و الاختصاص بحالة الاختيار ثم إن فرض عدم الإطلاق في دليل الجزء و الشرطقد يكون من جهة عدم قابليّته للإطلاق و العموم من جهة كونه دليلا لبّيّا كما إذا فرض ثبوت الجزئيّة للجزء المردّد حاله بالإجماع و قد يكون من جهة إهماله مع‏كونه لفظيّا قابلا للإطلاق و قد يكون من جهة امتناع شموله عقلا لحالة التعذّر و إن كان من مقولة اللفظ و إن احتملنا ثبوت مفاده و الجزئيّة المطلقة في نفس‏الأمر كما إذا كان من مقولة التكليف ضرورة امتناع تعلّق التكليف غير ما كان أو نفسيّا بغير المقدور فيقيّد إطلاق ذي المقدّمة بمقدار مساعدة التكليف‏فإن شئت قلت الوجوب الغيري و إن كان متفرّعا على المقدّميّة و معلولا لها في صورة إمكان وجوده و لا يكون المقدّميّة معلولة لها فلا يكشف اختصاصه‏عن اختصاصها إلا أن كشفه عنه بمقدار وجوده و المفروض اختصاصه بحالة الاختيار نعم لا يكون دليلا على عدمها أيضا لعدم تفرّعها عليه فيرجع إلى أصالةالإطلاق نعم فيما كانت الشرطيّة مسبّبة عن التكليف النفسي كشرط الامتثال كان اختصاصه دليلا على اختصاصها على ما عرفت الكلام فيه مفصّلا لكنّه‏خارج عن مفروض البحث لعدم تصوّر الدوران في حاله كما هو واضح فلا يقال إن التكليف المستفاد منه باعتبار متعلّقه في المأمور به في مفروض البحث غيريّ فاختصاصه بحالةالاختيار ملازم لاختصاص التكليف بذي المقدمة بتلك الحالة لامتناع التكليف بينهما عقلا فكما أن التكليف بذي المقدّمة يكشف عن طلب المقدّمات‏كذلك رفع التكليف عن المقدّمة يكشف عن ارتفاع التكليف بذيها لأنه مقتضى التلازم من الجانبين كما هو ظاهر لأن ذلك كلّه إنما يصحّ فيما كانت المقدّمة باقيةعلى مقدميته في حالة التعذّر و أما إذا حكم بعدمها فلا يكشف انتفاء الوجوب الغيري عن انتفاء الوجوب النفسي المتعلّق بذيها كما هو ظاهر و بما ذكرنا ينبغي‏
189
تحرير المقام لا بما أفاده قدس سره بقوله و كذلك لو ثبت أجزاء المركب من أوامر متعدّدة فإن كلاّ منها أمر غيري إذا ارتفع عنه الأمر بسبب العجز ارتفع الأمر بذي المقدّمة أعني‏الكل إلى آخره فإنه مع منافاته لبعض إفاداته السابقة غير مستقيم بظاهره كما لا يخفى اللّهم إلا أن ينزّل على مورد لم يتعلّق فيه أمر بالكلّ و ذي المقدّمة أصلا و إنّمااستفيد وجوبه من أوامر غيرية متعلّقة بأجزائها من حيث كونها مع فرض غيريّتها تابعة لها و إذا حكم باختصاصها بصورة التمكّن منها فلا كاشف عنه لكنّه كماترى ثم إنه بقي هنا قسم آخر من دليل الجزئيّة لم نقف عليه في الشرعيّات و إنما هو مجرّد فرض و هو أن يكون بدلالته اللفظيّة مقيّدا بحال التمكّن من الجزء على‏وجه يكون له دلالة بحسب المفهوم على نفي جزئيّته و مقدّميّته في حال التعذّر فيدلّ على ثبوت الأمر بالكلّ في صورة العجز عنه ثم إنه لا يتوهم لزوم استعمال‏المطلق في معنيين فيما حكمنا باختصاص التقييد فيه بصورة التمكّن من الجزء و الشرط أما على ما اخترناه تبعا لشيخنا قدس سره وفاقا لجمع من المحقّقين أوّلهم فيما أعلم سلطانهم‏في تعليقاته على المعالم من كون المطلق موضوعا للمهملة و نفس الطّبيعة اللابشرط المقسمي فيستعمل في جميع موارد إطلاقه و يراد الخصوصيّات من الخارج فواضح وأمّا على ما اختاره الأكثرون بالنظر إلى ظاهر كلماتهم من كونه موضوعا للطبيعة المنتشرة أي الطبيعة اللابشرط القسمي أو الحصّة المنتشرة فيكون وصف الإطلاق‏و الانتشار مأخوذا في وضعه فلأنه لا بدّ من تجريده من الوصف المذكور و استعماله مجازا في نفس الطبيعة حتى لا يلزم استعمال اللفظ في معنيين هذا على القول بوضع‏الألفاظ للأعمّ و أمّا على القول بوضع ألفاظ العبادات للماهيّة الصحيحة التامّة الأجزاء و الشرائط إذا ثبت جزئية شي‏ء أو شرطيّته في حالة خصوص التمكّن منه بحيث‏فرغنا في ثبوت الأمر بالعبادة في صورة العجز عنه فهل يلتزم عليه بتعدّد الأوضاع بحسب الحالات المختلفة فيها الأجزاء و الشرائط و الوضع الواحد و الاستعمالات‏المجازية في الكلمة أو الإسناد ففيه كلام و بحث واسع في مسألة الصحيح و الأعمّ ليس المقام محلّ ذكره و قد تعرضنا لشرح القول فيه فيما حرّرناه في تلك المسألة من‏إرادة راجعة هذا بعض الكلام في الموضع الثاني‏
محصّل القول في الموضع الثالث من المواضع‏
و أمّا الموضع الثالث فمحصّل القول فيه أن المشهور بين الأصحاب كون مقتضى جملة من الأخبار اختصاص جميع‏الأجزاء و الشرائط بحالة الاختيار بحيث يستفاد منها ثبوت التكليف في حالة سقوطها و إن كان بعضها مختصّا ببيان حال الجزء إلا أنّ بعضها الآخر يدلّ على العموم بالنسبةإلى الجزء و الشرط و ربما خالف فيه بعض المتأخّرين نظرا إلى عدم تماميّتها سندا و دلالة منها النبويّ المروي في عوالي اللئالي إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم‏فإن كلمة من حقيقة في التبعيض أو ظاهرة فيه و كلمة ما ظاهرة في الموصولة فيدلّ على وجوب الإتيان بالمقدور من المركّب و كلمة شي‏ء و إن كانت نكرة إلا أن المراد منهاالعموم يعني أي شي‏ء كان و هو ظاهر لا سترة فيه أصلا و اختصاصه بأوامر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا يقدح بعد ثبوت عدم الفرق و الفصل بالإجماع مضافا إلى أن أوامر الأئمة عليهم السلام أمرالنبيّ صلى اللَّه عليه و آله في المعنى و الحقيقة كما هو ظاهر و منها العلويّ المروي فيه أيضا الميسور لا يسقط بالمعسور و المراد من المعسور في الرواية ما يشمل محل البحث و لو بالأولويّة و الفحوى‏أو عدم القول بالفصل و هو يشمل تعذّر الجزء و الشرط لعدم الفرق في صدق مفاده كما هو ظاهر و اللام إمّا للاستغراق أو للجنس و الطبيعة فيفيد العموم و لوبقرينة المقام و لزوم اللغويّة و التقريب أن الحديث إمّا إخبار عن عدم سقوط حكم الميسور بواسطة سقوط حكم المعسور كما هو ظاهر القضيّة و إمّا إنشاء فيدلّ على‏طلب الميسور و أنه مطلوب للشارع بنفس القضيّة و يدلّ عليه حمل عدم السقوط على نفس الميسور و بعد حمله على الإنشاء يكون ظاهرا في الوجوب على ما تبيّن في‏محلّه فلا يشمل غير الواجبات و هذا بخلاف ما لو حمل على الإخبار عن بقاء الحكم الثابت للميسور فإنه يشمل المستحبّات أيضا كما هو ظاهر و القول بعدم شموله للمقام‏نظرا إلى أن الثابت للميسور قبل تعسّر بعض الأجزاء و الشرائط هو الوجوب الغيري و هو غير قابل للبقاء عقلا فلا معنى لإخبار الشارع عن بقائه‏فاسد لأن وجوبه في الجملة سابقا كاف في صدق البقاء على ما عرفت في تقريب الاستصحاب فتدبّر و منها العلويّ المروي فيه أيضا ما لا يدرك كلّه لا يترك كله‏التقريب كما في العلوي السابق بل هو أظهر من حيث إن حمله على الإنشاء لا يقبل الإنكار و قد جعلوا الموصول من ألفاظ العموم في بابه بخلاف المفرد المحلّى‏فإن فيه كلام عند المشهور بل منع نعم هذه يختصّ بتعذّر بعض الأجزاء و لا يدلّ على حكم تعذّر الشرط و حمله على الإخبار عن طريقة الناس مضافا إلى‏لزوم الكذب أو إخراج أكثر وقائعهم مناف لوقوعه في كلام الشارع فيدلّ على لزوم الإتيان بالمقدور المدرك من المركّب الذي لا يدرك تمام أجزائه و لايقدر على الإتيان بجميعها و هو المدّعى‏
في رواية عبد الأعلى و المناقشة في الاستشهاد بها
و منها ما رواه عبد الأعلى مولى آل سام قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارةفكيف أصنع بالوضوء قال عليه السلام يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله عز و جل ما جعل عليكم في الدين من حرج امسح عليه و التقريب أن الإمام عليه السلام أحال الجواب عن حكم‏المسألة و بيانه إلى الآية الشريفة و أنه يعرف منها و معلوم أن معرفته منها مبنيّة على عدم كون تعسّر الشرط موجبا لسقوط المشروط بأن يكون المنفي‏بسبب الحرج خصوص مباشرة اليد الماسحة لبشرة الرجل فلا ينتفي بانتفائه أصل المسح المستفاد من آية الوضوء فيمسح على المرارة إذ لولاه لم يكن معرفة حكم المسح على‏المرارة من آية نفي الحرج لأنها في ظاهر النظر يدلّ على سقوط المعسور و هو المسح على البشرة و لا يدلّ على ثبوت المسح فيحتاج إثبات المسح على المرارة إلى دليل آخر غيرآية نفي الحرج و القول بأن الإمام عليه السلام إنما أحال سقوط المسح على البشرة إلى الآية و أنه يستفاد منها و لا يحتاج إلى السؤال و أمّا وجوب المسح على المرارة فإنما هومنه عليه السلام و ليس مما يدلّ عليه الآية الشريفة فاسد لأن السؤال إنما هو عن تمام كيفية الوضوء لا عن خصوص ثبوت المسح على البشرة و سقوطه فتدبّر فإذا دلّ على ثبوت‏المشروط مع سقوط شرطه بالتعسّر دل على حكم المقام أيضا نظرا إلى ما عرفت في تقريب دلالة الرواية الثانية هذا و قد نوقش فيها تارة من حيث السند سيّما ما في‏
190
العوالي و قد طعن صاحب الحدائق فيه و في صاحبه و إن كان طعنه مطعونا بأنه من وجوه أصحابنا و كونه متكلّما لا ينافي وثاقته مع أن ضعف أسنادهاعلى تقدير تسليمه مجبور بعمل الأصحاب من غير نكير بينهم بل بلغ من الاشتهار أمرها حتى يعرفها العوام و النسوان و كيف كان لا ينبغي الإشكال فيها من‏حيث السند و أخرى من حيث الدلالة أما في النبوي فيما حكاه شيخنا قدس سره في الكتاب و أن الردّ إلى المشيّة لا يدلّ على الوجوب‏
في نقل كلمات صاحب الفصول ممّا يتعلّق بالمقام و ما يرد عليها
قال في الفصول في بحث التكلّم‏عن حقيقة الأمر من حيث كونها الوجوب أو الندب أو القدر المشترك بينهما في ردّ من استدل بالنبوي على كونها حقيقة في الندب بعد جملة كلام له ماهذا لفظه أقول و لو سلّم أن الاستطاعة حقيقة في المشية أيضا فكلمة ما في الرواية إمّا أن يكون وقتية أو موصولة أو موصوفة و على التقديرين الأخيرين‏إما أن يراد بها الفرد أو الجزء و على التقادير إما أن يكون المراد بالاستطاعة القدرة أو المشيّة فالاحتمالات عشرة و إن كان صدر الرواية كما سنذكره في مبحث‏التكرار لا يلائم البعض و ساق الكلام إلى أن قال مع أن سند الرواية غير معتبر فلا يصحّ الاعتماد عليه انتهى كلامه في هذا المقام و قال في مبحث التكرار من مباحث‏الأمر في الاستدلال على أن الأمر للتكرار بعد ذكر الدليل الأوّل و الجواب عنه ما هذا لفظه الثاني قوله عليه السلام إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم فإن المرادما دمتم مستطيعين لا الذي استطعتم أو شيئا استطعتم منه سواء فسر بالفرد أو بالقدر بمعنى الأجزاء و ذلك لشهادة ما قبله على ما روي من أنه خطب رسول‏رسول الله صلى اللَّه عليه و آله فقال إن اللّه كتب عليكم الحجّ فقام عكّاشة و يروى سراقة بن مالك فقال أ في كلّ عام يا رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله فأعرض عنه حتى عاد مرّتين أو ثلاثا فقال‏ريحك و ما يؤمنك أن أقول نعم لو قلت لقضيت ما استطعتم و لو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتم و إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم إلى‏أنبيائهم فإذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم و إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه و لا يقال إذا من أداة الإهمال و التكرار في البعض مما لا كلام فيه إلى آخر ما ذكره‏(1) أقول لا ينبغي الإشكال في أن الظاهر من الشي‏ء بقرينة قوله منه الظاهر في التبعيض خصوص المركّب و لو حمل على الأعمّ مما له أفراد أو أجزاء لم يناف المدّعى‏جدّا و كلمة ما ظاهرة في الموصولة أو الموصوفة و جعله ظرفا بعيد جدّا و الردّ إلى الاستطاعة ظاهر في القدرة لا المشيّة نعم صدر الرواية على ما رواه‏في الفصول ربما يوهن الاستدلال اللّهم إلا أن يجعل كلّ جزء موردا للأمر فيجعل إذا من بمعنى الباء أو زائدة و على كلّ تقدير يتم الاستدلال لأن المقدورمن الأجزاء كان موردا لأمر النبيّ فيجب الإتيان به فتأمل ثم إن الالتزام بالتخصيص في الرواية بإخراج ما لا يجري فيه القاعدة إجماعا كما في كثير من الموارد لا ينافي‏الاستدلال بظاهرها بالنسبة إلى محل الشكّ كما هو ظاهر لا سترة فيه ثم إن ظاهر الأمر حسبما حققناه في محلّه الوجوب مع أن رجحان الإتيان يكفي في‏المقام قطعا إذ لم يقل أحد بكونه مندوبا و من هنا يعلم أنه على تقدير حمل الأمر الواقع في حيّز الشرط على الأعم من الوجوب و الندب لكي يستفاد منه حكم‏المستحبّات و إن كان خارجا عن محل البحث يمكن استفادة حكم المقام منه بملاحظة الخارج لا من نفس الرواية ضرورة عدم دلالة العامّ على الخاص بعنوانه كماهو ظاهر هذا و أمّا في العلوي الأول فيما حكاه شيخنا قدس سره ملخّصا عن الفصول و الأولى نقل كلامه بألفاظه قال قدس سره في مسألة اقتضاء الموقّت‏إيجاب الفعل في خارجه بعد جملة كلام له و الاستدلال للقول بالاقتضاء للنبوي و العلويّ و الجواب عن النبوي بما عرفت حاصله ما هذا لفظه و أمّاعن الثانية فبأن الظاهر من نفي السقوط نفي سقوط الحكم السابق فيكون المراد من الميسور الواجب الميسور أو فرده و كذا المعسور دون جزئه أو ما بحكمه إذا لم يجب‏مستقلا فيكون الرواية واردة على حسب الضابطة و لو سلم عدم الظهور فلا أقل من الاحتمال و لو سلّم تناوله للجزء و ما يحكمه فلا اختصاص له بالواجب فيتعيّن حمل عدم‏سقوطه على الأعمّ من الوجوب و الندب أعني مطلق المطلوبيّة ليستقيم في المندوب فلا يدلّ على الوجوب في الواجب و مع ذلك ينافيه لفظ السقوط فإنّ‏مقتضى نفيه بقاء الحكم السابق لا حدوثه غالبا و لا سبيل إلى حمله على عدم سقوط حكمه السّابق من مطلوبيّته مقيّدا أو في ضمن الكل أو للكلّ لأنّ ذلك‏مقطوع السقوط أمّا الأوّلان فواضح و أما الثالث فلما نبّهنا عليه في مبحث المقدّمة من أن وجوب المقدّمة بدون وجوب ذيها غير معقول مع أنه لا يفيد مقصودالمستدلّ و من هنا تبيّن وجه التفريع على الظهور الذي ادّعيناه أوّلا نعم للخصم أن يتفصّى عن الإشكال الأوّل بعدم القول بالفصل فإن من قال برجحان‏قضاء الواجب قال بوجوبه و عن الثاني بجعل نفي السقوط بمعنى عدم خلوّه عن مثل الحكم السابق لأنه أقرب المجازات إلى نفي السقوط أو يمنع سقوط أصل‏الحكم السابق و إن سقط كيفيّته و لو على حسب متفاهم العرف و لا يخفى ما فيهما من التكلّف المستغني عنه انتهى كلامه رفع مقامه و فيه أوّلا أن الظاهر من الرواية على‏ما عرفت الإنشاء و حمل عدم السقوط على نفس الميسور كما هو ظاهر مضافا إلى أن الحمل على الإنشاء لا يجامع الحمل على الحكم عقلا كما هو ظاهر و من هنا يظهرعدم إمكان حمل الرواية على المعنى الأعمّ الشامل للأفعال المستقلة إلا بجعل فائدته التأكيد بالنسبة إليها لدفع توهم السقوط و الظاهر من الإنشاء الوجوب على‏ما بين في محلّه من أن القضايا الجزئية المحمولة على الإنشاء ظاهرة في الطلب الإلزامي مع أنه على تقدير الحمل على مطلق الرجحان يكفي في إثبات المدّعى بضميمة عدم القول‏بالفصل و ممّا ذكرنا يظهر توجّه كلام على ما أفاده شيخنا قدس سره في الكتاب بعد حمل الرواية على ما ذكرنا بقوله و بمثل ذلك يقال في دفع دعوى جريان الإيراد المذكورعلى تقدير تعلق السقوط بنفس الميسور لا بحكمه بأن يقال إن سقوط المقدمة لما كان لازما لسقوط ذيها فالحكم بعدم الملازمة في الخبر لا بد أن يحمل على الأفعال المستقلةفي الوجوب لدفع توهّم السقوط الناشئ عن إيجابها بخطاب واحد ضرورة أن التلازم إنما هو بين الحكمين و ليس المدّعى بعد حمل الرواية على الإنشاء كون المقدور
191
من المركب واجبا بالوجوب الغيري أو واجبا بالوجوب النفسي من حيث كونه مقدّمة فكل من الإيراد و الدفع ساقط لا تعلّق له على هذا المعنى كما أنّه يظهرفساد ما سبق إلى بعض الأوهام من طلبة عصرنا من أن حمل عدم السقوط على الميسور لما كان كذبا فلا بد أن يحمل على حكمه بدلالة الاقتضاء كما في حديث الرفع فإنه‏بعد الحمل على الإنشاء لا وقع للتوهّم المذكور أصلا كما لا يخفى نعم التعبير بعدم السقوط فيه إشعار بثبوت ما حكم بعدم سقوطه في السابق و يكفي‏فيه كونه مطلوبا في السابق و عند التمكّن من الجميع في الجملة و لا يلزم أن يكون محكوما في السابق بما هو من جنس الحكم اللاحق و من سنخه كما هو ظاهر و ثانياأنه على تقدير الحمل على الإخبار عن بقاء الحكم السابق يمكن جعل المخبر به الوجوب الجامع القدر المشترك و إن كان تحقّقه في اللاحق في ضمن الوجوب النفسي‏على ما عرفت في توجيه الاستصحاب و لا يحتاج على هذا إلى ارتكاب تكلف المسامحة العرفيّة حتى يطالب بدليل كفايته أو نمنع منها كما ارتكبه شيخنا قدس سره في‏الكتاب فتأمل ثم إن الإخبار عن بقاء الحكم السابق و عدم سقوطه لما كان في معنى الإخبار عن وجوده الإنشائي في مرحلة الواقع و النفس الأمر فلا محالة يستلزم‏الإخبار عن تحقّقه في ضمن الوجوب النفسي فيكشف عن إنشائه و ليس مثله مثل الاستصحاب حتى يقال بأن إنشاء الكلي في مرحلة الظاهر لا يثبت إنشاء الجزئي‏فيجمع بين الحكم بثبوت الكلّي و الحكم بعدم فرده ظاهرا فتدبّر و ممّا ذكرنا كله يظهر أن حمل الرواية على الإخبار موجب لشمول الواجب و المستحبّ ففي الواجب إخبارعن بقاء وجوبه و في المستحبّ إخبار عن بقاء استحبابه و ليس فيه محذور أصلا فما ذكره في الفصول من أنه على تقدير شمول الرواية للجزء لا تدلّ على بقاء الوجوب في‏الواجب مع حملها على الإخبار كما ترى‏
في المناقشات الواردة على تقريب الاستدلال بالعلوي الثّاني‏
و أمّا في العلويّ الثاني فبأمور أحدها أنه جملة خبريّة لا صارف لها عن معنى الإخبار في المقام فيحمل على الحكاية عمّاعليه بناء الناس و فيه ما فيه من كمال بعده عن طريقة الشارع سيّما في المقام خصوصا مع لزوم الكذب فإن المقامات مختلفة عندهم فلا بدّ أن يحمل القضيّةعلى المهملة ثانيها أنه بعد الحمل على الإنشاء لا دليل على ظهوره في خصوص الإلزام سلّمنا ظهوره في نفسه فيه إلا أنه لا يمكن الأخذ بظاهره لأن الموصول أعمّ‏من المستحبّات فلا بدّ أن يحمل على إرادة مطلق الطلب فلا يثبت المدّعى و إخراج المستحبّات لا دليل عليه و هذا هو المراد بقوله في الكتاب مع أنه لو أريد منها الحرمةلزم مخالفته الظاهر فيها فإن المراد منه هو الظهور في إرادة الحرمة نوعا لا الإرادة فعلا و إلا لم يجامع قوله بعده كما هو ظاهر و فيه أن القرينة على إرادة الواجبات‏قوله لا يترك بعد تسليم ظهوره في الحرمة ضرورة حكومة ظهور المحمول على ظهور الموضوع و من هنا يلتزم بأن الموصول متخصّص بما يكون مطلوبا للشارع ولا يكون خروج المباحات و المكروهات و المحرمات على وجه التخصيص فيكون الأمر بالنسبة إلى المستحبّ كذلك هذا مع أن ثبوت الرجحان كاف بعد ملاحظة عدم‏الفصل ثالثها أنه لا دليل على إرادة الفعل المركب من الموصول فلعل المراد الأفعال المستقلّة المطلوبة بخطاب واحد بل هو المتعيّن نظرا إلى ظهور لفظ الكلّ‏في العموم الأفرادي لا المجموعي فيكون المراد أن الأفعال المستقلّة التي لا يدرك كل واحد منها بل يدرك بعضها دون بعض لا يترك كلّها أي جميعها بل يجب الإتيان‏بما يمكن إدراكه فلا تعلّق للحديث بالمقام أصلا و فيه أنه لا شاهد لرفع اليد عن عموم الموصول و لا صارف له أصلا إذ السلب متعلّق بالمقام بالعموم على كلّ تقديرإذ لا يمكن إرادة عموم السلب فالمسلوب سواء كان الموضوع هو الفعل المركّب أو خصوص الأفعال أو الأعم هو المجموع لا محالة فالمراد أن ما لا يدرك مجموعه على وجه‏العموم لا يترك رأسا بل يجب الإتيان بما أمكن منه فتدبّر و أمّا في الرابع أي رواية عبد الأعلى فإن المستفاد بحكم متفاهم العرف من الآية الشريفة و غيرهامما دل على نفي الحكم الحرجي هو مجرد النفي لا الإثبات و ليس المستفاد من آية الوضوء كون المسح مطلوبا و وقوعه على البشرة مطلوبا آخر فكيف يمكن استفادةالحكم الإثباتي من الآية الشريفة حتى يرجع الإمام عليه السلام إليها فيها فلا بد أن يكون المراد عرفان سقوط المسح على البشرة و أمّا عرفان ثبوت المسح على المرارة فلا بدّ أن يكون بإنشاءالإمام عليه السلام و إن كان خلاف ظاهره في بادي النظر فلا تدلّ الرواية على الضّابطة و الكليّة المدعاة من إثبات المشروط بعد تعذّر شرطه أو المركّب بعد تعذّر بعض أجزائه‏و فيه أن المستفاد من الرواية المفروغيّة و التسالم سؤالا و جوابا عن عدم سقوط الوضوء بتعذّر المسح و هذا المقدار كاف في إثبات المدعى لأن الوضوء مركّب‏فتأمّل‏ قوله قدس سره ثمّ إن الرواية الأولى و الثانية إلى آخره‏(1) أقول قد يناقش فيما أفاده بمطالبة وجه المناط مضافا إلى عدم عموم في تحرير المسألة و التزام‏باتحاد الحكم فتدبّر و أما الرواية الثانية فهي متكفلة لبيان حكم العبادات المستحبّة عند تعذّر بعض أجزائها أو شرائطها على تقدير حملها على الأخبار و أمّا على‏تقدير حملها على الإنشاء كما استظهره قدس سره فسبيلها سبيل الروايتين كما هو ظاهر قوله قدس سره فنقول إن الأصل فيها ما مرّ في الأجزاء إلى آخره‏(2) أقول لا يخفى عليك‏أن حق التحرير في المقام أن يقول إن الأصل فيها ما مرّ من الرجوع إلى البراءة أو الاستصحاب على الوجهين فيرجع إليه إذا لم يكن لدليل المشروط إطلاق يرجع إليه أوكان له إطلاق لا يرجع إليه من جهة إطلاق دليل الشرط فإنه لا يرجع إلى الأصل في الصورتين فإن ما أفاده بقوله من كون دليل الشرط إلى آخره لا يمكن أن يجعل بيانا للأصل‏إلا أن يجعل المراد من الأصل الأصل الثانوي المستفاد من دليل المشروط فلا بد أن يعتدّ بالأصل الثانوي‏ قوله قدس سره و أمّا الثانية فلاختصاصها كما عرفت سابقاإلخ‏(3) أقول قد عرفت أن الثبوت في الجملة كاف في صدق الرواية بناء على حملها على الإنشاء و المشروط كان واجبا عند التمكّن من شرطه بالوجوب الغيري أوالقدر المشترك و إن كان واجبا بالوجوب النفسي من حيث كونه مشروطا و هذا المقدار كاف مع أنه لم يعلم المراد من الاختصاص الذي أفاده فإن كان المراد من‏المقتضي للثبوت هو الدليل عليه فلا بدّ من أن يحمل الرواية على ما إذا كان لدليل المشروط ظهور من عموم أو إطلاق يقتضي ثبوته مع تعذّر الشرط بشرط عدم ظهور
192
لدليل الشرط يقتضي شرطيّته مع التعذّر أيضا و إن كان المراد منه المصلحة المقتضية لإيجابه مع تعذّر الشرط فلا يعلم به مع قطع النظر عن إعلام الشارع حتّى في‏تعذّر الجزء كما هو ظاهر و إن كان المراد منه ما أرادوا منه في باب الاستصحاب من اختصاصه عند جمع من المحققين منهم شيخنا قدس سره بما إذا كان المقتضي موجودا في‏الزمان اللاحق و وقع الشكّ في بقاء المستصحب من جهة الشكّ في رافعه ففيه أن المقتضي بهذا المعنى غير متحقّق حتى في تعذّر الجزء و إن كان المراد اتحاد ما حكم‏بثبوته سابقا و لاحقا فإن أريد الاتحاد بحسب الدقة العقليّة فهو غير متحقق في المقامين مع ملاحظة اعتبار المتعذّر في السابق و إن أريد بالاتحاد بحسب العرف‏و لو مسامحة فهو غير مطّرد في الموضعين و هذا هو المراد ظاهرا كما يكشف عنه قوله و لكن الإنصاف جريانها في بعض الشروط إلى آخر ما أفاده‏
نقل كلام الرّياض و ما يتوجّه عليه‏
قوله قدس سره و ممّاذكرنا يظهر ما في كلام صاحب الرياض إلى آخره‏(1) أقول لا بدّ من نقل كلام السيّد قدس سره في الرياض حتى يبيّن مرامه و يظهر توجّه ما أفاده شيخنا قدس سره عليه و عدمه قال فيه ماهذا لفظه و لو تعذّر السدر و الكافور كفت المرّة بالقراح عند المصنف و جماعة لفقد المأمور به بفقد جزئه و هو كذلك إذا دلت الأخبار على الأمر بالمركب و ليس كذلك‏لدلالة أكثرها و فيها الصحيح و غيره على الأمر بتغسيله بماء و سدر فالمأمور به شيئان متمايزان و إن امتزجا في الخارج و ليس الاعتماد في إيجاب الخليطين على‏ما دل على الأمر بتغسيله بماء السدر خاصّة حتى يرتفع الأمر بارتفاع المضاف إليه و بعد تسليمه لا نسلّم فوات الكلّ بفوات جزئه بعد قيام المعتبرة بإتيان‏الميسور و عدم سقوطه بالمعسور انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بأن ظاهره كون التكليف بجعل السدر في الماء أو الكافور فيه تكليفا مستقلاّ لا أن‏يكون تكليفا غيريّا متعلّقا بجزء المركب المأمور به فإذا تعذّر امتثال أحد التكليفين لم يسقط التكليف الآخر و هو كما ترى لا تعلّق له بما حكاه شيخنا قدس سره عنه‏و استفاده من كلامه فإنه في مقام الردّ على المصنف و جماعة القائلين بأن الغسل بماء السدر من التكليف بالمركّب فقد تعذّر جزؤه فينتفي أصل التكليف و هو كماعرفت صريح في ذلك سيّما بملاحظة قوله و بعد تسليمه إلى آخره و الالتزام في المقام بالتكليفين المستقلين و إن كان بعيدا بل خلاف إجماعهم ظاهرا مضافا إلى عدم‏إمكان الأمر بالغسل بالسدر مستقلاّ لعدم إمكان تحقّق مفهوم الغسل بدون الماء إلا أن كلامه قدس سره كالصريح في ذلك إن أغمضنا عن صراحته فيه وليس في كلامه كما ترى احتمال التقييد في قبال الجزئيّة على تقدير تسليمه بل هو صريح في الجزئيّة كما يستفاد من قوله و بعد تسليمه إلى آخره فهو يسلّم عدم الدليل على الغسل‏بماء القراح بدل السدر لو لا المعتبرة و الأمر كذلك لعدم ثبوت الجزئيّة من الدليل الخارج حتى تفرض هناك مطلق و مقيّد يعتبر تقييده بحال التمكّن و يرجع‏إلى المطلق عند تعذره بل التقييد استفيد من نفس الأمر الوارد بالغسل بالماء فلا يفرض هناك إطلاق حتى يتوجّه عليه أن الأمر بالمقيّد لما كان غيريّا فاختصاصه‏بحال التمكّن يكشف عن اختصاص الأمر بذي المقدّمة بحال التمكن أيضا و إن كان أمره مطلقا و فرض الأمر بالمقدّمة مفاد الدليل الخارجي فلا يبقى مطلق حتى يرجع‏إليه من غير فرق بين كون المقدّمة جزءا أو شرطا فما أفاده شيخنا قدس سره بقوله و دعوى أنه من المقيّد لا تعلّق له بكلامه لأنه صريح في تسليم حصر الدليل على‏تقدير التركيب أو التقييد في المعتبرة مع أن ما أفاده قدس سره محلّ مناقشة لما عرفت سابقا من تعيّن الرجوع إلى الأمر بالمركّب و المشروط إذا فرض لهما إطلاق معتبر و كان‏دليل الجزء و الشرط المتعذّرين من مقولة التكليف الغيري فإنه إن أريد من الأمر بذي المقدّمة المختص بحال التمكّن بعد اختصاص الأمر بالمقدّمة هو الأمربالمشروط مع الشرط المتعذّر أو الأمر بالمركب من الجزء المتعذّر فلا كلام فيه أصلا و إن أريد منه الأمر النفسي بقول مطلق و لو كان متعلّقه المركب الخالي عن‏الجزء المتعذّر أو ذات المشروط بدون شرطه المتعذّر فلا يكشف الأمر الغيري المختصّ بحال التمكّن عن انتفاء الأمر المذكور أصلا لعدم ارتباط بينهما و هو مع كمال‏وضوحه قد تقدّم شرح القول فيه فراجع إليه فظهر مما ذكرنا كله أن كلا مما أفاده السيّد و شيخنا قدس سرهما محل مناقشة و نظر إلا أن النظر في كلام السيّد ليس‏ما ناقشه شيخنا في الكتاب و الله الموفق للصّواب‏
في دوران الأمر بين الشرطيّة و الجزئيّة
قوله قدس سره لو دار الأمر بين ترك الجزء و ترك الشرط إلى آخره‏(2) أقول قد يناقش فيما أفاده قدس سره من وجه تقديم‏ترك الشرط بأن ملاحظة الوصف في مقام الأمر و الحكم و إن كانت متأخّرة عن ملاحظة الموصوف إلا أن ترك الجزء لا يوجب خلوّ الوصف فلا بدّ في الحكم‏بالتقديم من التماس دليل على الأهميّة في نظر الشارع قرب شرط يكون أهمّ في نظره الشريف المقدّس الأعلى من الجزء كما وقع في الشرعيّات في الجملة عن الموصوف و فيما لم يقم‏دليل على الأهميّة و كان احتمالها في كلّ منهما متطرّقا على وجه التسوية يحكم بالتخيير فافهم‏ قوله قدس سره و يدلّ عليه رواية عبد الأعلى المتقدّمة إلخ‏(3) أقول لا يخفى عليك أن جميع ما دل على مشروعيّة الناقص و الأمر به حاكم على دليل البدل من غير فرق بين إطلاق دليل العبارة فيما كان له إطلاق و لم يكن لدليل المتعذّرإطلاق و الأخبار الأربعة المتقدّمة و هو أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا قوله قدس سره لو دار الأمر بين الشرطية و الجزئية إلى آخره‏(4) أقول لا إشكال فيما أفاده من عدم‏وجود أصل كلي يقتضي الجزئيّة أو الشرطيّة عند الدوران حتى يكون مرجعا عند الشك كما أنه لا إشكال فيما أفاده من تعيّن الرجوع إلى الأصل في الآثار المترتبةعلى كل واحد فيما كان على خلاف الأصل و لم يلزم من الرجوع إليه مخالفة قطعيّة عمليّة فلو قلنا بأن الرياء في الجزء مبطل للعمل دون الشرط لم يحكم بإبطالهافي الفرض و كذا إذا تحقق مجامعا لمحرم كالنصب مثلا لم يحكم بالبطلان بناء على ما عرفت من توصّليّة الشرط اللهم إلا أن يقال إنه يجب على المكلف بعد العلم بالاعتبارو الشكّ في المعتبر تحصيل العلم بإحراز ما كلّف به فلا بد أن يعامل معاملة الجزء حتى يحصل البراءة اليقينيّة فتأمّل إنما الكلام في المقام في تصوّر الدوران‏مع أن الجزء من مقولة الفعل و الكم و الشرط من مقولة الكيف و الوصف و لا بد في تصويره من أن يكون للأمر المعتبر في المأمور به جهتان جهة فعل و جهة حالة حاصلة
193
من الفعل المفروض فلا يعلم أن المعتبر الفعل المبدأ للحالة أو نفس الحالة المحصّلة منه أ لا ترى أن الشرط في مسألة القبلة مثلا هو مواجهة المصلّي وإن كانت حاصلة من التوجيه و الاستقبال و كذا في الساتر يكون الستر هو تسترّ العورة و إن كان حاصلا من الستر الذي هو من مقولة الفعل و هكذاالأمر في سائر الشروط كالطهارة الحاصلة من الغسل في الطهارة الخبثيّة و الحاصلة من الوضوء و الغسل في الطهارة الحدثيّة
في حكم دوران الأمر بين الشرطيّة و المانعية و أنه يحتمل وجوبها
قوله قدس سره الأمرالرابع لو دار الأمر بين كون شي‏ء شرطا أو مانعا إلى آخره‏(1) أقول لا يخفى عليك أن في دوران الأمر بين الشرطية و المانعيّة كما في المثالين الأولين المذكورين في الكتاب‏أو الجزئية و المانعيّة وجوها و المثال الثالث في الكتاب للدوران الثاني حيث إنه بعد الالتفات بالشكّ و تدارك المشكوك كما يحتمل كونه جزءا يحتمل كونه زيادةمبطلة بناء على تردّد الفقيه في جريان قاعدة حكم الشك بعد التجاوز في المثال من حيث تردّده بين كون القراءة الشاملة للحمد و السورة فعلا واحدا فيكون‏الشكّ في الحمد بعد الدخول في السورة من الشكّ قبل التجاوز و قبل الدخول في الغير أو كون كلّ منهما فعلا فيكون‏الشكّ المزبور من الشكّ بعد التجاوز و الشكّ في الشي‏ء بعد الدخول في غيره و أولى منه في التمثيل ما إذا شكّ في آية من آيات الحمد أو السّورة بعد الدخول‏في آية أخرى كما أن الأظهر منهما ما إذا شكّ في كلمة من آية بعد الدخول في كلمة أخرى فإنه بناء على الاعتبار باستقلال العقل و إناطة حكم التجاوز يكون الغيرالمعتبر دخوله من الأفعال المستقلّة للصّلاة لا بدّ من الالتفات بالشكّ و هذا بخلاف الشك في الحمد بعد الدخول في السورة فإنه يمكن جعل السورة فعلاللصلاة في قبال الحمد و إن وقع التعبير عنهما بالقراءة كما ستقف على تفصيل القول فيه في الجزء الثالث من التعليقة و إن كان الأولى بل المتعيّن التمثيل‏بالجزء الذي لا يجوز الإتيان به بغير عنوان الجزئيّة في الصّلاة كما إذا شكّ في السجود أو السجدة بعد النهوض للقيام بناء على عدم الجزم بأحد القولين في‏المسألة و أما المثال المذكور فليس أمره دائرا بين الجزئيّة و الزيادة المبطلة لأن الإتيان بالحمد بقصد الجزئيّة و الأمر المتعلّق بالجزء لا يمكن مع الشكّ و التردّدبعنوان الاحتياط و القربة المطلقة لا يحتمل المانعية و لو على القول بعدم الالتفات بالشكّ فإن الحكم عنده ترخيص لا عزيمة في مقابل الاحتياط فتأمّل‏و لعلّنا نتكلّم في تحقيق الكلام فيما يتعلّق بالمقام في الجزء الثالث من التعليقة عند البحث في حكم تعارض القاعدة مع الاستصحاب أحدها الرجوع‏إلى البراءة و عدم الالتفات إلى العلم الإجمالي باعتبار واحد من الفعل و الترك في العبادة و لو قلنا بالاشتغال في مسألة الأقل و الأكثر بالنسبة إلى‏الكثرة الخارجيّة فضلا عن الذهنيّة ثانيها الالتزام بالاحتياط في المقام و تكرار العبادة و فعلها تارة مع فعل الأمر المردّد و أخرى مع تركه و لو قلنابالبراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر مطلقا حتى بالنسبة إلى الكثرة الذهنيّة بأقسامها ثالثها الحكم بالتخيير و الالتزام بأحد الاحتمالين في مرحلةالظاهر و البناء على أحد الحكمين المحتملين سواء كان الدوران بين الشرطيّة و المانعيّة أو الجزئيّة و المانعيّة نظير دوران الأمر بين الوجوب و التحريم رابعها ابتناءحكم المسألة من حيث الرجوع إلى البراءة أو الاحتياط على المختار في مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر أو من حيث الحكم بالتخيير و الاحتياط على المختار في‏تلك المسألة و وجه الأول أمّا على القول بالبراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر فلأن كلا من الاحتمالين سبب لحكم العقل و النقل بالبراءة فيه بمعنى‏كون الشكّ في كلّ منهما موردا لدليل البراءة من غير تأثير لانضمام الآخر إليه أصلا فإن غاية ما يحصل من الانضمام هو العلم الإجمالي باعتبار واحد من الفعل‏و الترك و هو غير مؤثر في وجوب الاحتياط من حيث عدم خلو المكلّف عنه قهرا فلا يقاس بالعلم الإجمالي الحاصل في المتباينين فلا يمنع من الرجوع إلى‏البراءة بعد عدم إمكان المخالفة القطعية العملية و لا يلزم منه المخالفة الالتزاميّة أيضا فإن الالتزام بالبراءة في مرحلة الظاهر لا ينافي الالتزام بأحد المحتملين‏في مرحلة الواقع على نحو ثبوته و لا دليل على وجوب الالتزام في مرحلة الظاهر بما يحتمل موافقته للواقع بل هو تشريع محرم فيما لم يقم هناك دليل عليه‏و أمّا على القول بالاحتياط في تلك المسألة فلأن إيجابه في المقام موجب للحكم بتكرار العبادة و هو موجب لإلقاء نيّة الوجه المعتبرة في العبادة فلا يتحقّق‏موضوع الاحتياط في المقام حقيقة فإن شئت قلت إن رعاية الشرط المحتمل في المقام و كذا المانع موجب لرفع اليد عن الشرط المحتمل الآخر و المحقق فلا بدّمن رفع اليد عن شرطيّته و من هنا التزم الحلّي في مسألة اشتباه الساتر بسقوط شرطيّة الستر و الصلاة عريانا و هذا بخلاف الاحتياط في مسألةالأقلّ و الأكثر فإنه لا يوجب التكرار فيقصد الوجه بما يأتي به من الأكثر فإنه فرد للواجب قطعا هذا و وجه الثاني أن العلم الإجمالي باعتبار واحد من‏الفعل و الترك و أخذه في ماهيّة المأمور به يقتضي في حكم العقل وجوب الاحتياط و تحصيل البراءة اليقينية و لو بالتكرار و ليس هناك قدر متيقّن معلوم الوجوب‏حتى ينفي وجوب الزائد عليه بالفرض و المخالفة القطعيّة العملية التي لا يلزم من الرجوع إلى الأقلّ مع عدم اختصاص الكلام بالتوصليّين إنما هي بالنسبةإلى الواقعة الواحدة و أما بالنسبة إلى الواقعتين فتجويز الرجوع إليه تجويز للمخالفة القطعية العمليّة و قد مرّ القول مرارا في عدم الفرق في حكم العقل بقبحهابين كونها في واقعة أو واقعتين مع عدم الالتزام بالحكم الظاهري في كل واقعة فالمقام نظير المتباينين حقيقة و منه يظهر أنه لا دخل للمقام بدوران الأمر بين‏الوجوب و التحريم حقيقة فإن الأمر فيه دائر بين المحذورين فلا يمكن الاحتياط فيه أصلا فلا بدّ فيه من الالتزام بأحد الحكمين مخيّرا فرارا عن لزوم تجويز المخالفةالقطعيّة العمليّة في واقعتين و لو كانا توصّليين على ما عرفت و هذا بخلاف المقام فإن المنع عن الصلاة الفاقدة للشرط أو المجامعة مع المانع من جهة لزوم‏إيجاد العمل الباطل فتحريمه تشريعيّ يرتفع موضوعه بالاحتياط كما هو الشأن في جميع موارد تكرار العبادة من جهة الاحتياط في دوران الأمر بين المتباينين‏
194
في الشبهات الحكميّة أو الموضوعيّة من جهة تردّد ذات الواجب أو تردّد شرطه كالقبلة و السّاتر مثلا و أما إيجاب الاحتياط في المقام لسقوط قصد الوجه‏التفصيلي فهو مسلّم إلا أنه لا محظور فيه أصلا حتى على القول باعتبار قصد الوجه فإنه فيما أمكن إحراز الوجه و لو بالدليل الظنّي و المفروض عدم إمكانه‏فإن شئت قلت إن قصد الوجه التفصيلي العقلي الواقعي غير ممكن في جميع موارد الاحتياط حتى في الأقلّ و الأكثر بل جميع موارد الأصول و قصد الوجه الظاهري ولو من جهة حكم العقل بالوجوب ممكن في المقام كسائر موارد وجوب الاحتياط و إن لم يساعد دليلهم على كفايته على ما عرفت سابقا و ستعرفه إن شاء الله تعالى فالفرق تحكّم ومن هنا نقول بوجوب الاحتياط في جميع موارد تردّد شرط الواجب و الحاصل أن القول برعاية قصد الوجه الواقعي مع عدم التمكّن منه موجب للحكم بعدم‏مشروعية الاحتياط في الشرع مطلقا و هو خلاف الإجماع بل الكتاب و السنة و العقل و وجه الثالث هو أنه بعد لزوم المحذور عن تكرار العبادة ووجوب الاحتياط لا بد عند كل واقعة من الالتزام بأحد الحكمين من حيث إن تجويز الرجوع إلى الأصل تجويز لأمر قبيح و هو المخالفة القطعيّة العمليّة و لو في‏واقعتين كما إذا كانا توصّليّين كما عرفت تفصيل القول فيه في دوران الأمر بين الوجوب و التحريم في مسائل الشكّ في التكليف و وجه الرابع إلقاء العلم الإجمالي‏في المقام نظرا إلى ما عرفت من إيجاب تأثيره في الاحتياط إلقاء قصد الوجه مع دعوى عدم لزوم المخالفة القطعيّة العمليّة فيلاحظ الشك في الشرطيّة والمانعيّة مستقلاّ فيرجع إلى الأصل فيه كل على مذهبه و المتعيّن من هذه الوجوه الثاني منها و يظهر وجه تعيّنه بأدنى تأمّل فيما عرفت من وجوهها ثمّ‏الثالث و هو التخيير بين الحكمين المحتملين و لا يكاد تعجّبي ينقضي من اختيار شيخنا قدس سره رابع الوجوه كما يدلّ عليه قوله و التحقيق إلى آخره مع ظهور تعيّن الوجه الثاني‏بالنظر إلى ما أفاده في مطاوي كلماته في الكتاب بحيث لا يكاد أن يرتاب فيه أصلا مع أن عبارته في المقام لا يخلو عن تشويش و اضطراب حيث إن ظاهرها بل‏صريحا في عنوان المسألة كما يدلّ عليه قوله ففي التخيير إلى آخره هو التخيير بين الاحتمالين من حيث إن جعل المقام من جزئيّات دوران الأمر بين الوجوب و التحريم و توجيهه‏له بقوله فقد يرجّح الأول إلى آخره يدلّ على أصالة البراءة و هو الوجه الأوّل كما هو ظاهر فلا بد من أن يكون المراد من التخيير هو التخيير بين الفعل و الترك الثابت في‏موارد الحكم بالبراءة الذي لا يخلو المكلف عنه الرجوع فيكون من الأمر القهري الذي لا يكون من قبيل الحكم و الإنشاء حقيقة فيكون هو المراد بالتخيير المستفاد من قوله‏أخيرا و التحقيق إلى آخره لأن التخيير بين الاحتمالين لا تعلّق له باختيار الرجوع إلى البراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و بالجملة تحرير المقام بما في‏الكتاب لا يخلو عن اضطراب مضافا إلى توجّه المناقشة إلى ما أفاده في تحقيق المقام و الله العالم بحقيقة الأحكام و إن كان التحقيق في نظر القاصر ما عرفت من‏خروج المسألة موضوعا عن دوران الأمر بين الوجوب و التحريم و عن دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و دخوله موضوعا في المتباينين من جهة الترديد فيما يعتبر في‏الواجب فهو من هذه الجهة نظير التردّد في الواجب من جهة تردّد شرطه‏
في حكم دوران الأمرين الواجب و الحرام‏
قوله قدس سره في اشتباه الواجب بالحرام إلى آخره‏(1) أقول افتراق المسألة من دوران‏الأمر في فعل واحد بين الوجوب و التحريم أمر ظاهر لا سترة فيه كظهور الفرق بين التخيير فيهما ثم إن الحكم في جميع صور الدوران من حيث الشبهة الحكميّة بأقسامهاو الشبهة الموضوعيّة لما كان واحدا من حيث الأصل الأولي كما هو المقصود بالبحث لم يجعل في المقام مواضع للكلام و إن افترقا من حيث إمكان الرجوع‏إلى القرعة في بعض صور الشبهة الموضوعية و تقديم الموافقة القطعيّة في الأهم من الواجب و الحرام المردّدين على غير الأهم منهما كما هو الشأن في المعلومين منهماتفصيلا عند التزاحم و إن لم نقف على مثال للشبهة الحكمية لمفروض البحث ثم إن ما أفاده قدس سره في حكم المقام من حيث الأصل الأوّلي و أن مقتضاه تعيّن الحكم‏بالتخيير بمعنى البناء على فعل أحدهما و ترك الآخر مخيّرا فيه من جهة أن الممكن من مراتب الإطاعة هي الإطاعة الاحتماليّة بالنسبة إلى الحكمين لمزاحمة الإطاعة القطعيّةبالنسبة إلى كل منهما بالمخالفة القطعيّة في الآخر فتعيّن الموافقة الاحتماليّة بالنسبة إليهما فلا معنى للحكم بالتخيير بين الإطاعة الاحتمالية بالنسبة إلى كلّ منهما و الإطاعةالقطعيّة بالنّسبة إلى أحدهما و إن ترتّب عليه المخالفة القطعيّة فإن مبنى حكم العقل بتحصيل الموافقة القطعيّة على دفع الضرر المحتمل المترتّب على تركه و لا معنى لحكمه به بعد فرض إيجابه الوقوع‏في الضرر المقطوع من جهة أخرى فتدبّر
خاتمة فيما يعتبر في العمل بالأصل
قوله قدس سره و الكلام تارة في البراءة و أخرى في الاحتياط إلخ‏(2) أقول و إنما أهمل قدس سره التخيير في المقام مع أنه من الأصول‏أيضا من جهة اتحاد حكمه مع البراءة مضافا إلى تصريحه بعد ذلك بعدم الفرق بينهما بقوله ثم إن في حكم أصل البراءة كلّ أصل عملي خالف الاحتياط و إن أمكن حمله‏على الاستصحاب النافي للتكليف فلو أبدل قوله خالف الاحتياط بقول غير الاحتياط كان أولى حتى يشمل التخيير و الاستصحاب مطلقا فتدبّر كما أنه عمم الاحتياط وجعل موضوع البحث الأعمّ من الاحتياط اللازم الشامل للاحتياط مع تحصيل الطريق الشرعي على حكم الواقعة لمزيد الفائدة و إن كان الاحتياط الذي‏يبحث عنه في قبال الأصول الثلاثة هو اللازم منه فتدبّر مع أن الاحتياط مع وجود ما يشخّص حكم الواقعة لا إشكال بل لا خلاف في حسنه و رجحانه‏و تحقّق موضوعه و إن ذهب الوهم إلى عدم مشروعيّته في العبادات الصحيحة ظاهرا من حيث توقّف مشروعيّة العبادة على العلم بالأمر الشرعي و لا يكفي‏حسن الاحتياط و الأمر المتعلّق به من حيث توقّف الاحتياط موضوعا على الأمر في العبادات فلا يمكن إثباته بأمر الاحتياط مضافا إلى كونه إرشادياكما تقدّم شرح القول فيه و في فساده في مطاوي كلماتنا السابقة ثم إن ما أفاده في حكم الاحتياط من أنه ليس له شرط أصلا حيث إن حسنه العقلي‏و الشرعي و رجحانه الذاتي لا ينفكّ عن موضوعه و هو إحراز الواقع على تقدير ثبوته أو التحرّز عن مخالفة الواقع الذي يرجع إلى الأول باعتبار و أنه لو
195
قيل بتقدّم تحصيل الطريق الشرعي عليه أو تحصيل العلم عليه مطلقا أو في الجملة في العبادات فإنما هو من جهة أخذ ما يوجب إعماله إلقاءه في العبادة فليس هنااحتياط و إحراز للواقع حقيقة مما لا يعتريه شكّ و ريب أصلا و من هنا وقع الاتفاق عليه بالنسبة إلى التوصّليات حتى مع التمكن من العلم التفصيلي فضلاعن الطريق الشرعي و لو بالنسبة إلى التعبّديات من غير الحلّي فيما لا يتمكن من الطريق أصلا و إن توقف على التكرار و هذا بخلاف سائر الأصول فإنّهامشروطة بالفحص عن الطريق في الشبهات الحكميّة على ما ستقف عليه و إن كان مفاد بعض ما أقاموا عليه عدم جريانها من دون فحص على ما يشير إليه وإن كان ربما يتوهم المتوهم أن الدليل على وجوب تحصيل العلم في الأحكام الإلهيّة و على وجوب العمل بالطرق الشرعيّة يمنع من الأخذ بالاحتياط مع التمكّن‏من تحصيلهما لكنه فاسد من حيث إن مفاد لزوم تحصيل العلم بالفروع و كذا لزوم العمل بالطريق إنما هو من حيث التوصّل بهما إلى الحكم الفرعي و الأخذ به و العمل‏عليه فلا يمنع من الأخذ بما يوجب تحصيل الواقع و العمل عليه نعم وجوب تحصيل العلم بالحكم الإلهي من حيث حفظه و صيانته عن الاندراس على تقدير ثبوته ربمايمنع من الرجوع إلى الاحتياط في الأحكام الشرعيّة مع التمكّن من العلم التفصيلي من جهة صيرورته بهذه الملاحظة واجبا نفسيّا لكن يمكن أن يقال إنه على تقديرثبوته لا يوجب بطلان العمل المأتي به بعنوان الاحتياط و إن عصى المكلف بترك تحصيل العلم فالاحتياط من حيث ترتب الأثر عليه غير مشروط بالفجر عن تحصيل العلم‏و الطريق الشرعي فتصحّ المقالة المذكورة على هذا التقدير أيضا فتدبّر
في بيان حكم المحتاط التارك لطريقي الاجتهاد و التقليد و الإشارة إلى صوره‏
قوله قدس سره ثم إن هذه المسألة أعني بطلان عبادة التارك للطريقين إلى آخره‏(1) أقول من المحتمل‏قريبا إرادة أكثر القائلين ببطلان عبادة تارك الطريقين لبيان حكم القسم الثاني لا ما يعمّه و القسم الأول أي الجاهل بالواقع الباني على إحراز الواقع بالاحتياط فماذكروه لا محيص عنه بالنسبة إلى الملتفت من حيث عدم إمكان قصد التقرب و الامتثال مع التردّد كما ستقف على تفصيل القول فيه نعم في كلام بعض السادةالمتأخرين ممن قارب عصرنا التصريح بالتعميم كما هو صريح الكتاب و الكلام في تحقيق ما يتعلّق بالمقام و إن تقدّم في الجزء الأول من التعليقة في فروع العلم إلاّأنا نعيد الكلام فيه تبعا لشيخنا قدس سره لمزيد الاهتمام بشأن المسألة و كثرة الحاجة إليها و نحن نحرر الكلام في المقام في جواز الاكتفاء بالاحتياط مع توقّفه على‏التكرار فيما تمكّن من تحصيل العلم بالواقع في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة و يعلم جواز الاكتفاء به في سائر الصور بالأولوية و إن كان موضوع البحث في الكتاب‏التكلم في جواز الاحتياط مع التمكن من سلوك الطريق الشرعي بالاجتهاد أو التقليد فنقول إنه كما يحكم العقل و العقلاء بحصول الامتثال و الإطاعة إذاكان داعي الفاعل من إيجاد الفعلين التقرب إلى المولى بفعل أحدهما من حيث العلم بكونه مطلوبا له في العرفيّات و الشرعيّات مع عدم التمكّن من تحصيل العلم‏بالمطلوب تفصيلا كما هو المتفق عليه بينهم و إلا لم يكن الاحتياط فيه مشروعا و حسنا و هو خلاف العقل و النقل كذلك يحكمان بحصولهما في الفرض مع التمكّن‏و القدرة على تحصيل العلم بالمطلوب تفصيلا كما نشاهد ذلك بالرجوع إلى عقولنا و دعوى الفرق بينهما في حكمهما مجازفة صرفة لا شاهد لها أصلا بل‏الشاهد على خلافها من غير فرق في ذلك بين التوصليّات و التعبّديات لأن الفرق بينهما إنّما هو في اشتراط صحة الواجب بحصول الامتثال في الثاني دون‏الأول و إن توقف ترتب الثواب فيه على حصول الامتثال لا في حصول الامتثال بالإطاعة الإجمالية مع التمكّن من الإطاعة التفصيليّة نعم لو شكّ في‏حكمهما بحصول الامتثال بالإطاعة الإجمالية مع التمكّن من الإطاعة التفصيليّة لم يكن إشكال في عدم جواز الاكتفاء بها في مقام الامتثال و إن قلنا بالبراءةفي دوران الأمر في المكلف به بين الأقل و الأكثر ضرورة ثبوت الفرق بينه و بين المقام الذي لا تعلق له ببيان الشرع على ما صرح به قدس سره في الكتاب و أمّا ما ذكر مانعاو فارقا فوجوه لا يصلح للمنع و الفرق بين الموضعين استدل بأكثرها للمنع من الاكتفاء بالاحتياط عند التمكن من سلوك الطريق الشرعي حتى فيما لا يتوقّف‏الاحتياط فيه على التكرار و إن كان بعضها مختصّا بخصوص محل البحث كلزوم مقارنة فعل الواجب بقصد الوجه المتحقق بنيّة الوجوب أو وجهه و عنوانه الذي‏أوجب انطباقه على الواجب و عروضه عليه تعلّق الطلب الإلزامي به من الشارع ككونه لطفا مثلا و من هنا قالوا إن الواجبات السمعيّة إنما وجبت لكونهاألطافا في الواجبات العقلية إذ لم يلتزم أحد من العدليّة القائلين بالتحسين و التقبيح و كون الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد بلزوم وجود المصلحة في‏الواجبات الشرعيّة مثلا في ذواتها من غير أن يعرضها من جهة العنوانات المنطبقة عليها لأنه إذا لم يقصد الواجب بالوجه المذكور لم يكن تحقّق الفعل المعنون اختيارياو إن كان ذات الفعل المقصود اختياريّا ضرورة توقّف اختيارية عنوان الفعل على قصده عند الفعل و لو على وجه الإجمال و قصد ما يكون مسبّبا عنه و من عوارضه‏و إذا لم يكن ترتب العنوان اختياريّا لم يعقل حصول الامتثال و الإطاعة فيكون العبادة فاسدة من حيث توقفها على حصول الإطاعة و الامتثال و من هنا اتّفق‏المتكلّمون على لزوم مقارنة فعل الواجب لقصد الوجوب أو وجه الوجوب أو لزوم معرفة الوجه و تميز الواجب من حيث ذاته و أجزائه و شرائطه عن غيره و إن لم يقصدالوجه حين الإتيان كما يظهر الاكتفاء به عن بعضهم و كون الاكتفاء بالاحتياط مع التمكّن من تحصيل العلم خلاف الإجماع المنقول في كلام أهل المعقول و بعض أهل‏المنقول كالسيّد الرضي قدس سره فإنه ادّعى الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها في قبال أخيه الأجلّ علم الهدى بعد قوله بصحّة صلاة الجاهل بالحكم في موضعين‏على ما سيأتي ذكره و قد قرّر الدعوى المذكورة و لكن أجاب عن أصل الشبهة بما لا يخلو عن مناقشة سنشير إليها و منع حصول الإطاعة عند العقلاء بالتكرار فيمايتمكّن من تحصيل المأمور به سيّما بالعلم التفصيلي و عدّهم المحتاط لاعبا بأمر المولى لا مطيعا كما يظهر من المثال المذكور في الكتاب فإن الأول مندفع أوّلا بأنّ الاكتفاء
196
بالإشارة الإجمالية إلى عنوان المأمور به و قصده الإجمالي بقصد ما ينطبق عليه كما هو قضيّة صريح كلماتهم يوجب بطلان ما اقتصروا عليه و الاكتفاءبقصد كل عنوان ينطبق عليه المذكور و لو لم يكن خصوص الوجوب و الاستحباب كعنوان الظهر و العصر مثلا و ثانيا بأن قصد العنوان المذكور يتأتّى‏من المحتاط المتكرّر للعمل كما يتأتى قصد التقرّب منه فلا يوجب اعتباره بطلان الاحتياط بالتكرار فإن المدّعى اعتبار القصد التفصيلي بحيث يقصد إتيان الواجب‏الواقعي حين الإتيان به كونه لوجوبه أو وجه وجوبه فلا بد من تميز الواجب و الدليل المذكور لا يفي بإثبات هذا المدعى و ثالثا أنه لا فرق في مفاد هذا الوجه‏بين ما يتوقف على التكرار و غيره فإن الآتي بالأكثر احتياطا لا يتمكّن من القصد التفصيلي بالمعنى المذكور و إلا لم يكن الواجب مردّدا و القصد إلى وجوب الواجب‏في الجملة على تقدير كفايته يوجب هدم ما بنوا عليه الأمر و من هنا لم نجد في كلمات الأكثر الفرق بين ما يتوقف على التكرار و غيره بل ظاهرهم الاستدلال‏على لزوم قصد الوجه و بطلان الاحتياط عند التمكّن من تحصيل ماهيّة المأمور به بالطريق الشرعي أيضا حتى فيما لا يتوقّف على التكرار و إن كان الإطلاق المذكورو تسرية الدليل بالنسبة إلى صورة التمكّن من تحصيل المأمور به بالطرق الشرعيّة لا يخلو عن نظر بل منع حيث إن قصد الوجه الظاهري المعلوم تفصيلا الذي‏يقتضيه حجّية الطرق الشرعيّة لا يجدي بالنسبة إلى وجه العبادة الواقعية أصلا ضرورة كونه حكما ظاهريّا غير الحكم المعلوم إجمالا بعنوان التعبد للواقعة في‏نفس الأمر المعتبر قصده في صحة ا