فهرس الموضوعات فهرست آيات فهرست روايات
تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة

القصاص

تأليف : الفقيه الأصولي

آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني(دام ظلّه)

تحقيق و نشر : مركز فقه الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)

فهرس الموضوعات
القسم الأوّل : في قصاص النفس7
القول في الموجب9
معنى قتل العمد13
إنّ العمد قد يكون مباشرة وقد يكون تسبيباً24
لو رماه بسهم أو بندقة فمات25
لو خنقه بحبل ولم يرخ عنه حتى مات25
لو ضربه بعصا ـ مثلا ـ فلم يقلع عنه حتى مات28
لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً ومات30
لو منعه عن الطعام والشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء32
لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتى مات32
لو ألقاه في البحرو نحوه فعجز عن الخروج حتى مات37
لو ألقى نفسه من علو على إنسان عمداً38
لو سحره فقتل وعلم سببيّة سحره له43
لو جنى عليه عمداً فسرَتْ فمات46
لو قدّم له طعاماً مسموماً فأكل ومات47
لو قدّم إليه طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلا فأكل48
لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً52
لو قدّم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم52
لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل53
لو كان في بيته طعام مسموم فدخل شخص بلا إذنه فأكل ومات55
لو حفر بئراً ممّا يقتل بوقوعه فيها ودعا غيره فجاء فسقط فمات56
لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمّي مجهز57
لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه فقتله السباع59
لو ألقاه في أرض مسبعة متكتّفاً60
لو ألقاه عند السبع فعضّه بما لا يقتل به لكن سرى فمات61
لو أنهشه حيّة لها سمّ قاتل62
لو أغرى به كلباً عقوراً قاتلا غالباً فقتله62
لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه63
لو جرحه ثمّ عضّه سبع وسرتا65
لو جرحه ثمّ عضّه سبع ثمّ نهشته حيّة65
لو حفر بئراً ووقع فيها شخص بدفع ثالث66
لو أمسكه شخص وقتله آخر وكان ثالث عيناً لهم67
لو أكرهه على القتل69
لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلاّ قتلتك73
لو قال: اقتل نفسك75
يصحّ الإكراه بما دون النفس77
لو أكرهه على صعود شاهق فزلقت رجله وسقط فمات79
لو شهد اثنان بما يوجب قتلا ثمّ ثبت أنّهما شهدا زوراً80
لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح فذبحه آخر84
لو جرحه اثنان فاندمل جراحة أحدهما وسرت الاُخرى فمات86
لو قطع أحد يده من الزند وآخر من المرفق فمات88
يتداخل قصاص الطرف في قصاص النفس ، وكذا الدية89
لو اشترك إثنان وما زاد في قتل واحد99
بما به تتحقّق الشركة في القتل؟ 104
لو اشترك اثنان أو جماعة في الجناية على الأطراف 106
بما به تتحقّق الشركة في الجناية على الأطراف؟ 107
لو اشترك في قتل رجل امرأتان 108
لو اشترك في قتل رجل رجلٌ وامرأةٌ 109
كلّ موضع يوجب الردّ يجب أوّلا الردّ ثمّ يستوفى القصاص 111
الأوّل : التساوي في الحريّة والرقية 115
لو امتنع وليّ دم المرأة عن تأدية فاضل الدية 120
يقتصّ للرجل من المرأة في الأطراف ، وكذا يقتصّ للمرأة من الرجل من غير ردّ 121
تساوي ديّة المرأة والرجل في الأطراف ما لم تبلغ جراحة المرأة ثلث دية الحرّ 121
الثاني: التساوي في الدين 127
لو اعتاد المسلمُ قتلَ أهل الذمّة جاز الاقتصاص منه 127
يُقتل الذمّي بالذمّي وبالذميّة 135
لو قتل ذمّي مسلماً عمداً 136
أولاد الذمّي القاتل أحرار 140
لو قتل الكافر كافراً ثمّ أسلم 141
يُقتل ولد الرشيدة بولد الزنية 142
لو قطع مسلمٌ يدَ ذمّي عمداً ، فأسلم وسرَتْ إلى نفسه 143
لو قُطع يد حربي أو مرتدّ فأسلم وسرَتْ 145
لو قتل مرتدٌ ذميّاً أو العكس 145
لو وجب على مسلم قصاصٌ فقتله غير الولي 149
الشرط الثالث: انتفاء الأبوّة ، فلا يُقتل أب بقتل ابنه 150
لا تسقط الكفّارة عن الأب بقتل ابنه ولا الديّة 152
يُقتل الولد بقتل أبيه وكذا الأمّ بقتل ولدها 153
لو ادّعى اثنان ولداً مجهولا 155
لو قتل رجلٌ زوجته 159
الشرط الرابع والخامس: العقل والبلوغ 161
لو قتل عاقل ثمّ خولط وذهب عقله 167
لا يشترط الرشد بالمعنى المعهود في القصاص 168
اختلاف الولي والجاني 168
لو ادّعى الجاني صغره فعلا 171
لو قتل البالغٌ الصبيَ 171
في ثبوت القود على السكران وعدم ثبوته 176
القتل الصادر من النائم والمغمى عليه 182
القتل الصادر من الأعمى 182
الشرط السادس: أن يكون المقتول محقون الدم 186
القول فيما يثبت به القود 191
الأوّل: الإقرار بالقتل وشرائط المُقِرّ 191
لو أقرّ شخص بقتله عمداً والآخر بقتله خطأً 193
لو أقرّ المتّهم بقتله عمداً، فجاء آخر وأقرّ بقتله، ورجع الأوّل عن إقراره 194
الثاني: البيّنة 199
في اعتبار الصراحة في الشهادة بالقتل 200
اعتبار كون الشهادتين واردتين على موضوع واحد 201
لو شهد أحدٌ الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً وآخر بالإقرار عمداً 202
لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق 203
لو شهد اثنان بأنّ القاتل زيد وآخران بأنّه عمرو 204
لو شهدا بأنّه قتل عمداً وأقرّ آخر أنّه هو القاتل 209
الثالث: القسامة 217
المقصد الأوّل : في اللوث 217
لا تجري القسامة في الحقوق 218
لو وجد القتيل في قرية مطروقة فيها الإياب والذهاب 224
لو وجد قتيل بين القريتين 225
لو قُتل شخص في زحام الناس ليوم جمعة أو عيد 230
لو تعارضت الأمارات الظنيّة بطل اللّوث 232
لا يُشترط في اللوث وجود أثر القتل 233
لو ادّعى الوليّ أنّ فلاناً من أهل الدار قتله 234
المقصد الثاني : في كمّية القسامة 235
لو لم يكن للمدّعي قسامة أو كان ولكن امتنعوا 239
لو كان عدد القسامة ناقصاً 239
هل يُعتبر في القسامة أن تكون من الوراث فعلا 241
لو كان المدّعي أكثر من واحد 243
لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته فله أن يردّ الحلف على المدّعى عليه 246
القسامة في الأعضاء مع اللوث 254
يشترط في القسامة علم الحالف 259
هل تقبل قسامة الكافر على دعواه على المسلم 259
المقصد الثالث : في أحكام القسامة 264
ثبوت القصاص وكذا الديّة بالقسامة 264
لو ادّعى على إثنين وله على أحدهما لوث 266
لو أراد قتل ذي اللّوث بعد الثبوت عليه بالقسامة 266
لو كان لوث وبعض الأولياء غائب ورفع الحاضر الدعوى 267
لو كذَّب أحدُ الوليّين صاحَبه لم يقدح في اللوث 272
لو مات الولي قبل إقامة القسامة أو قبل حلفه 275
لو حلف المدّعي مع اللّوث ثمّ شهد اثنان أنّ المدّعى عليه كان غالباً 277
لو استوفى حقّه بالقسامة فقال آخر: أنا قتلته منفرداً 278
لو اتّهم رجل بالقتل والتمس الولي من الحاكم حبسه 279
القول في كيفيّة الاستيفاء 279
قتل العمد يوجب القصاص عيناً 283
يجوز التصالح على الدّية 289
يرث القصاصَ من يرث المال، عدا الزوج والزوجة 289
يرث الدّية من يرث المال إلاّ الإخوة والأخوات من قِبل الأُمّ 292
الأحوط عدم جواز المبادرة إلى القصاص إلاّ مع إذن الحاكم 295
إذا كان الوليّ متعدّداً 299
لو تشاحّ الأولياء في مباشرة القتل 303
لا يجوز في قصاص الطرف استعمال الآلة المسمومة 306
لا يجوز في القصاص، الاستيفاء بالآلة الكالّة 307
أجرة من يقيم الحدود الشرعية على بيت المال 313
عدم ضمان المقتصّ في سراية الطرف إلاّ مع التعدّي 314
عدم قطع يد الوالد بقطع يد ولده، وكذا المسلم بالكافر 316
إذا كان بعض الأولياء غائباً أو صغيراً 317
لو اختار بعض الأولياء الدّية 320
إذا اشترك الأب والأجنبي في قتل ولده 325
لا يمنع الحجر عن استيفاء القصاص 326
لو قتل شخصٌ وعليه دين 327
هل يجوز للورثة استيفاء القصاص للمديون من دون ضمان الدية 328
لو قتل واحدٌ رجلين أو أكثر 333
يجوز التوكيل في استيفاء القصاص 337
لا يُقتصّ من الحامل حتى تضع حملها 340
لو قطع يد رجل وقتل رجلا آخر 344
لو هلك قاتلُ العمد سقط القصاص 347
لو ضرب الوليُ القاتلَ وظنّ أنّه مات 353
لو قطع يده فعفا المقطوع ثمّ قتله القاطع 357
القسم الثاني : في قصاص ما دون النفس 361
الموجب له ها هنا كالموجب له في قصاص النفس 362
يُشترط في جواز الاقتصاص هنا ما يشترط في قصاص النفس 362
يُشترط هنا السلامة من الشلل ونحوه 363
المراد من الشلل 367
اعتبار التساوي في المحل مع وجوده 369
لو قطع أيدي جماعة على التعاقب 373
عدم اعتبار العمق في الشجاج 373
لا يثبت القصاص فيما فيه تغرير بنفس أو طرف 375
هل يجوز الاقتصاص قبل اندمال الجناية أم لا؟ 377
حلق الشعر عن المحلّ إذا أريد الاقتصاص 379
لو اضطرب الجاني فزاد المقتصّ في جرحه 379
يُؤخَّرُ القصاص في الطرف عن شدّة الحرّ والبرد 380
لا يُقتصُّ إلاّ بحديدة حادّة غير مسمومة ولا كالّة 380
لو كان الجرح يستوعب عضو الجاني مع كونه أقلّ في المجنيّ عليه 382
لو أوضح جميع رأسه 383
الاقتصاص في الأعضاء التي ينقسم إلى يمين وشمال 384
ثبوت القصاص في الأُذُن 385
لو قطع أُذنه فألصقها المجنيّ عليه والتصقت 387
لو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت 387
لو قطع أذنه فأزال سمعه 390
لو قطع أذناً مستحشفة شلاّء 390
ثبوت القصاص في العين 391
لو قلع ذو عينين عينَ أعور 392
لو قلع عيناً عمياء قائمة 395
لو أذهب الضوء دون الحدقة 395
تُقتصُّ العين الصحيحة بالعمشاء والحولاء ومثلهما 397
ثبوت القصاص لشعر الحاجب والرأس واللحية والأهداب وعدمه 398
ثبوت القصاص في الأجفان 400
ثبوت القصاص في الأنف 400
ثبوت القصاص في المنخرين 402
ثبوت القصاص في الشفتين 404
ثبوت القصاص في اللسان 404
ثبوت القصاص في ثدي المرأة وحلمتها ، وكذا حلمة الرجل 405
ثبوت القصاص في السنّ 406
لو كانت المقلوعة سنّ مثغر 407
لو عادت المقلوعة قبل القصاص 408
لو عادت المقلوعة بعد القصاص 410
لو قلع سنّ الصبي 412
ثبوت القصاص في قطع الذكر 416
ثبوت القصاص في الخصيتين 417
ثبوت القصاص في الشفرين 418
ثبوت القصاص في إزالة البكارة 419
لو قطع من كان يده ناقصة بإصبع ـ مثلا ـ يداً كاملة 419
لو قطع إصبعَ رجل فسرَتْ إلى كفّه 423
لو قطع يده من مفصل الكوع أو أزيد 423
يُشترط في القصاص التساوي في الأصالة والزيادة 426
لو قطع كفّه وكان للجاني إصبع زائدة 427
لو قطع من واحد الأنملة العليا ومن آخر الوسطى 430
لو قطع يميناًـ مثلا ـ فبذل شمالا 431
لو قطع إصبعَ رجل ويدَ رجل آخر 436
لو قطع إصبعَ رجل فعفا عنه 437
لو قال عفوت إلى شهر أو سنة 443
لو قال عفوت بشرط الدية 444
مصادر التحقيق447


7

كتاب القصاص

وهو إمّا في النفس

وإمّا فيما دونها

القسم الأوّل: في قصاص النفس

والنظر فيه في الموجب

والشرائط المعتبرة فيه

وما يثبت به

وكيفية الاستيفاء


8


9

القول في الموجب

وهو إزهاق النفس المعصومة عمداً مع الشرائط الآتية1.

1 ـ القِصاص ـ بالكسر ـ : فعال من قصّ أثره ، إذا تتبعه ، ومن هذا الباب القصة ، بإعتبار كونها تذكرة للأمر الواقع فيما مضى ، والمراد به في المقام تعقيب الجناية الواقعة من قتل أو جرح أو مثلهما بإيراد مثله على الجاني والإتيان بمثل فعله .

وقد ورد في الكتاب العزيز بهذا العنوان أو بما لا ينطبق إلاّ عليه في ضمن الآيات الكثيرة ، فمن الأوّل قوله تعالى: ﴿وَلَكُم فِي القِصَاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الأَلبَاب(1) .

والمراد من الآية دفع ما ربّما يتوهّم في باب القصاص من أنّ مرجعه إلى ضمّ موت إلى موت آخر ومثله ، وهذا ممّا لا يقبله العقل السليم ، وربما يضاف إلى ذلك أنّ من يتصدّى لقتل غيره عدواناً وظلماً لا يكون إلاّ مريضاً ، واللازم أن يعالج حتى لا يتحقّق منه مثله .

(1) البقرة 2 : 179 .


10

ولكن هذا الكلام إنّما يتمّ لو كان النظر مقصوراً على القاتل فقط ولم يلاحظ الاجتماع وسائر الناس ، وأمّا مع ملاحظة العموم فالقصاص ضامن لحفظ الحياة ، فإنّه مع تحقّقه لا يتحقّق القتل من غيره إلاّ نادراً ، خصوصاً مع ملاحظة أنّ كلّ أحد في مقام السعي والمجاهدة لحفظ حياة نفسه وعدم تحقّق ما يوجب التهديد بالإضافة إليها . فإذا رأى أنّ القتل يؤثّر في زوال حياته بالقصاص لا يكاد ينقدح في نفسه إرادته خصوصاً مع كون التصديق بالفائدة من مبادئ الإرادة ، ولا يتصوّر الفائدة مع انتفاء الموضوع أصلاً ، كما لايخفى .

ومن الثاني قوله تعالى: ﴿مِن أَجل ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفساً بِغَيرِ نَفس أَو فَسَاد فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَاسَ جَمِيعاً وَمَن أَحيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحيَا النّاسَ جَمِيعاً(1) .

فإن الظاهر أنّ المراد من قوله : «بغير نفس» هو عدم كونه بعنوان القصاص ، وأمّا التشبيه الواقع في الآية فقد ورد في توجيهه من أصحاب التفسير أقوال(2):

منها: أنّ معناه هو أنّ الناس كلّهم خصماؤه في قتل ذلك الإنسان ، وقد وترهم وتر من قصد لقتلهم جميعاً ، فأوصل إليهم من المكر ما يشبه القتل الذي أوصله إلى المقتول ، فكأنّه قتلهم كلّهم; ومن استنقذها من غرق أو حرق أو هدم أو ما يميت لا محالة أو استنقذها من ضلال فكأنّما أحيا الناس جميعاً ، أي أجره على الله أجر من أحياهم جميعاً .

ومنها: أنّ من قتل نبيّاً أو إمام عدل فكأنّما قتل الناس جميعاً ، أي يعذَّب عليه ،

(1) المائدة 5 : 32 .

(2) ذكرها الطبرسي في مجمع البيان: 3 / 309 ـ 310 .


11

كما لو قتل الناس كلّهم ، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام فكأنّما أحيا الناس جميعاً في استحقاق الثواب .

ومنها: أنّ معناه من قتل نفساً بغير حق فعليه مثل مأثم كلّ قاتل من الناس ، لأنّه سنّ القتل وسهّله لغيره ، فكان بمنزلة المشارك فيه ، ومن زجر عن قتلها بما فيه حياتها على وجه يقتدي به فيه بأن يعظّم تحريم قتلها كما حرّمه الله ، فلم يقدم على قتلها لذلك فقد أحيا الناس بسلامتهم منه .

ومنها: غير ذلك من التأويلات .

ولكنّ الظاهر عدم تمامية شيء منها وعدم انطباقه على ما هو ظاهر الآية ، ولكنّه قد ورد في تفسيرها روايات ولا محيص عن حملها عليها ، مثل رواية محمد ابن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله ـ عزّوجلّ ـ : ﴿مَنْ قَتَلَ نَفساً بِغَيرِ نَفس أَو فَسَاد فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النّاس جَمِيعَاً قال: له في النار مقعد ، لو قتل الناس جميعاً لم يرد إلاّ ذلك المقعد(1) .

ورواية حمران قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما معنى قول الله عزّوجلّ : ﴿مِن أَجل ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفساً بِغَيرِ نَفس أَو فَسَاد فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَاسَ جَمِيعاً وَمَن أَحيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحيَا النّاسَ جَمِيعاً قال: قلت: كيف كأنّما قتل الناس جميعاً ، فإنّما قتل واحداً؟ فقال: يوضع في موضع من جهنّم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها لو قتل الناس جميعاً لكان إنّما يدخل ذلك المكان . قلت: فإنّه قتل آخر؟ قال: يضاعف عليه(2) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 2 ، أبواب القصاص في النفس ب 1 ح 1 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 2 ، أبواب القصاص في النفس ب 1 ح2 .


12

ورواية حنّان بن سدير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ: ﴿وَمَن قَتَلَ نَفساً بِغَيرَ نَفس أَو فَسَاد فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَاسَ جَمِيعاً قال: هو واد في جهنّم لو قتل الناس جميعاً كان فيه ، ولو قتل نفساً واحدة كان فيه(1) .

ومرجعها إلى اشتراك كليهما في الورود في واد خاصّ في جهنّم ، الذي إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها ، غاية الأمر وجود الإختلاف من جهة الشدّة والضعف بينهما ، كما صرّح بالتضاعف في رواية حمران .

بقي الكلام في بيان ما يوجب القصاص ، وقد ذكر في المتن أنّه إزهاق النفس المعصومة عمداً مع الشرائط الآتية ، وقد عرّفه المحقّق في الشرائع بأنّه: إزهاق النفس المعصومة المكافئة عمداً عدواناً(2) . فأدخل جملة من الشرائط في قوله: المكافئة ، وجملة في العمد ، نظراً إلى أنّ عمد الصبي والمجنون خطأ .

ويرد على المتن ـ مضافاً إلى أنّ الجمع بين توصيف النفس بالمعصومة مع جعل واحد من الشرائط الآتية «كونه محقون الدم» ممّا لا فائدة فيه أصلاً; لأنّ المراد منهما أمر واحد ـ أنّه إن كان المراد بالمعصومة هو المعصومة مطلقا وبالإضافة إلى كلّ أحد كما هو ظاهر الإطلاق ، فاللازم أن لا يكون قتل من استحق القتل قصاصاً أو دفاعاً موجباً للقصاص إذا تحقّق من الأجنبيّ; لعدم كونه معصوماً مطلقاً; لجواز قتله بالإضافة إلى ورثة المقتول أو الدافع ، وإن كان المراد هو المعصومة بالإضافة إلى القاتل فاللازم التقييد به وعدم الاقتصار على الإطلاق .

ثمّ إنّ النفس غير المعصومة قد تكون مهدورة الدّم كما في سابّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)أو

(1) وسائل الشيعة: 19 / 5 ، أبواب القصاص في النفس ب 1 ح 10 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 971 .


13

مسألة 1 ـ يتحقّق العمد محضاً بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً ، وبقصد فعل يقتل به غالباً وإن لم يقصد القتل به . وقد ذكرنا تفصيل الأقسام في كتاب الدّيات1.

مدّعي النبوّة ، حيث إنّه يجوز لكلّ من سمع ذلك منهما التصدي لقتله وإزهاق نفسه ، ففيه لا يتحقّق الموجب للقصاص بلا إشكال ، وقد يكون إزهاقها بعنوان الحدّ الذي يتوقف على إذن الحاكم ، كما في الزاني المحصن واللائط إيقاباً والمرتدّ الفطري ، وتحقّق الموجب فيه محلّ إشكال بل منع ، لأنّ مجرّد لزوم مباشرة الحاكم وإذنه لا يوجب كون النفس معصومة بعد وضوح أنّ الشارع أسقط احترامها لأجل الجناية التي ارتكبها ، وسيأتي عند تعرّض المتن له تفصيل البحث في ذلك إن شاء الله تعالى .

1 ـ ظاهر العبارة أنّ العمد محضاً الذي هو معتبر في ما يوجب القصاص يتحقّق في موارد ثلاثة:

المورد الأوّل:ما إذا قصد القتل وكانت الآلة ممّا يتحقّق به القتل غالباً ، ويستعمل في هذا الغرض نوعاً ، وهذا هو القدر المتيقّن من موارد العمد ، لأنّ المفروض صدور القتل عن قصد وإرادة ، وكون الآلة مؤثِّرة في حصوله غالباً(1) .

الموردالثاني: ماإذا قصدالقتل ولكن لم تكن الآلة مؤثّرة في القتل إلاّ نادراً، كالعصا ونحوه واتّفق القتل به ، وقد قيل: إنّ فيه قولين ، ولكن في الجواهر بعد نسبة ثبوت القصاص إلى الأشهر واحتماله أنّ عليه عامّة المتأخّرين: لم أجد فيه خلافاً ، وإن

(1) الوسيلة: 429 ، شرائع الإسلام: 4 / 971 ، قواعد الأحكام: 2 / 277 ، تحرير الأحكام: 2 / 240 ، كنز العرفان: 2 / 366 ، مسالك الأفهام: 15 / 67 ، رياض المسائل: 10 / 234 .


14

أرسل(1) ، نعم يظهر من اللمعة نوع تردّد فيه(2) .

وكيف كان فالظاهر أنّ مقتضى القاعدة هو ثبوت القصاص; لأنّ المفروض قصد القتل وتحقّقه في الخارج ، ومجرّد عدم تأثير الآلة في القتل إلاّ نادراً لا يقتضي الخروج عن صدق عنوان العمد ، ولكنّه ورد في هذا الأمر روايات مختلفة:

فطائفة منها تدلّ على تحقّق العمد في هذا المورد :

مثل: صحيحة عبدالرّحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) : يخالف يحيى ابن سعيد قضاتكم؟ قلت: نعم ، قال: هات شيئاً ممّا اختلفوا فيه ، قلت: اقتتل غلامان في الرحبة ، فعضّ أحدهما صاحبه ، فعمد المعضوض إلى حجر فضرب به رأس صاحبه الذي عضّه ، فشجّه فكزّ فمات ، فرفع ذلك إلى يحيى بن سعيد فأقاده ، فعظم ذلك على ابن أبي ليلى وابن شبرمة ، وكثر فيه الكلام وقالوا: إنّما هذا الخطأ ، فودّاه عيسى بن علي من ماله . قال: فقال: إنّ من عندنا ليقيدون بالوكزة ، وإنّما الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره(3) .

والغلامان في الرّواية محمول على البالغين ، والظاهر إرادة القتل في مورد الرّواية ، كما يدلّ عليه قوله: «اقتتل» ، وعليه فحصر الخطأ فيما إذا أراد الشيء فأصاب غيره ظاهر في ثبوت العمد في مورد الرواية مع كون الحجر لا يقتل غالباً .

وصحيحة الحلبي ، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) : العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة ، فهذا كلّه عمد; والخطأ من اعتمد شيئاً

(1) جواهر الكلام : 42 / 13 .

(2) اللمعة الدمشقية: 174 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 23 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 1 .


15

فأصاب غيره(1) .

ومرسلة جميل بن دراج ، عن بعض أصحابنا ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود ، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره . وقال: إذا أقرّ على نفسه بالقتل قتل وإن لم يكن عليه بيّنة(2) .

ورواية أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لو أنّ رجلاً ضرب رجلاً بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً(3) . والقدر المتيقّن منها صورة إرادة القتل وقصده لا مجرّد الضرب بإحداها ، وإن لم يكن قاصداً للقتل أصلاً .

ورواية عبدالرحمن بن الحجاج المروية في تفسير العياشي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: إنّما الخطأ أن تريد شيئاً فتصيب غيره ، فأمّا كلّ شيء قصدت إليه فأصبته فهو العمد(4) .

ومرسلة ابن أبي عمير المروية في التفسير المزبور عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال: كلّما أُريد به ففيه القود ، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره(5) . ونقلها في الجواهر هكذا: مهما اُريد تعيّن القود(6) . . . ، وجعلها من الروايات المعارضة لهذه الروايات مع وضوح ظهورها في ثبوت القود في المقام ، خصوصاً مع حصر الخطأ فيما ذكر .

وطائفة ظاهرها عدم تحقّق العمد وعدم ثبوت القود .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 24 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 3 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 25 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 6 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 26 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 8 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 28 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 18 .

(5) وسائل الشيعة: 19 / 28 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 16 .

(6) جواهر الكلام : 42 / 15 .


16

مثل: رواية أبي العباس ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: أرمي الرّجل بالشيء الذي لا يقتل مثله ، قال: هذا خطأ ، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها ، قلت: أرمي الشاة فأُصيب رجلاً ، قال: هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه; والعمد الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله(1) . وظهورها في كون المفروض فيها صورة إرادة القتل لا شكّ فيه ، كما أنّ دلالتها على عدم كون المقام من موارد العمد ظاهرة .

ومرسلة عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: قال أميرالمؤمنين (عليه السلام) : في الخطأ شبه العمد أن تقتله بالسّوط أو بالعصا أو بالحجارة ، إنّ دية ذلك تغلظ ، وهي مائة من الإبل . الحديث(2) .

ورواية أبان بن عثمان ، عن أبي العباس وزرارة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال: إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله ، والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله ، يقتله بما لا يقتل مثله ، والخطأ الذي لا شكّ فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه(3) . والظّاهر أنّ المراد من قوله (عليه السلام) : «لا يريد قتله» هو عدم إرادة القتل حينما يتعمّده ويقصده ، ولذا لا يستصحب الآلة القتّالة ، ولكنّه بعد الوصول إليه يحدث له إرادة القتل فيقتله بما لا يقتل مثله ، لظهورها في أنّ الفرق بين هذا الفرض والفرض الأوّل هو مجرّد كون الآلة فيه قتّالة بخلافه ، وفي أنّ الفرق بينه وبين الفرض الأخير هو عدم تعلّق قصد القتل بالمقتول بل بشيء آخر ، فالفروض الثلاثة كلّها مشتركة في أصل إرادة القتل.

ومثل هذه الرواية رواية زرارة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال: إنّ الخطأ أن تعمده

(1) وسائل الشيعة: 19 / 25 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 7 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 27 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 11 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 27 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 13 .


17

ولا تريد قلته بما لا يقتل مثله ، والخطأ ليس فيه شكّ أن تعمد شيئاً آخر فتصيبه(1) .

ورواية أُخرى لزرارة ، عن أُي عبدالله (عليه السلام) ، قال: العمد أن تعمده فتقتله بما مثله يقتل(2) .

ومرسلة يونس،عن بعض أصحابه،عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال:إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد ، فالديّة على القاتل; وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتى يقتله فهو عمد يقتل به ، وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أوأكثر من يوم فهو شبه العمد(3) . والظاهر أنّ اختلاف الفروض إنّماهو في تحقّق قصدالقتل في الصورة الثانية المستلزم للإلحاح ، ومثله دون الصورتين الآخرتين ، وعليه فتصير الرواية من روايات الطائفة الأُولى .

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ الجمع بين الطائفتين يمكن بوجهين:

أحدهما: حمل الطائفة الأُولى الدالّة بظاهرها على ثبوت العمد في المقام على شبه العمد بقرينة الطائفة الثانية ، فالنتيجة حينئذ عدم ثبوت القصاص لعدم تحقّق موجبه الذي هو العمد .

ثانيهما: حمل الطائفة الثانية على صورة عدم إرادة القتل وعدم تحقّق قصده بقرينة الطائفة الأُولى ، فينتج ثبوت القصاص في المقام .

والظاهر أنّ الترجيح مع الوجه الثاني لأنّ ـ مضافاً إلى عدم ظهور الطائفة الثانية في صورة إرادة القتل ، بل حمل بعضها على هذه الصورة كان بعيداً ـ حمل الطائفة الأولى على شبه العمد لا يكاد يجتمع مع ثبوت الحكم بالقصاص في

(1) وسائل الشيعة: 19 / 28 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 17 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 28 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 20 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 25 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 5 .


18

بعضها ، كما في مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدّمة ، وليس المذكور في جميعها كلمة «العمد» حتى تحمل على شبه العمد ، بل الحكم بالقود الذي لا يتحقّق إلاّ بعد ثبوت موجبه الذي هو العمد محضاً ، فالترجيح مع هذا الوجه .

ثم إنّه لو فرض ثبوت التعارض وعدم إمكان الجمع لكان الترجيح مع الطائفة الأولى ، الموافقة للشهرة الفتوائية المحققة ، كما مرّت الإشارة إليه مراراً .

المورد الثالث: ما إذا قصد فعلاً يقتل به غالباً وإن لم يقصد القتل به ، وقيل : يفهم من الغنية الإجماع عليه(1) ، وهو الذي تقتضيه القاعدة ، لأنّ القصد إلى الفعل الذي يتحقّق به القتل غالباً مع التوجه والإلتفات إلى ذلك لا يكاد ينفكّ من قصد القتل ، غاية الأمر أنّه يصير القتل مقصوداً بالتبع ، والفعل يكون مقصوداً بالأصالة ، وهو لا يوجب الخروج عن عنوان العمد ، فإنّ من ضرب الغير بآلة قتّالة مع العلم بكونها كذلك يكون عند العرف قاتلاً بالقتل العمدي ، وإن كان غرضه غير القتل كامتحان الآلة ، أو امتحان رميه إيّاها ، أو غير ذلك من الأغراض .

ويدلّ عليه مضافاً إلى ما ذكرنا صحيحة الحلبي وأبي الصباح الكناني جميعاً ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال (قالا ـ ظ) سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات ، أيدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: نعم ، ولكن لا يترك يعبث به ، ولكن يجيز عليه بالسيف(2) . ومثلها رواية موسى بن بكر(3) . ورواية سليمان بن خالد(4) .

(1) غنية النزوع : 402 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 24 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 2 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 26 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 10 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 27 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 12 .


19

والعصا وإن لم يكن بمجرده من الآلات القتّالة ، إلاّ أنّ تكرار الضرب به وعدم قلع الضرب عنه يوجب صيرورته من هذه الآلات . ومقتضى إطلاق السؤال وترك الاستفصال أنّه لا فرق بين ما إذا كان مراد الضارب القتل أو مجرّد الضرب فقط ، وعليه فظاهر الجواب كون هذا المورد أيضاً من موارد العمد التي فيها القصاص ، والظاهر أنّ المراد من قوله (عليه السلام) : «ولكن لا يترك يعبث به» هو عدم المعاملة مع القاتل معاملة ما صنعه بالمقتول ، بل يسرع عليه بالسيف الذي يوجب قتله من دون زجر وتمثيل. يقال: أجاز عليه ، أي أجهزه وأسرع في قتله . وعليه فالروايات المذكورة مطابقة لما تقتضيه القاعدة .

ثمّ إنّ بعض الأعلام استدلّ لكون المورد الثالث من موارد العمد بصحيحة فضل ابن عبدالملك التي رواها الصدوق عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، أنّه قال: إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد . قال: سألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفارة أهو أن يعتمد ضرب رجل ولا يعتمد قتله؟ فقال: نعم ، قلت: رمى شاة فأصاب إنساناً ، قال: ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه ، عليه الدية والكفّارة(1) .

قال في تقريب الاستدلال بها: إنّها تدلّ على أنّ الضرب بالحديدة الذي يترتّب عليه القتل عادة من القتل العمدي ، وإن لم يقصد الضارب القتل ابتداء ، وأمّا مع قصد القتل فلا خصوصية للحديدة(2) .

ويرد عليه ، انّ الحديدة لا تكون من الآلات القتّالة ، لأنّ المراد بها هي الحديدة الصغيرة ، وقد جعلها في بعض الروايات المتقدّمة في رديف الحجر والعصا والوكزة ،

(1) وسائل الشيعة: 19 / 26 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 9 .

(2) مباني تكملة المنهاج: 2 / 4 مسألة 1 .


20

والمراد من ضرب الرجل بها هو الضرب المقرون مع قصد القتل وإرادته ، ويدلّ عليه سؤال الراوي بعده عن الخطأ ، وأنّه هو أن يعتمد ضرب رجل ولا يعتمد قتله الظاهر في أنّ الفرق بينه وبين العمد هو إرادة القتل فيه دونه ، وعليه فالرواية تنطبق على المورد الثاني دون الثالث .

كما أنّه استدلّ له أيضاً بصحيحة أبي العباس وزرارة المتقدّمة عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال: إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله ، والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله ، والخطأ الذي لا شك فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه(1) . نظراً إلى أنّ التقييد بقوله (عليه السلام) «بما لا يقتل مثله» يدلّ على أنّ الآلة إذا كانت قتّالة فليس هو من الخطأ ، وإن لم يقصد القتل ابتداءً(2) .

ويرد عليه أنّ هذا التقييد كما وقع في الخطأ وقع التقييد بما يقتل مثله في العمد ، مع أنّ الظاهر عدم كونه مقيّداً به ، لما عرفت في المورد الثاني من أنّ قصد القتل يوجب تحقّق العمد وإن لم تكن الآلة قتّالة ، فالإنصاف أنّ الدليل في هذا المورد هي الروايات التي أوردناها ، وقد استدلّ بها صاحب الجواهر (قدس سره)(3) .

بقي الكلام في أنّه هل يتحقّق العمد فيما إذا لم يقصد القتل ولم يكن الفعل مؤثِّراً في القتل بحسب الغالب أو لا يتحقّق؟ فيه وجهان ، بل قولان ، حكى عن الغنية الإجماع على الثاني(4) . وقال في الجواهر: لا أجد فيه خلافاً بين المتأخّرين(5) .

(1) تقدّمت في ص16 .

(2) مباني تكملة المنهاج: 2 / 4 مسألة 1 .

(3) جواهر الكلام : 42 / 14 .

(4) غنية النزوع: 402 .

(5) جواهر الكلام : 42 / 16 .


21

ولكن المحكي عن الشيخ في المبسوط: أنّه عمد(1) ، كالمورد الثالث إمّا مطلقاً كما حكاه عنه بعض(2) ، أو في خصوص الأشياء المحدّدة فقط ، كما هو مقتضى العبارة المحكية عنه في كشف اللثام(3) .

وأمّا بالنظر إلى الرواية ، فقد ذكر المحقّق في الشرائع: أنّ فيه روايتين : أشهرهما أنّه ليس بعمد يوجب القود(4) . ومراده هو الطائفتان من الروايات ، لا خصوص روايتين ، ولابدّ قبل ملاحظتهما من النظر في أنّ مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الرواية هل هو الوجه الأوّل أو الثاني .

فنقول: ظاهر الجواهر بل صريحه هو الأوّل ، نظراً إلى أنّه لا مدخلية للقصد في صدق القتل عرفاً ، بل ولا في صدق القتل عمداً; لأنّ معناه حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدواناً الذي حصل به القتل ، وإن كان ممّا يقتل نادراً . إذ ليس في شيء من الأدلّة العمد إلى القتل ، بل ولا العرف يساعد عليه ، فإنّه لا ريب في صدق القتل عمداً على من ضرب رجلاً عادياً غير قاصد للقتل ، أو قاصداً عدمه فاتّفق ترتّب القتل على ضربه العادي منه المتعمّد له(5) .

ويدلّ عليه عدم ثبوت قصد القتل في المورد الثالث من موارد القتل عمداً ، فيظهر منه عدم كون إرادة القتل دخيلة في تحقّق عنوان العمد أصلاً ، ولكنّ الظّاهر خلاف ما أفاده ، نظراً إلى عدم صدق تفسير الموجب للقصاص عليه وعدم

(1) المبسوط: 7 / 16 .

(2) كالشهيد الثاني في مسالك الأفهام: 15 / 68 .

(3) كشف اللثام: 2 / 439 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 971 .

(5) جواهر الكلام : 42 / 17 ـ 18 .


22

مساعدة العرف أيضاً ، فإنّه لا يقال لمن ضرب الغير بالكفّ مثلاً ضربة واحدة غير مؤثّرة في القتل نوعاً ، ولكن اتّفق موته بسببها على خلاف الغلبة: أنّه تحقّق منه قتل العمد وأزهق النفس المحترمة عمداً . وقد ذكرنا أنّ ثبوت هذا العنوان في المورد الثالث إنّما هو بلحاظ عدم انفكاك قصد القتل عن قصد الفعل مع الإلتفات إلى كون الآلة قتّالة ، وإن كان مقصوده الأصلي غير القتل ، وعليه فالظّاهر أنّ مقتضى القاعدة عدم تحقّق العمد في المقام .

وأمّا الروايات ، فطائفة منها ظاهرة في ذلك ، مثل صحيحة فضل بن عبدالملك المتقدّمة في المورد الثالث ، نظراً إلى قوله: «سألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفّارة ، أهو أن يعتمد ضرب رجل ولا يعتمد قتله؟ قال: نعم» . فإنّ مقتضاه تحقّق الخطأ الذي يكون المراد به شبه العمد مع عدم قصد القتل ، وعدم كون الآلة قتّالة ، كما هو المفروض في كلام الإمام (عليه السلام) قبل هذا السؤال وهو الضرب بالحديدة ، وكذا صحيحة أبي العبّاس وزرارة المتقدّمة في المورد الثالث أيضاً ، فإنّ قوله (عليه السلام) : «والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله ، يقتله بما لا يقتل مثله» ظاهر في تحقّق الخطأ بالمعنى المذكور مع اجتماع عدم إرادة القتل ، وكون الفعل غير مؤثِّر في القتل نوعاً.

وكذا صحيحة اُخرى لأبي العباس ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لايقتل مثله، قال: هذا خطأ ، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمي الشاة فأُصيب رجلاً، قال: هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه ، والعمد الذي يضرب بالشيء الذي يقتل بمثله(1) فإنّ الظاهر أو القدر المتيقّن من قوله: «أرمي الرجل» هو الرمي الخالي عن إرادة القتل ، فتدلّ الرواية على كونه خطأ.

(1) تقدّمت في ص16 .


23

وجملة منها ظاهرة في تحقّق العمد في المقام ، مثل رواية أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لو أنّ رجلاً ضرب رجلاً بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً(1) . فإنّ ظاهره إمّا خصوص صورة إرادة مجرّد الضرب دون القتل ، أو أنّ مقتضى إطلاقه الشمول لهذه الصورة ، وعلى أيّ حال فتدلّ الرواية على تحقّق العمد في المقام .

ومرسلة جميل بن دراج ، عن بعض أصحابنا ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود ، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره . الحديث(2) فإنّ مقتضى إطلاق إرادة الضرب الشمول لما إذا كان المراد الضرب فقط في مقابل القتل .

وصحيحة الحلبي قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) : العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة ، فهذا كلّه عمد ، والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره(3) ، نظراً إلى أنّ الآلات المذكورة فيها التي لا تكون قتّالة نوعاً شاهد على عدم كون المراد من قوله: «اعتمد شيئاً» هو قصد قتله وإرادة إزهاق نفسه فقط ، لعدم اجتماعه مع شيء من هذه الآلات ، بل أعمّ منه وممّا إذا كان المراد مجرّد الضرب فقط . وغير ذلك من الروايات.

واللاّزم أن يقال: إمّا بلزوم تقييد إطلاقات الطائفة الثانية على تقدير ثبوت الإطلاق لها ، كما عرفت في بعضها بمقتضى الطائفة الأُولى الظاهرة بل الصريحة في عدم تحقّق العمد في المقام ، وإمّا بلزوم ترجيح الطائفة الأُولى على الثانية على فرض

(1) وسائل الشيعة: 19 / 26 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 8 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 25 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 6 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 24 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 3 .


24

مسألة 2 ـ العمد قد يكون مباشرة: كالذبح والخنق باليد والضرب بالسيف والسكين ، والحجر الغامز ، والجرح في المقتل ، ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً ففيه القود ، وقد يكون بالتسبيب بنحو ، وفيه صور نذكرها في ضمن المسائل الآتية1.

ثبوت التعارض للشهرة الفتوائية المحقّقة كمامرّ فتصير النتيجة موافقة للطائفة الأُولى.

1 ـ قد مرّ في تعريف موجب القصاص أنّ المدار فيه إنّما هو على قتل النفس المحترمة عمداً ، كما أنّ المستفاد من الروايات المتقدّمة أيضاً ذلك ، وعليه فلابدّ في تحقّق ذلك من إضافة القتل إلى الفاعل واتّصافه بوقوعه عن عمد ، وقد مرّ أيضاً أنّ موارد العمد لا يتجاوز عن ثلاثة ، فاللاّزم في جميع موارد ثبوت القصاص من تحقّق هذا العنوان إلاّ فيما إذا ثبت بدليل خاصّ على خلاف القاعدة ، وعليه فليس في شيء من الأدلّة عنوان الحكم بلفظ المباشرة والسبب ، بل الموجود فيها هو عنوان قتل العمد .

ولكنّ العمد قد يتحقّق بالمباشرة ، كالأمثلة المذكورة في المتن ، وكسقي السمّ القاتل بإيجاره في حلقه ، وبعض التزريقات المهلكة ، وغير ذلك من موارد صدور القتل المباشر ، ولا إشكال في ثبوت القصاص في جميع هذه الموارد .

وقد يتحقّق بالتسبيب لا مطلقاً ، بل ببعض مراتبه وهو ما إذا انفرد الجاني بالتسبيب المتلف ، وفيه صور مذكورة في ضمن المسائل الآتية .

وأمّا الشرط فلا يجب به قصاص أصلاً ، لعدم تحقّق عنوان قتل العمد بسببه ، لأنّ المراد به ما يقف عليه تأثير المؤثِّر من دون أن يكون دخيلاً في العلّة للزهوق ، مثل حفر البئر بالنسبة إلى الوقوع فيها ، فإنّ الوقوع مستند إلى علّته وهي


25

مسألة 3 ـ لو رماه بسهم أو بندقة فمات فهو عمد ، عليه القود ولو لم يقصد القتل به ، وكذا لو خنقه بحبل ولم يزح عنه حتّى مات ، أو غمسه في ماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات ، أو جعل رأسه في جراب النورة حتى مات ، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف فهي من العمد1.

التخطّئ ، والبئر شرط للتأثير بمعنى أنّه لو لم يحفرها لم يتحقّق القتل أصلاً ، لكنّه لم يكن دخيلاً في الوقوع ، بل الوقوع مستند إلى ما ذكر من التخطّئ ، وهو موجب لتحقّق القتل .

وبالجملة: فالضابط ما ذكرنا من صدق عنوان قتل العمد من دون أن يكون عنوان آخر دخيلاً في الحكم ، فلابدّ في الحكم بثبوت القصاص من ملاحظة تحققه ، وعليه ففي جميع المسائل الآتية ليس المدار غير ما ذكر .

1 ـ هذه هي الصورة الأُولى من صور انفراد الجاني بالتسبيب المتلف ، والحكم بثبوت القود في الفرض الأوّل إنّما هو لأجل كون مثل السهم والبندقة من الآلات المؤثِّرة في القتل غالباً ، وعليه فلا فرق بين ما إذا قصد القتل به وبين ما إذا لم يقصد ، لما عرفت من اشتراك كلّ من الفرضين في تحقّق عنوان العمد مع كون الآلة كذلك ، أي مؤثِّرة في القتل غالباً ، لكن لابدّ من تقييد ذلك بما إذا وقع في المقتل ، فإنّه لو أراد برميه غير المقتل فأصاب المقتل ، كما إذا كان المراد من رميه هو الوقوع في الرِجل الذي لا يؤثِّر في القتل نوعاً ، ولكنّه أصاب المقتل على خلاف ما أراد ، فالظاهر عدم تحقّق قتل العمد ، بل لايبعد أن يقال بكونه من مصاديق قتل الخطأ المحض ، فإنّ قوله (عليه السلام) في بعض الروايات المتقدّمة: «إنّما الخطأ أن تريد شيئاً فتصيب غيره» يشمل بإطلاقه مثل المقام الذي أراد ضرب الرجل فأصاب المقتل ، فإنّه لافرق بينه


26

مسألة 4 ـ في مثل الخنق وما بعده ، لو أخرجه منقطع النفس أو غير منقطع لكن متردّد النفس فمات من أثر ما فعل به فهو عمد عليه القود1.

مسألة 5 ـ لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله ، ثم أرسله فمات بسببه ، فإن قصد ولو رجاء القتل به ففيه القصاص ، وإلاّ فالدية ، وكذا لو داس بطنه بما لا يقتل به غالباً ، أو غصر خصيته فمات ، أو أرسله منقطع القوة فمات2.

وبين ما إذا أراد قتل حيوان فأصاب إنساناً فقتله .

وهذا التقييد لا يجري في سائر الأمثلة والفروض المذكورة في المتن ، فإنّه بالخنق بالحبل وعدم الإرخاء حتى الموت ، أو الغمس في مثل الماء ومنعه عن الخروج كذلك ، أو جعل رأسه في جراب النورة كذلك أيضاً يتحقّق العنوان الموجب للقصاص من دون تقييد ، ولو لم يقصد القتل به أصلاً .

1 ـ الوجه في ذلك وضوح استناد الموت إلى الخنق والغمس وجعل الرأس في جراب النورة ، ولو كان في حال الإخراج منقطع النفس أو متردّده وبقي مريضاً زمناً حتّى مات ، بل في كشف اللثام: طالت المدّة قدراً يقتل الخنق في مثله غالباً أو لا(1) . وقد عرفت أنّه لا فرق بين صورة قصد القتل وعدمه بعد كون مثل الخنق مؤثّراً في حصول القتل غالباً .

2 ـ الوجه في التفصيل بين صورة قصد القتل وبين غيرها ظاهر بملاحظة ما ذكرنا ، فإنّه مع كون المفروض عدم تأثير العمل في قتله بحسب الغالب ، كما في

(1) كشف اللّثام : 2 / 440 .


27

مسألة 6 ـ لو كان الطرف ضعيفاً لمرض أو صغر أو كبر ونحوها ، ففعل به ما ذكر في المسألة السابقة فالظاهر أنّ فيه القصاص ولو لم يقصد القتل مع علمه بضعفه ، وإلاّ ففيه التفصيل المتقدّم1.

الأمثلة المذكورة في المسألة الثالثة مع التقييد بالمقدار الذي لا يكون موجباً لقتله كذلك ، وكما فيما لو داس بطنه ـ أي وطئه برجله ـ أو عصر خصيته مع التقييد بالمقدار المذكور ، ولكنّه أثّر في القتل على خلاف الغلبة لا يبقى مجال لتحقّق عنوان قتل العمد إلاّ من ناحية قصد القتل، لاعتبار أحد الأمرين على سبيل منع الخلوّ في تحقّقه كما عرفت ، وتحقّق القصد مع كون المفروض عدم التأثير في القتل غالباً إنّما هو بنحو الرجاء والاحتمال الناشئ عن التأثير مع وصف الندرة ، كما لايخفى .

ثمَّ إنّه لا فرق في هذه الجهة بين ما إذا تحقّق الموت حينما داس بطنه أو عصر خصيته ، وبين ما إذا أرسله منقطع القوّة فمات ، كما عرفت في المسألة الرابعة .

1 ـ المقصود من هذه المسألة أمران:

أحدهما: أنّه لابدّ في ملاحظة مقدار التأثير ، وأنّه هل يؤثّر في القتل غالباً أم لا ، ومن ملاحظة حال الطرف من جهة القوّة أو الضعف الناشئ عن المرض أو الصغر أو الكبر أو نحوهما ، فربّما يكون الخنق بالحبل مثلاً في زمان قليل مؤثِّراً في قتل الضعيف نوعاً ، ولا يؤثّر في هذا المقدار من الزمان في قتل القويّ كذلك ، فاللاّزم ملاحظة حال الطرف من هذه الجهة .

ثانيهما: إنّ الملاك ليس هو الضعف الواقعي بمجرّده ، بل العلم بثبوت هذا الضعف فيه ، فلو كان بحسب الواقع ضعيفاً ولكنّه كان الجاني جاهلاً بذلك لا يكاد


28

مسألة 7 ـ لو ضربه بعصا مثلاً فلم يقلع عنه حتّى مات ، أو ضربه مكرّراً ما لا يتحمّله مثله بالنسبة إلى بدنه ، ككونه ضعيفاً أو صغيراً ، أو بالنسبة إلى الضرب الوارد ، ككون الضارب قويّاً ، أو بالنسبة إلى الزمان ، كفصل البرودة الشديدة مثلاً فمات فهو عمد1.

يتحقّق قتل العمد إذا لم يكن قاصداً للقتل . والوجه فيه عدم صدق العنوان الموجب للقود مع الجهل بالحال . وإن كان يظهر الاستشكال فيه من بعض أو الميل إلى العدم ، كما من صاحب الجواهر(1) بناء على ما رجّحه من التوسعة في قتل العمد ، كما عرفت .

1 ـ المقصود من هذه المسألة التنبيه على أنّه لابدّ في مثل ضرب العصا من جهة اتّصافه بأنّه يتحمّل أوّلاً من ملاحظة المضروب من جهة الضعف والقوّة ، كما مرّ في المسألة السابقة ، ومن ملاحظة الضارب والضرب الصادر منه ، وأنّه هل يكون قويّاً أو لا ، ومن ملاحظة زمان الضرب وأنّه هل يكون فصل البرودة الشديدة التي يكون تأثير الضرب فيها أكثر من غيره من الفصول .

وهذا الفرض من الضرب بالعصا ـ مضافاً إلى أنّ مقتضى القاعدة أنّ حكمه هو القصاص لتحقّق موجبه الذي هو قتل العمد ـ قد ورد فيه بعض الروايات .

مثل: رواية الحلبي وأبي الصباح الكناني جميعاً قال: سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات ، أيدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: نعم ، ولكن لا يترك يعبث به ، ولكن يجيز عليه بالسيف(2) . فإنّ الظاهر أنّ

(1) جواهر الكلام : 42 / 17 ـ 18 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 24 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 2 .


29

مورد السؤال هي صورة عدم قصد القتل بقرينة السؤال الحاكي عن وجود شبهة موجبة له ، ومن الواضح أنّه لو فرض ثبوت القصد مع كون العمل مؤثِّراً في القتل لا مجال للشبهة أصلاً ; لأنّه المورد الظاهر من قتل العمد . فنفس السؤال قرينة على عدم ثبوت قصد القتل بوجه ، وعلى تقدير التنزّل فمقتضى إطلاق السؤال وترك الاستفصال في الجواب عدم الفرق بين صورتي القصد وعدمه ، وعلى أيّ تقدير فالرواية تدلّ على حكم المقام ، وأنّه هو ثبوت العمد ولو مع عدم القصد .

ومرسلة يونس ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال: إن ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد فالدية على القاتل ، وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله فهو عمد يقتل به ، وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد(1) . بناء على أنّ المراد من قوله (عليه السلام) : «وإن علاه» ليس إذاكان قاصداً للقتل ، وإن كان قوله (عليه السلام) : «حتّى يقتله» مشعراً بذلك ، لأنّه ظاهر في أنّ الفرق بين هذا الفرض وبين الفرض الأوّل المذكور في الرواية ليس إلاّ في مجرّد كون مورد الفرض الأوّل هو الضرب بمثل العصا ضربة واحدة من دون أن يكون مقروناً بقصد القتل ، ومورد الفرض الثاني هو الضرب مع الإلحاح والتكرّر المنجرّ إلى الموت.

فلو كان المفروض في هذه الصورة تحقّق قصد القتل أيضاً يلزم ثبوت الاختلاف بين الفرضين من وجهين ، وهو خلاف ظاهر الرواية ، وعليه فيكون قوله (عليه السلام) : «حتّى يقتله» في هذه الرواية بمعنى قوله (عليه السلام) : «حتّى مات» في الرواية الأُولى ،

(1) وسائل الشيعة: 19 / 25 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 5 .


30

مسألة 8 ـ لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه ومات به فالظاهر أنّه مع عدم قصد القتل لا يكون عمداً ولا قود ، ومع قصده عليه القود1.

فالإنصاف ظهور الروايتين في أنّ الضرب المؤثِّر في القتل نوعاً موجب لتحقِّق موجب القصاص ، وإن لم يكن مقروناً بقصد القتل .

1 ـ وربما يقال بثبوت عنوان قتل العمد الموجب للقصاص في المقام وإن لم يكن مقروناً بقصد القتل ، قال في المسالك في وجهه: لأنّ ضربه وإن لم يكن قاتلاً غالباً ولا قصده ، إلاّ أنّ إعقابه للمرض الذي حصل به التلف صيّر الأمرين بمنزلة سبب واحد ، وهو ممّا يقتل غالباً; وإن كان الضرب على حدته مما لايقتل . ويؤيّده ما سيأتي من أنّ سراية الجرح عمداً يوجب القود وإن كان الجرح قاتلاً ، وهذا من أفراده; لأنّ المرض مسبَّب من الجرح ، ومنه نشأ الهلاك ، فكان في معنى السراية . وبهذا الحكم صرّح في القواعد(1) والتحرير(2) .

ولكنّه استشكل فيه بقوله: ولا يخلو من إشكال ، لأنّ المعتبر كما تقدّم إمّا القصد إلى القتل أو فعل ما يقتل غالباً ، والمفروض هنا خلاف ذلك ، وإنّما حدث القتل من الضرب والمرض المتعقب له ، والمرض ليس من فعل الضارب ، وإن كان سبباً فيه(3) .

وأمّا صاحب الجواهر فقد اختار فيها(4) أنّه عمد مطلقاً ، نظراً إلى مسلكه من

(1) قواعد الأحكام: 2 / 278 .

(2) تحرير الأحكام: 2 / 241 .

(3) مسالك الأفهام: 15 / 70 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 24 .


31

عدم اعتبار قصد القتل ولا كون الشيء ممّا يقتل مثله غالباً ، إذ هو عمد إلى القتل ، لا قتله عامداً ، والعنوان في الأدلّة الثاني لا الأوّل . وذكر أنّ ما في بعض النصوص من عدم تحقّق العمد فيما إذا ضرب ضربة بالعصا فمات المضروب إنّما هو على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على مورده ، وأمّا المقام فلم يدلّ دليل على خروجه ، فيبقي تحت القاعدةويحكم بكونه عمداً ، والحكم بثبوت القود في مورد سراية الجرح غير القاتل إنّما هو لهذه الجهة ، لا لأجل كونه بسبب السراية يصير ممّا يقتل مثله.

والحقّ أن يقال ـ بناءً على ما اخترناه من اعتبار أحد الأمرين في تحقّق عنوان العمد على سبيل منع الخلوّ ، ولازمه كون ما ورد في الضربة بالعصا من النصوص الدالّة على أنّه يشبه العمد إنّما هو على وفق القاعدة لا على خلافها ـ : إنّ اللاّزم في المقام التفصيل في صورة عدم قصد القتل ابتداءً وأصالة ، بين ما إذا علم الضارب بأنّ ضربه يعقب المرض وأنّه يؤثّر في القتل غالباً ، وبين صورة الجهل بذلك ، ففي الصورة الأولى لا ينفكّ علمه بذلك عن قصد القتل تبعاً; لوضوح أنّه مع العلم بأنّ ضربه معقِّب للمرض الذي يترتّب عليه الموت كيف لا يكون قاصداً للقتل تبعاً ، ولو لم يقصده بالأصالة .

وأمّا في صورة الجهل فلا وجه لتحقّق عنوان العمد ، بعدما كان الصادر منه هو الضربة الواحدة غير المؤثِّرة في القتل غالباً ، وإعقابها للمرض المؤثّر فيه لم يكن معلوماً له بوجه . وقد مرّ في المسألة السادسة أنّ ثبوت القصاص في ضرب الضعيف المؤثّر في قتله إنّما هو فيما إذا كان الضارب عالماً بضعفه ، ولا يشمل صورة الجهل ، فالمقام أيضاً من هذا القبيل . ولعلّ الحكم بثبوت العمد في مورد سراية الجرح غير القاتل إنّما هو في خصوص صورة العلم بالسراية المؤثرة في القتل دون الأعمّ منها ومن صورة الجهل . وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى .


32

مسألة 9 ـ لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء فهو عمد وإن لم يقصد القتل ، وإن كان مدّة يتحمّل مثله عادة ولا يموت به لكن اتفق الموت ، أو أعقبه بسببه مرض فمات ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً أو لا1.

مسألة 10 ـ لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتّى مات ، أو منعه عنه حتّى مات قتل به ، ولو لم يخرج منها عمداً وتخاذلاً فلا قود ولا دية قتل ، وعليه دية جناية الإلقاء في النار ، ولو لم يظهر الحال واحتمل الأمران لا يثبت قود ولا دية2.

1 ـ لا إشكال في ثبوت العمد الموجب للقصاص في الفرض الأوّل وإن لم يقصد القتل ، لأنّ المفروض عدم تحمّل مثله من جهة السنّ والحال وغيرهما; للممنوعية عن الطعام أو الشراب في تلك المدة .

كما أنّه لا إشكال في عدم تحقّق العمد مع عدم قصد القتل فيما إذا كان المنع مدّة يتحمّل مثله عادة ولا يموت به غالباً ، ولكن تحقّق الموت على سبيل المصادفة والإتفاق ، كضربة واحدة بمثل العصا ، وأمّا فيما إذا أعقب مرضاً وصار المرض سبباً للموت فاللاّزم بمقتضى ما مرّ في المسألة المتقدّمة التفصيل مع عدم قصد القتل ، بين صورة علمه بذلك وأنّ المنع يعقب مرضاً كذلك ، فيتحقّق العمد لثبوت قصد القتل لا محالة ولو تبعاً; وبين صورة الجهل بذلك ، فلا وجه للقصاص لعدم تحقّق العمد بوجه .

2 ـ في هذه المسألة فروع:

الأوّل: ما لو طرحه في النار ، ولكنّه كان عاجزاً عن الخروج مع العلم بذلك أو


33

منعه عنه حتّى مات ، ولا إشكال فيه في ثبوت القود ، لتحقّق موجبه الذي هو قتل العمد ، لكون العمل مؤثِّراً في القتل والموت من دون فرق بين صورة العجز وصورة المنع ، وهذا واضح .

الثاني: ما لو طرحه في النار ولكنّه كان قادراً على الخروج ، ومع ذلك لم يخرج منها عمداً وتخاذلاً ، ولا ينبغي الإشكال في عدم استناد القتل في هذا الفرض إلى الملقي ، بل هو مستند إلى البقاء الذي هو فعل اختياريّ للمطروح ، ضرورة أنّه لو لم يختر المكث والبقاء لما تحقّق الموت أصلاً ، فالموت مستند إلى نفسه لا محالة ، ولا يستند إلى عمل الملقي الذي هو مجرّد الإلقاء الذي لا يترتّب عليه الموت . ومنه يظهر أنّه كما لا مجال للقصاص في هذا الفرض ، لا يثبت دية أيضاً; لأنّ ثبوت الدية فرع الاستناد ، ولو كان بنحو الخطأ أو شبه العمد ، والمفروض انتفاء الاستناد رأساً . نعم لو ترتّب على مجرّد الإلقاء جناية تجب ديتها على الملقي ، ولكنّها لا ترتبط بالقتل الموجب للقصاص أو الدية .

ثمّ إنّ الفرق بين هذه الصورة ، وبين ما إذا كان قادراً على المعالجة والمداواة ، ولكنّه تركها اختياراً حتّى مات ـ الذي ادّعى صاحب الجواهر (قدس سره)(1) فيه الاتفاق على الضمان ـ هو أنّه مع ترك المعالجة وإن كان يتحقّق التقصير بملاحظة عدم رعاية حفظ النفس الواجب عليه لأنّ المفروض القدرة عليه ، إلاّ أنّه لا يوجب استناد الموت إلى التارك لها ، بل الموت مستند إلى مثل الجارح ، فإنّ الجرح صار سبباً لتحقق الموت ، وإن كان المجروح قادراً على إيجاد المانع بسبب المعالجة ، إلاّ أنّ استناد الموت إنّما هو إلى المقتضي والسبب دون عدم المانع . وهذا كما لو كان من يراد

(1) جواهر الكلام: 42 / 27 .


34

قتله قادراً على الفرار ولكنّه لم يفرّ ، فقتل ، فإنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ القتل إنّما يكون مستنداً إلى القاتل لا إلى المقتول ، باعتبار القدرة على الفرار المانع عن تحقّق القتل . وهذا بخلاف المقام فإنّ الموت مستند إلى البقاء في النّار اختياراً ، ولا مجال لاستناده إلى الإلقاء .

وبعبارة أُخرى: السبب في المقام هو البقاء ، وإن كان اختياره متفرّعاً على الإلقاء ، بمعنى أنّه لولا الإلقاء لما اختار البقاء ، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب الإستناد إلى الإلقاء بوجه .

الثالث: صورة الشك في أنّ عدم الخروج هل كان مستنداً إلى العجز أو ناشئاً عن التعمّد والتخاذل ، وفيه وجهان ، بل قولان . يظهر القول بثبوت القصاص من المحقّق في الشرائع ، حيث قال: «لو طرحه في النار فمات قتل به ، ولو كان قادراً على الخروج لأنّه قد يشدّه ، ولأنّ النار قد تشنج الأعصاب بالملاقاة ، فلا يتيسر الفرار»(1) .

وليس مراده من القدرة على الخروج هي القدرة عليه المساوقة للتعمّد والتخاذل ، لأنّه مضافاً إلى وضوح عدم ثبوت القصاص في مورد التعمّد لا يلائمه التعليل ، لأنّ ظاهره أنّ الدهشة الحاصلة وكذا تشنّج الأعصاب بالملاقاة ربّما يمنع عن الفرار ، فالمفروض صورة الشك ، والتعميم إنّما هو بلحاظ هذه الصورة .

ويظهر من العلاّمة في القواعد عدم ثبوت القصاص ، قال: «وإن تركه في نار فتمكّن من التخلّص منها لقلّتها أو لكونه في طرفها يمكنه الخروج بأدنى حركة فلم يخرج فلا قصاص ، وفي الضمان للدية إشكال ، أقربه السقوط ، إن علم أنّه ترك

(1) شرائع الإسلام: 4 / 972 .


35

الخروج تخاذلاً; ولو لم يعلم ذلك ضمنه ، وإن قدر على الخروج ، لأنّ النار قد ترغبه وتدهشه وتشنج أعضائه بالملاقاة فلا يظفر بوجه المخلّص»(1) .

فإنّ التفصيل في الدية بين صورة العلم بالتخاذل وصورة الشكّ فيه مع إطلاق الحكم بعدم ثبوت القصاص يعطي عموم الحكم بالعدم فيه ، وإن كان ظاهر صدر العبارة يشعر بالاختصاص بصورة العلم بالتخاذل ، كما لا يخفى .

وقد ذكر الشهيد في المسالك في وجه ثبوت القصاص في المقام: أن السبب المقتضي للضمان وهو الإلقاء متحقّق ، مع الشك في المسقط ، وهو القدرة على الخروج مع التهاون فيه ، ولا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يعلم التخاذل عن الخروج ، لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجز من دهشة وتحيّر ، أو تشنّج أعضائه ونحو ذلك(2) .

ويرد عليه أنّه لم يدلّ دليل على سببيّة الإلقاء للضمان ، ومن الواضح افتقار السببية إلى جعل الشارع وقيام الدليل . وقد حقّقنا في الأصول أنّ الأحكام الوضعيّة بأجمعها مجعولة للشارع ، غاية الأمر أنّ تعلّق الجعل ببعضها ربّما يكون بجعل منشأ انتزاعه ، وإن كان يمكن فيه الجعل مستقلاًّ أيضاً .

وبالجملة: اقتضاء الإلقاء بمجرّده للضمان وسببيّته له لم يدلّ عليه دليل بوجه ، فلا مجال لما في المسالك .

مضافاً إلى أنّ الظاهر أنّ مراده من المسقط هو المانع ، وعليه لا يحكم بترتّب المقتضى ـ بالفتح ـ مع إحراز المقتضي ـ بالكسر ـ والشكّ في وجود المانع .

(1) قواعد الأحكام: 2 / 279 .

(2) مسالك الأفهام: 15 / 73 .


36

ويظهر من كاشف اللّثام في وجه ترديد القواعد في الحكم بالدية ما يجري في القصاص أيضاً . قال: «ومبنى الوجهين على تعارض ظاهرين وأصلين ، فإنّ الظاهر من حال الإنسان أنّه لا يتخاذل عن الخروج حتى يحترق ، وظاهر النار المفروضة سهولة الخروج عنها ، وأنّه لا يحترق بها إلاّ من تعمّد اللّبث فيها ، والأصل براءة الذمّة ، والأصل عدم الشركة في الجناية(1) .

ويرد عليه ـ مضافاً إلى المناقشة في مثل أصالة عدم الشّركة في الجناية ، فإنّ الشركة فيها ليست لها حالة سابقة وجودية أو عدميّة، مع أنّ هذا الأصل لا يثبت استقلال المُلقى، إلاّ على القول بالأصل المثبت الذي هو على خلاف التحقيق ، وأنّ الشك ليس في الشركة وعدمها ، بل في استقلال المُلقى في الجناية واستقلال المطروح في النار فيها ، فالترديد إنّما هو في استقلال المُلقى أو المطروح ـ أنّ ما هو العمدة في الحكم بعدم القصاص هو عدم إحراز موضوع الحكم بالقصاص ، وهو قتل العمد ، فإنّه مع احتمال كون الموت ناشئاً عن البقاء الإختياري في النار ـ ومعه لا يستند الموت إلى المُلقى بوجه ـ يشك في استناد القتل إليه وصدوره منه ، ومع الشك في صدور القتل منه وعدمه لم يحرز عنوان قتل العمد الّذي يعتبر فيه أوّلاً إضافة القتل إلى من يراد قصاصه ، ومع الشكّ في ذلك وعدم إحرازه لا يبقى مجال لترتيب الحكم بالقصاص.

فالعمدة في مبنى المسألة ما ذكرنا من عدم إحراز الموضوع والشك في تحقّقه ، ومنه يظهر أنّه كما لا وجه للقصاص في هذه الصورة التي هي فرض الشك ، لا وجه لثبوت الدية أيضاً ، لأنّ موضوعها هو القتل المضاف إلى من يراد أخذ الدية منه أو

(1) كشف اللثام: 2 / 441 .


37

مسألة 11 ـ لو ألقاه في البحر ونحوه فعجز عن الخروج حتّى مات ، أو منعه عنه حتى مات قتل به ، ومع عدم خروجه عمداً وتخاذلاً أو الشكّ في ذلك فحكمه كالمسألة السابقة ، ولو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فنّ السباحة فألقاه ثمّ تبيّن الخلاف ولم يقدر الملقي على نجاته لم يكن عمداً1.

مسألة 12 ـ لو فصده ومنعه عن شدّه فنزف الدّم ومات فعليه القود ، ولو فصده وتركه فإن كان قادراً على الشدّ فتركه تعمّداً وتخاذلاً حتى مات فلا قود ولا دية النفس ، وعليه دية الفصد ، ولو لم يكن قادراً فإن علم الجاني ذلك فعليه القود ، ولو لم يعلم فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً فمات فعليه القود ظاهراً ، وإن لم يقصده بل فصده برجاء شدّه فليس عليه القود ، وعليه دية شبه العمد2.

من عاقلته ، مع أنّ إضافته إليه مشكوكة كما هو المفروض . فالتحقيق يقتضي الحكم بعدم ثبوت الدية أيضاً ، كما في المتن .

1 ـ هذه المسألة مشتركة مع المسألة السابقة في الفروض الثّلاثة ، التي عرفت ثبوت القصاص في الفرض الأوّل وعدم ثبوت القصاص ولا الدية في الفرضين الآخرين ، وتشتمل على فرض رابع وهو: صورة اعتقاد المُلقي قدرة المُلقى على الخروج ، لكونه من أهل فنّ السباحة ، ثم تبيّن الخلاف بعد الإلقاء ، ولم يقدر المُلقي حينئذ على نجاته . والظاهر عدم كونه عمداً ، لأنّ المفروض عدم قصد القتل وعدم كون العمل مؤثراً في القتل بحسب اعتقاد المُلقي . وقد مرّ اعتبار العلم بذلك في تحقّق عنوان العمد ، فلا مجال للقصاص ، بل عليه الدية لكونه شبه العمد .

2 ـ أمّا ثبوت القود في الفرض الأوّل ، فلثبوت قتل العمد المتحقّق بمجموع


38

مسألة 13 ـ لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً ، فإن كان ذلك ممّا يقتل به

الفصد والمنع عن الشدّ اللّذين هما فعلان اختياريان للفاصد ، وأمّا عدم ثبوت القود ولادية النفس في الفرض الثاني فلاستناد الموت إلى النزف الناشئ عن عدم الشدّ مع القدرة عليه وتركه تعمّداً وتخاذلاً ، وليس عدم الشدّ مماثلاً لترك المعالجة الذي قد عرفت الإتفاق على الضمان فيه ، وذلك لأنّ شدّة النزف ودوامه سبب للموت ومقتض له ، لا أصل الفصد بمجرده ، بخلاف ترك المعالجة الذي هو بمنزلة عدم المانع ، فالمقام إنّما هو كالبقاء في النار في المسألة المتقدّمة عمداً مع كون البقاء متفرّعاً على الإلقاء ، ولو لم يكن إلقاء لما اختار البقاء ، وهذا بخلاف ترك المعالجة كما لا يخفى . فلا قصاص ولا دية للقتل .

نعم لا إشكال في ثبوت دية الفصد ، لأنّ المفروض في أصل المسألة تحقّقه ظلماً وعدواناً ، كما في الإلقاء في البحر أو النّار ، أو منع الطعام أو الشراب ، أو مثلها في المسائل المتقدمة ، فإنّ المفروض في الجميع صورة تحقّق العمل بنحو العدوان والظلم المحرّم .

وأمّا ثبوت القود في الفرض الثالث ، فلأنّ عدم القدرة على الشدّ يوجب اتّصاف الفصد بكونه مؤثِّراً في القتل غالباً ، والمفروض العلم بذلك ، فلا إشكال في القصاص .

وأمّا التفصيل في الفرض الرابع ، وهو صورة عدم العلم بعدم القدرة الشامل لصورة الاعتقاد بالقدرة وصورة الشك فيها ، فلأنّ العمل حينئذ لا يكون مؤثِّراً في القتل على اعتقاده أو لم يحرز تأثيره فيه ، فاللاّزم أن يقال بأنّه إن كان العمل ناشئاً عن قصد القتل ولو رجاءً فهو عمد يوجب القصاص ، وإن لم يكن كذلك فلا قود ، بل الثابت هي دية شبه العمد ، كما هو ظاهر .


39

غالباً ولو لضعف المُلقى عليه لكبر أو صغر أو مرض فعليه القود ، وإلاّ فإن قصد القتل به ولو رجاءً فكذلك هو عمد عليه القود ، وإن لم يقصد فهو شبه عمد ، وفي جميع التقادير دم الجاني هدر ، ولو عثر فوقع على غيره فمات فلا شيء عليه لا دية ولا قوداً ، وكذا لا شيء على الّذي وقع عليه1.

1 ـ هنا فروع تعرّض المتن لاثنين منها:

الأوّل: ما لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً ، ولابدّ في ثبوت القصاص فيه من ملاحظة الأمرين المعتبرين في قتل العمد على سبيل منع الخلوّ ، وهما: قصد القتل بسببه ولو رجاءً; وكون العمل ممّا يقتل به غالباً ولو مع ملاحظة وصف المُلقى عليه من جهة الكبر أو الصغر أو المرض ، وملاحظة حال الملقي من جهة القوّة ومثلها ، وكيفية الإلقاء والوقوع عليه ، ومقدار العلوّ والارتفاع وغيرها من الاُمور التي لها مدخليّة . فإن تحقّق واحد من الأمرين يثبت القصاص ، وإلاّ فهو شبه عمد ، لكون نفس العمل مقصوداً يثبت فيه الدية على نفسه ، وفي جميع هذه الفروض الثلاثة يكون دم المُلقي الذي هو الجاني هدراً . والظاهر أنّه على تقدير موته وموت المُلقى عليه ينتفى موضوع القصاص ويثبت الدية في ماله ، كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى .

الثاني: ما لو عثر فوقع على غيره من دون اختيار فمات الغير أو مات هو نفسه أو ماتا معاً ، والظاهر عدم ثبوت شيء فيه ، لا دية ولا قوداً أصلاً . والوجه فيه عدم صدور فعل من الواقع ولا من الذي وقع عليه بوجه أصلاً ، لأنّ المفروض أنّه عثر قهراً ووقع كذلك ، فالموت مطلقا لا يكون مستنداً إلى واحد منهما حتى يتّصف بكونه عمداً أو شبه عمد أو خطأ . ويدلّ على ذلك مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة روايات متعدّدة:


40

مثل: رواية عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل وقع على رجل فقتله؟ فقال: ليس عليه شيء(1) . والظاهر أنّ المراد هو الوقوع من غير اختيار .

ورواية محمد بن مسلم ، عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال في الرجل يسقط على الرجل فيقتله ، فقال: لا شيء عليه . وقال: من قتله القصاص فلا دية له(2) .

ورواية أُخرى لعبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما؟ قال: ليس على الأعلى شيء ولا على الأسفل شيء(3) . والظاهر اتّحادها مع الرواية الأُولى ، وإن كان بينهما اختلاف .

ورواية ابن بكير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، في الرجل يقع على رجل فيقتله فمات الأعلى ، قال: لا شيء على الأسفل(4) . والظاهر أنّ المراد من قوله (عليه السلام) : «فيقتله» هو إرادة قتله ، وإن كان يبعّده أنّ مجرّد إرادة القتل مع عدم تحقّقه لا يترتّب عليه أثر من هذه الجهة.

الثالث: الذي لم يقع التعرّض له في المتن ، ما لو دفعه الغير و وقع على آخر وتحقّق موته أو موت الآخر أو كليهما ، والظاهر عدم ثبوت شيء من القصاص أو الدية على الواقع المدفوع ، وكذا على الآخر الذي وقع عليه ، لعدم تحقّق فعل منهما بوجه أصلاً ، لأنّ الدفع الموجب للوقوع إنّما هو عمل الدافع ، ولا ارتباط له بالآخرين أصلاً ، فلا مجال لثبوت شيء عليهما .

وأمّا الدافع ، فلابدّ في ثبوت القصاص عليه من ملاحظة تحقّق واحد من

(1) وسائل الشيعة: 19 / 40 ، أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 1 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 41 ، أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 2 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 41 ، أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 3 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 41 ، أبواب القصاص في النفس ب 20 ح 4 .


41

الأمرين المتقدّمين في ضابط الموجب للقصاص ، وأنّه هل يكون قاصداً لقتل المدفوع أو الآخر أو كليهما أو غير قاصد للقتل أصلاً ، وأنّ عمله هل يكون مؤثِّراً غالباً في قتل المدفوع أو الآخر أو كلاهما أو لا يكون ، فإذا كان في مورد تحقّق واحد من الأمرين يتحقّق الضمان ، أي القصاص . وربّما يتحقّق في أحدهما أحد الأمرين ، وفي الآخر الأمر الآخر ، ومع انتفاء كلا الأمرين في كلا الرجلين تثبت الدية .

غاية الأمر أنّ ثبوتها بالإضافة إلى الرجل الذي وقع عليه المدفوع إنّما هو من قبيل دية شبه العمد مع الالتفات إلى الوقوع عليه ، ومن قبيل دية الخطأ مع عدم الالتفات ، كما لا يخفى . هذا ما تقتضيه القاعدة ، وهنا روايات ربما يظهر من بعضها خلاف ذلك .

مثل: ما رواه المشايخ الثلاثة عن عبدالله بن سنان أو عنه وابن رئاب جميعاً ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل دفع رجلاً على رجل فقتله ، قال: الدية على الذي دفع على الرجل فقتله لأولياء المقتول . قال: ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه . قال: وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً(1) .

ومورد الحكم هو ما إذا علم أنّ الرجل دفع رجلاً على رجل آخر فقتله ، غاية الأمر أنّ الجواب الدالّ على ضمان الدية قرينة على عدم كون المراد من «قتله» هو إرادة قتله لثبوت القصاص في هذه الصورة ، كما أنّه يحمل على عدم كون الدفع مؤثِّراً في القتل غالباً لما ذكرنا ، فالمراد صورة تحقّق القتل من دون إرادة ومن دون كون الدفع مؤثِّراً فيه كذلك .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 41 ، أبواب القصاص في النفس ب21 ح 1 .


42

وعليه فلا مجال لما عن كشف اللّثام(1) من الحمل على أنّه لم يعلم إلاّ وقوعه ولم يعلم تعمّده ولا دفع غيره له ، وذلك لمخالفته لما هو صريح الرواية لدلالتها كذلك على عدم كون المفروض صورة الشك بوجه ، مع انّه على هذا التقدير لا وجه لثبوت الدية أيضاً ، لأنّه بعد احتمال كون الوقوع غير مستند إلى التعمّد ولا إلى دفع الغير لم يحرزموجب ضمان الدية ، فلا محيص عن حمل الرواية على ما هو ظاهرها ممّا ذكرنا .

نعم يبقى على الرواية حينئذ أنّه لا وجه لثبوت الدية على المدفوع أوّلاً ، لعدم استناد الدفع إليه بوجه ، خصوصاً مع ملاحظة ما ذكروه في كتاب الغصب: من أنّ الضمان من أوّل وهلة على المُكْرِه دون المُكْرَه بالفتح ، وإن كان قد أتلف هو المال ولكن بالاكراه ، فإذا لم يكن المُكْرَه بالفتح ضامناً مع استناد العمل إليه ففي المقام لا يكون المدفوع ضامناً بطريق أولى ، لعدم وقوع عمل منه في الخارج ، وعليه فلابدّ من حمل الرواية على التعبّد المخالف للقواعد .

ورواية الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره وتعقر دابته رجلاً آخر؟ قال: هو ضامن لما كان من شيء(2) .

ورواية أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل كان راكباً على دابّة فغشى رجلاً ماشياً حتّى كاد أن يوطئه ، فزجر الماشي الدابّة عنه فخرّ عنها ، فأصابه موت أو جرح؟ قال: ليس الذي زجر بضامن ، إنّما زجر عن نفسه(3) . وفي التعليل كلام يأتي .

(1) كشف اللثام: 2 / 441 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 42 ، أبواب القصاص في النفس ب 21 ح 2 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 42 ، أبواب القصاص في النفس ب 21 ، ح 3 .


43

مسألة 14 ـ لو سحره فقتل وعلم سببية سحره له فهو عمد إن أراد بذلك قتله ، وإلاّ فليس بعمد بل شبهه ، من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعيّة أو لا ، ولو كان مثل هذا السحر قاتلاً نوعاً يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به1.

1 ـ الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في أنّه هل يكون للسحر واقعيّة وحقيقة موضوعية أم لا؟ فيه خلاف ، فالمحكيّ عن الشيخ الطوسي (قدس سره)(1) أنّه لا حقيقة للسحر لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَد إِلاَّ بِإذنِ اللهِ(2) . وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّل إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعى(3) . وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَاسِ(4) . بل عن تبيانه: «كلّ شيء خرج عن العادة الجارية لا يجوز أن يتأتّى من الساحر ، ومن جوّز للساحر شيئاً من هذا فقد كفر ، لأنّه لا يمكنه مع ذلك العلم بصحّة المعجزات الدالّة على النبوّة ، لأنّه أجاز مثله من جهة الحيلة والسحر»(5) .

ولكنّه ذكر المحقّق في الشرائع (6): إنّ في الأخبار ما يدلّ على أنّ له حقيقة .

وذكر في الجواهر: بل فيها ما يدلّ على وقوعه في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله) حتّى قيل: إنّه سحر بحيث يخيّل إليه كأنّه فعل الشيء ولم يفعله ، وفيه نزلت المعوّذتان(7) .

والحقّ أنّه لا مجال لإنكار ثبوت الحقيقة للسحر في الجملة ، بمعنى تأثير بعض

(1) المبسوط: 7 / 260 ، الخلاف : 5 / 327 ـ 328 مسألة 14 .

(2) البقرة 2 : 102 .

(3) طه 20 : 66 .

(4) الأعراف 7 : 116 .

(5) التبيان: 1 / 374 ، بحار الأنوار: 63 / 3 .

(6) شرائع الإسلام : 4 / 973 .

(7) جواهر الكلام: 42 / 32 ـ 33 .


44

أقسامه واقعاً ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَارّينَ لا ينافيه ، لأنّه يجوز نفي الإضرار من كلّ مضرّ مع استثناء إذن الله ، فيقال : السمّ ليس بضارّ إلاّ بإذن الله ، فلا دلالة له على عدم تأثيره حقيقة ، خصوصاً مع وقوعه عقيب قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرءِ وَزَوجِهِ(1) الظاهر في تأثيره في التفرقة بين الزوجين حقيقة ، وأمّا اشتباهه مع المعجزة كما استدلّ به الشيخ في عبارته فيدفعه ـ مضافاً إلى أنّ السحر ليس أمراً خارقاً للعادة ، لأنّه علم خاص يوجب العمل به ، والاستفادة منه تحقّق بعض الآثار التكوينية ، ويحصل العلم بذلك لكلّ من تعلّمه ، كعلم الطّب الّذي يختصّ بخصوص من تعلّمه وصار عارفاً به ، وربّما يترتّب عليه بعض الآثار العجيبة سيّما في هذه الأزمنة التي بلغ مثله المرتبة العالية الكمالية ـ أنّ قاعدة اللطف التي اقتضت إرسال الرسل وإنزال الكتب تقتضي بيان حال ما ظاهره الإعجاز من حيث الصدق والكذب ، وقد أوجب الفقهاء ـ رضوان الله عليهم ـ تعلّم السحر على نحو الكفاية لغرض إبطال سحر مدّعي النبوّة الكاذبة .

ويؤيّد بل يدلّ على أنّ للسّحر واقعيّة ـ مضافاً إلى أنّه من السبع الموبقات في عداد الشّرك بالله كما في بعض الروايات(2) ـ ما يدلّ على ترتّب حدّ القتل عليه ، فإنّ ترتّب حدّ القتل لا يناسب مع الأمر الذي لا يكون له واقعية أصلاً ، بل يكون تخييلياً محضاً ، بل في بعض الروايات ترتّب حدّ القتل على مجرّد تعلّمه وإن لم يعمل شيئاً ، كما تقدّم في كتاب الحدود(3) .

نعم لا مجال لإنكار كون بعض أقسامه تخييلياً غير واقعي ، وعليه فيصير

(1) البقرة 2 : 102 .

(2) وسائل الشيعة: 11 / 261 ، أبواب جهاد النفس ، ب 46 ح34 .

(3) تفصيل الشريعة ، كتاب الحدود : 328 .


45

السّحر كما في الجواهر ذات قسمين(1) .

المقام الثاني : في أنّه لو قلنا بأنّ للسّحر واقعيّة لو تحقّق السّحر وصار سبباً لقتل المسحور ، فإن كان مقروناً بقصد القتل من الساحر أو كان سحره ممّا يؤثِّر في القتل غالباً يتحقّق قتل العمد الموجب للقصاص ، ويعرف تأثيره فيه كذلك ، إمّا من ناحية إقرار السّاحر ، وإمّا من طريق البيّنة العارفة بذلك ، ولا يختصّ بالإقرار كما يظهر من صاحب المسالك(2) ، ومع عدم الأمرين يتحقّق شبه العمد مع عدم الإشتباه في المسحور والخطأ مع الاشتباه ، غاية الأمر أنّ إقراره بالخطأ لا يؤثِّر في ثبوت الدية على العاقلة لأنّه إقرار على الغير .

وأمّا لو لم نقل بأنّ للسّحر واقعيّة فقد ذكر في الشرائع: أنّه لو سحره فمات لم يوجب قصاصاً ولا دية(3) . ولكن الظاهر أنّه على تقدير هذا القول لا مجال لإنكار تأثير السحر في الموت ، ولو من جهة التخييل وإرائة غير الواقع بصورة الواقع الموجب لتحقّق الخوف المستلزم للموت ، ولا ينحصر سبب الخوف بالأمر الواقعي الحقيقي .

والعجب من صاحب الجواهر حيث اعترض على مجمع البرهان(4) الظاهر فيما ذكرنا ، بأنّه بناء على أنّه لا حقيقة له لا يؤثّر شيئاً حتّى الخوف(5) ، فإنّه يقال عليه: إنّه على تقدير عدم تأثيره في الخوف ولو من ناحية التخييل فأيّ فائدة يترتّب على

(1) جواهر الكلام : 42 / 33 .

(2) مسالك الأفهام: 15 / 77 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 973 .

(4) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 167 ـ 168 .

(5) جواهر الكلام : 42 / 34 .


46

مسألة 15 ـ لو جنى عليه عمداً فسرت فمات ، فإن كانت الجناية ممّا تسري غالباً فهو عمد ، أو قصد بها الموت فسرت فمات فكذلك ، وأمّا لو كانت ممّا لا تسري ولا تقتل غالباً ولم يقصد الجاني القتل ففيه إشكال ، بل الأقرب عدم القتل بها وثبوت دية شبه العمد1.

هذا العمل ، الذي له سابقة تاريخية ومتداول بين العقلاء ، سيما غير الملتزمين منهم بالأديان والمذاهب ، فإنّ الأمر الذي لا يترتّب عليه فائدة لا معنى لأن يكون رائجاً شائعاً بين العقلاء ، فلا محالة يكون له تأثير في الخوف ومثله ، ولو لأجل التخييل وإرائة غير الواقع بصورة الواقع .

فالإنصاف أنّه على هذا التقدير أيضاً يثبت القصاص مع تحقّق أحد الأمرين المعتبرين في موجبه على سبيل منع الخلوّ ، كما أُفيد في المتن .

ثم إنّ ما ذكر في السحر يجري في مثله من الأسباب غير المتعارفة كالعين والدّعاء والحسد ونحو ذلك ، فإنّه لو علم سببية مثله للموت وتحقّق فيه أحد الأمرين المعتبرين في موجب القصاص يتحقّق القصاص على وفق القاعدة ، وإن لم يتعارف التضمين في هذه الأسباب .

ثم إنّه قد يجتمع على الساحر حدّ القتل الذي هو من حقوق الله والقصاص الذي هو من حقوق الناس ، والظاهر تقدّم الثاني على الأوّل ، نعم لو عفى عنه أولياء المقتول أو أخذوا الدّية منه يقتل حدّاً ، كما في سائر الموارد .

1 ـ لا إشكال بملاحظة ما تقدّم من الضّابط في موجب القصاص في ثبوته في الفرضين الأوّلين; لتحقّق القصد في أحدهما ، والتأثير في القتل غالباً في الآخر . إنّما الإشكال في الفرض الثالث ، ومنشأه ما ذكره في محكيّ كشف اللّثام بعد استظهار


47

مسألة 16 ـ لو قدّم له طعاماً مسموماً ممّا يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به ، فلو لم يعلم الحال فأكل ومات فعليه القود ، ولا أثر لمباشرة المجنيّ عليه ، وكذا الحال لو كان المجنيّ عليه غير مميّز ، سواء خلطه بطعام نفسه وقدّم إليه ، أو أهداه ، أو خلطه بطعام الآكل1.

الإتّفاق عليه ، من أنّ إطلاقهم يشمل كلّ جراحة قصد بها القتل أم لا ، كانت ممّا تسري غالباً أم لا(1) .

وعليه فيحتمل ثبوت الإتفاق في هذا الفرض أيضاً ، ولكنّه حيث لم يثبت الإطلاق خصوصاً مع كون الإجماع من الأدلّة اللّبيّة التي يقتصر فيها على القدر المتيقّن فالأقرب عدم ثبوت القصاص فيه ، بل فيه دية شبه العمد .

1 ـ إلى هنا كان العنوان المشترك بين المسائل المتقدّمة هو انفراد الجاني بالتسبيب ، ومن هنا يتبدّل العنوان ويصير هو التسبيب المنضمّ إليه مباشرة المجني عليه ، بحيث لو لم تتحقّق المباشرة من ناحيته لما كان يمكن تحقّق الجناية المؤثرة في القتل .

وكيف كان ففي مفروض المسألة ـ التي يكون المقدِّم للطّعام إمّا قاصداً للقتل بتقديم الطّعام ، وإمّا عالماً بكون الطعام المقدَّم إليه مؤثِّراً في القتل غالباً ـ إذا كان الآكل جاهلاً بالحال فأكلومات يتحقّق قتل العمد من ناحية المقدِّم، فعليه القصاص ولا أثر للأكل الاختياري الصادر من المجنيّ عليه; لأنّ استناد القتل في هذا الفرض إنّماهو إلى المقدِّم ، وحكم المباشرة يسقط بالغرور ، كما صرّح به المحقّق في الشرائع(2)

(1) كشف اللثام: 2 / 441 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 973 .


48

مسألة 17 ـ لو قدم إليه طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلاً ، فأكل متعمّداً وعن اختيار فلا قود ولا دية ، ولو قال كذباً: إنّ فيه سمّاً غير قاتل وفيه علاج لكذا ، فأكله فمات فعليه القود ، ولو قال : فيه سمّ وأطلق فأكله فلا قود ولا دية1.

خلافاً للشافعي(1) حيث حكي عنه أنّه اختار نفي القود ترجيحاً للمباشرة .

وبالجملة: لا خفاء في أنّ العرف والعقلاء يرون المقدِّم قاتلاً وأنّ القتل مستند إليه ، وحيث أنّه كان المفروض تحقّق أحد الأمرين في ضابطة العمد فلا محالة يثبت القصاص ، ومنه يظهر ثبوت القصاص فيما لو كان المجنيّ عليه غير مميّز بطريق أولى ، كما لايخفى .

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الفرع الأوّل: ما لو قدّم إليه طعاماً مسموماً وعلم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلاً فأكل متعمّداً وعن اختيار فلا ضمان فيه على المقدِّم ، لا بعنوان القصاص ولا بعنوان الدية ، لاستناد القتل في هذه الصورة إلى نفس الآكل ، ولا أثر للتقديم في هذه الجهة وإن كان لا يختار الآكل مع عدمه ، إلاّ أنّ اختياره مع وجوده يمنع عن الاستناد إلى غيره ، فهو كتقديم السكّين إلى من يريد قتل نفسه اختياراً ، فإنّ هذا العمل وإن كان يمكن أن يقال بحرمته وعدم المشروعية مع العلم بترتّب القتل عليه ، إلاّ أنّ الحرمة أمر وكونه القاتل أمراً آخر; لأنّه من الواضح عدم كون المقدِّم قاتلاً في المثال ، فكذا المقام .

ثمّ إنّه حكي عن مجمع البرهان للمقدس الأردبيلي أنّه قال: لو قدّم شخص إلى

(1) الأم: 6 / 43 ، المجموع: 20 / 49 ـ 50 .


49

غيره طعاماً مسموماً فأكله ذلك الغير عالماً بالسمّ وكونه قاتلاً ، لا شيء على المقدِّم من القصاص والدية ، لأنّه السبب القوي بل المباشر ، فهو القاتل نفسه لا غير ، وإن جهل أحدهما يكون المقدِّم قاتل عمد ، فعليه القصاص مع علمه بهما والدية عليه مع جهله بأحدهما(1) .

ويرد عليه ـ مضافاً إلى اضطراب عبارة الذيل الظّاهرة في ثبوت قتل العمد مع الدية أيضاً ، إلاّ أن يقال: بأنّ مراده الأعمّ من العمد ومن شبه العمد ـ أنّ الظاهر إنّ قوله: «وإن جهل أحدهما» له مصداقان : أحدهما العلم بكونه سمّاً والجهل بكونه قاتلاً نوعاً ، وثانيهما العلم بكونه قاتلاً مع الجهل بكون سببه السمّ الموجود فيه .

ومن الواضح إسناد القتل في المصداق الثاني إلى الآكل دون المقدِّم; لأنّ مجرّد العلم بكونه قاتلاً وإن لم يعلم سببه يكفي في عدم صحّة الإضافة إلى المقدِّم . إلاّ أن يقال بخروج هذا المورد عن كلامه كما لا تبعد دعويه . وأمّا المصداق الأوّل فيمكن المناقشة فيه أيضاً بأنّه مع احتمال كون السمّ الموجود فيه المعلوم عنده قاتلاً ، يمكن أن يقال: بأنّ إقدامه حينئذ على الأكل يوجب انتساب القتل إليه لا إلى المقدِّم .

وأمّا قوله في الذيل: «والدية عليه مع جهله بأحدهما» فالظاهر عدم تمامية الإطلاق فيه ، فإنّه يكون الثابت في بعض فروض الجهل هو القصاص لا الدية ، وفي بعض الفروض لا مجال لثبوت الدية أيضاً فضلاً عن القصاص ، نعم تثبت الدية فقط في بعض الفروض الاُخر .

أمّا ما كان الثابت فيه هو القصاص ، فإنّه لو كان المقدِّم جاهلاً بوجود السمّ في الطعام ، ولكنّه كان عالماً بكون الطعام مؤثِّراً في القتل غالباً ، ومع ذلك قدّم الطّعام

(1) مجمع الفائدة والبرهان: 13 / 385 .


50

إليه وفرض جهل الآكل بكلا الأمرين ، فالظّاهر فيه ثبوت القصاص ، لتحقّق الضابطة في قتل العمد فيه بعد ضعف المباشرة بالغرور وجهل الآكل ، والجهل بالسمّ لا تأثير له في ارتفاع هذا العنوان بوجه ، لأنّ الملاك هو العلم بتأثيره في القتل لا العلم بعنوانه .

كما أنّه لو كان جاهلاً بكون السمّ المعلوم له مؤثراً في القتل غالباً ولكنه كان التقديم مقروناً بقصد القتل ، فالظاهر بمقتضى ما ذكرنا ثبوت القصاص فيه أيضاً .

وأمّا ما لا مجال للحكم بثبوت الدية فيه أيضاً فهو ما إذا كان المقدِّم جاهلاً بكلا الأمرين وكان وضع السمّ في الطعام فعلاً لغيره ، أو كان الطعام صار مسموماً بسبب الفساد الناشيء من حرارة الهواء أو غيرها ، فإنّه مع جهل المقدِّم بهما وجهل الآكل أيضاً كما هو المفروض لا ترجيح للحكم باستناد القتل إلى المقدِّم بعد كونه مسبَّباً عن التقديم المقرون بالجهل والأكل كذلك ، لو لم نقل بأولويّة المباشر مع التساوي لكونه الجزء الأخير لتحقّق القتل .

فالمقام ـ كما في الجواهر(1) ـ نظير ما ذكروه من الحكم بعدم ضمان الدافع الجاهل لشخص إذا وقع في البئر المحفورة في الطريق عدواناً ، بل المقام أولى من ذلك ، لأنّ الدفع في المثال مؤثِّر في القتل من دون واسطة فعل اختياري من المقتول ، وفي المقام تكون الواسطة متحقّقة ، فإذا لم يضمن فيه فهنا لا يكون ضمان بطريق أولى .

ولا وجه لتنظير المقام بما ذكره جماعة من الأصحاب كالمحقّق(2) والعلاّمة(3)وجمع آخر من ثبوت الدية على من حفر بئراً في داره فدعا غيره فوقع في البئر ،

(1) جواهر الكلام : 42 / 37 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 1028 .

(3) قواعد الأحكام: 2 / 317 ، تحرير الأحكام: 2 / 266 .


51

وإن كان ناسياً ، للفرق بأنّ الحافر في المثال إنّما هو الفاعل للسبب وإن كان قد نسيه ، وفي المقام لم يتحقّق من المقدِّم مثله ، بل وقع عمل مقرون بالجهل ليس استناد القتل إليه بأولى من الإستناد إلى التناول الذي هو عمل الآكل كما عرفت .

ودعوى أنّ هذه الصورة خارجة عن مفروض كلام المحقّق الأردبيلي; لأنّ المفروض في كلامه صورة الجهل بأحد الأمرين وهذه صورة الجهل بكليهما ، مدفوعة بأنّ الظاهر أنّ مراده الجهل بأحد الأمرين أو كليهما ، وإلاّ يلزم عدم اشتمال كلامه على التعرّض لهذه الصورة بعد التعرّض لصورة العلم بهما وصورة الجهل بأحدهما . وبعبارة أُخرى ظاهر كلامه أنّ المراد بالجهل هو ما يقابل صورة العلم بكلا الأمرين ، فيشمل كلتا الصورتين ، فتدبّر .

وأمّا ما تثبت فيه الدية فهو غير الفرضين اللّذين ذكرنا ، كما إذا جهل بكون السمّ في الطعام مؤثِّراً في القتل ، ولم يكن قاصداً للقتل أيضاً ، فإنّ الظاهر فيه ثبوت الدية ، كما لايخفى .

الفرع الثاني: ما لو قال المقدِّم كذباً ـ أي مع علمه بخلافه ـ أنّ فيه سمّاً غير قاتل وفيه علاج لكذا ، فأكله فمات . وقد حكم في المتن بثبوت القصاص عليه ، والوجه فيه هو الوجه في ثبوته في المسألة السادسة عشر ، وهو ضعف المباشرة بسبب الغرور الناشئ عن التقديم المقرون بإظهار الكذب ، وإعلام أنّ فيه سمّاً غير قاتل ، مع علمه بكونه قاتلاً غالباً ، وليس مجرّد الإعلام بثبوت السمّ فيه رافعاً لاستناد القتل إليه عمداً ، بعد توصيفه بأنّه مداو ومعالج ، ولا يتحقّق فيه وصف القاتلية بوجه .

وبالجملة: اسناد القتل إليه عند العقلاء وكذا كونه من مصاديق قتل العمد ممّا لا خفاء فيه أصلاً .


52

مسألة 18 ـ لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً ، فإن قصد قتله ولو رجاء فهو عمد لو جهل الآكل ، ولو لم يقصد القتل فلا قود1.

مسألة 19 ـ لو قدّم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم فبان الخلاف لم يكن قتل عمد ولا قود فيه2.

الفرع الثالث: ما لو قال المقدِّم أنّ فيه سمّاً وأطلق ، فأكله فمات ، والحكم فيه كما في المتن أنّه لا قود فيه ولا دية . والوجه فيه عدم تحقّق الغرور الموجب لضعف المباشرة ، فإنّه مع الإعلام باشتمال الطّعام على السمّ واحتمال الآكل كون السمّ قاتلاً لا يستند القتل إلاّ إلى المباشر ، ولا يكون من ناحية المقدِّم ما يوجب الضعف ، ولا يجب عليه شرعاً توصيف السمّ بكونه قاتلاً وإن كان ذلك معلوماً له ، فليس المقدِّم قاتلاً أصلاً حتى يتّصف قتله بالعمد أو بغيره ، فلا يكون في البين ضمان مطلقاً .

1 ـ الوجه في هذه المسألة في كلا فرضيها واضح ، لثبوت ضابطة قتل العمد مع قصد القتل ولو رجاءً ، وعدم ثبوتها مع عدمه بعد كون المفروض أنّ السمّ لا يقتل بحسب الغالب .

2 ـ الوجه في عدم ثبوت قتل العمد الموجب للقصاص في هذا الفرض ما مرّ في تعريف الموجب من لزوم وقوع القتل بنحو العدوان ، وبعبارة أُخرى تجب أن تكون النفس معصومة ، فإذا اعتقد عدم كونها كذلك وأنّها مهدورة الدم لا مجال لثبوت القصاص ، وقد مر نظيره في بعض مسائل المرتدّ(1) ، وذكرنا هناك أنّ مقتضى مسألة

(1) تفصيل الشريعة ، كتاب الحدود : 560 ـ 561 .


53

20 ـ لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله صاحب المنزل من غير علم به ، فمات فعليه القود لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل ، وأمّا لو جعله بقصد قتل كلب مثلاً فأكله صاحب المنزل فلا قود ، بل الظاهر أنّه لا دية أيضاً ، ولو علم أنّ صاحب المنزل يأكل منه فالظاهر أنّ عليه القود1.

القاعدة عدم ثبوت القصاص . نعم الظاهر كما يشعر به عبارة المتن هنا ووقع التصريح به في تلك المسألة ثبوت الدية عليه ، لعدم بطلان دم محقون الدّم ، غاية الأمر أنّ اعتقاد خلافه يرفع القصاص .

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الأوّل: ما لوجعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله من غير علم فمات ، وكان المقصود من الجعل قتل صاحب المنزل . هكذا عنون في المتن . والظاهر أنّه ليس المراد من السمّ المفروض إلاّ ما كان قاتلاً غالباً ، وعليه فيظهر من المتن ثبوت كلتا الضابطتين لقتل العمد ، وهما : قصد القتل وكون السمّ قاتلاً غالباً في هذا الفرع . مع أنّ الظاهر أنّ المفروض في كلمات الأصحاب وجود إحداهما . ويمكن أن يكون قوله في الذيل: «ولو علم» قرينة على خلاف ما هو ظاهر الصدر من اعتبار كلتيهما .

وكيف كان فقد حكى المحقّق في الشرائع عن الشيخ في الخلاف(1) والمبسوط(2)ثبوت القود في هذا الفرع ، وقال بعده: «وفيه إشكال»(3) ، والوجه في ثبوت القود ما مرّ في مثله من ضعف المباشرة بالغرور ، واستناد قتل العمد إلى الجاعل ، وعدم

(1) الخلاف: 5 / 171 مسألة 32 .

(2) المبسوط : 7 / 46 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 973 .


54

كون التقديم الموجب للقصاص في بعض المسائل المتقدّمة له موضوعية وخصوصية ، فأيّ فرق بين المقام وبين صورة التقديم؟

هذا ، مضافاً إلى ما في محكيّ مجمع البرهان: من أنّه لو لم يكن مثل هذا موجباً [للقود] للزم منه وجود قتل كثير من عدم القصاص(1) .

والوجه في استشكال المحقّق هو قوّة المباشرة وعدم كون الأكل إلاّ صادراً عن الاختيار ، والمفروض أنّه لا يكون في البين تقديم للطعام . ولكنّ الظّاهر ما ذكرنا من أنّه لا موضوعية للتقديم ، والملاك هو استناد القتل العمدي إلى الجاعل المتحقّق في المقام ، نعم بناء على عدم ثبوت القصاص لا مجال للإشكال في ثبوت الدية على الجاعل بوجه ، لما مرّ من أنّه «لا يبطل دم امرئ مسلم»(2) .

الثاني: ما لو جعله بقصد قتل كلب مثلاً ، مع عدم العلم بأنّ صاحب المنزل يأكل منه ، ولكنّه أكله صاحب المنزل فمات ، وقد حكم فيه في المتن بأنّه لا قود فيه ، واستظهر عدم ثبوت الدية أيضاً . والوجه فيه عدم استناد القتل إلى الجاعل بوجه ، ولكنه يتمّ في صورة العلم بعدم أكل صاحب المنزل منه ، وأمّا في صورة الاحتمال كما إذا كان الطعام بكيفية وفي محلّ يمكن أن يأكل منه صاحب المنزل لعدم عروض الفساد عليه وكونه بمرئى ومنظر منه ، فالحكم فيه محل اشكال . ومجرّد عدم كون المقصود إلاّ قتل الكلب مثلاً لا يوجب عدم استناد القتل إليه ، فلا أقلّ من ثبوت الدية لو لم نحكم فيه ثبوت القود ، فتدبّر .

الثالث: الفرض الثاني مع العلم بأنّ صاحب المنزل يأكل منه، فالظاهرفيه ثبوت

(1) مجمع الفائدة والبرهان: 13 / 386 .

(2) وسائل الشيعة : 18 / 258 ، كتاب الشهادات ، ب24 ، ح1 . وج19/109 ، وكتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب6 ، ح1 .


55

مسألة 21 ـ لوكان في بيته طعام مسموم فدخل شخص بلا إذنه فأكل ومات فلا قود ولا دية، ولو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام فأكله بلاإذن منهوعدواناًفلا قود1.

القود كما في المتن لاستناد القتل إليه ، وكون السم مؤثّراً في القتل غالباً كما هو المفروض. فيتحقّق قتل العمد ، وقد مرّ أنّ الحكم بثبوت القود في هذه الصورة قرينة على عدم اعتبار كلا الأمرين في الفرض الأوّل ، وإلاّ يلزم التهافت ، كما لايخفى .

1 ـ الوجه في عدم ثبوت الضمان قوداً ودية في الفرض الأوّل أنّ الآكل متعدّ بالدخول بلا اذن والأكل من الطعام ، والظاهر ثبوت الحكم حتى مع العلم بدخول الشخص كذلك وأكله من الطعام ، فإنّ مجرّد العلم بذلك لا يوجب أن يستند القتل إليه ، بداهة أنّ العرف لا يرون استناد القتل إلاّ إلى الداخل الآكل . والفرق بين هذا الفرض وبين الفرع الثالث في المسألة المتقدّمة واضح ، لأنّ المفروض فيه جعل السمّ في الطعام الذي هو لصاحب المنزل ، فإذا علم بأنّه يأكل منه يتحقّق قتل العمد ولو لم يقصد قتله أصلاً . وأمّا المفروض هنا دخول الآكل بلا إذن وأكله كذلك ، فالعلم بذلك لا يوجب الاستناد إليه أصلاً .

بل في الجواهر: لو قصد قتله بذلك لم يكن عليه شيء ، مثل أن يعلم أنّ ظالماً يريد هجوم دار ، فيترك السم في الطعام ليقتله ، مع فرض توقف دفعه على ذلك(1) .

ويرد عليه إنّ عدم ثبوت شيء عليه في المثال إنّما هو لتوقّف دفعه على ذلك ، والمفروض كونه ظالماً يريد الهجوم ، وهذا لا يلازم نفي الضمان مطلقاً فيما إذا كان الغرض من دخوله غيرالمشروع مجرّدالأكل من طعامه ، كما لو فرض اطّلاعه على أنّ لصاحب البيت ضيوفاًفدخل هومعهموفرض أنّ الطعام الذي صارباختياره مسموماً،

(1) جواهر الكلام: 42 / 39 .


56

مسألة 22 ـ لو حفر بئراً ممّا يقتل بوقوعه فيها ودعا غيره الذي جهلها بوجه يسقط فيها بمجيئه ، فجاء فسقط ومات فعليه القود ، ولو كانت البئر في غير طريقه ودعاه لا على وجه يسقط فيها ، فذهب الجائي على غير الطريق فوقع فيها لا قود ولا دية1.

فأراد صاحب المنزل قتله بذلك ، فالظّاهر أنّ الحكم بنفي الضمان فيه مشكل جدّاً .

وأمّا الحكم بعدم ثبوت القود بل الدّية ـ كما هو ظاهر المتن وإن لم يقع التصريح بنفي الدية في الفرض الثاني ـ فالوجه فيه: أنّه أيضاً يكون متعدّياً بالأكل وإن كان الدخول مجازاً ، بل عن كشف اللّثام(1) تعميم الحكم لمن يجوز له الأكل من بيوتهم وهم الطوائف المذكورون في الآية الشريفة(2) ، ولكنّه محلّ نظر كما في الجواهر(3) ; لعدم تحقّق التعدّي في هذه الصورة .

1 ـ الحكم بثبوت القود في الصّورة الأولى إنّما هو لتحقّق موجبه وهو قتل العمد ، لأنّه بعد فرض كون البئر المحفورة ممّا يقتل الوقوع فيها بحسب الغالب ، وكون حفرها في الطريق الذي يسلكه مثل المدعوّ نوعاً بنحو يتحقّق السقوط فيها لا محالة مع الجهل بها ، فالقتل يكون مستنداً إلى الحافر ، لأنّ عمله المشتمل على الخصوصيات المذكورة لا يقصر عن تقديم الطعام المسموم إلى الآكل الذي تقدّم ثبوت القود فيه ، والعمدة ثبوت الاستناد وتحقّق ضابطة وصف العمد الّتي تقدّمت .

وأمّا الصورة الثانية فظاهر الجواهر(4) ثبوت الدية فيه ، واستظهر من إطلاق

(1) كشف اللثام: 2 / 442 .

(2) النور 24 : 61 .

(3 و 4) جواهر الكلام : 42 / 39 .


57

مسألة 23 ـ لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمّيّ مجهز بحيث يستند القتل إليه لا إلى الجرح لا قود في النفس ، وفي الجرح قصاص إن كان ممّا يوجبه ، وإلاّ فأرش الجناية ، ولو لم يكن مجهّزاً لكن اتّفق القتل به وبالجرح معاً سقط ما قابل فعل المجروح ، فللوليّ قتل الجارح بعد ردّ نصف ديته1.

عبارة الشرائع ثبوت القود ، مع أنّ التأمّل فيها يقضي بعدم تعرّضها إلاّ للصورة الاُولى ، حيث قال: «لو حفر بئراً بعيدة في طريق ودعا غيره مع جهالته ، فوقع فمات ، فعليه القود لأنّه ممّا يقصد به القتل غالباً»(1) .

فإنّ المراد من الطريق هو الطريق الذي يسكله المدعوّ معمولاً ، والمفروض كون البئر بعيدة عميقة من جهة ، وكون المدعوّ جاهلاً من جهة أُخرى .

هذا ، مضافاً إلى أنّ التعليل المذكور في العبارة لا ينطبق إلاّ على الصورة الأُولى ، لعدم تحقّق القتل إلاّ بهذه الكيفية ، كما لايخفى .

والظّاهر عدم ثبوت الدية أيضاً ، لعدم استناد القتل في الصورة الثانية إلى الحافر أصلاً ، لأنّ حفر البئر في غير الطريق المسلوك بحسب المتعارف لا يوجب الاستناد ، ولو مع فرض جهل المدعوّ ، لأنّ الجهل لا يلزم أن يكون مستنداً بغيره .

فالظاهر حينئذ ما في المتن ، وإن كان يظهر من الجواهر(2) أنّه القدر المتيقّن من الضمان في المقام ، فتدبّر .

1 ـ الظّاهر أنّ المفروض في هذه المسألة صورة الجرح لا بقصد القتل ، بل كان

(1) شرائع الإسلام: 4 / 973 .

(2) جواهر الكلام : 42 / 39 .


58

المقصود مجرّد تحقّق الجرح . فما في بعض الكلمات(1) من التقييد بصورة قصد القتل خارج عمّا هو المفروض في كلمات الأصحاب ، وما هو محطّ البحث في هذه المسألة .

فنقول: إنّ الجرح يتصوّر فيه فروض ثلاثة:

الأوّل: ما فرضه في المسالك من قوله: إن كان الجرح الأوّل متلفاً وقد انتهى المجروح إلى حركة المذبوح فالأوّل هو القاتل(2) . ومرجعه إلى عدم كون التداوي مؤثِّراً ومانعاً عن تحقّق التلف ، بل كان الجرح سبباً تامّاً لتحقّق التلف . ولا إشكال في ثبوت القود في هذا الفرض ، لكون الفعل مؤثِّراً في القتل وإن لم يقصد القتل ، كما هو المفروض .

الثاني: ما لو كان المؤثِّر في القتل هو التداوي بدواء سمّي مجهز ، ولم يكن الجرح مؤثِّراً فيه بوجه ، ولا خفاء في عدم ثبوت القصاص في النفس هنا بعد عدم استناد القتل إلاّ إلى ذلك الدواء ، وتفرّع التداوي به على الجرح لا يوجب الاستناد إلى الجارح ، وأمّا القصاص في الطرف فيثبت إن كان في الجرح قصاص ، وإلاّ فأرش الجناية .

الثالث: ما لو كان القتل مسبَّباً عن الجرح والتداوي بذلك الدواء معاً ، والظاهر فيه ثبوت القصاص كما في جميع موارد الشركة في القتل ، ومرجعه إلى أنّ المراد من الضابطة المذكورة في قتل العمد بملاحظة تأثير الفعل في القتل غالباً ليس هو التأثير بنحو الانفراد والاستقلال ، وإلاّ يلزم عدم ثبوت القصاص في موارد الشركة أصلاً; لأنّ القتل فيها لا يكون مستنداً إلى عمل كلٍّ من الشريكين مثلاً ، بل إلى مجموع

(1) مباني تكملة المنهاج: 2 / 9 مسألة 10 .

(2) مسالك الأفهام: 15 / 79 .


59

مسألة 24 ـ لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه ، فقتله السباع فهو قتل عمد عليه القود ، وكذا لو ألقاه إلى أسد ضار فافترسه إذا لم يمكنه الاعتصام منه بنحو ولو بالفرار ، ولو أمكنه ذلك وترك تخاذلاً وتعمّداً لا قود ولا دية ، ولو لم يكن الأسد ضارياً فألقاه لا بقصد القتل ، فاتّفق أنّه قتله لم يكن من العمد ، ولو ألقاه برجاء قتله فقتله فهو عمد عليه القود ، ولو جهل حال الأسد فألقاه عنده فقتله فهو عمد إن قصد قتله ، بل الظاهر ذلك لو لم يقصده1.

العملين ، فالمراد هو التأثير فيه نوعاً ولو لم يكن بنحو الاستقلال . والمقام من هذا القبيل ، كما أنّ الخصوصية الموجودة في موارد الشركة من جهة التنصيف مثلاً موجودة هنا ، فلا يلاحظ نسبة التأثير ، بل إذا كان هناك شخصان يحسب النصف على كلّ واحد منهما ، ولو كان مقدار تأثير عمله أزيد أو أقل .

وعليه فإذا أراد الولي في المقام القصاص يجب عليه أن يردّ نصف الدية ، كما أنّه إذا أراد أخذ الدية لا يجوز له إلاّ أخذ نصف الدية ، كما في سائر المقامات .

1 ـ هذه المسألة شروع في البحث عن عنوان ثالث من الجناية الموجبة لتحقّق الموت ، وهو ما لو انضمّ إلى عمل الجاني فعل من الحيوان ، وصار ذلك موجباً لتحقّق القتل ، فالإلقاء من الجاني والإفتراس من السبع الضاري مثلاً . وعليه فلو ألقى إنساناً في مسبعة كزبية الأسد ونحوه فقتله سبع من السباع فهو قتل عمد ، لاستناد القتل إلى الملقي ، وكون الحيوان المباشر بمنزلة الآلة كالسيف ونحوه ، وحيث يكون ذلك موجباً لتحقّق القتل غالباً فهو قتل العمد ، وإن لم يكن مقروناً بقصد القتل أصلاً .

وهكذا لو ألقاه إلى أسد ضار ولو لم يكن في مسبعة ، فإنّه مع العلم بكونه ضارياً


60

مسألة 25 ـ لو ألقاه في أرض مسبعة متكتّفاً ، فمع علمه بتردّد السباع عنده فهو قتل عمد بلا إشكال ، بل هو من العمد مع احتمال ذلك وإلقائه بقصد الافتراس ولو رجاء ، نعم مع علمه أو اطمئنانه بأنّه لا يتردّد السباع ، فاتّفق ذلك لا يكون من العمد ، والظاهر ثبوت الدية1.

مفترساً إذا جعل إنساناً في اختياره يستند القتل إلى الجاعل لا محالة . نعم لابدّ من التقييد بما إذا لم يمكنه الإعتصام منه بنحو ولو بالفرار ، فإنّه مع إمكانه وتركه تخاذلاً وتعمّداً يستند إلى التارك المتعمّد ، كالملقى في النار إذا اختار البقاء فيها تعمّداً ، على ما مرّ(1) .

وأمّا مع العلم بعدم كونه ضارياً وعدم قصد القتل ، فاتّفق أنّه قتله بعد الإلقاء ، لا يتحقّق قتل العمد ، بل هو شبه العمد عليه الدية . نعم لو كان في هذه الصورة قصد القتل فهو عمد لثبوت إحدى ضابطتيه .

وأمّا لو كان حال الأسد مجهولاً من جهة كونه ضارياً وعدمه ، فإن قصد قتله فلا خفاء في تحقّق العمد ، ومع عدمه فقد استظهر في المتن تحقّقه أيضاً . والوجه فيه أنّ احتمال عدم كونه ضارياً احتمال ينافيه طبع مثل الأسد من جهة الافتراس والسبعية ، فإنّ السباع من شأنها كذلك ، وإذا لم يكن بعض أفرادها ضارياً مفترساً فهو على خلاف الطبع الأوّلي ، وعليه ففي صورة الجهل بحاله يستند العرف والعقلاء القتل إلى الملقي ، فيتحقّق قتل العمد وإن لم يكن مقروناً بقصد القتل .

1 ـ أمّا ثبوت العمد مع العلم بتردّد السباع عنده ، فلوضوح كون التردّد المعلوم والتكتّف المانع عن الفرار ونحوه يوجب كون الفعل ممّا يؤثِّر في القتل غالباً ، وقد مرّ مسألة

(1) في ص33 .


61

26 ـ لو ألقاه عند السبع فعضّه بما لا يقتل به ، لكن سرى فمات فهو عمد عليه القود1.

أنّ الحيوان في مثله إنّما هو كالآلة غير المانعة عن استناد القتل إلى المُلقي العالم بذلك .

كما أنّه مع العلم أو الإطمئنان بعدم التردّد واتّفاق تردّد بعض السباع وقتله فهو ليس من العمد ، بل شبهه الذي تثبت فيه الدية عليه ، وأمّا في صورة احتمال التردّد فإن كان الإلقاء مقروناً بقصد الافتراس ولو رجاءً فلا إشكال في ثبوت العمد ، وأمّا مع عدم الإقتران به فيظهر من المتن عدم الثبوت . والفرق بين هذه الصورة وصورة الإحتمال المتقدّمة في المسألة السابقة التي استظهر المتن فيها ثبوت القود ما أشرنا إليه ، من كون احتمال عدم الإفتراس في الأسد ونحوه احتمالاً مخالفاً لما هو طبيعته الأوّلية ، فلا يترتّب عليه المنع من قتل العمد ، وهذا بخلاف هذه المسألة فإنّ احتمال عدم تردّد السباع لا ينافيه شيء حتّى لا يترتّب عليه أثر ، وكون المفروض في المسألة هي الأرض المسبعة ليس معناه هو اشتمالها على السبع قطعاً ، بل معناه هو احتمال الإشتمال الجامع لجميع فروض المسألة ، فتدبّر .

ويمكن أن يكون المراد هو الاشتمال القطعي ، لكنّه لا يلزم التردّد عند الملقي ، ولا مانع عن احتمال عدم التردّد ، ولا ينافيه شيء .

1 ـ الوجه في ثبوت العمد ما تقدّم من ضمان سراية الجرح ، فإنّ العضّ المتحقّق من السبع بمنزلة الجرح الصادر من الجارح ، بعد كون الحيوان بمنزلة الآلة غير المانعة عن استناد القتل إلى المُلقي ، وعليه فيجري فيه ما ذكرنا من ضمان سراية الجرح ، ولكنّه لابدّ من تقييده حينئذ ـ كما هناك ـ بما إذا كان العضّ مؤثِّراً في السراية غالباً ، أو كان في البين قصد القتل .


62

مسألة 27 ـ لو أنهشته حيّة لها سمّ قاتل بأن أخذها وألقمها شيئاً من بدنه فهو قتل عمد عليه القود ، وكذا لو طرح عليه حيّة قاتلة فنهشته فهلك ، وكذا لو جمع بينه وبينها في مضيق لا يمكنه الفرار ، أو جمع بينها وبين من لا يقدر عليه لضعف كمرض أو صغر أو كبر ، فإنّ في جميعها وكذا في نظائرها قوداً1.

مسألة 28 ـ لو أغرى به كلباً عقوراً قاتلاً غالباً فقتله فعليه القود ، وكذا لو قصد القتل به ولو لم يكن قاتلاً غالباً ، أو لم يعلم حاله وقصد ولو رجاء القتل فهو عمد2.

ويمكن أن يكون الوجه فيه هو أن نفس الإلقاء عند السبع مؤثِّراً في القتل غالباً ، غاية الأمر أنّ القتل قد يتحقّق بالإفتراس ، وقد يتحقّق بما ذكرنا ، وعليه فلايلزم التقييد المزبور .

1 ـ الوجه في ثبوت القصاص في الفروع المذكورة في هذه المسألة واضح ، بعد ملاحظة كون العمل مؤثِّراً في القتل غالباً ، وكون الحيّة القاتلة بمنزلة الآلة من دون فرق بين الانهاش والطرح والجمع ومثلها ، وقد عرفت مدخلية حال المجنيّ عليه من جهة القوّة والضعف في تحقّق العمد .

2 ـ الوجه في ثبوت القصاص في هذه المسألة أيضاً واضح ، لثبوت ضابطة قتل العمد التي هي كون العمل مؤثِّراً في القتل غالباً ، أو تحقّق قصد القتل ، ويظهر من المتن عدم تحقّق العمد في صورة الجهل بحال الكلب من جهة كونه قاتلاً غالباً وعدمه مع عدم قصد القتل . والوجه فيه ما أشرنا إليه من عدم كون الكلب كالأسد حتى يكون مقتضى طبعه الأوّلي الافتراس وكونه ضارياً ، وعليه فمجرّد احتمال


63

مسألة 29 ـ لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه فعليه القود ، ولو ألقاه في البحر ليقتله فالتقمه الحوت بعد الوصول إلى البحر فعليه القود ، وإن لم يكن من قصده القتل بالتقام الحوت بل كان قصده الغرق ، ولو ألقاه في البحر وقبل وصوله إليه وقع على حجر ونحوه فقتل فعليه الدية ، ولو التقمه الحوت قبل وصوله إليه فالظاهر أنّ عليه القود1.

كونه كذلك لا يوجب تحقّق قتل العمد إذا لم يقترن بقصد القتل .

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الأوّل: ما لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه ، بمعنى كون المقصود هو الإلقاء إلى الحوت الذي يكون قاتلاً بحسب الغالب ، ولا إشكال فيه في القود ، لكون العمل مؤثِّراً في القتل نوعاً ، وكون الحوت بمنزلة الآلة ، ولا فرق فيه بين صورة قصد القتل وعدمه .

الثاني: ما لو ألقاه في البحر بقصد قتله بالغرق ، فالتقمه الحوت بعد الوصول إلى البحر ، ويظهر من المتن ثبوت القود فيه جزماً ، كما أنّه يظهر من استظهاره ثبوت القود فيما لو التقمه الحوت قبل الوصول إلى البحر المناقشة فيه .

قال المحقّق في الشرائع: إذا ألقاه في البحر فالتقمه الحوت قبل وصوله فعليه القود ; لأنّ الإلقاء في البحر إتلاف بالعادة ، وقيل : لا قود لأنّه لم يقصد إتلافه بهذا النوع ، وهو قوي(1) .

وحكي عن الفاضل(2) التصريح بكون الأوّل عمداً ، والاستشكال في الثاني ، لوصوله قبله إلى المهلك .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 974 .

(2) قواعد الأحكام: 2 / 280 .


64

والوجه في ثبوت القود في الفرضين وإن كانا مختلفين بالظهور والخفاء ، ما أفاده المحقّق من أنّ الإلقاء في البحر إتلاف بالعادة ، سيّما مع كون المقصود هو تحقّق القتل به ، كما هو المفروض في هذه الفروع ، ومجرّد تعلّق القصد بكيفية خاصة غير متحقّقة ـ لأنّ المقصود هو القتل بالغرق لا بالتقام الحوت ـ لا يوجب الخروج عن قتل العمد ، بعد كون التقام الحوت أحد طرق القتل بالبحر . فهو كما لو ألقى من علو يقتل مثله فأصابته سكّين مثلاً فقتلته ، ولا مجال لتنظير المقام بما لو رمى من شاهق فاستقبله غيره فقدّه نصفين ، الذي سيأتي ثبوت القود فيه على القادّ لا الرامي ، لأنّ المباشر للقتل فيه هو القادّ ، فالقود عليه ، وهذا بخلاف المقام الذي يستند القتل إلى الملقي ، وإن لم يتحقّق القتل بالكيفية المقصودة له .

وبالجملة: لا فرق بين ما إذا كان التقام الحوت له بعد الغرق أو كان قبله ، كما مرّ أنّه لا فرق بين ما إذا كان الالتقام بعد الوصول إلى البحر أو كان قبل الوصول إليه .

الثالث: ما لو ألقاه إلى البحر وقبل وصوله إليه وقع على حجر أو نحوه فقتل ، أو كما في الجواهر(1) اختطفه طير ونحوه ممّا لا مدخلية له في التلف بالألقاء في البحر . وقد حكم فيه في المتن بثبوت الدّية ، وظاهره أنّه لا مجال للإشكال فيه ، وأنّه لا وجه للحكم بثبوت القود في هذه الصورة ، ولعلّ الوجه فيه أنّ القتل الواقع بمثل الحجر أو اختطاف الطير لا يرتبط عادة بالبحر ، فإنّ القتل الواقع بسببه إمّا بطريق الغرق أو التقام الحوت أو نحوهما . وعليه فما قد تحقّق من القتل بمثل الحجر لم يكن مقصوداً بوجه .

ولكنّه يمكن الإيراد عليه بأنّه بعدما كان المقصود هو القتل وفعل ما يوجب

(1) جواهر الكلام: 42 / 42 .


65

مسألة 30 ـ لو جرحه ثم عضّه سبع وسرتا فعليه القود لكن مع ردّ نصف الدية ، ولو صالح الوليّ على الدية فعليها نصفها إلاّ أن يكون سبب عضّ السبع هو الجارح فعليه القود ، ومع العفو على الدية عليه تمام الدية1.

مسألة 31 ـ لو جرحه ثمّ عضّه سبع ثمّ نهشته حيّة فعليه القود مع ردّ ثلثي الدية ، ولو صالح بها فعليه ثلثها ، وهكذا . وممّا ذكر يظهر الحال في جميع موارد اشتراك الحيوان مع الإنسان في القتل2.

تحققه يثبت القود ، وإن كان سبب القتل أمراً آخر غير مقصود بل ولا غير مترقّب ، فهو شبيه بالقتل بالسكين في المثال المتقدّم الذي عرفت ثبوت القصاص فيه ، فتدبّر.

1 ـ الوجه في ثبوت القود كون الجرح مؤثِّراً في القتل بالسراية ولو لم يكن مستقلاًّ في التأثير ، وقد عرفت أنّ مقتضى ثبوت القصاص في مورد الشركة عدم اعتبار الاستقلال في التأثير فيه ، والمقام أيضاً من هذا القبيل ، غاية الأمر كون الشركة بين الإنسان والحيوان ، وعليه فإذا أراد الوليّ القصاص فاللاّزم عليه ردّ نصف الدية ، واحتمال كون اشتراك الحيوان مع الإنسان يوجب ثبوت تمام الضمان على الإنسان; لعدم كون الحيوان ضامناً مدفوع بأنّ عدم ضمانه لا يستلزم كون الضمان بتمامه على الإنسان ، فلو صالح الوليّ على الدية لا يجب عليه إلاّ نصفها لا تمامها . نعم يتحقق الاستقلال ويخرج من الاشتراك ما لو كان سبب العضّ هو الجارح ، كما لو ألقي المجروح إلى سبع عضّه ، فإنّ الحكم فيه ثبوت القود بلا ردّ ، ومع المصالحة على الدية يجب تمامها .

2 ـ يظهر حكمه ممّا ذكر في المسألة السابقة . نعم ينبغي التنبيه على أنّ تعدّد


66

مسألة 32 ـ لو حفر بئراً ووقع فيها شخص بدفع ثالث فالقاتل الدافع لا الحافر ، وكذا لو ألقاه من شاهق وقبل وصوله إلى الأرض ضربه آخر بالسيف مثلاً فقدّه نصفين ، أو ألقاه في البحر وبعد وقوعه فيه قبل موته مع بقاء حياته المستقرّة قتله آخر ، فإنّ القاتل هو الضارب لا الملقي1.

الحيوان يوجب تعدّد الشركاء ، ولا مجال لحساب المجموع واحداً . نعم كما أنّه لا يلاحظ في موارد اشتراك أفراد الإنسان إلاّ عددهم ، ولا يحاسب مقدار تأثير أفعالهم قلّة وكثرة ، كذلك لا يلاحظ في المقام تعدّد العضّ والنهش ونحوهما ، بل الملاك أصل التأثير .

1 ـ ظاهر مسألة حفر البئر في كلمات الفقهاء ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ هو ما لو كان الحفر مأذوناً ومشروعاً ، ولم يكن غرض الحافر إلاّ مجرّد حفر البئر لبعض حوائجه ، لا قتل الغير ، كما أنّ المفروض صورة علم الدّافع بوجودها ، وأنّ دفعه دفع إلى البئر وموجب للوقوع فيها ، ولا شبهة فيه في أنّ القاتل هو الدافع لا الحافر، لأنّ عمله لاتأثير له إلاّ كتأثيرالشرط البعيدالذي لا يستند إليه الفعل بوجه.

هذا ، ولكن ظاهر المتن بملاحظة الفرعين المذكورين بعد فرع البئر ، أنّ المفروض ما لو كان قصد الحافر قتل المدفوع ، ولكنّه وقع الدفع بفعل الدافع فمات ، وكيف كان فلا خفاء في أنّ القود على الدافع العالم المختار; لاستناد القتل إليه ، والمفروض كون عمله قد أثّر في القتل ، وحفر البئر ولو كان مقروناً بقصد القتل ولكنّه لم يكن القتل مستنداً إلى الحافر ، فلا وجه لثبوت الضمان عليه . وقد مرّ في بعض المباحث السابقة(1) أنّه لو كان الدافع جاهلاً بوجود البئر وكان البئر محفورة

(1) مرّ في ص56 ـ 57 .


67

مسألة 33 ـ لو أمسكه شخص وقتله آخر وكان ثالث عيناً لهم فالقود على القاتل لا الممسك ، لكنّ الممسك يحبس أبداً حتّى يموت ، والربيئة تسمل عيناه بميل محمى ونحوه1.

عدواناً وبنحو غير مشروع يكون الضمان على الحافر ، لقوّة السبب في هذا الفرض ، بخلاف المقام . وممّا ذكرنا يظهر وجه الحكم في الفرضين الآخرين .

ثمّ إنّ هذه المسألة شروع في عنوان رابع في الجناية الموجبة لتحقّق الموت ، وهو ما لو كانت متحقّقة بانضمام إنسان آخر ، واحد أو متعدّد ، غير المجنيّ عليه ، وبعبارة أُخرى كان عمل أزيد من إنسان واحدمؤثِّراً في تحقّق الجنايةوالموت،كالحفر والدفع في المثال الأوّل ، والإلقاء والضرب في المثال الثاني ، والإلقاء والقتل في المثال الثالث.

1 ـ وجه ثبوت القود على القاتل دون الممسك مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة لاستناد القتل إليه دونه ، ما ورد من الروايات الدالّة عليه وعلى أنّ الممسك يحبس أبداً حتى يموت ، مضافاً إلى ما في الجواهر من قوله: بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بل عن الخلاف(1) والغنية(2) وغيرهما الإجماع عليه(3) .

وأمّا الرّوايات :

فمنها: صحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قضى علي (عليه السلام) في رجلين أمسك أحدهما وقتل الآخر ، قال: يقتل القاتل ، ويحبس الآخر حتى يموت غمّاً ، كما حبسه

(1) الخلاف: 5 / 174 مسألة 36 .

(2) غنية النزوع: 407 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 46 .


68

حتّى مات غمّاً . الحديث(1) .

ومنها: رواية سماعة قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل شدّ على رجل ليقتله ،

والرجل فارّ منه ، فاستقبله رجل آخر فأمسكه عليه حتّى جاء الرّجل فقتله ، فقتل الرجل الذي قتله ، وقضى على الآخر الذي أمسكه عليه أن يطرح في السجن أبداً حتى يموت فيه ، لأنّه أمسكه على الموت(2) .

والظاهر أنّ قتل الرجل القاتل إنّما كان بعنوان القصاص ، وعليه فالظّاهر اعتبار وجود الشرائط فيه التي منها اختيار وليّ المقتول .

وقد ورد في الممسك صحيحة حريز ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا يخلّد في السجن إلاّ ثلاثة: الذي يمسك على الموت ، والمرأة ترتدّ عن الإسلام ، والسارق بعد قطع اليد والرجل(3) .

وأمّا ما ورد في الربيئة التي معناها هو الناظر المراقب لأن يتحقّق القتل فهو رواية السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) : واحد منهم أمسك رجلاً ، وأقبل الآخر فقتله ، والآخر يراهم ، فقضى في صاحب الرؤية أن تسمل عيناه ، وفي الذي أمسك أن يسجن حتّى يموت كما أمسكه ، وقضى في الذي قتل أن يقتل . ورواه الصدوق بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) نحوه(4) ، وقد عمل بها الأصحاب ، بل في محكيّ الخلاف الإجماع عليه(5) ، والمراد من قوله:

(1) وسائل الشيعة: 19 / 35 ، أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 1 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 35 ، أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 2 .

(3) وسائل الشيعة: 18 / 550 ، أبواب حدّ المرتد ب 4 ح3 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 35 ، أبواب القصاص في النفس ب 17 ح 3 .

(5) الخلاف : 5 / 174 مسألة 36 .


69

مسألة 34 ـ لو أكرهه على القتل فالقود على المباشر إذا كان بالغاً عاقلاً دون المُكرِه ، وإن أوعده على القتل ، ويحبس الآمر به أبداً حتّى يموت ، ولو كان المُكرَه مجنوناً أو طفلاً غير مميّز فالقصاص على المُكرِه الآمر ، ولو أمر شخص طفلاً مميّزاً بالقتل فقتله ليس على واحد منهما القود ، والدّية على عاقلة الطفل ، ولو أكرهه على ذلك فهل على الرجل المُكرِه القود أو الحبس أبداً ، الأحوط الثاني1.

«تسمل» هو تفقأ أي تقلع بمثل الشوك ، ولكنّ الظاهر أنّه لا خصوصية فيه ، بل المراد هو العمل بعينيه بما يوجب العمى وانتفاء البصيرة ، فيجوز أن تكحل بمسمار محمىَ ونحوه .

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الأوّل: ما لو تحقّق الإكراه على القتل وكان كلّ من المُكرِه والمُكرَه بالغاً عاقلاً ، سواء توعّده بالقتل إن لم يقتله أو بغيره ، والحكم فيه عندنا نصّاً وفتوى هو ثبوت القصاص على المباشر دون الآمر ، ومن العامّة من نفي القود والدية عنهما ، ومنهم من حكم بثبوت القود على المُكرِه وحده . والمحكيّ عن الشافعي قولان: الاشتراك في الجناية وثبوت القصاص عليهما ، ومع العفو الدية نصفين ، وثبوت القود على المُكرِه ونصف الدية على المباشر ، وفي صورة العفو على المُكرِه نصف الدّية أيضاً(1) .

ويدلّ على ما ذكرنا ـ مضافاً إلى دلالة النّصوص عليه التي منها الرواية الآتية في حكم المكره ملاحظة ـ أمرين:

(1) راجع الأم: 6 / 41 ، والمجموع: 20 / 52 ، والمغني لابن قدامة 9 : 331 ، والخلاف: 5 / 167 مسألة 29 .


70

أحدهما: إنّ القتل مع الإكراه لا ينسب إلاّ إلى المُكرَه المباشر ، ولا يضاف إلاّ إليه ، والإكراه لا يوجب سلب الإضافة بعد صدور الفعل عن المُكرَه عن إرادة واختيار ، وترجيحه على الضرر المتوعَّد به من ناحية المُكرِه . ويدلّ عليه العرف والعقلاء واللغة أيضاً ، فكما أنّ الإكراه على شرب الخمر مثلاً لا ينافي الإسناد إلى المباشر والحكم بأنّه شارب الخمر ، كذلك الإكراه على القتل ، فالقاتل هو المباشر دون الآمر ، وهذا من الوضوح بمكان .

ثانيهما: إنّ حديث الرفع(1) وإن كان مشتملاً على رفع ما استُكرِهوا عليه ، ويدلّ على رفع الحكم التكليفي والوضعي المترتّب على العمل المُكرَه عليه مع قطع النظر عن الإكراه ، إلاّ أنّه لا يشمل الإكراه على القتل ، وإن توعّده بالقتل ، لما ورد في النص والإجماع من أنّه «إنّما جعلت التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقية»(2) بل قد ذكرنا في أوائل كتاب الحدود(3): إنّ إطلاق حديث الرفع لا يشمل كل محرَّم سوى القتل أيضاً ، ضرورة أنّه لا يكاد يسوغ بالإكراه والتوعّد بالضرر المالي مثلاً ـ وإن كان مضرّاً بحاله ـ الزنا ، خصوصاً إذا كان مقروناً بالإحصان ، ولا يخرج عن الحرمة مثل ذلك بمجرّد التوعيد بالإهانة الموجبة لهتك الحيثية وأشباههما .

وبالجملة: كما لا يسوغ قتل الشخص لأكله في المخمصة لأجل الاضطرار ، كذلك لا يجوز قتل الشخص لأجل الإكراه عليه ، فهو القاتل عمداً عدواناً ، والقود عليه لا على المُكرِه . نعم ورد في رواية صحيحة وجوب حبسه حتّى يموت ، وهي ما

(1) وسائل الشيعة: 11 / 295 ، أبواب جهاد النفس ب 56 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 11 / 483 ، كتاب الجهاد ، أبواب الأمر والنهي ب 31 ح1 و 2 .

(3) تفصيل الشريعة ، كتاب الحدود : 20 ـ 21 .


71

رواه المشايخ الثلاثة بطرق صحيحة عن زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل أمر رجلاً بقتل رجل فقتله ، فقال: يقتل به الذي قتله ، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتى يموت . وفي رواية الصدوق: أمر رجلاً حرّاً(1) .

وقال صاحب الجواهر (قدس سره) بعد نقل الرواية: ولا بأس بالعمل بها بعد صحّتها وعمل غير واحد من الأصحاب بها ، فما عساه يظهر من المتن من التوقف في ذلك في غير محلّه(2) .

أقول: لعلّ منشأ توقف المحقّق في الشرائع(3) وجود صحيحة حريز المتقدّمة الدالّة على انحصار التخليد في السجن في الثلاثة ، وهذا المورد ليس منها ، لأنّها عبارة عن الممسك على الموت ، والمرأة المرتدّة ، والسارق في المرّة الثالثة . وهي أيضاً رواية صحيحة لابدّ من ملاحظتها ، وهل يمكن الجمع بينهما بحمل الحصر فيها على الحصر الإضافي ، أو بحمل هذه الرواية على مجرّد الرجحان دون خصوص الوجوب ، والظّاهر استبعاد كلا الجمعين ، فإنّ الحصر الإضافي مع كون الاُمور الثلاثة المذكورة فيها غير مرتبطة وغير مجتمعة تحت جامع في غاية البعد ، كما أنّ الرجحان في باب الحدود والقصاص لا مجال له ولا يقاس بباب العبادات ، كما لايخفى ، فالإنصاف أنّ للتوقّف في المسألة مجالاً .

الثاني: ما لو كان المُكرَه غير مميِّز كالمجنون والطفل غير المميِّزين ، ولا خفاء في ثبوت القصاص في هذا الفرض على المكره الآمر ، لأنّ غير المميِّز بمنزلة الآلة بالإضافة إلى الآمر ، والقتل ينسب إليه لا إلى غير المميِّز ، فالقود عليه .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 32 ، أبواب القصاص في النفس ب 13 ح 1 .

(2) جواهر الكلام : 42 / 48 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 975 .


72

الثالث: ما لو كان المُكرَه طفلاً مميّزاً ، ويظهر من المتن أنّ فيه صورتين:

إحداهما: ما إذا كان في البين مجرّد الأمر الخالي عن الايعاد والتخويف المتحقّق في الإكراه .

ثانيتهما: ما إذا كان في البين الإكراه المشتمل على التخويف ، والظاهر أنّه لا مجال للإشكال في الصورة الأُولى في أنّه لا يثبت القود على واحد منهما; إمّا على الآمر فلعدم استناد القتل إليه بعد كون المباشر مميِّزاً ، وإمّا على المباشر فلعدم كونه بالغاً ، والبلوغ معتبر في القصاص . نعم حكي عن الشيخ في المبسوط(1) والنهاية(2)وابن البرّاج في المهذب(3) والجواهر(4) أنّه يقتصّ منه إن بلغ عشراً مستنداً إلى أنّه مقتضى عموم أخبار القصاص ، ويؤيّده ما دلّ على جواز عتقه وصدقته وطلاقه ووصيّته ، وحكي عن الوسيلة(5) أنّ المراهق كالعاقل ، وعن المقنع(6) والمقنعة(7)يقتصّ منه إن بلغ خمسة أشبار ، لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني : إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه ، وإذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضى بالدية(8) .

ولكن يرد على الأوّلين ما دلّ على رفع القلم عن الصبي حتّى يبلغ(9) ، وما دلّ

(1) المبسوط : 7 / 44 .

(2) النهاية: 761 .

(3) لم نعثر عليه .

(4) جواهر الفقه: 214 مسألة 744 .

(5) الوسيلة: 438 .

(6) المقنع : 523 .

(7) المقنعة: 748 .

(8) وسائل الشيعة: 19 / 66 ، أبواب القصاص في النفس ب 36 ح1 .

(9) وسائل الشيعة: 1 / 32 ، أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح11 .


73

مسألة 35 ـ لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلاّ قتلتك ، لا يجوز له القتل ولا ترفع الحرمة ، لكن لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله جاز قتله دفاعاً بل وجب ، ولا شيء عليه ، ولو قتله بمجرّد الإيعاد كان آثماً ، وهل عليه القود؟ فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه ، كما لايبعد عدم الدية أيضاً1.

على أنّ عمد الصبي وخطأه واحد ، أو أنّ عمد الصبي خطأ(1) ، والحكم بجواز مثل العتق والصدقة لا يستلزم الحكم بثبوت الحرمة التي لا يتحقّق موجب القصاص بدونها .

وأمّا الأخير ، فالرواية معرَض عنها لدى المشهور(2) ، فلا مجال للأخذ بها ، فالظّاهر حينئذ عدم ثبوت القصاص على الصبي ولو كان مراهقاً .

وامّا الصورة الثانية المشتملة على الإكراه ، فقد احتمل فيها في المتن ثبوت القود على المُكرِه بعد عدم ثبوته على المُكرَه لعدم البلوغ ، والحبس أبداً حتّى يموت ، ولكنّ الظاهر أنّه لا وجه للاحتمال الأوّل ; لأنّ عدم البلوغ لا يوجب استناد القتل إلى المُكرِه ، لأنّه لا فرق في هذه الجهة بين كون المُكرَه مميّزاً أو بالغاً ، ومع عدم الاستناد لا مجال لثبوت القصاص ، فالظاهر هو الاحتمال الثاني ، لو فرض ثبوت الحبس أبداً في الفرع الأوّل من فروع الإكراه .

1 ـ في هذه المسألة جهتان من البحث:

الأُولى: في أنّه على تقدير هذا القول هل يصير قتله مجازاً ومشروعاً ، أو أنّه لا يصير القتل بذلك مشروعاً . والظاهر أنّ هذا القول بمجرّده لا يوجب صيرورة

(1) وسائل الشيعة: 19 / 307 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 11 ح2 و 3 .

(2) راجع مسالك الأفهام: 15 / 87 وجواهر الكلام: 42 / 48 .


74

القتل جائزاً ، فإنّه إذا لم يشرع لنفسه أن يقتل نفسه ، لعدم كونه مسلَّطاً من قبل المالك الحقيقي على هذا النحو من التصرّف ، فلا وجه لأن يكون إذنه وطلبه موجباً لجوازه للغير ، فهذا القول بمجرّده لا يرفع الحرمة ولا يجوّز القتلَ .

نعم ، لو حمل عليه المُكرِه بعد عدم إطاعته ، ليحقّق القتل المتوعّد به ، يجوز بل يجب عليه الدفاع ولو انجرّ إلى قتل المُكرِه ، لكنّ الجواز في هذه الصورة مستند إلى عنوان الدفاع ، كما فيما لو حمل عليه كذلك من دون إكراه ، لا إلى الإذن المستفاد من قوله ، ولو كان مقروناً بالإكراه والتوعيد .

الثانية: أنّه لو تحقّق القتل من المُكرَه ، مع عدم جوازه له وكونه آثماً في ذلك ، فهل يكون عمله موجباً للقصاص ، كما إذا كان المُكرَه عليه قتل غير المُكرِه ، كما فيما تقدّم من ثبوت القصاص على المُكرَه المباشر أو لا يكون موجباً له ، لخصوصية في المقام غير موجودة في ذلك المورد؟ وجهان:

من أنّه لا فرق بين كون المُكرَه عليه قتل الغير ، وبين ما لو كان قتل نفس المُكرِه ، فإنّه في كلتا الصورتين يكون القتل محرَّماً موجباً للقصاص ، لصدوره عمداً عدواناً .

ومن ثبوت الفرق، إمّا من جهة أنّه إذا كان للوارث الذي هو وليّ المقتول وفرعه، إسقاط الحقّ والعفو عن ضمان القصاص والدية ، فثبوت هذا الحق للمورِّث الذي هو الأصل إنّما هو بطريق أولى ، ضرورة أنّ الرجوع إلى الوارث إنّما هو لعدم إمكان الرجوع إلى المورِّث بسبب الموت ، وإلاّ فالحق له أوّلاً ، فيجوز له إسقاط حقّه ، كما فيما إذا لم يكن في البين إكراه ، كما إذا علم زيد بأنّ عمراً إنّما يكون بصدد قتله وأنّه يقتله في الآجل ، فأسقط حقّه من القصاص والدية ، قائلاً بأنّه إذا صدر قتلي من ناحية عمرو أسقطت حقّي منه ، والظاهر أنّه لا مجال للإشكال في ذلك .


75

مسألة 36 ـ لو قال: اقتل نفسك ، فإن كان المأمور عاقلاً مميِّزاً فلا شيء على الآمر ، بل الظاهر أنّه لو أكرهه على ذلك فكذلك ، ويحتمل الحبس أبداً لإكراهه فيما صدق الإكراه ، كما لو قال: اقتل نفسك وإلاّ قتلتك شرّ قتلة1.

نعم يمكن الإشكال في صغرى المسألة بأنّ الإذن في القتل بمجرّده لا يلازم إسقاط الحقّ ، بل يمكن أن يكون الإذن في القتل لغرض ثبوت القصاص أو الدّية عليه ، كما لايخفى .

وإمّا من جهة الشك في شمول أدلّة القصاص للمقام الذي وقع فيه الإذن من المقتول ، خصوصاً مع كون إذنه مقروناً بالتوعيد والإكراه ، وكذا شمول أدلّة الدّية ، ولا أقلّ من أن يكون ذلك شبهة دارئة لخصوص القصاص ، بناء على كونه كالحدود يدرأ بالشبهات ، كما لا تبعد دعواه ، وممّا ذكرنا ظهر وجه ما جعله في المتن أرجح ، أو نفى البعد عنه من عدم ثبوت القصاص والدية ، فتدبّر .

1 ـ في هذه المسألة صور:

الاُولى: ما لو قال له: «اقتل نفسك» ، من دون أن يكون مقروناً بالتوعيد والتخويف ، بل كان في البين مجرّد الأمر والطّلب ، وفي هذه الصورة لو كان المأمور عاقلاً مميّزاً ـ سواء كان بالغاً أم لا ـ يكون القتل مستنداً إلى المأمور المباشر ، لفرض صدوره منه عن تمييز وإرادة ، وعدم تحقّق شيء من الأمر ، سوى مجرّد الأمر والطلب ، فلا مجال لثبوت شيء عليه ، نعم لو كان المأمور غير مميّز فالقود على الآمر كما مرّ ، لكونه في هذه الصورة بمنزلة الآلة له ، والقتل يكون مستنداً إليه لا إلى المباشر .

الثانية: ما لو قال له: «اقتل نفسك وإلاّ قتلتك» ، والظاهر أنّ الحكم فيها هو


76

الحكم في الصورة الاُولى ، لأنّ التوعيد بالقتل بمجرّده لا يوجب تحقّق الإكراه مع كون المُكرَه عليه هو قتل نفس المُكرِه ، لأنّه لا معنى للفرار عن القتل المتوعّد به بإيجاده نفسه ، ولا مجال لرفع الخوف عن القتل بسبب فعله .

الثالثة: ما إذا كان في البين إكراه ، وقد فرضها في محكيّ المسالك(1) وكشف اللّثام(2) بقولهما: «نعم لو كان التخويف بنوع من القتل أصعب من النوع الذي قتل به نفسه ، فدفعه به ، اتّجه حينئذ تحقّق الإكراه ، وترتّب القصاص حينئذ على المُكرِه الّذي هو أقوى من المباشر» .

ويمكن فرضها فيما إذا كان صدور القتل من المُكرِه مبغوضاً للمُكرَه زائداً على أصل القتل ، فيختار القتل لئلاّ يتحقّق من المُكرِه الآمر ، وقد احتمل فيها في المتن ثبوت الحبس أبداً بالنسبة إلى المُكرِه; لعدم الفرق بين هذه الصورة وبين صورة الإكراه على قتل الغير ، التي قد عرفت ثبوت الحبس كذلك فيها فيما تقدّم .

ويحتمل عدم الثبوت; لعدم شمول دليله لمثل هذه الصورة ، وإلغاء الخصوصية غير ظاهر .

وأمّا ترتّب القصاص كما في عبارتي المسالك والكشف فلا يظهر له وجه; لعدم صيرورة قتل النفس مشروعة بمجرّد ذلك ، فهو كقتل الغير الذي لا يسوغ بمجرّد الإكراه ، فأيّ فرق بين الصورتين . وكون القتل المتوعَّد به أصعب أو مبغوضاً لا يجوِّز صدور القتل الإكراهي ، وإلاّ لجاز ـ كما في الجواهر ـ للعالم بأنّه يموت عطشاً مثلاً أن يقتل نفسه بالأسهل من ذلك(3) . ولجاز للمريض الذي يعلم بأنّ مرضه

(1) مسالك الأفهام: 15 / 90 .

(2) كشف اللثام: 2 / 444 .

(3) جواهر الكلام : 42 / 54 .


77

مسألة 37 ـ يصحّ الإكراه بما دون النفس ، فلو قال له: اقطع يد هذا وإلاّ قتلتك ، كان له قطعها وليس عليه قصاص ، بل القصاص على المُكرِه ، ولو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر ، ولو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما ، أو قطع يد أحد الرجلين فاختار إحداهما فليس عليه شيء ، وإنّما القصاص على المُكرِه الآمر1.

ينجرّ إلى موته أن يقتل نفسه تخلّصاً عن الوجع والألم الذي هو لازم المرض ، ومن المعلوم خلافه .

ثمّ إنّه على فرض جواز القتل ومشروعيته في هذه الصورة ، يكون ثبوت القصاص على المُكرِه غير معلوم أيضاً ، لأنّ جوازه للمُكرَه لا يوجب الإستناد إلى المُكرِه ، وسيأتي البحث في هذه الجهة في المسألة الآتية .

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الأوّل: الإكراه بما دون النفس ، مثل ما إذا قال له: «اقطع يد هذا وإلاّ قتلتك» ، ولا شبهة في الجواز في هذا الفرض; لشمول إطلاق دليل رفع الإكراه له ، وعدم وجود ما يدلّ على استثنائه منه ، كاستثناء الإكراه على القتل على ما مرّ ، ومقتضى الشمول مضافاً إلى رفع الحرمة التي هي حكم تكليفي رفع الحكم الوضعي ، وهو ضمان القصاص أو الدية ، فلا شيء على المُكرَه القاطع في المثال .

وأمّا المُكرِه الآمر ، فظاهرهم كما في المتن ثبوت القصاص عليه ، والمحكيّ عن القواعد(1) الإشكال فيه ، نظراً إلى أقوائية السبب عن المباشر وإلى عدم المباشرة ، فتجب عليه الدية دون القصاص .

(1) قواعد الأحكام: 2 / 282 .


78

وأورد عليه في الجواهر ، بأنّ وجوب الدية ليس إلاّ لأجل قوّة السبب على المباشرة ، وهي مقتضية لثبوت القصاص دون الدية(1) .

أقول: أمّا القصاص ، فمنشأه الأقوائية ، والوجه فيها غير واضح ، فإنّ الأقوائية إن كانت مستندة إلى نفس الإكراه ، فاللاّزم الحكم بثبوت القصاص في جميع موارد الإكراه ولو كان المُكرَه عليه هو القتل ، وإن كانت مستندة إلى الإكراه الخاصّ المتحقّق في مثل المقام ، وهو ما لو كان الإكراه موجباً لرفع الحرمة عن العمل المكرَه عليه ، فنقول: إنّ مجرّد ذلك لا يوجب الأقوائية المستلزمة لاستناد الفعل إلى المُكرِه الآمر ، واللاّزم تحقّق هذا الاستناد حتّى يثبت القود .

والظاهر إنّ رفع الحرمة عن المُكرَه المأمور لا يوجب الاستناد إلى المُكرِه الآمر ، كما في مثل الإكراه على شرب الخمر ، فإنّ الإكراه فيه وإن كان موجباً لرفع الحرمة ، فلا يترتّب عليه حدّ شرب الخمر ، إلاّ أنّه لا يوجب الإستناد إلى المُكرِه الآمر ، حتّى يكون هو شارب الخمر فيترتّب على عمله المحرّم الحدّ ، كما لا يخفى .

نعم لايبعد الحكم بثبوت الدّية ، لئلاّ يذهب عضو المسلم هدراً ، وإن كان فيه تأمّل أيضاً ، لاحتمال ثبوت الدّية في بيت المال .

الثاني: الأمر بالقطع من دون إكراه واشتمال على التوعيد والتخويف ، ولا خفاء فيه في ثبوت القصاص على المباشر ، لعدم ارتفاع الحرمة بمجرّد الأمر ، وكون صدوره عن إرادة واختيار .

الثالث: الإكراه على قطع إحدى اليدين بنحو الابهام والتخيير ، أو قطع يد أحد الرجلين كذلك ، وقد تردّد في ثبوت القصاص فيه أوّلاً في الشرائع ، نظراً إلى أنّ

(1) جواهر الكلام: 42 / 55 .


79

مسألة 38 ـ لو أكرهه على صعود شاهق فزلقت رجله وسقط فمات ، فالظاهر أنّ عليه الدية لا القصاص ، بل الظاهر أنّ الآمر كذلك لو كان مثل الصعود موجباً .

التعيين عري عن الإكراه . ثم قال: والأشبه القصاص على الآمر ، لأنّ الإكراه تحقّق ، والتخلّص غير ممكن إلاّ بأحدهما(1)

أقول: البحث فيه إنّما هو بعد الفراغ عن ثبوت القصاص على الآمر في الفرع الأوّل ، وإلاّ فبناء على المناقشة في ذلك كما ذكرنا لا يبقى مجال لهذا البحث ، وعلى تقدير الفراغ فالظّاهر أنّه لا فرق بين هذا الفرع والفرع الأوّل من جهة تحقّق الإكراه ، وحصول التعيين عن إختيار وترجيح لا ينافي الإكراه بوجه ، ضرورة أنّ الخصوصيات في جميع موارد الإكراه إنّما تنشأ عن اختيار المكرَه من دون أن يكون للإكراه دخل فيها ، ألا ترى أنّه في الإكراه على شرب الخمر مثلاً يكون المكرَه عليه هو نفس تحقّق هذا العنوان ، وأمّا وقوعه في زمان كذا ، أو مكان كذا ، أو في ظرف كذا ، أو في حالة كذا ، أو في غيرها من سائر الخصوصيات فهي خارجة عن دائرة الإكراه ، وغير منافية لتحقّقه الموجب لرفع ما استكرهوا عليه ، وقد ثبت في باب العبادات التي يعتبر فيها قصد القربة أنّ اختيار الخصوصيات لا يلزم أن يكون بداع إلهي ، بل لا مانع من اختيارها بالدواعي النفسانية .

وبالجملة: لا مجال للإشكال والترديد في المقام ، بل ما يختاره المكرَه من إحدى اليدين أو أحد الرجلين يكون مرفوعاً عنه ، والقصاص حينئذ على المكرِه ، بناء على ثبوته في الفرع الأوّل .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 976 .


80

للسقوط غالباً على إشكال1.

مسألة 39 ـ لو شهد اثنان بما يوجب قتلاً كالارتداد مثلاً ، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً كالزنا ، ثم ثبت أنّهم شهدوا زوراً بعد إجراء الحدّ أو القصاص لم

1 ـ المهمّ في هذه المسألة ملاحظة أنّ ما ذكرنا من ضابطة قتل العمد الموجب للقصاص ، وهي ما لو كان العمل مؤثِّراً في القتل غالباً ، أو كان مقروناً بقصد القتل وإن لم يكن مؤثِّراً فيه كذلك ، هل يختصّ بما إذا كان هناك مباشرة الجاني ، أو يجري في صورة الإكراه أيضاً؟ فإذا كان العمل المكرَه عليه مؤثِّراً في القتل غالباً ، أو كان قصد المكرِه القتل وإن لم يكن المكرَه عليه كذلك ، يثبت القصاص على المكرِه ، لتحقّق قتل العمد منه . يظهر من صاحب الجواهر الوجه الثاني وان احتمل الأوّل أيضاً(1) .

والظاهر أنّه لا مجال للإحتمال الثاني ; لأنّ الإكراه لا يوجب الاستناد إلى المكرِه بحيث كان هو الفاعل بنظر العرف ، وإلاّ يلزم أن يكون في مورد الإكراه على القتل أن يثبت القود على المكرِه ، مع أنّك قد عرفت عدم ثبوته عليه في الإكراه على قتل الغير ، بل الثابت هو الحبس مؤبَّداً . وفي الإكراه على قتل النفس يحتمل ثبوت الحبس كذلك ، ويحتمل عدم ثبوت شيء عليه أصلاً . فمن ذلك يظهر أنّ الإكراه لا يصحّح الإستناد بوجه .

والفرق بين الإكراه على القتل والإكراه على غيره ، بعدم كون الإكراه موجباً للمشروعية في الأوّل دون الثاني ـ مضافاً إلى إمكان منعه فيما إذا كان الصعود على شاهق كالجبل والشجر ونحوهما مستلزماً للسقوط غالباً ـ لا يوجب الفرق من

(1) جواهر الكلام: 42 / 56 .


81

يضمن الحاكم ولا المأمور من قبله في الحدّ ، وكان القود على الشهود زوراً مع ردّ الدية على حساب الشهود ، ولو طلب الوليّ القصاص كذباً وشهد الشهود زوراً ، فهل القود عليهم جميعاً أو على الوليّ أو على الشهود؟ وجوه ، أقربها الأخير1.

جهة الاستناد وعدمه ، فإنّ المشروعية وعدمها لا دخل لها في هذه الجهة ، فالظاهر حينئذ عدم ثبوت القصاص في مفروض المسألة على المكره ، نعم لايبعد ثبوت الدية كما تقدّم .

1 ـ لو شهد شاهدان بما يوجب القتل حدّاً أو قصاصاً ، كالإرتداد ، أو قتل العمد الموجب للقصاص ، أو شهد أربعة بما يوجب الرجم كالزنا المقرون بالإحصان ، ثمّ ثبت بالإقرار أو بغيره أنّهم شهدوا زوراً ، بعضاً أو كلاًّ ، بعد استيفاء الحدّ أو القصاص ، فالكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في الحدّ كالارتداد والزّنا ، والكلام فيه تارة مع قطع النظر عن الروايات الواردة في الباب ، وأُخرى مع ملاحظتها .

أمّا مع قطع النظر عنها ، فالظاهر أنّ مقتضى القاعدة ثبوت القود على شهود الزّور ، ولا مجال لثبوته على الحاكم الآمر ولا المأمور المباشر ، لأنّ الحكم بالنسبة إلى الأوّل ، والإجراء والتصدّي بالإضافة إلى الثاني كان أمراً مشروعاً راجحاً بل واجباً ، ولا معنى لثبوت القصاص فيه ، وأمّا شهود الزور الّذين كانوا عالمين بكذبهم في مقام أداء الشهادة ، وأنّ المشهود عليه بريء ممّا يوجب القتل من الارتداد والزنا ونحوهما ، فالقتل يكون منسوباً إليهم لأقوائية السبب في مثل المقام من المباشر عند العرف والعقلاء ، وحيث يكون القتل عدواناً لعلمهم بكذبهم


82

فالقود ثابت عليهم ، غاية الأمر أنّه إذا كان شاهد الزور واحداً يثبت القود عليه ، وليس على الوليّ ردّ الدية أو شيء منه ، وإذا كان أزيد من واحد يجري حكم الشريكين أو الشركاء في القتل ، فيجب عليه ردّ الدية إذا أراد قتل الاثنين ، أو ديتين إذا أراد قتل الثلاثة ، وهكذا .

وأمّا مع ملاحظتها فقد ورد في المسألة روايات:

منها: مرسلة ابن محبوب ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزّنا ، ثم رجع أحدهم بعدما قتل الرجل ، فقال: ان قال الرابع (الراجع ـ ظ): وهمت ضرب الحدّ وغرم الدّية ، وإن قال: تعمّدت قتل(1) .

ومثلها موثقة مسمع كردين ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل بالزنا فرجم ، ثم رجع أحدهم فقال : شككت في شهادتي ، قال: عليه الدّية قال: قلت: فإنّه قال: شهدت عليه متعمّداً ، قال: يقتل(2) .

وظاهرهما وإن كان ثبوت تمام الدية على الراجع وإن كان واحداً ، إلاّ أنّه لابدّ من حملها على الرّبع إذا كان واحداً ، وربعين إذا كان اثنين ، وهكذا ، بقرينة الروايات الآتية .

ومنها: رواية أُخرى لمسمع ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في أربعة شهدوا على رجل أنّهم رأوه مع امرأة يجامعها ، فيرجم ، ثم يرجع واحد منهم . قال: يغرم ربع الدية إذا قال: شبّه عليّ ، فإن رجع اثنان وقالا: شبّه علينا غرما نصف الدّية ، وإن رجعوا وقالوا : شبّه علينا ، غرموا الدية ، وإن قالوا: شهدنا

(1) وسائل الشيعة: 19 / 96 ، أبواب القصاص في النفس ب 63 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 18 / 240 ، كتاب الشهادات ب 12 ح3 .


83

بالزّور قتلوا جميعاً(1) . ومثلها رواية السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليّ (عليهم السلام)(2) .

ومنها: رواية الفتح بن يزيد الجرجاني ، عن أبي الحسن (عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل أنّه زنى فرجم ، ثم رجعوا وقالوا : قد وهمنا ، يلزمون الدية ، وإن قالوا: إنّما تعمّدنا ، قتل أيّ الأربعة شاء وليّ المقتول ، وردّ الثلاثة ثلاثة أرباع الدية إلى أولياء المقتول الثاني ، ويجلد الثلاثة كلّ واحد منهم ثمانين جلدة ، وإن شاء وليّ المقتول أن يقتلهم ردّ ثلاث ديات على أولياء الشهود الأربعة ، ويجلدون ثمانين كلّ واحد منهم ، ثم يقتلهم الإمام . الحديث(3) .

والظاهر أنّ الحدّ المذكور في مثل هذه الرواية هو حدّ القذف الذي هو ثمانون جلدة ، غاية الأمر وجود الاختلاف بين الرّوايات من جهة ظهور المرسلة في ثبوت هذا الحدّ في صورة الوهم دون العمد ، وظهور الرواية الأخيرة في عدم ثبوته في غير صورة التعمّد ، بل في التفصيل في صورة التعمّد بين ما إذا اختار قتل واحد من الأربعة ، وبين ما إذا اختار قتلهم جميعاً ، بعدم ثبوته فيه ، دونهم ، واللاّزم في هذه الجهة ملاحظة موارد ثبوت القذف ، وقد تقدّم التفصيل في كتاب الحدود ، فراجع .

المقام الثاني: في القصاص ، ويتصوّر فيه من جهة علم الوليّ بالكذب كالشهود وجهله ، ومن جهة تصدّيه لاستيفاء حق القصاص بالمباشرة أو اقتصاره على مجرّد المطالبة فروض:

أحدها: ما إذا كان الوليّ جاهلاً بكذب الشهود ، وقد طلب القصاص باعتقاد

(1) وسائل الشيعة: 19 / 97 ، أبواب القصاص في النفس ب 64 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 18 / 243 ، كتاب الشهادات ب 14 ح2 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 97 ، أبواب القصاص في النفس ب 64 ح2 .


84

مسألة 40 ـ لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح بحيث لا يبقى له حياة مستقرّة ، فذبحه آخر ، فالقود على الأوّل وهو القاتل عمداً ، وعلى الثاني دية

كونه مستحقّاً له عقيب حكم الحاكم ، ولا خفاء في هذا الفرض في عدم ثبوت القود على الوليّ بوجه ، وإن تصدّى للقصاص بالمباشرة ، لعدم كون عمله صادراً عدواناً وغير مشروع ، فلا يوجب القصاص بوجه ، فالقود في هذا الفرض على شهود الزور فقط .

ثانيها: ما إذا كان الوليّ عالماً بكذب الشهود وعدم كون حق القصاص ثابتاً له بوجه ، ومع ذلك يتصدّى للإستيفاء بالمباشرة ، ويتحقّق منه القتل متعمّداً ، ولا تنبغي المناقشة في ثبوت القود في هذا الفرض على خصوص الوليّ ، لصدور القتل منه متعمّداً عالماً بكونه غير مشروع ، وأنّه يصدر عدواناً ، ولا وجه للإستناد إلى الشهود أيضاً ، وإن كانت شهادتهم صارت موجبة لفتح هذا الباب عليه ، إلاّ أنّه لا يوجب بمجرّده الاستناد بوجه .

وعلى تقدير التنزّل عمّا ذكرنا ، لا مجال لإخراج الوليّ عن دائرة القصاص رأساً واحتمال كون القود ثابتاً على خصوص الشهود ، لا أقلّ من التشريك ، كما لا يخفى .

ثالثها: ما إذا كان الوليّ عالماً بالكذب ، ولكنّه لم يتحقّق منه إلاّ مجرّد المطالبة من دون أن يتحقّق منه الإستيفاء ، بل المباشر له هو المأمور من قبل القاضي ، ويجري فيه احتمال ثبوت القود على الوليّ والشهود معاً ، لكون كلّ من الشهادة والمطالبة مؤثِّرة في تحقّق القتل ، فهو مستند إلى كليهما ، وعلى هذا الاحتمال يمكن أن يكون التشريك بنحو التنصيف ، بأن يعدّ الشهود واحداً والوليّ واحداً ، ويمكن أن يكون بنحو التقسيط على الرؤوس ، لما مرّ من أنّه لا يحسب في الشركة على القتل إلاّ الرؤوس ، ولا ينظر إلى مقدار تأثير العمل كمّاً وكيفاً .


85

الجناية على الميت ، ولو جنى عليه وكانت حياته مستقرّة فذبحه آخر فالقود على الثاني ، وعلى الأوّل حكم الجرح قصاصاً أو أرشاً ، سواء كان الجرح ممّا لا يقتل مثله أو يقتل غالباً1.

واحتمال ثبوت القود على خصوص الوليّ ، لكون طلبه السّبب القريب والجزء الأخير لصدور القتل وتحقّقه ، فهو منسوب إليه دون الشهود .

واحتمال ثبوته على خصوص الشهود ، كما استقربه المتن ، نظراً إلى أنّ الأصل في تحقّق هذا العمل هي شهادة الزور ، والمطالبة إنّما تكون متفرِّعة عليها ، فالقتل منسوب إلى خصوص الشهود ، ولكنّ الظاهر أقربية الاحتمال الثاني لما ذكرنا .

ثمّ إنّه يرد على المتن ـ بعد وضوح عدم شموله للفرض الأوّل ـ أنّه إن كان المراد كلا الفرضين الأخيرين فمن الواضح أنّه لا يجري في الفرض الثاني الاحتمالات الثلاثة ، ولا مجال للحكم بأقربية الإحتمال الأخير فيه بوجه ، وإن كان المراد خصوص الفرض الأخير ، كما لا تبعد دعواه ، فلا وجه لترك التعرّض للفرض الثاني ولو بصورة الاستدراك والاستثناء ، خصوصاً مع التعرّض له في مثل الشرائع(1) ، فتدبّر .

1 ـ في هذه المسألة فرعان:

الأوّل: ما لو جنى عليه جناية ، فصيّره بذلك في حكم المذبوح ، بأن لا تبقى حياته مستقرّة ، بحيث لا يدرك ولا يكون له نطق اختياري ولا حركة كذلك ، كالغنم بعد فري أوداجه الأربعة ، فإنّ الحركة الثابتة له حركة غير اختيارية ، وكذا الصوت الصادر منه ، وفي هذا الحال ذبحه إنسان آخر ، فلا مجال للإشكال حينئذ في أنّ القود

(1) شرائع الإسلام : 4 / 976 .


86

مسألة 41 ـ لو جرحه اثنان ، فاندمل جراحة أحدهما وسرت الأخرى فمات ، فعلى من اندملت جراحته دية الجراحة أو قصاصها ، وعلى الثاني القود ، فهل

على الأوّل ، لأنّه القاتل حقيقة ، وعلى الثاني الذابح دية قطع رأس الميت ، لأنّ ذبحه لا يخرج عن هذا العنوان . وستعرفها إن شاء الله تعالى في بحث الديات .

ثمّ إنّه ذكر العلاّمة في محكيّ القواعد: «ولو قتل مريضاً مشرفاً على الموت وجب القود»(1) وفي شرحه كشف اللّثام: «وإن لم يكن بقيت له حياة مستقرّة لصدق القتل ، والفرق بينه وبين من جنى عليه جناية لم تبق له حياة مستقرّة وقوع جنايتين مضمونتين عليه ، وإنّما نوجب القصاص على أدخلهما في تلف النفس ; لأنّ المريض ربّما انتهى إلى مثل تلك الحالة ثم برأ ; للاشتراك ، نعم يصلح ضميمة إلى ما قلنا»(2) .

ويرد عليه إنّ الحكم بعدم ثبوت القود على الذابح فيما هو المفروض في المقام ليس إلاّ لأجل كون ذبحه واقعاً على من هو بحكم الميت من جهة عدم بقاء حياته مستقرّة ، لا لأجل كون الجناية الاُولى أدخل في تلف النفس ، ومن المعلوم تحقّق هذا الملاك في مثال المريض بعينه ، وكون الجناية في المقام مضمونة لا يقتضي نفي القود عن الذابح بعد إمكان تحقّق الاشتراك وإجراء حكم الشريكين عليه ، وأدخلية الأوّل لا توجب مزية في مورد الشركة ، كما أشرنا إليه مكرّراً .

وبالجملة: بعد فرض كون المريض في حال لم يكن بقيت له حياة مستقرّة بالمعنى

(1) قواعد الأحكام: 2 / 283 .

(2) كشف اللّثام: 2 / 445 .


87

يقتل بعد ردّ دية الجرح المندمل أم يقتل بلا ردّ؟ فيه إشكال ، وإن كان الأقرب عدم الردّ1.

الذي ذكرنا ، لا يكون قتله إلاّ كالذبح في فرض الجناية ، ولا فرق بينهما أصلاً ، كما لايخفى .

الثاني: ما لو كان الذبح في الفرض الأوّل في حال بقاء حياته مستقرّة ، والظّاهر أنّ الجاني الأوّل في هذا الفرض لا ينطبق عليه إلاّ عنوان الجارح فقط ، فيترتّب عليه حكم الجرح قصاصاً أو أرشاً ، من دون فرق بين ما إذا كان جرحه ممّا يؤثِّر في القتل غالباً كشقّ الجوف ، وما إذا لم يكن كقطع الأصابع . واقتضاء الأوّل وإيجابه للموت على تقدير عدم الذبح لا يترتّب عليه أثر ، بعدما صار الذبح موجباً لقتله وسبباً فعلياً لتحقّقه .

ومنه يظهر أنّ الجاني الثاني هو القاتل ، والذي يستند إليه القتل فعلاً فالقود عليه ، وحكي عن مالك(1) جعل الأوّل قاتلاً إذا كانت جراحته تقضي بالموت ولو بعد يوم أو يومين مثلاً . وقد ظهر ممّا ذكرنا ضعفه .

1 ـ لا مجال للإشكال في أنّ من اندملت جراحته ولم تسر أصلاً لا يترتّب عليه إلاّ دية الجراحة أو قصاصها ، لعدم استناد القتل إليه بوجه ، وفي أنّ من سرت جنايته حتّى مات يكون عليه القصاص لاستناد القتل إليه . إنّما الإشكال في أنّه هل يجب على وليّ المقتول في صورة أخذ دية الجراحة ردّها إلى من عليه القصاص ، كما

(1) حكى عنه في جواهر الكلام: 42 / 58 ، ونسب هذا القول إلى بعض العامّة في مسالك الأفهام: 15/94 ، لكن لم نعثر تصريحاً بذلك في كتب العامّة على ما تتبعنا ، بل قال ابن قدامة في المغني: 9/384: «ولا أعلم فيه مخالفاً» .


88

مسألة 42 ـ لو قطع أحدٌ يده من الزند وآخر من المرفق فمات ، فإن كان قطع الأوّل بنحو بقيت سرايته بعد قطع الثاني ، كما لو كانت الآلة مسمومة وسرى السمّ في الدّم وهلك به وبالقطع الثاني كان القود عليهما ، كما أنّه لو كان القتل مستنداً إلى السمّ القاتل في القطع ولم يكن في القطع سراية كان الأوّل قاتلاً فالقود عليه ، وإذا كان سراية القطع الأوّل انقطع بقطع الثاني كان الثاني قاتلاً1.

صرّح به المحقّق في الشرائع(1) ، أو لايجب عليه ذلك ؟ فيه وجهان .

ومنشأهما إنّ المقام هل يكون مماثلاً لما إذا كانت كلتا الجراحتين مسريتين مؤثِّرتين في الموت ، حيث إنّه يجب على فرض قصاص أحدهما أن يردّ عليه نصف الدية المأخوذ من الآخر ، أو يكون مماثلاً لما إذا قتل مقطوع اليدين أو الرجلين ، حيث يستحقّ وليّ المقتول القصاص من القاتل وإن كان كاملاً والمقتول ناقصاً ، لعدم اشتراط التساوي في هذه الجهة في القصاص؟

الظاهر هو الثاني لثبوت الفرق بين المقام وبين الفرض الأوّل بعد عدم استناد القتل هنا إلاّ إلى خصوص الثاني ، كما لايخفى .

1 ـ لا إشكال في ثبوت القصاص على الجارحين ، إذا كان كلّ واحد من الجرحين مسرياً مؤثِّراً في الموت ، بأن كان كلّ واحد في عرض الآخر وغير مرتبط به ، كما إذا قطع أحد يده والآخر رجله ، إنّما الإشكال فيما إذا دخل الأوّل في الثاني وكان بينهما طولية ، كالمثال المذكور في المتن . ومنشأ الإشكال أنّ الجناية الثانية قد صارت مانعة عن سراية الجناية الأولى ; لعدم بقاء موضوعها معها ، بخلاف الصورة الأولى ، وعليه فيشكل الحكم بثبوت القصاص على الجاني الأوّل بعد

(1) شرائع الإسلام: 4 / 977 .


89

مسألة 43 ـ لو كان الجاني في الفرض المتقدّم واحداً دخل دية الطرف في دية النفس على تأمّل في بعض الفروض ، وهل يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس مطلقاً أو لا مطلقاً ، أو يدخل إذا كانت الجناية أو الجنايات بضربة واحدة ، فلو ضربه ففقئت عيناه وشجّ رأسه فمات دخل قصاص الطرف في قصاص النفس; وأمّا إذا كانت الجنايات بضربات عديدة لم يدخل في قصاصها ، أو يفرق بين ما كانت الجنايات العديدة متوالية ، كمن أخذ سيفاً وقطع الرجل إرباً إرباً حتّى مات فيدخل قصاصها في قصاص النفس ، وبين ما إذا كانت متفرّقة كمن قطع يده في يوم وقطع رجله في يوم آخر ، وهكذا إلى أن مات فلم يدخل قصاصها في قصاصها؟ وجوه ، لا يبعد أوجهية الأخير ، والمسألة بعد مشكلة ، نعم لا إشكال في عدم التداخل لو كان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات ، فمن قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها ثم قطع رجله فاندملت ثم قتله يقتصّ منه ثم يقتل1.

انقطاع سراية جنايته بجناية الثاني .

نعم لو فرض بقاء السراية بعد القطع الأوّل ، كما لو كانت الآلة مسمومة وسرى السمّ في الدّم ، فإن كان الموت مسبَّباً عنه فقط يثبت القود عليه ، وإن كان مسبَّباًعنه وعن القطع الثاني كان القود عليهما ، لسببية كلتا الجنايتين وعدم ثبوت مزية في البين ، فالقصاص على الشخصين .

1 ـ المراد بالفرض المتقدّم ما إذا كانت الجناية الثانية مؤثِّرة في القتل ومانعة عن سراية الجناية الأولى . والكلام فيه إنّما هو فيما إذا كانت كلتاهما صادرتين من شخص واحد ، تارة من جهة الدية وأخرى من جهة القصاص .


90

أمّا الكلام في الدية ، فمحصَّله أنّ الإجماع قائم على أنّ دية الطرف داخلة في دية النفس ، ولكنّ القدر المتيقّن منه إنّما هو ما إذا كانت الدية ثابتة بالأصالة ، بأن كان الحكم الأوّلي المجعول فيه الدية من جهة الجرح والقتل ، وأمّا إذا كانت الدية قد انتقل إليها بعد العفو عن القصاص بحيث قد صولح بها عنه فلا يعلم شمول الإجماع له ، بل يتفرّع ذلك على ملاحظة حكم القصاص من جهة الدخول وعدمه ، كما لايخفى . ولولا الإجماع أو نوقش فيه لأمكن استفادة الحكم في بعض الفروض من صحيحة أبي عبيدة الآتية في بحث القصاص .

وأمّا الكلام في القصاص فتفصيله أنّ فيه أقوالاً أربعة:

القول بالدخول مطلقاً ، وهو الذي اختاره الشيخ في موضع من المبسوط(1)والخلاف(2) ، وحكي عن التبصرة(3) والجامع(4) .

والقول بعدم الدخول مطلقاً ، وهو الذي اختار الشيخ أيضاً في موضع آخر من الكتابين(5) . وقيل : هو خيرة السرائر(6) ، والمحقِّق في نكت النهاية(7) ، وإليه مال ابن زهرة(8).

والتفصيل بين ما إذا كانت الجناية بضربة واحدة ، وبين ما إذا كانت بضربات

(1) المبسوط: 7 / 22 و 113 .

(2) الخلاف: 5 / 163 مسألة 23 .

(3) تبصرة المتعلّمين: 193 .

(4) الجامع للشرائع: 594 .

(5) المبسوط: 7 / 21 ، والخلاف : 5/210 ، مسألة 89 .

(6) السرائر: 3 / 405 ـ 406 .

(7) نكت النهاية: 3 / 446 .

(8) غنية النزوع: 408 .


91

عديدة ، بالدخول في الأوّل وعدمه في الثاني . وهو الذي اختاره الشيخ في النهاية(1) ، وحكم بأقربيته المحقِّق في الشرائع(2) ، وحكي عن التحرير(3)والإرشاد(4) والتلخيص(5) والمسالك(6) والروضة(7) ، بل نسبه في الأخير إلى أكثر المتأخرين .

والتفصيل بين ما إذا كانت الجنايات العديدة متوالية ، وبين ما إذا كانت متفرّقة ، بالدخول في الأوّل وعدمه في الثاني ، وهو الذي نفى في المتن البعد عن أوجهيته ، وإن قال بعده: والمسألة بعد مشكلة .

ولابدّ من توضيح محلّ هذه الأقوال ومركز البحث والنزاع ، فنقول:

إنّ هنا فرعين: لا إشكال ولا خلاف ظاهراً في الدخول في أحدهما وعدم الدخول في الآخر .

الأوّل: ما إذا كان الموت مسبباً عن سراية الجناية الاُولى ، كما إذا قطع يده فسرت إلى نفسه ، ولا إشكال فيه في عدم ترتّب ما عدى قصاص النفس عليه ، ولا مجال لاحتمال قطع اليد وقصاص النفس معاً .

الثاني: الفرض المذكور في المتن أخيراً ، وهو ما لو اندملت الجراحة ثم تعرّض لقتله ، ولا وجه فيه سوى الحكم بثبوت قصاصين ، وعدم دخول قصاص الطرف

(1) النهاية: 771 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 977 .

(3) تحرير الأحكام: 2 / 243 و 254 .

(4) إرشاد الأذهان: 2 / 199 .

(5) تلخيص الخلاف: 3 / 136 مسألة 23 .

(6) مسالك الأفهام: 15 / 98 ـ99 .

(7) الروضة البهية: 10 / 92 ـ 93 .


92

في قصاص النفس .

إذا عرفت هذين الفرعين فاعلم أنّ محل البحث في المقام هو الوسط بين الفرعين ، بمعنى تعدّد الجناية الواقعة فيه ، فيغاير الأوّل لعدم صدور أزيد من جناية واحدة فيه ، وعدم تحقّق الاندمال المانع عن السراية ، فيغاير الثاني لفرض عدم السراية فيه بوجه .

وبعد ذلك يقع الكلام تارة فيما هو مقتضى القواعد والأدلّة العامة الواردة في القصاص ، وأُخرى فيما هو مقتضى الروايات الخاصة الواردة في المقام ، فنقول:

أمّا من جهة القواعد والأدلّة العامة مثل : قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفسِ وَالعَينَ بِالعَينِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌإلى آخر الآية(1) . فلا إشكال في أنّ مقتضاه تعدّد القصاص فيما إذا كانت الجنايات العديدة متفرّقة واقعة في أزمنة مختلفة وإن لم يتخلّل بينهما الإندمال ; لأنّ مقتضى الآية جواز قصاص العين بالعين مثلاً مطلقاً ، من دون فرق بين ما إذا تحقّق بعد جناية العين جناية أخرى موجبة للموت ، وما إذا لم تتحقّق جناية كذلك ، لعدم وقوع التقييد فيه .

كما أنّ مقتضى الآية الجواز كذلك من دون فرق بين ما إذا كانت الجنايات العديدة متحقّقة بضربات متعدّدة ، وبين ما إذا كانت متحقّقة بضربة واحدة ، وإن كان ظاهر المحقّق في الشرائع خلافه ، حيث قال في وجه أقربية قول النهاية:

(1) المائدة 5 : 45 .


93

«لثبوت القصاص بالجناية الأولى ، ولا كذا لو كانت الضربة واحدة»(1) فإنّ ظاهره اقتضاء مثل الآية من الأدلّة العامة للتفصيل الذي اختاره ، مع أنّ الظاهر خلافه ; لعدم وقوع التقييد فيها بما إذا كانت الضربات متعدّدة ; لأنّ مقتضاها وقوع العين في مقابل العين بعنوان القصاص ، من دون فرق بين ما إذا كان جناية القتل واقعة بعدها ، وما إذا لم تقع كذلك .

فكما أنّه لا فرق في قصاص الأطراف مع التعدّد ، بين ما إذا كانت الجنايات الموجبة لقصاصها واقعة بضربات متعدّدة أو بضربة واحدة ، ضرورة أنّه لو ضرب كذلك ، ففقأ العين وقطع الأذن يترتّب عليه قصاصان ، كذلك لا فرق في قصاص الطرف بين ما إذا كان القتل الواقع بعد الجناية على العضو ، بضربة تلك الجناية أو بضربة أخرى متعدّدة .

وأمّا الدخول في مسألة السراية ، فهو إمّا للإجماع ، وإن كان مقتضى القاعدة فيها عدم الدخول أيضاً ، وإمّا لثبوت الفرق بينها وبين المقام ، من جهة تحقّق جناية واحدة فيها فقط متعلّقة بالعضو ، وإن كان يحكم عليه بثبوت القود بالإضافة إلى النفس ، إلاّ أنّ الحكم قد ثبت عليه للإجماع على خلاف مقتضى القاعدة الواردة في موجب القصاص ، وأمّا في المقام فقد تحقّق فيه جنايتان ، ولو كانت الضربة واحدة.

وإن شئت قلت: إذا قطع اليد فسرت فمات ، فهذا ـ أي قطع اليد ـ بمنزلة ضرب العنق المترتّب عليه الموت ، ولا يلاحظ العضو في هذه الصورة مستقلاًّ ، بخلاف المقام الذي يكون المفروض فيه عدم استناد القتل إلى قطع العضو ، بل كان كلّ منهما

(1) شرائع الإسلام: 4 / 977 .


94

مسبَّباً عن الضربة الواحدة الصادرة منه ، كما لايخفى .

وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ مقتضى القاعدة في المقام هو الحكم بعدم الدخول مطلقاً .

وأمّا بملاحظة الروايات فلابدّ من نقلها وملاحظة مفادها ، فنقول:

منها: رواية صحيحة لمحمد بن قيس ، عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل فقأ عيني رجل وقطع أذنيه ثم قتله ، فقال: إن كان فرّق ذلك اقتصّ منه ثم يقتل ، وإن كان ضربه ضربة واحدة ضربت عنقه ولم يقتصّ منه(1) . و ورودها في المقام ظاهر ، كما أنّ دلالتها على القول الثالث الذي اختاره الشيخ في النهاية واستقر به المحقّق في الشرائع أيضاً كذلك .

ومنها: صحيحة حفص بن البختري ، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ضُرِبَ على رأسه ، فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه ثم مات؟ فقال: إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتصّ منه ثمّ قتل ، وإن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل ولم يقتصّ منه(2) . ولكنّ الظاهر أنّ موردها السراية الخارجة عن محلّ البحث .

ومنها: صحيحة أبي عبيدة الحذّاء ، قال : سألت أباجعفر (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلاً بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة ، فأجافه حتّى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله؟ قال : إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة ولا يعقل ما قال ولا ما قيل له فإنّه ينتظر به سنة ، فإن مات فيما بينه وبين السنة أقيد به ضاربه ، وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة ولم يرجع إليه عقله اُغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 82 ، أبواب القصاص في النفس ب 51 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 83 ، أبواب القصاص في النفس ب 51 ح2 .


95

قلت: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً؟ قال: لا ، لأنّه إنّما ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين ، فألزمته أغلظ الجنايتين وهي الدية ، ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان ، إلاّ أن يكون فيها الموت(1) بواحدة ، وتطرح الاُخرى فيقاد به ضاربه . فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت ، فيقاد به ضاربه .

قال: فإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات(2) .

وهي ظاهرة بل صريحة في أنّه مع تعدّد الضربة وترتّب جنايتين إحداهما الموت ، لا يترتّب إلاّ مجرّد قصاص الضارب بالإضافة إلى النفس ، فيدخل قصاص الطرف في قصاص النفس في هذه الصورة ، وقد مرّ ظهور صحيحة محمد بن قيس باعتبار القضية الشرطية الاُولى في عدم الدخول وتعدّد القصاص ، وعليه فيقع التعارض بين الصحيحتين في الصورة المذكورة .

والجمع الدلالي بينهما ـ إمّا بحمل التفريق في صحيحة ابن قيس على التفريق من حيث الزمان لا على تعدّد الضربة ، وإمّا بحمل قوله (عليه السلام) : «إلاّ أن يكون فيهما الموت» وكذا «ما لم يكن فيها الموت» على مورد السراية ، كما ربّما استظهره صاحب الجواهر (قدس سره)(3) ـ ممّا لا مجال له أصلاً ، لظهور الرواية الأولى بقرينة المقابلة في كون

(1) وفي نقل صاحب الجواهر بعد كلمة «الموت» : «فيقاد به ضاربه بواحدة ويطرح الأخرى» جواهر الكلام: 42 / 63 ، وهو الظاهر (المؤلّف).

(2) وسائل الشيعة: 19 / 281 ، أبواب ديات المنافع ب 7 ح1 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 62 .


96

المراد بالتفريق هو تعدّد الضربة ، وإن وقعتا في زمان واحد بل في آن واحد ، كما إذا أخذ بيده اليمنى سيفاً وبيده اليسرى سيفاً آخر فضرب بهما دفعة ، فقطع اليد بإحداهما وقتل بالأُخرى .

وعليه فالحمل على خلافه حمل على غير ظاهر من دون جهة ، كما أنّ حمل الرواية الثانية على صورة السراية خلاف ظاهرها بل صريحها ، فلا يبقى مجال للجمع من حيث الدّلالة ، بل اللاّزم الرجوع إلى قواعد باب التعارض والأخبار الواردة في علاج المتعارضين .

وحيث إنّه ليست في المسألة شهرة من حيث الفتوى حتّى يؤخذ بما يوافقها ، فتصل النوبة إلى المرجِّحات البعدية ، والظاهر حينئذ أنّ الترجيح مع صحيحة محمّد بن قيس ; لموافقتها للكتاب الظاهر في عدم التداخل على ما مرّ في بيان مقتضى القاعدة .

وهذا لا ينافي تخصيص القاعدة في صورة الضربة الواحدة التي اتفقت الروايتان على ثبوت التداخل فيها ، لعدم استلزامه للتخصيص في صورة التعدّد أيضاً بعد اختلافهما في ذلك ، كما لا يخفى .

وعلى ماذكرنا فملاحظة الروايات تقتضي ترجيح التفصيل الذي اختاره الشيخ في النهاية(1) والمحقّق في الشرائع(2)، وإن كان مستندالثاني اقتضاء القاعدة له ، كما عرفت.

بقي الكلام في أُمور:

الأوّل: أنّه حكي عن نكت النهاية(3) للمحقّق أنّه حكم بأنّه يعارض صحيحة

(1) النهاية: 771 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 977 .

(3) نكت النهاية: 3/446 .


97

أبي عبيدة المتقدّمة خبر إبراهيم بن عمر ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا ، فذهب سمعه وبصره ولسانه وعقله وفرجه وانقطع جماعه وهو حيّ ، بستّ ديات(1) .

وعن مرآة العقول: لعلّ المراد بذهاب الفرج ذهاب منفعة البول بالسلس ، أو أنّه لا يستمسك غائطه ولا بوله ، ويحتمل أن يكون في اللّسان ديتان لذهاب منفعة الذوق والكلام معاً ، فيكون قوله: «وانقطع جماعه» عطف تفسير ، ويحتمل على بعد أن يكون بالحاء المهملة محرّكة أي صار بحيث يكون دائماً خائفاً ، فيكون بمعنى طيران القلب ، كما قيل ، لكن مع بعده لا ينفع ، إذ الفرق بينه وبين ذهاب العقل مشكل ، والأوّل أظهر(2) .

والظاهر أنّ مراده المعارضة في مسألة الدية لظهور رواية أبي عبيدة في الوحدة ، وهي دية أغلظ الجنايات ، وظهور الخبر في التعدّد ، وإمّا مسألة القصاص التي هي محل البحث في المقام فلا مجال لدعوى المعارضة بعد عدم تعرّض الخبر للقصاص بوجه .

الثاني: ذكر صاحب الجواهر(3) أنّه من جملة أدلّة القول بالتداخل مطلقاً ما روي من أنّه إذا مثّل إنسان بغيره وقتله لم يكن عليه إلاّ القتل ، ولم يجز التمثيل به(4) .

وقد جمعت الروايات الواردة في هذا الأمر في الباب الثاني والستّين من أبواب

(1) وسائل الشيعة: 19 / 280 ، أبواب ديات المنافع ب 6 ح1 .

(2) مرآة العقول: 24 / 114 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 64 .

(4) وسائل الشيعة: 19 ـ 95 ـ 96 ، أبواب القصاص في النفس ب62 .


98

القصاص في النفس في كتاب الوسائل(1) . وبعد المراجعة إليها ظهر عدم ارتباطها بالمقام ، لأنّ بعضها وارد في مورد وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) بأن لا يمثَّل بقاتله ، وبعضها وارد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلطاناً فَلاَ يُسرِف فِي القَتلِ(2) وأنّ المراد من النهي عن الإسراف هو النهي عن أن يقتل غير قاتله أو يمثّل بالقاتل ، وبعضها وارد في مورد رجل ضرب رجلاً بعصا ، فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات ، وأنّه يجوز قتله ، ولكن لا يترك يعبث به ، ولكن يجيز عليه بالسيف .

ومن الواضح عدم ارتباط شيء منها بالمقام . أمّا عدم ارتباط الأوّلين فظاهر ، لأنّ المفروض عدم تحقّق التمثيل من القاتل قبلاً ، حتّى يمثّل به . وأمّا عدم ارتباط الأخير ، فلعدم ظهوره في تحقّق موجب القصاص بالإضافة إلى الطرف من ناحية الضارب ، لأنّ مورده إدامة الضرب بالعصا حتّى انجرّ إلى الموت . وأمّا تحقق جناية موجبة للقصاص في العضو ، فلا دلالة عليه لو لم نقل بأنّ عدم التعرّض يكشف عن عدمه ، كما لا يخفى . والحكم بأنّه يجيز عليه بالسيف لا يلازم الاقتصار على القتل في مورد ثبوت موجب القصاص في العضو ، خصوصاً فيما كانت الضربات متعدّدة ، كما هو محلّ الاختلاف بين الصّحيحتين المتقدّمتين على ما عرفت ، فهذه الروايات لايستفاد منها شيء في المقام .

الثالث: إنّ ما في المتن من نفي البعد عن أوجهية الوجه الأخير مع عدم دلالة شيء من الأدلّة المتقدّمة عليه ظاهراً يمكن أن يكون مستنداً إلى أحد وجهين:

(1) وسائل الشيعة: 19 ـ 95 ـ 96 ، أبواب القصاص في النفس ب62 .

(2) الإسراء 17 : 33 .


99

مسألة 44 ـ لو اشترك اثنان فما زاد في قتل واحد اقتصّ منهم إذا أراد الوليّ ، فيردّ عليهم ما فضل من دية المقتول ، فيأخذ كلّ واحد ما فضل عن ديته ، فلو قتله اثنان وأراد القصاص يؤدّي لكلّ منهما نصف دية القتل ، ولو كانوا ثلاثة فلكلّ ثلثا ديته ، وهكذا ، وللوليّ أن يقتصّ من بعضهم ، ويردّ الباقون

أحدهما: أن يحمل قوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة: «وإن كان ضربه ضربة واحدة» على أنّ المراد هو العمل الواحد الذي لا ينافي تعدّد الضربات المتوالية ، وعليه فالمراد بالتفريق الواقع في مقابله هو تعدّد العمل المستلزم للتفرّق والفصل ، ويؤيّده أنّ وقوع مجموع هذه الجنايات بالضربة الواحدة بمعناها المقابل لتعدّد الضربات مستبعد جدّاً ، فالمراد وقوعها متوالية من غير فصل .

ثانيهما: هو الرجوع إلى القاعدة ، ورفع اليد عن الروايات بعد تعارضها وعدم إمكان الجمع بينها ، كما يستفاد ذلك من المحقِّق في الشرائع ، حيث استدلّ على مختاره بالقاعدة كما عرفت .

وعليه فالقاعدة تقتضي هذا الوجه الأخير ، لأنّه مع اتّحاد العمل الموجب للموت لا ينطبق على العامل إلاّ مجرّد عنوان القاتل الموجب لقصاص النفس ، وتعدّد الضربات بعد فرض التوالي لا يقدح في الاتّحاد بوجه ، وعليه فالدليل الشامل للمقام هو دليل قصاص النفس .

وأمّامع تعدّدالعملوتحقّق الضربات مع الفصل، فلامانع عن شمول دليل القصاص للجناية الأُولى الواردة على العضو الموجبة للقصاص ، وتعقّبها بجناية القتل لا يمنع عن ذلك ، فلا مجال للتداخل في هذا الفرض ، ولكن بعد ملاحظة ما ذكرنا من المراد من الرواية ومن بيان مقتضى القاعدة ، يظهر أنّ كلاًّ من الوجهين مخدوش ، ولا ينبغي الاعتماد عليه ، ولكن كما في المتن «والمسألة بعد مشكلة» ، فتدبّر .


100

المتروكون دية جنايتهم إلى الذي اقتصّ منه ، ثم لو فضل للمقتول أو المقتولين فضل عمّا ردّه شركاؤهم قام الوليّ به ويردّه إليهم ، كما لو كان الشركاء ثلاثة فاقتصّ من اثنين فيردّ المتروك دية جنايته وهي الثلث إليهما ويردّ الوليّ البقية إليهما ، وهي دية كاملة ، فيكون لكلّ واحد ثلثا الدية1.

1 ـ يقع البحث في هذه المسألة من جهات:

الاُولى: في أنّه هل يكون للوليّ في صورة الشركة في القتل بحيث يكون القاتل متعدّداً ، ويسند القتل إلى أزيد من واحد أن يقتصّ من الجميع ، أو ليس له حقّ القصاص أصلاً ، أوليس له حقّ القصاص بالنسبة إلى أزيد من واحد؟ وجوه واحتمالات في بادئ النظر . وفي الجواهر نفى وجدان الخلاف في الأوّل ، قال: بل الإجماع بقسميه عليه(1) ، وحكي عن بعض العامّة(2) أنّه ليس للوليّ إلاّ قتل واحد منهم ويأخذ حصّة الآخرين ولا يقتل الجميع ، وعن بعضهم(3) فضّ القصاص عليهم ، على معنى استحقاق الوليّ عشر الدم في العشرة إلاّ أنّه لا يمكن استيفاؤه إلاّ باستيفاء الباقي ، وقد يستوفى من المتعدّي غير المستحق عليه ، كما إذا لم يمكن استيفاء المستحق إلاّ به ، كما لو أدخل الغاصب المغصوب في بيت ضيّق واحتيج في ردّه إلى هدم الجدار وقلع الباب .

ولابدّ أوّلاً من ملاحظة أن الأدلّة العامّة الواردة في القصاص هل يستفاد منها ثبوت حقّ القصاص بالإضافة إلى الجميع ، كما هو ظاهر الجواهر(4) أم لا؟

(1) جواهر الكلام: 42 / 66 .

(2) الخلاف: 5 / 156 مسألة 14 ، المغني لابن قدامة: 9 / 366 ـ 367 .

(3) المغني لابن قدامة: 9 / 366 ، المجموع: 20 / 33 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 67 .


101

الظاهر هو الثاني; لأنّ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلبَاب(1) إنّما كان مسوقاً لبيان مشروعية القصاص وترتّب الحياة الاجتماعية عليه ، وأمّا ثبوته في مورد الشركة بالنسبة إلى أزيد من واحد فلا دلالة له عليه ، كما أنّ قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلطاناً فَلاَ يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّه كَانَ مَنصُوراً(2) ربّما يدلّ على العدم على تقدير كون المراد بالإسراف المنهيّ عنه هو قتل أزيد من واحد ، كما ورد تفسيره به في رواية أبي العبّاس الآتية ، وعلى تقدير كون المراد به هو عدم قتل غير القاتل وعدم المثلة بالقاتل ، كما في بعض الروايات التي أُشير إليها في المسألة المتقدّمة ، فلا دلالة للآية على شيء من طرفي النفي والإثبات ، كما لايخفى .

وكذا قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ(3) إلى آخر الآية ، لا دلالة له على وقوع نفوس متعدّدة في مقابل نفس واحدة . وهكذا حديث نفي الضرر ، بناء على ارتباطه بالأحكام الكلّية الفقهيّة الإلهيّة ، كما لايخفى .

نعم ، يستفاد ذلك من الروايات الخاصّة الواردة في المقام:

منها: رواية الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) في عشرة قتلوا رجلاً ، قال: إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات ، وإن شاؤوا تخيّروا رجلاً ، وأدّى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الآخر عشر الدية كلّ رجل منهم . قال: ثم الوالي بعد يلي أدبهم وحبسهم(4) .

(1) البقرة 2 : 179 .

(2) الإسراء 17: 33 .

(3) المائدة 5 : 45 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 30 ، أبواب القصاص في النفس ب 12 ح6 .


102

ومنها: رواية عبدالله بن مسكان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجلين قتلا رجلاً ، قال: إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة وقتلوهما ، وتكون الدية بين أولياء المقتولين ، فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه وأدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول ، وإن لم يؤدّ دية أحدهما ولم يقتل أحدهما قبل الدية صاحبه من كليهما ، وإن قبل أولياؤه الدية كانت عليهما(1) .

وفي مقابلهما رواية أبي العبّاس وغيره ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا اجتمع العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيّهم شاؤا ، وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد ، إنّ الله عزّوجل يقول: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلطاناً فَلاَ يُسرِف فِي القَتلِ(2) .

ولكن حيث إنّ الشهرة بل الإجماع كما عرفت على خلافها ، فلا يبقى مجال للأخذ بها .

الثانية: إذا أراد الوليّ قتل الجميع فهل الواجب عليه أن يردّ الدية إليهم ، ثم يتصدّى للقصاص بحيث كان الأداء مقدَّماً على القصاص ، أو لا يجب عليه ذلك؟ مقتضى الروايتين المتقدّمتين العدم ، لوقوع العطف بالواو ، ولكن يدلّ على خلافه صحيحة أبي مريم الأنصاري ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل ، قال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد فاقتسماها ثم يقعطهما ، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد . قال: وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية(3) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 30 ، أبواب القصاص في النفس ب 12 ح4 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 30 ، أبواب القصاص في النفس ب 12 ح7 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 140 ـ 141 ، أبواب قصاص الطرف ب 25 ح1 .


103

إلاّ أن يقال: بأنّه لا دليل على تساوي قصاص النفس وقصاص الطرف في هذه الجهة ، فمن المحتمل ثبوت الفرق مضافاً إلى عدم وجود الجملة المشتملة على كلمة «ثم» في بعض نسخ نقل الرواية ، وسيأتي البحث في هذه الجهة في مسألة خمسين الآتية إن شاء الله تعالى .

الثالثة: ظاهر الروايتين المتقدّمتين في الجهة الأولى أنّه في صورة اختيار قتل البعض يثبت على المتروك الباقي الدية بقدر جنايته ، ولا عهدة على الوليّ في ذلك المقدار ، فإذا أراد قتل واحد من الإثنين القاتلين لا يجب على الوليّ ردّ نصف الدية إلى من أراد قتله ، بل العهدة في ذلك على المتروك الباقي ، فإذا لم يؤدّ الدية بمقدار جنايته لا يستحق على الوليّ شيئاً .

ويدلّ عليه أيضاً صحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في عشرة اشتركوا في قتل رجل ، قال: يخيّر أهل المقتول فأيّهم شاؤوا قتلوا ، ويرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدّية(1) .

الرابعة: ظاهر رواية الفضيل المتقدّمة وإن كان هو التخيير بين قصاص الجميع وبين قصاص الواحد ، إلاّ أنّ المتفاهم العرفي منه جواز اختيار أزيد من واحد ، ولو لم يكن هو الجميع ، فيجوز في مورد الرواية اختيار قصاص خمسة رجال . ودعوى عدم استفادة ذلك من الرواية لا ينبغي الإصغاء إليها .

كما أنّ المستفاد من الجمع بين ثبوت الدية على المتروك بقدر جنايته وبين ثبوت الزائد على الجناية على الوليّ إذا أراد قتل الجميع أنّه في صورة اختيار قصاص البعض ربّما يلزم على كليهما الأداء بالنسبة ، كما لو كان الشركاء ثلاثة فأراد

(1) وسائل الشيعة: 19 / 29 ، أبواب القصاص في النفس ب 12 ح3 .


104

مسألة 45 ـ تتحقّق الشركة في القتل بأن يفعل كلّ منهم ما يقتل لو انفرد ، كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار أو البحر أو من شاهق ، أو جرحوه بجراحات كلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت ، وكذا تتحقّق بما يكون له الشركة في السراية مع قصد الجناية ، فلو اجتمع عليه عدّة فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً ، لكن سرت الجميع فمات فعليهم القود بنحو ما مرّ . ولا يعتبر التساوي في عدد الجناية ، فلو ضربه أحدهم ضربة والآخر ضربات والثالث أكثر وهكذا ، فمات بالجميع فالقصاص عليهم بالسواء والدية عليهم سواء . وكذا لا يعتبر التساوي في جنس الجناية ، فلو جرحه أحدهما جائفة والآخر موضحة مثلاً ، أو جرحه

اقتصاص الإثنين ، فإنّه يجب على المتروك أداء ثلث الدية ، وعلى الوليّ دية كاملة ، لاستحقاق كلّ منهما ثلثي الدية بعد كون الجناية بمقدار الثلث . فما عن كشف اللِّثام(1) في هذا الفرض من أنّه يؤدي الثالث ثلث الدية والوليّ ثلثي الدية ، فلعلّه لاشتباه في المحاسبة ، وإلاّ فقد عرفت استحقاق كلّ واحد ثلثي الدية ، فيصير المجموع دية كاملة وثلث ، وبعد استحقاق الثلث على المتروك يبقى على الولي دية كاملة ، كما لا يخفى .

ولا يخفى عليك أنّه لا يتصوّر هذا الفرض فيما لو كان المقتول قصاصاً واحداً ، فإنّه في هذه الصورة يكتفي بما أدّاه المتروك ، ولا يجب على الوليّ شيء في شيء من الموارد ، بل مورد هذا الفرض ما إذا كان المقتول كذلك أزيد من واحد ، كما في مثال شركة الثلاثة ، وعليه فما في المتن من قوله: لو فضل للمقتول أو المقتولين . . . مخدوش من هذه الجهة ، فتدبّر .

(1) كشف اللثام: 2 / 447 .


105

أحدهما وضربه الآخر يقتصّ منهما سواء ، والدية عليهما كذلك بعد كون السراية من فعلهما1.

1 ـ ظاهر المسألة ثبوت كيفيتين لتحقّق الشركة في القتل:

إحداهما: أن يفعل كلّ منهم ما يقتل لو انفرد كالأمثلة المذكورة في المتن ، وكما لو اشتركوا في تقديم الطعام المسموم ، وهذه الكيفية هي الكيفية الواضحة للشركة .

ثانيتهما: ما يكون له الشركة في السراية مع قصد الجناية ، ومرجعه إلى عدم تأثير فعل كلّ واحد منهم مع الانفراد والاستقلال ، وأنّ التأثير مستند إلى المجموع ، وحينئذ يقع الكلام في المرد من قصد الجناية الذي وقع التقييد به في المتن تبعاً للشرائع(1) ، وإن كان ظاهر الجواهر(2) بل صريحه إرجاعه إلى كلتا الكيفيتين على خلاف ظاهر العبارة .

وكيف كان فالظّاهر أنّ المراد من قصد الجناية هو قصد القتل ، والمراد من التقييد به أنّه حيث لا يكون عمل كل واحد منهم مؤثِّراً في القتل بنحو الاستقلال ، فاللاّزم أن ينضمّ إليه قصد القتل حتّى تتحقّق الضابطة الثانية لقتل العمد ، وهي قصد القتل فيما إذا لم يكن العمل مؤثِّراً فيه غالباً .

ولكنّ الظاهر خلاف ذلك ، فإنّ استناد القتل إلى مجموع الأعمال يكفي في تحقّق قتل العمد من جهة الضابطة الأولى ، ولا يلزم الاقتران بقصد القتل ، ويؤيّده التفريع المذكور في المتن ، الخالي عن وجود القصد .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 978 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 69 .


106

مسألة 46 ـ لو اشترك اثنان أو جماعة في الجناية على الأطراف يقتصّ منهم كما يقتصّ في النفس ، فلو اجتمع رجلان على قطع يد رجل ، فإن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد يقتسمانها ثم يقطعهما ، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد ، وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم يقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية ، وعلى هذا القياس اشتراك الجماعة1.

ويحتمل على بُعد أن يكون المراد من قصد الجناية هو قصد العمل غيرالمشروع ، وبعبارة أُخرى قصد تحقّق العدوان في مقابل ما إذا لم يكن المقصود هي الجناية ، بل شيئاً آخر غير محرَّم . ولعلّه منشأ ما عرفت من الجواهر من الإرجاع إلى كلتا الكيفيتين ، ولكنّه خلاف ظاهر الشرائع وصريح المتن .

1 ـ لا إشكال في أنّه كما يقتصّ من جميع الشركاء في القتل ، كذلك يقتصّ من الشركاء في الجناية على الأطراف . ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى الأولويّة ـ صحيحة أبي مريم الأنصاري المتقدّمة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل ، قال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد فاقتسماها ثمّ يقطعهما ، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد . قال: وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم يقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية(1) . والرواية تدلّ على حكم الفروض الثلاثة المذكورة في المتن ، والمراد بربع الدّية هو ربع الدّية الكاملة الذي هو نصف دية يد واحدة .

ثمَّ إنّ ظاهر الرواية كما مرّ سابقاً ترتّب القطع على أدائه إليهما دية يد واحدة ، وقد مرّ أنّه لا ملازمة بين هذه الجهة في المقام ، وبينها في الشركة في القتل(2) ، فراجع .

(1 ، 2) تقدّمتا في ص102 ـ 103 .


107

مسألة 47 ـ الاشتراك فيها يحصل باشتراكهم في الفعل الواحد المقتضي للقطع ، بأن يكرهوا شخصاً على قطع اليد أو يضعوا خنجراً على يده واعتمدوا عليه أجمع حتى تقطع ، وأمّا لو انفرد كلّ على قطع جزء من يده فلا قطع في يدهما ، وكذا لو جعل أحدهما آلته فوق يده والآخر تحتها فقطع كل جزء منها حتّى وصل الآلتان وقطعت اليد فلا شركة ولا قطع ، بل كلّ جنى جناية منفردة ، وعليه القصاص أو الدية في جنايته الخاصّة1.

1 ـ لا إشكال في تحقّق الشركة في الجناية على الطرف فيما لو اشتركوا في الفعل الواحد المقتضي للقطع ، كالمثالين المذكورين في المتن ، وكما لو شهدوا عليه بما يوجب القطع ثم يرجعوا ويكذِّبوا أنفسهم ، والظاهر تحقّقها بالكيفية الثانية المتقدّمة في الشركة في القتل ، كما لو قطع أحدهم بعض اليد من غير إبانة ، والثاني في موضع آخر كذلك ، والثّالث في موضع ثالث ، وسرى الجميع حتى سقطت اليد لعدم الفرق بين المقامين .

والملاك استناد القتل أو القطع إلى عمل المجموع وتأثيره فيه ، كما إذا لم يكن في البين إلاّ عمل واحد ، ومنه يظهر أنّه لا يكون من قبيل الشركة ما لو انفرد كلّ على قطع جزء من يده ، كما إذا قطع أحدهما يده من الزند ، والآخر من المرفق أو المنكب، فإنّه يكون حينئذ جنايتان مستقلّتان من دون أن تتحقّق الشركة ، ولكلّ جناية حكمها من القصاص أو الدّية ، وكذا لو وضع أحدهما آلته فوق اليد والآخر تحتها ، فقطع كلّ جزءاً منها حتّى وصل الآلتان وقطعت اليد ، فانّه حينئذ أيضاً يكون عمل كل واحد جناية مستقلّة من دون تحقّق الشركة في شيء منه ، حتّى الجزء الأخير الذي تحصّل به الإبانة التي هي من جملة القطع ، لا شيء خارج عنه كالموت.

وبالجملة: فالملاك في حصول الشركة وعدمها وحدة الجناية المتحقّقة من أزيد


108

مسألة 48 ـ لو اشترك في قتل رجل امرأتان قتلتا به من غير ردّ شيء ، ولو كنّ أكثر فللوليّ قتلهنّ وردّ فاضل ديته يقسّم عليهنّ بالسوية ، فإن كنّ ثلاثاً وأراد قتلهنّ ردّ عليهنّ دية امرأة وهي بينهنّ بالسوية ، وإن كنّ أربعاً فدية امرأتين كذلك ، وهكذا ، وإن قتل بعضهنّ ردّ البعض الآخر ما فضل من جنايتها ، فلو قتل في الثلاث اثنتين ردّت المتروكة ثلث ديّته على المقتولين (المقتولتين ـ ظ) بالسوية ، ولو اختار قتل واحدة ردّت المتروكتان على المقتولة ثلث ديتها ، وعلى الوليّ نصف دية الرجل1.

من واحد وتعدّدها ، فمع الوحدة تتحقّق الشركة لا محالة ، ومع التعدّد لا مجال لحصولها ، كما لايخفى .

1 ـ لا خلاف في أنّه لو اشترك في قتله امرأتان تقتلان به ولا ردّ ، إذ لا فضل لهما عن ديته . وفي صحيحة محمد بن مسلم ، قال : سألت أباجعفر (عليه السلام) عن امرأتين قتلتا رجلاً عمداً؟ قال: تقتلان به ، ما يختلف في هذا أحد(1) .

وعلى ما ذكر ، فلو كنّ أكثر من اثنتين يجوز للوليّ قتلهنّ أجمع ، وردّ فاضل ديته المساوية لاثنتين عليهنّ ، فإن كنّ ثلاثاً يردّ عليهنّ دية امرأة ، وإن كنّ أربعاً دية رجل ، وهكذا . وإن قتل بعضهنّ ردّ البعض غير المقتولة ما فضل من جنايتها ، فلو قتل في الثلاث اثنتين ردّت الباقية غير المقتولة ثلث دية الرجل على المقتولتين بالسوية ، وإن اختار في الفرض قتل واحدة تردّ الباقيتان اللّتان على عهدة كلّ منهما ثلث دية الرجل على المقتولة ثلث دية المرأة ، وعلى الوليّ تمام ديتها التي هي نصف دية الرجل .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 62 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 15 .


109

مسألة 49 ـ لو اشترك في قتل رجل رجلٌ وامرأةٌ فعلى كلّ منهما نصف الدية ، فلو قتلهما الوليّ فعليه ردّ نصف الدية على الرّجل ، ولا ردّ على المرأة ، ولو قتل المرأة فلا ردّ ، وعلى الرّجل نصف الدية ، ولو قتل الرّجل ردّت المرأة عليه نصف ديته لا ديتها1.

1 ـ ظاهر العبارة إنّ وليّ المقتول يتخيّر في مفروض المسألة بين أُمور أربعة:

أحدها: أخذ الدية من كلّ منهما بدلاً عن القصاص ، ومن الواضح أنّه لا يجوز أخذ الزائد من دية كاملة ، لعدم تحقّق قتل أزيد من واحد ، والدية بينهما على نحو التنصيف ، لاشتراك الجناية بينهما وإضافتها إليهما من دون ترجيح ، وكون دية المرأة نصف دية الرجل لا يقتضي عدم التنصيف بعد كون الدية في مقابل الجناية ، وهي مشتركة بينهما ، كما لا يخفى .

هذا ، مضافاً إلى أنّه لا خلاف فيه ظاهراً ، ويدلّ عليه بعض النصوص الآتية .

ثانيها: قتل كلّ من الرجل والمرأة ، ولا شبهة بملاحظة ما تقدّم في مشروعيّته وجوازه ، وعليه يجب على وليّ المقتول ردّ نصف الدية على الرجل فقط ، ولا يشترك فيه المرأة وفاقاً للأكثر ، بل المشهور(1) ، وخلافاً للمحكيّ عن مقنعة المفيد (قدس سره)(2): من أنّه يقسّم النصف بينهما أثلاثاً . والقاعدة موافقة لما هو المشهور ، لما عرفت من اشتراكهما في الجناية بنحو يكون النصف بحسابه والنصف بحسابها ، ولذا يجب على كلّ منهما نصف الدية كما عرفت في الأمر الأوّل ، فإذا كان النصف بحساب الرّجل فاللاّزم ردّ نصف الدية إليه فقط جبراً للنصف ، والمرأة لا تستحقّ شيئاً بعد

(1) النهاية: 745 ، المهذّب: 2 / 468 ، السرائر: 3 / 345 ، مسالك الأفهام: 15 / 104 .

(2) المقنعة: 752 .


110

كون ديتها بقدر الجناية المتحقّقة منه من دون نقص وزيادة ، ولا مجال للتثليث أصلاً .

ويؤيّده صحيحة أبي بصير ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن غلام لم يدرك وامرأة قتلا رجلاً خطأ ، فقال: إنّ خطأ المرأة والغلام عمد ، فإن أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما ، ويردّوا على أولياء الغلام خمسة آلاف درهم ، وإن أحبّوا أن يقتلوا الغلام قتلوه وتردّ المرأة على أولياء الغلام ربع الدية ، وإن أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوا المرأة قتلوها ويردّ الغلام على أولياء المرأة ربع الدية . قال: وإن أحبّ أولياء المقتول أن يأخذوا الدية كان على الغلام نصف الدية ، وعلى المرأة نصف الدية(1) .

ولكن اشتمال الرواية على أنّ خطأ المرأة والغلام عمد ، مع كونه مخالفاً للمشهور بل الاجماع ، كما عن المجلسي (قدس سره) في المرآة(2) ، وللرّوايات الدالّة على أنّ عمد الصبيّ خطأ تحمله العاقلة يوجب الوهن فيها ، مع ثبوت الخلل فيها من بعض الجهات الاُخر أيضاً ، كما تأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى .

ثالثها: قتل المرأة فقط ، ولا ريب في جوازه بعد جواز قتلها مع الرجل معاً ، ولا ردّ عليها بعد كون جنايتها بمقدار ديتها . نعم يجب على الرجل الجاني غير المقتول نصف الدية وردّه إلى أولياء المقتول لإضافة نصف الجناية إليه ، واللاّزم تداركه بالدية التي هي نصف الدية الكاملة . نعم في رواية أبي بصير المتقدّمة لزوم ردّ ربع الدية إلى أولياء المرأة ، وهي مخالفة للقاعدة ، والمشهور من جهتين ولا يمكن

(1) وسائل الشيعة: 19 / 64 ، أبواب القصاص في النفس ب 34 ح1 .

(2) مرآة العقول: 24 / 64 .


111

مسألة 50 ـ قالوا: كلّ موضع يوجب الردّ يجب أولاً الردّ ثم يستوفى ، وله وجه . ثمّ إنّ المفروض في المسائل المتقدّمة هو الرّجل المسلم الحرّ والمرأة كذلك1.

الالتزام به .

رابعها: قتل الرجل فقط ، واللاّزم بمقتضى ما ذكرنا من إضافة الجناية إليه وإلى المرأة بالنصف لزوم ردّ نصف الدية إليه من جانب المرأة ، لإضافة النصف إليها ، واللاّزم تداركه وردّه إلى الرجل . والمحكيّ عن النهاية(1) والمهذَّب(2) لزوم ردّ ربع الدية الذي هو نصف دية المرأة من جانبها ، فلو كان المستند فيه هي رواية أبي بصير المتقدّمة فالظّاهر أنّه لا يمكن الإلتزام به بعد وجود الخلل فيها من جهات متعدّدة ، وإن كان المستند فيه هي القاعدة ، فمقتضاها النصف ، كما عرفت .

1 ـ وقع التصريح بالتقديم في الشرائع(3) والقواعد(4) . ولابدّ أوّلاً من بيان أنّ العموم يشمل ما إذا كان من يجب عليه الرّد هو وليّ المقتول المتصدّي للقصاص ، وما إذا كان من يجب عليه الرّد هو الشريك في الجناية الذي لم يقصد قصاصه ، كما إذا اشترك رجلان في قتل رجل ، فإن أراد الوليّ قتلهما يكون الرّد واجباً عليه ، وإن أراد قتل أحدهما يكون الرّد واجباً على الشريك الباقي ، كما أنّ الظاهر شمول العموم

(1) النهاية: 745 .

(2) المهذّب : 2 / 468 .

(3) شرائع الإسلام : 4/979 .

(4) قواعد الأحكام : 2 / 285 .


112

لما إذا كان قصاصاً في الطرف دون النّفس .

والظاهر أيضاً أنّ مراد القائلين بلزوم الرّد أوّلاً ليس مجرّد ثبوت حكم تكليفي نفسي ، بل مرادهم شرطية الرّد لثبوت حق القصاص ، بحيث إذا لم يتحقّق الرّد لم يكن له حقّ في القصاص ، لتوقّفه عليه واشتراطه به .

ثمّ إنّ البحث في المسألة تارة بلحاظ ما هو مقتضى القاعدة في الباب ، واُخرى بلحاظ الروايات الواردة فيها ، فنقول:

أمّا من جهة القاعدة: فالظاهر أنّ مقتضاها ـ فيما إذا كان من يجب عليه الرّد هو وليّ المقتول ـ هو عدم لزوم الرّد أوّلاً ، لأنّه بعد قيام الدليل على جواز قصاص أزيد من نفس واحدة في صورة تحقّق الجناية بنحو الاشتراك ، ودلالة الدليل أيضاً على لزوم ردّ الزائد على ما يقابل نفساً واحدة ، يفهم العرف ثبوت حقّين في المقام ووقوع التعارض بينهما ، ومن المعلوم أنّه لا ترجيح لأحدهما على الآخر مع عدم قيام الدليل عليه .

وأمّا إذا كان من يجب عليه الردّ هو الشريك في الجناية ، فعدم لزوم الردّ أوّلاً أوضح ، لعدم الارتباط بين الحقّين: حقّ القصاص الثابت للوليّ وحقّ الردّ الثابت لأحد الشريكين على الآخر .

وأمّا من جهة الروايات: فأظهر الروايات الواردة في المقام صحيحة أبي مريم الأنصاري المتقدّمة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل، قال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد فاقتسماها ثم يقطعهما ، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد. قال: وإن قطع يدأحدهماردّالذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية(1) .

(1) تقدّمت في ص102 .


113

حيث إنّ صدرها صريح بناء على بعض النسخ ، وظاهر بناءً على البعض الآخر ، في ترتّب القصاص على أداء دية يد أحد إليهما فيما إذا كان من يجب عليه الأداء هو المقطوع عدواناً ، وذيلها ظاهر في عدم لزوم الرّد أوّلاً فيما إذا كان من يجب عليه الأداء هو الشريك في القطع ، فالرواية ظاهرة في التفصيل ، وحمل قوله (عليه السلام) في الذيل: «وإن قطع يد أحدهما» على كون المراد إرادة القطع وحبّه ـ كما وقع التعبير به في الصدر ـ خلاف الظاهر جدّاً ، وقد عرفت أنّ موضع القصاص في الطرف أيضاً من مصاديق المسألة .

نعم يبقى احتمال اختصاص الحكم بذلك وعدم شموله لما إذا كان هناك قصاص في النفس ، ويدفعه مضافاً إلى بعده في نفسه عدم القول بالفصل ظاهراً .

ومن الروايات صحيحة عبدالله بن مسكان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجلين قتلا رجلاً ، قال: إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة وقتلوهما وتكون الدية بين أولياء المقتولين ، فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه وأدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول . الحديث(1) . فإن اختلاف التعبير في الموردين ظاهر في التفصيل المذكور ، وإن لم يكن ظهورها بالغاً مرتبة الظهور في الرواية الاُولى .

ومنها: جملة من الروايات الواردة فيما إذا قتل رجل امرأة ، الظاهرة في ترتّب حقّ القصاص لأوليائها على أداء نصف الدية إليه ، التي منها صحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: في الرجل يقتل المرأة متعمّداً ، فأراد أهل المرأة أن يقتلوه ، قال: ذاك لهم إذا أدّوا إلى أهله نصف الدية ، وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل ، وإن

(1) وسائل الشيعة: 19 / 30 ، أبواب القصاص في النفس ب 12 ح 4 .


114

قتلت المرأة الرجل قتلت به ليس لهم إلاّ نفسها الحديث(1) .

نعم رواية أبي بصير المتقدّمة في المسألة السابقة ظاهرة في خلاف التفصيل واشتراك الفرضين في عدم لزوم التقديم ، لكن قد عرفت ثبوت الاختلال فيها من وجوه .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 59 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح3 .


115

القول

في

الشرائط المعتبرة في القصاص

وهي أُمور:

الأوّل : التساوي في الحرّية والرِّقيّة ، فيقتل الحرّ بالحرّ وبالحرّة لكن مع ردّ فاضل الدية ، وهو نصف دية الرجل الحرّ ، وكذا تقتل الحرّة بالحرّة وبالحرّ لكن لا يؤخذ من وليّها أو تركتها فاضل دية الرجل1.

1 ـ المراد من التساوي المذكور عدم قتل الحرّ بالعبد لا العكس ، فإنّه لا إشكال في قتل العبد بالحرّ ، وقد فرّع عليه في المتن فروعاً أربعة:

الأوّل: قتل الحرّ بالحرّ ، ولا شبهة فيه ، بل هو المصداق الظاهر والفرد المتيقّن من القصاص ، وقد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبدُ بِالعَبدِ والأُنثَى بِالأُنثَى الآية(1) . والرّوايات من هذه الجهة متواترة .

الثاني: قتل الحرّ بالحرّة ، ولا خلاف فيه بل الاجماع بقسميه عليه كما في

(1) البقرة 2 : 178 .


116

الجواهر(1) .

ويدلّ عليه روايات متعدّدة مفادها الجواز مع ردّ فاضل الدية ، وهو نصف دية الرجل الحرّ ، ولا ينافيه قوله تعالى في الآية المتقدّمة : ﴿وَالأُنْثَى بِالأنثَى ، فإنّ المراد منه مجرّد ثبوت القصاص في الأنثى بالأنثى لا الاختصاص ، وإلاّ لا يجوز قتل العبد بالحرّ لقوله تعالى: ﴿العَبدُ بِالعَبدِ .

ومنها: رواية أبي مريم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: اُتي رسول الله(صلى الله عليه وآله)برجل قد ضرب امرأة حاملاً بعمود الفسطاط فقتلها ، فخيّر رسول الله(صلى الله عليه وآله)أولياءها أن يأخذوا الدية خمسة آلاف درهم ، وغرّة وصيف أو وصيفة للذي في بطنها ، أو يدفعوا إلى أولياء القاتل خمسة آلاف ويقتلوه(2) . والمراد من الوصيف والوصيفة هو العبد والأمة ، والمراد من الغرة إمّا نفس العبد والأمة مطلقاً كما يظهر من نهاية ابن الأثير(3) ، وعليه فتكون الإضافة بيانيّة ، وإمّا خصوص الأبيض منهما كما يظهر من بعض اللغويين ، ويحتمل أن يكون المراد بها في المقام العبد والأمة في أوائل ولادتهما .

ومنها: رواية أبي بصير ـ التي جعلها في الوسائل روايتين ، والظّاهر وحدتهما ـ عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن قتل رجل امرأة وأراد أهل المرأة أن يقتلوه أدّوا نصف الدية إلى أهل الرجل(4) .

ومنها: صحيحة الحلبي المتقدّمة في المسألة السابقة .

(1) جواهر الكلام: 42 / 82 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 60 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 5 .

(3) النهاية لابن الأثير: 5 / 191 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 60 ، أبواب القصاص في النفس ب33 ح6 و7 .


117

ومنها: غير ذلك من الروايات الدالّة عليه .

وفي مقابلها رواية إسحاق بن عمّار ، عن جعفر (عليه السلام) أنّ رجلاً قتل امرأة فلم يجعل عليّ (عليه السلام) بينهما قصاصاً ، وألزمه الدية(1) ولكنّه ذكر الشيخ (قدس سره) أنّه يجوز أن يكون القتل خطأً لا عمداً ، فلا قصاص ، ويجوز أن يكون لم يجعل بينهما قصاصاً لا يحتاج معه إلى ردّ فضل الدية(2) .

وقال صاحب الوسائل: يمكن حمله على امتناع الوليّ من ردّ فضل الدية .

وعلى تقدير عدم إمكان الحمل يكون الترجيح مع الروايات المتقدّمة الموافقة لفتوى المشهور بل الاجماع ، كما عرفت من الجواهر .

الثالث: قتل الحرّة بالحرّة ، وهو مثل الفرع الأوّل لا شبهة فيه ، ويدلّ عليه صريح الكتاب والسنّة المتواترة .

الرابع: قتل الحرّة بالحرّ ، ولا شبهة في أصل ثبوت القصاص فيه ، وأنّه تقتل الحرّة بالحرّ . إنّما الكلام في أنّه هل يؤخذ من تركتها أو من الوليّ فاضل دية الرجل وهو النصف أم لا؟ نسب الثاني في الشرائع إلى الأشهر(3) ، مشعراً بوجود الخلاف فيه ، بل بعدم خلوّ القول الآخر عن الشهرة ، لكن ذكر في الجواهر أنّه لا نجد فيه خلافاً(4) ، ويدلّ عليه روايات صحيحة:

مثل: صحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) المشتملة على قوله (عليه السلام) : وإن قتلت

(1) وسائل الشيعة: 19 / 62 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 16.

(2) الاستبصار: 4 / 266 .

(3) شرائع الإسلام : 4 / 980 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 83 .


118

المرأة الرجل قتلت به ، ليس لهم إلاّ نفسها (1) .

وصحيحة عبدالله بن سنان المشتملة على قول أبي عبدالله (عليه السلام) في امرأة قتلت زوجها متعمّدة ، قال: إن شاء أهله أن يقتلوها قتلوها ، وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه(2) .

وصحيحة هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المرأة تقتل الرجل ما عليها؟ قال: لا يجني الجاني على أكثر من نفسه(3) .

وفي مقابلها صحيحة أبي مريم الأنصاري ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في امرأة قتلت رجلاً ، قال: تقتل ويؤدّي وليّها بقيّة المال(4) .

ولكنّها رماها غير واحد بالشذوذ وموافقة العامة(5) ، وقد احتمل الحمل على الإنكار وعلى الاستحباب . وفي الوسائل يحتمل أن يكون أصله في امرأة قتلها رجل ، قال: يقتل ، ويكون غلطاً من الرّاوي أو الناسخ . مضافاً إلى عدم ظهورها في نفسها في أداء نصف الدّية; لعدم ظهور «بقيّة المال» فيه .

وحكي عن الراوندي(6) حملها على يسار المرأة ، وحمل الروايات الصحيحة المتقدّمة على إعسارها . ويرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ التعليل الواقع في الروايات المتقدّمة «وأنّه لا يجني الجاني على أكثر من نفسه» لا يلائم الحمل على الإعسار ،

(1) وسائل الشيعة: 19 / 59 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 3 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 59 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 1 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 61 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 10 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 62 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 17 .

(5) الإستبصار: 4 / 268 ، مسالك الأفهام: 15 / 109 ـ 110 .

(6) راجع رياض المسائل: 10 / 256 ـ 257 .


119

كما أنّ الحكم في هذه الرواية بلزوم أداء الوليّ ، لا الأداء من تركتها لا يلائم الحمل على اليسار ـ أنّه لا شاهد على هذا الجمع بوجه .

ولو وصلت النوبة إلى ملاحظة الترجيح بعد فرض ثبوت المعارضة ، يكون الترجيح من تلك الروايات ، لموافقتها للشهرة الفتوائية(1) بل المجمع عليه ، فتدبّر .

ثمَّ إنّه يوجد في بعض الروايات أنّ قوله تعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبدُ بِالعَبدِ والأُنثَى بِالأُنثَى(2) ناسخ لقوله تعالى: ﴿النَّفسُ بِالنَّفسِ(3) كما ورد في تفسير علي ابن إبراهيم(4) .

وفي رسالة المحكم والمتشابه لعلي بن الحسين المرتضى نقلاً من تفسير النعماني بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث قال: ومن الناسخ ما كان مثبتاً في التوراة من الفرائض في القصاص ، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ وَالعَينَ بِالعَينِ إلى آخر الآية ، فكان الذكر والأنثى والحرّ والعبد شرعاً ، فنسخ الله تعالى ما في التوراة بقوله: ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبدُ بِالعَبدِ والأُنثَى بِالأُنثَى فنسخت هذه الآية ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفْسِ(5) .

وذكر صاحب الوسائل بعد نقل الرواية أنّ النسخ هنا بمعنى التخصيص ، فلا ينافي ما مرّ من أنّها محكمة لبقاء العمل بها بعده .

(1) مسالك الأفهام: 15 / 108 .

(2) البقرة 2 : 178 .

(3) المائدة 5 : 45 .

(4) تفسير القمي: 1 / 64 ـ 65 ، مستدرك الوسائل: 18 / 240 ، أبواب القصاص في النفس ب 30 ح4 .

(5) وسائل الشيعة: 19 / 63 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 19 .


120

مسألة 1 ـ لو امتنع وليّ دم المرأة عن تأدية فاضل الدية أو كان فقيراً ولم

ولكنّ الظاهر أنّ الالتزام بالنسخ أو التخصيص يتوقّف على ثبوت المنافاة بين الآيتين ، ولو بنحو العموم والخصوص أو المطلق والمقيّد ، وثبوت المنافاة يتوقّف على أن يكون المراد من قوله تعالى : ﴿أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ هو العموم أو الإطلاق ، بحيث يرجع إلى أن يكون المراد هو وقوع كلّ نفس في مقابل كلّ نفس ، وعلى أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ إلى الآخر هو الانحصار ، وحينئذ تتحقّق المغايرة ولو بنحو العموم والخصوص ، مع أنّ كليهما ممنوعان ، لعدم اشتمال الأوّل على أداة العموم وعدم ثبوت الإطلاق فيه ، لعدم كونه في مقام البيان ، إلاّ من جهة وقوع النفس في مقابل النفس ، لا وقوعها في مقابل مثل الأنف والعين .

وأمّا أنّ كلّ نفس واقعة في مقابل كل نفس فلا تكون الآية بصدد بيانها ، كما أنّ الآية الثانية لا دلالة لها على الإنحصار ، بحيث كان مرجعها إلى انحصار وقوع الحرّ في مقابل الحرّ ، والعبد في مقابل العبد ، والأنثى في مقابل الأنثى ، بعد صراحة الروايات والفتاوى في جواز قتل الحرّ بالحرّة ، والعبد بالحرّ ، والأنثى بالذكر .

فهل هذه الروايات مخالفة لظاهر الآية باعتبار دلالتها على الانحصار؟ الظاهر العدم ، وعليه فلا تنافي بين الآيتين أصلاً ، حتّى يكون مجال للنسخ أو التخصيص .

مضافاً إلى دلالة رواية موثقة على عدم ثبوت النسخ ، وهي رواية زرارة ، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله عزّوجلّ: ﴿النَّفسَ بِالنَّفسِ وَالعَينَ بِالعَينِ وَالأَنفَ بِالأَنفِالآية ، قال: هي محكمة(1) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 61 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح 11 .


121

يرض القاتل بالدية أو كان فقيراً يؤخّر القصاص إلى وقت الأداء والميسرة 1.

مسألة 2 ـ يقتصّ للرجل من المرأة في الأطراف ، وكذا يقتصّ للمرأة من الرجل فيها من غير ردّ ، وتتساوى ديتهما في الأطراف ما لم يبلغ جراحة المرأة ثلث دية الحر فإذا بلغته ترجع إلى النصف من الرجل فيهما ، فحينئذ لا يقتصّ من الرجل لها إلاّ مع ردّ التفاوت2.

1 ـ وعن القواعد : الأقرب أنّ له (أي للوليّ الممتنع أو الفقير) المطالبة بدية الحرّة ، [وإن لم يرض القاتل] ، إذ لا سبيل إلى طلّ الدّم(1) .

وأورد عليه في الجواهر بأنّ الأصل فيها القود ، والدّية إنّما تثبت صلحاً موقوفاً على التراضي ، فمع عدم رضا القاتل تقف مطالبته بالقصاص على بذل الولي الزائد ، وامتناعه عن ذلك لا يوجب الدية ، بل وكذا فقره ، بل أقصاه التأخير إلى وقت الميسرة ، وليس مثل ذلك طلاًّ ، كما هو واضح(2) .

2 ـ لا خلاف ولا إشكال في أنّه يقتصّ للرّجل من المرأة في الأطراف ، كما يقتصّ له منها في النفس ، من دون رجوع من الرجل إلى زائد عن الجرح ، كما أنّه يقتصّ للمرأة من الرجل في الأطراف من غير ردّ التفاوت فيما إذا كانت ديتهما متساوية فيها ، وهو ما لم يبلغ جراحة المرأة ثلث دية الحرّ ، كما في قطع إصبع واحدة أو إصبعين أو ثلاث أصابع منها ، فإنّه يتحقّق القصاص حينئذ من غير ردّ شيء ، وهذا بخلاف ما إذا قطع أربع أصابع مثلاً منها ، فإنّه لا يقتصّ لها منه إلاّ بعد ردّ

(1) قواعد الأحكام: 2 / 284 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 82 .


122

التفاوت ، لرجوع الدية إلى النصف بعد البلوغ إلى الثلث .

ويدلّ عليه روايات صحيحة مستفيضة:

منها: صحيحة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة ، كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل ، قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون ، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون ، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون . قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممَّن قاله ونقول : الذي جاء به شيطان! فقال: مهلاً يا أبان هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف ، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس ، والسنّة إذا قيست محق الدين(1) . رواها المشايخ الثلاثة .

وبالجملة: لا إشكال في أصل الحكم ، إنّما الإشكال في أنّ الرجوع إلى النصف هل يكون مترتّباً على عنوان البلوغ إلى الثلث من غير اعتبار التعدّي والتجاوز عنه ، أو يكون مترتّباً على عنوان التجاوز ، بحيث لا يكفي مجرّد البلوغ من دون تحقّق التجاوز ؟ والشهرة على الأوّل(2) ، ونسب خلافها إلى الشيخ (قدس سره) في النهاية ، حيث قال: «وتتساوى جراحهما ما لم تتجاوز ثلث الدية ، فإذا بلغ ثلث الدية نقصت المرأة ويزيد الرجل»(3) . وأنت خبير بأنّ الذيل يمنع عن ظهور ما قبله في اعتبار التجاوز في مقابل البلوغ ، ولعلّه لذا احتمل في الجواهر أن يكون التعبير بالمجاوزة فيها إنّما وقع مسامحة ، أو نظراً إلى كون البلوغ إلى الثلث من دون زيادة

(1) وسائل الشيعة: 19 / 268 ، أبواب ديات الأعضاء ب 44 ح1 .

(2) رياض المسائل: 10 / 258 .

(3) النهاية: 773 ، وكذا خالف ابن إدريس في السرائر: 3 / 403 ، والعلاّمة في ارشاد الأذهان: 2 /206 .


123

ولا نقيصة من الأفراد النادرة غاية الندرة(1) .

وكيف كان فيدلّ على أنّ المناط هو البلوغ ـ مضافاً إلى صحيحة أبان المذكورة ـ صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة بينها وبين الرجل قصاص؟ قال: نعم في الجراحات حتى يبلغ الثلث سواء ، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل وسفلت المرأة(2) .

والجواب قرينة على أنّ محطّ النظر في السؤال إنّما هو في قصاص الطرف دون النفس ، كما أنّه شاهد أيضاً على أنّ المراد من القصاص المذكور فيه هو القصاص من غير ردّ ، وإلاّ ففي أصل القصاص لا فرق بين صورتي البلوغ وعدمه ، كما لايخفى .

ورواية أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الجراحات؟ فقال: جراحة المرأة مثل جراحة الرجل حتّى تبلغ ثلث الدية ، فإذا بلغت ثلث الدّية سواء أضعفت جراحة الرجل ضعفين على جراحة المرأة ، وسنّ الرجل وسنّ المرأة سواء(3) .

وأمّا ما ظاهره التعليق على التجاوز فهي موثقة ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قطع إصبع امرأة؟ قال: تقطع إصبعه حتّى إلى ثلث المرأة ، فإذا جاز الثلث أُضعف الرجل(4) .

وصحيحة الحلبي قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن جراحات الرجال والنساء في

(1) جواهر الكلام : 42 / 88 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 122 ، أبواب قصاص الطرف ب 1 ح3 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 122 ، أبواب قصاص الطرف ب 1 ح2 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 123 ، أبواب قصاص الطرف ب 1 ح4 .


124

الدياتوالقصاص سواء؟ فقال:الرجال والنساءفي القصاص، السنّ بالسِّن، والشّجة بالشَّجة والإصبع بالإصبع سواء حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية ، فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدّية ، ودية النساء ثلث الدية(1) .

وفي محكيّ كشف اللِّثام بعد الحكم بأنّ أخبار الأوّل أكثر وأصحّ ، قال: ولكن ربما يمكن فهم التجاوز من نحو قوله (عليه السلام) : «فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل» فإنّ مثل هذه العبارة ليست بعزيزة في إرادة المجاوزة ، ولعلّه للإشارة إليه وقع ما سمعته من عبارة النهاية(2).

ويؤيّده الجمع بين التعبيرين في روايتي التجاوز المتقدّمتين .

وذكر صاحب الجواهر ـ بعد الإيراد عليه بمنع تعارف التعبير عن المجاوزة بالبلوغ ـ : إنّ الترجيح مع نصوص الأوّل ، لأنّ النصوص المعارضة غير واضحة الدلالة إلاّ من حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل ، وهو معارض بمفهوم الغاية في الصدر ، والجمع بينهما كما يمكن بصرف مفهوم الغاية إلى الشرط كذا يمكن بالعكس ، فلا يمكن الاستدلال بها(3) .

ويؤيّده أنّه على هذا التقدير تصلح نصوص الأوّل للترجيح وبيان الجمع ورفع الإجمال ، كما لايخفى .

ويرد عليه أنّ مقتضى التحقيق كما قرّرنا في الأصول عدم ثبوت المفهوم بوجه لشيء من القضايا ، فلا مجال لدعوى التعارض بين المفهومين .

والظاهر أنّه لا تعارض بين الطائفتين من الروايات في المقام ، وذلك إنّما هو

(1) وسائل الشيعة: 19 / 123 ، أبواب قصاص الطرف ب 1 ح6 .

(2) كشف اللثام: 2 / 446 .

(3) جواهر الكلام : 42 / 87 ـ 88 .


125

للتعبير بالبلوغ والإنتهاء في الطائفة الثانية أيضاً ، غاية الأمر تفريع عنوان التجاوز عليه بكلمة الفاء التفريعية ، ولا مانع من الالتزام بأنّه إنّما هو تفريع على بعض مصاديق الضابطة المذكورة قبله التي علّق فيها الحكم على البلوغ ، ولا دليل على كون التفريع إنّما هو تفريعاً على كلّ الضابطة الشاملة لجميع المصاديق ، وهذا النحو من التعبير شائع متعارف ، وله مصاديق كثيرة في الكتاب والسنّة ، وهذا بخلاف التفريع في الطائفة الأولى ، فإنّه إنّما يكون تفريعاً على مجموع الضابطة ، وإلاّ فلا مجال للجمع بين التعبيرين في كلام واحد أصلاً .

ثمّ إنّه لو فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بوجه يكون الترجيح مع الأولى أيضاً ، لموافقتها للشهرة المحقّقة(1) ، بل قد عرفت(2) أنّ كلام الشيخ في النهاية أيضاً لايكون صريحاً في الخلاف ، فلا محيص عمّا هو المشهور كما في المتن .

ثم إنّ الظاهر أنّ الرجوع إلى النصف مع بلوغ الثلث إنّما هو فيما إذا كان قطع أربع أصابع المرأة بضربة واحدة بحيث كان في البين جناية واحدة ، وأمّا لو كان بضربات متعدّدة موجبة لتعدّد الجناية بحيث كان لكلّ جناية قصاص مستقلاًّ ، كما إذا قطع إصبعين منها مرّة وإصبعين اُخريين بعد شهر مثلاً ، فلا إشكال في جواز قطع الأربع بعنوان القصاص من غير ردّ شيء ، لتساويها مع الرجل في كلتا الجنايتين ، ولا مجال لسقوط حكم الاُولى بلحوق الثانية ، ولا يشمله الروايات الدالّة على الرجوع إلى النصف مع بلوغ الثلث ، وقد مرّ ما هو المناط في وحدة الجناية وتعدّدها في بعض المسائل المتقدّمة(3) .

(1 ، 2) تقدّم في ص122 .

(3) تقدّم في ص91 ـ 92 .


126

وها هنا فروع:

الأوّل: لو اختارت المرأة فيما إذا قطع الرجل أربع أصابعها القصاص في إصبعين من الرجل من دون ردّ شيء هل يجوز لها ذلك أم لا؟

ربّما يقال : بالجواز نظراً إلى تحقّق العمل بمقتضى التفاوت بينهما ، وهو الرجوع إلى النصف بعد بلوغ الثلث ، وبعبارة أخرى مجموع أصابع المرأة الأربعة يساوي عشرين من الإبل بمقتضى النصّ والفتوى ، وإصبعان من الرجل يساوي هذا المقدار ، فلا مانع من قصاصهما في مقابل الأربعة . وإن شئت قلت: إنّه كان يجوز لها قطع إصبعين منه مع قطعه خصوص الإصبعين منها ، فمع قطع الأربع يجوز لها ذلك أيضاً ، لأنّ شدّة الجناية وكثرتها لا يكون مانعة بوجه .

ولكنّ الظاهر خلاف ذلك ، لأنّ مقتضى ما ذكر من لزوم ردّ عشرين من الإبل فيما إذا اختارت القصاص في الأربع منه أنّه يجوز لها في كلّ إصبع القصاص بشرط أداء خمسة من الإبل ، بمعنى ثبوت حقّ القصاص لها في النصف المشاع من كلّ إصبع ، ولزوم ردّ قيمة النصف الآخر . وعليه فتبديل حقّ القصاص في الإصبعين الآخرتين بالإصبعين الأوّلتين بحيث لم يجب عليها ردّ شيء يحتاج إلى دليل يدلّ على ذلك ، ولا يستفاد من النصوص المتقدّمة مشروعيّته .

وبالجملة: فغاية ما يستفاد من النصّ مشروعية قصاص الجميع مع ردّ خمسة من الإبل في مقابل النّصف المشاع من كل إصبع ، وأمّا مشروعية قصاص البعض مكان الردّ فلم يدلّ عليها النصّ بوجه .

الثاني: لو اختارت القصاص في ثلاث والعفو عن الرابعة فهل يجوز لها ذلك أم لا؟ الظاهر العدم ، لأنّ وقوع الثلاث في مقابل الثلاث إنّما هو فيما إذا لم تتجاوز الجناية عن الثلاث ، وأمّا مع التجاوز المقتضي للرجوع إلى النصف فلا مجال لهذه


127

الثاني : التساوي في الدين ، فلا يقتل مسلم بكافر مع عدم اعتياده قتل الكفّار1.

مسألة 1 ـ لا فرق بين أصناف الكفّار من الذمّي والحربي والمستأمن وغيره ، ولو كان الكافر محرَّم القتل كالذمّي والمعاهد يعزَّر لقتله ويغرم المسلم دية الذمّي لهم2.

مسألة 2 ـ لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمة جاز الاقتصاص منه بعد ردّ فاضل ديته .وقيل إنّ ذلك حدّ لا قصاص ، وهو ضعيف3.

المقابلة ، بل مقتضى ما ذكرنا أنّ لها حقّ القصاص في النصف المشاع من كلّ إصبع ، ويلزم عليها ردّ دية النصف الآخر ، وعليه فليس لها القصاص في الثلاث فضلاً عن الأربع الذي هو مقتضى العفو .

الثالث: في الفرض المزبور لو ردّت الدية بدلاً عن العفو المذكور فالظّاهر الجواز ، لأنّه إذا كان لها حقّ القصاص في الأربع مع ردّ التفاوت فلها هذا الحقّ مع ردّ التفاوت هنا أيضاً لعدم الفرق ، لو لم نقل بأولوية المقام ، غاية الأمر أنّ مقتضى ما ذكرنا من لزوم ردّ خمسة من الإبل في مقابل كلّ إصبع لزوم ردّ خمسة عشر من الإبل في هذا الفرض ، لاختيار القصاص في ثلاث فيقع في مقابلها هذا المقدار ، والإصبع الباقية وإن كانت تساوي عشرة من الإبل إلاّ أنّ عدم استفادة حقّ القصاص منها لا يوجب الانتقال إلى العشرة مع كون المقطوع قصاصاً ثلاثاً ، فالظاهر أنّ الردّ الواجب عليها في هذا الفرض هو ردّ خمسة عشر من الإبل ، فتدبّر .

1 و 2 و 3 ـ يقع الكلام في أصل هذا الشرط وفي المسألتين في مقامات:


128

المقام الأوّل: في أصل اعتبار التساوي في الدين ، بمعنى عدم قتل المسلم بالكافر لا بنحو الإطلاق ، كما أنّه سيأتي جواز قتل اليهودي بالنصراني وبالعكس ، ونفى وجدان خلاف معتدّ به بين الإمامية فيه في الجواهر بل الإجماع بقسميه عليه(1) ، والمحكيّ عن مقنع الصدوق أنّه سوّى بين المسلم والذمّي في أنّ الوليّ إن شاء اقتصّ من قاتله المسلم بعد ردّ فاضل الدية ، وإن شاء أخذ الدية(2) ، كما أنّ المحكيّ عن أبي يوسف من العامة الحكم بجواز قتل المسلم بالكافر(3). وقد قال فيه الشاعر مثل قوله:

جار على الدين أبو يوسف بقتله المسلم بالكافر(4)

وربّما يستدلّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ للكافِرِينَ عَلى الْمُؤْمِنينَ سَبِيلاً(5) نظراً إلى دلالته على نفي السبيل لوليّ الكافر المقتول إن كان مثله كافراً ، والقصاص سبيل بل أيّ سبيل ، ويتمّ بالنسبة إلى الوليّ المسلم بعدم القول بالفصل .

وأمّا الروايات ، فالتتبع فيها يقضي بأنّها على طوائف ثلاث:

الأولى: ما تدلّ على أنّه لا يقاد مسلم بذمّي مطلقاً ، من دون تفصيل بين صورة الاعتياد وعدمه .

مثل : صحيحة محمّد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات ، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية

(1) جواهر الكلام: 42 / 150 .

(2) المقنع: 534 .

(3) ذهب أبو حنيفة وأصحابه منهم : أبو يوسف إلى أنّ المسلم يقتل بالذمّي ، وزاد أبو يوسف أنّه يقتل بالمستأمن أيضاً . الخلاف: 5 / 146 مسألة 2 ، المبسوط للسرخسي: 26 / 131 ، المغني لابن قدامة: 9/341 ـ 342 .

(4) راجع جواهر الكلام: 42 / 150 .

(5) النساء 4: 141 .


129

الذمّي ثمانمائة درهم(1) .

الثانية: ما تدلّ بظاهرها على ثبوت القود مطلقاً .

مثل : رواية ابن مسكان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا قتل المسلم يهوديّاً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا ، ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه(2) .

وموثقة سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل قتل رجلاً من أهل الذمّة ، فقال: هذا حديث شديد لايحتمله الناس، ولكن يعطي الذمّي دية المسلم ، ثم يقتل به المسلم(3).

ورواية أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه قتلوه ، وأدّوا فضل ما بين الديتين(4) .

وروايته الأخرى قال: سألته عن ذمّي قطع يد مسلم قال: تقطع يده إن شاء أولياؤه ويأخذون فضل ما بين الديتين ، وإن قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد ، فإن شاؤوا أخذوا دية يده ، وإن شاؤوا قطعوا يد المسلم وأدّوا إليه فضل ما بين الديتين ، وإذا قتله المسلم صنع كذلك(5) .

الثالثة: ما تدلّ على التفصيل في القصاص بين صورة الاعتياد وعدمه .

مثل ما رواه جعفر بن بشير ، عن إسماعيل بن الفضل ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل قتل رجلاً من أهل الذمّة ، قال: لا يقتل به إلاّ أن يكون متعوِّداً للقتل.

(1) وسائل الشيعة: 19 / 80 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح5 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 79 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح2 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 79 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح3 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 80 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح4 .

(5) وسائل الشيعة: 19 / 138 ، أبواب قصاص الطرف ب 22 ح1 .


130

وروى مثله محمّد بن الفضل (الفضيل ـ ظ) ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) . وعليه فيتحقّق التعدّد في الرواية لاختلاف الراوي والمرويّ عنه فيهما .

وما رواه أحمد بن الحسن ، عن أبان ، عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟ قال: لا إلاّ أن يكون معوّداً لقتلهم ، فيقتل وهو صاغر(2) . والظاهر اتحادها مع الرواية الأولى وعدم كونها رواية أُخرى غيرها ، لاتّحاد الرّاوي والمرويّ عنه فيهما .

وما رواه علي بن الحكم وغيره ، عن أبان بن عثمان ، عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن دماء المجوس واليهود والنصارى هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال: لا إلاّ أن يكون متعوّداً لقتلهم . قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: لا إلاّ أن يكون معتاداً لذلك ، لا يدع قتلهم ، فيقتل وهو صاغر(3) . والظاهر اتّحادها مع الأوليين وعدم كونها ثلاث روايات كما في الوسائل والجواهر .

ثمَّ الظاهر وجود الاضطراب في متن هذه الرواية ; لأنّه مضافاً إلى ظهوره في كون السؤالين متصلين ، ووقوع الثاني عقيب الجواب عن السؤال الأوّل بلا فصل ،مع أنّه ليس أمراً مغايراً للأوّل خصوصاً مع اتّحاد الجواب في كليهما ، لظهور الأوّل أيضاً في ثبوت القتل في صورة الاعتياد .

ودعوى كون محطّ السؤال في الأوّل هو أهل الذمّة مع إخلالهم بشرائط الذمّة كما هو مفاد قوله: «إذا غشّوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم» ، وفي الثاني هم مع

(1) وسائل الشيعة: 19 / 80 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح7 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 80 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح6 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 79 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح1 .


131

العمل بشرائطها مدفوعة بأنّ عطف أهل الكتاب على أهل الذمّة في الثاني ينافي ذلك ، كما أنّه عليه كان اللاّزم التصريح بالعمل بشرائط الذمّة ، كما أنّه وقع في الأوّل التصريح بخلافه إنّ احتمال وجود شيء وثبوته على المقتولين من المجوس واليهود والنصارى ممّا لا مجال له ، واحتمال ثبوته عليهم بلحاظ الإخلال بشرائط الذمّة لا يرتبط بثبوته عليهم بلحاظ كونهم مقتولين ، كما يدلّ عليه قوله: «عن دماء المجوس» ، وكما يدلّ عليه قوله: «وعلى من قتلهم شيء» ، فالظاهر حينئذ وجود الإضطراب في الرواية .

ثمّ إنّ مقتضى الجمع بين الطوائف الثلاث جعل الطائفة الثالثة شاهدة للجمع بين الأوّلتين ، والحكم بثبوت التفصيل بين صورة الاعتياد وعدمه ، ومع وجود الجمع الدلالي بهذه الكيفية لا يبقى مجال لمثل الحمل على التقية .

المقام الثاني: في أنّ القتل في صورة الاعتياد هل يكون بعنوان القصاص؟ كما هو المحكيّ عن المرتضى(1) والشيخين(2) وابني حمزة(3) وسعيد(4) وسلار(5) والشهيدين(6) ، أو بعنوان الحدّ ، بمعنى ثبوت التعزير قبل الاعتياد ، والحدّ بعده ، كما عن أبي علي(7) والتقي(8) ، بل عن

(1) الإنتصار: 542 مسألة 302 .

(2) المقنعة: 739 ، النهاية: 749 .

(3) الوسيلة: 433 .

(4) الجامع للشرائع: 572 .

(5) المراسم العلوية: 238 .

(6) اللمعة الدمشقية: 176 ، الروضة البهية: 10 / 57 ـ 58 .

(7) حكى عنه في مختلف الشيعة: 9 / 335 مسألة 32 .

(8) الكافي في الفقه: 384 .


132

المختلف(1) وظاهر الغنية(2) ، أو بعنوان عقوبة المخالفة مع الإمام كما عن الفقيه(3) .

وتظهر الثمرة بين الأولين في الخصوصيات الموجودة في القصاص من السقوط بالعوف ، وعدم الاستيفاء إلاّ بعد مطالبة الوليّ ، ولزوم ردّ الفضل بين الديتين . فعلى الأوّل تثبت هذه الخصوصيات دون الثاني . نعم حكي عن المحقّق الثاني في الحاشية(4) والروضة(5) احتمال لزوم ردّ الفضل مع كون القتل حدّاً ، ولكنّه غير ظاهر الوجه .

والظاهر إنّ جميع الروايات المتقدّمة ما عدا رواية سماعة ـ التي سيأتي البحث فيها ـ ظاهرة في القصاص باعتبار التعبير بمثل قوله: «المسلم هل يقتل بأهل الذمّة» الظاهر في كون قتله بإزاء المقتول وبعوضه ، وواقعاً في مقابله ، وبعبارة أُخرى ظاهر الباء كونها بمعنى المقابلة لا السببيّة ، والمقابلة متحقّقة في القصاص فقط ، أو باعتبار التعبير بالقود الذي هو بمعنى القصاص ، أو باعتبار الحكم بلزوم ردّ فضل دية المسلم ، أو باعتبار تعليق جواز القتل على إرادة أولياء المقتول وأهله ، الذي قد عرفت أنّه من خصوصيات القصاص .

وبالجملة: لا مجال للترديد في أنّ ظاهر الروايات هو ما عليه المشهور .

وأمّا رواية سماعة ، فظاهرها هو كون القتل بعنوان الحدّ ، للحكم فيها بلزوم الإعطاء إلى الذمّي ـ أي وليّه ـ دية المسلم التي هي دية كاملة . وفي الحقيقة يكون

(1) مختلف الشيعة: 9 / 335 .

(2) غنية النزوع: 407 .

(3) الفقيه: 4 / 102 .

(4) حكى عنه في جواهر الكلام: 42 / 155 .

(5) الروضة البهية: 10 / 57 .


133

الواقع في مقابل المقتول هي دية المسلم ، وعليه فيكون القتل بعده ظاهراً في كونه بعنوان الحدّ الذي يكون مرتبطاً بالحاكم ، ولعلّ ثبوت الدية الكاملة والقتل معاً هو المراد من الحديث الشديد الذي لا يحتمله النّاس .

وهنا رواية أُخرى لسماعة استدلّ بها صاحب الجواهر(1) على هذا القول ، لا بمعنى تعيّن القتل ، بل بمعنى إيكال أمر ذلك إلى الإمام (عليه السلام) . حيث قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن مسلم قتل ذمّياً ؟ فقال: هذا شيء شديد لا يحتمله الناس ، فليعط أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السّواد وعن قتل الذمّي . ثم قال: لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذن يكثر القتل في الذمّيين ، ومن قتل ذمّياً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذمّياً حراماً ما آمن بالجزية وأدّاها ولم يجحدها(2) .

ولكنّ الظاهر اتّحادها مع الرواية الأولى وعدم كونها رواية أُخرى غيرها ، وعليه فيتردّد الأمر بين أن يكون الصادر من الإمام (عليه السلام) هو ما يطابق الأولى أو ما يطابق الثانية ، فلا مجال حينئذ للاتكاء على عنوان «التنكيل» الذي لا يقبل الحمل على غيره من القصاص ونحوه . وهذا بخلاف عنوان القتل المذكور في الأولى ، فإنّه يقبل الحمل على عنوان القصاص بقرينة الروايات المتكثرة المتقدّمة الظاهرة بل الصريحة في القصاص ، وإن لم يكن مجال لهذا الحمل مع قطع النظر عنها .

وأمّا الحكم بلزوم الإعطاء إلى وليّ المقتول دية المسلم فلا ينافي حمل القتل المذكور بعده على القصاص بعد إمكان الحمل على الاستحباب .

(1) جواهر الكلام: 42 / 154 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 163 ، أبواب ديات النفس ب 14 ح1 .


134

وبالجملة: لا تنهض هذه الرواية في مقابل الرّوايات المتقدّمة بعد إمكان حملها عليها ، وعدم إمكان العكس . نعم يبقى على هذا القول استلزامه للتخصيص في عموم آية نفي السبيل باعتبار ثبوت السبيل لوليّ الكافر إذا كان كافراً في صورة الاعتياد ; لثبوت حقّ القصاص له وهو سبيل على هذا القول ، مع أنّه آب عن التخصيص ، وإن التزم به صاحب الجواهر(1) .

ويمكن الالتزام في هذه الصورة بلزوم أن يكون الاستيفاء من ناحية الحاكم ، وإن كان متوقّفاً على مطالبة الكافر ، وعليه فلا يتحقّق السبيل بوجه .

المقام الثّالث: في اختصاص مورد الحكم بثبوت القصاص في صورة الاعتياد بخصوص أهل الذمّة ، والدليل عليه ظهور الرّوايات المتقدّمة في ذلك باعتبار ذكر أهل الذمّة بالخصوص ، كما في أكثر تلك الروايات ، أو باعتبار الحكم بلزوم ردّ الفضل ، مع أنّه لا دية لغير الذمّي من الكفار بوجه . وعطف «أهل الكتاب» على «أهل الذمة» في ذيل إحدى روايات إسماعيل بن الفضل المتقدّمة لا ينافي ذلك ، بعدما عرفت من اتّحادها وعدم تعدّدها ، وعليه فلم يثبت هذا العطف بوجه ، فالظاهر الاختصاص حينئذ .

والظاهر أيضاً تحقّق الاعتياد بالمرّة الثالثة ; لعدم تحقّقها قبلها عند العرف ، وثبوت العادة في الحيض بالمرّتين لا يلازم الثبوت في مثل المقام . كما أنّ الظاهر أنّ ثبوت القصاص مع تحقّق الاعتياد إنّما هو بالإضافة إلى القتل الموجب لتحقّقه ، فالمطالِب هو وليّ المقتول الثالث فقط . وأمّا الأوّلان فهما وإن كانا دخيلين في تحقّق الاعتياد إلاّ أنّه لا قصاص فيهما ، لعدم ثبوته معهما .

(1) جواهر الكلام: 42 / 154 .


135

مسألة 3 ـ يقتل الذّمّي بالذّمّي وبالذمّية مع ردّ فاضل الدية ، والذّمية بالذّمية وبالذّمي من غير ردّ الفضل كالمسلمين ، من غير فرق بين وحدة ملّتهما واختلافهما ، فيقتل اليهودي بالنصراني وبالعكس ، والمجوسي بهما وبالعكس1.

1 ـ الحكم في الذمّي والذمّية فيما إذا كان القاتل والمقتول كلاهما ذميّين ما عرفت فيما إذا كانا مسلمين ، فيقتل من غير ردّ مع التساوي في الذكورة والأُنوثة ، ومع ردّ فاضل الدية إذا كان المقتول مؤنَّثاً ، وبدون شيء فيما إذا كان مذكراً .

ولا فرق في ذلك بين وحدة ملّتهما والاختلاف ، لا لعموم ﴿النَّفسَ بِالنَّفسِ(1) ، لما مرّ من عدم ثبوت الإطلاق ، بل لكون الكفر ملّة واحدة وعدم ثبوت المزيّة فيه ، ولرواية السكوني ، عن الصادق (عليه السلام) إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: يقتصّ اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض ، ويقتل بعضهم بعضاً إذا قتلوا عمداً(2) . ويستفاد منها صدور هذا القول من علي (عليه السلام) مكرّراً .

وحكي عن أبي حنيفة عدم قتل الذمّي بالمستأمن(3) ، وفساده ظاهر بعد كون المستأمن محرّم القتل . نعم عن كشف اللِّثام أنّه لا يقتل الذمّي ولا المستأمن بالحربي(4) . ولعلّ الوجه عدم كون الحربي محقون الدّم ، وقد مرّ لزوم كون النفس متّّصفة بالاحترام والعصمة حتى يتحقّق موجب القصاص ، ومقتضى ذلك عدم ثبوت القصاص فيما إذا كان القاتل حربيّاً أيضاً ، كما جزم به العلاّمة في محكيّ

(1) المائدة 5 : 45 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 81 ، أبواب القصاص في النفس ب 48 ح1 .

(3) المبسوط للسرخسي: 26 / 134 ، بدائع الصنائع: 6 / 276 .

(4) كشف اللثام: 2 / 454 .


136

مسألة 4 ـ لو قتل ذمّي مسلماً عمداً دفع هو وماله إلى أولياء المقتول ، وهم مخيَّرون بين قتله واسترقاقه ، من غير فرق بين كون المال عيناً أو ديناً ، منقولاً أو لا ، ولا بين كونه مساوياً لفاضل دية المسلم أو زائداً عليه ، أو مساوياً للدّية أو زائداً عليها1.

القواعد(1) ، إلاّ أنّه ذكر صاحب الجواهر أنّ الالتزام به مشكل ، لأنّ أهل الذمّة فيما بينهم كالحربيين إذ لا ذمّة لبعضهم على بعض . قال: فالعمدة حينئذ الإجماع إن كان(2) .

1 ـ أصل الحكم في المسألة وهو دفع القاتل الذمّي إلى أولياء المقتول ليقتلوه أو يسترقّوه أو يعفوا عنه ، وكذا دفع أمواله في الجملة إليهم مشهور بين الأصحاب(3)شهرة محقَّقة ، بل عن جمع من الكتب دعوى الإجماع عليه(4) . والعمدة في مستند الحكم صحيحة ضريس الكنّاسي التي رواها المشايخ الثلاثة ، عنه ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في نصراني قتل مسلماً ، فلمّا أخذ أسلم ، قال: اقتله به . قيل: وإن لم يسلم؟ قال: يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا ، وإن شاؤوا عفوا ، وإن شاؤوا استرقّوا . قيل: وإن كان معه عين (مال)؟ قال: دفع إلى أولياء المقتول هو وماله .

قال في الوسائل بعد نقله عن الكليني: ورواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب ، ورواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن

(1) قواعد الأحكام: 2 / 290 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 156 .

(3) التنقيح الرائع: 4 / 427 ، مسالك الأفهام: 15 / 144 .

(4) الإنتصار: 547 مسألة 307 ، الروضة البهية: 10 / 61 ، وظاهر نكت النهاية: 3/388 .


137

ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، وعن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) (1).

وظاهره ثبوت روايتين ، روى إحداهما الضريس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، وقد رواه المشايخ الثلاثة; وروى الأُخرى عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) رواها الشيخ فقط ، ومع ذلك لا اختلاف بينهما من جهة المتن أصلاً . نعم يكون الاختلاف في النسخة في نفس رواية ضريس من جهة ثبوت كلمة «عين» أو كلمة «مال» ، وإلاّ لا يكون بين الروايتين اختلاف بوجه .

وظاهر الجواهر خلاف ذلك ، حيث قال بعد نقل الشهرة والإجماع: وهو الحجّة بعد صحيح ضريس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في نصرانيّ قتل مسلماً يدفع إلى أولياء المقتول ، فإن شاؤوا قتلوا ، وإن شاؤوا عفوا ، وإن شاؤوا استرقّوا; وإن كان معه عين مال له دفع إلى أولياء المقتول هو وماله . وفي حسنة عنه (عليه السلام) أيضاً ، وحسن عبدالله ابن سنان ، عن الصادق (عليه السلام) في نصرانيّ قتل مسلماً فلمّا أخذ أسلم ، قال: اقتله به ، قيل: فإن لم يسلم؟ قال: يدفع إلى أولياء المقتول هو وماله(2) .

ولا إشكال في أنّ الملاك هو ما في الوسائل خصوصاً بملاحظة مراعاة الدقّة في المراجعة إلى المصادر والمنابع في الطبعة الحديثة المشتملة على عشرين مجلَّداً ، ولكن لا يقدح ذلك في أصل الحكم .

وأمّا البحث في الخصوصيات فيقع في جهات:

الأُولى: أنّه هل المدفوع إلى أولياء المقتول جميع أموال القاتل عيناً كان أو ديناً ، منقولاً أو غير منقول ، مساوياً لفاضل الدية أو زائداً عليه ، بما يساوي أصل الدية

(1) وسائل الشيعة: 19 / 81 ، أبواب القصاص في النفس ب 49 ح1 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 156 ـ 157 .


138

أو مطلقاً ، ولو كان مساوياً لأضعاف الدية ، كما لعلّه المشهور المصرّح به في التحرير(1) ، وظاهر المحقّق في الشرائع(2) وغيره من الأصحاب(3) ، أو خصوص فضل ما بين دية المسلم والذّمي ، كما عن الصدوق(4) ، أو خصوص دية المسلم أو قيمته إن كان مملوكاً كما عن الحلبيين(5) ، أقوال .

ولابدّ بملاحظة ما ذكرنا من عدم الاختلاف بين الروايتين أن يقال: لو كانت النسخة هي «المال» بدل «العين» لكان مقتضى الإطلاق لزوم دفع جميع الأموال من غير استثناء ، نعم ربّما يناقش من جهة التعبير بالدفع الذي لا يلائم مع المال غير المنقول ، خصوصاً مع التعبير بكلمة «مع» الظاهرة في كونه مستصحباً له ، ولكنّه مندفع بملاحظة العرف ، كما لا يخفى .

ولو كانت النسخة هي العين دون المال ، فالتقييد بها حيث كان واقعاً في كلام السائل يكون العدول في الجواب عن التعبير بها بالتعبير بالمال يظهر منه أنّه لا اختصاص للحكم بها أصلاً ، وعلى ما ذكرنا يكون المستفاد من الرواية ما عليه المشهور ، ولا مجال للقولين الآخرين ، كما أنّه لا مجال للاستبعاد بوجه .

الثانية: الظّاهر أنّ قتل الذمّي في الفرض ليس لأجل خروجه عن الذمة بسب ارتكاب قتل المسلم ، لأنّه مضافاً إلى عدم كون قتل المسلم من أسباب الخروج عن

(1) تحرير الأحكام: 2 / 248 .

(2) شرائع الأحكام: 4 / 986 .

(3) كابن حمزة في الوسيلة: 434 ـ 435 ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 581 والشهيد الأوّل في اللمعة: 176 .

(4) المقنع: 534 .

(5) الكافي في الفقه: 385 ، غنية النزوع: 406 .


139

الذمّة لاختلاف الإخلال بشرائط الذمة من هذه الجهة كما قرّر في محلّه ، يكون الدليل عليه أنّه لو كان القتل لأجل ذلك لما كان حينئذ امتياز وخصوصية لورثة المقتول من جهة اختيار العفو أو القتل ، بل كانوا حينئذ كسائر الناس ، ولم يكن لهم العفو أصلاً ، مع أنّ الرواية صريحة في خلافه ، فلا وجه حينئذ لما عن كشف اللّثام(1) وبعض آخر(2) .

الثالثة: الظاهر أيضاً أنّ التخيير بين الأمور الثلاثة المذكورة في الرواية بالإضافة إلى نفس القاتل أمر ، ودفع أمواله إلى أولياء المقتول أمر آخر ، لا ارتباط له بخصوص الاسترقاق من تلك الأمور الثلاثة ، خلافاً لما عن ابن إدريس(3) من أنّه لا يجوز أخذ المال إلاّ مع الاسترقاق ، لأنّ مال المملوك لمولاه ، وفي محكيّ كشف اللِّثام: «ويحتمله الخبر وكلام الأكثر»(4) .

ولكنّ الظاهر ، أنّه مخالف لظاهر الرواية جدّاً ، لأنّه لا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة بتوقّف ملك الأموال على الاسترقاق . هذا مضافاً إلى أنّ القاعدة لا تقتضيه أيضاً ، لعدم استلزام الاسترقاق في الموارد الأخر لتملّك أموال المسترَّق ، بل كما قالوا: يبقى ماله فيئاً أو ملكاً للإمام (عليه السلام) ، وكون مال المملوك لمولاه معناه هو المال الحاصل له في حال العبودية والملك ، لا ما يعمّ المال الذي كان له قبل الملك . هذا مضافاً إلى أنّ مرجع ذلك إلى ثبوت المال له في صورة الاسترقاق ، وهو لا ينفي الثبوت مع عدم الاسترقاق ، كما لا يخفى .

(1) كشف اللثام: 2 / 454 .

(2) كأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 385 .

(3) السرائر: 3 / 351 .

(4) كشف اللثام: 2 / 455 .


140

مسألة 5 ـ أولاد الذّمي القاتل أحرار لا يسترقّ واحد منهم لقتل والدهم ، ولو أسلم الذمّي القاتل قبل استرقاقه لم يكن لأولياء المقتول غير قتله1.

1 ـ في هذه المسألة فرعان:

الأوّل: عدم جواز استرقاق أولاد الذمّي القاتل للمسلم لقتل والدهم ، ومن الظاهر أنّ المراد بهم هو الصغار منهم لا المطلق ، كما في المتن ، والمحكي عن المفيد(1)وسلار(2) وابن حمزة(3) جواز الاسترقاق ، وعن ابن إدريس(4) ومن تأخّر عنه(5)عدم الجواز ، وتردّد فيه المحقّق في الشرائع(6) ، وإن جعل الأشبه البقاء على الحرّية .

وكيف كان ، فربّما يستدلّ على الجواز بتبعية الأولاد الصغار للوالد ـ ومقتضى التبعية جواز استرقاقهم أيضاً ـ بالخروج عن الذّمة بسبب ارتكاب القتل والالتحاق بأهل الحرب ، ومن أحكامهم استرقاق أولادهم الصّغار .

وقد مرّ الجواب عن الأمر الثاني في المسألة الرابعة المتقدّمة ، وأنّ ارتكاب القتل لا يوجب الخروج عن الذمّة والالتحاق بأهل الحرب . وأمّا الأمر الأوّل فيردّه عدم قيام الدّليل على سعة دائرة التبعية وشمولها لمثل المقام ، خصوصاً بعد قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى(7) .

وربّما يستدلّ على العدم كما في الجواهر: بخلوّ النصوص عن ذلك ، مع أنّها

(1) المقنعة: 740 .

(2) المراسم العلوية: 238 .

(3) الوسيلة: 435 .

(4) السرائر: 3 / 351 .

(5) كشف الرموز: 2 / 609 ، إرشاد الأذهان: 2 / 204 .

(6) شرائع الإسلام: 4 / 986 .

(7) الأنعام 6 : 164 .


141

مسألة 6 ـ لو قتل الكافر كافراً وأسلم لم يقتل به ، بل عليه الدية إن كان المقتول ذا دية1.

في مقام البيان(1) ، ولكنّه يتمّ بناء على نقل صاحب الجواهر للرواية بالنحو الذي عرفت ، وأمّا بناء على نقل صاحب الوسائل فلا يتمّ ، لعدم كون الرواية بهذا النقل في مقام البيان ، ولو لم يقع السؤال عن حكم المال لم يكن في الرواية تعرّض لحكمه أيضاً ، بل غاية ما كانت الرواية بصدد بيانه هو حكم نفس القاتل من جهة القتل والاسترقاق والعفو .

ولكن ذلك لا يقدح في أصل الحكم بعد كون جواز الاسترقاق مفتقراً إلى الدّليل ، وقد عرفت أنّه لا دليل عليه ، فمقتضى الأصل العدم .

الثاني: لو أسلم الذمّي القاتل قبل استرقاقه لم يكن لأولياء المقتول غير قتله ، فلا يجوز استرقاقه ولا تملّك أمواله ، للاقتصار في الرواية المتقدّمة في الجواب عن سؤال هذا الفرض بقوله (عليه السلام) : «اقتله به» الظاهر في انحصار حكمه فيما إذا لم يرد العفو بالقتل.

1 ـ الوجه في عدم قتله به أنّ الملاك في ذلك حال الاقتصاص ، فإنّ مثل قوله (عليه السلام) في بعض الروايات المتقدّمة : «لا يقاد مسلم بذمّي»(2) ظاهر في المسلم حال إرادة القصاص ، وإن لم يكن متّصفاً بذلك حال الجناية . وعليه فاللاّزم عليه الدية ، وقد قيّده في المتن تبعاً للمحقّق في الشرائع(3) بما إذا كان المقتول ذا دية ، مع أنّه إذا لم يكن

(1) جواهر الكلام: 42 / 158 .

(2) تقدّم في ص128 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 987 .


142

مسألة 7 ـ يقتل ولد الرشيدة بولد الزنية بعد وصفه الإسلام حين تميزه ولو لم يبلغ ، وأمّا في حال صغره قبل التميز أو بعده وقبل إسلامه ففي قتله به وعدمه تأمّل وإشكال1.

كذلك لا يبقى موضوع للقصاص من الأوّل . وبعبارة أخرى محلّ الكلام ما إذا كان هناك قصاص ، مع قطع النظر عن إسلامه الجديد ، وهو يتحقّق فيما إذا كان المقتول محقون الدّم ، ولا يشمل مهدور الدّم ، وعليه فالتقييد المذكور بلا فائدة .

1 ـ يقع الكلام في هذه المسألة في فرعين:

الأوّل: ما إذا أظهر ولد الزنا الإسلام بعد التميز ، سواء بلغ أو لم يبلغ . ومنشأ توهّم عدم اقتصاص ولد الحلال بقتله أحد أمرين:

الأوّل: كونه محكوماً بالكفر ، كما عليه بعض الأصحاب كالسيّد المرتضى (قدس سره)(1) ، وقد مرّ أنّه لا يقتل المسلم بالكافر .

الثاني: كون ديته بمقدار الذمّي وهو ثمانمائة درهم ، فيستكشف من ذلك إجراء حكم الذمّي عليه ، ومن أحكامه عدم قتل المسلم به .

والجواب منع كونه في هذا الحال وهو حال إظهار الإسلام ووصفه محكوماً بالكفر ، وقد مرّ في بحث نجاسة الكافر عدم كون ولد الحرام بمجرّده كافراً ، ومنع كون التساوي في الدية موجباً للتساوي في القصاص بعد كون الملاك هنا عدم قتل المسلم بالكافر ، وهو لا ينطبق عليه ، وعليه فالظاهر ثبوت القصاص في هذا الفرع .

الثاني: ولد الحرام قبل تميّزه أو بعده مع عدم إظهار الإسلام ووصفه . والظاهر

(1) الإنتصار: 544 مسألة 503 .


143

ومن لواحق هذا الباب فروع:

منها: لو قطع مسلم يد ذمّي عمداً فأسلم وسرت إلى نفسه ، فلا قصاص في الطرف ولا قود في النفس ، وعليه دية النفس كاملة . وكذا لو قطع صبيّ يد بالغ فبلغ ثم سرت جنايته لا قصاص في الطرف ولا قود في النفس ، وعلى عاقلته دية النفس1.

أنّه في هذه الصورة لا يكون محكوماً بالكفر ولا بالإسلام ، لأنّ المفروض عدم إظهاره للإسلام ، وليس في البين تبعية للأبوين كما في الكفر ، أو لأحدهما كما في الإسلام ، بعد انتفاء النسب شرعاً وسلب الأبوّة والأمومة ، وجريان بعض أحكامهما لا يلازم ثبوتهما ، وعليه فهو ليس بمسلم ولا كافر ولو حكماً .

وحينئذ إن كان الملاك في المقام اعتبار التساوي في الدين كما ادّعى عليه الإجماع صاحب الجواهر(1) ـ وإن كان فيه نظر بل منع ، لوضوح كون مستند المسألة هي الروايات الواردة فيها ـ فلا يكون للإجماع أصالة ، فاللاّزم عدم ثبوت القصاص لعدم تحقّق التساوي في الدين المعتبر فيه . وإن كان الملاك هو أنّه لا يقاد مسلم بكافر كما وقع التعبير به في الرواية ، فاللاّزم ثبوت القصاص ، لأنّ المقدار الخارج عن عموم أدلّة القصاص وإطلاقها هو ما إذا كان المسلم قاتلاً للكافر ، والمفروض عدم تحقّقه في المقام ، لعدم كون المقتول محكوماً بالكفر ، والظاهر هو هذا الوجه ، لدلالة الرواية التي هي مستند المسألة على هذا الأمر ، كما لا يخفى .

1 ـ بعد الفراغ عن عدم ثبوت القصاص في الجناية على الأطراف ، إذا كان الجاني مسلماً والمجنيّ عليه كافراً ذمّياً ، لورود بعض الروايات المتقدّمة في قصاص

(1) جواهر الكلام: 42 / 159 .


144

النفس في قطع المسلم يد الذمّي(1) ، وبعد الفراغ عن ضمان السراية كما مرّ البحث فيه في أوائل كتاب القصاص(2) ، يقع الكلام هنا في أنّه لو قطع المسلم يد الذمّي عمداً ، فأسلم وسرت إلى نفسه في حال إسلامه ، فهل يكون هناك قصاص في النفس بلحاظ وقوع السراية المضمونة في حال الإسلام ، أو أنّه لا مجال للقصاص؟ لأنّ الملاك حال الجناية ، والمفروض عدم تحقّق التساوي في الدين حالها ، وهو معتبر في القصاص كما عرفت . الظاهر هو الوجه الثاني لعدم صدق موجب القصاص وهو قتل النفس المسلمة ظلماً وعدواناً ، فإنّ مجرّد قطع يد الذّمي ولو انجرّ إلى النفس بعد صيرورته مسلماً ، لا يوجب إضافة قتل المسلم ظلماً إليه ، فلا معنى للقصاص .

ولكنّه حيث تكون السراية مضمونة كما هو المفروض ، تثبت دية النفس تامّة على المسلم ، والظاهر ثبوت دية المسلم لا دية الذّمي ، لأنّ ضمان السراية إنّما كان في حال الإسلام ، والفرق بين الدية والقصاص ما عرفت من عدم صدق موجب القصاص هنا . وأمّا الدية فموجبها الاستناد إليه ولو بالسراية ، وهذا متحقِّق في المقام ، وبعبارة أُخرى معنى ضمان السراية يرجع إلى انضمام ما تحقّق بالسراية إلى الجناية الواقعة ابتداءً ، وحيث إنّ الواقع أوّلاً مضمون بالدية فلابدّ أن تكون السراية مضمونة بها أيضاً . غاية الأمر أنّه حيث كان وقوعها في حال الإسلام فاللاّزم الالتزام بثبوت دية المسلم .

ومن هذا الفرع ظهر حكم الفرع الثاني ، فإنّه حيث كانت الجناية واقعة في حال

(1) وهو صحيحة محمد بن قيس ، وسائل الشيعة: 19 / 80 ، أبواب القصاص في النفس ب47 ح5 .

(2) في ص46 ـ 47 .


145

ومنها: لو قطع يد حربي أو مرتدّ فأسلم ، ثم سرت فلا قود ولا دية على الأقوى ، وقيل بالدية اعتباراً بحال الاستقرار والأوّل أقوى ، ولو رماه فأصابه بعد إسلامه فلا قود ولكن عليه الدية ، وربّما يحتمل العدم اعتباراً بحال الرمي وهو ضعيف ، وكذا الحال لو رمى ذمّياً فأسلم ثم أصابه فلا قود وعليه الدية 1.

ومنها: لو قتل مرتدّ ذمّياً يقتل به ، وإن قتله ورجع إلى الإسلام فلا قود

عدم البلوغ ، وهي لا توجب القصاص ، فاللاّزم ثبوت الدية . وحيث كانت السراية مضمونة ، فاللاّزم ثبوت دية النفس . غاية الأمر أنّها على عهدة العاقلة ، لوقوع الجناية في حال الصغر ، وعمد الصبي خطأ تحمله العاقلة . ولا تكون السراية في حال البلوغ موجبة لتبدّل الدية إلى القصاص ، أو لانتقال عهدة العاقلة إلى عهدة الجاني ، كما لا يخفى .

1 ـ أمّا عدم ثبوت القود بالإضافة إلى النفس ، والقصاص بالنسبة إلى الطرف ، فلما عرفت في الفرض المتقدّم ، لأنّه بعد عدم الثبوت في الذمّي يكون عدم الثبوت في الحربي والمرتدّ بطريق أولى .

وأمّا عدم ثبوت الدية ، فقد استدلّ له بأنّ الجناية لم تكن مضمونة بقصاص ولا دية ، فلا توجب السراية ضمانها ، كما إذا تحقّق القطع لأجل السرقة أو القصاص ، ثم سرى إلى النّفس ، حيث لا تكون الدية أيضاً ثابتة كالقصاص .

ولكنه ناقش فيه صاحب الجواهر بما يرجع إلى تحقّق عنوانها بنسبة القتل إليه ولو بالسراية المتولّدة من فعله ، وأنّه لا فرق بين هذا الفرض والفرض الثاني الذي حكم فيه بثبوت الدية ، لاتّحاد السراية مع الاصابة في التوليد من فعله . قال: وعدم الدية بسراية السرقة والقصاص لدليله ، وإلاّ فلا منافاة بين الإذن في الجناية مع


146

وعليه دية الذمّي ، ولو قتل ذمّي مرتدّاً ولو عن فطرة قتل به ، ولو قتله مسلم فلا قود ، والظاهر عدم الدية عليه وللإمام(عليه السلام)تعزيره1.

الضمان بالسّراية(1) .

ويؤيّده أنّه يمكن الحكم بعدم كون الجناية في المقام مأذوناً فيه ، لأنّ مهدورية دم الحربي أو المرتد بناء على ثبوتها إمّا مطلقاً أو بالنسبة إلى خصوص المسلمين ـ كما سيأتي الكلام فيه ـ لا تقتضي مشروعية قطع يده ، خصوصاً بالإضافة إلى المرتدّ الذي يكون قتله بعنوان الحدّ لا بعنوان سلب الاحترام عنه ، كما ربّما يحتمل ، وعليه فبعد عدم مشروعية الجناية وثبوت السراية المضمونة تثبت الدّية .

ولكنّه يدفعه ـ مضافاً إلى ثبوت الفرق بين الفرضين لتوقّف القتل على الرمي والإصابة وهي الجزء الأخير منه ، فإذا كانت الإصابة في حال الإسلام يصدق عنوان قتل المسلم الموجب لثبوت الدية ، وهذا بخلاف المقام الذي كانت السّراية في حال الإسلام ـ أنّه قد عرفت أنّ مرجع ضمان السراية إلى انضمامها إلى أصل الجناية ، فإذا لم يكن أصل الجناية مضموناً فكيف يتحقّق ضمان السراية . وإن شئت قلت: إنّ القدر المتيقّن من معقد الإجماع على ضمان السراية هي السراية في غير المقام ، وهو ما كان أصل الجناية مضموناً ، وعدم مشروعية الجناية أمر ، والضمان أمر آخر ، كما هو ظاهر .

وممّا ذكرنا ظهر الحكم بثبوت الدية في الفرضين الأخيرين ، كما أنّه ظهر أنّ احتمال عدم ثبوت الدية في الفرض الثاني اعتباراً بحال الرمي في كمال الضعف .

1 ـ لابدّ في الوصول إلى أحكام هذه الفروض الثلاثة من ملاحظة أمرين:

(1) جواهر الكلام: 42 / 160 .


147

الأوّل: إنّه لا إشكال في تحرّم المرتد بالإسلام الموجب للمنع من نكاحه للذمّية ومن إرث الكافر له ومن استرقاقه ، ولوجوب قضاء الصلاة عليه بعد إسلامه وتوبته وقبولها ، كما أنّه لا إشكال في ترتّب بعض الأحكام عليه الموجب لكونه أسوء حالاً من الذمّي ، كوجوب قتله مع عدم التوبة أو عدم قبولها ، وعدم حلّ ذبيحته إجماعاً ، بخلاف الذمّي الذي هو محلّ الخلاف وعدم إقراره بالجزية ونحو ذلك . ولأجل ذلك يشكل حكم المرتد في أمثال المقام .

الثاني:أنّ المرتدّ هل يكون مهدور الدّم مطلقاً وبالإضافة إلى كل أحد كالكافر الحربي ، وإن كان جواز قتله متوقّفاً على إذن الامام ، ويتحقّق الإثم بعدم الاستئذان بحيث يترتّب عليه التعزير المترتّب على جميع المعاصي ، أو أنّه غير محترم بالإضافة إلى خصوص المسلمين وبالنسبة إليهم فقط ، فيكون محترماً بالإضافة إلى الكفّار ولو الذمّي منهم ، وعليه فيتحقّق الفرق بين المسلم وغيره في قتله . أو أنّه غير محترم بالإضافة إلى خصوص الإمام والحاكم ، ولا يتعدّى عنه إلى آحاد المسلمين ، فلا فرق حينئذ بين المسلم وغيره في مقام القتل ، وجوه واحتمالات .

يظهر الأوّل من الشافعية(1) ، حيث صرّحوا بأنّه مباح الدم ، فلا يجب القصاص بقتله كالحربي . والثاني من المحقّق في الشرائع(2) حيث حكم بثبوت القصاص للذمّي القاتل له معلّلاً بأنّه محقون الدم بالنسبة إلى الذمّي .

إذا عرفت هذين الأمرين يظهر لك أنّ الحكم بثبوت القصاص في الفرع الأوّل

(1) الأم: 6 / 163 ، الحاوي الكبير: 16 / 424 ـ 425 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 988 .


148

من الفرض الأوّل ، إنّما هو لكون الدليل المخصِّص أو المقيِّد في مقابل عمومات أدلّة القصاص وإطلاقاتها هو قوله (عليه السلام) في بعض الروايات المتقدّمة : «لا يقاد مسلم بذمّي»(1) ، ومن المعلوم عدم انطباقه على المقام ، فيبقى تحت العموم أو الإطلاق . ولو جعل المناط هو التساوي في الدين يمكن القول بثبوته في المقام ، كما صرّح به المحقّق في الشرائع(2) حيث علّل الحكم بثبوت القصاص بثبوت التساوي في الكفر ، كما يقتل النصراني باليهودي لأنّ الكفر ملّة واحدة ، مضافاً إلى منع كون المناط ذلك ، كما عرفت .

كما أنّه ظهر عدم ثبوت القصاص في الفرع الثاني من هذا الفرض ، لأنّ الملاك هو الإسلام حال الاقتصاص ، والمفروض تحقّقه فلا يقاد به ، بل عليه دية الذمّي . وأمّا ثبوت القصاص في الفرض الثاني ، فمضافاً إلى نفي وجدان الخلاف ـ بل الإشكال فيه في الجواهر(3) ـ يدلّ عليه أنّه لم يقم دليل في مقابل أدلّة القصاص على إثبات كون المرتدّ مهدور الدم بالإضافة إلى كلّ واحد ، ومجرّد وجوب قتله وعدم قبول توبته ـ كما في المرتدّ الفطري بناء على عدم القبول ـ لا يلازم المهدوريّة بوجه ، كما سيأتي في من وجب قتله بالزّنا أو اللّواط ، حيث لا يكون وجوب القتل فيه ملازماً للمهدورية بوجه بعد كونه مسلماً مرتكباً للذنب فقط ، ولعلّه تاب عنه .

غاية الأمر عدم تأثير توبته في رفع الحكم بالقتل ، كالتوبة بعد إقامة البيّنة وصدور الحكم من الحاكم ، فإنّه حينئذ يكون مسلماً تائباً عن الذّنب ، غاية الأمر وجوب قتله ، فمجرّد الوجوب لا يلازم المهدورية المطلقة ، فمقتضى عموم أدلّة

(1) تقدّم في ص128 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 988 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 165 .


149

ومنها: لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي ، كان عليه القود . ولو وجب قتله بالزنا أو اللّواط فقتله غير الإمام(عليه السلام) قيل: لا قود عليه ولا دية ، وفيه تردّد1.

القصاص ثبوته في المقام .

وأمّا الفرض الثالث ، فقد قطع المحقّق في الشرائع(1) بعدم ثبوت القود فيه ، ويستفاد منه عدم كونه أقرب من الذمّي إلى الإسلام ، لوضوح أنّه حينئذ يتحقّق القصاص فيه ، لعدم شمول قوله (عليه السلام) : «لا يقاد مسلم بذمّي» له ، لاختصاصه بالذمّي ومن هو في رتبته أو في الرّتبة المتأخّرة عنه ، فالمستفاد من الحكم بعدم القصاص فيه كونه مثل الذمّي أو دونه.

وأمّا الحكم بعدم ثبوت الدّية فيه أيضاً كما استظهره في المتن تبعاً للفاضلين(2)وبعض آخر(3) فيبتنى على ثبوت كونه مهدور الدّم بالإضافة إلى المسلم حتّى يتحقّق الفرق بينه وبين الذمّي ، الذي يجب على قاتله المسلم الدية ولم يثبت ذلك ، وقد مرّ أنّ وجوب قتله لا يلازم المهدورية ، خصوصاً بعد ترتّب جملة من أحكام الإسلام عليه ، نعم لو ثبت عدم الدية فيمن وجب قتله بالزنا أو اللّواط يكون عدم الثبوت في المقام بطريق أولى ، لكنّه ممنوع كما سيأتي .

1 ـ أمّا ثبوت القصاص في الفرع الأوّل ، فلكون نفس من عليه القصاص محترمة ومعصومة بالإضافة إلى القاتل غير الولي ، فمقتضى عموم أدلّة القصاص

(1) شرائع الإسلام: 4 / 988 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 988 ، قواعد الأحكام: 2 / 290 ، إرشاد الأذهان: 2 / 204 .

(3) كالشهيد الثاني في المسالك: 15 / 154 والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان: 14/39 .


150

الشرط الثالث: انتفاء الأبوّة ، فلا يقتل أب بقتل ابنه ، والظاهر أن لا يقتل

ثبوته بالنسبة إليه ، ولا يمنعها جواز القتل لخصوص الوليّ ، لعدم اقتضائه خروجه عن العصمة والاحترام مطلقاً ، كما لا يخفى .

وأمّا الحكم بعدم ثبوت القصاص والدية في الفرع الثاني فقد استدلّ عليه المحقّق في الشرائع بأنّ عليّاً (عليه السلام) قال لرجل قتل رجلاً وادّعى أنّه وجده مع امرأته: عليك القود إلاّ أن تأتي ببيّنة(1) .

ومراده من الرواية ما رواه سعيد بن المسيب قال: إنّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري : إنّ ابن أبي الجسرين وجد رجلاً مع امرأته فقتله ، فاسأل لي عليّاً عن هذا ، قال أبو موسى: فلقيت عليّاً (عليه السلام) فسألته . قال: فقال علي (عليه السلام) : والله ما هذا في هذه البلاد يعني الكوفة ولا هذا بحضرتي ، فمن أين جائك هذا؟ قلت: كتب إليّ معاوية لعنه الله إنّ ابن أبي الجسرين وجد مع امرأته رجلاً فقتله ، وقد اُشكل عليه القضاء فيه فرأيك في هذا . قال: فقال: أنا أبو الحسن ، إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد ، وإلاّ دفع برمّته(2) .

فإنّ المستفاد منها أنّه مع الإتيان بأربعة يشهدون لا يترتّب على القتل شيء من القصاص أو الدية ، ولكنّ الرواية مضافاً إلى ضعفها من حيث السند غير قابلة للاستدلال بها من جهة الدلالة ، لاحتمال اختصاص الحكم المذكور فيها بالزوج ، كما سيأتي البحث فيه . وعليه فلا دلالة لها على العدم مطلقاً ، كما لا يخفى . وممّا ذكر ظهر وجه الترديد ، كما في المتن .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 988 .

(2) التهذيب: 10 / 314 ح1168 ، الفقيه : 4 / 150 ح447 ، وسائل الشيعة: 19 / 102 ، أبواب القصاص في النفس ب 69 ح2 .


151

أب الأب ، وهكذا1.

1 ـ يدلّ على اعتبار هذا الشرط ـ مضافاً إلى ما في الجواهر(1) من نفي وجدان الخلاف فيه بل ثبوت الإجماع بقسميه عليهـ الروايات المستفيضة بل المتواترة من حيث المعنى ، كصحيحة حمران ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا يقاد والد بولده ، ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً(2) .

وصحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقتل ابنه أيقتل به؟ قال: لا(3) .

ومرسلة فضيل بن يسار ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا يقتل الرجل بولده إذا قتله ، ويقتل الولد بوالده إذا قتل والده . الحديث(4) .

ورواية العلاء بن الفضيل قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) : لايقتل الوالد بولده ، ويقتل الولد بوالده ، ولا يرث الرجل الرجل إذا قتله وإن كان خطأ(5) .

ورواية أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا يقتل الأب بابنه إذا قتله ، ويقتل الابن بأبيه إذا قتل أباه(6) .

وموثقة إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول: لا يقتلوالد بولده إذا قتله ، ويقتل الولد بالوالد إذا قتله ، ولا يحدّ الوالد للولد إذا قذفه ،

(1) جواهر الكلام: 42 / 169 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 56 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح1 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 56 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح2 . ورواه في الباب ح7 بعنوان رواية أخرى ، ولكن الظاهر عدم التعدّد ، كما أشرنا إليه مراراً (المؤلّف) .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 57 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح3 .

(5) وسائل الشيعة: 19 / 57 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح4 .

(6) وسائل الشيعة: 19 / 57 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح6 .


152

مسألة 1 ـ لا تسقط الكفارة عن الأب بقتل ابنه ولا الدية ، فيؤدّي الدية إلى غيره من الورّاث ، ولا يرث هو منها1.

ويحدّ الولد للوالد إذا قذفه(1) .

وصحيحة ظريف ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وقضى أنّه لا قود لرجل أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه ، فأصابه عيب من قطع وغيره ، ويكون له الدية ولا يقاد(2) . ويظهر من هذه الرواية كون هذا الشرط أيضاً معتبراً في قصاص الطرف أيضاً ، ولا يختصّ بقصاص النفس ، وعليه فتفريع عدم القتل على هذا الشرط كما في المتن إنّما هو تفريع على البعض لا الكلّ .

ثمّ إنّ المشهور شهرة عظيمة(3) شمول الحكم لأب الأب وهكذا ، وحكي عن المحقّق في النافع الترديد فيه(4) ، ولكن مقتضى إطلاق كثير من الروايات وترك الاستفصال في بعضها كرواية الحلبي المتقدّمة الشمول لصدق الوالد لغة وعرفاً عليه ، كصدق الولد على ولد الولد ، والأظهر من ذلك ما عبّر فيه بالأب والإبن كرواية أبي بصير المتقدّمة أيضاً .

1 ـ أمّا عدم سقوط الكفارة فلترتّبها على قتل العمد المحرّم ، والمفروض تحقّقه ، وسقوط القصاص لا يستلزم سقوطها أيضاً ، كما أنّ الظاهر ثبوت الدية لاحترام

(1) وسائل الشيعة: 19 / 58 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح8 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 58 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح10 .

(3) المبسوط: 7 / 9 ، الخلاف: 10 / 152 مسألة 10 ، الوسيلة: 431 ، شرائع الإسلام: 4 / 988 ، كشف الرموز: 2 / 610 ، قواعد الأحكام: 2 / 291 ، تحرير الأحكام: 2 / 248 ـ 249 ، إرشاد الأذهان: 2 /203 ، اللمعة الدمشقية: 176 ، الروضة البهية: 10 / 64 ، رياض المسائل: 10 / 291 .

(4) المختصر النافع: 314 .


153

مسألة 2 ـ لا يقتل الأب بقتل ابنه ولو لم يكن مكافئاً ، فلا يقتل الأب الكافر بقتل ابنه المسلم1.

مسألة 3 ـ يقتل الولد بقتل أبيه ، وكذا الأمّ وإن علت بقتل ولدها ، والولد يقتل بأُمّه ، وكذا الأقارب كالأجداد والجدّات من قبل الأم ، والإخوة من الطرفين ، والأعمام والعمّات والأخوال والخالات2.

دم الولد ، ولم يدلّ دليل على كونه هدراً ولو بالإضافة إلى خصوص الوالد ، وسقوط القصاص لا يوجبه ، هذا مضافاً إلى التصريح به في صحيحة ظريف ، نعم لا يرث الأب المؤدّي للدية عنها ، لكون القتل المحرّم مانعاً عن ثبوت الإرث . والظاهر ثبوت التعزير أيضاً ، وإن كان عدم التعرّض له في المتن يشعر بعدم ثبوته ، والوجه في الثبوت ـ مضافاً إلى ثبوته في المعصية مطلقاً أو في خصوص الكبيرة ، وسقوط القصاص لا ينافيه ـ رواية جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يقتل ابنه أو عبده قال: لايقتل به ، ولكن يضرب ضرباً شديداً وينفى عن مسقط رأسه(1) ، بناء على حملها على كونه من مصاديق التعزير بما يراه الحاكم .

1 ـ الوجه فيه إطلاق الأدلّة والروايات الشامل لصورة عدم التكافؤ في الإسلام أو في الحرية .

2 ـ أمّا قتل الولد بقتل أبيه ، فيدلّ عليه ـ مضافاً إلى عمومات أدلّة القصاص ـ صريح كثير من الروايات المتقدّمة الواردة في هذا الشرط ، والظاهر كون المسألة إجماعيّة أيضاً . وأمّا قتل الأمّ وإن علَتْ بقتل ولدها ، فقد خالف فيه من علمائنا

(1) وسائل الشيعة: 19 / 58 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح9 .


154

الإسكافي(1) الذي وافق العامّة على ذلك(2) ، ولا دليل على الالتحاق بالأب إلاّ القياس والاستحسان ، وأدلّة احترامها حتّى زائدة على الأب لا تقتضي مساواتها له في هذه الجهة أيضاً ، بعد عدم شمول دليل المخصِّص في مقابل عمومات أدلّة القصاص لها ، وبعد الاختلاف بينها وبين الأب في بعض الأحكام كالولاية ونحوها .

وأمّا قتل الولد بقتل أُمّه فيدلّ عليه مضافاً إلى العمومات ، خصوص صحيحة أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل أُمّه ؟ قال: يقتل بها صاغراً ، ولا أظنّ قتله بها كفّارة له ، ولا يرثها(3) .

وقد احتمل المجلسي الأوّل في شرح «من لا يحضره الفقيه» في معنى قوله (عليه السلام) : «صاغراً» احتمالين:

أحدهما: كونه بمعنى عدم ردّ فاضل الدية ، وهو النصف عليه ، مع ثبوته في سائر موارد قتل الرجل المرأة.

وثانيهما: كونه بمعنى الضّرب الشديد قبل القتل ، ومعنى قوله (عليه السلام) : «لا أظنّ» هو عدم كون القصاص بمجرّده كفارة لذنب القتل المحرَّم الصّادر منه ، فلا ينافي كون التوبة مؤثِّرة في التكفير(4).

وكيف كان فإن كان معنى قوله (عليه السلام) : «صاغراً» هو الاحتمال الأوّل ، فالرواية ناطقة بعدم رد فاضل الدية; وإن كان معناه هو الاحتمال الثاني فعدم الردّ يستفاد من

(1) حكى عنه في مختلف الشيعة: 9 / 451 مسألة 129 .

(2) المغني لابن قدامة: 9 / 360 ، الحاوي الكبير: 15 / 163 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 57 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح5 .

(4) روضة المتقين: 10 / 329 ـ 330 .


155

مسألة 4 ـ لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً ، فإن قتله أحدهما قبل القرعة فلا قود ، ولو قتلاه معاً فهل هو كذلك لبقاء الاحتمال بالنسبة إلى كلّ منهما أو يرجع إلى القرعة؟ الأقوى هو الثاني ، ولو ادّعياه ثمّ رجع أحدهما وقتلاه توجّه القصاص على الراجع بعد ردّ ما يفضل عن جنايته ، وعلى الآخر نصف الدية بعد انتفاء القصاص عنه ، ولو قتله الراجع خاصّة اختصّ بالقصاص ، ولو قتله الآخر لا يقتصّ منه ، ولو رجعا معاً فللوارث أن يقتصّ منهما بعد ردّ دية نفس عليهما ، وكذا الحال لو رجعا أو رجع أحدهما بعد القتل ، بل الظاهر أنّه لو رجع من أخرجته القرعة كان الأمر كذلك ، بقي الآخر على الدعوى أم لا1.

عدم التعرّض في الرواية له ، مع كون ظاهر السؤال أنّ محطّه هو جميع الأحكام الثابتة في هذا الفرض ، والجواب متعرِّضاً لمسألة الإرث والكفّارة أيضاً ، ولعلّه لذلك قال في الجواهر: ظاهر النّص عدم ردّ فاضل ديته عليه(1) .

وأمّا سائر الأقارب فالحكم فيهم على طبق القاعدة المقتضية للقصاص ، وصدق الوالد على أب الأُمّ أيضاً لا يقتضي اللّحوق بأب الأب ، بعد عدم الفتوى بذلك أصلاً ، كما لا يخفى .

1 ـ لو ادّعى اثنان ولداً مجهولاً فقد ذكر له في هذه المسألة المرتبطة بالقصاص فروع:

الأوّل: ما لو قتله أحدهما قبل القرعة ، وفي المتن تبعاً للمحقّق في الشرائع أنّه لا قود فيه ولا قصاص عليه ، واستدلّ عليه في الشرائع بتحقّق الاحتمال في طرف

(1) جواهر الكلام: 42 / 171 .


156

القاتل(1) . وأضاف عليه صاحب الجواهر قوله: فلم يثبت شرط القصاص الذي هو انتفاء الأبوّة في الواقع ، مضافاً إلى إشكال التهجّم على الدماء مع الشبهة(2) .

وصريح بعض الأعلام(3) ثبوت القصاص فيه ، نظراً إلى أنّه لا مانع من إحراز موضوع جواز القتل بالأصل ، لجواز التمسّك به لإثبات كون الفرد المشكوك فيه من الأفراد الباقية تحت العام ، فلا مانع في المقام من الرجوع إلى استصحاب عدم كون القاتل والداً للمقتول ، وبه يحرز الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل .

ويرد عليه ما حقّقناه في الأصول من عدم جريان مثل هذا الاستصحاب ممّا كانت القضيّة المتيقّنة قضية سالبة بانتفاء الموضوع ، وكانت القضية المشكوكة هي السالبة بانتفاء المحمول ، لتغاير القضيتين وعدم تحقّق الوحدة في البين ، والمقام كذلك كما هو ظاهر .

والحقّ في المقام عدم ثبوت القصاص، لالعدم إحرازالشرط كماعرفت من الجواهر لعدم ثبوت الشرط الاصطلاحي في المقام، وجعل انتفاءالأبوّة شرطاًفي الكتب الفقهية كما في المتن لا يوجب الثبوت ، بعد كون الدليل عبارة عن عمومات أدلّة القصاص والروايات الدالّة على أنّه لا يقاد والد بولده التي هي مخصصة لتلك العمومات، والتخصيص لا يرجع إلى شرطية ما عدى عنوانه أو مانعية عنوانه ، كما لا يخفى .

وحينئذ فالدليل على عدم ثبوت القود في المقام ، عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص ، وبعبارة أخرى الدليل عليه هو عدم الدليل على ثبوت القصاص ، بعد قصور العامّ عن التمسّك به .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 989 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 171 .

(3) مباني تكملة المنهاج: 2 / 73 مسألة 81 .


157

هذا ، ولو قيل بالرجوع إلى القرعة في هذا الفرع أيضاً نظراً إلى شمول أدلّة القرعة له أيضاً كما سيأتي البحث فيه في الفرع الثاني فهو ليس ببعيد ، فانتظر .

الثاني: ما لو قتلاه معاً بالشركة قبل القرعة ، قال المحقّق في الشرائع: ولو قتلاه [معاً] فالاحتمال بالنسبة إلى كلّ واحد منهما باق . وربما حُظِرَ الاستناد إلى القرعة ، وهو تهجّم على الدم ، فالأقرب الأوّل(1) .

والظاهر أنّ محلّ الكلام في هذا الفرع صورة العلم الإجمالي بصدق أحد المدعيين وعدم خروج الأب الواقعي عنهما ، لأنّه في صورة عدم العلم الإجمالي واحتمال كون الأب شخصاً ثالثاً يكون الحكم هو الحكم في الفرع الأوّل ، لعدم شمول أدلّة القرعة لهذه الصورة ، وعليه فكلّ منهما شبهة مصداقية لا مجال للتمسّك بالعام فيها .

وأمّا في صورة العلم الإجمالي التي هي محل البحث ، فالظاهر أنّه لا مجال للإشكال في الاستناد إلى القرعة ، بعد وضوح لزوم الاستناد إليها في صورة عدم القتل ، لعمومات أدلّة القرعة وخصوص الروايات الصحيحة الواردة في هذه المسألة ، لأنّ القتل لا يوجب الخروج عن أدلّتها بعد ترتّب الأثر على التشخيص بها من جهة القصاص وغيره من الأحكام المترتّبة على الولد ، فهل يتوهّم أحد قصور أدلّة القرعة عن الشمول لما إذا عرض لهذا الولد الذي يدّعيه اثنان الموت الطبيعي؟ الظاهر أنّه لا مجال للتوهّم في المقام أيضاً ، ومعه ليس ذلك تهجّماً على الدم كما في عبارة الشرائع ، مضافاً إلى أنّ نفي القصاص عمّن ليس بأب واقعاً ، مع أنّ لجامعة المسلمين في القصاص حياة ممّا لا وجه له ، وربّما يصير مثل ذلك موجباً للتهجّم على الدم ، كما لا يخفى .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 989 .


158

الثالث: ما لو رجع أحدهما بعدما ادّعيا وقتلاه معاً ، فإنّه يتوجّه القصاص على الراجع ـ بناء على انتفائه عنه بمجرّد الرجوع فيما إذا كان مستند اللحوق مجرّد الدعوى ، كما في المقام ولو بملاحظة رجوع الراجع ـ الى ثبوت القصاص في حقّه وإقراره على نفسه باستحقاق القصاص في صورة القتل ، فإنّه حينئذ يتوجّه القصاص عليه ، لكن يجب عليه ردّ نصف الدية إليه ، لفرض الاشتراك في الجناية ، كما أنّه يجب على المدّعي غير الراجع المنتفى عنه القصاص ، لما ذكرنا في الفرع الأوّل ردّ نصف الدية إلى ورثة الطفل المجهول ، ولا ارتباط بين الردين ، فإذا امتنع غير الراجع عن الردّ لا ينتفي الوجوب عن الورثة ، بل يجب عليهم ردّ النصف ، بل لا يشرع القصاص بدونه ، كما مرّ .

الرابع: هذا الفرض مع تحقّق القتل من الراجع فقط ، وقد ظهر ممّا ذكرنا في الفرع الثالث ثبوت القصاص بالنسبة إليه فقط، من غير ردّ عليه ولا ردّ الآخر على الورثة.

الخامس: هذا الفرض أيضاً مع تحقّق القتل من المدعي غير الراجع خاصّة ، والحكم فيه عدم القصاص وثبوت الدية كما في الفرع الأوّل .

السادس: تحقّق الرجوع من كلّ منهما ثمّ الاشتراك في القتل ، والحكم فيه جواز الاقتصاص من كلّ منهما ، مع ردّ تمام الدية إليهما بالتنصيف ، كما هو ظاهر .

السابع: ما لو كان الرجوع في الفروع المتقدّمة واقعاً بعد القتل ، والحكم فيه ما تقدّم فيها ، وقبول الرجوع هنا أوضح لترتّب أثر القصاص عليه ، بخلاف الرجوع قبل القتل ، فإنّه ليس بهذا الوضوح .

الثامن: ما لو كان الرجوع بعد القرعة ، وكان الراجع من أخرجته القرعة ، والحكم فيه أنّه حيث لا تكون القرعة مؤثّرة في حصول القطع ، واعتبارها لا ينافي


159

مسألة 5 ـ لو قتل رجل زوجته يثبت القصاص عليه لولدها منه على الأصحّ ، وقيل: لا يملك أن يقتصّ من والده ، وهو غير وجيه1.

اعتبار الإقرار على خلافها ، فعليه يكون الرجوع مؤثِّراً في ثبوت القصاص ، وإن كانت القرعة معيِّنة له للأبوّة النافية للقصاص ، ولا دليل على اشتراط قبول الرجوع حينئذ بما إذا كان الآخر باقياً على ادّعائه غير راجع عنه ، كما حكي عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط(1) ، بل الظاهر أنّه لا فرق بين بقائه على دعواه وعدمه .

1 ـ حكي القول بعدم ثبوت القصاص على الزوج حينئذ عن الشيخ(2)والفاضل(3) ، بل عن المسالك(4) نسبته إلى المشهور ، ولكن في المتن تبعاً لصاحب الجواهر(5) الثبوت .

ويدلّ على عدم الثبوت أُمور:

أحدها: الأولويّة ، نظراً إلى أنّه إذا لم يملك الولد أن يقتصّ من والده فيما إذا قتله الوالد عمداً ، ففيما إذا كان المقتول غيره كأمّه لا يملك بطريق أولى ; لعدم تحقّق القتل بالنسبة إليه ، فكيف يملك الاقتصاص من الأب .

ويدفعه منع الأولوية جدّاً ، فإنّ عدم ملك الاقتصاص فيما إذا كان الولد مقتولاً إنّما هو لأجل اقتضاء الأبوّة والبنوّة له ، بحيث لو فرض كون الولد المقتول ممكناً له مطالبة القصاص لم يكن له ذلك للاقتضاء المزبور ، وهذا بخلاف المقام الذي يكون

(1) المبسوط : 7 / 9 ـ 10 .

(2) المبسوط : 7 / 10 .

(3) قواعد الأحكام: 2 / 291 ، تحرير الأحكام: 2 / 249 ، إرشاد الأذهان: 2 / 203 .

(4) مسالك الأفهام: 15 / 159 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 175 ـ 176 .


160

المطالبة للقصاص بعنوان الأُمّ التي لا تقدر على المطالبة بنفسها . ولو فرض ثبوت القدرة لها كانت هي المطالبة ، ولم يكن في البين ما يقتضي عدمها لأجل عدم اقتضاء مجرّد الزوجية له ، فدعوى مساواة المقام لتلك الصورة ممنوعة فضلاً عن الأولويّة .

ثانيها: قوله (عليه السلام) في بعض الروايات المعتبرة المتقدّمة: «لا يقاد والد بولده»(1) ، بناء على ما في محكي المسالك(2) من أنّ استيفاء القصاص موقوف على مطالبة المستحقّ ، وإذا كان هو الولد وطالب به كان هو السبب في القود ، فيتناوله عموم النصّ أو إطلاقه .

ويدفعه أنّ المتفاهم العرفي من مثل هذا القول خصوصاً مع التصريح بالقتل عقيبه بقوله (عليه السلام) : «ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً» (3) ، ومع التعبير به في كثير من الروايات المتقدّمة في أصل هذا الشرط هو كون المراد عدم قتل الوالد ، كما أنّ المراد من قوله (عليه السلام) : «لايقاد مسلم بذمّي» (4) هو عدم اقتصاص المسلم بسبب قتل الذمّي ، فالظاهر اختصاص مثل هذه التعبيرات بالقتل أو شبهه كالجناية على العضو مثلاً ، ولا يعمّ السببية بمعنى مجرّد المطالبة أصلاً.

ثالثها: صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في كتاب الحدود المشتملة على قوله: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قذف ابنه بالزنا ؟ قال: لو قتله ما قتل به ، وإن قذفه لم يجلد له . إلى أن قال (عليه السلام) : وإن كان قال لإبنه: يابن الزانية ، وأُمّه ميتة ولم يكن لها من يأخذ بحقّها منه إلاّ ولدها منه فإنّه لا يقام عليه الحدّ ، لأنّ حقّ الحدّ قد صار لولده

(1) تقدّمت في ص151.

(2) مسالك الأفهام: 15 / 160 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 56 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح1 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 80 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح5 .


161

الشرط الرّابع والخامس: العقل والبلوغ ، فلا يقتل المجنون سواء قتل عاقلاً أو مجنوناً ، نعم تثبت الدية على عاقلته ، ولا يقتل الصبيّ بصبي ولا ببالغ وإن بلغ عشراً ، أو بلغ خمسة أشبار ، فعمده خطأ حتى يبلغ حدّ الرجال في السنّ أو سائر الأمارات ، والدية على عاقلته1.

منها . الحديث(1) .

فإنّ مقتضى عموم التعليل عدم ثبوت القصاص في المقام ، خصوصاً بملاحظة صدر الرواية الظاهر في الملازمة بين القصاص وحدّ القذف ، فإذا لم يثبت الحدّ في الفرض المذكور في الذيل ، فالظاهر عدم ثبوت القصاص أيضاً .

ودعوى كون مجرى التعليل هو حقّ الحدّ ولا وجه لتعميمه بالإضافة إلى القصاص ، مدفوعة بظهور التعليل في أنّ الانتقال إلى الولد مانع عن الثبوت بالنسبة إلى الوالد من دون فرق بين الحدّ وبين القصاص ، كما لا يخفى .

والظاهر تماميّة هذا الدليل ، واقتضاؤه عدم ملك الاقتصاص من الوالد ، كعدم ثبوت حدّ القذف في مشابه المسألة ، فتدبّر .

1 ـ والدّليل على اعتبار العقل في حال تحقّق الجناية وصدور القتل ـ مضافاً إلى عموم حديث رفع القلم المجمع عليه كما عن السرائر(2) ، ومقتضاه رفع القلم مطلقاً ، ولا ينافي ذلك ثبوت الدية على العاقلة الثابتة في قتل الخطأ ، وذلك للتصريح به في ذيل الحديث ، ومضافاً إلى أنّه حكم على العاقلة ـ الروايات المستفيضة ، كصحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجعل جناية المعتوه

(1) وسائل الشيعة: 18 / 447 ، أبواب حدّ القذف ، ب 14 ح1 .

(2) السرائر: 3 / 324 .


162

على عاقلته خطأً كان أو عمداً(1) .

ورواية إسماعيل بن أبي زياد ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) : أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) : يسأله عن رجل مجنون قتل رجلاً عمداً ، فجعل الدّية على قومه ، وجعل خطأه وعمده سواء(2) .

ورواية أبي البختري ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي (عليهم السلام) أنّه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق ، والصبي الذي لم يبلغ : عمدهما خطأ تحمله العاقلة ، وقد رفع عنهما القلم(3) .

ورواية بريد العجلي قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً عمداً فلم يقم عليه الحدّ ولم تصحّ الشهادة عليه حتّى خولط وذهب عقله ، ثمّ إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعدما خولط أنّه قتله؟ فقال: إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قتل به ، وإن لم يشهدوا عليه بذلك وكان له مال يعرف دفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل ، وإن لم يكن له مال اُعطي الدية من بيت المال ، ولا يبطل دم امرىء مسلم(4) ، فإنّها ظاهرة في ترتّب القصاص على إحراز كون القاتل عاقلاً حين القتل ، وليس به علّة من فساد العقل .

وأمّا قوله (عليه السلام) : «وإن لم يشهدوا عليه بذلك» ، فالظاهر أنّ المراد به عدم الشهادة على عقله ، مع ثبوتها على أصل تحقّق القتل منه ، غاية الأمر أنّه لا يعلم كونه عاقلاً أو مجنوناً حينه ، وحينئذ فالحكم بثبوت الدية في مال القاتل دون القصاص ودون

(1) وسائل الشيعة: 19 / 307 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب11 ح1.

(2) وسائل الشيعة: 19 / 307 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 11 ح 5 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 66 ، أبواب القصاص في النفس ب 36 ح2 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 52 ، أبواب القصاص في النفس ب 29 ح1 .


163

الثبوت على العاقلة إنّما هو لعدم الطريق إلى إحراز شيء من العقل أو الجنون ولو بالاستصحاب ، لعدم العلم بالحالة السابقة . ومع عدم إحراز العقل لا يثبت القصاص لعدم إحراز شرطه ، كما أنّه مع عدم إحراز الجنون لا يثبت على العاقلة ، للزوم إحرازه فيه ، فاللاّزم ثبوت الدية على القاتل ; لئلاّ يبطل دم امرىء مسلم .

وممّا ذكرنا يظهر بطلان ما عن كشف اللّثام(1) من دلالة الرواية على أنّه إذا لم يكن للمجنون عاقلة فالدية على بيت المال ، وذلك لأنّ مورد فرض الثبوت على بيت المال في الرواية صورة كون القاتل مشكوك الجنون ، وحكمه في صورة وجود المال ثبوت الدية في ماله ، ففرض عدم العاقلة لا يرتبط بالرواية أصلاً . هذا كلّه في اعتبار العقل .

وأمّا اعتبار البلوغ حال الجناية كما عليه المشهور(2) ، بل في الجواهر: عليه عامّة المتأخّرين(3) ، بل نسبه بعض إلى الأصحاب مشعراً بالإجماع عليه(4) ، بل عن الغنية دعواه عليه صريحاً(5) ، بل عن الخلاف: عليه إجماع الفرقة وأخبارهم(6)فيدلّ عليه ـ مضافاً إلى حديث رفع القلم(7) ـ روايات مستفيضة أيضاً مثل:

صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: عمد الصبيّ وخطأه واحد(8) .

(1) كشف اللثام: 2 / 456 .

(2) مفتاح الكرامة: 11 / 28 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 178 .

(4) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 7 ، رياض المسائل: 10 / 292 .

(5) غنية النزوع: 403 .

(6) الخلاف : 5/176 مسألة 39 .

(7) وسائل الشيعة : 1 / 32 ، أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح11 .

(8) وسائل الشيعة: 19 / 307 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 11 ح2 .


164

وموثقة إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة(1) . ورواية أبي البختري المتقدّمة في اعتبار العقل .

وفي مقابل ما ذكر روايات لابدّ من التعرّض لها وملاحظة حالها مع ما ذكر:

إحداها: رواية مرسلة في الكتب الفقهية مشتملة على قوله: «يقتصّ من الصبيّ إذا بلغ عشراً» . وحكي عن الشيخ الفتوى بمضمونها في النهاية(2) والمبسوط(3)والاستبصار(4) . وذكر صاحب الجواهر ـ بعد الاعتراف بعدم الظفر بها مسندة ـ قوله: نعم النصوص المسندة بجواز طلاقه ووصاياه وإقامة الحدود عليه موجودة ، ولعلّ من رواها أراد هذه النصوص بإدخال القصاص في الحدود ، أو أنّ مبنى ما تضمّنته على ثبوت البلوغ بذلك ، ولا فرق بينه وبين القصاص(5) .

وأشار بذيل قوله إلى إمكان كون المراد من الرواية تحقّق البلوغ بالعشر والخروج عن الرفع بسببه ، وعليه فتنافي هذه الرواية مع الروايات المذكورة في كتاب الحجر(6) ، الدالّة على عدم تحقّق البلوغ السنّي بأقل من خمسة عشر . ولكنّه يرد على صاحب الجواهر عدم إقامة الحدود على الصبيّ البالغ عشراً ، كما تحقّق في كتاب الحدود . وليس هنا رواية دالّة عليه ، والقائل به إنّما حكم بذلك للاستفادة من الطلاق والوصية ، لا لقيام الدليل عليه بالخصوص .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 307 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 11 ح3 .

(2) النهاية: 733 و 761 .

(3) المبسوط : 7 / 44 .

(4) الإستبصار: 4 / 287 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 180 .

(6) وسائل الشيعة: 13 / 142 ، كتاب الحجر ب 2 .


165

ويمكن أن يكون مستند الشيخ (قدس سره) في الفتوى المذكورة صحيحة أبي أيّوب الخزّاز قال: سألت إسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين ، قلت: ويجوز أمره؟ قال: فقال : إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين ، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة ، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته(1) .

ومن الواضح عدم حجّية الرواية; لعدم اعتبار قول إسماعيل ، خصوصاً مع وضوح بطلان قياسه واستدلاله . وعلى ما ذكرنا فلا مجال لهذا القول ، سواء أُريد به حصول البلوغ به أو أُريد ثبوت القصاص في العشر ، وإن لم يتحقّق البلوغ .

ثانيتها: صحيحة سليمان بن حفص ، عن الرجل (عليه السلام) قال: إذا تمّ للغلام ثمان سنين فجائز أمره ، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود ، وإذا تمّ للجارية تسع سنين فكذلك(2) . ومثلها ما رواه حسن بن راشد في الصحيح ، عن العسكري (عليه السلام) ، إلاّ أنه قال: وإذا تمّ للجارية سبع سنين فكذلك(3) .

ولا مجال للأخذ بهما ، سواء كان المراد بهما تحقّق البلوغ بذلك ، أو كان المراد ثبوت الأحكام ولو لم يتحقّق البلوغ ، لمخالفتهما على التقدير الأوّل للروايات الواردة في البلوغ السنّي ، وعلى التقدير الثاني للروايات الواردة في المقام الحاكمة بأنّ عمد الصبيّ خطأ ، مضافاً إلى عدم القائل بهما .

ثالثتها: رواية السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل وغلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : إذا بلغ الغلام

(1) وسائل الشيعة: 18 / 252 ، كتاب الشهادات ب 22 ح3 .

(2) وسائل الشيعة: 18 / 526 ، أبواب حدّ السرقة ب 28 ح13 .

(3) التهذيب: 9 / 183 ح736 .


166

خمسة أشبار اقتصّ منه ، وإذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضى بالدية . وفي رواية الصدوق بإسناده عن السكوني: اقتصّ منه واقتصّ له(1) . وحكي العمل بها عن الشيخين(2) والصّدوقين(3) وجماعة(4) ، وإن قال صاحب الجواهر: وإن كنّا لم نتحقّق الجماعة(5) .

والظاهر أنّه لا مجال للأخذ بها أيضاً على كلا الاحتمالين ، بعد كون تلك الروايات موافقة للشهرة الفتوائية المحقَّقة ، مضافاً إلى أنّه لا معنى لجعل الأشبار دليلاً على البلوغ ، مع أنّه أمر واقعي موجب لتحوّل حال الطفل وتغيّر خصوصياته ، ومقدار القامة لا مدخل له في ذلك أصلاً ، كما لايخفى .

رابعتها: صحيحة أبي بصير ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن غلام لم يدرك وامرأة قتلا رجلاً خطأ ، فقال: إنّ خطأ المرأة والغلام عمد ، فإن أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما . الحديث(6) .

والظاهر لزوم الإعراض عن هذه الرواية وردّ علمها إلى أهلها ، لأنّه لا مجال لجعل خطأ الغلام عمداً ، وهكذا المرأة ، مع أنّ نقصهما وقصورهما مقتض للعكس .

ثمّ إنّ الإشكال في المسألة من المحقّق الأردبيلي (قدس سره)(7) ـ بما يرجع إلى استلزام تخصيص القرآن الكريم والأخبار المتواترة بالإجماع وأخبار الاحاد ، وإلى احتمال

(1) وسائل الشيعة: 19 / 66 ، أبواب القصاص في النفس ب 36 ح1 .

(2) المقنعة: 748 ، النهاية: 761 ، وفيه: «إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار» .

(3) المقنع: 523 .

(4) قاله الفاضل الإصفهاني في كشف اللثام: 2 / 456 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 181 .

(6) وسائل الشيعة: 19 / 64 ، أبواب القصاص في النفس ب 34 ح1 .

(7) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 5 ـ 6 .


167

مسألة 1 ـ لو قتل عاقل ثم خولط وذهب عقله لم يسقط عنه القود ، سواء ثبت القتل بالبيّنة أو بإقراره حال صحّته1.

اختصاص حديث رفع القلم بغير القصاص الذي قد يقال: إنّه من القلم الوضعي الذي لم يرفع عن الصبيان ، ولذا يضمن لو أتلف مال الغير . وإلى احتمال الجمع بين النصوص بحمل ما دلّ على الاقتصاص منه على صورة القصد ، وما دلّ على عدمه على صورة عدمه ـ مندفع جدّاً; لأنّ مبنى الفقه على تخصيص عمومات الكتاب والسنّة المتواترة بالخبر الواحد ، وإلاّ تلزم لغوية اعتباره تقريباً ، وظهور بعض الروايات المتقدّمة في ارتباط رفع القلم وثبوت الدية على العاقلة الظاهر في شمول الرفع للقصاص أيضاً .

واحتمال الجمع بالنحو المذكور مدفوع بعدم مساعدة العرف والعقلاء عليه ، وكونه جمعاً تبرعيّاً كما لا يخفى . فالظاهر حينئذ بملاحظة ما ذكر عدم الإشكال في المسألة بوجه ، وأنّ البلوغ حال الجناية شرط في القصاص ، ينتفى بانتفائه .

1 ـ قد مرّ أنّ الشرط في القصاص هو العقل حال القتل وصدور الجناية ، وعليه فلو قتل في حال العقل ثم صار مجنوناً لا يسقط عنه القصاص . وإن حكي عن بعض العامّة الخلاف(1) وعن بعض آخرمنهم التفصيل بين ما إذا جنّ قبل أن يقدَّم للقصاص، وبين ما إذا جنّ بعده ، بالحكم بالاقتصاص في خصوص الثاني(2) . والدليل على عدم السقوط الاستصحاب ، ويؤيّده خبر بريد العجلي المتقدّم في أدلّة اشتراط البلوغ في القصاص المشتمل على قوله (عليه السلام) في الذي خولط وذهب عقله: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قتل به» .

(1 ، 2) العزيز شرح الوجيز: 10 / 158 .


168

مسألة 2 ـ لا يشترط الرشد بالمعنى المعهود في القصاص ، فلو قتل بالغ غير رشيد فعليه القود1.

مسألة 3 ـ لو اختلف الولي والجاني بعد بلوغه أو بعد إفاقته ، فقال الولي: قتلته حال بلوغك أو عقلك ، فأنكره الجاني ، فالقول قول الجاني بيمينه ، ولكن تثبت الدية في مالهما بإقرارهما لا العاقلة ، من غير فرق بين الجهل بتاريخهما أو بتاريخ أحدهما دون الآخر ، هذا في فرض الاختلاف في البلوغ ، وأمّا في الاختلاف في عروض الجنون فيمكن الفرق بين ما إذا كان القتل معلوم التاريخ

فإنّه صريح في القصاص حال الجنون . ولا فرق فيما ذكر بين ثبوت القتل بالبيّنة كما في الرواية ، وبين ثبوته بالإقرار في حال الصحّة وعدم فساد العقل ، لجريان الاستصحاب في كليهما ، وعدم ما يدلّ على الفرق ، وقيامه عليه في بعض الموارد كما في الرجم لا دلالة له على الفرق مطلقاً .

1 ـ حكي عن التحرير(1) اشتراط الرشد أيضاً في القصاص ، والظاهر أنّه غير تامّ ، فإنّه إن كان المراد به هو المعنى المصطلح في كتاب الحجر الذي هو أمر ثالث مغاير للبلوغ والعقل ، ويقابله السفه الذي هو مغاير للصغر والجنون ، فالظاهر أنّه لا دليل على اعتباره في مقابل إطلاقات أدلّة القصاص ، وإن كان المراد به هو كمال العقل فهو داخل في الشرطين المذكورين اللّذين جعلهما المحقّق في الشرائع(2) شرطاً واحداً معبِّراً عنه بعنوان كمال العقل ، كما لا يخفى .

(1) تحرير الأحكام: 2 / 249 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 990 .


169

وشكّ في تاريخ عروض الجنون فالقول قول الوليّ ، وبين سائر الصور فالقول قول الجاني ، ولو لم يعهد للقاتل حال جنون فالظاهر أنّ القول قول الوليّ أيضاً1.

1 ـ في هذه المسألة فرعان:

أحدهما: ما إذا اختلف الولي والجاني بعد بلوغ الجاني وإقراره بصدور القتل منه ، والاختلاف إنّما هو في أنّ القتل الصادر هل كان في حال البلوغ حتّى يترتّب عليه القصاص ، كما يدّعيه وليّ المقتول ، أو كان في حال عدم تحقّق البلوغ ، فلا يترتّب عليه القصاص ، كما يدّعيه الجاني؟ وقد حكم فيه في المتن بتقديم قول الجاني في فروضه الثلاثة التي هي صورة الجهل بتاريخ كلّ من القتل والبلوغ معاً ، أو بتاريخ خصوص واحد منهما دون الآخر ، والوجه فيه إمّا في صورة الجهل بهما ، فلعدم جريان شيء من استصحاب عدم القتل إلى حال البلوغ ، واستصحاب عدم البلوغ إلى حال القتل ، أو تعارض الاستصحابين وتساقطهما على الخلاف في مجهولي التاريخ . وبعد ذلك يشكّ في تحقّق البلوغ الذي هو شرط في حال صدور الجناية ، ومعه يشكّ في ثبوت القصاص ، والأصل عدمه ، فالقول قول موافق الأصل مع يمينه .

وأمّا في صورة الجهل بتاريخ البلوغ فقط ، فاستصحاب عدم تحقّق البلوغ إلى حال القتل يترتّب عليه فقدان شرط القصاص ، فلا مجال له . وأمّا في صورة الجهل بتاريخ القتل فقط ، فاستصحاب عدم القتل إلى زمان البلوغ لا يثبت تحقّق القتل في حال البلوغ حتّى يترتّب عليه القصاص .

ثم إنّه بعد عدم ثبوت القصاص تثبت الدية في ماله ، لأنّ ثبوت القتل بالإقرار يمنع عن ثبوت الدية على العاقلة لكونه إقراراً عليهم ، فاللاّزم ثبوت الدية في ماله ،


170

لئلاّ يبطل دم امرىء مسلم ، كما فيما إذا لم يكن هناك تخاصم ، فتدبّر .

ثانيهما: ما إذا اختلف الوليّ والجاني في الجنون حال القتل وصدور الجناية ، وفيه فروض ثلاثة لم يقع التعرّض في المتن لأوّلها:

الأوّل: ما إذا كان الجنون من أوّل الولادة والوجود محرزاً ومسلّماً بين الطرفين كعدمه حال الاختلاف ، غاية الأمر ثبوت الاختلاف في أنّ القتل هل كان في حال الجنون الباقي من حين الولادة ، كما يدّعيه الجاني ، أو بعد زواله وتحقّق الإفاقة ، كما يقول به الولي؟ ويجري في هذا الفرض حكم الفرع الأوّل ، وهو كون القول قول الجاني بيمينه من دون الفرق بين صورة الجهل بتاريخ كلّ من حدوث القتل وحدوث الإفاقة ، وبين صورة الجهل بتايخ أحدهما فقط ، لعدم الفرق بين هذا الفرض وصورة الاختلاف في البلوغ أصلاً ، كما هو ظاهر .

الثاني: ما إذا كان الجنون عارضاً ومسبوقاً بالعدم ، بحيث كان عروضه في برهة من الزمن وزواله في حال الاختلاف مسلّماً بينهما ، غاية الأمر ثبوت الاختلاف في أنّ القتل هل كان في تلك البرهة أو قبلها ، وقد حكم فيه في المتن بتقديم قول الوليّ في خصوص ما إذا كان تاريخ القتل معلوماً ، وتاريخ عروض الجنون مشكوكاً ، والوجه فيه جريان استصحاب عدم الجنون إلى زمان القتل ، وبه يتحقّق موجب القصاص الذي هو القتل في حال عدم الجنون ، وقد حقّق في الأصول صحّة جريان الاستصحاب في الشرط ، وخلوّه عمّا ربّما يستشكل فيه بعدم ترتّب الأثر الشرعي عليه ، ومع جريان هذا الاستصحاب الذي يوجب تقدّم قول الولي لا يبقى مجال لأصالة البراءة التي توجب تقدّم قول الجاني . وأمّا في صورة العكس وصورة كون كلا التاريخين مجهولين ، فلا أصل فيهما يوجب ترجيح قول الوليّ أصلاً ، كما لا يخفى .

الثالث: ما إذا كان أصل الجنون مشكوكاً ، وهو الذي عبّر عنه في المتن بأنّه لم


171

مسألة 4 ـ لو ادّعى الجاني صغره فعلاً وكان ممكناً في حقّه فإن أمكن إثبات بلوغه فهو ، وإلاّ فالقول قوله بلا يمين ، ولا أثر لإقراره بالقتل إلاّ بعد زمان العلم ببلوغه وبقائه على الإقرار به1.

مسألة 5 ـ لو قتل البالغ الصبيّ قتل به على الأشبه ، وإن كان الاحتياط أن لا يختار ولي المقتول قتله بل يصالح عنه بالدية ، ولا يقتل العاقل بالمجنون وإن كان أدوارياً مع كون القتل حال جنونه ، وتثبت الدية على القاتل إن كان عمداً أو

يعهد للقاتل حال جنون . وقد استظهر فيه في المتن أنّ القول قول الولي ، والوجه فيه كون قوله موافقاً لأصالة السلامة التي هي أصل عقلائي . ولعلّ منشأها غلبة السلامة في أفراد الإنسان ، كالسلامة من سائر العيوب فيها وفي جميع الأشياء . وعليها يبتنى خيار العيب الذي هو من الخيارات السبعة المعروفة مع عدم اشتراط السلامة في متن العقد نوعاً .

1 ـ الوجه في قبول قوله كونه موافقاً لأصالة عدم البلوغ مع إمكانه في حقّه كما هو المفروض ، والوجه في عدم اليمين عدم إمكانها ، لأنّ التحليف لإثبات المحلوف عليه ، ولو ثبت صباه بطلت يمينه ، فلا وجه لما عن الشهيد الأوّل (قدس سره)(1) من احتمال تحليفه بل القول به ، كما أنّ إقراره في هذه الحالة لا يترتّب عليه أثر إلاّ إذا بقي عليه إلى زمان العلم بالبلوغ وثبوته ، فإذا بلغ ومضى على إقراره اُخذت منه الدية ، لأنّ المقرّ به هو القتل في حال الصغر ، ولا يوجب ذلك الثبوت على العاقلة ، كما مرّ .

(1) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 30 .


172

شبهه ، وعلى العاقلة إن كان خطأ محضاً ، ولو كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولا دية ، ويعطى ورثته الدية من بيت مال المسلمين1.

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الأوّل: ما إذا قتل البالغ الصبيّ ، والمشهور فيه شهرة محقَّقة عظيمة(1) ، بل لم يحك الخلاف إلاّ عن الحلبي(2) من القدماء هو ثبوت القصاص فيه . والوجه فيه ـ مضافاً إلى عمومات أدلّة القصاص وإطلاقاتها ـ خصوص ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن فضال ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كلّ من قتل شيئاً صغيراً أو كبيراً بعد أنّ يتعمّد فعليه القود . قال في الوسائل: ورواه الصدوق بإسناده عن ابن بكير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) إلاّ أنّه قال: «كلّ من قتل بشيء»(3) . وربّما نسب الوسائل إلى الاشتباه وسهو القلم باعتبار عدم وجود هذه الرواية في الفقيه ، ولكن في حاشية الوسائل بالطبعة الجديدة قد عيّن محلّه في الفقيه فراجع .

وكيف كان فالرواية على تقدير الإرسال منجبرة بالشهرة المذكورة ، ولا مجال للإشكال فيها من حيث السند ، كما أنّ دلالتها واضحة .

وأمّا ما يمكن أن يستدلّ به على عدم القصاص في هذا الفرع ـ فمضافاً إلى أنّه لا يقتصّ من الكامل للناقص ـ صحيحة أبي بصير يعني المرادي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً مجنوناً ، فقال: إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه

(1) راجع مسالك الافهام: 15 / 164 ورياض المسائل: 10 / 295 .

(2) الكافي في الفقه: 384 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 56 ، أبواب القصاص في النفس ب 31 ح4 .


173

فقتله فلا شيء عليه من قود ولا دية ، ويعطى ورثته ديته من بيت مال المسلمين . قال: وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يقاد منه ، وأرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون ، ويستغفر الله ويتوب إليه(1) .

فإنّ الرواية وإن كانت واردة في المجنون إلاّ أنّ قوله في جزاء القضية الشرطية: «فلا قود لمن لا يقاد منه» ربّما يستفاد منه ضابطة كلّية ، وهي عدم ثبوت القصاص لمن لايقتصّ منه، فيشمل قتل الصبيّ أيضاً، لأنّه لايقتصّ منه إذاكان قاتلاً،كما عرفت.

هذا ، والظاهر أنّ هذه الاستفادة تكون تامّة لو كانت الضابطة واردة بعنوان التعليل ،وأمّا لو كانت واردة بمثل ما في الرواية من كونها جزاء للشرط المفروض فيه المجنون فلا مجال لها ، نعم لا وجه لإنكار إشعاره بذلك ، ولكن مجرّد الإشعار لا ينهض في مقابل الأدلّة العامّة والخاصّة . نعم يوجب تحقّق موضوع الاحتياط بأن لا يختار ولي المقتول القصاص ، بل يصالح عنه بالدية ، كما في المتن .

وأمّا أنّه لا يقتصّ من الكامل للناقص ، فهو أوّل الكلام ، وإن أُريد به مطلق الكمال والنقص فهو ممنوع ، بداهة أنّه يقتصّ من العالم للجاهل وشبهه .

الثاني: ما إذا قتل العاقل المجنون ، ولا خلاف في عدم ثبوت القصاص فيه ، بل في محكيّ كشف اللّثام نسبته(2) إلى قطع الأصحاب ، بل عن كشف الرموز الإجماع عليه(3) ، ويدلّ عليه صحيحة أبي بصير المتقدّمة آنفاً في الفرع الأوّل ، كما أنّها تدلّ على ثبوت الدية في مال القاتل ، وأنّه يدفعها إلى ورثة المجنون .

والظّاهر أنّه لا فرق في المجنون بين الاطباقي والادواريّ ، كما أنّ الظاهر أنّه لو

(1) وسائل الشيعة: 19 / 51 ، أبواب القصاص في النفس ب 28 ح1 .

(2) كشف اللثام: 2 / 456 .

(3) كشف الرموز: 2 / 611 .


174

كان القاتل أدواريّاً أيضاً بأن كان القتل في دور عقله لا يثبت عليه القصاص ، لإطلاق الرّواية من الجهتين .

الثالث: ما لو كان المجنون أراده بسوء بأن يقتله وكان دفعه متوقّفاً على قتله ، فدفعه بقتله ، فلا إشكال ولا خلاف في أنّه لا قصاص فيه ، ولا دية على القاتل ولا على عاقلته ، إنّما الخلاف في أنّه هل يثبت الدية على غيرهما من بيت مال المسلمين أم لا؟ فالمحكيّ عن كثير من الكتب الفقهية(1) التي وقع فيها التعرّض لهذه الجهة هو الثاني ، بل عن غاية المرام نسبته إلى المشهور(2) ، وعن المفيد(3) والجامع(4) هو الأوّل كما في المتن . ويدلّ عليه صدر صحيحة أبي بصير المتقدّمة في الفرع الأوّل ، حيث وقع فيها التصريح بأنّه يعطى ورثته الدية من بيت مال المسلمين ، والظاهر أنّه لم تبلغ الشهرة في المسألة إلى حدّ الإعراض عن الرواية حتّى يكون ذلك قادحاً في حجيّتها ، لكن في مقابلها روايتان:

إحداهما: رواية أبي الورد قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) أو لأبي جعفر (عليه السلام) : أصلحك الله رجل حمل عليه رجل مجنون فضربه المجنون ضربة ، فتناول الرجل السيف من المجنون فضربه فقتله ، فقال: أرى أن لا يقتل به ولا يغرم ديته ، وتكون ديته على الإمام ، ولا يبطل دمه(5) .

(1) كالنهاية: 759 ـ 760 والسرائر: 3 / 368 والمهذّب: 2 / 514 ـ 515 والقواعد: 2/292 والإرشاد: 2/202 وكشف الرموز : 2 / 611 .

(2) غاية المرام: 4 / 387 .

(3) حكى عنه في التنقيح الرائع: 4 / 431 ، ولم نجده في المقنعة .

(4) الجامع للشرائع: 575 .

(5) وسائل الشيعة: 19 / 52 ، أبواب القصاص في النفس ، ب 28 ، ح2 .


175

ولكنّها ـ على تقدير كون المراد من قوله: «فتناول» هو توقف الدفع على الضرب والقتل ، وإن كان يبعّد ذلك أنّه بعد صيرورة السيف في يد العاقل لا يتحقّق التوقف نوعاً ، كما لا يخفى ـ محمولة على كون المراد من الامام هو بيت المال ، خصوصاً مع عدم قائل بما هو ظاهره .

ثانيتهما: الأخبار المتعدّدة الواردة في مطلق الدفاع عن النفس ، الظاهرة في أنّه إذا توقّف الدفاع على قتل المهاجم لا يكون في هذا القتل شيء أصلاً ، ويكون دمه هدراً ، فتنافي مع رواية أبي بصير في المقام .

والجواب: أنّ تلك الأخبار لا تخلو من أحد أمرين: إمّا أن تكون مطلقة شاملة لما إذا كان الحامل والمهاجم مجنوناً ، وإمّا أن لا تكون شاملة للمقام ، فعلى التقدير الأوّل تكون صحيحة أبي بصير مقيِّدة لها وموجبة لإخراج المجنون ، وعلى التقدير الثاني لا ارتباط بين المقام وبين تلك الروايات ، لاختلافهما من حيث المورد .

ودعوى: أنّه على تقدير الاختصاص بغير المجنون ، يكون شمول الحكم له بطريق أولى ، لأنّه إذا كان دم العاقل المهاجم هدراً ، فدم المجنون كذلك بطريق أولى ، لعدم تحقّق القصاص فيه دونه .

مدفوعة: بأنّه يمكن أن يكون للعقل مدخلية في كون دم المهاجم هدراً ، خصوصاً بعد ملاحظة أنّ الغرض عدم تكرّر التهاجم من غيره ، وهذه الجهة غير متحقِّقة في المجنون ، ولأجله تحقّق الفرق بين قتل العمد وقتل الخطأ مثلاً في الحكم مع اشتراكهما في تحقّق القتل وصدوره من القاتل . وعليه فيمكن أن لا يكون دم المجنون المهاجم هدراً مطلقاً ، بل يلزم أن يعطى ديته من بيت مال المسلمين ، فالأولوية ممنوعة جدّاً ، والتساوي فاقد للدليل ، فلا محيص عن الأخذ بالصحيحة في المقام .


176

مسألة 6 ـ في ثبوت القود على السكران الآثم في شرب المسكر إن خرج به عن العمد والاختيار تردّد ، والأقرب الأحوط عدم القود ، نعم لو شكّ في زوال العمد والاختيار منه يلحق بالعامد ، وكذا الحال في كلّ ما يسلب العمد والاختيار ، فلو فرض أنّ في البنج وشرب المرقد حصول ذلك يلحق بالسكران ، ومع الشك يعمل معه معاملة العمد ، ولو كان السكر ونحوه من غير إثم فلا شبهة في عدم القود ، ولا قود على النائم والمغمى عليه ، وفي الأعمى تردّد1.

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الفرع الأوّل: هل يثبت القود على السكران القاتل أم لا؟ والمفروض هنا ثبوت قيدين: كونه آثماً في شربه ، وخروجه بالسكر عن العمد والاختيار في حال صدور القتل . وقد تردّد فيه في المتن أوّلاً ، ثم جعل الأقرب العدم ، تبعاً للعلاّمة في الإرشاد(1) والقواعد(2) ، ولصاحب المسالك(3) ، ولكن جعل المحقّق في الشرائع(4)الثبوت أشبه ، وفاقاً للأكثر ، بل ربّما يشعر أو يصرّح بعض الكتب بالإجماع عليه(5) ، واللاّزم التكلّم فيه في مقامين:

الأوّل: في أنّ مقتضى القاعدة بملاحظة الضابطة الأصلية في باب القصاص هل هو ثبوت القصاص ، أو عدمه ، أو التفصيل بين الموارد مع قطع النظر عمّا ورد في

(1) إرشاد الأذهان: 2 / 202 ـ 203 .

(2) قواعد الأحكام: 2 / 292 .

(3) مسالك الأفهام: 15 / 165 ـ 166 ، وقال: وهو اختيار الأكثر .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 990 .

(5) حكى في جواهر الكلام: 42 / 186 الإشعار بالاجماع عن غاية المراد : 366 والتصريح به عن إيضاح الفوائد: 4 / 601 .


177

المقام من النصّ ؟ فنقول:

الظاهر هو التفصيل بين من يعلم بأنّ شربه للمسكر يترتّب عليه القتل نوعاً ، وبين من لا يعلم بذلك ، لأنّ صدور القتل وإن كان في حال زوال الاختيار والخروج عن العمد ، إلاّ أنّ ارتكابه للشرب عن عمد واختيار وتوجّه والتفات مع العلم بترتّب القتل عليه نوعاً بعد تحقّق السكر يجعل القتل قتلاً عمدياً عند العقلاء . وبعبارة أُخرى لا ينفكّ التعمّد للارتكاب مع العلم بالترتّب عن التعمّد للقتل ، فإنّ من علم بأنّه إذا ذهب إلى مجلس فلاني ودخل فيه يترتّب على دخوله تحقّق المعصية وصدور عمل محرَّم اضطراراً أو إكراهاً لا يكون مع التعمّد في الذهاب واختيار الدخول مع العلم بذلك مضطرّاً إلى المعصية أو مكرَهاً عليها ، بل هي معصية عمدية موجبة لاستحقاق العقوبة والمؤاخذة ، نعم مع عدم العلم بذلك أو عدم الالتفات إليه لا ينبغي المناقشة في عدم الاستحقاق ، لعدم تحقّق المعصية العمديّة .

وليس صدق قتل العمد في الفرض الأوّل لأجل كونه آثماً في شرب المسكر ، بل لأجل صدوره منه اختياراً ، وعليه فلو فرض إباحة الشرب مثلاً يتحقّق التعمّد في القتل أيضاً ، كما في مثال الذهاب إلى المجلس ، حيث لا يكون نفس الذهاب إليه محرَّماً ، نعم في صورة الوجوب في مثل المقام لابدّ من ملاحظة الأهمّ من الحرمة والوجوب ، كما لا يخفى .

الثاني: في ملاحظة مقتضى النصّ ، فنقول : قد ورد في المقام روايتان:

إحداهما: رواية السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون بسكاكين كانت معهم ، فرفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسجنهم ، فمات منهم رجلان وبقي رجلان ، فقال أهل المقتولين: يا أمير المؤمنين اقدهما


178

بصاحبينا ، فقال للقوم: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن تقيدهما ، فقال علي (عليه السلام) للقوم: فلعلّ ذينك اللّذين ماتا قتل كل واحد منهما صاحبه ، قالوا: لا ندري ، فقال علي (عليه السلام) : بل أجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة ، وآخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين(1) . والظاهر أنّ قوله (عليه السلام) : «فلعلّ ذينك» يستفاد منه مفروغية ثبوت القود عليهما مع العلم بصدور القتل منهما ، وعليه فنفي الحكم بالقود إنّما هو لأجل الشكّ في أصل صدور القتل منهما ، مع لزوم إحرازه في مقام القصاص ، ومقتضاه أنّه لا فرق في ثبوت القود مع العلم بالصدور بين الصورتين اللّتين كان مقتضى القاعدة هو التفصيل بينهما.

والعجب من بعض الأعلام حيث استدلّ بالرواية على التفصيل الذي هو مقتضى القاعدة ، وقال في تقريبه: إنّه لابدّ من حملها على أنّ شربهم المسكر كان في معرض التباعج بالسكاكين المؤدّي إلى القتل عادة ، بقرينة أنّه فرّع فيها ثبوت القود على فرض العلم بأنّ الباقيين قتلاهما ، وعدم ثبوته على فرض عدم العلم بذلك واحتمال أنّ كلاًّ منهما قتل صاحبه(2) .

ومن الواضح أنّه مصادرة على المطلوب . وأمّا ما جعله مؤيِّداً لما أفاده من استفادة الاستمرار والتكرر من التعبير بقوله (عليه السلام) : «كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون» نظراً إلى ظهوره في ترتّب التباعج نوعاً. فيدفعه أنّه لا مجال لهذه الاستفادة في خصوص المقام ، لظهور الرواية في أنّ الرفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مرّة واحدة ، وهي المرّة الواقعة فيها هذه القصّة ، ولو كان العمل متكرّراً والرفع مرّة

(1) وسائل الشيعة: 19 / 173 ، كتاب الديات ، أبواب موجبات الضمان ب 1 ح 2 .

(2) مباني تكملة المنهاج: 2 / 81 مسألة 87 .


179

لكان اللاّزم التقييد بمثل المرّة الأخيرة . مضافاً إلى أنّه مع وحدة القوم المركّب من أربعة نفرات لا معنى لتكرّر التباعج المؤدي إلى القتل ، فبقاؤهم في المرّة التي تحقّق بعدها الرفع دليل على عدم تحقّق القتل في المرّات السابقة ، كما لايخفى .

فالإنصاف ظهور الرواية في ثبوت القصاص في صورة العلم بصدور القتل من الباقيين ، من دون فرق بين الصورتين أصلاً .

ثانيتهما: صحيحة محمد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في أربعة شربوا مسكراً ، فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا ، فقتل اثنان وجرح اثنان ، فأمر المجروحين فضرب كلّ واحد منهما ثمانين جلدة ، وقضى بدية المقتولين على المجروحين ، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية ، فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شيء(1) .

والظاهر أنّ مورد هذه الرواية والرواية المتقدّمة واحد ، بمعنى أنّه كان في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) قصّة واحدة مرفوعة إليه ، وهي اشتراك أربعة رجال في شرب المسكر ، والأخذ بعده بالسلاح والسكين ، وتحقّق الاقتتال المؤدّي إلى قتل اثنين وجرح اثنين ، وهذه القصّة محكيّة في الرواية السابقة عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، وفي هذه الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) ، وعليه فهو أيضاً شاهد على بطلان التأييد المتقدّم الذي ذكره بعض الأعلام ، كما لا يخفى .

ثمّ إنّ هذه الرواية لا تعارض الرواية المتقدّمة فيما يرجع إلى القصاص الّذي هو مورد البحث في المقام ، لظهور الاُولى كما عرفت في ثبوت القصاص مع تعيّن القاتل وتشخّصه وإن كان سكراناً . ولا ظهور في هذه الرواية في خلافه ، لعدم التعرّض

(1) وسائل الشيعة: 19 / 172 ، كتاب الديات ، أبواب موجبات الضمان ب 1 ح1 .


180

لهذه الجهة . وظهورها في عدم القصاص في المورد إنّما هو لأجل عدم تعيّن القاتل في مثل المورد ، كما يقتضيه طبع القصة ، فإنّه مع تحقّق القتل في مثله لا طريق إلى تشخيص القاتل مع عدم حضور الشاهد، بل ومع الحضور نوعاً لأنّه لا يمكن التشخيص كذلك . ومن المعلوم أنّ رفع الخصومة كان من أمير المؤمنين (عليه السلام) مبنيّاً على الموازين والضوابط المعمولة ، لا على الاعتماد على مثل علم الغيب . وعليه فعدم الحكم بالقصاص في المورد لأجل عدم وضوح القاتل وعدم الطريق إلى تعيينه، فلا ينافي ما دلّ على القصاص مع العلم به وتعيّنه ، كما هو الظاهر من الرواية الأولى .

إلاّ أن يُقال: إنّ الحكم بثبوت دية المقتولين على خصوص المجروحين كما في الرواية لا يستقيم إلاّ مع العلم بصدور القتل منهما ، لأنّه لا مجال له بدون العلم به ، وعليه فتدلّ الرواية على نفي القصاص مع تعيّن القاتل ، فتعارض مع الرواية الاُولى .

ولكنّه مدفوع بأنّه لا إشعار في الرواية بهذه الجهة ، وقد عرفت أنّ مقتضى طبع القصّة هو الإبهام وعدم التعيّن ، خصوصاً مع صراحة النقل الأوّل فيه ، غاية الأمر أنّ الحكم بثبوت الدية على المجروحين حكم تعبّدي مغاير للرواية الأولى الدالّة على ثبوت الدية على قبائل الأربعة ، ولا مجال لاستفادة ما ذكر منه ، فالإنصاف أنّه لا تعارض بين الروايتين فيما يرجع إلى المقام ، وهو ثبوت القصاص على السكران القاتل .

وبعد ذلك يقع الكلام في ترجيح القول بعدم القصاص كما في المتن ، فهل يكون منشأه استفادة العدم من الصحيحة وترجيحها على رواية السكوني ، لعدم بلوغها في الاعتبار إلى مرتبة الصحيحة ، بل رواية السكوني حجّة فيما لم يكن على خلافها


181

رواية معتبرة ، كما هو المحكيّ عن الشيخ (قدس سره) في العدة(1) ، ومنشأ الاستفادة ما ذكرنا من الحكم بثبوت الدية على المجروحين .

أو أنّ منشأه وجود المعارضة بين الروايتين وتساقطهما لأجل عدم ثبوت مزيّة في البين ، فاللاّزم الرجوع إلى القاعدة ، وهي تقتضي عدم ثبوت القصاص .

فإن كان المنشأ هو الأوّل فقد عرفت عدم تمامية الاستفادة المزبورة ، وإن كان المنشأ هو الثاني كما هو الظاهر من المتن فقد عرفت أنّه لا تعارض بين الروايتين أوّلاً ، وعدم كون القاعدة مقتضية لعدم القصاص ثانياً ، بل مقتضاها التفصيل ، كما مرّ في المقام الأوّل .

الفرع الثاني: السكران غير الآثم مع خروجه عن العمد والاختيار في حال صدور القتل ، والظاهر لزوم الرجوع فيه إلى القاعدة التي قد عرفت أنّ مقتضاها التفصيل بين صورة الجهل بترتّب القتل على شربه فلا يتحقّق موجب القصاص ، وبين صورة العلم به ، فاللاّزم الحكم به مع اتصاف الشرب بالإباحة ، وملاحظة الأهمّ والمهمّ مع الاتصاف بالوجوب .

ومن الواضح أنّه لا يستفاد حكم هذا الفرع من النصّ ، بعد كون مورده الشرب المحرَّم بقرينة إجراء حدّ الشرب عليه ، كما في الصحيحة المتقدّمة ، وعدم وضوح إلغاء الخصوصية بدعوى أنّ الحكم المذكور فيه هو حكم السكران القاتل ، من دون فرق بين كون الشرب محرّماً أو غيره ، كما لا يخفى .

الفرع الثالث: استعمال ما يسلب العمد والاختيار كالبنج والمرقد وغيرهما ،

(1) عُدّة الأصول: 1 / 380 .


182

والمحكيّ عن الشيخ (قدس سره)(1) أنّه ألحقه بالسكران الذي هو مورد الرواية ، وحكم فيه بثبوت القصاص مطلقاً . وظاهر المتن عدم ثبوت القصاص كذلك لاقتضاء القاعدة له .

والحقّ ـ بعد عدم جواز التعدّي عن مورد الرواية ، خصوصاً بعد كون الحكم المذكور فيه مخالفاً للقاعدة ، ولا يكون العرف موافقاً لإلغاء الخصوصية ـ الرجوع إلى القاعدة الّتي قد عرفت اقتضاؤها التفصيل المتقدّم .

ثمّ إنّه في جميع هذه الفروض ، لو شكّ في زوال العمد والاختيار في حال صدور القتل ، يكون مقتضى استصحاب عدم الزوال وبقاء الاختيار في تلك الحال تحقّق موجب القصاص ، وهو قتل العمد فيترتّب عليه .

الفرع الرابع: القتل الصادر من النائم أو المغمى عليه ، وفي الجواهر: لا إشكال نصّاً وفتوى في أنّه لا قود على النائم ، بل الإجماع بقسميه عليه ، لعدم القصد الذي يدرجه في اسم العمد ، وكونه معذوراً في سببه(2) .

والظاهر أنّه لم يرد في خصوص المسألة نصّ ، بل مراده بالنصّ هو النصوص العامّة الواردة في النائم الدالّة على معذوريته ، وعدم ترتّب حكم العمد على عمله ، وقد وقع الاختلاف بعد عدم ثبوت القصاص عليه في أنّ الدية هل يكون في ماله كما في قتل شبه العمد ، أو يكون على عاقلته كما في قتل الخطأ؟ والتحقيق موكول إلى كتاب الديّات .

الفرع الأخير: القتل الصادر من الأعمى ، وتردّد في ثبوت القصاص فيه في المتن .

(1) المبسوط : 7 / 50 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 188 .


183

والمنشأ أنّ المسألة خلافيّة ، فالمحقّق في الشرائع استظهر ثبوت القصاص(1) ، ونسب صاحب الجواهر ذلك إلى أكثر المتأخّرين(2) ، والمحكيّ عن أبي علي(3)والشيخ(4) والصهرشتي والطبرسي(5) وابن حمزة(6) وابن البراج(7) ، بل وعن ظاهر الصدوق عدم ثبوت القصاص عليه(8) ، وعن غاية المراد نسبة هذا القول إلى المشهور بين الأصحاب(9) ، ومنشأ الاختلاف وجود روايتين في المسألة في مقابل عمومات أدلّة القصاص ، لابدّ من ملاحظتهما من جهة تمامية السند والدلالة وعدمها ، ومن جهة وجود الاختلاف بينهما وعدمه ، فنقول:

الأولى: رواية محمّد الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول ، فسالت عيناه على خدّيه ، فوثب المضروب على ضاربه فقتله ، قال: فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : هذان متعدّيان جميعاً ، فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً ، لأنّه قتله حين قتله وهو أعمى ، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته ، يؤخذون بها في ثلاث سنين في كلّ سنة نجماً ، فإن لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في

(1) شرائع الإسلام: 4 / 991 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 188 .

(3) مختلف الشيعة: 9 / 359 مسألة 47 .

(4) النهاية: 760 .

(5) حكى عنهما في مفتاح الكرامة: 11 / 32 .

(6) الوسيلة: 455 .

(7) المهذّب : 2 / 495 ـ 496 .

(8) الفقيه: 4 / 93 ح271 .

(9) غاية المراد: 367 .


184

ماله ، يؤخذ بها في ثلاث سنين ، ويرجع الأعمى على ورثة ضاربه بدية عينيه (1) .

وتضعيف سند الرواية ـ كما في المسالك(2) ـ إنّما هو على طريق الشّيخ الذي فيه محمد بن عبدالله بن هلال الذي لم يرد فيه توثيق ، بل ولا مدح ، وأمّا على طريق الصدوق الذي رواه بإسناده عن العلاء فالرواية صحيحة لا مجال للمناقشة فيها من حيث السند .

وأمّا من جهة الدّلالة ، فالظاهر أنّ محطّ النظر في السؤال إلى وقوع القتل عقيب الضرب الموجب لسيلان العينين على الخدّين ، وتحقّق العمى لا بعنوان الدفاع الذي مرجعه إلى كون غرض الضارب قتل المضروب وعدم الاكتفاء بالضرب الكذائي ، بل بعنوان العقوبة على عمله والجزاء على فعله ، بحيث لو لم يتحقّق منه ذلك لم يكن هناك أمر آخر ، فما عن المختلف(3) من حمل الرواية على قصد الدفع مخالف لظاهر السؤال ، مضافاً إلى أنّه مخالف لكثير من الأحكام المذكورة في الجواب ، مثل الحكم بكونه متعدّياً أيضاً ، وبثبوت الدّية على العاقلة أو على نفسه .

وأمّا الجواب: فالظاهر أن قوله (عليه السلام) : «والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته» يكون الخبر فيه هو «خطأ» بالرفع ، والمقصود إعلام كون جناية الأعمى الصادرة في حال العمد خطأً وموضوعاً للديّة المترتّبة على قتل الخطأ ، كما في التعبيرات الواردة في الصبي والمجنون المشابهة لهذا التعبير. وأمّا احتمال كون «خطأ» منصوباً للحالية ، وجعل الخبر هي الجملة الفعلية التي بعده ، كما في المسالك(4) ، فيدفعه ـ مضافاً إلى

(1) وسائل الشيعة: 19 / 306 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 10 ح1 .

(2) مسالك الأفهام: 15 / 167 ـ 168 .

(3) مختلف الشيعة: 9 / 360 مسألة 47 .

(4) مسالك الأفهام: 15 / 168 .


185

عدم اختصاص هذا الحكم بالأعمى ، بل المبصر أيضاً تكون جنايته الصادرة في حال الخطأ على العاقلة ـ أنّ الرواية صريحة في الاستدلال على نفي القود الذي موضوعه القتل العمدي الصادر من الأعمى ، ولا معنى لجعل الكبرى هو كون جناية الأعمى الصادرة في حال الخطأ على عهدة العاقلة . وحمل قوله في السؤال: «فوثب» على صورة الخطأ خطأ واضح ، فلا ينبغي الارتياب في ظهور جملة «الأعمى جنايته خطأ» بل صراحتها في أنّ عمد الأعمى خطأ ، ويترتّب عليه لزوم الدية على العاقلة ، وأنّه لا قصاص فيه بوجه .

الثانية: رواية أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقأ عين صحيح ، فقال: إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ ، هذا فيه الدية في ماله ، فان لم يكن له مال فالدية على الإمام ، ولا يبطل حقّ امرئ مسلم(1) .

ورمي الرواية بضعف السند ـ كما في المسالك(2) ـ أيضاً لا يكون له منشأ إلاّ وجود عمّار الساباطي في السند ، مع أنّه ثقة ، بل من أجلّ الثقات ، فلا مجال لهذا أصلاً .

وأمّا الدلالة فلو كان الجواب مشتملاً على الحكم بثبوت الدية في مورد الرواية لما كان يستفاد منه العدم في جميع موارد جناية الأعمى عمداً; لعدم إمكان القصاص في مورد الرواية كما هو الظّاهر ، وأمّا الجواب بمثل ما ذكر في الرواية ، فهو يدلّ على عدم القصاص في الأعمى مطلقاً ، لإفادته قاعدة كلية ، وهو أنّ عمد الأعمى خطأ ، فإنّ ظاهره شمول الحكم لجميع موارد عمده ، فتدلّ على عدم ثبوت

(1) وسائل الشيعة: 19 / 65 ، أبواب القصاص في النفس ب 35 ح1 .

(2) مسالك الأفهام: 15 / 167 ـ 168 .


186

الشرط السادس: أن يكون المقتول محقون الدم ، فلو قتل من كان مهدور الدم كالساب للنبي(صلى الله عليه وآله) فليس عليه القود ، وكذا لا قود على من قتله بحقّ كالقصاص والقتل دفاعاً ، وفي القود على قتل من وجب قتله حدّاً كاللاّئط

القصاص فيه .

وقد انقدح ممّا ذكرنا تمامية الروايتين من جهة إفادة عدم القصاص في الأعمى ، ولكن يبقى في البين أمران:

أحدهما: ما ذكره الشهيد الثاني (قدس سره) في محكي المسالك(1) من ثبوت الاختلاف بين الرّوايتين ، نظراً إلى اشتمال الأُولى على كون الدية تجب ابتداء على العاقلة ، ومع عدمها تجب على الجاني; واشتمال الثانية على كون الدية تجب على الجاني دون العاقلة ، ومع عدم مال له تثبت على الامام .

ويدفعه أنّ الاختلاف بينهما إنّما هو بنحو الإطلاق والتقييد الذي لا يكون في الحقيقة اختلافاً ، لوجود الجمع الدلالي عرفاً بينهما ، فيقيّد الحكم بالثبوت على الجاني في الثانية بما إذا لم يكن للأعمى عاقلة ، بشهادة الرّواية الأُولى التي وقع فيها هذا القيد ، كما أنه يستفاد من الثانية ثبوت الدية على الإمام إذا لم يكن للجاني مال ، فيقيّد به إطلاق الأولى لو كان لها إطلاق ، من دون أن يكون بينهما اختلاف بوجه .

ثانيهما: أنّه على تقدير عدم الاختلاف وثبوت الجمع بالنحو المذكور ، يصير حاصل مفاد الروايتين ثبوت الدية على العاقلة أوّلاً ، وعلى الجاني ثانياً ، وعلى الإمام ثالثاً; مع أنّ الشهرة على خلافه ، لعدم كون حكم الخطأ الثبوت على الجاني بعد عدم العاقلة ، فتصير الروايتان معرَضاً عنهما ، فكيف يجوز الاعتماد عليهما .

(1) مسالك الأفهام: 15 / 168 .


187

والزاني والمرتدّ فطرة بعد التوبة تأمّل وإشكال ، ولا قود على من هلك بسراية القصاص أو الحدّ1.

ويمكن دفعه أيضاً بأنّ إعراض المشهور عن هذه الجهة لا يقدح فيما هو محلّ البحث في المقام ، وهو ثبوت القصاص وعدمه ، وقد عرفت دلالتهما على العدم ، ولم يتحقّق إعراض المشهور عن هذه الجهة ، بل ربّما تكون الشهرة موافقة لهما ، كما عرفت في نقل القولين(1) ، ولعلّ ما ذكر هو وجه تردّد المتن ، ولكنّ الظّاهر أنّه لا مساغ لرفع اليد عن مقتضى الروايتين مع اعتبارهما من حيث الدلالة ، خصوصاً مع كون مقتضى الاحتياط ذلك أيضاً .

1 ـ قد مرّ في أوّل الكتاب الإشكال على المتن ، ومثله في تعريف موجب القصاص بأنّ الجمع بين توصيف النفس بالمعصومة ، مع جعل أحد الشرائط كون المقتول محقون الدم ممّا لا وجه له ، لكون المراد منهما أمراً واحداً ، كما هو ظاهر .

وكيف كان فلا إشكال في أنّه لو كان المقتول مهدور الدم مطلقاً ولكلّ أحد ، كالسابّ للنبيّ(صلى الله عليه وآله) لا يترتّب على قتله قصاص ولو كان قتله عمداً ، كما أنّه لا إشكال في عدم ثبوت القود بالإضافة إلى ورثة المقتول إذا اختاروا القصاص وقتلوا القاتل . ففي صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل قتله القصاص له دية؟ فقال: لو كان ذلك لم يقتصّ من أحد . وقال: من قتله الحدّ فلا دية له(2) .

فإنّ السؤال وإن كان عن ثبوت الدية لمن قتله القصاص ، إلاّ أنّ الاستدلال في

(1) تقدّم في ص183 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 46 ، أبواب القصاص في النفس ب 24 ح1 .


188

الجواب ظاهر في عدم ثبوت القصاص لَه أيضاً ، والروايات الدالّة على نفي الدية لمن قتله القصاص ، الظاهرة في عدم ثبوت القصاص له أيضاً ، بل بطريق أولى ، بل ربّما يستشعر منه مفروغية عدم القصاص كثيرة .

ولا إشكال أيضاً في عدم ثبوت القود لمن قتله الحدّ ، كما يدلّ عليه الصحيحة المزبورة والروايات الكثيرة الدالّة على أنّه أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له . وفي رواية أبي العبّاس ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عمّن أُقيم عليه الحدّ ، أيقاد منه أو تؤدّى ديته؟ قال: لا إلاّ أن يزاد على القود(1) . ويستفاد من هذه الرواية عدم ثبوت القصاص ولا الدية لمن قتله الحدّ أو القصاص ، فتدبّر .

وكذا لا إشكال في أنّ الدافع القاتل للمهاجم الذي أراده لا يترتّب على قتله شيء من القصاص ولا الدية ، لدلالة الرّوايات الواردة فيه على أنّه لا شيء عليه ، وفي بعضها التعبير بأنّ دمه هدر(2) .

وكذا لا إشكال في عدم ثبوت القصاص لمن هلك بسراية القصاص أو الحدّ ، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى إطلاق مثل قوله (عليه السلام) : أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له(3) ، لأنّه أعمّ ممّا إذا كان الحدّ أو القصاص موجباً للقتل ، أو كان القتل بالسراية ـ رواية محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة(4) .

فإنّ قوله (عليه السلام) : «في قتل ولا جراحة» قرينة على عموم قوله : «من قتله

(1) وسائل الشيعة: 19 / 47 ، أبواب القصاص في النفس ب 24 ح7.

(2) وسائل الشيعة: 19 / 42 ـ 44 ، أبواب القصاص في النفس ب 22 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 47 ، أبواب القصاص في النفس ب 24 ح9 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 47 ، أبواب القصاص في النفس ب 24 ح8 .


189

القصاص» ، كما لايخفى .

هذه هي الموارد التي لا إشكال في عدم ثبوت القصاص فيها ، وهنا موارد لاينبغي الإشكال في ثبوت القصاص فيها . مثل ما إذا تعرّض لقتل القاتل الذي عليه القصاص غير ورثة المقتول من دون إذن ولا وكالة ، فإنّ الظاهر ثبوت القصاص بالإضافة إلى القاتل الأجنبي ، وإن كان المقتول مستحقّاً للقصاص بالنسبة إلى ورثة المقتول أوّلاً .

ومثل ما إذا تعرّض لقتل المهاجم في مسألة الدفع غير الدافع الذي وقع مورداً للتهاجم ، فإنّ المهاجم بالإضافة إلى غير الدافع لا يكون مهدور الدم بوجه ، ولا يشرع قتله كذلك ، وعليه فقتله موجب للقصاص .

إنّما الإشكال والكلام فيمن وجب قتله حدّاً كالزاني المحصن واللائط وغيرهما ، وأنّه هل يكون قتله من دون مراجعة الحاكم والإستئذان منه موجباً للقصاص أم لا؟ وفي الجواهر: ليس في شيء ممّا وصل إلينا من النصوص تعرّض لذلك ، فضلاً عن تواترها ، نعم ظاهر الأصحاب الاتفاق على ذلك بالنسبة للمسلم(1) . وقد أشار بذلك إلى الإشكال على صاحب الرياض ، حيث إنّه بعد الاستدلال بالإجماع الظاهر المصرَّح به في كثير من العبائر كالغنية(2) والسرائر(3) استدلّ بالاعتبار والمعتبرة المستفيضة التي كادت تبلغ التواتر(4) ، وأورد منها رواية أبي الصباح الكناني المتقدّمة ، مع وضوح عدم تعرّضها لهذه المسألة .

(1) جواهر الكلام: 42 / 192 .

(2) غنية النزوع: 403 .

(3) السرائر: 3 / 324 .

(4) رياض المسائل: 10 / 301 ـ 302 .


190

وكيف كان فالعمدة في المسألة دعوى الإجماع من جماعة من الفقهاء العظام ، وفتوى مثل المحقِّق في الشرائع بأنّ المسلم لو قتله ـ يعني المرتد ـ لم يثبت القود(1) . ومقتضى إطلاق كلامه الشمول للمرتدّ الفطري ولو بعد التوبة وقبولها ، لأنّه مع عدم القبول يكون عدم القصاص لفقدان شرط التساوي في الدين المتقدّم ذكره ، فإنّ تحقّق إطمئنان من نقل هؤلاء ومن فتوى مثل المحقّق ، فاللاّزم الحكم بعدم ثبوت القصاص ، وإلاّ فلا دليل على نفيه . ومجرّد كون الحدّ هو القتل لا يستلزم نفي القصاص . وممّا ذكرنا ظهر وجه التأمّل والإشكال في المسألة كما في المتن .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 991 .


191

القول

في

ما يثبت به القود

وهو أُمور:

الأوّل: الإقرار بالقتل

ويكفي فيه مرّة واحدة ، ومنهم من يشترط مرّتين ، وهو غير وجيه1.

1 ـ أمّا أصل الثبوت بالإقرار ، فيدلّ عليه مضافاً إلى أنّه لا خلاف فيه أصلاً عموم : إقرار العقلاء على أنفسهم جائز(1) ، وخصوص الروايات الواردة في المقام الدالّة على مفروغية ذلك .

وأمّا كفاية المرّة فعليه الأكثر(2)، والمحكي عن الشيخ(3) وابن إدريس(4) وابن

(1) وسائل الشيعة : 19/111 ، كتاب الإقرار ب3 ح2 ، مستدرك الوسائل : 16/31 ، كتاب الإقرار ب2 ح1 .

(2) مسالك الأفهام: 15 / 174 .

(3) النهاية: 742 .

(4) السرائر: 3 / 341 .


192

مسألة 1 ـ يعتبر في المقِرّ: البلوغ ، والعقل ، والاختيار ، والقصد ، والحرية . فلا عبرة بإقرار الصبي وإن كان مراهقاً ، ولا المجنون ولا المكرَه ولا الساهي والنائم والغافل والسكران الذي ذهب عقله واختياره1.

البراج(1) وابن سعيد(2) وبعض آخر(3) اشتراط مرّتين ، ويدلّ على الأوّل مضافاً إلى العموم المذكور خصوص بعض الروايات ، كالمرفوعة الآتية في المسألة الرابعة وغيرها.

وأمّا اعتبار التعدّد فلا وجه له سوى مسألة الاحتياط في الدماء التي لا يبقى لها مجال مع وجود الدليل على خلافها ، مضافاً إلى أنّها معارضة بمثلها ، لاحتمال تحقّق القتل العمدي من المقرّ .

نعم يمكن الاستدلال عليه بالأولوية ، بالإضافة إلى السرقة التي لا يثبتها الإقرار إلاّ مع التعدّد ، حيث إنّها مع عدم ترتّب الأثر عليها نوعاً إلاّ القطع يعتبر فيها التعدّد ، ففي المقام الذي يراد ترتيب أثر القصاص على الإقرار يكون اعتبار التعدّد بطريق أولى .

ويدفعه أنّ اعتبار التعدّد في السرقة إنّما هو بالإضافة إلى القطع الذي هو حقّ الله ، وأمّا بالإضافة إلى المال فيكفي فيه المرّة ، والمقام أيضاً من حقوق الناس ، فلا مجال للأولوية .

1 ـ قد مرّ البحث في اعتبار هذه الأُمور غير الحرية في الإقرار مراراً ، وأمّا

(1) المهذّب: 2 / 502 .

(2) الجامع للشرائع: 577 .

(3) كالطبرسي ، حكى عنه في التنقيح الرائع: 4 / 432 .


193

مسألة 2 ـ يقبل إقرار المحجور عليه لسفه أو فلس بالقتل العمدي ، فيؤخذبإقراره ، ويقتصّ منه في الحال من غير انتظار لفكّ حجره1.

مسألة 3 ـ لو أقرّ شخص بقتله عمداً وآخر بقتله خطأً ، كان للولي الأخذ بقول صاحب العمد فيقتصّ منه ، والأخذ بقول صاحب الخطأ فيلزمه بالدية ، وليس له الأخذ بقولهما2.

اعتبار الحرّية فلأنّ إقرار العبد إنّما هو على المولى ، فلا يقبل ، مضافاً إلى دلالة بعض الروايات عليه .

1 ـ الوجه فيه أنّ الحجر المالي للسفه أو الفلس لا يستلزم الحجر بالإضافة إلى مثل المقام ، فيؤثِّر إقراره في ثبوت القتل العمدي ، ويقتصّ منه من دون انتظار لزوال حجره ، ولا يبعد القول بجواز المصالحة مع وليّ المقتول على الدية ، غاية الأمر أنه لا يشترك مع الغرماء في المال ، بل يثبت في ذمّته ، كما إذا أقرّ بقتل غير العمد ، فتدبّر .

2 ـ الظاهرأنّ مقتضى القاعدة ـ فيماإذاكان هناك أزيدمن إقرارواحد متعلق بالقتل، سواء كان هو القتل عمداً أوالقتل خطأ أو على الاختلاف ـ هو التخيير ، أي تخيير وليّ المقتول في الرجوع ، ولا مجال للرجوع إلى الجميع بعد العلم الإجمالي بعدم ثبوت هذا الحقّ له، لأنّ المقرّ به هو القتل على سبيل الانفراد دون الاشتراك ، فالحقّ الثابت للوليّ إنّما هو بالإضافة إلى واحد دون أزيد ، فلا يجوز له الرجوع إلى الجميع.

كما أنّ الظاهر أنّه لا مجال في المقام لدعوى التساقط الذي هو الأصل الأولي في تعارض الأمارتين أو الأصلين ، لثبوت بناء العقلاء على التخيير ، دون رفع اليد عن


194

مسألة 4 ـ لو اتّهم رجل بقتل وأقرّ المتّهم بقتله عمداً ، فجاء آخر وأقرّ أنّه هو الذي قتله ورجع المقِرّ الأوّل عن إقراره ، درأ عنهما القصاص والدية ، وتؤدّى

الجميع . وكيف كان فإن كان مقتضى القاعدة في المقام هو التخيير ، فلا حاجة في مقام الاستدلال إلى أزيد منها ، وإن لم يكن كذلك فربّما يستدلّ على التخيير بدعوى الإجماع عليه ـ كما في محكيّ الانتصار(1) ـ وبما رواه الحسن بن محبوب ، عن الحسن ابن صالح قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل وجد متقولاً فجاء رجلان إلى وليّه ، فقال أحدهما: أنا قتلته عمداً ، وقال الآخر: أنا قتلته خطأً؟ فقال: إن هو أخذ بقول صاحب العمد فليس له على صاحب الخطأ سبيل ، وإن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل (شيء) . ورواه الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب ، عن الحسن بن حيّ(2) .

والظاهر أنّه هو الحسن بن صالح ، وأنّ حيّاً هو جدّه . ولكنّه على ما ذكره الشيخ (قدس سره)متروك العمل بما يختصّ بروايته ويتفرّد بها(3) ، كما في المقام . وابن محبوب وإن كان من أصحاب الإجماع إلاّ أنّه قد تقدّم في كتاب الحدود ، أنّ كون الراوي من أصحاب الإجماع لا يوجب أزيد من تسلّم وثاقته والإعتماد عليه ، ولا يقتضي بالنسبة إلى من يروي عنه شيئاً . فالرواية غير قابلة للاعتماد ، كما أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد لا حجّية فيه .

وعليه فلو فرض كون التخيير على خلاف القاعدة لا مجال للاستدلال عليه بالرواية والاجماع المذكورين ، خصوصاً بعد عدم موافقة شهرة محقّقة للرواية ،

(1) الإنتصار: 543 مسألة 303 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 106 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 3 ح1 .

(3) التهذيب: 1 / 408 .


195

دية المقتول من بيت المال على رواية عمل بها الأصحاب ، ولا بأس به ، لكن يقتصر على موردها ، والمتيقّن من مورد فتوى الأصحاب ، فلو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل على القواعد ، ولو لم يكن بيت مال للمسلمين فلايبعد إلزامهما أو إلزام أحدهما بالدية ، ولو لم يكن لهما مال ففي القود إشكال1.

لأنّه حكي عن الغنية(1) والإصباح(2) تخيّر الولي بين قتل المقرّ بالعمد وأخذ الدية منهما نصفين .

ثمّ إنّ إلزام الدية على المقرّ بالقتل خطأ إنّما هو لعدم تأثير إقراره بالإضافة إلى العاقلة ، لكونه إقراراً عليهم ، وثبوت الدية على العاقلة يحتاج إلى إحراز الخطأ ، كما أنّ القصاص يحتاج إلى إحراز العمد ، وأمّا ثبوت الدية على القاتل فلا يحتاج إلى إحراز شيء سوى القتل وعدم إحراز العمد أو الخطأ ، فتدبّر .

1 ـ الرواية هي ما رواه الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن بعض أصحابنا ، رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام) قال: أُتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل وجد في خربة وبيده سكّين ملطَّخ بالدم ، وإذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه ، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : ما تقول؟ قال: أنا قتلته ، قال: اذهبوا به فأقيدوه به ، فلمّا ذهبوا به أقبل رجل مسرع ـ إلى أن قال: ـ فقال: أنا قتلته ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للأوّل: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: وما كنت أستطيع أن أقول ، وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال ، وأخذوني وبيدي سكين ملطَّخ بالدَّم ، والرّجل يتشحّط في دمه وأنا قائم عليه خفت الضرب فأقررت ، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة ،

(1) غنية النزوع: 407 .

(2) إصباح الشيعة: 494 ، وكذا في الكافي في الفقه: 386 ـ 387 .


196

وأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل متشحّطاً في دمه ، فقمت متعجِّباً! فدخل عليَّ هؤلاء فأخذوني ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن ، وقولوا له: ما الحكم فيهما؟ قال: فذهبوا إلى الحسن وقصّوا عليه قصّتهما ، فقال الحسن (عليه السلام) : قولوا لأمير المؤمنين (عليه السلام) : إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيى هذا ، وقد قال الله عزّوجلّ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعَاً(1). يخلّى عنهما وتخرج دية المذبوح من بيت المال .

ورواه الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم نحوه ، ورواه أيضاً مرسلاً نحوه ، ورواه الصدوق باسناده إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) نحوه(2) ، ولكنّه ربّما يقال: بأنّ ما في الوسائل من أنّ الصدوق رواه بالإسناد المذكور إنّما هو سهو من قلم صاحب الوسائل(3) .

وكيف كان فالظاهر أنّ الحكم الأوّل بإجراء القصاص عليه لابدّ وأن يحمل على وجود شرائطه ، ومنها اختيار الولي ذلك ، أو كون المورد ممّن لا وليّ له غير الإمام ، كما أنّ الظاهر أنّ المراد من شهود جماعة هو شهودهم لكون الرجل مذبوحاً ، وكون الآخر قائماً عليه وبيده سكين كذائي لا شهادتهم على القتل . كما أنّ خوفه من الضرب الموجب للإقرار لا يستلزم كون إقراره لا عن اختيار ، لعدم تحقّق توعيد وتهديد من ناحية الجماعة المذكورين بوجه ، والخوف الباطني من دون اقتران بالتوعيد لا يوجب تحقّق الإكراه ، خصوصاً مع ملاحظة أنّ الإقرار وقع عند أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وفي ذلك الوقت لا يحتمل الضرب أصلاً .

(1) المائدة 5 : 32 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 107 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 4 ح1 .

(3) انظر مباني تكملة المنهاج: 2 / 95 مسألة 97 .


197

ثمّ إنّ الرواية مضافاً إلى كونها ضعيفة السند مخالفة للقاعدة ، لأنّ مقتضاها فيما إذا كان هناك إقراران تخيير وليّ المقتول في الرجوع إلى أحد المقرّين والاقتصاص منه ، ورجوع المقرّ الأوّل عن إقراره بعد الإقرار الثاني لا يستلزم عدم جواز رجوع الولي إليه ، لأنّه لا أثر للرجوع بعد الإقرار ، كما قد تحقّق في كتاب الإقرار ، فمقتضى القاعدة في مورد الرواية أيضاً المشتمل على الرجوع تخيير الوليّ في الاقتصاص ، فالرواية مخالفة للقاعدة .

كما أنّ استدلال الإمام الحسن (عليه السلام) لسقوط القصاص عنهما بأنّ المقرّ الثاني إن كان ذبح المقتول فقد أحيى المقرّ الأوّل المحكوم بالقصاص ، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعَاً ممّا لا يكون مبيَّناً لنا ، ولا يبتنى الفقه عليه على الضوابط الموجودة والقواعد المحقَّقة ، فإنّه إذا أقرّ شخص بقتل زيد مثلاً وصار محكوماً بالقصاص فهل يرتفع قصاصه إذا منع عمراً من قتل بكر ، بحيث لو لم يتحقّق المنع لكان القتل متحقّقاً قطعاً مع أنّ الدليل المذكور يجري فيه .

وعليه فالاستدلال المذكور غير مبيَّن لنا ، ولكنّه لا يقدح في ظهور الرواية من حيث الدلالة على سقوط القصاص عنهما ، فلو فرض انجبار ضعف السند بعمل الأصحاب واستناد المشهور إليه لابدّ من الحكم على طبق الرواية ، كما نفى البأس عنه في المتن . والظاهر ثبوت الاستناد ، فعن التنقيح(1) وغاية المرام(2): عليها عمل الأصحاب ، وعن السرائر نسبته إلى رواية أصحابنا(3) .

(1) التنقيح الرائع: 4 / 434 .

(2) غاية المرام: 4 / 393 .

(3) السرائر: 3 / 343 .


198

وأمّا ما عن المسالك(1) وأبي العباس(2) من المخالفة ـ نظراً إلى إرسال الرواية وإلى اقتضاء ذلك إسقاط حق المسلم ، لجواز التواطؤ من المقرّين على قتله وإسقاط القصاص والدية ـ فيدفعه أنّ الإرسال لا يقدح مع الانجبار ، والاعتبار المذكور لا ينهض في مقابل الرواية المنجبرة . مضافاً إلى بطلانه في نفسه ، لأنّ المفروض أنّه لا طريق إلى إحراز القتل غير الإقرار ، وعليه فلا ملزم للتواطؤ المذكور بعد إمكان عدم الإقرار من واحد منهما من رأس ، كما لا يخفى .

ثم إنّ الرواية حيث تكون مخالفة للقاعدة يقتصر في الحكم على طبقها على خصوص موردها ، وعليه فلو لم يرجع المقرّ الأوّل عن إقراره بعد الإقرار الثاني بل بقى على إقراره يرجع فيه إلى القاعدة التي عرفت أنّ مقتضاها تخيير الولي في الرجوع والاقتصاص ، وإن كان مقتضى الاستدلال المذكور في الرواية عدمه .

وأمّا لو لم يكن بيت مال للمسلمين مع ثبوت المال للمقرّين فلايبعد ـ كما في المتن ـ عدم تغيّر الحكم ، لأنّ التأدية من بيت المال إنّما هو لئلاّ يبطل دم مسلم ، فإذا فرض إمكان التأدية من مال المقرِّين بالاشتراك أو بالتخيير لا يوجب تحقّق البطلان ، وعليه فسقوط القصاص عنهما بحاله ، فتدبّر .

وهذا بخلاف ما إذا لم يكن مال لهما أيضاً ، فإنّه يشكل الحكم حينئذ من جهة أنّ سقوط القصاص مستلزم للبطلان المذكور ، ومن جهة أنّ سقوط القصاص ولزوم أداء المال أمران ، فإذا لم يمكن الثاني كما هو المفروض يبقى الأوّل بحاله ، ولأجله استشكل في المتن في القود ، ومقتضى الاحتياط العدم ، كما هو ظاهر .

(1) مسالك الأفهام: 15 / 177 ، الروضة البهية: 10 / 70 .

(2) المهذّب البارع: 5 / 202 .


199

الثاني: البيّنة

لا يثبت ما يوجب القصاص سواء كان في النفس أو الطرف إلاّ بشاهدين عدلين ، ولا اعتبار بشهادة النساء فيه منفردات ولا منضمّات إلى الرجل ، ولا توجب (لايجب ـ ظ) بشهادتهنّ الدية فيما يوجب القصاص ، نعم تجوز شهادتهنّ فيما يوجب الدية كالقتل خطأ أو شبه عمد ، وفي الجراحات التي لا توجب القصاص كالهاشمة وما فوقها ، ولا يثبت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد ويمين المدّعي على قول مشهور1.

1 ـ لا إشكال ولا خلاف في ثبوت القتل الموجب للقصاص وكذا الجناية على العضو الموجبة له بشاهدين عادلين ، كما أنّ الظاهر أنّه لا خلاف في عدم ثبوته بشهادة النساء منفردات ، وأمّا مع الانضمام فالمحكيّ عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط(1)والعلاّمة(2) وبعض آخر(3) الثبوت به ، وعن جماعة منهم الشيخ في النهاية(4) ثبوت الدية بدلاً عن القصاص ، وحكم المحقِّق في الشرائع بشذوذه(5) ، وصريح المتن عدم ثبوت القصاص ولا الدية .

نعم تجوز شهادتهنّ ولو منفردات في الأمور المالية; كالقتل خطأً أو شبه عمد ، وكالجراحات التي حكم الشارع في موردها بالدية ، كالهاشمة المؤثّرة في كسر العظم

(1) حكاه عن مبسوطه العلاّمة في المختلف: 8 / 483 مسألة 74 ، وكذا الشهيد في المسالك:15 / 178 ، ولكن في المبسوط: 8 / 172 قوّى الثبوت واستثنى القصاص .

(2) مختلف الشيعة : 8 / 483 مسألة 74 .

(3) كابن أبي عقيل ، حكى عنه في المختلف: 8 / 474 و 483 مسألة 74 والمحقّق في الشرائع: 4/921 .

(4) النهاية: 333 .

(5) شرائع الإسلام: 4 / 993 .


200

مسألة 1 ـ يعتبر في قبول الشهادة بالقتل أن تكون الشهادة صريحة أوكالصريحة نحو قوله: «قتله بالسيف» أو «ضربه به فمات» أو «أراق دمه فمات منه» . ولو كان فيه إجمال أو احتمال لا تقبل ، نعم الظاهر عدم الاعتبار بالاحتمالات العقلية التي لا تنافي الظهور أو الصراحة عرفاً ، مثل أن يقال في

قوله: «ضربه بالسيف فمات» ، يحتمل أن يكون الموت بغير الضرب ، بل الظاهر اعتبار الظهور العقلائي ، ولا يلزم التصريح بما لا يتخلّل فيه الاحتمال عقلاً1.

التي تكون ديتها عشرة أبعرة ظاهراً ، والتحقيق في هذا الباب موكول إلى كتاب الشهادات . كالبحث في الاكتفاء بشاهد ويمين فيما يوجب القصاص ، كما هو المنسوب إلى المشهور .

1 ـ الظاهر أنّ القتل ليس له خصوصية موجبة لاعتبار كون شهادته بنحو الصراحة التي لا يجري فيها احتمال الخلاف ولو عقلاً ، بل هو كسائر الموضوعات التي يكفي في ثبوتها دلالة الشهادة عليه ، ولو بنحو الظهور العرفي الذي مرجعه إلى عدم وجود احتمال عقلائي معتدّ به على خلافه ، وإن كان هناك احتمال الخلاف عقلاً .

وشبهة ثبوت الإجماع في خصوص المقام ، كما تشعر بها عبارة الجواهر(1)مندفعة بظهور عدم تحقّق الإجماع في المقام ، بل ولم يتحقّق دعوى الإجماع أيضاً . والتعبير بلزوم كون الشهادة صافية عن الاحتمال كما في الشرائع(2) يكون المراد به

(1) جواهر الكلام: 42 / 210 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 993 .


201

مسألة 2 ـ يعتبر في قبول الشهادة أن ترد شهادتهما على موضوع واحد ووصف واحد ، فلو شهد أحدهما أنّه قتله غدوة والآخر عشية ، أو شهد أحدهما أنّه قتله بالسمّ والآخر أنّه بالسيف ، أو قال أحدهما: أنّه قتله في السوق ، وقال الآخر: في المسجد ، لم يقبل قولهما . والظاهر أنّه ليس من اللّوث أيضاً ، نعم لو شهد أحدهما بأنّه أقرّ بالقتل والآخر بمشاهدته لم تقبل شهادتهما ، ولكنّه من اللّوث1.

هو الاحتمال العقلائي المنافي للظهور ، لا الصراحة بدليل التمثيل بقوله: «ضربه بالسيف فمات» ، فتدبّر .

1 ـ لا شبهة في أنّه مع توقّف ثبوت القتل مثلاً على شهادة شاهدين ، لا محيص عن اعتبار اتّحادهما من حيث الموضوع ومن حيث الأوصاف والخصوصيات الراجعة إلى الزمان والمكان وآلة القتل ونحوها ، فلا اعتبار بالشهادة في الأمثلة المذكورة في المتن ، لثبوت الاختلاف الّذي مرجعه إلى التكاذب المقتضي للتساقط . واشتراكهما في الشهادة على أصل القتل لا يجدي بعد عدم انفكاكه عن الخصوصية الموجودة فيه المشهودة بها . ومنه يظهر عدم كون هذا المورد لوثاً ، خلافاً للشيخ (قدس سره)في المبسوط(1); لأنّ مورده ما إذا كان هناك شاهد واحد مثلاً ، ومرجع المقام بعد التساقط إلى عدم وجود شهادة في البين أصلاً ، فلا يكون لوثاً . وهذا بخلاف الفرض الأخير ، فإنّه وإن لم تكن الشهادة فيه مقبولة بلحاظ إثبات الإقرار أو أصل القتل لعدم اجتماع الشرائط من هذه الجهة ، إلاّ أنّه حيث لا يكون بين الشهادتين تكاذب ـ لإمكان صحّتهما وصدقهما ، بل كون كلّ واحدة منهما مؤيِّدة

(1) المبسوط: 7 / 254 .


202

مسألة 3 ـ لو شهد أحد الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً ، وشهد الآخر بالإقرار عمداً ، ثبت أصل القتل الذي اتّفقا عليه ، فحينئذ يكلّف المدّعى عليه بالبيان ، فإن أنكر أصل القتل لا يقبل منه ، وإن أقرّ بالعمد قبل منه ، وإن أنكر العمدوادّعاه الولي فالقول قول الجاني مع يمينه . وإن ادّعى الخطأ وأنكر الولي قيل يقبل قول الجاني بيمينه ، وفيه إشكال ، بل الظاهر أنّ القول قول الولي ، ولو ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الولي العمد فالظاهر هو التداعي1.

للأُخرى ـ يكون لوثاً ، كما هو ظاهر .

1 ـ أمّا ثبوت أصل القتل فلاتّحاد الشهادتين في المشهود به ، وهو الإقرار بالقتل ، وإضافة توصيفه بالعمد في إحداهما لا تنافي القبول ، لأنّ عدم تعرّض الآخر له لا ينافي تعرّض الأوّل بوجه . وعليه فيصير محكوماً بالإقرار بالقتل ، وحيث لا يكون معلوماً من حيث النوع فالحاكم يكلّفه بالبيان والتفسير ، فإن أقرّ بالعمد يقبل منه مع تصديق الوليّ له ، كما أنّه لو أقرّ بالخطأ وصدّقه الوليّ ينتفى القصاص وتثبت الدية على المقرّ لا على العاقلة ، لعدم نفوذ إقراره في حقّهم ، ولو كان مقروناً بتصديق الوليّ لجواز التواطؤ عليه ، كما لا يخفى .

وإن وقع الاختلاف بين المقرّ والوليّ ففيه فروض ثلاثة:

الأوّل: ما إذا كان الوليّ مدّعياً والمقرّ منكراً ، كما إذا ادّعى الوليّ العمد وأنكره المقرّ ، ولا إشكال في أنّ القول قول المقرّ الجاني بيمينه لكونه منكراً .

الثاني: ما إذا كان المقرّ مدّعياً للخطأ والوليّ منكراً له ، واستظهر في المتن أنّ القول قول الوليّ بيمينه، لكونه منكراً لمايدّعيه المقرّ. وظاهر الفاضلين في الشرائع(1)

(1) شرائع الإسلام: 4 / 994 .


203

مسألة 4 ـ لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً ، والآخر بالقتل المطلق ، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي ، كان شهادة الواحد لوثاً ، فإن أراد الولي إثبات دعواه فلابدّ من القسامة1.

والقواعد(1) اشتراك هذا الفرض مع الأوّل في تقديم قول الجاني ، نظراً إلى أنّه أمر لابدّ من الرجوع إليه ، لكونه بياناً وتفسيراً لإقراره ، ولا يعرف ذلك إلاّ من قبله ، ولكنّ الظاهر ما في المتن لما ذكر .

الثالث: ما إذا كان كلّ واحد منهما مدّعياً ، بأن كان الوليّ مدّعياً للعمد ، والمقرّ مدّعياً للخطأ . والحكم فيه يمين كلّ منهما ، ومقتضاها سقوط الدعويين ، والظاهر الرجوع إلى الدية في مال المقرّ . ومقتضى الاحتياط المصالحة عليها ، كما لا يخفى .

1 ـ الوجه في كون شهادة الواحد لوثاً عدم التكاذب والتعارض بين الشاهدين ، لعدم تعرّض الآخر لصفة العمد لا نفيه لها . وعدم التعرّض المذكور وإن كان يوجب عدم ثبوت قتل العمد الذي هو موجب القصاص إلاّ أنّه لا يوجب أن لا تكون شهادة الواحد لوثاً ، فيكون كما لو لم يكن هناك شاهداً آخر . نعم لا ينبغي الإشكال في ثبوت أصل القتل بذلك ، فإن أراد الوليّ القصاص لادّعائه كون القتل بنحو العمد لابدّ له في إثبات دعواه من القسامة ، وإلاّ فتثبت الدية .

وهذا بخلاف ما إذا شهد أحدهما بالقتل عمداً والآخر بالقتل خطأً ، فإنّه لا تكون شهادة الأوّل لوثاً ، وإن اختاره العلاّمة في التحرير(2) ، بل ولا يثبت أصل

(1) قواعد الأحكام: 2 / 294 .

(2) تحرير الأحكام 2 : 251 .


204

مسألة 5 ـ لو شهد اثنان بأنّ القاتل زيد مثلاً ، وآخران بأنّه عمرو دونه ، قيل: يسقط القصاص ووجب الدية عليهما نصفين لو كان القتل المشهود به عمداً أو شبيهاً به ، وعلى عاقلتهما لو كان خطأ . وقيل : إنّ الولي مخيّر في تصديق أيّهما

القتل بذلك ، وإن استشكل فيه في القواعد(1) .

أمّا أصل القتل فربّما يقال فيه بالثبوت ، لاتّفاق الشهادتين في ثبوته ، واختلافهما في الصفة . والفرق بين هذا المقام وبين ما تقدّم من الاختلاف في الخصوصيات الراجعة إلى الزمان أو المكان أو آلة القتل أو نحوها حيث لا يثبت أصل القتل فيه كما مرّ ، بأنّ تلك الخصوصيات إنّما كانت مرتبطة ومضافة إلى القتل ، لكونها ظرفاً زمانيّاً أو مكانياً للفعل أو آلة لتحقّقه وأشباههما ، وأمّا خصوصية العمديّة والخطئيّة فمرتبطة بالفاعل ، من جهة كونه قاصداً ومريداً وعدم كونه كذلك ، فلا مجال للتشبيه .

ولكن يدفعه أنّ الفعل كما له إضافة وارتباط بالأمور المذكورة ، كذلك له إضافة بالفاعل من جهة القصد وعدمه ، ولذا يترتّب عليه الحسن والقبح ، فالعمل الصادر عن قصد يغاير العمل الصادر عن غيره . وحينئذ فلا فرق بين أن يكون الاختلاف في الأُمور المذكورة ، وبين أن يكون في جهة العمد والخطأ . وعليه فلا يثبت أصل القتل ، لثبوت التعارض والتكاذب .

ومنه يظهر عدم كون هذا الفرض لوثاً ، لأنّ مورده صورة وجود الشاهد الواحد الخالي عن المعارض الموجب للسقوط ، فمع وجود المعارض لا يتحقّق اللّوث بوجه ، كما لا يخفى .

(1) قواعد الأحكام: 2 / 294 .


205

شاء ، كما لو أقرّ اثنان كلّ واحد بقتله منفرداً ، والوجه سقوط القود والدية جميعاً1.

1 ـ يستفاد من الجواهر(1) أنّ صحّة تصوير قيام البيّنتين إمّا أن تكون لأجل اختيار صحّة التبرّع بالشهادة بالدّم ، أو لأجل ثبوت وكيلين للمدّعي وادّعاء كل واحد منهما مقروناً بإقامة بيّنة خاصّة ، أو لأجل القول بأنّه يجوز للمدّعى عليه إبراء نفسه بإقامة البيّنة على أنّ القاتل غيره .

ويمكن أن يكون لأجل تخيّل المدّعي أنّ الأربعة يشهدون بكون القاتل فلاناً ، ثم رأى الاختلاف بينهما عند الحاكم من جهة المشهود عليه ، ويمكن أن يكون لغير ذلك ، وكيف كان ففي المسألة أقوال:

أحدها: سقوط القصاص وتنصيف الدية عليهما أو على العاقلة بالنحو المذكور في المتن . وحكي هذا القول عن الشيخين في المقنعة(2) والنهاية(3) ، والقاضي(4)والصهرشتي وأبي منصور الطبرسي(5) ، والفاضل في بعض كتبه(6) وولده(7) وأبي العبّاس(8) .

ومرجعه إلى تعارض البيّنتين وتساقطهما بالإضافة إلى ما يترتّب على قتل العمد

(1) جواهر الكلام: 42 / 218 ـ 219 .

(2) المنقعة: 737 .

(3) النهاية: 742 .

(4) المهذّب : 2 / 502 .

(5) حكى عنهما في مفتاح الكرامة: 11 / 47 .

(6) مختلف الشيعة: 9 / 314 مسألة 22 ، تحرير الأحكام: 2 / 251 .

(7) إيضاح الفوائد: 4 / 608 .

(8) المقتصر : 431 .


206

من القصاص ، وإن كان المشهود به لكليهما هو قتل العمد ، ولكن لا تتساقطان بالإضافة إلى الدية ، بل تثبت بالاشتراك والتنصيف بينهما أو بين عاقلتهما .

أقول: أمّا سقوط القصاص في قتل العمد مع تعارض البيّنتين ، فلا شبهة فيه بعدما عرفت من أنّ اختلافهما في الخصوصيات مثل الزمان والمكان يوجب تساقطهما ، فإنّه إذا كان الاختلاف في الزمان مثلاً موجباً لعدم ترتّب الأثر على شيء من البيّنتين مع عدم مدخليته في القصاص أصلاً; لأنّ الموجب له هو قتل العمد بلا مدخلية للزمان ، فالاختلاف في تعيين القاتل موجب للسقوط بطريق أولى .

هذا ، مضافاً إلى أنّ الاقتصاص من كليهما مع العلم ببراءة أحدهما وعدم صدور القتل منه بوجه لا مجال له أصلاً . والاقتصاص من أحدهما ترجيح بلا مرجّح ، وتخيير الوليّ كما في الإقرارين لا دليل له بعد كون مقتضى القاعدة في تعارض الأمارتين هو التساقط ، كما حقّق في الأصول . وأمّا القرعة فلا مجال لها أصلاً ، لا لما في الجواهر(1) من الاحتياط في الدماء ، بل لعدم العلم الإجمالي بعدم خروج القاتل عنهما .

وأمّا ثبوت الدية عليهما أو على عاقلتهما بنحو التنصيف ، فربّما يستدلّ عليه بأنّه إن لم نقل بذلك يلزم إمّا بطلان دم امرىء مسلم إن لم نقل بثبوت الدية أصلاً ، أو إيجاب شيء بغير سبب ولا علّة ، إن قلنا بثبوتها على الأجنبي الذي هو شخص ثالث ، أو الترجيح بلا مرجّح إن أوجبناه على أحدهما المعيّن ، فاللاّزم هو الحكم

(1) جواهر الكلام: 42 / 219 .


207

بالثبوت عليهما بنحو الاشتراك(1) .

ويرد عليه أنّ هذا الدليل لا يقتضي ارتباط القتل واستناده بهما ، بعد تعارض الأمارتين واقتضائه التساقط ، فاللاّزم الحكم بثبوت الدية على بيت المال مثلاً ، كسائر الموارد التي لا يعرف القاتل بوجه .

هذا ، مضافاً إلى أنّه يمكن القول بالتخيير الذي مرجعه إلى عدم العلم بأخذ الدّية ممّن لا يكون قاتلاً ، بخلاف التشريك والتنصيف .

وبالجملة: إثبات ذلك من طريق القاعدة ـ كما رامه المستدلّ ـ مشكل بل ممنوع جدّاً . نعم يمكن القول بأنّ فتوى الشيخين في كتابي المقنعة(2) والنهاية(3) ـ اللّتين هما من الكتب المعدَّة لنقل فتاوي الأئمّة (عليهم السلام) بعين الألفاظ الصادرة عنهم ، كما هو الشأن في تدوين الكتب الفقهية في الأزمنة السالفة إلى زمن تأليف مبسوط الشيخ ـ يكشف عن وجود نصّ دالّ على ذلك ، وأنّ ذلك النصّ كان مفتى به لهما . ويؤيّده تصريح السرائر(4) والتحرير(5) بثبوت الرواية في المقام .

هذا ، ولكنّه حيث لا تكون الرواية واصلة إلينا ولا منقولة في كتب الحديث ، وفتويهما وإن كانت كاشفة عن النصّ لما ذكر ، إلاّ أنّه حيث تكون الرواية المكشوفة بهذا الطريق مرسلة لا محالة ; لعدم تعرّضهما لذكر السند ، فإن كان مفتى بها عند المشهور لكان إرسالها منجبراً باستناد المشهور إليها ، وأمّا مع عدم تحقّق الشهرة

(1) راجع إيضاح الفوائد: 4 / 608 والمهذّب البارع: 5 / 203 ـ 204 .

(2) المقنعة: 737 .

(3) النهاية: 742 .

(4) السرائر: 3 / 341 .

(5) تحرير الأحكام : 2 / 251 .


208

فلا يبقى مجال للانجبار ، ولأجله لا يمكن الفتوى على طبقها مع كونها مخالفة للقاعدة ، كما عرفت .

ثانيها: كون الوليّ مخيّراً في تصديق أيّهما شاء ، كما لو أقرّ اثنان كلّ واحد بقتله منفرداً ، وهو محكي عن ابن إدريس(1) وعن المحقّق الثاني الجزم به(2) ، وعمدة ما استدلّ به عليه ثبوت التخيير فيما لو شهد اثنان على واحد بأنّه القاتل وأقرّ آخر بالقتل ، وقياس المقام عليه ، ويرد عليه ـ مضافاً إلى عدم معلومية ثبوت التخيير هناك كما يأتي في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى ـ أنّه على تقديره لا مجال للقياس ، خصوصاً في الحكم المخالف للقاعدة ، لما عرفت من اقتضائها التساقط .

ثمّ إنّه ذكر في الجواهر عقيب هذا القول وردّه ما لفظه: «وللمصنّف ـ أي المحقّق ـ تفصيل في نكت النهاية ، تبعه عليه تلميذه الآبي في كشف الرموز(3) ، وأبو العبّاس فيما حكي عنه(4) والمقداد(5) ، بل كأنّه مال إليه الشهيدان(6) ، فإنّه بعد أن أورد كلام السائل عن عبارة النهاية مورداً عليها بأنّه لم يعمل بشيء من الشهادتين ، فإيجاب الدية عليهما حكم بغير بيّنة ولا إقرار ، ثم الشهادة ليست بأنّهما اشتركا قال: الجواب ، الوجه: أنّ الأولياء إمّا أن يدّعوا القتل على أحدهما ، أو يقولوا: لا نعلم ، فإن ادّعوه على أحدهما قتلوه ، لقيام البيّنة على الدعوى ، وتهدر البيّنة

(1) السرائر: 3 / 341 ـ 342 .

(2) حكى عنه في مفتاح الكرامة : 11 / 49 .

(3) كشف الرموز: 2 / 614 ـ 615 .

(4) المهذّب البارع: 5 / 203 ـ 205 .

(5) التنقيح الرائع: 4 / 435 ـ 436 .

(6) غاية المراد: 386 ـ 387 ، المسالك: 15 / 192 .


209

مسألة 6 ـ لو شهدا بأنّه قتل عمداً ، فأقرّ آخر أنّه هو القاتل وأنّ المشهود عليه بريء من قتله ، ففي رواية صحيحة معمول بها: إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه ، ولا سبيل لهم على الآخر ، ثمّ لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه ، وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه ، ولا سبيل لهم على الّذي أقرّ ، ثم ليؤد الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء

الأُخرى ، فلا يكون لهم على الآخر سبيل . وإن قالوا: لا نعلم ، فالبيّنتان متعارضتان على الانفراد لا على مجرّد القتل ، فيثبت القتل من أحدهما ، ولا يتعيّن ، والقصاص يتوقّف على تعيين القاتل ، فيسقط وتجب الدية ; لأنّه ليس نسبة القتل إلى أحدهما أولى من نسبته إلى الآخر(1) .

وفيه: إنّه تخصيص لكلام الشيخين والجماعة بالصورة الثانية ، وهو مناف لإطلاقهم المبني ظاهراً على اعتبار البيّنة الثانية ، وإن كانت على التبرّع ، وعليه يتّجه التعارض حينئذ وإن صدّق الولي أحدهما(2) . انتهى موضع الحاجة من كلامه.

ثالثها: سقوط القود والدية جميعاً ، وهو مختار المتن ، والوجه فيه بعد عدم ثبوت رواية خاصّة معتبرة في المقام ، وعدم دليل على التخيير فيه ، لزوم الرجوع إلى القاعدة التي مقتضاها التساقط ، وعدم ترتّب الأثر على شيء من البيّنتين . وعدم بطلان دم امرىء مسلم لا يقتضي ضمانهما أو أحدهما للدّية كلاًّ أو بعضاً ، بل الحكم فيه مثل ما إذا لم يكن هناك بيّنة أصلاً من الثبوت على بيت مال المسلمين ، كما لايخفى .

(1) نكت النهاية : 3/374 ـ 375 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 221 ـ 222 .


210

الذي شهد عليه نصف الدية ، وإن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً ذاك لهم ، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصّاً دون صاحبه ثم يقتلوهما ، وإن أرادوا أن يأخذوا الدية فهي بينهما نصفان ، والمسألة مشكلة جدّاً يجب الاحتياط فيها وعدم التهجّم على قتلهما1.

1 ـ مورد هذه المسألة كما يظهر من المسألة السابعة الآتية ما إذا لم يكن أولياء الميّت مدّعين للقتل على أحدهما بالخصوص ، وفيه صورتان: لانّه تارة لا يعلم بعدم ثبوت الاشتراك بينهما ، بل يحتمل صدوره بنحو الشركة ، واُخرى يعلم بالعدم وأنّه كان القتل متحقّقاً بنحو الانفراد ، ولابدّ قبل ملاحظة الرواية الصحيحة الواردة في المقام من ملاحظة مقتضى القاعدة في الصورتين ، فنقول:

أمّا الصورة الأولى: فربّما يقال: إنّ مقتضى القاعدة فيها جواز قتلهما معاً ; لأنّ البيّنة القائمة لا تخلو إمّا أن تكون لها دلالة التزامية على نفي اشتراك غيره في القتل ، أو لا تكون لها هذه الدلالة ، وعلى كلا التقديرين لا تنفي اشتراك الغير بوجه ، أمّا على الفرض الثاني فواضح ، وأمّا على الفرض الأوّل فلسقوط الدلالة الالتزامية بالإقرار المثبت لكون القاتل هو المقرّ ، وصراحة الإقرار في نفي الغير كما هو المفروض لا تقدح بعد كون دائرة حجّية الإقرار محدودة بما كان مضافاً إلى نفس المقرّ وثابتاً عليه .

وأمّا ما هو خارج عن هذه الدائرة كنفي الغير في المقام فلا يكون الإقرار حجّة بالنسبة إليه .

فالجمع بين البيّنة والإقرار يقتضي ثبوت القتل بنحو الاشتراك ، ومقتضاه جواز قتل أحدهما وكذا قتل كليهما ، غاية الأمر أنّه في صورة قتل كليهما يجب على أولياء المقتول ردّ نصف الدية إلى ورثة المشهود عليه ، ولا يجب ردّ نصف آخر إلى ورثة


211

المقرّ بعد اقتضاء إقراره عدم استحقاق الديه مع قصاصه بوجه ، كما أنّه في صورة قتل المقرّ فقط لا يجب على المشهود عليه ردّ نصف الدية إلى ورثة المقرّ بعد الاقتضاء المذكور . نعم في صورة قتل المشهود عليه يجب على المقرّ ردّ نصف الدية إلى ورثته ، كما أنّه في صورة اختيار الدية يجب على كلّ منهما أداء النصف ، كما هو ظاهر .

وأمّا الصورة الثانية: فهل مقتضى القاعدة فيها التساقط ، كما في تعارض البيّنتين على ما مرّ ، أو التخيير كما في تعارض الإقرارين على ما مرّ أيضاً ، أو الأخذ بخصوص الإقرار وعدم ترتيب الأثر على البيّنة؟ وجوه:

والظاهر هو الوجه الأخير ; لأنّ بناء العقلاء على الأخذ بالإقرار وترجيحه على البيّنة المعارضة كما يظهر من المراجعة إليهم ، ولعلّ منشأه أنّ الإقرار شهادة على النفس والبيّنة شهادة على الغير ، ومن الواضح أنّ الأوّل أقوى ، كما لا يخفى .

وأمّا الرواية فهي رواية زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي ، وجاءه قوم فشهد عليه الشهود أنّه قتل عمداً ، فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به ، فلم يريموا حتّى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنّه قتل صاحبهم عمداً ، وأنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود بريء من قتل صاحبه ، فلا تقتلوه به وخذوني بدمه؟

قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام) : إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه ولا سبيل لهم على الآخر ، ثمّ لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه ، وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوا ولا سبيل لهم على الذي أقرّ ، ثم ليؤدّ الدّية الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية ، قلت: أرأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً؟ قال: ذاك لهم ، وعليهم أن يدفعوا


212

إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصّاً دون صاحبه ، ثم يقتلونهما .

قلت: إن أرادوا أن يأخذوا الدّية؟ قال: فقال: الدّية بينهما نصفان ، لأنّ أحدهما أقرّ والآخر شُهد عليه ، قلت: كيف جعلت لأولياء الذي شهد عليه على الذي أقرّ نصف الدية حيث قتل ، ولم تجعل لأولياء الذي أقرّ على أولياء الذي شهد عليه ولم يقرّ؟ قال: فقال: لأنّ الذي شهد عليه ليس مثل الّذي أقرّ ، الذي شهد عليه لم يقرّ ولم يبرأ صاحبه ، والآخر أقرّ وبرأ صاحبه ، فلزم الذي أقرّ وبرأ صاحبه ما لم يلزم الذي شهد عليه ولم يقرّ ولم يبرأ صاحبه(1) .

والمراد بقول زرارة في صدر السؤال: «رجل قتل» هو المتّهم بالقتل ، لا الصدور منه قطعاً . والمراد بقوله (عليه السلام) : «لا سبيل لهم على الآخر. . . أو على الذي أقرّ» هو عدم السبيل من جهة أخذ الدية ، ويحتمل أن يكون المراد أنّه مع اختيار قتل أحدهما ، ثم القتل لا يبقى له مجال لقتل الآخر مع تجدّد الإرادة ، وإن كان يجوز له أوّل الأمر اختيار قتل كليهما .

ثم لم يتبيّن وجه التعبير بالورثة أو الأولياء في كلام الإمام والسائل في صورة قتل المقرّ ، مع أنّ المشهود عليه حينئذ بنفسه باق ، وعل تقدير لزوم الأداء لابدّ أن يكون المؤدّى هو المشهود عليه لا الورثة ، كما لا يخفى .

وهل الرواية ناظرة إلى كلتا صورتي المسألة ، أو تختصّ بخصوص صورة احتمال الشركة وعدم العلم بعدمها ، أو بخصوص صورة العلم بعدم الشركة؟

يظهر الأوّل من صاحب الجواهر(2) ، والثاني من بعض الأعلام(3) ، والثالث من

(1) وسائل الشيعة: 19 / 108 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 5 ح1 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 224 .

(3) مباني تكملة المنهاج: 2 / 100 ـ 101 مسألة 108 .


213

المحقّق في الشرائع ، حيث أنّه بعد نقل مفاد الرواية والإشارة إليها قال: وفي قتلهما إشكال لانتفاء الشركة ، وكذا في إلزامهما بالدية نصفين ، ثم قال: والقول بتخيير الوليّ في أحدهما وجه قوي ، غير انّ الرواية من المشاهير(1) .

فإنّ التعليل بانتفاء الشركة ظاهر في أنّ المورد صورة العلم بعدمها ، وإن فسّره في الجواهر بقوله: كما هو مقتضى البيّنة والإقرار ، وخصوصاً مع علم المدعي بعدم ذلك(2) ، إلاّ أنّ الظاهر عدم كون هذا التفسير مراداً للمصنّف ، بل انتفاء الشركة إنّما هو مع قطع النظر عن البيّنة والإقرار .

وكيف كان فيظهر من تفسير صاحب الجواهر أنّ الرواية عنده ناظرة إلى الصورتين ، غاية الأمر حمل عبارة المتن أيضاً على ذلك .

والظاهرهوالوجه الأخير; لأنّه بملاحظة هذه المسألة مع المسألة المتقدّمة الواردة في تعارض البيّنتين يظهرأنّه لااختلاف بين المسألتين من حيث المورد، وأنّ الاختلاف يرجع إلى كون التعارض هناك إنّما هو بين البيّنتين ، وهنا بين البيّنة والإقرار .

فلو كانت هذه المسألة لها صورتان والرواية ناظرة إلى كلتيهما لكان اللاّزم هناك أيضاً تصويرهما ، والفرق بين الصورتين خصوصاً مع أنّه لم يرد هناك نصّ ظاهر معتبر . وعليه كان اللاّزم إجراء أحكام الشركة في القتل في إحدى الصورتين ، مع أنّه لم ينقل عن أحد ذلك كما تقدّم .

فيظهر أنّ المورد صورة العلم بالعدم مع قطع النظر عن البيّنتين ، وعليه فمورد مسألتنا هذه أيضاً تكون هذه الصورة .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 995 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 224 .


214

نعم يمكن أن يقال: بأنّ مورد المسألة وإن كانت صورة واحدة ، إلاّ أنّه لا يمنع أن تكون الرواية بنفسها ناظرة إلى كلتا الصورتين أو الصورة المقابلة لتلك الصورة .

ولكنّ الظاهر أنّ الأصحاب بأجمعهم قد فهموا من الرواية صورة العلم بعدم الشركة ، أعمّ ممّن عملوا بها وأفتوا على طبقها ، وممّن لم يعملوا بها وأفتوا على طبق القاعدة باعتقادهم .

أمّا العاملون بها ـ كما هو المشهور ـ بل في محكي الرياض: قد صرّحوا بشهرة الرواية مشعرين ببلوغها درجة الإجماع(1) ولعلّه كذلك ، فقد أفتى به الشيخ(2)وأتباعه(3) والإسكافي(4) والحلبي(5) وغيرها ، بل لم نرَ لهم مخالفاً عدا من مرّ ، وعبائرهم غير صريحة في لمخالفة عدا الحلي(6) وفخر الدين(7) . إلى آخره»(8) .

فلأنّهم تمسّكوا بها في مسألة تعارض البيّنة والإقرار التي أوردوها عقيب مسألة تعارض البينتين التي عرفت أنّ موردها صورة العلم بعدم الشركة ، ولذا لم يقل أحد فيها بجواز قتل كلا المشهود عليهما . والظاهر اتّحاد مورد المسألتين كما مرّ آنفاً ، فيظهر أنّهم قد فهموا من الرواية خصوص هذه الصورة .

وأمّا غير العاملين بالرواية إمّا لأجل عدم حجّية خبر الواحد ، أو لأجل كونها

(1) شرائع الإسلام: 4 / 995 ، مسالك الأفهام: 15 / 194 .

(2) النهاية: 743 .

(3) المهذّب: 2 / 502 ، إصباح الشيعة: 493 ـ 494 ، غنية النزوع: 407 .

(4) حكاه عنه في مختلف الشيعة: 9 / 315 ـ 316 مسألة 23 .

(5) الكافي في الفقه: 387 .

(6) السرائر : 3 / 342 ـ 343 .

(7) إيضاح الفوائد : 4 / 609 ـ 610 .

(8) رياض المسائل: 10 / 310 .


215

مخالفة للقواعد من وجوه مختلفة ، كالحلّي(1) والعلاّمة في التحرير(2) ، وفخر الدين في الإيضاح(3) ، وبعض آخر(4) فلأجل أنّ ما ذهبوا إليه هو الحكم بالتخيير .

وهذا يدلّ على ما ذكرنا من وجهين من جهة أنّ الرواية لو لم تكن مخالفة للقاعدة لما كان وجه لطرحها ، وهي إنّما تتمّ على تقدير كون موردها صورة العلم بعدم الشركة ، ومن جهة نفس الفتوى بالتخيير الكاشفة عن كون موردها خصوص هذه الصورة ، وإلاّ لقالوا بجواز قتل كليهما ولو في إحدى صورتي المسألة .

وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا محيص عن الحكم على طبق الرواية ولو مع العلم بعدم الشركة ، ومخالفتها للقواعد لا تقدح بعد كون اعتبار حجّية الخبر إنّما هو للاستفادة منه فيما إذا كان مخالفاً للقاعدة ، ضرورة أنّه مع الموافقة لا حاجة إلى الخبر بوجه ، فتدبّر .

وعليه فيظهر صحّة ما أفاده صاحب الجواهر من أنّه لا بأس بالخروج بمثلها عن القواعد ، بل لعلّ طرحها والعمل بما تقتضيه القواعد كالاجتهاد في مقابلة النصّ(5) .

كما أنّه ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا وجه لإيجاب الاحتياط كما في المتن ، لأنّه لا يبقى لوجوبه مجال مع وجود الرواية الصحيحة الصريحة ، كما عرفت .

(1) السرائر: 3 / 342 ـ 343 .

(2) تحرير الأحكام: 2/251، وكذا ظاهر قوله في قواعدالأحكام: 2/295 ومختلف الشيعة: 9/316 مسألة 23.

(3) ايضاح الفوائد : 4 / 609 ـ 610 .

(4) كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع: 4 / 437 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 225 .


216

مسألة 7 ـ لو فرض في المسألة المتقدّمة إنّ أولياء الميّت ادّعوا على أحدهما دون الآخر سقط الآخر ، فإن ادّعوا على المشهود عليه سقط إقرار المقرّ ، وإن ادّعوا على المقرّ سقطت البيّنة1.

1 ـ صرّح بذلك المحقّق في محكيّ نكت النهاية(1) ، وتبعه على ذلك أبوالعبّاس(2) والمقداد(3) والفاضل الاصبهاني(4) . والوجه فيه واضح ، ضرورة أنّه مع فرض كون الدعوى من أولياء الميّت على خصوص المقرّ لا يجوز لهم الرجوع إلى المشهود عليه والاقتصاص منه أو أخذ الدّية عنه . والرواية في المسألة المتقدّمة لا تكون شاملة لهذه الصورة ، لوضوح أنّ موردها ما إذا لم يكن للأولياء دعوى على خصوص أحدهما ، فالحكم في الرواية وإن كان مخالفاً للقاعدة ولا محيص عن الأخذ به إلاّ أنّها لا تشمل هذه الصورة قطعاً ، كما انّه لو فرض كون الدعوى على خصوص المشهود عليه لا يسوغ لهم الرجوع إلى المقرّ بعد اعتقادهم عدم جواز الاقتصاص منه ولا أخذ الدية منه ، وعليه فيظهر أنّ مورد المسألة المتقدّمة ما إذا كان الأولياء غير عالمين بالقاتل ولا مدّعين على أحد .

(1) النهاية ونكتها: 3 / 377 .

(2) المهذّب البارع: 5 / 207 .

(3) التنقيح الرائع: 4 / 437 .

(4) كشف اللثام: 2 / 460 .


217

الثالث : القسامة

والبحث فيها في مقاصد :

الأوّل: في الّلوث

والمراد به أمارة ظنّية قامت عند الحاكم على صدق المدّعي ، كالشاهد الواحد أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول ، وكذا لو وجد متشحّطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدّم ، أو وجد كذلك في دار قوم أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخل فيها غير أهلها ، أو في صفّ قتال مقابل الخصم بعد المراماة . وبالجملة كلّ أمارة ظنّية عند الحاكم توجب اللّوث ، من غير فرق بين الأسباب المفيدة للظّن فيحصل اللّوث بإخبار الصبي المميِّز المعتمد عليه والفاسق الموثوق به في اخباره ، والكافر كذلك والمرأة ونحوهم1.

1 ـ قال في الجواهر في معنى القسامة : هي الأيمان تقسم على جماعة يحلفونها كما في الصحاح(1) . أو الجماعة الذين يحلفونها كما في القاموس(2) . ولا يبعد صدقها عليهما كما عن المصباح(3) . وعن غير واحد: أنّها لغة اسم للأولياء الّذين يحلفون على دعوى الدم ، وفي لسان الفقهاء اسم للأيمان ، وعلى التقديرين هي اسم أُقيم مقام المصدر ، يقال: أقسم إقساماً وقسامة ، وهي الاسم له . يقال: أكرم إكراماً وكرامة ، ولا اختصاص لها بأيمان الدماء لغة ، ولكنّ الفقهاء خصّوها بها(4) .

(1) الصحاح: 5 / 2010 .

(2) القاموس المحيط: 4 / 166 .

(3) المصباح المنير: 2 / 690 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 226 .


218

والقسامة جارية في خصوص القتل ومثله ، ولا تجري في سائر الحقوق ، والوجه فيها كما يظهر من بعض الروايات أنّها إنّما جعلت ليحقن بها دماء المسلمين ، نظراً إلى أنّه بدونها تتحقّق الجرأة على القتل نوعاً ، لأنّه بعد عدم كون القاتل مقرّاً بالقتل نوعاً ، وعدم كون البيّنة حاضرة عند تحقّق القتل كذلك ـ لو لم تشرع القسامة مضافة إلى الإقرار والبيّنة ـ يلزم بطلان دماء المسلمين وصيرورتها هدراً ، فالغرض من تشريعها إنّما هو ذلك ، والظاهر أنّها من وضع الإسلام ، وعدم ثبوت السابقة لها قبله ، كما يظهر من بعض الروايات الآتية أيضاً .

وأمّا اللّوث فهو لغة القوّة ، أو من التلوّث وهو التلطّخ . والأوّل يناسب تفسيره بأنّه أمارة ظنّية قامت عند الحاكم على صدق المدّعى كالأمثلة المذكورة في المتن; لأنّه يوجب تقوّى دعوى المدّعي . والثاني يناسب تفسيره بالتهمة وسوء الظّن التي يوجب تلك الأمارات تحقّقها ، وتوجب تلوّث المتّهم وتلطّخه ، وكلا التفسيرين يظهر من المتن .

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ أصل اعتبار القسامة لإثبات القتل ، فقد ذكر في الجواهر ـ بعد قوله: ولم نجد مخالفاً في ذلك من العامة والخاصّة إلاّ عن الكوفي منهم(1) ـ : هي من الضروريات بين علماء المسلمين(2) .

كما أنّ اعتبار اللّوث في القسامة بمعنى عدم اعتبارها بدونه ، بخلاف الإقرار والبيّنة ، حيث لا يشترط في اعتبارهما اللّوث بوجه ، ضرورة اعتبار الإقرار ولو لم يكن المقرّ متَّهماً بالقتل بوجه . كما أنّه من الواضح اعتبار البيّنة ولو لم يكن المشهود

(1) نيل الأوطار: 7 / 38 ، حاشية ردّ المحتار: 6 / 627 ، الخلاف: 5 / 303 مسألة 1 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 227 .


219

عليه متّهماً كذلك . فقد ادّعى عليه الشيخ في محكيّ الخلاف الإجماع(1) ، وكذا صاحب الغنية(2) ، ولابدّ من ملاحظة النّصوص الواردة في المقام ليظهر اعتبار القسامة أوّلاً ، وأنّه هل تدلّ على اعتبار اللّوث فيها أم لا ثانياً؟ حيث إنّه يظهر من المقدّس الأردبيلي عدم دلالة هذه النصوص على ذلك ، حيث قال: وكأنّ لهم على ذلك إجماعاً أو نصّاً ما اطّلعت عليه(3) ، فنقول:

منها: صحيحة بريد بن معاوية ، التي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن القسامة؟ فقال: الحقوق كلّها البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه إلاّ في الدّم خاصّة ، فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بينما هو بخيبر ، إذ فقدت الأنصار رجلاً منهم فوجدوه قتيلاً ، فقالت الأنصار: إنّ فلان اليهودي قتل صاحبنا ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيده (أقده) برمّته ، فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمّته .

فقالوا: يا رسول الله ما عندنا شاهدان من غيرنا ، وإنّا لنكره أن نقسم على ما لم نره ، فودّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال: إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة; لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به ، فكفّ عن قتله; وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً; وإلاّ اُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون(4) .

ودلالتها على اعتبار القسامة واضحة ، وأمّا اعتبار اللّوث فيها فموردها وإن

(1) الخلاف : 5 / 303 مسألة 1 .

(2) غنية النزوع: 441 .

(3) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 183 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 114 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب9 ح3 .


220

كانت صورة تحقّق اللّوث والتهمة إلاّ أنّه لا يظهر من الرواية مدخليّته فيها ; لعدم كون المورد موجباً للتقييد ، كما أنّ ذكر الفاجر الفاسق في مقام التعليل لا دلالة له على أنّه لأجل تحقّق الاتّهام ، بل يمكن أن يكون لأجل عدم صدور القتل من غيره نوعاً ، أو تحقّق الإقرار بعد القتل كذلك ، فتدبّر .

ومنها: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القسامة أين كان بدؤها؟ فقال: كان من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) لمّا كان بعد فتح خيبر تخلّف رجل من الأنصار عن أصحابه ، فرجعوا في طلبه فوجدوه متشحّطاً في دمه قتيلاً ، فجاءت الأنصار إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله قتلت اليهود صاحبنا ، فقال: ليقسم منكم خمسون رجلاً على أنّهم قتلوه ، قالوا: يا رسول الله كيف نقسم على ما لم نرَ؟ قال: فيقسم اليهود ، قالوا: يا رسول الله من يصدّق اليهود؟ فقال: أنا إذن أدّي صاحبكم ، فقلت له: كيف الحكم فيها؟

فقال: إنّ الله عزّوجلّ حكم في الدّماء ما لم يحكم في شيء من حقوق الناس لتعظيمه الدّماء ، لو أنّ رجلاً ادّعى على رجل عشرة آلاف درهم أو أقلّ من ذلك أو أكثر لم يكن اليمين على المدّعي ، وكانت اليمين على المدّعى عليه ، فإذا ادّعى الرّجل على القوم أنّهم قتلوا كانت اليمين لمدّعي الدّم قبل المدّعى عليهم ، فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً ، فيدفع إليهم الذي حلف عليه ، فإن شاؤوا عفوا ، وإن شاؤوا قتلوا ، وإن شاؤوا قبلوا الدّية ، وإن لم يقسموا فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً ، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الّذين وجد فيهم ، وإن كان بأرض فلاة أُدّيت ديته من بيت المال ، فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرىء مسلم(1) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 118 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 10 ح5 .


221

والظاهر أنّ قوله (عليه السلام) في صدر الرواية: «من قِبَل» بكسرالقاف وفتح الباء ، لا بفتح القاف وسكون الباء ، فمفاده أنّ مشروعية القسامة كان من ناحية رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ولا سابقة لها قبل الإسلام ، وهذه الرواية هي التي أشرنا إليها في أوّل البحث .

وموردها إن كانت صورة تحقّق اللّوث والتهمة إلاّ أنّ دلالتها على اعتبارها في القسامة ممنوعة ، سيّما مع إطلاق كلام الإمام (عليه السلام) بعد نقل القصة الواقعة بخيبر ، فإنّ ظاهره أنّ مسألة الدّم لها خصوصية من جهة اعتبار القسامة من دون مدخلية أمر آخر ، والتفصيل في الذيل في الدية بين ما إذا وجد المقتول في القرية ، وبين ما إذا وجد في أرض فلاة ، بلزومها على أهل القرية في الأوّل ، ولزوم أدائها من بيت المال في الثاني ، لعلّه يستفاد منه عدم اعتبار اللّوث ، فتدبّر .

ومنها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن القسامة؟ فقال: هي حقّ ، إنّ رجلاً من الأنصار وجد قتيلاً في قليب من قلب اليهود ، فأتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فقالوا: يا رسول الله إنّا وجدنا رجلاً منّا قتيلاً في قليب من قلب اليهود ، فقال: ائتوني بشاهدين من غيركم ، قالوا: يا رسول الله ما لنا شاهدان من غيرنا ، فقال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) : فليقسم خمسون رجلاً منكم على رجل ندفعه إليكم ، قالوا: يا رسول الله كيف نقسم على ما لم نرَ؟ قال: فيقسم اليهود ، قالوا: يا رسول الله كيف نرضى باليهود وما فيهم من الشرك أعظم ، فودّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

قال زرارة : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : إنّما جعلت القسامة احتياطاً لدماء الناس ، كيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل(1) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 117 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 10 ح 3 .


222

وذكر الفاسق في مقام التعليل لا دلالة له على اعتبار اللّوث ، بعد احتمال أن يكون لأجل عدم صدور القتل من غير الفاسق نوعاً ، كما تقدّم .

ومنها: صحيحة مسعدة بن زياد ، عن جعفر (عليه السلام) قال: كان أبي رضي الله عنه إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه ، حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً ، ثمّ تؤدّى(1) الدّية إلى أولياء القتيل ، ذلك إذا قتل في حيّ واحد ، فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال(2) .

والظّاهر أنّ التعبير عن المدّعى عليه بالمتّهم كما في الرواية لا دلالة له على اعتبار الاتّهام في القسامة ، وأمّا التفصيل في الذيل فسيأتي البحث في المراد منه .

ومنها: موثّقة زرارة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إنّما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشرّ المتّهم ، فإن شهدوا عليه جازت شهادتهم(3) .

وقد جعله في الجواهر(4) أظهر من الرواية المتقدّمة في الدلالة على اعتبار اللّوث ، وإن حكم بعده بعدم ظهورها فيه كالرواية السابقة ، ولعلّ الوجه فيه أنّ ذيل الرواية الظاهر في جواز الشهادة على المتّهم بعد القسامة كما يظهر من التفريع ظاهر في أنّ المراد بالقسامة في الصدر هي الأيمان المتوجّهة إلى المدّعى عليه ، لا الأيمان الثابتة ابتداء على المدّعي ، وعليه فالتغليظ فيها بلحاظ الرجل الكذائي الذي يفرّ من القتل الذي صدر منه لا دلالة له على انحصار مورد الأيمان بذلك .

(1) كذا في التهذيبين ، ولكن في كلا طبعتي الوسائل : يؤدّي .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 115 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 9 ح 6 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 116 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 9 ح 7 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 231 .


223

وبعبارة أُخرى مرجع الرواية إلى أنّ التغليظ في ناحية المدّعى عليه إنّما هو لئلاّ تتحقّق الأيمان منه إذا فرض صدور القتل منه ، وهذا لا يلازم اختصاص مشروعية القسامة بخصوص مثل الرّجل ، كما لا يخفى .

ومنها: رواية ابن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس ، لكي إذا رأى الفاجر عدوّه فرّ منه مخافة القصاص(1) . وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا دلالة لها أيضاً على اعتبار اللّوث .

هذا ، ولكن لا تنبغي المناقشة في أصل اعتباره ، وإن كانت دلالة الروايات عليه بالظهور ممنوعة ، لكون المورد في كثير منها صورة وجود اللّوث ، كما في واقعة خيبر ، والمطلقات إنّما يكون إطلاقها لبيان أصل المشروعية لا في مقام بيان ثبوتها بنحو الإطلاق .

فاللاّزم الاقتصار على القدر المتيقّن ، خصوصاً بعد ملاحظة كون القسامة مخالفة للقاعدة من وجوه ، لأنّ مقتضاها ثبوت اليمين على المنكر دون المدّعي . مضافاً إلى عدم تعدّد الحلف في مورد سوى القسامة ، كما أنّه لا مجال لجواز حلف الإنسان لإثبات حقّ غيره ، وغيره من الوجوه المخالفة للقاعدة . وعليه فلابدّ في إثبات إطلاقها من وجود دليل قويّ عليه ، والظاهر أنّه غير موجود في المقام ، فلا محيص عن اعتبار اللّوث ، وقد عرفت في أوّل البحث دعوى الإجماع عليه .

ويؤيّده أنّك عرفت في بعض الروايات أنّ مشروعيّة القسامة إنّما هي للاحتياط في دماء المسلمين ، والاحتياط فيها يقضي باعتبار اللّوث فيها ، وإلاّ فربّما يدّعي الفاسق الفاجر القتل على مؤمن ، ويأتي بالأيمان لإثباتها مع عدم وجود أمارة ظنّية على صدقه في دعواه بوجه ، وعليه فلو أخذ به يلزم بطلان دم المسلم كما لايخفى ،

(1) وسائل الشيعة: 19 / 116 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 9 ح 9 .


224

مسألة 1 ـ لو وجد في قرية مطروقة فيها الإياب والذهاب أو محلّة منفردة كانت مطروقة فلا لوث ، إلاّ إذا كانت هناك عداوة فيثبت اللّوث1.

فمقتضى الاحتياط في الدماء اعتبار اللّوث أيضاً .

وأمّا معنى اللّوث ، فهو كما عرفت هي التّهمة الحاصلة بسبب الأمارات الظنّية عند الحاكم الحاكمة بصدق المدّعي في دعواه ، وأمّا المدّعي فاللأزم أن يدّعي بصورة الجزم ، لأنّ الجزم من شروط سماع الدعوى وقابليّتها للطرح عند الحاكم . والظاهر أنّ المراد من الظنّ هو الظنّ الشخصي الحاصل للحاكم . فاللاّزم محلاظة حصوله ، والاُمور المذكورة في المتن إنّما يوجب حصول الظنّ نوعاً ، وإذا لم يوجب في مورد فالظاهر عدم تحقّق اللّوث في ذلك المورد . وبعبارة أخرى: الملاك هو الظنّ الشخصي الحاصل من أيّ سبب ، ولا مدخلية لخصوصية سبب . والظاهر أيضاً أنّه ليس من شأن الفقه والفقيه بيان موارد اللّوث وتمييزها عن غيرها ، بعد وضوح الضابطة الكلّية وعدم ثبوت التعبّد في هذه الجهة أصلاً .

1 ـ لا خفاء في أنّه مع عدم ثبوت العداوة لا يكون هناك لوث ، لأنّ المفروض أنّ القرية أو المحلّة مطروقة ، ويجري فيها الإياب والذهاب من غير أهلها ، وهذا بخلاف ما لا يدخل فيها غير أهلها ، كما ذكره في المتن من موارد ثبوت اللوث وحصول التهمة ، كما أنّه يظهر انّه لو كانت المحلّة يدخلها غير أهلها نهاراً لا ليلاً ، فإن وجد قتيلاً فيها ليلاً يثبت اللّوث دون النهار ، وكذا العكس ، ولا يعتبر في هذه الصورة العداوة بوجه ، وإن كان محكيّاً عن جماعة(1) ، ولكن سيأتي في المسألة

(1) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 459 وابن فهد في المهذّب البارع: 5 / 214 والشهيد في المسالك: 15/199 .


225

مسألة 2 ـ لو وجد قتيل بين القريتين فاللّوث لأقربهما إليه ، ومع التساوي فهما سواء في اللّوث ، نعم لو كان في إحداهما عداوة فاللّوث فيها وإن كانت أبعد1.

الثانية الآتية أنّ ضمان أهل القرية الذين وجد القتيل فيهم لا يرتبط بمسألة اللّوث ، فانتظر .

1 ـ قد تعرّض لهذه المسألة المحقّق في الشرائع(1) ، وجعل الملاك في اللوث وعدمه هو القرب والبعد ، من دون التعرّض لعنوان العداوة أصلاً ، وحكى في الجواهر عن صاحب الغنية الإجماع عليه(2) ، ثم استدلّ عليه بروايات متعدّدة(3) .

ولابدّ في هذه المسألة وكذا السابقة من ملاحظة الروايات الواردة في الباب ، ليظهر أنّها هل تدلّ على ارتباط مسألة ضمان أهل القرية بمسألة اللّوث أم لا؟

فنقول: منها ذيل صحيحة بريد المتقدّمة في أصل البحث ، وهو قوله(صلى الله عليه وآله): وإلاّ ـ أي وإن لم يحلف المدّعي ـ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً ، وإلاّ اُغرموا الدّية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون(4) .

فإنّه يدلّ على أنّه مع نكول المدّعى عليه عن الحلف يجب عليه أداء الدية ـ أي من ماله ـ إذا كان القتيل قد وجد بين أظهرهم ، أي في قريتهم أو محلّتهم مثلاً .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 996 .

(2) غنية النزوع: 414 ـ 415 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 233 .

(4) تقدّمت في ص219 .


226

وظاهره أنّ وجوب أداء الدية إنّما هو لأجل كون القتيل قد وجد كذلك ، لا لأجل ثبوت اللّوث وكونهم متّهمين كما هو مقتضى ثبوت القسامة عليهم . وبعبارة أُخرى ظاهر الرواية أنّه بمجرّد النكول والإباء عن الحلف يرتفع موضوع القسامة وخصوصياتها ، ويثبت حكم آخر وهو ضمان الدية مع وجدان القتيل بين أظهرهم ، وهذا أمر لا يرتبط بالقسامة وباللّوث المعتبر فيها ، كما لايخفى .

ومنها: ذيل رواية أبي بصير المتقدّمة أيضاً ، وهو قوله (عليه السلام) : وإن لم يقسموا ـ أي المدّعون ـ فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً ، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم ، وإن كان بأرض فلاة أدّيت ديته من بيت المال ، فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرىء مسلم(1) .

والظاهر أنّ المراد من أهل القرية غير المدّعى عليهم ، ويدلّ عليه التصريح بفاعل «أدّى» مع أنّ مقتضى الجمع بينها وبين سابقتها ذلك كما هو ظاهر ، وعليه فلا معارضة بين هذه الرواية وبين الرواية المتقدّمة ، كما أنّه عليه يكون أهل القرية غير داخلين في مسألة القسامة واللوث ، بل الحكم بضمانهم ولزوم الدية عليهم لأجل مجرّد وجدان القتيل فيهم ، كما أنّه لو وجد بأرض فلاة تثبت ديته على بيت المال .

ومنها: صحيحة مسعدة المتقدّمة أيضاً قال: كان أبي رضي الله عنه إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه ، حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً ، ثمّ تؤدّى الدية إلى أولياء القتيل ، ذلك إذا قتل في حيّ واحد ، فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته

(1) تقدّمت في ص220 .


227

تدفع إلى أوليائه من بيت المال(1) .

وظاهرها لزوم الدية على المتهمين مع حلفهم بالنحو المذكور ، وهذا ينافي ما تقدّم ، ومقتضى الجمع حمل الذيل على كون المتّهمين غير أهل الحي الواحد ، الذي وجد القتيل فيه وتحقّق القتل فيه أيضاً ، وعليه فكما ترتفع المعارضة ويتحقّق الجمع يظهر أنّ ضمان أهل ذلك الحيّ الذي تحقّق القتل فيه لا يكون مرتبطاً بالقسامة وبالدعوى والاتّهام أصلاً .

وأمّا ما أفاده بعض الأعلام(2) من الحمل على أداء الدية من بيت المال لعدم تعرّض الرواية للمؤدّي ، ففي غاية الغرابة خصوصاً مع المقابلة مع الذيل ، فتدبّر .

ومنها: رواية علي بن الفضيل ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً ، فإن أبوا أن يحلفوا اُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين(3) . والبحث فيها هو البحث في ذيل رواية بريد المتقدّم .

ومنها: صحيحة الحلبي وموثقة سماعة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يوجد قتيلاً في القرية أو بين قريتين؟ قال: يقاس ما بينهما فأيّهما كانت أقرب ضمنت(4) .

والجواب وإن كان متعرّضاً لحكم الفرض الثاني في السؤال إلاّ أنّه يستفاد منه حكم الفرض الأوّل وهو الضمان من دون قيد ، فيظهر أنّ الحكم بالضمان في الفرضين

(1) تقدّمت في ص222 .

(2) مباني تكملة المنهاج: 2 / 113 مسألة 115 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 115 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 9 ح 5 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 112 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 8 ح 4 .


228

حكم مطلق ثابت بنحو التعبّد ، من دون دخالة لمسألة اللّوث فيه أصلاً .

ومنها: صحيحة محمّد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قتل في قرية أو قريباً من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنّهم ما قتلوه(1) . وظهورها فيما ذكرنا واضح .

وأمّا صحيحتا محمّد بن مسلم وعبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال في رجل كان جالساً مع قوم فمات وهو معهم ، أو رجل وجد في قبيلة وعلى باب دار قوم فادّعى عليهم ، قال: ليس عليهم شيء ولا يبطل دمه(2) . فمحمولتان على عدم ثبوت القصاص عليهم ، لعدم وجود البيّنة وعدم تحقّق اللّوث الذي يجري فيه القسامة ، وأنّ المراد من عدم بطلان دمه لزوم أداء الدية عليهم ، لوجود القتيل عندهم واحتمال كونهم قاتلين .

وقد انقدح ممّا ذكرنا أنّ وجود القتيل في القرية أو قريباً منها أو أشباههما يوجب ضمان أهل القرية ومثلهم إن لم يكن هناك بيّنة على أنّ القاتل غيرهم ، ولم ينفه أولياء المقتول . ولا ارتباط لذلك بمسألة اللّوث أصلاً ، والدليل عليه ملاحظة الروايات ، كما عرفت .

ولقد أجاد صاحب الجواهر حيث قال: والنصوص المزبورة لا تعرّض فيها للقسامة، وإنّما اقتصرت على وجوب الدية، ومقتضى الجمع بينها ما تضمّنه صحيح مسعدة وخبر عليّ بن الفضيل من وجوب الدية ، إلاّ إذا علم الأولياء براءتهم وأنّ القاتل غيرهم ، وهذا حكم آخر غير القسامة . نعم لمّا كان اللّوث أمارة تفيد الحاكم

(1) وسائل الشيعة: 19 / 112 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 8 ح 5 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 111 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 8 ح 1 .


229

مسألة 3 ـ لو لم يحصل اللوث فالحكم فيه كغيره من الدعاوي ، فلا قسامة ولا تغليظ ، والبيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه ، فللوليّ مع عدم البيّنة إحلاف المنكر يميناً واحداً1.

ظنّاً بصدق المدّعي لو ادّعى ، فهناك يجري حكم القسامة ، بخلاف ما إذا لم يدّع ، فإنّ الدية حينئذ عليهم إلاّ مع البيّنة على أنّ القاتل غيرهم أو القسامة أو براءة الأولياء لهم(1) .

كما أنّه ظهر بطلان الجمع بالنحو الذي ذكره الشيخ الطوسي (قدس سره) ، حيث أنّه في محكيّ التهذيب والاستبصار بعد نقل صحيحتي الحلبي ومحمد بن قيس قال: إنّما يلزم أهل القرية أو القبيلة إذا وجد القتيل بينهم إن كانوا متّهمين بالقتل وامتنعوا من القسامة ، فأمّا إذا لم يكونوا متّهمين بالقتل أو أجابوا إلى القسامة فلا دية عليهم ، وتؤدّى ديته من بيت المال(2) ، واستشهد لذلك بروايتي مسعدة وعليّ ابن الفضيل المتقدّمتين .

1 ـ والوجه فيه واضح بعدما عرفت من اختلاف القسامة مع الإقرار والبيّنة في اشتراط اعتبارها بصورة حصول اللّوث دونهما ، فإنّ مقتضى ذلك أنّه مع عدم حصول اللّوث يكون الحكم في القتل متّحداً مع سائر الدعاوي ، فيجري فيه القاعدة الكلية وهي: «البيّنة على المدّعي ، واليمين على المدّعى عليه» ، فالوليّ مع عدم إقامة البيّنة ليس له إلاّ إحلاف المنكر حلفاً واحداً من دون قسامة ولا تغليظ ، كما هو ظاهر .

(1) جواهر الكلام: 42 / 234 .

(2) الاستبصار: 4 / 278 ، التهذيب: 10 / 205 .


230

مسألة 4 ـ لو قتل شخص في زحام الناس ليوم جمعة أو عيد أو وجد في فلاة أو سوق أو على جسر ولم يعلم من قتله فديته من بيت مال المسلمين ، نعم لو كان في الموارد المذكورة أمارة ظنّية على كون القتل بفعل شخص معيّن مثلاً حصل اللوث1.

1 ـ ثبوت الدية على بيت المال في الموارد المذكورة وأشباهها مع عدم اللّوث بالإضافة إلى فرد معيّن أو أفراد معينين ممّا ادّعي عليه الإجماع في محكي الغنية(1) ، ويدلّ عليه روايات مستفيضة بل متواترة .

مثل : صحيحة عبدالله بن سنان وعبدالله بن بكير جميعاً ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل وجد مقتولاً لا يدرى من قتله ، قال: إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته أعطوا ديته من بيت مال المسلمين ، ولا يبطل دم امرىء مسلم ; لأنّ ميراثه للإمام ، فكذلك تكون ديته على الامام ، ويصلّون عليه ويدفنونه . قال: وقضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات ، أنّ ديته من بيت مال المسلمين(2) .

وصحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ازدحم الناس يوم الجمعة في إمرة علي (عليه السلام) بالكوفة فقتلوا رجلاً ، فودّى ديته إلى أهله من بيت مال المسلمين(3) .

ورواية مسمع بن عبدالملك ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) : أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: من مات في زحام الناس يوم الجمعة أو يوم عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله ،

(1) غنية النزوع: 42 / 234 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 109 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 6 ح 1 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 109 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 6 ح 2 .


231

فديته من بيت المال(1) .

وذيل خبر أبي بصير المتقدّم المشتمل على قوله (عليه السلام) : وإن كان بأرض فلاة ادّيت ديته من بيت المال ، فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم(2) .

وذيل رواية مسعدة المتقدّمة المشتمل على قوله (عليه السلام) : فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال(3) .

ورواية سوار ، عن الحسن(4) قال: إنّ عليّاً (عليه السلام) لما هزم طلحة والزبير أقبل الناس منهزمين ، فمرّوا بامرأة حامل على الطريق ففزعت منهم ، وطرحت ما في بطنها حيّاً ، فاضطرب حتّى مات ثم ماتت أُمّه من بعده ، فمرّ بها علي (عليه السلام) وأصحابه ، وهي مطروحة على الطريق وولدها على الطريق ، فسألهم عن أمرها ، فقالوا: إنّها كانت حبلى ، ففزعت حين رأت القتال والهزيمة ، قال: فسألهم: أيّهما مات قبل صاحبه ؟ فقيل: إنّ ابنها مات قبلها ، قال: فدعا بزوجها أبي الغلام الميّت ، فورثه ثلثي الدية وورث أُمّه ثلث الدية ، ثم ورث الزوج من المرأة الميّتة نصف ثلث الدية التي ورثتها من ابنها ، وورّث قرابة المرأة الميّتة الباقي ، ثم ورث الزوج أيضاً من دية امرأته الميتة نصف الدية ، وهو ألفان وخمسمائة درهم ، وورّث قرابة المرأة الميّتة نصف الدية وهو ألفان وخمسمائة درهم ، وذلك أنّه لم يكن لها ولد غير الذي رمت به حين فزعت ، قال: وأدّى ذلك كلّه من بيت مال البصرة(5) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 110 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 6 ح 5 .

(2) تقدم في ص220 .

(3) تقدّمت في ص222 .

(4) هو الحسن البصري ، وسوار هو ابن عبدالله بن قدامة بن عنزة البصري من رواته ، وكلاهما من العامّة .

(5) وسائل الشيعة: 17 / 393 ـ 394 ، أبواب موانع الإرث ب 10 ح3 .


232

مسألة 5 ـ لو تعارضت الأمارات الظنّية بطل اللّوث ، كما لو وجد بالقرب من القتيل ذو سلاح ملطّخ بالدّم وسبع من شأنه قتل الإنسان ، ولم تكن أمارة لحصول القتل بأيّهما وفي كلّ طرف شكّ محض ، فلابدّ في مثله فصل الخصومة بالطرق

بقي أمران :

الأوّل: أنّه لا ينافي الروايات المتقدّمة رواية السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ليس في الهايشات عقل ولا قصاص ، والهايشات الفزعة تقع بالليل والنهار فيشجّ الرجل فيها ، أو يقع قتيل لا يدرى من قتله وشجّه(1) .

والظاهر أنّ تفسير الهايشات من كلام الصادق (عليه السلام) ، وهي جمع هيش بمعنى الفتنة .

والوجه في عدم المنافات أنّ نفي العقل والقصاص في الفتن لايستلزم عدم الثبوت على بيت المال ، ولا أقلّ من كون الروايات المتقدّمة شاهدة على ذلك .

ويؤيّد بل يدلّ على عدم المنافاة قول السكوني: وقال أبو عبدالله (عليه السلام) في حديث آخر: رفع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فودّاه من بيت المال(2) .

الثاني:أنّ ظاهر الروايات المتقدّمة وإن كان الثبوت في بيت المال مطلقاً من دون فرق بين وجود اللّوث وعدمه ، إلاّ أنّ الظاهر كون الإطلاق فيها مبنيّاً على الغالب ، وهو عدم ثبوت اللّوث بالنسبة إلى فرد معيّن أو أفراد معيّنين ، وفي الحقيقة يكون الإطلاق منصرفاً عن موارد ثبوت اللّوث ، ففي هذه الموارد تجري القسامة وأحكامها; كما هو ظاهر .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 110 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 6 ح 3 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 110 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 6 ح 4 .


233

المعهودة غير القسامة1.

مسألة 6 ـ لا يشترط في اللّوث وجود أثر القتل على الأقوى بعد قيام الأمارة الظنّية على أصل القتل ، ولا يشترط في القسامة حضور المدّعى عليه ، كما في سائر المقامات على الأصحّ2.

1 ـ الوجه في بطلان اللّوث أنّك عرفت أنّ معناه هي الأمارة الموجبة للظّن الشخصي للحاكم بصدق المدّعي في دعواه ، ومن الواضح أنّه مع تعارض الأمارة الموجبة لذلك ـ لولا المعارض ـ مع الأمارة الموجبة للظن بالخلاف كذلك لا يتحقّق هناك ظنّ بالصدق المذكور ، لأنّ تعارض الأمارتين يوجب تساقطهما وجعلهما كأنّه لم يكن في البين أمارة ، وعليه فلا يتحقّق اللّوث مع التعارض بوجه ، بل لابدّ في مثله فصل الخصومة بغير القسامة بعد اشتراط مشروعيتها بخصوص صورة اللّوث ، كما عرفت .

2 ـ قال في الجواهر: لا أجد فيه ـ أي في أنّه لا يشترط في اللّوث وجود أثر القتل ـ خلافاً بيننا لاّ من أبي علي(1) . نعم حكي عن أبي حنيفة من العامة الاشتراط حيث قال: إن لم يكن جراحة ولا دم فلا قسامة ، وإن كان جراحة ثبتت ، وإن لم يكن وكان دم فإن خرج من أذنه ثبتت ، لا إن خرج من أنفه(2)وحكي عن مبسوط الشيخ (قدس سره)(3) تقويته(4) .

(1) مختلف الشيعة: 9 / 445 مسألة 118 .

(2) بدائع الصنائع: 6/356، الحاوي الكبير: 16/254،المبسوط للسرخسي: 26/114، الخلاف:5/310مسألة 8.

(3) المبسوط : 7 / 215 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 241 ـ 242 .


234

مسألة 7 ـ لو ادّعى الوليّ إنّ فلاناً من أهل الدار قتله بعد أن وجد مقتولاً فيها حصل اللّوث ، وثبتت الدعوى بالقسامة بشرط ثبوت كون المدّعى عليه في الدار حين القتل ، وإلاّ فلا لوث بالنسبة إليه ، فلو أنكر كونه فيها وقت القتل كان القول قوله مع يمينه1.

ولكنّه كما ترى واضح الضعف ، لأنّ الملاك في اللّوث تحقّق أمارة ظنّية كذائية على صدق المدّعي ، ولا دليل على اشتراط أثر القتل من دم أو جرح أو أثر خنق وشبهها بعد تحقّق اللّوث بغير ذلك .

وأمّا عدم اشتراط حضور المدّعى عليه في القسامة ، فلأنّه لا دليل على خصوصية للمقام ، بعد جواز الحكم على الغائب في سائر المقامات ، والاحتياط في الدم لا يقتضيه خصوصاً بعد كون مشروعية القسامة لحقن دماء المسلمين ، وعدم تحقّق القتل غير المشروع من الفاسق الفاجر الذي ينتظر الفرصة لاغتيال عدوّه وقتله ، كما عرفت في بعض الروايات المتقدّمة .

1 ـ المهم في هذه المسألة أمران:

الأوّل: إنّ وجدان الشخص قتيلاً في دار غيره وإن كان يوجب تحقّق اللّوث بالإضافة إلى جميع أهالي تلك الدار ممّن يصلح أن يصدر القتل منه بلحاظ السنّ وغيره من الجهات الدخيلة ، إلاّ أنّه حيث يكون جريان القسامة إنّما هو فيما إذا كانت هناك دعوى ، ضرورة أنّه بدون الدعوى لا يترتّب على اللّوث ومجرّد وجود الأمارة الظنّية شيء; لعدم حجية هذه الأمارة بوجه كما عرفت (1) ، وعليه فإذا كانت الدعوى بالنسبة إلى فرد خاص من أهالي تلك الدار يجوز إثبات الدعوى

(1) تقدّم في ص218 .


235

المقصد الثاني : في كمّية القسامة

وهي في العمد خمسون يميناً ، وفي الخطأ وشبهه خمس وعشرون على الأصحّ1.

حينئذ بالقسامة ، لوجود الدّعوى وتحقّق اللّوث ، وأمّا سائر الأفراد فهم وإن كانوا مشتركين مع المدّعى عليه في اللوث إلاّ أنّهم باعتبار عدم كونهم طرفاً للدعوى لا تجري القسامة بالنسبة إليهم .

الثاني: إنّ تحقّق اللّوث في الفرض المذكور إنّما هو مع ثبوت كون المدّعى عليه في الدار حين القتل بالاقرار أو بالبيّنة ، ضرورة أنّه مع عدم كونه في الدار حين القتل لا مجال لتحقّق اللّوث أصلاً ، وعليه فلو أنكر المدّعى عليه كونه فيها في تلك الحال يكون القول قوله مع يمينه ، لموافقة قوله لاستصحاب عدم كونه حال القتل في الدار ، أو لكونه منكراً بحسب نظر العرف ، ولو فرض عدم كون قوله موافقاً للأصل كما لو فرض العلم بكونه في الدار ساعة قبل القتل ، ولو فرض العلم بكونه في الدار في زمان وتحقّق القتل فيها في زمان أيضاً يجري استصحاب عدم كونه فيها في حال القتل ، ويترتّب عليه الأثر ، ولا مجال لاستصحاب عدم القتل في حال كونه في الدار ، لعدم ترتّب الأثر عليه ، من غير فرق بين صورة العلم بتاريخ أحدهما وصورة الجهل بتاريخ كليهما ، فتدبّر .

1 ـ حكي الخلاف في العمد عن ابن حمزة فقط ، حيث قال: إنّها خمسة وعشرون في العمد إذا كان هناك شاهد واحد(1) ، وربّما يقال في وجهه: إنّه مبنيّ على أنّ الخمسين بمنزلة البيّنة التي هي الشاهدان ، فيقع في مقابل كلّ شاهد خمسة

(1) الوسيلة: 460 .


236

وعشرون .

ومن الواضح ضعف هذا الوجه ، لعدم الدليل على المحاسبة المذكورة ، ومشروعية القسامة مع عدم البيّنة لا يقتضي ذلك بوجه ، خصوصاً بعد ملاحظة أنّ الشاهد الواحد لا يترتّب عليه الأثر لإثبات القتل أصلاً ، كما يدلّ عليه نفس دليل حجّية البيّنة ، كما لا يخفى .

وربّما يقال: إن الإطلاق أيضاً ينفي هذا القول ، ولكنّه إنّما يتمّ على تقدير ثبوت كونه في مقام البيان ولو من هذه الجهة ، وأمّا لو كان في مقام بيان مجرّد الأعتبار وأصل المشروعية فلا مجال للأخذ به ، هذا في العمد .

وأمّا في الخطأ وشبهه ، فالمشهور كما اعترف به العلاّمة(1) بل عن الغنية نسبته إلى رواية الأصحاب ، مشعراً بالإجماع عليه(2) ، بل عن الشيخ دعوى الإجماع عليه صريحاً أنّها خمسة وعشرون(3) ، ولكنّ المحكيّ عن المفيد(4) والديلمي(5)والحلّي(6) والفاضل(7) وولده(8) والشهيدين(9) هو الحكم بالتسوية بينهما وبين العمد في اعتبار الخمسين .

(1) قواعد الأحكام: 2 / 297 .

(2) غنية النزوع: 441 .

(3) الخلاف: 5 / 308 مسألة 4 .

(4) المقنعة: 736 .

(5) المراسم: 233 .

(6) السرائر: 3 / 338 .

(7) تحرير الأحكام: 2 / 252 ـ 253 ، ولكن اختار في المختلف: 9 / 311 مسألة 19 «أنها خمسة وعشرون» .

(8) إيضاح الفوائد: 4 / 615 .

(9) اللمعة الدمشقية: 177 ، الروضة البهية: 10 / 73 ـ 74 .


237

مسألة 1 ـ إن كان له قوم بلغ مقدار القسامة حلف كلّ واحد يميناً ، وإن نقصوا عنه كرّرت عليهم الأيمان حتّى يكملوا القسامة ، ولو كان القوم أكثر فهم

ويدلّ على التفصيل صحيحة عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) : في القسامة خمسون رجلاً في العمد ، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً ، وعليهم أن يحلفوا بالله(1) .

وصحيحة ابن فضال ويونس جميعاً ، عن الرضا (عليه السلام) . ورواية أبي عمرو المتطبّب المشتملة على عرضه للصادق (عليه السلام) وما أفتى به أميرالمؤمنين (عليه السلام) في الديات، المتضمّنة لقوله: والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلاً ، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً(2) .

وبلحاظ هاتين الروايتين يقيّد إطلاق الروايات المتقدّمة الظاهرة في اعتبار خمسين إن كان لها إطلاق لصورتي الخطأ وشبهه أيضاً ، وإن لم يكن لها إطلاق كما هو الظاهر فلا تصل النوبة إلى تقييد الإطلاق أيضاً ، خصوصاً مع كون مورد جملة منها كالروايات الحاكية لقصّة خيبر صورة العمد . والظاهر أنّه لا إشكال في أصل الحكم ، إنّما الإشكال في أنّ المشهور حكموا بالتسوية بين الخطأ وبين شبهه ، مع أنّه لم يقع التعرّض لشبه العمد في الروايتين أصلاً .

وعليه فكما يحتمل لحوقه بالخطأ يحتمل لحوقه بالعمد أيضاً ، خصوصاً مع ملاحظة أنّه لو كان لأدلّة الخمسين إطلاق لابدّ من الرجوع إليه ، إذا كان دليل التقييد مجملاً مردّداً بين الأقل والأكثر كما في المقام ، حيث لا يعلم أنّ المراد

(1) وسائل الشيعة: 19 / 119 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 11 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 120 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 11 ح2 .


238

مختارون في تعيين خمسين منهم في العمد ، وخمسة وعشرين في غيره1.

بالخطأ هل هو الخطأ المحض أو الأعمّ منه ومن شبه الخطأ ، ولو لم يكن لتلك الأدلة إطلاق يكون مقتضى أصالة عدم ثبوت القتل بأقلّ من خمسين اعتبارها في هذه الصورة أيضاً ، وعليه فيشكل الحكم بالتسوية بين الخطأ وبين شبهه ، كما في المتن وغيره .

1 ـ في هذه المسألة فروض ثلاثة:

الأوّل: ما إذا بلغ القوم بضميمة المدعي مقدار خمسين ، وكان كلّ واحد منهم جازماً بالقتل وصدق المدّعي ، وهذا هو الفرض الواضح من القسامة حيث يحلف كلّ واحد منهم يميناً ، فيتحقّق خمسون يميناً من خمسين رجلاً ، ولا شبهة فيه .

الثاني: ما إذا كان القوم أكثر من خمسين ، والمحكيّ عن الشهيد (قدس سره) أنّه قال: لو كانوا أكثر من خمسين حلف كلّ واحد يميناً(1) ، ومرجعه إلى أنّ الاكتفاء بالخمسين إنّما هو فيما إذا لم يكن العدد زائداً عليها ، وإلاّ فيلزم حلف الجميع . ومن الواضح منافاة هذاالكلام لظاهرالنصوصوالفتاوى، فإنّ مقتضاهماالاكتفاءبهامطلقاً، وعليه فهم مختارون في تعيين خمسين منهم في قتل العمد ، وخمسة وعشرين في الخطأ.

الثالث: ما إذا كان المجموع من القوم والمدّعي ناقصاً عن خمسين مثلاً ، فالّذي صرّح به غير واحد أنّه تكرّر عليهم الأيمان حتّى يكمّلوا القسامة ، وعن الغنية الاجماع عليه ، بل عنها وعن الخلاف أنّه إن كان الولي واحداً أقسم خمسين إجماعاً ، بل زاد في الثاني نسبته إلى أخبار الفرقة أيضاً(2) .

(1) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 61 .

(2) غنية النزوع: 440 ـ 441 ، الخلاف: 5 / 308 مسألة 3 .


239

مسألة 2 ـ لو لم يكن للمدّعي قسامة أو كان ولكن امتنعوا كلاًّ أو بعضاً حلف المدّعي ومن يوافقه إن كان ، وكرّر عليهم حتّى تتمّ القسامة ، ولو لم يوافقه أحد كرّر عليه حتّى يأتي بتمام العدد1.

مسألة 3 ـ لو كان العدد ناقصاً فهل يجب التوزيع عليهم بالسوية ، فإن كان عددهم عشرة يحلف كلّ واحد خمسة ، أويحلف كلٌّ مرّة ويتمّ وليّ الدم النقيصة ، أو لهم الخيرة بعد يمين كلّ واحد ، فلهم التوزيع بينهم بأيّ نحو شاؤوا؟

ولكن أكثر الروايات المتقدّمة ظاهرة في اعتبار خمسين رجلاً ، نعم قوله (عليه السلام) في صحيحة بريد المتقدّمة: فأقيموا قسامة خمسين رجلاً(1) يكون على قرائته بالإضافة ظاهراً في إرادة خمسين يميناً ، كما أنّ قوله (عليه السلام) في صحيحة مسعدة المتقدّمة: حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً(2) أيضاً ظاهر في أنّ الملاك هو تعدّد الأيمان لا تعدّد من يحلفونها ، مضافاً إلى أنّ تعليل مشروعية القسامة بحقن دماء المسلمين لئلاّ يغتال الفاسق رجلاً فيقتله مع عدم رؤية أحد ، يقتضي عدم تعليق الحكم على عدد خمسين ، لعدم تحقّقه إلاّ نادراً ، كما لا يخفى . وعليه فلا تنبغي المناقشة في الحكم في هذا الفرض .

1 ـ ظهر حكم هذه المسألة من حكم الفرض الثالث في المسألة المتقدّمة ، فإنّ مقتضاه حلف المدّعي خمسين ، سواء لم يكن غيره أو كان ولكن لم يوافقه أحد في الحلف .

(1) تقدّمت في ص219 .

(2) تقدّمت في ص222 .


240

لا يبعد الأخير ، وإن كان الأولى التوزيع بالسوية ، نعم لو كان في التوزيع كسر كما إذا كان عددهم سبعة فبعد التوزيع بقي الكسر واحداً فلهم الخيرة ، والأولى حلف وليّ الدّم في المفروض ، بل لو قيل أنّ النقيصة مطلقا على وليّ الدّم أو أوليائه فليس ببعيد ، فإذا كان العدد تسعة فالباقي خمسة يحلفها الولي أو الأولياء ، فإن كان في التوزيع بين الأولياء كسر فهم بالخيار ، ولو وقع فيهم تشاحّ فلا يبعد الرجوع إلى القرعة ، وليس هذا نكولاً1.

1 ـ صرّح المحقّق في الشرائع(1) بلزوم التوزيع بالسوية ، وتبعه الفاضل في القواعد(2) . وقال كاشف اللثام في شرحها: ذكوراً كانوا أو أناثاً أو مختلفين ، وارثين بالسوية أو لا بها ، أو غير وارثين ، لاشتراكهم في الدعوى وانتفاء دليل على التفاضل ، ولا يفيده التفاضل في الإرث على أنّه ليس بشرط(3) .

ويرد عليه ـ مضافاً إلى منع الإشتراك في الدعوى أنّه لا يلزم أن يكون كلّ واحد من الحالفين مدّعياً ـ ما عرفت من المستفاد من النصوص اعتبار بلوغ مقدار الحلف خمسين ، وأمّا لزوم التسوية بين العدد الناقص فلا دلالة لشيء منها عليه ، بل ظاهرها خلافه ، وعليه فلا مجال لدعوى لزوم الأخذ بالقدر المتيقّن ، وهو التساوي في القسمة بينهم .

والمحكيّ عن المبسوط لزوم القسمة بين الوارثين على حسب الحصص ، فلو فرض ابن وبنت حلف الابن أربعاً وثلاثين ، والبنت سبع عشرة(4) ، نظراً إلى أنّهم

(1) شرائع الإسلام: 4 / 998 .

(2) قواعد الأحكام: 2 / 297 .

(3) كشف اللثام: 2 / 462 .

(4) المبسوط : 7 / 222 .


241

مسألة 4 ـ هل يعتبر في القسامة أن تكون من الوراث فعلاً ، أو في طبقات الإرث ولو لم تكن وارثاً فعلاً ، أو يكفي كونها من قبيلة المدّعي وعشيرته عرفاً وإن لم تكن من أقربائه؟ الظاهر عدم اعتبار الوراثة فعلاً ، نعم الظاهر اعتبار ذلك في المدّعي ، وأمّا سائر الأفراد فالاكتفاء بكونهم من القبيلة والعشيرة غير بعيد ، لكن الأظهر أن يكونوا من أهل الرجل وأقربائه ، والظاهر اعتبار الرجولية في القسامة ، وأمّا في المدّعي فلا تعتبر فيه وإن كانت أحد المدّعين ، ومع عدم العدد من الرجال ففي كفاية حلف النساء تأمّل وإشكال ، فلابدّ من التكرير بين

إنّما يحلفون خلافه عن القتيل ، فيحلف كلّ بقدر خلافته ، فيحلف الذكر ضعف الاُنثى .

وممّا ذكرنا يظهر بطلانه أيضاً ، لعدم الإشعار في شيء من النصوص المتقدّمة إليه ، بل ظاهرها اعتبار بلوغ مقدار الحلف خمسين من دون فرق بين الحالفين بوجه . فانقدح أنّ الظاهر ثبوت الخيار وجواز التوزيع بينهم بأيّ نحو شاؤوا ، وإن كانت أولوية التسوية لا شبهة فيها .

وأمّا أولويّة حلف وليّ الدم فيما إذا كان هناك نقيصة كما في المثال المذكور في المتن ، بل تعيّنه كما يظهر منه ، فلعلّ الوجه فيه أنّ الحلف يكون ثابتاً عليه ابتداء ، لأنّه مستحقّ القصاص أو الدية ، وجوازه من غيره إنّما هو على خلاف القاعدة ، فاللاّزم ثبوته عليه بالإضافة إليها ، فتدبّر .

ثمّ إنّ الظاهر أنّه لا مورد للرجوع إلى القرعة في تشاحّ الأولياء ، بعد عدم ثبوت خصوصيّة لأحدهم في الواقع ، غاية الأمر توقّف إثبات حقّهم على النّصاب المذكور ، فإن تحقّق النصاب يثبت الحق ، وإلاّ فلا . ومنه يظهر أنّه لا وجه للرجوع إليها في تشاحّ القوم الحالفين غير الأولياء لعين ماذكر .


242

الرجال ، ومع الفقد يحلف المدعي تمام العدد ولو كان من النساء1.

1 ـ لا إشكال في أنّه يعتبر في المدّعي واحداً كان أو متعدّداً الوراثة بالفعل ، وبعبارة أُخرى يعتبر أن يكون مستحقّاً للقصاص أو الدية على تقدير ثبوت القتل ، ضرورة أنّه بدونه لا تسمع دعواه ، ولا تكون قابلة للطرح عند الحاكم وترتيب الأثر عليها .

كما أنّه لا إشكال في عدم اعتبار الرجولية في المدّعي كسائر المقامات ; لعدم الدليل عليه ، مضافاً إلى أنّه قد يكون الوارث منحصراً بالمرأة ، فلا مجال لعدم سماع دعواها بعد كون مشروعية القسامة لحقن دماء المسلمين ، كما عرفت .

وأمّا القسامة ، ففيها احتمالات ثلاثة مذكورة في المتن ، ونفى فيه البعد عن الوجه الثالث ، لكن جعل الأظهر هو الوجه الثاني . وهنا احتمال رابع وهو: عدم اشتراط شيء فيها سوى الموافقة للمدّعي وعلمه بصدور القتل من المدّعى عليه ، ولا يبعد اختيار هذا الوجه ، لأنّه لا يستفاد من شيء من الروايات اعتبار القرابة أو كونه من قبيلة المدّعي وعشيرته ، خصوصاً مع ملاحظة الروايات المتعدّدة المتقدّمة الحاكية لقصّة خيبر ، المشتملة على أنّ الأنصار فقدوا رجلاً منهم ثم وجدوه مقتولاً متشحّطاً بدمه ، وعلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) حكم فيهم بالقسم بمقدار خمسين ، مع أنّه من الواضح أنّ المقتول كان مشتركاً معهم في كونه من الأنصار من دون قرابة ، بل ولا الاشتراك في القبيلة والعشيرة .

هذا ، مضافاً إلى أنّ مقتضى حكمة مشروعيّة القسامة عدم الاختصاص ، ولعلّ الوجه لما في المتن ، أنّه قد عبّر في بعض الروايات والفتاوى بالقوم أو الأهل ، ولكنّه لا ينهض في مقابل ما ذكرنا بوجه .

وأمّا اعتبار الرجولية في القسامة فللتعبير بالرجل في كثير من الروايات


243

مسألة 5 ـ لو كان المدّعي أكثر من واحد فالظاهر كفاية خمسين قسامة ، وأمّا لو كان المدّعى عليه أكثر ففي كفاية خمسين قسامة وعدمها إشكال ، والأوجه تعدّد القسامة حسب تعدّد المدّعى عليه ـ فلو كان اثنين يحلف كلّ منهما مع قومه خمسين قسامة على ردّ دعوى المدّعي ـ وإن كان الاكتفاء بالخمسين لا يخلو عن وجه ، لكن الأوّل أوجه1.

المتقدّمة ، ومن الواضح أنّه لا مجال في مثل المقام ممّا يحتمل فيه خصوصية الرجولية لدعوى إلغاء الخصوصية كما في بعض المقامات ، مثل: رجل شكّ بين الثلاث والأربع في ركعات الصلاة الرباعية ، ومنه يظهر اعتبار كونهم بالغين أيضاً ، كما لا يخفى .

1 ـ يظهر منهم التسالم على كفاية خمسين قسامة فيما إذا كان المدّعي أكثر من واحد ، وأمّا إذا كان المدّعى عليه كذلك فالمشهور عدم الاكتفاء ، بل لزوم التعدّد حسب تعدّد المدّعى عليه(1) ، خلافاً لما حكي عن الشيخ (قدس سره)في الخلاف من الاكتفاء بالخمسين منهم أجمع ، مدّعياً عليه الإجماع(2) .

أقول: أمّا المدّعي ـ فمع قطع النظر عن التسالم والإجماع وعن الدليل الاعتباري الذي مرجعه إلى عدم الاختلاف بين المدّعين أو المدعيين في الدعوى ; لأنّ ادّعاء كون زيد مثلاً قاتلاً للمقتول أمر مشترك بينهم أو بينهما ، ولا اختلاف فيه أصلاً ـ

(1) المبسوط: 7 / 222 ، شرائع الإسلام: 4 / 998 ، إرشاد الأذهان: 2 / 219 ، تحرير الأحكام: 2 / 253 ، إيضاح الفوائد: 4 / 616 ، مسالك الأفهام: 15 / 207 .

(2) الخلاف: 5 / 314 مسألة 13 .


244

يشكل استفادته من الروايات ، وإن كان يظهر من الجواهر دلالتها عليه(1) ; لأنّ الظاهر أنّ محطّ نظره هي الروايات الحاكية لقصّة خيبر المشتملة على حكمه(صلى الله عليه وآله)بأنّه على تقدير حلف خمسين رجلاً من الأنصار يثبت القتل ، ويترتّب عليه آثاره ، نظراً إلى تعدّد المدّعي فيها ، وهم الأنصار ، مع أنّ في هذه الروايات إعضالاً وإشكالاً ، وهو أنّه يعتبر في المدّعي كما عرفت أن يدّعي جزماً وبصورة اليقين ، ولا تسمع الدعوى إذا لم تكن جازمة ، والأنصار إذا كانوا مدعين بهذا النحو فكيف امتنعوا من الحلف؟ معلِّلاً بأنّا نكره أن نقسم على ما لم نره ، ومن المعلوم أنّ مرادهم من عدم الرؤية عدم العلم واليقين ، لأنّه لا يعتبر في الحلف إلاّ اليقين ، ولا تعتبر الرؤية بوجه ، وإذا لم يكونوا مدّعين لعدم الجزم ، فكيف طلب رسول الله(صلى الله عليه وآله)منهم الحلف مع عدم وجود مدّع في البين؟ وقد عرفت أنّ اعتبار القسامة إنّما هو في صورة الدّعوى ووجود المدّعي .

ودعوى أنّه يمكن وجود المدّعي بين الأنصار مدفوعة ـ مضافاً إلى أنّها حينئذ لا دلالة لها على تعدّد المدعي الذي هو محلّ البحث ـ بأنّه على هذا التقدير كان اللاّزم مطالبة خمسين يميناً من ذلك المدّعي بعد عدم حلف غيره معه ، فالانصاف أنّه لا مجال لاستفادة ما في الجواهر .

وأمّا المدّعى عليه فمقتضى الدليل الاعتباري فيه التعدّد حسب تعدّده ، لأنّ حلف كلّ قسامة إنّما يرجع إلى براءة من أحضر تلك القسامة وعدم ارتباط القتل إليه . وهذا لا ينافي الاستناد بالمدّعى عليه الآخر ، فبراءة الجميع يتوقّف على إحضار كلّ واحد منهم قسامة يحلفون بالبراءة ، كما أنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على

(1) جواهر الكلام: 42 / 250 ـ 251 .


245

لزوم إقامة المدّعى عليه القسامة التعدّد ، لانطباق هذا العنوان على كلّ واحد منهم ، ولو وصلت النوبة إلى يمين شخص المدّعى عليه ، كما لو لم يكن له قسامة أو امتنعوا من الحلف لا محيص عن اعتبار خمسين بالإضافة إلى كلّ واحد منهما أو منهم ، ضرورة أنّه لا يكفي يمين واحد إلاّ لنفسه ، كما في سائر المقامات التي كان المدّعى عليه فيها متعدّداً ، فإنّه يجب أن يحلف كلّ واحد ولا يكفي يمين واحدة .

أضف إلى ذلك أنّه لو فرض اعتبار القرابة أو الاشتراك في القومية في القسامة يمكن أن لا يكون بين المدّعى عليهما قرابة أو اشتراك في القومية أصلاً ، فاللاّزم على كلّ واحد منهما إحضار قسامة خاصّة .

وأمّا ما ذكره الشيخ في الخلاف فربّما يستدلّ عليه برواية أبي بصير المتقدّمة ، المشتملة على قول الصادق (عليه السلام) : فإذا ادّعى الرّجل على القوم أنّهم قتلوا كانت اليمين لمدّعي الدّم قبل المدّعى عليهم ، فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً ، فيدفع إليهم الّذي حلف عليه ، فإن شاؤوا عفوا ، وإن شاؤوا قتلوا ، وإن شاؤوا قبلوا الدية ، وإن لم يقسموا فإنّ على الذين اُدّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً الحديث(1) ، نظراً إلى ظهوره في تعدّد المدّعى عليه وكفاية حلف خمسين .

ولكن فيه : أنّه وإن وقع التعبير عن المدّعى عليه في صدر العبارة بـ «القوم» ، وفي الذيل بـ «الذين ادّعي عليهم» ، إلاّ أنّ الظاهر كون المدّعى عليه شخصاً معيَّناً وواحداً مشخَّصاً من القوم ، والشاهد عليه قوله (عليه السلام) : يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً . وقوله عقيبه: فيدفع إليهم الذي حلف عليه . وإسناده إلى القوم إنّما هو باعتبار كون

(1) تقدّمت في ص220 .


246

مسألة 6 ـ لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته فله أن يردّ الحلف على المدّعى عليه ، فعليه أيضاً خمسون قسامة ، فليحضر من قومه خمسين يشهدون ببراءته وحلف كلّ واحد ببراءته ، ولوكانوا أقلّ من الخمسين كرّرت عليهم

القاتل منهم ومن قبيلتهم وعشيرتهم .

ويستدلّ عليه أيضاً ببعض النصوص الواردة في قصّة خيبر ، الظاهر في كون الدّعوى على اليهود والاكتفاء بحلف خمسين منهم ، ولكنّ الظاهر أنّ الإسناد فيه إلى اليهود إنّما هو لما ذكرنا . ويؤيّده بل يدلّ عليه التصريح في بعضها ـ كما في صحيحة بريدالمتقدّمة ـ بأنّ فلان اليهودي قتل صاحبنا(1) ، وكذا قول رسول الله(صلى الله عليه وآله)في بعضها الآخر: فليقسم خمسون رجلاً منكم على رجل ندفعه إليكم(2) .

نعم يمكن التمسّك لذلك بصحيحة مسعدة المتقدّمة المشتملة على قوله (عليه السلام) : حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً(3) . وإن لم يتمسك به صاحب الجواهر(4) ، لظهوره في تعدّد المتّهمين ، خصوصاً مع قوله (عليه السلام) قبله: «ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه» الظاهر في أنّ الجمع ليس باعتبار تعدّد القضايا ، كما لايخفى .

ولكنّ الجواب أنّه يلزم رفع اليد عن هذا الظهور ، والحمل على لزوم الخمسين على كلّ واحد من المتّهمين بقرينة النصّ والفتوى ، فتدبّر .

ويمكن أن يكون الجمع باعتبار المدّعى عليه وقومه .

(1) تقدّمت في ص219 .

(2) تقدّم في ص221 .

(3) تقدّمت في ص222 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 250 .


247

الأيمان حتّى يكملوا العدد ، وحكم ببراءته قصاصاً ودية ، وإن لم يكن له قسامة من قومه يحلف هو خمسين يميناً ، فإذا حلف حكم ببراءته قصاصاً ودية ، وإن لم تكن له قسامة ونكل عن اليمين اُلزم بالغرامة ، ولا يردّ في المقام اليمين على الطرف1.

1 ـ بعد تطابق النصّ والفتوى على أنّه لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته ، له أن يردّ الحلف على المدّعى عليه ، يقع الكلام في جهات:

الجهة الأُولى: أنّه إذا كان للمدّعى عليه إحضار قومه للحلف ممكناً ، فهل يجب عليه ذلك أم يجوز له الاكتفاء بحلف نفسه خمسين ، من دون حاجة إلى إحضار القوم بوجه ، كما في ناحية المدّعي ، حيث يجب عليه ذلك كما مرّ؟

ربّما يقال كما عليه بعض الأعلام : بأنّ الأوّل وإن كان هو المشهور شهرة عظيمة بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد من الفقهاء ، إلاّ أنّ ذلك لم يرد في شيء من الروايات ، وأمّا رواية أبي بصير المتقدّمة(1) فهي مضافاً إلى أنّها ضعيفة سنداً بعلي بن أبي حمزة لا تدلّ على أنّ المدّعى عليه يحضر من قومه من يحلف معه لإكمال العدد، بل المفروض فيها طلب الحلف من المدّعى عليهم، بل مقتضى صحيحة مسعدة المتقدّمة أيضاً أنّ الباقر (عليه السلام) كان يحلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً(2) . وأمّا مافي صحيحة بريد: وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً(3) فلا دلالة فيه على لزوم حلف غير المدّعى عليه ، بل تدلّ على أنّ المدّعى عليه لابدّ وأن يكون هو الحالف ، ولكن لا يكتفى بحلفه مرّة واحدة ، بل لابدّ وأن

(1) تقدّمت في ص220 .

(2) تقدّمت في ص222 .

(3) تقدّمت في ص219 .


248

يكون حلفه قسامة خمسين رجلاً ، بمعنى أنّه يلزم عليه الحلف خمسين مرّة(1) .

ويرد عليه ما عرفت في المسألة السابقة من أنّ المدّعى عليه في رواية أبي بصير واحد ، والحلف متوجّه إلى القوم الذي هو فرد منهم ، والتعبير عن القوم بالمدّعى عليهم قد عرفت النكتة فيها ، مع أنّ فرض تعدّد المدّعى عليه بحيث يحلف منهم خمسون ـ الظاهر في أنّهم أزيد من خمسين ـ في مقام إلقاء الضابطة في مسألة القسامة وبيان مشروعيتها ممّا لا وجه له أصلاً ، فلا محيص عن الالتزام بوحدة المدّعى عليه .

وأمّا صحيحة مسعدة فتحمل ـ ولو بقرينة رواية أبي بصير ـ على توجّه الحلف إلى المتّهم وقومه ، ويمكن أن يكون الجمع لا بلحاظ تعدّد المدّعى عليه ، بل بلحاظ تعدّده مع قومه كما عرفت ، كما أنّ صحيحة بريد يكون الظاهر باعتبار ضمير المتكلّم مع الغير تعدّد الحالف ، وكونه بلحاظ المدّعى عليه وقومه ، وعليه فيصير ذلك قرينة على كون «خمسين رجلاً» بياناً لا مضافاً إليه .

الجهة الثانية: لا خلاف ولا إشكال في أنّه مع حلف المدّعى عليه إمّا مع القوم أو بنفسه مع عدمهم أو امتناعهم تتحقّق البراءة المطلقة قصاصاً ودية ، لكن في صحيحة مسعدة المتقدّمة بعد حلف المتّهمين: «ثم يؤدّي الدية إلى أولياء القتيل ، ذلك إذا قتل في حيّ واحد ، فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال» . وظاهره لزوم أداء الدية بعد تحقّق الحلف من المتّهمين ، ولكن ذكر صاحب الجواهر أنّ المراد هو أداء الدية من بيت المال ، والفرق بينه وبين قتيل العسكر أو السوق أنّ الأخير تدفع ديته من بيت المال ابتداء لا بعد القسامة ،

(1) مباني تكملة المنهاج: 2 / 111 مسألة 114 .


249

بخلافه فإنّه بعد القسامة(1) .

ويؤيّده التعبير بكلمة «تؤدّى» بصيغة المبني للمجهول الظاهر في كون المؤدّي غير المتّهمين ، وإلاّ لكان المناسب التعبير بصيغة الجمع وبنحو المبني للمعلوم ، كما هو ظاهر .

وقد عرفت منّا أنّ مقتضى الجمع بين الصحيحة وبين الروايات الأُخر حمل الذيل على كون المؤدّين أهل ذلك الحي الذي وجد القتيل فيه ، وهم غير المتّهمين ، وضمانهم لا يرتبط بمسألة القسامة أصلاً ، بل لأجل مجرّد وجدان القتيل في حيّهم واحتمال تحقّق القتل من كل واحد من أهله .

نعم هنا إشكال ، وهو أنّه بعد توجّه الدعوى إلى خصوص المتّهمين ، ولازمه الاعتراف بعدم صدور القتل من غيرهم ، كيف يجوز لأولياء المقتول أخذ الدية من غيرهم ، سواء كان هو بيت المال أو أهل ذلك الحيّ الذي وجد القتيل فيه .

وبعبارة أُخرى: من كان طرف الدعوى قد خلّص نفسه بالقسامة وتحقّقت البراءة له ، وغيره لا يكون طرفاً للدعوى ، فكيف يجوز الأخذ منه ، سواء كان أهل الحيّ أو بيت المال .

والجواب : أنّه وإن كان لا نصيب للمدعي من ناحية دعواه ، لفرض حلف المدّعى عليه الموجب لسقوط الدّعوى رأساً ، إلاّ أنّه لا مانع من حكم الشارع بلزوم الدّية لئلاّ يبطل دم امرىء مسلم ، غاية الأمر حكمه بالتفصيل بين ما لو وجد القتيل في حيّ أو قرية أو قبيلة ، فالدية على أهلها ، وبين ما لو وجد في مثل فلاة أو عسكر أو سوق مدينة فالدية من بيت المال ، ففي الحقيقة لا منافاة بين

(1) جواهر الكلام: 42 / 251 ـ 252 .


250

ثبوت الدية للعلّة المذكورة وبين سقوط الدعوى بالحلف رأساً ، فتدبّر .

هذا ، وربّما يقال بدلالة روايتين آخرتين أيضاً على لزوم الدية على المدّعى عليه بعد الحلف:

إحداهما: ذيل رواية أبي بصير المتقدّمة وهو قوله (عليه السلام) : فإنّ على الّذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً ، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم ، وإن كان بأرض فلاة أديّت ديته من بيت المال . الحديث(1) .

ويجاب عنها بضعف سند الرواية فلا حجّية فيها .

ولكنّ الظاهر أنّه لا دلالة لها على ذلك أصلاً ، لأنّ الظاهر مغايرة ضمير الجمع في «فعلوا» مع «أهل القرية» وإلاّ لكان المناسب التعبير بالضمير في أدّى أيضاً ، وعليه فالفاعل للحلف هم المدّعى عليهم ، والثابت عليه الدية هم أهل القرية الذين وجد فيهم ، فالرواية لا دلالة لها بوجه . والعجب من القائل أنّه كيف غفل عمّا ذكرنا واعتقد أنّ طريق التخلّص ينحصر بتضعيف السند(2) .

وثانيتهما: رواية أبي البختري ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه (عليهما السلام) أنّه اُتي علي (عليه السلام) بقتيل وجد بالكوفة مقطّعاً ، فقال: صلوا عليه ما قدرتم عليه منه ، ثم استحلفهم قسامة بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً ، وضمنهم الدية(3) .

وهذه الرواية مضافاً إلى ضعف سندها بأبي البختري وهو وهب بن وهب المعروف بالكذب ، قاصرة من حيث الدلالة; لعدم ظهورها أوّلاً في وجود المدّعي في البين ، وقد عرفت أنّ مجرى القسامة وموردها ما إذا كانت في البين دعوى ،

(1) تقدّمت في ص220 .

(2) راجع مباني تكملة المنهاج: 2 / 113 مسألة 115 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 113 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 8 ح8 .


251

وعدم دلالتها ثانياً على عدم تحقّق الحلف من ناحية المدّعي ، وعدم ظهورها ثالثاً في تحقّق الحلف من المدّعى عليه ، لأنّ الاستحلاف أعمّ من الحلف ، فلا دلالة لها على ثبوت الدية بعد تحقّق الحلف .

الجهة الثالثة: إنّ الظاهر تمامية المخاصمة مع حلف المدّعى عليه أو نكوله ، ولا مجال لردّ الحلف على المدّعي بعد نكول المدّعى عليه ، كما حكي عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط(1) ، بل في ظاهر محكيّ عبارته دعوى الإجماع عليه . ووجهه عموم أدلّة الرّد ، وخصوصاً في المقام ، لاقتضاء الاحتياط في الدماء له . بل ظاهر عبارته أنّ التي تردّ هي القسامة بأجمعها لا خصوص يمين واحدة كما في سائر المقامات .

ولكنّ الظاهر أنّه لا وجه للرد في المقام أصلاً ، لأنّ مورد أدلّة الردّ ما إذا كان الحلف وظيفة المنكر ابتداء ، فإنّه يجوز له حينئذ النكول وردّ اليمين إلى المدّعي . وأمّا في المقام فالحلف ابتدء على المدّعي ، وانتقاله إلى المدّعى عليه إنّما هو بعد نكون المدّعي وردّه ، مع أنّه لا وجه لردّ الحلف إلى من كان عليه الحلف وامتنع منه ، فإنّه لو كان غير ممتنع من الحلف لكان يحلف أوّلاً ، والاحتياط في الدماء لا يقتضي ذلك لعدم الدليل على تأثير الحلف المردود من المدّعى عليه ، والأخذ به لعلّه ينافي الاحتياط ، كما لا يخفى .

الجهة الرابعة: انّه إذا نكل المدّعى عليه عن الحلف وامتنع منه ففي كلام المحقّق في الشرائع(2) وعن السرائر(3) والجامع(4) ـ بل قيل : إنّه الأشهر ، وعليه عامة

(1) المبسوط : 7 / 223 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 998 .

(3) السرائر: 3 / 340 .

(4) الجامع للشرائع: 577 .


252

متأخّري أصحابنا(1) ـ اُلزم الدعوى ، وظاهر هذا التعبير ثبوت الدعوى بمجرّد النكول ، فإن كانت هي قتل العمد يترتّب عليه حقّ القصاص ، وإن كانت غيره تثبت الدية ، وقد صرّح بهذا الظهور العلاّمة في التحرير حيث قال: ولو امتنع المدّعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتّى يحلفوا ، بل يثبت الدعوى عليهم ويثبت القصاص إن كان القتل عمداً ، أو الدية إن كان خطأ(2) . ولكن في المتن: اُلزم بالغرامة ، وظاهره ثبوت الدّية مطلقاً ، وفي الجواهر(3) الاستدلال لما في الشرائع بروايتين ظاهرتين في ثبوت الدية بمجرّد النكول:

إحداهما:ذيل صحيحة بريد المتقدّمة ، وهو قوله (عليه السلام) : وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً ، وإلاّ اُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون(4) .

وثانيتهما: رواية عليّ بن الفضيل المتقدّمة أيضاً ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً ، فإن أبوا أن يحلفوا اُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم ، سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين(5) .

أقول: أمّا الرواية الثانية فلا ترتبط بما نحن فيه من مسألة القسامة التي يكون موردها صورة وجود المدّعي والمدّعى عليه ، وثبوت الحلف على الأوّل وقومه

(1) رياض المسائل: 10 / 326 .

(2) تحرير الأحكام : 2 / 253 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 252 ـ 253 .

(4) تقدّمت في ص219 .

(5) تقدّمت في ص227 .


253

أوّلاً ، وعلى الثاني وقومه ثانياً . ومقدار الحلف هو خمسون ; لأنّ الرواية ظاهرة في حلف القوم بأجمعهم ولو كان عددهم أزيد من خمسين ، وإنّ الحلف يتوجّه إليهم ابتداء ، ولم يفرض فيها وجود المدّعي والمدّعى عليه بوجه ، غاية الأمر ثبوت الاحتمال بالإضافة إلى أفراد القوم ، وعليه فالحكم بلزوم غرامة الدية بعد الإباء عن الحلف لا يرتبط بما هو محلّ البحث في المقام أصلاً .

وأمّا الرواية الاُولى فهي وإن كانت واردة في مورد وجود المدّعي والمدّعى عليه ، إلاّ أنّ تقييد الحكم بالغرامة في صورة عدم الحلف بما إذا وجد القتيل بين أظهرهم ، يشعر بل يدلّ على أنّ المناط في لزوم الدية وثبوت الغرامة ليس الإباء عن الحلف ، بل وجدان القتيل بين أظهرهم ، مثل ما إذا وجد في محلّتهم أو قريتهم أو قبيلتهم .

وإن كان يتوجّه إشكال حينئذ على الرواية ، بأنّ المدّعى عليه الذي فرض إباؤه عن الحلف إن كان محكوماً بشيء من القصاص أو الدية ، يلزم أن يقع في مقابل قتل واحد شيئان: أحدهما على المدّعى عليه ، والآخر على الّذين وجد القتيل بين أظهرهم ،وإن لم يكن محكوماً بشيء يلزم أن يكون وجود الحلف وعدمه سيّان في المدّعى عليه .

وبعبارة أُخرى الحكم بالغرامة الظاهر في ثبوت الدية ، إن كان لأجل الامتناع عن الحلف فما وجه التقييد بوجدان القتيل بين أظهرهم؟ لأنّ الملاك حينئذ هو مجرّد النكول بما أنّه نكول من المدّعى عليه ، وإن كان لأجل القيد المذكور فظاهره حينئذ عدم ترتّب شيء على الامتناع ، وهو يستلزم المساواة بين وجود الحلف وعدمه . فالانصاف أنّ الوصول إلى مراد الذيل في غاية الإشكال . وعليه فلم يدلّ دليل ظاهر على لزوم الغرامة ، بل مقتضى القاعدة لزوم الدعوى بمجرّد


254

مسألة 7 ـ تثبت القسامة في الأعضاء مع اللّوث ، وهل القسامة فيها خمسون في العمد وخمس وعشرون في غيره فيما بلغت الجناية الدية كالأنف والذكر وإلاّ فبنسبتها من خمسين يميناً في العمد وخمس وعشرين في الخطأ أو شبهه ، أو ستة أيمان فيما فيه دية النفس ، وبحسابه من الستّ فيما فيه دون الدية؟ الأحوط هو الأوّل ، والأشبه هو الثاني ، وعليه ففي اليد الواحدة أو الرجل الواحدة وكلّ ما فيه نصف الدية ثلاث أيمان ، وفيما فيه ثلثها اثنتان ، وهكذا . وإن كان كسر في اليمين أكمل بيمين إذ لا تكسر اليمين ، فحينئذ في الاصبع الواحدة يمين واحدة ، وكذا في الأنملة الواحدة ، وكذا الكلام في الجرح ، فيجزي الستّ بحسب النسبة ، وفي الكسر يكمل بيمين1.

النكول ، وهي قد يترتّب عليها القصاص ، وقد يترتّب عليها الدية ، فتدبّر جيّداً .

1 ـ في هذه المسألة جهات من الكلام:

الأولى:في أصل ثبوت القسامة وجريانها في الأعضاء ، أعمّ ممّا فيه القصاص وما فيه الدية ، كجريانها في النفس ، والدليل عليه ـ مضافاً إلى الاشتراك في حكمة المشروعية المصرَّح بها في بعض الروايات المتقدّمة ، وهي أن لا يريد الفاسق قتل الآخر أو اغتياله، وإلى ما حكي عن المبسوط(1) والخلاف(2) من ثبوتها فيها عندنا ـ بعض الروايات الواردة في كمّية القسامة في الأعضاء الدالّة على ثبوتها فيها، ويأتي نقلها.

(1) المبسوط : 7 / 220 و 223 .

(2) الخلاف: 5 / 312 مسألة 12 .


255

الثانية: في اعتبار اللّوث في قسامة الأعضاء أيضاً ، وقد صرّح به غير واحد كالمحقّق في الشرائع(1) ، وعن السرائر الاجماع عليه(2) ، خلافاً لما حكي عن مبسوط الشيخ (قدس سره) من عدم اعتباره(3) ، وفاقاً لأكثر العامة أو جميعهم عدا الشافعي في تفصيل له (4) .

ويدلّ عليه ما دلّ على اعتباره في القتل من الإجماع والتسالم ، ومخالفة الشيخ (قدس سره)في المبسوط لا تقدح ، خصوصاً مع كون القسامة مخالفة للقاعدة ، والقدر المتيقّن صورة وجود اللّوث .

ودعوى أنّ مقتضى إطلاق النّصوص الدالّة على ثبوت اليمين للمدّعي في الدم ثبوتها في المقام من دون لوث ، لأنّ القدر المتيقّن تقييد قسامة القتل باللوث ، ولا دليل على التقييد في المقام ، مدفوعة بأنّ الدليل ما ذكرنا من الإجماع والتسالم .

الثالثة: في كمّية القسامة في الأعضاء ، فالمحكيّ عن المفيد(5) وسلاّر(6) وابن إدريس(7) أنّها خمسون في العمد ، وخمس وعشرون في غيره ، إن كانت الجناية تبلغ الدية كالأنف والذكر ، وإلاّ فبنسبتها من المقدارين . وربّما قيل: إنّه خيرة أكثر

(1) شرائع الإسلام: 4 / 998 .

(2) السرائر: 3 / 338 .

(3) المبسوط : 7 / 223 .

(4) الخلاف: 5 / 312 مسألة 12 ، المغني لابن قدامة: 10 / 33 .

(5) لم نعثر عليه في المقنعة ، لكن حكى عنه ابن إدريس في السرائر: 3 / 341 .

(6) المراسم: 233 .

(7) السرائر: 3 / 340 .


256

المتأخرين(1) ، لكنّهم ـ كما في الجواهر(2)ـ لم يذكروا الخمس وعشرين في الخطأ ، بل أطلقوا ذكر الخمسين ، وفي المسالك أنّه مذهب الأكثر بقول مطلق(3) ، بل عن غيرها أنّه المشهور(4) ، بل عن السرائر(5) الإجماع عليه ، لكن قيل : يحتمل أن يريد منه أنّ الثبوت بالخمسين مجمع عليه .

والمحكي عن الشيخ(6) وأتباعه(7) بل خيرة العلاّمة في بعض كتبه(8) ستّ أيمان فيه دية النفس ، وبحسابه من ستّ فيما فيه دون الدية .

يدلّ على الأوّل ـ مضافاً إلى دعوى الشهرة بل الإجماع كما عرفت ، وإلى كونه مقتضى الاحتياط في الدماء ، وإلى أنّ القسامة مخالفة للقاعدة فيقتصر فيها على المتيقّن الذي هو الخمسون مطلقاً ، أو في خصوص صورة العمد ـ إطلاق صحيحة عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) في القسامة خمسون رجلاً في العمد ، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً ، وعليهم أن يحلفوا بالله(9) . حيث لم يقع فيها التقييد بالقتل ، بل أطلق فيها القسامة ، فتشمل قسامة الأعضاء أيضاً .

(1) رياض المسائل: 10 / 328 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 254 .

(3) مسالك الأفهام: 15 / 208 ـ 209 .

(4) غاية المراد : 389 ـ 390 .

(5) السرائر: 3 / 341 .

(6) المبسوط: 7 / 223 ، النهاية: 741 ـ 742 ، الخلاف: 5 / 313 مسألة 12 .

(7) المهذّب: 2 / 501 ، الكافي في الفقه: 439 ، غنية النزوع: 441 ، إصباح الشيعة: 530 .

(8) مختلف الشيعة: 9 / 313 مسألة 21 .

(9) وسائل الشيعة: 19 / 119 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 11 ح1 .


257

ويدلّ على الثاني ما رواه الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن فضال; وعن محمد بن عيسى ، عن يونس جميعاً ، عن الرضا (عليه السلام) . وعن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن الحسن بن ظريف بن ناصح ، عن أبيه ظريف بن ناصح ، عن عبدالله بن أيّوب ، عن أبي عمرو المتطبّب قال: عرضت على أبي عبدالله (عليه السلام) ما أفتى به أمير المؤمنين (عليه السلام) في الديات ، فممّا أفتى به في الجسد وجعله ستّ فرائض: النفس ، والبصر ، والسمع ، والكلام ، ونقص الصوت من الغنن والبحح ، والشّلل من اليدين والرجلين .

ثم جعل مع كلّ شيء من هذه قسامة على نحو ما بلغت الدية ، والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلاً ، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً ، وعلى ما بلغت ديته من الجروح ألف دينار ستّة نفر ، وما كان دون ذلك فحسابه من ستّة نفر ، والقسامة في النفس والسمع والبصر والعقل والصوت من الغنن والبحح ونقص اليدين والرجلين فهو ستّة أجزاء الرجل .

تفسير ذلك: إذا أُصيب الرجل من هذه الأجزاء الستّة ، وقيس ذلك ، فإن كان سدس بصره أو سمعه أو كلامه أو غير ذلك حلف هو وحده ، وإن كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه رجل واحد ، وإن كان نصف بصره حلف هو وحلف معه رجلان ، وإن كان ثلثي بصره حلف هو وحلف معه ثلاثة نفر ، وإن كان أربعة أخماس بصره حلف هو وحلف معه أربعة ، وإن كان بصره كلّه حلف هو وحلف معه خمسة نفر ، وكذلك القسامة في الجروح كلّها ، فإن لم يكن للمصاب من يحلف معه ضوعفت عليه الأيمان ، فإن كان سدس بصره حلف مرة واحدة ، وإن كان الثلث حلف مرّتين ، وإن كان النصف حلف ثلاث مرّات ، وإن كان الثلثين حلف أربع مرّات ، وإن كان خمسة أسداس حلف خمس مرّات ، وإن كان كلّه حلف ستّ


258

مرّات ، ثم يعطى(1) .

قال في الوسائل بعد نقل الرواية بالكيفية المذكورة: ورواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم ، ورواه الشيخ والصدوق كما يأتي من أسانيدهما إلى كتاب ظريف .

وكيف كان لا مجال لتضعيف سند الرواية بعد كون روايتها بطرق متعدّدة فيها الصحيح والموثق وغيرهما ، وإن كان بعض طرقها مشتملاً على الضعف لضعف أبي عمرو المتطبّب ، والمناقشة في سهل بن زياد .

وبهذه الرواية يجاب عن أدلّة القول الأوّل ، لأنّه لا مجال مع تماميّتها من حيث السند والدلالة للأخذ بالاحتياط ولا بالقدر المتيقّن ، وبها يقيد إطلاق صحيحة ابن سنان المتقدّمة ، ودعوى الشهرة والإجماع مدفوعة بعدم ثبوتهما ، بل ربّما يقال : بتحقّق الشهرة القديمة على خلافه .

ثمّ الظاهر أنّ قوله: «وتفسير ذلك» ليس من الكليني; لعدم معهودية هذا النوع من التفسير له ، مضافاً إلى أنّه لا شاهد في الرواية بكونه منه ، بل الظاهر كونه جزء للرواية وإن كان الاستدلال بها لا يتوقّف على هذه الجهة . نعم فيها اضطراب من جهة مغايرة ستة أجزاء المذكورة في الصدر مع ما هو المذكور بعده ، لعدم اشتمال الأولى على العقل واشتمال الثانية عليه ، ولكنّه لا يقدح في الحجية بالإضافة إلى ما نحن بصدده أصلاً ، كما لا يخفى .

ثمّ إنّ ظاهر الرواية أنّ ما يثبت بستّ أيمان هو الدية مطلقاً دون القصاص ، ولأجله لا فرق بين العمد والخطأ في الأعضاء من جهة اعتبار الستّ وعدم

(1) وسائل الشيعة: 19 / 120 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 11 ح2 .


259

مسألة 8 ـ يشترط في القسامة علم الحالف ، ويكون حلفه عن جزم وعلم ، ولا يكفي الظنّ1.

مسألة 9 ـ هل تقبل قسامة الكافر على دعواه على المسلم في العمد والخطأ

التفصيل بين الصورتين ، كما قد صرّح به فيها في القتل .

ثم إنّه على كلا القولين لو كان هناك كسر في اليمين اُكمل بيمين ، لأنّه لا تكسر اليمين ، فعلى القول الثاني إذا بلغت الجناية سدس الدية أو أقل ففي الجميع يمين واحدة ، وعلى القول الأوّل إذا بلغت خمس عشر الدية أو أقل يكون كذلك ، وفي المتوسط بين الكسور يلحق بالكسر الذي يكون فيه يمين أكثر ; لعدم تكسّر اليمين كما عرفت . وعلى كلا القولين ربّما تتّحد الجنايتان في مقدار اليمين ، وإن كانت نسبتهما إلى الدية مختلفة ، فتدبّر جيّداً .

1 ـ الظاهر أنّه لا خلاف في اعتبار علم الحالف ، وأنّه لا يكفي الظن ولو كان غالباً ، ونسبة الخلاف(1) إلى مبسوط الشيخ(2) ممنوعة كما في الجواهر(3) ، والوجه في الاعتبار أنّه لا خصوصيّة للمقام ، فكما يعتبر ذلك في سائر المقامات يعتبر في المقام أيضاً ، خصوصاً مع ملاحظة إباء الأنصار عن الحلف معلِّلاً بعدم رؤيتهم وتقرير النبي(صلى الله عليه وآله) لهم ، مضافاً إلى أنّه لا معنى للحلف على شيء مع عدم العلم به ، والحلف على ثبوت الظنّ به لا يغني أصلاً .

(1) كما في كشف اللثام: 2 / 463 .

(2) المبسوط: 7 / 216 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 256 ـ 257 .


260

في النفس وغيرها؟ فيه خلاف ، والوجه عدم القبول1.

1 ـ هذه المسألة خلافية ، فعن الشيخ في بعض كتبه(1) والعلاّمة(2) وفخر المحقّقين(3) أنّه لا تقبل ، وجعله المحقّق في الشرائع أظهر(4) ، لكن حكي عن مبسوط الشيخ(5) وجمع من الأصحاب(6) القبول ، وقوّاه صاحب الجواهر (قدس سره)(7) .

واستدلّ للأوّل بأنّ القسامة على خلاف الأصل ، ومورد الروايات قسامة المسلم ، فيقتصر على القدر المتيقّن ، وبأنّه قد صرّح في بعض الروايات المتقدّمة بأنّه إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة ، وفي بعضها إنّما جعلت القسامة احتياطاً لدماء المسلمين ، فيستفاد منه أنّ مشروعية القسامة لأجل التحفّظ على دم المسلم فقط ، وبأنّه إن أُريد بالقسامة إثبات القصاص في القتل عمداً فمن الواضح أنّ الكافر لا يستحقّ القصاص على المسلم ، وإن أُريد بها إثبات الدية فاللاّزم الحكم بثبوت مال للكافر على المسلم باليمين الابتدائية من الكافر ، مع أنّا نعلم بأنّهم يستحلّون دماء المسلمين وأموالهم .

وبأنّها سبيل منفيّ للكافر على المسلم ، وبتقرير النبيّ(صلى الله عليه وآله) الأنصار على إبائهم وامتناعهم قبول قسامة اليهود ، ولذا أدّاه هو(صلى الله عليه وآله) من بيت المال .

ويمكن المناقشة في الجميع .

(1) الخلاف: 5 / 311 مسألة 10 .

(2) قواعد الأحكام: 2 / 297 ، تحرير الأحكام: 2 / 254 .

(3) إيضاح الفوائد: 4 / 618 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 999 .

(5) المبسوط: 7 / 216 .

(6) مختلف الشيعة: 9 / 476 مسألة 172 ، مسالك الأفهام: 15 / 209 ـ 210 .

(7) جواهر الكلام: 42 / 258 .


261

أمّا تقرير النبيّ(صلى الله عليه وآله) فهو مسبوق بأمر النبي(صلى الله عليه وآله) بقسامة اليهود ، وهو صريح في مشروعية قسامتهم مع كونهم كافرين بل مشركين ، وعليه فلابدّ من توجيهه بنحو ، لأنّه لا مجال لجعل الوجه فيه هو عدم المشروعية بعد صراحة القول فيها .

ويمكن أن يكون الوجه فيه هو علم النبي(صلى الله عليه وآله) بصدور القسامة من اليهود بعد أمرهم بها ، وعليه فكان يترتّب عليها براءتهم ولزوم أداء الدية من بيت المال ، ويبقى في نفوس الأنصار الاعتراض على قبول قسامتهم ، فرأى(صلى الله عليه وآله)المصلحة في صرف النظر عن قسامتهم وأداء الدية من بيت المال ابتداءً ، وعليه فالوجه في التقرير خصوصيّة المورد لا عدم مشروعيّة القسامة ، ولو سلّمنا عدم تبين وجه التقرير لنا لكن ذلك لا يستلزم رفع اليد عن القول الصريح في المشروعية .

نعم مقتضاها مشروعية القسامة من الكافر في جانب المدّعى عليه ، وهو وإن لم يكن ملازماً للمشروعية في ناحية المدّعي ، خصوصاً بملاحظة بعض الأدلّة المذكورة مثل نفي السبيل ، إلاّ أنّ الظاهر عدم الفرق بين القسامتين من هذه الجهة عند الأصحاب (قدس سرهم) فالإنصاف أنّ الرواية دليل قويّ على المشروعية مطلقاً .

وأمّا نفي السبيل فيمكن المناقشة في الاستدلال به بعد وضوح أنّ ثبوت دعوى الكافر بسبب قسامته لا يستتبع القصاص بوجه ، لأنّ المفروض كون المدّعي كافراً وهو يستلزم كون المقتول كذلك ، لعدم إرث الكافر من المسلم ، وقد سبق أنّ من شرائط القصاص التساوي في الدين ، وأنّه لا يقتل مسلم بذمّي ، وعليه فثبوت دعوى الكافر بالقسامة في المقام لا يترتّب عليه إلاّ الدية التي هي حقّ مالي ، ومن الواضح أنّ ثبوت مال للكافر على المسلم لا يكون سبيلاً له عليه ، وإلاّ يلزم عدم جواز افتراض المسلم من الذمّي ، ويلزم أن لا يثبت القتل ولو بالبيّنة ، لأنّ مقتضاها ثبوت الدية على القاتل المسلم ، مع أنّ صريح النصّ والفتوى خلافه .


262

مسألة 10 ـ لابدّ في اليمين من ذكر قيود يخرج الموضوع ومورد الحلف عن الإبهام والاحتمال ، من ذكر القاتل والمقتول ونسبهما ووصفهما بما يزيل الابهام والاحتمال ، وذكر نوع القتل من كونه عمداً أو خطأً أو شبه عمد ، وذكر الانفراد أو الشركة ونحو ذلك من القيود1.

ومنه يظهر الجواب عن الدليل المتقدّم على هذا الدليل ، خصوصاً مع ملاحظة أنّ الشاهد واليمين الابتدائية من الكافر يكفي في إثبات المال على المسلم .

وأمّا ما ورد في مشروعية القسامة فلا دلالة فيها على الحصر ، بل ولا مفهوم له إلاّ مفهوم اللّقب الذي قد حقّق في الأصول عدم ثبوت المفهوم له . نعم لا يستفاد منه المشروعية في غير المسلمين ، لكن هنا بعض ما تدلّ على المشروعية ، مثل قوله (عليه السلام) في بعض الروايات: هي (القسامة) حقّ ، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً(1) . وفي البعض الآخر: وإنّما القسامة نجاة للناس(2) .

ولا منافاة بين الطائفتين حتى بالإطلاق والتقييد ، بل الطائفة الثانية متعرّضة لما لم تتعرّض له الأولى ، كما لا يخفى .

ومنه يظهر أنّه لا مجال للأخذ بالقدر المتيقّن بعد وجود الروايات المطلقة ، خصوصاً مع صراحة الرواية الواردة في قصة الأنصار في مشروعية قسامة الكفّار كما مرّ ، وعليه فالوجه هو القبول خلافاً للمتن .

1 ـ لا شبهة في أنّه لابدّ في اليمين من أن يكون منطبقة على الدعوى في جانب المدّعي ، وعلى ما أنكره في جانب المدّعى عليه ، وحيث إنّ الظاهر أنّه يعتبر في

(1) وسائل الشيعة: 19 / 116 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 9 ح8 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 114 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 9 ح2 .


263

سماع الدّعوى أن لا تكون مطلقة مجرّدة بل مشتملة على بيان الخصوصيات ، بنحو يزيل الإبهام والاحتمال من جهة القاتل والمقتول ونوع القتل والانفراد أو الشركة وغير ذلك ، فالظاهر حينئذ كفاية اليمين على طبق الدعوى من دون اعتبار ذكر الخصوصيات في اليمين أيضاً ، إلاّ أنّه حكي عن مبسوط الشيخ أنّه تحتاج يمين المدّعي إلى تربعة أشياء ، وهي المذكورة في المتن ، ويمين المدّعى عليه إلى ستّة أشياء يقول: ما قتل فلاناً ، ولا أعان على قتله ، ولا ناله من فعله ، ولا بسبب فعله شيء ، ولا وصل بشيء إلى بدنه ، ولا أحدث شيئاً مات منه(1) .

وظاهره لزوم التعرّض في اليمين لهذه الخصوصيات وعدم الاكتفاء بالفاقدة لذكر بعضها ، وإن كان يظهر من ذيل كلامه أنّ هذا فيما إذا كانت الدعوى مطلقة وقلنا بسماعها . وقد وقع التصريح باعتبار الأمور الأربعة في يمين المدّعي في عبارة الشرائع(2) ، وحكي عن بعض كتب العلاّمة(3) وبعض متأخّري المتأخّرين(4) .

وكيف كان فالظاهر أنّه لا دليل على خصوص اليمين في قسامة القتل من هذه الجهة ، بل الظاهر أنّ حكمها حكم اليمين في سائر المقامات ، وإن اختلف معها من حيث الكمّية . نعم ورد في بعض روايات المقام التعبير بأنّ فلاناً قتل فلاناً .

كما أنّه ورد في بعضها في ناحية المدّعى عليه التعبير بأنّه «ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً» ، مع أنّه لم يقع التعرّض لهذه الجهة الأخيرة في شيء من الكلمات حتّى عبارة المبسوط ، فإنّ مرجع الأمور الستّة المذكورة فيه إلى عدم دخالة المدّعى عليه في

(1) المبسوط: 7 / 237 ـ 239 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 999 .

(3) تحرير الأحكام: 2 / 253 ، إرشاد الأذهان: 2 / 219 .

(4) كالمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 198 .


264

المقصد الثالث : في أحكامها

مسألة 1 ـ يثبت القصاص بالقسامة في قتل العمد ، والدية على القاتل في الخطأ شبيه العمد ، وعلى العاقلة في الخطأ المحض ، وقيل: تثبت في الخطأ المحض على القاتل لا العاقلة وهو غير مرضيّ1.

القتل بوجه . وأمّا عدم علمه بالقاتل ولو كان هو غير المدّعى عليه فليس فيها التعرّض له أصلاً .

هذا ، ومقتضى القاعدة وإن كان ما ذكرنا من كفاية الانطباق على الدعوى ، وبعد اشتمالها على الخصوصيات لا يكون ذكرها في اليمين ثانياً وثالثاً وهكذا بلازم ، إلاّ أنّ رعاية الاحتياط في الدماء من ناحية ، وظواهر الروايات الواردة في كيفية يمين المدّعي والمدّعى عليه مثل ما عرفت من ناحية أخرى تقتضي التعرّض في اليمين لتلك الخصوصيات أيضاً ، كما أنّه ينبغي التعرّض لعدم العلم بالقاتل في ناحية المدّعى عليه أيضاً .

1 ـ لا شبهة ولا خلاف عندنا نصّاً وفتوى في أنّه يترتّب على القسامة في قتل العمد ثبوت قتل العمد وترتّب القصاص عليه ، كما فيما إذا ثبت بالإقرار أو بالبيّنة . وحكي عن أبي حنيفة(1) والشافعي في الجديد(2) ثبوت الدية مغلظة في مال الجاني دون القصاص، وفي الجواهر بعد نقله: وهو اجتهاد في مقابلة النصّ النبوي وغيره(3).

ويدلّ على ما ذكرنا صريح جملة من الروايات المتقدّمة مثل صحيحة بريد بن

(1) الخلاف: 5 / 306 مسألة 2 ، المبسوط للسرخسي: 26 / 108 ، بدائع الصنائع: 6/352 .

(2) الخلاف: 5 / 306 مسألة 2 ، مغني المحتاج: 4 / 117 ، الأم: 6 / 96 ـ 97 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 265 .


265

معاوية المتقدّمة المشتملة على قوله(صلى الله عليه وآله) : لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكفّ عن قتله(1) . ورواية ابن سنان المتقدّمة أيضاً المشتملة على قوله (عليه السلام) : لكي إذا رأى الفاجر عدوّه فرّ منه مخافة القصاص(2) ورواية زرارة المتقدّمة أيضاً المشتملة على قوله(صلى الله عليه وآله) : فليقسم خمسون رجلاً منكم على رجل ندفعه إليكم(3) . وغير ذلك من الروايات .

مع أنّ ظاهر الروايات الواردة في مشروعية القسامة أنّها بحكم البيّنة والإقرار في ترتّب القصاص ، وإلاّ لكان اللاّزم التصريح بالاختلاف وعدم ثبوت القصاص هنا . ولا شبهة أيضاً في ثبوت الدية على القاتل في الخطأ شبه العمد هنا ; وأمّا الخطأ المحض فالمشهور فيه ثبوت الدية على العاقلة(4) ، كما إذا ثبت بالبيّنة ، ولكنّ المحكيّ عن تحرير العلاّمة(5) وحواشي الشهيد(6) ثبوت الدية على القاتل في الخطأ أيضاً ، ولعلّ مستندهما رواية زيد بن عليّ ، عن آبائه (عليهم السلام) قال: لا تعقل العاقلة إلاّ ما قامت عليه البيّنة . قال: وأتاه رجل فاعترف عنده ، فجعله في ماله خاصّة ولم يجعل على العاقلة شيئاً(7) . ولكن الرواية مضافاً إلى ضعف السند قاصرة من حيث الدلالة ، لأنّ الظاهر بقرينة الذيل أنّ الحصر فيها إضافي في مقابل الإقرار لا حقيقي ، شامل للقسامة أيضاً ، خصوصاً مع ظهور روايات القسامة في خلافه .

(1) تقدّمت في ص219 .

(2) تقدّمت في ص223 .

(3) تقدّمت في ص221 .

(4) كشف اللثام: 2 / 464 .

(5) تحرير الأحكام: 2 / 254 .

(6) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 79 .

(7) وسائل الشيعة: 19 / 306 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 9 ح1 .


266

مسألة 2 ـ لو ادّعى على اثنين وله على أحدهما لوث فبالنسبة إلى ذي اللّوث كان الحكم كما تقدّم من إثباته بخمسين قسامة ، وبالنسبة إلى غيره كانت الدعوى كسائر الدّعاوي ، اليمين على المدّعى عليه ولا قسامة . فلو حلف سقطت دعواه بالنسبة إليه ، وإن ردّ اليمين على المدّعي حلف ، وهذا الحلف لا يدخل في الخمسين ، بل لابدّ في اللوث من خمسين غير هذا الحلف على الأقوى1.

مسألة 3 ـ لو أراد قتل ذي اللّوث بعد الثبوت عليه بالقسامة يردّ عليه نصف

1 ـ مورد هذه المسألة ما إذا ادّعى القتل على اثنين بنحو الشركة ، وكان اللّوث متحقّقاً بالإضافة إلى أحدهما فقط ، وعليه فالحكم فيها هو ما في المتن من ملاحظة اللّوث وعدمه ، فبالنسبة إلى ذي اللّوث يتوقّف إثبات دعوى القتل على القسامة ، ويترتّب عليها شركة المدّعى عليه في القتل ، وأمّا بالنسبة إلى غير ذي اللّوث فلا مجال للقسامة ; لعدم وجود شرطها الذي هو اللّوث كما عرفت . وعليه فتجري الضابطة الجارية في سائر الموارد ، وهي أنّه مع عدم البيّنة للمدّعي تصل النوبة إلى يمين المدّعى عليه ، فإذا حلف سقطت دعواه بالإضافة إليه ، وإن ردّ اليمين على المدّعي حلف وتثبت دعواه على الآخر أيضاً ، وهي شركته في القتل .

والظاهر أنّ هذا الحلف لا يرتبط بالقسامة ولا يدخل في الخمسين ; لأنّه مضافاً إلى مغايرة طرفه مع طرفها يكون مقتضاهما مختلفاً ، فإنّ القسامة إنّما تثبت شركة ذي اللّوث في القتل ، ولا تثبت بها شركة غيره بوجه . وعليه فلابدّ في إثباتها من حلف مربوط به ، ولا يبتني الدخول وعدمه على القولين فيما إذا تعدّد المدّعى عليه ، وكان لوث بالإضافة إلى الجميع ، فإنّ المفروض في المقام عدم اللّوث بالإضافة إلى الثاني ، وكون اليمين هي اليمين المردودة ، ولا ربط له بتلك المسألة .


267

ديته ، وكذا لو ثبت على الآخر باليمين المردودة وأراد قتله يردّ عليه نصف الدية1.

مسألة 4 ـ لو كان لوث وبعض الأولياء غائب ورفع الحاضر الدّعوى إلى الحاكم تسمع دعواه ويطالبه خمسين قسامة ، ومع الفقد يحلفه خمسين يميناً في العمد ، وفي غيره نصفها حسب ما عرفت ، ويثبت حقّه ولم يجب انتظار سائر الأولياء ، وله الاستيفاء ولو قوداً ، ثم لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه قالوا: حلف بقدر نصيبه ، فإذا كان واحداً ففي العمد خمس وعشرون ، وإن كان اثنين فلكلّ ثلث وهكذا ، وفي الكسور يجبر بواحدة ، ويحتمل ثبوت حقّ الغائب بقسامة الحاضر أو يمينه . ويحتمل التفصيل بين قسامة الحاضر ، فيقال بثبوت حقّ الغائب بها ويمينه خمسين يميناً مع فقد القسامة . فيقال بعدم ثبوته بها . ويحتمل ثبوت حقّ الغائب بضمّ يمين واحدة إلى عدد القسامة ومع فقدها ويمين الحاضر ضمّ حصّته من الأيمان . ويحتمل عدم ثبوت دعوى الغائب إلاّ بخمسين

1 ـ الظاهر أنّ المفروض في هذه المسألة ما إذا أثبت المدّعي دعواه بالإضافة إلى واحد منهما فقط ، أمّا الأوّل من طريق القسامة ، وأمّا الثاني من طريق اليمين المردودة ، فإنّه حينئذ إذا أراد القتل لابدّ له أن يردّ نصف الدية من نفسه ، لعدم التمكّن من إثبات دعواه على غيره ، والمفروض أنّ ما أثبته كان هو القتل لا بنحو الانفراد بل بنحو الشركة ، فمع الاعتراف بالشركة بنحو التنصيف لابدّ له من ردّ نصف الدية من نفسه . وأمّا لو فرض ثبوت الدّعوى على كليهما وأراد قتل أحدهما فاللاّزم أن يردّ الآخر النصف لاوليّ المقتول ، كما في موارد ثبوت الشركة في القتل بالإقرار أو بالبيّنة ، كما لا يخفى .


268

قسامة ومع فقدها يحلف خمسين يميناً كالحاضر ، ولو كان الغائب أزيد منواحد وادّعى الجميع كفاهم خمسون قسامة أو خمسون يميناً من جميعهم . أقوى الاحتمالات الأخير ، سيّما إذا ثبت حقّه بخمسين يميناً منه . ويأتي الاحتمالات مع قصور بعض الأولياء1.

1 ـ يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين:

الأوّل: في جواز رفع الوليّ الحاضر الدّعوى إلى الحاكم وما يترتّب عليه ، والوجه في الجواز إطلاق الأدلّة الدالّ على عدم مانعية غيبة بعض الأولياء عن رفع الحاضر الذي هو لأجل إثبات حقّه واستيفائه ، خصوصاً مع أنّه ربّما يحتمل عدم عود الغائب ، وعدم تبدّل غيبته إلى الحضور ، أو عدم كونه مدّعياً بعد الحضور ، فمجرّد الغيبة لا يتّصف بالمانعية ، وعليه فيجوز للحاضر رفع دعواه ، وتكون هذه الدعوى مسموعة عند الحاكم .

غاية الأمر حيث قام الدليل على أنّه إذا لم يكن لمدّعي القتل بيّنة ولم يكن هناك إقرار من القاتل فالطريق منحصر في القسامة ، فاللاّزم في إثبات دعواه في المقام إقامة خمسين قسامة ، أو خمسين يميناً في العمد ، ونصفه في غيره ، وإن كان على تقدير حضور الغائب يكون سهمه من اليمين هو النصف ، إلاّ أنّه بالغيبة لا يتغيّر الحكم ولا يوجب ثبوت القتل بالنصف ، فاللاّزم خمسون يميناً حتّى يثبت حقّه ، ومع الإثبات يجوز له الاستيفاء من دون انتظار ، ولو كان بنحو الاقتصاص ، لما سيأتي في مسائل كيفيّة استيفاء القصاص من جواز التصدّي له من بعض الأولياء .

الثاني: في أنّه إذا حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه فبأيّ طريق يمكن له إثبات حقّه ، والمذكور في كلماتهم بنحو يوجب شبهة تحقّق الإجماع ـ كما في


269

الجواهر(1) ، حيث أرسل من تعرّض له من الشيخ(2) والفاضلين(3) والشهيدين(4)وغيرهم من الشارحين(5) له إرسال المسلّمات ـ هو أنّه يحلف الغائب بقدر نصيبه ، فإذا كان واحداً يحلف خمساً وعشرين في العمد ، وإن كان اثنين يحلف كلّ واحد منهما سبع عشرة لعدم تكسّر اليمين ، والوجه في هذا أنّ الغائب لو كان حاضراً عند رفع الحاضر لم يجب عليه أزيد من هذا ، بل كان اللاّزم عليه الحلف بقدر نصيبه ، فإذا حضر بعد الغيبة لا يتغيّر الحكم .

وتجري المناقشة في هذا الوجه لأنّه على تقدير الحضور ربّما لا يكون الحلف عليه لازماً ، لوجود خمسين رجلاً يحلفون ، كما أنّه على هذا التقدير ربّما لا يكون الحلف بقدر النصيب بلازم ، لامكان حلف الحاضر أزيد ، وقد مرّ جوازه .

وفي المتن بعد نقل هذا الحكم منسوباً إلى الأصحاب احتمل فيه احتمالات أُخر:

أحدها: أنّه كما ثبت حقّ الحاضر بخمسين رجلاً أو يميناً كذلك ثبت حقّ الغائب بها ، ولا يحتاج إثبات دعواه إلى دليل آخر ، لأنّ المفروض عدم كون دعواه مغايرة مع دعوى الحاضر ، والمفروض أنّه قد أثبت دعواه ، فيبقى للغائب مجرّد الاستيفاء ، ولا حاجة إلى الإثبات ثانياً .

ثانيها: أنّه إذا أثبت الحاضر حقّه بخمسين رجلاً فبذلك يثبت حق الغائب

(1) جواهر الكلام: 42 / 269 .

(2) المبسوط: 7 / 233 ـ 234 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 1000 ، قواعد الأحكام: 2 / 298 ، إرشاد الأذهان: 2 / 220 .

(4) مسالك الأفهام: 15 / 215 ـ 216 ، وامّا الشهيد الأوّل فحكاه عن كتابه «الروض» السيد العاملي في مفتاح الكرامة: 11 / 80 .

(5) كشف اللثام: 2 / 464 .


270

أيضاً ، نظراً إلى أنّ قسامة خمسين بمنزلة البيّنة التي يكفي لإثبات الحقّ مطلقاً ، ضرورة أنّه لو كان الحاضر أثبت حقّه بالبيّنة لكان ذلك كافياً في إثبات حقّ الغائب أيضاً ، فقسامة خمسين بمنزلة البيّنة في ذلك ، وهذا بخلاف خمسين يميناً التي يحلفه الحاضر ، فإنّه لا دليل على أزيد من إثبات حقّه بها ، وأمّا ثبوت حقّ الغائب أيضاً فلا يستفاد من الأدلّة ، بل لابدّ للغائب من إقامة الدليل ، والظاهر في هذا الاحتمال أيضاً أنّ دليله هو الحلف بقدر نصيبه .

ثالثها: هو الاحتمال الثاني مع الفرق في أنّه يلزم بعد تحقّق قسامة خمسين رجلاً في إثبات دعوى الحاضر يمين واحدة من الغائب إذا حضر ، والوجه فيه لزوم كون المدّعي من جملة الخمسين ، فكما أنّه كان الحاضر أحدهم يلزم أن يحلف الغائب بعد حضوره ليكون أحدهم أيضاً .

رابعها: ما قوّاه في المتن وهو أنّه يحتاج الغائب في إثبات دعواه إلى قسامة خمسين رجلاً أو خمسين يميناً ثانياً كالحاضر ، نعم لو كان الغائب أزيد من واحد كفى الجميع ذلك ، كما إذا كانوا حاضرين . والوجه فيه إطلاق أدلّة القسامة الدالّ على أنّ مدّعي القتل يحتاج في إثبات دعواه ـ مع عدم البيّنة والإقرار ـ إلى القسامة ، ومن الواضح أن الغائب مدّع للقتل ، والمفروض تمامية دعوى الحاضر وفصل الخصومة بالإضافة إليه ، وهذه دعوى جديدة .

نعم لو كان الغائب حاضراً لا يحتاج إلى تعدّد القسامة ، لأنّ الخصومة واحدة . وقد عرفت أنّ ظاهر أدلّة القسامة عدم كون تعدّد المدّعي موجباً لتعدّدها ، لكن هذا مع حضورهم . وأمّا مع الافتراق فالظاهر التعدّد ، كما إذا كانوا جميعاً حاضرين . ولكن صدر الادعاء من واحد منهم لعدم ثبوت القاتل عند غيره ، فبعد إثبات المدّعي دعواه بالقسامة وتمامية الخصومة ، إذا صدر الادعاء من غيره أيضاً


271

يحتاج إلى قسامة جديدة، لأنّه دعوى جديدة وهو مدّع جديد ، واللاّزم عليه ذلك.

وهذا الاحتمال مضافاً إلى أنّه أقوى ، سيّما إذا أثبت الحاضر حقّه بخمسين يميناً من نفسه دون خمسين رجلاً ، الذي يحتمل فيه كونه كالبيّنة المثبتة للدّعوى مطلقاً موافق للاحتياط أيضاً، خصوصاً بعدكون القسامة على خلاف القاعدة ، كما عرفت.

ثمّ إنّه إذا استوفى الحاضر حقّه بالدية فتارة يريد الغائب بعد حضوره وإثبات حقّه بنحو عرفت استيفاء حقّه بالدية أيضاً ، وأُخرى يريد استيفاءه بالقصاص ، ففي الصورة الأولى يأخذ نصف الدّية مثل الحاضر ، ولا إشكال حينئذ ، وفي الصورة الثانية يجوز له الاقتصاص ، غاية الأمر بعد أداء نصف الدية ، لأنّ المفروض أنّه قد أدّى المقتصّ منه نصف الدية إلى الحاضر أوّلاً ، فاللاّزم الأخذ من الغائب الذي ليس له من الحقّ إلاّ النصف .

وأمّا إذا استوفى الحاضر حقّه بالقصاص ـ ولازمه أداء نصف الدية إلى المقتصّ منه أو ورثته ، لعدم جواز الاقتصاص بعد كون حقّه بمقدار النصف إلاّ بعد الأداء المذكور ـ فتارة يريد الغائب الاستيفاء بالدية وأُخرى بالقصاص ، ففي الصورة الأُولى يأخذ نصف الدية من الورثة ، وفي الصورة الثانية وإن كان لا يترتّب على إثبات دعواه بالقسامة من جهة القصاص شيء ، لأنّ المفروض تحقّقه ، ولأجله ربّما يحتمل عدم القسامة عليه للورثة ، إلاّ أنّه حيث يترتّب على دعواه لزوم دفع الورثة النصف الذي أخذ من الحاضر إليه ، لأنّه لا يقع في مقابل النفس أزيد من نفس واحدة ، فإلزامه بذلك يتوقّف على إثبات دعواه بالقسامة ، وفي الحقيقة لا تكون مطالبة القسامة حينئذ بنفع الورثة بل بضررهم ، لأنّه مع عدم المطالبة يكون نصف الدية بأيديهم ، بل تكون القسامة مؤثِّرة في حصول نفع إلى الوليّ الحاضر ، ولأجله يمكن أن يقال بعدم سماع دعوى الغائب في هذه الصورة ، لأنّه بعد إرادة القصاص


272

مسألة 5 ـ لو كذّب أحد الوليّين صاحبه لم يقدح في اللوث فيما إذا كانت أمارات على القتل ، نعم لايبعد القدح إذا كان اللّوث بشاهد واحد مثلاً ، والمقامات مختلفة1.

لا نفع في هذه الدعوى بالإضافة إليه أصلاً .

ثمّ إنّه ذكر في ذيل المتن أنّه يجري الاحتمالات مع قصور بعض الأولياء ، ومراده من القاصر الصبي والمجنون ، ومراده أنّه لو كان أحد الوليّين صبيّاً أو مجنوناً يجري فيه حكم الولي الغائب ، فيأتي فيه جميع الاحتمالات المذكورة فيه . ولكن اللاّزم تقييده بما إذا لم يدّع الوليّ عنهما مع المدّعين ، وإلاّ فيجري فيه حكم تعدّد المدّعي الذي قد عرفت عدم تعدّد القسامة فيه ، بخلاف تعدّد المدّعى عليه .

1 ـ قد وقع عنوان المسألة بهذه الكيفية في المتن تبعاً للشرائع(1) ومحكي الخلاف(2) والمبسوط(3) والقواعد(4) وبعض آخر(5) ، ولكنّ الظاهر أنّه بهذه الكيفية لا يرتبط بالفقيه ، إذ ليس من شأنه بيان موارد وجود اللّوث وموارد عدمه بعد بيان مفهومه ومعناه ، وأنّه هي الأمارة المفيدة للظنّ الشخصي للحاكم بصدق المدعي ، لأنّه لا مجال لأن يتعرّض الفقه في أيّ مورد يتحقّق الظن الشخصي ، وفي أيّ مورد لا يتحقّق ، بعد ملاحظة اختلاف المقامات واختلاف الأشخاص واختلاف الأمارات .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1000 .

(2) الخلاف: 5 / 315 مسألة 15 .

(3) المبسوط: 7 / 233 .

(4) قواعد الأحكام: 2 / 296 .

(5) إيضاح الفوائد: 4 / 612 ـ 613 ، مسالك الأفهام: 15 / 217 .


273

ويرد على المتن ـ مضافاً إلى ذلك ـ نفي البعد عن القدح مع كون اللّوث بشاهد واحد ، ولعلّ نظره إلى تعارض شهادته مع تكذيب الوليّ الآخر . والوجه في الإيراد أنّه ربّما يكون الولي الآخر متّهماً بالخطأ أو السهو أو العداوة أو الغرض ، ولا يقدح تكذيبه في حصول الظنّ من الشاهد الواحد بعد فرض عدالته ، كما لايخفى .

والذي ينبغي أن يقع محلاًّ للبحث في هذه المسألة ، أنّه كما أنّ مشروعية القسامة مشروطة بوجود اللّوث ، فهل تكون في صورة وجود وليّين مثلاً مشروطة بعدم تكذيب الوليّ الآخر أم لا تكون مشروطة به بوجه ؟ وربّما يقال بالاشتراط نظراً إلى الاقتصار على القدر المتيقّن بعد كون القسامة مخالفة للقاعدة من جهات .

ولكن يدفعه أنّ لازم الاشتراط المذكور عدم صحّة القسامة إذا كان بعض الورثة غائباً أو صغيراً حتّى يحضر أو يبلغ ، فلا يكذب خصوصاً مع عدم كون سائر الدعاوي ساقطة بتكذيب أحد الوارثين حق الآخر ، فلو ادّعى أحد الوارثين ديناً للمورِّث وأقام عليه شاهداً واحداً مع يمينه; لا يمنع تكذيب الآخر من صحّة يمينه وثبوت حقّه بوجه .

ثمّ إنّه قد تعرّض صاحب الجواهر (قدس سره) في ذيل هذه المسألة لفروع لا بأس بالتعرّض لاثنين مهمّين منها:

الأوّل: لو قال أحدهما : قتل أبانا زيد ، وقال الآخر : بل عمرو ، ففي الجواهر أقسم كلّ واحد على من عيّنه بعد ثبوت اللّوث ولو بالبيّنة على أنّ القاتل أحدهما وأخذ نصف الدية(1) ومبنى هذا عدم بطلان القسامة بالتكاذب والتعارض .

(1) جواهر الكلام: 42 / 271 .


274

ويرد عليه منع هذا المبنى ، فإنّ الظاهر ـ بعد عدم إمكان الجمع بين القسامتين لاقتضاء كلّ واحدة منهما كون القاتل غير الذي يدّعيه الآخر ، والمفروض توافقهما على عدم الشركة وصدور القتل بنحو الانفراد ـ تساقطهما وعدم صلاحية شيء منهما لإثبات الدعوى ، وهذا من دون فرق بين أن يكون اعتبارها لأجل الأمارية والكاشفية كما لا يبعد ، وبين أن يكون لا لأجل ذلك ، ضرورة أنّ اعتبارها إنّما هو مع عدم العلم بالخلاف ، وهو غير متحقّق في المقام ، فتدبّر .

هذا ، مع أنّ تحقّق اللّوث في مثل المقام ممنوع ، ومجرّد قيام البيّنة على أنّ القاتل أحدهما إنّما يوجب الظنّ بكون أحدهما القاتل في مقابل غيرهما ، وأمّا كون كلّ واحد قاتلاً فلا ظنّ بالإضافة إليه بل لا يعقل ; لأنّ الظنّ بالمتخالفين غير ممكن ، فلا يوجب مشروعية القسامة المشروطة بوجود اللّوث بالنسبة إلى كلّ واحد منهما ، كما لا يخفى .

الثاني: لو قال أحدهما: قتله هذا وحده ، وقال الثاني: بل هذا مع آخر . ففي الجواهر: «فعلى المختار من عدم الإبطال حلف الأوّل على الذي عيّنه واستحق نصف الدية ، وحلف الثاني عليهما واستحق النصف على كلّ واحد الربع ، نعم بناء على الإبطال بالتكاذب يحتمل أن يقال: إنّه حصل في النصف فلا يستحقّانه بالقسامة ، فيحلف الأوّل على الذي عيّنه ويأخذ الربع ، ويحلف الآخر عليه ويأخذ الربع ، ولا يحلف على الآخر لتكذيب الأخ له في شركته»(1) .

أقول: الظاهر أنّه بناء على الإبطال بالتكاذب كما هو الظاهر على ما عرفت ،

(1) جواهر الكلام: 42 / 271 ـ 272 .


275

مسألة 6 ـ لو مات الوليّ قبل إقامة القسامة أو قبل حلفه قام وارثه مقامه في الدعوى ، فعليه إذا أراد إثبات حقّه القسامة ، ومع فقدها خمسون أو خمس وعشرون يميناً ، وإن مات الولي في أثناء الأيمان فالظاهر لزوم استئناف الأيمان ، ولو مات بعد كمال العدد ثبت للوارث حقّه من غير يمين1.

يكون مقتضاه التساقط مطلقاً وعدم ثبوت شيء من الدعويين بوجه ، كما في الفرع المتقدّم ، وأمّا احتمال حصول التكاذب في النصف وجواز رجوع كلّ منهما إلى الذي عيّنه الأوّل بالربع فيدفعه ـ مضافاً إلى كونه مخالفاً للظاهر ـ أنّ لازمه ليس جواز الرجوع المزبور ، بل يمكن القول بثبوت القصاص حينئذ لتوافقهما على كون زيد مثلاً قاتلاً وعدم ثبوت دعوى الانفراد ، وكذا دعوى الاشتراك لا يمنع من ثبوت القصاص لجوازه على كلا التقديرين ، غاية الأمر عدم توقّفه على الردّ بناء على الانفراد وتوقّفه عليه على الاشتراك .

1 ـ في هذه المسألة فروض ثلاثة:

الأوّل:ما إذا مات الولي قبل إقامة القسامة أو قبل حلفه ، ولا شبهة في أنّه يقوم وارثه مقامه في الدعوى وإقامة القسامة أو الحلف ، وفي الحقيقة ما ينتقل في هذا الفرض بالموت إلى الوارث إنّما هو حقّ الدعوى وصلاحية دعواه للسماع ، بعد أن لم تكن كذلك في حياة المورّث ، وبعد ذلك يحتاج بمقتضى أدلّة القسامة إثبات دعواه إليها أو إلى الحلف ، ضرورة أنّه لا مجال للثبوت بدونها .

الثاني:ما إذا مات الولي في أثناء الأيمان ، وفي المتن الظاهر لزوم استئناف الأيمان ، والمحكي عن الشيخ (قدس سره)(1) التعليل له بأنّه لو أتمّ لأثبت حقّه بيمين غيره ،

(1) المبسوط : 7 / 234 .


276

وبأنّ الخمسين كيمين واحدة ، ولو مات في أثنائها لزم الوارث استئنافها .

ويرد على الأوّل أنّ إثبات الحقّ بيمين الغير من خصوصيات القسامة ، فلا يكون ذلك من التوالي الفاسدة ، وتنزيل الخمسين منزلة يمين واحدة لا دليل على إطلاقه ، بل غايته التنزيل في إثبات الدعوى به وتوقف ثبوتها عليه ، وأمّا كونها مثلها في جميع الآثار والخواص فلم يقم دليل عليه .

والتحقيق أنّ الدّليل على هذا القول ـ مضافاً إلى أنّ كون القسامة على خلاف القاعدة يقتضي الاقتصار على القدر المتيقّن وهو الاستئناف في المقام ـ أنّ مقتضى إطلاق أدلّة القسامة أنّ دعوى القتل تحتاج في إثباتها إلى القسامة ، ومن الواضح أنّ دعوى الوارث بعد الولي دعوى جديدة ، وهو مدّع جديد يفتقر إثباتها إلى القسامة بعد طرح الدعوى وسماعها .

والدليل على كونه مدّعياً جديداً أنّه لم يكن له مجال مع وجود الولي ، مع أنّه يمكن أن لا يكون له ادّعاء بعده ، وعليه فلا وجه لإتمام القسامة ولا لإقامتها ، فاحتياج ذلك إلى دعواه يكشف عن كونها دعوى جديدة . ومن الظاهر توقّف إثباتها على القسامة بعدها ، مع أنّك عرفت في المسألة الرابعة أنّ حضور الولي الغائب بعد إقامة القسامة من الولي الحاضر يوجب توقّف إثبات دعواه أيضاً على قسامة جديدة ، كما قوّيناه ، ففي المقام الذي لا يكون الوارث في عرض الولي بل في طوله يكون التوقّف المذكور أوضح بل أولى ، فتدبّر .

الثالث:ما إذا مات الولي بعد تمامية الأيمان ، ولا إشكال حينئذ في أنّه لا يجب على الوارث إقامة القسامة أو الحلف ، لأنّ ما ينتقل إلى الوارث حينئذ ليس هو طرح الدعوى ، لأنّ المفروض إثباتها من ناحية الولي ، بل هو حق الاقتصاص من القاتل أو أخذ الدية منه ، كما لا يخفى .


277

مسألة 7 ـ لو حلف المدّعي مع اللّوث واستوفى الدية ثم شهد اثنان أنّه كان غائباً غيبة لا يقدر معها على القتل أو محبوساً كذلك ، فهل تبطل القسامة بذلك واستعيدت الدية أم لا مجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين؟ فيه تردّد ، والأرجح الثاني ، نعم لو علم بذلك وجداناً بطلت القسامة واستعيدت الدية . ولو اقتصّ بالقسامة أو الحلف أخذت منه الدية لو لم يعترف بتعمّد الكذب ، وإلاّ اقتصّ منه1.

1 ـ الظاهر كما في المتن أنّه بعد تمامية فصل الخصومة بالقسامة ، واستيفاء المدّعي الدية لا يبقى مجال لطرحها ثانياً ، وإقامة البيّنة من طرف القاتل على كونه مسافراً حال القتل سفراً لا يجتمع مع القتل بوجه ، أو مريضاً كذلك أو محبوساً كذلك ، كما في سائر الدعاوي ، فإنّه بعد الحكم على طبق يمين المنكر فيها وفصل الخصومة بها لا مجال للمدّعي لإقامة البيّنة على دعواه ، ولكن في الشرائع(1)ومحكيّ القواعد(2) وغيرهما(3) بطلان القسامة بذلك ولزوم ردّ الدية إلى القاتل ، ولم يعرف له وجه يعتمد عليه .

نعم في المسالك: لو قال الشهود لم يقتله هذا واقتصروا عليه لم تقبل شهادتهم(4)ولعلّ وجهه عدم حجّية الشهادة على النفي; لعدم كونه قابلاً للمشاهدة أولاً ، وعدم إحرازه نوعاً ثانياً ، لافتقاره إلى مراقبة تامّة ومعاشرة كاملة ، كما لايخفى .

وكيف كان فالظاهر عدم بطلان القسامة بالبيّنة بعدها ، نعم لو تحقّق العلم

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1000 .

(2) قواعد الأحكام: 2 / 296 .

(3) المبسوط : 7 / 242 ، إرشاد الأذهان: 2 / 218 ، مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 190 ، كشف اللثام: 2/461 .

(4) مسالك الأفهام: 15 / 220 .


278

مسألة 8 ـ لو استوفى حقّه بالقسامة ، فقال آخر : أنا قتلته منفرداً ، فإن كان المدّعي حلف وحده أو مع القسامة فليس له الرجوع إلى المقرّ إلاّ إذا كذّب نفسه وصدّق المقِّر ، وحينئذ ليس له العمل بمقتضى القسامة ولابدّ من ردّ ما استوفاه ، وإن لم يحلف وقلنا بعدم لزوم حلفه وكفى حلف قومه ، فإذا ادّعى جزماً فكذلك ليس له الرجوع إلى المقرّ إلاّ مع تكذيب نفسه ، وإن ادّعى ظنّاً وقلنا بسماع دعواه كذلك جاز له الرجوع إلى المقِرّ وجاز العمل بمقتضى القسامة ، والظاهر ثبوت الخيار لو لم يكذّب نفسه ورجع عن جزمه إلى الترديد أو الظنّ1.

الوجداني على خلافها يكشف ذلك عن بطلان حكم الحاكم ، وعليه فاللاّزم ردّ الدية إلى من أخذها منه ، هذا فيما لو استوفى الدية . ومثله ما لو استوفى حقّه بالاقتصاص فلا تبطل القسامة بالبيّنة وتبطل بالعلم الوجداني بالخلاف ، واللاّزم حينئذ أخذ الدية من المقتصّ وأداؤها إلى ورثة المقتصّ منه لو لم يعترف بتعمّد الكذب وإلاّ يقتصّ من المقتصّ ، كما لا يخفى .

وممّا ذكرنا تظهر المسامحة في المتن في بيان حكم الاستيفاء بالقصاص ، فتدبّر .

1 ـ المحكيّ عن الشيخ في الخلاف فيما لو استوفى حقّه بالقسامة فقال آخر: أنا قتلته منفرداً ، أنّ الولي بالخيار(1) . والظاهر أنّ مراده من الخيار هو خيار الولي بين البقاء على مقتضى القسامة وبين الرجوع إلى المقِرّ واستيفاء الحقّ منه ، ولكنّه في محكي المبسوط(2) استكشل في ذلك بأنّه ليس له ذلك لأنّه لا يقسم إلاّ مع العلم فهو مكذِّب للمقِرّ ، ومرجعه إلى أنّه مع تكذيبه للمقِرّ كيف يجوز له الرجوع إليه .

(1) الخلاف: 5 / 315 ، مسألة 16 .

(2) المبسوط: 7 / 242 .


279

مسألة 9 ـ لو اتّهم رجل بالقتل والتمس الولي من الحاكم حبسه حتّى يحضر البيّنة ، فالظاهر جواز إجابته إلاّ إذا كان الرجل ممّن يوثق بعدم فراره ، ولو أخّر

ولذاحكي عن كاشف اللثام(1) أنّ المراد من الخيار هو التخيير بين أن يصدِّقه ويكذِّب نفسه ، وبين أن يكذِّبه ويثبت على ما كان عليه .

والتحقيق ـ بعد ظهور كون المراد من الخيار هو التخيير بين البقاء على مقتضى القسامة وبين الرجوع إلى المقِرّ ـ هو التفصيل في ذلك كما في المتن ، بأن يقال: إنّ الدّعوى إن كانت جزماً ـ ومرجعها إلى علم المدّعي بكون القاتل هو زيداً مثلاً ـ لا مجال له للرّجوع إلى المِقرّ بوجه إلاّ مع تكذيب نفسه ، سواء قلنا بلزوم حلفه مع القسامة وحلف معهم ، أم لم نقل بذلك وقلنا بكفاية حلف القوم . وأمّا إذا كانت دعواه ظنّاً وقلنا بسماع هذا النحو من الدّعوى جاز له الرجوع إلى زيد بمقتضى القسامة ، وجاز له الرّجوع إلى عمرو المقِرّ بمقتضى إقراره ، كما أنّه إذا كانت دعواه جزماً ولكنّه رجع بعد الإقرار عن جزمه إلى الترديد أو الظنّ فإنّه حينئذ يكون له الخيار أيضاً ، لأنّه بالرجوع عن الجزم لا يتحقّق تكذيب المقِرّ .

لكن يظهر من الجواهر بطلان القسامة في هذه الصورة ، حيث قال: وعروض الشك له بعد الإقرار والإتيان بالقسامة يقتضي عدم الرجوع على الأوّل أيضاً ، لأنّ الثابت من صحّة القسامة الأخذ بها لمن هو باق على مقتضاها(2) . ويرد عليه أنّ الحكم بتوقّف صحّة القسامة على البقاء على مقتضاها يوجب عدم جريانها أصلاً لعدم إحرازه نوعاً ، كما لايخفى .

(1) كشف اللثام: 2 / 464 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 275 .


280

المدّعي إقامة البيّنة إلى ستّة أيّام يخلّى سبيله1.

1 ـ قد وقع الإشكال والخلاف في جواز حبس المتّهم في الدّم ، فالمحكيّ عن الشيخ(1) وأتباعه(2) والصهرشتي(3) والطبرسي(4) والعلاّمة في التحرير(5) وبعض آخر(6) الجواز ، وعن الحلّي(7) والفخر(8) وجدّه(9) وبعض آخر(10) العدم ، وعن المختلف التفصيل ، حيث إنّه قال فيما حكي عنه: التحقيق أن نقول : إن حصلت التهمة للحاكم بسبب لزم الحبس ستّة أيّام ، عملاً بالرواية وتحفّظاً للنفوس عن الإتلاف ، وإن حصلت لغيره فلا ، عملاً بالأصل(11) .

والمستند الوحيد في المسألة ـ بعد وضوح كون الحبس على خلاف القاعدة لأنّه عقوبة مع عدم ثبوت الجناية بعد ; لأنّ المفروض تحقّق مجرّد الاتهام ـ ما رواه الشيخ باسانيده عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يحبس في تهمة الدم ستّة أيّام ، فإن جاء أولياء

(1) النهاية: 744 .

(2) المهذّب: 2 / 503 ، الوسيلة: 461 ، لكن قيّده بثلاثة أيام .

(3 و 4) حكى عنهما في مفتاح الكرامة: 11 / 84 .

(5) تحرير الأحكام: 2 / 254 .

(6) كابن الجنيد على ما حكاه عنه ابن فهد الحلي في المهذّب البارع: 5 / 210 ، قال: «الخامس : قال أبو علي: إن ادّعى الولي أنّ له بيّنة حبس سنة» .

(7) السرائر: 3 / 343 .

(8) إيضاح الفوائد: 4 / 619 .

(9) حكاه عنه فخر المحققين في إيضاح الفوائد: 4 / 619 .

(10) كالشهيد الثاني في الروضة البهيّة: 10 / 76 والمسالك: 15 / 223 .

(11) مختلف الشيعة: 9 / 318 مسألة 24 .


281

المقتول بثبت ، وإلاّ خلّى سبيله(1) .

وذكر المحقّق في الشرائع أنّه في المستند ضعف(2) . والظاهر أنّ مراده هو الضعف في السند باعتبار السكوني ، مع أن الظاهر اعتبار روايته مطلقاً لكونه ثقة . وفي مثل المقام يكون استناد المشهور إلى روايته جابراً لضعفها على تقديره . نعم من لا يعتمد على خبر الواحد مطلقاً كالحلّي لا مانع له من ترك العمل بها .

وأمّا دلالة الرواية فالظاهر أنّ قوله (عليه السلام) : «انّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يحبس» وإن كان هو الحبس ولو من دون التماس الولي ، إلاّ أنّه حيث يكون الحق له ويعتبر طلب ذي الحقّ في الأخذ له بحقّه لا مانع من تقييده بصورة الالتماس ، كما في المتن تبعاً للشرائع(3). كما أنّ الظاهر أنّ المراد من التهمة ليس مجرّد احتمال كونه قاتلاً بل تحقّق الظن بذلك من سبب موجب لإفادة الظن ، وهو المعبَّر عنه باللّوث في مسألة القسامة .

ولا يبعد القول بما عرفت من المختلف من التفصيل لظهور الرواية في كون التهمة حاصلة للحاكم ، كما مرّ مثله في باب القسامة ، وعليه فالإشكال عليه ـ كما في الجواهر(4) ـ بأنّه خروج عن إطلاق الرواية محلّ نظر بل منع . والمراد من الدّم الذي أُضيفت إليه التهمة هو القتل لا ما يعمّ الجرح ، لانصراف إطلاق الدّم إليه ، مضافاً إلى كون الحكم على خلاف القاعدة .

ثمّ إنّ الظاهر أنّ المراد من مجيء أولياء المقتول هو مجيئهم في الستّة لا بعدها ، وإن كان التعبير بالفاء لعلّه يشعر بخلافه ، فتدبّر .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 121 ، كتاب القصاص ، أبواب دعوى القتل ب 12 ح1 .

(2 ، 3) شرائع الإسلام: 4 / 1001 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 277 .


282

كما أنّ الظاهر أنّ المراد بقوله (عليه السلام) : «بثبت» في الرواية أعمّ من البيّنة فيشمل القسامة ، وعليه فالتعبير بالبيّنة في مثل المتن إنّما هو من باب المثال لا لإرادة التخصيص ، كما أنّ استثناء صورة الوثوق بعدم الفرار في المتن إنّما هو لأجل كون مناسبة الحكم والموضوع مقتضية لكون ملاك الحبس هو عدم الفرار ، فلا مجال له مع الوثوق بعدمه ، كما لا يخفى.


283

القول

في

كيفية الاستيفاء

مسألة 1 ـ قتل العمد يوجب القصاص عيناً ، ولا يوجب الدية لا عيناً ولا تخييراً ، فلو عفا الولي القود يسقط وليس له مطالبة الدية ، ولو بذل الجاني نفسه ليس للولي غيرها ، ولو عفا الولي بشرط الدية فللجاني القبول وعدمه ، ولا تثبت الدية إلاّ برضاه ، فلو رضي بها يسقط القود وتثبت الدية ، ولو عفا بشرط الدية صحّ على الأصحّ ، ولو كان بنحو التعليق فإذا قبل سقط القود ، ولو كان الشرط إعطاء الدية لم يسقط القود إلاّ بإعطائه ، ولا يجب على الجاني إعطاء الدية لخلاص نفسه ، وقيل: يجب لوجوب حفظها1.

1 ـ الاحتمالات الجارية ابتداء فيما يوجبه قتل العمد ثلاثة:

الأوّل: تعيّن الدية كأختيه وهما شبه العمد والخطأ ، ولا ريب في بطلانه ، بل الضرورة تقتضي خلافه; لاقتضائه حذف عنوان القصاص الذي قد عرفت أنّ مفهومه هو فعل المماثل ، وإيجاد مثل العمل الذي وقع لعدم ثبوت المورد له حينئذ بوجه ، مع أنّ الكتاب والسنّة حاكمان بثبوته ضرورة ، فهذا الاحتمال منفي بلاشبهة .

الثاني: ثبوت التخيير بين القصاص وبين الدية بحيث كان اختيار أحد الطرفين


284

بيد الولي ، ولا مدخل لرضا الجاني فيه أصلاً . وقد حكي القول به عن العماني(1)والإسكافي(2) ، ولكن نفى في الجواهر(3) صراحة كلام الأوّل فيه ، حيث قال: «فان عفا الأولياء لم يقتل وكانت عليه الدية لهم» . نظراً إلى احتماله لكون الوجوب لأجل التحفّظ على النفس لا لكونه طرفاً للتخيير .

الثالث: تعيين القصاص ، فعن المبسوط : أنّه الذي نصّ عليه أصحابنا واقتضته أخبارهم(4) ، وعن الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارهم(5) ، وعن ابن إدريس نفي الخلاف فيه تارة ، ونسبته إلى الأصحاب أُخرى ، والإجماع عليه ثالثة(6) ، وحكي دعوى الإجماع عن غيره(7) أيضاً .

ويدلّ عليه من الكتاب مثل قوله تعالى: ﴿النَّفسَ بِالنَّفسِ(8) إلى آخر الآية ، الظاهر في وقوع النفس في مقابل النفس ، وكذا الأعضاء مثل العين والأنف والأذن . وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيْكُم فَاعتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيْكُم(9)وغيرهما من آيات القصاص الظاهرة في تعيّنه .

ومن النصوص روايات كثيرة ادّعى في الجواهر تواترها(10) ، مثل صحيحة

(1 و 2) مختلف الشيعة: 9 / 286 ـ 287 مسألة 2 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 278 .

(4) المبسوط : 7 / 52 .

(5) الخلاف: 5 / 176 و 178 مسألة 40 .

(6) السرائر: 3 / 324 و 327 و 329 و330 .

(7) غنية النزوع: 405 .

(8) المائدة 5 : 45 .

(9) البقرة 2 : 194 .

(10) جواهر الكلام: 42 / 279 .


285

عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: من قتل مؤمناً متعمّداً قيد منه إلاّ أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية ، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية(1) . الحديث .

وربّما يستدلّ لقول الاسكافي بروايات :

مثل : صحيحة عبدالله بن سنان وابن بكير جميعاً ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً ـ إلى أن قال: ـ فقال: إن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبه ، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية ، وأعتق نسمة ، وصام شهرين متتابعين ، وأطعم ستّين مسكيناً توبة إلى الله عزّوجلّ(2) .

وصحيحة ابن سنان الثانية ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل قتل مؤمناً وهو يعلم أنّه مؤمن ، غير أنّه حمله الغضب على أنّه قتله ، هل له من توبة إن أراد ذلك أو لا توبة له؟ قال: توبته إن لم يعلم انطلق إلى أوليائه فأعلمهم أنّه قتله ، فإن عفي عنه أعطاهم الدية ، وأعتق رقبة ، وصام شهرين متتابعين ، وتصدّق على ستّين مسكيناً(3) . ولكنّ الظاهر عدم كونها رواية اُخرى غير الاُولى ، بل هي متّحدة معها كما أشرنا إليه مراراً .

ورواية أبي بكر الحضرمي قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : رجل قتل رجلاً متعمّداً ، قال: جزاؤه جهنّم . قال: قلت له : هل له توبة؟ قال: نعم يصوم شهرين متتابعين ويطعم ستّين مسكيناً ، ويعتق رقبة ، ويؤدّي ديته . قال: قلت: لا يقبلون

(1) وسائل الشيعة: 19 / 37 ، أبواب القصاص في النفس ب 19 ح3 .

(2) وسائل الشيعة: 15 / 579 ، كتاب الإيلاء والكفّارات ، أبواب الكفّارات ب 28 ح1 .

(3) وسائل الشيعة: 15 / 580 ، كتاب الإيلاء والكفّارات ، أبواب الكفارات ب 28 ح3 .


286

منه الدية ، قال: يتزوّج إليهم ثم يجعلها صلة يصلهم بها . قال: قلت: لا يقبلون منه ولا يزوّجونه . قال: يصرّه صرراً ثمّ يرمي بها في دارهم(1) .

والنبويّ : من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إمّا أن يفدى وإمّا أن يقتل(2) .

والنبويّ الآخر: من أُصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : بين أن يقتصّ أو يعفو ، أو يأخذ العقل(3) .

لكن في النبويين إشكال ضعف السند ، والروايات الأُخر لا تنطبق على دعوى مدّعي التخيير ، لأنّ ظاهرها لزوم إعطاء الدية ولو مع عدم قبول الولي ، والعفو عنها أيضاً مع أنّ القائل بالتخيير لا يرى ذلك بوجه ، لأنّ مرجعه إلى ثبوت الدية أيضاً بعنوان حقّ الولي ، فإذا عفى عنه وأسقطه لا يجب الإعطاء ، وعليه فيحتمل أن يكون لزوم إعطاء الدية في الروايات من شؤون التوبة ، فتدبّر . ولعلّه لذا لم يذكر صاحب الجواهر هذه الروايات من أدلّة قول الإسكافي ، بل كان ذلك في كلام بعض الأعلام(4) .

ثم على تقدير الدلالة تكون موافقة الروايات الظاهرة في قول المشهور للشهرة المحقّقة مرجّحة لها وموجبة لتعيّن الأخذ بها ، فلا محيص عن اختيار القول بتعيّن القصاص .

ثمّ إنّه يترتّب على ما ذكرنا من تعيّن القصاص حكم مسألة العفو ، وفيها صور .

فإنّه تارة يعفو وليّ المقتول بنحو يصرّح بنفي المال وعدم إرادة الدية ، ولا شبهة

(1) وسائل الشيعة: 15 / 580 ،كتاب الإيلاء والكفّارات ، أبواب الكفارات ب 28 ح4 .

(2) سنن البيهقي : 12 / 83 ـ 84 ح16473 .

(3) سنن البيهقي: 12 / 82 ح16469 ، والخبل: الجراح .

(4) مباني تكملة المنهاج: 2 / 123 ـ 124 مسألة 130 .


287

حينئذ في تأثير العفو في سقوط حقّ القصاص ، كما أنّه لا شبهة في عدم ثبوت الدية .

واُخرى يتحقّق العفو بنحو الإطلاق من دون التعرّض للدية نفياً وإثباتاً ، وفي هذه الصورة أيضاً يسقط القود ولا تثبت الدية ، لأنّ المفروض أنّ ما وجب بقتل العمد كان مجرّد القصاص ، والفرض أنّه أسقطه ، والدية لم تكن في البين حتّى تثبت . نعم على القول بالتخيير يكون العفو موجباً لسقوط القود وتبقى الدية بحالها ; لأنّها أحد طرفي التخيير ، وفي هاتين الصورتين لا فرق بين وجود رضا الجاني وعدمه ، لعدم ارتباط الحق إثباتاً وإسقاطاً إلاّ بالولي .

وثالثة يتحقّق العفو مرتبطاً بثبوت الدية ، والارتباط قد يكون بنحو التعليق وقد يكون بنحو الاشتراط ، كما أنّ المشروط أو المعلَّق عليه قد يكون هو ثبوت الدية الذي يماثل شرط النتيجة ، وقد يكون إعطاء الدية الذي يماثل شرط الفعل .

أمّا إذا كان بنحو التعليق ففي الجواهر نفى الريب عن بطلانه(1) ، ولعلّه لما هو المشهور من بطلان التعليق في العقود والإيقاعات ، ولكنّه جعل في المتن الصحّة هي الأصحّ ، ووجهه إمّا عدم معلومية شمول دليل بطلان التعليق الذي هو الإجماع المدّعى لمثل المقام ، وإمّا إطلاق أدلّة صحّة العفو هنا ، فتدبّر .

وأمّا إذا كان بنحو الاشتراط ففي الجواهر : أنّه مبني على لزوم الشرط في الإيقاع مع رضا المشترط عليه ، وهو لا يخلو من بحث بل منع ، إلاّ في مثل الخلع ونحوه ممّا ثبت بالأدلّة ، ولذا ذكر غير واحد(2) أنّه على المختار لا تثبت الدية إلاّ صلحاً(3) .

(1) جواهر الكلام: 42 / 281 .

(2) المختصر النافع: 316 ، إرشاد الأذهان: 2 / 198 ، اللمعة الدمشقية: 178 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 281 .


288

أقول: الظاهر إنّ الشرط في ضمن الإيقاع وإن لم يكن لازماً ولو مع رضا المشترط عليه ، ضرورة أنّه إذا اشترط الزوج في ضمن الطلاق مثلاً أن لا تتزوّج زوجته بزوج آخر ورضيت بذلك ، لا يحرم عليها التزوّج بالغير أصلاً . إلاّ أنّ الدليل على اللّزوم في المقام صحيحة عبدالله بن سنان المتقدّمة المشتملة على قوله: «وان رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية» فإنّ مرجعها إلى اشتراط العفو بالدية ورضا الجاني به ، ولا مجال لحمله على الصلح بعد ظهوره في كون الشروع من ناحية الولي ، ووضوح شروع الصلح من ناحية الجاني ، وعلى تقدير التسليم فمقتضى الإطلاق عدم الاختصاص بالصلح .

ثم إنّه يتفرّع على ما ذكرنا أيضاً لزوم تحقّق رضا الجاني في ثبوت الدية لخروجها عن دائرة حق الولي ، والانتقال إليها لا يتحقّق بدون التراضي ، وهذا بخلاف القول بالتخيير الذي يترتّب عليه ثبوت الدية مع اختيار الولي لها ، وإن لم يكن الجاني راضياً به بوجه .

وعلى ما ذكرنا لا مجال لإجبار الجاني على الدية ، فلو بذل نفسه للقصاص لا يكون للولي إلاّ القصاص أو العفو . نعم ربّما يقال بوجوب الدية عليه لو طلبها الولي من باب وجوب حفظ النفس ، كما عن جماعة من الفقهاء مثل العلاّمة(1) وولده(2) ، ولكن ظاهر الصحيحة المتقدّمة خلافه لدلالتها على ثبوت الاختيار للجاني ، ووضوح أنّه في صورة الوجوب يجبر عليه، مع عدم وضوح شمول دليلوجوب حفظ النفس للمقام الذي تعلّق بها حقّ الغير وتكون مهدورة ولو في الجملة ، فتدبّر.

(1) قواعد الأحكام: 2 / 312 .

(2) إيضاح الفوائد: 4 / 653 ـ 654 .


289

مسألة 2 ـ يجوز التصالح على الدية أو الزائد عليها أو الناقص ، فلو لم يرض الولي إلاّ بأضعاف الدية جاز وللجاني القبول ، فإذا قبل صحّ ويجب عليه الوفاء1.

مسألة 3 ـ لا يجوز للحاكم أن يقضي بالقصاص ما لم يثبت أنّ التلف كان بالجناية ، فان اشتبه عنده ولم يقم بيّنة على ذلك ولم يثبت بإقرار الجاني اقتصر على القصاص أو الأرش في الجناية لا النفس ، فإذا قطع يد شخص ولم يعلم ولو بالبيّنة أو الإقرار أنّ القتل حصل بالجناية لا يجوز القتل2.

مسألة 4 ـ يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة فإنّهما لا

1 ـ كما يجوز العفو مشروطاً بالدية على ما عرفت ، كذلك يجوز التصالح عليها أو على الزائد عليها ، أو الناقص عنها على حسب التراضي . والدليل على الجواز عمومات أدلّة الصلح وإطلاقاتها الشاملة للمقام الذي وقع في أحد الطرفين سقوط حقّ القصاص وفي الآخر المال . ولا حاجة إلى الاستدلال عليه بمثل الصحيحة المتقدّمة ، وعليه فمع تحقّق المصالحة يجب على الجاني الوفاء بها ويسقط القصاص .

2 ـ الوجه في عدم الجواز واضح ، ضرورة لزوم إحراز موجب القصاص في النفس حتى يجوز الحكم به ، فإذا أحرز أن التلف كان لأجل سراية الجناية على الطرف ، سواء كان بالعلم أو بالبيّنة أو بإقرار الجاني يجوز الحكم بالقصاص في النفس ، ومع عدم إحرازه بشيء من الاُمور الثلاثة لا مجال للحكم به ، كما هو الشأن في سائر الموضوعات ، حيث يتوقّف إثبات الحكم عليها على إحرازها .


290

يستحقّان قصاصاً ، ومنهم من قال : لا يرث القصاص الإخوة والأخوات من الأُمّومن يتقرّب بها ، وقيل : ليس للنساء قود ولا عفو وإن تقرّبن بالأب ، والأوّل أشبه1.

1 ـ لا شبهة في أنّ الزوج والزوجة لا يستحقّان القصاص للإجماع عليه ، وأمّا غيرهما ففي المسألة أقوال ثلاثة:

الأوّل: ما عن المبسوط(1) وموضع من السرائر(2) والتحرير(3) والمختلف(4)والإرشاد(5) والإيضاح(6) واللمعة(7) والمسالك(8) والروض(9) والروضة(10) من أنّه يرث القصاص جميع من يرث المال ، وعن المبسوط نسبته إلى الأكثر .

الثاني: ما عن الشيخ في النهاية(11) والاستبصار(12) وبعض كتبه الأُخر(13) ، من اختصاص إرث القصاص بالعصبة وعدم إرث المتقرّبين بالأُمّ له أصلاً ، وجعله

(1) المبسوط : 7 / 54 .

(2) السرائر: 3 / 328 .

(3) تحرير الأحكام: 2 / 255 .

(4) مختلف الشيعة: 9 / 297 مسألة 8 .

(5) إرشاد الأذهان: 2 / 198 .

(6) إيضاح الفوائد: 4 / 621 .

(7) اللمعة الدمشقية: 179 .

(8) مسالك الأفهام: 15 / 227 و 13 / 45 .

(9) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 85 .

(10) الروضة البهية: 10 / 94 .

(11) النهاية: 735 .

(12) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 86 ، ولم نعثر عليه .

(13) مختصر الفرائض (الإيجاز في الفرائض والمواريث) المطبوع ضمن الرسائل العشر: 277 ، وظاهر كلامه في الخلاف: 5 / 178 مسألة 41 .


291

المحقّق في الشرائع أظهر(1) . وعن الحلّي في موضع آخر من السرائر نفي الخلاف فيه(2) ، وحكي أيضاً عن الشهيد في الحواشي(3) .

الثالث: ما نسب إلى الشيخ في المبسوط(4) وكتابي الأخبار(5) ـ وإن قال في الجواهر: إنّي لم أتحقّقه(6) ـ من أنّه ليس للنساء مطلقاً عفو ولا قود .

والدّليل على القول الأوّل الذي عرفت أنّه المشهور عموم أدلّة الإرث كتاباً وسنّة ، الدالّ على أنّ كلّ ما تركه الميّت من حقّ أو مال فلوارثه ، غاية الأمر خروج الزوج والزوجة في المقام كخروج الزوجة عن بعض الأموال ، وكذا يدلّ عليه إطلاق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَاناً(7) الآية ، بناء على كون المراد من الوليّ هو الوارث كما هو الظاهر .

وأمّا القولان الآخران ، فالدليل عليهما هو ما رواه علي بن الحسن بن فضال بسنده عن أبي العبّاس فضل البقباق أنّه قال للصادق (عليه السلام) : هل للنساء قود أو عفو؟ قال: لا ، وذلك للعصبة . قال علي بن الحسن: هذا خلاف ما عليه أصحابنا(8) .

وربّما يناقش في الرواية بضعف السند كما في المسالك(9) ، ولكنّه أُجيب عنه بأنّ

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1001 .

(2) السرائر: 3 / 336 .

(3) حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة: 11 / 86 .

(4) المبسوط: 7 / 11 ، قال: «عندنا أنّ المرأة لا ترث من القصاص شيئاً بحال» ، ولازمه نفي جواز عفوهنّ .

(5) التهذيب: 9 / 397 ح1418 ، الاستبصار: 4 / 262 ح988 . و ذيل ح991 .

(6) جواهر الكلام: 42 / 284 .

(7) الإسراء 17 : 33 .

(8) وسائل الشيعة: 17 / 432 ، أبواب موجبات الارث ب 8 ح6 .

(9) مسالك الأفهام: 15 / 228 .


292

مسألة 5 ـ يرث الدية من يرث المال حتّى الزوج والزوجة ، نعم لا يرث منها الإخوة والأخوات من قبل الأُمّ ، بل مطلق من يتقرّب بها على الأقوى ، لكنّ الاحتياط في غير الإخوة والأخوات حسن1.

طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال وإن كان فيه علي بن محمد بن الزبير وهو لم يذكر بمدح ولا قدح ، إلاّ أنّه حيث تكون الكتب للراوي المذكور الموجودة عند الشيخ هي الكتب الموجودة عن النجاشي ، وكان للنجاشي إلى تلك الكتب طريق معتبر فلا محالة تكون رواية الشيخ أيضاً معتبرة .

ويرد على الاستدلال بالرواية ولو على فرض إعتبار سندها:

أوّلاً: عدم انطباقها على شيء من القولين ، لأنّ مفادها اعتبار أمرين في إرث القصاص: أحدهما عدم كون الوارث مؤنثاً ، والآخر كونه من العصبة ومن يتقرّب إلى المقتول بالأب . وظاهر القولين اعتبار خصوص واحد منهما كما لا يخفى . ولعلّه لذا ذكر الراوي إنّ هذه الرواية خلاف ما عليه أصحابنا .

وثانياً: إنّ إعراض المشهور عنها يوجب الوهن فيها وعدم جواز الاستناد إليها ، في مقابل عمومات الكتاب والسنّة .

نعم هنا شيء ، وهو أنّه لو قيل بعدم إرث كلالة الأُمّ أو مطلق النساء من الدية يكون عدم إرثهما من القصاص بطريق أولى ، وسيأتي البحث فيه في المسألة الآتية . وكيف كان فالظاهر هو القول الأوّل الذي جعله في المتن أشبه .

1 ـ بعد ظهور شمول عمومات أدلّة الإرث كتاباً وسنّة وإطلاقاتها للدية ـ التي هي في الأصل متعلّقة بالميّت ومن جملة ما تركه من دون فرق بين الدية الثابتة بالأصالة ، كما في قتل شبه العمد والخطأ وبعض موارد العمد ، كقتل الوالد ولده


293

والمسلم الذمّي على ما مرّ ، وبين ما ثبتت بدلاً عن القصاص صلحاً أو مشروطاً في العفو ـ يقع الكلام في هذه المسألة في موردين:

أحدهما: الزوج والزوجة ، فإنّهما مع عدم استحقاقهما للقصاص على ما مرّ في المسألة المتقدّمة يستحقّان للدية بلا خلاف ولا إشكال ، بل في الجواهر: بل الاجماع بقسميه عليه ، بل لم أجد فيه مخالفاً إلا من ابن أبي ليلى(1) ، بناء منه على زوال الزوجيّة بالوفاة ولا ريب في فساده(2) .

نعم يؤيّده رواية السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه أنّ عليّاً (عليهم السلام) كان لا يورِّث المرأة من دية زوجها شيئاً ، ولا يورث الرجل من دية امرأته شيئاً ، ولا الإخوة من الأُمّ من الدية شيئاً(3) . فإن أمكن حملها على ما لو قتل أحدهما صاحبه بغير العمد ، كما حملها الشيخ (قدس سره)(4) على ذلك أو على غيره فهو ، وإلاّ فالواجب طرحها بعد اتفاق علماء الفريقين على خلافها كما عرفت .

ثانيهما: الإخوة والأخوات من قبل الأُمّ بل مطلق المتقرّب بها ، فإنّ ظاهر المشهور الاستثناء فيه والحكم بعدم الارث من الدية(5) ، وعن الخلاف(6)والسرائر(7) الإجماع عليه ، ومستنده روايات مستفيضة ، وفيها الصحيحة

(1) الخلاف : 5 / 179 مسألة 41 ، المجموع: 20 / 94 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 283 .

(3) وسائل الشيعة: 17 / 396 ، أبواب موانع الإرث ب 11 ح4 .

(4) التهذيب: 9 / 380 ، الإستبصار: 4 / 195 .

(5) المقنعة: 702 ، النهاية: 673 ، الكافي في الفقه: 376 ، المهذّب: 2 / 163 ، غنية النزوع: 330 ، إصباح الشيعة: 371 ، إيضاح الفوائد: 4 / 180 ، الدروس الشرعية: 2 / 347 ، مسالك الأفهام: 13 / 44 .

(6) الخلاف: 5 / 178 مسألة 41 .

(7) السرائر: 3 / 336 .


294

والموثقة وغيرهما .

كصحيحة سليمان بن خالد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قضى عليّ (عليه السلام) في دية المقتول أنّه يرثها الورثة على كتاب الله وسهامهم ، إذا لم يكن على المقتول دين ، إلاّ الإخوة والأخوات من الأُمّ فإنّهم لا يرثون من ديته شيئاً(1) .

وصحيحة عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الدية يرثها الورثة إلاّ الإخوةوالأخوات من الأُمّ، فإنّهم لا يرثون من الدية شيئاً(2).

وصحيحة محمد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الدية يرثها الورثة على فرائض الميراث إلاّ الإخوة من الأُمّ ، فإنّهم لا يرثون من الدية شيئاً(3) .

ورواية عبيد بن زرارة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا يرث الإخوة من الأُمّ من الدية شيئاً(4) .

ورواية أبي العبّاس ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته هل للإخوة من الأُمّ من الدية شيء؟ قال: لا(5) .

وبعد ملاحظة هذه الروايات لا يبقى مجال للارتياب في استثناء المتقرّب بالأُم في الجملة ، لكن يقع الكلام في جهات:

الأُولى: أنّ اشتمال بعض الروايات على استثناء خصوص الإخوة من دون التعرّض للأخوات لا يوجب الاختصاص ، بعد وضوح كون المراد من

(1) وسائل الشيعة: 17 / 393 ، أبواب موانع الإرث ب 10 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 17 / 393 ، أبواب موانع الإرث ب 10 ح2 .

(3) وسائل الشيعة: 17 / 394 ، أبواب موانع الإرث ب 10 ح4 .

(4) وسائل الشيعة: 17 / 394 ، أبواب موانع الإرث ب 10 ح5 .

(5) وسائل الشيعة: 17 / 394 ، أبواب موانع الإرث ب 10 ح6 .


295

مسألة 6 ـ الأحوط عدم جواز المبادرة للوليّ إذا كان منفرداً إلى القصاص سيّما في الطرف إلاّ مع إذن والي المسلمين ، بل لا يخلو من قوّة ، ولو بادر

الإخوة الأعم من الأخوات ، ولو بقرينة التصريح بها في الروايات الأُخر ، كما لا يخفى .

الثانية: أنّ الحكم هل يختصّ بالإخوة والأخوات أو يعمّ مطلق المتقرّب بالأمّ كما في كلام المشهور وقوّاه في المتن؟ ظاهر الروايات الأوّل ، ولكنّه ربّما يعمّم لمطلق المتقرّب ، إمّا للأولويّة وإمّا لعدم القول بالفصل ، ولا يبعد القول به ، وإن كان الاحتياط في غير الإخوة والأخوات حسناً ، كما في المتن .

الثالثة: أنّه ربّما يستشكل على المشهور بأنّ الحكم بعدم إرث المتقرّب بالأُمّ من الدية يقتضي الحكم بعدم إرثه من القصاص بطريق أولى ، لأهمّية القصاص وأقوائيّته من الدية ، فكيف حكموا بإرث المتقرّب بالأمّ من القصاص ، كما عرفت في المسألة السابقة .

ويظهر من الجواهر(1) الجواب بأنّ ما يدلّ عليه روايات استثناء المتقرّب بالأمّ من إرث الدية هو عدم إرثه من الدية الثابتة بالأصالة ، إمّا لظهورها فيه ، وإمّا لأنّه القدر المتيقّن بعد كون الحكم على خلاف القاعدة ، وعليه فالدية التي هي بدل عن القصاص صلحاً أو شرطاً لا استثناء فيها في هذه الجهة ، وعليه فلا أولويّة ، لأنّ الدية التي هي بدل القصاص لا ممنوعية من إرثها ، والدّية الثابتة بالأصالة لا يكون القصاص أولى منها ، كما لا يخفى . ولكن الجواب خلاف ظاهر إطلاق كلام المشهور ، فتدبّر .

(1) جواهر الكلام: 42 / 286 .


296

فللوالي تعزيره ، ولكن لا قصاص عليه ولا دية1.

1 ـ صرّح المحقّق في الشرائع بجواز المبادرة(1)، وحكي ذلك عن موضع من المبسوط(2) وعن الفاضل(3) وولده(4) والشهيدين(5) وأبي العبّاس(6) والمقدس الأردبيلي(7) ، بل في المسالك نسبته إلى الأكثر(8) ، وفي الرياض إلى أكثر المتأخّرين بل عامّتهم(9) .

والمحكيّ عن المقنعة(10) والخلاف(11) والغنية(12) والمهذب(13) وموضع آخر من المبسوط(14) والعلاّمة في القواعد(15) عدم جواز المبادرة بدون إذن الإمام أو من يأمره .

والظاهر أنّ محلّ الخلاف ما إذا كان الموجب للقصاص ثابتاً من دون حكم

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1002 .

(2) المبسوط : 7 / 56 .

(3) تحرير الأحكام: 2 / 255 ، مختلف الشيعة: 9 / 472 مسألة 164 .

(4) إيضاح الفوائد: 4 / 622 .

(5) اللمعة الدمشقية: 179 ، الروضة البهية: 10 / 94 .

(6) المقتصر : 434 .

(7) مجمع الفائدة والبرهان: 13 / 429 .

(8) مسالك الأفهام: 15 / 229 .

(9) رياض المسائل: 10 / 334 .

(10) المقنعة: 736 .

(11) الخلاف: 5 / 205 مسألة 80 .

(12) غنية النزوع: 407 .

(13) المهذّب : 485 .

(14) المبسوط : 7 / 100 .

(15) قواعد الأحكام: 2 / 299 .


297

الحاكم ، كما إذا أقرّ القاتل بالقتل وعلم وليّ المقتول بذلك مثلاً ، فإنّه في مثله وقع الخلاف في جواز المبادرة وعدم المراجعة إلى الحاكم والاستئذان منه وعدمه ، وأمّا مع ثبوت الاختلاف في أصل الموجب وتوقّف الثبوت على حكم الحاكم ، كما إذا ثبت القتل بالقسامة ، فالظاهر أنّ ثبوته عند الحاكم كاف ولا يحتاج بعد الثبوت إلى الاستئذان منه في إجراء القصاص وإعماله ، بحيث كان اللاّزم المراجعة إليه في مرحلتين : إثبات الموجب ، وإجراء القصاص .

ولعلّ من تحرير محلّ النزاع يظهر عدم جواز المبادرة ، لاستلزام الجواز تحقّق القتل بعنوان القصاص في موارد كثيرة لم يتحقّق الموجب فيها ، وهو يستلزم الاختلال في الجامعة الإسلامية ومجتمع المسلمين . وبه يظهر الفرق بين حق القصاص وبين مثل حقّ الشفعة ، الذي تجوز المبادرة إلى استيفائه من دون مراجعة إلى الحاكم ، ضرورة عدم تحقّق تال فاسد فيه بعد بقاء حياة الأشخاص الذين يرتبط بهم حقّ الشفعة ، وهذا بخلاف المقتول بعنوان القصاص ، فإنّه لو فرض عدم ثبوت الوليّ له والمفروض موته لا سبيل إلى إثبات كونه لا بهذا العنوان واقعاً ، وهذا أمر أهمّ من مجرّد الاحتياط ، حتّى يقال كما في الجواهر(1) بعدم وجوب مراعاته .

ويؤيّده دعوى نفي الخلاف فيه في محكي الخلاف ، حيث قال: لا ينبغي أن يقتصّ بنفسه ، لأنّ ذلك للإمام (عليه السلام) أو من يأمره بلا خلاف(2) . وإن كان التعبير بـ «لا ينبغي» لا يكون ظاهراً في عدم الجواز ، خصوصاً مع فتوى الشيخ في موضع

(1) جواهر الكلام: 42 / 287 .

(2) الخلاف: 5 / 205 مسألة 80 .


298

من المبسوط بالجواز كما عرفت ، ومع حكمه في الخلاف بعدم التعزير مع المخالفة . وكذا يؤيّده دعوى نفي الخلاف أيضاً من الغنية ، حيث قال: ولا يستقيد إلاّ سلطان الإسلام أو من يأذن له في ذلك ، وهو ولي من ليس له ولي ، إلى أن نفى الخلاف في ذلك كلّه(1) . كما أنّه يؤيّده رواية محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة(2) .

بقي الكلام في أمرين:

أحدهما: أنّ القصاص في الطرف أولى وأشدّ من جهة رعاية الاحتياط من القصاص في النفس ، والوجه فيه أنّ المحكيّ عن المهذّب(3) والمقتصر(4) الإجماع على توقّف الاقتصاص فيه على الإذن ، وإنّ الخلاف إنّما هو في النفس ، وهذه الدعوى وإن كانت فاقدة للحجّية خصوصاً مع شهادة التتبع لكلمات الأصحاب بخلافه ، كما في الجواهر(5) ، إلاّ أنّ اقتضائها للزوم رعاية الاحتياط بعنوانه مما لا مجال لانكاره ، كما لايخفى .

ثانيهما: أنّه على تقدير عدم الجواز ولزوم المراجعة إلى الحاكم والاستئذان منه ، لو خالف وبادر إلى القصاص يجب تعزيره لعدم رعايته لما هو وظيفته من المراجعة ، ولا خلاف ولا إشكال في عدم كونه ضامناً ، بحيث يترتّب على عمله القصاص أو الدية، ضرورة أنّه استوفى حقّه وإن أثم بترك المراجعة ، ولازمه ثبوت التعزير فقط.

(1) غنية النزوع: 407 ـ 408 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 47 ، أبواب القصاص في النفس ب 24 ح8 .

(3) المهذّب البارع: 5 / 222 .

(4) المقتصر : 434 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 288 .


299

مسألة 7 ـ لو كان أولياء الدم أكثر من واحد فالأقوى عدم جواز الاستيفاء إلاّ باجتماع الجميع وإذن الولي (الوالي ـ ظ) ، لا بمعنى ضرب كلّ واحد إيّاه ، بل بمعنى إذنهم لأحد منهم أو توكيلهم أحداً ، وعن جمع أنّه يجوز لكلّ [واحد] منهم المبادرة ، ولا يتوقّف على إذن الآخر ، لكن يضمن حصص من لم يأذن ، والأوّل أقوى ، نعم لو بادر واستبدّ فلا قود ، بل عليه حصص البقية مع عدم الإذن ، وللإمام (عليه السلام) تعزيره1.

1 ـ أمّا القول الأوّل الذي قوّاه في المتن ، فهو ظاهر المحقّق في الشرائع(1) ، ومحكي عن الفاضل(2) والشهيدين(3) والمقداد(4) والأردبيلي(5) والكاشاني(6) ، بل عن غاية المرام أنّه المشهور(7) . والثاني محكي عن الشيخ في المبسوط(8) والخلاف(9)وعن أبي علي(10) وعلم الهدى(11) والقاضي(12) والكيدري(13) وابني حمزة(14)

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1002 .

(2) تحرير الأحكام: 2 / 255 ، قواعد الأحكام: 2 / 299 .

(3) اللمعة الدمشقية: 179 ، الروضة البهية: 10 / 95 .

(4) التنقيح الرائع: 4 / 445 .

(5) مجمع الفائدة والبرهان: 13 / 430 ـ 431 .

(6) مفاتيح الشرائع: 2 / 139 .

(7) غاية المرام: 4 / 402 .

(8) المبسوط: 7 / 54 و 72 .

(9) الخلاف: 5 / 179 مسألة 42 .

(10) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 88 .

(11) حكى عنه في رياض المسائل: 10 / 336 .

(12) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 88 .

(13) إصباح الشيعة: 493 .

(14) الوسيلة: 432 .


300

وزهرة(1) ، بل في محكي البرهان نسبته إلى أخبار الأكثر ، بل عن المرتضى والخلاف والغنية وظاهر المبسوط الإجماع عليه ، بل عن الخلاف نسبته إلى أخبار الفرقة أيضاً ، وقوّاه صاحب الجواهر وأيّده بأمور كثيرة ، كبناء القصاص على التغليب ، ولذا إذا عفا الأولياء إلاّ واحداً كان له القصاص ، مع أنّ القاتل قد أحرز بعض نفسه ، وبأنّه إذا جاز القصاص مع عفو الباقين وإحراز القاتل بعض نفسه ، فمع السكوت أو الجهل وعدم الإحراز أولى .

وبأنّ ثبوت السلطان للولي يقتضي تسلّط كلّ واحد منهم على ذلك منفرداً ، كما هو مقتضى الإضافة ، وإلاّ لم يتم له السلطان .

وبأنّ الباقين إمّا أن يريدوا قتله أو الدية أو العفو ، والفرض أنّ الأوّل قد حصل ، والدية مبذولة من القاتل ، والعفو باق في محلّه ، فانّ المقصود به المثوبة وهي موجودة .

وبأنّه مخالف لما أجمع عليه العامّة أو معظمهم الذين جعل الله الرشد في خلافهم .

وبأنّ اشتراك الحقّ المزبور ليس على حسب غيره من الأموال التي لا يجوز التصرّف فيها بدون إذن الشريك ، بل المراد من اشتراكه أنّ لكلّ واحد منهم استيفاؤه ، لا كونه بينهم على الحصص ، ولا أنّه حقّ للمجموع من حيث كونه كذلك ، ضرورة عدم تعقّل الأوّل ، ومنافاة الثاني لبقائه مع عفو البعض ، وغرم الدية انّما هو لدليله لا لاشتراكه(2) .

ولكنّ الظاهر أنّه لا تنهض هذه الاُمور لإثبات القول الثاني ، فإنّه لا خفاء في

(1) غنية النزوع: 406 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 289 ـ 290 .


301

ثبوت الحقّ للأولياء المتعدّدين بنحو الشركة ، وقد خرجنا عن مقتضى قاعدتها بالإضافة إلى عفو البعض ، فإنّه من الواضح أنّ عفو البعض لا يوجب سقوط حق القصاص بالنسبة إلى غيره ، وأمّا مع عدم إحراز العفو فلا مجال للخروج عن مقتضاها بالإضافة إلى لزوم إحراز إذن الشريك ورضاه لعدم الدليل عليه ، وما أفاده من الوجوه والمؤيّدات لا يصلح لذلك ، فإنّ جواز القصاص مع عفو الباقين لا يقتضي بنحو الأولوية للجواز مع السكوت وعدم الإحراز ، خصوصاً مع أنّ حقّ القصاص يترتّب عليه التشفّي بالنسبة إلى الأولياء ، ومع العفو لا يبقى مجال للتشفّي ، فلا يستلزم ذلك الجواز في صورة عدم الإحراز أصلاً فضلاً عن الأولوية .

والآية الكريمة(1) مفادها ثبوت السلطان بالإضافة إلى وليّ المقتول ظلماً ، وأمّا أنّ هذه السلطنة ثابتة بنحو الإطلاق حتّى مع عدم إحراز موافقة الآخر ، فلا دلالة لها عليها .

ومن الممكن لأجل حصول التشفّي له أن يكون لاستناد القتل وقصاص المقتول ـ إمّا إذناً وإمّا توكيلاً ـ مدخلاً في ذلك كما لا يخفى ، فإنّه مع حصول القتل بمجرّده ولو كان من الأجنبي لا يتحقّق التشفّي بوجه .

والظاهر كون الاشتراك في المقام إنّما هو على حسب الاشتراك في الأموال ، غاية الأمر قد عرفت الخروج عن مقتضى قاعدة الشركة في مورد عفو البعض فقط ، ولا وجه للخروج عنه بالإضافة إلى هذه الجهة أيضاً .

ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرنا أنّ محل النزاع بين القولين ما إذا أراد بعض الأولياء المبادرة إلى إعمال حقّ القصاص واستيفائه ، مع عدم إحراز مراد الباقين من جهة القصاص

(1) الإسراء 17 : 33 .


302

أو الدية أو العفو مجاناً ، أو مع إحراز أنّ مرادهم أيضاً القصاص . وأمّا مع إحراز مراد الباقين وأنه هي الدية أو العفو فلا شبهة في جواز استيفاء الأوّل القصاص . وقد عرفت أنّ من جملة الوجوه المذكورة في الجواهر بعنوان التأييد هو الحكم بأولوية المقام من صورة الإحراز المذكورة ، وإن ناقشنا في الأولوية بل المساواة كما مرّ .

وعلى ما ذكر من بيان محلّ النزاع لا يبقى مجال للاستدلال ببعض الروايات ، كما صنعه بعض الأعلام(1) ، حيث استدلّ لما اختاره من القول الثاني مضافاً إلى جملة من الوجوه المذكورة في الجواهر بصحيحة أبي ولاّد الحنّاط قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وله أُمّ وأب وابن؟ فقال الابن: أنا أُريد أن أقتل قاتل أبي ، وقال الأب: أنا أُريد أن أعفو ، وقالت الأُمّ: أنا أُريد أن آخذ الدية . قال: فقال: فليعط الابن اُمَّ المقتول السدس من الدية ، ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حقّ الأب الذي عفا ، وليقتله(2) لأنّ مورد هذه الرواية صورة إحراز مراد الجميع وعدم تعلّق إرادة غير الابن بالقصاص ، وهو متسالم عليه بين القولين ، فلا دلالة للرواية على حكم المقام إلاّ بالنحو المذكور في الجواهر ، وقد عرفت عدم تماميته .

ثمَّ إنّه تظهر ثمرة القولين في التعزير ، فعلى القول بجواز المبادرة لا مجال للتعزير ، وعلى القول بالعدم كما في المتن يعزّر المبادر لارتكاب الخلاف وفعل غير المشروع ، بناء على ثبوت التعزير في كلّ معصية ، وقد مرّ البحث فيه في

(1) مباني تكملة المنهاج: 2 / 129 ـ 130 مسألة 135 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 83 ، أبواب القصاص في النفس ب 52 ح1 .


303

مسألة 8 ـ لو تشاحّ الأولياء في مباشرة القتل وتحصيل الإذن يقرع بينهم ، ولو

كتاب الحدود(1) .

وهل يكون هنا ثمرة أُخرى أم لا؟ حكي عن الفاضل(2) ومن تبعه(3) احتمال ترتّب القصاص على القول بعدم جواز المبادرة ، لأنّه استوفى أكثر من حقّه ، فهو عاد في الزائد على حقّه ، فيترتّب عليه القصاص ، بل قد يقال ـ على هذا القول ـ : إنّه يكون مثل قتل الأجنبي للقاتل الذي لا ريب في ترتّب القصاص عليه .

ولكنّ الظاهر كما في المتن عدم ترتّب القصاص بناء على هذا القول أيضاً ; لأنّ مجرّد عدم جواز المبادرة قبل وضوح مراد الباقين لا يوجب صيرورة القاتل معصوماً ومحترماً بالإضافة إلى من يريد القصاص ، بل هو مهدور الدم بالنسبة إليه ، غاية الأمر ثبوت تكليف في البين ، وهو المراجعة إلى الباقين والاستئذان ، وعليه فلا مجال لاحتمال ثبوت القصاص بوجه .

ثم إنّه على تقدير القول بجواز المبادرة هل يكون ضمان حصص من لم يأذن مترتّباً على إعمال القصاص ومتفرّعاً عليه ، فلا يجب عليه إعطاء شيء من قبل القصاص ، أو أنّ الضمان ثابت قبل الإعمال ، فيجب عليه الإعطاء في هذا الحال؟ ظاهر الجواهر(4) هو الأوّل ، ويمكن استفادة الثاني من صحيحة أبي ولاّد المتقدّمة ، حيث أنّ ظاهرها جواز القتل بعد إعطاء السدسين ، والظاهر أنّه لا فرق بين موردها وبين المقام من هذه الجهة ، فتدبّر .

(1) تفصيل الشريعة ، كتاب الحدود : 330 ـ 331 .

(2) قواعد الأحكام: 2 / 299 .

(3) التنقيح الرائع: 4 / 445 ، مسالك الأفهام: 15 / 230 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 291 .


304

كان بينهم من لا يقدر على المباشرة لكن أراد الدخول في القرعة ليوكّل قادراًفي الاستيفاء يجب إدخاله فيها1.

مسألة 9 ـ ينبغي لوالي المسلمين أو نائبه أن يحضر عند الاستيفاء شاهدين عدلين فطنين عارفين بمواقعه وشرائطه احتياطاً ، ولإقامة الشهادة إن حصلت منازعة بين المقتصّ وأولياء المقتصّ منه ، وأن يعتبر الآلة لئلاّ تكون مسمومة موجبة لفساد البدن وتقطّعه وهتكه عند الغسل أو الدفن ، فلو علم مسموميّتها بما

1 ـ هذه المسألة إنّما هو على تقدير القول الأوّل في المسألة السابقة ، ضرورة أنّه على تقدير القول الآخر لا يبقى مجال للتشاح ، بل يجوز لكلّ واحد منهم المبادرة والرجوع إلى القرعة ، إمّا لأجل أنّ موردها صورة تزاحم الحقوق وعدم الترجيح ، كما عليه سيّدنا الأستاذ الأعظم الماتن ـ دام ظلّه العالي ـ في رسالته في «القرعة»(1) ، وإمّا لأجل أنّ المراد بالمشكل والمشتبه ومثلهما في دليل القرعة هو المشكل الذي لا يستفاد حكمه من شيء من الأدلّة والأمارات والأصول الشرعية والعقلية أصلاً ـ لا ما اشتبه حكمه الواقعي فقط ـ كما لعلّه الظاهر ، وعلى كلا المبنيين يرجع إلى القرعة .

هذا على تقدير عدم تعلّق إرادتهم بالتوكيل وإلاّ يوكّلوا واحداً مع الاتفاق ، ومع الاختلاف أيضاً يقرع . ومنه يظهر أنّه لو كان بينهم من لا يقدر على المباشرة لضعف أو مرض أو كونه امرأة ، وأراد الدخول في القرعة ، لا للمباشرة بل لتوكيل القادر ، لا مجال لإخراجه عنها ، بل يجب إدخاله فيها ، كما لا يخفى .

(1) الرسائل : 1 / 346 .


305

يوجب الهتك لا يجوز استعمالها في قصاص المؤمن ، ويعزّر فاعله1.

1 ـ أمّا الحكم الأوّل فالدليل عليه كما في المتن ، أوّلاً رعاية الاحتياط في الدماء لئلاّ يقتل غير المستحقّ ويقتصّ منه ، وثانياً إقامة الشهادة إن حصلت منازعة بعداً ، ولكن لابدّ من التنبيه على أمرين:

أحدهما: إنّ رعاية الاحتياط ورفع المنازعة لا ينحصر طريقهما في زماننا بإحضار شاهدين مع الأوصاف المذكورة ، لأنّهما يتحقّقان بسبب ضبط حكم الحاكم وكتابته وحفظ المكتوب والثبت في الدفتر مع جميع الخصوصيات ، ولعلّ الانحصار كان في الأزمنة السابقة التي لم تتعارف كتابة في المحاكم ولم يكن الحكم مكتوباً ولا مضبوطاً في دفتر أصلاً .

ثانيهما: إنّ التعبير بكلمة «ينبغي» هل المراد به الاستحباب أو مجرّد الإرشاد ، ولا مجال لاستفادة الأوّل من طريق التسامح في أمر الندب; للزوم ثبوت الأمر ولو بطريق ضعيف حتّى يجبر بقاعدة التسامح ، لكنّه يمكن الاستفادة من طريق الأمر بالاحتياط الثابت في الشرع خصوصاً في الدماء ، وعليه فلا يبعد الاستحباب .

وأمّا الحكم الثاني وهو أنّه ينبغي للوالي أو نائبه اعتبار الآلة واختبارها لئلاّ تكون مسمومة ، فالوجه فيه هو ترتّب فساد البدن وتقطّع الأعضاء عليه ، وهو يوجب الهتك وتعسّر الغسل والدفن ، ولا سبيل إلى استفادة الاستحباب في هذا الحكم ، بل الظاهر أنّه لمجرّد الإرشاد ، كما لا يخفى .

وأمّا الحكم الثالث المتعلّق بالمباشر للقصاص ، وهو عدم جواز استعمال الآلة المسمومة مع العلم بكونها كذلك ، فالوجه فيه هو ترتّب فساد البدن والتقطّع عليه نوعاً ، وهو يوجب الهتك ، ولا شبهة في أنّ هتك المؤمن حرام ولو في حال الموت . وذكر في المبسوط أنّه بمنزلة جناية عليه بعد استيفاء القصاص ، فهو كما لو قتله ثم


306

مسألة 10 ـ لا يجوز في قصاص الطرف استعمال الآلة المسمومة التي توجب السراية ، فإن استعملها الولي المباشر ضمن ، فلو علم بذلك ويكون السمّ ممّا يقتل به غالباً أو أراد القتل ولو لم يكن قاتلاً غالباً يقتصّ منه بعد ردّ نصف ديته إن مات بهما ، فلو كان القتل لا عن عمد يردّ نصف دية المقتول ، ولو سرى السمّ إلى عضو آخر ولم يؤدّ إلى الموت فإنّه يضمن ما جنى دية وقصاصاً مع الشرائط1.

عاد فقطّعه أو حرّقه(1) . نعم لو كان التقطّع حاصلاً بعد الدفن لا يوجب ذلك الهتك بوجه .

وأمّا مسألة تعسّر الغسل فلا تقتضي الحرمة بوجه ، لتقدّم غسله على القصاص أوّلاً ، لأنّه لا يغسل بعد موته ، وعدم كون تعسّره موجباً للحرمة ثانياً .

ثمّ إنّ حرمة استعمال الآلة المسمومة ثابتة فيما لو كانت الجناية واقعة بمثل هذه الآلة أيضاً ، لأنّ وقوعها بمثلها لا يوجب جواز القصاص بمثله ، كما سيأتي في المسائل الآتية . ثمّ إنّ مقتضى ثبوت الحرمة استحقاق العامل للتعزير ، كما في سائر موارد ثبوت التعزير .

1 ـ عدم جواز استعمال الآلة المسمومة في قصاص النفس إنّما هو مجرّد تكليف ، ولا يكون معه حكم وضعيّ ـ وهو الضمان ـ أصلاً . وأمّا في قصاص الطرف فالاستعمال ـ مضافاً إلى كونه محرَّماً لفرض اقتضائها للسراية ـ يكون موجباً للضمان قصاصاً أو دية . فإن كان معه أحد الأمرين المعتبرين في قتل العمد ، وهو كون الآلة ممّا تقتل غالباً ، أو كون الفاعل مريداً للقتل ولو لم يكن مؤثِّراً في القتل

(1) المبسوط: 7 / 108 .


307

مسألة 11 ـ لايجوز الاستيفاء في النفس والطرف بالآلة الكالّة وما يوجب تعذيباً زائداً على ما ضرب بالسيف ، مثل أن يقطع بالمنشار ونحوه ، ولو فعل أثم وعزّر لكن لا شيء عليه ، ولا يقتصّ إلاّ بالسيف ونحوه ، ولا يبعد الجواز بما هو أسهل من السيف كالبندقة على المخ ، بل وبالاتّصال بالقوّة الكهربائية ، ولو كان بالسيف يقتصر على ضرب عنقه ، ولو كانت جنايته بغير ذلك كالغرق أو الحرق أو الرضخ بالحجارة ، ولا يجوز التمثيل به1.

غالباً يتحقّق موجب القصاص ، وإن لم يكن معه شيء من الأمرين تثبت الدية .

غاية الأمر أنّه حيث يكون القتل مسبّباً عن قطع العضو بالآلة المسمومة ، وهو أمر واحد اجتمع فيه حيثيّتان : حيثية الاستحقاق من جهة أصل القطع ، وحيثية عدم الاستحقاق من جهة كون القطع بالآلة الكذائية ، فلا محالة يتحقّق المناصفة . ففي صورة القصاص لابدّ من ردّ نصف الدية إليه أو إلى وارثه ، وفي صورة إعطاء الدية لا يلزم إلاّ أداء نصف الدية ، لما عرفت من اجتماع جهتين في سبب واحد وفعل فارد . وقد عرفت في مسألة الشركة أنّ مجرّد تحقّقها يوجب التنصيف ، ولا يلاحظ عمل الشريكين من جهة الكمّية والكيفية أصلاً ، بل الموجب مجرّد انتساب العمل إلى كليهما ، وممّا ذكرنا يظهر حكم ما لو سرى السمّ إلى عضو آخر من دون أن يؤدّي إلى الموت ، فإنّه يتحقّق بالإضافة إليه الضمان قصاصاً أو دية .

1 ـ في هذه المسألة جهات من الكلام:

الجهة الأُولى: عدم جواز الاستيفاء مطلقاً نفساً أو طرفاً بالآلة الكالة التي توجب تعذيباً زائداً على ما ضرب بالسيف ، مثل القطع بالمنشار المذكور في المتن . وقد استدلّ له في الجواهر ـ مضافاً إلى نفي الخلاف فيه ـ بالنبوي: إذا قتلتم فأحسنوا


308

القتلة(1) ، وبالأمر بإراحة الذبيحة وتحديد الشفرة للذبح ، ففي الآدميّين أولى(2) .

والأولى الاستدلال له بأنّ غاية ما ثبت في الشريعة بمقتضى الكتاب والسنّة هو القصاص بمعنى النفس بالنفس والعين بالعين وهكذا ، وأمّا التعذيب الزائد الذي يستلزمه استعمال الآلة الكالّة فلم يثبت جوازه فيها ، فكما أنّه لا يجوز عقوبة زائدة على أصل القتل بمثل الضرب ونحوه ، كذلك لا يجوز استعمال الآلة المذكورة لعين ذلك ، ولا فرق في هذه الجهة بين ما لو كانت الجناية الأصلية واقعة بالكالّ أم لا ، لما سيأتي من عدم جواز رعاية المماثلة في هذه الجهات . نعم لو خالف واستعمل الآلة المذكورة لا يترتّب عليه ضمان ، بل يعزَّر للمخالفة .

الجهة الثانية: هل تجوز المماثلة في مقام الاستيفاء ورعاية الجناية الواقعة ـ فلو كانت بالغرق مثلاً حكم بجوازه بالإضافة إلى المقتصّ منه ـ أم لا تجوز ذلك؟ حكي الأول عن أبي علي(3) وابن أبي عقيل(4) وعن الجامع حيث قال: إنّه يقتصّ بالعصا ممّن ضرب بها(5) ، ولعلّه يستفاد من كلامه لزوم المماثلة فضلاً عن جوازها . ولكن الأكثر(6) ، بل المشهور(7) ، بل ادّعي نفي الخلاف فيه(8) ، بل الإجماع(9) ، بل إجماع

(1) سنن البيهقي: 12 / 98 ح16509 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 296 .

(3) مختلف الشيعة: 9 / 453 مسألة 132 .

(4) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 113 .

(5) الجامع للشرائع: 599 .

(6) مسالك الأفهام: 15 / 235 .

(7) رياض المسائل: 10 / 337 .

(8) غنية النزوع: 408 .

(9) التنقيح الرائع: 4 / 446 ، الروضة البهية: 10 / 92 .


309

الفرقة وأخبارهم على الثاني(1) .

واستدلّ للأوّل ـ مضافاً إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيْكُم فَاعتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيْكُم(2) الظاهر في مماثلة الاعتداء الواقع المقابل مع الاعتداء أوّلاً من جميع الجهات ـ بالنبوي: من حرّق حرّقناه ومن غرّق غرّقناه(3) . وبالنبوي الآخر: إنّ يهودياً رضخ رأس جارية بالحجارة ، فأمر(صلى الله عليه وآله)فرضخ رأسه بالحجارة(4) . والرضخ بمعنى الضرب .

وفي محكي المختلف بعد الاستدلال بالآية قال: وهو وجه قريب(5) . وفي المسالك: لا بأس به(6) . وفي مجمع البرهان: الظاهر الجواز إن لم يكن إجماع(7) . والظاهر عدمه كما يفهم من شرح الشرائع(8) . وفي الروضة: هو متّجه لولا الاتفاق على خلافه(9) .

والظاهر أنّه لا دلالة للآية على ذلك ، لأنّها في مقام بيان أصل مشروعية المماثلة بمعنى وقوع النفس بالنفس والعين بالعين ومثلهما الذي وقع التصريح به في بعض آيات القصاص على ما عرفت ، وأمّا المماثلة في الكيفية فلا تكون الآية بصدد بيانها

(1) الخلاف: 5 / 189 ـ 190 مسألة 55 .

(2) البقرة 2 : 194 .

(3) سنن البيهقي: 12 / 65 ملحق ح16424 .

(4) سنن البيهقي: 12 / 62 ح16416 و 16417 .

(5) مختلف الشيعة: 9 / 454 مسألة 132 .

(6) مسالك الأفهام: 15 / 236 .

(7) مجمع الفائدة والبرهان: 13 / 425 .

(8) حكى عنه في مفتاح الكرامة : 11/113 .

(9) الروضة البهية: 10 / 92 .


310

وإفادتها بوجه ، مع وضوح ضعف العموم في الآية ، لعدم جواز المماثلة في أصل الاعتداء أيضاً في جميع الموارد ، ضرورة عدم جواز الاعتداء بالسبّ والفحش مثلاً في مقابل الاعتداء بهذا النحو ، مع أنّ الروايات الآتية التي هي مستند المشهور مقيّدة لإطلاق الآية بناء على ثبوته .

وأمّا النبويّان فمضافاً إلى عدم ثبوتهما وعدم ظهورهما في تحقّق الموت بالاُمور المذكورة فيهما ، لا ينهضان للمقابلة مع الروايات الصحيحة الظاهرة الدلالة الآتية ، خصوصاً مع استناد المشهور إليها والفتوى على طبقها ، وهي:

صحيحة الحلبي وأبي الصباح الكناني جميعاً ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات ، أيدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: نعم ، ولكن لا يترك يعبث به ولكن يجيز عليه بالسيف(1) .

ورواية موسى بن بكر ، عن عبد صالح (عليه السلام) في رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يرفع العصا حتى مات ، قال: يدفع إلى أولياء المقتول ولكن لا يترك يتلذّذ به ، ولكن يجاز عليه بالسيف(2) .

وصحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يرفع عنه حتّى قتل ، أيدفع إلى أولياء المقتول؟ قال: نعم ، ولكن لا يترك يعبث به ولكن يجاز عليه(3) . وغير ذلك من الروايات الظاهرة في هذه الجهة . ومع ملاحظتها لا يبقى ارتياب في أنّ الحقّ ما عليه المشهور .

الجهة الثالثة: في أنّه بعد عدم جواز المماثلة المطلقة هل يتعيّن الاقتصاص

(1) وسائل الشيعة: 19 / 24 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح2 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 26 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح10 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 27 ، أبواب القصاص في النفس ب 11 ح12 .


311

بالسيف أو يجوز بمطلق الحديد أو يجوز بالوسائل الموجودة في هذا الزمان ، التي هي أسهل من السيف كالأمرين المذكورين في المتن؟ ظاهر أكثر العبارات الأوّل(1) ، وأضيف إلى السيف في بعض الكتب: وما جرى مجراه(2) . وقد وقع التعبير بالحديد في بعض آخر(3) ، ونفى في المتن البعد عن الثالث .

والحقّ أن يقال: إنّه قد وقع في الروايتين من الروايات المتقدّمة التعبير بأنّه يجاز أو يجيز عليه بالسيف . يقال: أجاز عليه: أي أجهزه وأسرع في قتله . وقد وقع في رواية منها التعبير بأنّه يجاز عليه ، وحينئذ يحتمل أن يقال: بأنّ إطلاق الرواية الأخيرة مقيّد بالروايتين الآخرتين ، ويحتمل أن يقال : ببقاء الرواية على إطلاقها وحمل التقييد بالسيف على كونه لأجل تأثيره في تحقّق السرعة في الموت ، فلا خصوصية له بوجه .

فعلى الأوّل يتعيّن الاقتصاص بالسيف إلاّ أن يقال بشمول الجواز لما هو أسهل بتنقيح المناط أو بالأولويّة ، وعليه يمكن منع هذا القول ، فتدبّر .

وعلى الثاني يكون الجواز في السيف وما هو أسهل بنحو واحد ، لفرض إطلاق الدليل واقتضائه مجرّد الإسراع في القتل بأيّة آلة تحقّق ، كما لا يخفى . وعليه فما في المتن يبتنى على الأوّل .

الجهة الرابعة: في أنّه إذا أُريد الاقتصاص بالسيف تعييناً أو تخييراً فلا إشكال في عدم جواز التمثيل به وقطع الأعضاء متعاقباً ، وذلك للنّهي في أخبار كثيرة عن

(1) كالمقنعة: 736 والمراسم العلوية: 237 وشرائع الإسلام: 4 / 1002 واللمعة الدمشقية: 179 وإرشاد الأذهان: 2 / 198 وقواعد الأحكام: 2 / 301 .

(2) كالمبسوط : 7 / 72 والمختصر النافع: 316 .

(3) كالنهاية: 734 والخلاف: 5 / 189 مسألة 55 والغنية: 408 وإصباح الشيعة: 494 .


312

المثلة به وأنّه لا تجوز ولو في الكلب العقور(1) ، وقد وقع تفسير قوله تعالى: ﴿فَلاَيُسرِف فِي القَتلِ(2) به مع ظهوره فيه في نفسه أيضاً ، لأنّ الظاهر أنّ المراد بالإسراف هو الإسراف في الكيفية أو الأعم منها ومن الكمّية ، وعلى التقديرين يدلّ على عدم جواز المثلة كما هو ظاهر .

والظاهر أنّ الاقتصاص بالسيف لا يجوز بمثل قطع العنق وقطع الأوداج كما في مقام الذبح ، بل يتعيّن بمثل الضرب بالعنق ، كما هو الموجود في عبارات الأصحاب من المقنعة إلى الرياض(3) كما في الجواهر(4) ، ولعلّ الوجه فيه ـ مضافاً إلى كونه مسرعاً في قتله نوعاً وعدم تحقّق الإسراع بدونه ـ تعارف هذا النحو من القتل في الجناياتوقصاصها، فالأدلّة تنصرف إلى ما هو المتعارف من قطع العنق كانصرافها إلى عدم إيقاع السيف على المخّ أو البطن أو نحوهما . فالظاهر ـ ولو بملاحظة ما ذكرنا من عدم الاستفادة من أدلّة القصاص إلاّ مجرّد مشروعيته ـ عدم التعدّي عمّا هو المتعارف من ضرب السيف بالعنق إذا تحقّق بالسيف كما في المتن، فتدبّر.

ثمّ إنّه استثنى في الجواهر على القول بجواز المماثلة المطلقة مثل القتل بالسحر والقتل بالجماع قبلا ودبراً والقتل بإيجار الخمر ونحوه ممّا هو مذكور في الجواهر(5) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 95 ، أبواب القصاص في النفس ب 62 .

(2) الإسراء 17 : 33 .

(3) المقنعة: 737 ، الكافي في الفقه: 390 ، الجامع للشرائع: 572 ، شرائع الإسلام: 4 /1002 ، إرشاد الأذهان: 2 / 198 ، مسالك الأفهام: 15 / 235 ، رياض المسائل: 10 / 337 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 298 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 299 .


313

مسألة 12 ـ اُجرة من يقيم الحدود الشرعية على بيت المال ، واُجرة المقتصّ على ولي الدم لو كان الاقتصاص في النفس ، وعلى المجنيّ عليه لو كان في الطرف ، ومع إعسارهما استدين عليهما ، ومع عدم الإمكان فمن بيت المال ، ويحتمل أن تكون ابتداء على بيت المال ، ومع فقده أو كان هناك ما هو أهمّ فعلى الولي أو المجنيّ عليه ، وقيل: هي على الجاني1.

1 ـ وقع الخلاف ـ بعد أنّه لا شبهة في أنّ أُجرة من يقيم الحدود الشرعية على بيت المال المعدّ للمصالح الراجعة إلى الإسلام والمسلمين ـ في أجرة من يستوفي القصاص على أقوال ثلاثة:

أحدها: ما في المتن من ثبوتها أوّلاً على من يكون له القصاص من الوليّ أو المجنيّ عليه ، وثانياً على بيت المال . والوجه فيه أنّ الحق إنّما يكون ثابتاً له ، وتوقّف استيفاؤه على الأجرة لا يلزم ثبوتها على بيت المال ، أو على الجاني ، كما في سائر موارد توقّف استيفاء الحقّ على مؤونة . فإذا توقّف استيفاء الدّين مثلاً على بذل مؤونة لا يستلزم ذلك ثبوت تلك المؤونة على بيت المال أو على المديون ، مع عدم مخالفته لما وجب عليه في هذا الأمر ، فالقصاص مثله ، لكن يمكن الإيراد عليه بأنّ الحكم بالثبوت على بيت المال ثانياً لا يستقيم على إطلاقه ، فإنّه يمكن القول بالاستدانة من بيت المال عليهما والأداء بعد ذلك إذا حصل اليسار ، فتدبّر .

ثانيها: عكس القول الأوّلوهوالثبوت ابتداءعلى بيت المال ، ومع الفقد أو وجود ما هو أهم كالجهاد مثلاً يثبت على من له القصاص ، وهو ظاهر المحقّق في الشرائع حيث قال: وأُجرة من يقيم الحدود من بيت المال ، فإن لم يكن بيت المال أو كان هناك


314

مسألة 13 ـ لا يضمن المقتصّ في الطرف سراية القصاص إلاّ مع التعدّي في اقتصاصه ، فلو كان متعمّداً اقتصّ منه في الزائد إن أمكن ، ومع عدمه يضمن الدية أو الأرش ، ولو ادّعى المقتصّ منه تعمّد المقتصّ وأنكره فالقول قول المقتصّ بيمينه ، بل لو ادّعى الخطأ وأنكر المقتصّ منه فالظاهر أنّ القول قول

ماهو أهمّ كانت الأُجرة على المجني عليه(1).والتعبيرعن القصاص بالحدود ـ كالتعبير عن من له القصاص بخصوص المجنيّ عليه ، مع أنّه يكون تارة هو الولي ـ لا يخلو عن المسامحة . والدليل على هذا القول دعوى اتّحاد حكم المقام مع سائر الموارد التي يرجع إلى بيت المال ، لكونه أيضاً من المصالح التي أعدّ لها بيت المال.

ولكنّه يندفع بأنّ استيفاء الحقّ الشخصي إذا كان متوقّفاً على مؤونة لا مجال لأخذ تلك المؤونة من بيت المال ، كاستيفاء الدين في المثال المتقدّم .

ثالثها: ثبوت الأُجرة على الجاني ، والوجه فيه دعوى اتحاد حكم المقام مع اُجرة الكيال الواجبة على البائع ، ولكنّها مندفعة بأنّ ثبوت الأُجرة على البائع إنّما هو فيما إذا توقّف القبض الواجب عليه على التعيين بالكيل الذي يتوقّف على الاُجرة ، وأمّا لو كان البيع موجباً لتحقّق شركة المشتري مع البائع في المبيع مثلاً فلا يكون هناك شيء على البائع ، وفي المقام الواجب على الجاني هو التمكين ، وجعل نفسه باختيار من له القصاص ، ولا ترتبط الأُجرة به بوجه .

ثمّ الظاهر أنّه على هذا القول لو أراد الوليّ مثلاً المباشرة وأخذ الأُجرة من الجاني كان له ذلك ، لعدم الفرق ، بل الظاهر أنّه على القول الثاني أيضاً يجوز له الأخذ من بيت المال .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1002 .


315

المقتصّ بيمينه على وجه ، ولو ادّعى حصول الزيادة باضطراب المقتصّ منه أو بشيء من جهته فالقول قول المقتصّ منه1.

1 ـ قد استدلّ في الجواهر(1) على عدم ضمان السراية في قصاص الطرف مع عدم التعدّي في الاقتصاص ـ بعد نفي الخلاف والإشكال فيه ـ بالأصل وجملة من الروايات التي احتمل دعوى تواترها أو القطع بمضمونها ، ولكنّ الظاهر أنّ عمدتها واردة في قصاص النفس ، مثل صحيحة أبي الصباح الكناني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: سألته عن رجل قتله القصاص له دية؟ فقال: لو كان ذلك لم يقتصّ من أحد . وقال: من قتله الحدّ فلا دية له(2) .

فإنّ الظاهر أنّ المراد بقتل القصاص للرجل ليس هو قتله بالسراية بالقصاص في الطرف بل قتله بالقصاص الموجب للقتل ، والشاهد عليه الجواب ، فإنّه لو كان المراد منه هو الأوّل لا يستلزم ذلك سدّ باب الاقتصاص ، خصوصاً مع ندرة تحقّق السراية في قصاص الطرف . وهذا بخلاف ما لو كان المراد منه هو المعنى الثاني ، فإنّ اقتضاء قصاص النفس للدية يوجب سدّ باب الاقتصاص ، كما لا يخفى .

ورواية السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من اقتصّ منه فهو قتيل القرآن(3). وظهورها فيما ذكرنا واضح ، والتعبير بقتيل القرآن إنّما هو في مقابل قتيل العدوان مثلاً.

نعم في خصوص رواية محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قتله

(1) جواهر الكلام: 42 / 246 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 46 ، أبواب القصاص في النفس ب 24 ح1 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 46 ، أبواب القصاص في النفس ب 24 ح2 .


316

مسألة 14 ـ كلّ من يجري بينهم القصاص في النفس يجري في الطرف ، ومن لا يقتصّ له في النفس لا يقتصّ له في الطرف ، فلا يقطع يد والد لقطع يد

القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة(1) . ولكنّ الظاهر أنّه لا حاجة إلى الاستدلال بمثل هذه الروايات ، بعد كون ضمان السراية مفتقراً إلى قيام الدليل ، ولولا الإجماع عليه في صورة الجناية المحرّمة والتعدّي غير المشروع لم نقل به . وقد ظهر بما ذكرنا ثبوت الضمان مع التعدّي في الاقتصاص ، فإن كان متعمّداً وكان القصاص ممكناً كما إذا قطع إصبعاً زائدة مثلاً يقتصّ منه ، ومع عدم التعمّد أو عدم إمكان القصاص كما إذا قطع من المنكب مع كون الحق بالإضافة إلى القطع من المرفق يكون ضامناً للدية أو الأرش .

ثم إنّه لو وقع الاختلاف بين المقتصّ والمقتصّ منه في العمد والخطأ ، فتارة يقع الادّعاء من ناحية المقتصّ منه ، والإنكار من ناحية المقتصّ ، كما إذا ادّعى الأوّل التعمّد وأنكره الثاني ، فلا شبهة في أنّ القول قول المنكر بيمينه; لأنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر ، واُخرى يكون بالعكس كما إذا ادّعى المقتصّ الخطأ وأنكره الآخر ، فظاهر المحقّق في الشرائع(2) أنّ القول قول المقتصّ أيضاً ، نظراً إلى أنّه أعرف بنيّته وكون قوله موافقاً للظاهر أو الأصل .

وأمّا الفرع الأخير فهو ما لو ادّعى المقتصّ حصول الزيادة لشيء من ناحية المقتصّ منه وأنكره الآخر ، فالظاهر أنّ القول فيه قول المنكر ، خلافاً لكاشف اللثام(3) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 47 ، أبواب القصاص في النفس ب 24 ح8 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 1002 .

(3) كشف اللثام: 2 / 469 .


317

ولده ، ولا يد مسلم لقطع يد كافر1.

مسألة 15 ـ إذا كان له أولياء شركاء في القصاص ، فإن حضر بعض وغاب بعض فعن الشيخ (قدس سره) للحاضر الاستيفاء بشرط أن يضمن حصص الباقين من الدية ، والأشبه أن يقال: لو كانت الغيبة قصيرة يصبر إلى مجيء الغائب ، والظاهر جواز حبس الجاني إلى مجيئه لو كان في معرض الفرار ، ولو كان غير (غيبته ـ ظ) منقطعة أو طويلة فأمر الغائب بيد الوالي ، فيعمل بما هو مصلحة عنده أو مصلحة الغائب ، ولو كان بعضهم مجنوناً فأمره إلى وليّه ، ولو كان صغيراً ففي رواية: انتظروا الذين قتل أبوهم أن يكبروا ، فإذا بلغوا خيّروا ، فإن أحبّوا قتلوا أو عفوا أو صالحوا2.

1 ـ الوجه في مساواة القصاص في الطرف مع القصاص في النفس في الشرائط المذكورة المتقدّمة مضافاً إلى الفتاوى ، إطلاق جملة من النصوص وصراحة بعضها في التعميم ، مثل صحيحة محمد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات ، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم(1) .

وصحيحة أبي أيوب الخزاز ، عن حمران ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا يقاد والد بولده ، ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً(2) . وذكر القتل في الذيل لا دلالة فيه على اختصاص الصدر به ، كما لا يخفى ، وغير ذلك من الروايات .

2 ـ في هذه المسألة فرعان ، والظاهر وقوع الخلط بينهما في المتن:

(1) وسائل الشيعة: 19 / 80 ، أبواب القصاص في النفس ب 47 ح5 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 56 ، أبواب القصاص في النفس ب 32 ح1 .


318

الأوّل: ما إذا كان بعض الأولياء حاضراً كاملاً بالبلوغ والعقل ، والبعض الآخر غائباً أو فاقداً للكمال للصغر أو الجنون ، والمحكيّ عن الشيخ في الخلاف(1)والمبسوط(2) أنّه للحاضر الاستيفاء بشرط أن يضمن حصص الباقين من الدية ، والظاهر عمومية كلامه للصغير والمجنون أيضاً .

والظاهر إنّ جواز استيفاء الحاضر الكامل لا يتوقّف على شيء إن قلنا في المسألة السابعة المتقدّمة بجواز المبادرة ، والاستبداد لكلّ واحد من الأولياء ، وعدم توقّف الاستيفاء على إذن الجميع ، لأنّه إذا جاز الاستيفاء من دون مراجعة مع اشتراك الجميع في الحضور والكمال ، فالجواز مع العدم ثابت بطريق أولى .

وأمّا إن قلنا في تلك المسألة بعدم جواز المبادرة ولزوم الاستئذان فيمكن أن يقال بما في المتن من أنّه إذا كانت الغيبة قصيرة يصبر إلى مجيء الغائب ، ولا مانع من حبس الجاني مع خوف الفرار ، وإذا كانت منقطعة أو طويلة فأمره بيد الوالي ، ولا مجال للمناقشة في ثبوت الولاية في هذا الفرض بعد كون الاستيفاء بيد الحاضر الكامل ، خصوصاً مع ملاحظة أنّه لو اختار الوالي الدية لأجل المصلحة يجوز للحاضر أيضاً الاستيفاء ، وهكذا الحكم في المجنون والصغير . والرواية المنقولة في المتن واردة في الفرع الثاني الآتي ، وعليه فالحكم في الصغير في هذا الفرع أيضاً كالمجنون يكون أمره بيد وليّه ، ولا يلزم منه عمومية دائرة الولاية للقصاص حتّى يناقش فيها ، كما يأتي .

الثاني: ما إذا كان الولي المنحصر صغيراً مثلاً ، أو كان الوليّ المتعدّد كذلك . وقد

(1) الخلاف: 5 / 179 مسألة 42 و 43 .

(2) المبسوط : 7 / 54 .


319

أفتى الشيخ (قدس سره) في هذا الفرع في الكتابين المذكورين بأنّه لا يكون لأحد أن يستوفي القصاص حتّى يبلغ الصبي أو يفيق المجنون أو يموتا ، سواء كان القصاص في الطرف أو النفس ، بل عن الكتابين الإجماع عليه(1) ، ويمكن الاستدلال عليه ـ مضافاً إلى ما أشرنا إليه من عدم ثبوت الولاية على مثل القصاص ـ بالرواية المشار إليها في المتن ، وهي رواية إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه : إن عليّاً (عليهم السلام)قال: انتظروا بالصغار الذين قتل أبوهم أن يكبروا ، فإذا بلغوا خيّروا ، فإن أحبّوا قتلوا أو عفوا أو صالحوا(2) .

ولازم هذا القول جواز حبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون ، وقد يكون عشر سنين أو أزيد ، وعليه فربّما يستشكل فيه بأنّه تعذيب شديد وعقوبة كثيرة زائدة على القصاص ، خصوصاً مع استلزامه لصرف مؤونة كثيرة ، ولعلّه لذا حكي عن جماعة الأخذ بعموم الولاية وشمولها للقصاص ، كالعلاّمة في بعض كتبه(3) وولده في الإيضاح(4) والشهيدين في الحواشي(5) والروضة(6) والمسالك(7)والمحقّق الكركي في جامع المقاصد(8) والفيض الكاشاني في المفاتيح(9) ، وقال في

(1) الخلاف: 5 / 179 ـ 181 مسألة 43 ، المبسوط: 7 / 54 ـ 55 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 85 ، أبواب القصاص في النفس ب 53 ح2 .

(3) إرشاد الأذهان: 2 / 199 ، قواعد الأحكام: 1 / 168 .

(4) إيضاح الفوائد: 4 / 623 ـ 624 .

(5) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 91 .

(6) الروضة البهية: 10 / 96 .

(7) مسالك الأفهام: 15 / 239 .

(8) جامع المقاصد: 5 / 187 .

(9) مفاتيح الشرائع: 2 / 140 .


320

مسألة 16 ـ لو اختار بعض الأولياء الدية عن القود فدفعها القاتل لم يسقط القود لو أراد غيره ذلك ، فللآخرين القصاص بعد أن يردّوا على الجاني نصيب من فاداه من الدية ، من غير فرق بين كون ما دفعه أو صالح عليه بمقدار الدية أو أقلّ أو أكثر ، ففي جميع الصور يردّ إليه مقدار نصيبه ، فلو كان نصيبه الثلث يردّ إليه الثلث ، ولو دفع الجاني أقلّ أو أكثر ، ولو عفا أو صالح بمقدار وامتنع الجاني من البذل جاز لمن أراد القود أن يقتصّ بعد ردّ نصيب شريكه ، نعم لو اقتصر على مطالبة الدية وامتنع الجاني لا يجوز الاقتصاص إلاّ بإذن الجميع ، ولو عفا بعض مجّاناً لم يسقط القصاص ، فللباقين القصاص بعد ردّ نصيب من عفا على الجاني1.

الجواهر أنّه هو الأقوى في النظر(1) .

والانصاف أنّ المسألة مشكلة من جهة عدم وضوح شمول أدلّة الولاية لمثل القصاص ، وكون لازم القول المزبور الحبس المستلزم للاُمور المذكورة ، ومن جهة أنّه لا وجه لرفع اليد عن مقتضى الرواية الظاهرة في وجوب الإنتظار حتى يكبروا ، وكأن الاستناد في المتن إلى الرواية يشعر بالتردّد . والذي يؤيّد الإشكال أنّه لم يقع في كلام صاحب الجواهر الإشارة إلى الرواية بوجه .

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الأوّل: ما لو اختار بعض الأولياء الدية عن القود وتسلّمها من القاتل ، ففي الشرائع: المشهور أنّه لا يسقط ـ أي القصاص ـ وللآخرين القصاص بعد أن يردّوا

(1) جواهر الكلام: 42 / 304 .


321

عليه نصيب من فاداه(1) بل عن ظاهر المبسوط(2) وغاية المرام(3) وصريح الغنية(4)الإجماع عليه ، وأيّده في الجواهر بعدم العثور فيه على مخالف منّا(5) ، كما اعترف به غير واحد(6) ، والوجه فيه أنّه لا دليل على سقوط حقّ القصاص للآخرين بذلك ، وتوقّف الاستيفاء على إذن الجميع إنّما هو فيما لو أرادوا القصاص بأجمعهم ، وأمّا مع عدم إرادة البعض له فلا مجال للرجوع إليه .

وبالجملة: مقتضى الأصل بقاء حقّ القصاص للآخرين بعد عدم الدليل على السقوط، غاية الأمرلزوم الردّ إلى الجاني مقدار نصيب الذي اختار الدية ، من دون فرق بين كون ما وقع عليه التراضي وتسلّمه من القاتل بمقدار نصيبه أو أقلّ أو أكثر.

الثاني:هذا الفرض مع امتناع القاتل من البذل ، بمعنى وقوع العفو المشروط أو المصالحة مع التراضي ، غاية الأمر عدم التسلّم من القاتل لامتناعه من البذل ، والحكم فيه هو الحكم في الفرع الأوّل من دون تفاوت ، لعدم الفرق بين التسلّم خارجاً وعدمه كما لا يخفى ، غاية الأمر لزوم ردّ نصيب الشريك إليه لعدم وصول شيء إليه .

الثالث:ما لو كان في البين مجرّد مطالبة الدية ، وبعبارة أُخرى طرحها للجاني وامتناعه من أصل القبول ، في هذه الصورة لم يسقط حقّ القصاص من

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1003 .

(2) المبسوط : 7 / 55 و 69 .

(3) غاية المرام: 4 / 404 .

(4) غنية النزوع: 405 ـ 406 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 306 .

(6) كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع: 4 / 446 والشهيد الثاني في الروضة البهيّة: 10/96 .


322

الطالب فضلاً عن الآخرين ، لعدم كون مجرّد المطالبة موجباً للسقوط . وعليه فيجري فيه حكم المسألة السابقة المتقدّمة من توقّف الاستيفاء على إذن الجميع .

الرابع:ما لو عفا بعض مجّاناً ، وقد استقرّ الفتاوى على عدم سقوط حقّ القصاص للباقين ، ونسبه في محكيّ المسالك(1) وغيرها(2) إلى الأصحاب ، وفي محكي الخلاف إلى إجماع الفرقة وأخبارها(3) ، بل في الجواهر: لم أجد من تأمّل أو تردّد فيها(4) . ويدلّ عليه من النصوص صحيحة أبي ولاّد الحنّاط ، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وله أُمّ وأب وابن ، فقال الابن: أنا أُريد أن أقتل قاتل أبي ، وقال الأب: أنا أُريد أن أعفو ، وقالت الأُمّ: أنا أُريد أن آخذ الدية ، قال: فقال: فليعط الابنُ أُمَّ المقتول السدس من الدّية ، ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حقّ الأب الذي عفا ، وليقتله(5) .

ورواية جميل بن درّاج ، عن بعض أصحابه ، رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قتل وله وليّان ، فعفا أحدهما وأبى الآخر أن يعفو ، قال: إن أراد الذي لم يعف أن يقتل قتل ، وردّ نصف الدية على أولياء المقتول المقاد منه(6) .

لكن في مقابلها روايات متعدّدة ظاهرة في سقوط حقّ القصاص مطلقاً مع عفو

(1) مسالك الأفهام: 15 / 241 .

(2) رياض المسائل: 10 / 341 .

(3) الخلاف: 5 / 181 مسألة 44 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 307 .

(5) وسائل الشيعة: 19 / 83 ، أبواب القصاص في النفس ب 52 ح1 .

(6) وسائل الشيعة: 19 / 84 ، أبواب القصاص في النفس ب 52 ح2 .


323

بعض الأولياء:

مثل صحيحة أبي ولاّد أيضاً قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وله أولاد صغار وكبار أرأيت إن عفا الأولاد الكبار؟ قال: فقال: لا يقتل ، ويجوز عفو الأولاد الكبار في حصصهم ، فإذا كبر الصغار كان لهم أن يطلبوا حصصهم من الدية(1) . وإن كان يحتمل فيها أن يكون المراد بالذيل عدم سقوط حقّ حصص الصغار من الدية بعفو الكبار ، لا عدم سقوط حقّهم مطلقاً حتّى من القصاص .

وصحيحة عبدالرحمن قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : رجلان قتلا رجلاً عمداً ، وله وليّان فعفا أحد الوليّين ، قال: فقال: إذا عفا بعض الأولياء درأ عنهما القتل وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا ، وأدّيا الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفوا(2) .

ورواية أبي مريم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن عفا من ذي سهم فإنّ عفوه جائز; وقضى في أربعة إخوة عفا أحدهم ، قال: يعطى بقيّتهم الدية ويرفع عنهم بحصّة الذي عفا(3) .

ورواية زرارة ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجلين قتلا رجلاً عمداً وله وليّان ، فعفا أحد الوليّين ، فقال: إذا عفا عنهما بعض الأولياء درأ عنهما القتل وطرح عنهما من الدّية بقدر حصة من عفا ، وأدّى الباقي من أموالهما إلى الذي لم يعف . وقال: عفو كلّ ذي سهم جائز(4) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 84 ، أبواب القصاص في النفس ب 53 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 85 ، أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 1 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 85 ، أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 2 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 86 ،أبواب القصاص في النفس ب 54 ح3 .


324

ورواية إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه ، أنّ عليّاً (عليهم السلام) كان يقول: من عفا عن الدم من ذي سهم له فيه فعفوه جائز ، وسقط الدم وتصير دية ، ويرفع عنه حصّته الذي عفا(1) .

ومرسلة الصدوق قال: قد روي أنّه إذا عفا واحد من الأولياء ارتفع القود(2) .

ولو لم يمكن حمل هذه الروايات على التقية أو الندب أو بعض الوجوه الاُخر ، كحمل بعضها على سقوط القود بالإضافة إلى العافي ، نظراً إلى نفوذ عفوه وجوازه ، لكان اللاّزم طرحها بعد كون الشهرة الفتوائية المحقّقة بل الإجماع على خلافها(3) . وحينئذ لا إشكال في أصل الحكم والفتوى بعدم سقوط حقّ القصاص بالإضافة إلى غير العافي ، لكنّه ينبغي التنبيه على أمرين:

أحدهما: إنّ المحقّق في الشرائع(4) مع حكمه في هذا الفرع بما عليه المشهور جعل هذه الروايات الدالّة على سقوط حقّ القصاص بعفو البعض دليلاً على السقوط في الفرع الأوّل ، فإن كان نظره إلى اتّحاد حكم الفرعين وعدم الفرق فالظاهر لزوم الحكم بالسقوط في الفرع الأخير أيضاً ، وإن لم يكن نظره إلى ذلك فلا وجه لإيراد هذه الروايات والإشارة إليها في الفرع الأوّل أصلاً .

ثانيهما: إنّ ظاهر المتن تبعاً لظاهر كثير من العبائر لزوم كون القصاص عقيب ردّ نصيب العافي إلى القاتل أو ورثته ، والظاهر أنّ في صحيحة أبي ولاّد الحنّاط المتقدّمة إشعاراً بذلك ، وإن كان التعبير فيها بقوله (عليه السلام) : «ويعطي ورثة القاتل» يشعر بخلافه ،

(1) وسائل الشيعة: 19 / 86 ، أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 4.

(2) وسائل الشيعة: 19 / 86 ، أبواب القصاص في النفس ب 54 ح 5 .

(3) مسالك الأفهام: 15 / 241 ، الخلاف: 5 / 181 مسألة 44 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 1003 .


325

مسألة 17 ـ إذا اشترك الأب والأجنبي في قتل ولده أو المسلم والذّمي في قتل ذمّي ، فعلى الشريك القود لكن يردّ الشريك الآخر عليه نصف ديته أو يردّ الولي نصفها ويطالب الآخر به ، ولو كان أحدهما عامداً والآخر خاطئاً فالقود على العامد بعد ردّ نصف الدية على المقتصّ منه ، فإن كان القتل خطأً محضاً فالنصف على العاقلة ، وإن كان شبه عمد كان الردّ من الجاني ، ولو شارك العامد سبع ونحوه يقتصّ منه بعد ردّ نصف ديته1

كما أنّ مرسلة جميل أيضاً كذلك ، وقد تقدّم الكلام في ذلك سابقاً فراجع(1) .

1 ـ والضابط لفروع هذه المسألة ونظائرها ما إذا كان القتل متحقّقاً بنحو الشركة ، ولكن كان الموجب للقصاص والشرائط المعتبرة فيه موجوداً في أحد الشريكين مثلاً دون الآخر ، بحيث لو كان الأوّل منفرداً ومستقلاًّ في القتل كان عليه القصاص ، كما أنّه لو كان الثاني كذلك لم يكن عليه قصاص ، وحينئذ وقع الكلام في أنّ عدم ثبوت القصاص على الآخر لكونه أباً أو مسلماً أو خاطئاً أو سبعاً مثلاً هل يوجب عدم الثبوت على الأوّل أم لا؟ والظاهر هو الثاني ، لأنّه لا وجه لعدم الثبوت بعد وجود الموجب وتحقّق الشرائط ، وعدم كون الشركة مانعة عن ذلك ، ولو تحقّق العفو عن أحد الشريكين كما عرفت ، مضافاً إلى أنّ الحكم بعدم الثبوت وسيلة للتهجم على الدماء بالتواطؤ على الشركة بواحد من الأنحاء المذكورة وإراقة دم الغير ، والظاهر أنّ الوجه في التعرّض لهذه الفروع مع وضوح عدم سقوط القصاص فيها لأجل مخالفة العامة ، حيث إنّه يظهر من الجواهر(2) مخالفة بعضهم في

(1) تقدّم في ص301 ـ 302 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 311 .


326

مسألة 18 ـ لا يمنع الحجر لفلس أو سفه من استيفاء القصاص ، فللمحجور عليه الاقتصاص ، ولو عفا المحجور عليه لفلس على مال ورضي به القاتل قسّمه على الغرماء ، كغيره من الأموال المكتسبة بعد حجر الحاكم جديداً عنه ، والحجر السابق لا يكفي في ذلك ، وللمحجور عليه العفو مجّاناً وبأقلّ من الدية1.

الفرع الأوّل ، وبعضهم في الثاني ، وبعضهم في الثالث . ثم إنّ الحكم بردّ الدية مع الاقتصاص من الشريك إنّما هو بالكيفية المذكورة في المتن .

1 ـ أمّا عدم كون الحجر لفلس أو سفه مانعاً عن استيفاء القصاص ، فلعدم كون الاقتصاص تصرّفاً ماليّاً واختصاص الحجر عليهما بالمال ، وهذا لا فرق فيه بين القول بأنّ الثابت في قتل العمد هو القصاص بنحو التعيّن كما مرّ سابقاً ، وبين القول بأن الثابت فيه هو أحد الأمرين: القصاص ، والدية . أمّا على الأوّل فواضح ، وأمّا على الثاني فلأنّ مجرّد ذلك لا يجعله ماليّاً ، ولا يجب على المحجور عليه للفلس اختيار الدية ، لأنّه تكسّب لا يجب عليه .

وأمّا إذا عفا هذا المحجور عليه على مال ، ووقع التراضي بينه وبين القاتل ، لابدّ له بعد أخذ المال من تقسيمه على الغرماء ، كسائر الأموال المكتسبة ، نعم قيّده في المتن بما إذا تحقّق الحجر الجديد من الحاكم نظراً إلى عدم الاكتفاء بالحجر السابق في ثبوت الحجر بالإضافة إلى الأموال المكتسبة بعد الحجر القديم . وتفصيل هذه الجهة في كتاب الحجر .

وأمّا العفو مجّاناً أو بأقلّ من الدية فلا إشكال فيه أيضاً ، بناء على كون الثابت هو القصاص بنحو التعيّن ، وأمّا على القول الآخر ففيه إشكال ، لثبوت المال حينئذ وعدم كونه اكتساباً جديداً ، كما لا يخفى .


327

مسألة 19 ـ لو قتل شخص وعليه دين ، فإن أخذ الورثة ديته صرفت في ديون المقتول ووصاياه كباقي أمواله ، ولا فرق في ذلك بين دية القتل خطأ أو شبه عمد أو ما صولح عليه في العمد ، كان بمقدار ديته أو أقل أو أكثر ، بجنس ديته أو غيره1.

1 ـ والوجه في لزوم صرف الدية في ديون المقتول ووصاياه وعدم جواز التقسيم بين الوراث ـ مضافاً إلى أنّه لا خلاف معتدّ به بل الإجماع بقسميه عليه(1) ، وإلى وضوح ارتباط الدية بالمقتول أوّلاً ، لأنّها بدل نفسه ، غاية الأمر إنّ عدم إمكان التصرّف له وعدم اعتبار الملكية له أوجب الانتقال إلى الورثة ، فإذا كان في البين ما يكون مقدَّماً على الإرث كالدين والوصية على حسب الكتاب والسنّة ، فاللاّزم صرفها فيه مقدَّماً عليه ـ روايات دالّة على ذلك مثل:

موثقة إسحاق بن عمّار ، عن جعفر (عليه السلام) : إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: إذا قبلت دية العمد فصارت مالاً فهي ميراث كسائر الأموال(2) . وإذا كان الحكم في العمد كذلك مع أنّ الثابت فيه أوّلاً هو القصاص بنحو التعيّن كما عرفت ففي غيره بطريق أولى .

وذيل رواية علي بن أبي حمزة الآتية في المسألة الآتية ، وهو قوله (عليه السلام) : بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه ، فإنّه أحقّ بديته من غيره(3) .

ورواية عبدالحميد بن سعيد قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالاً فأخذ أهله الدية من قاتله عليهم أن يقضوا دينه؟ قال:

(1) مفتاح الكرامة: 11 / 108 ، جواهر الكلام: 42 / 312 .

(2) وسائل الشيعة: 17 / 397 ، أبواب موانع الإرث ب 14 ح1 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 92 ، أبواب القصاص في النفس ب 59 ح 2 .


328

مسألة 20 ـ هل يجوز للورثة استيفاء القصاص للمديون من دون ضمان الدية للغرماء؟ فيه قولان ، والأحوط عدم الاستيفاء إلاّ بعد الضمان ، بل الأحوط مع هبة الأولياء دمه للقاتل ضمان الدية للغرماء1.

نعم ، قلت: وهو لم يترك شيئاً ، قال: إن أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه(1) .

والسؤال إمّا أن يكون مطلقاً شاملاً لأنواع القتل ، وإمّا أن يكون في خصوص قتل العمد ، كما ربّما يؤيّده التعبير بالأخذ ، وعلى التقديرين يدلّ على تمام المطلوب ، غاية الأمر إنّه على التقدير الثاني يدلّ عليه بضميمة الأولوية ، كما أنّ الظاهر لزوم قضاء الدين بمقدار الدية المأخوذة ، لا قضاؤه بأجمعه ، كما أنّه لا مانع من المصالحة على أقلّ من الدية أو العفو مجّاناً في هذا الفرض .

1 ـ وقع الاختلاف في هذه المسألة ، فالمحكي عن ابن إدريس(2) ومن تأخّر عنه(3) هو جواز الاستيفاء من دون ضمان ، بل ادّعى صريحاً الإجماع عليه(4) ، وجعل المحقّق في الشرائع(5) هذا القول أولى ، وصاحب الجواهر في الشرح(6) أصحّ ، والمحكي عن الشيخ في النهاية عدم الجواز(7) ، وعن الدروس نسبته إلى المشهور(8) ،

(1) وسائل الشيعة: 13 / 111 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب 24 ح1 .

(2) السرائر: 2 / 48 ـ 49 .

(3) قواعد الأحكام : 2 / 301 ، تحرير الأحكام: 2 / 256 ، جامع المقاصد: 5 / 222 ، الروضة البهية: 10/98 .

(4) السرائر : 2 / 49 .

(5) شرائع الإسلام: 4 / 1004 .

(6) جواهر الكلام: 42 /313 .

(7) النهاية: 309 .

(8) الدروس الشرعية: 3 / 313 .


329

وعن الغنية الإجماع عليه(1) . ومستند الأوّل عمومات أدلّة القصاص كتاباً وسنّة ، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَد جَعَلنَا لِوَليِّهِ سُلطَاناً(2) ، وإن كان للمناقشة في إطلاق مثله مجال واسع ، كما أنّ التمسّك بالأصل ـ مع أنّ مقتضاه عدم ثبوت حقّ القصاص من دون الضمان ـ ممنوع .

ومستند الثاني ما رواه الشيخ صحيحاً عن الصفار ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمّد بن أسلم الجبلي ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يقتل وعليه دين وليس له مال ، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال: إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل ، فإن وهبوا أولياؤه دية القاتل فجائز ، وإن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتّى يضمنوا الدّين للغرماء ، وإلاّ فلا(3) .

لكن الرواية ـ مضافاً إلى اضطراب متنها لعدم المناسبة بين كون أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل ، وبين تفريع جواز هبة الدم للقاتل عليه ، فإنّ مقتضى كونهم هم الخصماء عدم جواز الهبة المذكورة بوجه ، خصوصاً مع كون مورد السؤال هي صورة الهبة ، ولا يلائمه تمهيد كون أصحاب الدّين كذلك لبيان حكمه ، فتدبّر ـ قد رواها الشيخ أيضاً في مورد آخر من التهذيب بإسناده عن يونس ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير; وبإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن أسلم الجبلي ، عن يونس بن عبد الرحمن . والصدوق بإسناده عن محمد بن أسلم ، عن يونس بن عبدالرحمن ، هكذا قال: ـ يعني أبا بصير

(1) غنية النزوع: 241 .

(2) الإسراء 17: 33 .

(3) التهذيب: 6 / 312 ح861 ، وسائل الشيعة: 13 / 112 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب 24 ح2 .


330

ليث المرادي ـ سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وعليه دين وليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال: إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل ، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء وإلاّ فلا(1) . ومن الواضح عدم كونها رواية أُخرى بل هي نفس الرواية الأُولى ، غاية الأمر وقوع الاشتباه في النقل أو الغلط في النسخة ، وعليه فلم تثبت الرواية بالنقل الأوّل .

نعم يمكن أن يقال: بعدم المنافاة بين النقلين بالإضافة إلى الاقتصاص الذي هو محلّ البحث فعلاً ، لأنّ النقل الأوّل صريح في عدم جواز الاقتصاص قبل الضمان ، والنقل الثاني يستفاد منه ذلك ، لأنّه ليس معنى قوله (عليه السلام) : «وإلاّ فلا» أنّه إن لم تتحقّق الهبة فلا يكون هناك ضمان ، حتّى يتحقّق التعارض بين النقلين ـ كما أفاده بعض الأعلام(2) ـ لعدم كون الشرطية الأولى بنحو يكون الشرط هو الهبة ، والجزاء هو الضمان ، كما هو ظاهرها ، لأنّ المراد بالضمان هنا ليس هو ما يكون حكماً وضعيّاً ثابتاً في مورد إتلاف مال الغير ومثله ، حيث يكون الإتلاف سبباً له وهو مترتّب عليه ، بل المراد هو الضمان الثابت في كتاب الضمان ، وهو ضمان الدين عن المديون.

ومن المعلوم تقدّم هذا الضمان في المقام على استيفاء القصاص ، كما يدلّ عليه تعبير المتن تبعاً للفقهاء ، وعليه فمرجع الشرطية الاُولى إلى أنّه إن تحقّق الضمان تجوز الهبة ، فمعنى قوله (عليه السلام) : «وإلاّ فلا» أنّه إن لم يتحقّق الضمان لا تجوز الهبة ، كما وقع التعبير بمثله في النقل الأوّل.

وعليه فالرواية بظاهرها لا تعرّض فيها لحكم الاقتصاص ، لكن حيث كان

(1) التهذيب: 10 / 180 ح18 ، وسائل الشيعة: 19 / 92 ، أبواب القصاص في النفس ب 59 ح1 .

(2) مباني تكملة المنهاج: 2 / 135 ـ 136 مسألة 44 .


331

الحكم بعدم جواز الهبة متفرعاً على كون أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل ، ومن الواضح اقتضاؤه لعدم جواز الاقتصاص من دون ضمان أيضاً ، لأنّه لا فرق بين الهبة والاقتصاص من هذه الجهة ، فمقتضى الرواية حينئذ عدم جواز الاقتصاص المزبور ، وعليه فيتّحد النقلان في الدلالة على هذا الأمر ، غاية الأمر أن دلالة الأوّل إنّما هي بالصراحة ، ودلالة الثاني بإلغاء الخصوصية وثبوت المناط .

نعم تعارضهما رواية علي بن أبي حمزة ، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك رجل قتل رجلاً متعمّداً أو خطأ وعليه دين وليس له مال ، وأراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل؟ قال: إن وهبوا دمه ضمنوا ديته ، فقلت: إن هم أرادوا قتله؟ قال: إن قتل عمداً قتل قاتله وأدّى عنه الإمام الدِّين من سهم الغارمين ، قلت: فإنّه قتل عمداً وصالح أولياؤه قاتله على الدية ، فعلى من الدين ، على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ فقال: بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه ، فإنّه أحقّ بديته من غيره(1) .

ولكن حيث أنّ الأولتين صحيحتان ، وهذه الرواية ضعيفة فلا مجال لنهوضها في مقابلهما ، بل اللاّزم الأخذ بهما والحكم بعدم جواز الاقتصاص إلاّ بعد الضمان بمقدار الدية ، هذا كلّه في الاقتصاص .

وأمّا الهبة مجّاناً فالمحكي عن المبسوط أنّه قال: إنّ الذي رواه أصحابنا إنّه لم يكن لوليّه العفو على غيرمال ولا القود ، إلاّ أن يضمن حقّ الغرماء(2) . وعن أبي علي أنّه قال: لا يجوز للأولياء العفو إلاّ إذا ضمنوا الدية(3) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 92 ، أبواب القصاص في النفس ب 59 ح2 .

(2) المبسوط : 7 / 56 .

(3) مختلف الشيعة: 9 / 455 مسألة 135 .


332

لكن الشيخ (قدس سره) قال في محكي النهاية: لم يكن لأوليائه القود إلاّ بعد أن يضمنوا الدية عن صاحبهم ، فإن لم يفعلوا لم يكن لهم القود وجاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم(1) .

فإن ظاهره جواز العفو في مقابل القصاص ، لكن التقييد بقوله : «بمقدار ما يصيبهم» ـ مع أنّ العفو مطلقاً إنّما يمضى في خصوص مقدار العافي ولا يتعدّى عنه ـ ربّما يكون قرينة على أن المراد بالعفو هنا هو العفو بمقدار ما يصيبهم من الزائد على مقدار الدِّين ، وعليه فلا دلالة للعبارة على جواز العفو في مقابل الاقتصاص ، كما لايخفى .

وأمّا الروايات ، فمقتضى خبر أبي بصير على النقل الثاني وخبر علي بن أبي حمزة المتقدّمين عدم جواز هبة الدم للقاتل قبل ضمان الدية للغرماء ، لكن خبر أبي بصير على النقل الأوّل ظاهره الجواز ، بناء على كون الفاعل في قوله (عليه السلام) : «فإن وهبوا» هو الأولياء كما هو الظاهر بل المتعيّن بناء على نقل الجواهر ، حيث نقل هكذا: فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل فجائز(2). وأمّا بناء على ما نقلنا من قوله: فإن وهبوا أولياؤه دية القاتل فيمكن أن يقال: بأنّ معناه أنّه إن وهب أصحاب الدّين أولياء المقتول دية القاتل فجائز حينئذ هبة الأولياء للدم . لكن من الظاهر كون هذا الاحتمال خلاف الظاهر جدّاً ، وعليه فظاهر الرواية هو جواز الهبة في مقابل الاقتصاص .

ولكن الظاهر ثبوت قرائن شاهدة على عدم الجواز ، وهو أنّه لا فرق بين الهبة

(1) النهاية: 309 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 314 .


333

مسألة 21 ـ لو قتل واحد رجلين أو أكثر عمداً على التعاقب أو معاً قتل بهم ولا سبيل لهم على ماله ، فلو عفا أولياء بعض لا على مال كان للباقين القصاص من دون ردّ شيء ، وإن تراضى الأولياء مع الجاني بالدية فلكلّ منهم دية كاملة ، فهل لكلّ واحد منهم الاستبداد بقتله من غير رضا الباقين أو لا ، أو يجوز مع كون قتل الجميع معاً ، وأمّا مع التعاقب فيقدّم حقّ السابق فالسابق ، فلو قتل عشرة متعاقباً يقدّم حقّ ولي الأوّل ، فجاز له الاستبداد بقتله بلا إذن منهم ، فلو عفا فالحقّ للمتأخّر منه وهكذا؟ وجوه ، لعلّ أوجهها عدم جواز الاستبداد ولزوم الإذن من الجميع ، لكن لو قتله ليس عليه إلاّ الإثم ، وللحاكم تعزيره ولا شيء عليه ولا على الجاني في ماله ، ولو اختلفوا في الاستيفاء ولم يمكن الاجتماع فيه فالمرجع القرعة ، فإن استوفى أحدهم بالقرعة أو بلا قرعة سقط حقّ الباقين1.

والاقتصاص على تقدير القول بعدم الجواز فيه بل أولويتها منه ، كما لا يخفى . وكون الخبر على النقل الآخر صريحاً في عدم الجواز ، وكون التفريع على أنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل مناسباً للعدم لا للجواز ، خصوصاً مع اشتراك النقلين في هذا التمهيد ، فمقتضى الاحتياط الوجوبي لو لم يكن أقوى هو العدم ، كما في المتن .

1 ـ في هذه المسألة جهات من الكلام:

الأُولى: أنّه لا خلاف ولا إشكال في ثبوت حقّ القصاص لكلّ من أولياء المقتول المتعدّد ، بنحو لو اجتمعوا على المطالبة فقتلوه مباشرة أو استنابة فقد استوفى كلّ منهم حقّه من دون زيادة ولا نقصان ، ولا مجال لاحتمال ثبوت الدية على حسب تعدّد القتل مع القصاص مع كسر واحدة ، إذ ليس لهم عليه إلاّ نفسه ، والجاني لا يجني على أكثر منها ، خلافاً لبعض أهل الخلاف حيث قال: يقتل بجماعتهم ، فإذا


334

قتل سقط من الديات واحدة ، وكان ما بقي من الديات في تركته(1) .

الثانية: لا إشكال في أنّ عفو أولياء بعض موجب لسقوط حقّه من القصاص ، وأمّا حقّ غيره فهو باق على حاله ، ولا مجال لدعوى السقوط فيه أصلاً . وعليه فلو استوفى غير العافي القصاص فقد استوفى تمام حقّه ، ولا يجب عليه ردّ شيء إلى القاتل أو ورثته ، بخلاف ما تقدّم في صورة تعدّد أولياء المقتول الواحد إذا عفى بعضهم واختار غيره الاستيفاء ، حيث يجب عليه ردّ ما زاد عن نصيبه إلى القاتل أو ورثته على ما عرفت ، والفرق واضح .

ويدلّ في خصوص المقام صحيحة عبدالرحمن ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قتل رجلين عمداً ولهما أولياء ، فعفا أولياء أحدهما وأبى الآخرون؟ قال: فقال: يقتل الذي لم يعف ، وإن أحبّوا أن يأخذوا الدية أخذوا . الحديث(2) .

الثالثة: لو تراضى الأولياء مع القاتل بما هو بدل جنايته من الدية ، فالظاهر تعدّد الدية بتعدّد الجناية لا تقسيم دية واحدة عليهم ، والوجه فيه استحقاق كلّ واحد منهم نفساً أو ما هو بدلها من الدية الكاملة ، وليس مثل تعدّد الأولياء مع وحدة الجناية ، حيث إنّ تراضيهم على الدية يوجب ثبوت دية واحدة . نعم قد عرفت أنّه يمكن وقوع التراضي في الجناية الواحدة على أضعاف الدية ، ولا يرتبط بما يقع بدلاً عن النفس ، كما لا يخفى .

الرابعة: فيما لو أراد الجميع القصاص ، وقد ذكر في المتن احتمالات ثلاثة في جواز استبداد كلّ واحد منهم من دون الاستئذان من الباقي ، وعدم جوازه في

(1) الخلاف : 5 / 183 مسألة 47 ، المجموع للنووي: 20 / 86 ـ 87 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 84 ، أبواب القصاص في النفس ب 52 ح3 .


335

هذه الصورة .

منشأ الأوّل : ثبوت حقّ القصاص بالإضافة إلى كلّ واحد منهم مستقلاًّ ، لكون جنايته بالنسبة إليه هي الجناية على النفس ، ولا وجه للزوم المراجعة إلى الغير والاستئذان منه .

ومنشأ الثاني: إنّ الحقّ وإن كان ثابتاً لكلّ واحد كذلك ، إلاّ أنّ كون متعلّق الحقّ واحداً يقتضي عدم ترجيح واحد على الآخر ، بل توقّف الاستيفاء على الاستئذان ، وجعله في المتن أوجه الاحتمالات .

ومنشأ التفصيل: أنّه في القتل المتعاقب يكون ثبوت حقّ القصاص لوليّ الأوّل قبل ثبوته للثاني ، وثبوته للثاني قبل ثبوته للثالث ، وهكذا ، بخلاف القتل المعي والمقارن ، فانّه لا تقدّم لواحد على الآخر أصلاً .

ولكنّه يرد عليه أنّ القبلية الزمانية لا توجب ثبوت حقّ التقدّم كما في الغرماء المتعدّد بالإضافة إلى المديون الواحد ، وعليه فلا فرق بين الفرضين أصلاً .

ثمَّ إنّه على تقدير عدم جواز الاستبداد لو بادر فهل يترتّب على عمله مجرّد الإثم والتعزير، أو يكون موجباًلثبوت الدية عليه أوعلى الجاني؟الظاهرأنّه لامجال لاحتمال ثبوت الدية عليه أصلاً ، بعد كون استيفائه بمقدار حقّه من دون زيادة ولا نقصان ، بخلاف الأولياء المتعدّدين في الجناية الواحدة إذا استبدّ أحدهم وبادر إلى القصاص.

وأمّا ثبوت الدية في مال الجاني ، فالظاهر وقوع الاختلاف فيه ، فالمشهور ـ بل المحكي عن المبسوط(1) والخلاف(2) الإجماع عليه ـ هو سقوط حق الباقين لا إلى

(1) المبسوط : 7 / 61 .

(2) الخلاف : 5 / 182 ـ 183 مسألة 47 .


336

بدل(1) ، وعن أبي علي(2) والعلاّمة في بعض كتبه(3) وولده(4) وبعض آخر(5) إنّ لغير المستوفي الدية ، وتردّد المحقّق في الشرائع(6) .

ومنشأ الثبوت أنّ الجاني قد أتلف على كلّ واحد منهم نفساً كاملة لا ارتباط لها بباقي النفوس المتلفة ، وإنّما يملك الجاني بدلاً واحداً ، فكان لمن لم يقتصّ الدية لتعذّر البدل ، ولئلا يبطل دم امرىء مسلم ، ولفحوى الثبوت فيمن قتل وهرب ومات .

ويظهر الجواب عن أكثر هذه الوجوه مع ملاحظة أمرين:

أحدهما: ما تقدّم من أنّ الثابت في مورد القصاص وثبوت الموجب له هو القصاص بنحو التعيّن لا التخيير بينه وبين الدية ، بحيث كان الولي مخيّراً بين القصاص وبين أخذ الدية ، وإذا اختار الدية كان اللاّزم على الجاني القبول بل الانتقال إليها يتوقّف على التراضي ، وربّما كان التراضي بالزائد على الدية أو أقل منها .

ثانيهما: أنّ الجاني لا يجني على أكثر من نفسه ، كما وقع التصريح به في بعض الروايات المتقدّمة(7) ، فإنّه مع ملاحظة هذين الأمرين لا يبقى مجال لثبوت الدية بالإضافة إلى الباقين .

(1) النهاية: 747 ، المهذّب: 2 / 469 ، الوسيلة: 432 ، السرائر: 3 / 348 ، الجامع للشرائع: 579 ، المختصر النافع: 317 .

(2) حكى عنه في مختلف الشيعة: 9 / 452 مسألة 130 .

(3) إرشاد الأذهان: 2 / 201 ، مختلف الشيعة: 9 / 452 مسألة 130 ، قواعد الأحكام: 2 / 284 .

(4) إيضاح الفوائد: 4 / 573 و 626 .

(5) التنقيح الرائع: 4 / 449 .

(6) شرائع الإسلام: 4 / 1004 .

(7) وسائل الشيعة: 19 / 59 و 61 و 62 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح1 و10 و18 .


337

مسألة 22 ـ يجوز التوكيل في استيفاء القصاص ، فلو عزله قبل استيفائه فإن علم الوكيل بالعزل فعليه القصاص ، وإن لم يعلم فلا قصاص ولا دية ، ولو عفا الموكّل عن القصاص قبل الاستيفاء فإن علم الوكيل واستوفاه فعليه القصاص ، وإن لم يعلم فعليه الدية ويرجع فيها بعد الأداء على الموكِّل1.

مع أنّ الفرق بين صورة الاجتماع على القصاص وبين صورة مبادرة أحدهم به بعدم ثبوت الدية في الأولى دون الثانية ممّا لا يكون له وجه ، فإن مجرّد المبادرة وإن كان غير جائز بناء على القول بعدم الجواز ، إلاّ أنّ اقتضاءه لثبوت الدية على الجاني مع تحقّق مراد الباقين وهو القصاص لا سبيل إليه أصلاً ، وثبوت الحكم في القاتل الذي هرب ومات حيث يكون على خلاف القاعدة لا مجال لإسرائه إلى المقام .

وعدم بطلان دم امرىء مسلم لا يقتضي ثبوت الدية بعد تحقّق القصاص ، وعدم الاستئذان لا يستلزم البطلان كما لا يخفى . فالظاهر بملاحظة ما ذكرنا سقوط حقّ الباقين مطلقاً ، نعم لو تراضوا قبل إجراء القصاص من المستوفي على الدية وأخذوها من القاتل لا يكون القصاص موجباً لرجوعها إلى ورثة القاتل .

الخامسة: إذا اختلفوا في الاستيفاء ولم يمكن الاجتماع بالمباشرة أو بالتوكيل فلا محيص عن الرجوع إلى القرعة ، لما مرّ في بعض المسائل المتقدّمة .

1 ـ لا خلاف ولا إشكال في جواز التوكيل في استيفاء القصاص لعدم كون المباشرة واجبة ولا عبادة ، بل استيفاؤه إنّما هو كاستيفاء الدّين الذي يجري فيه التوكيل بلا شبهة ، وبعد ذلك يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في العزل ، فنقول : إذا عزله قبل استيفاء القصاص فتارة يعلم الوكيل بالعزل قبله ، واُخرى لا يعلم به كذلك ، ففي الصورة الأولى لا خلاف ولا إشكال في


338

ثبوت القصاص على الوكيل; لتحقّق موجبه وهو القتل عدواناً وظلماً ، ولكن لابدّ من تقييده بما إذا علم بالانعزال بالعزل ، وأمّا لو اعتقد خلافه بتخيّل أنّ الوكالة من العقود اللاّزمة التي لا تنفسخ بفسخ أحدهما فالظاهر عدم استحقاقه للقصاص حينئذ بل ثبوت الدية .

وفي الصورة الثانية إن قلنا بتوقّف الانعزال على العزل وبلوغه إلى الوكيل فاللاّزم تحقّق الاستيفاء في حال بقاء الوكالة ، فلا يترتّب عليه قصاص ولا دية أصلاً ، وإن قلنا بتوقّفه على العزل فقط ، ولا يشترط البلوغ بوجه فالاستيفاء قد وقع في حال زوال الوكالة ، ولكنّه حيث كان الوكيل غير عالم به بل كان معتقداً لبقاء الوكالة ، وعلى تقدير الشك كان مقتضى الاستصحاب البقاء ، فاللاّزم عدم ثبوت القصاص بوجه لعدم تحقّق موجبه ، وأمّا الدّية فالظاهر ثبوتها على الوكيل لمباشرته للقتل من غير حق .

ودعوى كون السبب أقوى من المباشر مدفوعة في المقام ; لعدم كونه أقوى ، بل من الواضح استناد القتل إلى الوكيل ، غاية الأمر جواز رجوع الوكيل إلى الموكّل بعد أداء الدية لقاعدة الغرور ، ووضح ثبوته هنا .

الثاني: في العفو ، ونقول : لا شبهة في أنّه لا يترتّب عليه شيء إذا كان بعد الاستيفاء وتحقّق مورد الوكالة ، كما أنّ الظاهر أنّه لو كان قبل الاستيفاء وعلم الوكيل بذلك ومع ذلك استوفى القصاص ، يثبت عليه القصاص لتحقّق موجبه وهو القتل عدواناً ، وينبغي أيضاً تقييده بما إذا علم الوكيل أيضاً بسقوط حقّ القصاص بعفو الوليّ ، وأمّا لو اعتقد خلافه بتخيّل عدم تأثير العفو في السقوط فالظاهر عدم ترتّب القصاص على قتله قصاصاً ، وإن علم بأصل العفو .

وأمّا لو كان الوكيل جاهلاً بذلك سواء اعتقد عدم صدور العفو من الولي أو


339

احتمل الصدور ولكن اعتمد على استصحاب العدم ، ففي ثبوت الدية عليه وعدمه وجهان: من صدور القتل منه بغير حق مباشرة ، وعدم كون السبب أقوى من المباشر ، فهو كمن قدّم إليه الطعام المغصوب فأكله غاية الأمر رجوعه إلى الموكّل ، للقاعدة المتقدّمة كما في المثال ، وهذا من دون فرق بين صورة عدم التمكّن من الإعلام وصورة التمكّن ، ولا مجال للتخصيص بالصورة الثانية . ومن أنّ العمل مشروع له ظاهراً ومباح كذلك ، فلا وجه لترتّب الضمان عليه ، وكون العفو مع عدم علم الوكيل لغواً لعدم ترتّب أثر عليه ، لأنّ الأثر المترقّب هو تخلّص الجاني من القصاص ، ومن الواضح عدم ترتّبه مع جهل الوكيل به ، فهو يشبه العفو بعد خروج السهم من يده مثلاً .

ولكن يرد على الأوّل منع ملازمة المشروعيّة لعدم الضمان ، فإنّ الضمان حكم وضعي يثبت مع تحقّق موجبه من دون فرق بين كونه مباحاً أو غيره ، ألا ترى أنّ أكل مال الغير بدون إذنه في حال الاضطرار مثلاً مباح ، ومع ذلك يترتّب عليه الضمان لقاعدة الإتلاف .

وعلى الثاني منع كون العفو لغواً; بحيث كان وجوده كعدمه ، وذلك لترتّب أثر الدية عليه ، والتشبيه بما ذكر ممنوع بعد كون ذلك المورد بمنزلة العفو بعد الاستيفاء ، لخروج الأمر من يده . فالظاهر بمقتضى ما ذكر ثبوت الدية والرجوع بها إلى الموكِّل بعد الأداء . هذا كلّه في العفو مجّاناً الذي هو ظاهر المتن .

وأمّاالعفو على مال الذي قد عرفت أنّه مشروط بالتراضي مع الجاني، فإن لم يعلم به الوكيل واستوفى القصاص ، وفرضه إنّما يتحقّق بادّعاء الجاني العفو المذكور واعتقاد الوكيل كذبه ، فالحكم فيه من جهة ثبوت الدية على الوكيل ما تقدّم في العفو مجّاناً ، وأمّا من جهة المال الذي وقع التراضي به فيمكن أن يقال برجوعه إلى


340

مسألة 23 ـ لا يقتصّ من الحامل حتّى تضع حملها ولو تجدّد الحمل بعد الجناية ، بل ولو كان الحمل من زنا ، ولو ادّعت الحمل وشهدت لها أربع قوابل ثبت حملها ، وإن تجرّدت دعواها فالأحوط التأخير إلى اتّضاح الحال ، ولو وضعت حملها فلا يجوز قتلها إذا توقّف حياة الصبي عليها ، بل لو خيف موت الولد لا يجوز ويجب التأخير . ولو وجد ما يعيش به الولد فالظاهر أنّ له القصاص ، ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملاً فالدية على الولي القاتل1.

ورثة الجاني ، لأنّ المال إنّما هو في مقابل عدم القصاص ، والمفروض تحقّقه . ويمكن أن يقال بعدم رجوعه إليهم لأنّه وقع في مقابل إسقاط حقّ القصاص ، والمفروض أنّ الوليّ أسقطه ، وصدور القتل من الوكيل لا يرتبط بذلك أصلاً ، والأرجح هو الاحتمال الأوّل ، فتدبّر .

1 ـ في هذه المسألة مباحث:

الأوّل: في أنّه لا يقتصّ من الحامل ما دامت كونها حاملاً ، والمفروض فعلاً هو قصاص النفس ، وفي الجواهر نفى وجدان الخلاف فيه(1) ، بل في محكي كشف اللّثام الاتفاق عليه(2) . والوجه فيه مضافاً إلى ذلك وإلى ما تقدّم من روايات الحدود المتقدّمة في كتاب الحدود(3) ، التي منها الرواية الواردة في امرأة مجحّ(4) ، وإن كان موردها عدم تمامية الإقرار قبل الوضع; لكنّه يستفاد منها أنّ التأخير إنّما هو

(1) جواهر الكلام: 42 / 322 .

(2) كشف اللثام: 2 / 469 .

(3) تفصيل الشريعة ، كتاب الحدود : 155 ـ 158 .

(4) وسائل الشيعة: 18 / 377 ، أبواب حدّ الزنا ب 16 ح1 ، والمجحّ : الحامل المقرب التي دنا وِلادُها ، النهاية لابن الأثير : 1/240 .


341

بملاحظة الحمل ولزوم التحفّظ على النفس المحترمة التي هي الحمل ، من دون فرق بين كونه قبل جناية الأُمّ أو بعدها ، وكذا لا فرق بين كونه من زنا أو من غيره ، مضافاً إلى تفسير الإسراف في القتل المنهي عنه في ذيل بعض آيات القصاص بذلك ، مع ظهور كونه منه وإن لم ينحصر به .

الثاني: لا إشكال في ثبوت الحمل المانع عن استيفاء القصاص بشهادة أربع قوابل بذلك ، وأمّا لو كانت دعواها مجرّدة عن البيّنة فقد ذكر المحقّق في الشرائع: قيل: لا يؤخذ بقولها ، لأنّ فيه دفعاً للولي عن السلطان ، ولو قيل: يؤخذ كان أحوط(1) . ويظهر منه كون المسألة خلافية ، مع أنّ الظاهر كما في الجواهر(2) عدم وجدان مخالف صريح للقبول ، فإنّ جماعة من الأكابر وإن عبّروا بأنّ الأولى الاحتياط; لكنّ الظاهر أنّ مرادهم هو الاحتياط اللاّزم كما هو ظاهر الشرائع ، وعليه فالظاهر ثبوت الشهرة على القبول .

ويدلّ على القبول ـ مضافاً إلى أنّ للحمل أمارات مخفيّة أيضاً تجدها الحامل من نفسها ، وتختصّ بمراعاتها على وجه يتعذّر إقامة البيّنة عليها ، فيقبل قولها فيه كالحيض ونحوه ـ قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكتُمنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ(3) نظراً إلى أنّ عدم حلّية الكتمان مستلزم للحجّية والاعتبار ، وإن كان يمكن المناقشة في الاستدلال به بوروده في المطلقات ، ولا دليل على التعميم . ورواية الطبرسي في مجمع البيان عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكتُمنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ قال: قد فوّض الله إلى النساء ثلاثة أشياء:

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1004 ـ 1005 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 322 .

(3) البقرة 2 : 228 .


342

الحيض ، والطهر ، والحمل(1) . وإن كانت ضعيفة من حيث السند إلاّ أنّ ضعفها منجبر بالشهرة المذكورة ، ولا أقلّ من كون الأخذ بقولها إلى اتّضاح الحال مقتضى الاحتياط الوجوبي ، كما في المتن ومثله .

الثالث: لو وضعت حملها ، فإن توقّف حياة الولد عليها إمّا من جهة اللّباء الذي حكي عن الشيخ(2) والعلاّمة(3) والشهيد(4) وغيرهم(5) أنّه لا يعيش الصّبي بدونه ، وإن كان الوجدان يشهد بخلافه إلاّ أن يراد به الغالب ، وهو يكفي في لزوم الرعاية; وإمّا من جهة انحصار غذائه بالأُمّ لعدم وجود ما يعيش به غيرها ، لا يجوز قتلها واستيفاء القصاص منها; لما ذكر في عدم الجواز مع الحمل من لزوم حفظ النفس المحترمة . نعم مع وجود ما يعيش به غيرها من ألبان الحيوانات أو المراضع الأُخر أو اللبن اليابس المتداول في هذه الأزمنة لا مانع من استيفاء القصاص ، وإن كان يمكن القول باستحباب الصبر; لئلاّ يفسد خلقه ونشؤه بالألبان المختلفة أو لبن غير الأُمّ الذي هو أوفق بطبعه وأنسب بمزاجه ، لكنّه لا يصل إلى حدّ المنع مع كون القصاص حقّاً للناس .

ثم في فرض انحصار غذائه بالأُمّ لو خالف واقتصّ من الأُمّ فمات الولد بعده هل يقتصّ من المقتصّ أم لا؟ قد حكي عن بعض(6) احتمال القصاص عليه لصدق قتله

(1) مجمع البيان: 2 / 101 ، وسائل الشيعة: 15 / 441 ، كتاب الطلاق ، أبواب العدد ب 24 ح2 .

(2) المبسوط : 7 / 59 .

(3) قواعد الأحكام : 2 / 302 .

(4) اللمعة الدمشقية: 120 .

(5) الروضة البهية: 10 / 452 .

(6) مسالك الأفهام: 15 / 253 .


343

التسبّبي، نحو ما لو حبس رجلاً ومنعه من الطعام أو الشراب حتّى مات جوعاً أو عطشاً.

ولكنّ الظاهر عدم ثبوت القتل في المقام ، فإنّ الموت مسبَّب عن عدم الغذاء ، ونفي موضوع الغذاء بالقصاص لا يوجب تحقَّق القتل . ألا ترى أنّه لو ترك المكلَّف إنقاذ الغريق مع القدرة عليه فمات الغريق بترك الإنقاذ لا يوجب ذلك تحقَّق القتل وإضافته إلى التارك للإنقاذ ، بل غاية الأمر عصيان التكليف الوجوبي المتعلّق بالإنقاذ. وكذلك لوسرق السارق طعام الغير المتوقّف عليه بقاءحياته لايوجب ذلك انطباق عنوان القاتل عليه ، إذا مات المسروق منه بسبب عدم الطعام ، وأمثال ذلك.

وممّا ذكرنا يظهر أنّه كما لا وجه لثبوت القصاص كذلك لا وجه للحكم بثبوت الدّية كما في الجواهر(1); لعدم تحقّق القتل أصلاً ، والموجب لها هو القتل مع كونه شبه عمد أو خطأ .

الرابع: ما عنونه في المتن بقوله: «ولو قتلت المرأة قصاصاً» ، والظاهر بقرينة قوله: «فبانت حاملاً» هو كون المقتصّ جاهلاً بالحمل حال القصاص ، إمّا لاعتقاده بالعدم ، أو لوجود مجرّد الاحتمال مع كون مقتضى الاستصحاب العدم لخلوّه عن الدعوى أيضاً ، كما أنّ الظاهر كون الحاكم الآذن جاهلاً أيضاً ، وعليه فالحكم بثبوت الدية بلحاظ قتل الحمل وإن كان ظاهراً ، إلاّ أنّ الحكم بثبوتها على الولي محلّ إشكال ، لأنّ القتل حينئذ يكون من قبيل قتل الخطأ الذي تكون الدية فيه على العاقلة ، إلاّ أن يكون المراد بما في المتن نفي الثبوت على بيت المال ، فالمراد بالوليّ هو الأعم منه ومن العاقلة . هذا في صورة جهلهما .

وأمّا صورة علمهما فالظاهر ثبوت الدية على الولي القاتل ، لتحقّق قتل العمد

(1) جواهر الكلام: 42 / 323 .


344

مسألة 24 ـ لو قطع يد رجل وقتل رجلاً آخر تقطع يده أوّلاً ثم يقتل ، من غير فرق بين كون القطع أوّلاً أو القتل ، ولو قتله ولي المقتول قبل القطع أثم ، وللوالي تعزيره ولا ضمان عليه ، ولو سرى القطع في المجني عليه قبل القصاص

منه بالنسبة إلى الحمل ، غاية الأمر إنّ عدم وجود شرط القصاص فيه أوجب الانتقال إلى الدية . ولا مجال في هذه الصورة لتوهّم ثبوت القصاص على المقتصّ بالنسبة إلى قتل الأُمّ ، لأنّه وإن كان التأخير إلى الوضع واجباً عليه شرعاً ، والتقديم مخالفاً لما هو وظيفته كذلك ، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب صيرورة القتل متّصفاً بكونه ظلماً وعدواناً ، كما إذا تصدّى للقصاص من دون استئذان من الحاكم وقلنا بلزومه ، فإنّه لا يوجب تحقّق موجب القصاص ، كما مرّ سابقاً .

وأمّا الحاكم ، فالظاهر أنّه لا وجه للحكم بثبوت ضمانه إمّا بانفراده أو بالاشتراك ، كما احتملهما في محكي المسالك(1) ، نظراً إلى أنّ فعل الولي صادر عن رأيه واجتهاده ، فهو كالآلة ، أو إلى أنّ أمر الحاكم كالمباشرة كفعل الولي ، فيتحقّق التشريك ، والوجه في العدم عدم استناد القتل إلى الحاكم بوجه; لوجود المباشر العالم على ما هو المفروض ، وعليه فالظاهر ثبوت الدية على خصوص الولي .

وممّا ذكر يظهر أنّ الحكم كذلك بطريق أولى فيما إذا كان المباشر عالماً والحاكم الآذن جاهلاً ، وأمّا في صورة العكس فقد صرّح المحقّق في الشرائع بضمان الحاكم(2) ، ولعلّ المراد استقرار الضمان عليه ، نظراً إلى أنّ ولي الحمل يرجع إلى القاتل أوّلاً ، وهو يرجع بعد أداء الدية إليه إلى الحاكم لقاعدة الغرور ، فتدبّر .

(1) مسالك الأفهام: 15 / 255 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 1005 .


345

يستحقّ وليّه وولي المقتول القصاص ، ولو سرى بعد القصاص فالظاهر عدم وجوب شيء في تركة الجاني ، ولو قطع فاقتصّ منه ثم سرت جراحة المجني عليه فلوليّه القصاص في النفس1.

1 ـ في هذه المسألة فروع:

الأوّل: لو قطع يد رجل وقتل رجلاً آخر فهل يتعيّن أن يكون القطع قبل القتل أم لا؟ فيه وجهان ، واستدلّ للأوّل كما في الشرائع(1) وشرحه(2) بأنّ فيه توصّلاً إلى استيفاء الحقّين وجمعاً بينهما ، من غير فرق بين تقدّم زمان جناية القطع على زمان جناية القتل وتأخّره . ولكن يمكن المناقشة فيه بأنّ الجمع المذكور لا يقتضي إلاّ مجرّد المشروعية وجواز تقدّم القطع على القتل ، وأمّا التعيّن الذي مرجعه إلى وجوب انتظار وليّ المقتول وعدم استيفاء القصاص حتّى يتحقّق قصاص اليد فلا ، خصوصاً مع مسامحة المجنيّ عليه في استيفاء القصاص أو غيبته ، فإنّه لا دليل على الوجوب المذكور ، وإن كان لا يترتّب على مخالفته سوى الإثم والتعزير دون الضمان ، إلاّ أن هذا المقدار أيضاً يفتقر إلى دليل وهو مفقود ، فالمقام نظير ما إذا أخذ بعض الدُيّان دينه من المفلس الذي لم يحكم عليه بالتفليس بعد ، فإنّه يجوز ذلك وإن استلزم ذلك عدم وصول شيء إلى غيره . نعم حيث يكون القصاص مطلقاً مشروطاً بالاستئذان من الحاكم ، يمكن أن يقال: بأنّ الحاكم يؤخّر الإذن في قصاص النفس إلاّ أنّ الكلام في لزوم التأخير على الحاكم .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1005 .

(2) مسالك الأفهام: 15 / 257 .


346

وبالجملة: الظاهر أنّه لا دليل على لزوم التأخير على وليّ المقتول ، فلو قتله قبل القطع لا يترتّب عليه إثم ، كما لا يترتّب عليه ضمان ، على ما عرفت .

الثاني: ما لو سرى القطع في المجنيّ عليه ، وفيه صورتان:

الاُولى: ما إذا كانت السراية قبل القصاص بحيث تحقّقت السراية في حال حياة الجاني ، وحيث إنّ السراية في هذا الحال تكون مضمونة على ما مرّ سابقاً ، فاللاّزم حينئذ ثبوت قصاص النفس بالإضافة إلى القطع أيضاً ، فيصير كما لو قتل رجلين حيث يستحقّ كلّ واحد من الوليّين القصاص في النفس .

الثانية: ما إذا كانت السراية بعد القصاص وموت القاتل وتحقّق القصاص في اليد ، والمذكور في الجواهر(1) أنّ فيه أقوالاً ثلاثة:

أحدها: ما حكي عن المبسوط(2) وظاهر المحقّق في الشرائع(3) من أنّه يثبت لوليّ المقطوع نصف الدية من تركة الجاني ، لأنّ قطع اليد بدل عن نصف الدية ، فيثبت النصف الآخر بالسراية .

ثانيها: إنّ لوليّ المقتول بالسراية الرجوع بالدية أجمع ، لأنّ للنفس دية على انفرادها ، والذي استوفاه في العمد وقع قصاصاً فلا يتداخل . وحكي عن العلاّمة في التحرير(4) انّه اختار هذا القول ، وعن كشف اللّثام انّه المشهور(5) .

ثالثها: ما استظهره في المتن تبعاً للجواهر ، من أنّه لا يثبت للولي في تركة

(1) جواهر الكلام: 42 / 325 ـ 326 .

(2) المبسوط : 7 / 63 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 1005 .

(4) تحرير الأحكام: 2 / 256 ـ 257 .

(5) كشف اللثام: 2 / 469 ـ 470 .


347

مسألة 25 ـ لو هلك قاتل العمد سقط القصاص بل والدّية ، نعم لو هرب فلم يقدر عليه حتّى مات ففي رواية معمول بها إن كان له مال أخذ منه وإلاّ أخذ من الأقرب فالأقرب ، ولا بأس به لكن يقتصر على موردها1.

الجاني شيء ، لأنّ الدية لا تثبت في العمد إلاّ صلحاً ، والمفروض عدمه ، والقصاص قد فات محلّه ، والأولى الاستدلال عليه بأنّ الدليل على ضمان السراية على ما عرفت هو الإجماع ، ولم يتحقّق ثبوته مع وقوع السراية بعد موت الجاني ، فعدم ثبوت الدية لعدم تحقّق موجبها وعدم الدليل على ضمانها ، وهذا القول هو الظاهر .

الثالث: لا إشكال بمقتضى ضمان السراية في أنّه لو قطع يد رجل فسرت حتّى انجرّت إلى الموت في ثبوت قصاص النفس وعدم موضوع لقصاص الطرف ، كما أنّه لا إشكال في هذه الصورة في عدم ثبوت قصاصين بعد كون الجناية واحدة ، بخلاف ما إذا قطع يد رجل وقتل رجلاً آخر ، كما لا يخفى .

إنّما الإشكال في الفرض المذكور فيما إذا تحقّق قصاص الطرف ، ثم سرت وانجرّت إلى الموت ، والظاهر بمقتضى ضمان السراية ثبوت القصاص في النفس . ولا ينافيه القصاص الذي وقع أوّلاً ، لعدم كونه مانعاً عن ضمان السراية بوجه ، وإن كان لولاه لما كان هناك إلاّ قصاص النفس فقط كما عرفت ، إلاّ أنّه مع وجوده لا دليل على ارتفاع ضمان النفس ، وكون الجناية واحدة لا تقتضي ذلك ، كما إذا قطع بضربة واحدة اليد والرجل معاً .

1 ـ أمّا سقوط القصاص فلانتفاء موضوعه بالهلاك، وأمّا سقوط الدية فقد وقع الخلاف فيه، فالمحكيّ عن مبسوط الشيخ هو السقوط، بل قال أنّه الذي يقتضيه


348

مذهبنا(1). وكذا حكي ذلك عن ابن إدريس(2) والمحقّق الكركي(3) وظاهر العلاّمة في المختلف(4) وغاية المراد(5) ومجمع البرهان(6) وبعض آخر(7) . لكن المحكي عن العلاّمة في كثير من كتبه(8) وجوبها في تركة الجاني ، بل قيل: إنّه خيرة الخلاف في أوّل كلامه(9) . والبحث فيه تارة من جهة ما هو مقتضى القواعد العامّة والأدلّة الكلّية الواردة في القصاص ، وأُخرى من جهة بعض الروايات الواردة في بعض فروض المسألة .

أمّا من الجهة الأُولى ، فالدليل على السقوط ما تقدّم من أنّ الثابت في قتل العمد هو القصاص بنحو التعيّن ، والانتقال إلى الدية إنّما هو في طول القصاص ومتوقّف على رضى القاتل أيضاً ، فإنّه إذا بذل نفسه لوليّ المقتول لا يكون له غيرها ، ولا يجوز إجباره على أداء الدية . وعلى ما ذكر فما هو الثابت بقتل العمد قد انتفى موضوعه بالهلاك ، والدّية لم تكن ثابتة حتى تبقى وتتعيّن بانتفاء موضوع القصاص ، والشرط وهو رضا القاتل لا يمكن أن يتحقّق ، فلا وجه لثبوتها .

ولكنّه ربّما يستدلّ على الثبوت بقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ

(1) المبسوط : 7 / 65 .

(2) السرائر: 3 / 329 ـ 330 .

(3) في جامع المقاصد: 5 / 394 خلافه ، حيث قال: «وجبت الدية كما لو هرب القاتل عمداً أو مات» .

(4) ظاهره بل صريحه في المختلف: 9 / 298 ـ 299 مسألة 9 ، ثبوت الدية .

(5) غاية المراد: 360 ـ 361 .

(6) مجمع الفائدة والبرهان: 13 / 412 .

(7) كشف الرموز: 2 / 622 .

(8) كتبصرة المتعلّمين: 198 وإرشاد الأذهان: 2 / 198 ومختلف الشيعة: 9 / 298 ـ 299 مسألة 9 .

(9) الخلاف: 5 / 184 ـ 185 مسألة 50 .


349

سُلطَاناً)﴿1) ، نظراً إلى أنّ الحكم بسقوط الدية أيضاً مستلزم لسلب سلطانه مطلقاً ، وبما ورد في الروايات المتقدّمة من قولهم (عليهم السلام) : «لا يبطل دم امرىء مسلم»(2) ، وبأنّه كمن قطع يد رجل ولا يد له ، فانّ عليه الدية فكذا النفس .

ويرد على الأوّل ظهور كون المراد من السلطان في الآية هو السلطان على القتل ، ويدلّ عليه تفريع قوله تعالى: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِي القَتلِ ، وعليه فهذه الآية إنّما تكون كسائر آيات القصاص ، ولا تعرّض فيها لمسألة الدية بوجه .

وعلى الثاني ـ مضافاً إلى منع اقتضائه لثبوت الدّية في مال الجاني ، بل يمكن أن تكون ثابتة في بيت المال ، ويؤيّده وقوعه تعليلاً في كثير من الروايات للحكم بالثبوت في بيت المال ، وعليه فلا ينطبق الدليل على المدّعى ـ أنّه لا يعلم شموله للمقام الذي كان الجاني باذلاً نفسه للقصاص ، وقد تمهّدت مقدّماته ، لكن الموت العارض للقاتل منع عن تحقّقه ، فتدبّر .

وعلى الثالث أنّه قياس ، مضافاً إلى كونه مع الفارق ، لوجود الجاني في المقيس عليه وكون أداء الدية من ماله ، وهذا بخلاف المقام الذي يكون الأداء من مال الوارث ، فافهم .

وأمّا من الجهة الثانية ، فقد روى الكليني عن حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن أحمد بن الحسن الميثمي ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمّداً ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه ، قال: إن كان له مال أُخذت الدية من ماله وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب ، فإن لم

(1) الإسراء 17: 33 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 52 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ب 29 ح1 وب 46 ح2 وص104 أبواب دعوى القتل ب 2 ح1 وص109 ب 6 ح1 وص111 ب 8 ح 3 ، وغيرها من الروايات .


350

يكن له قرابة أدّاه الإمام ، فإنّه لا يبطل دم امرىء مسلم . ورواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن علي بن فضال ، عن ظريف بن ناصح ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله إلى قوله: الأقرب فالأقرب(1) .

وروى ابن أبي نصر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل قتل رجلاً عمداً ثم فرّ فلم يقدر عليه حتّى مات ، قال: إن كان له مال أُخذ منه ، وإلاّ أخذ من الأقرب فالأقرب(2) . وحيث إنّ ابن أبي نصر البزنطي لا يمكن له النقل عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) من دون واسطة فلابدّ إمّا أن يلتزم بكون الرواية مرسلة ، وإمّا أن يقال بأنّ المراد هو أبو جعفر الجواد (عليه السلام) .

والبحث في الروايات يقع من جهات:

الأولى: أنّه لا محيص عن الأخذ بمقتضى هذه الروايات في الجملة ، وإن كان مخالفاً للقاعدة على ما عرفت ، وذلك لاعتبار بعضها في نفسه ، وانجبار البعض الآخر بفتوى المشهور واستناد جلّ الأصحاب إليها . فقد حكي عن غاية المراد(3)والمسالك(4) والتنقيح(5) نسبة مفادها إلى الأصحاب تارة ، وإلى أكثرهم أُخرى ، بل عن الغنية الإجماع عليه(6) ، وإن كان إسناد المحقّق في الشرائع(7) ذلك إلى الرواية يشعر بتردّده فيه ، ولكنّ الظاهر أنّه لا محيص عن الأخذ به والفتوى على طبقه ، كما

(1) وسائل الشيعة: 19 / 302 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 4 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 303 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 4 ح3 .

(3) غاية المراد : 361 (مخطوط) .

(4) مسالك الأفهام: 15 / 261 ـ 262 .

(5) التنقيح الرائع: 4 / 447 .

(6) غنية النزوع: 405 .

(7) شرائع الإسلام: 4 / 1005 .


351

لا يخفى .

فلا وجه لما عن السرائر من أنّ موجب القتل العمد ، القود دون الدّية ، فإذا فات محلّه وهو الرقبة فقد سقط لا إلى بدل ، وانتقاله إلى مال الذي للميّت أو إلى مال أوليائه حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي ولن يجده أبداً ، وهذه أخبار آحاد وشواذ أوردها شيخنا في نهايته إيراداً لا اعتقاداً ; لأنّه رجع عن هذا القول في مسائل خلافه وأفتى بخلافه ، وهو الحقّ اليقين(1) .

وذلك لاعتبار بعض هذه الروايات بنفسها وبعضها بالانجبار ، وقد ثبت في محلّه عدم اختصاص الحجّية بالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة ، فلا مجال لمثله .

الثانية: الظاهر أنّ مورد رواية أبي بصير كما عرفت هو مجرّد الهرب بنحو لا يقدر عليه ، ولم يقع فيه التقييد بالموت ، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى ظهوره فيه لعدم التعرّض للموت ـ ما ذكره في الوسائل بعد نقل الرواية بالنحو المذكور من قوله: قال الكليني: وفي رواية أُخرى: ثم للوالي بعد حبسه وأدبه(2) ، فإنّ ظاهره فرض حياة القاتل وأدبه وحبسه بعد الرّجوع عن الفرار وأخذ الدية من ماله أو مال أقربائه ، وعليه فتصير رواية أبي بصير قرينة على أنّ فرض الموت في رواية ابن أبي نصر لا دخالة له في الحكم المذكور فيها ، بل الموضوع للحكم هو مجرّد الفرار بنحو لا يقدر عليه ، لأنّ الجمع بين الروايتين ينحصر بهذا الطريق ، وحينئذ يقع الإشكال في أمرين:

أحدهما: أنّ المحقّق في الشرائع نقل رواية أبي بصير بنحو يشتمل على ذكر

(1) السرائر: 3 / 330 .

(2) الكافي : 7 / 365 ذيل ح3 .


352

الموت ، حيث قال: وفي رواية أبي بصير: إذا هرب فلم يقدر عليه حتّى مات أُخذت من ماله ، وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب(1) . مع أنّك عرفت خلوّها عنه في جميع أنحاء طرق نقلها .

ثانيهما: أنّ ظاهر الأصحاب حيث قيّدوا الموضوع بالموت مدخليّته في الحكم ، بحيث لو كان الهرب بالنحو المذكور خالياً عن الموت لا تثبت الدية بوجه ، فإن كان مستندهم فهمهم من رواية أبي بصير ذلك فيرد عليه عدم دلالتها عليه أصلاً ، وإن كان اقتضاء الجمع بين الروايتين فقد عرفت أنّ مقتضى الجمع الحكم بعدم مدخلية الموت المذكور في الرواية الثانية ، خصوصاً بعد عدم إمكان إضافة الموت إلى الأُولى ، لما عرفت من الوسائل . وعلى ما ذكرنا فلا محيص بعد لزوم الأخذ بالروايتين عن الحكم بثبوت الدية بمجرّد الهرب بنحو لا يقدر عليه ، ويساعده الاعتبار أيضاً ، فإنّ الحكم بلزوم الانتظار إلى سنين بل عشرات السنين أحياناً لا يناسب أصل جعل الحكم ، كما لا يخفى .

الثالثة: لو قلنا بأنّ مورد الروايتين مقيّد بما إذا وقع الموت ، كما هو ظاهر المتن تبعاً للمشهور ، فهل يكون الحكم بثبوت الدية منحصراً بموردهما ، أو يتعدّى عنه إلى جميع موارد تعذّر القصاص وتحقّق الموت بعده؟ كما إذا امتنع من استيفاء القصاص عنه مثلاً .

الظاهر هو الأوّل ، لأنّ الحكم في الروايتين على خلاف القاعدة ، لأنّ مقتضاها على ما عرفت عدم ثبوت الدية بوجه ، والاستدلال في ذيل رواية أبي بصير بقوله (عليه السلام) : «فإنّه لا يبطل دم امرىء مسلم» إنّما هو على الثبوت في بيت المال بعد

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1005 .


353

مسألة 26 ـ لو ضرب الوليّ القاتل وتركه ظنّاً منه أنّه مات فبرأ ، فالأشبه أن يعتبر الضرب ، فإن كان ضربه ممّا يسوغ له القتل والقصاص به لم يقتصّ من الوليّ ، بل جاز له قتله قصاصاً ، وإن كان ضربه ممّا لا يسوغ القصاص به كأن ضربه بالحجر ونحوه كان للجاني الاقتصاص ، ثم للوليّ أن يقتله قصاصاً أو يتتاركان1.

الفراغ عن أصل الثبوت ، لا على أصل الثبوت . ومن الواضح لزوم الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على خصوص مورده ، فلا مجال للتعدّي ، كما أفاده في المتن .

1 ـ الظاهر أنّ التفصيل المذكور في المتن بقرينة عدم الإشارة إلى وجود نصّ معتبر في المسألة وبقرينة التعبير بالأشبه إنّما هو بلحاظ القاعدة ، ويؤيّده أنّ المحقّق في الشرائع(1) بعد ذكر مفاد الرواية والحكم بضعفها وإرسالها جعل الأقرب هذا التفصيل ، وعليه فالكلام في المسألة يقع في مقامين:

الأوّل:فيما تقتضيه القاعدة مع قطع النظر عن الرواية الواردة ، ونقول: ظاهر المتن تبعاً للشرائع هو أنّ مقتضاها التفصيل ، نظراً إلى أنّه إن كان ضربه بما كان له الاقتصاص به ، بأن اقتصّ منه بالسيف بضربه بالعنق ، فظنّ أنّه أبانه بضربة ، على ما تقدّم في بعض المسائل السابقة(2) في كيفية الاستيفاء من عدم جواز الاقتصاص بأيّة كيفية شائها المقتصّ حتّى ولو كانت مماثلة لكيفية الجناية ، بل الظاهر لزوم وقوعه بالنحو المتعارف الذي كان هو القطع أي قطع العنق بالسيف في تلك الأزمنة وأمر آخر يتحقّق بالوسائل الجديدة في هذه الأزمنة .

(1) شرائع الإسلام : 4 / 1006 .

(2) تقدّم في ص310 ـ 311 ، الجهة الثالثة .


354

وكيف كان فلو كان ضربه بالنحو المشروع والمجاز لكن ظنّ الموت فانكشف عدمه ، فالظاهر أنّه لا مجال للاقتصاص من المقتصّ لعدم كون عمله عدواناً وظلماً ، وموجب القصاص هي الجناية غير المشروعة . وأمّا إن كان ضربه بما ليس له الاقتصاص به ، فالضرب المذكور يكون غير مجاز فيترتّب عليه القصاص ، لكن يرد عليه أنّ الضرب المذكور وإن كان غير مجاز ولا مشروع إلاّ أنّ الظاهر عدم ترتّب الضمان عليه بوجه ، بل غايته ترتّب مجرّد الإثم والتعزير عليه ، ولا ملازمة بين عدم الجواز وبين ثبوت الضمان ، وقد تقدّم سابقاً أنّ مخالفة الكيفية المعتبرة في الاستيفاء لا يوجب القصاص ، فلو ضربه بالعصا حتّى مات تحقّق الإثم والتعزير فقط .

وحينئذ فأيّ فرق بينه وبين ما إذا ضربه بالعصا فظنّ الموت ثم انكشف الخلاف ، خصوصاً مع كون ساعات الضرب ومقداره أقلّ ، ومع كون الضرب بالعصا في كلتا الصورتين بقصد القصاص وبعنوان التأثير في الموت ، فهل فرق حينئذ بين ما إذا ترتّب عليه الموت وما إذا لم يترتّب؟ فكما أنّه لا يترتّب القصاص في تلك الصورة كذلك لا مجال لترتّبه في هذه الصورة ، فالإنصاف أنّ مقتضى القاعدة عدم القصاص في كلتا صورتي المسألة .

الثاني:في الرواية الواردة في المسألة ، وهي ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن أبان بن عثمان ، عمّن أخبره ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: أُتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل أخا رجل ، فدفعه إليه وأمره بقتله ، فضربه الرجل حتّى رأى أنّه قد قتله ، فحمل إلى منزله فوجدوا به رمقاً فعالجوه فبرأ ، فلمّا خرج أخذه أخو المقتول الأوّل ، فقال: أنت قاتل أخي ولي أن أقتلك، فقال: قد قتلتني مرّة، فانطلق به إلى عمر فأمر بقتله ، فخرج وهو يقول: والله


355

قتلتني مرّة ، فمرّوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبره خبره ، فقال: لا تعجل حتّى أخرج إليك ، فدخل على عمر فقال: ليس الحكم فيه هكذا ، فقال: ما هو يا أبا الحسن؟ فقال: يقتصّ هذا من أخى المقتول الأوّل ما صنع به ثم يقتله بأخيه ، فنظر الرجل أنّه إن اقتصّ منه أتى على نفسه ، فعفا عنه وتتاركا . ورواه الشيخ بإسناده عن علي ابن مهزيار ، عن إبراهيم بن عبدالله ، عن أبان بن عثمان ، ورواه الصدوق بإسناده عن أبان بن عثمان(1) .

وقد مرّ أنّ المحقّق (قدس سره) في الشرائع حكم بضعف أبان وإرسال الرواية .

أقول: أمّا ضعف أبان فمنشأه ما في الكشّيّ من أنه من الناووسية(2) وهي الفرقة المطعونة ، مع أنّ مجرّد فساد العقيدة على تقدير ثبوته لا يستلزم الضعف ، خصوصاً مع كون الحاكي لهذه الجهة ابن فضال الذي هو مثله في فساد العقيدة ، مضافاً إلى أنّ المحكي عن المقدس الأردبيلي(3) أنّ الموجود في نسخة الكشّي التي كانت عنده هو أنّه من القادسية قرية معلومة ، وإلى معارضته بما عن نفس الكشي(4) من كونه من أصحاب الإجماع ، وقد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه ، فالحكم بضعف أبان لا مجال له أصلاً .

وأمّا الإرسال فيمكن منع قدحه ، إمّا لأجل اقتضاء كونه من أصحاب الإجماع صحّة ما صحّ عنه ، وإن كان نقله مرسلاً أو عن ضعيف . وفي المقام وإن كان نقل الكليني مرسلاً ، ولازمه عدم تحقّق الصحّة عنه ، إلاّ أنّ النقلين الآخرين خاليين

(1) وسائل الشيعة: 19 / 94 ، أبواب القصاص في النفس ب 61 ح1 .

(2) رجال الكشي: 352 ، الرقم 660 .

(3) مجمع الفائدة والبرهان: 9 / 323 .

(4) رجال الكشي: 375 ، الرقم 705 .


356

عن هذا الإرسال . وإمّا لأجل ظهور نقل غير الكليني في عدم الإرسال ، كما حكاه صاحب الجواهر(1) ، وإمّا لأجل انجباره بالعمل نظراً إلى عمل ابن إدريس(2) به ، ونسبة العمل به إلى الشيخ(3) وأتباعه(4) ، وإلى ما ذكره صاحب الجواهر أيضاً من أنّ تفصيل المحقّق ومن تأخّر عنه لا يخلو عن العمل بالخبر المزبور في الجملة لاقتضاء الإعراض عنه عدم ضمان شيء من الجراحات هنا ، لا قصاصاً ولا دية(5) .

ولكنّ الظاهر بطلان جميع هذه الوجوه:

أمّا الوجه الأوّل: فلما مرّ في كتاب الحدود(6) من عدم اقتضاء كون الرجل من أصحاب الإجماع إلاّ مجرّد وثاقته وكونه معتمداً عليه ، وأمّا صحّة روايته وإن كان نقله مرسلاً أو عن ضعيف فلا ، فالامتياز لهؤلاء إنّما هو في مجرّد الاتفاق على وثاقتهم والاعتماد عليهم .

وأمّا الوجه الثاني: فالظاهر كما عرفت من الوسائل اشتراك الطرق في الإسناد إلى أبان ، وتحقّق الإرسال بعده ، فالرواية مرسلة على جميع الطرق .

وأمّا الوجه الثالث: فالدليل عليه ما عرفت من المحقّق من أنّه بعد طرح الرواية جعل الأقرب هو التفصيل المذكور ، وظاهره كون التفصيل موافقاً للقاعدة عنده ، فلا مجال لدعوى استناد التفصيل إلى الرواية وكونه عملاً بها ولو في الجملة ،

(1) جواهر الكلام: 42 / 342 ، والمحكي عنه هو الطباطبائي في رياض المسائل: 10/347 .

(2) السرائر: 3 / 405 .

(3) النهاية: 774 ـ 775 .

(4) الوسيلة: 438 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 341 .

(6) مرّ في تفصيل الشريعة ، كتاب الحدود : 353 ـ 357 .


357

مسألة 27 ـ لو قطع يده فعفا المقطوع ثم قتله القاطع فللولي القصاص في النفس ، وهل هو بعد ردّ دية اليد أم يقتل بلا ردّ؟ الأشبه الثاني ، وكذا لو قتل رجل صحيح رجلاً مقطوع اليد قتل به ، وفي رواية: إن قطعت في جناية جناها أو قطع يده وأخذ ديتها يردّ عليه دية يده ويقتلوه ، ولو قطعت من غير جناية ولا أخذ لها دية قتلوه بلا غرم ، والمسألة مورد إشكال وتردّد ، والأحوط العمل بها ، وكذا الحال في مسألة أُخرى بها رواية ، وهي لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع ، فإنّها مشكلة أيضاً1.

ويؤيّده عدم إشارة المتن إلى وجود رواية في المسألة كما مرّ .

فالإنصاف أنّه لا مجال للأخذ بالرواية لضعفها وعدم الجابر لها بوجه ، فاللاّزم الأخذ بالقاعدة ، وقد عرفت أنّ مقتضاها عدم القصاص مطلقاً .

1 ـ في هذه المسألة فروع ثلاثة ، ومقتضى القاعدة في جميعها مع قطع النظر عن الروايتين الواردتين في الفرعين الأخيرين أنّ نقص المقتول أو المقطوع لا يقدح في أصل القصاص بوجه . فما ذكره الشيخ احتمالاً ، من سقوط القصاص رأساً وثبوت نصف الدية في الفرع الأوّل ، نظراً إلى أنّ القتل بعد القطع بمنزلة السراية ، فهو كالجناية الواحدة إذا عفا عن بعضها ، فيسقط القصاص عن جميعها(1) في غاية الضعف ، لأنّه لا مجال لنفي القصاص مع ثبوت موجبه ، وهو إزهاق نفس معصومة عدواناً وظلماً .

كما أنّ ما ذكره ابن إدريس في الفرع الأخير من أنّه لا خلاف بيننا أنه لا يقتصّ العضو الكامل للناقص ـ إلى أن قال : ـ والأولى الحكومة في ذلك وترك القصاص

(1) المبسوط : 7 / 67 .


358

وأخذ الأرش(1) ، لا سبيل له أيضاً ، لعين ما ذكرنا من ثبوت موجب القصاص في الطرف وهو قطع العضو عدواناً وظلماً ، فالإنصاف أنّه لا مجال للحكم بعدم ثبوت القصاص في شيء من الفروع الثلاثة .

كما أنّ مقتضى القاعدة في الجميع الثبوت من غير ردّ شيء لظهور أدلّته وعموماته كتاباً وسنّة في ثبوته وعدم لزوم ردّ شيء أصلاً .

وأمّا الرواية الواردة في الفرع الثاني فهي رواية سورة بن كليب ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل قتل رجلاً عمداً ، وكان المقتول أقطع اليد اليمني؟ فقال: إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها ، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن (أو ـ ظ) كان أخذ دية يده ويقتلوه ، وإن شاؤوا طرحوا عنه دية يد وأخذوا الباقي ، قال: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ، ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً ، وإن شاؤوا أخذوا دية كاملة ، قال وهكذا وجدناه في كتاب علي (عليه السلام) (2) .

والكلام في الرواية تارة من جهة اعتبارها في موردها ، واُخرى بعد فرض الاعتبار في المورد في شمولها للفرع الأوّل من جهة الحكم بلزوم الردّ ، فنقول:

أمّا من الجهة الاُولى فهي ضعيفة بسورة ، لعدم توثيقه قطعاً ، وعدم مدحه ظاهراً . وما ذكره الكشي(3) فيه ممّا يدلّ على مدحه يكون الناقل له شخص هذا الرجل ، والانجبار بالشهرة غير معلوم ; لعدم ثبوت الشهرة الفتوائية حتى تكون

(1) السرائر: 3 / 404 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 82 ، أبواب القصاص في النفس ب 50 ح1 .

(3) رجال الكشي: 376 ، الرقم 706 .


359

جابرة ، وعمل ابن إدريس الذي لا يعمل إلاّ بالقطعيات لا يوجب الجبر . فالرواية من جهة ضعف السند وعدم الجابر لا تكون حجّة في موردها فضلاً عن غيره ، وتوصيفها بكونها حسنة كما في محكي المسالك(1) وقد ارتضاه صاحب الجواهر(2)لا مجال له .

وأمّا من الجهة الثانية ، فالحكم بلزوم ردّ دية اليد عند الاقتصاص من القاتل في الفرع الأوّل انّما يبتنى على كون العفو ـ أي إسقاط حق القصاص في اليد مجاناً ـ من مصاديق أخذ دية اليد ، مع أنّه ممنوع جدّاً لعدم صدق أخذ الدية على العفو بوجه .

ودعوى كونه أخذ العوض الذي هو الثواب بل يظهر من غير المقام تنزيل العفو منزلة الأداء ، مدفوعة بعدم كون ذلك مساعداً لما هو المتفاهم عند العرف ، مضافاً إلى أنّ العفو قد لا يكون لغرض الثواب أصلاً ، والتنزيل لا دليل على شموله لمثل المقام أيضاً .

فالإنصاف أنّ الرواية تدلّ على الفرع الأوّل بمقتضى ذيلها ، باعتبار عدم كون العفو من مصاديق القطع في جناية جناها على نفسه الذي هو بمعنى القصاص ، لأنّ الجاني المستحقّ للقصاص قد جنى على نفسه وعدم كونه من مصاديق أخذ دية اليد ، فيجوز الاقتصاص من دون غرامة شيء ، كما أنّه على تقدير أخذ الدية من القاتل تؤخذ دية كاملة . نعم لا ينبغي ترك الاحتياط في الأخذ بالرواية .

وأمّا الرواية الواردة في الفرع الثالث ، فهي ما رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش ، عن أبي جعفر

(1) مسالك الأفهام: 15 / 265 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 337 .


360

الثاني (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر الأوّل (عليه السلام) لعبد الله بن عبّاس : يا ابن عباس أنشدك الله هل في حكم الله اختلاف ؟ قال : فقال: لا ، قال: فما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتّى سقطت فذهبت ، وأتى رجل آخر فأطار كفّ يده فأتى به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفّه ، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت وابعث إليهما ذوي عدل . فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم الله ونقضت القول الأوّل ، أبى الله أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدود وليس تفسيره في الأرض ، اقطع يد قاطع الكفّ أصلاً ، ثم أعطه دية الأصابع ، هذا حكم الله(1) .

والرواية ضعيفة من حيث السند بابن العبّاس بل وبسهل ، ولا جابر له ، وإن ادّعاه صاحب الجواهر(2) نظراً إلى عمل الشيخ(3) والمحقّق(4) وبعض آخر بها(5)وإلى ما في غاية المراد(6) والمسالك(7) من أنّه عمل بها الأكثر ، وذلك لعدم تحقّق الشهرة بنحو تكون جابرة ، وعليه فاللاّزم الأخذ بمقتضى القاعدة ، وإن كان مقتضى الاحتياط الأخذ بالرواية .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 129 ، أبواب قصاص الطرف ب 10 ح1 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 338 .

(3) النهاية: 774 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 1006 .

(5) كالعلاّمة في التحرير: 2 / 256 ، والإرشاد: 2 / 199 .

(6) غاية المراد: 364 .

(7) مسالك الأفهام: 15 / 266 .


361

القسم الثاني

في

قصاص ما دون النفس1

1 ـ جعل العنوان ما دون النفس أولى من جعله الطرف كما في الشرائع(1) ، لشموله لغير الأطراف المشهورة من البطن والظهر ونحوهما . والدليل على ثبوت القصاص في هذا القسم عموم مثل قوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ(2) بعد التعرّض لثبوته في العين والأنف والأُذن والسنّ ، مضافاً إلى الروايات المتواترة الآتية أكثرها ، وإلى أنّه لا خلاف فيه من حيث الفتوى ، بل كما في الجواهر(3) الإجماع بقسميه عليه ، كما أنّه لا إشكال في أنّ الموجب له خصوص الجناية العمدية ، لدلالة الروايات عليه .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1006 .

(2) المائدة 5 : 45 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 343 .


362

مسألة1 ـ الموجب له ها هنا كالموجب في قتل النفس، وهو الجناية العمدية مباشرة أو تسبيباً حسب ما عرفت ، فلو جنى بما يتلف العضو غالباً فهو عمد ، قصد الإتلاف به أولا، ولو جنى بما لايتلف به غالباً فهو عمد مع قصد الإتلاف ولو رجاءً1.

مسألة 2 ـ يشترط في جواز الاقتصاص فيه ما يشترط في الاقتصاص في النفس من التساوي في الإسلام والحرّية وانتفاء الأبوّة وكون الجاني عاقلاً بالغاً ، فلا يقتصّ في الطرف لمن لا يقتصّ له في النفس2.

1 ـ قد مرّ مقتضى التحقيق في معنى العمد في أوّل كتاب القصاص وأنّه يعتبر فيه أحد أمرين على سبيل منع الخلو ، إمّا كون الآلة مؤثِّرة في القتل هناك وفي تلف العضو هنا بحسب النوع والغالب ، سواء كان مقروناً بقصد القتل أو الإتلاف أم لم يكن كذلك; وإمّا كون العمل مقروناً بالقصد المذكور وإن لم تكن الآلة مؤثِّرة في تحقّق المقصود غالباً ، غاية الأمر تعلّق القصد به رجاء واحتمالاً ، كالضرب بالعصا مع قصد القتل ثم تحقّقه .

2 ـ الدليل على اعتبار الشرائط المذكورة هناك في المقام مضافاً إلى إطلاق بعض الأدلّة النافي لعدم القود في الوالد بالنسبة إلى ولده ، أو المسلم بالإضافة إلى الذمّي مثلاً الشامل للقصاص في الطرف أيضاً ، التصريح بذلك في بعض الروايات ، مثل ما في صحيحة محمد بن قيس ، عن أبي جعفر (عليه السلام) من قوله: لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات ، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم(1) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 127 ـ 128 ، أبواب قصاص الطرف ب 8 ح1 .


363

مسألة 3 ـ لا يشترط التساوي في الذكورة والأُنوثة ، فيقتصّ فيه للرجل من الرجل ومن المرأة من غير أخذ الفضل ، ويقتصّ للمرأة من المرأة ومن الرجل لكن بعد ردّ التفاوت فيما بلغ الثلث كما مرّ1.

مسألة 4 ـ يشترط في المقام زائداً على ما تقدّم التساوي في السلامة من الشلل ونحوه على ما يجيء أو كون المقتصّ منه أخفض ، والتساوي في الأصالة والزيادة وكذا في المحلّ على ما يأتي الكلام فيه ، فلا تقطع اليد الصحيحة مثلاً بالشلاّء ولو بذلها الجاني ، وتقطع الشلاّء بالصحيحة ، نعم لو حكم أهل الخبرة بالسراية بل خيف منها يعدل إلى الدية2.

1 ـ قد تقدّم البحث في هذه المسألة مفصّلاً في المسألة الثانية من مسائل الشرائط المعتبرة في قصاص النفس ، فراجع .

2 ـ أمّا اعتبار التساوي في السلامة من الشلل وعدم قطع اليد الصحيحة مثلاً بالشلاّء ، والرجل الصحيحة كذلك بالعرجاء فهو المشهور ، بل ادّعى في الجواهر نفي وجدان الخلاف فيه(1) ، بل حكى الاجماع عن ظاهر بعض الكتب بل صريحه(2) ، واللاّزم إقامة الدليل عليه بعد اقتضاء قوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ(3) لثبوت القصاص في المقام كثبوته في القتل ، حيث لا فرق فيه بين كون المقتول صحيحاً بأعضائه وجوارحه أو غير صحيح كذلك .

فنقول: يمكن الاستدلال على تخصيص عموم الآية بأُمور ثلاثة:

(1) جواهر الكلام: 42 / 348 .

(2) في ظاهر المبسوط: 7 / 80 ، وصريح الخلاف: 5 / 194 مسألة 61 .

(3) المائدة 5 : 45 .


364

أحدها: قوله تعالى: ﴿فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيْكُم(1) نظراً إلى ظهوره في لزوم المماثلة وهي غير متحقّقة في المقام; لعدم كون قطع اليد الصحيحة مماثلاً لقطع اليد الشلاّء ، فاللاّزم الرجوع إلى الدية .

ويرد عليه : أنّ المراد من المماثلة في الآية هي المماثلة في أصل الاعتداء ، لا المماثلة في الكيفية ، فلا دلالة له على جواز الشتم في مقابل الاعتداء بالشتم ، وجواز الغصب مثلاً في مقابل الاعتداء بالغصب ، بل مفاده عدم كون الاعتداء بلا جواب ، بل يجري في مقابله الجزاء والعقوبة ، وأمّا كيفيتها فلا دلالة له عليه ، وعليه فلا ينافي الآية المتقدّمة الدالّة بعمومها على ثبوت القصاص في المقام .

ثانيها: ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب ، عن حمّاد بن زياد ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل قطع يد رجل شلاّء ، قال: عليه ثلث الدية(2) .

وضعف السند ـ بحمّاد ، حيث إنّه مجهول ولم يذكر بتوثيق ولا مدح ، ورواية الحسن عنه لا تدلّ على الوثاقة بوجه ـ ينجبر باستناد المشهور إليها في مقابل القاعدة المقتضية للقصاص ، لكن الكلام في الدلالة ، فنقول: الظاهر أنّ المراد من الدية المضاف إليها الثلث هي دية يد واحدة صحيحة التي هي نصف الدية الكاملة ، وعليه فدية اليد الشلاّء سدس الدية الكاملة ، ويدلّ على ذلك الرواية الآتية الصريحة في أنّ دية الأصابع الشلل ثلث دية الصحاح منها .

وأمّا الاستدلال بالرواية فيبتنى على ثبوت الإطلاق لها ، بأن كان المراد ثبوت

(1) البقرة 2 : 194 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 253 ، أبواب ديات الأعضاء ب 28 ح1 .


365

الدية مطلقاً ، سواء أراد المجني عليه القصاص أم لم يرد ذلك ، فيرجع ذلك إلى نفي ثبوت القصاص في مورد السؤال . وقد استفاد الأصحاب من الرواية هذا المعنى ، ولذا أفتوا بخلاف ما هو مقتضى عموم دليل القصاص ، ولكنّ الظاهر أنّ ثبوت الإطلاق للرواية مبنيّ على كونها في مقام البيان من هذه الجهة ، مع أنّه يحتمل قويّاً أن يكون المراد بيان مقدار دية اليد الشلاّء من غير نظر إلى ثبوت القصاص وعدمه ، وليس في السؤال ما يدلّ بظاهره على كون محطّه هو السؤال عن ثبوت القصاص وعدمه ، وإلاّ كان المناسب التعرّض لذلك لا تعيين مقدار الدية ، خصوصاً مع عدم التصريح في السؤال بكون يد القاطع صحيحة ، واستناد المشهور إلى الرواية وإن كان جابراً لضعفها ومخرجاً لها عن عدم الحجية إليها إلاّ أنّ فهم المشهور واستفادتهم من الرواية شيئاً لا دليل على حجيته بوجه .

ثالثها: رواية الحسن بن صالح قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن عبد قطع يد رجل حرّ وله ثلاث أصابع من يده شلل ، فقال: وما قيمة العبد؟ قلت: اجعلها ما شئت ، قال: إن كانت قيمة العبد أكثر من دية الإصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة وأخذ العبد ، وإن شاء أخذ قيمة الإصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل ، قلت : وكم قيمة الإصبعين الصحيحتين مع الكفّ والثلاث الأصابع الشلل؟ قال: قيمة الإصبعين الصحيحتين مع الكفّ ألفا درهم ; وقيمة الثلاث أصابع الشلل مع الكف ألف درهم ، لأنّها على الثلث من دية الصحاح ، قال: وإن كانت قيمة العبد أقلّ من دية الإصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل دفع العبد إلى الذي قطعت يده أو يفتديه مولاه ويأخذ العبد(1) .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 253 ، أبواب ديات الأعضاء ب 28 ح2 .


366

وتقريب الاستدلال بها وكذا الجواب عنه ما تقدّم في الرواية السابقة ، ويؤيّد عدم كون الرواية متعرّضة للقصاص بوجه اشتمال اليد المقطوعة على إصبعين صحيحتين ، لأنّه من البعيد كون الثلاث الأصابع الشلل مانعاً عن جريان القصاص فيهما وكونهما محكومين بحكمها ، كما لا يخفى .

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا عدم تماميّة شيء من الاُمور الثلاثة التي استدلّ بها على أنّه لا تقطع اليد الصحيحة باليد الشلاّء ، وعليه فتصير المسألة مشكلة جدّاً من جهة ما ذكرنا ، ومن جهة أنّه لم يحك خلاف ولو من أحد في المسألة . وقد عرفت أنّ ظاهر الجواهر كون المسألة مفروغاً عنها عندهم ، ومقتضى الاحتياط أيضاً ما ذكره الأصحاب .

ثمّ إنّه يرد عليهم أنّه لو سلّمنا دلالة الروايتين فغاية مدلولهما عدم قطع اليد الصحيحة باليد الشلاّء ، وأمّا شمول الحكم لسائر الأعضاء والأطراف بحيث يستفاد منهما قاعدة كلّية وهي اعتبار التساوي في السلامة من الشلل ونحوه بحيث لا يجوز قطع الرجل الصحيحة بالرجل العرجاء كما مثّلنا به أيضاً في أوّل البحث فلا شاهد له ، لأنّه بعد كون الحكم في الروايتين على خلاف القاعدة المقتضية للقصاص فاللاّزم الاقتصار على خصوص موردهما كما في نظائر المسألة ، وعلى ما ذكرنا تصير توسعة الحكم كأصله مورداً للإشكال أيضاً ، فتدبّر .

ثم إنّه وقع في المتن ونحوه تعميم الحكم بعدم جواز قطع الصحيحة بالشلاّء لصورة ما إذا بذلها الجاني أيضاً ، والغرض إنّ بذل الجاني ورضاه بالقطع لا يؤثِّر في الجواز ، فإنّه كما لا يجوز للإنسان أن يقطع شيئاً من أعضاء بدنه كذلك لا يجوز له بذله لقطع غيره مع عدم كون القطع مجازاً ومشروعاً ، وفي المقام يكون الثابت خصوص الدية . ومنه يظهر عدم استيفائه بغيرها ولا يكون البذل مؤثِّراً في تحقّق


367

مسألة 5 ـ المراد بالشلل هو يبس اليد بحيث تخرج عن الطاعة ولم تعمل عملها ولو بقى فيها حسّ وحركة غير اختيارية ، والتشخيص موكول إلى العرف كسائر الموضوعات ، ولو قطع يداً بعض أصابعها شلاّء ففي قصاص اليد الصحيحة تردّد ، ولا أثر للتفاوت بالبطش ونحوه فتقطع اليد القوية بالضعيفة ، واليد السالمة باليد البرصاء والمجروحة1.

الاستيفاء ، كما أنّه لا يبعد دعوى ثبوت القصاص مع قطع يد الجاني الصحيحة ، لأنّه قطع عدواني موجب للقصاص ، إلاّ أن يقال : بأنّ البذل الملازم للرضا بقطعه من دون قصاص يمنع عن ثبوته ، فتدبّر .

بقي في المسألة أمر واحد ، وهو أنّه لا مانع من قطع اليد الشلاء بالصحيحة ; لعدم اقتضاء شيء من الأدلّة اعتبار التساوي في السلامة من الشلل في كلّ من الطرفين ، بل غاية مفادها اعتباره من ناحية المقتصّ منه ، وعليه فمقتضى عموم دليل القصاص ثبوته هنا . والظاهر أنّه لا يضمّ إليها أرش ، كما في اقتصاص وليّ الرجل من المرأة في باب القتل . وما في جملة من الروايات من أنّ الجاني لا يجني على أكثر من نفسه(1) يجري في المقام أيضاً .

ثم إنّه وقع استدراك هذا الحكم في مثل المتن ، بما لو حكم أهل الخبرة بالسراية بل خيف منها بالاحتمال العقلائي المعتدّ به ، والوجه فيه لزوم التحفّظ على النفس التي هي أهمّ من الطرف في الشرع ، فاللاّزم الرجوع إلى الدية . والظاهر سقوط القطع في هذه الصورة في باب الحدود أيضاً ، كالسرقة والمحاربة .

1 ـ غير خفيّ أنّ عنوان «الشلل» المأخوذ في النصّ والفتوى ، إنّما هو كسائر

(1) وسائل الشيعة: 19 / 59 و61 و62 ، أبواب القصاص في النفس ب 33 ح1 و10 و18 .


368

العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام يرجع في معناه إلى العرف ، فالتشخيص موكول إليه فقط ، وعليه فالظاهر أنّ معناه عند العرف هو الحدّ المتوسط بين موت اليد الذي يوجب عدم تحقّق شيء من آثار الحياة فيها ، وبين ضعفها الموجب لثبوت حركة ضعيفة فيها ، فمعناه هو ما في المتن من اليبس بحيث تخرج عن الطاعة ولم تعمل عملها ، ولو بقي فيها حسّ وحركة اختيارية .

ثم إنّه لو قطع يداً ـ أي كفّاً مشتملاً على الأصابع ـ لكن كان بعض الأصابع شللاً ، ففي محكيّ القواعد(1) وكشف اللثام(2) بل المبسوط(3) انّه لم يقتصّ من الجاني الصحيح الأصابع في الكفّ ، بل في أربع أصابع الصحيحة ، ويؤخذ منه ثلث دية اصبع صحيحة عوضاً عن الشلاء ، وحكومة ما تحتها وما تحت الأصابع الأربع من الكفّ .

أقول: قد ورد في هذا الفرع رواية حسن بن صالح المتقدّمة في المسألة السابقة ، فإن عملنا بتلك الرواية وقلنا بظهورها في نفي القصاص ، فاللاّزم الحكم بعدم ثبوت القصاص في الأصابع الصحيحة أيضاً ; لدلالتها عليه على هذا الفرض ، وإلاّ فلا دليل على عدم ثبوت القصاص حتّى في الكفّ أيضاً ، لأنّ كون بعض الأصابع شلاّء لا يقتضي صدق كون اليد كذلك ، والمأخوذ في الفتوى والنصّ المتقدّم وهي رواية سليمان بن خالد هو اليد الشلاّء .

وأمّا الترديد في المتن في أصل القصاص في اليد في هذه الصورة فلعلّ منشأه الترديد في العمل برواية ابن صالح أو الترديد في شمول رواية ابن خالد ، فتدبّر .

(1) قواعد الأحكام: 2 / 303 .

(2) كشف اللثام: 2 / 471 .

(3) المبسوط : 7 / 84 ـ 85 .


369

مسألة 6 ـ يعتبر التساوي في المحلّ مع وجوده ، فتقطع اليمين باليمين واليسار باليسار ، ولو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره ، ولو لم يكن له يد أصلاً قطعت رجله على رواية معمول بها ولا بأس به ، وهل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في اليد اليسرى أو هما سواء؟ وجهان ، ولو قطع اليسرى ولم يكن له اليسرى فالظاهر قطع اليمنى على إشكال ومع عدمهما قطع الرجل ، ولو قطع الرجل من لا رجل له فهل يقطع يده بدل الرجل؟ فيه وجه لا يخلو من إشكال ، والتعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأذن والحاجب وغيرها مشكل ، وإن لا يخلو من وجه ، سيّما اليسرى من كلّ باليمنى1.

ثمّ إنّك عرفت أنّ المستثنى هو خصوص الشلل ، وعليه فكون اليد المجنيّ عليها برصاء أو مجروحة أو ضعيفة في مقابل الأبطش لا يمنع عن ثبوت القصاص أصلاً .

1 ـ أمّا أصل اعتبار التساوي في المحلّ مع وجوده في الجملة فلا خلاف فيه ، بل ربّما ظهر من محكي الخلاف نفيه بين المسلمين(1) ، بل في كشف اللثام الاتّفاق عليه(2) ، وعليه فتقطع اليد اليمنى باليد اليمنى واليسرى باليسرى .

ولو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره ، كما عن الأكثر ، بل المشهور(3)، بل عن الخلاف والغنية إجماع الفرقة وأخبارهم(4) ، ولو لم يكن له يمين

(1) الخلاف: 5 / 193 مسألة 59 .

(2) كشف اللثام: 2 / 471 .

(3) النهاية: 771 ، الكافي في الفقه: 389 ، المهذّب: 2 / 479 ـ 480 ، مختلف الشيعة: 9/403 ـ 404 مسألة 79 .

وقد نسب هذا الترتيب الشهيد الثاني في المسالك: 15 / 271 إلى الأكثر ، وقال الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ج14 / 111 : انّه مشهور .

(4) غنية النزوع: 410 .


370

ولا يسار أصلاً قطعت رجله ، خلافاً للحلّي(1) والفخر(2) والشهيد الثاني في بعض كتبه(3) .

والدليل على الأمرين رواية حبيب السجستاني قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين ، قال: فقال: يا حبيب تقطع يمينه للذي قطع يمينه أولاً ، وتقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيراً ، لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير ويمينه قصاص للرجل الأوّل . قال: فقلت إنّ عليّاً (عليه السلام) إنّما كان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، فقال: إنّما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق الله ، فأمّا يا حبيب حقوق المسلمين فإنّه تؤخذ لهم حقوقهم في القصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يد (يدان) ، والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد .

فقلت له: أوما تجب عليه الدية وتترك له رجله؟ فقال: إنّما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان ، فثمّ تجب عليه الدية ; لأنّه ليس له جارحة يقاص منها(4) .

وربّما يناقش في الرواية بضعف السند نظراً إلى أنّ المرادي وهو حبيب لا نصّ على توثيقه بل ولا على مدحه ، غاية ماوقع في ترجمته أنّه كان شارياً ورجع إلى الباقر والصادق (عليهما السلام) وانقطع إليهما(5) .

ولكنّ الظاهر أوّلاً إمكان توصيف الرواية بالصحّة ، نظراً إلى توصيف جماعة

(1) السرائر: 3 / 396 ـ 397 .

(2) إيضاح الفوائد: 4 / 573 ـ 574 .

(3) مسالك الأفهام: 15 / 272 .

(4) وسائل الشيعة: 19 / 131 ، أبواب قصاص الطرف ب 12 ح2 .

(5) انظر رجال الكشي: 347 ، الرقم 646 .


371

من الأصحاب الرواية بالصحّة ، كما عن المختلف(1) والإيضاح(2) والمهذب البارع(3) والتنقيح(4) ، بل في الروضة(5) نسبة وصفها بذلك إلى الأصحاب ، بل عن الوحيد البهبهاني (قدس سره) المتبحّر خصوصاً في الحديث والرجال عن جدّه أنّه حكم بأنّه ثقة(6) .

وثانياً انجبار الضعف على تقديره بالفتوى على طبقها والاستناد إليها من المشهور ، بل في الجواهر: لم نعثر على رادّ له غير الحلّي(7) وثاني الشهيدين في بعض المواضع(8) ،(9) بناء على مبناهما في باب خبر الواحد . وعليه فلا محيص عن الأخذ بالرواية والفتوى على طبقها في الانتقال من اليد اليمنى إلى اليسرى مع عدم اليمنى ، وفي الإنتقال إلى الرجل مع عدم اليد رأساً .

ثم انّه هل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في اليد اليسرى ، أو هما معاً سواء؟ فيه وجهان كما في المتن : من أنّ مقتضى رعاية المماثلة في القصاص بعد تعذّر اليد على ما هو المفروض اعتبار اليمينية واليسارية ، ومن أنّ مقتضى إطلاق رواية حبيب الدالّة على الانتقال إلى الرجل في مورد تعذّر اليد عدم

(1) مختلف الشيعة: 9 / 404 مسألة 79 .

(2) إيضاح الفوائد: 4 / 573 .

(3) المهذّب البارع: 5 / 173 .

(4) التنقيح الرائع: 4 / 422 .

(5) الروضة البهية: 10 / 78 .

(6) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 136 ، بل حكاه في تعليقة منهج المقال: 91 عن خاله .

(7) السرائر: 3 / 397 .

(8) مسالك الأفهام: 15 / 272 .

(9) جواهر الكلام: 42 / 352 ، وكذا في رياض المسائل: 10 / 279 .


372

الاعتبار ، كما لا يخفى .

هذا ، ولو قطع اليد اليسرى ولم يكن للقاطع اليد اليسرى فهل يقتصّ منه في اليد اليمنى أم لا؟ الظاهر نعم ، لأنّه مع عدم الاقتصاص في اليد اليمنى فاللاّزم أنّه إمّا أن يقال : بثبوت الدية ، وإمّا أن يقال : بالانتقال إلى الرجل ، وكلاهما مخالفان لظاهر رواية حبيب ; لدلالة ذيلها على أنّ الانتقال إلى الدية إنّما هو فيما إذا لم يكن للقاطع جارحة يقاصّ منها ، ودلالة صدرها على أنّ الانتقال إلى الرجل إنّما هو فيما إذا لم يكن للقاطع يد ، وعليه فلا مجال للإشكال كما في المتن ، خصوصاً مع قوله (عليه السلام) فيها: «اليد باليد إذا كان للقاطع يد» ، وما في بعض النسخ من قوله (عليه السلام) : «يدان» (1) لا دلالة له على شيء ، خصوصاً مع التصريح بعده بأنّ الانتقال إلى الرجل إنّما هو فيما إذا لم يكن للقاطع يد. وممّا ذكرنا ظهر أنّ الانتقال إلى الرجل في هذه الصورة مع عدم اليدين لا شبهة فيه أصلاً .

ولو قطع الرِجل من لا رِجل له فهل تقطع يده بدل الرِجل؟ الظاهر هو القطع أيضاً لثبوت الجارحة التي يقاصّ منها في هذه الصورة ، مضافاً إلى دعوى الأولوية لكون آثار الرجل أكثر من آثار اليد ، فتدبّر .

ثم إنّه هل يتعدّى ما ذكر إلى سائر الأعضاء كالعين والأذن والحاجب ونحوها أم لا؟ والتحقيق أن يقال : إنّ المراد بالتعدّي إن كان هو التعدّي في هذه الأعضاء من كلّ من اليمنى إلى اليسرى وبالعكس ، بحيث تقلع العين اليسرى بالعين اليمنى مثلاً مع عدمها في القاطع . فالظاهر أنّ مقتضى مشروطية اعتبار التساوي في المحلّ بوجوده وإمكانه ذلك ، فإنّه مع عدم العين اليمنى لا يبقى مجال لاعتبار التساوي حينئذ ، إلاّ أن

(1) التهذيب : 10 / 259 ح1022 .


373

مسألة 7 ـ لو قطع أيدي جماعة على التعاقب قطعت يداه ورجلاه بالأوّل فالأوّل ، وعليه للباقين الدية ، ولو قطع فاقد اليدين والرجلين يد شخص أو رجله فعليه الدية1.

مسألة 8 ـ يعتبر في الشجاج التساوي بالمساحة طولاً وعرضاً ، قالوا: ولا يعتبر عمقاً ونزولاً ، بل يعتبر حصول إسم اشجّة ،وفيه تأمّل وإشكال . والوجه التساوي

يقال بعدم الدليل عليه بالنحو الكلّي وفي جميع الأعضاء . لكن ظاهر الجواهر(1) نفي الخلاف فيه بهذا النحو . وتؤيده رواية السجستاني ، مضافاً إلى قوله تعالى: ﴿العَينَ بِالعَينِ(2) وإن كان إطلاقه محل تأمّل وإشكال .

وإن كان المراد التعدّي إلى العضو الآخر بما أنّه ، كما يتحقّق الانتقال من اليد إلى الرجل كذلك ، يمكن دعوى الانتقال من العين إلى عضو آخر ، فالظاهر أنّه لم يقل به أحد من الأصحاب .

وممّا ذكرنا ظهر أنّ جعل التعدّي بهذا النحو غير خال عن الوجه كما في المتن ممّا لا وجه له أصلاً .

1 ـ الوجه في الفرع الأوّل هي رواية حبيب المتقدّمة في المسألة الأُولى الدالّة على قطع اليد اليمنى أو اليسرى باليد المقطوعة أوّلاً ، والأُخرى باليد المقطوعة ثانياً ، والرِجل بالثالث ، والرجل الأُخرى بالرابع ، والانتقال إلى الدية في الباقي ، كما أنّ مقتضاها ثبوت الدية في الفرع الثاني .

(1) جواهر الكلام: 42 / 353 .

(2) المائدة 5 : 45 .


374

مع الإمكان ، ولو زاد من غير عمد فعليه الأرش ، ولو لم يمكن إلاّ بالنقص لا يبعد ثبوت الأرش في الزائد على تأمّل . هذا في الحارصة والدامية والمتلاحمة ، وأمّا في السمحاق والموضحة فالظاهر عدم اعتبار التساوي في العمق ، فيتقصّ المهزول من السمين إلى تحقّق السمحاق والموضحة1.

1 ـ قد ادّعي الإجماع(1) على عدم اعتبار العمق والنزول ، بل في محكيّ الرياض أنّ عليه الاتفاق على الظاهر المصرّح به في جملة من العبائر(2) ، واستدلّ عليه بتفاوت الرؤوس في السمن والهزال وغلظ الجلد ورقته على وجه لو اعتبر انتفى القصاص ، فقطع النظر عنه كما قطع عن الصغر والكبر في الأعضاء .

وظاهره كون الحكم على وفق القاعدة ، وعليه فلا تبقى أصالة للإجماع على تقدير تحقّقه وثبوته .

ولكنّ الظاهر ـ كما في المتن ـ هو التفصيل بين «الحارصة» وهي التي تقشر الجلد شبه الخدش من غير إدماء ، و«الدامية» وهي التي تدخل في اللحم يسيراً ويخرج معه الدم ، و«المتلاحمة» وهي التي تدخل في اللحم كثيراً ، ولكن لم تبلغ مرتبة السمحاق ، وبين «السمحاق» وهي التي تقطع اللّحم وتبلغ الجلدة الرقية المغشية للعظم ، و«الموضحة» وهي التي تكشف عن وضح العظم ، أي بياضه .

والوجه فيه أنّه في العناوين الثلاثة الأُولى يكون اعتبار الجناية من جهة شروعها وبدئها ، وفي العنوانين الآخرين من جهة انتهائها وآخرها ، وعليه فلا مجال لاعتبار التساوي في العمق فيهما بعد كون الملاك هو البلوغ إلى الجلدة الرقيقة

(1) نسب الاجماع في جواهر الكلام: 42 / 354 إلى ظاهر كشف اللثام: 2 / 479 ومفاتيح الشرائع: 2/131 .

(2) رياض المسائل: 10 / 354 .


375

مسألة 9 ـ لا يثبت القصاص فيما فيه تغرير بنفس أو طرف ، وكذا فيما لا يمكن الاستيفاء بلا زيادة ولا نقيصة كالجائفة والمأمومة ، ويثبت في كلّ جرح لا تعزير في أخذه بالنفس وبالطرف وكانت السلامة معه غالبة ، فيثبت في الحارصة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة ، ولا يثبت في الهاشمة ولا المنقلة ولا لكسر شيء من العظام ، وفي رواية صحيحة: إثبات القود في السنّ والذراع إذا كسرا عمداً ، والعامل بها قليل1.

أو الكشف عن بياض العظم ، وأمّا غيرهما من العناوين الثلاثة الأولى ففي صورة الإمكان لا مانع من اعتبار التساوي في العمق; لعدم كون تفاوت الرؤوس مانعاً عن رعايته ، ولو زاد من غير عمد فعليه الأرش .

ولو لم يمكن إلاّ بالنقص فلا يبعد ثبوت الأرش ، كما ذكروا نظيره في المساحة طولاً ، من أنّه لابدّ من اعتبار التساوي فيه وإن استلزم استيعاب رأس الجاني لصغره ، ولا يكمل الزائد من القفا ولا من الجبهة ، بل يقتصر على ما يحتمله العضو ، ويأخذ للزائد بنسبة المتخلف إلى أصل الجرح من الدية ، والتأمّل في الثبوت إنّما هو بلحاظ كون اعتبار التساوي في العمق إنّما هو في صورة الإمكان ، ومع عدمه يسقط الاعتبار رأساً ، فلا وجه لثبوت الأرش ، فتدبّر .

1 ـ لا خفاء في أنّ مقتضى قوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ(1) ثبوت القصاص في جميع موارد ثبوت الجراحة في الأعضاء ، ويدلّ عليه أيضاً موثقة إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كان من جراحات الجسد

(1) المائدة 5 : 45 .


376

أنّ فيها القصاص ، أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها(1) .

ورواها في الوسائل أيضاً بعنوان رواية اُخرى ، مع وضوح عدم تعدّدها كما هو واضح . والمصرِّح بثبوت القصاص كذلك ابن حمزة في الوسيلة(2) المصرِّح بثبوت القصاص في الهاشمة والمنقلة ، والمراد بالأولى ما تهشم العظم وتكسره ، وبالثانية على تفسير جماعة ما تحوج إلى نقل العظام من موضع إلى غيره .

ولكنّ الظاهر بملاحظة وجوب التحفّظ على النفس المحترمة وكذا الطرف عدم ثبوت القصاص فيما فيه تغرير بإحداهما وإلقائها في الخطر والتّلف ، لتعذّر استيفاء الحقّ حينئذ ، فاللاّزم الانتقال إلى الدية ، وكذا فيما لا يمكن الاستيفاء بلا زيادة ولا نقيصة ، كالجائفة التي تصل إلى الجوف من أيّ جهة ، سواء كانت بطناً أو صدراً أو ظهراً أو جنباً ، والمأمومة وهي التي تبلغ أمّ الرأس ـ أي الخريطة التي تجمع الدماغ ـ والوجه فيه مدخلية المماثلة في مفهوم القصاص ومعناه ، ومع تعذّر الاستيفاء بلا زيادة ولا نقيصة يتعذّر القصاص لا محالة ، فلا وجه لثبوته .

وقد ورد في مقطوعة أبان: الجائفة ما وقعت في الجوف ليس لصاحبها قصاص إلاّ الحكومة ، والمنقلة تنقل منها العظام وليس فيها قصاص إلاّ الحكومة ، وفي المأمومة ثلث الدية ليس فيها قصاص إلاّ الحكومة(3) .

نعم في صحيحة أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن السنّ والذراع يكسران عمداً ، لهما أرش أو قود؟ فقال: قود ، قال : قلت: فإن أضعفوا الدية؟ قال:

(1) وسائل الشيعة: 19 / 132 ، أبواب قصاص الطرف ب 13 ح3 و5 .

(2) الوسيلة: 444 ـ 445 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 135 ، أبواب قصاص الطرف ب 16 ح1 .


377

مسألة 10 ـ هل يجوز الاقتصاص قبل اندمال الجناية؟ قيل: لا ، لعدم الأمن من السراية الموجبة لدخول الطرف في النفس ، والأشبه الجواز . وفي رواية : لا يقضى في شيء من الجراحات حتّى تبرأ ، وفي دلالتها نظر ، والأحوط الصبر سيّما فيما لا يؤمن من السراية ، فلو قطع عدّة من أعضائه خطأ هل يجوز أخذ دياتها ولو كانت أضعاف دية النفس أو يقتصر على مقدار دية النفس حتّى يتّضح الحال ، فإن اندملت أخذ الباقي وإلاّ فيكون له ما أخذ لدخول الطرف في النفس؟ الأقوى جواز الأخذ ووجوب الإعطاء ، نعم لو سرت الجراحات يجب إرجاع الزائد على النفس1.

إن أرضوه بما شاء فهو له(1) . ولكنّها لم يعمل بها غير الشيخين(2) .

1 ـ في هذه المسألة فرعان ، أحدهما وارد في القصاص ، والآخر في الدية ، وتفريع الثاني على الأوّل كما في المتن لا مجال له ، كما سيأتي .

أمّا القصاص فالقائل بعدم جوازه قبل الاندمال هو الشيخ (قدس سره) في محكي المبسوط(3) ، واستدلّ عليه باحتمال تحقّق السراية في المجنيّ عليه الموجبة لتلف النفس ، ويترتّب عليه دخول قصاص الطرف في قصاص النفس . وفي المتن تبعاً للمحقّق في الشرائع(4) أنّ الأشبه الجواز ، والوجه فيه إنّ مقتضى إطلاق قوله تعالى: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ عدم لزوم الانتظار إلى الاندمال ، ودخول قصاص الطرف في

(1) وسائل الشيعة: 19 / 132 ، أبواب قصاص الطرف ب 13 ح4 .

(2) المقنعة: 761 ، النهاية: 772 ، وكذا ابن زهرة في غنية النزوع: 409 ، وظاهرهم العمل بهذه الرواية فيما إذا كان المكسور شيئاً لا يرجى صلاحه .

(3) المبسوط : 7 / 75 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 1008 .


378

قصاص النفس على ما تقتضيه الرواية ليس يرجع إلى كون السراية الموجبة لتلف النفس كاشفة عن عدم تأثير الجناية على الطرف في ثبوت القصاص ، بحيث كان مرجعه إلى تخصيص عموم ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ بصورة السراية المذكورة . بل كان مرجعه إلى سقوط القصاص بالنسبة إلى الطرف بعد ثبوت قصاص النفس ، فقصاص النفس بمنزلة المسقط لذلك القصاص .

ومن الواضح إنّ احتمال تحقّق المسقط في الاستقبال لا يمنع عن استيفاء الحقّ في لحال ، بل العلم بذلك أيضاً لا يكون مسقطاً ، وعليه فمقتضى القاعدة الجواز ، وأمّا الرواية فهي معتبرة إسحاق بن عمّار ، عن جعفر (عليه السلام) ، إنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول: لا يقضى في شيء من الجراحات حتّى تبرأ(1) . ولكنّه تنظّر في دلالتها في المتن ، لأجل احتمال كون المراد منها انتظار حال البرء ، لأجل احتمال سعة دائرة الجناية لا لأجل احتمال السراية الموجبة لتلف النفس ، ولكن في أصل المسألة شيء ، وهو أنّ مسألة دخول قصاص الطرف في قصاص النفس مفروضة في غير مورد السراية ، وهو ما لو كانت هناك جنايات متعدّدة بعضها في الطرف ، وبعضها في النفس ، ولا يشمل ما إذا كان في البين جناية واحدة مسرية إلى النفس .

هذا في الفرع الأوّل ، وأمّا الفرع الثاني فكذلك أيضاً ، فلو قطع عدّة من أعضائه خطأً يجوز أخذ دياتها ولو كانت أضعاف دية النّفس ، ولا يقتصر على مقدار دية النفس ، كما عن جماعة ، منهم : الشيخ في المبسوط(2) . وقال المحقّق في الشرائع : إنّه أولى ، لأنّ دية الطرف تدخل في دية النفس وفاقاً(3) ، وذلك لأنّ الوفاق المذكور

(1) وسائل الشيعة: 19 / 211 ، كتاب الديات ، أبواب موجبات الضمان ب 42 ح2 .

(2) المبسوط: 7 / 81 ـ 82 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 1008 .


379

مسألة 11 ـ إذا أريد الاقتصاص حلق الشعر عن المحلّ إن كان يمنع عن الاستيفاء أو الاستيفاء بحدّه ، وربط الجاني على خشبة أو نحوها بحيث لا يتمكّن من الاضطراب ، ثم يقاس بخيط ونحوه ، ويعلم طرفاه في محلّ الاقتصاص ، ثمّ يشقّ من إحدى العلامتين إلى الأُخرى ، ولو كان جرح الجاني ذا عرض يقاس العرض أيضاً ، وإذا شقّ على الجاني الاستيفاء دفعة يجوز الاستيفاء بدفعات ، وهل يجوز ذلك حتّى مع عدم رضا المجني عليه؟ فيه تأمّل1.

مسألة 12 ـ لو اضطرب الجاني فزاد المقتصّ في جرحه لذلك فلا شيء عليه، ولو زاد بلا اضطراب أو بلا استناد إلى ذلك ، فإن كان عن عمد يقتصّ منه وإلاّ فعليه الدية أو الأرش ، ولو ادّعى الجاني العمد وأنكره المباشر فالقول قوله ، ولو ادّعى المباشر الخطأ وأنكر الجاني قالوا: القول قول المباشر ، وفيه تأمّل2.

لا يقتضي الاقتصار لعين ما ذكرنا في الاقتصاص من عدم كونه كاشفاً بل مسقطاً ، وعليه فيجوز الأخذ ، نعم لو سرت الجراحات يجب إرجاع الزائد على النفس ، كما هو ظاهر .

1 ـ كان اللاّزم التعرّض للعمق أيضاً لاعتباره في غير الشجاج بلا خلاف ، وفيه أيضاً على مختار المتن في صورة الإمكان ، وطريقه التعيين في الآلة ووضع العلامة فيها والنزول إلى حدّها ، والوجه في التأمّل في جواز الاستيفاء بدفعات مع عدم رضا المجنيّ عليه أنّ التأخير منوط بنظره ، والدفعات غير لازمة ، واستلزام الدفعة للمشقّة لا يمنع عنها بوجه ، كما لا يخفى .

2 ـ الوجه في عدم ثبوت شيء على المقتصّ مع استناد الزيادة إلى الاضطراب


380

مسألة 13 ـ يؤخَّر القصاص في الطرف عن شدّة الحرّ والبرد وجوباً إذا خيف من السراية ، وإرفاقاً بالجاني في غير ذلك ، ولو لم يرض في هذا الفرض المجنيّ عليه ففي جواز التأخير نظر1.

مسألة 14 ـ لا يقتصّ إلاّ بحديدة حادّة غير مسمومة ولا كالّة مناسبة لاقتصاص مثله ، ولا يجوز تعذيبه أكثر ممّا عذبه . فلو قلع عينه بآلة كانت سهلة في القلع لا يجوز قلعها بآلة كانت أكثر تعذيباً ، وجاز القلع باليد إذا قلع الجاني بيده أو كان القلع بها أسهل ، والأولى للمجني عليه مراعاة السهولة وجاز له المماثلة . ولو تجاوز واقتصّ بما هو موجب للتعذيب وكان أصعب ممّا فعل به فللوالي تعزيره ولا شيء عليه ، ولو جاوز بما يوجب القصاص اقتصّ منه أو بما يوجب الأرش أو الدية أخذ منه2.

عدم إضافتها في هذا الفرض إلى المقتصّ ، فلا يقاس بالجناية الخطائية التي يكون الاستناد فيها إلى الجاني ، غاية الأمر صدورها خطأً .

والوجه في التأمّل في الذيل كون الأظهر في تشخيص عنواني المدّعي والمنكر المراجعة إلى العرف الذين هم المرجع في العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام ، وعليه فالظاهر كون المباشر في هذه الصورة مدّعياً وعليه البيّنة .

1 ـ أمّا وجوب التأخير مع خوف السراية فلأجل لزوم رعاية المماثلة في القصاص بحيث لا تتحقّق السراية ، فمع خوفها فاللاّزم هو التأخير ، ومع عدم الخوف لا مجال للوجوب بعد ثبوت الحقّ وإرادة المجنيّ عليه الاستيفاء ، خصوصاً مع أنّه ربّما يكون في التأخير آفة .

2 ـ قد مرّ في المسألة الحادية عشر من مسائل كيفية الاستيفاء في قصاص


381

النفس عدم جواز المماثلة في الكيفية إذا كانت الجناية بنحو الغرق ، أو الحرق ، أو الرضخ بالحجارة ، أو القطع بالمنشار ، أو مثلها ، بل لابدّ من ضرب العنق بالسيف ، أو من الاستفادة من الآلات الحديثة المتداولة ، وقد ورد في مورد القتل بالعصا ما دلّ على أنّه يجاز عليه بالسيف ولا يترك يعبث به ، وعليه فعدم جواز المماثلة هناك في بعض الموارد كان مستنداً إلى قيام الدليل ودلالة الرواية .

وأمّا هنا فقد وقع الخلط في عنوان المسألة في المتن تبعاً للمحقّق في الشرائع(1) ، فإنّه إن كان المراد بيان كون القصاص في الطرف كالقصاص في النفس ، بحيث إذا كانت الجناية بقطع اليد بالمنشار أو بالخيط الحديدي مثلاً لا يجوز الاقتصاص بمثله ورعاية المماثلة في هذه الجهة ، كما هو ظاهر قوله : «لا يقتصّ إلاّ بحديدة» إلى قوله: «مناسبة لاقتصاص مثله» ، فيرد عليه ـ مضافاً إلى التصريح بجواز المماثلة بعد ذلك وإلى تجويز القلع باليد إذا قلع الجاني باليد ـ أنّه لا دليل على ذلك في المقام ، وقيام الدليل في قصاص النفس لا يستلزم إسراء الحكم إلى المقام .

وإن كان المراد بيان عدم جواز التعذيب بأكثر ممّا وقع من تعذيبه ، بل اللاّزم رعاية المماثلة في مقدار التعذيب كما يدلّ عليه تفريع هذا الحكم ، فيرد عليه أنّ إفادة هذا الحكم لا تتحقّق بمثل التعبير بقوله: «لا يقتص إلاّ بحديدة» الظاهر في انحصار كيفية الاستيفاء بذلك ، كما لا يخفى .

ثمّ إنّ ثبوت التعزير مع كون التعذيب أشدّ من جهة الكيفية ، إنّما هو لأجل كون الاقتصاص بهذا النحو غير مجاز ، فيترتّب عليه التعزير ، وأمّا عدم ثبوت شيء عليه من القصاص أو الدية أو الأرش فلوضوح عدم تحقّق الزيادة من جهة الكمّية حتّى يثبت القصاص أو الدية أو الأرش ، فتدبّر .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1008 .


382

مسألة 15 ـ لو كان الجرح يستوعب عضو الجاني مع كونه أقلّ في المجنيّ عليه لكبر رأسه مثلاً ، كأن يكون رأس الجاني شبراً ورأس المجنيّ عليه شبرين وجنى عليه بشبر يقتصّ الشبر وإن استوعبه ، وإن زاد على العضو كأن جنى عليه في الفرض بشبرين لا يتجاوز عن عضو بعضو آخر ، فلا يقتصّ من الرقبة أو الوجه ، بل يقتصّ بقدر شبر في الفرض ويؤخذ الباقي بنسبة المساحة إن كان للعضو مقدّر وإلاّ فالحكومة ، وكذا لا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من العضو . ولو انعكس وكان عضو المجنيّ عليه صغيراً فجنى عليه بمقدار شبر وهو مستوعب لرأسه مثلاً لا يستوعب في القصاص رأس الجاني بل يقتصّ بمقدار شبر وإن كان الشبر نصف مساحة رأسه1.

1 ـ الملاك في هذه المسألة أنّه لو كان تقدير الجناية وملاحظة ميزانها بسبب المساحة ، وكان للطول والعرض مدخلية في تقديرها ، لكان اللاّزم الالتزام بجواز الاقتصاص بشبر ، وإن كان مستوعباً لرأس الجاني دون المجنيّ عليه ، لعدم كون مقدار النسبة إلى الرأس وهي النصف في محلّ الفرض دخيلاً في التقدير ، فلا يقال إنّه قد وقع نصف رأسه مورداً للجناية ، بل يقال: أنّه قد جنى عليه بمقدار شبر .

ومن هنا يظهر الفرق بين المقام وبين مثل قطع اليد الذي لا يلاحظ في القصاص الصغر والكبر والسمن والهزال ومثل ذلك ، فإنّ التقدير هناك إنّما هو بعنوان القطع الذي يراعى ذلك في مقام الاقتصاص ، وأمّا في المقام فالتقدير بالمساحة كما عرفت ، فاللاّزم رعايتها من دون فرق بين الاستيعاب وعدمه ، نعم مع عدم إمكان رعايتها لصغر رأس الجاني وكون الجناية أزيد منه كما في الفرض الثاني فاللاّزم الرجوع في المقدار الباقي إلى الدية أو الأرش ، لأنّ الحكم بلزوم الاقتصار على المقدار الممكن ورفع اليد عن البقية ينافي حقّ المقتصّ منه ، كما أنّ الحكم باستيفاء


383

مسألة 16 ـ لو أوضح جميع رأسه بأن سلخ الجلد واللحم من جملة الرأس فللمجني عليه ذلك مع مساواة رأسهما في المساحة ، وله الخيار في الابتداء بأيّ جهة ، وكذا لو كان رأس المجنيّ عليه أصغر (أكبر ـ ظ) لكن له الغرامة في المقدار الزائد بالتقسيط على مساحة الموضحة ، ولو كان أكبر (أصغر ـ ظ) يقتصّ من الجاني بمقدار مساحة جنايته ولا يسلخ جميع رأسه ، ولو شجّه فأوضح في بعضها فله دية موضحة ، ولو أراد القصاص استوفى في الموضحة والباقي 1.

المقدار ولو في الوجه أو الرقبة لا مجال له ، لعدم كونهما من الرأس بوجه . وما في بعض الروايات من كون الوجه من الرأس(1) ـ مضافاً إلى عدم ثبوته ـ لا يكون لازمه جواز الاستيفاء من الوجه ، لعدم كون الجناية في هذا الجزء من الرأس كما لا يخفى .

ومنه ظهر أنّه لا مجال للتكميل من جزء آخر من الرأس كالتكميل من جانب اليمين ، لو فرض كون الجناية واقعة في طرف اليسار ، للزوم رعاية المماثلة من هذه الجهة وكون الجناية واقعة في امتداد واحد .

وممّا ذكرنا ظهر الحكم في الفرض الأخير ، وأنّه لابدّ من رعاية مساحة الجناية ، ولو كان عضو المجنيّ عليه صغيراً والجناية مستوعبة لرأسه دون الجاني ، كما هو واضح .

1 ـ في هذه المسألة فرعان:

الأوّل: ما لو أوضح جميع رأس المجنيّ عليه ، بأن سلخ الجلد واللّحم ، بحيث ظهر

(1) وسائل الشيعة: 19 / 296 ، أبواب ديات الشجاج ب 5 ح1 .


384

مسألة 17 ـ في الاقتصاص في الأعضاء غير ما مرّ كلّ عضو ينقسم إلى يمين وشمال كالعينين والاُذنين والأنثيين والمنخرين ونحوها لا يقتصّ إحداهما بالاُخرى ، فلو فقأ عينه اليمنى لا تقتصّ عينه اليسرى ، وكذا في غيرها ، وكلّ ما

وضح العظم وبياضه ، والحكم فيه في صوره الثلاثة واضح ، بمقتضى ما تقدّم من اعتبار المساحة أي الطول والعرض في مثله زائداً على العمق ، وعليه مع تساوي الرأسين في المساحة يقتصّ المجنيّ عليه بمثله ، ويوضح جميع رأس الجاني كذلك . ومع كون رأس المجنيّ عليه أكبر يثبت له الغرامة أيضاً ، زائدة على إيضاح جميع الرأس في المقدار الزائد بالتقسيط على مساحة الموضحة ، وفيما إذا كان رأس المجنيّ عليه أصغر لا يقتصّ من الجاني إلاّ بمقدار مساحة جنايته ، ولا يجوز له سلخ جميع الرأس ، وفي هذه الصورة يقع الكلام في أنّه هل يتعيّن عليه الابتداء بما ابتدأ منه الجاني كما اختاره في محكيّ المسالك(1) ، أو أنّ التفويض إلى الحاكم ، أو أنّ الخيار إلى المقتصّ في المقدّم والمؤخّر والوسط كما لعلّه الأقوى؟ وعليه لا يبعد القول بالتبعيض ، بأن يقتصّ بمقدار المساحة من الأبعاض المختلفة من الرأس ، فتدبّر .

الثاني: ما لو شجّه فأوضح في بعضها ، والظاهر التحقّق بضربة واحدة ، ولا شبهة في أنّه لو أراد القصاص استوفى في الموضحة والباقي ، ولو وصلت النوبة إلى الدية فليست في البين إلاّ دية واحدة وهي دية الموضحة لا هي مع الحارصة مثلاً . والوجه فيه أنّه لو كان الشجاج بنحو الإيضاح في المجموع لم يكن في البين إلاّ دية الموضحة ، إذ لا تفاوت في ديتها بتفاوتها طولاً وقصراً ، والتفاوت إنّما هو في القصاص لا الدية ، كما لا يخفى .

(1) مسالك الأفهام: 15 / 276 .


385

يكون فيه الأعلى والأسفل يراعى في القصاص المحلّ ، فلا يقتصّ الأسفل بالأعلى ، كالجفنين والشفتين1.

مسألة 18 ـ في الأذن قصاص يقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ، وتستوي أذن الصغير والكبير والمثقوبة والصحيحة إذا كان الثقب على المتعارف ، والصغيرة والكبيرة ، والصمّاء والسامعة ، والسمينة والهزيلة . وهل تؤخذ الصحيحة بالمخرومة ، وكذا الصحيحة بالمثقوبة على غير المتعارف بحيث تعدّ عيباً أو يقتصّ إلى حدّ الخرم والثقب والحكومة فيما بقى ، أو يقتصّ مع ردّ دية الخرم؟ وجوه لا يبعد الأخير ، ولو قطع بعضها جاز القصاص2.

1 ـ الوجه في عتبار خصوصية اليمينية والشمالية في الاقتصاص في الأعضاء التي ينقسم إلى يمين وشمال كالأعضاء المذكورة في المتن ـ مضافاً إلى دلالة بعض الروايات ووروده في بعضها كاليد على ما عرفت ـ وضوح اعتبار المماثلة في معنى القصاص لغة وعرفاً من دون فرق بين اختلاف اليمين واليسار في الآثار المترتّبة عليهما وبين اتّفاقهما فيها ، ولا مجال للاستدلال بإطلاق مثل قوله تعالى: ﴿وَالعَينَ بِالعَينِ(1) بعد عدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة ، بل في مقام بيان عدم وقوع العين في مقابل الاُذن مثلاً ، وممّا ذكرنا ظهر اعتبار خصوصية كون العضو أعلى وأسفل في الاقتصاص .

2 ـ أمّا أصل جريان القصاص في الاُذن ، فيدلّ عليه مضافاً إلى قوله تعالى: ﴿وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ الروايات وبعدهما الاجماع ، كما أنّ اعتبار المماثلة في المحلّ قد تقدّم

(1) المائدة 5 : 45 .


386

في المسألة السابقة . وأمّا الاستواء في الصغير والكبير ، وكذا في الصغيرة والكبيرة ، وكذا الصماء والسامعة ، وكذا السمينة والهزيلة ، وكذا الصحيحة والمثقوبة إذا كان الثقب على المتعارف بحيث لم تكن عيباً ، فيدلّ عليه إطلاق النصّ والفتوى .

نعم وقع الخلاف في أنّه هل تؤخذ الصحيحة بالمخرومة وكذا بالمثقوبة على غير المتعارف ، بحيث تعدّ عيباً على أقوال واحتمالات:

أحدها: الأخذ ، أخذاً بمقتضى إطلاق الأدلة كما في الموارد المتقدّمة .

ثانيها: ما عن الشيخ(1) وابن حمزة(2) والعلاّمة(3) والشهيد الثاني(4) من أنّه يقتصّ إلى حدّ الخرم والثقب ، ويثبت له الحكومة فيما بقي ، نظراً إلى عدم إمكان رعاية المماثلة في محلّ الخرم والثقب ، وإمكانها إلى ذلك الحد .

ثالثها: ما استحسنه المحقّق في الشرائع(5) وجعله في كشف اللثام(6) أشبه ، ونفى عنه البعد في المتن وهو الاقتصاص في المجموع ، مع ردّ دية الخرم إلى المقتصّ منه ، نظراً إلى إطلاق الأدلّة المؤيّد برواية الحسن بن حريش المتقدّمة ـ الواردة في رجل ضربت أصابعه بالسيف حتّى سقطت ، فأتى رجل فأطار يده(7) ـ الدالّة على أنّه تقطع يد قاطع الكفّ وتعطى دية الأصابع .

(1) المبسوط: 7 / 96 .

(2) الوسيلة: 445 ـ 446 ، لكن ظاهره الإنتقال إلى الدية .

(3) تحرير الأحكام: 2 / 258 ، إرشاد الأذهان: 2 / 207 .

(4) الروضة البهية: 10 / 85 ، مسالك الأفهام: 15 / 286 .

(5) شرائع الإسلام: 4 / 1010 .

(6) كشف اللثام: 2 / 477 .

(7) تقدّمت في ص359 ـ 360 .


387

مسألة 19 ـ لو قطع أذنه فألصقها المجنيّ عليه والتصقت فالظاهر عدم سقوط القصاص ، ولو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أذنه والتصقت ففي رواية قطعت ثانية لبقاء الشين . وقيل: يأمر الحاكم بالإبانة ، لحمله الميتة والنجس . وفي الرواية ضعف ، ولو صارت بالإلصاق حيّة كسائر الأعضاء لم تكن ميّتة ، وتصحّ الصلاة معها ، وليس للحاكم ولا لغيره إبانتها ، بل لو أبانه شخص فعليه القصاص لو كان عن عمد وعلم وإلاّ فالدية ، ولو قطع بعض الأذن ولم يبنها فإن أمكنت المماثلة في القصاص ثبت وإلاّ فلا ، وله القصاص ولو مع إلصاقها1.

وحكى في الجواهر(1) عن بعض الناس الانتقال إلى الدية(2) ، ولكنّ الظاهر أنّه لا مجال لاحتماله بوجه ، كما لا يخفى .

1 ـ الأصل في هذه المسألة رواية رواها الشيخ بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن غياث بن كلوب ، عن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه (عليهما السلام) : إنّ رجلاً قطع من بعض اُذن رجل شيئاً ، فرفع ذلك الى علي (عليه السلام) فأقاده ، فأخذ الآخر ما قطع من اُذنه فردّه على اُذنه بدمه ، فالتحمت وبرئت ، فعاد الآخر إلى علي (عليه السلام) فاستقاده ، فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت ، وقال (عليه السلام) : إنّما يكون القصاص من أجل الشين(3) .

وقد ضعّفها في المتن ، مع أنّ الحسن بن موسى الخشاب من وجوه الأصحاب ، وأمّا غياث بن كلوب فقد ذكر الشيخ في العدّة: إنه عملت الطائفة برواياته فيما

(1) جواهر الكلام: 42 / 385 .

(2) احتمله المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان: 14/91، كما هو ظاهر ابن حمزة في الوسيلة: 446.

(3) وسائل الشيعة: 19 / 139 ، أبواب قصاص الطرف ب 23 ح1 .


388

لم يكن عندهم خلافه(1) ، وعليه فالظاهر اعتبار الرواية . وعلى تقدير الضعف فالظاهر عدم كونه منجبراً بالعمل ، كما عن الرياض(2) وتبعه صاحب الجواهر (قدس سرهما)(3) .

ثمّ إنّه لو كانت الرواية معتبرة فالظاهر بمقتضى التعليل الوارد فيها الذي هو الملاك في الحكم ويتبعه سعة وضيقاً عدم ثبوت القصاص في الفرض الأوّل ; لأنّه بعد إلصاق المجنيّ عليه والالتصاق لا يبقى مجال للقصاص ، لاعتبار المماثلة في الشين فيه المنتفية مع الالتصاق قبله .

وأمّا الفرض الثاني فهو المعنون في المتن بما إذا ألصق الجاني اُذنه بعد القصاص والتصقت ، والظاهر أنّه مورد الرواية المذكورة وإن كان يظهر من بعض العبارات أنّ عنوانه ما إذا ألصق المجنيّ عليه اُذنه بعد القصاص مثل الشرائع ، حيث قال: ولو قطعت اُذن إنسان فاقتصّ ثم ألصقها المجنيّ عليه كان للجاني إزالتها لتحقّق المماثلة(4) . ومراده هي المماثلة في الشين ، وعليه فيظهر منه أنّه حمل الرواية المذكورة على هذا الفرض .

ومثل التنقيح ، حيث قال فيما حكي عنه: لا خلاف في جواز إزالتها ، لكن اختلف في العلّة ، فقيل: ليتساويا في الشين ، وقيل : لكونه ميتة ، ويتفرّع على الخلاف أنّه لو لم يزلها الجاني ورضي بذلك كان للإمام إزالتها على القول الثاني ،

(1) عدّة الاُصول: 1 / 380 .

(2) رياض المسائل: 10 / 359 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 366 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 1008 .


389

نجاسة فلا تصحّ الصلاة مع ذلك(1) .

وكيف كان فالحكم في هذا الفرض هو القطع ثانياً ، سواء كان بالعنوان المذكور في المتن أو بما هو مذكور في الشرائع ، غاية الأمر كون أحد العنوانين مورداً للرواية والآخر مستفاداً من العلّة المذكورة فيها .

كما أنّ المستفاد من العلّة هو القطع ثانياً ، ولو كان الالتصاق موجباً لصيرورتها حيّة مترتّبة عليها آثار الحياة من الإحساس وغيره ، لعدم الفرق في جريان العلّة بين ما إذا لم تصر حيّة ، وبين ما إذا صارت كذلك ، بل يمكن أن يقال بظهور موردها في هذه الصورة ، فتدبّر . هذا كلّه على تقدير القول باعتبار الرواية .

وأمّا على تقدير القول بالعدم ، فمقتضى القاعدة عدم سقوط القصاص في الفرض الأوّل ; لعدم الدليل على سقوطه بعد اقتضاء الإطلاقات للثبوت . كما أنّه لا دليل على جواز القطع والإزالة ثانياً في الفرض الثاني بعد تحقّق القصاص ، كما هو المفروض ، وعدم الدليل على كون الالتصاق موجباً للقصاص ثانياً ، أو لثبوت حق الإزالة للجاني على العنوانين في هذا الفرض .

نعم يدخل ذلك في مسألة النهي عن المنكر باعتبار كونه قطعة مبانة من حيّ ومحكومة بالنجاسة ، فلا تصحّ الصلاة معها ، فلا يرتبط بالجاني بما هو كذلك ، ولا بالمجنيّ عليه أيضاً ، بل لابدّ من رعاية شرائط تلك المسألة ، وعليه فلا يبقى مجال لجواز القطع والإزالة فيما لو صار الالتصاق موجباً لثبوت وصف الحياة وترتّب آثارها عليها ، فإنّها حينئذ تخرج عن عنوان الميتة والنجاسة ، فلا مجال للنهيّ عن المنكر أيضاً .

(1) التنقيح الرائع: 4 / 454 .


390

مسألة 20 ـ لو قطع أُذنه فأزال سمعه فهما جنايتان ، ولو قطع أذناً مستحشفة شلاّء ففي القصاص إشكال ، بل لا يبعد ثبوت ثلث الدية1.

وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ مستند المتن هو الوجه الثاني الذي يبتنى على عدم اعتبار الرواية ، وقال في الجواهر : والتحقيق الالتفات إليهما (يعني كلا الوجهين من الرواية والوجه الآخر) فمع العضو يبقى حقّ النجاسة ، ومع سقوط النجاسة إمّا لعدم انفصالها تماماً فلا تكون مبانة من حيّ ، أو لحصول ضرر يسقط وجوب الإزالة بالنسبة إلى الصلاة دون غيرها ، يبقى حق المساواة في الشين(1) . وإن كان يرد عليه أنّه مع الإلتزام بالرواية لا مجال للحكم بعدم سقوط القصاص في الفرض الأوّل ، كما لايخفى . نعم الظاهر تمامية ما حقّقه من الإلتفات إلى كلا الوجهين .

ثمّ إنّه يجري في قطع بعض الاُذن حكم قطع الكلّ ، بل مورد الرواية المتقدّمة هو قطع بعض الاُذن . وأمّا التعبير عنه في المتن بما لو قطع بعض الاُذن ولم يبنها فالظاهر وجود الخدشة فيه ، لأنّ المراد صورة القطع بالنحو المذكور في قطع الكلّ ، فتدبّر .

1 ـ في هذه المسألة فرعان:

الأول: ما إذا قطع اُذنه فأزال سمعه ، والظاهر كما في المتن أنّهما جنايتان . والوجه فيه وجود الانفكاك بينهما وثبوت ديتين فيهما ، وعليه فيترتّب على كلّ واحدة منهما حكمه ، فيقتصّ لقطع الاُذن ، وكذا لإزالة السمع بالنحو الذي يأتي في إذهاب ضوء البصر ، وعلى تقدير الانتقال إلى الدية تثبت الدية بالإضافة إليها ، كما لايخفى .

الثاني: ما لو قطع اُذناً مستحشفة عادمة للحسّ والحركة ، وقد تقدّم أنّ مقتضى النصّ والفتوى أنّه لا تقطع اليد الصحيحة باليد الشلاّء ، وأمّا هنا فالمحكي عن

(1) جواهر الكلام: 42 / 366 .


391

مسألة 21 ـ يثبت القصاص في العين وتقتصّ مع مساواة المحلّ ، فلا تقطع اليمنى باليسرى ولا بالعكس ، ولو كان الجاني أعور اقتصّ منه وإن عمي فإن الحقّ أعماه ، ولا يردّ شيء إليه ولو كان ديتها دية النفس إذا كان العور خلقة أو بآفة من الله تعالى ، ولا فرق بين كونه أعور خلقة أو بجناية أو آفة أو قصاص ، ولو قلع أعور العين الصحيحة من أعور يقتصّ منه1.

ظاهر ديات المبسوط الإجماع على أنّه يجب على قاطعها ثلث الدية(1) ، وعن حواشي الشهيد المنقول عدم القصاص(2) ، وعن القواعد الإشكال في ثبوت القصاص في الاُذن المستحشفة(3) . ويؤيّد عدم القصاص ـ مضافاً إلى إلغاء الخصوصية من النصّ الوارد في اليد ـ كون ديتها الثلث ، مع أنّ دية الاُذن الصحيحة النصف ، فالاختلاف في مقدار الدية كاشف عن عدم المماثلة ، وعليه فينتفى القصاص كما نفى عنه البعد في المتن .

1 ـ أمّا أصل ثبوت القصاص في العين فيدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالعَينَ بِالعَينِ(4) ، والروايات ، كما انّ اعتبار مساواة المحلّ ورعاية خصوصية اليمينية واليسارية قد تقدّم في بعض المسائل المتقدّمة .

وأمّا لو كان الجاني أعور الذي ذهبت واحدة من عينيه فيقتصّ منه ، وإن كان ذلك موجباً لصيرورته أعمى ، فإنّ الحقّ أعماه كما في الرّواية . ففي رواية محمّد بن

(1) المبسوط: 7 / 125 .

(2) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 173 .

(3) قواعد الأحكام: 2 / 307 ـ 308 .

(4) المائدة 5 : 45 .


392

مسألة 22 ـ لو قلع ذو عينين عين أعور اقتصّ له بعين واحدة ، فهل له مع ذلك الردّ بنصف الدية؟ قيل : لا ، والأقوى ثبوته ، والظاهر تخيير المجني عليه بين أخذ الدية كاملة وبين الاقتصاص وأخذ نصفها ، كما أنّ الظاهر أنّ الحكم ثابت فيما تكون لعين الأعور دية كاملة ، كما كان خلقة أو بآفة من الله ، لا في غيره مثل ما إذا قلع عينه قصاصاً1.

قيس قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أعور فقأ عين صحيح ، فقال: تفقأ عينه ، قال: قلت: يبقى أعمى ، قال: الحقّ أعماه(1) ، ومثلها مرسلة أبان التي هي رواية اُخرى ، وإن كان ظاهر الوسائل عدم التعدّد ، والفتوى على وفقهما جابرة للضعف والإرسال ، فلا مجال للإشكال . وعليه فيقتصّ من غير أن يردّ شيء إليه ، ولو كان ديتها دية النفس فيما إذا كان العور خلقة أو بآفة من الله ، كما سيأتي في الديات ، ومنه يظهر أنّه لو كان المجنيّ عليه أعور مثل الجاني ، وكانت الجناية قلع العين الصحيحة يقتصّ بطريق أولى .

1 ـ في هذه المسألة جهات من الكلام:

الاُولى:ثبوت الاقتصاص للمجنيّ عليه بعين واحدة دون العينين ، ولا خلاف فيه إلاّ من أبي عليّ الإسكافي(2) ، حيث خيّر المجنيّ عليه بين قلع عيني صاحبه ودفع خمسمائة دينار ، وبين قلع إحداهما وأخذ ذلك ، وهو كما في الجواهر(3) مع شذوذه وعدم وضوح مستنده ومخالفته لظاهر النصّ غريب ، فإنّ العينين إمّا أن تساويا

(1) وسائل الشيعة: 19 / 134 ، أبواب قصاص الطرف ب 15 ح1 .

(2) حكى عنه في مختلف الشيعة: 9 / 458 ـ 459 مسألة 137 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 370 .


393

عينه فلا ردّ وإلاّ فلاقلع .

الثانية:أنّه مع الاقتصاص بعين واحدة هل يثبت للمجنيّ عليه نصف الدية أيضاً، أو أنّ الثابت مجرّد الاقتصاص من غير ردّ ، فيه قولاً . الظاهر ثبوت الشهرة للقول الأوّل(1)،وقدحكي الثاني عن المفيد(2)، ـ وإن حكي عنه القول الآخر أيضاً(3)ـ والحلّي(4)، وقوّاه في التحرير(5) والمسالك(6) ، وجعله المحقّق في الشرائع أولى(7) ، واستدلّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَالعَينَ بِالعَينِ .

مع أنّه يرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ مثله إنّما هو في مقام بيان مصداق القصاص الذي يعتبر في مفهومه المماثلة ، والغرض منه إنّما هو وقوع العين في مقابل العين لا في مقابل الأعضاء الاُخر ، وأمّا اعتبار الانحصار وعدم ثبوت شيء آخر فلا يكون في مقام بيانه وإفادته ـ أنّه مع وجود الروايات الدالّة على ثبوت الردّ يقيَّد إطلاق الآية وتصير تلك الروايات بمنزلة القرينة على خلاف الظاهر ، وهي عبارة عن صحيحة محمد بن قيس قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعور أُصيبت عينه الصحيحة ، ففقئت أن تفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف

(1) المقنع: 517 ، المبسوط: 7 / 146 ، النهاية: 765 ـ 766 ، الوسيلة: 446 ـ 447 ، مختلف الشيعة: 9/459 مسألة 137 ، إيضاح الفوائد: 4 / 644 ، الروضة البهية: 10 / 82 .

(2) المقنعة: 761 .

(3) راجع مفتاح الكرامة: 11 / 164 .

(4) السرائر: 3 / 381 .

(5) تحرير الأحكام: 2 / 259 .

(6) مسالك الأفهام: 15 / 282 ، لكنّه قوّى القول الأوّل .

(7) شرائع الإسلام: 4 / 1009 .


394

الدية ، وإن شاء أخذ دية كاملة ويعفى عن صاحبه (1) . والظاهر أنّ قوله: وإن شاء من كلام أبي جعفر (عليه السلام) .

و رواية عبدالله بن الحكم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل صحيح فقأ عين رجل أعور؟ فقال: عليه الدية كاملة، فإن شاءالذي فقئت عينه أن يقتصّ من صاحبه ويأخذ منه خمسة آلاف درهم فعل; لأنّ له الدية كاملة، وقد أخذ نصفها بالقصاص(2).

وضعف السند على تقديره منجبر بالشهرة ، والمناقشة في الدلالة بما في المسالك(3) من أنّ الرواية تصلح شاهداً مؤيّداً بوجوب الدية لهذه الجناية كاملة على تقدير الخطأ واضحة البطلان ، لصراحة الروايتين خصوصاً الثانية في القصاص ، فلا مجال لما أفاده .

الثالثة:ثبوت التخيير في المقام بين الاقتصاص وأخذ نصف الدية وبين أخذ الدية كاملة ، وظاهر الجواهر(4) ثبوت الشهرة بين المتقدّمين عليه حتّى كاد أن يكون إجماعاً منهم ، بل عن الخلاف الإجماع عليه(5) ، وهذا وإن كان على خلاف ما تقدّم في استيفاء القصاص من أنّ ثبوت القصاص في محله إنّما يكون بنحو التعين ، والإنتقال إلى الدية إنّما هو في الرتبة المتأخّرة وفي طول القصاص ، إلاّ أنّه لا مانع من الالتزام بالتخيير في المقام مع دلالة الرواية عليه .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 252 ، أبواب ديات الأعضاء ب 27 ح2 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 253 ، أبواب ديات الأعضاء ب 27 ح4 .

(3) مسالك الأفهام: 15 / 282 .

(4) جواهر الكلام: 42 /370 ، وصريح مفتاح الكرامة: 11 / 163 .

(5) الخلاف: 5 / 251 مسألة 57 .


395

مسألة 23 ـ لو قلع عيناً عمياء قائمة فلا يقتصّ منه ، وعليه ثلث الدية1.

مسألة 24 ـ لو أذهب الضوء دون الحدقة اقتصّ منه بالمماثل بما أمكن إذهاب الضوء مع بقاء الحدقة ، فيرجع إلى حذّاق الأطباء ليفعلوا به ما ذكر . وقيل في طريقه: يطرح على أجفانه قطن مبلول ثمّ تحمى المرآة وتقابل بالشمس ثم تفتح عيناه ويكلّف بالنظر إليها حتى يذهب النظر وتبقى الحدقة ،

الرابعة:إنّ مورد الروايتين وإن كان مطلق من كان أعور ، سواء كان خلقة أو بآفة سماويّة أو كان بالجناية الواقعة عليه أو قصاصاً ، إلاّ أنّ الظاهر الاختصاص بالأوّلين ، لأنّ الدية الكاملة إنّما تكون بالإضافة إليهما ، كما هو مقتضى النصّ والفتوى ، وعليه فقوله (عليه السلام) : «وإن شاء أخذ دية كاملة» في الرواية الاُولى ، وقوله (عليه السلام) : «لأن له الدية كاملة» في الرواية الثانية قرينة على الاختصاص بهما .

ثمّ إنّ الحكم في المقام بجواز الاقتصاص وأخذ نصف الدية لا يستلزم الحكم بعدم ثبوت القصاص فيما إذا كان الجاني أعور والمجنيّ عليه ذا عينين ، كما في المسألة المتقدّمة، بعد كون مقتضى ثبوت جنايته العمدية تحقّق القصاص، ولا مجال للحكم بسقوطه، وإن كانت عينه الواحدة مساوية للعينين ، لأنّ الحقّ أعماه ، كما في الروايات المتقدّمة .

1 ـ الوجه في عدم الاقتصاص هنا ـ مضافاً إلى عدم تحقّق المماثلة المعتبرة في مفهوم القصاص ـ الاتفاق عليه ظاهراً كما في الجواهر(1) ، نعم في كون الدية الثلث أو الربع خلاف يأتي في كتاب الديات إن شاء الله تعالى .

(1) جواهر الكلام: 42 / 371 .


396

ولو لم يكن إذهاب الضوء إلاّ بإيقاع جناية أخرى كالتسميل ونحوه سقط القصاص وعليه الدية1.

1 ـ الوجه في لزوم الاقتصاص بالمماثل ـ أي بالنحو الذي يوجب ذهاب الضوء فقط مع بقاء الحدقة وعدم التعدّي ـ اعتبار المماثلة في مفهومه على ما عرفت . وعليه فمقتضى القاعدة الرجوع إلى الطبيب الحاذق واستعلام الكيفية المذكورة ، أو توكيله في أن يفعل به ما ذكر . ولكن ورد في المسألة رواية ، وهي ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن فضال ، عن سليمان الدهان ، عن رفاعة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إنّ عثمان (عمر) أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه ، فأنزل الماء فيها ، وهي قائمة ليس يبصر بها شيئاً ، فقال له: أعطيك الدية ، فأبى ، قال: فأرسل بهما إلى علي (عليه السلام) وقال: احكم بين هذين ، فأعطاه الدية ، فأبى ، قال: فلم يزالوا يعطونه حتّى أعطوه ديتين ، قال: فقال: ليس اُريد إلاّ القصاص ، قال: فدعا علي (عليه السلام) بمرآة فحماها ثم دعا بكرسف فبلّه ، ثم جعله على أشفار عينيه وعلى حواليها ثم استقبل بعينه عين الشمس ، قال : وجاء بالمرآة فقال: انظر ، فنظر فذاب الشحم وبقيت عينه قائمة وذهب البصر(1) .

ولم يثبت وثاقة سليمان الدهّان ، لكن عن الخلاف عليه إجماع الفرقة وأخبارهم(2) . وعن الروضة: القول باستيفائه على هذا الوجه هو المشهور(3) . ولكن التعبير عن هذا القول بمثل «قيل» كما في المتن تبعاً للمحقّق في الشرائع(4)

(1) وسائل الشيعة: 19 / 129 ، أبواب قصاص الطرف ب 11 ح1 .

(2) الخلاف: 5 / 175 مسألة 38 .

(3) الروضة البهية: 10 / 84 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 1009 .


397

مسألة 25 ـ تقتصّ العين الصحيحة بالعمشاء والحولاء والخفشاء والجهراء والعشياء1.

يشعر بل يدلّ على عدم ثبوت الشهرة .

وكيف كان ، فإن كان المراد تعيّن الاستيفاء بهذا الوجه كما أشار إليه في المتن ، فيرد عيه أنّه لا دلالة في الرواية على التعيّن بوجه ، بل غايته الدلالة على مشروعية هذه الكيفية ، وإن كان المراد مجرّد المشروعية ، فيمكن أن يقال: انّ المشروعية في تلك الأزمنة لعلّها كانت بلحاظ أنّها أسهل الطرق إلى الوصول بالغرض المذكور ، وأمّا في زماننا هذا مع تكامل العلوم المختلفة إذا كان للوصول إليه طريق أسهل لايستلزم تعذيب الجاني بالمقدارالموجود في هذه الكيفية، فلادليل على مشروعيتها بوجه ، بل تتعيّن الاستفادة من الأدوية المؤثِّرة والتزريقات كذلك ومثلهما .

وبالجملة: يتعيّن الرجوع إلى الطبيب الحاذق كما في المتن ، وإن كان فيه إشارة إلى أنّه لا مانع من الأخذ بها للاكتفاء على النقل من دون إشعار إلى تضعيفه ، فتدبر .

ثم إنّ الظاهر أنّ المراد من استقبال عين الشمس في الرواية هي عينها المنعكسة في المرآة ، وإلاّ لاخصوصية في المرأة لو كان الغرض منها مجرّد الحرارة دون شعاع الشمس ، وعليه فلا فرق بين ما في المتن وما في الرواية .

كما أنّه من الواضح أنّه مع عدم إمكان القصاص إلاّ بإيقاع جناية اُخرى كالتسميل ونحوه يسقط القصاص ، ويتحقّق الانتقال إلى الدية ، كما لا يخفى .

1 ـ الوجه في الاقتصاص بها دون العمياء كون التفاوت بالنفع ، إذ العمش كما في الجواهر(1) خلل في الأجفان يقتضي سيلان الدمع غالباً ، والحول الإعوجاج ،

(1) جواهر الكلام: 42 /371 .


398

مسألة 26 ـ في ثبوت القصاص لشعر الحاجب والرأس واللّحية والأهداب ونحوها تأمّل ، وإن لا يخلو من وجه . نعم لو جنى على المحلّ بجرح ونحوه يقتصّ منه مع الإمكان1.

والخفش عدم حدّة في البصر بحيث يرى من بعد ، أو بعض الإحتمالات الاُخر مثل صغر العين . والجهر عدم البصر نهاراً ضد العشاء الّذي هو عدم البصر ليلاً . ومن الواضح أنّ التفاوت بالصحّة والعيب لا يمنع عن القصاص ، كما في سائر الأعضاء .

1 ـ صرّح المحقّق في الشرائع بثبوت القصاص في الحاجبين وشعر الرأس واللّحية(1) ، نعم عن القواعد بعد الحكم بثبوت القصاص في الأهداب والأجفان : وفي شعر الرأس واللحية والحاجبين على إشكال ينشأ من أنّه إن لم يفسد المنبت فالشعر يعود ، وإن أفسده فالجناية على البشرة ، والشعر تابع(2) ، أي فان كان إفساده بما يمكن الاقتصاص له اقتصّ وهو قصاص للبشرة لا الشعر ، وإلاّ تعيّنت دية الشعر على التفصيل الآتي في محلّه وأرش البشرة إن جرحت(3) .

ومقتضى التحقيق هو التفصيل بين ما إذا كانت الجناية موجبة لزوال الشعر فقط ، من دون أن تكون مفسدة للمنبت ، فالظاهر ثبوت الاقتصاص ، لأنّه لا مانع من ثبوته بعد عموم أدلّة القصاص وإمكان الاقتصاص . وأمّا إذا أفسدت المنبت فحيث أنّ الجناية واحدة وأصلها واقع على البشرة والشعر تابع ، فإن أمكن الاقتصاص كما هو الظاهر في زماننا هذا فالظاهر ثبوته ، وإن لم يمكن فيسقط

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1009 .

(2) قواعد الأحكام: 2 / 307 .

(3) كشف اللثام: 2 / 477 .


399

وينتقل إلى الدية . كما أنّه لو جنى على المحلّ بمثل الجرح يتحقّق القصاص مع الإمكان .

هذا هو مقتضى القاعدة ، ولكن ورد في المسألة بعض الروايات مثل صحيحة سليمان بن خالد التي هي متّحدة مع مرسلة علي بن خالد (حديد) عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت : الرجل يدخل الحمّام فيصبّ عليه صاحب الحمّام ماءً حارّاً فيمتعط شعر رأسه فلا ينبت ، فقال: عليه الدية كاملة(1) .

ويمكن أن يكون الوجه لثبوت الدية دون القصاص عدم إمكان الاقتصاص ، كما لعلّه الظاهر في تلك الأزمنة ، ويمكن أن يكون الوجه أن الجناية لم تكن عمدية موجبة للقصاص بل شبه عمد موجبة للدّية ، وعلى التقدير الثاني تخرج الرواية عن باب القصاص .

ورواية سلمة بن تمام قال: أهرق رجل قدراً فيها مرق على رأس رجل فذهب شعره ، فاختصموا في ذلك إلى علي (عليه السلام) فأجّله سنة ، فجاء فلم ينبت شعره ، فقضى عليه بالدية(2) .

وهذه الرواية مضافاً إلى ضعفها ، لعدم توثيق سلمة الذي هو من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ، لا دلالة لها على نفي القصاص مع إمكانه وإيجاد مماثل الجناية ، والتأجيل لا دلالة له على عدم ثبوت القصاص في الشعر المجرّد عن فساد المنبت ، لما عرفت من أنّه مع الإفساد يكون الشعر تابعاً ، وليس جناية مستقلّة .

ورواية مسمع ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في اللّحية إذا

(1) وسائل الشيعة: 19 / 261 ، أبواب ديات الأعضاء ب 37 ح2 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 261 ، أبواب ديات الأعضاء ب 37 ح3 .


400

مسألة 27 ـ يثبت القصاص في الأجفان مع التساوي في المحلّ ، ولو خلت أجفان المجنيّ عليه عن الأهداب ففي القصاص وجهان ، لا يبعد عدم ثبوته ، فعليه الدية1.

مسألة 28 ـ في الأنف قصاص ، ويقتصّ الأنف الشام بعادمه ، والصحيح

حلقت فلم تنبت الدية كاملة ، فإذا نبتت فثلث الدية(1) .

وهذه الرواية وإن كانت ظاهرة في عدم القصاص في حلق اللحية مع النبات إلاّ أنّه لأجل ضعفها لا يمكن الاعتماد عليها في مقابل العمومات . ثمّ إنّ ظاهر المتن باعتبار إضافة الشعر إلى الحاجب كون الحاجب غير الشعر ، كما في محكي القاموس حيث قال: الحاجبان العظمان فوق العينين بلحمهما وشعرهما(2) . ولكن ظاهر المحقّق في الشرائع(3) أنّ المراد به هو الشعر كما في اللحية .

1 ـ أمّا ثبوت القصاص في الأجفان فلإمكانه وشمول الأدلّة ، لكن مع رعاية التساوي في المحلّ من جهة اليمينية والشمالية والأسفلية والأعلائية ، وأمّا مع خلوّ أجفان المجنيّ عليه عن الأهداب واشتمال أجفان الجاني عليها ففي القصاص وجهان: من تبعية الأهداب للأجفان ، كالشعور النابتة على اليد غير المانعة عن القصاص ، كما في المرأة والرجل; ومن أنّ الأهداب لها أصالة باعتبار ترتّب آثار كثيرة عليها ، ولها وحدها دية ، فلا يقاس بتلك الشعور . وهذا الوجه هو الأقرب ، فالظاهر حينئذ أنّ فيه الدية دون القصاص .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 260 ، أبواب ديات الأعضاء ب 37 ح1 .

(2) القاموس المحيط: 1 / 54 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 1009 .


401

بالمجذوم ما لم يتناثر منه شيء ، وإلاّ فيقتصّ بمقدار غير المتناثر . والصغير والكبير والأفطس والأشمّ والأقنى سواء . والظاهر عدم اقتصاص الصحيح بالمستحشف الذي هو كالشلل ، ويقتصّ بقطع المارن وبقطع بعضه ، والمارن هو ما لان من الأنف ، ولو قطع المارن مع بعض القصبة فهل يقتصّ المجموع أو يقتصّ المارن وفي القصبة حكومة؟ وجهان ، وهنا وجه آخر ، وهو القصاص ما لم تصل القصبة إلى العظم ، فيقتصّ الغضروف مع المارن ولا يقتصّ العظم1.

1 ـ أمّا أصل ثبوت القصاص في الأنف ، فيدلّ عليه الكتاب ولا شبهة فيه . وأمّا اقتصاص الأنف الشامّ بعادمه فلأجل عدم ارتباط الشمّ بالعضو ، فهو كقطع الأذن الصحيحة بالصمّاء على ما عرفت .

كما أنّ الظاهر اقتصاص الصحيح بالمجذوم إذا لم يتناثر منه شيء ، كما في المتن تبعاً للمحقّق في الشرائع(1) . لكن عن القواعد(2) وكشف اللثام(3) أنّه لا يقطع العضو الصحيح بالمجـذوم وإن لم يسقط منه شيء فإنّه معرض له ، ولكن يرد عليهما أن المعرضية للسقوط ما دام لم يتحقّق السقوط لا دليل على كونها مانعة عن القصاص في مقابل العمومات ، ولا دليل على كونه كالأنف المستحشف الذي يكون فاقداً لآثار الحياة وعادماً للحركة الطبيعية ، حيث لا يقتصّ به الصحيح ، كما في الأذن المستحشف وفي اليد الشلاّء على ما تقدّم . نعم مع سقوط مقدار منه بالجذام يتحقّق الاقتصاص بمقدار غير المتناثر .

ولا فرق أيضاً بين الصغير والكبير ، والأفطس الذي هو من انخفضت قصبة

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1010 .

(2) قواعد الأحكام: 2 / 303 .

(3) كشف اللثام: 2 / 471 .


402

مسألة 29 ـ يقتصّ المنخر بالمنخر مع تساوي المحلّ ، فتقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ، وكذا يقتصّ الحاجز بالحاجز ، ولو قطع بعض الأنف قيس المقطوع إلى أصله واقتصّ من الجاني بحسابه ، فلو قطع بعض المارن قيس إلى تمامه ، فإن كان نصفاً يقطع من الجاني النصف أو ثلثاً فالثلث ، ولا ينظر إلى عظم المارن وصغره ، أو قيس إلى تمام الأنف فيقطع بحسابه لئلاّ يستوعب أنف الجاني إن كان صغيراً1.

أنفه ، والأشم الذي هو من ارتفعت قصبته قليلاً في استواء ، والأقنى الذي هو عبارة عمن ارتفع وسط قصبته وضاق منخراه ، هذا كلّه في قطع تمام الأنف .

وأمّا قطع البعض فإن كان المقطوع هو المارن الذي هو ما لان من الأنف أو بعضه فالظاهر ثبوت القصاص فيه لإمكانه وشمول الأدلّة ، وإن كان المقطوع هو المارن مع بعض القصبة فهل يقتصّ المجموع لإمكانه ، أو يقتصّ المارن وفي القصبة حكومة; لأنّها غضروف وهو نوع من العظم ولا قصاص فيه ، أو ثبوت القصاص في القصبة ما لم تصل إلى العظم ; لأنّ العظم الذي لا يجري فيه القصاص هو العظم المشتمل على الصعوبة ، وأمّا الغضروف فلا مانع من جريان القصاص فيه؟ وجوه ثلاثة; لا يبعد ترجيح الوجه الثالث كما ربّما يشعر به المتن .

1 ـ في هذه المسألة فرعان:

أحدهما: ثبوت القصاص في أحد المنخرين اللّذين هما ثقبا الأنف مع التساوي في المحلّ ، وكذا في الحاجز ، والوجه فيه شمول الأدلة وثبوت الحدّ له الموجب لإمكان القصاص .

ثانيهما: مقدار القصاص في قطع بعض الأنف ، وذكر في المتن ثبوت طريقين له:


403

أحدهما: مقايسة المقدار المقطوع من المارن مثلاً مع تمام المارن ، إن نصفاً فنصف ، وإن ثلثاً فثلث ، وهكذا ، من دون نظر إلى عظم المارن وصغره .

ثانيهما: مقايسة المقدار المذكور مع مجموع الأنف بالنحو المذكور ، والاقتصاص من الجاني بالحساب ، وعلّل الوجهين بأن لا يتحقّق استيعاب أنف الجاني إن كان صغيراً . والظاهر عدم الاختلاف بين الوجهين إلاّ أحياناً وبمقدار يسير .

وفي الجواهر: كذا ذكره من تعرّض لذلك كالشيخ(1) والفاضل(2) وثاني الشهيدين(3) والاصبهاني(4) . ثم أورد عليه باقتضائه قطع القليل بالكثير وبالعكس ، وبمنافاته لما مرّ في الشجاج من أنّه لو كان رأس الشاج صغيراً استوعبناه وأخذنا أرش الزائد بنسبة المتخلّف إلى أصل الجرح . ثم قال: اللّهمّ إلاّ أن يدعى استفادة النسبة المزبورة ممّا ورد من قوله تعالى: ﴿الأَنفَ بِالأَنفِ(5) مثلاً ، ولكنّه كما ترى . ثم قال: ولعلّ الأولى فيه التقاصّ بما يمكن منه عرفاً والرجوع في غيره إلى الدية(6) .

أقول: الظاهر أنّ الفرق بين المقام وبين الشجاج ـ وهي الجراحات الواردة على الرأس ـ هو العرف الحاكم بتقدير الجناية في الرأس من جهة الطول والعرض والعمق ، وبتقديرها في المقام من جهة تمام المارن مثلاً أو نصفه وهكذا لا من جهة

(1) المبسوط : 7 / 96 .

(2) تحرير الأحكام: 2 / 259 .

(3) الروضة البهية: 10 / 86 .

(4) كشف اللثام: 2 / 477 .

(5) المائدة 5 : 45 .

(6) جواهر الكلام: 42 / 384 .


404

مسألة 30 ـ تقتصّ الشفة بالشفة مع تساوي المحلّ ، فالشفة العليا بالعليا والسفلى بالسفلى ، وتستوي الطويلة والقصيرة ، والكبيرة والصغيرة ، والصحيحة والمريضة ما لم يصل إلى الشلل ، والغليظة والرقيقة ، ولو قطع بعضها فبحساب المساحة كما مرّ ، وقد ذكرنا حدّ الشفة في كتاب الديات1.

مسألة 31 ـ يثبت القصاص في اللسان وبعضه ببعض بشرط التساوي في النطق ، فلا يقطع الناطق بالأخرس ويقطع الأخرس بالناطق وبالأخرس ، والفصيح بغيره ، والخفيف بالثقيل ، ولو قطع لسان طفل يقتصّ به إلاّ مع إثبات خرسه ، ولو ظهر فيه علامات الخرس ففيه الدية2.

المساحة ، فالفارق هو العرف ، ومنه يظهر عدم تمامية العلّة المذكورة في المتن ، فإنّ الاستيعاب بمجرّده لو كان مانعاً لكان مانعاً في الرأس أيضاً ، فتدبّر .

1 ـ أما أصل ثبوت القصاص في الشفة ، فيدلّ عليه عمومات أدلّة القصاص بضميمة إمكان القصاص ورعاية المماثلة ، واللاّزم رعاية تساوي المحلّ من جهة العلو والسفل ، ولا فرق فيه من جهة الخصوصيات والعوارض المؤثِّرة في كثرة النفع وقلّته وجماله وغيره ما لم يصل إلى الشلل الموجب لانعدام الحركة الطبيعيّة وزوال آثار الحياة ، فلا يقتصّ بها الصحيحة كما في اليد الشلاّء وغيرها ، ولو قطع بعضها فبحساب المساحة المركّبة من الطول والعرض كما في الرأس ، وحدّ الشفة مذكور في كتاب الديات ، وسيأتي إن شاء الله تعالى .

2 ـ أمّا أصل ثبوت القصاص في اللّسان وفي بعضه فلما ذكر في المسألة السابقة ، ويشترط فيه التساوي في النطق ، فلا يقطع الناطق بالأخرس ، ولا يقاس اللسان


405

مسألة 32 ـ في ثدي المرأة وحلمته قصاص ، فلو قطعت امرأة ثدي أخرى أو حلمة ثديها يقتصّ منها ، وكذا في حلمة الرجل القصاص فلو قطع [الرجل] حلمته يقتصّ منه مع تساوي المحلّ ، فاليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ، ولو قطع الرجل حلمة ثدي المرأة فلها القصاص من غير ردّ1.

بالاُذن التي عرفت استقلالها عن القوّة السامعة ، وجريان الاقتصاص في الصحيحة وإن كان المجنيّ عليها صمّاء ، وذلك للفرق بارتباط النطق باللسان بخلاف الاُذن ، كما لا يخفى . ولا فرق في الاقتصاص بين الخصوصيات من جهة الفصاحة والخفّة وغيرهما .

ولو قطع لسان طفل ، فإن ظهر فيه علامات الخرس فلا يجري فيه الاقتصاص ، كما أنّه لو ظهر فيه علامات النطق يتحقّق الاقتصاص بلا إشكال ، وفي صورة الشكّ وعدم ظهور شيء من العلامتين فظاهر المتن الثبوت . ولعلّ الوجه فيه أصالة السلامة الناشئة من غلبتها المعتبرة عند العقلاء ، وإلاّ فالظاهر عدم الثبوت ، لأنّه لا مجال للتمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية للمخصّص . بل يمكن القول بأنّ المقام شبهة مصداقية لنفس العامّ ، لاعتبار المماثلة في مفهوم القصاص وهي مشكوكة ، ولا شبهة فيه في عدم جواز التمسك ، كما لا يخفى .

1 ـ أمّا أصل ثبوت القصاص في ثدي المرأة وكذا في حلمته وفي حلمة الرجل فلما مرّ من عموم أدلّة القصاص ، غاية الأمر لزوم رعاية تساوي المحلّ من جهة اليمين واليسار ، فلو تساوى الجاني والمجنيّ عليه من جهة الذكورة والاُنوثة فالأمر واضح . ولو اختلفا فان قطع الرجل حلمة ثدي المرأة ففي المتن: ان لها القصاص من غير ردّ ، ومقتضاه ثبوت القصاص في العكس أيضاً . ومرجعه إلى أنّ اختلاف


406

مسألة 33 ـ في السنّ قصاص بشرط تساوي المحلّ ، فلا يقلع ما في الفكّ الأعلى بما في الأسفل ولاالعكس ، ولا ما في اليمين باليسار وبالعكس ، ولا تقلع الثنية بالرباعية أو الطاحن أو الناب أو الضاحك وبالعكس ، ولا تقلع الأصلية بالزائدة ، ولا الزائدة بالأصلية ، ولا الزائدة بالزائدة مع اختلاف المحلّ1.

الحلمتين في الآثار وترتّب آثار مهمّة على حلمة ثدي المرأة لا يوجب خللاً في القصاص ، وليس مثل العضو الصحيح والشلل ، وهذا هو الظاهر .

1 ـ الدليل على ثبوت القصاص في السنّ قوله تعالى: ﴿وَالسِنَّ بِالسِنِّ(1) وكذا عمومات أدلّة القصاص كتاباً وسنّة . والظاهر لزوم رعاية تساوي المحلّ من جهة الفكّ الأعلى والأسفل ، ومن جهة اليمين واليسار ، وكذا من جهة العناوين الموجودة في السنين ، حيث إنّها ثمان وعشرون واحداً ، اثنتا عشر في مقاديم الفم ، ثنيتان من فوق وهما وسطها ، ورباعيتان خلفهما ، ونابان خلفهما ، ومثلها من أسفل . والمآخير ستّة عشر وهي في كلّ جانب ضاحك ، وثلاثة أضراس ، ومثلها من أسفل . وزاد الشافعي(2) أضراس العقل وهي النواجذ الأربعة ، فتكون اثنتين وثلاثين . ولكنه ليست غالبة في العادة ، والوجه في لزوم رعاية الجهتين اعتبار المماثلة في القصاص كما عرفت .

ولكنّه ربّما يقال بعدم اعتبار تساوي المحلّ أخذاً بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَالسِنَّ بِالسِنِّ ، وقد عرفت مراراً عدم جواز الأخذ بمثله بعد عدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة ، مضافاً إلى وضوح الاختلاف باختلاف المحلّ ، كما في سائر الأعضاء .

(1) المائدة 5 : 45 .

(2) الحاوي الكبير: 15 / 349 ـ 350 ، المجموع : 20 / 71 .


407

مسألة 34 ـ لو كانت المقلوعة سنّ مثغر ، أي أصلي نبت بعد سقوط أسنان الرضاع ففيها القصاص ، وهل في كسرها القصاص أو الدية والأرش؟ وجهان الأقرب الأوّل ، لكن لابدّ في الاقتصاص كسرها بما يحصل به المماثلة كالآلات الحديثة ، ولا يضرب بما يكسرها لعدم حصولها نوعاً1.

وأمّا قلع الأصلية بالزائدة ، فإن كان المراد بالزائدة هي التي نبتت مع الأصلية من منبت واحد فالظاهر عدم الجواز ; لعدم تحقّق المماثلة بوجه; وإن كان المراد بها هي التي يعبَّر عنها بالنابتة ، وهي ما نبتت في مكان الأصلية بعد قلعها ، على خلاف حكم أهل الخبرة بعدم العود وهي التي تكون هبة الله ، فالظاهر الجواز لثبوت المساواة وتحقّق المماثلة . ولكن الظّاهر عدم كون المراد بالزائدة الوجه الثاني ، خصوصاً بعد كون دية الزائدة ثلث دية الأصلية ودية النابتة تمامها . وممّا ذكرنا يظهر أنّه لا يجوز قلع الزائدة بالأصلية أيضاً . نعم يجوز قلع الزائدة بالزائدة مع اتحاد المحلّ لتحقّق المماثلة حينئذ .

1 ـ المراد بالمثغر هو الشخص الذي نبت سنّه بعد سقوط أسنان الرضاع من أصلها الذي يكون مدفوناً في اللحم ، وعليه فجعله بمعنى الأصلي الذي هي صفة للسنّ فيه مسامحة كما في المتن ، مع أنّه على هذا التقدير كان المناسب جعله وصفاً يتبع الموصوف في الإعراب ، فكان اللاّزم نصب السنّ ، كما لا يخفى .

وكيف كان فثبوت القصاص فيه مع القلع إنّما هو لدلالة الآية عليه كما عرفت ، بل هو المصداق الظاهر لها . وأمّا مع الكسر دون القلع فالظاهر ثبوت القصاص فيه أيضاً ، لأنّه وإن كان من العظام إلاّ أنّه حيث يكون لحماً بارزاً ظاهراً يشاهد من أكثر جوانبه يمكن تحقّق المماثلة فيه من جهة الكسر ، خصوصاً بالآلات الحديثة


408

مسألة 35 ـ لو عادت المقلوعة قبل القصاص فهل يسقط القصاص أم لا؟ الأشبه الثاني ، والمشهور الأوّل ، ولا محيص عن الاحتياط بعدم القصاص ، فحينئذ لو كان العائدة ناقصة أو متغيّرة ففيها الحكومة ، وإن عادت كما كانت فلا شيء غير التعزير إلاّ مع حصول نقص ففيه الأرش1.

الشائعة في زماننا هذا . نعم لا مجال للضرب بما يكسره ، لامكان التفاوت بين الضربين وعدم حصول المماثلة نوعاً .

1 ـ لو عادت المقلوعة المفروضة في المسألة السابقة قبل القصاص ، كما إذا تأخّر القصاص مدّة لفرار الجاني أو غيره فهل يسقط القصاص أم لا؟ صريح المتن إنّ المشهور هو الأوّل(1) ، وفي الجواهر بعد حكم المحقّق(2) بنفي القصاص والدية قال: بلا خلاف محقّق أجده فيه(3) . والوجه في السقوط ما عرفت من الرواية الواردة في الاُذن الدالّة على أنّ القصاص إنّما يكون لأجل الشين(4) ، والمفروض ارتفاعه بعود المقلوعة وإن كان على خلاف العادة ، كما أنّ الوجه في عدم السقوط ـ مضافاً إلى الاستصحاب ـ كون هذه نعمة وهبة جديدة من الله تعالى بانباته ، فلا يسقط حقّه به على الجاني ، لكنّ الاحتياط اللاّزم في ترك القصاص .

ثمّ على تقدير عدم القصاص تارة تكون المقلوعة ناقصة أو متغيّرة ، واُخرى تكون كما كانت ، ففي الفرض الأوّل يكون فيها الحكومة والأرش ، وهل هي

(1) مسالك الأفهام: 15 / 289 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 1011 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 387 .

(4) تقدّمت في ص387 .


409

تفاوت ما بين قيمته بسنّ تامّة لو فرض عبداً وما بين قيمته بسنّ متغيّرة وملاحظة التفاوت مع الدية الكاملة ، كما هو المحكي عن بعض(1) ، أو أنّها عبارة عن تفاوت ما بين كونه مقلوع السنّ مدّة ثم نبتت متغيّرة ، وبين كونه بسنّ في تلك المدّة وبعدها غير متغيّرة ، كما عن غاية المراد(2) والمسالك(3) للشهيدين؟ وجهان .

وفي الفرض الثاني حكم في المتن بأنّه لا شيء فيه غير التعزير إلاّ مع حصول نقص ففيه الارش ، وقد استحسن المحقّق في الشرائع(4) ثبوت الأرش فيه مطلقاً ، وقد أوضحه الشهيد في محكى غاية المراد بأن يقوّم مقلوعها مدّة وغير مقلوعها أصلاً(5) ، وإنّما كان ذلك هو الوجه ; لأنّه نقص دخل على المجنيّ عليه بسبب الجاني فلا يهدر ، للحديث(6) ولزوم الظلم ، وعود السنّ نافي القصاص أو الدية لا ذلك النقص ، لاستحالة إعادة المعدوم .

وأمّا التفصيل في ثبوت الأرش في هذا الفرض بين مورد حصول النقص وغيره ، فالظاهر أنّ النظر فيه إلى أنّ المقلوعية مدّة هل أوجبت نقصاً كمرض ونحوه أم لا؟ فإن أوجبت يلاحظ التفاوت بالإضافة إليه ، وعليه فمرجعه إلى عدم تسلّم ما في غاية المراد ، فيدلّ على أنّ المراد بالحكومة في الفرض الأوّل هو الوجه الأول . ولعلّ الوجه فيه ما في الجواهر : من عدم كون الحرّ مالا يدخله النقص في

(1) كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع: 4 / 457 .

(2) غاية المراد: 375 .

(3) مسالك الأفهام: 15 / 290 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 1011 .

(5) غاية المراد: 375 .

(6) وسائل الشيعة : 19/134 ، أبواب قصاص الطرف ب14 ح3 وص258 ، أبواب ديات الأعضاء ب33 .


410

مسألة 36 ـ لو عادت بعد القصاص فعليه غرامتها للجاني بناء على سقوط القصاص إلاّ مع عود سنّ الجاني أيضاً ، وتستعاد الدية لو أخذها صلحاً . ولو اقتصّ وعادت سنّ الجاني ليس للمجنيّ عليه إزالتها ، ولو عادت سنّ المجنيّ عليه ليس للجاني إزالتها1.

مثل ذلك ، وكون العبد أصلاً له في ما ليس له مقدّر إنّما هو في الجراحات ، وليس ذلك منها(1) . مع إمكان المنع في العبد أيضاً ، لأنّ المقلوعية مدّة بمنزلة فقد الصحّة فيها مع العود بعدها ، كما لا يخفى .

1 ـ الوجه في ثبوت الغرامة بناء على سقوط القصاص في المسألة المتقدّمة إنّما هو كون العود كاشفاً عن عدم ثبوت حقّ القصاص ، وإنّه قد وقع في غير محلّه ، وحيث إنّ وقوعه كان مشروعاً مستنداً إلى أصالة عدم العود فلا محالة تثبت الغرامة بدلاً عن القصاص والدية إلاّ مع عود سنّ الجاني أيضاً ، فلا مجال للغرامة ، خلافاً لما عن الشيخ(2) والفاضلين(3) من عدم غرامة الدية ، وممّا ذكرنا ظهر أنّه لو كان المجنيّ عليه أخذ الدية صلحاً وبعوض القصاص مع التراضي فاللاّزم مع العود إرجاعها إلى الجاني .

ولواقتصّوعادت سنّ الجاني ففي المتن تبعاًللمحقّق في الشرائع(4) وابن إدريس(5)

(1) جواهر الكلام: 42 / 388 .

(2) المبسوط : 7 / 99 .

(3) مختلف الشيعة: 9 / 390 ـ 391 ، مسألة 69 .

(4) شرائع الإسلام: 4 / 1011 .

(5) السرائر: 3 / 387 .


411

والفاضل(1) والشهيدين(2) والأردبيلي(3) على ما حكي عنهم لم يكن للمجنيّ عليه إزالتها ، ولكن المحكيّ عن الخلاف(4) والمبسوط(5) والوسيلة(6) أنّ له إزالتها أبداً أي متعدّداً مادام العود ، بل في المبسوط أنّه الذي يقتضيه مذهبنا ، بل في الأول أنّ عليه إجماع الفرقة وأخبارهم ، وإن اعترض عليه في السرائر بعدم ثبوت الإجماع والأخبار بوجه . قال: وإنّما أجمعنا في الاُذن لأنّها ميتة لا تجوز الصلاة معها ; لأنّه حامل نجاسة ولإجماعناوتواتر أخبارنا، فالتعدية إلى السنّ قياس وهو باطل عندنا.

ولكن ذكر في الجواهر أنّه يمكن أن يكون الشيخ أشار بالأخبار إلى ما سمعته في الاُذن من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : وإنّما يكون القصاص من أجل الشين(7) ، الصريح في أنّ إزالتها لذلك لا لنجاستها ، بل وإلى ما ورد(8) في سنّ غير المثغر التي أنبتت من عدم القصاص بها ، إذ ليس هو إلاّ لانباتها ، فلا يقلع بها سنّ المثغر التي لم تعد في العادة إن قلعت ، وبنبات السنّ من المثغر في الفرض يظهر أنّها بحكم غير المثغر ، وإن كان على خلاف العادة ، فلا تصلح أن تكون قصاصاً عن سنّ المثغر وإلاّ لشرع القصاص لها بسنّ المثغر ، فالمتجه حينئذ ما ذكره الشيخ(9) .

(1) قواعد الأحكام: 2 / 308 ، إرشاد الأذهان: 2 / 207 .

(2) الروضة البهية: 10 / 87 ، وحكى عن حواشي الشهيد الأول في مفتاح الكرامة: 10/182 .

(3) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 99 .

(4) الخلاف: 5 / 204 مسألة 77 .

(5) المبسوط : 7 / 99 .

(6) الوسيلة: 448 .

(7) وسائل الشيعة: 19 / 139 ، أبواب قصاص الطرف ب 23 ح1 .

(8) وسائل الشيعة: 19 / 258 ، أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح1 .

(9) جواهر الكلام: 42 / 395 .


412

مسألة 37 ـ لو قلع سنّ الصبي ينتظر به مدّة جرت العادة بالإنبات فيها ، فإن عادت ففيها الأرش على قول معروف ، ولا يبعد أن يكون في كلّ سنّ منه بعير ، وإن لم تعد ففيها القصاص1.

وكيف كان فإن قلنا بحجّية ما ورد في الاُذن المشتمل على التعليل المذكور ، فاللاّزم الالتزام بجواز الإزالة أبداً ، وإلاّ فاللاّزم الأخذ بمقتضى القاعدة ، وربّما يقال بالابتناء على كون العائدة هبة من الله تعالى فلا تجوز الإزالة ، أو بدل الفائت فتجوز . ولكنّ الظاهر أنّه بناء على البدليّة لا تجوز الإزالة أيضاً ، لأنّ العود بمنزلة اندمال الجرح الواقع قصاصاً ، فكما أنّه لا يوجب مشروعية القصاص ثانياً فكذلك العود ، وعدم مشروعية القصاص في سنّ المثغر إذا كانت الجناية على سنّ غير المثغر لا يستلزم جواز الإزالة في المقام بوجه .

ثم إنّه لو قلنا بعدم جواز الإزالة في سنّ الجاني العائدة ، فعدم جوازها في سن المجنيّ عليه العائدة يكون بطريق أولى ، كما لا يخفى .

1 ـ أمّا صورة العود ففي الجواهر بعد حكم المتن فيها بثبوت الحكومة: بلا خلاف أجده فيه أيضاً(1) ـ أي كأصل وجوب الانتظار ـ بل عن الخلاف(2)والسرائر(3) الاجماع عليه .

والوجه في عدم ثبوت القصاص فيها بل الأرش فكأنّه ـ مضافاً إلى مقتضى التعليل الوارد في رواية الاُذن المتقدّمة، وهو قوله (عليه السلام) : «إنّما يكون القصاص من

(1) جواهر الكلام: 42 /389 .

(2) الخلاف: 5 / 244 مسألة 39 .

(3) السرائر: 3 / 386 ـ 387 .


413

أجل الشين» لاقتضائه ثبوت القصاص مع عدم عود السن ـ مرسلة جميل، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه قال في سنّ الصبي يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت ، قال: ليس عليه قصاص وعليه الأرش(1) . ورواها في الوسائل في باب آخر أيضاً مع إضافة قال علي ـ أي علي بن حديد الراوي عن جميل ـ : وسأل جميل كم الأرش في سنّ الصبي وكسر اليد؟ قال: شيء يسير ولم يُرو فيه شيئاً معلوماً(2) .

والظاهر أنّ المراد بالأرش في نفسه هو تفاوت ما بين كونه فاقد السنّ وزمن ذهابها وواجدها لو كان عبداً ، لكن حكي عن المبسوط أنّ المراد بها حكومة الجرح وإسالة الدم ، حيث قال: فأمّا إسالة الدم فإن كان عن جرح في غير مغرزها وهو اللّحم الذي حول السنّ ومحيط بها ففيه حكومة لأنّها جناية على محلّ السنّ(3) . والظاهر اعتبار كلا الأمرين ورعاية الجهتين على تقدير ثبوت الأرش ، وإن كان يمكن المناقشة في أصل الثبوت نظراً إلى كون الرواية مرسلة ، وأنّه لا فرق في عدم حجّية الروايات المرسلة بين الرواة المرسلين لها ، وإنّ ما اشتهر من المعاملة مع بعض المراسيل معاملة المسند غير صحيح كما حقّقناه في كتاب الحدود(4) ، ولم يعلم في المقام استناد المشهور إلى الرواية حتى يكون جابراً لها ، بل يحتمل أن يكون حكمهم بذلك مستنداً إلى اقتضاء القاعدة لثبوت الأرش ، وعليه فلابدّ من ملاحظتها . ويمكن أن يقال حينئذ بعدم الاقتضاء لما أشرنا إليه من أنّ كون العبد أصلاً إنّما هو في مورد الجراحات لا فيما يشمل المقام ، فتدبّر .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 258، أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح1 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 134 ، أبواب قصاص الطرف ب 14 ح2 .

(3) المبسوط : 7 / 97 .

(4) تفصيل الشريعة ، كتاب الحدود ، 353 ـ 357 .


414

ثمّ إنّ هنا روايتين آخرتين:

إحداهما: رواية مسمع ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إنّ عليّاً (عليه السلام) قضى في سنّ الصبي قبل أن يثغر بعيراً في كلّ سنّ(1) .

ثانيتهما: رواية السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في سنّ الصبي إذا لم يثغر ببعير(2) .

ويظهر من المتن أنّه حمل هاتين الروايتين على خصوص صورة العود التي هي مورد المرسلة المتقدّمة ، ولعلّ الوجه فيه كون الغالب في سنّ الصبيّ غير المثغر العود ، لأنّ طبعه يقتضي السقوط ثم الإنبات . وعليه فإن كان قوله في المتن: «بعير» منصوباً كما هو المحتمل قويّاً وإن كان على خلاف النسخة الموجودة عندي ، يكون الظاهر منه أنّ الأرش الذي هو مدلول المرسلة مفسَّر في الروايتين بالبعير ، ولا مانع من أن يكون مقدّراً في بعض الموارد ، وإن كان لولا التفسير لكان المراد منه ما ذكرنا من التفاوت والجرح .

وإن كان قوله في المتن: «بعير» مرفوعاً كما في النسخة الموجودة عندي فربّما يشعر المتن بثبوت الأرش بمعناه العرفي والبعير معاً ، وهو في غاية البعد ، لعدم كون الجناية المتحقّقة بالقلع بالغة في الشدّة حدّاً يترتّب عليها الجمع بين الأمرين ، كما لا يخفى . هذا ما يتعلّق بصورة العود .

وأمّا صورة عدم العود فقد اعترف غير واحد بأنّ المشهور بين الأصحاب ثبوت القصاص فيه(3) ، بل في الجواهر: لا أجد فيه خلافاً محقّقاً، وإن حكى في

(1) وسائل الشيعة: 19 / 258 ، أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح2 .

(2) وسائل الشيعة: 19 / 258، أبواب ديات الأعضاء ب 33 ح3 .

(3) رياض المسائل: 10 / 365 .


415

المسالك قولاً بالعدم(1) ، لأنّ سنّ الصبيّ فضلة في الأصل نازلة منزلة الشعر الذي ينبت مرّة بعد اخرى(2) وحكى في الشرائع بعد حكمه بثبوت الأرش في صورة العود والقصاص في صورة العدم ، قولاً بأنّ في سنّ الصبي بعيراً مطلقاً(3) ، وفي الجواهر نقل هذا القول عن المهذَّب(4) والغنية(5) والكافي(6) والوسيلة(7)والإصباح(8) وديات المبسوط(9) ، بل حكى عن ظاهر الغنية الإجماع عليه ، وعن المختلف أنّ عليه عمل الأكثر(10) .

وظاهر حكاية المحقّق إنّ هذا القول في مقابل القول بثبوت الأرش مع العود والقصاص مع عدمه ، وعليه فمقتضاه ثبوت البعير في قلع سنّ الصبي مطلقاً ، وتنطبق هذه الفتوى على الروايتين الأخيرتين بضميمة دعوى كون المراد من موردهما هو سنّ الصبيّ غير المثغر أعم من صورة العود وعدمه .

ولكن يرد عليه ـ مضافاً إلى ضعف الروايتين وعدم ثبوت جابر لهما ـ أنّه كيف يجتمع ثبوت الشهرة وتحقّقها على الأرش والقصاص ، مع دعوى الإجماع على هذا

(1) مسالك الأفهام: 15 / 289 .

(2) جواهر الكلام: 42 /390 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 1011 .

(4) المهذّب: 2 / 483 .

(5) غنية النزوع: 418 .

(6) الكافي في الفقه: 398 .

(7) الوسيلة: 448 .

(8) إصباح الشيعة: 505 .

(9) المبسوط: 7 / 138 .

(10) مختلف الشيعة: 9 / 389 مسألة 67 .


416

مسألة 38 ـ يثبت القصاص في قطع الذكر ، ويتساوى في ذلك الصغير ولو رضيعاً والكبير بلغ كبره ما بلغ ، والفحل والذي سلّت خصيتاه إذا لم يؤدّ إلى شلل فيه ، والأغلف والمختون ، ولا يقطع الصحيح بذكر العنين ومن في ذكره شلل ، ويقطع ذكر العنين بالصحيح والمشلول به ، وكذا يثبت في قطع الحشفة ، فتقطع الحشفة بالحشفة ،وفي بعضها أو الزائد عليها استوفى بالقياس إلى الأصل ، إن

القول ، أو كون عمل الأكثر عليه كما في المختلف ، بل كيف تجتمع هاتان الروايتان مع المرسلة الدالّة على الأرش مع العود ، وهل وجه الجمع حملهما على صورة العدم أو الحكم بالجمع بين البعير والأرش ، كما حكي احتماله عن الشيخ (قدس سره)(1) ؟ لا مجال للثاني لكونه واضح الفساد كما في الجواهر(2) ، كما أنّه لا مجال للأوّل لأنّه ـ مضافاً إلى عدم التنافي المقتضي للتقييد لكون الطرفين مثبتين ـ يلزم حمل الروايتين على الفرد النادر ، وهي صورة عدم العود .

هذا، ومقتضى القاعدة بعد ضعف الروايتين وعدم ثبوت الجابر الرجوع إلى عمومات أدلّة القصاص ، والحكم بثبوته مع عدم العود كما هو المفروض .

ثمّ إنّ تقييد مدّة الانتظار بما جرت العادة بالإنبات فيها إنّما هو في مقابل مثل القواعد(3) لأنّ ظاهرها تعيين مدّة الانتظار بالسّنة ، لأنّه لا دليل عليه بوجه . وعن الشهيد في غاية المراد(4) أنّه غريب جدّاً ، نعم وقع التحديد بالسَّنة فيما إذا ضربت السنّ ولم تقلع في بعض الروايات ، ولكنّه غير المقام .

(1) المبسوط : 7 / 138 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 391 .

(3) قواعد الأحكام: 2 / 309 .

(4) غاية المراد: 376 (مخطوط) .


417

نصفاً فنصفاً ، وإن ثلثاً فثلثاً ، وهكذا1.

مسألة 39 ـ في الخصيتين قصاص ، وكذا في أحداهما مع التساوي في المحلّ، فتقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ، ولو خشي ذهاب منفعة الاُخرى تؤخذ الدية، ولا يجوز القصاص إلاّ أن يكون في عمل الجاني ذهاب المنفعة فيتقصّ ، فلو لم تذهب بالقصاص منفعة الاُخرى مع ذهابها بفعل الجاني فإن أمكن إذهابها مع قيام العين يجوز القصاص وإلاّ فعليه الدية ، ولو قطع الذكر والخصيتين اقتصّ منه، سواء قطعهما على التعاقب أو لا2.

1 ـ لا إشكال ولا خلاف في ثبوت القصاص في قطع الذكر ، لعموم الأدلّة وإمكان التساوي والمماثلة من دون فرق بين الموارد والخصوصيات ، نعم لا يقطع الصحيح بذكر العنين ومن في ذكره شلل ، والأوّل نوع من الثاني أو بحكمه . والمراد من الثاني أن يكون منقبضاً لا ينبسط ولو في الماء الحارّ ، أو منبسطاً لا ينقبض ولو في الماء البارد ، وإن التذّ صاحبه وأمنى بالمساحقة وأولد . والدليل ما ورد في اليد من عدم قطع الصحيحة بالشلاّء ، نعم لا مانع من العكس كما في اليد أيضاً .

وكما يكون القصاص ثابتاً في قطع تمام الذكر ، كذلك يكون ثابتاً في قطع بعضه من الحشفة بتمامها أو بعضها أو الزائد عليها . والتقدير بلحاظ القياس إلى الأصل من النصف والثلث ومثلهما ، لا بلحاظ الطول ; لعدم كون تقدير الجناية بهذا اللحاظ بحسب نظر العرف بخلاف الرأس ، كما تقدّم .

2 ـ لا إشكال ولا خلاف أيضاً في ثبوت القصاص في الخصيتين ، وكذا في إحداهما مع رعاية التساوي في المحل وإمكان المعاملة بالمثل ، فلو خشي ذهاب منفعة الأخرى في الجاني من دون أن يكون في عمله مثله ينتقل إلى الدية ولا يجوز


418

مسألة 40 ـ في الشفرين القصاص ، والمراد بهما اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم ، وكذا في إحداهما ، وتتساوى فيه البكر والثّيب والصغيرة والكبيرة ، والصحيحة والرتقاء والقرناء والعفلاء والمختونة وغيرها، والمفضاة والسليمة ، نعم لا تقتصّ الصحيحة بالشلاّء ، والقصاص في الشفرين إنّما هو فيما جنت عليها المرأة . ولو كان الجاني عليها رجلاً فلا قصاص عليه ، وعليه الدية ، وفي رواية غير معتمد عليها: إن لم يؤدّ إليها الدية قطع لها فرجه ، وكذا لو قطعت المرأة ذكر الرجل أو خصيته لا قصاص عليها وعليها الدية1.

القصاص، وكذا في صورة ذهاب المنفعة في المجنيّ عليه إن كان القصاص موجباً لذهابها في الجاني وإلاّ فبما أمكن ، خصوصاً في هذه الأزمنة ومع عدم الإمكان يأخذ الدية زائداً على قصاص الأولى ، وكما يتحقّق القصاص في خصوص الذكر أو الخصيتين يجري في مجموعهما من دون فرق بين وقوع الجناية دفعة أو على نحو التعاقب . ومن دون فرق في صورة التعاقب بين ما إذا شلّ الذكر بعد قطع الخصيتين ، وبين ما إذا لم يتحقّق الشلل ، وذلك لأنّ الشلل الجائي من قبل الجاني مضمون لا يمنع عن القصاص بوجه ، كما لا يخفى .

1 ـ الدليل فيه ما تقدّم في المسائل السابقة من عموم الأدلّة وإمكان المساواة ، ولا فرق فيه بين الموارد والخصوصيات ، نعم لا تقتصّ الصحيحة بالشلاّء ، كما أنّ مورد القصاص ما إذا كان الجاني امرأة واجدة للشفرين ، أمّا مع انتفاء إحدى الخصوصيتين لا مجال للقصاص ، بل تتعيّن الدية . نعم هنا رواية وهي رواية عبدالرحمن بن سيابة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إنّ في كتاب علي (عليه السلام) : لو أنّ رجلاً قطع فرج امرأته لأغرمته لها ديتها ، وإن لم يؤدّ إليها الدية قطعت لها فرجه إن


419

مسألة 41 ـ لو أزالت بكر بكارة أخرى فالظاهر القصاص ، وقيل بالدية ، وهو وجيه مع عدم إمكان المساواة ، وكذا تثبت الدية في كلّ مورد تعذّر المماثلة والمساواة1.

وهنا فروع:

الأوّل: لو قطع من كان يده ناقصة بإصبع أو أزيد يداً كاملة صحيحة فللمجنيّ عليه القصاص . فهل له بعد القطع أخذ دية ما نقص عن يد الجاني؟ قيل: لا ، وقيل: نعم فيما يكون قطع إصبعه بجناية وأخذ ديتها أو استحقّها ، وأمّا إذا كانت مفقودة خلقة أو بآفة لم يستحقّ المقتصّ شيئاً ، والأشبه أنّ له الدية مطلقاً ،

طلبت ذلك(1) .

وظاهر أنّ المراد بقطع الفرج هو قطع اللّحمين المذكورين ، وفي المتن أنّ الرواية غير معتمد عليها ، والظاهر أنّ نظره إلى ابن سيابة ، حيث لم يرد فيه توثيق ، ولكن حيث إنّه واقع في أسانيد كامل الزيارات(2) لا مانع من الحكم بصحّة روايته ، غير أنّ الظاهر أنّه لم يفت الأصحاب على طبقها .

ثمّ إنّه ظهر أنّه مع قطع المرأة ذكر الرجل أو خصيته أو قطع رجل مقطوع الذكر أو الخصية لا مجال للقصاص ، بل تتعيّن الدية .

1 ـ ثبوت القصاص إنّما هو على تقدير إمكان المساواة ، وعليه فالاختلاف يرجع إلى الإمكان وعدمه ، لكونها من البواطن ولا تدرك بالبصر .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 128، أبواب قصاص الطرف ب 9 ح2 .

(2) كامل الزيارات: 149 باب 23 ح1 .


420

ولو قطع الصحيح الناقص عكس ما تقدّم فهل تقطع يد الجاني بعد أداء دية ما نقص من المجنيّ عليه ، أو لا يقتصّ وعليه الدية ، أو يقتصّ ما وجد وفي الباقي الحكومة؟ وجوه ، والمسألة مشكلة مرّ نظيرها1.

1 ـ في هذا الفرع أمران:

الأمر الأوّل: لو قطع من كان يده ناقصة ـ بإصبع أو أزيد ـ يداً كاملة فلا اشكال ولا خلاف في عدم منع ذلك من القصاص بوجه ، إنّما الخلاف في أنّه بعد القصاص منه يستحقّ دية ما نقص من الإصبع أو الأزيد أم لا؟ وفيه أقوال ثلاثة:

أحدها: ما جعله في المتن الأشبه ـ واختاره الشيخ في الخلاف(1) وموضع من المبسوط(2) والعلاّمة في التحرير(3) والشهيد الثاني(4) والمحقّق الكركي(5) وبعض آخر(6) بل ادّعى في الخلاف الإجماع عليه ـ من استحقاق أخذ الدية مطلقاً ، سواء كانت مفقودة خلقة، أو بآفة، أو قصاصاً، أو بجناية موجبة لاستحقاق الدية، سواء استوفاها أم لا؟

والدليل عليه أنّه بعد عدم إمكان القصاص بالإضافة إليه لابدّ من الحكم بالانتقال إلى الدية ، والشاهد عليه جريان القصاص فيه مستقلاًّ مع الإمكان ، وثبوت ديته كذلك مع عدم الإمكان ، وعدم استحقاق شيء في اقتصاص اليد

(1) الخلاف : 5 / 193 مسألة 60 .

(2) المبسوط: 7 / 79 ـ 80 .

(3) تحرير الأحكام: 2 / 260 .

(4) مسالك الأفهام: 15 / 292 .

(5) قال السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: 11 / 133 : وقد حكي [هذا القول] عن المحقّق الثاني.

(6) كالمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان:14/100 ، والفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع: 2/130.


421

الشلاّء بالصحيحة إنّما هو لأجل أنّ الاختلاف بينهما إنّما هو في الكيفية ووصف الصحّة والسلامة الموجود في المجنيّ عليه ، فهومثل اقتصاص المرأة بالرجل ، وأمّا المقام فالاختلاف في الكمية والنقص والتمام . فالمقام كما قيل نظير ما لو أتلف على شخص صاعي حنطة ووجد للمتلف صاع واحد فقط ، فإنّ لصاحب الحقّ أخذه والمطالبة ببدل الفائت ، دون ما لو وجد له صاعي حنطة رديئة مثلاً، فإنّه ليس له أخذها والمطالبة ببدل الفائت ، وإن قال في الجواهر بعد نقله: فيه نظر واضح(1) . ووجهه وجود عنوانين في الحنطة من جهة وحدة الصاع وتعدّده، بخلاف المقام الذي لا يوجب اختلاف اليد في النقص والتمام تعدّد العنوان ، ولكن مع ذلك لا يوجب الخلل في التنظير الاشكال في أصل الحكم: وهو ثبوت الدية من دون فرق بين صور الفقدان المذكورة .

ثانيها: ما اختاره الشيخ (قدس سره) في موضع آخر من المبسوط(2) وتبعه ابن البراج في محكي الكتابين المهذّب(3) والجواهر(4) من التفصيل بين ما إذا كانت مفقودة خلقة أو بآفة فلا يستحق وبين غيرهما من الموارد فيستحقّ ، وقد استدلّ عليه برواية سورة بن كليب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل قتل رجلاً عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى ، فقال: إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها ، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن كان أخذ دية يده ويقتلوه ، وإن شاؤوا

(1) جواهر الكلام: 42 / 397 .

(2) المبسوط: 7 / 85 .

(3) المهذّب: 2 / 477 .

(4) جواهر الفقه: 215 ـ 216 مسألة 748 .


422

طرحوا عنه دية يد وأخذوا الباقي ، قال: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً ، وإن شاؤوا أخذوا دية كاملة . قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي (عليه السلام) (1) .

ولكنّ الرواية ـ مضافاً إلى ضعف سندها لعدم توثيق سورة بن كليب ـ واردة في القتلولادليل على الجريان في الطرف أيضاً . مع أنّ موردها كون المجنيّ عليه ناقصاً، ومحلّ الكلام في المقام ما إذا كان الجاني كذلك ، فلا يمكن الاستدلال بها لما نحن فيه .

ثالثها: عدم استحقاق الدية مطلقاً ، وهو الذي اختاره بعض متأخري المتأخّرين(2) ، وربّما يستدلّ له أنّه لا دليل على ثبوتها بعد صدق اليد باليد ، كما ورد في بعض الروايات(3) .

ولكن يرد عليه ـ مضافاً إلى عدم كون مثل اليد باليد وارداً في مقام البيان من هذه الجهة ـ عدم تحقّق المقاصّة المعتبرة في مفهومها المماثلة بدون الدية، فالأشبه كما في المتن هو القول الأوّل .

الأمر الثاني: مالو قطع الصحيح الناقص عكس الأمر الأوّل، وفيه أيضاً وجوه ثلاثة:

أحدها: ما عن القواعد(4) والتحرير(5) والمسالك(6) من أنّه لا تقطع يد الجاني بل

(1) وسائل الشيعة: 19 / 82 ، أبواب القصاص في النفس ب 50 ح1 .

(2) راجع مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 81 .

(3) وسائل الشيعة: 19 / 131 ، أبواب قصاص الطرف ب 12 ح2 .

(4) قواعد الأحكام: 2 / 304 .

(5) تحرير الأحكام: 2 / 260 .

(6) مسالك الأفهام: 15 / 293 .


423

الثاني : لو قطع إصبع رجل فسرت إلى كفّه بحيث قطعت ثمّ اندملت ثبت القصاص فيهما ، فتقطع كفّه من المفصل ، ولو قطع يده من مفصل الكوع ثبت القصاص ، ولو قطع معها بعض الذراع اقتصّ من مفصل الكوع، وفي الزائد يحتمل الحكومة ويحتمل الحساب بالمسافة (حة ـ ظ)، ولو قطعها من المرفق فالقصاص ، وفي الزيادة ما مرّ ، وحكم الرجل حكم اليد، ففي القطع من المفصل قصاص ، وفي الزيادة ما مرّ1.

يقطع منها الأصابع التي قطعها ، ويؤخذ منه حكومة الكفّ .

ثانيها: المنع عن القصاص على هذا الوجه لعدم المماثلة . قال في الجواهر: ولعلّ هذاالقول هو المحكي عن ابن إدريس(1) بل هو الذي فهمه بعض من عبارة الإرشاد: يقتصّ للكامل من الناقص ولا يضمّ أرش ، ولا يجوز العكس فتثبت الدية(2)(3) .

ثالثها: قطع يد الجاني بعد أداء دية ما نقص من المجنيّ عليه ، وهذا القول هو المشهور ، بل عن الغنية دعوى الإجماع عليه(4) ، وقد تقدّم البحث في نظير هذه المسألة، فراجع ما هناك(5) .

1 ـ في هذا الفرع أُمور:

الأوّل: ما لو قطع إصبع رجل مثلاً فسرت إلى كفّه بحيث قطعت ثم اندملت . وفي الشرائع بعد الحكم بثبوت القصاص فيهما قال: وهل له القصاص في الاصبع وأخذ

(1) لاحظ السرائر: 3 / 416 .

(2) إرشاد الأذهان: 2 / 207 .

(3) جواهر الكلام: 42 / 398 .

(4) غنية النزوع: 410 .

(5) تقدّم في ص357 ـ 360 .


424

الدية في الباقي؟ الوجه لا ، لإمكان القصاص فيهما(1) . وعليه ففيه احتمالان:

أحدهما: ثبوت القصاص في كلّ من الأصبع والكفّ وإن تحقّق الاندمال ، والوجه فيه يظهر بعد وضوح ضمان السراية وكونها من توابع جنايته، وإن كانت الجناية المتبوعة صادرة بالمباشرة والجناية التابعة مستندة إليه لأجل أقوائية السبب . وبعد إمكان جريان القصاص في كلّ من الأمرين بقطع يد الجاني من الكفّ فهو كما إذا قطعت الكفّ ابتداء عمداً بضربة واحدة، حيث لا يجري فيه غير القصاص إلاّ مع التراضي ، بل كما لو جنى عليه باليد فسرت إلى النفس فإنّه ليس للوليّ الاقتصاص في اليد وأخذ الدية من النفس ، بل يثبت قصاص النفس .

ثانيهما: ما أشار إليه المحقّق في الشرائع(2) من ثبوت حقّ القصاص في الاصبع وجواز أخذ الدية في الباقي ولو مع عدم التراضي ، وظاهره جواز القصاص أيضاً . والوجه فيه تعدّد الجناية وثبوت حكم كلّ واحدة عليها مستقلاًّ ، فبالإضافة إلى الاصبع القصاص وبالإضافة إلى الكفّ الدية ; لعدم إمكان قصاصها مستقلّة .

وفيه : مضافاً إلى وضوح بطلان التعدّد وكون السراية من آثار الجناية الأولى وتوابعها ، إنّ لازمه حينئذ تعيّن أخذ الدية في الكفّ لا التخيير بينه وبين القصاص ، كما هو ظاهر هذا الاحتمال .

الثاني: لو قطع يده من مفصل الكوع، فالظاهر ثبوت القصاص لعموم أدلّته وإمكان تحقّق المماثلة ; لفرض كونه مفصلاً ، والمراد من مفصل الكوع هو طرف الزند الذي يلي الابهام .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1011 ـ 1012 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 1012 .


425

الثالث: الفرض الثاني مع إضافة قطع بعض الذراع معه ، وفيه احتمالات:

أحدها: ما في المتن تبعاً للمحقّق في الشرائع من ثبوت الاقتصاص في اليد من مفصل الكوع لامكانه وانضباطه والحكومة في الزائد دون القصاص ، لعدم المفصل واختلاف أوضاع العروق والأعصاب وعدم القصاص في كسر العظام ، والمراد بالحكومة التفاوت على تقدير هذا النقص لو فرض كونه عبداً ، كما في سائر الموارد .

ثانيها: ما عن ابن إدريس(1) من الحكم باعتبار المساحة بدل الحكومة ، والمراد بالمساحة ملاحظة النسبة ، إن كان المقطوع نصف الذراع كان عليه نصف دية الذراع ، وإن كان ثلثاً فثلث ، وهكذا . واحتمل صاحب الجواهر(2) أن يكون المراد بالحكومة في القول الأوّل هي المساحة في هذا القول ، مع أنّه خلاف الظاهر جدّاً .

ثالثها: ما عن أبي علي(3) من أنّ له القصاص من المرفق بعد ردّ الفاصل .

رابعها: ما احتمله صاحب الجواهر، حيث قال: لولا ظهور الاتّفاق أمكن القول بالانتقال إلى الدية ; لتعذّر القصاص من محلّ الجناية، ولا دليل على ثبوته في غيرها(4) .

والظاهر هو الاحتمال الأوّل الذي اختاره في المتن تبعاً للشرائع ، وذلك لأنّ الحكم بثبوت القصاص في مقدار الجناية فقط لا مجال له بعد عدم إمكان تحقّق المماثلة غالباً ، وبثبوته في المرفق الذي هو زائد على مقدار الجناية لا مجال له أيضاً ،

(1) السرائر: 3 / 395 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 401 .

(3) حكى عنه في مختلف الشيعة: 9 / 458 مسألة 136 .

(4) جواهر الكلام: 42 / 401 .


426

الثالث: يشترط في القصاص التساوي في الأصالة والزيادة ، فلا تقطع أصلية بزائدة ولو مع اتّحاد المحلّ ، ولا زائدة بأصلية مع اختلاف المحلّ ، وتقطع الأصلية بالأصلية مع اتّحاد المحلّ ، والزائدة بالزائدة كذلك ، وكذا الزائدة بالأصلية مع اتّحاد المحلّ وفقدان الأصلية ، ولا تقطع اليد الزائدة اليمنى بالزائدة اليسرى وبالعكس ، ولا الزائدة اليمنى بالأصلية اليسرى ، وكذا العكس1.

لكونه زائداً على الحق ، ولا دليل على جريان القصاص فيه . والانتقال إلى الدية في المجموع كما في الاحتمال الأخير لا سبيل له ، لأنّ التفكيك في القصاص بين قطع المفصل وبين قطع الزائد عنه في غاية الغرابة ، مع أنّ العرف يعبّر عن الثاني بقطع المفصل والزيادة ، ولازمه كون الزيادة مانعة عن القصاص ، فالظاهر حينئذ هو الجمع بين القصاص من مفصل الكوع وبين الدية بالإضافة إلى الزائد الذي لا يجري فيه القصاص .

كما أنّ الظاهر أنّ المراد من الحكومة ما ذكرنا ، لا ما هو المحكي عن ابن إدريس من حساب المساحة ، لأنّ ثبوت الدية للعضو لا يقتضي التوزيع إن نصفاً فنصف وإن ثلثاً فثلث ، وإن كان فيه كلام سيأتي في كتاب الديات إن شاء الله تعالى .

الرابع: ما لو قطع من المرفق أو الزائد عنه ، فيجري القصاص في المرفق لما ذكر ، ويجري في الزيادة الحكومة بنحو ما مرّ .

الخامس: يجري جميع الفروض المذكورة في اليد في الرجل ، ويترتّب عليه الأحكام المذكورة هناك من دون فرق أصلاً .

1 ـ لا خلاف في اعتبار التساوي في الأصالة والزيادة في القصاص ، بل


427

الرابع : لو قطع كفّه فإن كان للجاني والمجنيّ عليه إصبعاً (اصبع ـ ظ) زائدة في محلّ واحد كالإبهام الزائدة في يمينها وقطع اليمين من الكفّ اقتصّ منه ، ولو كانت الزائدة في الجاني خاصّة، فإن كانت خارجة عن الكفّ يقتصّ منه وتبقى الزائدة ، وإن كانت في سمت الأصابع منفصلة فهل يقطع الكفّ وتؤتى دية الزائدة، أو يقتصّ الأصابع الخمس دون الزائدة ودون الكفّ، وفي الكفّ

الظاهر ـ كما في الجواهر(1)ـ الاتفاق عليه ، كما اعترف به في كشف اللّثام(2) ، فلا يجوز قطع الأصليّة بالزائدة سواء اتّحد المحلّ أو اختلف ولم يتّحد ، لعدم جواز أخذ الكامل بالنّاقص بعد اعتبار المماثلة في القصاص . وكذلك لا يجوز قطع الزائدة بالأصلية في صورة اختلاف المحلّ ، وكذا في صورة وجود الأصلية . نعم مع اتّحاد المحلّ وفقدان الأصلية لا مانع من القطع ، لأنّ المفروض الفقدان والاتّحاد ، ومجرّد الاختلاف في الأصالة والزيادة لا يمنع إذا كانت الزيادة في الجاني ، لجواز أخذ الناقص بالكامل دون العكس .

وممّا ذكرنا ظهر أنّه تقطع الأصلية بالأصلية مع اتّحاد المحلّ ، وكذا الزائدة بالزائدة كذلك ، فلا تقطع اليد الزائدة اليمنى بالزائدة اليسرى وبالعكس ، للاختلاف في المحلّ . وقد عرفت أنّ مجرّد الاختلاف في الزيادة والأصالة لا يقدح فيما إذا كانت الزيادة في الجاني إذا كان هناك أمران ، اتّحاد المحل وفقدان الأصلية . فمع فقد أحدهما لا مجال لجواز القطع ، كما أنّه لا تقطع الأصلية بالزائدة مطلقاً .

(1) جواهر الكلام: 42 / 403 .

(2) كشف اللثام: 2 / 473 .


428

الحكومة؟ وجهان، أقربهما الثاني . ولو كانت الزائدة في المجنيّ عليه خاصّة فله القصاص في الكفّ وله دية الأصبع الزائدة ، وهي ثلث دية الأصلية ، ولو صالح بالدية مطلقاً كان له دية الكفّ ودية الزائدة . ولو كان للمجنيّ عليه أربع أصابع أصلية وخامسة غير أصلية لم تقطع يد الجاني السالمة ، وللمجني عليه القصاص في أربع ودية الخامسة وأرش الكفّ1.

1 ـ في هذا الفرع الذي يرتبط بقطع الكفّ من جهة وباعتبار التساوي في الأصالة والزيادة من جهة أُخرى فروض:

أحدها: ما إذا كان لكلّ من الجاني والمجنيّ عليه اصبع زائدة في مكان واحد ، كالابهام الزائدة في يمينهما وفرض كون الجناية عبارة عن قطع اليمين من الكفّ ، ولا شبهة في جريان الاقتصاص فيه بعد ثبوت المماثلة من جميع الجهات ، كما لا يخفى .

ثانيها: ما إذا كانت الاصبع الزائدة في الجاني خاصّة ، فإن كانت خارجة عن دائرة الكفّ التي هي محلّ الاقتصاص يقتصّ منه وتبقى الزائدة ، وإن لم يكن كذلك بل كانت في سمت الأصابع منفصلة بحيث لا يكون قطع الأصابع مستلزماً لقطعها ففيه وجهان:

الاوّل: قطع الكفّ المشتمل على الأصابع والاصبع الزائدة بأجمعها وأداء دية الزائدة إلى الجاني ، عملاً ببعض الروايات ، وهي رواية الحسن بن العبّاس بن الحريش المتقدّمة(1) الواردة في رجل قطع كفّ رجل فاقد للأصابع، الدالّة على قصاص مجموع كفّ الجاني وأصابعه وإعطاء دية الأصابع .

(1) وسائل الشيعة: 19 / 129، أبواب قصاص الطرف ب 10 ح1، وقد تقدّم ذكرها في ص359 ـ 360 .


429

الثاني: ما استقربه في المتن واختاره المحقّق في الشرائع(1) من دون إشارة إلى الوجه الأوّل ، وهو ثبوت القصاص في الأصابع الخمس دون الزائدة ودون الكفّ ، وفي الكفّ الحكومة ، والوجه فيه مع قطع النظر عن الرواية عدم إمكان رعاية المماثلة بعد استلزام القصاص في المجموع لقطع اليد الزائدة ، فاللاّزم الاقتصار فيه على الأصابع والرجوع في الكفّ إلى الحكومة . ولكن ذكر صاحب الجواهر(2) وجود الاضطراب في كلام الأصحاب، حيث أفتوا على طبق الرواية مرّة وأعرضوا عنها أُخرى ، ومقتضى الاحتياط هو هذا الوجه .

ثالثها: ما إذا كانت الاصبع الزائدة في المجنيّ عليه خاصّة ، والمفروض شمول الجناية لها أيضاً ، ومن الظاهر عدم منعه من القصاص ، غاية الأمر ثبوت دية الاصبع الزائدة له ، وهي ثلث دية الأصلية ، كما أنّه في صورة التصالح والتراضي على الدية يكون له دية الكفّ ودية الاصبع الزائدة معاً .

رابعها: ما إذا كان للمجنيّ عليه أربع أصابع أصليّة وخامسة غير أصليّة ، ولا يجوز فيه قطع اليد السالمة للجاني ـ أي قطع الكفّ المشتمل على جميع الأصابع الأصلية ـ وذلك لما عرفت من أنّه لا يؤخذ الكامل بالناقص والأصليّة بالزائدة ، وعليه فإذا أراد الاقتصاص يجوز القصاص في أربع أصابع التي تكون أصلية ، غاية الأمر أنّه يجوز له أخذ دية الزائدة غير الأصلية ، وكذا أرش الكفّ ; لعدم جواز قطعه لاستلزامه لقطع جميع الأصابع الأصلية .

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1012 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 404 .


430

الخامس : لو قطع من واحد الأنملة العلياء ومن آخر الوسطى فإن طالب صاحب العليا يقتصّ منه وللآخر اقتصاص الوسطى ، وإن طالب صاحب الوسطى بالقصاص سابقاً على صاحب العليا أخّر حقّه إلى اتّضاح حال الآخر ، فإن اقتصّ صاحب العليا اقتصّ لصاحب الوسطى، وإن عفا أو أخذ الدية فهل لصاحب الوسطى القصاص بعد ردّ دية العليا ، أو ليس له القصاص بل لابدّ من الدية؟ وجهان، أوجههما الثاني ، ولو بادر صاحب الوسطى وقطع قبل استيفاء العليا فقد أساء، وعليه دية الزائدة على حقّه وعلى الجاني دية أنملة صاحب العليا1.

وممّا ذكرنا يظهر جواز الاقتصاص من الجميع في صورة العكس ، وهو ما إذاكان للجاني أربع أصابع أصلية وخامسة غير أصلية ، لأنّه لا مانع من جواز أخذ الناقص بالكامل كما في اليد الشلاّء ، حيث يقتصّ بها من الصحيحة . نعم في ثبوت الدية بمعنى الأرش ما عرفت في اليد الشلاّء ، فراجع .

1 ـ في هذا الفرع فروض:

أحدها: ما إذا طالب صاحب العليا الاقتصاص قبل الآخر ، ولا شبهة فيه في الجواز وفي أنّه يجوز للآخر الاقتصاص بعده ، لإمكانه بعد القصاص الأوّل .

ثانيها: عكس هذا الفرض ، وهو ما إذا سبق صاحب الوسطى بمطالبة حقّه واستيفائه ، واللاّزم بعد عدم إمكان الاقتصاص في هذه الحال تأخير حقّه إلى اتّضاح حال الآخر ، فإن أراد الآخر الاقتصاص واقتصّ يتحقّق موضوع القصاص للأوّل ، كالفرض المتقدّم ، فيقتصّ بلا إشكال .

وإن أراد الآخر العفو أو أخذ الدية مع التراضي ولم يقتصّ ففيه وجهان:

الأوّل: أنّه لصاحب الوسطى القصاص المستلزم لقطع العليا أيضاً ، غاية الأمر


431

السادس : لو قطع يميناً مثلاً فبذل شمالاً للقصاص فقطعها المجنيّ عليه من غير علم بأنّها الشمال فهل يسقط القود أو يكون القصاص في اليمنى باقياً؟ الأقوى هو الثاني ، ولو خيف من السراية يؤخَّر القصاص حتّى يندمل اليسار ،

لزوم ردّ ديتها ، واختاره الشيخ(1) والعلاّمة في بعض كتبه(2) ، ويؤيّده كونه كعفو أحد الشريكين ، وكردّ الامرأة الزائد على الرجل وغيرهما من النظائر .

الثاني: أنّه ليس له القصاص أصلاً ، بل ينتقل إلى الدّية ، وقد قوّاه في محكي كشف اللّثام(3) ، بل عن العلاّمة الميل إليه في القواعد(4) كما في المسالك(5) ، وفي المتن أنّه أوجه من الأوّل ، ولعلّ الوجه ما عرفت من اعتبار المماثلة في القصاص ، بمعنى أنّه لا يجوز للمجنيّ عليه استيفاء الزائد على حقّه وإن كان مقتضى رواية الحسن بن العبّاس بن الحريش المتقدّمة الجواز ، لكن عرفت من الجواهر إعراض الأصحاب عن مقتضاها في كثير من الموارد ، ولعلّه لذا تردّد في القواعد في ظاهرها . ومقتضى الاحتياط هذا الوجه أيضاً .

ثالثها: الفرض الثاني مع مبادرة صاحب الوسطى بالاقتصاص عملاً قبل استيفاء العليا ، والحكم فيه ثبوت العصيان وثبوت دية الزائدة على حقّه ; لعدم إمكان الاقتصاص فيه كما هو ظاهر . وعلى الجاني دية أنملة صاحب العليا ، لانتفاء موضوع القصاص بالإضافة إليه .

(1) المبسوط: 7 / 90 .

(2) تحرير الأحكام: 2 / 260 ، إرشاد الأذهان: 2 / 210 .

(3) كشف اللثام: 2 / 473 .

(4) استشكل الحكم بجواز الاقتصاص في قواعد الأحكام: 2 / 305 .

(5) مسالك الأفهام: 15 / 298 .


432

ولا دية لو بذل الجاني عالماً بالحكم والموضوع عامداً ، بل لا يبعد عدمها مع البذل جاهلاً بالموضوع أو الحكم ، ولو قطعها المجنيّ عليه مع العلم بكونها اليسار ضمنها مع جهل الجاني بل عليه القود ، وأمّا مع علمه وبذله فلا شبهة في الإثم ، لكن في القود والدية إشكال1.

1 ـ لو قطع يميناً مثلاً فبذل الجاني شمالاً للقصاص فقطعها المجنيّ عليه مكان اليمين ففيه صورتان:

الصورة الاُولى: ما إذا لم يعلم المجنيّ عليه بأنّها الشمال ، بل تخيّل أنّها اليمين التي وقعت الجناية في مثلها ، وفيها جهات من الكلام:

الأولى: أنّه هل يكون قطع الشمال مكان اليمين موجباً لسقوط حقّ الاقتصاص بالإضافة إلى اليمين أم لا؟ حكي الأوّل عن الشيخ في المبسوط حيث قال: والذي يقتضيه مذهبنا أنّه يسقط عنه القود(1) . وعلّله في الجواهر بأنّ اليسار تكون بدلاً عن اليمين في الجملة ، ولصدق «اليد باليد»(2) . والثاني عن المهذب(3) بل هو خيرة أكثر المتأخّرين(4) ، وتردّد المحقّق في الشرائع(5) معلّلاً بأنّ المتعيّن قطع اليمين فلا تجزىء اليسرى مع وجودها ، وعلى هذا يكون القصاص في اليمنى باقياً .

والأقوى كما في المتن هو هذا الوجه حتى في صورة العلم بأنّها الشمال ; لأنّه يصير مثل ما إذا وقعت جناية عمدية من المجنيّ عليه بالإضافة إلى الجاني ، فإنّه لو جنى

(1) المبسوط : 7 / 101 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 409 .

(3) المهذّب : 2 / 485 .

(4) راجع جواهر الكلام: 42 / 410 .

(5) شرائع الإسلام: 4 / 1013 .


433

كلّ من اثنين على آخر بقطع اليمين من أحد واليسار من آخر ، فهل يوجب ذلك سقوط القصاصين أو أنّ حقّ كلّ واحد ثابت في البين؟ الظاهر هو الثاني ، فكذا المقام بل أولى . نعم لو خيف من السراية إلى النفس بتوارد القطعين وتوالي العملين يؤخّر القصاص إلى اندمال اليسار . قال كاشف اللِّثام بعد الحكم بضمان أحد القطعين دون الآخر: فيضمن نصف السراية ، بخلاف ما لو قطع يدين فإنّه يوالي بين قطع يديه ، فإنّ السراية إن حصلت فعن غير مضمون(1) . وتنظّر فيه في الجواهر بقوله: وفيه نظر ، أمّا أوّلاً فلاحتمال عدم الضمان فيهما في الفرض للجهل بالأوّل والاستحقاق في الثاني . وأمّا ثانياً فقد يقال بضمانه هنا النفس ، وإن كان الجرحان معاً غير مضمونين ، باعتبار اشتراط استيفاء القصاص في الطرف بعدم التغرير بها ، فإذا اقتصّ مغرّراً بها ضمنها ، وإن لم تكن الجناية مضمونة لو اندملت فهو كما لو قطع اليد الشلاّء التي حكم أهل الخبرة بعدم انحسامها . وقال بعد ذلك: والمسألة لاتخلو من إشكال(2) .

الثانية: لا إشكال في أنّ قطع الشمال في هذه الصورة التي يكون المجنيّ عليه فيها جاهلاً بأنّها هي الشمال لا يوجب ثبوت حقّ القصاص للجاني بالنسبة إلى المجنيّ عليه ; لعدم تحقّق موجبه الذي هو القطع عدواناً وظلماً . ومن الواضح اعتبار العلم في ثبوت الظلم المحرّم .

الثالثة: هل يثبت على المجنيّ عليه دية ما قطعه من الشمال أم لا؟ ظاهر المتن عدم الثبوت مطلقاً ولو كان الجاني جاهلاً بالموضوع أو الحكم ، وظاهر المحقّق في

(1) كشف اللثام: 2 / 472 .

(2) جواهر الكلام: 42 / 410 .


434

الشرائع التفصيل، حيث قال: وأمّا الدية ، فإن كان الجاني سمع الآمر بإخراج اليمنى فأخرج اليسار مع العلم بأنّها لا تجزي ، وقصده إلى إخراجها فلا دية أيضاً(1) ، وهو المحكيّ عن الشيخ(2) والعلاّمة(3) وغيرهما .

واستدلّ في الجواهر لعدم ثبوت الدية في هذا الفرض ، بأنّ السبب فيه أقوى من المباشر ، فهو كتقديم الطعام المسموم للضيف وغيره .

واستشكل فيه في محكيّ المسالك: بأنّ الحكم في تقديم الطعام ونظائره مستند إلى العادة الغالبة مع اتّفاق المسؤول والمبذول ، والأمر في المتنازع(4) ليس كذلك ، فإنّ المسؤول إخراج اليمنى ، والمبذول اليسار ، ولأنّ الإذن في هذا الفعل لا يؤثّر في الإباحة ، بخلاف الأمثلة المذكورة ، فكان القول بثبوت الدية أوجه(5) .

والظاهر عدم صحّة الإشكال المزبور بعد عدم ابتناء المسألة على الإذن ، بل على أقوائية السبب من المباشر ، وهي لا فرق فيها بين المال والنفس أصلاً .

وأمّا فرض جهل الجاني بالموضوع أو الحكم الذي هو عبارة عن عدم الاجتزاء به في مقام قصاص الجناية ، فربّما يقال فيه بأنّ الأقوائيّة المزبورة متحقّقة ، لأنّ الملاك فيها هو جهل المستوفي بالحال ، وأمّا جهل الباذل فلا دخالة له فيها ، فلا مجال لثبوت الدية أيضاً كالقصاص . ولكنّه ربّما يقال ـ بعد لزوم معرفة المجنيّ عليه كونها يميناً في مقام القصاص : ـ إنّه مقصّر في قطعها ، اعتماداً على بذل المقتصّ منه

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1013 .

(2) المبسوط : 7 / 100 .

(3) تحرير الأحكام: 2 / 261 ، إرشاد الأذهان: 2 / 209 ، قواعد الأحكام: 2 / 304 .

(4) مسالك الأفهام: 15 / 299 ـ 300 .

(5) جواهر الكلام: 42 / 410 ـ 411 .


435

لها ، ولكن لا قصاص عليه لعدم العدوان عمداً فيه ، بخلاف الدية .

ولكن يرد عليه كما في الجواهر(1) بأنّه يكفي إقرار من عليه الحق بأنّها اليمين ، لعموم أدلّة الإقرار ، فتأمّل . ومع ذلك كلّه فالمسألة مشكلة ، والحكم بثبوت الدية لعلّه أشبه .

الصورة الثانية: ما إذا قطعها المجنيّ عليه عالماً بكونها اليسار ، فإن كان ذلك مع جهل الجاني فلا إشكال في ثبوت القود عليه ، ولكنّه لا يوجب سقوط حقّ القصاص الذي كان مستحقّاً له ، وعليه فلكلّ من المجنيّ عليه والجاني حقّ الاقتصاص ، وكان اللاّزم أن يتعرّض المتن لهذه الجهة التي لأجلها وقع التعرّض لهذا الفرع ، كما لا يخفى .

وأمّا مع علم الجاني أيضاً بذلك ومع ذلك وقع البذل منه ، ففي المتن بعد نفي الشبهة عن ثبوت الإثم استشكل في القصاص والدية ، ولكن ربّما يقال بثبوت القصاص ; لأنّ المجنيّ عليه مع فرض علمه بأنّ هذه يساره ولا يجوز له قطعها ، إذا أقدم عليه وقطعها دخل ذلك في القطع عمداً وعدواناً ، الذي هو الموضوع للقصاص . وقال في محكيّ المبسوط: سقط القود إلى الدية ، لأنّه بذلها للقطع ، وكانت شبهة في سقوط القود(2) . وأورد عليه المحقّق في الشرائع(3) بأنّه أقدم على قطع ما لا يملكه ، فيكون كما لو قطع عضواً غير اليد ، والإذن لا يوجب شرعية القطع ، ولا مجال لدعوى كون الشبهة لأجل تولّد الداعي فيه إلى قطعها ببذلها ، وعليه فلا مجال لما عن غاية المراد من كونها هدراً ; لأنّه أخرج بنيّة الإباحة ،

(1) جواهر الكلام: 42 / 411 .

(2) المبسوط : 7 / 102 .

(3) شرائع الإسلام: 4 / 1013 .


436

السابع : لو قطع إصبع رجل من يده اليمنى مثلاً ثم اليد اليمنى من آخر اقتصّ للأوّل ، فيقطع إصبعه ثم يقطع يده للآخر ، ورجع الثاني بدية إصبع على الجاني ، ولو قطع اليد اليمنى من شخص ثم قطع إصبعاً من اليد اليمنى لآخر اقتصّ للأوّل ، فتقطع يده وعليه دية الإصبع الآخر1.

ولا يضمن السراية ويعزّران لحق الله تعالى(1) .

وكيف كان فالظاهر بعدعدم تأثيرالعلم ـ أي علم الجاني ـ وإذنه ثبوت القصاص، فهو كما لو أذن صريحاً بالقتل فقتله القاتل عدواناً ، حيث لا يوجب ذلك سقوط القصاص بوجه. وثبوت استحقاق القصاص في المقام لا يوجب الفرق بعد علم المجنيّ عليه بعدم كون العضو المبذول هو العضو الذي يجري فيه القصاص ، كما لا يخفى.

1 ـ أمّا الفرض الأوّل فالوجه في الاقتصاص فيه واضح ، لإمكانه بالنسبة إلى كلا المجنيّ عليهما ، فيقطع الأوّل الإصبع ، والثاني اليد ، والوجه في رجوع الثاني بدية إصبع على الجاني هو كون يده في حال الاقتصاص الثاني ناقصة بإصبع ، وقد تقدّم البحث في هذه الجهة في بعض المسائل السابقة(2) .

وأمّا الفرض الثاني فالوجه في اقتصاص اليد فيه ظاهر أيضاً ، وحيث أنّه لا يبقى معه موضوع للاقتصاص الثاني فيجب عليه ردّ دية إصبع إلى الثاني ، لكن هل اللاّزم في مقام القصاص مراعاة المتقدّم في الجناية أم لا؟ كلام تقدّم البحث فيه أيضاً(3) ، فراجع .

(1) غاية المراد: 378 (مخطوط) .

(2) تقدّم في ص420 ـ 422 .

(3) تقدّم في ص373 .


437

الثامن : إذا قطع إصبع رجل فعفا عن القطع قبل الاندمال، فإن اندملت فلا قصاص في عمده ولا دية في خطئه وشبه عمده ، ولو قال : عفوت عن الجناية فكذلك . ولو قال في مورد العمد: عفوت عن الدية لا أثر له . ولو قال: عفوت عن القصاص سقط القصاص ولم تثبت الدية، وليس له مطالبتها . ولو قال: عفوت عن القطع أو عن الجناية ، ثم سرت إلى الكفّ خاصّة سقط القصاص في الإصبع وهل له القصاص في الكفّ مع ردّ دية الأصابع المعفو عنها أو لابدّ من الرجوع إلى دية الكفّ؟ الأشبه الثاني مع أنّه أحوط . ولو قال: عفوت عن القصاص ثم سرت إلى النفس فللولي القصاص في النفس ، وهل عليه ردّ دية الإصبع . المعفوّ عنها؟ فيه إشكال بل منع وإن كان أحوط ، ولو قال : عفوت عن الجناية ثم سرت إلى النفس فكذلك ، ولو قال: عفوت عنها وعن سرايتها فلا شبهة في صحّته فيما كان ثابتاً . وأمّا فيما لم يثبت ففيه خلاف ، والأوجه صحّته1.

1 ـ إذا قطع إصبع رجل ، ثم تحقّق العفو من المجنيّ عليه قبل الاندمال ، فتارة يتحقّق الاندمال بعده ، واُخرى يسري إلى خصوص الكفّ ، وثالثة إلى النفس . كما أنّ المعفوّ عنه تارة يكون هو القطع ، واُخرى الجناية فقط ، أو هي مع السراية ، وثالثة الدية في مورد العمد ، ورابعة القصاص ، ففي المسألة فروض متعدّدة لابدّ من التعرّض لها إن شاء الله تعالى ، فنقول:

أمّا فيما إذا تحقّق الاندمال بعده ولم تتحقّق السراية بوجه ، فإن كان المعفوّ عنه هو القطع أو الجناية يترتّب عليه سقوط القصاص في العمد والدية في اُختيه ، ولا مجال لدعوى عدم صحّة العفو ، لأنّ العبرة في الجناية بحال الاندمال الذي هو حال الاستقرار ، فلا حكم للعفو قبله ، وذلك لوضوح مخالفته للكتاب والسنّة


438

والفتاوى ، فإنّ ظاهرها فعليّة الحقّ بتحقّق الجناية ، والاندمال لا يكشف عن عدمه ، ومع ثبوته وفعليّته يجوز إسقاطه من صاحبه .

ولو قال في هذا الفرض في مورد العمد: عفوت عن الدية لا أثر له ، لما عرفت من أنّه مع تحقّق موجب القصاص يكون الحكم المترتّب عليه هو القصاص بنحو التعيّن لا الدية ، ولا التخيير بين القصاص وبين الدية . وعرفت أيضاً أنّ الانتقال إلى الدية إنّما هو في صورة التراضي وتحقّق المصالحة ، فالحقّ الثابت ابتداءً هو القصاص ، وعليه فلا مجال للعفو عن الدية في مورده ، ويترتّب على ما ذكرنا أنّه لو قال في هذا لمورد عفوت عن القصاص ، يترتّب عليه سقوط القصاص بلا شبهة ، لأنّه حقّ فعليّ ثابت له ، وبتبعه يسقط الدية أيضاً ، لأنّ ثبوتها كان بعنوان المصالحة عنه ووقوعها عوضاً ، ومع سقوطه لا يبقى للمعاوضة والمصالحة مجال ، كما لا يخفى .

وأمّا فيما إذا تحقّق بعد العفو عن القطع أو الجناية السراية إلى الكفّ بحيث لم يكن في حال العفو سراية بوجه ، فلا إشكال ولا خلاف في تأثير العفو في سقوط حقّ القصاص بالإضافة إلى الإصبع المقطوعة ، لثبوته فعلاً ، كما أنّه لا معنى لدعوى سراية العفو إلى السراية المتحقّقة بعده ، لكون السراية غير متحقّقة حال العفو أوّلاً ، وكون المعفوّ هو القطع أو الجناية ، والسراية ليست بقطع ، ولا تلك الجناية ، بل هي كالجناية الجديدة ثانياً .

وعليه فالسراية مضمونة، وحينئذ يقع الكلام بعد سقوط حق القصاص في الإصبع وضمان السراية الحادثة بعد العفو ، في أنّه يجوز له الاقتصاص في الكفّ المستلزم لقطع الإصبع المعفوّ عنها ، غاية الأمر يجب عليه ردّ دية تلك الإصبع إلى الجاني ، لتحقّق العفو بالإضافة اليه ، أو أنّه ينتقل إلى الدية ، ولا يبقى مجال للاقتصاص في الكف؟


439

ظاهر الأصحاب هو الثاني ، وقد صرّح به المحقّق في الشرائع(1) ، وكذا في محكيّ المسالك(2) والإرشاد(3) والروض(4) ومجمع البرهان(5) ، بل حكي عن الشيخ في المبسوط(6) أيضاً . والوجه فيه أنّ في قطع الكفّ تغريراً بالإصبع المعفوّ عنها فيسقط القصاص فيه ، لكونه كقطع كفّ كامل بناقص ، ولكن قد عرفت أنّ المستفاد من بعض الروايات(7) جواز القطع له مع ردّ دية الإصبع المعفوّ عنها ، ولكن حيث أنّ الأصحاب لم يتعدّوا عن مورده ، بل كلماتهم في الموارد مختلفة ومضطربة ، حيث يظهر التعدّي في بعض الموارد وعدم التعدّي في البعض الآخر ، فلا مساغ للعدول عمّا هو مقتضى القاعدة ، وعليه فالأرجح هو القول الثاني مع أنّه أحوط ، كما في المتن .

وأمّا إذا تحقّق العفو عن القصاص أو الجناية ، ثم سرت الجناية إلى النفس فلا شبهة في عدم تأثير العفو المزبور في سقوط القصاص بالإضافة إلى النفس ، لعدم تعرّض للعفو للشمول للقصاص في النفس ، لأنّ المفروض كون المعفوّ عنه هو القصاص أو الجناية ، والسراية حادثة بعده . والمحكي عن الأردبيلي (قدس سره)احتمال سقوط القصاص ، لأنّه قد عفى عن هذه الجناية ، فصار ما ثبت لها ساقطاً ، وباقي أثرها معفوّ عنه غير مضمون حينئذ ، لأنّ المتبادر من العفو عن الجناية العفو عنها

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1014 .

(2) مسالك الأفهام: 15 / 308 .

(3) إرشاد الأذهان: 2 / 212 .

(4) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 155 .

(5) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 140 .

(6) المبسوط: 7 / 109 .

(7) مرّ في ص359 ـ 360 .


440

وعن جميع لوازمها . قال: وهذا يجري في الكفّ ، نعم لو قيل : إنّه لو علم أنّ المراد العفو عن الواقع فقط أو أنّ العفو عن السراية لم يصحّ، اتّجه ذلك ، وإلاّ ففيه تأمّل(1) .

ويرد عليه أنّه إن أراد شمول العفو للسراية أيضاً فمن الواضح خلافه ; لعدم وجه للشمول بعد عدم كون السراية متحقّقة في حال العفو ، والعفو عن الجناية الجزئية لا يستلزم العفو عن الجناية الكلّية وهي النفس . وإن أراد أنّ دليل ضمان السراية إنّما يكون موردها ما إذا كان أصل الجناية مضمونة ، فبعد العفو عنه لا مجال لشمول دليل ضمان السراية ، خصوصاً لو قلنا بأنّ الدليل عليه هو الإجماع الذي يقتصر فيه على القدر المتيقّن ، فيرد عليه وضوح كون أصل الجناية في المقام مضمونة ، غاية الأمر سقوط الضمان بالعفو ، وعليه فمقتضى كون السراية مضمونة ثبوت حقّ القصاص بالإضافة إلى النفس ، فتدبّر .

وبعد ثبوت حقّ الاقتصاص بالنسبة إليها هل يجب على المقتصّ ردّدية الإصبع المعفوّ عن قصاصها أوجنايتها كما صرّح به المحقّق في الشرائع(2) أو لا؟ وفي المتن تبعاً للقواعد(3) وفخر المحقّقين(4) والشهيد(5) والمقدس الأردبيلي(6) الإشكال فيه ، بل في المتن المنع ، ولعلّ الوجه فيه ما عرفت من دخول الطرف في النفس ، فهو كقتل كامل بمن قطع يده غيره أو تلف بآفة ، أو أنّه بعفوه عنه كانّه اقتصّ منه ، فكما لا

(1) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 141 .

(2) شرائع الإسلام: 4 / 1014 .

(3) قواعد الأحكام: 2 / 306 .

(4) إيضاح الفوائد: 4 / 640 .

(5) غاية المراد: 382 (مخطوط) .

(6) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 141 .


441

يغرم لو سرى الجرح بعد اقتصاصه عوضه فيقتله بالسراية من غير ردّ لما استوفاه فكذا المقام . وفي الجواهر بعد ذكر الوجهين : إلاّ انّهما معاً كما ترى(1) .

والوجه فيه عدم كون الطرف داخلاً في النفس بصورة الإطلاق ، بل قد تقدّم فيه التفصيل(2) وعدم كون العفو بمنزلة القصاص في جميع الآثار ، والمسألة مشكلة ، ومقتضى الاحتياط هو الردّ .

بقي الكلام في هذا الفرع فيما لو عفا عن الجناية والسراية معاً ، فإن كان العفو في حال تحقّق السراية كما في السراية إلى الكفّ بعد تحقّقها ، فلا إشكال في صحّته وسقوط حكم الجناية والسراية معاً .

وإن كان في حال عدم تحقّقها فالمسألة خلافية . فعن الشيخ في الخلاف(3)الصحّة ، بل عن الشهيدين في غاية المراد(4) والروض(5) والمقدس الأردبيلي في مجمع البرهان(6) الميل أو القول إليها ، والمحكي عن أبي علي(7) والشيخ في المبسوط(8) والعلاّمة(9) وولده(10) وغيرهم(11) عدم الصحّة ، واختاره

(1) جواهر الكلام: 42 /427 .

(2) تقدّم في ص90 ـ 94 .

(3) الخلاف : 5 / 208 مسألة 86 .

(4) غاية المراد: 382 (مخطوط) .

(5) حكى عنه في مفتاح الكرامة: 11 / 157 .

(6) مجمع الفائدة والبرهان: 14 / 142 ـ 143 .

(7) حكى عنه في مختلف الشيعة: 9 / 456 مسألة 135 .

(8) المبسوط : 7 / 110 .

(9) إرشاد الأذهان: 2 / 212 ، مختلف الشيعة: 9 / 457 مسألة 135 .

(10) إيضاح الفوائد: 4 / 641 .

(11) كالشهيد الثاني في مسالك الأفهام: 15 / 309 .


442

صاحب الجواهر(1) .

وعمدة ما يستدلّ به عليه أنّه إبراء ممّا لا يجب ، وأنّه إسقاط لحقّ الغير وهو الوليّ ، نظراً إلى أنّ القصاص إنّما يكون مجعولاً للوارث ، كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَد جَعَلنَا لِولِيِّهِ سُلطَاناً(2) ، فإنّ ظاهره جعل السلطنة ابتداء للوارث من دون أن يكون منتقلاً إليه من المورِّث ، كسائر ما تركه من مال أو حقّ ، بل ومثل القصاص الدية وإن تعلّقت بها وصاياه وديونه ، للدليل .

وعليه فلا مجال لجعل العفو المفروض من مصاديق الوصيّة للقاتل ، وإن حكي عن الشيخ في الخلاف أنّه قال: يصحّ العفو عنها وعمّا يحدث عنها ، فلو سرت كان عفوه ماضياً من الثلث ، لأنّه بمنزلة الوصية(3) . وذلك لأنّ مورد الوصية إنّما هو مال الميّت أو حقّه ، وبعد عدم كون القصاص حقّاً له بوجه لا يبقى وجه للحكم بكونه وصية يترتّب عليه أحكامها .

هذا ، ولكنّ الظاهر الذي يساعد الاعتبار أنّ حقّ القصاص إنّما يكون للميّت ابتداء ، لأنّه عوض نفسه ، كما أنّ حقّ الاقتصاص في الطرف ثابت للمجنيّ عليه ، غاية الأمر إنّ الفرق بينهما هو إمكان استيفاء الحقّ في الثاني للمجنيّ عليه وعدم إمكانه في الأوّل له ، ولأجله ينتقل إلى الوارث خصوصاً مع ما ذكرنا من أنّ المراد بالوليّ هو الوارث ، وخروج الزوج والزوجة أو المتقرّب بالاُمّ مطلقاً أو خصوص الإخوة والأخوات ـ كما مرّ البحث فيه(4) ـ لا ينافي ذلك ، كخروج الزوجة عن إرث

(1) جواهر الكلام: 42 / 430 .

(2) الإسراء 17 : 33 .

(3) الخلاف : 5 / 208 مسألة 86 .

(4) مرّ في ص290 ـ 292 .


443

التاسع : لو عفا الوارث الواحد أو المتعدّد عن القصاص سقط بلا بدل فلايستحقّ واحد منهم الدية رضي الجاني أو لا ، ولو قال: عفوت إلى شهر أو إلى سنة لم يسقط القصاص ، وكان له بعد ذلك القصاص . ولو قال : عفوت عن نصفك أو عن رجلك، فإن كنى عن العفو عن النفس صحّ وسقط القصاص ، وإلاّ ففي سقوطه إشكال بل منع . ولو قال: عفوت عن جميع أعضائك إلاّ رجلك مثلاً ، لا يجوز له قطع الرجل ولا يصحّ الإسقاط1.

بعض الأموال في كتاب الإرث . وعليه فلا يكون مرجع العفو إلى إسقاط حقّ الغير وهو الولي ، بل إسقاط لحقّ نفسه .

وأمّا كونه إبراء ممّا لا يجب ، فلا مانع منه بعد قيام الدليل على جوازه وصحّته في بعض الموارد ، كالإبراء عن الجناية للطبيب والبيطار ، بل في المقام يكون بطريق أولى ، لأنّه هناك كان الإبراء عن الجناية قبلها ، وهنا يكون بين الجناية وبين السراية كما هو المفروض . مضافاً إلى دلالة عموم مثل قوله(صلى الله عليه وآله): «المؤمنون عند شروطهم»(1) عليه ، وإلى ما ورد من الترغيب في العفو شرعاً الملازم للصحّة والتأثير ، ولعلّه لما ذكرنا جعل الأوجه في المتن الصحّة ، فتدبّر .

1 ـ في هذا الفرع فروض:

أحدها: ما لو عفا الوارث ـ واحداً كان أو متعدّداً ـ عن القصاص فهل يسقط بلا بدل أو تستحقّ الدية مع سقوط القصاص خصوصاً مع رضا الجاني بذلك؟ الظاهر هو الأوّل ، لما مرّ في المسألة الاُولى من مسائل كيفية الاستيفاء من أنّ الثابت في قتل العمد هو القصاص على سبيل التعيّن لا الدية ولا التخيير بينها وبينه ، وعليه فما هو

(1) وسائل الشيعة: 15/30 ، كتاب النكاح ، أبواب المهور ب20 ح4 .


444

العاشر : لو قال: عفوت بشرط الدية ، ورضي الجاني وجبت دية المقتول لا دية القاتل1.

الثابت ليس إلاّ القصاص فقط ، والمفروض عفو الوارث عنه ، فلا مجال لثبوت البدل له ولو مع رضا الجاني بذلك .

ثانيها : ما لو قال الوارث : عفوت إلى شهر أو إلى سنة ، الظاهر بطلان العفو في هذا الفرض ، لأنّ القصاص الذي هو حقّ ثابت للولي لا يكون مرتبطاً بالزمان ومتفرّقاً على أجزائه ، فتقييده بالشهر أو السنة يوجب عدم وقوعه صحيحاً ، إلاّ أن يكون مراده تأخير إجرائه إلى ذلك الزمان ، ولا دليل على لزوم العمل به حينئذ أيضاً . أو يقال: إنّ التقييد بالزمان المذكور حيث يستلزم بطلان العفو فلِمَ لا يكون التقييد باطلاً ، وعليه فيبقى إطلاق العفو بحاله ، ولازمه سقوط القصاص ، فتدبّر .

ثالثها: ما لو قال الوارث : عفوت عن نصفك مثلاً أو عن رجلك ، فإن كان المراد هوالعفو عن قصاص النفس وقدوقع التعبيربذلك كناية عنه فالظاهرصحّته وسقوط القصاص ، وإلاّ ففي سقوط القصاص إشكال بل منع ، لعدم تبعّضه في النفس فالتقييد بالبعض لا يكاد يقع صحيحاً، فلا يترتّب عليه سقوط القصاص بوجه .

رابعها: ما لو قال الوارث: عفوت عن جميع أعضائك إلاّ رجلك مثلاً ، وظهر ممّا ذكرنا في الفرض الثالث عدم صحّة هذا النحو من الإسقاط ، ويترتّب عليه عدم سقوط حقّ القصاص بوجه ، كما أنّه لا يجوز له قطع الرجل في المثال ، سواء قلنا بعدم سقوط حقّ القصاص أو قلنا بالسقوط ، كما لا يخفى .

1 ـ الوجه في ثبوت دية المقتول دون القاتل إذا اختلفا في الدية كالرجل والمرأة، وضوح كون المراد وقوعها عوضاً عن المقتول بدلاً للقصاص الذي كان هو حق


445

الوليّ ابتداء ، فالمعوّض في كليهما هو نفس المقتول ، ولا ارتباط من هذه الجهة بالقاتل ، فإطلاق الدية المشروطة من حيث اللفظ ينطبق على خصوص دية المقتول من حيث المراد ، كما هو ظاهر .

هذا تمام البحث في شرح كتاب القصاص من كتاب تحرير الوسيلة لسيّدنا الاُستاذ الأعظم الإمام الخميني أدام الله ظلّه الوارف على رؤوس المسلمين ، وأخرجهم ببركته من سلطة الكفّار والمعاندين ومن يحذوا حذوهم من الجاهلين والمرتجعين .

والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وأنا المفتقر إلى رحمة ربِّه الغني: محمّد الموحّدي المعروف بالفاضل اللنكراني ابن العلاّمة الفقيد آية الله المرحوم الحاج الشيخ فاضل اللنكراني قدّس سرّه الشريف ، والرجاء منه تعالى التوفيق لإتمام سائر المباحث ، وأن يجعل ذلك ذخيرة لي ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ، بحق محمّد وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . وكان ذلك في بلدة قم المحميّة في شهر ذيقعدة الحرام من شهور سنة 1407 من الهجرة النبويّة على مهاجرها آلاف الثناء والتحية ، والسلام خير ختام .

مصادر التحقيق

القرآن الكريم

ـ أ ـ

1 ـ إختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي) ، لأبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي ، من منشورات جامعة مشهد ـ 1348هـ . ش .

2 ـ إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان ، للعلاّمة أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي الحلّي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1410هـ . ق .

3 ـ الإستبصار ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، ط / دار الكتب الإسلامية ، طهران ، الطبعة الثالثة ـ 1390هـ . ق .

4 ـ إصباح الشيعة ، لقطب الدين البيهقي الكيدري ، ط / مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1416هـ . ق .

5 ـ الأم ، لمحمّد بن إدريس الشافعي ، ط / دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الأولى ـ 1408هـ . ق .

6 ـ الإنتصار ، للسيّد الشريف المرتضى علم الهدى عليّ بن الحسين الموسوي البغدادي، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ـ1415هـ . ق .

7 ـ إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد ، لأبي طالب محمّد بن الحسن بن يوسف المطهّر الحلّي ، ط / المطبعة العلمية ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1389هـ . ق .

ـ ب ـ

8 ـ بحار الأنوار ، للعلاّمة شيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ، ط / دار الكتب الإسلامية ، طهران .

9 ـ بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، لعلاء الدين أبي بكر بن سعود الكاساني الحنفي ، ط / دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الأولى ـ 1417هـ .ق .

ـ ت ـ

10 ـ تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين ، للعلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي ، ط / مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، الطبعة الأولى ـ 1411هـ . ق .

11 ـ التبيان في تفسير القرآن ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ، ط / مكتبة الأمين ، النجف ، الطبعة الأولى .

12 ـ تحرير الأحكام ، للعلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي ، ط / مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) ، قم (الطبعة الحجرية) .

13 ـ تحرير الوسيلة ، لآية الله العظمى ومولانا الأعظم الحاج السيّد روح الله الموسوي الخميني(قدس سره) ، ط/مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة السادسة ـ 1417هـ . ق .

14 ـ تعليقات على منهج المقال ، للعلاّمة محمّد باقر بن محمّد أكمل الملقّب بالوحيد البهبهاني ، المطبوع في هامش منهج المقال ، طهران ، 1307هـ . ق . (الطبعة الحجريّة) .

15 ـ تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ، كتاب الحدود ، لآية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني ، ط / المطبعة العلمية ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1406هـ .ق .

16 ـ تفسير القمي ، لأبي الحسن عليّ بن إبراهيم القمّي ، من منشورات مكتبة الهدى ، الطبعة الثانية ـ 1387هـ . ق .

17 ـ تلخيص الخلاف ، للشيخ مفلح بن حسن بن رشيد الصيمري ، من منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1408هـ . ق .

18 ـ التنقيح الرائع لمختصر الشرائع ، للفقيه جمال الدين مقداد بن عبدالله السيوري الحلّي ، من منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1404هـ . ق .

19 ـ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، ط /دار الكتب الإسلامية ، طهران ـ 1401هـ . ق .

ـ ج ـ

20 ـ الجامع للشرائع ، للفقيه البارع يحيى بن سعيد الحلّي ، من منشورات مؤسسة سيّد الشهداء العلمية ـ 1405 هـ . ق .

21 ـ جامع المقاصد في شرح القواعد ، للمحقّق الثاني: الشيخ علي بن الحسين الكركي ، ط / مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1408هـ .ق .

22 ـ جواهر الفقه ، للفقيه الأقدم القاضي عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي ، ط/مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1411هـ .ق .

23 ـ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام ، للشيخ محمّد حسن النجفي ، ط / دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة السابعة .

ـ ح ـ

24 ـ حاشية ردّ المحتار على الدرّ المختار ، لمحمّد أمين الشهير بابن عابدين ، ط/دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الثانية ـ 1386هـ . ق .

25 ـ الحاوي الكبير ، لأبي الحسن علي بن محمّد بن حبيب الماوردي ، ط/دار الفكر، بيروت ، 1414هـ . ق .

ـ خ ـ

26 ـ الخلاف ، لشيخ الطائفة الإماميّة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، ط/مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الأولى .

ـ د ـ

27 ـ الدروس الشرعية في فقه الإمامية ، للشيخ شمس الدين محمّد بن مكّي العاملي ، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الثانية ـ 1417هـ . ق .

ـ ر ـ

28 ـ الرسائل ، لآية الله العظمى الإمام الراحل السيّد الخميني(قدس سره) ، ط/مؤسسة اسماعيليان ، قم ، الطبعة الثالثة ، 1410هـ . ق .

29 ـ الرسائل العشر ، لشيخ الطائفة الإمامية أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي ، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم .

30 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ، للشهيد السعيد زين الدين الجبعي العاملي المعروف بالشهيد الثاني ، ط / دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية 1403هـ . ق .

31 ـ روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه ، للفقيه المولى محمّد تقي المجلسي المعروف بالمجلسي الأوّل ، ط / المطبعة العلمية ، قم .

32 ـ رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل ، لآية الله المحقّق السيد علي الطباطبائي ، ط / دار الهادي ، بيروت ، الطبعة الأولى ـ 1412هـ . ق .

33 ـ السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ، للفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي ، ط/مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الثانية ـ 1411هـ . ق .

ـ س ـ

34 ـ السنن الكبرى ، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ، ط / دار الفكر ، بيروت .

ـ ش ـ

35 ـ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ، للمحقّق أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي، ط/ مؤسّسة الوفاء ، بيروت .

ـ ص ـ

36 ـ الصحاح، لاسماعيل بن حماد الجوهري ، ط / دار العلم للملايين ، بيروت ـ 1407هـ . ق.

ـ ع ـ

37 ـ عُدّة الاُصول ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، ط / مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، الطبعة الأولى ـ 1403هـ . ق .

38 ـ العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ، لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي ، ط / دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ـ 1417هـ . ق .

ـ غ ـ

39 ـ غاية المرام في شرح شرائع الإسلام ، للشيخ مفلح الصيمري البحراني ، ط/دار الهادي ، الطبعة الأولى ـ 1420هـ . ق .

40 ـ غاية المراد في شرح نكت الإرشاد ، للشيخ محمّد بن مكّي العاملي المعروف بالشهيد الأوّل ، مخطوط ، مكتبة المسجد الأعظم ، الرقم 2105 .

41 ـ غنية النزوع ، للسيد أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي ، من منشورات مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ، الطبعة الأولى ـ 1417هـ . ق .

ـ ف ـ

42 ـ الفقيه ، للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، ط / دار الأضواء ، بيروت ، الطبعة الثانية ـ 1413هـ .ق .

ـ ق ـ

43 ـ القاموس المحيط ، لمجد الدين محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي ، ط / دار الجيل ، بيروت .

44 ـ قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام ، للعلاّمة الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الحلّي، من منشورات الرضي ، قم (الطبعة الحجرية) .

ـ ك ـ

45 ـ الكافي ، لثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ، ط / دار الكتب الإسلامية ، الطبعة الثانية .

46 ـ الكافي في الفقه ، للفقيه الأقدم أبي الصلاح الحلبي ، من منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، اصفهان .

47 ـ كامل الزيارات ، للشيخ الأقدم أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمي ، ط/ مؤسسة نشر الفقاهة ، الطبعة الأولى ـ 1417هـ . ق .

48 ـ كشف الرموز في شرح المختصر النافع ، لزين الدين أبي علي الحسن بن أبي طالب بن أبي المجد اليوسفي، المعروف بالفاضل والمحقق الآبي ، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الأولى .

49 ـ كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام ، للشيخ بهاء الدين محمد بن الحسن الإصفهاني المعروف بالفاضل الهندي ، من منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم (الطبعة الحجرية) ـ 1405هـ . ق .

50 ـ كنز العرفان في فقه القرآن ، للشيخ جمال الدين المقداد بن عبدالله السيوري من منشورات المكتبة المرتضويّة ، طهران ، 1384هـ . ق .

ـ ل ـ

51 ـ اللمعة الدمشقية ، لأبي عبدالله محمّد بن جمال الدين مكي العاملي المعروف بالشهيد الأوّل ، من منشورات مركز بحوث الحج والعمرة ، طهران ، الطبعة الأولى ـ 1406هـ . ق .

ـ م ـ

52 ـ مباني تكملة المنهاج ، لآية الله العظمى السيّد أبي القاسم الموسوي الخوئي ،ط/ مطبعة الآداب ، النجف .

53 ـ المبسوط ، لشمس الدين السرخسي ، ط / دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ـ 1414هـ . ق .

54 ـ المبسوط في فقه الإمامية ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي ، ط / المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية .

55 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ، للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي ، ط / دار الفكر ، بيروت ـ 1414هـ . ق .

56 ـ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان ، للفقيه المولى أحمد المقدّس الأردبيلي ، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الأولى .

57 ـ المجموع شرح المهذّب ، لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي ، ط / دار الفكر ، بيروت الطبعة الأولى ـ 1417هـ . ق .

58 ـ المختصر النافع في فقه الإمامية ، للمحقّق أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي، من منشورات المكتبة الأهلية ، بغداد ـ 1383هـ . ق .

59 ـ مختلف الشيعة في أحكام الشريعة ، للعلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي، من منشورات مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية ، الطبعة الأولى ـ 1412هـ . ق .

60 ـ مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ، للعلاّمة شيخ الإسلام المولى محمّد باقر المجلسي ، ط / دار الكتب الإسلامية ، طهران ، الطبعة الأولى .

61 ـ المراسم العلوية في الأحكام النبوية ، للفقيه الأعظم الشيخ أبي يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلمي ، ط / دار الحق ، بيروت ـ 141هـ . ق .

62 ـ مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام ، لزين الدين بن علي العاملي الشهير بالشهيد الثاني ، ط / مؤسسة المعارف الإسلامية ، الطبعة الاُولى .

63 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل ، للمحدّث الميرزا حسين النوري الطبرسي ، ط/مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، الطبعة الثانية ـ 1408هـ . ق .

64 ـ المصباح المنير ، لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيّومي ، ط / دار الكتب العلمية ، قم ، الطبعة السابعة .

65 ـ المغني ، لموفق الدين أبي محمّد عبدالله بن أحمد بن محمّد بن قدامة ، (المطبوع مع كتاب الشرح الكبير) ط / دار الكتب العلمية ، بيروت .

66 ـ مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ، لشمس الدين محمّد بن أحمد الخطيب الشربيني ، ط / دار الفكر ، بيروت .

67 ـ مفاتيح الشرائع ، للمحدّث الفقيه المولى محمّد محسن الفيض الكاشاني ، ط / مجمع الذخائر الإسلامية ، قم ـ 1401هـ . ق .

68 ـ مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة ، للمحقّق السيد محمّد جواد الحسيني العاملي ، ط / دار إحياء التراث العربي ، بيروت .

69 ـ المقتصر من شرح المختصر ، لجمال الدين أبي العباس أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي ، ط/مطبعة سيد الشهداء(عليه السلام) ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1410هـ . ق .

70 ـ المقنع ، للشيخ الأقدم أبي جعفر الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، من منشورات مؤسسة الإمام الهادي(عليه السلام) ، قم ـ 1415هـ . ق .

71 ـ المقنعة ، لأبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقّب بالشيخ المفيد ، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الثانية ـ 1410هـ . ق .

72 ـ المهذّب ، للفقيه الأقدم القاضي عبد العزيز بن البرّاج الطرابلسي ، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ـ 1406هـ . ق .

73 ـ المهذّب البارع في شرح المختصر النافع ، للعلاّمة جمال الدين أبي العباس أحمد بن محمّد بن فهد الحلّي ، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم .

ـ ن ـ

74 ـ نكت النهاية ، للمحقق الأوّل أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الهذلي الحلّي، ط / مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، قم ، الطبعة الأولى .

75 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر ، لمجد الدين المبارك بن محمّد الجزري، المعروف بابن الأثير ، ط / دار الفكر ، بيروت .

76 ـ النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى ، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي ، ط / دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى ـ 1390هـ . ق .

77 ـ نيل الأوطار من أحاديث سيّد الأخيار ، لمحمّد بن علي بن محمّد الشوكاني ، ط/دار الكتب العلمية ، بيروت .

ـ و ـ

78 ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ، للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ، ط / دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة السادسة ـ 1412هـ . ق .

79 ـ الوسيلة إلى نيل الفضيلة ، للفقيه عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة ، من منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ، قم ، الطبعة الأولى ـ 1408هـ . ق .

فهرست آيات
وَلَكُم فِي القِصَاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الأَلبَاب9
مِن أَجل ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفساً بِغَيرِ نَفس أَو فَسَاد ...10
مَنْ قَتَلَ نَفساً بِغَيرِ نَفس أَو فَسَاد فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النّاس جَمِيعَاً11
مِن أَجل ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفساً بِغَيرِ نَفس أَو فَسَاد ...11
وَمَن قَتَلَ نَفساً بِغَيرَ نَفس أَو فَسَاد فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَاسَ جَمِيعاً12
وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَد إِلاَّ بِإذنِ اللهِ43
يُخَيَّل إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعى43
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَاسِ43
وَمَا هُم بِضَارّينَ44
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرءِ وَزَوجِهِ44
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفسِ وَالعَينَ بِالعَينِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ ...92
وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلطاناً فَلاَ يُسرِف فِي القَتلِ98
وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلبَاب101
وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلطاناً فَلاَ يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّه كَانَ ...101
وَكَتَبْنا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ101
وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلطاناً فَلاَ يُسرِف فِي القَتلِ102
كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبدُ بِالعَبدِ والأُنثَى بِالأُنثَى115
وَالأُنْثَى بِالأنثَى116
العَبدُ بِالعَبدِ116
الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبدُ بِالعَبدِ والأُنثَى بِالأُنثَى119
النَّفسُ بِالنَّفسِ119
وَكَتَبْنا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ وَالعَينَ بِالعَينِ119
يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبدُ ...119
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفْسِ119
أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ120
الحُرُّ بِالحُرِّ120
النَّفسَ بِالنَّفسِ وَالعَينَ بِالعَينِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ120
وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ للكافِرِينَ عَلى الْمُؤْمِنينَ سَبِيلاً128
النَّفسَ بِالنَّفسِ135
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى140
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعَاً196
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعَاً197
النَّفسَ بِالنَّفسِ284
فَمَنِ اعتَدَى عَلَيْكُم فَاعتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيْكُم284
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَاناً291
فَمَنِ اعتَدَى عَلَيْكُم فَاعتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيْكُم309
فَلاَيُسرِف فِي القَتلِ312
وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَد جَعَلنَا لِوَليِّهِ سُلطَاناً329
وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكتُمنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ341
وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكتُمنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ341
وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَاناً348
فَلاَ يُسْرِف فِي القَتلِ349
وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ361
وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ363
فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيْكُم364
العَينَ بِالعَينِ373
وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ375
وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ377
وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ378
وَالعَينَ بِالعَينِ385
وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ385
وَالعَينَ بِالعَينِ391
وَالعَينَ بِالعَينِ393
الأَنفَ بِالأَنفِ403
وَالسِنَّ بِالسِنِّ406
وَالسِنَّ بِالسِنِّ406
وَمَن قُتِلَ مَظلُوماً فَقَد جَعَلنَا لِولِيِّهِ سُلطَاناً442
فهرست روايات
يخالف يحيى ابن سعيد قضاتكم؟ قلت: نعم ، قال: هات شيئاً ممّا اختلفوا فيه ، قلت: اقتتل غلامان في ...14
العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة ، فهذا كلّه عمد; والخطأ من اعتمد ...14
في الخطأ شبه العمد أن تقتله بالسّوط أو بالعصا أو بالحجارة ، إنّ دية ذلك تغلظ ، وهي مائة من الإبل 16
«لا يريد قتله»16
«ولكن لا يترك يعبث به»19
«والخطأ أن يتعمّده ولا يريد قتله ، يقتله بما لا يقتل مثله» 22
العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة ، فهذا كلّه عمد ، والخطأ من اعتمد ...23
«وإن علاه»29
«حتّى يقتله»29
«حتّى يقتله»29
«حتّى مات»29
«فيقتله»40
«إلاّ أن يكون فيهما الموت»95
وإن قتلت المرأة الرجل قتلت به ، ليس لهم إلاّ نفسها117
«فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل» 124
«اقتله به»141
«لا يقاد مسلم بذمّي»149
والله ما هذا في هذه البلاد يعني الكوفة ولا هذا بحضرتي ، فمن أين جائك هذا؟ قلت: كتب إليّ معاوية ...150
لايقتل الوالد بولده ، ويقتل الولد بوالده ، ولا يرث الرجل الرجل إذا قتله وإن كان خطأ(5) 151
«لا أظنّ»154
«صاغراً»154
«ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً»160
«لايقاد مسلم بذمّي»160
وإن كان قال لإبنه: يابن الزانية ، وأُمّه ميتة ولم يكن لها من يأخذ بحقّها منه إلاّ ولدها منه فإنّه ...160
يسأله عن رجل مجنون قتل رجلاً عمداً ، فجعل الدّية على قومه ، وجعل خطأه وعمده سواء(2) 162
«وإن لم يشهدوا عليه بذلك»162
إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه ، وإذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضى بالدية . وفي رواية ...165
أصلحك الله رجل حمل عليه رجل مجنون فضربه المجنون ضربة ، فتناول الرجل السيف من المجنون فضربه فقتله ، ...174
بل أجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة ، وآخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين(1) 178
«فلعلّ ذينك»178
«كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون»178
هذان متعدّيان جميعاً ، فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً ، لأنّه قتله حين قتله وهو أعمى ، والأعمى ...183
«والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته»184
أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له(3) ، لأنّه أعمّ ممّا إذا كان الحدّ أو القصاص موجباً ...188
«في قتل ولا جراحة»188
ما تقول؟195
خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن ، وقولوا له: ما الحكم فيهما؟ قال: فذهبوا إلى الحسن وقصّوا عليه ...196
إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه ولا سبيل لهم على الآخر ، ثمّ لا سبيل ...211
«لا سبيل لهم على الآخر. . . 212
إنّما جعلت القسامة احتياطاً لدماء الناس ، كيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لا ...221
وإن لم يقسموا ـ أي المدّعون ـ فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له ...226
وإن كان بأرض فلاة ادّيت ديته من بيت المال ، فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم ...231
فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال(3) 231
ليس في الهايشات عقل ولا قصاص ، والهايشات الفزعة تقع بالليل والنهار فيشجّ الرجل فيها ، أو يقع قتيل ...232
في القسامة خمسون رجلاً في العمد ، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً ، وعليهم أن يحلفوا بالله(1) 237
فإذا ادّعى الرّجل على القوم أنّهم قتلوا كانت اليمين لمدّعي الدّم قبل المدّعى عليهم ، فعلى المدّعي ...245
يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً 245
حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً(3) 246
فإنّ على الّذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً ، فإن فعلوا أدّى أهل ...250
وإلاّ حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً ، وإلاّ اُغرموا الدية إذا وجدوا ...252
لكي إذا رأى الفاجر عدوّه فرّ منه مخافة القصاص(2) ورواية زرارة المتقدّمة أيضاً المشتملة على ...265
«انّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يحبس»281
«بثبت»282
هل للنساء قود أو عفو؟ قال: لا ، وذلك للعصبة 291
قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الدية يرثها الورثة إلاّ الإخوةوالأخوات من الأُمّ، فإنّهم لا ...294
«ويعطي ورثة القاتل» 324
بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه ، فإنّه أحقّ بديته من غيره(3) 327
«وإلاّ فلا»330
«وإلاّ فلا» 330
«فإن وهبوا»332
«فإنّه لا يبطل دم امرىء مسلم»352
«يدان»372
إنّما يكون القصاص من أجل الشين(3) 387
أعور فقأ عين صحيح ، فقال: تفقأ عينه ، قال: قلت: يبقى أعمى ، قال: الحقّ أعماه(1) ، ومثلها مرسلة ...392
قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعور أُصيبت عينه الصحيحة ، ففقئت أن تفقأ إحدى عيني صاحبه ...393
«وإن شاء أخذ دية كاملة» في الرواية الاُولى ، وقوله (عليه السلام) : «لأن له الدية كاملة» في الرواية ...395
وإنّما يكون القصاص من أجل الشين(7) ، الصريح في أنّ إزالتها لذلك لا لنجاستها ، بل وإلى ما ورد(8) في ...411
«إنّما يكون القصاص من أجل الشين»412
إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في سنّ الصبي إذا لم يثغر ببعير(2) 414
لو أنّ رجلاً قطع فرج امرأته لأغرمته لها ديتها ، وإن لم يؤدّ إليها الدية قطعت لها فرجه إن مسألة ...418