فهرست عناوين
تاريخ الاسلام الثقافى والسياسى مسار الاسلام بعد الرسول ونشاه المذاهب

تاليف:صائب عبدالحميد

فهرست عناوين
     هذا الكتاب الدوافع والاهداف والمنهج1
      00023-123قراءه نقديه 4
     تحديد اصول المذاهب وتاريخ نشوئها : 4
     بين التاصيل والتهجين : 5
     اين يصنف اصحاب التجسيم : 6
     غيبه المعايير الثابته : 6
     وهكذا تتعدد التفسيرات وتتناقض لحقيقه واحده! تسميه الفرق : 7
     والمنسوبه الى البدعه!! خاتمه ونتيجه : 9
الفصل الثانى- مراجع التاريخ الاسلامى 10
     قراءه نقديه عيون التاريخ 10
     مصادر القسم الاول : 10
     مصادر القسم الثانى : 11
     نتيجه : 11
     مورخون تجزيئيون شكلوا اهم مصادر الطبرى 11
     نقد التاريخ الاسلامى 12
     المحور الاول - الخصائص العامه : 12
     المحور الثانى - الدوافع نحو الكذب فى التاريخ : 14
     المحور الثالث - الاتجاه واجواء التدوين : 16
     مشاهد حيه من عيون التاريخ 17
     اختصار ابن هشام : 21
     ثانيا - مع مصادر القسم الثانى: 22
     عوده الى اختصار ابن هشام : 24
     مورخون على اثر الطبرى : 24
     وشروط الصحه : 26
     العامه؟! منهاج التدوين ومعالم الثقافه : 26
     الخلاصه : 27
      التاريخ فى محكمه السنه : 27
الباب الثانى 31
     اساس نظام الحكم فى الاسلام بين الواقع والتشريع 125-274 31
الفصل الاول-الصياغه والنظريه وآثار الواقع السياسىوان هذا صراط‏ى مستقيما فاتبعوه ...32
     من هم اهل الحل والعقد؟ 33
     وجوه تعيين الخليفه : 33
     فكيف يجتمع هذا مع الخلافه الشرعيه؟ امامه المفضول : 35
     ملاحظات : 36
     اعذار السلف : 37
     دور التشريع فى رسم النظام السياسى : 37
     التبرير : 41
     صور ثلاثه : 42
     الصوره الاولى - لماذا اسقط مذهب ابى حنيفه؟ 42
     الصوره الثانيه : 42
      الصوره الثالثه : 42
     ولنعد الان الى دعائم هذه النظريه43
     ضروره النص بين الخليفه والنبى :43
     اقرار بقدر من النص :44
     وقفه مع هذا النص :44
     ضروره التخصيص فى النص :45
     نوعان من التخصيص :46
     نتيجه البحث :47
الفصل الثانى48
     اولا - نصوص من السنه :48
     نصوص اخر :50
     ثانيا - نصوص من القرآن الكريم :52
     اثاره فى الختام :54
      بعد هذا كله تتجلى الحقيقه التى تقول: 54
     النصوص الصحيحه الحاكمه :55
     الخطاب الجامع . . مفترق الطرق :57
     اهل البيت اولا:57
     سلوك النبى فى ترشيح على :58
     الصحابه والمعرفه بالترشيح :59
     النص والترشيح فى حديث على:62
     فى حقه خاصه :62
     فى اهل البيت :64
     خلاصه يقين على بحقه:65
     البيعه :65
     اثر الواقع الجديد فى الموقف من هذه النصوص :65
الباب الثالث 70
     المسار الجديد-السياسه - الثقافه - الاداره 70
الفصل الاول 71
     عندئذ ظهرت اهم معالم المسار الجديد :73
     المعلم الثانى :73
     المعلم الثالث :73
     اذن عهد جديد طرا على اهل هذا البيت :74
     فى العهود اللاحقه:74
     مع بنى اميه: الامر مع بنى اميه مختلف جدا..75
     عذر الخلافه فى اقصاء على وبنى هاشم:76
      المعلم الرابع من معالم المسار الجديد : (حسبنا كتاب اللّه) :77
     اول فرقه : هكذا نشات اول فرقه فى الاسلام، وهكذا ارست قواعدها..79
     النافذه المفتوحه على ال الرسول :79
     الاضطرابات وبدايه النهايه:82
     الميزان:83
الفصل الثانى- الثقافه ومصادرها فى ربع قرن (11 - 35 ه )86
     مصادر التشريع فى ربع قرن 86
     1 - القران الكريم فى ربع قرن: 86
     خلاصه فى روايات التحريف: 87
     التفسير والمفسرون: 88
     2 - السنه فى ربع قرن: 89
     السنه والتدوين فى ربع قرن: 90
     الفارقه الاولى-الاحتياط فى قبول الاخبار: 90
     الفارقه الثانيه-المنع من التحديث: 91
     -منع تدوين الحديث: 93
     خلاصه ونتائج: 94
     اسئله تواجه الموقف من السنه: 95
     مقولات فيها مصادره: 97
     جديد فى مصادر التشريع 99
     وهنا ثلاث مساحات للاجتهاد: 99
     من دواعى اللجوء الى القياس: 101
الفصل الثالث-فقه الحكومه وتطوره فى ربع قرن(11 - 35هـ) 109
     خلاصه مدخل فى منهج البحث: 109
      مظاهر فقه الحكومه: 109
     لكيد للاسلام: 110
     الولاه وتبادل الادوار: 113
     الحروب والفتوحات فى ربع قرن: 114
     الحروب الداخليه: 114
     الفتوحات: 116
      1 -آثارالفتوح فى‏الفكروالاجتماع /رويه(شيعيه):119
الباب الرابع 123
     تصحيح المسار- آفاقه ومعوقاته 123
الفصل الاول‏عهد التصحيح-المعالم والافاق 124
     اشارات ماهده 124
     مع حذيفه صاحب السر : 124
     الخلافه الجديده 126
     !! جناحان فى شرعيه الخلافه : 127
     البعد الاخر فى الامامه : 127
     قد الوعى العام امس : 128
     اليوم وغدا.. ثمرات الامس : 129
     لماذا البلبله؟ 129
     قانون الحضاره : 129
     المعالم الجديده : 129
الفصل الثانى ميادين التصحيح ومعوقاته 131
     سوح الاصلاح: 131
     الاصلاح الدينى : 131
     1 - القرآن وعلومه : 131
     تاسيس علم المصطلح : 132
     2 - السنه النبويه - تدوينا وروايه وعملا : 132
      ج - احياء السنه : 135
     3 - الكتاب والسنه مصدرا التشريع : 137
     4 - الكتاب والسنه مصدرا العقيده : 137
     البعد الاول - تاسيس الفهم الصحيح : 137
     البعد الثانى - تصحيح الانحراف فكرا وسلوكا : 138
     موقع القرآن فى معارف الاسلام : 140
     5 - مفاتح علم الدرايه ومصطلح الحديث : 141
     6 - معالم الدين: 142
     الاصلاح الاجتماعى 142
     الهيكل الاجتماعى: 143
     توزيع الثروه: 144
     الخطوه الثانيه: 148
     طبقات المجتمع: 148
     الاصلاح السياسى 149
     على الحاكم: 149
     الواقع الجديد: 149
     اولئك هم القاسطون.. 150
     الجمل وصفين - وحده المنطلق والهدف : 150
     السبئيه! 152
     الاعمده الثلاثه : 152
     ابن سبا فى حجمه الواقعى : 153
     سيف وابن سبا: 154
     سيف حين لا يكون امويا! 155
     عقيده ابن سبا : 155
     تتمه فى عقائد السبئيه : 156
     تناقض كاشف عن اوهام : 157
     ظهور آخر للسبئيه : 157
     ابن سبا وابن السوداء! 158
     المارقون : 160
     حجه الاشتر على دعاه التحكيم: 160
     حجه على (ع) على دعاه التحكيم: 161
     الخروج واول مقولات الخارجين: 161
     من دلائل النبوه فى ( الخوارج ): 163
     اولى الاسماء بهم: 163
     ودليلنا: 165
     الامتداد 165
     امامه الحسن (ع) 166
     بيعه الحسن (ع): 166
     الحسن (ع) وحق اهل البيت: 166
     المصالحه: 167
     - مبرراتها وثمراتها: 167
     شروط الصلح: 167
     معاويه اولى ان يقاتل ام المارقون؟ 168
الباب الخامس 169
الفصل الاول 170
     معالم الانحراف وآثاره: 170
     عزل الدين عن نظام الحكم وبرامجه: 170
     ضمور الامر بالمعروف والنهى عن المنكر: 171
     نقض السنه واحياء البدعه: 172
     وضع فى الحديث: 173
     استخفاف بالدين وبالناس: 173
     الثار للجاهليه: 174
     خوض فى الدماء المحرمه: 175
الفصل الثانى 176
     واهم هذه الحركات التصحيحيه على الاطلاق: 176
     محاولات فى تزييف النهضه: 177
     المدينه المنوره (63 هـ): 180
     محاولات فى تزييف النهضه: 180
      حركه عبد اللّه بن الزبير ( 61 - 73 هـ ): 183
     غلو فى ابن الزبير: 183
     حركه التوابين ( 65 هـ ): 184
     حركه المختار ( 65 - 67 ه ): 184
     شهادات ببراءه المختار: 185
     وفى هذا الاقرار ثمرتان: 186
     موقف اهل البيت من المختار: 186
     نتيجه البحث: 187
     حركه القراء ( 81 - 82 ه ): 187
     سبب النهضه والبيعه لابن الاشعث: 188
     عمر بن عبد العزيز ( 99 - 101 هـ ): 188
     نظام الخلافه: 188
     رد المظالم: 189
     احياء السنه: 189
     مع اهل البلاد المفتوحه: 190
     مع سنه ابى بكر وعمر: 190
     نهايه عمر بن عبدالعزيز: 190
     حركه زيد وسلسله الحركات العلويه: 191
     اسباب الحركه واهدافها: 191
     نهايه الامويين وقيام الدوله العباسيه: 195
     فلسفه النظام العباسى: 195
     حركه التصحيح السلميه: 196
الفصل الثالث 197
     العوامل الاساسيه فى نشاه الفرق والمذاهب: 197
     العامل الاول: 197
     نشاه التسميه باهل السنه والجماعه : 198
     ولما كان اجماع الصحابه وعلماء 199
     ومثل ذلك يقال مع صيغه الصلاه 199
     كيف ميزوا بين (اهل السنه) و (اهل البدعه) فى هذا العهد ؟ 200
     كيف اظهر المتوكل السنه ونشر الحديث ؟ 200
     متى اعترف (اهل السنه) بخلافه على ؟ 200
     مركز دائره التاثير الثقافى : 202
     الصحيح فى معنى السنه والجماعه : 203
     المارقون : 204
     مرحله الانقسامات : 205
     الجبريه: 207
     هو الباعث الى هذه المقوله! 207
     المفوضه (القدريه): 208
     هدى الكتاب والسنه فى الفعل والاراده: 209
     ثم يواصل (ع) كلامه قائلا: 209
     المرجئه: 209
     متى ظهر الارجاء: 210
     الارجاء: 212
     العامل الثانى: 212
     الاشاعره: 213
     الماتريديه: 213
     الصفات محور لفرق جديده: 214
     الطائفه الاولى: 214
     الطائفه الثانيه: 215
     الطائفه الثالثه: 217
     العامل الثالث: 217
     غلو المارقين وآثاره: 219
      تعدد طوائف الغلاه: 219
     الغلو باهل البيت (ع): 219
     موقف اهل البيت من الغلو والغلاه: 221
     الخاتمه 224
     پاورقى 225

1

تاريخ الاسلام الثقافى والسياسى مسار الاسلام بعد الرسول ونشاه المذاهب

صائب عبدالحميد

هذا الكتاب الدوافع والاهداف والمنهج

ان صلتنا بتاريخنا الاسلامى ابعد من مجرد التعرف على احداث الزمن الماضى، وابعد ايضا من اقتناص التجارب واضافتها الى المخزون الثقافى.. ذلك ان تاريخنا الاسلامى بحكم اصالته، وبفعل العوامل الخاصه التى ساهمت فى تكوينه، قد اصبح شريكا للقرآن والسنه فى تكوين الروى والمواقف، وصياغه الكثير من المعتقدات والمعارف، وهو لدى السواد الاعظم من الناس، ممن ليس لديهم صله واعيه بالقرآن الكريم والسنه المطهره وفقههما، اكثر ثقلا واعظم اثرا..

من هنا اصبح الوعى التاريخى جزءا لا يتجزا من الوعى العقيدى..

واصبح تصحيح المخزون التاريخى شرطا اساسا فى تصحيح الاعتقاد.

اننا بلا شك امه ذات تاريخ عريق جدير ان تفخر به وتعتز، فلم تكن نقله التوحيد الكبرى التى احدثها الاسلام فغير بها صوره الحياه على الارض بالامر اليسير او الهين.. ولا كانت رساله القرآن الشامله الخالده بالامر الذى يطوى او يقلل من اهميته شى‏ء على الاطلاق.. ولا كان المد الحضارى الذى صنعه المسلمون طوال ثلاثه عشر قرنا ملكوا فيها بالشى‏ء الذى يغيب اثره.. انه جدير بنا ان نفخر بذلك كله، وان نربى‏اجيالنا على الفخر به، فنبرز دوما دواعى الفخر ونحفها بالاطراء والتبجيل والتقديس..

لكننا فى الوقت ذاته بحاجه اكيده الى الاعتراف بوقوع الخطا والانحراف فى المسار التاريخى، ثم تشخيص ذلك وتحديده وتتبع اصوله وجذوره لملاحظه مدى الاثر الذى تركه فى الامه فكريا واجتماعيا، ذلك لما احتله التاريخ الاسلامى من دور معرفى خطير.. (فمما لا شك فيه انه قد وقعت انحرافات كثيره فى المجال السياسى عن الخط الاسلامى الاصيل، وان هذه الانحرافات قد وقعت فى وقت مبكر من تاريخ الاسلام لم يكن ينبغى ان تقع فيه)((1)).

اذن فالذى ننظر اليه نظره التبجيل والتقديس ونكرس فى اظهاره والدفاع عنه كل الطاقات والامكانات ليس هو الواقع التاريخى الناجز بكل ما يحويه من حلو ومر، بل هو الاطروحه والموقف والانجاز الذى يتحرك مع اهداف الشريعه ومقاصدها بغض النظر عن مصدره، اهو السلطان والنظام السياسى القائم، ام الخطوط الاسلاميه المعارضه للسلطان ونظامه..

فليس من الموضوعيه فى شى‏ء ان نجعل الواقع التاريخى الناجز هو المقوم للحقيقه وللتاريخ نفسه، بل الشريعه بنصوصها ومعالمها ومفاهيمها ومقاصدها هى المرجع فى تقويم ذلك كله.

لا بد ان نتنبه وننبه دوما الى الفصل بين سياده الاسلام وانتشاره كقيمه حضاريه وانسانيه وبين الدوله السلطانيه التى قد تلتقى معه فتكون جزءا منه حيا فعالا دافعا لحركته باتجاهها الصحيحح،وقد تفترق عنه فتكون اهم ما يعيق حركته من الداخل! (الا ان رحا الاسلام دائره، فدوروا مع الكتاب حيث دار، الا ان الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، الا انه سيكون عليكم امراء يقضون لانفسهم ما لا يقضون لكم فاذا عصيتموهم قتلوكم واذا اطعتموهم اضلوكم)((2))! فالمسيره مع الكتاب، التى قد يفارقها السلطان، هى التى تمثل تاريخ الاسلام الحق الذى ينبغى ان نبرزه ونقدمه للاجيال منار هدى ورايه فخر.. هذه الرويه تشكل المقدمه الاولى لقراءه واعيه فى التاريخ يكون النقد الموضوعى البناء اهم لوازمها..

اما المقدمه الثانيه فتنصب على دواوين التاريخ الاسلامى :

تلك الدواوين، مراجع التاريخ، التى ان كانت قد حملت الكثير والكثير جدا من حقائق التاريخ، او تكاد فى مجموعها ان تكون قد حفظت جميع حقائقه، فهى بلا شك قد حملت الى جنب ذلك اباطيل كثيره:

منها: ما هو اسرائيلى الصنع! ومنها ما هو من صنع الزنادقه الذين تستروا بالاسلام فكادوا له شرا، وهولاء كانوا دائما اقدر على تزيين اساطيرهم وترويجها، اذ كانوا يضعون اساطيرهم دائما فى خدمه اهواء اصحاب الفرق الدينيه او السياسيه المتناحره، وفى اجواء هيجان الصراع الفكرى بينها، فمن الطبيعى ان تجد لها على الفور انصارا يتمسكون بها ولا تعنيهم مصادرها ما دامت قد حققت ماربهم! ومنها ما نقل خطا، من غير قصد، بتوهم انه الحق.

ومنها اكاذيب القصاصين وتحسيناتهم حين لم تكن غايتهم الكذب والكيد والقاء بذور الفتن، بل حين يمضون وراء تجارتهم، او مواقعهم الاجتماعيه، او نهجهم القصصى.

ومنها ما اختصت به المصادر الحديثه، من كتب فى التاريخ او دراسات تاريخيه، مما ترشح عن مدارس الاستشراق، او التفاسير الماديه او القوميه للتاريخ الاسلامى! من كل هذا تجمع حول الحقيقه التاريخيه غبار كثيف، وجاءت الحقائق مفرقه، موزعه هنا وهناك.


2

فمن هنا اكتسبت الدعوه الى تصحيح التراث واعاده كتابه التاريخ مصداقيتها، واصبحت ضروره لاغنى عنها فى اى جهد معرفى، ابتداء بالمطالعه العامه، الى التثقيف والتعليم، الى التاصيل، والى اعاده الصياغه بما يتناسب مع لغه العصر وحاجاته وما توفر فيه من ادوات للنقد ومناهج للبحث.. (ان هناك عده ملاحظات فى اكثر من اتجاه تجعلنا نلح على ضروره اعاده كتابه التاريخ الاسلامى)((3)).

فهى ضروره قد ادركها عامه المهتمين بشان التاريخ، وعقدت لاجلها الجامعات العربيه موتمرا علميا كبيرا اقيم فى جامعه الكويت عام 1974 م، وانتهى الموتمر باقرار ضروره تنفيذ مشروع لاعاده كتابه التاريخ الاسلامى((4)). وقبل انعقاد هذا الموتمر بعقود من الزمن كانت تتردد مثل هذه الدعوه من مصادر مختلفه، لكن المشكله فى تلك الدعوات - وان لم تخل من دعوات مخلصه - انها غالبا ما تكون دعوات مغرضه، تنوى حشر التاريخ الاسلامى فى قوالب غريبه عليه، قوميه، او ماديه، او متاثره بواحده من الفلسفات الغربيه والاتجاهات الاستشراقيه الحديثه! وهذه الدعوات اخطر على تاريخ الاسلام من كل ما حملته دواوينه من اباطيل وظلمات، لانك تجد الى جنب هذه الاباطيل والظلمات حقائق لها نور تهتدى به ما اردت الهدى، اما حين يصاغ التاريخ وفق قوالب غريبه عليه، فسوف لا تجد بين ظلماته واباطيله نورا لحقيقه! وحين ننتقل الى الدعوات الاسلاميه المنبعثه باخلاص فى هذا الاتجاه، فسوف نصطدم بمشكله معقده اخرى، وهى ان الكثير منا ما زال لا يعرف الف باء فقه الحريه! فهو لا يرى اللّه الا من خلال السلطان! فالسلطان عنده هو المعبر دائما عن اراده اللّه واهداف الشريعه! ان وجود هذا الطراز من الناس بين طلائع المورخين ونقاد التاريخ قد شكل فى نظرنا اهم مبررات التصحيح واعاده كتابه التاريخ، دون ان يقلل من اهميه المبررات الاخرى.

ثم ان طائفه من نقاد التاريخ الاسلاميين قد قطعوا شوطا طويلا فى فقه الحريه، فاثارتهم ظاهره الاستبداد فى التاريخ، فراحوا يحللون عناصرها، فوجدوا (وعاظ السلاطين) ظاهره ملازمه لها، فلما توغلوا فى التفصيل ليقدموا نماذج من وعاظ السلاطين وادوارهم التخريبيه، اذا بهم ينتخبون (فرنسيس بيكون) مثلا! ذلك الفيلسوف الانجليزى الذى امتلك كل دواعى الفخر من علم وفطنه وقدرات شخصيه، الا الشرف! ذلك لانه كان يرتشى! وكان يقضى احيانا بحسب رغبه السلطان!! ان رجالا فى تاريخنا القديم والمعاصر مثلوا هذا الدور ودخلوا فى تكوين العقليه المسلمه - نسبه الى المسلم لا الى الاسلام - هم اجدر بكثير ان يكونوا امثلتنا عن وعاظ السلاطين ونحن نواجه مشكلات تاريخنا الخاصه، ثم بعد ذلك سوف لا تنتفى الفائده من التمثيل بفرنسيس بيكون وغيره.

ان مجموع تلك الروى والملاحظات وما يتشعب عنها من فوائد قد صاغت لدينا المعالم الاساسيه فى المنهج المتكامل لنقد وقراءه التاريخ الاسلامى، والتى بوسعنا تبيانها على النحو الاتى:

1- ان الدوله السلطانيه والنظم السياسيه بعد الرسول الاعظم (ص) لا تعبر بالضروره عن كلمه الاسلام واهدافه، بل قد تختلف معها وتقاطعها، وهذه حقيقه تاريخيه ملموسه لا تضر ابدا فى كون الاسلام مشروعا حضاريا شاملا قد ادخل فى حسابه عناصر الزمان والمكان والفطره البشريه.

2- عدم التسليم بكل ما تضمنه تراثنا التاريخى من نصوص.

3- عدم التسليم باراء الناقدين والمحللين من القدامى والمحدثين.

4- استبعاد المواقف المسبقه ازاء الاحداث والقضايا التاريخيه، والحكم عليها وفق معطيات ونتائج البحث العلمى.

5- استبعاد المناهج الغريبه على الاسلام، فى القراءه والنقد والتحليل، سواء فى ذلك المناهج الاستشراقيه، والقوميه، والماديه، والباطنيه، والطائفيه، والفوضويه المتاثره بالذوق الشخصى او بالظروف الخارجيه المتقلبه.

6- اعتماد الادوات العلميه والموضوعيه اللازمه فى محاكمه الروايه والراى، واختيار ما تثبت الادوات صحته، ونفى الاخر الذى لا تجد له اثرا فى الطرف الاخر من المعادله، فهو انما اندس فى تراثنا عند غياب رقابه تلك الادوات، او بالالتفاف عليها.

7- النظر الى مناهج المورخين المتقدمين وطبيعه تتبعهم واختيارهم للاخبار، كواحده من ادوات البحث، فالذى يختاره واحد او اكثر ممن عرف بالتثبت ودقه الاختيار اولى بالقبول من روايه من غلب على منهجه جمع الاخبار دون تمحيص، حين تاتى روايته بلا اسناد او باسناد فيه ضعف بين.

واصحاب التفصيل والاطناب حكم على اصحاب الايجاز فى ما تحوم حوله شبهه انكار.. وصاحب الهوى متهم فى ما يرمى به خصمه حين يتفرد به، او حين لا يشاركه فى روايته الا آخر مثله.. وهو متهم ايضا فى ما يتفرد به من مناقب وفضائل ينسبها الى طائفته، لكن شهادته مقبوله حين يشهد على طائفته بتقصير او انحراف.. الى غير ذلك من خصائص منهجيه ذات صله بهذا الموضوع.


3

8 - سحب المرجعيه والاصاله من المراحل التاريخه ورجال التاريخ كافه، ووضعها فى محلها الصحيح، فى الكتاب الكريم والسنه المطهره، من قول النبى(ص) وتقريراته وسيرته العمليه، وكل ما وراء هذين المصدرين من مراحل التاريخ ورجاله فهو موزون بهما، معروض عليهما، محكوم عليه باحكامهما، ولا يصح بحال اعتباره فى نفسه مرجعا ترجع اليه القضايا التاريخيه المتنازع فيها، او اصلا تقاس اليه.. قال تعالى :

( فان تنازعتم فى شى‏ء فردوه الى اللّه والرسول ان كنتم تومنون باللّه واليوم الاخر ذلك خير واحسن تاويلا )((5)).

ولعل هذا الاصل المنهجى الاخير هو اهم ما يميز هذه الدراسه عن غيرها من محاولات الاسلاميين السابقه على طريق التصحيح واعاده كتابه التاريخ الاسلامى.

ولقد قررنا منهجيا ان يقتصر هذا الكتاب على المرحله الحاسمه والاكثر حساسيه فى تاريخ الاسلام والمسلمين، والتى تبتدى بوفاه الرسول الاعظم(ص)، وتنتهى بظهور الفرق والمذاهب الرئيسيه وتمايزها.. ذلك لان هذه المرحله هى اصل النزاعات وام الخلافات الواقعه بين المسلمين، واليها يرجع كل ما تدعيه الفرق الاسلاميه على تعددها((6)).

وقد تقسمت هذه الدراسه على خمسه ابواب، تراوحت فصولها بين الاثنين والثلاثه لكل باب..

ركزنا فى الباب الاول على مجموعه من الاثارات الكبيره والارقام الهامه الشاهده على وقوع الاضطراب الكبير والتناقضات الكثيره فى مصادرنا التاريخيه، سواء ما كان منها مختصا بتواريخ الفرق والمذاهب وعوامل نشاتها، او ما كان مختصا بالتاريخ السياسى والاجتماعى.. لنذكر اثناء ذلك الابواب والمنافذ المحتمله لدخول الاخبار المتناقضه والمتضاربه، ليكون فى هذه الفقره ذاتها، التى انتظمت فى الفصل الثانى، مع فقرات اخر تضمنها الفصل ذاته مما يفى بتعضيد وتجسيد ضروره القراءه النقديه الدقيقه لتاريخنا الاسلامى.

وفى الباب الثانى تناولنا النظريه السياسيه عند المسلمين منذ نشاتها، اذ كانت فى يومها الاول مفتاحا للواقع الجديد لمرحله ما بعد الرسول (ص)، ثم راينا كيف ترك الواقع التاريخى نفسه اثره على صياغه النظريه السياسيه وتطورها فى مراحلها اللاحقه.. ذلك الاثر الذى كان مرآه لاثر الواقع التاريخى نفسه فى دواوين التاريخ وكتب الفرق والمذاهب.

وابتداء من هذا الباب فقد التزمنا البحث عن البديل الصحيح لكل قضيه لا تصمد امام النقد، ولا يسندها البرهان العلمى.

وتناول‏الباب الثالث التفصيل فى معالم المسار الجديد، سياسيا، ودينيا واجتماعيا، فتجاوز معالم السياسه الى معالم الحركه الدينيه المتمثله فى الموقف من القرآن والسنه والتصور الكامل لدورهما فى الحياه السياسيه والاجتماعيه، وموقع الاجتهاد وتطوره، والى معالم الحاله الاجتماعيه، وحركه الفتوح الاسلاميه.

وانتقل الباب الرابع الى مرحله جديده مر بها التاريخ الاسلامى، تميزت بمحاوله الاصلاح والتصحيح لما وقع من اخطاء سياسيه او دينيه او اجتماعيه فى المرحله السابقه، وتقويم اى اعوجاج او انحراف قد طرا فى المسار لاعاده وصله باصله الاول - مسار الاسلام فى حياه الرسول (ص) - مع التوقف فى اثناء ذلك على الصعوبات التى كانت تواجهها حركه التصحيح، والمشاكل الحادثه فى طريقها، ذات الصله الاكيده بالمرحله السابقه.

اما الباب الخامس والاخير فقد توقف عند معالم مرحله جديده، هى مرحله انعطاف خطير فى المسار التاريخى، كانت خصبه بالخلافات والنزاعات التى كانت اسبابا مباشره فى نشاه الفرق والمذاهب، مع التركيز على العوامل الخاصه الداخله فى نشاه وتكوين كل واحد من هذه الفرق والمذاهب.

ثم الحقناه بخاتمه جمعت فى استعراض سريع اهم النتائج التى توصلت اليها هذه الدراسه.. ثم فهرسا مفصلا فى مطالب الكتاب، وآخر فى المراجع والمصادر المعتمده فى هذا الكتاب، ضمناه تعريفا مفصلا بالنسخ المعتمده لدينا لملاحظه اختلاف الطبعات فى ارقام الصفحات، وفى تسلسل الاحاديث والتراجم احيانا ان وجدت.

واخيرا : اخص بوافر شكرى من ساهم فى تدعيم هذا الكتاب من العلماء والاساتذه والاخوه الافاضل، من خلال نظره شامله، او مراجعه دقيقه لبعض ابوابه، او حوار فى افكاره العامه وبعض فقراته، او توفير مصدر من مصادره، او توفير ظروف طباعته، والايدى التى ساهمت فى الطباعه والاخراج فى جميع مراحلها.. وكل منهم سيعلم حين يقف على هذا انه مقصود بذكرى واعجابى وشكرى وخالص دعائى وتقديرى وفخرى.

كما اتقدم بوافر شكرى الى الاساتذه الباحثين وذوى الخبره الذين يقومون ما يقفون عليه من خطا او قصور فى هذه الدراسه، فلست ادعى لها الكمال، وقد ابى اللّه الكمال لكتاب الا كتابه! وما عند اللّه خير وابقى.. وهو حسبى ونعم الوكيل..


4

صائب‏عبدالحميد الجمعه 22ربيع‏الثانى 1417- 6/9 / 1996 م الباب

الاول

كتب الفرق ومراجع التاريخ الاسلامى

00023-123قراءه نقديه

الفصل‏الاول- كتب الفرق ونشاه المذاهب

قراءه نقديه ثلاث وسبعون فرقه :

لقد اجتهد الكثير ممن كتب فى الفرق الاسلاميه والملل والنحل ان يقسم المسلمين الى ثلاث وسبعين فرقه، تمشيا مع الحديث الوارد بافتراق الامه على ثلاث وسبعين فرقه((7)).

ولاجل هذا فقد وضعوا قواعد، واصلوا اصولا اعتمدوها فى تمييز الفرق ليبلغوا بها هذا العدد، ظانين انهم ان لم يبلغوه ويقفوا عنده فقد اخطاوا فى الاحصاء، وطعنوا فى الحديث المذكور! وكانهم تعجلوا قيام الساعه، فحين اخبر الحديث بحصول هذا العدد فلا بد ان يكون قد تم ذلك على عهد هذا المصنف او ذاك! وهذا تعجل، فالزمن لم يتوقف عندهم، والاحقاب التى اعقبتهم قد افرزت فرقا جديده لم يعرفوها، فاذا كان تقسيمهم صحيحا فقد زاد العدد بعدهم على الثلاث والسبعين! انهم لم يعرفوا البابيه((8))، ولا البهائيه((9))، ولا الوهابيه((10))، ولا القاديانيه((11))، بل لم يعرفوا اليزيديه والعدويه((12)) التى نجمت فى اواخر القرن السادس الهجرى، وربما اتى الزمان بالجديد، فالاختلافسنه من سنن هذه الحياه!

اسس خاطئه فى التمييز :

وثم خطا آخر قادهم اليه هذا الظن، اذ وجدوا انفسهم مضطرين الى‏التوسع فى التفريع، حتى عدوا فرقا وميزوها فى حين لم تكن تملك شيئا من‏مقومات الفرقه المستقله، وغالبا ما تكون قول رجل واحد او بضعه رجال((13)).

وقد طعن الشهرستانى هذه الطريقه، فقال: من المعلوم الذى لا مراء فيه ان ليس كل من تميز عن غيره بمقاله ما عد صاحب مقاله، والافتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد، فلا بد من ضابط فى مسائل هى اصول وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر مقاله، ويعد صاحبه صاحب مقاله((14)).

لكن الشهرستانى حين وضع هذا الضابط، عاد فوجهه على النحو الذى ينتهى بالفرق الى ثلاث وسبعين فرقه قد تحقق وجودها فعلا حتى ذلك العهد، فهو لم يخرج اذن عن دائره التعسف فى محاوله تفسير هذا الحديث.

تحديد اصول المذاهب وتاريخ نشوئها :

ثم ظهرت الوان خطيره من التعسف حين ذهب المتكلمون والمورخون الى تحديد تاريخ نشاه كل واحده من الفرق، وتعيين الاصول التى استقت منها عقائدها.

فعند غياب‏المعالم الثابته لذلك التاريخ، وغياب الادله القطعيه على انتسابها الى تلك الاصول، فسوف يضطر هولاء الى اقحام آرائهم الشخصيه فى ذلك، ولم تخل الاراء دائما من ميل الى فئه، وهوى مع طائفه، وتحامل على اخرى.

فادى ذلك الى ظهور اخطاء كثيره، وقاد الى مزيد من الغموض، كما حمل كثيرا من الفرق ابعادا غريبه عليها.

ومن امثله ذلك: ما ذهب اليه البعض من ارجاع الكثير من الفرق الاسلاميه الى اصول غريبه عن الاسلام، كاليهوديه والنصرانيه والمجوسيه واليونانيه والهنديه.

وقد ظهر هذا الاتجاه قديما فى كتب الملل والنحل، ومضى عليه ابن تيميه وتطرف فيه((15)).

واخذ به الكثير من المتاخرين، واكثر المستشرقين((16)).

بينما ذهب بعض المتاخرين الى نظريه مضاده نفت ذلك النوع من التاثر، ورات اصاله الفرق الاسلاميه على اختلافها، فقال الدكتور النشار ملخصا وجهه نظره فى هذه المساله: ان فلسفه ايه امه من الامم هى انبعاث داخلى عقلى يعبر عن الروح الحضاريه لهذه الامه، وانه ليس من المعقول ان تتشابه الانبعاثات الداخليه العقليه لامتين مختلفتين اشد الاختلاف جنسيا وعقليا ولغويا، وان فلسفه امه ما من الامم لا تخرج عن دائره السنه التى تضعها هذه الامه، ومن خرج عن هذه الفلسفه لفظ حتما من الدائره العقليه، ولم يعد يمثل فلسفيا سوى فكره الذاتى((17)). وقال الدكتور محسن عبدالحميد: اننا لو راجعنا بدء تحرك الاحداث السياسيه والاجتماعيه الكبرى فى صدر الاسلام، لحصل عندنا يقين كامل انه هو الذى ولد الحركه الفكريه التى حدثت فى ما بعد، والتى ارادت ان تلتمس من القرآن الكريم اسس انطلاقها فى المجتمع((18)).

فبينما ذهب اصحاب الراى الاول الى ان عقيده الجبريه، التى دعا اليها الجهم بن صفوان ترجع الى اصل يهودى، وان اول من تكلم بها: طالوت بن اعصم اليهودى، وقد بثها الى ابان بن سمعان، وبثها ابان الى الجعد بن درهم، واخذها الجهم بن صفوان من الجعد بن درهم((19)).

وان عقيده القدريه، التى دعا اليها معبد الجهنى، وغيلان الدمشقى، انما ترجع الى اصل نصرانى، فان رجلا نصرانيا يدعى سوسن كان قد اظهر الاسلام فاخذ عنه غيلان الدمشقى هذه العقيده، واخذها معبد عن غيلان، ثم ان ذلك النصرانى قد ارتد وعاد الى نصرانيته((20)).


5

فان اصحاب الراى الثانى القائل بالاصاله قد ذهبوا الى غير ذلك، فقالوا: ان ظهور الجبريه والقدريه معا كان من داخل المجتمع الاسلامى، ومن اثر الاحداث السياسيه والاجتماعيه الكبرى فيه، وذلك: ان انتهاء حكم الخلافه الراشده، وانتقاله الى الامويين وتسلطهم على العباد وابتعادهم عن تطبيق العداله الاسلاميه، كان مقدمه منطقيه للحركات المضاده التى قامت ضدهم، مما دفعهم الى العنف الدموى، فاحتاجوا حينئذ الى تاويل بعض الايات القرآنيه التى يدل ظاهرها على الجبر لتسويغ اعمالهم والقول بان الاراده الالهيه اقتضت ان يفعلوا ذلك، وانهم مجبرون فى اعمالهم .. او ان تلك الاراده هى التى قدرت ان ياتوا الى الحكم ليفعلوا ما يفعلوا..

ثم ان دعوه الامويين لتثبيت دعائم هذه النظريه، كانت سببا مهما لظهور الاتجاه القدرى الذى انكر الجبر ونادى بحريه الاختيار الانسانى، واول من نادى بذلك: التابعى الجليل والمحدث الصدوق معبد الجهنى((21))! فمعبد الجهنى حسب النظريه الاولى واحد من فراخ النصارى، واما فى هذه النظريه فهو التابعى الجليل والمحدث الصدوق! والذى يبدو ان هذه النظريه الاخيره هى اكثر مساسا بالواقع، وابعد عن تعسفات المتكلمين واقحامهم الاراء اقحاما، وتحميلهم الوقائع ابعادا قد تكون غريبه عليها.

ويذهب اصحاب الراى الاول الى ان التصوف يعود الى اصول غير اسلاميه، اذ صنف احمد امين الصوفيه الى ثلاثه اصناف:

صنف تاثر بالفلسفه اليونانيه، وصنف تاثر بالفلسفه الهنديه، واخذ الصنف الثالث اصوله من النصرانيه.

وعن الصنف الثالث يقول: اخذوا: (شيخ الطريقه) و(المريد) كما عند النصارى: (الكاهن) و(المهتدى)! واخذوا منهم نظام الرهبنه، واخذوا منهم ايضا حلقات الذكر ونظامها((22)).

وهذا التصنيف اقرب الى تصنيف المستشرقين منه الى تصنيف ابن تيميه، فابن تيميه يستثنى طائفه من الصوفيه فيصحح عقائدهم وسلوكهم، ويذكر من امثلتهم: الجنيد، وعبدالقادر الجيلى، وسهل التسترى((23)).

اما المستشرقون: فمنهم من ذهب الى ان الصوفيه اخذت عن النصرانيه((24))، ومنهم من جعلها يونانيه الاصل حتى من حيث التسميه، حين راى مناسبه بين كلمه (صوفيه) وكلمه (سوفيا) اليونانيه التى تعنى: الحكمه. فهى تشابه الصوفيه لفظا ومعنى((25))! لكن هذه النظريه الاخيره بالخصوص تعرضت للنقض من قبل مستشرق آخر - تيودور نولدكه - حين راى ان السين اليونانيه تثبت عند التعريب سينا، ولا تقلب صادا، فكلمه (فيلوسوفيا) تصبح بالتعريب (فلسفه) لا (فلصفه)((26)).

بينما ذهب اصحاب الراى الثانى الى ان حركه الزهد والتصوف الاسلامى كانت ثمره طبيعيه للمبادى الاخلاقيه التى رسمها القرآن الكريم للحياه البشريه وطبقها الرسول الكريم وصحابته الكرام فى حياتهم((27)).

والحق انه ينبغى ان يضاف الى هذا ما كان للاوضاع السياسيه من اثر كبير فى لجوء الكثير من اهل العلم الى طلب العزله وحياه الزهد، والذى يعد النواه الاولى لحركه التصوف فى الاسلام.

وقد اشار الغزالى الى هذا اشاره واضحه فى قوله: انه لما انقرض عهد الخلفاء الراشدين افضت الخلافه الى قوم تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والاحكام، فاضطروا الى الاستعانه بالفقهاء والى استصحابهم فى جميع احوالهم، وقد كان بقى من العلماء من هو مستمر على الطراز الاول وملازم صفو الدين، فكانوا اذا طلبوا هربوا واعرضوا((28)).

كما ساعد على نمو التصوف الياس الذى اصاب الناس من الحكومات المتعاقبه المتطاحنه، والبعد عن حقيقه الفقه فى الدين، فدفعهم كل ذلك الى الانزواء عن حياه يرونها مليئه بالمظالم والمفاسد، مع غياب الامل فى الاصلاح، فوجدوا فى الصوامع والتكايا انسا فى العباده ينقذهم من كل اضطراب يبعثه فى النفوس ازيز الدنيا وتناقضاتها.

بين التاصيل والتهجين :

ان النظريه الاولى وان بدت وكان لها شواهد من الواقع، الا انها لم تكن موفقه تماما، لانها جاوزت حد الاعتدال احيانا كثيره، اذ ان ما اعتمدته من شواهد واقعيه هو فى الغالب لا يصلح دليلا على ما قطعت به تلك النظريه من قول، كما انه كثيرا ما يكون من رصيد النظريه الثانيه، نظريه التاصيل.

فاذا كانت السبئيه((29)) والراونديه من آثار الديانات القديمه((30))، فان مصيرهما هو النبذ والطرد من الدائره العقليه الاسلاميه..

واذا كان المعتزله قد تاثروا بالفلسفه القديمه، فهم لم ياخذوا عقائد اليونان والهنود والفرس، وانما اخذوا مناهج البحث والاستنباط، فتاثروا مثلا بالمنطق الارسط‏ى، والمنطق لغه نافعه فى البحوث العقليه، وليس هو لغه عقيده، اى انهم اخذوا آله البحث، ولم ياخذوا سيره ونتائجه.


6

ولكن كل هذا لا يعنى انعدام التاثر بالعقائد الغريبه بالكامل، واظهر مايكون هذا التاثر لدى الفرق الغاليه على وجه الخصوص، ومع هذا فالغلو ليس كله اقتباس، بل لما كان الغلو هو منتهى التطرف الدينى، فقد يصيب الشذاذ من كل مله دون ان يقتبس بعضهم من بعض.

ربما نرى فى النقطه اللاحقه بعض آثار التاثر والاقتباس عند غير الغلاه ..

اين يصنف اصحاب التجسيم :

اتفق اصحاب النظريتين الاولى والثانيه على ان القول بالتجسيم دخل الى المسلمين من عقائد اليهود واليونان وغيرهم((31)). وقد تجسد هذا القول كمذهب خالص لدى الكراميه، اتباع محمد بن كرام((32)). وقد اخترنا هذا الاتفاق على اصل عقيده المجسمه بالذات لانه امر يثير الاستغراب حقا..

اذ ان القائلين بالتجسيم هم اكثر الناس رجوعا الى الحديث، حتى عد التجسيم من خصائص الحشويه من اصحاب الحديث، والظاهريه المتمسكين بظواهر النصوص((33))! فاذا كانت اولى العقائد التى دونت على المجسمه قولهم: ان اللّه تعالى على العرش استقرارا، وانه بجهه الفوق لا غير، مماس للعرش من جهته العليا، وانه قد امتلا به العرش، او انه - تعالى شانه - على بعض اجزاء العرش، على قولين لهم، كما جوزوا عليه تعالى الانتقال والتحول والنزول..((34)) اذا كانت تلك هى عقائد المجسمه، فهذه جميعها داخله فى عقائد اصحاب الحديث والظاهريه، بل قد تطرقت الى الفقهاء من اصحاب الحديث! ولعل اشهرهم فى ذلك ابن تيميه..

لقد نصر ابن تيميه تلك العقائد بكل قوه وكافح عنها طويلا، وصنف فيها كثيرا، واثبت القول بالجهه والاستواء والانتقال والنزول((35)). ودافع عن القول بامتلاء العرش به تعالى، ومع ذلك فهو لم ينكر القول بانه تعالى على بعض العرش، ولا عده فى الاباطيل والموضوعات! واحتج ابن تيميه لتلك العقيده بروايه عبداللّه بن خليفه التى تنص على: (ان كرسيه وسع السماوات والارض، وانه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار اربع اصابع، وان له اطيطا كاطيط الرحل الجديد اذا ركب، من ثقله)! فقال ابن تيميه: يروى هذا الحديث بالنفى - اى (ما يفضل منه اربع اصابع) - ويروى بالاثبات - اى (ما يفضل منه الا اربع اصابع) - قال: ولفظ النفى لا يرد عليه شى‏ء((36))!

غيبه المعايير الثابته :

ومنهجيا: ان هنا حقيقه هامه، وهى انه حين تفتح الابواب لاقحام الاراء من غير ان تكون هناك ضوابط محدده يتم التزامها، فسوف تغيب معالم الحقيقه، وتظهر للتاريخ وجوه شتى قد لا تتشابه فى شى‏ء، بل قد تكون متنافره تماما.

نعرض هنا انموذجا واحدا خال من التعقيد يعطينا صوره عن تلك الوجوه المتنافره لحقيقه واحده، ومثالنا هذا عن المعتزله:

ففى تفسير نشاه المعتزله، قال بعض الكتاب: ان منشا الاعتزال كان على ايدى جماعه من اصحاب على(ع) اعتزلوا السياسه واعتزلوا كل الناس بعد الصلح الذى تم بين الحسن(ع) ومعاويه بن ابى سفيان((37)).

فيما نسبهم آخرون الى الجماعه الذين اعتزلوا الحرب فى خلافه على(ع)، ومنهم: سعد بن ابى وقاص، وعبداللّه بن عمر، ومحمد بن مسلمه، واسامه بن زيد، فقالوا: هولاء هم سلف المعتزله الى الابد((38)).

فى حين ليس لهذين الاعتزالين اى صله بجمله العقائد التى ميزت فرقه المعتزله! وايضا فاذا كان مجرد الاعتزال هو الاصل الذى يصح ان تنسب اليه الفرقه المعروفه، فلماذا لا يكون سعد بن عباده هو امام المعتزله وسلفها؟ فسعد بن عباده، شيخ الانصار، هو اول من اعتزل الناس بعد وفاه الرسول(ص) وبقى معتزلا حتى قتل بعد سنين فى عهد عمر! اما عبدالرحمن بدوى، فقد ذهب الى ان انطلاق اول مبادى المعتزله - وهو القول بالمنزله بين المنزلتين فى مرتكب الكبيره - انما كان فكره سياسيه بحته اتخذوها ذريعه لاعتزال التنازع المحتدم بين اهل السنه والخوارج فى هذه المساله السياسيه الدينيه الخطيره((39)).

بينما ذهب بعض المستشرقين الى انهم سموا معتزله لانهم كانوا زهادا اتقياء، ابتعدوا عن الدنيا وملاذها((40)).

ويزداد الامر غموضا فى الراى الذى يضيفه احمد امين بقوله:

لنا فرض آخر بتسميه المعتزله، لفتنا اليه ما قراناه فى (خطط الشام) للمقريزى، من ان بين الفرق اليهوديه التى كانت منتشره فى ذلك العصر وما قبله طائفه يقال لها (الفروشيم) وان معناها: المعتزله! قال: وذكر بعضهم ان هذه الفرقه كانت تتكلم فى القدر، فلا يبعد ان يكون هذا اللفظ قد اطلقه على المعتزله قوم ممن اسلموا من اليهود لما راوا بين الفرقتين من الشبه((41))! وهذا مخالف لما قال به آخرون من ان شيوخ المعتزله الاوائل قد تاثروا بمعبد الجهنى الذى كان قد اخذ عقيدته فى القدر عن سوسن النصرانى الذى اسلم ثم ارتد نصرانيا((42))! وخالف القولين معا الشيخ ابو زهره حين راى ان عقائد المعتزله قد ظهرت نتيجه التاثر بالفلسفه القديمه، يونانيه وهنديه وفارسيه، لا اليهوديه ولا النصرانيه((43))! وخالف الجميع من نسب المعتزله الى ابى الاسود الدولى (69ه ) صاحب الامام على(ع) ((44)).


7

وهكذا تتعدد التفسيرات وتتناقض لحقيقه واحده! تسميه الفرق :

كيف وقع الاختيار على هذه الاسماء التى عرفت بها الفرق الاسلاميه؟ من المسلم ان الاسم لم يولد مع الفرقه، وانما يطلق عليها بعد ولادتها، فكيف تم اختيار هذا الاسم او ذاك؟ هل كان زعيم كل فرقه هو الذى يتولى تسميه فرقته؟ ام كان اصحاب الراى فيها يتشاورون ليتخذوا لفرقتهم اسما تعرف به؟ انه ليس من المعقول ابدا ان ينبرى زعماء فرقه ما وكبراوها - وهم بلا شك يعتقدون انهم اولى الناس بالحق لانهم دون سواهم على هدى القرآن والسنه - ثم ينتخبون لانفسهم اسما مثل: (المعطله) او (المعتزله) او (الخوارج)! فكيف مع اسماء اخرى هى اشد فضاضه وادعى للنفره، من مثل:

(الرافضه) او (الخشبيه) او (الشيطانيه)؟! ان نظره واحده الى تلك الاسماء ونظائرها تبعث الى يقين لا شك فيه بانها اسماء لا تصدر عن اصحاب هذه الفرقه، او تلك، انفسهم، ولا عن جهه محايده تنظر الى شتى الفرق بعين واحده، انما يستطيع المرء ان يقطع بانها لا تصدر الا عن خصم لا يعرف اللين والمداهنه.

فاى خصم هذا الذى اذا اذاع بيانا ذاع وانتشر، واذا اطلق على طائفه اسما نفذ واشتهر، حتى تستجيب له تلك الفرقه نفسها وترتضيه علما عليها؟! لا بد ان يكون هو الخصم الاقوى فى الميدان!! صحيح انه قد تاتى التسميه نسبه الى الرجل الذى تنتسب اليه الطائفه، فقيل: (الزيديه)، نسبه الى زيد بن على بن الحسين(ع)، و(الجهميه) نسبه الى الجهم بن صفوان، و(الكراميه) نسبه الى محمد بن كرام، وهكذا..

او قد تلاحظ فى الطائفه مناسبه ما، فتشتق التسميه من تلك المناسبه، فقيل: (الخوارج) لانهم خرجوا على الامام الواجب الطاعه، و(الرافضه) لانهم رفضوا زيد بن على، و(الخشبيه) لانهم قاتلوا بالخشب، او طافوا حول الخشبه التى صلب عليها زيد..

غير انه فى الحالين لم يخرج الامر عن تلك القاعده الواقعيه، فهى تسميات صدرت من خارج تلك الطوائف لا من اصحابها، ومن الخارج الغالب، فليس من شان المغلوب ان يفرض دعاياته على الغالب الاقوى، كما ليس من المعقول ان تختار تلك الطوائف لانفسها مثل تلك الاسماء المنفره، بل لو ترك الامر اليها لما انتخبت الا اتم الاسماء واكثرها دلاله على ملازمه الصراط المستقيم! ولو قدر ان يكون المغلوب غالبا لكان من الطبيعى ان تتبدل الاسماء بتبدل المواقع! وهذه امثله من الواقع شاهده على تلك الحقيقه:

1- فى اثناء ثوره زيد الشهيد(رضى‏اللّه) جاءته طائفه من جنده فطلبوا اليه ان يبرا من الخليفتين ابى بكر وعمر، فرفض ذلك، فرجع اولئك عنه ورفضوا القتال معه.

ففى هذه الواقعه - على فرض صحتها - رفضان: زيد يرفض مبدا اولئك، واولئك رفضوا قياده زيد.. ويلاحظ ايضا ان زيدا (رضى‏اللّه) هو الذى ابتدا بالرفض، فلما رفض ما طلبوه منه اعتزلوه..

اذن كان بمقدور اولئك ان يطلقوا على زيد الشهيد واتباعه اسم (الرافضه)! لكن الذى حصل هو العكس تماما، فان زيدا واتباعه هم الذين اطلقوا على اولئك هذا الاسم ليثبت علما عليهم فلا يعرفون الابه! والسبب فى ذلك واضح، وهو ان زيدا واتباعه كانوا هم اصحاب الراى الغالب واصحاب الثوره التى استمرت بعد تخاذل اولئك وانسحابهم من الميدان.

ولا يفهم من هذا اننا ندين زيدا الشهيد، معاذ اللّه، وانما نسجل تلك الواقعه التى افرزت طائفه جديده واسما جديدا، نسجلها كما هى.

والمذكور آنفا فى اصل الرافضه هو المشتهر بين اصحاب الفرق ((45))وبعض اصحاب التاريخ((46))، لكنه لا يصمد للتحقيق رغم شهرته، وكم من مشهور لا اصل له!! فالرفض مصطلح سياسى يراد به مخالفه الحاكم وترك طاعته، واصحاب هذا الموقف يسمون: (الرافضه).

قال ابن منظور: الروافض جنود تركوا قائدهم وانصرفوا، فكل طائفه منهم رافضه، والنسبه اليهم رافضى((47)). وقد اطلق معاويه هذا اللفظ على طائفه من انصاره تركوا عليا(ع) وقدموا اليه يقودهم مروان بن الحكم، فكتب معاويه الى عمرو بن العاص - وكان فى فلسطين - كتابا قال فيه: اما بعد، فانه كان من امر على وطلحه والزبير ما قد بلغك، وقد سقط الينا مروان بن الحكم فى رافضه اهل البصره..((48)) فهولاء الرافضه نواصب اذن!! وايضا فهم اسبق نشاه من رافضه زيد، فلماذا انصرف اسم الرافضه الى اولئك دون هولاء؟ انها مصداق آخر من مصاديق ما ذكرناه فى تسميه الفرق.


8

ومن ناحيه اخرى فقد ذكر ابو الفرج الاصفهانى ثوره زيد مفصله ولم يذكر فيها هذه القصه، بل الذى ذكره - وهو مذكور عند غيره ايضا - يفيد تكذيبها، اذ ذكروا ان زيدا قد اضطر الى المواجهه قبل الموعد الذى عينه لاصحابه وان الكثير منهم قد حبسهم الوالى فى المسجد الجامع قبل التحاقهم بالمعركه التى وقعت فجاه قبل اوانها المحدد عندهم، فلما وجد زيد نفسه فى قله من اصحابه يقاتل يوما بعد آخر، قال لاحد قاده جنده: اتخاف ان يكونوا قد فعلوها حسينيه؟ يريد انهم يخذلوه كما خذلوا الحسين(ع)! فلو كان يعلم انهم قد رفضوه، وان شيئا من ذلك الحوار والرفض قد حصل، لما قال هذا.. ثم بعد ذلك توجه بمن معه نحو المسجد الجامع لاخراج المحبوسين فيه فلم يتمكن من اخراجهم((49)).. وايضا فقد سبق من اهل الكوفه مثل هذا الخذلان مع على والحسن والحسين(ع) ولم يكن هناك اثر لهذه النغمه، نغمه البراءه من الخليفتين ابى بكر وعمر! فمن كان وراء هذه التسميه اذن؟!

2 - اى الفريقين كان اولى باسم (القدريه): القائلين بالجبر، ام القائلين بالتخيير؟ ان القائلين بالجبر كانوا يقولون: ان كل فعل يفعله المرء، من طاعه او معصيه، فانما هو بقضاء وقدر.. وقد راينا قبل قليل انهم قالوا ذلك تبريرا لاعمال خلفاء بنى اميه، فالخليفه حين يقتل الخيره من الصحابه والتابعين فهو بقضاء وقدر! وحين يستبد باموال المسلمين ويترك عامتهم يقرض الجوع امعاءهم قرضا، فهو بقضاء وقدر! واذا استوى على الخلافه الرجل الفاسق، فبقضاء وقدر! وما علينا الا الطاعه والتسليم والرضا بالقضاء والقدر!! وفى مقابل هولاء ظهرت الطائفه التى تقول: ان اللّه برى‏ء من معاصى عباده وظلمهم وعدوانهم، منزه عن القبائح، وقد فوض لعباده امورهم وترك لهم الخيار، فان شاء العبد فعل الطاعات فاستحق الثواب، وان شاء فعل المعاصى فاستحق العقاب. فاى الفريقين كان اولى باسم (القدريه)؟ ان الفريق الاول لهو اولى الناس بهذا الاسم، ولا يشاركه فيه احد، وان الفريق الثانى لهو ابعد الطوائف عن هذا الاسم.

لكن الذى حصل قديما وثبت الى اليوم هو العكس من ذلك، فاصحاب التفويض والتخيير هم الذين سموا (قدريه)! تماما كما يسمى الابيض اسود، والاسود ابيض! انها تسميه للشى‏ء بضده، ولكن لا كما يقال للاعمى: بصير.

وللديغ: سليم، فشتان بين الامرين!! والسبب فى ذلك اكثر وضوحا، فالقائلون بالقضاء والقدر هم فئه الخلافه، وقد كان يبلغهم الحديث المروى: (القدريه مجوس هذه الامه)((50))! فمن يا ترى يستطيع ان يقول ان هولاء هم القدريه الذين اخبر عنهم ذلك الحديث النبوى؟! ان ذلك يعنى ان الخلفاء الذين قامت هذه العقيده لاجل نصرتهم وتبرير سياساتهم هم كبار مجوس هذه الامه!! وهل يستطيع احد ان يشير الى هذا بادنى اشاره؟ ثم على اى الطوائف سيقع هذا الاسم ان لم يقع على الطائفه التى انبرت للرد على تلك العقيده وتفنيدها؟ حتى لو كانت هذه الطائفه هى ابعد الطوائف عن هذه التسميه ومصاديقها!! وهكذا اصبح القدريه هم الذين ينفون القدر اللازم ويقولون بالتخيير، ليصبحوا هم مجوس هذه الامه!! وبعد ان اطلقت الفئه الغالبه هذا الاسم على خصومها ادركت انها قد اوقعت نفسها موقع السخريه، فتداركت الامر بوضع احاديث تفسر معنى القدريه المذكوره فى الحديث الاول على النحو الذى ارادوه، وبلغه تناسب افهام العامه وتستهويهم، فيتعلقون بها ويتخذونها دينا! ومن تلك الاحاديث التفسيريه:

حديث يقول: (القدريه يقولون: الخير والشر بايدينا)((51))! وحديث يقول: (القدريه يقولون: لا قدر)((52))! وقول ابن حبان فى راوى الحديث الاخير: (انه كان يقلب الاخبار) لهوادق بيان لهذا الحديث، والذى قبله ايضا، اذ يتحد معه معنى.

احاديث تشهد على انفسها انها موضوعه لاتمام اللعبه، واحكام الطوق حول الخصم، وسلبه اى قدره على النفوذ فى الوسط الاجتماعى.

3- هكذا ظهر ان السنه النبويه لم تكن قادره على ان تفرض احكامها واهدافها على ذلك الواقع، بل كان الواقع هو الذى يخضع السنه لارادته ويوجهها فى خدمته، وان تطلب ذلك قلب المعانى الظاهره، ووضع الحديث!! 4 - ومره اخرى يمحو الواقع آثار السنه:

ذلك مع طائفتين جاءت بذكرهما السنه، حيث ورد بطرق عديده عن على(ع) انه قال غير مره: (عهد الى رسول اللّه(ص) ان اقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)((53)).


9

لقد عرف المارقون بالخوارج ..

اما الناكثون، فهم الذين قاتلوا عليا يوم الجمل، بعد ان بايعوه، فقد نكثوا بيعتهم..

واما القاسطون فهم معاويه واصحابه الذين قسطوا، اى جاروا وظلموا واعتدوا.

فاذا كان اصحاب الجمل لم يظهروا شيئا من العقائد تميزهم كفرقه مستقله، فليس‏القاسطون كذلك، بل استحق‏القاسطون‏ان يفرزوا كفرقه‏باسباب‏ثابته فيهم، حين‏وجد نظير تلك‏الاسباب عند غيرهم‏اصبحوا فرقامتميزه، فمن‏تلك‏الاسباب:

ا- رفضوا الامام الذى تمت له البيعه، واظهروا سبه والبراءه منه ومن اهل بيته: الحسن والحسين، سبط‏ى النبى وسيدى شباب اهل الجنه، ولم يكتفوا بذلك حتى قاتلوه وقاتلوا ابناءه من بعده، وفى اقل من ذلك تميزت الفرقه التى عرفت بالرافضه كما تقدم عند اصحاب الفرق والتاريخ! فلماذا لا تكون براءه هولاء من على وسبط‏ى النبى كافيه فى جعلهم فرقه كالرافضه؟ ذلك لو فرضنا عدم صحه ما جاء فى تسميتهم بالقاسطين، فلماذا لا يكونوا (رافضه) وقد زادوا على الرافضه بان قاتلوا الامام؟ فهم شر من اولئك الرافضه لو صح ما قيل فيهم من انهم رفضوا زيدا واظهروا البراءه من الشيخين. فهم قد رفضوا عليا، واظهروا البراءه منه ومن السبطين، وقاتلوه ثم قاتلوا من بعده السبطين!!

ب - هولاء هم الذين اظهروا عقيده الجبر، وان كل ما يصنعه الخليفه قضاء وقدر، وبها كانوا اولى ان يعرفوا بالقدريه! فلماذا لم يطلق عليهم شى‏ء من هذا او ذاك؟ السبب‏واضح جدا،فهم‏الفئه المتغلبه‏التى بسطت‏نفوذها وآراءها لتصبح هى الفئه التى تمثل جمهور المسلمين .. فمن سيحكم عليها وهى الحاكمه على الناس؟! انه ليسير جدا بعد ذلك ان تنتحل ما يحلو لها من الاسماء، وان يكون من خالفها فى شى‏ء فاولئك هم الفرق المخالفه للسنه

والمنسوبه الى البدعه!! خاتمه ونتيجه :

من هذه القراءه السريعه نخلص الى ما يلى:

1- ان كثيرا مما نقراه عن الفرق الاسلاميه هو مفتعل مصنوع لا اصل له، وانما افرزه امران:

الاول : النزاع الطائفى المحتدم فى المراحل الاولى من نشاه المذاهب والفرق.

والثانى : آراء الدارسين والنقاد، التى حلقت فى فضاء رحب، فلا يكاد يضبطها ضابط.

2- ليس من الضروره ان يكون اسم الفرقه تعبيرا صادقا عن هويتها ومبادئها، ليكون وحده كافيا فى اعطاء صوره كليه واضحه عنها، فقد يكون هناك تطابق تام، وقد يكون على درجات متفاوته، وقد لا يكون اصلا.

عند استحضار هاتين الملاحظتين نستطيع ان نكون نظره موضوعيه، وفهما موضوعيا، ننطلق منه لدراسه الفرق الاسلاميه كمبادى ومفاهيم مجرده، بعيدا عن التحميلات الخارجيه، سلبيه كانت ام ايجابيه، وبعيدا عن اجواء التسميات وما تضفيه من الوان جذابه، او اخرى منفره.

وهذه خطوه منهجيه لا غنى عنها فى اى دراسه موضوعيه تتصل بالفرق الاسلاميه او الموروث الفكرى، فهى الخطوه الاساس فى قنوات شتى، منها:

ا - قناه التقريب بين المذاهب الاسلاميه.

ب - قناه التعرف على حقيقه المذاهب الاسلاميه.

ج - قناه التعرف على مساحات الحركه الفكريه والعقليه والاجتهاديه لدى الامه الاسلاميه، والتى تعد اساسا فى التعريف بالمستوى الحضارى الذى بلغته الامه فى كل مرحله من مراحل تاريخها.

د - قناه الصياغه النظريه لنشوء مفهوم اسلامى معين، وتطوره.

ه قناه الافاده من التراث الاسلامى فى مصادره المتعدده.

وان (تصحيح التراث الاسلامى) سيكون الميدان الذى تلتقى فيه هذه القنوات مجتمعه.


10

الفصل الثانى- مراجع التاريخ الاسلامى

قراءه نقديه عيون التاريخ |

نعنى بعيون التاريخ: الكتب الاولى التى عنيت بتدوين احداث التاريخ الاسلامى حتى صارت فى ما بعد المصادر المعول عليها فى معرفه تاريخ الاسلام وسير رجاله.

ويمكن تقسيم هذه المصادر الى قسمين: اختص الاول بتدوين حياه الرسول(ص) وعصر الرساله. فيما اتسع الثانى لجهود الخلفاء بعد الرسول وحتى عصر المورخ غالبا.

مصادر القسم الاول :

اتسمت مصادر هذا القسم بسمه بارزه تمثلت بالعنايه الفائقه بامر الحروب والمغازى، حتى قصر الكثير منها على هذا الباب، ومن هنا غلب اسم (المغازى) على هذه المصادر، فيما كان اسم (السيره) اقل ظهورا.

وابرز من عرف من مورخى هذا القسم:

1 - عروه بن الزبير بن العوام (93 ه): كان من فقهاء المدينه، اعتزل الحياه السياسيه فى عهد اخيه عبداللّه بن الزبير، وقد اكثر الروايه عن ام المومنين عائشه ((54)).

2 - ابان بن عثمان بن عفان (105ه): عمل واليا على المدينه لعبدالملك بن مروان سبع سنين((55)).

3 - وهب بن منبه (110 او 114 ه): لم يكن معتمدا فى الحديث واخبار الاسلام، وانما كانت غزاره علمه فى الاسرائيليات، وعمل قاضيا على صنعاء((56)).

4 - عاصم بن عمر بن قتاده (120 ه): تابعى حدث عن ابيه وعن جابر بن عبداللّه وانس، والامام على بن الحسين والحسن بن محمد بن الحنفيه وعبيداللّه الخولانى، وحدث عنه ابن اسحاق كثيرا، وابو الاسود ربيب عروه. امره عمر بن عبدالعزيز ان يجلس فى المسجد الاموى بدمشق فيحدث الناس بالمغازى ومناقب الصحابه((57)). وثقه ابو زرعه والنسائى وغيرهما.

5 - شرحبيل بن سعد (123 ه ): كان من اعلم الناس بالمغازى الا انه كان يجعل لمن لا سابقه له سابقه، فاسقطوا مغازيه وعلمه((58)). لكن سفيان بن عيينه قال فيه: لم يكن احد اعلم بالمغازى والبدريين منه. ووثقه يحيى بن معين وابن حبان، وخرج له ابن حبان وابن خزيمه فى صحيحيهما((59)).

6 - ابن شهاب الزهرى (124 ه ): له كتاب المغازى، حفظت اجزاء منه فى كتاب (المصنف) لعبدالرزاق الصنعانى. وكان الزهرى صاحب شرطه بنى اميه، ولم يزل مع عبدالملك بن مروان واولاده: هشام وسليمان ويزيد، ثم استعمله يزيد بن عبدالملك على القضاء((60)).

7 - يزيد بن رومان الاسدى المدنى (130 ه ): له كتاب المغازى، منه قطع‏فى طبقات ابن سعد، وجل اعتماده على عروه والزهرى، وروى عنه ابن اسحاق((61)).

8 - ابو الاسود الاسدى (131 ه ): ربيب عروه بن الزبير، ومعظم روايته عنه، له كتاب المغازى، منه قطع فى (الاصابه)((62)).

9 - عبداللّه بن ابى بكر بن حزم (135 ه ): صاحب المغازى، اخذ عن ابيه وعروه بن الزبير، وحدث عنه الزهرى وابن اسحاق((63)).

10 - داود بن الحصين الاموى (135 ه ): تلميذ عكرمه، يذهب مذهب (الخوارج) حدث عنه ابن اسحاق((64)).

11 - موسى بن عقبه (141 ه ): هو مولى آل الزبير بن العوام، له كتاب المغازى، اعتمد فيه روايه الزهرى بالدرجه الاولى((65))، وله احاديث عن نافع مولى ابن عمر، وسالم بن عبداللّه بن عمر، واخذ عن مغازيه الطبرى فى تاريخه والبلاذرى فى انساب الاشراف وغيرهما((66)).

12 - محمد بن اسحاق بن يسار (151 ه ) : صاحب كتاب السيره، وهو اتم ما كتب فى هذا القسم واحسنه ترتيبا، وبه صار ابن اسحاق شيخ كتاب السيره، وصار من جاء بعده عيالا عليه.

ولم يصلنا كتاب ابن اسحاق كاملا بل وصلت منه اجزاء فقط، واما الكتاب بتمامه فقد اختصره ابن هشام فى (السيره النبويه) فحذف منه اشياء كثيره، وقد اشار ابن هشام الى هذا الحذف، وسياتى ذكره لاحقا.

13 - معمر بن راشد (154 ه ): له كتاب (المغازى) اكثر مروياته عن الزهرى، ويبدو ان الطبرى قد نقل ماده هذا الكتاب فى تاريخه((67)). 14 - يحيى بن سعيد الاموى (194 ه ): روى عن هشام بن عروه بن الزبير، ومحمد بن اسحاق وغيرهما، له كتاب (المغازى) اورد منه البخارى قطعا كثيره فى قسم المغازى من صحيحه، وافاد منه الطبرى ايضا((68)).

15 - ابو العباس الوليد بن مسلم الاموى (195 ه ): كان يلقب بعالم الشام، له كتاب(المغازى) قطع منه فى صحيح البخارى - كتاب‏المغازى - وتاريخ الطبرى((69)).


11

16 - محمد بن عمر الواقدى (207 ه ): صاحب (المغازى) وقد عمل الواقدى قاضيا بشرقى بغداد لهارون الرشيد، ثم للمامون من بعده اربع سنين، كان عالما بالمغازى والسير والفتوح والاحكام واختلاف الناس. واكثر اعتماده فى مغازيه على موسى بن عقبه ومعمر بن راشد وهما تلميذا الزهرى، واخذ كثيرا من كتاب ابن اسحاق دون ان يذكر اسمه((70)).

وهناك اعلام آخرون كانوا اقل اثرا فى التاريخ المحفوظ، وسياتى ذكر بعضهم اثناء البحث.

مصادر القسم الثانى :

اما القسم الثانى من عيون التاريخ فيبرز فيه:

1 - تاريخ محمد بن جرير الطبرى (310 ه ): ويعد اكبر موسوعه تاريخيه جمعت احداث القرون الثلاثه الاولى من تاريخ الاسلام، اذ ختم الطبرى تاريخه بذكر احداث سنه 302 ه .

فكان تاريخ الطبرى المصدر الاول والاساس لمن جاء بعده، ومنهم من توقف عنده فى اخبار القرون الثلاثه ولم يتعداه الى غيره، كما فعل ابن الاثير فى كتابه (الكامل فى التاريخ) وابن خلدون فى تاريخه، وغيرهما.

هذا مع انه لم تخل تلك الفتره من كتابات مهمه جديره بالعنايه، وربما كانت اكثر دقه واصدق نقلا لكثير من الاحداث على الرغم من ايجازها بالنسبه الى تاريخ الطبرى، ومن تلك المصادر:

2 - مصنفات المدائنى، على بن محمد بن عبداللّه (135 - 225 او 228 ه )، وهى مولفات كثيره اهمها كتاب (تاريخ الخلفاء) وكتاب (الاحداث) وله كتب اخرى فى السيره النبويه وايام الرسول(ص).

يقول فيه الذهبى: كان عجبا فى معرفه السير والمغازى والانساب وايام العرب، مصدقا فيما ينقله، عالى الاسناد.

كان اهم شيوخه: عوانه بن الحكم، واشهر الرواه عنه: خليفه بن خياط، والزبير بن بكار.

تكرر ذكره فى تاريخ الطبرى نحو 290 مره، اولها فى احداث سنه 11 ه فى اخبار (الرده)، وآخرها فى احداث سنه 198 ه فى اخبار الدوله العباسيه، ثم ذكر وفاته فى احداث سنه 228 ه .

3 - الامامه والسياسه - او تاريخ الخلفاء: لابن قتيبه الدينورى المتوفى سنه‏276 ه .

4 - تاريخ اليعقوبى: لاحمد بن ابى يعقوب الكاتب، من اعلام القرن الثالث الهجرى.

5 - فتوح البلدان: للبلاذرى المتوفى سنه 279 ه .

6 - الفتوح: لابن اعثم الكوفى المتوفى سنه 304 ه .

7 - مروج الذهب: للمسعودى المتوفى سنه 346 ه .

8 - اخبار الزمان: للمسعودى ايضا، وهو كتاب كبير كما وصفه صاحبه فى (مروج الذهب) غير انه مفقود، وهو الكتاب الوحيد المفقود من هذه المجموعه.

اما كتب التاريخ الاخرى فقد اضافت احداث السنين اللاحقه التى لم يدركها الطبرى ولم يدونها.

نتيجه :

من هنا يمكن ان نخلص الى القول بانه قد انتظمت للتاريخ الاسلامى عينان، هما :

1 - السيره النبويه لابن هشام، وهى مجموع ما انتخبه ابن هشام من سيره ابن اسحاق.

2 - تاريخ الطبرى.

مورخون تجزيئيون شكلوا اهم مصادر الطبرى

وغيره :

هولاء مورخون ارخوا لحدث او احداث، او واقعه او وقائع، او ايام محدده من تاريخ الدوله الاسلاميه بعد الرسول(ص)، ولم يكتبوا كتابا جامعا لتاريخ هذه المرحله كلها، ثم كان هولاء المورخون اهم المصادر التى يعتمدها من ياتى بعدهم، فدخلوا كلهم فى تاريخ الطبرى، وفى غيره ايضا من كتب التاريخ الجامعه، وهولاء هم :

1 - عوانه بن الحكم (147 ه ) : كتب (سيره معاويه وبنى اميه) و(كتاب التاريخ) يتناول فيه احداث القرن الهجرى الاول.

وصلت كتبه واخباره عن طريق ابن الكلبى والمدائنى والهيثم بن عدى.

وهو يقدم الروايه الامويه دائما، واحيانا يورد الى جانبها الروايه العراقيه او المدنيه التى تقابلها((71)).

وفى تاريخ الطبرى يرد اسمه 47 مره، اولها فى احداث سنه 11 ه ، وآخرها فى احداث سنه 86 ه ، لا يبدو فى اكثر مروياته منحازا، لكن بعضها، وهو الاقل، فيه نزعه امويه، او ميل ما الى بنى اميه.

2 - ابو مخنف، لوط بن يحيى (157 ه) له كتب فى (الرده) و(وقعه الجمل) و( وقعه صفين) و(اخبار الخوارج) و(مقتل الحسين(ع)) وعن الحوادث الاخرى فى العراق حتى نهايه العصر الاموى. وهو يقدم الروايه العراقيه، قال عبدالعزيز الدورى: (اخباره على العموم ليست متحزبه) وهكذا رآها فواد سزگين((72)). ورد اسمه فى تاريخ الطبرى اكثر من 230 مره، اولها فى مرض النبى(ص) سنه 11 ه ، وآخرها فى احداث سنه 132 ه .


12

3 - سيف بن عمر (170 ه ) : له كتاب (الفتوح الكبير والرده) اعتمده الطبرى بالدرجه الاولى فى اخبار الرده واخبار الخلفاء حتى معركه الجمل فى نحو 230 موردا تنتهى عند سنه 36 ه .

وسيف اكثر من وقع عليه الطعن من اصحاب التاريخ، فوصف بالكذب، والوضع، واوجبوا ترك رواياته، ورموه بالزندقه((73)). لذا يعد ترجيح الطبرى لروايه سيف امرا مستغربا، لقد رجحه دائما فى اخبار (الرده) ومقتل عثمان، رغم وجود مورخين احسن منه حالا قد ارخوا لهذه الاحداث! وكذا مع معركه الجمل! ومن هولاء المورخين الذين تركهم الطبرى : المدائنى، وهو من اوثق اصحاب التاريخ عند الطبرى وغيره من المورخين، والواقدى، وابى مخنف، وهما وان ضعفهما كثير من اهل الجرح والتعديل الا ان كل ما قيل فيهما هو دون ما قيل فى سيف بن عمر، فاذا لم يترجحا عليه فلا ينبغى ان يكونا دونه.

ويتفرد سيف فى ما يذكره من قصه عبداللّه بن سبا، يرويها عن يزيد الفقعسى، فيعتمدها الطبرى رغم ان يزيد الفقعسى هو الاخر رجل مطعون، وكذا الراوى الوحيد عن سيف، وهو شعيب، ومثله الراوى الوحيد عن شعيب وهو السرى! 4 - ابو مجاهد، على بن مجاهد (182ه ) : له كتاب (المغازى) وكتاب (اخبار الامويين) ولا تعد رواياته موضع ثقه كامله((74))، قال فيه بعضهم : (كان يضع الحديث) وقال آخرون : (كذاب)((75))، وقد اخذ عنه الطبرى فى نحو خمسه وثلاثين وضعا، آخرها فى احداث 158ه .

5 - هشام بن محمد بن السائب الكلبى (204ه ) : له كتب كثيره منها : (فتوح الشام) و (الجمل) و(اخبار صفين) و(الجمهره) فى الانساب، وقد جمع الروايات المدنيه والعراقيه والشاميه، جرحه بعض اصحاب الحديث، واثنى عليه ياقوت الحموى.

ومن كتبه اخذ الطبرى روايات عوانه بن الحكم وابى مخنف، وتكرر ذكره فى تاريخ الطبرى نحو (250) مره، وافاد ابن حجر فى (الاصابه) من كتابه (فتوح الشام)، وافاد ابن ابى الحديد فى (شرح نهج البلاغه) من كتابيه (الجمل) و(اخبار صفين)، ومن كتابه فى (الالقاب) افاد ابن ماكولا فى كتاب (الاكمال)((76)). 6 - نصر بن مزاحم (212ه ) : له كتاب (وقعه صفين) ميوله عراقيه علويه، لكنه لا يخفى بعض ما وجهه خصوم العلويين للعلويين من انتقادات((77)).

لم ياخذ عنه الطبرى الا فى اربعه مواضع، كلها فى معركه الجمل((78))، فى اثنين منها كان نصر يحدث عن سيف بن عمر! وفى الحديثين ينقل نصر عن سيف من اخبار عائشه مثل ما ينقله غيره من المورخين دون ان تظهر نزعه الانحياز الغالبه على سيف ضد على(ع).

7 - الزبير بن بكار (256ه ) : له كتاب (الموفقيات) جمع احداثا متفرقه من التاريخ، كتبه للموفق ابن المتوكل العباسى، وكان الزبير قد عمل قاضيا للمتوكل على مكه، وقد اشتهر الزبير بن بكار بعدائه للعلويين، ومع ذلك فقد نقل فى (الموفقيات) كثيرا من الاخبار التى يبدو فيها بعيدا عن الانحياز.

وقد اثنوا عليه كثيرا، ولم يرد ذكره فى تاريخ الطبرى الا فى ثمانيه مواضع((79))، لكن اعتمده ابن ابى الحديد كثيرا فى كتابه (شرح نهج البلاغه).

نقد التاريخ الاسلامى

لقد قسمنا البحث فى هذا الموضوع على ثلاثه محاور، تتحرك بالبحث تدريجيا من الاجمال الى التفصيل:

المحور الاول - الخصائص العامه :

ان المدونات التاريخيه الاسلاميه تحمل بمجموعها اشياء كثيره، وكثيره جدا من حقائق التاريخ، موجزه ومطوله، وقائع واحداثا، مشاهدات ونقولا، نصوصا ووثائق، ارقاما ومحاكمات ..

وقد لا نجد بين سائر الامم من سبق مورخى الاسلام فى طبيعه التدوين التاريخى، اصاله، وعمقا، وسعه، وتطورا.

لقد امتاز التاريخ عند المسلمين، فى المرتبه الاولى: برساليته، فلم يكن دافع المورخ نحو التدوين هوايه ورغبه شخصيه وحبا للشهره ونحوها، انما كان استلهاما من دروس القرآن الكريم وهو يسلط الاضواء على حقب من تواريخ الامم السالفه، فيبرز اهم الاحداث فيها واسباب نموها وتدهورها، ثم بدافع الحب لتدوين وحفظ سير الرسول(ص) ودعوته وجهاده وانتصاراته، فكان من هذا وذاك تاريخا اسلاميا فى منطلقه، وفى اهدافه، وفى مضامينه.

ذلك حين نستثنى، ولا بد ان نستثنى، فصيلتين اقحمتا نفسيهما فى هذا الميدان اقحاما:

اولاهما: فصيله اهل الكتاب الذين اسلموا فاهتموا بتاريخ ما قبل الاسلام، فكانوا مصدر الاسرائيليات فى التاريخ.


13

والثانيه: فصيله القصاصين والوضاعين الذين دفعتهم الشهوات او الاهواء والعصبيات، او الكيد للاسلام، دفعتهم الى الوضع والدس، اما لتزيين الاخبار، او لتشويش الحقائق، او قلبها اظهارا للباطل.

-وحين كان تاريخ الرسول (ص) والرساله هو اهم واول ما اولاه المورخون عنايتهم، فقد سلكوا فيه مسلكا فريدا فى التعمق والتتبع، فاثبتوا كل شى‏ء يتصل بالرسول الاعظم(ص) منذ ارهاصات ولادته، ثم مولده ونشاته، ثم سيرته فى اهله وفى بيته، ولم تشغلهم الاحداث الكبرى عن تتبع سيرته الشخصيه وآدابه وسجاياه، بل وصفاته البدنيه، وصفه سلاحه، واسماء ما كان عنده مده حياته من سلاح ودواب، وحين تابعوا غزواته لم يتركوا حتى اسماء من اصيب فيها من اصحابه جرحا او قتلا، ومن اصابه من المشركين، واسماء من اصيب من المشركين ومن اصابه من المسلمين، كل ذلك محفوظ.

كما نقلوا من مواقف الصحابه واحوالهم ما يعطيك صوره واضحه عن المجتمع الاسلامى ومستوى الوعى الدينى والحضارى فيه، اضافه الى السيره الفرديه لكثير من الصحابه، مما يقلل من مساحه التكهنات والتحميلات التى قد تشط بعيدا عن الصواب.

ثم توسع التدوين التاريخى، فدخلت فتره ما بعد الرسول(ص)، فسلكوا فيها المنهاج ذاته عمقا وتفصيلا، فنقلت الاحداث الجزئيه، والمساجلات بين رجلين او امراتين او رجل وامراه، الى جنب الاحداث الكبرى فى التغيرات السياسيه والفتوح، وتناولوا سير الخلفاء بتتبع شديد، فلم يرحموا احدا منهم، فدونوا خصالهم‏وسجاياهم ومدى عزوفهم عن‏الدنيا او اقبالهم‏عليها، وحظوظهم من العلم والاجتهاد فى امور الدين والسياسه، فوضعوا بين ايدينا لوحه بيانيه دقيقه الى حد كبير، تجد عليها منحنى السلوك والسيره الشخصيه والعلم والفضيله وسائر الموهلات لقاده الدوله والامه الاسلاميه، ابتداء بالرسول الاعظم(ص) وانتهاء باخر خلفاء بنى العباس وامراء الطوائف وسلاطين بنى عثمان.

وان هذا النهج الذى لا يرحم احدا خصوصا من الحكام والولاه لهو النهج الاسلامى القويم، وليس كما يراه بعض المتاخرين نهجا قاسيا على الخلفاء عامه حين يضعهم الى جنب النبى المعصوم(ص)، وقاسيا على المتاخرين منهم مره اخرى حين يضعهم امام الخلفاء الاولين.. فهذه رويه تنم عن انعطاف خطير يريد ان يبرر للحاكم سقطاته بل وانحرافاته ايضا لانه لم يكن نبيا، ويعتذر للمتاخرين اذا انحدروا فى السلم لانهم لم يكونوا كالذين صحبوا النبى وعاشوا ايام نزول الوحى، فى الايمان والاستقامه سواء! هذه رويه تجاوبت مع الواقع، لا مع ميزان الاسلام وضوابطه، فالاسلام الذى يقول: (لقد كان لكم فى رسول اللّه اسوه حسنه لمن كان يرجو اللّه واليوم الاخر)((80)) لم يعذر متاخرا من هذا التاسى لتاخره، ولا ميز فيه متقدما لتقدمه! والاسلام الذى قال: (ان اللّه يامركم ان تودوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل)((81)) لم يخاطب جيلا من الاجيال، ويعفو عن اللاحقين.

وثمه رويه مستحدثه اخرى قريبه من هذه، وجهت الادانه للتاريخ لانه لم يستر عيوب واخطاء الحكام وما شجر بين الكبار وما وقع من فتن ونزاعات.. رويه تريد ان تختزل التاريخ، وترتضى بكل ما سوف يصحب هذا الاختزال من تشويه وتحريف للحقيقه، لا دفاعا عن الاسلام فكرا وعقيده ومنهاجا، ولكن دفاعا عن رجال حكموا وسياسات انتهجت، بغض النظر عن مدى قربهم وقربها او بعدهم وبعدها عن الاسلام فى منهاجه ورواه.

وفى ذلك كله كان التدوين التاريخى هو الموفق، وما هذه الادانات الاروى مصلحيه قاصره.

ومضى التدوين التاريخى عند المسلمين صعدا، فى تطور ظاهر وسريع، فظهرت تباعا المدونات التاريخيه المتكامله قبل منتصف القرن الثانى، اى بعد ما يقرب من نصف قرن فقط من بدايات التدوين التاريخى، فكانت سيره ابن اسحاق، المتوفى سنه 151 ه ، انموذجا فريدا للعمل التاريخى الموسوعى، ثم ظهر التطور بعد المئه الثانيه فى مناهج جديده ومتنوعه على ايدى مورخين عمالقه، كابن سعد الزهرى فى (الطبقات الكبرى)، واليعقوبى فى تاريخه، وابن قتيبه فى (المعارف) و(عيون الاخبار) و(الامامه والسياسه)((82))، وابى حنيفه الدينورى فى(الاخبار الطوال) وآخرين، ثم كان القرن الرابع، قرن الطبرى((83)) والمسعودى، الذى ترك اهم واوسع دواوين التاريخ، لياخذ التاريخ فى ما بعد ميدانه الجديد:علما وفلسفه، عند ابن الطقطقى (709 ه ) وابن خلدون (808 ه ) والسخاوى (902 ه ) ونظرائهم.

-ومما ميز التدوين التاريخى عند المسلمين: اعتماد اسلوب المحدثين فى الروايه واسانيدها، وهذا الاسلوب قد اغنى التاريخ بلا شك بعنصر هام من عناصر القوه والتوثيق. لكن هذا الاسلوب نفسه قد ساعد فى الوقت ذاته على تشتت الحقيقه التاريخيه وتوزعها، اذ ظهرت روايات كثيره موضوعه، لا اصل لها، تحت تاثير اغراض متعدده، بعضها بحسن نيه، وبعضها بعكس ذلك، فلما كان هم المورخ ان يجمع كل ما روى او ما بلغه فى الحادثه الواحده، فقد جمع الروايات المختلفه والمتناقضه والمتنافره فى القضيه الواحده التى لا بد وانها قد وقعت بصوره واحده فى حينها، ولم تقع بهذه الصور المتعدده، فاصبح تمييز الصوره الصادقه من بين هذه الصور مشكله عسيره امام المورخ وامام الناقد والقارى..


14

فاذا كان المورخون قد سلكوا سلوك المحدثين، فحفظوا للروايات اسانيدها، فينبغى ان يبقى قبولها او ردها رهن بهذه الاسانيد وبالقرائن الصادقه التى لا ينازع فيها، ولكن المشكله تصبح اكثر تعقيدا حين تكون الاهواء والميول هى قانون الترجيح الاول، بل الاوحد! والذى زاد فى تعزيز هذا القانون: ان هذه الاهواء والتحزبات ذاتها هى دائما الاصل الاول فى توثيق الرواه وجرحهم، لا سيما فى ما يخص التاريخ والعقائد!! فحين دخلت هذه الروايات المكذوبه دواوين التاريخ، وصارت اساسا لمتبنيات ومواقف قرائها، بحكم وجودها فى مصادر التاريخ المهمه، فتمسك كل بما يلائم ميوله وتحزبه المذهبى، ثم وصف سائر ما يخالف ذلك بانه مكذوب موضوع، حتى ولو كان العكس هو الصحيح، ودون ادنى رجوع الى الاسانيد والى القرائن الصادقه، الا فى ما يوفر المصلحه فى الانتصار للمذهب! نشات اثر ذلك بيننا هذه الاتجاهات المختلفه والمتنافره، وكل يتسلح بطائفه من تلك المرويات ويرد بها على الاخرين! وهذه الاخبار ايضا كانت اساسا لتحميلات المستشرقين وتمحلاتهم التى جاء اكثرها فاسدا ومفسدا، لكنه لم يات من الهواء، انما اتى من الاهواء التى وجدت ما يوفر لها مادتها فى هذه المرويات.

اننا نجد الكثير من النقاد من مسلمين ومستشرقين ياخذون بهذه الروايه ويطرحون الاخرى، ويوثقون هذا الراوى ويطعنون الاخر، لا اعتمادا على الاسس العلميه الصحيحه فى القبول والرد، بل تحت تاثير الاتجاهات المسبقه من التاريخ واحداثه، فكم قبلوا روايات الوضاعين والمتروكين، واعرضوا عما هو احسن منها واولى بالقبول! والى اكثر من ذلك يذهبون: (فتحت تاثير عواطف الحب يجعلون كل ما ليس بحسن حسنا، ويجتهدون فى تاويل الحوادث بوجه ليس فيه غضاضه، حتى ما ادى منها الى سقوط فاعله وخيبته! وعاطفه الكراهه تدعو الى ضد ذلك فتجعل الحسن قبيحا، وتستنبط من الخير شرا! ولم يخلص من هذا الشر العظيم، الذى يطمس معالم التاريخ ويضيع الفائده من تجارب الامم، الا نفر قليل جدا)((84)).

كل هذا الشطط كان من جراء وجود الاخبار الكاذبه فى التاريخ..

المحور الثانى - الدوافع نحو الكذب فى التاريخ :

1 - (المصلحه) و(التحزب) ظهرت فى الاسطر السالفه كعناصر تختفى وراء الكذب فى التاريخ، رجل يكذب لنفسه: للشهره، للموقع، للمنفعه الشخصيه، او تحزبا لقبيله، او مذهب سياسى، او مذهب عقيدى، ونحو ذلك مما يمكن ان يندرج تحت عنوان (الدوافع الذاتيه) التى كمنت فى ضمير الراوى وحركته باتجاهها.

ويدخل تحت هذا العنوان الاسرائيليات التى بثها بعض من اسلم من اهل الكتاب خدمه لاصولهم وانتماءاتهم الاولى، كما يدخل تحته ايضا احاديث الزنادقه الذين ارادوا كيدا للاسلام انتصارا لمذاهبهم الفاسده ايا كانت هويتها.

هذا هو اول واهم الدوافع نحو الكذب فى التاريخ، وفى الحديث ايضا.

2 - وغير (الدوافع الذاتيه) هناك دافع من نوع آخر يخضع له المورخ فيغض عن الحقيقه التاريخيه ويعرض عنها، وربما انساق الى ذكر ما يخالفها مما ينبغى ان يترك ويرد على اصحابه، انه (سلطان الراى العام)((85)) .. ومهما احسنا الظن بالقائمين على الروايه والتدوين، فان شيئا فوق طاقتهم من الموثرات السياسيه والاجتماعيه لا بد ان يتدخل من قريب او بعيد (لان عاملى الرهبه القاهره والرهبه المغريه كانا يسودان الحياه فى تلك العصور)((86)).

× ولقد وقف كبار علماء وفلاسفه التاريخ عند هذا العنوان (الدوافع نحو الكذب فى التاريخ) فذكروا لذلك تفاسير فيها دقه وفوائد جليله، واهم من كتب من المسلمين فى ذلك رجلان: التاج السبكى، وابن خلدون.

التاج السبكى: يرى ان الجهل، واعتماد من لا يوثق به، والتعصب، هى الامور التى يرجع اليها كل ما فى التاريخ من اوهام واباطيل، ويرى ان هذه الامور هى الغالبه على التاريخ (فالجهل فى المورخين اكثر منه فى اهل الجرح والتعديل، وكذلك التعصب، قل ان تجد تاريخا خاليا منه)! (فلا بد ان يكون المورخ: عالما.. عدلا.. عارفا بحال من يترجمه .. ليس بينه وبينه من الصداقه ما قد يحمله على التعصب له ، ولا من العداوه ما قد يحمله على الغض منه..

وربما كان الباعث له على الضعه من اقوام: مخالفه العقيده، واعتقاد انهم على ضلال، فيقع فيهم، او يقصر فى الثناء عليهم لذلك)((87)). ومثل السبكى على اثر هذا الباعث الاخير بشيخه الحافظ الذهبى، اذ (قد غلب عليه مذهب الاثبات -اثبات صفات اللّه تعالى بما يفيده ظاهر النص المجرد والغفله عن التنزيه، حتى اثر ذلك فى طبعه انحرافا شديدا عن اهل التنزيه، وميلا قويا الى اهل الاثبات).


15

(ولقد استطال بلسانه على كثير من ائمه الشافعيه والحنفيين، وقال وافرط على الاشاعره، ومدح وزاد فى المجسمه).

ثم حذر من تاريخه (فانه، على حسنه وجمعه، مشحون بالتعصب المفرط، فلا يجوز الاعتماد على الذهبى فى ذم اشعرى، ولا شكر حنبلى..

وهو شيخنا ومعلمنا، غير ان الحق احق ان يتبع: لقد وصل من التعصب المفرط الى حد يسخر منه!! وانا اخشى عليه يوم القيامه من غالب علماء المسلمين)((88))! -ذلك حين كان السبكى شافعيا اشعريا له مع الحنبلى خصومات مذهبيه حاده، فقد لحظ ما نال اصحابه من خصم لهم فى بعض الروى العقيديه، فادرك ان مخالفه العقيده اساس لكثير من ظلمات التاريخ واباطيله! لكن الا يوخذ هذا على السبكى نفسه، اذ وقف انتصاره هذا على الاشاعره الشوافع، وربما الاحناف ايضا، اما غيرهم من الطوائف - كالشيعه الاماميه، او الزيديه، او المعتزله - فليس ثمه اشاره الى نصيبهم عند الذهبى؟! ربما لان السبكى نفسه، وهو الناقد هنا، يتفق مع الذهبى المورخ فى موقفه العقيدى ازاء هذه الطوائف! ولا نحتاج الى شى‏ء من البرهان على ان ناقدا شيعيا لو مارس حقه فى النقد لبرز لنا بالدرجه الاولى ما خاض به المورخ من جور بحق اعلام الشيعه ومعتقداتهم على اساس من اختلاف العقيده واعتماد الاكاذيب والموضوعات! وليس غريبا الا نجد للاشاعره حظا فى ذلك ولو يسيرا .. اما المعتزله فلا يعرفهم الا اخوهم المعتزلى الذى سوف ينسى لاجلهم سائر الناس! فالدوافع الذاتيه اذن كانت اولا وراء وضع الاخبار لدى الروائيين، وثانيا وراء انتقائها من قبل المورخين، وثالثا وراء محاكمتها عند النقاد! ذلك اهم ما افادنا به السبكى، وما افدناه نحن منه.

ابن خلدون: ابن خلدون له جوله واسعه فى نقد التاريخ يخلص منها الى نتائج هامه، فثمه مجموعه كبيره من العلوم يجب ان يتوفر عليها صاحب هذا الفن: العلم بقواعد السياسه، وطبائع الموجودات، واختلاف الامم والبقاع والاعصار فى السير، والاخلاق، والعوائد، والنحل، والمذاهب، وسائر الاحوال، والاحاطه بالحاضر من ذلك ومماثله ما بينه وبين الغائب من الوفاق او الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على اصول الدول والملل، ومبادى ظهورها، واسباب حدوثها واحوال القائمين بها واخبارهم.. ليكون عندئذ مستوعبا لاسباب كل حادث، واقفا على اصول كل خبر.

ومن تلك العلوم سوف تتهيا بين يديه القواعد والاصول، وحينئذ يعرض الخبر المنقول على ما عنده من القواعد والاصول، فان وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا، والا زيفه واستغنى عنه((89)).

اذن فمن خلال وقوف المورخ على كل ما له صله بحركه التاريخ وبالخبر التاريخى سوف تتضح له جمله من الضوابط، هى بمثابه (القواعد والاصول) التى يزن بها الاخبار والتحليلات والاراء، وما لم تتضح له تلك القواعد والاصول فسوف يخفق حتما..

(فكثيرا ما وقع للمورخين والمفسرين وائمه النقل من المغالط فى الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل، غثا او سمينا، ولم يعرضوها على اصولها ، ولا قاسوها باشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمه والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيره فى الاخبار)((90)).

لكن تحديد هذه القواعد والاصول هو الاخر عرضه للخطا، تحت ضغط الدوافع الذاتيه للمورخين انفسهم! اما الاسباب الداعيه الى الكذب فى الاخبار، فهى عند ابن خلدون اكثر تفصيلا، فمنها:

1 - التشيعات للاراء والمذاهب: وهذا ما عرفناه تحت عنوان (الدوافع الذاتيه).

2 - الذهول عن المقاصد: فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين او سمع، فينقل الخبر على ما فى ظنه وتخمينه، فيقع فى الكذب.

3 - توهم الصدق: وانما يجى‏ء فى الاكثر من جهه الثقه بالناقلين، وهذا يرجع الى التعديل والجرح((91)).

4 - الجهل بتطبيق الاحوال على الوقائع لاجل ما يداخلها من التلبس والتصنع، فينقلها المخبر كما رآها، وهى انما كانت بالتصنع على غير الحق فى نفسه.

5 - تقرب الناس فى الاكثر لاصحاب التجله والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الاحوال، واشاعه الذكر بذلك، فيستفيض الاخبار بها على غير حقيقه! وهذا هو دافع (المصلحه) العائد الى (الدوافع الذاتيه).

6 - الجهل بطبائع الاحوال فى العمران (الاجتماع البشرى):

وهذا عند ابن خلدون مقدم على كل ما سبق، فالمعرفه بطبائع العمران هى احسن الوجوه واوثقها فى تمحيص الاخبار وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على الجرح والتعديل، فلا يرجع الى تعديل الرواه حتى يعلم ان ذلك الخبر فى نفسه ممكن او ممتنع، اما اذا كان مستحيلا فلا فائده للنظر فى التعديل والجرح.


16

اثنتان فقط، الاولى والخامسه، من هذه النقاط الست تدخل مباشره فى الدوافع الى الكذب والوضع والتزوير ابتداء، التشيعات للاراء والمذاهب، والتقرب الى اصحاب المراتب، وتدخل معها بالدرجه الثانيه النقطه الثالثه (توهم الصدق) الصادر عن الثقه بالناقلين، اذ غالبا ما يخضع التعديل والجرح للتشيعات للاراء والمذاهب.

اما النقاط الاخرى فعائده الى سبب تطرق الكذب الى التاريخ، الكذب الصادر عن انواع شتى من الخطا، دون العمد.

فى الفكر الغربى الحديث :

والغربيون ايضا ادلوا بدلوهم هنا، فكتبوا فى الدوافع نحو الكذب فى التاريخ اشياء تتحد الى حد بعيد مع كل ما تقدم، فقد عد الفرنسيان (لانجلوا، وسنيوبوس) ست حالات تدفع المولفين عاده الى الكذب:

الاولى : ان يكون المولف له مصلحه فى الكذب، وتلك حاله معظم الوثائق الرسميه .. وهذه تتحد مع النقطه الخامسه عند ابن خلدون.

والثانيه : ان يكون المولف فى موقف ارغمه على الكذب .. وهذا ما تقدم سابقا بعنوان (سلطان الراى العام).

والثالثه : ان يستشعر المولف عطفا او كراهيه لجماعه من الناس (امه، حزب، فرقه، اقليم، مدينه، اسره) او لمجموع من المذاهب او الموسسات (دين، فلسفه، فرقه سياسيه) وهذا الشعور حمله على تشويه الوقائع ابتغاء ان يعط‏ى فكره حسنه عن اصدقائه، وسيئه عن خصومه.. وهذا ما عرفناه بالتشيع للاراء والمذاهب، وان دخلت هنا محاور جديده يمكن ان يتشيع لها الكتاب.

والرابعه : ان يكون المولف قد انساق وراء غرور فردى او جماعى، فكذب ابتغاء تمجيد شخصه، او الجماعه التى ينتمى اليها..

وهذه الحاله يمكن ان تلحق بالمصلحه، ويمكن ان تلحق بالاهواء، وقد يجتمع فيها الامران.

والخامسه : ان يكون المولف قد اراد ان يتملق الجمهور، فتراه يعبر عن العواطف والافكار المتفقه مع اخلاق جمهوره، او البدع السائده عنده، وحتى لو كان هو شخصيا ذا عواطف وافكار مخالفه، فانه يشوه الوقائع ابتغاء تكييفها مع اهواء جمهوره واحكامه السابقه.

والسادسه : ان يكون المولف قد حاول تملق الجمهور بحيل ادبيه، فشوه الوقائع ليجعلها اجمل حسب تصوره للجمال((92)). فهذه العناوين السته يمكن ان تندرج كلها تحت العنوانين الرئيسين اللذين اثبتناهما سلفا: (الدوافع الذاتيه) و(الراى العام) على تفصيل فيهما، فلننظر فى آثار كل منهما فى اهم مصادرنا التاريخيه.

المحور الثالث - الاتجاه واجواء التدوين :

بين المنتمى واللامنتمى، اين وقفت عيون التاريخ الاسلامى؟ هل كان القدر المنتمى منها هو هذه النسبه الى الاسلام وحسب؟ تلك نسبه طبيعيه صيغت من الموضوع الذى تناوله الكتاب من غير ان تكون هناك ضروره لهيمنه هذا الموضوع على ماده الكتاب، فكتاب التاريخ الذى يعنى باحداث حقبه زمنيه ينسب اليها، والذى يعنى باخبار طائفه من الطوائف او امه من الامم ينسب اليها، والذى يعنى باحداث بلد من البلدان ينسب اليه، وكلها نسب لا تتعدى التعريف بموضوع الكتاب.

لكن حين ينحصر الامر بتاريخ امه قد ظهرت فيها الاختلافات، وتوزعت ابناءها الفرق والطوائف، وتغلبت الاهواء التى تفرض هيمنتها فى صياغه افكار الناس ورواهم للاحداث.. عندئذ اين سيقف التاريخ؟ هل سيكون بعيدا عن معترك الميول والاهواء، منفصلا عن قيود الزمان والمكان ليسجل الاحداث والاخبار كما هى تماما، وبكامل اسبابها ودواعيها المباشره وغير المباشره، ثم بكامل تفاصيلها وما خلفته من آثار كما هى قبل ان تنفعل معها الميول والاهواء؟ لا شك‏ان هذا هوالامل‏ا لمنشود،وهو الذى ‏تقتضيه‏ الامانه ‏للتاريخ ‏وللحقيقه.

ولكن لا شك ايضا ان التاريخ لم يكتب فى الفضاء، ولا كان المورخ يستقل بساطا سحريا يقله فوق آفاق زمانه ومكانه..

انه يكتب من على الارض، وفى زمان ما ومكان ما..

وانه يكتب ما يسمع، لا ما يرى ..

وانما يحدثه ‏رجال‏لهم حيال ‏الاحداث مواقف وميول، فهو لم‏يسمع‏فى‏ الحقيقه حدثا مجردا، وانما سمع الحدث ممزوجا به او مضافا اليه انفعالات الناقلين..

وايضا فان المورخ نفسه هو واحد من اولئك البشر، يعيش فى عصر من الاعصار..

وللبشر ميول، ولكل عصر لونه ونغماته التى ميزته عن غيره من العصور، فهو ينفر من كل لون ونغمه لا تنسجم معها.

وفرق بين رجل يعيش فكرته لنفسه ولاصحابه الذين يتابعونه ويوافقونه، وبين آخر يكتب فكرته لتكون بين ايدى الناس، كل الناس، علمائهم وعامتهم، فاذا كان الاول قد يجد نفسه فى مامن ومعزل عن الرقباء، فان الثانى يرى عيون الناس وكانها ترصد افكاره وتحصى عليه حتى ما لم يرد بحسبانه! فهى لا تكتفى بقراءه ما سطره على الورق، بل تتعدى الى ما وراء ذلك لتقرا دوافعه وميوله ايضا، لتصدر احكامها عليه بحق وبغير حق.


17

وحين يكون عصر من العصور قاسيا فى مواجهه النغمات التى لا توافق نغماته فانما جاءت قسوته من اناسه، لا من ارضه ولا سمائه..

ففى حال كهذه هل يبعد ان يكون المورخ مسوقا من حيث يدرى او لايدرى، ومن حيث يريد او لا يريد لمجاراه تلك النغمات، او مداراتها؟ انه عندئذ سوف يقتطع من الحقيقه التاريخيه اجزاء مساويه لمقدار ذلك الانسياق.

ولعل هذا هو اقل الاخطار الثلاثه التى قد تتعرض لها الحقيقه التاريخيه..

اما الخطر الثانى : فيتمثل فى الانسياق التام لنغمات العصر واهواء اهله، والسير مع تياره الجارف الذى سيجرف معه اهم الحقائق التاريخيه التى تعاكس اتجاه سيره.

واما الخطر الثالث : فهو ان يكون المورخ نفسه من اصحاب الاهواء الذين لا يقبلون الا ما وافق اهواءهم، ولا ينظرون الى الاحداث والحقائق الا بمنظار الهوى.

ثم ان هذا الكتاب او ذاك من كتب التاريخ سوف يصبح مصدرا لثقافه الاجيال،تستقى منه رويتها للتاريخ‏التى ستساهم مساهمه فعاله فى‏صياغه عقائدها.

فحين يجتمع الناس على مصدر من مصادر التاريخ التى نسجت فيها الاحداث تحت احدى الموثرات الثلاثه المتقدمه، على حساب الحقيقه التاريخيه، فمن البديهى ان تحمل اذهانهم بروى مغايره للحقيقه.

ومن هنا تتسرب العقائد الدخيله الى الاذهان، فيعتقد الناس باشياء ومفاهيم ليست هى من الاسلام ومفاهيمه الحقه، وهم يظنون انها الحق الذى لاتشوبه شائبه لكثره ما يرونه من تسطير المورخين لها وربما دفاعهم عنها.

وسوف لا يكون العوام وحدهم ضحيه هذه الخطيئه، بل العلماء ايضا يقعون فى ذلك حين يقفون علومهم على هذا النوع من المصادر، وحين يكونون هم ايضا منفعلين بتلك الموثرات الثلاثه او بعضها.

فكيف اجتازت عيون التاريخ الاسلامى تلك الاجواء لتحفظ لنا حقائقه؟ لا شك ان الوقوف على المشاهد الحيه لاثبات حقيقه ما هو اهم بكثير من البحوث النظريه والبراهين الفلسفيه.

مشاهد حيه من عيون التاريخ

اولا - مع مصادر القسم الاول :

1 - قال الزبير بن بكار ((93)):

قدم سليمان بن عبدالملك الى مكه حاجا سنه 82 ه ، فامر ابان بن عثمان ان يكتب له سير النبى(ص) ومغازيه. فقال له ابان:

هى عندى، قد اخذتها مصححه ممن اثق به.

فامر سليمان عشره من الكتاب بنسخها، فكتبوها فى رق، فلما صارت اليه نظر فاذا فيها ذكر الانصار فى العقبتين((94)) وفى بدر، فقال: ما كنت ارى لهولاء القوم هذا الفضل، فاما ان يكون اهل بيتى غمصوا عليهم، واما ان يكونوا ليس هكذا! فقال ابان: ايها الامير، لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم من خذلانه ان نقول بالحق، هم على ما وصفنا لك فى كتابنا هذا.

فقال سليمان: ما حاجتى الى ان انسخ ذاك حتى اذكره لامير المومنين، لعله يخالفه، ثم امر بالكتاب فخرق، ورجع فاخبر اباه عبدالملك بن مروان بذلك الكتاب، فقال عبدالملك: وما حاجتك ان تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل، تعرف اهل الشام امورا لا نريد ان يعرفوها؟! قال سليمان: فلذلك امرت بتخريق ما نسخته((95)).

ومن هذه الواقعه تظهر عده ملاحظات مهمه:

لم يكن اهمها تخريق الكتاب..

ولا كلمه عبدالملك بن مروان - وهو الخليفه - التى تعد دستورا نافذا فى تحديد المنهج الثقافى ابان الحكم الاموى..

بل اهم من ذلك اختفاء اهم مناقب الانصار، وفى الوقائع الحاسمه فى تاريخ الاسلام: بيعه العقبه الاولى، والعقبه الثانيه، ومعركه بدر! غابت عن السواد الاعظم من المسلمين، وحتى عن سليمان بن عبدالملك الذى سيصبح عن قريب خليفه المسلمين، هذا وما زال الناس فى القرن الاول من عمر الاسلام! لا شك ان جنايه الانصار الذين كانوا انصار رسول اللّه والمجاهدين معه وانصار دين اللّه، هى انهم لم يكونوا فى ما بعد انصارا لبنى اميه. وهذه وحدها حجه كافيه فى غلق ابواب الجدال فيهم، وفى تخريق الكتاب.. هذا ان لم نعطف عليه ما سيراه الامويون اذن فى الانصار من نظره عداء قديم ثبت ظاهرا بالفعل على مدى عشر سنين، ابتداء ببيعه العقبه الاولى، ومرورا بمعركه بدر واحد والخندق، وانتهاء بفتح مكه! وثمه ملاحظه اخرى خفيه لم تتطرق اليها نصوص هذه الواقعه، لكن الناظر الفطن يراها ظاهره ظهور النصوص الجليه..

فماذا لو وقف سليمان بن عبدالملك فى تلك الصحف على مواقف على بن ابى طالب وبنى هاشم ومناقبهم، الم يكن سينكرها اشد من انكاره لمواقف الانصار؟ ان هذه الواقعه لتنطق بصوت خفى بان تلك الصحف التى حفظت من حق الانصار ما اثار انتباه الامير ودهشته ثم استنكار الخليفه من بعده، لم تكن تحفظ شيئا من حق على وبنى هاشم الذين هم لبنى اميه خصوم العقيده والتاريخ.


18

ولهذه الملاحظه ما يويدها من سيره ابان بن عثمان، اذ كان هواه على الدوام مع خصوم على، ففى مستهل شبابه فى السادسه عشره من عمره خرج مع اصحاب الجمل لقتال على، ثم كان هواه مع الامويين وعمل لهم واليا على المدينه المنوره سبع سنين.

واذا كانت هذه الملاحظه قد جاءت هنا خفيه، فانها قد استولت بالكامل على المشهد الاتى:

2 - قال المدائنى :

اخبرنى ابن شهاب بن عبداللّه، قال: قال لى خالد القسرى((96)): اكتب لى السيره. فقلت له: فانه يمر بى الشى‏ء من سير على بن ابى طالب، فاذكره؟ قال: لا، الا ان تراه فى قعر الجحيم((97))! فهذا القول الصريح لا يقصر عن ان يكون برهانا على ما نسبناه الى تاريخ ابان بن عثمان آنفا.

3 - من اصحاب التاريخ الذين عرفناهم فى القسم الاول :

عروه بن الزبير والزهرى وموسى بن عقبه، فكيف كان موقفهم من سير على بن ابى طالب(ع)؟ كان عروه بن الزبير واحدا من كبار علماء المدينه، هذا حق، وكان قد اعتزل السياسه ايام النزاع بين اخيه عبداللّه وبين الامويين، هذا ما حفظه له التاريخ، ولكن هل اعتزل ايضا ازاء النزاع الذى حصل حول الخلافه؟ الذى ثبت عنه يفيد القطع بانه لم يكن معتزلا ذلك النزاع..

فالذى ثبت عنه ان اكثر حديثه كان عن ام المومنين عائشه، ولا شك انها كانت طرفا من اطراف النزاع فى مراحله الاخيره، كما كان لها ميل صريح الى احد طرفى النزاع منذ ايامه الاولى، بل ربما قبل ذلك ايضا.

ولقد ثبت عن عروه انه قد تاثر بهذا الميل تاثرا كبيرا، بل الارجح ان ميله هذا هو الذى دعاه الى الاختصاص بعائشه دون سواها، فهو ابن الزبير بن العوام الذى كان الى جانب عائشه فى طليعه الداعين الى نقض بيعه على بن ابى طالب واعلان الحرب ضده، تلك الحرب التى كان الزبير من اول ضحاياها.

وكان عروه قد حاول الخروج معهما فى تلك الحرب، لكن ردوه لصغره، اذ كان عمره ثلاث عشره سنه((98)).

فلم يكن اختصاصه بام المومنين عائشه لكونها خالته اخت امه اسماء اذن، فلقد كان بنو هاشم اخواله ايضا، فام ابيه هى صفيه بنت عبدالمطلب اخت ابى طالب.

ولقد كان هذا الميل ثابتا فى حديثه حتى عد فى المنحرفين عن على(ع)، نسبه الى ذلك من لا يتهم فيه:

قال معمر: كان عند الزهرى حديثان عن عروه عن عائشه فى على(ع)، فسالته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما؟ اللّه اعلم بهما! انى لاتهمهما فى بنى هاشم((99))! اذن فهذا المصدر متهم ايضا، متهم لا فى اخفاء بعض حقائق التاريخ وحسب، بل فى ادخال الاخبار المختلقه التى نسجها خصوم بنى هاشم للنيل منهم والتنقص من منزلتهم! انه متهم بذلك حتى عند الزهرى الذى لم يكن له ميل الى على وبنى هاشم، بل على العكس كان قريبا من بنى اميه مقربا لديهم، كما سياتى ذكره.

4 - مغازى ابن شهاب الزهرى :

الفائده الاخرى التى تظهر من الخبر المتقدم هى ان الزهرى كان اكثر انصافا لحقائق التاريخ من عروه.

ومره اخرى يبدو الزهرى اكثر انصافا من آخرين ممن عاصروه حين يوجه الطعن للتاريخ الذى كان يكتب على عيون بنى اميه.

قال‏معمر: سالت‏الزهرى، عن‏كاتب‏الكتاب‏يوم‏الحديبيه، فضحك،وقال: هو على بن ابى طالب، ولو سالت هولاء - يعنى بنى اميه - لقالوا: عثمان ((100))!! اذن لم يقتصر الامر هنا على كتمان مواقف على وسيره، بل تعدى الى سلبها منه واضافتها الى غيره! لا شك ان الخبرين المذكورين قد حفظا للزهرى موقفا فريدا، اذ نزه قلمه فيهما عن لونين من الوان اغتصاب الحقيقه التاريخيه، فابى ان يسوق احاديث علم انها وضعت للنيل من على وبنى هاشم، كما ابى ان يسلبهم حقهم ليمنحه آخرين من غيرهم.

وللزهرى موقف ثالث يحفظه له التاريخ، موقف شجاع دون شك، والخليفه الوليد بن عبدالملك يقرا، والزهرى عنده: (ان الذين جاءوا بالافك عصبه منكم - الى قوله تعالى - والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم)((101)) فالتفت الى الزهرى وقال:

الذى تولى كبره منهم على! قال الزهرى: قلت: لا، لكنه عبداللّه بن ابى((102)).

وله مثل هذا ايضا مع هشام بن عبدالملك وقد سعى السعى نفسه، اذ دخل عليه سليمان بن يسار، فقال له هشام: الذى تولى كبره من هو؟ قال: ابن ابى.


19

قال هشام: كذبت، هو على! قال ابن يسار: امير المومنين اعلم بما يقول! فدخل الزهرى، فاعاد عليه هشام السوال، فقال: هو ابن ابى، فزجره هشام ليقول هو على، او ينسل من الجواب انسلال ابن يسار، لكن الزهرى لم يرضخ ورفض ان يكذب لهشام((103)).

ويبقى السوال: هل استطاع الزهرى ان يكون امينا على السير فيثبتها فى محلها بلا زياده ولا نقصان، وحتى سير على وبنى هاشم والانصار، فى تلك الاجواء التى لم تتوقف عند كتمان سيرهم، بل تعدت ذلك فاثارت حولها سحبا كثيفه لتعكس لهم صوره اخرى تماما؟ هل وفى الزهرى للحقيقه وادى الامانه على اتم وجه؟ الحق ان من تتبع روايه الزهرى للسير والمغازى يجد انه لم يكن كذلك، فعلى امتداد سيره النبى(ص) ومغازيه لا تجد لعلى بن ابى طالب ذكرا، الا حين لاينطوى ذكره على فضيله تميزه على غيره((104))، وحين سئل عن فضيله له جحدها! ففى ذكر اول من اسلم نقل عبدالرزاق ما نقله معمر عن غير الزهرى: ان اول من اسلم على بن ابى طالب. لكن الزهرى قال:

ما علمنا احدا اسلم قبل زيد ابن حارثه((105)). فى حين لا يكاد يعرف هذا عن احد غير الزهرى((106)).

ثم يواصل الزهرى ذكر من اسلم فلا يذكر اسلام على ولا احد من بنى هاشم.

ثم يمضى فى ذكر السيره والمغازى فلا تجد عليا فيها الا رجلا غريبا ليس له فيها خبر ولا اثر، مع انه لا يمر على اثر لابى بكر وعمر الافصل فيه وزينه، اما على فلا ذكر له لا فى العهد المكى، ولا فى الهجره، ولا فى المواخاه، ولا فى بدر، ولا فى احد، ولا فى الخندق، ولا فى خيبر، ولا فى فتح مكه، ولا فى حنين، ولا فى تبوك، ولا فى غير ذلك!! انه ليبدو لقارى مغازى الزهرى ان عليا رجل غريب على السيره! ولقد استشعر عبدالرزاق ذلك وهو يروى مغازى الزهرى فتداركه فى مواضع معدوده فقط:

فروى خبر اسلام على من حديث معمر عن قتاده وعن عثمان الجزرى((107)). وروى مبيت على(ع) على فراش النبى(ص) يوم الهجره من حديث معمر عن عثمان الجزرى وعن قتاده((108)). اما حديث الزهرى فكان يرويه عن عروه عن عائشه، وليس فيه ذكر لعلى((109)). وروى قول النبى(ص) لعلى(ع) حين خلفه اميرا على المدينه يوم تبوك (اما ترضى ان تكون منى بمنزله هارون من موسى، الا انه لا نبى بعدى) رواه من حديث معمر عن قتاده وعلى بن زيد بن جدعان((110)).

هذا مع ان الزهرى يثبت فى مغازيه حديث ابن عباس الذى يدين فيه ام المومنين عائشه للسبب نفسه، كتمان مواقف على! قال الزهرى: اخبرنى عبيداللّه بن عبداللّه بن عتبه ان عائشه اخبرته، قالت: اول ما اشتكى رسول اللّه(ص) فى بيت ميمونه، فاستاذن ازواجه ان يمرض فى بيتى، فاذن له - قالت - فخرج ويد له على الفضل بن عباس، ويد اخرى على يد رجل آخر، وهو يخط برجليه فى الارض.

فقال عبيداللّه: فحدثت به ابن عباس، قال: اتدرى من الرجل الذى لم‏تسم عائشه؟ هو على بن ابى طالب، ولكن عائشه لا تطيب نفسا بخير ((111)).

استظهار :

من هذه القراءه فى مغازى الزهرى يظهر بما لا يدع مجالا للشك ان ذلك المورخ الذى سماه المدائنى (ابن شهاب ابن عبداللّه) والذى طلب اليه خالد القسرى ان يكتب له السيره، انه هو ابن شهاب الزهرى هذا، فابن شهاب هو الغالب على تسميه الزهرى، و هو محمد بن مسلم بن عبيداللّه بن عبداللّه بن شهاب، فوقع اللبس لما فيه من نسبه الى الجد الاعلى مع تقديم و تاخير.

ويويد ما قلناه انه لم يكن احد من اهل العلم بالسير ممن عاصر خالد القسرى يعرف بابن شهاب الا ابن شهاب الزهرى.

اذن هذه هى مغازى ابن شهاب الزهرى التى عرف بها بنفسه، فقال: قال لى خالد القسرى: اكتب لى السيره.

فقلت له: فانه يمر بى الشى‏ء من سير على بن ابى طالب، فاذكره؟ فقال: لا، الا ان تراه فى قعر الجحيم((112))! فلما لم يجد الزهرى عليا فى

قعر الجحيم، لم يورد له ذكرا فى مغازيه! دهاء الزهرى :

تجنب الزهرى شيئا من اخبار شيخه عروه حين اتهمه فى بنى هاشم، وهذه فضيله يحفظها له التاريخ. وفى مقابل ذلك اعرض عن ذكر سير على ومناقبه ارضاء لبنى اميه او تقيه، وهذه حفظها له بنو اميه.


20

وربما ظن انه قد سلك مسلكا وسطا، فلا هو ارضاهم فى النيل من على وبنى هاشم، ولا هو اسخطهم بذكر سير على وبنى هاشم!

وبهذا نجح الزهرى فكان حظيا عند الامويين لا يقدمون عليه احدا حتى توفى.

ولكن لم يات هذا النجاح الا بما هدره من حقائق الدين والتاريخ التى لواظهرها لكان الزهرى عندهم غير الزهرى! ثم الم يكن فى اخفاء صفحات هامه من السيره تغييرا لوجه السيره، وعرضها بوجه جديد مخالف لوجهها الحقيقى؟ فكيف يعد هذا مسلكا وسطا؟! ويزيد فى تغيير وجه السيره ما يقع اثناء الحديث من ذكر لموقف اشترك فيه مع على بن ابى طالب رجل آخر، فحين يحذف اسم على سيبرز الاخر فى صوره جديده لم تكن هى الصوره التى تحققت فى الواقع.

فحين يذكر الزهرى ان النبى(ص) امر ابا بكر (رضى‏اللّه) على الحج((113)).ثم يخفى ماوراءها من انه(ص) قد بعث عليا(ع) على اثره وامره ان ياخذ منه (براءه) فيبلغها فى الموسم، فعاد ابو بكر الى رسول اللّه(ص) فقال: انزل فى شى‏ء يا رسول اللّه؟ فقال الرسول(ص): (لا، ولكنى امرت الا يبلغ عنى الا انا او رجل منى)((114)). انه عندما يقطع هذا الجزء فسوف تظهر الواقعه بوجه آخر.

ان الذى سخر منه الزهرى آنفا من قول بنى اميه فى كاتب الكتاب يوم الحديبيه((115))، قد وقع فى مثله فى مواضع كثيره من مغازيه.. واكثر هذه المواقع وضوحا ما نقله فى سد ابواب المسجد، فقال:

قال النبى(ص): (سدوا هذه الابواب الشوارع فى المسجد الا باب ابى بكر(رضى‏اللّه) فانى لا اعلم رجلا احسن يدا عندى من الصحابه من ابى بكر)((116)).

وحديث سد الابواب انما هو لعلى لا لابى بكر، حتى اشتهر انه لا يدخل المسجد جنبا الا رسول اللّه(ص) وعلى.

وقوله(ص): (سدوا هذه الابواب الا باب على) رواه احمد والترمذى والنسائى وابن كثير والعسقلانى وغيرهم((117)).

قال ابن ابى الحديد المعتزلى: حديث سد الابواب كان لعلى(ع) فقلبه البكريه لابى بكر((118)).

ومن اوضح الدلائل على ان حديث سد الابواب كان لعلى، وليس لابى بكر:

ا - ما ثبت عن عمر فى قوله المشهور: (لقد اوتى ابن ابى طالب ثلاث خصال، لئن يكون لى خصله منها احب الى من ان اعط‏ى حمر النعم: تزويجه فاطمه، وسكناه المسجد مع رسول اللّه يحل له ما يحل له، والرايه يوم خيبر)((119))! ب - حديث ابن عباس الذى يذكر فيه هذه الخصله لعلى فى خصال لم يشركه فيها احد((120)). كان هذا وصفا مجملا لمغازى الزهرى.

5 - مغازى تلامذه عروه والزهرى :

كان من اصحاب المغازى: يزيد بن رومان تلميذا لعروه والزهرى، وابو الاسود تلميذا لعروه وهو ربيبه، وموسى بن عقبه تلميذا للزهرى، وقد جعل هولاء اعتمادهم بالمرتبه الاولى على روايه عروه والزهرى((121)). فلا شك اذن ان تاتى مغازيهم بتلك الخصائص نفسها.

مثال ذلك: ما رواه يزيد بن رومان عن عروه بن الزبير فى قصه مهاجرى الحبشه وحديث النجاشى معهم، فقال: انما كان يكلم النجاشى عثمان بن عفان! قال ابن اسحاق: وليس كذلك، انما كان يكلمه جعفر بن ابى طالب((122)). والذى ذكره ابن اسحاق هو الذى عليه سائر اصحاب السير((123)). اما روايه يزيد بن رومان عن عروه فهى من جنس ما ذكره الزهرى عن بنى اميه فى حديث كاتب الكتاب يوم الحديبيه!

6 - مغازى عاصم بن عمر بن قتاده :

هذا المصدر نجا نسبيا من اسر التطرف او الانحياز الذى وقعت فيه المصادر السابقه، فذكر كثيرا من سير الانصار واخبارهم واطرافا من سير على(ع)((124)).

ولعل السر فى ذلك يعود الى امرين:

الاول: انه كان من الانصار، فجده قتاده بن النعمان الانصارى الذى سقطت عينه اثر ضربه فى معركه احد، فردها رسول اللّه(ص) بيده الشريفه فعادت احسن من قبل.

والثانى: انه كان يحدث فى عهد عمر بن عبدالعزيز، وهو عهد اكثر اعتدالا، استطاع فيه بعض اهل العلم ان يظهروا من العلم ما لم يكن يظهر فى عهود سائر خلفاء بنى اميه قبل عمر بن عبدالعزيز وبعده.

لكنه كان يحدث فى مسجد دمشق، فهو بلا شك لم يستطع ان يقول كل مايعلم فيصدم اهل الشام بما ينكرونه، وهم كما وصفهم معاويه بن ابى سفيان: (لايعرفون عليا ولا قرابته، ولا عمارا ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحبته، ولا طلحه ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله، ولا يتقون سعدا ولا دعوته)((125)).


21

7 - آخرون :

اما الاخرون من اصحاب المغازى والسير الذين لم يقفوا عند تلك الحدود ولا خضعوا لتلك الضوابط، فاثبتوا من السير ما صح لديهم او ما بلغهم حتى من سير على وبنى هاشم والانصار، فكان من اليسير جدا ان ينبزوا بالتشيع، وعندما يقال لمورخ او محدث انه يتشيع فليس المراد التعريف بمذهبه وحسب، بل المراد الطعن بروايته وردها.

وهكذا كان نصيب الكثير من مورخى تلك المرحله، والمرحله اللاحقه ايضا، فقيل فيهم: (كان اصحاب المغازى يتشيعون، كابن اسحاق، وابو معشر، ويحيى بن سعيد الاموى وغيرهم)((126)). قد تقدم التعريف بابن اسحاق وسياتى بتفصيل اكثر فى الفقره اللاحقه.

-ابو معشر : نجيح بن عبدالرحمن السندى (170 ه ) - مولى ام موسى بن المهدى العباسى((127))، اشخصه المهدى معه من المدينه الى بغداد سنه 160 ه وامر له بالف دينار، وقال له: تكون بحضرتنا فتفقه من حولنا((128)). فهذا من اين ياتيه التشيع، الا ان يكون قد روى من سير على وبنى هاشم ما كان لا ياذن به الامويون من قبل؟ لقد لاحظ بعض المحققين ان مغازى ابى معشر كانت تضم كل احداث حياه الرسول(ص)((129)).

فهو اذن لم يقتطع تلك الاجزاء التى اقتطعها عروه والزهرى وتلاميذهم، وهذا هو التشيع! هذا رغم ان الظاهر من روايه ابى معشر انه كان متحفظا فى نقل هذا النوع من الحديث، كما هو ظاهر فى الروايه الوحيده التى نقلها عنه الطبرى فى ما يخص عصر الرسول(ص)، وهى روايته لاماره ابى بكر(رضى‏اللّه) على الحج وبعث على(ع) على اثره وتبليغ سوره براءه، فقد اخفى ابو معشر ما فى هذه الواقعه من مزيه لعلى(ع) فى قول النبى(ص): (امرت الا يبلغ عنى الا انا او رجل منى) فلم يات هذا الحديث فى روايته((130)).

واما فى عهود الخلفاء فقد روى الطبرى عنه كثيرا((131))، ولكن لم يرو عنه فى الغالب الا تاريخ غزوه، او تاريخ وفاه، او اسم من ولى الحج فى كل سنه من السنين! - يحيى بن سعيد : ابن ابان بن سعيد بن العاص الاموى (194ه ) تلميذابن اسحاق، اخذ عنه المغازى((132))، وروى عنه كتاب الخلفاء((133)). من هنا لحق به مالحق بابن اسحاق، ورغم انه روى عن هشام بن عروه بن الزبير وآخرين من خصوم الشيعه الا ان هذا لم يمح عنه سمه التشيع التى لم يمحها نسبه الاموى ايضا! وقد اخرج له الطبرى ست روايات ليس فيها ما يمت الى التشيع او سير على وبنى هاشم بصله، بل منها ما هو من روايه عروه والزهرى((134)).

8 - سيره ابن اسحاق :

الكتاب الجامع للسيره النبويه والمغازى ، وهو كتاب كبير اختصره ابن هشام فى كتابه الشهير (السيره النبويه لابن هشام). رواه عنه ثلاثه من تلامذته، واحدى الروايات هى التى اختصرها ابن هشام، وهى روايه البكائى((135)).

وقد عدد ابن اسحاق مصادر كتابه فروى عن الزهرى ويزيد بن رومان وفاطمه بنت المنذر بن الزبير زوجه هشام بن عروه بن الزبير، كما روى عن عاصم بن عمر بن قتاده، وروى عن الاعمش وعبداللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى طالب(ع).

اما تشيعه ففسره بعضهم بقوله: كان له انقطاع الى عبداللّه بن الحسن بن الحسن، وكان ياتيه بالشى‏ء فيقول له: اثبت هذا فى علمك. فيثبته ويرويه عنه((136)).

ترى لماذا لا يقال فى من وقف كتابه على روايه عروه والزهرى انه كان بكريا او عثمانيا، فيجعل ذلك عيبا قادحا فيه؟ على اى حال فقد اثبت ابن اسحاق كثيرا من سير على والانصار التى اعرض عنها غيره ممن تقدم ذكرهم، وربما تكون من ابرز رواياته فى ذلك: حديث سلمان الفارسى وهو يسال رسول اللّه(ص): يا رسول اللّه، انه ليس من نبى الا وله وصى وسبطان، فمن وصيك وسبطاك؟ فيجيبه النبى(ص) بقوله: (والذى نفسى بيده لانا خير النبيين، وان وصييى لخيرالوصيين - يعنى عليا(ع) - وسبطاى‏خيرالاسباط -) يعنى‏الحسن والحسين(ع)((137)).

اختصار ابن هشام :

عمد ابن هشام الى اشياء فى سيره ابن اسحاق فحذفها، وقال:

تركت ذكرها للاختصار، ولاجل الامانه فقد اوضح عن تلك الاشياء التى حذفها فى مقدمته، وقد تضمنت: بعض اخبار ما قبل النبوه، وبعض الانساب التى لا تتصل بالرسول(ص)، واشعارا تفرد بذكرها ابن اسحاق، ثم ذكر اشياء اخرى حذفها فقال:


22

(واشياء: - بعضها يشنع الحديث به.

وبعض يسوء بعض الناس ذكره.

وبعض لم يقر لنا البكائى بروايته).

ولعل هذه الاشياء هى اخطر ما حذف من سيره ابن اسحاق، وبالخصوص الثانى منها الذى قال عنه (يسوء بعض الناس ذكره) وسوف تظهر معالم هذه الاشياء المحذوفه عند الحديث عن تاريخ الطبرى، وعن منهاج التدوين فى تلك المرحله، علما ان ابن هشام قد توفى فى سنه 213 ه .

ثانيا - مع مصادر القسم الثانى:

واهمها كما قدمنا هو تاريخ الطبرى الموسوم بتاريخ الامم والملوك.

فكيف تعامل الطبرى مع الاحداث، وبالخصوص ما يتصل منها بمواضع النزاع لمذهبى وارضاء الراى العام او اسخاطه؟ النقاط التاليه ستقدم لنا الجواب الشافى باكبر قدر ممكن من الايجاز:

1 - اعتمد الطبرى كثيرا من كتب المغازى والسير المتقدمه، واضاف اليها كثيرا مما سمعه من مشايخه ومن رواه الاخبار، فاسند رواياته غالبا، ونسبها الى مصدرها احيانا، وخروجا من العهده فقد ذكر ذلك فى مقدمته، ثم قال: فما يكن فى كتابى هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، او يستشنعه سامعه من اجل انه لم يعرف له وجها فى الصحه ولا معنى فى الحقيقه فليعلم انه لم يوت فى ذلك من قبلنا، وانما اتى من قبل بعض ناقليه الينا((138)).

لقد دافع بعبارته هذه عن نفسه، لا عن الحقيقه التاريخيه بل تستبطن عبارته ادانه للتاريخ.. فهو برى‏ء مما جاء فى بعض مروياته من تهافت او مناقضه للحقيقه، وانما التبعه فى ذلك على الرواه.

ولا يخفى ان عبارته هذه تستبطن الادانه للتاريخ، الذى حمل الغث والسمين.

واذا كان وجه العذر فى انه حين عرف بالاسانيد فقد ترك الطريق واضحا امام الدارسين ليعرفوا الصحيح منه، ويعرفوا الضعيف والباطل المفترى كذلك من خلال معرفه حال الرواه، وهو امر قد اصبح هينا بعد احكام علم الجرح والتعديل، اذا كان هذا هو وجه العذر فلا شك انه وجه صحيح لو تم كما اراد له صاحبه.

ولكن هنا مسالتان:

الاولى : ان الذين سينتفعون من ذلك انما هم الخاصه من اهل العلم ذوى الباع الطويل فى علوم الروايه والدرايه، واهل التخصص فى هذا الفن، وهولاء اندر من الكبريت الاحمر فى كل عصر ومصر، اما السواد الاعظم من الناس بما فيهم الكثره الغالبه من اهل المعرفه والاطلاع وحتى بعض المتخصصين فى التاريخ فهم بعيدون عن معرفه ذلك والتقحم فيه، وانما يقروون تاريخا مسطورا ومنظما، ومما يزيد فى تقبلهم لكل ما فيه واطمئنانهم اليه هو هذه الاسانيد نفسها! وهنا انقلب دور هذه الاسانيد لتاتى بالنتيجه المعكوسه تماما عند الغالبيه العظمى، بل عند عامه الامه وسائر طبقات المتعلمين من ابنائها على مدى العصور وتعاقب الاجيال! هذه هى الحقيقه الواقعه .. وهذه هى العاقبه الخطيره لتلك الطريقه من الحذر..

وسوف تتضح لنا خطوره هذه النتيجه اكثر حين نلتفت الى انه ليس المهم فى كتابه التاريخ تبرئه الكاتب المصنف او القاء اللوم عليه، انما المهم فيه والمطلوب منه هو ما سيتركه كتابه من اثر فى ثقافه الاجيال ورويتها لحقائق التاريخ واحداثه الهامه.

الثانيه : ان كبار المورخين الذين اخذوا عن الطبرى - وهم عاده من خاصه اهل العلم والتحقيق - قد وقعوا فى ذلك المحذور فى كثير مما اخذوه عنه، حيث اعتمدوا اشد الروايات ضعفا واكثرها تهافتا ومناقضه للواقع.

وهذه حقيقه لائحه للناظر فى تاريخ ابن الاثير (الكامل فى التاريخ)، وتاريخ ابن كثير (البدايه والنهايه)، وتاريخ ابن خلدون، بل حتى تاريخ المسعودى (مروج الذهب) الذى اثنى على تاريخ الطبرى اشد الثناء ولم يشر الى روايته عن المتروكين والضعفاء.

ومن امثله تلك الروايات المتهافته الروايات التى تنتهى الى سيف بن عمر، فلعله لم يعرف فى التاريخ روايات اضعف منها سندا ولا اشد منها نكاره!! فسيف بن عمر معروف عند اهل الجرح والتعديل بلا خلاف بينهم: انه متروك، كذاب، يضع الحديث، متهم بالزندقه((139)).

اضف الى ذلك ان الرجل الذى روى كتب سيف - وهو شعيب بن ابراهيم - هو رجل مجهول ليس بالمعروف((140)). لكن هذه المعرفه بحال سيف بن عمر وراوى كتبه لم تمنع اكابر المورخين من اعتماده بالدرجه الاولى وخاصه فى اكثر مراحل التاريخ الاسلامى حساسيه، وهى المرحله التى سنعرف بها فى النقطه التاليه.


23

2 - ان اكثر مراحل التاريخ الاسلامى حساسيه هى المرحله التى تبتدى بمرض رسول اللّه(ص) ووفاته وابتداء عهد الخلافه وما نجم فيها من خلافات وفتن ابتداء باحداث سقيفه بنى ساعده لانتخاب اول الخلفاء، وانتهاء بمعركه الجمل التى قادها نصف من بقى من اعضاء الشورى((141)) - طلحه والزبير - لقتال رابع الخلفاء وهو ربع من بقى من اعضاء الشورى، فيما اعتزل الربع الاخر - سعد ابن ابى وقاص - ولكن كان قلبه ولسانه مع الربع المستهدف فى تلك الحرب - على ابن ابى طالب(ع).

وقد تمخضت تلك المرحله عن احداث كانت بمثابه النواه الاولى لاول خلاف وقع بين المسلمين، ذلك الخلاف الذى اخذ ينمو مع الزمن ومع تعاقب الاحداث، ومع نموه كان يظهر فى الميدان مزيد من الاهواء التى اتخذت اشكالا شتى دخلت فى‏الاحاديث المنسوبه الى‏النبى(ص) وفى مواقف الصحابه ونزعاتهم.

ففى مرحله كهذه ينبغى ان يكون المورخ حذرا كل الحذر فلا يجنح الى روايه من عرف بالكذب ووضع الحديث، ولا الى صاحب الهوى وهو ينتصر لهواه.

فكيف كان اختيار الطبرى فى تاريخه لهذه المرحله؟ انه مما يلفت النظر ان الطبرى قد جعل جل اعتماده فى تدوين احداث هذه المرحله بطولها على روايه سيف بن عمر، المعروف بالكذب ووضع الحديث والمتهم بالزندقه! ففى هذه المرحله، ابتداء من مرض الرسول(ص)، وانتهاء بمعركه الجمل، لا يفارق الطبرى روايه سيف الا حين يضع الى جانبها روايه اخرى، وغالبا ماتجد الفرق شاسعا بين روايه سيف وغيره((142)). ولعله سيتضح السبب فى اعتماد روايه سيف عند المرور على النقاط التاليه.

3 - وقف الطبرى عند قصه ابى ذر مع بنى اميه، فرآها من اخطر الاحداث التى تصف مسار التاريخ وتكشف عن وجهه الحقيقى، فاعرض عن كل ما روى فيها باستثناء ما رواه سيف بن عمر، لانه الكاتب الوحيد الذى حفظ للسلطان ماء وجهه واستنقذه من عواقب تلك الاحداث كما صرح بذلك الطبرى نفسه فى مستهل حديثه عن هذه القصه، فقال:

(فى هذه السنه - سنه 30 ه - كان ما ذكر من امر ابى ذر ومعاويه، واشخاص معاويه اياه ،((143)) امور كثيره كرهت ذكر اكثرها، فاما العاذرون معاويه فانهم ذكروا فى ذلك قصه كتب بها الى السرى يذكر ان شعيبا حدثه سيف ...).

ويسرد الطبرى هذه القصه مرددا بين فقراتها (قال سيف) (قال سيف) حتى اتى على آخرها، ثم قال: (واما الاخرون فانهم رووا فى سبب ذلك اشياء كثيره وامورا شنيعه كرهت ذكرها)((144))! اذن لا شى‏ء عن هذا الحدث الحاسم الذى يكشف كثيرا من اسرار التاريخ، لا شى‏ء عنه فى هذه الموسوعه التاريخيه الكبرى الا ما يرويه المتزندق سيف، وينقله عنه راويته المجهول شعيب، ولا شى‏ء بعد ذلك، فهولاء هم العاذرون معاويه، واما الاخرون فلا بد من وضع الاكف على افواههم، فالطبرى يكره ذكر اخبارهم! ترى لماذا نسى الطبرى منهجه فى الروايه؟ الم يقرر فى مقدمته انه يروى ما بلغه، ثم اذا كان فيه ضعف او خلاف للواقع فالعهده فيه على الناقلين، لا عليه؟ فلماذا اذن تجنب روايه الطرف الاخر وكره ذكرها، الم يكن الاولى ان يذكرها ايضا ثم يترك الامر من بعده لاهل التمحيص فينظروا اى الروايتين احسن اسنادا واولى بالاعتماد؟ ربما يظهر من كلام الطبرى ان روايه هذا الطرف - العاذرين ابا ذر - قد حوت امورا شنيعه، فكره ذكرها، ولم تكن روايه سيف كذلك.

لكن هذا العذر مردود بامرين:

الاول : ان روايه سيف جاءت بما هو شنيع، بل بما هو اشنع من تلك الامور التى كره الطبرى ذكرها..

فاما الشناعه التى كره الطبرى ذكرها فمفادها: ان معاويه كان يحب المال والزينه، وانه سير الصحابى الكبير ابا ذر من الشام الى المدينه على بعير بلا وطاء حتى تاكل لحم فخذيه. وحين قدم ابو ذر المدينه امر الخليفه عثمان بن عفان بنفيه الى الربذه بعد جدل دار بينهما اصر فيه ابو ذر الا يكف عن طعن الامراء الذين شغلتهم الدنيا وجمع الثروات الطائله، وخرج ابو ذر الى الربذه ولم يجرو احد ان يودعه سوى على وولديه الحسن والحسين((145)).

واماروايه‏سيف‏التى‏لايذكر الطبرى‏سواها،فاولها:(لما ورد ابن‏السوداء ((146))الشام لقى ابا ذر، فقال: يا ابا ذر، الا تعجب الى معاويه، يقول: المال مال اللّه؟! الا ان كل شى‏ء للّه، فكانه يريد ان يحتجبه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين! فاتاه ابو ذر فقال: ما يدعوك الى ان تسمى مال المسلمين مال اللّه! .. قام ابو ذر بالشام وجعل يقول: يا معشر الاغنياء واسوا الفقراء.. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك واوجبوه على الاغنياء.. ثم يذكر تسيير معاويه ابا ذر الى المدينه على احسن هيئه، ويكرمه الخليفه (رضى‏اللّه) احسن اكرام ويتلطف به، غير ان ابا ذر يصر على ان يهجر المدينه ليرتد اعرابيا!! فهذه القصه التى حملت على رابع الاسلام - ابى ذر((147)) - فجعلته تابعا لاراده ذلك اليهودى الماكر، ثم جعلت منه رجلا متمردا على الخليفه بايعاز من ذلك اليهودى، ثم جعلت منه مرتدا اعرابيا بعد الهجره..


24

اليس فى هذه القصه من الشناعه ما يكفى لنفور المورخ منها حين يكون عهده النفور من امثالها وما هو ادنى منها؟! الثانى : ان الطبرى باختياره هذا يصرح قولا وعملا انه قد وقف فى تاريخه الى جانب الامير الغالب، ملتمسا له العذر على كل حال وان لم يجد هذا العذر الا عند الزنادقه كسيف بن عمر!! الا تراه كيف كان صريحا فى اعراضه عن سائر احاديث العاذرين ابا ذر - الطرف المغلوب - واكتفائه بروايه العاذرين معاويه - الامير الغالب - رغم انه لا يجد هذا العذر الا عند الموصوف بالزندقه والمعروف بالكذب والوضع سيف بن عمر، ومن طريق روايته المجهول شعيب؟! ان موقفا كهذا ينبغى الا يظهر فى تدوين التاريخ، وبالخصوص تاريخ الاسلام.

- وهنا نلحظ ان عذر الطبرى بترك تلك الروايات بانها حوت امورا شنيعه، قد جاء مطابقا لعذر ابن هشام فى حذف اشياء من سيره ابن اسحاق حين قال عنها: (يشنع الحديث به)! 4 - موقف آخر يتبناه الطبرى فى تاريخه:

وقف الطبرى على مكاتبات جرت بين محمد بن ابى بكر لما ولى مصر، وبين معاويه بن ابى سفيان، فقال الطبرى: عن يزيد بن ظبيان انه قال: (ان محمد بن ابى بكر كتب الى معاويه بن ابى سفيان لما ولى) وقطع الطبرى الكلام الى هنا ثم قال:

(فذكر يزيد بن ظبيان مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعه العامه)((148))! وهذا كلام صريح بان اذهان العامه قد شحنت بثقافه منحازه، وقد تعصبت لها كثيرا فهى لا تحتمل سماع ما يناقضها وان كان هو الحق.

ان عباره الطبرى هذه تحدد لنا بوضوح ما عناه ابن هشام حين حذف اشياء من سيره ابن اسحاق فقال عنها: (يسوء بعض الناس ذكره)! فما هى معالم هذه الثقافه التى شحنت بها اذهان العامه؟ لقد تقدمت نبذ من ذلك عند ذكر كتاب ابان بن عثمان الذى خرقه سليمان ابن عبدالملك لما فيه من ذكر للانصار، وفى حديث خالد القسرى لابن شهاب حين طلب منه ان يكتب المغازى شريطه ان لا ياتى لعلى(ع) بذكر الا ان يجده فى قعر جهنم، وفى حديث الزهرى عن كاتب الكتاب يوم الحديبيه: لو سالت بنى اميه لقالوا هو عثمان.

وسناتى على مزيد من معالم تلك الثقافه فى فقره لاحقه اعددناها لهذا الغرض، بعنوان (منهاج التدوين).

عوده الى اختصار ابن هشام :

بعد هذا الاستعراض لم يعد مستغربا ان نجد فى ما شمله اختصار ابن هشام -سواء كان مما يشنع الحديث به، او مما يسوء بعض الناس ذكره - هذين الحديثين:

1 - حديث سلمان الفارسى، وسواله النبى عن وصيه، وقول النبى(ص) له: (ان وصيى على).

وهذا حديث مثبت فى القسم الموجود من سيره ابن اسحاق((149))، وليس له فى سيره ابن هشام اثر! فهذا بعض ما حذفه ابن هشام لاعذاره المتقدمه.

2 - حديث على(ع) فى قصه انذار النبى(ص) قومه من بنى هاشم وبنى المطلب عند نزول قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الالآقربين) وقوله فى آخرها وهو آخذ بيد على: (ان هذا اخى، ووصيى، وخليفتى فيكم، فاسمعوا له واطيعوا).

رواه الخازن فى تفسيره نقلا عن ابن اسحاق((150))، وليس له فى سيره ابن هشام اثر! فهذا بعض ما حذفه ابن هشام لاعذاره المتقدمه.

مورخون على اثر الطبرى :

وجاءالمورخون‏اللاحقون من‏اصحاب‏التصانيف الكبيره فى التاريخ فاقتفوا اثر الطبرى حذو القذه بالقذه((151))، فلم يقتصروا على اعتماده مصدرا وحيدا لتلك الحقبه من التاريخ، بل اجتهدوا فى توثيقه الى ابعد الحدود، غافلين عن اسانيده التى كانت فى اغلب ما يخص هذه الحقبه الحساسه من اوهى الاسانيد وابعدها عن دواعى القبول، فالبسوا الطبرى ما اراد ان يتبرا منه من تبعات ذلك! ا - ابن الاثير : فى كتابه الكبير (الكامل فى التاريخ) تابع الطبرى فى نصوصه ومنحاه، فنقل ما اختاره الطبرى كاملا او اوجزه فى اغلب الاحيان، ولم يخالفه فى شى‏ء اثبته، ولا عارضه على اسناد ضعيف ولا متن منكر، بل على العكس حاول توثيق كل ما جاء فيه.

قال ابن الاثير فى مقدمه كتابه وهو يعرف بمنهجه ويذكر مصادره: (اقول: اننى قد جمعت فى كتابى هذا ما لم يجتمع فى كتاب واحد.. فابتدات بالتاريخ الكبير الذى صنفه الامام ابو جعفر الطبرى، اذ هو الكتاب المعول عند الكافه عليه، والمرجوع عند عند الاختلاف اليه، فاخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم اخل بترجمه واحده منها..).


25

قال: (فلما فرغت منه اخذت غيره من التواريخ المشهوره فطالعتها واضفت منها الى ما نقلته من تاريخ الطبرى ما ليس فيه.. الا ما يتعلق بما جرى بين اصحاب رسول اللّه(ص)..).

هذه هى النقطه الخطيره التى استوعبت تلك المرحله الحساسه من تاريخ الاسلام، فما هو موقف ابن الاثير ازاء ما فيها من احداث حاسمه فى تشخيص الحقائق؟ قال ابن الاثير مواصلا كلامه: (الا ما يتعلق بما جرى بين اصحاب رسول اللّه(ص)، فانى لم اضف الى ما نقله ابو جعفر شيئا .. وانما اعتمدت عليه من بين المورخين اذ هو الامام المتقن حقا، الجامع علما وصحه اعتقاد وصدقا)((152)).

فهل غفل ابن الاثير عما قدمه الطبرى على مروياته من اسانيد، وما صرح به من انه لم ينقلها ثقه بها وانما هى روايات بلغته والعهده فيها على رواتها؟ لقد اسقط ابن الاثير تلك الاسانيد وابقى النصوص وكانها الحقائق التى لا شك فيها ولا غبار عليها! فاذا تذكرنا ان هذه الحقبه الحاسمه من التاريخ قد حصرها الطبرى بروايه سيف بن عمر فى الاغلب الاعم، واذا تذكرنا من هو سيف، ومن هو راويته الاول، علمنا عندئذ فداحه الامر الذى ارتكبه ابن الاثير.

وعلمنا ايضا مدى ما لقوله الاتى من حقيقه، ومدى ما له من اثر فادح فى ثقافه الاجيال وعقائدها .. ذلك قوله وهو يصف مصادره التى اعتمدها فى تاريخه وفى مقدمتها روايات الطبرى عن كتب سيف، فيقول: (على انى لم انقل الا من التواريخ المذكوره، والكتب المشهوره، ممن يعلم بصدقهم فى ما نقلوه، وصحه ما دونوه.. ولم اكن كالخابط فى ظلماء الليالى، ولا كمن يجمع الحصباء واللالى)((153)).

فكم بين هذا وبين ما قاله الطبرى فى ديباجته؟ فالطبرى لم يوثق ما نقله، بل على‏العكس علم ان فيه ما يستنكر ويستشنع لما فيه من مجانبه الصواب، فقدم عذره الى قرائه بان هذا قد اتى من رواته لا منه هو، وجعل وسيلته الى هذا العذر ان ذكر الاسانيد كامله ليقف القارى عليها فياخذ بروايات الصادقين والممدوحين ويترك روايات الكذابين والمتروكين.

اما ابن الاثير فقد اتى على تلك الاسانيد فحذفها، ثم حكم بصحه كل ما وراءها، معللا ذلك بان الطبرى قد رواها فى تاريخه، والطبرى امام لا شك فى علمه وصدقه!! ان هذا لفادح من الامور..

ولم يكن الطبرى وحده ضحيته، بل ضحيته هذه الاجيال التى عرضت لها الاباطيل وكانها الحقائق، ورسم لها تاريخ الاسلام فى كثير من فصوله منكوسا على راسه وهى تخال انه قائم على قدميه! وهكذا تستولى الاباطيل على عقائد الناس، حين يغتر الناس بكلام معسول كديباجه ابن الاثير هذه..

ب - ابن خلدون : ابن خلدون ايضا يوكد اعتماده على ما نقله الطبرى دون غيره، ثم يزيد على ذلك فيهاجم المورخين الذين نقلوا اخبارا غير التى نقلها سيف بن عمر والعاذرون، فيقول بعد ان فرغ من ذكر وقعه الجمل: (هذا امر الجمل ملخصا من كتاب ابى جعفر الطبرى، اعتمدناه للوثوق به، ولسلامته من الاهواء الموجوده فى كتب ابن قتيبه((154)) وغيره)((155)). وفى موضع آخر وبعد ان فرغ من الكلام فى امر الخلافه الاسلاميه، قال:

(هذا آخر الكلام فى الخلافه الاسلاميه وما كان فيها من الرده والفتوحات والحروب، ثم الاتفاق والجماعه، اوردتها ملخصه عيونها ومجامعها من كتاب محمد بن جرير الطبرى، وهو تاريخه الكبير، فانه اوثق ما رايناه فى ذلك، وابعد عن المطاعن والشبه فى كبار الامه من خيارها وعدولها من الصحابه والتابعين. فكثيرا ما يوجد فى كلام المورخين اخبار فيها مطاعن وشبه فى حقهم اكثرها من اهل الاهواء، فلا ينبغى ان تسود بها الصحف)((156)).

ان ما قيل فى حق ابن الاثير يقال هنا ايضا فى حق ابن خلدون.

ج - ابن حزم : اورد ابن حزم فى سيرته اخبار الخلفاء باختصار شديد، وفى حديثه المختصر عن خلافه امير المومنين على(ع) وذكر وقعه الجمل وصفين، قال: (وفى ايامه كانت وقعه الجمل وصفين، وعلم الناس منه فيها كيف قتال اهل البغى).

ثم انتقل فورا ليوجه القارى الى المصادر التى تكفلت ذكر الغزوتين، فقال: (وحديثهما قد اعتنى به ثقات اهل التاريخ، كابى جعفر بن جرير وغيره)((157)).

فقد اكتفى بذكر الطبرى من بين ثقات اهل التاريخ، فى حين لم يعتمد الطبرى فى اخبار معركه الجمل سوى روايه سيف بن عمر!! د - محمد ابو زهره : نقل اخبار عبداللّه بن سبا من تاريخ الطبرى، ثم قال: وهكذا نرى شيخ المورخين يبين كيف كانت موامره هولاء لافساد امر المسلمين، واتخذوا من الشكوى من بعض ولاه عثمان ذريعه للدعوه الى الانتقاص وبث الافكار المنحرفه المفرقه((158)).


26

هكذا، جزما، دون ان يلتفت ادنى التفاته الى الاسانيد التى حرص الطبرى على اثباتها، ونبه عليها فى مقدمته!! طريقه الانتقاء

وشروط الصحه :

لمسنا بوضوح ان شيخ المورخين الامام الطبرى قد التزم منهاجا خاصا فى انتقاء الاخبار، بالخصوص ما يعنى منها باحداث تلك المرحله الحساسه والحاسمه فى تاريخ الاسلام.

وقد كشف الطبرى عن بعض حدود منهاجه هذا بصريح القول احيانا، واحيانا اخرى بما التزمه بالفعل من شروط الانتقاء وان لم يصرح بها قولا.

ومن ذلك:

1 - انتقاوه اخبار العاذرين معاويه وترك ما سوى ذلك.

وحجته فى ذلك حفظ السلف. ولكن الحق انه مهما اجهد نفسه فى انتقاء الاخبار وتهذيبها فلا يستطيع اعذار معاويه حتى ينال من خصومه وهم دائما من كبار السلف الذى لا يقرن بهم معاويه.

اذن فالسلف الذى يعنى الطبرى بحفظه هو معاويه وفئته فقط، لا كل السلف.

2 - انتقاوه ما يرضى العامه ويوافق اهواءها دون سواه. فاذا تذكرنا ان العامه كانت تهوى هوى الفئه الغالبه، وتعتقد بما اذن المتغلبون بنشره من عقائد، ادركنا ان التاريخ قد مال ايضا الى هذه الفئه، وغمص الاخرين حقهم.

3 - متابعه الامر الواقع والذب عنه ما وجد لذلك سبيلا.

وهذا النهج واضح، اولا: فى التزام الشرطين المتقدمين.

وثانيا: فى التزام روايه سيف بن عمر على طول هذه المرحله الحساسه، ابتداء بوفاه الرسول وانتهاء بمعركه الجمل. وسيف هو الراوى الذى نذر نفسه لهذا الغرض وصنع لاجله الاساطير وزور الحقائق وقلب الاخبار((159)).

وعلى هذا النحو سار الاخرون، كما راينا ذلك واضحا عند ابن الاثير وابن خلدون وقد جعلا تلك الامور شروطا فى صحه الخبر. وثمه ترابط وثيق بين هذه الامور الثلاثه سيظهر جليا فى الفقره اللاحقه.

- ومع حذر الطبرى الشديد وتمسكه بتلك النقاط لم ينج من اولئك العامه، فقد اتهموه بمناصره الشيعه((160))! فكيف بنيت اذن ثقافه

العامه؟! منهاج التدوين ومعالم الثقافه :

سير الصحابه ومناقبهم هى القضيه الحاسمه فى هويه التاريخ..

فمنذ ان ظهر الاختلاف بين المسلمين بعد وفاه رسول اللّه(ص) كانت هذه القضيه المحور الاهم فى محاور الخلاف، وما زالت تنمو حتى بلغت اوجها فى عهد معاويه بن ابى سفيان.

واهم من ذلك انه فى هذا العهد وضعت اللبنات الاولى لهذه المرحله من مراحل التدوين. فلم تشا السياسه آنذاك ان تدع الثقافه تجرى بعيدا عن سلطانها، بل بسطت عليها سلطانها كما بسطته على شوون الاداره والاجناد، فرسمت لها مسارا لا تتعداه. وقد تمت معالم هذا المسار مبكرا على يد معاويه بن ابى سفيان، الذى كان قد انجز منها شوطا هاما فى حدود سلطانه ايام ولايته على الشام.

ولقد حفظ لنا التاريخ ذلك فى نصوص شهد لها الواقع بجزئياته، نقلت عن ائمه ثقات كالامام محمد الباقر(ع)، والمدائنى، ونفطويه. واتفقت هذه النصوص فى وصف الخلاصه التى تمثل هويه هذا المسار الجديد، فيما كان حديث المدائنى معنيا بتحديد المراحل التى اتبعت فى ذلك، فقال:

- كتب معاويه نسخه واحده الى عماله بعد عام الجماعه: (ان برئت الذمه ممن روى شيئا فى فضل ابى تراب واهل بيته). هذه هى الخطوه الاولى من خطوات هذا المشروع، ان يمنع التحدث بسيره‏على واهل البيت وفضائلهم لئلا تنتقل الى العامه فتدخل فى ثقافاتهم وعقائدهم.

وعلى اثر هذه الخطوه، قال المدائنى: (قامت الخطباء فى كل كوره وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبروون منه ويقعون فيه وفى اهل بيته).

فعلى واهل بيته لم يكونوا مجردين من الفضائل غرباء على السيره فقط، وانما هم هولاء الذين يلعنهم خطباء المسلمين ويبروون منهم!! وهكذا ابتدا المشروع الجديد بهدم ما فى اذهان العامه الذين يعلمون ان عليا(ع) هو احد خلفاء المسلمين، وانه صاحب السابقه والعلم والجهاد والزهد، وان اهل بيته هم اهل بيت رسول اللّه(ص).

ثم جاءت الخطوه الثانيه :

قال المدائنى: وكتب معاويه الى عماله فى جميع الافاق: (الا يجيزوا لاحد من شيعه على واهل بيته شهاده).

هولاء الذين ما زالوا يحتفظون بحب على، تهدر كرامتهم ويعاملون معامله الفساق فلا تقبل لهم شهاده، ومن كانت هذه حاله فلو حدث بحديث فحديثه باطل ومردود بلا كلام، فكيف توخذ احاديث الرسول(ص) ممن لا تقبل شهادته؟! وهكذا فعلا ردت شهادات اهل هذه الطائفه، وتركت احاديثهم، فلما جاء اهل الجرح والتعديل فى فتره لاحقه عللوا ترك احاديثهم بانهم كانوا يتشيعون، وصار كل حديث يرد عنهم بخلاف ما الفه الناس يعد حديثا منكرا.


27

ثم جاءت الخطوه الثالثه :

قال المدائنى: وكتب الى عماله: (ان انظروا من قبلكم من شيعه عثمان ومحبيه واهل بيته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم واكتبوا لى بكل ما يروى كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته.

ففعلوا ذلك حتى اكثروا فى فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه اليهم معاويه ويفيضه عليهم، وكثر ذلك فى كل مصر، وتنافسوا فى المنازل والدنيا. فلبثوا بذلك حينا..).

فهذه هى الخطوه الثالثه من خطوات هذا المشروع الثقافى الجديد.

ثم كانت الخطوه الرابعه :

قال المدائنى: ثم كتب الى عماله: (ان الحديث فى عثمان قد كثر وفشا فى كل مصر وفى كل وجه وناحيه. فاذا جاءكم كتابى هذا فادعوا الناس الى الروايه فى فضائل الصحابه والخلفاء الاولين..

ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين فى ابى تراب الا وتاتونى بمناقض له فى الصحابه، فان هذا احب الى واقر لعينى، وادحض لحجه ابى تراب وشيعته، واشد عليهم من مناقب عثمان وفضائله).

فقرئت كتبه على الناس، فرويت اخبار كثيره فى مناقب الصحابه مفتعله لا حقيقه لها..

وجد الناس فى روايه ما يجرى هذا المجرى حتى اشادوا بذكر ذلك على المنابر.. و القى الى معلمى الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع.. حى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن.. وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه..

فظهر حديث كثير موضوع.. وبهتان منتشر..

ومضى على ذلك: الفقهاء، والقضاه، والولاه، والقراء والمراوون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند الائمه، يصيبوا به الاموال والضياع والمنازل..

حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون انها حق، ولو علموا انها باطله لما رووها ولا تدينوا بها!!((161)) والى مثل هذا انتهى حديث الامام الباقر(ع) وهو يصف حال اهل البيت وشيعتهم فى ذلك العهد، الى ان قال: (وحتى صار الرجل الذى يذكر بالخير -ولعله يكون ورعا صدوقا - يحدث باحاديث عظيمه عجيبه من تفضيل بعض من قد سلف من الولاه، ولم يخلق اللّه تعالى شيئا منها، ولا كانت وقعت، وهو يحسب انها حق لكثره من رواها ممن لم يعرف بالكذب ولا بقله ورع)((162))!! والى مثله ايضا انتهى كلام نفطويه فى تاريخه حيث يقول: (ان اكثر الاحاديث الموضوعه فى فضائل الصحابه اختلقت فى ايام بنى اميه تقربا اليهم بما يظنون انهم يرغمون به انوف بنى هاشم)((163))!!

الخلاصه :

تلك هى مصادر ثقافه العامه .. وهذه هى ماده عقائدها!! وكل ما جاء بخلاف ذلك فهو مما يسوء العامه ذكره.. فتجنب التاريخ ذكره! وكل حديث لا ينسجم فى موداه مع هذا الحديث المنتشر فهو حديث منكر، لا يكتب ولا يتدين به.

ثم جاء اللاحقون من اهل الجرح والتعديل وتدوين الحديث والتاريخ فاعتمدوا على ما ثبت فى ذلك العهد من احاديث واخبار مدونه او محفوظه، فمن وثقه المعتمدون الماذونون فى ذلك العهد فهو الثقه المامون، ومن مضى على مثل طريقه فهو مثله على امتداد العصور، ومن طعنه اولئك فهو المطعون وحديثه المتروك، ومن مضى على مثل طريقته فهو مثله..

فهولاء هم اهل الاهواء الذين ينبعى الا تسود الصحف باحاديثهم، كما قال ابن خلدون، وكما صنع ابن هشام والطبرى.

هكذا يكشف لنا التاريخ عن هويته..

هويه حددتها تلك المدرسه الثقافيه الشامله التى انشئت فى اول عصور التدوين وان هذه الحقيقه لتستدعى اثاره الشكوك حول الكثير مما جمعته عيون التاريخ وكانه الحقيقه التى لا مراء فيها..

انها تستدعى ان يحاكم هذا التاريخ محاكمه جاده حتى يتميز ما ثبت فيه مما هو حق، وما ثبت فيه تاثرا بتلك المدرسه وما خلفته فى اذهان الناس، حتى وجد ابن هشام والطبرى نفسيهما مكتوفى الايدى لا يستطيعان ان يثبتا حقيقه واحده تصطدم وعقائد الناس وما ترسخت عليه اهواوهم.. بل حتى وجدا نفسيهما منساقين لتلك الاثار، يعدان ما خالفها فى عداد الامور الشنيعه التى يجب الا تكتب! ان الاثار التى تركتها تلك المدرسه فى اذهان عامه الناس قد بلغت حدا يصعب تصوره!

التاريخ فى محكمه السنه :

-ماذا عساه ان يكون نصيب ابى ذر فى تاريخ يكتبه العاذرون معاويه؟! لقد عزم هذا التاريخ ان ينفى ابا ذر كما نفاه خصومه.. وان يتركه وحيدا كما عاش وحيدا ومات وحيدا!! - وماذا عساه ان يكون نصيب عمار؟! لقد سعى هذا التاريخ فى محو اثره بعدما غاله سيف الفئه الباغيه!! -وماذا عساه ان يكون نصيب الانصار بعد ما مضت فيهم الاثره فلم يجدوا الا الصبر، فاتخذوه شعارا ودثارا؟ فالذى استاثر عليهم بحقهم ايام حياتهم، هل سيرعى لهم حقهم بعد مماتهم؟! - وماذا سيكون نصيب الخصم الالد!! خصم الابد .. ابى تراب واهل بيته؟! من هذه النوافد التى نفتحها على التاريخ تتجلى لك اسرار النبوه .. فتهتف من الاعماق بشعور وبلا شعور: الصلاه والسلام عليك يا خير خلق اللّه، اشهد انك رسول اللّه حقا! فتعال نطل اطلاله تامل من تلك النوافذ:


28

فالنبى(ص) يخص ابا ذر بقول عجب!! ويمنح عمارا شهاده عجبا!! ويخبر الانصار بنبا عجب!! ويخبر عليا بمثله وزياده!! ويقرن بين الانصار وعلى بما يثير الدهشه والعجب!! 1 - ابو ذر : النبى(ص) يخص ابا ذر بقول عجب، فيقول(ص):

(ما اقلت الغبراء، ولا اظلت الخضراء اصدق لهجه من ابى ذر)((164))!! لم هذا الاختصاص لابى ذر وحده، وفى الصحابه كثير من اهل الصدق الذين لم يعرف لاحدهم كذبه قط؟ ان الاطلاله على هذا التاريخ تنبئك ان النبى(ص) لم يكن بقوله الشريف هذا يريد الاطراء على ابى ذر وحسب، وانما كان النبى(ص) يريد ان يقف بنفسه المقدسه وبحديثه الشريف الى جنب ابى ذر حين تقف الدوله ضده بكامل ثقلها.. يريد ان يشهد له ويصدقه حين تكذبه الناس، وحين يتهمه التاريخ! وحين يبقى ابو ذر الرجل الذى ينطق وحده، وينفى وحده، ويموت وحده! حين يكون خصمه الدوله بكامل ثقلها، بامرائها وقضاتها ومحدثيها ومورخيها، فيعلو عليه الضجيح لتضيع اصداء صوته المخنوق!! حينئذ يقف رسول اللّه(ص) بشخصه الكريم وسنته المطهره فيشهد له بانه الاصدق قولا من كل ذلك الرعيل، وانه الاثبت لهجه من كل ذلك الضجيج..

فان جفاه الناس، واعرض عنه التاريخ، فلا ضير عليه، فانه كان وحده امه فى مقابل تلك الامه، وسيبعث وحده يوم القيامه((165))!! وفى الحالين هو الامه الاصدق لهجه والامضى حجه والاعز ناصرا.

ان رسول اللّه(ص) قد قال لنا بهذا الحديث: اذا رايتم امه تتهم ابا ذر وترد عليه، فصدقوه وكذبوها، ولا يغركم ان فيها رواه ومحدثون، فابو ذر هو الاصدق لهجه على الدوام..

ولا يغركم فيها كثره او غلبه، فابو ذر وحده امه! وقبل ذلك كان النبى(ص) قد اخبر ابا ذر بما سيكون معه، اذ دخل المسجد يوما فوجده منجدلا فيه، فقال له: (الا اراك نائما؟).

فقال ابو ذر: فاين انام، هل لى من بيت غيره؟ فجلس اليه رسول اللّه(ص) ثم قال له: (كيف انت اذا اخرجوك منه؟).

قال: الحق بالشام، فاكون رجلا من اهلها.

فقال له: (كيف انت اذا اخرجوك من الشام؟).

قال: ارجع اليه فيكون بيتى ومنزلى.

فقال له: (فكيف انت اذا اخرجوك منه الثانيه؟)((166)).

فهذا الذى اخبر النبى(ص) بوقوعه هو الذى كذب به العاذرون لان فيه امورا شنيعه بحق بعض السلف!! ثم ان رسول اللّه(ص) هو الذى اخذ على ابى ذر الا تاخذه فى اللّه لومه لائم((167)).

قال ابو ذر: (بايعنى رسول اللّه(ص) خمسا، وواثقنى سبعا، واشهد اللّه على سبعا الا اخاف فى اللّه لومه لائم).

اما عاذرو السلف فقالوا: انما اغواه ابن سبا!! تلك قصه ابى ذر بين السنه والتاريخ.

لقد اراد رسول اللّه(ص) ان يسلط الضوء على ذلك الفريق الساعى فى تزييف التاريخ.

2 - عمار : ومثل الذى كان مع ابى ذر كان مع عمار الذى قال فيه النبى(ص): (اذا اختلف الناس كان ابن سميه مع الحق)((168))! وهكذا عرف به الصحابى الكبير حذيفه بن اليمان، حيث سئل عن الفتن وانشقاق الامه فرقا، فقال: (انظروا الفئه التى فيها ابن سميه - عمار - فاتبعوه، فانه يدور مع كتاب اللّه حيث دار)((169)). واعجب من هذا فان عمارا قد اجاره اللّه من الشيطان على لسان نبيه(ص)، وبهذا كان يعرفه اصحاب رسول اللّه(رضى اللّه عنهم)((170)). فحين ياتى التاريخ ليصف عمارا بانه كان من اول المتاثرين بدعوه ابن سبا، تاثر به فاظهر الخلاف على عثمان(رحمه‏اللّه)! وتاثر به فتعصب لعلى(ع) وشدد على حقه فى الخلافه((171))! عندئذ تظهر ابعاد تلك الاحاديث الشريفه.

فكانه(ص) يقول لنا: اذا جاءكم احد بمثل هذا عن عمار فاعلموا انما هو افتراء باطل، فان عمارا قد اجاره اللّه تعالى من الشيطان، فما كان يقوله عمار فهو دينه وعقيدته، وهو الحق، وما هو من وحى شيطان.. ذلك غبار يثار بوجه الفئه التى انتظم فيها عمار، وهى الفئه المحقه، فمهما تعددت الفئات فان عمارا مع الفئه المحقه، لا يفارقها، يدور مع كتاب اللّه حيث دار.. فلا يصدنكم هذا عنه، ولا يغرنكم انه يقال من قبل الفئه القويه المتغلبه على الارض وعلى تدوين التاريخ، فان تلك هى الفئه الباغيه .. فان عمارا (تقتله الفئه الباغيه)!! انها معجزه النبوه..

فقد علم(ص) ان عمارا سيكون قطبا من الاقطاب التى يدور عليها اختلاف الناس، فسوف يكون له اعداء يحاربونه باكثر من سلاح، منها:


29

ا - انهم سيتهمونه فى عقيدته ويزعمون انه قد تاثر بشياطين الانس فاغوته ومالت به عن الرشاد.

ب - سيصفونه باثاره الفرقه والفتنه فى هذه الامه..

ج - سيقاتلونه فيقتلونه.

فرد النبى(ص) على الاول بابلاغه اصحابه ان عمارا قد اجاره اللّه من الشيطان!! فمن اتهم عمارا بشى‏ء من ذلك فكذبوه واعلموا انه مفتر من حزب الشيطان.

ورد على الثانى فقال: (اذا اختلف الناس كان ابن سميه مع الحق) (يدور مع كتاب اللّه حيث دار) فاذا رايتم فئه تخالف عمارا فاعلموا ان تلك هى فئه الباطل والضلال! واذا دعاهم عمار الى شى‏ء فردوه وكذبوه فانما يدعوهم الى الحق، وهم يدعون الى الباطل.. وتعجب النبى(ص) من امر الناس مع عمار فقال: (ما لهم ولعمار؟! يدعوهم الى الجنه ويدعونه الى النار!)((172)).

ورد على الثالث، فقال: (تقتله الفئه الباغيه).

وقال: (من يعاد عمارا يعاده اللّه، ومن يبغض عمارا يبغضه اللّه)((173))!! انها شهادتان فى آن واحد: شهاده ببراءه عمار، وشهاده بجنايه التاريخ.

شهاده لعمار بانه مع الحق، وشهاده على التاريخ بانه مع الباطل.

وهكذا رسمت السنه مسارا، وسار التاريخ فى مسار آخر.

3 - الانصار : قال النبى(ص) للانصار: (ستلقون بعدى اثره، فاصبروا حتى تلقونى على الحوض)((174))! فهناك الجزاء، وهناك النبى(ص) معهم، خصم لمن استاثر عليهم، ومن كان النبى خصمه فقد خسر!! وذاق الانصار تلك الاثره، وذاقوا مر الصبر عليها..

وقال(ص): (آيه الايمان حب الانصار، وآيه النفاق بغض الانصار)((175))! وقال(ص): (الانصار لا يحبهم الا مومن، ولا يبغضهم الا منافق، فمن احبهم احبه اللّه، ومن ابغضهم ابغضه اللّه)((176)).

فتغلب اناس على امور المسلمين ابغضوا الانصار واستاثروا عليهم، فطاوعهم التاريخ على ذلك! 4 - على : اولئك الذين نال منهم التاريخ - ابو ذر، وعمار، والانصار - هم فئه على(ع): ابو ذر وعمار هما اللذان لم يفارقا عليا قط، ولا قدما عليه بشرا غير رسول اللّه(ع).. والانصار هم الذين احبوا عليا واحبهم، حتى جر عليهم حبه تلك الاثره.

وبعد، فعلى هو العنوان المستهدف على الدوام من قبل خصومه السياسيين المتغلبين على البلاد.

وكما جعل النبى(ص) حب الانصار آيه الايمان، وبغضهم آيه النفاق، وجعل ذلك لعلى(ع)، فعهد اليه عهدا: (لا يحبك الا مومن، ولا يبغضك الا منافق)((177))! وقال له: (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)((178))! وقال له ولاهل بيته: (انا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم)((179))!

فجاء التاريخ مسالما وعاذرا بل مطاوعا لمن ابغضهم وعاداهم وحاربهم!!

النتيجه ومنهج البحث :

ابو ذر، قربته السنه، ونفاه الحاكمون، فنفاه التاريخ! وعمار، نصرته السنه، وقتله الباغون، فغاله التاريخ! والانصار، ادنتهم السنه، وابعدهم المتغلبون، فابعدهم التاريخ! وعلى، حالفته السنه، وخاصمه القاسطون، فخاصمه التاريخ! ذاك مسار السنه، وهذا مسار التاريخ!! فالسنه قد ادانت التاريخ مرات ومرات، وقطعت معه موعدا يوم اللقاء على الحوض! فجنايه التاريخ ليست فى اصطناع الاعذار فقط، بل فى مبادله الادوار ايضا..

فحين يكون ابو ذر وعمار قد تاثرا بابن سبا، او انحرفا عن الجاده باثاره الفتنه، فسوف يكون الحق مع خصومهم، فالخصوم اذن هم الذين لزموا الصراط المستقيم، وما كان عليه ابو ذر وعمار هو الباطل!! فهذا هو مصير السنه حين يكتب التاريخ باقلام العاذرين ولارضاء العامه واستجلاب رضا المتغلبين.

انه لفصام كبير بين مسار الاسلام كما اراده اللّه ورسوله، وبين المسارالواقعى الذى شهده تاريخ الاسلام فى بعض مراحله، ومضى عليه التدوين فى كثير من فصوله.. تلك حقيقه وقف عليها الكثير من الدارسين والمحققين، ولم تعد من الامور الغامضه التى قد تثير حفائظ المتمسكين بكل ما ينسب الى التراث.

لقد ادرك الجميع حقيقه ان معظم المورخين الذين صاغوا هذا التاريخ هم من الموالين للسلطات سياسيا، فى عهود تاجج فيها النزاع السياسى وازدادت حدته حتى امتد الى كل ميادين الحياه، فكان اقل ما يفعله المورخون هو تبرير اعمال الخلفاء والامراء، ايا كانوا، ومهما كانت اعمالهم، والكف عن ذكر ما يزعجهم من حقائق التاريخ، وما لا ياذنون بكتابته! كما ان معظم المورخين كانوا ايضا موالين للسلطات مذهبيا، فى عهود كان فيها النزاع المذهبى على اشده (وقد صار كل الفرق يحكى الشر عن مخالفيه ويكتم الخير، ويروى الكذب والبهتان، وينتحل الاحاديث النبويه والماثورات عن السلف خدمه لاغراض المتخاصمين)((180))! ووجد المتدينون والفقهاء فى هذا التاريخ ماده دسمه فى الانتصار لاوليائهم فى السياسه والمذهب.


30

تذكير : ولا بد من التذكير بما قدمناه اولا من محاسن مراجعنا التاريخيه ونقاط القوه فيها، ليزول اللبس، ويعلم ان هذه الظاهره لم تمتد على كل مساحات التاريخ، فهناك المساحات الحره التى لا تثير احدا، وهناك ما يمر موضوعيا بين الروايات المتعدده، وهناك ما يمكن تقبله ولو على مضض، وهناك فترات تضعف فيها رقابه الراى العام، وهناك شجاعه المورخ واخلاصه للحقيقه، كل ذلك يقلص من مساحه الاثر السياسى والمذهبى على التاريخ، لكنه لا يلغيه.. وتلك الحقائق التى قدمناها آنفا شاهده عليه.

تلك الحقائق هى التى جمعت الدارسين والمنصفين من اهل التحقيق والنظر على قول واحد مفاده: ان معلوماتنا عن التاريخ بحاجه الى مراجعه جاده ودراسه فى ضوء رويه شموليه للتاريخ الاسلامى..

رويه تحيط بجوهر رساله الاسلام..

رويه تكون فيها الشريعه الاسلاميه بمصدريها الاساسين - القرآن والسنه - هى المعيار الذى تقوم على اساسه الاطراف المتنازعه والفئات المختلفه.

- وهذا هو الذى اردناه فى هذا الكتاب..

× فالقرآن والسنه هما المصدران المعصومان اللذان يحكمان على كل ما عداهما، ولا شى‏ء يحكم عليهما.

× وان القرآن والسنه يعكسان الصوره التامه لمسار الاسلام، فى حياه الرسول(ص) وبعده.

× واما الواقع الذى صنعه المسلمون بعد الرسول(ص) فهو من صنع المسلمين انفسهم، وهو خاضع لميزان القرآن والسنه، فما كان منه موافقا لهما فهو من الاسلام ومن مساره الشرعى الذى لا شك فيه، وما كان منه مخالفا لهما فهو مسار آخر اولى ان ينسب الى اصحابه.

كما نرفض فى دراستنا نوعين من الموازين خضعت لهما اكثر الدراسات فى التاريخ والعقيده، وهما:

× ميزان منح اصول المذهب سمه العصمه، فجعل نصوص القرآن والسنه وحقائق التاريخ كلها خاضعه له، فما وافق المذهب فهو الحق عنده، وما خالف المذهب اعمل فيه التاويل ولو الى حد التعطيل وخصوصا مع آيات الكتاب الكريم، وما لا يمكن تاويله من السنه والحقائق التاريخيه انكرها بالمره وكذب بها.

× وميزان منح السياسه النافذه والامر الواقع فى مرحله ما سمه العصمه، وجعلها هى الحاكمه على نصوص القرآن والسنه، فلا يقبل الاما وافقها، واما ما خالفها فمصيره اما الى التاويل الذى يبلغ احيانا منزله النسخ والتعطيل، واما الى التكذيب والانكار الذى ينال الكثير من السنه النبويه والوقائع التاريخيه.

واللّه المسدد للصواب ..


31

الباب الثانى

اساس نظام الحكم فى الاسلام بين الواقع والتشريع 125-274


32

الفصل الاول-الصياغه والنظريه وآثار الواقع السياسى

وان هذا صراط‏ى مستقيما فاتبعوه ...

ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله..

ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون((181)) الذى يعرفه علماء الاجتماع ومتكلمو المسلمين ان وجود النظام ضروره لازمه لحفظ الاجتماع، وعدمه يعنى الفوضى التامه.

وقد عبر ابن خلدون عن هذا النظام بانه: (قوانين سياسيه مفروضه يسلمها الكافه وينقادون الى احكامها، فاذا خلت الدوله من مثل هذه السياسه لم يستتب امرها ولم يتم استيلاوها (سنه اللّه فى الذين خلوا من قبل))((182)).

وراى ابن حزم ان ذلك معلوما بضروره العقل وبديهته، وان قيام الدين ممتنع غير ممكن الابالاسناد الى واحد - (امام) (خليفه) - يكون على راس هذا النظام((183)).

فما هو موقف الاسلام من هذه الضروره؟ انها لمن دواعى الاستغراب ان تكون الضروره وسنه اللّه فى خلقه هى مفترق الطرق بين المسلمين! هل تفاعل الاسلام - كدين ومنهج للحياه - مع هذه الضروره، سنه اللّه فى خلقه؟ الاسلام الذى تشعبت احكامه وتشريعاته حتى استوعبت الجزئيات الصغيره فى حياه الانسان، هل نتوقع انه اهمل اول الضرورات واهمها، ضروره حفظ المجتمع وحفظ الدين واقامه حدوده واحكامه؟ ان فريقا كبيرا منا يقول: نعم، اهمل الاسلام ذلك.

عندئذ اوقف هذا الفريق نفسه امام الحاجه الملحه الى مل‏ء هذا الفراغ الكبير فى النظام الاسلامى.

فالاسلام الذى‏اخذ على عاتقه تنظيم حياه بنى‏الانسان كافه‏الى يوم القيامه سياتى‏بفراغ كبير حين‏لا يقدم جوابا محددا لاول‏اسئله‏الحياه والمجتمع والشريعه((184)).

وامام هذه الحاجه الملحه قالوا: نعم، ان الاسلام قد ترك هذا الامر للامه، تختار لنفسها ما تراه الاصلح لحفظ نظامها وحفظ الشريعه، فعندئذ لا يعد هذا اهمالا.

وهنا يتصدر سوال جديد، يقول: ما هى الضوابط اللازم توفرها لضمان شرعيه ما تختاره الامه؟ فمن البديهى ان (نظام الحكم) موضوع مشترك بين الاسلام وغيره من الانظمه، سماويه كانت او ارضيه، انما الذى يميزه عن غيره هو هذه النسبه الملحقه به (اسلامى). فكونه اسلامى يعنى بالضروره ان يكون محددا بمبادى الاسلام واحكامه، فمن هنا فقط يستمد اسلاميته، لا من هويه الشخص الحاكم.

امام هذا السوال برز افق جديد، حين اسند الامر هنا بالكامل الى الواقع التاريخى للامه فى عصر الصحابه، ورغم ان الكلام هنا سيدور على نفسه، اذ يصبح اختيار بعض الامه هو الدليل على شرعيه ما اختاروه، رغم ذلك فهو قول لا مناص منه! وبهذا اصبح الواقع التاريخى للامه - كما سيتضح قريبا - جزءا من الدين، ومصدرا من مصادر العقيده.

واصبح الواقع الذى يسود فى الامه، والقرار النافذ الذى يتخذه الخليفه، جزءا من الشريعه يجب ان ننظر اليه كما ننظر الى السنه النبويه.

وهذا المبدا هو الذى شكل السبب المباشر - ولو ظاهرا - فى اقصاء على بن ابى طالب(ع) عن الخلافه يوم الشورى، اذ عرض عليه عبدالرحمن بن عوف البيعه على كتاب اللّه وسنه رسوله وسيره الشيخين ابى بكر وعمر، فلما اظهر على(ع) اعتقاده بالالتزام بكتاب اللّه وسنه رسوله وحسب، وبانه غير ملزم باتباع سيره الشيخين لانها ليست من مصادر الشريعه، عندئذ راى ذلك الفريق ان هذا الاعتقاد يعد مبررا كافيا فى اقصاء صاحبه عن الخلافه واسنادها الى رجل آخر يتعهد بالتزام ذلك الشرط مصدرا ثالثا مع الكتاب والسنه((185)).

اذن دخلت سياسه الامر الواقع فى التقسيم العملى لمصادر التشريع، وبالخصوص فى مجال النظام السياسى الاسلامى، كما فى المثال السابق، وكما فى الاعم الاغلب من تفاصيل هذا النظام كما سنرى..

فحين جعل اختيار الامام - راس النظام السياسى وفاتحه مساره المقبل‏منوطا بالامه، فلا بد من مزيد بيان وتحديد، فما معنى ان الامر منوط بالامه؟ هل يعنى ان تجتمع الامه بكامل افرادها على رجل واحد فى وقت واحد لتتم له البيعه فتصح خلافته؟ -ذهب الى هذا بعض المعتزله - كابى بكر الاصم والهشاميه - ولكن لم يوافقهم عليه احد لانه امر لم يتحقق قط، ولا يمكن تحققه فى الواقع بحال من الاحوال، فهو تكليف ما لا يطاق.

لذا خفف آخرون من شده ذلك، فقالوا: ان المراد بالامه هنا فضلاوها من كل بلد ومدينه، لا سائر افرادها.

-لكن هذا الراى هو الاخر لم يحظ بالقبول لانه لم يكن له فى الواقع مصداق، بل راى البعض فساد هذا الراى لانه لا بد من ضياع امور المسلمين قبل‏ان يجمع جزء من مئه جزء من فضلاء اهل البلاد الاسلاميه المتعدده الاطراف((186)).


33

والى هنا لم يكن لهذه الاراء دليل من الشرع ولا من الواقع.

-اما الجمهور فذهب الى ان الامامه تنعقد باختيار اهل الحل والعقد فقط، لا جميع الامه ولا جميع فضلائها.

من هم اهل الحل والعقد؟

سوال كبير يواجه النظريه الاخيره، تتفرع منه اسئله اخرى:

فمن هم اهل الحل والعقد؟ ما هى مواصفاتهم؟ ومن الذى يتولى اختيارهم؟ وكيف يتم اختيارهم؟ وكم يكون عددهم؟ وما هى حدود صلاحياتهم؟ وما هو الاسلوب الذى سيعتمدونه فى انتخاب الخليفه؟ ليس هناك نص من الشرع ولا شى‏ء من السيره النبويه يمكن الرجوع اليه فى الاجابه على شى‏ء من هذه الاسئله، من هنا تعددت الاجابات وتناقضت، ومع ذلك فان ايا منها لم يقدم حلا شافيا لتلك الاسئله..

-فبعضهم قال : لا تنعقد الامامه الا بجمهور اهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضا بهم عاما، والتسليم لامامته اجماعا.

-ورده الاخرون، فقالوا: هذا مذهب مدفوع ببيعه ابى بكر(رضى‏اللّه) على الخلافه باختيار من حضرها، ولم ينتظر قدوم غائب عنها.

ومن هولاء من قال: اقل ما تنعقد به الامامه خمسه من اهل الحل والعقد يجتمعون على عقدها، او يعقدها احدهم برضا الاربعه، واستدلوا لذلك بامرين:

الاول : ان بيعه ابى بكر انعقدت بخمسه اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها. والخمسه هم: عمر بن الخطاب، وابو عبيده بن الجراح، وسالم مولى ابى حذيفه، واسيد بن خضير، وبشير بن سعد.

والثانى : ان عمر بن الخطاب جعل الشورى فى سته ليعقد لاحدهم برضا الخمسه.

ومنهم من قال: بل تنعقد بثلاثه، يتولاها احدهم برضا الاثنين، ليكونوا حاكما وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولى وشاهدين.

ومنهم من قال: بل تنعقد بواحد، لان العباس قال لعلى(رضى‏اللّه): امدد يدك ابايعك، فيقول الناس: عم رسول اللّه بايع ابن عمه. فلا يختلف عليك اثنان. ولانه حكم، وحكم واحد نافذ((187)).

والاضطراب واضح فى هذه الاجابات، ومصدره رجوعها الى الامر الواقع فى وجوهه المختلفه، والى اقيسه غير صحيحه لاختلاف الموضوع بين عقد الخلافه وعقد النكاح او حكم الواحد.

-وقد كشف ابن حزم عن فساد هذه الاراء فى اثناء عرضه لها، وقال: كل قول فى الدين عرى عن دليل من القرآن او من سنه رسول اللّه(ص) او من اجماع الامه المتيقن فهو باطل بيقين، قال تعالى: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) ((188))فصح ان من لا برهان له على صحه قوله فليس صادقا فيه((189)).

ثم قال: فاذ قد بطلت هذه الاقوال كلها فالواجب النظر فى ذلك على ما اوجبه اللّه تعالى فى القرآن والسنه واجماع المسلمين، كما افترض علينا عز وجل اذ يقول: (اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولى الامر منكم فان تنازعتم فى شى‏ء فردوه الى اللّه والرسول ان كنتم تومنون باللّه واليوم الاخر)((190)). ولكن ابن حزم حين ابطل هذه الاراء كلها لانها كانت عريه عن الدليل الشرعى، لم يفلح فى ايجاد البديل المتماسك كما سنرى ذلك فى محله من هذا الفصل.

وجوه تعيين الخليفه :

هذه المساله الكبرى فى نظام الدين والدنيا كيف تجد لها حلا حين يغفلها التشريع بمصدريه الرئيسين - القرآن والسنه - ويفوض امرها الى الامه؟ فهل هناك قاعده ثابته تستند اليها الامه فى تعيين الخليفه؟ وما مدى شرعيه هذه القاعده؟ الحق اننا لم نقف من خلال هذه النظريه على قاعده واحده محدده المعالم اعتمدتها الامه فى اختيار الامام لتكتسب شرعيتها من الاجماع، وانما وجدنا اساليب مختلفه لا يترجح احدها على الاخر بدليل شرعى.

عندئذ وجدنا انفسنا مضطرين الى قبول تلك الاساليب كلها، لا لكونها مويده بدليل من الشرع، بل لانها قد حصلت فى الفتره المتقدمه من تاريخ الامه، اى فى عهد الصحابه، مع انها كانت عريه عن دليل الاجماع ايضا..

فقالوا: هناك ثلاثه وجوه لتعيين الخليفه:

الوجه الاول : اختيار اهل الحل والعقد، ويطلق عليه (نظام الشورى) ايضا. لكن نظام الشورى هذا لم يتخذ شكلا واحدا عند الصحابه، لذا فقد فصلوا فيه تبعا لذلك الاختلاف، فقالوا:

الشورى على شكلين:

الاول : نظام‏الشورى‏ابتداء، كما حدث فى بيعه ابى بكر وعلى بن ابى طالب. والثانى : نظام الشورى بين عدد يعينهم الخليفه السابق، كما صنع عمر.

الوجه الثانى : العهد.

وهو ان ينص الخليفه قبل موته على من يخلفه. وقد اتخذ هذا العهد اشكالا ثلاثه:


34

الاول : ان يعهد الخليفه الى واحد، كما صنع ابو بكر فى عهده الى عمر.

الثانى : ان يعهد الى جماعه يكون الخليفه واحدا منهم، كما صنع عمر فى عهده الى سته نفر ينتخبون الخليفه القادم من بينهم.

الثالث : ان يعهد الى اثنين فاكثر ويرتب الخلافه فيهم بان يقول: الخليفه بعدى فلان، فاذا مات فالخليفه بعده فلان، وفى هذا النظام تنتقل الخلافه بعده على الترتيب الذى رتبه، كما عهد سليمان بن عبدالملك الى عمر بن عبدالعزيز بعده ثم الى يزيد بن عبدالملك، وكذلك رتبها هارون الرشيد فى ثلاثه من بنيه: الامين، ثم المامون، ثم الموتمن((191)).

الوجه الثالث : القهر والاستيلاء، او الغلبه بالسيف((192)).

قال الامام احمد: (ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفه وسمى امير المومنين فلا يحل لاحد يومن باللّه واليوم الاخر ان يبيت ولا يراه اماما، برا كان او فاجرا).

وعند وجود امام مستقر ثم يخرج عليه آخر طلبا للملك، فقد قال الامام احمد: (الامامه لمن غلب) واحتج لذلك بان ابن عمر صلى باهل المدينه فى زمن الحره، وقال: (نحن مع من غلب)((193)). والامر مطرد، فلو ثبتت الامامه لواحد بالقهر والاستيلاء، فيجى‏ء آخر ويقهره ويستولى على الامر، ينعزل الاول ويصير الامام هو الثانى((194)). وظاهر جدا ان هذه النظريه انما هى نظريه تبرير، لا نظريه تشريع.

انها نظريه تبرير الامر الواقع واضفاء الشرعيه عليه، والدافع الوحيد الى هذا التبرير هو اعفاء الصحابه من تهمه العمل فى هذا الامر الخطير بدون دليل من الشرع، واعفاوهم مما ترتب على ذلك من نتائج.

لاجل هذا ظهر فى هذه النظريه من التكلف والتعسف ما لا يخفى، ومن ذلك:

1 - ان ايا من هذه الوجوه الثلاثه لا يستند الى دليل شرعى البته، ولم يكن يعرفه حتى فقهاء الصحابه قبل ظهوره على الواقع. ومن هنا طعن ابن حزم هذه الوجوه كلها كما تقدم.

2 - ان مبدا الشورى المذكور فى الوجه الاول والماخوذ من بيعه ابى بكر(رضى‏اللّه) لم يكن قد تحقق فى تلك البيعه، وليس لاحد ان يدعى ذلك بعد ان وصفها عمر(رضى‏اللّه) - فى خطبته التى رواها البخارى وغيره واصحاب السير - بانها كانت فلته، عن غير مشوره! ولم يكن هذا قول عمر وحده، بل كان يقينا فى اذهان الصحابه وعلى السنتهم، لذا قال بعضهم: لئن مات عمر لابايعن لفلان، فما كانت بيعه ابى بكر الا فلته.

فلما بلغ عمر ذلك لم ينكره بل اكده، فقال: (لا يغترن امرو ان يقول انما كانت بيعه ابى بكر فلته وتمت، الا انها قد كانت كذلك، ولكن وقى اللّه شرها)((195))! وشتان بين الشورى والفلته! والغريب ان عمر قد نهى عن تكرار مثل تلك البيعه، وحذر من العوده لمثلها تحذيرا شديدا خشيه ان يكون عاقبتها القتل، فقال: (فمن بايع رجلا من غير مشوره من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذى بايعه تغره ان يقتلا).

انه يقول: (من عاد لمثلها فاقتلوه)((196))!! وفى هذا وحده دليل كاف على الغاء صفه الشرعيه عن تلك البيعه، فانما هى بيعه ساقتهم اليها الاحداث، فلا يصح العوده لمثلها بحال.

وهكذا رآها ابو على الجبائى والقاضى عبدالجبار، فقالا: ان الفلته ليست هى الزله والخطيئه، وانما تعنى البغته من غير رويه او مشاوره، ويقصد عمر بقوله: (من عاد الى مثلها فاقتلوه) ان من عاد الى الطريقه التى تمت بها البيعه لابى بكر من غير مشاوره او عذر ولا ضروره، ثم طلب من المسلمين البيعه، فينبغى قتله((197)).

هذا ما كان يعرفه الصحابه وكثير غيرهم عن تلك البيعه اذن..

اما عامه المتاخرين فكانهم قد عز عليهم ان ينظروا اليها بتلك النظره، فاضفوا عليها صبغه الشورى ليجعلوا منها - فى ثوبها الجديد - الوجه الشرعى الاول فى اختيار الخليفه.

ولم يكتف بعضهم بهذا القدر حتى اضفى عليها صبغه الاجماع ابتداء، كما فعل ابن تيميه((198))! غير انها دعوى لا يويدها شى‏ء من النقل الصحيح، بل حتى غير الصحيح، فليس فى شى‏ء من اخبار تلك البيعه ما يشير الى ذلك الاجماع من قريب او بعيد.

والذى دعا ابن تيميه الى هذا هو عقيدته فى شرط صحه البيعه، اذ كان يرى وفقا للمذهب الحنبلى انه يشترط لصحه البيعه اجتماع جمهور اهل الحل والعقد فى بلد الخليفه((199)). لكن الاخرين ردوا هذا الشرط تصحيحا لبيعه ابى بكر خاصه، فقالوا: هذا مذهب مدفوع ببيعه ابى بكر، فقد تمت بعقد رجل واحد ورضا اربعه، ولم ينتظر فيها حضور من لم يحضرها((200)). وهذا الكلام الاخير هو الموافق لما صح عن عمر فى خطبته المتقدمه، والموافق لسائر ما ورد من النقل فى اخبار السقيفه.


35

3 - الخوف من وقوع الفتنه، كان هو العذر المنتخب فى تبرير اول بيعه لاول خليفه حين تمت عن غير مشوره، ولم ينتظر فيها حضور الكثير من كبار المهاجرين والانصار ممن ينبغى ان يكون فى طليعه اهل الحل والعقد.

فالعذر فى هذا التعجل هو خوف الاختلاف والفتنه، وهذا ظاهر ايضا فى نص خطبه عمر(رضى‏اللّه).

لكن الغريب ان (الفتنه) قد عادت لتصبح طريقا شرعيا من طرق تعيين الخليفه! ففى الوجه الثالث يرون القهر والاستيلاء والتغلب بالسيف طريقا الى الخلافه، والمتغلب دائما هو الخليفه الشرعى الواجب الطاعه! وما يزال الطريق مفتوحا امام كل طامح! وهل الفتنه شى‏ء غير هذا؟! ثم كيف يقول بهذا من يعتمد بمبدا الشورى، واختيار اهل الحل والعقد؟! ان المضى على طريقه تبرير الامر الواقع هو الذى ادى الى ظهور هذا التناقض وامثاله.

4 - هل يستدعى قبول الامر الواقع كل هذا القدر من التنظير والتبرير؟ اليس من الاولى ان تكون هناك نظريه ثابته محدده المعالم تبنى باعتماد نصوص الشريعه ومفاهيم الاسلام وروح الاسلام، ثم بعد ذلك توزن عليها عقود الخلافه التى تمت بالفعل، فكل عقد وافق هذه النظريه وانسجم معها فهو عقد شرعى صحيح، يكون عنده الخليفه الذى تمت له البيعه اماما واميرا للمومنين وخليفه من خلفاء رسول اللّه(ص) بحق، وكل عقد لم يوافق تلك النظريه فهو عقد غير صحيح؟ وعندئذ يكون قبول الامر الواقع المخالف للشروط الصحيحه حاله من حالات الضروره ما دامت الامه عاجزه عن اصلاحه.

وهذا القول هو الذى تويده السنه، اذ اطلقت على هذا النوع من الحكم‏اسم (الملك العضوض) اى الذى فيه عسف وظلم، فكانهم يعضون فيه عضا! وروى ايضا (ملوك عضوض) وهى صيغه جمع، مفردها: ملك عض، وهو الخبيث الشرس((101)).

فكيف يجتمع هذا مع الخلافه الشرعيه؟ امامه المفضول :

هل تعد الافضليه شرطا فى الامامه؟ قالوا: نعم. ثم قالوا: لا. وفى كلا القولين غاب الدليل الشرعى.

والامر الوحيد الذى قلب الموقف من اشتراط الافضليه هنا : هو القبول بشرعيه التغلب بالسيف طريقا الى الخلافه، بعد ان كان طريقها الشورى والعهد! فحين كان لزاما تبرير خلافه معاويه بن ابى سفيان وتقديمه على سائر الصحابه، كان لزاما ان يلغى القول باشتراط الافضليه فى الامامه! هذا فيما كان الراى ان الامامه لا تكون الا للافضل((202))، حتى اشتد النزاع وطال فى تفضيل بعض الصحابه على بعض تثبيتا لهذا المبدا، وحتى ظهرت العقيده بان الخلفاء الراشدين هم افضل الامه، وان ترتيبهم فى الفضل موافق لترتيبهم فى الخلافه، فافضل الامه: ابو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم على((203)). وشدد بعضهم فى التزام هذه القاعده حتى قال: من فضل عليا على عثمان فقد ازرى على المهاجرين والانصار((204)).

ليصور فى ذلك ان المهاجرين والانصار لم يقدموا عثمان فى الخلافه الا لاعتقادهم انه افضل من على.

لكن لما اريد تبرير قبول خلافه معاويه ومن بعده، كان لا بد من ظهور قول آخر:

- قال الجوينى امام الحرمين: والذى صار اليه معظم اهل السنه انه يتعين للامامه افضل اهل العصر، الا ان يكون فى نصبه هرج وهيجان فتن، فيجوز نصب المفضول اذ ذاك.

وقال: مساله امتناع امامه المفضول ليست بقطعيه.

ثم علل ذلك بان الشرع لا يمنع منه، كيف ولو تقدم المفضول فى امامه الصلاه لصحت الصلاه وان ترك الاولى((205))؟ -وبرر الرازى ذلك بان دخول الفاضل تحت امامه المفضول مما يسهل على من هو انقص فضلا من الامير الدخول تحت طاعته، ففى امامه المفضول رياضه للفاضل وكسر ما فيه من نخوه((206))! - ودافع ابن حزم عن امامه المفضول من عده وجوه:

الاول : انه لا يمكن معرفه‏الافضل الا بالظن، والظن لا يغنى من الحق شيئا.

الثانى : ان قريشا قد كثرت وطبقت الارض من اقصى الشرق الى الغرب، ولا سبيل الى معرفه الافضل من قوم هذا مبلغ عددهم.

والثالث : اجماع الامه على بطلان شرط الافضليه فى الامامه، فان جميع الصحابه ممن ادرك ذلك العصر اجمعوا على صحه امامه الحسن او معاويه، وقد كان فى الناس افضل منهما، كسعد بن ابى وقاص وسعيد بن زيد وابن عمر، فلو كان ما قاله الباقلانى - فى وجوب امامه الافضل - حقا، لكانت امامه الحسن ومعاويه باطله((207)).


36

ملاحظات :

الا يظهر ان الموضوعيه قد غابت بالكامل عن هذه النظريه؟ انظر فى الملاحظات التاليه:

1 - ان الخوف من وقوع الهرج وهيجان الفتن الذى كان مبررا لقبول خلافه معاويه وفى الناس من هو افضل منه، هذا العذر نفسه قد جرى على لسان عمر بن الخطاب(رضى‏اللّه) فى تقديم ابى بكر(رضى‏اللّه) على على(ع)! قال عمر فى حديث له مع ابن عباس يذكر فيه امر الخلافه وحق على(ع) فيها، قال: لقد كان فى رسول اللّه من امره ذرو من قول((208)).. ولقد اراد فى مرضه ان يصرح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطه على الاسلام! ورب هذه البنيه لا تجتمع قريش عليه ابدا((209))! ومره اخرى قال عمر لابن عباس (رضى‏اللّه): اتدرى ما منع الناس منكم؟ قال: لا.

قال عمر: لكنى ادرى، كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه فتجخفوا جخفا((210))، فنظرت قريش لنفسها فاختارت((211)). - وفى ثالثه قال: ما اظنهم منعهم عنه الا انه استصغره قومه((212)). - وفى رابعه قال فيه: واللّه لولا سيفه لما قام عمود الاسلام، وهو بعد اقضى الامه، وذو سابقتها، وذو شرفها.

فقيل له: فما منعكم عنه يا امير المومنين؟ قال: حداثه السن، وحبه بنى عبدالمطلب((213)).

- وفى خامسه قال: استصغرناه، وخشينا الا تجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها((214)).

- وفى سادسه: فى خطبته التاريخيه فى وصف قصه السقيفه، اذ قال فى ختامها: (فارتفعت الاصوات، وكثر اللغط، فلما اشفقت الاختلاف قلت لابى بكر: ابسط يدك ابايعك، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الانصار... خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعه ان يحدثوا بعدنا بيعه، فاما ان نتابعهم على ما لا نرضى، او نخالفهم فيكون فساد((215))! اذن لماذا لا يقال ان تقديم ابى بكر(رضى‏اللّه) كان لهذه الاعذار او بعضها، وليس على اساس التفضيل؟ ان الاغضاء عن كل هذه النصوص، وعن غيرها مما ثبت عن كثير من الصحابه فى تفضيلهم عليا(ع) على غيره امر لا يقره البحث الموضوعى.

2 - اغرب من ذلك انهم استدلوا على جواز امامه المفضول بجواز امامته فى الصلاه، فكما تصح امامه المفضول فى الصلاه تصح امامته على الامه.

هذا مع ان الامامه فى الصلاه كانت هى الدليل الاول على تفضيل ابى بكر(رضى‏اللّه) وعلى امامته، فحين قلنا بتفضيل ابى بكر واحقيته فى الخلافه، قلنا: ان اول الادله على ذلك تقدمه فى الصلاه! فلماذا لا يقال انه قدم فى الصلاه لجواز تقديم المفضول على الفاضل؟ انه تناقض ظاهر..

3 - ان طريقه انتخاب ابى بكر كانت صريحه تماما بغياب مبدا التفضيل، وكلمه عمر المتفق على صحتها: (ان بيعه ابى بكر كانت فلته، ولكن وقى اللّه شرها) من اهم الادله على ذلك.

فلا يستطيع احد ان يدعى اذن ان الصحابه قد اجمعوا على ان الامام لا يكون الا الافضل، ثم اجمعوا على تفضيل ابى بكر فبايعوه على هذا الاساس! ان اى دعوى من هذا القبيل تنهار امام كلمه عمر المتقدمه، كما تنهار امام تفاصيل احداث السقيفه والبيعه.

4 - قول ابى بكر فى اول خطبه له: (وليتكم ولست بخيركم) انما كان - كما راى الباقلانى - لكى يدلهم على جواز امامه المفضول عند عارض يمنع من نصب الفاضل((216)).

اذن لماذا لا نذهب الى ان المفضول هنا هو ابو بكر، مع تصريحه بذلك، ثم نجتهد فى تبرير العارض الذى منع من نصب الفاضل؟!

نتيجه :

الا يظهر من هذه الملاحظات امران مهمان:

الاول : ان هذه النظريه قد تقلبت مع تقلب الاحداث متابعه للامر الواقع، وانها لم تستند على دليل شرعى ثابت لتكتسب منه الثبات؟ والثانى : ان هذه العقيده فى ترتيب الخلفاء فى الفضل بحسب ترتيبهم فى الخلافه انما هى عقيده ظهرت متاخره عن عهد الخلفاء من اجل تثبيت طرق البيعه واضفاء الشرعيه عليها؟ والى مثل هذا خلص الدكتور احمد محمود صبحى، حيث قال: الواقع ان متكلمى اهل السنه وفقهائهم لم يسلموا بجواز امامه المفضول مستندين الى اصل من اصول الدين، ولكنهم جوزوا ذلك اما تبريرا لسلطان الخلفاء ولخلع الصفه الشرعيه على خلافتهم، واما على سبيل معارضه آراء خصومهم من الشيعه((217)). والامران معا - تبرير الواقع، ومعارضه الخصوم - كانا اصلا فى ولاده مبدا جديد رافق هذه النظريه، الا وهو مبدا (اعذار السلف).


37

اعذار السلف :

لا شك انه مبدا حسن وجذاب، فمن الجميل المستحسن ان نذكر سلفنا المتقدم بكل خير، ونعرف لهم حقوقهم، ونذب عنهم ما وجدنا الى ذلك سبيلا.

لكن الحق ان الناظر الى هذا المبدا بتجرد لا يراه الا مبدءا متهافتا قد صيغ اصلا لتبرير الواقع ومعارضه الخصوم!! فمثلا:

حين كان ينبغى لهذا المبدا ان يتسع للسلف الصالح قاطبه، نراه قد توجه توجها منحازا الى الفئه المتنفذه وصاحبه القرار السياسى، فلا يتردد اصحاب هذا المبدا فى صب اللوم على رجال من كبار الصحابه حين اظهروا خلافا، او ابدوا رايا معارضا للخلافه فى بعض عهودها، دون ان يراعى فيهم مبدا (اعذار السلف)..

فيقع اللوم على المقداد وعمار حين تكلما فى امر الخلافه بحجه انهما ليسا من قريش‏فلا يحق‏لهما التدخل فى‏اختيار الخليفه، فهذا الامر من‏حق‏قريش وحدها..

ولكن حين تدخل فيه سالم مولى ابى حذيفه اصبح سالم معدودا فى اهل الحل والعقد الذين تنعقد بهم البيعه.. هذا ولم يكن سالم قرشيا، بل لم يكن عربيا ايضا! والسر فى هذا التناقض ان سالما كان احد الخمسه الذين انعقدت بهم البيعه لابى بكر، بينما كان المقداد وعمار يدعوان الى حق على(ع) فى الخلافه.

ولما نجمت الخلافات ايام عثمان(رضى‏اللّه) كان ينصب اللوم على عبداللّه بن مسعود وابى ذر وعمار وعباده بن الصامت ومحمد بن ابى حذيفه وعمرو بن الحمق الخزاعى رضى اللّه عنهم دون خصومهم، فلم ينظر فيهم الى مبدا (اعذار السلف)! لكن هذا المجرى لم يمض مطردا، بل توقف عن دورته هذه مره، وفى مرحله واحده من مراحل الخلافه.. فلم يكن الصحابه الذين اظهروا خلافا على على(ع) ايام خلافته محل لوم وتعنيف، بل ولا محل عتاب.. ففى هذا العهد وحده فتح مبدا اعذار السلف بابه على مصراعيها، فخصوم على(ع) كانوا دائما مجتهدين ماجورين على خلافهم ذاك حين اخطاوا فى الاجتهاد، وكل ما ثبت عنهم من الخلاف فلا بد ان (يستنبط له تاويلا، فما تعذر عليك تاويله، فقل: لعل له تاويلا وعذرا لم اطلع عليه)((218))! وهكذا مع من قاتل عليا(ع) من الصحابه جميعا..

فمعاويه ومن معه مخطئون، مجتهدون، ماجورون اجرا واحدا ((219))، حتى وان تواتر الحديث: (من كنت مولاه فعلى مولاه)! وحتى مع ابى الغاديه قاتل عمار، رغم انه قد صح الحديث فى عمار: (قاتله وسالبه فى النار)((220))! يقول ابن حزم: (فابو الغاديه(رضى‏اللّه) متاول مجتهد مخط‏ى فيه، باغ عليه، ماجور اجرا واحدا)((221))!! لكن الامر مع خصوم عثمان مختلف تماما.. يقول ابن حزم: (وليس هذا كقتله عثمان(رضى‏اللّه)، لانه لا مجال للاجتهاد فى قتله)((222))!! وجاوز بعضهم الحد فعكس اتجاه دوران هذا المبدا (اعذار السلف) فى عهد على(ع) بمقدار مئه وثمانين درجه عن اتجاهه فى العهود السابقه، فصار اللوم يقع هنا على الخليفه الحاكم، لا على مخالفيه.

فابن تيميه يرى ان عليا(ع) لم يكن على شى‏ء، لانه انما كان يقاتل على الملك، ولاجل ان يطاع هو، ولم يكن يقاتل‏للّه((223))! حتى اذا انقضى عهد على(ع) عاد مبدا اعذار السلف يستانف دورته الاولى، فكل من اظهر خلافا على الخلفاء فهو صاحب فتنه! فلا الحسين السبط كان معذورا، ولا مئات المهاجرين والانصار من اهل المدينه المنوره كانوا معذورين فى خلافهم ليزيد((224))! هذا هو مبدا اعذار السلف، يظهر مره، ويختفى مره، ويتنقل من موقع الى موقع، دفاعا عن الواقع التاريخى النافذ، لا دفاعا عن السلف.

وهكذا يبدو بما لا يدع مجالا للشك ان هذه النظريات انما استمدت اصولها وتفاصيلها من الواقع التاريخى للنظام السياسى الذى ظهر بعد وفاه الرسول الاكرم(ص) وحتى بدايات العهد الاموى.

لقد اقصى التشريع الاسلامى هنا عن رسم مسار الاسلام بعد رسول اللّه(ص)، فيما اسند هذا الامر كليا الى الواقع التاريخى.

فهل كان التشريع الاسلامى مفتقرا للمبادى التى تساهم فى تحديد مسار الاسلام؟

دور التشريع فى رسم النظام السياسى :

راى ابن خلدون ان الدليل على وجوب نصب الامام هو اجماع الصحابه والتابعين، ذلك (لان اصحاب رسول اللّه(ص) عند وفاته بادروا الى بيعه ابى بكر(رضى‏اللّه) وتسليم النظر اليه فى امورهم، وكذا فى كل عصر بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى فى عصر من الاعصار، واستقر ذلك اجماعا دالا على وجوب نصب الامام)((225)).

فالامر اذن من ابداع المسلمين وصياغتهم حين وجدوا انفسهم امام الامر الواقع بعد غياب الرسول(ص)، ولا شى‏ء من الكتاب والسنه.


38

لكن هذا الراى يواجه سوالا شديد الاحراج: فهل يصح لهذه الشريعه ان تغفل اولى ضرورات النظام وحفظ المجتمع، ثم تكون هى شريعه الانسان الى يوم الدين؟ لقد اظهر الغزالى بعباره واضحه رده على الراى المتقدم الذى اسند الموضوع الى الاجماع، فقال: لسنا نكتفى بما فيه من اجماع الامه، بل ننبه على مستند الاجماع، ونقول: نظام امر الدين مقصود لصاحب الشرع(ع) قطعا، وهذه مقدمه قطعيه لا يتصور النزاع فيها، ونضيف اليها مقدمه‏اخرى: وهو انه لا يحصل نظام الدين الا بامام مطاع. فيحصل من المقدمتين صحه الدعوى، وهو وجوب نصب الامام((226)) . استنادا الى مقصد صاحب الشريعه، وليس الى الاجماع.

وهنا يبدو السوال اكثر وضوحا، فاذا كان نظام امر الدين مقصود صاحب الشريعه(ع) قطعا، وهذا النظام لا يحصل الا بامام مطاع، فكيف نظن بصاحب الشريعه(ع) ان يترك مقصوده عرضه للضياع؟ وراى آخرون ان هذا الاجماع على وجوب نصب الامام لم يكن مويدا بمقصد صاحب الشريعه وحسب، بل بنصوص من القرآن والسنه ايضا، فقالوا: الامامه واجبه سمعا، لقوله تعالى: (اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولى الامر منكم) ((227))وطاعه اولى الامر تقتضى وجوب نصبهم وامامتهم، فاولى الامر هم الائمه المتامرون((228)). وزاد ابن حزم على ذكر الايه الشريفه فقال:

مع احاديث كثيره فى طاعه الائمه، وايجاب الامامه ايضا((229)). اذن حين اسند وجوب نصب الامام الى الشريعه((230))، فهل هناك ما نلتمس منه ان الشريعه قد تقدمت خطوه اخرى لاجل التفصيل فى هذا الوجوب، كتعيين شرائط الامامه وفى من تكون، ام تركت ذلك للامه تختار لنفسها؟ ان النظريه التى نعيش معها تقول بان الامر متروك للامه.. وهنا وقع اضطراب كبير عند البحث عن الدليل الشرعى فى تفويض هذا الامر الى الامه، وعند محاوله اثبات شرعيه الاسلوب الذى سوف تسلكه الامه فى الاختيار.

لقد راوا فى قوله تعالى: (وامرهم شورى بينهم)((231)) افضل دليل شرعى يدعم هذه النظريه، ومن هنا قالوا: ان اول وجوه انتخاب الخليفه هو الشورى.

لكن ستاتى الصدمه لاول وهله حين نرى ان مبدا الشورى هذا لم يطرق اذهان الصحابه آنذاك..

فانتخاب اول الخلفاء كان بمعزل عن هذا المبدا تماما، فانما كان (فلته) كما وصفه عمر، وهو الذى ابتداه وقاد الناس اليه! ثم كان انتخاب ثانى الخلفاء بمعزل ايضا عن هذا المبدا! نعم، ظهر هذا المبدا لاول مره على لسان عمر(رضى‏اللّه) فى خطبته الشهيره التى ذكر فيها السقيفه وبيعه ابى بكر(رضى‏اللّه) فحذر من العوده الى مثلها، فقال: (فمن بايع رجلا من غير مشوره من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذى بايعه، تغره ان يقتلا).((232)) لكنه حين ادركته الوفاه اصبح يبحث عن رجل يرتضيه فيعهد اليه بالخلافه بنص قاطع بعيدا عن الشورى! فقال: لو كان ابو عبيده حيا لوليته((233)). ثم قال: لو كان سالم مولى ابى حذيفه حيا لوليته((234)). ثم قال: لو كان معاذ بن جبل حيا لوليته((235)).

اذن لم يكن عمر يرى ان الاصل فى هذا الامر هو الشورى، وان كان قد قال بالشورى فى خطبته الاخيره الا انه لم يعمل بها الا اضطرارا حين لم يجد من يعهد اليه. لقد اوضح عن عقيدته التامه فى هذا الامر حين قال قبيل نهايه المطاف: (لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى)((236))!! والراجح ان الذى دعا عمر ااى تقديم نظريه الشورى هو قطع الطريق على على(ع)!ذلك ما كشف عنه حديث الزهرى فى هذه الخطبه ذاتها و نقله العسقلانى و غيره و صحح فيه ان الرجل الذى رد عليه عمر فى خطبته هذه هو الزبير، و انما كان الزبير قد قال :(لو قد مات عمر لبايعنا عليا )((237))!ولعل تفاصيل الشورى و نتائجها الاتى ذكرها ستوكد ان هذا هو السر فى ولاده نظريه الشورى فى هذا الوقت بالذات.

ثم كانت الشورى.. واى شورى!! انها شورى محاطه بشرائط عجيبه لا مجال للمناقشه فيها، وجملتها:

1 - انها شورى بين سته نفر، وحسب، يعينهم الخليفه وحده دون الامه.

2 - ان يكون الخليفه المنتخب واحدا من هولاء السته، لا من غيرهم.

3 - اذا اتفق اكثر السته على رجل وعارض الباقون، ضربت اعناقهم.

4 - اذا اتفق اثنان على رجل، واثنان على آخر، رجحت الكفه التى فيها عبدالرحمن بن عوف - احد السته - وان لم يسلم الباقون ضربت اعناقهم.


39

5 - الا تزيد مده التشاور على ثلاثه ايام، والا ضربت اعناق السته اهل الشورى باجمعهم.

6 - يتولى صهيب الرومى مراقبه ذلك فى خمسين رجلا من حمله السيوف، على راسهم ابو طلحه الانصارى((238)).

فالحق‏ان هذا النظام لم يترك‏الامر الى الامه لتنظر وتعمل بمبدا الشورى، بل هو نظام حدده الخليفه، ومنحه سمه الامر النافذ الذى لا محيد عنه، ولا تغيير فيه، ولا يمكن لصوره كهذه ان تسمى شورى بين المسلمين، ولا بين اهل الحل والعقد.

ولقد كان فريق من كبار الصحابه يقدر نتائج تلك الشورى قبل انعقادها، ويعلم انها ستنتهى الى ما انتهت اليه.. لقد استشفوا ذلك من تلك القيود التى احيطت بتلك الشورى! ادرك ذلك على بن ابى طالب(ع) والعباس(رضى‏اللّه)..

- فاشار العباس على على ان لا يدخل فى هذه الشورى((239)). - وقال على لجماعه من بنى هاشم: عدلت عنا! قالوا له: وما علمك؟ قال: (قرن بى عثمان، وقال: كونوا مع الاكثر، فان رضى رجلان رجلا، ورجلان رجلا، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف.. فسعد لا يخالف ابن عمه((240))، وعبدالرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فلو كان الاخران معى لم ينفعانى)((241))! لقد كانت تلك‏الظروف اذن كفيله بتعطيل اول شورى فى تاريخ الاسلام عن محتواها، فطعنت اذن فى تلك القاعده الاساسيه المفترضه (قاعده الشورى).

والحق ان هذه القاعده معطله من قبل.. فلم يكن ابو بكر مومنا بمبدا الشورى قاعده للنظام السياسى واصلا فى انتخاب الخليفه، ولا مارس ذلك بنفسه، بل غلق دونها الابواب حين سلب الامه حق الاختيار وممارسه الشورى اذ نص على عمر خليفه له، ولم يصغ الى ما سمعه من اعتراضات بعض كبار الصحابه على هذا الاختيار.

علما ان هولاء الصحابه المعترضين لم يعترضوا على طريقه اختيار الخليفه التى مارسها ابو بكر(رضى‏اللّه)، ولا قالوا: ان الامر ينبغى ان يكون شورى بين الامه، ولااحتج احدهم بقوله تعالى: (وامرهم شورى بينهم)، وانما اعتراضهم على اختياره عمر بالذات، فقالوا له: استخلفت على الناس عمر، وقد رايت ما يلقى الناس منه وانت معه، فكيف به اذا خلى بهم؟! وانت لاق ربك فسائلك عن رعيتك((242))! فلا كانت خلافه ابى بكر قد تمت وفق مبدا الشورى، ولا خلافه عمر، ولاخلافه عثمان كما راينا تفاصيلها، ولا كان الصحابه قد احتجوا بهذا المبدا فى عهد من العهود.

فاذا تجاوزنا خلافه ابى بكر وقلنا ما قاله عمر فيها: (انها فلته وقى اللّه شرها) فماذا يقال فى خلافه عمر؟ لو كان الخليفتان يعتقدان بان مبدا الشورى هو الاصل فى انتخاب الخليفه لما حصل من ذلك شى‏ء، ولدعوا الصحابه للتشاور فى الامر تشاورا حرا، لكن الذى حصل من نص ابى بكر على عمر، وقبول عمر بذلك، ثم تمنيه فى عهده ان لو كان ابو عبيده، او سالم، او معاذ حيا، كل ذلك ليدل بوضوح على عدم اعتقادهما بصلاحيه الشورى لحل هذا الامر، فى ذلك الزمان على الاقل.

بل كان عمر صريحا كل الصراحه فى ذلك حين قال: (لو كان سالم حيا لما جعلتها شورى)((243))!! ان عهدا كهذا ليلغى راى الامه بالكامل، وحتى الجماعه التى يطلق عليها (اهل الحل والعقد)! - قالوا: اذا عهد الخليفه الى آخر بالخلافه بعده، فهل يشترط فى ذلك رضى الامه؟ فاجابوا: ان بيعته منعقده، وان رضى الامه بها غير معتبر، ودليل ذلك: ان بيعه الصديق لعمر لم تتوقف على رضى بقيه الصحابه((244))! لم يكن اذن لقاعده الشورى اثر فى تعيين الخليفه.

نعم، كان للشورى اثر فى ما هو دون ذلك، فربما لجا الخليفه الى الشورى فى بعض ما ينتابه من امور طارئه لا يملك لها حلا عاجلا او تاما، اما ان تكون الشورى على راس النظام السياسى اتفق المسلمون على اعتمادها فى تعيين الخليفه، فهذا ما لم يتحقق فى عهود الخلافه الاولى ولا بعدها، الا ما كان بعد مقتل عثمان(رضى‏اللّه) اذ حصل شبه الاجماع لدى اهل المدينه المنوره بالبيعه لعلى(ع)، ولكن حتى هذا لم ياخذ اول الامر شكل الشورى، ثم هو لم يدم آخر الامر غير ليال حتى خرج عليه كبار الداعين اليه، طلحه والزبير.

لعل هذه الملاحظات هى التى دفعت ابن حزم الى تاخير مبدا الشورى وتقديم النص والتعيين الصريح من قبل الخليفه السابق، فقال: (وجدنا عقد الامامه يصح بوجوه، اولها واصحها وافضلها: ان يعهد الامام الميت الى انسان يختاره اماما بعد موته)((245))!


40

ابرام ونقض :

لقد ادركنا جيدا هبوط مبدا الشورى فى الواقع عن المرتبه التى احتلها فى النظريه، فتنازلنا عنه تنازلا صريحا - بعد اقراره - حين ذهبنا الى تصحيح واعتماد كل ما حدث فى الواقع رغم منافاته الصريحه لمبدا الشورى.

ولم نكتف بهذا، بل ذهبنا الى تبرير تلك الوجوه المتناقضه بلا استثناء، وبدون الرجوع الى اى دليل من الشرع، ودليلنا الوحيد كان دائما: (فعل الصحابه) رغم اننا نعلم علم اليقين ان الصحابه لم يجتمعوا على راى واحد من تلك الاراء والوجوه.

كما اننا نعلم علم اليقين ايضا ان خلاف المخالفين منهم وانكار المنكرين كان ينهار امام الحكم الغالب.

ورغم ذلك فقد عمدنا الى القرار الغالب والنافذ فى الواقع، فمنحناه صبغه الاجماع، بحجه انه لم يكن لينفذ فى عهدهم الا باجماعهم عليه، او اقرارهم اياه.

وبهذا تنكرنا لحقيقه ان القرار النافذ كان يبتلع كل ما صادفه من اصوات المخالفين والمنكرين، ولا يلقى لها بالا، وهذا هو الغالب على كل ما يتصل بالخلافه والمواقف السياسيه الكبرى..

فماذا اغنى اعتراض بنى هاشم ومن معهم من المهاجرين والانصار على نتائج السقيفه؟ وما اغنى انكار الصحابه على ابى بكر يوم استخلف عمر؟ وما اغنى انكار الصحابه سياسه عثمان فى تقديمه بنى اميه على خيار الصحابه مع ما كان عليه اولئك من حرص على الدنيا وبعد عن الدين؟ ثم لم يشتد هذا الانكار ويعلو صداه حتى تغلب على شوون الامه والخليفه غلمان بنى اميه ممن لم يكن معه كثير دين وورع، كمروان بن الحكم، وعبداللّه بن سعد بن ابى سرح، والوليد بن عقبه، وعمرو بن العاص، ومعاويه.

ومع هذا فلم يكن انكارهم عندنا حجه، بل كانوا به ملومين! فمتى اذن كان انكار الصحابه حجه، ليكون سكوتهم اقرارا؟! فاذا كانت الخطوه الاولى فى التراجع عن مبدا الشورى هى القبول بتسليم الامر الى الخليفه القائم ليستخلف بعده من يشاء، فان الخطوه الثانيه كانت خطوه مره حقا..

فلما تجنب الخلفاء مبدا الشورى ومبدا النص والاستخلاف معا، واختاروا مبدا القهر والاستيلاء والتغلب بالسيف، قبلنا به واحدا من طرق الخلافه! فكم بين الشورى، والتغلب بالسيف؟ ان اقرار مبدا التغلب بالسيف ليعد اكبر انتكاسه لمبدا الشورى! واذا كانت الشورى مستمده من القرآن، فمن اين استمدت قاعده التغلب بالسيف؟ وثم سوال اشد احراجا من هذا:

فاذا كانت الشورى هى القاعده الشرعيه المستمده من القرآن، فماذا عن عهود الخلافه التى لم تتم وفق هذه القاعده؟ وحين لم يتوفر الجواب الذى ينقذ هذه النظريه من هذا المازق الكبير، راينا ان المهرب الوحيد هو ان نبرر جميع صور الخلافه التى تحققت فى الواقع: فمره بعقد رجل واحد ومتابعه اربعه، ومره بنص من الخليفه السابق، ومره فى سته يجتمعون لانتخاب احدهم، ومره بالقهر والاستيلاء، حتى ادى هذا المبدا الاخير الى ان تصبح الخلافه وراثه بحته لا اثر للدين فيها.

مصير شروط الامامه :

يقول الشيخ محمد رشيد رضا: بنو اميه هم الذين زحزحوا بناء السلطه الاسلاميه عن اساس الشورى، اذ كونوا لانفسهم عصبيه بالشام هدموا بها سلطه اولى‏الامر بالحيله والقوه((246)). لكن هذه الطريقه لم تسقط الشورى وحدها ان كان ثمه شورى، بل اسقطت معها اهم شروط الامامه الواجبه لصحه عقدها، والتى منها:

1 - العداله : اذ قالوا اولا فى بناء نظريه الخلافه: لا تنعقد امامه الفاسق، لان المراد من الامام مراعاه النظر للمسلمين، والفاسق لم ينظر لنفسه فى امر دينه، فكيف ينظر فى مصلحه غيره((247))؟ وقالوا: ان هذا الفسق يمنع من انعقاد الامامه، ومن استدامتها، فاذا طرا على من انعقدت امامته خرج منها((248)).

2 - الاجتهاد : اذ عدوا فى شروط الامام: ان يكون من افضلهم فى العلم والدين، والمراد بالعلم هو العلم المودى الى الاجتهاد فى النوازل والاحكام، فلا تنعقد امامه غير العالم بذلك، لانه محتاج لان يصرف الامور على النهج القويم ويجريها على الصراط المستقيم، ولان يعلم الحدود ويستوفى الحقوق ويفصل الخصومات بين الناس، واذا لم يكن عالما مجتهدا لم يقدر على ذلك((249)).

لكن سرعان ما انهارت هذه الشروط حين تغلب على الخلافه رجال لم يكن فيهم شى‏ء منها، لا العداله، ولا العلم المودى الى الاجتهاد..


41

قال الفراء: قد روى عن الامام احمد(رحمه‏اللّه) الفاظ تقتضى اسقاط اعتبار العداله والعلم والفضل، فقال: (ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفه وسمى امير المومنين، فلا يحل لاحد يومن باللّه واليوم الاخر ان يبيت ولا يراه اماما عليه، برا كان او فاجرا، فهو امير المومنين)((250)).

وقال القلقشندى: ان لم يكن الخليفه المتغلب بالقهر والاستيلاء جامعا لشرائط الخلافه، بان كان فاسقا او جاهلا، فوجهان لاصحابنا الشافعيه، اصحهما: انعقاد امامته ايضا((251)). ان اول ما فى هذا الكلام هو نقض ما اتفقوا عليه من تعريف الامامه فى الاسلام بانها (رئاسه عامه فى امور الدين والدنيا لشخص من الاشخاص نيابه -او خلافه - عن النبى (ص))((252)) فكيف تكون حكومه الجائر الفاسق الجاهل خلافه نبوه؟!

التبرير :

ان مثل هذا الراى الذى ينقض شرائط الخلافه بعد ان نقض اساسها، لا بد له من تبرير مقبول. والتبرير الذى قدمته نظريتنا هنا هو: (الاضطرار).. لانا لو قلنا لا تنعقد امامته، لزم ذلك بطلان احكامه كلها الماليه والمدنيه، فيتعين على الخليفه الذى ياتى بعده وفق الشروط الشرعيه ان يقيم الحدود ثانيا، ويستوفى الزكاه والجزيه ثانيا، وهكذا((253)). والضروره ايضا تقتضى صحه خلافته: لحفظ نظام الشريعه، وتنفيذ احكامها((254))، ولانه لا بد للمسلمين من حاكم((255)).

اذن قبولها على هذه الصوره يستدعى السعى الدائم لازاحتها وارجاع الامر الى صيغته الشرعيه.

هذا ما ذهب اليه الشيخ رشيد رضا وقد استعرض هذه الاراء، فقال:

معنى هذا ان سلطه التغلب كاكل الميته ولحم الخنزير عند الضروره، تنفذ بالقهر، وتكون ادنى من الفوضى.

ومقتضاه انه يجب السعى دائما لازالتها عند الامكان، ولا يجوز ان توطن الانفس على دوامها، ولا ان تجعل كالكره بين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها كما فعلت الامم التى كانت مظلومه وراضيه بالظلم((256)).

لكن الواقع كان على العكس من ذلك، فقد حرموا دائما الخروج على السلطان الجائر والفاسق، وعدوا اى محاوله من هذا القبيل من الفتن التى نهى عنها الدين وحرم الدخول فيها..

يقول الزرقانى: اما اهل السنه فقالوا: الاختيار ان يكون الامام فاضلا عادلا محسنا، فان لم يكن فالصبر على طاعه الجائر اولى من الخروج عليه، لما فيه من استبدال الخوف بالامن، واهراق الدماء، وشن الغارات، والفساد، وذلك اعظم من الصبر على جوره وفسقه((257)).

كما ثبت عن الامام احمد بن حنبل انه قال بلزوم (الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل او جور، ولا يخرج على الامراء بالسيف وان جاروا)((258)). استعرض الشيخ ابو زهره هذين القولين، ثم قال: وهذا هو المنقول عن ائمه اهل السنه، مالك، والشافعى، واحمد ((259)).

فهل ينسجم هذا الاعتقاد مع احكام الاضطرار والاكراه؟! لقد طعن الشيخ محمد رشيد رضا هذه العقيده فى الصميم حين قال بوضوح وبكل يقين: ان توسيد الامه الاسلاميه امرها الى غير اهله لا يمكن ان يكون باختيارها وهى عالمه بحقوقها قادره على جعلها حيث جعلها كتاب اللّه تعالى، وانما يسلبها المتغلبون هذا الحق بجهلها وعصبيتهم التى يعلو نفوذها نفوذ اولى الامر حتى لا يجرو احد منهم على امر ولا نهى، او يعرض نفسه للسجن او النفى او القتل..

هذا ما كان ، وهذا هو سبب سقوط تلك الممالك الواسعه وذهاب تلك الدوله العظيمه.

وقد عنى الملوك المستبدون بجذب العلماء اليهم بسلاسل الذهب والفضه والرتب والمناصب، وكان غيرهم اشد انجذابا، ووضع هولاء العلماء الرسميون قاعده لامرائهم ولانفسهم هدموا بها القواعد التى قام بها امر الدين والدنيا فى الاسلام، وهى: انه يجوز ان يكون اولياء الامور فاقدين للشروط الشرعيه التى دل على وجوبها واشتراطها الكتاب والسنه، وان صرح بها ائمه الاصول والفقه، فقالوا: يجوز، اذ فقد الحائزون لتلك الشروط.

مثال ذلك: انه يشترط فيهم العلم المعبر عنه بالاجتهاد. وقد صرح هولاء بجواز تقليد الجاهل، وعدوه من الضروره، واطلق الكثيرون هذا القول، وجرى عليه العمل. وذلك من توسيد الامر الى غير اهله الذى يقرب خطوات ساعه هلاك الامه، ومن علاماتها: ذهاب الامانه، وظهور الخيانه .. ولا خيانه اشد من توسيد الامر الى الجاهلين..

روى مسلم وابو داود حديث ابن عباس: (من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم ان فيهم اولى بذلك منه واعلم بكتاب اللّه وسنه نبيه، فقد خان‏اللّه و رسوله و جميع المسلمين)((260)).


42

و طعنها ايضا فى قوله: ما افسد على هذه الامه امرها و اضاع عليها ملكها الا جعل طاعه هولاء الجبارين الباغين واجبه شرعا على الاطلاق، وجعل التغلب امرا شرعيا كمبايعه اهل الحل والعقد للامام الحق، وجعل عهد كل متغلب باغ الى ولده او غيره من عصبته حقا شرعيا واصلا مرعيا لذاته((261))! وهذه حقيقه ادركها عالم مستقص حريص، وليست دعوى مجازف او متهاون.

صور ثلاثه :

صور نقف عندها يسيرا بعد هذا الشوط المضنى، لنواصل بعدها المشوار.

الصوره الاولى - لماذا اسقط مذهب ابى حنيفه؟

حين نقل ابو زهره كلمات بعض الائمه فى وجوب اطاعه الخليفه الفاسق والجاهل والجائر، قال: هذا هو المنقول عن ائمه اهل السنه، مالك، والشافعى، واحمد((262)).

فاسقط ذكر ابى حنيفه، وهكذا فعل سائر المتكلمين فى هذه المساله، وكان ابا حنيفه ليس من ائمه اهل السنه! وعله ذلك ان ابا حنيفه كان على خلاف هذه العقيده، فهو لا يرى صحه الخلافه للمتغلب الفاقد للشرائط، بل كان يسميهم (اللصوص)! وكان يحرم اطاعتهم حتى فى المعروف، فكان يقول: (لو ارادوا بناء مسجد، وارادونى على عد آجره، لما فعلت)! وكان يرى وجوب الثوره عليهم، فناصر ثوره زيد الشهيد بكل ما يستطيع، حتى اصدر فيه فتواه الشهيره: (لقد ضاهى خروجه خروج رسول اللّه فى بدر). وبعد استشهاد زيد ونهوض محمد ذى النفس الزكيه بايعه ابو حنيفه وناصره سرا وعلانيه، وبقى على بيعته حتى مات فى سجن المنصور((263)).

لاجل هذا اسقطت رويه ابى حنيفه بالكامل عن نظريه اهل السنه، وكان هذه النظريه قد قامت على اساس قبول امامه الفاسق والجائر والجاهل، وكل قول لا ينسجم مع هذا فلا يحسب على اهل السنه، ولا يعد قائله فى ائمه اهل السنه الذين يرجع اليهم فى مثل هذه المسائل!

الصوره الثانيه :

مذهب عظماء السلف لم يكن هذا شان ابى حنيفه وحده، بل هو شان عظماء السلف ايضا، فلا يذكر لهم اسم، ولا يشرك لهم قول فى هذه النظريه..

فلا ذكر للسبط الشهيد الامام الحسين بن على وثورته..((264)) ولا مئات المهاجرين والانصار وبقيه الصحابه فى مدينه الرسول(ص) ونهضتهم على يزيد ابن معاويه..((652)) ولا عبداللّه بن الزبير.. ولا الامام الشهيد زيد بن على بن الحسين.. ولا الصحابى سليمان بن صرد الخزاعى ومن معه اصحاب ثوره التوابين.. ولا القراء فى الكوفه وثورتهم! كل اولئك اسقطوا من هذه النظريه، فاخرجوا عن دائره اهل السنه! لقد بالغ بعض كبار المتكلمين باسم اهل السنه فى النيل من اولئك العظماء الاشراف، ولعل من اشهرهم ابن تيميه الذى وصف نهضه سيد شباب اهل الجنه سبط الرسول وريحانته بانها فساد كبير، ولا يرضى بها اللّه ورسوله! وكذا وصف نهضه بقيه المهاجرين والانصار فى المدينه المنوره، ثم بالغ فى اعذار يزيد فى التصدى لهم وقتلهم جميعا لاجل حفظ ملكه، ولم ينكر على يزيد الا انه اباح المدينه ثلاثه ايام((266))! وقال فى هذا الامر ايضا: مما يتعلق بهذا الباب ان يعلم ان الرجل العظيم فى العلم والدين من الصحابه والتابعين ومن بعدهم الى يوم القيامه، اهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن ونوع من الهوى الخفى ، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغى اتباعه فيه وان كان من اولياء اللّه المتقين، ومثل هذا اذا وقع صار فتنه((267))! ترى لماذا كان ابن تيميه اعلم بمداخل الفتنه وابعد عن الهوى الخفى من اولئك العظماء من الصحابه واهل البيت؟ هل لانه رضى امامه الفاجر والجاهل، ورفضها اولئك؟ هكذا تلقى هذه النظريه بنفسها فى مازق حرج حين تعرض عن ذلك الاثر الضخم من آثار عظماء السلف وائمتهم.

الصوره الثالثه :

الخارج الماجور ما زال اظهار الخلاف للامام محرما، والخروج عليه فتنه وفسادا كبيرا، ما زال هذا الحكم ثابتا لا يتزحزح..

اذن لماذا اصبح الخارج على الامام، مره واحده فقط فى تاريخ الامامه، ماجورا؟! حين كان الامام هو على بن ابى طالب، اخص الناس برسول اللّه واكثرهم علما وجهادا واولاهم بالعدل، عندئذ فقط حق للناس ان يخرجوا على الامام! وسوف لا يكون خروجهم - هذه المره - فتنه وفسادا، بل هو اجتهاد، وهم ماجورون عليه، مثابون لاجله وان اخطاوا!! انها صور لو عرضت ايا منها على تلك النظريه لوجدت فتقا لا يرتق الا بتكلف ظاهر، والتواء سافر.


43

ولنعد الان الى دعائم هذه النظريه

ضروره النص بين الخليفه والنبى :

لا نزاع فى ثبوت حق الخليفه فى النص على من يخلفه، ولا شك فى نفاذ هذا النص، لان الامام احق بها، فكان اختياره فيها امضى، ولا يتوقف ذلك على رضا اهل الحل والعقد((268)).

وانما صار ذلك للخليفه خوفا من وقوع الفتنه واضطراب الامه((269)). فمن اجل ذلك كان بعض الصحابه يراجع عمر ويساله ان ينص على من يخلفه((270)).

هذا كله حق، ولكن اليس النبى(ص) اولى بالتفكير فى ذلك، وبرعايه هذه المصلحه؟ انه الرحمه المهداه، بلا شك.. اليس من تمام الرحمه وجمالها ان يجنب امته المحذور من الاختلاف بعده؟ لقد احب امته وحرص عليها (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رووف رحيم)((271)).

وايضا فقد كان(ص) يعلم اننا سوف لا ننتظر بعده نبيا يعيد نظم امرنا! لقد بصر ابن حزم بذلك، فحاول ان يتداركه، فقال: وجدنا عقد الامامه يصح بوجوه: اولها واصحها وافضلها ان يعهد الامام الميت الى انسان يختاره اماما بعد موته، سواء فعل ذلك فى صحته او عند موته، كما فعل رسول اللّه(ص) بابى بكر، وكما فعل ابو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبدالملك بعمر بن عبدالعزيز.

قال: وهذا هو الوجه الذى نختاره، ونكره غيره، لما فى هذا الوجه من‏اتصال الامامه، وانتظام امر الاسلام واهله، ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع فى غيره من بقاء الامه فوضى، ومن انتشار الامر وحدوث الاطماع((272)).

لقد لحظ ابن حزم اكثر من ثغره فى تلك النظريه، فاظهر مهاره فى محاوله رتقها، بان جمع بين الضرورات الدينيه والعقليه والاجتماعيه وبين الامر الواقع ، ليخرج بصيغه اكثر تماسكا..

فترك الامه دون تعيين ولى الامر الذى يخلف زعيمها يعنى بقاء الامه فوضى، وتشتت امرها، وظهور الاطماع فى الخلافه لا محاله.. وهذا مما ينبغى ان يدركه النبى(ص) فيبادر الى تلافيه، ولو فى مرضه الذى توفى فيه.

وتعيين الخليفه بهذه الطريقه سيضمن اتصال الامامه، وانتظام امر الاسلام.

واذا كان ابو بكر قد ادرك ذلك فنص على من يخلفه، وادركه ايضا عمر، وادركه سليمان بن عبدالملك، فكيف نظن بالنبى(ص) انه قد اغفل ذلك؟ انها اثارات جاده دفعته الى حل وحيد يمكنه ان ينقذ هذه النظريه، كما ينقذ الامر الواقع بعد الرسول(ص)، وتمثل هذا الحل عنده بنص النبى على ابى بكر بالخلافه.

اذن فلا النبى(ص) قد ترك هذا الامر للامه، او تركها فوضى، ولا كانت بيعه ابى بكر فلته.

انها اطروحه متينه، كفيله بقطع النزاع، لو تمت..

ولكنها - للاسف - لم تكن سوى مجازفه، فمن البديهى عندئذ ان تكون عاجزه عن تحقيق الامل المنشود منها! فلا هى تداركت تلك النظريه وعالجت ثغراتها، ولا هى انقذت الامر الواقع! وذلك لسبب بسيط، وهو ان النص على ابى بكر لم يثبت، بل لم يدع وجوده احد، بل تسالمت الامه على عدمه. فمن اراد ان يثبت مثل هذا النص على ابى بكر(رضى‏اللّه) بالخصوص، فعليه ان ينفى حادثه السقيفه جمله وتفصيلا.

عليه ان يكذب بكل ما ثبت نقله فى الصحاح من كلام ابى بكر وعمر وعلى والعباس والزبير فى الخلافه..

عليه ان يهدم بعد ذلك كل ما قامت عليه نظريه اهل السنه فى الامامه، فلم تبن هذه النظريه اولا الا على اصل واحد، وهو البيعه لابى بكر بتلك الطريقه التى تمت فى السقيفه وبعدها!! فمن تلك الواقعه اولا جاءت نظريه الشورى بين اهل الحل والعقد.

عليه ان ينفى ما تحقق عندهم من (الاجماع على ان النص منتف فى حق ابى بكر)((273))! لقد ساق الغزالى كلاما موافقا لهذا الاجماع قوض فيه ما بنى عليه ابن حزم قوله..

قال الغزالى متسائلا: فهلا قلتم ان التنصيص واجب من النبى والخليفه، كى يقطع ذلك دابر الاختلاف؟ ثم اجاب قائلا: قلنا انه لو كان واجبا لنص عليه الرسول(ص)، ولم ينص هو، ولم ينص‏عمر ايضا((274))! وحين يواصل ابن حزم عرض نظريته تراه يلغى بالكامل مبدا الشورى واختيار اهل الحل والعقد، ويسند امر اختيار الخليفه الى النص! ولم يكن هذا الطرح منسجما مع هذه المدرسه ومبادئها، وانما هو محاوله لسد ثغراتها، ومقابله للالحاح الذى تقدمه النظريه الاخرى القائمه على اساس النص، ولقطع دابر النزاع، كما ذكر هو، وكما اشار الغزالى فى تساوله.


44

انه كان مقتنعا بضروره النص، ولكنه اراد نصا منسجما مع الامر الواقع، وان لم يسعفه الدليل!!

اقرار بقدر من النص :

لم يختف النص الى الابد فى هذه النظريه، والشورى هنا ليست مطلقه العنان، فليس لاهل الحل والعقد ان ينتخبوا من شاءوا بلا قيد. ان هناك حدا تلتزمه الشورى، وهذا الحد قالوا: ان من شرط الامامه: النسب القرشى، فلا تنعقد الامامه بدونه.. وعللوا ذلك بالنص الثابت فيه، فقد ثبت عن النبى(ص) انه قال: (الائمه من قريش).

وقال: (قدموا قريشا ولا تتقدموها). وليس مع هذا النص المسلم شبهه لمنازع، ولا قول لمخالف((275)).

واشترطوا لهذا القرشى ان يكون قرشيا من الصميم، من بنى النضر بن كنانه، تصديقا للنص((276)).

وقال الامام احمد: (لا يكون من غير قريش خليفه)((277)).

واستدلوا على تواتر هذا النص بتراجع الانصار وتسليمهم الخلافه‏للمهاجرين القرشيين حين احتجوا عليهم بهذا النص فى السقيفه((278)).

وقال ابن خلدون: بقى الجمهور على القول باشتراطها - اى القرشيه - وصحه الخلافه للقرشى ولو كان عاجزا عن القيام بامور المسلمين((279)).

وهكذا ثبت النص الشرعى، وثبت تواتره، وثبت الاجماع عليه.

وحين تراجع بعضهم عن الالتزام بهذا النص - كابى بكر الباقلانى - فسر ابن خلدون سر تراجعه، ورد عليه، فقال: لما ضعف امر قريش، وتلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف والنعيم، وبما انفقتهم الدوله فى سائر اقطار الارض، عجزوا بذلك عن امر الخلافه وتغلبت عليهم الاعاجم، فاشتبه ذلك على كثير من المحققين حتى ذهبوا الى نفى اشتراط القرشيه، وعولوا على ظواهر فى ذلك مثل قوله(ص): (اسمعوا واطيعوا وان ولى عليكم عبد حبشى)((280)).

قال: وهذا لا تقوم به حجه فى ذلك، لانه خرج مخرج التمثيل، للمبالغه فى ايجاب السمع والطاعه((281)).

وثبت النص واستقر، ولا غرابه، فهو نص صحيح، بل متواتر.

وهو فوق ذاك ينطوى على فائده اخرى، فهو النص الذى يعزز اركان هذه‏النظريه اذ يضفى الشرعيه على الخلافه فى عهودها كافه، ابتداء من اول عهود الخلافه الراشده، وانتهاء باخر خلفاء بنى العباس، فهذا كل ما يتسع له لفظ القرشيه هنا.

لما تغلب معاويه بالسيف بلغه ان عبداللّه بن عمرو بن العاص يحدث انه سيكون ملك من قحطان، فهب معاويه غضبا فجمع الناس وخطبهم قائلا: اما بعد، فانه بلغنى ان رجالا منكم يحدثون احاديث ليست فى كتاب اللّه ولا توثر عن رسول اللّه، اولئك جهالكم! فاياكم والامانى التى تضل اهلها، فانى سمعت رسول اللّه(ص) يقول: (ان هذا الامر فى قريش، لا يعاديهم احد الا كبه اللّه فى النار على وجهه)((282)).

وقفه مع هذا النص :

عرف المهاجرون القرشيون الثلاثه - ابو بكر وعمر وابو عبيده - هذا النص فاحتجوا به على الانصار فى السقيفه، فاذعن الانصار، وعاد القرشيون بالخلافه، ابو بكر، ثم عمر، ثم مالت عن ابى عبيده، لا لعدم كفاءته وهو القرشى المهاجر، بل لانه قد توفى فى خلافه عمر، فلما حضرت عمر الوفاه تاسف عليه، وقال: (لو كان ابو عبيده حيا لوليته)((283)). والامر ماض مع النص.

ولكن حين لم يكن ابو عبيده حيا كاد ذلك المبدا - النص - ان ينهار، وكاد ذلك النص المتواتر ان ينسى، كل ذلك على يد الرجل الذى كان من اول المحتجين به على الانصار، عمر بن الخطاب! انه لما لم يجد ابا عبيده حيا، قال: (لو كان سالم مولى ابى حذيفه حيا لوليته)((284)).

ولما لم يكن سالم حيا، قال: (لو كان معاذ بن جبل حيا لوليته)((285)). فهل كان سالم قرشيا؟ ام كان معاذ كذلك؟ اما سالم: فاصله من اصطخر، من بلاد فارس، وكان مولى لابى حذيفه((286))! واما معاذ: فهو رجل من الانصار! هذا فى وقت تزدحم فيه المدينه بشيوخ المهاجرين القرشيين، وفيهم من هو افضل من هذين الرجلين بالاجماع.

ورغم ان ابن خلدون قد دافع عن النظريه القائمه على هذا النص (الائمه من قريش) ورد قول عمر هذا بانه قول صحابى واحد، ومذهب الصحابى ليس بحجه((287))، الا ان هذا لا يقطع دابر الاسئله التى يثيرها هذا الموقف..

فلو قدر لاحد الرجلين ان يكون حيا لتولى الخلافه، ولعطل النص الذى كان يوم السقيفه حجه فى انتزاع الخلافه من غير القرشى! ومما يدعم هذا الفرض ان احدا من الصحابه لم يرد على عمر، ويذكره بان الامامه فى قريش دون سواهم، بذلك النص الذى اجمعوا عليه من قبل، وبشرط السقيفه ايضا!! - فاما ان يكون سكوتهم اقرارا بعدم اشتراط القرشيه، وهذا مخالف للنص الذى اجمعوا عليه من قبل! -او انهم سكتوا هيبه للخليفه، وهذا لا ينبغى ان يكون مع وجود النص! -او انهم سكتوا حين لم يجدوا هناك حاجه للتسرع فى بحث‏الموضوع ما دام الرجلان قد ماتا، وما دام‏الخليفه لم يبت بالامر بعد، ثم راوا ان الحاجه الى ذلك قد انتفت حين اسند الامر الى سته كلهم من قريش، وهذا احسن الاعذار لويتم.


45

وايا كان، فان هذه الوجوه جميعا تثير الشكوك حول قيمه الاحتجاج بسكوت الصحابه على انه دائما يمثل الاجماع الاقرارى! اما حين يتوجه السوال الى عقيده عمر نفسه فى هذه النظريه فانه يحتاج الى توجيه آخر، وقد حاول ذلك ابن خلدون، فقال:

ان مولى القوم منهم، وعصبيه الولاء حاصله لسالم مولى ابى حذيفه فى قريش، وهى الفائده فى اشتراط النسب! ولما استعظم عمر امر الخلافه وراى شروطها كانها مفقوده فى ظنه عدل الى سالم لتوفر شروط الخلافه عنده فيه حتى من النسب المفيد للعصبيه، ولم يبق الا صراحه النسب، فرآه غير محتاج اليه، اذ الفائده فى النسب انما هى العصبيه، وهى حاصله من الولاء، فكان ذلك حرصا من عمر(رضى‏اللّه) على النظر للمسلمين((288)).

ولا يعدو هذا الكلام ان يكون اجتهادا فى مقابله النص، اما تاويل النسب بالعصبيه فهو من صياغه ابن خلدون، ومن خصوصيات نظريته فى السياسه، وليس من الضرورى ان يكون هو المراد من النص على قريش، فثمه احاديث صحيحه ميزت قريشا بمنزله ليست لغيرها، كحديث: (ان اللّه اصطفى كنانه من‏ولد اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانه..) الحديث((289)).

وذهب آخرون الى تبرير آخر، فاحتجوا بالحديث: (مولى القوم منهم، ومن انفسهم، وابن اخت القوم منهم) فاعتمدوا نصا جديدا فى توسيع النص الاول، بدلا من اللجوء الى التاويل والاجتهاد فى مقابله النص.

لكن هذا ايضا لم يقع موقع الرضا لدى الجمهور، اذ هو مخالف للاجماع.. قال ابن حزم: ان الاجماع قد تيقن وصح على ان حكم الحليف والمولى وابن الاخت كحكم من ليس له حليف ولا مولى ولا ابن اخت. فاذا صح البرهان بان لا تكون - الخلافه - الا فى قريش، لا فى من ليس قرشيا، صح بالاجماع ان حليف قريش ومولاهم وابن اختهم كحكم من ليس قرشيا((290)).

هذا كله عن سالم مولى ابى حذيفه، ولكن ليس ثم هناك جواب عن اختيار معاذ، وهو من الانصار الذين اغار عليهم القرشيون الثلاثه فى السقيفه، وفيهم عمر، واحتجوا عليهم بان الائمه من قريش، وهيهات ان ترضى العرب بغير قريش! هذا الكلام قاله عمر فى خطابه للانصار فى السقيفه، ثم واصل خطابه قائلا:

(ولنا بذلك الحجه الظاهره، من نازعنا سلطان محمد ونحن اولياوه وعشيرته، الا مدل بباطل، او متجانف لاثم، او متورط فى هلكه؟!)((291)).

ان تعدد هذه المواقف المختلفه اضفى كثيرا من الغموض على عقيده عمر فى الخلافه، مما يزيد فى ارباك نظريه الخلافه والامامه اذا ما ارادت ان تساير المواقف جميعها، من هنا اضطروا الى الضرب على اختلافات عمر حفاظا على صوره اكثر تماسكا لهذه النظريه، كل ذلك لاجل تثبيت هذا المبدا القائم على النص الشرعى: (الائمه من قريش).

واضح اذن كيف تم الانتصار للنص على الراى المخالف.

وواضح ايضا كيف كان قد تم الانتصار لمبدا النص على مبدا الشورى، وذلك حين راى الخليفه ضروره النص على من يخلفه.

فدخل النص اذن فى قمه النظام السياسى، رغم انه يلغى قاعده الشورى بالكامل.

ومره اخرى، تمشيا مع النص النبوى الشريف (الائمه من قريش) ينهزم مبدا الشورى امام السيف! فمن تغلب على الامه وانتزع الخلافه بالسيف وكان قرشيا، صحت خلافته، لانها لا تخرج عن النص المتقدم.

بل امام هذا النص قد انهارت جميع الشروط الواجب توفرها فى الخليفه، كالاجتهاد والعدل والتقوى، فاذا كان الخليفه قرشيا صحت خلافته وان كان ظالما جاهلا فاسقا، بل عاجزا عن امر الخلافه! هذه هى حقيقه موقع النص، اما النظريه فما زالت تتنكر له، وتتبنى مبدا الشورى ابتداء فى المرتبه الاولى، ولكن ينبغى لهذه الشورى الا تخرج عن دائره هذا النص، فلا تنتخب الا قرشيا من الصميم.

اما ابن حزم فقد تبنى مبدا النص اولا، ثم ادعى نص النبى(ص) على ابى بكر (رضى‏اللّه)، قطعا للنزاع، لكنه لم يفلح حين خالف حقيقه معلومه بالاجماع وبشواهد التاريخ.

اذا ثبت لدينا نص صريح صحيح وفاعل فى هذه النظريه، وهو الحديث الشريف (الائمه من قريش) وقد اخرجه البخارى ومسلم واصحاب السنن والسير بالفاظ مختلفه وهذا هو محصلها.

ضروره التخصيص فى النص :

1 - ان قراءه سريعه فى تاريخنا السياسى والاجتماعى توقفنا على حقيقه ان النص المتقدم (الائمه من قريش) بمفرده لا يحقق للامامه الهدف المنشود منها فى حراسه الدين والمجتمع.


46

واول من لمس هذه الحقيقه هم الصحابه انفسهم رضى اللّه عنهم منذ انتهاء الخلافه الراشده، ثم اصبحت الحقيقه اكثر وضوحا لدى من ادرك ثانى خلفاء بنى اميه - يزيد بن معاويه - ومن بعده.

ففى صحيح البخارى: لما كان النزاع دائرا بين مروان بن الحكم وهو بالشام، وعبداللّه بن الزبير وهو بمكه، انطلق جماعه الى الصحابى ابى برزه الاسلمى(رضى‏اللّه) فقالوا له: يا ابا برزه، الا ترى ما وقع فيه الناس؟ فقال: انى احتسب عند اللّه انى اصبحت ساخطا على احياء قريش، ان ذاك الذى بالشام واللّه ان يقاتل الا على الدنيا، وان الذى بمكه واللّه ان يقاتل الا على الدنيا!!((292)) 2 - واهم من هذا انه ثمه نصوص صحيحه توجب تضييق دائره النص المتقدم، فلقد حذر النبى(ص) من الاغترار بالنسب القرشى وحسب، وانذر بان ذلك سيودى الى هلاك الامه وتشتت امرها! ففى صحيح البخارى عنه (ص) انه قال: (هلكه امتى على يدى غلمه من قريش) كيف اذن سيتم التوفيق بين النصين: (الائمه من قريش) و(هلكه امتى على يدى غلمه من قريش)((293))؟ اليس لقائل ان يقول: ما هو ذنب الامه؟ انها التزمت نص النبى(ص) (الائمه من قريش) فقادها هذا النص الى هذا المصير حين ذبح خيار الامه بسيوف قريش انفسهم! اليس النص هو المسوول؟ حاشا لرسول اللّه(ص) ان يضع امته على حافه هاويه، وهو الذى كان قد استنقذها من الهاويه.

انهم ارادوا ان يحفظوا الرسول بحفظ جميع الصحابه واضفاء الشرعيه حتى على المواقف المتناقضه تجاه القضيه الواحده، فوقعوا فى ما فروا منه! بل وقعوا فى ما هو اكبر منه حين صار النص النبوى هو المسوول عما آل اليه امر الامه من فتن، ثم هلكه! ان العقيده التى توكد على تبرئه الرسول (ص)، وتصفه دائما بالعصمه والكمال واداء الامانه، ينبغى لها ان لا تنزلق فى هذا المنزلق الخطير.

انه ينبغى لها وفق هذه العقيده فى الدفاع عن الرسول (ص) اولا، ومما بين ايديها من السنه الصحيحه ثانيا، ومن شواهد الواقع ثالثا، ينبغى لها ان تلتزم بان الرسول (ص) لا يمكن ان يكتفى بهذا القدر من النص، فيقول: (الائمه من قريش) ويقف عند هذا القدر، ثم يقول مره اخرى: (هلكه امتى على يدى غلمه من قريش)! فهولاء الغلمه انما يكون هلاك الامه على ايديهم عندما يملكون امر الامه، لكن الامه لم ترض بهم الا اتباعا للنص الاول (الائمه من قريش) فهل يكون هذا الا اغراء؟! حاشا لرسول اللّه ان يكون ذلك منه، وانما هو من علامات التهافت فى هذه النظريه التى اغضت عن كل ما ورد فى السنه مما يفيد تخصيص ما ورد فى حق قريش.

نوعان من التخصيص :

ورد فى السنه نوعان من التخصيص فى امر قريش، تخصيص سلب، وتخصيص ايجاب.

1 - تخصيص السلب : ثمه نصوص صريحه تستثنى قوما من قريش، فتبعدهم عن دائره التكريم، ناهيك عن التقديم! قال ابن حجر الهيتمى: فى الحديث المروى بسند حسن انه(ص) قال: (شر قبائل العرب: بنواميه، وبنو حنيفه، وثقيف).

قال: وفى الحديث الصحيح - قال الحاكم: على شرط الشيخين - عن ابى برزه(رضى‏اللّه) انه قال: كان ابغض الاحياء - او الناس - الى رسول اللّه بنو اميه((294)).

والذى ورد فى ذم آل الحكم - ابو مروان - خاصه كثير ومشهور.

فهل يصح ان تسند الامامه الى شر قبائل العرب، وابغض الناس الى رسول اللّه (ص)؟! ومن دقائق النص الاول اقرانه بنى اميه ببنى حنيفه، وبنو حنيفه هم قوم‏مسيلمه الكذاب،وقوم نافع بن الازرق ونجده بن عوير من ائمه المارقين!! فاذا اصبح هولاء هم الحكام فى الواقع فعلينا ان نشهد ان هذا الواقع‏منحرف عن النص، بدلا من ان نسعى لتبريره واخضاعه للنص.

2 - تخصيص الايجاب : الحديث الذى ميز قريشا بالاصطفاء على سائر القبائل لم يقف عند دائره قريش الكبرى، بل خص منها طائفه بعينها، فقال: (ان اللّه اصطفى كنانه من ولد اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانه، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم)((295)).

وهذا تقديم لبنى هاشم على سائر قريش:

ساق ابن تيميه هذا الحديث الصحيح، واضاف قائلا: (وفى السنن انه شكا اليه العباس ان بعض قريش يحقرونهم! فقال (ص): (والذى نفسى بيده لا يدخلون الجنه حتى يحبوكم للّه ولقرابتى) واذا كانوا افضل الخلائق فلا ريب ان اعمالهم افضل الاعمال.. ففاضلهم افضل من كل فاضل من سائر قبائل قريش والعرب، بل وبنى اسرائيل وغيرهم)((296)).


47

وليس المقام مقام تفضيل وحسب، بل ان قريشا لا يصح لها ايمان ما لم تحب بنى هاشم حبين: للّه، ولقرابه الرسول! فهل يصح ان تكون قريش كلها سواء فى حق التقدم والامامه، وفيها بنو هاشم الذين رفعهم النص الى اعلى منزله، وفيها بنو اميه الذين خفظهم النص الى اردى الرتب؟! اذا كان الواقع قد آل الى هذه الحال، فعلينا ان نشهد انه واقع منحرف عن النص، لا ان نسعى الى تبريره.

نتيجه البحث :

مما تقدم يبدو بكل وضوح اننا هنا قد اخفقنا فى تحقيق نظريه منسجمه متماسكه فى موضوع الامامه، وان السبب الحقيقى لهذا الاخفاق هو متابعه الامر الواقع والسعى لتبريره وجعله مصدرا رئيسا فى وصف النظام السياسى.

ان تناقضات الامر الواقع فى ادواره المتعدده قد ظهرت جميعها فى هذه‏النظريه، مما افقدها قيمتها كنظريه اسلاميه فى معالجه واحده من قضايا الاسلام الكبرى ..

-فالقول بالنص الشرعى لم يقف عند جوهر النص، ولا التزم شروطه وحدوده.

-والقول بالشورى تقهقر امام نص الخليفه السابق، وصلاحيات الشورى، والقهر والاستيلاء، والتغلب بالسيف.

-اما نظام اهل الحل والعقد فهو اشد غموضا..

فمره يكون اهل الحل والعقد رجلا واحدا نصب نفسه فتابعه اثنان كما فى عقد الزواج، او تابعه اربعه، او يكونوا سته يعينهم الخليفه السابق دون الامه، بل (تطور) الامر عن هذا كثيرا، حتى (ان فيلسوفا مدققا كابن خلدون قد جعل حاشيه الخليفه وبطانته واقاربه - بصرف النظر عن مدى علمهم واجتهادهم وتقواهم - هم اهل الحل والعقد الذين عارضوا الخليفه المامون ان ينقل الخلافه الى على الرضا من بعده)((297))! والحقيقه التى نرجو ان لا تصدم احدا ان هذا قد ظهر من قبل، فى النصف الثانى من خلافه عثمان حيث برز على راس اصحاب الراى والمشوره رجال من قرابته - بنى اميه - خاصه، لم يكونوا من اولى الفضل والاجتهاد والسابقه فى الدين، مع كثره ،من كثره من اجتمعت فيهم هذه الخصال فى ذلك الوقت !) وكان اهل الحل والعقد هولاء هم: عبداللّه بن عامر، وعبداللّه بن سعد بن ابى سرح((298))، وسعيد بن العاص، ومعاويه بن ابى سفيان، ومروان بن الحكم! نقل الطبرى من طريقين: ان عثمان ارسل الى معاويه وعبداللّه بن سعد بن ابى سرح وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعبداللّه بن عامر، فجمعهم ليشاورهم فى امره، فقال لهم: ان لكل امرى‏ء وزراء ونصحاء، وانكم وزرائى ونصحائى واهل ثقتى..

وقد صنع الناس ما قد رايتم، وطلبوا الى ان اعزل عمالى، وان ارجع عن جميع ما يكرهون الى ما يحبون، فاجتهدوا رايكم واشيروا على.

فلما اشاروا عليه عمل بما رآه من مجموع مشوراتهم، فردهم على اعمالهم، وامرهم بالتضييق على من قبلهم، وامرهم بتجمير الناس فى البعوث((299))، وعزم على تحريم اعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا اليه((300)).

هذه الوجوه المتناقضه كلها من المستحيل ان تجتمع فى نظريه واحده، فتكون نظريه منسجمه وذات تصور واضح ومحدد ومفهوم.

هذا كله، وبقدر ما يثيره من شكوك حول صلاحيه هذه النظريه، فانه يرجح الراى الاخر الذى يذهب الى اعتماد النص الشرعى فى تعيين خليفه الرسول.

الى هذه النتيجه ايضا خلص الدكتور احمد محمود صبحى وهو يدرس نظريه الامامه، اذ قال: (اما من الناحيه الفكريه فلم يقدم اهل السنه نظريه متماسكه فى السياسه تحدد مفاهيم البيعه والشورى واهل الحل والعقد، فضلا عن هوه ساحقه تفصل بين النظر والتطبيق، او بين ما هو شرعى وبين ما يجرى فى الواقع.

لقد ظهرت نظريات اهل السنه فى السياسه فى عصر متاخر بعد ان استقر قيام الدوله الاسلاميه على الغلبه.. كما جاء اكثرها لمجرد الرد على الشيعه.. والتمس بعضها استنباط حكم شرعى من اسلوب تولى الخلفاء الثلاثه الاوائل.

وان الهوه الساحقه بين تشريع الفقهاء وبين واقع الخلفاء، فضلا عن تهافت كثير من هذه الاراء واخفاقها فى استنباط قاعده شرعيه، هو ما مكن للراى المعارض - القول بلنص - ممثلا فى حزب الشيعه)((301)).


48

الفصل الثانى

- معالم المسار كما صاغها التشريع لم يكن الرجوع الى النص الشرعى فى تحديد معالم المسار الاسلامى بعد الرسول من مختصات الشيعه وحدهم، لقد شركهم فيه غيرهم..

لقد احس الكثير من المتكلمين واصحاب الحديث بالحاجه الى النص فى تعيين اول الخلفاء على الاقل، لتتخذ الادوار اللاحقه له شرعيتها من شرعيته.

فجزم ابن حزم بالنص على ابى بكر صراحه،فتابعه البعض،فيما اقتنع آخرون بان فى هذه النصوص اشاره كافيه على وجوب تقديم ابى بكر، لكن دون التصريح بذلك، وربما راوا فى هذا مذهبا وسطا بين الشورى والنص الصريح، كما راوا فيه تثبيتا لمبدا الشورى، لا نقضا، حين وفقوا بين نتائج الشورى وبين اشاره النص.

وليس غريبا ان تتعدد اوجه الاستدلال بتعدد المتكلمين وتعدد اساليبهم وتعدد النصوص التى يعتمدونها، وكثيرا ما يتعلق المتكلمون بما يشفع لمذاهبهم وان كانوا يلمحون فيه علامات الوضع! لقد عرض المتكلمون فى تثبيت خلافه ابى بكر نصوصا من القرآن ونصوصا من السنه، نستعرض اهمها بتركيز وايجاز مبتدئين بنصوص السنه لكونها اكثر تصريحا، ولان النصوص القرآنيه اعتمدت فى تصحيح خلافته لا فى اثبات النص عليه.

اولا - نصوص من السنه :

النص الاول : قوله(ص) فى مرضه الذى توفى فيه: (مروا ابا بكر فليصل بالناس) فراى بعضهم فى هذا الحديث نصا صريحا على الخلافه لعدم الفصل بين امامه الصلاه والامامه العامه. واستدلوا لذلك بقول بعض الصحابه لابى بكر: ارتضاك رسول اللّه لديننا، افلا نرضاك لدنيانا! واهم شى‏ء فى هذا القول الاخير ان ينسب الى على بن ابى طالب((302))!! غير ان جمله من الاثارات تحيط بهذا النص وبهذه الواقعه، قد تبتلع كل ما يبنى عليهما من استنتاجات:

الاثاره الاولى : ان القول بعدم الفصل بين امامه الصلاه والامامه العامه قول غريب، واغرب منه قول الجرجانى (لا قائل بالفصل)((303))! -فابن حزم يقطع بان هذا قياسا باطلا، ويقول: (اما من ادعى انه انما قدم قياسا على تقديمه الى الصلاه، فباطل بيقين، لانه ليس كل من استحق الامامه فى الصلاه يستحق الامامه فى الخلافه، اذ يستحق الامامه فى الصلاه اقرا القوم وان كان اعجميا او عربيا، ولا يستحق الخلافه الا قرشى، فكيف؟ والقياس كله باطل)((304)).

-والشيخ ابو زهره ينتقد هذا النوع من القياس ووجه الاستدلال به، فيقول: اتخذ بعض الناس من هذا - النص - اشاره الى امامه ابى بكر العامه للمسلمين، وقال قائلهم: (لقد رضيه(ع) لديننا، افلا نرضاه لدنيانا) ولكنه لزوم ما ليس بلازم، لان سياسه الدنيا غير شوون العباده، فلا تكون الاشاره واضحه.. وفوق ذلك فانه لم يحدث فى اجتماع السقيفه، الذى تنافس فيه المهاجرون والانصار فى شان القبيل الذى يكون منه الخليفه، ان احتج احد المجتمعين بهذه الحجه، ويظهر انهم لم يعقدوا تلازما بين امامه الصلاه وامره المسلمين((305)).

والذى يستشف من كلامه استبعاد صحه نسبه هذا الكلام الى الامام على(ع)، هذه النسبه التى لا تحتمل الصحه، لما ثبت فى الصحاح من ان عليا(ع) لم يبايع الا بعد سته اشهر((306))، كما ان الصحيح المشهور عن على(ع) خلاف ذلك، فجوابه كان حين بلغه احتجاج المهاجرين بان قريشا هم قوم النبى واولى الناس به، قال: (احتجوا بالشجره واضاعوا الثمره)((307))! الاثاره الثانيه : ان امامه الصلاه وفقا لفقه هذه المدرسه لا يترتب عليها اى فائده فى التفضيل والتقديم، فالفقه هنا يجيز مطلقا امامه المفضول على الفاضل، بل يجيز امامه الفاسق والفاجر لاهل التقوى والصلاح، وكثيرا ما نرى الاستدلال لذلك بصلاه بعض الصحابه خلف الوليد بن عقبه وهو سكران، وصلاتهم خلف امراء بنى اميه ممن لم تكن له فضيله تذكر! الاثاره الثالثه : اخرج احمد ومسلم وابو داود وابن ماجه، والنسائى: ان عبدالرحمن بن عوف قد صلى اماما بالمسلمين وكان فيهم رسول اللّه(ص)((308)). وهذه الروايه اثبت مما ورد فى تقديم ابى بكر - كما سياتى - فالحجه فيها اذن لعبدالرحمن بن عوف اظهر، فتقديمه اولى وفقا لذلك القياس((309)). الاثاره الرابعه : فى صحيح البخارى: كان سالم مولى ابى حذيفه يوم المهاجرين الاولين واصحاب النبى(ص) فى مسجد قباء، وفيهم: ابو بكر، وعمر، وابو سلمه، وعامر بن ربيعه((310)).

وكان عمرو بن العاص اميرا على جيش ذات السلاسل، وكان يومهم فى الصلاه حتى صلى بهم بعض صلواته وهو جنب، وفيهم: ابو بكر، وعمر، وابو عبيده((311)).


49

فهل يستدل من هذا ان سالما وعمرو بن العاص افضل من ابى بكر وعمر وابى‏عبيده، واولى بالخلافه منهم؟ الاثاره الخامسه : نتابعها فى النقاط التاليه:

ا - ثبت فى جميع طرق هذا الحديث بروايته التامه انه بعد ان افتتح ابوبكر الصلاه، خرج النبى(ص) يتهادى بين رجلين - على والفضل بن العباس - فصلى بهم اماما وتاخر ابو بكر عن موضعه فصلى موتما بالنبى(ص) عن يمينه.

اثبت ذلك تحقيقا ابو الفرج ابن الجوزى فى كتاب صنفه لهذا الغرض، فقسمه الى ثلاثه ابواب: فجعل الباب الاول فى اثبات خروج النبى(ص) الى تلك الصلاه وتاخيره ابا بكر عن امامتها، وخصص الباب الثانى فى بيان اجماع الفقهاء على ذلك، فذكر منهم: ابا حنيفه ومالك، والشافعى، واحمد، واثبت فى الباب الثالث وهن الاخبار التى وردت بتقدم ابى بكر فى تلك الصلاه، ووصف القائلين بها بالعناد واتباع الهوى((312)).

وقال ابن حجر العسقلانى: تضافرت الروايات عن عائشه بالجزم بما يدل على ان النبى(ص) كان هو الامام فى تلك الصلاه((313)). ومن هنا قال بعضهم: متى نظرنا الى آخر الحديث احتجنا الى ان نطلب للحديث مخرجا من النقص والتقصير، وذلك ان آخره: ان رسول اللّه(ص) لما وجد افاقه واحس بقوه خرج حتى اتى المسجد وتقدم فنحا ابا بكر عن مقامه وقام فى موضعه. فلو كانت امامه ابى بكر بامره(ص) لتركه على امامته وصلى خلفه، كما صلى خلف عبدالرحمن بن عوف((314)).

ب - مما يعزز القول المتقدم ما ورد عن ابن عباس من انه قبل ان يوذن بلال لتلك الصلاه قال النبى(ص): (ادعوا عليا). فقالت عائشه: لو دعوت ابا بكر! وقالت حفصه: لو دعوت عمر! وقالت ام الفضل: لو دعوت العباس! فلما اجتمعوا رفع رسول اللّه(ص) راسه فلم ير عليا((315))!! ج - ويشهد لذلك كله ما ثبت عن على(ع) من انه كان يقول:

ان عائشه هى التى امرت بلالا ان يامر اباها ليصل بالناس، لان رسول اللّه(ص) قال: (ليصل بهم احدهم) ولم يعين .. وكان على(ع) يذكر هذا لاصحابه فى خلواته كثيرا، ويقول: انه(ص) لم يقل: (انكن لصويحبات يوسف) الا انكارا لهذه الحال، وغضبا منها لانها وحفصه تبادرتا الى تعيين ابويهما، وانه(ص) استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب((316)).

فهذه صور منسجمه ومتماسكه لا تبقى اثرا للاستفاده من هذا النص او تلك الواقعه، ويمكن ان يضاف اليها ملاحظات اخر ذات قيمه لا يستهان بها:

منها: الاختلاف الشديد والتعارض بين روايات هذه الواقعه، وقد صرح بهذا ابن حجر العسقلانى، ثم حاول التوفيق بينها بعد جهد((317)). ومنها: ملاحظه بعض نقاد الحديث ان هذا الحديث لم يصح الا من طريق عائشه، لذا لم تقم حجته((318)).

ومنها: ان ابن عباس قد طعن هذا الحديث طعنا عبقريا لم يتنبه له الرواه، اذ كانت عائشه تقول فى روايتها لهذا الحديث:

(خرج النبى يتهادى بين رجلين، احدهما الفضل بن العباس) ولا تذكر الرجل الاخر، فلما عرض احدهم حديثها على عبداللّه بن عباس، قال له ابن عباس: فهل تدرى من الرجل الذى لم تسم عائشه؟ قال: لا.

قال ابن عباس: هو على بن ابى طالب، ولكن عائشه لا تطيب نفسا له بخير((319))! الاثاره السادسه : اثبت كثير من اصحاب التاريخ والسير ان ابا بكر كان ايام مرض رسول اللّه(ص) الاخير هذا، كان مامورا بالخروج فى جيش اسامه، وكان النبى(ص) يشدد كثيرا بين الاونه والاخرى على التعجيل فى انفاذ هذا الجيش.. فكيف ينسجم هذا مع الامر بتقديمه فى الصلاه؟ ناهيك عن قصد الاشاره الى استخلافه! لقد ادرك ابن تيميه ما بين الامرين من منافاه وتعارض صريحين، فنفى نفيا قاطعا كون ابو بكر ممن سمى فى بعثه اسامه((320))!! لكن مثل هذا النفى لا ينقذ الموقف، خصوصا وان ابن تيميه لم يقدم برهانا ولا شبهه فى اثبات دعواه، فيما جاء ذكر ابى بكر ودخوله فى ذلك الجيش فى مصادر عديده وهامه، اصحابها جميعا من القائلين بصحه تقدم ابى بكر((321))! اما نفى ذلك، او تحرج بعض المورخين عن ذكره، فانما مرجعه الى الاختيار الشخصى فى مسانده المذهب، لا غير، حين ادركوا بيقين ان شيئا مما استدلوا به على امامته سوف لا يتم لو كان ابو بكر فى من سمى فى جيش اسامه، اذ هو مامور بمغادره المدينه المنوره ايام وفاه رسول اللّه(ص)، تحت امره اسامه بن زيد الشاب ابن الثمانى عشره سنه((322))!


50

نصوص اخر :

لم يقف القائلون بالنص عند النص المتقدم، بل رجعوا الى ما راوا فيه نصا جليا على الخلافه، لكنها فى الحقيقه نصوص تثير على نفسها بنفسها شكوكا كثيره لا تبقى احتمالا لصحتها، شكوكا تثيرها الاسانيد والمتون معا .. واهم هذه النصوص:

1 - ان امراه سالت رسول اللّه(ص) شيئا، فامرها ان ترجع اليه، فقالت: يا رسول اللّه، ارايت ان جئت فلم اجدك؟ - كانها تريد الموت - فقال: (فان لم تجدينى فاتى ابا بكر)((323))! وهذا الحديث متحد عند الشيخين فى سلسله واحده، وهى (ابراهيم بن سعد، عن ابيه، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن ابيه جبير بن مطعم: ان امراه سالت رسول اللّه...).

فلم يروه من الصحابه الا جبير بن مطعم، ولم يروه عن جبير الا ولده محمد، ولم يروه عن محمد غير سعد (وهو ابن ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف) ولم يروه عن سعد غير ولده ابراهيم، ثم اخذه الرواه عن ابراهيم بن سعد! الاسناد : نظره واحده فى هذا الاسناد، بعيدا عن التقليد، تحبط الامال التى يمكن ان تعقد عليه: فجبير بن مطعم: هو صاحب ابى بكر، تعلم منه الانساب واخبار قريش((243))، وكانت عائشه تسمى له وتذكر له قبل ان يتزوجها النبى(ص)((325))، وذكره بعضهم فى المولفه قلوبهم وفى من حسن اسلامه منهم((326)). وكان شريفا فى قومه بنى نوفل وهم حلفاء بنى اميه فى الجاهليه والاسلام. وهو احد الخمسه الذين اقترحهم عمرو بن العاص على ابى موسى الاشعرى للمشوره فى التحكيم، وهم: (جبير بن مطعم، وعبداللّه بن الزبير، وعبداللّه بن عمرو بن العاص، وابو الجهم بن حذيفه، وعبدالرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيره)((327))وكلهم مائل عن على(ع)، فابن الزبير وعبدالرحمن بن الحرث كانا فى اصحاب الجمل الذين قاتلوا عليا فى البصره، وعبداللّه بن عمرو مع ابيه عمرو بن العاص فى اصحاب معاويه، وجبير وابو الجهم من مسلمى الفتح هواهما مع بنى اميه((328))! وجبير بن مطعم هو سيدالغلام‏الحبشى وحشى، وهوالذى قال له‏يوم احد: ان قتلت محمدا فانت‏حر، وان قتلت عليا فانت‏حر، وان قتلت‏حمزه فانت حر((329))! ولما قسم النبى(ص) خمس خيبر لبنى هاشم وبنى المطلب حاك ذلك فى صدور قوم من بنى نوفل - قوم جبير - وبنى اميه، فكان جبير بن مطعم وعثمان بن عفان هما المعترضان على النبى(ص) نيابه عن قوميهما، قال جبير: مشيت انا وعثمان بن عفان الى النبى(ص) فقلنا: اعطيت بنى‏المطلب من خمس خيبروتركتنا، ونحن بمنزله واحده منك! فقال:

(انما بنو هاشم وبنوالمطلب شى‏ء واحد)((330)).

وروى لابن عباس معه حديث هام: كان ابن عباس يحدث عن رسول‏اللّه(ص) فى المتعه، فقال جبير بن مطعم: كان عمر ينهى عنها. فقال له ابن‏عباس: يا عدى نفسه، من هنا ضللتم! احدثكم عن رسول اللّه، وتحدثنى عن عمر((331))!! ثم ان محمد بن جبير بن مطعم: هو القائل لعبدالملك بن مروان وقد ساله: هل كنا نحن وانتم - يعنى اميه ونوفل - فى حلف الفضول((332))؟

فقال له محمد بن جبير بن مطعم: لا واللّه يا امير المومنين، لقد خرجنا نحن وانتم منه، ولم تكن يدنا ويدكم الا جميعا فى الجاهليه والاسلام((333))! وقد اعتزل محمد عليا والحسن عليهما السلام فى حربهما مع معاويه، فلما تم الصلح كان محمد ممثلا فى وفد المدينه الى معاويه للبيعه((334)).

واما سعد بن ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف: فقد كان قاضيا لبعض ملوك بنى اميه على المدينه((335)).

واما ولده ابراهيم بن سعد: فهو صاحب العود والغناء، كان يعزف ويغنى، وجاءه احد اصحاب الحديث لياخذ عنه، فوجده يغنى، فتركه وانصرف، فاقسم ابراهيم الا يحدث بحديث الا غنى قبله! وعمل واليا على بيت المال ببغداد لهارون الرشيد((336)).

وخطوه اخرى الى الامام فى التحقيق تضعنا امام صوره اكثر وضوحا، حيث ترينا كيف حل هذا الحديث محل الحديث الصحيح الوارد فى على(ع) بعين هذا المتن! لما حضر رسول‏اللّه(ص) قالت صفيه ام المومنين: يا رسول اللّه، لكل امراه من نسائك اهل تلجا اليهم، وانك اجليت اهلى، فان حدث حدث فالى من؟ قال: (الى على بن ابى طالب) اخرجه النسائى، واخرجه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح((337)).

فاذا لم نكن قد نسينا ما قراناه فى (نقد التاريخ)((338)) فان نظره واحده فى هذه السلسله الواحده لهذا الحديث تكشف لنا الكثير عن حقيقته، وربما مصدره ايضا حين نرى ان راس هذه السلسله - جبير بن مطعم - قد عاش نحو سبع عشره سنه فى خلافه معاويه على اغلب الاقوال، لم يفرقهما شى‏ء فى جاهليه ولا فى‏اسلام.. والمفترض ان يكون جبير ابعد افراد هذه السلسله عن تهمه الوضع فى الحديث((339)).


51

كما تجيبنا قراءتنا فى (نقد التاريخ) عن اهم ما يعترضنا هنا، وهو: كيف اصبح هولاء جميعا فى عداد رجال الشيخين - البخارى ومسلم - فيما اقصى آخرون لا يقاس هولاء بهم، كالامام جعفر الصادق، الذى كان ينبغى ان يكون حديثه اكثر اعتمادا، اذ لا يفصله عن البخارى سوى واسطه واحده او واسطتين، توفى الصادق(ع) سنه 148 ه، وولد البخارى سنه 194 ه! هذا النص، الذى جاء بهذه السلسله الوحيده، هو الذى راى فيه ابن حزم وغيره نصا جليا على خلافه ابى بكر((340))! غير ان الجرجانى والتفتازانى لم يذكراه‏اصلا فى احتجاجاتهما لخلافه ابى بكر، فيما ذكرا نصوصا كثيره اضعف منه سندا، واقل منه دلاله((341))!

2 - قالت عائشه: قال لى رسول اللّه(ص) فى مرضه: (ادعى لى ابا بكر اباك، واخاك، حتى اكتب كتابا، فانى اخاف ان يتمنى متمن ويقول قائل: انا اولى. ويابى اللّه والمومنون الا ابا بكر)((342)). الاسناد : اسند مسلم هذا الحديث كما يلى: عبيداللّه بن سعيد، عن يزيد بن هارون، عن ابراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهرى، عن عروه، عن عائشه.

فقد ظهر ابراهيم بن سعد فى هذا الحديث ايضا، وهو صاحب الحديث المتقدم، صاحب العود والغناء، صاحب هارون الرشيد.

اما الزهرى وعروه وعائشه فقد عرفنا بدقه موقفهم من الخلافه ومن على(ع) خاصه وبنى هاشم عامه.

واورده البخارى من طريق آخر ينتهى ايضا الى عائشه، فهى وحدها راس هذا الحديث فى جميع طرقه.

ولعل اقوى ما يثار هنا: ان هذه الاحاديث قد رواها الشيخان، فكيف يمكن الشك فيها والطعن عليها؟ وما ايسر الجواب لمن تجرد للحقيقه دون سواها، فقبل قليل فقط قرانا تفسير ذلك على السنه الكبار ممن حقق فى طبيعه هذا الامر وتطوره:

قراناعن‏نفطويه: ان‏اكثرالاحاديث‏الموضوعه فى‏فضائل‏الصحابه‏اختلقت فى ايام بنى اميه تقربا اليهم فى ما يظنون انهم يرغمون به انوف بنى هاشم! وقرانا عن المدائنى قوله: فرويت اخبار كثيره فى مناقب الصحابه مفتعله، لا حقيقه لها.. حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون انها حق، ولو علموا انها باطله لما رووها ولا تدينوا بها! وقرانا عن الامام الباقر قوله: حتى صار الرجل الذى يذكر بالخير، ولعله يكون ورعا صدوقا، يحدث باحاديث عظيمه عجيبه من تفضيل بعض من قد سلف من الولاه، ولم يخلق اللّه تعالى شيئا منها، ولا كانت وقعت، وهو يحسب انها حق لكثره من رواها ممن لم يعرف بالكذب ولا بقله ورع! فليس بمستنكر اذن ان تنفذ هذه الاخبار الى الصحيحين وغيرهما.. فمن اين ياتى الاستنكار وهم ما رووها الا وهم يعتقدون صحتها؟! وهذا الحديث بالذات مما شهد المعتزله بان البكريه وضعته فى مقابل الحديث المروى عنه(ص) فى مرضه: (ائتونى بدواه وبياض اكتب لكم كتابا لاتضلوا بعده ابدا) فاختلفوا عنده، وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه((343))! ومما يشهد لهذا القول، بل يجعله يقينا لا شك فيه، ما ثبت عن ابن عباس فى وصف اختلافهم عند النبى الذى حال دون كتابه ذلك الكتاب، فقد كان ابن عباس يصف هذا الحدث بانه (الرزيه، كل الرزيه) ويذكره فيقول: (يوم الخميس، وما يوم الخميس!) ويبكى حتى يبل دمعه الحصى((344))! فلو كان الامر كما وصفه الحديث المنسوب الى عائشه (يابى اللّه والمومنون الا ابا بكر) لم تكن ثمه رزيه يبكى‏لها ابن عباس كل هذا البكاء ويتوجع كل هذا التوجع.

ان بكاء ابن عباس وتوجعه الشديد لهذا الحدث لهو دليل لا شى‏ء اوضح منه على ان الذى اراده النبى(ص) من ذلك الكتاب لم يتحقق، بل تحقق شى‏ء آخر غيره لم يكن النبى(ص) اراده ولا اشار اليه ادنى اشاره. وتزداد هذه الحقيقه رسوخا حين ندرك ان ابن عباس هو واحد من ساده بنى هاشم الذين لم يبايعوا لابى بكر الا بعد سته اشهر((345))! فمع هذه الثوابت لا يبقى احتمال لصحه الحديث المنسوب الى عائشه!

3 - حديث: (اقتدوا باللذين من بعدى، ابى بكر وعمر).

اخرجه الترمذى وابن ماجه((346))، واعتمده كثيرون فى اثبات النص على ابى بكر وعمر، او فى اثبات صحه خلافتهما((347)).

لكن ابن حزم استهجن كثيرا الاستدلال بهذه الروايه، وعده عيبا يترصد امثاله الخصوم، فقال ما نصه: ولو اننا نستجيز التدليس والامر الذى لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحا، او ابلسوا اسفا، لاحتججنا بما روى (اقتدوا باللذين من بعدى ابى بكر وعمر) ولكنه لا يصح، ويعيذنا اللّه من الاحتجاج بما لا يصح((348)). 4 - نصوص اخر نسبت الى على(ع)، امعانا فى سد الثغرات او قطع الطريق على الخصم، استبعد المحب الطبرى صحه شى‏ء منها لتخلف على عن بيعه ابى بكر سته اشهر، ونسبته الى نسيان الحديث فى مثل هذه المده بعيد((349)). وهذا حق، يويده ما اشتهر عن على(ع) من ذكر حقه فى الخلافه((350)).


52

هذه جمله ما اعتمدوه من‏النصوص‏الحديثيه فى النص على ابى بكر وتقديمه.

ثانيا - نصوص من القرآن الكريم :

1 - قوله تعالى: (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم)((351)).

قالوا: الخطاب‏هنا للصحابه، فوجب‏ان يوجد فى‏جماعه منهم‏خلافه‏يتمكن بها الدين، ولم يوجد على هذه الصفه الا خلافه الخلفاء الاربعه، فهى التى وعد اللّه بها((352)). حتى صرح بعضهم بان الايه نازله فيهم، او فى ابى بكر وعمر خاصه((353)). وهذا الاستدلال ضعفه المفسرون بامرين:

الاول : ما ذهبوا اليه من ان المراد فى هذه الايه هو (الوعد لجميع الامه فى ملك الارض كلها تحت كلمه الاسلام، كما قال عليه الصلاه والسلام: (زويت لى الارض، فرايت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك امتى ما زوى لى منها) والصحيح فى هذه الايه انها فى استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو ان يملكهم البلاد ويجعلهم اهلها.

وان هذه الحال - التى تصفها الايه - لم تختص بالخلفاء الاربعه رضى اللّه عنهم حتى يخصوا بها من عموم الايه، بل شاركهم فى ذلك جميع المهاجرين، بل‏وغيرهم. الا ترى الى اغراء قريش المسلمين فى احد وغيرها، وخاصه‏الخندق، حتى اخبر اللّه تعالى عن جميعهم فقال: (اذ جاءوكم من فوقكم ومن اسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون باللّه الظنونا × هنالك‏ابتلى المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا)((354)) ثم ان اللّه رد الكافرين فلم ينالوا خيرا، وامن المومنين واورثهم ارضهم وديارهم واموالهم، وهو المراد بقوله: (ليستخلفنهم فى الارض). وقوله: (كما استخلف الذين من قبلهم) يعنى بنى اسرائيل، اذ اهلك اللّه الجبابره بمصر، واورثهم ارضهم وديارهم، فقال: (واورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها)((355)). وهكذا كان الصحابه مستضعفين خائفين، ثم ان اللّه تعالى امنهم ومكنهم وملكهم، فصح ان الايه عامه لامه محمد(ص) غير مخصوصه، اذ التخصيص لا يكون الا بخبر ممن يجب له التسليم، ومن الاصل المعلوم التمسك بالعموم)((356)). وهذا يعنى بوضوح ان الخطاب غير محصور بالصحابه رضى اللّه عنهم، بل هو عام لكل امه محمد فى كل زمان((357)).

والثانى : ما ذكروه فى سبب نزول الايه، فانه منطبق تماما على ما ذكر آنفا، لا يساعد على تخصيصها فى الخلفاء الراشدين او بعضهم، وان كان فيه ما يفيد تخصيصها بالنبى(ص) واصحابه ((358)). ففى روايه البراء، قال : فينا نزلت ونحن فى خوف شديد. وفى روايه ابى العاليه، يصف حال اصحاب الرسول وهم خائفون، يمسون فى‏السلاح ويصبحون فى السلاح، فشكوا ذلك الى النبى(ص) فانزل اللّه الايه، فاظهر اللّه نبيه على جزيره العرب، فامنوا ووضعوا السلاح.

ومثلها روايه ابى بن كعب، وقوله فى روايه ثانيه عنه: لما نزلت على النبى(ص) (وعد اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الايه، بشر هذه الامه بالسنا والرفعه والدين والنصر والتمكين فى الارض، فمن عمل منهم عمل الاخره للدنيا لم يكن له فى الاخره من نصيب((359)).

اما روايه عبد بن حميد عن عطيه ففيها تخصيص آخر مخالف للتخصيص المذكور فى الخلفاء الراشدين، اذ قال عطيه: هم اهل بيت هاهنا! واشار بيده الى القبله((360)).

وفى هذا عطف على ما ذهب اليه بعض مفسرى الشيعه من ان الايه فى المهدى الموعود(ع) الذى تواترت الاخبار على انه سيظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، وان المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات هنا: النبى(ص) والائمه من اهل بيته(ع)((361)).

لكن المفسر الطباطبائى الذى يمنع التخصيص هنا لعدم وجود قرينه من لفظ او عقل تدل عليه، يوكد ان الايه نص على بعض الامه، لا جميعها، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات((362))، وان هذا المجتمع الطيب الطاهر كما تصوره الايه، ان انطبق فلينطبق على زمن ظهور المهدى(ع) على ما ورد من صفه ذلك الزمان فى الاخبار المتواتره عن النبى وائمه اهل البيت، لكن على ان يكون الخطاب للمجتمع الصالح، لا للمهدى(ع) وحده((363)). وهذا موافق لما روى عن الامام زين العابدين(ع) فى الايه((364)). هذه هى الايه الاولى، ومع ظهور ما تقدم من افادتها العموم، لا يبقى وجه للتمسك بها هنا، وايضا فهى لم تكن عند المحتجين بها نصا فى الاستخلاف، انما ارادوا الاستدلال بها على صحه الخلافه، فلم تنهض دليلا حتى بالقدر الذى ارادوه! وكذا مع الايه الثانيه:


53

2 - قوله تعالى: (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون الى قوم اولى باس شديد تقاتلونهم او يسلمون فان تطيعوا يوتكم اللّه اجرا حسنا)((365)).

فقد جعل الداعى مفترض الطاعه، والمراد به ابو بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتهم بنص القرآن، واذ قد وجبت طاعتهم فرضا فقد صحت امامتهم وخلافتهم((366)).

والصحيح الذى يوافق تاريخ نزول الايه الكريمه، ويوافق الوقائع، هو ماذكره الرازى من ان الداعى هو النبى(ص)((367))، اذ كانت الايه المذكوره نازله فى الحديبيه بلا خلاف، وهى فى سنه ست للهجره،وبعدها غزا النبى هوازن وثقيف وهم اولوا باس شديد، فى وقعه حنين الشهيره وذلك بعد فتح مكه فى السنه الثامنه للهجره، وفتح مكه هو الاخر دعوه الى قتال قوم اولى باس شديد قاتلوا الاسلام واهله حتى اظهره اللّه عليهم فى الفتح، ثم كانت غزوه موته الشديده، ثم غزوه تبوك وهى المعروفه بجيش العسره، التى استهدفت محاربه الروم على مشارف الشام، ثم دعاهم مره اخرى لقتال الروم فى جيش اسامه الذى جهزه وامر بانفاذه وشدد على ذلك فى مرضه الذى توفى فيه.

فكيف يقال ان النبى(ص) لم يدعهم الى قتالهم بعد نزول الايه؟ ولاجل الفرار من هذا المازق ذهبوا الى آيه سوره التوبه النازله فى المخلفين: (فان رجعك اللّه الى طائفه منهم فاستاذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى ابدا ولن تقاتلوا معى عدوا)((368)). قال ابن حزم بعد ان ذكر هذه الايه ما نصه:

وكان نزول سوره براءه التى فيها هذا الحكم بعد غزوه تبوك بلا شك التى تخلف فيها الثلاثه المعذورون الذين تاب اللّه عليهم فى سوره براءه، ولم يغز(ع) بعد غزوه تبوك الى ان مات(ص).

وقال تعالى ايضا: (سيقول المخلفون اذا انطلقتم الى مغانم لتاخذوها ذرونا نتبعكم يريدون ان يبدلوا كلام اللّه قل لن تتبعونا كذلكم‏قال اللّه من قبل)((369)) فبين ان العرب لا يغزون مع رسول اللّه(ص) بعد تبوك((370))! وهذا اول التهافت، فالايه الثانيه، آيه سوره الفتح، نزلت فى الحديبيه سنه ست للهجره بلا خلاف، اى قبل تبوك بثلاث سنين! ويتضح التهافت جليا حين يواصل القول مباشره: (ثم عطف سبحانه وتعالى عليهم اثر منعه اياهم من الغزو مع رسول اللّه(ص) وغلق باب التوبه فقال تعالى: (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون الى قوم اولى باس شديد تقاتلونهم او يسلمون) فاخبر تعالى انهم سيدعوهم غير النبى(ص) الى قوم يقاتلونهم او يسلمون)((371)).

وهكذا قلب ترتيب الايات، فقدم آيه التوبه النازله بعد تبوك سنه تسع، واخر آيه الفتح النازله فى الحديبيه سنه ست، ليتفق له ما يريد! وهذا هو الخطا الاول، فكيف يكون ما نزل سنه تسع من الهجره مقدما على ما نزل سنه ست؟! واما الخطا الثانى فليس باقل ظهورا من الاول: فايه سوره الفتح النازله فى الحديبيه فى السنه السادسه قد جاء فيها الاخبار عن وقوع الدعوه، وتعليق الثواب والعقاب بالطاعه والعصيان منهم، فنص الايه يقول: (ستدعون الى قوم...) وقد وقعت الدعوه منه(ص) حقا فى حنين وموته وتبوك.

اما آيه سوره التوبه فى المخلفين المنافقين فقد اغلقت عليهم طريق التوبه ومنعت خروجهم مع النبى ومع غيره ايضا، اذ كيف يدعوهم ابو بكر او عمر الى جهاد الكفار وهم قد شهد عليهم اللّه ورسوله بالكفر والموت على الضلال، فقال‏تعالى فى تلك الايه نفسها (فان رجعك اللّه الى طائفه منهم فاستاذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى ابدا ولن تقاتلوا معى عدوا انكم رضيتم بالقعود اول مره فاقعدوا مع الخالفين × ولا تصل على احد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره انهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون).

وهذا صريح فى حكم اللّه تعالى عليهم بالكفر وقت نزول الايات، وانهم يموتون على الكفر والضلال، واكد ذلك بقوله فى الايه التاليه مباشره: (ولا تعجبك اموالهم واولادهم انما يريد اللّه ان يعذبهم بها فى الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون)((372)).

فهولاء اذن المقطوع بكفرهم وموتهم على الكفر، غير اولئك الذين ذكرتهم سوره الفتح ووعدتهم بالثواب ان هم استجابوا للداعى! وهذه المفارقات الظاهره لا تخفى على كبار المتكلمين لولا التقليد والاصرار على نصره المذهب! وهذه العله هى التى اوقعت الكثير من كبار المتكلمين فى العقائد بمثل هذه التناقضات والمفارقات الغريبه التى لا تخفى على البسطاء، لكنها بلا شك محل اعتصام المقلدين الذين يعجبهم كل ما من شانه نصره المذهب! وهذه ظاهره عامه، فلا فرق بين مقلد متعصب، وآخر مثله.


54

-ثمه التفاته لم اجد من اشار اليها مع انها داخله فى صلب هذا الموضوع الى حد الحسم فى تحديد غايته! وهى: انه فى ذات الواقعه التى نزلت فيها الايه الاولى: (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون الى قوم اولى باس شديد تقاتلونهم او يسلمون فان تطيعوا يوتكم اللّه اجرا حسنا) اى فى الحديبيه ذاتها، قال النبى(ص) لوفد قريش: (يا معشر قريش، لتنتهن او ليبعثن اللّه عليكم من‏يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن قلبه على الايمان) قالوا: من هو يا رسول اللّه؟ فقال ابو بكر: من هو يا رسول اللّه؟ وقال عمر: من هو يا رسول اللّه؟ قال:

(خاصف النعل) وكان قد اعط‏ى عليا نعلا يخصفها.

اخرجه الترمذى والنسائى وابن ابى شيبه باسانيد صحيحه((373)). ونحو هذا ثقيف، قال لهم النبى (ص): (لتسلمن او لابعثن عليكم رجلا منى - او قال: مثل نفسى - ليضربن اعناقكم، وليسبين ذراريكم، ولياخذن اموالكم) قال عمر: فواللّه ما تمنيت الاماره الا يومئذ، فجعلت انصب صدرى رجاء ان يقول:

هو هذا. فالتفت الى على فاخذ بيده وقال: (هو هذا، هو هذا)((374)). ونحوه ما اخبر به النبى(ص) انه واقع بعده، فقال: (ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) فاستشرف له القوم، وفيهم ابوبكر وعمر، فقال ابو بكر: انا هو؟ قال: (لا). قال عمر: انا هو؟ قال: (لا، ولكن خاصف النعل) وكان على يخصف نعل النبى(ص)((375)).

وهذه نصوص اجتمعت صراحه على نفى واثبات:

نفت صراحه ان يكون الداعى ابو بكر او عمر..

واثبتت صراحه ان كان داع بعد الرسول فهو على! وبعد وجود هذه النصوص الموثقه المتظافره فلا مسوغ للرجوع الى مداخلات المتكلمين.

اثاره فى الختام :

ان هذا المضى وراء تبرير الامر الواقع ليمنح المرء حقا فى التساول، ولاحرج، ما دام للتساول موضوع، وما دام فرض المحال ليس بمحال..

-فماذا يقال ازاء النص الوحيد الذى ظهر يوم السقيفه على لسان عمر حين قال لابى عبيده: ابسط يديك لابايعك فانت امين هذه الامه((376))؟ بل الذى نقله الطبرى وابن الاثير ان ابا بكر هو الذى قال ذلك لابى عبيده((377))! هذا هو النص الوحيد الذى تناقلته اخبار السقيفه بعد نص (الائمه من قريش) فصاحب هذا النص اولى بالخلافه اذن، ولو بسط يده وبايعوه لكان هو افضل الصحابه بلا جدال! ولاصبح هذا النص (امين الامه) هو النص الذى يتصدر جميع بحوثنا الكلاميه فى الامامه، ولما وجدنا للنصوص التى يذكرها المتكلمون فى ابى بكر عينا ولا اثرا! -وماذا لو قدر ان تتم الخلافه لعمرو بن العاص اولا؟ عندئذ سوف تنتقل كل تلك البراهين والنصوص باتجاه عمرو، بلا ادنى شك، وله بذلك حجه ظاهره: - فقد نصبه النبى(ص) اميرا على جيش فيه ابو بكر وعمر وابو عبيده جميعا، فى ذات السلاسل! وكانوا مامورين بطاعته وملازمته! وكان اثناء ذلك كله يومهم فى الصلاه((378))، حتى امهم فى بعض صلواته جنبا((379))! فهاتان خصلتان كبيرتان تقدم فيهما على‏المهاجرين الثلاثه الذين شهدوا السقيفه، ابى بكر وعمر وابى عبيده، اماره عليهم جميعا، وامامه الصلاه عليهم جميعا! وله بعد ذلك منقبه لم تكن لواحد منهم، فقد بعثه النبى(ص) اميرا على سريه الى عمان، فامن اهلها على يديه((380)). ثم هو قرشى ايضا يصدق عليه الحديث (الائمه من قريش)! وقد اسلم قبل الفتح وهاجر الى المدينه((381))! وسوف يدعم ذلك كله برهان طالما اعتمدوه فى اثبات شرعيه الخلافه، وهو انه لو كانت الامامه لغيره وقدمته الامه لكانت هى شر امه لانتزاعها الامامه من صاحبها والاحق بها ثم منحها لمن هو دونه، ولكنها خير امه كما اخبر القرآن الكريم.

بعد هذا كله تتجلى الحقيقه التى تقول:

ان الرجوع الى النص، لم يحدث الا فى وقت متاخر، فحينما قال الشيعه بولايه على ونص النبى عليه، التمس اهل السنه من اشارات النص ما ينبى بخلافه ابى بكر((382)).

لكن لما كانت هذه النظريه قائمه اساسا على تبرير الامر الواقع الذى تحقق بعد الرسول(ص) فهى لم تبحث عن النصوص بحثا موضوعيا لغرض الوقوف على النصوص الصحيحه قطعا والتى تفيد فائده حقيقيه فى تعيين خلفاء الرسول، وانما ذهبت تفتش عن نصوص تسند ذلك الواقع التاريخى، وتضفى عليه سمه الشرعيه، فحين لم تجد ما يسعفها فى ذلك راحت تتلمس غايتها وراء النصوص المصنوعه، بغض النظر عن سلامه اسانيدها وضعف دلالاتها! او من خلال اقحام الاراء على النصوص وتحميلها ما لا تتحمل، فقادها هذا وذاك الى جمله من التهافتات والتناقضات الموسفه! ومهما كان، فان هذه المحاولات تصطدم مره اخرى بعقبه كوود: فلم يثبت عن احد من الصحابه انه ادعى النص على ابى بكر، بل الثابت عنهم هو العكس تماما، كما ثبت عن عمر حتى آخر حياته، وكما ثبت حتى عن السيده عائشه التى نسبوا اليها بعض النصوص المتقدمه، فقد نقلوا عنها شهادتها بان النبى(ص) لم يستخلف، فقالوا لها: من كان رسول اللّه مستخلفا لو استخلف؟ فقالت: ابا بكر. قالوا: ثم من؟ قالت: عمر. قالوا: ثم من؟ قالت: ابا عبيده((383))! ولا يخفى ايضا ان هذا الترتيب هو الترتيب الذى افرزته السقيفه، وافرزه تتابع عهود الخلافه: ابو بكر، ثم عمر، ثم تمنى عمر لو كان ابو عبيده حيا ليستخلفه.. وليس هو الترتيب الذى تفرزه سير الصحابه حول الرسول، ولا هو الترتيب المتبع فى التفضيل عند اهل السنه! ورغم ذلك فان ابن حزم ينسب عمر وعائشه الى الغفله عن ذلك، وانه قد خفى عليهما النص كما خفى عليهما كثير من امر رسول اللّه((384))!! وهذا تبرير لا يرتضيه احد، ولا يقوم الا على الظن، بل لو كان ثمه نص على ابى بكر وامكن ان يخفى، لخفى على الجميع الا عمر وعائشه اللذين كانا اكثر الناس اجتهادا فى تثبيت خلافته! وايضا فثمه ما يشبه الاجماع عند اهل السنه على عدم النص، وشذت طائفه من المعتزله عن قول اسلافها فزعمت ان النبى(ص) نص على صفه الامام ونعته، ولم ينص على اسمه ونسبه، وهذا قول احدثوه قريبا، وكذلك قالت جماعه من اهل الحديث، هربت حين عضها حجاج الاماميه، ولجات الى ان النبى(ص) نص على ابى بكر، فتركت مذهب اسلافها((385))!


55

النصوص الصحيحه الحاكمه :

نصوص ايقن بها طائفه من الصحابه، على راسهم على، يقينا لا يسمح ان يتسرب الى مدلولها شك.. يقينا دفع عليا(ع) ان يرد بدهشه على من دعاه لتعجيل البيعه بعد وفاه الرسول(ص)، قائلا: (ومن يطلب هذا الامر غيرنا؟!)((386)).

لكن تسارع الاحداث فى تلك الاثناء، واحكام القبضه،لم يتركا لشى‏ء من تلك النصوص موقعا يرتجى، اما حين تحققت بارقه امل يوم اجتماع الاصحاب السته للشورى ولم يبت فى الامر بعد، فلم يتوان على(ع) عن التذكير بطائفه منها..((387)) وبعد ان تمت له البيعه كانت الاذهان اكثر استعدادا للاصغاء، واوسع فسحه للتامل.. فبالغ فى التذكير ببعضها، نصا او دلاله، حتى امتلات بها خطبه الطوال والقصار، وكان لا يخلو تذكيره احيانا من تقريع، ظاهر، او خفى! وبواحد من مواقفه نستهل هذه الطائفه من النصوص:

1 - (من كنت مولاه فعلى مولاه).

خطب على(ع) فى الناس، فقال: انشد اللّه من سمع رسول اللّه(ص) يقول يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلى مولاه) لما قام فشهد! فقام اثنا عشر بدريا، فقالوا: نشهد انا سمعنا رسول اللّه(ص) يقول يوم غدير خم: (الست اولى بالمومنين من انفسهم؟) قلنا:

بلى، يا رسول اللّه.

قال: (فمن كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)((388)).

وحديث غدير خم لم يرو فى مسند احمد اكثر منه طرقا الا حديثا واحدا((389))! اما فى كتاب السنه لابن ابى عاصم (287 ه) وتاريخ ابن كثير فلا يضاهيه حديث((390))!! ورواه غيرهم باسانيد صحيحه، كالترمذى، وابن ماجه، والنسائى، وابن ابى شيبه، والحاكم((391))، ونص الذهبى على تواتره((392)). لكن بعد هذا جاء دور المتكلمين، فبذلوا جهودا مضنيه فى تاويله وصرفه عن معناه، بل تجريده من كل معنى!! فحين راوا ان الاقرار بدلالته على الولايه العامه يفضى الى ادانه التاريخ وتخطئه كثير من الصحابه، ذهبوا الى تاويله بمجرد النصره والمحبه، فيكون معنى الحديث: يا معشر المومنين، انكم تحبوننى اكثر من انفسكم، فمن يحبنى يحب عليا، اللهم احب من احبه، وعاد من عاداه((393))! وحين راوا ان جماعه من الصحابه قد عادوه وحاربوه، ومنهم:

عائشه وطلحه والزبير، وان آخرين قد اسسوا دينهم ودنياهم على بغضه، ومنهم: معاويه وعمرو بن العاص والمغيره ومروان..

ذهبوا الى حق هولاء فى الاجتهاد مقابل ذلك النص، فهم معذورون وان اخطاوا، بل ماجورون اجرا واحدا لاجل اجتهادهم((394))!! وهكذا اصبح الخروج على نصوص الشريعه، حتى فى مثل تلك الطرق السافره، اجتهادا يثاب صاحبه، وليس بينه وبين الاخر الذى تمسك بالشريعه وقاتل دونها الا فرق الاجر، فالذى قاتل الشريعه له نصف اجر الذى قاتل دونها! لقد كان الاولى بهم ان يتابعوا سنه الرسول، ويوقروا نصه الشريف الثابت عنه، بدلا عن افراطهم فى متابعه الامر الواقع الذى ظهر فيه اختلاف كثير..ثم اذا ارادوا بعد ذلك‏ان يعذروا الصحابه، فما اوسع‏ابواب‏الاعذار، ولقد اجاد ابن تيميه خاصه فى اعذارهم فى ما ثبت عنهم من فتاوى او افعال تخالف السنه الثابته((395)).

فالحق ان هذا نص صريح فى ولايه على(ع)، لا يحتمل شيئا من تلك التاويلات التى ما كانت لتظهر لولا الانحياز للامر الواقع ومناصرته. ومما يزيد فى ظهور هذا النص وامتناع صحه شى‏ء مما قيل فى تاويله: انه لم يات يتيما، فاقدا لما يشهد لمضمونه، بل فى السنه ما ينصره ويفسره، واهمها:

2 - قوله(ص): (ان عليا منى وانا منه، وهو ولى كل مومن بعدى) حديث صحيح((396)).

-ومثله قوله(ص) فى على: (انه منى وانا منه، وهو وليكم بعدى.. انه منى وانا منه وهو وليكم بعدى) يكررها((397)).

- ومثله قوله(ص) لعلى: (انت وليى فى كل مومن بعدى) او (انت ولى كل مومن بعدى ومومنه)((398)).

وبعد اليقين بصحه هذه الاحاديث، لا يمكن ان تفسر بحسب ظاهرها فتدين الواقع التاريخى.. فلما ارادوا تفسير الولايه هنا ايضا بالنصره والمحبه، نظير ما فى قوله تعالى: (والمومنون والمومنات بعضهم اولياء بعض)((399))، صدمهم قوله:

(بعدى) الذى لا يمكن ان يتشابه معناه! ولما كانت قدسيه الرجال اعظم من قدسيه النص، رغم ثبوت صحته عندهم، شهروا سيف التكذيب، فقالوا: اسناده صحيح مع نكاره فى متنه، لشذوذ كلمه (بعدى)! ولما ارادوا البرهان على هذه النكاره والشذوذ فمن اليسير جدا ان يرموا بها (شيعيا) ورد فى اسناد بعضها((400))! لكن من البديهى ان مثل هذا البرهان الاخير يحتاج الى توثيق، خصوصا ازاء حديث يرد باسانيد صحيحه متعدده، فكيف وثقوه؟ ليتهم لم يوثقوه، ليتهم تركوه مجازفه كمجازفات الكثير من اصحاب الاذواق!! قالوا فى توثيقه: يويده ان الامام احمد روى هذا الحديث من عده طرق ليست فى واحده منها هذه الزياده((401)).


56

انها مقاله من لا يخشى فضيحه التحقيق!! فالنصوص الثلاثه التى ذكرناها لهذا الحديث، وفى جميعها كلمه (بعدى) جميعها فى مسند احمد((402)) واغرب من هذا ان المحقق الذى ينقل قولهم المتقدم ويعتمده، يخرج بعضها على مسند احمد نفسه((403))! ومره اخرى ينهار ذلك البرهان وتوثيقه امام الحديث الذى رواه احمد فى مسنده، وفيه: (انت وليى فى كل مومن بعدى)((404))، وليس فى اسناده واحد من اولئك (الشيعه) الذين اتهموا به! بل اتفق على صحته: الحاكم والذهبى والالبانى((405))! ان هذه الدلائل ليست فقط تثبت صحه قوله: (بعدى)، انما تثبت ايضا - مع المعرفه بحقائق التاريخ وموقف الرواه من فضائل على - ان الروايه التى وردت فى مسند احمد او غيره وليس فيها كلمه (بعدى) انما قام (بتهذيبها) انصار التاريخ الذين نصروه حتى فى اوج انحرافه عن السنه..

كيف لا، وهى ادانه صريحه لمساره المنحرف الذى صار عقيده يتدينون بها، ويضللون من خالفهم فيها؟!

3 - الحديث الذى غاب عن (السنن) واظهره اصحاب التاريخ والتفسير:

(ان هذا اخى، ووصيى، وخليفتى فيكم، فاسمعوا له واطيعوا) ((406)). فاذا كان الذى دهش قريشا فى جاهليتها هو ان يومر ابو طالب بان يسمع لابنه ويطيع((407))، فقد دهشها بعد الاسلام ان يومر كل الصحابه بذلك! ولعل الذى صرف عنه اصحاب السنن هو من نحو ما ذكره ابن كثير فى تعليقه على الحديث، قائلا: ذكروا فيه عبدالغفار بن القاسم، وهو كذاب، شيعى، اتهمه على بن المدينى بوضع الحديث، وضعفه الباقون((408)).

لكن ابا مريم، عبدالغفار بن القاسم، قد حفظ له التاريخ غير ما ذكر ابن كثير! حفظ لنا خلاصه سيرته، وصلته بالحديث، ومنزلته فيه، ثم حفظ عله تركهم حديثه: قال ابن حجر العسقلانى: (كان - ابو مريم - ذا اعتناء بالعلم وبالرجال.. وقال شعبه: لم ار احفظ منه..

وقال ابن عدى: سمعت ابن عقده يثنى على ابى مريم ويطريه، ويجاوز الحد فى مدحه، حتى قال: لو ظهر على ابى مريم ما اجتمع الناس الى شعبه) ((409))!! اذن لامر ما لم يظهر على ابى مريم، قال البخارى: عبدالغفار بن القاسم‏ليس بالقوى عندهم.. حدث بحديث بريده (على مولى من كنت مولاه) ((410))! لكن حديث بريده هذا قد اخرجه ابن كثير نفسه من طريق آخر وصفه بانه اسناد جيد قوى رجاله كلهم ثقات((411))! ذلك هو ابو مريم!

4 - خلاصه وصيه النبى لامته فى حفظ رسالته:

(الا ايها الناس انما انا بشر يوشك ان ياتى رسول ربى فاجيب، وانا تارك فيكم الثقلين: اولهما كتاب اللّه، فيه الهدى والنور؟، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به.. واهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى) ((412)). (انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتى اهل بيتى، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض.. فانظروا كيف تخلفونى فيهما) ((413)). (انى تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه، واهل بيتى...) ((414)).

تلك خلاصه رساله السماء.. ومفتاح المسار الصحيح الذى اراده النبى لشريعته.

وهذا كلام لا يختلف فى فهمه عامى وبليغ.. فمن اين ياتيه التاويل؟! انه لو قدر ان تتحقق الخلافه لعلى اولا، لما ارتاب احد فى هذا النص الصريح الصحيح.. لكن اختلاف المسار الجديد عنه، وتقديس الرجال، هما وراء كل ما نراه من ارتياب وتجاهل لنص لا شى‏ء ادل منه على تعيين ائمه المسلمين، خلفاء الرسول!! ان اغرب ما جاء فى (تعطيل) هذا النص قول متهافت ابتدعه ابن تيميه حين راى انه ليس فيه الا الوصيه باتباع الكتاب، وهو لم يامر باتباع العتره، ولكن قال: (اذكركم اللّه فى اهل بيتى)((415))! فقط وفقط، ولا كلمه واحده!! ولهذا القول المتهافت مقلدون، والمقلد لا يقدح فى ذهنه ما يقدح فى اذهان البسطاء حتى! ليعيد على شيخه السوال: اين الثقل الثانى اذن؟! اين الخليفه الثانى اذن؟! من هذان اللذان لن يفترقا حتى يردا الحوض معا؟! وليست هذه الاسئله من شان المقلد، كما لم تكن من شان المتاول، لان شانهما ان يستترا وراء التاويل، عن لمعان النص ودويه! (كتاب اللّه) و(عترتى اهل بيتى) انهما المحوران اللذان سيمثلان محل القطب فى مسار الاسلام الاصيل غدا بعد وفاه الرسول(ص).


57

وليس بعد هذا الحديث، وحديث غدير خم، ما يستدعى البحث عن نصوص اخر لمن شاء ان يومن بالنصوص...

الخطاب الجامع . . مفترق الطرق :

فى حديث صحيح، جمع الخطاب واوجز: قال الصحابى زيد بن ارقم: لما رجع النبى(ص) من حجه الوداع ونزل غدير خم، امر بدوحات فقممن((416))، ثم قال: (كانى دعيت فاجبت، وانى تارك فيكم الثقلين، احدهما اكبر من الاخر، كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى. فانظروا كيف تخلفونى فيهما، فانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض).

ثم قال: (ان اللّه مولاى، وانا ولى كل مومن) ثم اخذ بيد على(رضى‏اللّه)، فقال: (من كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

قال ابو الطفيل: قلت لزيد: سمعته من رسول اللّه(ص)؟ قال: نعم، وانه ما كان فى الدوحات احد الا رآه بعينيه وسمعه باذنيه((417)). هذا الخطاب، على نحو مئه الف من المسلمين شهدوا حجه الوداع، وعند مفترق طرقهم الى مدائنهم، لم يعش النبى(ص) بعده الا نحو ثمانين يوما((418))، ليكون هذا الخطاب ذاته بعد اليوم الثمانين مفترق الطرق بين المسلمين، وحتى اليوم!! ثمانون يوما لا تكفى لنسيانه!! ودواعى الذكرى التى احاطت به لا تسمح بتناسيه!! لكن لم يحدثنا التاريخ ان احدا قد ذكره فى تلك الايام الحاسمه التى ينبغى الا تعيد الاذهان الى شى‏ء قبله، فهو النص الذى يملا ذلك الفراغ، ويسكن له ذلك‏الهيجان، وتنقطع دونه الامانى، او فرص الاجتهاد..

(انى يوشك ان ادعى فاجيب..

وانى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى: كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى..

من كنت مولاه فعلى مولاه..).

والعهد، بعد، قريب، جد قريب ..

فاذا وجدنا اليوم من لم يومن بالنص على خليفه النبى، فليس لان النبى لم يقله، بل لان الناس يومئذ لم يذكروه!!

5 - (انت منى بمنزله هارون من موسى، الا انه لا نبى بعدى) حديث متواتر لا خلاف فيه((419))، لكن الكلام فى تاويله، وما اغنانا عن التاويل الذى ما ابقى من النص الا حروفه!! غريب جدا ما ذهب اليه المتاولون من ان النبى(ص) لم يقله الا تطييبا لخاطر على وترغيبا له فى البقاء فى المدينه لما ارجف به المنافقون وقالوا: خلفك مع النساء والصبيان! وليس فيه من تشابه المنزلتين الا القرابه((420))! -غريب فى نسبه هذه الاغراض الى حديث نبوى ظاهر، الى حديث النبى‏الذى لا يقول الا حقا، ومع على بالذات، ربيب النبى وبطل الملاحم!! -وغريب فى تناسى القرآن، وكان القرآن لم يذكر شيئا من منزله هارون من موسى!! -وغريب فى الغفله عما يضفيه هذا التاويل الى على وسعد وابن عباس، على الاقل، من سذاجه فى التفكير وقصور فى الفهم!! الم يكن على يعرف قرابته من رسول اللّه قبل ذلك اليوم؟! ام كان سعد لم يتمن الا هذه القرابه وهو يقول: سمعت رسول اللّه(ص) يقول فى على ثلاث خصال لئن يكون لى واحده منهن احب الى من حمر النعم، سمعته يقول: (انه منى بمنزله هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى..)((421)) فهل فهم منه القرابه، لا غير؟! ام كان ابن عباس لا يريد الا القرابه حين يذكر لعلى عشر خصال ليست لاحد من الناس، فيعد فيها هذا الحديث((422))؟! هذا وان لابن عباس من قرابه النبى مثل ما لعلى(ع) فكلاهما ابن عمه(ص)!!ويساويهما فى هذه القرابه كل اولاد ابى طالب واولاد العباس واولاد ابى لهب! -ولا يخفى ايضا ان قرابه على للرسول ليست كقرابه هارون لموسى، فليست هى المعنيه فى النص قطعا.. وغريب ان يخفى على هولاء ما هو ظاهر لمن هو دونهم.. فقوله: (انت منى بمنزله هارون من موسى) ظاهر فى عمومه واستيعابه جميع مصاديق تلك المنزله، ومن هنا استثنى النبوه، فقال: (الا انه لا نبى بعدى) فلما استثنى النبوه فقد نص على ثبات المصاديق الاخر، وهى: الوزاره والخلافه.

فلو لم يرد النص الا فى غزوه تبوك، لما افاد ذلك تخصيصه بتلك الغزوه ما دام الحديث نصا فى العموم. ومع هذا فقد ورد هذا النص فى غير تلك الواقعه ايضا، كما رواه ابن حبان وغيره فى خبر المواخاه((423)).

6 - (يكون بعدى اثنا عشر خليفه، كلهم من قريش) متواتر، لا نزاع فيه((424))!

اهل البيت اولا:

58

يقول ابن تيميه: ان بنى هاشم افضل قريش، وقريش افضل العرب، والعرب افضل بنى آدم، كما صح عن النبى(ص) قوله فى الحديث الصحيح: (ان اللّه اصطفى بنى اسماعيل، واصطفى كنانه من بنى اسماعيل، واصطفى قريشا من كنانه، واصطفى بنى هاشم من قريش).

-وفى السنن انه شكا اليه العباس ان بعض قريش يحقرونهم، فقال: (والذى نفسى بيده، لا يدخلون الجنه حتى يحبوكم للّه ولقرابتى).

-ثم قال: واذا كانوا افضل الخلائق فلا ريب ان اعمالهم افضل الاعمال((425)). ولا ريب ان اهل البيت افضل بنى هاشم:

يقول ابن تيميه فى الموضع ذاته: وفى صحيح مسلم عنه(ص) انه قال يوم غدير خم: (اذكركم اللّه فى اهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى، اذكركم اللّه فى اهل بيتى).

وظاهر ان ابن تيميه لا يريد ان يذكر مقدمه الحديث: (انى تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه.. واهل بيتى) لانه لا يريد ان يرى الامر جليا بوجوب التمسك باهل البيت! ويمكن ان يضاف الى هذا كثير:

-(اللهم هولاء اهل بيتى، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) على وفاطمه والحسن والحسين، ولا احد سواهم..((426)) (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)((427)).

-(نحن بنو عبدالمطلب ساده اهل الجنه: انا، وحمزه، وعلى، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدى)((428)).

-(الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنه)((429)).

-(المهدى من عترتى، من ولد فاطمه)((430)).

فلم يبق فى الامر ادنى غموض، بعد تقديم بنى هاشم الصريح، وتقديم اهل البيت خاصه على سائر بنى هاشم، وصراحه النصوص المتقدمه، لا سيما الغدير والولايه والثقلين، وببساطه كبساطه هذا الدين الحنيف، وبعيدا عن شطط التاويل بعد هذا الدين عن التعقيد والتنطع، تبدو عندئذ كم هى ظاهره امامه اثنى عشر سيدا من ساده اهل البيت.. وتحديدا، اولهم على، فالحسن، فالحسين، وآخرهم المهدى.

ومن لحظ الاضطراب الشديد والتهافت الذى وقع فيه شراح الصحاح عند حديث الخلفاء الاثنى عشر ((431))، ازداد يقينا فى اختصاص ساده اهل البيت بهذا الحديث، دون سواهم.

وقد اهتدى الى هذا المعنى بعض من شرح اللّه صدره للاسلام من اهل الكتاب لما راوا فى اسفارهم الخبر عن اثنى عشر اماما يكونون بعد النبى العظيم من ولد اسماعيل((432))، فناقضهم ابن كثير، نقلا عن شيخه ابن تيميه، ليجعل هولاء العظماء هم الخلفاء الذين يعدون فيهم معاويه ويزيد ومروان وعبدالملك وهشام، او الذين لا يدرون من هم((433))!! واهل البيت اولا ..

لو لم يكن ثمه نص فى الامامه، وكان للامه ان ترشح لها اهلها، وبعد ما تقدم فى فضيل بنى هاشم، واهل البيت خاصه، فهم الاولى بالامامه بلا منازع.

واهل البيت اولا ..

لو كانت الخلافه محصوره فى قريش، اما لنص النبى(ص)، او لقول المهاجرين فى السقيفه: (ان قريشا اولياوه وعشيرته)، (وقومه اولى به)، (وهيهات ان يجتمع سيفان فى غمد)، (ولا تمتنع العرب ان تولى امرها من كانت النبوه فيهم).. واخيرا:

(فمن ينازعنا سلطان محمد ونحن اولياوه وعشيرته، الامدل بباطل، او متجانف لاثم، او متورط فى هلكه؟!)((434)).

فان هذا كله لا يرشح احدا قبل بنى هاشم، فاذا كان قومه اولى به فلا ينازعهم الا ظالم، فما من احد اولى به من بنى هاشم، ثم اهل البيت خاصه! فبنو هاشم، دون سواهم من بطون قريش، هم المعنيون بايه الانذار فى بدء الدعوه النبويه: (وانذر عشيرتك الاقربين).

وبنو هاشم هم المعنيون بالمحاصره فى شعب ابى طالب ثلاث سنين، وليس معهم الا بنى المطلب، اما بطون قريش الاخر، تيم وعدى واميه ومخزوم وزهره وغيرها، فهم الذين تحالفوا على محاصره عشيره محمد الاقربين، بنى هاشم وبنى المطلب!! فهل خفى هذا على احد، لو خفيت عليه النصوص؟! فالذى جادل فى النصوص ودفعها بانها لو صحت، او لو افادت الخلافه، لما خفيت على عظماء الصحابه وجمهورهم.. عليه ان يقف امام هذه الحقيقه، كيف خفيت عليهم؟! -فالحق اذن .. ان التشريع الاسلامى لم يغفل النص الحاسم فى تحديد معالم مسار الاسلام بعد الرسول..

-والحق ايضا .. انه مهما تنازع الناس فى هذا النص وموداه فان كفه على ابن ابى طالب هى الراجحه..

سلوك النبى فى ترشيح على :

عمليا كان النبى(ص) يمارس اعداد على لخلافته، ومنذ بدء الدعوه، ويظهر لصحبه وللناس انه يرشحه لذلك، عملا مشفوعا بالقول احيانا((435)).

منذ البدء، نشا على فى بيت النبى (ص) يتبعه اتباع الظل، حتى بعث(ص) فكان على اول من آمن به مع زوجته خديجه((436)). -وكان النبى(ص) يخرج الى البيت الحرام ليصل فيه، فيصحبه على وخديجه فيصليان خلفه، على مراى من الناس، ولم يكن على الارض من يصلى تلك الصلاه غيرهم..((437)) وكان على يصف ايامه تلك، فيقول: (وقد علمتم موضعى من رسول اللّه(ص) بالقرابه القريبه والمنزله الخصيصه، وضعنى فى حجره وانا ولد، يضمنى الى صدره.. وكان يمضغ الشى‏ء ثم يلقمنيه، وما وجد لى كذبه فى قول، ولا خطله‏فى فعل.. ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لى فى كل يوم من اخلاقه علما ويامرنى بالاقتداء به، ولقد كان يجاور فى كل سنه بحراء فاراه ولا يراه غيرى، ولم يجمع بيت واحد يومئذ فى الاسلام غير رسول اللّه(ص) وخديجه وانا ثالثهما، ارى نور الوحى والرساله واشم ريح النبوه..) ((438)).


59

- ويوم انذر عشيرته الاقربين، رفع شان على عليهم جميعا، وخصه بمنزله لا يشركه فيها غيره.

- ويوم هجرته الى المدينه، اختار عليا يبيت فى فراشه، ثم يودى ما كان عند النبى من امانات، ثم يهاجر بمن بقى من نساء بنى هاشم.

-ثم اختصه بمصاهرته فى خير بناته سيده نساء العالمين((439))، بعد ان تقدم لخطبتها ابو بكر ثم عمر فردهما(ص)((440))! وقال لها: (زوجتك اقدم امتى سلما، واكثرهم علما، واعظمهم حلما)((441)).

-وآخى بين المهاجرين والانصار، ثم اصطفى عليا لنفسه فقال له: (انت اخى فى الدنيا والاخره)، او (انت اخى وانا اخوك)((442)). فكان رسول اللّه(ص) سيد المرسلين وامام المتقين ورسول رب العالمين الذى ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعلى بن ابى طالب، اخوين((443)).

-وفى سائر حروبه كان لواوه(ص) او رايه المهاجرين بيد على(ع)((444)).

-وفى خيبر بعث ابا بكر بالرايه، فرجع ولم يصنع شيئا، فبعث بها عمر، فرجع ولم يصنع شيئا، فقال: (لاعطين الرايه رجلا يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، لا يخزيه اللّه ابدا، ولا يرجع حتى يفتح عليه) فدعا عليا ودفع اليه الرايه ودعا له، فكان الفتح على يديه((445)).

وفى عباره بعضهم: بعث ابا بكر فسار بالناس فانهزم حتى رجع اليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى اليه..((446)) وفى عباره بعضهم: فعاد يجبن اصحابه ويجبنونه((447)).

- ويقول لاصحابه: (ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) فيستشرفون له، كل يقول: انا هو؟ وفيهم ابو بكر وعمر، فيقول: (لا) (لا) (لكنه على)((448)).

-ويبعث‏ابا بكر بسوره براءه اميرا على‏الحج، ثم يبعث خلفه عليا فياخذها منه، فيعود ابو بكر الى النبى(ص) فيقول: احدث فى شى‏ء، يا رسول اللّه؟ فيقول(ص): (لا، ولكنى امرت الا يبلغ عنى الا انا او رجل منى)((449))! -وكان لبعض الاصحاب ابواب شارعه فى المسجد، فقال لهم:

(سدوا هذه الابواب، الا باب على)((450)).

-وكان الصحابه عنده فى المسجد، فدخل على، فلما دخل خرجوا، فلما خرجوا تلاوموا، فرجعوا، فقال لهم(ص): (واللّه ما انا ادخلته واخرجتكم، بل اللّه ادخله واخرجكم)((451)).

- ودعاه يوم الطائف يناجيه، فقال بعضهم: لقد طال نجواه مع ابن عمه!! فقال لهم(ص): (ما انا انتجيته، ولكن اللّه انتجاه)((452)). -وربما اراد ان يعلم اصحابه ادبا، فيقول لهم: (الا قلتم كما قال على بن ابى طالب)((453))؟! -فى حجه‏الوداع اشركه فى هديه، دون غيره من‏اصحابه او ذوى قرباه((454)).

-وفيها خطب خطبته الشهيره فى على فى طريق عودته من حجه الوداع، وهو آخذ بيده يرفعها حتى يراها الجمع الكبير:

(انما انا بشر يوشك ان ادعى‏فاجيب، وانى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللّه، وعترتى‏اهل بيتى) (الست اولى بالمومنين من ا نفسهم؟ فمن كنت مولاه فعلى مولاه)((455)). -وخصه النبى(ص) مده حياته الشريفه بمنزله ليست لاحد، خصه بساعه من السحر ياتيه فيها كل ليله((456)).

- واذ نزل قوله تعالى: (وامر اهلك بالصلاه) ((457)) كان النبى(ص) ياتى باب على كرم اللّه وجهه صلاه الغداه كل يوم، ويقول: (الصلاه، رحمكم اللّه، انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) ((458)).

-وحين يتوفى رسول اللّه(ص) يخص عليا بميراثه دون عمه العباس، فسئل ولد العباس عن ذلك فقالوا: ان عليا كان اولنا به لحوقا، واشدنا به لصوقا((459)). وغير هذا كثير، وقد عرفه الصحابه فى حياه الرسول..

الصحابه والمعرفه بالترشيح :

سمع الصحابه وشهدوا نصوص النبى وسلوكه فى ترشيح على وتعيينه لخلافته مباشره، فادركوا ذلك ووعوه، حتى ظهر فى اقوال بعضهم، وظهر عند آخرين قولا وعملا.

- فاشتهر عن بعضهم تمنيه ان لو كانت له واحده من تلك الخصال التى خص بها على(ع)، كما عرف ذلك عن: عمر بن الخطاب، وسعد بن ابى وقاص، وعبداللّه بن عمر((4604)).

- واشتهر عن آخرين متابعتهم له حتى عرفوا فى ذلك العهد بشيعه على، منهم: ابو ذر، وعمار، وسلمان، والمقداد((461)).

- بل كان عامه المهاجرين والانصار لا يشكون فى ان عليا هو صاحب الامر بعد رسول اللّه(ص)((462)).

وابو بكر سمع بنفسه قول ابنته عائشه لرسول اللّه بصوت عال:

(واللّه لقد علمت ان عليا احب اليك من ابى)! فاهوى اليها ليلطمها، وقال: يا ابنه فلانه، اراك ترفعين صوتك على رسول اللّه((463))! - قال معاويه بن ابى سفيان فى رسالته الى محمد بن ابى بكر، وهى الرساله التى اشار اليها الطبرى ثم قال: كرهت ذكرها لامور لا تحتملها العامه، قال فيها معاويه مخاطبا محمد بن ابى بكر: (قد كنا وابوك معنا فى حياه نبينا نرى حق ابن ابى طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا)((464)).


60

- وشهيره كلمه عمر بن الخطاب يوم غدير خم: (هنيئا لك يابن ابى طالب، اصبحت مولى كل مومن ومومنه)((465)). علما ان هذه الكلمه (مولى) و(ولى) لم تعرف لاحد من الصحابه الا لعلى (ع) فى جمله من الاحاديث النبويه: (من كنت مولاه فعلى مولاه). (وهو وليكم بعدى). (انت ولى كل مومن ومومنه بعدى)((466)). بل فى القرآن ايضا: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاه ويوتون الزكاه وهم راكعون)((467)). قال الالوسى: غالب الاخباريين على انها نزلت فى على بن ابى طالب((468))، وعليه شبه اجماع لدى المفسرين((469))، وطائفه من اصحاب الحديث((470)).

وهذا كله كان يعرفه الصحابه من المهاجرين والانصار خاصه لقربهم من النبى(ص).

- ومن قول محمد بن ابى بكر فى رسالته الى معاويه، يصف عليا(ع): (وهو وارث رسول اللّه(ص) ووصيه، وابو ولده، اول الناس له اتباعا، واقربهم به عهدا، يخبره بسره، ويطلعه على امره)((471)). - وعبداللّه بن عباس، حبر الامه، يصفه ايضا لمعاويه، فيسميه (سيد الاوصياء)((472)).

- وابو ذر الغفارى يقول: (وعلى بن ابى طالب وصى محمد ووارث علمه) ((473)).

- وحذيفه بن اليمان: (الحقوا بامير المومنين، ووصى سيد المرسلين) ((474)).

- وعمرو بن الحمق الخزاعى، الصحابى الذى دعا له النبى ان يمتع بشبابه، فبقى الى آخر عمره يتمتع بكل سيماء الشباب، يقول لعلى: احببتك بخصال خمس: انك ابن عم رسول اللّه، ووصيه...((475)) - والحسن السبط(ع) خطب خطبته الاولى بعد وفاه ابيه فذكر:

(عليا خاتم الاوصياء)((476)).

- وخزيمه بن ثابت، ذو الشهادتين، يصفه للسيده عائشه، فيقول:

وصى رسول اللّه من دون اهله وانت على ما كان من ذاك شاهده((477)) - وحجر بن عدى، حجر الخير، الصحابى الذى بكاه اهل السماء، يصفه فى ارجوزه له يقول فى آخرها:

واحفظه ربى واحفظ النبيا فيه، فقد كان له وليا ثم ارتضاه بعده وصيا((478)) - والنقيب البدرى ابو الهيثم بن التيهان، يقول فيه:

ان الوصى امامنا وولينا برح الخفاء وباحت الاسرار((479)) - فكما عرفوه (وليا) عرفوه (وصيا) ايضا، وذو الشهادتين حين ادلى بشهادتيه على ان عليا وصى النبى (ص) ، لم يقف عند هذا الحد، بل الزم عائشه ايضا الشهاده على ذلك.

وقبل هذا كله بكثير ظهرت كلمه (الوصى) فى شعر الصحابه، فبعد وفاه النبى(ص) وحادثه السقيفه، وابان ما شجر من نزاع بين الانصار وبعض قريش من بنى اميه خاصه، انشد النعمان بن العجلان ردا على عمرو بن العاص:

وقلتم حرام نصب سعد، ونصبكم عتيق بن عثمان - حلال - ابا بكر واهل ابو بكر لها خير قائم وان عليا كان اخلق بالامر وكان هوانا فى على، وانه لاهل لها ياعمرو من حيث لاتدرى فذاك بعون اللّه يدعو الى الهدى وينهى عن الفحشاء والبغى والنكر وصى النبى المصطفى وابن عمه وقاتل فرسان الضلاله والكفر((480)) وقد نسب الى حسان بن ثابت شعر فى تلك الايام ايضا يذكر فيه عليا(ع) فيعرفه بالوصى، رواه اليعقوبى والزبير بن بكار((481))، يقول:

الست اخاه فى الهدى ووصيه واعلم منهم بالكتاب وبالسنن؟! وربما تردد المحققون فى قبول كثير من الشعر المنسوب الى حسان، وهذه الابيات ليست فى المختار من ديوانه، لكن احدا لا يقطع بان هذا المختار هو كل ما انشده حسان.. وايضا فالزبير بن بكار واليعقوبى لا يوردان من مثل هذه الاخبار الا ما اشتهر منها، كما يلاحظ بالتتبع فى كتابيهما.

اذن لم يكن لقب (الوصى) محدثا كما صوره بعض الدارسين الذين اغفلوا شهاده التاريخ ثم اسقطوا نزعاتهم الشخصيه على المفاهيم، وعلى التاريخ كله، فصوروا (الوصى) وكانه من صنع اليهود، ومنهم انتقل الى المسلمين، عن طريق عبداللّه بن سبا المزعوم او غيره((482))، او هو من صنع الشيعه ، ابتدعه هشام ابن الحكم (191 ه) ولم يكن معروفا قبله لا من ابن سبا ولا من غيره((483))! فالاشعار المتقدمه المحفوظه عن الصحابه سبقت ميلاد هشام بن الحكم بنحو ثمانين سنه! كلا، بل ذاك مما عرفه الصحابه او بعضهم لعلى، وحفظه تاريخهم، لهم اوعليهم! وربما يقال ان فى تلك المصادر نزعه شيعيه، والشيعه ليس من حقهم ان يساهموا فى كتابه التاريخ، بل ليس من حقهم ان يكتبوا تاريخهم الخاص ايضا! لكن هل يقال هذا فى ابن حجر العسقلانى؟ فى شرحه لصحيح البخارى يثبت ابن حجر ان (الشيعه) كانوا يتداولون احاديث الوصيه، فنهضت السيده عائشه فى مواجهه ذلك التيار بحديثها الذى اثبته البخارى، تقول فيه: ان النبى(ص) لما نزل به الموت وراسه على فخذى غشى عليه ثم افاق، فقال: (اللهم الرفيق الاعلى) فكانت آخر كلمه تكلم بها (اللهم الرفيق الاعلى).


61

قال العسقلانى نقلا عن الزهرى فى ما يرويه عن جماعه من اهل العلم فيهم عروه بن الزبير: كان عائشه اشارت الى ما اشاعته الرافضه ان النبى(ص) اوصى الى على بالخلافه وان يوفى ديونه((484))! فخبر الوصيه اذن كان يطرق آذانها، حتى واجهته بهذا الخبر...

لكن لا العسقلانى ولا الزهرى ولا جماعه اهل العلم يشاوون ان يتقدموا فى التحقيق خطوه واحده الى الامام، لان الخطوه اللاحقه سوف تنفض ايديهم مما وضعه فيها حديث السيده عائشه! فالسيده ام سلمه اقسمت على كذب الحديث المروى عن عائشه، حين اقسمت ان آخر الناس عهدا بالنبى هو على بن ابى طالب (ع)! قالت: (والذى احلف به ان كان على لاقرب الناس عهدا برسول اللّه(ص)، عدنا رسول اللّه(ص) غداه بعد غداه يقول: (جاء على) مرارا، فجاء بعد، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنت من ادناهم الى الباب، فاكب عليه على، فجعل يساره ويناجيه، ثم قبض(ص) من يومه ذاك وكان اقرب الناس به عهدا)((485)). فالصحابه اذن كانوا يعرفون ذلك، وان انكرته عائشه فدخل حديثها صحيح البخارى دون حديث ام سلمه الذى كان رجاله رجال الصحيح! واخيرا، فالوصيه التى يفخر بها هذا العدد من الصحابه سوف تبقى اكبر من (وصيه على قضاء الديون الخاصه) قد لا تكون محلا لمثل هذا الذكر والفخر..

-وفى محاوره السيده ام سلمه للسيده عائشه وقد اغضبتها البيعه لعلى فعزمت على المسير الى البصره، اعادت عليها ام سلمه اشياء كثيره تذكرها ما تعلمه من حق على، ومن ذلك:

(قالت ام سلمه: ويوم كنت انا وانت مع رسول اللّه(ص) فى بعض اسفاره، فاقبل ابوك وعمر فاستئذنا، فقمنا الى الحجاب، فدخلا ثم قالا: يا رسول اللّه، انا واللّه ما ندرى ما قدر ما تصحبنا، افلا تعلمنا خليفتك فينا فيكون مفزعنا اليه؟ فقال(ص): اما انى قد ارى مكانه، ولو فعلت لنفرتم عنه كما نفرت بنو اسرائيل عن هارون بن عمران! فلما خرجا خرجت انا وانت فقلت له وكنت جريئه عليه: يار سول اللّه، من كنت مستخلفا عليهم؟ فقال: خاصف النعل.

فنظرت الى على فقلت: ما ارى الا على بن ابى طالب! فقال: هو ذاك. اتذكرين هذا؟ قالت: نعم). هذا الحوار نقلته مصادر مهمه ((486)).

- والحوارات التى ادارها عمر بن الخطاب مع ابن عباس هى الاخرى حوارات كاشفه عن هذا المعنى:

ففى احدها: يكشف عمر عن معرفته بذلك فيقول: (لقد كان النبى يربع فى امره وقتا ما، ولقد اراد فى مرضه ان يصرح باسمه، فمنعت من ذلك، اشفاقا وحيطه على الاسلام! ورب هذه البنيه لا تجتمع عليه قريش ابدا).

اما ابن عباس فيوكد له ان النبى(ص) قد نص على على، وانه سمع ذلك من على والعباس((487)).

وفى اخرى: يوكد عمر اراده قريش، فيقول: كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه فتجخفوا جخفا((488))، فنظرت قريش لنفسها فاختارت..

لكن ابن عباس يحمل على هذه الحجه حملا عنيفا، متسلحا باى القرآن هذه المره، فيقول: (اما قولك: كرهت قريش! فان اللّه تعالى قال لقوم: (ذلك بانهم كرهوا ما انزل اللّه فاحبط اعمالهم)((489)). واما قولك: انا كنا نجخف! فلو جخفنا بالخلافه جخفنا بالقرابه، لكنا قوم اخلاقنا مشتقه من اخلاق رسول اللّه(ص) الذى قال له اللّه تعالى: (وانك لعلى خلق عظيم)((490)) وقال له: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المومنين)((491)).

واما قولك: فان قريشا اختارت! فان اللّه تعالى يقول: (وربك يخلق مايشاء ويختار ما كان لهم الخيره)((492)).

وقد علمت يا امير المومنين ان اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار! فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفقت واصابت!! ولهذا الحوار مصادره المهمه ايضا((493)).

وهذه هى نظريه النص فى اطارها التام: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيره) وان اللّه اختار من خلقه لهذا الامر من اختار.. النظريه التى اصبحت من مقولات الشيعه ومن خصائص التشيع واعمدته((494))، ومن لا يحب ان يكون شيعيا فعليه ان يخالف فيها ولو بمجرد الاعراض عنها! -وفى اخرى: ان ابن عمك قد اجهد نفسه فى العباده، يرشح نفسه بين الناس للخلافه! قال ابن عباس: وما يصنع بالترشيح! قد رشحه لها رسول اللّه(ص) فصرفت عنه((495))! -والحوار الطويل الذى اداره عثمان ايام خلافته مع ابن عباس يكشف عن وضوح تام لهذه القضيه، اذ يختم عثمان حديثه بقوله: (ولقد علمت ان الامر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه، واختزلوه دونكم)! فاكد ابن عباس هذا المعنى فى جوابه، وذكر العله فيه كما يراها، ويرى انها لم تكن خفيه ايضا على عثمان، فيقول: (اما صرف قومنا عنا الامر فعن حسد قد واللّه عرفته، وبغى قد واللّه علمته، فاللّه بيننا وبين قومنا)((496))! هذا كله وكثير غيره عرفه الصحابه، وحفظه التاريخ لهم او عليهم! فحق اذن لقائل ان يقول: ان غالبيه المسلمين حين توفى النبى(ص) كانوا مع الاتجاه الذى يمثله على بن ابى طالب واصحابه، لان النبى كان زعيم هذا الاتجاه((497)).


62

فقبل ذلك قيل لقد كان عامه المهاجرين والانصار لا يشكون فى على((498)).

النص والترشيح فى حديث على:

واضح جدا فى قراءه تلك الحقبه من التاريخ ان عليا(ع) هو اكثر من تبنى اظهار النصوص والاشارات الداله على ترشيحه لخلافه الرسول (ص)، او النص عليه بالاسم. وصحه نسبه هذه الكلمات اليه قد فرغ منها اصحاب التحقيق حين تجردوا عن الاهواء، وسكن اليها اكثر من خمسين علما من شراح كلماته، ودافعوا عنها دفاعا معززا بالبراهين الباعثه على الاطمئنان((499)).

فى حقه خاصه :

على(ع) هو الذى اعاد الى الاذهان احاديث نبويه تبرز حقه بالخلافه بلا منازع، كانت قد حجر عليها ايام الخلفاء اذ منعوا من الحديث الا ما كان فى فريضه، يريدون بها الاحكام وفروع العبادات:

1 - فقد جمع الناس ايام خلافته فخطبهم خطبته المنقوله بالتواتر، يناشد فيها اصحاب رسول اللّه (ص) من سمع منهم رسول اللّه بغدير خم يخطب فيقول: (من كنت مولاه فعلى مولاه) الا قام فشهد((500)).

2 - وعلى هو الذى اعاد نشر حديث آخر يرشحه على ابى بكر وعمر خاصه، اذ اخبر النبى ان من اصحابه من يقاتل بعده على تاويل القرآن كما قاتل هو(ص) على تنزيله، فتمنى ابو بكر ان يكون هو ذلك الرجل، فلم يصدق النبى امنيته، بل قال له (لا)! فتمنى ذلك عمر لنفسه فلم يكن احسن حظا من ابى بكر، ثم قطع النبى الامانى كلها حين اخبرهم انه على، لا غير((501))! هذه الاحاديث وغيرها وان رويت عن غيره الا ان روايتها عنه امتازت بكونها خطبه على جمهور الناس، لا حديثا لواحد او لبضعه نفر، وهذا ابلغ فى التاكيد على حقه الذى ايقن به، وايقن بان كثيرا من الصحابه كانوا يعرفونه ولا يجهلونه.

3 - وقد ذكر عنه اكثر من هذا بكثير فى يوم الشورى او بعدها، لكن اختلفوا فى تفصيله وفى اسناده ايضا، وان كان قد ثبت عندهم ذلك بالجمله، واقل ما ذكر من مناشدته تلك ما اخرجه ابن عبدالبر: قال على لاصحاب الشورى: (انشدكم اللّه، هل فيكم احد آخى رسول اللّه بينه وبينه، اذ آخى بين المسلمين، غيرى؟).

وقال ابن عبدالبر بعده: روينا من وجوه عن على(رضى اللّه) انه كان يقول: (انا عبداللّه واخو رسول اللّه، لا يقولها احد غيرى الا كذاب)((502)). ورواها فى كنز العمال حديثا طويلا عن ابى الطفيل انه سمع عليا يوم الشورى يقول - الحديث((503))، وما اخرجه ابن عبدالبر قطعه منه، لكن اسناد كنز العمال فيه جهاله((504))، وقد دار حوله جدل، فقيل: رواه زافر عن رجل، فالرجل مجهول، وزافر لم يتابع عليه، وانكره بعضهم لاجل متنه، ولا يعتد بهذا الانكار لانه مبنى على فهم لا اصل له يصور البيعه لابى بكر على انها كانت اجماعا او شبه اجماع، وما خالف هذا التصور فهو عنده منكر، وهذا فرط خيال كما هو ثابت.

واما الاسناد فقد توبع عليه زافر كما فى الاسناد الذى اورده ابن عبدالبر فى (الاستيعاب)((505))، وقد قال ابن حجر العسقلانى: ان زافرا لم يتهم بكذب، وانه اذاتوبع على حديث كان حسنا((506)). وفى اول هذا الحديث، قال ابو الطفيل: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الاصوات بينهم، فسمعت عليا يقول: (بايع الناس لابى بكر، وانا واللّه اولى بالامر منه، واحق به منه، فسمعت واطعت مخافه ان يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع الناس عمر وانا واللّه اولى بالامر منه، واحق به منه، فسمعت واطعت مخافه ان يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم انتم تريدون ان تبايعوا عثمان! اذا اسمع واطيع) ثم ذكر امر الشورى وشرع يحصى عليهم من فضائله وخصائصه التى امتاز بها عليهم، وكانت اولاها القطعه التى رواها ابن عبدالبر فى المواخاه((507)).

ولهذا الكلام ما يشهد له ايضا مما سياتى فى فقرات لاحقه.

4 - وعلى جدد التذكير ايضا بما يبرز حقه فوق ابى بكر خاصه، حين ذكر الناس بقصه اخذه سوره براءه من ابى بكر! روى النسائى باسناد صحيح عن على(ع): ان رسول اللّه(ص) بعث ببراءه الى اهل مكه مع ابى بكر، ثم اتبعه بعلى فقال له:

(خذ الكتاب فامض به الى اهل مكه) قال: فلحقته فاخذت الكتاب منه، فانصرف ابو بكر وهو كئيب، فقال: يا رسول اللّه، انزل فى شى ء؟ قال: (لا، انى امرت ان ابلغه انا او رجل من اهل بيتى)((508)). وفى كل واحد من هذه الاحاديث رد على من يقول ان عليا لم يذكر شيئا يدل على احقيته فى الخلافه، هذا ولما ندخل بعد رحاب نهج البلاغه.


63

5 - ومن اشهر اقواله، قوله بعد ان بلغه خبر السقيفه ومبايعه الناس لابى بكر: (ماذا قالت قريش؟).

قالوا: احتجت بانها شجره الرسول(ص).

فقال: (احتجوا بالشجره واضاعوا الثمره)((509))!

6 - وفى احتجاجه المشهور على نتائج السقيفه ايضا، قوله:

فان كنت بالشورى ملكت امورهم فكيف بهذا والمشيرون غيب وان كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك اولى بالنبى واقرب((510))

7- خطبته الشقشقيه، التى حضيت دائما بمزيد من التوثيق((511))، وهى من اكثر كلماته المشهوره وضوحا ودلاله وتفصيلا:

(اما واللّه لقد تقمصها فلان، وانه ليعلم ان محلى منها محل القطب من الرحا، ينحدر عنى السيل ولا يرقى الى الطير..

فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا، وطفقت ارتئى بين: ان اصول بيد جذاء، او اصبر على طخيه عمياء! .. فرايت ان الصبر على هاتا احجى، فصبرت وفى العين قذى، وفى الحلق شجا، ارى تراثى نهبا! حتى مضى الاول لسبيله، فادلى بها الى فلان بعده..

فيا عجبا، بينا هو يستقيلها((512)) فى حياته، اذ عقدها لاخر بعد وفاته!! لشد ما تشطرا ضرعيها!..

فصبرت على طول المده، وشده المحنه.. حتى اذا مضى لسبيله جعلها فى جماعه زعم انى احدهم، فياللّه وللشورى، متى اعترض الريب فى مع الاول منهم حتى صرت اقرن الى هذه النظائر!..) ((513)).

اذن ابو بكر ايضا كان يعلم ان محل على من الخلافه محل القطب من الرحا! وقد يبدو هذا فى منتهى الغرابه لمن الف التصور القدسى لتعاقب الخلافه، ذاك التصور الذى صنعه التاريخ وفق المنهج الذى قراناه فى الفصول المتقدمه، ومن هنا استنكروه، كما استنكروا سائر كلامه فى الخلافه، وقبله استنكروا جمله من الحديث النبوى الشريف الذى يصدم تلك القداسه! لكن الحقيقه، كل الحقيقه، انك لو تلمست لذاك التصور القدسى شاهدا من الواقع مصدقا له لعدت بلا شى ء! لكن لم يالف التاريخ الاصغاء لعلى!! التاريخ الذى اثبت، بما لا يدع مجالا لشبهه، ان عليا لم يبايع لابى بكر، الا بعد سته اشهر، صم آذانه عن سماع اى حجه لعلى فى هذا التاخر! تناقض لم يستوقف احدا من قارئى التاريخ! وكيف يستوقفهم على عيوب نفسه، وهو وحده الذى صاغ تصوراتهم وثقافتهم؟

8 - من كلام له بعد الشورى، وقد عزموا على البيعه لعثمان:

(لقد علمتم انى احق بها من غيرى، وواللّه لاسلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور الا على خاصه، التماسا لاجر ذلك وفضله، وزهدا فى ما تنافستموه من زخرفه وزبرجه)((514)). وجد ابن ابى الحديد ان هذه الكلمه هى آخر ما قاله على(ع) آنذاك فى كلام نقله هنا بعد ان ازاح عنه كل شك فى صحته، فقال: نحن نذكر فى هذا الموضع مااستفاض فى الروايات من مناشدته اصحاب الشورى، وقد روى الناس ذلك فاكثروا، والذى صح عندنا انه لم يكن الامر كما روى من تلك التعديدات الطويله، ولكنه قال لهم بعد ان بايعوا عثمان وتلكا هو(ع) عن البيعه: (ان لنا حقا ان نعطه ناخذه، وان نمنعه نركب اعجاز الابل وان طال السرى) فى كلام قد ذكره اهل السيره..

ثم قال لهم: انشدكم اللّه، افيكم احد آخى رسول اللّه(ص) بينه وبين نفسه غيرى؟ قالوا: لا.

قال: افيكم احد قال له رسول اللّه(ص): (من كنت مولاه فهذا مولاه) غيرى؟ قالوا: لا.

قال: افيكم احد قال له رسول اللّه(ص): (انت منى بمنزله هارون من موسى) غيرى؟ قالوا: لا.

قال: افيكم من اوتمن على سوره براءه وقال له رسول اللّه(ص):

(انه لايودى عنى الا انا او رجل منى) غيرى؟ قالوا: لا. قال: الا تعلمون ان اصحاب رسول اللّه(ص) فروا عنه فى ماقط الحرب((515))فى غير موطن، وما فررت قط؟ قالوا: بلى.

قال: الا تعلمون انى اول الناس اسلاما؟ قالوا: بلى.

قال: فاينا اقرب الى رسول اللّه(ص) نسبا؟ قالوا: انت.

فقطع عليه عبدالرحمن بن عوف كلامه، وقال: يا على، قد ابى الناس الا عثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا! ثم توجه عبدالرحمن الى ابى طلحه الانصارى((516))، فقال له: يا ابا طلحه، ما الذى امرك عمر؟ قال: ان اقتل من شق عصا الجماعه! فقال عبدالرحمن لعلى: بايع اذن، والا كنت متبعا غير سبيل المومنين!! وانفذنا فيك ما امرنا به!! فقال على(ع) كلمته هذه: (لقد علمتم انى احق بها من غيرى، وواللّه لاسلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور الا على خاصه...)((517)).


64

اذن هذا كلام خبره مستفيض، وليس هو من غرائب الاخبار او منكراتها.

9 - (وقد قال قائل: انك على هذا الامر يابن ابى طالب لحريص.

فقلت: بل انتم واللّه لاحرص وابعد، وانا اخص واقرب، وانما طلبت حقا لى، وانتم تحولون بينى وبينه، وتضربون وجهى دونه! فلما قرعته بالحجه فى الملا الحاضرين هب كانه بهت لا يدرى ما يجيبنى به)((518))!! والقائل اما سعد بن ابى وقاص يوم الشورى على قول اهل السنه، او ابو عبيده بعد يوم السقيفه على قول الشيعه، وايا كان فهذا الكلام مشهور يرويه الناس كافه كما يقول المعتزلى السنى ابن ابى الحديد((519)).

10 - (اللهم انى استعديك على قريش ومن اعانهم، فانهم قطعوا رحمى، وصغروا عظيم منزلتى، واجمعوا على منازعتى امرا هو لى، ثم قالوا: الا ان فى الحق ان تاخذه وفى الحق ان تتركه) ((520))!

11 - (اما بعد.. فانه لما قبض اللّه نبيه(ص) قلنا: نحن اهله وورثته وعترته واولياوه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه احد، ولا يطمع فى حقنا طامع، اذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا، فصارت الامره لغيرنا...).

هذه هى مقدمه خطبته فى المدينه المنوره فى اول امارته ولما يمض على امارته اكثر من شهر((521))!

12 - (اما الاستبداد علينا بهذا المقام.. فانها كانت اثره شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، والحكم اللّه، والمعود اليه القيامه).

قاله فى جواب سائل ساله: كيف دفعكم قومكم عن هذاالمقام وانتم احق به؟ ثم يصل جوابه بما ينقله الى ما هو اولى بالاستنكار، فيقول:

ودع عنك نهبا صيح فى حجراته ولكن حديثا ما حديث الرواحل وهلم الخطب فى ابن ابى سفيان، فلقد اضحكنى الدهر بعد ابكائه...)((522)).

فى اهل البيت :

مثل ما ظهر هناك من وضوح وتركيز فى استعراض حقه خاصه، يظهر هنا فى شان اهل البيت فى جمله من كلماته:

1 - (اللهم بلى، لا تخلو الارض من قائم للّه بحجه، اما ظاهرا مشهورا، واما خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج اللّه وبيناته) ((523)). يرى ابن ابى الحديد المعتزلى ان هذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الاماميه((524)).

2 - (لا يقاس بال محمد(ص) من هذه الامه احد).

(هم اساس الدين، وعماد اليقين..

ولهم خصائص حق الولايه، وفيهم الوصيه والوراثه...)((525)).

فبعد ذكر حق الولايه، هذا واحد من مواضع يذكر فيها الوصيه تصريحا او تلميحا((526))، ثم هو الموضع الاكثر صراحه فى نسبه الوصيه الى نفسه واهل البيت، مع هذا فهو الموضع الذى اهمله الدكتور محمد عماره وهو يستقصى هذه المفرده فى كلام على، او غفل عنه، لاجل ان يقول: اننا لا نجد فى خطب على وكلامه ومراسلاته التى ضمها نهج البلاغه وصفه بهذا اللفظ! هذا كله لاجل ان يدعم مقاله حلق فيها بدءا حين نسب كلمه (وصى) فى الحديث النبوى (انت اخى ووصيى) الى صنع الشيعه الذين وضعوها بدلا من كلمه (وزيرى)((527))! مع ان الروايه السنيه للحديث لم تعرف غير كلمه (وصيى)((528)).

3 - (ان الائمه من قريش، غرسوا فى هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاه من غيرهم)((529)).

وقد وقفنا قبل على طائفه من النصوص الصحيحه التى اصطفت بنى هاشم من قريش وقدمتهم عليهم، وطائفه من الوقائع واحداث السيره التى قدمت بنى هاشم على سواهم، فلا تحتج قريش بحجه الا وكان بنو هاشم اولى بها.

4 - (اين تذهبون! وانى توفكون! والاعلام قائمه، والايات واضحه، والمنار منصوبه، فاين يتاه بكم؟! وكيف تعمهون وبينكم عتره نبيكم وهم ازمه الحق، واعلام الدين، والسنه الصدق؟! فانزلوهم باحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش.

ايها الناس، خذوها عن خاتم النبيين(ص): انه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلى منا وليس ببال)((530)).

استنكار لاذع، واسف على هولاء الناس الذين تركوا عتره نبيهم، رغم وضوح الدلائل على لزوم اتباعهم! 5 - (انا سنخ اصلاب اصحاب السفينه، وكما نجا فى هاتيك من نجا ينجو فى هذه من ينجو، ويل رهين لمن تخلف عنهم.. وانى فيكم كالكهف لاهل الكهف، وانى فيكم باب حطه، من دخل منه نجا ومن تخلف عنه هلك، حجه من ذى الحجه فى حجه الوداع:

(انى تركت بين اظهركم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى ابدا:

كتاب اللّه وعترتى اهل بيتى))((531)).


65

6 - (انظروا اهل بيت نبيكم، فالزموا سمتهم، واتبعوا اثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم فى ردى.. فان لبدوا فالبدوا، وان نهضوا فانهضوا.. ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتاخروا عنهم فتهلكوا)((532)).

7 - (.. الم اعمل فيكم بالثقل الاكبر، واترك فيكم الثقل الاصغر؟)((533)). الثقل الاكبر: القرآن الكريم، والثقل الاصغر: الحسن والحسين(ع).

8 - (المهدى منا اهل البيت، يصلحه اللّه فى ليله) اخرجه احمد والسيوط ى، عن على(ع)(((534)).

(المهدى منا، من ولد فاطمه) اخرجه السيوط ى عن على(ع)((535)). وهكذا تقسمت كلمات على هذه بين حديث نبوى بحرفه او بمضمونه، وبين وصف او تقييم لحدث تاريخى حاسم، وليس فى هذا كله على الاطلاق ما يشذ عن وقائع التاريخ فى صغيره ولا كبيره.

خلاصه يقين على بحقه:

ايقن على(ع) بحقه فى الخلافه يقينا من موقعه الممتاز عند الرسول(ع) ومن حياته الخالصه فى الاسلام، فلقد كان فى حياه الرسول يقول: (ان اللّه يقول: (افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم)((536)) واللّه لاننقلب على اعقابنا بعد اذ هدانا اللّه، واللّه لئن مات او قتل لاقاتلن على ما قاتل عليه حتى اموت، واللّه انى لاخوه ووليه وابن عمه ووارث علمه، فمن احق به منى)((537))؟! وهو القائل: (فلما مضى(ص) تنازع المسلمون الامر من بعده، فواللّه ما كان يلقى فى روعى ولا يخطر ببالى ان العرب تزعج هذا الامر من بعده عن اهل بيته! ولا انهم منحوه عنى من بعده! فما راعنى الا انثيال الناس على فلان يبايعونه...)((538)).

هكذا اذن (اراده حقا يطلبه الناس، ولا يسبقهم هو الى طلبه) ((539)).

البيعه :

من تلك النصوص النبويه الثابته، وخلاصتها فى نص الثقلين ونص الغدير والاثنى عشر خليفه، اصبحت الامامه فى اثنى عشر اماما من اهل البيت تعيينا، فى على بعد الرسول مباشره، لان تلك النصوص بمثابه العهد بالخلافه والامامه، وهو عهد من الرسول، فهو ناجز وثابت لهم، فهم الائمه بالحق سواء بايعت لهم الناس ام لم تبايع، اما طريقهم الى ممارسه الحكومه والاداره، فهو البيعه، بلا ريب.

فالبيعه هى عقد الطاعه للامام ليمارس دوره كحاكم ومرشد سياسى ودينى، اما كونه هو صاحب هذا المكان فقد تم بعهد النبى(ص) لا بالبيعه.

(ولا شك ان البيعه للقائد المعصوم واجبه، لا يمكن التخلف عنها شرعا، ولكن الاسلام اصر عليها واتخذها اسلوبا من التعاقد بين القائد والامه لكى يركز نفسيا ونظريا مفهوم الخلافه العامه للامه)((540)). وكون الامامه حاصله بالعهد، قد مضى عليه اهل السنه ايضا..

قالوا: اذا عهد الخليفه الى آخر بالخلافه بعده، فان بيعته منعقده، وان رضى الامه بها غير معتبر، ودليل ذلك ان بيعه الصديق لعمر لم تتوقف على رضى بقيه الصحابه((541)).

هذا مع اننا لا نجد بين ابى بكر وعمر بيعه، وانما هو عهد بالخلافه لا غير..

فعهد النبى(ص) اولى ان يتبع، بلا مسوغ للخلاف، فهو ماض، وبه تحققت الخلافه لعلى(ع) بعد الرسول(ص) مباشره سواء بايعته الامه على الطاعه او لم تبايع، فالبيعه اذن انما تنشى عقد الطاعه وتسليم مقاليد الحكم والاداره، فهذا لا يتم الا بالبيعه، وقد عرضت على على(ع) من قبل العباس فرفض ان تكون الا جهره على الملا وعامه فى المسجد النبوى الشريف، ثم لما اتته الخلافه اتته بالبيعه فبايع الناس على ذلك، فكانت البيعه طريقه الى الحكم، وهكذا كان الامر مع الحسن(ع).

وحين حبست البيعه عن الائمه الذين اختارهم اللّه ورسوله فقد حيل بينهم وبين ممارسه الحكم والاداره العامه، دون ان يسلبهم ذلك حق الامامه الثابت لهم، شانهم فى ذلك شان الكثير من الانبياء الذين عصتهم اممهم وحالت بينهم وبين ممارسه دورهم الحقيقى فى القياده والارشاد والتوجيه، دون ان يسلبهم ذلك منزلتهم التى انزلهم اللّه تعالى بها.

اثر الواقع الجديد فى الموقف من هذه النصوص :

لقد آمن اهل السنه بلا شك بالكثير من فضائل اهل البيت(ع)، وعلى تفاوت بينهم فى مدى هذا الايمان، لكنه مهما ترقى فى درجاته فهو دائما الايمان الذى لا يناقض الواقع الجديد المتمثل ببيعه (الخلفاء الراشدين). فكل نص عندهم محكوم لهذا الواقع، فما خالفه فينبغى تاويله، وما لا يمكن تاويله بوجه من الوجوه فينبغى رده.

ومن هنا انكر متكلموهم صحه نسبه نهج البلاغه الى الامام على لاجل احتوائه على تلك النصوص وامثالها، فيما اكتفى المدافعون عن نهج البلاغه من شراحه خاصه بشرح غريبه فقط دون الوقوف عند مفاهيم كلماته ومدلولاتها. وكلا الموقفين ينطوى على الفرار من مواجهه التناقض الذى يبدو حاسما فى مواضع كثيره بين نصوص نهج البلاغه وبين وذلك الواقع الجديد.


66

فلم تقف هذه النصوص عند نقد وسيله اختيار الخلفاء، كما صورها الدكتور صبحى ملتمسا ذلك من بعض تعليقات ابن ابى الحديد((542)). بل فى تعليقات ابن ابى الحديد ما يشير بوضوح الى ان فى كلامه(ع) ما يفيد تعيينه(ع) خليفه بالنص، الامر الذى استنكروا بعض لوازمه، فاستنكروه لذلك، فيما حاول المعتزله ان يتخذوا منه موقفا وسطا:

قال ابن ابى الحديد: واصحابنا يحملون ذلك كله على ادعائه الامر بالافضليه والاحقيه، وهو الحق والصواب، فان حمله على الاستحقاق بالنص تكفير او تفسيق لوجوه المهاجرين والانصار.

قال: ولكن الاماميه والزيديه حملوا هذه الاقوال على ظواهرها، وارتكبوا بها مركبا صعبا! ثم قال: ولعمرى ان هذه الالفاظ موهمه مغلبه على الظن ما يقوله القوم - اى الاماميه والزيديه - لكن تصفح الاحوال يبطل ذلك الظن، ويدرا ذلك الوهم، فوجب ان يجرى مجرى الايات المتشابهات الموهمه ما لا يجوز على البارى((543))! ومره اخرى يرى ابن ابى الحديد ان بعض كلمات عمر داله صراحه على وجود النص على على(ع)، لكنه يعود ويستبعد من الصحابه رد النص((544)).

كيف يقال اذن: غايه راى على فى كيفيه نصب الامام انه نقد وسيله اختيار الخلفاء قبله.

ولكنه لم ينقد الاختيار عامه كوسيله موديه الى نصب الامام؟ انه استقراء ناقص، لكنه بلا شك اقرب الى الموضوعيه كثيرا من نفى اى نقد يمس وسيله اختيار الخلفاء! ان المعتزله لو استطاعوا ان يدفعوا شبهه التكفير او التفسيق المترتبه ظاهرا على ما تفيده ظواهر كلمات الامام على(ع) من استحقاقه الخلافه بالنص، لامنوا بها كما هى دون اللجوء الى هذا التاويل بالذات.

بل لو استطاع الاشاعره واصحاب الحديث وغيرهم من انصار مدرسه الخلفاء دفع هذه الشبهه لما اضطروا الى التكذيب بهذه الكلمات كلها او جلها! لكن لماذا لم يدفعوا هذه الشبهه بناء على تصفح الاحوال؟ لماذا لا يكون تصفح الاحوال قرينه على دفع شبهه التكفير او التفسيق، مع الابقاء على ما تفيده ظواهر كلماته المتعدده المتعاضده من استحقاقه الامامه بالنص؟ خصوصا مع وفره ما يويدها من النصوص النبويه المتفق عليها، انهم لو فعلوا ذلك لاصابوا حقيقه لا يضطربون بعدها، ولا يفرطون بهذا الكم الكبير من الاحاديث الهاديه - احاديث النبى وعلى - نفيا، او تاويلا يشبه التعطيل..

ولو فعلوا ذلك لاتلفوا من بعد اختلاف، ولعادت الطوائف التى تعددت امه واحده كان لم تختلف قط، ولعاد الاختلاف الذى عقب وفاه النبى(ص) درسا من دروس التاريخ لا يستهوى احدا ابدا..

ولو فعلوا ذلك لارتفعوا كثيرا فوق مواطن الاضطراب التى تكشف عن ضعف وهزيمه ورغبه مذهله فى غلق ذلك الملف..

لماذا تكفير؟ لماذا، وعلى(ع) صاحب تلك الكلمات لم يكفر احدا من خصومه، وحتى محاربيه؟! فلو كفر اصحاب الجمل لاباح سلبهم، لكنه منع من ذلك، كما منع من ملاحقه مدبريهم، والاجهاز على جرحاهم! ولو كفر الخوارج لما نهى عن مقاتلتهم بعده، اذ قال: (لا تقاتلواالخوارج بعدى فليس من طلب الحق فاخطاه كمن طلب الباطل فادركه)((545)).

فلم يكن قتاله اياهم بناء على مقولاتهم المذهبيه، ولا بما رموه به(ع) من الشرك والكفر، بل قاتلهم لعدوانهم على المومنين الابرياء وسفكهم الدماء واخافه السبيل بغير حق((546)).

وقد جاءه رجل يذكر له رجلا من الخوارج، فقال: يا امير المومنين انى وجدت هذا يسبك! قال على(ع): فسبه كما سبنى.

قال : ويتوعدك! قال على(ع) : لا اقتل من لم يقتلنى... ثم قال(ع): (لهم علينا ثلاث: ان لا نمنعهم المساجد يذكروا اللّه فيها، وان لا نمنعهم الفىء ما دامت ايديهم مع ايدينا، وان لا نقاتلهم حتى يقاتلونا). قال ابو عبيد: افلا ترى عليا راى للخوارج فى الفىء حقا ما لم يظهروا الخروج على الناس، وهو مع هذا يعلم انهم يسبونه ويبلغون منه اكثر من السب، الا انهم كانوا مع المسلمين فى امورهم ومحاضرهم، حتى صاروا الى الخروج بعد((547)). ثم هو(ع) القائل فى احتجاجه على الخوارج:

(وواللّه ان جئتها - اى القبول بالتحكيم - انى للمحق الذى يتبع، وان الكتاب لمعى ما فارقته مذ صحبته، فلقد كنا مع رسول اللّه(ص) وان القتل ليدور على الاباء والابناء والاخوان والقرابات فما نزداد على كل مصيبه وشده الا ايمانا ومضيا على الحق وتسليما للامر وصبرا على مضض الجراح..


67

ولكنا انما اصبحنا نقاتل اخواننا فى الاسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهه والتاويل، فاذا طمعنا فى خصله يلم اللّه بها شعثنا ونتدانى فيها الى البقيه فيما بيننا رغبنا فيها وامسكنا عما سواها)((548)).

لماذا الا التكفير؟! ان الشيعه الذين تمسكوا بهذه النصوص من دون تاويل، لم يلزموا انفسهم تكفير احد بناء على هذه النصوص، بل استبعدوه كثيرا((549))؟! لكن المعتزله حين ابتكروا مقولتهم التى تميزوا بها، مقوله المنزله بين المنزلتين، فمرتكب الكبيره عندهم ليس بكافر، لكنه ايضا ليس بمومن، انما هو فاسق! فحينئذ وجدوا انفسهم مضطرين الى القول بفسق عدد كبير من الصحابه لو انهم اخذوا بظاهر تلك النصوص! فلم يذهبوا اذن الى تعديل مقولتهم عملا بالنصوص وموافقه لتصفح الاحوال، بل ذهبوا الى تاويل النصوص حفظا لسلامه مقولتهم! وهذا هو الخطر الكبير الذى يرتكبه التقليد المذهبى، فمقوله المذهب دائما مقدمه على نصوص الشريعه، وتقدم قولنا ان ابا الحسن الكرخى انما كان يحكى عن لسان حال المذهبيه حين قال: (الاصل ان كل آيه تخالف قول اصحابنا فانها تحمل على النسخ، او الترجيح، والاولى ان تحمل على التاويل من جهه التوفيق، وكذا الحال مع الحديث)((550))! واذا قدرنا ان كل مذهب من المذاهب الاسلاميه المتعدده سوف يفعل مثل هذا ازاء كل نص يصطدم مع مقولاته، فسوف نقترب من ادراك مدى الانحرافات الطارئه على مسار الاسلام فكرا وعقيده! لقد كان حريا بهم ان يوفقوا بين تلك النصوص وبين الثابت من احوال صاحب النصوص وحقائق التاريخ، ليخرجوا بالحكم الموضوعى المتماسك، لكنهم ادخلوا الى عناصر الحكم مصدرا آخر، وهو مقدماتهم الاعتقاديه التى ارتكزت عليها مذاهبهم وتميزت بها، وهذا العنصر الاخير هو الاصل الثابت دائما وفق الرويه المذهبيه، فلا يخرج عنه فهم لشىء من نصوص الشريعه، او استنباط شىء من احكامها، او تفسير ظاهره ما! هذا الذى صرف المعتزله اذن عن هذه النصوص.

غير ان لبعض طوائف المعتزله كلاما قد يكون اقرب الى التوفيق بين النص واحوال صاحب النص منه الى التاويل، فابو القاسم البلخى واصحابه قالوا:

لوان عليا نازع عقيب وفاه رسول اللّه(ص) وسل سيفه، لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين اظهر نفسه، ولكنه مالك الامر وصاحب الخلافه، اذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، واذا امسك عنها وجب علينا القول بعداله من اغضى له عليها، وحكمه فى ذلك حكم رسول اللّه(ص)، لانه قد ثبت عنه فى الاخبار الصحيحه انه قال: (على مع الحق والحق مع على، يدور معه حيث ما دار). وقال له غير مره: (حربك حربى، وسلمك سلمى).

عندئذ قال ابن ابى الحديد: هذا المذهب هو اعدل المذاهب عندى، وبه اقول((551)).

وغنى عن التذكير ان اغضاء صاحب الحق عن حقه لا يعنى دائما الاقرار بعداله خصمه.

لقد راينا كثيرا من الاساتذه المعاصرين قد اعجب كثيرا بالفكر المعتزلى وثرائه((552))، لكن دون ان يذهبوا معهم الى القول بان عليا (مالك الامر، وصاحب الخلافه) الذى هو اقرب شىء الى القول بالنص! اما الذى صرف الجمهور عن تلك النصوص والتصريحات فقياسهم الاشياء، نصوصا ووقائع، على اساس التسليم بصحه وشرعيه نظام الخلافه الذى تحقق بعد الرسول، وكل نص او حال لا ينسجم مع هذا فهو عندهم مرفوض او فاول، وتبرز هنا مساحه اكبر للتنكر لوقائع التاريخ او الاغضاء عنها، تمشيا مع المبدا الذى عرف فى ما بعد بمبدا (عداله الصحابه) الذى اصبح حاكما على النص وعلى وقائع التاريخ ايضا، علما ان هذه النصوص والوقائع قد حفظت غالبا فى دواوينهم الحديثيه والتاريخيه، على تفاوت فى الكم والتفصيل، حتى بلغ الكثير والاهم منها حد التواتر فى مجموع تلك الدواوين كحديث (من كنت مولاه فعلى مولاه)، وحديث الثقلين (كتاب اللّه وعترتى) فيما لم ترد الروايه الاخرى (كتاب اللّه وسنتى) الا مرسله فى مصدر واحد من مصادرهم المهمه (موطا مالك)((553))، وقد وصل اسنادها بعده ابن عبدالبر فكان اسنادا واهيا عرف مصدره بالوضع والكذب((554))! ورغم ذلك فقد اعتمدها اهل السنه فى بحوثهم ومجادلاتهم وتعليم اجيالهم، واغفلوا الاخرى الصحيحه المتواتره! كل ذلك لانها لا تحفظ لهم سلامه الواقع الجديد بعد النبى(ص)، وربما مست مبدا عداله الصحابه ايضا! وآخرون ادركوا حقا ان التمسك بروايه (وسنتى) لا تغنى وحدها فى الخلاص من تبعه الروايه الاصح والاشهر (كتاب اللّه وعترتى) فذهبوا الى تاويل الاخيره تاويلا عجيبا، ومبتدع هذا التاويل هو ابن تيميه.


68

حيث يقول: الحديث الذى فى مسلم اذا كان النبى(ص) قد قاله فليس فيه الا الوصيه باتباع الكتاب، وهو لم يامر باتباع العتره، ولكن قال: (اذكركم اللّه فى اهل بيتى)((555))! ورغم ان تاويل ابن تيميه هذا كان مكابره صارخه بوجه النص، قدتكون ايضا مدعاه للسخريه، الا ان هناك من يانس به ويطمئن بها مهربا من الزام النص! ما العمل اذا كان الناس يانسون ويستمتعون انتصارا لمذاهبهم، ولو بمثل هذا التصريف المتهافت! ولعل (منهاج السنه) لابن تيميه هو اكبر موسوعه سنيه فى تاويل الاحاديث الخاصه فى على واهل البيت(ع) وفى التنكر للوقائع الهامه التى قدمتهم على غيرهم تقديما لا يبقى معه اى مسوغ لصرف الخلافه عنهم((556)).

ويلحظ المتتبع لتاويلات ابن تيميه فى هذا القسم من الحديث انه قد تاثر كثيرا بطريقه القاضى عبدالجبار المعتزلى فى كتابه (المغنى) واخذ عنه كثيرا من تاويلاته.. لكن الفارق يبقى كبيرا بين الطرفين، فمنزله على عند المعتزله هى اسمى منها بكثير عند ابن تيميه.

فحين لا يريد ابن تيميه لحديث (من كنت مولاه فعلى مولاه) ان يتجاوز حدود المحبه التى يشاركه فيها جميع المسلمين، فلا مزيه فيه لعلى على احد((557))! يرى فيه المعتزله لعلى منزله لا يشاركه فيها احد، فاذا اوجب النبى(ص) موالاته(ع) ولم يقيده بوقت فيجب ان يكون باطنه كظاهره فى سائر الاوقات، وهذه منزله عظيمه تفوق منزله الامامه((558))، ويختص بها هو دون غيره((559)).

ويبالغ ابن تيميه فينكر الشطر الثانى من الحديث (اللهم وال من والاه،وعاد من عاداه)((560)) لانها قادحه بلا شك بمبدا (عداله الصحابه)! ولانها مستلزمه قطعا البراءه من رجال دخلوا فى عداد الصحابه لم يتورعوا فى اظهار بغضهم لعلى وعدائهم له ومحاربتهم اياه، فيما لم يتردد المعتزله فى القول بهلاك هولاء((561)). وجدير بالتذكير ان ابن تيميه الذى كان من اوسع الناس تاويلا لهذا الباب من الحديث ، حفظا للمذهب، هو من اشد الناس طعنا فى التاويل واكثرهم تمسكا حرفيا بظواهر مفردات النص، فى باب الصفات خاصه، حفظا لمذهبه فى التجسيم! واثر آخر من آثار الواقع السياسى لمسناه فى (النص المعارض) الذى كان يخوض المعركه جنبا الى جنب مع تاويل النص وتكذيب الحدث..

فلما كان الحديث الصحيح، حديث السيده صفيه، تسال النبى(ص) قبيل وفاته: ان حدث بك حدث فالى من؟ فيقول:

(الى على بن ابى طالب)..((562)) جاء الحديث المعارالمعارض (ان لم تجدينى فات ابا بكر) عن سلسله من الرواه ذوى الاهواء الامويه((563))، جاء ليذاع ويشتهر فيطغى على الحديث الاول، حتى اتى الشيخان فوجداه مالوفا على السن الرواه ومنهم من لا يتهم بكذب، فادخلاه فى المختار من صحيحيهما..

ولما كان حديث السيده عائشه فى تكذيب احاديث الوصيه، هو المنسجم مع العهد الجديد دون حديث السيده ام سلمه، فكان لا بد ان يذاع بواسطه عروه بن الزبير والزهرى واصحابهما، الى صدور الحفاظ وبطون الدواوين، حتى يجده الشيخان اولى بالنقل من غيره((564)).

وهكذا مع نظائرها، كالذى تقدم فى حديث (ادعى اباك واخاك اكتب كتابا)((565)) وحديث سد الابواب((566)).

ثم ياتى المتاخرون فيعضون بالنواجذ على كل ما اورده الشيخان ويسقطون من الاعتبار كل ما خالفها، ليكون الاول دينا يدان به بحجه اختيار الشيخين او اتفاقهما.. فلم انتخبه الشيخان حتى وجداه دينا يدان به.. وهذا حق.. ولكن خطوه واحده الى الامام ستفتح العينين على كل الحق..

ان الحق كل الحق ان الشيخين ما وجداه دينا الا بفضل كفاح دووب واصله حراس العهد الجديد مئتى عام حتى جاء الشيخان!! مئتا عام، قبل مجىء الشيخين وتدوين اوسع دواوين الحديث، قضاها خصوم على وبنيه فى كفاح دووب لاقصاء ما لا يروق لهم ونشر ما يريدون، بكل ما عرفوه من فنون الاقصاء والنشر((567))! مئتا عام والتيار هادر، لم يسكن الا اياما لا تكفى حتى لمراجعه الذاكره((568))! فكم بين نصيب احاديث تجرى بعكس اتجاه ذاك التيار، ونصيب احاديث حملها ذاك التيار على ظهره؟! هذا ما لم يلتفت اليه المتاخرون.. لان لفته واحده اليه ستعنى الكثير .. ستعنى ادانه التاريخ واعاده النظر فى كثير من قضاياه..

جديد :

حاول بعض المعاصرين ان يكتشف طريقا جديدا ياخذ به بعيدا عن اسر كلمات على(ع)، فراح يبرهن على ان اهل البيت لم يذكروا ما يدل على اختصاصهم بنص او وصيه، من خلال ما وجدوه من كلمات منقوله عن السبطين(ع) وليس فيها تصريح بهذا..((569)) وهكذا ببساطه يعرضون عن كل ما اثر عن على(ع)! واكثر من هذا حاولوا حين حرفوا شرط الامام الحسن(ع) على معاويه فى بنود الصلح الذى تم بينهما، فقالوا: ان الحسن(ع) كتب فى شروطه على معاويه: (وليس لمعاويه بن ابى سفيان ان يعهد الى احد من بعده عهدا، بل يكون الامر من بعده شورى بين المسلمين).


69

اذن اقر الحسن(ع) مبدا الشورى، ولم يدع مجالا لدعوى النص حتى على على(ع) خاصه((570))! لقد ارتضوا من هذا العهد نصه المحرف، لا غير، نصره للمذهب، دون تحقيق! ونص هذا العهد ينقله: ابن قتيبه، وابن الاثير، والذهبى وابن كثير، وابن حجر العسقلانى وغيرهم، وفيه: (ان لمعاويه الامامه ما دام حيا، فاذا مات فالامر للحسن من بعده)((571)).

فليس لمعاويه اذن ان يعهد لاحد من بعده، لان الخلافه بعده للحسن(ع)، ولا شىء وراء ذلك!

الدكتور محمد عماره ادرك هذا التحريف، لكنه لا يريد ان يفرط بذاك النص المحرف لانه كان عمدته فى ما اراد، فلفق بين النصين باعتماد الاصل المحرف اساسا للعهد، فقال: كتب الحسن فى العهد: (ليس لمعاويه ان يعهد لاحد من بعده - اى من بعد الحسن - وان يكون الامر شورى) ((572))! فادخل عباره(اى من بعد الحسن) لكى لا يقع فى لائمه ترك النص الصحيح ..

وارتضى هذا النوع من تدليس الاخبار على ما فيه من بعد ونكاره لا ترتضيها لغه العرب! والاكثر غرابه ان نرى هذا النص المحرف (ليس لمعاويه ان يعهد لاحد من بعده، بل يكون الامر بعده شورى) يتسرب الى مصادر شيعيه معاصره! لقد تناقله كتاب جيدون لهم منازل مرموقه فى البحث والمعرفه، لكنى لا اشك فى انهم نقلوه غفله، عن حسن قصد وحسن ظن حين راوا كثره من تناقله من كتاب معاصرين خاصه، ومن هولاء الساده: الشيخ محمد جواد مغنيه، والدكتور حسن عباس حسن((573)).

كما وردت عند بعضهم زياده اخرى على النص لم نعثر لها على مصدر اسبق من النسابه ابن عنبه الحسنى (828ه) جعل الشرط فيه: ان للحسن ولايه الامر بعد معاويه، فان حدث به حدث فللحسين ((574)).

وهذا ليس مما يستنكر، لكنه صح او لم يصح ليس فيه مزيد اثر على ما نحن فيه من نفى اشتراط الحسن(ع) للشورى من جديد، بل فيه مزيد تاكيد على حفظ الخلافه فى اهل البيت.

بعد هذه الجوله اليسيره جدا فى موضوع طويل كهذا نستطيع ان نشخص امهات المشاكل التى حجبت الحقيقه الواحده عن الناس جيلا بعد جيل..

راينا كيف ساهم: التاريخ السياسى، والروى المذهبيه، والغفله احيانا، فى اضفاء الغموض ومزيد من الغموض على قضيه حاسمه فى معرفه الوجهه الاصح فى مسار الاسلام كله.


70

الباب الثالث

المسار الجديد-السياسه - الثقافه - الاداره


71

الفصل الاول

الوجهه السياسيه فى ربع قرن (11 - 35 ه) بواكير :

كاد الامر ان يحسم الى الابد فى اجرائين عبقريين، لو تما:

اجراء عملى، وآخر نظرى .. كان كل منهما كفيلا بقطع طرق النزاع، وتفويت الفرصه امام اى منازع..

-فحين اوشك ان يجيب داعى ربه، جهز النبى جيشا كبيرا جمع فيه جل المهاجرين والانصار، وفيهم ابو بكر وعمر وابو عبيده((575))، وامر عليهم الشاب الامير اسامه بن زيد، ابن السابعه عشر او الثامنه عشر، وامره ان يسير بجيشه صوب فلسطين((576))، وان يعجل المسير، وكلما ثقل عليه المرض ودنا اجله قال: (انفذوا بعثه اسامه) يكررها((577))! ويغلظ القول فى المتباطئين عنها((578))! انه تمهيد عملى لا شك فيه لخلافه على الذى ابقاه الى جنبه، وتهيئه المدينه لمبايعته بعد خلوها من المنافسين الذين كانوا يحولون ليس دون المبايعه لعلى، بل حتى دون ما يحتمها من امر النبى! فلم تنفذ بعثه اسامه، رغم مرور نحو شهر ونصف على الامر بانفاذها عاجلا((579))، ورغم تكرر امر النبى بانفاذها!! واعتذروا لتاخرهم: بمرض النبى، وبانهم لا يريدون ان يغيبوا عنه ساعه وفاته((580))، ولا يريدون ان يسالوا عنه الركبان.

لكن النبى(ص) كان يريد ذلك!! كان يريد ذلك بوضوح، والا لماذا هذا التاكيد على انفاذ البعثه ايام اشتداد مرضه بالخصوص؟! لقد كان يوكد ذلك فى اثقل ساعات مرضه، وحين يصعب عليه الكلام كان يوكده بالاشاره((581))! انه اوضح شى‏ء باختلاف الارادتين، ارادته فى ان يذهبوا والا يشهدوا ساعه وفاته، وارادتهم ان يتاخروا حتى يشهدوها! واليوم فينا كثره كاثره هى اشد ما تكون تحمسا لهذه الاراده الاخيره وتجعلها عذرا لا شى‏ء اقوى منه على تخلفهم وعدم استجابتهم لامر النبى! وبين ذلك الجمع الكبير لم نجد من كان يثيره هذا التباطو ازاء التاكيد المستمر من قبل النبى، لم نجد من صرخ فيهم وعاب عليهم تباطاهم وحثهم على تلبيه امر النبى الذى هو اعلم بما يصلحهم، واحرص عليهم من انفسهم! اما اجراوه النظرى الاخير، فكان قبيل وفاته وحين كان يشتد عليه المرض حينا بعد حين، وعلى الارجح انه كان قبل وفاته بنحو اربعه ايام، وتحديدا كان يوم الخميس، ذاك الذى بكاه حبر الامه ابن عباس بكاء عجبا، فصور رواه حديثه بكاءه كما صوروا حديثه: يتوجع ابن عباس ويقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس!!ثم يبكى حتى يبل دمعه الحصى.. قيل له: يابن عباس، وما يوم الخميس؟ فقال وكانه يترقب هذا السوال: اشتد برسول اللّه(ص) وجعه، فقال: (ائتونى اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى).

فقال عمر: ان رسول اللّه قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه!! فكان ابن عباس يقول: ان الرزيه كل الرزيه ما حال بين رسول اللّه(ص) وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم((582)). فحالوا اذن دون ذلك ايضا..

ان مبدءا يفصل بين كتاب اللّه وبين رسول اللّه (ص)، لم يكن يعرفه الاسلام من قبل، ولا عرفه من بعد! فان كان (حسبنا كتاب اللّه) فكتاب اللّه يقول:(من يطع الرسول فقد اطاع اللّه)((583)). ويقول: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)((584)). ويقول: (وما كان لمومن ولا مومنه اذا قضى اللّه ورسوله امرا ان يكون لهم الخيره من امرهم)((585)).

ويقول: (يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى اللّه ورسوله) ((586)). ويقول: (يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبى ولاتجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط اعمالكم وانتم لا تشعرون)((587)).

لكن هذا النزاع الذى اجتمع فيه: تقديم بين يدى الرسول، ورفع الاصوات فوق صوته، ورد امره، وعصيانه، ثم نسبته الى الهجر والهذيان، هذا ايضا لم يعدم العذر والتبرير، فما صنع عمر ذلك الا حرصا على الاسلام((588))!! فهل اوشك النبى ان يفرط فى الاسلام او يدمره، فهب عمر لاستنقاذه؟! اى عذر هذا؟! نتهم النبى مره بعد مره، لاجل ان نعتذر لصحابى!! لكن الذى سموه (حرصا على الاسلام) هو الذى سماه حبر الامه (الرزيه كل الرزيه)!! لقد ادرك عمر بحدسه الثاقب وحذره الشديد ما كان النبى يوشك ان يمليه على الصحابه وقد امرهم ان يكتبوه، فلا يغير، ولا ينسى، فحال دون ذلك بكل ما يستطيع (وخالف حتى رفضها)((589)). لقد وضع عمر بذلك اول دعامه سوف ينهض عليها المسار الجديد، مهد لها ذلك التباطو الشديد فى انفاذ بعثه اسامه، ثم عما قريب سيجنى لها هذا التباطو ثمارها..


72

-تفرقوا عن النبى(ص)، وجاء يوم الاثنين ولم يزل الجيش لم يغادر المدينه، فدعا النبى اسامه وحثه على المسير، فخرج وخرج من معه الى عسكرهم يترقبون، فاتاهم النبا بوفاه الرسول، فاقبل اسامه ومعه ابو بكر وعمر وابو عبيده((590)).

هذا خبر منسجم مع ما سبقه وما يتلوه من احداث..

لكن خبرا آخر يقول: ان ابا بكر وعمر لم يخرجا مع اسامه ذلك اليوم، اما عمر فهو فى‏المدينه وقد بلغته وفاه الرسول قبل‏ابى بكر فاقبل يكذب الخبر ويصيح فى الناس: ان رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول اللّه توفى، وان رسول اللّه ما مات ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى فغاب عن قومه اربعين ليله! واما ابو بكر فكان فى بيته بالسنح، ولما بلغه خبر الوفاه جاء فوجد عمر فى مقالته تلك((591)).

واى الخبرين صح فما كان ليتم لو تمت بعثه اسامه! وهكذا استقرت الدعامتان اللتان نهض عليهما المسار الجديد الى السقيفه، ليتخذ من هناك صورته النهائيه، وسط خلاف استمر على الواقع سته اشهر، ليكون فيما بعد نواه لخلافات متجدده.

وكان للخلاف وجوه متعدده ومسالك مختلفه،كان كثير منها ظاهره صحيه وحيويه لا بد من ظهورها، اما الذين يفزعهم ذكر ذلك الخلاف او الاشاره اليه فانما يذهبون مذهبا سطحيا، ناهيك عن كونه متهافتا مناقضا للوقائع الثابته.

ويتجلى عمق هذا الاختلاف فى التباعد الكبير بين تصور عمر وبين تصور ابن عباس للواقع الجديد. اذ راى فيه عمر انه المصلحه التى من اجلها حال دون كتابه وصيه النبى(ص)، فيما صوره ابن عباس بانه (الرزيه، كل الرزيه)! ومن كلمه ابن عباس المتفق عليها نرى انه ليس ثمه ارضيه لما ذهب اليه ابن تيميه من ان النبى(ص) حين كف عن كتابه ذلك الكتاب انما كان لعلمه بان اللّه سيجمعهم على ما عزم عليه! وصدر مقوله ابن تيميه اصدق من ذيلها: (ان النبى لما راى الشك قد وقع، علم ان الكتاب لا يرفع الشك، فلم يبق فيه فائده! وعلم ان اللّه سيجمعهم على ما عزم عليه)((592))! اذن قد وقع الشك بين الصحابه .. وفى حياه الرسول .. وبين يديه .. وازاء امره الاخير ووصيته الكبرى التى رسمت مسار الاسلام من بعده! واذا وقع الشك وقع الاختلاف .. فهم بين شاك يقول: (غلب عليه الوجع، حسبنا كتاب اللّه) وبين آخر يقول: (قربوا يكتب لكم رسول اللّه ما لا تضلوا بعده ابدا)..

ثم تفرقوا على ذلك الاختلاف..

وغدا يغمض النبى عينيه مفارقا الدنيا واهلها، لينطلق الفريق الذى غلب عليه الشك، ينطلق وحده الى السقيفه، لينتخب وحده الخليفه! ومره اخرى: حين وقع الشك، واختلفوا بين يدى الرسول، وازاء امره الواجب السمع والطاعه، فليس كل الصحابه اذن كانوا دائما مصداق قوله تعالى: (اولئك هم الصادقون)! ولا كل المهاجرين كانوا كذلك، فالذى نطق بشكه لاول مره، ورفع نداء الشك حتى نهايه المطاف، كان رجلا من المهاجرين!! وبهذه البساطه تنهار الدعامه الكبرى، ان لم تكن الوحيده، التى يستند اليها اصحابنا فى حمايه اختيار الصحابه. والمهاجر الكبير الذى رفع نداء الشك لاول مره، واثار الشك فى آخرين من حوله، هو الذى شك مره اخرى، بعد ثلاثه او اربعه ايام، شك بوفاه الرسول، ونادى بشكه باعلى صوت ايضا، الا انه زاد هذه المره تهديدا بالقتل لمن خالفه فى ما يرى! ثم بعد ساعه لا غير، من ذلك النهار، سيتولى لوحده اختيار خليفه رسول‏اللّه! لقد ساعده على انجاز ذلك مبكرا الفرصه التى هياها له الانصار وهم لايشعرون، وبسرعه مذهله لم يخطط لمثلها، حين اجتمع اكابرهم فورا وفى اجواء الذهول التى خلفها زلزال عنيف اصاب قلوب اهل المدينه فجاه بوفاه الرسول، خاتم النبيين، اجتمعوا يسوقهم الى سقيفه بنى ساعده قلق ساورهم على مستقبل الانصار فى دوله تتزعمها قريش بعد النبى، وكادت كلمتهم تجتمع على سعد بن عباده، سيد الخزرج..

وحين فزع عمر وابو بكر وابو عبيده لهذا النبا، ولما يتم بعد ولم ينفض اصحابه، لم يكن ذلك الفزع سوى المحفز الاهم نحو المبادره الاتيه فى اوانها.. ونفذ الثلاثه فى تجمع الانصار اتم نفوذ واتقنه، فاصغى الجميع لكلماتهم، ودار جدل يسير لم يجد فيه المهاجرون كبير مشقه فى عرض ما يريدون: (فهم اول من عبد اللّه فى الارض، وآمن باللّه وبالرسول، وهم اولياوه وعشيرته، واحق الناس بهذا الامر بعده، ولا ينازعهم ذلك الا ظالم.. وانتم يا معشر الانصار لا ينكر فضلكم فى الدين، ولا سابقتكم العظيمه فى الاسلام، رضيكم اللّه انصارا لدينه ورسوله.. فنحن الامراء، وانتم الوزراء)((593)).


73

(هيهات! لا يجتمع سيفان فى غمد واحد، انه واللّه لا ترضى العرب ان تومركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع ان تولى امرها من كانت النبوه فيهم، وولى امورهم منهم، ولنا بذلك على من ابى من العرب الحجه الظاهره والسلطان المبين.. من ذا ينازعنا سلطان محمد وامارته ونحن اولياوه وعشيرته، الا مدل بباطل، او متجانف لاثم او متورط فى هلكه)((594))؟! لم يجدوا كثير عناء الا حيال تهديد الحباب بن المنذر الذى جعل السيف جوابه الوحيد على من يقف امام رغبه الانصار: (يا معشر الانصار، املكوا على ايديكم ولا تسمعوا مقاله هذا واصحابه.. فان ابوا عليكم ما سالتموه فاجلوهم عن هذه البلاد..

فانتم واللّه احق بهذا الامر منهم، فانه باسيافكم دان لهذا الدين‏من دان .. انا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب.. اما واللّه لئن شئتم لنعدينها جذعه((595))! واللّه لا يرد على احد ما اقول الا حطمت انفه بالسيف)! لا يذكر احد هنا لابى بكر كلاما، اما عمر فقد برر سكوته بانه كان بينه وبين الحباب منازعه ايام رسول اللّه(ص) وقد نهاه النبى ان ينازع الحباب!! فاقسم حينها ان لا يكلمه كلمه تسووه ابدا((596)). لكن الطبرى ينقل ان عمر قد رد على الحباب قائلا: اذن يقتلك اللّه! فاجابه الحباب: بل اياك يقتل((597))! وانقطع الجدل، عند نهايه كانت كفيله ان تعيد المهاجرين بلا شى‏ء، لولا ان تدارك‏ابو عبيده‏الامر بكلمه هادئه حكيمه خاطب‏بها الانصار عامه،فطوت ذاك الوعيدوالتهديد، وانسلت لها الايدى‏خجله عن مقابض‏السيوف، قال‏ابو عبيده: (يا معشر الانصار، انتم اول من نصر وآوى، فلا تكونوا اول من يبدل ويغير)! لحظات من الصمت احدثتها هذه الكلمه، فكان اول من اغتنمها بشير بن سعد، السيد الخزرجى، اغتنمها لصالح المهاجرين هذه المره، اما حسدا لسعد بن عباده كما قال الحباب بن المنذر فى حينها، وارتضاها ابن قتيبه، او معرفه بحق قريش الذين هم (قومه واحق به واولى، ولا يرانى اللّه انازعهم هذا الامر ابدا، فاتقوا اللّه ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم) كما قال هو.

فاغتنم المهاجرون الثلاثه ذلك ولم ينتظروا موافقه الانصار او ردهم، فطفقوا يقدم بعضهم بعضا، فظهر انهم لم يروا ان واحدا منهم بعينه يجب تقديمه بلا منازع لنص ورد فيه، او مزيه رشحته فعلا فرفعته فوق غيره..

قال ابو بكر: هذا عمر، وهذا ابو عبيده، فايهما شئتم فبايعوا..((598)) وقال عمر: يا ابا عبيده، ابسط يدك ابايعك، فانت امين هذه الامه..قال ابو بكر: يا عمر، ابسط يدك نبايع لك. فقال عمر: انت افضل منى((599)). قال ابو بكر: انت اقوى منى! قال عمر: قوتى لك مع فضلك..((600)) فبويع ابو بكر، بايعه عمر وابو عبيده، وبشير بن سعد الخزرجى، ثم اقبل الاوس يبايعون لما راوا من اصحابهم الخزرج ما راوا.

عندئذ ظهرت اهم معالم المسار الجديد :

المعلم الاول :

خلافه لرسول اللّه(ص) تتم بالبيعه ولو على مثل هذه الطريقه، التى وصفها عمر فيما بعد بانها (فلته، وقى اللّه شرها، ومن عاد لمثلها فاقتلوه).

واعتذر عنها بمباغته السقيفه: (وانا واللّه ما وجدنا امرا هو اقوى من مبايعه ابى بكر، خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعه ان يحدثوا بعدنا بيعه، فاما ان نتابعهم على ما لا نرضى، او نخالفهم فيكون فساد)((601))!

المعلم الثانى :

ابو بكر، على راس المسار الجديد، اول خليفه للرسول .. وغدا فى المسجد النبوى الشريف، حيث ستكون بيعه على نطاق اوسع، سيشير الى اشياء هى من اهم ما سيميز المسار الجديد عما كان فى عهد النبى(ص)، فيقول فى اول خطبه له: (اما بعد، فانى وليت هذا الامر وانا له كاره، وواللّه لوددت ان بعضكم كفانيه..

الا وانكم ان كلفتمونى ان اعمل فيكم بمثل عمل النبى عليه الصلاه والسلام لم اقم به..

كان النبى عليه الصلاه والسلام عبدا اكرمه اللّه بالوحى وعصمه به، الا وانما انا بشر، ولست بخير من احدكم، فراعونى، فاذا رايتمونى استقمت فاتبعونى، واذا رايتمونى زغت فقومونى..

واعلموا ان لى شيطانا يعترينى، فاذا رايتمونى غضبت فاجتنبونى لا اوثر فى اشعاركم وابشاركم)((602)).

المعلم الثالث :

ان كل ذلك كان، وما زال بنو هاشم وطائفه من المهاجرين والانصار لم يفارقوا جثمان النبى المسجى، ولم يشاركوا فى شى‏ء مما وقع! بل قبل لحظات كان على يرد على عمه العباس حين عرض عليه البيعه، قائلا: (وهل يطمع فيها احد غيرنا)((603))؟! فلما فجاهم نبا السقيفه، انكره على ولم يصدق ما سمع، وانكره آخرون‏معه، فقالوا: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه، ونحن اولى بمحمد! لكن العباس قال: فعلوها ورب الكعبه((604))! وبعد ان واروا جثمان النبى الطاهر فى اليوم التالى، انحاز بنو هاشم جميعا ومعهم طائفه من المهاجرين، فيهم: طلحه والزبير وعمار وابو ذر وسلمان والمقداد، وطائفه من الانصار، فيهم: ابو ايوب الانصارى وحذيفه بن اليمان وابى بن كعب والبراء بن عازب وابو الهيثم بن التيهان وعباده بن الصامت، وانحاز اليهم من وجوه بنى اميه خالد بن سعيد بن العاص((605)). وكان خالد بن سعيد اقدم بنى اميه اسلاما، اسلم قبل عثمان بن عفان، وهاجر الى الحبشه وقدم منها مع جعفر بن ابى طالب يوم خيبر((606)).


74

انحاز هولاء فى بيت على وفاطمه، اذ ابوا ان يبايعوا الا لعلى..

وكان الزبير يقول: لا اغمد سيفا حتى يبايع لعلى.

ليس هذا بالامر الذى يستهان به: بنو هاشم، ومعهم طائفه من وجهاء المهاجرين والانصار واهل السابقه والجهاد والصلاح ..

وفى بيت محله فى اوسط بيوت النبى، وبابه شارعه على المسجد النبوى حيث تقام الجماعه والجمعه ويجتمع الصحابه..

فكيف سيعالج هذا الامر، ابالرجوع الى المشاوره والحوار، واتباع الحجه والبرهان، ام بماذا؟ كل الذى حفظه التاريخ الصحيح - بعيدا عن تحليل المتاخرين وآرائهم - كان وفق لغه اخرى لا تصغى الى الحجه والبرهان.

لقد بعث اليهم عمر فى جماعه، فناداهم، فابوا ان يخرجوا.. فدعا بالحطب، وقال: والذى نفس عمر بيده، لتخرجن او لاحرقنها على من فيها((607))! قيل: يا ابا حفص، ان فيها فاطمه! قال: وان((608))! ابن ابى شيبه، واحد من اهم شيوخ البخارى ومسلم ينقل ان ذلك كان تهديدا من عمرانذر به فاطمه(عليهما السلام)ان اجتمع احد فى بيتها، وليس حبه لفاطمه وابيها بمانعه من ان يحرق عليهم بيتها((609))!! لكن الرجال قد اقتحموا البيت على اى حال .. وقد ثبت عن ابى بكر قوله حين حضرته الوفاه: (وددت انى لم اكشف عن بيت فاطمه، وتركته ولو اغلق على حرب)((610)).

اذن عهد جديد طرا على اهل هذا البيت :

هذا البيت كان يقرع كل فجر، برفق وحنان، بيد نبى الرحمه، فيصبح اهله على نبرات الرحمه: (الصلاه، الصلاه، انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)((611))..

لكنه امسى عشيه دفن جثمان النبى (ص) على غير ذلك ..

على غضب وهيجان، وتهديد ووعيد، وعيد بحريق، حريق يلتهم البيت ومن فيه، وان كان فيه فاطمه بضعه الرسول وسيده نساء اهل الجنه، والحسنان ريحانتاه! وسيدا شباب اهل الجنه، وكفيلهم اخو رسول اللّه! هولاء هم الذين باهل النبى بهم وفود النصارى، وقال: (اللهم هولاء اهلى)((612))! هم الذين ادار عليهم كساءه فقال: (اللهم هولاء اهل بيتى...)((613))! هنا تبرز جليه صوره (انقلاب) طارى ربما كان اكثر عنفا مما عرفته العصور الاخيره فى بعض (الثورات البيضاء)! هكذا ظهر الامر فى ساعاته الاولى، وهكذا عاد الى الظهور فى ايام شتى من التاريخ..

فليس من جموح العاطفه ان نراه (انقلابا)! ولا من فرط الخيال ان نراه (مسارا جديدا) وليس عهدا جديدا وحسب..

ذلك لان النبى (ص) طالما قال لهولاء المحصورين المهددين بالحريق: (انا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم)((614))! لكن البيعه الجديده استهلت بحرب عليهم وعلى من سالمهم! ومن سالمهم: طائفه من المومنين ما زالت تمتزج ضمائرهم بنداءات النبى منذ حجه الوداع، والعهد قريب جدا قريب: (الا ايها الناس، انما انا بشر، يوشك ان ادعى فاجيب، وانى تارك فيكم الثقلين - ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى - كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض)((615)). (من كنت مولاه، فعلى مولاه...).

(على مع القرآن، والقرآن مع على، لن يفترقا حتى يردا على الحوض).

لكن هذا، واكثر منه، لا محل له الان وكل شى‏ء ينصب بكل قوه فى تثبيت العهد الجديد.. ولم تختف ملامح هذا الموقف بدخول المعتصمين فى البيعه وتعاملهم مع العهد الجديد بكل صدق واخلاص، بل ما زال (اقصاء اهل البيت) عن منافذ الوصول الى الحكم مبدءا ثابتا فى مبادى المسار الجديد، مورس باتقان على مدى خلافه ابى بكر وعمر وعثمان.

ذلك هو ثالث معالم المسار الجديد..

وعمر دائما كان اكثر صراحه فى التعبير قولا عن هذا المبدا المجسد عملا: (كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه) ((616)).

ولم يول احد من بنى هاشم على ولايه، ولو صغيره ونائيه، طيله عهود الخلفاء الثلاثه..

وعمر ايضا هو الاكثر صراحه فى التعبير عن هذا المبدا، فيوم هلك والى حمص خطر بباله ان يستعمل عليها عبداللّه بن عباس، فذكر له ذلك، لكنه قال له فى الاثناء: فى نفسى منك شى‏ء لم اره منك، انى خشيت ان ياتى على الذى هو آت وانت فى عملك، فتقول: هلم الينا..((617))!

فى العهود اللاحقه:

ذاك كان ذريعه لرجال العهود اللاحقه فى المضى قدما بهذا المبدا، فحورب على حروبا نكراء لم يتورع رجال من كبار الصحابه عن افتتاحها فى معركه الجمل، ليكون الباب اوسع امام معاويه، الذى صار يتذرع صراحه بما كان من اقصاء على عن الخلافه اولا فى رساله خاطب بها عليا(ع)((618))، ثم اعاد ذكر مثل ذلك فى خطابه للحسن((619))، لينتقل بعد ذلك فى اقصاء اهل البيت، لا عن منافذ الحكم، بل عن الحياه الدنيا، فبتدبير من معاويه قتل الحسن سبط رسول اللّه بالسم((620))، وبسيوف يزيد بن معاويه قتل الحسين سبط رسول اللّه وسبعه عشر من بنى هاشم، ليهون بعد ذلك قتل من بعدهم من ابنائهم ومحبيهم، حتى صار ذلك (سنه) لدى خلفاء بنى اميه وبنى العباس لم (يعطلها) الا نفر قليل منهم((621)).


75

وحتى التهديد بالحريق صار سنه! كان عروه بن الزبير يعذر اخاه عبداللّه فى حصر بنى هاشم فى الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول: انما اراد بذلك الا تنتشر الكلمه، ولا يختلف المسلمون، وان يدخلوا فى الطاعه، فتكون الكلمه واحده، كما فعل عمر بن الخطاب ببنى هاشم لما تاخروا عن بيعه ابى بكر، فانه احضر الحطب ليحرق عليهم الدار((622))!

مع بنى اميه: الامر مع بنى اميه مختلف جدا..

فرغم منع ابى سفيان وبنيه نصيب المولفه قلوبهم بامر عمر، ورغم قوله: الحمد للّه الذى اذل ابا سفيان فى بطحاء مكه..((623)) ورغم ثوره ابى سفيان على خلافه ابى بكر، وقوله لعلى: لئن شئت لاملانها عليهم خيلا ورجالا((624)) ..

ورغم‏مقوله عمر فى نبى اميه و هو يحدث المغيره بن شعبه: يا مغيره ، هل ابصرت بهذه عينك العوراء منذ اصيب؟ اما واللّه ليعورن بنو اميه الاسلام كما اعورت عينك هذه، ثم ليعمينه حتى لا يدرى اين يذهب ولا اين يجى‏ء((625))! ورغم عدائهم العتيق لصاحب الرساله ولرسالته .. رغم ذلك كله كان لهم الحظ الاوفر:

فاول لواء عقده ابو بكر كان ليزيد بن ابى سفيان، وجعل له دمشق! وذلك بعد حروب الرده.

وقصه هذا اللواء ناطقه بشى‏ء.. كان ابو بكر قد عقد هذا اللواء اولا لخالد ابن سعيد بن العاص الاموى، ثم عزله قبل ان يسير، ذلك ان خالدا لم يبايع لابى بكر شهرين، وحرض بنى عبدمناف، ومال الى على والداعين اليه، فحملها عليه عمر، فلما امره ابو بكر جاءه عمر فقال: اتومره وقد صنع ما صنع وقال ما قال؟! فلم يزل به حتى عزله وولى يزيد بن ابى سفيان((626))! هذه القصه التى اوردها ابن سعد والطبرى من طريقين مختلفين، اعرض عنها ابن كثير الى روايه سيف بن عمر ، وهو اعرف بحال سيف! ذلك لان الاخيره الصق بالراى (السلفى) فى الصحابه، دون الاولى((627))! ولم يقف احد منهم على روايه الزبير بن بكار، وهو البكرى الشهير ببغضه عليا وبنى هاشم، ومع ذلك فهو يقول : ان خالد بن سعيد لم يبايع لابى بكر الا بعد سنه كامله، ثم مر به ابو بكر وخالد جالس على بابه، فناداه : يا ابا بكر، هل لك‏فى البيعه؟ قال : نعم. قال : فادن! فدنا منه فبايعه خالد وهو قاعد على بابه((628))! وفيما كان ابو سفيان ما زال يلج فى استنكار الخلافه، اذ دخل على قوم وهو يقول : ما لنا ولابى فصيل((629))! انما هى بنو عبدمناف! قيل له : انه قد ولى ابنك.. قال : وصلته رحم! -ثم كان لواء عمرو بن العاص على فلسطين.. وذلك بعد ان سار شرحبيل ابن حسنه على جنده، وابو عبيده على جنده الى الشام ايضا كالمدد ليزيد((630)).

-ثم ارسل معاويه بن ابى سفيان مددا لاخيه يزيد((631)).

ولما مات يزيد بن ابى سفيان فى عهد عمر استخلف مكانه اخاه معاويه، فامضى له عمر ذلك واستقر معاويه على ولايه دمشق((632)). واستقر عمرو بن العاص على مصر، وعتبه بن ابى سفيان على كنانه((633)).

واستعمل الوليد بن عقبه بن ابى معيط على ربيعه بالجزيره((634)) .. والوليد هذا هو الذى ذمه القران الكريم وسماه فاسقا فى موضعين((635))! وربما كان الاخيران على الصدقات دون الاماره.

فلما كان عهد عثمان بسط بنو اميه ايديهم على الامصار.. فزاد فى الولاه : عبداللّه بن عامر - ابن خال عثمان بن عفان -، والوليد بن عقبه، وعبداللّه بن سعد بن ابى سرح - وهو الذى اسلم قبل الفتح ثم ارتد فاباح النبى دمه يوم الفتح ولو وجد متعلقا باستار الكعبه - وسعيد بن العاص.

اما مروان - الذى كان طريدا مع ابيه، اخرجهما النبى من المدينه وما زالا طريدين مده ابى بكر وعمر - فقد صار بعد ذلك بمنزله الوزير لعثمان.

واذا كان هولاء الولاه يخشون عمر ومحاسبته وشدته، فقد امنوا بعده وحازوا كل ما يشتهون من اموال المسلمين بحق وبغير حق.. حتى ان عتبه بن ابى سفيان كان قد اخذ منه عمر مالا ووضعه فى بيت المال، فلما جاء عثمان قال لابى سفيان : ان طلبت ما اخذ عمر من عتبه رددته عليه((636))! فكانت فى هذا العهد صوره اكثر وضوحا لمسار جديد يستولى فيه على شوون السياسه والمال رجال من بنى اميه طالما حاربوا الاسلام واهله، وكادوا له، وقلما خالط الايمان والتقوى قلوبهم، ولم يمنعهم استياء الناس وشكاواهم عن المضى فى استهتارهم بالحقوق والقيم، حتى كان ذلك السبب المباشر فى ثوره الناس على الخليفه، ومصرعه.


76

عذر الخلافه فى اقصاء على وبنى هاشم:

جمله من الاعذار فيها دلاله واضحه على يقين الاصحاب بحق على بالخلافه، باهليته لها، واراده رسول اللّه (ص) ذلك، لكن لهذه الاعذار او بعضها صرفوها عنه :

1 - كراهه قريش :

لقد تقدم غير مره : التصريح بكراهه قريش ان تجتمع النبوه والخلافه فى بيت، فيمضى هذا البيت فى علو لا يحتمله كبرياء قريش.

لكنها الكبرياء التى مقتها الاسلام، وكان ينبغى لها ان تذوب فى تعاليمه..

ثم ليس ثمه ابلغ من رد ابن عباس لهذه الحجه بقوله : (لو ان قريشا اختارت لانفسها حيث اختار اللّه لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولامحسود.. وان اللّه وصف قوما بالكراهيه، فقال :

(ذلك بانهم كرهوا ماانزل اللّه فاحبط اعمالهم)((637)).

وما كان لعلى واهل بيته ان يتعالوا على الناس وقلوبهم من قلب رسول اللّه، وهم الذين اذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا((638))! غير ان عدم ارتياحهم لشموخ بنى هاشم كان اعمق من ان تزحزحه حجه، وكل خيار صعب هو دون هذا، وحتى وضع بنى اميه على منافذ الحكم، والقاء مفاتحه بايديهم، مع اليقين الذى اقسم عليه عمر، انهم ليعورن الاسلام، ثم ليعمينه حتى لا يدرى اين يذهب واين يجى‏ء! حتى هذا الخيار الذى بدا فى اول امره تاليفا لقلب ابى سفيان، هو اهون بكثير من ان ينظروا الى شموخ بنى هاشم وقد اجتمعت فيهم النبوه والخلافه! وان كان فى هذا الاجتماع الضمان الاكيد لحفظ مسار الاسلام مستقيما كما اراد له اللّه ورسوله! وكل محذور على الاسلام من بنى اميه لم يمنع عمر ان يقول لسعيد بن العاص الاموى : سيلى الامر بعدى من يصل رحمك((639)).

2 - ان العرب لا تستقيم لعلى ((640)):

ترى هل استقامت لغيره وهى بين مرتد عن الدين بالكليه، وبين متمرد على الخليفه البديل،ترجم تمرده بالامتناع عن اعطائه اموال الزكاه والصدقات، فقالوا : ناخذها من اغنيائنا ونعطيها لفقرائنا.. وقالوا :

فان قام بالدين المحوق قائم اطعنا، وقلنا الدين دين محمد((641)) ومنهم من كان يقول : لا واللّه، لا نبايع ابا فصيل ابدا((642))! واعتزلت الانصار ابا بكر، فغضبت قريش لذلك، وكثر بينهم الكلام، حتى انتصر بنوهاشم للانصار، وافرد لهم ابو بكر رايه اعطاها ثابت بن قيس، فسكن الامر((643))! وما كان الانصار ليعتزلوا عليا، وقد قال اكثرهم : لا نبايع الا عليا((644))! ولا كانت قبائل العرب لتتمرد على على وهى لا تعرف فى اعرافها احدا اولى منه بخلافه محمد(ص) ..

الم نقرا عند الالوسى وغيره فى تبرير رد ابى بكر وانفاذ على بسوره براءه، وقوله(ص) : (لا يبلغ عنى الا انا او رجل منى) ان ذلك جار على عاده العرب ان لا يتولى تقرير العهد ونقضه الا رجل من الاقارب لتنقطع الحجه بالكليه((645))؟! هذا والالوسى ينقل نص النبى هكذا : (لا يبلغ عنى غيرى او رجل منى، سواء كان بوحى او لا)! فكيف اذن سوغنا هنا ان ترتضى العرب رجلا ليس منه، ولا تستقيم لعلى الذى هو منه كما تعرفه العرب، وكما نص عليه النبى مرارا؟! وحتى ابى قحافه، والد ابى بكر، يندهش لنبا استخلاف ابنه وفى الناس بنو عبدمناف((646))! الحق ان الذى لا يستقيم له ليس العرب او قريش، بل هذا النفر من المهاجرين لا غير، ولو استقام له هولاء وازروه كما ازروا ابا بكر او ادنى من ذلك بكثير، لما استقامت العرب لاحد كما تستقيم له، وحتى بنى اميه الذين جاء زعيمهم ابو سفيان يبايعه ويحرضه ويعده بنصرته برجاله (لان شئت لاملانها عليهم خيلا ورجالا)! كما جاء خيرهم واقدمهم اسلاما خالد بن سعيد بن العاص رافضا بيعه ابى بكر محرضا بنى هاشم مناصرا لهم، وتربص حتى ياس فبايع لابى بكر! اما طلحه والزبير فقد كانا انذاك من اقوى انصاره، والزبير هو القائل : لااغمد سيفا حتى يبايع لعلى((647))! فمن الذى لا يستقيم لعلى؟ انها لو تمت له البيعه لما ظهر شى‏ء من العنف والاكراه الذى ظهر فى البيعه لابى بكر، ولحفظت كثير من الدماء التى قد سفكت تحت عنوان (حروب الرده) وما كان كثير منها الا حروب بيعه! اللهم الا المرتدين حقا : مسيلمه وسجاح والاسود العنسى واصحابهم واضرابهم.


77

يقول الخضرى : (لا مراء فى ان كون الخليفه من ال بيت النبوه احب الى قلوب الجمهور من الامم الاسلاميه، وهم لهم اطوع، لان الموثر الدينى يكون مستحكما، ولذلك صادفت الدعوه الى اهل البيت نجاحا عظيما فى صدر المئه الثانيه من الهجره)((648)).

3 - صغر سنه :

وليس ثمه ابلغ من جواب ابن عباس، حين اعتذر عمر بهذا العذر، فقال : ما اظنهم منعهم عنه، الا انه استصغره قومه. فقال ابن عباس : واللّه ما استصغره اللّه حين امره ان ياخذ براءه من صاحبك((649))! ثمه روايه تلقى بالتبعه على المغيره بن شعبه، تقول : مر المغيره بن شعبه بابى بكر وعمر وهما جالسان على باب النبى حين قبض، فقال : ما يقعدكما؟ قالا : ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه - يعنيان عليا - فقال :

اتريدون ان تنظروا حبل الحبله من اهل هذا البيت((650))! وسعوها فى قريش تتسع! فقاما الى سقيفه بنى ساعده((651)).

فان صح هذا الخبر، فهو عذر فطنوا اليه هنالك، بعد ان كانوا لا يرون الا عليا، كالبديهه المسلمه لديهم! وايا كان، فهو العذر الذى كمن له ابن عباس.

4 - اللّه لم يرد ذلك :

(اراد رسول اللّه(ص) الامر له، فكان ماذا اذا لم يرد اللّه تعالى ذلك! ان رسول اللّه(ص) اراد امرا، واراد اللّه غيره، فنفذ مراد اللّه تعالى ولم ينفذ مراد رسوله، او كلما اراد رسول اللّه(ص) كان؟! انه اراد اسلام عمه ولم يرده اللّه، فلم يسلم)((652))! عذر فتح الباب امام (القدر)! (فالقضاء والقدر) هو الذى اتى بالخليفه، لا نص، ولا شورى، ولا حادثه السقيفه! اللّه اراد ذلك فكان، ولا احد مسوول، وان كان بخلاف ما اراد النبى!! فهذا العذر ماض اذن فى تبرير اى مخالفه لامر النبى(ص)..

فالرماه الذين امرهم النبى الا يبرحوا اماكنهم، غير مسوولين عند تركهم ذلك الموضع حتى صار ثغره خلف جيش المسلمين نفذت منه خيول المشركين فكان ما كان من كارثه قلبت ميزان المعركه، ليسوا مسوولين، وليس ثمه تقصير وان اراد منهم النبى امرا فخالفوه (فكان ماذا اذا لم يرد اللّه تعالى ذلك)؟! وليس ثمه تقصير فى عدم انفاد بعثه اسامه، وان كان النبى يشدد الامر بتعجيل انفاذها ساعه بعد ساعه، فماذا اذا كان اللّه لم يرد ذلك؟! لكن متى علموا ان هذا مراد اللّه، اقبل وقوعه، ام بعد وقوعه؟! ام كان النبى يصدر عن راى ورغبه شخصيه، فلا ينفذ الصحابه امره الا بوحى مباشر اليهم يعلمهم بمراد اللّه؟! ان صح هذا القول عن عمر او لم يصح، فقد صار فيما بعد شعارا للامويين روجوا لاجله مذهب الجبريه.

المعلم الرابع من معالم المسار الجديد : (حسبنا كتاب اللّه) :

ظهرت هذه المقوله لاول مره قبيل وفاه النبى(ص)، على لسان عمر ايضا، حين امر النبى(ص) ان يحضروا لوحا ودواه ليكتبوا عنه مالا يضلوا بعده، فهتف عمر : (غلبه الوجع - او انه ليهجر - حسبنا كتاب اللّه)! لكن هل تعنى هذه المقوله الضرب على السنه النبويه بالكليه؟ لا، لان عمر نفسه لم يستطع، ولا يستطيع ان يستغنى عن السنه فى شى‏ء من عباداته، ولا فى قضائه.

لقد ثبت عن عمر حقا، لا خلاف فيه، انه منع من تدوين السنه، ومنع الصحابه من التحدث الى الناس باحاديث النبى(ص) لراى راه((653))، كما منع من ذلك ابوبكر قبله((654)).

لكن حتى فى قرارات المنع تلك كانت تستثنى (السنن) اى الاحكام : (اقلوا الروايه عن رسول اللّه، الا فيما يعمل به)((655)). وحين نرى ابا بكر يشدد فى النهى عن الحديث وعن الفتيا بالاحاديث حتى يقول : (فلا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سالكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه)((656)). نراه فى اول مشكله تواجهه فى خلافته - مشكله فدك - يلجا الى الحديث، فيقول :

سمعت رسول اللّه(ص) يقول : (نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقه). وحين يحتج عليه خصمه - السيده الزهراء(ع) التى لم تسمع بهذا الحديث هى واهل بيتها على الاقل - حين تحتج عليه بالقران الكريم، وان هذا الحديث مخالف لظواهر القران فى ميراث الانبياء، لم يلتفت الى حجتها((657)).


78

ونراه فى اخر ايام حياته، وهو يذكر اشياء ندم عليها، فيذكر ندمه انه لم يسال رسول اللّه(ص) عن ميراث الجد والجده((658)).

وبين اليومين كان له رجوع الى السنن كثير، وبحث عمن معه حديث من رسول‏اللّه(ص) فى مساله نزلت به، وان كان تحريقه كتابا جمع فيه خمسمئه حديث((659)) يصادر كثيرا مما يمكن ان يقال فى تلمس موقف ايجابى من السنه، اما الممنوع قطعا فهو تناقل الصحابه لاحاديث رسول اللّه(ص) والتحدث بها والرجوع اليها حتى فى الفتيا، وهذا هو الصريح فى قرار ابى بكر المذكور (فلا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن يسالكم فقولوا :

بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه).

وهذا هو الممنوع قطعا فى عهد عمر الذى اظهر تشددا فى تنفيذه، تجاوز مراقبه المنع من التحديث والتدوين الى حبس اى صحابى لم يطمئن من التزامه بهذا القرار، وحبسه اياهم كان بمنعهم من الخروج من المدينه، ليظلوا تحت الرقابه((660)).. هذه سمه هامه ميزت هذا العهد بموقف جديد من السنه النبويه المطهره، والتى حث النبى كثيرا على حفظها وتبليغها، بل وتدوينها ايضا، ولهذا الامر كلام اخر ياتى فى بحث لاحق..

اما ما يناسب هذا الموضع، فالاستنتاج الموضوعى المستفاد من هذا الموقف الجديد، وهو : اذا كان من الصعب البرهان على ان الهدف من هذا الموقف هو الغاء السنه المحمديه بالكامل، فمن اليسير ان نرى ان مقوله (حسبنا كتاب اللّه) التى عززها هذا الموقف انما كانت لاجل الغاء الركن الثانى من اركان الاعتصام والهدايه والمرجعيه فى حديث (انى تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه، واهل بيتى) وهذا ما تحصل فى الواقع بيقين لا نزاع فيه، وقفنا على جمله من مصاديقه انفا.

بديل:

ذلك الواقع هو الذى مهد لظهور نص يقول : (انى تارك فيكم الثقلين :

كتاب اللّه، وسنتى) الذى اريد له ان يكون بديلا عن الاول، وان لم يكن فى الحق كذلك.. فلا نصه يفيد نسخ الاول، ولا اسناده يرقى الى اسناد الاول..

فهذا حديث لم يرو فى شى‏ء من الكتب المعتمده سوى موطا مالك، مرسلا، وحين وصل ابن عبدالبر اسناده وجده مبتلى بوضاع افترى نسخه مكذوبه يرويها عن ابيه عن جده، وليس لها اصل((661))! واما روايه ابن هشام لهذا الحديث، فعلتها فى عكرمه الخارجى، الذى اشتهر بكذبه على ابن عباس خاصه((662)). وحين اورده الطبرى باسناد اخر، كان عليلا ايضا برجلين متهمين معا بالكذب((663))! وقد اخطا بعض المتحمسين((664)) فنسب هذا الحديث الى الامام احمد والترمذى، ولم يخرجه احمد، فيما اخرج الحديث الاول (كتاب اللّه وعترتى اهل بيتى) من سته طرق .. ولا رواه الترمذى الذى روى الحديث الاول وحده((665))! فنحن لا نقطع بان النص الثانى لم يصدر من النبى(ص)، لكنه لا يكون باى حال بديلا عن الاول وناسخا له، وقد راى بعض علماء اهل السنه ان الجمع بينهما من الواضحات، فالحاصل منهما (ان الحث قد وقع على التمسك بالكتاب والسنه وبالعلماء بهما من اهل البيت)((666)).

وليس بغريب ان ينسب ابن حجر فى قوله هذا الى التشيع، فهو عين اليقين وان راى فيه الناسبون قدحا، لان الشيعه وحدهم الذين تمسكوا فى الحديث الاول واصروا على تطبيقه فى الواقع، دون ان يجدوا حرجا فى قبول الحديث الثانى، فاهل البيت(ع) هم اهم من جمع السنه ووعاها، وطالما رجع اليهم فيها علماء الصحابه والتابعين، وان احدا من الناس سوف لا يفهم من حديث (كتاب اللّه وعترتى) ان اهل البيت سياتون بامر جديد غير سنه النبى(ص)، بل هو نص صريح بانهم(ع) هم الحافظون للسنه والملازمون للكتاب، لايفارقونه فى حكم ولا فى فهم (وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض).. مع ما فيه من تصريح بلزوم الرجوع اليهم فى كل ما يتصل بالهدايه ويخشى فيه من الضلال.. وما فى هذا من اشاره غير خافيه بضروره الرجوع اليهم فى الحكم والسياسه واداره شوون المسلمين على منهاج لا تخشى عواقبه (ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى).

اذن ليس فى النص الجديد ما يكون بديلا عن النص الاول الثابت، لكن لما كان الواقع الجديد هو الذى قد حل بديلا، اريد لهذا النص ان يعزز ذلك الواقع..

ولكن الحق انه لم يسعفه بشى‏ء الا فى مخيله من اراد ان يرضى نفسه بمثل هذا التعليل .. فلا الحديث كان ناسخا للاول معطلا لحكمه، ولا صحبه السنه المطهره فى العهد الجديد كانت على احسن ما يرام((667)).


79

اول فرقه : هكذا نشات اول فرقه فى الاسلام، وهكذا ارست قواعدها..

وهكذا كان ابتداء نشوء الفرق فى الاسلام، وكل ما قيل فى خلاف ذلك فهو خطا نشا من تبرير الواقع الجديد والنظر اليه وكانه الامتداد الطبيعى والسليم لعهد الرسول.

فيما ظل المسار الاصيل متمثلا بعتره الرسول وفقههم الذى لا يفترق مع كتاب اللّه فى شى‏ء (ولن يفترقا حتى يردا على الحوض) ففقههم اذن هو فقه كتاب اللّه وسنه نبيه(ص)، فما قال قائلهم قط (حسبنا كتاب اللّه)! بل قالوا : ان ما عندنا هو (تعلم من ذى علم) و (حديثنا حديث رسول اللّه(ص))((668)). والذى كان ينبغى ان تصنعه الامه بعد النبى(ص) هو ما تركته واعتذرت عنه بتلك الاعذار السالفه، كان عليها ان تبايع عليا(ع)، بلا تنازع، الامر الذى سوف لا يلجئها بعد الى الاعتذار، اذ اصابت الحق، ووافقت امر النبى(ص) وارادته.

الامر الذى كان يرتقبه على بيقين، وينتظره جمهور المهاجرين والانصار، وتسكن اليه احياء الاسلام النائيه، فلا تتردد فى اداء بيعه، ولا اداء زكاه.

النافذه المفتوحه على ال الرسول :

حين استقر الامر بالخلافه، واعط‏ى على وبنو هاشم بيعتهم، بعد سته اشهر من الجفاء، كان ينبغى ان تختفى اثار الماضى القريب بما يعود على الخلافه بالقوه، وعلى الامه بالصلاح والرشاد واجتماع الكلمه.

وهذا بالذات ما ذكره على(ع) فى تبرير بيعته لابى بكر : (... فامسكت يدى، حتى رايت راجعه الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد(ص)، فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله، ان ارى فيه ثلما او هدما تكون المصيبه به على اعظم من فوت ولايتكم..)((669)).

وذكره ايضا فى تبرير بيعته لعثمان : (لقد علمتم انى احق الناس بها من غيرى، وواللّه لاسلمن ما سلمت امور المسلمين ولم يكن فيها جور الا على خاصه، التماسا لاجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه)((670)).

فلم تعد تلك (الثوره الصغيره) التى فجرها الحسن السبط، وهو انذاك فى الثامنه من العمر، حين راى ابا بكر يرقى منبر رسول اللّه(ص) المره بعد المره، فيناديه بكل ما يمتلكه ابن الثامنه من صوت : (انزل عن منبر ابى، واذهب الى منبر ابيك)! لم تعد تشكل فى نظر ابى بكر تهديدا يمس امن الخلافه، بل لم تكن عنده مدعاه لاتهام على بها بعدما امن جانبه((671)).

وحين يكون الامر دون اجتماع النبوه والخلافه فى ال النبى، لم يتردد ابو بكر فى اظهار بعض ما يعرفه لهذا البيت من منزله، فيقول مره : (ارقبوا محمدا فى اهل بيته)((672)).

ويكشف مره عن اسفه الكبير عما بدر منه اول الامر من اقتحام هذا البيت لاكراه اهله وخاصه انصارهم على البيعه، فيقول :

(وددت انى لم اكشف عن بيت فاطمه ولو اغلق على حرب)((673)). غير ان خلافه ابى بكر التى انقضى ثلثها الاول ولما يبايعه على وبنو هاشم، حتى اذا بايعه كان ابو بكر يدرك ان هذه البيعه لم تكن رجوعا من على عن رايه فى الخلافه، ولم يكن ابو بكر بالذى ينسى ما تركه فى قلوب الهاشميين من اثر استدعى ان يكتموا عليه نبا وفاه الزهراء(ع) بوصيه منها، فلم يشهد الصلاه عليها ودفنها غير على ونفر من خاصه اصحابه، الامر الذى جدد فى قلب ابى بكر اثرا، كما جدد فيه يقينا انه لم يعد مرضيا عند اهل هذا البيت..

لما كان كل ذلك، لم نشهد من ابى بكر انفتاحا على اهل البيت كالذى نشهده لاحقا فى عهد عمر..

بل لم نشهد من على ايضا شيئا من ذلك، لم نشهده راجع ابا بكر فى شى‏ء من فتاويه واقضيته كالذى عرف منه مع عمر وعثمان.

والقصه التى يذكر فيها رجوع ابى بكر الى على فى قضيه، هى صريحه ايضا بانه لم يكن رجوعا مباشرا منه، بل بعد ان استشار جماعه من الصحابه ، فلما لم يكن عندهم فيها شى‏ء اشاروا عليه ان يسال عليا، فاستدعاه لذلك، فكشف عنه كربها((674)). لكن اهم من هذه ما ذكره اليعقوبى فى مشاوره على فى حرب الروم : (ارادابو بكر ان يغزو الروم، فشاور جماعه من اصحاب رسول اللّه، فقدموا واخروا، فاستشار على بن ابى طالب فاشار ان يفعل، فقال : ان فعلت ظفرت.فقال : بشرت بخير. فقام فى الناس خطيبا وامرهم ان يتجهزوا الى الروم)((675)).


80

ولعل هذين الحديثين اشهر مصاديق ما نقله ابن سعد من ان ابا بكر كان اذا نزل به امر يريد فيه مشاوره اهل الراى، دعا رجالا من المهاجرين والانصار : عمر وعثمان وعلى وعبدالرحمن، ومعاذ وابى وزيد بن ثابت، وكل هولاء كان يفتى فى خلافه ابى بكر((676)). وهذا لا يعنى انه كان يجمع هولاء السبعه جميعا عند كل امر، بل غالبا ماكان يكتفى ببعضهم، ولو واحد، فان لم يكن على اقلهم حظا من هذه المشوره، فالذى لا شك فيه ان اكثرهم حظا فيها : عمر، ثم زيد، ثم معاذ، ثم ابى.. والذى لا نعرفه ايضا، لا نعرف ان ابا بكر استشار عليا فى شى‏ء ثم ترك قوله الى قول غيره.

والحال فى عهد عمركان اكثرانفراجا:

-فربما كان عمر قادرا على ان يصور نفسه وكانه كان يجرى فى ظل ابى بكر، فما بدر منه تجاه اهل البيت فتبعته تقع بالدرجه الاولى على ابى بكر، لاعليه.

-وطالما حرص على صحبه عبداللّه بن عباس، ابن عم على (ع)، وهو الصحابى الشاب الذى كان يتفتق ذكاء ونباهه، كثير التذكير بحق قومه وعلى خاصه كلما سنحت لذلك فرصه، بذكاء وبحزم ليس فيه مساومه.

-وطالما انس عمر بابن عباس، فاباح له بما تنطوى عليه سريرته من معرفه بحق اهل البيت، وسيدهم على خاصه :

فقوله مره لابن عباس : (ما ارى صاحبك الا مظلوما) معرفه بحق على، وليس هذا كالجحد بالحق..

فلما فجاه ابن عباس برده المحرج: (فاردد اليه ظلامته) اخذ يلتمس لذلك عذرا، فقال: (ما اظنهم منعهم عنه، الا انه استصغره قومه) فهو مع اعتذاره، يلقى بتبعه ذلك على جماعه (ما اظنهم منعهم...).

فلما القاه ابن عباس بما هو اشد احراجا بقوله: (واللّه ما استصغره اللّه ورسوله حين امراه ان ياخذ براءه من صاحبك) اعرض عنه وتركه..((677)) وفى هذا ايضا اقرار بحق لا مفر منه، وبينه وبين المكابره واللجاجه بون شاسع! ونحو هذا كثير مضى ذكره، كله ينطوى على اقرار مصحوب باعتذار دائما((678))، ولا باس عليه بشىء من هذا حين يامن المنازعه الجاده على الخلافه.

وحين انشده ابن عباس ابياتا لزهير بن ابى سلمى يمدح قوما من غطفان:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم باولهم او مجدهم قعدوا قوم ابوهم سنان حين تنسبهم طابوا وطاب من الاولاد ما ولدوا انس اذا امنوا، جن اذا فزعوا مرزءون بهاليل اذا حشدوا محسدون على ما كان من نعم لا ينزع اللّه منهم ماله حسدوا قال عمر: واللّه لقد احسن، وما ارى هذا المدح يصلح الا لهذا البيت من هاشم، لفضل رسول اللّه(ص) وقرابتهم منه. ثم شرع منبسطا يقرر معرفته بحقهم فى الصداره، ويعتذر عن (القوم) فى تاخيرهم((679)).

- وتقرب الى اهل البيت(ع) اكثر حين اصر على التزويج من ام كلثوم بنت الامام على وبنت فاطمه الزهراء، طمعا ان يربطه بهم نسب، وهو يكرر فى ذلك ما سمعه من النبى(ص) من قوله الشريف (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامه، الا سببى ونسبى) ((680)).

- وقد كان صريحا بتفضيل ابناء على وفاطمه(ع) على ابنائه وعلى نفسه ايضا، بقوله للحسين يفضله على ابنه عبداللّه بن عمر: (وانت عندى مثله؟ وهل انبت الشعر على الراس غيركم؟)((681)). -ولما كتب ديوان العطاء واشار عليه بعضهم ان يبدا بذكر نفسه، قال: لا، ولكن ابدا برسول اللّه(ص) ثم الاقرب فالاقرب. فبدا ببنى هاشم وبنى المطلب((682)).

-وحين قسم الناس على طبقات فى العطاء وجعل اعلاهم البدريين، الحق بالبدريين اربعه لم يشهدوا بدرا، وهم:

الحسن، والحسين، وابو ذر، وسلمان((683)).

- وهو القائل فى على(ع): (واللّه لولا سيفه لما قام عمود الاسلام.. وهو بعد اقضى الامه، وذو سابقتها، وذو شرفها). فلما جبهه احدهم بالقول المحرج: (فما منعكم عنه؟!) التمس لذلك ما راه عذرا، ولم يجحد حقه((684)).

هذا رايناه من عمر ايام خلافته، ولم يظهر عمر شيئا من هذا القبيل ايام ابى بكر! -وظهر من عمر ما لم يظهر من ابى بكر قبله ولا من عثمان بعده، اذ استعمل رجلين من اخص اصحاب على والداعين الى امامته جهره: عمار، وسلمان.. عمار على الكوفه، وسلمان على المدائن. ولا يخلو هذا من رغبه فى الاقتراب الى على(ع) وتقريبه اليه، رغبه لم يكن يكتمها، رغم انه كان شاعرا على الدوام ان عليا لم ينس حقه الاول، ولانسى استئثارهم به.


81

- فى هذه الفتره ظهر من على(ع) فى الفتيا والقضاء والحديث والتفسير ما لم يظهر مثله فى العهد السابق.. فلم يقف عمر عند استفتاء على واستشارته فى امور السياسه والحرب والقضاء، بل كان احيانا يامر اصحاب المسائل بالرجوع اليه، ففى مصنف عبدالرزاق ان رجلا سال عمر عن بيض النعام يصيبه المحرم، فقال له عمر: ارايت عليا؟ اساله، فانا امرنا ان نشاوره((685)). ومثل هذا كثير، يمكن ان يقال انه شكل ظاهره فى سياسه عمر، راى فيها البعض سببا وحيدا فى اغتيال عمر، بتدبير من بنى اميه وتواطو المغيره وكعب الاحبار، اذ ظنوا انه سوف ينقل الخلافه الى على(ع)((686))! خصوصا وقد ازداد طمعهم فيها اثر ابعاد على عنها مرتين، واستقرار رجالهم فى امصار مهمه وكبيره كالشام ومصر، ولما سبق من ابى بكر فى تقديم عثمان، وفى ترشيحه للخلافه ايضا بقوله: (لو تركت عمر لما عدوتك)((687)). لكن ان لم يكن فزع بنى اميه لهذه الظاهره بمستبعد، فاسناد عمر الخلافه الى على هو المستبعد وفق الظروف التى حافظ عليها عمر حتى وفاته، مع اعتذاره المستمر عن توليته رغم انه الاحق و(الاولى ان وليهم ان يحملهم على المحجه البيضاء والصراط المستقيم) كما وصفه عمر.

ومساله اخرى لم يحسمها عمر مع بنى هاشم كما ينبغى، وهى حقهم فى الخمس، سئل ابن عباس عن سهم ذوى القربى، فقال: (هو لنا، لقربى رسول اللّه(ص)، قسمه رسول اللّه(ص) لنا، وقد كان عمر عرض علينا شيئا رايناه دون حقنا فابينا ان نقبله)((688)). وقد كان رسول اللّه(ص) قد اعطاه لبنى هاشم وبنى المطلب دون غيرهم من قريش، وقد ساله جبير بن مطعم وعثمان بن عفان لم لم يعطهم شيئا مع قرابتهم كما اعطى بنى المطلب؟ فقال(ص): (انهم لم يفارقونى فى جاهليه ولا فى اسلام، انما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد) وشبك بين اصابعه((689)). وتحويل سهم بنى هاشم فى الخمس كان قد وقع فى مطلع خلافه ابى بكر واستمر فى عهد عمر، اذ جعلوا سهم الرسول وسهم ذوى القربى فى الخيل وعده الحرب((690)).

فى عهد عثمان:

حين توفى عمر على خطه الشورى السداسيه، ادرك على مبكرا انها تجرى لغير صالحه((691))، كما ادرك انه يودع عهد الانفراج النسبى ليقبل على عهد تشوبه فتن يصعب الامساك بعقالها، من هنا جاء ثناوه على عهد عمر((692)) فى قوله: (للّه بلاد فلان، فلقد قوم الاود، وداوى العمد، واقام السنه، وخلف الفتنه.. ذهب نقى الثوب، قليل العيب، اصاب خيرها، وسبق شرها.. ادى الى اللّه طاعته، واتقاه بحقه.. رحل وتركهم فى طرق متشعبه، لا يهتدى بها الضال، ولا يستيقن المهتدى)! ومن عبارته الاخيره تظهر دواعى المقارنه بين عهدين، ويظهر ايضا انه ليس ثمه تناقض بين هذا الثناء، وبين ما ذكره من قدح فى بعض سياسه عمر فى خطبته الشقشقيه، ويظهر ايضا انه لا تناقض بين هذا، وبين ما كان عليه على(ع) من خلاف مع عمر فى كثير من الفتاوى وفى السياسه الماليه والاداريه ايضا.

اما اهم اوجه المقارنه التى تجعل عهد عمر حريا بهذا الذكر، فمنها:

اجتهاد عمر فى مشاوره علماء الصحابه، وعلى راسهم على وابن عباس وزيد بن ثابت، فى القضايا والنوازل.. فيما احاط بعثمان طائفه من بنى اميه لم يكن مع احدهم كثير دين وورع، ولا سابقه، ولا علم يعتمد، ولا معرفه بسنه، بل غلبت عليهم روح الاثره والتسلط وجمع الاموال بغير حق.

- ومنها: شده عمر على الولاه والامراء، ومحاسبته الدقيقه لهم كل عام، محاسبه لم تقف دون التعزير بالضرب الموجع مع ادنى مبرر، كما صنع بابى هريره وبعامل له على مصر، او اقامه الحد اذا وجب، كما صنع مع قدامه بن مضعون، او العزل،كما صنع مع النعمان بن عدى بن نضله،او مصادره الاموال او مشاطرتها..((693)) فيما كان ولاه عثمان مطلوقى الايدى، فلا دين وازع، ولاسلطان رادع.

وحقيقه المقارنه هذه شاخصه فى اذهان الناس، حتى المتحمسين منهم فى الدفاع عن عثمان، فالاستاذ محمد قطب يقول: (اذا وصلنا الى عهد عثمان(رضى اللّه) فستقابلنا اول فتنه حقيقيه فى تاريخ الاسلام، اذا اسقطنا من حسابنا فتنه الرده.. فقد وقعت فى عهد عثمان(رضى اللّه) هفوات فى سياسه الحكم، ولكن ضمير عثمان يجب ان يظل فوق مستوى الشبهات، فما كان الامر فى نفسه استهتارا بمصالح المسلمين، ولا تفريطا فى واجبات الاسلام.. انما كان فرط السماحه فى نفسه، وفرط الثقه فى قوم من قرابته اساءوا استخدام هذه الثقه وحادوا بها عن خط الالتزام الصارم الذى الزم ابو بكر وعمر نفسيهما به من قبل، والزما به من يولونهما من الولاه.. ان الهفوات التى حدثت بكل حسن النيه فى عهد عثمان(رضى اللّه) تبدو لنا جسيمه لانها تجىء فى الفتره المثاليه للتطبيق بعد حكم الشيخين، والا فان اضعاف هذه الهفوات قد ارتكب فى ما بعد، ومع ذلك فنحن انفسنا الذين نستهول ما حدث فى عهد عثمان نمر بها فى سهوله، لا تثير فى نفوسنا الكثير).


82

فهذه الكلمه الاخيره حق ابلج،لكنها لا تبرر ما حصل،فنحن حين نستهول ما حصل فمعنا كل الحق فى ذلك، لكننا نحن الذين نقع فى التناقض حين نمر على امثال تلك الاخطاء فى تاريخنا الماضى وواقعنا المعاصر، فلا توثر فى نفوسنا، بل ربما نسر ونجاهر بالولاء لاصحابها فى الوقت الذى ندين عليها اولئك! وليس هذا تناقض فحسب، بل هو نفاق، نفاق جلى، غير خفى، لاصحاب العناوين، سواء كانت عناوين سياسيه او دينيه او طبقيه او غيرها، منتحله كانت ام واقعيه .. نفاق لانها ليست فقط لا توثر فى نفوسنا، ولسنا فقط نغض الطرف عنها ونصفح، بل لاننا اصبحنا ندافع عنها بكل حماس، مره بالتكذيب بها ونحن نعلم انها واقعه، ومره بتبريرها بالوان التبرير والتى سيبقى ابشعها على الاطلاق تبرير يضفى عليها صفه الشرعيه! وهذا ونحن نعنف، وبحماس ايضا، على مثلها حين حصلت فى ذلك العصر! صحيح ان حصول هذا المدى من الانحراف فى عصر الصحابه ولم يمض عن وفاه النبى عشرون عاما بعد، له وقعه الخاص، لكن البعد عن عصر النبى لم يكن بحال مبررا لظهور الانحراف، ولا مهونا من خطورته، اذ هو تعد على حقوق اللّه وحقوق الامه، كما وصفه الاستاذ نفسه حين قال: (ان تقويم هذه الهفوات، ومحاوله رد الامر الى نصابه، كان مطلوبا من الامه المسلمه دون شك،وقد كان على بن ابى طالب وغيره من الصحابه رضوان اللّه عليهم يحاولونه، ولو قصروا فيه لكانوا مقصرين فى حق من حقوق اللّه، وحق من حقوق الامه)((694)).

الاضطرابات وبدايه النهايه:

هذه هى النافذه التى اطل منها على بن ابى طالب(ع) على الحياه الاجتماعيه والسياسيه فى هذا العهد.

لقد اقحم على نفسه اقحاما لتلافى ما يمكنه تلافيه، فرد فتاوى، وصحح احكاما، ووقف على امضاء حدود كادت ان تعطل،وربما باشر اجراءها بنفسه((695)).

وصحابه اخرون وقفوا صراحه من اجل التصحيح، فكان لهم اثرهم بلا شك فى عرقله عجله الانحراف، او تاخيرها على الاقل، لكن لما لم تكن لهم مثل منزله الامام على الاجتماعيه فقد نالهم من الاذى ما كان سببا حتى فى وفاه بعضهم: -ابو ذر الغفارى، خامس الاسلام((696))، الاصدق لهجه، استنكر بحزم تقديم كعب الاحبار على كبار الصحابه من اهل الفضل والعلم والسابقه، فلم يحتمل الخليفه ذلك منه، وامره ان يغيب وجهه عنه، فترك المدينه الى الشام، وهناك استنكر بحزمه المالوف وصرامته فى الحق ما راه من استئثار امير الشام، معاويه، وخاصته بالاموال، وتضييعهم حقوق الناس،وشيوع تجاره الخمره برعايه الامير، فضاق به امير الشام وراى ان بقاءه فيها سوف يفسد عليه حكمه ويثير عليه شعبا مسلما سوف يتنبه حتما الى مصداقيه دعوى هذا الصحابى المخلص، خصوصا.

- وقد سبقه فى الشام صحابى اخر نادى بنداء ابى ذر ذاته، وهو العقبى((697))البدرى، عباده بن الصامت! كان ذلك منه فى عهد عمر اولا، ثم تكرر ثانيه فى هذا العهد((698)).

-وعبداللّه بن مسعود، المهاجر البدرى الشهير، وقف بحزم امام النهب الاموى، وكان امينا على بيت المال فى الكوفه، فامتنع عن وضع بيت المال بايديهم لياخذوا منه ما يشاءون، وتحمل لاجل ذلك كثيرا حتى ضربه الامويون وجروا برجليه وضربوا به الارض حتى كسر له ضلعان، فبقى طريح فراشه حتى توفى،وقد اوصى عمار بن ياسر ان يتولى الصلاه عليه ودفنه ولا يخبر به الخليفه((699))! -وعمار بن ياسر، المهاجر القديم، الذى لا يفارق الحق مهما اختلف الناس، كان حليفا لاخوانه المتقدمين فى مسيره الاصلاح الواعيه والرشيده، حتى انتهى امره الى ان يضرب، بحكم من مروان، حتى فتق بطنه وغشى عليه((700))! -وجندب بن كعب الازدى، الذى نهض بوجه والى الكوفه الوليد بن عقبه لشربه الخمر وتقريبه السحره، حتى سل سيفه وضرب عنق الساحر فى مجلس الوليد، فاراد الوليد قتله، فقام رجال فى المجلس فاعترضوه، وقالوا: تقتل صاحب رسول اللّه بعلج ساحر؟! فسجنه، فعلم السجان ان الوليد ينوى قتله فى السجن، فاتاه وفتح له السجن، وقال له: انج بنفسك.

فقال: تقتل بى! قال: ليس ذلك بكثير فى مرضاه اللّه والدفع عن ولى من اولياء اللّه! فلما اصبح الوليد دعا بجندب فلم يجده، فقتل السجان وصلبه بالكناسه((701))! -ونهض اهل الكوفه على واليها الاخر سعيد بن العاص الاموى، الذى كان يرى ان العراق كله بستان لقريش، والناس اجراءهم فيها! فذهب خيارهم الى الخليفه وشكوه اليه، فلم يعزله الخليفه، فعزلوه هم وارتضوا عليهم ابا موسى الاشعرى فاقره عثمان، وكان فى طليعه هولاء المصلحين: مالك الاشتر ، وثابت ابن قيس الانصارى، وكميل بن زياد، وزيد بن صوحان، وصعصعه بن صوحان، والحارث الاعور، وجندب بن زهير واخرون((702)). اذن هناك حركه اصلاح واعيه يقودها الطليعه من الصحابه عليهم التحيه والرضوان..


83

فلا يمد خصوم الاسلام - من مستشرقين وغيرهم - انافهم الى هذه الثغره، فاذا كان ثمه انحراف ظاهر، فسببه رجال حاربوا الاسلام بكل ما يملكون حتى غلبهم ودخل عليهم مكه، فلم يجدوا منه مفرا، ووجدوا دينا سمحا لا يعاقب على ما سلف، ولا يفتش عن السرائر وما تخفى الصدور.. ثم وقف بوجههم خيار الصحابه الذين عاشوا حول النبى(ص) وعاصروا الاسلام فى ايامه الاولى، وخاضوا حروبه كلها، فهم احرى ان تقصدهم الانظار، خصوصا حين كانوا بنهضتهم الاصلاحيه الواعيه روادا لمسار الاسلام الاصيل.

وهناك دعوات اخرى واجهت هذا الانحراف الظاهر، لكنها جنحت الى التطرف فخرجت عن كونها اصلاحيه، لكنها على اى حال كانت حركه رافضه لما يجرى، ومنها:

- نداءات السيده عائشه، وهى تقول: اقتلوا نعثلا، فقد كفر ((703))!!

- مكاتبات طلحه الى اهل البصره يحرضهم على النهوض لقتل عثمان((704))! -تحريض عمرو بن العاص الكثير والشنيع منذ ان عزله عثمان عن مصر، فكان يقول: واللّه انى كنت لالقى الراعى فاحرضه على عثمان((705)).

-قول عبدالرحمن بن عوف لعثمان: لم فررت يوم احد، وتخلفت عن بدر، وخالفت سنه عمر((706))؟! فاذا كان فى كلمه عبدالرحمن الاخيره (وخالفت سنه عمر) ما يصلح ان يكون بحق تذكيرا لاجل الاصلاح، فالذى فى اول كلامه تجريح فى غير محله، بل قد يوخذ على عبدالرحمن نفسه، فعلى يده كان اختيار عثمان للخلافه، فاذا كان يرى فيهما قدحا فليذكرهما انذاك، اما الان فقد تعدى اوانهما.

اما موقف السيده عائشه وطلحه وعمرو، فهو موقف متطرف بلا شك، وسوف يتخذون لانفسهم بعد مقتله موقفا نقيضا، وهو الاخر فى غايه التطرف!

الميزان:

بقى الميزان الذى لا يجور فى يد على(ع)، فى موقفه وكلماته..

انه الرجل الذى ما غضب الا للحق، ولا اخرجه غضبه قط عن الحق، ولا ندرت منه كلمه تلجئه الى الاعتذار، او تظهر الايام قصورها.. بل ما اتخذ موقفا ولا قال كلمه الا صارت ميزانا توزن به المواقف والكلمات، وفرقانا يفصل بين الحق والباطل، والصواب والخطا، ويتمثل فيه الاعتدال، بين الافراط والتفريط، بين المهادنه على حساب الحق، وبين العدوان ومجاوز الحق.

وعلى، هو الرجل الذى كان يرى منذ البدايه انه احق من عثمان بمجلسه، واولى به منه، وقد عرفنا كيف بايع له يوم بايع وهويقول (لاسلمن ما سلمت امور المسلمين، ولم يكن جور الا على خاصه) ولم يكن احد غيره يقول مثل هذا، واذا قد تاخر بعضهم عن ابى بكر، فان احدا لم يتاخر عن عثمان! ومع كل ذلك فلم يجد عثمان ناصحا فى ايام شدته ومحنته، غير على، ولا وجد عاذرا غيره، لا من اصحاب الشورى، ولا من خاصته، ولا من غيرهم..

فهولاء صاروا ثلاث طوائف: طائفه تفتنه وتجر الشر اليه، وطائفه تولب عليه الجماهير الغاضبه، وطائفه نكصت عنه وخذلته.

اما على(ع) فقد كان يرى ان لهذه الجماهير الغاضبه حقا ينبغى ان تعود به، فهى لم تغضب عبثا، ولا بلغ بها غضبها هذا الحد حتى بلغ تجاهل الولاه والمقربين من الخليفه لحقوق اللّه وحقوق الناس مبلغه.. كما كان يرى ان للخيفه حرمه ينبغى ان تصان، وكان يعلم من اخبار هذه الامه انه سوف يقتل فيها خليفه، يفتح قتله على المسلمين باب القتل وبحور الدماء..

-فحين اجتمع اليه الناس وذكروا عنده ما نقموه على عثمان، نهض اليه فكلمه كلاما طويلا راينا ان ننقله بطوله، لما فيه من غنى عن كل التفاصيل، ولما يعطيه من صوره تامه عن تلك الاحداث الى ذلك الوقت، بما فيها موقفه الحكيم المتزن، اذ قال له:

(ان الناس ورائى وقد استسفرونى((707)) بينك وبينهم ..

وواللّه ما ادرى ما اقول لك! ما اعرف شيئا تجهله، ولا ادلك على امر لا تعرفه، انك تعلم ما نعلم، ما سبقناك الى شىء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشىء فنبلغكه، وقد رايت كما راينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول اللّه(ص) كما صحبنا..

وما ابن ابى قحافه ولا ابن الخطاب باولى بعمل الحق منك..

وانت اقرب الى رسول اللّه(ص)((708)) وشيجه رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا..

فاللّه اللّه فى نفسك، فانك واللّه ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل، وان الطرق لواضحه، وان اعلام الدين لقائمه..

فاعلم ان افضل عباد اللّه عند اللّه امام عادل، هدى وهدى، فاقام سنه معلومه، وامات بدعه مجهوله.. وان السنن لنيره لها اعلام، وان البدع لظاهره لها اعلام. وان شر الناس عند اللّه امام جائر، ضل وضل به، فامات سنه ماخوذه واحيا بدعه متروكه ، وانى سمعت رسول اللّه(ص) يقول: (يوتى يوم القيامه بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى فى نار جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط فى قعرها)..


84

وانى انشدك اللّه الا تكون امام هذه الامه المقتول! فانه كان يقال: (يقتل فى هذه الامه امام يفتح عليها القتل والقتال الى يوم القيامه، ويلبس امورها عليها، ويبث فيها الفتن، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، ويمرجون فيها مرجا((709)).. فلا تكونن لمروان سيقه يسوقك حيث شاء بعد جلال السن وتقضى العمر)! فقال له عثمان(رضى اللّه): (كلم الناس فى ان يوجلونى حتى اخرج اليهم من مظالمهم).

فقال(ع): (ما كان فى المدينه فلا اجل فيه، وما غاب فاجله وصول امرك اليه)((710)).

فطلب عثمان من على(ع) ان يخرج اليهم ويكلمهم ليرجعوا على ان يفى لهم بما طلبوا، فكلمهم على، فرجع المصريون الى مصر، ولكن تاخر عثمان عن تنفيذ ما وعدهم به، وكان الذى صرفه عن ذلك مروان بن الحكم، اذ قال لعثمان: تكلم واعلم الناس ان اهل مصر قد رجعوا، وان ما بلغهم عن امامهم كان باطلا، قبل ان يجىء الناس اليك من امصارهم وياتيك ما لا تستطيع دفعه! ففعل عثمان ذلك((711))! فثارت الفتنه من جديد، ورجع المصريون الى حصار عثمان، فذهب الى على(ع) فدخل عليه بيته فقال له: (يا ابن عم، ان قرابتى قريبه، ولى عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هولاء القوم، وهم مصبحى، ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك، واحب ان تركب اليهم فتردهم عنى) فقال على: (على اى شىء اردهم عنك؟) قال: (على ان اصير الى ما اشرت اليه ورايته لى).

فقال على: (انى قد كلمتك مره بعد اخرى، فكل ذلك نخرج ونقول، ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاويه وعبداللّه بن سعد، فانك اطعتهم وعصيتنى).

قال عثمان: (فانا اعصيهم واطيعك).

فامر الناس فركب معه من المهاجرين والانصار ثلاثون رجلا، فاتى المصريين فكلمهم، فذكر لهم ما وعد به عثمان من ارضائهم((712)). فلما رجع على من عندهم قال لعثمان: تكلم كلاما يسمعه الناس منك، ويشهدون عليك، ويشهد اللّه على ما فى قلبك من النزوع والانابه، فان البلاد قد تمخضت عليك، فلا امن ان يجىء ركب اخرين من الكوفه، فتقول: يا على اركب اليهم، ولا اقدر ان اركب اليهم ولا اسمع عذرا، ويقدم ركب من البصره، فتقول: يا على اركب اليهم، فان لم افعل رايتنى قد قطعت رحمك واستخففت بحقك.

فخرج عثمان فخطب الناس، فقال بعد الحمد والثناء: اما بعد ايها الناس، فواللّه ما عاب من عاب منكم شيئا اجهله، وما جئت شيئا الا وانا اعرفه، ولكنى فتنتنى نفسى وكذبتنى وضل عنى رشدى، ولقد سمعت رسول اللّه(ص) يقول: (من زل فليتب، ومن اخطا فليتب، ولا يتماد فى الهلكه، ان من تمادى فى الجور كان ابعد من الطريق) فانا اول من اتعظ، استغفر اللّه مما فعلت واتوب اليه، فمثلى نزع وتاب، فاذا نزلت فلياتنى اشرافكم فليرونى رايهم، فواللّه لئن ردنى الحق عبدا لاستن بسنه العبد، ولاذلن ذل العبد، ولاكونن كالمرقوق، ان ملك صبر، وان عتق شكر، وما عن اللّه مذهب الا اليه.

فلا يعجزن عنكم خياركم ان يدنوا الى، لئن ابت يمينى لتتابعنى شمالى((713)).

فواللّه لاعطينكم الرضا، ولانحين مروان وذويه ولا احتجب عنكم((714)). فرق الناس له، وبكوا، وبكى هو ايضا.

وكان الناس قبل هذا قد اصطلحوا مع عثمان حين بعث اليهم عليا فى واحده من المرات، فاقبل معه وجوههم، فاصطلحوا على خمس:

1 - ان المنفى يقلب - اى يعاد الى بلده.

2 - المحروم يعطى.

3 - يوفر الفىء.

4 - يعدل فى القسم.

5 - يستعمل ذوو الامانه والقوه((715)).

فلما نزل عثمان من خطبته قصد بيته فوجد مروان ونفرا من بنى اميه، فاراد مروان ان يتكلم، فنهرته نائله زوجه عثمان، وكانت امراه صالحه تحث عثمان على الاصلاح وتحذره من مروان وصحبه، فتنازعا الكلام، حتى تكلم مروان فعاب على عثمان اقراره بالخطا وما اعطاهم من الوعد بالتغيير والاصلاح..

فركن عثمان الى كلامه وقال له: اخرج الى الناس فكلمهم، فانى استحى ان اكلمهم! فخرج مروان الى الباب! والناس على الباب مثل الجبال، فقال لهم: ما شانكم قد اجتمعتم كانكم جئتم لنهب! شاهت الوجوه! جئتم تريدون ان تنزعوا ملكنا من ايدينا! اخرجوا عنا .. ارجعوا الى منازلكم فانا واللّه ما نحن مغلوبون على ما فى ايدينا((716)). هذه هى كل الحقيقه التى امن بها مروان وصحبه! انه الملك فى ايديهم، وليس لاحد ان يقف دون امانيهم ودون ما يشتهون! هذا المبدا الذى ظهر منذ الان سوف يكون فى المستقبل القريب اس الدوله الامويه اللاحقه! فلما بلغ عليا هذا الكلام، قال: اى عباد اللّه، ياللمسلمين! انى ان قعدت فى بيتى قال لى: تركتنى وقرابتى وحقى، وانى ان تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان ..


85

وقام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له: اما رضيت من مروان ولارضى منك الا بتحريفك عن دينك وعن عقلك..

واللّه ما مروان بذى راى فى دينه ولا نفسه، وايم اللّه انى لاراه يوردك ولا يصدرك! وما انا بعائد بعد مقامى هذا لمعاتبتك، اذهبت شرفك، وغلبت على رايك((717))! هكذا يتحرق قلب هذا الناصح الكبير وهو يرى ضعف الخليفه، واستهتار مروان وصحبه (بالملك!) حتى فتحوا على هذه الامه ابواب فتن عظيمه، جرت وراءها فتنا لا تنتهى، نعيش اثارها ونتائجها حتى اليوم! وندم عثمان(رضى اللّه)، وانبته زوجته الصالحه نائله ودعته الى ارضاء على فان فى ذلك صلاحه وصلاح الامه، فبعث الى على يستصلحه، فقال على: اخبرته انى غير عائد..

واشتد الامر على عثمان، اذ حصروه فى بيته، ومنعوا عنه الماء..

فارسل على ولديه الحسن والحسين، يحملان سيفيهما، فوقفا عند باب عثمان يمنعان الناس عنه، فهما سبطا رسول اللّه(ص) ولهما فى قلوب الناس هيبه وجلال ومنزله لا يقتحمها احد فى ذلك العهد..

اما الماء فالذى منعه عنه طلحه ومن حوله جماعه! فادرك على انه لا احد لهذا الامر غيره، فتناسى كل معنى من مخالفه عثمان لرايه التى جرت الى هذه الحال، وقصد طلحه، فقال له: يا طلحه، ما هذا الامر الذى وقعت فيه؟! قال: يا ابا الحسن، بعد ما مس الحزام الطبيين((718))! فتركه على وقصد بيت المال، فقال: افتحوه. فلم يجدوا المفاتيح، فكسر الباب واعطى الناس، فانصرفوا من عند طلحه حتى بقى وحده! وسر بذلك عثمان، وقد دخلت عليه الروايا بالماء..

وجاء طلحه فدخل على عثمان، وقال له: يا امير المومنين، اردت امرا، فحال اللّه بينى وبينه! فقال عثمان: واللّه ما جئت تائبا، ولكن جئت مغلوبا! اللّه حسيبك يا طلحه((719))! لكن الامر كان اكثر تعقيدا من هذا...

فالمصريون الذين كلمهم على ومحمد ابن مسلمه ورجعوا، كانوا قد رجعوا ظافرين، اذ اشترطوا على عثمان ان يعزل عبداللّه بن سعد ويولى عليهم محمد بن ابى بكر، فاعطاهم ذلك فرجعوا ومعهم محمد بن ابى بكر، فبينما هم فى بعض الطريق راوا راكبا امره مريب، فاخذوه وفتشوه، فاذا هو غلام عثمان يحمل كتابا بختم عثمان الى عبداللّه بن سعد ان يفعل بهم ويفعل! وكان مروان هو الذى زور هذا الكتاب((720))! فرجعوا من هناك وشددوا الحصار على عثمان، وخيروه بين ثلاث: ان يخلع عماله الذين شكتهم الناس، او ان يخلع نفسه، او يقتلوه! فلما كان عاجزا عن الخيار الاول، امتنع عن الخيار الثانى بقوله: (ما كنت لاخلع سربالا سربلنيه اللّه عز وجل)! واسلم نفسه للخيار الاخير، ومنع من حوله من ان يقاتلوا دونه((721))! وقد كان على بابه الحسن والحسين وقنبر مولى على وطائفه فيهم عبداللّه ابن الزبير ومحمد بن طلحه، وكان معهم عبداللّه بن العباس، فبعثه عثمان قبل ايام اميرا على الحاج ذلك الموسم، فلم يقتحم الناس الباب، ولكن تسوروا الجدران فقتلوه فى بيته .. قتلوه قتله تنم عن نقمه توغرت بها صدورهم، فطعنوه مرارا والمصحف فى يده! قال على(ع): (انا جامع لكم امره: استاثر فاساء الاثره، وجزعتم فاساتم الجزع، وللّه حكم واقع فى المستاثر والجازع)((722)).

كان ذلك فى 18 / ذى الحجه / 35 للهجره، بعد اكثر من 82 سنه من العمر، وبعد 12 سنه من الخلافه، و25 سنه (ربع قرن) من وفاه النبى الاكرم(ص)((723)).


86

الفصل الثانى- الثقافه ومصادرها فى ربع قرن (11 - 35 ه )
مصادر التشريع فى ربع قرن

1 - القران الكريم فى ربع قرن:

القران الكريم، اول مصادر التشريع فى الاسلام، كان مكتوبا كله فى عهد الرسول وباشرافه المباشر، اذ كان(ص) منذ البدايه يامر عددا من الصحابه بكتابه ما ينزل من الوحى، اولا باول، ويعين لهم موضعه من القران، فيقول: ضعوه فى السوره التى يذكر فيها كذا وكذا، فى الموضع كذا((724)).

وقد عرف اولئك الصحابه بكتاب الوحى، وكان ابرزهم: على بن ابى طالب، والارقم بن ابى الارقم، وعبداللّه بن مسعود، ثم كثر الكتاب فى العهد المدنى، فبرز فيهم: ابى بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وابو الدرداء، واخرون((725)).

وكان جبريل يعرض القران على النبى فى كل عام مره، وفى العام الذى توفى فيه عرضه عليه مرتين((726))..

وكان الاصحاب يعرضون القران احيانا على الرسول، ويسمعون منه قراءته السور الطوال وغيرها فى صلواته فى الليل خاصه، وكانوا هم ايضا يملوون بها لياليهم، وقد وصفهم القران الكريم فقال: (تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا سيماهم فى وجوههم من اثر السجود)((727))..

اذن فالقران كان مجموعا عندهم، وقد ترتبت ايات كل سوره منه ترتيبا توقيفيا لا خلاف فيه((728)).

× فلما توفى الرسول الاكرم(ص) كان جمع سور القران الكريم وضم بعضها الى بعض مهمه بالغه الاهميه، وقد ثبت تاريخيا ان عليا قد تفرغ لهذه المهمه مبكرا جدا، فلم يخرج من بيته الا للصلاه، حتى جمعه عنده. وهو اول مصحف، جمع فيه القران من قلبه.

والمشهور عن هذا الجمع انه مضى على ترتيب سور القران بحسب ترتيب نزولها، اقرا، المدثر، ن، المزمل، تبت، التكوير ..

وهكذا الى اخر المكى فالمدنى، وكان قد كتب فى حواشيه اشياء فى الناسخ والمنسوخ واسباب النزول.

ذكره ابن سيرين (110 هـ ) وقال: طلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه الى المدينه، فلم اقدر عليه((729)).

لقد اختص به على لنفسه، فمن الطبيعى ان يحفظه من بعده اولاده الساده الاشراف.

قال النديم: وكان المصحف عند اهل جعفر، ورايت انا فى زماننا عند ابى يعلى حمزه الحسنى(رحمه اللّه) مصحفا قد سقط منه اوراق، بخط على بن ابى طالب، يتوارثه بنو حسن على مر الزمان((730)). ومن الطبيعى ايضا ان لا ينسخ ثانيه بعد ان تم الجمع الرسمى للقران الكريم .. وكل ما كتبه اهل البيت(ع) من المصاحف بعد ذلك بخط ايديهم كان وفق الترتيب المتعارف، وليس بحسب تاريخ النزول، كما تشهد بذلك النسخ المحفوظه بخطوطهم((731)). × ثم كان الجمع الرسمى للقران الكريم، بامر من الخليفه ابى بكر (ايام خلافته) وباشرافه، وقد اسند ذلك الى الصحابى زيد بن ثابت الانصارى، وهو من اشهر كتاب الوحى، وحفاظ القران..

لكن كيف جمعه زيد؟ ان الاصح الاثبت، والذى عليه المعول، ان زيدا قد جمع القران من (العسب، واللخاف((732))، وصدور الرجال). ولا يعنى ذلك انه كان ياخذ بعضه من المكتوب على العسب واللخاف، وبعضه من صدور الرجال، بل المراد انه كان يشهد الحفاظ على هذا المكتوب انه قد كتب بين يدى رسول اللّه(ص)، ويطلب ما سمعه من الحفاظ ان يجده مكتوبا على تلك العسب واللخاف بين يدى رسول اللّه(ص).

هكذا ارخه ابن ابى داود فى (المصاحف) وشرحه ابن حجر والسخاوى وابو شامه((733)).

اما ما ورد فى خلاف ذلك من اخبار فى اسلوب جمع القران وفى اختلاف بعض مصاحف الصحابه، فهى اخبار متعارضه فى كثير من دلالاتها، ومعارضه لما هو ثابت تواترا واجماعا من ان القران الكريم كان مكتوبا كله على عهد النبى(ص) على الالواح والرقاع والعسب واللخاف ونحوها((734)).

كما ان كثيرا منها معلول الاسانيد، كالمنسوب الى ابن مسعود من انكاره كون سوره الفاتحه والمعوذتين من القران الكريم! قال الرازى: هو امر فى غايه الصعوبه، لانا ان قلنا: ان النقل المتواتر كان حاصلا فى عصر الصحابه بكون ذلك من القران، فانكاره يوجب الكفر.. وان قلنا: لم يكن التواتر حاصلا، فيلزم ان القران ليس بمتواتر فى الاصل.. ثم رجح ان نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل، وكذا ابطله القاضى ابو بكر.

وقال النووى: اجمع المسلمون عن ان المعوذتين والفاتحه من القران، وان من جحد منها شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح.

وادق من ذلك كله ما اجاب به ابن حزم، قال: هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وانما صح عنه قراءه عاصم، عن زر، عنه، وفيها المعوذتين والفاتحه((735)).


87

ومثل هذا يقال حتى مع البسمله، حيث راى البعض انها ليست ايه من القران، وجعلها البعض ايه من سوره الفاتحه فقط .. فقد اخرج السيوطى طائفه من الاحاديث قال فى اخرها: فهذه الاحاديث تعطى التواتر المعنوى بكونها قرآنا منزلا فى اوائل السور((736)). وهكذا وجدها الرازى بعد بحث مفصل، زاد فيه ان النبى(ص) كان يامر بكتبها ايضا فى خط المصحف، وان الخلاف حولها انما يدور فى احكام شرعيه هى من خواص القرآن، مثل انه: هل يجب قراءتها فى الصلاه ام لا، هل يجهر بها ام لا، هل يجوز للمحدث مسها وللجنب قراءتها ام لا((737))؟

× ثم كان الجمع الثالث ايام عثمان، ولم يكن قصد عثمان ان يجمع القرآن بين لوحين، فقد كان القرآن كذلك، ولكن لما تسامحت الناس فى تلاوته وصارت كل قبيله تقراه بلغتها كان ذلك مدعاه لاختلاف كثير، فعزم عثمان على توحيد المصاحف وفق القراءات الثابته عن النبى(ص)، وبعد مشوره من وجهاء الصحابه، فاسند هذه المهمه الى زيد بن ثابت ومعه اربعه، وقيل اثنا عشر من قريش والانصار، واعتمدوا النسخه الاولى التى جمعت على عهد ابى بكر، ثم امر بجمع النسخ التى انتشرت بين القبائل، فاحرقها، ثم وزع النسخ الجديده محلها((738)).

وقد كان توحيده للقراءات امرا مرضيا جدا عند الصحابه، لكن ظهر من البعض انتقاد لاجرائه فى حرق المصاحف التى كانت متداوله، حتى سموه حراق المصاحف((739)).

ويشهد لهذين الشطرين، الرضا والسخط، ما روى عن على (ع) من قوله: (لا تقولوا فى عثمان الا خيرا، فواللّه ما فعل الذى فعل فى المصاحف الا على ملا منا، قال: ما تقولون فى هذه القراءه؟ فقد بلغنى ان بعضهم يقول: ان قراءتى خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا. قلنا: فما ترى؟ قال: ارى ان يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقه ولا اختلاف. قلنا: نعم ما رايت)((740)).

خلاصه فى روايات التحريف:

كل ماورد عند المسلمين من روايات تفيد وقوع النقيصه او الزياده او تبديل كلمه بكلمه او نحو ذلك فى القرآن الكريم، فمرده الى ثلاثه امور:

الاول: اختلاف القراءات، وليس لهذا الامر ادنى صله بالتحريف كما هو معروف عند العلماء.

والثانى: الوهم، كدعاء كان يسمعه من النبى(ص) على الدوام، فظن انه قرآنا، كما فى ما اسماه بعضهم: (سوره الحفد) و (سوره الخلع)((741)).

وربما يكون حديثا سمعه او حكما رآه، فرسخ فى ذهنه رسوخا ما، حتى خيل اليه انه كان يجده فى القرآن، كالمروى عن عمر فى (الشيخ والشيخه) و(الرغبه عن الاباء)..((742)) وربما يكون منه ما ورد فى ذكر سوره انزلت ثم نسخت فمحاها اللّه تعالى من قلوب حفاظها بما فيهم الرسول(ص)((743))!! فمثل هذه المزاعم (لا يقبلها انسان يحترم نفسه ويقدر ما وهبه اللّه تعالى من نعمه العقل)((744))! والثالث: الكذب والدس، كذابون يدسون اشياء يعرف بعضها على حقيقته، وبعضها ينسبوه زورا الى الثقات فياتى باسانيد صحيحه، وهو باطل، كالذى وجدناه فى المنقول عن ابن مسعود فى الفاتحه والمعوذتين، وربما يكون من هذا الباب ما نقل عن طول سوره الاحزاب، عن عائشه((745)).

وربما يكون من هذا الباب ما نقل عن عبداللّه بن عمر، او نسب اليه، انه قال: (لا يقولن احدكم قد اخذت القرآن كله، وما يدريك ما كله؟! قد ذهب منه قرآن كثير! ولكن ليقل:قد اخذت منه ما ظهر)((746))!! وربما يكون هذا كله من باب الوهم، وان حمله المتاولون على نسخ التلاوه! وربما يكون هذا كله، ان صح، من الوحى الذى ليس بقرآن، كالحديث القدسى، فتوهم بعضهم انه من القرآن((747)). ومن هذا الباب - الكذب والدس - ما ورد منسوبا الى ائمه اهل البيت عليهم السلام، قال الصدوق: اعتقادنا ان القرآن الذى انزله اللّه تعالى على نبيه محمد(ص) هو ما بين الدفتين، وهو ما فى ايدى الناس، ليس باكثر من ذلك .. ثم قال: (و من نسب الينا انا نقول انه اكثر من ذلك، فهو كاذب)((748))! وهذا كلام صريح بان كل ما وجد من روايات تفيد وقوع التحريف باى نحو كان فهى كاذبه ومدسوسه، حتى لو وجدت باسناد صحيح.

ويويد هذا، ما ثبت عن الشريف المرتضى والشيخ الطوسى، والشيخ الطبرسى، من اتفاق تام مع ما اقره الصدوق، مع مزيد من البرهان عليه((749)).


88

اما ما ذكره بعض المتاخرين من دعوى وقوع التحريف والنقيصه فى القرآن الكريم بعد جمعه، كما هو حال الشيخ النورى (1320 ه ) فى (فصل الخطاب) فهو باطل، وقد رده اهل التحقيق، ويكفى فى رده القول المتقدم من الشيخ الصدوق فى تكذيب كل ما يفيد مثل هذه المعانى، لكن هناك ردود مباشره على كلامه لعل اهمها قول الامام الخمينى: (انما هو ايراد روايات ضعاف اعرض عنها الاصحاب وتنزه عنها اولوا الالباب.. هذا حال كتب روايته غالبا، كالمستدرك، ولا تسال عن سائر كتبه المشحونه بالقصص والحكايات الغريبه التى غالبها بالهزل اشبه منه بالجد، وهو (رحمه اللّه) شخص صالح متتبع، الا ان اشتياقه لجمع الضعاف والغرائب والعجائب وما لا يقبلها العقل السليم والراى المستقيم اكثر من الكلام النافع! والعجب من معاصريه من اهل اليقظه كيف ذهلوا وغفلوا حتى وقع ما وقع مما بكت عليه السماوات وكادت تتدكدك على الارض؟!)((750)). كما تناوله الشيخ معرفه فرده ردا حازما وحادا، وقد تناول معه نعمه اللّه الجزائرى (1112 ه )، وربما بالغ فى قدحهما والنيل منهما، وليس ذلك الا انتصارا للقرآن الكريم والعقيده السليمه((751)).

التفسير والمفسرون:

اهم مصادر التفسير، فى هذا العهد وبعده، هى:

ا - السنه النبويه: فمهمه النبى(ص) لم تنته بالتبليغ، بل امتدت الى البيان ايضا: (وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون)((752)).

(وما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمه لقوم يومنون)((753)).

قال (ص): (الا وانى قد اوتيت الكتاب ومثله معه، الا يوشك رجل شبعان على اريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حرام فحرموه).

فقوله: (اوتيت الكتاب ومثله معه) قيل: فيه وجهان:

احدهما: انه اوتى من الوحى الباطن غير المتلو مثل ما اوتى من الظاهر المتلو.

والثانى: انه اوتى الكتاب وحيا يتلى، واوتى من البيان مثله ((754)). فروى الصحابه ما صدر عنه (ص) من تفسير ومعانى واحكام القرآن.. لكن الذى روى عنه ذلك عدد قليل من الصحابه، وبقى آلاف منهم لم تحفظ لهم عنه روايه لافى التفسير ولا فى غيره، وهذا امر طبيعى راجع الى اختلافهم فى العلم والحفظ، ثم اختلافهم فى مدى ملازمتهم له (ص).

وهذا العدد القليل الذى روى تفسير النبى(ص) هو الاخر مختلف فى الكم ايضا، وللاسباب نفسها.

فحين يقال اذن ان عليا اكثر من عرف عنه التفسير((755))، فهذا امر مالوف يسبق اليه الظن، ويجليه الاستقراء، فهو اكثر الصحابه ملازمه للنبى واختصاصا به، نشا فى بيته، ثم سكن الى جواره، طريقهما الى بيوتهما واحد، هو المسجد النبوى، ليس لهما طريق غيره، هذا الى ما امتاز به على من سبق فى العلم، حتى وصفه النبى بانه (اكثرهم علما)((756)).

ثم عبداللّه بن عباس، ذاك وان كانت صحبته للنبى قصيره، الا ان حافظته النادره، ووعيه الثاقب، ودعاء النبى له (اللهم فقهه فى الدين وعلمه التاويل). وملازمته لعلى بن ابى طالب مده حياته وكثره اخذه عنه، ذلك كله جعله فى المرتبه الاولى بين علماء الصحابه ومفسريهم.

قال ابن عطيه: فاما صدر المفسرين والمويد فيهم، فعلى بن ابى طالب(رضى اللّه)، ويتلوه عبداللّه بن عباس، وهو تجرد للامر وكمله، وقال ابن عباس: (مااخذت من تفسير القرآن فعن على بن ابى طالب)((757)).

ويتلو ابن عباس: عبداللّه بن مسعود، وابى بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبداللّه بن عمرو بن العاص((758)).

كما روى التفسير عن عمر بن الخطاب وابى هريره، وقليل نادر عن آخرين.

ب - تاريخ النزول واسبابه: فهو المصدر الاهم فى معرفه المحاور التى تدور حولها الايات، والنقاط التى تنطلق منها الى ماوراءها، و فى معرفه الناسخ والمنسوخ، ومعرفه التدرج فى الاحكام القرآنيه، وغير ذلك مما لا غنى عنه فى فهم القرآن وتفسيره.

روى ان عليا (ع) كان يقول: سلونى، فواللّه لا تسالونى عن شىء الا اخبرتكم، وسلونى عن كتاب اللّه، فواللّه ما من آيه الا وانا اعلم ابليل نزلت، ام بنهار، ام فى سهل، ام فى جبل((759)).

وروى البخارى نحوه عن عبداللّه بن مسعود، اذ قال: (و اللّه ما من آيه الا و انا اعلم فيم نزلت، وفى من نزلت)((760)).

ج - اللغه: فالقرآن نزل بلغه العرب، فهى اذن ديوان معانيه، وقد اشتهر عند الصحابه تفسير مفردات القرآن بمرادفاتها من لغه العرب، و موارد استعمالها، كما يظهر فى كتاب التفسير فى صحيح البخارى وغيره. وقد توسع فى ذلك ابن عباس كثيرا حتى صار تفسيره اوسع ديوان للتفسير باللغه فى عصر الصحابه((761)).


89

د - القرآن الكريم: وكانو قد عهدوا نبيهم(ص) يفسر بعض اياته بعطفها على آيات اخر، فعندما تلا قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون) شق ذلك على اصحابه، فقالوا: اينا لم يلبس ايمانه بظلم؟! فقال (ص): (انه ليس بذلك، الاتسمع الى قول لقمان لابنه: (ان الشرك لظلم عظيم )؟)((762)). وغيره ايضا. وقد عرف عن الصحابه من هذا شىء كثير، كالمشهور عن على (ع) فى آيات الحمل والفصال، حين اتى عثمان بامراه ولدت لسته اشهر فاراد رجمها، فتلا عليه على(ع) قوله تعالى: ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وقوله تعالى: (وفصاله فى عامين ) قال: بقى بينهما سته اشهر، هى اقصر مده الحمل((763)).

ه - الراى والاجتهاد: فقد اجتهد بعض الصحابه بارائهم فى ما لم يحفظوا فيه نقلا عن النبى(ص)، وربما ظهر القول بالراى والاجتهاد مع وجود السنه، كالمعروف عن عمر فى آيه الفىء((764))، ومتعه النساء ومتعه الحج((765)).

و - الاسرائيليات: آخر مصادر التفسير، اذ ظهر رجوع الى بعض من اسلم من اهل الكتاب، لا سيما فى اخبار الامم الماضيه التى اشار اليها القرآن الكريم اومر عليها مرورا دون الغوص فى تفاصيلها، ويكاد هذا الدور ينحصر فى ما رواه ابو هريره عن كعب الاحبار وعبد اللّه بن سلام.

واشد ما فى هذا الامر هو اختلاط روايه ابى هريره عن كعب بروايته عن رسول اللّه(ص)، اذ حصل هنا اختلاطان:

- اختلط على ابى هريره نفسه، فيقول: قال رسول اللّه، وياتى بروايه كعب، و يقول: قال كعب، وياتى بحديث رسول اللّه((766))! - كما اختلط على تلامذته، فيحدثهم عن رسول اللّه وعن كعب، فيخرجون من عنده فيخلطون هذا بذاك((767))! وربما رد ابو هريره على كعب وابن سلام وخطاهما، لكن الحق ان ذلك نادر جدا، لم يتجاوز الموردين او الثلاثه((768)).

ولم تكن مرويات كعب بالمرضيه عند الصحابه، ولا بعدهم، فقد جاء عن كثير من الصحابه تكذيبه واتهامه فى عقيدته: فقد قال له عمر: لتتركن الحديث، او لالحقنك بارض القرده((769)).

وقال ابن عباس فى بعض احاديث كعب: كذب كعب، اما ترك يهوديته بعد((770))! ونحوه عن ابن مسعود، قال: كذب كعب، ما ترك يهوديته! او قال:

ماتنكت اليهوديه فى قلب عبد فكادت ان تفارقه((771)).

وكذبه حذيفه بن اليمان ايضا فى بعض ما بلغه من حديثه، فقال: كذب كعب((772)). وقد علم المحققون ان كعبا قد (ادخل على المسلمين شيئا كثيرا من الاسرائيليات الباطله والمخترعه، وخفى على كثير من المحدثين كذبه ودجله لتعبده)((773)).

2 - السنه فى ربع قرن:

مدخل فى حجيه السنه:

السنه النبويه الشريفه - قول النبى(ص)، وفعله وتقريره - ثانى مصادر التشريع فى الاسلام، بعد القرآن الكريم.

والسنه بعد ثبوت صدورها عنه (ص)، حجه، وحجيتها ضروره من ضروريات الدين، من جحدها فقد كذب بالدين، وانكر القرآن الكريم، اذ انا لم نعرف ان القرآن الكريم هو كتاب اللّه تعالى الا من قول النبى(ص)، فاذا لم يكن قوله حجه، فلا اثر للقرآن اذن!! وان لم تكن السنه حجه، فلا معنى لجميع العبادات والاحكام التى جاء تفصيلها من طريق السنه فقط، كصوره الصلاه، واحكام الزكاه والصوم وحدودهما، ومناسك الحج، وغيرها من الاحكام التى امر بها القرآن الكريم، ثم جاءت السنه بتفصيلها ووضع حدودها وشرائطها!! فحجيه السنه النبويه اذن من اكبر ضروريات الدين، بلا ادنى نزاع فى ذلك بين المسلمين((774))، بل هى بديهيه لا تخفى على غير المسلمين ايضا.

القران الكريم يثبت حجيه السنه و يلزم حفظها واتباعها:

- قال تعالى: (قل ان كنتم تحبون اللّه فاتبعونى يحببكم اللّه ويغفر لكم)((775)).

- وقال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولى الامر منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه الى اللّه والى الرسول)((776)).

- وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد اطاع اللّه) ((777)).

فاتباع الرسول واطاعته تشمل اتباع سنته قطعا، مع اتباع ما جاء به من القرآن المنزل عليه من ربه، واتباع سنته متوقف على حفظها بداهه، والرد الى الرسول رد الى سنته، وهو متوقف بالكامل على حفظها بداهه.

- وقال تعالى: (وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).

- وقال تعالى: (وما كان لمومن ولا مومنه اذا قضى اللّه ورسوله امرا ان يكون لهم الخيره من امرهم ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)((778)).


90

- وقال تعالى: (فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فى ما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى صدورهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)((779)).

/

وانما يكون حكم اللّه تعالى بيننا من خلال كتابه الكريم وما انزله فيه من احكام، وما يحكم به الكتاب فهو قضاء اللّه تعالى بيننا، والى هذا الامر الواضح يرجع قبول الامام على (ع) بتحكيم كتاب اللّه بينه وبين البغاه .. والامر هكذا مع السنه النبويه، وقد امرنا ان نرد اليها نزاعاتنا وخلافاتنا، فما حكمت به فهو قضاء رسول اللّه، والى هذا الفهم يرجع امر الامام على (ع) لعبد اللّه بن عباس حين بعثه للاحتجاج على الخوارج، حيث امره ان يحاكمهم الى سنه رسول اللّه(ص).. وكل ذلك، صغيره وكبيره، ماضيه وحاضره، رهن بحفظ السنه النبويه المطهره الشريفه.

امر النبى بحفظ السنه:

- قال(ص): (نضر اللّه امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه الى من هو افقه منه)((780)).

- وكان (ص) فى بعض خطبه التى شحنها بالاحكام، من امر ونهى وبيان، يكرر مرارا قوله: (الا فليبلغ الشاهد الغائب) كما هو ظاهر فى خطبته فى حجه الوداع، وفى خطبته بغدير خم.

وغير هذا كثير فى منزله السنه ولزوم حفظها، وهو بديهى ايضا فى شان ثانى مصادر التشريع، المصدر الذى كانت مهمته الاولى التبيين عن المصدر الاول - القرآن - وتفصيله، وترجمه احكامه وتعاليمه فى الواقع المعاش، الامر الذى لا يمكن ايكاله الى مصدر آخر غير النبى(ص) وسنته، فحفظ السنه شرط حفظ الدين كله اذن.

ثم عزز النبى(ص) ذلك بلزوم صيانتها من اى دخيل فى قول او عمل، فقال(ص):

(ان كذبا على ليس ككذب على غيرى، من يكذب على بنى له بيت فى النار).

- (من كذب على فليتبوء مقعده من النار)((781)).

- (من احدث فى امرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)((782)).

- (كل بدعه ضلاله، وكل ضلاله فى النار)((783)).

حصيله واحده:

من قراءه لتلك المقدمات، اى قراءه، وباى اتجاه، سوف نتوقع حصيله واحده، وهى ان تدوين السنه فى عهد النبى(ص) كان امرا مالوفا، يزاوله بعض من قدر عليه من الصحابه، وليس امرا محتملا وحسب.

فهل لهذه الحصيله ما يويدها من الواقع فى ذلك العهد، فتكون حقيقه ثابته، تستوى عندها قراءتنا لتلك المقدمات الصحيحه على قوائمها.. ام الواقع خلاف ذلك، فتبقى تلك المقدمات الصحيحه نظريات عائمه ليس لها قرار؟ هذا ما نقراه فى بحثنا الاساس الاتى، حيث تداخل الارقام، وتعانق الادله، ورجوع الى العهد النبوى، الاصل، بين فقره واخرى.

السنه والتدوين فى ربع قرن:

هنا ثلاث علامات فارقه، اجملها الذهبى، ونفصلها فى نقاط مع مزيد من التوثيق:

الفارقه الاولى-الاحتياط فى قبول الاخبار:

قال الذهبى: كان - ابو بكر - اول من احتاط فى قبول الاخبار ..

ان (الجده) جاءت الى ابى بكر تلتمس ان تورث، فقال: ما اجد لك فى كتاب اللّه شيئا، وما علمت ان رسول اللّه(ص) ذكر لك شيئا! ثم سال الناس، فقام المغيره فقال: حضرت رسول اللّه(ص) يعطيها - اى الجده - السدس. فقال له ابو بكر: هل معك احد؟ فشهد محمد بن مسلمه بمثل ذلك، فانفذه لها ابو بكر((784)). هذا الخبر تضمن فوائد جليله، كان (الاحتياط فى قبول الاخبار) اولها، وثم فائدتان لم يذكرهما الذهبى هما:

ا - فى عداله الصحابى: ان هذا الاحتياط كان ازاء روايه الصحابى عن رسول اللّه مباشره، فالمغيره، الصحابى، كان يروى عن مشاهده قد يصحبها سماع ايضا، يقول: (حضرت رسول اللّه (ص) يعطيها السدس) ومع ذلك كان ابو بكر يحتاط فى قبول روايته، حتى وجد لها شاهدا حضر ذلك او سمعه من رسول اللّه(ص).

وهذا مبدا متين، منسجم مع ما قرره النبى(ص) فى حفظ السنه وصيانتها، و هو مخالف تماما لمبدا (عداله الصحابى) وقبول روايته مطلقا، واعفائه من قواعد الجرح والتعديل.

وسوف نجد ان موقف ابى بكر هذا قد سلكه عمر، وسلكه عثمان، وسلكه على (ع)، سلكوه جميعا ازاء روايه الصحابى عن رسول اللّه(ص) مباشره، ليتضح من هذا كله بمالا شك فيه: ان مبدا (عداله الصحابى) قد ولد متاخرا، ولم يكن له اثر حتى نهايه خلافه على (ع)، بل وبعدها ايضا بزمن غير قليل! قال الخطيب البغدادى فى الرد على من زعم ان العداله هى اظهار الاسلام و عدم الفسق الظاهر: يدل على صحه ما ذكرناه ان عمر بن الخطاب رد خبر فاطمه بنت قيس، وقال: (ما كنا لندع كتاب ربنا وسنه نبينا لقول امراه لا ندرى احفظت ام لا).


91

قال: وهكذا اشتهر الحديث عن على بن ابى طالب انه قال: (ما حدثنى احد عن رسول اللّه (ص) الا استحلفته) ومعلوم انه كان يحدثه المسلمون((785)) ويستحلفهم مع ظهور اسلامهم، وانه لم يكن يستحلف فاسقا ويقبل خبره، بل لعله ما كان يقبل خبر كثير ممن يستحلفهم مع ظهور اسلامهم وبذلهم له اليمين! وكذلك غيره من الصحابه روى عنهم انهم ردوا اخبارا رويت لهم ورواتها ظاهرهم الاسلام، فلم يطعن عليهم فى ذلك الفعل، ولا خولفوا فيه، فدل على انه مذهب لجميعهم، اذ لو كان فيهم من يذهب الى خلافه لوجب بمستقر العاده نقل قوله الينا((786)).. اذن فمبدا (عداله الصحابى) ليس له عين ولا اثر فى عهد الصحابه، وسوف ياتى فى الفقرات اللاحقه مزيد من الشواهد الحيه على ذلك.

ب - فى علم الصحابى: تحدث المغيره هنا عن قضاء النبى فى سهم الجده، وكان قد شهده بنفسه، وتحدث محمد بن مسلمه عن شهوده ذلك القضاء ايضا، فى حين ما زال غائبا عن ابى بكر، ونحو هذا قد حصل مع عمر ايضا، فربما غابت عنه سنه مشهوره، كما فى قصته مع ابى موسى الاشعرى حين حدثه بحديث: (اذا سلم احدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع) فقال له عمر: لتاتينى على ذلك ببينه او لافعلن بك!! فانطلق الى مجلس من الانصار، فقالوا: لا يشهد الا اصاغرنا! فقام ابو سعيد الخدرى فشهد له عند عمر، فقال عمر: خفى على هذا من امر النبى(ص)، الهانى الصفق بالاسواق((787))! فهذه سنه مشهوره كان يتعلمها اصاغر القوم، وقد خفيت عليه..

وكذا غاب عنه حكم السقط، حتى اخبره المغيره ومحمد بن مسلمه بقضاء رسول اللّه(ص)،((788)) وغير ذلك ايضا.

فهذه نافذه مطله على حقيقه واقعه، وهى ان الصحابى ليس بوسعه ان يحيط بجميع السنه، اقوال النبى وافعاله وتقريراته، فمنها ما يغيب عنه فلا يشهده، ولا يسمع به بعد ذلك الا فى نازله كهذه.

وايضا فهم فى ما يشهدوه على تفاوت كبير فى الحفظ والوعى:

قال البراء بن عازب: ما كل الحديث سمعنا من رسول اللّه (ص)، كان يحدثنا اصحابنا، وكنا مشتغلين فى رعايه الابل((789)).

وقال مسروق - التابعى -: جالست اصحاب محمد(ص) فكانوا كالاخاذ((790))، الاخاذه تروى الراكب، والاخاذه تروى الراكبين، والاخاذه لو نزل بها اهل الارض لاصدرتهم، وان عبداللّه - يعنى ابن مسعود - من تلك الاخاذ((791)).

ومسروق ايضا قال: شاممت اصحاب محمد(ص) فوجدت علمهم انتهى الى سته: على، وعمر، وعبد اللّه، وزيد، وابى الدرداء، وابى .. ثم شاممت السته فوجدت علمهم انتهى الى على وعبداللّه((792))! وانهى غيره علم الصحابه الى سته ايضا، هم المتقدمون باعيانهم الا اباالدرداء فقد ابدله بابى موسى الاشعرى، ثم انهى علم السته الى على وعمر((793)).

وخلاصه القول عند ابن خلدون: ان الصحابه كلهم لم يكونوا اهل فتيا، ولا كان الدين يوخذ عن جميعهم، وانما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالاته، بما تلقوه من النبى(ص) او ممن سمعه منهم وعن عليتهم، وكانوا يسمون لذلك: (القراء) لان العرب كانوا امه اميه((794)).

الفارقه الثانيه-المنع من التحديث:

قال الذهبى: ان الصديق جمع الناس بعد وفاه نبيهم، فقال انكم تحدثون عن رسول اللّه(ص) احاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم اشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سالكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه((795))! فهنا اكثر من مشكله ظاهره، منها:

ا - ما يعود الى (عداله الصحابى) فيعزز ما ذكرناه آنفا.

ب - ظهور الاختلاف بين الصحابه فى نقل السنه، الى القدر الذى دعا ابابكر الى منعهم من ذكر شىء من حديث رسول اللّه(ص).

لكن هناك من الاختلاف ما لا ضير فيه، كاختلاف اللفظ مع حفظ المعنى تاما، كحديث (من كذب على فليتبوء مقعده من النار) ويروى (من قال على ما لم اقل فقد تبوا مقعده من النار) فهما شىء واحد وان اختلف اللفظ، وليس فى هذا محذور بلا خلاف، والحديث كله قد يكون عرضه لهذا، اذ الغالب ان الصحابى انما يسمع الحديث من النبى(ص) مره، فاذا نقله من حفظه بعد زمن غير يسير، فهو عرضه لاختلاف اللفظ، وليس هذا مطردا فى كل الاحوال، فرب لفظ اذا تبدل باخر فقد بعض دلالته، او جاء اللفظ بدلاله زائده لم تكن من الحديث! وهناك اختلافات اخرى خطيره، مصدرها وهم الصحابى او نسيانه، او سماعه طرفا من الحديث فقط، ونحو ذلك، ولقد رد كثير من الصحابه اختلافات ظهرت من هذا النوع، فمن ذلك:


92

- حديث عمر وعبداللّه بن عمر: (ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه) فردته عائشه، فقالت: انكم تحدثون عن غير كاذبين ولكن السمع يخط ىء، واللّه ما حدث رسول اللّه ان اللّه يعذب المومن ببكاء اهله عليه! حسبكم القرآن (ولاتزر وازره وزر اخرى) انما قال: (انه ليعذب، بخطيئته وذنبه، وان اهله ليبكون عليه).

وقد استدركت عائشه كثيرا على احاديث ابن عمر وابى هريره وانس بن مالك وغيرهم، جمعها الزركشى فى كتاب اسماه (الاجابه لايراد ما استدركته عائشه على الصحابه).

- ورد الزبير رجلا كان يحدث عن رسول اللّه(ص)، فقال له:

انت سمعت هذا من رسول اللّه؟ قال الرجل: نعم.

قال الزبير: هذا واشباهه مما يمنعانى ان اتحدث عن النبى! قد لعمرى سمعت هذا من رسول اللّه، وانا يومئذ حاضر، ولكن رسول اللّه ابتدا بهذا الحديث فحدثناه عن رجل من اهل الكتاب، فجئت انت بعد انقضاء صدر الحديث، فظننت انه حديث رسول اللّه((796))! - ومن هذا الصنف ما تقدم فى اختلاط احاديث ابى هريره عن النبى(ص) باحاديثه عن كعب الاحبار.

- ومنه قول عمران بن حصين: (و اللّه ان كنت لارى انى لو شئت لحدثت عن رسول اللّه يومين متتابعين، ولكن بطانى عن ذلك ان رجالا من اصحاب رسول اللّه(ص) سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما شهدت، ويحدثون احاديث ما هى كما يقولون! واخاف ان يشبه لى كما شبه لهم، فاعلمك انهم كانوا يغلطون - وفى روايه يخطئون - لا انهم كانوا يتعمدون)((797)).

هذه نبذه عن اختلاف الصحابه فى الحديث، الذى سيكون سببا فى اختلافات اكبر حين ينتقل الى المواضيع المستفاده من الحديث، فى العقيده والفقه والتفسير، وغيرها من نواحى المعرفه، وهذه كلها سوف تكون بلا شك محاور نزاع الاجيال اللاحقه، وهذا ما رآه ابو بكر، فلجا الى قراره الاخير فى المنع من الحديث والاكتفاء بالقرآن.

لكن هل كان المنع من روايه الحديث النبوى ومن الرجوع اليه فى الفتيا هو الحل الامثل لهذه المشكله ؟هذا على فرض كونه من صلاحيات الخليفه،وان الخليفه مخول ان يوقف السنه النبويه متى شاء، روايه وفتيا، وتدوينا ايضا كما سياتى! اما اذا كان هذا كله فوق الخليفه وصلاحياته، فثمه ما ينبغى التوقف عنده طويلا اذن! وفى جميع الاحوال يتردد السوال: هل كان المنع من روايه الحديث النبوى واعتماده فى الفتيا، هو الحل الامثل لهذه المشكله؟

ج - والمشكله الثالثه التى يثيرها حديث ابى بكر، هى: ما سيعقب قرار المنع من ضياع لبعض السنن، كثيرا كان او قليلا! خصوصا حين يمضى الامر هكذا لعده سنين.

- فى عهد عمر:

استمر هذا المنع من الحديث زمن عمر كله، ولم يقتصر حكمه على ابى هريره وكعب الاحبار اللذين اتهمهما فى الحديث، وتوعدهما بالطرد الى ديارهما الاولى ان هما لم يكفا عن الحديث..

بل سرى الى رجال من خيار الصحابه، فيهم: عبداللّه بن مسعود، وابو الدرداء، وابو مسعود الانصارى، فقال لهم: قد اكثرتم الحديث عن رسول اللّه! فحبسهم فى المدينه((798)).

وسرى ايضا الى امرائه، فقد كان ياخذ عليهم العهد باجتناب الروايه عن رسول اللّه(ص)، وربما بالغ فى هذا فمشى مع عماله بعض الطريق يودعهم، ثم يذكر لهم انه انما خرج معهم لاجل هذه الوصيه: (انكم تاتون اهل قريه لهم دوى بالقرآن كدوى النحل، فلا تصدوهم بالاحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن، واقلوا الروايه عن رسول اللّه، وانا شريككم).

فلما قدم بعضهم العراق قالوا له حدثنا. قال: نهانا عمر((799)). حتى توفى عمر على هذه السيره آخر سنه 23 ه .

وهذه السيره ايضا جاءت على خلاف الحديث الذى رواه ابو موسى الغافقى عن رسول اللّه (ص) انه قال: (عليكم بكتاب اللّه وسترجعون الى قوم يحبون الحديث عنى - او كلمه تشبهها - فمن حفظ شيئا فليحدث به، ومن قال على مالم اقل فليتبوء مقعده من النار) وقال ابو موسى: هذا آخر ما عهد الينا رسول اللّه(ص)((800))!

- وفى عهد عثمان:

خطب الناس، فقال: (لا يحل لاحد يروى حديثا لم يسمع به فى عهد ابى بكر ولافى عهد عمر، فانه لم يمنعنى ان احدث عن رسول اللّه ان لااكون من اوعى اصحابه، الا انى سمعته يقول: من قال على ما لم اقل فقد تبوا مقعده من النار)((801)). لكن عثمان لم يتبع شده عمر وسيرته فى هذا الامر، فاطلق الصحابه الذين حبسهم عمر فى المدينه، وقد ذكر فيهم مع ابن مسعود وابى الدرداء وابى مسعود الانصارى، ثلاثه آخرون، هم:


93

صادق اللهجه ابو ذر، وعبداللّه بن حذيفه، وعقبه بن عامر، فكل هولاء لم يلتزموا امر عمر فى ترك الروايه عن رسول اللّه(ص)((802)).

لنعرف من ذلك ان قرار المنع لم يكن اجماعا، وانما كان رايا يراه الخليفه فيحمل الصحابه عليه، ثم لم يكن جميعهم ممن استجاب لهذا الامر وتقيد به، فكان تمردهم هذا سببا فى حفظ الكثير من السنن التى قد يطالها النسيان حين تاتى عليها السنون وهى فى ط ى الكتمان.

د - حديث المنع والنبوءه الصادقه: وآخر المشكلات وربما اخطرها دلاله، اننا نجد فى هذا النص المنقول عن ابى بكر، اول ظهور لتلك النبوءه الصادقه التى اخبر بها النبى الاعظم(ص) فى تحذيره الخطير وقوله الشهير: (يوشك الرجل متكئا على اريكته، يحدث بحديث من حديثى، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه! الا وان ما حرم رسول اللّه مثل ما حرم اللّه)((803)). انظر ثانيه فى نص حديث ابى بكر: (... فلا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سالكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه)! انه ظهور مبكر جدا لتلك النبوءه، ولقد كان حديث النبى(ص) يشعر بقرب ظهورها، اذ استهل الحديث بقوله: (يوشك) ولم يقل: (ياتى على الناس زمان) كما فى اخباره عن الغيب البعيد((804)). الفارقه الثالثه

-منع تدوين الحديث:

قالت عائشه: جمع ابى الحديث عن رسول اللّه(ص)، وكانت خمسمائه حديث، فبات ليلته يتقلب كثيرا، فلما اصبح قال: اى بنيه، هلمى الاحاديث التى عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها! فقلت: لم احرقتها؟ قال: خشيت ان اموت وهى عندى فيكون فيها احاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثنى، فاكون قد نقلت ذاك((805))! لكن هذه الحيطه وهذه الدقه ينبغى ان لا تتجاوز احاديث سمعها من بعض الصحابه يحدثون بها عن رسول اللّه(ص)، كما هو صريح فى قوله: (فيكون فيها احاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثنى)((806)).

اما الاحاديث التى سمعها هو مباشره من النبى(ص) فهى فى منجاه من ذلك، الا ان يقال انه لم يميز بين ما سمعه هو مباشره وبين ما نقل له، وهذا غير وارد، وحتى لو حصل مع بعضها فلا يمكن حصوله مع جميعها حتى لم يعد يعرف حديثا واحدا سمعه من فم النبى(ص)! فلماذا اوقع الحرق على الجميع؟! لعل هذا الاضطراب هو الذى حمل الذهبى على تكذيب الخبر، فقال: فهذا لا يصح، واللّه اعلم.

فاذا لم يصح هذا،فلم يثبت عن ابى بكر غيره فى شان تدوين الحديث النبوى الشريف، الا ما ورد فى كتابته بعض كتب النبى(ص)، والتى ضمنها جمله من السنن،ككتاب فرائض الصدقه - الزكاه - الذى كتبه ابو بكر الى عماله فجعل اوله: (ان هذه فرائض الصدقه التى فرض رسول اللّه(ص) على المسلمين،التى امر اللّه بها رسول اللّه(ص) فمن سئل من المسلمين على وجهها فليعطها...) الكتاب((807)).

فهذا يعنى ان تدوين الحديث على اصل الاباحه، وهى مستفاده حتى من الحديث الاول على فرض صحته، فمبادره ابى بكر بجمع الحديث وتدوينه فى كتاب دليل على انه لم يعرف فيه الا الاباحه، ثم لما حرقه لم يكن حرقه لورود النهى عن كتابه الحديث، وانما لخشيه تطرق الوهم اليه..

ومضى الامر على هذه الحال حتى جاء عمر، فاراد ان يكتب السنن، فاستفتى اصحاب النبى(ص) فى ذلك، فاشاروا عليه بان يكتبها، ثم بدا له ان لايكتبها .. ثم بعث الى الامصار: من كان عنده شىء فليمحه((808))! وحدث مالك بن انس: ان عمر بن الخطاب اراد ان يكتب هذه الاحاديث، او كتبها، ثم قال: لا كتاب مع كتاب اللّه((809))! هذه ايضا ادله كافيه على عدم ورود شىء فى النهى عن تدوين السنه، والا لما هم عمر بكتابتها، واستشار الصحابه فاجمعوا على كتابتها.

فما كان المنع اذن الا براى رآه عمر، ولم ينسبه الى النبى(ص).

وراح الصحابه من وراء الخليفه يكتبون الحديث والسنن، ما سمعوه من النبى(ص) وما حدثهم به اخوانهم عنه (ص)، حتى كثرت عندهم الكتب((810))، فبلغ خبرها عمر، فقام فيهم خطيبا، فقال: (انه قد بلغنى انه قد ظهرت فى ايديكم كتب، فاحبها الى اللّه اعدلها واقومها، فلا يبقين احد عنده كتابا الا اتانى به، فارى فيه رايى). فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا يكون فيه اختلاف، فاتوه بها، فاحرقها بالنار((811))! كتابه السنه تصدعن القران !! تلك هى اهم الحجج التى تمسك بها المانعون من تدوين السنه، ومن روايه الحديث ايضا، خشيه ان يشغلهم ذلك عن القرآن، كما انشغل اهل الكتاب بكتب احبارهم عن كتاب ربهم((812))! لكن هل يصح ذلك، وما السنه، بالدرجه الاولى، الا تبيانا للقرآن وتفصيلا لاحكامه؟! نترك الجواب للصحابى الفقيه الذى بعثه عمر بن الخطاب الى البصره يفقه اهلها، عمران بن حصين((813)): كان عمران بن حصين جالسا ومعه اصحابه، فقال له رجل: لا تحدثونا الا بالقرآن.


94

فقال عمران: ادنه! فدنا منه((814))، فقال له: ارايت لو وكلت انت واصحابك الى القرآن اكنت تجد فيه صلاه الظهر اربعا، وصلاه العصر اربعا، والمغرب ثلاثا تقرا فى اثنتين؟! ارايت لو وكلت انت واصحابك الى القرآن اكنت تجد الطواف بالبيت سبعا،و الطواف بالصفا والمروه؟! ثم قال: اى قوم، خذوا عنا، فانكم واللّه ان لاتفعلوا لتضلن((815))! - والتابعى ايوب السختيانى كان يقول: (اذا حدثت الرجل بالسنه، فقال: دعنا من هذا وحدثنا بالقرآن. فاعلم انه ضال مضل)((816))! - وقال مكحول والاوزاعى: (الكتاب احوج الى السنه، من السنه الى الكتاب)((817)).

ولعل هذا من الواضحات التى ينبغى الا ينازع فيها.

وبعد ذلك فان السنه انما تدعو الى القرآن: تلاوته، والتدبر فيه، وفهمه، والائتمام به باتباع امره وارشاده، وتحذر من تركه ومخالفته ومجافاته.

فليست اذن بشاغله عن القرآن، ولا لقارىء القرآن عنها غنى.

اذن ثمه فرق كبير بين موقع السنه من القرآن وبين موقع كتب الاحبار والرهبان من التوراه والانجيل! - ومما يثير الدهشه والاستفهام، انه فى الوقت الذى كان يشدد فيه على المنع من روايه الحديث بحجه شغل القلوب بالقرآن وحده، كانت تصدر فى الوقت ذاته وصايا بتعلم الشعر والاهتمام به! فقد كتب عمر الى ابى موسى الاشعرى - عامله على البصره - ان يامر اهلها بروايه الشعر (فانه يدل على معالى الاخلاق) وابلغ منه ما كتبه الى المغيره فى الكوفه، يامره بجمع كل ما انشده شعراوها فى الجاهليه والاسلام((818))! ترى والحديث النبوى، الا يدل على صواب فهم القرآن ومعرفه الاحكام والسنن ومعالى الاخلاق؟! وايما اشغل للناس عن القرآن ومعرفته، روايه الحديث، ام روايه الشعر؟! الا يثير هذا استفهاما لا تحمل له كل اخبار المنع من التدوين وما قيل فى تبريرها جوابا؟! اهو مجرد تناقض بين قولين، ام الامر كما وصفه بعض المحققين، حين راى ان السبب الحقيقى لمنع روايه الحديث هو صد الناس عن احاديث تذكر بحقوق اهل البيت عليهم السلام ومنزلتهم، لما فى تذاكرها وتداولها من آثار غير خافيه على الخليفه((819))! فلنقل اذن ان (مصلحه امن الدوله) هى التى اقتضت منع روايه احاديث النبى(ص)، وليس شيئا آخر تعود فيه التهمه الى الحديث النبوى نفسه، كما فى هذا العذر الذى راى الحديث يصد عن القرآن .. او تعود فيه التهم والطعون على القرآن الكريم نفسه، كما فى العذر الاخر، الاتى:

اختلاط السنه بالقرآن:

هو ثانى اهم الحجج التى فسر بها المنع من تدوين السنه ((820)). فاذا كان فى الصحابه من يقع فى مثل هذا الوهم، كالذى حصل فى دعاء الخلع، ودعاء الحفد، وسنه الرجم، وعدد الرضعات او غيرها((821)).. فان هذا كله قد حسمه جمع القرآن فى المصحف المرتب، وقد حصل هذا مبكرا جدا بعد وفاه الرسول(ص)، فلم يبق بعد ذلك ادنى قيمه لوهم يحصل من هذا النوع، فهذه الاوهام المنقوله فى الصحاح والسنن عن بعض الصحابه، لم توثر شيئا، ولا زادت فى القرآن ولا نقصت منه.

اما اذا حصل الوهم والخلط بعد جيل الصحابه، فهو اولى ان يهمل ولايعتنى به.

ان التمسك بمثل هذه الشبهه يوقع اصحابه باكثر من تناقض:

- فمره يناقضون ما سلموا به من انتهاء جمع القرآن فى مصحف على اتم صوره، وعلى شرط التواتر..

- ومره يناقضون ما سلموا به من اعجاز القرآن، وان الحديث النبوى ليس معجزا، بل ولا الحديث القدسى معجز.

- ومره يناقضون ما احتجوا به لسلامه القرآن من ادنى تغيير او تحريف، من قوله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) فكيف يخشون اختلاط الحديث بالقرآن، وقد نزلت هذه الايه قبل هذا العهد، تقول لهم: اكتبوا احاديث نبيكم، واكتبوا العلم ولا تخشوا اختلاط ذلك بالقرآن، لانا (نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)! ومهما كان فلا تنجو هذه الحجه من ان تمس سلامه القرآن الكريم، وهذا ما لا يريده اصحابها بحال، ولكن اوقعهم به من حيث لا يشعرون دفاعهم عن هذه السيره وما راوه من لزوم تبريرها، والحق انه ليس شىء من ذلك بلازم، فما كل راى يتخذه صحابى يلزمنا تبريره والدفاع عنه، ولا كل قرار يتخذه الخليفه كذلك.

خلاصه ونتائج:

من هذه القراءه السريعه لتاريخ السنه فى ربع قرن تحصل ان السنه فى هذا العهد كانت تواجه معركه حقيقيه متصله الحلقات:


95

- فالرجوع اليها فى الفتيا قد صدر فيه المنع مبكرا.

- والتحدث بها ونشرها لمن لم يسمعها صدر فيه اكثر من قرار بالمنع.

- ومن عنى بالحديث ونشره صدر بحقه قرار الحبس فى المدينه مع الانذار والتهديد.

- وما كتب منها تعرض للحرق والاتلاف، دون تمييز بين الاحكام والفرائض وبين الاداب والمفاهيم والعقائد، فكان الحرق والاتلاف يقعان على الكتاب بمجرد العثور عليه، دون ادنى نظر فيه، كما مر عن عمر فى ما جمعه من كتب الحديث التى كتبها بعض الصحابه، وكما روى عن عبد اللّه بن مسعود فى كتاب جمع شيئا من احاديث النبى(ص) فى اهل البيت:

عبدالرحمن بن الاسود عن ابيه، قال: جاء علقمه بكتاب من مكه اواليمن، صحيفه فيها احاديث فى اهل البيت، بيت النبى(ص)، فاستاذنا على عبد اللّه فدخلنا عليه فدفعنا اليه الصحيفه، فدعا الجاريه ثم دعا بطست فيه ماء، فقلنا له: يا ابا عبد الرحمن، انظر، فان فيها احاديث حسانا.. فجعل يميثها فيها ويقول: (نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن) القلوب اوعيه فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه((822))!! لكن ثبت عن ابن مسعود موقف آخر من التدوين فى خلاف هذا، اذ اخرج ابنه عبدالرحمن كتابا وحلف انه خط ابيه بيده((823)). ويمكن حمل هذا التناقض بين الموقفين على اكثر من وجه، منها: انه قد عدل عن رايه، فاجاز الكتابه وكتب بنفسه بعد ان كان يمنع من ذلك.. ومنها: ان يكون قد كتب لنفسه خاصه لاجل ان يحفظ فلا ينسى .. ومنها: ان يكون واثقا بحفظه وصحه ما يكتبه، شاكا بضبط غيره، الى حد جعله كالمتيقن من تسرب الوهم والغلط اليهم، ذلك لشده اعتداده بضبطه، كما هو شانه المعروف فى القرآن الكريم اذ كان قد غضب غضبا شديدا على عثمان حين اسند مهمه جمع القرآن الى زيد بن ثابت ولم يسندها اليه، فكان يقول: ولقد قرات من فى رسول اللّه (ص) سبعين سوره وزيد له ذوابه يلعب مع الغلمان)((824))! .. ومنها: ان يكون موقفه من تلك الصحيفه التى اماثها عائدا الى موضوعها، فهى صحيفه خاصه باحاديث فى اهل البيت (ع)، فاماثها لاجل اختصاصها بهذا الموضوع وليس لكونها كتابا فى الحديث النبوى !! لكن هذا اضعف الوجوه حين ينسب الى عبداللّه بن مسعود الذى ورد عنه حديث كثير فى فضائل اهل البيت (ع)، بل اثبت فى مصحفه: (ياايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك - ان عليا مولى المومنين - وان لم تفعل فما بلغت رسالته)((825)).

ومنها: وهو الارجح والاظهر، ان يكون معتقدا جواز التدوين، فكتب بنفسه، وهو فى الوقت ذاته متحفظ من نشر كتب الحديث لعله كان يراها، وقد افصح عنها فى حديثه المتقدم بقوله: (القلوب اوعيه فاشغلوها بالقرآن ولاتشغلوها بما سواه) ولاجله اتلف الكتاب الذى رآه. وهذا ظاهر من نص كلام ابنه حين اخرج كتابا واقسم انه من خط ابيه بيده، فلو لم يكن المشهور عن ابيه المنع من الكتابه لما اضطر الى القسم، ولو لم يكن ابوه يجيز الكتابه لما كتب بنفسه واحتفظ بكتابه حتى صار الى ولده من بعده، ولما اقسم ولده على ذلك.

واى واحد من هذه الوجوه الخمسه تختار تجده كاشفا عن قناعه ابن مسعود بان الاصل فى السنه جواز التدوين، وانما كان المنع قد صدر منه لراى رآه، وليس بامر من النبى(ص).

اسئله تواجه الموقف من السنه:

ولو رضينا بكل ما قيل فى تبرير هذه السياسه والاعتذار عنها، فهل ستجيب تلك التبريرات على بضعه اسئله تطرحها هذه الحاله؟ ومن هذه الاسئله:

1 - لماذا السنه: هل ترك النبى سنته للحرق والاتلاف، ام تركها نورا وتبيانا وهدى ودستورا؟!

2 - منزله السنه: هل يحق للصحابه مجتمعين تطويق السنه النبويه ومحاصرتها بهذه الطريقه او بما هو ادنى منها؟!

3 - الامانه على السنه: هل وجد الصحابه الذين واجهوا السنه بهذه الطريقه، او الذين تحفظوا عن روايتها خشيه الوهم، هل وجدوا انفسهم مستامنين على السنه النبويه وحفظها وصيانتها ونشرها وتعليمها لمن لم يعلم، وتبليغها لمن يبلغه منها الا القليل فى عصرهم، ولمن لم يبلغه منها شىء من الاجيال اللاحقه؟!

4 - السنه لمن: هل الاجيال اللاحقه ملزمه بهذه السنه النبويه بكاملها، ام كانت السنه خاصه بجيل الصحابه ليحتفظوا بها لانفسهم، عن طريق التورع عن الحديث، او سدا لباب الاختلاف فى الروايه، او خشيه الانشغال عن القرآن، اوخشيه الهلاك كما هلك اهل الكتاب؟!


96

5 - حفظ السنه: اليس المرجح ان تنتهى هذه السياسه الى ضياع اشياء من السنه النبويه؟! لقد قيل فى تبرير قله الروايه عن بعض الصحابه: ان وفاتهم كانت مبكره، ولو عاشوا الى عصر نشاط التابعين واهتمامهم بجمع الحديث لظهر منهم حديث كثير.

وهذا بالنظره الاولى لعله يكون مقبولا، لكن حين نراه يقال فى رجال كانوا فى حياتهم يمنعون من روايه الحديث، ويمتنعون عن تدوينه وربما يمنعون عنه ايضا، عندئذ سنجده اعتذارا حاول ان يلقى باللائمه على القدر! دون ان يدفع من المشكله القائمه شيئا، بل هو تاكيد وتثبيت لها.

فالذى قيل فى ابى بكر - مثلا -: (انما لم يرو عنه من الاحاديث المسنده الاالقليل، لقصر مدته، وسرعه وفاته بعد النبى(ص)، والا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا...)!((826)) فهذا صريح بان احاديث كثيره جدا قد ضاعت بوفاه ابى بكر، وكذا مع غيره من الصحابه((827))، وربما يكون بعض هذا المضاع قد رواه غيره من الصحابه، لكن روايه ابى بكر - مثلا - له سترفعه من درجه الغريب الى درجه اعلى، وربما رفعته من مرتبه الاحاد الى مرتبه التواتر، من هنا كان ترك التدوين سببا فى ندره المتواتر من الحديث، حتى صرح بعضهم بعدمه! مع ما فى هذا الادعاء من مبالغه ظاهره((828)).

اما تعليل ذلك بسرعه الموت، ففيه امران:

الامر الاول: ان بوسع ابى بكر ان يكتب ما حفظه من الحديث ما دام حيا، ولقد باشر ذلك فعلا فدون خمسمئه حديث، لكنه لم يصبح حتى افناها حرقا! والامر الثانى: كان بوسعه ان يدعو الصحابه الى كتابه ما لديهم، ثم يشكل شورى واسعه من حفاظهم وعلمائهم ليضبطوا ذلك كله، لكنه ليس فقط لم يصنع هذا، بل حال دونه، كما حال دونه عمر، وبالغ جدا حين جمع ما كتبه بعض الصحابه فافناه بالنار! اذن لم يكن اولئك الصحابه رضى اللّه عنهم يشعرون بانهم كانوا امناء على السنه النبويه مستحفظين عليها، يلزمهم جمعها وحفظها وتبليغها لمن وراءهم، ذلك، وليس القدر وحده هو المسوول! واذا كان اللّه تعالى قد اخترم اعمارهم قبل تمام الانتفاع بعلمهم وادائهم ما يحملونه من السنن، فلم يكن اللّه تعالى بالذى يضيع دينه وسنه نبيه الذى لا ينطق عن الهوى، تلك السنه التى اوحاها الى نبيه تبيانا لشريعته وتفصيلا لاحكامها وآدابها، واذا كان ذلك كذلك فقد ضمن اللّه تعالى لسنه نبيه من يحفظها، ولم يكلها الى رجال لم يبذلوا فى حياتهم ما فى وسعهم لاجل حفظها مجموعه، ولا الى رجال وقفوا دون ذلك لعذر او لاخر وهذا اول ما ينبغى التسليم به، انسجاما مع الايمان بضروره حفظ هذه الرساله، خاتمه رسالات السماء! 6 - صيانه السنه: كان توقف تدوين الحديث فى عصر الصحابه سببا مباشرا فى مشكله اكبر خطرا، وهى مشكله الوضع فى الحديث، حيث وجد الوضاعون الابواب مشرعه امامهم ليدسوا ما يحلوا لهم من اكاذيب وينسبونها الى الصحابه الذين لم تدون احاديثهم مجتمعه.

فكان هذا سببا فى فتن واختلاف كبير((829))، لا يقاس اليه اكبر اختلاف كان قد يظهر بين الصحابه فى متن حديث، او نسخه، او نحو ذلك، مما رآه ابو بكر والزبير وعمران بن حصين عذرا يمنعهم من تدوينها او روايتها.

- قال ابن ابى العوجاء لما قدم ليضرب عنقه على الزندقه: واللّه لقد وضعت فيكم اربعه آلاف حديث، احرم فيها الحلال، واحل فيها الحرام!((830)) - قال حماد بن زيد: وضعت الزنادقه على النبى (ص) اربعه عشر الف حديث!((831)) - ذكر البخارى انه يحفظ مئه الف حديث صحيح، ومئتى الف حديث غير صحيح!!((832)) فلو قدر للحديث ان يجمع ويحفظ لكان الباب اضيق بكثير على الوضاعين، ان لم يكن قد يوصد بوجوههم الى الابد. 7 - فى مرجعيه الصحابه: فكل الفروع المتقدمه تلتقى هنا..

فحين لم يجد كثير من الصحابه انفسهم مستحفظين على السنه النبويه المطهره، ولا بذلوا قصارى الجهود فى جمعها وحفظها.. فاما ان يكون مصير بعضها النسيان والضياع، واما ان يكون النبى(ص) قد وضع من الضوابط ما يضمن حفظها، ان كان لا يريد لها الضياع.

وحين كان النبى، بديهه، لا يريد لسنته الضياع، ولم تكن السنه خاصه باهل الجيل الاول دون سواهم، فلا بد من مستحفظ عليها، يسند اليه حفظها وصيانتها، اهلا لهذه المهمه، معززا بشىء من نصوص الشريعه الهاديه الى هذا المعنى.


97

هذا ما سوف تكشفه بحوث لاحقه.

اما ما وصفه ابن القيم من حال الصحابه عامه، بقوله: (و القوا الى التابعين ما تلقوه من مشكاه النبوه خالصا صافيا، وكان سندهم فيه عن نبيهم(ص)، عن جبريل، عن رب العالمين، سندا صحيحا عاليا، وقالوا: هذا عهد نبينا الينا وقد عهدناه اليكم، وهذه وصيه ربنا وفرضه علينا وهى وصيته وفرضه عليكم)((833)). اما هذا الكلام فهو الوصف الامثل لما كان ينبغى ان يكون عليه عهد الصحابه عامه وشانهم، وليس هو من وصف الحقيقه الواقعه التى لمسها ابن القيم وغيره فى شىء، وقد رايناكم بذلوا من الجهود من اجل الاعتذار للصحابه وتبرير امتناعهم روايه احاديث رسول اللّه (ص) وتدوينها، ومنعهم من ذلك بشتى الاساليب! لم يكتبوها، ولم يحدثوا بها، كما رايناه فى شان بعض مشاهيرهم، لانهم لم يكونوا يدركوا ان تلك مسوليتهم، ولا راوا ان ذلك من عهد النبى اليهم ليعهدوا به الى التابعين..

- كان عبد اللّه بن عمر، الذى تاخرت وفاته الى سنه 74 ه ، اذا ساله بعض التابعين، يقول: (اياكم عنى، فانى كنت مع من هو افقه منى، ولو علمت انى ابقى حتى يفتقر الى لتعلمت لكم)((834)). - وقال بعض التابعين، كنت اجلس الى عبد اللّه بن مسعود حولا، لا يقول: قال رسول اللّه(ص)! فاذا قالها استقلته الرعده، وقال: هكذا، او نحو ذا، اوقريب من ذا، او.. او((835)).

فعبد اللّه بن مسعود، المعدود فى اكابر علماء الصحابه، يجلس اليه التابعون حولا لا يسمعون منه شيئا من حديث الرسول(ص)، الانادرا! يصرفه عن ذلك شده الورع وخشيه الوهم والاختلاف. والنتيجه واحده: انه لم يكن يعتقد انه يحمل عهدا من النبى ووصيه بنقل احاديثه الى التابعين.

- وهذا بعينه منطبق على الزبير وعمران بن حصين وغيرهم ممن حبس الحديث خشيه الاختلاط.

- وزيد بن ارقم، كان اذا اتاه التابعون فقالوا: حدثنا عن رسول(ص)، قال: (كبرنا ونسينا)((836)).

هذه صوره بعض الذى كان، اما ما وصفه ابن القيم فهو الذى كان ينبغى ان يكون عليه علماء الصحابه، فلما لم يتحقق ذلك كانت النتيجه التى رآها جل العلماء شاخصه بين اعينهم، حتى تمنوا لو ان القدر امهل الصحابه عقودا اخر من السنين ليبثوا كل ما لديهم من الحديث او معظمه! لكن الامر لا ينبغى ان يكون كذلك، فاللّه تعالى حين اوحى بالسنه الى نبيه المصطفى خاتم الانبياء (ص) كان يريد لها ان تبقى دينا و دستورا الى جنب القرآن الكريم..

والنبى(ص) حين بث سنته واحاديثه لم يرد لها النسيان والضياع من بعده.. فلابد من مستحفظين عليها يعتقدون ان لزاما عليهم حفظها واداوها.

وهذا ما يضعنا امام قراءه واعيه للحديث النبوى المعروف لدى سائر المسلمين: (انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى: كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض) ومصاديقه الايجابيه الثابته تكشفها بحوث لاحقه.

مقولات فيها مصادره:

- الاستاذ الدكتور نور الدين عتر / منهج النقد فى علوم الحديث.

- محمود ابو ريه / اضواء على السنه المحمديه.

- الدكتور محمد سلام مدگور / مناهج الاجتهاد فى الاسلام.

الدكتور نور الدين عتر: نسب منع تدوين السنه الى اجماع الصحابه ! فبعد ان نقل رغبه عمر فى التدوين اولا، واستشارته الصحابه واشارتهم عليه بالتدوين، ثم تبدل راى عمر، قال: وقد اعلن عمر هذا على ملا من الصحابه رضوان اللّه عليهم، واقروه، مما يدل على استقرار امر هذه العله فى نفوسهم ((837))! وهذا القول ناشى عن رويه مثاليه اولا،وفيه مصادره لاراء الصحابه ثانيا:

فالرويه التى تصور سكوت الصحابه، امام اى قرار تصدره الخلافه، على انه اجماع اقرارى، رويه مثاليه، وهذا الخبر هو واحد من اهم الادله على ذلك، فقبل شهر واحد فقط من صدور هذا القرار كانوا قد اعطوا رايهم المويد لتدوين السنه بالاجماع، ولم يظهر فى ذلك ادنى خلاف حتى صدر قرار الخليفه بعكسه، فبعد ان اعطوه الراى ثم عزم على خلافه فلا محل اذن للمعارضه.

واذا زعمنا ان سكوتهم كان اقرارا كاشفا عن الاجماع، فما هى قيمه اجماعهم السابق على خلافه؟! هل سيبقى هذا التصور على شىء من قيمه (اجماع الصحابه)؟! لا فى هذه المساله وحدها، بل فى كل مساله ! وثمه دليل عملى على اقرار الصحابه بقرار المنع:


98

لقد راحوا من وراء الخليفه يكتبون الحديث والسنن، حتى كثرت عندهم الكتب، فوصل خبرها الى عمر، فقام فيهم خطيبا، فقال: (ايها الناس، انه قد بلغنى انه قد ظهرت فى ايديكم كتب، فاحبها الى اللّه اعدلها واقومها، فلا يبقين احد عنده كتابا الا اتانى به، فارى فيه رايى).

فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا يكون فيه اختلاف، فاتوه بها، فاحرقها بالنار((838))! فما زال الصحابه اذن عند اجماعهم الاول، وما زال عمر عند رايه المخالف.

محمود ابو ريه: خلص الى اثبات النهى عن تدوين السنه، وانصياع الصحابه لهذا انصياعا تاما، ليقضى على السنه كلها بالضياع، ولم يبق منها الا حديثين صحا عنده، وبلغا التواتر، وهما: حديث النهى عن التدوين، وحديث! (من كذب على فليتبوا مقعده من النار) موكدا عدم ورود كلمه (متعمدا) فى هذا الحديث، ليجعل من الكذب عليه روايه الحديث بالمعنى! متمسكا بادله حاكمه عليه، لا له((839)).

فكل ما ورد عن ابى بكر وعمر والصحابه فى عهديهما كان صريحا جدا بعدم ورود النهى عن تدوين السنه من قبل النبى (ص).. اضف الى ذلك ما هو ثابت من تدوينها بامر النبى (ص) او باذنه، ومن ذلك:

- الصحيفه التى كانت فى قائم سيفه (ص) فيها بعض السنن، ثم صارت عند على (ع)((840)).

- وما ثبت من كتابه عبداللّه بن عمرو بن العاص، قال: فنهتنى قريش وقالوا: اتكتب كل شىء تسمعه ورسول اللّه (ص) يتكلم فى الرضا والغضب؟ فامسكت عن الكتابه، فذكرت ذلك لرسول اللّه (ص) فاوما باصبعه الى فمه وقال: (اكتب، فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه الا حق)((841)).

- وقول ابى هريره: ان عبداللّه بن عمرو كان يكتب، وكنت لا اكتب((842)).

- وحين طلب ابو شاه اليمانى من النبى (ص) ان يكتبوا له خطبه النبى (ص) يوم فتح مكه، وكان ابوشاه قد شهدها، فقال النبى (ص): (اكتبوا لابى شاه)((843)).

- وحديث انس عن رسول اللّه (ص): (قيدوا العلم بالكتاب) ((844)).

- وكان انس قد كتب حديثا كيثرا بين يدى رسول اللّه (ص)، وحفظه حتى وقت متاخرمن عهد الصحابه، فكان يملى الحديث حتى كثر عليه الناس يوما يطلبون الحديث، فجاء بمجال((845)) من كتب، فالقاها ثم قال: (هذه احاديث سمعتها وكتبتها عن رسول اللّه (ص) وعرضتها عليه)((846)).

- وكتب رسول اللّه(ص) اكثر من كتاب فى الصدقات، والديات، والفرائض، والسنن عماله((847)).

- وقال فى مرضه الاخير: (هلموا اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده)((848)). وغير هذا كثير، وقد تناولت الكتابه فى عهده (ص) قسما كبيرا من الحديث يبلغ فى مجموعه ما يضاهى مصنفا كبيرا من المصنفات الحديثه((849)).

اما موقف الصحابه من الكتابه فقد عرفناه، وقد ذكر ابن عبد البر وغيره عددا كبيرا من كتب الصحابه، ومنها كتاب عبداللّه بن مسعود الذى عدوه فى المانعين من الكتابه، فقد اخرج ابنه عبدالرحمن كتابا وحلف انه خط ابيه بيده((850)).

الدكتور محمد سلام مدگور: ارجع الموقف من التدوين الى اختلاف الصحابه فى فهم النص ازاء الحديث الذى رواه مسلم عن ابى سعيد الخدرى: (لا تكتبوا عنى غير القرآن، ومن كتب عنى غير القرآن فلمحه، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على فليتبوا معقده من النار).

قال: فقد اتجه فقهاء الصحابه فى ذلك الى وجهتين متعارضتين:

فريق منهم، وكانت له الغلبه: فهموا ان ذلك نهى عام وليس قاصرا على كتاب الوحى ! فامتنعوا عن تدوين السنه، اذ العبره بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.. وقالوا: ان ما دونه بعض الصحابه منها انما كان تدوينا موقتا حتى يحفظه ثم يمحى المكتوب بعد ذلك.

بينما ذهب الفريق الاخر الى ان ذلك كان خاصا بكتاب الوحى دون سواهم، خشيه ان يختلط بالقرآن ما ليس منه، بدليل انه اباح الكتابه عند امن الاختلاط، كما ثبت فى حديث عبداللّه بن عمرو..((851)) وهذا التفصيل كله لا يقوم على حجه صحيحه، بل الحجه الصحيحه تنقضه بكامله، كما سنتابعه فى الفقرات الاتيه:

ا - الحديث الذى رواه مسلم عن ابى سعيد الخدرى، تقدم انه موقوف عليه وليس من حديث النبى (ص) كما قال البخارى وغيره.

ب - ان الفريق الاول، والذى كانت له الغلبه، لم يحتج يوما ما بان النبى(ص) قد نهى عن كتابه السنه، فهذا لم يحدث منهم البته.


99

ج - ان هذا الفريق نفسه قد باشر تدوين السنه احيانا ابتداء، كما صنع ابوبكر، او امر بتدوينها وشاور الصحابه على ذلك فاجمعوا على كتابتها دون تردد. وفى ذلك كله لم يظهر لهذا الحديث المروى عن ابى سعيد ذكر ولا اثر.. بل فعلهم هذا، وهم الفريق المانع، لهو اوضح دليل على ان النبى (ص) لم يمنع من تدوين السنه قط، لا منعا خاصا ولا عاما.

د - الحديث المذكور عن ابى سعيد الخدرى يقول فيه ايضا:

(وحدثوا عنى ولا حرج) وهذا الفريق الغالب قد منع عن التحديث عنه (ص) بنفس القوه التى منع فيها عن التدوين ! فكيف يدعى انهم امتنعوا عن التدوين تمسكا بنهى النبى عنه؟ فماذا عن روايه حديثه وسنته التى امر بها على اى حال الا ان يقعوا بالكذب؟!

ه - ان الاعتذار بخوف اختلاط القرآن بالسنه اعتذار واه ومتهافت، وقد مر نقده مفصلا.

و - ان هذا التمييز بين كتاب الوحى وغيرهم فى شان كتابه السنه تمييز لم يعرف فى عهد الصحابه قطعا، ولا يستطيع احد نسبته اليهم بصدق، وانما هو من تبرير المتاخرين دفعا لما يلزمهم من تخطئه المانعين من كتابه السنه، ليس اكثر من ذلك.

جديد فى مصادر التشريع

انقطع الوحى بوفاه الرسول الاعظم خاتم النبيين(ص)، فكان الطريق فى معرفه الاحكام هو الرجوع الى مصدرى الوحى:

القرآن والسنه.

والحياه المتغيره بطبيعتها تاتى بمشكلات جديده لابد من تحديد الموقف منها اعتمادا على الشرع، ومشكلات تستوجب اقضيه وفتاوى، وكلها لابد ان تسند الى دليل من الشرع. فظهر الاجتهاد فى استنباط الاحكام من القرآن والسنه، وقد غلب عليه نوعان من مصادر الاستنباط، هما: القياس، والنظر الى المصلحه (المصالح المرسله).

وقد ذكر ابن قيم عده عشرات من الامثله على القياس فى هذا العهد، وصوبها وفق مبانيه((852)).

والاجتهاد فى استنباط الاحكام، وفق الاصول التى يبيحها الشرع، ضروره لابد منها، وهى بعد من مميزات الاسلام، ولوازم صلاحيته لكل زمان ومكان، اذ كان النبى(ص) قد فتح هذا الباب واذن لبعض اصحابه ان يفتون بين يديه، كما اذن ببعض ما اختلفوا فيه ايضا حين كان جاريا وفق الاصول الصحيحه، كما فى قصه اختلافهم فى صلاه العصر حين بعثهم لمحاصره بنى قريضه بعد الخندق، فقال لهم: (لا يصلين احد العصر الا فى بنى قريضه) فجدوا فى السير فادركتهم الصلاه وهم فى بعض الطريق، فتوقف بعضهم لاداء الصلاه اذ راوا ان قصد النبى هو الاسراع والمبادره، وذلك لا يقتضى تاخير الصلاه عن وقتها، بينما راى الفريق الاخر الوقوف عند ظاهر اللفظ، فقالوا: لا نصلى الا فى بنى قريضه. فذكروا ذلك بعد لرسول اللّه(ص) فاقرهما جميعا((853)).

ولعل من هذا الباب ايضا ما روى عن على (ع) من قوله:

(علمنى رسول اللّه(ص) الف باب من العلم، وتشعب لى من كل باب الف باب)((854))فالتشعب هو التفريع على الاصول.

والاجتهاد عمليه حضاريه، لا نزاع فى ضروريتها واهميتها.

وهنا ثلاث مساحات للاجتهاد:

المساحه الاولى - الاجتهاد فى فهم النص: وهو اثر طبيعى لاعمال الفكر والنظر، بل ربما ينقدح الفهم فى الذهن للوهله الاولى، فور سماع النص، بغض النظر عن كونه فهما صحيحا تاما، او ناقصا، او خاطئا. لذا فمن المالوف جدا ان يجد المستقصى عده عشرات من امثله هذا النوع من الاجتهاد ظهرت فى عهد النبى (ص)، وقد كان(ص) يقول فيها كلمته، فعزز بعضها وثبته، واقر بعضها كما فى الحديث المتقدم عن صلاه العصر فى بنى قريظه، وانكر بعضا آخر وارجع اصحابه الى الصواب، كالذى اشتهر عن عمار بن ياسر فى التيمم من الجنابه، اذ ظن انه التمرغ فى التراب وجها وقفا، وقد فعله، فضحك له النبى(ص) وقال: انما كان يكفيك هكذا. وضرب بكفيه الارض ومسح وجهه وكفيه مره واحده. اما عمر فقد ظن ان ليس على من اجنب ولم يجد ماء صلاه((855))!

وعن عدى بن حاتم فى تاوله لقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر)((856)) بان عمد الى عقالين احدهما اسود والاخر ابيض فجعلها فوق راسه، فاذا تبين له الخيط الابيض من الاسود امسك! فلما بلغ النبى(ص) ذلك، علمه انه بياض النهار من سواد الليل((857)).


100

وعن عمر بن الخطاب فى قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام ان شاء اللّه آمنين)((858)) فظن انهم يدخلون فى نفس العام الذى نزلت فيه الايه بل فى اول لقاء مع مشركى قريش مهما قرب عهده، فلما كان صلح الحديبيه بعد هذا النص ولم يدخلوا مكه، شك عمر، فقال للنبى(ص): افلم تكن تخبرنا انا سناتى البيت ونطوف به؟! قال(ص): (بلى، افاخبرتك انك تاتيه عامك هذا؟!). قال: لا! قال(ص): (فانك آتيه ومطوف فيه)((859)).

وقد ذكر ابن قيم الجوزيه امثله كثيره مما انكره النبى(ص) على بعض الصحابه فى بعض ما فهموه من النصوص ((860)).

المساحه الثانيه - الاجتهاد فى ما لا نص فيه: وهذا كثير فى الفتاوى والاقضيه و الحوادث المستجده، وهى مساحه واسعه جدا، وفى اتساع مطرد مع امتداد الحياه وتجدد الحوادث، وهى المساحه التى جعلت الحاجه الى الاجتهاد فى الدين ماسه فى كل زمان، لمواجهه القضايا والمشاكل الحادثه، على صعيد الفرد والمجتمع و الدوله، تنظيرا وتقنينا.

والاصل فيها الاهتداء بالنصوص من قرآن وسنه، واقضيه الرسول(ص)، باعتماد العقل، فكلما كانت النصوص اكثر وفره وشمولا، قل الرجوع الى العقل المطلق فى الاحكام.

وفى هذا العهد، حيث لا رجوع الى النبى(ص)، ظهرت الحاجه الى اعمال العقل فى استنباط الاحكام، فظهر مصدران جديدان للاستنباط، الى جانب القرآن والسنه، وهما: الاجماع، والقياس.

والاجماع الذى كان، ليس هو اجماع الصحابه كافه، او علمائهم كافه، بل هو اجماع نفر يشاورهم الخليفه فى المساله الحادثه، وقد يكونوا رجلين لا غير، كما هو ظاهر لمن تتبع هذه القضيه فى هذا العهد.

وقد ظهر عند المتاخرين تعبير عن نوع آخر من الاجماع فى عهد الخلافه الراشده خاصه، وهو الاجماع السكوتى، او (الاقرارى) وعمموه على كل مساله افتى بها احد الخلفاء ولم يعارض الصحابه المعارضه التى تنتهى الى ردها.

وهذا تعميم فيه تجوز ظاهر، فصحيح انه ثمه اجماع اقرارى، لكن تعميمه على كل فتوى وقضاء يصدره الخليفه فيمضى، غير صحيح، ولقد مر بنا قريبا انفاذ قرار عمر بمنع كتابه الحديث النبوى الشريف رغم ما سبقه من اجماع الصحابه على خلافه، فاذا كان سكوتهم على قرار الخليفه داخل فى الاجماع السكوتى، فما قيمه اجماعهم على قول واحد فى لزوم كتابه الحديث، قولا لاسكوتا، قبل شهر واحد فقط من سكوتهم هذا؟! وقد مرت بنا فى بحث سابق نماذج هامه من هذا النوع، يستخدم فيها الخليفه مكانته كرئيس قوم وزعيم دوله، ويعرف الصحابه ذلك جيدا، فيسكتون مع اختلافهم معه، وربما اظهر بعضهم خلافه لكنه اضطر اخيرا الى الانصياع لامر الخليفه ..

وربما صور البعض هذا الرجوع الى راى الخليفه رجوعا ناشئا عن قناعه ورضا بعد ان يتبين له صحه ما ذهب اليه الخليفه، كالذى كان بين عمر وابى بكر فى قتال مانعى الزكاه .. لكن الامر ليس كذلك دائما، فلربما سكت الصحابه، وليس صحابى واحد، حين يرون ان الخليفه يمارس سلطته فى اوامره، كسكوتهم امام امر عمر بمنع تدوين السنه، ثم راح بعضهم يكتبها سرا، فلما بلغ نباها الخليفه احتال عليهم بجمعها، فاحرقها! اما القياس: فهو احد طرق الاجتهاد فى ما لا نص فيه، عند تحقق شروطه، فالاجتهاد اعم منه((861))، والاصل فيه تتبع الاشباه والنظائر لرد الفروع الى الاصول، وذلك بناء على ان حكم الاصل ليس قاصرا على واقعه النص، وانما يتعداها الى كل واقعه تشاركها فى العله، فمناطه العله المشتركه، بكون عله الحكم فى الاصل ثابته بعينها فى الفرع، كما هو الحال فى تحريم كل مسكر قياسا على الخمر للاشتراك بعله التحريم، وهى الاسكار وذهاب العقل.

وهذا هو الاعم فى القياس، ويسمى (قياس الطرد)، وهناك قياس آخر معكوس ويسمى (قياس العكس) وهو ان يجد المجتهدانه ليس فى المساله المستجده اوصافا تجمعها مع المساله المنصوص عليها، فينفى الحكم عن المساله المستجده.

ومناط الحكم (العله) على نوعين:

ا- عله قد نص عليها الشارع عند الحكم على المساله المنصوص عليها، والقياس على هذا النوع من العلل جار بلا خلاف.

ب - وعله لم ينص عليها الشارع، وانما يستنبطها المجتهد ثم يقيس عليها. وهذه الاخيره على نوعين ايضا: منها ما يمكن العقل استنباطه وادراكه. ومنها ما لا يمكن ادراكه، كما فى الاحكام التعبديه، كعدد الصلوات وعدد الركعات ومقادير الزكاه والكفارات والحدود المقدره، وهذا النوع الاخير كله لا يجرى فيه القياس، بلا خلاف.


101

من دواعى اللجوء الى القياس:

اذا كان القياس مصدرا للاحكام فى مالا نص فيه، فسوف تتسع مساحته او تضيق بحسب زياده النصوص وشمولها، او قلتها ومحدوديتها، فى تناسب عسكى.

واذا كان عدم تدوين الحديث والحد من روايته قد صارا سببا فى ضياع شىء من السنن، او حظ عظيم منها، ولو فى عدم ظهورها فى اثناء الحاجه اليها واثناء صدور الفتوى، فعدم تدوين الحديث وقله النصوص كانا اذن سببا مباشرا فى كثره اعتماد القياس.

وقد حدثتنا الاثار ان بعض الصحابه كان يجتهد رايه فى المساله، فاذا اتاه بعض من بلغته فتواه بحديث عن رسول اللّه(ص) وافق هذه الفتوى، يبتهج ويحمد اللّه على مواقفه السنه، واذا اتاه بما يخالفها، انقبض ورجع عن فتواه، فلو كان الحديث عنده اول مره لما اضطر الى هذا.

اذن لو كان الصحابه قد عنوا بتذاكر السنه وجمعها لاختفى الكثير من اجتهاداتهم القائمه على الراى والقياس، والتى صارت فى ما بعد مصدرا للاحكام بعد القرآن والسنه والاجماع، اعتمده اكثر فقهاء التابعين ومن جاء بعدهم، ودخل فى مذهب ابى حنيفه ومالك والشافعى واحمد، وقد استكملت هذه المذاهب، اصولا وفروعا، قبل ان يتم جمع الحديث فى الجوامع الموسعه كالصحاح و السنن، وانما وضعت هذه الدواوين الحديثيه فى عصر التقليد، فكان شان المقلدين ان ينتصروا لمذاهبهم بما وافقها من الحديث، ويعرضوا عما سواه، اويوولوه.

-كان ابو حنيفه يقدم آثار الصحابه على القياس والراى ((862)).

- وكان مالك يلحق قول الصحابى بالسنه، ويعتز به لذلك، ويردد ما قاله عمر بن عبدالعزيز: سن رسول اللّه(ص) وولاه الامر بعده سننا، الاخذ بها تصديق لكتاب اللّه واستكمال لطاعته، فمن اقتدى بما سنوا فقد اهتدى، ومن خالفها واتبع غير سبيل المومنين، ولاه اللّه ما تولى! بل قد ورد ان مالكا ترك خبر الاحاد اخذا بقول الصحابى ((863)).

- ووضع الشافعى قول الصحابى بعد النص والاجماع، وقدمه على القياس((864)).

-اما احمد بن حنبل فقد جعل فتوى الصحابى هى الاصل الثانى بعد النص، قال ابن القيم: الاصول التى بنيت عليها فتاوى ابن حنبل خمسه: - الاصل الاول: النصوص، الاصل الثانى: فتاوى الصحابه التى لا يعرف لها مخالف منهم، الاصل الثالث:

الاختيار من اقوال الصحابه اذا اختلفوا، الاصل الرابع: الحديث المرسل، الاصل الخامس: القياس للضروره ((865)). فراى الصحابى الواحد اذن مقدم عنده على الحديث المرسل.

يقول ابن القيم: ومن تامل فتاواه وفتاوى الصحابه راى مطابقه كل منهما على الاخرى، وراى الجميع كانها تخرج من مشكاه واحده، حتى ان الصحابه اذا اختلفوا على قولين جاء عنه فى المساله روايتان، وكان تحريه لفتاوى الصحابه كتحرى اصحابه لفتاويه ونصوصه، بل اعظم، حتى انه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل، قال اسحاق فى مسائله: قلت لابى عبداللّه احمد بن حنبل، حديث عن رسول اللّه(ص) مرسل برجال ثبت احب اليك، اوحديث عن الصحابه والتابعين متصل برجال ثبت؟ قال احمد: عن الصحابه اعجب الى((866)).

والمساله تكمن فى احتمال ورود الراى بخلاف نص قد غاب عن الصحابى، بسبب ما تقدم من تحفظ وتشدد فى روايه الحديث وتدوينه.

المساحه الثالثه - الاجتهاد فى قبال النص: وهذا اول انواع الراى الباطل، كما احصاها ابن القيم((867))، وقال: وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الاسلام فساده وبطلانه، ولا تحل الفتيا به ولا القضاء وان وقع فيه من وقع بنوع تاويل وتقليد.

غير ان هذا النوع من الراى قد ظهر فى هذا العهد ايضا، ظهر تحت عنوان النظر الى المصلحه كما يقدرها صاحب الراى.

اى ان المجتهد هنا يرى ان المصلحه - مصلحه الدوله والامه - هى الاصل، و ان نصوص الكتاب والسنه ماجاءت الا لرعايه مصالح العباد، فعندما يرى ان النص القرآنى او الحديثى يضر بالمصلحه، وان المصلحه بتعطيله واستبداله بما يوافقها، عندئذ يفتى بما يراه بديلا عن النص.

ولقد كان هذا ظاهرا فى فقه عمر اكثر ما يكون، وربما ظهر منه ذلك حتى بين يدى النبى(ص)، كالذى كان يوم الخميس، قبيل وفاه النبى(ص)، والنبى يقول: (ايتونى اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى) فيصيح عمر بالحاضرين: (ماله! اهجر؟! حسبنا كتاب اللّه)! ومازال يمنع منها حتى كثر التنازع فغضب النبى واخرجهم من عنده.

فعل هذا عمر حين قدر ما كان النبى يضمره، وقدر ان ذلك سوف لا يحقق المصلحه، وان المصلحه فى خلافه. هذا ما قاله هو فى تفسير موقفه((868)).


102

اذن راى لنفسه الحق فى الوقوف امام النبى وامره، حين راى انه كان اقدر من النبى على تشخيص المصلحه واصدار الاحكام المناسبه! ولو جاز ذلك التصور، فى منطق ما، وكان الذى قدره عمر هو الاوفق بالمصلحه، لكانت تلك هى المصلحه العاجله الظاهره له، دون المصلحه الحقيقيه التى كره عمر بواكيرها.

وماذا لو كره نفر من قريش ما اراده النبى اليوم لحفظ الدين وصونه، الم يكن ذلك النفر قد كره دعوه النبى فى ايامها الاولى، ثم صار بعد يقاتل دونها؟ الم يكن منهم من كره النبى ودعوته وافنى خيله ورجله فى محاربتها حتى اسقط فى يديه يوم دخلت عليه جيوش النبى مكه؟ فهل كانت المصلحه فى ما يحبون، ام كان الخير كله فى ما يكرهون؟! ولئن كان الذى رآه عمر مصلحه عاجله، هو حقا كما رآه، فلسريعا ما كان مفتاحا لمفسده واى مفسده! انه الباب الذى كان مهيئا لكل ذى ضغينه على هذه الرساله وصاحبها ان يقتحموه الى حيث يطمحون، الم يكن هو الباب الى (الرزيه، كل الرزيه)؟! هذا ما قاله حبر الامه ابن عباس((869))، وهو الذى نقشته الاحداث على جبين التاريخ الاسلامى، احب ذلك احد ام كره.

ولقد اخذ عمر على نفسه مره رده على النبى(ص) حسب تقديره للمصلحه، وذلك فى قصه الحكم بن كيسان، اذ جىء به اسيرا الى النبى(ص)، فجعل النبى(ص) يدعوه الى الاسلام، فاطال، فقال عمر: علام تكلم هذا يا رسول اللّه؟ واللّه لا يسلم هذا آخر الابد، دعنى اضرب عنقه ويقدم على امه الهاويه! فكان النبى(ص) لا يقبل على عمر، حتى اسلم الحكم! قال عمر: فما هو الا ان رايته اسلم حتى اخذنى ما تقدم وما تاخر، وقلت: كيف ارد على النبى(ص) امرا هو اعلم به منى، ثم اقول انما اردت بذلك النصيحه للّه ولرسوله؟! قال عمر: فاسلم واللّه، فحسن اسلامه، وجاهد فى اللّه حتى قتل شهيدا ببئر معونه ورسول اللّه راض عنه، ودخل الجنان((870))! هذا ما قاله عمر باخلاص عن نفسه: (كيف ارد على النبى امرا هو اعلم به منى، ثم اقول انما اردت بذلك النصيحه للّه ولرسوله؟!).

فكيف يحق لمن جاء بعده ان يتمسك بهذه المقوله ذاتها التى انكرها عمر على نفسه، كلما وقف على مساله لعمر رد فيها على النبى(ص) او رد فيها نصا من نصوص القرآن الكريم؟ -واخرى:

اللّه تعالى فى كتابه الكريم قد عنف عمرا، وابا بكر معه، لتقديمهما الراى بين يدى النبى(ص) بغير اذن منه، وبحسب تقديرهما للمصلحه! عنفهما بايات شداد:

قال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى اللّه ورسوله واتقوا اللّه ان اللّه سميع عليم).

(يقول: لا تعجلوا بقضاء امر فى حروبكم او فى دينكم قبل ان يقضى اللّه لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف امر اللّه وامر رسوله)، (نهوا ان يتكلموا بين يدى كلامه)((817)).

وقال تعالى فى الايه اللاحقه: (يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط اعمالكم وانتم لا تشعرون)((872)).

وقصتها انه قدم وفد تميم، منهم الاقرع بن حابس، فكلم ابو بكر النبى(ص) ان يستعمله على قومه، فقال عمر: لا تفعل يا رسول اللّه! فتكلما حتى ارتفعت اصواتهما عند النبى(ص)، فنزلت الايات((873)). قال ابن ابى مليكه: كاد الخيران ان يهلكا، ابو بكر وعمر رضى اللّه عنهما! رفعا اصواتهما عند النبى - القصه((874)).

الذى يخشى ان تكون عاقبته حبط الاعمال، انما هو التقديم بالراى بغير اذن منه، ورفع الصوت فوق صوته، فكيف مع رد امره وتعطيل شىء من سننه؟ ايحق مع كل هذا ان يقال انهما ارادا المصلحه والنصيحه للّه ولرسوله؟ هذا قول مختلف عن قول اللّه عز وجل: (لا تقدموا بين يدى اللّه ورسوله) و(لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبى)، (ان تحبط اعمالكم وانتم لا تشعرون).

فكما لا يصح هذا الاعتذار لما وقع فى عهد النبى(ص) وايام صحته ونشاطه، فلا يصح شىء منه ايضا مع ما وقع ايام مرضه وبعد وفاته! وبعد وفاته، وفى ربع قرن، ظهر شىء كثير من هذا النوع من الاجتهاد، اجتهاد مع وجود النص، ومن اشهره:

1 - المنع من روايه الحديث: فيما كان رسول اللّه(ص) قد حث كثيرا على روايه الحديث، واوصى بها، وامر بها، ومن كلماته المشهوره فى ذلك:


103

قوله: (نضر اللّه امرءا سمع مقالتى فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه الى من هو افقه منه)((875)).

وقوله: (الناس لكم تبع، وسياتيكم اقوام من اقطار الارض يتفقهون، فاذا اتوكم فاستوصوا بهم خيرا وعلموهم مما علمكم اللّه)((876)). وقوله بعد ان يحدث الناس: (فليبلغ الشاهد الغائب).

كما حذر النبى(ص) من ترك روايه الحديث ولو بحجه الاكتفاء بالقرآن الكريم:

قال: (يوشك الرجل متكئا على اريكته يحدث بحديث من حديثى، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمنا!! الا وان ما حرم رسول اللّه مثل ما حرم اللّه)((877)).

2- المنع من تدوين الحديث: وقد اباح النبى التدوين لاصحابه:

حين كان عبد اللّه بن عمرو بن العاص يكتب حديث النبى(ص) فقالت له قريش: اتكتب عن رسول اللّه كل ما تسمع وانما هو بشر يغضب كما يغضب البشر؟! فذكر ذلك للنبى، فقال له(ص) وهو يشير الى شفتيه الشريفتين: (اكتب، فوالذى نفسى بيده ما يخرج مما بينهما الا حق) ((878)).

وشكا اليه صحابى كان يسمع الحديث فلا يحفظه، فقال له(ص): (استعن بيمينك) واشار بيده الى الخط((879)).

وكما فى كتبه الكثيره فى المدينه، والى عماله، وهى مشحونه بالسنن.

- ولقد امر بكتابه الحديث ايضا، فقال: (قيدوا العلم بالكتاب)((880)). وقال: (اكتبوا لابى شاه) وقد طلب ابو شاه ان يكتب له خطبته (ص) بمنى((881)). وقال: (ايتونى بكتاب، اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده)((882)).

وكثير غير هذا، وقد تقدم بحثه آنفا، فهل يصح ان يقال ان المنع من روايه الحديث وتدوينه انما كان لمصلحه الدين والامه؟!

3 - سهم ذوى القربى من الخمس: وقد نزل به القرآن، واعطاه النبى (ص) لبنى هاشم وبنى المطلب، فمنعه ابو بكر وعمر، ونقلاه عن موضعه الى موضع آخر فى بيت المال باجتهاد راياه، وربما منح عثمان بعضه لبعض قرباه من بنى اميه، مع ان عثمان هو الذى كان قد سال النبى(ص): لم يعطهم - اى بنى اميه - شيئا مع قرابتهم، فيما اعطى بنى المطلب مع بنى هاشم؟ فقال له النبى(ص): (انما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد)((883))! ثم استقر راى ابى بكر وعمر عند فقهاء المذاهب ابى حنيفه ومالك واحمد، وخالفهم الشافعى والطبرى فاثبتا حق قربى الرسول فيه((884)).

4- سهم المولفه قلوبهم: نزل به القرآن، وعمل به النبى(ص)، فمنع منه عمر فى مطلع خلافه ابى بكر، فوافقه ابو بكر، فترك هذا الباب لا ينظر اليه.

واغرب ما فى هذا الباب دعوى الاجماع، لسكوت الصحابه وعدم مخالفه احدهم! ناسين ان هذا الامر لم يرفع الى الصحابه لينظر ما يقولون، ولا خرج مخرجا يوحى بوجود مطمع فى تعديله او مناقشته، وانما صدر امرا سلطانيا لا ترديد فيه: جاء نفر من مولفه المسلمين الى ابى بكر يطلبون سهمهم، فكتب لهم به، فذهبوا الى عمر ليعطيهم واروه كتاب ابى بكر، فابى ومزق الكتاب، فرجعوا الى ابى بكر، فقالوا: انت الخليفه ام عمر؟! فقال: بل هو، ان شاء! فاى محل الان لمراجعه صحابى ومعارضته؟ وكيف يسمى مثل هذا اجماعا؟!((885)) اما دعوى ان عثمان وعليا لم يعطيا احدا من هذا الصنف، فقد اجيب عنها، بانها (لا تدل على ما ذهبوا اليه من سقوط سهم المولفه قلوبهم، فقد يكون ذلك لعدم وجود الحاجه الى احد يتالفوه آنذاك، وهذا لا ينافى ثبوته لمن احتاج اليه من الائمه، على ان العمده فى الاستدلال هو الكتاب والسنه، فهما المرجع الذى لايجوز العدول عنه بحال)((886)).

وفسر بعضهم راى عمر بانه اجتهاد منه، اذ راى انه ليس من المصلحه اعطاء هولاء بعد ان ثبت الاسلام فى اقوامهم وانه لا ضرر يخشى من ارتدادهم عن الاسلام.

وعلى هذا فلا يعد سهم المولفه قلوبهم ساقطا ليقال بمعارضه الكتاب والسنه، وانما توقف العمل به لانتفاء موضوعه، واذا ما وجدت الحاجه اليه عاد للظهور فى اى زمان ومكان.

وبهذا قال بعض فقهاء الجمهور((887))، وهو جيد حين يكون تقدير الموضوع دقيقا وحكيما، فيكون حكمه حكم سهم (الرقاب) المخصص لتحرير الرقيق، فحين يمر على المسلمين عهد ليس فيهم رقيق يطلب عتقهم، فسوف يتوقف العمل بهذا السهم ولكن من غير ان يكون ذلك ناسخا للحكم.

لكن السوال ما زال قائما: هل كانت عله هذا الحكم هى ضعف الاسلام وحاجته الى قوه هولاء، لا غير، لينتفى عند انتفاء علته؟ قال بعض فقهاء الجمهور: ان المقصود من دفعها اليهم ترغيبهم فى الاسلام لاجل انقاذ مهجهم من النار، لا لاعانتهم لنا حتى يسقط بفشو الاسلام((888)).


104

وقال محمد رشيد رضا: (اننا نجد دول الاستعمار الطامعه فى استعباد جميع المسلمين وفى ردهم عن دينهم، يخصصون من اموال دولهم سهما للمولفه قلوبهم من المسلمين، فمنهم من يولفونه لاجل تنصيره واخراجه من حضيره الاسلام، ومنهم من يولفونه لاجل الدخول فى حمايتهم ومشاقه الدول الاسلاميه والوحده الاسلاميه، ككثير من امراء جزيره العرب وسلاطينها!!((889)) افليس المسلمون اولى بهذا منهم؟)((890)). فليس الامر اذن منوطا بعله واحده استطاع عمر استنباطها بدقه، فوقف الحكم عليها.

ولقد قسم فقهاء الاسلام المولفه قلوبهم الى اصناف عديده، لا يكاد يخلو زمان من بعضها، ولا تشترك صفاتهم بالصفه التى اعتمدها عمر فى اجتهاده، بل لكل صنف صفته الخاصه، ولقد كان تصنيفهم قائما اساسا على اختلاف صفاتهم، حتى جعلوهم سته اصناف على هذا الاساس ((891)).

واخيرا، حتى عند الرضا بما قيل فى تصحيح اجتهاد عمر، فان مثله لايصلح جوابا على اجتهاده وابى بكر السابق فى اسقاط سهم ذوى القربى من الخمس وصرفه الى اى جهه اخرى، فان اللّه تعالى الذى انزل هذا النص انزله على علم بمصالح عباده، وحكمه فى وضع الاشياء فى مواضعها، علم وحكمه غنيان عن استدراكات البشر، سواء كانوا حكاما او لم يكونوا، ومن ناحيه اخرى فان الذى يمنع بنى هاشم وبنى المطلب حقهم من الخمس لا يستطيع ان يبيح لهم خطا من الزكاه والصدقات التى حرمت عليهم!

5 - متعه الحج ومتعه النساء:

متعه الحج - نزل بها القرآن: (فمن تمتع بالعمره الى الحج فما استيسر من الهدى)((892)).

- وصنعها النبى(ص) فى حجته الوحيده، المعروفه بحجه الوداع((893)). ومتعه النساء - نزل بها القرآن: (فما استمتعتم به منهن فاتوهن اجورهن)((894)). واذن بها النبى(ص) لاصحابه.

-قال عمر فى خطبه له: (متعتان كانتا على عهد رسول اللّه(ص) انا انهى عنهما، واعاقب عليهما)!((895)) وفى متعه الحج خاصه: اخرج البخارى عن عمران رضى اللّه عنه قال: (تمتعنا على عهد رسول اللّه(ص) فنزل القرآن، قال رجل برايه ماشاء)((896)) قال الشارح فى هامش الحديث: (فنزل القرآن) اى بجوازه، بقوله تعالى (فمن تمتع بالعمره الى الحج). (و قال رجل رايه ما شاء) اى فليقل اى انسان ماشاء ان يقول فى جوازها او عدمه، فقد جاء بها القرآن. واول من نهى عن المتعه عمر(رضى اللّه) وتابعه عثمان(رضى اللّه)...)((897)) واخرجه النسائى، وفيه: (لم تنزل آيه تنسخ آيه متعه الحج - ولم ينه عنها رسول اللّه(ص) حتى مات، قال رجل برايه ماشاء) ((898)).

-وقيل لابن عمر فى المتعه: كيف تخالف اباك وقد نهى عن ذلك؟ فقال: ويلكم! الا تتقون اللّه؟! ان كان عمر نهى عن ذلك فيبتغى فيه الخير؟ فلم تحرمون ذلك وقد احله اللّه، وعمل به رسول اللّه(ص)، افرسول اللّه احق ان تتبعوا سنته، ام سنه عمر؟((899)) وروى نحوه عن سالم بن عبداللّه بن عمر((900)).

وفى متعه النساء خاصه: اخرج مسلم عن جابر بن عبداللّه الانصارى، قال: (استمتعنا على عهد رسول اللّه(ص)، وابى بكر، حتى نهى عنه عمر)((901)).

قال عروه بن الزبير لابن عباس: الا تتقى اللّه! ترخص فى المتعه؟! قال ابن عباس: سل امك يا عريه! فقال عروه: اما ابو بكر وعمر فلم يفعلا.

قال ابن عباس: واللّه ما اراكم منتهين حتى يعذبكم اللّه، نحدثكم عن رسول اللّه(ص) وتحدثون عن ابى بكر وعمر!!((902)) او قال: اراهم سيهلكون، اقول: قال رسول اللّه، ويقولون: قال ابو بكر وعمر!! اذن حل اجتهاد الراى محل النص بشكل واضح هنا، والذى دعا عمر الى هذا الاجتهاد حادثه وقعت ايام خلافته فى شان عمرو بن حريث وقد ولد له من المتعه ايام عمر، فقال عمر: (لا اوتى باحد تزوج متعه الا عذبته بالحجاره، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت) اى لو كان قد تقدم نهيه عنها قبل هذه الحادثه لرجم عليها الان.

واما متعه الحج فقد فسر رايه فيها بقوله: قد علمت ان رسول اللّه(ص) فعلها واصحابه، ولكن كرهت ان يظلوا بها معرسين تحت الاراك، ثم يرجعوا بالحج تقطر رووسهم! فهو صريح بالراى امام النص والسنه، لكن ابن ابى الحديد يقول: لقد اعتذر عمر لنفسه، وقال ما قدمنا ذكره، واذا كان قد اعتذر لنفسه فقد كفانا مونه الاعتذار! ((903)) الا انه اعتذار لم يره الفقهاء حجه، فلا يكاد يوافقه عليه احد، وان كان لعثمان راى يشبهه:


105

- لما حج عثمان بن عفان بالناس ايام خلافته كان ينهى عن المتعه، فقال له على (ع): لقد علمت انا تمتعنا مع رسول اللّه(ص). قال: اجل، ولكنا كنا خائفين! او قال: ذلك رايى! فخرج على مغضبا وهو يقول: ما كنت لادع سنه رسول اللّه بقول احد من الناس. اخرجه ابن كثير عن مسلم والبخارى واحمد ومالك، وقال: فهذا اعتراف من عثمان بما رواه على(رضى اللّه عنه)((904)).

ومن قبل اختلفوا فيها على رسول اللّه (ص):

عن البراء بن عازب، قال: خرج رسول اللّه(ص) واصحابه، فاحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكه قال: (اجعلوا حجكم عمره) فقال الناس: يا رسول اللّه، كيف نجعلها عمره وقد احرمنا بالحج؟ قال: (انظروا الذى آمركم به، فافعلوه) فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشه غضبان، فرات الغضب فى وجهه فقالت: من اغضبك، اغضبه اللّه؟! قال: (و ما لى لا اغضب وآنا آمر بالامر فلا اتبع)!! قال الذهبى: هذا حديث صحيح، من العوالى، اخرجه ابن ماجه((905)). فهل يصح ان يقال كان هذا الخلاف والرد على الرسول لاجل المصلحه التى رآها هولاء الصحابه؟!

6 - صلاه المسافر: صلى عثمان وعائشه فى السفر تماما، ولم يقصرا، فيما كان القرآن والسنه يامران بالقصر.

اتمها عثمان بمنى، وفعلها معه طوائف، وكان ابن عمر اذا صلى معه اربع ركعات، انصرف الى منزله فاعادها ركعتين! وسئل عروه بن الزبير: لم كانت عائشه تتم فى السفر وقد علمت ان اللّه تعالى فرضها ركعتين؟ فقال: تاولت من ذلك ما تاول عثمان من اتمام الصلاه بمنى! واعتل عثمان بمنى فاتى على، فقيل له: صل بالناس. فقال: ان شئتم صليت بكم صلاه رسول اللّه(ص) يعنى ركعتين.

قالوا: لا، الا صلاه امير المومنين! يعنون صلاه عثمان، فابى((906)). فيما كان ابن عمر يقول: (صلاه السفر ركعتان، من ترك السنه فقد كفر) رفعه مره الى رسول اللّه(ص)، وروى مره موقوفا عليه((907)).

7 - وفى الطلاق: الذى نزل به القرآن: (الطلاق مرتان) بينهما رجعه، فان تراجعا بعد الطلاق الثانى ثم طلقها ثالثا (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)((908)). اما ان يكرر لفظ الطلاق ثلاث مرات، فهذا طلاق واحد، والتكرار هذا (لعب بكتاب اللّه) كما وصفه النبى(ص) !((909)) ولقد كان هذا النوع الاخير من الطلاق، والمعروف بالطلاق الثلاث فى مجلس واحد، معدودا طلاقا واحدا على عهد رسول اللّه(ص) وابى بكر وسنتين من خلافه عمر، حتى قال عمر: (ان الناس قد استعجلوا فى امر قد كان لهم فيه اناه، فلو امضيناه عليهم)! فامضاه عليهم((910)).

فهذا الذى امضاه عمر، ومضى عليه اصحاب المذاهب الاربعه، ولم يخالف فيه الا نفر من فقهائهم (شذوا فى ذلك!) منهم ابن تيميه وابن القيم، ووافقهم بعض المتاخرين، هذا الحكم سوف يترتب عليه حكم آخر هو فى غايه الخطوره والشناعه:

فالطلاق الثالث لارجعه بعده حتى تتزوج المراه رجلا آخر، ويقع بينهما طلاق بائن، بخلاف الطلاق الاول اذ لهما ان يتراجعا ما لم تنقض العده، فبحسب اجتهاد عمر اعطى الطلاق الاول اعطى حكم الطلاق الثالث، فمنع رجوع الزوجين، واوجب نكاحا جديدا! واغرب ما قاله المتاخرون فى تبرير هذا الاجتهاد، قول ابن القيم بان هذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان!! هذا القول الذى جعل فتوى الصحابى تشريعا مقابلا للكتاب والسنه!! كذا قال ابن القيم صراحه، قال: (فهذا كتاب اللّه، وهذه سنه رسول اللّه(ص)، وهذه لغه العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفه رسول اللّه (ص) والصحابه كلهم معه فى عصره، وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب، فلو عدهم العاد باسمائهم واحدا واحدا لوجد انهم كانوا يرون الثلاث واحده اما بفتوى واما باقرار ... ولهذا ادعى بعض اهل العلم ان هذا اجماع قديم، ولم تجمع الامه على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتى به، قرنا بعد قرن، والى يومنا هذا) فذكر جماعه من الصحابه افتوا بهذا بعد فتوى عمر، مخالفين رايه، ماضين على ما كان على العهد الاول، منهم: على، وابن عباس، والزبير، وعبدالرحمن، وابن مسعود، ثم ذكر بعض التابعين وتابعيهم، ثم قال:

(و المقصود ان هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنه والقياس والاجماع القديم، ولم يات بعد اجماع يبطله، ولكن راى امير المومنين عمر (رضى اللّه) ان الناس قد استهانوا بامر الطلاق، وكثر منهم ايقاعه جمله واحده، فراى من المصلحه عقوبتهم بامضائه عليهم.. فراى عمر ان هذا مصلحه لهم فى زمانه، وراى ان ما كانوا عليه فى عهد النبى(ص) وعهد الصديق وصدرا من خلافته كان الاليق بهم...


106

- فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان!

- وعلم الصحابه رضى اللّه عنهم حسن سياسه عمر وتاديبه لرعيته فى ذلك، فوافقوه على ما الزم به..

- فليتدبر العالم الذى قصده معرفه الحق واتباعه من الشرع والقدر فى قبول الصحابه هذه الرخصه والتيسير على عهد رسول اللّه(ص) وتقواهم ربهم تبارك وتعالى فى التطليق، فجرت عليهم رخصه اللّه وتيسيره شرعا وقدرا.

فلما ركبت الناس الاحموقه وتركوا تقوى اللّه اجرى اللّه على لسان الخليفه الراشد والصحابه معه، شرعا وقدرا، الزامهم بذلك وانفاذه عليهم .. وهذه اسرار من اسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول ابناء الزمن)! ((911)) فهذا مصدر جديد من مصادر التشريع لم يعرفنا به القرآن، ولا عرفنا به النبى، بل الذى عرفنا به القرآن والسنه هو خلاف ذلك تماما.

هل عرفنا القرآن او السنه ان اللّه تعالى سوف ينسخ احكاما منزله بعد موت النبى، بوحى جديد من نوع آخر، فيجرى على لسان الخليفه الراشد احكامه الجديده الناسخه لاحكام القرآن والسنه؟! اليس هذا من جنس عقائد غلاه الباطنيه بائمتهم؟! خلاصه:

اذن قد ظهر ثمه اجتهاد مع وجود النص، وليس هو من نحو درء الحدود بالشبهات، كالتوقف فى قطع يد السارق فى المجاعه، او السارق المحتاج، ولكنه اجتهاد ياتى بتشريع جديد فى مقابل التشريع الذى احكمه القرآن و احكمته السنه، تشريع باق متبع، صار ناسخا لحكم القرآن وال والذى قال به ابن القيم من الشرع الجديد والقدر الجديد، و وصفه بانه (سر من اسرار الشرع والقدر لا يناسب عقول ابناء الزمن) صار اكثر مناسبه لعقول ابناء هذا الزمن من العلمانيين الذين عجزوا عن مواجهه الاسلام فراحوا يبثون مبادءهم باسم الاسلام وبادله يستقونها من تاريخ المسلمين، فروجوا لهذا (السر من اسرار الشرع والقدر) مدخلا الى ديمقراطيه بديله عن الاسلام:

يقول خالد محمد خالد فى كتابه (الديمقراطيه): ترك عمر بن الخطاب النصوص الدينيه المقدسه من القرآن والسنه عندما دعته المصلحه لذلك، فبينا يقسم القرآن للمولفه قلوبهم حظا من الزكاه، ويويده الرسول وابو بكر، ياتى عمر فيقول: لا نعطى على الاسلام شيئا..

وبينا الطلاق الثلاث فى مجلس واحد يقع واحدا بحكم السنه والاجماع، جاء عمر فترك السنه وحطم الاجماع ((912)).

واخيرا عبر العلمانيون العاملون تحت غطاء الاسلام عن هذا المبدا باصطلاح جديد، اطلقوا عليه (تاريخيه النص)! ومفاده ان نصوص القرآن والسنه قد عالجت مشكلات عصرالنزول، وربما يمتد بعضها الى زمن ما، لكن تبدل الازمان باب مفتوح لتبدل المصالح، والمصالح الجديده تقتضى احكاما جديده، وان خالفت النصوص، لان النصوص انما جاءت لزمن معين او هى وليده تاريخ النزول ومتاثره بذلك التاريخ وملابساته.

هذا المبدا بالذات هو الذى اصدرت بسببه لجنه قضاء الازهر فى هذا العام 1995م حكمها على الكاتب نصر حامد ابو زيد، بالرده، وحكمت بالتفريق بينه و بين زوجته! ذلك لانه مبدا ينتهى الى نتيجه واحده، وهى تعطيل احكام القرآن والسنه بالمره واستبدالها باحكام وضعيه.

ولربما استفاد هولاء من اصل صحيح، فاتخذوه ذريعه لمقصدهم الفاسد..

والاصل الصحيح هو تعليل الاحكام، فبعض الاحكام جاءت منوطه بعلل، فثبوت الحكم منوط بثبوت علته، كتحريم كل مسكر، فاذا لم يعد هذا الشراب المعين مسكرا كثيره، انتفت عله التحريم، فارتفع الحكم.

فاتخذ هولاء من هذا الاصل ذريعه، فجعلوا لكل حكم عله يقدرونها بارائهم، او قل باهوائهم، ويعلقون الحكم عليها، وغالبا ما يخطئون، فينسخون احكاماثابته فى الشرع، رادين حكم اللّه ورسوله من حيث يعلمون او لايعلمون.

وقديما وقع بعض الفقهاء بمثل هذا.

ومثاله: ما ذكره ابن حزم عن بعض الفقهاء الذين ذهبوا الى تعليل امر النبى(ص) بخروج النساء الى صلاه العيد، فقالوا: انما كان ذلك ارهابا للعدو، ولقله المسلمين يومئذ ليكثروا فى عين من رآهم.. اذن لما انتشر الاسلام انتفت تلك العله، فسقط الحكم. قال ابن حزم: وهذه عظيمه، لانها كذب على رسول اللّه(ص)، وقول بلا علم، وهو(ص) قد بين ان امره بخروجهن ليشهدن الخير ودعوه المسلمين، فاف لمن كذب قول النبى وافترى كذبه برايه! ثم ان هذا القول مع كونه كذبا بحتا، فهو بارد سخيف جدا، لانه (ع) لم يكن بحضره عسكر يرهب عليهم، ولم يكن معه عدو الا المنافقين ويهود اهل المدينه الذين يدرون انهن نساء، فاعجبوا لهذا التلخيط!((913)) وربما يظهر من يحاول اسلمه مبدا (تاريخيه النص القرآنى والنبوى) من خلال اظهار انه فهم جديد يجعل النص معقول المعنى مطابقا لمصالح العباد، بنفس الطريقه التى تم بها الاعتذار لكل راى استنبطه واحد من الخلفاء فيه نقض لنص القرآن او للسنه، اولهما معا:


107

قال الدكتور محمد سلام مدكور: قد كان من ابرز ما فى نواحى عمر العلميه ناحيه الفقه والافتاء والعمل بالراى وتحكيم العقل مع النص تحكيما يعطى النص صبغه فقهيه غير ما تعطيه النظره غير الفاحصه الدقيقه الغواصه المثمره، فقد يبدو فى فقهه احيانا انه يخالف ظواهر النصوص، وعند التامل يبدو انه يعمل بالنص فى دائره تجعله معقول المعنى مطابقا لمصالح العباد!((914)) وهذا يحق ان يقال فى استنباط المعانى الدقيقه من النصوص، والتى لايدركها من توقف نظره على الظواهر، ومن هذا الباب فى اجتهادات الصحابه كثير، غير خاف، فى الفقه وفى التفسير، وايضا فى مناهج التفكير واستكشاف معانى النصوص وابعادها.

لكن هذا شىء، ومخالفه النص شى آخر .. وكيف يكون العمل بنقيض النص تماما وهجر النص، اجتهادا يجعل النص معقول المعنى؟ كيف وقد جعل النص لاغيا وحكمه منسوخا؟! وماخذ آخر على هذا التفسير: فكون النص معقول المعنى مطابقا لمصالح العباد، سوف يلغى اى ذريعه لمخالفته الى اجتهاد آخر تقتضيه المصلحه! وقد راينا كيف كان الاعتذار بمتابعه مصالح العباد وراء كل اجتهاد يخالف النص، حتى صرحوا بان النص كان مطابقا لمصالح العباد فى زمن الرسول وابى بكر، ثم صارت المصلحه بخلافه فاقتضت شرعا وقدرا جديدا، كما وصفه ابن القيم! فهو تشريع جديد بخلاف النص، وليس نظره دقيقه غواصه فى النص تجعله معقول المعنى مطابقا لمصالح العباد.

ولقد ادرك الدكتور مدكور هذا المعنى جيدا، فحاول الانتصار له باحاديث مرويه تجعل الحق على لسان عمر، رغم انه قد علم انها احاديث منكره، كما اثبت ذلك فى تهميشه عليها فى الصفحه ذاتها! والمفتاح فى فهم ذلك كله ليس هو الدفاع عن هذه المساله او استنكارها، انما هو معرفه المنهج الذى اعتمده المجتهد فى تعامله مع النصوص، فالذى يصرح به الجميع، كما راينا، ويشهد له الواقع، ان عمر كان ينظر اولا الى المصلحه كما يقدرها هو فى حينها، فاذا جاء النص كما يريد كان حجته على رايه، واذا جاء النص بخلاف تقديره وقف بوجهه بكل قوه وانفذ ما يراه موافقا للمصلحه التى قدرها هو بنفسه... هذه هى طريقته فى التعامل مع النصوص منذ عهد النبى(ص) والتى ابتدات تتضح اكثر منذ صلح الحديبيه، وصراحه عمر فى شكه بما نزل فى القرآن من قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام انشاء اللّه آمنين) وانكاره على النبى هذه المصالحه التى سماها اللّه تعالى فى كتابه (فتحا مبينا)! ثم تتابعت احداث كان آخرها امر الكتاب الذى امر النبى بكتابته حفظا لهذا الدين من الضياع ولهذه الامه من الضلال، فخالف عمر حتى منع منه! وهذه رويه للوحى كله ولمنزله الرسول والرساله، وليست اجتهادا فى فهم النص.

ولقد كان لهذه الرويه ظهور فى بعض آراء ابداها آخرون من الصحابه فى مسائل، كبعض الذى قدمناه، وكالحديث المتفق عليه عن عائشه، قالت: (لو راى رسول اللّه(ص) ما احدث النساء بعده لمنعهن المسجد) وتمسك به طائفه من الفقهاء على انه اجتهاد ناظر الى المصلحه واختلاف الزمن، لكن رده آخرون ادركوا سر صدور مثل هذه الاراء، وانه عائد الى رويه غير صحيحه للوحى والرساله:

قال ابن حزم: اما ما حدثت به عائشه، فلا حجه فيه، لوجوه:

اولها: انه (ع) لم يمنعهن، فاذا لم يمنعهن فمنعهن بدعه وخطا .. وما نعلم احتجاجا اسخف من احتجاج من يحتج بقول قائل: (لو كان كذا لكان كذا) على ايجاب مالم يكن.

و الثانى: ان اللّه تعالى قد علم ما يحدث النساء، ومن انكر هذا فقد كفر، فلم يوح قط الى نبيه بمنعهن من اجل ما استحدثنه، ولا اوحى قط اليه ان اخبر الناس اذا احدث النساء فامنعوهن من المسجد! فاذا لم يفعل اللّه تعالى هذا فالتعلق بمثل هذا القول هجنه وخطا((915)).

كان ذلك عند بعض الصحابه اذن رويه للنص ومكانته ودوره ومدى الزامه.

وليس هذا عاما فيهم، بل كانت طائفه اخرى ترى ان دور العقل والاجتهاد انما يكون فى فهم النصوص، وتطبيقاتها، والاهتداء بها فى الاجتهاد فى ما لا نص فيه، بالقياس الشرعى فى ارجاع الفروع الى الاصول، او بمعرفه روح النص واهدافه، وروح الشريعه الاسلاميه ومقاصدها العامه، والتى منها رعايه مصالح العباد، وترى ان ذلك كله لا يخولها خيار نقض النص ومخالفته، اذ لا يمكن ان نتصور ان مصالح العباد تكمن فى نقض احكام اللّه تعالى ونسخها، مادمنا نومن بانها احكام اللّه تعالى، وانه جل شانه هو العالم بمصالح العباد وتقلب احوالهم، وانه انما انزلها لتتبع فلا تعصى ولا تهجر، وانما ارسل رسوله ليطاع فلا يرد له قول.


108

فكل ما نسب الى الصحابه من اجماع على فتوى فى خلاف النص فهو مصادره، وكل ما سمى اجماعا سكوتيا او اقراريا على امر من هذا القبيل، فهى دعوى لا تصح، وتحكم لا اصل له، وحتى مع افتراض وجوده فليس فيه حجه ما دامت الحجه فى النص قائمه، وهذا هو الاصل، لان القول بمثل هذا الاجماع يعنى (ايجاب مخالفه اوامره(ص) ما لم يجمع الناس عليها! وهذا عين الباطل، بل اذا تنازع الناس رددنا ذلك الى ما افترض اللّه تعالى علينا الرد عليه من القرآن والسنه، ولا نراعى ما اجمعوا عليه مع وجود بيان السنه)((916)).

والاجماع السكوتى قد انكره طائفه من الفقهاء، فلم يعدوه اجماعا ولاحجه، وهذا مذهب المالكيه، وقول الشافعى وداود الظاهرى، واليه ذهب الامدى والفخر الرازى والبيضاوى((917)).


109

الفصل الثالث-فقه الحكومه وتطوره فى ربع قرن

(11 - 35هـ)

خلاصه مدخل فى منهج البحث:

لا شك ان النظريه السياسيه التى يصوغها الماوردى فى القرن الخامس الهجرى لم تكن على هذه الدرجه من التحديد والوضوح عند الجيل الاول من الصحابه الذين عاصروا وفاه الرسول (ص) وواجهوا هذا التحدى الواقعى لاول مره فى تاريخ الاسلام.

ان التتبع التاريخى الدقيق لاحداث تلك المرحله يثبت بيقين تفاوتا كبيرا بين الصحابه فى طبيعه تصور فقه الحكومه الاسلاميه بعد الرسول (ص)، كما يثبت ايضا ان السنين والتجارب قد اضفت على ذلك التصور الشىء الكثير.. بل ان بعض الاتجاهات فى تفسير التاريخ قد جعلت الظروف اللاحقه، كحركه الفتوح الواسعه، عاملا اساسيا فى تغيير فقد الحكومه والنظريه السياسيه فى الاسلام تغييرا كاملا لتظهر بمعالم جديده وثوب جديد.

وقد بحثنا هنا فقه الحكومه فى نقاط لاجل تبرير المواقف المتباينه والمحافظه على الحدود الفاصله فى ما بينها، لتكون الصوره اكثر دقه وشمولا.. يتلوه البحث فى فلسفه الاماره فى هذه المرحله التاريخيه ذاتها.. ثم ادخلنا بحث (الحروب والفتوح) فى هذا الفصل للبحث فى ما اسند اليها من اثر فى فقه الحكومه، ولكون مبادىء الحروب عائده فى النهايه الى فقه الحكومه والسياسه.

مظاهر فقه الحكومه:

1- ابتدا السعى الى الخلافه عند الانصار، خوفا من مستقبل يتنازع فيه القرشيون فيغلب عليها اقوام منهم من اهل الدنيا طالما حاربهم الانصار على الدين. على هذا اجتمعوا فى سقيفه بنى ساعده، وبه صرحوا حين خاطبهم ابوبكر مذكرا بحق قريش وسبق المهاجرين، فقالوا له: (و اللّه ما نحسدكم على خير ساقه اللّه اليكم، ولا احد احب الينا ولا ارضى عندنا منكم، ولكنا نشفق مما بعد هذا اليوم، ونحذر ان يغلب على هذا الامر من ليس منا ولامنكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منكم بايعنا ورضينا، على انه اذا هلك اخترنا واحدا من الانصار، فاذا هلك كان آخر من المهاجرين، ابدا ما بقيت هذه الامه)((918)).

وحين كانت كلمه الانصار تميل الى سعد بن عباده الخزرجى، دب مثل ذلك الخوف فى نفوس بعض زعماء الاوس من الانصار انفسهم، تخوفوا ان يمسك الخزرجيون بالخلافه فلا يكون فيها للاوس نصيب، فانتهزوا اول فرصه سنحت لابعادها عن خصمهم ولو الى قريش((919)).

هكذا اذن جمعهم فرق، وفرقهم حسد، دونما مبدا فى الامامه يثبت عند المحك، وان كان قد ظهر فى بادىء امرهم مبدا (الاحق بالامامه) فركزوا على انهم احق الناس بخلافه الرسول، لنصرتهم حتى دان الناس لهذا الدين باسيافهم، فيما كان المهاجرون فى مكه لا يقدرون على نصره النبى ولا على اعزاز دينه ولا على دفع ضيم((920)).

2- السقيفه لم تجمع كل الانصار، ولا جلهم، فما عساها ان تجمع تلك الظله! بل كان كثيرهم غائبا عنها، لم يسمع بخبرها، وكان هولاء على رويه فى خلافه الرسول قد استقرت فى اذهانهم من قبل، ولا يظنون ان خلافا سيقع، او ان احدا تحدثه نفسه بخلاف! فكانوا مستسلمين ليقين كائن لا محاله! يقين شاركهم فيه عامه المهاجرين، اذ (كان عامه المهاجرين وجل الانصار لا يشكون ان عليا هو صاحب الامر بعد الرسول (ص))((921)). كانهم كانوا على نص صريح، او ما هو فى درجه النص الصريح من اقوال النبى(ص) وافعاله فى تقديم على (ع).

3 - الفريق الاول من الانصار، والذين انتهوا الى بيعه ابى بكر فى السقيفه (ندموا على بيعته، ولام بعضهم بعضا، وذكروا عليا، وهتفوا باسمه، وانه فى داره لم يخرج اليهم)((922)). عندئذ عادوا الى ما عرفوه من حق على، الذى دهشهم عنه فزعهم من استئثار قريش عليهم، ولكن بعد فوات الاوان! 4 - فلما هتف الانصار باسم على، جزعت لذلك رجال من قريش، كان فى طليعتهم: سهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعكرمه بن ابى جهل، والوليد ابن عقبه بن ابى معيط، وكلهم من مسلمه الفتح (الطلقاء)! فسعوا فى قريش يحذرونها من هتاف الانصار، ويحرضونها على الزامهم بتجديد البيعه لابى بكر، فان ابوا فليقتلوهم! وجاء دور ابى سفيان، فقال: يا معشر قريش، انه ليس للانصار ان يتفضلوا على الناس حتى يقروا بفضلنا عليهم.. وايم اللّه لئن بطروا المعيشه وكفروا النعمه لنضربنهم على الاسلام كما ضربونا عليه! فاما على بن ابى طالب فاهل واللّه ان يسود على قريش وتطيعه الانصار.


110

قال الزبير بن بكار: ثم قدم عمرو بن العاص من سفر كان فيه، فادلى بدلوه، وقال: لقد قاتلنا الانصار بالامس فغلبونا على البدء، ولو قاتلناهم اليوم لغلبناهم على العاقبه!((923)) ولم يحدثنا التاريخ الذى نقل هذه الخصومات ان ابا بكر او عمر قد استنكرا على هولاء طعونهم على الانصار، ولا ما صنعوه فى تهييج الفتنه.

ويلاحظ ايضا ان هولاء الذين تزعموا الفتنه ضد الانصار، وفى نصره بيعه ابى بكر، قد كانوا جميعا من وجوه قريش الذين قاوموا الاسلام عشرين عاما او تزيد! اما الذين ردوا عليهم وانتصروا للانصار فهم: على بن ابى طالب وفتيان بنى هاشم، وخالد بن سعيد بن العاص، وهو اول اموى اسلم، اسلم قبل عثمان، وكان قد امتنع عن بيعه ابى بكر وقال: لا ابايع الا عليا.

قال الزبير بن بكار: كان لخالد بن سعيد بن العاص ولاخيه اثر عظيم فى الاسلام، وهما من اول من اسلم من قريش ولهما عباده وفضل، فغضب للانصارو شتم عمرو بن العاص، وقال: (يا معشر قريش، ان عمرا دخل فى الاسلام حين لم يجد بدا من الدخول فيه، فلما لم يستطع ان يكيده بيده، كاده بلسانه)!!((924))

لكيد للاسلام:

وسام شوم! تقلده فى مطلع هذا العهد، وبعد ايام معدودات من وفاه الرسول(ص)، رجلان:

اولهما: ابو سفيان، حين قدم على امير المومنين على (ع) يحرضه على مناجزه القوم الذين بايعوا لابى بكر، ويقول له: (و اللّه لئن شئت لاملانها عليه خيلا ورجلا).

فقال له على (ع): (و اللّه انك ما اردت بهذا الا الفتنه، وانك واللّه طالما بغيت للاسلام شرا!! لاحاجه لنا فى نصيحتك)((925)). وثانيهما: عمرو بن العاص، كما وصفه من هو خير منه بلا خلاف، خالد بن سعيد المشهود له بالسابقه والفضل والاستقامه بعد الرسول(ص)، فقال فيه على الملا: (ان عمرا دخل فى الاسلام حين لم يجد بدا من الدخول فيه، فلما لم يستطع ان يكيده بيده، كاده بلسانه).

لكن ذلك الذى طالما بغى للاسلام شرا، وهذا الذى يكيد للاسلام بيده فان لم يستطع فبلسانه، هذان لم يجدا فى الحال من الخلافه ما يردعهما ويردهما خائبين، بل سيجدان شيئا فشيئا ما يقر اعينهما، حتى صارت لهما فى ما بعد اليد الطليقه والطولى فى الكيد وابتغاء الشر للاسلام.

انشد حسان بن ثابت:

تنادى سهيل، وابن حرب وحارث و عكرمه الشانى لنا ابن ابى جهل اولئك رهط من قريش تبايعوا على خطه ليست من الخطط الفضل وكلهم ثان عن الحق عطفه يقول‏اقتلوا الانصار،يابئس من فعل واعجب منهم، قابلوا ذاك منهم كانا اشتملنا من قريش على ذحل((926))

5 - ومبدا التفضيل، ظهر لاول مره عند انصار على (ع) الداعين الى حقه بالامامه، ردا على مبايعه ابى بكر، انشد عتبه بن ابى لهب بن عبد المطلب:

ما كنت احسب ان الامر منصرف عن هاشم، ثم منها عن ابى الحسن عن اول الناس ايمانا وسابقه و اعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهدا بالنبى، ومن جبريل عون له فى الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به و ليس فى القوم ما فيه من الحسن((927)) وانشد حسان بن ثابت:

جزى اللّه عنا والجزاء بكفه ابا حسن عنا، ومن كابى حسن؟ سبقت قريشا بالذى انت اهله فصدرك مشروح وقلبك ممتحن تمنت رجال من قريش اعزه مكانك، هيهات الهزال من السمن و انت من الاسلام فى كل موطن بمنزله الدلو البطين من الرسن حفظت رسول اللّه فينا وعهده اليك، ومن اولى به منك، من ومن؟ الست اخاه فى الهدى ووصيه و اعلم منهم بالكتاب وبالسنن؟!((928)) ويلحق بهذه الطائفه المهاجرون والانصار الذين قالوا: (لا نبايع الا عليا).

وحتى ذلك الحين لم يقل احد بتفضيل ابى بكر، وانما ظهر من بعضهم تفضيله بعد ذلك، وبعد ان استقر له الامر.

6- النص ايضا: كان عامه المهاجرين والانصار يعيشون فى محيطه ودائره تاثيره، حين كانوا لا يشكون فى ان الامر صائر الى على (ع) بعد الرسول.. وآخرون كانوا يصرحون به حيث تكون هناك ارضيه لذكره، كالذى ذكره ابن عباس لعمر، حين ساله عمر عن على، فقال: ايزعم ان رسول اللّه نص عليه؟ قال ابن عباس: نعم، وازيدك: سالت ابى عن ذلك، فقال:


111

صدق((929)). -وفى سوال عمر هذا ما يشير الى حقيقه كان يعلمها، وفى قوله لابن عباس بعد ذلك: (لقد كان من رسول اللّه فى امره ذرو من قول((930)) لا يثبت حجه ولا يقطع عذرا، ولقد كان يربع فى امره وقتا ما، ولقد اراد فى مرضه ان يصرح باسمه، فمنعت من ذلك..)! فى قوله هذا اكثر من دليل على تلك الحقيقه.

- تلك الحقيقه التى اقر بها حتى سعد بن عباده، فيما بعد، اذ ذكر عليا، فذكر فى امره نصا يوجب ولايته، نسيه الراوى! -فقال له ابنه قيس بن سعد: انت سمعت رسول اللّه(ص) يقول هذا الكلام فى على بن ابى طالب، ثم تطلب الخلافه، ويقول اصحابك: منا امير ومنكم امير؟! لا كلمتك واللّه من راسى بعد هذا كلمه ابدا!((931)) -وفى كلام آخر لابن عباس مع عمر وضوح تام، حين ذكر له عمر حق على (ع) فى الخلافه وكراهه قريش ذلك (كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه).

فتكلم ابن عباس فجعل حق الاختيار فى هذا الامر للّه تعالى، وليس لقريش، قال: (ان اللّه تعالى يقول: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيره) وقد علمت يا امير المومنين ان اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفقت واصابت) . . (وامير المومنين يعلم صاحب الحق من هو).

ثم انكر ابن عباس ان يكون لقريش حق النقض على هذا الخيار، فقال: (اما قولك ان قريشا كرهت، فان اللّه تعالى قال لقوم:

(ذلك بانهم كرهوا ما انزل اللّه فاحبط اعمالهم))!((932))

7 - الراى الاخر، الذى غلب الجميع، يقوم على مبدا حصر الخلافه فى قريش (فهم اولياوه وعشيرته، واحق الناس بهذا الامر من بعده، لاينازعهم الا ظالم) / ابو بكر الصديق - سقيفه بنى ساعده.

(من نازعنا سلطان محمد ونحن اولياوه وعشيرته، الا مدل بباطل، اومتجانف لاثم، او متورط فى هلكه؟!)/ عمر بن الخطاب - سقيفه بنى ساعده((933)).

(الا ان محمدا(ص) من قريش، وقومه اولى به، وايم اللّه لا يرانى اللّه انازعهم هذا الامر)/ بشير بن سعد الاوسى - سقيفه بنى ساعده.

وتمت الغلبه لهذا الراى فى داخل السقيفه بفعل الشق الذى احدثه كلام الانصارى الاوسى بشير بن سعد، ومبادرته الى مبايعه ابى بكر، وقبل ذلك بفضل مبادره المهاجرين الثلاثه الذين حضروا السقيفه الى ترشيح انفسهم ثم اتفاقهم على ابى بكر.

وتمت له الغلبه ايضا وراء السقيفه بفضل ما ابداه انصاره من حزم كبير، وجراه فائقه على اقتحام مجالس خصومهم والمنكرين عليهم، لياخذوا منهم البيعه ولو بغير رضى، فما انتصف نهار اليوم التالى حتى انجزوا اهم التدابير التى احرزت لهم الغلب، اذ وجدوا انفسهم قادرين على ان يجمعوا الناس فى المسجد فيلقوا عليهم خطب البيعه، فياتوا مبايعين، وان لم تجتمع قلوبهم على ذلك، حتى اذا خرجوا ظهر الخلاف، فانذر ابو سفيان بحرب! وهتف الانصار باسم على! واوشكت الفتنه بين قريش والانصار ان تنتهى الى حرب اباده حتى اخمدها على و خالد بن سعيد! فهى غلبه اذن تحققت داخل السقيفه، ثم خارجها فى مجتمع المدينه، ثم فى المسجد النبوى، وليس ثم فى المواضع الثلاث شورى، ولو ناقصه..

والحق ان هذه الغلبه قد تحققت بواكيرها قبل ذلك كله، وقبل وفاه الرسول(ص)، وفى بيته، منذ امر ان يكتبوا عنه وصيته الكبرى لئلا يضلوا بعده، فصاح عمر: (غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه) وصاح معه نفر بصيحته (فوق صوت النبى)! منذ ذلك الحين اقصى صوت الرسول(ص) عن التخطيط لمستقبل الاسلام والامه، وتغلب صوت عمر الذى قاد عمليه التخطيط لهذا المستقبل، يسابق الاحداث، ويراقبها بدقه وحذر حتى ساقها الى حيث يريد.

وقبل ذلك ايضا كانت بوادر اقصاء الرسول(ص) عن موقع القياده والتخطيط، حين اكثروا فى الاعتراض على تامير اسامه رغم ان النبى(ص) قد نص على امارته وعقد له اللواء بيده! وحين ترددوا فى الخروج معه وتباطووا وتعللوا، والنبى(ص) يكرر امره مره بعد اخرى: (انفذوا بعثه اسامه)! حتى توفى النبى ولم تنفذ البعثه! فمع مثل تلك الحقائق الثابته بلا جدال، هل سيبقى موضع لاعتراض معترض يقول: لو كان هناك نص على على لاحتج به؟ انه اعتراض فى منتهى السذاجه، فاين سيقع احتجاج على بالنص وانت ترى موقفهم من النص وهو يخرج من فم النبى(ص) موكدا، ومحاطا بكل دواعى الاصغاء والتسليم؟! واين سيقع نص النبى عندهم، وانت ترى كيف استطاعوا اقصاء النبى بنفسه عن موقع القياده والتخطيط، بل حتى عن موقع الارشاد، بشعارهم الجديد (حسبنا كتاب اللّه)؟!


112

8 - اذن بمبدا الغلبه، ومبدا حق القرابه، تحقق اختيار اول الخلفاء، عبداللّه ابن عثمان التيمى (ابى بكر بن ابى قحافه).

ثم مبدا الغلبه الواقعيه هذا سرعان ما وصفه بعضهم بانه شورى، ليصبح الاصل فى اختيار الخليفه هو (الشورى) مع التزام (حق القرابه) فلا تخرج الخلافه عن قريش، ولا ينازعهم الا ظالم.

وامام هذين المبداين - الشورى والقرابه - جاء احتجاج على (ع) بقوله:

فان كنت بالشورى ملكت امورهم فكيف بهذا والمشيرون غيب؟! وان كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك اولى بالنبى واقرب!((934)) فليس ثمه شورى، انما كان فى السقيفه غلبه، فتغلب النفر من المهاجرين ودفعوا سعدا عن موقع رشحه اليه طائفه من الانصار، حتى قال قائلهم (اقتلوا سعدا، قتل اللّه سعدا)!((935)) اما وراء السقيفه فكانت دعوه حاسمه لا مجال للراى فيها والرد عليها .. وحول بنى هاشم كان اقتحام الديار ونذير بالحريق! وبهذه الصوره الاخيره اقر عمر حين وصف طريقه الانتخاب تلك بانها (فلته، لكن وقى اللّه شرها - فمن عاد لمثلها فاقتلوه)((936)). 9 - ان النبى(ص) قد ترك الامر بالكامل للامه، فلم ينص على احد، ولم يوص، ولم يعهد، ولم يهد الامه الى رجل تبايع له بالطاعه فيقودها على المحجه البيضاء..

هذا هو المبدا الاساس، الذى يقوم عليه كل مبدا لاحق، من شورى، اوغلبه، او نظريه قرابه او غير ذلك.

فكان الاصل الاول الذى قام عليه العهد الجديد: ان النبى لم يستخلف، وان الحق للامه، وهى التى تختار لنفسها.

10 - لما قارب ابو بكر الموت دعا كاتبه عثمان بن عفان فاملى عليه عهده الى خليفته عمر بن الخطاب، وما على الناس الا ان يبايعوا له، فهو عهد ونص، لاخيار فيه لاحد.

فاذا كان ابو بكر بالامس قد آمن بحق الامه، فهو اليوم ينقض ذاك الايمان، وينتزع ذلك الحق من الامه!

11 - ثم جاء عمر، فقال: ان استخلف فقد استخلف من هو خير منى - يعنى ابا بكر - وان اترك فقد ترك من هو خير منى، يعنى رسول اللّه(ص). فجعل سنه ابى بكر، وسنه رسول اللّه سواء، يقتدى بايهما شاء! -ثم قال: لو كان ابو عبيده حيا لوليته! لو كان معاذ بن جبل حيا لوليته! لو كان سالم مولى ابى حذيفه حيا لما جعلتها شورى! فنقض المبداين معا: الشورى (حق الامه)، والقرابه (الائمه من قريش)، لان معاذا كان من الانصار وسالم مولى ابى حذيفه فارسى النسب! -ثم جعلها شورى بين سته اختارهم هو بنفسه، ولم تكن الامه هى التى اختارتهم! فهو اقرب الى النص منه الى الشورى.

12 - وفى عهد عثمان ظهر مبدا جديد، قال عثمان: (ما كنت لاخلع سربالا سربلنيه اللّه)((937)) قالها حين طلبوا منه ان يعزل الولاه الفاسدين ويستبدلهم بالصالحين من الصحابه، فلم يستطع، او لم يفعل، فطلبوا اليه ان يعزل نفسه عن الخلافه مادام عاجزا عن لاصلاح ليختاروا الخليفه الاقوى، فرد عليهم بجوابه ذاك، الذى الغى اى حق للامه حين جعل الخلافه هبه من اللّه تعالى، اذا وهبها احدا فلا يحق له التنصل منها باى عذر، ولا يحق للامه ان تاخذ على يده وتستبدله بغيره ان هو شذ عن الجاده.

هذا المبدا لم يكن يعرفه ابو بكر من قبل، حين قال: (اقيلونى، لاحاجه لى فى بيعتكم)((938)) فلم يكن يرى الخلافه سربالا سربله اياه اللّه فلا يحق له خلعه، بل رآها عقدا بينه وبين من بايع له، فلهم ان يخلعوه، كما كان لهم ان يبايعوه.

اما مروان بن الحكم فقد عبر عن هذا المبدا بلغته الخاصه، حين وقف على باب عثمان وهو محصور، فخاطب الناس بامر من عثمان، فقال لهم: (جئتم تريدون ان تنزعوا ملكنا من ايدينا؟!)((939)) فلم يكن مروان يدافع عن خليفه ونظام خلافه، انما كان يدافع عن ملك فى ايديهم! وهذا انحطاط كبير فى فهم الخلافه ونظام الحكم فى الاسلام، كان حريا بالخليفه ان يتداركه، لكنه الفهم الذى استقر فى اذهان كبراء بنى اميه منذ البدايه، ولم يتزعزع، فقديما نظر ابو سفيان الى جيوش الرسول(ص) تحيط بمكه من جوانبها، فالتفت الى العباس فقال له: (لقد اصبح ملك ابن اخيك عظيما)! لكن العباس ردعه فى الحال فقال له: ويحك، انها النبوه! كان ذلك بعد ان اسلم ابو سفيان ونطق بالشهادتين، لا قبل اسلامه!((940)) وبقى هذا التصور، الذى لم يصدر عن فهم للاسلام ولو فهما منحرفا، وانما صدر عن طباعهم وامزجتهم فهو لا يفارقها ولا ينفك عنها، بقى يقودهم ويوجه سياساتهم حتى جعلوا الخلافه ملكا مطلقا، يتوارثونه على سنن لا تشبه فى شى‏ء سنن الاسلام، ولا تهتدى بشى‏ء من هديه، فلا ينظرون فى الملك الى فضل ولا دين ولا علم ولا عدل ولا شورى امه، ولا شورى اهل الحل والعقد، انما هى الوراثه لا غير، الا ان يتغلب متغلب بالسيف، لينتقل الملك وراثه الى بنيه، كما حصل مع مروان بن الحكم.


113

13 - بعد مقتل عثمان فى اجواء من الغضب الجماهيرى العارم، لم يكن ثمه فرصه للخليفه ان يوصى او يعهد لاحد بخلافته، ولا ثمه فرصه تسنح لطامح، او مجتهد فى مصلحه يقدرها، فينفذ منها الى مرامه.

فكان لاول مره فى تاريخ الخلافه الاسلاميه ان تطلق الجماهير صوتها، فى خيار جماهيرى شجاع، ليتم بهذه الطريقه الجماهيريه انتخاب الخليفه الجديد.

وهذا لا يعنى بالضروره سلامه ونقاء هذه الحركه الجماهيريه فى جميع خطواتها، اذ لا يمكن ان يستشف من تفاصيل احداثها انها كانت تتحرك وتتطور وفق اهداف مرسومه طبق احكام الشريعه وموازينها، بل لم تكن النتيجه التى بلغتها داخله فى حسابها، وانما سيقت اليها سوقا حين الجاها اليها اصرار عثمان، واستفزها تمادى مروان.. فلقد كانت كتائبها قد رجعت الى اوطانها بمجرد ان وعدها عثمان خيرا، لكن اثارها من جديد والهب غضبها ما صنعه مروان فى قلب قرار عثمان، وفى تزوير كتاب الى اهل مصر على لسان عثمان وبختمه! وحتى بعد ذلك كله لم تكن هذه الجموع الغاضبه تحسب ان الامر سينتهى الى مقتل عثمان، لم تكن تحسب انه سيصر كل هذا الاصرار على ابقاء جميع عماله الذين شكاهم الناس، او ان يتردد عن رد المظالم، او عن ابعاد مروان عن دار الخلافه ومركز القرار ثم بعد ذلك كله يمتنع عن اعتزال الخلافه ويختار القتل!!

الولاه وتبادل الادوار:

ابتدا فى السقيفه مبكرا تحديد وجهه نظر المهاجرين فى تعيين الولاه على الامصار والمستشارين، اذ كان ابو بكر قد شارط الانصار على الفور ان يكون الولاه منهم، فقال: (منا الامراء - اى الخلفاء - ومنكم الوزراء)((941)).

فلما استقرت الخلافه لابى بكر، قال له ابو عبيده: انا اكفيك المال، وقال له عمر: انا اكفيك القضاء. فكانا معا وزيرا ابى بكر ويداه، وهما صاحباه اللذان اتما له الامر فى السقيفه.

ولما انقضت حروب الرده ومانعى الزكاه عن الخليفه، وشرع ابو بكر يعين امراء الاجناد والولاه، ابتدا ببنى اميه وغيرهم من قريش دون الانصار، فاختار خالد بن سعيد بن العاص وهو رجل صالح ترضاه الانصار، لكن عمر اصر على ابى بكر ان يعزله لانه كان قد صرح بميله الى على وتاخر عن بيعه ابى بكر شهرين! فعزله ابو بكر واختار يزيد بن ابى سفيان، عند ذلك رضى ابو سفيان وترك الانكار على ابى بكر! وانتدب مع يزيد بن ابى سفيان اخاه معاويه وسهيل ابن عمرو.

ثم اختار بعده: عمرو بن العاص الى فلسطين، وامره عليها.

واختار الوليد بن عقبه بن ابى معيط على الاردن، وامره عليها.

واختار خالد بن الوليد على الجند كله وعلى فتوح العراق((942)). وهولاء الثلاثه - عمرو والوليد وخالد ومعهم سهيل بن عمرو - قد كانوا اشد قريش على الانصار، وكانوا راس الفتنه بين المهاجرين والانصار، الا انهم كانوا يخوضون ذلك كله فى نصره خلافه ابى بكر((943)).

فكان حظ بنى اميه والاتجاه القريش المحالف لهم هو الاوفر، وحظ الانصار هو الادنى، ولم يرفع منه كثيرا اختيار معاذ بن جبل عاملا على الجند((944))، وزيد بن ثابت على جمع القرآن الكريم، فما زال اولئك هم الاوفر حظا والاقوى موقعا، فجيوش المسلمين كلها تحت امره رجالهم: خالد بن الوليد، ويزيد بن ابى سفيان، وعمرو بن العاص، والوليد بن عقبه، ومعاويه بن ابى سفيان، وسهيل ابن عمرو، وعكرمه بن ابى جهل ايضا الذى كان اخيرا على جند كبير فى حروب المرتدين ومانعى الزكاه عن الخليفه، وهو خامس القرشيين الذين كانوا وراء الفتنه بين المهاجرين والانصار، يطعنون الانصار ويدعون الى قتلهم! وما زال رجال الاتجاه الاموى القرشى هم المعتمدون على الولايات الهامه: الشام وفلسطين والاردن والعراق. وهذا ما كان يخشاه الانصار منذ البدء، وحق لهم ان يخشوه.

وحين نستقبل الايام الجديده نرى الطريق تتسع امام بنى اميه، فيما تضيق امام الانصار .. فلقد احسن عمر ظنه باولئك النفر من بنى اميه وحلفائهم، ووسع فى سلطانهم مطلع خلافته منذ ثبت معاويه خلفا لاخيه على دمشق، واضاف اليه بعلبك والبلقاء، وولى عمرو بن العاص فلسطين والاردن، ثم بعثه الى مصر فافتتحها فولاه عليها.

وغير هولاء كان لعمر ولاه صالحون منهم: عمار بن ياسر، وحذيفه بن اليمان، وعبد اللّه بن مسعود، وسعد بن ابى وقاص، وآخرون، كما عمل له ابو هريره والمغيره بن شعبه وغيرهم، وما زال الانصار عند مثل حظهم الاول، فحين تقدم حذيفه بن اليمان فى الكوفه كان معاذ بن جبل قد توفى قبل ذلك فى الشام، وسهل بن حنيف الذى ارتفع اسمه الان لم تكن له ولايه ولا جيش، وانما كان مشرفا على مسح اراضى العراق المفتوحه حديثا، فبينهم وبين بنى اميه بون شاسع، بل ربما يبدو - قياسا بعهد الرسول - تبادلا فى المواقع، فما كان عليه الانصار من عز ومنزله عند الرسول، قد تمتع اليوم بها بنو اميه عند الخلفاء، وتقهقر الانصار الى الوراء! اما بنو هاشم، آل الرسول، فهم الوجه المغيب بالكامل حتى الان، وهنا تكتمل حقيقه تبادل الادوار.


114

وبعد عمر اخذت تلك الظاهره تتسع بشكل خطير، منذ ان جمع عثمان لمعاويه الشام كلها فصار حاكما واسع السلطان له عماله الذين يختارهم هو على الولايات التابعه له، وجيوش عظيمه تحت امرته، ثم احكم بنو اميه قبضتهم، وامتد نفوذهم الى مجلس الخليفه وادراته وقراره، ساعد على ذلك كله امور سلكها الخليفه فى سياسته الجديده فى السنين الست الاخيره من حكومته، حين اعتمد رجالا من بنى اميه تعرفهم الامه بالفسوق والفجور، فاستطالوا على الناس، واستاثروا بالاموال، وقد كان الخليفه نفسه قد فتح لهم هذا الباب حين آثرهم على الناس، فمنح الحكم بن ابى العاص خمس غنائم افريقيا! ومنح مروان ابن الحكم فدكا، التى كانت لفاطمه الزهراء فاخذها ابو بكر وجعلها فى خزينه‏الدوله للشوون الحربيه خاصه .. هذا وقد كان الحكم طريدا طرده رسول‏اللّه(ص) هو وولده مروان لانه كان يعيب على النبى(ص) ليضحك المنافقين، وبقيا طريدين مده خلافه ابى بكر وعمر، ثم اعادهما عثمان وحازا منه على تلك المنح، وترقى امر مروان حتى اصبح صاحب النفوذ حتى على قرار الخليفه نفسه! ومن غرائب التاويل ما قاله ابن تيميه فى تبرير قرار عثمان فى اعادتهما الى المدينه، قال: (و غايه النفى المقدر سنه، وهو نفى الزانى والمخنث، واذا كان كذلك فالنفى كان فى آخر الهجره ، فلم تطل مدته فى زمن ابى بكر وعمر، فلما كان عثمان طالت مدته)!!((945)) وهكذا تبلغ السخريه مداها حين تكون العصبيه هى رائد الفكر والقول.

تلك هى اهم معالم الثقافه والسياسه والاداره التى تبناها المسار الجديد، لتشكل مجتمعه معالم فرقه متكامله، سوف تنمو وتتطور لاحقا، ثم تنقسم الى فرق شتى، تكاد تلتقى جميعها عند هذه المعالم، الاصول.

الحروب والفتوحات فى ربع قرن:

انقضى معظم السنه الاولى من خلافه ابى بكر فى حروب داخليه كبيره وخطيره، شغلت احدى عشره جبهه، جهز لها احد عشر جيشا حتى اخمدها، ثم توجه فى السنه التاليه الى الفتوحات.

الحروب الداخليه:

لقد توزعت تلك الحركات الداخليه على طائفتين رئيسيتين:

الطائفه الاولى: المرتدون، الذين اعلنوا جهره ارتدادهم عن الاسلام الى اديان اخرى، وهولاء قبائل، بعضها ادعى روساوها النبوه، اولهم: مسيلمه الكذاب، على قبيله بنى حنيفه، شرقى جزيره العرب، ادعى النبوه قبل وفاه النبى(ص). ثم الاسود العنسى بصنعاء، كلاهما ادعى النبوه اما قبيل حجه الوداع او بعدها فى مرض النبى(ص) وحين كان يعد جيش اسامه لردع الروم((946)). ثم ادعى النبوه طليحه بن خويلد الاسدى فى بلاد بنى اسد، فى مرض النبى(ص) الذى كانت فيه وفاته((947)).

ثم ادعت النبوه سجاح بنت الحارث التميميه بعد وفاه الرسول (ص)، وكان رجل من اصحابها ينشد شعرا:

امست نبيتنا انثى نطيف بها واصبحت انبياء الناس ذكرانا وانتهى امرها ان تزوجها مسيلمه فى قصه تنبى‏ء عن المستوى المتدنى الذى كانت عليه اعراب تلك القبائل((948)).

والطائفه الثانيه: قبائل من المسلمين لم يرضوا بالبيعه لابى بكر، فامتنعوا عن اداء الزكاه له، فبعضهم حبسها، وبعضهم توقف يترقب ما يصير اليه امر الخلافه، وبعضهم قال: ناخذها من اغنيائنا ونعطيها فقراءنا.

وقد تاخر قتال هذه الطوائف جميعا حتى عاد اسامه وجيشه، اذ كان ابو بكر قد سيره حيث امره النبى(ص) بعد ان استقر امره فى الخلافه وهدات النزاعات بين القرشيين والانصار.

فنفذ اسامه ما كان قد امره به النبى(ص) من قبل، ولم يقع قتال، واستغرقت حملته اربعين يوما سوى مقامه ومنقلبه راجعا((949)). بعد ذلك عزم ابو بكر على مقاتلتهم، دون تمييز بين مرتد، وبين مانع للزكاه، او متريث فيها، او موديا لها الى قومه دون الخليفه.

انتصارات: كانت كلمه المسلمين على مقاتله المرتدين واحده، بل كان هذا القتال اهم داع الى توحيد الكلمه فى المدينه المنوره عاصمه الخلافه، اذ كانت حروبا طويله وكثيره، وان تخللها حروب مع الطائفه الثانيه، فكان ذلك مبررا كافيا عند على (ع) لان ينهى عزلته عن الخليفه والدوله، ويدعو ابا بكر الى بيته ليبايع له، وفى ذلك قال على (ع) ايام خلافته مبينا سبب بيعته لابى بكر وانهاء مقاطعته، قال: (فامسكت يدى حتى رايت راجعه الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد(ص) فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله ان ارى فيه ثلما او هدما تكون المصيبه به على اعظم من فوت ولايتكم التى انما هى متاع ايام قلائل...) ((950)).


115

منعطفات حرجه: مع الطائفه الثانيه كانت منعطفات حرجه استطاع الخليفه ان يخرج منها بحزم كبير، قطع دابر المنازعات بجراه وبحسم لا يشوبه تردد:

-فبادى‏ء الامر استطاع ان يصور موقف هذه القبائل على انه تعطيل لفريضه الزكاه، لا غير، ويسدل ستارا كثيفا امام اعتراضهم على الخلافه، الذى كان هو الاصل وهو الاساس فى امتناعهم عن اداء الزكاه الى الخليفه! لقد كان لهذه القبائل، او بعضها، كلام صريح فى استنكار بيعه ابى بكر، واستنكار موقف قريش فى ابعاد خلافه النبى عن اهل بيته:

-فهذا حارث بن سراقه، احد شيوخ كنده فى حضرموت يقول: (نحن انما اطعنا رسول اللّه(ص) اذ كان حيا، ولو قام رجل من اهل بيته لاطعناه، واما ابن ابى قحافه فلا واللّه ما له فى رقابنا طاعه ولا بيعه)! ثم انشد فى ذلك ابياتا، اولها:

اطعنا رسول اللّه اذ كان بيننا فيا عجبا ممن يطيع ابا بكر((951)) -والاشعث بن قيس، زعيم كنده، كان يقول لقومه: (ان كنتم على ما ارى فلتكن كلمتكم واحده، الزموا بلادكم، وحوطوا حريمكم، وامنعوا زكاه اموالكم، فانى اعلم ان العرب لا تقر بطاعه بنى تيم بن مره، وتدع سادات البطحاء من بنى هاشم الى غيره..)((952)).

-وبنو ذهل، من كنده، سار اليهم زياد بن لبيد امير حضرموت، يدعوهم الى السمع والطاعه، فقالوا له: انك لتدعو الى طاعه رجل لم يعهد الينا ولا اليكم فيه عهد! قال زياد: صدقتم، فانه لم يعهد الينا ولا اليكم فيه عهد، ولكنا اخترناه لهذا الامر.

فقالوا له: اخبرنا لم نحيتم عنها اهل بيته وهم احق الناس بها؟! لان اللّه يقول: (والوا الارحام بعضهم اولى ببعض فى كتاب اللّه).

فقال زياد لمتكلمهم: ان المهاجرين والانصار انظر لانفسهم منك.

فقال له الحارث بن معاويه الذهلى الكندى: لا واللّه، ما ازلتموها عن اهلها الا حسدا منكم لهم! وما يستقر فى قلبى ان رسول اللّه(ص) خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علما يتبعونه!! فارحل عنا ايها الرجل فانك تدعو الى غير رضا.

فوثب آخر من قومه فقال: صدق واللّه الحارث، اخرجوا هذا الرجل عنكم، فما صاحبه باهل للخلافه، ولا يستحقها بوجه من الوجوه، وما المهاجرين والانصار بانظر لهذه الامه من نبيها محمد(ص)!!((953)) فهولاء افصحوا عن نداء الفطره والبداهه، واتوا بحجج لا يصمد امامها كل ما خرج به اختيار السقيفه من حجج.

فاين هذه المواقف من دعوى منع الزكاه وتعطيل حد من حدود اللّه؟! فلو كانت قريش قد اختارت من حيث اختار اللّه ورسوله لها، لكان هولاء وامثالهم من اطوع الناس لها، ولما كان شى‏ء من هذه الحروب الطاحنه التى ذهبت بالاف الانفس رجالا وصبيانا ونساء، بل لكانوا للاسلام وامته قوه على قوه.

وانكى من هذا ان ياتى التاريخ فيدرج هولاء فى المرتدين، فلا تجد لهم ذكرا فى مدونات تاريخنا الا فى باب (حروب الرده) ثم ياتيك العنوان الخاص بهولاء مثلا ضمن هذا الباب، لنقرا فى تاريخ الطبرى: (ذكر خبر حضرموت فى ردتهم)!! وفى فتوح ابن اعثم: (ذكر ارتداد اهل حضرموت من كنده ومحاربه المسلمين اياهم)!! فهذا اليق بالتاريخ (الرسمى) لا تاريخ (الامه) الذى يحفظ قضاياها بامانه.

نزاع كنده: الحق الذى لا تقرا غيره فى كتب التاريخ ان كنده هذه واهل حضرموت لم يبداوا نزاعا، ولا صرحوا باستنكارهم هذا حتى استفزهم الامير زياد بن لبيد، ثم زادهم صلابه ما بعثه لهم من تهديد بالحرب، بعد ان ساق ابل الصدقه التى كانوا قد اعطوها ابتداء، وابتعد عن ديارهم! وكل الذى دعا الى هذا التهديد الذى جر وراءه حروبا طويله، نزاع فى ناقه واحده، نعم واحده، اخذها الامير ووسمها بوسام الصدقات وكان صاحبها مولعا بها، فالتمس الامير ان يعيدها اليه وياخذ مكانها ما يشاء، فابى الامير، فاستشفع هذا بكبير قومه حارث بن سراقه، فلم يشفعه الامير! فانطلق حارث الى الناقه فردها الى صاحبها، فغضب زياد وخرج وساق معه الصدقات حتى ابتعد عن ديارهم فارسل الصدقات الى ابى بكر وبقى هو وجنده فبعث الى اهل حضرموت يهددهم بالحرب، وقصد ذهل فسمع منهم ما سمع من استنكارهم على قريش تقديم ابى بكر وتاخير بنى هاشم، فرجع الى ابى بكر يخبره خبر هذه‏القبائل (انها ازمعت على الارتداد والعصيان)! هكذا يصفها التاريخ، فجهز له‏ابو بكر جيشا لمحاربتهم، وامده بعكرمه بن ابى جهل فى من معه من الجند((954)).


116

مازق مالك بن نويره: والمازق الحرج الاخر الذى وقعت فيه الدوله كان: مازق مالك بن نويره! الذى غط‏ى بماصحبه من بشاعه على كل ما حدث من مذابح كان ينبغى الا تسيل فيها قطره دم واحده:

مالك استعمله النبى(ص) على صدقات قومه، فلما بلغته وفاه النبى، فرق الصدقات على فقراء قومه، ولم يبعث بها الى الخليفه، وانشا يقول:

فقلت خذوا اموالكم غير خائف و لانظر فيما يجى‏ء من الغد فان قام بالدين المحوق((955))قائم اطعنا، وقلنا الدين دين محمد فمشكلتهم اذن مشكله الخليفه القائم بعد النبى(ص)، كانوا يريدون الخليفه الذى تطمئن له قلوبهم وتنقاد له نفوسهم، عندئذ لا تمرد ولاعصيان! ومع ذلك فان مالكا حين نشبت الحروب الداخليه نهى قومه ان يتجمعوا، وامرهم ان يتفرقوا فى حيهم تجنبا لما قد يكون فى نظر الخلافه، وسائر القبائل، تحزبا واستعدادا لحرب، وفى حالهم هذه دهمتهم خيول سرايا خالد فما راعهم الا الخيل تحيط بهم، فدهشوا لذلك وقالوا: من انتم؟ قالوا: نحن المسلمون! قال مالك واصحابه: ونحن المسلمون! قالوا: فضعوا اسلحتكم ان كنتم صادقين. فوضع اصحاب مالك اسلحتهم، فاذن اصحاب خالد، واذن اصحاب مالك، وصلى اصحاب خالد فصلى اصحاب مالك معهم فى صلاه واحده، بعد ذلك ساقوهم اسارى الى خالد، فكانت طائفه فيها مالك وزوجته وبنى عمه، فامر خالد ان يقتل رجالهم صبرا امام مالك! فصاحوا: انا مسلمون، فعلى ماذا تامر بقتلنا؟! قال: واللّه لاقتلنكم!! فضربت اعناقهم صبرا واحدا بعد واحد، ثم جاء الدور لمالك، فلم يشفع له عند خالد احتجاجه باسلامه وصلاته، ولا شفع له شهاده ابى قتاده الانصارى الذى كان على الخيل التى حصرتهم! ادرك مالك مافى نفس خالد، فالتفت الى زوجته وهى معه وكانت على درجه من الجمال، وقال لخالد: بهذه تقتلنى! قال: بل اللّه يقتلك! لكن قتله خالد، وسرعان ماصدق ظن مالك، فحاز خالد زوجته فتزوجها من يومها!! اقبل ابو قتاده بالنبا الى الخليفه، وكان قد عاهد اللّه الا يشهد مع خالد حربا بعد هذه! وتكلم عمر فى خالد عند ابى بكر رجاء ان يقيم عليه حد اللّه، لقتله هولاء المسلمين، ودخوله بزوجه المقتول من ليلتها، قال: (عدو اللّه، عدا على امرى‏ء مسلم، فقتله، ثم نزا على امراته)! لكن عند ابى بكر راى آخر، فرد على عمر قائلا: (هيه يا عمر! تاول فاخطا، فارفع لسانك عن خالد)! هذا مع انه اقر بان مالكا واصحابه كانوا مسلمين لم يرتدوا، فوداهم ورد سباياهم!((957)) ولقد ازرى ابن الاثير عند ترجمته لمالك بن نويره فى (اسد الغابه) على المورخين الذين صنفوا فى تراجم الصحابه ولم يذكروا مالكا، مع ان كل شى‏ء يدل على اسلامه، ومع انهم ذكروا رجالا ابعد من هذا بكثير! × وهذه هى المره الاولى فى تاريخ الاسلام يظهر فيها هكذا حكم لهكذا حدث: - قتل مسلمين مع اقرارهم بالاسلام واذانهم وصلاتهم، واللّه تعالى يقول: (ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مومنا تريدون عرض الدنيا)!! هذا مع المشركين عبده الاوثان، فكيف بالمسلمين؟ ثم الدخول بامراه مسلمه قتل زوجها ضحى اليوم! ثم يكون جزاء ذلك: (تاول فاخطا)! ولعل هذه الحادثه وهذا الحكم، هى التى فتحت باب (التاول) فى القتل والقتال، وجرات المفتين ان يقولوا لكل من صنع ذلك ممن احبوه وارتضوه، مهما اسرف، بانه تاول فاخطا، ولما كان المتاول المخط‏ى‏ء له اجر على اجتهاده فى الدين، فهولاء ماجورون اذن على هذا الصنيع واضرابه.. ولا غرابه ما دامت الفتوى فى خدمه الاتجاه الرسمى الغالب!

الفتوحات:

فى اواخر السنه الثانيه من خلافته، 12 ه ، وقد فرغ من الحروب الداخليه، الدينيه والسياسيه، امر خالد بن الوليد بالتوجه الى العراق لمناصره المثنى بن حارثه الشيبانى الذى يخوض مع الفرس حروبا اضعفته كثيرا، فخاض خالد سلسله حروب مع الفرس فى عده نواح، وقد صالحته هذه النواحى كلها على الجزيه((957)). وفى مطلع (13 هـ ) عزم ابو بكر على محاربه الروم، فشاور جماعه من اصحاب رسول اللّه(ص)، فقدموا واخروا، فاستشار على بن ابى طالب، فاشار عليه ان يفعل، وقال له: ان فعلت ظفرت. فقال: بشرت بخير((958)).

لكن الناس لم يكونوا سراعا فى تلبيه امر ابى بكر، بل حين امرهم بالتجهز سكتوا، حتى قام عمر فقال: (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعتموه)!((959)) فرد عليه عمرو بن سعيد بن العاص: لنا تضرب امثال المنافقين يا ابن الخطاب! فما يمنعك انت ما عبت علينا فيه؟! فاسكته اخوه خالد بن سعيد وقال: ما عندنا الا الطاعه.


117

فاختاره ابو بكر لقياده الجيوش وعقد له اللواء، لكن ثناه عمر، فقال: اتولى خالدا وقد حبس عنك بيعته وقال لبنى هاشم ما بلغك؟ فحل لواءه ودعا اربعه رجال، هم: يزيد بن ابى سفيان، وشرحبيل بن حسنه، وابوعبيده بن الجراح، وعمرو بن العاص.

وعلى ايدى هولاء الاربعه كانت طلائع فتوح الشام.

ثم امدهم بخالد وجنده، فكانت حروب عظيمه يحقق فيها المسلمون انتصارات متواليه، افتتحوا خلالها عده مدن اهمها:

بصرى، وفحل، واجنادين من فلسطين، وآخرها كانت اجنادين فى 27 - 28 جمادى الاولى/ سنه 13هـ .

و توفى ‏ابوبكرفى 2221 جمادى‏ الاخره‏من سنه‏13هـ (اواخرآب /634 م) والحروب قائمه فى العراق والشام.

و ولى عمر: فكان اول عمل يقوم به، ان رد سبايا الحروب الداخليه (الدينيه، والسياسيه) الى عشائرهم، وقال: انى كرهت ان يصير السبى سنه على العرب!((960)) اجراء اصلاحى هام، تدارك خطا سياسيا وشرعيا وقع بحق القبائل المسلمه التى رفضت ان تبايع لابى بكر، وفيها نساء اصبحن سبايا يتقاسمهن الجنود الفاتحون، ليصبحن مرغمات على الاذعان للرده، والا صرن بغايا! فانتزع منهن الدين عنوه، وانتزعت منهن الحريه والاحصان والطهر عنوه، وذنبهن ان رجال القبائل رفضوا البيعه لابى بكر وطلبوا ان يخلف النبى سيد اهل بيته! وكان عمر عاد الى رايه الاول فى خلاف ابى بكر فى محاربه (مانعى الزكاه) عن الخليفه.

ثم واصل عمر حروب الفتوح، فعزز جيوش المثنى بن حارثه الشيبانى بجيش عليه ابو عبيد بن مسعود الثقفى، ثم امدهم بجرير بن عبداللّه البجلى فى جيش من اهل اليمن، فتوغلت هذه الجيوش فى نواحى العراق، لكن عاد الفرس فطردوهم منهاالى الاطراف، فاستشار عمر وجوه الصحابه فى ان يخرج بنفسه فى جيش آخر لمواصله الحرب، فاشار عليه بعضهم بذلك، فاستشار عليا فنهاه عن الخروج بنفسه وبين له خطا ذلك فى كلام كاشف عن عمق الحكمه والصدق والامانه، فى كلام طويل، منه: (نحن على موعود من اللّه، واللّه منجز وعده، وناصر جنده.. ومكان القيم بالامر مكان النظام من الخرز، يجمعه ويضمه، فاذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره ابدا.. والعرب اليوم وان كانوا قليلا، فهم كثيرون بالاسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا، واستدر الرحا بالعرب .. انك ان شخصت من هذه الارض انتقضت عليك العرب من اطرافها واقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات اهم اليك مما بين يديك.. ان الاعاجم ان ينظروا اليك غدا يقولوا: هذا اصل العرب، فاذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك اشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك)!((961)) فكان حقيقا بالقوم ان يطاطئوا عنده، حقيقا بعمر ان يتواضع امام جبل من المعرفه والاخلاص والحكمه! وقد استبشر بها عمر، ففيها تماسك الدوله، وفيها اخبار بالنصر والفتح، فامر سعد بن ابى وقاص فى ثمانيه آلاف مقاتل، فكان النصر على يديه فى القادسيه، ثم المدائن، ثم جلولاء، وفيها آخر هزائم الفرس فى العراق.

اما الشام، فقد ابتدا عمر فيها باقصاء خالد عن قياده الجيش، واستبداله بابى عبيده، لرايه السابق فى خالد ولكلمه قالها فيه خالد اثر ذلك، وكان خالد فى تلك الاثناء يحاصر دمشق، فستر ابو عبيده الكتاب حتى توالت عليه كتب الخليفه فعلم خالد بالامر، ووصل كتاب آخر من عمر الى ابى عبيده: (ان كذب خالد نفسه فى ما كان قاله فعمله، والا فانزع عمامته وشاطره ماله)! فابى خالد ان يكذب نفسه، فقام بلال فنزع عمامته، وشاطره ابو عبيده ماله حتى نعله، فافرد واحده عن الاخرى! واستقر ابو عبيده فى قياده الجيش، وبقى خالد على كتائبه، والقاده الاخرون كذلك: يزيد بن ابى سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنه، فافتتحوا دمشق، وحمص، وقنسرين، وحلب.

ثم بعث عمرو بن العاص ليتولى فتح الاردن وفلسطين، ثم تولى فتح مصر بعد ذلك.

وظهر مالك بن الحارث الاشتر وعياض بن غنم الفهرى فى قاده كتائب ابى عبيده التى يوجهها الى جموع الروم.

وطال حصار بيت المقدس فى فلسطين وقد شهده ابو عبيده وخالد ايضا، فاشترط اهل القدس وكانوا نصارى، اشترطوا ان يكون الخليفه هو الذى يعقد لهم الصلح، فسار عمر الى بيت المقدس، فدخلها صلحا، وكتب لاهلها كتابا، فيه: (بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب كتبه عمر بن الخطاب لاهل بيت المقدس: انكم آمنون على دمائكم واموالكم، وكنائسكم لا تسكن ولا تخرب، الا ان تحدثوا حدثا عاما).


118

واقام فيها معاويه بن ابى سفيان فاتم فتح ما بقى من مدن فلسطين، وتوجه عمرو بن العاص الى مصر فى اربعه آلاف، ثم امده باربعه آلاف آخرين، عليهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الاسود، وعباده بن الصامت، وخارجه بن حذافه، وقيل: مسلمه بن مخلد. ففتحت مصر كلها على ايديهم.

وتقدمت جيوش‏المسلمين فى‏بلاد فارس حتى نهاوند، ففتحت فى سنه‏21ه بقياده النعمان بن مقرن المزنى، وقد قتل هناك.

وفتحت همذان على يد نعيم بن مقرن، واصبهان على يد عبد اللّه بن عتبان، وقيل: عبداللّه بن بديل بن ورقاء.

وفى سنه 22هـ فتحت قومس وجرجان وطبرستان، من بلاد فارس، بقياده سويد بن مقرن، وقزوين بقياده البراء بن عازب، والرى بقياده نعيم بن مقرن، واذربيجان بقياده بكير بن عبد اللّه، وخراسان على يد الاحنف بن قيس.. وغزا عبدالرحمن بن ربيعه بلنجر فى بلاد الترك، فظفر ورجع.. وغزا معاويه بلاد الروم فى عشره آلاف فارس، فظفر ورجع.. وفى افريقيا توسعت فتوح عمرو بن العاص الى برقه وطرابلس.

وفى‏سنه‏23 شملت‏الفتوح معظم بلاد فارس، وسجستان(فى بلاد الافغان).

وقتل عمر آخر هذه السنه/ 23 من ذى الحجه، طعنه ابو لولوه مولى المغيره بن شعبه بخنجر مسموم، فمات على هذه الخارطه الوسيعه.

وفى عهد عثمان: استمرت حروب الفتوح شرقا وغربا وشمالا، ففى سنه‏24هـ هاجم معاويه ويزيد بن الحر العبسى الروم، فوصلوا الى انطاكيه، وابتدا عبداللّه ابن سعد بن ابى سرح غزو شمال افريقيا، وكانت جائزته من عثمان ان هو ظفر خمس الخمس نفلا! فافتتح بعض افريقيه فى سنه 25هـ فاعطاه عثمان الخمس، واستكمل فتح افريقيه عام 27هـ فبعث الخمس الى المدينه فاعطاه عثمان لمروان بن الحكم! وكان هذا مما اخذ على عثمان فى مطلع خلافته.

وافتتحت الاندلس فى نفس العام نفسه بقياده عبد اللّه بن نافع بن الحصين، وعبداللّه بن نافع بن عبد القيس.

وفتحت قبرص عام 28هـ على يد معاويه.

وفى سنه 30هـ غزا سعيد بن العاص طبرستان، قيل كان معه:

الحسن والحسين 8 وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وحذيفه بن اليمان، وغزا حذيفه الباب صوب اذربيجان.

وكانت غزوه ذات الصوارى فى البحر عام 31 من اشد حروب المسلمين فى هذا العهد، غزاهم الروم فى البحر بقياده قسطنطين، فهزمهم اللّه واعز نصر المسلمين.. وانتفضت خراسان فاعيد فتحها،وكذا كرمان، وسجستان، وفتحت كابل.

وفى هذه السنه تصاعدت الاعتراضات الداخليه على سياسه الخليفه والامراء ودخل التمرد مرحله جاده، فاتخذ صوره ثوره شعبيه، تتصاعد باطراد، ويزداد انصارها، بفعل الاستياء المستمر من امراء استاثروا على الناس دون ان يظهروا عدلا فى حكم، ولا حفظا للدين، فلم يحفظ هولاء الامراء من الدين الا عنوانا اعادوا تحت ظلاله ماثر امويه كانت قبل الاسلام.. هذا شى‏ء كان يعرفه اهل ذلك الزمان، من ثار منهم ومن هادن، لكن افرادا دخلوا الميدان بعد قرون بفرط حماس سموه (سلفيا) فاهانوا كل السلف فى تبرئه امراء قد شهد القرآن الكريم والسنه الصحيحه بما نقمه منهم السلف الصالح، فلم يكن خافيا على اولئك ان الوليد بن عقبه هو الذى فسقه القرآن الكريم مرتين، وعبد اللّه بن سعد قد هدر النبى دمه ولو وجد متعلقا باستار الكعبه، ومروان فضض من لعنه رسول اللّه، ومثله معاويه، ولم يكن هولاء قط من صالحى الصحابه ولا قريبا منهم، ولكن مكنت لهم الايام ان يكونوا قاده لجيوش الفتوح، فابلوا فيها بلاء حسنا، فهم اذن محاربون، لا ولاه! ولم تكن الامه آنذاك شحيحه بنظراء لهم فى الحروب ليبزونهم فى العدل والدين والصلاح، لكن الايام انبسطت لاولئك وضاقت على هولاء، حين كان اولئك هم الاقرب الى الخلفاء هوى ونسبا..

فلم يكن مثلا، ابن سرح باشجع واقوى على الحروب من محمد بن ابى حذيفه، بل كان الاخير اكفا منه بكثير، اذ استطاع بكل يسر ان يزيحه عن ولايته و يجلس مكانه فى عهد الخليفه عثمان، وفوق هذا فقد شد الناس اليه ما كان عليه من صلاح وعدل وعقل، فلو كان الخليفه قد اعتمده اولا لما جلب عليه شيئا من هذا الغضب الجماهيرى المتصاعد، وهكذا قل مع الوليد بن عقبه ومعاويه بن ابى سفيان وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم الذين جلبوا كل شر لهذه الامه وللخليفه نفسه، وان كانوا قد وطدوا لمستقبل اموى، كان نصب اعينهم غايه! رويتان فى آثار الفتوح:


119

1 -آثارالفتوح فى‏الفكروالاجتماع /رويه(شيعيه):

دافع المفكر المعاصر الشيخ الدكتور مرتضى المطهرى عن طبيعه الفتوح وموقف الشعوب منها، ردا على ما اثاره بعض المستشرقين حولها، اذ صوروها وكانها حروب قمع وقهر واحتلال، واستشهد بعضهم (السير جان ملكم) بالشعب الايرانى، فسمى القرنين الهجريين الاول والثانى من تاريخ ايران: (قرنا السكوت) واصدر بهذا العنوان كتابا مفردا، ركز فيه فكره ان الاسلام قد فرض فرضا على ايران، وان الشخص الايرانى لم يقبله رغبه وطواعيه، حيث كان منطق القوه سائدا، وبما ان الخليفه لم يكن من الايرانيين انفسهم لذلك خيم السكوت على ايران خلال تلك الفتره.

والشهيد المطهرى رد هذا مقدما بشهاده مستشرق آخر (ادوارد براون) قال فى كتاب (تاريخ الاداب) مخطئا جان ملكم: حاولت ان اتجنب خطا فادحا وقع فيه غيرى من ابناء قومى وجلدتى، هو تسميتهم للقرنين الاولين للاسلام فى ايران بقرنى السكوت! احاول ان لا ارتكب مثل هذا الخطا، لاننا لو القينا نظره على تاريخ ايران خلال تلك الفتره لم نجد شعبا فى نشاطه وحيويته كالشعب الايرانى، لهذا فالقرنان ليسا قرنى السكوت، بل قرنى النشاط والحركه.

قال المطهرى: هذا هو الصحيح، لاننا لو استقرانا تاريخ ايران خلال العصر الساسانى، وحتى ما قبل العصر الساسانى، حيث كانت ايران فى اوج عظمتها من الناحيه السياسيه والعسكريه، لما راينا فيه علماء كالعلماء الذين برزوا خلال نصف ذينك القرنين.

والواقع ان ذلك العصر - القرنين الاولين - هو عصر تحرر الشعب الايرانى، ولا اريد ان ادافع عن الحكم العربى الذى كان بنو اميه على راسه، لان وضع هولاء واضح عندنا، لكن رغم وجودهم فان الشعب الايرانى تمتع بحريه من الناحيه العلميه والثقافيه لم يعهدها من قبل.

وثمه سوال آخر: كيف تمكن الاسلام ان ينسخ الدين الزرا دشتى؟ وكيف حلت الابجديه العربيه محل الابجديه البهلويه؟ لعل من المستشرقين من يتشبث بمنطق القوه، ليجعله الوسيله الوحيده الى‏ذلك، لكن التاريخ يدلل على ان الشعب الايرانى ترك الزرادشتيه رغبه‏وطواعيه، وتمسك بالاسلام واختاره دينا له - فى شهاده اخرى لادواردبراون - يقول: اننا كاجانب، لامسلمين ولازرادشتيين، لو وضعنا القرآن امامنا ووضعنا كتاب الزند وتفسيره (كتاب الدين الزرادشتى) فاننا سنلاحظ عدم وجود نسبه بينهما، ولا مجال اصلا للمقارنه بينهما، وشتان بين الاثنين، فالقرآن كتاب حى خالد، ولا زال حيا حيث ان الانسان لا يرى نفسه مستغنيا عنه، اما آثار زرادشت فانها ليست شيئا ذا بال يستحق الاهتمام والمطالعه((962)).

وهكذا الحال مع سائر الشعوب التى قدم اليها الفاتحون، والحال مع الشعوب التى اختارت الاسلام دون ان يصلها الفاتحون اكثر وضوحا.

ويعزز هذه الفكره ويتممها المفكر المعاصر الاخر: السيد الشهيد محمد باقر الصدر، وهو اهم وابرز منظر اسلامى عاش فى القرن العشرين((963))، وهو يقارن بين الفتوح الاسلاميه والاستعمار الغربى، فيقول فى واحد من اوجه التمايز: (ومن المدلولات السياسيه للدوله الاسلاميه: تعاملها على الساحه الدوليه، فانها تتعامل لا على اساس الاستغلال وامتصاص الشعوب الضعيفه كما تصنع الحضاره الغربيه، ولا على اساس المصالح المتبادله كما تدعى هذه الحضاره، بل على اساس الحق والعدل ونصره المستضعفين على الارض - قال - وفى تاريخ التجربه الاسلاميه مثل فريده فى هذا المجال نجدها حتى فى الفترات التى شحبت فيها التجربه وعصفت بها اهواء كثير من الظالمين، ولنذكر مثالا لا من عهد الرسول الاعظم والخلفاء، بل من عهد اقل تالقا منه بكثير، ففى عصر عمر بن عبدالعزيز كان جيش المسلمين بقياده قتيبه قد اتفق مع اهل سمرقند على بنود معينه، ودخل البلد ولم يف لاهل البلد بما اتفق معهم عليه، فرفع الامر الى الخليفه فامر الخليفه قائده الفاتح وممثلى اهالى البلد بالمثول بين يدى القاضى ليحكم بينهم بالعدل، فحكم القاضى لاهل البلد، والزم الجيش الفاتح بالانسحاب، فهل رايتم او سمعتم ان جيشا فاتحا يرغم على الانسحاب، لا من قبل هيئه دوليه او موسسه عالميه، بل من قبل القضاء الذى ينتمى الى نفس الدوله التى ينتمى اليها الجيش؟) ((964)).

2 -آثارالفتوح فى‏الوضع السياسى ونظام‏الحكم/ رويه(سنيه):

باحثون فى التاريخ، منهم: طه حسين، ضياء الدين الريس، صادق عرجون، محمد فتحى عثمان، حملوا هذه الفتوح اهم المسووليه فى اضطراب الامر على عثمان، وابتعد بعضهم الى اكثر من هذا فحملها وحدها المسووليه فى الغياب الكامل للشورى ولو بشكلها الصورى، وحلول الغلبه والوراثه بديلا عنها فى مشروع نظام الحكم:


120

-ان المجتمع المسلم كان يتطور، كان ينمو، والنمو تصاحبه آلام، لان النسيج الذى كان يوائم الجسم الصغير لم يعد يلائم اليافع الكبير! والمجتمع المسلم زمن عثمان كان ينمو، كان يتحول من مجتمع بسيط ساذج الى مجتمع مركب، من مجتمع عربى الى مجتمع عالمى يختلط فيه عرب وفرس وروم واقباط، والدوله كانت تتطور من اسلوب القبيله فى الاداره والحكم الى اسلوب الدوله الضخمه الواسعه التى تحتاج الى كومنولث او نظام فدرالى او كونفدرالى، ولم تكن هناك دراسات دستوريه وتجارب دوليه تعين اسلافنا..

وعثمان يحمله الناس وحده نتائج هذا كله، كان عليه وحده ان يواجه مشكلات المجتمع المركب والدوله الموسعه، وباى خبرات؟ بخبرات شخصيه مستمده من ظروف تحدد لصاحبها مصادر الثقافه ومصادر الخبره((965)).

لكنك تبصر فى هذا العطف الجميل مسا من وراء حجاب! فليس ثمه رجال من اهل (الحل والعقد) يشاورهم الخليفه حق المشاوره ويستعين بارائهم ويعتمدهم فى استطلاع وتقصى ونظر! انما (كان عليه وحده ان يواجه مشكلات المجتمع المركب والدوله الموسعه.. وباى خبرات؟ بخبرات شخصيه عاديه).

لقد اطاح هذا التفسير بالنظريه التى حاول الدكتور محمد عماره تشييدها تحت عنوان (هيئه العشره) والتى منحها من عناصر الوجود واسباب القوه مالا تمتلك، وتلمس لها ادنى عنوان يربط الرجال العشره ولو من بعد بعيد ليجعل منها الرابطه الحقيقيه والموسسه الشرعيه الرسميه الحاكمه((966))، ولو لم يكن همه تثبيت وجود هكذا هيئه، لوجد ان عناصر الاختلاف والتباعد بين هولاء العشره اكبر بكثير واظهر بكثير من عناصر الوفاق، وظهر التباعد بينهم على اوجه منذ اليوم الاول لوفاه الرسول(ص) فى شان خليفته، فكان على والزبير وطلحه هم راس الخلاف على ابى بكر وعمر وابى عبيده، والزبير خرج بسيفه على هولاء وهو يقول : (لا اغمد سيفا حتى يبايع لعلى).. وعثمان كان اكثر من متحفظ يلتف حوله جماعه من قومه، والتحق عبدالرحمن وسعد بعد ذلك، ولم يكن لسعيد بن زيد اثر يذكر فى التاريخ السياسى كله وربما حتى الفكرى ايضا! وآخر مظاهر هذا الخلاف هى ايام هذا النزاع الاخير فى السنين الاخيره من حكم عثمان واضطراب امر الخلافه، ثم معركه الجمل!! اذن اطاحت تلك الرويه بنظريه (هيئه العشره) لانها اقرب منها الى الواقع واصدق تعبيرا عنه.

نعود الى تلك الرويه التى جعلت الفتوح هى المسوول الوحيد عن كل اضطراب وفتنه وقعت منذ عهد عثمان، بل وقبله ايضا :

(فان طلائع التململ والقلق قد بدت منذ عهد عمر، واستهلت الثغرات والخلافات، وقد بلغ الضيق بابن الخطاب فى آخر ايامه مداه، حتى اكثر من تمنى الموت.. كما سمع باذنه انتظار الناس لنهايته..

فليست القضيه اذن قضيه عثمان، انما هى قضيه مجتمع يتطور، ودوله تتطور.. ولو عاش عمر لواجه ما واجه عثمان.. ان التطور كان اكبر من عثمان مهما يكن عثمان)!((967)) هذه رويه فيها من الموضوعيه كثير، لكن ثمه حقائق تجاهلتها، امعانا فى تبرئه عثمان، ودفعا لادنى شبهه تجلب انتقادا موجها بحق الى طبيعه الاداره نفسها وموهلات اصحابها.

من بين تلك الحقائق التى تجاهلتها: ثنتان ينقلهما نصير تلك الرويه وجامع اطرافها! عن بعض مصادره، هما :

ا - (هولاء الاحداث الذين تقدموا فى بعض المواطن الى قياده الناس وولايه امرهم، يسوسونهم، وليس لهم فى الاسلام سابقه)((968)).

ب - (انسياح رجال من قريش فى البلاد، فلما رآهم الناس انقطع اليهم من لم يكن له طول ولا مرتبه فى الاسلام وكان مغمورا فى الناس، فصاروا اوزاعا، واملوهم وتقدموا فى ذلك، فقالوا : يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدمنا فى التقرب والانقطاع اليهم، فكان ذلك اول وهن دخل على الاسلام، واول فتنه كانت فى العامه، ليس الا ذلك)!((969)) وفى هذا اشاره واضحه الى طلحه والزبير وقد انقطع اهل البصره الى طلحه، واهل الكوفه الى الزبير.

-ان آخرين ممن القوا اللوم على الفتوح ونتائجها، قد نظروا ايضا من زاويه اخرى فاصابوا (اهليه القائد) فجمعوا بين عنصرين فى القول : (توالت الازمات التى جعلت الايام الاخيره من خلافه عثمان مكدره اى تكدير، ولم يكن عثمان - من‏الناحيه‏السياسيه فقط - من طرز ابى‏بكر وعمر، هولاء الاداريين الحازمين،وعلى كل فقد شاءت‏له ظروفه‏ان يوجد فى هذه‏الاوقات‏العصيبه!)((970)).

-لكن ثمه رويه اخرى تكاد تبرى‏ء ساحه الفتوحات من تلك المسووليه، لتلقى بها على الخليفه نفسه واهليته القياديه :


121

سيد قطب، يقول : (لو تقدم الزمن بعثمان لكان الخير، حيث لم تضعف قوته بعد، ولو تاخرت به فوليها على بعد الشيخين، قبل ان تنمو البذره الامويه ويستفحل امرها فى الشام وغير الشام، وقبل ان تتضخم الثروات نتيجه لسياسه عثمان، وقبل ان تخلخل الثوره على عثمان بناء الامه وارتباطها بروح الدين، لو كان هذا لتغير وجه التاريخ الاسلامى، ولسار فى طريق غير الذى سار فيه)((971)).

الملكيه الوراثيه نتاج طبيعى للفتوح !! وتطرف بعضهم فجعل الفتوح هى المسووله عن ظهور نظام الحكم الملكى الوراثى (فمعاويه لم يخترعه ولم يصنعه، ولم يات هذا النظام من وحى الخاطر اوعفو الساعه)! وان (وجود النظام الملكى وقتها كان تطورا طبيعيا، نقله من النظام القبلى)! ذلك لان (نظريه التطور التاريخى للنظم السياسيه والدستوريه تودى، كما يرى بارتلمى ش‏ذدخژزحآ ، الى تقرير مبدا هام، هو : ان افضل نظام للحكم هو ذلك النظام الذى يرى اكثر ملائمه لدرجه تطور الشعب ومستواه من المدنيه فى زمن من الازمنه)! (كذلك كانت لوجود النظام الملكى وقتذاك اسباب جغرافيه واجتماعيه، فهذه الرقعه الفسيحه من الارض باختلاف تضاريسها وتعسر طرق المواصلات.. والعدد الضخم من السكان.. والقوميات والعصبيات المتعدده.. كيف يتسنى مع ذلك ان ينجح نظام انتخابى فى ذلك الماضى البعيد! ترى هل يكون نظاما على نسق الكومنولث البريطانى، او الولايات المتحده الامريكيه، او الاتحاد السوفييتى؟!!)((972)).

اذن هذه النظريه اعتمدها الاوربيون فى تبرير انظمه الحكم التى مالوا اليها، النظريه التى (تساند كل فجور واضطهاد.. حين تجعل نوع نظام الحكم المعقول رهن بالنصر الحربى - الغلبه - واراده الدوله القائمه.. النظريه التى علمت الناس عباده القوه، حتى عرفها، النقاد بفلسفه الحكم السرى)((973))! قد لجا اليها مورخنا هنا من اجل تبرير الملكيه الامويه! وبعد تلك (الحتميه التاريخيه) تراه قد لجا الى عوامل اخرى تعد حركه الفتوح الاسلاميه المسوول الوحيد عنها! ابعد قياده النبى الجامعه الموحده تاتى الملكيه الوراثيه فى اسوء صورها، والنزو على الكرسى، تطورا فى اساليب الحكم؟! وكان الرساله ما جاءت بهذا البذل السخى الا لتخدم كرسيا لخلافه! وتشبع نهما لزعامه! وتحيى رميما لتقاليد!! ثم لا يتم له ما يريد من التحليق بمكانه معاويه وخلفه حتى يهدر كل ما اعتقده من نزاهه (الخلافه الراشده) ويطيح بها من شاهق! (فلو تركنا الفقه الاسلامى النظرى، الى التجارب العمليه فى تاريخ الحكم قبل معاويه، راينا هذه التجارب لا تبتعد عن الملكيه كثيرا!)((974)) هذا بعد ان لمح قبل قليل الى انها كانت انظمه قبليه، ثم جاء النظام الملكى الاموى (تطورا طبيعيا، نقله من النظام القبلى)!! ثم ياتى بعد ذلك البرهان الغريب على شرعيه الملكيه الوراثيه الامويه : (فاذا صح ان نتهم معاويه، فكيف نتهم اجيال المسلمين المتتابعه خلال القرون المتواليه، بعلمائها وفقهائها وثقاتها، وقد رضيت عن هذا النظام او قبلته، وربما استفادت منه او عاشت فى ظله وادعه! فاذا قيل : بل اجبروا واكرهوا وغلبوا وقهروا.. قلنا : فهذا الركب من الائمه الاعلام، مالك وابو حنيفه والشافعى وابن حنبل والثورى والاوزاعى ومحمد بن الحسن وابو يوسف وزفر وداود وابن حزم وابن تيميه وابن القيم، بعضهم كان مقربا للخلفاء، وبعضهم كان ثائرا عليهم مضطهدا منهم، فما بال المقربين اعطوا الدنيه وركبوا الهوان وارتضوا نظاما يخالف الشرع؟ وما بال الثائرين لم يجعلوا فى راس قائمتهم الهجوم على الشكل الذى آل اليه الحكم فى الدوله الاسلاميه؟!)((975)).

هكذا يقلبون (الاستدلال) فيجعلون سكوت العلماء على الخطا ومهادنتهم، دليلا على شرعيه الخطا، وحجه فى تصويبه! على ان فى هذا الاستدلال من التزوير وتحميل كثير من العلماء اوزار غيرهم، ما لا يخفى :

-فابو حنيفه مثلا كان صريحا فى مهاجمه الشكل الذى آل اليه الحكم، وكان لا يسمى ملوك بنى اميه الا (اللصوص المتغلبين) وهكذا شانه مع ملوك بنى العباس((976))، وليست هذه مهاجمه للاشخاص بقدر ما هى مهاجمه للاسلوب الذى اوصلهم الى الحكم.

-والسلف المتقدمين على هولاء، والذين عاصروا معاويه وتوريثه يزيدا قد قالوا كلمتهم ولم يتهيبوا ان يصفوها بالهرقليه والقيصريه! وهولاء كثيرون فيهم صحابه وفيهم كبار التابعين..

ثم لما استقر الامر للوراثه الامويه بقهر ما عليه غبار، الماع بالسيف على رووس المعارضين، وقتل لاشرافهم، ومن اشرف من الحسين بن على سبط رسول اللّه؟! فكان فى هذا بلاغ واى بلاغ لمن يفصح عن استنكاره، فصار جل‏اهل العلم يهادنون، لا يداهنون، وليست بخافيه على الكاتب نفسه نهايه‏الصحابى حجر الخير واصحابه، او سعيد بن جبير، او ابى حنيفه حين لم يهادنوا! وليس بخاف عليه كيف كان يهادن غيرهم :


122

فهذا الامام الشافعى، وقد بلغ هارون الرشيد عنه انه يقول : (ان للخلافه اهلا)!((977)) وكان الشافعى فى اليمن، فاستدعاه هارون الى بغداد ومعه جماعه من اصحابه، فكان الشافعى يقول : فادخلنا على هارون عشره عشره، وقد مضى اكثر الليل، فجعل يقيم منا واحدا واحدا فيتكلم من وراء الستر، فيامر بضرب عنقه، حتى انتهى ذلك الى، فقلت : يا امير المومنين، عبدك وخادمك محمد بن ادريس الشافعى! فقال : اضرب عنقه! فقلت : يا امير المومنين اقول وتسمع ويدك الباسطه وسلطانك المنيع، ولا يفوتك منى ما تريد.. ثم تكلم فبرا من مقالته وهادن.

افى مثل هذا يحتج ويقال انهم ما كانوا ينكرون الشكل الذى آلت اليه الخلافه؟! ولماذا يغفل عاذرو معاويه عن حقيقه ان حال كثير من علماء الفقه والحديث مع الملوك السابقين هى كحال كثيرهم مع ملوك اليوم، ثم ياتى كل ساذج ومغفل، وينضم اليهم كل طفيلى على هذا الدين، ليتخذوا من المداهنات، بل حتى المهادنات ذرائع لعقائدهم المنحرفه!! -وثمه حقيقه اخرى يكشف عنها الشيخ الغزالى، فيقول : ان محاوله اصلاح الحكم عندنا تاثرت بما شاع من احاديث واحكام كثيره! تسوغ الظلم، وتجعل الخروج على الحكم كانه الكفر، او دونه الكفر.. وهذه مساله خطيره فى تاريخنا.. عندنا احاديث كثيره، اكثرها ضعيف او موضوع، للاسف، جعلت الامر بالمعروف والنهى عن المنكر يدخل فى نطاق ضيق محدود، حتى لا يتجاوز هذاالنطاق للمساس بالحاكم او الحكم! فالمساله لابد من ان نقول : هذا خطا!((978)) وفى ظلال هذا الخطا ينطلقون من اجل اضفاء الشرعيه على كل انحراف فى التاريخ وفى الشريعه كان مصدره الحكام! ولا غرابه، فهذه مدرسه قد اصحرت باهدافها، حين اخذت على عاتقها تبرئه معاويه والحكم الاموى كله.. فالكاتب يعلن فى اهدائه الذى صدر به كتابه انه من السائرين على منهج محب الدين الخطيب فى نقد التاريخ، ثم يقول وهو يناقش هذه الاحداث : (لقد عرف العلامه الجليل محب الدين الخطيب رحمه اللّه واجزل مثوبته بدراساته العميقه فى بيان حقائق الاحداث - الفتنه - وتحليل شخصيات الضالعين فيها، وفى الدفاع عن عثمان ومعاويه فى شخصيهما وحكمهما)!((979)) فهذه هى نتائج تلك (الدراسات العميقه) التى حددتها من قبل اهدافها المعلنه سلفا!!


123

الباب الرابع

تصحيح المسار- آفاقه ومعوقاته

124

الفصل الاول‏عهد التصحيح-المعالم والافاق

اشارات ماهده

ما العقده التى قتلت ابيا؟

فى المسجد النبوى الشريف، واصحاب رسول اللّه(ص) حلق يتحدثون، وابى بن كعب الانصارى يحدث فى واحده من تلك الحلق، اذا به يقول كلاما مبهما: (هلك اصحاب العقده ورب الكعبه، ولا آسى عليهم)!! قال راوى الحديث : فتبعته الى بيته اساله، فقال بعد حديث بينهما : (اللهم انى اعاهدك لئن ابقيتنى الى يوم الجمعه لاتكلمن بما سمعت من رسول اللّه، لا اخاف فيه لومه لائم)!! (واللّه لئن عشت الى هذه الجمعه لاقولن فيها قولا لا ابالى استحييتمونى عليه اوقتلتمونى)!! قال : فلما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجتى، فاذا السكك غاصه من الناس، فقلت : ما شان الناس؟ قالوا : انا نحسبك غريبا! قلت: اجل. قالوا : مات سيد المسلمين ابى بن كعب!!((980)) حديث يثير اسئله شتى :

- لماذا يخشى ابى ان يحدث الصحابه انفسهم بما سمعه من رسول اللّه؟ حتى يقول : ( لاتكلمن.. لا اخاف فى اللّه لومه لائم)!! (لا ابالى استحييتمونى اوقتلتمونى)!! فلعل بعضهم سيقتله لو حدث بهذا الحديث اذن!! -الى اين ذهبوا بعيدا عن نهج النبى(ص) وسنته، حتى انهم ليقتلون رجلا كانوا يسمونه سيد المسلمين! ان هو كشف سر تلك (العقده) بما سمعه من فم رسول اللّه(ص)؟! فاذا كانوا لابد قاتليه، فلم لا يقتلوه قبل الفضيحه؟! ذلك كان فى عهد عمر بن الخطاب، سنه 22 او 19 للهجره.((981)) التاريخ يعلم ان ابيا مات يوم الخميس قبل ان تاتى الجمعه التى انذر بها، اما كيف اتفق موته الان بعد هذا القسم والانذار، وقبل ان يحين موعده؟ فالتاريخ هنا ابكم، واللّه تعالى اعلم..

وليس هذا هو الاهم، بل الاهم ان ندرك حجم هذا الامر الفادح الخطير الذى طغى وهيمن وذلت له الناس، حتى ان صحابيا له منزله ابى بن كعب يخشى، لو حدث بحديث رسول اللّه(ص) الذى سيكشف سر هذا الفادح، ان يقتل، فنذر نفسه للقتل فى سبيل احياء امر رسول اللّه(ص)، فذهب (رضى‏اللّه) شهيدا سواء مات حتف انفه ام بغير ذلك..

وان ندرك ايضا ما صنعته سياسه المنع من روايه الحديث وتدوينه. لقد استطاعت هذه السياسه ان تغيب معالم كثيره وهامه من نهج النبوه، لتظهر بدلا منها معالم اخرى تخالفها، فلا تلتقى معها.. والا فلماذا يتوقعون القتل لو حدثوا بمثل هذه (الاسرار)؟ وليس ابى وحده، فحذيفه، صاحب الاسرار، كان مثله يخشى القتل لو حدث بتلك الاسرار، كان حذيفه يقول : (لو كنت على شاط‏ى‏ء نهر وقد مددت يدى لاغترف، فحدثتكم بكل ما اعلم، ما وصلت يدى الى فمى حتى اقتل)!!((982)) اى قبل ان ينطق بشى‏ء!! من هذا وامثاله نقف على معنى ذلك الحديث الخطير الذى حدث به النبى(ص) فقال : (هذا اوان يختلس العلم من الناس اختلاسا حتى لا يقدروا منه على شى‏ء) فقال له زياد بن لبيد الانصارى : يا رسول اللّه، وكيف يختلس منا وقد قرانا القرآن؟ فواللّه لنقرانه ولنقرئنه نساءنا وابناءنا! فقال رسول اللّه(ص) (ثكلتك امك يا زياد، انى كنت لاعدك من فقهاء اهل المدينه! هذه التوراه والانجيل عند اليهود والنصارى، فماذا يغنى عنهم؟!)((983)).

مع حذيفه صاحب السر :

حذيفه بن اليمان : وفد هو وابوه الى النبى فى المدينه قبيل معركه بدر، آخا النبى بينه وبين عمار بن ياسر، واسر النبى اليه اسماء المنافقين والفتن الكائنه فى الامه، عمل واليا لعمر على المدائن، ثم سكن الكوفه وتوفى فيها بعد مقتل عثمان باربعين يوما.((984)) لقد جاءت الصوره فى حديث حذيفه متكامله الاجزاء، متصله، كاشفه عن الكثير مما (ستره) التاريخ، لتضع المرء على صوره واضحه منسجمه لا يوفرها له اى كتاب فى كتب التاريخ، نقف عليها فى جمله فقراتها :

ا - حديث النفاق :

اين ذهب المنافقون؟ اين (المولفه قلوبهم)؟ اين الذين (مردوا على النفاق)؟ اين الذين قالت عنهم سوره براءه : (لتزهق انفسهم وهم كافرون)؟ فما ان اغمض النبى عينيه حتى مدت (العداله) جناحيها على رووس الجميع، كل من سمع النبى او رآه، حتى اولئك الذين تحدثت عنهم تلك الايات! اكان النبى هو الحائل دون اخلاصهم، فلما قبضه اللّه حسن اسلامهم؟! ام ماذا حصل؟ حذيفه بن اليمان (صاحب السر) يخبر بيقين ان المنافقين كثروا بعد وفاه الرسول(ص)، وفى ربع قرن، اذ توفى حذيفه على راس ربع القرن هذا بعد وفاه عثمان باربعين يوما او اقل من ذلك :


125

-قال حذيفه : (انكم اليوم معشر العرب لتاتون امورا انا لفى عهد رسول اللّه(ص) نعدها النفاق على وجهه)((985)).

-وقال : (ان كان الرجل ليتكلم بالكلمه على عهد رسول اللّه(ص) فيصير منافقا، و انى لاسمعها من احدكم فى المقعد الواحد اربع مرات)!((986)) -ويزداد حديثه حسما حين يقول : (ان المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبى، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون)!!((987)) -وهذا الذى يحدث عنه حذيفه قد رآه بعينه، فى ربع القرن هذا..

- واكثر منه راى، فقال : (انما كان النفاق على عهد النبى(ص)، فاما اليوم فانما هو الكفر بعد الايمان)!!((988)) ب - مطالع الفتن :

ليس بعيدا عن يوم وفاه النبى(ص) :

قال حذيفه : كان النبى(ص) بين اصحابه فى المسجد، فذكروا عنده الدجال، فقال(ص) : (لانا لفتنه بعضكم اخوف عندى من فتنه الدجال)!!((989)) هذا حديث واقع وليس بحديث خرافه.. وسترى فى المثل العظيم الذى يضربه لهم رسول اللّه(ص) راسا من رووس تلك الفتنه، ان لم يكن هو راسها وبابها :

يقول حذيفه : ضرب لنا رسول اللّه(ص) امثالا، واحدا وثلاثه وخمسه وسبعه وتسعه واحد عشر، قال : فضرب لنا منها مثلا وترك سائرها، فقال : (ان قوما كانوا اهل ضعف ومسكنه، قاتلهم اهل تجرد وعدد، فاظهر اللّه اهل الضعف عليهم، فعمدوا الى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم!! فاسخطوا اللّه عليهم الى يوم يلقونه)!!((990)) فما احكمه مثلا، وما اصدق انطباقه على هذه الامه، انه حديث النبى الذى يتحدث عن غيب اطلعه اللّه عليه حتى لكانه الشهاده، فذلك اول الفتنه وقد اسفر عن وجهه.. فهولاء رجال قريش الذين قاتلوا الاسلام واهله حتى اظهره اللّه عليهم يوم فتح مكه، والذين قاتلوه حتى عام الفتح وقريبا منه فايقنوا بظهوره، فهولاء اليوم هم اهل النفوذ، امراء وعمال وولاه ووزاء، هولاء انفسهم الذين دعوا جهارا بعد وفاه الرسول ان يعيدوا الحرب على انصار محمد من اهل الضعف والمسكنه!!((991)) فوجدوا الابواب تفتح امامهم عاجلا، فوجدوا انفسهم مبكرا موضع الثقه والاعتماد، فكانوا امراء وكانوا ولاه.. ثم بسطوا ايديهم فى ما بعد وساروا بما يريدون وليس عليهم رقيب.. هو المثل الذى اكتفى به النبى وترك الاخرى، فما اغناهم اذن بهذا المثل عن غيره! ج - عيون الامراء على حذيفه :

الاظهر ان حذيفه قد حدث بهذه الاحاديث ونظائرها فى عهد عثمان، وقد ضعف سلطانه، ومع ذلك فما زالت له عيون تتابع هذا الامر.. لقد بلغ حذيفه ان رجلا يرفع احاديثه الى عثمان، فقال : سمعت رسول‏اللّه(ص) يقول : (لا يدخل الجنه قتات) هكذا ورد اسم عثمان صريحا فى روايتين لهذا الحديث((992))، وفى طرق اخرى جاء ذكر (الامراء) بدلا من اسم عثمان.

د - النبى يسمى قاده الفتن :

لقد كان اناس ممن حذر منهم النبى ظاهرين، يقودون الامه فى طرق ملتويه الى مهاوى الفتن، يراهم حذيفه، ولا يستطيع ان يصرح باسمائهم، لان ذلك دونه القتل، فكان يعتصر الما، ويقول :

-(واللّه ما ادرى انسى اصحابى، ام تناسوا؟! واللّه ما ترك رسول‏اللّه(ص) من قائد فتنه الى ان تنقضى الدنيا، بلغ من معه ثلثمئه فصاعدا، الا قد سماه لنا باسمه واسم ابيه واسم قبيلته)!!((993)) وللامام على (ع) حديث نحو هذا، يقول فيه : (فاسالونى قبل ان تفقدونى، فوالذى نفسى بيده لا تسالونى عن شى‏ء فيما بينكم وبين الساعه، ولا عن فئه تهدى مئه وتضل مئه الا انباتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها...) ثم يكون حديثه اكثر تحديدا فيقول : (الا وان اخوف الفتن عندى عليكم فتنه بنى اميه..)((994)). فالنسيان والتناسى اللذان ادهشا حذيفه كلاهما من ثمرات المنع من السنه روايه وتدوينا، حتى غابت معالم كثيره، فغابت اسماء دعاه الضلاله، وقبلها اومعها غابت اسماء الهداه.. وكل ذلك معالم مسار جديد منفصل عن المسار الاصل الذى تحدد فيه حتى الاسماء، اسماء دعاه الضلاله واسماء الهداه.. تلك اذن معالم اول فرقه ظهرت فى الاسلام بعد غياب الرسول الاعظم(ص).

ه - طريق النجاه :

لما قتل عثمان اتى حذيفه فقيل له : يا ابا عبد اللّه، قتل هذا الرجل، وقد اختلف الناس.

قال : اسندونى، فاسندوه، فقال : سمعت رسول اللّه(ص) يقول :

(ابواليقظان على الفطره، لا يدعها حتى يموت)((995)).


126

واتاه بنو عبس، فقالوا : ان امير المومنين عثمان قد قتل، فما تامرنا؟ قال : (آمركم ان تلزموا عمارا). قالوا : ان عمارا لا يفارق عليا!! قال : (ان‏الحسد هو اهلك‏الجسد،وانما ينفركم‏من عمار قربه من‏على! فواللّه لعلى افضل من عمار ابعد ما بين التراب والسحاب، وان عمارا لمن الاحباب). قال رواه الحديث : وهو - اى حذيفه - يعلم انهم ان لزموا عمارا كانوا مع على((996)).

فهولاء لم يسمعوا بشى‏ء من احاديث النبى الهاديه، وآخرون كانوا قد سمعوا لكنهم نسوا، وآخرون تناسوا، وقبل كل ذلك كان آخرون اجتهدوا ان تنسى مثل هذه الاحاديث حين منعوا من روايتها وتدوينها.. حتى صار العهد عند بعضهم ان يقصى على ابدا عن الخلافه.. الا ترى الى هولاء يدهشون من حذيفه حين يامرهم بملازمه عمار، فيقولون : (ان عمارا لا يفارق عليا)؟! هكذا غيبت اسماء الهداه، كما غيبت اسماء دعاه الضلاله..

والذى ذكره حذيفه فى جوابهم : (ان الحسد هو اهلك الجسد) لهو الحقيقه التى عرفها حذيفه لذلك الجذر الابعد لاقصاء على وتغييب حقه و منزلته، فقولهم القديم : (كرهت قريش‏ان تجتمع فيكم‏النبوه والخلافه)((997)) اصدق صوره للحسد،واصدق تعبير افصحت عنه قريش فى اصل مشروعها الذى اقحمته فى مسار الاسلام، ثم حملت الناس عليه.. لكن هذا قد صحبه مشروع ثقافى من ورائه قوه الخلافه والاماره، وليس كل الناس تدرك ان الحسد هو اصل هذه الثقافه، فصار ذلك عندهم واحدا من ثوابت الوعى والمعرفه.. وهذه هى ارجى ثمرات ذلك المشروع الثقافى والسياسى الذى اتصلت حلقاته لربع قرن حتى ذلك الحين.

-حذيفه ايضا، فى مواقف اخرى، لم يقف عند الاشاره الى على من خلال عمار، بل يتعدى الى ذكره صراحه فقد جاءته طائفه تستهديه، فقال : (انظروا الفرقه التى تدعو الى امر على فالزموها، فانها على الهدى)((998)).

هذه هى بقيه الامل فى عوده المسار الى اتجاهه الاول : (الفرقه التى تدعو الى امر على، فالزموها، فانها على الهدى) وما الهدى الا هدى محمد(ص)، والمحجه البيضاء التى ترك الناس عليها..

-واذا كان ابو مخنف متهما فى ما يرويه، وقد روى قول حذيفه لاهل الكوفه : (الحقوا بامير المومنين، ووصى سيد المرسلين، فان من الحق ان تنصروه)((999)) فلنترك الوقوف عندها، وفى ما تقدم غنى عنها..

و - تباشير الاصلاح :

(ايها الناس.. ان الناس قد بايعوا عليا، فعليكم بتقوى اللّه، وانصروا عليا ووازروه، فواللّه انه لعلى الحق آخرا واولا، وانه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقى الى يوم القيامه) ذلك حذيفه بن اليمان فى خطابه العام على المنبر وقد بلغه النبا ببيعه الناس لعلى (ع).. واثر هذا الكلام اطبق يمينه على يساره ثم قال :

(اللهم اشهد، انى قد بايعت عليا.. الحمد للّه الذى ابقانى الى هذا اليوم). ثم قال لولديه : (احملانى، وكونا معه، فستكون له حروب كثيره، فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا ان تستشهدا معه، فانه واللّه على الحق، ومن خالفه على الباطل)((1000))! هذا النص الذى رواه المسعودى تجدله شواهد عند غيره :

- فعند ابن الاثير فى ذكر وفاه حذيفه سنه 36 ه، قال : (و قتل ابناه صفوان وسعيد مع على بصفين بوصيه ابيهما)((1001)).

-وعند الحاكم : لما حضر حذيفه الموت قال لنا : (اوصيكم بتقوى اللّه، والطاعه لامير المومنين على بن ابى طالب)((1002)). لقد ادى حذيفه ما عليه، وبلغ ما استطاع، ومما بلغه : ان النبى(ص) قال له: (اتانى جبرئيل فقال : ان الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنه)..((1003)) ثم مضى رحمه اللّه ولم يدرك شيئا من احداث هذا العهد الذى احبه.

الخلافه الجديده

خيار جماهيرى :

(فما راعنى الا والناس ينثالون على من كل جانب، حتى لقد وط‏ى‏ء الحسنان، وشق عطفاى..)((1004)).

-وتصميم لا يثنيه شى‏ء : (و بسطتم يدى، فكففتها..

ومددتموها، فقبضتها.. ثم تداككتم على تداك الابل الهيم على حياضها يوم وردها، حتى انقطع النعل وسقط الرداء ووط‏ى‏ء الضعيف..)((1005)).

بيعه لم يسبق لها نظير، بيعه الناس، جمهور الناس، بهذا الاندفاع وبهذا الحماس..

-وقبل ان يستجيب لهذه الرغبه الجامحه : يضعهم امام صوره الغد الصعب، وامام مفاتح سياسته الواضحه : (دعونى والتمسوا غيرى، فانا مستقبلون امرا له وجوه والوان، لا تقوم له القلوب، ولاتثبت عليه العقول.. وان الافاق قد اغامت، والمحجه قد تنكرت.. واعلموا انى ان اجبتكم ركبت فيكم ما اعلم، ولم اصغ الى قول القائل وعتب العاتب)((1006)).


127

وهم بعد ذلك مصرون على بيعته، لا يرتضون لها بدلا.. ثم كان لها فى قلوبهم وقع ليس له نظير :

(وبلغ سرور الناس ببيعتهم اياى ان ابتهج بها الصغير، وهدج اليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت اليها الكعاب..)((1007)).

وجه مشرق للبيعه اطل فى تاريخ الاسلام.. ولكن بعد تجربه مره، لم تظهر كل مرارتها بعد

!! جناحان فى شرعيه الخلافه :

المخول الشرعى والمخول الواقعى : جناحان نشرهما الامام على (ع) فى طرفى خلافته، وضع فى بيانهما كثيرا من خطبه، خطب لم ينقل فى معناها كثير ولا قليل عمن سبقه الى الخلافه! اذن اراد ان يلفت انظار الناس الى درس من دروس الدين والعقيده ما زال محجوبا عنهم حتى الان :

1 - قال : (لا يقاس بال محمد(ص) من هذه الامه احد.. ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه ابدا..

هم اساس الدين، وعماد اليقين.. ولهم خصائص حق الولايه، وفيهم الوصيه والوراثه..

الان اذ رجع الحق الى اهله، ونقل الى منتقله)((1008))! فهل استطاع احد سبقه ان يقول مثل هذا؟ لقد علمت قريش، وان نسيت او تناست، ان اللّه اصطفى عليها بنى هاشم، وعلم بنو هاشم ان اللّه اصطفى عليهم آل محمد.. هذا هو المخول الشرعى، وقد شادته النصوص التى مر منها شى‏ء كثير.

2 - قال : (تاللّه لقد علمت تبليغ الرسالات، واتمام العدات، وتمام الكلمات.. وعندنا اهل البيت ابواب الحكم، وضياء الامر) ((1009)). اذن هو الرجل الذى علمه النبى(ص) تبليغ الشرائع والاحكام، علمه(اتمام العدات) وهى اصناف : منها ما هو وعد لواحد من الناس، نحو ان يقول له النبى(ص) : ساعطيك كذا.. ومنها وعد بامر يحدث، كاخبار الملاحم والوقائع الهامه التى ستظهر فى حياته او بعدها، وقد ورد عن على (ع) من هذا القبيل الشى‏ء الكثير، حتى نسبه بعض الناس الى علم الغيب، فرد ذلك واخبرهم بانه تعلم من النبى(ص)..((1010)) وعلمه (تمام الكلمات) بيانها الذى تتم به، لان فى‏كلام اللّه تعالى المجمل الذى لا يستغنى عن مقسم ومبين.. ثم جمع ذلك كله فى قوله :

(وعندنا اهل البيت ابواب الحكم) سياسه العباد واداره البلاد (وضياء الامر) العقليات والعقائد، او علم الكتاب والسنه. (وهذا مقام عظيم لا يجسر احد من المخلوقين ان يدعيه سواه (ع) ، ولو اقدم احد سواه على ادعائه لكذب! وكذبه الناس)!((1011)) وهذا هو المخول الواقعى، الموهلات الشخصيه لاشغال هذا المقام، خلافه الرسول..

هذان جناحان فى شرعيه الخلافه فى الاسلام، خلافه الرسول خاصه، والى حين يسمح بتعميم بلاغات الرسول ونشر الشرائع والاحكام وتثبيتها، وبيان الكتاب والسنه بتمامهما، وايضاح كليات العقائد ودقائقها، حفظا لهذا الدين، ومنعا لوقوع الاختلاف فيه والنزاع فى احكامه ومقاصده ومعانيه.. وهذا هو مراد الشارع مما جاء فى الحديث الشريف : (انى تارك فيكم الثقلين، خليفتين، ما ان تمسكتهم بهما لنا تضلوا : كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض).

وهكذا الامر حيث وجد النص ووجدت مصاديقه.

ذانك الجناحان عرضهما على (ع) كثيرا على انهما ركنا خلافه الرسول الشرعيه.

البعد الاخر فى الامامه :

فوق ذلك البعد الدنيوى الذى لمسناه فى العهد السابق وقد انيطت به الخلافه، فوق ذلك يعرف الامام على (ع) بعدا آخر، هو البعد الاصيل للامامه، ولاغرابه ان تسمعه من على دون غيره، فليس علومهم من صنف علمه :

انه يقول : (انما الائمه قوام اللّه على خلقه، وعرفاوه على عباده..

لا يدخل الجنه الا من عرفهم وعرفوه ، ولايدخل النار الا من انكرهم وانكروه)!((1012)) وهذه من القضايا التى يعرض عنها بعض الباحثين، ويقذع بعض فى نقدها وكانها مقوله ثيوقراطيه اخترعها الشيعه لائمتهم! وهذاكله ناجم من التاثر بالمالوف شعوريا ولا شعوريا، اذ غلب على الخلافه منذ وفاه الرسول طابع الزعامه الدنيويه، السياسيه والاداريه والثقافيه، اما البعد الروحى والعبادى فامر منفصل عنها، قد اختفى منذ وفاه الرسول(ص) وبدا وكانه من خصائص النبوه لاغير، لذا لا تجد نزاعا فى صدق كلمه الامام على هذه فى شان النبوه، اما الامامه فقياسها دائما على طبيعه الخلافه التى تحققت بالفعل بعد الرسول.. واما فى لغه الفكر المعاصر حيث انظمه الحكم الحديثه فالامر اكثر وضوحا والفصل اكثر تجسيدا.. فمن هنا وهناك، من الواقع البشرى المالوف، تستقى تلك المواقف، لا من حقيقه دينيه! فالحقيقه الدينيه الغائبه او المغيبه ناطقه بمصاديق ما قاله الامام على فى كلمته هذه، اذ جعلت معرفه الامام والبيعه له فيصلا بين الاسلام والجاهليه!! فكيف لاتكون فيصلا بين الجنه والنار؟! اليس فى الحديث المتفق على صحته : (من مات وليس فى عنقه بيعه مات ميته جاهليه)؟((1013)) وفى الصحيح ايضا : (من مات بغير امام مات ميته جاهليه)؟((1014)) السنا نقرا فى القرآن الكريم : (يوم ندعو كل اناس بامامهم)؟((1015)) لكن لما كان الواقع البشرى قد تتابع على خلاف هذه الحقيقه الدينيه وبعيدا عن اضوائها، صارت قضيه مستنكره، ومن وقف عندها فانما يقف على نحو من التاويل الذى لايصدم هذا الواقع المالوف الذى لا يراد (الشذوذ) عنه! او ادانته! وهكذا تصبح حقيقه دينيه قضيه (مثاليه) (ثيوقراطيه) ليست من الاسلام.. لان الاسلام قد ترك امر الخلافه للامه مطلقا، فكيف سيكون لها الاثر الحاسم فى علاقه الانسان بربه وفى مصيره الاخروى!! والذى يدفع هذا التساول، ويحفظ للحقيقه الدينيه بقاءها : هو ثبوت النص من النبى على من يخلفه..


128

وليس هذا بالامر المتكلف، او البحث العقلى المجرد، بل هو من صميم النص وروح الشريعه، فهل عبثا يقول النبى(ص) : (انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى)؟ ام عبثا يقول :

(من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)؟ اما هذا الاستنكار، وربما التكذيب، فجذره بعيد، ممتد الى تلك الكلمه الحاسمه التى القاها عمر بن الخطاب واثار بها ضجيجا حول الرسول فمنع من كتابه وصيته الاخيره فى امته (هلموا اكتب لكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى)! فمنذ ذلك الحين فصلت الامامه عن نهج النبوه ومعالمها! ان الفرق بين الصورتين كبير، ومن عاش بالكامل فى اجواء الصوره الاخيره، فاصبح يفكر ويرى من خلال اشراقاتها ومنافذها، يصعب عليه جدا ان يرى للصوره الاولى معنى، وان يجد لها فرصه امكان فى الفكر، ناهيك عن امكان فى الواقع..

من هنا فقط جاء هذا التصور لتلك الحقيقه الدينيه الراسخه على انها مقوله خرافيه، ثيوقراطيه، غنوصيه، باطنيه! وهذه واحده من نماذج الانحراف فى الفهم عن روح الشريعه واهدافها وعن ظاهرها ايضا، فهذه قضيه يشير اليها القرآن وتتكلم عنها السنه النبويه بصراحه وحسم، ويبينها الابن الاول للقرآن والسنه، واوسع الناس وادقهم فهما لهما.. فمن اين يتسرب اليها الشك، الا من انحراف فى التصور والفهم عن الفكر الاسلامى فى مصادره الاساس وينابيعه الاولى؟!

ن

قد الوعى العام امس :

على (ع) فى مطلع خلافته ينقد الوعى العام ازاء الدين، وازاء الخلافه والامامه بالخصوص، ليحمله المسووليه كامله فى ما آل اليه امر الامه فى ربع قرن فقط بعد غياب الرسول! فهو (ع) بعد ان يصف حالهم ايام الرسول(ص)، فيقول : (لم يمنوا على اللّه بالصبر، ولم يستعظموا بذل انفسهم فى الحق... حملوا بصائرهم على اسيافهم، ودانوا لربهم بامر واعظهم).

بعد ذلك يصف حالهم بعد الرسول، فتقرا لديه وصفا صعبا، فى غايه الصعوبه، واصعب مافيه وضوح معانيه! -يقول : (..حتى اذا قبض اللّه رسوله(ص) رجع قوم على الاعقاب((1016))!!واتكلوا على الولائج((1017))!! ووصلوا غير الرحم! وهجروا السبب الذى امروا بمودته((1018))!! ونقلوا البناء عن رص اساسه!! فبنوه فى غير موضعه)!! هذا الذى اراده بالرجوع على الاعقاب اذن، ليس هو الارتداد فى الدين، ولكن : هجر السبب‏الذى امروا بمودته، ونقل البناء عن رص اساسه، وبناوه فى غير موضعه!((1019)) وسريعا ينقلنا هذا الحديث الى ذلك المثل الذى ضربه لهم النبى(ص) وتقدم آنفا، فى القوم الذين اعطوا القياده والسياده لقوم طالما حاربوهم على حقهم! وسوف يمضى على (ع) فى حديثه ليضع هولاء فى موضعهم الحقيقى من الدين :

(معادن كل خطيئه! وابواب كل ضارب فى غمره((1020))! قد ماروا فى الحيره، وذهلوا فى السكره، على سنه من آل فرعون!! من منقطع الى الدنيا راكن، او مفارق للدين مباين)((1021)).

فمن لم تحجبه حجب القداسه، ونظر الى ايام امه بما فيها من وفاق وخلاف، خير وشر، صلاح وضده، استطاع ان يجد لهذا الكلام محله الثابت ومصداقه الكامل فى ذلك التاريخ، ولو من زاويه بعيده كما صنع ابن ابى الحديد المعتزلى الذى صرح بانه يتعامل مع هذا النص الصحيح تعامله مع الايات المتشابهات التى تتحدث عن صفات اللّه تعالى((1022))! ومع اننا نتفق معه فى مبدا اعتمده فى تفسير هذا الكلام ونظائره من كلام امير المومنين على (ع)، يقول فيه : (انا نحمل كلام امير المومنين (ع) على مايقتضيه سودده الجليل ومنصبه العظيم ودينه القويم من الاغضاء عما سلف، فقد كان صاحبهم بالمعروف برهه من الدهر، فالواجب علينا ان نطبق بين آخر افعاله واقواله بالنسبه اليهم وبين اولها)((1023))! لكنا نجد فى تطبيق هذا الكلام على بنى اميه وحدهم وانصارهم، تطبيقا صعبا بعيدا يتقلقل على محامله التى لا تبدو متماسكه فى تضخيم الفاصل الزمنى الذى لا تجد له فى هذا الحديث عينا ولا اثرا، فهو يقول : (حتى اذا قبض اللّه رسوله رجع قوم على الاعقاب) فهى صريحه بالفور والمفاجاه.

ولو ان الشارح قسم هذا الكلام، وان كان لا يحتمل التقسيم، على ثلاثه طوائف : طائفه (رجعت على الاعقاب...) فيجعلهم المرتدين، وطائفه (وصلوا غير الرحم، وهجروا السبب...) وهولاء هم الذين تركوا اهل البيت ونقلوا الخلافه منهم ووضعوها فى غيرهم منذ قبض اللّه رسوله، وطائفه ثالثه (معادن كل خطيئه...) وهم بنو اميه ومن انتظم فى مسلكهم! انه لو رضى بهذا التقسيم الذى‏قد لا يحتمله الكلام لكان اقرب مما اختاره من تاويل يجعل كلام امير المومنين مجرد تهويل لا واقع له!! ثم يقول انا نحمله على ما يقتضيه سودده الجليل ومنصبه العظيم.


129

اليوم وغدا.. ثمرات الامس :

اذا اتصل يوم قوم بامسه جنى ثمراته، فالامس حبلى تلد اليوم وغدا.. فالامس الذى وصفه الامام على له آثاره التى نقلت الامه بعد ربع قرن الى حال اخرى لاتشبه ما كانت عليه ايام الرسول، اما حالهم الجديده هذه، اليوم وغدا، فيصفها فى يوم بيعته، مبكرا، مذكرا، ومنذرا :

(..الا وان بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيه!! والذى بعثه بالحق لتبلبلن بلبله، ولتغربلن غربله، ولتساطن سوط القدر، حتى يعود اسفلكم اعلاكم واعلاكم اسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا.. واللّه ما كتمت وشمه، ولا كذبت كذبه.. ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم :

حق وباطل، ولكل اهل.. فلئن امر الباطل، لقديما فعل! ولئن قل الحق، فلربما ولعل! ولقلما ادبر شى‏ء فاقبل)((1024))!! (وهذه الخطبه من جلائل خطبه ومشهوراتها، وقد رواها الناس كلهم، وفيها زيادات حذفها الرضى اما اختصارا، او خوفا من ايحاش السامعين)((1025)).

وقد قدم الامام على لكلامه هذا بقوله : (ذمتى بما اقول رهينه، وانا به زعيم)! اذن بلبله وغربله، سيثبت لها من يثبت، ويرتفع فيها اناس ويهبط آخرون، ولربما هبط رجال كانوا قد سبقوا فى ايام النبى(ص)، ولربما تقدم رجال لم يكن لهم حتى اليوم سبق يذكر..

لماذا البلبله؟

انه جهاد على تاويل الكتاب والسنه وتطبيقاتهما الحقه..

وليس وضوح التاويل كوضوح التنزيل..

لكن قد سبق الانذار : (ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) ابو بكر؟ (لا) عمر؟ (لا) (انه على) ومن انذر فقد اعذر..

(حق وباطل، ولكل اهل) (ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم)..

تلك حقيقه الدين، وتلك حقيقه التاريخ التى وقعت كما انبا بها، وكما نبى‏ء بها، فقد انباه الصادق المصدق رسول اللّه(ص).

قانون الحضاره :

هذا الذى يقرره الامام على هنا فى هذه الادوار التاريخيه - امس، واليوم، وغدا - انما هو قانون هام فى فلسفه الحضاره، اذ (ان سلبيه الانسان تجاه حضارته امر يمتد اثره الى الاجيال اللاحقه، وكان المسووليه الحضاريه جهاد متواصل وفعاليه متقده تتسلمها الاجيال تباعا وتسلمها الى من بعدها، وهكذا يتواصل الحدث الحضارى فى التاريخ، وتنمحى الفواصل الزمنيه بين الماضى والحاضر والمستقبل، ويصبح الكيان الحضارى كلا لا يتجزا على المستويين : الفكرى والتاريخى)((1026)).

المعالم الجديده :

1 - حياطه التشريع : لاول مره سنقف تجاه خليفه تتقدمه نصوص شرعيه لتقول ان الاقتداء به وطاعته لهى محض الايمان والطاعه للّه ولرسوله! -ولاول مره نقف تجاه خليفه حبه ايمان وبغضه نفاق : (لا يحبك الا مومن، ولا يبغضك الا منافق)((1027))! (و لقد كنا نعرف المنافقين ببغضهم على بن ابى طالب)((1028))! -ولاول مره نقف امام خليفه تتقدمه الشريعه بحكم صريح لتجعل طاعته طاعه للّه ولرسوله : (من اطاعنى فقد اطاع اللّه، ومن عصانى فقد عصى اللّه، ومن اطاع عليا فقد اطاعنى، ومن عصى عليا فقد عصانى)((1029))! (على منى وانا منه، وهو ولى كل مومن بعدى)((1030))! -ولاول مره نحن امام خليفه يحمل الاذن الشرعى لا بخلافه النبى وحسب، بل ليحل محله فى القتال لنصره هذا الدين، وفى القتال الاصعب والاشد، انه القتال على تاويل القرآن، فهو قتال مع مسلمين اذن!! (ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن) قال ابو بكر : انا هو؟ وقال عمر: انا هو؟ قال(ص) : (لا، ولكنه على)! فاتوا عليا فبشروه، فلم يرفع راسه، وكانه قد سمعها من النبى قبل ذلك((1031)).

2 - مشروع الاصلاح الكبير : تقدم الامام على بمشروعه فى الحكم الى جمهوره مبكرا، فقال موجها نداءه بالمرتبه الاولى الى اللّه تعالى :

(اللهم انك تعلم انه لم يكن الذى كان منا منافسه فى سلطان، ولا التماس شى‏ء من الحطام، ولكن :

ا - لنرد المعالم من دينك..

ب - ونظهر الاصلاح فى بلادك.. فيامن المظلومون من عبادك، وتقام المعطله من حدودك..)((1032)).

هذه هى واجبات الخلافه اذن، وهى تنبوك صراحه بامور هامه :

فثمه معالم لهذا الدين قد غيبت، وثمه مظالم تنتظر الرد، وحدود معطله، دون انفاذها نفود الظالمين من امراء وولاه ومتنفذين..

فعلى مشروع الخلافه ان يستوعب ذلك كله، ويعيد المعالم الغائبه والحدود المعطله والمظالم المجمده..

انه مشروع خطير سيواجه مشكلات، فى السياسه والاداره والاجتماع، قد استعصت على الحل، وفى زمن تفرقت فيه الكلمه، وتنافرت الاقطاب، وظهرت طموحات فى الزعامه وفى الثروه لم تكن تعرف قبل، او لم تجد فرصتها الا فى مثل هذه الاجواء التى انتهى اليها المجتمع الاسلامى حينئذ.


130

لكنه على اى حال هو المشروع الذى تنتظره معالم الدين وحدوده، وتنتظره العداله الاجتماعيه..

ان نتائج هذا المشروع سوف تضعنا مره اخرى امام واقع المجتمع آنذاك، ومدى قربه او بعده من مجتمع الرسول، او المجتمع الرسالى.


131

الفصل الثانى ميادين التصحيح ومعوقاته

سوح الاصلاح:

السوح الثلاث الكبرى، الدينيه، والاجتماعيه، والسياسيه، قد استوعبها مشروعه الاصلاحى الكبير الذى نقلناه فى خاتمه الفصل السابق.

وقد توفرت دراسات قيمه((1033))، غلب عليها الايجاز، تناولت الساحتين الاخيرتين بحثا ونقدا وتحليلا، لكن تبقى الساحه الاولى غائبه او شبه غائبه رغم كونها الاهم دائما.. وهنا سنعرض لجوهر الحركه الاصلاحيه فى سوحها الثلاث : الدينيه، والاجتماعيه، والسياسيه.

الاصلاح الدينى :

ويشمل كل ما يتصل بالقرآن الكريم وعلومه، وما يتصل بالسنه النبويه علما وعملا وروايه وتدوينا.

1 - القرآن وعلومه :

ا - القرآن هو القرآن، بسوره وآياته وكلماته، الذى جمعه الامام على(ع)، والذى جمعه زيد بن ثابت وشركاوه ايام ابى بكر ثم اعادوا توحيده ايام عثمان، هو ذاته وان اختلف ترتيب سوره :

الطوال، فالمئين، فالقصار، بترتيب زيد بن ثابت، والمكى فالمدنى وبحسب ترتيب النزول لجمله السور، لا كل آيه من آياتها، بحسب ترتيب الامام على (ع).

ب - ولم يستبدل على هذه النسخ التى تم جمعها رسمياوفق الترتيب الموحد، لم يستبدلها بما اختاره هو من ترتيب، بل اقرها ومضى عليها قارئا ومعلما ومرشدا ومدافعا..

اما دفاعه عنها، فشهير، وقد تقدم((1034))..

واما ارشاده، فكان يحث على تجديد كتابتها والاستزاده من نسخها موكدا على جوده الخط ووضوحه..((1035)) واما تعليمه، فهو الحفظ الحق لهذا الكتاب الكريم، والفخر الدائم، فهذه القراءه التى يالفها المسلمون اليوم، والمعروفه بقراءه حفص عن عاصم، انما هى قراءته (ع)، اخذها عنه تلميذه ابو عبدالرحمن السلمى، الذى اصبح بعد ذلك شيخ القراء، فحفظها عنه اشهر تلاميذه، عاصم بن ابى النجود((1036)).

كما حفظ هذه القراءه وصانها حين كان حفظها وصيانتها هو دافعه الاول لوضع مبادى‏ء علم النحو واعطائها لتلميذه ابى الاسود الدولى ليمضى وراءها فى التفريع والتفصيل، لقد كان ذلك بدافع ما ظهر فى ايامه من لحن بعض الناس فى قراءه القرآن((1037)). ج - واما علوم القرآن ومعانيه، فهو الاعلم بها، والاوعب لها، والذى لاتفوته منها شارده ولا وارده، فهو القائل : (سلونى عن كتاب اللّه) ولم يقل احد سلونى قبله((1038))! وهو صدر المفسرين والمويد فيهم، يتلوه ابن عباس، وقد قال ابن عباس :

(ما اخذت من تفسير القرآن فعن على)((1039)).

وقال ايضا : (اعط‏ى على تسعه اعشار العلم، وانه لاعلمهم بالعشر الباقى)((1040))! لقد ازدهر تفسير القرآن فى حياته، واخذ عنه اناس، كل بقدره، واخذ عنه ابن عباس حتى صار ترجمان القرآن.. فقد تحدثوا عن تفسيره لسوره النور يوم عرفه - وكان على (ع) قد جعله اميرا على موسم الحج فى اول اعوام خلافته - فقالوا فيه قولا عجيبا، قالوا : (واللّه ما سمعنا كلام رجل مثل هذا، لو سمعته فارس والروم والترك لاسلمت)((1041))! وعنده (ع) علم الكتاب : علم مفصل، علمه النبى الامين اتماما لتبليغ رسالته.. ذكر على (ع) عامه ابواب علوم القرآن ومفاتح كشف معانيه وتفسيره وتاويله، وان النبى(ص) قد ادى ذلك كله، فى اشاره واضحه الى ان ذلك كله عنده (ع)، فقال :

(ثم اختار سبحانه لمحمد(ص) لقاءه، ورضى له ما عنده...

وخلف فيكم ما خلفت الانبياء فى‏اممها - اذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ولا علم قائم:

كتاب ربكم فيكم، مبينا : حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله ((1042))، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه ((1043))، وخاصه وعامه، وعبره وامثاله، ومرسله ومحدوده((1044))، ومحكمه ومتشابهه..

مفسرا مجمله، ومبينا غوامضه : بين ماخوذ ميثاق علمه، وموسع على العباد فى جهله..

وبين مثبت فى الكتاب فرضه، ومعلوم فى السنه نسخه..

وواجب فى السنه اخذه، ومرخص فى الكتاب تركه..

وبين واجب بوقته، وزائل فى مستقبله..

ومباين بين محارمه : من كبير اوعد عليه نيرانه، او صغير ارصد له غفرانه.

وبين مقبول فى ادناه، موسع فى اقصاه((1045)))((1046)).

-وفى حديث، قال ابن كثير : انه مرسل، اخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه وابو نعيم، من طريق مكحول عن على بن ابى طالب، فى قوله اللّه تعالى : (وتعيها اذن واعيه)((1047)) - قال : قال لى رسول اللّه(ص) : (سالت اللّه ان يجعلها اذنك يا على) فقال على : ما سمعت من رسول اللّه(ص) شيئا فنسيته((1048)). ورواه الطبرى ايضا، والماوردى، وقال القرطبى : عن الحسن نحوه((1049)). ومن حديث الامام على : (وليس كل اصحاب رسول اللّه(ص) من كان يساله ويستفهمه، حتى ان كانوا ليحبون ان يجى‏ء الاعرابى والطارى‏ء فيساله (ع) حتى يسمعوا، وكان لا يمربى من ذلك شى‏ء الا سالته عنه، وحفظته)((1050)).


132

تاسيس علم المصطلح :

اذا كان على (ع) فى حديثه الطويل الانف الذكر يخبر عن اصناف من العلوم تركها رسول اللّه(ص) وحفظها هو (ع)، فان هذا الكلام يعد فى الوقت ذاته تاسيسا لعلم المصطلحات فى الاسلام، بفروعه : مصطلح علوم القرآن، ومصطلح الحديث، والفقه، والاصول، التى استوعب هذا الكلام امهاتها مما لم يظهر فى كلام احد سبقه.

2 - السنه النبويه - تدوينا وروايه وعملا :

كان موقف الامام على مختلفا تماما عن مواقف ابى بكر وعمر وعثمان من السنه النبويه، وعلى الابعاد الثلاثه :

ا - تدوين السنه :

انه قبل كل شى‏ء كان كاتبا للحديث بين يدى النبى(ص)، واذا كان قد اشتهر عنه امر الصحيفه (صحيفه على) التى كتبها من حديث رسول اللّه(ص)، وكان يحملها معه فى قائم سيفه، وذكرها البخارى ومسلم واصحاب السنن بطرق شتى، فلم تكن هى كل ما كتبه على من حديث النبى(ص)، بل كان له صحف اخرى غير هذه، وكان له كتاب كبير ليس فيه الا احاديث الرسول(ص) عرف ب(كتاب على) وهو غير تلك الصحيفه التى اختلفوا فى حجمها.

-قالت ام سلمه : (دعا النبى باديم، وعلى بن ابى طالب عنده، فلم يزل رسول اللّه(ص) يملى وعلى يكتب، حتى ملا بطن الاديم وظهره واكارعه)((1051)).

الصحيفه : مشهوره جدا انباء الصحيفه، لايكاد يخلو منها واحد من كتب الحديث والسنن، البخارى وغيره((1052))، نقلوا منها نصوصا متفرقه، بعضها اشبه بعناوين لما تحويه، وبعضها فيه تفصيل، وقد جمع ابن حجر العسقلانى كثيرا مما نقل عن تلك الصحيفه، وقال : الجمع بين هذه الاحاديث ان الصحيفه كانت واحده، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها، ونقل كل واحد من الرواه عنه ما حفظه((1053)).

وجمع الدكتور رفعت فوزى ما نقل عن هذه الصحيفه فى كتب الحديث السنيه، فى كتاب اسماه : (صحيفه على بن ابى طالب عن رسول اللّه(ص) : دراسه توثيقيه فقهيه)((1054)).

كتاب على : حديث ام سلمه المتقدم يصف كتابا اكثر من هذه الصحيفه التى لا تفارق قائم سيفه، او قراب سيفه! واصبح (كتاب على) علما يتكرر فى احاديث اهل البيت (ع)، كتاب كبير كانوا يحتفظون به ويتوارثونه :

-اخبر احمد بن حنبل ان كتابا كهذا كان عند الحسن بن على يرجع اليه((1055)).

-واخرج الامام محمد الباقر هذا الكتاب امام طائفه من اهل العلم منهم الحكم بن عتيبه، وسلمه وابو المقدام، فراوه كتابا مدرجا عظيما، فجعل ينظر فيه حتى اخرج لهم المساله التى اختلفوا فيها، فقال لهم : (هذا خط على واملاء رسول اللّه(ص)) ثم توجه الى الحكم بن عتيبه فقال له : يا ابا محمد اذهب انت وسلمه وابو المقدام حيث شئتم يمينا وشمالا، فواللّه لا تجدون العلم اوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبريل (ع)((1056))! -وعرض هذا الكتاب ايضا الامام الصادق، والامام الهادى على بن محمد بن على الرضا، غير مره، يقول : (انه بخط على واملاء رسول اللّه(ص)، نتوارثها صاغرا عن كابر)((1057)).

دعوته الى تدوين السنه : دعوه صريحه يعلنها على الملا فى مواضع كثيره :

-خطب الناس مره، فقال: (قيدوا العلم، قيدوا العلم) يكررها.. ((1058)) اى اكتبوه واحفظوه لئلا يدرس.

-وقال فى خطبه اخرى له : (من يشترى منى علما بدرهم)؟ قال ابو خيثمه : يعنى يشترى صحيفه بدرهم يكتب فيها العلم..

فاشترى‏الحارث صحفا بدرهم ثم جاء بها عليا (ع) فكتب له علما كثيرا((1059)).

وكانت الكتابه عند على وبين يديه مشهوره، حدث بها غير الحارث‏كثير، منهم الشعبى، وعطاء((1060))، وابو رافع وولداه عبيد اللّه وعلى وكانا كاتبين عند على (ع)، والاصبغ بن نباته، وغيرهم((1061)). وعبداللّه بن عباس ايضا((1062))، وكان يكتب الحديث ويامر بكتابته ايضا((1063)).

لقد عادت الحياه اذن الى السنه النبويه، وتبدد خطر ضياعها ونسيانها.. وتلك هى امانه الرساله ووعيها.

من ادب الكتابه عند على (ع) : تقرا فى احاديثه اهتماما كبيرا ورعايه لامر الكتابه، فى اروع صوره لوعى حضارى بامر الكتابه آنذاك :

-يقول : (الخط علامه، فكل ما كان ابين كان احسن)((1064)).

-ويقول للكاتب : (الق دواتك، واطل شق قلمك، وافرج بين السطور، وقرمط بين الحروف)((1065)). وله كلام من نحو هذا فيه تفصيل فى هندسه الحروف((1066)).

ب - روايه السنه :

الروايه، قبل التدوين، دخلت عهدا جديدا، رفع عنها الحظر، ودعيت الى سماعها طوائف الناس :


133

-قال على (ع) لاصحابه : (تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولاتتركوه يدرس)((1067))! -وخطب فى الناس مره فقال : (خرج الينا رسول اللّه(ص) قال :

اللهم ارحم خلفائى - ثلاث مرات - قيل : يار رسول اللّه ومن خلفاوك؟ فقال : الذين ياتون من بعدى، يروون احاديثى وسنتى ويعلمونها الناس)((1068))! -وكم قام على فى الناس فذكرهم احاديث قد غابت عنهم زمنا طويلا، منع التحديث بها لربع قرن! كمناشدته فى الرحبه بحديث الغدير، وتذكيره بحديث (ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن...) واحاديث كثيره فى التعريف بمنزلته، وفى ذكر اهل البيت وفضلهم((1069))، والحديث الذى اعاده على الزبير يوم الجمل، وغيرها كثير.

هكذا كان عهده مع السنه روايه وتدوينا، فهما السبيل الى نشرها وحفظها، والا فمصيرها النسيان والضياع! التحذير من الكذب : فى اثناء فتحه لباب الروايه والتدوين كان يكثر التحذير من الكذب على رسول اللّه(ص)، فيقرع اسماعهم بين الحين والحين بحديث النبى(ص) : (من كذب على فليتبوا مقعده من النار)((1070)).

وحتى من كذب عليه فى الرويا فادعى مناما يكذب فيه على النبى(ص)((1071)). مع القصه : هذه الحرفه التى تستدرج اصحابها شيئا فشيئا نحو الكذب والسخريه والاساطير، كانت ممنوعه فى الاسلام، واول ماظهرت فى عهد عمر ابن الخطاب حين اذن لتميم الدارى بالجلوس فى المسجد للقصه، فكان تميم الدارى اول قاص ماذون فى الاسلام.

وتميم الدارى هذا هو الرجل النصرانى الذى قدم فى عشره من قومه من ارض فلسطين الى النبى(ص) فى العام التاسع للهجره، بعد فتح مكه بعام، وهو صاحب قصه (الجساسه) التى يرويها عنه مسلم واحمد((1072)).

هذه القصه التى لم يحدث بها احد من الصحابه خلا فاطمه بنت قيس، ولاحفظها عنها سوى الشعبى، رغم مافيها من العرض الخطير، والتهويل، اذ تقول : ان منادى رسول اللّه (ص) نادى : الصلاه جامعه، فهرع الناس الى المسجد، وكانت هى فى من حضر، فقام النبى على المنبر خطيبا وهو مستبشر، يزف اليهم بشرى، فيقول : (ليلزم كل انسان مصلاه - ثم قال - اتدرون لم جمعتكم؟ جمعتكم لان تميما الدارى كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع واسلم وحدثنى حديثا وافق الذى حدثتكم عن مسيح الدجال)! ثم ينقل لهم بنفسه ما حدث به تميم الدارى من انه قذفت به السفينه الى جزيره لا يدرى ماهى! فراى فيها دابه لا يعرف قبلها من دبرها من كثره شعرها! وهذه الدابه تتكلم، فكلمته بلسان طليق! وامرته ان يتوجه الى رجل فى دير فى تلك الجزيره، فتوجه اليه فوجده مكبلا باصفاد الحديد! فحدثه هذا الرجل باشياء من الغيب، ثم عرفه بنفسه، انه المسيح الدجال!! هذا الخبر على هذه الصوره، ينبغى ان يرويه غير واحد، فالنبى يجمع له الناس ويامرهم ان يلزموا اماكنهم حتى يحدثهم بحديث مصدق لحديثه! ومنذ ذلك الحين والبحر يطوى كل يوم مرات، تجوبه السفن المدنيه والعسكريه، وتحلق فوقه الاقمار الصناعيه، ولم يزل امر هذه الجزيره مجهولا! وما بلغ دارون واصحابه نبا هذه الدابه الناطقه باللسان العربى!! لكن البسطاء وذوى القلوب السليمه طفقوا يستلهمون من هذه القصه العبر، فوجدوا فيها درسا متقدما فى الدرايه، فهى مثال رائع لروايه الفاضل عن المفضول، فهذا رسول اللّه(ص) يحدث عن نصرانى اسلم لتوه! وايضا فقد كشفت عنهم كربا وحلت لغزا كان يحيرهم وهم يقراون : (واذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابه من الارض تكلمهم ان الناس كانوا باياتنا لايوقنون)((1073)) حتى اتاهم تميم بنبا (الجساسه) هذه! وقالوا : انما سميت الجساسه لانها تجس الاخبار للمسيح الدجال((1074))!! فمعهم الحق بعد ذلك ان يحيطوا تميما بهاله من الاساطير..

فلما اسلم قال لرسول اللّه(ص) : ان اللّه مظهرك على الارض كلها، هب لى قريتى من بيت لحم! فقال له النبى : هى لك. وكتب له بها، فلما فتحت فلسطين جاء تميم بالكتاب الى عمر، فقال عمر. انا شاهد ذلك.. فامضاه! وذكروا ان النبى قال له (ليس لك ان تبيع) فهى فى ايدى اهله الى اليوم((1075)). ولم تجعل هذه الارض فى بيت المال، ولا صرف ريعها فى الكراع والسلاح.. فلا الارض كانت فدكا، ولا تميم كان فاطمه الزهراء! لكن هل احتاج النبى الى بشرى تميم هذه ليهب له تلك القريه؟ ام ان تميما قد احرز لغده ثمن اسلامه كما فعل النبى مع المولفه قلوبهم؟! لاغرابه، فان تميما لم يزل فى المدينه حتى قتل عثمان، فلما قتل عثمان فر تميم الى الشام((1076))!! ذلك لانه حسن اسلامه جدا، فهو لا يطيق ان يرى عليا فى الخلافه! ولا يسعه الا جوار معاويه! ولاجل تاكيد حسن اسلامه وعظمه ايمانه، قالوا : انه كان يختم القرآن كله فى ركعه((1077))!! هكذا، كله فى ركعه واحده!! واساطير مضحكه نسجوها حول تميم، صاحب القصص والاساطير :


134

قالوا : كان عمر يسميه (خير المومنين)! لقد جاءه رجل كان قد اذنب ذنبا، فلبث فى المسجد ثلاثا لا ياكل، ثم جاء عمر فقال :

تائب من قبل ان تقدر عليه. فقال له عمر : اذهب الى خير المومنين فانزل عليه. فذهب الرجل طوعا الى تميم الدارى! فهو خير المومنين، لا يشك هذا الرجل((1078))!! وذات ليله خرجت نار بالحره، ناحيه المدينه، فجاء عمر الى تميم، فقال : قم الى هذه النار! قال : يا امير المومنين، ومن انا؟ ومن انا؟ فلم يزل عمر به حتى قام معه، فانطلقا الى النار فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها، فجعل عمر يقول : ليس من راى كمن لم ير! قالها ثلاثا! هاتان اسطورتان يرويهما معاويه بن عجلان، قال الذهبى : رجل قالوا انه لا يعرف((1079)).

لكن ابن حجر العسقلانى سماه (معاويه بن حرمل) وعده فى الصحابه، وقال : هو صهر مسيلمه الكذاب! وكان مع مسيلمه فى الرده، ثم قدم على عمر تائبا! ثم يقول ابن حجر عن هذه القصه : (له قصه مع عمر فيها كرامه واضحه لتميم، وتعظيم كثير من عمر له)((1080))!! ومن هنا يستدلون على وثاقه تميم وعلو منزلته((1081)).. من شهاده صهر مسيلمه الكذاب الذى كان معه فى الرده!! واما قصته هو عن (الجساسه) ومسيح الدجال، فلو لا ما حضى به صحيح مسلم من قداسه لما ارتاب فيها عاقل! وهذه القداسه هى التى حالت دون السوال : كيف صحح مسلم هذه الروايه؟ ان مسلما رجلا نشا فى وسط يوثق رجالا وياخذ عنهم الحديث، فوثقهم مسلم. لقد وثقهم ذلك التاريخ الذى عرفناه وعرفنا كيف وثقهم! وحين تغفل هذه الحقيقه فقط تنفذ مثل هذه الاساطير..

واغرب ما فى الدفاع عن هذه القصه، دفاع الناقد الدكتور الذهبى الذى عاد الى فقرات من القصه نفسها، واكثر فقراتها محلا للتهمه والريبه، ليجعلها دليلا على صحتها، اذ يقول :

(وهل يتصور من رسول اللّه(ص) وهو المويد بوحى السماء ان يتقبل من رجل يلوث الاسلام بمسيحياته حديثا كحديث الجساسه، ثم هو لا يكتفى بذلك بل يجمع اصحابه ويحدثهم به ويقرر من فوق منبره صدق حديثه..؟((1082))!! فانظر كيف اخذ اهم علامات كذب الروايه ليجعله الشاهد على صدقها..

فمن قال لك ان النبى(ص) قد قام مصدقا لهذه الروايه؟ هل سمعته من احد غير هذه الروايه نفسها؟ ان مثل هذه القصه ليست مما يرتاب العقل فى تكذيبها بعد المسح العلمى الدقيق، انها تماما من قبيل روايات تقول : ان الارض تقف على قرن ثور، والثور على ظهر حوت، وهو النون التى فى قوله تعالى : (ن والقلم)!! فاذا كان يصدقها بالامس اناس عمدتهم وثاقه الرواه، فليس لهذه الوثاقه اليوم محل امام الكشف العلمى الدقيق والمباشر..

ولا يعاب فى ذلك المتقدمون ولكن يعاب الذين قرضوا القرن التاسع عشر والقرن العشرين ومازالوا يلتمسون ذلك وراء وثاقه الراوى واهميه المصدر، بدلا من ان يضعوا ذلك كله موضع الاختبار بناء على هذه الحقائق الملموسه.

تميم هو الذى ابتدا فاستاذن عمر ان يقص، فاذن له بعد ان رده اولا، فهو اول قاص ماذون فى الاسلام((1083))، فكان يقوم فى المسجد كل جمعه (يعظ) اصحاب رسول اللّه! قبل ان يخرج عمر الى الجمعه.. فلما جاء عثمان طلب منه تميم ان يزيده، لان موقفا واحدا فى الاسبوع لا يكفيه، فزاده عثمان يوما آخر يتحف فيه اصحاب رسول اللّه بمزيد من مواعظه! لكن فى تلك السنين كان التحدث باحاديث رسول اللّه(ص) ممنوعا، وكان خيار الصحابه من اولى السابقه والجهاد يحبسون فى المدينه اذا ما حدثوا خارجا عنها بشى‏ء من سنن النبى ومواعظه!! ان لتميم سرا هو من صنف سر كعب الاحبار، لكن تميما تقدم على كعب حين ادرك النبى فسمى صحابيا! ولما قتل عثمان لم يعد امر تميم بتلك الدرجه من الخفاء، انه لم يات عليا يستاذنه فى المضى على شانه، او يستزيده، كلا، بل ترك المدينه كلها، ضاقت عليه بما رحبت ارض يحكمها على، فليس امامه الا الشام فى اجواء تنتظر تميم ونظرائه، فخرج الى الشام دون ان يضيع مزيدا من الوقت! لقد كان عمر يمنع من القصص، ويكذب محترفيها، حتى اقنعه تميم فى نفسه خاصه، لكن عليا لم ياذن بشى‏ء من ذلك، ولم يكن تميم بالرجل الساذج او الغبى الذى يلتمس مثل ذلك من على! ولا هو بتارك مهنته! فترك بلادا تدين لعلى، قافلا الى حيث تنفق سلعته، وله فى كنف معاويه اوسع جوار.


135

والذى لانزاع فيه ان القصص قد انتشرت فى اواخر عهد عثمان، وبرز قصاصون يقصون فى المساجد، حتى طردهم على (ع)، كما اثبته المروزى وغيره((1084)).

والشيخ الغزالى يثبت ذلك ايضا، ويقول : ان عليا (ع) منع القص فى المساجد، ولم ياذن الا للحسن البصرى((1085)).

والشيخ ابو زهره يثبت ذلك بشكل اكثر وضوحا، فيقول : ظهر القصص فى عهد عثمان (رضى‏اللّه)، وكرهه الامام على (رضى‏اللّه) حتى اخرج القصاصين من المساجد، لما كانوا يضعونه فى اذهان الناس من خرافات واساطير، بعضها ماخوذ من الديانات السابقه بعد ان دخلها التحريف وعراها التغيير! قال : وقد كثر القصاص فى العصر الاموى، وكان بعضه صالحا وكثير منه غير صالح، وربما كان هذا القصص هو السبب فى دخول كثير من الاسرائيليات فى كتب التفسير وكتب التاريخ الاسلامى..

وان القصص فى كل صورها التى ظهرت فى ذلك العصر كانت افكارا غير ناضجه تلقى فى المجالس المختلفه، وان من الطبيعى ان يكون بسببها خلاف، وخصوصا اذا شايع القاص صاحب مذهب او زعيم فكره او سلطان، وشايع الاخر غيره، فان ذلك الخلاف يسرى الى العامه، وتسوء العقبى، وكثيرا ما كان يحدث ذلك فى العصور الاسلاميه المختلفه((1086)).

فلماذا لا يكون كلا الامرين قد ارادهما تميم الدارى : دخول الاسرائيليات والاساطير فى التفسير والتاريخ، وظهور الخلافات والنزاعات بين المسلمين؟! لماذا اذن فر من على الى معاويه؟! والامران اللذان ارادهما تميم، ونشط فيهما كعب الاحبار ايضا فى عهد عثمان، وساهم فيهما آخرون، كلاهما قد اراد على (ع) ان يقطع دابرهما، ويخيب آمال هولاء الذين يكيدون للاسلام واهله كل شر، ويظهرون بمظاهر النسك التى الفوها فى اليهوديه والنصرانيه.

ج - احياء السنه :

فى غير الروايه والتدوين، تحدثنا الاخبار الدقيقه عن مشكلات اخرى قد تعرضت لها السنه، فتداركها على :

اولا - قال ابو موسى الاشعرى : (لقد ذكرنا على بن ابى طالب صلاه كنا نصليها مع رسول اللّه(ص)، اما نسيناها، او تركناها عمدا)((1087)) ومثل هذا الكلام قاله عمران بن الحصين ايضا((1088)).. اذن هذه الصلاه ايضا قد اصيبت فى صورتها، وطريقه ادائها؟! ثمه شهاده اخرى على ذلك، شاهدها الصحابى الجليل ابو الدرداء، الذى توفى فى خلافه عثمان((1089))! -قالت ام الدرداء : دخل على ابو الدرداء مغضبا، فقلت : من اغضبك؟ قال : (واللّه لا اعرف فيهم من امر محمد(ص) شيئا الا انهم يصلون جميعا)((1090))! اذن كل شى‏ء قد تغير عن امر محمد(ص) ولم تعد تلك السنن التى ميزت المجتمع ايام الرسول ظاهره، ولم يبق فيهم الا صوره الاجتماع فى الصلاه، الاجتماع وحده، لا سنن الصلاه التى تحدث عنها ابو موسى وعمران بن حصين آنفا.

ثانيا - وقبل قرانا صلاه عثمان وعائشه فى السفر تماما، لا يقصران، وقد ابى على ذلك وانكره نفر من الصحابه، وحين مرض عثمان فى تلك الاثناء ودعوا عليا للصلاه بهم، قال : (ان شئتم صليت بكم صلاه رسول اللّه(ص)). فقال اكثرهم : لا، الا صلاه امير المومنين!! وهكذا تتغير السنن وتختفى لتحل محلها محدثات ينصرها كثير وكثير من السلف، ثم تصل الى اللاحقين فياخذونها عن سلفهم برضا وتسليم لفرط حسن الظن بهم حتى اعفاهم من النقد، ومن ضوابط التحقيق والنظر! ثالثا - وقصه على مع صلاه التراويح جماعه، ايام خلافته، هى الاخرى من هذا القبيل، فحين امر (ع) بتفريقهم ليعيدهم على ما كان ايام رسول‏اللّه(ص)، قالوا : (واعمراه)((1091))!! فهم يعلمون انها سنه عمر ، وان الذى يدعوهم اليه على (ع) هى سنه النبى!! تقرا صريحا فى صحيح البخارى، وغيره، انها سنه عمر((1092)). وفى صحيح البخارى ان عمر لما جمع الناس عليها قال : (نعم البدعه هذه)((1093)). قال القسطلانى فى شرحها : سماها بدعه لان رسول اللّه(ص) لم يسن لهم، ولا كانت فى زمن الصديق (رضى‏اللّه)، ولا اول الليل، ولا هذا العدد..((1094))! رابعا - وتقرا فى اوليات عمر((1095)) : (هو اول من حرم المتعه) وتقدم حديثها، واما قول على (ع) فيها فهو المشهور:

(لولا ان عمر نهى عن المتعه مازنى الا شفى) او (الا شقى)((1096)). خامسا - وفى اوليات عمر ايضا : (هو اول من جمع الناس على اربع تكبيرات فى صلاه الجنائز)((1097)).


136

اخرج احمد من حديث حذيفه بن اليمان، انه صلى على جنازه فكبر خمسا، ثم التفت الى الناس، فقال : (ما نسيت ولا وهمت، ولكن كبرت كما كبر رسول اللّه(ص))((1098))! يريد ان يذكرهم بامر نسوه واستبدلوه بامر محدث مضوا عليه حتى نسوا الامر الاول، وكم توجع حذيفه لهذا النسيان او التناسى! كما تقدم عنه آنفا.

ومثله ثبت عن زيد بن ارقم، كبر على الجنازه خمسا، فاستنكروا عليه، فقال : (سنه نبيكم) (ولن ادعها لاحد بعده) (ولن ادعها ابدا)((1099)).

والتكبيرات الخمس هى التى مضى عليها على (ع)((1100))، ومثله صنع الامام الحسن (ع)((1101))، وعليها فقه اهل البيت.

سادسا - ومع عثمان، فى امر الزكاه، بعث اليه على (ع) بكتاب فيه حكم النبى(ص) فى الزكاه، بعثه بيد ولده محمد بن الحنفيه، فقال له عثمان : اغنها عنا!! فرجع بها الى ابيه (ع) فذكر له ما قال عثمان، فقال له على (ع) : ضع الصحيفه حيث وجدتها((1102)).

سابعا - زكاه الفطر : ابن عباس وهو عامل على على البصره يعلم الناس فى عهده زكاه الفطره لاول مره ! اذ خطب الناس فى آخر رمضان على منبر البصره، فقال : اخرجوا صدقه صومكم. فكان الناس لم يعلموا ! فقال : من ههنا من اهل المدينه ؟ قوموا الى اخوانكم فعلموهم فانهم لايعلمون...((1103)). هذه سنن طرا عليها هذا النحو من التبديل والتغيير او الاهمام، فكان تداركها لاحياء السنه النبويه الثابته هو من اهم ما وضعه على (ع) نصب عينيه وهو يتولى الحكم : (لنرد المعالم من دينك).

قضايا امضاها :

تلك سنن عراها تبدل تحت عنوان الراى والاجتهاد، ولايصح فيها راى واجتهاد بعد ما ثبت فيها نص النبى(ص) وفعله، فكان الامام فيها حاسما ماوجد الى ذلك سبيلا.

لكن ثمه قضايا امضاها كما كانت فى عهد الخلفاء من قبله، وامضاوها يكون مره عن اقرار وموافقه، ومره سكوت الى حين عن غير رضا وموافقه، وانما كان يلمس ردود فعل الناس امام تغيير امور قضى بها ابو بكر وعمر وعثمان ولو فى خلاف السنه، كما فى بعض الامثله المتقدمه، فاذا كان القضاء اجتهادا لم ينقض شيئا من القرآن والسنه، فيمكن له امضاوه الى حين يكون الناس اكثر وعيا واكثر معرفه به وطاعه له.

عن الشعبى، قال : قال على : (ما قدمت ههنا لاحل عقده شدها عمر)((1104)). وعن عبيده قال : قال على : (اقضوا كما كنتم تقضون، فانى اكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعه، او اموت على ما مات عليه اصحابى)((1105)).

فليس كل قضاء قضوا به كان خاطئا! ولا كل قضاء خاط‏ى‏ء يكون ناقضا لصريح الكتاب او السنه! فكثير مما محله الاجتهاد يحتمل الصواب ويحتمل الخطا، فما كان منه خطا وصوابه عند على (ع) فقد امضاه لذلك السبب الذى تحدث عنه هو، فهو كما وصفه.

لذا لا نعرف ان الامام عليا (ع) قد اعاد الاذان الى عهده الاول، لم يبلغنا انه اعاد (حى على خير العمل) ورفع من اذان الفجر (الصلاه خير من النوم) فى الاذان العام وكلاهما من راى عمر فى عهده، وان خالفه بعض السلف فبقى على صوره الاذان الاولى على عهد النبى(ص)، ومنهم : عبداللّه بن عمر، وسهل بن حنيف وكان عامل على (ع) على المدينه المنوره، وابو محذوره احد موذنى النبى(ص)، وزيد بن ارقم، وعلى بن الحسين زين العابدين((1106))، كما روى هذا عن امير المومنين (ع) ايضا((1107)).

وفى عهده المشهور الى مالك الاشتر كتب يقول : (ولا تنقض سنه صالحه عمل بها صدور هذه الامه، واجتمعت بها الالفه، وصلحت عليها الرعيه..

ولا تحدثن سنه تضر بشى‏ء من ماضى تلك السنن فيكون الاجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها..

واكثر مدارسه العلماء ومناقشه الحكماء فى تثبيت ماصلح عليه امر بلادك، واقامه ما استقام به الناس قبلك)((1108))! وربما سكت (ع) عن قضايا نازع فيها الخلفاء فى ايامهم، لكنه سكت عنها فى ايامه لانها مما يعود له ولاهل بيته خاصه، كقضيه فدك، ونصيب قربى الرسول (ص) من سهم الخمس، فهذه قد نازع فيها هو وغيره من اهل البيت وبنى هاشم، وهذا هو الدليل على انه سكت عنها عن غير اقرار بها، وهو لم ينس عهده الاول، ففى ايام خلافته كان يذكر فدك، فيقول : (بلى، كانت فى ايدينا فدك من كل ما اظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم اللّه! وما اصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها فى غد جدث تنقطع فى ظلمته آثارها، وتغيب اخبارها، وحفره لو زيد فى فسحتها واوسعت يدا حافرها، لاضغطها الحجر والمدر، وسد فرجها التراب المتراكم...((1110)). فهذا صريح فى سكوته عن فدك زهدا بها، لا موافقه لقضاء الخلفاء السابقين فيها.


137

اما امضاوه لقضائهم فى سهم ذوى القربى، فثابت ايضا فى مثل ذلك :

اخرج ابن سلام فى كتاب (الاموال) من حديث جعفر بن محمد الصادق، انه سئل عن على بن ابى طالب حيث ولى من امر الناس ماولى، كيف صنع فى سهم ذى القربى؟ فقال : سلك به سبيل ابى بكر وعمر.

قيل : وكيف، وانتم تقولون ما تقولون؟ قال : ما كان اهله يصدرون الا عن رايه((1110)).

قيل : فما منعه؟ قال : كره واللّه ان يدعى عليه خلاف ابى بكر وعمر((1111)). ولعلى (ع) كلام يوافق هذا المعنى، يقول فيه: (لو استوت قدماى من هذه المداحض لغيرت اشياء)((1112)).

3 - الكتاب والسنه مصدرا التشريع :

يركز على (ع) هذا المعنى فى سياسته وتعاليمه على الدوام، وله فيه كلام كثير، هذا قبس منه :

قال اللّه سبحانه : (فان تنازعتم فى شى‏ء فردوه الى اللّه والرسول)..

فرده الى اللّه : ان نحكم بكتابه، ورده الى الرسول : ان ناخذ بسنته((1113)). اللّه اللّه ايها الناس فيما استحفظكم من كتابه، واستودعكم من حقوقه، فان اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا، ولم يترككم سدى...

وانزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شى‏ء، وعمر فيكم نبيه ازمانا حتى اكمل‏له ولكم فيما انزل من كتابه دينه الذى رضى لنفسه، وانهى اليكم على لسانه‏محابه من الاعمال ومكارهه، ونواهيه واوامره.. فاستدركوا بقيه ايامكم..

ولا ترخصوا لانفسكم فتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمه! ولا تداهنوا فيهجم بكم الادهان على المعصيه((1114))! اذن احذروا ايضا هذا التساهل والتسامح فى امر الدين، واحذروا متابعه الضعيف والواهى، وتضييع السنن الحقه، واحذروا النفاق والرياء، فذانك قائدان الى مذاهب الظلمه، والى حياض المعصيه.

الشورى - الاجتهاد - الراى، اين موقعها؟ قال (ع) مخاطبا طلحه والزبير وقد اشترطا عليه ان يشاورهما فى كل حكم وقضاء :

(..فلما افضت الى نظرت الى : كتاب اللّه وما وضع لنا وامرنا بالحكم به فاتبعته، وما استن النبى(ص) فاقتديته..

فلم احتج فى ذلك الى رايكما ولا راى غيركما..

ولا وقع حكم جهلته فاستشيركما واخوانى من المسلمين، ولو كان ذلك لم ارغب عنكما ولا عن غيركما)((1115)).

وفى موضع آخر، ارخ ببعض ايام صفين، فى خطاب جامع، قال :

(فلا تكفوا عن مقاله بحق.. او مشوره بعدل.. فانى لست فى نفسى بفوق ان اخط‏ى‏ء! ولا آمن ذلك من فعلى، الا ان يكفى اللّه من نفسى ما هو املك به منى)((1116)).

اذن هو اقرار لمبدا شورى الحاكم، المبدا الذى شرعه القرآن الكريم : (وامرهم شورى بينهم)((1117))، (وشاورهم فى الامر)((1118))، وترجمته السنه العمليه بمشاوره الرسول(ص) اصحابه.

لكنها الشورى فى مواطن الاجتهاد وتبادل النظر، حيث لم يكن فى الموطن نص من قرآن او سنه، اما مع وجود النص فلا محل للاجتهاد، ولا موضع للمشاوره، فقد قال اللّه تعالى حكمه النافذ، وهو القول الفصل.

وهذا من اهم ما ميز هذا العهد عن العهود السابقه التى ظهر فيها اجتهاد كثير فى مقابل النص كما رايناه فى ارقامه الثابته.

4 - الكتاب والسنه مصدرا العقيده :

(ان هذا القرآن يهدى للتى هى اقوم) فى الاعتقاد، كما هو فى الاحكام الشرعيه، والهدايه فى العقيده هى الاولى لانها هى الاصل.

(ليخرجكم من الظلمات الى النور) والظلمات ان كانت عامه فقد شملت العقيده، وان كانت خاصه فاولى ما تختص به هو الاعتقاد، ليخرج الناس من عقائدهم الفاسده فى اصناف الشرك والجحود، الى العقيده الحقه فى معرفه اللّه وتوحيده والايمان به وبقدرته وقيمومته وبما انزل.

وهذا من ابين المعانى فى معرفه اول مصادر المعرفه العقيديه كما يقرره المنهج الاسلامى.

ومع على (ع) وقفنا على اهم واعمق بيان فى تحديد مصادر الاعتقادات، مما لم يسمع من احد قبله، وهذه محطات وقفه فى بعديه الرئيسين :

البعد الاول - تاسيس الفهم الصحيح :

انتخبنا فى هذا البعد التوحيد والصفات انموذجا :

ا- قال (ع) : (فما دلك القرآن عليه من صفته - فائتم به واستضى‏ء بنوره، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس فى (الكتاب) عليك فرضه، ولا فى (سنه النبى)(ص) و(ائمه الهدى) اثره، فكل علمه الى اللّه سبحانه، فان ذلك منتهى حق اللّه عليك..

واعلم ان الراسخين فى العلم هم الذين اغناهم عن اقتحام السدد المضروبه دون الغيوب، الاقرار بجمله ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا! فاقتصر على ذلك..((1119)) تلك اذن مصادر معرفه صفات اللّه تعالى : الكتاب، وسنه النبى، وقول ائمه الهدى الذين قولهم تبيان للكتاب والسنه على اسس تعلموها من صاحب السنه، فلا يختلفون مع القرآن والسنه فى قول، وليس قولهم فيه كقول فيلسوف او مجتهد يخط‏ى ويصيب، انما قولهم فهم للقرآن والسنه لايفارقهما ولا يختلف معهما البته، بعهد معهود : (كتاب اللّه وعترتى اهل بيتى، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض). وليس ثمه مصدر آخر، لا قول الفلاسفه والمتكلمين، ولا قول اهل الكشف والباطن، ولا اهل الحشو والظاهر.


138

ب - (اول الدين معرفته.. من اشار اليه فقد حده! ومن حده فقد عده! ومن قال : (فيم؟) فقد ضمنه!.. ومن قال : (علام؟) فقد اخلى منه! مع كل شى‏ء لا بمقارنه.. وغير كل شى‏ء لا بمزايله)((1120)).

(الاول، الذى لم يكن له قبل فيكون شى‏ء قبله، والاخر، الذى ليس له بعد فيكون شى‏ء بعده، ولا كان فى مكان فيجوز عليه الانتقال..)((1121)).

(ولا ينظر بعين، ولا يحد باين..)((1122)).

(ما وحده من كيفه.. ولا حقيقته اصاب من مثله..).

(فاعل لا باضطراب آله.. مقدر لا بجول فكره).

(ولا يجرى عليه السكون والحركه، وكيف يجرى عليه ما هو اجراه؟ ويعود فيه ما هو ابداه؟!) (ولا يوصف بشى‏ء من الاجزاء، ولا بالجوارح والاعضاء..).

(ولا يقال له حد ولا نهايه... ولا ان الاشياء تحويه... او ان شيئا يحمله..).

(يخبر، لا بلسان ولهوات.. ويستمع لا بخروق وادوات..).

(و انما كلامه سبحانه فعل منه انشاه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان الهاثانيا!!).((1123)) ج - (كذب العادلون بك اذ شبهوك باصنامهم.. ونحلوك حليه المخلوقين باوهامهم.. وجزاوك تجزئه المجسمات بخواطرهم..

العادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك، ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك)((1124)).

هذه هى صوره التوحيد الخالص، مستقاه من محكم الكتاب الكريم ومحكم السنه الثابته، لا فى ظواهر متشابهات تخالف تلك المحكمات، تمسك بها خطا اصحاب‏الظاهر من مشبهه ومجسمه، ولا فى تاويلات الفلاسفه والباطنين التى تنتهى الى التعطيل((1125)).

البعد الثانى - تصحيح الانحراف فكرا وسلوكا :

وفى هذا البعد انتخبنا نماذج ثلاثه :

الاول - الراى والتاويل الباطل :

التاويل هو المركب الذى لم يبق معه للنص سلطان! ذلك حين ركبه اصحاب كل مدرسه فى تثبيت قواعدهم وآرائهم، دون هدى من المحكمات، وانما برجوع الى قواعد قعدوها وزعموا انها مسلمات عقليه، او بنقل نسبوه زورا الى صاحب الرساله، اولئك يقول فيهم على (ع) :

1 - (الى اللّه اشكو من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلالا :

ليس فيهم سلعه ابور من الكتاب اذا تلى حق تلاوته! ولا سلعه انفق بيعا ولا اغلى ثمنا من الكتاب اذا حرف عن مواضعه)!!((1126)) فالمراد بالتلاوه فى قوله (اذا تلى حق تلاوته) هو الفهم السليم، والتفسير الصحيح المستقيم لكلام اللّه المجيد، لا تلك التاويلات الغريبه التى تحرفه عن مواضعه اتباعا للراى، بعيدا عن ضوابط الفهم الصحيح للنص الشريف، تلك الضوابط التى يمكن حصرها بما يلى :

اولها : ضابط من القرآن الكريم نفسه، فالقرآن يفسر بعضه بعضا ويبينه.

ثانيها : حديث صحيح وسنه ثابته حقا فى تفسيره وتاويله، لا من الاسرائيليات، ولا اخبار الضعفاء والكذابين واصحاب المعتقدات والاراء المنحرفه الذين يضعون الاحاديث فى تصديق مذاهبهم.

ثالثها : ضابط من اللغه القويمه التى نزل بها القرآن، وبحسب معانيها المعروفه فى زمن النزول، لا المعانى المحدثه والمولده، ولا مصطلحات الفلاسفه والمتكلمين، فالقرآن نزل فى لغه عصر النزول ومعانيها، لا بهذه اللغات : (بلسان عربى مبين)، (قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)، (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر )؟ (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها )؟ فلغه القرآن ومعانيها المالوفه اصدق اداه للفهم السليم بعد القرآن نفسه والسنه المطهره الصحيحه.

اما اتجاهات التفسير التى تركت ضابط اللغه وراء معان تنصر فيها مدارسها، فهى اوضح مصاديق (تحريف القرآن عن مواضعه) التى ذكرها الامام على (ع).

ولا تجد ابدا من يتجاوز ضوابط اللغه العربيه فى موضع ما الا وهو يقصد نصره مذهبه ورويته! على رغم اراده القرآن الكريم وما تحتمله معانيه.

ورابعها : ضابط من السياق القرآنى الهادى الى المعنى المراد فى مواضع كثيره، الا ان يرد نص صحيح ثابت فى اراده معنى آخر غير الذى يرجحه السياق، وبدون وجود النص الصحيح هذا، يبقى السياق دليلا متينا على المراد لا يصح تخطيه.

تلك هى ضوابط الفهم السليم المبرا من الهوى، ومن الروح المذهبيه، والفلسفيه، تلك الروح التى ترى فى مقولات المذاهب والمدارس اصلا ثابتا يخضع له القرآن الكريم والسنه ايضا، فتندفع دائما (لتاويل) كل نص لا ينسجم مع تلك المقولات، لتحمله المعنى الذى ينسجم معها مهما كان منكرا تاباه اللغه وياباه السياق! وهذا هو تحريف القرآن عن مواضعه، وهولاء هم الذين (ليس فيهم سلعه ابور من الكتاب اذا تلى حق تلاوته، ولا سلعه انفق بيعا ولا اغلى ثمنا من الكتاب اذا حرف عن مواضعه)!.


139

2 - وعن هولاء تحدث ثانيه، فقال : (سياتى عليكم من بعدى زمان ليس فيه شى‏ء اخفى من الحق، ولا اظهر من الباطل! ولا اكثر من الكذب على اللّه ورسوله! وليس عند اهل ذلك الزمان سلعه ابور من الكتاب اذا تلى حق تلاوته! ولا انفق منه اذا حرف عنه مواضعه! كانهم ائمه الكتاب، وليس الكتاب امامهم)!!((1127)) هولاء هم ائمه الكتاب، يفسرونه كما يشتهون ويوافق آراءهم ومقولاتهم المذهبيه، وليس القرآن امامهم يتبعونه كما يقول ويحدد مراده من خلال تلك الضوابط السليمه التى لا تحمل القرآن معنى مسبقا يراد له اتباعه، بل هم دائما يقدمون على القرآن باذهان محمله بعقائد يزعمون انها عقليه او شرعيه، ثم يحاولون اخضاع القرآن لها.

حقا قال اصدق تلميذ للقرآن والسنه فى وصف الزمن الاتى بعده، فمنذ ظهرت التفاسير ظهرت محمله باراء المذاهب ومعتقداتها ومقولات الفلاسفه وآثارها! ان المفسرين تمذهبوا قبل ان يفسروا!! وهذا اصدق برهان على ما نقول، ولا ينهض فى دفعه شى‏ء بحجه الدفاع عن مفسرينا! وليس المراد من هذا الغاء هذه التفاسير كلها، وتخطئه مفسرى القرآن كلهم فى كل ما اوردوه فى تفاسيرهم.

انما المراد تثبيت الحقيقه التى توقظ المسلم وهو يقرا فى هذه التفاسير، فلا ياخذ من المفسرين مذاهبهم، بل ياخذ منهم ما يجده من تفسير حق وفق الضوابط الحقه.

ان حقيقه : (ان المفسرين تمذهبوا قبل ان يفسروا) حقيقه لا يجادل فيها احد..

ولو انهم فسروا وفق منهج قرآنى خالص قبل ان يكونوا منتمين الى هذه المدرسه العقليه او ذلك المذهب العقيدى، لخرجوا بلا شك بغير هذه التفاسير فى مواضع عديده من تفاسيرهم.

ولا ننفى وجود مفسرين تحرروا الى حد معقول من ضغط المواقف المسبقه، فكانوا محققين لم يتجاوزوا ضوابط التفسير الحقه وروح القرآن الكريم، اما على امتداد تفاسيرهم، واما فى الاغلب الاعم منها، فاذا كان سائر المفسرين جديرين بكل تقدير وتكريم لعمر طويل قضوه مع القرآن الكريم، وجهد كبير بذلوه فيه، واثر نافع تركوه، فان هذا القسم الاخير منهم هو المقدم بلا شك((1128)). 3 - وفى هذه الظاهره ايضا يصدق قوله (ع) :

(ومالى لا اعجب من خطا هذه الفرق على اختلاف حججها فى دينها!! ... المعروف فيهم ما عرفوا! والمنكر عندهم ما انكروا! مفزعهم فى المعضلات الى انفسهم، وتعويلهم فى المهمات على آرائهم! كان كل امرى‏ء منهم امام نفسه)((1129))!! وهكذا، ليبقى القرآن الكريم (اذ تلى حق تلاوته) هو المصدر الاول لعقائد الاسلام فى تفاصيلها وجزئياتها، تتلوه السنه النبويه المطهره، مبينه ومتممه، وما سواه مما ليس فى القرآن ذكره ولا فى سنه النبى ولا بيانات ائمه الهدى الشارحه والمفصله فيما ثبت حقا عنهم بالسند الصحيح والمتن السليم، فهو القول المحدث والمبتدع فى الدين، وقد قال رسول اللّه(ص) :! (كل بدعه ضلاله، وكل ضلاله فى النار)((1130)).

الثانى - النجوم والكهانه :

مصدر آخر من مصادر البدع والضلاله، بعيدا عن القرآن والسنه والفهم السليم :

لما عزم على (ع) على المسير الى قتال المارقين فى النهروان، قال له بعض اصحابه : ان سرت يا امير المومنين فى هذا الوقت خشيت الا تظفر بمرادك! زعم ذلك من طريق علم النجوم.

فرد عليه الامام قائلا :

(اتزعم انك تهدى الى الساعه التى من سار فيها صرف عنه السوء؟! وتخوف من الساعه التى من سار فيها حاق به الضر؟! فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن.. واستغنى عن الاستعانه باللّه فى نيل المحبوب ودفع المكروه).

هذه هى بصيره صاحب القرآن والمهتدى بهديه فى معرفه التوحيد كما يفصله القرآن.. ثم التفت (ع) على الناس، فقال :

(ايها الناس، اياكم وتعلم النجوم، الا ما يهتدى به فى بر او بحر، فانها تدعوا الى الكهانه، والمنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر فى النار! سيروا على اسم اللّه)((1131))! وفى جوابه لهذا المنجم قال ايضا : (من صدقك بهذا فقد كذب بالقرآن! قال اللّه تعالى : (...وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس باى ارض تموت)((1132))... ان محمدا(ص) ما كان يدعى علم ما ادعيت علمه!! اما واللّه لئن بلغنى انك تعمل بالنجوم لاخلدنك فى السجن ابدا ما بقيت، ولاحرمنك العطاء ما كان لى من سلطان) فلما خالف قول المنجم، واظفره اللّه بالخوارج، قال : (لو سرنا فى الساعه التى امرنا به المنجم لقال الناس : سار فى الساعه التى امره بها المنجم فظفر وظهر!! اما انه ما كان لمحمد(ص) منجم، ولا لنا من بعده حتى فتح اللّه لنا بلاد كسرى وقيصر.. ايها الناس، توكلوا على اللّه، وثقوا به، فانه يكفى ممن سواه)((1133)).


140

ولا غرابه ان يكذب السيد ابن طاووس((1134)) بهذا الحديث او يكذب به غيره من انصار علم النجوم الذين اعتادوه وانسوا به، او الذين اعتادوا نظائره مما يشترك معه فى عله التحريم والتهويل التى نص عليها هذا الحديث، فهناك فنون اخر لاستكشاف الغيوب اجمالا، وان انضوت تحت عناوين مشروعه، كما يجرى تحت عنوان الاستخاره من فنون لاستكشاف عاقبه الفعل، خير او شر، كما ادعى ذلك المنجم علمه، فى فن ما ادعى النبى الاعظم علمه، ولا ثبت فى جواز صنعه شى‏ء صحيح، الا اخبارا اصطنعوها ولا يصح منها شى‏ء، ولا يدخل فى عله التحريم هذه ما كان من باب التفال، كمن يتفال بالقرآن الكريم او بكلام يسمعه او شى‏ء يراه، ما لم يصحب ذلك دعوى العلم بعاقبه الامر مثل ما ادعاه هذا المنجم ومثل ما يدعيه الكهان والعرافون.

ولما كان السيد ابن طاووس شغوفا بهذا الفن مبالغا فيه فقد دعاه شغفه‏المفرط الى التكذيب بهذه الكلمه الجليله متعلقا بكلام غريب فى غايه التهافت!! فاول طعونه عليها انه قال : رواها نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد، فلا يمكن التعويل عليها وفيها عمر بن سعد بن ابى وقاص قاتل الحسين(ع)! وهذه سقطه عجيبه من مثل السيد ابن طاووس، فكيف توهم ان نصر بن مزاحم المتوفى سنه 202 ه يروى عن عمر بن سعد هذا الذى قتله المختار سنه (66ه)؟! بل كيف غاب عنه ان هذا الرجل الذى يروى عنه نصر بن مزاحم هو عمر بن سعد بن ابى الصيد الاسدى، الشيعى المعروف، وقد ذكره نصر بن مزاحم باسمه الكامل فى اول كتابه (وقعه صفين)؟! وعلى هذا فقس سائر اعتراضاته((1135)).

انما الاستخاره التى صحت فى الاسلام ليس فيها استكشاف علم بالعاقبه من علم الغيب، وانما فيها التوكل على اللّه والتسليم له والثقه به، فهى ركعتان يصليهما المرء ويدعو بعدهما بدعاء الاستخاره ثم ينطلق بحسب ما يستقر فى قلبه من عزم((1136)). وهكذا مضى (ع) مع كل ما يتصل بالعقائد، احياء لتعاليم القرآن والسنه على صورتها المثلى، وامتدادا مع روحها ومقاصدها فى اخلاص التوحيد وحسن التوكل على اللّه تعالى، وتمام الثقه به وبما عنده، والرجوع اليه تعالى والاستعانه به، مضى على ذلك قولا وعملا، فكان عمله وسيرته اصدق انموذج لعقائد الاسلام، وكان كلامه المحفوظ عنه فى (نهج البلاغه) وغيره اصدق تفصيل لتوحيد القرآن والسنه واصدق تعبير عنه، الى حد اغلق على المتاولين والمتسامحين فى شان العقائد كل طريق، فلا يجدون لانفسهم فى كلامه الكثير، فى هذا الباب، منفذا الى امانيهم.

والثالث - الابتداع فى طرق العباده :

واخطر ما فى البدع المحدثه فى الاعتقاد والسلوك ما يزعم اهله انه من طرق العباده وثمراتها، ومما يراد به وجه اللّه تعالى، كذلك النوع من المعارف التى لا تستطيع ان تنهض الا حيث (يحرف الكتاب عن مواضعه) فلا يتلى (حق تلاوته).

وما زال على (ع) متحركا بالقرآن ومعه فى تصحيح الافهام وتقويم المسيره، فى امثله يطول جمعها جدا، وليس حديثه مع اهل (التقشف) الا واحدا منها، ذلك فى لقائه عاصم بن زياد الذى كان قد تقشف حتى آذى اهله وولده، فقال له (ع) فى كلام هو لغه القرآن ومنهاجه : (اترى اللّه اباح لك اللذات، وهو يكره ما اخذت منها؟! او ما سمعته يقول : (مرج البحرين يلتقيان) ثم يقول : (يخرج منهما اللولو والمرجان)؟ وقال : (ومن كل تاكلون لحما طريا وتستخرجون حليه تلبسونها)؟ اما واللّه ان ابتذال نعم اللّه بالفعال احب اليه من ابتذالها بالمقال، وقد سمعتم اللّه تعالى يقول : (واما بنعمه ربك فحدث) ثم يقول : (قل من حرم زينه اللّه التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق)؟ ان اللّه خاطب المومنين بما خاطب به المرسلين، فقال : (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) وقال : (يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)! وقال رسول اللّه(ص) لبعض نسائه : (مالى اراك شعثاء مرهاء سلتاء)((1137))! الا ترى القرآن والسنه كيف يوسسان الوعى العقيدى والمعرفى والسلوكى فى منهاج الاسلام؟ خلاصه

موقع القرآن فى معارف الاسلام :

هو الموقع المتقدم دائما : (منهاجا، لا يضل نهجه.. وفرقانا، لا يخمد برهانه.. وتبيانا، لا تهدم اركانه.. وحقا، لا تخذل اعوانه..


141

فهو معدن الايمان، وبحبوحته((1138)).. وينابيع العلم وبحوره..

ورياض العدل وغدرانه.. واثافى((1139)) الاسلام وبنيانه..

جعله اللّه : هدى لمن ائتم به.. وبرهانا لمن تكلم به..

وشاهدا لمن خاصم به.. وفلجا لمن حاج به..

وحديثا لمن روى.. وحكما لمن قضى)((1140)).

5 - مفاتح علم الدرايه ومصطلح الحديث :

علم الدرايه : علم يبحث فيه عن متن الحديث، وطرقه : من صحيحها، وسقيمها، وعليلها، وما يحتاج اليه من شرائط القبول والرد، ليعرف المقبول منه والمردود.

وموضوعه : الراوى،والمروى، اى‏السند والمتن، من حيث تلك الشرائط.

وغايته : معرفه ما يقبل من الحديث ليعمل به، وما يرد منه ليجتنب عنه((1141)).

وهذا علم اول من تكلم فيه ووضع قواعده وحدوده هو الامام على (ع)، لم يشركه فيه احد عاصره، وهذه نبذ من كلامه التاسيسى فى هذا العلم :

ا - فى الروايه وطرق التحمل :

قال (ع): (اذا كتبتم الحديث، فاكتبوه باسناده، فان يك حقا كنتم شركاء فى الاجر، وان كان باطلا كان وزره عليه)((1142)). هذا فى كتابه الحديث، وفى ثبت الاسناد واهميته.

وقال: (اذا قرات العلم على العالم فلا باس ان ترويه عنه) ((1143)). وهذا فى القراءه على الشيخ، ويسمى (العرض)، وهو احد طرق تحمل الروايه، والروايه به سائغه بالاجماع.((1144)) وقال: (قراءتك على العالم وقراءته عليك سواء)((1145)).

وهذا تقرير لاول طريقين من طرق تحمل الحديث: (السماع) و(العرض)((1146))، ثم تسويته (ع) بينهما من حيث سماع الروايه عن الشيخ وصحه نسبتها اليه.

وقال: (اعقلوا الخبر اذا سمعتموه عقل رعايه، لا عقل روايه، فان رواه العلم كثير ورعاته قليل)((1147)).

وهذا حديث جامع فى فقه الحديث وفى روايته ايضا.

ب - فى علم المتن:

فى بيانه لاختلاف الحديث، وعلله، من حيث المتون، قال: (ان فى ايدى الناس) اى من الحديث المنسوب الى النبى(ص) وهو فى معرض الحديث عنه، اصنافا: (حقا، وباطلا.. وصدقا، وكذبا..

وناسخا ومنسوخا.. وعاما وخاصا.. ومحكما ومتشابها.. وحفظا ووهما).

فهذه هى الاقسام الجامعه لمتون الحديث، والتى لا غنى عن معرفتها فى فقه الحديث ومعرفته وتمييزه.

ج - فى علم الاسناد وعلل الحديث:

وعلى (ع) هو اول من صنف الرواه من حيث اهليتهم لحمل الحديث، وما يصحب ذلك من علل، فجعلهم على اربعه اقسام، فقال:

(انما اتاك بالحديث اربعه رجال، ليس لهم خامس:

رجل منافق، مظهر للايمان، متصنع بالاسلام، لا يتاثم ولا يتحرج، يكذب على رسول اللّه(ص) متعمدا.. فلو علم الناس انه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا:

(صاحب رسول اللّه(ص) راى وسمع منه ولقف عنه، فياخذون بقوله!) وقد اخبرك اللّه عن المنافقين بما اخبرك...).

وليس القرآن والسنه وحدهما شاهدان على هذا الوصف، بل الواقع ايضا كان كذلك، لترى ان نظريه (عداله الصحابى) لم تولد الا بعد هذا الزمان، حمايه للعهد الاتى والنهج الذى تبناه واحياه، ليس الا.

ورجل سمع من رسول اللّه(ص) شيئا لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه، ولم يتعمد كذبا.. يقول: انا سمعته من رسول اللّه(ص)، فلو علم المسلمون انه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو انه كذلك لرفضه.

ورجل ثالث: سمع من رسول اللّه(ص) شيئا يامر به، ثم نهى عنه وهو لايعلم.. او سمعه ينهى عن شىء، ثم امر به وهو لا يعلم.. فحفظ المنسوخ، ولم يحفظ الناسخ! فلو علم انه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون اذ سمعوه منه انه منسوخ لرفضوه.

وآخر رابع: لم يكذب على اللّه ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفا من اللّه وتعظيما لرسوله (ص).. ولم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، فحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه.. وعرف الخاص والعام، فوضع كل شىء موضعه.. وعرف المتشابه ومحكمه.

بينه وبين الصحابه:

بعد ذلك التقسيم والبيان، وما ذكره من ان فى حديث النبى(ص) خاص والعام، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، قال: (وليس كل اصحاب رسول اللّه (ص) من كان يساله ويستفهمه، حتى ان كانوا ليحبون ان يجىء الاعرابى والطارىء فيساله (ع) حتى يسمعوا! وكان لا يمر بى من ذلك شىء الا سالته عنه، وحفظته.. فهذه وجوه ما عليه الناس فى اختلافهم، وعللهم فى رواياتهم)((1148)).

مصادر علمه (ع):

تلك اذن مصادر علمه (ع) كما كررها غير مره:

(وكان لا يمر بى من ذلك شىء الا سالته(ص) عنه، وحفظته) ((1149)). (ليس هو بعلم غيب، وانما هو تعلم من ذى علم)((1150)).


142

(علمنى رسول اللّه(ص) الف باب من العلم، لكل باب الف باب)((1151)). (كنت اذا سالت رسول اللّه(ص) اعطانى، واذا سكت ابتدانى)((1152)).

بذلك، وبدعاء النبى(ص) له، واصطفاء اللّه تعالى له سيدا لاهل بيت النبى بعده(ص)، بذلك كله تميز علمه على سائر الناس، وتميزت منزلته. حتى كان يقول: (سلونى قبل ان تفقدونى، فوالذى نفسى بيده لا تسئالونى عن شىء فى ما بينكم وبين الساعه ولا عن فئه تهدى مائه وتضل مائه الا انباتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من اهلها قتلا ومن يموت منهم موتا)((1153))

6 - معالم الدين:

معالم الدين واركانه وفروعه كان لها حظ وافر فى تعاليم على (ع)، ضمن مشروعه الثقافى والحضارى الكبير، وقد وردت مفرقه فى العديد من احاديثه وخطبه، غير ان له موقفين كانا اكثر جمعا لعدد من مفرداتها، مصحوبا ببيان وجيز، ونقله الى فقه جديد، الا وهو (تعليل الاحكام)، والى معرفه جديده، وهى (عواقب الاعمال وجزائها)، ففى الاولى ترى:

ا - اركان الدين: (ان افضل ما توسل به المتوسلون الى اللّه تعالى:

الايمان باللّه وبرسوله.. والجهاد فى سبيله، فانه ذروه الاسلام..

وكلمه الاخلاص، فانها الفطره.. واقام الصلاه، فانها المله.. وايتاء الزكاه، فانها فريضه واجبه.. وصوم شهر رمضان، فانه جنه من العقاب.. وحج البيت واعتماره، فانهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب.. وصله الرحم، فانها مثراه فى المال، ومنساه فى الاجل..

وصدقه السر فانها تكفر الخطيئه، وصدقه العلانيه فانها تدفع ميته السوء.. وصنائع المعروف، فانها تقى مصارع الهوان.

ب - عماره القلب: - افيضوا فى ذكر اللّه، فانه احسن الذكر..

وارغبوا فى ما وعد المتقين، فان وعده اصدق الوعد.

ج - فى السنه: - واقتدوا بهدى نبيكم، فانه افضل الهدى..

واستنوا بسنته، فانها اهدى السنن.

د - فى القرآن: - وتعلموا القرآن، فانه احسن الحديث.. وتفقهوا فيه، فانه ربيع القلوب.. واستشفوا بنوره، فانه شفاء الصدور..

واحسنوا تلاوته، فانه انفع القصص.

ه - فى العمل: - ان العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذى لايستفيق من جهله، بل الحجه عليه اعظم، والحسره له الزم، وهو عند اللّه الوم((1154)).

وفى الثانيه: حيث يبرز فقه تعليل الاحكام، ترى اركان الدين ودعائم البناء الاجتماعى: (فرض اللّه الايمان، تطهيرا من الشرك.. والصلاه، تنزيها عن الكبر.. والزكاه، تسبيبا للرزق..

والجهاد، عزا للاسلام.. والامر بالمعروف، مصلحه للعوام..

والنهى عن المنكر، ردعا للسفهاء.

وصله الرحم، منماه للعدد.. والقصاص، حقنا للدماء.. واقامه الحدود، اعظاما للمحارم.. وترك شرب الخمر، تحصينا للعقل..

ومجانبه السرقه، ايجابا للعفه.. وترك الزنى، تحصينا للنسب..

والشهادات،استظهارا على المجاحدات...

والسلام، امانا من المخاوف.. والامانه، نظاما للامه.. والطاعه، تعظيما للامامه)((1155)).

فمع تاكيد معالم الدين واعمده البناء الاجتماعى، قد فتح للناس بابا الى علمين فى غايه الاهميه، هما: علم (مقاصد الشريعه)، وعلم (فلسفه العبادات).

علمان جديران بان يعطيا للفقه روحا جديدا وحياه متجدده، فهو فى حركه دائمه ستدخل فى ثقافه المجتمع فى مختلف طبقاته، والعلمان مازالا جديدان حتى يومنا هذا، لم ياخذا حظهما من الدرس والتطوير رغم صدور محاولات كثيره وجاده ونافعه ورغم القناعه الراسخه بشده الحاجه اليهما، فثمه اعتراف ضمنى، ان لم يكن صريحا، بالقصور عنهما او التقصير فيهما.

تلك اذن دائره واسعه للاصلاح الدينى، لم تحل دونها تلك الازمه الحقيقيه الهائجه التى واجهت الامام على (ع) منذ الايام الاولى لخلافته، وحتى مصرعه، لم تهدا، ولم يضعف اثرها على وحده الامه وامنها الداخلى والمعيشى.

الاصلاح الاجتماعى

العدل الواسع الذى يسع الناس جميعا لينتظموا فى ميزان واحد، هو الامل الذى كان يحدوا عليا ويقطع عليه طريق زهده فى الحكومه.

والعدل الواسع، ان كان هو انشوده الفقراء والضعفاء والصالحين، وسكن الفواد لعشاق الاخره، وهدفا رساليا لانصار الرساله، وانسانيا للعارفين بحق الانسانيه، ان كان لهولاء كذلك، فهو بلاشك شبح مخيف لاخرين مدوا النمارق الوثيره، وتغلغل فى عروقهم النعيم، همهم ان يزدادوا ثراء وبسطه، ولا يرون ذلك لانفسهم الا حقا، بيقين! يقين صم آذانهم عن انين المحرومين، واغشى ابصارهم عن شقاء المعدمين، فران على قلوبهم، واحاط ببصائرهم من كل صوب.

لا شك ان يتمرد على العدل من وجد فيه (عدوا) يقطع عليه طريقه الى المزيد من الوان النعيم، ومن وجد فيه (غاصبا) ينتزع من بين يديه ثروه جمعها من هنا وهناك، بحق او بغير حق، ليس هذا شانه، انه اصبح المالك لهذه الثروه، اما ان يكون لاولئك الاشقياء المعدمين فيها حق وقد سيق عنهم اليه، فهذا مالا يراود خاطره، ولا يورق مضجعه! وما زال العدل والمساواه هما مشكله الاقوياء والاثرياء والكبراء مذ تمدد الادمى على هذه البسيطه! لقد كان اذن مبتدءا صعبا هذا الذى ابتداه على! العدل والمساواه التى اقسم على اجرائهما على الجميع سواء، ابتداء بنفسه وبنيه، لم يكونا فقط مفتاح الخير والرحمه وعوده الحقوق المهدوره، بل كانا ايضا مفتاح الاختيار الصعب، ومحك الايمان، وغربال الرجال! (والذى بعثه بالحق لتبلبلن بلبله، ولتغربلن غربله، ولتساطن سوط القدر، حتى يعود اسفلكم اعلاكم، واعلاكم اسفلكم)!! هذه الخصله كانت قريش قد قدرتها فى على بكل دقه منذ ايام الرسول(ص)، فقراوها واثرياوها، عشاق العدل والمساواه فيها واصحاب الاثره، فكان على هو الذى قد انعقدت عليه آمال الفقراء وانصار العدل فى (استمرار المنهج الاجتماعى الذى شهدته شبه الجزيره على يد دعاه الاسلام، وايضا الضمانه الاساسيه كى لا يعود ملا قريش واغنياوها للامساك بالسلطه والسلطان من جديد تحت رايات الدين الجديد واعلامه)((1156)).


143

واما الملا من قريش فانما كانوا يخشون من على هذا، فكانوا له بالمرصاد، لصرف الخلافه عنه باى ثمن! (ولقد قالها عمر بن الخطاب صراحه لعبداللّه بن عباس عندما حدثه ان قريشا قد قررت الا تعطى السلطه للهاشميين بعد وفاه الرسول، قال عمر: كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه... فنظرت قريش لنفسها فاختارت! ...انهم ينظرون اليكم نظر الثور الى جازره)((1157))! (ان الملا من قريش الذين مالوا بالخلافه عن على بن ابى طالب كانوا يخشون من على نهجا اجتماعيا ثوريا ومتقدما... وان هذا التيار القرشى القديم الذى يمثله هذا النفر من الاغنياء ومن سار فى طريقهم قد عجزوا عن ان يحققوا مطامحهم الاجتماعيه والطبقيه فى زمن ابى بكر وزمن عمر بن الخطاب لاسباب كثيره، لكنهم قد حققوا مطامحهم الاجتماعيه على حساب التعاليم الاجتماعيه الثوريه التى بشر بها الاسلام، وعلى حساب جماهير الفقراء عندما تولى الخلافه عثمان بن عفان)((1158)). ومنذ ذلك العهد ارتفع صوت على بضروره الاصلاح الاجتماعى لحفظ حقوق الناس والتسويه بينهم، وقد حفظ التاريخ من كلامه مع عثمان فى هذا الامر الشىء الكثير: قال له يوما، مبتدءا بالتذكير بمن سبقه: (اما التسويه بينك وبينهما فلست كاحدهما.. انهما وليا هذا الامر فظلفا((1159)) انفسهما واهليهما عنه، وعمت فيه وقومك عوم السابح فى اللجه! فحتى متى، والى متى؟! الا تنهى سفهاء بنى اميه عن اعراض المسلمين وابشارهم واموالهم؟ واللّه لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان اثمه مشتركا بينه وبينك)((1160))! ويوم آلت الخلافه اليه:

باشر على مشروعه فى التغيير الاجتماعى باعلان معالم مشروع ثقافى وحضارى اصيل، فقال للناس:

(ان اللّه سبحانه انزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر، فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا..

الفرائض، الفرائض! ادوها الى اللّه، تودكم الى الجنه..

ان اللّه حرم حراما غير مجهول، واحل حلالا غير مدخول، وفضل حرمه المسلم على الحرم كلها.. وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين فى معاقدها...

بادروا امر العامه.. وخاصه احدكم الا وهو الموت..

اتقوا اللّه فى عباده وبلاده، فانكم مسوولون حتى عن البقاع والبهائم..)((1161)).

وان وراء كل واحد من هذه المعالم تفاصيل، وقد ادى لكل منها حقه: بيانا عاما للناس، وخاصا لعماله، ومباشره وتنفيذا بامره ويده، وبواسطه عماله على الامصار الذين لم يشغله عن اخبارهم وسياستهم كل ما كان حوله من اضطراب وحروب.

وقد حفظ لنا التاريخ الشىء الكثير مما يحقق قراءه وافيه فى اداره شوون الولايات ومتابعه تنفيذ العدل والمساواه بين الناس، ومراقبه العمال والامراء((1162)).

الهيكل الاجتماعى:

لقد غير الاسلام ترتيب الهرم الاجتماعى القائم فى الجاهليه، فلم تعد اميه فى قمته، ولا قريبا منها، بل استقل فيها النبى المصطفى، وتاخر بنو اميه الى القاع، وتقدم الانصار فوقهم بكثير وفى محاذاه القمه، وانزاح مبدا التقدم بحسب الانتماء القبلى لتحل معايير اخرى تنظر الى التقوى والى الكفاءه والاهليه، فكان عمار وبلال وسلمان وابو سعيد الخدرى كلهم فوق بنى اميه بكثير، وكثير جدا، ومضى الحال على عهد النبى(ص) وما زالت قريش تنظر الى النبى(ص) فتراه هاشميا قبل ان تراه نبيا! فاذا انتقل الحديث الى وارثه الطبيعى، اقرب الناس اليه فى قمه الهرم الاجتماعى الاسلامى، على بن ابى طالب، فليس ثمه نبوه فى اعينهم، فلم تبق الا الهاشميه! و(كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه والخلافه) اما الاولويه والاهليه ووصايا النبوه فكلها الى الوراء حتى ترضى قريش! ورويدا رويدا استعادت قريش بناءها الاول، حتى ظهر بلا خفاء ايام عثمان، فعاد بنو اميه الى القمه، وتحدر بنو هاشم هذه المره الى القاع، يشاركهم اولئك النفر الذين رفعهم الاسلام، ويشاركهم عامه الانصار! فكان مجىء على رجوع بهذا (الهرم المقلوب)((1163)) الى وضعه الذى حتمه الاسلام.. وهذا ما لا ترضى به قريش ولا تستسلم له ما وجدت الى ذلك سبيلا.

كيف وهم يرون المستضعفين وسائر الانصار قد نظروا الى خلافه على وكانها الثار الحقيقى والامل الوحيد الذى سيعيد لهم اعتبارهم الاول على عهد الرسول(ص)، فينظر الى اخلاصهم وصدقهم وتفانيهم دون ان ينظر الى اصولهم القبليه او الطبقيه؟ فما كان على ليتردد فى تقديم صالحى المومنين من مهاجرين وانصار وغيرهم على هذه الطبقه الجديده التى استعادت ذلك الهرم الاجتماعى الجاهلى تحت رايات الاسلام! فهل يستوى عنده: عمرو بن العاص وعمار، ام يستوى معاويه وسهل بن حنيف؟ ام هل يستوى مروان وعبداللّه بن عباس؟! اذن سيعود ذلك الهيكل الاجتماعى الذى بناه الاسلام على عهد نبى الاسلام، سيعود اليوم على يد على (ع).


144

سيعود مبدا (لو ان فاطمه بنت محمد سرقت لقطعت يدها)! سيعود الناس امام القضاء سواء، وفى بيت المال سواء، والتفاضل فى التقوى (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم)((1164)).

(لافضل لعربى على اعجمى، ولا لاعجمى على عربى، ولا لابيض على اسود ولا لاسود على احمر الا بالتقوى)((1165)).

توزيع الثروه:

الخطوه الاولى:

هذا المال الذى يعود الى بيت مال المسلمين، كان الناس فيه سواء ايام رسول اللّه(ص)، وعلى ذلك مضى ابو بكر فكان اول مال قسمه ابو بكر نصف دينار لكل انسان((1166)). فلما كان عهد عمر اجتهد برايه ففاضل بين الناس فى القسمه على اساس السبق فى الاسلام، كما ميز نساء النبى ثم ميز بينهن ايضا، ومضى على ذلك مده خلافته فادرك فى عامه الاخير انه قد تسبب فى استشراء تفاوت طبقى خطير، اذ تكدست الاموال عند رجال، فيما كان الاكثرون قد لا يرتفعون عن مستوى الفقر كثيرا، فاخذ على نفسه عهده المشهور ان يرجع عن رايه هذا الى التسويه بين الناس فى العطاء، فقال على الملا: (لئن عشت الى هذا العام المقبل لالحقن آخر الناس باولهم حتى يكونوا بيانا واحدا)((1167)).

لكنه قتل فى عامه ذاك قبل ان يتولى قسمه عطاء جديد! ترى هل كان قراره الاخير هو الداعى الى اغتياله ومعاجلته؟! اذا كنا لا نجد من يقول بذلك فليس لاستحالته، وانما (المصلحه) تقتضى ان يحصر الامر فى الغلام المجوسى فيروز الذى باشر اغتياله بنفسه، لكن اى غرابه فى ذلك وقد كان هذا القرار نفسه كل السبب فى تمرد رجال من كبار الصحابه على على (ع) بعد البيعه له؟ وان اتخذ تمردهم شعارات اخرى ليس لها واقع ولا مصداق، ولم تكن سيوفهم آنذاك تفرق بين على وبين غيره من جنده وانصاره! اغتيل عمر قبل ان ينفذ قراره الاخير، وعثمان بعده اهمل هذا القرار واسدل عليه ستارا كثيفا، فلم يذكره بالمره، وانما سار على السيره السابقه بالمفاضله وكان عمر لم يرجع عنها! فهل فى هذا اشاره الى انه قد ادرك ان ذلك القرار هو الذى اودى بحياه عمر؟ وان قرارا اودى بحياه عمر لقادر على ان يودى بحياته ايضا؟ ام كان هو يرى المفاضله اساسا، ويرفض التسويه؟ ايما كان فقد ازداد التفاوت الطبقى عاما بعد عام، خصوصا بعد ان دخل عنصر جديد فى المفاضله، وهو (قربى الخليفه)! فقد كان عثمان يرى ان له ان يعطى قرباه من بيت المال ما يشاء، ويفسر ذلك بانه صله للقربى! وثمه ماهو جدير بالملاحظه، ان السهم الاوفر من العطاء انما كان يختص به البدريون، لكنا نجد بين البدريين انفسهم اصدق انموذج للتفاوت الطبقى الهائل، ففيما تنامت الثروات عند بعضهم حتى صارت عنوانا بارزا فى شخصياتهم الجديده، كان آخرون لم يفارقوا عهدهم الاول، فهذا ابوذر واحد من اولئك البدريين، له مثل نصيبهم، لكن كيف عاش ابوذر؟ وهذا عمار، وسلمان ايضا الحقه عمر بالبدريين منذ البدايه، فهل كان بين اصحاب رسول اللّه(ص) من يسطع الزهد فى جبينه وبيته وقلبه كهولاء؟ اما على فقد كان اوفر حظا منهم جميعا، وكان اقدر على الثراء من اثراهم، لقد كان يدخل بيته سهام ثلاثه بدريين، سهمه وسهما الحسنين اذ الحقهما عمر بالبدريين منذ البدايه، لكن بيت على والحسنين لايزال هو تلك الحجره الطينيه التى اختارها فى اوسط بيوت النبى! ولا زالت تلك مدرعته يتقادم عليها العهد حتى ليصعب على الفنان تصويرها وقد قال عنها صاحبها: (لقد رقعت مدرعتى حتى استحييت من راقعها)! ولا زال هو ذلك الكادح الذى احب الارض وسقاها من عرق جبينه الساعات الطوال! هولاء، وآخرون مثلهم، كانوا يعيشون هموم الفقراء ويانسون بمواساتهم ابدا فى كل شىء، من هنا كانوا يدا واحده وقلبا واحدا، لم يفرقهم حدث، ولا باعد بينهم شىء حتى الموت.

ومن هنا ايضا صاروا رمزا للكفاح والجهاد والزهد والطهر والثوره والحريه والخلاص.

وقبل ذلك كانت تجمعهم قناعه راسخه بامامه اهل البيت (ع) ومرجعيتهم السياسيه والفكريه والروحيه، وعليها ثبتوا يوم تميزت السقيفه باطروحتها الجديده ثم جرت وراءها عامه الناس فى التفصيل الذى تقدم فى محله.

ومن هنا وهناك افرد اللّه لهم حبا ميزهم فيه، واشتاقت لهم الجنه! ففى الصحيح عن النبى(ص): (ان اللّه امرنى ان احب اربعه، واخبرنى انه يحبهم: على منهم، على منهم، على منهم، وابو ذر والمقداد وسلمان)((1168))! و(اشتاقت الجنه الى اربعه: على، وسلمان، وعمار، والمقداد)((1169))! فما زال اذن امام جمهور المسلمين قدوات يقتدون بها، وامل ينشدونه، ولم يخطئوه حين بلغت نقمتهم مداها وانقضوا على النظام الطبقى الجديد فى طوفان لم يقف دون مصرع الخليفه.


145

اما الذى صنعه على (ع) فهو الاعلان المبكر عن الغاء اسباب هذا التمايز الطبقى بالتسويه بين الناس فى العطاء فى بيان حاسم قطع آمال هذه الطبقه الجديده مبكرا:

(الا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الانهار وركبوا الخيول الفارهه واتخذوا الوصائف الروقه((1170)) فصار ذلك عليهم عارا وشنارا اذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، واصرتهم الى حقوقهم التى يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن ابى طالب حقوقنا!)((1171)). فلما كان الغد غدا الناس لقبض حقوقهم، فقال لعبيد اللّه بن ابى رافع كاتبه: ابدا بالمهاجرين فنادهم، واعط كل رجل ممن حضر ثلاثه دنانير، ثم ثن بالانصار فافعل معهم مثل ذلك، ومن حضر من الناس كلهم الاحمر والاسود فاصنع به مثل ذلك! فتخلف عن هذا القسم يومئذ رجال، فيهم: طلحه والزبير وعبداللّه بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم! وكثر ممن انف هذا القسم كلام بلغ عليا، فخطبهم ثانيه فذكر بكتاب اللّه وحكمه وبعهد رسول اللّه وسيرته، فقال: (هذا كتاب اللّه بين اظهرنا، وعهد رسول اللّه وسيرته فينا، لا يجهل ذلك الا جاهل عاند عن الحق، منكر، قال تعالى:

(يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم) - ثم صاح باعلى صوته - اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول، فان توليتم فان اللّه لا يحب الكافرين! اتمنون على اللّه ورسوله باسلامكم؟! (بل اللّه يمن عليكم ان هداكم للايمان ان كنتم صادقين)! انا ابو الحسن، الا ان هذه الدنيا التى اصبحتم تمنونها وترغبون فيها، واصبحت تغضبكم وترضيكم، ليست بداركم ولا منزلكم الذى خلقتم له، فلا تغرنكم فقد حذرتكموها..

فاما هذا الفىء فليس لاحد على احد فيه اثره، وقد فرغ اللّه من قسمته، فهو مال اللّه وانتم عباد اللّه المسلمون.. وهذا كتاب اللّه به اقررنا وله اسلمنا، وعهد نبينا بين اظهرنا، فمن لم يرض به فليتول كيف شاء! فان العامل بطاعه اللّه والحاكم بحكم اللّه لا وحشه عليه)((1172))! (اتامرونى ان اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه! واللّه لا اطور به ما سمر سمير، وما ام نجم فى السماء نجما! لو كان المال لى لسويت بينهم، فكيف وانما المال مال اللّه؟!)((1173)). والذين كان على يعبا بامرهم من بين الكارهين للتسويه طلحه والزبير خاصه، فدعاهما الى عتاب صادق واعذار بسط فيه الحجه وكاشفاه بما لديهما، فبعد ان ذكرهما ببيعتهما له وهو كاره، قال: ما دعاكما بعد الى ما ارى؟ ماالذى كرهتما من امرى حتى رايتما خلافى؟! قالا: (اعطيناك بيعتنا على ان لا تقضى الامور ولا تقطعها دوننا، وان تستشيرنا فى كل امر ولا تستبد بذلك علينا.. انك جعلت حقنا كحق غيرنا وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فى ما افاء اللّه علينا باسيافنا ورماحنا.. ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت، فانت تقسم القسم وتقطع الامر، وتمضى الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا.

فقال: اما ما ذكرتما من الاستشاره فواللّه ما كانت لى فى الولايه رغبه ولكنكم دعوتمونى اليها وجعلتمونى عليها.. فلما افضت الى: نظرت فى (كتاب اللّه) و(سنه رسوله) فامضيت ما دلانى عليه واتبعته، ولم احتج الى آرائكما فيه ولا راى غيركما.. ولا وقع حكم جهلته فاستشيركما واخوانى من المسلمين، ولو كان ذلك لم ارغب عنكما ولا عن غيركما.

واما ما ذكرتماه من الاسوه فان ذلك امر لم احكم انا فيه برايى، ولا وليته هوى منى، بل وجدت انا وانتما ما جاء به رسول اللّه(ص) قد فرغ منه فلم احتج اليكما فى ماقد فرغ اللّه من قسمه وامضى فيه حكمه! رحم اللّه رجلا راى حقا فاعان عليه، او راى جورا فرده((1174)). واما قولكما: جعلت فيئنا سواء بيننا وبين غيرنا، فقديما سبق الى الاسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم فلم يفضلهم رسول اللّه(ص) فى القسم، ولاآثرهم بالسبق! واللّه سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامه اعمالهم((1175)).

لقد الفوا التفاضل وارتضوه حتى راوه سنه! فراوا الذى صنعه على ماهو الا اجتهاد راى لو اضيفت اليه آراء الكبار لازداد نضجا! وهذا التصور قد سرى بعدهم الى جل الدارسين الذين وقفوا على هذه المساله، وفات المتاخرين ما فات السابقين من الوقوف على مثل حجه الامام على فى ان هذا حكم قد فرغ منه فى كتاب اللّه وسنه نبيه! فاتهم ذلك، فمازلنا نقرا ان المساله اجتهاديه! والحق بخلاف ذلك، فالذى نقراه فى جواب على واعذاره وحججه هو لغه القرآن والسنه وحكم اللّه وحكم رسوله حتى ولو لم يصح منه عن على حرف واحد! يعاتبونه على هذه التسويه التى انصفت الضعفاء والمساكين، وقوضت هرما قد قوضه الاسلام اول الامر.


146

لقد كان قرار التسويه فى حينه ثوره اجتماعيه عارمه صدمت كثيرا من رجال قريش وغيرها، لقد كان هذا القرار ذاته (هو السبب الخفى والحقيقى لخروج من خرج على على، ولنكوث من نكث بيعته، وان توارى ذلك وراء دعوى مفتعله اسمها دم عثمان)((1176))! ولم تعد هذه الحقيقه خافيه على احد، وانما يسعى فى اخفائها نفر جاهدون فى (التاويل) لستر اخطاء الماضى وابتداع الاعذار، وان ادى ذلك، لا الى مسخ الحقيقه فقط، بل الى الاكتفاء برويه (عمياء)! لا تهدى الى الصواب ولا يرتجى منها ذلك.

لقد التقى ذلك السبب الخفى والحقيقى لدى رجال من قاده (الجمل) مع الحقد الاموى الدفين على على لدى مروان والوليد بن عقبه بن ابى معيط وغيرهم من حلفاء البيت الاموى، مع الموقف النفسى والسياسى العتيق لدى عائشه، فتمخضت عن هذا التلاقى معركه الجمل المنكره، اول نكث لبيعه! ومن وجوه كهذه! وتحت شعار زائف، وحجه داحضه، ودعوى باطله! فكانت اول ماساه حقيقيه فى هذا العهد، شقت الامه الى يومنا هذا، والى مالا يعلم مداه الا اللّه! والذى يتحمل وزر هذا الشق الكبير اليوم بعد ابطاله الاوائل هم الدارسون الذين جهدوا فى اختلاق الاعذار وتزييف الحقائق، حتى اختلط بالحق الابلج باطل كثير، فاضطربت بينهما الاتباع (حق وباطل، ولكل اهل) كما قال على فى هذه الماساه نفسها! جماعه من الدارسين، مورخون وفقهاء ومتكلمون، ارتضوا لانفسهم ان يقولوا: (ان طلحه والزبير وعائشه قد خرجوا لطلب الاصلاح بين المسلمين)! ارتضوا ان يقولوا هذا دون ان يعباوا بما سيعود به هذا الكلام على سمعتهم كعلماء، وما سيخلفه لهم من صوره فى اذهان قراء لم يستهينوا بعقولهم الى هذا القدر! فمتى قامت فى البصره فتنه ليخرج هولاء الى هناك لاخمادها؟! ومتى كان طلب الاصلاح بتجييش الجيوش تمردا على الخليفه وتحديا له؟! ومتى كان طلب الاصلاح باقتحام المدن وقهر اهلها وقتل بعضهم واسر آخرين وانتهاب بيت المال، كما فعله الناكثون فى البصره عند قدومهم عليها،وزادوا على ذلك غدرهم بوالى البصره الصحابى عثمان بن حنيف واخذه والتمثيل به حيا بنتف لحيته وجفون عينيه، بامر القاده طلحه والزبير وعائشه((1177))، متى كانت هذه سيماء الاصلاح؟! اى طلب للاصلاح يكون بهذه الطريقه، وراء الخليفه وقهرا له؟! اى اصلاح والزبير القائد يشهد على نفسه بانه خرج مقاتلا لعلى وانه لظالم له، فينقلب راجعا نادما!! ذلك حين دعاه على (ع) قبل التحام الحرب وذكره بنذير النبى (ص)، قال له: اتذكر يوم مررت مع رسول اللّه(ص) فى بنى غنم فنظر الى فضحك وضحكت اليه، فقلت له: لا يدع ابن ابى طالب زهوه! فقال لك: (ليس به زهو، لتقاتلنه وانت ظالم له)؟ فقال الزبير عندها: اللهم نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيرى هذا، واللّه لااقاتلك ابدا((1178)).

فلو كان يعلم انه قد خرج للاصلاح ولم ينو القتال، فلم يقول ذلك؟ لماذا لم يقل خرجت مصلحا لا مقاتلا؟ هذا ولم تنشب الحرب بينه وبين على بعد! هذا كله يغفلونه ويتركونه وراءهم بحثا عن العذر والتبرير ولو كان تكذيبا لحديث النبى(ص) ولشهاده الزبير على نفسه! ومثل هذا يقال فى المكابره الصريحه ازاء حديث الحواب والسيده عائشه! لقد ذكرتها الحديث اصوات الكلاب التى نبات بها، فبينا هم سائرون نحو البصره وقد مروا بماء اذ نبحتهم كلابه فى هداه الليل، فقدح فى ذهنها امر كان قد تراكمت عليه هموم واحداث، فقالت: ماهذا الماء؟! قالوا: ماء الحواب.

قالت: انا للّه وانا اليه راجعون! هذا الماء الذى قال لى رسول اللّه(ص): (لا تكونى التى تنبحك كلاب الحواب) ثم صرخت بهم: ردونى، ردونى!! فلم هذا الفزع والندم لو كان السير الى اصلاح وصلاح؟! لكن صحبها (المصلحون) وقد سمعوها تحدث بذلك عن رسول اللّه (ص)، اى خشوع سيخشعون! واى عوده سيعودون!! لقد اتوا لهاباربعين رجلا يشهدون لها ان هذا ليس بماء الحواب! هكذا صدقوا قول النبى! فى شهاده زور ثبت انها اول شهاده زور علنيه فى الاسلام! وكان بين الذين اقسموا زورا عبد اللّه بن الزبير!! وحديث الحواب هذا حديث صحيح،رواه احمد وابو يعلى والبزار وصححه، وابن حبان والحاكم على شرط الصحيح، وصححه ابن كثير وغيرهم كثير((1179))، فلا يجدى صراخ ابن العربى، او محب الدين الخطيب فى التكذيب وهو يقول بلابينه ولا برهان صدق: لم تقل عائشه! ولم يقل النبى (ص)((1180))! وقصه الحواب هذه مما اجمع عليه المورخون بلا شذوذ ولا نكران((1181))، بعد ما رايت من توافق اصحاب الحديث، ولكن لما عز عليه التاويل، فلا مفر من التكذيب!! ومره اخرى مع رحله الاصلاح وحوارات رجالها:


147

ففى طريقهم الى البصره لقيهم سعيد بن العاص الاموى، فقال لمروان بن الحكم: اين تذهبون وتتركون ثاركم على اعجاز الابل وراءكم؟ - يعنى عائشه وطلحه والزبير - اقتلوهم ثم ارجعوا الى منازلكم((1182))! وفى البصره، وقد حضرتهم الصلاه، تنازع طلحه والزبير، وجذب كل واحد منهما صاحبه حتى فات وقتها، فصاح الناس:

الصلاه الصلاه يا اصحاب محمد! فقالت عائشه: يصلى محمد بن طلحه يوما، وعبداللّه بن الزبير يوما((1183))!! انها مسيره تجمعت فيها تلك العناصر الثلاثه - انفه طلحه والزبير، وحقد بنى اميه، ونزعه عائشه - وتجدد تظاهر قريش ضد الهاشميين بعد وفاه الرسول، ولكن بعد ان بايعوا لعلى هذه المره ومضوا على طاعته اماما وخليفه نحو اربعه اشهر! فنكثوا بيعتهم (ولم يصغ طلحه والزبير لنصح الناصحين، ولم يرعيا حرمه لوحده المسلمين التى كانت تتمزق شر ممزق! بل لم يكن لنصيحه ام سلمه اى اثر فى نفس عائشه!)((1184)).

اما دعوى الطلب بدم عثمان فاشد من كل الدعاوى تهافتا، لقد (نصح على الذين طالبوا بدم عثمان ان يتريثوا، حتى اذا هدات النفوس وعاد الامن الى نصابه اجرى الحق مجراه)((1185)).

قال لهم: (يا اخوتاه! انى لست اجهل ما تعلمون، ولكن كيف لى بقوه والقوم المجلبون على حد شوكتهم، يملوكننا ولا نملكهم! وها هم هولاء قد ثارت معهم عبدانكم والتفت اليهم اعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ماشاووا! وهل ترون موضعا لقدره على شىء تريدونه؟ ان هذا الامر امر جاهليه، وان لهولاء القوم ماده، ان الناس من هذا الامر اذا حرك على امور: فرقه ترى ما ترون، وفرقه ترى مالا ترون، وفرقه لا ترى هذا ولا ذاك! فاصبروا حتى يهدا الناس وتقع القلوب مواقعها، وتوخذ الحقوق مسمحه، فاهدووا عنى وانظروا ماذا ياتيكم به امرى، ولا تفعلوا فعله تضعضع قوه..

وسامسك الامر ما استمسك، واذا لم اجد بدا فاخر الدواء الكى)((1186)). ثم هولاء الطالبون بدم عثمان اليوم، كانوا بالامس فرقا، فرقه حرضت صراحه على قتله، وعلى راسهم عائشه وطلحه.. وفرقه حركت الناس عليه واثارتهم ضده، وعلى راسهم الزبير وعمرو بن العاص.. وفرقه كانت سببا مباشرا فى افساد امره ونقمه الناس عليه، وهم امراوه وذووه من بنى اميه: مروان ومعاويه وابن سرح وابن عامر واصحابهم، ثم تفرد معاويه بموقف آخر وهو خذلان عثمان والتباطو فى نصرته ورفع الحصار عنه، وقد كان فى طاعته اهل الشام كلهم!! هولاء هم الذين اظهروا الطلب بدم عثمان!!،، وقد تقدم آنفا قول سعيد بن العاص الاموى وهو يحمل طلحه والزبير وعائشه دم عثمان بالكامل((1187))!،، ومروان بن الحكم يرمى طلحه بسهم وهو يقاتل معه يوم الجمل ضد على! يرميه فيرديه فيقول: لا اطلب بثارى بعد اليوم((1188))!! هذه هى حقيقه مسيره الجمل، لا شىء من سيماء الاصلاح، ولا شبهه حق فى الطلب بدم عثمان! تلك طائفه خرجت على الامه، وعلى الامام العادل، ونكثت بيعه عقدتها له، فسموا لاجل ذلك: (الناكثون).

اولئك هم الناكثون..

فلم يكن (الناكثون) فرقه جديده تمتاز باطروحه جديده فى الامامه وفى المعرفه ومصادر التشريع، انما كانت تعبيرا جديدا عن موقف قريش الاول منذ وفاه الرسول(ص)، هى امتداد ومواصله لذلك الموقف ولاطروحه السقيفه فى ظاهرها الصريح، وفى باطنها الذى افصح عنه عمر غير مره، وافصحت عنه الاحداث، فى انعقاد القناعه على ابعاد الخلافه عن على خاصه! هذا عمرو بن العاص الذى قاد تلك الفتنه ضد الانصار الذين هتفوا باسم على بعد البيعه لابى بكر، معه الوليد بن عقبه، وابن سرح، هذا هو اليوم ينفث بمكنون نفسه حين بلغه مقتل عثمان، فيقول: (انا ابو عبداللّه! انا قتلته وانا بوادى السباع((1189))! ان يل هذا الامر طلحه فهو فتى العرب.. وان يله ابن ابى طالب فهو اكره من يليه الى)! فبلغه بيعه على، فاشتد عليه واقام ينتظر ما يصنع الناس، فاتاه مسير عائشه وطلحه والزبير، فاقام ينتظر ما يصنعون - فاتاه الخبر بوقعه الجمل - ومقتل طلحه والزبير - فارتج عليه امره((1190)).. ليقود بعد ذلك الى فتنه عمياء يشهد فيها على نفسه بالضلاله على طول مسيرته، ولكن هذه الضلاله كانت احب اليه من ان يلى الخلافه على فيطاع!! وسيفصح عن اسباب ذلك او بعضها فى غير موضع.


148

والجديد الذى اكتسبته الفرقه الاولى، تلك التى ظهرت فور وفاه النبى(ص)، انها اكتسبت اليوم رجلين كانا فى رصيد على حتى توفى عمر وعقدت البيعه لعثمان، هما طلحه والزبير! فحتى الان لم تظهر فرقه جديده بالمعنى الحقيقى للفرقه، اما صراعهم مع عثمان وتحريضهم عليه فهو الاخر لم يكن تعبيرا عن (فرقه) جديده، وانما نقمات، بعضها بحق، وبعضها بدوافع شخصيه ومطامع شتى، وقد الزم عثمان نفسه حين منح خصومه، باختلاف مقاصدهم، حججا ظاهره فى مخالفته والتمرد عليه، من خلال سياسته مع بنى اميه، وسياسته المضاده مع رجال من خيار الاصحاب، كعمار والمقداد وابى ذر، ومن خلال بعض ما احدثه فى الدين فى مخالفه السنه من غير تاويل يعتمد، ولا هيبه سلطان تلجم الافواه((1191))! فلم تكن فرقه جديده، انما هى الفرقه التى مسكت زمام الامور منذ وفاه النبى(ص)، وقد اختل توازنها وفقدت قرارها الحاسم تحت وطاه الغضب الجماهيرى العنيف الذى قاد الامر الى على (ع)، ولكن فى مثل ذلك الجو المضطرب، فلما استقر على فى الحكم وابتدا يمارس اوليات سياسته الاصلاحيه، ظهر هذا التمرد تعبيرا عن صوت كان قد اخمد، لكنه مازال حيا!

الخطوه الثانيه:

وفى خطوه اخرى مع توزيع الثروه كانت تلك القطائع والهدايا الضخمه التى منحها عثمان بن عفان لخاصته من بنى اميه، تلك ايضا اقسم على لينتزعنها منهم، ويعيدها الى وضعها الطبيعى الذى يعود بنفعها الى سائر المسلمين، فقال: (واللّه لو وجدته قد تزوج به النساء، وملك به الاماء لرددته، فان فى العدل سعه، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه اضيق)((1192))! فابصر بنو اميه اموالا جمعوها تنتزع لتعود ملكا للمسلمين عامه، فهالهم ماراوا، وكتب عمرو بن العاص عاجلا الى صديقه معاويه، يقول له: (ما كنت صانعا فاصنع! اذ قشرك ابن ابى طالب كل مال تملكه كما تقشر من العصا لحاها)! وهكذا التقى هذا السبب (الخفى) والحقيقى عند معاويه، مع كل ما يحمله بيت ابى سفيان من بغض لعلى وبنى هاشم، مع كل ما يحمله من حب لمنصب تربع فيه عشرين سنه، وطموح الى سلطان اوسع، فخلف ذلك كله معركه صفين! ذلك اليوم الحاسم (صفين) لم يولد فجاه، انما مهد له تاريخ يمتد الى ربع قرن، منذ ابتدا بنو اميه يستعيدون بالتدريج موقعهم الذى كسبوه فى الجاهليه فازاحهم عنه الاسلام، الاسلام الذى (احسنوا) الاستفاده منه طريقا الى ملك جديد واسع مترامى الاطراف، بدلامن ان يعيدوا على ضوء تعاليمه صياغه قيمهم وارواحهم! لكن اساليبهم تلك، بما فيها من خوض فى دماء بريئه، وحدود معطله، وغدر وفجور، اصبحت تسمى (دهاء) لا غير! وبهذا (الدهاء) تحقق على ايديهم انتكاس البناء الاجتماعى الذى بناه الاسلام، وتحقق بناء جديد (اصبح فى قمته بنو اميه، وهم من الطلقاء الذين اسلموا متاخرين، وفى سفحه الانصار الذين رضوا ان تكون الخلافه فى قريش، ثم رضوا ان تستاثر قريش بولايه الامصار، وامتلاك الارض والمال، ولم يشاركهم فى اسفل السلم الاقتصادى الا الشعوب المغلوبه من اصحاب الاقطار المفتوحه حديثا..

هذا هو البنيان المختل الذى ورثه على، فاراد ان يقومه، فاستنكر عليه ساده قريش عزمه على الاصلاح، بينما التف حوله الانصار والمستضعفون فى الارض ومن آثروا دينهم على دنياهم) ((1193)).

طبقات المجتمع:

الركن الاشمل والاوسع فى المشروع الحضارى الذى قدمه على (ع)، ذلك الركن الذى استوعب المجتمع فى جميع طبقاته واصنافه، ووضع البرنامج الحضارى الاسلامى الخاص بكل طبقه، والجامع لسائر الطبقات والاصناف فى بناء اجتماعى متكامل ومتكافىء.

وقد نجد تفصيلا واسعا عن ذلك المشروع فى ما تضمنه عهده الذى كتبه لمالك الاشتر حين ولاه مصر، وهو فى غايه الدقه والشمول، اما اعمدته ففى قوله:

(اعلم ان الرعيه طبقات، لا يصلح بعضها الا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض:

فمنها (جنود اللّه)، ومنها (كتاب العامه والخاصه)، ومنها (قضاه العدل)، ومنها (عمال الانصاف والرفق)، ومنها (اهل الجزيه والخراج من اهل الذمه ومسلمه الناس)، ومنها (التجار واهل الصناعات)، ومنها (الطبقه السفلى من ذوى الحاجه والمسكنه).

وكلا قد سمى اللّه سهمه، ووضع على حده فريضته فى كتابه او سنه نبيه(ص) عهدا منه عندنا محفوظا:

فالجنود: باذن اللّه حصون الرعيه، وزين الولاه، وعز الدين، وسبل الامن، وليست تقوم الرعيه الا بهم.


149

ثم لا قوام للجنود الا بما يخرج اللّه لهم من الخراج..

ثم لا قوام لهذين الصنفين الا بالصنف الثالث من القضاه والعمال والكتاب، لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع ويوتمنون عليه من خواص الامور وعوامها.

ولا قوام لهم جميعا الا بالتجار وذوى الصناعات...

ثم الطبقه السفلى من اهل الحاجه والمسكنه الذين يحق رفدهم ومعونتهم..

ولكل على الوالى حق بقدر ما يصلحه..)((1194)).

ولكل واحده من هذه الشعب تفصيل يطول ذكره، ولم يات القانون المدنى الحديث باتم منه ولا بمزيد عليه، لكن ثمه (اطار من الحنان الانسانى العميق يحيط به الامام دستوره فى المجتمع، ولا تحيط الامم المتحده وثيقتها بمثله)((1195)).

ومنه تعلم الناس الاداب والقضايا والاحكام والسياسه((1196)).

ففيه: نظام الاداره، ونظام القضاء، ونظام السياسه، ونظام العداله، ونظام التضامن الاجتماعى، ونظام عماره الارض، واصول العمران، وعز الدوله وهيبتها، وامن الناس وسعادتها((1197)).

الاصلاح السياسى

السياسه الشرعيه:

من هو الحاكم، ماذا له، وماذا عليه؟ ما هى فلسفه الحكم؟ من هو على الحاكم، وما هى صلته بالامه؟ ماده محكمه للدستور الاسلامى فى السياسه الشرعيه يضعها على (ع) على الملا مفصلا:

( قد جعل اللّه لى عليكم حقا بولايه امركم.. ولكم على من الحق مثل الذى لى عليكم.. جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافا فى وجوهها:

واعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق: حق الوالى على الرعيه، وحق الرعيه على الوالى.. فريضه فرضها اللّه سبحانه لكل على كل، فجعلها: نظاما لالفتهم، وعزا لدينهم.

فليست تصلح الرعيه الا بصلاح الولاه، ولا تصلح الولاه الا باستقامه الرعيه: فاذا ادت الرعيه الى الوالى حقه، وادى الوالى اليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل، وجرت على اذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع فى بقاء الدوله، ويئست مطامع الاعداء.

،، واذا غلبت الرعيه واليها، واجحف الوالى برعيته، اختلفت هنالك الكلمه، وظهرت معالم الجور، وكثر الادغال فى الدين، وتركت محاج السنن فعمل بالهوى وعطلت الاحكام وكثرت علل النفوس. فلا يستوحش لعظيم حق عطل! ولا لعظيم باطل فعل! فهنالك تذل الابرار! وتعز الاشرار! فعليكم بالتناصح فى ذلك وحسن التعاون عليه، فليس احد - وان اشتد على رضاء اللّه حرصه وطال فى العمل اجتهاده - ببالغ حقيقه ما اللّه اهله من الطاعه له..

وليس امرو - وان عظمت فى الحق منزلته وتقدمت فى الدين فضيلته - بفوق ان يعان على ما حمله اللّه من حقه.

ولا امرو - وان صغرته النفوس واقتحمته العيون - بدون ان يعين على ذلك او يعان عليه).

على الحاكم:

فلا تكلمونى بما تكلم به الجبابره.. ولا تتحفظوا منى بما يتحفظ به عند اهل البادره! ولا تخالطونى بالمصانعه! ولا تظنوا بى استثقالا فى حق قيل لى، ولا التماس اعظام لنفسى، فانه من استثقل الحق ان يقال له، او العدل ان يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه..

فلا تكفوا عن مقاله بحق، او مشوره بعدل..

فانى لست فى نفسى بفوق ان اخطىء، ولا آمن ذلك من فعلى الا ان يكفى اللّه من نفسى ما هو املك به منى، فانما انا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا مالا نملك من انفسنا)((1198)).

الواقع الجديد:

حين جاء قرار على باستبدال الولاه مبكرا، كان وراءه تلك الدوافع الدينيه والاجتماعيه، فانتخب رجالا (من الذين ابعدوا فى عهد سابقيه دون سبب، الا ان يكون: السبق الى الاسلام او القرابه لرسول اللّه سببا يحجب المرء عن الولايه!)((1199)).

وحين عزل ولاه فانما عزل من ضجت الامه من سيئاتهم، رجلا سماه القرآن فاسقا، كالوليد بن عقبه بن ابى معيط((1200))، المجلود حدا فى الخمر، ورجلا مرتدا امر رسول اللّه(ص) بقتله ولو وجدوه معلقا باستار الكعبه، كعبداللّه بن سعد بن ابى سرح الذى انتفضت عليه مصر ايضا، ورجلا بلا علم ولا سابقه ولا ورع، كعبد اللّه بن عامر، ورجلا متجبرا، كمعاويه! اما الذين انتخبهم على بدائل عن هولاء، فهم: قيس بن سعد بن عباده الانصارى الموتمن عند رسول اللّه(ص)، والانصاريان الجليلان المجاهدان سهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف.

فكان هولاء الاجلاء من الانصار بدائل عن ابن ابى سرح وابن عامر ومعاويه، على مصر والبصره والشام((1201)). وجعل عبيد اللّه بن عباس على اليمن، وقثم بن عباس على مكه. ولم تكن ثمه عقبه دون استبدال احد من الولاه، خلا معاويه فى الشام، ولاكان احد من الولاه اولى بالخلع منه! انه الوالى الذى كاد ينفرد بسلطانه، فعزز وجوده السياسى بنشاط ثقافى واسع عمم من خلاله فى البلاد دينا مقلوبا ومشوها، جعل اهل الشام لا يعرفون من الدين الا ما يعرفهم، ولا يعرفون لرسول اللّه(ص) قرابه يرثونه الا بنى اميه! ولا يعرفون للمهاجرين والانصار ذكرا ولا فضلا((1202))! وهو لاجل ان يحبك مشروعه هذا فقد مكر وعمل على ان لا يبقى فى بلاد الشام صحابيا يرد عليه ويبين للناس انحرافه، فاخرج اباذر فى قصته المشهوره، واخرج عباده بن الصامت لانه انكر عليه اباحته الخمره((1203))! وكثير غير هذا تمهيدا لسلطان اوسع يرتقبه.


150

لقد كان معاويه فى سياسته تلك اشد على الاسلام واضر به من غيره، ذلك حين نرى الاسلام كما اراده اللّه تعالى: دينا، ومنهاجا للحياه، ودستورا خالدا، وميزانا للاعمال، وضابطا للاخلاق والقيم، وليس كما يراه العاذرون والمستشرقون والمغالون: امبراطوريه وفتوحا عسكريه وتمددا على الارض قبل كل شىء، ولاجله يبيحون كل خروج على ثوابت الشريعه، وكل تمرد على مبادىء الاسلام.

ان معاويه فى ميزان الشريعه وميزان الاخلاق والعداله اولى بالاعفاء من منصبه ليوضع حيث يضعه الاسلام، واحدا من المسلمين الذين نطقوا بالشهادتين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وربما اعيد له نصيبه من سهم المولفه قلوبهم، وربما تالفه الخليفه بنحو آخر كان يبعثه على سريه من السرايا، او على جبايه صدقات قبيله من القبائل وفق ضوابط يحددها له، كما كان النبى(ص) يصنع مع بعضهم احيانا.

ومعاويه يعرف ذلك جيدا، ويعلم ان عليا (ع) سوف لا ينظر الى (القرابه) و(الدهاء) قبل ان ينظر الى الاستقامه والعدل واحياء السنه واماته البدعه، ولاجل ذلك فقط تحصن معاويه من على على الفور وراء شعاره الكاذب (الطلب بدم عثمان)! حتى اذا تغلب واستقر امره ترك ذكر عثمان ودم عثمان بالكامل، واخذ يتتبع اصحاب على وشيعته، تقتيلا وتشريدا وحرمانا من العطاء!! نسى بالكامل قتله عثمان والطلب بثاره((1204))، ونسى معه العاذرون فلم يعرضوه على المحك، ولا اثاروا امام مسيرته سوالا جديرا ان يثار! (دم عثمان)شعار كاذب اول من سخر منه حليف معاويه وقسيمه عمرو بن العاص، حين قال له : واسواتاه! ان احق الناس ان لا يذكر عثمان لا انا ولا انت! قال معاويه : ولم ويحك؟! قال : اما انت فخذلته ومعك اهل الشام! واما انا فتركته عيانا وهربت الى فلسطين!! وقال له : اما واللّه ان قاتلنا معك نطلب بدم الخليفه ان فى النفس ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكننا اردنا هذه الدنيا((1205))! او قال : يا معاويه قد احرقت كبدى بقصصك! اترى ان خالفنا عليا لفضل منا عليه؟ لا واللّه، ان هى الا الدنيا نتكالب عليها! اما واللّه، لتقطعن لى من دنياك او لانابذنك! فاعطاه معاويه مصر((1206)). لكن معاويه لم يكن يعنيه صدق الدعوى او كذبها، انها فعلت فعلها فى اهل الشام فكانوا له اطوع جند باعوا انفسهم ودينهم دونه! على مثل ذلك تحالفوا، فتمردوا واعدوا العده لمحاربه الخليفه الامام على، فحاربوه فى معركه صفين الشهيره فخرجوا بذلك لا على على الخليفه فقط، بل خرجوا على على المحفوف بنصوص النبى التى جعلته فيصلا بين الايمان والنفاق، فيصلا بين اولياء اللّه واعداء اللّه : - (انه ولى كل مومن بعدى).

(من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).

(لا يحبك الا مومن، ولا يبغضك الا منافق).

فكانت رايات معاويه هى رايات النفاق يحملها اعداء اللّه، لتقاتل رايات الايمان التى يحملها اولياء اللّه.

فمن هنا قال عمار بن ياسر (الذى لا يفارق الحق) لما نظر الى رايه معاويه، قال : لقد قاتلت هذه الرايه مع رسول اللّه ثلاث مرات، وهذه الرابعه((1207))!!

اولئك هم القاسطون..

لقد خرجوا على الامه كلها، اضلوا شطرها ثم ساقوه ليقاتل شطرها الاخر، فاحدثوا فى هذه الامه شقا لم يرتق حتى يومنا هذا، وليس فى المنظور امكان رتقه! ذلك كان هو المنعطف الاكثر خطوره فى تاريخ الاسلام، وتلك كانت (هى نقطه الانكسار فى منحنى التطور التاريخى، وهى لحظه انقلاب القيم داخل حضاره معينه)((1208)).

الجمل وصفين - وحده المنطلق والهدف :

ثمه وثائق صادقه تركها زعماء الانشقاقين تثبت وحدتهما فى المنطلق وفى الغايه ايضا، فقد جمعهما معا كراهه خلافه على، وكراهه التسويه بينهم وبين غيرهم، مع ما تجمع فيهم من طموح غذته السنوات الاخيره من خلافه عثمان بشكل اكثر وضوحها :

عمرو بن العاص : حين استشار ولديه، ايكون مع على ام مع معاويه، فقال له عبد اللّه : ان كنت لابد فاعلا فالى على، قال عمرو : ثكلتك امك! انى ان اتيته قال لى : انما انت رجل من المسلمين! وان اتيت معاويه خلطنى بنفسه وشركنى فى امره! فاتى معاويه((1209)).

طلحه والزبير : لما عاد سهل بن حنيف الانصارى - وكان قد ارسله الامام على اميرا على الشام - فاخبر عليا (ع) بتمرد معاويه، دعا على طلحه والزبير، فقال لهما : ان الامر الذى كنت احذركم قد وقع، وان الذى قد وقع لا يدرك الا باماتته، وانها فتنه كالنار، كلما سعرت ازدادت واستثارت.


151

فهو اذن يدعوهما لمثل هذا الامر ويشركهما فى الراى، فماذا سيقولان؟ قالا : ائذن لنا نخرج من المدينه! فاما ان نكاثر واما تدعنا((1210)). وفى المدينه اتاهما عبداللّه بن عامر، وكان والى عثمان على البصره، فقصدهما بعد دخوله المدينه، فقالا له : لا مرحبا بك ولا اهلا! تركت العراق والاموال،واتيت المدينه خوفا من على..فهلا اقمت حتى يكون لك بالعراق فئه؟! قال : فاما اذا قلتما هذا، فلكما على مئه الف سيف وما اردتما من المال((1211))! هكذا ذكر ابن حبان، اما الطبرى وابن قتيبه فذكرا - كما سياتى - ان هذا اللقاء قد تم فى مكه، بعد ان قدما مكه واجتمعا عند عائشه ومعهم عبداللّه بن عامر. فاللقاء والحديث ثابت، والارجح كونه فى مكه لاستبعاد ذهاب ابن عامر الى المدينه.

وفى مكه : اول من تكلم عائشه تدعو الى الثار لعثمان والطلب بدمه! هكذا تمردا دون رجوع الى امام قد تمت له بيعه!! فكان اول مجيب هو عبداللّه الحضرمى وهو عامل عثمان على مكه وقد عزله على، واجاب سائر بنى اميه، وقدم طلحه والزبير فاجتمعا بها ومعهما عبداللّه بن عامر، فتشاوروا، فقالوا : نات الشام! قال ابن عامر : قد كفاكم الشام معاويه! فاتوا البصره فان لى بها صنائعا، ولهم فى طلحه هوى! قالوا : قبحك اللّه! فواللّه ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب! فهلا اقمت كما اقام معاويه، فنكفى بك ثم نات الكوفه فنسد على هولاء القوم المذاهب((1212))؟! لكن بعضهم كان يرى غير ذلك، فقالوا : نسير الى على فنقاتله! هكذا روى الطبرى عن احمد بن زهير، من حديث الزهرى((1213)). معاويه يخاطب الزبير، فيحالفه او يمكر به، فيقول فى كتاب بعثه اليه : (لعبد اللّه الزبير امير المومنين، من معاويه بن ابى سفيان : سلام عليك، اما بعد، فانى قد بايعت لك اهل الشام، فاجابوا واستوسقوا، فدونك الكوفه والبصره لا يسبقك اليها ابن ابى طالب، فانه لا شىء بعد هذين المصرين، وقد بايعت لطلحه من بعدك، فاظهرا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس الى ذلك، وليكن منكما الجد والتشمير..)((1214)).

فان صح هذا الكتاب فقد تحالفوا على اثره صراحه، وان لم يصح فقد كان حلفهما امرا واقعا كما تقدم من دون هذا الكتاب.

ومن البصره بعثوا الكتب الى الامصار، يحرضون الناس على نقض البيعه ومناصرتهم فى مقاتله على او خذلانه، باكثر مما صنعوا مع عثمان! وممن كاتبوه معاويه بن ابى سفيان((1215)). وفى البصره، بعد ان غلبوا اهلها فبايعهم من بايعهم، قال الزبير :

الا الف فارس اسير بهم الى على، فاما بيته، واما صبحته، لعلى اقتله قبل ان يصل الينا!! فلم يجبه احد.

هذا حديث مولاه ابى عمره - مولى الزبير - اخرجه الطبرى عن عمر بن شبه((1216)).

فالقاسم المشترك بين الفريقين - الجمل وصفين - هو عين الامر الذى ظهر فور وفاه النبى(ص) من (كراهه قريش) لخلافه على، وتجميعها لمحاربته، ومحاربه انصاره، ولم يختلف موقف اليوم عن موقف الامس الا ببعض ظواهر طارئه، والرجال الذين كانوا خصومه بالامس هم خصومه اليوم، وانصارهم، خلا طلحه والزبير اذ تغيرت بهم الدنيا، فخالطتهم تلك الروح التى خاصمت عليا وشنت عليه الغاره وهو فى بيته اول مره بعد وفاه الرسول(ص)، فانما المعارك معارك الارواح ، لا معارك الاسماء والاجساد..

حين خاطب على الزبير يوم الجمل، قال له : (قد كنا نعدك من بنى عبدالمطلب، حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرق بيننا)((1217))! وقتل الزبير فى تلك المعركه، فقسم ورثته امواله، فكان سهم احدى نسائه (عاتكه) ثمانين الفا! فاذا لم يكن له الا عاتكه واسماء ام عبداللّه وعروه، فان الثمانين الف هى نصف الثمن! فمن الجانبين اذن تباعدت روح الزبير عن مستقرها الاول، ومثل ذلك كانت الحال مع طلحه، اضف اليها طموح واقعى فى الخلافه لم يكن يراودهما فى حالهما الاولى.

لذا لا نجد انفسنا الان بازاء فرقه جديده، بل نحن بازاء ظهور جديد لما تمخضت عنه السقيفه، واصداء جديده لذلك الصوت الذى جلجل حول بيت على وقد طوق بالحطب : (لتخرجن او لاحرقنها على من فيها)! اذن لم يات (الناكثون والقاسطون) بالجديد الذى يميزهم كفرقتين جديدتين، انما كانا تمثيلا فقط عن الفرقه الاولى التى صاغت السقيفه مبادءها الاولى، واستقرت فى الحكم حتى مجىء على، كانا امتدادا للحدث الاول، ولم يكونا حدثين جديدين.


152

السبئيه!

الذى قيل فى السبئيه كالذى قيل فى غيرهم: حق، وباطل.. حق قليل وباطل كثير! فوجود رجل دعا بدعوه الغلو فى الامام على، يقال له : عبداللّه بن سبا، حق، وليس بباطل، فقد ثبت ذلك عن اولاد على (ع) باسانيد معتبره :

فعن زين العابدين على بن الحسين (ع) : (انى ذكرت عبداللّه بن سبا فقامت كل شعره فى جسدى، لقد ادعى امرا عظيما، ماله؟ لعنه اللّه! كان على (ع) واللّه عبدا للّه صالحا، اخا رسول اللّه، ما نال الكرامه من اللّه الا بطاعته للّه ولرسوله..).

وعن الامام محمد الباقر (ع) : (ان عبداللّه بن سبا كان يدعى النبوه، ويزعم ان امير المومنين (ع) هو اللّه!! تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا. فبلغ ذلك امير المومنين (ع)، فدعاه وساله فاقر بذلك، وقال : نعم، انت هو، وقد كان القى فى روعى انك انت اللّه، وانى نبى!! فقال له امير المومنين (ع) : ويلك، قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا ثكلتك امك، وتب. فابى، فحبسه واستتابه ثلاثه ايام فلم يتب، فاحرقه بالنار).

وعن الامام جعفر الصادق نحو ما تقدم.

وعنه ايضا، قال : (لعن اللّه عبداللّه بن سبا، انه ادعى الربوبيه فى امير المومنين (ع)، وكان واللّه امير المومنين عبدا للّه طائعا، الويل لمن كذب علينا، وان قوما يقولون فينا مالا نقوله فى انفسنا، نبرا الى اللّه منهم، نبرا الى اللّه منهم). وروى عنه (ع) حديث آخر نحو هذا((1218)).

فالثابت فى هذه الاخبار المعتبره امور ثلاثه تمثل اعمده الظاهره السبئيه، وهى :

1 - ان عبداللّه بن سبا حقيقه، وليس باسطوره كما ذهب بعض المعاصرين، كطه حسين والسيد مرتضى العسكرى وعلى الوردى.

2 - انه غلا فى على (ع) فادعى له الالوهيه، وادعى لنفسه النبوه.

3 - ان الامام على (ع) قد قتله حرقا بالنار.

الاعمده الثلاثه :

1 - ان اول الاعمده الثلاثه للظاهره السبئيه : وهو حقيقه وجود ابن سبا والسبئيه، لم يعد فيه كلام بعد ان ناخذ تلك الاخبار المتقدمه بعين الاعتبار. اما تجاوز هذه الاخبار المعتبره فهو مصادره للحقيقه بلا شك.

وايضا فقدماء المحققين كانوا يتعاملون مع هذه الظاهره تعاملهم مع الوقائع الثابته التى لانزاع فى وقوعها، فيكتفى الشيخ الطوسى، مثلا، عند ذكر ابن سبا بقوله : عبداللّه بن سبا، الذى رجع الى الكفر واظهر الغلو((1219)).

اما الذين ذهبوا الى انكار وجوده والى انه خرافه، وان حديث السبئيه كله اسطوره، فانما خرجوا بهذا الحكم حين وقفوا على الصوره المنكره والمهوله التى ينقلها التاريخ عن ابن سبا والسبئيه، فاستنكروا مضامينها، ثم وجدوا ان طريقها الوحيد هو الوضاع الزنديق سيف بن عمر التميمى.

عندئذ، وحين تجردوا عن النزعه التقليديه والعصبيه، راوا ان هذا القصص الاسطورى يصلح بحق مثالا لاحاديث الزنادقه المدسوسه بمكر فى تراثنا التاريخى.

والحق انه حين تنحصر اخبار هذه الفرقه بما نسجه فيها سيف بن عمر ونقله عنه الطبرى، فان من له ادنى نظره تحقيقيه ولم يقع فى اسر الاهواء والعصبيات، فسوف لا يخرج الا بذلك الحكم الذى خرجوا به : (ان امر السبئيه وصاحبهم ابن السوداء - ابن سبا - انما كان متكلفا منحولا قد اخترع باخره حين كان الجدال بين الشيعه وغيرهم من الفرق الاسلاميه، اراد خصوم الشيعه ان يدخلوا فى اصول هذا المذهب عنصرا يهوديا امعانا فى الكيد لهم والنيل منهم.

ولو كان امر ابن السوداء مستندا الى اساس من الحق والتاريخ الصحيح لكان من الطبيعى ان يظهر اثره فى هذه الحرب المعقده المعضله التى كانت بصفين، ولكان من الطبيعى ان يظهر اثره حين اختلف اصحاب على فى امر الحكومه، ولكان من الطبيعى ان يظهر اثره فى تكوين هذا الحزب الجديد الذى كان يكره الصلح وينفر منه ويكفر من مال اليه او شارك فيه.

فكيف نعلل غياب ابن سبا عن ذلك كله؟ اما انا فلا اعلله الا بعله واحده : وهى ان ابن السوداء لم يكن الا وهما..)((1220)). هذه نتيجه صادقه تماما فى حدود ما نشره سيف بن عمر عن ابن سبا، ثم اخذه الطبرى، لينتقل منه الى سائر كتب التاريخ والدراسات التاريخيه والمذهبيه المتقدمه والمتاخره، انها تشترك جميعا فى عنصر واحد، وهو ان مصدرها الوحيد، فى هذه الصوره التى تنقلها وتعتمدها عن السبئيه، انما هو سيف بن عمر.


153

وفوق التناقض والتهافت الظاهر فى روايات سيف هذه، والذى صح ان يكون دليلا لا على كذب الروايات فقط، بل على ان ابن سبا نفسه ما هو الا وهم اخترعه خصوم الشيعه.. فوق هذا التناقض لابد ان ينظر الى عنصر آخر اشد خطوره واولى ان يعتمد بالمرتبه الاولى فى هذا الموضوع، وهو ما ثبت بلا نزاع من ان سيف بن عمر كان (زنديقا، كذابا، وضاعا) فكيف تعتمد اساطيره فى مثل هذا الامر الذى يقدح فى الدين ويفت فى عضد المسلمين((1221))؟! هكذا صنعت اساطير سيف بن عمر حين جعلت رجالا من خيره اصحاب رسول اللّه(ص) جنودا لابن سبا، مخدوعين بدعوته المبتدعه، وعلى راس هولاء الصحابه (السبئيين) : (ابوذر) الذى ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدق لهجه منه! و(عمار) الذى اجاره اللّه من الشيطان على لسان رسول اللّه(ص)، والذى ملىء ايمانا الى مشاشه، والذى اذا اختلف الناس كان هو مع الحق فلا يفارقه! ترى اكان حديث ابن السوداء من حديث الرحمن ليجد طريقه سهلا الى قلب عمار؟! ام حين اختلف الناس فى شان عثمان وولاته كانت دعوه ابن السوداء هى الدعوه الحق، فنصرها عمار وكان معها، وآمن بها ابوذر ودعا بها((1222))؟! ام ان ذلك الزنديق سيف قد كذب بكل احاديث رسول اللّه(ص) فى هذين الصحابيين خاصه، تحت شعار الروايه التاريخيه، فكان بهذا افضل خادم لليهود وللزنادقه معا، ليس فى تصوير ضخامه الاثر اليهودى فى تاريخ المسلمين وحسب، وانما فى الطعن باحاديث نبويه صحيحه جعلت للحق اعلاما ومنارات، فجاء هذا الزنديق فشوه هذه الاعلام والمنارات!! ولما كانت العصبيه هى المتحكمه فى تدوين التاريخ والعقيده وتفسيرهما، فقد اندفع كل من غلبته العصبيه للتمسك باساطير سيف هذه تحت عنوان الذب عن عثمان وامرائه الامويين وعن طلحه والزبير وعائشه واثرهم فى معركه الجمل! وهكذا تلغى العصبيه دور العقل، واثر النقد، بل الموقف الدينى المعتدل ايضا، نصره للهوى والمذهب! ومن هنا فقط تقدمت اساطير سيف هذه رغم العلم الاكيد بانه الزنديق الوحيد الذى كتب فى التاريخ، وانه من اشهر الكذابين والوضاعين.. بل تعدى الامر الى السكوت عن هذا المعلوم يقينا من حاله، والتمويه بانه الثقه المعتمد فى التاريخ((1223))!! وكلما ارادوا التمويه بصحتها ووثاقه راويها، اسندوها الى (شيخ المورخين الطبرى) فارتكبوا بذلك جنايات متعدده، اذ ضللوا القارى ء، وشوهوا التاريخ ومسخوا الحقيقه، وخانوا الامانه التى وضعها الطبرى نفسه فى اعناقهم حين خرج من عهده مايرويه بكل صراحه والزمهم مراجعه اسانيده((1224))!

ابن سبا فى حجمه الواقعى :

ليس فى شىء من مصادر التاريخ ذكر لابن سبا والسبئيه فى ما اسموه (الفتنه ومقتل عثمان)، ولا فى ايام معركه الجمل، اذا استثنينا ما كتبه سيف بن عمر فاخذه عنه الطبرى وابن عساكر والذهبى، ثم اخذ غيرهم عنهم تلك المرويات بعينها. اما المورخون الاخرون الذين سبقوا الطبرى او عاصروه، فليس لديهم ذكر لابن سبا والسبئيه، ورغم انهم كانوا متاخرين عن سيف، الا انهم لم ياخذوا عنه، ربما لمعرفتهم بدينه! فلا وجود لهذا اليهودى، المرتد كافرا بعد ان اظهر اسلامه، فى شىء من تلك المصادر الاساسيه، لا كتب الواقدى، ولا ابن سعد، ولا اليعقوبى، ولا البلاذرى، ولا غيرهم! نعم، يذكره اثنان من المورخين :

الاول - ابن قتيبه : ذكر السبئيه، فقال : ينسبون الى عبداللّه بن سبا، وكان اول من كفر من (الرافضه) وقال : (على رب العالمين) فاحرقه على واصحابه بالنار((1225)).

فهذا وصف مطابق لما جاء فى احاديث اهل البيت (ع)، دون ادنى زياده.

والثانى - البلاذرى : اذ ذكره البلاذرى مره باسم ابن السوداء، ولكن فى موضوع آخر ليس هو من قبيل الاساطير التى حاكها سيف، فذكر ان ابن السوداء جاء عليا فساله عن ابى بكر، فرده هو واصحابه، ردا عنيفا، ووبخهم على اشتغالهم بهذا الكلام فيما كانت مصر قد سقطت بايدى انصار معاويه وقتل فيها الوجوه من انصار على (ع)! وليس فيه بعد ذلك ذكر صريح لابن السوداء زعيم السبئيه هذا، اما الذى ذكره البلاذرى باسم ابن سبا فهو عنده عبداللّه بن وهب الهمدانى.

نعم، ذكر البلاذرى خبرا قصيرا هو اشبه بالاحاديث الخمسه المرويه عن اهل البيت (ع)، قال : ان قوما ارتدوا بالكوفه فقتلهم على.


154

من اجل هذه الصوره التى يعرضها البلاذرى بعيدا عن تهويل الاساطير وتهافتها راى طه حسين احتمال وجود ابن سبا حقيقه لكنه (ان وجد بالفعل فلم يكن ذا خطر كالذى صوره المورخون وصوروا نشاطه ايام عثمان وفى العام الاول من خلافه على وانما هو شخص ادخره خصوم الشيعه للشيعه وحدهم)((1226)).

سيف وابن سبا:

خلاصه القول فيهما : انهما رجلان تزندقا، فتلبس الاول منهما - ابن سبا - بالعلويه، فلقى حتفه هو واصحابه على يد على نفسه، وتلبس الثانى - سيف - بالعثمانيه، فعاش ونفقت سلعته! ثم ان هذا الزنديق المتلبس بالعثمانيه قد بالغ فى صناعه الاساطير التى تضخم دور خصمه الالد، ذلك الزنديق المتلبس بالعلويه، امعانا فى الذب عن بنى اميه، وفى تشويه صور خصومهم من صالحى الصحابه والتابعين الذين ثاروا على الفساد الاموى والبدع التى احدثها امراء بنى اميه، وانتصروا للكتاب والسنه، ولمبادىء الاسلام وقيمه، فلم يستثن احدا من رووس الثوره على البدع المحدثه والفساد الا صنفه فى (السبئيه)! اولهم ابوذر الغفارى، وقد تقدمت قصته، ثم عمار بن ياسر، فزعم ان السبئيه اغرته والتفت حوله تدعوه للثوره على عثمان وتنصيب على فهو وصى النبى! وقد عرفنا من هو ابوذر ومن هو عمار، وماذا تريد هذه الفريه من نسبه ذلك اليهما.

ثم اعط ى الاخرين سهامهم، ليكونوا هم ايضا رووسا فى (السبئيه) منهم : زيد بن صوحان، وعمرو بن الحمق الخزاعى، وعبدالرحمن بن عديس، ومالك الاشتر، ومحمد بن ابى بكر، ومحمد بن ابى حذيفه، وصعصعه بن صوحان! فاذا نظرت الى حياه هولاء رايتهم من روساء اصحاب على الذين جاهدوا معه ومضى من عاش منهم بعده على طريقه فى مواجهه البدع والفساد..

ثم لرايت انهم جميعا قد قتلوا بايدى بنى اميه!! فليس عبثا ما صنعه التاريخ فى حقهم، فجعلهم روساء السبئيه ومثيرى الفتن، ليجعل بنى اميه هم (اهل السنه) وانصارها!! هذا هو التاريخ المنكوس على راسه..

التاريخ الذى علم الناس ان معاويه وعمرو بن العاص والوليد بن عقبه وابن ابى سرح والحكم ومروان وابا الغاديه قاتل عمار، هولاء من الصحابه العدول الذين يجب حفظهم واكرامهم، فيما غيب عن الاذهان ان فى اولئك رجال من الصحابه لا يقاس باحدهم هولاء جميعا ولا امثالهم! غيب عن الناس ان زيد بن صوحان هو الذى اسماه النبى بزيد الخير وبشره بالجنه حيث يقتل فى سبيل اللّه! ففى حديثه(ص) : (جندب وما جندب، والاقطع الخير زيد) فسئل عن ذلك فقال : (اما جندب فيضرب ضربه يكون فيها امه وحده، واما زيد فرجل من امتى تدخل الجنه يده قبل بدنه) فكان على (ع) يقول : (قال رسول اللّه(ص): من سره ان ينظر الى من يسبقه بعض اعضائه الى الجنه فلينظر الى زيد بن صوحان).

فذلك زيد.. واما جندب فهو (السبئى!) الاخر الذى قتل الساحر فى مجلس الوليد بن عقبه والى الكوفه من قبل عثمان!((1227)) واما عمرو بن الحمق، فهو الصحابى الثائر الذى كان مع حجر الخير يردان على المغيره وزياد حين يجهر الاخيران بلعن على والحسن والحسين(ع) على المنبر، فامر معاويه بالقبض عليهم وبعثهم اليه، فقبض على حجر فقتل واصحابه فى مرج عذراء، وفر عمرو بن الحمق الى الموصل، فحبس معاويه امراته آمنه بنت الشريد، ثم ادركوه ميتا فاحتزوا راسه وارسلوه الى معاويه فبعث به الى زوجته فى حبسها فالقى الراس فى حجرها فارتاعت لذلك، ثم وضعت كفها عليه وقبلته وقالت : غيبتموه عنى طويلا ثم اهديتموه الى قتيلا! فاهلا بها من هديه غير قاليه ولا مقليه! غيب عن الاذهان ان عبدالرحمن بن عديس من الصحابه ومن اصحاب بيعه الرضوان! وان محمد بن ابى حذيفه كان من الصحابه، اذا لم يعدوا محمد بن ابى بكر صحابيا، وقد عده بعضهم، وان مالك الاشتر هو احد الطائفه الذين شهد لهم النبى(ص) بالايمان، الطائفه التى شهدت وفاه ابى ذر فى الربذه وتولت الصلاه عليه ودفنه!!((1228)) لقد شغلت الناس عن قراءه تراجمهم، واكتفت بما نسجه حولهم الزنديق سيف بن عمر! فغاب عنهم كل شىء حق فى سيرهم، ولم يقفوا انفسهم حتى امام سوال واحد يثيره الربط الوثيق بين منازلهم فى الاسلام ومصارعهم وبين ما نسجه سيف حولهم! لقد كانوا جميعا من روساء اصحاب على وانصاره، ثم ماتوا جميعا قتلا بالسيف الاموى او السم الاموى، ثم جاء سيف ليجعلهم رووس السبئيه!! من هنا نعلم ان كل ما نسجه سيف حول ابن سبا وآثاره انما هو اساطير احكمت ثم دست فى تاريخنا خدمه للهوى الاموى لا غير، وغفله ظن البعض انها احفظ لعداله الصحابه حين تنسب الفتنه ومقتل عثمان واشتعال الحرب يوم الجمل كلها الى ذلك اليهودى الذى اظهر الاسلام كيدا وخديعه!


155

سيف حين لا يكون امويا!

ينقلب الموقف من سيف وروايته بالكامل حين لا تكون روايته امويه صرفه، ولا تحقق الغرض فى حفظ اشخاص باعيانهم من الصحابه! فحين كان سيف يصنع الاساطير التى اسقطت جمله من الصحابه الامرين بالمعروف والناهين عن المنكر، كابى ذر وعمار وزيد بن صوحان وعبدالرحمن بن عديس ومحمد بن ابى حذيفه وعمر بن الحمق، كانت روايته هى المقدمه والمعتمده وكل ما سواها متروك او مغط ى عليه، بل ياتى الدفاع عنه وعن روايته هنا بلا تردد، كما اعتمده محب الدين الخطيب صراحه((1229)).

ثم كان اكثر منه صراحه : الشيخ محمد زاهد الكوثرى، حين يقول : (ان استبعاد سعى ابن سبا فى الفتنه فى عهد عثمان، بعد اعتراف جولد تسيهر اليهودى بذلك، تحزب لليهود فوق اليهود انفسهم! وسيف من رجال جامع الترمذى فلا يستغنى عن انبائه)((1230))! انظر قبل ان ترى الصوره الاخرى المعكوسه، الى سذاجه العالم المحقق وهو يرى ان نشاط ابن سبا الذى صوره سيف هو عار على اليهود ينبغى ان ينكروه عن انفسهم، فلما اعترف به اليهودى جولد تسيهر، فاعترافنا نحن به من باب اولى، لان التكذيب به وانكاره انما هود فاع عن اليهود!! ثم انظر الى الكوثرى فى صورته الاخرى، كيف يقوم دراسات امثال جولد تسيهر، وكيف يقوم روايات سيف نفسه : ذلك فى قصه خالد بن الوليد مع مالك بن نويره، وقد رواها سيف ايضا، كما رواها غيره، لكن سيف حاول ان يهذب منها كثيرا، غير ان جهوده فى (تهذيبها) لم تخف بشاعتها، فلما وقف الشيخ الكوثرى على هذه القصه اولا فى ما كتبه المستشرقون من امثال جولد تسيهر المتقدم، قال : (وكانت طريقه كتاب الغرب فى النيل من الاسلام طريقه الاقذاع المجرد)! ثم وقف على القصه فى سيره ابن اسحاق ومغازى الواقدى، فوصف رواه ابن اسحاق بالكذب، وطعن الواقدى بانه غير متثبت، يروى عن كل من هب ودب، ويروى الاخبار الكاذبه! ثم انتقل الى كتب التاريخ الاخرى والتى كان عمدتها تاريخ الطبرى وروايه سيف، فقال : وابن جرير الطبرى عمده امثال ابن الاثير وابى الفداء وابن كثير وابن الوردى، وان الطبرى لم يضمن صحه ما اورده فى تاريخه وتبرا من عهده رواياته فى التاريخ وحملها على اكتاف رواتها له.

ثم يقول فى سيف صاحب الروايه : (وسيف بن عمر التميمى صاحب كتاب الرده والفتوح، يقول عنه ابوحاتم :

متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدى. وقال الحاكم :

اتهم بالزندقه وهو فى الروايه ساقط. وقال ابن حبان : انه كان يضع الحديث ، يروى الموضوعات عن الاثبات، اتهم بالزندقه وضعفه غير واحد! قال : وراويته - اى الرواى عن سيف - شعيب بن ابراهيم يقول عنه الذهبى: فيه جهاله. ويقول ابن عدى : ليس بالمعروف، وله احاديث واخبار فيها ما فيه تحامل على السلف! ثم قال : والراوى عنه - اى عن شعيب - السرى بن يحيى غير موثق، وهو شيخ ابن جرير الطبرى فى رواياته عن سيف. واما ما فوق سيف من الرجال فمجاهيل فى الغالب)((1231))! هكذا تغير الموقف من سيف ورواياته هنا! بل تغير الموقف من الطبرى (شيخ المورخين) نفسه! هذا مع ان سيف لم ينفرد هنا فى ما رواه من قصه خالد مع مالك بن نويره، بل شاركه غيره ممن روى عنهم الطبرى وغيره من المورخين كابن اسحاق والواقدى، اما هناك حيث كان يقذف قاده الاصلاح وعيون اصحاب على باليهوديه، وحيث تفرد فى كل ما نقله من طعن فيهم، هناك كان لا يصح الاستغناء عن روايته لانه من مصادر شيخ المورخين الطبرى، ولان له روايه فى جامع الترمذى، فلا ينقل حرف واحد عندئذ من ترجمته!!

عقيده ابن سبا :

الذى تقدم فى خمسه احاديث عن اهل البيت (ع) ان ابن سبا قد غلا فى على (ع)، وكان غلوه ان ادعى له الالوهيه، وهذا موافق لما ذكره الشهرستانى وابن حزم((1232))، وفى بعضها انه ادعى لنفسه النبوه.

لكن ثمه عقائد نسبت اليه هى غير تلك العقيده، وقد رواها الكشى فى كتابه الرجالى الذى اختصره الشيخ الطوسى، فنسبها الى (بعض اهل العلم) دون ان يذكر رجلا منهم او كتابا اعتمده، فقال : ذكر بعض اهل العلم ان عبداللّه ابن سبا كان يهوديا فاسلم ووالى عليا (ع)، وكان يقول وهو على يهوديته فى يوشع بن نون وصى موسى بالغلو، فقال فى اسلامه بعد وفاه رسول اللّه(ص) فى على (ع) مثل ذلك، وكان اول من اشهر القول بفرض امامه على، واظهر البراءه من اعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم. فمن هنا قال من خالف الشيعه : ان اصل التشيع والرفض ماخوذ من اليهوديه)((1233)).


156

وبازاء هذا الخبر نرى :

1 - موافقه الفقره الاولى منه اجمالا لما ورد فى الاحاديث الخمسه المتقدمه، مع اختلاف فى التفصيل، فلم تكشف هذه الروايه عن نوع الغلو الذى قال به ابن سبا واكتفت بالقول انه غلا فى على وصى محمد كما كان فى يهوديته يغلو فى يوشع وصى موسى. اما الروايات المتقدمه فكشفت عن ادعائه لعلى الالوهيه.

2 - هذه الفقره الاولى ايضا تخالف ما استفاده البعض خطا من ان غلوه فى على انما كان بادعاء الوصيه، فقال ان عليا وصى محمد كما كان يوشع وصى موسى! فالذى تفيده هذه الفقره انه قد غلا فى على وصى محمد(ص) كما كان يغلو فى وصى موسى، وهكذا ورد ايضا فى روايه الشهرستانى((1234)). اما ان عليا وصى لرسول اللّه(ص) فشىء ثابت ومعروف لدى الصحابه، وقد تقدم اثباته بنصوص عديده.

اما نسبه القول بالوصيه الى ابن سبا فلم يقل بها احد سوى سيف بن عمر، وعنه اخذها الطبرى، فتناقلها التابعون له وبعض الدارسين المعاصرين وكانها واحده من ثوابت التاريخ ويقينياته التى لا تخضع للدرس، ناهيك عن تطرق الشك اليها! وهذه من الاخطاء الفادحه التى وقع فيها المورخون قديما وحديثا، كما وقع فيها غالب من كتب فى الفرق الاسلاميه((1235)).

3 - اما الفقرات اللاحقه فهى مطابقه تقريبا لروايه سيف بن عمر، لم يرد منها شىء فى المرويات عن اهل البيت (ع)، ولم يذكر منها البلاذرى سوى فقره واحده وهى مكاشفه مخالفى على والبراءه منهم، وليس هذا بمستبعد عنه بعد ان قال بالوهيته((1236)).

4 - لم تشر هذه الروايه الى ما نسبته روايه سيف بن عمر وحده الى ابن سبا بانه هو اول من قال بالرجعه، فقال : انى لاعجب ممن يقول برجعه عيسى ولا يقول برجعه محمد! وقد قال اللّه :

(ان الذى فرض عليك القرآن لرادك الى معاد)((1237)).

لكن الظاهر جليا ان القول بالرجعه مناف لادعاء الالوهيه لعلى والنبوه لنفسه! كما ان القول برجعه نبينا(ص) بعد وفاته قد بدر قبل ذلك من عمر بن الخطاب، ولكن قياسا على رجعه موسى بدلا من رجعه عيسى! وايا كان فليس فى كتب التاريخ ما يعضد روايه سيف هذه، ولا ما يبرراعتمادها، لذا فان اعتمادها من قبل اساتذه فى التاريخ والعقائد كان خطا فادحا، وعيبا واضحا، ما كان ينبغى ان يخالط جهودا علميه تتوخى الامانه وتنشد الحقيقه.

5 - والكلام نفسه ماض مع الدعوى الاخرى التى تضمنتها هذه الروايه، فى نسبه القول بوجوب امامه على (ع) الى ابن سبا! اذ ليس لها مصدر غير روايه سيف نفسها.

فهذه ثلاثه تحريفات خطيره يتناقلها الباحثون ويعتمدونها((1238))، ومصدرها الوحيد زنديق وضاع كذاب، تلبس بالعثمانيه فنذر نفسه لتشويه معالم الدين، ولم يكن ليفلح فى ذلك وتحتل اساطيره موقع الحقائق الثابته لو لم يناصر العثمانيه والبكريه، ويوجه سهامه الى معالم الدين باسم على واصحابه وانصاره! لقد اصبحت اسطورته التى نسبت هذه المفاهيم الاسلاميه الى ابن سبا والسبئيه حائلا دون النظر والتدبر فى مثل قوله تعالى :

(انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلواه ويوتون الزكاه وهم راكعون)، ومثل قوله(ص) : (انى تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض).

ومثل قوله(ص) : (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

او قوله لعلى وفاطمه والحسن والحسين : (انا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم).

اصبحت اسطوره سيف فى ابن سبا حائلا دون ذلك كله ونظائره، او بديلا عنه!!

تتمه فى عقائد السبئيه :

عند اصحاب الفرق والمذاهب، مثل ما عند سيف بن عمر، ان الامام على(ع) لم يقتل ابن سبا، بل نفاه الى المدائن، خلافا لما ثبت عن اهل البيت (ع) وما اختاره ابن قتيبه وابن حجر العسقلانى((1239)).

فالذين قالوا بنفيه ذكروا جمله عقائد اظهرها بعد وفاه على (ع)، فقالوا : زعم ان عليا لم يمت، ففيه الجزء الالهى ولا يجوز ان يستولى عليه الموت، وانه فى السحاب، الرعد صوته والبرق تبسمه، وانه سينزل الى الارض فيملاها عدلا كما ملئت جورا.

قالوا : لما بلغ عبداللّه بن سبا نعى على بالمدائن، قال للذى نعاه : كذبت، لوجئتنا بدماغه فى سبعين صره واقمت على قتله سبعين عدلا لعلمنا انه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الارض((1240))! وتبعه جماعه، فقالوا بتناسخ الجزء الالهى فى الائمه بعد على (ع)، واحتجوا لعقيدتهم بان عمر بن الخطاب حين نقلوا له ان عليا اقام الحد على رجل فى الحرم ففقا عينه، قال : (ماذا اقول فى يد اللّه فقات عينا فى حرم اللّه؟) فاطلق عمر اسم الالهيه عليه لما عرف منه ذلك((1241))!


157

تناقض كاشف عن اوهام :

فى ما نسب الى ابن سبا واتباعه بعد وفاه على (ع)، القول ب'(التوقف) و(الغيبه) و(الرجعه) قال الشهرستانى بعد ذكره قول ابن سبا بان عليا لم يمت : (وانما اظهر ابن سبا هذه المقاله بعد انتقال على (رضى اللّه) - اى وفاته فى سنه 40 ه - واجتمعت عليه جماعه، وهم اول فرقه قالت بالتوقف والغيبه والرجعه)((1242)).

وحين تحدث الشهرستانى نفسه عن المعتقدين بامامه محمد بن الحنفيه، ابن الامام على (ع)، المتوفى سنه 81 هـ، فذكر منهم الشاعرين كثير عزه والسيد الحميرى، ذكر انهم يعتقدون فيه : (انه لم يمت...وانه يعود بعد الغيبه) ثم قال على الفور :

(وهذا اول حكم بالغيبه والعوده بعد الغيبه حكم به الشيعه، وجرى ذلك فى بعض الجماعه حتى اعتقدوه دينا وركنا من اركان التشيع)((1243))! فهذه العقائد المنسوبه الى السبئيه كاول فرقه قالت بها، تراها هنا بعينها نسبت الى اتباع محمد بن الحنفيه كاول قائل بها!! (الغيبه) (الرجعه بعد الغيبه) وتلازمها العقيده الثالثه (التوقف) على هذا الامام الغائب الذى سيرجع! انظر هذا التناقض والتهافت فى مصادرنا التى نقلت الينا التاريخ الاسلامى، وعقائد المسلمين، لتقف الان على يقين من تهافت الكثير من الدراسات الحديثه التى اتخذت من هذه النقول المجرده عن التحقيق دينا تدين به، فاصدرت احكامها بحسم وصرامه، ولكن اعتمادا على مثل هذا الاس الواهى! والحق انى لم اجد بين الباحثين والمحققين صارفا عن التحقيق دافعا للتمسك بمثل هذه الاقوال والدعاوى : الا الروح المذهبيه! فمهما وجد الباحث كلمه تنصر مذهبه اتخذها عنوانا وغض الطرف عن كل ما يحيط بها من دواعى الاهمال والترك.

ومن مثل ذلك التناقض يترجح استظهار طه حسين، لا فى انكاره لوجود ابن سبا، ولكن فى كونه شخص ادخره خصوم الشيعه للشيعه وحدهم، ولم يدخروه لغيرهم.

ظهور آخر للسبئيه :

مع جند المختار بن ابى عبيده الثقفى، قال الاسفرائينى : ثم ان المختار خدعته السبئيه الغلاه من الرافضه، فقالوا له : (انت حجه هذا الزمان. وحملوه على دعوه النبوه، فادعاها عند خواصه، وزعم ان الوحى ينزل عليه، وسجع بعد ذلك)((1244)). لكن تحديده تاريخ اعتماد المختار السجع فى خطبه احدث ثغره فى هذا النقل! فهنا يجعل ظهور السجع عند المختار قد ابتدا بعد ادعائه النبوه، وفى فقره سابقه يقول: فلما تمت للمختار ولايه الكوفه والجزيره والعراقين الى حدود ارمينيه تكهن بعد ذلك وسجع كاسجاع الكهنه، وحكى ايضا انه ادعى نزول الوحى عليه ((1245)).

فهذا يعضد النقل الاول ويشهد له، لكنه كان قبل هذا كله قد نقل من خطب المختار ما يدل على ان السجع شانه وطريقته فى الخطاب، وليس له صله بالتكهن ودعوى النبوه، ولا دلاله فيه على وجود هاتين الخصلتين فيه، فلما تحدث الاسفرائينى فى اول انتصار للمختار فى الكوفه، قال : واستولى المختار على الكوفه وضواحيها وقتل كل من كان بالكوفه من الذين قاتلوا الحسين بن على بكربلاء، ثم خطب الناس، فقال فى خطبته :

(الحمد للّه الذى وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وجعلهما الى آخر الدهر قضاء مقضيا، ووعدا ماتيا، يا ايها الناس قد سمعنا دعوه الداعى، وقبلنا قول الراعى، فكم باغ وباغيه، وقتلى فى الواعيه، فهلموا عباد اللّه الى بيعه الهدى، ومجاهده العدى، فانى انا المسلط على المحلين، والطالب بثار ابن بنت خاتم النبيين)((1246)) ثم ذكر له فى المصدر نفسه عددا من خطبه التى قال عنها انها كانت بعد ادعائه النبوه واعتماده السجع، ولكن الحق انها جميعا تشبه هذه الخطبه الاولى له، وليس ثمه نفس جديد! قال الاسفرائينى : ثم ان اهل الكوفه خرجوا على المختار لما تكهن، واجتمعت السبئيه اليه مع عبيد اهل الكوفه((1247)).

- ومره اخرى يرد اسم السبئيه مع المختار الثقفى، فى شعر اعشى همدان، وفيه يذكر امر الكرسى الذى قيل ان المختار اتخذه وزعم انه كرسى على (ع) وانه فيهم كالتابوت فى بنى اسرائيل، فقال اعشى همدان :

شهدت عليكم انكم سبئيه وانى بكم يا شرطه الشرك عارف واقسم ما كرسيكم بسكينه وان كان قد لفت عليه اللفائف((1248)) - لكن ليس عند المسعودى فى (مروج الذهب) ذكر للسبئيه هنا، بل فيه ذكر (الخشبيه) وهم اصحاب المختار، وانما سماهم بذلك مصعب بن الزبير الذى قاتلهم فهزمهم وقتل المختار وعده آلاف من اتباعه وجنده((1249)).


158

وعند ابن الاثير : ان الذى سماهم الخشبيه هو عبداللّه بن الزبير، وانما قيل لهم خشبيه لانهم دخلوا مكه وبايديهم الخشب، كراهه شهر السيوف فى الحرم. وقيل : لانهم اخذوا الحطب الذى اعده ابن الزبير. وذلك حين دخلوا مكه لانقاذ بنى هاشم من الحصار الذى ضربه عليهم ابن الزبير وقد عزم ان يحرقهم بالنار((1250))! اذن جاء اسم (الخشبيه) وفقا لنظام الغلبه، فهى تسميه فرضها الغالب القوى على المغلوب المنهزم.

- وليس عند الدينورى فى (الاخبار الطوال) ذكر للسبئيه هنا، رغم انه ذكر المختار وايامه بتفصيل واستيفاء((1251))، وقد ذكر فيه ما ذكره الاسفرائينى من خروج اهل الكوفه على المختار، ولكن خالفه فى عله ذلك، فقال : ان المختار قرب ابناء العجم وفرض لهم ولاولادهم الاعطيات، وقرب مجالسهم، وباعد العرب واقصاهم وحرمهم، فغضبوا من ذلك، فقالوا : هذا كذاب يزعم انه يوالى بنى هاشم، وانما هو طالب دنيا! فاجتمعت على محاربته : كنده، والازد، وبجيله، والنخع، وخثعم وقيس وتيم الرباب وربيعه وتميم.. وانحاز الى المختار من قبائل العرب : همدان، وكانوا خاصته، واجتمع اليه ابناء العجم((1252))وهذا بعينه ذكره ابن اعثم فى (الفتوح)((1253))، وقد فصل فى امر المختار وسيرته اكثر بكثير من الدينورى((1254))، لكنك لا تجد لديه ذكرا لهذا الكرسى، ولا رائحه للسبئيه، بل تجد ثارا لاهل البيت (ع) ونقمه على من قتلهم وشارك فى قتلهم، نقمه ربما افرط فيها.

فهولاء اذن الذين سموهم بالسبئيه هم عبيد اهل الكوفه، فالعبيد اشاره الى الموالى ولو على نحو من التهكم، وليس يبعد ان يحالفه العبيد ايضا حين نازعه الكبراء، وتلك همدان اشد قبائل العرب فى الكوفه نصره لعلى واهل البيت (ع)، واليهم كان ينحاز الامام على فى حربه بصفين، وقد اثنى عليهم كثيرا وعدهم من خاصه شيعته، فلا يبعد اذن ان تلصق بهم هذه التسميه بعد ان اثبت التحقيق تهافت اسسها ومصادرها! فليس ثمه كهانه ولا ادعاء نبوه، ولا سبئيه، ولا حتى ذكر للكرسى! ورغم ان الدينورى وابن اعثم قد ذكرا اعشى همدان وشعره فى غير موضع الا انا لا نجد تلك الابيات التى يذكرها الجاحظ والطبرى عن السبئيه والكرسى((1255)).

ابن سبا وابن السوداء!

يستمر الاضطراب فى اخبار ابن سبا والسبئيه، حتى يبلغ اشده فى ما يرويه الاسفرائينى عن الشعبى : (ان عبد اللّه بن السوداء كان يعين السبئيه على قولها)! اذن عبداللّه بن السوداء لم يكن اولا من السبئيه. فليس هو عبد اللّه بن سبا اذن كما ذهب كثير من الدارسين، فمن هو عبداللّه بن السوداء هذا؟ يقول الشعبى : (كان ابن السوداء فى الاصل يهوديا من اهل الحيره فاظهر الاسلام، واراد ان يكون له عند اهل الكوفه سوق ورياسه، فذكر لهم انه وجد فى التوراه ان لكل نبى وصيا وان عليا (رضى اللّه) وصى محمد (ص)، وانه خير الاوصياء كما ان محمدا خير الانبياء) انظر هذا الوصف وهذه المقوله هى بعينها صفه ابن سبا ومقولته التى عرف بها سيف واعتمدها سائر من كتب عن ابن سبا((1256))! لكن الشعبى سيوكد مره اخرى ان ابن السوداء ليس هو ابن سبا، فيقول بعد ان يذكر ظهور غلو ابن السوداء : (فلما خشى على من قتله ومن قتل ابن سبا الفتنه التى خافها ابن عباس نفاهما الى المدائن، فافتتن بهما الرعاع بعد قتل على (رضى اللّه))! ثم عزز ذلك كله بقوله : (قال المحققون من اهل السنه : ان ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، واراد ان يفسد على المسلمين دينهم بتاويلاته فى على واولاده لكى يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى فى عيسى (ع) فانتسب الى الرافضه السبئيه حين وجدهم اعرق اهل الاهواء فى الكفر ودلس ضلالته فى تاويلاته)((1257)).

فهنا رجلان : عبداللّه بن سبا، وعبد اللّه بن السوداء، والاول سابق وله اتباع نسبوا اليه، ولا نعرف وفق روايه الشعبى شيئا من مقولاتهم الا انهم غلو فى على، ثم جاء بعد ذلك ابن السوداء فاعانهم ووضع لهم هذه العقائد، فى الوصايه وغيرها! وهذا شىء جديد لا يشبه كل ما ذكره الاخرون عن ابن سبا، بل قد كان كلام سيف ظاهرا فى ان ابن سبا هو ابن السوداء سمى بذلك لان امه كانت سوداء((1258)).


159

× ولون آخر من آلوان التناقض وقعوا فيه حين جعلوا ابن سبا راسا فى كل الاضطرابات التى حدثت ايام عثمان، تناقض لا يستره الاالغبار الذى يثيره بنفسه، فمهما جهد فى تثويره كان اكثر دلاله عليه! لقد تنكروا بتلك الدعوى الى امهات المشاكل التى اثارت الاضطرابات ايام عثمان، والتى كانت كلها قبل ان يقع لابن سبا ذكر فى التاريخ حتى لدى نظيره القاص سيف بن عمر! فاول : ذكر لابن سبا ورد فى التاريخ فى سنه 30 ه من روايه سيف الزنديق، تلك الروايه الكافره التى عمدت الى التكذيب بالصحيح من حديث النبى (ص) فى ابى ذر الغفارى، فزعمت ان ابن سبا قد لقيه وخدعه!! لكن لماذا ذهب صادق اللهجه ابو ذر الى الشام؟ هنا تستر الهاربون من الحقيقه بالغبار الذى اثارته اقدامهم! فما ذهب ابوذر الى الشام الا بخلاف كبير بينه وبين الخليفه عثمان، احتجاجا منه على تقديم عثمان لرجل يهودى حديث الاسلام حتى حظ ى عنده بمنزله لم يحظ بها عنده مهاجر ولا انصارى ! ذلك كعب الاحبار، الذى اغلظ له ابو ذر القول فغضب له عثمان على ابى ذر! وكان من قبل يعلم انه لم يكن قط مرضيا عند ابى ذر الذى كان لا يرى للخلافه اهلا غير على، فامر عثمان ابا ذر بالخروج من المدينه، فخرج منها قاصدا الشام. هذا كان سبب قدومه الى الشام وقصه نزاعه مع الخليفه قبل ان يكون لابن سبا ذكر..

وقبل هذا الحدث كانت المدينه قد اضطربت على عثمان استنكارا لاعمال ولاته الفاسقين من بنى اميه منذ سنه 27 ه على الاقل، فى هذه السنه نفسها كان امره الشهير مع عمرو بن العاص وقد عزله عن ولايه مصر فقدم المدينه((1259))، فكان مما قاله له عثمان ان قال : (يا ابا عبداللّه ان الناس قد كثروا على فاخرج حتى تعذرنى عندهم)! اذن قد كثر اعتراض الناس على عثمان منذ ذلك الحين حتى صار يلتمس الاعذار من عمرو، فلما تكلم عمرو على المنبر ذكر النبى (ص) بخير وخص ذكر سياسته فى التقتير على نفسه واهل بيته والتوفير على المسلمين، ثم اثنى على ابى بكر وعمر بمثل ذلك، ثم قال : وليكم من بعده عثمان فعرفتم وانكرتم، وقال وقلتم، تلومونه ويعذر نفسه! قالوا : فمه؟ قال : فارفقوا به فان الكسير يجبر، وان الحسير يبلغ، وان الهزيل يسمن! فقالوا لعثمان : ما بلغ منك احد - اى فى الطعن عليك - ما بلغ عمرو((1260))! وفى عام 29 ه ظهر انكار كثير وخلاف شديد على عثمان لعله اخرى هذه المره، الا وهى مخالفته الصريحه للسنه واصراره على ذلك رغم تذكير الصحابه ومخالفتهم له، ذلك فى صلاته فى منى فى الموسم اذ اتم الصلاه، والسنه فيها القصر((1261)).

ففتح هذا الحدث بابا واسعا للكلام فى عثمان فظهر ما لم يظهر من قبل (وتكلم فى ذلك من يريد ان يكثر عليه)((1262)) وقال ابن القيم : كان ذلك احد الاسباب التى انكرت عليه((1263)). فثمه اسباب اذن انكرت عليه وهذا احدها! وكل هذا كان يقع بين الصحابه بل بين وجوههم وسابقيهم قبل ان يكون لابن سبا ذكر حتى فى اقصى بلاد الاسلام..

ثم كان قيام اهل الكوفه على الوالى الوليد بن عقبه بعدما اكثر الاستهتار بالفسوق حتى صلى بهم وهو سكران، ثم اضطربت الكوفه على سعيد بن العاص بعده، كل ذلك عام 30 ه ولم يقع لابن سبا ذكر فى التاريخ بعد، وعندما جاء ذكره لاول مره بعد ذلك فى هذا العام فانما كان فى الشام وليس فى الكوفه((1264)). هذا ما يذكره سائر ثقات المورخين، كالمدائنى وامثاله، فى اسباب انكار الناس على عثمان والاضطرابات التى كانت سببا فى مقتله، فلا يذكرون لابن سبا اسما ولا اثرا((1265)).

اما ابن كثير فقد جعل مروان بن الحكم كل السبب فى ما جرى من فتن ايام عثمان وحتى مصرعه((1266)).

واخيرا : فهذه هى حال ما قالوه عن ابن سبا والسبئيه، مهما تابعت آثاره وايامه لا تجد الا اساطير متهافته اصطنعها قوم لغرض الفت فى عضد هذه الامه من خلال تشويه حقائق التاريخ، وتزيين اباطيل ارتكزوا عليها! فلا يصح من امر ابن سبا والسبئيه سوى ما صح فيهم عن ائمه اهل البيت (ع)، وذلك :


160

1 - لانهم الصادقون، ولا ريب، فما صح عنهم فهو الحق الذى ما خالفه احد الا وكان مبطلا، عن عمد وعناد كان خلافه، او عن خطا واجتهاد.

2 - ان الذى صح عنهم فى هذا الموضوع هو القدر المشترك عند كافه المورخين والاخباريين الذين تحدثوا فيه.

3 - ان الزائد على ما ذكروه كان دائما مضطربا متهافتا يكذب بعضه بعضا وتكذبه القرائن والادله المعروفه، كما ثبت فى هذا التحقيق.

فهذا امر ابن سبا واصحابه، ضغطنا فيه الكلام، واغضينا عن شواهد كثيره قاضيه ببطلان ما اظفوه عليهم من خطر، ورتبوه على وجودهم من اثر.

المارقون :

البدايه: هم معاويه بالفرار وقد ادرك ان لاثبات لجنده، وان ليس

امام مالك الاشتر الا اليسير ليحكم فيه سيفا لم تخف انباوه! وفى تلك الاثناء انقذه عمرو بن العاص بمكيده رفع المصاحف، فصاح بجند الشام ان يرفعوا المصاحف على رووس الرماح، فجمعوا كل مصحف كان معهم فاستقبلوا بها جيوش امير المومنين، فاصابت الفتنه اقواما، كان اولهم زعيم كنده الاشعث بن قيس، فاحاطوا بعلى (ع) وصاحوا: (القوم يدعوننا الى كتاب اللّه، وانت تدعونا الى السيف)! فقال (ع) وهو الفيصل بين الايمان والنفاق: (انا اعلم بما فى كتاب اللّه، انفروا الى بقيه الاحزاب! انفروا الى من يقول: كذب اللّه ورسوله! وانتم تقولون: صدق اللّه ورسوله) ((1267)).

فقال اولئك: (لترجعن الاشتر، والا فعلنا بك ما فعلنا بعثمان)..

(اجب الى كتاب اللّه عز وجل اذ دعيت اليه، والا دفعناك الى القوم او نفعل بك ما فعلنا بابن عفان)! (ابعث الى الاشتر فلياتك)! لقد كان وراء هولاء قبائلهم الكبيره، وكان ولاوهم للقبيله اشد من ولائهم للامام الواجب الطاعه! فعصبيتهم للقبيله اشد من عصبيتهم لهذا الدين، فلما راوا زعماء قبائلهم يخذلون امامهم ويخذلون دينهم مالوا مع اولئك فخذلوا الدين! ومره اخرى نطقت العصبيه القبليه فى هذه الطائفه، لما اختار على (ع) عبداللّه بن عباس للتحكيم من طرفه مقابلا لعمرو بن العاص الذى ناب عن معاويه، رفض الاشعث فرفضت اليمانيه! فاختار الاحنف بن قيس فابى الاشعث ومعه اليمانيون، ابو ان يجتمع على التحكيم قرشيان، بل ابوا الا ان يكون احدهما يمانى، ولم يرضوا الا بابى موسى الاشعرى.

قال ابن عباس: قلت لعلى: لا تحكم ابا موسى، فواللّه لقد عرفت رايه فينا..

قال: يا ابن عباس، ما اصنع! انما اوتى من اصحابى، قد ضعفت بينهم وكلوا فى الحرب، هذا الاشعث بن قيس يقول: لا يكون فيها مضريان ا بدا حتى يكون احدهما يمان! قال ابن عباس: فعذرته وعرفت انه مضطهد وان اصحابه لا نيه لهم((1268))! اولئك القوم الذى كانوا مع الاشعث بن قيس: زيد بن حصين، ومسعر بن فدكى، وابن الكوا وطبقتهم من القراء ومن شايعهم، هم الذين صاروا (خوارج) بعد التحكيم((1269))!

حجه الاشتر على دعاه التحكيم:

عاد الاشتر مغضبا وقد انتزعوا النصر الوشيك من بين يديه، فقال لهم: يا اهل العراق، يا اهل الذل والوهن! احين علوتم القوم وظنوا انكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم الى ما فيها؟! وهم واللّه قد تركوا ما امر اللّه به فيها، وسنه من انزلت عليه! فامهلونى فواقا((1270))، فانى قد احسست بالفتح! قالوا: لا.

قال: امهلونى عدو الفرس فانى قد طمعت فى النصر! قالوا: لا ندخل معك فى خطيئتك! قال: ويحكم! كيف بكم وقد قتل خياركم وبقى اراذلكم! فمتى كنتم محقين احين كنتم تقاتلون ام الان حين امسكتم؟! فما حال قتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم، افى الجنه ام فى النار؟! قالوا: قاتلناهم فى اللّه، وندع قتالهم فى اللّه.

فقال: يا اصحاب الجباه السود! كنا نظن ان صلاتكم عباده وشوق الى الجنه، فنراكم قد فررتم الى الدنيا، فقبحا لكم! فسبوه وسبهم، وضربوا وجه دابته بسياطهم وضرب هو وجوه دوابهم بسوطه((1271))! هذا الحوار اخذناه بطوله لنرى ان مالك الاشتر وهو اقوى رجال على واشدهم واحزمهم وقد جاء بكتيبته القويه التى ضعضعت اقوى كتائب الشام واشرفت على معاويه حتى طلب فرسه استعدادا للفرار، لنرى ان مالكا وكتيبته لم يستطيعوا ان يغلبوا هولاء ويدفعوهم الى الوراء ولو فواق ناقه حتى يتم النصر ويحسم الامر! ولنرى ثانيا: ان هولاء الذين يردون على مالك ويصرون على التحكيم انما هم اصحاب الجباه السود من كثره الصلاه! هذه الصفه التى ستكون علامه فارقه فيهم غدا!!


161

حجه على (ع) على دعاه التحكيم:

حين راى على (ع) من اصحابه اصرارا على قبول التحكيم قال لهم: (عباد اللّه، امضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوكم، فان معاويه وعمرا وابن ابى معيط وحبيبا وابن ابى سرح والضحاك ليسوا باصحاب دين ولا قرآن، انا اعرف بهم منكم، قد صحبتهم اطفالا ثم رجالا، فكانوا شر اطفال وشر رجال! ويحكم، واللّه ما رفعوها الا خديعه ووهنا ومكيده..

فانى انما اقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب فانهم قد عصوا اللّه فى ما امرهم ونسوا عهده ونبذوا كتابه).

واخيرا حين كان لا مناص من الرضوخ لارادتهم قال: (فاحفظوا عنى نهيى اياكم، واحفظوا مقالتكم لى! فان تطيعونى فقاتلوا، وان تعصونى فاصنعوا ما بدا لكم)! قالوا: ابعث الى الاشتر فلياتك((1272))!!

الخروج واول مقولات الخارجين:

كان اول الخروج خروجهم هذا عن طاعته، وتهديدهم اياه بالقتل او يسلموه الى معاويه ان هو لم يقبل بالتحكيم. ثم اصرارهم على ان يكون المحكم نيابه عنه ابو موسى الاشعرى، لا غير.

ثم لما اجابهم الامام على (ع) الى ذلك كله، قال نفر منهم:

كيف تحكمون الرجال فى دين اللّه؟! لا حكم الا للّه! وتنامى عددهم حتى بلغوا اثنى عشر الفا كما ذكر عامه المورخين، ثم كانوا يعترضون الامام عليا (ع) فى طريقه واثناء خطبه بشعارهم (لا حكم الا للّه) فلاجل شعارهم هذا سموا (المحكمه).

ثم انحازوا الى ناحيه يقال لها حروراء على مقربه من الكوفه، فلاجلهاسموا (الحروريه).

فحاججهم الامام على (ع)، فذكرهم باصرارهم الاول على قبول التحكيم، وبما قاله فى جوابهم وتحذيرهم حتى ارغموه، ثم قال لهم: (قد اشترطت على الحكمين ان يحييا ما احيا القرآن ويميتا ما امات القرآن، فان حكما بحكم القرآن فليس لنا ان نخالف، وان ابيا فنحن عن حكمهما برآء).

قالوا: اتراه عدلا تحكيم الرجال فى الدماء؟ قال: انا لسنا حكمنا الرجال، انما حكمنا القرآن، وهذا القرآن انما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق انما يتكلم به الرجال.

ثم انتهى هذا الحجاج بان عادوا جميعا معه (ع) حيث كانوا((1273)). فلما التقى الحكمان، ابو موسى الاشعرى وعمروبن العاص، وخدع ابو موسى اذ مكر به عمروبن العاص، قال له: نخلع عليا ومعاويه معا ونجعل الامر شورى، ثم قال له: انت اكبر منى سنا واقدم صحبه فتقدم واخلع صاحبك لاقوم بعدك انا فاخلع صاحبى، فتقدم ابو موسى فاعلن على الملا الحاضرين انه قد خلع عليا من الخلافه، ثم قام عمرو بن العاص فقال: ان هذا قد قال ما سمعتم وانه قد خلع صاحبه، وانى قد خلعته كما خلعه واثبت صاحبى معاويه!.

فدهش ابو موسى بذلك فشتم عمرا، وشتمه عمرو، وانفض التحكيم عن هذه النتيجه! ليعود بها عمروبن العاص لنفسه بملك مصر طعمه من معاويه، ويضع الامه والدين ايضا على حافه فتنه وانحراف خطيرين سيتسبب فيهما معاويه حين منح مثل هذه الفرصه واقعد فى مثل هذا المكان وليس هو باهل له ولا لشىء منه.

والذى هو شر من صنيع عمرو هذا: ما اتى به بعض (المجتهدين) فى التاريخ وفى العقيده من كلام مبتدع لاجل تبرير هذا الانحراف واعطائه صوره دينيه اجتهاديه عباديه مقدسه!! لقد تناسوا كل ما قدمه عمرو صريحا عن نفسه منذ اللحظه الاولى لاختياره معاويه، وعلى طول الطريق الذى قطعاه معا، ثم قالوا عن صنيع عمرو الاخير: (كان عمرو بن العاص راى ان ترك الناس بلا امام والحاله هذه يودى الى مفسده طويله عريضه اربى مما الناس فيه من الاختلاف، فاقر معاويه لما راى ذلك من المصلحه، والاجتهاد يخطى ويصيب)((1274)).

فاى مفسده هذه التى تورع عنها عمرو اليوم وهو الذى قد امدها بكل مايمتلك من حيله وقوه وبكل ما اجتمع عليه قلبه من حقد وغش؟ نعم، لا يخلو التاريخ من رجال مفسدين ومزيفين، لكن ان نجعل الافساد والزيف ورعا واجتهادا فى الدين وحكمه، فذلك ما لا يبقى معه من الدين شىء، وان بقى اسمه فانما استعير منه الى غيره! - حين انتهى التحكيم الى ذلك نفر (المحكمه) الاوائل مره اخرى وراء شعارهم الاول (لا حكم الا للّه) وقطعوا على على (ع) خطبته، يقوم رجل منهم بعد رجل، يقولون (لا حكم الا للّه)! فقال على (ع): (اللّه اكبر، كلمه حق اريد بها باطل!! اما ان لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا:


162

لا نمنعكم مساجد اللّه ان تذكروا فيها اسمه.

ولا نمنعكم الفىء ما دامت ايديكم فى ايدينا.

ولا نقاتلكم حتى تبداونا)((1275)).

بمثل هذا الفقه كان يتعامل على (ع) مع مخالفيه، فقه لم نبصره منذ غاب الرسول (ص) حتى قام على (ع).. نكص قوم عن بيعته، فتركهم وشانهم ولم يمنعهم عطاءهم! و قوم بيتوا له كل غش وعداوه وهو عارف بهم فتركهم وشانهم حتى بلغ بهم التمادى الى نكث البيعه جهره وحشد الجيوش لمحاربته، ثم لما هزمهم عاد الى سياسته الاولى معهم! وقوم تمردوا عليه وافتروا عليه فامهلهم، وكاتبهم وبعث رسله اليهم مره بعد اخرى ليدخلوا فى الطاعه او يخلوا بينه وبين البلاد واهلها من المسلمين، فما زادهم ذلك الا اصرارا على محاربته! لم نر فقها كهذا فى عهود الخلفاء السابقين، لقد هموا ان يحرقوا بيت على وفاطمه بنت رسول اللّه بعد وفاه النبى(ص) بساعات فقط لما اجتمع فيه اثنا عشر رجلا يرفضون البيعه لابى بكر، تلك التى وقعت فلته! ثم حاربوا قبائل كبيره ما زالت على الشهادتين وعلى الصلاه الا انها لم تدخل فى تلك البيعه ولم تقر لصاحبها، ولم يقفوا عند حربها بل حكموا عليها بالرده، فقتلوا رجالها وسبوا نساءها وغنموا اموالها! فبين هذا الفقه وذاك دنيا عريضه وعالم فسيح! ورغم سياسته هذه مع (المحكمه) فقد اجمعوا على تركه، فاعتزلوه تحت رايه قائدهم عبداللّه بن وهب الراسبى. - عندئذ اقدم اصحاب على يبايعونه، فقالوا: (نحن اولياء من واليت واعداء من عاديت) فاشترط عليهم فى البيعه سنه رسول اللّه (ص)، وجاء دور صاحب رايه خثعم، ربيعه بن ابى شداد، فقال له: (بايع على كتاب اللّه وسنه رسوله (ص)). فابى بان يبايع الا على سنه ابى بكر وعمر! فقال له على (ع) حيث الح عليه: تبايع؟ قال: لا، الا على ما ذكرت لك.

فقال له على (ع) اما واللّه لكانى بك قد نفرت فى هذه الفتنه، وكانى بحوافر خيلى قد شدخت وجهك ! قال قبيصه: فرايته يوم النهروان قتيلا قد وطات الخيل وجهه وشدخت راسه ومثلت به، فذكرت قول على، وقلت: للّه در ابى الحسن، ما حرك شفتيه قط بشىء الا كان كذلك((1276))! - وبعد ذلك كله كان همه (ع) فى العود الى محاربه معاويه، فعبا لذلك جنده، ولم يترك اولئك الخارجين (المحكمه) فكتب اليهم كتابا بليغا فى دروسه.

قال فى كتابه: (بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبداللّه على امير المومنين الى عبداللّه بن وهب الراسبى ويزيد بن الحصين ومن قبلهما: سلام عليكم، وبعد، فان الرجلين اللذين ارتضيناهما للحكومه خالفا كتاب اللّه واتبعا هواهما بغير هدى من اللّه، فلما لم يعملا بالسنه ولم يحكما بالقرآن تبرءنا من حكمهما، ونحن على امرنا الاول، فاقبلوا الى رحمكم اللّه فانا سائرون الى عدونا وعدوكم لنعود لمحاربتهم حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين) ((1277)).

فنحن هنا نقرا دروسا هامه فى التاريخ وفى العقيده ايضا، لم تنحصر فى كونه(ع) ما زال يتابعهم بالحجج ويقطع عليهم الاعذار لعلهم يووبون، وليس آخرها انه (ع) ما زال يخاطبهم مخاطبه المسلمين بعد كل ما اجتمعوا عليه من اعتزاله وتكفيره وتكفير اصحابه، فيقول لهم: (سلام عليكم.. رحمكم اللّه)! بل نقرا ايضا ان معاويه وحزبه ما زال اولى من هولاء ان يحارب ويقتل! فلم يقف الامام عند قراره بمحاربه معاويه وترك هولاء، بل يدعوهم ايضا للمسير معه الى محاربته! كما نقرا ايضا امرا آخر فى لجاج المحكمه وردهم المارق على هذا الخطاب الحكيم المتزن الجامع: كتبوا اليه: (.. فان شهدت على نفسك انك كفرت فى ما كان من تحكيمك الحكمين، واستانفت التوبه والايمان نظرنا فى ما سالتنا من الرجوع اليك، وان تكن الاخرى فاننا ننابذك على سواء، ان اللّه لا يهدى كيد الخائنين)((1278))! ذلك انهم اول امرهم كانوا قد شهدوا على انفسهم بالكفر لقبولهم التحكيم! - فلما يئس منهم تحرك بجيشه صوب الشام وتركهم، حتى بلغ عانات((1279))، فاخذت تبلغه اخبار فضيعه عن الخوارج، اذ اصبحوا يعترضون الناس فيقتلونهم دون ذنب الا انهم لم يتبرءوا من على (ع) ولم يقولوا بكفره، فقتلوا عبداللّه ابن الصحابى الشهير خباب بن الارت وقتلوا معه امراته وبقروابطنها وهى حامل، وقتلوا نساء عده واخافوا الناس، فبعث اليهم الحارث بن مره الفقعسى لياتيه بخبرهم، فاخذوه فقتلوه((1280))! فاجتمع اليه اصحابه وطلبوا منه ان يرجع الى هولاء فان تابوا ودخلوا فى الطاعه والا حاربهم واراح الناس منهم، ثم ليرجع بعد ذلك الى اهل الشام.. فرجع (ع) بجنده الذين ذعروا على اهليهم من خطر الخوارج، حتى التقت الفئتان فى النهروان.


163

- ورغم كل ما ابداه هولاء فلم يبداهم (ع) بحرب حتى دعاهم الى الحجه والبرهان، فبعث اليهم ابن عباس امامه فناظرهم حتى افحمهم وكفوا عن جوابه، ثم تقدم اليهم هو (ع) فرد على شبهاتهم تباعا حتى لم يبق لديهم شىء وحتى رجع اكثرهم وتاب، ومنهم عبداللّه بن الكوا امير الصلاه فيهم((1281))، وبقى منهم مع الراسبى اربعه آلاف او اقل من ذلك((1282))، ورفع على (ع) رايه امان مع ابى ايوب الانصارى فلجا اليها منهم جماعه وتفرق جماعه آخرون، وابى الراسبى ومن بقى معه الا القتال((1283)).

من دلائل النبوه فى ( الخوارج ):

- لما عاد على (ع) للقاء (الخوارج) وكانوا عند النهر، جاءته الانباء انهم قد عبروا الجسر، فقال: (واللّه ما عبروا، ولا يقطعونه حتى نقتلهم دونه)! ثم ترادفت عليه الاخبار بعبورهم، وهو يابى ذلك ويحلف انهم لن يعبروه وان (مصارعهم دون النطفه) اى دون النهر، وانه (واللّه لا يفلت منهم عشره، ولا يهلك منكم عشره)! فكان كل ذلك كما اخبر به (ع)، فادركوهم دون النهر، فكبروا، فقال على (ع): (واللّه ما كذبت ولا كذبت)((1284)).

اى انه قد اخبره رسول اللّه (ص) بذلك.

واستعرت الحرب، فلم ينج منهم الا ثمانيه فروا هنا وهناك، ولم يقتل من اصحاب على (ع) غير تسعه وقيل سبعه((1285))!

2 - انطفات الحرب بهلاك (الخوارج) فقال على (ع): (اطلبوا ذا الثديه) وذكر لهم صفته. فطلبوه فقالوا: لم نجده، وقال بعضهم: ما هو فيهم. وعلى (ع) يقول: (واللّه انه لفيهم! واللّه ما كذبت ولا كذبت) وانطلق معهم يفتشون عنه بين القتلى حتى عثروا عليه ورآه كما وصفه لهم، قال: (اللّه اكبر، ما كذبت ولا كذبت) لولا ان تنكلوا عن العمل لاخبرتكم بما قص اللّه على لسان نبيه (ص) لمن قاتلهم مستبصرا فى قتالهم عارفا للحق الذى نحن عليه)((1286)).

3 - اخرج ابن كثير عن البخارى ومسلم واحمد وغيرهم فى اكثر من ثلاثين طريقا عن اربعه عشر صحابيا، ان النبى (ص) قد ذكر امر هولاء الخوارج وصفتهم، فقال: (يخرج قوم من امتى يقراون القرآن، ليس قراءتكم الى قراءتهم بشىء، ولا صلاتكم الى صلاتهم بشىء، ولا صيامكم الى صيامهم بشىء..

يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرميه) وفى اكثر من حديث ذكر ان (فيهم رجلا مخدج اليد، له عضد ليس لها ذراع، على راس عضده مثل حلمه الثدى)((1287)).

اولى الاسماء بهم:

ثمه اسم اطلقوه هم على انفسهم، واسماء جاءتهم من غيرهم.

1 - فالذى اختاروه لانفسهم: اسم (الشراه) اى الذين شروا انفسهم ابتغاء مرضاه اللّه! وقد تغنى شعراوهم بهذا الاسم:

انشد قيس بن الاصم الضبى، وهو من شعرائهم:

انى ادين بما دان الشراه به يوم النخيله عند الجوسق الخرب((1288)) وانشد الطرماح بن حكيم، وهو منهم:

للّه در الشراه انهم اذا الكرى مال بالطلى ارقوا((1289)) وانشد ايضا:

والنار لم ينج من روعاتها احد الا المنيب بقلب المخلص الشارى ((1290)) وانشد معاذ بن جوين الطائى:

الا ايها الشارون قد حان لامرى شرى نفسه للّه ان يترحل ا((1291))

2 - واما الاسماء التى اطلقها عليهم غيرهم، فهى اربعه:

اولا - المحكمه: لشعارهم الاول: (لا حكم الا للّه) سماهم به اصحاب الامام على فى حينها.

ثانيا - الحروريه: لنزولهم حروراء حين اعتزلوا عليا (ع) اول مره، وذكر المبرد ان الامام على (ع) هو الذى اطلق عليهم هذا الاسم لهذه المناسبه((1292)).

ثالثا - الخوارج: وهو لقب سياسى، مثل(الروافض)، قال الشهرستانى: كل من خرج على الامام الحق الذى اتفقت الجماعه عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج فى ايام الصحابه على الائمه الراشدين، او كان بعدهم على التابعين باحسان، والائمه فى كل زمان((1293)).

والظاهر من هذا الكلام ان هذه التسميه قد جاءت متاخره عن عصر ظهورهم، اى فى العصر الاموى او العباسى، اذ كان قد خرج قبلهم جماعات على (الامام الذى اتفقت عليه الجماعه) ولم يسموا خوارج! خرج قبلهم اصحاب الجمل، وخرج معاويه واصحابه، فلم تسم طائفه منهم بالخوارج! كما خرج على ابى بكر جماعات رفضوا بيعته وخلعوا طاعته فلم يسموا بالخوارج ولكن سموا (مرتدين)! فمن هنا، ومن جميع القرائن الاخرى المذكوره فى اثناء هذا البحث شككنا باللفظ الذى اخرجه الطبرى وابن الاثير عن على (ع) فى حديث بيعه الخثعمى المتقدم، وفيه قول الامام على (ع) للخثعمى: (كانى بك وقد نفرت مع هذه الخوارج)((1294))! ومما عزز شكنا فى استخدام الامام على (ع) للفظ (الخوارج) ان النص الذى نقله ابن قتيبه لهذه الحادثه خال من هذا اللفظ، وانما فيه: (كانى بك وقد نفرت فى هذه الفتنه)((1295)).


164

اما ابن عابدين فيرى ان المرجع فى تسميه الخوارج الى خصله اخرى وهى:

اعتقادهم كفر من خرجوا عليه، فيقول معلقا على ما ذكروه فى سمات الخوارج من انهم (يكفرون اصحاب نبينا): ان هذا غير شرط فى مسمى الخوارج، بل هو بيان لمن خرجوا على سيدنا على (ع)، والا فيكفى فيهم اعتقادهم كفر من خرجوا عليه، كما وقع فى زماننا فى اتباع محمد بن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابله، لكنهم اعتقدوا انهم هم المسلمون وان من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل اهل السنه...)((1296)).

لكن لما لم يطلق لقب الخوارج على اتباع محمد بن عبد الوهاب ولا على غيرهم من الطوائف المذكوره آنفا، ظهر ان التسميه انما وقعت على تلك الطائفه الواحده لاسباب خارجيه توفرت فى الظروف المحيطه بهم، ولم تتوفر حول غيرهم ممن شاركهم فى خصالهم الهامه التى ادعى كونها مبررات موضوعيه لهذه التسميه.

فالراجح ان اسم (الخوارج) قد ظهر ايام بنى اميه والزبيريين حين خرج عليهم هولاء (الشراه، المحكمه، الحروريه) مرات عديده، فسموهم الخوارج.

وقد استنكر بروناو سرررس ژح كون لقب (الخوارج) قد اطلقه عليهم اعداوهم، فقال: ما قيل بان لقب الخوارج شبيهه بكلمه المهاجرين، حيث تعنى اولئك الذين تركوا وطنهم فى سبيل اللّه متوجهين الى وطن آخر، وهذا المعنى ماخوذ من قوله تعالى: ( ومن يخرج من بيته مهاجرا الى اللّه ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على اللّه )((1297)).

وهذا الكلام ليس بالقوى، فحين تكون الاغراض سياسيه فسوف لايراعى انطباق التسميه عليهم او عدمه، بل لا تكون الا لاجل التنكيل بهم غالبا.

وربما يكون بروناو قد استفاد هذا من قول شاعرهم ابن الاصم الضبى:

انى ادين بما دان الشراه به يوم النخيله عند الجوسق الخرب النافرين على منهاج اولهم من الخوارج قبل الشك والريب((1298)) فاختار لهم الاسمين (الشراه) و (الخوارج) سواء ولم يفرق بينهما.

كما قد يستفاد هذا من كلام لعالم الاباضيه صاحب شرح اهم كتاب لهم فى الحديث (الجامع الصحيح) اذ يقول: (واعلم ان اسم الخوارج كان فى الزمان الاول مدحا، لانه جمع خارجه، وهى الطائفه التى تخرج للغزو فى سبيل اللّه تعالى، قال عزوجل: ( ولو ارادوا الخروج لاعدوا له عده ) ثم صار ذما لكثره تاويل المخالفين احاديث الذم فى من اتصف بذلك آخر الزمان، ثم ازداد استقباحه حين استبد به الازارقه والصفريه، فهو من الاسماء التى اختفى سببها وقبحت لغيرها، فمن ثم ترى اصحابنا لا يتسمون بذلك، وانما يتسمون باهل الاستقامه فى الديانه)((1299)).

لكن ادق من هذا الوصف ما ذكره الشيخ السالمى العمانى من شيوخ الاباضيه وقد يستفاد منه السبب المعقول فى نشاه لفظ الخوارج ووقت ظهور هذا اللفظ ايضا على وجه الاجمال، فهو يقول: لما كثر بذل نفوسهم فى رضى ربهم، وكانوا يخرجون للجهاد طوائف، سموا بالخوارج، جمع خارجه، وهى الطائفه التى تخرج فى سبيل اللّه، اخذا من قوله تعالى ( ولو ارادوا الخروج لاعدوا له عده ) فهذه هى اصل تسميتهم بالخوارج، وهى تسميه محموده وسبب مشكور) ثم يقول موافقا للشيخ المتقدم: (ولما فارقنا الازارقه والصفريه اخذوا عنا اسم الخوارج وانقلب المدح ذما)((1300)) فهو فى اول الكلام يحدد سبب هذه التسميه بكثره الخروج، ثم يعلل انقلاب المدح ذما، كما علله صاحب القول المتقدم، باطلاق هذا الاسم على الازارقه والصفريه، فقد صار عندهم ذما عندما تلقب به مخالفوهم، فهو اذن عند غيرهم ذم منذ البدايه ولم يكن مدحا قط كما صوروه.

ويوكد هذا المعنى ان اعداءهم فى الدوله الامويه والزبيريه حين كانوا يطلقون عليهم لقب الخوارج انما يريدون الذم لا المدح، وقد اعترف الاباضيه بانه ذم حين افترقوا عن الازارقه والصفريه وغيرهم من هذه الاحزاب (الخارجه).

اما نسبه هذا الاشتقاق الى الايه الكريمه فهو اقرب ما يكون تعليلا متاخرا صاغوه بعد ان ظهر اللقب عليهم.

ومثل هذا يقال فى ما كتبه شيخ الاباضيه عبد اللّه بن اباض الى عبدالملك ابن مروان فى تبرير خروجهم وانه لا ينبغى ان يتخذ ذلك ذما فيقول (... على ذلك يخرجون واليه يدعون وعليه يتفارقون، فهذا خبر الخوارج)((1301)) فهو تفسير من وجهه النظر الخاصه بوجه مقبول لهذه التسميه بعد ان غلبت عليهم واريد بها الذم لا غير. وشانهم فى هذا شان غيرهم من عامه ابناء المذاهب اذ يركنون الى الالقاب التى تطلق عليهم وتشتهر حتى تغلب عليهم، فلا يستطيعون التخلص منها، وقد تكون هذه الظاهره مع لقب (الخوارج) راجحه حين يفسرونه من وجهه نظرهم فيكون خروجا على حكام يرونهم كافرين، فليس ببعيد اذن ركونهم الى هذا اللقب، بل وتفاخرهم به، وان كان قد اطلقه عليهم خصومهم سياسيا وعقيديا((1302))، ولا يخفى ان هذين العالمين وذاك الشاعر لم يكونوا من الطبقات الاولى لهذه الفرقه ، وانما كانوا من طبقاتها اللاحقه.


165

ودليلنا:

ا - ان لفظ (الخوارج) لم يعرف فى نصوص المتقدمين من اصحابهم، بل لم يكونوا يدعون انفسهم الا (الشراه)((1303)) و (المهاجرون) ((1304)) فى كل ما ورد عن متقدميهم من خطب ووسائل واشعار. بل كان لقب (الشراه) يرد حتى على لسان بعض خصومهم، كما فى خطاب اصحاب المهلب بن ابى صفره ايام حروبهم معهم:

كقول يزيد بن المهلب وقد خرج اليهم مبارزا، وهو يرتجز:

قل للشراه جاءكم يزيد ذاك الذى لجمعكم مبيد وحبيب بن المهلب ايضا، اذ يقول:

قل للشراه ذهب الزبيب اذ جاءكم فى ظله حبيب والمفضل بن المهلب ايضا، اذ يقول:

قل للشراه جاءكم مفضل مودد مسود مبجل((1305))

ب - ان اشهر الالقاب التى اطلقها عليهم خصومهم فى المراحل الاولى من الصراع كان لقب (المارقه) وليس (الخوارج). وقد تكرر لقب (المارقه) دائما من قبل خصومهم العلويين والامويين ايضا: لقبهم بذلك صعصعه بن صوحان من اصحاب على (ع)، كما لقبهم به المغيره بن شعبه والى معاويه على الكوفه حين هاجموا الكوفه((1306)). كما لقبهم (بالمارقه) احد قاده جيوش ابن الزبير بعد حربهم للمغيره باكثر من ربع قرن((1307)).

ج - لم نجد لقب (الخوارج) يطلق عليهم فى المراحل الاولى من حروبهم الا من قبل اعدائهم، وربما كان عبد اللله بن الزبير واخوه مصعب هما السابقان الى هذا، ان لم يسبقهما احد زمن معاويه. فقد تكرر فى كتبهم لقب (الخوارج)((1308)) كما ظهر فى شعر شعرائهم((1309)). ومع ذلك فلم يسقطوا لقب (المارقه) بل اطلقوه عليهم ايضا((1310)).

ومن كل هذا يمكن ان نقطع بان لقب (الخوارج) ما هو الا لقب سياسى اطلقه عليهم الامراء الذين حاربوهم، وهو اشتقاق من الخروج على الولاه، فلما كانوا يخرجون على الولاه باستمرار وفى فترات متقاربه، كان من اليسير جدا ان يلصق بهم هذا اللقب.

ورغم اهميه مثل هذا البحث التاريخى فى نشوء تسميه الفرقه الا انا لم نجد احدا ممن كتب عن (الخوارج) قد بذل فى هذا الشان جهدا مهما.

رابعا - المارقون: وهو اولى الاسماء بهم، لانه الاسم المشتق مما وصفهم به النبى الاعظم(ص) فى الحديث المتواتر عنه، وفيه قوله: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميه).

ولان اول من اشتق لهم هذا الاسم (المارقون) هو النبى (ص) ايضا حيث امر عليا (ع) ان يقاتل بعده ثلاث طوائف، هولاء احدهم: (الناكثين، والقاسطين، والمارقين).

اخرجه ابن كثير عن على (ع) من سبعه طرق، وعن ابى ايوب الانصارى من ثلاثه طرق، وعن ابى سعيد الخدرى وعبداللّه بن مسعود((1311))، فان لم يبلغ بهذه الطرق درجه التواتر فهو حديث مشهور لا ينازع فيه، هذا اذا انحصرت طرقه فى ما اختاره ابن كثير! قال على (ع): (عهد الى النبى (ص) ان اقاتل الناكثين، والقاسطين والمارقين) وفى بعض طرقه: (امرت بقتال ثلاثه...) والناكثون: هم اصحاب الجمل الذين نكثوا البيعه، والقاسطون: الجائرون الداعون الى الباطل وهم اصحاب معاويه، والمارقون: هم الذين مرقوا من الدين، وهم المحكمه الحروريه.

وقال ابو ايوب الانصارى وابو سعيد الخدرى:

(امرنارسول اللّه(ص) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع على بن ابى طالب)((1312)).

- فمن هنا قال على (ع) لاصحابه بعد ان انتهى من قتال اهل النهروان: (ان اللّه قد نصركم على المارقين، فتوجهوا من فوركم هذا الى القاسطين)((1313)).

الامتداد

حين قتل اهل النهروان قال اصحاب على(ع): الحمد للّه -يا امير المومنين الذى قطع دابرهم. فقال على (ع): (كلا واللّه، انهم لفى اصلاب الرجال، وارحام النساء)((1314)). وكان كما قال (ع)، فظهروا مرارا عديده وفى اماكن شتى بعد هذا العهد، وتفرقوا فرقا عديده بادت كلها الا واحده منها، وسياتى الحديث عنها فى محله باذن اللّه تعالى.

وعلى يد واحد من هولاء المارقين، يدعى عبد الرحمن بن ملجم، قتل امير المومنين (ع) غدرا فى صلاه الفجر فى اليوم التاسع عشر من شهر رمضان سنه 40 للهجره، وله من العمر ثلاثه وستون عاما، فيما كان (ع) قد اعد عدته للعوده الى صفين وتصفيه فتنه القاسطين..

على يد (اشقى الاخرين)((1315)) قتل سيد الاوصياء، اخو خاتم الانبياء وابو ذريته، بعد عمر كله جهاد وكفاح ونصح، قوامه يقين ليس فوقه يقين، فهو القائل صادقا (لو كشف لى الغطاء ما ازددت يقينا) وبعد صبر عظيم وكظم عجيب وهو يرى تظاهر قريش عليه واستئثارها بحقه فى مصاديق ما اخبره به النبى (ص) من امره، والذى يجمعه ويوجزه قوله (ص): (ان الامه ستغدر بك بعدى)((1316))! (ضغائن فى صدور اقوام لا يبدونها لك الا من بعدى)((1317))!


166

امامه الحسن (ع)

اول السبطين، اول سيدى شباب اهل الجنه، اشبه الناس بجده رسول اللّه(ص) واحد الاربعه الذين بهم باهل رسول اللّه نصارى نجران بامر ربه تعالى: (قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنه اللّه على الكاذبين)((1318)).

هولاء الاربعه الذين فيهم نزل قول تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)((1319)).

الاربعه الذين قال فيهم رسول اللّه (ص) (.. انا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم)((1320)).

هذا كله، اضافه الى سلامه نشاته بل سلامه نشاه والديه ايضا اذ نشئا معا فى حجر النبى (ص) ونشا هو كذلك، ثم سيرته مع على امير المومنين، كل ذلك يجعله المرشح الاول للخلافه والمرجعيه العامه.

اما حين نلتفت الى النص النبوى المحكم المتواتر (انى تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) النص الذى ابعدته الاحداث الاولى عن الذهنيه الاسلاميه.. اذا استحضرناه راينا امامه الحسن واجبه بلا ترديد، وجوبا شرعيا لا ترخيص فيه، الا ان يكون الضلال احب من الهدى! وضياع معالم الاسلام احب من بقائها وازدهارها! وحين انتخبته الامه التى كانت فى طاعه ابيه الامام، فانما انتخبته للعوامل الاولى التى رشحته، ولاختيار ابيه الذى اوصى اليه بالخلافه((1321)).

تلك العوامل التى جعلته المرشح الاول للخلافه يذكرها ابن كثير ويذكرمعها كثيرا من نظائرها((1322))، والغريب من ابن كثير وغيره انهم يستدلون بحديث (الخلافه بعدى ثلاثون عاما ثم تكون ملكا) على ان الحسن (ع) احد الخلفاء الراشدين((1323))! لكنهم يغضون عن حديث الثقلين، وعن آيه التطهير التى فسرته بعلى والحسن والحسين ومعهم بضعه الرسول الزهراء البتول، ذلك الحديث الذى هو اثبت قطعا من حديث الثلاثين عاما الذى لم يروه الا سفينه، ذلك الحديث الذى يجعل امامه الحسن امرا لازما على الامه، ولا خيار لها معه الا ان تختار الضلاله على الهوى (ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب اللّه وعترتى اهل بيتى.

بيعه الحسن (ع):

فى اليوم الذى قتل فيه الامام (ع) بويع الامام السبط (ع)، فاحبه الناس واطاعوه((1324)) وسار بهم سيره ابيه (ع)، واقر عمال ابيه فلم يعزل منهم احدا((1325)).

الحسن (ع) وحق اهل البيت:

تحدث الامام الحسن (ع) فى خطاباته بمثل ما تحدث به والده الامام على(ع) فى شان اهل البيت ومنزلتهم وحقهم الواجب على الامه، وتكرر منه ذلك فى مواضع، منها:

1 - فى حياه ابيه (ع) وقد مرض فامره (ع) ان يصلى بالناس يوم الجمعه، فقال فى خطبته: (ان اللّه لم يبعث نبيا الا اختار له نقيبا ورهطا وبيتا، فوالذى بعث محمدا بالحق نبيا لا ينتقص من حقنا اهل البيت احد الا نقصه اللّه من عمله مثله، ولا تكون علينا دوله الا وتكون لناالعاقبه.. ولتعلمن نباه بعد حين)((1326))! 2 - فى خطبته الاولى ايام خلافته، ذكر عليا (ع) فوصفه بانه (خاتم الاوصياء، وامين الصديقين والشهداء) واستطرد فى ذكر خصاله ثم قال: (من عرفنى فقد عرفنى، ومن لم يعرفنى فانا الحسن بن محمد (ص) - ثم تلا قوله تعالى - (واتبعت مله آبائى ابراهيم واسحاق ويعقوب) انا ابن البشير، انا ابن النذير، انا ابن الذى ارسل رحمه للعالمين، وانا من اهل البيت الذين اذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وانا من اهل البيت الذين افترض اللّه عز وجل مودتهم وولايتهم..)((1327)).

3 - وفى ايام خلافته، فى خطبه بليغه قال: (نحن حزب اللّه المفلحون وعتره رسول اللّه الاقربون، واهل بيته الطاهرون الطيبون، واحد الثقلين اللذين خلفهما رسول اللّه (ص)، والثانى كتاب اللّه فيه تفصيل كل شىء لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعول عليه فى كل شىء، لا يخطئنا تاويله، بل نتيقن حقائقه..

فاطيعونا فان طاعتنا مفروضه، اذ كانت بطاعه اللّه والرسول واولى الامر مقرونه (فان تنازعتم فى شىء فردوه الى اللّه والرسول...) (ولو ردوه الى الرسول والى اولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) واحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان.. - انه لكم عدو مبين - فتكونوا كاوليائه الذين قال لهم: (لاغالب لكم اليوم من الناس وانى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال انى برىء منكم انى ارى ما لاترون) فتلقون للرماح ازرا، وللسيوف جزرا، وللسهام غرضا، ثم لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت فى ايمانها خيرا)((1328))


167

المصالحه:

فشل اهل العراق وتضعضعوا حين راوا منه (ع) تشميرا لحرب معاويه الذى وجه جيوشه صوب العراق! فقد كان الحسن قد وجه مقدمه جيشه بقياده قيس بن سعد بن عباده، وتحرك هو بسائر الجيش من ورائه، فبينما هو فى المدائن، عملت دسائس معاويه عملها، اذ نادى مناد فى الجيش: الا ان قيسا قد قتل! فاختبط الناس وانتهب الغوغاء سرادق الحسن (ع) وطعنه رجل من المارقين، فنزل الحسن القصر الابيض فى المدائن وقد اقبلت صوبه جيوش الشام عليها عبد اللّه بن عامر، فبعثوا اليه بطلب الصلح، فاستجاب لذلك، وكاتب معاويه بالصلح((1329)). المصالحه

- مبرراتها وثمراتها:

لم يكن الحسن (ع) اذن قد راى فى معاويه خيرا فسلم له الامور، لكنه راى فى جيشه ضعفا لا يجبر، فسالم لحفظ دماء المخلصين من اصحابه، وهذه ادله ذلك:

1 - خطابه الذى القاه على اصحابه بعد ما لمس فيهم الفشل وجاءته كتب معاويه تدعوه الى المصالحه، فخطب قائلا: (انا واللّه ما يثنيناعن اهل الشام شك ولا ندم، وانما كنا نقاتل اهل الشام بالسلامه والصبر، فشيبت السلامه بالعداوه والصبر بالجزع، وكنتم فى مسيركم الى صفين ودينكم امام دنياكم، واصبحتم اليوم ودنياكم امام دينكم!... الا وان معاويه دعانا لامر ليس فيه عز ولا نصفه، فان اردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه الى اللّه عز وجل بظبى السيوف، وان اردتم الحياه قبلناه واخذنا لكم الرضا)! فناداه الناس من كل جانب: البقيه البقيه!!

2 - حين راى فى الصحابى الجليل حجر بن عدى كرها لهذه المسالمه وتاسفا شديدا، قال له الامام الحسن (ع): (انى رايت هوى معظم الناس فى الصلح، وكرهوا الحرب، فلم احب ان احملهم على ما يكرهون، فصالحت بقيا على شيعتنا خاصه من القتل، فرايت رفع هذه الحروب الى يوم ما، فان اللّه كل يوم هو فى شان)((1330)). وهذا كلام صريح، بين فيه دواعى الصلح، ومثله تماما قاله لجماعه من اشراف اصحابه عاتبوه بعد رجوعه الى المدينه المنوره((1331))، ثم كشف عن انه لم يصالح رضى بمعاويه، وانما لدفع الحرب الى يوم ما تكون فيها كفه الحق اقوى شوكه وامضى عزما.

3 - انه لم يخف قناعته تلك حتى عن معاويه، وعلى الملا، حين دعاه معاويه ان يلقى خطبته بعد امضاء الصلح، فقام خطيبا فقال بعد الحمد والثناء.. (ايها الناس، ان اللّه هداكم باولنا، وحقن دماءكم باخرنا، وانى قد اخذت على معاويه ان يعدل فيكم، وان يوفر عليكم غنائمكم، وان يقسم فيكم فياكم) ثم اقبل على معاويه فقال: (اكذلك؟) قال معاويه: نعم، ثم هبط الحسن (ع) من المنبر وهو يشير باصبعه الى معاويه ويقول:

(وان ادرى لعله فتنه لكم ومتاع الى حين)((1332))!

شروط الصلح:

اختلف المورخون كثيرا فى ذكر تفاصيل كتاب المصالحه وبنوده التى تضمنها حتى عاد عسيرا على المحقق ان يقف على صوره تامه لذلك الصلح يستطيع ان يثق بها الى درجه اليقين. لذلك راينا الشيخ راضى آل ياسين حين حاول جمع هذه البنود قد اضطر الى اكثر من لون من الوان التلفيق، فالمصادر التى نقل عنها البند الاول لم يجد فيها البند الثانى، ومصادره فى البند الثانى هى غير مصادره فى الثالث، اما الرابع والخامس فهى مجموعه من فقرات وجدها متفرقه فى اكثر من مصدر، فنسقها فى بندين بحسب وحده الموضوع، كما اضطر ان يلتمس بعض هذه البنود من خطبتى الامام الحسن ومعاويه فى الصلح اذ وجد فيهما ما يصلح ان يكون اشاره الى ذلك.

وهذا نموذج من تلفيقه لتلك البنود تحت عنوان (صوره المعاهده التى وقعها الفريقان) قال: (الماده الاولى: تسليم الامر الى معاويه على ان يعمل بكتاب اللّه وبسنه رسول اللّه (ص)) ج واشار فى الهامش هنا ان مصدره فى هذه الفقره هو المدائنى، نقلا عن ابن ابى الحديد فى شرح النهج 4: 8، ثم واصل متمما الماده نفسها فقال بلا فصل ج (وبسيره الخلفاء الصالحين) واشار، واشارته فى الهامش دائما، ان مصدره العسقلانى فى (فتح البارى) بواسطه ابن عقيل فى النصائح الكافيه: 156، والبحار 10: 115.

فهذه الماده لفقها من مصدرين، الاول منهما وهو المدائنى، وهو الاقرب والاوثق، لم يذكر الا الفقره الاولى، ولم يذكر سيره الخلفاء الصالحين، لكن ذكرها العسقلانى.


168

وهكذا فعل فى الماده الثانيه: (ان يكون الامر للحسن من بعده فان حدث به حدث فلاخيه الحسين.. وليس لمعاويه ان يعهد بها الى احد) فهذه ثلاث فقرات، وقد ذكر لكل فقره مصادرها التى لا تشبه مصادر الفقره الاخرى.

وهكذا تجد فى الماده الثالثه، اما فى الرابعه والخامسه فالتلفيق اكثر وضوحا، وقد صرح به فى هوامشه. ومع ذلك يمكن القول بان الصوره التى قدمها هى اتم صوره يمكن استخدامها لتلك المعاهده، فى الجمله((1333)).

اما القدر الذى نستطيع ان نعتمده من الشروط التى املاها الامام الحسن(ع) فى تلك المعاهده، على درجه عاليه من اليقين، فيتلخص فى:

1 - العمل بكتاب اللّه وسنه رسوله (ص).. اما ما زيد على هذا الشرط من ذكر سيره الخلفاء الصالحين فلا يصح قطعا، فهو بعينه الشرط الذى رفضه بالامس على بن ابى طالب (ع) حتى ضحى بالخلافه كلها لئلايمنح هذا الشرط شيئا من الشرعيه! فكيف يضعه الحسن (ع) شرطا فى البيعه وهو يامل ان تعود الخلافه اليه، كما سياتى فى ثانى شروطه؟ وايضا فقد رفض الامام الحسن يوم بويع فى الكوفه اى كلمه تضاف فى البيعه على الكتاب والسنه، فرد على من اراد زياده شرط (قتال المحلين) قائلا: (على كتاب اللّه وسنه نبيه، فان ذلك ياتى من وراء كل شرط)((1334)).

2 - ان يكون الامر بعد معاويه للحسن (ع)، وليس لمعاويه ان يعهد به الى احد((1335)).

هذا اهم ما فى تلك المعاهده التى ضمت امورا اخرى تفصيليه، كالامتناع عن سب على (ع)، وبسط الامن بين الناس جميعا وعدم تتبع شيعه على (ع)، ونحو هذا((1336)).

معاويه اولى ان يقاتل ام المارقون؟

الذى انطوى عليه ضمير الامام الحسن كشف عنه بيانه، كذلك الذى سبق عن امير المومنين على (ع)، ان معاويه وحزبه اولى ان يقاتلوا.. فقد ترك على (ع) المارقين فى حروراء على مقربه من الكوفه واندفع جيشه صوب معاويه فاولئك المارقون قوم ذهب بعقولهم فرط حماسهم، فعموا وصموا عن الحجه والدليل، فهم قوم كانوا مومنين وقد طلبوا الحق فاخطاوه لما غشى على بصائرهم فرط الحماس والعصبيه، اما معاويه وحزبه فقد طلبوا باطلا لا شبهه فيه وقاتلوا دونه (وليس من طلب الحق فاخطاه كمن طلب الباطل فاصابه).

وهكذا كان قضاء الامام الحسن (ع) فى وضوح وصراحه لا تجدها الا عند اشجع الناس واقواهم يقينا بما يقول، فقد بعث اليه معاويه برساله من الكوفه، وكان الامام الحسن فى طريقه الى المدينه، فجاءته رساله معاويه يطلب منه فيها ان ينهض لقتال (الحروريه) الذين هاجموا معاويه هذه المره.. فكتب اليه الامام الحسن من مكانه كتابا قال له فيه: (لو آثرت ان اقاتل احدا من اهل القبله لبدات بقتالك! فانى تركتك لصلاح الامه وحقن دمائها)((1337))! (واللّه لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين، وما احسب ذلك يسعنى، افاقاتل عنك قوما انت واللّه اولى بالقتال منهم)((1338)) لكن هذا (القاسط) الذى طلب الباطل فادركه، هو الذى سوف يصبح منذ الان (الخليفه) او (الملك) الذى سيترك اثره البين والخطير على مسار الاسلام فى السياسه والاجتماع والفقه والعقيده..

وبهذا انتهى عهد.. ودخل عهد جديد..

انقطع عهد الجهاد لاحياء امر الدين وسننه، ونشر العدل والمساواه بين الناس، انقطع حين ارتطم بهذه العقبه الكوود (عقبه صفين) ليقبل عهد جديد لايشبهه فى شىء من اهدافه ولا معالمه..

لقد كان ذلك (تاريخا فاصلا بين الكيان الاجتماعى والسياسى النبوى العظيم الذى حمل الدفعه القرآنيه الفذه وبين كل ما سياتى بعدها حتى سقوط نظام الخلافه)((1339)).


169

الباب الخامس

الانعطاف الاخيروآثاره

فى السياسه والثقافه والعقيده ومصادرها


170

الفصل الاول

المسار بعد الحاديه والاربعين للهجره

المعالم والاثار

نذر:

-اذا بلغ بنو اميه اربعون رجلا اتخذوا مال اللّه دولا، ودين اللّه دخلا، وعباد اللّه خولا((1340)).

- ان اخوف ما اخاف عليكم فتنه بنى اميه..

فانها فتنه عمياء مظلمه... لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم الا نافعا لهم، او غير ضار بهم! ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشيه، وقطعا جاهليه.. ليس فيها مناد هدى، ولا علم يرى((1341))!! انه من سوء حظ العالم البشرى ان تولى منصب الخلافه فى الاسلام رجال لم يكونوا له اكفاء، ولم يعدوا له عده، ولم ياخذوا له اهبه، ولم يتلقوا تربيه دينيه وخلقيه كما تلقى الاولون وكثير فى عصرهم وجيلهم، ولم يسيغوا الاسلام اساغه تليق بقياده الامه الاسلاميه والاضطلاع بزعامتها، ولم تنق رووسهم ولا نفوسهم من بقايا التربيه القديمه، ولم يكن عندهم من روح الجهاد فى سبيل الاسلام ومن قوه الاجتهاد فى المسائل الدينيه والدنيويه ما يجعلهم يضطلعون باعباء الخلافه الاسلاميه، وهذا الحكم عام يشمل خلفاء بنى اميه وبنى العباس، حاشا الخليفه الراشد عمر بن عبد العزيز((1342)).

ان الانحراف عن حقيقه الاسلام ابتداء من هذا العهد من القضايا المسلمه التى لا ينازع فيها احد، الا ان يكون قد صرعه الهوى وغلبته العصبيه، او يكون هو الاخر منحرفا بمثل ذلك الانحراف حتى صار يرى البدعه سنه والمنكر معروفا والجاهليه اسلاما! والا فانا (حين نراجع تاريخ هذه الفتره المتطاوله من الزمان فسنجد ولا شك انحرافا تدريجيا عن حقيقه الاسلام)((1343)).

فما هى معالم هذا الانحراف، وما هى نتائجه؟

معالم الانحراف وآثاره:

لصوصيه فى السياده:

فى حديث النبى الاكرم (ص): (ثلاث قد فرغ اللّه من القضاء فيهن:

- لا يبغين احدكم، فان اللّه تعالى يقول: (يا ايها الناس انما بغيكم على انفسكم )..

- ولا يمكرن احد، فان اللّه تعالى يقول: (ولا يحيق المكر السىء الاباهله)..

- ولا ينكث احد، فان اللّه يقول: (ومن نكث فانما ينكث على نفسه)((1344)). لا يبغين احد! ولا يمكرن احد! ولا ينكث احد! لكنها المداخل الثلاثه التى سلكها جميعا بنو اميه الى الحكم، اما البغى والمكر فهما اجلى من نار على علم فى كل خطواتهم على هذا الطريق منذ اللحظه الاولى التى تحرك فيها رائدهم معاويه، وصاحبه عمرو، وحتى انهيار دولتهم.

واما النكث، فظاهر وخفى: الظاهر منه نكث معاويه عهده مع الامام الحسن، حتى لم يف بشىء منه((1345))! فهذا اول نكث استهل به العهد الجديد! ثم عقبته نكوث على طريق الحكم يطول استقصاوها.

واما نكثهم الخفى، فنكث العهود التى كان يقطعها النبى (ص) على امته وقد سمعها هولاء ووعوها، كعهده فى حجه الوداع وغدير خم: (من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).

وعهده فى على: (من اطاع عليا فقد اطاعنى) و (من آذى عليا فقد آذانى) ونحو هذا كثير مما كان يعهد به النبى (ص) لهذه الامه ليلزمها اتباعه، فنكثوا عهودا اصغوا اليها واظهروا طاعتهم ورضاهم! ومنه ايضا موافقتهم (للناكثين) الذين نكثوا بيعتهم بعد ان بايعوا عليا على الخلافه.

منذ هذا العهد اصبح البغى طريقا الى الخلافه! وحل السيف بديلا عن النص وعن الشورى! ومنذ هذا العهد، وعلى طريق البغى والمكر والنكث، سقطت كل الشروط اللازمه للخلافه، العدل والاجتهاد وسلامه الدين، فاصبح الباغى (خليفه) وان تجمعت فيه نقائض تلك الخصال، من جور وجهل وفسوق((1346))! فهذا اول انحراف حقيقى، وقد ترك اثره الواضح فى فقه الدوله والنظام السياسى.

عزل الدين عن نظام الحكم وبرامجه:

لقد تحقق هذا الشرخ عمليا منذ مطلع هذا العهد، وتحللت السياسه من ضوابط الدين ورقابته، واستبد بالحكم رجال سجيتهم جور قلما خالطه عدل، وجهل قلما استضاء بنور علم، وفسوق قلما ستره جلباب دين او خلق كريم! ولم يعدم هولاء ان يستعينوا بالفقهاء واهل الدين متى اقتضت مصالحهم، ثم استغنوا عنهم متى شاووا! فاصبح رجال العلم بالدين بين معارض للخلافه وخارج عليها، وبين حائد منعزل اشتغل بخاصه نفسه واغمض العين عما يقع ويجرى حوله يائسا من الاصلاح، وبين منتقد يتنفس الصعداء مما يرى ويسمع ولا يملك الى الاصلاح سبيلا، وبين متعاون مع الحكام لمصلحه عامه او مصلحه شخصيه ولكل ما نوى((1347)).

ومن نتائج ذلك: ان نهض لطلب العلم رجال طلبوه لاجل الدنيا، يتقربون به الى الحكام لينالوا لديهم الحضوه والجاه وينالوا من دنياهم، فاصبح الفقهاء بعد ان كانوا مطلوبين طالبين، وبعد ان كانوا اعزه بالاعراض عن السلاطين اذله بالاقبال عليهم، الا من وفقه اللّه((1348)).


171

واخطر ما فى هذا الانحراف ان يقع فيه رجال معروفون من الصحابه وكبار علماء التابعين، كما حصل للمغيره بن شعبه وابى هريره وسمره بن جندب، وحال هولاء فى بيع الاخره بالدنيا شهيره بل متواتره لا يخلو منها مصدر واحد من مصادر التاريخ، ولم يتردد فى رواياتها حتى اشد الناس تعصبا لهم وذبا عنهم من المورخين((1349)). وغير هولاء سقط نفر من الصحابه فى هذا المنحدر، منهم حبيب بن مسلمه القرشى الذى لقيه الامام الحسن فقال له: لقد طاوعت معاويه فى دنياه، وسارعت فى هواه، فلئن كان قام بك فى دنياك لقد قعد بك فى دينك((1350))! فكان انحدار التابعين اذن ايسر واكثر، ولعل ابرز علمائهم المتورطين فى هذه الهلكه: الزهرى، والشعبى((1351))! وقد واصل معاويه سيرته مع التابعين يشترى منهم دينهم بالثمن البخس حتى سخر من بعضهم وقال: لقد هان عليهم دينهم((1352))!

ضمور الامر بالمعروف والنهى عن المنكر:

هذا الذى يعد واحدا من معالم الانحراف هو فى‏الوقت ذاته ثمره من ثمرات الانحراف الذى تحقق فى الخطوتين السابقتين.

فالاستبداد لجام للافواه، وقهر للصالحين على الركون والسكوت، فينقطع الامر بالمعروف والنهى عن المنكر الا نادرا فى مواقع محدوده، اوهمسا بين الخاصه، او قاد صاحبه الى سيوف الجزارين! فتنفست الجاهليه فى بلاد الاسلام، وظهر الفساد والمنكر، وشيئا فشيئا اخلد الناس الى الترف والنعيم وانغمسوا فى الملذات، فاخذت تختفى وبسرعه معالم المجتمع المسلم لتحل محلها معالم مجتمع جاهلى حمل ضغثا من اسلام لا يصده عن منكر ولا يبعثه نحو معروف واصلاح((1353))! اما كبار الصالحين واهل العلم فهم على تقسيمهم السالف، بين معارض متكتم يبدى معارضته متى وجد الى ذلك سبيلا، وبين ثائر، وبين يائس من الاصلاح منصرف الى الدرس والعباده.

ففى وقت مبكر جدا ومنذ عهد معاويه انقلب الواقع الاجتماعى حتى فى عاصمه الاسلام ومصدر اشعاعه، المدينه المنوره! فقد كثر فيها اللصوص وانعدم الامن حتى حدث عروه بن الزبير ان امه اسماء بنت ابى بكر قد اتخذت خنجرا تجعله تحت راسها اذا نامت تحسبا من مداهمه اللصوص((1354))! اما الخمره فلا غرابه ان تروج، بعد ان كان لها ازيز فى الشام بين يدى معاويه ايام كان الوالى عليها، وفى الكوفه بين يدى الوليد، وقصتاهمامشهورتان، فخمره معاويه التى ادركها عباده بن الصامت (رضى‏اللّه) فاراقها هى التى كانت سببا فى اقصاء الصحابى الجليل عباده بن الصامت من الشام لتستقيم لمعاويه بلاده وترسخ فيها اعواده! وخمره الوليد كانت سببا فى جلده الحد وعزله عن الولايه. فكيف وقد استوى لهم الملك فلا رقيب ولا حسيب يخشونه ويتوقعون حسابه؟! لا شك ان مزاوله الامراء للفساد ستنعش حاله وتفتح بينه وبين الناس ابوابا اوصدها امراء حرموا ما حرم اللّه وحفظوا حدوده.

وظهر الشعر الماجن وانتشر لما كان للمجون فى طباع كثير من الامراء تاصل وقرار، ونظره واحده فى ديوان عمر بن ابى ربيعه تكفى فى تعرف حقيقه تلك الظاهره، ولقد كان لهذا الشعر انتشاره الفضيع وآثاره السيئه، حتى نهض كثير من الصالحين فى تحذير الناس منه، قال ابن جريج: ما دخل على العواتق فى حجالهن شى‏ء اضر عليهن من شعر عمر بن ابى ربيعه! وقال هشام بن عروه بن الزبير: لا ترووا فتياتكم شعر عمر بن ابى ربيعه، لا يتورطن فى الزنا تورطا! وقد عرف به ابو المقوم الانصارى تعريفا جامعا بقوله: ما عصى اللّه بشى‏ء كما عصى بشعر عمر بن ابى ربيعه((1355))! قال ابن قتيبه: كان عمر فاسقا يتعرض للنساء الحواج فى الطواف وغيره من مشاعر الحج ويشبب بهن، فسيره عمر بن عبد العزيز الى الدهلك((1356)) - ثم عقب بكلام طريف عززه بنقل عن ابن عمر، قال: - ثم ختم له، اى لعمر بن ابى ربيعه، بالشهاده، قال عبداللّه بن عمر: فاز عمر بن ابى ربيعه بالدنيا والاخره، غزا فى البحر فاحرقوا سفينته فاحترق((1357))! وليس يعنينا من هذا الشاعر شخصه، ولا تعنينا عاقبته، ولا يعنينا اكان حريقه هذا كفاره لذنوبه وشهاده فى سبيل اللّه ام كان متصلا بحريق الاخره، فهذه عاقبه عائده الى ما عقده من نوايا وما كان لذلك من موقع عند اللّه تعالى، والامر اليه يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، انما الذى يعنينا شعره الماجن الذى مثل ظاهره فى عصر الصحابه والتابعين تركت تلك الاثار الوخيمه التى حذر منها الصالحون.


172

تلك صور مختلفه من آثار الجاهليه اخذت تظهر وتستشرى، ولم تستطع حركه الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ايقافها والحد منها، ذلك لان حركه الامر بالمعروف كانت عزلاء (لا تستند الى قوه، ولا تحميها حكومه، وانما يقوم بها متطوعون لا قوه لديهم ولا عقاب)((1358)).

نقض السنه واحياء البدعه:

نقض السنه الذى ابتدا باتخاذ البغى والمكر والنكث طريقا الى الحكم، ثم حرف صوره الحكم ومحا معالمه الاسلاميه بتولى الجاهل بالدين والظالم والفاجر، لم يقف عند هذا الحد بل تغلغل فى الاعماق واخترق الصفوف ليبلغ مداه عند آخر عتبه من العتبات التى اذا انتقضت انتقض الدين كله! قال (ص): (لينتقضن عرى الاسلام عروه عروه، فكلما انتقضت عروه تشبث الناس بالتى تليها، واولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاه)((1359))! وحين انتقض الحكم بهذه الصوره السافره هان نقض غيره حتى طال الامر العبادات:

الحج: تغيرت معالم الحج حين منع معاويه من التلبيه خلافا لابى تراب!! اخرج النسائى وابن خزيمه والبيهقى عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس بعرفه، فقال: يا سعيد مالى لا اسمع الناس يلبون؟ فقلت: يخافون معاويه! فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك وان رغم انف معاويه، اللهم العنهم فقد تركوا السنه من بغض على (رضى‏اللّه)((1360))! ومع ان النسائى وابن خزيمه قد حذفا ارغام انف معاويه ولعنه من الحديث((1361))، فجاء النص عندهما: (لبيك اللهم لبيك فانهم قد تركوا السنه من بغض على) مشعرا ببتر فى وسطه، غير ان المحصل واحد وهو ان معاويه قد عطل السنه، لفرط بغضه لعلى الذى كان دقيقا فى احياء السنه وانعاشها.

يقول ابن عباس بعد: (لعن اللّه (فلانا)! عمدوا الى اعظم ايام الحج فمحوا زينته، وانما زينه الحج التلبيه) ويقول: (ان الشيطان ياتى ابن آدم فيقول: دع التلبيه وهلل وكبر، ليحيى البدعه ويميت السنه)((1362))!.

- الصلاه: وتغيرت معالم الصلاه، فزالت سنن وتغيرت اشياء وضيعت اوقاتها حتى وجد انس بن مالك يبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لا اعرف شيئا مما ادركت الا هذه الصلاه، وهذه الصلاه قد ضيعت((1363))!! فانس لا يبكى الصلاه وحدها، بل هى آخر شى‏ء من سنن النبى بكاه(لااعرف شيئا مما ادركت الا هذه الصلاه، وهذه الصلاه قد ضيعت)! وفى حديث آخر له يقول: (ما اعرف شيئا مما كان على عهد النبى (ص)) قيل: الصلاه؟ قال: اليس ضيعتم ما ضيعتم فيها((1364))؟! ا - قالوا: ان اول من نقص التكبير فى الصلاه معاويه((1365))! ب-قالوا: ان اول من نقص التكبير فى الصلاه معاويه((1366))! لكن سرعان ما انتشرت بدعه معاويه حتى صارت هى السنه، يقول عكرمه: صليت خلف شيخ بمكه فكبر فى صلاه الظهر ثنتين وعشرين تكبيره، فاتيت ابن عباس فقلت: انى صليت خلف شيخ احمق فكبر فى صلاه الظهر ثنتين وعشرين تكبيره! قال: ثكلتك امك! تلك صلاه ابى القاسم(ص)((1367))!! هكذا غابت السنه حتى صار فاعلها احمق فى نظر (علماء) من الطبقه الاولى فى التابعين! ولكن لم تخل الارض من علماء حفظوا ما استطاعوا حفظه من السنه ودافعوا عنها احيانا، كمثل ذلك الشيخ، ومثل انس فى حديثه السابق، وابن عباس فى التلبيه.. ونقص التكبير هذا كان ايضا من بغضهم لعلى، كما نراه جليا عند العسقلانى وهو يشرح حديث عمران بن حصين انه صلى مع على (ع) فى البصره، فقال: ذكرنا هذا الرجل صلاه كنا نصليها مع رسول اللّه (ص)، فذكر انه اذا سجد كبر، واذا رفع راسه كبر، واذا نهض من الركعتين كبر، قال عمران: لقد ذكرنا هذا الرجل صلاه محمد (ص) او قال: لقد صلى بنا صلاه محمد (ص)((1368)). وذلك ان عثمان كان قد ترك التكبير، حيث كبر وضعف صوته، كذا قال عمران بن حصين((1369))، فما كان ترك معاويه الا خلافا لعلى.

ج- قالوا: اول من احدث الاذان فى العيدين معاويه((1370)).

د- قالوا: اول من قدم الخطبه على الصلاه فى العيدين معاويه((1371)). - الوضوء: ثمه موقف شجاع لانس بن مالك ايام الحجاج، قيل له: ان الحجاج خطبنا فقال: (فاغسلوا وجوهكم وايديكم‏وامسحوا برووسكم وارجلكم) وانه ليس شى‏ء من ابن آدم اقرب الى الخبث من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.

فقال انس: صدق اللّه، وكذب الحجاج، قال اللّه: (وامسحوا برووسكم وارجلكم) قالوا: وكان انس اذا مسح قدميه بلهما ((1372)). وهذه ايضا بدلوها خلافا لعلى (ع) الذى كان يكثر التذكير بالمسح على القدمين فى الوضوء، ويركز بانه قد راى اول الامر ان باطن القدمين احق بالمسح من ظاهرهما، حتى راى رسول اللّه (ص) يمسح ظاهرهما((1373)). وركز هذا المعنى ابن عباس ايضا كثيرا((1374)).


173

ويوكد ان هذا هو الحق من سنه النبى (ص) ما رواه البيهقى فى حديث (المسى‏ء صلاته): ان رسول اللّه (ص) قال للمسى‏ء صلاته: (انها لا تتم صلاه احدكم حتى يسبغ الوضوء كما امره اللّه: يغسل وجهه ويديه الى المرفقين، ويمسح براسه ورجليه الى الكعبين((1375)). فغسل القدمين فى الوضوء مساله حادثه اذن بعد الرسول (ص) والارجح انها ظهرت ايام عثمان((1376))، فكافحها الامام على وصحح العمل وفقا للكتاب والسنه، فلما جاء بنو اميه عادوا الى الخلاف بغضا لعلى.

فانظر الى بغض على كم ارداهم فى المهالك! وهل قال النبى (ص) قط الاحقا؟ وهو القائل لعلى: (لا يبغضك الا منافق)!

وضع فى الحديث:

تقدم مفصلا ان الوضع فى الحديث قد دخل فى المشروع السياسى الرسمى على يد معاويه، والذى قراناه هناك مفصلا عن الامام الباقر والمدائنى ونفطويه((1377))، قد ذكره الطبرى مجملا فى وصيه معاويه للمغيره بن شعبه حين ولاه الكوفه، اذ قال له: (اردت ايصاءك باشياء كثيره فانا تاركها اعتمادا على بصرك.. ولست تاركا ايصاءك بخصله: لا تتحم((1378)) عن شتم على وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على اصحاب على والاقصاء لهم وترك الاستماع منهم، وباطراء شيعه عثمان رضوان اللّه عليه والادناء لهم والاستماع منهم)((1379))! ومن هنا تاسس مبدا اقصاء (الشيعى) ورد احاديثه او اتهامه، وتقديم (السنى) وقبول احاديثه واعتمادها! المبدا الذى كان منفذا لكل البدع التى احدثها الامويون فى الاسلام! واخطر ما فى هذا المبدا ان تعصب له قوم من اهل الجرح والتعديل والماضين على اثرهم وظنوا انه الحق دون ان يلتفتوا الى اصله وحقيقته، فتاسس على هذا بناء آخر للسنه النبويه، بل لسائر علوم الشريعه!

استخفاف بالدين وبالناس:

لم يكن استدعاء زياد ونسبته الى ابى سفيان الذى صنعه معاويه ليسخر زياد فى توطيد سلطانه، مما يعد تضييعا للسنه واظهارا للبدعه فقط، بل هو استخفاف بالدين كله وبالناس كلها، لقد اقر معاويه على ابيه بالزنا، واقر زياد على امه بمثله، واشهدا على ذلك خمارا يتسكع! فاذا تم لهم هذا فالدين يقول: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) فكيف اصبح الولد للزانى؟! انها وقاحه لا حد لها كانت فى سجايا (الخليفه) و (الامير)، ووصمه فى جبين جيل باكمله لم ينج منها الا المنكرون، وما اقلهم، وما اسرع ما الجمت افواههم وخفت صوتهم!! ففى اول مجلس يكشف فيه معاويه عن سوءته ويدعى ان زيادا قد اصبح ابن ابى سفيان، قطع عليه خطبته رجل واحد يدعى يونس بن عبيد الثقفى، فقال له: يا معاويه، قضى رسول اللّه ان الولد للفراش وللعاهر الحجر، فعكست ذلك! قال معاويه: اعد.. فاعاد يونس مقالته، فقال له معاويه: يا يونس، واللّه لتنتهين او لاطيرن بك طيره بطيئا قوعها((1380))! وقال شاعرهم فى ابيات يخاطب فيها معاويه:

الا ابلغ معاويه ابن حرب مغلغله((1381)) عن الرجل اليمانى اتغضب ان يقال ابوك عف وترضى ان يقال ابوك زانى((1382))؟! هذه السخريه بالدين وبالناس اصبحت بفعل سطوه السلطان تمر بين ايدى الفقهاء فلا تحرك ساكنا الا ان يكون همسا او كلاما اشبه بالموعظه، كالذى ثبت عن الحسن البصرى اذ عدها واحده من موبقات اربع صنعها معاويه، لو لم يصنع منها الا واحده لكانت موبقه((1383)). وفقهاء آخرون عاصروا الحدث او جاءوا بعده فانكروه وعدوه تجرا على الدين، لكن اتجاها آخر غلب على طائفه من الفقهاء اخذوا على عاتقهم تبرئه السلطان باعذار استلهموها من وحى الشيطان، ليبيحوا لكل فاسق ان يعبث بهذا الدين كيف شاء تحت ظلال هذا العذر او ذلك! ابن تيميه يعد هذا الحدث واحدا من امثله النموذج العاشر من نماذج الاعذار التى اعتذر بها للمجتهدين اذا خالفوا حديثا صحيحا (لامكان انه لم يبلغهم قضاء رسول اللّه (ص) بان الولد للفراش! واعتقدوا ان الولد لمن احبل امه، واعتقدوا ان ابا سفيان هو المحبل لسميه ام زياد)((1384))! فصاروا بذلك مجتهدين! فاذا اخطاوا فان لهم شرف الاجتهاد واجره!! تلك هى العصبيه التى طالما حجبت صاحبها عن مقوله بحق، او شهاده بعدل.

وهكذا يقود الانحراف السياسى المصحوب بالسطوه غالبا الى انحراف دينى خطير جعل الدين آله من آلات السلطان يصرفها كيف يشاء! ولبنى اميه على طريق الاستخفاف بالدين وبالناس شوط بعيد، فخليفتهم افضل من رسول اللّه (ص)((1385))! يسوس الناس كيف شاء (فما على الخلفاء حساب ولا عذاب)((1386)). ويقصد (الخليفه) الحج لا لشى‏ء الاليشرب الخمره فوق ظهر الكعبه((1378))! كان الاخير هو الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان.


174

وكان خلفاء بنى العباس شركاء لبنى اميه فى فلسفه الخلافه هذه، فذكروا يوما الوليد بن يزيد هذا عند المهدى العباسى، فقال رجل: كان الوليد زنديقا.. فردعه المهدى قائلا: مه! خلافه اللّه عنده اجل من ان يجعلها فى زنديق((1388))!

الثار للجاهليه:

انها دعوه سافره للانتقام من دين الاسلام ومن نبى الاسلام، وان ظهرت تحت عناوين اخرى..

فثمه كلمه كفر اتخذوها فجعلوها (سنه) راتبه فى صلاه الجمعه، ولازمه لكل خطيب ولكل قاص، انها كلمه اللعن، وجهوها الى اللّه ورسوله من طريق على والحسن والحسين، فهم اقرب الطرق الى رسول اللّه (ص)! لماذا قال رسول اللّه (ص): (من آذى عليا فقد آذانى)((1389))؟ لماذا قال: (من سب عليا فقد سبنى)((1390))؟ لماذا قال: (انا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم)((1391))؟ هل فقط لانه يعلم ان يوما قريبا آت سيسبهم فيه اناس يزعمون انهم ينتسبون الى ملته ودينه؟ ام لانه علم ان فقهاء سوء سيقفون من ورائهم ينقبون لهم عن الاعذار ليجعلوا من هذا (السب) امرا سياسيا صرفا ونزاعا بين بيتين، لا صله له بالدين؟ هذا الذى اراده قبل ذاك، ليقول لمن بقى من ضميره خيط امل لم يميته الخنوع او العصبيه، يقول له: تنبه، انهم اياى يسبون، واياى يوذون، واللّه تعالى يوذون ويسبون حين يسبون عليا وحسنا وحسينا.. فهولاء اولى باللّه وبرسوله وبدينه من غيرهم.

هولاء الثلاثه سوف يمثلون رسالتى بحذافيرها حتى لكانهم انا (الا انه لا نبى بعدى) فمن سبهم فقد سبنى، (من آذاهم فقد آذانى، ومن حاربهم فاياى يحارب، ومن اطاعهم فقد اطاعنى ومن اطاع عليا فقد اطاعنى، من عصى عليا فقد عصانى)((1392)). اذن قد حل مسار جديد ليس فقط لا يشبه مسار الاسلام فى عهد الرسول، بل هو المسار المناقض والمعادى والمحارب له منذ اللحظه الاولى حتى آخر عرق فيه ينبض، ربما على يد المسيح الدجال الذى سيقتله سيف المسار المحمدى القويم ممثلا بسليل البيت المحمدى، ابن محمد وعلى والحسين: (رجل من اهل بيتى يواط‏ى اسمه اسمى)((1393)) انه مهدى آخر الزمان.

ان فلسفه السب واللعن هذه قد تخفى على جمهور الناس وعامتهم، فلا تتجاوز اذهانهم ما يبلغ آذانهم، فيظنون ان عليا وولده هم المستهدفون فقط، وليس وراء ذلك شى‏ء، وهذا هو الذى مكن للمنحرفين سياستهم اذ لا يفقه بعدها الا حاذق فطن، فيما تكون غوغاء الناس معهم تصدق دعواهم، واى حاذق ستنفذ كلمته امام ضجيج الغوغاء وقوه السلطان؟! فام سلمه توبخ بعض الاصحاب فتقول لهم: (ايسب رسول اللّه فيكم؟! قالوا: معاذ اللّه! قالت: لقد سمعت رسول اللّه يقول: من سب عليا فقد سبنى ومن سبنى فقد سب اللّه تعالى)((1394))! ويمر عبداللّه بن عباس برجل فيسمعه يسب عليا، فيحصبه ويقول له: (يا عدو اللّه! آذيت رسول اللّه (ص) (ان الذين يوذون اللّه ورسوله لعنهم اللّه فى الدنيا والاخره واعدلهم عذابا مهينا))((1395)). عبداللّه بن الزبير، هو الاخر وقد بسط سلطانه على نحو نصف البلاد، لم يكتف بقطع الصلاه على النبى (ص) فى خطبه بغضا لاهل البيت! حتى صار يشتم عليا (ع) بدلا من ان يصلى عليه!! فقطع عليه مره محمد بن الحنفيه خطبته، ورد عليه فى كلام طويل قال فى آخره: (انه واللّه ما يشتم عليا الا كافر يسر شتم رسول اللّه (ص) ويخاف ان يبوح به فيكنى بشتم على (ع) عنه، اما انه قد تخطت المنيه منكم من امتد عمره وسمع قول رسول اللّه (ص) فيه: (لا يحبك الا مومن، ولا يبغضك الا منافق) وسيعلم الذين ظلموا اى منقلب ينقلبون((1396)).

وعلى نهج عبد اللّه بن الزبير كان اخوه عروه، وصاحبه الزهرى، وهما من (اوثق) (ائمه) الحديث وفق المنهج الذى اسس له بنو اميه فى التقويم والنقد والجرح والتعديل!! تلك هى فلسفه السب، وتلك حقيقته، انه واحده من (آيات النار) التى انذر الرسول بطلوعها وحذر منها.

لقد ادخلوا الناس فى عهد جديد، عهد منكر، يسب فيه رسول اللّه، ويوذى فيه اللّه ورسوله، ويحارب اللّه ورسوله، والناس ماضون مع هذه (السنه) الجديده، وهم بعد مسلمون (متدينون) فيهم الراكع والساجد، والقارى للقرآن والمحارب فى سبيل اللّه!! (كيف انتم اذا لبستكم فتن يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنه! فاذا غيرت، قالوا: غيرت السنه)((1397))؟! فهذه هى (الفتنه - السنه) التى قيل لمعاويه الا تكف عنها؟ فقال: (لا واللّه، حتى يهرم عليها الكبير ويربو عليها الصغير)((1398))!! وحين غيرها عمر بن عبدالعزيز ضجوا وقالوا (غيرت السنه)!! نبا الصادق المصدق (ص)((1399)). - ستون عاما كان الناس تتلقى هذه الكلمات من كل المنابر وكل المساجد والكثير من حلق الدرس والمجالس، حتى دخلت فى ثقافتهم، بل فى عبادتهم ايضا!! - هذه الثقافه ونظيراتها قد صنعت جيلا يحمل كل الاستعداد لقتل الحسين سبط رسول اللّه (ص)، ويغزو مدينه رسول اللّه (ص) فيدمرها ويبيد اهلها ويستبيح فيها كل محرم وقبيح، ويرمى الكعبه المشرفه بالمنجنيق! كل ذلك بعد عشرين عاما فقط من شروع (سنه السب)! كل ذلك بعد نصف قرن فقط من وفاه رسول اللّه نبى الاسلام محمد (ص)! انها سرعه مذهله استطاع بها بنو اميه، بواسطه السيف والتثقيف المنحرف، ان ينكسوا امه على راسها، ويردوها على اعقابها، تحرف دين محمد كما يشتهى ابن ابى سفيان، وتقاتل آل محمد وحرم محمد طاعه لال ابى سفيان!! فكيف ران على قلوب الناس بمثل هذه السرعه المذهله؟ انه نذير محمد نفسه (ص) الذى اجاب عن هذا السوال قبل وقوعه، وضرب لهم الامثال من الامم السالفه كيف انتقض امرهم، حتى تلا عليهم قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون× كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)((1400)). ثم قال لهم: (كلا واللّه، لتامرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتاخذن على يدى الظالم ولتاطرنه على الحق اطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، او...) ماذا بعد او؟ انها الكلمه التى ارعبت بعض رجال الحديث فحذفوها شفقه من عند انفسهم((13401))! لكن غيرهم اثبتها امانه للحديث، فجزاهم اللّه عن رسول الاسلام خيرا! ان بعد او: (او ليضربن اللّه بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم)((1402))!! فهل ترجى آيه لضرب قلوب بعضهم ببعض اجلى من تلك الايات؟! اللهم ارحم الصالحين الصابرين فى تلك الفتنه المظلمه، فلقد حفظوا عهدهم معك ومع رسولك، فكانوا لمن بعدهم سلفا صالحا وامثله صدق واسوه حق، ولقد ذاقوا فى سبيلك كل مر وعسير، ولنعم ما ادبتنا به فى حقهم فارشدتنا ان نقول: (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رووف رحيم)((1403)).


175

خوض فى الدماء المحرمه:

العرش الذى استقر على بحر من الدماء المحرمه ما كان ليستقر لو جفت تلك الدماء وتقادم عهدها، ولا يستقر الا بدماء طريه تجرى تحت سوقه..

وبدلا من ان يفتتح معاويه عهده بما يرى اصحابه صدقا فى وعده وحقا فى دعوته فيتتبع قتله عثمان((1404))، راح يتتبع خيار الصحابه ورووس التابعين الذين لم يفلح فى شراء دينهم! حجر الخير، حجر بن عدى، واصحابه السبعه الذين ضربت اعناقهم، لالشى‏ء الا انهم انكروا منكرا فادحا، انكروا ان يرغم الناس او يلقنوا ما يفضى بهم الى الرده عن الدين من حيث يدرون او لا يدرون، حين يسلمون الدين لسلطان متهتك يحيى منه ما يشاء كيف يشاء، ويميت ما يشاء، ويقلب ويزور كيف يشاء.

قتلوا لانهم ردوا على امراء السوء الذين كانوا يلعنون اخا رسول اللّه وولى المومنين عليا، وريحانتى رسول اللّه وسبطيه الحسن والحسين ويلقنون ذلك الناس((1405)).

تلك الثله هى التى اخبر النبى (ص) انها ستقتل ظلما وسوف (يغضب اللّه لهم واهل السماء)((1406))! لكن لم يكن ليزعج معاويه ان يغضب اللّه تعالى لفعله واهل السماء، فلطالما اغضبهم، بل طالما حاربهم بكل ما يملك، ولم يضع سيفه بعد! والحسن السبط: دس اليه معاويه السم مرارا فلم يوثر اثره، حتى دسه اليه اخيرا على يد زوجه له هى بنت الاشعث بن قيس، فقتله، خشى ان يعيش بعده فتصير الخلافه اليه، وهو يريدها لولده يزيد((1407))! لم يشكك احد بذلك، غير ان الذين تبنوا الدفاع عن بنى اميه باى ثمن طالبوا بلجنه تحقيق تقوم فى ذلك العهد لتثبت ان هذا السم دسه معاويه او كان بامره، ولما لم تقم لجنه كهذه فمعاويه برى‏ء لا يمكن اتهامه((1408))! لكن ماذا سيغير ذلك من النتيجه وانتم تعتذرون له على كل حال ولو ذبحه بيده او امر بذبحه على الملا، كما صنع بحجر واصحابه؟ الم يعتذر ابن تيميه لمعاويه فى سم الحسن (ع) بانه قد فعل ذلك من باب القتال الدائر بينهما((1409))؟! فاى تحقيق هذا الذى تطالبون به؟! والحسين السبط: ريحانه الرسول، وسبعه عشر من اهل بيته آل على بن ابى طالب واولاد مسلم بن عقيل بن ابى طالب، واكثر من ستين رجلا من اصحابه، قتلوا جميعا فى كربلاء ليستقر عرش يزيد، فى ابشع ملحمه، واظهر صوره من صور الارتداد عن الدين الحنيف تذل لها الامه كلها وتخنع.. لكن ليست مراره خنوعها ذاك بامر من تبريكها واعتذارها ليزيد فى ما بعد، كما صنع ذلك التيار (المتمسلف) ابتداء من ابن تيميه! رغم ان الامام الذى يدعون الانتساب اليه، احمد بن حنبل، قد لعن يزيد، وابعد عن ساحه الايمان من فى قلبه ذره من الحب ليزيد والعطف عليه((1410))! لعنه وتبرا منه فى حديث ابى ابن تيميه الا تزويره((1411))! وليس الامام احمد وحده، بل نقل التفتازانى اجماع المتقدمين على لعن يزيد وتكفيره((1412)).

واهل المدينه المنوره: آلاف من الصحابه وابناء الصحابه، عدهم البعض اربعه آلاف وبلغ بهم آخرون الى عشره آلاف، قتلهم جيش يزيد فى ثلاثه ايام، فلم يبق بعدها بدرى فى المدينه المنوره، واباح الاعراض فيها فانتهكت الحرائر والابكار فى ملحمه تجاوزت حدود الرده والشذوذ الى حد لم يعرف له نظير حتى على ايدى المغول والصليبيين((1413)).

واذا كان قتل الصحابه ووجوه التابعين له الوقع الاشد والدلاله الاكبر، فما زال هذا الباب مفتوحا بقيه زمن يزيد، وزمن مروان، وعبد الملك الذى لم يكترث بانه قد (شرب الخمره والدماء بعد النسك والعباده)((1414)) والذى سلط عليهم الحجاج فقتل منهم مالا يحصى، واذل من عاش منهم، كجابر بن عبداللّه الانصارى وانس بن مالك وسهل بن سعد الساعدى فختم اختاما على اعناقهم وايديهم امعانا فى الاهانه.

وما زالت مراكب السلاطين تجوب بحور الدماء، وبحور المجون، وركبها على اثرهم بنو العباس، وساروا فى (الخلافه) على تلك السنه، البغى والوراثه والاستبداد،التى لا يبررها دين قويم ولا خلق كريم.


176

الفصل الثانى

حركات التصحيح

الجذور - الاهداف - النتائج

لم تنجح هذه السياسه المركزه فى محو اثر الدين الاسلامى وتحريف مبادئه واصوله واخماد جذوه الايمان الصادق الى الابد، بل ما زالت تعانى من صمود هذه الروح، بل من تحديها الشجاع الذى اثر كثيرا فى الخارطه الثقافيه التى عنى الامويون ثم العباسيون برسمها، وحفظ للدين الحنيف معالمه ورونقه وصفاءه، على الرغم من ان دائره الانحراف كانت اوسع ظلا بفعل السلطان الذى تفردت به، تلف حولها غوغاء الناس، ممن ليس معه كثير عقل ودين، الذين كان الحسن البصرى يسميهم (قتله الانبياء)! فكان الدين يحيا تحت الركام، ويتنفس احيانا فى حركات جاده وواعيه تبث مبادءه وتنبه الى حجم الانحراف الحاصل ومداه، وبفعل ما توفرت عليه عجله الانحراف من اسباب القوه كانت تخمد هذه الحركات عاجلا فى اغلب الاحيان، ولكن مهما كان اخمادها سريعا وحاسما فان مبادءها وما خلفته من عناصر الوعى ستبقى بعدها ولو الى امد، وهذا هو الذى حفظ مبادى‏الاسلام واصوله وجماله ورونقه، وكشف عن حقيقه الانحراف وطبيعته ومداه ليبقى البرزخ شاخصا بين الاسلام فى مبادئه الصحيحه وقيمه وبين المسارات المنحرفه التى اتخذت من الاسلام وعاء لاهوائها ومناهجها.

واهم هذه الحركات التصحيحيه على الاطلاق:

حركه سبط رسول اللّه (ص) (60 - 61 هـ ):

(حسين منى وانا من حسين.. احب اللّه من احب حسينا، حسين سبط من الاسباط)((1415)). الحسين الشهيد، ابن على، وابن الزهراء بضعه النبى، فمن اولى منه باحياء امر الدين؟.

- لقد علم الناس اولا ان الغلبه لا تمنح صاحبها حقا البته، وان الجاهل والمجاهر بالفسوق لا تصح له بيعه ما كان الى ذلك سبيلا.. ومنذ ذلك الحين نقض الحسين -ريحانه رسول اللّه مبدءا سيفرزه منهاج التاويل والتبرير بعد قرابه قرنين من الزمن! ذلك المبدا المنسوب الى احمد بن حنبل، والى ائمه (اهل السنه) كما تقدم عن ابى زهره((1416))، ذلك المبدا القائل: (من غلبهم بالسيف حتى صار خليفه وسمى امير المومنين فلا يحل لاحد يومن باللّه واليوم الاخر ان يبيت ولا يراه اماما برا كان او فاجرا)((1417))! ان القهر والاستيلاء يبرر حاله الضروره فقط حين تنعدم السبل، لكن لايبرر بحال الرضا بالمنكر والمتابعه على المعاصى وتبريرها.

لقد نقض الحسين سلفا كل اس يرجى ان يقوم عليه ذلك المبدا الذى لم يعرف سلاطين الجور واذنابهم مبدءا احب اليهم منه.. والى جنب ذلك فقد احيا الحسين جمال الاسلام بفضيله الامر بالمعروف والنهى عن المنكر التى عطلها الامويون، قال الحسين (ع): (ايها الناس، ان رسول اللّه (ص) قال: من راى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه، ناكثا لعهد اللّه، مخالفا لسنه رسول اللّه (ص) يعمل فى عباد اللّه بالاثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول، كان حقا على اللّه ان يدخله مدخله. الا وان هولاء قد لزموا طاعه الشيطان وتركوا طاعه الرحمن واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستاثروا بالفى‏ء واحلوا حرام اللّه وحرموا حلاله.. وانا احق من غير.. وقد اتتنى كتبكم ورسلكم ببيعتكم..) ((1418)).

- وفى كتابه الذى بعثه مع مسلم بن عقيل الى اهل الكوفه، قال: (..ولعمرى ما الامام الا العامل بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق)((1419)).

- وفى خطابه لاول كتائب ابن زياد، وهى بقياده الحر بن يزيد الرياحى، قال الامام الحسين (ع): (اما بعد ايها الناس، فانكم ان تتقوا اللّه وتعرفوا الحق لاهله يكن ارضى للّه..

ونحن اهل البيت اولى بولايه هذا الامر عليكم من هولاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وان انتم كرهتمونا وجهلتم حقنا، وكان رايكم غير ما اتتنى به كتبكم وقدمت به على رسلكم انصرفت عنكم)((1420)).

ان نهضه الحسين (ع) لهى ابلغ خطاب كاشف عن ان انحراف المسار قد بلغ المدى الذى لا يستساغ معه سكوت وركون، ولربما ذهل عامه الناس وكثير من اهل العلم فيهم عن ذلك بفعل تلك السياسه الثقافيه التى تقدم وصف معالمها.. انها النهضه التى رسمت خارطه الاسلام آنذاك فى اصدق لوحه تحكيه، انها الصراع الابدى بين التوحيد والوثنيه، والوثنيه هى الوثنيه سواء اتخذ صاحبها الها من حجر، او اتخذ هواه الها..

(افرايت من اتخذ الهه هواه واضله اللّه على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوه فمن يهديه من بعد اللّه افلا تذكرون)((1421)) هذا النمط من الناس هو الذى اصبح يحكم، بل يتحكم لا فى مقدرات الناس فقط، بل فى الدين نفسه! لقد هزمت الجاهليه امام الاسلام حين كان جلبابها من نسج يديها، مجاهره بكفرها، لكنها غلبت حين نسجت لها من الاسلام جلبابا تجرى من تحته فتخادع به البسطاء والمغفلين ومن لم يكن له بصر ثاقب! ولم يكن النبى حين فارق هذه الامه يخشى عليها ان تعود لعباده الاصنام، انما كان يخشى عليها (كل منافق عليم اللسان)((1422))يحسن الاحتيال والخديعه، يسمونه (داهيه)! انها النهضه التى اظهرت ما قد منيت به هذه الامه من جراء الخضوع والركون للانحراف والجبروت، لقد اصبحت امه جريئه على قتل اولاد نبيها وهم يحملون رسالته وكل تراثه مع شده ما تركه فيهم من وصايا واوامر باتباعهم والتمسك بهم.. انها قادره على قتل نبيها نفسه اذن، لكن لا باسم الاوثان هذه المره، بل باسم الاسلام الذى تقمصه الحاكمون! اما يزيد نفسه فقد كان اكثر صراحه فى التعبير عن وثنيته، وليس فقط تمرده على الاسلام، فقد اشتهر عنه بروايه من لا يمكن ان يتهم فيه، كابن ابى الدنيا وابن سعد، انه حين وضع راس الامام الحسين بين يديه تمثل قائلا:


177

ليت اشياخى ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل فاهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا لى بغيب لا تشل((1423)) واخذ قضيبا من خيزران ينكت به شفتى الحسين، ويتمثل شعرا((1424))! ليصحر بكفر لا يواريه حجاب..

محاولات فى تزييف النهضه:

هنا تتوفر كل دواعى الكذب فى التاريخ، فالسلطان الغالب ما زال غالبا يبسط نفوذه ويسخر مريديه لنشر الثقافه التى تحفظ له سلطانه، والدوافع الذاتيه لدى الرواه فى فورانها، لكن الخصم هنا خصم كبير لا يمكن ان يتهم بشى‏ء يمس بكرامته، ومن اجل الموازنه بين الامرين انحصر ميدان الكذب عند الرواه فى الدفاع عن يزيد وتعزيز موقفه.. اما المتكلمون ممن يعتقد بلزوم الطاعه للمتغلب الفاجر الفاسق ويحرمون الخروج عليه فقد فاضوا فى كلام جرى‏ء يخشى عليهم منه ان يكونوا شركاء فى دم الحسين ريحانه رسول اللّه (ص) وسيد شباب اهل الجنه! فلنقف قليلا مع كل من الطائفتين، الرواه، والمتكلمين:

1 - الرواه: من ابرز ما وضعه الرواه وتمسك به المدافعون عن يزيد سلفا وخلفا، قضيتان:

الاولى: تمس مبادى النهضه لتقول ان الحسين لم يكن يرفض البيعه ليزيد، بل قال لعمر بن سعد قائد جيش يزيد فى قتال الحسين، قال له: اختاروا منى خصالا ثلاثا: اما ان ارجع الى المكان الذى اقبلت منه، واما ان اضع يدى فى يد يزيد بن معاويه فيرى فى ما بينى وبينه رايه، واما ان تسيرونى الى اى ثغر من ثغور المسلمين شئتم فاكون رجلا من اهله لى ما لهم وعلى ما عليهم! رواها الطبرى عن ابى مخنف، وقال ابو مخنف: هو ما عليه جماعه المحدثين((1425)). والكلام فى هذه الروايه نرتبه فى نقاط:

ا - ان العمده فيها انما هى فى نسبتها الى جماعه المحدثين، لكن الذى نسبها اليهم هو ابو مخنف وحده لا غير، فكيف سارعوا فى تقبلها والاحتجاج بها وابو مخنف عندهم متروك تالف؟!

ب - هذا الحديث انما جرى فى موضع لم يحضره احد من الناس ولا سمع احد ما دار فيه بين الحسين وابن سعد، ولا حدثهم الحسين ولا ابن سعد فى ما دار بينهما! وانما تناقلوه من غير ان يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه((1426))!

ج - نقل ابو مخنف نفسه عن هذه الواقعه كلاما آخر مخالفا له تماما فيه ان الحسين (ع) كان يدعو ابن سعد للالتحاق به للسير معا الى قتال يزيد بن معاويه.. وهذا الخبر ايضا نسبه الى الشهره والشياع، فقال تحدث الناس بذلك وشاع فيهم! فلاى شى‏ء تمسكوا بالاولى وتركوا هذه؟!

د - ان هذه الروايه لهى من اكثر ما يدل على كفر يزيد كفرا لا تغطيه شبهه، وكفر جنده واميره على الكوفه! فاذا كان الحسين (ع) يريد ان يضع يده بيد يزيد فباى حجه قتلوه وقتلوا اصحابه واهل بيته من آل الرسول وآل ابى طالب! وماذا فى الامر لو اراد الحسين (ع) ان يبايع ليزيد فى تلك الساعه قبل اشتعال الحرب مباشره، حين راى انه قد عدمت من بين يديه اسباب التغيير، بل عدمت اى فرصه ايضا للتراخى والمماطله، وان اهل بيته واصحابه ونفسه قد اصبحت عرضه القتل الموكد، فما هى الحجه فى بيعه تقع فى ظرف كهذا؟ الا ترى الى هولاء كيف تناسوا رفض الحسين للبيعه وخروجه من بيته باهله واخوته الى مكه، ثم مسيره الى كربلاء وبعثه ابن عمه مسلم بن عقيل امامه حتى قتل فى الكوفه، ومضيه على ذلك القرار حتى بلغ الامر ما بلغه، فلا يجدون فى هذا كله حجه، ثم يحتجون ببيعه مدعاه فى مثل هذا الموقف والسيوف على الرقاب، ومع الحسين من حق ان يخشى عليه من شباب اهل البيت وصغارهم ونسائهم!!

ه - فى كلام ابن تيميه ما يثبت كذب هذه الروايه، اذا يقول:

وطلب من الحسين ليستاسر ليحمل الى يريد ماسورا ،فلم يجب الى ذلك ، وقاتل حتى قتل مظلوما شهيدا((1427)).

و - وابو مخنف نفسه نقل فى الموضع ذاته عن مولى الرباب زوجه الحسين(ع)، عقبه بن سمعان، تكذيبه لهذا الكلام بالذات، فقال: اما عبدالرحمن بن جندب((1428)) فحدثنى عن عقبه بن سمعان((1429))، قال: صحبت حسينا فخرجت معه من المدينه الى مكه، ومن مكه الى العراق، ولم افارقه حتى قتل، وليس فى مخاطبته الناس كلمه بالمدينه ولا بمكه ولا فى الطريق ولا بالعراق ولا فى عسكر الى يوم مقتله الا وقد سمعتها، الا واللّه ما اعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من ان يضع يده فى يد يزيد بن معاويه، ولا ان يسيروه الى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعونى فلاذهب فى هذه الارض العريضه حتى ننظر ما يصير امر الناس اليه((1430)).


178

ومع هذا كله فانك ترى بعض من يكتب فى التاريخ ينتقى تلك الروايه الاولى فقط ويسقط التى رواها ابو مخنف نفسه قبلها - المتقدمه فى ج - ، وهذه التى رواها بعدها فى تكذيبها! كما تراه عند ابى الفداء فى تاريخه((1431))، وابن الجوزى فى المنتظم((1432)) وابن كثير فى تاريخه((1433)). مع ان الثالثه اولى بالقبول، لانها روايه الشاهد الثقه الذى لم يغب عنه شى‏ء من مشاهد النهضه، ولا فاته شى‏ء من كلام الامام الحسين (ع)، كما اقسم هو على ذلك، ولقد كان الى جنبه دائما يحمل الكتب التى بعثها اهل الكوفه الى الامام الحسين (ع)((1434)) ولان الراوى عنه رجل معروف فى الثقات.. اما الروايتان السابقتان فمتكافئتان من جميع الاطراف، بل يمكن ترجيح دعوه الحسين (ع) ابن سعد للانظمام اليه لانها اقرب الى اهداف الحسين والى واقع الحال. كان هذا مع اولى الروايات التى اعتمدت فى تزييف النهضه الحسينيه.

والثانيه: جاءت لتخفف من اثم يزيد واللوم الواقع عليه، حين نقلت تاسفه على قتل الحسين، وقوله: لعن اللّه ابن مرجانه -يعنى عبيد اللّه بن زياد فلقد كنت ارضى منه بدون ذلك! او نقلت عن يزيد انه اذن للنسوه ان يقمن النوائح على الحسين (ع)! فكم هو ركيك ومخجل دفاع كهذا!! لكن ما العمل حين لم يجدوا احسن منه يظنون ان تقبله العقول؟! الا كم من قاتل مشى فى جنازه قتيله واظهر الحزن عليه؟! لكن حتى هذا لم يصنعه يزيد، وانما اخترع القدر الادنى منه الكذابون الناصحون ليزيد! ورحم اللّه ابن ابى الدنيا وابن سعد صاحب الطبقات وابا الفرج ابن الجوزى حين اثبتوا ان الحقيقه فى خلاف ذلك بالنقل الصحيح من كلام يزيد وفعله! قال ابن الجوزى: ليس العجب من فعل عمر بن سعد وعبيد اللّه بن زياد((1435))، وانما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب على ثنيه الحسين، واعادته -راسه الشريف الى المدينه وقد تغيرت ريحه، لبلوغ الغرض الفاسد! افيجوز ان يفعل هذا بالخوارج؟! او ليس فى الشرع انهم يصلى عليهم ويدفنون؟ واما قول يزيد: (لى ان اسبيهم)((1436)) فامر لا يقع لفاعله ومعتقده الااللعنه! ولو انه احترم الراس حين وصوله اليه، وصلى عليه ولم يتركه فى طست ولم يضربه بقضيب، ما الذى كان يضره وقد حصل مقصوده من القتل؟ ولكن احقاد جاهليه! ودليلها ما تقدم من انشاده: ليت اشياخى ببدر شهدوا..((1437)) 2 - المتكلمون: للمتكلمين اسلوب آخر فى مواجهه هذه الثوره التى احيت مبادى الاسلام فى الانتصار لموقع الامامه الذى اهانه الامويون، وفى احياء روح الايمان والجهاد والامر بالمعروف والنهى عن المنكر من اجل مواجهه الانحراف واقامه حكم اللّه تعالى على ضوء الكتاب الكريم والسنه الصحيحه، فتمثلت مواجهتم لها فى بعدين، احدهما فى تخطئه الامام الحسين (ع)، والاخر فى التكذيب بكل ما يثبت ادانه يزيد بشكل مباشر.. ونحن نذكر بايجاز اهم ما قيل فى كلا البعدين. البعد الاول: تركيزهم على ان الحسين (ع) قد اخطا فى نهضته خطا عظيما((1438))، وان خروجه (هذا راى فاسد! فان مفسدته اعظم من مصلحته! وقل من خرج على امام ذى سلطان الا كان ما تولد على فعله من الشر اعظم مما تولد من الخير)((1439))! هذا كلام هو اليق بعبيد اللّه بن زياد وشمر بن ذى الجوشن، وهو اوجز عنوان تندرج تحته كلماتهما وافعالهما فى مواجهه الحسين (ع)! وهو ابعد شى‏ء عن رجل يفقه مناهج الاديان، ومعانى الحريه والكرامه، خصوصا وهو يوجهه لاشرف انسان على الارض آنذاك، سيد شباب اهل الجنه وخامس اصحاب الكساء الذين اذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا! وهذا القرآن العظيم ما زال يرفع انبياء وصالحين دعوا بدعوه الحق واكذبوا احدوثه سلاطين الجور والضلال، فقتلوا على ايديهم ابشع قتله، كما قتل الحسين او اشد من ذلك، فهل قرا احد ان القرآن قد وبخهم ووصف مواقفهم وتضحياتهم بالفساد؟! او انه اعتذر للسلاطين بانهم صنعوا ما صنعوا حفظا للملك ولمصلحه البلاد، كما اعتذر هولاء لقتله ريحانه رسول اللّه وسيد شباب اهل الجنه وآخر ابن نبى((1440)) على الارض؟! لكن هولاء حين دانوا بفلسفه (الغلبه) نسوا ان الانتصار للحسين امانه فى اعناقهم تركها جده رسول اللّه (ص) ان كانوا مومنين به حقا! لقد ركز ابن تيميه على اعتماد روايه البغوى لمقتل الحسين (ع)((1441))، لكن البغوى هو الذى اثبت حديث الصحابى انس بن الحارث وهو يقول: سمعت رسول اللّه(ص) يقول (ان ابنى -يعنى الحسين‏يقتل بارض يقال لها كربلاء ، فمن شهد منكم ذلك فلينصره)((1442))! لكن فلسفه الغلبه التى انستهم منزله سيد شباب اهل الجنه، وصدتهم عن مثل حديث رسول اللّه (ص) فى اهل بيته على وفاطمه والحسن والحسين: (انا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم)((1443)) هى التى صدتهم عن هذا الحديث الاخير وعن نظائره مهما تعددت! انه انموذج آخر من نماذج انحراف عقيدى قد طرا فى هذه الامه من جراء متابعه الامر الواقع، خطوه بعد خطوه.


179

لقد حاول هولاء ان يعززوا احدوثتهم فى تخطئه الحسين دائما باستعراض كلمات (الناصحين) الذين رجوا من الامام الحسين ان يترك مكه، او ان لا يقصد العراق((1444)).

لكن الذى يكشف لك مخادعه هولاء، اعراضهم الكامل عن كلمات الحسين (ع)، فلا ينقلون من كلامه حرفا واحدا منذ ابتداء مسيرته وحتى مقتله بما فى ذلك ردوده على هولاء الناصحين! الا ما ذكره بعضهم من تلك الكلمه المنسوبه اليه فى طلبه ان يضع يده فى يد يزيد! وهذا هو منهاج التزييف فى التاريخ، لا يقوم الا على الابتسار والحذف، ثم ياتى التكذيب والتنكر خطوه لاحقه متممه! البعد الثانى: التكذيب بما يثبت ادانه يزيد، تكذيب من لا يهمه الاالانتصار لهواه باى ثمن! - كذبوا بسبى اهل البيت، وبنقل الراس الشريف الى يزيد ونكته بالقضيب وتمثله بالشعر المشهور((1445)). ولكنه تكذيب جرى‏ء بما نقله اوثق المورخين الذين ارخوا لهذا الحدث، كابن ابى الدنيا وابن سعد صاحب الطبقات وابن الجوزى.. لقد اعتمد ابن تيميه كل الاعتماد على ابن ابى الدنيا وابن سعد صاحب الطبقات وابن الجوزى.. والزبير بن بكار حين اراد ان يثبت ان راس الحسين لم ينقل الى القاهره ولا الى عسقلان، وجعلهم مع البغوى، اعلم واصدق من غيرهم وهم جميعا لا يذكرون نقل الراس الى القاهره او عسقلان((1446))! لكن ابن ابى الدنيا وابن سعد والزبير بن بكار جميعا قد اثبتوا سبى اهل‏البيت ونهبهم وحملهم كالسبايا الى الكوفه ثم من هناك الى يزيد فى الشام‏ومعهم راس الحسين، واثبتوا قصه يزيد مع الراس الشريف ونكثه بالقضيب وتمثله بالشعر الكافر، وقد نقله عنهما ابن الجوزى، كما تقدم فى محله آنفا((1447)). وليس هذا فقط بل هم انفسهم الذين كذبوا بهذا قد اثبتته اقلامهم من حيث لا يشعرون وذكروا حمل اهل البيت الى الشام الى يزيد بن معاويه، ذلك حين ارادوا ان يقولوا انه اظهر الحزن وامر نساءه ان يبكين وينحن مع نساء اهل البيت! يقول ابن تيميه: (وان يزيد ظهر فى داره الندب لقتل الحسين، وانه لما قدم عليه اهله وتلاقى النساء تباكين، وانه خير ابنه عليا بين المقام عنده والسفر الى المدينه، فاختار السفر الى المدينه، فجهزه الى المدينه جهازا حسنا)((1448)) ترى كيف كان مقدمهم الى يزيد، هل كان باختيار منهم ورغبه فى رويه وجهه، ام حملوا اليه قهرا كما تحمل السبايا؟! اما ابن سعد صاحب الطبقات، وابن حبان ونظروهم فقالوا فى جواب ذلك كله((1449)): (ثم دعا ابن زياد نصر بن قيس فبعث معه براس الحسين ورووس اصحابه الى يزيد).

وجاء رسول من قبل يزيد فامر عبيد اللّه بن زياد ان يرسل اليه بثقل الحسين ومن بقى من اهله!.. ثم دعا يزيد بعلى بن الحسين والصبيان والنساء وقد اوثقوا بالحبال!! فادخلوا عليه، فقال على بن الحسين: يا يزيد، ما ظنك برسول‏اللّه (ص) لو رآنا مقرنين بالحبال، ما كان يرق لنا؟! قال يزيد: يا على، ابوك الذى قطع رحمى ونازعنى سلطانى، فصنع به اللّه مارايت! ودعا بالنساء والصبيان فاجلسوا بين يديه، فقام رجل من اهل الشام فقال: يا امير المومنين، هب لى هذه، يعنى فاطمه بنت الحسين ((1450))! وكانت وضيئه، فارعدت وظنت انهم يفعلون، فاخذت بثياب اختها زينب، فقالت زينب: كذبت، واللّه ما ذلك لك ولا له. فغضب يزيد لذلك وقال: كذبت، ان ذلك لى لو شئت فعلته! قالت: كلا واللّه ما جعل اللّه عز وجل ذلك لك الا ان تخرج من ملتنا او تدين بغير ديننا!..((1451))

ذلك، فان كان قد اغنى ساكنيه من الصواعق بيت العنكبوت، فقد اغناهم تكذيبهم اذن!! اللّه ان هولاء ليستدرون الشفقه والرحمه، لقد لقنوا منذ بدايات وعيهم الدينى وتكوينهم الثقافى ان يزيد مومن وبنى اميه نصروا الاسلام، وان الشيعه كذابون..

فكلما سمعوا او قراوا شيئا يحط من يزيد ازدادوا له حماسا، فكذبوا بكل نقل لاجله، حتى كذبوا انفسهم وهم لا يشعرون! تذكره: ان هذا التكذيب والذب عن يزيد ليس هو عقيده الجمهور من (اهل السنه والجماعه) بل هو عقيده طائفه منهم تسمت ب (السلفيه) واحتكرت لنفسها لقب (اهل السنه) ونفته عمن خالفها من اشاعره وغيرهم، وهولاء وان نسبوا انفسهم الى الامام احمد بن حنبل الاانهم خرجوا عليه فى هذا كله فربما زوروا حديثه فى لعن يزيد((1452))، وربما اعرضوا عن ذكره وهو الاكثر عندهم، ولقد عاب بعض متاخريهم على ابن الجوزى حديثه بلعن يزيد((1453))، وتجنب ذكر الامام احمد بن حنبل! لكن كلامه سار على احمد بن حنبل، كما هو سار على الاجماع الذى نقله ابن العماد الحنبلى((1454))! قال ابن العماد الحنبلى: (اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين، او امر به، او اجازه، او رضى به، والحق ان رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك واهانته اهل بيت رسول اللّه (ص) مما تواتر معناه وان كان تفصيله آحادا، فنحن لا نتوقف فى شانه، بل فى كفره وايمانه، لعنه اللّه عليه وعلى انصاره واعوانه)((1455))! حركه


180

المدينه المنوره (63 هـ):

قاد هذه الحركه عبداللّه بن حنظله، وابوه حنظله هو الذى خرج الى معركه احد صبيحه عرسه، جنبا، فاستشهد فيها، فقال فيه النبى (ص): (ان صاحبكم تغسله الملائكه). وكان فى قياده هذه الحركه مع عبد اللّه بن حنظله: عبداللّه بن مطيع والمنذر بن الزبير، وجماعه معهم، كانوا قد وفدوا اولا من المدينه المنوره الى يزيد فى الشام، فاكرمهم واجازهم، فلما رجعوا الى المدينه شتموا يزيد واعلنوا خلعه، وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويلعب بالكلاب! وانا نشهدكم انا قد خلعناه.

وقال المنذر بن الزبير: واللّه لقد اجازنى بمائه الف درهم، وانه لا يمنعنى ما صنع الى ان اصدقكم عنه، واللّه انه ليشرب الخمر، وانه ليسكر حتى يدع الصلاه((1456)). وقال عبداللّه بن حنظله: واللّه ما خرجنا على يزيد حتى خفنا ان نرمى بالحجاره من السماء! انه رجل ينكح امهات الاولاد، والبنات، والاخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاه((1457)).

وقصدوا المنبر، واعلنوا من فوقه على الملا خلع يزيد، وممن تكلم على المنبر عبد اللّه بن ابى عمرو بن حفص المخزومى، قال: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتى -ونزعها عن راسه وانى لاقول هذا وقد وصلنى واحسن جائزتى، ولكن عدو اللّه سكير.. وقال آخر: خلعته كما خلعت نعلى. حتى كثرت العمائم والنعال. ثم ولو على قريش عبداللّه بن مطيع، وعلى الانصار عبداللّه بن حنظله. ثم حاصر من كان فى المدينه من بنى اميه ومواليهم ومن يرى رايهم.

فوجه اليهم يزيد جيشا امر عليه مسلم بن عقبه، واوصاه باشياء، قال له: ادع القوم ثلاثا فان هم اجابوك والا فقاتلهم، فاذا ظهرت عليهم فابحها ثلاثا -يعنى المدينه المنوره فما فيها من مال او سلاح او طعام فهو للجند، فاذا مضت الثلاث فاكفف عنهم، وانظر على بن الحسين فاستوص به خيرا، ادن مجلسه فانه لم يدخل فى شى ء مما دخلوا فيه. وان حدث بك حدث فاستخلف على الجيش حصين بن نمير السكونى.

وكان اهل المدينه قد اخذوا المواثيق على بنى اميه ومواليهم الذين كانوا قد حصروهم، ثم اطلقوهم بعد ان عاهدوا ان لا يعينوا عليهم بشى ء، فخرجوا من المدينه فصادفهم جيش يزيد قريبا منها، فطلب امير الجيش مسلم بن عقبه من عمرو بن عثمان بن عفان ان يشير عليه بشى ء ينفعه فى قتاله، فابى عمرو، وقال: اخذت علينا العهود والمواثيق ان لا ندلك على عوره. فقال له مسلم: واللّه لولا انك ابن عثمان لضربت عنقك! لقد وفى عمرو بن عثمان بعهده، لكن عبدالملك بن مروان كان اسرع القوم الى نكث العهود، فدلهم على نقطه الضعف فى الخندق الذى ضربه اهل المدينه حولها، فقال لمسلم بن عقبه:

ارى ان تسير بمن معك حتى تاتيهم من قبل الحره. ففعل حتى اتاهم فابلغهم امر يزيد بالدخول فى الطاعه، فلما مضت الايام الثلاثه اعاد عليهم، فابوا ان يدخلوا فى الطاعه، واختاروا الحرب على طاعه يزيد، فدارت بينهم حرب طاحنه، كانت الغلبه فيها لاهل الشام، واباح مسلم المدينه ثلاثا يقتلون الناس وياخذون الاموال، ووقعوا على النساء.. حتى ولدت الف امراه بعد الحره من غير زوج! ثم دعا مسلم بالناس الى البيعه ليزيد، فقال: بايعوا على انكم خول له! واموالكم له! فقال يزيد بن عبداللّه بن ربيعه: نبايع على كتاب اللّه.. فامر به فضربت عنقه! وبداوا بعمرو بن عثمان، فقال: هذا الخبيث ابن الطيب! فامر فنتفت لحيته! وجى ء بسعيد بن المسيب فقال: ابايع على سيره ابى بكر وعمر.

فامر بضرب عنقه، فشهد له رجل انه مجنون فخلى عنه! وسئل الزهرى: كم كانت القتلى يوم الحره؟ قال: سبعمئه من وجوه الناس من قريش والانصار والمهاجرين ووجوه الموالى، وممن لا يعرف من عبد وحر وامراه عشره آلاف.

هذا التفصيل كله من روايه المدائنى، اخذه عنه ابو الفرج بن الجوزى((1458))، وتراه مفرقا فى روايات الطبرى المفصله باسانيده عن ابى مخنف، وعوانه بن الحكم، واحمد بن زهير((1459))، وفى روايه الذهبى وابن كثير ايضا عن المدائنى وعن غيره((1460)).

محاولات فى تزييف النهضه:

على الصعيدين ايضا - الروايه، والكلام - تعرضت هذه النهضه لمحاولات التزييف، باتهام اصحابها اولا، واعفاء يزيد من جرائره ثانيا:


181

الروايه: روى ابن كثير روايه تنسب الى محمد بن على (ع) المعروف بابن الحنفيه، وقد اتاه رجال حركه المدينه لينهض معهم، فابى عليهم، وقال:

مارايت منه ما تذكرون، وقد حضرته واقمت عنده فرايته مواضبا على الصلاه متحريا للخير، يسال عن الفقه، ملازما للسنه! قالوا: فان ذلك كان منه تصنعا لك. فقال: وما الذى خاف منى او رجا حتى يظهر الى الخشوع؟ افاطلعكم يزيد على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان اطلعكم على ذلك انكم لشركاوه، وان لم يطلعكم فما يحل لكم ان تشهدوا بما لم تعلموا.. وهكذا يطول الكلام بينهم كما تذكر الروايه، فياتونه من كل وجه وهو يابى عليهم، فابى ان يبايعوا له، وابى ان يبعث معهم بنيه، وابى ان يحث الناس على نصرتهم، حتى قالوا له: اذن نكرهك! فقال: اذن آمر الناس بتقوى اللّه، وان لا يرضوا المخلوق بسخط الخالق! ثم ترك المدينه الى مكه((1461)).

هذه رواها ابن كثير بلا اسناد، نقلا عن ابن عساكر وهى عنده ايضا غير مسنده ولا منسوبه الى كتاب((1462)). ولكن رواها البلاذرى((1463)) مع مقدمات لها فى دعوه يزيد ابن الحنفيه للوفود عليه، ثم وفود ابن الحنفيه عليه فى الشام، حتى قال:

(وكان يزيد يتصنع لابن الحنفيه ويساله عن الفقه والقرآن، فلما جاء ليودعه قال له: يا ابا القاسم ان كنت رايت منى خلقا تنكره نزعت عنه واتيت الذى تشير به على..)! هكذا اذن حاك مناورته بدهاء موروث، ليرى ابن الحنفيه من السيره ما يغريه ويتظاهر له باسفه على قتل الحسين (ع)! وقد كشف عن بعض خفاياه فى سواله لابن الحنفيه: ان كنت رايت منى خلقا تنكره..

ويخطى من يقول ان هذا التصنع لا موضع له، بل له اهم موضع وقد كان امر عبداللّه بن الزبير يقوى ويشتد، فاذا مال اليه ابن الحنفيه عظمت قوته واشتد على يزيد امره، وقد علم يزيد ان ابن الحنفيه كان الرجل الاكثر ثقلا فى المدينه المنوره وفى مكه ايضا بل حتى فى العراق، فكيف لا يتصنع له؟ واذا كان يزيد - على فرض صحه الخبر -قد نجح فى لعبته مع ابن الحنفيه فليس لدهائه وغفله ابن الحنفيه، بل لان ابن الحنفيه لم يكن يرى فى ابن الزبير داعيه اصلاح بالمعنى الصحيح فينضم اليه، ولا كان يرى صلاحا فى احداث كتله اخرى ودعوه اخرى، آنذاك على الاقل، اما حين تزعزع امر البلاد اكثر، وتقوى هو باصحاب المختار، فقد كان يتامر على اصحابه فى موسم الحج ويتخذ له لواء بازاء لواء ابن الزبير ولواء عبد الملك بن مروان ولواء نجده الحرورى((1464)) ولنقف على قيمه هذه الروايه من زاويه اخرى، من حيث نكتشف مدى موافقتها لواقع يزيد والثابت من حاله، وذلك من معرفه مدى ما احدثته من قناعات لدى اهم رواتها ممن خرج عن كونه اخباريا جماعا للروايات وتميز بمنهج واضح فى النقد والاختيار واتخاذ الموقف، ومن بين الثلاثه الذين رووا هذا الخبر -البلاذرى وابن عساكر وابن كثير- يتفرد ابن كثير بهذه الصفه، ويتفرد ايضا بكونه المصدر المعتمد لدى المتاخرين فى هذه الروايه خاصه.

ترى كم كانت قناعه ابن كثير نفسه بهذه الروايه؟ نتابع هذه القناعه من خلال نصوص ابن كثير وهو يعرف بيزيد:

1 - قال ابن كثير: وقد اخطا يزيد خطا فاحشا فى قوله لمسلم بن عقبه ان يبيح المدينه ثلاثه ايام، وهذا خطا كبير فاحش، مع ما انضم الى ذلك من قتل خلق من الصحابه وابنائهم، وقد تقدم انه قتل الحسين واصحابه على يدى عبيداللّه بن زياد، وقد وقع فى هذه الثلاثه ايام من المفاسد العظيمه فى المدينه النبويه مالا يحد ولا يوصف مما لا يعلمه الا اللّه عز وجل، وقد اراد بارسال مسلم ابن عقبه توطيد سلطانه وملكه ودوام ايامه من غير منازع، فعاقبه اللّه بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه اللّه قاصم الجبابره، واخذه اخذ عزيز مقتدر (وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهى ظالمه ان اخذه اليم شديد).

وقال البخارى فى صحيحه، عن سعد بن ابى وقاص، قال:

سمعت رسول اللّه (ص) يقول: (لا يكيد المدينه احد الا انماع كما ينماع الملح فى الماء) وقد رواه مسلم.. (لا يريد اهل احد المدينه بسوء الا اذابه اللّه فى النار ذوب الرصاص - او ذوب الملح فى الماء).. وقال الامام احمد - باسناده - ان رسول اللّه(ص) قال: (من اخاف اهل المدينه ظلما اخافه اللّه، وعليه لعنه اللّه والملائكه والناس اجمعين، لا يقبل اللّه منه يوم القيامه صرفا ولا عدلا) ورواه النسائى من غير وجه.. (من اخاف اهل المدينه اخافه اللّه، وعليه لعنه اللّه وملائكته والناس اجمعين)((1465)). وهكذا استطرد فى سرد مزيد من الاحاديث التى توكد انحراف يزيد وبعده عن اللّه ورسوله، بل استحقاقه اللعنه، فاستدل بهذا كله على قوله المتقدم: قصمه اللّه قاصم الجبابره، واخذه اخذ عزيز مقتدر..


182

فلو كان فى قلب ابن كثير قليل من القناعه بتلك الروايه لما قال فيه مثل هذا، ولا بعضه.

2 - بعد ذكر تلك الاحاديث وغيرها، قال ابن كثير: وقد استدل بهذا الحديث وامثاله من ذهب الى الترخيص فى لعنه يزيد بن معاويه، وهى روايه عن احمد بن حنبل، اختارها: الخلا ل، وابو بكر عبدالعزيز، والقاضى ابو يعلى، وابنه القاضى ابو الحسين، وانتصر لذلك ابو الفرج بن الجوزى فى مصنف مفرد وجوز لعنته..

قال: ومنع من ذلك آخرون، وصنفوا فيه ايضا لئلا يجعل لعنه وسيله الى ابيه او احد من الصحابه!! وحملوا ما صدر منه من سوء التصرفات على انه تاول واخطا! وقالوا: انه كان مع ذلك اماما فاسقا..((1466)) فحتى هولاء الذين دافعوا عنه وحرموا الخروج عليه واعتذروا له، حتى هولاء قد اقروا عليه بالفسق. ولو كان فيهم ذره من قناعه بتلك الروايه المنسوبه الى محمد بن الحنفيه لشهدوا له بالعداله دون تحرج! اما ابن كثير فصريح كلامه المتقدم يدل على انه كان اقرب الى الطائفه الاولى التى جوزت لعنه حتى لكانه منها غير انه لم يصرح تصريحا قاطعا بذلك.

ثم انظر ثانيه فى هولاء الذين منعوا لعن يزيد، انما منعوه لئلا يكون وسيله الى ابيه او احد الصحابه! وليس لكرامه يزيد نفسه، فانهم قدروا انهم لو منعوا من لعنه لاشتغل الناس فيه بين مجوز ومانع، فيكون ذلك حائلا دون الصعود الى لعن معاويه واصحابه كعمرو والمغيره وزياد وبسر بن ارطاه وابى الغاديه! اما لو اطبقوا على لعن يزيد -كما لعنه اللّه ورسوله وملائكته والمومنون- لترقى الكلام الى معاويه وصحبه، ايلعنون ام لا؟! وهذا دهاء لا شك فى كونه من رشحات مدرسه اولئك (الدهاه).

3 - وفى ترجمته ليزيد، قال ابن كثير يعدد خصاله: وقد كان يزيد فيه خصال محموده، من الكرم، والحلم، والفصاحه، والشعر، والشجاعه، وحسن الراى فى الملك، وكان ذا جمال، حسن المعاشره..

فلما انتهى من وصف سجاياه انتقل الى وصف دينه، فقال:

وكان فيه ايضا اقبال على الشهوات، وترك بعض الصلوات فى بعض الاوقات، واماتتها فى غالب الاوقات.. ثم استطرد فى ذكر الاحاديث النبويه التى اخبرت عن ذلك، فاستشهد بالحديث الذى اخرجه الامام احمد عن النبى (ص)، قال: (يكون خلف من بعد ستين سنه اضاعوا الصلاه واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا..) ثم يستدل على واقع يزيد ذلك بما رواه الزبير بن بكار من شعر عبد الرحمن بن سعيد بن زيد((1467)) فى يزيد بن معاويه، يقول فيه:

لست منا وليس خالك منا((1468)) يا مضيع الصلوات للشهوات((1469)) هذه هى قناعه ابن كثير بيزيد اذن.. ثم اوجز قناعته بعد ذلك بان يزيد كان فاسقا((1470))، ثم لما شارف على الانتهاء من ترجمه يزيد قال: وقد روى ان يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر، والغناء، والصيد، واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود، وما من يوم الا يصبح فيه مخمورا، وكان يشد القرد على فرس مسرجه بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان اذا مات القرد حزن عليه. وقيل: ان سبب موته انه حمل قرده وجعل ينقزها فعضته. وذكروا عنه غير ذلك واللّهاعلم بصحه ذلك((1471)). من كل هذا نعرف مدى قناعه ابن كثير بتلك الروايه اليتيمه التى الصقت بابن الحنفيه، ثم لنعرف منه قيمه تلك الروايه نفسها! الكلام: انه الجدل القائم فى ذات (الامير) دائما، وليس ثمه كلام مختلف عما كان لهم مع الحسين (ع)، فيزيد هنا معذور ايضا، اذ (انه كان متاولا فى ما ينكر عليه من امر الحره وغيره، فهو قد اجتهد واخطا! ولان اهل الحره هم نقضوا بيعته اولا)((1472)). وكان الدين عندهم لم يات الاليكون سلما للمفسدين والطغاه الى الحكم.. هكذا على منهاج الدكتاتوريه الاستبداديه، فالحاكم له مطلق الصلاحيات وان جار وفسد! الا ترى ابن تيميه كيف اعتذر ليزيد هنا، وهو نفسه يروى من السنه الصحيحه ما يكشف لنا عن صنف من اعداء اللّه الملعونين على راسهم يزيد بن معاويه، فيقول: يزيد بن معاويه قد اتى امورا منكره منها وقعه الحره، وقد جاء فى الصحيح عن على (رضى اللّه) عن النبى (ص) قال: (المدينه حرم ما بين عائر الى كذا، فمن احدث فيها حدثا، او آوى محدثا، فعليه لعنه اللّه والملائكه والناس اجمعين، ولا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا)((1473))؟! لكن الامير دائما فوق الدين، لا تجرى عليه احكام الكتاب والسنه!! انه متاول مجتهد حتى حين يعلن حربا صريحه على اللّه ورسوله، غايه ما فى الامر انه يخطى فيكون حظه من حربه هذه اجرا واحدا، لا غير!! اما اذ نهض الصالحون دفاعا عن رساله اللّه وشريعته واحياء لها، فهم مثيرو فتن ودعاه فساد لانهم نقضوا بيعه الامام! ويبقى هذا الراى شاذا منحرفا، اما الراى العام فقد اوجزه الذهبى بقوله: (ولما فعل يزيد باهل المدينه ما فعل، وقتل الحسين واخوته وآله، وشرب يزيد الخمر، وارتكب اشياء منكره، بغضه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك اللّه فى عمره)((1474)). وقد ذكر خليفه بن خياط اسماء المعروفين من اهل المدينه الذين قتلهم جيش يزيد، من الصحابه وابنائهم من قريش والانصار وحدهم فكانوا ثلاثمئه وسته رجال((1475))، فكان فيهم: اربعه من بنى هاشم، واثنان من بنى المطلب، وابنان لسعد بن ابى وقاص، وثلاثه من اولاد اخوته، وابن لطلحه، وابن لعبد الرحمن ابن عوف، وابن لابى بن كعب، وخمسه اولاد لزيد بن ثابت، وابن لعبداللّه بن عمر بن الخطاب وابنان لعاصم بن عمر بن الخطاب، وثلاثه اولاد لعبد اللّه بن زمعه، وابن لصهيب واثنان من احفاده، واخو ام المومنين عائشه لامها، واثنان من احفاد ام المومنين ام سلمه..


183

حركه عبد اللّه بن الزبير ( 61 - 73 هـ ):

من الحركات الكبيره المناوئه لدوله بنى اميه، والتى احرزت نجاحات اكبر على مساحات واسعه من البلاد حتى اوشكت بعد موت معاويه بن يزيد((1476))(64هـ) ان تنتزع من بنى اميه كل شى ء، لكن هزم اول جيش لها يناطح الامويين فى الشام، ثم تقطعت اوصالها بفعل اضطرابات وحركات داخليه كثيره وقويه، حتى كانت نهايتها بمقتل عبداللّه بن الزبير على يد الحجاج بن يوسف الثقفى سنه 73ه ((1477)).

وقد دعا ابن الزبير الى نفسه فبويع بالخلافه سنه 64 ه، وبقى فى نظر بعض رجال التاريخ هو الخليفه، وهولاء لم يعدوا مروان فى (امراء المومنين) بل هو عندهم باغ خارج على ابن الزبير، فلا خلافته صحيحه، ولا عهده الى ابنه عبدالملك بصحيح، وانما صحت خلافه عبد الملك من حين قتل ابن الزبير((1478)) اما الجمهور فعلى خلاف ذلك، اذ جعلوا الخلافه لمروان، وجعلوا حركه ابن الزبير فتنه من الفتن.

× والحق ان دوله ابن الزبير لم تظهر العدل الذى اختفى عند الامويين، ولا احيت معالم الدين التى اماتها اولئك:

- فلم يكن ابن الزبير متحرجا من قطع الصلاه على النبى (ص) لشده بغضه لاهل البيت (ع)، فكان اذا عوتب على عدم ذكره النبى (ص) قال: انى لا ارغب عن ذكره، ولكن له اهيل سوء! اذا ذكرته اتلعوا اعناقهم، فانا احب ان اكبتهم((1479))! - ولا كان يتورع عن سب الامام على (ع)((1480)) الذى قال فيه النبى (ص) (لا يبغضك الا منافق)! - ولا تورع عن حرق ذوى القربى الذين امر اللّه تعالى بمودتهم، اذ حبسهم واحاطهم بحطب عظيم، وقطع لهم موعدا ان هم لم يبايعوا قبله اضرم فيهم النار، وكان فيهم عبداللّه بن عباس ومحمد بن الحنفيه! لكن ادركهم جيش المختار، اربعه آلاف رجل، ففك عنهم الحصار وبقى فى حمايتهم حتى قتل المختار، وخرج محمد بن الحنفيه الى الشام((1481)).

- واشتهر ابن الزبير بكثره ما بعث اليه من رووس اعدائه بعد قتلهم! فكان الزهرى يحدث: انه لم يحمل الى رسول اللّه (ص) راس الى المدينه قط، ولا يوم بدر، وحمل الى ابى بكر راس فكره ذلك، واول من حملت اليه الرووس عبداللّه ابن الزبير((1482))! يعنى انه قد صار حمل الرووس اليه سنه معهوده لاتكاد تحصى كثره، والا فهو فى اول الكلام يقول:

(وحمل الى ابى بكر راس) فابو بكر هو اول من حمل اليه راس، وحمل بعده الى معاويه راس عمرو بن الحمق الخزاعى، وحمل الى يزيد راس الحسين (ع) ورووس اصحابه.

- واذا تميز ابن الزبير عن بنى اميه فانما تميز بعبادته، فقد كان يضرب بها المثل، حتى بالغ فيها وافرط حتى صار من عادته ان يصل الصيام ايام الاسبوع فلا يفطر على شى ء الا يوم الجمعه، وقد نهت السنه عن الوصال فى الصيام، وهو ان يصوم المرء اليومين او اكثر دون ان يفطر اذا حان الافطار بل يواصل ممسكا تمام اليومين او الثلاث، وكان ابن الزبير يواصل من ((1483))الى الجمعه، وقد اعتذر له الذهبى بانه قد لم الجمعه يبلغه حديث النهى عن الوصال((1484))! - ان ابن الزبير، على كثره عبادته، قد (كانت فيه خلال لا تصح معها الخلافه، كان بخيلا، ضيق العطاء، سى ء الخلق، حسودا، كثير الخلاف)((1485)). ولقد غلبت عليه صفه البخل، حتى عابه الناس وهجاه الشعراء، وحتى سرت مقولته (اكلتم تمرى وعصيتم امرى) مثلا! اذ كان عطاوه لجنده التمر لا غير، فاذا ضعفوا فى الحرب قال لهم: اكلتم تمرى وعصيتم امرى((1486))! فاذا كان ذلك كله فى ابن الزبير وحركته، فانما ادرجنا حركته فى الحركات الاصلاحيه لعله واحده، الا وهى تمرده على نظام التوريث الاموى من غير ان تكون ثمه اهليه للوارث ولا للموروث، فكانت حركته حجه على الذين اوجبوا الطاعه للجاهل الفاسق الجائر اذا تغلب، ولو كان ابن الزبير قد طاوع بنى اميه واعتذر لهم لاحتجوا به كما احتجوا بعبد اللّه بن عمر حين قال (نحن مع من غلب)!

غلو فى ابن الزبير:

خبر جاء فى ابن الزبير يتناقله المورخون دون ادنى تعقيب او همس! ولم نسمع بنظيره يقال فى احد قبله، لا رسول اللّه (ص) ولا احد غيره، لقد قيل: كان لابن الزبير مئه غلام، يتكلم كل غلام منهم بلغه، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته((1487))! فمن اين جاءت فى زمن ابن الزبير مئه امه ليصطفى منهم مئه غلام؟ ناهيك عن سر معرفته بتلك اللغات! ولعل متوهم يقول:


184

المراد لغات العرب، وهى لغات القبائل العربيه وقد كانت تسمى لغات، فلا غرابه فى ذكر المئه اذا كنا لا نعرف مئه امه، بل حتى عشرين امه دخلت الاسلام آنذاك.. لكن هذا خطا واضح اذ الخبر يقول انهم كانوا غلمانا، وهم لا يتخذون الغلمان من العرب وانما من ابناء السبى وملك اليمين ونحوهم ممن يدخل فى الرق، فهى مئه لغه من غير لغه العرب!!

حركه التوابين ( 65 هـ ):

قادها الصحابى الجليل سليمان بن صرد الخزاعى (رضى اللّه) سنه 65 هـ، وقد كان سليمان من اشراف الكوفه الذين كتبوا الى الامام الحسين (ع) بالقدوم الى الكوفه، فحبسه عبيد اللّه بن زياد، فلما عجز عن نصر الحسين ندم لما فاته من ذلك.

فلما خرج من الحبس بعث الى ساده اصحابه، فيهم المسيب بن نجبه الفزارى ورفاعه بن شداد وغيرهم من خيار اصحاب على (ع)، فتشاوروا فى ما يصنعون، وقد عظم اسفهم على ما فاتهم من نصره الحسين (ع) وما حدث من خذلان اهل الكوفه، فعزموا على الثار، ودعوا الناس الى التوبه الى اللّه تعالى وتكفير الذنوب، فبعثوا رجالا منهم يطوفون فى الكوفه فينادون:

يالثارات الحسين.. فاجتمع معهم خلق كثير، وسار سليمان من النخيله فى نحو خمسه آلاف يريدون الشام وفيها مروان وعبيد اللّه بن زياد الذى اخرجه عمال ابن الزبير من الكوفه، وعسكر الجيش فى (عين الورده).

فاستقبلتهم عساكر الشام يقودها عبيد اللّه بن زياد، وتتوالى امدادها حتى زادوا على العشرين الفا، فكثروهم، فنزل سليمان فنادى: عباد اللّه، من اراد البكور الى ربه والتوبه من ذنبه والوفاء بعهده، فالى.. فقاتلوا فقتلوا من اهل الشام مقتله عظيمه حتى قتل امراوهم الاربعه: سليمان بن صرد، والمسيب بن نجبه، وعبداللّه بن سعد بن نفيل الازدى، وعبد اللّه بن والى التيمى.. وتحيز رفاعه بن شداد بمن بقى منهم الى الكوفه. وقد كان لهم مدد من المدائن على راسهم سعد بن حذيفه بن اليمان، ومدد من البصره يراسهم المثنى العبدى، بلغتهم انباء المعركه وهم فى الطريق، فاقاموا يستقبلون رفاعه بن شداد واصحابه، فاقاموا معهم يوما وليله ثم تفرقوا الى بلدانهم((1488)). انها حركه الاباء ويقضه الضمير وصدق متناه فى التوبه والندم وشوق الى لقاء اللّه بابلغ عذر، قادها صالحون اشراف عجزوا عن نصره الحسين حين القى بعضهم فى السجن، وبعضهم تفرق عنه قومه وخذلوه.

وفيهم، وفى مصرعهم انشد اعشى همدان شعرا، قال الطبرى:

وكان من المكتمات ذلك الزمان، يكتمه الناس خوفا من السلطان، ومما قاله فيه:

فانى وان لم انسهن لذا كر رزيئه مخبات كريم المناصب توسل بالتقوى الى اللّه صادقا وتقوى الاله خير تكساب كاسب وخلى عن الدنيا ولم يلتبس بها وتاب الى اللّه الرفيع المراتب تخلى عن الدنيا وقال اطرحتها فلست اليها ما حييت بايب فوجهه نحو الثويه سائرا الى ابن زياد فى الجموع الكتائب بقوم هم اهل التقيه((1489)) والنهى مصاليت، انجاد، سراه مناجب ابوا غير ضرب يفلق الهام وقعه وطعن باطراف الاسنه صائب فيا خير جيش بالعراق واهله سقيتم روايا كل اسحم((1490)) ساكب((1491))

حركه المختار ( 65 - 67 ه ):

تقدم عن المختار شى ء كثير ثبتت فيه براءته مما ينسب الى السبئيه من قول، ومن توافقه معهم ودخولهم تحت رايته، ومن دعوى النبوه وامر الكرسى الوثن.. وهنا نستعرض مزيدا من الامارات التى تعزز البرهان على براءته من كثير مما ينسب اليه، بعد ان نعرف بهذه الحركه بكلمات وجيزه.

ابتدات هذه الحركه من حيث انتهت حركه التوابين، فهما حركتان متصلتان زمانا ومنطلقا، فحين رجع رفاعه بن شداد بمن معه من التوابين الى الكوفه كان المختار فى الحبس، فكتب سرا الى رفاعه بن شداد يرحب بمقدمه ويعزيه باصحابه ويدعوه الى نفسه فانه قاتل الجبارين..

وشفع فيه عبداللّه بن عمر زوج اخته فافرج عنه، فخرج من الحبس يدعو الناس سرا لقتل قتله الحسين (ع)، فكثر الناس حوله من التوابين ومن غيرهم فعجز عنه امير الكوفه من قبل ابن الزبير، فقاتله المختار وطرده من الكوفه واستولى عليها، فاخذ يتتبع قتله الحسين واحدا واحدا فيقتلهم، وفر منه الشمر بن ذى الجوشن فبعث على اثره من تتبعه حتى قتله، ثم بعث جيشا بقياده ابراهيم بن مالك الاشتر فقتل عبيداللّه بن زياد وهزم جنده واستولى على جزيره الشام، وبايعه المثنى العبدى فى البصره فدار بينه وبين اصحاب ابن الزبير قتال فاصطلحوا على ان يخرج المثنى باصحابه الى الكوفه ليلتحق بالمختار، فالتحق به.


185

وبعد ان استقر ابراهيم بن الاشتر فى الجزيره بعث ابن الزبير آخاه مصعب ابن الزبير فى جيش كثيف لقتال المختار، فظفر مصعب وقتل المختار.. تلك خلاصه قصه المختار، سيف سلطه اللّه على من ساهم فى قتل الحسين واعان عليه حتى افناهم، واقر عيون آل الرسول حتى مضى.

- وما قيل عن المختار من انه كان له موقف مشين مع الامام الحسن (ع) اذ اشار بتسليمه الى معاويه فلذلك كانت (الشيعه) تكره المختار((1492)).. فتعارضه اخبار، اهمها:

ا - قول ابن سعد فى التعريف بالمختار: وبقى المختار - بعد استشهاد ابيه فى فتوح العراق - بالمدينه وكان غلاما يعرف بالانقطاع الى بنى هاشم. ثم خرج فى آخر خلافه معاويه الى البصره فاقام بها يظهر ذكر الحسين، فاخذه عبيد اللّه بن زياد وجلده مئه وبعث به الى الطائف، فلم يزل فيها حتى قام ابن الزبير فقدم عليه((1493)). فهذا ينفى كونه قد اشار بغدر او نوى غدرا بالحسن (ع)، وان كان آخر قول ابن سعد فى دعوى بقاء المختار فى الطائف حتى قيام ابن الزبير غير دقيق، كما سيظهر فى الفقره اللاحقه.

ب - ومما يعارض دعوى الغدر المشينه: نزول مسلم بن عقيل رسول الحسين (ع) فى دار المختار اولا حين قدم الكوفه وفيها كان اجتماع الناس للبيعه على نصره دين الحق بنصره الحسين (ع) ولقد ظنوه امرا هينا ولم يحسبوا انهم سيغلبون عليه! ولم يخرج مسلم من دار المختار حتى دخل عبيداللّه بن زياد الكوفه وتوعد اهلها، فخرج مسلم الى دار هانى بن عروه ليتستر فيها، واصحابه ياتونه فيها سرا((1494)). وكان المختار آنذاك فى قريه له خارج الكوفه فبلغه امر مسلم وان هانى بن عروه قد حبس وضرب فاقبل بمواليه فدهشه ان وجد رايات ابن زياد تجول فى الكوفه، فنزل تحتها متظاهرا بالمسالمه فاخذوه الى ابن زياد، فقال له: انما جئت لتنصر مسلم بن عقيل! فضربه فشتر عينه، وحبسه((1495)).

وما كان مسلم بن عقيل لينزل فى دار المختار لو كان الاخير قد حاول غدرا بالامام الحسن (ع)، بغيضا عند انصار آل الرسول (ص)! - ولقد تناولنا سابقا محاولات التاريخ فى تشويه صوره المختار، واجبنا عنها بالقدر المناسب لمحله، وهنا نضيف جمله من الشهادات الهامه التى تثبت براءه المختار مما الصق به من ادعاء النبوه والغلو فى الدين، والشرك باللّه..

شهادات ببراءه المختار:

1 - ابن عباس: لما قتل المختار على يد مصعب بن الزبير، وجى ء براسه الى عبد اللّه بن الزبير فى مكه، دعا عبداللّه بن عباس فقال له: يابن عباس انه قد قتل اللّه الكذاب، فقال ابن عباس، وهو حبر الامه وترجمان القرآن، قال: رحم اللّه المختار! كان رجلا محبا لنا، عارفا بحقنا، وانما خرج بسيفه طالبا بدمائنا، وليس جزاوه منا ان نسميه كذابا((1496))!

2 - ابن عمر: وكان المختار معظما لعبد اللّه بن عمر، ينفذ اليه بالاموال، وبينهما مصاهره، فاخت المختار زوجه عبداللّه بن عمر((1497))، فلو كان امر المختار على ما ذكره بعضهم من الكهانه وادعاء النبوه واتخاذ الكرسى ومتابعه السبئيه الغلاه، فلم لم ينكر عليه ابن عمر ولو بكلمه؟ ولم لا يرد اليه امواله او بعضها؟ هذا ولم يكن للمختار على ابن عمر سلطان فيتقيه، فابن عمر كان فى مكه تحت سلطان عبد اللّه بن الزبير، و المختار فى الكوفه.

ثم ان ابن عمر قد انكر على مصعب اسرافه فى قتل اصحاب المختار الذين تحصنوا معه، ولم يصفهم بالغلو ولا بالكفر، لا هو ولا مصعب، بل وصفهم بالتوحيد! لقد ساله مصعب فقال له:

(اسالك عن قوم خلعوا الطاعه، وقاتلوا حتى اذ غلبوا تحصنوا، وطلبوا الامان، فاعطوا، ثم قتلوا.

قال: كم العدد؟ قال: خمسه آلاف! فسبح ابن عمر ثم قال: يا مصعب، لو ان امرءا اتى ماشيه الزبير فذبح منها خمسه آلاف شاه فى غداه، اكنت تعده مسرفا؟ قال: نعم. قال: فتراه اسرافا فى البهائم، وقتلت من وحد اللّه؟! اما كان فيهم مكره او جاهل ترجى توبته)((1498))؟ - فلو كان قد صح شى ء مما قيل فى شان الكرسى والسبئيه مع المختار لما اثنى عليه ابن عباس، ولا رضى عنه ابن عمر وتقبل هداياه، وحتى لو وقعت منهما مداهنه فلا يداهنان على الشرك باللّه والغلو فى الدين، ومن ارتضى لهما ذلك فاياهما طعن قبل ان يطعن المختار!


186

3 - العسقلانى: فى ترجمه المختار قال ابن حجر العسقلانى:

وكان قبل ذلك معدودا فى اهل الفضل والخير الى ان فارق ابن الزبير((1499))!!

وفى هذا الاقرار ثمرتان:

الاولى: تكذيب ما ذكره العسقلانى نفسه بعد هذا الاقرار من احاديث نسبت الى الامام على (ع) فى طعن المختار ووصفه بحب اللات والعزى، وكونه خارجيا، وغير ذلك.. فكيف يكون فيه ذلك كله ثم يكون معدودا فى اهل الفضل والخير؟! والثانيه: ان كثيرا مما نسب الى المختار مما لا يلزم اهل الفضل والخير فانما هو مما الصقه به خصومه الزبيريون، يشاركهم خصومه الامويون فى السهم الاخر، ذلك لان ثناء ابن عباس على المختار لم يات الا من بعد مفارقته لابن الزبير! ومثله كان موقف محمد بن الحنفيه منه، وكذا عبد اللّه بن عمر! لذا فان (موقف مصعب من المختار هو مفتاح الكذب على المختار وتشويه سمعته)((1500)).

4 - الطبرى: يقول الطبرى فى آخر حديثه عن الكرسى: انما كان يصنع ذلك -الكرسى- لهم عبداللّه بن نوف، ويقول:

المختار امرنى به! ويتبرا المختار منه((1501)).

5 - ابن الاثير: واذا كان اوثق من تكلم فى المختار هو الشعبى، فان ابن الاثير قد نبه الى ما يوجب الشك فى كل ما رواه الشعبى فيه، ناهيك عما قد ينسب الى الشعبى، قال ابن الاثير، كان بين المختار والشعبى ما يوجب الايسمع كلام احدهما فى الاخر.

نقل عنه العسقلانى هذا الكلام، ثم عارضه اعتمادا على وثاقه الشعبى، لكن ذلك لا ينفى التهمه ما دام هناك ما يبررها من النزاع الشخصى والمذهبى، لا سيما وان الشعبى من اشهر خصوم (الشيعه) وقد اشتهر عنه قذفه الحارث الهمدانى بالكذب لانه كان يقول بتفضيل على (ع) على ابى بكر وعمر، فلم تمنع وثاقه الشعبى اذن ان يبهت رجلا صالحا كالحارث ويرميه بالكذب حتى رد عليه بهتانه هذا سائر المحققين((1502)). فنيله من المختار ووقيعته فيه اذن ايسر واولى لما عرف به المختار من شدته على خصوم على والحسين (ع) وانصارهما، فالذى بهت رجلا من الابرار الصادقين لانه فضل عليا على غيره كيف يستبعد منه ان يبهت رجلا سل سيفا مرهفا على خصوم على واوقع فيهم وقيعه ليس لها فى التاريخ نظير؟! 6 - ابن حزم: لا شك ان المختار لم يقف عند الثار العظيم فى اساليبه وحدوده المشروعه، بل تعداه احيانا الى ما يعد اسرافا، وربما لجا الى مكر المحاربين الذى كان يتنزه منه الصالحون..

وقد تكلم ابن حزم الاندلسى على المختار فى كلتا حالتيه، فقال: تتبع المختار بعض الذين شاركوا فى قتل ابن الزاهراء الحسين، فقتل منهم ما اقدره اللّه عليه، وفعل افاعيل يعفى فيها على هذه الحسنه((1503)).

فلو كان من بين تلك الافاعيل ادعاء النبوه ونزول جبريل عليه، او الاشراك باللّه تعالى والغلو فى الدين لما عفى عنه بهذه الحسنه ولا بغيرها، لانها لا تبقى مع تلك الفضائع حسنه!

موقف اهل البيت من المختار:

اما موقف الامام السجاد على بن الحسين (ع) ومحمد بن الحنفيه (رضى اللّه) منه فهو موقف طبيعى جدا، وليس فيه اى دلاله الا على امر واحد، وهو ان المختار لم يتحرك بامر من احدهما، وهذا بين جدا من حال المختار ولا يستطيع ان يدعيه احد الا مجازفا، فلم يكن المختار حين قدم الكوفه شيعه لهما، بل كان مع ابن الزبير وقد بايعه بشرط ان لا يقطع ابن الزبير امرا دونه وان يوليه اهم اعماله، فلما لم يف له ابن الزبير بذلك اقنعه المختار بقدرته على استماله اهل الكوفه ليقفوا جميعا امام عدوهم المشترك مروان بن الحكم، لكنه وجد نفسه يقدم الكوفه كاى واحد من سائر الناس وليس اميرا! فابتدا دعوته للثار لدم الحسين السبط الشهيد فى الوقت الذى كانت فيه الناس تجتمع على سليمان بن صرد (رضى اللّه)، فكان يرى -خلافا لسليمان - ان الثار ينبغى ان يبدا من الكوفه وفيها اكثر من شارك فى قتال الحسين (ع) فاذا تمكنوا من ذلك سهل عليهم قتل ابن زياد فى الشام، ولربما كان فى هذا اسد رايا من سليمان من الناحيه العسكريه على الاقل، لكن الراجح انه انما كان يريد ان يكون راسا فى الامر غير مرووس، فلم يدخل مع سليمان واصحابه فيتبادل معهم الراى، بل دعا الى نفسه فى معزل عنهم فكان يتحرك بين الناس فيقول لهم: ان سليمان يريد ان يقتل نفسه ويقتلكم، فاتبعونى فانكم بى تنصرون.. انه لو دخل مع سليمان فسوف لا يكون اولا ولا ثانيا ولا ثالثا، فحول سليمان من خيره اصحاب على (ع) وروساء قبائل الكوفه من لا يوزن بهم المختار..


187

فخرج سليمان باصحابه صوب الشام وبقى المختار فالقى فى السجن ثم افرج عنه -بشفاعه زوج اخته عبداللّه بن عمر- بعد الهزيمه العسكريه التى منى بها التوابون فى الشام، وعوده بقيتهم الى الكوفه.. فجدد المختار دعوته، وعندئذ فقط بعث كتبه الى الامام على بن الحسين والى محمد بن الحنفيه، فتبرا منه الامام على ابن الحسين فى المسجد النبوى الشريف، وبعث الى عمه محمد بن الحنفيه يوصيه ان لا يجيب المختار بشى ء((1504)). فهذا موقف طبيعى جدا، فالمختار بهذا الصنع سوف يجرهما الى حرب فاصله لم يكون هما اللذين خططا لها واعدالها، بل المختار هو الذى ابتداها بمفرده بعد انفصاله عن ابن الزبير اثر خلاف مادى بين زعيم وبين احد رجاله الطموحين.

فليس فى موقفهما ما يدل على اكثر من ذلك، وليس فيه اى دلاله ولو من بعيد على ان المختار قد تكهن او تنبا او اتخذ كرسيا صنما او صنع غير ذلك من اسباب الكفر.

وعلى هذا ينحصر تفسير الحديث المروى عن الامام الصادق (ع): (وكان المختار يكذب على على بن الحسين)((1505)) فى ما ادعاه المختار اول مره من اتصال دعوته بعلى بن الحسين (ع)، فلما تبرا على بن الحسين من ذلك تحول المختار الى ابن الحنفيه.. فلم ينسب التاريخ للمختار شيئا يتصل بزين العابدين (ع) اكثر من هذا.

- واذا كان السيدان زين العابدين وابن الحنفيه قد رفضا تبنى المختار واوكلاه الى نفسه، فان لهما ولغيرهما من ساده بنى هاشم مواقف ايجابيه هامه منه: فمنذ البدايه استبشروا بالثار الذى وعد به، اذ جاءت رسل اهل الكوفه الى محمد ابن الحنفيه تستفسر منه ان كان هو الذى بعث المختار لياخذ الثار من قتله الحسين(ع)، فاجابهم بتلهف الضمان الى ذلك: ما احب الينا من طلب بثارنا، واخذ لنا بحقنا، وقتل عدونا..((1506)) او قال:

وددت ان اللّه انتصر لنا بمن شاء..((1507)) وفى ذره انتصاراته بعث المختار براس ابن زياد الى الامام زين العابدين، فاستهل وجهه فرحا، واظهر السرور، وفرق الهدايا على اهل المدينه، حتى قيل: ان زين العابدين منذ قتل ابوه لم ير ضاحكا قط الا فى ذلك اليوم.. وامتشطت نساء آل الرسول واختضبن، وما امتشطت امراه منهن ولا اختضبت منذ قتل الحسين الشهيد((1508))! وفى خاتمه امره بعد مصرعه كانت كلمه حبر الامه ابن عباس (رضى اللّه) الانفه فيه: رحم اللّه المختار، كان رجلا محبا لنا، عارفا بحقنا، وانما خرج بسيفه طالبا بدمائنا..

نتيجه البحث:

لم يكن المختار - اذن - الا رجلا ابلى فى سبيل قضيته احسن البلاء.. وان اثره فى الزبيريين والامويين كان كبيرا جدا، فعملوا على محاربته بهذه الاكاذيب((1509))! ولما كان خصومه هولاء هم الغالبون، وقد امتد نفوذهم بعده، فمن الطبيعى ان تصاغ هذه الاكاذيب فى روايات مسنده، لتدخل التاريخ بوجه (مشروع) حين يكون منهج المورخ هو جمع الاخبار، دون التحقيق والتمحيص فيها، اوبوجه غير مشروع حين تلتقى مع هوى المورخ، او تعينه على نصره الاتجاه الذى يميل اليه، او التنكيل بالاتجاه الذى يميل عنه.

هذه هى الصوره المتماسكه لهذه الحركه وصاحبها، وقد وجدنا ما خالفها متهافتا، لا يصمد، للنقد عريا عن دواعى القبول.

حركه القراء ( 81 - 82 ه ):

القراء هم اصحاب القرآن والحديث والفقه، وان كان هذا اللفظ فى معناه الاخص انما يطلق على شيوخ القراءات، ولم يكن لهذه الطبقه حركه مستقله تفردوا فى الاعداد لها ورسموا اساليبها واهدافها، وانما انخرطوا فى حركه عبدالرحمن بن محمد بن الاشعث بن قيس الكندى الذى تمرد على الحجاج عام 80ه اثر خلاف بينهما فى اعمال عسكريه، اذ كان ابن الاشعث قائدا لجيش الحجاج الى سجستان، فلما توغل فيها مسافات قوى فى حسابه ان تدبيرا عسكريا خطيرا قد اعده ملكها (رتبيل) ارجح حالاته الالتفاف حول القوات الغازيه وتطويقها، ففضل التراجع الى الارض المحاذيه فى ولايه بست وتاجيل الغزو الى العام القادم، وكتب بذلك الى الحجاج، فرد عليه الحجاج ردا عنيفا يامره بالتوغل فى البلاد ومعاجلتها ويتوعده ويهدده ان هو تاخر عن ذلك! فكان ذلك سببا فى تمرد ابن الاشعث، فجمع جيشه فحرضهم على الحجاج ودعاهم الى خلعه، فخلعوه وبايعوا لابن الاشعث بولايه العراق، فسار الى الاهواز، ثم الى البصره، فالتحق به سائر اهل العلم، فى مقدمتهم: الحسن البصرى، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبى، وعبدالرحمن بن ابى ليلى، وابو عبيده بن عبداللّه بن مسعود، وعطاء بن السائب، ومالك بن دينار وطبقتهم، فانتظموا فى كتيبه واحده فسميت باسم (القراء) واميرها احدهم وهو جبله بن زحر بن قيس الجعفى((1510)).


188

سبب النهضه والبيعه لابن الاشعث:

لم تكن نهضه القراء وثورتهم ترفا، لا حبا بالرئاسه، ولا لنزعه الخلاف والتمرد، بل كانت استجابات طبيعيه لتذمر الناس من سياسه الحجاج القاسيه التى لا يضبطها ضابط، حتى بلغ التذمر غايته والناس يستغيثون وينادون، يا محمداه! يا محمداه! فى آخر اجراء اجتماعى واقتصادى يمارسه الحجاج بامره بترحيل الناس الى قراهم الاصليه واخذ الجزيه منهم.. فكان اهل العلم (القراء) يبكون الما ويلتهبون غيضا((1511))، لهذا ولغيره ولما راوه طويلا من تضييع لمعالم الدين، فوافقت ذروه تذمرهم هذه حركه ابن الاشعث ودخوله البصره، فكانت فرصتهم التى لم يجدوا مسوغا للتفريط بها.

ولقد عبرت نداءاتهم عن مبادئهم وحددت عوامل نهضتهم، كما فى ندائهم الوجيز الجامع: (قاتلوهم على جورهم فى الحكم، وتجبرهم فى الدين، واستذلالهم الضعفاء، واماتتهم الصلاه)((1512)). وفى نداء آخر: (قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فواللّه لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم، وليغلبن على دنياكم)((1513)). اما عبدالرحمن بن ابى ليلى -الفقيه- فقد ركز على التبرير الشرعى للثوره حين قال: (يا معشر القراء، ان الفرار ليس باحد من الناس باقبح منه بكم! انى سمعت عليا رفع اللّه درجته فى الصالحين واثابه احسن ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا اهل الشام: ايها المومنون، انه من راى عدوانا يعمل به، ومنكرا يدعى اليه فانكره بقلبه فقد سلم وبرى، ومن انكر بلسانه قد اجر، وهو افضل من صاحبه، ومن انكره بالسيف لتكون كلمه اللّه هى العليا وكلمه الظالمين السفلى فذلك الذى اصاب سبيل الهدى، ونور فى قلبه اليقين..

فقاتلوا هولاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه)((1514)).

اذن كانت تلك مبررات كافيه لقيام ثوره تصحيحيه تقطع دابر الظلم، فهى مبررات كافيه لعمل شرعى هام، اوله خلع (الامير - الخليفه) والخروج عليه بالسيف.

فعلى هذا المبدا كان عامه اهل العلم آنذاك، ومن كلماتهم ومن استماتتهم فى القتال تستطيع ان تقدر مدى انكارهم مقوله (نحن مع من غلب) واستهجانهم مبدا الطاعه والخنوع للفاسق الجائر! اما شعارهم آنذاك فكان: (يا ثارات الصلاه)((1515))!

عمر بن عبد العزيز ( 99 - 101 هـ ):

لاول مره يشهد العالم الاسلامى فى العهد الاموى محاولات اصلاحيه جاده تنبعث من راس الهرم السياسى فى الدوله، ذلك فى حكومه عمر ابن عبدالعزيز، الذى ابتدا اعماله بالاعلان عن منهج فى الحكم لا يشبه ما كان عليه سلفه، انه العوده الى الكتاب والسنه، فقال فى اول كلام له: (اما بعد، فانه ليس بعد نبيكم نبى، ولا بعد الكتاب الذى انزل عليه كتاب، الا ان ما احل اللّه حلال الى يوم القيامه، وما حرم اللّه حرام الى يوم القيامه.. الا انى لست بقاض ولكنى منفذ، الا انى لست بمبتدع ولكنى متبع.. الا انه ليس لاحد ان يطاع بمعصيه اللّه..)((1516)) ثم تحول من القول الى العمل، فمذ خرج من المسجد اتى بدابه سليمان بن عبدالملك (الحاكم السابق) فرفض ان يركبها، وركب دابته التى كانت عنده قبل ملكه! ودخل القصر فوجد فرش سليمان قد مهدت له، فقال: قد عجلتم! فتركها واتخذ وساده بينه وبين الارض، وقال: اما واللّه لولا انى فى حوائج المسلمين ما جلست عليك((1517))!

نظام الخلافه:

كان امر الخلافه عليه ثقيلا، وكان عارفا ان ليس لقومه فيها حق، فمنذ قام بنو اميه لمبايعته قال هشام بن عبد الملك وهو يبايع له كارها: اناللّه وانا اليه راجعون! فقال له عمر: انا للّه وانا اليه راجعون حين صار يلى هذا الامر انا وانت((1518))!! ولقد توعد بنى مروان مره ان هم اصروا على رغبتهم فى الاستئثار على الناس، بالانتقال الى المدينه وجعل الخلافه شورى، ثم قال لهم: اما انى اعرف صاحبها الاعيمش، يعنى القاسم بن محمد بن ابى بكر.. وعند موته قال ايضا: لو كان لى من الامر شى ء ما عدوت بها القاسم بن محمد! قيل: وذكر بعده اسماعيل ابن عمرو بن سعيد بن العاص، وكان عابدا منقطعا((1519)). - لا شك انه نشا فى محيط كان احسن رجاله حالا واكثرهم صلاحا يرى فى مثل ذلك صوره مثلى، فغايه ما يعرفونه من الاصلاح فى نظام الحكم هو الغاء النظام الوراثى الاموى ونظام الغلبه واستبداله بنظام الشورى، على اى صوره كانت، ولاشك انه اصلاح، واصلاح كبير لم يكن يرى انه يقدر عليه، وان كان ليس هو الاصلاح كله واعاده الحق الى اهله، وما زال فيهم على بن الحسين حين ولى عمر، ومحمد بن على حين توفى عمر.


189

وليس بمستغرب ان كان لا يعرف الا ما ذكره، وهى الثقافه التى غلبت على الناس حتى قبل ان يولد عمر بن عبدالعزيز بكثير، اذ كانت ولادته سنه 61 ه! وكان من آثار ذلك فى ثقافته انه كان يرى (سنه الشيخين) كسنه النبى(ص) فى التشريع، فقال فى خطبه له: الا ان ما سن رسول اللّه (ص) وصاحباه فهو دين ناخذ به وننتهى اليه، وما سن سواهما فانا نرجئه((1520)).

لكن من جميل انتصاره لمقام الخلافه ان رجلا ذكر يزيد فسماه (امير المومنين يزيد بن معاويه) فقال له عمر: اتقول امير المومنين؟! فامر به فضرب عشرين سوطا((1521)).

رد المظالم:

ابتدا عمر مبكرا برد المظالم، فبدا باهل بيته فانتزع ما كان فى ايديهم فرده الى بيت المال، ثم فعل بغيرهم ممن كانت قبله حقوق الناس مثل ذلك.. وما زال يرد المظالم منذ يوم استخلف الى يوم مات((1522))! ومن يوم حكم معاويه الى ان صارت الخلافه اليه، فاخرج من ايدى ورثه معاويه ويزيد حقوقا وردها الى بيت المال((1523)) وكان يقول: لو اقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، انى لاريد الامر فاخاف ان لا تحمله قلوبكم فاخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فان انكرت قلوبكم هذا سكنت الى هذا((1524)).

احياء السنه:

له على الصعيدين: تدوين السنه وحفظها، واحياوها والعمل بها، اثر كبير حفظه له التاريخ..

فعلى الصعيد الاول: كان عمر بن عبدالعزيز اول من عنى بتدوين السنه، واصدر فى ذلك تعليماته الرسميه الى عامله على المدينه المنوره يامره بجمع السنه من صدور الحفاظ وتدوينها، خوفا من ضياعها وذهابها((1525)).

لكن هذا المشروع الكبير الذى ما زالت السنه النبويه تترقبه لم يفلت من تلك الخارطه التى رسمها له الامويون منذ البدايه، واكثر من ذلك انه جاء كما ارادوا، مطابقا لتلك الخارطه تماما، ولكن من غير ان يشعر عمر بن عبدالعزيز بذلك..

لقد وجه عمر بن عبدالعزيز تعليماته الى ابى بكر بن حزم والى المدينه بجمع الحديث وتدوينه، لكنه لم يترك الامر مطلقا لتقييم الوالى واختياره دائما، بل ركز فيه على اعتماد طرق باعيانها بالدرجه الاولى، فامر بجمع احاديث (عمره بنت عبدالرحمن) و (القاسم بن محمد بن ابى بكر) وعمره بنت عبدالرحمن بن سعد بن زراره الانصاريه، كانت ربيبه عائشه وهى من اعلم الناس بحديث عائشه، وكان عمر بن عبدالعزيز يقول: ما بقى احد اعلم بحديث عائشه من عمره، وكتب الى ابى بكر بن حزم ان يكتب له حديثها((1526)).

والقاسم بن محمد بن ابى بكر هو الاخر كان ربيب السيده عائشه مذ قتل ابوه (رضى اللّه)، وكان احد ثلاثه هم اعلم الناس بحديث عائشه، وهم: القاسم، وعمره، وعروه بن الزبير((1527)). اما حديث عروه بن الزبير فلم يفلت منه شى ء اذ كان اهم المعتمدين فى تدوين الحديث هو ابرز حمله احاديث عروه عن عائشه وعن غيرها، انه الزهرى، الذى كان اول من كتب الحديث تحقيقا لهذا المشروع الكبير((1528))، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: عليكم بابن شهاب -الزهرى هذا فانكم لا تلقون احدا اعلم بالسنه الماضيه منه(1529))! قال الزهرى: امرنا عمر بن عبدالعزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا، فبعث الى كل ارض له عليها سلطان دفترا((1530)). ومن هنا كان تدوين السنه احادى المصدر والاتجاه، مقتصرا على المصدر والاتجاه الذى نصره الامويون فى مطلع حكومتهم، ثم عززوه متنا وسندا فى مشروعهم الخطير الذى تقدم الحديث عنه فى محله((1531))، وطوقوا المصدر والاتجاه الاخر الذى حاربوه فى صفين وفى كربلاء! فاتهموا متونه ورجاله، كل ذلك قبل ان يولد عمر بن عبدالعزيز.. فكانت جهوده المخلصه من حيث لا يدرى ولا يريد هى ثمرات ما زرعه معاويه! انه لا يمكن اتهام عمر بن عبدالعزيز بالتواطو فى هذا المشروع وقد علمنا ان آثاره قد عمت اوساط الامه وفى طليعتها الديانون والصالحون الذين تلقوها وهم يظنون انها الحق، ولو علموا انها الباطل لما تحدثوا بها! كما علمنا حرص عمر بن عبدالعزيز على احياء ما علمه وبلغه من السنه، وقد علم ان معاويه كان باغيا ظالما امات السنه واحيا البدعه، وتتبع تركته عند ورثته فانتزعها منهم لانه عدها مظالما، من حقوق الناس، وكان محقا فى ذلك.. فمن هذا وذاك فاننا حين نوكد ان مدرسه معاويه فى تحريف السنه ومحاربتها قد اثمرت، وان اهدافها القصوى قد تحققت على يد عمر بن عبدالعزيز، نوكد فى الوقت نفسه ان عمر بن عبدالعزيز نفسه كان واحدا من ضحاياها وهو لا يدرى! وعلى الصعيد الثانى: فى احياء السنه واماته البدعه، ترك ابن عبدالعزيز اثرا جميلا لم تعهد الامه ولو يسيرا منه منذ ودع الامام الحسن الحكم سنه 41 ه.. وواجه فى هذا الميدان مشكلات جمه لاعتياد الناس على البدعه حتى اعتقدوا انها السنه، فلما اظهر لهم السنه استنكروها وحسبوها البدعه! واظهر امثله ذلك تدينهم بسب المرتضى على وولديه السبطين (ع)، فلما جاءتهم اوامر عمر بن عبدالعزيز بترك هذا استثقلها عامتهم وغوغاوهم حتى لج بعضهم وتظاهروا تحت شعار(لاصلاه الا بسب ابى تراب)! ابو تراب هذا الذى لا صلاه الا بالصلاه عليه.. ولو لم يصنع عمر الا هذا لكفاه شرفا فى نجاحه بالقضاء على خله سيئه مفضيه الى الكفر تربى عليها الناس يتلقونها من معلميهم وخطبائهم وامرائهم حتى ربا عليها صغارهم وهرم عليها كبارهم! فوجده السيد الشريف الرضى اهلا فى ذلك للثناء، فاثنى عليه فى ابيات جميله، يقول فيها:


190

يا ابن عبد العزيز لو بكت العي -ن فتى من اميه لبكيتك انت انقذتنا من السب والشت -م فلو امكن الجزا لجزيتك وقبله انشد كثير عزه، وهو من انصار آل محمد ومن شعرائهم، يقول لعمر ابن عبدالعزيز:

وليت فلم تشتم عليا، ولم تخف بريا، ولم تتبع مقاله مجرم((1532)) انه منذ صباه تجوش فى ضميره مقوله ابيه له: (يا بنى، ان الذين حولنا لو يعلمون من على ما نعلم تفرقوا عنا الى اولاده((1533)) ! - وهو الذى كان قد احيا الصلاه واعادها الى اوقاتها منذ كان كالوزير لسليمان بن عبدالملك((1534)).

- واحيا الزكاه حين اخذها بحقها ووضعها فى مواضعها التى ذكرها اللّه تعالى، وقال بعد ان نجح فى ذلك: الحمد للّه الذى لم يمتنى حتى اقمت فريضه من فرائضه.((1535)) - واحيا فريضه الخمس، فوضعه فى مواضعه الخمسه، وآثر به اهل الحاجه، واعاد سهم ذوى القربى الى بنى هاشم، فكتبت اليه فاطمه بنت الحسين(ع) تشكر له ما صنع، وتقسم باللّه:

لقد اخدمت من كان لا خادم له، واكتسى منهم من كان عاريا((1536))! - ورد فدكا الى ذريه فاطمه الزهراء (ع)، وقد كان معاويه منحهالمروان ابن الحكم((1537))! - وكتب الى اهل البيت (ع) يقول: انى ان بقيت لكم اعطيتكم جميع حقوقكم((1538))! - وساوى فى العطاء بين الناس، لم يفضل قرشيا على احد، ولا فرق بين عربى وغيره فى رزق او كسوه او معونه او عطاء.((1539))

مع اهل البلاد المفتوحه:

كان لبنى اميه فى بلدان الفتوح سياسه جائره، غايتهم فيها جمع الاموال، حتى انهم كانوا لا يقبلون من اهل الذمه اسلامهم لاجل ان ياخذوا منهم الجزيه، ويزعمون ان اسلامهم ما كان الا هربا من الجزيه! فحارب ابن عبدالعزيز هذه السياسه، وكتب الى عماله على الجزيه: ان اللّه بعث محمدا داعيا ولم يبعثه جابيا! فاذا اتاك كتابى هذا فان كان اهل الذمه اسرعوا فى الاسلام وكسروا الجزيه فاطو كتابك واقبل((1540))! - ورفع عنهم ضرائب فرضها عليهم ملوك الامويين قبله تحت عناوين، مثل: المائده، والنوبه، والمكس((1541))!

مع سنه ابى بكر وعمر:

تقدم كلام منسوب اليه يقول: (الا ان ما سن رسول اللّه (ص) وصاحباه فهو دين ناخذ به..)((1542)). واشتهر عنه كثيرا انه كان يقتفى اثر عمر ويسير بسيرته..

لكن هل وافق ذلك القول وتلك الدعوى سيرته بحذافيرها؟ ان الامثله القليله المذكوره آنفا فى سيرته شاهده على خلاف ذلك، فلقد خالف سنه عمر خاصه فى اهم ما تميزت به، خالفه فى الموقف من (فدك) و (الخمس) و (المولفه قلوبهم) و (العطاء)..

فرد فدكا الى ذريه فاطمه، وقد حال دون ذلك عمر بن الخطاب.. واعاد الخمس الى اهل البيت، وكان قد قطعه عنهم ابو بكر وعمر.. وساوى بين الناس فى العطاء، وقد فرق بينهم عمر..(1543)) واعاد سهم المولفه قلوبهم، وقد منعه ابوبكر وعمر((1544))! ايقال بعد هذا انه كان يتخذ سيره الشيخين دينا، واليها ينتهى؟ لقد شابه فى الامور الاربعه هذه سيره على (ع)، كما شابهه فى اخرى هى اشد ما كان يمكن تطبيقه، من رد المظالم وتتبعها عند اصحاب النفوذ واصحاب الثروات من آل الخليفه اعوانه والمقربين اليه..

كما شابهه فى السياسه مع الاعداء، فرفض رفضا قاطعا ان يطلب اصلاحهم بما يفسد عليه دينه! ورفض ان يطلب النصر بالجور! فكان يقول: (خذ الناس بالبينه وما جرت عليه السنه، فان لم يصلحهم الحق فلا اصلحهم اللّه)((1545)).

يقول: (يلقون اللّه بخيانتهم احب الى ان القاه بدمائهم)((1546)).

اما حبه لاهل البيت (ع) فربما اخفى منه فوق ما اظهر من دفع الاذى عنهم واسترداد بعض حقوقهم والقول الجميل فيهم((1547))، فقد دخلت عليه فاطمه بنت على (ع)، يوم كان اميرا على المدينه، فابعد عنه حرسه حيث لا يسمعون كلامه، فقال لها: يا ابنه على واللّه ما على ظهر الارض اهل بيت احب الى منكم، ولانتم احب الى من اهل بيتى((1548))!!

نهايه عمر بن عبدالعزيز:

مات عمر بالسم، بعد سنتين واشهر من خلافته، وله من العمر تسع وثلاثون ونصف، سمه بنو مروان خوفا ان يخرج الخلافه منهم ويضعها فى غيرهم، ولما انتزعه منهم من اموال وحال بينهم وبينه من بطش واستئثار واستعلاء، فعاجلوه بالسم قبل ان يعاجلهم بالاقصاء((1549))!


191

حركه زيد وسلسله الحركات العلويه:

عاد كل شى ء اموى الى حاله، وكان تلك الصحوه القصيره هداه مصروع، او كانها وهجه قبس فى ليل بهيم، ريحه صر عاتيه، فما اقصر عمرها واسرع زوال اثرها! وعادت بذلك كل مبررات الحركه التصحيحيه المضاده، دينيا وثقافيا واجتماعيا وماليا وسياسيا، وكل ذلك ينتظر عاملان:

الاول -الوعى الدينى السليم المتصل بجذوه اليقين الاولى التى بعثها الوجود النبوى الشريف امام تعاليمه السماويه الساميه.. والثانى -الداعيه القائد الذى تكاملت حوله الظروف الموضوعيه للحركه.. ولقد تكاملت تلك الظروف حول القائد الفقيه العالم العابد زيد ابن الامام زين العابدين (ع)، فى سنه 121 ه، ابان حكومه هشام بن عبد الملك بن مروان..

اسباب الحركه واهدافها:

ان كل ما قدمه التاريخ تحت هذا العنوان قد جاء قاصرا عن تشخيص الاسباب الحقيقيه لهذه الحركه، وعن معرفه اهدافها..

فعلى مستوى الاسباب، قدمت الكتب المفصله دائما بعباره:

(اختلف فى سبب خروجه)((1550))، ثم يذكرون اشياء مختلفه لا يمكن ان يعتبر احدها، ولا جميعها، سببا حقيقيا لحركه يقودها رجل مثل زيد بن على علما وشرفا، ويكون لها كل ذلك الوقع الذى كان لحركه زيد فى تقدير علماء ذلك الزمان وائمتهم، فكل ما دارت عليه تلك (الاسباب) لم يكن يتعدى النزاع الشخصى بين زيد وهشام ابن الحكم، مما يوحى بانها حركه كان وراءها (الحميه للنفس) ليس الا! وهذا قدح كبير، وان لم يكن اصحاب التاريخ يعتقدونه، فكيف يصح لزيد، وهو المعروف دينا وعلما وفقها وشرفا، ان يخوض الدماء لان هشاما قد اهانه وحط من منزلته؟! ان اهم دور يمكن قبوله لتلك الاسباب التى ذكروها، هو انها كانت محفزا اخيرا لكسر الاغلاق التى ما زال يقف وراءها القائد الثائر، فلم يبق امام ثورته الكامنه الا ان تجد انصارها، فما ان وجدت لها فى الكوفه انصارا، وان قلوا قياسا الى قوه هشام، حتى تفجرت بكل ثقلها..

والنص الذى يذكروه لهشام بن عبدالملك فى خطابه لزيد مصدق لما قلناه، فهو يقول: (لقد بلغنى يا زيد انك تذكر الخلافه وتتمناها، ولست هناك، وانت ابن امه)!! اذن كل شى ء كان قد نضج فى قلب زيد من قبل هذا اللقاء، وسوف يوكده جواب زيد نفسه، فهو لا يعتذر ولا ينفى، بل يوكد اهليته لذلك، فيقول: (ليس احد اولى باللّه ولا ارفع عنده منزله من نبى ابتعثه، وقد كان اسماعيل من خير الانبياء، وولد خيرهم محمدا (ص)، وكان اسماعيل ابن امه واخوه ابن صريحه مثلك، فاختاره اللّه عليه واخرج منه خير البشر، وما على احد من ذلك اذ كان جده رسول اللّه وابوه على بن ابى طالب ما كانت امه)((1551))! فلا يمكن لهذا الحديث ان يكون اكثر من محفز قد يعجل من تفجير الثوره اذا ما توفرت ظروفها. ولعل حديثا دار بينهما كان اشد تحفيزا، بل قد يصح لمثله ان يكون من دواعى الحركه واسبابها الحقيقيه، لما فيه من الاستخفاف بحديث رسول اللّه (ص) وبزعيم اهل البيت الامام محمد الباقر (ع)! والحديث نقله ابن قتيبه، فيه:

قال هشام لزيد: ما فعل اخوك البقره؟! قال زيد: سماه رسول اللّه (ص) الباقر، وتسميه البقره! لقد اختلفتما((1552))!! وعند الوقوف على اهداف الحركه تتكشف الاسباب والدواعى الحقيقيه لقيامها..

اما اهدافها: فقد ادرجها زيد الشهيد فى نص البيعه التى بايع الناس عليها، ولعله لو لم يصنع ذلك لم يحفظ لها التاريخ ذكرا! فقد دعا زيد الى: الكتاب، والسنه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، واعطاء المحرومين، والعدل فى قسمه الفى ء، ورد المظالم، واقفال المجمر((1553))، ونصر اهل البيت على من نصب لهم وجهل حقهم.((1554)) هذه الاهداف الكبيره هى التى ينهض لمثلها زيد بن على، تلك النهضه التى دعا الامام جعفر الصادق الى نصرتها((1555))، وضاهت عند ابى حنيفه خروج رسول اللّه (ص) على قريش يوم بدر الكبرى، وافتى بوجوب نصرتها((1556)) وناصر تلك الحركه ايضا من الفقهاء والعلماء: منصور بن المعتمر، وسفيان الثورى، ويزيد بن ابى زياد صاحب عبد الرحمن بن ابى ليلى، وهلال بن حباب، وسليمه ابن كهيل، والحسن بن سعيد الفقيه وغيرهم((1557))! ودافع عنها الامام على الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، ودفع عنها الشبهات، وفرق بينها وبين الحركات التى تقوم لاغراض دنيويه وحسب((1558))! - ومن موقف الامامين، الصادق والرضا، نستبعد بيقين تلك الروايه التى تخبر عن نزاع فى الامامه وقع بين زيد واخيه الاكبر الباقر، وتنسب الى زيد مقوله فى الامامه لم تعرف قبل عند اهل البيت، مفادها: ان الامامه فى اولاد فاطمه (ع) حقا، ولكن الامام من اهل البيت انما هو (من منع حوزته، وجاهد فى سبيل اللّه حق جهاده، ودفع عن رعيته، وذب عن حريمه)! فيجيبه الباقر بقوله: (على مقتضى مذهبك: والدك ليس بامام، فانه لم يخرج قط ولاتعرض للخروج)((1559))! فهذا الكلام مدفوع ليس فقط بالمواقف المتقدمه آنفا، بل مدفوع ايضا بمكانه زيد المشهوده فى العلم والفقه، فهو اكبر من ان يقع فى هذا التهافت.


192

فالراجح اذن ان هذه المقوله انما هى مقوله (الزيديه) الفرقه التى نشات اثر مقتل زيد (رضى اللّه).

والزيديه: التى قالت بامامه زيد، لخروجه بالسيف وجهاده المبطلين، فاثبتت هذه الخصله شرطا فى الامامه ظهر لاول مره فى تاريخ الاسلام على ايديهم..

ويشهد لقولنا فى نسبه هذه المقوله اليهم، دون زيد الشهيد، ما اثبته البغدادى، اذ نسبها اليهم مباشره دون الاشاره الى زيد من قريب او بعيد((1560)). ومثله ما اثبته ابو خلف الاشعرى والنوبختى، وزاد عليه دقه حين ارخا لظهور هذه المقوله قبل خروج زيد، وان اول من قال بها هو زياد بن المنذر، ابو الجارود، وقد سماه الامام الباقر سرحوبا، فهم (السرحوبيه) و (الجاروديه) فهولاء قالوا اولا بالغلو، ثم صاروا مع زيد بن على عند خروجه بالكوفه، فقالوا بامامته، فسموا فى الجمله مع الطوائف الاخرى التى قالت بامامه زيد (الزيديه) الا انهم مختلفون فى ما بينهم فى القرآن والسنن والشرائع والفرائض والاحكام((1561)).

الرافضه: الكلام عليها يقع فى فقرتين: الاولى فى مناقشه الراى المشهور، والثانيه فى ذكر الراى الراجح.

ا - على الراى المشهور: انه لقب ظهر لاول مره فى اثناء هذه الحركه، فى روايه لابى مخنف، اطلق على جماعه من اهل الكوفه الذين بايعوا زيدا لما احسوا بانكشاف الحركه وبدء استعداد الامويين وتفتيشهم عن زيد فى بيوت الكوفه، جاءوا زيدا، فقالوا له: ما قولك فى ابى بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما اللّه وغفر لهما، ما سمعت احدا من اهل بيتى يتبرا منهما، ولا يقول فيهما الا خيرا! قالوا: فلم تطلب اذن بدم اهل هذا البيت الا ان وثبا على سلطانكم فنزعاه من ايديكم! قال زيد: ان اشد ما اقول فى ما ذكرتم: انا كنا احق بسلطان رسول اللّه(ص) من الناس اجمعين، وان القوم استاثروا علينا ودفعونا منه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا فى الناس وعملوا بالكتاب والسنه! قالوا: فلم يظلمك هولاء! وان كان اولئك لم يظلموك فلم تدعو الى قتال قوم ليسوا لك بظالمين؟ قال: ان هولاء ليسوا كاولئك، ان هولاء ظالمون لى ولكم ولانفسهم، وانما ندعو الى كتاب اللّه وسنه نبيه (ص)، والى السنن ان تحيا والى البدع ان تطفا، فان انتم اجبتمونا سعدتم، وان انتم ابيتم فلست عليكم بوكيل.. ففارقوه ونكثوا بيعته، وقالوا: سبق الامام -يريدون الامام الباقر وكان قد توفى- وجعفر امامنا اليوم بعد ابيه! فسماهم زيد: (الرافضه)! وكانت منهم طائفه قبل خروج زيد مروا الى الامام جعفر فى المدينه، فقالوا: ان زيد بن على فينا يبايع، افترى لنا ان نبايعه؟ فقال لهم: نعم بايعوه، فهو واللّه افضلنا وسيدنا وخيرنا! فجاءوا فكتموا ما امرهم به((1562))!! فهولاء (الرافضه) اذن، على فرض صحه هذا الخبر، لا هم من اتباع زيد، ولا هم من اتباع جعفر، انما هم من المتخاذلين الذين بايعوا زيدا ثم نكثوا بيعته وخذلوه، ثم لم يتبعوا جعفرا! وذكر اسماعيل السدى عن زيد انه قال: الرافضه حزبنا، مرقوا علينا.((1563)) وعهد هذه الامه بالنكث قريب.. فبالامس نكث اصحاب الجمل بيعه عظمى عن غير ما عذر يعتذر به!.. ونكث اهل الكوفه هولاء بيعه عقدوها لريحانه رسول اللّه (ص) اسوا نكث واقبحه!..

فحاولوا بعد التكفير والتوبه، فنهضوا مع سليمان بن صرد (رضى اللّه) فصدقوا واعذروا، فرحم اللّه من قتل منهم ومن صدق ونجا.. ثم ثبتوا مع المختار فصدقوا ووفوا واحسنوا الثار..

ثم بعد ستين عاما من غدرتهم الاولى بالحسين عام ستين غدروا ونكثوا، ليس كلهم بل طائفه منهم، وطائفه قليله صدقته العهد، وطائفه حبست فى المسجد فكانها وجدت فى ذلك عذرا وما كان عذر، وقد قارب زيد واصحابه المسجد ونادوهم ان يخرجوا فلم يخرجوا! ونعود فنوكد حقيقه تيه (الرافضه) التى تحدث عنها الخبر، ومروقها عن شيعه الحق وانصار آل محمد، بما نقله الذهبى عن عمرو بن القاسم، قال: دخلت على جعفر الصادق، وعنده ناس من الرافضه، فقلت: انهم يبروون من عمك زيد! فقال: (برا اللّه ممن تبرا منه..).((1564)) - ولا شك ان للصادق(ع)اصحاب واتباع كثيرون،كانوايعرفون ب(الشيعه) وما الرافضه اذن الا شرذمه منهم مرقت عليهم، كما حكى عن زيد الشهيد (رضى اللّه).

- فاذا كانت هذه الواقعه هى الاصل فى نشاه (الرافضه) فانه لخطا فادح هذا الذى يقع فيه المتكلمون فى الفرق فى تعميم لقب (الرافضه) على سائر (شيعه) على واهل البيت (ع)، وعندئذ لا يمكن تفسير هذا التعميم الا بتعمد التضليل لفرط العصبيه التى زينت لهم هذا الخطا حتى صار احب اليهم من الحقيقه لما راوا فيه من نبز لخصمهم التاريخى ترتاح اليه نفوسهم!! ونلمس ذلك سريعا جدا منذ حياه الامام الشافعى المولود بعد مصرع زيد بثلاثين عاما فقط! فمنذ ذلك الحين، والاظهر انه قبل ذلك الحين ومنذ العهد الاموى، كان لقب (الرافضه) نبزا ينبز به محبو اهل البيت (ع)، حتى نبز به الشافعى نفسه، فانشد ابياته الشهيره التى آخرها:


193

ان كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان انى رافضى ((1565))! كما نراه جليا عند ابن قتيبه الدينورى المتوفى سنه 276 هـ، فيتحدث عن الكيسانيه القائلين بامامه محمد بن الحنفيه فلا يذكر لهم اسما الاالرافضه((1566))! ونتابع هذا الخطا الفادح منذ عبد القاهر البغدادى الاسفرائينى المتوفى سنه 429 ه، الذى اطلق لقب الروافض على كل من قال بتفضيل على (ع) واحقيته بالخلافه، بما فيهم (الزيديه) اتباع زيد، و (الاماميه) اتباع جعفر الصادق((1567))!!.

وبقى هذا (الخطا المتعمد) منهجا فى دراسه الفرق وتقسيمها يعتمده الكثيرون لهوى فى النفوس دون تقدير لاهميه الحقيقه التاريخيه والتزامها.

ب - الراى الراجح: ان هذا اللقب قد ظهر قبل زيد بكثير، وانه لقب سياسى مثل لقب (الخوارج) وانما، اطلق على الجماعه التى ترفض الولاء للحاكم، ولقد عرف هذا اللقب قبل ان يعرف لقب (الخوارج)! وانما اطلق هذا اللقب اول مره ولم يرد به الذم، وذلك حين اطلقه معاويه بن ابى سفيان -ولاول مره فى تاريخ الاسلام على جماعه من انصاره شاركوا فى معركه الجمل ثم ذهبوا اليه بعد نجاتهم، يقودهم مروان بن الحكم! فقد كتب معاويه الى عمرو بن العاص يقول:

اما بعد فانه كان من امر على وطلحه والزبير ما قد بلغك، وقد سقط الينا مروان بن الحكم فى رافضه اهل البصره، ووفد علينا جرير بن عبداللّه فى بيعه على((1568))..

فالرافضه آنذاك هم مروان واصحابه، الذين رفضوا الطاعه لعلى (ع)! اذن عرف الرفض والرافضه قبل زيد بخمسه وثمانين عاما! لكن لما صار الحكم للامويين سوف ينقلب اللقب على خصومهم الرافضين لحكومتهم وولائها، وهذا هو الذى يفسر التعميم المبكر للقب (الرافضه) على المعتقدين بحق على واهل البيت (ع) كافه..

وقد وردت رساله معاويه هذه بنحو مقلوب، فيها: (ان على بن ابى طالب قد اجتمع اليه رافضه اهل الحجاز واهل اليمن والبصره والكوفه، وقد وجه الينا رسوله جرير بن عبداللّه ولم اجبه..)((1569)). وعلى هذا يكون قد اراد بالرافضه الاقوام التى استبشرت بعلى واطاعته، ظنا من معاويه ان ذلك لا يكون الا اذا كانت تلك الاقوام قد رفضت الولاء لعثمان من قبل، فهى تلتف حول على دون ان تطالب بدم عثمان! وعلى هذا يكون اطلاق لقب (الرافضه) فى ما بعد على انصار على انما هو امتداد لذلك الاطلاق الاول! وعلى اى حال فالروايتان تشتركان فى ظهور لقب (الرافضه) منذ سنه 36ه! اما تاريخ اهل البيت (ع) فيظهر منه غلبه لقب (الرافضه) على اصحابهم منذ زمن الباقر (ع)((1570))، وقد توفى سنه 114 ه، اى قبل حركه زيد بسبع سنين! عندئذ سوف تكون تلك القصه المنسوبه الى اصحاب زيد قصه مصنوعه، لا اصل لها، وانما صيغت على هذا النحو ليكون محورها (البراءه من ابى بكر وعمر) لما لهذا الشعار من آثار اعلاميه بليغه، بما يحدثه من ردود فعل سلبيه جدا فى الوسط العام للامه، ولاجل الارتفاع بشعار (الولاء لابى بكر وعمر) ليكون شعارا موازيا لشعار (الولاء لعلى) الذى ضرب جذوره فى الاعماق واصبح اساسا للتمايز بين جمهور المسار الاسلامى الحنيف وبين جمهور الخلافه.. فمن هنا اتخذ شعار (الولاء للشيخين) فى استنقاذ فئه تخشى ان يصحوا جمهورها المتابع لها فيجد نفسه على هواء، حين يجد انه قد عقد ولاءه لبنى اميه، يناصر من ناصروا ويحارب من حاربوا، وليس لهذا الولاء جذر فى تاريخ الاسلام، بل ليس له ما يبرره على الاطلاق سوى غلبه الامويين على السلطه، وحتى حين منحت هذه الغلبه سمه الشرعيه فانها ما تزال قضيه عائمه يهددها (الولاء العلوى) على الدوام، فبالامس كان الحسين، واليوم زيد حفيد الحسين..

فلا بد من شعار له عمق فى التاريخ يسمح بان يكون محورا موازيا -ولو بشى ء من التكلف- للمحور الذى التف حوله الجمهور الخصم، يحول دون نفوذه فى الوسط العام، بل يلقى بين جمهوره نفسه اسباب الخلاف والنزاع.. وهذا هو الدور الذى اداه شعار الولاء لابى بكر وعمر، خصوصا بعد ان تربت الاجيال على حفظ مناقبهما، الصحيحه والموضوعه، والتحدث بها، وعلى شتم على (ع) والنيل منه ومن ذريته! وبناء على هذا التفسير تكون قضيه (الرافضه) وسوالهم زيدا عن موقفه من ابى بكر وعمر قضيه مفتعله مدسوسه فى تفاصيل حركه زيد، وليس لها اصل على الاطلاق، ولقد صيغت باحكام دقيق حين جاءت مصحوبه باتم ثمراتها، الا وهى بث الفرقه بين جمهور (الولاء العلوى) نفسه..


194

وثمره اخرى ابلغ اهميه فحين سحب ناسج القصه زيدا (رضى اللّه) الى كفه (الولاء للشيخين) لم يرد ان يفرط بالامام جعفر الصادق، فسحبه ايضا الى هذا الولاء، وترك من ورائهما جمهورا يلهج بمقوله (البراءه من الشيخين) دون ان يستند الى شى ء او ان ينسب مقولته الى امام فى الدين، لتكون هى المقوله العائمه العريه من اى جذر تاريخى، اذن فالثابت شرعيا وتاريخيا هو ما يقابلها، الا وهو (الولاء للشيخين) وليس (الولاء العلوى)!! وان لهذا التفسير من الادله ما لا يقصر عن النهوض به فى مقابل الراى المشهور حول (الرافضه).. واهم هذه الادله لدينا الان:

1 - ذلك التسارع فى تعميم لقب (الرافضه) على جمهور (الولاء العلوى) قاطبه، المستقيم منهم والمنحرف، ليعمموه حتى على اتباع زيد بن على وجعفر الصادق، بعد ان ابعدوهم عن ظل الزعيمين! فلقب (الرافضه) اذن لقب سياسى اطلق على الجماهير الرافضه لنظام الحكم المتغلب فى الدوله الاسلاميه والتى كان (الولاء العلوى) شعارها، سواء الصريحه منها، او المنحرفه التى تساقطت على الطريق لكنها ما زالت تنتحل الولاء العلوى، من غلاه وغيرهم! فلم يكن المراد من (الرافضه) فرقه نكثت بيعتها لزيد بن على ثم تفردت بمقولاتها الخاصه، بل اصبح المراد بها عموم القائلين بامامه على واهل البيت(ع)! وهذا التعميم ليس له نظير مع اى اتجاه آخر، فلم يطلق لفظ (الازارقه) ليراد به عموم المارقين، بل لا يراد به الا اتباع نافع بن الازرق خاصه منهم.. وهذا جار مع جميع الفرق والطوائف، الا(الرافضه).

2 - من هم موسسو هذه الفرقه (الرافضه) الاوائل؟ ومن هم مروجوها؟ هذه اسئله لا يمتلك لها التاريخ جوابا رغم خصومته الشديده لهذه الفرقه وتتبعه لاخبارها وخصوصا ما يعد من الماخذ عليها!.. ورغم اننا لا نعرف فرقه ذات شان فى تاريخ الاسلام الا وقد ذكر لنا تاريخ الفرق اسماء موسسيها الاوائل ومروجى آرائها.. رغم هذا وذاك الااننا لا نجد شيئا من ذلك حول (الرافضه) هذه التى اصبحت فى نظر اولئك المورخين للفرق اكبر فرقه فى الاسلام!! 3 - ومما يوكد هذا: خلو بعض المصادر المهمه، ذات الاهتمام الخاص، من قصه (الرافضه) هذه المذكوره فى تفاصيل حركه زيد، ومن ابرز هذه المصادر المختصه: (مقاتل الطالبيين) الذى تحدث بتفصيل جيد عن مقتل كل واحد من زعماء الطالبيين ووجوههم، ومنهم زيد الشهيد (رضى اللّه).. ولو كانت قصه الرافضه المذكوره حقيقه واقعه لكانت بلا شك اهم اسباب فشل حركه زيد ثم مقتله، وامر يحتل كل هذا القدر من الاهميه لا يمكن ان يغفل عنه مورخ خبير يكتب بتفصيل عن حركه زيد منذ شعلتها الاولى وحتى نهايتها بمصرعه المولم، ثم لا يذكر عن تلك القصه (الفرقه الناكثه) حرفا واحدا!! ان خلو المصدر المعنى بذكر اخبار حركه زيد ومصرعه من تلك القصه لهومن اهم الموشرات التى تزعزع الثقه بتلك القصه، وتستبعد صدقها، فى تلك الاثناء على الاقل، كيف لا وهى السبب الاساس فى فشل زيد ومصرعه!! - ثم تتابعت بعد زيد الشهيد سلسله من الحركات العلويه فى اماكن شتى((1571))، ولقد اختلفت دعواتها منذ الان، وغلبت عليها روح الثوره والانفه والاباء، وخفت فيها بريق المبادى الحقه وان لم يختف كليا..

- واول هذه الحركات كانت حركه يحيى بن زيد الشهيد فى سنه 125 ه، فى بلاد فارس، فى حكومه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، خلف هشام بن عبدالملك، فر بعد مصرع ابيه الى خراسان، فحبسه الوالى عليها نصر بن سيار، ثم اطلقه واخذ يوصيه بتقوى اللّه، ويحذره الفتنه! فقال له يحيى: وهل فى امه محمد فتنه اعظم مما انتم فيه من سفك الدماء واخذ ما لستم له باهل؟ والذى يذكر عن حاكم عصره الوليد بن يزيد بن عبدالملك، انه: كان مجاهرا بالفواحش، مصرا عليها، منتهكا محارم اللّه عز وجل، لا يتحاشى من معصيه، وربما اتهمه بعضهم بالزندقه والانحلال من الدين، قال ابن كثير: لكن الذى يظهر انه كان عاصيا شاعرا ماجنا متعاطيا للمعاصى، لا يتحاشا من احد ولا يستحى من احد قبل ان يلى الخلافه وبعد ان ولى..

وان اخاه سليمان كان من جمله من سعى فى قتله، قال: اشهد انه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا ولقد ارادنى على نفسى الفاسق!!..


195

وللوليد من الخلاعه والمجون وسخافه الدين ما يطول ذكره..

ومن شعره ما صرح فيه بالالحاد فى القرآن العزيز والكفر بمن انزله ومن انزل عليه((1572))!! وتمادى فى فجوره حتى انقلب عليه اهل بيته انفسهم فخلعوه وقتلوه((1573)). هذا هو (الخليفه) الذى خرج عليه يحيى بن زيد، فقاتل بسبعين فارسا فهزم جيوشا كثيره، وقطع بلادا عريضه حتى قتل(رحمه اللّه)، وصلب، ولم يزل مصلوبا حتى ظهر ابو مسلم الخراسانى -داعيه العباسيين سنه 130 ه فانزله وصلى عليه ودفنه، واخذ ديوان بنى اميه فعرف منه اسماء من حضر قتل يحيى فقتل من بقى حيا منهم جميعا((1574))! وحتى مقتل يحيى سنه 125 ه كان زيد الشهيد ما يزال مصلوبا فى الكوفه منذ اول صفر سنه 121 ه، فلما بلغ الوليد بن يزيد مقتل يحى كتب الى يوسف بن عمر عامله على العراق: ان خذ عجيل اهل العراق! -يعنى زيدا فانزله من جذعه واحرقه بالنار ثم انسفه فى اليم نسفا((1575))! وجعل اللّه ثار زيد ويحيى من آل مروان على ايدى بنى العباس((1576)).

نهايه الامويين وقيام الدوله العباسيه:

نجح دعاه العباسيين فى خراسان وبلاد فارس ثم فى الكوفه، وكانت دعوتهم الى الرضا من آل محمد، فاستقطبوا بها المستضعفين والمظلومين والمتعطشين الى العدل والى الخلاص من الحكم الاموى، فانتصروا على الامويين واصطلموهم فلم ينج منهم احد الا من فر الى الاندلس او غيب نفسه فى ارض لا يعرف فيها.. وكان العباسيون قد ابتداوا دعوتهم سرا فى خراسان منذ سنه 121ه السنه التى قتل فيها زيد (رضى اللّه)، وكان داعيتهم الاول ابو مسلم الخراسانى، واما الرجل الذى ينتظرون زعامته فهو ابراهيم بن محمد بن على بن عبداللّه بن عباس، فقتل ابراهيم قبل نجاح الحركه، قتله مروان الحمار آخر ملوك الامويين، فصارت خلافه الدوله العباسيه لاخيه عبداللّه بن محمد، وهو المعروف بابى العباس السفاح..

فلسفه النظام العباسى:

قام النظام العباسى على ركنين: الغلبه، والعهد الوراثى.. ولقد حاولوا ان يشيدوا لانفسهم ركنا شرعيا عن طريق الاختصاص بمنزله اهل البيت، فسخروا لذلك دعاتهم ووضعوا الاحاديث المكذوبه على رسول اللّه (ص) فى تفضيل العباس واختصاص ذريته بحق الخلافه((1577))، وادعوا ان المهدى الموعود منهم، وسمى المنصور ولده محمدا، ولقبه بالمهدى تمويها على الناس! ولقد كان قبل يقول فى محمد بن عبداللّه بن الحسن انه المهدى، فلما صار الملك لهم بدل قوله، وقال:

كذب عدو اللّه، بل هو ابنى((1578))! والظاهر ان اعدادهم لهذا القضيه العقيديه قد واكب اعدادهم العسكرى والفكرى، فقد كان فى حسابهم مواجهه الدعوات العلويه والتسلح باسلحتها، فاتخذوا شعار (الرضا من آل محمد) دون ان يسموا احدا لتعم دعوتهم جميع انصار هذا الشعار، ثم لم يغفلوا دعوى المهديه التى كانت تشاع حول محمد بن عبداللّه بن الحسن، وقد كان الهاشميون من علويين وعباسيين قد بايعوا له فى المدينه قبل ظهور الدعوه العباسيه! ومبكرا جدا بشر داود بن على العباسى بدعوى المهديه فى اول خطاب للعباسيين فى الكوفه، فقال: واعلموا ان هذا الامر فينا وليس بخارج منا حتى نسلمه الى عيسى بن مريم((1579))! ثم وضعوا فى هذا المعنى احاديث كثيره((1580))! غير ان العباسيين لم يحققوا نجاحا يذكر على هذا الصعيد، ربما لتاخر زمنهم، ولسمو منازل اولاد على (ع) عليهم سموا مشهودا لا تواريه تلك الحركه الثقافيه البعيده عن الحرمين والمتاخره عن اوانها! وكثرت فى العهد العباسى الوصيه لاكثر من واحد، فاوصى ابو جعفر المنصور لولده المهدى، ومن بعده لعيسى بن موسى وهو ابن اخيه((1581)).. واوصى المهدى لولده موسى ثم لهارون من بعده، وذلك بعد ان خلع عيسى بن موسى من ولايه العهد، وقد توفى عيسى بعد ذلك فى حكومه المهدى((1582)).. واوصى هارون الرشيد لولديه محمد الامين وعبداللّه المامون على الترتيب((1583)).. واوصى المتوكل الى اولاده الثلاثه: محمد المنتصر، ومحمد المعتز، وابراهيم((1584)).

فلم يطرا اذن تغيير فى النظام السياسى الذى احدثه الامويون، وكل الذى تغير هو انتقال الحكم من البيت المروانى وريث البيت السفيانى، الى البيت العباسى، وانتقال العاصمه من الشام الى الانبار ثم الى بغداد! اما البيت العلوى فهو الخصم المخوف وان كان صامتا، والمحسود وان شرد اهله وقتلوا، لما آتاه اللّه من فضل لا تطيقه قريش، ومن قبل كان لهم مثل فى آل ابراهيم: (ام يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله فقد ءاتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمه وآتيناهم ملكا عظيما × فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا)((1585))..


196

حركه التصحيح السلميه:

حركه كفاح غير مسلح، امتدت الى سوح الفكر والعقيده والثقافه والاخلاق والامر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهى وان تارجحت بين السر والعلن، والضعف والشده، الا انها لم تتوقف قط.. حركه قادها الهداه والصالحون، فصبروا عليها انفسهم ووطنوا عليها اصحابهم فى الشده والرخاء وفى العسر واليسر، حتى استطاعوا ان يحفظوا هذا الدين الحنيف من الضياع على ايدى المبتدعين والطغاه والسفهاء، فكان جهادهم هذا هو الجناح المتمم لجهاد السيف، واللازم حين لا مجال للسيف، والماضى فى سبيله قدما لو تلكا السيف.. لقد كانوا دعاه الى احياء مبادى الاسلام الحنيف وتعاليمه وقيمه، فى شتى الاساليب:

- فلربما كانوا (دعاه صامتين) حين يتحلون بمكارم الاخلاق ويثبتون على الحق فيستلهم الناس منهم ذلك وان لم ينطقوا بحرف.. و (دعاه صامتين) حين يكون الصمت ابلغ من الكلام..

- ولربما خاطبوا فردا واحدا لشان فيه، فهم يريدون ذلك الشان الذى من اجله خاطبوه، فيكون الخطاب بلاغا عاما لغيره فى كل زمان ومكان، وامثله هذا مما يتعذر حصره لكثرته وتنوعه..

ولربما استغلوا ادنى مناسبه للتنبيه الى انحراف الدوله والى ظهور بدعه وانطفاء سنه، او الى حق مهدور وحرمه منتهكه، ونحو ذلك، مما كان له الاثر الكبير فى توعيه الناس والحوول دون تهاويهم فى الضلال سراعا.. ولربما جبهوا الملوك والامراء بكلمه الحق، وردوا على باطلهم، وربما قادهم ذلك الى السجن والتعذيب او القتل احيانا.. وكثيرا ماعنوا بالتعليم وبث انواع علوم الشريعه وفقه الحياه وبالغوا فى الحث على ذلك، حتى لقد عد الرواه عن الباقر والصادق بالالاف.. ودائما وقف ائمه اهل البيت (ع) فى وجه التيارات المنحرفه، فكريا او عقيديا او فقهيا او سياسيا او اخلاقيا، فاثبتوا معالم الدين الحنيف وبينوا حدوده بدقه ووضوح.. والذى يمر على سيرهم (ع) يجدها كلها مصاديق لهذه العناوين ولاخواتها((1586))، وهناك رجال صالحون بذلوا جهدا كبيرا فى نصره الحق ومقارعه الباطل، وان هم ركنوا يوما نهضوا يوما آخر، وان هم سكتوا طويلا فلربما تكلموا مره بكلمه وفت لهم بعمر من السكوت، وفى كل واحد من هذه الابواب جهاد كثير وامثله لا تحصى، فلم يكن تغيير الدين بالكليه بالامر الهين الذى يستطيعه الحاكمون مهما كانت قوتهم ومهما تفوق مكرهم، فان للدين فى قلوب المومنين جذورا دون مسها ذهاب المهج، ولقد جعل اللّه تعالى فى كل خلف من هذه الامه عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين، وفى طليعه هولاء العدول ائمه اهل البيت (ع) تصديقا للحديث الشريف: (انى تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض) وللحديث الشريف: (مثل اهل بيتى فيكم مثل سفينه نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى).. وسوف نرى فى القسم اللاحق والاخير انهم كانوا الائمه العدول الذين نفوا عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين.


197

الفصل الثالث

الفرق والمذاهب

تحقيق فى النشاه والمعالم

(انما بدء وقوع الفتن: اهواء تتبع، واحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، ويتولى عليها رجال رجالا على غير دين اللّه) على بن ابى طالب / نهج البلاغه - الخطبه 50.

العوامل الاساسيه فى نشاه الفرق والمذاهب:

هناك عوامل اساسيه اليها يرجع تمزق وحده الامه بعد الرسول الاكرم(ص) وانشعابها الى فرق متعدده، تميزت كل واحده منها بشى ء من الاصول وكثير من الفروع التى اصبح بعضها شعارا للفرقه لا تفرط فيه وان لم يكن له اصل فى الدين، ولا يشاركها فيه غيرها وان كان هو السنه الخالصه! وسوف يقتصر بحثنا هنا على العوامل الاساسيه فى نشاه الفرق، مع التعريف المركز بالفرق المندرجه تحت كل واحد من هذه العوامل، غير ناظر الى المذاهب الفقهيه واصولها، فهذه الاخيره رغم كونها وثيقه الصله بما نحن فيه - كما سيظهر من بعض الامثله الاتيه عرضا - الاان لها ميدانها الاخر الفسيح الذى يخرج عن دائره هذا الكتاب.

لذا فسوف يتقسم هذا الفصل بحسب تقسيم العوامل الاساسيه فى نشاه الفرق والمذاهب.. والتى اثبت لنا التحقيق التاريخى انها تنحصر فى ثلاثه، هى:

1 - الواقع التاريخى للخلافه، ونظام الغلبه، والمشروع الثقافى الذى صحبهما.

2 - الكلام والفلسفه.

3 - التطرف الدينى.

وقد يستقل عامل واحد فى تكوين فرقه، كما قد يشترك عاملان او العوامل الثلاثه معا فى تكوينها.

ولقد تقدم فى فصول هذا الكتاب كلام فيه تفصيل عن عدد من الفرق، كل فى محله المناسب، مراعاه لتاريخ النشاه وظروفها، فقد توقفنا عند: الناكثين، والقاسطين، والسبئيه، والمارقين، والزيديه، والرافضه، ووقفنا دائما على نتائج جديده كشفت ان المشهور والمتسالم الذى تتداوله الكتب ويردده الناس غالبا ما يكون وجهه نظر منحازه توفرت لاصحابها القدره على بثها وكانها الحقيقه الواحده، فكشفت بالتالى عن تصور مقلوب لحقائق التاريخ قد غزا اذهان الناس وصاغ بحسب اتجاهه رويه مقلوبه للعقيده والتاريخ.. وسوف نقف على نتائج مماثله فى غير موضع من بحثنا الاتى فى الفرق الرئيسيه ذات الاثر الهام فى التاريخ الفكرى والسياسى لهذه الامه..

العامل الاول:

الواقع التاريخى للخلافه ونظام الغلبه

كيف كان الواقع التاريخى للخلافه سببا فى نشاه المذاهب، وكيف ترك اثره فى تحديد معالمها؟ قد لمسنا سابقا ان هذا الواقع التاريخى هو الذى افرز مبدا ( سنه الشيخين ) مرجعا تشريعيا بعد الكتاب والسنه! ذلك المبدا الذى وضعت بذرته الاولى يوم اثبت الشيخان قدرتهما فى السقيفه بعد نزاع، وافلحا فى سوق الناس الى البيعه، فتابع الواجم الذاهل، والقى المعارض بيديه، عقب ذلك اداره قويه تميزت بالحزم فى اتخاذ القرار وفى انفاذه، ماليا كان او اجتماعيا او عسكريا او دينيا، ولا بد ان يصحب ذلك كله وجود صنف من الناس الذين جبلوا على طاعه القوى الحازم الذى يمتلك زمام المبادره، وربما شدتهم اليه مصلحه او راى، مما يزيد الحاكم سوددا، وقراره هيبه ونفوذا حتى لا يحول دونه حائل، فترى مبكرا جدا رجالا من ذلك الصنف يهاجمون آل الرسول ونفرا من مقدمى اصحابه اووا اليهم، لا يوقفهم وازع! وسائر الناس من ورائهم تلجمهم رهبه القرار الحازم والجراه فى التنفيذ.. وسارعت الالوف بعد ذلك فى تلبيه نداء الحرب مع اخوان لهم من المسلمين امتنعوا عن نقل الزكاه الى الخليفه اعتراضا على شخصه وطريقه انتخابه ولم يكفروا بحكم الزكاه، فقاتلوهم استجابه للقرار الحازم الذى لا اذن للحوار فيه ولا رجعه عنه، كما قاتلوا آخرين ارتدوا عن الدين صراحه، سواء، وعاملوهم بالاسلوب ذاته حين ساوى قرار الخليفه الحازم بين حجز الزكاه عنه وبين الرده! وهكذا كان ينفذ القرار الحازم بكل قوه ودون ان تكون هناك نافذه للرد والحوار والمناقشه، وان حدث طرف من ذلك فالحسم دائما لصالح قرار الخليفه نفسه، وجرى ذلك فى الامور الدينيه والتشريعيه بنفس القوه، فبدون ادنى (مقاومه) تذكر ينفذ قرار الخليفه فى المنع من روايه احاديث النبى (ص) والافتاء بسنته، والمنع من تدوينها، وفى تعطيلها احيانا، حتى يصبح قرار التعطيل هو السنه وتعود السنه الاولى بدعه! ولقد تحقق هذا فى تفاصيل الصلاه، وفى مناسك الحج، وفى احكام الاحوال الشخصيه، وفى الحقوق الماليه وغير ذلك مما تقدم بحثه، بل نجح قرار الخليفه حتى فى صناعه عباده جديده، كما هو شان صلاه التراويح، بالرغم من ان صانعها نفسه يصفها بالبدعه، الا انها تصبح بعد قليل هى السنه الثابته، ومن خالفها فقد احدث فى الدين! من كل ذلك وامثاله برز مبدا جديد لم تعرفه الامه من قبل، ولا دعااليه كتاب ولا نبى، فكان اساسا فى ظهور فريق جديد يتمحور حوله، ذلك هو مبدا (سنه الشيخين )! ولما كان هذا المبدا قد ولد بفعل قمه الهرم السياسى، ومن ورائه الجمهور العام الذى ينتظم فى سلك الطاعه، لاجل ذلك لم يتخذ طابع مقولات الفرق الحادثه، بل ظهر وكانه الاصل الذى عليه الناس، فمن خالفه فقد خالف ( جماعه المسلمين ) واحدث فى الامه فرقه جديده لا تمنح ( سنه الشيخين ) موقع المرجعيه! وكان الاصل فى الدين هو هذا وليس العكس! ثم ان هذا الواقع قد تمخض عن نظام جديد فى الخلافه، وهو نظام (الغلبه)! ذلك النظام الذى قاد الجمهور العام الداخل فى سلك الطاعه الى مزيد من المبادى الجديده التى تحل دائما بدائل عن المبادى الاصيله التى اقرها القرآن الكريم والسنه المطهره.. ولكونها ايضا قد انبعثت من (القمه) بتاثير الخلافه ومشاريعها الدينيه والسياسيه والثقافيه النافذه على عامه الناس، فقد اكتسبت موقع الاصاله، وصارت من مميزات (الجماعه) التى من خالفها كان مبتدعا، داعيا الى فتنه! وفى الكلام الاتى مزيد من التفصيل:


198

ان نظام الغلبه هذا، الوليد الطبيعى لنظريه الخلافه المستجده بعد الرسول، قد حصر الدين والدنيا فى كلمه واحده، ولكن بعد ان اجرى عليها قدرا كافيا من ( التعديل )! فحين قال تعالى(ياايهاالذين آمنوااطيعواللّه واطيعواالرسول واولى الامرمنكم)((1587)) راينا ان اللّه تعالى قد انزل بيننا قرآنا، وان رسوله قد رحل وترك لنا سنه، فالذى بقى بيننا انما هو (اولوا الامر منكم) الذين سيكونون القاده لنا فى طاعه اللّه ورسوله.

ومنذ اللحظه الاولى لرحيل الرسول ابتدات التعديلات تجرى على الركن الثالث المتبقى، فالغى اولا حق اللّه تعالى وحق الرسول فى اختيار اولى الامر، ليصبح (اولو الامر) ليس هم الموهلون الذين ينبغى ان تسند اليهم الامور، بل ليكتسب معنى جديدا فينسب الى الذين امسكوا فعلا بزمام الامور فالغى مع ذلك حق الامه فى هذا الامر، فى قرار لا يقوم الا على الغاء الحقوق الثلاثه معا وفى آن واحد، ذلك حين يكون من حق نفر عدودين بالاصابع، رجل واحد اواثنين او خمسه، ان يحددوا طريقه الاختيار وفق ما يرون، ثم يختاروا وفق مقاييسهم الخاصه، ثم يملون اختيارهم على الامه بكل الاساليب اللازمه لتثبيته! فامتلك (اولو الامر) من جراء هذا امتيازات جديده رفعتهم فوق مستوى رقابه الامه، ومنحتهم صفه الهيمنه وصلاحيات التحكم بالركنين الاولين - الكتاب والسنه - يحيون منهما ما يشاوون ويميتون ما يشاوون ويخرقون ما يشاوون..

ومن الطبيعى جدا ان يخلف هذا التطور مزيد من (التعديل) يثبت هذه الامتيازات ويقطع جميع السبل التى من شانها ان تحول دون ممارستها، فكان اول تلك التعديلات: الغاء اعتبار كلمه (طع‏دض) الضابطه لاولى الامر، ليصبح هذا المقام مشاعا والناس فيه سواء ما نطقوا بالشهادتين! فلما كانت ثمه عقبات تمثلت فى (خصائص) اقرها القرآن والعقل والعرف السوى ينبغى ان يتحلى بها ولى الامر، كالعداله والعلم بالدين وبالسياسه معا والصلاح، فقد توجه (التعديل) الى هذه الخصال ليطالها جميعا، فتصبح ولايه الامر حقا للجائر الجاهل الفاسق، بل حتى لو عاش عبداللّه بن ابى ‏لصحت له! فلقد واللّه تسلمها رجال ماهم باحسن حالا من شيخ المنافقين ابن ابى بعد ان اسرفوا فى دماء الصالحين الذين يامرون بالقسط، وبعدما زوروا فى معالم الدين وبدلوا فى احكامه، مما عجز عبداللّه بن ابى عن يسير منه! ومع كل هذه (التعديلات الدستوريه) التى اجريت لصالح (اولى الامر) فان الواجب الملقى على عاتق الامه قد ابقى على حاله، فما زالت الامه ملزمه بطاعه (اولى الامر) ومسالمه من سالمهم ومحاربه من حاربهم، تماما كما لو كان ولى الامر قد جاء باختيار من اللّه ومن رسوله او من الامه باجماع تام صحيح، وقد توفر على جميع تلك الخصائص المعروفه من العدل والعلم والصلاح! فلم يعد فى ظل هذا الفقه حفظ الدين واقامه حدوده هو الغايه، ولا حفظ الامه وتوفير حقها فى الامن والمساواه واسباب الهدايه والمعرفه كذلك.. بل اصبحت الغايه الوحيده هى حفظ العرش لشخص الحاكم الذى اعتلاه وامسك بالسيف من فوقه، وليس مهم باى طريقه اعتلاه! انما على هذا الدين ان يوفر له شرعيته ويحرم مخالفته، ثم يطاوعه كيف يشاء.. وعلى الامه كذلك ان تعلم ان كل وجودها انما هو لحفظ سلامه العرش لصاحبه ما دام حيا!! - وهذا هو الاصل فى اول افتراق وقع فى الامه بعد غياب رسول اللّه(ص)، وقد تمدد مع الزمن ليكتسب كل مقومات الفرقه الواقعيه، سياسيا وفكريا وعقيديا وفقهيا، حين انحصرت مصادره بالابواب التى فتحها الامراء او اذنوا بها، وادار ظهره لغيرها مما حاربه‏الامراء وحظروه، فصار ما ترشح عن المصادر الماذونه هو الدين والعقيده والثقافه، فلا شك بعد ذلك ان يرون ما خالفه بدعا فى الدين منكرا!! - ومن هذا الاصل ذاته اكتسبت هذه الفرقه فى ما بعد اسمها الذى تميزت به (اهل السنه والجماعه).

نشاه التسميه باهل السنه والجماعه :

تكاملت هذه التسميه على مرحلتين، عرف فى المرحله الاولى لقب (الجماعه) اطلقه الامويون على العام الذى تم فيه تسليم الملك لمعاويه وانفراده به، فقالوا: عام الجماعه((1588))..

لكنها الجماعه التى تاسست على الغلبه ولصالح الفئه الباغيه، بلا نزاع فى ذلك! ورغم ذلك فقد بقى الانتماء للجماعه رهنا بطاعه الحاكم والانصياع لامره حتى بالباطل، ومن تمرد على الحاكم فى احياء سنه اماتها الحاكم او اطفاء بدعه احياها، فهو خارج على الطاعه مفارق ل (الجماعه) مستحق للعقاب النازل على المفسدين فى الارض! فهكذا كان قضاوهم على الصحابى الجليل حجر بن عدى الذى كان ينكر على المغيره وزياد سبهم امير المومنين على ابن ابى طالب، وكلما تمادوا فى ذلك صعد من انكاره، فكتب زياد الى معاويه فى حجر واصحابه: انهم خالفوا (الجماعه) فى لعن ابى تراب، وزروا على الولاه، فخرجوا بذلك من الطاعه((1589))! فقتلهم معاويه، واحتج بقوله: انى رايت قتلهم صلاحا للامه، وان بقاءهم فساد للامه((1590))! يقول ابن العربى: جعله معاويه ممن سعى فى الارض فسادا - يعنى حجر الخير -((1591))!! هكذا، فالصلاح والفساد انما يحدده معاويه، وليس للّه حكم ولا شريعه! شان اى حكم استبدادى ليس له ادنى صله بالدين.. وما زالت مخالفه اهواء الامراء تعد خروجا على (الجماعه) ودخولا فى الفتنه، حتى لو كان المخالف لهم سبط رسول اللّه (ص) وريحانته سيد شباب اهل الجنه! يقول ابن العربى فى تبرير قتل الحسين (ع): (ما خرج عليه احد الا بتاويل، وما قاتلوه الا بما سمعوه من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، والمحذر من الدخول فى الفتن! واقواله فى ذلك كثيره، منها قوله (ص): (انه ستكون هنات وهنات، فمن اراد ان يفرق امر هذه الامه وهى جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)((1592))! وكان النبى (ص) كان يخاطب الحكام الذين سيملكون وان كانوا فراعنه الزمان، ولم يكن خطابه للمومنين الذين اخذ عليهم الميثاق (لتامرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتاخذن على يد الظالم، ولتاطرنه على الحق اطرا)!! هكذا قلب الدين راسا على عقب حين جردت كلمه (الامير) من كل مقوماتها وضوابطها الشرعيه لتصبح لقبا من نظير (الفرعون) و (النمرود) و(القيصر) و (كسرى) التى كانت الامم الاخرى تلقب بها الحاكمين! ويصبح (الذين‏يامرون‏بالقسط من الناس) مفسدين فى الارض، خارجين على (الجماعه) ساعين فى الفتنه! وبقيت الجماعه رهن بطاعه (الخليفه) دون النظر الى طريقه استخلافه، والى دينه او اخلاقه او عقله.. خطب الوليد بن عبدالملك يوم بويع له بالخلافه، فقال: (ايها الناس، عليكم بالطاعه، ولزوم الجماعه، فان الشيطان مع الواحد! ايها الناس من ابدى لنا ذات نفسه ضربنا الذى فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه)((1593))! هذه هى فلسفه الطاعه والجماعه عندهم، والتى بقيت تميز اهلها عن غيرهم ممن لا يعتقد بالولاء لحكام الجور والفساد..


199

اما ما يدعيه البعض من ان (الجماعه) ماخوذه من متابعه اجماع الصحابه واجماع السلف، فانما هى دعوى لا يسندها الواقع بشى‏ء، فاى امر هذا الذى اجمع عليه السلف ثم تميزت به هذه الطائفه عن غيرها من الطوائف؟! لكن المشكله تكمن فى انهم اختزلوا مساحه (السلف) لتشمل فقط القائلين بامامه كل متغلب وحرمه الامر بالمعروف والنهى عن المنكر حين يراه (الامير) فسادا! فمن‏هنا كان السلف فى هذه القضيه انما هو عبداللّه بن عمر فى رايه الشاذ! ومره اخرى يكون ابن عمر هو السلف حين يقول بالتفضيل بين الصحابه بحسب الترتيب الذى فرضه الواقع التاريخى وناصره الامويون((1594))! وهكذا مع سائر القضايا التى تميزوا بها.. وهيهات ان تجد قضيه اجمع عليها علماء السلف وصالحيهم ثم تمسكت بها هذه الفرقه دون غيرها! اما العكس فامثلته كثيره، فى العقيده وفى الفقه معا:

فحين كان اجماع الصحابه على ان الصحابى لا يقطع بعدالته، بل قد يتهم بالكذب و الغش والخيانه والزنا، ويعزر ويقام عليه الحد، وترد احاديثه ويكذب عليها، لا يختلفون فى ذلك كله قيد شعره وتاريخهم ثابت فيه، وعليه سائر المسلمين.. خالف فيه اهل (الجماعه) وقالوا بعداله الصحابى، ذلك المبدا الذى روج له الامويون، وكان من احسن ما نفعهم من مبادى ابتدعوها!

ولما كان اجماع الصحابه وعلماء

الطبقه الاولى من التابعين على تسطيح القبور، وقال به كثير من المسلمين، خالف فيه (اهل السنه والجماعه) لحديث سفيان التمار، وهو من رجال العهد الاموى، لم يدرك احدا من الصحابه بل حدث عن التابعين من طبقه محمد بن الحنفيه وسعيد بن جبير وعكرمه((1595))، فهو اول من روى تسنيم القبور، فقال البيهقى فى التوفيق بين حديث سفيان والاحاديث المتقدمه عليه الصريحه بالتسطيح، ما نصه: (فكانه - اى قبر النبى(ص) - غير عما كان عليه فى القديم! فقد سقط جداره فى زمن الوليد بن عبدالملك وقيل فى زمن عمر بن عبدالعزيز، ثم اصلح) فالتسنيم اذن اموى الميلاد، اما علته فهى فى آخر كلام البيهقى اذ واصل يقول: (وحديث القاسم بن محمد - فى التسطيح - اصح واولى ان يكون محفوظا، الا ان بعض اهل العلم من‏اصحابنا استحب التسنيم فى هذا الزمان لكونه جائزا بالاجماع، وان التسطيح صار شعارا لاهل البدع)((1596))! واهل البدع هنا مصطلح جامع لمن لم يخضع للولاء الاموى معتقدا صحته، وفى طليعتهم الامه المتمسكه بالولاء لال رسول‏اللّه(ص)، والذين تميز باسم (الشيعه) واطلق عليهم التاريخ لقب الرافضه! ترى كيف اصبحت السنه الصحيحه شعارا لاهل البدع دون (اهل السنه والجماعه)؟!

ومثل ذلك يقال مع صيغه الصلاه

على النبى اذا ذكر، فقد اصبحت الصلاه المسنونه شعارا (لاهل البدع)!! والصلاه البتراء التى حذف منها (آل محمد) شعارا (لاهل الجماعه) تاثرا بالنزعه الامويه.. وامثله هذا الباب كثيره تصلح وحدها موضوعا لدراسه مستقله.

- اما لفظ (السنه) فلم يظهر مقرونا بلفظ (الجماعه) فى بادى الامر، بل ظهر بمفرده اولا فى العهد الاموى ايضا للتمييز بين المنتظمين فى سلك (الجماعه) وبين الاخرين الذين مازالوا يومنون بقداسه الدين التى تابى ان يكون رجال بنى‏اميه هولاء زعماء له ناطقين باسمه، فاذا قيل (اهل السنه) فانما يراد بهم اهل الطاعه و (الجماعه) انفسهم، واما الاخرون فهم اهل البدع.. ولعل اول ظهور لهذا التقسيم هو الذى جاء فى حديث ابن سيرين - المتوفى سنه 110 هـ - القائل: (كانوا لا يسالون عن الاسناد حتى وقعت الفتنه، فلما وقعت الفتنه سالوا عن الاسناد، ليحدث حديث اهل السنه ويترك حديث اهل البدعه)((1597)). وكان ابن سيرين رجل علم وعباده ، مبتعدا عن السلاطين لايجى‏ء اليهم ولا يعيبهم، وكان صلبا امامهم((1598))، ولم يكن له ذكر فى القراء الذين نهضوا على الحجاج سنه 82 هـ((1599)).. فمن هم اهل البدع عنده؟ لقد وجدناه يقول فى معاويه بن ابى سفيان: (كان معاويه لا يتهم فى الحديث عن النبى (ص))((1600)). فهل كان معاويه فى من يستثنى من اهل البدع، ام انه عنده من اهل السنه؟ ان الميزان الذى وضعوه لتمييز البدعه من السنه هو الواقع التاريخى للخلافه والثقافه التى افرزها، فلم يكن لعن على والحسن والحسين والبراءه منهم بدعه، لكن تفضيل على على عثمان وحده بدعه!! فليس معاويه وحده مستثنى، بل عقيدته هذه كلها ليست مما يخدش فى السنه! وغدا سوف ياتى (خليفه) آخر اشد عداء لال رسول اللّه (ص) من معاويه فلا يمنع ذلك من ان يسمى (ناصر السنه) ذلك هو المتوكل العباسى.. قيل فيه ذلك لانه وضع حدا للمعتزله الذين كانوا يمتحنون الناس على القول بخلق القرآن، ونصر الامام احمد بن حنبل وافرج عنه وانتصر لعقيدته، فكان احمد قد سمى (امام السنه) لصبره على تلك المحنه((1601)) ، وقالوا فى المتوكل: اظهر السنه وتكلم بها فى مجلسه وكتب الى الافاق برفع المحنه وبسط السنه ونصر اهلها..((1602)) وهو الذى احيا السنه وامات التجهم((1603)).. وذلك رغم قولهم فيه: كان فيه نصب ظاهر وانهماك على اللذات والمكاره((1604))!! وكان شديد البغض لعلى (ع) ولاهل بيته، يقصد من يبلغه عنه انه يتولاهم باخذ المال والدم، وكان من جمله ندمائه عباده المخنث، يشد على بطنه تحت ثيابه مخده ويكشف راسه، وهو اصلع، ويرقص بين يدى المتوكل، والمغنون يغنون: (قد اقبل الاصلع البطين - خليفه المسلمين) يحكى بذلك عليا (ع)، والمتوكل يشرب ويضحك..


200

وكان يبغض من تقدمه من الخلفاء - المامون، والمعتصم، والواثق - فى محبه على واهل بيته، وانما كان ينادمه ويجالسه جماعه قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلى، منهم: على بن الجهم الشاعر الشامى، وابو السمط من ولد مروان بن ابى حفصه من موالى بنى اميه، وابن اترجه العباسى الهاشمى((1605)).. وهدم قبر الحسين(ع) وهدم ماحوله من المنازل وامر ان تحرث وتزرع، ومنع الناس من اتيانها((1606))! صحيح ان هذا الفعل لم يكن مرضيا لديهم، بل وصفه بعضهم بانه السيئه التى غطت على جميع حسنات المتوكل، لكن هذا الصنع كله لم يخرج المتوكل((1607)) من اهل السنه الى اهل البدعه!!

كيف ميزوا بين (اهل السنه) و (اهل البدعه) فى هذا العهد ؟

- سئل (امام السنه) احمد بن حنبل فى من قدم عليا على عثمان فى الفضل، فاجاب: (هذا اهل ان يبدع)((1608)).

- وساله المتوكل عن اشخاص من اهل العلم، من منهم يصلح للقضاء؟ فكتب اليه فيهم فردا فردا، ثم ختم كتابه بقوله: (ان اهل البدع والاهواء لا ينبغى ان يستعان بهم فى شى‏ء من امور المسلمين، فان فى ذلك اعظم الضرر على الدين، مع ما عليه راى امير المومنين اطال اللّه بقاءه من التمسك بالسنه والمخالفه لاهل البدع)((1609))! فما زال المتوكل مع ما عليه من النصب ومجالس السخريه بالامام على(ع)، ما زال متمسكا بالسنه، مخالفا لاهل البدع! - وما زال احمد بن حنبل يوثق اشد الناس نصبا وتماديا فى شتم على واهل البيت، ويطريهم احسن الاطراء، ولنا فى (حريز بن عثمان) وحده دلاله كافيه، هذا الذى كان يستعيض عن ذكر اللّه بشتم الامام على، يقول فيه احمد بن حنبل (ثقه، ثقه، ثقه) وهو فى الوقت نفسه يقول: (كان يحمل على على)((1610))!! - اما القسم الاخر من (اهل البدعه) فهم (الجهميه) المعطله الذين عطلوا الصفات وقالوا بخلق القرآن.

كيف اظهر المتوكل السنه ونشر الحديث ؟

تحت مثل هذا العنوان كتب ابن الجوزى: ان المتوكل اشخص الفقهاء والمحدثين، وكان فيهم: مصعب الزبيرى، واسحاق بن ابى اسرائيل، وابراهيم بن عبداللّه الهروى، وعبداللّه وعثمان ابنا محمد بن ابى شيبه وكانا من حفاظ الناس، فقسمت بينهم الجوائز، واجريت عليهم الارزاق، وامرهم المتوكل ان يجلسوا للناس وان يحدثوا بالاحاديث التى فيها الرد على المعتزله والجهميه، وان يحدثوا بالاحاديث فى الرويه((1611))..

ومثل هذه الاجواء سوف تفتح بابا فسيحا للكذب ووضع الحديث، كالذى حدث فى فضائل الصحابه زمن معاويه، فوضعت احاديث كثيره فى الصفات تفيد التجسيم، وفى الرويه، وفى قدم القرآن مما ليس له اصل فى الاسلام، ولم يعرف قبل هذا التاريخ((1612)).

وفى هذه الاجواء نشطت عقيدتى (التشبيه) و (التجسيم) المنحر فتين، افراطا فى رد عقيده (التعطيل) المنحرفه الاخرى التى تعززت فى عهود ثلاثه من الحكام العباسيين تعاقبوا على الحكم، المامون، والمعتصم، والواثق، وكان لهذه العقائد المنحرفه ظهور قبل هذا التاريخ، وسوف ياتى ذكرها فى محله ان شاء اللّه تعالى.

- الى هنا يبدو ان لقب (اهل السنه) كان له ظهور فعلى فى هذه المرحله بالذات، مرحله احمد بن حنبل والمتوكل، فى خضم الصراع الفكرى حول العقيده فى الصفات وقضيه القرآن، اهو قديم ازلى قدم الخالق جل جلاله، ام هو حادث مخلوق للّه تعالى! ذلك الصراع الذى كان مصحوبا بالعنف فى اكثر مراحله.

وفى الوقت ذاته كان له ظهور اكثر من قبل فى الصراع الدائر حول قضيه الامامه والخلافه والتفاضل بين الصحابه والموقف من النزاعات الواقعه بينهم، وتعود الزياده فى الظهور ازاء هذا الموضوع لتطور حركه التنظير فيه، وتراكم الاراء المتلاحقه، دون ان يحدث تغيير فى المتبنيات الاساسيه.

وقد تقدم الحديث عن لقب (الجماعه).. اما اجتماع الشطرين فى التسميه ب: (اهل السنه والجماعه) فلم يثبت بالتحديد اول ظهور له، لكنه على الاقل لم يكن ظاهرا حتى هذه المرحله التى نحن بصددها.

متى اعترف (اهل السنه) بخلافه على ؟

لا شك انه ليس كل من صوب خلافه ابى بكر وعمر وعثمان قد اسلم دينه لمعاويه، يثبت منه ما يشاء كيف يشاء ويمحو ما يشاء! بل منهم كثيرون لعنوه، وكثيرون تبراوا منه، وكثيرون خطاوه وادركوا حجم الفساد الذى ادخله على هذا الدين والقاه على كاهل هذه الامه.


201

واستمر هذا الوعى فيهم فى جميع الاعصار، ولعله فى عصرنا الحاضر اشد تالقا واكثر انصارا.. لكن المشكله تكمن فى ان اعصار الصراع الطائفى تغذى العصبيه، فتذهب بكل قول او موقف تبدو عليه بصمات الاعتدال والموضوعيه، ليظهر فقط ما يغذى العصبيه وهى فى اوج حاجتها اليه، فتبرز المواقف الشاذه، والغير المسووله، وحتى الجبانه والذليله، ليشتد التمسك بها، ويتخذ اصحابها (سلفا) اولى ان يقتدى به دون غيره.. وفى مزدحم العصبيات تغلب على (اهل السنه والجماعه) الراى الشاذ الذى لا يعترف بخلافه الامام على (ع)، ودان به حتى اهل العلم والفقه والحديث منهم، حتى ثبتها احمد بن حنبل، لكن بقيت فى زمنه محل نزاع الى ان استقرت كما ثبتها، وفق الترتيب التاريخى، الذى جعله مقياسا للتفاضل بينهم ايضا! - قيل لسفينه مولى رسول اللّه (ص): ان هولاء يزعمون ان عليا (ع) لم يكن بخليفه! قال: كذبت استاه بنى الزرقاء! يعنى بنى مروان((1613)).

- واول من حذف اسم على من الخلفاء هو معاويه حين كان يخطب فيذكر ابا بكر وعمر وعثمان ثم يتحدث عن نفسه وسياسته ولا يذكر عليا (ع)، بل يذكره فى آخر خطبته بالشتم والسب واللعن! ذلك لان له منزله فى قعر جهنم لا يبلغها الا بلعن اخى رسول اللّه وصفيه! ومضى بنو اميه على ذلك فى جمع احوالهم، فى السر والعلن، حتى روى عن سليمان بن عبدالملك انه نظر فى المرآه ايام خلافته فاعجبه شبابه، فقال: (كان محمد (ص) نبيا، وكان ابو بكر صديقا، وكان عمر فاروقا، وكان عثمان حييا، وكان معاويه حليما، وكان يزيد صبورا) فيقفز من عثمان الى معاويه فيزيد حتى يبلغ ذكر نفسه فيقول: وانا الملك الشاب((1614)).

فحتى فى مثل هذه الاحاديث لا يذكرون عليا (ع) بالخلافه! - ودخلت رويتهم هذه فى الاحاديث المنسوبه الى النبى (ص)!! كحديث رويا الميزان الذى يزن فيه النبى (ص) وابو بكر فيرجح النبى (ص)، ويزن ابو بكر وعمر فيرجح ابو بكر، ويزن عمر وعثمان فيرجح عثمان، ثم يرتفع الميزان!! وعزز ذلك كله الحديث الموقوف على ابن عمر فى التفضيل الذى يقول انهم كانوا على عهد رسول اللّه (ص) يفاضلون فيقولون: ابو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم يسكتون فلا يذكرون احدا بعدهم!! والعله كلها ان الذى جاء بعد عثمان فى الخلافه على، ولو كان الزبير او سعد او طلحه لما سكت ابن عمر ولا سكتوا.

فترسخت تلك الرويه، حتى اصبحت من الثوابت التى تميز (الجماعه) ثم (اهل السنه) حتى جاء احمد بن حنبل، فاظهر التربيع فى الخلافه! وكتب بذلك فى جوابه الى مسدد بن مسرهد يصف له السنه، فذكر الاربعه بحسب الترتيب الواقع فى الخلافه، فقال: (هم واللّه الخلفاء الراشدون المهديون)((1615)).

فاثار كلامه جدلا ونزاعا بين (اهل السنه):

- قال وريزه الحمصى: دخلت على ابى عبداللّه احمد بن حنبل حين اظهر التربيع بعلى (رضى‏اللّه)، فقلت له يا ابا عبداللّه، ان هذا طعن على طلحه والزبير! قال: بئسما قلت! وما نحن وحرب القوم وذكرها؟ فقلت: اصلحك اللّه، انما ذكرناها حين ربعت بعلى واوجبت له الخلافه وما يجب للائمه قبله! فقال لى: وما يمنعنى من ذلك؟! قلت: حديث ابن عمر.. فقال لى: عمر خير من ابنه، وقد رضى عليا للخلافه على المسلمين وادخله فى الشورى، وعلى بن ابى طالب قد سمى نفسه امير المومنين، افاقول انا: ليس للمومنين بامير؟! قال: فانصرفت عنه((1616))! - ولقد حاول احمد بن حنبل ان يذكر باشياء من حق على (ع) الذى غيبته مدارس ثقافيه كافحت فى هذا السبيل نحو قرنين من الزمن..

قال احمد بن حنبل: ما لاحد من الصحابه من الفضائل بالاسانيد الصحاح مثل ما لعلى (رضى‏اللّه)((1617)).

وقال: على من اهل بيت لا يقاس بهم احد((1618))! وسئل يوما: ما تقول فى هذا الحديث الذى يروى، ان عليا قال: (انا قسيم النار)؟ فقال: وما تنكرون من ذا؟ اليس روينا ان النبى (ص) قال لعلى: (لا يحبك الا مومن، ولا يبغضك الا منافق)؟..

قالوا: بلى..

قال: فاين المومن؟.. قالوا: فى الجنه..

قال: فاين الكافر؟.. قالوا: فى النار..

قال: فعلى قسيم النار((1619)).

- ويصحح انحرافا منهجيا وقع فيه احد (ائمه) الجرح والتعديل، يحيى بن معين، اذ نسب الشافعى الى (بدعه) التشيع، ودليله فى ذلك انه نظر فى كتاب للشافعى فى قتال اهل البغى، فاذا قد احتج فيه من اوله الى آخره بعلى بن ابى طالب!! فقال له احمد: عجبا لك! فبمن كان يحتج الشافعى فى هذا واول من ابتلى به على بن ابى طالب؟ وهو الذى سن قتالهم واحكامهم، وليس عن النبى ولا عن الخلفاء غيره فيه سنه، فبمن كان يستن؟! فخجل يحيى((1620))! فانظر الى حجم الانحراف الفكرى الذى اصاب الكبار، وحتى ائمه الجرح والتعديل! علما ان يحيى بن معين يعد معتدلا جدا قياسا بالجوزجانى - وهو ايضا من ائمه الجرح والتعديل - الذى لم يكن يخف بغضه لعلى واهل البيت (ع)! لكن يبقى العجب من احمد بن حنبل كيف مع هذا كله بقى يعتمد احاديث النواصب ويوثقهم ولا يعدهم فى المبتدعين، وهو يعلم انهم منافقون بحكم الحديث الصحيح الذى احتج به آنفا (لا يبغضك الا منافق)!!


202

مركز دائره التاثير الثقافى :

هناك دائره تقع خلف الحجاب المواجه للنور وتقابل مركزه، تسمى دائره الظل التام، تحيط بها على تماس بينهما دائره اقل خضوعا لتاثير الحجاب، تسمى دائره شبه الظل.. وفى دائره شبه الظل وقع الكثير من الاعلام وسواد الناس الذين نظروا الى الخلافه الاولى نظره تقديس، فاعتقدوا بتاخير اهل البيت (ع) عن منزلتهم الحق، وقدموا عليهم آخرين بتفاضل موهوم صنعه الواقع التاريخى للخلافه لا غير، دون ان يحملوا فى قلوبهم سوءا وغيضا وحسدا او حقدا على احد من اهل البيت (ع)، بل اظهروا حبهم والدفاع عنهم بالكلمه او بالاشاره ولو الى خاصه اصحابهم، فلم يقعوا تحت دائره التاثير التام لنظام الغلبه، والمنهج الثقافى الذى تبناه..

فالشافعى لا يتحفظ من المجتمع فى اظهار حبه لاهل البيت (ع)، حتى يصفوه ب (الرفض) وليس التشيع فقط!! فانشد فى ذلك شعرا كثيرا يوكد ما هو عليه من حب، وان ما يقال فيه لا يزيده الا اصرارا عليه:

ان كان حب الولى رفضا فاننى ارفض العباد((1621)) ويقول:

اذا فى مجلس نذكر عليا وسبطيه وفاطمه الزكيه يقال: تجاوزوا ياقوم هذا فهذا من حديث الرافضيه برئت الى المهيمن من اناس يرون الرفض حب الفاطميه((1622)) اما ابو حنيفه فقد خرج من ولاء الامويين الى ولاء الثورات العلويه منذ ثوره زيد الشهيد، وبعده محمد وابراهيم اولاد عبداللّه بن الحسن، حتى مات على ذلك فى سجن ابى جعفر المنصور((1623)). وحتى من كان فيه مداراه وتقيه، كالحسن البصرى، فقد اظهر فى متنفساته ما يبعده عن تلك الدائره، وكلمته فى معاويه هى من اشهر ما قيل فيه: (اربع خصال كن فى معاويه، لو لم يكن فيه الا واحده لكانت موبقه: انتزاوه على هذه الامه بالسيف.. و استخدامه بعده ابنه سكيرا خميرا.. وادعاوه زيادا.. وقتله حجرا واصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر! ويا ويلا له من حجر)!!((1624)) وكان من تقيته انه اذا حدث عن على (ع) لم يذكر اسمه، بل يرسله فيقول: قال رسول اللّه (ص)، فقيل له: انك تقول قال رسول اللّه (ص) وانك لم تدركه؟! فقال للسائل: يا ابن اخى قد سالتنى عن شى‏ء ما سالنى عنه احد قبلك، ولولا منزلتك منى ما اخبرتك، انى فى زمان كما ترى، فكل شى‏ء سمعتنى اقول: قال رسول اللّه (ص)، فهو عن على بن ابى طالب غير انى فى زمان لا استطيع ان اذكر عليا!((1625)) وكان الاعمش، وابو اسحاق السبيعى، والنسائى، والحاكم النيسابورى اظهر حبا لاهل البيت (ع) من الحسن البصرى، ولعلهم اشبه بالشافعى من غيره.

وهذا الاتجاه هو الذى غلب فى ما بعد على ثقافه الجمهور من (اهل السنه والجماعه) وظهر بشكل اكثر وضوحا وتركيزا لدى اصحاب الاتجاه الصوفى.

لكن الذين وقعوا فى دائره الظل التام من اهل الاثر العلمى، بعد عصر الهيمنه الامويه والعباسيه، كانوا افرادا اصبح لهم بعد ذلك اتباع اخذوا بمناهجهم واقتفوا آثارهم، واهم هولاء الافراد ثم الجماعات:

ا - ابن حزم : الفارسى الاصل، الاموى الولاء، كان جده مولى يزيد بن ابى سفيان الاموى امير دمشق قبل اخيه معاويه..

الظاهرى المذهب، القرطبى المولد، المولود سنه 384 هـ ، و المتوفى سنه 456 هـ، الذى قرن لسانه بسيف الحجاج، فقيل: (كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين)! وقيل فى لسانه ايضا: (لم يتادب مع الائمه فى الخطاب، بل فجج العباره، وسب وجدع، فكان جزاوه من جنس فعله)!((1626)) ب - ابو بكر ابن العربى : العربى الاصل، الاندلسى الاشبيلى المولد، المالكى المذهب، المولود سنه 468 هـ والمتوفى سنه 543 هـ، الذى عمل قاضيا باشبيليه فحمدت سيرته اولا، ثم عزل لاجل شدته وسطوته! ومع ما كان عليه من شده وسطوه فقد (تعلق باذيال الملك، ولم يجر مجرى العلماء فى مجاهره السلاطين وحزبهم، بل داهن)! وكان منافرا لابن حزم، متحاملا عليه، سلط عليه لسانه وقلمه، فمما قاله فيه ممهدا بذكر الظاهريه، فيصفهم بانهم (امه سخيفه) وان مبداهم انما هو من سنخ مبدا (الخوارج) حين قالوا: لا حكم الا للّه.. لينتقل الى ابن حزم، فيقول: (وجدت القول بالظاهر قد ملا به المغرب سخيف كان من باديه اشبيليه يعرف بابن حزم... وقد جاءنى رجل بجزء لابن حزم سماه (نكت الاسلام) فيه دواهى، فجردت عليه نواهى! وجاءنى آخر برساله فى الاعتقاد((1627))، فنقضتها برساله (الغره) والامر افحش من ان ينقض)((1628)).


203

ج - ابن تيميه : الغير المعروف الاصل، الشامى الحرانى المولد، الحنبلى المذهب، المولود سنه 661 هـ، والمتوفى سنه 728 هـ، الفقيه المعروف بالحده والتطرف، والذى واخا الشقيقين: سيف الحجاج، ولسان ابن حزم! والذى شذ فى مسائل كثيره فى الفقه وفى العقيده، فوصفه كثير من العلماء بالنفاق وبالضلال والزندقه بسبب ذلك((1629))! فيما اتخذه بعض المتاخرين اماما فى الفقه والفكر والعقيده.

وقد تقدم فى مباحث هذه الدراسه ذكر الكثير من اقوال الاعلام الثلاثه العائده الى هذا المنهج الخاط‏ى.

د - (السلفيه) و (الوهابيه) : ان هذا المنهج الخاط‏ى قد اصبح فى مابعدمذهبا لفرقه، بعد ان كان موقفا لافراد.. لقد اتخذت منه الفرقه الوهابيه - الحادثه فى القرن الثانى عشر الهجرى على يد محمد بن عبدالوهاب النجدى، المولود سنه 1111 ه والذى ابتدا دعوته سنه 1143 ه، وتوفى سنه 1206 هـ - اتخذت منه، جمله وتفصيلا، مذهبا تدين به فى تحديد الرويه ازاء نظريه الخلافه ونظام الحكم فى الاسلام، وازاء الموقف من الصحابه ومجمل الاعتقاد فيهم، وازاء التاريخ قراءه ونقدا وتقويما.. ذلك حين اتخذت من تراث ابن تيميه وكتاب (العواصم من القواصم) لابن العربى مصدرا معرفيا اساسا تستلهم منه الفكر والمعتقد والمنهج.

وغير (الوهابيه) كثير من دعاه (السلفيه) ايضا قد تبنوا هذا المنهج حين منحوا تلك المصادر ذاتها الموقع ذاته.

ويبقى الفارق بين الفريقين اكبر من مجرد الانتساب الى دعوه محمد بن عبدالوهاب او عدمه، فدعاه (السلفيه) ما زالوا اقرب الى تلك المصادر ماده وروحا، وربما تغافلوا عن بعض صفحاتها المنكره فلم يرددوا اصداءها، بل ربما مسوا ببعضها مسا خفيفا او غمزوها غمزا لطيفا((1630))، فيما يعد هذا فى نظر (الوهابيه)امرا منكرا فى غايه النكاره.. ولقد جاوز الوهابيون الحد فى التطرف حتى اكفروا كافه المسلمين ولم يستثنوا احدا وراء دائرتهم الضيقه دائره الظل التام، واستباحوا الدماء والاعراض والاموال، وجاوزوا فى ذلك القول الى العمل فى سلسله من الحروب خاضوها مع المدائن الاسلاميه المحيطه بهم فى الحجاز وجنوب العراق((1631)).

والاتجاهان معا: السلفيه، ابتداء من القاضى ابى يعلى الحنبلى المتوفى سنه‏457 هـ، وابن الزاغونى المتوفى سنه 527هـ، مرورا بابن تيميه المتوفى سنه‏728هـ، وابن قيم الجوزيه المتوفى سنه 751 هـ، وانتهاء برجالهم المعاصرين.. والوهابيه، ابتداء بمحمد بن عبدالوهاب المتوفى سنه 1206هـ، وانتهاء برجالهم المعاصرين، امتازوا جميعا بعقائد مشتركه نسبوها الى السلف مجازفه، ولم يكن لهم فيها سلف صدق، حتى كثر النقد عليهم فى ذلك، فقيل فى اول رجالهم، ابى يعلى: (لقد شان ابو يعلى الحنابله شينا لا يغسله ماء البحار)!((1632)).

قال ذلك فقهاء الحنابله انفسهم، وفى ابن الزاغونى قالوا: (ان فى قوله من غرائب التشبيه ما يحار فيه النبيه)!((1633)) وقولهم وقول غيرهم فى ابن تيميه اكثر واشهر!((1634)) اما محمد بن عبدالوهاب فهو الاوفر حظا فى الطعن والتجريح من فقهاء الحنابله انفسهم، واولهم اخوه الفقيه سليمان بن عبدالوهاب((1635))، ومن غيرهم، لانه كان مفتقرا الى الكثير مما توفر عليه سابقوه من ماده العلم واسباب الاجتهاد.

كان هذا هو الاثر الاول من آثار نظريه الخلافه ونظام الغلبه، وقد اصبح المحور الاساس الذى تتمحور من حوله اكبر فرق المسلمين واولها نشوءا، ثم يتفاوت اتباع هذه الفرقه فى ما بينهم فى درجه القرب او البعد من هذا المحور.

الصحيح فى معنى السنه والجماعه :

الاسلام لم يقل يوما ان السنه هى سنه الحاكم وارادته، ولا قال يوما ان الجماعه جماعته ومن دان بالطاعه والولاء له، وحاشا ان يقول ذلك فيتحول من رساله الهيه هاديه للبشر جميعا وفى كل زمان الى سلم يركبه الطامحون للحكم! سئل الامام على (ع): ما السنه؟ وما البدعه؟ وما الجماعه؟ وما الفرقه؟ فقال (ع): (اما السنه، فسنه رسول اللّه (ص).. واما البدعه، فما خالفها..

واما الفرقه، فاهل الباطل وان كثروا.. واما الجماعه، فاهل الحق وان قلوا) ((1636)). وفى جواب طويل له (ع) على مثل هذا السوال ايضا، قال: (اما اذا سالتنى فافهم عنى ولا عليك ان لا تسال عنها احدا بعدى:

فاما اهل الجماعه، فانا ومن اتبعنى وان قلوا، وذلك الحق عن امر اللّه وامر رسوله..((1637)) واما اهل الفرقه، فالمخالفون لى ومن اتبعنى، وان كثروا..

واما اهل السنه، فالمتمسكون بما سنه اللّه لهم ورسوله، وان قلوا، وان قلوا.. واما اهل البدعه، فالمخالفون لامر اللّه ولكتابه ورسوله، العاملون برايهم واهوائهم وان كثروا، وقد مضى منهم الفوج الاول وبقيت افواج..)((1638)).


204

ونقل ابن القيم عن ابى شامه فى (الحوادث والبدع)، قوله:

حيث جاء الامر بلزوم الجماعه، فالمراد به لزوم الحق واتباعه وان كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا((1639)).

وعن عبداللّه بن مسعود: ان جمهور الجماعه الذين فارقوا الجماعه! الجماعه ما وافق الحق وان كنت وحدك!((1640)).

وسئل اسحاق بن راهويه عن السواد الاعظم الذى جاء فى الحديث (اذا رايتم الاختلاف فعليكم بالسواد الاعظم) فاجاب قائلا: (محمد بن اسلم الطوسى واصحابه ومن تبعه هو السواد الاعظم) ثم فسر ذلك : (لم اسمع عالما منذ خمسين سنه كان اشد تمسكا باثر النبى (ص) من محمد بن اسلم)((1641))! وذكر البيهقى حديث اسحاق بن راهويه هذا، فقال: صدق واللّه، فان العصر اذا كان فيه عارف بالسنه داع اليها فهو الحجه، وهو الاجماع، وهو السواد الاعظم، وهو سبيل المومنين التى من فارقها واتبع سواها ولاه اللّه ما تولى واصلاه جهنم وساءت مصيرا((1642))! فاذا قرات عن ائمه اهل البيت (ع) انهم قالوا: (نحن حزب اللّه الغالبون)((1643)) فانما ذلك المعنى ارادوا، فهم الجماعه، وهم اهل السنه، ومن خالفهم فاولئك اهل الفرقه والبدعه، ذلك لان هذا هو الحق الذى به امر اللّه تعالى الذى اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، واصطفاهم، وبه امر رسول اللّه (ص) فى قوله: (انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا) لن تكونوا من اصحاب الفرقه والبدعه، انما انتم الجماعه واهل السنه وسبيل المومنين، ذينك: (كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض).

المارقون :

هم ايضا من ضحايا الواقع التاريخى للخلافه وتقلباته.. وتقدم الحديث عن ظهورهم الاول فى قصه التحكيم ايام صفين، ولم يكن لهم فى دور تكوينهم الاول مقوله يتميزون بها الا (لا حكم الا للّه) فى معارضه التحكيم.. فلما تميزوا عن جماعه المسلمين بحكم تطرفهم المنقطع النظير ابتداوا يصوغون مقولاتهم ويبنون كيانهم العقيدى، فكان الهيكل العام لهذا الكيان من صياغه الواقع التاريخى للخلافه، فاعتقدوا بخلافه ابى بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم على، واعتقدوا ان الخلافه شورى وانتخاب..

لكن المبدا الاخر، وهو اساسى لديهم مميز لهم عن سواهم، وهو الاعتقاد بكفر مرتكب الكبيره، قد ترك اثره على الصياغه الاولى مع المحافظه على ترتيبها، فبقى الايمان بترتيب الخلفاء كما هو، لكن قسموا حكومه عثمان الى نصفين فامنوا بالاول وكفروا بالثانى وتبراوا من عثمان فى السنين الست الاخيره من خلافته، وكذا فعلوا مع خلافه على (ع) فامنوا باولها وكفروا باخرها منذ التحكيم، ومن الكبائر عندهم عدم البراءه من عثمان وعلى فى السنين الاخيره من حكمهما، ومثل هذا الذنب يستحلون به الدماء والاموال! - ثم احدثوا مقوله جديده فى الخلافه، تقضى بجوازها لكل مومن قادر على القيام باعبائها ولا تشترط فيه القرشيه.

والصحيح ان الذى الجاهم الى هذا الاعتقاد، هو عدم وجود قرشى فى رجالهم، مع قله عددهم بالنسبه الى غيرهم، وسلوكهم نهج المواجهه بالسيف، فاحتاجوا لاجل ذلك الى نظم شديد ودقيق لامرهم ولجماعتهم، فلو التزموا قاعده (الائمه من قريش) لتبددوا وضاع امرهم قبل ان يجتمعوا على قرشى يقوم باعباء منهجهم.. فهذا الذى دعاهم الى نقض شرط القرشيه فى الخلافه، وليس هو (التطبيق الاول لروح فلسفه الاسلام فى هذا المقام) كما صوره الدكتور محمد عماره((1644)) رغبه فى تدعيم النهج (الديمقراط‏ى) فى الحكم، والذى كان يركز عليه بشكل بين، ولاجله حضى (المارقون) بعطفه، ونال (المعتزله) المرتبه الاولى فى اهتمامه.. والا فلقد جمع الاستاذ نفسه فى مقدمه الموضع المشار اليه من بحثه الماده الكافيه فى تحصيل الجواب الصحيح لتمرد (المارقين) عن شرط القرشيه، اذ وضع جدولا باسماء زعماء هذه الفرقه، فاحصى ثمانيه عشر زعيما لهم على الترتيب، ليس فيهم قرشى واحد، وقد التفت الى ذلك فقال:

فهم جميعا ما بين عربى غير قرشى، وما بين مولى من الموالى اشترك فى البيعه له (بامره المومنين) العرب والموالى على حد سواء! والذى ينبغى ان يلتفت اليه انهم لو وجدوا قرشيا يسندون امرهم اليه لما خفيت عليهم المصلحه فى تسويده آنذاك، ولسار الى البيعه له العرب منهم والموالى على حد سواء.. الا ترى ان منهم من اجاز البقاء بلا امام، وقالوا: ان اقامه الامام ليست واجبه بايجاب الشرع، بل جائزه، واذا وجبت فانما تجب بحكم المصلحه والحاجه؟! هذا قول النجدات منهم((1645)).


205

فهل انتزعوا هذا من روح فلسفه الحكم فى الاسلام؟ ام املاه عليهم واقعهم، اذ كانوا قليلين خائفين متفرقين فى البلاد لا يستطيعون ان يجتمعوا على امام لهم الا حين يجدون فى انفسهم قوه على القتال، او يرغمون عليه ارغاما حين تبداهم السلطه بالقتال! فذلك هو الذى الجاهم الى التهرب من وجوب نصب الامام والانتظام فى جماعه.

وصريح فى هذا قول الاباضيه: (الامامه واجبه حفظا للدين، واذا بلغ عددهم نصف عدد مخالفيهم وجب عليهم نصب الامامه الاباضيه، والا فاولى الامور الكتمان)!((1646)) فذلك كله راجع الى تقديرهم للمصلحه، لا غير!

مرحله الانقسامات :

عاود هولاء نشاطهم الحربى بعد انتظام الملك لمعاويه، وكانت لهم فى العهد الاموى حروب عديده طاحنه كادت تفنى وجودهم، فتضعضع امرهم بسبب ذلك كثيرا.

وزاد فى تشتيت امرهم وقوع الاختلاف الكثير فى ما بينهم، فى مسائل كثيره الحت عليهم حين اصبحوا يواجهون مباشره مشاكل المجتمع المعقد سياسيا وفكريا، فاختلفت اجاباتهم عليها ومواقفهم ازاءها فتفرقوا على ذلك فرقا، اختلف فيها اصحاب تواريخ الفرق كثيرا((1647))، انما بقى يجمعهم تحت عنوان رئيسى واحد جمله من عقائد المحكمه الاولى، كالبراءه من اصحاب الكبائر، وتجويز الامامه لغير القرشى، وان الامامه بالانتخاب، واذا زاغ الامام وجب عزله او قتله.

اما اهم هذه الاقسام واكثرها اثرا فى التاريخ، فهى ثلاثه:

1 - الازارقه : اتباع نافع بن الازرق الحنفى - من بنى حنيفه قوم مسيلمه الكذاب - وهو صاحب الاسئله المعروفه فى غريب القرآن التى اجابه عليها ابن عباس (رضى‏اللّه)((1648))، وكان لهولاء حروب شديده مع الامويين فى البصره وبلاد فارس، حتى فنوا على يد المهلب بن ابى صفره فى زمن عبدالملك بن مروان((1649)). 2 - النجدات : اصحاب نجده بن عامر الحنفى - من قوم مسيلمه ايضا - وقد تمكنوا فى عز قوتهم من الاستيلاء على البحرين وحضرموت واليمن والطائف..

واساس الافتراق بينهم وبين الازارقه كان خلافهم فى (التقيه) و (القعود عن القتال). فقال نافع: التقيه لا تحل، والقعود عن القتال كفر. فخالفه نجده، وقال: التقيه جائزه، والقعود عن القتال جائز، والجهاد اذا امكنه افضل. فافترقا على ذلك، فسمى النجدات (العاذريه) لانهم عذروا القاعد عن القتال لعذر. ثم قال النجدات بعدم وجوب نصب الامام الا اذا اقتضت المصلحه، تمشيا مع حالهم فى التقيه التى آمنوا بها((1650)).

3 - الاباضيه: وهى الفرقه الباقيه اليوم من بين سائر فرقهم الاخرى. لذا راينا التفصيل فى اخبارها اكثر:

التسميه : نسبه الى عبداللّه بن اباض - بكسر الهمزه او بفتحها - ولم يكونوا فى تاريخهم المبكر يستعملون هذه التسميه بل كانوا يسمون انفسهم: (جماعه المسلمين) و (اهل الدعوه) ولم تظهر التسميه بالاباضيه فى مولفاتهم الا بعد ثلاثه قرون تقريبا((1651)). قال الراشدى - وهو محقق اباضى -: لكن طغيان هذا اللقب عليهم جاء من خصومهم الامويين ومن جرى مجراهم..

فارتضوه لانهم لم يجدوا عيبا فيه، بعكس كلمه (الخوارج) وان اطلقها - اى كلمه الخوارج - المورخون الاباضيون القدامى على انفسهم فى بادى الامر، فانهم يعنون الخروج على الجور وهو الخروج فى سبيل اللّه، ويرادف الشراء عندهم((1652)).

وقال السيابى: هذه التسميه جاءتنا من مخالفينا، فقبلناها غير متبرمين منها((1653)).

النشاه والتكوين : ينفى الاباضيون صحه نسبتهم الى ابن اباض، ويعدوه واحدا من روسائهم فقط، اما مبادئهم التى ميزتهم فقد كانت قبل ابن اباض، فقد اعلنها اولا ابو بلال، مرداس بن حدير، وهو احد المحكمه الاولى وممن نجا من اصحاب النهروان، وانفصل عن المارقه فى البصره، قائلا: (واللّه ان الصبر على هذا - يعنى الظلم الاموى - لعظيم.. وان تجريد السيوف واخافه السبيل لعظيم.. ولكننا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفا، ولا نقاتل الا من قاتلنا)((1654)).

وهذا هو المبدا الذى ميز هذه الطائفه عن غيرها من المارقه، وهو الذى حفظ لها وجودها وبقاءها.

وقد روى عن ابى بلال اعتقاده هذا قبل انفصاله، فحين بلغه ان قريب الازدى وزحاف الطائى يخيفان السبيل ويقتلان من صادفهما، قال: (قريب، لاقربه اللّه! وزحاف، لا عفا اللّه عنه! ركباها عشواء مظلمه).((1655)) وكان اصحاب مرداس اربعون رجلا، قتلوا جميعا قبل ظهور ابن اباض، فيكون ابن اباض هو الرجل الذى جدد هذه الدعوه، فنسبت اليه.

- اما مرجعهم فى الفقه والاصول والعقيده فالى جابر بن زيد بن ابى الشعثاء الازدى((1656))، وهو تابعى، خرج احاديثه البخارى ومسلم واصحاب السنن الاربعه، واتفقوا على توثيقه، وصرح يحيى بن معين بنسبته الى الاباضيه، لكن المزى ذكر روايه تنسب اليه القول بالبراءه منهم، قيل له: ان هولاء القوم -الاباضيه - ينتحلونك. فقال: ابرا الى اللّه منهم!((1657)).


206

- اما مصدرهم المعتمد فى السنن والاحكام، فهو: مسند الربيع بن حبيب‏الازدى البصرى، ويسمونه (الجامع الصحيح) ويعتقدون بصحه كل مافيه سواء كان مسندا او مرسلا، وهو عندهم اصح كتاب بعد القرآن العزيز((1658)).

وقد ضم المسند اكثر قليلا من الف حديث((1659))، ومعظم هذا المسند هو من روايه جابر بن زيد عن ابن عباس، وفيه احد عشر حديثا ومساله عن على (ع).

الانتشار : كان لهذا المذهب انتشار مبكر فى عمان، تاثرا بجابر بن زيد صاحب المسند الجامع، كما انتقل هذا المذهب من البصره الى المغرب العربى بواسطه سلمه بن سعد فى سنه 100 ه، فى نفس الوقت الذى انتقلت فيه مقوله الصفريه - احدى فرق المارقه - الى هناك بواسطه عكرمه مولى ابن عباس.

ومن هنا فقد ظهرت لديهم احاديث عجيبه فى فضل البربر واهل عمان، فجبريل يوصى النبى (ص) بتقوى اللّه وبالبربر! وعلى وابن مسعود يكثران الوصايه بهم ويفسران غير واحده من آى القرآن فيهم، كقوله تعالى: (فسوف يات اللّه بقوم يحبهم و يحبونه)وقوله تعالى (ان‏تتولوايستبدل‏قوماغيركم ثم‏لايكونواامثالكم) فهم البربر!((1660)) وقد سئل شيخهم المعاصر عن هذه الاحاديث، فقال: الاحاديث التى وردت فى فضائل اهل عمان وفى فضل عمان ذاتها اخرجها مسلم فى صحيحه! واما التى ذكرها ابو زكريا فى البربر فلا يعلم صحتها من عدمها، اما الجامع الصحيح فليس فيه شى‏ء لا فى عمان واهلها، ولا فى البربر!.

المبادى : المبادى التى ميزتهم عن سائر طوائف المارقين، هى:

ا - استنكارهم الحكم على دار الاسلام كلها بانها دار حرب، وقولهم بانها دار توحيد، الا معسكر السلطان فانه دار بغى.

ب - تحريمهم قتال مخالفيهم وسبيهم فى السر غيله، الا بعد نصب القتال واقامه الحجه.

ج - الحكم على مخالفيهم من المسلمين بانهم كفار نعمه، لا كفار فى الاعتقاد ولا مشركين.. وقال المعاصرون منهم: ان لفظ (كفار نعمه) يطلقه الاباضيون حتى على العصاه منهم، دون تمييز بين ابناء جماعتهم وبين مخالفيهم.

د - انهم يعاملون مخالفيهم فى القتال معامله الفئه الباغيه، فلا يستحلون شيئا من اموالهم كغنيمه((1661)).

ه - فى موقفهم من الامام على (ع) ومن عثمان اختلفوا كثيرا عن غيرهم، فقالوا: (ان مما يميز الاباضيه: حبهم لابى بكر وعمر، وكف السنتهم عن عثمان وعلى لما الما به من الفتن وتقلب الاحوال، وقبولهم عمر بن عبدالعزيز، وتركهم ما سواه من بنى اميه واعراضهم عنهم وعن بنى العباس)((1662)).

ونسبوا هذا القول الى سلفهم الاول، كابى عبيده التميمى وشيخه جابر بن زيد.((1663)) وقد استنكروا على بنى اميه شتمهم امير المومنين والسبطين (ع) وعدوه من بدعهم فى الدين، ونقلوا عن اسلافهم انهم كانوا يضعون اصابعهم فى آذانهم لئلا يسمعوا هذا الشتم فى خطب الامويين((1664)). وزادوا على ذلك ان اصحابهم هم الذين طلبوا من عمر بن عبدالعزيز ترك ذلك والنهى عنه، ففعل((1665))! واجاب السيابى عن سوال فى الحسن والحسين (ع)، فقال: (اما الحسن والحسين فهما سبطا رسول اللّه (ص) وريحانتاه، وهو يحبهما، ووردت فيهما احاديث، اما الاحداث التى جرت بين الصحابه فكلهم مجتهد وملتمس للحق -فيذكر المتقدمين الذين شهدوا الاحداث فحكموا بما شهدوا، ثم يقول - اما اليوم فلسنا نحن مثلهم ولا علمنا فى ذلك كعلمهم، ولا نقلد ديننا الرجال، وما كلفنا اللّه التنقيب والتفتيش عن عيوب الناس وعن حال من مضى (تلك‏امه‏قدخلت لهاما كسبت ولكم كسبتم ولاتسالون عما كانو يعملون).

وما مضى قبلك لو بساعه دعه فليس البحث عنه طاعه)((1666)) فهذا اثر واضح للتحرر نسبيا من قيد التقليد، ولو انتفضوا مره اخرى لنسفوا حجاب السلف وبلغوا الاخذ المباشر عن رسول اللّه (ص) واتبعوه، وكم ارشدنا الى التمسك باهل بيته وموالاتهم! ولقد جاوز الاباضيه التقليد الاعمى فى عهد مبكر، كما هو ظاهر جدا عند ابن سلام الاباضى المتوفى بعد سنه 273 ه فى كتابه (بدء الاسلام وشرائع الدين)((1667)).

وقال شيخهم المعاصر احمد الخليلى يصف ما كتبه الاباضيه فى هذا الشان بانه (يتسم بالادب والحشمه وتعظيم مقام الامام على واحترام قرابته من النبى(ص) حتى فى مقام العتاب)((1668)).

وهذه ظاهره يجدها الباحث فى غالب كتبهم، ولم اجد من شذ عنها من بين عده كتب لهم بحثت فيها بدقه الا محمد بن سعيد الازدى القلهانى، من اعلام القرن الحادى عشر الهجرى، فى كتاب (الفرق الاسلاميه من خلال الكشف والبيان)((1669)).]


207

من عقائدهم فى الصفات: ان اغلب عقائدهم فى الصفات مطابق للثابت عن اهل البيت (ع)، وهذه اهم اركانها:

ا - تنزيه اللّه تعالى، بنفى التشبيه والتعطيل والتجسيم، خلافا للحشويه، والمجسمه، والجهميه المعطله.

ب - نفى رويه العباد لربهم تعالى شانه، فى الدنيا وفى الاخره، خلافا للاشعريه والحشويه((1670)).

ج - القول بان صفات اللّه عين ذاته، وليست بزائده عليها، خلافا للاشعريه والحشويه.

ولاجل هذه العقائد وصفهم بعض المورخين بانهم(معتزله) فى العقائد، وقلب آخرون: القول، مع اقذاع فى الكلام، فوصفوا المعتزله بانهم(مخانيث الخوارج)!((1671)).

لكن الاباضيه خالفوا المعتزله - كما خالفوا اهل البيت (ع) - ووافقوا الحشويه والاشعريه فى القول بخلق القرآن((1672)).

الجبريه:

لقد احتاج الامويون منذ البدايه الى تبرير سياستهم الجائره وركوبهم المعاصى، فسلكوا الى ذلك طريقا هو اقبح من معاصيهم كلها، ذلك حين ذهبوا الى تاويل بعض آى القرآن الكريم بما يفيد الجبر والتسيير، ليقولوا للناس ان ماصنعناه انما هو من قضاء اللّه تعالى وقدره، وليس من ايدينا، بل حتى مناصبهم هذه فهى من اللّه تعالى فهو الذى جاء بهم الى الملك وملكهم، لانه تعالى مالك الملك يوتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء!! هكذا ليكونوا ابرياء من كل ما ارتكبوه فى طريقهم الى انتزاع الملك! وليكونوا مخولين فى كل ما يصنعون بعد ذلك.. وبمثل هذا التاويل الفاسد اصبح يتكلم بعدهم علماء كبار!! يقول ابن العربى فى معرض (تاسفه!) على مصرع الحسين (ع): (ولولا معرفه اشياخ الصحابه واعيان الامه بانه امر صرفه اللّه عن اهل البيت... ما اسلموه ابدا)!((1673)) والحق اننا لو تقدمنا فى عمق التاريخ لوجدنا هذه المقوله قد تقدمت عصرمعاويه فى ظهور سابق لها على لسان عمر بن الخطاب، كما وقفنا عليه فى بحث سابق، وهو يرد على ابن عباس تذكيره باراده رسول اللّه (ص) فى تنصيب على لخلافته، فيقول: وماذا كان، اذا اراد رسول اللّه شيئا واراد اللّه شيئا غيره؟! وفى الحالين كان (نظام الغلبه)

هو الباعث الى هذه المقوله!

ولقد حاول معاويه ان يجعل منبره منبرا لهذه العقيده، لكنه اصطدم فى اول محاوله له بعقل حر افسد عليه حيلته: خطب معاويه خطبه قال فيها: ان اللّه تعالى يقول: (و ان من شىء الاعندنا خزائنه وماننزله الابقدرمعلوم) فعلام تلوموننى اذا قصرت فى اعطائكم؟! فقال له الاحنف بن قيس: انا واللّه ما نلومك على ما فى خزائن اللّه، ولكن على ما انزله لنا من خزائنه فجعلته انت فى خزائنك وحلت بيننا وبينه !((1674)) عندئذ اخذت هذه العقيده تتمدد وتنتشر بالسبل الاخرى وبدعم صريح من السلطه حتى صار لها نفوذ واسع فى وقت مبكر جدا.

- قيل لابن عباس: ان هاهنا قوما يزعمون انهم اتوا ما اتوا من قبل اللّه تعالى، وان اللّه اجبرهم على المعاصى! فقال: لو اعلم ان هاهنا منهم احد لقبضت على حلقه فعصرته حتى تذهب روحه، لا تقولوا اجبر اللّه على المعاصى، ولا تقولوا لم يعلم اللّه ما العباد عاملون!((1675))

- ولقد ادرك ابن عباس ان مصدر هذا الانحراف الفكرى هو السلطه وانصارها، فخاطبهم خطابا عنيفا، قال فيه: اتامرون الناس بالتقوى وبكم ضل المتقون؟! وتنهون الناس عن المعاصى وبكم ظهر العاصون؟! يا ابناء سلف المنافقين، واعوان الظالمين، وخزان مساجد الفاسقين! هل منكم الا مفتر على اللّه، يجعل اجرامه عليه سبحانه وينسبه علانيه اليه؟!((1676)) - واقتحمت هذه العقيده البصره، ورقت الى مجلس الحسن البصرى، فزجر اصحابها وقال: (ان اللّه خلق الخلق للابتلاء، لم يطيعوه باكراه ولم يعصوه بغلبه، وهو القادر على ما اقدرهم عليه، والمالك لما ملكهم اياه، فان ياتمروا بطاعه اللّه لم يكن لهم مثبطا، بل يزيدهم هدى الى هداهم وتقوى الى تقواهم، وان ياتمروا بمعصيه اللّه كان اللّه قادرا على صرفهم، ان شاء حال بينهم وبين المعصيه، فمن بعد اعذار وانذار).((1677)) ورغم تلك المواجهات فقد ترقى الامر بهذا المذهب حتى دان به كبار من اهل العلم ودافعوا عنه حتى اصبح هو المذهب الغالب فى مله الاسلام، حتى انتقل الى الاشعرى فعززه ونفخ فيه روحا جديده، بعد تعديل لفظ ى ادخله بعنوان (الكسب)((1678)) وهو مفهوم اعتبارى ليس له اى قيمه حقيقيه، وانما اريد به التميز عن الجبريه الخالصه التى طالما سخر منها الاشعرى ايام كان معتزليا.


208

ومنذ زمن عبدالملك بن مروان كان اقطاب هذا المذهب فى الشام يروجون لفكره جديده تساهم فى تطويره، لكنها افتضحت حين لم يتقنوا صياغتها، اذ كانوا يقولون: ان اللّه اذا استرعى عبدا رعيته كتب له الحسنات، ولم يكتب عليه السيئات!. لكنها كانت مقوله هزيله تردد حتى الوليد بن عبدالملك فى قبولها ((1679)).

وبقيت هذه المقوله تتهم اللّه تعالى باكراه العبد على المعاصى، وانه تعالى هو الخالق لهذه المعاصى التى تجرى على ايدى العباد، ثم هو يعذبهم عليها! بحجه ساذجه يرددونها دوما، مفادها ان اللّه تعالى لا يعصى مكرها، فهو اذن لا يعصى الا وهو يريد هذه المعصيه ان تقع من العاصى، ثم هو الذى يخلقها فيه لانه (خلكم وماتعملون)! هكذا دون تمييز بين اراده تكوينيه واراده تشريعيه، ولامعرفه صادقه بمعانى هيمنه اللّه تعالى وقدرته.

المفوضه (القدريه):

ان دعوه الامويين لتثبيت دعائم الجبريه كانت السبب المباشر فى ظهور الاتجاه العقيدى المعاكس الذى انكر الجبر، ونادى بحريه الاختيار الانسانى .. وفى نفس الموطن الذى نبتت فيه عقيده الجبر وترعرعت نشطت العقيده المعاكسه، وان كان اول ظهور لها فى العراق على يد التابعى معبد الجهنى، وعنه اخذها صاحبه غيلان الدمشقى..

فكانت هذه العقيده رد فعل صريح للقول بالجبر.. ففى اول لقاء لمعبد الجهنى بالحسن البصرى فى البصره، قال له: يا ابا سعيد، ان هولاء الملوك يسفكون دماء المسلمين وياخذون اموالهم، ويقولون: انما تجرى اعمالنا على قدر اللّه! فقال له الحسن البصرى: كذب اعداء اللّه!((1680)) وثار معبد على الامويين فى حركه القراء ايام عبدالملك بن مروان، فاخذه الحجاج بعد فشل الحركه فعذبه ثم قتله((1681)). ومضى غيلان فى دمشق يشنع على الامويين وانصارهم فى استنكار مقولتهم الجبريه، حتى احس انهم طلبوه، فهرب منهم حتى زمن عمر بن عبدالعزيز، فلما راى منه عدلا كتب اليه كتابا يذكره فيه، ويعظم عليه مقوله سلفه، مما جاء فيها، قوله: (هل وجدت يا عمر حاكما يعيب ما يصنع؟ او يصنع ما يعيب؟ او يعذب على ما قضى؟ او يقضى ما يعذب عليه؟! ام هل وجدت رحيما يكلف العباد فوق الطاقه؟ او يعذبهم على الطاعه؟! ام هل وجدت عدلا يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ وهل وجدت صادقا يحمل الناس على الكذب والتكاذب؟! كفى ببيان هذا بيانا، وبالعمى عنه عمى!((1682)).

فدعاه عمر بن عبدالعزيز فساله عن عقيدته ليناظره فيها، وكان عمر جبريا، وكان من وراء عمر حاجب له يشير الى غيلان بالذبح! فعلم غيلان ان عمر قد عزم على قتله، فاجابه الى ما اراد، وقال له: (لقد جئتك ضالا فهديتنى، واعمى فبصرتنى، وجاهلا فعلمتنى، واللّه لا اتكلم فى شىء من هذا الامر)!((1683)) لكنه عاد الى الكلام فيه بعد موت عمر، حتى قبض عليه هشام بن عبدالملك فقتله بعد مناظره قصيره ادارها معه الاوزاعى بدعوه من هشام لتكون ذريعه الى القتل الفورى((1684)). والخطا الذى ارتكبه هولاء انهم حين قالوا بالاراده والاختيار فوضوا كل شىء الى الانسان ونفوا كل اثر لمشيئه اللّه تعالى واذنه، ففرطوا فى مشيئه اللّه فى مقابل افراط الجبريين الذى عطلوا اى دور واثر للانسان فى اقواله وافعاله! وانتقل هذا المذهب من معبد وغيلان الى المعتزله، فبقى ببقائهم، ثم اضمحل باضمحلالهم.

- اما ما يتناقله اصحاب الفرق وتواريخها من نسبه هذه المقوله الى النصارى وان معبد الجهنى اخذها من رجل نصرانى، فهو كلام ليس له قيمه علميه، ولا يعدو كونه لونا من الوان التراشق بالتهم بين الخصوم، مع ملاحظه ان هذا الفريق كان يواجه تيار السلطه وانصارها! ولهذا السبب نفسه تجد كتب الحديث مليئه بالاحاديث التى تويد عقيده الجبر، وتحذر من (القدريه) ومقولتهم فى نفى القدر! وتعدت الاحاديث تسميه القدريه الى تسميه غيلان الدمشقى باسمه الصريح ونسبته الدمشقيه، تدينه وتحذر منه، وتثنى على وهب بن منبه الذى كان يخاصمه دفاعا عن عقيده السلطان((1685))!! الحديث يقول: (سيكون فى امتى رجلان:

احدهما يقال له وهب، يوتيه اللّه الحكم، والاخر يقال له غيلان هو شر على امتى من ابليس)((1686))!! بل ولهذا السبب نفسه لقب هولاء بالقدريه وهم نفاه القدر، وهذا اللقب اولى ان يطلق على من اثبت القدر اللازم، وسر ذلك ان القوى المتغلب لما علم بالحديث المروى فى ذكر مجوس هذه الامه وقد سماهم (القدريه) سارع الى تطويق خصومه به والاحتيال فى تبريره((1687))! وسوف تاتى شهاده الامام على (ع) ان القدريه الذين شبههم الحديث بالمجوس انما هم القائلين بالجبر، والذين سموا جبريه!((1688)).


209

هدى الكتاب والسنه فى الفعل والاراده:

- عن على (ع) وهو يرد شبهه علقت فى ذهن احدهم، قال: (لعلك تظن قضاء حتما وقدرا لازما! لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والامر والنهى والزجر، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم يكن على مسىء لائمه، ولا لمحسن محمده.. تلك مقاله عبده الاوثان وخصماء الرحمن، وقدريه هذه الامه ومجوسها..)! فهو الى هنا ينقض مقوله الجبريه ويسميهم بالاسم الذى هو اوفق بهم (القدريه) لانهم الذين اثبتوا القدر اللازم.. ثم يخبر بان هولاء هم المرادون فى حديث (القدريه مجوس هذه الامه) وليس خصومهم القائلين بالتفويض!

ثم يواصل (ع) كلامه قائلا:

(ان اللّه عز وجل كلف تخييرا، ونهى تحذيرا، واعط ى على القليل، ولم يعصى مكرها، ولم يخلق السموات والارض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) !((1689)) وهذا رد على الفريقين: الجبريه والمفوضه معا.

- الامام جعفر الصادق (ع)، قال: (ان الناس فى القدر على ثلاثه اوجه: رجل يزعم ان اللّه عز وجل اجبر الناس على المعاصى، فهذا ظلم اللّه فى حكمه، فهو كافر.. ورجل يزعم ان الامر مفوض اليهم، فهذا قد اوهن اللّه فى سلطانه، فهو كافر.. ورجل يزعم ان اللّه كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون، واذا احسن حمد اللّه، واذا اساء استغفر اللّه، فهذا مسلم بالغ)((1690)).

- الامام الرضا (ع)، قال: (الا اعطيكم فى هذا اصلا لا تختلفون فيه، ولاتخاصمون عليه احدا الا كسرتموه: ان اللّه عز وجل لم يطع باكراه، ولم يعص بغلبه، ولم يهمل العباد فى ملكه، وهو المالك لما ملكهم والقادر على ما اقدرهم عليه، فان ائتمر العباد بطاعته لم يكن اللّه عنها صادا ولا منها مانعا، وان ائتمروا بمعصيته فشاء ان يحول بينهم وبين ذلك فعل، وان لم يحل وفعلوه فليس هو الذى ادخلهم فيه)((1691)).

وعشرات النصوص فى هذا المعنى عن سائر الائمه من اهل البيت(ع)، وهم يشرحون العقيده الصحيحه، ويردون الانحرافات.. ولقد راينا مثل هذا المعنى عند ابن عباس والحسن البصرى كما تقدم، وعلى هذه العقيده اتباع اهل البيت (ع)، واقرب الناس اليهم فيها (السلفيون) ابن تيميه واتباعه((1692)).

المرجئه:

المحصل المشترك فى تاريخ المرجئه قليل بالنسبه الى حجم الاختلاف فى تفصيلاته، وانما يشق البحث طريقه بين الخطوط المتقاطعه والمتقابله صوب الحقيقه الواحده او اقرب النقاط اليها.

ويكاد المحصل المشترك ينحصر فى مصدر التسميه، وفى الاقسام الرئيسيه - دون الفرعيه - للمرجئه والمرجع فى تقسيمها، وفى بعض الاعلام المنسوبين الى هذه الطائفه دون بعض:

اما مصدر التسميه بالمرجئه، فهو الاشتقاق، اما من الارجاء بمعنى التاخير، كما فى قوله تعالى: (قالوا ارجه واخاه) ((1693)) اى امهله واخره، وذلك لانهم يوخرون العمل عن الايمان، اى يقولون ان الايمان انما هو معرفه بالقلب وتصديق باللسان، ولا يضر مع الايمان ذنب.. او لانهم ارجاوا الحكم فى مرتكب الكبيره الى اللّه تعالى، كما فى قوله تعالى: (وآخرون مرجون لامر اللّه). ((1694)) او هو مشتق من الرجاء، بمعنى رجاء الثواب لاهل المعاصى، لقولهم: لا تضر مع الايمان معصيه((1695)).

اما اقسام المرجئه، فالرئيسيه المتفق عليها تقريبا ثلاثه:

ا - مرجئه القدريه: الذين قالوا بالقدر (التفويض) مع الارجاء.

ب - مرجئه الجبريه: الذين قالوا بالجبر مع الارجاء.

ج - المرجئه الخالصه: الذين لم يخلطوا الارجاء بالجبر ولا بالتفويض((1696)).

وقسم رابع ذكره الشهرستانى بعنوان: مرجئه الخوارج. كما ذكر ان (غيلان الدمشقى) احد زعماء الارجاء، قد جمع خصالا ثلاثا:

الارجاء، والقدر، والخروج((1697)).

اذن هذه اقسام يجمعها القول بان الايمان معرفه بالقلب وتصديق باللسان، ولا يضر معه معصيه، وان الحكم على المذنبين مرجا الى اللّه تعالى، وعامتهم قالوا: ان الايمان لا يزيد ولا ينقص..

ثم اختلفوا بعد ذلك فى عقائد اخرى على اساسها جرى تقسيمهم المذكور.

- وثمه اصل آخر مذكور، جامع لكل تلك الاقسام، وهو ما ذكره الشهرستانى من ان الارجاء قد يطلق على من اخر امير المومنين عليا عن مرتبته الى المرتبه الرابعه((1698)).

وعلى هذا القول الاخير تكون (المرجئه) التسميه الاسبق ل: (اهل السنه والجماعه)! وهو بهذا المعنى تعبير تام عن الواقع التاريخى للخلافه.

لكن الذى يثار هنا ان هذه التسميه سيكون مصدرها عندئذ القائلون بتقديم على (ع)، وهذه التسميه ان لم تظهر فى ايامه، فقد كان بعده اهل بيته وانصاره مضطهدين سياسيا واعلاميا واجتماعيا، فهل كان موقعهم ذاك يوهلهم لاطلاق هذه التسميه على خصمهم المتنفذ القاهر حتى تغلب عليه؟! ويكفى فى الجواب على هذا الايراد: التعريف الذى اورده ابو الخلف الاشعرى، فهو مطابق لما قاله الشهرستانى فى شمول لقب (المرجئه) للقائلين بتاخير الامام على، لكن ليس التاخير هذا هو مصدر التسميه، انما كان مصدرها (عقيدتهم فى تولى المختلفين جميعا، وزعمهم ان اهل القبله كلهم مومنون، ورجوا لهم جميعا المغفره)((1699)). اذن رجاوهم المغفره للجميع هو مصدر تسميتهم.


210

لكن احمد بن محمد الرازى قد نبه الى خطا لم يتنبه له سابقه، فعد ارجاع لفظ (المرجئه) الى الرجاء من الكلام العامى! لان الرجاء من رجا يرجو فهو راج، واما المرجى، فهو من ارجا يرجى فهو مرجى. فصوب النسبه الى التاخير بكلا وجهيه المذكورين، اما من قولهم فى اصحاب الذنوب (نرجى امرهم الى اللّه) واما من تاخيرهم العمل عن الايمان. قال: ولكن هذا صحيح من حيث اللغه فقط، اما من حيث التاويل فالامر مختلف.

وله هنا نقاش جميل، خلاصته: انه اذا لزمهم لقب المرجئه لارجاء امرهم الى اللّه، فان هذا القول قد قال به قوم من المعتزله وقوم مالوا الى التشيع، فاذن لزم هولاء جميعا اسم الارجاء.. لكن لا تعرف الامه احدا يقال له هذا شيعى مرجى! واما القول بلزوم لقب الارجاء لقولهم (الايمان قول بلا عمل) فهو خطا، لانهم بقولهم هذا قد اسقطوا العمل ولم يوخروا رتبته عن الايمان، وانما يقال ارجات الشىء: اذا اخرته، ولا يقال ارجاته بمعنى اسقطته.

ثم ينتهى الى اختيار ان الارجاء لقب لزم كل من فضل ابابكر وعمر على على، كما ان التشيع قد لزم كل من فضل عليا على ابى بكر وعمر.. قال: ويقال ان اول ما وضع اسم الارجاء وظهر وشاع لما افترق اصحاب على بعد الحكمين فصار الناس ثلاث فرق: فرقه مع على سموا (الشيعه) فظهر اسم التشيع ظهورا شائعا، وفرقه خرجت عليه فسموا (المارقه) وظهر هذا اللقب عليهم، وفرقه كانوا مع معاويه فسموا (المرجئه) وظهر اللقب عليهم واعلن اعلانا.

ثم قال: هذا ما يتعارفه الناس بينهم ظاهرا واتفقت عليه الامه..

فكثيرا ما يقال: مرجى قدرى، شيعى قدرى.. لكن لم نر احدا يقال له هذا مرجى شيعى، او مرجى رافظ ى، هذا محال جدا.

ويوكد اختياره بما رواه من شعر لشاعر قال انه مشهور ومن رواه الحديث اسمه محارب بن دثار، يقول فيه:

يعيب على اقوام شفاها بان ارجى ابا حسن عليا وارجائى ابا حسن صواب على القطرين برا او شقيا وليس على فى (الارجاء) باس ولاشين ولست اخاف شيا فهذا يصحح ان الارجاء هو تاخير على وتقديم ابى بكر.((1700)) وهذا اجمل واقوى ما اورده القدامى والمحدثون، وله تاييد فى قول ابى خلف الاشعرى، وقول الشهرستانى، فهما يتفقان على ان حقيقه الارجاء الاولى انما هى تاخير رتبه على عن حقها وتقديم ابى بكر وعمر وعثمان عليه.. فالمرجئه - على هذا - هم الطائفه التى تبنت المسار الواقعى للخلافه، لتكون لقبا سابقا (للجماعه) و (اهل السنه)..

وانما صححنا هذا لانه انما اطلق عليهم فى زمن الامام على (ع)، فقد كان آنذاك تكافو بين الفريقين من الناحيه العسكريه، وتفوق نفسى لدى اصحاب الامام الاقربين والابعدين ليقينهم بانهم على الحق اولا وآخرا، فقد كان ل(الشيعه) آنذاك من القوه ما يمكنهم من اطلاق مثل هذا الاسم على خصمهم حتى يعرف به.

ثم لما صارت الغلبه لذلك الخصم ظهر الاسم المناسب لاختيار الغالب (الجماعه)! فيما احتل الارجاء موقعا آخر حين اصبح يعبر فقط عن الموقف من مرتكب الكبيره! وهذا منسجم جدا مع قانون اثر الغلبه فى اختيار الاسماء وترويجها.

فلما ظهر التفسير الثانى للارجاء، اصبح مقابلا للوعيد وليس مقابلا للتشيع! فاصبح الوعيديه - المعتزله - يطلقونه على من خالفهم فى الوعيد ولم يقطع بتخليد مرتكب الكبيره بالنار، كما نقله عنهم الشهرستانى، وهذا هو الذى يفسر لنا نسبه الارجاء الى الحسن بن محمد بن الحنفيه، اذ عده بعضهم اول من تكلم بالارجاء وكتب به الى الامصار. فهو ان صح عنه ذلك يكون قد تكلم بالارجاء الاخير فى مرتكب الكبيره، وليس بالارجاء بمعناه الحقيقى الاول. وهذا ما اختاره الشيخ ابو زهره، وفيه تفنيد للراى الذى يستدل من نسبه الحسن الى الارجاء على انه كان يقول بتفضيل ابى بكر وعمر وعثمان على على (ع)((1701))! ومن الناحيه الجامعه للاثرين: السياسى والعقيدى، يتم تقسيم المرجئه الى طائفتين: الاولى هى طائفه السلطه الامويه، وهى التى عرفت بالمرجئه الخالصه، واهل الارجاء المحض.. والثانيه بقيت على الايمان بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر، واستوعبت باقى اقسام المرجئه من جبريه وقدريه وغيرهم.

متى ظهر الارجاء:

من تمحيص الاراء المتضاربه يتحقق ان اقدم ظهور للارجاء، بمعناه المشهور فى الفصل بين الايمان والعمل، انما كان عند معاويه بن ابى سفيان واصحابه، ذلك اذا فسرت اقواله على اساس الايمان باليوم الاخر، ولم تفسر بحسب الظاهر الموحى احيانا والصريح احيانا اخرى بالاستخفاف باليوم الاخر وبالحساب! فبم يفسر قوله للانصار، وقد قالوا له: لقد اخبرنا رسول اللّه (ص) بما لقينا، فقد قال لنا: (ستلقون بعدى اثره) قال معاويه: بماذا اوصاكم؟ قالوا: قال لنا: (فاصبروا حتى تلقونى على الحوض) فقال لهم معاويه: فاصبروا اذن!!((1702)) بم يفسر هذا الكلام ان لم يكن هو الاستخفاف بوعد رسول اللّه (ص) وباللقاء وبالحساب؟! فلئن عدنا الى حساب الايمان، فان معاويه اول من اظهر الاعتقاد بان الايمان لا يضر معه ذنب ومعصيه، فتمادى فى المعاصى غير مكترث بشىء، فلما قيل له:


211

حاربت من تعلم! وارتكبت ما تعلم!! قال: وثقت بقول اللّه: (وان اللّه يغفر الذنوب جميعا)((1703))!! والارجاء الذى قال به معاويه وعمرو بن العاص ومن ناصر الدوله الامويه هو الذى عرفوه بالارجاء الخالص او (المحض) رغم ان معاويه واصحابه كانوا يعتقدون بالجبر ايضا، لكن هنا فريقان يقولان بالارجاء والجبر معا، احدهما فريق السلطه الامويه، والاخر فريق ثائر على السلطه، فعرفوا هذا بالجبرى وذلك بالمحض تمييزا بينهما((1704)).

انما قال هولاء بالارجاء ليبرروا للسلطه عبثها باحكام الدين، ولعبها بكتاب اللّه وسنه نبيه، واستباحتها لحرمات المومنين واستبدادها بحقوقهم، فهم مع كل ذلك مومنون لا يضر بايمانهم شىء، ولا ينقص فى ايمانهم عمل، وليس احد فى هذه الامه بازيد منهم ايمانا! واصبح هذا القول فى ظل السلطان - عقيده، ينظر لها رجال تبنوها ودافعوا عنها، كان ابرزهم: يونس بن عون النميرى، وعبيد المكتئب، وغسان الكوفى، وابو ثوبان المرجىء، وبشر المريسى.((1705)) وهولاء - القائلون بانه لا يضر مع الايمان ذنب، والذين قالوا بارجاء امر مرتكب الكبيره الى اللّه تعالى - (هولاء يتلاقون الى حد كبير مع طائفه كبيره من جمهور العلماء السنيين، بل انه عند التمحيص يتبين ان آراءهم هى آراء الجمهور)((1706))! (وكانت آراوهم تتفق تماما مع رجال البلاط الاموى ومن يلوذ به، بحيث لا يستطيع احد من الشيعيين او الخوارج ان يعيش بينهم، فى الوقت الذى تمكن فيه المسيحيون وغيرهم من غير المسلمين ان ينالوا الحضوه لديهم ويشغلوا المناصب العاليه)((1707)) وربما كان اولهم سرجون النصرانى، كاتب معاويه وامين سره! - الارجاء الثورى((1708)): لما كان ذلك الارجاء قد صيغ لحمايه السلطه والدفع عنها، فمن الطبيعى ان يضيق نطاقه ويتسع وفقا لمصلحه السلطه، فالسلطه حين تتعامل مع خصومها لا يمكن ان تتعامل معهم وفق عقيدتى الارجاء والجبر اللتين اظهرتهما، لان خصومها - وفق العقيده الجبريه - سيكونون معذورين لانهم لم يصنعوا شيئا من الخلاف الا بقضاء وقدر لا يملكون ازاءه خيارا!! ووفق عقيده الارجاء ليس للسلطه ان تقيم عليهم حد العاصى الخارج عن الاسلام لان الايمان لا تضر معه معصيه!! وهنا ستقع السلطه بالتناقض الفاضح..

هذا التناقض قد خلق لها اعداء من شركائها فى الارجاء او فى الجبر والارجاء معا، حين وقف هولاء الشركاء مع عقائدهم لا مع مصلحه السلطه وسخريتها بالناس.

فحصل بسبب ذلك التناقض ان قامت الحروب بين شركاء العقيده.. فاظهر غيلان الدمشقى عقيدته بفساد بنى اميه، وقد يكون ذلك بباعث من اعتقاده بالقدر، الذى يلقى عليهم بكامل تبعات افعالهم، فكان ايام عمر بن عبدالعزيز، وبعد ان اظهر تراجعا عن القول بالقدر((1709))، فبعد اظهاره التراجع عن القدر استعان به عمر بن عبدالعزيز، فقال له: اجعلنى على بيع الخزائن - خزائن ملوك بنى اميه الماضين - ورد المظالم، فكان يبيع تلك الخزائن وهو ينادى عليها: تعالوا الى متاع الظلمه، تعالوا الى من خلف رسول اللّه (ص) فى امته بغير سنته وسيرته((1710))! اما زعيم (المرجئه الجبريه) الجهم بن صفوان، فقد خاض حربا على ولاه الامويين فكان داعيه الحارث بن سريج فى خراسان سنه 128 ه حتى اسر وقتل((1711)).

واذا صحت نسبه سعيد بن جبير وابى حنيفه الى المرجئه، فهما من هذا الصنف الثورى، فقد كان سعيد بن جبير فى طليعه القراء الذين ثاروا على بنى اميه ايام عبدالملك، وابو حنيفه قد افتى بنصره زيد الشهيد وجعل خروجه على هشام كخروج رسول اللّه (ص) على المشركين يوم بدر، ثم ناصر محمد النفس الزكيه واخاه ابراهيم على العباسيين.

ومن هولاء ايضا: الشاعر ثابت قطنه، الذى انتصر هو وجماعه من القراء لقوم اسلموا فى مدينه السغد، ثم الزمهم الوالى الجزيه لانكسار صندوق الخراج. اذ كانت الجزيه توفر قدرا هاما من وارداته! تماما كالذى حصل فى البصره ايام الحجاج وانتفض لاجله القراء هناك.

وقد نظم ثابت قطنه عقيدته شعرا، قال فيه:

نرجى الامور اذا كانت مشبهه ونصدق القول فى من جار او عندا المسلمون على الاسلام كلهم والمشركون استووا فى دينهم قددا ولا ارى ان ذنبا بالغ احدا من الناس شركا اذا ما وحدوا الصمدا فهو الى هنا من المرجئه الذين لا يكفرون احدا بذنب، لكنهم لا يغفرون الجور والعدوان.. لكنه حين يمضى فى قصيدته يقف من على وعثمان موقف اهل الشك، فيقول:


212

اما على وعثمان فانهما عبدان لم يشركا باللّه مذ عبدا وكان بينهما شغب وقد شهدا شق العصا، وبعين اللّه ما شهدا يجزى على وعثمان بسعيهما ولست ادرى بحق ايه وردا اللّه اعلم ماذا يحضران به وكل عبد سيلقى اللّه منفردا((1712)) اعلام نسبوا الى

الارجاء:

ا - الحسن بن محمد الحنفيه: عده البعض اول من وضع الارجاء، وعنه اخذه الناس، ثم صاروا بعد الى تلك الاقسام.. لكن الارجاء الذى نسبوه اليه ليس كارجاء هذه المرجئه التى اخرت العمل وقالت انه لا يضر مع الايمان معصيه، فهو لم يوخر العمل عن الايمان، لكنه حكم بان صاحب الكبيره لا يكفر، اذ الطاعات ليس من الايمان حتى يزول الايمان بزوالها.. وكان يكتب بذلك الى الامصار((1713)).

ولقد حمل الاستاذ محمد عماره هذا القدر فوق ما يحتمل وفق منهجه الذى تشخص فى ثوابته اقتناص كل ما يمكن تسخيره ولو قسرا فى مهاجمه انصار على(ع)! فاراد ان يستفيد منه هذا ان الحفيد قد اراد بهذا القول تفضيل ابى بكر وعمر على على والدفاع عن خلافتهما!! واما برهانه الوحيد على هذا التفسير فهو اغرب بكثير من التفسير نفسه، فهو يقول: (وفى الكافى نص هام يشهد لهذا التفسير، يقول: وقد تطلق المرجئه على من اخر عليا عن مرتبته)((1714)). قاله بهذا الحماس الظاهر وهو يعلم ان هذا الكلام انما هو فى هامش الكافى، وقد اشار بنفسه الى هامش الكافى، فهل غاب عنه ان هوامش الكافى ليست من الكافى ولا تصح نسبتها اليه، وانما هى من وضع محققه المعاصر الشيخ الغفارى الذى اعدها باعتماد مصادر اخرى؟! اما حقيقه القول فى نسبه محمد بن الحسن الى الارجاء، وكثير غيره، فقد تقدمت آنفا، وسياتى ذكرها ثانيه فى هذه الفقره الاتيه..

ب - ابو حنيفه: هو الاخر منسوب الى الارجاء ، لكن ليس هو الارجاء الاموى، لان ابا حنيفه قد افتى بوجوب محاربه الامويين مع زيد الشهيد وامده بالاموال، كما افتى بوجوب محاربه العباسيين مع محمد النفس الزكيه واخيه ابراهيم.. انما نسب اليه مثل ما نسب الى الحسن بن محمد بن الحنفيه، قال:

الايمان هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص.. واستنكر الشهرستانى ان ينسب الى ابى حنيفه القول بتاخير العمل.

قال الشهرستانى: هناك وجه آخر لنسبته الى الارجاء، وهو انه كان يخالف القدريه والمعتزله الذين ظهروا فى الصدر الاول، وكانوا يلقبون كل من خالفهم فى القدر مرجئا((1715)).. فهذا بعينه منطبق على محمد بن الحسن بن الحنفيه، وعلى آخرين، مثل: سعيد بن جبير، وحماد بن ابى سليمان، ومقاتل بن سليمان وغيرهم، لانهم لم يكفروا اصحاب الكبائر ولم يحكموا بتخليدهم فى النار((1716)).

العامل الثانى:

الكلام والفلسفه

الكلام: هو العلم المعنى باثبات العقائد الدينيه عن طريق الحجج والبراهين، العقليه والنقليه، كما عرفه غير واحد من اهل العلم((1717)).. وهو عند المسلمين من حيث النسبه الى مصدره يمكن تقسيمه الى الاقسام الاتيه:

ا- كلام يدور فى حدود المعارف القرآنيه: ينطلق منها ويعود اليها.. وهذا لا ينبغى النزاع فى اصالته، ولا نزاع ايضا فى ان رائده واميره هو الامام على(ع) فى العديد من خطبه المحفوظه فى التوحيد وفى الصفات وفى النبوه، والمعاد، والامامه.

ب- كلام مصدره العقليه الاسلاميه المتاثره: سلبا او ايجابا بالعوامل الموثره فى تشكيل الموقف العقيدى وصياغه المتبنيات العقيديه.. ومن امثلته، الكلام فى الجبر الناشى فى ظلال نظام الغلبه، الذى ادى الى ظهور الكلام فى التفويض المناقض له، ومثله الكلام فى الارجاء والتكفير، الذى كان سببا فى ظهور عقيده (المنزله بين المنزلتين) التى تقول ان مرتكب الكبيره، لاهو مومن كما تقول المرجئه، ولا هو كافر كما تقول المارقه، وانما هو فى منزله بين المنزلتين.. هذه المقوله التى كانت اساسا فى ولاده فرقه جديده عرفت ب: (المعتزله)..

وذلك ان اول من قال بهذه المقوله، وهو واصل بن عطاء ثم تابعه عمرو بن عبيد، قد كانا فى مجلس الحسن البصرى، فكلماه فى قولهما هذا، فامرهما باعتزال حلقه درسه، فاعتزلا عند اسطوانه فى المسجد وانضم اليهما جماعه فسموا المعتزله((1718)).

فكانت هذه هى النواه الاولى لتكوين فرقه (المعتزله)..

وترقى بهم الكلام فى صعيد تقرير هذه المقوله الى قضيه (العدل الالهى) واكثروا الكلام فى تدعيمها وابطال كل ما يقدح ولو ظاهرا بالعدل الالهى، حتى لقبوا ب (العدليه).. وكان العدل الالهى عندهم يدور حول صدق الوعد والوعيد، فاللّه تعالى العادل لا يعذب المحسن ولا يكافىء المسىء، ولا يخلف وعده فى ثواب المحسن وعقوبه المسىء وقبول التوبه، ولا عفو بلا توبه لان ذلك اخلاف للوعيد، ولاجل ذلك ايضا نفوا الشفاعه.


213

وفى خضم النزاع الدائر بين الجبريه والمفوضه اختار المعتزله القول بالتفويض، وجعلوه من اهم اركان العدل الالهى، فسموا لاجله بالقدريه.

هذه الدائره الواسعه من الكلام، والتى شكلت اركانا اساسيه فى عقيده المعتزله، كان مصدرها الواقع الاسلامى والصراع (الفكرى - السياسى) الدائر فيه.

وهذه المبادىء كلها، مع ملاحظه العوامل الموثره فى نشاتها توكد ان (المعتزله) لم تكن فى يوم ما امتدادا لاولئك النفر الذين اعتزلوا الصراع ايام عثمان وايام الامام على، كسعد بن ابى وقاص وعبداللّه بن عمر، بل الذى تفيده هذه المبادى هو ان اعتزال واصل واصحابه كان موقفا تحرريا معارضا لجماعه الحكم ومدرسته الثقافيه، وهذا هو السر فى رواج هذا اللقب عليهم، ولم يكن مصدره اختيارهم تجنب جميع الفرق وتجنب الدخول فى النزاع! لم يكن هذا من مواقفهم ابدا، بل هو ابعد شىء عنهم، يوكد ذلك نضالهم الفكرى العنيد ضد الارجاء والجبر اللذين تدعمهما مدرسه السلطه، ويوكده اكثرواكثر الاصل الخامس من اصول عقيده (المعتزله) التى لا يسمى المرء معتزليا الا بالايمان بها جميعا، وهذه الاركان هى: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزله بين المنزلتين، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر((1719))..

ومثل هذا المبدا الاخير لا تتبناه فرقه اصلا من اصولها ثم يقال انها تعتزل السياسه والخوض فى النزاعات الدائره بين الفرق، او ان سلفهاهم اولئك الذين اعتزلوا عليا والحسن (ع).

اذن كان مصدر تسميتهم بالمعتزله هو خصومهم بلا شك، سواء كان الحسن البصرى، او قتاده كما فى روايه((1720)). فلما غلب عليهم ولم يستطيعوا دفعه بتسميه ينتخبونها هم، صاروا الى الدفاع عنه والرضا به، وفسروه بانه اعتزال الباطل واهله، وبالغ القاضى عبدالجبار فى مد جذور هذه التسميه الى القرآن الكريم، فقال: ان كل ما ورد فى القرآن من ذكر الاعتزال فان المراد منه الاعتزال عن الباطل! لكن الرازى فند هذا الكلام حين اورد عليه قوله تعالى حكايه عن موسى (ع) فى خطابه لقوم فرعون: (وان لم تومنوا لى فاعتزلون)!((1721))

الاشاعره:

فى الفتره التى ضعف فيها دور المعتزله وقوى موقع اصحاب الحديث ظهر فى البصره ابو الحسن الاشعرى بمذهب جديد يعارض فيه المعتزله وينتصر لاصحاب الحديث. والاشعرى المولود سنه 260ه والمتوفى سنه ثلاثمئه ونيف وثلاثين للهجره، قد كان اول امره معتزليا، تلميذا لشيخ المعتزله فى عصره ابى على الجبائى، وقد كان احيانا ينوب عن شيخه فى الجدل. ثم طلع على الناس بعد عزله قصيره، قيل خمسه عشر يوما، فاعلن توبته عن مقاله المعتزله فى القدر وقال بقول الجبريه الا انه ادخل عليه مفهوم الكسب، ليكون الانسان مسوولا عن فعله بالكسب.. كما رد على المعتزله عقيدتهم فى الصفات وتبنى قول احمد بن حنبل باتباع الظاهر بدون تاويل..

لكنه تراجع بعد ذلك الى التاويل فى كل ما يوهم التشبيه، الا الاعتقاد برويه اللّه تعالى فى الاخره.

وناقض المعتزله فى منزله العقل ودوره فى الشرع، وخالفهم فى مساله الحسن والقبح العقليين، فجعل الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه الشارع وليس للعقل دور فى معرفه ذلك.

ولم يفرق فى العقيده بين السنه المتواتره واحاديث الاحاد.

وجعل الصفات الثبوتيه - العلم، والقدره، والحياه، والاراده، والكلام، والسمع، والبصر - صفات قديمه قائمه بذاته، لا يقال:

هى هو، ولا هى غيره، ولا لا هو، ولا غيره.

وجوز تكليف ما لا يطاق، وتعذيب المحسن، وثواب المسىء.. اما مصدر عقيدته فى الامامه والتفضيل فانما هو الواقع التاريخى لا غير((1722)).

الماتريديه:

نسبه الى موسسها ابى منصور الماتريدى الذى توفى سنه 333 ه وكان معاصرا للاشعرى، غير انه كان بعيدا عنه، فى ماتريد من ولايه سمرقند، وهو حنفى المذهب، درس فقه ابى حنيفه ورسائله الصغيره فى الكلام، وقد قرر بعض العلماء ان آراء ابى حنيفه فى العقائد هى الاصل الذى تفرعت منه آراء الماتريدى..

ولما كان ابو حنيفه يمنح العقل دورا كبيرا فى الفقه والمعرفه، خلافا لاصحاب الحديث، فقد ظهرت آثار ذلك فى المذهب الماتريدى وميزته كثيرا عن المذهب الاشعرى..

فالاشعرى قال: ان معرفه اللّه واجبه بالشرع.. اما الماتريدى فقال: يمكن للعقل ادراك وجوبها..

ونفى الاشعرى الحسن والقبح العقليين، فيما اثبتهما الماتريدى.

والماتريدى خالف اصحاب الحديث منذ البدايه فى الصفات، وقال بوجوب حمل المتشابه على المحكم وتاويل كل ما يوهم التشبيه.


214

والاشعرى يرى ان افعال اللّه لا تعلل لانه لا يسال عما يفعل، وهم يسالون.. ويرى الماتريدى ان افعال اللّه لا تكون الا على مقتضى الحكمه، دون ان يقال ان ذلك واجب على اللّه تعالى لانه مختار مريد.

وجوز الاشعرى على اللّه ان يعاقب الطائع ويثيب العاصى.. ومنع من ذلك الماتريدى لان ثواب الطائع وعقاب العاصى انما هو لحكمه قصدها واراده ارادها.

واجاز الاشاعره ان يخلف اللّه وعده، ومنع الماتريديه ذلك.

وكان الاشعرى قد فارق المعتزله فى الجبر والاختيار، وميز قوله عن قول الجبريه الخالصه باضافه عنصر الكسب، والكسب عنده هو الاقتران بين الفعل الذى هو مخلوق للّه تعالى وبين اختيار العبد، من غير ان يكون للعبد تاثير فى الكسب! هذا القول الذى وصفه العلماء بانه يودى الى الجبر لا محاله، لان هذا الكسب مخلوق للّه تعالى كالفعل نفسه! فبعضهم وصفه بانه الجبر المتوسط، وبعضهم وصفه بانه الجبر الكامل.

اما الماتريدى فقد قال بالكسب ايضا ولكن الكسب عنده من فعل الانسان بقدره اودعها اللّه سبحانه وتعالى فيه. وفى جميع هذه الاقوال ترى الماتريدى يقترب من المعتزله احيانا ويوافقهم احيانا اخرى، لذا وضع الكوثرى تخطيطا لاربعه مذاهب جعل الطرفين: اصحاب الحديث، والمعتزله، وبينهما الاشاعره اقرب الى اصحاب الحديث، والماتريديه اقرب الى المعتزله.

ومن الامور التى تقارب فيها الماتريدى والاشعرى: القول فى الرويه وفى مرتكب الكبيره، وفى الامامه((1723)).

ج - مصادر الكلام الاجنبيه على الواقع الاسلامى: وهى على قسمين:

اولهما: ما اضطر اليه العلماء الذين وجدوا انفسهم معنيين فى الدفاع عن العقيده الاسلاميه امام متكلمى الامم الاخرى الوافده على الاسلام او المجاوره لحدوده، والتى ترجع الى تراث كلامى عريق.. فوجد بعض العلماء المسلمين انفسهم امام غزو فكرى مدجج بالسلاح، ولا بد لاجل محاربته ان يواجهوه بسلاح من جنس سلاحه، خاصه وان المنهج الحديثى الغالب على العلماء آنذاك لم يكن وافيا فى متابعه كل شارده ووارده تقذف بها المدارس الكلاميه تلك.

فكان هذا دافعا نحو ولوج علم الكلام وسلوك سبله ودخول مداخله واستخدام اساليبه فى الحجاج والبراهين والتفريعات ونحو ذلك.

وهذا فى نفسه غير مستنكر، بل هو حسن ومحبذ جدا حين يكون اصحابه من اهل العلم والمعرفه واليقين. ولقد افلح كثير منهم فى الرد على شبهات متكلمى الامم الاخرى من صابئه ونصارى ومجوس وهنود وغيرهم، فى كتب ومناظرات، ودحضوا حجج كثير من الزنادقه المتاثرين بهم.

وثانيهما: ما وقع عليه طلبه العلوم، من مختلف المستويات، من كتب الكلام والفلسفه الاجنبيه فى عصر الترجمه وبعده..

فهذا وان كان يمثل ظاهره حضاريه هامه، الا انه قد خلف اثرا سلبيا، تمثل فى تسرب الكثير من المقولات الفلسفيه الوارده الى الثقافه الاسلاميه، ودخوله فى امهات المسائل العقيديه التى تناولها المتكلمون..

واسوا الاثار التى تركها هى تلك التى دخلت فى بحوث (الصفات) صفات الخالق البارى ذى الجلال والاكرام..

والحق ان مباحث الصفات كانت قبل عصر الترجمه مصدرا للنزاع والانقسامات، ثم زادها ذلك تعقيدا وتعميقا.

الصفات محور لفرق جديده:

انقسم المسلمون فى تفسير صفات اللّه تعالى الى ثلاث طوائف، ولكل طائفه فريقان((1724)):

الطائفه الاولى:

ذهبت الى ان آيات واحاديث الصفات يجب ان تجرى على ظواهرها.. ثم انقسموا فى معنى هذا الكلام الى فرقتين:

الفرقه الاولى: ذهبت الى ان المستفاد مما جاء فى القرآن والحديث فى الصفات، من قبيل (يد اللّه) و (عين اللّه) و (وجه اللّه) ونحوها، انها جوارح (اعضاء) كجوارح المخلوقين! و وصفوه تعالى شانه بالجسميه، فقالوا هو جسم، وهولاء هم (المشبهه) و (المجسمه).. والذى ثبت على هذا الاعتقاد فرقتان، هما: (الظاهريه) و (الكراميه).

الفرقه الثانيه: اجروا هذه الالفاظ على ظاهرها، ولكن خالفوا المجسمه بالتصريح بالتجسيم والتشبيه، فقالوا: نقول ان له تعالى يد ووجه وعين وجارحه يسمع بها وانه مستقر على العرش استقرارا، وانه ينزل الى سماء الدنيا كل ليله وانه يغضب ويفرح، ولكن من دون ان نشبه ذلك بشىء من المخلوقات، بل نقول انها بالمعنى اللائق به تعالى! وهولاء هم (الحشويه) من (اصحاب الحديث) و (السلفيه) وهم لا يختلفون فى النتيجه عن الفرقه الاولى الا بالالفاظ، فاولئك وصفوا جسما مركبا منفعلا متغيرا وصرحوا بانه جسم، وهولاء وصفوا الاوصاف ذاتها ثم قالوا: بلا كيف((1725))! والفريقان معا يتفقان على خبر غريب، يرويه واحد عن واحد، تفرد به اسرائيل عن ابى اسحاق، وتفرد به ابو اسحاق عن عبداللّه بن خليفه، وتفرد به عبداللّه بن خليفه عن عمر، وتفرد به عمر عن رسول اللّه (ص). وعبداللّه بن خليفه الذى عرفت الروايه باسمه مختلف فيه((1726))!: تقول روايته هذه: ان كرسيه -تعالى - وسع السماوات والارض، وانه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار اربع اصابع، وان له اطيطا كاطيط الرحل الجديد اذا ركب من ثقله!((1727)) وفى روايه اخرى لهذا الخبر (وما يفضل منه الا اربع اصابع)! واعتقد الحشويه والسلفيه بهذه الروايه ليشاركوا بها المجسمه((1728)).


215

والفريقان يتفقان على امتناع التاويل ولزوم الاخذ بالمعنى المستفاد من الظاهر، وهم لاجل ذلك انكروا وجود المجاز فى اللغه العربيه وجعلوا هذه الالفاظ كلها على الحقيقه! وهذا كلام غريب جدا على لغه العرب، دعت اليه العصبيه المذهبيه! وعلى هذا تعاملوا مع المتشابه كتعاملهم مع المحكم! يقول ابن الجوزى: اعلم ان عموم المحدثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات البارى سبحانه على مقتضى الحس، فشبهوا، لانهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى الحكم..

فوجود المتشابه فى القرآن والسنه امر مسلم((1729)).

وهذه الطائفه اتهمت بالمشابهه باليهود، وبالقرائين منهم خاصه، اذ وقف هولاء على ظواهر تفيد التجسيم فى التوراه!((1730)) ولقد استدل ابن تيميه لهذه العقيده بنصوص من الانجيل ايضا!((1731)) لكن هذا ايضا لايدل على الاقتباس المباشر، وانما يدل على انه قد وقع فى امه الاسلام كالذى وقع فى الامم السابقه لا سيما اليهود والنصارى... وانما ياتى دليل التاثر من ملاحظه اهتمام بعض اصحاب تلك الديانات الذين دخلوا فى الاسلام بهذا النوع من الحديث، الحديث الدال على التشبيه والتجسيم، كما فى احاديث كعب الاحبار الذى اكثر عنه ابو هريره ونسب بعض احاديثه الى الرسول (ص)، كما نسب ذلك رواه حديثه الذين سمعوه يحدث عن كعب مره وعن رسول اللّه (ص) مره، فخلطوا ونسبوا بعض احاديث كعب الى الرسول، وقد تقدم هذا سابقا.. فيكون التاثر عن طريق متابعه احاديث مدسوسه عن هذا او عن غيره، وهذا ارجح بكثير من التلقى المباشر عن اليهود والنصارى.

الطائفه الثانيه:

حملوا ما يتعلق بصفات البارى تعالى على خلاف الظاهر، اذا كان الظاهر مفضيا الى التشبيه او التجسيم.. وهم فريقان:

الفريق الاول: قطع بان المراد لا يمكن ان يكون صفات خارجيه، من قبيل الحلول والتحيز والاعضاء والانفعال، لكنهم لم يدخلوا فى البحث عن المراد منها، بل قالوا: اللّه اعلم بما اراد، وقد عرفنا بمقتضى العقل ان اللّه تعالى ليس كمثله شىء، فلا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شىء منها، وقطعنا بذلك، الا انا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى:

(الرحمن على العرش استوى)، وقوله تعالى: (خلقت بيدى)، وقوله تعالى: (وجاءربك) الى غير ذلك، ولسنا مكلفين بمعرفه تفسير هذه الايات وتاويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بانه لا شريك له، وليس كمثله شىء، وذلك قد اثبتناه يقينا((1732)).

وعد الشهرستانى من هولاء: مالك بن انس، اذ قال: الاستواء معلوم، والكيفيه مجهوله، والايمان به واجب، والسوال عنه بدعه. كما عد منهم: احمد بن حنبل وسفيان الثورى وداود ابن على (الظاهرى)((1733)). والاصح ان كلام هولاء اقرب الى الفرقه الثانيه من الطائفه الاولى، الحشويه واصحاب الحديث الذين تقدم التعريف بهم آنفا، فهو اجراء على الظاهر دون تكييف، لكن هذا الفريق من الحشويه واصحاب الحديث و (السلفيه) قد تقدم على اولئك فى التفسير والبيان ولم يلتزم قولهم: (السوال عنه بدعه) فتورط فى التشبيه. والى هذا اشار الشهرستانى نفسه.((1734)) الفريق الثانى: قطعوا ايضا بان المراد لا يمكن ان يكون صفات خارجيه، ثم ذهبوا الى ضروره تاويل ما يتعلق بالصفات الى المعانى اللائقه بجلاله تعالى والموافقه لما قطع به العقل وثبت به التنزيل المحكم من انه تعالى شانه (ليس كمثله شىء)، و(لا تدركه الا بصار) فهذه نصوص محكمه ليس فيها من التشابه شىء، وقد قطع العقل بمعانيها، فلا بد من رد المتشابهات اليها.

فهم لاجل ذلك اعتمدوا المجاز فى اللغه واحالوا اليه كل ما يتعلق بالصفات من المتشابه الذى لا يستقيم ظاهره مع تلك المحكمات التى قطع بها العقل ايضا.

وعلى هذا المبدا: جمهور (اهل السنه والجماعه) اتباع الاشعرى، والمعتزله، واتباع اهل البيت (ع) (الشيعه)، غير ان الجماعات الثلاث اختلفت فى ما بينها فى مدى اعتماد التاويل، على ثلاث مراتب:

فكان الاشاعره اقلهم رجوعا الى التاويل، لما اعتمدوه من الاخبار الوارده فى الصفات، فكانهم اجروا التاويل على القرآن دون الحديث! فما ورد فيه الحديث تمسكوا بظاهره غالبا، فجوزوا رويه العباد ربهم جل شانه يوم القيامه، رجوعا الى اخبار عندهم، فلم يوولوا قوله تعالى (الى ربهاناظره).

اما الايات التى فيها الوجه والايدى والاعضاء فقد اولوها باعتماد المجاز، ولم يجروها على ظواهرها الموديه الى التشبيه((1735))، ووافقوا فيها الجماعتين الاخريين.


216

- اما المعتزله فكانوا على خلاف الاشاعره، اذ اطلقوا العنان للتاويل، اعتمادا على: الدور الذى منحوه للعقل، ومنهجم فى الحديث الذى يقتصر على قبول المتواتر فقط، فيما اعتمد الاشاعره احاديث الاحاد التى لم ترد الا من طرق رجالها متهمون غالبا عند المعتزله على الاقل..

يقول البغدادى (من الاشاعره) فى الطعن على ابى الهذيل العلاف (من ائمه المعتزله): ومن فضائحه! قوله ان الحجه من طريق الاخبار فى ما غاب عن الحواس من آيات الانبياء (ع) وفى ما سواها لا تثبت باقل من عشرين نفسا فيهم واحد من اهل الجنه، او اكثر.. ولم يوجب باخبار الكفره والفسقه حجه وان بلغوا عدد التواتر الذى لا يمكن معه تواطوهم على الكذب، اذا لم يكن فيهم واحد من اهل الجنه.. وزعم ان خبر ما دون الاربعه لا يوجب حكما.. ومن فوق الاربعه الى العشرين قد يصح وقوع العلم بخبرهم، وقد لا يقع العلم بخبرهم((1736)).

ومن هذا يظهر ان القسم الاعظم من الاحاديث التى تتعلق بهذا الباب ويعتمدها الاشاعره فيتوقفون عن التاويل بسببها، هى عند المعتزله ساقطه الاعتبار، مما وسع من دائره التاويل عندهم.

ولقد نسب، الى بعض المعتزله فى هذا الباب ما لا يمكن تصديقه، كالذى نسبه الذهبى الى عمرو بن عبيد من انه عرض عليه حديث للنبى (ص) فقال: لو سمعت الاعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبلته، ولو سمعت رسول اللّه (ص) يقول هذا لرددته! ولو سمعت اللّه يقول هذا، لقلت: ليس على هذا اخذت ميثاقنا((1737)). والذهبى قد روى فى عمر بن عبيد حتى الاشياء التافهه من اطياف الحانقين على عمرو بن عبيد وتعليقاتهم.. وحتى لو صح عنه ما تقدم فغلطه الفاحش انما هو فى ما وجهه الى الرسول والى اللّه تعالى، وكان الصواب ان يقول ان مثل هذا لا يصح عن رسول اللّه البته.. ونحن لا ندرى ما هو هذا الحديث الذى عرض عليه، ولعل الذهبى نفسه قد استحيا من ذكره، لعله من احاديث المجسمه او موضوعات الجبريه المكذوبه على الرسول(ص)! ومهما كان فالمعتزله قدموا العقل على الحديث، بخلاف الاشاعره، وجعل بعضهم العقل هو الاصل الاول، وهو الاصل للكتاب وللسنه، وقد شذ النظام واتباعه فاسقطوا السنه بالكامل((1738)). وعلى هذا اتسعت دائره التاويل عند المعتزله، ولم يقفوا عند ما يدل على التحيز والانفعال، بل تعدوا ذلك حتى الى الصفات الثبوتيه، كالعالم، القادر، الحى، السميع، البصير، وقالوا: ليس لهذه الصفات معنى اكثر من الوصف، وهو قول القائل بان اللّه عالم، قادر... وانه ليس هناك صفات على الحقيقه هى العلم والقدره والحياه.. وانما الصفات كلمات ملفوظه او مكتوبه((1739)). ولاجل مقولتهم هذه عرفوا بالمعطله لانهم عطلوا جميع الصفات حتى الثبوتيه منها.

واول من قال بهذا: الجهم بن صفوان، وتابعه واصل بن عطاء موسس هذه الفرقه (المعتزله) - فاصبح المعطله كلهم ينتسبون الى الجهم بن صفوان، فيقال: (الجهميه) كما يقال:

(المعطله).

وعقيدتهم بان الصفات كلمات ملفوظه نتج عنها اعتقادهم بان اللّه تعالى كان فى الازل بلا صفه ولا اسم من اسمائه وصفاته العليا، اذ ليس هناك الفاظ وكلمات فى الازل، لان اللّه تعالى لا يجوز ان يصف نفسه فى الازل.. من هنا اصبح كلامه تعالى مخلوقا له كسائر المخلوقات((1740)).. ومن هنا ظهرت مقوله (ان القرآن مخلوق) التى دار حولها نزاع كثير جر الى سفك دماء كثيره وتعذيب وافتتان، ظهر فى (المعتزله) فى مظهر (مفتشى العقائد) بلا مسوغ من شرع ولا عقل، فظهر منهم ظلم كثير على مدى حكومه المامون والمعتصم والواثق.

- الجماعه الثالثه: التى لم تخضع لاخبار الاحاد المتهمين، ولا سلطت العقل على السنه، بل اتبعت فى ذلك منهجا يقول: (ما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضىء بنور هدايته..

وما كلفك الشيطان علمه مما ليس فى الكتاب عليك فرضه، ولا فى سنه النبى (ص) وائمه الهدى اثره، فكل علمه الى اللّه سبحانه)((1741)). فهناك فى القرآن الكريم محكمات يستضاء بنورها ويوتم بها، وفى سنه النبى(ص) وائمه الهدى بيان صدق لا تشوبه شائبه وفيه تمام الهدى، وليس وراء ذلك شىء الا ايكال العلم الى اللّه تعالى.


217

ويقول: (ان للناس فى التوحيد ثلاثه مذاهب: مذهب اثبات بتشبيه، ومذهب النفى، ومذهب اثبات بلا تشبيه.. فمذهب الاثبات بتشبيه لا يجوز.. ومذهب النفى لا يجوز.. والطريق فى المذهب الثالث: اثبات بلا تشبيه). اذن لا تعطيل، انما هو اثبات ولكن بلا تشبيه((1742)).

ويقول: (ما وحده من كيفه.. ولا اياه عنى من شبهه)((1743)) فى نفى التكييف والتشبيه.

ويقول: (لا يجرى عليه السكون والحركه.. ولا يوصف بشىء من الاجزاء ولا الجوارح والاعضاء.. ولا يقال له حد.. ولا ان الاشياء تحويه.. او ان شيئا يحمله)((1744)) فهو رد صريح على من يجرى اخبار الصفات وآياتها على ظواهرها وعلى الحقيقه دون المجاز.

وعلى خطى هذا المنهج سار من اهتدى بهذا الهدى، هدى الكتاب والسنه، فاثبتوا المحكمات اصولا للعقيده، وعمدوا الى المتشابهات فردوها الى اصولها المحكمه، واتبعوا فيها سنه النبى وبيانات ائمه الهدى من آله.. فقالوا اذن بوجود المجاز فى اللغه واعتمدوه فى ارجاع المتشابه الى المحكم، فعملوا بالتاويل فى هذه الحدود مقتفين الاثر الصادق الذى وجدوه كله منسجما مع المحكم، رادا المتشابه اليه، فنفوا كل ما يدل على التشبيه والتجسيم، ثم اثبتوا له تعالى الصفات الثبوتيه، على انها صفات قائمه بذاته، وليست هى اشياء منفصله عنه زائده عليه كما ذهب اليه الاشاعره.

كما نفوا جواز الرويه التى اثبتها الاشاعره فى الاخره، عملا بقوله تعالى (ولا تدركه الابصار) ورجوعا الى احاديث اهل البيت القاطعه بهذا المعنى، وتاكيدا بالبرهان العقلى وادلته المانعه لاحكام الرويه((1745)).

الطائفه الثالثه:

الذين اتخذوا السكوت عما يتعلق فى الصفات، وهم فريقان:

الاول: يقول بجواز كون المراد منها هو الظاهر اللائق بجلال اللّه تعالى، كما يجوز ان يكون المراد خلاف الظاهر كما يذهب اصحاب التاويل، ولكن لا يقول ان المراد هذا او ذاك.

قال ابن تيميه: هذه طريقه كثير من الفقهاء وغيرهم((1746)).

فهى ليست مقوله لفرقه من الفرق بل مذهبا لاشخاص باعيانهم.

والثانى: امسك عن الكلام فيها بالكليه، ولا يزيد على تلاوه القرآن وقراءه الحديث.. وهولاء ايضا لا يشكلون فرقه، بل افراد لم تهتد قلوبهم الى الحقيقه، فاثروا السكوت على الخوض بما نهى عنه الشرع المقدس.

العامل الثالث:

التطرف الدينى

من اخطر المشكلات التى تعرض لها الفكر الدينى هى مشكله تطرف اتباعه فى تفسير معانيه وفى تطبيق احكامه، فيتجاوزون الضوابط الثابته فى تفسير نصوصه ومفرداته، والحدود المعلومه فى تطيبق احكامه.

هذا التطرف هو الذى سماه الدين (غلوا) وهو يقابل التقصير فى معرفه الدين وتطبيق احكامه.

والغلو انما تصاب به النفوس الوالهه المتعلقه بشىء من الدين غير انها لم تكن تفقه روح الدين، ولم تتذوق معانيه، ولا ادركت مقاصده واهدافه الكبرى، ولا قرات القرآن الكريم كله قراءه واعيه وعلى مستوى واحد من الاهتمام، ولا تذوقت جمال القرآن ولا وقفت عند خطابه اللاذع للمغالين، ولا لفت انتباهها اسلوب القرآن الحكيم فى سد جميع منافذ الغلو.. فبعد ان فقدت كل هذا جنحت مع اهوائها فجاوزت الحد فى معشوقها، وكثيرا ما وقعت فى تاليهه بشكل سافر، او على درجه اقل من ذلك.

ومنذ اقدم مراحل التاريخ البشرى، وقبل نوح (ع)، بلغ الغلو بالناس ان عبدوا سلفهم الصالح واتخذوهم آلهه من دون اللّه، فلما دعاهم نوح (ع) الى التوحيد قالوا: (ولاتذرن الهتكم و لاتذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا)((1747))! وهذه الاسماء (ود) و (يغوث) و (سواع)، و (يعوق) و (نسر) انما هى اسماء عباد صالحين كانوا قبلهم باجيال، فكانوا يعظمونهم، ويزداد التعظيم جيلا بعد جيل حتى بلغ الامر ان اتخذوا لهم تماثيل باسمائهم ليعبدوها!((1748)).

وظهر الغلو عند اتباع الديانتين اليهوديه والمسيحيه، وبلغ بالنصارى ان الهوا عيسى بن مريم (ع)، قالوا: ابن اللّه! وقالوا:

ثالث ثلاثه! كل ذلك من فرط حب معه جهاله، ونزعه وثنيه فى اتخاذ الوسائط الى اللّه تعالى والتوجه اليها بالعباده ولو عن طريق مجاوزه الحد فى تعظيمها واضفاء الصفات الالهيه عليها، من قبيل الخالقيه والرازقيه والاحاطه علما وقدره، فقالت النصارى ان المسيح يصنع المعجزات بقدرته الذاتيه وليس باذن اللّه! وجاء الاسلام فكان اكثر دقه فى تشخيص الغلو وسد الابواب دونه، فكان القرآن يخاطب الانبياء مخاطبه العبيد الفقراء الذين لا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا، ويعاتبهم وينذرهم انذار من لم يكن له مع اللّه عهد، كل ذلك ليصرف افئده المومنين وارواحهم عن مسالك الغلو.. فيتلو علينا نبا آدم(ع)، فيقول: (و لقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى و لم نجدله عزما)!((1749)).


218

ويخاطب داود (ع) فيقول:

(ياداود انا جعلناك خليفه فى الارض فاحكم بين الناس بالحق) وبعد هذا، بعد ان يخبر عن خلافته للّه تعالى فى الارض، لا بالغلبه، ولا بالشورى، ولكن بجعل من اللّه تعالى، يقول على الفور: (فلا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه ان الذين يضلون عن سبيل اللّه لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب)!((1750)). ويخاطب سيد البشر وخاتم النبيين بما يغلق امام الناس بعده كل منافذ الغلو لو انهم يعقلون، فيقول: (قل انما انا بشر مثلكم يوحى الى انما الهكم اله واحد)((1751)).. وهو قادر ان يقول: (قل انا بشر) ويتم المعنى، ولكن هذا التاكيد ثم الحصر ب (انما) ثم التمثيل ب (مثلكم) ابلغ تعبير فى تثبيت المعنى وقطع كل الطرق امام الشبهات والجهالات.

والى اكثر من هذا ذهب النبى (ص)، فاكد ان الغلو لا ينحصر بعباده البشر، بل هو حاصل حتى فى التشدد والتطرف بالعبادات، فما جاوز فيها السنه فهو غلو.. حدث الفضل بن العباس، فقال: قال لى رسول اللّه (ص) غداه يوم النحر: (هات فالتقط لى حصى) فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف، فوضعهن فى يده فقال: (بامثال هولاء، بامثال هولاء، واياكم والغلو، فانما اهلك من كان قبلكم الغلو فى الدين)!((1752)) ظهور الغلو بين المسلمين:

الغلو بمعناه الواسع، الشامل لكل ما جاوز الحد، كثير جدا بين المسلمين، دخل فى كافه مجالات الاعتقاد والعبادات وحتى المعاملات والاعراف، مما يصعب الوقوف معه على حد.. ومن حالاته الظاهره هذا الكم الهائل من الخرافات والاكاذيب المصنوعه فى مناقب وفضائل الاولياء والصالحين، وقلما تجد رجلا تعلقت به طائفه لم تسبح حوله الاساطير! وكتب المناقب عامه طافحه بهذا اللون من الغلو.

اما الغلو فى العبادات، فهو كثير عند اهل الانقطاع، كما قد يقع فيه المتنطعون الذين يجاوزون الحد فى التدقيق والتشدد فى السنن.

والذى سوف يتوجه اليه البحث من اصناف الغلو هو ما اتخذ شكل المقاله، او صح ان يسمى مقاله يدعو اليها رجل او طائفه.

وقد ظهر هذا النوع من الغلو مبكرا جدا، منذ ساعه وفاه النبى (ص)، اذ خرج عمر بن الخطاب مكذبا بموت النبى (ص) يصرخ بالناس: (ان رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول اللّه توفى، وان رسول اللّه ما مات، ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه اربعين ليله ثم رجع بعد ان قيل قد مات، واللّه ليرجعن رسول اللّه فليقطعن ايدى رجال وارجلهم يزعمون ان رسول اللّه مات)((1753))! وبالمقارنه تجد ان كثيرا من مقولات الفرق الغاليه لم تخرج فى البدء عن اطار هذه الكلمه، كما هو عند الكيسانيه وغيرهم..

فهذه اول مقوله غاليه فى الاسلام، ظهرت ثم انطفات من ساعتها، كان الباعث اليها - كما يروى عن عمر نفسه - تاويل خاطى لبعض آى القرآن! فروى عنه انه كان يتاول قوله تعالى:

(ليظهره على الدين كله) على انها خبر عن النبى(ص) فى حال حياته، فلا يموت حتى يعم الاسلام البشريه((1754))! وقد قال: كنت ارى ان رسول اللّه سيدبر امرنا! يعنى انه يكون آخرنا((1755))! دون ان يتنبه الى قوله تعالى: (و ما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم)((1756)).

وهذا هو الاصل فى معظم الشبهات التى تقود الى الغلو والانحراف بشتى الوانه، بتاويل آيه او آيتين بحسب الراى دون النظر فى الايات الاخر التى تتصل معها فى الموضوع، ولو تحقق مثل هذا النظر لما بقيت دعوه متاوله باطله الا اكتشفت سر توهمها.. انها القراءه القاصره للقرآن الكريم، والجهل بروح الاسلام وبمقاصده النبيله.

وفى تلك الايام ظهر تكذيب بموت النبى انتهى باصحابه الى الرده! اولئك (بنو عبدالقيس) قوم من البحرين، لما بلغهم نبا وفاه النبى (ص) قالوا: لو كان محمد نبيا لما مات! وارتدوا!! فجمعهم سيدهم الجارود بن المعلى، فقال لهم: انى سائلكم عن امر فاخبرونى به.. قالوا: سل عما بدا لك.

قال: اتعلمون انه كان للّه انبياء فى ما مضى؟ قالوا: نعم.

قال: تعلمونه او ترونه؟ قالوا: لا بل نعلمه.

قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا.

قال: فان محمدا (ص) مات كما ماتوا، وانا اشهد الا اله الا اللّه واشهد ان محمدا عبده ورسوله. فعادوا الى رشدهم ودينهم((1757)). وهذا هو ثانى مصادر الغلو، وعليه تقوم الكثير من شبهات الغلاه، انه ما يظنونه حجج عقليه، فيتساءلون عن اشياء تخفى على عقولهم هم فيظنون انها من المحال، كتساول هولاء، كيف يكون نبيا ثم يموت؟ لو كان نبيا حقا لم يمت! - ثم اتخذ الغلو اشكالا مختلفه، واصبح يولف فرقا واحزابا تتعصب لمقولاتها اشد التعصب حتى تموت دونها! وكان ابشع تلك المقولات ما انتهى الى تاليه البشر وهدم النبوه والامامه.


219

غلو المارقين وآثاره:

كان اكثر انواع الغلو خطرا على تاريخ الاسلام ومستقبله غلو المارقه، الذى كان اساسه: السذاجه، والسطحيه فى التفكير، مع تطرف شديد فى مايظنونه الموقف الدينى! ذلك الذى بلغ بهم ان مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرميه مع انه ليس فى الامه احد يجتهد فى العباده اجتهادهم، كما وصفهم الحديث النبوى الشريف (تحقرون صلاتكم الى صلاتهم وصيامكم الى صيامهم)! فكان اول مظاهر سطحيتهم فى التفكير: تاويلهم الفاسد لقوله تعالى: (ان الحكم الا اللّه) فظنوا ان تحكيم شخص فى قضيه بين اثنين شرك باللّه تعالى! وكان اول مظاهر تطرفهم: تكفير خصومهم واستباحه دمائهم واعراضهم. وبقيت هاتان الخصلتان ملازمتان للتطرف الدينى ايا كان اتجاهه: السطحيه فى التفكير المتمثله بالتاويلات الفاسده، وتكفير الخصوم واستباحه دمائهم واعراضهم.

تعدد طوائف الغلاه:

لقد توزعت طوائف الغلاه على المذاهب الاسلاميه كافه، حتى لم يبق مذهب من المذاهب الا وظهر الغلو بين اصحابه:

- فمن بين المارقين انفسهم ظهرت طوائف غلت فى الدين فوق غلوهم الاول، فقال بعضهم ان الصلاه ركعه واحده بالغداه وركعه بالعشى فقط.. وآخرون استحلوا نكاح المحرمات من بنات البنين وبنات البنات، وبنات بنى الاخوه والاخوات، وقالوا:

سوره يوسف ليست من القرآن..

وطوائف كانوا من المعتزله ثم غلوا وقالوا بتناسخ الارواح..

وطوائف من المرجئه، قالوا: ان ابليس لم يسال قط النظره، ولا اقر بان خلقه من نار وخلق آدم من تراب..

واخرون كانوا من (اهل السنه) فقالوا: قد يكون فى الصالحين من هو افضل من الانبياء ومن الملائكه (ع)، وان من عرف اللّه حق معرفته فقد سقطت عنه الاعمال والشرائع، وقال بعضهم بحلول البارى فى اجسام..

وطوائف كانوا من (الشيعه) ثم غلوا، فقال بعضهم بالوهيه على بن ابى طالب والائمه(ع) من بعده، ومنهم من قال بنبوته، وبتناسخ الارواح، وقالت طائفه منهم بالوهيه ابى الخطاب محمد بن ابى زينب مولى بنى اسد، وقالت طائفه بنبوه المغيره بن سعيد مولى بنى بجيله، وبنبوه ابى منصور العجلى، وبزيغ الحائك، وبيان بن سمعان التميمى وغيرهم((1758)).

ومن العباسيه طائفه الهت ابا جعفر المنصور، فشهدوا انه هو اللّه، وانه يعلم سرهم ونجواهم((1759)).

كما يعد التشبيه والتجسيم غلوا فى اثبات الصفات، يقابله غلو آخر فى التعطيل الذى قد يعد ايضا طرف التقصير المقابل للغلو.. ومثله الغلو فى القدر عند الجبريه الكامله، ويقابله التقصير فى القدر عند المفوضه، الذى هو غلو فى الاختيار ونفى القدر.

وهكذا تتعددت اوجه الغلو ومقولاته على يمين الصراط المستقيم وشماله..

الغلو باهل البيت (ع):

كان اكثر الغلو الذى توجه الى هدم التوحيد والنبوه والامامه هو الغلو باهل البيت (ع) الذى انتحلته جماعات عديده، ثم تفرقت هذه الجماعات الى عشرات الفرق اتخذت آلهه شتى وانبياء كثيرين ومقالات تتقارب حينا وتتنافر احيانا اخرى، غير ان اهم تلك الطوائف والتى اليها تنتهى سائر هذه الفرق، هى:

1 - السبئيه: المنسوبه الى عبد اللّه بن سبا الذى ظهر ايام الامام على (ع) فادعى له الالوهيه! فاحرقه الامام على مع اصحابه فى النار، واطفا بدعتهم. وقد تقدم الحديث فيهم مفصلا((1760)).

2 - الكيسانيه: القائلون بامامه محمد بن على بن ابى طالب، المعروف بابن الحنفيه، وقد ظهرت هذه الفرقه ظهورا حقيقيا بعد مقتل المختار ووفاه محمد بن الحنفيه، فقالوا: ان محمد بن الحنفيه استعمل المختار على الطلب بدم الحسين (ع)، وسماه (كيسان) لكياسته، فهم المختاريه الخلص.. قالوا بالتناسخ وزعموا ان روح اللّه صارت فى النبى، وروح النبى صارت فى على، وروح على صارت فى الحسن، وروح الحسن صارت فى الحسين، وروح الحسين صارت فى محمد بن الحنفيه، ثم صارت روحه فى ابنه ابى هاشم، وروح ابى هاشم انتسخت فى عبداللّه ابن عمرو بن حرب، فهو الامام الى خروج محمد بن الحنفيه الذى قالوا انه حى غائب عنهم فى شعب رضوى! وانه هو المهدى الموعود! وهولاء تفرقوا فرقا عديده جدا، منهم من اله ابن الحنفيه، ومنهم من اله آخرين كابى جعفر المنصور، وعبداللّه بن معاويه بن عبداللّه بن جعفر، ومنهم من اتبع بيان بن سمعان الذى ادعى النبوه((1761))!

3 - المنصوريه: اتباع ابى منصور، وهو عبد القيس، سكن الكوفه، ادعى ان الامام محمد الباقر قد فوض اليه اموره وجعله وصيه من بعده، ثم ادعى ان الائمه كانوا انبياء، وانه النبى بعدهم وان النبوه والرساله فى سته من ولده من بعده، آخرهم المهدى القائم! وكان يامر اصحابه بخنق مخالفيهم، فعرفوا بالخناقين، واباحوا المحرمات، وزعموا ان آل محمد هم السماء والشيعه هم الارض، وان الكسف الساقط هو ابو منصور، ذلك فى تاويلهم لقوله تعالى: (وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم)((1762))!


220

4 - المغيريه: اصحاب المغيره بن سعيد العجلى، الذى صحب الامام الباقر(ع)، ثم ابعده الامام لكونه كذابا مبتدعا، وقد اشتهر امره بالكذب ودس الحديث المكذوب فى كتب اصحاب الامام الباقر، وانتهى امره الى ادعاء النبوه، واتبعه طائفه من الكيسانيه الذين كانوا اصحاب عبد اللّه بن معاويه، ثم قتله خالد بن عبد اللّه القسرى وصلبه((1763)).

5 - الخطابيه: اصحاب ابى الخطاب، محمد بن ابى زينب الاجدع الاسدى، الذين اباحوا شهاده الزور، وترقوا فى دعوات كثيره، فلما بلغهم ان الامام الصادق قد لعنهم ولعن كبيرهم ابا الخطاب تفرقوا اربع فرق، قالت احداهن: ان جعفر بن محمد الصادق هو اللّه! وان ابا الخطاب نبى مرسل! وكان هولاء من الاباحيه.. وفرقه قالت: ان بزيغ الحائك هو رسول آخر ارسله جعفر الصادق مثل ابى الخطاب.. وقالت اخرى: ان السرى الاقصم نبى رسول آخر مثل بزيغ وابى الخطاب، ارسله جعفر ايضا.. وقالت الرابعه بحلول نور الاله جعفر بن محمد فى ابدان اوصيائه، فاذا خرج النور منه الى احد اوصيائه اصبح هو ملكا والوصى الها! وطائفه من هولاء الخطابيه صاروا بعد وفاه الامام الصادق اسماعيليه((1764))، وهولاء الخطابيه هم الذين يقال لهم (المخمسه) القائلين بالاشباح الخمسه: محمد وعلى وفاطمه والحسن والحسين، وان المعنى شخص محمد وصورته، والاربعه الباقيه لا حقيقه لها، وان محمدا هو اللّه وانه يظهر لعباده فى صور شتى، مع مقالات طويله بعضها اسخف من بعض((1765)).

6 - المفوضه: صنف من الغلاه اقروا بوحدانيه الخالق، وبان الائمه مخلوقون، ثم قالوا: ان اللّه تفرد بخلقهم خاصه ثم فوض اليهم خلق العالم بما فيه، وجميع الافعال((1766)).

7 - غلاه الزيديه: (السرحوبيه) او (الجاروديه) اتباع ابى الجارود زياد ابن المنذر، ولقبه (سرحوب) لقبه به الامام الباقر، وفسر ذلك بان سرحوبا شيطان اعمى يسكن البحر، وكان ابو الجارود اعمى، وخلاصه عقيدتهم كما ينقلها سعد بن عبد اللّه الاشعرى: ان الحلال حلال آل محمد والحرام حرامهم والاحكام احكامهم، وعندهم جميع ما جاء به النبى كاملا عند صغيرهم وكبيرهم، الصغير منهم والكبير فى العلم سواء، لا يفضل الكبير منهم الصغير، من كان منهم فى الخرق والمهد الى اكبرهم سنا.. ومن ادعى ان صغيرهم الذى فى الخرق والمهد ليس علمه مثل علم رسول اللّه (ص) فهو كافر باللّه مشرك.. ولا يحتاج احد منهم ان يتعلم من احد منهم او من غيرهم، العلم ينبت فى صدورهم كما ينبت الزرع بالمطر، فاللّه قد علمهم بلطفه كيف شاء.. وانما قالوا بهذا لانهم قد قرروا سلفا ان الامامه صارت فى آل محمد (ص) فهم فيها سواء، وانما تجب الطاعه لمن اظهر نفسه وقام بالسيف، فاذا لم يقولوا بانهم فى العلم سواء فسوف يرفعون درجه بعض على بعض فتكون الامامه فى اعلاهم منزله فينتقض قولهم الاول ان الامامه فيهم جميعا على السواء! قال ابو الخلف الاشعرى: وهم مع ذلك لا يروون عن احد منهم علما ينتفع به، الا ما يروونه عن الباقر والصادق، واحاديث قليله عن زيد، واحرفا يسيره عن عبداللّه بن الحسن((1767))!

8 - الباطنيه: لقب جامع لكل الفرق التى عمدت الى مخالفه ظواهر الكتاب العزيز وابتداع معانى باطنيه تحت شعار التاويل، عمدتهم فيها آراوهم الفاسده واذواقهم المنحرفه، وكل طائفه تنتزع من الباطن ما يلائم معتقداتها وينصر مقولاتها، فبيان بن سمعان يكتشف اسمه فى قوله تعالى: (هذا بيان للناس)((1768))! وابو الخطاب حين لعنه الامام الصادق (ع) وجد فى الباطن ما يقلب هذه اللعنه الى نصره، ذلك فى ما انتزعه من قوله تعالى: (اما السفينه فكانت لمساكين يعملون فى البحر فاردت ان اعيبها وكان وراءهم ملك ياخذ كل سفينه غصبا)((1769)) فالسفينه: ابو الخطاب! والمساكين:

اصحابه! والملك الذى وراءهم: عيسى بن موسى العباسى! والذى اراد ان يعيب السفينه هو الصادق(ع)، اراد ان يعيبهم بلعنه اياهم فى الظاهر وهو فى الباطن يعنى اعداءهم! والمخمسه الذين جعلوا فاطمه (ع) هى محمدا (ص) وهى الرب، جعلوا سوره الاخلاص فيها، والمراد بلفظ الجلاله فى هذه السوره انما هى فاطمه (ع): (قل هو اللّه احد) هى فاطمه احديه صمديه (لم يلد) الحسن (ولم يولد) الحسين! وكلهم قالوا بالحلول والتناسخ((1770)).

وانما غلب لقب الباطنيه على (الاسماعيليه) الذين قالوا بامامه اسماعيل بن جعفر الصادق، لانهم اعتمدوا فى التعامل مع النصوص قاطبه اصلا عندهم يقول: (لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تاويل) فهم يتبعون الباطن والتاويل، وهو السر الذى لا يدركه الا الامام والمرشد الكامل عندهم! وبلغ التاويل ببعضهم ان عطلوا الفرائض فقالوا: انما الصلاه رجل، والصيام رجل، والحج رجل، وهكذا مع سائر العبادات، والصلاه صله الامام، والصيام التكتم على اسراره، والحج زيارته... فمن عرف هذا فقد بلغ اليقين وسقطت عنه سائر العبادات، لان العبادات قشور يتمسك بها العامه والجهال، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: (واعبد ربك حتى ياتيك اليقين)((1771)) فاذا اتاك اليقين سقطت عنك العباده! واتسمت الحركات الباطنيه دائما بالسريه، والتكتم على عقائدها، الخاصه، والتطرف فى احكامها على مخالفيها.


221

والباطن والتاويل باب واسع اتخذ منه الزنادقه والدجالون الذين ينتحلون الاسلام وهم يعملون لهدمه طريقا الى اغراضهم! فدخله فرقه من الغلاه (اظهروا دعوه التشيع واستبطنوا المجوسيه... وذهبوا فى جميع الاشياء مذهب المجوس)((1772))! وتلبس به الاباحيون كافه، ومنهم (القرامطه) اصحاب حماد قرمط، وقرمط لقب له لقرمطه فى خطه او فى خطوه، وهى القصر والمقاربه فيها. وكانت للقرامطه دوله ابتدات فى البحرين سنه 286 ه وملكوا مكه والبصره والكوفه ودمشق وما بينها، وافسدوا كثيرا حتى انتهى امرهم بين سنتى 375 - 378 ه((1773)).

اما الاسماعيليه فكانت دولتهم اعظم، ومدتهم اطول، واثرهم افضل، فقد ابتدا ملكهم فى المغرب العربى سنه 296 ه وامتد فى دول شمال افريقيا حتى مصر وبلاد الشام، حتى كانت نهايتهم سنه 567 هـ، وقد تركوا آثارا حضاريه قيمه، ولم يظهروا الفساد الذى اظهره القرامطه، ولا العنف السياسى والتطرف المذهبى الذى اظهره الامويون والمارقون والمعتزله! وقد كان لهم اهتمام بالعلم والمدنيه ليس له نظير عند الامويين والعباسيين، ولا كان له نظير بعدهم عند الايوبيين والسلاجقه والمماليك والعثمانيين ((1774)).

وفى العقيده خلط الباطنيون بغلوهم اقوال الفلاسفه، فعطلوا فى الصفات فوق تعطيل الجهميه، فقالوا فى اللّه تعالى: لا نقول هو موجود، ولا لا موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز! وقالوا بمقوله الفلاسفه فى العقل الاول، وهو اول شىء خلقه اللّه تعالى، وهو تام بالفعل، وبتوسطه ابدع اللّه النفس الثانى، وفى مسيره النفس الثانى نحو الكمال حدثت الافلاك وتحركت حركه دوريه بتدبير النفس.. الى غير ذلك من كلام فلسفى يرسمون به سلم تطور الخلق حتى قيام الساعه والحساب، وهو زمن كمال النفس الثانى.. وجعلوا الامامه تدور على سبعه، كايام الاسبوع والسموات السبع والكواكب السبع((1775))!

موقف اهل البيت من الغلو والغلاه:

منذ البدايه كان موقف الامام على (ع) من الغلاه ابعد من ان يقاس به موقف من الد اعدائه واشدهم خوضا فى الفتن، وذلك كاشف عن ان الغلو كان اقبح انواع التحريف، بل هو الشرك والارتداد عن الدين الذى يبقى متلبسا بالدين فيضل اقواما من البسطاء والجهال والمغفلين. وقد تقدمت كلمات اهل البيت (ع) فى السبئيه، اول فرق الغلاه ظهورا.. ثم كان نشاط الغلاه وتكاثرهم وظهور مقالاتهم الجديده قد ابتدا ايام الامام الباقر والامام الصادق (ع)، لذا كان كلامهما فى الغلاه كثيرا ومواقعهما منهم شهيره، لا يقاس بها موقف من خصم لهم او منازع، وقد توزع موقف اهل البيت (ع) عامه من الغلاه على ثلاثه اساليب:

الاول - البراءه واللعن: فحين اظهر ابو الجارود بدعته، تبرا منه الباقر(ع)، وسماه باسم الشيطان سرحوب، مبالغه فى التنفير منه((1776))، ولعنه الامام الصادق(ع) ولعن معه كثير النواء وسالم بن ابى حفصه، وقال: (كذابون مكذبون كفار، عليهم لعنه اللّه)((1777)).

وهكذا لعنوا المغيره بن سعيد، وابا الخطاب، وبيان وغيرهم ((1778))، ولما وقفوا على بدعه ابن كيال تبراوا منه ولعنوه ((1779)).. الثانى - التحذير منهم وكشف اكاذيبهم: فاذا اظهر رجل غلوا ابعدوه ولعنوه وتبراوا منه، ثم امروا شيعتهم بمنابذته وترك مخالطته((1780)). ثم نبهوا الناس من اتباعهم ومن غيرهم الى ان هولاء كذابون يفترون على اهل البيت الاباطيل وينسبون اليهم ما لم يقولوا به:

قال الصادق (ع): (كان المغيره بن سعيد يتعمد الكذب على ابى، وياخذ كتب اصحابه، وكان اصحابه المتسترون باصحاب ابى ياخذون الكتب من اصحاب ابى فيدفعونها الى المغيره، فكان يدس فيها الكفر والزندقه ويسندها الى ابى ثم يدفعها الى اصحابه ويامرهم ان يبثوها فى الشيعه، فكل ما كان فى كتب اصحاب ابى من الغلو فذاك ما دسه المغيره بن سعيد فى كتبهم)((1781))! وقال (ع): (لا تقبلوا علينا حديثا الا ما وافق القرآن والسنه، او تجدون معه شاهدا من احاديثنا المتقدمه، فان المغيره بن سعيد لعنه اللّه دس فى كتب اصحاب ابى احاديث لم يحدث بها ابى، فاتقوا اللّه ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنه نبينا (ص)، فانا اذا حدثنا قلنا: قال اللّه عز وجل، وقال رسول اللّه(ص))((1782)).

فكان اصحابهم من ذوى البصيره وذوى التحقيق يدققون النظر فى كتب الحديث، فربما تحسسوا الدخيل فيها، وربما عرضوها على الائمه انفسهم فاثبتوا الصحيح منها واسقطوا الدخيل، يقول يونس بن عبد الرحمن: وافيت العراق فوجدت بها قطعه من اصحاب ابى جعفر (ع) ووجدت اصحاب ابى عبد اللّه (ع) متوافرين، فسمعت منهم، واخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على ابى الحسن الرضا (ع) فانكر منها احاديث كثيره ان تكون من احاديث ابى عبد اللّه (ع)، وقال لى: (ان ابا الخطاب كذب على ابى عبد اللّه (ع)، لعن اللّه ابا الخطاب، وكذلك اصحاب ابى الخطاب يدسون هذه الاحاديث الى يومنا هذا فى كتب اصحاب ابى عبد اللّه (ع)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانا اذا تحدثنا حدثنا بموافقه القرآن وموافقه السنه، انا عن اللّه وعن رسوله نحدث، ولا نقول قال فلان وقال فلان فيتناقض كلامنا، ان كلام آخرنا مثل كلام اولنا، وكلام اولنا مصدق كلام آخرنا، فاذا اتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه وقولوا انت اعلم وما جئت به، فان مع كل قول منا حقيقه وعليه نورا، فما لا حقيقه معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان)((1783)).


222

وكان ذوو الذوق السليم والايمان الصحيح يتحسسون ذلك ايضا، جاء ابو هريره العجلى الشاعر الى الامام الباقر (ع) فانشده:

ابا جعفر انت الولى احبه وارضى بما ترضى به واتابع اتتنا رجال يحملون عليكم احاديث قد ضاقت بهن الاضالع احاديث افشاها المغيره فيهم وشر الامور المحدثات البدائع((1784)) الثالث - الرد على مقالاتهم الباطله: لقد كان اولئك الغلاه يكذبون على اهل البيت (ع) من ورائهم ويخشون ان يظهروا مقولاتهم الفاسده امامهم، بل حتى الزنادقه كانوا يتحاشون ذلك، فلما اراد ابن ابى العوجاء الزنديق ان يناظر الامام الصادق (ع) حذره ابن المقفع، وقال له: لا تفعل، فانى اخاف ان يفسد عليك ما فى يدك((1785)). وكان اهل البيت (ع) اذا بلغتهم المقاله الفاسده من الغلاه فيهم خاصه ردوها جهره واثبتوا للناس الحق الذى فى خلافها..

وهنا سنذكر نماذج من هذه الردود بحسب موضوعاتها، لنقف فى آن واحد على نماذج من الموضوعات التى انزلق فيها الغلاه، وعلى كلمات اهل البيت(ع) فى مواجهه الانحراف وتصحيح الاعتقاد:

1 - التاليه: ادعى كثير من الغلاه تاليه الائمه، او حلول الروح الالهيه فيهم، فكان من ردهم على هذه الدعوى قول الامام الصادق (ع): (لعن اللّه من ازالنا عن العبوديه للّه الذى خلقنا واليه مابنا ومعادنا وبيده نواصينا)((1786)). وموقفهم (ع) من السبئيه مشهور ، وقد تقدم.

2 - التفويض: دعوى اولئك الذين قالوا ان اللّه خلق الائمه ثم جعل بايديهم الخلق والرزق، قيل للامام الصادق (ع): (زعم ابو هارون المكفوف انك قلت له: ان كنت تريد القديم فذاك لا يدركه احد، وان كنت تريد الذى خلق ورزق فذاك محمد بن على! يعنى الباقر (ع)).

فقال الامام الصادق (ع): (كذب على، عليه لعنه اللّه، واللّه ما من خالق الا اللّه وحده لا شريك له، حق على اللّه ان يذيقنا الموت، والذى لا يهلك هو اللّه خالق وبارى البريه)((1787)).

3 - منازل لم يدعيها اهل البيت (ع) لانفسهم: من غير التاليه والتفويض اظهر الغلاه كلاما فى منازل عجيبه لم يصدق منها شىء:

- فمن ذلك: قول بعضهم فى جواب امير المومنين (ع) للنبى (ص) حين امره النبى (ص) بامر فى خبر ماريه، فقال له: يا رسول اللّه، اكون فيه كالسكه المحماه، ام الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال له النبى (ص): (بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب).. فتاول هولاء كلمتى (الشاهد) و(الغائب) بان هذا رمز من امير المومنين بانه شاهد جميع الاشياء، وان الامر له فى الباطن والتدبير، دون النبى(ص)!! وصف الشيخ المفيد اصحاب هذا القول بانهم الغلاه المنتحلين للزيغ((1788)). - ومنه قول بعضهم: ان ذوات الائمه (ع) موجوده قبل آدم! قال الشيخ المفيد: ذلك باطل، بعيد من الحق، ولا يدين به عالم، وانما قال به طوائف من الغلاه الجهال والحشويه من الشيعه الذين لا بصر لهم بمعانى الاشياء ولا حقيقه الكلام((1789)).

- وقال اصحاب التناسخ: ان مقام النبوه ومقام الامامه استحقاق على اللّه تعالى! وانكر ذلك جمهور الاماميه، وقالوا: هو تفضل من اللّه تعالى ومعهم فى هذا كافه المعتزله واصحاب الحديث((1790)). - وفى علم الامام شذ المفوضه وسائر الغلاه، فاوجبوا من طريق العقل والقياس ان يكون فى صفات الامام: العلم بالغيب، والعلم بضمائر الكائنات وجميع الصنائع وسائر اللغات.. قال الشيخ المفيد: ليس ذلك بواجب فى صفاتهم ولا شرطا فى امامتهم، وانما اكرمهم اللّه تعالى به واعلمهم اياه للطف فى طاعتهم والتمسك بامامتهم، وليس ذلك بواجب عقلا، ولكنه وجب لهم من جهه السماع، فاما اطلاق القول عليهم بانهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد، لان الوصف بذلك انما يستحقه من علم الاشياء بنفسه، لا بعلم مستفاد، وهذا لا يكون الا للّه عز وجل، وعلى قولى هذا جماعه اهل الامامه الا من شذ عنهم من المفوضه ومن انتمى اليهم من الغلاه((1791)).

وفى رد تلك المقالات كلها ونظائرها نقف على قول الامام الصادق (ع): (لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله فى انفسنا) ((1792)). وقوله (ع): (ان المغيره كذب على ابى فسلبه اللّه الايمان، وان قوما كذبوا على، ما لهم؟ اذاقهم اللّه حر الحديد!! فواللّه ما نحن الا عبيد الذى خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، وان رحمنا فبرحمته، وان عذبنا فبذنوبنا، واللّه ما لنا على اللّه حجه، ولا معنا من اللّه براءه، وانا لميتون و مقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسوولون..) ((1793)).


223

وذكر له ان ابا الخطاب نسب اليه اشياء منها العلم بالغيب، فقال (ع): (اما قوله: انى اعلم الغيب، فواللّه الذى لا اله الا هو ما اعلم الغيب..)! وقيل له: انهم يقولون: انك تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما فى البحر وعدد ما فى التراب! فرفع الامام الصادق (ع) يده، وقال: سبحان اللّه ، سبحان اللّه، واللّه ما يعلم هذا الا اللّه)((1794)).

4 - فى مفاهيم العقيده: لقد سخر الغلاه كثيرا من القضايا العقيديه فى خدمه اهوائهم، كما سخروا التاويل والباطن، وكما استفادوا من العقيده بالمهدى الموعود وغيبته حتى صارت عشرات الفرق منهم تدعى مهديا وتقول بغيبته! فواجه اهل البيت (ع) ذلك كله، فاثبتوا حجيه ظواهر القرآن: فى تفسيرهم له، وفى امرهم بعرض الحديث عليه فما وافقه فهو صحيح عنهم، وما خالفه فهم منه براء.. وركزوا الحديث عن مهدى اهل البيت (ع) بما يكفى لبيان بطلان دعاوى اولئك المنتحلين.

ومن المفاهيم التى استغلها الكذابون لترويج دعاواهم، مفهوم (البداء) فكلما افتضح لهم امر قالوا: بدا للّه فى ذلك! وجعلوا البداء ظهور امر جديد لم يكن فى علم اللّه تعالى، بل كان فى علمه غيره!! فركز اهل البيت (ع) الحديث فى تكذيب هذه الاحدوثه وفضح اصحابها الذين يسخرون مفاهيم اسلاميه لاغراض جاهليه او وثنيه! قال الامام الباقر (ع): (كان اللّه ولا شىء غيره، ولم يزل عالما بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه)((1795)).

ثم فسر البداء بمعناه الحقيقى، فقال: (ان اللّه لم يدع شيئا كان او يكون الا كتبه فى كتاب، فهو موضوع بين يديه ينظر اليه، فما شاء منه قدم، وما شاء منه اخر، وما شاء منه محا، وما شاء منه كان، وما لم يشا لم يكن)((1796)).

وقال الصادق (ع): (من زعم ان اللّه يبدو له فى شىء لم يعلمه امس فابراوا منه)((1797))!

5 - فى الفقه الخاص: وكان هولاء قد اختصوا بفقه ابتدعوه بما يناسب اذواقهم ودياناتهم، نسبوه الى اهل البيت (ع)، فكافحه اهل البيت (ع) وردوه الى اهله! فمن ذلك ما كشفه الامام الصادق من اكاذيب المغيره بن سعيد، اذ كان يزعم ان الباقر (ع) قد حدثه ان نساء آل محمد اذا حضن قضين الصلاه! فقال الصادق(ع): (كذب واللّه، ما كان من ذلك شىء، ولا حدثه)((1798))! ومن اكاذيب ابى الخطاب زعمه ان الصادق (ع) امره ان لا يصلى المغرب حتى يرى كوكب يقال له: القندانى! فقال الصادق (ع) (كذب.. واللّه ان ذلك لكوكب ما اعرفه)((1799))! وفى كلمه جامعه، قال (ع): (حلال محمد حلال ابدا الى يوم القيامه، وحرامه حرام الى يوم القيامه، لا يكون غيره، ولا يجىء غيره، قال على(ع): ما احد ابتدع بدعه الا ترك بها سنه)((1800)). 6 - فى التواصل الاجتماعى: فى تصنيف اجمالى لاحاديث الغلاه، كان الامام الرضا (ع) ينبه الى المحاور الرئيسيه التى دار حولها الكذابون على اهل البيت (ع) من سائر الطوائف، غلاه، ودجالين، ونواصب! فيقول: (ان مخالفينا وضعوا اخبارا فى فضائلنا وجعلوها على ثلاثه اقسام، احدها: الغلو. وثانيها:

التقصير فى امرنا. وثالثها: التصريح بمثالب اعدائنا)((1801)).

هكذا،فى جهود متعاضده من اجل هدم التوحيد والنبوه والامامه، وصرف الناس عن اهل البيت (ع)، ولئن كان اهل البيت (ع) لم يفتروا عن مكافحه اساليب خصومهم من امويين وعباسيين ومرتزقه وجهال وزنادقه، فان انشغالهم فى مكافحه هولاء الغلاه المنتحلين حبهم كان اكثر واشد، لانه انشغال تصحبه معاناه الشعور بالخذلان والتقول وزرع المزيد من الفواصل بينهم وبين الناس! فكان زين العابدين (ع) يقول: (احبونا حب الاسلام، فما زال حبكم لنا حتى صار شينا علينا)((1802))! والامام الصادق يصف بعض ما تسبب به الغلاه من متاعب لاهل البيت(ع)، فيقول: (وها انا ذا بين اظهركم، لحم رسول اللّه وجلد رسول اللّه، ابيت على فراشى خائفا وجلا مرعوبا، يامنون وافزع! وينامون على فرشهم وانا خائف ساهر وجل.. استعدى اللّه عليهم، واتبرا الى اللّه منهم)((1803))! والى جنب كل ما صنعوه انطلق اولئك الغلاه يبثون فكره (البراءه) من كل الناس الا من تولاهم ، فى محاوله خبيثه لاستئصال جذور التعارف والتواصل والتحاب والموده بينهم (ع) وبين سائر هذه الامه، حتى لقد تساءل بعض انصار اهل البيت الاوفياء لهم عن صحه كون اظهار حبهم فيصلا فى الموالاه والبراءه، فقال له الامام الباقر (ع): (لا تذهبن بك المذاهب! حسب الرجل ان يقول احب عليا صلوات اللّه عليه واتولاه؟! فلو قال انى احب رسول اللّه (ص)، ورسول اللّه خير من على، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه اياه شيئا..


224

فاتقوا اللّه واعملوا لما عند اللّه، ليس بين اللّه وبين احد قرابه! احب العباد الى اللّه واكرمهم عليه اتقاهم له واعملهم بطاعته..

ما يتقرب العبد الى اللّه تعالى الا بالطاعه، ما معنا براءه من النار، ولا على اللّه لاحد منكم حجه! من كان للّه مطيعا فهو لنا ولى، ومن كان للّه عاصيا فهو لنا عدو، ولا تنال ولايتنا الا بالعمل والورع)((1804)). واجاب الامام الصادق (ع) عن سوال فى الاسلام، فقال: (دين اللّه اسمه الاسلام، وهو دين اللّه قبل ان تكونوا، وحيث كنتم، وبعد ان تكونوا، فمن اقر بدين اللّه فهو مسلم، ومن عمل بما امر اللّه عز وجل به فهو مومن)((1805)).

- وما زال اهل البيت (ع) يمدون جسور التواصل بينهم وبين الامه، ويبثون فى اصحابهم هذه الروح:

(عليكم بتقوى اللّه، وصدق الحديث، واداء الامانه، وحسن الصحبه لمن صحبكم، وافشاء السلام، واطعام الطعام.. صلوا فى مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واتبعوا جنائزهم، فان ابى -الباقر (ع)- حدثنى ان شيعتنا اهل البيت كانوا خيار من كان منهم، ان كان فقيه كان منهم، وان كان موذن كان منهم، وان كان امام كان منهم، وان كان صاحب امانه كان منهم، وان كان صاحب وديعه كان منهم، وكذلك كونوا، حببونا الى الناس، ولا تبغضونا اليهم)((1806)).

(ان اللّه تعالى يقول فى كتابه: (وقولوا للناس حسنا) عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلوا معهم فى مساجدهم، واقضوا حقوقهم)((1807)).

(من قال لا اله الا اللّه مخلصا دخل الجنه، واخلاصه فيها ان تحجزه لا اله الا اللّه عما حرم اللّه)((1808)).

وبكلمه التوحيد الخالص هذه ختام الفصل الاخير من هذا الكتاب.. وقد تضمن الحديث عن اهم الفرق والمذاهب الحادثه فى الاسلام، وضروف تكوينها، والعوامل الاساسيه من نشاتها.

الخاتمه

ان ثمرات كثيره قد جنيناها، وحقائق هامه قد وقفنا عليها فى هذا المشوار الطويل الذى قضيناه عبر مئات الصفحات، نطويها طيا عاجلا فى هذه الخاتمه، فلربما كانت الخاتمه عند كثير من القراء قبل المقدمه..

لقد راينا المبررات الشرعيه والعقليه لتدوين التاريخ، وراينا الصله الوثيقه بين مدوناتنا التاريخيه وبين ديننا الحنيف، فانما جاءت تلك المدونات لتحفظ (تاريخ الاسلام) بالمرتبه الاولى، فكان الباعث الاسلامى فيها اصيلا، على العموم.. ثم راينا ثمه اقلام مسمومه بثت سمومها فى اخطر صفحات هذا التاريخ..

وان عوامل قسريه، سياسيه واجتماعيه، قد فرضت نفسها فى تغيير اتجاه التدوين على مساحات واسعه.. وان عوامل مماثله ربما طمست وثائق تاريخيه صادقه فتركت مكانها فراغا تتردد فيه الاصوات وتتقاطع الاصداء، وربما استبدلتها بوثائق مزوره لا اصل لها.

راينا فى اهم ما راينا كيف تركت السياسه والقوه بصماتها على التاريخ، وكيف تركت آثارها فى الفكر والثقافه والعقيده، ذلك حين استطاعت ان تقدم صياغه متكامله للاسلام فى نظامه السياسى والعقيدى والفقهى والتربوى، منسجمه بالكامل مع اطروحتها التى ولدت بغته فى اجواء الاضطراب والهيجان الذى عقب وفاه الرسول الاعظم (ص)، ثم تعاقبت ادواره على الراى الواحد، ثم على الغلبه والقهر والاستيلاء وحكومه الجهال والفساق والمستبدين، والزنادقه احيانا، فى تاريخ طويل مكن لتثبيت اصول لم تكن اصولا، قيست عليها المواقف والاحوال، فترتب على ذلك روى مغلوطه ونتائج خاطئه وتصورات للحقائق مقلوبه.. ذلك بدلا من ان توزن هذه (الاصول) المولده بالاصول الحقه السابقه لها، فى الكتاب والسنه! وراينا صورتين متضادتين حول آل الرسول تعاقبتا، الاولى فى حياته(ص)، والثانيه بعد وفاته (ص)..

وراينا كيف كان الرسول (ص) حريصا على هذا الدين، وعلى هذه الامه، فلا يغادرها حتى يرسم لها الصراط المستقيم من بعده (انى تارك فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا) ويحذر من خطوط عن يمين وشمال كائنه لا محاله.. ورايناه وهو يبلغ هذه الامه ان اللّه تعالى قد اصطفى من بينها بيتا، هم آل محمد، كما اصطفى من قبل آل ابراهيم.. ثم راينا كيف كانت المصلحه المقدره عند اصحابها حاكمه على هذا الاصطفاء وذلك الاختيار! ووقفنا على الاسباب الحقيقيه والرئيسه فى حدوث الانقسامات ونشاه الفرق، فامسكنا بالحقيقه المغيبه حين وقفنا على السر الكامن وراء انتزاع الصوره المقلوبه للتاريخ الاسلامى، راينا من خلال ذلك ان اول الفرق نشوءا فى الاسلام هى الفرقه التى تمخضت عنها السقيفه ومسكت بزمام الحكم، اذ تميزت برويه خاصه ازاء نظام الحكم فى الاسلام، وازاء الاحكام الشرعيه وطريقه تنفيذها، وازاء السنه النبويه، وازاء اهل بيت النبى (ص)، وكان جمهورهم عامه الناس الذين ينظرون الى الحاكمين فيطيعونهم ويقتفون آثارهم، فكانت تلك الطبقه هى السلف الاول لاهل (السنه والجماعه).. وراينا فى مقابل ذلك ان الامتداد الطبيعى لمسار الاسلام بعد الرسول (ص) هو الذى مثله اهل البيت (ع)پ وخاصتهم وطائفه من الناس آمنت بالحق الذى معهم.


225

وراينا كم كان الرسول الاعظم (ص) دقيقا فى الكشف عن ذلك، فبعد ان ركز على انهم الامتداد الطبيعى لمسار الاسلام، وضع على ذلك آيات وعلامات، فاذا افترق الناس وكان لكل فريق حجه: فابو ذر هو الاصدق لهجه! وعمار لا يفارق الحق! وحجر بن عدى هو حجر الخير الذى يغضب لمقتله اهل السماء! فهذه كلها علامات على المسار الصحيح..

پاورقى

1- محمد قطب / كيف نكتب التاريخ الاسلامى : 16.

2- حديث شريف اخرجه الطبرانى / المعجم الصغير 1 : 264،

الهيثمى / مجمع الزوائد 5 : 228، 238.

3- محمد قطب / كيف نكتب التاريخ الاسلامى : 11.

4-المسلم المعاصر (مجله) - العدد 11 سنه 1397 ه' 1977 م

: ص‏123.

5- النساء 4 : 59.

6- ذكرنا للفرق الاسلاميه غير ناظر الى الفرق الحديثه الخارجه

من الدين، كالقاديانيه، والبهائيه والبابيه ونحوها.

7- اخرجه الترمذى وابو داود وابن ماجه، من حديث ابى هريره،

ونصه: (افترقت اليهودعلى احدى وسبعين فرقه، وتفرقت

النصارى‏على اثنتين وسبعين فرقه، وتفترق امتى على ثلاث

وسبعين فرقه). سنن الترمذى /ح 2640،سنن ابن ماجه /ح

3991،المستدرك‏1: 128.

8 - فرقه انشاها الميرزا على بن محمد الشيرازى سنه‏1843 م،

وهو آنذاك ابن تسع عشره سنه، وتلقب بالباب.

9- فرقه اسسها خليفه الباب صاحب البابيه، وتلق‏ب بالبهاء،

وتوفى سنه‏1892 م.

سها محمد بن عبدالوهاب النجدى، وقد ابتدا دعوته سنه‏1143

ه‏1723/م.

11- فرقه اسسها ميرزا غلام احمد القاديانى، المتوفى سنه‏1908

م.

يراجع فى تعريف هذه الفرق: محمد ابو زهره/المذاهب

الاسلاميه، شريف يحيى الامين/معجم الفرق‏الاسلاميه، الندوه

العالميه للشباب‏الاسلامى (الرياض)/الموسوعه الميسره فى

الاديان والمذاهب المعاصره، العقاد/الاسلام فى القرن العشرين.

12-هذه الفرق - باستثناء الوهابيه - خارجه عن اصول الاسلام،

اما بدعوى الالوهيه، اوبدعوى النبوه، او بدعوى نسخ الشريعه،

وانمادخلت فى كتب الفرق الاسلاميه باعتبار انفصالها اولا عن

الاسلام، وباعتبار انتساب موسسيها قبلا الى الاسلام.

13- انظر مثلا: فرق الشيعه/للنوبختى - من اعلام القرن الثالث

الهجرى، الفرق بين الفرق/ للاسفرائينى 429(ه).

14- الملل والنحل 1: 21.

15 - كما فى: (الحمويه الكبرى) و(اقتضاء الصراط المستقيم)

و(منهاج السنه: ج 1)ومن عباراته المتكرره فى وصف بعضهم

قوله: (هولاءافراخ الفلاسفه، واتباع الهند واليونان، وورثه

المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين).

16- من امثال: جولد تسهير، ونيكلسون.

17- نشاه الفكر الفلسفى فى الاسلام 1: 211،وعنه الدكتور

احمد محمود صبحى/نظريه الامامه: 10.

18 - تطور تفسير القرآن: 100.

19 - مجموع فتاوى ابن تيميه 5 : 20،المذاهب الاسلاميه :

174.

20- المذاهب الاسلاميه: 187.

21- نشاه الفكر الفلسفى فى الاسلام 1: 314 - 336،تطور

تفسير القرآن: 101.

22 - يوم الاسلام: 86 - 87.

23 - الفرقان بين اولياء الرحمن واولياء الشيطان: 98،وغيره.

24- مثالهم نيكلسون، انظر: تطور تفسير القرآن: 100.

25 - انظر: عمر فروخ/التصوف فى الاسلام: 24.

26 - التصوف فى الاسلام: 24.

27 - تطور تفسير القرآن: 100.

28 - حجه اللّه البالغه/الدهلوى 1: 322.

29-السبيئه كما يصورها المورخون ليس لها حقيقه تثبت امام

التحقيق. وتفصيل القول فى شانهم سياتى فى محله من هذا

الكتاب.

30- انظر: المذاهب الاسلاميه: 18.

31 - انظر: الملل والنحل 1: 84،نشاه الفكر الفلسفى فى

الاسلام 1: 331،تطور تفسير القرآن: 102.

32 - انظر: الملل والنحل 1: 99.

33 - انظر: الملل والنحل 1: 96،تلبيس ابليس/لابى الفرج ابن

الجوزى: 134.

34 - الملل والنحل 1: 99.

35 - انظر له: الحمويه الكبرى، شرح حديث النزول، مجموع

الفتاوى ج‏5، 6.

36 - ابن تيميه/منهاج السنه 1: 260 و 261.

37 - المذاهب الاسلاميه: 207 نسبه الى ابى الحسن الطرائقى

فى كتابه (رد اهل الاهواء والبدع).

38- النوبختى/فرق الشيعه: 5.

39- مذاهب الاسلاميين 1: 37.

40 - المذاهب الاسلاميه: 208و 209.

41 - المذاهب الاسلاميه: 209 عن فجر الاسلام لاحمد امين.

42- الملل والنحل 1: 35.

43 - المذاهب الاسلاميه: 18 و 19.

44 - محمد عماره / الخلافه ونشاه الاحزاب الاسلاميه: 180.

45 - الفرق بين الفرق: 25،الملل والنحل 1: 139،منهاج السنه

1: 8.

46 - تاريخ الطبرى 7: 180 و 181،الكامل فى التاريخ 5: 242 و

243،تاريخ ابن خلدون 3: 124،البدايه والنهايه 9: 361.

47 - لسان العرب (رفض).

48- وقعه صفين: 34.

49-مقاتل‏طالبين: 34 و 35،تاريخ الطبرى 7: 184،الكامل فى

التاريخ 5: 244.

50 - سنن ابى داود: ح‏4691.

51 - راجع: ابن الجوزى/العلل المتناهيه 1: 162/248.

52 - العلل المتناهيه 1: 152/227.والحديث فى سنن ابى داود

ح‏4692 وفى اسناده ضعف وجهاله، ففيه: عمر مولى غفره عن

رجل من‏الانصار. فهذا الرجل مجهول، وعمر مولى غفره ضعفه

ابن معين والنسائى، وتركه مالك، وقال فيه ابن حبان: كان


226

يقلب الاخبار، لا يحتج‏بحديثه! تهذيب التهذيب 7: 415.

53 - اخرجه ابن كثير فى البدايه والنهايه 7: 338 و 340

باسانيد عديده عن على وابن مسعود وابى سعيد الخدرى وابى

ايوب الانصارى. واذا قال بعضهم ان فى كثير من هذه الاسانيد

ضعف، فهذا لا ينفى القدرالمشترك فى جميعها، وهو قتال

على(ع) للناكثين والقاسطين والمارقين، خصوصا وان احدا لم

يقل ان هذه الاحاديث كلها موضوعه، واما استنكار بعضهم لهذه

النصوص فلم يكن من قبل اسانيدها، وانما من قبل‏اعتقاده هو

اذ لايرتضى ان يوصف خصوم على اولئك جميعا بتلك

الاوصاف، وان ارتضى ما يصيب الخوارج منها، الا انه لا يرتضى

ما يصيب اصحاب الجمل وصفين. وهذا موقف مذهبى، وليس

هو موقف‏علمى تحقيقى.

54- الطبقات الكبرى 5: 178،سير اعلام النبلاء 4: 421.

55 - الطبقات الكبرى 5: 151،سير اعلام النبلاء 4: 351.

56 - سير اعلام النبلاء 4: 544،معجم الادباء 19: 259.

57 - سير اعلام النبلاء 5: 240،تهذيب التهذيب 5: 47.

58 - تهذيب الكمال 29 : 119،سير اعلام النبلاء 6: 116 ضمن

ترجمه موسى بن عقبه.

59- تهذيب التهذيب 4: 282،الثقات 4: 365.

60 - وفيات الاعيان 3: 371،ميزان الاعتدال 1: 625.

61 - تهذيب التهذيب 11: 284،تاريخ التراث العربى 2: 81.

62 - سير اعلام النبلاء 6: 10،تاريخ التراث العربى 2: 81.

63 - سير اعلام النبلاء 5: 314.

64 - تهذيب التهذيب 3: 157.

65 - سير اعلام النبلاء 6: 114.

66 - تهذيب الكمال 29: 115 و 122 ت/ 6282،سير اعلام النبلاء

6: 114،الاعظمى / دراسات فى الحديث النبوى 213، 288.

67 - تاريخ التراث العربى 2: 91 و 93.

68 - تاريخ التراث العربى 2: 97.

69- تاريخ تراث العربى 2: 98.

70 - معجم الادباء 18: 277،سير اعلام النبلاء 9 : 457،تاريخ

التراث العربى 2: 100.

71 - فواد سزگين / تاريخ التراث العربى 2: 127.

72 - فواد سزگين / تاريخ التراث العربى 2 : 127 و 128،محمد

فتحى عثمان / المدخل الى التاريخ الاسلامى : 133.

73 - انظر تهذيب التهذيب 4 : 259،فواد سزگين 2 : 134.

74 - فواد سزگين 2: 135،تهذيب الكمال 21: 118 و 119.

75 - تهذيب التهذيب 7: 330.

76 - فواد سزگين 2: 51 و 56.

77 - فواد سزگين 2: 134.

78 - تاريخ الطبرى 4: 458، 465، 485، 487.

79- تاريخ طبرى 2 : 271، 273، 443، 4 : 431، 8 : 62، 71،

88، 431.

80 - الاحزاب 33: 21.

81 - النساء 4: 58.

82 - هناك كلام على صحه نسبه هذا الكتاب الى ابن قتيبه،

مصدره ان الكتاب يذكر تفاصيل فى نزاعات حدثت حول

الخلافه، كما جاء الكتاب (قليل العطف على معاويه وخلفائه

اوقليل الاعجاب بهم)!!ونقاد الكتاب لا يرتضون ذكر ذلك،

ويحرجهم ثبوته عن ابن قتيبه، فكذبوا بنسبه الكتاب اليه ..

وهذه واحده من مشاكل النقد التاريخى.

83- امضى الطبرى معظم حياته فى القرن‏الثالث وتوفى على

راس العقدالاول من القرن الرابع.

84 -محمد الخضرى/محاضرات فى تاريخ الامم الاسلاميه -

الدوله الامويه 1: 3 و 4.

85 - د. جواد على/تاريخ العرب فى الاسلام: 14.

86 - صادق ابراهيم عرجون/عثمان بن عفان: و228 جماعه

الازهر للنشر والتاليف/ القاهره -1947 م

87- انظر: السخاوى/الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ: 73 و

76،اخذه عن كتاب (معيد النعم) للتاج السبكى.

88- انظر: السخاوى/الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ: 73 و

76 عن كتاب (معيد النعم) للتاج السبكى.

89- ابن خلدون/ المقدمه: 37.

90 -ابن خلدون/ المقدمه: 13.

91 -ابن خلدون/ المقدمه: 46 و 49.

92-(المدخل الى الدراسات التاريخيه) - عبدالرحمن

بدوى/النقد التاريخى: 129 - 133.

93-الزبير بن بكار: هو ابو عبدالل‏ه الزبير بن ابى بكر - ويسمى

بكار - بن عبدالل‏ه بن مصعب بن ثابت بن عبدالل‏ه بن الزبير،

صاحب الن‏سب، تولى القضاء بمكه للمعتصم العباسى، وبقى

على القضاء حتى توفى سنه‏256ه - وفيات الاعيان 2: 311.

94 - يعنى بيعه العقبه الاولى وبيعه العقبه الثانيه حيث كان

الانصار يبايعون رسول الل‏ه(ص) على الاسلام وعلى النصره.

95- الموفقيات للزبير بن بكار: 332 و 333 /184.

96 - الدمشقى، والى مكه للوليد بن عبدالملك ثم لسليمان بن

عبدالملك، ووالى العراق لهشام ابن عبدالملك. سير اعلام

النبلاء 5: 425.

97 - الاغانى 22: 21،اخبار خالد بن عبدالل‏ه القسرى.

98- سير اعلام النبلاء 4: 423،الطبقات الكبرى 5: 179.

99- شرح‏نهج البلاغه لابن ابى الحديد 4: 64.

100- اخرجه عبدالرزاق فى المصنف 5: 343/9722.


227

101- سوره نور : 11.

102- الشوكانى/فتح القدير (تفسير) 4: 15 وقال: اخرجه

البخارى وابن المنذر والطبرانى وابن مردويه والبيهقى فى

الدلائل. واخرجه السيوط‏ى/الدر المنثور 6: 157.

103- سيراعام لالنبلاء 5: 339،الدر المنثور 6: 157،فتح القدير

4: 15.

104-روايه زهرى لمغازى الرسول جمعها عبدالرزاق فى

المصنف - كتاب المغازى 5: 313 - 439.

105-المصنف 5: 325.

106- انظر: كتاب الاوائل: 91 و 93،سيره ابن اسحاق:

137،الطبقات الكبرى 3: 21،البدء والتاريخ 4: 145،السيره

النبويه من تاريخ الاسلام للذهبى: 70،تاريخ الخلفاء للسيوط‏ى:

132،وترجمه الامام‏على فى (الاستيعاب) و(اسد الغابه)

و(الاصابه).

107 -المصنف 5: 325.

108- المصنف 5: 389.

109- المصنف 5: 385 و 389، 390 و 392.

110 - المصنف 5: 405 و 406 ح/9745.

111 - المصنف 5: 429 و 430.

112 - تقدم فى الفقره 2،عن كتاب الاغانى 22: 21 من روايه

المدائنى.

113- المصنف 5: 382.

114 - هذا الحديث فى: مسند احمد 1: 3، 331 و3: 212، 283 و

4: 164، 165،سنن الترمذى 5 ح/ 3719،سنن النسائى - كتاب

الخصائص: 5/ح 8461،جامع الاصول: 9 ح/ 6496،مجمع الزوائد

9: 119،تاريخ اليعقوبى 2: 76،البدايه والنهايه 7: 394.

115 - تقدم قول الزهرى: ان كاتب الكتاب يوم الحديبيه هو

على، ولو سالت بنى اميه لقالوا: هو عثمان!

116- المصنف 5: 431.

117 - مسند احمد 1: 331،سنن الترمذى 5 ح/ 3732،سنن

النسائى - كتاب الخصائص: 5 ح/ 8423،البدايه والنهايه 7:

379،فتح البارى بشرح صحيح البخارى 7: 13،الاصابه 4:

270،جامع الاصول‏9 ح/ 6494،مجمع الزوائد 9: 114 - 115.

118 - شرح نهج البلاغه / ابن ابى الحديد 11: 49.

119-المستدرك 3: 125،الصواعق المحرقه: باب -9 فصل 1:

127،مجمع الزوائد 9: 130،تاريخ الخلفاء: 136.

120 - مسند احمد 1: 331،الخصائص/بتخريج الاثرى ح/

23،المستدرك 3: 132 - 134،البدايه والنهايه 7: 374،الاصابه

4: 270.

121 - تقدم ذكره عن مصادره فى بدايه هذا الفصل.

122- سيره ابن اسحاق: 217 - 218.

123 - تاريخ اليعقوى 2: 29،السيره النبويه لابن حبان:

79،المنتظم لابن الجوزى 2: 383،الكامل فى التاريخ 2:

80،السيره النبويه للذهبى: 189 - 190،عيون الاثر 1:

155،البدايه والنهايه 3: 89،ولايعرف خلاف فى ذلك.

124- نقل بعض مروياته ابن اسحاق فى سيرته، والطبرى فى

تاريخه.

125- الامامه والسياسه: 46.

126 - معجم الادباء 18: 7.

127 - من هنا قالوا له: مولى بنى هاشم.

128- سير اعلام النبلاء 7: 435 - 440،تهذيب التهذيب 10:

374.

129- تاريخ‏ا لتراث العربى 2: 94.

130 - تاريخ الطبرى 3: 123.

131 - لا عن مغازيه التى تختص بعهد النبى(ص) وانما كتابه

الاخر (تاريخ الخلفاء) الذى يبدو انه استوعب فيه التاريخ الى

سنه وفاته.

132- سير اعلام النبلاء 9: 139.

133 - معجم الادباء 18: 9 ترجمه ابن اسحاق.

134- انظر تاريخ الطبرى 1: 246، 2: 364، 3: 27، 68، 162،

194.

135- طبعت اجزاء من روايه ثانيه - روايه يونس بن بكير - فى

مجلد واحد بتحقيق د. سهيل زكار. غير ان ايا من‏تلك الروايات

لم تصل كامله.

136- معجم الادباء 18: 7.

137 - سيره ابن اسحاق: 124 و 125،وانظر مقدمه د. سهيل

زكار على السيره: 13 14.

138 - تاريخ الطبرى 1: 8.

139-انظرترجمته فى ميزان الاعتدال 2: 255 /3637.

140 - ميزان الاعتدال 2: 275/3704،لسان الميزان 3:

176/4100.

141 - كان اعضاء الشورى سته نفر من كبار المهاجرين وهم:

عثمان وعلى وطلحه والزبير وسعد وعبدالرحمن بن عوف،

فتوفى عبدالرحمن وعثمان وبقى الاربعه المذكورون.

142- راجع تاريخ الطبرى 3: 184 و 4: 562 تجد روايه سيف

بن عمر تكتسح هذه الصفحات اكتساحا غريبا. واما المقارنات

بين روايه سيف وروايه غيره فى كل واحده من الاحداث

والوقائع فقد جمعهاالعلامه السيد مرتضى العسكرى فى كتابين

هما: (عبداللّه بن سبا واساطير اخرى) و(خمسون ومائه صحابه

مختلق) وكل منهما فى مجلدين.

143- يعنى تسيير معاويه لابى ذر من الشام الى المدينه.

13- تاريخ الطبرى 4: 283 - 286.

145 - راجع القصه فى: تاريخ المدينه المنوره 3: 1034،تاريخ

اليعقوبى 2: 171 - 173،انساب الاشراف: القسم الرابع 5442 -

5445،شرح نهج البلاغه لابن ابى الحديد 3: 54 ومنه ايضا 1:

199 و3: 28.

146 - يريد عبداللّه بن سبا، اليهودى الذى اسلم كيدا للاسلام

والمسلمين.

147- فقد اسلم ابو ذر بعد خديجه وعلى وزيد بن حارثه -

انظر: سيره ابن اسحاق - تحقيق سهيل زكار: 137 - 138.

148 - تاريخ الطبرى 4: 557.

149- بتحقيق د. سهيل زكار: 125.

150 - تفسير الخازن 3: 371.

151 - يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان.

152- الكامل فى التاريخ 1: 3 مقدمه المصنف.


228

153- الكامل فى التاريخ 1: 3 و 4.

154 - يريد كتاب (الامامه والسياسه) فهو الكتاب الذى فصل

فيه ابن قتيبه تلك الاحداث، وهذا اقرار من ابن خلدون بان

كتاب (الامامه والسياسيه) هو لابن قتيبه حقا، لم‏يشك ابن

خلدون فى ذلك، ولا بلغه ان احدا قد شك فى ذلك!

155- تاريخ ابن خلدون 2: 622.

156 - تاريخ ابن خلدون 2: 650.

157 - جوامع السيره: 355.

158- تاريخ المذاهب الاسلاميه 1: 30 - 31،ط. دار الفكر

العربى - القاهره 1976،وعنه: الفكر السياسى الشيعى: 249.

159 - من طريف اخباره انه اختلق 39 صحابيا، وعدهم ابطالا

فاتحين فى 39 واقعه، ولكن لم يخلق اللّه احدا من اولئك الذين

عدهم فى الصحابه، ولا كان شى‏ء من تلك الوقائع‏التى ذكرها.

انظر: مرتضى العسكرى/خمسون ومائه صحابى مختلق.

160- انظر: سير اعلام النبلاء 14: 277.

161 - عن كتاب‏الاحداث للمدائنى، نقلها ابن‏ابى الحديد فى

شرح نهج البلاغه 11: 44 - 46.

162 - شرح نهج البلاغه لابن ابى الحديد 11: 44.

163 - شرح نهج البلاغه لابن ابى الحديد 11: 46.

164 - سنن الترمذى 5 ح/3801 و 3802،سنن ابن ماجه 1 ح/

156،الطبقات الكبرى لابن سعد 4: 228،المستدرك 3: 342.

165 - سير اعلام النبلاء 2: 78،الاصابه 4: 64.

166 - مسند احمد 6: 457،سير اعلام النبلاء 2: 61.

167 - مسند احمد 5: 172،سير اعلام النبلاء 2: 62.

168 - سير اعلام النبلاء 1: 416 رجاله ثقات.

169- المستدرك 3: 391 وصححه الحاكم والذهبى.

170 -صحيح البخارى -3: 1368 كتاب فضائل الصحابه -

باب‏20 مناقب عمار وحذيفه.

171 -انظر: تاريخ الطبرى و4: 341 احداث سنه -35 من روايه

سيف بن عمر، وعنه: الكامل فى التاريخ 3: 155،تاريخ ابن

خلدون 2: 587.

217 - صحيح البخارى 1 ح/ -436 ابواب المساجد - باب 30.

173 - مسند احمد 4: 90،المستدرك 3: 389 وصححه الحاكم

والذهبى.

174- صحيح البخارى 3: 1381 ح/3581 و 3583 كتاب فضائل

الصحابه - باب 38.

175 - صحيح البخارى : 3 ح/ و 3573 كتاب فضائل الصحابه -

باب‏34.

176 - صحيح البخارى 3:ح/ و3572 كتاب فضائل الصحابه -

باب 34.

177 - صحيح مسلم -1: 86/131 كتاب الايمان، سنن الترمذى

5: 643/3736،سنن النسائى -8: 116 كتاب الايمان، سنن ابن

ماجه 1: 42/114.

178 - مسند احمد 1: 119، 102 و 4: 281، 370، 372،سنن ابن

ماجه 1: 43/116،سنن النسائى و كتاب الخصائص بعده طرق.

179- مسند احمد 2: 442،سنن الترمذى 5: 699/3870،سنن

ابن ماجه 1: 52/145،مصابيح السنه 4: 190.

180- د. محمود اسماعيل/الحركات السريه.

181- الانعام 6: 153.

172 - مقدمه ابن خلدون: فصل -25 ص‏238.

183 - الفصل 4: 87.

184 - وهذا الفراغ هو الذى دفع الشيخ على عبدالرزاق ان

ينفى اى صله للدين الاسلامى بالسياسه والدوله المدنيه - على

عبدالرزاق/الاسلام واصول الحكم: الكتاب الثالث.

185- راجع: تاريخ اليعقوبى 2: 162،تاريخ الطبرى 4:

238،الكامل فى التاريخ 3: 71،البدايه والنهايه 7: 164 - 165.

تعقيب: ارى على دعاه السلفيه ان يقفوا امام هذه المساله بجد،

فانها تناقض اصل دعوتهم التى ترفض الالتزام التام باى مصدر

آخر غير الكتاب والسنه، فدخول هذا الشرطالجديد فى البيعه

باطل اذن، فاما ان تكون هذه البيعه باطله، واما ان يكون اصل

دعوتهم بحاجه الى اعاده نظر. ان عليهم وفق مبدئهم ان

ينظموا الى شيعه على، او ان يذعنواللشيعه بانهم هم السلفيون

حقا.

186- الفصل 4: 168.

187 - راجع: الاحكام السلطانيه/للماوردى: 6 - 7.

188 - النمل 27: 64.

189 - الفصل 4: 168.

190-الفصل‏4: 169، والايه من سوره النساء 4: 59.

191 -راجع: الاحكام السلطانيه/للماوردى: 6 - 14،الاحكام

السلطانيه/للفراء: 23،ماثر الانافه: 39 - 58.

192 - الاحكام السلطانيه/للفراء: 20،ماثر الانافه 1: 58،شرح

المقاصد 5: 233.

193 - الاحكام السلطانيه/للفراء: 20، 22، 23.

194 - ماثر الانافه 1: 71.

195 -صحيح البخارى - كتاب المحاربين باب‏16/ح

6442،مسند احمد 1: 56،سيره ابن هشام 4: 308،تاريخ

الطبرى 3: 205.

196 - الملل والنحل 1: 30،شرح المواقف 8: 358.

197 - المغنى 20: 340،وعنه د. مصطفى حلمى/نظام الخلافه

بين اهل السنه والشيعه: 46.

198 - انظر: منهاج السنه/لابن تيميه 3: 215، 217، 218.

199 - الاحكام السلطانيه/للفراء: 23.

200- الاحكام‏السلطانيه/للماوردى: 6 و 7.

201 - لسان العرب - ماده (عضض).

202- شرح المقاصد/للتفتازانى 5: 291.

203- شرح المقاصد/للتفتازانى 5: 290،العقيده/لاحمد بن

حنبل: 123،الاقتصاد فى الاعتقاد/للغزالى: 153.

204-العقود الدريه: 209،عن ابن تيميه.

205- الارشاد/ للجوينى: 363.

206- الرازى/نهايه العقول، عنه نظريه الامامه: 159.

207- الفصل‏4:11. ونقله عنه الدكتور احمد محمود صبحى ثم


229

عقب عليه فقال: وهكذا ينكر ابن حزم ان معاويه قد استولى

على امر هذه الامه قهرا بالسيف، اما امامه الحسن‏فهذا هو رايه

الشخصى فى الحسن، وان لم يكن راى جميع من بايعوه حيث

اعتقدوا بافضليته بعد على - نظريه الامامه: 259.

208- اى طرف من من قول.

209- ابى الحديد 12: 21 عن ابن طيفور فى كتابه (تاريخ

بغداد).

210- الجخف : التكبر.

211- تاريخ الطبرى 4: 223،الكامل فى التاريخ 3: 63 و

65،شرح ابن ابى الحديد 12: 53 54.

212 - الموفقيات/للزبير بن بكار، شرح ابن ابى الحديد6: 45،

12: 46.

213 - امالى ابى بكر الانبارى، شرح بن ابى الحديد 12: 82.

214 - محاضرات الادباء/للراغب الاصفهانى 2: 428.

215-صحيح البخارى - كتاب المحاربين - باب‏16 ح/6442.

216 - الباقلانى/التمهيد: 195،عنه: نظام الخلافه بين اهل

السنه والشيعه: 56.

217 - نظريه الامامه: 158.

218 - النص للامام الغزالى فى كتابه (الاقتصاد فى الاعتقاد):

153.

219 - الفصل 4: 161، 163،الاقتصاد فى الاعتقاد: 153،البدايه

والنهايه 7: 310.

220- الطبقات الكبرى 3: 261،اسد الغابه 4: 47،سير اعلام

النبلاء 1: 420، 425، 426،مجمع الزوائد 9: 297،وقال: رجاله

رجال الصحيح.

221-الفصل 4: 161.

222 - الفصل 4: 161.

223 - منهاج السنه 2: 202 و 205، 232 و 233.

224 - منهاج السنه 2: 241 و242، 253.

225 - مقدمه ابن خلدون: 212.

226 - الاقتصاد فى الاعتقاد: 147.

227 - النساء 4: 59.

228 - الاحكام السلطانيه/للماوردى: 5.وقوله (اولو الامر هم

الائمه المتامرون) انما هو من اثر الواقع السياسى فى الفكر

الدينى كما اشرنا سابقا، والا فقد يكون ولى الامر نبيالكن الناس

تعصيه وتطيع طاغوتا يحاربه، فهذا لا يعنى ان حق الولايه قد

انتقل من النبى الى الطاغوت لان الاخير هو المتامر! وكذا لو

جعل النبى رجلا من اصحابه وليا لامورالمسلمين، فحق الولايه

والطاعه ثابت له وان كان المتامر غيره.

229- الفصل 4: 87 و 88.

230- هناك راى يقول ان الامامه واجبه عقلا قبل وجوبها

شرعا، فان لطف اللّه تعالى بعباده يقضى ان لا يخلو زمان من

رجل موهل لهدايه البشريه والحكم فيها بالعدل، اما نبى‏او امام

هدى، فاذا اطاعته الناس تحققت الامامه الصالحه.

231- الشورى 42: 38.

232 - صحيح البخارى - كتاب المحاربين: 6/ح 6442،مسند

احمد 1: 56،سيره ابن هشام 4: 308.

233 - الكامل فى التاريخ 3: 65،صفه الصفوه 1: 367.

234 - الكامل فى التاريخ 3: 65،صفه الصفوه 1: 383،طبقات

ابن سعد 3: 343.

235 - صفه الصفوه 1: 494.

236 - طبقات ابن سعد 3: 248.

237 - فتح البارى - المقدمه : 337، ارشاد السارى بشرح

صحيح البخارى‏14:279.

238 - الكامل فى التاريخ 3: 66 و 67.

239 - الكامل فى التاريخ 3: 66.

240 - سعد بن ابى وقاص، وابن عمه عبدالرحمن بن عوف،

فهما من بنى زهره.

241-تاريخ الطبرى 4: 229 و 230،الكامل فى التاريخ 3: 67.

242 - الكامل فى التاريخ 2: 425.

243 - طبقات ابن سعد 3: 248.

244 - ماثر الانافه 1: 52،الاحكام السلطانيه/للماوردى:

10،الاحكام السلطانيه/ للفراء: 25، 26.

245 - الفصل 4: 169.

246 - تفسير المنار 5: 198.

247 - ماثر الانافه 1: 36،الاحكام السلطانيه/للماوردى:

6،الاحكام السلطانيه/ للفراء:20.

248 - الاحكام السلطانيه/للماوردى: 17.

249 - ماثر الانافه 1: 37،الاحكام السلطانيه/للفراء: 20.

250 - الاحكام السلطانيه/للفراء: 20.

251- ماثرالانافه 1: 58.

252 - التفتازانى / شرح المقاصد 5 : 234،ابن المطهر الحلى،

والمقداد السيورى / شرح الباب الحادى عشر : 69،الجرجانى/

شرح المواقف 8 : 345.

253 - انظر: ماثر الانافه 1: 58.

254 - ماثر الانافه 1: 71.

255 - الاحكام السلطانيه/للفراء: 24.

256 - الخلافه: 45،عنه: نظام الحكم والاداره فى الاسلام: 126.

257 - شرح الموطا 2: 292،عنه: المذاهب الاسلاميه: 155.

258 - المذاهب الاسلاميه: 155.

259 - المذاهب الاسلاميه: 155.

260- تفسير المنار 5: 215 و 216،باختصار.

261- الخلافه 51،عنه: نظريه الحكم والاداره فى الاسلام: 126.

262 - المذاهب الاسلاميه: 155،وقد تقدم آنفا.

263 -انظر: الملل والنحل 1: 140،الكشاف/للزمخشرى - تفسير

الايه 124 من سوره البقره (لا ينال عهدى الظالمين).

264- قتل الامام الحسين (ع) مع نيف وسبعين من اهل البيت

والتابعين وفيهم الصحابى انس ابن الحارث الذى روى حديث

رسول اللّه(ص): (ان ابنى هذا - يعنى الحسين - يقتل‏بارض

يقال لها كربلاء، فمن شهد منكم ذلك فلينصره) البدايه

والنهايه 8: 217،اسد الغابه، والاصابه/ترجمه انس بن الحارث.

265- قتل منهم ثمانون صحابيا ولم يبق بدرى بعد ذلك،

وقتل من قريش والانصار سبع مئه، ومن التابعين والعرب

والموالى عشره آلاف، وابيحت المدينه ثلاثه ايام


230

وانتهكت‏الاعراض حتى ولدت الابكار لا يعرف من اولدهن!

266- انظر: منهاج السنه 2: 241 و 243، 253،الوصيه الكبرى:

54.

267 - منهاج السنه 2: 245.

268 - الاحكام السلطانيه/للفراء: 10،الاحكام السلطانيه/للبغوى:

25، 26.

269 - الفصل 4: 169،تاريخ الامم الاسلاميه / للخضرى 1: 196.

270 - الكامل فى التاريخ 3: 65.

271- التوبه‏9: 128.

272 - الفصل 4: 169.

273 - شرح المقاصد 5: 255.

274 - الاقتصاد فى الاعتقاد: 151.

275 - الاحكام السلطانيه/للماوردى: 6.

276 - الاحكام السلطانيه/للفراء: 20،الفصل 4: 89،ماثر الانافه 1:

37،وانظر: مقدمه ابن خلدون: فصل 26،ص‏242 - 245.

277 - الاحكام السطانيه/للفراء: 20.

278 - الفصل 4: 89.

279 - المقدمه: 243.

280 - والمارقون (الخوارج) ايضا احتجوا بهذا حين لم يجدوا

بينهم قرشيا يسندون اليه الزعامه فيهم!

281- مقدمه‏ابن خلدون: فصل 26،ص‏243.

282 -صحيح البخارى - كتاب الاحكام: باب‏2/ح‏6720.

283 - مسند احمد 1: 18،الكامل فى التاريخ 3: 65،صفه الصفوه

1: 367،سير اعلام النبلاء 1: 10.

284 - الكامل فى التاريخ 3: 65،صفوه الصفوه 1: 383،طبقات

ابن سعد 3: 343.

285 - مسند احمد1:18،صفه‏الصفوه‏1: 494،طبقات‏ابن سعد3:

590،سير اعلام‏النبلاء1:10.

286 - سير اعلام النبلاء 1: 167.

287 - مقدمه ابن خلدون: فصل 26،ص‏243.

288 - مقدمه ابن خلدون: 243.

289 - صحيح مسلم - كتاب الفضائل: ح/1.

290 - الفصل 4: 89 و 90.

291- راجع: الكامل فى التاريخ 2: 329 و 330،الامامه

والسياسه: 12 - 16.

292 - صحيح البخارى: الفتن - باب 20 ح/6695.

293 - صحيح البخارى: الفتن - باب 3 ح/ 6649،فتح البارى

بشرح صحيح البخارى 13: 7 - 8.ومما يثير الدهشه ان تجد

هذه الاحاديث واكثر منها فى آل ابى سفيان وآل‏مروان، تجدها

فى كتاب (البدايه والنهايه) لابن كثير تحت عنوان

(اخباره(ص) لما وقع من الفتن من بنى هاشم بعد موته)! ج‏6:

255 ط. دار احياء التراث العربى سنه‏1992 وج 6: 227،ط.

مكتبه المعارف سنه 1988.علما انه وضعها وفق ترتيبه

التاريخى فى احداث العهد الاموى!! ولعل المتهم فى هذا ناسخ

اموى الهوى غاظه ذكر بنى اميه فى هذاالعنوان فقلبه على بنى

هاشم!!

294- تطهير الجنان واللسان: 30.

295 - صحيح مسلم - كتاب الفضائل: ح/1.

296 - ابن تيميه / راس الحسين: 200 و 201،مطبوع مع

استشهاد الحسين للطبرى.

297- نظريه الامامه/د. احمد محمود صبحى: 26.

298 - وهو الذى ارتد مشركا فى عهد الرسول فهدر الرسول

دمه يوم فتح مكه، وامر بقتله ولو وجد تحت استار الكعبه! -

راجع ترجمته فى: الاستيعاب، واسد الغابه، والاصابه.

299- اى ارسالهم الى اطراف البلاد بحجه حمايه الحدود،

ومنعهم عن العوده الى اهليهم.

300- تاريخ الطبرى - احداث سنه -34 ج‏4: 333 و 335.

301- الزيديه: 35 و 37. وانظر ايضا: محمد عبدالكريم عتوم/

النظريه السياسيه المعاصره للشيعه الاماميه الاثنى عشريه: 52

فقد انتهى الى النتيجه ذاتها.

302- شرح المواقف 8: 365.

303- شرح المواقف 8: 365.

304- الفصل 4:109.

305- المذاهب الاسلاميه: 37.

306 - صحيح البخارى - باب غزوه خيبر: ح/ 3998،صحيح

مسلم - كتاب الجهاد والسير3: 1380 ح/ 52،السنن الكبرى

للبيهقى 6: 300.ورواه اصحاب التاريخ ايضا:الطبرى 3: 202،ابن

الاثير/الكامل فى التاريخ 2: 331،ابن ابى الحديد/شرح نهج

البلاغه 6: 46.

307- نهج‏البلاغه: 97 الخطبه 67.وانظر: ابن قتيبه/الامامه

والسياسه: 11.

308 - مسند احمد 4: 248، 250، 251،صحيح مسلم: الطهاره -

باب المسح على الناصيه والعمامه، سنن ابى داود - المسح

على الخفين ح/ 149، 152،سنن ابن ماجه:ح/ 1236،سنن

النسائى - الطهاره: ح/112.

309- انظر الجوزى/آفه اصحاب الحديث: 99.

310 -صحيح بخارى - كتاب الاحكام ح/6754.

311- سيره ابن هشام 4: 272،البدايه والنهايه 4: 312.

312- ابو الفرج ابن الجوزى / آفه اصحاب الحديث.

313- فتح البارى بشرح صحيح البخارى .2: 123.

314- ابن الاسكافى/المعيار والموازنه: 41 و 42.

315- مسند احمد 1: 356،واخرجه الطبرى فى تاريخه 3: 196

ولم يذكر فيه قول ام الفضل.

316- ابن ابى الحديد/شرح نهج البلاغه 9: 197.

317- فتح البارى فى صحيح البخارى 2: 122 و 123.

318- المعيار والموازنه: 41.

319- عبدالرزاق/المصنف 5: 429 و 430،فتح البارى بشرح

صحيح البخارى 2: 123.

320- ابن تيميمه / منهاج السنه 3: 213.

321- الطبقات الكبرى 4: 66،تهذيب تاريخ دمشق 2: 395، 3:

218،مختصر تاريخ دمشق 4: 248/ 237 و5: 129/56 ترجمه

اسامه بن زيد وايوب بن هلال، تاريخ اليعقوبى 2: 77،تاريخ

الخميس 2: 172،شرح نهج البلاغه 1: 159، 220 و9: 197.

322 - الطبقات الكبرى 4: 66.

323 - اخرجه البخارى ومسلم فى باب فضائل ابى بكر، فتح

البارى بشرح صحيح البخارى 7: 14 - 15،صحيح مسلم بشرح


231

النووى 8: 154،وانظر: تثبيت الامامه وترتيب‏الخلافه: 90/56.

324 - ترجمه جبير بن مطعم فى: سير اعلام النبلاء 3 :

97،الاصابه 1: 226/1092.

325 - ابن ابى الحديد/شرح نهج البلاغه 14: 22.

326 - الاستيعاب بهامش الاصابه 1: 231،مختصر تاريخ دمشق

6: 7،سير اعلام النبلاء 3: 95، 97،وهولاء الذين حسن اسلامهم

معدود فيهم مع جبير: ابو سفيان ومعاويه،كما فى

المعارف/لابن قتيبه: 342.

327 - سير اعلام النبلاء 3: 98.

328 - راجع تراجمهم فى: الاستيعاب، واسد الغابه، والاصابه،

ومختصر تاريخ دمشق، وسير اعلام النبلاء.

329- راجع اخبار غزوه احد فى: تاريخ الطبرى، تاريخ

اليعقوبى، الكامل فى التاريخ، البدايه والنهايه. وراجع ترجمه

حمزه فى الاستيعاب واسد الغابه والاصابه وغيرها.

330 - مسند احمد 4: 81، 83، 85،صحيح البخارى - كتاب

الخمس - باب‏17 ح/ 2971،سنن‏ابى داود ح/ 2978 -

2980،سنن‏النسائى - كتاب‏الخمس - باب‏1 ح/4438،4439.

331- ابن ابى الحديد/شرح نهج البلاغه 20: 25.وروى مثله

احمد فى عروه بن الزبير بدلا من جبير بن مطعم.

332- حلف الفضول: حلف جمع بنى هاشم وزهره وتيم

اجتمعوا عند عبداللّه بن جدعان فتحالفوا جميعا على دفع

الظلم واسترداد الحق من الظالم واعادته الى صاحبه المظلوم.

333- الاغانى 17: 295.

334 - انظر: فتح البارى بشرح صحيح البخارى 13: 98.

335 - تاريخ بغداد 6: 83،الاغانى 15: 329.

336 - تاريخ بغداد 6: 81 و 86،الاعلام 1: 40.

337 - السنن الكبرى / للنسائى 5 : 154 ح/ 8539،

8540،مجمع الزوائد 9: 113.

338 - راجع ص‏109 و 112 من هذا الكتاب.

339 - ثمه روايه تنسب الى الامام جعفر الصادق(ع)، تقول:

(ارتد الناس بعد الحسين(ع) الا ثلاثه: ابو خالد الكابلى، ويحيى

بن ام الطويل، وجبير بن مطعم، ثم ان الناس لحقواوكثروا) غير

ان فى هذه الروايه اكثر من مشكله تقف دون اعتمادها:

ا - فمن الناحيه السنديه: وردت فى مصدرين، الاول: رجال

الكشى - ترجمه يحيى بن ام الطويل - وفى اسنادها مجهول،

والثانى: كتاب (الاختصاص) ولا يعرف مولفه على

وجه‏التحديد، ونسبته الى الشيخ المفيد موضع خلاف.

ب - الثابت‏ان جبير بن‏مطعم قد توفى قبل‏استشهاد

الحسين‏بنحو اربع‏سنين على الاقل!وفى بعض طرق هذه

الروايه ما يحل الاشكال الثانى، اذ ورد فيها (محمد بن جبير بن

مطعم) لكن حتى هذا لم يثبت، اذ كشف المحقق التسترى ان

هذا محرف عن حكيم بن جبير! -قاموس الرجال/ ترجمه

محمد بن جبير بن مطعم.

والحق ان هذه الروايه فيها اكثر مما تقدم، فهى تذكر بعد هولاء

جماعه منهم سعيد بن المسيب، وتقول انه نجا من الامويين

لانه كان آخر اصحاب رسول اللّه(ص)! وهذا لايصح لان‏سعيد

بن المسيب تابعى وليس صحابى. وهذا ايضا مما وقف عليه

المحقق التسترى فى ترجمه سعيد بن المسيب من (قاموس

الرجال).

340- الفصل 4: 108.وانظر ايضا: تثبيت الامامه وترتيب

الخلافه: 90 و 91/56،نظام الخلافه بين اهل السنه والشيعه: 39.

341- انظر: الجرجانى/شرح المواقف 8: 364 و

365،التفتازانى/شرح المقاصد 5: 263 - 267.

342 -صحيح البخارى - كتاب الاحكام - باب الاستخلاف 6 ح/

6791،صحيح مسلم - باب فضائل ابى بكر 5 ح/2387 والنص

منه.

343 - ابن ابى الحديد/شرح نهج البلاغه 11: 49.

344- صحيح البخارى - كتاب المرضى - باب‏17 ح/5345

صحيح مسلم - كتاب الوصيه ح/ 15، 21، 22،مسند احمد 1:

324،السيره النبويه للذهبى: 384،البدايه والنهايه‏5: 248.

345 - السنن الكبرى 6: 300،تاريخ الطبرى 3: 208،مروج

الذهب 2: 316،الكامل فى التاريخ 2: 331،جامع الاصول 4:

482.

346- سنن الترمذى - مناقب ابى بكر: 5 ح/ 3662،سنن ابن

ماجه 1 ح/97.

347 - شرح المواقف 8: 364،شرح المقاصد 5: 266،تثبيت

الامامه: 92/59.

348 - الفصل 4: 108.

349 - الرياض النضره 1: 48 و 49.

350 - سياتى فى هذا الفصل.

351 - النور24: 55.

352 - شرح المواقف 8: 364،شرح المقاصد 5: 265.

353 - تفسير القرطبى 12: 195.

354 - الاحزاب 33: 10 و11.

355 - الاعراف 7: 137.

356 - تفسير القرطبى 12: 196 و 197 باختصار. وانظر ايضا:

تفسير الطبرى 18: 160،مجمع البيان 7: 239،تفسير الشوكانى

(فتح القدير) 4: 47.

357 - فتح القدير 4: 47.

358 - كما تقدم فى آخر الكلام المنقول عن القرطبى، وهو ما

ذهب اليه محمد جواد مغنيه فى تفسيره الكاشف 5: 436.

359 - الدر المنثور 6: 215 و 216.

360 - الدر المنثور 6: 216.

361- مجمع البيان 7 : 239،الميزان 15: 166 و 167،الافصاح

فى الامامه: 102.

362 - الميزان 15: 167.

363 - الميزان 15: 168.

364 - الميزان 15: 172.

365 - سوره الفتح 48: 16.


232

366 - الفصل 4: 109 و 110،شرح المواقف 8: 364،شرح

المقاصد 5: 266.

367 - تفسير الرازى 28: 92 و 93.

368 - التوبه 9: 83.

369 - الفتح 48: 15.

370 - الفصل 4: 109.

371- الفصل 4: 109.

372 - سوره التوبه 9: 83 و 85.

373 - سنن الترمذى 5 ح/ 3715،سنن النسائى 5/ح

8416،كتاب الخصائص بتخريج الاثرى ح/ 30،المصنف/ابن ابى

شيبه: ج -7 فضائل على ح/18.

374 - اخرجه عبدالرزاق/المصنف 11: 226 ح/ 20389،ابن ابى

شيبه/ المصنف: ج -7 فضائل على - ح/ 3023،النسائى / السنن

- كتاب الخصائص ح/ 8457،ابن‏عبدالبر / الاستيعاب 3: 46.

375 - مسند احمد 3: 82،الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان

9: 46/6898،المصنف/ابن ابى شيبه ج -7 فضائل على - ح/

19،المستدرك 3: 123،البدايه والنهايه 7: 398.

376 - الطبقات الكبرى 3: 181،تاريخ الاسلام 3: 9.

377 - تاريخ الطبرى 3: 202،الكامل فى التاريخ 2: 325.

378 - الكامل فى التاريخ 2: 232.

379 - البدايه والنهايه 4: 312.

380 - الكامل فى التاريخ 2: 232.

381- الكامل فى التاريخ 2: 230.

382 - د. احمد محمود صبحى/نظريه الامامه: 37،د. مصطفى

حلمى/نظام الخلافه: 39،البيومى/ الامامه واهل البيت 1: 178.

384- صحيح مسلم - فضائل الصحابه: ح/9.

384 - الفصل 4: 108 و 109.

385 - النوبختى/فرق ا لشيعه: 8.

386 - الامامه والسياسه: 12.

387 - انظر: الاستيعاب/بحاشيه الاصابه 3: 35،شرح نهج

البلاغه 6: 167 و 168.

388 - مسند احمد 1: 84، 88، 118، 119 طريقين، سنن

النسائى - كتاب الخصائص: ح/ 8464 و 8473،ح/ 8478 و

8481،البدايه والنهايه 5: 229 و 232 و7 : 385383 من نحو

عشرين طريقا.

389- اخرج احمد حديث الغدير من تسع عشره طريقا، المسند

1: 84، 88، 118 ثلاث طرق، 119 طريقين، 152، 331،و 4: 281،

368، 370، 372 طريقين، و 5: 347،358، 361، 362، 419.ولا

يضاهيه الا حديث (من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من

النار) فقد خرجه من نحو 25 طريقا.

390-انظر : كتاب السنه ح/ 1354 - 1376،ح/ 1386،

1387،البدايه والنهايه 5: 233228، 7: 383 و 386،فقد خرجه

من نحو 40 طريقا بما فيها طرق حديث المناشده‏المتقدمه.

391- سنن الترمذى: 5 ح/ 3713،سنن ابن ماجه: 1 ح/ 116،

121،الخصائص/النسائى بتخريج الاثرى: ح/ 80، 82 و 85، 90،

95، 153،المصنف/ابن ابى شيبه: ج-7 باب فضائل على - ح/ 9،

10، 29، 55،المستدرك 3: 109 و110.

392 - انظر: البدايه والنهايه 5: 233.

393 - الالوسى/روح المعانى 6: 195 وما بعدها.

394- انظر: الفصل فى الملل والنحل 4: 161، 163،البدايه

والنهايه 7: 310،الباعث الحثيث: 182.

395 - انظر كتابه: رفع الملام عن الائمه الاعلام.

396- مسند احمد 4: 437 و 438،سنن الترمذى 5 ح/

3712،الخصائص/النسائى بتخريج الاثرى: ح/ 65،

86،المصنف/ابن ابى شيبه: ج -7 فضائل على - ح/58،الاحسان

بترتيب صحيح ابن حبان 9: 41 ح/6890.

397 - مسند احمد 5: 356،الخصائص/بتخريج الاثرى: ح/87.

398 - مسند احمد 1: 331،الخصائص/بتخريج الاثرى: ح/

23،المستدرك 3: 134.

399 - التوبه 9: 71.

400 - علماان التشيع فى مصطلحهم: هو تفضيل على على

عثمان لا غير، والطعن على ملوك بنى اميه!

401- انظر: ابا اسحاق الاثرى - فى تخريجه الحديث 65 من

كتاب الخصائص.

402 - مسند احمد 1: 331، 4: 438، 5: 356.وقد ذكرناها فى

تخريج‏النصوص كل فى محله.

403 - كتاب الخصائص للنسائى: ح/87.

404 - مسند احمد 1: 331،من حديث ابن عباس.

405 - المستدرك 3: 133 و 134 وتلخيصه/للذهبى فى

الصفحه ذاتها، كتاب السنه/ابن ابى عاصم - بتخريج الالبانى:

552.

406 - تاريخ طبرى 2: 321،الكامل فى التاريخ 2: 62 و

64،السيره الحلبيه 1: 461،شرح نهج البلاغه 13: 210،

244،وصححه، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر/ابن‏منظور

17: 310 و 311،تفسير البغوى (معالم التنزيل) 4: 278،تفسير

الخازن 3: 371 و 372،نقلا عن سيره ابن اسحاق، المنتخب من

كنز العمال - بهامش مسند احمد 5: 41 و42.

407 - حين قال‏النبى(ص) ذلك لعلى، قام الناس يضحكون

ويقولون لابى طالب: قد امرك ان تسمع لابنك وتطيع!

408 - والنهايه 3: 53.

409- لسان‏الميزان 4: 51/5229.

410 - لسان الميزان 4: 50/5229.

411 - البدايه والنهايه 5: 228.

412 - صحيح مسلم 4:ح/2408 من عده طرق.

413 - سنن الترمذى 5 ح/ 3788،مسند احمد 3: 17.

414 - مسند احمد 5: 182، 189.

415 - منهاج السنه 4: 85،الفرقان بين الحق والباطل: 139.

416 - اخرجه : النسائى/السنن الكبرى‏5 ح/

8464،الاثرى/تخريج خصائص على(ع) ح/76 وذكر له عده

مصادر منها: مسند احمد 1: 118،البزار: 2538 و 2539،وابن‏ابى


233

عاصم: 1365،والحاكم/المستدرك 3: 109،واخرجه ابن

كثير/البدايه والنهايه 5: 228،وقال: قال شيخنا الذهبى: هذا

حديث صحيح، واليعقوبى/ التاريخ 2: 112.

417 - اى كنسن.

418 - كانت خطبته(ص) فى غدير خم يوم 18 ذى الحجه

سنه‏10 ه، ووفاته(ص) يوم 2 او12 ربيع الاول من سنه‏11 ه،

حسب اليعقوبى والطبرى.

419 - مسند احمد 1: 173، 175، 182، 184، 331،صحيح

البخارى - فضائل على -: ح/صحيح مسلم - فضائل على - ح/

2404،مصنف ابن ابى شيبه - فضائل على 7:496 ح/11 - 15.

420- ابن حزم/الفصل 4: 94،ابن تيميه/منهاج السنه 4: 87 -

88.

421- صحيح‏مسلم - فضائل على ح/ 32،الخصائص

بتخريج‏الاثرى ح 9/، 10، 43، 52،المصنف/ابن شيبه - فضائل

على: ح/15.

422 - مسند احمد 1: 331،الخصائص/بتخريج الاثرى ح/

23،المستدرك 3: 132 و 133 وياتى لاحقا.

423- السيره النبويه/لابن حبان: 149،وصححه سبط ابن

الجوزى/تذكره الخواص: 23 نقله عن الامام احمد فى المناقب،

وقال: رجاله ثقات.

424- صحيح البخارى - الاحكام: باب‏51 ح/ 6796،صحيح

مسلم - الاماره ح/ 1821 و 1822،مسند احمد 1: 398،

406،سنن ابى داود ح/ 4280،سنن الترمذى -كتاب الفتن:

4/2223،مصابيح السنه 4/ح 4680،لذا فان قول الدكتور

النشار/نشاه الفكر الفلسفى فى الاسلام 1: 448 و- 2: 218:ان

فكره 12 خليفه لا وجود لها فى‏الاسلام) انما هى كبوه فارس!

425 - ابن تيميه/ راس الحسين: 200 و 201.

426- صحيح مسلم - فضائل الصحابه - ح/ 2424،سنن

الترمذى 5 ح/ 3205، 3787، 3871،مسند احمد 4: 107 و 6:

292، 304،مصابيح السنه 4: 183 ح/4796،اسباب النزول: 200.

427 - الاحزاب 33: 33.

428 - سنن ابن ماجه 2 ح/4087.

429 - مسند احمد 3: 3، 62، 64، 80، 82.

430 - سنن ابى داود ح/ 4284،تاريخ البخارى 3: 346،مصابيح

السنه ح/4211.

431 - انظر: فتح البارى بشرح صحيح البخارى 13: 180 و

183،ارشاد السارى لشرح صحيح البخارى 15: 212 و

213،صحيح مسلم بشرح النووى 12: 201 و 203،البدايه

والنهايه 6: 278 و 281.

432- العهد القديم - سفر التكوين - اصحاح 17:آيه 20.

433 - انظر: البدايه والنهايه 6: 280.

434 - انظر: الامامه والسياسه: 12 و 16،الكامل فى التاريخ 2:

329 و 330.

435 - انظر: د . عبد الجبار شراره / الاعداد التربوى والفكرى

لولايه على (ع) وخلافته.

436 - الطبقات الكبرى 3: 21،سيره ابن هشام 1: 228،كتاب

الاوائل: 91 و 93،البدء والتاريخ 4: 145،السيره النبويه/ابن

حبان: 67،جوامع السيره/ابن حزم: 45، السيره النبويه/الذهبى:

70،الاصابه 4: 269.

437 - مسند احمد 1: 209،المستدرك 3: 183 وتلخيصه

للذهبى، الخصائص/بتخريج الاثرى ح/ 2، 3،تاريخ الطبرى 2:

311،مجمع الزوائد 9: 103.

438- نهج البلاغه - بشرح صبحى الصالح - خطبه و192

ص‏300 و 301.

439 - الخصائص/بتخريج الاثرى: ح/127، 128، 129.

440 - الخصائص/ بتخريج الاثرى ح/120.

441 - مسند احمد 5: 26.

442 - مسند احمد 1: 230،سنن الترمذى 5 ح/ 3720،مصابيح

السنه 4 ح/ 4769،الطبقات الكبرى 3: 22،البدايه والنهايه 7:

371،دلائل النبوه/البيهقى 4: 209.

443 - سيره ابن هشام 2: 109.

444-تاريخ الاسلام/الذهبى - الخلفاء الراشدين:

625،الاصابه/العسقلانى 2: 30.

445 - المصنف/ابن‏ابى شيبه: ج‏7 فضائل على ح 17،سنن

النسائى 5 ح 8402،الخصائص/ بتخريج الاثرى ح/14 وصححه،

المستدرك 3: 37 وصححه ووافقه الذهبى، سيره‏ابن‏هشام 3:

216،تاريخ الطبرى 3: 12،الكامل فى التاريخ 2: 219،البدايه

والنهايه‏7:373.

446 - ابن ابى شيبه/المصنف 7: 497 ح 17/فضائل على.

447 - الحاكم والذهبى/المستدرك 3: 37 وتلخيصه.

448 - مسند احمد 3: 82،صحيح ابن حبان 9: 46 ح/

6898،المصنف/ابن ابى شيبه: ج -7 فضائل على - ح/

19،البدايه والنهايه 7: 398.وراجع تخريجه مع حديثين قبله

فى‏ص .

449 - مسند احمد 1: 3، 331 و3: 212، 283 و 4: 164،

165،سنن الترمذى 5 ح/ 3719،سنن النسائى 5 ح

8461،الخصائص/بتخريج الاثرى ح‏23، 72، 73/وصححها

جميعا، البدايه والنهايه 7: 374، 394،تفسير الطبرى 10: 46

كتاب الاموال: 215 ح/457.

450 - مسند احمد 1: 331،سنن الترمذى 5 ح/

3732،الخصائص/بتخريج الاثرى ح/ 23، 41،البدايه والنهايه 7:

374 و 379،فتح البارى 7: 13،الاصابه 4: 270،وقدراينا كيف

قلبوه لابى بكر! راجع ص(.87)

451 - الخصائص/بتخريج الاثرى ح/38.

452 - سنن‏الترمذى‏5 ح/ 3726،مصابيح السنه 4 ح/

4773،جامع الاصول 9 ح/ 6493،البدايه والنهايه 7: 369.

453 - رساله الامام مالك الى هارون الرشيد: 35.

454 - الكامل فى التاريخ 2: 302.

455 - الخصائص/بتخريج الاثرى ح/ 76،المستدرك وتلخيصه

3: 109،البدايه والنهايه 5: 228،وقد تقدم.

456- الخصائص/بتخريج الاثرى ح/ 112، 113،وخرجه على

النسائى وابن ماجه وابن خزيمه من وجوه.