فهرست عناوين فهرست آيات
تقريرات الشيرازي الجزءالثاني

ج 2


1^5
الجزء الثاني‏
بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

و به ثقتي‏

فهرست عناوين
{     الجزء الثاني‏1 5
     في دلالة الأمر على الوجوب‏1 5
     فوائد:1 5
     الأولى‏1 5
     الثانية (1) :16
     الثالثة24
     الرابعة32
     الخامسة42
     تنبيهات:54
     السادسة55
     السابعة62
     في المرّة و التكرار65
     الأوّل:الظاهر أنّ النزاع هنا-كما في مسألة إفادة الصيغة للوجوب- إنّما هو من جهة الوضع‏65
     الثاني:النزاع هنا في أنّ الصيغة هل تدلّ على كمية الفعل المأمور به الّذي‏ هو مفروض الصيغة؟66
     الثالث‏1:الظاهر أنّ المراد بالمرّة هي الدفعة،نظرا إلى ظهور لفظ المرّة فيها عند الإطلاق‏68
     الرابع‏73
     الخامس‏ (1) :الثمرة بين القول بالتكرار و كلّ من القولين الآخرين‏ واضحة75
     السادس:اختلفوا في دلالة النهي على التكرار على أقوال‏95
     في الفور و التراخي‏122
     الأوّل‏122
     الثاني‏125
     القول في مسألة الإجزاء138 139
     الأوّل‏138 139
     الثاني‏143
     الثالث‏150
     الرابع‏152
     ثمّ إنّك بعد ما قدّمنا لك إلى هنا فهاهنا مقامات:154
     الأوّل: (2) في الأمر الواقعي الأوّلي إذا أتي بمتعلّقه على ما هو عليه‏154
     الثاني:في الأوامر الواقعية الثانوية161
     الأوّل‏161
     الثاني‏162
     الثالث‏163
     الثالث:في مؤدّى الطرق و الأصول العملية الشرعية منهما و العقلية173
     الأوّل:في العمل بمؤدّى الطرق و الأصول العقليتين‏173
     الثاني:في العمل بمؤدّى الطرق و الأمارات و الأصول الشرعية174
     و ينبغي التنبيه على أمور:188
     الأوّل‏188
     حجّة القول الأوّل‏190
     حجّة القول الثاني وجوه:193
     حجّة القول الثالث‏194
     الثاني‏198
     و توضيح المقال في الجمع:أنّ هاهنا مقامين:200
     و المتصوّر للجمع بين الأدلّة في المقام الأوّل وجوه:200
     أحدها200
     و ثانيها201
     و ثالثها201
     و رابعها202
     و خامسها202
     و أمّا المقام الثاني:فالمتصوّر من وجوه الجمع فيه أربعة من الوجوه‏ الستة المتقدّمة بإسقاط الثالث و الرابع منها206
     الثالث‏207
     في مقدّمة الواجب‏210
     الأوّل‏210
     الثاني‏ (1) :ينبغي التعرّض لمفردات كلامهم الواقع محلا للخلاف في المقام‏ -و هو قولهم:مقدمة الواجب واجبة أو لا؟-كي يرتفع الإجمال،و يتّضح الحال في‏ مقالهم من جهة معرفة محلّ الخلاف‏220
     في المقدمات العقلية و العادية و الشرعيّة235
     في مقدمة الوجود و الوجوب و الصحة و العلم‏238
     قد ينقسم الواجب إلى مطلق و مشروط و يعبّر عن الثاني بالمقيّد أيضا242
     الثالث‏246
     تنبيهات:249
     الأوّل‏249
     الثاني‏253
     المقدمات المفوتة254
     الثالث‏261
     الرابع‏262
     المقدّمة المحرّمة273
     تنبيه:293
     ينقسم الواجب باعتبار آخر إلى النفسيّ و الغيري:294
     مقتضى الأصل اللفظي عند الشك في النفسيّة و الغيرية297
     في محقق القربية في الواجب الغيري‏303
     بقي هنا شيئان ينبغي التنبيه عليهما:312
     الأوّل‏312
     الثاني‏ (1) -أنّه هل الحال في مستحبّات الغيرية-من جهة توقّف تحقّق‏ الامتثال على قصد الغير و عدمه-هي الحال في الواجبات الغيرية،أو لا؟.315
     المقدّمة الموصلة318
     التوصلي و التعبّدي‏326
     في تأسيس الأصل المعوّل عليه عند الشك‏ في التعبدية و التوصّلية337
     أمّا المقام الأوّل‏337
     و أمّا المقام الثاني‏338
     و أمّا المقام الثالث‏341
     الواجب الأصلي و التبعي‏360
     استحقاق الثواب أو العقاب على الواجب الغيري‏361
     تحرير محلّ النزاع‏378
     قد ذكروا للمسألة ثمرات:382
     فالأقوال في المسألة على ما استقصاه بعض‏ المحقّقين‏ (1) أربعة:392
     و ينبغي التنبيه على أمور:429
     الأوّل‏429
     الثاني‏429
     الثالث‏431
     الرابع‏433

في دلالة الأمر على الوجوب‏

فوائد:

الأولى‏
:لا ينبغي الإشكال في إمكان استعمال صيغة الأمر في القدر

المشترك بين الوجوب و الندب-و هو الطلب المطلق مطلقا حقيقة بناء على وضعها

له،أو مجازا بناء على وضعها لخصوص أحد الفردين،أو لكلّ منهما على سبيل‏

الاشتراك-و لا في إمكان إنشاء القدر المشترك وحده مجرّدا عن كلتا

الخصوصيّتين.

نعم ربّما يتوهّم المنع من الأمرين من وجوه:بين مختصّ بأحدهما،و مشترك‏

بينهما:


6
أمّا الأوّل:فهو للثاني:و تقريره:أنّ القدر المشترك المذكور كسائر الكلّيّات‏

ما لم يتشخّص يمتنع وجوده في الخارج،و تشخّصه إنّما هو بإحدى الخصوصيّتين‏

المذكورتين على سبيل منع الخلوّ،لانحصار فرده فيهما،فيمتنع إيجاده بدون شي‏ء

منهما.

و أمّا الثاني:فالمتصوّر منه وجهان:

أحدهما-ما ذكره صاحب المعالم-فيما حكي عنه من حاشيته على قوله:

(لأنّ الاستعمال في القدر المشترك إن وقع فعلى غاية الندرة و الشذوذ)-من علّة

الندرة و الشذوذ قال:(و ذلك لبعد وقوعه نظرا إلى أنّ الطالب إذا لم يكن غافلا

عن الترك،فإمّا أن يريد المنع منه،أو لا يريده،فلا يخلو الحال عن إرادة

الوجوب أو الندب،فلا يتصوّر إرادة الطلب المجرّد عن القيدين إلاّ عند الغفلة

عن ملاحظة الترك،و هو في غاية الندرة،بل لا يمكن حصوله في أوامر الشرع،

ففرض استعماله في القدر المشترك غير معقول،فتأمّل) (1) .انتهى.

و لا يخفى أنّه اعتراف بإمكان استعمال الأمر في القدر المشترك،و بإمكان‏

إيجاده في الجملة،إلاّ أنه يلزمهما بالنسبة إلى الملتفت إلى الترك،و سيجي‏ء الجواب‏

عنه.

ثانيهما-أنّ الصيغة لم توضع لنفس القدر المشترك بعنوان الكلّية،بل‏

إنّما هي آلة لملاحظة جزئيّاتها الحقيقية و مرآة لها،و الموضوع له إنّما هي بعنوان عامّ،

و لا ريب أنّه لا شي‏ء من تلك الجزئيات إلاّ و هو متقوّم بإحدى الخصوصيّتين‏

بحيث لم يوجد بدون شي‏ء منهما،فاستعمال الصيغة في كلّ واحد منهما لا يمكن‏

إلاّ مع إحدى الخصوصيّتين،كما أنّ إيجاد شي‏ء من تلك الجزئيات لا يمكن بدون‏

1)نقل هذه الحاشية المحقّق الملا الميرزا الشيرواني(ره)ضمن حاشيته على المعالم:46،لكن مع‏

اختلاف يسير في ألفاظها.


7
إحداهما.

أقول:هذا على فرض تماميّته لا ينهض على المنع من استعمال الصيغة في‏

القدر المشترك مجازا.نعم ينهض على منع إمكان إيجاده بدون شي‏ء من‏

الخصوصيّتين،إذ بعد فرض أنّه لا شي‏ء من أفراده إلاّ و هو متقوّم بإحداهما

و امتناع تحقّق شي‏ء منها في الخارج بدون شي‏ء منهما لذلك يمتنع إيجاد القدر

المشترك بدون شي‏ء منهما،ضرورة توقّف حصوله على تشخّصه و صيرورته فردا،

و المفروض أنّه لا فرد منه إلاّ و هو متقوّم بإحداهما،و يمتنع وجوده بدون شي‏ء

منهما،فيمتنع حصول القدر المشترك بدون شي‏ء منهما،ضرورة توقّف ما

يتوقّف على شي‏ء متوقف على شي‏ء آخر على ذلك الشي‏ء الآخر.

و يمكن تقرير المنع على وجه يقتضي امتناع استعمال الصّيغة في القدر

المشترك مجازا أيضا بأن يقال:إنّ القدر المشترك المذكور في المقام لم يعتبر في‏

الوضع،أو الاستعمال مطلقا-حقيقة،أو مجازا-بعنوان الاستقلال في المفهومية-

كما هو الحال في مفاهيم أسماء الأجناس-بل إنّما اعتبر بعنوان الآليّة لتعرّف‏

حال الموارد الشّخصية،فهو إذن من المعاني الحرفية الّتي لا يمكن تصوّرها في‏

الذّهن و تعقّلها إلاّ بضميمة شي‏ء من خصوصيّات الموارد،و خصوصيته منحصرة

في إحدى الخصوصيّتين المذكورتين،فلا يمكن استعمال الصيغة فيه بدون شي‏ء

منهما مطلقا،إذ إرادة معنى من اللفظ فرع تعقّله و تصوّره قبل الإرادة،و هو لا

يعقل بدون شي‏ء منهما.

و يظهر من ذلك عدم إمكان إيجاده بدون شي‏ء منهما بتقريب ما مرّ بعد

فرض انحصار فرده فيهما.

هذا غاية ما قيل أو يقال في وجه المنع.

لكن لا يخفى ضعف تلك الوجوه بأسرها على من له أدنى تأمّل و تدبّر،

فإنّ منشأها عدم الفرق بين إرادة المعنى في الضمير و إرادته من اللفظ،فإنّ‏


8
امتناع انفكاك القدر المشترك عن إحدى الخصوصيّتين المذكورتين إنّما هو

بالنسبة إلى الأوّل،لكن لا مطلقا أيضا،بل بالنسبة إلى الملتفت إلى التّرك،و إلاّ

فيمكن الانفكاك حينئذ بالنسبة إلى الغافل عنه،و أمّا الثاني فيمكن فيه التفكيك‏

مطلقا،بأن يراد بالصّيغة إفادة القدر المشترك وحده،فإنّ امتناع انفكاك شي‏ء

عن شي‏ء في الذهن لا يقضي بامتناع التعبير عن ذلك الشي‏ء و إفادته باللّفظ

وحده،كما أنّ امتناع انفكاكه في الوجود الخارجي عن أمر لا يقضي بذلك بأن‏

يعبّر باللفظ عنه وحده.

ألا ترى أنّ الأجناس يمتنع تصوّرها في الذهن بدون شي‏ء من الفصول،

و كذا الموجودات الخارجية يمتنع وجودها في الخارج بدون شي‏ء من الأعراض،

مع أنه يمكن التعبيرعن ذلك‏ (1) و يصحّ إفادة كلّ من تينك بدون ما يلزمهما

في الذهن أو الخارج،كما في قولك:(جئني بحيوان،أو جسم،أو رأيت رجلا)

مريدا به إفادة الشخص الخارجي بعنوان كونه فردا من أفراد الرّجل مع أنّ‏

الشخص لا يخلو في الخارج عن كونه بأحد الألوان من السواد و البياض‏

و غيرهما،و عن كونه متحيّزا،و غير ذلك من العناوين الصادقة عليه،و كما في وضع‏

أسماء الإشارة،حيث إنها موضوعة للذوات الخارجية بأحد عناوينها،و هو كونها

ذكورا مشارا إليها،أو إناثا كذلك،و هكذا الحال في الضمائر و الموصولات،إذ

الأولى موضوعة لها بعنوان كونها ذكورا أو إناثا،و حاكية عنها من هذا الوجه،

و الثانية موضوعة لها بعنوان كونها متعينة بصلاتها.

و قد حكي عن المدقّق الشيرواني‏ (2) في وجه الأمر بالتأمّل في الحاشية

المحكية عن صاحب المعالم المتقدّمة ما ذكرنا،قال:و وجهه أنّه فرق بيّن بين إرادة

1)إضافة يقتضيها السياق.

2)و هو المذكور في هوامش المعالم بتوقيع(ملا ميرزا).

9
المعنى في الضمير و إرادته من اللفظ،و اللازم لغير الغافل هو الأوّل،و المعتبر في‏

الاستعمال هو الثاني،و هو غير لازم من البيان المذكور،و الاشتباه إنّما نشأ من‏

الخلط بين الأمرين‏ (1) .انتهى.

و كيف كان،فبهذا ظهر دفع غير الوجه الأوّل من جهة دعوى امتناع‏

الاستعمال في القدر المشترك،حيث إنّ مبنى ما ذكره صاحب المعالم-قدّس سرّه-

إنّما هو امتناع الانفكاك في الذهن،و مبنى الوجه الثاني إنّما هو امتناعه في‏

الخارج،و قد ظهر أنّه لا يقضي شي‏ء منهما بالامتناع،و أنّه يجوز إفادة القدر

المشترك وحده بالصيغة،غاية الأمر أنّه إذا تعلّق الغرض بإفادة إحدى‏

الخصوصيّتين أيضا-بأن يكون غرض الآمر الطلب على وجه الوجوب أو

الندب،لا القدر المشترك وحده-يفيد الخصوصية بقرينة خارجية من لفظ آخر

أو غير اللفظ،فيكون إفادة الطلب الخاصّ بدالّين،فكذا لو سلمنا امتناع إيجاد

القدر المشترك وحده،إذ غاية الأمر حينئذ أنّه يوجد الطّلب الشخصي المتفصّل‏

بإحدى الخصوصيّتين بلفظين،إذ لا يلزم من ذلك امتناع إيجاده بهما.

و أمّا الجواب عمّا قرّرنا من وجه المنع.

فأوّلا-بأنّه خلط بين المقامين فإنّ عدم الانفكاك في النّفس غير إرادة

الملزوم وحده من اللفظ،و قد عرفت منع الملازمة بينهما،غاية الأمر أنّه يفاد

الخصوصية من دالّ آخر،كما يفاد خصوصيّة الابتداء بذكر البصرة،و خصوصية

الانتهاء بذكر الكوفة في قولك:(سرت من البصرة إلى الكوفة)،و لو لزم إفادة

المراد بجميع خصوصيّاته من لفظ واحد لزم التجوّز في جميع موارد إطلاق ألفاظ

الكلّي الموضوعة للكلّيّات على أفرادها،و فساد التالي غنيّ عن البيان.

1)المعالم:هامش الصفحة:46،و المذكور أعلاه مضمون الحاشية المومى إليها.

10
و ثانيا-بأنّ اللازم في مقام إرادة معنى من لفظ إنّما هو تصوّر ذلك المعنى‏

بوجهه،فيكفي في إرادة الطلب المطلق من الصيغة تصوّره بوجه الآلية،و لا ريب‏

أنّ تصوّره على هذا الوجه لا يتوقّف على تصوّر خصوص ما يقصد كونه آلة

لتعرّف حاله،بل يكفي تصوّر متعلّقه بوجه ما،فلنوضّح ذلك بقياس ما نحن فيه‏

بالحروف،فنقول:

إنّ كلمة(من)مثلا موضوعة للابتداء على وجه الآلية،و هو ما يعبّر عنه‏

بالفارسية ب(از)،و كذا كلمة(إلى)موضوعة للانتهاء كذلك،و هو ما يعبّر عنه‏

بالفارسية ب(تا)،و كلمة(في)موضوعة للظرفية كذلك،و هو ما يعبّر عنه‏

بالفارسية ب(در)كما أنّ لفظ(الابتداء و الانتهاء و الظرف)موضوعة للمعاني‏

الاسمية،و هي ما يعبّر عنها ب(نخستين و سامان و آغاز و أنجام-على اختلاف‏

موارد الاستعمال-و جاء)،فإذا أردت استعمال تلك الحروف،فهل تستعملها في‏

أزيد من معنى(أز،و تا،و در)؟و إنّما تفيد خصوصية متعلّقاتها بذكر الألفاظ

الدالّة على تلك المتعلّقات من البصرة و الكوفة و الدار في قولك:سرت من البصرة

إلى الكوفة أو رأيت زيدا في الدار.

و أيضا لا ريب أنّه قد يتّفق أنّه قد يستعمل الشخص تلك الحروف مع‏

عدم تعيّن شي‏ء من خصوصيات متعلّقاتها بعد،كما تقول:(اضرب زيدا في‏

السوق)مع عدم تصوّر السوق و تعيّنه عند ذكر(في)،و إنما تصوّره و تعيّنه بعده‏

فتذكر السوق،فهل يلتزم أحد بأنّ(في)في هذه الصورة مهملة لم يرد بها المعنى؟!

فإذا عرفت ذلك فقس عليه ما نحن فيه،فإنّ الصيغة موضوعة للطلب‏

على وجه الآلية،و هو ما يعبّر عنه بالفارسية ب(بكن)كما أنّ لفظ الطلب‏

موضوع للمعنى الاسمي المعبّر عنه بالفارسية ب(خواستن)،و لا ريب في إمكان‏

استعمال الصيغة في هذا المعنى وحده،غاية الأمر أنّه يفاد خصوصيته من الخارج‏


11
لو تعلّق الغرض بإفادتها أيضا،أو قلنا بامتناع وجوده بدونها.

هذا،ثمّ إنّه‏ (1) بما حقّقنا-من إمكان إيجاد الخصوصية بالصيغة و بأمر آخر

دالّ على الخصوصية لو لم يمكن تحقق القدر المشترك بدونها-ظهر ضعف ما أورد

بعض المحقّقين من المتأخّرين‏ (2) على المدقّق المتقدّم‏ (3) :ب(أنّ المنشئ إنما ينشئ‏

الطلب الخاصّ الواقع منه بالصيغة الخاصّة،فإنشاء الوجوب أو الندب إنّما يكون‏

بالصيغة المذكورة،إذ مجرّد الإرادة النفسيّة لا يقضي بإنشاء المعنى في الخارج،

كيف؟!و من البيّن أنّ الطالب للشي‏ء إنّما يوقع طلبه‏ (4) على أحد الوجهين‏

المذكورين،إلاّ أن يكون غافلا حسب ما قرّره-يعني صاحب المعالم-

فالطلب‏ (5) الخاصّ مراد من اللفظ قطعا،فما ذكره في الجواب غير مفيد في المقام).

انتهى.

ثمّ إنّه أجاب عن الإشكال:بما حاصله راجع إلى إرادة الخصوصية من‏

باب إطلاق الكلّي على الفرد باستعمال الصيغة في القدر المشترك و إرادة

الخصوصيّة من الخارج.

و فيه:أنّ الصيغة لم توضع للطلب الكلّي،بل لجزئيّاته الحقيقية،و هي‏

الحصص الموجودة منه في الخارج المتشخّصة بخصوصية الآمر و المأمور و المأمور

به بطريق عموم الوضع و خصوص المعنى،كما اعترف به-قدّس سرّه-و اختاره‏

1)في الأصل:إنّ...

2)و هو المحقّق التقي(ره)في هداية المسترشدين:150،مع اختلاف يسير بين عبارة المتن و عبارة

المصدر.

3)و هو المحقّق الميرزا الشيرواني(ره)الموقّع ب(ملا ميرزا)في حاشية المعالم:46 عند قول‏

صاحب المعالم(ره):(لأنّ الاستعمال في القدر المشترك إن وقع فعلى غاية الندرة و الشذوذ).

4)في المصدر:(إنّما يوقع طلبه غالبا.).

5)في المصدر:(حسبما قرّرناه فالطلب.).

12
فالمستعمل فيه الصيغة إنّما هو حصّة شخصية من حصصه الجزئية،و لا ريب أنّ‏

كلّ واحدة من خصوصيتي المنع من الترك أو الإذن فيه من الأحوال اللاّحقة

لكلّ واحدة من الحصص المذكورة إلاّ أنّهما ليستا مما لا يمكن انفكاكه عن‏

الحصص المذكورة بل يجوز إيجادها بدونهما،كما سيجي‏ء بيانه،لا أنّهما من أفرادها

حتى يطلق عليهما الصيغة بطريق إطلاق الكلّي على الفرد مع إفادة الخصوصية

من الخارج.

و بالجملة:الموضوع له الصيغة إنّما هو كلّ واحدة من الحصص الجزئية

الموجودة في الخارج من غير اعتبار شي‏ء من أحوال تلك الحصص في مفهوم‏

الصيغة،بل الموضوع له إنّما هي ذوات تلك الحصص مع قطع النّظر عن ملاحظة

شي‏ء من أحوالها اللاحقة لها في الخارج في مقام الوضع،فحال الصيغة بالنسبة

إلى تلك الأحوال نظير حال الأعلام الشخصية بالنسبة إلى أحوال الذوات‏

الخارجية التي هي مسمّياتها،فكما أنّه لا دخل لشي‏ء من الأحوال هناك في مفهوم‏

اللفظ-و إن كانت الحالة من الأحوال اللازمة للمسمّى ككونه متحيزا،فكيف‏

بما لا يكون كذلك-فكذا الحال هنا،و كما أنّ زيدا-مثلا-لا يقال:إنّه كلّي‏

بالنسبة إلى أحواله،فكذلك لا يصحّ أن يقال:إنّ كلّ واحدة من الحصص‏

المذكورة كلّي بالنسبة إلى حالاتها التي منها المنع من التّرك،أو الإذن فيه.

نعم يصحّ أن يقال:إنّ كلّ واحدة من الحصص المذكورة مطلقة بالنسبة

إلى أحوالها،كما يصحّ أن يقال:ذلك في الأعلام الشخصية،فعلى هذا فلا بدّ أن‏

يقرّر دفع الأشكال بأنّ الصيغة يطلق و يراد بها نفس الحصّة الشخصية الموجودة

بها في هذا الإطلاق التي هي معناها،و يراد الخصوصيّة اللاحقة لها من الخارج،

كما عرفت بيانه،فيندفع الأشكال،فتأمّل‏1.

1وجه التأمّل:أنّ مراده(قده)أيضا ذلك،إلاّ أنّه سمّاه بإطلاق الكلّي على الفرد،فيصير النزاع معه لفظيا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


13
و كيف كان،فلو لا كون الصيغة من جهة المعنى مطلقة بالنسبة إلى‏

خصوصية الوجوب و النّدب لما صحّ تعلّقها في إطلاق واحد بأمور بعضها واجب،

و بعضها مندوب،كقوله-مثلا-:صلّ الظهر و نافلتها،إلاّ بطريق استعمالها في‏

معنيين،و اللازم باطل،فالملزوم مثله،مع أنّه لا شبهة في ورود الصيغة في خطابات‏

الشارع على هذا النحو إلى حدّ لا يحصى فذلك يكشف عن أنّها مستعملة في‏

تلك الإطلاقات في نفس الحصة الموجودة من الطلب في الإطلاق الخاصّ المجردة

عن شي‏ء من الخصوصيّتين،و إنّما استفيد كيفية تعلّقها بكلّ واحد من الأمور من‏

الخارج.

لا يقال:إنّ المتعلّق بالنافلة في المثال المذكور ليس هذه الصيغة الملفوظة،

بل هي المقدّرة بقرينة الواو.

لأنّا نقول:إنّه مع أنّ واو العطف لا يقتضي أزيد من التشريك بين‏

المعطوف و المعطوف عليه إلاّ في الحكم المذكور،لا ينحصر المثال فيما ذكر،لورود

ما ذكرنا بدون ذكر واو العطف،و إطلاقه في العرف كثيرا كقولك:(زيد و عمر و

أكرمهما)إذا كان الغرض وجوب إكرام زيد و استحباب إكرام عمرو،فإنّه بمنزلة

أكرمهما،فلا يتمشّى-حينئذ-التوهّم المذكور.

و بهذا ظهر أنّه يصحّ إطلاق الصيغة و إرادة الطلب منها مع تعلّقها بأمور:

بعضها واجب،و بعضها مندوب،و بعضها يكون طلبه لمجرّد الإرشاد.

و ظهر-أيضا-إمكان إرادة الرخصة منها،مع تعلّقها بأمور:بعضها

واجب،و بعضها مندوب،و بعضها مباح،مع إفادة كيفية تعلّق الإذن بكلّ منها من‏

الخارج.

ثمّ الجواب عن توهّم امتناع إرادة القدر المشترك وحده-بتوهّم امتناع‏


14
تحقّقه بدون الخصوصيّتين لانحصار فرده فيهما-:أنّك قد عرفت أنّ الممتنع هو

تحقّق إرادة شي‏ء في نفس الشخص الملتفت إلى الترك،بدون الرضا بالترك،أو

بعدمه مع إمكان تحقّقه بدونهما بالنسبة إلى الغافل عنه،كما اعترف به صاحب‏

المعالم-قدّس سرّه-،و أمّا الطلب فهو ليس من مقولة الإرادة،بل من مقولة

الأفعال‏1،فإنّه ليس إلاّ تحريك المأمور بآلية هذه الصيغة إلى المأمور به،و قد

يتأكّد هذا التحريك بحيث يفهم منه الحتم و الإلزام،فيكون وجوبا،و قد يقام‏

القرينة على الإذن في الترك،فيكون ندبا،و قد يخلو عن كلا الأمرين بحيث‏

ليس الموجود بالصيغة إلاّ مجرّد التحريك من دون شي‏ء من الأمرين.

و توهّم أنّ قوام القدر المشترك إنّما هو بإحدى الخصوصيّتين بحيث يمتنع‏

تحقّقه في الخارج بدونهما.

مدفوع:بأنّ كلّ كلّي يتحقّق في الخارج بوجود فرده لا محالة،و إنّما الممتنع‏

وجوده من غير وجود فرد أصلا،كما هو مبنى دليل المنع،و أفراد ذلك القدر

المشترك فيما نحن فيه إنّما هي الحصص الموجودة منه في الخارج،المتشخّصة

بخصوصيات الآمرين و المأمورين و الأفعال المأمور بها.

و بعبارة أخرى:إنّها كلّ طلب خاصّ صادر من آمر كذلك إلى مأمور

كذلك بالنسبة إلى فعل كذلك،فهو ما لم يتشخّص بهذا التشخّص يمتنع وجوده‏

في الخارج،فالمقوّم له إنّما هو التشخّص من حيث الآمر و المأمور و المأمور به.

و أمّا تشخّصه من حيث التأكّد و الضعف فليس من مقوّماته،لجواز

انفكاكه عنه في الخارج‏كما إذا (1) كان أمر من غير الدلالة على الحتم،أو

الإذن في الترك،و إن كان الظاهر عند الإطلاق هو الأوّل.

1و بعبارة أخرى:إنّه إرادة لفظيّة لا قلبيّة.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)إضافة يقتضيها السياق.

15
و كيف كان،فأفراد هذا القدر المشترك ليست منحصرة في الوجوب‏

و الندب،بل له فرد ثالث،و هو العاري عن اعتبار كلا الأمرين،و القدر المشترك‏

إنّما يمتنع وجوده في الخارج بدون وجود شي‏ء من أفراده أصلا لا بدون فرد

خاصّ منه.

هذا،مع أنّك قد عرفت أنّ المراد بالقدر المشترك هنا ليس هو المفهوم‏

العامّ،بل إنّما هو حصّة من حصص ذلك المفهوم المشخّصة بخصوصية الآمرين‏

و المأمورين و الأفعال المأمور بها،و عرفت أنّ الوجوب و النّدب-أعني فصلهما،

و هو الحتم و الإلزام،أو الإذن في الترك-من أحوال تلك الحصص،لا من أفراده،

فينعكس الأمر،فإنّ وجود عوارض الشي‏ء يتوقّف على وجود ذلك الشي‏ء

المعروض بحيث يمتنع تحقّق العارض بدونه،و أمّا نفس المعروض فلا يتوقف‏

وجوده على وجود العارض أصلا.

نعم لو كان العارض و المعروض متساويين في الصّدق يمتنع انفكاك‏

المعروض عنه في الخارج،و هو غير التوقّف و كونه متقوّما به،و ما نحن فيه ليس‏

كذلك-أيضا-لكون المعروض-و هو كلّ حصة من حصص الطّلب-أعمّ من‏

العارض في الصدق لجواز تحقّقها بدون كلا الأمرين،فثبت إمكان تحقّق الطلب‏

بدون أحد الأمرين،فتدبّر.


16
الثانية (1) :

عدّوا من معاني صيغة الأمر الإرشاد،و من المعلوم أنّه قد يقع بطريق‏

الحتم،و قد يقع على غير وجه الحتم.

و كيف كان فهل هو من مقولة الإخبار-أعني الإخبار بأنّ الأمر الفلاني‏

الّذي أرشد إليه بالصيغة فيه المصلحة،فيكون قول الطبيب للمريض:اشرب‏

السقمونيا بمنزلة قوله:السقمونيا نافع و مصلح-أو أنّه من مقولة الإنشاء؟

و على الثاني-فهل هو من مقولة الإيقاع،أو الطلب؟

و على ثانيهما-فهل هو مغاير للوجوب و مباين له بحسب الحقيقة فيما

إذا كان بطريق الحتم،و للندب كذلك إذا لم يكن بطريق الحتم و الإلزام،أو أنّه‏

متّحد في الصورة الأولى للأوّل،بحسب الحقيقة،و في الثانية للثاني كذلك،و إنّما

يغايرهما بالأمور الخارجية،و يكون هو و الوجوب و الندب من الأفراد المتماثلة

المتّحدة بحسب الحقيقة،المختلفة بالخصوصيات الخارجية كأفراد إنسان و فرس‏

و غير ذلك و أصنافها؟

الظاهر الأخير،أعني كونه طلبا و متّحدامع‏الوجوب‏ (2) و الندب في‏

الحقيقة.

أمّا الأوّل:فلظهور أنّك إذا سئلت عن طريق بغداد-مثلا-فقلت:

(اذهب من هذا الطريق)ليس قصدك الإخبار بهذا اللفظ عن قيام مصلحة

1)أي(الفائدة الثانية)كما في هامش الأصل.

2)في الأصل:للوجوب.

17
الإيصال في هذا الطريق،بل إنّما طلبت منه الذهاب من هذا الطريق،فإنّ المراد

بقولك:(اذهب)ليس إلاّ ما يعبّر عنه بالفارسية ب(برو)و ليس هذا إلاّ طلبا.

نعم لمّا علم أنّ هذا الطلب إنّما هو من جهة اقتضاء المصلحة-أي مصلحة

المأمور به-فيفهم أنّ الأمر المرشد إليه ممّا فيه المصلحة لذلك،نظير الأوامر

الشرعية الوجوبية أو الندبية،حيث إنّه لا ريب أنّ المراد بها الطلب لا غير،

لكنا لما علمنا من الخارج أنّه لا يأمر إلاّ عن مصلحة كامنة في المأمور به،فنعلم‏

أنّ هناك مصالح،فكما أنّ ذلك الانفهام‏1لا يوجب كون الأوامر المذكورة

إخبارات فكذلك الكلام فيما نحن فيه.

و أيضا لا يتوقّف تحقّق الطلب على ثبوت اقتضاء في نفس الطالب بالنسبة

إلى الفعل المطلوب،إذ ليس حقيقة الطلب إلاّ حمل المأمور على المأمور به،إلاّ

أن منشأه قد يكون الاقتضاء في نفس الآمر،فيكون لخصوصية الآمر مدخلية في‏

الأمر،فيكون حينئذ وجوبا أو ندبا،و قد يكون مجرّد مصلحة الشي‏ء المأمور به‏

من دون اقتضاء له،بحيث يمكن اجتماعه مع بغضه إلى وقوع الفعل في الخارج،

فيكون طلبه حينئذ من لسان المصلحة بحيث لا يدخل خصوصية نفسه في هذا

الأمر،فيكون إرشادا.

1ذكر علماء النحو و التصريف-كالزنجاني في تصريفه و السعد في شرحه على ما جاء في(تدريج‏

الأداني إلى قراءة شرح السعد على تصريف الزنجاني:29)،و ابن الحاجب في شافيته،

و الرضيّ(ره)في شرحها 1-108-:أنّ(انفعل)مطاوع(فعل)،و لا يبني إلاّ من فعل فيه‏

علاج-أي إيجاد الفعل بالجوارح الظاهرة-و تأثير-أي إيجاد الأثر الظاهر للحواسّ‏

الظاهرة كالقطع-مثل:قطعته فانقطع و كسرته فانكسر،و عليه فلا يقال:انكرم و انعلم‏

و انفهم و انعدم،إذ لا علاج في الجميع و لا تأثير.قال ابن الحاجب في شافيته،(و من ثمّ قيل:

انعدم خطأ).و مع هذا فقد تسامح علماؤنا(رض)في هذا البناء،عناية منهم بإيصال المقصود

من أقرب طريق.


18
و بعبارة أخرى:إنّ المرشد ينزّل نفسه منزلة عقل المسترشد،و لمّا كان‏

عقله‏1-إذا علم بمصلحة للمسترشد-يحرّكه نحو الفعل،فيحرّكه المرشد

حينئذ نحوه لذلك،أي لعلمه بالمصلحة،هذا بخلاف الحال في الوجوب و الندب،

فإنّ الطالب فيهما إنّما يطلب الفعل من قبل نفسه لا غير،و هذا هو الوجه في‏

إمكان اجتماع الإرشاد مع البغض بوقوع الفعل في الخارج.

و بهذا ظهر دفع ما اختاره بعض المحقّقين من المتأخّرين من كون‏

الإرشاد من مقولة الإخبار محتجّا:بأنّ الظاهر أنّ المقصود من الإرشاد هو بيان‏

المصلحة المترتّبة من دون حصول اقتضاء هناك على سبيل الحقيقة،فهو إبراز

للمصلحة المترتّبة على الفعل بصورة الاقتضاء،ثمّ استشهد باجتماعه مع البغض‏

إلى وقوع الفعل في الخارج‏ (1) .

و توضيح الاندفاع:أنّك قد عرفت أنّ المقصود باللفظ ليس إلاّ الطلب‏

لا غير،و إن كان الغرض تعلّق ببيان المصلحة،و هذا لا يستلزم استعمال الصيغة

في الإخبار،بل غاية الأمر أن يكون هذا الإطلاق من مقولة الكناية-مثلا-بأن‏

يراد من اللفظ الطلب للانتقال من الطلب إلى المصلحة،فلا منافاة إذن بين إرادة

الطلب من الصيغة و بين أن يكون الغرض بيان المصلحة،لإمكان حصوله تبعا

على هذا النحو،فلا يصلح جعل ثبوت الثاني دليلا على انتفاء الأوّل،و عرفت‏

-أيضا-أنّ حقيقة الطلب ليس إلاّ تحريك الشخص نحو الفعل بآليّة اللفظ،و أنّ‏

هذا لا يتوقّف حصوله على كون الصيغة صادرة من اقتضاء نفس الطالب،بل‏

1لا يخفى أنّ أمر العقل أيضا إرشادي كأمر الشخص المرشد،فالأولى أن يجعل المناط في الإرشاد

كون الطلب مسبّبا عن شي‏ء آخر غير الاقتضاء في نفس الطالب و شوقة إلى وقوع الفعل،

بخلاف الوجوب و الندب،فإنّهما من اقتضاء نفس الطالب،و سيجي‏ء لذلك مزيد توضيح،

فانتظر.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)هداية المسترشدين:139-سطر 30-33.

19
قد يكون مسبّبا عنه،و قد يكون مسبّبا عن اقتضاء المصلحة عند العقل،فينزّل‏

الطالب نفسه مقامه،فيطلب.

هذا،و بهذا ظهر أنّ الإرشاد ليس من مقولة الإيقاعات-أيضا-فإنها

عبارة عن الألفاظ الموجدة لأثر غير حاصل قبلها،كالملكية و الزوجية و نحوهما،

كما أنّ الطلب عبارة عن الحمل و التحريك بآليّة اللفظ،و عرفت أنّه من الثاني‏

لا الأوّل،مع أنّه لم يحتمله أحد.

و كيف كان،فلا ينبغي الإشكال في كون الإرشاد من مقولة الطلب و حمل‏

الغير على الفعل،إلاّ أنّ الفرق بينه و بين الطلب المتحقّق في الوجوب و الندب‏

أنّ الطلب هناك من قبل نفس الآمر،بمعنى أنّه ينشئه من نفسه و من اقتضائه‏

و ميله إلى وقوع الفعل،إمّا لمصلحة عائدة إليه نفسه،كما هو الغالب في الأوامر

العرفية،أو لمصلحة عائدة إلى المأمور،لكنّه مائل إلى وصول المأمور بتلك‏

المصلحة،و يشتاق إلى إيجاد المأمور-الفعل الّذي يتضمّن تلك المصلحة-لذلك،

و ذلك كما في كافّة الأوامر الشرعية.

و بالجملة:فالمناط في الوجوب و الندب إنّما هو كون الطالب طالبا للفعل‏

من قبل نفسه لأجل اقتضاء نفسه و شوقها إلى وقوع الفعل من المكلّف،سواء

كان منشأ الشوق و الاقتضاء هو عود المصلحة إلى نفس الطالب،أو حبّه‏

و اشتياقه إلى وصول المأمور بتلك المصلحة،و هنا ليس كذلك،بمعنى أنّه يطلب‏

و يحمل الغير على الفعل،لكن ذلك الحمل و التحريك ليس من قبل نفسه،بأن‏

يدخل نفسه في هذا الطلب،بل هو إمّا من لسان المصلحة الكامنة في الفعل‏

العائدة إلى المأمور،أو من جهة تبان بينهما،أي بين الآمر و المأمور،بأن تبانيا على‏

كون الطلب أمارة على أمر،كأن قال الغير للآمر:إذا علمت بفاكهة حلوة من‏

بين تلك الفواكه فمرني بأكلها،أو إذا علمت بمجي‏ء الّذي هو عدوّ لي فمرني‏

بالاختفاء،أو إذا علمت بمجي‏ء حبيب لي فمرني بالاستقبال،و أمثال ذلك،


20
فيطلب منه ما تباينا عليه،إلاّ أنّ الغرض من هذا الطلب إنّما هو إعلام الغير

بوقوع ما تبانيا على كون الطلب أمارة عليه،و هذا لا يوجب خروج الطلب عن‏

كونه طلبا و تحريكا،بل تحريك حقيقة إلاّ أنّه ليس مسبّبا من اقتضاء نفس الآمر

و ميله إلى وقوع المطلوب،بل قد يبغض وقوعه،لكنّه من كثرة إنصافه و كمال‏

رجوليته-مثلا-لا يقدم على خيانة من استشاره و استرشده،بل يحكم بما فيه‏

المصلحة للمستشير مع كونه يبغض في النّفس وصوله‏ (1) بتلك المصلحة1.

و بعبارة أخرى فارسية:فرق ميانه ارشاد و مقابلش از وجوب و ندب،

اين است كه در ارشاد پاى آمر در ميان نيست اصلا،بمعنى اينكه از روى ميل‏

خود نميخواهد و خصوصيّت خود را دخليت نميدهد در اين طلب،باينكه‏

مقصودش از قولش كه ميگويد(بكن)اين نيست كه من ميخواهم بكنى،بلكه‏

غرضش واداشتن غير است از روى مصلحتى كه در فعل است از براى غير،

يا از روي تبانيي كه با هم كرده‏اند و از اين جهت است نيز كه فاعل مستحق‏

ثواب نميشود بفعل مأمور به،زيرا كه استحقاق ثواب لازم امتثال است،يعنى‏

فرمان بردارى آمر،و مفروض است كه اين آمر از خود امرى ندارد كه اتيان‏

باو امتثال او باشد،فلذا-ايضا-عقابى از اين آمر بر تارك همچه امرى نيست،

و امّا در وجوب و ندب پاى خود آمر در ميان است و فعل را از قبل نفس خود

طلب ميكند و از اين جهت است كه اتيان بمأمور به موجب استحقاق ثواب از

او ميشود،و تارك او در وجوب مستحق عقاب بجهت آنكه هر گاه اتيان كند،

فرمان او را برده است و هر گاه ترك كند،نا فرمانى او را كرده.

1أي مع كونه-في نفسه-مبغضا للوصول إلى المطلوب مع ما فيه من المصلحة.

1)في الأصل:إلى وصوله.

21
من أنّ الفرق بينهما:هو أنّ الطلب في الوجوب و الندب لمصلحة أخروية و في‏

الإرشاد لمصلحة دنيوية،إذ لا ريب أنّ أوامر الإطاعة كلّها إرشادية،مع أنّها

ليست إلاّ للمصالح الأخروية،و كذا أوامر بعض المندوبات إنّما هي لمصلحة

دنيوية كالأمر بغسل الجمعة لحكمة إزالة الرائحة الكريهة،و كالأمر بالسواك‏

لمنافع عديدة دنيوية،مع أنّ الوجوب و الندب لا ينحصران في الأوامر الشرعية،

بل يجريان في العرفية أيضا،إذ لا ريب أنّ بعضها-أيضا-وجوبي،و بعضها

ندبي،و بعضها إرشادي،و لا ريب أنّ الوجوبية و الندبية منها ليست إلاّ لمصالح‏

دنيوية،فبطل الفرق المذكور.

و يتلوه في البطلان ما ربما يتوهّم من أنّ الفرق أنّ الطلب في الوجوب‏

و الندب إنّما هو لمصلحة عائدة إلى الآمر،و في الإرشاد إنّما هو لمصلحة عائدة إلى‏

المأمور فإنّ الحال في الإرشاد و إن كان كذلك،إلاّ أنّ الوجوب و الندب لا يلزمهما

أن يكون الطلب فيهما لما ذكر،بل قد يكون لمصلحة راجعة إلى المأمور،كما إذا

كان الآمر يحبّ وصولها إلى المأمور،فيأمره لذلك،مع أنّه لو بنى على ذلك لزم‏

كون أوامر الشارع بأسرها إرشادية،كما لا يخفى،و فساده أظهر من أن يذكر،

فافهم.

هذا كلّه في إثبات أنّ مفاد الأوامر الإرشادية هو الطلب لا غير.

و أما اتّحاده مع الوجوب و الندب بحسب الحقيقة فأوضح من أن يذكر،

ضرورة أنّه ليس حقيقتهما إلاّ الطلب،فإنّ كونهما من اقتضاء نفس الآمر أمر

خارج،لأنّه داع لهما،و داعي الشي‏ء خارج عن حقيقة ذلك الشي‏ء،فيكونان‏

متّحدين مع الإرشاد بحسب الحقيقة-حيث إنّ حقيقته أيضا هو الطلب-

و غايرين معه من حيث الدّواعي الخارجيّة.


22
ثمّ إنّه هل يمكن اجتماع جهتي الإرشاد و التكليف في طلب واحد،أو

لا؟

الحقّ التفصيل:بأنّه إن كان متعلّق ذلك الطلب أمرا واحدا يمتنع‏ (1)

الاجتماع لأدائه إلى التناقض في نفس الآمر،فإنّ حيثية الإرشاد-كما عرفت-

إنّما هي أن لا يدخل الآمر نفسه في ذلك الطلب،و لا يكون هو باقتضائه و ميله،

و حيثية التكليف إنّما هي أن يدخل نفسه فيه،و يطلب من اقتضاء نفسه،فلا يعقل‏

أن يكون طالبا لشي‏ء واحد من هاتين الجهتين المتناقضتين،و إن كان أمورا

متعدّدة بحيث تعلّق بكلّ منها على سبيل الاستقلال،كما إذا تعلّق بعامّ،فيجوز

الاجتماع حينئذ،لأنّ هذا الطلب الواحد إنّما ينحلّ حينئذ إلى طلبات متعدّدة،

كلّ واحد منها متعلّق بشي‏ء من حيثية،لأنّه حينئذ أوجد طلبات متعدّدة بالصيغة

بإطلاق واحد،فهي موجودات بوجود واحد.

ثم إنّه بعد ما بنينا على اتّحاد حقيقة الإرشاد مع الوجوب و الندب،و أنّها

ليس إلاّ الطلب،فهل الصيغة إذا أطلقت مجرّدة عن القرينة ظاهرة في القدر

المشترك بينها-و هو مطلق الطلب-أو في الإرشاد،أو في غير الإرشاد،أو مجملة؟

الحقّ هو الثالث،لكن هذا الظهور ليس مستندا إلى نفس اللفظ،فإنّه‏

موضوع لمطلق الطلب،و يكون إطلاق اللفظ في كلّ من الإرشاد و غيره حقيقة

لذلك،بل مستند إلى حال الطالب،فإن الظاهر من حاله أنّه إنّما يطلب من‏

اقتضاء نفسه،و هذا الظهور ليس مستنده الغلبة،لأنّا لو فرضنا انه لم يخلق بعد

إلاّ واحد-و لم يطلب هذا بعد،فأمر حينئذ بشي‏ء و كان هذا الطلب أوّل طلب‏

صادر منه-يظهر من حاله ذلك،نعم الغلبة أيضا موجودة فهي مؤكّدة للظهور

1)في الأصل:فيمتنع...

23
المذكور.

و يؤيّد الأخذ بهذا الظهور أصالة عدم تنزيل الطالب نفسه منزلة الغير،

كما هو الحال في الطلب الإرشادي،فإنّ طلبه من اقتضاء ما متيقّن على‏

التقديرين،إلاّ أنّه على تقدير الإرشاد يحتاج إلى التنزيل‏1المذكور أيضا،و هو

أمر زائد مشكوك الحدوث،فيبنى على عدمه‏2.

و يعيّن الحمل-أي حمل الصيغة على الطلب الناشئ من اقتضاء نفس‏

الطالب-بناء العقلاء طرّا عليه،فإنّ بناءهم على أنّه إذا أمر مولى عبده بشي‏ء

من غير قرينة على أنّ هذا الطلب من قبل نفسه،فيجعلون هذا حجّة على العبد

و مصحّحا لعقابه لو خالفه معتذرا:بأنّي احتملت أن يكون المولى قد طلب منّي‏

على أنّه رأى صلاحي في هذا الفعل،فطلب من اقتضاء المصلحة لا من اقتضاء

نفسه،و لا يسمعون منه هذا العذر،بل يذمّونه حينئذ،بل يسفّهونه و يجوّزون‏

عقابه من المولى،و هو الحجّة على تعيين الحمل المذكور.

نعم يبقى أنّ بناءهم هل هو من باب الأصل المذكور،أو من باب ظهور

الحال،أو الغلبة؟كلّ محتمل،و الأظهر الثاني.

و كيف كان،فتعيين منشأ عملهم ليس بمهمّ لنا،و إنّما الحجّة عملهم،و هو

ثابت،و ظهور الحال هنا نظير ظهور الحال في سائر الأفعال القابلة للنيابة،فإنّ‏

1و حاصل التنزيل:أنّه لما كان الشخص طالبا لنفع نفسه فمتى علم به طلبه،فهذا الشخص‏

الآمر إرشادا ينزّل نفسه منزلة ذلك الشخص،فيطلب منه فعل ما فيه مصلحة له.لمحرّره عفا

اللَّه عنه.

2اعلم أنّ كلّ ما ذكرنا في الأمر-بالنسبة إلى الإرشاد و الوجوب و الندب-جار في النهي أيضا

بعينه بالنسبة إلى إرادة الإرشاد منه و الحرمة و الكراهة،فإنّ حقيقة النهي أيضا هو المنع لا غير،

و هو موجود في الإرشاد أيضا،فيتّحد حقيقة مع الحرمة و الكراهة إلاّ أنّه أيضا كالأمر عند

الإطلاق ظاهر في كون المنع من كراهة نفس الناهي و الحال في الموارد الدالّة على المنع نظير

الحال في الدلالة على الطلب بعينها،فتدبّر.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


24
الظاهر فيها أيضا أنّها واقعة من قبل نفس الفاعل لا الغير،بل لو وقعت منه‏

من غير التفات إلى أنّها منه أو من غيره تحمل على الأوّل و تتعيّن فيه،و هذا أيضا

قد قامت الحجّة من العقلاء على العمل به.

ثمّ إنّه يظهر الثمرة فيما قلنا فيما إذا كان الطلب صالحا لوقوعه على‏

الوجهين و محتملا لهما،فيخرج ما لم يكن صالحا أصلا-كأوامر الإطاعة،فإنّها لا

تصلح إلاّ للإرشاد-و ما كان صالحا لكن المقام يكشف بقرينة معيّنة لأحد

الأمرين.

هذا كله في الطلب الصادر بصيغة الأمر.

و أمّا الصادر منه بمادّة الطلب مريدا بها الإنشاء،كأن يقول:(طلبت منك‏

هذا)قاصدا به حمل المأمور و بعثه نحو الفعل،لا الإخبار عن كونه طالبا قبل،

فلا خلاف في كونه ظاهرا في كونه من اقتضاء نفسه لظهور المادّة في ذلك بلا

خلاف.

الثالثة
(1) :الألفاظ الدالّة على الطلب-كمادّة الأمر و الإرادة و الطلب إذا

أريد بها الطلب الإنشائيّ،أعني البعث و التحريك لا الإخبار،و صيغة الأمر،و كذا

الجمل الإخبارية المراد بها الطلب-ظاهرة في الوجوب،أعني الطلب الحتمي‏

الّذي يلزمه المنع من الترك عند الإطلاق،سواء كان دلالتها على الطلب مجازا

بمعونة القرينة-أي القرينة المفيدة لإرادة الطلب من اللفظ المقرون بها،مع‏

عدم قرينة على أنّ المراد أيّ فرد منه كما في غير صيغة الأمر من الموادّ

المذكورة1،و الجمل الإخبارية إذا استعملت في الطلب الإنشائيّ بمعونة القرينة

1قولنا:(من الموادّ المذكورة):اعلم أنّ التجوّز فيها إنّما هو في الهيئة لا المادّة-كما سيجي‏ء بيانه‏

كما في الجمل الإخبارية من غير تلك الموادّ أيضا،و هذا إذا أريد بها إيقاع الطلب فعلا،و أمّا

إذا أريد الإخبار عنه فلا تجوّز فيها أصلا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)أي(الفائدة الثالثة)على ما في هامش الأصل.

25
مع إطلاقها من جهة أنّه أيّ فرد منه-أو حقيقة كما في الصيغة على المختار من‏

أنّها لا تفيد بنفسها إلاّ الطلب المطلق الصالح لتقيّده بأحد الأمرين من‏

الوجوب و الندب،و أنّ استفادة خصوصية أحدهما إنّما هو من الخارج عن الصيغة

-و لو كان هو الانصراف-بل يجري الظهور المذكور في الموادّ المذكورة على‏

تقدير استعمالها في الإخبار أيضا،فإنّ الفرق حينئذ بينها و بين الصيغة:أنّها

استعملت حينئذ في الإخبار عن البعث و التحريك المتحقّق بها فعلا،فهي ظاهرة

عند الإطلاق في الطلب و التحريك الفعلي الحتمي،و تلك ظاهرة عند الإطلاق في‏

الإخبار عن البعث و التحريك الحتمي،و إرادة الطلب منها على هذا الوجه-أي‏

بعنوان الإخبار-على وجه الحقيقة،فإنّ تلك الموادّ ظاهرة في الطلب و حقيقة فيه،

إلاّ أنّها إذا حوّلت إلى هيئة الماضي و المضارع لا تفيد فعلية الطلب،و إنّما تفيد

الإخبار عنه،فيكون حقيقة حينئذ من جهة المادّة و الهيئة،فإنّ هيئة الماضي‏

و المضارع لإفادة الإخبار،و قد استعملت فيه،و المفروض حقيقية المادّة أيضا في‏

الطلب،فيكون الإخبار بها عن الطلب حينئذ حقيقة مطلقا.

نعم،إذا أريد بها فعلية الطلب في ضمن إحدى الهيئتين،فهذا يوجب‏

التجوّز في الهيئة فقط،كما يلزم ذلك،أعني التجوّز في الهيئة في الجمل الإخبارية

التي ليست موادّها ظاهرة في الطلب.

و كيف كان،فعلى هذا،فالأحسن أن يقرّر المقال:بأنّ الألفاظ الدالّة

على الطلب مطلقا-سواء كانت دالّة عليه على نحو الإنشاء و الإيقاع بها حال‏

الإطلاق كما في صيغة الأمر و الجمل الإخبارية المراد بها إنشاء الطلب،و كما في‏

الموادّ المذكورة إذا تجرّدت عن المعنى الإخباري و أريد بها الإنشاء و الإيقاع،


26
سواء كانت بصيغة الماضي،كقولك:(أردت،و طلبت،و أمرت)أو بصيغة المضارع،

كقولك:(آمر،أو أطلب،أو أريد)،أو بصيغة اسمي الفاعل و المفعول،كقولك:

(أنا آمر بكذا،أو طالب كذا،أو مريد له،أو هذا مطلوب منك،أو مراد منك،أو

أنت مأمور به)،أو على وجه الإخبار كما في الموادّ المذكورة بالصيغ المذكورة إذا

أريد بها الإخبار عن الطلب-ظاهرة في إرادة الوجوب إيقاعا أو إخبارا على‏

حسب اختلافها في الدلالة على الطلب،و هذا الظهور ممّا لا ينبغي الإشكال فيه‏

جدّاً،و هو متّفق عليه بين القائلين بوضع صيغة الأمر لخصوص الوجوب و بين‏

القائلين بوضعها للأعمّ،كما هو الظاهر.

نعم القائل باشتراكها بينهما لفظا لعلّه يمنع هذا الظهور،مع احتمال أن‏

يلتزم به لإمكان ظهور اللفظ المشترك في بعض الموارد في أحد معانيه عند

الإطلاق بواسطة بعض الأمور الخارجية الموجبة للانصراف.

ثمّ إنّه لو قلنا بأنّ هذا الظهور مستند إلى نفس اللفظ-كما يدّعيه القائل‏

بوضع الصيغة للوجوب فقط-فلا إشكال.

و إن قلنا:إنّه مستند إلى غيره من الأمور الموجبة للانصراف،و إنّ اللفظ

بنفسه لا يفيد أزيد من الطلب المطلق،كما هو المختار إلاّ أنّه بواسطة بعض تلك‏

الأمور يظهر في إرادة القدر المشترك باعتبار هذا الفرد-أعني الوجوب-أي‏

إرادته مقيّدا به،فيبقى تحقيق أنّ هذا الانصراف من أيّ أمر من الأمور الموجبة

للانصراف،فنقول:

قد يقال:إنّه بسبب الكمال،فإنّ الطلب الحتميّ أكمل من غيره و أشد،

كما في سائر الأعراض القوية بالنسبة إلى ضعيفها.

و هذا ليس بجيّد،لأنّ المراد بالكمال هنا،إن كان ما يقابل النقصان في‏

نوع الطلب و حقيقته،بمعنى أنّ الوجوب كامل من حيث حقيقة الطلب،بمعنى‏

أنّه لا نقص فيه من تلك الجهة،بخلاف الندب،فإنّه ناقص من تلك الجهة.


27
و أمّا الثاني:فلأنّه على تقدير تسليم الصغرى نمنع استناد الظهور إلى‏

مجرد الكمال بهذا المعنى بأن يكون هو نفسه منشأ له،بل هو حينئذ مستند إلى‏

انحصار الفرد في الوجوب،بل هذا التزام بأنّ حقيقة اللفظ ليس إلاّ الوجوب‏

و انه عين مفهوم اللفظ،فلا معنى لجعل اللفظ مفيدا بنفسه للقدر المشترك إذ بعد

فرض أنّ أحد الأمين ناقص فهو خارج عن فرديّته لذلك،فحينئذ فلا اشتراك‏

في المفهوم،بل هو عين الفرد الآخر.

و إن كان المراد به الكمال الإضافي،بمعنى الأكملية في نوع الطلب‏

و حقيقته،كما هو الظاهر،فيكون المراد أنّ الوجوب أكمل من الندب من حيث‏

تحقّق القدر المشترك في ضمنه،و يكون حاله حال الأعراض القويّة.

ففيه منع الكبرى:فإنّ الكمال بهذا المعنى لا يوجب بنفسه الانصراف‏

جدّاً،و انصراف أسماء الأعراض إلى قويّها ممنوع.

نعم لو بلغ الكمال إلى حدّ بحيث يصير غير الكامل في جنبه بمنزلة

المعدوم-بحيث كأنّ الكلّي منحصر فيه-فلا يضايق حينئذ الانصراف،لكن‏

ليس هذا الانصراف ناشئا عن هذا الكمال ابتداء و بلا واسطة،بل إنّما هو ناشئ‏

عن مقهورية هذا للفرد الكامل‏ (1) في الأنظار بسبب الكمال.

و لو كان مراد القائل هذا فيتوجّه عليه منع الصغرى في المقام،فإنّ كون‏

الوجوب بهذه المثابة من الكمال ممنوع،هذا.

و ربّما يتوهّم:إلزام القائل المذكور بمقتضى ما اعترف به:من كون‏

الوجوب أكمل و أشدّ من الندب كما في سائر الأعراض،على أنّ مقتضى ذلك‏

حمل اللفظ على الندب و انصرافه إليه،لأنّه بعد فرض أنّهما فردان من الطلب،

مع اشتمال أحدهماعلى‏مزيّة (2) زائدة،فالأصل عدم اعتبار تلك المزيّة،و الأصل‏

1)في الأصل:هذا الفرد الكامل...

2)في الأصل:لمزية..

28
إطلاق اللفظ بالنسبة إليها،فيحكم بمقتضى إطلاق اللفظ على إرادة الندب،

لأنّه نفس الصيغة من دون اعتبار شي‏ء زائد.

لكنّه مدفوع:بأنّ كلاّ من الوجوب و الندب موجود بإيجاد واحد،فلا يلزم‏

على تقدير الوجوب إيجاد آخر-و هو إيجاد قوّة الطلب-حتى يكون هذا حادثا

آخر،فيندفع بالأصل للشكّ في حدوثه،فيتعيّن به الفرد الآخر،و كذا لا يتعلّق في‏

الوجوب إرادة بالطلب و أخرى بتأكده،حتّى يقال:القدر المتيقّن إنّما هو إرادة

الطلب المطلق،و إرادة شي‏ء آخر معه و تقيّده به خلاف الأصل،فيندفع‏

بالإطلاق،بل هنا إرادة واحدة على كلّ حال إلاّ أنّ متعلّقها على تقدير إرادة

الوجوب مرتبة من الطلب،و عند إرادة الندب مرتبة أخرى أضعف من السابقة،

و كلّ واحدة من المرتبتين أمر بسيط لا جزء له في القصد أصلا.

ثمّ إنّهم ذكروا من أسباب انصراف المطلق:غلبة الإرادة،و غلبة الوجود،

فالأولى توجب ظهور تعيّن القدر المشترك في الفرد الّذي أريد غالبا.

و بعبارة أخرى:إنّها توجب ظهور كون القدر المشترك مرادا باعتبار هذا

الفرد.

و الثانية توجب ظهور كونه مرادا باعتبار الأفراد الغالبة.

و نحن نقول:إنّ سببية الأولى للانصراف مسلّمة حيث إنّها توجب‏

معهودية ذلك الفرد من اللفظ،فيكون تلك المعهودية المسبّبة عنها قرينة على‏

إرادة الفرد المذكور.

و أمّا الثانية ففيها تأمّل،نظرا إلى أنّه يشكل كونها بمجرّدها سببا

للانصراف،و لا يلزم منها أيضا معهودية الأفراد الغالبة من اللفظ حتى تكون‏

هي القرينة.

نعم لو بلغت الأفراد الغالبة في الكثرة و الشيوع إلى حيث صار غيرها

من الأفراد لقلّتها بالنسبة إليها بحيث كأنّها لم تكن،و كأنّ فرد المطلق منحصر


29
في الأفراد الغالبة بأن تكون تلك الأفراد بحيث تملأ العيون بحيث كأنّها لا ترى‏

من أفراد المطلق إلاّ إيّاها،فلا تضايق حينئذ كونها منشأ للانصراف.

ثمّ إنّ هاتين على تسليم كلّيتهما لا يجري شي‏ء منهما فيما نحن فيه،لعدم‏

ثبوت كون الوجوب غالب الإرادة أو الوجود،بل يمكن دعواهما بالنسبة إلى‏

الندب في الأوامر الشرعية.

ثمّ إنّه-دام ظلّه-عدّ من أسباب الانصراف أمرين آخرين:

أحدهما:شدّة الحاجة إلى بعض الأفراد،فهي توجب انصراف المطلق‏

إلى هذا البعض و لو لم يكن هناك غلبة إرادة أو وجود-بحيث لو فرض بدو

الخلق و ابتداء تكلّمهم-فهذه توجب هذا الانصراف جدّاً.

و ثانيهما:كثرة الحاجة إلى بعض الأفراد،فهي أيضا توجب انصرافه إلى‏

هذا البعض من غير توقّف على غلبتي الإرادة و الوجود بحيث توجبه في الفرض‏

المذكور أيضا.

ثمّ إنّ هذين-أيضا-لا مساس لهما بما نحن فيه،فإنّ الوجوب ليس‏

شديد الحاجة أو كثيرها بالنسبة إلى الندب قطعا،فافهم.

قال دام ظلّه:على تقدير كون ظهور الأمر عند الإطلاق في الوجوب‏

من جهة الانصراف فغاية ما يمكن أن يوجّه به أن يقال:إنّ حقيقة الوجوب إنّما

هي الطلب الخالص عن شوب الرجوع،و حقيقة الندب إنّما هي الطلب المشوب‏

بالرجوع و الإذن في الترك،إذ لا ريب أنّ الإذن فيه بعد الطلب رجوع عن‏

الطلب حقيقة،إذ ليس الطلب إلاّ البعث و الحمل،و هو ينافي الإذن،إذ معه لم يبق‏

الطلب بحاله و إنما الباقي هو مجرّد الميل إلى الفعل.

و توضيح ذلك أنّك إذا أمرت عبدك ندبا فقد قصدت من الصيغة بعثه‏

و حمله لا غير،فلذا يكون الصيغة مستعملة في معناها الحقيقي،لكن في قصدك‏


30
أيضا مع القصد المذكور أن تأذن له في الترك أيضا،فيئول إلى أنّ قصدك أيضا

الرجوع عن هذا الطلب و عدم إبقائه على حاله،فيكون هذا الطلب مشوبا

بقصد الرجوع و الإذن،و فائدة الطلب حينئذ تنبيهه على ميلك إلى الفعل المأمور

به،فإنّ الطلب كاشف عنه جدّاً،لكن لا يكون ارتفاعه مستلزما لارتفاعه قطعا،

فيكون حاصل الأمر الندبي بعد الإذن هو مجرّد الميل إليه من دون تحريك.

و كيف كان فهنا أمران:الطلب و الإذن في الترك،و لا ريب أنّ الصيغة

بنفسها لا تنهض على إفادة الثاني،بل لا بدّ في ذلك من إيراد دالّ آخر من‏

القرائن البتّة.

هذا بخلاف ما لو أمرته بالأمر الوجوبيّ،فإنّ قصدك حينئذ إنّما هو

الطلب مع عدم قصد الرجوع عنه،فيكون مفاد الصيغة حينئذ هو الطلب‏

الخالص عن شوب الإذن في الترك،و لا ريب أنّه يكفي في إفادته الصيغة بنفسها

من دون حاجة إلى إيراد دالّ آخر،فإذا أطلقت الصيغة فهي تفيد الطلب،و مع‏

عدم اقترانها بالإذن في الترك يكون مفادها هو الطلب الخالص،و هو الوجوب.

فإذا عرفت فنقول:إنّ وجه انصراف الطلب المستفاد من الصيغة عند

إطلاقها و تجريدها عن القرينة إنّما هو تجريدها و إطلاقها من القيد.

و بعبارة أخرى:إنّا بعد ما فرضنا أنّ الصيغة بمجرّدها تكفي-إذا لم تنضمّ‏

إليها قرينة-تكفي في إفادة الوجوب حيث إنّها دالّة على الطلب،و إذا لم يلحقه‏

الإذن في الترك فيكون خالصا عن شوبه،فيتعيّن في الوجوب،لأنّه الطلب‏

الخالص عنه،هذا بخلاف الندب،فإنّ فصله و هو الإذن في الترك لا بدّ في تفهيمه‏

من قرينة خارجيّة غير الصيغة،فحينئذ إذا ورد أمر مطلق مع إحراز أنّ الآمر

قاصد به التفهيم،و أنّه في صدد تفهيم غرضه المقصود،فيقال:إنّه لو كان مراده‏

الندب لأقام القرينة على الإذن،و إلاّ لزم إخلاله بغرضه،فإذا لم يقم-كما هو

المفروض-فلا بدّ أن يكون مراده هو الطلب مع عدم الإذن في الترك،فيتعيّن هذا


31
في الوجوب،فيكون منشأ الانصراف و سببه هو إطلاق اللفظ و تجريده عن قيد

زائد،و الحال في انصراف الطلب إلى الوجوب نظير الحال في انصرافه إلى‏

الوجوب العيني لا التخييري،فكما أنّ إرادة كلّ منهما من الصيغة لا توجب‏

التجوّز في الصيغة أصلا،حيث إنّ كلاّ منهما نوع من الطلب الّذي وضعت هي‏

بإزائه،فكذلك الحال في المقام،و كما أنّ منشأ انصراف الطلب إلى العيني هناك‏

إنّما هو إطلاق اللفظ و تجريده عن قيد زائد،حيث إنّ طلب شي‏ء إذا لم يشبه‏

الإذن في تركه إلى بدل معيّن في العيني،إذ هو هو الطلب الخالص عن هذا

الشوب،و يكفي في إفادته نفس الصيغة من دون حاجة إلى أمر آخر،إذ

المفروض أنّها دالّة على طلب هذا الفعل،و طلبه إذا خلص عن الشوب المذكور

يكون طلبا لهذا الشي‏ء بعينه،هذا بخلاف الوجوب التخييري‏1حيث إنّ‏

الطلب فيه مشوب بالإذن في ترك ذلك الفعل إلى بدل،و لا يكفي في إفادة ذلك‏

نفس الصيغة،بل‏لا بدّ (1) من إيراد قرينة أخرى،فيقال بعد قولك:(افعل‏

هذا):أو ذاك،إذ لو لم تأت بالثاني فالأوّل ظاهر في العيني،فكذلك منشأ

الانصراف فيما نحن‏فيه‏هو تجريد اللفظ و إطلاقه،كما عرفت،و سيجي‏ء مزيد

تحقيق لذلك في مسألة الوجوب التعيني و التخييري إن شاء اللَّه تعالى،فافهم.

ثمّ إنّه قال دام ظلّه:و للنفس تأمّل في كلّ من دعوى كون الأمر حقيقة

في القدر المشترك بين الوجوب و الندب و دعوى كون الانصراف إلى الوجوب‏

-على تسليم الأولى-مسبّبا من الوجه المذكور،أو من أحد الوجوه المتقدّمة.

نعم المتيقّن ظهور الأمر عند الإطلاق في الوجوب،و لم يتحقّق بعد أنّه‏

1الفرق بين الندب و الوجوب التخييري:أنّ الأوّل هو الطلب المقرون بالإذن في الترك لا إلى‏

بدل أصلا،و الثاني هو الطلب المقرون به إلى بدل،لا مطلقا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)إضافة يقتضيها السياق.

32
من نفس اللفظ أو من الخارج،و أنّ سببية الانصراف على الثاني ما ذا؟

أقول:الظاهر صدق الدعوى الأولى،فإنّا لو خلّصنا أنفسنا عن ملاحظة

التجريد و التقييد لا يفهم و لا يتبادر من الصيغة حينئذ إلاّ الطلب المطلق،و هو

الحجّة.

و أمّا الدعوى الثانية فالظاهر صدقها بالنسبة إلى الوجه الأخير إلاّ أنّه‏

يوجب تخريب ما بيّنّا آنفا من إمكان إيجاد القدر المشترك وحده،فإنّ الطلب إذا

وجد فهو إمّا مع الإذن في الترك أو مجرّد عنه،لامتناع ارتفاع النقيضين،فالأوّل‏

ندب،و الثاني وجوب،فافهم.

ثمّ إنّه يمكن أن يكون هذا الانصراف بسبب الكمال فإنّه و إن لم يوجبه‏

مطلقا إلاّ أنّه قد يوجبه كما إذا كان الفرد الغير الكامل بمثابة كأنّه ليس بشي‏ء،

و أنّ فرد الكلي منحصر في الكامل-كما عرفت-و الحال هنا كذلك،فإنّ الطلب‏

المتعقّب بالإذن في الترك كأنّه ليس بطلب حقيقة،فينصرف اللفظ لذلك إلى‏

الوجوب،فتدبّر.

إيقاظ:الحال في النهي من جهة الوضع للقدر المشترك و انصرافه عند

الإطلاق إلى الحرمة هو الحال في الأمر-كما عرفت-و الوجه الوجه،فإنّ المنع‏

الخالص يتعيّن في الحرمة و مع الإذن في الفعل لم يبق حقيقة المنع على حاله.

و الحمد للَّه ربّ العالمين،و صلّى اللَّه على محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين‏

عليهم السلام.

الرابعة
(1) :اختلفوا في أنّ الجمل الخبرية إذا قامت قرينة على استعمالها

في الطلب و الإنشاء مع عدم القرينة معها على أنّ المراد أيّ نحو من الإنشاء،

1)أي(الفائدة الرابعة)على ما في هامش الأصل.

33
فهل هي حينئذ ظاهرة في الوجوب،أو لا (1) ؟و عن جماعة الأوّل،و عن آخرين‏

الثاني.

احتجّ المانعون بأنّها موضوعة للإخبار،فإذا تعذّر حملها عليه تعيّن‏ (2)

حملها على الإنشاء مجازا،و كما يصحّ استعمالها في إنشاء الوجوب كذا يصحّ‏

استعمالها في إنشاء الندب،أو مطلق الطلب،فإذا تعذّرت الحقيقة و تعدّدت‏

المجازات لزم الوقف بينها،و قضيّة ذلك ثبوت المعنى المشترك،و هو مطلق‏

الرجحان،و الثابت به هو الاستحباب بعد ضمّ أصل البراءة إليه إن كان المورد

من مواردها،و إن كان المورد من موارد الاحتياط فيثبت به الوجوب،و كيف كان‏

فهي ليست ظاهرة في الوجوب أصلا.

و الحقّ هو الأوّل لوجوه:

الأول‏ (3) التبادر عرفا:فإنّهم لا يفرّقون بين صيغة الأمر و بين الجمل‏

الخبرية إذا علموا أنّ المراد بها الإنشاء مجازا في فهم الوجوب‏

و استفادته من اللفظ بشي‏ء أصلا،فكما يتبادر عندهم من الصيغة عند

الإطلاق الوجوب،فكذا يتبادر منها ذلك عندهم مع قيام القرينة الصارفة عن‏

استعمالها في الإخبار مع عدم القرينة على تعيين أنّ المراد أيّ نحو من الإنشاء،

و كما يثبت بالأوّل ظهور الصيغة وضعا أو انصرافا-على تفصيل ما مرّ في‏

الوجوب-فكذا يثبت بالثاني ظهور الجمل حينئذ في الوجوب ظهورا عرفيا

مستندا إلى قرينة عامّة لازمة للفظ في جميع الموارد على أنّ المراد الوجوب إمّا

باستعمال الجمل فيه بخصوصه،أو أنّها مستعملة في مطلق الطلب،و هو منصرف‏

1)الظاهر زيادة الواو،و أنّ العبارة تستقيم بدونها.

2)في الأصل:فتعيّن..

3)إضافة يقتضيها السياق.

34
إليه عند الإطلاق بأحد أسباب انصراف المطلق إلى بعض أفراده كما مرّ في‏

الصيغة.

و لا يهمّنا التفتيش عن أنّ هذا الظهور هل من نفس اللفظ حينئذ بأن‏

تكون القرينة العامّة قائمة على استعمال الجمل في خصوص الوجوب،أو أنّه من‏

جهة انصراف الطلب المطلق إليه بأحد أسباب الانصراف مع استعمالها في‏

الطلب المطلق،فإنّ الغرض من تشخيص الظهور حمل اللفظ عند الإطلاق على‏

المعنى الظاهر،و لا فرق فيه بين أن يكون الظهور ناشئا من نفس اللفظ،أو من‏

إطلاق المعنى و انصرافه إلى الفرد الظاهر،فإنّ كلاّ منهما يوجب حمل اللفظ-عند

الإطلاق و عدم القرينة على إرادة المعنى المخالف للظاهر-على ذلك المعنى‏

الظاهر،فلذا لم نفتّش كملا في الأصل-أعني صيغة الأمر-عن أنّ ظهورها في‏

الوجوب هل من نفس اللفظ،أو من جهة الانصراف؟

و لو طالبنا الخصم بتعيين:أنّ تلك القرينة ما ذا؟قلنا:ليس علينا

تعيينها،فإنّ تبادر الوجوب من الجمل حينئذ مطلقا-من غير اختصاص له ببعض‏

الأمثلة دون بعض،و ببعض الموارد دون آخر-يكشف عن وجود تلك القرينة

العامّة قطعا و يلزمه البتّة،فمن عدم اقتدارنا على أنّها ما ذا لا يلزم عدمها1،و لا

ينبغي الارتياب في تحقّقها بعد إحراز الملزوم،و هو تبادر الوجوب عرفا عند

الإطلاق و التجرّد عن القرينة الخاصّة مطلقا،و نحن قد أحرزناه على سبيل‏

القطع.

و لو قيل:إنّه لا بدّ لمن يدّعي ظهور الجمل حينئذ في الوجوب من إحراز

أمرين البتّة:أحدهما ما استعمل في الوجوب،و ثانيهما إحراز قرينة عامّة لازمة

1أي لا يلزم من عدم اقتدارنا على تعيينها انتفاؤها.


35
للمستعمل-بالفتح-في جميع الموارد،و مع إمكان الثاني-كما مرّ-نمنع من‏

إمكان الأوّل،إذ على تقدير استعمال الجمل حينئذ في الوجوب فالمستعمل إمّا

خصوصيات الموادّ بأن يكون في كلّ مورد عبارة عن مادّة غير المادّة

المستعملة في المورد الآخر،و إمّا خصوصيات الهيئات،أو القدر المشترك بين‏

الأولى،أو الثانية،و الكلّ باطل.

أمّا الأوّلان:فللاتّفاق على أنّ المستعمل على تقديره أمر واحد في جميع‏

الموارد،بمعنى أنّه في كلّ مورد عينه في مورد الآخر،فلا بدّ أن يكون أمرا كليّا

مشتركا بين خصوصيّات الموارد.

و أيضا يردّ الأوّل منهما الاتّفاق على أنّ المستعمل ليس مادّة الجمل‏

أصلا،بل لو كان فهو هيئاتها،بمعنى أنّ الهيئات الجزئية مستعملة في الإنشاء.

هذا مضافا إلى أنّه لا يعقل قيام القرينة العامّة على تقدير كون‏

المستعمل خصوصيّات الموادّ أو الهيئات على إرادة الوجوب في جميع الموارد،إذ لا

بدّ فيها من تحقّق أمر عامّ سار في جميع الموارد تكون تلك القرينة لازمة لهذا الأمر

العامّ.

و إن شئت قلت:إنّ القرينة العامّة ما لم يلحظ معها خصوصية شي‏ء من‏

الموارد الخاصّة،بل الملحوظ معها أمر عامّ فأينما تحقّق هذا الأمر العامّ يتحقّق لها

تلك القرينة،و تفيد إرادة مدلولها منه.

و من هنا يتولّد إشكال آخر:و هو أنّ المستعمل لو كان الخصوصيات‏

لامتنع‏ (1) ظهوره في الوجوب،إذ المفروض أنّها لم توضع له،و المفروض أيضا عدم‏

القرينة الخاصّة،و أمّا العامّة فلا يعقل قيامها على الخصوصيّات بخصوصيّاتها،لما

عرفت من أنّ الملحوظ معها ليست الخصوصيات بوجه،فيلزم الإجمال.

1)في الأصل:فيمتنع..


36
و أمّا الأخيران:فلأنّه لا يعقل و لا يتصوّر قدر مشترك بين خصوصيّات‏

الموادّ أو الهيئات،لتباينها و اختلافها غاية الاختلاف:أما في الموادّ فواضح،مع‏

أنّه يردّه الاتّفاق المتقدّم على أنّ المستعمل ليست الموادّ أصلا،و أمّا الهيئات فلأن‏

الجملة الخبرية بصيغة الماضي لها هيئة مباينة لها بصيغة المضارع،و هيئتها في كلّ‏

منهما مباينة لهيئتها في الجمل الاسميّة.

هذا،مع أنّ هيئتها بصيغة الماضي أو المضارع أو الجملة الاسمية أيضا

غير منظّمة،ضرورة اختلاف هيئات الأفعال الدالّة على الماضي باختلاف‏

التجرّد و الزيادة على ثلاثة أحرف،و باختلاف المجهول و المعلوم،و كذا الحال في‏

الأفعال المضارعة،و هكذا في الجمل الاسميّة.

فهو مدفوع:

أوّلا-فبأنّ هذا لا يخصّنا (1) ،بل على تقدير تماميّته يجري على القول‏

الآخر أيضا،فإنّهم أيضا يقولون باستعمال الجمل في شي‏ء غير الإخبار،و هو

الإنشاء،اللّهم إنّهم يمنعون من ظهور الوجوب‏1.

و ثانيا أنّ المستعمل في معنى الإنشاء ليس مطلق الجمل الخبرية،بل‏

الفعلية منها،و هي ما تكون بصيغة الماضي أو المضارع.

فنقول:إنّ المستعمل هو الهيئة لا المادّة،لكن لا الهيئة الخاصّة،بل مطلق‏

هيئتي الماضي و المضارع،و كلتاهما أمر عامّ.

و ما قيل-من منع القدر المشترك بين هيئات أفعال الماضي أو المضارع-

مدفوع باتّفاقهم على أنّ الموضوع في الأفعال هي الهيئة العامّة بين هيئات‏

1كذا في الأصل،و الأسلم في العبارة هكذا:(اللّهمّ إلاّ أنّهم يمنعون من ظهورها في الوجوب).

1)في الأصل:يختصّنا.

37
الماضي في أفعال الماضي مجرّدة أو مزيدا فيها،و كذا في أفعال المضارع،فكلّما

يتصوّره المستشكل لكونه موضوعا في الأفعال فليفرضه مستعملا في الوجوب في‏

المقام.

هذا،و كيف كان،فلا ينبغي التأمّل و الارتياب في ظهور الجمل الفعلية

الإخبارية حينئذ في الوجوب عرفا من غير قرينة خاصّة موجودة في خصوص‏

المقام،و يكشف عن ذلك أنّه لو أمر مولى عبده بصيغة الإخبار-بأن يقول له:

(تأتيني بالماء)-و علم العبد أنّ مراده ليس الإخبار،بل الإنشاء،فترك الإتيان‏

بالماء-معتذرا:بأنّي احتملت أن يكون مراده الندب الغير اللازم عليّ-لذمّه‏

العقلاء و أهل العرف،و جوّزوا (1) عقابه من المولى،فجعلهم الجملة المجرّدة-عن‏

قرينة تعيّن إرادة الوجوب أو الندب-حجّة على العبد دليل على ظهورها في‏

الوجوب،و إلاّ لزم السفه و العبث،فافهم.

الثاني‏1:تتبّع الآثار و الأخبار المأثورة من المعصومين الأطهار-صلوات‏

اللَّه عليهم،و جعلنا معهم في دار القرار-فإنّ من تتبّع الكتب المدوّنة فيها يرى‏

أنّ غالب ما كان المراد بيان وجوب شي‏ء فهو إنّما يبيّن بالجملة الخبرية الخالية

عن القرينة اللاحقة لخصوص المورد على تعيينه،كما في موارد الأمر بالإعادة في‏

العبادات عند عروض الخلل لها،و كما في موارد الأمر بالوضوء و الغسل،فإنّه أقيم‏

فيها لفظ الجملة الخبرية مقام الأمر،فجعل في مقام(أعد)(تعيد)،و في مقام‏

(توضّأ)(تتوضّأ)،و في مقام(اغتسل)(تغتسل)،و هكذا في غير تلك الموارد من‏

العبادات و غيرها،حيث أقيمت الجملة الخبرية الفعلية-من المضارع و الماضي-

مقام صيغة الأمر،و اكتفى بها-مجرّدة عن قرينة تعيّن أنّ المراد أيّ نحو من‏

1أي(الوجه الثاني)من الوجوه المستدلّ بها على القول بظهور الجملة الخبرية في الوجوب.

1)في الأصل:ليذمّونه العقلاء..و يجوّزون..

38
الطلب-عند بيان الوجوب،فيكشف ذلك عن كون الجملة حينئذ ظاهرة عرفا

فيه بحيث لا حاجة لها في إفادته إلى ضمّ قرينة من المتكلّم إليها،و هو المطلوب.

الثالث:استدلال العلماء و الصحابة خلفا عن سلف بالأخبار الواردة

بلفظ الخبر-المعلوم إرادة الإنشاء منها-على إثبات الوجوب من غير نكير

عليهم،كما استدلّوا عليه بصيغة الأمر المجرّدة.

هذا كلّه مضافا إلى ما نرى من بناء بعض من أنكر ذلك-لفظا-عليه‏

في مصنّفاته،فراجع كتب من أنكر،فإنّك تراه أنّه استعمل لفظ الجملة الخبرية

في معنى الوجوب في عناوين الفقه من غير قرينة على تعيين الوجوب.

و كيف كان،فظهور الجمل في الوجوب حينئذ كظهور الأمر في الوجوب‏

بديهي لنا و للعرف،و عمل الناس طرّا عليه من العرف و العلماء حتّى المنكرين إذا

غفلوا1عمّا بنوا عليه من جهة بعض الشبهات،كما وقع عن بعض فإنّه كالجبلّيّ‏

لجميع الناس.

و قد نسب الفاضل النراقي-بعد ما استقرب القول بالإنكار على ما

حكي عنه في كتاب(المناهج)2-هذا القول إلى جماعة منهم العلاّمة3في‏

1هذا هو الأظهر،و يحتمل أنّ العبارة هكذا:(إذ أغفلوا).

2مناهج الأحكام و الأصول:41،عند قوله:(منهاج:قد وردت في الآيات و الأخبار ألفاظ

خبريّة).

3تذكرة الفقهاء:1-25،و الظاهر أنّ الفاضل النراقي(ره)استفاد قول العلاّمة(قدّه)بظهور

الجمل الخبرية في الوجوب من مفهوم قوله(قده):(و قول الكاظم‏ (1) عليه السلام:«المصحف‏

لا تمسّه‏ (2) على غير طهر...إنّ اللَّه تعالى يقول:(-لا يمسّهُ إلاّ المُطهرَّون-) (3) محمول على‏

الكراهة.).،فلو لا ظهور الجملة الخبرية في التحريم عنده لما التجأ إلى حملها على الكراهة.

1)الوسائل:1-269-كتاب الطهارة-باب:12 من أبواب الوضوء-ح:3.

2)في التذكرة:(لا يمسّه)،و قد أثبتناها كما في الوسائل.

3)الواقعة:79.

39
(التذكرة)1في مسألة جواز مسّ كتابة القرآن بغير طهارة.

و قد نقل بعض أقراننا أنّ الموجود فيها خلاف ما نسب-قدّس سرّه-

بل هو قائل بعدم جواز المسّ‏2مستدلاّ بقوله تعالى:(-لا يمسّه إلاّ

المطهّرون-) (1) ،فعلى هذاهوموافق لما اخترناه،فإنّ الآية من الجمل‏

المستعملة في الإنشاء،و نسبته-قدّس سرّه-الخلاف إلى غير العلاّمة3-على‏

1قال دام ظلّه:الظاهر غلطية النسخة،و أنّ الأصل(الذخيرة) (2) مكان(التذكرة)،فإنّ في‏

الذخيرة ما يدلّ بظاهره على المنع،فراجع.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2قال-دام ظلّه-العلاّمة في(المنتهى) (3) في مسألة الحائض استشكل في حديث:«أنّها تلبس درعها،

و تضطجع‏ (4) معه» (5) -أي مع زوجها-:بأنّه جملة خبرية،و هي غير ظاهرة في الوجوب،بل تفيد الندب.

قال:و هذا النوع من المناقشات كثيرة منه،مع ما عرفت من استدلاله بالآية على عدم جواز مس‏

كتابة القرآن.

و كيف كان،فمخالفته-سيّما في بعض كتبه-لا تضرّنا بعد قيام الدليل على خلافه.لمحرره عفا اللَّه‏

عنه.

3قال دام ظلّه:قال المحقّق الثاني‏ (6) قدّس سرّه-:(الجملة الخبرية غير صريحة في الوجوب).

قال دام ظلّه:و لا يبعد ذلك منه،إذ بناؤه على أنه ليس كثير اعتناء بالظواهر اللفظية،فلذا يرفع اليد

عنها بالظنون الخارجية كالشهرة و أمثالها،بل يرفع اليد عنها بسبب الأصول العملية،لكن بعد قيام‏

الدليل القطعي لا نبالي بخلاف هؤلاء،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)الواقعة:79.

2)المتداولة اليوم هي للمحقّق السبزواري(ره)في شرح(إرشاد الأذهان)للعلاّمة(قدّه)،و لا

يوجد له(قده)كتاب باسم(الذخيرة)بحسب فحصنا،كما لم ينقل المحقّق السبزواري(ره)في ذخيرته قول‏

العلاّمة(قدّه)بظهور الجملة الخبرية في الوجوب،لكن يحتمل أنّه(ذخيرة)السيّد المرتضى(قدّه)،و لم نحصل‏

عليه.

3)منتهى المطلب:1-112.

4)الكلمة غير واضحة في الأصل،فأثبتناها من المصدر.

5)الوسائل:2-572-كتاب الطهارة-باب:26 من أبواب الحيض-ح:3،لكن الحديث في المصدر هكذا:

«تلبس درعا،تمّ تضطجع معه».

6)جامع المقاصد:1-92.

40
تقدير صدقها-لا تضرّنا بعد قيام الأدلّة القطعية على المختار،مع أنّه إنّما

استظهر الإنكار ممّن نسب إليهم في بعض الموارد الخاصّة كالمسألة المذكورة،و لا

ريب أنّه لعلّ إنكارهم لحرمة المسّ من جهة إجمال الآية من حيث إنّه فسّرت‏

أيضا بأنّ المراد (1) هو اللوح المحفوظ،يعني:لا يمسّه-اللّوح المحفوظ-إلاّ

المطهّرون.فعلى هذا يراد بها الإخبار عن ذلك لا غير،فيخرج عن محلّ الكلام،

إذ هو بعد فرض إرادة الإنشاء من الجملة الخبرية،و لا ربط لها حينئذ بجواز مسّ‏

كتابة القرآن.

و على تقدير أنّهم استشكلوا في الآية من جهة كونها جملة خبرية،و أنّها

ليست ظاهرة في الوجوب،فيمكن حمل ذلك على أنّهم اعتقدوا حكم المسألة

-أعني جواز المسّ-بدليل آخر.

ثمّ أشكلوا في الآية من باب الشبهة في مقابلة البديهة التي يعلمون‏

خلافها من أنفسهم،فإنّ الخروج عن ظاهر الآية و إن كان لا بأس به مع العثور

على دليل قاهر عليها أظهر منها أو نصّ في الجواز،إلا أنّ تعليل عدم جواز

التمسّك بكونها من الجمل الخبرية و أنّها ليست ظاهرة في الوجوب شبهة في مقابلة

البديهة،و كيف كان،فيظهرأن‏تلك الشبهات غير عزيزة في كلماتهم،فراجع.

ثمّ إنّا بعد ما حققنا من ظهور الوجوب من الجمل يندفع استدلال‏

المانعين،فإنّ لزوم الوقف إنّما فيما إذا لم يكن أحد المجازات أظهر من غيره،

و ليس المقام كذلك كما عرفت.

ثمّ إنّه احتجّ بعض من وافقنا في المذهب:بأنّ الوجوب أقرب إلى‏

الثبوت و الوقوع الّذي هو مدلول الأخبار،و إذا تعذّرت الحقيقة قدّم أقرب‏

1)أي المراد بالضمير في(يمسّه)هو اللوح المحفوظ.

41
المجازات،بل ربما يقال‏1بدلالتها على الاهتمام بالطلب آكد من دلالة الأمر

عليه.

و فيه:أنّ الأقربية الاعتبارية لا عبرة بها،فإنّ المدار في تقديم بعض‏

المجازات على الآخر إنّما هو ظهوره من اللفظ بعد قيام القرينة الصارفة دونه،

و هي لا توجب ذلك،فإنّ آكدية معنى في العلاقة بينه و بين المعنى الحقيقي لا

يوجب رجحان إرادة ذلك المعنى عند المتكلم ظهوره عند المخاطب،كما هو

في الأقربية الاستعمالية كذلك.

نعم قد يبلغ تأكّد العلاقة و المناسبة بين المعنى المجازي و الحقيقي إلى حدّ

يوجب كونه كأنّه المعنى الحقيقي،فحينئذ لو لم يعارضه جهة أخرى فلا يبعد كونه‏

موجبا لتعهّد هذا المعنى بعد قيام القرينة الصارفة و ظهوره من اللفظ حينئذ،و ما

نحن فيه ليس كذلك.

ثمّ إنّ هذا مبنيّ على دعوى استعمال الجمل في خصوص الوجوب،لكنّا

مستريحون عن ذلك،فانّ الّذي نحن بصدده ظهور الوجوب منها في المقام مع‏

احتمال أن تكون الجملة مستعملة في الطلب المطلق و يكون منصرفا إليه لإطلاقه،

كما مرّ في الصيغة.

ثمّ إنّ العلاقة بين معنى الإخبار و الإنشاء من الوجوب و الندب و إن‏

كانت موجودة قطعا لكنّا لم نقدر بعد على أنّها أيّ قسم من العلائق،و دعوى‏

الأقربية المذكورة متوقّفة على إحراز ذلك،ثمّ ملاحظة أنّ تلك العلاقة في‏

1قال دام ظلّه:إنّما تدلّ على آكديّة الطلب إذا ظهر منها إرادة الوجوب،فمن منع ظهوره فيها يمنع‏ (1) من‏

ذلك-أيضا-،نعم هو سلّم أنّه لو علم إرادة الوجوب منها فهو آكد من الوجوب المستفاد من الأمر.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:فيمنع.

42
الوجوب آكد منها في غيره،بل لا ريب في تحقّق العلاقة أيضا بين الإذن الّذي‏

هو أيضا من مقولة الإنشاء و بين مفاد الجملة و تستعمل الجملة الخبرية أيضا فيه،

كاستعمالها في الوجوب و الندب،كما أنّ الصيغة أيضا تستعمل فيه،فإنّه كما إذا

سئلت عن فعل شي‏ء،فيقال لك:أفعل؟فتقول:(افعل)مريدا به الترخيص،

فكذلك تقول حينئذ:(تفعل)مريدا به ذلك.

و كيف كان،فلمّا كانت العلائق غير محصورة فالإنسان لا يقدر في بعض‏

المقامات على أن يجد اسما لتلك العلاقة،مع أنه قاطع بوجودها و تحقّقها و اعتبارها

في تصحيح الاستعمال المجازي.

قال دام ظلّه:التدبّر في تشخيص العلائق و إمعان النّظر فيها-ليعرف‏

أنّها داخلة في أيّ اسم-من قبيل صيد الخنزير،حيث إنه لا بدّ فيها من مشقّة

كثيرة مع عدم الفائدة فيه لعدم الانتفاع بلحمه.

هذا،ثمّ إنّ الكلام يجري في الجمل الخبرية المنفيّة المستعملة في معنى‏

النهي،فإنّها أيضا كالنهي ظاهرة في التحريم،كما أنّ المثبتة كانت كالأمر ظاهرة

في الوجوب،و الوجه الوجه،فتدبّر.

الخامسة
(1) :اختلف القائلون بدلالة الأمر على الوجوب في أنّ وقوعه‏

عقيب الحظر هل يصلح لأن يكون قرينة صارفة له عن الوجوب إلى غيره،أو

لا،بل وروده عقيبه كوقوعه في سائر الموارد في ظهوره في الوجوب أيضا؟و عن‏

جماعة-منهم الشيخ‏ (2) و المحقق‏ (3) و العلامة (4) و الشهيد الثاني‏ (5) و جماعة من العامة

1)أي(الفائدة الخامسة)على ما في هامش الأصل.

2)عدّة الأصول:1-68.

3)معارج الأصول:65.

4)نهاية الوصول(مخطوط):52.

5)تمهيد القواعد(ملحق بذكرى الشيعة):16-القاعدة:32.

43
منهم الرازي‏ (1) و البيضاوي‏ (2) الثاني،و عن الإحكام‏ (3) نسبته إلى المعتزلة.

ثمّ القائلون بالأوّل‏1اختلفوا على أقوال:

أحدها:انه حينئذ يفيد الإباحة،و هذا هو المحكي عن الأكثر،و عن ظاهر

الإحكام أنّ المراد بالإباحة في المقام هو رفع الحجر،دون الإباحة الخاصة،و عن‏

بعض الأفاضل انه صرح بتفسير الإباحة هنا بمعنى الرخصة في الفعل‏ (4) .

و ثانيها:التفصيل بين ما إذا علّق الأمر بارتفاع علّة عروض النهي و ما

لم يعلّق عليه،فيفيد الإباحة في الأوّل دون الثاني بمعنى أنّ وقوعه عقيب الحظر

حينئذ لا يصلح للصرف،بل محمول على الوجوب.

ثالثها:أنّه وقوعه عقيبه صارف عن ظاهره إذا لم يكن حكم ما قبل النهي‏

هو الوجوب،و إلاّ فهو ظاهر في الوجوب أيضا،كسائر الموارد،ثمّ إنّه إن كان‏

حكم ما قبل النهي غير الوجوب و الندب و الكراهة فيفيد الأمر حينئذ هذا

الحكم.

و رابعها:أنّه صارف مطلقا و هو حينئذ يفيد الندب.

و خامسها:الوقف بمعنى إجمال اللفظ حكي نسبته عن الأحكام‏ (5) إلى‏

إمام الحرمين.

و قبل الخوض في المرام لا بدّ من تحرير محلّ النزاع،كي يندفع به بعض‏

1قولنا:(ثمّ القائلون بالأوّل)نعني:القائلين به في الجملة،فلا ينافي ما سيأتي من التفصيل.

لمحرّره‏عفا اللَّه عنه‏.

1)نسبه السبكي إلى الإمام في الإبهاج في شرح المنهاج:2-43.

2)المنهاج-الموجود ضمن الإبهاج-:2-43.

3)الإحكام في أصول الأحكام:2-398.

4)في الأصل:الرخصة به في الفعل.

5)الإحكام في أصول الأحكام:2-398.

44
المغالطات الصادرة عن بعض في مقام الاستدلال،فنقول:إنّ النزاع في المقام‏

إنّما هو في الأمر الواقع عقيب الحظر-كما يشهد به عنوان كلامهم كما عرفت-

لا الحاصل قبله الشامل بعمومه أو إطلاقه لما بعد الحظر بأن يكون النهي من‏

قبيل المخصّص أو المقيّد له بالنسبة إلى زمان النهي.

و بعبارة أخرى:النزاع من جهة وقوع الأمر بعد الحظر و عقيبه لا من‏

جهة كون المنهيّ عنه مأمورا به بعد النهي،فيدخل فيه ما إذا كان ثبوت الأمر

له بعده من جهة الأمر السابق على النهي بعمومه أو إطلاقه.

فعلى هذا فيخرج أمر الحائض و النفساء بالصلاة بعد كونهما منهيّتين عنها

حال الحيض و النفاس عن محلّ النزاع،فإنّ كونهما مأمورتين بها بعد القرء إنّما

هو بالأمر السابق على النهي لإطلاقه بالنسبة إلى جميع حالاتهما،و إنّما ورد

التقييد بسبب النهي بالنسبة إلى حال القرء فقط،فتبقى حالاتهما الاخر داخلة

في إطلاق الأمر السابق،فالحكم بوجوب الصلاة عليهما بعد القرء لذلك،لا لأنّ‏

هذا المورد من وقوع الأمر عقيب الحظر،و مع ذلك حكموا بوجوبها عليهما بعده،

لمنع صلاحية وقوعه بعده للصرف.

هذا،و أيضا النزاع في صلاحيته للصرف و عدمها إنّما هو فيما إذا كان‏

المخاطب عالما بالنهي السابق،و ملتفتا إليه أيضا حال الأمر،و كذلك المتكلّم‏

الآمر يكون عالما به و ملتفتا إليه حينئذ،و كيف كان فلا بدّ أن يكون كلاهما

عالمين به و ملتفتين إليه حينئذ.

ثمّ المراد بالأمر في المقام إنّما هو الأمر اللفظي-لا اللبّي‏1-فإنّ هذا

النزاع-كما عرفت-إنّما هو بين القائلين بظهور صيغة الأمر في الوجوب،

و يكون غرضهم تحقّق أنّه إذا وقع عقيب الحظر،فهو هل يصلح لصرفها عن‏

1الأمر اللبّي لا يكون له ظاهر و خلاف ظاهر،حتّى يجري فيه ذلك.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


45
ظاهرها أو لا؟و تعرّضهم لذلك دون سائر القرائن إنّما لضبطه و كليّته-كما في‏

المجاز المشهور-دون سائر القرائن الشخصية اللاحقة لخصوصيّات الموارد،

لكنّ المراد بالنهي في المقام أعمّ من اللفظي و غيره،فإنّ النّظر في القرينة

و الصرف إنّما هو إلى مجرّد وقوع الأمر عقيب النهي،لا إلى ما دلّ على النهي‏

و الحظر.

و هل المراد به الأعمّ من الشرعي و العقلي أو خصوص الأوّل؟

الظاهر الثاني،كما يشهد به احتجاج القائل‏ (1) بأنّ الأمر حينئذ للوجوب‏

بأنّه إذا وقع عقيب الحظر العقلي يكون للوجوب اتّفاقا،فكذلك ما نحن فيه،فإنّ‏

القياس لا يتمّ إلاّ بعد الفراغ عن حكم المقيس عليه،و كونه مسلّما بين الفريقين.

و كيف كان،فالظاهر اختصاص النزاع بالنهي الشرعي،لا العقلي،أو

الأعم،لشهرة ما عرفت به و إن كان في نفس الاستدلال ما لا يخفى على المتأمّل‏

من منع المقيس عليه صغرى و كبرى،كما سيأتي بيانه عن قريب إن شاء اللَّه.

ثمّ إنّ النّظر في المقام فيما إذا كان متعلّق الأمر عين ما تعلّق به النهي،كما

يدلّ عليه اعتبارهم وقوعه عقيبه،فإنّ معناه وقوعه في محلّ عقيب النهي،

و بالفارسية:(امرى كه پاى در جاى پاى نهى گذارد،و اين كنايه است از ورود

او بموضوعى كه نهى متعلّق باو است.

فعلى هذا يخرج ما إذا ورد الأمر بعد النهي،لكن على موضوع مغاير

لمتعلّق النهي بحسب المفهوم و إن كان الموضوعان متلازمين في الوجود،أو

متّحدين في المصداق في بعض الأحوال،فبذلك يتّجه المنع على قياس المستدلّ‏

-على إفادة الأمر الواقع عقيب الحظر-المقام بالأوامر الشرعية الواردة بعد النهي‏

1)الذريعة:1-74.


46
العقليّ،فإنّه على تسليم حكم العقل بالحظر قبل العثور على الأمر الشرعي،فلا

ريب أنّ موضوع حكمه إنّما هو عنوان المجهول كونه مأمورا به،و موضوع‏

الأوامر الشرعية إنّما هو ذوات الأفعال من حيث هي،إذ لا يعقل ورود الأمر

الشرعي على موضوع حكم العقل بحرمته مطلقا،سواء كان من أحكامه‏

الواقعيّة كحكمه بحرمة الظلم و قبحه،أو من أحكامه الظاهرية كحكمه بحرمة

فعل ما لم يعلم بكونه مأمورا به،و قبحه،لامتناع توجّه الأمر شرعا إلى ما حكم‏

العقل بقبحه،و كيف كان،فهما مفهومان متغايران.نعم اتّفق اتّحادهما في‏

المصداق،و هو غير مجد،فبطل القياس،لخروج المقيس عليه عن عنوان الكلام.

و من هنا يتّجه الإشكال على المستدلّ المذكور أيضا في استدلاله على‏

ما صار إليه بظهور الأمر بالذهاب إلى المكتب بعد النهي عن الخروج عن‏

المحبس،إذ لا ريب أنّ متعلّق النهي إنّما هو الخروج عن المحبس،و متعلّق الأمر

إنّما هو الذهاب إلى المكتب،و هما مفهومان متغايران،فيخرج ذلك عن محلّ‏

الكلام.

لا يقال:إنّ المثال الّذي ذكره المستدلّ هو قولنا:(اخرج من المحبس إلى‏

المكتب)بعد النهي عن الخروج عنه،فمتعلّق الأمر فرد من الخروج المطلق الّذي‏

هو متعلّق النهي،فيدخل في محلّ الكلام،فعلى تقدير تسليم ظهور الأمر حينئذ

في الوجوب يتمّ استدلاله.

لأنّا نقول:إنّ قولنا:اخرج منه إلى مكان كذا إنّما هو عبارة أخرى عن‏

قولنا:اذهب إلى المكان المذكور بقرينة كلمة(إلى)،فإنّها دالّة على أنّ المراد من‏

الخروج الذهاب،فتأمّل‏1.

1وجه التأمّل:أنّه يمكن أن يكون ذلك على وجه التضمين.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


47
ثمّ إنّ المعتبر في اتّحاد موضوعي الأمر و النهي إنّما هو كونهما من سنخ‏

واحد،سواء اتّحدا في الإطلاق و التقييد أيضا،أو لا،لإطلاق كلامهم في محلّ‏

النزاع،مضافا إلى عدم الفرق بين الصورتين من جهة جريان دليلي المنع‏

و الإثبات،كما سيأتي.

ثمّ الظاهر عموم النزاع بالنسبة إلى النهي الغيري أيضا،لإطلاق‏

كلامهم،و لاتّحاد المناط،و جريان دليل المنع و الإثبات في كلّ من النفسيّ‏

و الغيري من غير فرق.

و هل يعمّ النهي التنزيهي؟الظاهر لا،لأنّه ليس بحظر،مع أنّه لا معنى‏

لإيراد الأمر عقيبه لإفادة الرخصة،فإنّها حاصلة قبلها،إذ معنى التنزيه ذلك،

فلا وجه للخروج عن ظاهر الأمر بمجرّد وقوعه عقيبه.

و ليس الغرض في المقام دعوى كون الأمر حينئذ ظاهرا في الإباحة

الخاصّة حتى يقال:إنّها غير حاصلة قبلها،بل إنّما هو إثبات ظهوره في الإباحة

بالمعنى الأعمّ،و هي موجودة في الكراهة،فافهم.

ثمّ إنّه لا يشترط في المقام ورود الأمر عقيب الحظر بلا فصل زمان،بل‏

المعتبر وروده عقيبه بحيث لولاه لكان الفعل محظورا عنه،و إن كان زمان ورود

الحظر و النهي قبله بألف سنة.

و الحاصل:أنّ المعتبر ورود الأمر بعد ثبوت النهي لمورده.

فإذا عرفت ذلك كلّه فنقول:

الحقّ أنّ وقوع الأمر عقيب الحظر بنفسه موجب لظهور الأمر في توجّهه‏

إلى ارتفاع النهي السابق،و أنّ المراد منه الرخصة في الفعل،ظهورا نوعيّا غير

مختصّ بمقام دون آخر،أو بمتكلّم دون آخر،بحيث يكون بمثابة الوضع في أنّه‏


48
لو كان المراد به حينئذ غير ما ذكر لكان خلاف ظاهر اللفظ،و محتاجا إلى قرينة

صارفة عن هذا الظهور النوعيّ العرفيّ،و كأنّ السرّ في كون الوقوع المذكور

موجبا لذلك:أنّه لمّا كان المفروض في المقام التفات كلّ من الآمر و المأمور

إلى‏النهي‏ (1) السابق،و علم الآمر و التفاته إلى التفات المأمورإلى‏النهي‏ (2)

السابق،و أنّ حالته حالة انتظار الرخصة،فحينئذ لو كان المراد بالأمر غير

الرخصة لبعد وروده في تلك الحال.

و هذا نظير ما إذا استأذن ذلك الشخص المنهيّ من الناهي ارتكاب ما

نهى عنه بقوله:أفعله؟فقال:افعل،فإنّه يمكن إعراضه عن جوابه و إرادة حكم‏

آخر،إلاّ أنّه بعيد عن ظاهر المقام،فكما أنّ ذلك يوجب ظهور الأمر في مجرّد

الرخصة و صرفه عن الوجوب إليه بلا خلاف أجده،فكذلك حالة انتظاره للإذن‏

و الرخصة مع علم الآمر و التفاته إليها توجب ذلك،من غير فرق أصلا،فيكون‏

دلالة الأمر على الرخصة من قبيل دلالة التنبيه و الإيماء.

و منشأ ظهور المقام في ذلك ليس هو الغلبة،بل إنّما هو ظهور حال الآمر،

فإنّ الظاهر من حاله حينئذ أنّ غرضه إنّما هو رفع الحظر السابق،فلذا يتحقق‏

ذلك فيمن كان أمره ذلك أوّل أمره الصادر منه بعد الحظر.

و إنّما قلنا بإفادة الأمر حينئذ مجرّد الرخصة،-أعني الرخصة النوعيّة التي‏

هي‏جنس للأحكام الأربعة غير الحرمة-مع أنّ ارتفاع النهي يمكن بإرادة

أحد الأربعة بالخصوص،من الوجوب،و الندب،و الكراهة،و الإباحة الخاصّة،

لظهور المقام في أنّ المراد بهذا الأمر إنّما هو مجرّد رفع النهي السابق،فحينئذ لو

كان المراد منه أحد الأربعة بالخصوص،فليس النّظر فيه أصالة إلى رفع النهي‏

1)في الأصل:بالنهي..

2)في الأصل:بالنهي..

49
السابق و إن كان يرتفع حينئذ تبعا،بل‏النّظر (1) إنّما هو إلى إثبات حكم جديد

مستقلّ مقابل للحرمة يلزمه تبعا ارتفاع الحظر السابق.

و الحاصل:أنّه لمّا كان المقام ظاهرا في توجّه هذا الأمر إلى النهي السابق،

و أنّ الداعي إليه إنّما هو رفعه،فيكون هو بنفسه حينئذ ظاهرا في مجرّد الرخصة

النوعية،فلو كان المراد به حينئذ أحد الأربعة بالخصوص،لم يكن هو متوجّها

إلى النهي السابق بأن يكون الغرض منه رفعه،بل يكون الغرض حكما مقابلا

للحرمة يلزم من إرادته ارتفاعه تبعا،فيكون إرادة أحدها بالخصوص مخالفا

لظاهر الأمر في المقام.

نعم يمكن إرادة خصوصية أحد الأربعة من الخارج،بمعنى الدلالة عليها

بقرينة خارجيّة،لعدم المنافاة بين إثبات مجرّد الرخصة في مورد بسبب الأمر،و بين‏

تعيّنها بعد ذلك في ضمن أحد الأربعة.

و كيف كان،فالذي نجد من أنفسنا،و من العرف في المقام إنّما هو ظهور

الأمر حينئذ في مجرّد الرخصة النوعية المتوجّهة إلى النهي السابق،بحيث لو كان‏

المراد به أحد الأربعة بالخصوص لكان مخالفا لهذا الظهور العرفي للتبادر،فإنّه‏

كما يثبت به الوضع،فكذلك يثبت به الظهورات النوعية العرفية1و إن كان‏

مجازيا،و لا ينبغي أن يشكّ فيه من له أدنى تأمّل و تدبّر،و كفى به حجّة و دليلا.

حجّة القول بأنّ الأمر حينئذ للوجوب وجوه:

أحدها:أنّ الصيغة موضوعة له،فلا بدّ من حملها عليه إلى أن يتبيّن‏

1فإنّ تبادر معنى خاصّ من اللفظ بواسطة اقترانه بشي‏ء مع قطع النّظر عن سائر خصوصيّات‏

الموارد دليل على أنّ الشي‏ء المذكور قرينة على ذلك المعنى و موجب لظهوره من اللفظ إلاّ أن‏

تقوم قرينة على خلاف ذلك الشي‏ء.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:الغرض.

50
المخرج عنه،و مجرّد وقوعها عقيب الحظر لا يصلح لذلك،لجواز الانتقال من‏

الحرمة إلى الوجوب،بأن يكون شي‏ء محرّما إلى زمان،فيصير واجبا بعد ذلك‏

الزمان،كما يجوز الانتقال منه إلى الإباحة.

و كيف كان،فجواز كلّ من الانتقالين على حدّ سواء في نظر العقل،

و ليس النهي السابق منافيا للوجوب بعده،حتّى يصلح وقوع الصيغة للصرف،

كما هو شأن القرينة في المجاز.

و الحاصل:أنّ صلوحه للصرف مبني على امتناع الانتقال من أحد

الضدّين إلى الآخر،و هو باطل،مع أنّه يجري بالنسبة إلى الإباحة أيضا،فإنّها

ضدّ للحرمة أيضا.

ثانيها:أنّه لا كلام عند القائل بكون الصيغة للوجوب أنّ ورودها عقيب‏

الحظر العقلي لا ينافي حملها على الوجوب،بل يحمل أوامر العبادات الواقعة بعده‏

-حيث انّ العقل كان يحكم بالحظر،نظرا إلى قبح التشريع-على الوجوب إلى‏

أن يعلم المخرج عنه.

ثالثها:أنّه أمرت الحائض و النفساء بالصلاة بعد حظرها عليهما،و لم‏

يتوقّف أحد في حمل هذا الأمر على الوجوب،و كذا الحال في قوله تعالى:(-فإذا

انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين-) (1) و كذا قول المولى لعبده:(اخرج من‏

المحبس إلى المكتب)،بل لا يستفاد منها سيّما المثال الأخير إلاّ الوجوب‏

كالأوامر الابتدائية.

هذا،و لا يخفى ما في الكلّ من التأمّل بل المنع،كما يظهر للمتأمّل.

أمّا الأوّل:فلأنّ مبنى القرينة الصارفة ليس على تنافي إرادة الحقيقة

معها،حتّى يدفع ما نحن فيه بأنّه لا منافاة،بل المدار فيها على كونها بحيث‏

1)التوبة:5.

51
تكون إرادة الحقيقة منافية لظاهر القرينة1،و ما نحن فيه كذلك بشهادة التبادر

عرفا حينئذ بظهور الصيغة بواسطة المقام في رفع الحظر،فتكون إرادة الوجوب‏

منافية لهذا الظهور.

و أمّا الثاني:فلما أشرنا إليه آنفا من خروجه عن موضوع البحث في‏

المقام،نظرا إلى تغاير متعلّقي الحظر و الأمر،لامتناع تعلّق الأمر الشرعي بما هو

موضوع عند العقل في حكمه بالحرمة و القبح،فإنّ القبيح عنده كيف يجوز كونه‏

مأمورا به عند الشارع؟!

هذا على تسليم حكم العقل بالحظر في العبادات قبل الأمر الشرعي،

و إلاّ فيمكن منع هذا الصغرى بأنّ حكمه بذلك مسلّم فيما إذا علم بعدم الأمر،

و أمّا إذا احتمله في الواقع فلا يحكم بقبحه و حرمته من باب التشريع لعدم إحراز

موضوعه بعد.اللهم إلاّ أن يدّعى أنّ التشريع هو فعل ما لم يعلم كونه من‏

الدين،و أنّ العقل يحكم بقبح هذا العنوان،و كلاهما محلّ نظر.

و كيف كان،فالجواب ما عرفت من خروج ما ذكر عن موضوع‏

البحث‏2.

1و بعبارة أخرى:ليس المدار على التنافي بين إرادة الحقيقة و وجود القرينة،بل على التنافي بينها

و بين ظاهر القرينة،و هذا موجود في المقام كما عرفت.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2المثال المطابق للمقام قوله صلّى اللَّه عليه و آله:«كنت نهيتكم عن ادّخار الأضاحي،ألا

فادّخروها» (1) ،فهل يجد المصنف من نفسه من هذا الكلام مع قطع النّظر عن الأمور الخارجيّة

إلاّ الرخصة فيما نهى صلّى اللَّه عليه و آله عنه أوّلا؟لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)سنن النسائي:7-223-235،سنن الدارمي:2-79،سنن الترمذي:4-94-ح:1510،صحيح‏

مسلم:3-1561-ح:28 و صفحة:1562-ح:29 و 33،سنن ابن ماجة:2-1055،مسند أحمد:

2-63 و 66 و 85 و 388،و جزء:5-76 و 356 سنن أبي داود:3-99-ح:2812،و صفحة:100-ح:

2813.و الحديث منقول بالمعنى.


52
و أمّا الثالث:فلما عرفت من خروج أمر الحائض و النفساء،و كذا أمر

المولى بالخروج إلى المكتب عن موضوع البحث لسبق الأمر على الحظر في‏

الأوّل،و أنّ الحظر في زمان خاصّ كان مقيّدا له بذلك،فيكون ثبوت الوجوب لما

بعده بإطلاق ذلك الأمر،و لاختلاف موضوعهما في الثاني.

و أمّا الأمر بقتل المشركين بعد الأشهر الحرم فكونه للإيجاب إنّما هو لقيام‏

الإجماع عليه،فيكون هو مخرجا للأمر عن هذا الظهور العرفيّ و صارفا عنه،

و كلامنا إنّما هو في الأمر الواقع عقيبه الحظر بالنظر إلى وقوعه بعده مع قطع‏

النّظر عن سائر القرائن.

و من هنا نقول:إنّ أمر الحائض و النفساء،و كذا الأمر بالخروج إلى‏

المكتب على تسليم دخولهما في موضوع النزاع إنّما حملا على الوجوب بسبب‏

القرينة،و هي الإجماع في الأوّل،و العلم بمطلوبية الذهاب إلى المكتب في الثاني.

و من هنا يندفع القول بظهور الأمر حينئذ في الحكم السابق على الحظر،

فإنّه على تقدير تسليمه إنّما هو لأجل القرينة الخاصّة و هي ثبوت الوجوب أو

الإباحة قبله،مع أنّ كون الحكم السابق قرينة على ظهور الأمر حينئذ فيه محلّ‏

نظر.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ حجج الأقوال الأخر إنّما هي دعوى ظهور الأمر

حينئذ عرفا فيما صاروا إليه فكلّ يدّعيه على طبق مدّعاه.

و أمّا القائل بالوقف و الإجمال:فحجّته أنّه يرى التعادل بين ما يقتضي‏

الحمل على الحقيقة،و بين ما يقتضي حمله على المجاز فتوقّف.

و جوابه قد علم ممّا سبق،فإنّ المنصف يجد ظهوره فيما اخترنا دون ما

صاروا إليه،و بهذا الظهور يندفع القول بالوقف،فإنّ ما يقتضي حمله على الحقيقة

مقهور بالنسبة إلى ما يقتضي حمله على المجاز،فيؤخذ بالثاني،فلا وجه للتوقّف.


53
ثمّ إنّ الّذي اخترنا بالنسبة إلى ما يكون النهي السابق غير مغيا بزمان‏

ورود الأمر لا إشكال فيه،و أمّا بالنسبة إليه فالإنصاف أنّه لا يتمشّى فيه الوجه‏

المتقدّم،لكونه منشأ للظهور،فإنّ المكلّف عالم حينئذ بعدم النهي بعد ذلك الزمان‏

بمقتضى مفهوم الغاية،فليس له حالة منتظرة إلى الرخصة حتّى يكون الأمر

حينئذ ظاهرا فيها لذلك.

و الحقّ أن يقال في وجهه:أنّ ظهوره فيها حينئذ إنّما هو بقرينة المقابلة

بمعنى أنّ ذكر الأمر في قبال النهي المغيا قرينة عرفا على أنّ المراد به رفع ذلك‏

النهي و أنّه تأكيد لمفهوم الغاية،و هذا ظاهر لا إشكال فيه،إلاّ أنّه فيما إذا كان‏

الأمر متصلا بالنهي أظهر،فتدبّر.

لا يقال:إنّ هذا القسم خارج عن موضوع البحث،فإنّ متعلّق النهي‏

و موضوعه هو الفعل المقيّد بقطعة من الزمان،و موضوع الأمر هو مقيّدا بقطعة

أخرى منه،فاختلف موضوعاهما.

لأنّا نقول:إنّ الغاية قيد للحكم،و الموضوع هو الفعل المطلق،و كذا

موضوع الأمر،و لو لا ذلك لدخل مفهوم الغاية في مفهوم اللقب المختلف فيه،و هو

باطل بالضرورة.

ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا-من كون التقابل قرينة على ظهور الأمر في رفع‏

النهي-يجري في غير النهي التحريمي و الأمر أيضا،كما إذا كان تنزيهيّا،فإنّه‏

حينئذ و إن لم يكن موجبا لظهوره في الرخصة-كما مرّ-إلاّ أنّه يوجب الظهور

في رفع الكراهة النفسيّة،فافهم،بل يجري فيه الوجه المتقدّم أيضا،فإنّ المكلّف‏

حينئذ و إن لم يكن له حالة منتظرة إلى الرخصة إلاّ أنّ له حالة انتظار رفع‏

الكراهة،فتدبّر جيّدا.


54
تنبيهات:

الأوّل:هل الحال في النهي الواقع عقيب الأمر كحال الأمر الواقع‏

عقيبه أو لا؟الظاهر الثاني.

و وجهه:أنّ الرخصة في ترك المأمور به إنّما يقع غالبا بغير صيغة النهي من‏

لفظ(لا بأس،و لا حرج)و أمثالهما،و وقوعها بها نادر جدّاً،فهذا يوهن إرادة

الرخصة من النهي،ألا ترى أنّه إذا استأذنك أحد في ترك شي‏ء،فأردت‏

ترخيصه،فإنّما ترخّصه غالبا بقولك:(لا بأس،و لا حرج،و ليس عليك)و أمثالها،

و قلّ أن تقول:لا تفعل.

بل الإنصاف أنّا لم نظفر باستعمال‏ (1) النهي فيها،و النواهي التنزيهية إنّما

استعملت في المنع،و دلّ معها على الرخصة من الخارج،كما في الأوامر الندبية،

حيث إنّها مستعملة في الطلب و دلّ معها على الرخصة من الخارج،هذا بخلاف‏

الرخصة في فعل المنهيّ عنه،فإنّ الغالب مجيئها بلفظ الأمر،فأنصف و تأمّل،لئلا

يختلط عليك الأمر.

و نحو ذلك النهي التنزيهي الواقع عقيب الأمر الندبي،و الوجه الوجه.

الثاني:أنّهم و إن حرّروا الكلام في الأمر الواقع عقيب الحظر المحقّق،

إلاّ أنّ الظاهر جريانه في الواقع بعد ظنّه أو توهّمه،و المختار فيه أيضا المختار،

و الوجه الوجه،فإنّ من ظنّ أو توهّم النهي فله حالة انتظار الرخصة جدّاً.

الثالث:أنّ الّذي مرّ كان على القول بكون صيغة الأمر للوجوب،لكن‏

1)في الأصل:على استعمال.

55
الإنصاف جريان الكلام على كونها لمطلق الطلب أو الندب،و المختار حينئذ أيضا

المختار،و الوجه الوجه،و اللَّه الهادي إلى سواء الطريق.

السادسة
(1) :قال صاحب المعالم-قدّس سرّه-بعد اختياره أن صيغة

الأمر للوجوب.

فائدة:يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المرويّة عن الأئمّة-عليهم‏الصلاة

و (2) السلام-أنّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شائعا في عرفهم بحيث‏

صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند

انتفاء المرجّح الخارجي،فيشكل التعلّق في إثبات وجوب أمر بمجرّد ورود الأمر

به منهم-عليهم السلام‏ (3) -.

قال-دام ظله-و وافقه في ذلك صاحب الذخيرة (4) و المشارق‏ (5) ،ثم قال:

لا يخفى أنّه جمع في كلامه بين وصفين متضادّين،و هما التساوي و الرجحان،فلا

بدّ أن يكون متعلّقاهما متغايرين،و من المعلوم بمقتضى صريح العبارة أنّ متعلّق‏

الأوّل هو احتمال الإرادة من اللفظ،فحينئذ يحتمل أن يكون متعلّق‏1الثاني هو

الحقيقة بحسب الاستعمال،فيكون قوله:(المساوي احتمالها)صفة بعد صفة

للمجازات،و يحتمل أن يكون سائر المجازات،يعني الراجحة على سائر

1أي الملحوظ فيه،فإنّه أمر إضافيّ لا بدّ من ملاحظته بين أمرين:فأحد طرفيه إمّا هو المجاز،و طرفه‏

الآخر المعبّر عنه بالمرجوح:إمّا الحقيقة من حيث الاستعمال،أو سائر المجازات من حيث الاستعمال،

أو الاحتمال،أو مطلقا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)أي(الفائدة السادسة)على ما جاء في هامش الأصل.

2)أثبتنا ما بين المعقوفين من المصدر،و لم يرد في الأصل.

3)المعالم:48-49.

4)ذخيرة المعاد:3.

5)مشارق الشموس آخر صفحة:12.


56
المجازات،فيكون غرضه أنّه صار مجازا مشهورا،و حينئذ يحتمل أن يكون قوله:

(المساوي)صفة بعد صفة حقيقة احترازا عن بعض أقسام المجاز المشهور.

و على هذا فيكون ذلك تنبيها ضمنا على أنّه ليس مطلق المجاز المشهور

مما يتوقّف بينه و بين الحقيقة،بل هذا مختصّ بما إذا كان احتماله مساويا لاحتمال‏

الحقيقة،فعلى هذا يستفاد أنّ مذهبه في المجاز المشهور ليس التوقّف مطلقا،

و يحتمل أن يكون حكما للمجاز المشهور،لا قيدا احترازيّا و إن كان قد أتي به‏

بصورة الوصف،فيكون غرضه التنبيه ضمنا على أنّ حكم المجاز المشهور مطلقا

ذلك،و يكون غرضه الأصلي من أخذ هذا الوصف في كلامه جعله برهانا على‏

مطلبه،و هو قوله:(فيشكل إلى آخره)،فيكون ذلك قياسا،و هذا نتيجة له،فتصير

الاحتمالات ثلاثة،و لا يبعد أن يكون المراد الأخير.

أقول:بل أربعة،إذ على الشقّ الأوّل،و هو ملاحظة الرجحان بالنسبة

إلى الحقيقة يمكن أن يكون قوله:(المساوي)وصفا حقيقة،كما هو مقتضى‏

ظاهره،و أن يكون حكما جي‏ء به بصورة الوصف أخذا له قياسا لمطلبه،و أيضا

المجاز الراجح على الحقيقة من حيث الاستعمال قسم من المجاز المشهور،لا

قسيم له،فيكون غرضه دعوى كون الصيغة مجازا مشهورا في الندب،و لازم‏

المجاز المشهور أيضا بجميع أقسامه كونه راجحا على سائر المجازات من حيث‏

الاستعمال،و إلاّ لم يسمّ به اصطلاحا:

أمّا على تقدير عدم رجحانه عليها أصلا فواضح.

و أمّا على تقدير رجحانه عليها من حيث الاحتمال إذا لم يكن مسبّبا عن‏

أكثرية الاستعمال فلأنّه حينئذ يسمّى بأظهر المجازات لا مشهورها،فافهم.

و قد أجاد بعض المحققين من المتأخّرين‏ (1) فيما علّقه على المعالم حيث‏

1)و هو المحقّق الشيخ محمد تقي(ره)في هدايته:152-153.

57
فسّر قول المصنف:بأنّ مقصوده كون الصيغة مجازا مشهورا في الندب.

و كيف كان فعلى جميع التقادير غرضه دعوى كثرة استعمال الصيغة في‏

الندب مجازا إلى حدّ أوجب تساوي احتماله منها مجرّدة عن القرينة لاحتمال‏

الوجوب،و مقتضاه التوقّف.

ثمّ إنّ أوّل من ورد على تلك العبارة و أورد عليها هو سلطان العلماء

-قدّس سرّه-فيما علّقه على المعالم،قال:

(أقول:شيوع الاستعمال في الندب مع القرينة1لا يستلزم تساوي‏

الاحتمالين في المجرد عن القرينة.

نعم إن ثبت شيوع الاستعمال بدون القرينة الصارفة،بان يكون‏

استعمالهم فيه مطلقا،و يعلم بدليل منفصل أنّ مرادهم الندب،فلا يبعد ما ذكر،

و كان‏ (1) هذا مراد المصنف،لكن إثبات مثل هذا الشيوع لا يخلو عن إشكال،

فتدبّر) (2) .انتهى كلامه رفع مقامه.

قال-دام ظله-:و كأنّ وجه الفرق عنده بين كثرة الاستعمال مع القرينة

المتّصلة و بينها مع المنفصلة زعم أنّ المستعمل في الأوّل هو اللفظ مع القرينة لا

اللفظ وحده،بخلاف الثاني،فإنّه فيه اللفظ وحده،فعلى هذا يتمّ الفرق،فإنّ‏

تساوي الاحتمالين إنّما يتسبّب من حصول استئناس بين اللفظ و المعنى المجازي‏

بسبب شيوع استعماله فيه في نظر المخاطب،فيعادل استئناسه الحاصل بينه و بين‏

المعنى الحقيقي من جهة الوضع،و هذا إنّما يتمّ في المقام على تقدير كون المستعمل‏

اللفظ وحده ليحصل الاستئناس بين نفس هذا اللفظ و بين المعنى المجازي،

1يعني القرينة المتصلة.لمحرّره عفا اللَّه عنه‏.

1)الظاهر أنّ الصحيح:كأنّ...

2)معالم الدين،هامش صفحة:48.

58
حتى يكون ذلك منشأ لتساوي الاحتمالين عند فقد الأمور الخارجيّة المعيّنة

للمراد منه إذا ورد مطلقا.

هذا بخلاف ما إذا كان المستعمل اللفظ مع القرينة،بأن تكون هي جزء

منه،فإنّ شيوع استعمال المركّب في معنى لا يوجب حصول الاستئناس بين أحد

جزئيه و بين ذلك المعنى.

ألا ترى أنّه لو شاع استعمال قولك:(ضارب زيد)مثلا في(عمرو)غاية

الشيوع،بل إلى حيث بلغ مرتبة النقل،فذلك لا يستلزم تساوي إرادة(عمرو)

من(الضارب)وحده،أو من(زيد)كذلك لإرادة كلّي الضارب،أو الشخص‏

المخصوص المسمّى بزيد.

و كيف كان،فالنسبة بين المركّب و جزئه كالنسبة بين المفردين هي التباين،

فلا يلزم من حصول وصف للمركّب حصوله لجزئه.

و الحاصل:أنّ شيوع الاستعمال إنّما يوجب الاستئناس‏بين‏ (1)

المستعمل و بين المعنى المستعمل فيه،فإن كان هو المركّب فهو حاصل بين مجموع‏

الأجزاء و بين المعنى المستعمل فيه اللفظ لا غير،فإذا فرضنا أنّ المستعمل في‏

الندب ليست الصيغة وحدها،بل هي مع القرينة فلا استئناس بينها و بين الندب‏

حتّى يوجب تساوي احتماله‏مع‏احتمال‏ (2) الوجوب عند تجرّدها عن القرينة.

ثمّ قال دام ظلّه:و هذا الفرق على تقدير كون القرينة جزء من المستعمل‏

في غاية المتانة،إلاّ أنّ الظاهر خلافه،فإنّ الظاهر أنّها شرط دلالة اللفظ على‏

المعنى المجازي،لا جزء من المستعمل،فالمستعمل هو اللفظ وحده.

ثمّ الظاهر إمكان بلوغ كثرة الاستعمال مع القرينة المتّصلة إلى حدّ

1)إضافة يقتضيها السياق.

2)في الأصل:لاحتمال.

59
أوجب الاستئناس بين اللفظ و المعنى المجازي بحيث يمكن معه اعتماد المتكلّم‏

في تفهيم المعنى المجازي على نفس مثل هذه الشهرة،إلاّ أنّ الفرق بينها و بين‏

المنفصلة أنّ الثانية أقرب من الأولى من حيث السببية للاستئناس بين اللفظ

و المعنى المجازي،حيث إنّه يحصل معها الاستئناس المذكور بعدّة استعمالات‏

كذلك،بخلاف الأولى لاحتياجها إلى البلوغ في الكثرة غايتها.

لا يقال:كيف يمكن كون الأولى سببا لذلك مع أنّه ليس في الألفاظ

المجازية أكثر استعمالا من لفظ الأسد في الرّجل الشجاع،فإنّه قد بلغ استعماله‏

فيه مع القرينة المتّصلة في كلّ عصر إلى حدّ لا مزيد عليه،و مع ذلك لو أطلق‏

مجرّدا عنها لا نرى أحدا يتوقّف بين إرادة المعنى المجازي أو الحقيقي،بل يحملونه‏

حينئذ على حقيقته بلا تأمّل و توقّف؟!

لأنّا نقول:إنّ استعمال اللفظ في المعنى المجازي كثيرا-سواء كان‏

بالقرينة المتّصلة أو المنفصلة-إنّما يوجب تساوي الاحتمالين إذا تحقّق من مستعمل‏

واحد،و نحن نمنع بلوغه في لفظ الأسد بالنسبة إلى كلّ المستعملين أو بعضهم‏

إلى هذا الحدّ،بل لو تأمّلت استعماله بالنسبة إلى آحاد الناس تجده قليلا غاية

القلّة،فتدبّر.

ثمّ إنّه ربما يتوهّم دفع ما ذكره السلطان-من منع بلوغ استعمال الأمر

مع القرينة المنفصلة في الندب إلى حيث يوجب تساوي الاحتمالين في اللفظ

المجرّد-:بأنّه لا شبهة و لا ريب أنّا بعد ما لاحظنا الأوامر المطلقة المجرّدة عن‏

القرينة نجد أكثرها أنّ المراد بها الندب بقرينة الإجماع،أو بدليل آخر،بحيث‏

يكون ما كان المراد به الندب ضعف ما كان المراد به الوجوب،بل أضعافه،فثبت‏

شيوع استعمال صيغة الأمر مجرّدة عن القرينة المتّصلة في الندب.

لكنه مدفوع أوّلا:بأنّ العلم بكون المراد بأكثرها هو الندب لا يستلزم‏

استعمالها فيه بلا قرينة متّصلة،بل يحتمل أن يكون معها قرائن متّصلة بها تفهم‏


60
المخاطبين،و اختفت علينا،مع أنّ الاجتماع إنّما هو قرينة بالنسبة إلينا لا إليهم،

فلا بدّ أن تكون شيئا آخر غيره بخطاب آخر متأخّر عن ذلك الأمر مقرون‏

بوقت الحاجة.

و ثانيا:بأنّ العلم بكون المراد بأكثرها الندب ممنوع،فإنّ المسلّم أنّ‏

المندوبات أكثر من الواجبات،لكن لا ريب أنّ أكثر المندوبات إنّما ثبتت بقاعدة

التسامح،و لا ريب أنّ الحكم بالندب فيما إذا ورد أمر من جهة تلك القاعدة ليس‏

راجعا إلى حمل اللفظ عليه،بل إنّما هو حينئذ حكم على طبق الندب،لا على‏

أنّ المراد بالأمر ذلك،فلذا تجري تلك القاعدة فيما إذا علمنا أنّ ذلك الأمر على‏

تقدير صدوره لم يكن معه قرينة أصلا،و كيف كان فمهما ضعف خبر سندا أو من‏

حيث وجه الصدور-و بعبارة أخرى:لم يكن جامعا لشرائط الدليليّة-فحكمهم‏

حينئذ بالندب من باب التسامح،لا من باب حمل الأمر حينئذ على الندب،

و شتّان ما بينهما.

و كيف كان،فالإنصاف عدم تحقّق شيوع استعمال صيغة الأمر في الندب‏

بكلا قسميه‏1،لما عرفت من الجواب عن التّوهم المذكور.

و لو سلّمنا تحقّقه في الجملة فهو إنّما بالنسبة إلى استعمالات مجموع الأئمة

عليهم السلام و هو لا يجدي.

فإن قيل:إنّ مجموعهم عليهم السلام في حكم متكلّم واحد،فيكون‏

الشيوع من المتكلّم الواحد.

قلنا:كونهم عليهم السلام في حكم شخص واحد إنّما هو من جهة أنّ‏

بعضهم لا يخالف قوله قول الباقين،بل أقوالهم و آراؤهم متّحدة،و أمّا من جهة أنّ‏

ما استعمله بعضهم استعمله الآخرون فممنوع.

1أي سواء كان مع القرينة المتصلة أو المنفصلة.لمحرّره‏عفا اللَّه عنه‏.


61
فإن قلت:إنّه لا ريب أنّ كلّ واحد من المعصومين من النبيّ صلّى اللَّه‏

عليه و آله و من بعده من الأوصياء عليهم السلام كان مبيّنا للأحكام،و منها

المندوبات،و إثباتها إنّما هو بصيغة الأمر،فثبت بذلك تحقّق شيوع استعمالها في‏

الندب بالنسبة إلى مجموع استعمالات عدّة منهم كالنبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و عليّ،

و الحسن،و الحسين عليهم السلام إن سلّم عدم ثبوته بمجموع استعمالات‏

واحد منهم.

قلنا:أوّلا-إنّ كون كلّ واحد منهم عليهم السلام مبيّنا لجميع‏

الأحكام ممنوع،بل بعضهم لم يبيّنها للناس أصلا لخوف التقيّة1بحيث لم يقدر

على إظهار إمامته كالسجّاد عليه السلام ،و الآخرون لم يبين كلّ واحد جميعها،

بل بعضها.

و ثانيا-لو سلّمنا كون كلّ واحد مبيّنا للأحكام التي منها المندوبات نمنع‏

بيان المندوبات بأسرها بصيغة الأمر،بل بعضها بها،و بعضها بلفظ(ينبغي،

و يستحبّ،و يندب إليه)و أمثالها،كما يظهر للمتتبّع في الأخبار،فراجع و تدبّر.

و كيف كان،فلا ينبغي الارتياب في عدم تحقّق الشيوع الموجب للإجمال‏

بكلا قسميه.

و ممّا يكشف عن ذلك أنّه لم يتوقّف أحد من الصحابة-على ما يظهر من‏

حالهم،و كذا العلماء خلفا عن سلف-في التمسّك على وجوب شي‏ء بأمر مطلق‏

مجرّد عن القرينة ورد على ذلك الشي‏ء.

و يشهد لذلك‏ (1) دعوى السيّد المرتضى‏ (2) -قدّس سرّه-اتفاق الإمامية

1أي الخوف الموجب للتقيّة أو لخوف فوات التقيّة.

1)في الأصل:و يشهد بذلك...

2)الذريعة:1-55،و النصّ منقول بتصرّف يسير.

62
على ذلك،حيث احتجّ على كون الأمر حقيقة في الوجوب في عرف الشرع:بأنّ‏

(أصحابنا الإمامية لم يختلفوا في هذا الحكم الّذي ذكرناه،و إن اختلفوا في أحكام‏

هذه الألفاظ في موضوع اللغة،و لم يحملوا ظواهر هذه الألفاظ إلاّ على ما بيّنّا،

و لم يتوقّفوا على الأدلّة،و قد بيّنّا في مواضع من كتبنا أنّ إجماع أصحابنا حجّة).

انتهى.

و هذا الإجماع الّذي ذكره السيّد يكفي جوابا عن صاحب المعالم و من‏

وافقه،و صاحب المعالم-أيضا-لم ينكر على السيّد هذا الإجماع،و إنّما أجاب‏

عن الاستدلال به:بأنّه لكون الأمر للوجوب لغة (1) .و اللَّه الهادي.

السابعة
(2) :قال في القوانين‏ (3) في مقدّمات مسألة مقدّمة الواجب:إنّ‏

دلالة صيغة(افعل)على الحتم و الإلزام التزامية بالمعنى الأخصّ،و على المنع من‏

الترك هي بالمعنى الأعمّ،حيث قال:(دلالة الالتزام:إمّا لفظيّة و إمّا عقليّة،

و اللفظية على قسمين:إمّا بيّن بالمعنى الأخصّ كدلالة صيغة(افعل)على الحتم‏

و الإلزام عند من يدّعي التبادر فيه،كما هو الحقّ،و المراد به دلالة اللّفظ عليه‏

و كونه مقصودا للاّفظ أيضا.

و إمّا بيّن بالمعنى الأعمّ كدلالة الأمر بالشي‏ء على النهي عن الضدّ العامّ‏

بمعنى الترك،فبعد التأمّل في الطرفين و النسبة بينهما يعرف كون ذلك مقصودا

للمتكلّم)انتهى موضع الحاجة.

قال دام ظله:لا يخفى‏مافيما ذكره-قدّس سرّه-من إهمال و إجمال‏ (4)

و غموض و اعتلال،فإذا جعل الحتم و الإلزام معنى التزاميّا للصيغة فحينئذ فما

1)المعالم:47.

2)أي(الفائدة السابعة).

3)قوانين الأصول:1-102-المقدّمة السابعة.

4)في الأصل:من الإهمال و الإجمال و غموض و اعتلال.

63
معناها المطابقي؟!فلا يبقى شي‏ء آخر يكون معنى مطابقيّا لها.

قال:و يمكن حمل كلامه على أحد أمرين:

أحدهما:أن يكون مراده-قدّس سرّه-أنّ هيئة الصيغة موضوعة

لمجموع نسبتين:

إحداهما:نسبة قيام الحدث-المدلول عليه بالمادّة-بالمخاطب على وجه‏

كونه مطلوبا منه.

و الأخرى:نسبة المتكلّم‏إلى‏ذلك‏ (1) الحدث و المخاطب،و هي طلبه‏

الحدث من المخاطب.

و معنى الحتم و الإلزام هي الثانية،و هي الطلب،و هو جزء لمعنى الهيئة،فهو

لازم لها بالمعنى الأخصّ.

لكنّه يبعده أنّ إطلاق دلالة الالتزام على ذلك خلاف الاصطلاح،بل هو

دلالة تضمّنيّة اصطلاحا.

و ثانيهما:أن يكون مراده بالحتم و الإلزام الوجوب الاصطلاحي،أعني‏

استحقاق الذمّ و العقاب على الترك،بمعنى أنّ الصيغة تدلّ على الطلب الحتمي‏

الصادر من شخص عال وجبت على المأمور إطاعته،فتدلّ على استحقاق الذمّ‏

التزاما.

و يبعده:أنّه-قدّس سرّه-لم يجعل النزاع في الصيغة في أنّها هل تدلّ على‏

ذلك،أو لا؟فإنّه و إن صوّر محلّ النزاع بوجوه ثلاثة أحدها هذا،لكنّه لم يرتضه،

بل جعل النزاع في مطلق الصيغة،و في أنّها هل تفيد الوجوب اللغوي-أي الحتم‏

و الإلزام-أو لا؟و جعل دلالتها على استحقاق الذمّ و العقاب من الواضع‏في‏ (2)

1)في الأصل:بذلك...

2)إضافة يقتضيها السياق.

64
خصوص المقام،و هو ما إذا صدرت عن العالي،فافهم.

أقول:الظاهر أنّ مراده أنّه بعد ما كانت الصيغة مفيدة للوجوب اللغوي‏

-و هو الطلب على وجه الحتم و الإلزام-فيكون الحتم و الإلزام قيدا خارجا عن‏

معناها لازما له،فتدلّ عليه التزاما بالمعنى الأخصّ،فمدلولها المطابقي هو

الطلب المقيّد بهذا القيد،و مدلولها الالتزامي هو نفس القيد،فلا إغلاق في كلامه‏

-قدّس سره-بوجه.

و الحمد للَّه رب العالمين و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطاهرين،و لعنة اللَّه على‏

أعدائهم أجمعين.


65
بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

و به ثقتي‏

في المرّة و التكرار

قاعدة:اختلفوا في أنّ صيغة الأمر هل هي للمرة،أو التكرار،أو الطبيعة؟

على أقوال:

رابعها الوقف:و هو محتمل لأن يكون من جهة عدم تعيين الموضوع له‏

و الجهل به،كما صرّح به‏ (1) صاحب المعالم-قدّس سرّه-،و يشهد له‏ (2) ما حكى‏

-قدّس سرّه-من حجّة هذا القول،و لأن يكون من جهة التوقّف في المراد من‏

جهة الاشتراك دون الوضع،و يمكن أن يكون كلّ من الاحتمالين قولا في‏

المسألة،كما صرّح به بعض المتأخّرين.

و كيف كان،فتحقيق المقام يتوقّف على تقديم أمور:

الأوّل:الظاهر أنّ النزاع هنا-كما في مسألة إفادة الصيغة للوجوب-

إنّما هو من جهة الوضع‏

،كما يشهد به كلماتهم في عنوان المسألة،فإنّ قولهم:(إنّ‏

صيغة الأمر للمرّة،أو للتكرار)ظاهر في أنّها موضوعة لما ذا.

و يدلّ عليه-أيضا-جعل بعضهم من أقوال المسألة الاشتراك،فإنّه لا

يكون إلاّ بالنسبة إلى الوضع،بل يكفي في الدلالة عليه وجود القول بالوقف‏

1)المعالم:51.

2)في الأصل:و يشهد به.

66
من جهة الجهل بالوضع،فإنّه صريح في أنّ النزاع فيه.

نعم يمكن جريان النزاع-أيضا-فيما يستفاد من الصيغة عند الإطلاق‏

سواء كان من جهة الوضع بخصوصه،أو من جهة انصراف الإطلاق إليه،كما

يمكن جريانه هناك.

ثم النزاع إنّما هو في مجرّد الصيغة،أي هيئة الأمر مع قطع النّظر عن‏

الخصوصيّات الخارجيّة حتّى الخصوصيّات اللاحقة لها من جهة بعض الموادّ.

فعلى هذا،فإخراج بعض خصوصيات الصيغة،كما إذا كان معروضها

بمعنى الترك،كاجتنب و اترك-كما فعله بعض المتأخّرين-غير جيّد،فإنّ النزاع‏

ليس في الخصوصيات حتّى يكون اتفاقهم على كون المثال المذكور للتكرار

تخصيصا لمحلّ النزاع،بل هو في الهيئة الكليّة،فالتزام القائل بكونها للمرّة-بأنّ‏

المراد بالمثال المذكور التكرار-إنّما هو من جهة وجود المخرج عن القاعدة

الكليّة و الأصل الّذي أسّسه،فتدبّر.

الثاني:النزاع هنا في أنّ الصيغة هل تدلّ على كمية الفعل المأمور به الّذي‏

هو مفروض الصيغة؟

و بعبارة أخرى:أنّها هل لها تعرّض لبيان كميّة معروضها الّذي هو الفعل‏

المأمور به،أو لا،بل إنّما تدلّ على طلب الفعل ساكتة عن إفادة كميته بأحد

الوجهين من المرّة،أو التكرار؟

و الحاصل:أنّ النزاع في دلالة الصيغة على كمية ما تعلّقت به و عدمها

مع قطع النّظر عن كون متعلّقها الطبيعة أو الفرد،فإذن لا منافاة بين القول‏

بالمرة أو التكرار،و بين القول بتعلّق الأوامر بالطبائع،فإنّ النزاع‏1هناك في‏

1و بعبارة أخرى:إنّ النزاع هناك في أنّ الأمر هل يتعلّق بوجود الطبيعة،أو بنفسها؟فمن قال‏

بالأوّل و كان من القائلين بالمرّة هنا يقول بأنّ المطلوب بالأمر وجود واحد،و إن كان من القائلين‏

بالتكرار يقول:إنّ المطلوب بالأمر الوجودات المتكرّرة إلى ما أمكن شرعا و عقلا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


67
تعيين نفس المأمور به من أنّه هو الفرد أو الطبيعة،و هنا في دلالة الصيغة على‏

كمّيته فإذن يجتمع كلّ من القولين هناك مع كلّ من الأقوال هنا.

فالقائل بالمرّة أو التكرار-بناء على كون متعلّق الأوامر هو الأفراد-

يقولان بدلالة الصيغة على طلب إيجاد فرد من الطبيعة مرّة أو مكرّرا،فإنّه كما

تتّصف الطبيعة بالمرّة و التكرار،كذلك يتّصف الفرد بهما،و هذا واضح لا غبار

عليه.

لا يقال:إنّ قولهم:(إنّ الصيغة للمرّة،أو التكرار،أو الطبيعة)ظاهر في‏

أنّ مراد من قال بالأوّلين هو أنّ متعلّق الأوامر هي الأفراد،بقرينة جعل القول‏

بإفادتها للطبيعة مقابلا لهما.

لأنّا نقول:إنّ المراد بالطبيعة هنا ليس ما هو المراد بها في تلك المسألة،

و هو ما يقابل الفرد،بل المراد بها في المقام إنّماهو (1) نفس المأمور به الصالح‏

لتقييده بأحد القيدين-سواء كان هو الطبيعة المقابلة للفرد،أو نفس الفرد-

فإنه-كما عرفت-صالح لتقييده بأحد القيدين،فيقال:أوجد الفرد دفعة أو

مكرّرا،فالقائل بإفادة الأمر لها في المقام يقول:إنّه لا يفيد إلاّ طلب ما تعلّق به‏

مع السكوت عن إفادة كمّيته مطلقا.

و من هنا يظهر:ضعف ما عن الفاضل الشيرازي من ردّه على‏

الحاجبي-حيث إنّه اختار في تلك المسألة أنّ متعلّق الأوامر الفرد،و نفى هنا

دلالة الصيغة على المرّة و التكرار-بأنّهما لا يتوافقان.

و ضعف كلامه-على أن يكون المراد بالمرّة و التكرار الدفعة و الدفعات-

ظاهر.

1)إضافة يقتضيها السياق.

68
و أمّا على أن يكون المراد بهما الفرد و الأفراد-كما فهمه الفاضل المذكور-

فتوضيحه:

أن المراد بالمرّة حينئذ الفرد الواحد،و بالتكرار الأفراد المتعدّدة،و لا ريب‏

أن هذين القيدين-أي الوحدة و التعدّد-لم يلاحظ شي‏ء منهما في تلك المسألة

على القول بكون متعلّق الأوامر هو الفرد،بل النّظر هناك مقصور في هذا الفرد،

أو الطبيعة المقابلة له مع قطع النّظر عن ملاحظة كمّيته مطلقا،سواء كان فردا

أو طبيعة،فافهم جيّدا.

الثالث‏1:الظاهر أنّ المراد بالمرّة هي الدفعة،نظرا إلى ظهور لفظ المرّة

فيها عند الإطلاق‏

،فعلى هذا فالمتّصف بها إنّما هو نفس الأفعال المأمور بها

بمعانيها المصدرية،أي إيجاد الحركات و السكنات،فإنّ الدفعة إنّما هي صفة

للإيجاد2،لا للأثر الحاصل منه،فيكون المتّصف بها المبادي المعروضة للصيغة

بمعانيها المصدرية،لكونها بهذا الاعتبار من مقولة الإيجاد،لا الآثار الحاصلة من‏

تلك المبادي،و هي ما يقال لها:الحاصل من المصدر.

1أي(الأمر الثالث)من الأمور التي يتوقّف عليها تحقيق المقام.

2اعلم أنّ حصر الوصف بالدفعة في الإيجاد إنّماهوبالإضافة إلى الآثار-أي‏

الموجودات-و إلاّ فيصحّ اتّصاف الوجود و الحصول بها أيضا.

و كيف كان فالذي لا يصحّ اتّصافه بها إنّما هو الموصوف بالوجود و الحصول،و أمّا الإيجاد

و الوجود و الحصول فالكلّ سواء في صحّة اتّصافها بها،و إن كان الفرق بين الإيجاد و الوجود

اعتباريّا كما لا يخفى،و كذا بين التحصيل و الحصول،فإنّ الأوّل بمعنى الإيجاد،و الثّاني بمعنى‏

الوجود.

و بالجملة:الظاهر من المرّة هي الدفعة،أي إيجاد المأمور به أو وجوده في زمان واحد مع‏

قطع النّظر عن كمّيّة الوجود،و من التكرار الإيجادات أو الوجودات المتكرّرة،المتحقّق كلّ منهما

في زمان مقارن لزمان الآخر،فإنّه ظاهر في الدفعات،فالزمان مأخوذ في مفهومهما على هذا

الوجه.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


69
و كذلك التكرار ظاهر في الدفعات،فإنّه من الكرّ بمعنى الرجوع،و هو

إنّما يتصوّر بالنسبة إلى الأفعال التي‏هي‏من مقولة الإيجاد،دون الآثار،فلا

يتّصف به أيضا إلاّ المبادئ بمعانيها المصدرية.

و ربما يتراءى من بعض:أنّ المراد بالمرّة الفرد الواحد،و بالتكرار الأفراد

المتعدّدة بحسب المقدور عقلا و شرعا و لم يتبيّن من كلامه:أنّ المراد الفرد و الأفراد

من الإيجاد أو من الآثار،و يحتمل كلامه لكلّ منهما لصحّة اتّصاف كلّ من الإيجاد

و الأثر الحاصل منه بالفردية،إذ الإيجاد الواحد فرد من الإيجاد المطلق،فضرب‏

واحد فرد من مطلق الضرب،كما أنّ الأثر الواحد فرد من مطلق الأثر،فالأثر

الحاصل من الضرب فرد من مطلق الأثر الحاصل به.

فإن كان مراده الاحتمال الأوّل،فيتصادق المرّة و التكرار بهذا المعنى لهما

-بمعنى الدفعة و الدفعات غالبا-فيتصادق التكرار بهذا المعنى له-بمعنى الدفعات-

فيما إذا أوجد الفعل إيجادا متعدّدا في أزمنة متعاقبة،بأن يكون كلّ إيجاد عقيب‏

آخر،فهنا يصدق أنّه أتى به دفعات،و أنّه أتى بأفراد من إيجاد هذا الفعل،

و تتصادق المرّة بهذا المعنى لها بمعنى الدفعة الواحدة فيما إذا أوجده إيجادا واحدا

بحيث لم يكن معه إيجاد آخر حاصل معه،فإنّه حينئذ فرد واحد من الإيجاد و دفعة

واحدة،و يفترق التكرار بهذا المعنى عنه بمعنى الدفعات فيما إذا أوجده متعدّدا

-أي بإيجادات متعدّدة في زمان واحد،كما إذا ضرب بكلتا يديه،فأوجد بكلّ‏

واحدة ضربا،أو أخذ بكلّ واحدة سيفا،فأوجد بكلّ منهما قتلا مثلا-فهنا

يصدق التكرار بهذا المعنى،دونه بمعنى الدفعات،فإنّ تعدّد الأزمنة و تعاقبها

مأخوذة في مفهوم الدفعات،فهي لا تصدق إلاّ على الإيجادات المتعدّدة المتعاقبة.

و بعبارة أخرى:إنّ الدفعة عبارة عن إيجاد الشي‏ء في آن واحد،فالدفعات‏

إيجاداته في أزمنة متعدّدة متعاقبة.

هذا،لكن المرة بهذا المعنى لا تنفكّ عنها بمعنى الدفعة،و كذا العكس،


70
فيكون النسبة بين معنييهما التساوي،فكلّما تحقّق إيجاد واحد يصدق عليه الإيجاد

دفعة واحدة،و كذا العكس.

و أمّا النسبة بين معنيي التكرار فهي العموم و الخصوص المطلقان،فإنّه‏

بمعنى الدفعات أخصّ منه بهذا المعنى مطلقا.

و إن كان مراده الاحتمال الثاني فلا تصادق بين معنى المرّة و التكرار إذن‏

بحسب المصداق مطلقا.

نعم قد يتحقّق التصادق بحسب المورد،و النسبة بحسبه بين معنيي المرّة

إذن هي العموم و الخصوص المطلقان،بمعنى أنّها بمعنى الأثر الواحد أخصّ منها

بمعنى الدفعة الواحدة مطلقا-كما لا يخفى-و كذلك النسبة بين معنيي التكرار

هي العموم و الخصوص المطلقان-أيضا-و يفترق هو بهذا المعنى عنه بمعنى‏

الدفعات فيما إذا أوجد بإيجاد واحد موجودات متعدّدة،كأن قتل بضربة واحدة

متعدّدا،فهذا يصدق هو بهذا المعنى دونه بمعنى الدفعات،بل الصادق عليه إنّما

هي الدفعة الواحدة لا غير.

هذا،لكن الظاهر-بل المقطوع به-أنّه لم يرد المعنى الثاني،فإنّهم جعلوا

عتق المأمور بالعتق إذا أعتق رقابا بصيغة واحدة من الثمرات بين القول بالمرّة

و القدر المشترك،و لو احتملوا ذلك لجعلوه من ثمرات القول بالتكرار أيضا،فإنّ‏

الموجود حينئذ آثار متعدّدة بإيجاد واحد.

و يتلوه في ظهور عدم الإرادة-بل في القطع به-الاحتمال الأوّل،و ذلك‏

لأنّهم جعلوا صورة إيجاد أفعال متعدّدة في آن واحد من موارد الثمرة بين القول‏

بالمرة و القول بالقدر المشترك،فلو كان هذا لاحتمال قائما لذكروا أنّ تحصيل‏

الامتثال بالجميع على القول بالتكرار بهذا المعنى،أو على هذا الاحتمال،مع أنّهم‏

لم يلتفتوا إلى ذلك أصلا.

هذا،و يكفي في القطع بعدم الاحتمالين على إطلاقهما أنّ القائلين بالتكرار


71
نزّلوا(افعل)منزلة(افعل دائما)،إذ لا ريب أنّ الدوام لا يصدق على شي‏ء من‏

الصورتين المذكورتين،أي صورة إيجاد آثار عديدة بإيجاد واحد،و صورة حصول‏

إيجادات كذلك في آن واحد.

نعم الإيجاد الواحد بجميع آثاره-،و كذلك الإيجادات العديدة الحاصلة

في آن واحد-من أجزاء الدوام،فيكونان من أجزاء التكرار،و القائل به لا يقول‏

بتحقّق امتثال الأمر ببعض أجزائه،سواء جعله تكاليف عديدة مستقلّة،أو

تكليفا واحدا متعلّقا بالمجموع.

أمّا على الأوّل فلأنّ المفروض أنّ عليه تكاليف عديدة فالإتيان بفعل‏

واحد لا يكون امتثالا لجميعها حتى يكون امتثالا للأمر على وجه التكرار.

و أمّا على الثاني فواضح،فتدبّر.

فيظهر من ذلك:أنّ الّذي عبّر عن المرّة و التكرار بالفرد و الأفراد أنّه أراد

بالمرّة الإيجاد الواحد،و بالتكرار الإيجادات المتعدّدة المتعاقبة لا مطلقا،فعبّر عن‏

مراد القوم بعبارة أخرى،و لعلّ الداعي إلى تفسيره إيّاهما بذلك أنّه ممّن يقول‏

بتعلّق الأوامر بالفرد،فافهم.

ثمّ إنّ مقتضى ما قرّره صدق المرّة على أفعال متحقّقة في آن واحد،بأن‏

يكون المجموع مصداقا لها حيث إنها وقعت دفعة.

لكن قال-دام ظله-:يشكل حمل المرّة في كلام القوم هنا على ظاهره-

و هو الدفعة مطلقا-حتى يدخل فيها الصورة المذكورة،فإنّهم-حتّى المفسّرين‏

للمرّة بالدفعة لا الفرد-قالوا في الصورة المذكورة:إنّه على القول بالمرّة يحصل‏

الامتثال بواحد من الأفعال المذكورة،و أمّا على القول بالقدر المشترك فالجميع‏

امتثال.

فيظهر من ذلك:أنّ مرادهم بالدفعة المفسّرة بها المرّة إنّما هو الإيجاد


72
الواحد1،سواء كان مقارنا للإيجاد الآخر،أو كان هو وحده.نعم مرادهم‏

بالتكرار إنّما هو الدفعات،أي الإيجادات المتعاقبة في الأزمنة المتعدّدة-كما ذكرنا-

فعلى هذا ينتفي التقابل التامّ بين معنى المرّة و التكرار.

أقول:اللّهمّ إلاّ أن يجعل أجزاء التكرار-أيضا-عبارة عن المرّة بهذا

المعنى،بأن يكون مراد القائل به أنّ المتّصف بالوجوب-و لو تبعا2-في كلّ‏

زمان من الأزمنة المتعاقبة إنّما هو إيجاد واحد فالواجب-فيما إذا تحقّق منه أفعال‏

متعدّدة في آن واحد-أحدها،لا الجميع،و ليس ببعيد،فافهم.

و كيف‏كان‏فظهر ممّا حقّقنا:أنّ مراد القائل بالمرّة إنّما هو الإتيان‏

بالمأمور به مرّة واحدة،و بعبارة فارسية:يكبار،و مراد القائل بالتكرار الإتيان به‏

دائما ما أمكن عقلا و شرعا،و بعبارة فارسية يعني:آوردن أو هميشه،فيكون المرّة

عبارة عن الإيجاد الواحد،و التكرار عبارة عن الإيجادات المتعاقبة إلى حدّ

الوسع.

و إن شئت قلت:إنّ المراد بالمرّة إنّما هو حصول و وجود واحد للمأمور به،

1قولنا:-(فيظهر من ذلك أنّ مرادهم بالدفعة المفسّرة بها المرّة هو الإيجاد الواحد...إلخ)-

حاصله:

أنه يظهر مما ذكر أنّ مرادهم بالمرّة هو الوجود الواحد للمأمور به،لا حصوله في آن واحد،

كما هو معنى الدفعة،فإنّ المأخوذ فيها إنّما اتّحاد زمان الحصول و الوجود سواء تعدّد الوجود أو

اتّحد،و فيما استظهرنا إنّما هو اتّحاد الوجود مع قطع النّظر عن الزمان.

و كيف كان،فالزمان مأخوذ في حقيقة المرّة التي هي الدفعة،و كذا في حقيقة التكرار التي‏

هي الدفعات،و إنما خرجنا عن ظاهر المرّة بقرينة ما ذكر،لكن التكرار في كلامهم على معناه،

كما بيّنا في المتن.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2قولنا:(المتّصف بالوجوب و لو تبعا.).إشارة إلى احتمال أن يكون المراد بالتكرار جعله قيدا

للمأمور به،بحيث لا يحصل الامتثال أصلا إلاّ به،فيكون المأمور به على هذا هو الفعل‏

المقيّد.بهذا القيد،و يكون التكليف المتعلّق به واحدا لا متعدّدا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


73
و بالتكرار حصولات و وجودات متعدّدة له متعاقبة إلى‏ماأمكن،فإنّ الّذي‏

أبطلنا إنّما هو كون المراد بالأوّل مجرّد الدفعة و لو بإيجادات متعدّدة متقارنة،

و بالثاني مجرّد تعدّد الإيجاد من دون التعاقب،فلذلك قيّدنا المراد بالأوّل بكون‏

الدفعة باعتبار إيجاد واحد،بل حقيقة يخرج هذا عن حقيقة الدفعة في صورة

حصول إيجادات متقارنة،فإنّ المتّصف بها حينئذ حقيقة هو المجموع لا الواحد.

و كيف كان،فبنينا على أنّ المراد بالمرّة هو الإيجاد الواحد،و أنّ المراد

بالتكرار الإيجادات المتعاقبة،لكن لا يأبى كلماتهم عن جعل المرّة عبارة عن‏

وجود واحد للمأمور به و لو كان الإيجاد واحدا و الوجود متعدّدا مقارنا.

بل يظهر من جعل الثمرة بين القول بالمرّة و القول بالقدر المشترك فيما

إذا قال المأمور بالعتق لعبيده:(أنتم أحرار لوجه اللَّه)أنّ المراد بالمرّة ذلك،إذ

لا ريب أنّ الإيجاد حينئذ واحد،و المتعدّد إنّما هو العتق لا إيجاده،فإنّه بالنسبة

إلى كلّ واحد من العبيد له وجود،و كلّ واحد من تلك الأعتاق فرد من العتق.

و وجه ظهور ذلك فيما قلنا:أنّهم قالوا:إنّه على القول بالمرّة

فالمأمور به عتق واحد من العبيد،فيستخرج بالقرعة،فلو كان المرّة عبارة عن‏

إيجاد واحد لكان عتق الجميع مصداقا للمرّة،فلم يتمّ الفرق بين القولين من هذه‏

الجهة،فعلى هذا فيجعل التكرار-أيضا-عبارة عن وجودات متعدّدة متعاقبة

على النحو المذكور،فعلى هذا فيكون جزء التكرار واحدا من وجودات متعدّدة

متقارنة لو أوجدها في آن واحد لا جميعهم،فيكون هو المتّصف بالوجوب و لو تبعا،

لا الجميع،فافهم.

الرابع‏
(1) :الظاهر المصرّح في كلام بعضهم-كما أشرنا إليه-هو أنّ‏

مراد القائل بالتكرار ليس وجوب استيعاب جميع الأوقات بالاشتغال بالفعل‏

1)أي(الأمر الرابع)من الأمور التي يتوقّف عليها تحقيق المقام.

74
المأمور به،بل المراد وجوبه إلى ما أمكن عقلا بمعنى عدم بلوغه إلى حدّ التعذّر،

و شرعا بمعنى عدم بلوغه إلى حدّ التعسّر المنفي في الشريعة-أيضا-و عدم‏

مزاحمته لواجب آخر أهمّ منه.

لكن لا يخفى أنّه ليس المراد أخذ هذا القيد في مفهوم الصيغة،بل الظاهر

أنّ مراده،كما صرّح صاحب المعالم‏ (1) -قدّس سرّه-هو دلالتها على الاشتغال‏

بالفعل دائما،و هذا التقيّد إنّما يثبت من الخارج،فلا يستلزم استعمال الصيغة في‏

المقيّد،و هذا التقييد-أيضا-ثابت على القول بالمرّة-أيضا-فإنّه إذا وجب مرّة

فلا ريب أنّ تعذّره أو تعسّره أو مزاحمته لأهمّ منه موجبة لرفع التكليف عنه قطعا.

ثمّ على ما حقّقنابه‏المرّة و التكرار-على القول بأحدهما-يكونان‏

قيدين لمعروض الصيغة و الهيئة،فيكون الهيئة مقيّدة لمعروضها بأحد الأمرين في‏

الجملة لا محالة،فلا يعقل جعلهما قيدين للطلب المستفاد من الصيغة:

أمّا على القول بالمرّة:فلأنّ الطلب واحد لا محالة،فيلغى تقييده‏

بالمرة.

و أمّا على القول بالتكرار:فلا ريب-أيضا-أنّ الطلب واحد

شخصي،فلا يمكن اتصافه بالتكرار،فلا يحتمل ذلك في كلام القائل بالمرّة

و التكرار.

هذا مضافا إلى ما نقطع به-كما أشرنا إليه سابقا-من أنّ النزاع في‏

المقام في دلالة الصيغة على كميّة الفعل المأمور به و عدمها،فيكون المرّة و التكرار

من صفات المأمور به و قيوده،و هذا واضح.

ثمّ المرّة على القول بها اعتبار تقييد المأمور به بها على وجه لوحظ

مفهومها أيضا.

1)المعالم:49 و 50.

75
و بعبارة أخرى:هل المراد على هذا القول أنّ المطلوب هو الفعل‏

بعنوان المرّة بحيث لا يكون معها غيرها،فلا يحصل الامتثال لو فعله مرّات‏

متعاقبة،أو المراد تقييده بها من حيث اعتبار وجودها معه دون اعتبار عدم غيرها،

فيكون المراد أنّ المطلوب هو الفعل مرّة لا محالة مع سكوت الصيغة عن دلالتها

على غير تلك المرّة نفيا و إثباتا؟

الظاهر من مقالة القائلين بالمرّة و استدلالهم هو الوجه الثاني.

هذا فيما إذا أوجد الفعل في الآن المتأخّر عن زمان إيجاده أوّلا،و أمّا إذا

أوجد فعلين في زمان واحد فقد عرفت أنّ الظاهر أنّه ليس مراد القائل بالمرّة

تقييد كون الإيجاد بعدم اجتماع إيجاد آخر معه مقارن له.

ثمّ مراد القائلين بالتكرار-أيضا-يحتمل وجهين:

أحدهما:أن يكون التكرار مأخوذا في المأمور به على وجه لا يحصل‏

الامتثال أصلا إلاّ بالإتيان به مكرّرا على الوجه المتقدّم.

و ثانيهما:أن يكون مأخوذا-بلحاظ كونه عنوانا-عن الأفعال‏

المتكرّرة،فيكون كلّ واحد من تلك الأفعال واجبا مستقلا يحصل بكلّ منها

امتثال،و بترك كلّ منها مخالفة.

الظاهر هو الثاني،نظرا إلى قياسهم المقام بالنهي،فإنّ دلالة النهي على‏

التكرار على هذا الوجه.

الخامس‏ (1) :الثمرة بين القول بالتكرار و كلّ من القولين الآخرين‏

واضحة

،و أمّا بينهما فهي في غاية الخفاء جدّاً،نظرا إلى كفاية المرّة بالمعنى الّذي‏

عرفت في امتثال الأمر على كلّ من القولين و ثبوت التخيير عقلا بين جميع أفراد

المأمور به في مقام الامتثال على كل منهما،إذ القائلون بالمرّة لا يقولون بتعيين‏

1)أي(الأمر الخامس في الثمرة)على ما جاء في هامش الأصل.


76
فرد خاصّ،بل يكتفون بأيّ فرد واحد من أفراد الماهيّة كالقائلين بالطبيعة.

و كيف كان،فقد يقرّر الثمرة بينهما فيما إذا أتى المكلّف بأزيد من فرد

واحد دفعة،فالجميع امتثال و متصف بالوجوب على القول بالطبيعة،و على المرّة

أحد الفردين أو الأفراد على البدل،لتساوي الأفراد من حيث ذاتها في كونها

موجبة لحصول الامتثال،و محقّقة للقدر المشترك بينها مع عدم مرجّح خارجيّ‏

لأحدها و معيّن له،و لو احتج إلى التعيين استخرج بالقرعة إن قلنا بها في مثل‏

المقام.

و الوجه في ذلك:أنّه على القول بالقدر المشترك فالمطلوب من المكلّف‏

حصول الطبيعة و وجودها-سواء قلنا بتعلّق الأوامر بالطبائع أو بالفرد-إذ على‏

الثاني المطلوب الابتدائي ابتداء هو الأمر المنطبق على الطبيعة المقابلة للفرد-

أي ما تصدق هي عليه-و على الأوّل نفسها،فيكون المنطبق عليها واجبا مقدّمة،

و على التقديرين فالمطلوب هو حصول القدر المشترك بين الفرد الواحد و الأفراد

المتعددة المتقارنة أو المتدرّجة في الوجود،إذ على الثاني-أيضا-يكون المأمور به‏

كليا صادقا على ما ذكر،لعدم تعيّن المنطبق على الطبيعة المقابلة للفرد في فرد

خاصّ،بل المراد به الأعمّ من كلّ ما ينطبق على الطبيعة فتصدق على كلّ ما

ينطبق عليه الطبيعة باعتبار الوجود كما مرّ سابقا،و حاصله:

أنّ المطلوب وجود الطبيعة،و على الأوّل نفسها،فيكون وجودها مطلوبا

من باب المقدّمة.

و كيف كان،فعلى القول بالقدر المشترك فالمطلوب بقول مطلق هو

وجود الطبيعة و حصولها،و حينئذ و إن كان لها وجودات و حصولات متقارنة متعدّدة

بتعدّد الأفراد،إلاّ أنّ جميع تلك الحصولات-أيضا-مصداق آخر لحصول‏

الطبيعة،فيكون حصول الجميع-أيضا-منطبقا على المطلوب كانطباق كلّ من‏

تلك الحصولات عليه،و المفروض أنّ حصول الجميع المنطبق على المأمور به في‏


77
حال الأمر و بداعيه فيتّصف بالوجوب و بكونه امتثالا للأمر،إذ المعتبر في‏

الامتثال أمران:

أحدهما:انطباق الفرد المأتيّ به على المأمور به،بمعنى صدقه عليها.

و ثانيهما:وقوعه حال الأمر و بداعيه،و المفروض تحقّق كليهما في المقام‏

بالنسبة إلى حصول الجميع،فيكون امتثالا للمأمور به و متّصفا بالوجوب.

هذا بخلاف القول بالمرّة،إذ المطلوب على هذا القول-كما عرفت-إنّما

هو الفرد الواحد من الطبيعة،فيكون المنطبق على المأمور به هو كلّ واحد من‏

الأفراد الحاصلة دفعة دون الجميع-أيضا-لعدم صدقه عليه،فيكون المتّصف‏

بالوجوب و الامتثال أحد تلك الأفراد على البدل،دون معين منها لتساوي الكلّ‏

في الانطباق على المأمور به و في وقوعها حال الأمر و بداعيه،لا الجميع لعدم‏

انطباقه على المأمور به.

فإن قلت:مقتضى ما ذكرت أنّ للمأمور به-على القول بالقدر

المشترك-فردا آخر منطبقا عليه،بخلاف القول بالمرة لانحصار أفراده حينئذ

في الآحاد،و ذلك لا يوجب تعيّن الجميع على الأوّل في كونه امتثالا و واجبا،بل‏

نسبة المأمور به حينئذ إليه كنسبته إلى كلّ من الآحاد كما لا يتعيّن ذلك في واحد

من الآحاد-على القول بالمرّة-و الوجه فيهما واحد،و هو تساوي صدق المأمور

به على جميع الأفراد.

قلنا:ما عنينا باتّصاف الجميع بالامتثال و الوجوب تعيّن الامتثال فيه،بل‏

المقصود أنّه ككلّ واحد من الآحاد حينئذ صالح لاتّصافه بهما،بمعنى أنّ للآمر

حينئذ أن يحتسب من المكلّف عن المأمور به مجموع الآحاد و يثيبه عليه لانطباقه‏

عليه و وقوعه حال الأمر و بداعيه،كما له أن يحتسب واحدا من آحاد هذا

المجموع،بخلاف القول بالمرّة فإنّ مورد الاحتساب عليه منحصر في الآحاد،


78
لعدم انطباق المجموع حينئذ عليه و إن كان واقعا حال الأمر،فالمحتسب عن‏

المأمور به عليه مردّد بين الآحاد فقط،و على القول الآخر بينها و المجموع،فيظهر

الثمرة بينهما فيما مسّت الحاجة إلى تعيّنه كاتّصافه به عند الإتيان به منفردا فيئول‏

الأمر حينئذ-على القول بالتخيير بينه و بين المجموع حقيقة-إلى التخيير بين‏

فعل الزائد و تركه لا إلى بدل.

فمن هنا يظهر فساد توهّم إمكان اتّصاف الزائد بالوجوب،إذ لا معنى‏

لوجوب ما يجوز تركه لا إلى بدل.

و كيف كان،فقد ظهر انتفاء الثمرة بين القولين على تقدير الإتيان‏

بالأفراد متدرّجة متعاقبة،لابتنائها على جواز التخيير العقلي بين الأقلّ و الأكثر،

كما في الشرعي على الأظهر،و قد عرفت ما فيه.

و أمّا على تقدير الإتيان بها دفعة فالظاهر ظهور الثمرة بينهما حينئذ،

و يمكن تقريرها على وجهين:

أحدهما:أنّه على القول بالمرّة ينحصر مصاديق المأمور به المنطبقة عليه‏

في آحاد الأفراد المتحقّقة دفعة-لما عرفت-من أنّ المطلوب-على هذا القول-

الفرد الواحد أو1إيجاد واحد للطبيعة.

و كيف كان فالمنطبق على المأمور به-على هذا القول-إنّما هو كلّ واحد

من آحاد تلك الأفراد المتحقّقة دفعة،فإنّ كلاّ منها يصدق عليه أنّه فرد واحد من‏

الطبيعة الوارد عليها الأمر،و أنّه وجود واحد للطبيعة دون المجموع منها-أيضا-

لعدم صدق المأمور به عليه حينئذ،فإنّه عين الأفراد المتعدّدة و الوجودات‏

كذلك،فلا يمكن صدق الفرد الواحد أو الوجود الواحد للطبيعة عليه.

1الترديد إشارة إلى أنّه إن كان ممّن يقول بتعلّق الأوامر بالأفراد فيكون المطلوب بالأمر الفرد

الواحد،و إن كان ممّن يقول بتعلّقها بالطبائع فهو إيجاد واحد للطبيعة.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


79
و أمّا على القول بالقدر المشترك فالمجموع-أيضا-فرد آخر للمأمور به‏

و منطبق عليه،إذ عليه يكون المأمور به عبارة إمّا عن حصول الطبيعة،أو1

حصول ما ينطبق عليها من دون تقييد بالوحدة،و لا ريب أنّه يصدق كلّ من‏

هذين على المجموع-أيضا-كصدقه على كلّ واحد من آحاد الحصولات‏

و الوجودات،فإنّ مجموعها-أيضا-نوع حصول للطبيعة أو لما انطبق عليها،

و حينئذ فلمّا كان المفروض تحقّق تلك المصاديق المتساوية في الانطباق على المأمور

به دفعة،فكلّ منها صالح لاتّصافه بالوجوب و الامتثال لتحقّق ما اعتبر في‏

حصول الامتثال في كلّ منها،إذ المفروض صدق المأمور به على حدّ سواء و وقوع‏

الجميع حال الأمر و بداعيه،فكلّ منها صالح لأن يحتسبه الآمر عما أمر به و يثيب‏

عليه.

لكن لمّا كان المحسوب الفعلي عنه حينئذ أحد الأمور المنطبقة عليه‏

فيتردّد بين أحد تلك الأفراد المتحقّقة دفعة على القول بالمرّة لانحصار فرده فيها

-كما عرفت-و بينها و المجموع على القول بالقدر المشترك،فيظهر الثمرة بينهما

عملا فيما إذا ترتّب على المحسوب الواقعي حكم،فاحتيج إلى التعيين بالقرعة

إن قلنا2بها في أمثال المقام،فأطرافها منحصرة في الآحاد على القول بالمرّة،

1هذا الترديد-أيضا-إشارة إلى نفي الفرق بين كون هذا القائل ممّن يقول بتعلّق الأوامر

بالطبائع أو بالأفراد فإنّ مراد من يقول بالثاني:أنّ المطلوب إمّا هو الأمر المنطبق على الطبيعة

من دون اعتبار وحدة فيه،فيكون كلّ من تلك الأفراد منطبقا على المأمور به على القولين هذين،

لأنّه يصدق على كلّ منها أنّه حصول للطبيعة و وجود لها،أو حصول لما ينطبق عليها،إلاّ أنّه‏

يزيد أفراد المأمور به على القول بدلالة الأمر على القدر المشترك بين المرّة و التكرار بواحد

و هو المجموع-أيضا-بخلاف القول بالمرّة،فينحصر عليه في الآحاد دون المجتمع أيضا.لمحرّره‏

عفا اللَّه عنه.

2قال دام ظلّه:وجه عدم جريان القرعة في المقام:أنّه ليس حينئذ واقع مجهول ليتشخّص بها.

قلت:على هذا القول-أي القول بالمرّة-لما كان الامتثال بفرد واحد فالمحسوب عند اللَّه حينئذ أحد الأفراد،و هو مجهول.


80
و تعمّ المجموع على القول الآخر.هذا،و تأمّل.

و ثانيهما:أنّه بعد ما تقرّر أنّه-على القول بالقدر المشترك-يكون‏

المجموع-من الآحاد المتحقّقة دفعة أيضا-فردا للمأمور به و منطبقا عليه،

فنقول:

إنّه كلّما كان المأمور به أفراده من قبيل الأقلّ و الأكثر فالطريقة المقرّرة

في العرف-في باب الإطاعة و الامتثال في ذلك فيما إذا ثبت من قبل الآمر جواز

فعل الزائد في نفسه مع قطع النّظر عن هذا الأمر-أنّ المأمور له أن يقتصر

على‏الأقلّ‏ (1) ،فيحتسب منه ذلك حينئذ،و يقال:إنّه أتى بما امر به و امتثله،

فيقوم الوجوب به،و له أن يأتي بالأكثر و هو الأقلّ منضما إلى الزائد،فالمحتسب‏

منه عن المأمور به حينئذ إنّما هو هذا المجموع،لا مجرّد مسمّى المأمور به المتحقّق‏

بالأقلّ الموجود في ضمنه،بمعنى أنّ الآمر حينئذ يحتسب هذا المجموع عمّا أمره‏

به و يقبله عنه من دون نظر إلى الأقلّ الموجود في ضمنه،مع أنّه مصداق للمأمور

به،فالوجوب حينئذ قائم بخصوص المجموع من حيث المجموع.

ألا ترى أنّه لو أمر مولى عبده بإحضار الماء،فأتى بقدح مملوء منه بحيث‏

يزيد عن أقلّ ما يؤدّي به حاجة المولى فالعرف يحكمون بكون الإتيان به بهذا

القدح الزائد على قدر الحاجة امتثالا و إطاعة للأمر و من طبقا على المأمور به‏

فيقولون:إنّ ما أمره مولاه فقد أتى به.

لا يقال:إنّ ذلك لعلّه لحصول الامتثال بالأقلّ الموجود في ضمن الكلّ.

لأنّا نرى:أنّ المولى لو أراد التجزئة و أخذ الأقلّ و ردّ الزيادة معلّلا بأنّ‏

المجموع ليس مما أمرت به لقبّحه العقلاء،و ينسبونه إلى الجنون،و هكذا لو أمره‏

1)في الأصل:بالأقلّ...

81
بالمشي مثلا أو بمسح شي‏ء فمشى أو مسح بأكثر مما يتحقّق به مسمى المشي‏

و المسح،و ليس ذلك كلّه إلاّ لكون الأكثر امتثالا للمأمور به.

فتحقّق من ذلك كلّه:أنّ كل ما أوجده المأمور و أتى به حال وجود

الأمر من مصاديق المأمور به،فالامتثال قائم بما أتى به،فإن كان هو الأقلّ وحده‏

فهو قائم به،و إن كان الأكثر فهو قائم بالمجموع،لا الأقلّ الموجود في ضمنه‏

أو المردّد بينهما.

و السرّ في ذلك:أنّ امتثال الأمر إنّما هو بإيجاد المأمور به حال الأمر

و في زمانه،.فإن اقتصر على الأقلّ فإيجاده إنّما هو به،فيقوم الوجوب به،و إن‏

تعدّاه و ضمّ إليه الزائد فلا يعدّ الأقلّ حينئذ عرفا إيجادا للمأمور به،بل المعدود

إنّما هو المجموع من حيث المجموع لا غير،فلذا يقوم به الامتثال و الوجوب‏

دون الأقلّ الموجود في ضمنه،و إن كان بحسب الدقّة مصداقا للمأمور به حينئذ،

فافهم جيّدا.

و كيف كان،فقد ظهر أنّه على القول بالقدر المشترك في الصورة

المفروضة فالامتثال قائم بالجميع معيّنا من غير حاجة إلى معيّن من قرعة و غيرها،

فهو المحسوب واقعا.

و أمّا على القول الآخر فلا يمكن قيامه به،بل بأحد الآحاد المجتمعة،

و يحتاج التعيين إلى معيّن،و هذا هو الّذي ينبغي التصديق به في مقام الثمرة.

و أمّا الوجه الأوّل،فقد ظهر ضعفه من ذلك.

و مما حقّقنا ظهر-أيضا-مجمل القول في التخيير الشرعي بين‏

الأقلّ و الأكثر و أنّه جائز مطلقا.

بخلاف العقلي-كما في المقام-،فإنّ الحقّ-كما عرفت-التفصيل بين‏

صورة الإتيان بالأكثر دفعة-بمعنى دفعية أجزائها-فيجوز إذا أحرزنا من‏

الخارج جواز فعل أصل الزيادة،و صورة الإتيان به متدرّج الأجزاء،فيمتنع‏


82
مطلقا.

ثمّ إنّه قد يقرّر الثمرة بين القولين في الصورة المذكورة،و هي الإتيان‏

بأفراده مجتمعة دفعة:أنّه على القول بالمرّة-حيث إنّ المراد بها الفرد الواحد

اللابشرط-يقوم الوجوب و الامتثال بأحدها من غير تعيين،و لو احتيج إليه‏

استخرج بالقرعة إن قلنا باعتباره في مثل المقام،و أمّا على القول بالقدر المشترك‏

فيتعيّن الامتثال في الجميع،و يكون المتّصف بالوجوب المجموع دون أحدها،

و ذلك لأنّ القدر المشترك حيث يكون متعلّقا للأمر،فهو إنّما يعتبر على وجه لا

يصدق على الأقلّ الموجود في ضمن الكلّ المتحقّق دفعة،بل الّذي يصدق عليه‏

إنّما هو الأقلّ منفردا و مجموع الأكثر المشتمل عليه و على غيره المتحقّق دفعة.

و بعبارة أخرى:إنّه اعتبر على وجه يكون أفراده متمايزة في الخارج‏

بالافتراق عن الغير،بمعنى أنّ كلّ ما حصل منه في الخارج دفعة مع عدم انضمام‏

فرد آخر معه فهو فرد له،و إن انضمّ إلى غيره فيخرج عن كونه فردا،و يكون‏

الفرد حينئذ هو المجموع منه و من غيره المتحقّق دفعة،فينحصر صدقه على الفرد

الواحد فيما إذا وجد بدون انضمام فرد آخر أو أفراد إليه متحققة معه مجتمعة لا

مطلقا،و كذا يكون فردا المجموع‏ (1) من اثنين متحقّقين دفعة بشرط أن لا يكون‏

معهما ثالث،و ثلاثة إذا تحققت مجتمعة بشرط أن لا يكون معها رابع،و أربعة إذا

لم يكن معها خامس،و هكذا.

فعلى هذا إذا أتى المكلف بأفراد مجتمعة دفعة فمصداقه المأمور به حينئذ

هو المجموع لا غير،بحيث لا يصدق على شي‏ء من الآحاد الموجودة في ضمنه،

فإذا انحصر فرد حينئذ في المجموع فهو حينئذ متحقق بالمجموع،فيكون هو

المتّصف بالوجوب و المحقّق للامتثال دون شي‏ء من الآحاد الموجودة في ضمنه.

1)في الأصل:فرد المجموع.

83
هذا،و فيه:أنّ الاعتبار على الوجه المذكور و إن‏كان‏ممكنا إلاّ أنّه لا

دليل عليه،بل الظاهر من الأمر المتعلّق بطبيعة أنّ المطلوب هي الطبيعة لا

بشرط،و لا ريب في صدقها على كلّ من الآحاد مطلقا لوجودها في ضمنها،

و المجموع من الآحاد في صورة الإتيان بها مجتمعة ليس فردا آخر له مقابل‏

الآحاد،بل هو نفس تلك الآحاد.نعم هو نوع من أنواع إيجاد الطبيعة،كما

أشرنا إليه آنفا.

فإن شئت قلت:إنّه فرد من إيجاد الطبيعة-كما ذكرنا سابقا-لا من‏

الطبيعة،فإنّ إيجاد الطبيعة-أيضا-مفهوم كلّي له أفراد منها إيجادها بأفراد

مجتمعة.

و كيف كان،فالتحقيق-ما مرّ منا-،و حاصله:

أنّ امتثال الأمر عبارة عن إيجاد المأمور به بداعي الأمر في حال الأمر،

و لإيجاده أنحاء:

الأوّل:إيجاده بإيجاد فرد واحد منه.

الثاني:إيجاده بإيجاد فردين منه.

الثالث:إيجاده بإيجاد ثلاثة أفراد منه.

و الرابع:إيجاده بإيجاد أربعة،و هكذا،فإنّ كلّ واحد من تلك المراتب‏

مصداق لإيجاد المأمور به و منطبق عليه،مع أنّه يصدق حقيقة على كلّ واحد من‏

الفردين أو الأفراد-في غير القسم الأوّل-أيضا أنّه فرد للمأمور به.

هذا،لكن لمّا كان لا يكفي في الامتثال مجرّد إيجاد المأمور به كيف كان،

بل إنّما يتحقّق إذا كان حال بقاء الأمر،فكلّ نحو من الإيجاد إذا حصل حال‏

بقائه يكون‏ (1) هو امتثالا للأمر،و يقوم به الوجوب،و ما حكمنا به من عدم قيام‏

1)في الأصل:فيكون...

84
الامتثال بغير الفرد الأوّل في صور إيجاد أفراد متعدّد متدرّجا (1) ليس لأجل عدم‏

كون الإتيان بأفراد منه متدرجا من أنحاء إيجاده و منطبقا عليه،بل لأجل عدم‏

وقوعه حال الأمر،لارتفاعه بالفرد الأوّل فلا يتّصف المجموع أو الأفراد

المتأخّرة بالامتثال و الوجوب لذلك،فلو فرض محالا وقوعها-أيضا-في حال‏

الأمر لقام الامتثال بالمجموع بلا ريب.

و كيف كان،فوجه عدم قيام الامتثال بفرد واحد في صورة الإتيان‏

بأفراد مجتمعة دفعة-مع أنّ كلّ واحد صالح للامتثال،بمعنى أنّه لو كان حاصلا

وحده لكفى في ارتفاع الأمر-أنّ استناد ارتفاع الأمر و حصول الامتثال إلى‏

بعض معيّن ترجيح بلا مرجّح،إذ المفروض وجود كلّ منها مقارنا لوجود الآخر،

فلا معيّن لاستناد الأثر إلى إحدى العلّتين-الواردتين في مورد دفعة معا-

بخصوصها،و إلى بعض مردّد لا معنى له،فإنّه منتزع عن أحدها،فيكون عبارة

عن أحدها،فيتعين استناده إلى الجميع.

و السرّ في ذلك:أنّ هذا من قبيل توارد علل متعدّدة دفعة على مورد

واحد،فإنّ وجود كلّ فرد علّة تامّة للامتثال إذا حصل حال الأمر منفردا،لكن‏

حينئذ لا يمكن استناد الأثر-و هو الامتثال-إلى بعض معيّن و لا مردّد،بل يصير

الجميع حينئذ بمنزلة علّة واحدة فيكون الأثر مستندا إلى المجموع.

و لذا قال أهل المعقول:إنّ العلل المتعدّدة إذا تواردت على مورد واحد

دفعة فهي علّة واحدة،و كيف كان فصلاحيّة المجموع للامتثال إنّما هي من جهة

صلاحية أبعاضه،فإنّه عين تلك الأبعاض و إنّما استند الأثر في المفروض إلى‏

المجموع من حيث المجموع لما ذكر.

فتحقّق من ذلك:أنّ كلّ ما برز من أفراد المأمور به من المكلّف حال‏

1)وصف(إيجاد)،و(متدرجا)حال منه.

85
بقاء الأمر فالعلّة إنّما هو تمام ما برز منه حينئذ:إن فردا ففردا،أو فردين‏

ففردين‏ (1) ،أو ثلاثة فهي،دون بعضه و إن كان مصداقا له،و يصدق عليه أنّه إيجاد

المأمور به.و ليعلم أنّ أفضلية أحد الأفراد المجتمعة في المفروض لا يمكن كونها

مرجّحة بحيث توجب تعيين استناد سقوط الأمر إلى ذلك الفرد،فإنّ الأفضل‏

و غيره من تلك الجهة سواء.

نعم يمكن أن تكون مرجّحة من حيث إعطاء الثواب بأن يختار الآمر

ذلك الفرد و يعطي الثواب‏عليه‏ (2) أكثر ممّا يعطي على غيره من الأفراد.

هذا كلّه بناء على القول بالمرّة لا بشرط.

و أمّا على القول بها بشرط لا-كما احتمله بعضهم في كلام القائل بالمرّة-

فالثمرة واضحة بينه و بين القول بالقدر المشترك،إذ عليه لا يحصل الامتثال‏

في الصورة المفروضة أصلا،و ليس مبنيّا على عدم جواز اجتماع الأمر و النهي‏

-كما زعمه بعضهم-بل على جوازه-أيضا-كذلك،إذ المفروض على هذا القول‏

أنّ المطلوب مقيّد بأن لا يكون معه غيره،و هو لم يحصل‏1.

ثمّ إنّ المحقّق القمّي‏ (3) -رحمه اللَّه-نفى الفرق بين القول‏

1مع أنّه لا معنى لدعوى دلالة الأمر على القول بالمرّة بهذا المعنى على حرمة غير الفرد الواحد،

لأنّ الأمر حينئذ في قوّة قولك:أريد منك فردا واحدا لا يكون معه غيره.

فنقول:أوّلا-إنّه لا مفهوم لذلك لرجوعه إمّا إلى اللقب أو الوصف،و لا يعتبر شي‏ء من مفهوميهما.

و أمّا ثانيا-إنّه على تسليم المفهوم فلا ريب أنّه رفع المنطوق،فإذا فرض هو الوجوب‏

يكون‏ (4) مفهومه عدمه لا الحرمة،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)الأصحّ:إن فردا ففرد،أو فردين ففردان...

2)إضافة يقتضيها السياق.

3)في حاشية القوانين.لمحرّره‏عفا اللَّه عنه‏.انظر القوانين:1-92 عند قوله:(فتأمّل حتى‏

يظهر لك حقيقة الأمر)حيث قال:(توضيح ذلك أنّا نقول...إلخ).

4)في الأصل:فيكون.


86
بالمرّة بشرط و بين القول بالطبيعة من جهة الدلالة على أنّه لا يجب الإتيان إلاّ

بفرد واحد،قال:(فإنّ المراد من طلب الماهيّة هو إيجادها في الخارج،و هو لا يمكن‏

إلاّ في ضمن الفرد،و لا ريب أنّه يحصل بالإتيان بفرد واحد،فيفهم بدلالة

الإشارة أنّه لا يجب في صورة طلب الماهيّة إلاّ إتيان فرد واحد منها،فما زاد لا

يتّصف بالوجوب-إلى أن قال:-و الظاهر عدم الفرق بين انفراد الأفراد (1) في‏

الوجود و بين اجتماعها في عدم مدخلية انضمام كلّ منهاإلى‏الآخر (2) في حصول‏

فرد آخر إلاّ أن يحصل به تركّب حقيقي يوجب التغاير).انتهى موضع الحاجة

من كلامه،و لا يخفى ما فيه:

أمّا في دعواه لدلالة الإشارة المذكورة،فلأنّا لا نفهم تلك الدلالة بعد

فرض أنّ النّظر في الأمر إلى نفس الماهيّة.

و أمّا في نفي الفرق بين الإتيان بالأفراد مجتمعة و بين الإتيان بها متدرّجة

فلما عرفت من أنّ عدم إسناد الامتثال و الوجوب إلى غير الفرد الأوّل في الثاني‏

لسقوط الأمر حين الإتيان بذلك الغير بخلاف الأوّل،و قد عرفت أنّه إذا أتى‏

بها محقّقة فعلى القول بالطبيعة فالامتثال بالجميع،و ليس ذلك مبنيّا على كون‏

الجميع فردا آخر للماهيّة كما تخيّله-قدّس سرّه-بل نقول حينئذ:إنّ الموجود

أفراد متعدّدة منها،و يصدق حينئذ على كلّ واحد أنّه تلك الماهيّة،لكن اتّصاف‏

المجموع من حيث المجموع دون بعض من جهة ما عرفت من كون ذلك من‏

باب توارد علل متعدّدة على مورد واحد دفعة،فافهم.

تنبيه:قد عرفت أنّه لا ثمرة بين المرّة بكلا الاحتمالين فيها-من كون‏

المراد بها هي لا بشرط أو بشرط لا-و بين القول بالقدر المشترك في صورة

الإتيان بالأفراد المتعدّدة متدرّجة من جهة حصول الامتثال بالفرد الأوّل‏

1)في حاشية القوانين:(تدرّج الأفراد.).

2)في الأصل كما في المصدر:(...بالآخر.)..

87
-بمعنى سقوط الأمر به-بمعنى أنّه على القولين يرتفع العقاب عن المكلّف بالفرد

الأوّل،و أنّه لا بعث و لا تحريك حينئذ من قبل الآمر بالنسبة إلى المكلّف.

ثمّ إنّه إذا فرض أنّ الفرد المتأخّر أفضل من المأتيّ به أوّلا في نظر الآمر،

بحيث لو كان آتيا به أوّلا لأعطى الثواب أكثر ممّا أعطى على المأتيّ به الّذي هو

أدون منه،فهل يتصوّر جواز الإتيان به‏1حينئذ بعنوان كونه هو المأمور به‏

الواجب مع قيام دليل من الخارج على جواز ذلك و مشروعيته،مع أنّ المفروض‏

عدم الأمر الأوّل حينئذ،بمعنى البعث و التحريك الأوّلي،أو لا؟فلا بدّ حينئذ

من التأويل في ذلك الدليل-إن أمكن-بحمله على كون الإتيان به مطلوبا

مستقلا أوعلى‏غيره‏ (1) من المحامل و إلاّ فيطرح لمخالفته للعقل،مثلا إذا صلّى‏

المكلف منفردا فلا ريب أنّه يرتفع بها استحقاق العقاب على ترك الصلاة،ثمّ‏

قامت جماعة،و فرضنا أنّ الدليل الخارجي دلّ على جواز فعل تلك الصلاة-أيضا

بالجماعة على أنّها تلك الصلاة،فهل يتصوّر جواز الإتيان بها حينئذ على أنّها

الواجبة عليه أو لا،بل لا بد من فعلها حينئذ بعنوان كونها فعلا مغايرا لها قد امر

به نفسا،بمعنى عدم ملاحظة كونه هو الفعل السابق الواجب عليه قبل؟

الظاهر إمكانه،فإنّ استحقاق العقاب و إن كان يرتفع بالفرد الأدون‏

المأتيّ به أوّلا يقينا إلاّ أنّه يمكن توقّف حصول الغرض به متوقّفا على عدم إتيان‏

المكلّف بالفرد الأفضل بعده،بأن يكون بحيث لو اقتصر المكلّف عليه لاكتفى‏

الآمر به و إن لم يقتصر عليه-و أتى بالأفضل بعده-يقم‏ (2) الغرض به،و يكن‏

1اعلم أنّ هذا على فرض تماميّته ليس من الثمرات بين القول بالمرّة بكلا معنييها و بين القول‏

بالطبيعة،بل يجري على كلّ منهما،كما سيأتي الإشارة إليه في آخر التنبيه،فانتظر.لمحرّره عفا

اللَّه عنه.

1)في الأصل:بغيره...

2)في الأصل:فيقوم...و يكون...و يثاب.

88
هو المحسوب عن المأمور به و يثب عليه دونه،فيكون المكلّف حينئذ-أيضا-

آتيا بذلك الواجب-أيضا-فإنّ فعله الأفضل حينئذ على أنّه ذلك الواجب،

فيتحقّق به ذلك الواجب-أيضا-فيكون هذا امتثالا للأمر السابق،بمعنى‏

موافقة الغرض المقصود منه و تحصيله.

و إن شئت قلت:إنّ امتثال كلّ أمر عبارة عن الإتيان بالمطلوب منه‏

حال كونه مطلوبا.

و بعبارة أخرى فارسيّة:اينكه امتثال هر امرى عبارت است از

آوردن آنچيزي كه خواهش مولى باشد در اين امر در حالت بقاء خواهش او،

و مفروض اينست كه در صورتيكه توقف داشته باشد اكتفاء مولى بفرد ادون بر

اقتصار بر او تا آخر وقت فعل بحيثيّتى كه هر گاه بداند يا آنكه احتمال دهد اينكه‏

مكلّف اتيان بفرد افضل ميكند نيز در وقت پس خواهش مولى مرتفع نشده‏

است تا آخر وقت اگر چه بعث و تحريك او مرتفع است و نميتواند عقاب كند

عبد را بعد از اتيان بفرد ادون پس هر گاه فرض شد بقاء خواهش او تا آخر

وقت و مكلّف اتيان بفرد افضل نيز كرد پس اتيان كرده است بخواهش مولى‏

در حالت بقاء خواهش و منطبق مى‏شود اين فرد افضل بآنچيزيكه مأمور به‏

بود كه خود مكلف در اين هنگام همان چيزيرا آورد كه مولى امر باو كرده بود

و از روى آن امر آورده بجهت اينكه آوردن او فرد.

افضل را در اين هنگام از روى خواهش است كه در امر اوّل بوده‏

و هست و حقيقة امتثال نيست الا آوردن فعل از روى آن امر و از جهت او در

حال بقاء آن امر في الجملة اگر چه بجميع آثارش باقي نباشد،و شكى نيست‏

اينكه آن امر در صورت مفروضة ببعض آثارش كه خواهش‏است باقي‏باشد

و مرتفع بعضى از آثار اوست كه استحقاق عقاب باشد.

آيا نمى‏بينى هر گاه مولايى از عبدش آب طلب كند در وقت موسّعى كه‏


89
سعه آوردن دو فرد يا ازيد از افراد آب متدرجا داشته باشد و عبد اوّلا قدحى از آب‏

دريا آورد و مولى احتمال بدهد يا يقين داشته باشد كه عبد بعد از اين تا آخر

زمان مقرّر قدحى ديگر از آب فرات مى‏آورد و خواهش او به آب فرات بيشتر

است از آب دريا پس از اين جهت تأخير انداخت آشاميدن آب را يا آنكه‏

اين احتمال هم نميداد يا آنكه غفلت كرد لكن بسبب مانع خارجي آبرا نخورد

تا عبد قدح آب فرات آورد از باب اينكه فهميد اينكه ميل مولى باو بيشتر

است و هنوز ميلش و خواهشش باقي است،پس شكى نيست كه گفته ميشود

كه عبد در اين هنگام باز اطاعت و امتثال مولى كرده است و خواسته او را آورده‏

است و صحيح نيست اينكه گفته شود در اين هنگام كه مولاى تو آب خواسته‏

بود آوردى پس چرا ديگر بار اين آب را آوردى،بلكه استحقاق مدح و ثواب را

دارد1بجهت آنكه ثواب موقوف نيست بر بقاء بعث و تحريك حتمي،بلكه‏

كفايت ميكند در او بقاء بعض آثار او كه خواهش باشد،بلكه بنظر عرفان بايد

ثواب در اين هنگام بيشتر باشد از صورتيكه هر گاه ابتداء فرد افضل را آورده بود

بجهت آوردنش فرد افضل را در اين هنگام بسبب مجرد و صرف تحصيل محبوب‏

مولى است با قدرت او بر ترك بجهت اينكه مفروض اينست كه استحقاق‏

عقاب بفرد اوّل مرتفع است پس باكى ندارد عبد از ترك فرد افضل،پس آوردنش‏

او را نيست)الاّ بجهت صرف تحصيل محبوب مولى،و اين كمال بندگى‏

و اطاعت است(ما عبدتك خوفا من نارك و لا طمعا في جنتك،بل وجدتك أهلا

للعبادة فعبدتك) (1) .

1اين بخلاف صورتي است كه آب بهتر را بعد از آشاميدن مولى آب اول را آورد پس در

اين صورت آوردن او لغو است بجهت تحصيل غرض بفرد اول.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)بحار الأنوار:41-14-الباب:101-ذيل الحديث:4.

90
و بالجملة:در وقتيكه فرض شده كه هنوز مولى فرد اول را كار نبرده‏

است و فرد افضل در اين هنگام حاصل شد پس با فرد اول در جهت تحصيل‏

غرض در عرض واحد ميشود،بلكه باين بنحو اكمل است،پس اليق ميشود

باحتساب از واجب و اعطاء ثواب،و از اينجا ظاهر ميشود كه هر گاه فرد ثاني‏

مساوي با اول لكن هنوز غرض بفرد اول حاصل نشده بجهت مانع خارجي‏

پس او با اول در عرض واحد ميشود در اين هنگام در تحصيل غرض و ترجيحي‏

نيست از براى اول بر او در اين جهت و از براى آمر است كه هر كدام را كه‏

خواهد احتساب كند از مأمور به لكن اين احتمال در شرعيات منفى است.

و كيف كان،فإذا تحقّق أنّه يمكن توقّف الاكتفاء في الغرض بالفرد

الأوّل الأدون على الاقتصار عليه-أي اقتصار المكلّف المأمور عليه-و أنّه مع‏

احتمال إيجاده الأفضل يبقى حبّ المولى له‏ (1) إلى آخر الوقت،و أنّه يكون‏

الإتيان الأفضل حينئذ إتيانا لذلك الواجب،و من جهة الأمر المتعلّق به يكون‏ (2)

امتثالا بالمعنى الّذي عرفت.

و حلّ‏ (3) ذلك:أنّه بعد ثبوت إمكان بقاء طلب المولى-بالمعنى الّذي‏

عرفت المعبّر عنه بالفارسية بال(خواهش)في الفعل المأمور به بالنسبة إلى فرده‏

الأفضل-و انتظاره إلى آخر الوقت،فيكون الإتيان به إتيانا بذلك المأمور به‏

و امتثالا لأمره بالمعنى الّذي عرفت،فيجوز الامتثال بهذا المعنى عقيب الامتثال‏

الأوّل،و الممتنع إنّما هو تحقّق الامتثال عقيب ما يكون من سنخه بأن يكون‏

كلاهما بمعنى سقوط الأمر أو حصول الغرض،و أمّا إذا اختلفا-كما في‏

المفروض،حيث إنّ الأوّل منهما بالمعنى الأوّل و الثاني منهما بالمعنى الثاني-فلا.

1)في الأصل:إليه...

2)في الأصل:فيكون...

3)يحتمل في نسخة الأصل أنّه:(و أصل ذلك)،لكن سقطت ألف(أصل)سهوا.

91
و كيف كان،فإذا جاز ذلك و أمكن فيجوز للمكلف الإتيان بالأفضل‏

ثانيا بعنوان كونه هو الواجب إذا قام دليل شرعي عليه،و إنّما قيّدنا الجواز بقيام‏

الدليل الشرعي عليه،إذ لولاه لم يعلم ببقاء الطلب بالمعنى المتقدّم،و يحتمل‏

حصول الغرض بالأوّل،إذ لا ملازمة بين الأفضليّة و بين إيقاف الغرض عليه‏

إلى الوقت،بل يمكن الاكتفاء بالأوّل،بل ربما يعلم حينئذ باكتفاء الشارع‏

بالأوّل لعدم البيان،فلا يبقى عند الإتيان بالأفضل طلب بالمعنى المتقدّم.

و كيف‏كان‏فلا بدّ للمكلّف من إحراز ذلك الطلب،و أنّ الغرض بعد

لم يحصل بالفرد الأوّل الأدون،حتّى يجوز له الإتيان على الوجه المذكور،و إلاّ

كان تشريعا،و إحرازه لا يكون إلاّ بدليل شرعيّ قائم عليه.

و تظهر الثمرة فيما إذا ورد دليل شرعيّ يدلّ عليه،فإن قلنا بالإمكان‏

وجب الأخذ به و الحكم بمقتضاه و إلاّ فيئول إلى غير هذا المعنى إن أمكن،و إلاّ

فيطرح لمخالفته للعقل.

و من هذا الباب الأخبار الواردة في استحباب إعادة صلاة-صلاّها

منفردا-جماعة إذا أقيمت الجماعة بعد ما صلّى منفردا:

منها:رواية عمّار عن أبي عبد اللَّه عليه السلام:«عن الرّجل يصلي‏

الفريضة ثم يجد قوما يصلّون جماعة أ يجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟قال-عليه‏

السلام-:نعم بل هو أفضل» (1) ،فإنّها ظاهرة بل صريحة في جواز الإتيان بالفرد

الأفضل-و هو الصلاة جماعة-بعد إتيان الأدون على أنّه هو الواجب المأمور

به أوّلا،فإنّ الإعادة حقيقة في ذلك و ظاهرة فيه أو صريحة.

و منها:رواية أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:«قلت لأبي‏

1)الوسائل:5-456،كتاب الصلاة-أبواب صلاة الجماعة-باب:54-ح:9،و قد ورد الحديث‏

في المصدر هكذا:«نعم و هو أفضل».


92
عبد اللَّه عليه السلام:أصلّي ثم أدخل المسجد،فتقام الصلاة و قد صلّيت،

فقال عليه السلام:صلّ معهم،يختار اللَّه تعالى أحبّهما إليه» (1) ،و عن سهل‏

ابن زياد مثلها (2) .

و منها:رواية ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللَّه‏

عليه السلام-:«في الرّجل يصلّي الصلاة وحده،ثم يجد جماعة.قال-عليه السلام‏

يصلّي معهم،و يجعلها الفريضة» (3) .

و عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللَّه عليه السلام مثلها (4) .فإنّ قوله‏

عليه السلام:«في الرّجل يصلّي الصلاة وحده،ثم يجد جماعة.قال عليه السلام:

به ثانيا عن المأمور به،بل في تعيّن احتسابه،فالإتيان به إتيان بذلك المأمور به‏

من جهة ذلك الأمر الأوّل المتعلّق به،و كذا قوله:«و يجعلها الفريضة»،فإنّ‏

المقصود أنّه يجعلها تلك الفريضة التي فرضت عليه،و يأتي بها على أنّها هي،و اللام‏

في(الفريضة)للعهد،لا أنّه يجعل ذلك فريضة مستقلّة،ضرورة عدم وجوبه،بل‏

هومستحبّ.

فإن قلت:إنّه إذا كان مستحبّا فكيف يجوز جعله تلك الفريضة؟فإنّه‏

على تقديره مستلزم لاتّصاف ذلك بالوجوب و الندب.

قلنا:موضوع الاستحباب هنا إنّما هو امتثال ذلك الأمر الأول و الإتيان‏

بالفعل من جهته و الوجوب مأخوذ في متعلّق الامتثال على وجه القيديّة و الوصفيّة.

و بعبارة أخرى:موضوع الأمر الثاني الندبي إنّما هو امتثال الأمر

الأوّلي الوجوبيّ بإيجاد الفرد الأفضل بوصف أنّه هو الواجب،فاندفع التنافي من‏

1)المصدر السابق-ح:10.

2)المصدر السابق-ح:10.

3)نفس المصدر السابق:457-ح:11.

4)نفس المصدر السابق:455-ح:1.

93
وجهين:

أحدهما:اختلاف الوجوب و الاستحباب بحسب الموضوع و المتعلّق.

و ثانيهما:أنّ الوجوب المأخوذ هنا هو الوصفي لا الغائي،و الأوّل لا

يستلزم بقاء الأمر فعلا،بخلاف الثاني.

و كلّ من الوجهين كاف في رفع التنافي المذكور.و اعتبار الوجوب الوصفي‏

هنا-بمعنى إتيان الفعل ثانيا على أنّه هو الواجب مع سقوط الوجوب عنه‏

بالفعل-نظير اعتباره في الصلاة المعادة استحبابا.

قال دام ظلّه:حكموا بأنّ من صلّى يستحب‏له‏ (1) إعادةما (2) فعل‏

أيضا.

قلت:لعلّه من باب الاحتياط لاحتمال خلل فيما فعله أوّلا قال:لا،بل‏

قالوا به مطلقا حتّى في صورة القطع بصحّة ما فعله أوّلا،و قالوا باستحباب‏

الإعادة بفعله ثانيا بعين فعله أوّلا،و لم يخصّصوا بما إذا كان قد فعل الأوّل محرزا

لبعض الأمور المعتبرة فيه بالأصل،بل في صورة القطع.

أقول:إنّ في هذا الباب-أيضا-طائفة من الأخبار (3) دالّة عليه،و الظاهر

أنّها دالّة على استحباب الإعادة لكون الإتيان بأزيد من دفعة أفضل من الإتيان‏

بالمأمور به مرّة واحدة،فيكون من قبيل الأقلّ و الأكثر الّذي هو الأفضل من‏

الأقلّ،فإنّ الأمر و إن كان يسقط بالأقلّ،لكنّ الامتثال بالمعنى المتقدّم يقوم‏

بالمجموع لكونه أفضل من الأقلّ وحده.

ثمّ إنّه على تقدير عدم إمكان ما قدّمنا قد ذكرنا أنّه لا بدّ أوّلا من التأويل‏

1)إضافة يقتضيها السياق.

2)إضافة يقتضيها السياق.

3)الظاهر أنه يريد نظير الحديث:9 من الباب:54 من أبواب صلاة الجماعة-من كتاب‏

الصلاة-من الوسائل:4-456 و الحديث:3 و 4 من الباب:43 من أبواب صلاة الجماعة-من‏

كتاب الصلاة-من مستدرك الوسائل:6-495-496.


94
في مثل هذه الأخبار إن أمكن،و إلاّ فالطرح،و من جملة المحامل فيها-بل‏

أظهرها بعد تعذّر حملها على ظاهرها-أن يقال:المراد بها استحباب الفعل نفسا

من دون النّظر في إتيانه إلى أنّه هو الواجب أوّلا.

و بعبارة أخرى:إنّ الفعل قبل إيجاد الفرد الأوّل كان واجبا،و بعده‏

خرج عن كونه‏واجبا،و صار حكمه-واقعا-الاستحباب مستقلا،فهو في وقت‏

له حكم في عرض حكمه في وقت آخر،لا في طوله،بأن يكون موضوع أحدهما

ملحوظا فيه الآخر،و إنّما أطلق لفظ الإعادة تعريفا و تشخيصا للمأمور به في الآن‏

الثاني بالأمر الندبي،فإنّه عين المأمور به أوّلا،و يحمل قوله عليه السلام:

«و يجعلها الفريضة»على معنى أنّها تقع مثلها.

هذا،ثمّ إنّ هذا الّذي ذكر ليس من الثمرات بين القول بالطبيعة و بين‏

القول بالمرّة بأيّ من معنييها لجريانه على كلّ تقدير و قول:

أمّا على القول بالطّبيعة فواضح.

و أمّا على القول بالمرّة لا بشرط فكذلك.

و أمّا عليها بشرط لا فيفرض الكلام فيما إذا أتى بالفرد الثاني منفردا عن‏

غيره،فافهم و تأمل جيّدا.


95
السادس:اختلفوا في دلالة النهي على التكرار على أقوال‏

معروفها قولان:

أحدهما:دلالته عليه مطلقا.

و ثانيهما:عدمها مطلقا.

و مرادهم بالتكرار هو الدوام-كما هو المصرّح به في كلام بعضهم-لا

مجرّد مسمّى التكرار كما هو أبعد الاحتمالين في كلام القائلين به في الأمر.

ثمّ إنّه يمكن النزاع هنا على حذو ما مرّ في الأمر،فيكون الكلام في‏

وضع صيغة النهي،فالقائل بدلالته على الدوام يدّعي وضعها لخصوص ذلك،

و النافي لها ينفي وضعها كذلك و يجعلها للأعمّ،أو مشتركا بين الدوام و المرّة،أو

لخصوص المرّة.

و يمكن أن يكون في الدلالة الالتزاميّة،بمعنى أنّهم بعد الاتّفاق على وضع‏

صيغة النهي لطلب ترك الطبيعة اختلفوا في أنّ ذلك هل يستلزم الدوام أو لا؟

فيكون النزاع حينئذ راجعا إلى أنّ الطبيعة المأخوذة في النهي هل هي أخذت‏

على وجه لا يصدق تركها إلاّ بترك جميع أفرادها المتشخّصة بغير الزمان‏

و المتشخّصة به-فيكون طلب تركها دالاّ بالدلالة الالتزامية العقلية على إرادة

الدوام،حيث إنّ فعلها في كلّ آن و زمان فرد من أفرادها-و أنّها أخذت على‏

وجه يصدق تركها بترك بعض أفرادها،فعلى هذا لا يقتضي النهي العموم بالنسبة

إلى جميع الأفراد في زمان-أي المتشخّصة بغير الزمان-فضلا عن اقتضائه‏

العموم بالنسبة إلى الأفراد المتشخّصة به؟

و على الثاني:يمكن أن يكون النزاع في وضع المادة المعروضة للنهي بأن‏

يكون الخلاف في أنّها هل وضعت للطبيعة مع اعتبارها على الوجه الأوّل أو على‏


96
الوجه الثاني.

و كيف كان،فعلى هذا لا يختصّ النزاع بصيغة النهي،بل يجري في كلّ‏

طلب متعلق بترك الطبيعة،سواء كان بصيغة النهي أو بصيغة الأمر ك(اترك‏

الزنا)،أو بمادّة النهي كقوله:(نهيتك،أو أنهاك عن الزنا،أو أنت منهيّ عنه)،

أو بغير مادّته كمادّتي الإرادة و الطلب المتعلّقتين بترك الطبيعة ك(أريد،أو أطلب‏

منك ترك الزنا)أو بمادّة الأمر ك(آمرك بترك الزنا،و أنت مأمور بتركه)،و هكذا.

و يمكن أن يكون النزاع في النهي بصيغة النهي،لكن يكون النزاع في‏

اقتضاء هذا النهي للدوام و عدمه في الأعمّ من اقتضاء الصيغة،فيصحّ للقائل‏

بالدوام الاستناد إلى كلّ واحدة من جهتي المادّة و الهيئة،و على المانع إبطال الدلالة

من كلتا الجهتين.

الظاهر من بعض المتأخّرين،كالمحقّق القمّي‏ (1) -قدّس سرّه-ذلك،

حيث إنّه أجاب عن القائل بالدوام بإبطال الدلالة من كلتا الجهتين،و لم يقتصر

على إحداهما.

و كيف كان،فتحرير محلّ النزاع بينهم ليس بمهمّ لنا،و إنّما المهمّ تحقيق‏

الحال و اختيار ما ينبغي أن يقال علي كلّ من الجهتين،فنقول:

الحقّ عدم دلالة صيغة النهي إلاّ على مجرّد طلب ترك الطبيعة-كما في‏

صيغة الأمر-من دون التعرّض لها لبيان الدوام أو المرّة،و هذا لا ينبغي أن يشكّ‏

فيه من له أدنى تأمّل،فإذن انحصر المقال في تحقيق الحال في المادّة المعروضة لها،

فنقول:

ينبغي أن نفرض الكلام فيها أوّلا بالنسبة إلى أفراد الطبيعة الغير

1)القوانين:1-138 عند قوله:(احتجّوا بأنّ النهي.).إلى قوله:(فلا يمكن إثبات الدوام‏

و التكرار للنهي لا من جهة المادّة و لا من جهة طلب الترك).


97
المتشخّصة بالزمان،فإنّ الحال فيها أظهر،فبعد ظهورها فيها تظهر في الأفراد

المتشخّصة بالزمان لعدم الفرق.

فاعلم أنّه يمكن دعوى كون الطبيعة المأخوذة في متعلّق النهي على وجه‏

لا يصدق تركها إلاّ بترك جميع أفرادها،نظرا إلى ما نقطع به من أنّ وجه اعتبار

الطبيعة في النهي متّحدمع‏وجه‏ (1) اعتباره في الأمر،فبأيّ وجه أخذت هناك‏

فهي مأخوذة على ذلك الوجه هنا،و لا ريب أنّها هناك إنّما أخذت على وجه لا

يصدق تركها إلاّ بترك جميع الأفراد،و ذلك للاتّفاق هناك على أنّ الأمر بالشي‏ء

يقتضي النهي عن الضدّ العام أي ترك المأمور به و يستلزمه،و لو لا اعتبار الطبيعة

في متعلّق الأمر على هذا الوجه لما تمّ الاستلزام،لتوقّفه على فرض التناقض بين‏

الفعل و الترك بالنسبة إلى الطبيعة ليستلزم عقلا من الأمر بفعلها النهي عن‏

تركها،و إلاّ فلو فرض كون الطبيعة هناك بحيث يصدق تركها بترك بعض‏

الأفراد فلا تناقض بين وجودها و عدمها-حينئذ-و لا بين فعلها و تركها،فلا

يستلزم طلب فعلها النهي عن تركها،فإذا ثبت بذلك كونها مأخوذة على ذلك‏

الوجه ثبت‏ (2) كونها كذلك في المقام،فيتمّ المطلوب.

و حاصل ذلك الوجه:أنّ الطبيعة إنّما اعتبرت وحدانية غير ملحوظ

فيها التكثّر،و لا ريب أنّ الأمر الوحدانيّ لا ينتفي إلاّ بانتفاء جميع مصاديقه من‏

الآحاد،إذ بوجود واحد منها-و لو كان هو وحده مع انتفاء غيره من الأفراد-

يصدق وجود ذلك الأمر الوحدانيّ لوجوده في ضمنه،و عدم صدق انتفائه بانتفاء

سائر الأفراد،لأنّه‏ (3) بانتفائها لم ينتف الأمر الوحدانيّ،فإنّ المنفيّ حينئذ تكثّر

1)في الأصل:متّحد لوجه.

2)في الأصل:فثبت...

3)في الأصل:لأنّ.

98
أفراده،و هو غير ملحوظ فيه.

و حقيقة ذلك الوجه:أن تعتبر الماهيّة المدلول عليها بالمادّة المعروضة

للنهي متّحدة و متفرّدة في حدّ نفسها و مجرّدة عن ملاحظة الأفراد،فلذا لا يجوز

فيها اجتماع النقيضين بأن يقال:هي موجودة و معدومة،لاتّحاد موضوع القضيتين،

و هي نفس الطبيعة المتّحدة،فلا يصدق انتفاؤها إلاّ بانتفاء جميع الأفراد،إذ مع‏

وجود واحد منها فتلك الحقيقة المتّحدة متحقّقة و موجودة يقينا،فلا يمكن أن‏

يقال:إنّ تلك الطبيعة معدومة.

و أمّا الوجه الآخر:فحقيقته‏1هي أن تعتبر الطبيعة على وجه غير

ملحوظ فيه الاتّحاد و التكثّر،بحيث تكون الطبيعة على هذا الوجه صالحة لطرو (1)

كلّ من القيدين عليه،و كذا لتقيّدها بالوجود و العدم معا،و ذلك لعدم اقتضائها

حينئذ لشي‏ء منهما،بل هي صالحة لكلّ منهما،فيصدق وجودها بوجود فرد واحد،

و عدمها بعدم بعض آخر،فيصدق عليها في آن واحد أنّها موجودة و معدومة إذا

كان بعض أفرادها موجودا و بعضها معدوما.

و ملخّصه:أن تؤخذ الطبيعة المرادة بالمادّة المتعلّقة للنهي عبارة عن نفس‏

حقيقة الشي‏ء الغير المقتضية لشي‏ء من الطوارئ و اللواحق و القيود مطلقا-من‏

حيث الحالات و الأزمان و الأفراد و القلّة و الكثرة،بل الوجود و العدم-بمعنى أنّها

غير ملحوظ و غير مأخوذ فيها شي‏ء من الطوارئ مطلقا،الصالحة لاعتبار كلّ‏

واحدة من تلك الطوارئ فيها،بمعنى أنّها لا تنافي شيئا منها،بل بحيث بأيّ منها

1و بعبارة أخرى:يكون المراد حينئذ هي الطبيعة اللابشرط المقسميّة،و هي المقسم بين اللابشرط

القسمي و بشرط شي‏ء و بشرط لا،و مرجع الوجه الأوّل إلى اعتبارها باللابشرط القسمي،فإنّ‏

حاصل المقصود منها اعتبارها مطلقة بحيث يكون الإطلاق قيدا لها،فلذا لا يصدق تركها حينئذ

إلاّ بترك جميع الأفراد.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:(طريان)،و لم نعثر على هذا المصدر في كتب اللغة.

99
لوحظت و اعتبرت فهي لا تخرج عمّا عليه،و مع أيّ منها يصدق حقيقة أنّها هي،

إذ حينئذ تكون تلك الطوارئ من حالاتها اللاحقة لها،و اختلاف حالات الشي‏ء

لا يخرجه عن كونه هو ذلك الشي‏ء،فهي صادقة على القليل و الكثير،لكون كلّ‏

منهما حقيقة منها،و على الموجود من أفرادها و على المعدوم منها لذلك،إذ بعد فرض‏

كون شي‏ء فردا منها فذلك الشي‏ء هي بعينها،فبوجوده يصدق أنّها موجودة

حقيقة و بانعدامه يصدق أنّها معدومة كذلك،إذ حينئذ يترتّب قياس من الشكل‏

الثالث،فيقال:إنّ هذا الشي‏ء تلك الماهية و هذا الشي‏ء موجود،فينتج أنّ تلك‏

الماهيّة موجودة،أو يقال في الكبرى:و هذا الشي‏ء معدوم،فينتج أنّ تلك الماهية

معدومة،مثلا بعد فرض كون زيد إنسانا حقيقة فإذا كان موجودا يقال:إنّ زيدا

إنسان،و زيد موجود،فينتج:أنّ الإنسان موجود،و إذا كان معدوما يقال:إنّه‏

إنسان،و هو معدوم،فينتج:أنّ الإنسان معدوم،و إذا فرض أنّ فردا من تلك الماهيّة

موجود و فردا منها معدوم،فيحصل حينئذ قياسان من الشكل الثالث،فينتجان‏

حينئذ:أنّها الآن موجودة و معدومة.

و كيف كان،فلا شبهة في أنّ كلّ حكم ثابت للمقيّد ثابت للمطلق،لأنّه‏

عينه حقيقة.

و بالجملة:إذا اعتبرت الطبيعة المتعلّقة للنهي بهذا المعنى فهو-لكونه‏

غير مقتض‏لشي‏ء (1) من الخصوصيات و الطوارئ حتى الوجود و العدم،فكيف‏

بخصوصيّة الأوصاف و الأفراد و الحالات و الأزمان-يمكن فيه اجتماع النقيضين‏

إذا كان بعض أفراده موجودا و بعضها معدوما-كما عرفت-فإنّ اجتماعهما إنّما

يمتنع إذا كان المورد مقتضيا لأحدهما،و كذا يجوز ارتفاعهما عنه إذا لم يوجد منه‏

1)إضافة يقتضيها السياق.

100
نهي أصلا،1إذ المفروض عدم اعتبار شي‏ء منهما فيه،بل هو أمر مشترك بينهما،

فيقال:إنّه ليس بموجود و لا بمعدوم لخروج الوجود و العدم عنه،هذا حال‏

النقيضين.

و أمّا الضدّان فحالهما بالنسبة إليه أظهر،فيجوز اجتماعهما (1) فيه،لما مرّ

في وجه اجتماع النقيضين فيه،و كذا يجوز ارتفاعهما عنه بالأولى،و لك أن توجّه‏

ارتفاع النقيضين عنه بما مرّ في اجتماعهما فيه،و تقريره:

أنّه بعد فرض أنّ كلّ فرد منه حقيقة هو ذلك الشي‏ء،فإذا فرض وجود

فرد منه و انعدام آخر،فيصدق عليه باعتبار الفرد الموجود أنّه ليس بمعدوم‏

و باعتبار المعدوم أنّه ليس بموجود،لجريان القياس المتقدّم بعينه هنا-أيضا-

فلا حاجة إلى فرض عدم وجود شي‏ء منه أصلا،و هذا هو الوجه الّذي ينبغي‏

الاستناد إليه،و لم أر أحدا التفت إليه.هذا،و افهمه و اغتنم.

فلنرجع إلى ما كنّا فيه،فنقول:

إنّ اتّحاد وجه اعتبار الطبيعة في الأمر و النهي مسلّم لكن اعتبارها في‏

الأمر على الوجه الأوّل ممنوع،بل الظاهر اعتبارها فيه على الثاني،و التمسّك‏

بالاتّفاق على استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن تركه مغالطة،لعدم إفادته لما ذكر،

فإنّ متعلّق النهي الضمني هناك إنّما هو ترك الفعل المتعلّق للأمر لا نفس الفعل،

و الترك المضاف إنّما يتبع ما أضيف إليه في جانب الأمر،فإن اعتبر الفعل في الأمر

1أمّا ارتفاع الوجود عرضيا فظاهر (2) ،و أمّا العدم فلأنّه حينئذ أزليّ،و العدم الأزليّ ليس عدمه،

و إنّما يصدق عدمه إذا اعتبر بالنسبة و الإضافة إلى ما يكون من ذلك الشي‏ء،فتأمّل.لمحرّره‏

عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:اجتماعه...

2)في الأصل:أمّا ارتفاع الوجود عرضي ظاهر.

101
على وجه يعمّ جميع أفراده الأزمانيّة و غيرها يكون‏ (1) الترك-أيضا-كذلك،

فيكون المراد بالنهي المنع من ترك الفعل بجميع أفراده زمانية و غير زمانية،و إن‏

اعتبر في جانب الأمر على وجه يتحقّق امتثال الأمر المتعلّق به بإيجاد فرد واحد

منه فيكون الترك-أيضا-كذلك،و الأمر بالشي‏ء إنّما يستلزم النهي عن تركه‏

على وجه امر به لا مطلقا،فإنّ إيجادات شي‏ء إنّما تقتضي نفي نفي ذلك الشي‏ء

على وجه اعتبر في الإيجادات،و هذا معنى ما يقال-في دفع التمسّك بأنّ النهي‏

للدوام،فيكون الأمر كذلك-من أنّ النهي الّذي للدوام هو النهي المستقلّ لا

الضمني،فإنّه تابع للأمر.

و كيف كان فالظاهر المتبادر عرفا من النهي إنّما هو عموم الترك بالنسبة

إلى أفراد الطبيعة المنهيّ عنها مطلقا زمانية و غير زمانية،و قد عرفت أنّ ذلك ليس‏

من جهة اقتضاء الصيغة و ظهورها في ذلك،فحينئذ هل هو من وضع المادّة

-بمعنى أنّها موضوعة للطبيعة على الوجه الأوّل-أو من جهة شاهد خارجي‏

و قرينة عامّة لازمة للفظ في جميع الموارد على اعتبار الطبيعة على الوجه الأوّل‏

-بمعنى أنّ معنى المادّة ليس إلاّ نفس حقيقة الفعل بنحو ما عرفت-فلا يستلزم‏

النهي عن الطبيعة على هذا الوجه العموم المذكور،و إنّما قامت قرينة من الخارج‏

على اعتبار زائد في معنى المادّة و اعتبارها على الوجه الأوّل،فيفهم الاستلزام‏

حينئذ لذلك؟

الظاهر في بادي الرّأي هو الثاني،فإنّ الظاهر أنّ مصادر الأفعال وضعت‏

-مجرّدة عن اللواحق و الطوارئ اللفظية-لحقائق الأفعال على الوجه الّذي‏

عرفت،كما أنّ الظاهر في جميع أسماء الأجناس ذلك،فإنّها-أيضا-موضوعة

كذلك لحقائق معاينها على الوجه المذكور،فهل اللفظ في المصادر و غيرها من‏

1)في الأصل:فيكون...

102
أسماء الأجناس في نظر الواضح كنفس المعنى،لم يلحظ فيه شي‏ء من الطوارئ‏

و اللواحق،و إنّما الملحوظ نفس اللفظ و ذاته بحيث لا ينافي وضعه اعتبار قيد زائد

فيه من القيود كنفس المعنى و بأيّ وجه اعتبر معناه من الإطلاق و التقييد بشي‏ء

أو بعدم شي‏ء،فلا يتفاوت الحال فيه بالنظر إلى وضعه،بل على أيّ وجه و تقدير

يكون استعماله على وجه الحقيقة لصدق معناه على كلّ من الوجوه كما عرفت،

فلذا نقول-وفاقا لبعض المحقّقين‏ (1) -:

إنّ استعمال المطلقات في المقيّدات حقيقة،فإنّها نفس المطلقات.

فعلى هذا فبالنظر إلى وضع الموادّ فالحقّ مع من يقول:إنّ النهي كالأمر

في عدم دلالته إلاّ على طلب ترك الطبيعة من دون إفادة الدوام،لعدم استلزام‏

توجّه النفي إلى الموادّ-حينئذ-نفي جميع أفرادها،بل يصدق قولنا-حينئذ إذا

تحقّق بعض من أفراد الضرب مثلا مع انتفاء الآخر-:إنّ الضرب موجود و معدوم‏

بمقتضى القياس الّذي عرفت،فطلب تركه لا يستلزم طلب ترك جميع أفراده‏

الغير الزمانية،فضلا عن استلزامه لطلب ترك الزمانيّة منها الّذي هو معنى الدوام‏

و التكرار.

لا يقال:إنّ حقيقة الشي‏ء في نفسها وحدانية و ان لم تلحظ وحدانية،فما

لم يلحظ التكثّر فيها لا يصحّ جعلها موضوعة للقضيتين المتناقضتين.

لأنّا نقول:إنّها لو كانت وحدانية لكان اعتبار التكثّر فيها منافيا لها،

و هو باطل،لصدقها على الكثير بمثل صدقها على الواحد،فيكشف ذلك عن‏

عدم اعتبار الوحدانية فيها-أيضا-و أنّها كسائر الطوارئ تطرأ عليها،لا أنّها

مأخوذة فيها شطرا أو شرطا،فتأمّل.

1)كما هو ظاهر القوانين:1-329.

103
ثم إنّه قال بعض المحقّقين عن المتأخّرين‏ (1) -بعد اختياره القول‏

بعدم إفادة النهي التكرار-:

(ثمّ إنّ ما ذكرنا من حصول الامتثال بترك الطبيعة في الجملة إنّما هو

بالنسبة إلى الزمان و الأفراد المتعاقبة بحسب تماديه،و أمّا الأفراد المتمايزة بسائر

المشخّصات فكلاّ،فمن‏ (2) ترك الزنا بامرأة معيّنة و ارتكب الزنا مع الأخرى فلا

يحصل له الامتثال حينئذ لأجل ذلك الترك،فإنّ الطبيعة لم تترك حينئذ،مع أنّ‏

الامتثال بالترك الآخر حينئذ محال لعدم المقدورية،لأنّ المقدور ما يتساوى‏

طرفاه،فكما لا يمكن تحصيل زناءين في آن واحد لا يمكن ترك أحدهما في آن‏

ارتكاب الآخر.

و بالجملة:فلا بدّ من ترك الطبيعة رأسا في آن من الأوان ليتحقّق‏

الامتثال،و لا يحصل إلاّ بترك جميع الأفراد).انتهى.

و لا يخفى ما فيه من الضعف لمن تأمّل ما قدّمنا،و توضيحه:

أنّه إمّا أن يجعل الطبيعة المتعلّقة للنهي مأخوذة على الوجه الأوّل،و إمّا

أن يجعلها مأخوذة على الوجه الثاني،فعلى الأوّل فهو و إن كان مستلزما للعموم‏

بالنسبة إلى الأفراد الغير المتشخّصة بالزمان،إلاّ أنّه مستلزم للزمانية منها-أيضا

-فيلزمه القول بالدوام مع أنّه-قدّس سرّه-لا يقول به و لا باعتبارها على ذلك‏

الوجه-أيضا-كما هو الظاهر،و على الثاني-كما هو الظاهر من كلامه بل‏

الصريح-فقد عرفت أنّه لا يقتضي العموم بالنسبة إلى الأفراد مطلقا من غير

فرق بين الزمانية منها و غيرها.

و كيف كان،فقد علمت أنّه لا فرق بين الأفراد الزمانية و غيرها بوجه‏

1)قوانين الأصول:1-139.

2)في الأصل:(فلا،كمن.).،و قد أثبتنا العبارة كما في المصدر.

104
من جهة العموم و عدمه،فإن يبني على الوجه الأوّل فالعموم ثابت مطلقا،أو على‏

الثاني فهو منفيّ مطلقا من غير فرق أصلا،فظهر ضعف تعليله بقوله:(فإنّ‏

الطبيعة لم تترك حينئذ)،لما عرفت من أنّه إذا يبني على الوجه الثاني فترك‏

الطبيعة صادق بترك بعض أفرادها و إن كان مع وجود بعض آخر.

ثم إنّ قوله:(مع أنّ الامتثال بالترك الآخر-حينئذ-محال)أضعف من‏

الوجه الأوّل:

أمّا أوّلا-فلأنّ الأفعال المنهيّ عنها لم تنحصر في الزنا الّذي لا يمكن‏

ارتكاب فردين منه في آن واحد،بل في غاية الكثرة،و أكثرها ممّا يمكن فيه ذلك،

كأكل مال الغير،و قتل الغير،و سرقة مال الغير،و ضرب الغير،و شتمه،و لعنه إلى‏

غير ذلك ممّا يكاد أن لا يحصى،لإمكان قتل شخصين في آن واحد،فيتحقّق‏

قتلان،و أكل مال اثنين،و سرقته،فيتحقّق تصرّفان في مال الغير و سرقتان،فكأنّه‏

-قدّس سرّه-قصر النّظر في‏ (1) مثل الزنا.

و أمّا ثانيا-فلأنّ الاشتغال بضدّ الشي‏ء لا يخرج ذلك الشي‏ء عن تحت‏

القدرة،بل هي باقية عليه،نعم الاشتغال بالضدّ مانع فعلا عن الاشتغال‏

بالشي‏ء،و ليس هذا من معنى انتفاء القدرة،فافهم.

فلنرجع إلى ما كنّا في صدده فنقول:أمّا الشاهد على اعتبار الطبيعة

المتعلّقة للنهي على الوجه الأوّل فيقرّر على وجهين:

أوجههما:أنّه لو كان المعتبر في النهي الطبيعة بحيث يصدق تركها بترك‏

بعض الأفراد يلزم عدم الفائدة في النهي لحصول تركها باعتبار بعض أفرادها لا

محالة،فيكشف ذلك‏عن‏أنّ المعتبر هي بعنوان الإطلاق و الوحدانية الّذي يلزمه‏

انتفاء جميع الأفراد.

1)الصحيح:على.

105
و دفع اللغوية:بأنّ الترك-باعتبار ترك بعض الأفراد-إنّما يقع لا

على وجه التعبّد،فيمكن اعتبار الطبيعة المنهيّ عنها على الوجه المذكور،ليكون‏

تركها المتحقّق بترك بعض الأفراد عبادة.

مدفوع:بأنّ الكلام في النهي المطلق،لا فيما علم كونه تعبّديا.

نعم الّذي ذكرنا من الوجه لا يتمّ في بعض الموارد،و هو ما إذا كان الفعل‏

المنهيّ له استمرار و بقاء،فلا مدفع حينئذ عن التزام حصول الامتثال-نظرا إلى‏

ظاهر المادّة-بترك بعض الأفراد و بعض الأزمان.

و ثانيهما:إثبات عموم النهي بدليل الحكمة.

و فيه:أنّه على تقدير تماميّته لا يجعل اللفظ ظاهرا فيه،فعلى هذا لو جاء

دليل من الخارج دالّ على خروج بعض الأفراد لارتفع‏1به موضوع ذلك‏

الدليل،و لا يعقل المعارضة بينه و بين ذلك العموم المستفاد من دليل الحكمة،مع‏

أنّا نعلم أنّ النهي ظاهر في العموم بحيث يعارض ما دلّ على التخصيص و التقييد.

هذا كلّه بالنظر إلى بادئ الرّأي.

لكن التحقيق:أنّ تعليق النفي الّذي منه النهي على الطبيعة من‏

حيث هي-بمعنى عدم ملاحظة شي‏ء معها-يدلّ التزاما عقلا على نفي جميع‏

أفرادها،و لا حاجة إلى ملاحظة إطلاق الطبيعة و وحدتها،بل يكفي ملاحظة

نفس الطبيعة (1) مع قطع النّظر عن كلّ القيود الطارئة عليها،كما أنّ تعليق‏

الإيجاب على النحو المذكور لا يستلزم إلاّ إيجاب فرد واحد بمعنى أنّ الّذي‏

يتوقّف عليه صدق وجود الطبيعة عقلا ليس أزيد من ذلك.

و توضيح ذلك:أنّ اعتبار الطبيعة و أخذها-سواء في مقام الوضع أو

1و يسمّى الطبيعة بهذا الاعتبار باللابشرط.لمحرّره‏عفا اللَّه عنه‏.

1)في الأصل:فيرتفع...


106
الاستعمال-ينحصر عقلا في ثلاثة أقسام:

فإنّ المعتبر إيّاها يجعلها موضوعا لحكم و محمول إيجابي أو سلبي،فهو إمّا

أن يأخذهانفسها موضوعا لذلك الحكم مع قطع النّظر عن كلّ القيود

و الطوارئ عليها حتى تقيّدها بالإطلاق و الوحدة-بمعنى أنّه لا يلاحظ إلاّ نفس‏

الطبيعة-،أولا،و على الثاني:إمّا ان يكون الملحوظ معها وجود أمر،و إمّا أن‏

يكون عدمه،فيعبّر عنها بالاعتبار الأوّل بالطبيعة اللابشرط،و بالاعتبار الثاني‏

بها بشرط شي‏ء،و بالثالث بها بشرط لا.

و اعتبارها بملاحظة كونها مطلقة و متحدة داخل في الثاني،كما أنّ‏

التحقيق:أنّ اعتبارها على وجه يصدق فيها السلب و الإيجاب الجزئيان داخل‏

فيه أيضا،إذ لا يخفى على المتأمّل أنّه لو لا اعتبار القيود و تقيّدها بهالم‏يصحّ‏ (1)

صدق السالبة و الموجبة الجزئيّتين فيها عقلا،و يكون الحال فيها كالحال في الجزئي‏

الحقيقي في القضايا الشخصية،إذ لو كان المأخوذ و الملحوظ هي نفس الطبيعة لا

بذلك الشرط فهي وحدانية يتوقّف صدق الترك و الانتفاء إذن عقلا على ترك‏

و انتفاء جميع أفرادها-كما سيجي‏ء توضيحه-فيناقض الموجبة الجزئية،و صفة

الاتّحاد قد تحصل لها بملاحظة تقيّدها بها،و قد تحصل بعدم ملاحظة غيرها معه،

و إذا كانت هي متّحدة فالمصحّح لصدق انتفائها عقلا إنّما هو انتفاء جميع‏

الأفراد،كما أنّ المصحّح لصدق وجودها عقلا إنّما هو وجود فرد واحد منها بحيث‏

لا حاجة إلى أزيد منه.

هذا بخلاف ما إذا اعتبرت بملاحظة تقيّدها بالقيود من حيث الأزمنة

و الأمكنة و الحالات و الأفراد،لصدق الانتفاء حينئذ بانتفائها بملاحظة بعض‏

القيود و صدق وجودها بملاحظة وجود بعضها.

1)في الأصل:لا يصحّ...

107
و السرّ فيه:اختلاف موضوع القضية الموجبة و السالبة الجزئيّتين و تعدّده‏

بتعدّد القيود،فيقال:إنّ الضرب موجود في يوم الجمعة و معدوم في السبت،أو

موجود باعتبار هذا الفرد منه و هو الضعيف و معدوم باعتبار فرد آخر منه،و هو

الضرب الشديد،و هكذا،فيكون الموضوع في كلّ واحدة من القضيتين غيره في‏

الأخرى،فإنّ القيود الواردة على الطبيعة الواحدة مكثّرة لها من حيث‏

الموضوعية للحكم.

هذا،و أمّامن‏حيث كونها مقسما للاعتبارات الثلاثة-الّذي يعبّر

بملاحظته عن الطبيعة بمطلق الطبيعة و باللابشرط المقسمي أيضا-فهو ليس‏

من اعتباراتها،و إلاّ لزم أن يكون لاعتبارها قسم رابع.التالي باطل بضرورة

العقل،لانحصاره عقلا في الثلاثة،فالمقدّم مثله،بل إنّما هو اعتبار مقسمي منتزع‏

عند العقل عن الاعتبارات الثلاثة،و ليس له وجود و تحقّق بدونها،بل بأحدها،

فإنّ المقسم عين الأقسام بالعنوان الإجمالي.

قال سيّدنا الأستاذ-دام ظلّه-و نعم ما قال بالفارسية:اين اعتبار

دروغى است كه عقل انتزاع ميكند از اعتبارات ثلاثة مذكورة كه واقع‏

و حقيقتي از براى او نيست تا اينكه اينهم يكى از اعتبارات ماهيت باشد.انتهى.

ثمّ إنّ المعتبر و الملحوظ في حال الوضع في المصادر و غيرها-من‏

أسماء الأجناس مطلقا من جهة اللفظ و المعنى كليهما-إنّما هو اللفظ و الطبيعة

الموضوع لها بالاعتبار الأوّل قطعا،بل اتفاقا-أيضا-بمعنى أنّ الواضح لاحظ

نفس اللفظ و ذاته مع قطع النّظر عن الطوارئ اللفظية من اللام و التنوين،و عن‏

خصوصيات التراكيب،و لاحظ نفس المعنى مع قطع النّظر عن القيود و الطوارئ‏

المعنوية من حيث الأفراد و الأزمان و الحالات و الأمكنة،فوضع الأوّل على النحو


108
المذكور للثاني كذلك،فلذا1يكون استعمال اللفظ مع القيود اللفظية فيه مع‏

كلّ واحد من القيود المعنويّة-إذا لم يرد الخصوصيّة من اللفظ-على وجه‏

الحقيقة،حيث إنّ عدم اعتبار الشرط لا يقضي بعدمه،بل يجتمع مع ألف شرط،

فلا يقال:إنّ الموضوع هو اللفظ مجرّدا عن القيود،فاستعماله معها استعمال لغير

اللفظ الموضوع بإزاء ذلك المعنى فيكون مجازا،أو يقال:إنّ الموضوع له هو ذات‏

المعنى مجرّدة،فاستعمال اللفظ فيه مع كونه مقيّدا بشي‏ء من القيود استعمال له في‏

خلاف ما وضع له،فهومجاز.

فإذا عرفت ذلك كلّه فاعلم:أنّ الطبيعة في مقام الحكم و الاستعمال‏

إن أخذت على الوجه الأوّل من الثلاثة-سواء في المصادر مطلقا مجرّدة،أو في‏

ضمن المشتقّات و في غيرها من أسماء الأجناس-فلا ريب أنّ الملحوظ حينئذ

إنّما هو أمر وحداني،و هو نفس الطبيعة،و ليس نظر المتكلّم إلى الأفراد-حينئذ-

إلاّ من حيث كونها مرايا كاشفة و حاكية عن تلك الصورة الوحدانية و موجدة

لها على حدّ سواء،بمعنى أنّ كلّ واحد منها إنّما يحكي عمّا يحكي عنه الآخر،

و يوجد ما يوجده الآخر،و لازم ذلك عقلا تحقّق الأمر الملحوظ،و هو الطبيعة

المعتبرة على الوجه المذكور بوجود واحد من الأفراد بحيث لا حاجة في صدق‏

وجودها إلى وجود أزيد منه،بل المصحّح لصدقه عند العقل يتحقّق بتحقّق فرد

1قال دام ظلّه:فرق بين اعتبار الطبيعة على الوجه الأوّل في مقام الحكم و الاستعمال و بين‏

اعتبارها على ذلك الوجه في مقام الوضع،فإنّ المستعمل إذا أخذها على ذلك الوجه فهو إنّما

يأخذها من دون نظر إلى وجود شي‏ء منها أو عدمه-بمعنى أنّه لا يلتفت إلى شي‏ء منهما حينئذ-

و أمّا الواضع فهو أوّلا يلتفت إلى اعتباراته الثلاثة في مقام الحكم و الاستعمال،ثمّ يقطع النّظر

عن تلك الاعتبارات حتّى اعتبارها لا بشرط،و يضع اللفظ لنفس الطبيعة و إن كانت الطبيعة

لا تنفكّ عن أحد الاعتبارات المذكورة في مقام الحكم،لكنّها غير منظور إليها في مقام الوضع،

فعلى هذا فيرجع حاصل الفرق إلى اعتبارها على الوجه المذكور في مقام الوضع أوسع منه دائرة

في مقام الحكم و الاستعمال،فافهم و اغتنم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


109
واحد من غير حاجة إلى أزيد منه،و انتفاؤه جميع الأفراد،إذ بوجود واحد

منها-كما عرفت-يصدق وجوده البتّة،و الأفراد الاخر على تقدير وجودها لا

تكون موجدة لغير ما أوجد ذلك الفرد،و المفروض وجوده به،و لا مؤثّرة في عدم‏

ذلك الموجود،فإنّ عدمها إنّما هو عدم اقتضاء وجوده،لا اقتضاء عدمه،إذ

المفروض كفاية وجود كلّ من الأفراد في وجوده و تساويها في ذلك و كونها موجدة

لأمر واحد،و هو ذلك الموجود،فإذا صدق وجوده يمتنع‏ (1) صدق عدمه.

نعم لو اعتبرت الطبيعة متقيّدة بخصوصيّات الأفراد فهي حينئذ

لانحلالها إلى أمور متعدّدة يصدق تركه بترك بعض الأفراد مع وجود بعض آخر.

و الفرق بين هذا و بين الاعتبار السابق أنّ الأفراد هنا حقيقة اعتبر كل‏

منها موضوعا مستقلاّ للحكم و يكون النّظر إلى خصوصياتها.

و بعبارة أوضح:إنّ الطبيعة إنّما اعتبرت بملاحظة كلّ واحدة من‏

خصوصيات الأفراد،فيكون كلّ فرد موجدا لما يغاير ما أوجده الآخر،و حاكيا

عمّا يغاير المحكيّ بالآخر،فإنّ النّظر في كلّ منها حينئذ إلى الحصّة الخاصّة من‏

الطبيعة الموجودة في ضمنه،لا إلى القدر المشترك بين تلك الحصص-كما في‏

القسم السابق-فيصدق السلب و الإيجاب الجزئيين فيها-حينئذ-لاختلاف‏

موضوعهما و تعدّدهما باعتبار التقيد،فإنّ انتفاء كلّ من الأفراد حينئذ مؤثّر في‏

انعدام الطبيعة المتقيّدة به،كما أنّ وجوده مؤثّر في وجودها كما في الاعتبار السابق‏

فتظهر الثمرة بين الاعتبارين في جانب النفي.

و بالجملة:فقد ظهر من ذلك توقّف صدق المتناقضين كالضّدّين في‏

الطبيعة على اعتبار أمر زائد على أصلها،و أنّها لو خلّيت و نفسها يمتنع فيها ذلك‏

كما عرفت.

1)في الأصل:فيمتنع.

110
و كيف كان فقد عرفت سابقا دخول اعتبار الطبيعة على هذا الوجه في‏

القسم الثاني من الأقسام الثلاثة لاعتبارها،و الكلام الآن في اعتبارها على الوجه‏

الأوّل منها،و قد عرفت أنّ المصحّح لصدق انتفائها و تركها عقلا-حينئذ-إنّما

هو انتفاء و ترك جميع الأفراد،كما أنّ المصحّح لصدق وجودها-حينئذ-عقلا

وجود فرد منها،فيدلّ اللفظ بالالتزام العقلي من جهة إطلاق معنى المادّة الّذي‏

هي الطبيعة في صورة النفي على انتفاء و ترك جميع الأفراد بحيث يكون ظاهرا

في عموم النفي على وجه لو جاء دليل من الخارج على خروج بعض الأفراد

لعارض ظهوره ذلك الدليل،فيلاحظ قاعدة التعارض بينهما من التعادل‏

و الترجيح،و في صورة الإثبات على إرادة وجود أحد الأفراد على البدل دون‏

الأزيد،فالظاهر منه حينئذ ليس أزيد من فرد واحد على البدل لا غير،فلذا

يحتاج عموم الحكم لجميع الأفراد إلى ملاحظة شاهد خارجي من دليل لفظي أو

إجماع إن وجد أحدهما،و إلاّ فيرجع إلى دليل الحكمة لو جرى في المورد،فيتوقّف‏

الحكم بالعموم حينئذ على إحراز مقدمتي دليل الحكمة من عدم فائدة ثبوت‏

الحكم لبعض الأفراد،و من كون المقام مقام البيان‏1،و المقدّمة الثانية لا تحرز

غالبا إذا كان اللفظ واردا في مقام الحاجة و العمل،فإنّ الواجب من البيان هو

في مقام العمل،و إلاّ لجاز تأخيره إلى وقت الحاجة.نعم لو لم يأت البيان إلى وقتها

فالحكم كما في صورة وروده وقتها.

و كيف كان،فلا بدّ من إحراز كون اللفظ المطلق في مقام البيان و إلاّ

لما جاز الحكم بالعموم.هذا بخلاف صورة النفي،فإنّه يحكم به من حين ورود

اللفظ مطلقا.

1أي إحراز كون المتكلّم في مقام بيان تمام مقصوده،و هذا يمكن إحرازه من قرينة خارجيّة،و مع‏

فقدها فلا يحرز إلاّ إذا ورد حال العمل أو قبله مع عدم بيان الخلاف إلى ذلك الوقت.لمحرّره‏

عفا اللَّه عنه.


111
و السرّ:أنّ اللفظ في تلك الصورة بمعونة العقل ظاهر في العموم،فهو

بيان،فيتمسّك بظهوره على العموم،بخلافه في الصورة الثانية،فانّ الّذي يظهر

منه التزاما بمعونة العقل إرادة وجود أحد الأفراد،و أمّا الزائد عليه فهو ساكت‏

عنه،فيتوقّف الحكم بالعموم على إحراز المقدّمتين المذكورتين،و لذا يحكم بثبوت‏

الحكم الثابت للطبيعة في تلك الصورة لكلّ واحد من أفرادها بعين ثبوته للطبيعة،

فيحكم بثبوت الحرمة النفسيّة الثابتة للطبيعة لكلّ واحد من أفرادها كذلك،

و كذلك في صورة ثبوت الحرمة الغيرية،فإنّه يحكم بها كذلك لكلّ من الأفراد.

هذا بخلاف صورة الإثبات،كما إذا وجبت الطبيعة بالوجوب العيني،فإنّه‏

لا يسري ذلك الحكم إلى كلّ من أفرادها،بل الثابت حينئذ إنّما هو الوجوب‏

التخييري لا غير.

و أيضا اللفظ في الصورة الأولى ظاهر في العموم و بيان له،فلذا يعارض‏

ما دلّ من الخارج على التخصيص،بخلافه في الصورة الثانية إذا الحكم بالعموم‏

من جهة دليل الحكمة،فإنّ دليل الحكمة لا يجعله ظاهرا في العموم،فلذا لا

تعارض بينه و بين ما دلّ على التخصيص،بل ذلك الدليل وارد على دليل‏

الحكمة1،لكونه رافعا لموضوعه،و هو عدم البيان.

فإن قلت:إنّ الشكّ في إرادة العموم في صورة الإثبات إنّما يكون من‏

جهة الشكّ في تعليق الحكم على نفس الطبيعة،أو عليها باعتبار تقيّدها ببعض‏

الأفراد،فلو فرض إحراز أنّه معلّق عليها نفسها فالحال فيها كالحال في الصورة

1فإنّه يقال-في تقرير دليل الحكمة إذا جرى في مورد بأن يكون الحكم معلّقا على الطبيعة مع‏

عدم إفادة لثبوته لبعض أفرادها-:إنّ المراد به إمّا ثبوته لجميع أفراد الطبيعة،أو ثبوته لبعضها،

لا سبيل إلى الثاني،لعدم دلالة الخطاب عليه،فإنّ الحكم ثابت للطبيعة،فلا يصلح كونه‏

بيانا للثاني،فاعتماد المتكلّم عليه إذا كان مقصوده الثاني إخلال بغرضه،فتعيّن الأوّل.لمحرّره‏

عفا اللَّه عنه.


112
الأولى من جهة سريان الحكم الثابت لها إلى جميع الأفراد.

قلنا:إحراز تعليق الحكم على الطبيعة نفسها مشترك الاعتبار في‏

الصورتين إلاّ أنّه يكفي في صورة النفي في ثبوت عموم النفي لجميع الأفراد مجرّد

إحراز هذه الصّغرى من غير حاجة إلى ضميمة مقدمة أخرى-كما عرفت-

بخلاف صورة الإثبات،ضرورة أنّه يصحّح ثبوت الحكم لبعض أفراد الطبيعة

صدق ثبوته لنفس الطبيعة،فيقال-فيما إذا قام فرد من أفراد الرّجل:إنّه قام‏

الرّجل يعني طبيعة الرّجل هذا بخلاف ما لو قام فرد منها و لم يقم آخر،فلا يصحّ‏

أن يقال حقيقة:إنّه ما قام الرّجل أو لا رجل قائما،فإنّ ثبوت القيام بفرده‏

الآخر له مانع عن صدق ذلك.

و هكذا الحال في صورة الإنشاء،فإنّه يصحّ تعليق الحكم الإثباتي على‏

نفس الطبيعة مع كونه ثابتا لبعض أفرادها،فيقال:(أعتق الرقبة)مع أنّ وجوب‏

العتق ثابت للمؤمنة منها،بخلاف صورة النهي،فإنّ النهي عن فرد و طلب تركه‏

لا يستلزم طلب ترك أصل الطبيعة لعدم الملازمة بين نفي فرد و نفي الطبيعة.

و كيف كان،فلمّا كان المصحّح لصدق الثبوت على الطبيعة عقلا الثبوت‏

بالنسبة إلى بعض أفرادها،فيجوز تعليق الإثبات على نفس الطبيعة،و يصدق‏

الثبوت لها،فلذا لا يلزم من ثبوت الحكم لنفس الطبيعة سريانه إلى جميع أفرادها

إلاّ بعد إحراز أنّ المتكلّم في مقام بيان تمام مراده،و أنّه لو كان المراد ثبوت الحكم‏

لبعض أفراد المطلق-و المفروض إطلاق اللفظ-يلزم كونه مخلا بغرضه،لعدم‏

صلاحية تعليق الحكم على المطلق لكونه بيانا لبعض الأفراد،فيجب أن يكون‏

المراد ثبوت الحكم للطبيعة مع قطع النّظر عن خصوصية أفرادها،فيسري الحكم‏

لجميع الأفراد لذلك.

هذا بخلاف صورة النفي،إذ بعد كون وجود فرد واحد مصحّحا عقلا


113
لصدق وجود الطبيعة يمتنع‏ (1) صدق انتفائها بانتفاء بعض الأفراد الاخر،

فلا يجوز تعليق النفي على الطبيعة من حيث هي باعتبار انتفاء بعض أفرادها

مع وجود بعضها الآخر،فلذا لا حاجة حينئذ إلى إحراز كون المتكلّم في مقام‏

البيان،بل اللفظ بيان من أوّل الأمر،و ظاهر في العموم،و يصلح للمعارضة لما دلّ‏

من الخارج على التخصيص،كما أنّه في صورة الإثبات كذلك من أوّل الأمر

بالنسبة إلى فرد واحد،و يصلح للمعارضة لما دلّ من الخارج على نفي الحكم عن‏

جميع الأفراد،و أمّا بالنسبة إلى ما يدلّ على نفيه عن بعضها فلا يصلح للمعارضة

له،بل موضوع استفادة العموم منه مرتفع حينئذ بذلك الدليل،إذ هو عدم‏

البيان،و ذلك بيان.

و إن شئت توضيح الحال:فافرض القطع بتعليق النفي و الإثبات‏

على أصل الطبيعة،فانظر ما ذا ترى من الفرق بينهما،فهل تتوقّف حينئذ عن‏

الحكم بعموم النفي إلى إحراز مقام البيان أو تحكم بعموم الإثبات مع قطع النّظر

عن إحراز كون المطلق واردا في مقام البيان؟حاشاك،ثم حاشاك.

ثمّ بعد إحرازه و كون المراد تعليق الحكم على نفس الطبيعة لا بشرط،

و أنّ جميع الأفراد متساوية في تحصيل ما هو المقصود منها من دون خصوصية

لبعض دون آخر،فهل تتوقّف في صورة تعلّق الأمر بها كذلك في تحقّق الامتثال‏

بإيجاد فرد واحد منها،أو تكتفي في تحقّقه في صورة تعلّق النهي بها بترك فرد واحد؟

كلاّ،ثمّ كلاّ.

و الحاصل:أنّه إذا أحرز تعليق الحكم على الطبيعة ففي صورة النفي‏

لا حاجة في إثبات عموم النفي إلى إحراز مقام البيان،بل اللفظ بملاحظة تعليقه‏

عليها ظاهر فيه،بخلاف صورة الإثبات فإنّه لا ظهور له في عموم الإثبات‏

1)في الأصل:فيمتنع...

114
أصلا،و لو أحرز كونه في مقام البيان فهو لا يجعل اللفظ ظاهرا فيه.

ثمّ إذا كان الإثبات من مقولة الطلب فمع إحراز مقام البيان يحكم بعموم‏

الحكم بالنسبة إلى جميع الأفراد،لكن بدلا لا استغراقا1،لكفاية فرد واحد في‏

وجود الطبيعة المحقّق لامتثالها.

و إذا كان من مقولة الإنشاء الغير الطلبي كقوله تعالى: أحلّ اللَّهُ‏

البيعَ (1) فيحكم حينئذ بالعموم الاستغراقي،إذ لا امتثال حتّى يتحقّق بفرد

واحد.

و أمّا إذا كان في مقام الإخبار كما إذا حملنا قوله تعالى: أحلّ اللَّه البيعَ (2)

على ذلك لا الإنشاء،فبعد إحراز كونه في مقام البيان،و أنّه لا فائدة في الإعلام‏

عن حلّية بعض الأفراد،فيحكم بالعموم الاستغراقي أيضا،و أمّا إذا لم تتمّ‏

المقدّمة الثانية فالعموم احتمالي.

و كيف كان،فإحراز تعليق الحكم على الطبيعة مشترك الاعتبار بين‏

الصورتين،إلاّ أنّ العموم في الثانية لا يكفيه مجرّد ذلك.

ثمّ إحراز ذلك قد يكون بالقطع،و قد يكون بالأصل،و على الثاني قد

يكفي أصل واحد،و هذا فيما إذا كنّا نحن المخاطبين،فإنّا-حينئذ-نحرز إطلاق‏

اللفظ بالحسّ،فإذا شككنا في أنّ المراد نفس الطبيعة لا بشرط أو هي باعتبار

تقيّدها ببعض الأفراد فنتمسّك-حينئذ-بأصالة عدم اعتبار المتكلّم قيدا زائدا

على أصل الطبيعة،فإنّ اعتباره و إن لم يكن مستلزما للمجاز،حيث لم يرد

الخصوصية من نفس اللفظ إلاّ أنّه مخالف لظاهر حال المتكلّم بالكلام المطلق،

و المراد بالأصل المذكور ذلك،أي ظهور حال هذا المتكلّم-حينئذ-في ذلك،لا

1و هذا فرق آخر بين النفي و الإثبات في تلك الصورة،فإنّ تعليق النفي على الطبيعة يقتضي‏

عمومه استغراقا دائما،بخلاف تعليق الإثبات عليها فإنّه يختلف.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)البقرة:275.

2)البقرة:275.

115
الاستصحاب.

و قد يحتاج إلى أصلين،و ذلك فيما إذا كان الخطاب من الخطابات الغيبية،

أحدهما ما ذكر،و ثانيهما أصالة عدم التقييد في اللفظ،فيحرز بذلك موضوع‏

الأصل المذكور.

و هذان الأصلان يقابلان الأصلين الجاريين في تشخيص إرادة الحقيقة إذا

شكّ في إرادتها،فالأوّل مقابل لأصالة عدم إرادة المجاز،و الثاني مقابل لأصالة

عدم القرينة في اللفظ.

و كما أنّه قد يكفي في المقام الأوّل،كذلك ثمة أوّلهما في الصورة المذكورة،

و هي صورة المشافهة.

و كما قد يحتاج إلى كليهما في المقام،كذلك قد يحتاج إلى ذينك ثمة،و ذلك‏

-أيضا-في الخطابات الغيبية.

و كما أنّ الأوّل من هذين معناه ظهور حال المتكلّم،فكذلك أحد ذينك.

و كما أنّ الثاني من هذين محرز لموضوع الأوّل منهما،فكذلك ثاني ذينك،

فإنّه محرز لموضوع الأوّل منهما.هذا.

أقول:يمكن أن يقال:إنّ ظهور اللفظ في عموم النفي في صورة النفي‏

إنّما هو بعد ظهوره في إرادة أصل الطبيعة و نفسها،و أنّ الحكم معلّق عليها من‏

غير ملاحظة التقيّد بالأفراد،و إلاّ فقد عرفت أنّه مع ملاحظة التقيّد لا يلزم من‏

نفي الطبيعة باعتبار بعض القيود نفيها مطلقا،و ظهوره في إرادة أصل الطبيعة

و كونها هي الموضوع للحكم لا يكون إلاّ بعد ظهور كون المتكلّم في مقام البيان‏

إلاّ أنّ ذلك يحرز بظهور حال المتكلّم،فإنّ الظاهر من كلّ متكلّم بكلام أنّه في‏

مقام إرادة تمام مقصوده باللفظ،فإذا أحرز إطلاق اللفظ بالأصل أو بالقطع،

فيكون اللفظ بملاحظة هذا الظهور الحالي و بملاحظة إطلاقه ظاهرا في أنّ تمام‏

المطلوب و موضوع الحكم إنّما هو نفس الطبيعة لا بشرط،المستفادة من ظاهر


116
الإطلاق،و لمّا كان لازم تعليق النفي عليها عقلا نفي جميع أفرادها،فيكون ظاهرا

في عموم النفي لذلك،فلا بدّ من إحراز مقام البيان في صورة النفي-أيضا-

كصورة الإثبات.

لكنّه مدفوع:بمنع توقّف إحراز تعليق الحكم على نفس الطبيعة على‏

إحراز مقام البيان،و كون المتكلّم في مقام بيان تمام مقصوده،لإمكان كون الحكم‏

واقعا ثابتا للطبيعة باعتبار خصوصيّة زائدة عليها مع كون المتكلّم قاصدا لإفادة

جزء موضوع الحكم-أعني نفس الطبيعة-بذلك الخطاب حين الخطاب إلى أن‏

يأتي وقت الحاجة،فيبيّن تمامه حينئذ،و لا ريب-كما عرفت-أنّ تعليق الحكم‏

على نفس الطبيعة مع قطع النّظر عن مقام البيان يستلزم عقلا في صورة النفي‏

عمومه لجميع الأفراد،لتوقّف صدق نفي الطبيعة عقلا على انتفاء جميع الأفراد

-كما عرفت-فلا يصحّ تعليق النفي عليها باعتبار انتفاء بعض الأفراد مع وجود

بعض آخر،و في صورة الإثبات يستلزم وجود فرد واحد في الجملة،لتوقّف صدق‏

الوجود على الطبيعة على وجود بعض أفرادها عقلا،فيكون اللفظ في الصورة

الأولى ظاهرا في عموم النفي،و في الثانية في إرادة فرد واحد في الجملة بمعونة

العقل من غير حاجة إلى إحراز مقام البيان.

فلذا يراعى حكم التعارض فيما بين اللفظ و ما دلّ من الخارج على وجود

بعض الأفراد في الأولى أو على انتفاء جميعها في الثانية المستلزم لانتفاء فرد واحد

في الجملة يتوقّف عليه صدق وجود الطبيعة.

و أمّا عدم اقتضاء تعليق الحكم في صورة الإثبات لوجود جميع الأفراد بدلا

كما في مقام الأمر،أو استغراقا كما في مقام الإنشاءات الغير الطلبية،فلأنّه لا

يتوقّف صدق وجود الطبيعة على كفاية كلّ واحد من الأفراد في إيجادها بحيث‏

تكون منطبقة على غرض المتكلّم،فلا يقتضي العموم البدلي لذلك،و لا على‏

تحقّق جميعها فعلا،فلا يقتضي الاستغراقي لذلك،فللمتكلّم أن يعتبر في قصده‏


117
-في كفاية وجود الطبيعة في تحصيل غرضه المطلوب-إيجادها على وجه خاصّ‏

و في ضمن فرد خاصّ،فلذا يتوقّف الحكم بالعموم بدلا أو استغراقا على جريان‏

دليل الحكمة المتوقّف على إحراز كونه في مقام بيان تمام مقصوده،فيقال-بعد

إحرازه-:إنّ المفروض تعليق الحكم على نفس الطبيعة قطعا أو بمقتضى إطلاق‏

اللفظ،و المفروض كونه في مقام بيان تمام مقصوده،فينتج أنّ تمامه هو نفس‏

الطبيعة اللابشرط من غير ملاحظة خصوصية فيها،و إلاّ فيلزم إخلاله بغرضه،

لعدم صلاحية الخطاب المطلق لكونه بيانا للفرد الخاصّ،فإذا ثبت ذلك يحكم‏

باستواء جميع الأفراد في الكفاية عن امتثال التكليف بدلا في مقام الأمر أو بإرادة

الجميع استغراقا في صورة الإنشاء الغير الطلبي،فإنّهما لا زمان لكون تمام المراد

نفس الطبيعة لا بشرط،فافهم و تأمّل جيّدا.

فإذا عرفت ذلك كلّه فقد علمت إفادة النهي لطلب ترك جميع أفراد

الطبيعة المنهيّ عنها في زمان واحد و جميع أفرادها المتحقّقة منها في الأزمنة المتأخّرة:

أمّا الأوّل:فواضح،لتوقّف ترك الطبيعة عقلا على ترك جميع أفرادها

في زمان لا محالة.

و أمّا الثاني:فلأنّه لا ريب أنّ كلّ فعل متحقّق من الطبيعة بالنسبة إلى‏

كلّ زمان فرد من الطبيعة غيره في الزمان الآخر و إن كان متحدا معه في غير

الخصوصيات الزمانية،مثلا الزنا بامرأة خاصّة في مكان خاصّ على كيفية خاصّة

في يوم الجمعة فرد من طبيعة الزنا المنهيّ عنه،و هو كذلك في يوم السبت فرد آخر

منها غير ما حصل منها في الجمعة،ضرورة أنّه ليس عينه بل غيره،فإذا ثبت‏

مغايرته له فهو فرد آخر من الزنا،و هكذا في سائر الأزمنة،فإنّ الموجود في كلّ‏

زمان مغاير للموجود في الزمان الآخر،فيكون فردا مغايرا له و لا يتوقّف ذلك على‏

كون الزمان مشخّصا للأفعال الواقعية فيه بعد ثبوت التغاير بالضرورة،فإذا ثبت‏

فرديّة الأفعال الواقعة في الأزمنة المتأخّرة للطبيعة،فيتوقّف تركها على ترك جميع‏


118
تلك الأفراد الزمانية-أيضا-بعين ما مرّ في الغير الزمانية.

و إن شئت قلت:إنّه لا ريب أنّه ترك المكلّف الفعل في جميع الأزمنة

بجميع أفرادها إلاّ في زمان واحد فأوجد فردا منه في ذلك الزمان لصدق تحقّق‏

الفعل المنهيّ عنه قطعا،فلا يمكن صدق تركه-حينئذ-إلاّ باعتبار تقيّده بغير

ذلك الزمان،و المفروض عدم اعتبار ذلك التقيد في المقام،فيتوقّف ترك الفعل‏

المنهيّ عنه على تركه بجميع أفراده و في جميع الزمان،فيكون النهي عن الفعل‏

مستلزما عقلا للنهي عن جميع أفراده الزمانية و غيره،فيكون مستلزما للدوام‏

لذلك.

نعم حال النهي بالنسبة إلى الأزمنة من حيث هي حال المطلقات بالنسبة

إلى أفرادها،فلا يعمّ الأزمنة من جهة الزمانية،و إنّما يعمّها تبعا و تطفّلا للأفراد

الموجودة فيها،و ذلك لأنّ انتفاء كلّ شي‏ء إنّما هو بانتفاء جميع ما يكون موجدا

و محصّلا له،و لا ريب أنّ الزمان من حيث هو ليس محصّلا للفعل،بل ظرف‏

لحصوله،و إنّما المحصل له هو الفرد المتحقق فيه،فلا يتوقّف انتفاء الشي‏ء على‏

انتفاء الزمان،نعم هو ملازم للمحصّل له و هو الفرد الواقع فيه.

ثمّ إنّ دلالة النهي عن ذلك ليس من جهة اقتضاء وضع المادّة

المعروضة للهيئة،لما عرفت أنّها موضوعة للماهيّة المهملة الصّالحة لاعتبارها على‏

كلّ من الوجوه الثلاثة،كما عرفت أنّا قلنا:إنّها موضوعة لذات الشي‏ء و حقيقته‏

بعنوان اللابشرط،الأعمّ من اللابشرط في مقام الحكم،بل من جهة اقتضاء أخذ

الطبيعة المدلول عليها بالمادّة على الوجه الأوّل و إرادتها كذلك.

فالحاصل:من ذلك كلّه أنّ النهي من جهة إطلاق المادّة الظاهر في أخذ

الطبيعة المدلول عليها بالمادّة على الوجه الأوّل ظاهر في الدوام كظهوره في عموم‏

ترك جميع الأفراد في زمان،و دالّ عليه بالدلالة الالتزامية العقلية المسبّبة عن أخذ

الطبيعة لا بشرط،كما أنّ الأمر ظاهر من جهة إطلاقها الظاهر في أخذ الطبيعة


119
المأمور بها لا بشرط في إرادة فرد ما و في زمان ما،و دال عليه بالدلالة الالتزامية

العقلية،و أمّا الزائد عليه فلا،لما عرفت من صدق وجود الطبيعة بوجود فرد

واحد.هذا،و افهم و اغتنم.

ثمّ إنّ الظاهر-بل المقطوع به-أنّ حال الأمر و النهي بالنسبة إلى المكان‏

-من‏حيث‏إنّه المكان-حالهما بالنسبة إلى زمان كذلك،فحالهما بالنسبة إليه‏

-أيضا-حال المطلقات بالنسبة إلى المقيّدات و الأفراد،فلا ظهور لشي‏ء منهما في‏

العموم بالنسبة إلى الأمكنة-أيضا-لكن لمّا كان الموجود من الفعل في كلّ مكان‏

محصّلا للطبيعة فالنهي عنها يقتضي النهي عن جميع الأفراد الواقعة في الأمكنة

المتعدّدة المختلفة،فيفيد العموم بالنسبة إليها تبعا و تطفّلا،كما في الزمان.

ثمّ إنّ دلالة النهي على الدوام لا تختصّ بما إذا كان للتحريم،بل تتمّ عند

إرادة الكراهة منه-أيضا-كما لا يخفى،لأنّها-أيضا-طلب الترك الطبيعة

المتوقّف على ترك جميع الأفراد الزمانية و غيرها.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ دلالته عليه ليست من جهة الهيئة،بل إنّما هي لازمة

من اعتبار معنى المادّة على الوجه المذكور،فعلى هذا لا تختصّ دلالته عليه بما إذا

كان بصيغة النهي،بل تتمّ في غيرها أيضا.

و كيف كان،فالمدار في الدلالة عليه تعلّق الطلب بترك الطبيعة على‏

الوجه المذكور،فلا يتفاوت فيه.الحال بالنسبة إلى الصيغة و غيرها من الأمثلة

المتقدّمة في أوّل البحث،فراجع.

إيقاظ:حال المصادر الواقعة في حيّز النفي المحض سواء كانت في ضمن‏

المشتقّات ك(لا ضرب و ما ضرب و لا يضرب أو لم يضرب)،أو مجرّدة ك(لا

ضرب)نظير الحال فيها عند وقوعها في حيّز النهي من جهة كون تعلّق النفي‏

عليها مقتضيا لعموم النفي لعين ما مرّ،فإنّ الظاهر منها حينئذ-أيضا-اعتبار

معانيها-و هي الأحداث-على الوجه المتقدّم،و قد عرفت أنّ تعليق النفي عليها


120
كذلك مقتض لعموم النفي،و هكذا الحال في غير المصادر من أسماء الأجناس‏

ك(لا رجل و أمثاله.

تنبيه:قد ظهر-ممّا ذكر في تعليق النفي على الطبيعة اللابشرط من‏

إفادة العموم-الحال في الجنس المعرّف و النكرات‏ (1) المنفيّين-أيضا-فإنّ نفيهما

-أيضا-يدلّ التزاما عقليا على عموم النفي بالنسبة إلى جميع الأفراد بالأولى،

و ذلك لأنّك عرفت أنّ اقتضاء نفي الطبيعة-لا بشرط-لانتفاء جميع ما ينطبق‏

عليها من الأفراد إنّما هو لأجل أنّ موضوع الحكم-حينئذ-أمر واحد،و هو لا

ينتفي إلاّ بانتفاء جميع ما يصدق هو عليه،و لا ريب أنّ الوحدة-حينئذ-كانت‏

عارضة للطبيعة من جهة عدم اعتبار تقيّدها بالأفراد،و لا مرية أنّها حاصلة في‏

الجنس المعرّف و النكرة بملاحظتها،فإنّ الأوّل هي الطبيعة باعتبار اتّحادها في‏

الذهن،و الثاني باعتبار اتّحادها في الوجود الخارجي،فإذا كان نفي الطبيعة لأجل‏

وحدتها العرضية مقتضيا لعموم النفي يكون نفيها لأجل وحدتها الأصلية

المقصودة مقتضيا له بطريق أولى.

و يمكن منع الأولوية و دعوى التساوي:بأنّ الاقتضاء المذكور إنّما هو

لأجل كون المأخوذ في موضوع النفي هي نفس الطبيعة لا باعتبار تقيّدها

بالأفراد،و هذا المناط نسبته إلى الجميع متساوية،فافهم.

و كيف كان،فلا ينبغي الارتياب في أنّ إفادة نفي الطبيعة اللابشرط أو

الجنس المعرّف أو النكرة لعموم النفي إنّما هو لأجل كون موضوع النفي-حينئذ-

أمرا وحدانيا،و يكون النّظر إلى أفراده-حينئذ-لأجل كون جميعها مرايا

حاكية عن أمر واحد و صورة واحدة،و لا ريب أنّ الصورة لا تنتفي إلاّ بانتفاء

جميع تلك المرايا،إذ بوجود واحد منها تتحقّق تلك الصورة و توجد بضرورة

1)الأوفق بالسياق:في الجنس المعرّف و النكرة المنفيّين.

121
العقل،فتكون الدلالة على عموم النفي في الجميع من جهة الدلالة الالتزامية

العقلية المسبّبة عن عدم اعتبار تقيّد الطبيعة بالأفراد،و ليست مسبّبة عن الوضع‏

جدّاً.

فظهر من ذلك توهّم ثبوت الوضع التركيبي فيها،و كيف يلتزم به فيها

بكثرتها و كثرة مواردها،و كيف يحتمل ذلك من الواضع مع أنّ الغرض حاصل‏

بدونه.

هذا تمام الكلام في الأمر السادس.

فإذا عرفت ما قدّمنا إلى هنا فاعلم أنّ الحقّ:أنّه لا دلالة لصيغة الأمر

على التكرار و لا المرة،بل إنّما هي لإفادة طلب الطبيعة لا بشرط،و عرفت أنّه لا

يقتضي طلب الطبيعة كذلك طلب جميع أفرادها،بل الّذي يدلّ عليه التزاما عقليّا

إنّما هو الإتيان بفرد منها لصدق تحقّقها به المسقط للأمر المتعلّق بها بحصول‏

الامتثال.

و ممّا حقّقنا من الفرق بين النهي الأصلي و الضمني ظهر فساد استدلال‏

بعض على التكرار بأنّ الأمر يقتضي النهي عن ضدّه العامّ،و النهي يقتضي‏

الدوام،فلا بدّ ان يكون الأمر للتكرار،و إلاّ لما تمّ الاستلزام.

و أمّا فساد قياس الأمر بالنهي لجامع بينهما-هو الطلب-فأوضح من أن‏

بذكر.

ثمّ إنّ النزاع في دلالة الأمر على المرّة و التكرار لا يختصّ بما إذا كان‏

للوجوب،بل يجري فيه على تقدير إرادة الندب أو ظهوره فيه-أيضا-كما لا

يخفى.

و الحمد للَّه رب العالمين.


122
في الفور و التراخي‏

قاعدة:اختلفوا في دلالة الأمر على الفور أو على التراخي على أقوال:

ثالثها:عدم دلالته على خصوص شي‏ء منهما،بل إنّما يدلّ على مجرّد طلب‏

الطبيعة مع السكوت عن شي‏ء من الأمرين.

و تحقيق الكلام فيها يقتضي رسم أمور:

الأوّل‏
: (1) أنّ مرادهم بدلالة الأمر إنّما هو اقتضاؤه و لو من غير جهة

ظهوره وضعا أو انصرافا،فضلا عن كونه من جهة الوضع.

و الشاهد ما يأتيك من حجج الطرفين من القائلين بالفور أو التراخي،

حيث إنّهم احتجّوا على ما صاروا إليه بالأصول العملية كالبراءة و الاستصحاب‏

و الاحتياط-أيضا-و ليس ذلك إلاّ لأجل أنّ مدّعاهم إثبات الاقتضاء في الجملة،

و لو من غير جهة دلالة اللفظ و ظهوره أيضا و إن احتجّوا به أيضا،فغرض‏

المثبتين لأحد الأمرين إثبات الاقتضاء لما صاروا إليه بأحد الوجوه من دلالة

اللفظ وضعا أو انصرافا و من الأصول العملية،و يكفيه واحد منها لو تمّ،و على‏

النافي إبطال جميعها،إذ مع سلامة بعضها فهو كاف في غرض المستدلّ.

فعلى هذا فلا يختصّ النزاع بصيغة الأمر،بل يعمّ كلّ ما دلّ على‏

الوجوب،بل الأمور اللبّيّة أيضا كالإجماع،و العقل،و التواتر المعنوي،إلاّ أنّ‏

بعض الوجوه المحتجّ بها في المقام لا يثمر في اللبّيّات،إذ لا لفظ فيها يتمسّك‏

بظهوره على المدّعى.

1)«الأمر الأوّل في تحرير محلّ النزاع».هكذا جاء في هامش الأصل.

123
ثمّ إنّ الفور و التراخي هل هما من قيود الطلب و من كيفيّاته،

فيكون الأوّل نظير تأكّد الطلب،و الثاني نظير رخصة الترك في الأمر الندبي،

بمعنى أنّ الطلب الفوري هو مرتبة من الطلب،و هو ما لا يرضى الآمر معه‏

بتأخير الفعل عن أوّل وقته،و كذلك الطلب مع التراخي مرتبة منه،و هو ما يكون‏

الآمر معه راضيا بالتأخير،كما أنّ الوجوب و الندب مرتبتان منه،فيكون للطلب‏

مرتبتان من حيث الرضا بالترك و عدمه،و مرتبتان من حيث الرضا بالتأخير

و عدمه،فيعبّر عنه من الجهة الأولى بالوجوب و الندب،و من الجهة الثانية

بالفور و التراخي،أو هما من قيود المادّة المعروضة للطلب و من كيفيتها،و إن‏

كان الدالّ عليهما الصيغة،كما مرّ في مسألة المرّة و التكرار،حيث جعلنا المرّة

و التكرار على القول بهما من مفاد اللفظ و من قيود المادّة.

و كيف كان فهما حينئذ لا بدّ أن يكونا بمعنى التعجيل و التأخير،فيكون‏

المراد بالأمر-على القول بكونه مقتضيا للفور-أنّه يجب الإتيان بالمأمور به‏

عجلا،و على القول بكونه للتراخي أنّه يجب موسّعا و متراخيا.

و كيف كان،فإن كان المراد بالفور هو عدم الرضا بالتأخير،و بالتراخي‏

الرضاء به،فهما من قيود الطلب و كيفياته.

و إن كان المراد بالأوّل نفس التعجيل،و بالثاني نفس التأخير،فهما من‏

قيود المادّة.

الظاهر هو الأوّل.

و يظهر الثمرة بين الاحتمالين في الفور في جواز الاحتياط و استصحاب‏

الوجوب في الآن الثاني على تقدير الترك في الآن الأوّل‏ (1) :

1)يوجد في الأصل-بعد قوله:(في الآن الأوّل)-:(فعلى أن يكون المراد)،و الظاهر أنّه عدل عنها،

و لم يشطبها.


124
فعلى الأوّل منهما يجوز كلّ منهما،فإنّ المطلوب حينئذ مطلق،و بقاء الطلب‏

و الوجوب محتمل،فيجوز الاحتياط و الاستصحاب في الآن الثاني على تقدير

الترك في الآن الأوّل.

و على الثاني منهما لا مجرى لشي‏ء منهما،فإنّ المطلوب حينئذ هو الفعل‏

مقيّدا بإيقاعه في أوّل الأزمنة،و المفروض انتفاء القيد،فيرتفع الطلب عن المقيّد

يقينا،فلا يجري شي‏ء منهما في المقام حينئذ.

ثم إنّ اتّصاف الطلب الإيجابي بكلّ من صفتي الفور و التراخي واضح،

فهل يتّصف بهما الطلب الندبي أيضا؟

الظاهر نعم،فإنّ معنى الطلب الندبي إنّما هو إظهار الشوق إلى الفعل‏

مع الرخصة في تركه،و يمكن أن يكون ذلك الشوق مشتملا على الشوق إلى‏

وقوعه في أوّل الأزمنة أيضا.

و بعبارة أخرى:إنّه يكون الآمر مشتاقا إلى وقوعه مع اشتياقه إلى‏

وقوعه في أوّل الأزمنة.

و بعبارة ثالثة:إنّ ترك الفعل رأسا في الطلب الندبي و إن كان جائزا

إلاّ أنّ الآمر على تقدير كون طلبه ذلك فوريّا يكون بحيث لا يرضى بتأخير

الفعل على تقدير إيقاع المأمور إيّاه عن أوّل الأزمنة.

و بعبارة رابعة فارسية:اينكه آمر بر تقديري كه مأمور بخواهد اتيان‏

كند بفعل راضى نيست بتأخير او از اول ازمنة اگر چه تجويز كرده است از

براى او ترك فعل را كلّيّة.

فثبت جواز اتّصاف الطلب الندبي بالفور،فإذا ثبت ذلك ثبت جواز

اتّصافه بالتراخي أيضا،فإنّه مقابل له.

فعلى هذا فيمكن تعميم النزاع بالنسبة إلى الأمر الندبي،لكن كلماتهم‏

في المقام لا تساعد عليه،بل ظاهرة في اختصاص النزاع بالإيجابي منه،لكن بعد


125
ظهور الحال في الإيجابي يظهر الحال في الندبي أيضا،لفقد ما يوجب الفرق بينهما،

فإنّ جهة الوجوب و الندب غير جهة الفور و التراخي،فلا ملازمة بينهما،فافهم.

ثمّ المراد بالفور في كلام القائلين به يحتمل وجوها:

الأوّل:ثاني زمان الصيغة،أي عدم الرضا بتأخير الفعل عنه.

الثاني:أوّل أوقات الإمكان،بمعنى عدم الرضا بالتأخير عنه.

الثالث:الفوريّة العرفية.

الرابع:الفورية المختلفة في العرف باختلاف الأفعال.

الخامس:عدم الوصول إلى حدّ التهاون.

و المراد بالتراخي ما يقابله بكلّ من الاحتمالات.

لكن الظاهر-بل المقطوع-عدم قائل بجواز التأخير إلى حدّ التهاون،

فيكون ذلك قرينة على حصر المراد في الاحتمالات الأربعة السابقة،فيظهر

ضعف ما في تفسير بعضهم إيّاه بالخامس،فتدبّر.

الثاني‏
: (1) .

قد يقال أو قيل:إنّ مقتضى الأصول اللفظيّة كون صيغة الأمر

موضوعة للقدر المشترك بين الفور و التراخي،نظرا إلى استعمالها في كل منهما،

و المفروض وجود الجامع بينهما،و الأصل حينئذ وضع اللفظ لذلك الجامع إذا أحرز

استعماله فيه أيضا،أو بدونه‏1.

و فيه:أنّه لم يقم دليل على اعتبار مثل ذلك الأصل على تسليم الصغرى‏

1الترديد إشارة إلى القولين في ذلك الأصل.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)«الأمر الثاني في تأسيس الأصل الّذي يعوّل عليه عند الشكّ و فقد الدليل على إثبات أحد

الاحتمالات».هكذا جاء في هامش الأصل.


126
في المقام.

هذا مضافا إلى إمكان منع الصّغرى أيضا،فإنّ القدر المسلّم أنّا علمنا في‏

بعض الموارد أنّ المراد هو الفور،و في بعض آخر أنّه هو التراخي،لكن لم نتيقّن‏

إرادتهما من خصوص اللّفظ،بل نحتمل استعماله في القدر المشترك،و إطلاقه‏

عليهما من باب إطلاق الكلّيّ على الفرد.

هذا مع أنّ إحراز إرادة خصوص التراخي في مورد دونه خرط القتاد،فإنّ‏

القدر الّذي يمكن العلم به في بعض الموارد إنما هو ثبوت جواز التأخير و هو

مشترك بين إرادة نفس الطبيعة اللابشرط و بين إرادة التراخي،بأن يؤخذ الإذن‏

في التأخير في مفهوم اللفظ حتّى يكون مستعملا في التراخي.

أمّا الاشتراك بينهما،فلأنّه لا ريب في ثبوت جواز التأخير على تقدير

إرادة الطبيعة اللابشرط،و لم نتيقّن أيضا استعماله في القدر المشترك،فلا يثبت‏

الصغرى على كلا القولين في الأصل المذكور.

و كيف كان،فالتمسّك بالأصل المذكور في المقام مدفوع صغرى و كبرى،

فلم يثبت به الوضع للقدر المشترك حتّى يعمل بمقتضاه عند الشكّ،و هو الحمل‏

على الطلب اللابشرط.

هذا مجمل الكلام في مقتضى الأصول اللفظية.

و أمّا العملية:فالذي يمكن جريانه في المقام ثلاثة منها:البراءة،

و الاستصحاب،و الاحتياط.

و أمّا التخيير فلا مجرى له هنا بوجه،لاختصاصه بدوران الأمر بين‏

المحذورين،و ما نحن فيه ليس منه.

فلنتكلّم حينئذ في مقتضى كلّ من الثلاثة،و في صحّتها و سقمها،فنقول:


127
مقتضى الأوّل،و هي أصالة البراءة عند الدوران بين الفور-الموجب‏

للتعدّد التكليفي‏ (1) -و التراخي أو القدر المشترك-حيث إنّه في معنى التراخي-

هو التراخي أو القدر المشترك الّذي هو في معناه،لرجوع الشكّ حينئذ إلى تعدّد

العقاب و اتّحاده،و القدر المتيقّن منه واحد،و هو استحقاق العقاب على مخالفة

الأمر في جميع الأوقات،و الزائد مشكوك،و هو استحقاقه على خصوص أوّل‏

الوقت،فيبنى على عدمه،كما أنّ مقتضاه الفور المضيّق عند دوران الأمر بينه‏

و بين التعدّد التكليفي،إذ القدر الثابت المعلوم حينئذ هو استحقاق العقاب على‏

أوّل الوقت،فيجب التعجيل فيه،و أمّا استحقاق العقاب على خصوص الآن‏

الثاني أيضا فمشكوك،فيبنى على عدمه و نفي التكليف فيه مع تأمّل فيه.

و أمّا عند الدوران بين الفور المضيّق و بين القدر المشترك،أي الطلب‏

المطلق الّذي يلزمه جواز التأخير،فيمكن أن يقال:إنّه من قبيل الشبهة

المحصورة الدائرة بين الأقلّ و الأكثر في الأمور العقلية،فيكون من دوران الأمر

بين المطلق و المقيّد1،فيكون من قبيل الشكّ في شرطية شي‏ء للمأمور به،أو

جزئيّته له في الأمور الخارجية،فعلى القول بجواز إجراء البراءة في الأقلّ و الأكثر

العقليين يجوز الحكم بنفي التكليف عن القيد المشكوك فيه اعتباره،و هو في المقام‏

الفورية،و عدم العقاب عليه،فإنّ المقدار المتيقّن من استحقاق العقاب هو

1فهو من قبيل الشكّ في التعيينيّة و التخييريّة (2) ،فيدفع الكلفة الزائدة،و هي التضيّق كالتعيينيّة (3)

لكونها مشكوكة بأصالة البراءة عن العقاب عليه،فيؤخذ بالقدر المتيقّن،و هو سببيّة ترك‏

الفعل في مجموع الوقت للعقاب،و يعمل بمقتضاه.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل هكذا:(بين الفور التعدّد التكليفي).

2)الظاهر من الأصل:(العينيّة و التخيير).

3)الظاهر من الأصل:(العينيّة).

128
استحقاقه على مخالفة الطلب المطلق رأسا،و أمّا على تلك الخصوصية فلا.

و بالجملة:إذا علم إجمالا بطلب من الشارع و شكّ في المكلّف به‏1،فإمّا

أن يكون الشكّ من قبيل الشبهة الدائرة بين المتباينين،و إمّا أن يكون من‏

الشبهة الدائرة بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين،أو من الشبهة الدائرة بين‏

الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين.

و على الأخير:إمّا أن يكون الأقلّ و الأكثر من الأمور الخارجيّة،بمعنى‏

أنّ للأكثر في الخارج أجزاء خارجية أكثر من الأقلّ،بمعنى أنّه مشتمل عليه‏

و على غيره من الأمور الخارجية،و إمّا أن يكون من الأمور العقلية،بمعنى أنّ‏

الأكثر ليس أجزاؤه في الخارج أكثر من الأقلّ،و هذا فيما إذا دار الشبهة بين‏

المطلق و المقيّد.

و الأوّل منهما:كما في الشكّ في جزئيّة شي‏ء للعبادات أو شرطيته إذا كان‏

الجزء أو الشرط من الأمور و الأفعال الخارجية كالسورة،و القنوت،و غيرهما،لا

مثل الطهارة،حيث إنّها ليست من الأمور الخارجية المحسوسة المتميّزة في الوجود

عن المشروط بها.

و الثاني منهما:كما في الشكّ في أنّ المطلوب هو الرقبة المؤمنة أو مطلق‏

الرقبة إذا علم بوجوب عتق الرقبة في الجملة،و كما في الشكّ في اشتراط صلاة

الميّت مثلا بالطهارة بعد العلم بوجوبها في الجملة.

فمنهم:من حكم بالبراءة عن الزائد مطلقا،و اقتصر في الاحتياط على‏

1اعلم أنّ الشبهة المحصورة شاع استعمالها في الشبهات الموضوعيّة،لكنّ الحكميّة أيضا-كما

في تلك الأقسام أيضا (1) -أيضا شبهة محصورة.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)الأفضل في صياغة العبارة هكذا:(لكن الحكمية-كما في تلك الأقسام-هي أيضا شبهة

محصورة).


129
المتباينين.

و منهم:من حكم بالاحتياط في القسم الثاني من القسم الأخير أيضا

و حكم بالبراءة في الأوّل منهما و في الاستقلاليين.

و منهم:من حكم بالاحتياط في القسم الأخير بكلا قسميه كما في‏

المتباينين،و اقتصر في البراءة على الاستقلاليين.

و جواز الرجوع إلى البراءة فيما نحن فيه-حيث إنّه من القسم الثاني‏

من القسم الأخير-إنّما هو على القول الأوّل.

و يمكن الفرق بين ما نحن فيه و بين المطلق و المقيّد،بأنّ المكلف يقطع‏

هناك في زمان بترتّب العقاب على ترك الفعل بما علم من أجزائه و شرائطه،

بخلافه فيما نحن فيه.

و بعبارة أخرى:إنّه قاطع هناك في زمان باستحقاق العقاب على ترك‏

المطلق بما علم من قيوده و كونه سببا له و لو في آخر الوقت إذا كان الأمر به‏

موسّعا،بخلافه في المقام،فإنّه لا يقطع بكون ترك المطلق بما علم من قيوده سببا

لاستحقاق العقاب في زمان أصلا،لا في الزمان الأوّل،لاحتمال جواز التأخير،

و لا في الآن المتأخّر لاحتمال كون التكليف به فوريّا موقتا بالأول يفوت بفوات‏

وقته،فيخرج عن باب المطلق و المقيّد،و منشأ الفرق إنّما هو كون الشكّ ناشئا

عن غير جهة الزمان ثمة،و عنه هنا.

و بعبارة أخرى:إنّ المشكوك الاعتبار ثمّة من غير الزمان،و هنا منه.

أقول:فرق آخر بين المقامين ينشأ مما ذكر و إن كان لا يوجب اختلاف‏

الحكم،و هو أنّه يمكن التفكيك بين المطلق و المقيّد في زمان ثمة،بخلافه هنا حيث‏

إنّه نفس الزمان،و انفكاكه عن نفسه غير معقول.

هذا،لكن لا يخفى ما في الفرق المذكور،فإنّ الظاهر-بل المقطوع-

دخول المقام في الطلق و المقيد،فإنّ الشكّ فيه في أنّ المطلوب نفس الفعل من‏


130
غير تقيّده بإتيانه في الآن الأول،أو أنّه هو مع تقيّده به،و لا ريب أنّ المقيّد قد

يكون قيده من غير الزمانيّات،و قد يكون منها،و عدم حصول القطع هنا

باستحقاق العقاب في زمان إنّما هو لازم كون القيد نفس الزمان،و ليس المعتبر

في المطلق و المقيّد هذا القطع.

و كيف كان،فعلى القول المذكور يجوز نفي اعتبار الفورية و العقاب‏

على تركها،إلاّ أنّ جريان أصالة البراءة في الزائد في مطلق الأقلّ و الأكثر

الارتباطيين بعد محل تأمّل،فإنّه إنّما يجري فيما إذا كان الشكّ في الزائد راجعا

إلى البدوي،و كان الأقلّ متيقّنا في التكليف به نفسه كيف كان،فينحلّ المعلوم‏

الإجمالي إلى المعلوم التفصيليّ،و هو الأقلّ،و يكون الشكّ في الزائد بدويّا يرجع‏

فيه إلى البراءة لكون التكليف به من غير بيان،و الالتزام بذلك فيهما مشكل‏

مطلقا فإنّ الأقلّ حقيقة دائر بين ان يكون مطلوبا نفسا،أو جزء من المطلوب،

و لا ريب أنّ الجزء مطلوبيته مقدّميّة،فليس هو مطلوبا حقيقة،فلا يتيقّن كون‏

الأقلّ مطلوبا كيف كان حتى ينحلّ المعلوم الإجمالي إليه و يرجع في الزائد إلى‏

أصالة البراءة،فيكون الحال فيهما اذن كالحال بين المتباينين،فيجب الاحتياط

بإتيان الزائد أيضا،فتدبّر.

ثمّ على تقدير جواز إجراء البراءة في اعتبار الفوريّة،و تأخير المكلّف‏

الفعل عن أوّل‏1الأزمنة،فربّما يتخيّل أنّ الحكم حينئذ نظير الحكم في المطلق‏

و المقيّد2مع تعذّر القيد في أوّل الوقت من الرجوع إلى أصالة البراءة في نفي‏

1أي أوّل زمان الفور،و هو الزّمان المتأخّر عن زمان الأمر،أو أوّل أزمنة الإمكان،أو الفور

العرفي،إلى آخر الاحتمالات في المراد بالفور.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2اعلم أنّ كون المقام نظير ما ذكر على فرض تأخير المكلّف الفعل عما هو المعتبر في الفوريّة،

و هو أوّل الأزمنة بعد الأمر أو أوّل أزمنة الإمكان بعده إلى آخر الاحتمالات في المراد بالفور،

فلو كان المراد به أوّل أزمنة الإمكان فالتأخير معتبر بالنسبة إليه،و لا عبرة بتعذّر القيد قبله،

بل العبرة بتعذّره أوّل أزمنة إمكان المكلّف من الإتيان بأصل الفعل،و كذا لو كان المراد به‏

الفوريّة العرفيّة بكلا احتماليها،فالتعذّر معتبر عليهما،و لا عبرة به قبلهما،فافهم.لمحرّره عفا

اللَّه عنه.


131
التكليف في ثاني الحال أيضا،فإنّه كما يحكم ثمّة بنفي التكليف و عدم العقاب رأسا

بعد تعذّر القيد في أوّل الوقت لاحتمال كون المكلّف به هو المقيّد لا المطلق،و لا

ريب أنّه على تقديره لا يمكن التكليف به حينئذ،لعدم القدرة عليه،فيكون‏

التكليف مشكوكا لذلك رأسا،فيرجع إلى أصالة البراءة عن العقاب عليه،

فكذلك في المقام،فإنّ التكليف بالفعل في المقام بالنسبة إلى الآن الأوّل كان‏

مشكوكا،لاحتمال جواز التأخير،فيحكم بعدمه فيه لذلك،و كذلك الآن الثاني،

فإنّه فيه أيضا مشكوك فيه،لاحتمال كون المكلّف‏به‏هو المقيّد بالآن الأوّل،

و قد تعذّر ذلك القيد،لامتناع عود الزمان الأول الّذي هو القيد،فيرجع حينئذ

أيضا إلى أصالة البراءة،فيكون الحاصل الرجوع إليها في نفي التكليف رأسا.

نعم الفرق بين المقامين أنّ المكلّف إن ترك الفعل في الآن الثاني يقطع‏

بمخالفة التكليف إجمالا إما بهذا الترك،أو بتركه في الآن الأوّل،لكنّه لا يقطع‏

تفصيلا بكون خصوص واحد من التركين عصيانا،فإنّه فرع العلم بكون ما

يفعله أو يتركه بخصوصه منجّزا عليه فعلا،و لا دليل على وجوب الموافقة

الاحتمالية،أو التحرز عن حصول العلم بموافقة الواقع في واقعتين.

لكنّ الحقّ فساد هذا التخيّل،و أنّ المقام من قبيل الشكّ في المكلّف به‏

المردّد بين المطلق و المقيّد مع تعذّر القيد بعد التمكّن منه،فإنّه في الآن الأوّل كان‏

متمكّنا من الإتيان بالفعل فيه،فتعذّر القيد،و هو الآن الأوّل بعد التمكّن منه،

و لا شبهة حينئذ في وجوب الإتيان بالفعل في الآن الثاني،فإنّ المكلّف قطع‏

بالتكليف بذات المطلق،و هو الأقلّ في الآن الأوّل،إلاّ أنّه لما لم يتيقّن بمدخلية

الآن الأوّل و كان الشكّ فيه بدويّا،فيرجع إلى الأصل في العقاب عليه و التكليف‏


132
به،و بعد ثبوت التكليف و القطع به لا بدّ من رفعه بالامتثال قطعا،أو احتمالا على‏

تقدير تعذّر القطعي،أو لتجويز الشارع-و لو بلسان العقل-ترك القطعيّ مع‏

التمكّن منه.

و إن شئت قلت:إنّه في الآن الأوّل قطع بتكليف عليه مردّد بين‏

الآن الأوّل و المتأخّر،فلا بدّ من رفعه بالامتثال القطعي أو الاحتمالي على نحو ما

مرّ،و لمّا كان المفروض جريان أصالة البراءة في الآن الأوّل بحكم العقل،بل‏

الشرع أيضا بمقتضى أخبار البراءة،و كان لازمه رفع اليد عن الامتثال القطعي،

فترك الامتثال القطعي لذلك،و أمّا الاحتمالي و دفع المخالفة القطعية له،فلا يلزم‏

منه،بل يجب بحكم العقل حينئذ الخروج عن المخالفة القطعية للتكليف المعلوم،

دفعا لاحتمال العقاب.

و كيف كان،فما نحن فيه من قبيل الشبهة المحصورة التي تلف أحد

أطرافها بعد العلم الإجمالي،فإنّ المكلّف عالم في المقام إجمالا بتكليف عليه في‏

مجموع الزمنين مردّد كونه تكليفا بالفعل في خصوص الزمان أو مطلقا،فالزمان‏

الأوّل من أطراف العلم الإجمالي،و لا ريب أنّ تعذّره بعد كونه من أطرافه،فيجب‏

الاحتياط بامتثال الطرف الآخر،كما في ثمّة بحكم العقل.

و إن شئت قلت:إنه من قبيل الشبهة المحصورة التي جاز تناول أحد

أطرافها لقيام أصل شرعي عليه،و تنظيره عليه أوفق،و إن كان حكمه لا يختلف‏

و لا يخالف التي تلف بعض أطرافها بعد العلم الإجمالي،فإنّه في المقام جاز مخالفة

الفورية التي هي أحد طرفي الشبهة بحكم أصالة البراءة المحكوم بها عقلا

و شرعا،لكنّه جواز ارتكاب أحد الأطراف لا يوجب ارتفاع حكم العلم‏

الإجمالي،بل يتعيّن الاحتياط في الطرف الآخر.

نعم لو قام أمارة معتبرة شرعا-على تعيين المعلوم الإجمالي و تخصيصه‏


133
بموردها-لجاز (1) تناول الطرف الآخر،لكون الشكّ فيه حينئذ بدويّا بحكم‏

الشارع.

هذا كلّه في الشبهة الحكمية،و هي الشكّ في مراد الشارع من الفورية أو

جواز التأخير،إمّا لعدم نصّ أصلا-كما إذا ثبت وجوب الفعل بدليل لبّي،و دار

الأمر فيه بين الاحتمالين-أو لإجماله،أو لوقوع التعارض بينه و بين غيره.

ثمّ إنّه قد يقال بوجوب المبادرة و الإتيان بالفعل فورا على القول‏

بإفادة الأمر القدر المشترك أو1إحراز كون المراد هو طلب الفعل من غير تقيّد

فيه بالفورية،و ذلك أنّا حينئذ و إن أحرزنا مراد الشارع و لم يكن الشبهة من جهة

الحكم،بل هو معلوم،لكن لمّا كان الطلب المطلق المجوّز تأخيره واقعا عن أوّل‏

الأزمنة مغيا بآخر أزمنة التمكّن من إتيان الفعل،بمعنى أنّه لا يجوز واقعا

تأخيره عن ذلك الوقت،بحيث لو تركه فيه يستحقّ العقاب عليه،لكون الترك‏

حينئذ مستندا إلى المكلّف،حيث إنّه أخّره عن أوّل الوقت مع تمكّنه من إتيانه‏

فيه،فيكون الترك مستندا إلى فعله الاختياري،و هو التأخير مع تمكّنه من‏

التعجيل،فلا يكون معذورا فيه،و إطلاق الطلب لا يكون مستلزما للرخصة واقعا

إلى زمان تعذّر الإتيان،بل إنّما هو مستلزم له إلى آخر أزمنة التمكّن،فيكون‏

تفويت المأمور به عند تعذّره تفويتا له من غير مرخّص شرعي،فلا يكون‏

معذورا فيه،فيستحقّ العقاب عليه لو اتّفق.

و لا ريب انه ليس للمكلّف سبيل إلى إحراز آخر أزمنة التمكّن الّذي‏

يجوز له التأخير إليه،فإنّ إطلاق اللفظ لا يمكن كونه معيّنا للمصداق الخارجي‏

1الترديد إشارة إلى صورة كون الدليل على الوجوب غير اللفظ.و كيف كان،فحاصل المقصود

من العبارتين أنّ المكلّف بعد ما أحرز كون الطلب غير مقيّد بالفوريّة فيجب عليه المبادرة كما

في صورة تقيّده بها،لجريان قاعدة الاشتغال في المقام.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:فيجوز.

134
المشتبه كونه مصداقا له،فلو أخّره عن أوّل الأوقات مع احتمال تعذّره في المتأخّر

من الأزمنة،فاتّفق تعذّره حينئذ،فهو مؤخّر له‏ (1) عن وقته المستلزم لفوته من غير

مرخّص شرعي،فلا يكون معذورا حينئذ،فيستحقّ العقاب عليه،و لازم ذلك‏

-بحكم العقل-لزوم المبادرة إليه مع احتمال التعذر فيما بعد مع اشتباه زمان التعذّر

فيما بين الأزمنة المتأخّرة دفعا للعقاب المحتمل.

و كيف كان،ففي صورة الشبهة الحكمية و إن‏كان‏مقتضى حكم‏

العقل جواز التأخير،و عدم وجوب المبادرة،إلاّ أنّ الشبهة الموضوعية-أعني‏

اشتباه آخر أزمنة التمكّن الّذي يجوز التأخير إليه واقعا-مجرى للاشتغال بحكم‏

العقل-كما عرفت-لما عرفت.

و الفارق بين الصورتين:أنّه لمّا كان بيان الحكم لازما على الشارع‏

فمهما لم يعلم البيان يقبح العقاب بحكم العقل،فلذا يحكم بجواز التأخير في‏

الشبهة الحكمية،حيث إنّ بيان الحكم من شأن الشارع،و يكون لازما عليه،هذا

بخلاف الشبهة الموضوعيّة فإنّه ليس على الشارع تعيين المصداق المشتبه،فعدم‏

بيانه له لا يكون عذرا عند العقل ليكون التأخير لأجله تأخيرا لمرخّص،

فيكون العقاب محتملا لأجل التأخير،و الاشتغال اليقيني بالتكليف يقتضي عقلا

الخروج من عهدة العقاب عليه كذلك،و يقبح الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية مع‏

التمكّن من العلمية،مع احتمال العقاب على الأوّل،فيجب المبادرة دفعا لضرر

العقاب المحتمل.

و من هنا ظهر ضعف ما ربما يتوهّم من أنّ موضوع قاعدة الاشتغال‏

إنّما هو احتمال العقاب،فيحكم العقل حينئذ تحصيلا للأمن منه،لكن احتماله‏

منفيّ في المقام بحكم العقل،فإنّ المكلّف شاكّ في أوّل الوقت في تنجّز التكليف‏

1)في الأصل:متوخر له..

135
عليه و كون الترك حينئذ منشأ للعقاب،فيرجع إلى أصالة البراءة حينئذ،فينتفي‏

احتمال العقاب،فلا يبقى لقاعدة الاشتغال حينئذ موضوع.

و توضيح الضعف:أنّ العقل إنّما يحكم بنفي العقاب من باب قبح‏

صدوره من الشارع من غير بيان،و هذا لا يكون إلاّ فيما إذا كان البيان من‏

شأنه،فيختصّ بالشبهة الحكمية،و لا يعمّ الموضوعيّة لعدم لزوم البيان عليه فيها،

فلا يقبح العقاب،فإذا لم يقبح فلا يحكم العقل بانتفاء احتمال العقاب،لأنّ نفي‏

الممكن بالذات إذا كان من مقولة العقاب لا يكون إلاّ بقبح صدوره منه،

و المفروض عدم قبحه عليه في صورة المخالفة المسبّبة عن التأخير في الشبهة

الموضوعية فلا ينتفي احتمال العقاب،فيتحقّق موضوع قاعدة الاشتغال.هذا.

قال-دام ظلّه-و نعم ما قال:إنّ الّذي ذكر في غاية المتانة

و الحسن،لو لا استصحاب بقاء التمكّن من الفعل إلى الزمان المتأخّر المشكوك‏

فيه التمكّن.

لكن الحق جريانه في المقام،فيحرز به موضوع التمكّن في الآن‏

المتأخّر،فيكون التأخير حينئذ لمرخّص شرعيّ هو الاستصحاب،و معه لو اتفق‏

التعذّر،و ترك المأمور به،فهو معذور فينتفي احتمال العقاب،فيرتفع موضوع‏

الاشتغال.

هذا،مع أنّه يمكن التمسّك بأصل البراءة في إثبات جواز التأخير،نظرا

إلى أخبار البراءة العامّة للشبهات الموضوعيّة،بل غالبها واردة فيها،فإنّ‏

المفروض الشكّ في كون الآن الأوّل هو زمان التمكّن من الفعل لا غير،بمعنى‏

انحصاره فيه،فلا يجوز التأخير عنه،فيحكم بعدم حرمة التأخير،كما في المائع‏

المردّد بين كونه خمرا أو خلا مثلا،إذ لا شبهة في جواز الرجوع إلى أصالة البراءة

بمقتضى الأخبار العامّة للشبهات الموضوعيّة أيضا.

نعم هي-من باب حكم العقل-تختصّ بالشبهات الحكمية،حيث إنّها


136
مبنيّة حينئذ على لزوم قبح العقاب المتوقّف على ترك البيان اللازم،و أمّا من باب‏

الأخبار فهي تعبّد من الشارع و رخصة منه في الارتكاب فيتّبع حينئذ ما ثبت فيه‏

التعبّد،إن في مورد ففيه،أو مطلقا فمطلقا،و لا شبهة في ثبوته مطلقا،فيكون‏

التأخير عن أول الوقت حينئذ بترخيص الشارع المؤمّن من العقاب،فلا مجرى‏

للاشتغال.

و كيف كان،فقاعدة البراءة التعبّدية مع الاستصحاب كذلك يقتضيان‏

جواز التأخير،فينفيان احتمال العقاب،فلا مورد للاشتغال،فعلى هذا فالقاعدة

الأوّلية جواز التأخير ما لم يقطع بكون الوقت آخر أزمنة الإمكان.

و هل ثبت دليل وارد على القاعدة الأوّلية،و على انقلابها في المقام مطلقا

أو في الجملة؟

الحق:نعم في الجملة.

و بيانه:أنّ التمكّن من الفعل فيما بعد من الأمور المستقبلة،و لا ريب أنّ‏

باب العلم إليها منسدّ غالبا،فذلك أوجب اعتبار الظنّ فيها بحكم العقل‏

و العقلاء.

ألا ترى أنّهم يحكمون بلزوم دفع الضرر المظنون وقوعه فيما بعد1،

و كذلك يكتفون في أفعالهم و تجاراتهم و أسفارهم إلى البلدان البعيدة بالظنّ‏

بالسلامة.

و كيف كان،فاعتبار الظنّ في الأمور المستقبلة ممّا لا ريب فيه،و ما نحن‏

فيه منها،فيكون الظنّ حجّة في إحراز آخر أزمنة التمكّن،فيكون واردا على‏

القاعدة الأوّلية في مورده،فلا يجوز التأخير حينئذ،فلا عذر في دفع العقاب على‏

1و لو لا اعتبار الظنّ للزم الوقوع في المضارّ الكثيرة،فإنّه لا يعلم بها إلاّ بعد الوقوع فيها.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.


137
تقدير المخالفة لو أخّر حينئذ.

فالحال في الأوامر المطلقة بالنسبة إلى آخرأزمنةالتمكّن كالحال في‏

الأوامر الموقّتة بالوقت الموسّع بالنسبة إلى ضيق الوقت الّذي لا يجوز التأخير

عنه،فإنّ الظنّ بالضيق هناك معتبر قائم مقام العلم به،و وارد على استصحاب‏

بقاء الوقت،إلاّ أنّه فرق بين المقامين من وجه،و هو أنّ الاستصحاب في المقام ممّا

لا شبهة لنا في جريانه و اعتباره،حيث إنّ المستصحب فيه-و هو التمكّن-من غير

الزمانيّات،بخلافه ثمّة،فإنّ جريانه فيه حيث إنّ المستصحب نفس الزمان بعد

محلّ تأمّل،فتأمّل.


138^139
بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

ربّ وفقني و جميع الطالبين،و زدني علما و عملا،و ألحقني بالصالحين‏

بمحمّد صلى اللَّه عليه‏و آله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين‏

عليهم السلام.

القول في مسألة الإجزاء

و قبل الخوض فيها لا بدّ من تقديم أمور.

الأوّل‏
:قد عنون جماعة الخلاف فيها بأنّ الأمر هل يقتضي الإجزاء

أو لا؟

و زاد بعض هؤلاء:(إذا أتى المأمور بالمأمور به على وجهه)،و لا بدّ منه كما

سيتّضح وجهه عن قريب.

و عنونه بعض:بأنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أو

لا؟

و ظاهر الأوّل-نظرا إلى إسناد الاقتضاء إلى الأمر الظاهر في الطلب‏

بالقول-رجوع النزاع إلى دلالة الأمر،كما أنّ الظاهر من الثاني-بالنظر إلى‏

إسناده فيه إلى الفعل-رجوعه إلى علّية الإتيان بالمأمور به للإجزاء عقلا،فإنّ‏

الاقتضاء:تارة يطلق على الدلالة كما في قولهم:(الأمر يقتضي الوجوب)مثلا،

و أخرى على التأثير و العلّية،و منه المقتضي في لسان أهل المعقول،حيث إنّه في‏

اصطلاحهم عبارة عما يقابل الشرط و هو المؤثّر في المعلول،و من المعلوم أنّه‏


140
بالمعنى الثاني لا يعقل نسبته إلى الأمر1،كما أنّه بالمعنى الأوّل لا يصحّ نسبته‏

إلى الفعل،و صريح التحرير الثاني أنّ المسألة عقلية،كما أنّ ظاهر الأوّل أنّها

لفظية.

و يؤيّده-بل يدلّ عليه-ما ادّعاه بعضهم من انحصار محلّ النزاع فيها

في اقتضاء الأمر الثاني‏2للإجزاء بالنسبة إلى الأمر الأوّل الواقعي،فإنّه بعد

الفراغ عن اقتضاء كلّ أمر للإجزاء بالنسبة إلى نفسه إذا أتى بمتعلّقه الواقعي‏

على وجهه يرجع النزاع-في اقتضاء الأمر الثاني للإجزاء بالنسبة إلى الأمر

الأوّل الواقعي-إلى أنّه هل يدلّ على انقلاب التكليف الواقعي-حال العذر

أو الجهل-إلى متعلّق ذلك الأمر الثاني،بمعنى دلالته على بدلية متعلّقه عن‏

المأمور به الواقعي حال العذر أو الجهل،حتّى يكون هو المأمور به فعلا للأمر

الواقعي،فيحصل الإجزاء بالنسبة إليه لكونه حينئذ داخلا في مورد الاتّفاق،و هو

إجزاء كلّ أمر بالنسبة إلى نفسه إذا أتى بمتعلّقه و المأمور به بذلك الأمر فعلا

على وجهه،أو لا؟فلا يحصل الإجزاء بالنسبة إليه،فيرجع هذا النزاع إلى دلالة

الأمر الثاني على بدلية متعلّقه عن المأمور به الواقعي حال العذر أو الجهل‏

و عدمها بعد الفراغ عن ثبوت الملازمة عقلا بين الإتيان بالفعل المأمور به بأمر

على وجهه و بين الإجزاء بالنسبة إلى ذلك الأمر،فتكون المسألة حينئذ لفظية لا

عقلية،كما أنّ النزاع فيها يكون صغرويا لا كبرويا،كما لا يخفى.

1نعم الأمر من شروطه،حيث إنّ الفعل المعنون بالعنوان المنتزع منه يؤثّر في الإجزاء لا مطلقا،

و أمّا التأثير فهو مستند إلى نفس الفعل لا إليه.

هذا مع أنّ في كون الأمر أيضا شرطا له نظرا،بل منعا،بل الشرط هو الطلب فإنّ المؤثّر هو

الفعل المطلوب،كما سيجي‏ء توضيحه.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2المراد به هو الأعمّ من الأمر الظاهري الشامل للأمر الثانوي الواقعي،كالصلاة مع اليأس‏

عن زوال المانع إلى آخره على القول بجوازها حينئذ.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


141
و الحاصل:أنّ إثبات اقتضاء الأمر الثاني للإجزاء بالنسبة إلى الأمر

الأوّل الواقعي مبنيّ على مقدّمتين:

إحداهما:أن يدلّ هو على بدلية متعلّقه عن المأمور به الواقعي و انقلاب‏

الأمر الواقعي إلى متعلّقه بالفعل.

و ثانيتهما:أن يثبت الملازمة عقلا بين الإتيان بالمأمور به بأمر بالفعل‏

على وجهه و بين الإجزاء بالنسبة إلى ذلك الأمر.

فإذا فرض الاتّفاق على الثانية و خروجها عن محلّ الخلاف يكون‏ (1)

مورده منحصرا في الأولى،فيكون المسألة لفظية،و يشعر به إيرادهم لها في باب‏

الأوامر.

هذا،لكن الإنصاف عدم ثبوت الاتفاق المذكور،بل حكي عن‏

بعض من العامّة1خلاف ما ادّعي الاتفاق عليه‏2،فالظاهر ثبوت الخلاف في‏

المقامين و إن كان في أحدهما هنا.

فيظهر من ذلك رجوع التحرير الأوّل في المعنى إلى الثاني و أنّ المراد

باقتضاء الأمر ليس دلالته لفظا بإحدى الدلالات الثلاث،بل المراد دلالته على‏

1و هو أبو هاشم و عبد الجبّار على ما حكي عنهما.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2نعم المخالف فيه شاذّ لا يعبأ به،فلذا ترى الفقهاء يتعرّضون لتلك القضية-و هي أنّ الأمر

يقتضي الإجزاء،أو لا يقتضيه-في مقام نفي الإعادة و القضاء،أو (2) إثباتهما في الأمر الثاني عند

انكشاف مخالفة متعلّقه للواقع أو زوال العذر،فمنهم من يستدلّ بها على نفي الإعادة و القضاء،

و منهم من ينكرها،و أمّا فيما،إذا أتى بالمأمور به واقعا على وجهه فلم يقل أحد منهم حينئذ بعدم‏

الإجزاء،و كذا إذا أتى بالمأمور به بالأمر الثانوي الواقعي أو الظاهري،فلم يقل أحد منهم‏

بعدم الإجزاء بالنسبة إلى نفس ذلك الأمر،و سيأتي توضيح ذلك،فانتظر.

1)في الأصل:فيكون...

2)في الأصل:أو على إثباتهما.

142
الإجزاء عقلا،فمدّعي الدلالة نظره إلى ثبوت الملازمة بين الإتيان بالفعل‏

المطلوب على وجهه و الإجزاء عن التعبّد به ثانيا بالنظر إلى هذا الطلب المتعلّق‏

به،فإنّه إذا ثبت تلك الملازمة-بين الإتيان بالفعل المطلوب بعنوان كونه مطلوبا

و بين الإجزاء-يكون‏ (1) الطلب المتعلّق به دالاّ بالدلالة الالتزامية العقلية على‏

الإجزاء،فيكون ما دلّ على الطلب-و هو الأمر-دالاّ عليه كذلك،نظير دلالته‏

على وجوب المقدّمة و على النهي عن ضدّ الواجب على القول بهما.

و مدّعي عدمها نظره إلى منع تلك الملازمة،إذ بدونها ينتفي الدلالة

المذكورة.

و الحاصل:أنّ محطّ النّظر في كلّ من التحريرين إلى تلك الملازمة.

و أمّا إيرادهم للمسألة في باب الأوامر فإنّما هو من باب مناسبة ما بينهما،

نظرا إلى أنّ الغالب من الطلب ما يكون باللفظ نظير إيراد مسألتي مقدّمة

الواجب و اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن الضدّ فيها.

فظهر أنّه يصحّ تحرير الخلاف بأيّ من التحريرين و إن كان الثاني منهما

أطبق بالمقصود (2) ،لعدم مدخلية الأمر فيه أصلا.

نعم كون الإتيان بالفعل المطلوب مؤثّرا في الإجزاء إنّما هو بعد تعلّق‏

الطلب به،لأنّه بهذا العنوان المنتزع منه يؤثّر فيه لا مطلقا،كما في الصلاة قبل‏

وجوبها،فإنّها لا تقتضيه قطعا،فالطلب من شروط الاقتضاء،فافهم.

ثمّ إنّ تقييد بعض من عنوان الخلاف على التحرير الأوّل بقوله:(إذا أتى‏

بالمأمور به على وجهه)لأجل أنّ الأمر لا يدلّ على الأجزاء على القول به مطلقا،

بل تختصّ دلالته عليه بذلك التقدير كما هو واضح،و هذا القيد مطويّ في نظر

1)في الأصل:فيكون..

2)الصحيح:(أكثر مطابقة للمقصود).،لأنّ اشتقاق أفعل التفضيل من الفعل الرباعي غير

قياسي.


143
المطلقين أيضا.

الثاني‏
(1) :قد عرفت أنّه ليس الغرض قصر النزاع في خصوص الطلب‏

بالقول،بل يعمّ كلّ طلب،لكن اقتصارهم على ذكر الأمر من جهة إغناء الكلام‏

فيه عن سائر أقسام الطلب لاتّحاد المناط في الكلّ.

فهل النزاع في المقام في الطلب الواحد و في اقتضائه للإجزاء بالنسبة إلى‏

نفسه،أو يعمّ الطلب الواقعي الثانوي بالنسبة إلى الطلب الأوّل الواقعي،و كذا

الظاهري بالنسبة إليه،أو يختصّ بالطلب الثاني الشامل للواقعي الثانوي‏

و الظاهري بالنسبة إلى الواقعي الأوّلي؟

ظاهر استدلال بعض القائلين بالإجزاء-بأنّه لولاه لزم طلب الحاصل-

يفيد الأوّل،و ظاهر الفقهاء في أبواب الفقه هو الأخير،حيث إنّهم يتعرّضون‏

لتلك القضية،أعني قولهم:(الأمر يقتضي الإجزاء،أو لا يقتضيه)في موارد أوامر

أولي الأعذار إذا فرض إتيان المكلّف بما أمر به حال عذره في أوّل وقته مع اليأس‏

عن زوال العذر إلى آخره على القول بجواز التقديم،و كذا في موارد الأوامر

الظاهرية،فانكشف زوال العذر قبل مضيّ الوقت في الأوّل،و مخالفة المأتيّ به‏

للمأمور به الواقعي في الثاني،و حينئذ فمنهم من استدلّ بتلك القاعدة على إجزاء

المأتيّ به حال العذر أو الجهل بالنسبة إلى الأمر الواقعي الأوّلي،و منهم من‏

أنكرها،و حكم بوجوب الإعادة فيهما لاقتضاء الأمر الأوّل لها حينئذ و بوجوب‏

القضاء-في الأوّل إذا لم يعد إلى أن خرج الوقت،و في الثاني إذا تبيّن المخالفة

بعد الوقت أو قبله مع تأخير الفعل ثانيا إلى ما بعده-إمّا بمقتضى الأمر

الأوّل،أو بأمر آخر على اختلاف القولين في دليل القضاء.

1)جاء في هامش الأصل هنا:(الأمر الثاني في بيان المراد من مفردات كلماتهم الواقعة في تحرير

النزاع تبصرة في المقام و توضيحا للمرام).


144
و أمّا كفاية الإتيان بالفعل المأمور به بأمر حال بقاء ذلك الأمر عن نفس‏

ذلك الأمر فلم ينكرها أحد منهم قط،و لم يوجب أحد منهم الإعادة أو القضاء في‏

ذلك قطعا،فيظهر من ذلك أنّ مورد الخلاف في ثبوت تلك القضية و نفيها إنّما هو

الأمر الثاني بالنسبة إلى الأمر الأوّل الواقعي لا غير.

لكن الإنصاف عموم الخلاف للمقامين،كما أشرنا إليه سابقا:

أمّا ثبوته في الثاني فظاهر للمتتبع في الفقه،حيث إنّه يجد أنّه ليس شي‏ء

من الإجزاء أو عدمه فيه متفقا عليه بينهم،بل ذهب إلى كل فريق.

مضافا إلى كفاية ملاحظة بعض أدلتهم المذكورة في الأصول المختصّ به،

كما سيأتي إن شاء اللَّه.

و أمّا ثبوته في الأوّل أيضا فلما حكي عن بعض العامّة إنكار اقتضاء

الإجزاء فيه-كما أشرنا إليه سابقا-و إن كان المشهور فيه ثبوت الاقتضاء.

و بالجملة:وضوح ثبوت الخلاف في الثاني يكفي في نفي اختصاصه‏

بالأوّل مع أنّ الثاني أولى بالاختصاص لقلّة المخالف في الأول و ندرته إلى حيث‏ (1)

ادّعى بعضهم الاتفاق عليه،فلا بدّ من صرف الدليل المذكور إلى أنّ المراد

إقامته على بعض أفراد محلّ النزاع لا على تمامه،كما أنّ ثبوت خلاف في الأول‏

أيضا ينفي اختصاصه بالثاني.

و الحاصل:أنّ المتأمّل في مجموع أدلة الطرفين مضافا إلى حكاية

الخلاف في الأوّل و وضوحه في الثاني يجد ثبوته في المقامين،و نحن أيضا نتعرّض‏

لكلّ منهما بما فيه من الأدلّة بما فيها،فانتظر.

ثمّ المراد بالاقتضاء:فقد عرفت أنّه الدلالة على التحرير الأوّل،

و التأثير على الثاني،و قد عرفت-أيضا-أنّ النزاع هنا في الالتزام العقلي،

1)كذا،و الأجود:بحيث...-أو-إلى حدّ...

145
فيناسب أن يكون المراد من اقتضاء الأمر للإجزاء في محلّ النزاع هو دلالته على‏

امتناع وقوع التعبد ثانيا بالفعل المأمور به بأمر بعد الإتيان به على وجهه من‏

جهة ذلك الأمر بأن يطلب التعبّد به ثانيا لذلك الأمر و من جهته بعد الإتيان به‏

على الوجه الّذي أمر به بذلك الأمر سواء كان ذلك التعبّد ثابتا بذلك الأمر أو

بدليل آخر.

و بعبارة أخرى:إنّ المراد به كما حكي عن بعض و اختاره-دام ظلّه-

أنّ الأمر يدلّ على امتناع ورود دليل على التعبّد بالفعل المأمور به ثانيا من‏

جهة هذا الأمر بعد الإتيان به على وجه سواء كان ذلك الدليل هو ذلك الأمر

-بأن يراد حينئذ منه هذا-أو دليل آخر.

و العبارة الأولى أوفق بالمراد و أوضح دلالة عليه،فالقائل بعدم الإجزاء

على هذا يقول:إنّه لا يقتضي ذلك الامتناع،بل يمكن معه التعبّد به ثانيا كذلك.

و قد يقال:إنّ المراد به هو أنّ الأمر لا يقتضي التعبّد بالفعل ثانيا على‏

الوجه المذكور،فعلى هذا فالقائل بعدم الإجزاء لا بدّ أن يقول بأنّه يقتضي ذلك‏

التعبّد ثانيا،لا ما ذكره المحقّق القمّي-رحمه اللَّه- (1) من أنّه يقول:لا مانع من‏

اقتضائه ذلك في الجملة،إذ محصّله أنّ مراد هذا القائل:أنّه يحتمل أن يدلّ الأمر

على التعبّد به ثانيا،و منشأ هذا الاحتمال عدم المانع منه،و هو كما ترى.

و بالجملة:فمقابل أحد طرفي النقيض إنّما هو الطرف الآخر،فالنافي‏

لعدم الاقتضاء و الدلالة لا بدّ أن يكون مثبتا له،لا محتملا له،فإنّه ليس نقيضه‏

كما لا يخفى هذا.

و كيف كان،فعلى هذا الاحتمال في المراد من الاقتضاء يكون القائل‏

بالإجزاء عين القائل بعدمه على الاحتمال الأوّل كما لا يخفى،و لعلّ الظاهر منه‏

1)قوانين الأصول 1-131.


146
في المقام هو الاحتمال الأوّل،لكونه هو المناسب لكونه موردا للبحث.

هذا،مضافا-إلى ما سيأتي من الإشكال على الاحتمال من عدم الفرق‏

معه بين هذه المسألة و بين مسألة أنّ القضاء بالأمر الأوّل،أو بأمر جديد.

هذا،لكن الإنصاف عدم انطباق جميع الأدلّة على الاحتمال الأوّل،

بل لا يجري بعضها إلاّ على الثاني-كما سيجي‏ء إن شاء اللَّه-فمحلّ النزاع‏

غير محرز،فلا بدّ إذن من تشقيق صور المسألة بتحقيق الحال في كل منها،و أنّ‏

أيّتها يجري فيها الأوّل،و أيّتها تختصّ بالثاني،و سيأتي ذلك عن قريب إن شاء

اللَّه.

ثمّ الإجزاء في اللغة:هي الكفاية،و الظاهر عدم ثبوت النقل فيه في‏

الاصطلاح،إذ من الظاهر أنّ تحرير هذه المسألة إنّما هو لأجل تحقيق الحال في‏

القضية المعروفة في لسان الفقهاء-في موارد الاستدلال على كفاية الفعل و كونه‏

مسقطا للإعادة و القضاء-من قولهم:(الأمر يقتضي الإجزاء).

و الظاهر أنّ مرادهم من الإجزاء هو المراد منه في أخبار الأئمة-عليهم‏

السلام-الموافق لمعناه اللغوي،و أمّا التعبير عنه في المسألة بما يأتي فإنّما هو من‏

باب التعبير باللازم،كما لا يخفى على المتفطّن.

ثمّ إنّه قد يعبّر عنه في المقام:تارة بكون الفعل المأمور به مسقطا

للتعبّد به،و أخرى بكونه مسقطا للقضاء.

و قد يفسّر الأوّل بحصول الامتثال الّذي ليس من محلّ النزاع في شي‏ء،

و الثاني بسقوط التعبّد بالفعل ثانيا إعادة و قضاء،و كلاهما خلاف الظاهر،بل‏

الظاهر من الأوّل إنّما هو ما فسّر به الثاني من سقوط التعبّد بالفعل ثانيا مطلقا،

و من الثاني خصوص القضاء المصطلح،و هو الفعل في خارج الوقت.

و كان الداعي إلى تفسيره بذلك أنّ ذلك المعبّر به إنّما هو في مقام التعبير

عن الإجزاء المتنازع فيه في المسألة،فيكون مراده هو الّذي فسّره ذلك المفسّر،


147
لكونه هو محلّ النزاع فيها،لا خصوص القضاء المصطلح و إن كان لا يساعد

عليه ظاهر التعبير،فلذا حمل التعبير الأوّل على مورد الاتفاق.

و الحاصل:أنّه فهم أنّ إعراض ذلك المعبّر عن الأوّل إلى الثاني إنّما

هو لأجل أنّ الأوّل ليس محلا للنزاع،فأراد أن يعبّر عمّا هو مورد الخلاف من‏

الإجزاء.

هذا،و كيف كان،فالظاهر من التعبير الأوّل هو ما ذكرنا،فلا وجه لعدول‏

التعبير عنه إلى الثاني الموهم لخلاف مقصوده.

فإن قيل:لمّا كان إسقاط القضاء ملازما لإسقاط الإعادة،كما أنّ‏

إسقاطها ملازم لإسقاطه،فيصحّ التعبير عن المقصود-و هو سقوط التعبّد بالفعل‏

ثانيا مطلقا-بما ذكره،فإنّه دلّ حينئذ على أحد فردي ذلك القدر المشترك‏

بالتنصيص و المطابقة،و على فرده الآخر بالالتزام،فدلّ على سقوط التعبّد ثانيا

مطلقا.

قلنا:على هذا التقدير يتّجه عليه:

أوّلا-منع تلك الملازمة.نعم الملازمة في العكس موجودة،و هي لا تجديه.

و ثانيا-أنّ الملازمة المذكورة على تقدير تسليمها غير مجوّزة لذلك‏

التكلّف من دون داع إليه،لسهولة التعبير عن المقصود بلفظه الدالّ عليه‏

صريحا،فيكون هذا أشبه شي‏ء بالأكل من القفا.

هذا،لكنّ الإنصاف ثبوت الملازمة المذكورة،و اندفاع ما قيل في‏

منعها من أنّ صلاة الناسي للقصر إلى أن خرج الوقت مسقطة للقضاء فقط،

دون الإعادة على القول بالتفصيل:بأنّ الناسي للقصر إن تذكّر قبل خروج‏

الوقت فلا شبهة في وجوب الإعادة عليه و وجوب القضاء أيضا إن لم يفعل إلى‏

أن خرج الوقت على القول بالتفصيل أيضا،و إن لم يتذكّر إلى أن خرج فلا

شي‏ء عليه مطلقا على القول المذكور.


148
و كيف كان،فمحلّ النزاع من الإجزاء إنّما هو سقوط التعبّد بالفعل‏

ثانيا من غير خصوصية للقضاء أصلا.

و ربما يستشهد لذلك:بأنّه لو كان النزاع في خصوص القضاء لكان‏

للقائل بعدم الإجزاء إذا أتى بالفعل في وقته على وجهه إثبات القضاء عليه بنفس‏

الأمر الأوّل من غير حاجة له إلى دليل آخر،و لكلّ من الفريقين إثباته بنفس‏

الأمر إذا أخلّ به في وقته لاتّفاقهما على عدم الإجزاء حينئذ،و التالي باطل،لما

نشاهد من عملهم من أنّهم ليسوا متّفقين على ذلك،بل يبنون ذلك على مسألة

أنّ القضاء بالأمر الأوّل،أو بأمر جديد:

فمن ذهب منهم إلى الأوّل يثبته بذلك الأمر إذا لم يكن الفعل مجزيا على‏

حسب معتقده.

و من ذهب إلى الثاني يثبته بأمر آخر،و ليسوا متّفقين على إثباته بالأمر

الأوّل،فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة:أنّ الإجزاء إذا كان عبارة عن إسقاط القضاء فيكون‏

عدمه عبارة عن إتيانه،فالقائل بعدمه لا بدّ أن يقول بأنّ الأمر يدلّ على ثبوته‏

من غير حاجة إلى أمر آخر.انتهى.

و يدفعه:أنّ مقابل إسقاط القضاء ليس إتيانه بل عدم إسقاطه،

فالقائل بعدم الإجزاء يقول بأنّ الأمر لا يقتضي إسقاطه،لا أنّه يقتضي ثبوته،

فافهم.

و أيضا على تقدير كون عدم الإجزاء بمعنى الاقتضاء للقضاء لكان ذلك‏

مشترك الورود بين المعمّمين للنزاع بالنسبة إلى الإعادة و بين المخصّصين له‏

بخصوص القضاء كما لا يخفى،إذ لو يبنى على اقتضاء الأمر لإثبات القضاء

فهو مقتض له مع القول بدخول الإعادة في محلّ النزاع.

ثمّ إنّ استلزام سقوط الإعادة لسقوط القضاء عقليّ-كما هو ظاهر عند


149
المتأمّل-ضرورة أنّ القضاء إنّما هو تدارك لما فات من المصلحة في الوقت،لكنه‏

ليس محصّلا لجميع المصالح التي تحصل بفعل الأداء،فانّ منها ما لا يحصل إلاّ

بالوقت المحدود به الفعل،و هي لا تحصل إلاّ بإيقاعه في الوقت،فيقبح حينئذ

على الحكيم أن يرخّص بترك تحصيل المصلحة التامّة مع التمكّن منها،و يوجب‏

تحصيل الأنقص لها،فإنّ ذلك خلاف اللطف و نقض للغرض،ضرورة أنّ‏

الغرض من الأمر بالقضاء إنّما هو تدارك المصلحة الفائتة،فيقبح عليه إذا كان‏

غرضه ذلك أن لا يأمر بتحصيلها في الوقت مع كونها أتمّ فيه منها في خارجه.

نعم يمكن أن يكون المصلحة في عدم الأمر بالقضاء في بعض الموارد،

فتزيد هي على مصلحة الفعل،فلا يأمر به حينئذ.

و كيف كان فلا يعقل أن يقول الشارع للعبد:يجوز لك أن لا تعيد إذا

أخللت بما أتيت به،لكن يجب عليك القضاء.

و من هنا ظهر ضعف ما تخيّل بعض المتأخرين‏ (1) من أنّ الاستلزام‏

ليس عقليا إلاّ أنّه لم يقع الانفكاك بينهما شرعا،و أمّا استلزام سقوط القضاء

لسقوط الإعادة فالظاهر أنّه ليس عقليا،بل هو-على تقدير ثبوته-شرعي لا

غير.

ثمّ المراد بالإتيان بالمأمور به على وجهه:هو الإتيان به كما امر به،

كما فسّره العضدي في شرح المختصر (2) .

لكن لا يخفى أنّ زيادة قيد«على وجهه»لا وجه لها لتضمّن المأمور به لهذا

القيد،فإنّه إذا أتى به بعنوان كونه مأمورابه‏فقد أتى به كما أمر به،فيكون‏

القيد مستدركا لا تأسيسا.

1)الفصول:116.

2)شرح المختصر:1-204.

150
اللهم إلاّ أن يراد بالمأمور به ذات الفعل مع قطع النّظر عن كيفياته‏

المعتبرة فيه شرعا،و بالوجه تلك الكيفيات ليكون تأسيسا،و هو كما ترى،فإنّه‏

ارتكاب للتجوّز في لفظ المأمور به لتصحيح كون القيد تأسيسا.

ثمّ إنّه قد يفسّر الوجه أيضا:تارة بالعنوان،فيكون المراد الإتيان‏

بالمأمور به على العنوان الّذي امر به بذلك العنوان.

و فيه-أيضا-ما مرّ من تضمّن المأمور به لذلك،فإنّ المأمور به هو

العنوان لا ذات الفعل،فإنّه إذا أمر بالقيام لأجل التعظيم فالمأمور به حقيقة هو

التعظيم لا القيام.

و أخرى بالوجه الّذي قال المتكلّمون بلزوم قصده في العبادة،و هو كيفية

الطلب من الوجوب و الندب.

و فيه:أنّ احتمال إرادة هذا المعنى منه في المقام مقطوع العدم،لأن‏

الخلاف هنا إنّما هو بعد الإغماض عن سائر الخلافات و فرض الإتيان بالمأمور

به كما امر به على مقتضى اعتقاد المأمور،فان كان اعتقاده بلزوم قصد الوجه‏

يكون‏ (1) مفروض البحث إتيانه به معه،و إلاّ فلا.

هذا تمام الكلام في بيان المراد من المفردات الواقعة في تحرير الخلاف في‏

المقام.

الثالث‏
: (2) لا خفاء في الفرق بين هذه المسألة و بين كلّ من مسألتي المرّة

و التكرار،و أن القضاء بالأمر الأوّل أو بأمر جديد.

أمّا افتراقها عن أولى تينك المسألتين،فلأنّ الخلاف هناك في تشخيص‏

المأمور به من أنّه هو المرة أو التكرار أو الطبيعة المطلقة،و في المقام بعد إحراز

1)في الأصل:فيكون..

2)أي(الأمر الثالث).

151
المأمور به و تشخيصه بمقتضى إفادة الخطاب و الإتيان به على الوجه الّذي يستفاد

منه.

نعم القائل بالتكرار هناك إن كان قائلا بعدم الإجزاء هنا ربما لا يتحقّق‏

له مورد الإعادة و القضاء،و ذلك كما في الأوامر المجرّدة التي لم يقم قرينة على‏

إرادة المرّة أو الطبيعة منها،فإنّه حينئذ يحمله بمقتضى أصالة الحقيقة على التكرار،

فحينئذ يكون الفعل في كلّ جزء من أجزاء الزمان مأمورا به أصالة،فلا يبقى‏

زمان للإعادة أو القضاء إذا قال بعدم الإجزاء،و هذا أيضا لازم القولين الآخرين‏

هناك فيما إذا قام قرينة على إرادة التكرار،إذ يجب عليهما حينئذ حمل الأمر عليه،

فلا يبقى للإعادة أو القضاء مجال إن قالا بعدم الإجزاء،بل لا يعقل الإعادة

و القضاء في موارد ثبوت التكرار و لو مع الإخلال بالفعل في جزء من الزمان لذلك،

كما لا يخفى.

و كيف كان،فلا اتّحاد بين هذه المسألة و تلك بوجه و لا استلزام،بل يجري‏

كلّ من الأقوال في كلّ منهما في كلّ واحد من الأقوال في الأخرى.

و أمّا افتراقها عن ثانيتهما،فلأنّ الكلام في المقام في إمكان التعبّد بالفعل‏

ثانيا إعادة أو قضاء إذا أتى بالمأمور به على وجهه،و في تلك في أنّ دليل القضاء

ما ذا؟بعد الفراغ عن قابليّة المورد لورود التعبّد به ثانيا.

و إن شئت قلت:إنّ الكلام هنا في أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه‏

مسقط للقضاء أو لا،و ثمّة في مثبت القضاء من أنّه هو الأمر الأوّل أو أمر جديد.

و بالجملة:فلا خفاء في الفرق بين المسألتين بناء على تفسير الاقتضاء

في المقام بالدلالة على امتناع التعبّد بالفعل ثانيا.

نعم يشكل الفرق بينهما بناء على تفسيره بعدم الدلالة على التعبّد به‏

ثانيا،فإنّ القائل بعدم الإجزاء حينئذ لا بدّ أن يقول بأنّ الأمر دالّ على التعبّد

بالفعل ثانيا-كما عرفت سابقا-و هو عين القول بالتكرار،و مقابله هو القول‏


152
بالمرّة أو الطبيعة،فتدبّر فيه و في دفعه.

الرابع‏
: (1) ينقسم الأمر باعتبار حالات المكلّف الملحوظة فيه إلى واقعي‏

أوّلي،و واقعي ثانوي،و ظاهري.

فالأوّل:ما لوحظ فيه خلوّ المأمور عن الموانع و الأعذار.

و الثاني:ما لوحظ فيه شي‏ء من الأعذار مع كون متعلّقه بدلا عمّا تعلّق‏

به الأمر الواقعي‏1-بمعنى تعلّقه به بعنوان أنّه بدل من ذلك و مربوط إليه-لا

واجبا مغايرا له بالكلّيّة،بأن يكون واجبا مشروطا بالعذر من الواقع الأوّلي،لا

بدلا عنه،فإنّ هذا من الواقعيّات الأوّلية لا غير،كما هو الحال في سائر

الواجبات المشروطة.

و بعبارة أخرى:هو الأمر المتعلّق بما هو بدل عن الواقع الأوّلي لمكان‏

شي‏ء من الأعذار من حيث إنّه بدل عنه مع قيام المقتضي له فعلا إلاّ أنّ العذر

منع من تأثيره فعلا.

ثمّ إنّه ليس شي‏ء من هذين القسمين ملحوظا فيه شي‏ء من العلم و الجهل‏

و لا مقيّدا بشي‏ء منهما،كما لا يخفى.

و أمّا الثالث:فهو ما لوحظ فيه اعتقاد المكلّف بالواقع الأوّلي أو

الثانوي نفيا أو إثباتا:

أمّا الأوّل:فكما في الأصول العملية،حيث إنّ الملحوظ فيها إنّما هو

عدم اعتقاد المكلّف و شكّه في الواقعة.

و أمّا الثاني:فكما في الطرق و الأمارات الشرعية الغير العلمية (2)

-المعتبرة من حيث الطريقية-فإنّ الأمر بمؤدّياتها إنّما لوحظ فيه ظنّ المكلّف بها

1و قد يطلق الواقعي الثانوي على الظاهري أيضا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)أي(الأمر الرابع).

2)في الأصل:العملية..

153
من تلك الطرق أو الأمارات-و لو نوعا-بالواقع مطلقا.

و بعبارة أخرى:الأمر الظاهري ما تعلّق بالمظنون كونه واقعا أو

مشكوكه على أنّه هو الواقع في مرحلة الظاهر مع بقاء الأمر الواقعي على تقديره‏

على حاله،سواء كان مصادفا لذلك المظنون أو المشكوك،أو لا،و لذلك يقال:إنّ‏

الأوامر الظاهرية مرايا للواقعيّة.

ثمّ إنّ تحقّق الأمر الظاهري-في موارد الأصول العملية الشرعية أو

الطرق و الأمارات كذلك-واضح.

و أمّا في موارد الأصول العقلية-كأصالة البراءة من جهة اعتبارها

من باب العقل،و أصالة التخيير عند دوران الأمر بين المحذورين،و الطرق‏

العقلية كالظنّ عند انسداد باب العلم بالواقع،و كذلك القطع أيضا إذا لم يصادف‏

الواقع ففيه إشكال،بل الظاهر عدمه،فإنّ غاية ما في تلك الموارد إنّما هي‏

معذورية المكلّف و قبح المؤاخذة عليه،و أمّا أمر الشارع بمؤدّاها فلا يدلّ عليه‏

نقل و لا عقل،فلا تغفل.

ثمّ إنّه ظهر:ممّا مرّ في بيان معنى الأمر الواقعي الثانوي و الظاهري‏

أنّهما تنزيلان من الشارع لمتعلّقهما منزلة متعلّق الأمر الواقعي الأوّلي إمّا واقعا

كما في أوّل ذينك،أو في مرحلة الظاهر كما في ثانيهما،فإنّ أمر الشارع بالصلاة

مع التيمّم عند العجز عن الوضوء-مثلا-و كذا أمره بها مع الطهارة المستصحبة

أو الثابتة بالبيّنة-مثلا-ليس معناه إلاّ جعل هاتين بدلين عن الصلاة مع‏

الطهارة الواقعية-حال العذر أو الجهل-واقعا كما في أولاهما،أو ظاهرا كما في‏

ثانيتهما،مع بقاء الأمر الأوّل على حاله،و إنّما أوجب اختلاف أحوال المكلّف‏

اختلاف مراتب امتثاله،و ليس معناه ارتفاعه و كون الأمر الثاني أمرا حادثا متعلّقا

بشي‏ء آخر بعد ارتفاعه،فلا أمر في شي‏ء من تلك الأحوال المختلفة-التي عليها

مدار الامتثال و اختلاف مراتبه-إلاّ ذلك الأمر،فكأنّ المأمور به بذلك الأمر


154
اعتبر على وجه يعمّ الواقع الأوّلي و أبداله-التي هي متعلّقات الأوامر الثانوية

الواقعية-و المحكوم بكونه هو في مرحلة الظاهر-الّذي هو متعلّق الأوامر

الظاهرية-فإنّ المقتضي للأخيرتين أيضا إنّما هو الأمر الأوّل الواقعي،فلذا

يؤتى بهما لأجل امتثاله.

و الحاصل:أنّ الطالب للامتثال في كلّ من الحالات الثلاث الحاصلة

للمكلّف هو الأمر الأوّل،و أنّ الأمر بخصوص الأبدال عمّا تعلّق هو به مع خلوّ

المكلّف عن العذر تفصيل عن إجمال ذلك الأمر،لا أمر آخر،و كذلك الأمر بما

حكم بكونه هو في مرحلة الظاهر،فالأمر بالصلاة مع التيمّم أو مع الطهارة

المستصحبة أو الثابتة بالبيّنة تفصيل عن إجمال قوله: أقيموا الصلاة (1) لا

أنّهما أمران حادثان بعد ارتفاعه،و يكشف عن ذلك أنّ الإعادة و القضاء على‏

تقدير الإخلال بالأخيرتين إنّما هما لذلك الأمر.

نعم المدار فيهما-أيضا-على ما عليه مدار الأداء و امتثال ذلك الأمر من‏

الأحوال المختلفة الموجبة لاختلاف مراتب الامتثال.

فعلى هذا يصحّ تحرير النزاع في المسألة:بأنّ الأمر هل يقتضي‏

امتناع التعبّد بمتعلّقه ثانيا من جهته إذا أتى به بإحدى تلك المراتب أو لا؟إلاّ

أن الأولى الإغماض عن ذلك،و إفراد كلّ من أقسام الأمر بالمقال في مقام مع‏

ملاحظة التعبّد و عدمه بالنسبة إلى الواقع الأوّلي-الّذي هو متعلّق الأمر الأوّل‏

الواقعي-فإنّه أقرب إلى توضيح المرام.

ثمّ إنّك بعد ما قدّمنا لك إلى هنا فهاهنا مقامات:

الأوّل: (2) في الأمر الواقعي الأوّلي إذا أتي بمتعلّقه على ما هو عليه‏
،

1)كما في سورة البقرة:43،و غيرها.

2)جاء هنا في هامش الأصل:(الكلام في أصل المسألة).

155
فنقول:

لا ينبغي الارتياب في اقتضائه لامتناع التعبّد به ثانيا من جهته،لأنّ‏

امتثاله على الوجه المذكور علّة تامّة عقلا لسقوطه،فلا يعقل التعبّد بمتعلّقه ثانيا

من جهته،لامتناع عود المعدوم،إذ المفروض انعدامه بالامتثال الأوّل بضرورة

العقل،و التعبّد بمتعلقه ثانيا من جهته لا موضوع له-حينئذ-فيمتنع لامتناع‏

عوده ثانيا حتّى يتحقّق للتعبّد من جهته موضوع،و هذا واضح غنيّ‏عن‏

الاحتجاج عليه.

نعم هنا شي‏ء،و هو أنّ هذه العقلية (1) على تقديرها من الأحكام‏

العقلية الغير القابلة للتخصيص،مع أنّه ورد في مواضع من الشرع استحباب‏

إعادة العبادة بعد الإتيان بها على الوجه المذكور:

منها:ما إذا صلّى الفريضة منفردا،ثم أقيمت جماعة،فإنّه ورد استحباب‏

إعادتها جماعة-حينئذ-بأخبار كثيرة مأثورة عن أهل العصمة عليهم السلام:

منها:رواية عمّار عن أبي عبد اللَّه عليه السلام:«عن الرّجل يصلّي‏

الفريضة،ثم يجد قوما يصلّون جماعة،أ يجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟قال‏

عليه السلام:نعم،بل هو أفضل» (2) .

فإنّ ظاهر السؤال-بل صريحه-إعادة تلك الفريضة التي قد فعلها،لا

إيجاد صلاة أخرى مستقلّة،فإنّ اللام في قوله:(يعيد الصلاة)للعهد قطعا،

فصريحها كظاهر لفظ(الإعادة)الإتيان بالفعل ثانيا على أنّه هو الفريضة.

1)كذا في الأصل،و المناسب للسياق:هذه القضية العقلية...-أو-هذا الحكم العقلي...

2)الوسائل:5-456-الباب:54 من أبواب صلاة الجماعة-الحديث:9،و في المصدر:نعم و هو

أفضل.


156
عبد اللَّه عليه السلام:أصلي،ثمّ أدخل المسجد،فتقام الصلاة و قد صلّيت،

فقال عليه السلام:صلّ معهم يختار اللَّه تعالى أحبّهما إليه»،و عن سهل‏

ابن زياد مثلها (1) .

و منها:رواية ابن أبي عمير،عن حفص البختري،عن أبي عبد اللَّه‏

عليه السلام:«في الرّجل يصلّي الصلاة وحده،ثمّ يجد جماعة؟قال-عليه‏

السلام-:يصلّي معهم،و يجعلها الفريضة» (2) ،و عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللَّه‏

عليه السلام مثلها (3) .

فإنّ قوله عليه السلام صريح في فعل الصلاة جماعة على أنّها هي‏

الفريضة التي فرضت عليه من قبل،فيكون معناه إيقاعها من جهة الأمر الأوّل،

و كذا قوله:«يختار اللَّه تعالى أحبّهما إليه»ظاهر أو صريح في احتساب تلك‏

الصلاة عن الفريضة المأمور بها بالأمر الأوّل،بل في تعيين مورد الامتثال فيها،

فظاهر تلك الأخبار-بل صريح بعضها-ينافي القاعدة المذكورة في بادئ النّظر

بالنظر إلى أنّ منشأ حكم العقل بها إنّما هو سقوط الطلب بالمأتيّ به أوّلا الّذي‏

لا يبقى معه موضوع للتعبّد به ثانيا من غير فرق بين أن يكون التعبّد ثانيا على‏

وجه الإيجاب أو الندب،فيدور الأمر بين منع هذه القاعدة أو طرح صريح تلك‏

الأخبار و تأويل ظاهرها إلى ما لا ينافيها،كما فعله بعضهم حيث حمل الإعادة

الواردة فيها على إيجاد ذات الفعل ثانيا الّذي هو معنى الأمر بالمماثل الخارج‏

عن محلّ النزاع في المسألة.

لكن مقتضى إمعان النّظر و التدقيق إمكان التوفيق بينهما:

1)الوسائل:5-456-الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة-الحديث 10،بتفاوت يسير.

2)الوسائل:5-457-الباب:54 من أبواب صلاة الجماعة-الحديث:11.

3)الوسائل:5-455-من أبواب صلاة الجماعة-الحديث:1،و لكن بزيادة(إن شاء)في ذيل‏

هذا الحديث.


157
بأنّ الّذي يقضي به العقل بعد امتثال الأمر على الوجه المذكور إنّما هو امتناع‏

التعبّد بمتعلّقه من جهته ثانيا بحيث يلزم به ثانيا،و يعاقب على تركه من جهته‏

بأن لا يكون المأتيّ به أوّلا صحيحا من المكلف و مسقطا لذلك الأمر على تقدير

اكتفائه به و عدم تعقّبه بفعل آخر،فالقاعدة المستفادة منه إنّما هي هذه.و أمّا

التعبّد بمتعلّقه ثانيا من جهته على وجه يصحّ منه المأتيّ به أوّلا على تقدير

الاكتفاء به،و يخرج به عن عهدة ذلك الأمر و عن تبعته مع بقاء ذمّته مشغولة

بالأمر الثاني،فلا يقضي العقل بامتناعه قطعا،فيمكن حمل تلك الأخبار على‏

التعبّد ثانيا على هذا الوجه،فإنّ هذا أيضا إعادة حقيقة،فلا ينافي ظاهر الإعادة،

بل يتعيّن حملها عليه بعد انحصار محاملها فيه،و بطلان المصير إلى المجاز بعد

التمكّن من الحمل على الحقيقة،فترتفع المنافاة بينها و بين القاعدة المذكورة.

و توضيح ذلك:أنّ ارتفاع الأمر بعد الإتيان بمتعلّقه:تارة بارتفاع صفة

الحتم و الإلزام المستتبع لاستحقاق العقاب على الترك فقط مع بقاء آثاره و لوازمه‏

التي منها محبوبية متعلّقه عند الآمر في جميع أجزاء الوقت المضروب له بجميع‏

أفراده،و ذلك فيما إذا كان هي الطبيعة المطلقة من جميع تلك الجهات.

و أخرى بارتفاع تلك الآثار-أيضا-و ذلك فيما إذا كان متعلّقه مقيّدا بفرد

خاصّ،أو بإتيانه مرّة،أو في زمان خاصّ،فإنّه بعد إتيان المأمور بذلك المأمور

به على ذلك الوجه لا تبقى محبوبية له فيما بعد أصلا.

و لا يخفى أنّ قضية قاعدة الإجزاء فيما إذا كان المأمور به هي الطبيعة

المطلقة من تلك الجهات إنّما هي ارتفاعه على الوجه الأوّل فحسب،فعلى هذا

فالفعل باق بعد ارتفاعه هكذا على صفة المحبوبية المكشوف عنها به،فإنّ لازم‏

تعلّق الطلب بنفس الطبيعة المطلقة-الصادقة على جميع أفرادها على نحو سواء،

المتساوية نسبتها إلى جميع أجزاء الوقت المضروب لها-محبوبيّتها،للأمر بجميع‏

أفرادها الواقعة في أيّ جزء من أجزاء ذلك الوقت،و اتّصاف كلّ فرد منها مطلقا


158
بالمحبوبية لانطباقه عليها،سواء وجد هو وحده أو مع مماثل له من سائر الأفراد،

و سواء كان وجوده مع فرد آخر دفعة أو تدريجا،و سواء كان ذلك هو الفرد المتأخّر

في الوجود أو المتقدّم فيه،و على فرض التأخّر سواء كان هو أفضل ممّا تقدّمه أو

مساويا له.

نعم،الأمر فيما إذا كان أفضل أوضح،فإذا فرض أنّ المأمور به هو نفس‏

الطبيعة المطلقة من تلك الجهات فلا يرتفع صفة المحبوبية عنها بعد الإتيان بفرد

منها،بل كلّ متأخّر عنه واقع في الوقت المضروب لها يتّصف بالمحبوبيّة البتّة،

فعلى هذا التقدير يمكن وقوع الأفراد المتأخّرة تعبّدا و امتثالا من ذلك الأمر

الساقط بصفة الحتم و الإلزام جدّاً بالإتيان بها بعنوان انطباقها على تلك الطبيعة

المأمور بها المحبوبة للآمر المكشوف عن محبوبيّتها بالأمر،و لو لم يكن هناك أمر

آخر-أيضا-إذا لم يكن منع من الآمر-من جهة من الجهات-من إيجادها،إذ

معه يشكل صدق التعبّد و الامتثال،مع احتمال عدم اعتباره-أيضا-إذا كان‏

المنع غيريّا،فإذا أمكن ذلك-و أتى بها المكلّف على أنّها هو المأمور به بذلك الأمر

الأوّل مع فرض عدم المنع من إيجادها-فتكون هي واقعة تعبّدا و امتثالا للشارع‏

من جهة ذلك الأمر جدّاً،لعدم توقّف صدق التعبّد و الامتثال على وجود أمر فعلا

بصفة الحتم و الإلزام،بل يكفي فيه بقاء الطبيعة المأمور بها على صفة المحبوبية

مع الإتيان بالفرد المتأخّر على أنّها هي.

و إن أبيت إلاّ عن توقّف صدق الامتثال على بقاء صفة الحتم و الإلزام‏

-بزعم أنّه عبارة عن الإطاعة المتوقّفة على وجود الطلب فعلا-فلا مناص عن‏

صدق التعبّد عليه لا محالة،كما لا يخفى على المتأمّل المراجع لطريقة (1) العقلاء.

ألا ترى أنّه لو قال مولى لعبده:(عظّم لي في هذا اليوم)مريدا به إيجاب‏

1)في الأصل:المراجع إلى طريقة..

159
نفس طبيعة التعظيم المطلقة بالنسبة إلى أجزاء ذلك اليوم،و بالنسبة إلى أفرادها

الواقعة فيه،فعظّم له العبد دفعة،ثمّ عظّم له أخرى بعد ساعة مع عدم المنع من‏

المولى منه بعنوان تحصيل تلك الطبيعة المحبوبة لمولاه المكشوف عن محبوبيتها

بالأمر،فلا يرتاب العقلاء في كون ذلك تعبّدا للمولى،و لا يشكّون في استحقاقه‏

بذلك مزية الثواب عليه،ضرورة أنّهم يستقلّون بالفرق بينه في هذا الحال و بينه‏

فيما إذا كان مكتفيا بالدفعة الأولى من جهة استحقاقه الثواب و علوّ الرتبة عند

المولى.

و بالجملة:وقوع فعل تعبّدا من جهة أمر متقوّم بأمور ثلاثة من غير

حاجة له إلى شي‏ء آخر أزيد منها:

أحدها:انطباقه على المأمور به بذلك الأمر-بمعنى صدق ذلك عليه-

إذ الشي‏ء الأجنبي عنه لا يعقل وقوعه تعبّدا من الأمر المتعلّق به.

و ثانيها:بقاء ذلك المأمور به عند إيجاد هذا الفعل على صفة المحبوبية،

إذ بدونها يكون هذا الفعل عبثا خارجا عن التعبّد جدّاً.

و ثالثها:عدم منع المولى من إيجاده لمنافاة طلب الترك لوقوعه تعبّدا.

نعم لو كان المنافاة من جهة ارتفاع صفة المحبوبية فيختصّ ذلك بالمنع‏

النفسيّ لا غير،كما احتملناه سابقا،إلاّ أنّه يغني الشرط الثاني عنه،كما لا يخفى.

و كيف كان،فإذا كان ذلك الفعل مستجمعا لتلك الشروط فأتى به‏

بعنوان انطباقه على محبوب المولى و الّذي أمر به من قبل،إمّا يجعل هذه‏ (1) الجهة

وصفا أو غاية،فيقع تعبّدا من جهة ذلك الأمر جدا من غير حاجة إلى بقائه فعلا

على صفة الحتم و الإلزام،بل و لا على صفة الطلب-أيضا-و من غير فرق فيه‏

بين أن يكون هو أوّل المأتيّ به من المأمور به الواقع حال وجود الطلب أو ما بعده‏

1)أي جعل هذا العنوان.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

160
الموجود بعد ارتفاعه،و من غير فرق فيه في الصورتين بين أن يكون مجامعا مع‏

مثله أو غير مجامع معه،فإنّه مع وقوعه بعد إحراز تلك الشروط تعبّد للمولى من‏

جهة ذلك الأمر مطلقا و موجب لاستحقاقه الثواب عليه كذلك،لما عرفت من‏

حكم العقلاء به.

هذا كلّه إذا كان الفرد المأتيّ به ثانيا مساويا للأوّل،و أمّا إذا كان أفضل‏

منه باشتماله على صفة حسن مفقودة في الأوّل فالأمر فيه أظهر.

فإذا عرفت ذلك فنقول:لا إشكال في أنّ المأمور به في الأوامر

الواردة بالصلوات اليومية الخمس الموقتة بأوقاتها المخصوصة إنّما هي الطبيعة من‏

حيث هي،المطلقة من جهة خصوصيّات الأفراد الواقعة في تلك الأوقات،و من‏

جهة خصوصيّات أجزاء تلك الأوقات،و من جهة إيقاعها مرة أو مرات،فيعلم‏

من ذلك أنّ المأمور به في تلك الأوامر محبوب للشارع على الإطلاق بحيث كلّ‏

ما وجد منه في الوقت المحدود له يكون محبوبا له البتّة،فإنّ ذلك لازم تعلّق الأمر

بالطبيعة (1) ،كما عرفت.

فعلى هذا:فإذا أوجد المكلّف بعد الإتيان بفرد منه فردا بلحاظ انطباقه‏

على الطبيعة المأمور بها المحبوبة للشارع بأحد الوجهين المشار إليهما مع عدم‏

المنع من إيجاد ذلك الفرد،فيقع ذلك تعبّدا للمولى من جهة ذلك الأمر البتّة،

و يصدق عليه الإعادة-أيضا-على سبيل الحقيقة،فإنّه ليس إلاّ التعبّد بالفعل‏

ثانيا في الوقت من جهة الأمر الأوّل،و المفروض حصوله في المقام،و لا شبهة

أيضا-في عدم المنع من إعادة الصلاة جماعة،كما نطقت به الأخبار-أيضا-

فحينئذ يحمل الأمر بالإعادة في تلك الأخبار على هذا المعنى،فيدفع إشكال‏

المنافاة بينها و بين قاعدة الأجزاء،فتدبّر.

1)في الأصل:تعلّق الأمر على الطبيعة..

161
ثمّ إنّه ظهر مما حقّقنا إمكان التعبّد بالفعل ثانيا على الوجه المذكور

وجوبا-أيضا-لما عرفت من عدم توقّفه على وجود أمر بالفعل أصلا،لا

السابق و لا اللاحق،فيكون ذلك نظير سائر الأفعال و الموضوعات الممكنة

الوقوع قبل الأمر و بدونه أصلا،فيصحّ ورود أمر به مطلقا بأن يكون موضوع‏

ذلك الأمر التعبّد ثانيا بالفعل على الوجه المذكور.

هذا،ثمّ إنّ المنع إذا كان محقّقا في الفرد المتأخّر فلا كلام،و إن كان‏

محتملا فيمكن نفيه بالأصل فيه أو في سببه،فإنّ المعتبر في وقوع الفعل تعبّدا

ليس هو العلم بعدم المنع منه واقعا،بل يكفي إحرازه بالطرق و الأمارات المعتبرة،

أو الأصول كذلك.هذا.

إيقاظ:قد اعتبر-دام ظلّه-في مقام عدم المنع-الّذي اعتبرناه-الإذن‏

في الفعل،و ليس بلازم كما لا يخفى،ثمّ إنّه جعل دليل الإذن في إعادة الصلاة

جماعة هو الأمر المتعلّق بها في تلك الأخبار،و ليس بجيّد كما لا يخفى،فإنّه إذا

فرض توقّف تحقّق التعبّد-الّذي هو موضوع تلك الأخبار-على ثبوت الإذن‏

مع فرض توقّف ثبوته على نفس تلك الأخبار،فهذا مستلزم للدور كما لا يخفى.

الثاني:في الأوامر الواقعية الثانوية
-و هي الملحوظ فيها عذر المكلّف-

و مصاديقها إنّما هي أوامر أولي الأعذار على أظهر الاحتمالات فيها.

فالأولى النّظر في تلك الأوامر،و تحقيق الحال على كلّ من الوجوه‏

المحتملة في اعتبار الأعذار فيها،فنقول:

إنّ اعتبارها فيها يمكن بأحد الوجوه:

الأوّل‏
:أن تكون هي معتبرة على وجه الموضوعية لتلك الأوامر التي‏

يلزمها انحصار المصلحة واقعا في متعلّقات تلك الأوامر المتوجّهة لأولي الأعذار

حال كونهم كذلك،بحيث لا مقتضي واقعا في حقّهم في تلك الحال لأمرهم بما أمر

به المتمكّن،و هذا يتصوّر على وجهين:


162
أحدهما:أن لا يكون مقتض في حقهم في تلك الحال لذلك و لا مصلحة

تقتضيه أصلا و أوّلا بالذّات‏ (1) .

و ثانيهما:أن يكون عدم المصلحة المقتضية له في تلك الحال لمزاحمة

مصلحة أقوى من مصلحة الإتيان بما امر به المتمكّن غالبة عليها،بحيث‏

اضمحلّت هي في جنب تلك المصلحة الغالبة،فلا تكون موجودة فعلا في تلك‏

الحال لذلك،و ان كانت تلك المصلحة الغالبة هي مصلحة التسهيل على المكلّف،

كما هي الظاهرة في حكمة أمر المسافر بالقصر حال كونه مسافرا،و على أيّ من‏

الوجهين تخرج تلك الأوامر عن كونها أوامر واقعية ثانوية،بل تكون على كلّ‏

منها من الأوامر الواقعية الأولية،إذ المعتبر في الأوامر الواقعيّة الثانوية أن تكون‏

متعلّقاتها أبدالا عن الواقع الأوّلي في حال العذر مع بقاء المقتضي فعلا للأمر به،

و من المعلوم أنّ تعلّق الطلب بمتعلّقاتها-على أيّ من الوجهين-ليس بعنوان‏

بدليّتها عن واقع آخر و بعنوان كونها محصّلة للغرض منه و لو بعضا،بل بعنوان‏

أنّها هي الواقع في حقّ أولي الأعذار،و عدم واقع لهم سواها.

الثاني‏
:أن تكون هي معتبرة من حيث العذر و المانعية الصرفة،بمعنى‏

بقاء الواقع الأوّلي في حالها على ما كان عليه من المصلحة المقتضية للأمر به،إلاّ

أنّ الشارع قد صرف التكليف عنه إلى متعلّقات تلك الأوامر لعدم تمكّن المكلّف‏

من تحصيله لمكان تلك الأعذار.

و بعبارة أخرى:إنّ الشارع لم يصرف الأمر عنه إلى متعلّقات تلك‏

الأوامر إلاّ لعدم تمكّن المكلّف من إيجاده في الوقت المضروب له،فجعل متعلّقات‏

تلك الأوامر أبدالا عنه حال تعذّره،و أمر بها في تلك الحال بعنوان كونها أبدالا

عنه و قائمة بالغرض المقصود منه و لو بعضا،و لازم اعتبارها على هذا الوجه عدم‏

1)كذا في الأصل،و الأجود:أوّلا و بالذات.

163
صرف التكليف عن الواقع إلى تلك الأبدال إلا مع استيعابها لتمام الوقت‏

المضروب للواقع،إذ بدونه يكون المكلّف متمكّنا منه في الوقت فينتفي في حقه‏

علة صرف التكليف عنه إلى تلك الأبدال،كما أنّ لازم اعتبارها على الوجه الأوّل‏

بكلا الوجهين فيه عدم اشتراط استيعابها لتمام الوقت،بل يكفي في توجّه الأمر

بمتعلّقات تلك الأوامر نحو المكلّف حصولها حال الأمر كما في أمر المسافر

بالقصر.

الثالث‏
:أن يكون اعتبارها من حيث العذر مع عدم اعتبار استيعابها

لتمام الوقت،و ذلك إنّما يكون إذا انضمّ إلى حيثية العذر جهة أخرى كما لا يخفى،

إذ بدونها يكون الأمر بالبدل مع التمكّن من المبدل منه تفويتا لمصلحة المبدل منه‏

على المكلّف إذا لم يأمره به بعد زوال العذر في الوقت،و هو قبيح،أو سفها و عبثا

إذا أمر به بعد زوال العذر،و هو أقبح.

و حاصل تصوير هذا الوجه:أن يلاحظ الشارع في حال تلك‏

الأعذار مصلحة محبوبة الحصول له بحيث لا تحصل هي إلاّ في هذا الجزء من‏

الوقت المقرون بتلك الأعذار مع ملاحظة أنّ المكلف غير متمكن من تحصيلها

بفعل المبدل منه لمكان تلك الأعذار،فيصرف الأمر عنه إلى البدل حينئذ

تحصيلا لها،فتكون علّة صرفه عنه إليه هنا مركّبة من أمرين:

أحدهما:عدم حصول المصلحة المفروضة إلاّ بذلك الجزء من الوقت.

و ثانيهما:تعذّر تحصيلها حينئذ بفعل المبدل منه مع كونه محصّلا لها على‏

تقدير التمكّن منه،و يمكن أن تكون تلك المصلحة هي فضيلة الفعل في أوّل‏

الوقت.

و كيف كان،فلا مرية أنّ أوامر أولي الأعذار على كلّ واحد من ذينك‏

الوجهين الأخيرين في اعتبار الأعذار فيها من الأوامر الواقعية الثانوية،كما لا

يخفى،لأنّ الأمر بمتعلّقاتها على أيّ منهما ليس بالأصالة،بل بعنوان بدليتها عن‏


164
شي‏ء آخر،و هو الواقع الأوّلي مع بقائه على ما كان من المصلحة المقتضية للأمر

به.

نعم فرق بين ذينك الوجهين من وجه آخر:و هو أنّه إن كان‏

اعتبار تلك الأعذار في تلك الأوامر على الأوّل منهما،فلا يصرف الأمر عن المبدل‏

منه إلى البدل،و هو متعلّقات تلك الأوامر إلاّ على تقدير استيعابها لتمام الوقت،

كما عرفت.

هذا بخلاف اعتبارها على ثانيهما،إذ عليه يصرف الأمر عن المبدل منه‏

إلى البدل بمجرّد حصول تلك الأعذار للمكلّف من غير توقّف على الاستيعاب‏

أصلا،فيوافق هذا من هذه الجهة الوجه الأوّل و يفارقه من جهة أخرى،و هي‏

أنّه إذا لم تستوعب الأعذار الوقت‏ (1) -بل كانت حاصلة في بعضه خاصّة-فلا

تكون مصلحة فعلا في المبدل في حقّ أولي الأعذار حينئذ أصلا على الوجه‏

الأوّل،بخلاف هذا الوجه،إذ عليه فيه مصلحة مقتضية للأمر به فعلا إلاّ أنّ‏

العذر منع من اقتضائها فيه.

ثمّ إنّ لازم اعتبار تلك الأعذار على الوجه الأوّل و الثالث جواز المبادرة

إلى فعل البدل بمجرّد حصولها للعلم حينئذ بكونه مأمورا به فعلا و عدم الأمر

بغيره،كما أنّ لازم اعتبارها على الوجه الثاني عدم جوازها مع القطع بزوالها قبل‏

مضيّ الوقت،أو مع الشكّ فيه أيضا،إلاّ بدعوى جوازها حينئذ،نظرا إلى أنّ‏

انتظار الزوال إلى آخر الوقت حرج أكيد و عسر شديد،فتنفيه أدلّة نفيه،أو

بالنظر إلى إحراز بقائها إلى آخر الوقت-بمقتضى الاستصحاب-فحينئذ إن‏

انكشف الخلاف فيكشف عن عدم الأمر بالبدل في هذا الوقت أصلا،و أنّ أمره‏

به في أوّل الوقت إنّما هو أمر ظاهري.

1)في الأصل:..للوقت.

165
فإذا عرفت ذلك كلّه،فاعلم:أنّه إذا أتى أولو الأعذار بمتعلّقات‏

تلك الأوامر في أوّل الوقت إذا كان لهم البدار:فإمّا أن يستوعب عليهم العذر (1)

تمام الوقت،أو يزول عنهم قبل خروجه بمقدار فعل المبدل منه:

فعلى الأوّل لا شبهة في اقتضاء تلك الأوامر لامتناع التعبّد ثانيا إعادة

مطلقا،سواء كان التعبّد ثانيا بمتعلّقاتها أو بالمبدل،و سواء كان اعتبار تلك‏

الأعذار على الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة المتقدّمة،أو على أحد الأخيرين‏

منها:

أمّا على الوجه الأوّل فظاهر،ضرورة أنّ المأتيّ به أوّلا حينئذ إنّما

هو واقعي أوّلي بالنسبة إليهم،و قد مرّ في المقام الأوّل امتناع التعبّد به بعد

الإتيان به على وجهه-كما هو المفروض فيما نحن فيه-و تعبّدهم بالمبدل تعبّد بما

لا مصلحة فيه في حقّهم أصلا،و هو غير معقول،مضافا إلى عدم تمكّنهم منه‏

-أيضا-لمكان العذر.

و أمّا على الوجه الثاني و الثالث فلأنّ التعبّد ثانيا حينئذ إمّا

بالبدل المأتيّ به،و إمّا بالمبدل منه،و الأوّل خلاف بديهة العقل من‏

اقتضاء كلّ أمر لامتناع التعبّد ثانيا بمتعلّقه من جهته،و الثاني لا مجال له‏

بالضرورة لتعذّر المبدل عليهم،و لو صحّ هذا لصحّ التعبّد بالمبدل ابتداء من غير

انتقال إلى البدل،و المفروض بطلان التالي،فكذلك المقدّم.

و أمّا قضاء فلا شبهة في اقتضائها لامتناعه-أيضا-إذا كان اعتبار

تلك الأعذار على الوجه الأوّل،لما مرّ من كون المأتيّ به أوّلا حينئذ هو الواقع‏

الأوّلي في حقّهم،فيمتنع التعبّد به مطلقا كما مرّ.

و أمّا على الوجهين الأخيرين فالحقّ إمكانه،فإنّ فعل البدل في‏

1)في الأصل:..إلى تمام الوقت.


166
الوقت و إن كان بدلا عن تمام المبدل منه فيه و قائما مقام امتثاله كذلك،إلاّ أنّه‏

يمكن تبعّض الغرض المقصود من المبدل منه حال تلك الأعذار،بأن لا يكون‏

البدل محصّلا لتمام ذلك الغرض بل لبعضه،و إنّما أمر الشارع به حال تلك‏

الأعذار تحصيلا لبعضه الممكن الحصول بفعل البدل حينئذ،فإنّ ذلك و ان لم‏

يمكن حال التمكّن من المبدل منه،ضرورة عدم حصول شي‏ء من الغرض‏

المقصود منه بفعل البدل في تلك الحال كما إذا صلّى مع التيمّم مع التمكّن من‏

الوضوء مثلا،إلاّ أنّه لا يمتنع حال التعذّر،فعلى هذا فيجوز للشارع الأمر بإتيان‏

المبدل منه خارج الوقت تحصيلا لما فات من الغرض.

فظهر إمكان التعبّد ثانيا قضاء على الوجهين الأخيرين.

و إنّما قلنا:على تقدير التعبّد بتحصيل ما فات من الغرض في خارج‏

الوقت بالتعبّد بالمبدل منه،لأنّ البدل لا يعقل كونه محصّلا له في خارجه بعد

فرض عدم صلاحيته لتحصيله فيه.

و المراد بالتعبّد بالمبدل منه التعبّد بتمامه لا بما تعذّر منه في الوقت لمكان‏

تلك الأعذار من جزء أو شرط،فإنّ تحصيل ما فات من الغرض لا يكون إلاّ

بذلك،فإنّ تأثير الجزء أو الشرط المتعذّرين فيه إنّما هو متوقّف على انضمامهما

إلى غيرهما من أجزاء المبدل و شرائطه لثبوت الارتباط بين أجزائه و شرائطه.

فبهذا يندفع ما ربما يتوهّم فيما إذا كان البدل بعضا من المبدل منه كما

في صلاة المريض العاجز عن القيام مثلا،من أنّ المفروض إتيان المكلّف ببعض‏

المبدل،فلا يعقل تعبّده ثانيا بذلك البعض.

نعم،الظاهر1كما ادّعاه-دام ظلّه-أنّ إطلاق القضاء على ذلك‏

1هذا من الشواهد أيضا على أنّ الكتاب تحرير و تصنيف لا تقريره لبحث أستاذه(قدّه)،فهو

-هنا-يستظهر صحّة ما ذهب إليه أستاذه،و لا يجزم به.


167
مسامحة،فإنّ الظاهر أنّه في الاصطلاح عبارة عمّا أمر به في خارج الوقت لخلل‏

في فعل المأمور به في الوقت،و المفروض في المقام إتيان المكلّف بما امر به في‏

الوقت على الوجه التامّ من دون خلل فيه أصلا،إلاّ أنّ الغرض في مسألتنا هذه‏

إنّما هو تحقيق امتناع التعبّد بالفعل ثانيا في الوقت أو في خارجه بعد الإتيان‏

بالمأمور به على وجهه و عدمه من غير نظر إلى كون التعبّد ثانيا قضاء مصطلحا

أو إعادة كذلك،و قد حقّقنا فيما نحن فيه إمكانه في خارج الوقت،فإن شئت‏

فسمّه قضاء أو باسم آخر،إذ المناقشة اللفظية خارجة عن وظيفة المحصّلين.

هذا كلّه على التقدير الأوّل.

و أما على الثاني-و هو تقدير زوال تلك الأعذار قبل خروج الوقت‏

بمقدار فعل المبدل منه-:

فعلى الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة لا شبهة في اقتضاء تلك الأوامر

امتناع التعبّد بمتعلّقاتها ثانيا مطلقا إعادة و قضاء،لما مرّ،و لا بما امر به المتمكّن‏1

-أيضا-الّذي هو المبدل منه على الوجهين الأخيرين:

أمّا إعادة فلأنّ المأتيّ به أوّلا حينئذ إنّما هو أحد فردي الواجب المخيّر

في حقّ المكلّف في ذلك الوقت واقعا،و لا مرية أنّ الطلب التخييري يقتضي‏

امتناع التعبّد بالفرد الآخر إذا أتى بالأوّل على وجهه.

مضافا إلى خلوّ الفرد الآخر-بعد الإتيان بالأوّل-عن المصلحة،لما مرّ

سابقا من أنّ المصلحة في الواجبات المخيّرة قائمة بأحدها على البدل،فإذا وقع‏

أحدها تقوم هي به،و يخلو البواقي عنها،فيلغى‏ (1) طلب البواقي حينئذ.

1أي و يمتنع التعبّد ثانيا-بعد فعل البدل حال العذر-بفعل المبدل منه بعد ارتفاع العذر-إعادة أو

قضاء-على الوجهين الأخيرين من جهة أنّ مصلحة الواقع الأوّلي-المبدأ منه-باقية،لكن يمتنع التعبّد

بفعله بعد فعل البدل حال العذر لأنه أحد فردي الواجب التخييري،و مصلحته في أحدهما،و بعد فعل‏

أحدهما يخلو الثاني عنها،فيمتنع التعبّد به.

1)كذا في الأصل،و الأنسب:فيلغو...

168
و بالجملة:الحال في المقام على هذا التقدير إنّما هي الحال في المسافر في‏

أوّل الوقت الّذي يصير حاضرا في جزء من آخره بمقدار فعل الصلاة تماما إذا

صلّى القصر في أوّل الوقت،لاتّحاد المناط فيهما لقيام الإجماع-بل الضرورة-

على عدم وجوب ظهرين أو عصرين-و هكذا إلى آخر الصلوات اليومية-في‏

وقت واحد على شخص واحد عينا،بل إن وجبا-و ذلك فيما إذا كان المكلّف‏

الواحد في الوقت الواحد صاحب عنوانين لكلّ منهما صلاة مغايرة لما للآخر كما

في المثال-فإنّما يجبان تخييرا بالضرورة،و قد عرفت مقتضاه.

و أمّا قضاء فلأنّه على تقديره إمّا متفرّع على الإخلال بالإعادة،أو على‏

فوت شي‏ء من المصلحة على المكلّف في الوقت،و كلاهما ضروريّ البطلان:

أمّا الأوّل فلعدم وجوب الإعادة في الوقت من أصلها حتّى يتحقّق‏

الإخلال بها.

و أمّا الثاني فلفرض عدم فوت شي‏ء على المكلّف من المصلحة في الوقت‏

أصلا،إذ المفروض أنّ ما أتى به فيه كان محصّلا لتمام المصلحة الواقعية في حقّه،

و هذا أوضح من أن يحتجّ عليه.

و على الوجه الثاني فلا شبهة في إمكان التعبّد بالمبدل منه إعادة و قضاء

أيضا-إذا أخلّ بإعادته في الوقت،بل لا ريب في وجوب الإعادة عليه حينئذ،

ضرورة أنّ أمره بالبدل في أوّل الوقت حينئذ كان أمرا ظاهريا،حيث إنّه مقتضى‏

الأصول العملية،فيخرج عن الأوامر الواقعية الثانوية جدّاً،و يدخل في الأوامر

الظاهرية،و ستعرف عدم اقتضائها للإجزاء عن الواقع بعد انكشاف الخلاف‏

-كما هو المفروض في المقام-فيجب الإعادة حينئذ بالإتيان بنفس الواقع.

و أمّا على الوجه الثالث فالحقّ-أيضا-إمكان التعبّد بالمبدل مطلقا

و صحّته إعادة و قضاء،لما مرّ في تصحيح التعبّد به قضاء في التقدير الأوّل على‏

كلا الوجهين الأخيرين،فإنّه بعينه جار هنا-أيضا-فإنّه لا يقتضي صحّة التعبّد


169
به قضاء فقط.

و لا بأس بتوضيح انطباقه على ما نحن فيه و إن كان لا يحتاج إليه فنقول:

إنّه إذا فرض إمكان تبعّض مصلحة المبدل منه بحيث لا يكون البدل‏

قائما بتمامها،فيجوز للشارع التعبّد ثانيا في الوقت بفعل المبدل منه،تحصيلا لما

لم يحصل منها بفعل البدل.

و يقرّب هذا ما ورد في بعض نظائره شرعا،و هو ما ورد (1) فيمن منعه‏

زحام الجمعة عن الخروج ليتوضّأ من أنّه يتيمّم و يصلّي الجمعة،ثم يتوضّأ،

و يعيدها ظهرا1.

و قد حكي عن الشيخ-قدّس سرّه-في بعض كتبه-و لعلّه الخلاف‏2-

الإفتاء بمضمونه،فإنّ ذلك و إن لم يكن داخلا فيما نحن فيه-نظرا إلى أنّ فعل‏

الجمعة مع التيمّم ليس بدلا عن الظهر جدّاً،بل بدل إمّا عن فعلها مع الطهارة

المائية بناء على كون الجمعة أحد فردي الواجب المخيّر،أو عن فعل الكلّي معها

بناء على كونها فردا من الكلّي الواجب‏3،لا واجبة تخييرية شرعا لكن على هذا

1هذا لعلّه‏ (2) بحسب المعنى دون اللفظ.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2لم نعثر عليه في كتاب«الخلاف»،و إنّما عثرنا عليه في كتاب«النهاية»:47،حيث قال قدّس‏

سرّه:(و إذا حصل الإنسان يوم الجمعة في المسجد الجامع،فأحدث ما ينقض الوضوء،و لم يتمكّن‏

من الخروج فليتيمّم و ليصلّ،فإذا انصرف توضّأ و أعاد الصلاة).

3بناء على أنّ الواجب في يوم الجمعة إنّما هو صلاة الظهر،و أنّها كلّي مشترك بين صلاة الظهر

المقابل للجمعة و بين الجمعة،إلاّ أنّه على كلّ من التقديرين تكون الجمعة مقدّمة على الظهر.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)الوسائل:2-965-كتاب الطهارة-باب:3 من أبواب التيمّم-ح:3،و الحديث منقول‏

بالمعنى.

2)يحتمل في هذه الكلمة أنّها:(نقله).،و هي أنسب،و ما أثبتناه أقرب إلى نسخة الأصل).

170
التقدير أيضا يرجع بدليّتها إلى بدليّتها عن الجمعة مع الطهارة المائية،إذ

على فرض كونه كلّيا يكون بكون أفراده مترتّبة كما في خصال الكفّارة المرتّبة

لتقدّم فعل الجمعة على الظهر على تقدير اجتماع شرائطها،كما أنّ الحال فيما إذا

كانت أحد فردي الواجب التخييري كذلك-إلاّ أنّه قريب منه،فإنّ الوجه‏

المصحّح للأمر بالجمعة مع التيمّم على تقديره الظاهر أنّه نظير ما مرّ في الوجه‏

الثالث من الوجوه الثلاثة،بمعنى أنّه لمّا كان هناك مصلحة لا تحصل و لا تتدارك‏

إلاّ بفعل الجمعة،و المفروض تعذّره على المكلّف مع الطهارة المائية،فأمر بها مع‏

الترابية تحصيلا لتلك المصلحة،و لما كان هناك-أيضا-بعض المصالح‏

و الأغراض لم يحصل بذلك مع إمكان تداركها بفعل الظهر،فأمر به لذلك،فإذا

كان المفروض فيما نحن فيه أنّ أمر الشارع بالبدل في أوّل الوقت نظير أمره‏

بالجمعة مع التيمّم،و أنّه لم يحصل به تمام الغرض المقصود له من المبدل،فيصحّ له‏

أن يأمر به بتمامه في الوقت تحصيلا لذلك البعض الّذي لم يحصل بالبدل،كما صحّ‏

له ذلك في خارجه لذلك،و في داخله-أيضا-كما في أمره بإعادة الجمعة ظهرا.

و الحاصل:أنّ صحّة الأمر بإعادة الجمعة ظهرا مع الإتيان بها مع التيمّم‏

في أوّل الوقت مقرّبة لما نحن فيه.

نعم إطلاق الإعادة على مثل ذلك ينافي ظاهرها اصطلاحا،إذ الظاهر كما

ادّعاه-دام ظلّه-أنّها في عبارة عن المأتيّ به ثانيا في الوقت لخلل في المأتيّ به‏

أوّلا من المأمور به‏ (1) في ذلك الوقت،و المفروض فيما نحن فيه الإتيان بالمأمور به‏

حال العذر بجميع ما يعتبر فيه من الشرائط و الكيفيات،فلعلّ هذا الإطلاق مبنيّ‏

على التجوّز و التأويل.

لكنّا-كما عرفت سابقا-لسنا في صدد إثبات إمكان التعبّد بالقضاء

1)كذا في الأصل،و يحتمل زيادة كلمة«به»،فتأمل.

171
و الإعادة المصطلحين،بل في صدد إثبات إمكان التعبّد بالمبدل منه بعد الإتيان‏

بالبدل في الوقت أو في خارجه،فبعد ما أثبتناه إمكانهما فمن شاء فليسمّهما إعادة

و قضاء،و من لم يشأ لم يسمّ،و ليعبّر عنهما باسم آخر.

ثمّ إنّ ثبوت التعبّد بالمبدل منه في الوقت بعد الإتيان بالبدل على تقديره‏

فهل هو بالأمر المتعلّق بالمبدل منه أو بأمر آخر كما في ثبوت التعبّد به في خارجه‏

على المختار فيه؟

الحقّ فيه التفصيل:بأنّه إذا كان البدل مباينا للمبدل منه-بمعنى‏ (1) أنّه‏

ليس بعضا منه-فدليل ثبوته إنّما هو الأمر المتعلّق بالمبدل منه إن كان الّذي لم‏

يحصل من مصلحة المبدل منه و الغرض المقصود منه بفعل البدل،مما يلزم‏

تحصيله،إذ من المعلوم أنّ فعل البدل حينئذ ليس امتثالا لبعض المبدل منه جدّاً،

بل إنّما هو من باب قيامه بالغرض المقصود منه حسبما أمكن،و المفروض عدم‏

حصوله بتمامه مع فرض الغير الحاصل منه لازم التحصيل،و الأمر بالمبدل منه-

الّذي كان يقتضي تحصيل تمام الغرض أوّلا و بالذات-الآن يقتضي تحصيل ذلك‏

المقدار الغير الحاصل المتوقّف حصوله على فعل المبدل منه بتمامه.

و أمّا إذا كان بعضا منه فوجهان مبنيّان على أنّ فعل البعض حينئذ امتثال‏

لبعض المبدل منه،فلا يعقل اقتضاء الأمر المتعلّق به-حينئذ-الإتيان بتمامه،

لأنّه بالنسبة إلى ذلك البعض يكون طلبا للامتثال عقيب الامتثال،أو أنّه من‏

باب تحصيل الغرض المقصود من المبدل منه و القيام به،فيكون كالأوّل.

الظاهر هو الوجه الثاني،فإنّ الظاهر أنّ هذا هو معنى البدلية حقيقة1.

1أقول:لا يخفى أنّه إذا فرض أنّ ما بقي من الغرض من الأغراض اللازمة التحصيل بمقتضي‏

الأمر الأوّل فلا يعقل خروجه عن كونه كذلك بعد حصول بعض تلك الأغراض،بل هو باق‏

على ما كان من لزوم التحصيل،فإذا فرض عدم تحصيل تمام الأغراض بفعل البدل فالأمر

الأوّل مقتض لتحصيل ما بقي في جميع الموارد لذلك.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)(اعلم أنّه ليس شي‏ء من الأبدال.).هكذا وجدناها في هامش الأصل.

172
إيقاظ:لا يتوهّم:أنّه إذا كان الأمر فيما نحن فيه مقتضيا لفعل البدل‏

-الّذي هو بعض المبدل منه في حال العذر-و لتمام المبدل منه أيضا بعد زواله في‏

الوقت،فيلزم أن يكون المطلوب به متعدّدا،و هو خلاف الفرض.

لأنّه مدفوع:أمّا أوّلا-فبأنّ المقتضي لفعل البدل حال العذر إنّما

هو أمر آخر غير ما يقتضي المبدل منه بعد زواله ففارق المقام-للأمر-المتعدّد

المطلوب‏ (1) ،فتأمّل‏1.

و أمّا ثانيا-فلأنّ الأمر المتعدد المطلوب‏ (2) ما كان مقتضيا لإيجاد الفعل‏

مرّة أو مرّات على سبيل استقلال كلّ من الإيجادين أو الإيجادات في المطلوبية،

بأن يكون كلّ منها واجبا أصالة،و لا يكون بعضها لأجل تحصيل الغرض من‏

الآخر،و ما نحن فيه ليس كذلك،فإنّ كلاّ من المطلوبين ليس مطلوبا أصالة،بل‏

ليس شي‏ء منهما كذلك،فإنّ كلاّ منهما مطلوب لتحصيل مجموع الغرض المطلوب،

كما عرفت.

هذا،ثمّ بعد ما عرفت الحال على كلّ من الوجوه المتصوّرة في اعتبار

1وجه التأمّل يظهر ممّا مرّ في بيان معنى الأمر الثانوي الواقعي.

و ملخصه:أنّ الأمر بالبدل ليس أمرا آخر غير ما تعلّق بالمبدل منه حال خلوّ المكلّف عن الأعذار،

بل إنّما هو ذلك،و إنّما وقع الاختلاف في موارد امتثاله على حسب اختلاف حالات المكلّف،

ضرورة أنّ المصلّي مع التيمّم أو بدون القراءة-مع العجز عنها-إنّما يقصد بهما امتثال قوله‏

تعالى: أقيموا الصلاة المتوجّه إليه حال خلوّه عن الأعذار حتّى فيما إذا ورد خطاب‏

بهما بالخصوص،مثل قوله:(صلّ مع التيمّم أو بدون القراءة)،إذ هما حينئذ تفصيل عن‏

إجمال الخطاب الأوّل،لا أمران جديدان بعد ارتفاعه،و قد مرّ تحقيق ذلك مستوفى،فراجع.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:الأمر التعدّد المطلوبي..

2)في الأصل:التعدّد المطلوبي.

173
الأعذار في أوامر أولي الأعذار فتعيين أحد تلك الوجوه موكول إلى الرجوع إلى‏

الأخبار الواردة فيهم المتضمّنة لأوامرهم بتلك الأبدال في تلك الحال،و ملاحظة

أنّ ظاهر تلك الأوامر أيّ منها،و لعلّنا نتعرّض له فيما بعد على وجه الإجمال‏

-إن شاء اللَّه-مع التعرّض لما تقتضيه القاعدة على فرض تطرّق الاحتمال في تلك‏

الأخبار،فانتظر.

الثالث:في مؤدّى الطرق و الأصول العملية الشرعية منهما

و العقلية

،فهاهنا موضعان:

الأوّل:في العمل بمؤدّى الطرق و الأصول العقليتين‏
،فنقول:

لا شبهة في عدم الإجزاء إذا عمل بمقتضاها بعد انكشاف الخلاف،

ضرورة أنّ حكم العقل بالعمل على طبقها إنّما هو إرشادي محض و إرادة لطريق‏

الامتثال بعد انحصار المناص فيها و عدم طريق للامتثال سواها.

و بعبارة أخرى:إنّه بعد ما انحصر طريق الامتثال فيها-بأن لا يكون‏

طريق له سواها أصلا،أو كان لكنّها أقرب منه-فالعقل يحكم بأنّه لا بدّ للمكلّف‏

من‏جعل هذه طريقا في امتثال تكاليف الشارع،و أنّه يقبح على الشارع‏

المؤاخذة على العمل بمقتضاها إذا أدّت إلى مخالفة الواقع،لا أنّه يجب عليه‏

الأمر بالعمل بها في تلك الحال حتّى يكون هذا أمرا شرعيا واقعيا ثانويا أو

ظاهريّا،فلا يستلزم حكم العقل على هذا الوجه أمرا شرعيا بالعمل بها و لا

يستكشف به عنه بوجه،بل لو أمر الشارع حينئذ بالعمل بها فإنّما هو إرشادي‏

محض مطابق لحكم العقل،كما لا يخفى،فيكون وجوده كعدمه لأنّه لا يحصل به‏

أزيد مما يحصل بدونه،فعلى هذا إذا عمل بها المكلف فغاية ما يترتّب عليه إنّما هو

معذوريته ما لم ينكشف الخلاف‏ (1) .

1)في الأصل:..معذوريّته إلى ما لم ينكشف الخلاف.

174
و أمّا إذا انكشف فيكون ما فعله كما لم يفعل أصلا،و حينئذ إذا كان ذلك‏

في الوقت فيجب عليه الإعادة البتّة لبقاء الأمر الواقعي على حاله المقتضي‏

للزوم الإتيان بمتعلّقه و تنجّزه على المكلّف لفرض علمه به حينئذ.

و إذا كان في خارجه فيجب عليه القضاء-أيضا-إن قلنا بأنّه بالأمر

الأوّل،و إن قلنا:إنّه بأمر جديد فلا يزيد عمله في الوقت بمقتضاها على صورة

عدمه فيه أصلا،لعدم تأثيره فيما هو المطلوب منه واقعا،و لا في تحصيل شي‏ء من‏

الأغراض المقصودة منه،فيكون موردا لدليل القضاء البتّة لفوت المطلوب منه‏

في الوقت بالمرّة،فإنّ ذلك من الصور المتيقّنة الدخول فيه.

و بالجملة:فعدم الإجزاء هنا أوضح من أن يحتجّ عليه.

الثاني:في العمل بمؤدّى الطرق و الأمارات و الأصول الشرعية
:

و الحقّ هنا-أيضا-عدم الإجزاء مطلقا،و إن لم يكن هو هنا في الوضوح‏

مثله في الموضع الأوّل،نظرا إلى أمر الشارع فيها بالسلوك على مقتضاها دون‏

الطرق و الأصول العقليتين،فلذا توهّم بعض ثبوت الإجزاء هنا.

و توضيح ما اخترناه:أنّ الطرق التي عمل بها المكلّف في مقام‏

الامتثال:إمّا من الطرق المجعولة من الشارع في حال الانسداد فقط،أو ممّا يعمّ‏

اعتبارها حال الانفتاح و التمكّن من تحصيل الواقع علما.

فإن كانت من الأولى:فالحال فيها هي الحال في الطرق العقلية من‏

حيث عدم معقولية الإجزاء معها،فإنّ أمر الشارع حينئذ بالعمل بمقتضاها ليس‏

إلاّ لمجرّد مصلحة الإيصال الغالبي أو الأغلبي في تلك الطرق،فليست هي‏

حينئذ إلاّ الطرق الصرفة،و من البديهيّات الأوليّة أنّ ما ليس له إلاّ مجرّد صفة

الطريقية الصرفة لا يعقل أن يؤثّر في ذي الطريق الّذي هو المكلّف به الواقعي‏

في شي‏ء،بل فائدته إنّما هي الإيصال إليه،فإن أصول فهو،و إلاّ فيكون العمل‏

الواقع على طبقه كعدمه من حيث تأثيره في الواقع،بمعنى كونه امتثالا عنه،أو


175
محصّلا للأغراض المقصودة منه كلاّ أو بعضا،و لمّا كان المفروض اعتباره في حال‏

الانسداد فلا يجب على الشارع تدارك ما فات على المكلّف من المصلحة بسبب‏

العمل به-أيضا-كما إذا أدّى إلى خلاف الواقع،فإنّ ذلك إنّما يكون إذا كان‏

فوتها عليه مستندا إلى الشارع،و ما نحن فيه ليس منه،فإنّ ما يعتبره الشارع‏

في حال الانسداد إنّما يعتبره و يأمر بالعمل به لأجل كونه غالب المصادفة للواقع‏

بخلاف غيره،أو لكونه أغلب مصادفة من غيره.

و من المعلوم:أنّه لو لم يأمر الشارع بالعمل به في حال الانسداد و كان‏

المكلّف عاملا بغيره أو بهما معا لكان فوت المصلحة عليه حينئذ أكثر منه على‏

تقدير أمره بالعمل به و عمل المكلّف بمقتضاه،ففوت المصلحة عليه في الجملة لا

بدّ منه،لكنّه على تقدير العمل بذلك الطريق أقلّ منه على تقدير العمل بغيره،

فلم يصر الشارع بأمره بالعمل سببا لفوت المصلحة عليه أزيد ممّا يفوته على‏

تقدير عدمه،بل صار سببا لقلّته،لأنّ أمره ذلك داع للمكلّف إلى العمل بذلك‏

الطريق الّذي هو غالب المصادفة أو أغلبها،فذلك تفضّل منه و رحمة،لا تفويت‏

للمصلحة عليه.

نعم فوت المصلحة الخاصّة الموجودة في مورد ذلك الطريق مستند إليه،

لكنّه معارض لفوت المصالح المتعدّدة عليه في سائر الموارد على تقدير عمله‏

بغيره،و ليست تلك المصلحة الخاصّة مع وحدتها أولى من تلك المصالح،بل الأمر

بالعكس.

فعلى هذا فيكون العمل الواقع على طبق ذلك الطريق إذا لم يوصل إلى‏

الواقع كعدمه أصلا،فيكون حاله حال الطريق العقلي في عدم الإجزاء،بل في‏

عدم معقوليّته أيضا.

و أمّا إذا كانت من الثانية:فلمّا كان من الضروري حينئذ أنّه يقبح‏

على الشارع الترخيص في العمل بمقتضاها و الأمر بذلك لمجرّد مصلحة


176
الطريقية و الإيصال-مع تمكّن المكلّف من تحصيل الواقع علما،ضرورة وقوع‏

التخلّف فيها،و معه يكون ترخيص العمل بها في مقام الامتثال و جعلها طريقا له‏

مع التمكّن من تحصيل الواقع نقضا للغرض و تفويتا للمصلحة الواقعية على‏

المكلّف،و هذا مناف للّطف و الحكمة بالضرورة-فلا بدّ من أن يكون أمره بالعمل‏

بها مع التمكّن من تحصيل الواقع على أحد الوجهين:

أحدهما:أن يكون ذلك لقيام مصلحة قائمة بنفس العمل بها و السلوك‏

على مقتضاها،بحيث لا يكون لمن قامت هي عنده واقع سوى العمل بها،و ذلك‏

و إن كان في نفسه أمرا ممكنا،و على تقديره يكون العمل بها مقتضيا للإجزاء جدّاً

لكونه واقعا أوّلا (1) لمن قامت هي عنده،إلاّ أنّه قد علم بالضرورة عندنا عدم‏

وقوعه،فإنّه عين التصويب الباطل عندنا.

هذا مضافا إلى ظهور أدلّة اعتبارها في أنّ اعتبارها إنّما هو من باب‏

الطريقية،لا الموضوعية.

و ثانيهما:أن يكون لأجل مصلحة في العمل بها لا تنافي اعتبارها (2) على‏

وجه الطريقية،و لا تؤثّر في مصلحة ذي الطريق أصلا،و لا في ارتفاع الخطاب عنه،

بل تكون بحيث تكافئ مصلحته على تقدير فوته على المكلّف بسبب العمل بتلك‏

الطرق على وجه تجبرها حينئذ،بمعنى أنّ كلّ ما فات على المكلّف من مصلحته‏

بسبب العمل بتلك الطرق لا بدّ أن تكون هي جابرة لذلك المقدار الفائت من‏

تلك المصلحة و متداركة إيّاه،فإنّ هذا المقدار من المصلحة في العمل بتلك الطرق‏

مصحّح لتجويز العمل بها مع التمكّن عن إدراك الواقع جدّاً،و لا يجب أزيد منه‏

قطعا،و هذا هو المتعيّن في كيفية نصب هذه الطرق،لكونه هو الموافق لاعتبارها

1)كذا في الأصل:و الأجود أوّليّا..

2)في الأصل:لا تنافي هي لاعتبارها..

177
على وجه الطريقية.

و هذا هو المتعيّن في كيفية نصب الأمارات-أيضا-إذ اعتبارها إنّما هو

من باب الطريقية لا غير.

و قس عليهما الحال في الأصول العملية الشرعية المجعولة من الشارع في‏

مقام الشكّ مطلقا من غير اعتبار عدم التمكّن من تحصيل الواقع،

كالاستصحاب-بناء على اعتباره من باب التعبّد-فإنّ الأمر بمقتضى الحالة

السابقة مع التمكّن من تحصيل الواقع نظير الأمر بالطرق أو الأمارات مع‏

التمكن من تحصيله،فلا بدّ فيه-أيضا-من اعتبار مصلحة مصحّحة للأمر به‏

-حينئذ-لا تنافي هي طريقيّة مؤدّاه و مرآتيّته للواقع،فإنّ أمره بالعمل بمقتضى‏

الحالة السابقة إنّما هو لأجل أنّه حكم بكون المشكوك هو الّذي كان في السابق،

فإنّ أمره بالصلاة مع الطهارة المستصحبة إنّما هو لأجل حكمه بأنّها هي الصلاة

مع الطهارة الواقعية الحاصلة سابقا.

هذا ما استفدته من السيّد الأستاذ-دام ظلّه-1.

لكنّ الأولى-بل المتعيّن ظاهرا-فرض المصلحة المتداركة لما يفوت‏

من مصلحة الواقع بسبب العمل بتلك الطرق و الأمارات و الأصول في نفس‏

الأمر بالسلوك على مقتضاها،كما صنعه شيخنا الأستاذ-قدّس سرّه-لا في‏

المأمور به-و هو السلوك-إذ معه يشكل الخروج عن شبهة التصويب غاية

1هذا من الشواهد القطعية على صحّة ما ذهبنا إليه-خلافا للمحقّق الحجّة آغا بزرگ الطهراني‏

(رحمه اللَّه)في الذريعة-من كون هذه المخطوطة تصنيفا للمحرّر(رحمه اللَّه)،لا تقريرا لدرس أستاذه‏

العظيم(قدّس سرّه)حيث إنّه(رحمه اللَّه)يصرّح في مواضع نقل آراء أستاذه(رحمه اللَّه)بذلك كما صنع‏

هنا،و قد لا يرتضيها،كما قد يرتضيها أحيانا،و هكذا دأبه(رحمه اللَّه)مع آراء باقي الأعلام-رضي اللَّه‏

عنهم-كشيخه الأعظم(قدّس سرّه).


178
الإشكال-كما بيّناه في مسألة نصب الطرق في مسألة حجّيّة المظنّة (1) -إلاّ أنّه‏

يجب على الشارع-حينئذ-تدارك ما فات المكلّف‏ (2) من مصلحة الواقع بسبب‏

العمل بها،و لو بإعطاء الثواب بمقدار ثواب ذلك المقدار الفائت.

و كيف كان،فيجب على الشارع تدارك ذلك المقدار إمّا بإعطاء الثواب،

أو بمصلحة في نفس العمل و السلوك على مقتضاها إن تعقّلنا اجتماعها مع الأمر

بها على وجه الطريقية.

فإذا عرفت ذلك فنقول:إذا عمل بها المكلّف المتمكّن من تحصيل‏

الواقع،فإن انكشف مصادفتها للواقع،أو لم ينكشف شي‏ء منها و لا من الخلاف‏

إلى آخر عمره فلا إشكال في ثبوت الإجزاء.

و أمّا إذا انكشف الخلاف فهو إمّا في الوقت أو في خارجه:

فعلى الأوّل:لا ينبغي الإشكال في عدم الإجزاء،و الوجه فيه بقاء

الأمر الأوّل الواقعي-حينئذ-على حاله المقتضي للإتيان بمتعلّقه،لما مرّ من‏

أنّ الأوامر المتعلّقة بالسلوك على مقتضى الطرق و الأمارات و الاستصحاب إنّما

هي أوامر ظاهرية طريقية،فهي غير قابلة للتصرّف في دليل الواقع و لا في‏

مصلحته أصلا،فيكون العمل بمقتضاها كالعمل بالطرق العقلية من هذه‏

الحيثيّة،و إنّما الواجب على الشارع تدارك ما فات على المكلّف بسبب العمل‏

بها،و المفروض عدم فوت الواقع عليه بسبب العمل بها في أوّل الوقت،لفرض‏

بقاء وقته بمقدار تحصيله فيه،فيكون فوته-حينئذ-مستندا إلى سوء اختيار

المكلّف جدّاً،فإذا فرض بقاء وقته من غير تدارك له فالامر الأوّل الواقعي باق‏

1)مظنّة الشي‏ء-بفتح الميم و كسر الظاء-موضعه و مألفه الّذي يظنّ كونه فيه،و الجمع مظانّ.مجمع‏

البحرين:6-280،و لسان العرب:13-274-مادة ظنن.و المظنّة مصدر ميمي لظنّ‏

بمعنى الظنّ مع زيادة توكيد.

2)في الأصل:ما فات على المكلّف.

179
على حاله،و مقتض لوجوب الإتيان به حينئذ،لأنّ ارتفاعه لا يكون إلاّ

بمخالفته المتوقّفة على مضيّ الوقت،أو بامتثاله،أو بحصول الغرض منه،و لا

شي‏ء من هذه الثلاثة في المقام:

أمّا الأوّل فبالفرض.

و كذلك الثاني،لفرض عدم الإتيان بمتعلّقه.

و أمّا الأخير فلعدم صلاحية الطريق من حيث كونه طريقا في تأثير

تحصيل الغرض من ذيه،كما مرّ بيانه.

و بالجملة:الطرق لا يعقل أن يكون لها حظّ و نصيب من الواقع أصلا،

بل فائدتها الإيصال،فإذا فرض عدمها فيكون العمل بها كعدمه أصلا،فيكون‏

الواقع باقيا على حاله مقتضيا لما كان يقتضيه مع فرض عدم العمل بها،و هذا

واضح لا غبار عليه بوجه.

نعم،لو كان هناك مصلحة زائدة متقوّمة بإتيان الواقع في أوّل الوقت-

كمصلحة المبادرة إلى العبادة-فهي فائتة عليه بسبب العمل بها،فيجب على‏

الشارع تدارك هذا المقدار.

و أمّا على الثاني فالحقّ-أيضا-عدم الإجزاء و إمكان التعبّد بالفعل‏

ثانيا في خارج الوقت،إذ لا مانع منه عدا ما ربما يتخيّل:من أنّ المفروض فوت‏

خصوصية إيقاع الفعل في الوقت على المكلّف بسبب العمل بتلك الطرق‏

و الأمارات أو الأصول،فيجب على الشارع تداركها،و من المعلوم أنّ تدارك‏

الخصوصيّة إنّما هو بتدارك الخاصّ،و هو هنا الفعل الواقع في الوقت،ضرورة أنّ‏

الخصوصيّة من الأعراض الغير المتقوّمة إلاّ بالمحلّ،فلا يعقل استقلالها

و انفرادها بحكم أو وصف،بل لا بدّ أن يكون ذانك جاريين على المحلّ باعتبار

اشتغاله بها،فلا بدّ أن يكون تدارك خصوصية إيقاع الفعل في الوقت بتدارك‏

الفعل في الوقت،و معه لا يعقل التعبّد به في خارجه،إذ المصلحة المتداركة في قوّة


180
الحاصلة،فلم يكن هنا فوت شي‏ء حتّى يكون ذلك لأجل تحصيله في خارج‏

الوقت.

لكنّه مدفوع:بإمكان أن يكون للمحلّ آثار منها ما لا يتقوّم إلاّ

بالخصوصية،و منها ما يحصل بدونها-أيضا-و معه يمكن أن يكون الحكم المتعلّق‏

بالمحلّ باعتبار تلك الخصوصية متعلّقا به بملاحظة ما لا يتقوّم إلاّ بها من تلك‏

الآثار،من غير ملاحظة جميعها،فيمكن بقاء ذلك البعض الغير المتقوّم بها،و معه‏

يمكن تعلّق حكم آخر بالمحلّ بملاحظة ذلك البعض.

فنقول فيما نحن فيه:إنّه يمكن أن يكون للفعل المقيّد بإيقاعه في الوقت‏

آثار اخر غير متقوّمة بالوقت،بل تحصل بدونه-أيضا-و من المعلوم أنّه لا

يجب على الشارع على تقدير تفويته للأثر المتقوّم به على المكلّف إلا تدارك ذلك‏

الأثر فقط،و إن كان يمكن تداركه للجميع-أيضا-من باب التفضّل،إلاّ أنّه‏

غير لازم،فيكون عدمه ممكنا،بل محتملا،فيمكن التعبّد به في خارج الوقت‏

لأجل تحصيل غير المتدارك من المصالح و الآثار.

ثمّ إنّ هذا كلّه بناء على أنّ القضاء بأمر جديد،كما هو المختار.

و أمّا بناء على كونه بالأمر الأوّل فيجب القضاء بمجرّد احتمال عدم‏

تدارك جميع المصالح و الأغراض من الفعل،لوجوب الخروج عن عهدة ذلك‏

الأمر.

لكن هذا يخرج-حينئذ-عن القضاء المصطلح،بل يكون أداء حقيقة،

فإنّ ذلك الأمر-حينئذ-يكون من الأوامر المتعدّدة المطلوب‏ (1) المقتضية للإتيان‏

بالفعل في كلّ وقت لم يؤت به إمّا عصيانا أو عذرا-كما فيما نحن فيه-فإنّ‏

العامل بتلك الطرق-حينئذ-معذور في ترك الواقع في وقته المضروب له،

1)في الأصل:المتعدد المطلوبيّة.

181
لاستمرار جهله بالواقع‏ (1) إلى آخر الوقت.

و الحاصل:أنّ القضاء حقيقة فيما يؤتى به في خارج الوقت لأجل تدارك‏

مصلحة فائتة في الوقت،و من المعلوم أنّه إذا يبنى على تبعّض المصلحة،و كون‏

بعض منها يحصل بغير الوقت-أيضا-فلا يصدق الفوت بالنسبة إلى ذلك‏

البعض قطعا،لإمكان تحصيله بعد الوقت،فالإتيان بالفعل لأجل تحصيله ليس‏

لتدارك أمر فائت،بل لتحصيل أمر بقي زمان تحصيله و لم يحصل بعد،فيكون‏

هذا إعادة اصطلاحا،كما في موارد الأوامر الفورية المتعدّدة المطلوب‏ (2) ،إذ من‏

المعلوم أنّ الفوريّة لها مدخلية في مصلحة لم تحصل إلاّ بها،و مصلحة أخرى في‏

الفعل تحصل بغيرها-أيضا-فإذا أخلّ بالفوريّة فالإتيان به-حينئذ-لتحصيل‏

تلك المصلحة لا يكون قضاء قطعا.

هذا كلّه بناء على توجيه صحّة ورود التعبّد بالفعل في خارج الوقت‏

بإمكان تبعّض المصلحة و أغراض الفعل.

و يمكن توجيهها بوجه آخر يكون الإتيان بالفعل-في خارج‏

الوقت بناء عليه-قضاء مصطلحا حقيقة،و هو أنّ اللازم على الشارع-عند

أمره بالعمل بتلك الطرق و الأمارات و الأصول مع تمكّن المكلّف من تحصيل‏

الواقع و إدراك مصلحته-أن يكون مصلحة للمكلّف في السلوك على مقتضاها

بحيث لا تنافي طريقيتها1-أيضا-فيأمر الشارع بالسلوك على طبقها لأجل‏

1بمعنى أنّ تلك المصلحة مصحّحة لأمر الشارع بها على وجه الطريقيّة،كما أنّه بدونها يقبح أمره‏

بها كذلك،لا أنّها موجبة لمطلوبيّة العمل بتلك الطرق و الأمارات نفسا حتّى يلزم التصويب.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:(بالواقعة).،و الصحيح ما أثبتناه.

2)في الأصل:المتعدّد المطلوبيّة..

182
تلك المصلحة مع مراعاته لجانب الطريقية-أيضا-بمعنى أنّه لم يرفع اليد عن‏

الواقع،بل هو باق على ما كان،فالسالك بها إن أصاب الواقع فله مصلحتان‏

و أجران-مصلحة الواقع و مصلحة السلوك على مقتضاها-و إن لم يصب فله‏

مصلحة واحدة لا محالة و أجر واحد،فلا يلزم على تقدير عدم المصادفة خلوّ يد

المكلّف عن المصلحة رأسا حتّى يلزم القبح في امره بالعمل بما ذكر،و مصلحة

السلوك حاصلة للمكلّف مطلقا إذا عمل على طبقها،لكنّها على تقدير عدم‏

الإصابة ليست متداركة لمصلحة الواقع،بل مصلحة الواقع فائتة عن المكلّف-

حينئذ-و لم يحصل منها شي‏ء أصلا،فيمكن التعبّد بالفعل في خارج الوقت مع‏

انكشاف الخلاف لتدارك تلك المصلحة الفائتة حقيقة،فيكون الإتيان بالفعل في‏

خارج الوقت قضاء مصطلحا حقيقة.

و هذا التوجيه أجود من سابقه،و عليه جماعة من الأعلام-أيضا-

حيث قالوا:إنّ المصيب له أجران و المخطئ له أجر واحد.

و كيف كان،فمع اعتبار تلك الطرق و الأمارات على وجه الطريقية

و العمل بها على هذا الوجه-كما هو الظاهر من أدلّة اعتبارها،و هو الحقّ الّذي‏

عليه أهله-لا يعقل كون العمل بها مع مخالفتها للواقع مجزيا عن الواقع بوجه،

بل يكون العمل بها-حينئذ-كالعمل بالطرق العقلية.

و إنّما الفرق بينهما:أنّ العامل بالطرق العقلية مع عدم المصادفة لم يحصل‏

له شي‏ء أصلا،بخلاف العامل بها،فإنّه يحصل له مصلحة السلوك على طبقها لا

محالة،و أمّا مصلحة الواقع فلا،بل يكون العمل بها بالنظر إلى الواقع كعدمه‏

أصلا،لما مرّ غير مرّة من أنّ الطريق‏ (1) من حيث كونه طريقا لا يعقل كونه‏

مؤثّرا في ذيه بوجه،بل إذا عمل به فإن أوصل إليه فهو،و إلاّ فيكون وجوده‏

1)في الأصل:الطرق..

183
كعدمه بالنسبة إلى ذي الطريق.

نعم،لو كان في نفس العمل بالطريق مصلحة لحصلت‏ (1) هي للمكلّف كما

عرفت،لكنها لا يمكن كونها مؤثّرة في مصلحة الواقع.

و ربما يتخيّل أنّه مع فرض تمكّن المكلّف من تحصيل الواقع لا بدّ من‏

التزام التصويب في أمر الشارع بالعمل بتلك الطرق و الأمارات و الأصول‏

الممكنة التخلّف عنه،فإنّ الواقع على هذا الفرض إمّا باق على مصلحته الملزمة،أو لا:

لا سبيل إلى الأوّل:إذ معه يقبح تجويزه العمل بها مع إمكان تخلّفها عن‏

الواقع،لكونه نقضا للغرض،و تفويتا للمصلحة اللازمة التحصيل على المكلّف،

فتعيّن الثاني،و معه يكون العمل بها في عرض الواقع،و يكون واجبا مخيّرا بينه‏

و بين الواقع أو معيّنا،فإنّ الواقع-حينئذ-إمّا فيه مصلحة في الجملة،أو لا،فعلى‏

الأوّل إمّا أن يكون العمل بها مشتملا على مصلحة أيضا،أو لا:

لا سبيل إلى الثاني،لأنّ الأمر به مع كونه مؤدّيا إلى تفويت الواقع قبيح‏

جدّاً،فتعيّن الأوّل،و معه يكون الأمر به لأجل تلك المصلحة المساوية لمصلحة

الواقع،فيكون واجبا تخييريّا بينه و بين الإتيان بنفس الواقع.

و على الثاني‏1و إن كان لا يلزم محذور تفويت مصلحة الواقع على المكلّف‏

في الأمر بالعمل بها لفرض عدم المصلحة في الواقع أصلا،إلاّ أنّه لا بدّ أن يكون‏

العمل بها-حينئذ-مشتملا على مصلحة لا محالة،و إلاّ يلزم العبث،فيكون‏

واجبا عينيّا.هذا.

لكنّه مدفوع:بأنّ معنى المصلحة الملزمة إنّما هو ما يوجب تنجّز

1أي على فرض خلوّ الواقع عن المصلحة.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:(تحصل).و يحتمل:(لحصل)..

184
التكليف على المكلّف بمجرّد اطّلاعه عليه،لا ما يجب تحصيله مطلقا،بحيث‏

يتنجّز على المكلّف على وجه يجب عليه تحصيل الاطّلاع عليه من باب المقدّمة،

كما هو لازم التخيّل المذكور،و ما أبعد بين هذا و التصويب،فإنّه إنّما يكون إذا

خلا الواقع عن ذلك المقدار من المصلحة،لا معه.

و على تقدير تسليم تسمية هذا تصويبا فيطالب مدّعي بطلان هذا النحو

من التصويب بدليل بطلانه،و أنّى له ذلك؟!و كيف يمكن الالتزام به؟!فإنّ جميع‏

الأحكام و التكاليف الشرعية من هذا القبيل،إذ ما من تكليف إلاّ و يجوز

الاكتفاء في مورد احتماله بتلك الطرق و الأمارات و الأصول.

هذا خلاصة الكلام في تحقيق المرام في المقام.

و بما حقّقنا يظهر ضعف أدلّة من خالفنا،بل فسادها.

ثمّ إنّ مورد النزاع بين القائلين بالإجزاء و القائلين بعدمه في الأوامر

الظاهرية إنّما هو صورة انكشاف الخلاف على سبيل القطع.

و أمّا الكلام في الإجزاء و عدمه فيما إذا انكشف بالظنّ فهو خارج في‏

الحقيقة عن مسألة الإجزاء،فإنّ مرجع النزاع في الإجزاء و عدمه إلى أنّ الظنّ‏

كالقطع بمقتضى دليل اعتباره في ترتيب آثار متعلّقه عليه مطلقا حتّى الماضية

منها،أو لا،فيكون النزاع في كيفية نصب الطرق الغير العلمية.

هذا مضافا إلى أنّ هذا النزاع إنّما هو بين القائلين بعدم الإجزاء في صورة

انكشاف الخلاف بالقطع،و أمّا القائلون بالإجزاء في تلك الصورة فهم قائلون به‏

هنا بطريق أولى،و ليس لأحد منهم إنكاره،و سيجي‏ء التعرّض لحكم صورة

انكشاف الخلاف بالظنّ،فانتظر.

ثمّ إنّ للمحقّق القمّي-قدّس سرّه-في هذه المسألة كلمات لا يكاد يجمع‏

بينها،و هي ما ذكره في تحرير موضع الخلاف فيها:من أنّه(إن كان بالنسبة إلى‏

كلّ واحد من الحالات فلا إشكال في الإجزاء بمعنييه،لحصول الامتثال و عدم‏


185
وجوب القضاء و الإعادة)إلى أن قال:(و إن كان بالنسبة إلى مطلق الأمر،أعمّ‏

من البدل و المبدل فلا أظنّ مدّعي الدلالة على سقوط القضاء يدّعي السقوط

حتّى بالنسبة إلى المبدل،و لعلّ النزاع في هذه المسألة لفظي،فإنّ الّذي يقول‏

بالإجزاء إنّما يقول بالنظر إلى كلّ واحد من الأوامر بالنسبة إلى الحال التي وقع‏

المأمور به عليها،و من يقول بعدمه إنّما يقول بالنسبة إلى مطلق الأمر الحاصل‏

في ضمن البدل و المبدل) (1) .

ثمّ اختار بعد ذلك في موضع آخر من كلامه:كون الإتيان بالبدل مجزيا

عن المبدل-أيضا-مع تعميمه للبدل بالنسبة إلى متعلّق الأمر الظاهري،حيث‏

قال:(إنّ المكلّف بالصلاة مع الوضوء-مثلا-إنّما هو مكلّف بصلاة واحدة،كما

هو مقتضى صيغة الأمر من حيث إنّ المطلوب بها الماهيّة لا بشرط،فإذا تعذّر

عليه ذلك فهو مكلّف بهذه الصلاة مع التيمّم،و هو-أيضا-لا يقتضي إلاّ فعلها

مرّة.

و ظاهر الأمر الثاني إسقاط الأمر الأوّل،فعوده يحتاج إلى دليل،

و الاستصحاب و أصالة العدم و عدم الدليل كلّها يقتضي ذلك،مضافا إلى فهم‏

العرف و اللغة.

و ما ترى‏من‏أنّ الصلاة بظنّ الطهارة تقضى بعد انكشاف فساد الظنّ‏

فإنّما هو بأمر جديد و دليل خارجي.

نعم،لو ثبت من الخارج أنّ كلّ مبدل إنّما يسقط عن المكلّف بفعل البدل‏

ما دام غير متمكّن منه فلما ذكر وجه،و أنّى لك بإثباته؟!

بل الظاهر الإسقاط مطلقا،فيرجع النزاع في المسألة إلى إثبات هذه‏

الدعوى،لا أنّ الأمر مطلقا يقتضي القضاء أو يفيد سقوطه،فالمسألة تصير

1)قوانين الأصول:1-130-131.


186
فقهية،لا أصولية) (1) .

و قال في المقدّمة الثانية-من المقدّمات التي رسمها لتحقيق المسألة بعد

البناء على كون متعلّق الأمر الظاهري بدلا عن الواقع-:(و الإشكال في أنّ‏

المكلّف مكلّف بالعمل بالظنّ ما دام غير متمكّن عن اليقين،و محكوم بإجزاء عمله‏

كذلك،أو مطلقا)إلى أن قال:(و كذلك الكلام في المبدل و البدل،فمن تيمّم لعذر

ثمّ تمكّن من الماء في الوقت،فإن قلنا:إنّ المكلّف به هو الوضوء في الوقت إلاّ في‏

حال عدم التمكّن منه،و بعبارة أخرى:إنّه مكلّف بإبداله بالتيمّم ما دام معذورا،

فيجب عليه الإعادة في الوقت.

و إن قلنا:إنّ التكليف الأوّل انقطع،و التكليف الثاني-أيضا-مطلق،

فلا.

و الظاهر أنّ هذا لا يندرج تحت أصل،و يختلف باختلاف الموارد فلا بدّ من‏

ملاحظة الخارج).انتهى‏ (2) .

ما وجدنا من كلماته-قدّس سرّه-يتهافت بعضها مع بعض،و توضيح‏

التهافت:أنّك قد عرفت أنّه-قدّس سرّه-منع من أن يكون مراد القائل‏

بالإجزاء كون الإتيان بالبدل مسقطا عن التعبّد بقضاء المبدل،و جعل النزاع في‏

المسألة لفظيا،مع أنّه-قدّس سرّه-اختار ذلك في مقام دفع الإيراد على نفسه‏

بقوله:(و ظاهر الأمر الثاني إسقاط الأمر الأوّل)إلى آخر ما ذكره من الوجوه‏

التي‏أقامها على ذلك.

و أيضا دعوى ظهور الأمر الثاني في إسقاط الأمر الأول و اقتضاء أصالة

العدم و الاستصحاب إسقاط الأمر الأول ينافي ما ذكره من أنّه إذا ثبت بدلية

1)قوانين الأصول:1-132.

2)قوانين الأصول:1-130.

187
شي‏ء و تردّد بين كونه بدلا على الإطلاق أو في الجملة فلا أصل يقتضي شيئا منهما،

إذ من المعلوم أنّ تقريب دلالة الأمر الثاني على سقوط الأمر الأوّل لا بدّ أن‏

يكون بدعوى دلالته على بدلية متعلّقه عن المبدل على الإطلاق و إلاّ لما دلّ على‏

إسقاط الأمر الأوّل.

و هكذا الكلام في سائر الوجوه التي ذكرها،فإنّه إذا كان بدليّة البدل‏

مقيّدة ببقاء العذر أو الجهل إلى آخر الوقت مع فرض ارتفاعهما قبل مضيّه فلم‏

يرتفع الأوّل حتّى يستصحب عدمه،و إنّما يرتفع لو اكتفى الشارع في جعل البدل‏

بدلا بتحقّق ذينك في بعض من الوقت و إن لم يستمرّا.

ثمّ إنّ ما يبنى عليه-من كون الصلاة مع الطهارة المستصحبة بدلا عن‏

الصلاة مع الطهارة الواقعية كالصلاة مع التيمّم مع العجز عن الوضوء-فيه ما

لا يخفى على المتأمّل،فإنّ الأمر بالصلاة مع الطهارة المستصحبة ظاهريّ محض‏

و ليس شأنه التصرّف في الواقع،فإن لم يصادف الواقع يكن‏ (1) العمل به كعدمه.

فدعوى-أنّ ظاهر الأمر الثاني بقول مطلق شامل للأمر الظاهري‏

سقوط الأمر الأوّل-ظاهرة الفساد.

نعم،هو متّجه في الأوامر الثانوية الواقعية و هي أوامر أولي الأعذار.

و بالجملة:فيتّجه على قوله:(و ظاهر الأمر الثاني إسقاط الأمر الأوّل)

إلى قوله:(فتصير المسألة فقهية لا أصولية)ما ذكره صاحب الفصول،فراجع.

مضافا إلى ما ذكره-دام ظلّه-من أنّ موضوع الاستصحاب إنّما هو

عدم الأمر الأوّل،و إحرازه لا يكون إلاّ بظاهر الأمر الثاني،فلا يصلح هو لجعله‏

وجها مستقلا.

مع أنّ في احتجاجه بأصالة العدم و عدم الدليل ما لا يخفى،لعدم ثبوت‏

1)في الأصل:فيكون..

188
حجّيّة أصالة العدم لو لم يرجع إلى الاستصحاب،و معه ليس وجها آخر،و عدم‏

الدليل لا يصلح في المقام للاستناد إليه بعد إحراز تكليف محقّق في ذلك الوقت‏

لا بدّ من الخروج عن عهدته مع الشكّ في كون المأتيّ به مبرئا عنه،فافهم و تأمّل،

و اللَّه الهادي.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل‏
:قد عرفت أنّ محلّ الكلام في مسألة الإجزاء بالنسبة إلى الأوامر

الظاهرية إنّما هو ما إذا انكشف مخالفة متعلّقاتها بعد الإتيان بها للواقع،و أنّ‏

البحث عن حكم صورة انكشاف الخلاف ظنّا خارج عنها.

لكن لا بأس بالتعرّض لتحقيق الحال في حكم تلك الصورة

على نحو الإجمال،و الغرض منه هنا إنّما هو توضيح المقال فيه مع قطع النّظر عن‏

انضمام حكم الحاكم‏إلى‏الفتوى‏ (1) الأولى،و أمّا حكم صورة الانضمام فمعرفته موكولة

إلى المباحث الآتية-إن شاء اللَّه تعالى-من مباحث الاجتهاد و التقليد،فنقول:

إذا اجتهد الفقيه في مسألة فأفتى فيها بحكم معتمدا على أحد الطرق‏

التعبّدية الشرعية،أو العقلية كالقطع و الظن عند انسداد باب العلم،فعمل هو

أو أحد من مقلّديه بذلك الّذي أفتى به،ثم تبدّل رأيه ذلك إلى نقيضه ظنا،فلا

إشكال و لا خلاف ظاهرا في وجوب بنائه و بناء مقلديه‏عليه‏إذا أرادوا تقليده‏

حينئذ أيضا،أو تعيّن عليهم تقليده في العمل-من حين التبدّل إلى ما بعده‏

بالنسبة إلى الوقائع الحادثة المتأخّرة عن ذلك الحين-على الّذي أفتى به ثانيا،

و إنّما الخلاف في الأعمال الواقعة على مقتضى الفتوى الأولى إلى حين التبدّل من‏

جهة وجوب نقض آثارها و عدمه:

1)في الأصل:بالفتوى..

189
فمنهم‏ (1) من قضى بعدم النقض في العبادات،و أمّا في غيرها فلم يعلم‏

مذهبه لجفاف قلمه الشريف عند اختتام كلامه-قدّس سرّه-في العبادات.

و منهم‏ (2) من فصّل بين ما إذا كان الفتوى الأولى مقتضية للاستمرار

و الاستدامة ما لم يطرأ عليها مزيل بحكم وضعي،و بين ما إذا لم تكن كذلك،

فحكم بعدم النقض في الأوّل،و بالنقض في الثاني،و مثّل للأوّل بالفتوى في‏

العقود و الإيقاعات،و للثاني بالفتوى بنجاسة الماء القليل بالملاقاة و عدم نجاسة

الكرّ و أمثال ذلك.

و منهم‏ (3) من فصّل تفصيلا آخر فقال:(إن كانت الواقعة ممّا يتعيّن في‏

وقوعها أخذها بمقتضى الفتوى فالظاهر بقاؤها على مقتضاها السابق،فيترتّب‏

عليها لوازمها بعد الرجوع)،و ذكر هناك ما استدل به على عدم النقض في تلك‏

الصورة.

ثمّ قال:(و لو كانت الواقعة مما لا يتعيّن أخذها بمقتضى الفتوى‏

فالظاهر تغيّر الحكم بتغيّر الاجتهاد).

و مراده من قوله:(ممّا يتعيّن في وقوعها أخذها بمقتضى الفتوى)-بقرينة

تمثيله لذلك بالعبادات و العقود و الإيقاعات،و تمثيله للقسم الثاني،و هو مالايتعين‏

فيه الأخذ بمقتضى الفتوى بسائر الأمور المعاملية غير العقود و الإيقاعات،

كطهارة شي‏ء أو حليّة حيوان-هو أن يكون الواقعة ممّا لا يتحقّق موضوعها في‏

الخارج إلاّ بأخذها بمقتضى الفتوى،فإنّ وقوع شي‏ء شرطا للعبادة أو جزء لها

1)(و هو الشيخ محمد تقي-قدّس سرّه-)على ما جاء(في هامش الأصل،).راجع الهداية:490.

2)(و هو المحقّق القمّي-قدّس سرّه-)على ما جاء في هامش الأصل،راجع القوانين:2-مبحث‏

الاجتهاد و التقليد.

3)(و هو صاحب الفصول-قدّس سرّه-)على ما جاء في هامش الأصل،راجع الفصول:410،

و عبارة المتن هي عبارة الفصول بأدنى تغيير.


190
لا يكون إلاّ بإيجاده بمقتضى الفتوى بكونه جزءا أو شرطا،بحيث لو وجد بدون‏

التديّن بكونه جزء أو شرطا بمقتضى الفتوى لا يقع شي‏ء منهما.

و كذلك زوجيّة الزوجة بالعقد الّذي يراه المجتهد سببا لها لا تقع بذلك‏

إلاّ مع التديّن بمقتضى فتواه بسببيته لها.

هذا بخلاف طهارة الشي‏ء أو حلية لحمه،فإنّهما لا يدوران مدار الأخذ

بالفتوى،بل يدوران مدار الواقع،فإن كان ذلك الشي‏ء طاهرا أو حلالا بحكم‏

الشارع في الواقع فهو طاهر و حلال واقعا،و إلاّ فلا يكون حلالا و لا طاهرا

كذلك.

هذا حاصل مرامه-رفع مقامه-و سيأتي ما في تفصيله ذلك و ما في تمثيله‏

للقسم الأوّل بما عرفت.

حجّة القول الأوّل‏
:-و هو عدم نقض الآثار في العبادات-وجوه:

الأوّل:ما ادّعاه القائل به من ظاهر المذهب حيث قال:(و إن بلغ‏

اجتهاده الثاني إلى حدّ الظنّ،أو تردّد في المسألة و قضى أهل الفقاهة عنده‏

بخلاف ما أتى به أوّلا،فظاهر المذهب عدم وجوب الإعادة و القضاء للعبادات‏

الواقعة منه و من مقلّديه).

الثاني:لزوم العسر و الحرج في القول بوجوب القضاء.

الثالث:إنّ غاية ما يفيده الدّليل الدالّ على وجوب الأخذ بالظنّ‏

الأخير هو بالنسبة إلى حال حصوله،و أمّا بالنظر إلى ما قبل حصوله فلا دليل‏

على وجوب الأخذ به،و قد وقع الفعل المفروض على مقتضى حكم الشرع و ما

دلّ عليه الدليل الشرعي،فيكون مجزيا،و الظنّ المذكور القاضي بفساده لم يقم‏

دليل على وجوب الأخذ به بالنسبة إلى الفعل المتقدّم،و حينئذ فلا داعي إلى‏

الخروج عن مقتضى الظن الأوّل بعد وقوع الفعل حال حصوله،و كون إيقاعه‏

على ذلك الوجه مطلوبا للشرع،و منه يعلم الحال بالنسبة إلى من قلّده.


191
هذا،لكن الإنصاف:أنّ الوجه الثاني من تلك الوجوه لا يخلو عن‏

وجه،لكنّه لا ينهض دليلا على تمام المدّعى،لعدم اقتضائه لرفع الإعادة.

و أمّا الوجه الأوّل و الثالث فلا يخفى على المتأمّل ما فيهما من الضعف:

أمّا الأوّل:فلمنع أصله أوّلا،ثمّ منع حجّيّته و صيرورته دليلا على‏

المدّعى.

و أمّا الثالث:فلأنّ التحقيق أنّ مقتضى دليل اعتبار الطرق الظنّيّة

وجوب جعلها بمنزلة القطع،و ترتيب جميع الآثار المرتّبة على مداليلها حتّى‏

الالتزامية منها-كما حقّق ذلك في محلّه-و من المعلوم-كما اعترف به القائل‏

المذكور أيضا-أنّ مؤدّى الظنّ الثاني التزاما إنّما هو فساد المأتيّ به أوّلا،فإنّه‏

يدلّ على أنّ المطلوب الواقعي إنّما هو متعلّقه،فيلزمه عدم كون المأتيّ به أوّلا

مطلوبا من المكلّف واقعا،و لازمه عدم كونه مجزيا،فيكون فاسدا،فيترتّب عليه‏

أحكام الفساد من وجوب الإعادة و القضاء.

و بعبارة أخرى:إنّه يحرز بالظنّ الثاني فساد المأتيّ به أوّلا،فيجب عليه‏

الإعادة بمقتضى الأمر الأوّل و القضاء بمقتضى دليله المعلّق على الفوت،فإنّ‏

الظنّ الثاني يكشف عن فوت الواقع من المكلّف و يثبته،فإذا ثبت الصغرى به‏

ثبت حكم كبراها،و هو وجوب القضاء بدليل القضاء المعلّق على الفوت.

هذا،مع أنّا لو جعلنا الفوت مجرّد-الترك-لا أمرا وجوديا-فيمكن‏

إحرازه بأصالة عدم الإتيان بالواقع،إلاّ أنّ هذا خلاف التحقيق.

هذا،مضافا إلى أنّا لو أغمضنا عن الظنّ الثاني-القاضي بفساد المأتيّ‏

به أوّلا،و فرض حصول التردّد للفقيه بعد الظنّ الأوّل-فمقتضى القاعدة حينئذ

عدم سقوط الإعادة من المكلّف،لأنّ الظنّ المذكور طريق محكوم بإجراء العمل‏

على طبقه ما دام باقيا،و أمّا مع زواله-كما هو المفروض-فاكتفاء الشارع بما

وقع على طبقه غير معلوم،بل معلوم العدم،فإذا كان المفروض زواله في الوقت،


192
و المفروض علم المكلف باشتغال ذمّته بتكليف في ذلك الوقت لا بدّ له من تحصيل‏

البراءة منه،و الإتيان بما يبرئ ذمّته شرعا عنه،و يخرجها عن تبعته،و المفروض‏

-أيضا-كونه شاكّا في كون ما أتى به أوّلا على طبق الظنّ المذكور مبرئا عن ذلك‏

التكليف،فيجب عليه بحكم العقل حينئذ الإتيان بما تيقّن معه البراءة عن ذلك‏

التكليف،و هو إيقاع الفعل بجميع ما يحتمل اعتباره فيه شرعا من باب‏

الاحتياط،أو إيقاعه على مقتضى الظنّ الثاني على فرض حصوله بعد التردّد،

فإنّه حجّة فعليّة له من الشارع.

و من هنا تبيّن فساد دعوى أنّ عمله السابق قد وقع بحكم الشرع-و هو

حكمه بالعمل بالظنّ الأوّل-فيجزي.

و توضيح الفساد:أنّ المفروض اشتغال ذمّة المكلّف في ذلك الوقت‏

بتكليف يجب عليه الخروج عن عهدته بالإتيان بما يبرئ ذمّته عنه قطعا،و غاية ما

هناك أنّه اعتقد في حال الظنّ الأوّل بكون العمل على طبقه مبرئا،و مجرّد تحقّق‏

ذلك الاعتقاد في جزء من وقت مع فرض زواله في الجزء الآخر من ذلك الوقت‏

لا يكفي للاستناد إليه و الاحتجاج في مقام المؤاخذة على المطلوب الواقعي.

و بالجملة:لا بدّ للمكلّف من تحصيل المبرئ عن التكليف الثابت،و لا

يكفيه و لا يجديه اعتقاد كون شي‏ء مبرئا مع فرض زوال ذلك الاعتقاد،و حكم‏

الشارع بالعمل بالظنّ الأوّل لا يقتضي أزيد من اكتفائه ظاهرا بما وقع على طبقه‏

ما دام باقيا،و المفروض زواله.

هذا إذا كان الظنّ المذكور من الطرق الشرعية الصرفة.

و أمّا إذا كان من الطرق العقلائية-التي ليس حكم الشارع بالعمل بها

إلاّ من باب الإمضاء-فالامر فيه أوضح،من حيث عدم ترتّب شي‏ء عليه إذا

لم يطابق الواقع،و كون العمل به حينئذ كعدمه.

و الحاصل:أنّه لا ينبغي الشبهة في لزوم الإعادة بعد زوال الظنّ‏


193
المذكور و إن لم يحصل بعد ظنّ آخر بخلافه.

و أمّا القضاء فقد عرفت الكلام فيه على تقدير قيام الظنّ الثاني،و أمّا

بدونه فالحكم بعدمه متّجه،حيث إنّه على المختار بأمر جديد،و هو غير معلوم،

فينفيه استصحاب عدمه.

حجّة القول الثاني وجوه:

الأوّل:أنّ رخصة الشارع-في بناء العمل على الفتوى السابقة فيما

يقتضي الاستمرار و الدوام-رخصة في إدامة أثره أيضا،فلا ترتفع بالفتوى‏

الثانية،هذا بخلاف رخصته فيما لا يقتضي الاستمرار،فإنّها غير مستلزمة

للإدامة.

الثاني:أنّ الأمور المقتضية للاستمرار إذا وقعت فهي مقتضية لبقاء

الأثر إلى أن يثبت الرافع له،و تبدّل الرّأي لم يثبت كونه رافعا له،هذا بخلاف‏

الأمور الغير المقتضية للاستمرار لعدم اقتضائها للبناء على مقتضاها دائما.

الثالث:لزوم العسر و الحرج لو لم يبن علي مقتضى الفتوى السابقة

في الأمور المقتضية للاستمرار،و عدم لزومه على تقدير عدم البناء على مقتضى‏

الفتوى السابقة في غيرها.

هذا خلاصة ما استدلّ به هذا القائل،و قد احتجّ بوجوه أخرى تخريجيّة

لا يخفى على المتأمّل ضعفها،فلا نطيل الكلام بذكرها و التعرّض للجواب عنها.

و يتّجه على أوّل الوجوه المذكورة:أنّ الرخصة فيما يقتضي‏

الاستدامة إنّما تقتضي الرخصة في الإدامة فيما إذا كانت تلك الرخصة واقعية،

لكنّها في المقام ظاهرية محضة مغيّاة بعدم انكشاف الخلاف،لأنّ أمر الشارع‏


194
بالعمل بفتوى الفقيه إنّما هو من باب الطريقية المحضة،و من المعلوم أنّ الطريق‏

ليس من شأنه تغيير الواقع،بل هو على حاله و اقتضائه صادفه الطريق أو

خالفه،و لمّا كان المفروض مخالفته له،فمقتضاه-حينئذ-عدم كفاية الواقع من‏

العمل قبل الانكشاف في ترتيب الآثار عليه بعده،إذ المفروض أنّها له واقعا،

و ليس لذلك الواقع المخالف له حظّ منها.

هذا،مع أنّ في جعله العقود و الإيقاعات ممّا يقتضي الاستدامة دون‏

نجاسة الماء القليل بالملاقاة و عدم نجاسة الكرّ ما لا يخفى،إذ من المعلوم عند

المتأمّل عدم الفرق بين النجاسة و الطهارة و بين النقل و الانتقال الّذي هو أثر

المنع-مثلا-فكما أنّ الثاني على تقدير ثبوته يستدام إلى أن يجي‏ء له رافع فكذلك‏

الأوّلان.

و على ثانيها:أنّه مسلّم إذا ثبت كون تلك الأمور مقتضية للاستمرار

واقعا.

و أمّا إذا كان اقتضاؤها لذلك بالنظر إلى مرحلة الظاهر فمع تبدّل الرّأي‏

يشكّ في كونها مقتضية لتلك الآثار في أوّل الأمر،فالصغرى غير محرزة.

و على ثالثها:منع اختصاصه بخصوص العقود و الإيقاعات،بل يلزم‏

ذلك في العبادات-أيضا-بالنسبة إلى القضاء-كما عرفت من مطاوي كلماتنا

المتقدّمة في القول الأوّل-فيبطل تخصيصه الحكم بالأخصّ الّذي هي العقود

و الإيقاعات،فافهم.

حجّة القول الثالث‏
:أمّا على عدم نقض الآثار فيما يتعيّن أخذه‏

بمقتضى‏الفتوى‏فوجوه:

منها:أنّ الواقعة الواحدة لا تحتمل اجتهادين لعدم الدليل عليه.

و منها:أنّ البناء على نقضها يؤدّي إلى العسر و الحرج المنفيين في‏

الشريعة،لعدم وقوف المجتهد غالبا على رأي واحد.


195
و منها:أنّه يؤدّي إلى ارتفاع الوثوق عن قول المجتهد من حيث إنّ‏

الرّجوع في حقه محتمل،و هو مناف للحكمة الداعية إلى تشريع حكم الاجتهاد،

و لا يعارض ذلك بصورة القطع لندرته.

و منها:أصالة بقاء الآثار الواقعة،إذ لا ريب في ثبوتها قبل الرجوع‏

بالاجتهاد الأوّل،و لا قطع على ارتفاعها بعده،إذ لا دليل على كون الاجتهاد

المتأخر رافعا لها.

و أمّا على النقض فيما لا يتعيّن في وقوعه أخذه بمقتضى الفتوى:فهي أنّ‏

رجوع المجتهد فيه عن الفتوى السابقة رجوع عن حكم الموضوع،و هو لا

يثبت بالاجتهاد على الإطلاق،بل ما دام باقيا على اجتهاده فإذا رجع ارتفع.

ثمّ قال:(و أمّا الأفعال المتعلّقة بالموضوع المتفرّعة على الاجتهاد السابق‏

فهي في الحقيقة إمّا من مشخّصات عنوان الموضوع كالملاقاة،أو من المتفرّعات‏

على حكم الموضوع كالتذكية و العقد فلا أثر لها في بقاء حكم الموضوع).

ثم قال:(و ربما أمكن التمسّك في بقاء الحكم في هذه الصور (1) بلزوم‏

الحرج و ارتفاع الوثوق في العمل).

ثم قال:(إلاّ أنّ ذلك مع انتقاضه بصورة الجهل و النسيان و التعويل على‏

الظواهر التي ينتقض حكمها عند ظهور الخلاف لا يصلح بمجرّده دليلا.

أمّا الأوّل فلأنّ الحرج المقتضي لسقوط التكليف قد يكون شخصيا،

فيدور سقوط التكليف به مدار ثبوته،و قد يكون نوعيا،و هذا و إن لم يكن سقوط

التكليف به دائرا مدار ثبوته،لكن يعتبر تحقّقه في النوع غالبا،و إلاّ فما من‏

تكليف إلاّ و قد يتحقّق الحرج على بعض تقاديره،و انتفاء الغلبة في المقام معلوم.

و أمّا الثاني فوجه استحساني لا ينهض دليلا،و إنّما تمسّكنا بذلك في المقام‏

1)في الأصل:(هذه الصورة)،و الّذي أثبتناه مطابق للمصدر كما أنّه موافق للسياق.


196
السابق على وجه التأييد،لا الاستدلال).انتهى موضع الحاجة من كلامه-رفع‏

مقامه‏ (1) -.

و يتّجه عليه:

أوّلا-أنّه إن كان المراد من توقّف وقوع الواقعة على أخذها بمقتضى‏

الفتوى هو توقّفه عليه واقعا فلا يخفى فساده،لعدم توقّف وقوع شي‏ء من‏

الوقائع واقعا على ذلك جدّاً حتّى فيما مثّل به لذلك من البناء على عدم جزئية

شي‏ء للعبادة،أو عدم شرطيته لها،أو على صحّة الصلاة في شعر الأرانب‏

و الثعالب،أو على طهارة شي‏ء،أو كونه طهورا،ضرورة أنّ الشي‏ء المشكوك كونه‏

شرطا أو جزء إن كان في الواقع أحدهما يمتنع‏ (2) وقوع العبادة المأمور بها واقعا

بدونه،و إن لم يكن شيئا منهماكان‏الفعل‏ (3) الفاقد له هي العبادة المأمور بها

واقعا من دون توقّف على الأخذ بمقتضى الفتوى أصلا.و هكذا الكلام في سائر

الأمثلة.

و إن كان المراد توقّفه عليه في مرحلة الظاهر فجميع الوقائع النظرية

الاجتهادية كذلك،حتّى ما ذكره مثالا لما لا يتعيّن في وقوعه أخذه بمقتضى‏

الفتوى،كما لا يخفى،فلم يبق وجه لهذا التفصيل أصلا.

و ثانيا-أنّ الّذي ذكره وجها للنقض في القسم الثاني بعينه جار في‏

الأوّل أيضا،فإنّ الرجوع عن عدم جزئية شي‏ء أو عدم شرطيته إلى شرطيته أو

جزئيته رجوع عن حكم موضوع-و هو ذلك الشي‏ء-إلى حكم آخر،و هكذا

1)الفصول:410.

2)في الأصل:فيمتنع..

3)في الأصل:(فيقع الفعل)..

197
الكلام في سائر أمثلة القسم الأوّل،فلم يعلم وجه لذلك التفصيل بوجه.

ثمّ إنّ الوجوه التي ذكرها لعدم النقض في القسم الأوّل فيها ما لا يخفى‏

على المتأمّل:

أمّا الأوّل منها:فلأنّه بعد ثبوت اشتغال الذمّة بتكليف و لزوم تحصيل‏

الفراغ عنه لا بدّ لمن يقتصر على ما وقع منه على وفق الاجتهاد الأوّل من دليل‏

مثبت لاكتفاء الشارع به عن الواقع،و عدم ذلك الدليل يكفي في لزوم الإعادة

في الوقت من غير حاجة إلى ورود دليل على عدم كونه مجزيا.نعم بالنسبة إلى‏

القضاء-بناء على كونه بفرض جديد-يتمّ لو لا ما قدّمنا سابقا من أنّ أدلّة

اعتبار الظنّ الثاني مقتضية لطريقيته بالنسبة إلى جميع ما يؤدّي إليه و لو التزاما،

و أنّه يقتضي فساد ما وقع أوّلا التزاما،فيحرز به موضوع دليل القضاء فيجب.

و كيف كان،فلا معنى لإطلاق القول بالاكتفاء في مقام الشكّ في شرطية

شي‏ء أو جزئيته في العبادة مستندا إلى ذلك الوجه،أو في صحة الصلاة مع شعر

الأرانب و الثّعالب،أو في كون شي‏ء طاهرا و طهورا،هذا بالنسبة إلى العبادات.

و أمّا بالنسبة إلى العقود و الإيقاعات فلا مساس لذلك الوجه فيهما أصلا،

إذ من المعلوم أنّ بقاء الآثار فيهما يحتاج إلى دليل،و يكفي في الحكم بانتفائها

عدم ورود دليل على البقاء،كما لا يخفى على المتأمّل.

و أمّا الثاني منها:فلمنع غلبة عدم وقوف المجتهد على رأي واحد

إن لم نقل بثبوت غلبة الخلاف.

و أما الثالث منها:فلما ذكره هو في التمسّك به في القسم الثاني.

و أمّا الرابع:فلأنّه إن أراد من ثبوت الآثار حال الاجتهاد الأوّل ثبوتها

في مرحلة الظاهر-بمقتضى أدلة اعتبار الظن الأوّل-فمن المعلوم ارتفاعها

بارتفاع ذلك الظن،إذ الأحكام الظاهرية دائرة مدار بقاء ما يثبتها نفيا و إثباتا.

و إن أراد ثبوتها حال الظنّ الأوّل بالنظر إلى الواقع:ففيه أنّ الأدلّة


198
الظنّية لا تفيد ثبوت مؤدّياتها في الواقع ظنّا،فلم تثبت تلك الآثار واقعا في تلك‏

الحال إلاّ على سبيل الظنّ،و من المعلوم المتّفق عليه حتّى منه-قدّس سرّه-أنّه‏

يعتبر في الاستصحاب إحراز المستصحب في الزمان السابق على سبيل القطع،

و دعواه في المقام دونها خرط القتاد،فإذا شكّ في ثبوتها في تلك الحال يكون‏ (1)

المورد مجرى لاستصحاب عدمها،لا لاستصحاب وجودها كما ذكره-قدّس سرّه-.

و بالجملة:الّذي يريد استصحابه مردّد بين ما هو معلوم الارتفاع و بين‏

ما هو مشكوك الحدوث،فلا وجه لاستصحابه بوجه من الوجوه،بل المتعيّن‏

استصحاب عدمه،كما عرفت،هذا خلاصة الكلام في هذا المقام.

و التحقيق فيه ما أشرنا إليه في مطاوي الأجوبة عن القول الأوّل و الثاني،

و اللَّه الهادي إلى سواء السبيل.

الثاني‏
:قد عرفت عدم اقتضاء المأتيّ به-على مقتضى الطرق الظنية

الشرعية،أو العقلية،أو الأصول العملية الشرعية،أو العقلية،و الأمارات-

للإجزاء عن الواقع إذا انكشف مخالفته له،فعلى هذا فيشكل الأمر1لو ورد

1قولنا:(فيشكل الأمر لو ورد دليل من الشارع على إجزائه):اعلم أنّ الإشكال المذكور مختصّ‏

بما إذا ورد الدليل على الإجزاء في صورة انكشاف الخلاف في الوقت أو في صورة انكشافه في‏

خارجه-على القول بأنّ القضاء بالأمر الأوّل-لاشتراكهامع‏ (2) الصورة الأولى في إسقاط

الأمر الفعلي مع عدم الإتيان بمتعلّقه على وجهه،إذ على ذلك القول يكون الأمر من باب‏

تعدّد المطلوب ما لم يؤت بمتعلّقه على وجهه،فيكون موجودا ما لم يؤت بمتعلّقه على وجهه‏

سواء كان في الوقت أو في خارجه.

و أمّا لو ورد الدليل المذكور في صورة انكشافه بعد خروج الوقت على القول بأنّ القضاء

1)في الأصل:فيكون.

2)في الأصل:لاشتراكها للصورة الأولى..

199
دليل من الشارع على إجزائه و اكتفائه به عن الواقع،لمنافاته لاعتبار تلك‏

الطرق و الأمارات من باب الطريقية المحضة،و لاعتبار تلك الأصول مجرّد كونها

أحكاما ظاهرية مغيّاة بعدم انكشاف الخلاف،و لدليل اعتبار ذلك الأمر

المفروض عدم الإتيان به مع المأمور به على وجه الإطلاق،فلا يمكن الجمع بينه‏

و بين بقاء أدلّة اعتبار الطرق و الأمارات و الأصول على ظاهرها،و كذا بينه و بين‏

بقاء دليل الواقع المثبت لجزئيّة ما لم يؤت به،أو شرطيته على إطلاقه فلا بدّ حينئذ

-إن لم يمكن طرح ذلك الدليل-من الجمع بينه و بين سائر الأدلّة بارتكاب‏

خلاف ظاهر في بعضها.

بأمر جديد فلا إشكال و لا محذور أصلا،لما قد عرفت سابقا من أنّ إمكان التعبّد بالقضاء بعد

امتثال تلك الأوامر الظاهريّة في الوقت كان محتاجا إلى التوجيه بإمكان تبعّض مصلحة الفعل‏

و حصول بعض منها في خارج الوقت أيضا،فلا يجب على الشارع تداركها جميعا في الوقت،

فيمكن التعبّد بالفعل ثانيا في خارج الوقت تحصيلا لذلك البعض الفائت من المصلحة،و أمّا

إمكان الإجزاء-بمعنى كفاية المأتيّ به على ذلك الوجه عن الواقع و لو على وجه التدارك فلا

غبار عليه بوجه-فإنّ غاية ما أثبتنا أنّ تلك الأوامر في تلك الحال لا تقتضي امتناع التعبّد

بالواقع في خارج الوقت،و أمّا اقتضاؤها لامتناع الاكتفاء بمتعلّقاتها على الوجه المذكور-أعني‏

على وجه التدارك بأن يكون الشارع قد تدارك جميع مصلحة الواقع في الوقت مع إمكان تحصيل‏

بعضها في خارجه من باب التفضل،أو بأن يكون قد تداركها جميعا في الوقت من باب اللزوم‏

بأن يكون المصلحة بتمامها متقوّمة بالوقت بحيث لا يحصل منها شي‏ء في خارجه-فكلاّ،ثمّ كلاّ.

و من المعلوم أنّ المصلحة المتداركة كالحاصلة،فمعها لا يكون الإجزاء مخالفا للقاعدة،لعدم استلزامه‏

حينئذ التصرّف في دليل الواقع أو في أدلّة اعتبار الطرق و الأمارات و الأصول بوجه،بل يكون عدم‏

الإجزاء حينئذ مخالفا للقاعدة كما لا يخفى،فإنّ الأمر بتحصيل المصلحة المتداركة-كالأمر بتحصيل‏

المصلحة الحاصلة-طلب للحاصل،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه،و بدّل‏

سيّئاته حسنات بجاه نبيّه و خيرته من خلقه محمّد و آله البررة الهداة صلواته عليه و عليهم إلى يوم‏

الميقات.


200
و توضيح المقال في الجمع:أنّ هاهنا مقامين:

أحدهما:ما إذا قامت تلك الطرق و الأمارات و الأصول على موضوع‏

قد اعتبر تحقّقه في المأمور به بمقتضى دليل الواقع،ثمّ انكشف الخلاف،فورد

دليل على الإجزاء،و هذا كما إذا ثبت الطهارة من الحدث أو الخبث بالبيّنة أو

بالاستصحاب-مثلا-أو اعتقد المكلّف أنّه متطهّر فصلّى فيه،ثمّ انكشف‏

الخلاف،فورد دليل على إجزاء الصلاة الواقعة بدون الطهارة واقعا عن الصلاة

معها كذلك،التي هي المأمور بها الواقعي‏ (1) ،أو ثبت تذكية جلد حيوان بالبيّنة،

أو بأخذه من سوق المسلمين،ثمّ انكشف كونه من الميتة،كما ورد ذلك في الجاهل‏

بالنجاسة من أنّه تمّت صلاته،و أنّه لا يعيدها (2) .

و ثانيهما:ما إذا قامت هي على الحكم دون الموضوع كما إذا ثبت عدم‏

جزئية شي‏ء أو شرطيته في المأمور به بالطرق أو الأصول،ثمّ انكشف بعد العمل‏

على طبقها الخلاف،فورد دليل على الإجزاء حينئذ،كما ورد ذلك في الجاهل‏

بالجهر في موضع الإخفات أو العكس.

و المتصوّر للجمع بين الأدلّة في المقام الأوّل وجوه:

أحدها
:أن يخصّص دليل الواقع-و هو الّذي يثبت شرطية ما لم يؤت‏

به حال الجهل أو جزئيته مطلقا-بغير صورة الجهل مثلا،و هو صورة العلم،كما

قد يدّعى ذلك في نجاسة النجاسات،من أنّ الأشياء النجسة لا تتّصف بحكم‏

النجاسة واقعا ما لم تعرف بعينها،فمثل البول ليس نجسا واقعا ما لم يعلم بكونه‏

بولا،و هذا هو المعبّر عنه عندهم بالتصويب في الموضوع،و كذا يخصّص دليل‏

مانعية جلد الميتة مثلا بغير الصورة المذكورة،فيرتفع المنافاة بينه و بين دليل‏

1)في الأصل:الواقعية...

2)الوسائل:1059-1061-كتاب الطهارة-باب:40 من أبواب النجاسات.

201
الإجزاء،و كذا بينه و بين أدلّة اعتبار الطرق الشرعية-أيضا-إذا قامت هي على‏

تحقّق ذلك الّذي لم يؤت به واقعا،و كذا بينه و بين الطرق و الأصول العقلية،لعدم‏

قضاء العقل-مع تخصيص ذلك الدليل-بعدم الإجزاء،بل يقضي معه به فيما

فعله المكلّف في حال الجهل من‏أنّ‏العمل الناقص هو المكلّف به الواقعي في‏

تلك الحالة،فإنّه حينئذ بمنزلة الصلاة مع التيمّم حال العذر،من حيث كونه فردا

من أفراد المأمور به في تلك الحال،فيكون ذلك منه امتثالا واقعا في تلك الحال.

فعلى هذا،فالأصول و الأمارات غير محتاج إليها في صحّة ذلك العمل،

لكفاية الشكّ في تلك الموضوعات التي قامت عليها تلك الأصول و الأمارات في‏

الصحّة،فلا تختص الصحّة بصورة قيامها عليها،بل تعمّ صورة فقدها أيضا.

و ثانيها
:أنّ يخصّص الأمر بالفعل الّذي ذلك المشكوك جزء منه،أو

شرط له،أو مانع منه بصورة العلم بذلك الشي‏ء،بمعنى أنّه لم يكن في حقّ‏

الجاهل مثلا في حال الجهل خطاب في الواقع أصلا،فالجاهل بالنجاسة أو بكون‏

الجلد الّذي معه من الميتة-مثلا-لم يخاطب بخطاب‏ أقيموا الصلاة في‏

الواقع أصلا.

فعلى هذا،فالواقع منه حال الجهل لم يقع امتثالا أصلا،و الأصول‏

و الأمارات على هذا-أيضا-غير محتاج إليها،إذ المفروض أنّه ليس عليه شي‏ء

حتى يحرز شرطه أو جزؤه-مثلا-بها،إحرازا للصحة،و ليست-أيضا-محتاجا

إليها في انقطاع التكليف الواقعي عنه،لكفاية الجهل فيه.

و ثالثها
:أنّ يتصرّف في دليل اعتبار الشرطية و الجزئية بحمله على‏

الأعمّ من ذات ذلك الشي‏ء الّذي دلّ على شرطيته أو جزئيته الشامل لما ثبت‏

كونه هو بأصل أو أمارة و إن لم يكن هو في الواقع.

و بعبارة أخرى:إنّ‏كلا من‏ (1) الشرط و الجزء-مثلا-إنّما هو أحد

1)إضافة يقتضيها السياق.

202
الأمرين من ذات ذلك الشي‏ء أو إحرازه بأحد من الأصول العملية أو الأمارات‏

-لا ذاته مطلقا-فالعمل الناقص الصادر منه حال الجهل مع قيام الأصول‏

و الأمارات من أفراد المأمور به واقعا و امتثال عنه كذلك و الأصول و الأمارات على‏

هذا التقدير محتاج إليها،لأنّها حينئذ جاعلة و محصّلة للشرط أو الجزء.

و رابعها
:أن يتصرّف في ذلك الدليل بحمله على أنّ الشرط أو الجزء

-مثلا-إنّما هو ثبوت ذلك الشرط عند المكلّف بالعلم أو بالأمارات أو بالأصول،

لا نفسه و لا ذاته،و الأصول و الأمارات حينئذ-أيضا-محتاج إليها حال الجهل‏

و عدم العلم به،كما لا يخفى.

لكنّ الأصل و الأمارة القائمين عليه حينئذ يخرجان عن كونهما أصلا

و أمارة حقيقة،و يكون إطلاقهما عليهما باعتبار وجود مناط التسمية فيهما في غير

هذا لمورد،إذ الأصل العملي عبارة عن الحكم المجعول للشي‏ء بعنوان كونه‏

مجهول الحكم،و من المعلوم أنّه لا حكم لذات ذلك الشي‏ء بالفرض حتّى يكون‏

مجهولا،بل المفروض إحراز عدم حكم لذاته.

و أمّا الأمارة فهي عبارة عن الطريق القائم على موضوع قد اعتبره‏

الشارع طريقا إليه،و معنى جعله طريقا إليه أمره بترتيب أحكام متعلّقه عليه،

و من المعلوم أنّه لا حكم لمتعلّقه في مورد الفرض.

و خامسها
:أن لا يتصرّف في شي‏ء من دليل شرطية ذلك الشي‏ء أو

جزئيته أو خطاب المشروط،و الكلّ بمعنى إبقاء كلّ منهما على إطلاقه بالنسبة

إلى حال الجهل،و يلتزم بخروج المأتيّ به من العمل الفاقد للجزء أو الشرط عن‏

المأمور به،بمعنى عدم شمول الأمر له واقعا و بدخوله فيه موضوعا و كونه من‏

أفراده و قائما بالغرض المقصود منه الداعي إلى الأمر على نحو قيام سائر الأفراد

به،فيقال:إنّ الصلاة مع الجهل بالطهارة من الخبث-مثلا-فرد من أفراد

الصلاة،قائمة بالمصلحة المقصودة منها الداعية إلى الأمر بها على نحو قيام‏


203
الصلاة مع الطهارة واقعا،و خارجة عنها بعنوان كونها مأمورا بها،فيكون ورود

دليل الإجزاء حينئذ على طبق القاعدة،إذ الإجزاء لا يدور مدار الإتيان بالمأمور

به،بل يحصل بتحصيل الغرض مطلقا،كما مرّ التنبيه عليه في مطاوي كلماتنا

المتقدّمة.

هذه جملة الوجوه المتصوّرة في المقام.

لكن لا يخفى:أنّه لا يمكن المصير إلى ثانيها،لقيام الضرورة على‏

ثبوت تكليف في حقّ الجاهل في تلك الحال،و ليس حينئذ كالبهائم لم يطلب منه‏

شي‏ء أصلا.

و أمّا البواقي فكلّ منها ممكن و يجوز حمل الخطاب عليه لو انحصر وجه‏

الجميع فيه،و لا يبادر معه إلى طرح دليل الإجزاء جدّاً.

و أمّا مع عدم انحصار وجه الجمع في واحد-و فرض اجتماع الجمع،معنى‏

إمكان حمل المورد على أي منها-فالأوّل أظهر من غير الأخير،لبعد أن يحدث‏

قيام الأمارة أو الأصل مصلحة في نفس العمل و إن كان ممكنا.

و هل هو أظهر من الأخير-أيضا-،أو الأظهر الأخير أو أنّهما

متساويان؟

أظهر الاحتمالات أوسطها لسلامته عن جميع الأمور المخالفة للأصل‏

بخلاف الأوّل.

نعم قد يشكل إمكان الوجه الأخير في حدّ نفسه،نظرا إلى أنّه إذا فرض‏

كون العمل الناقص من أفراد الفعل المأمور به-و صدقه عليه كصدقه على سائر

أفراده و كونه مشتملا على المصلحة الحاصلة بغيره من الأفراد-فلا بدّ أن يكون‏

مشمولا للأمر كسائر الأفراد إذا لم يكن هناك مانع من شموله له،و لا يعرف‏

مانع في محلّ الفرض،فيبطل الوجه المذكور.

و يمكن دفعه بإبداء المانع منه في المقام،و توضيحه:


204
أن المفروض فرديّة ذلك العمل الناقص للفعل المأمور به و مساواته لسائر

الأفراد بملاحظة حال الجهل لا مطلقا،فحينئذ لو فرض ورود الأمر به لا بدّ أن‏

يكون موضوعه متقيّدا بالجهل،بأن يقال:أيّها الجاهل بالنجاسة أو بكون الجلد

من الميتة صلّ مع النجاسة أو مع جلد الميتة،و من المعلوم أنّه بمجرّد ذلك الخطاب‏

يصير عالما فيخرج عن موضوع الخطاب فيكون عبثا.

و هذا هو الوجه فيما حقّقنا في محلّه من عدم إمكان الأمر بالناقص في‏

صورة نسيان المكلّف لبعض الأجزاء و الشرائط،و لو أخذ موضوع الخطاب‏

مطلقا فهو ليس خطاب هذا الشخص،فلزوم العبث مانع من الأمر مع قيام‏

المقتضي له.

هذا لو أريد وروده بخطاب مستقلّ بالنسبة إلى الجاهل.

و أمّا لو أريد دخوله في الأمر المطلق المتعلّق بسائر الأفراد-أيضا-فيلزم‏

منه استعمال الطلب في المعنيين التعييني و التخييري:

أمّا التعييني فهو بالنسبة إلى غير الجاهل لفرض إرادته منه و أنّ المتعين‏

في حقّه إنّما هو العمل الكامل.

و أمّا التخييري فهو بالنسبة إلى الجاهل،حيث إنّه مخيّر حينئذ بين العمل‏

الناقص و التامّ،إذ المفروض عدم تعيّن الناقص في حقّه،بل غاية الأمر مساواته‏

له.

و أيضا ذلك الخطاب مطلق و هو مع إطلاقه ليس خطابا للجاهل و مع تقيده‏

بالجهل ليس خطابا للعالم،فلا يمكن دخول كليهما فيه،بل لا بدّ من إطلاقه حتّى‏

يكون مختصّا بالعالم،أو من تقييده حتّى يكون مختصّا بالجاهل.

و بالجملة:الأمر بشي‏ء حال الجهل به إنّما يصحّ و يجوز فيما لم يكن‏

الجهل مأخوذا في موضوعه كما في جميع الخطابات الواقعية،و أمّا معه فلا.

لا يقال:إنّ الأوامر الظاهرية كلّها من هذا القبيل،فإنّ المأخوذ في‏


205
موضوعها إنّما هو الجهل.

لأنّا نقول:أخذ الجهل في موضوعها مسلّم لكن متعلّق تلك الأوامر

ليس نفس المجهول أو الناقص منه،بل إنّما هو تطبيق العمل في الظاهر على‏

طبق الأصول و الطرق و الأمارات فلا تصلح هي موردا للنّقض على ما نحن فيه.

هذا،لكن الإنصاف-و الّذي يقتضيه التأمّل-أنّ العبث المذكور إنّما يلزم‏

على تقدير توجيه الخطاب على نحو الخصوصية إلى شخص خاصّ،إذ هو

حينئذ يوجب له العلم بأنّ معه نجاسة،أو بأنّ الجلد الّذي معه من الميتة-مثلا-.

و أمّا توجيهه على نحو العموم بأن يقال:الجاهل بالنجاسة أو بكون الجلد

من الميتة يصلّي و لو كان معه النجاسة واقعا،أو كان الجلد الّذي معه من الميتة

كذلك،فإنّ ذلك لا يوجب له العلم المذكور.

و قياسه بتكليف الناسي على نحو العموم باطل،فإنّ الناسي حال‏

النسيان غير ملتفت إلى كونه ناسيا،فهو غير ملتفت إلى دخوله تحت عنوان‏

ذلك الخطاب العامّ،فلا يجدي ذلك في حقّه،لعدم صلاحيته لتحريكه نحو العمل‏

الناقص،فيكون عبثا،لانحصار فائدة الخطاب فيه،فلا يمكن توجيه الخطاب‏

إليه بوجه.

هذا بخلاف الجاهل،فإنّه ملتفت إلى دخوله تحت العنوان العام،فيفيد في‏

حقّه الخطاب العامّ،فيجوز.

نعم لو فرض كونه جاهلا بالجهل المركّب قاطعا للخلاف فهو كالناسي.

و الّذي يقتضيه النّظر بطلان قياس خطاب الجاهل على نحو الخصوصية

بخطاب الناسي كذلك-أيضا-،فإنّ العلم بالنجاسة على تقديره-أيضا-لا

يلزم من خطابه بعنوان الجاهل،إذ الجهل معناه عدم العلم،و هو لا يلازم وجود

المجهول في الواقع،بل إنّما يلزم من الأمر بالصلاة مع النجاسة،لكن لا يجب‏

أن يكون صورة الخطاب على هذا الوجه،بل يمكن أن يكون على الوجه الّذي‏


206
مرّ في الخطاب على الوجه العامّ،بأن يقال:أيّها الجاهل بالنجاسة صلّ في حالة

الجهل بها.

ثمّ إنّه قد اختلج بالبال وجه سادس لعلّه أولى من الوجوه‏

المتقدّمة:و هو أنّه بعد ملاحظة إطلاق الخطاب الواقعي بالنسبة إلى حال‏

الجهل،و إطلاق دليل الشرطيةبالنسبةإلى تلك الحال،و ملاحظة كون العمل‏

الناقص مجزيا بمقتضى دليل الإجزاء يستكشف صدور خطاب عامّ بالنسبة إلى‏

العمل الناقص-أيضا-،إذ لا محيص عن ذلك بعد إحراز تلك المقدّمات الثلاث‏

مع عدم المانع من الأمر،لما مرّ من بطلان ما قد يتوهّم كونه مانعا.

هذا خلاصة الكلام في المقام الأوّل.

و أمّا المقام الثاني:فالمتصوّر من وجوه الجمع فيه أربعة من الوجوه‏

الستة المتقدّمة بإسقاط الثالث و الرابع منها

،لعدم تصوّرهما في مثل ما إذا ثبت‏

عدم وجوب السورة فانكشف وجوبها،إذ لا معنى لأن يقال:إنّ المراد من دليل‏

جزئية السورة أعمّ منها و من عدمها الثابت بالأصول و الطرق الشرعية،أو أنّ‏

المراد أنّ الجزء للصلاة ليس نفس السورة،بل إحراز عدمها بالأصول و الطرق‏

الشرعية.

نعم إذا أدّت الأصول و الأمارات إلى جزئيته أو إلى شرطيته،فانكشف أنّ‏

الشرط و الجزء واقعا غير ذلك الّذي أدّت هي إليه،فيتصوّر فيه ذانك الوجهان‏

أيضا.

ثمّ إنّه لا يمكن المصير في المقام إلى أوّل الوجوه المتقدّمة،لاستلزامه‏

للدور هنا كما لا يخفى،فإنّ العلم الموجود هنا على ذلك الوجه إنّما هو العلم‏

بنفس الحكم-و هو وجوب السورة-،و من المعلوم أنّه لا يحصل إلاّ من نفس‏

الخطاب المتضمن لوجوب السورة.

هذا بخلاف المقام الأوّل،فإنّ متعلقه هناك إنّما هو الموضوع الخارجي،


207
لا الحكم،فيختلف فيه طرق التوقّف،فلا يلزم فيه الدور،فعلى هذا لو انحصر

وجه الجمع فيه هنا لا بدّ من طرح دليل الإجزاء.

نعم يمكن في صورة انحصار وجه الجمع فيه أن يقال:إنّما نستكشف‏

-حينئذ-صدور خطاب آخر متضمّن لوجوب السورة في الجملة غير الخطاب‏

الّذي علمناه،فيكون ذلك الخطاب موضوعا لهذا،فيكون هذا لمجرد تخصيص‏

وجوب السورة بصورة العلم بذلك الخطاب،و يكون دليل إثبات نفس الوجوب‏

في الجملة هو ذلك الخطاب،فافهم.

و لا يمكن المصير هنا أيضا إلى ثاني الوجوه المتقدّمة،لجريان معذور الدور

فيه بالتقرير المذكور.

اللّهم إلاّ أن يدفع بالتوجيه المذكور عند انحصار وجه الجمع،لكنّه لا

ينفع بعد قيام الضرورة على ثبوت التكليف في حقّ الجاهل بالحكم.

و أمّا الوجه الثالث و الرابع:فيمكن المصير إلى كلّ واحد منهما فيما

إذا لم تقم الطرق أو الأصول على عدم جزئية شي‏ء أو شرطيته،لما قد عرفت‏

من عدم تصوّرهما فيه،بل قامت على تشخيص الجزء أو الشرط الواقعيين.

و أمّا الخامس:فقد عرفت بطلانه في المقام الأوّل فلا يجري في المقام‏

-أيضا-.

و أمّا السادس:فهو ممكن في هذا المقام-أيضا-بل لعلّه أجود من‏

غيره ممّا له سبيل إلى المقام.

هذا كلّه على تقدير انكشاف الخلاف بطريق القطع،و أمّا انكشافه ظنا

فسيأتي الكلام فيه‏ (1) .

الثالث‏
:قد مرّ أنّ مقتضى القاعدة لزوم الإعادة في الوقت و القضاء في‏

1)و ذلك في التنبيه الثالث الآتي.

208
خارجه إذا انكشف مخالفة المأتي‏به‏-على طبق الأصول و الطرق الظنّية

الشرعية-ظنّا كلزومهما عند انكشاف المخالفة المذكورة قطعا،فعلى هذا فإذا

ورد دليل على إجزاء المأتيّ به على الوجه المذكور بعد انكشاف الخلاف ظنّا فيأتي‏

فيه الإشكال المتقدم في صورة وروده على تقدير انكشاف الخلاف قطعا،فلا بدّ

من الجمع.

و مجمل الكلام فيه:أنّ الكلام فيه-أيضا-كما تقدّم بعينه سواء في صورة

الجهل بالموضوع أو الحكم،و المختار من وجوه الجمع هنا-أيضا-المختار منها

ثمّة،فلا نطيل الكلام بإعادة ما تقدّم و اللَّه أعلم،و الصلاة و السلام على محمّد و آله‏

الطاهرين،و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين من الأوّلين و الآخرين إلى يوم الدين.

زيادة مرتبطة بالإشكال المتقدّم:اعلم أنّ الوجوه المحتملة للجمع‏

بين دليل الإجزاء و غيره من أدلّة الواقع أو الطرق إنّما تجري فيما لم يكن دليل‏

الإجزاء هي قاعدة العسر و الحرج،و أمّا فيما إذا كان هي تلك القاعدة فيتعيّن‏

الأخذ بخصوص أحد تلك الوجوه المتقدّمة،و هو تخصيص دليل الواقع فيما إذا

لم يكن ذلك حصل بقاعدة (1) العسر و الحرج،و أمّا إذا كان هي-بأن يفرض‏

تعسّر إعادة العبادة مثلا أو قضائها بعد انكشاف الخلاف-فلا،بل يتعيّن واحد

منها،و هو تخصيص دليل الواقع،ضرورة حكومتها على جميع أدلّة التكاليف‏

الواقعية،و كونها مخصّصة لها بغير موردها،مع ثبوت المقتضي لتلك التكاليف في‏

مواردها-أيضا-،فإن تعسّرت الإعادة حينئذ فهي حاكمة على الأمر الأوّل‏

الواقعي و مخصّصة له،أو القضاء (2) فعلى الأمر به من قوله:«اقض ما فات» (3)

و مخصّصة له.

1)في الأصل:حصل قاعدة...

2)أي:أو تعسّر القضاء فهي حاكمة على الأمر به...

3)الوسائل:5-359-360-كتاب الصلاة-باب:6 من أبواب قضاء الصلوات.

209
و كيف كان فيتعيّن حينئذ التخصيص،و لا يصار إلى غيره من سائر

الوجوه المتقدّمة.

و اللَّه يهدي إلى سواء الطريق.


210
في مقدّمة الواجب‏

أصل:

اختلفوا في وجوب مقدّمة الواجب على أقوال يأتي تفصيلها،و قبل‏

الخوض في المقام لا بدّ من تقديم أمور:

الأوّل‏
:أنّ المسألة هذه أ هي من المسائل الأصولية أو الفقهية أو اللغوية

أو من المبادي الأحكامية؟وجوه مختلفة منشؤها اختلاف الاعتبارات الصالحة

لوقوعها محلا للبحث،إذ المسألة باعتبار وقوع السؤال فيها عن إدراك العقل‏

الرّبط بين وجوب شي‏ء و بين وجوب مقدّمته،و الملازمة بينهما و عدمه‏ (1) ،تدخل في‏

المسائل الأصولية العقلية،كسائر المسائل المبحوث فيها عن الملازمات‏

و الاستلزامات العقلية،كمسألة الأمر بالشي‏ء و مسألة اجتماع الأمر و النهي‏

و غيرهما (2) ،فإنّ المسألة الأصولية لا تختصّ بما كان البحث فيها عن حجّية أحد

الأدلّة المعروفة التي منها العقل،بل تعمّ ما كان البحث فيها صغرويّا راجعا إلى‏

وجود الدليل،كالمسائل المذكورة و غيرها كما في مسألة الحسن و القبح،و كما في‏

مسألة الملازمة بين حكم العقل و الشرع أيضا،لعموم تعريف علم الأصول،حيث‏

إنّهم عرّفوه بالعلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعية،فإنّ‏

حاصل معناه أنّه العلم بما يكون طريقا لاستنباط الحكم الشرعي الفرعي مع‏

كونه ممهّدا له،و مقتضى ذلك أنّ المسألة الأصولية ما يكون المطلوب و النتيجة

1)تذكير الضمير باعتبار رجوعه على إدراك العقل.

2)في الأصل:و غيرها...

211
فيها من طرق استنباط الحكم الفرعي و من مقدماته الممهّدة له،فتعمّ كلّ ما كان‏

المطلوب فيها من مقدّماته،و لا ريب أنّ إحراز ذات الدليل أيضا من المقدّمات،

ضرورة أنّ العلم بحجّيّة العقل لا يكفي في استنباط حكم الضدّ الموسّع-مثلا-

إلاّ بعد العلم بأنّه يحكم بالملازمة بين الأمر بالشي‏ء و بين النهي عن ضدّه‏

و عدمه‏ (1) ،و كذلك أنّ العلم بحجّيّة الخبر-مثلا-لا يكفي في استنباط حكم الكرّ

الملاقي للنجس أو القليل الملاقي له ما لم يعلم بوجود قوله عليه السلام:«إذا

بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء» (2) .

هذا مضافا إلى أنّ المسائل الأصوليّة العقلية المختلف فيها إنّما يقع‏

البحث فيها عن وجود حكم العقل لا عن حجّيّته،إذ لا خلاف لأحد فيها بعد

إحراز الصغرى إلاّ عن بعض الأخباريين،و هو بمكان من الضعف لا يلتفت‏

إليه لكونه مصادمة للضرورة،و شبهة في مقابلة البديهة.

و الحاصل:أنّ المسائل الأصولية العقلية-الدائرة بين الأعلام الواقعة محالّ‏

للنقض و الإبرام-لا يرجع الكلام فيها إلاّ إلى الصغرى إلاّ أنّ البحث في بعضها

إنّما يقع عن حكم العقل المستقلّ،و في بعضها عن حكمه التّبعي،كما في المقام‏

و في أكثر المسائل المشار إليها.

و بالجملة:كلّما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الفرعي من حيث‏

1)تذكير الضمير باعتبار رجوعه على العلم.

2)الكافي:3-2-كتاب الطهارة-باب:الماء الّذي لا ينجسه شي‏ء.-ح:1 و 2.

و الاستبصار:1-6-كتاب الطهارة-أبواب المياه و أحكامها-باب مقدار الماء الّذي لا

ينجّسه شي‏ء.-ح:1 و 2.

و صدر الحديث في المصدرين هكذا:(إذا كان الماء قدر.).،و كذا في الوسائل:1-117-

118-كتاب الطهارة-أبواب الماء المطلق-باب:9 عدم نجاسة الكرّ...-ح:1 و 2 و 5 و 6.


212
كونه طريقا إليه فهو من المسائل الأصولية1،و يقابلها الفرعيّة،و هي ما لم تكن‏

واقعة في طريق الاستنباط بمعنى أنّ المطلوب فيها ليس ما يكون من مقدّمات‏

استنباط الحكم الفرعي،بل نفس الحكم الفرعي،بحيث لا يتوقّف العمل بعده‏

على استنباط حكم آخر،بل يترتّب عليه العمل بلا واسطة استنباط حكم آخر،

و لذا تعرّف بما يتعلّق بكيفية العمل بلا واسطة.فمن هنا اتّضح الفرق بين المسألة

الأصولية و الفرعية.

و خلاصة الفرق:أنّ الأولى عبارة عن المسألة الممهدة لاستنباط طريق‏

استنباط الحكم الفرعي بحيث يكون النتيجة و المطلوب فيها من مقدّمات‏

استنباط الحكم الفرعي،لا نفس الحكم الفرعي،فلذا لا تتعلّق بكيفيّة العمل‏

بلا واسطة،بل إنّما تتعلّق بها بعد استنباط حكم آخر،و الثانية عبارة عن المسألة

الممهدة لاستنباط نفس الحكم الفرعي الّذي يتعلّق بالعمل بلا واسطة استنباط

حكم آخر.

لا يقال:مسألة وجوب الصّلاة-مثلا-أو الصوم أو الحج أو الزّكاة من‏

المسائل الفرعية قطعا،و مع ذلك لا تتعلّق بكيفيّة العمل بلا واسطة،بل إنّما تتعلّق‏

1إن قلت:هذا يقتضي أنّه لو وقع البحث عن وجود الكتاب أو السنّة أو الإجماع‏ (1) فيكون‏

المسألة أصولية.

قلنا:نعم،لكنّه لا يقع البحث عنها صغرى لسهولة طريق إحرازها فيها-و هو الحسّ-بخلاف‏

الأمور العقلية،فإنّ طريق إثبات صغرياتها أيضا إنّما ينتهي إلى البراهين العقلية (2) و المقدّمات‏

النظريّة،و هذا هو الوجه في تعرّضه للبحث فيها صغرى دون المسألة المدوّنة.لمحرّره عفا اللَّه‏

عنه.

1)الكلمة غير واضحة و أثبتناها استظهارا.فافهم.

2)هنا كلمة غير مقروءة في الأصل،و الظاهر أنّها لا تخلّ بالمعنى.

213
بها بعد استنباط تلك الموضوعات الشرعيّة-و هي الصلاة و ما بعدها-من الأدلّة

الشرعيّة،فإذن لا فرق بينها و بين مسألة مقدّمة الواجب و مسألة الأمر بالشي‏ء.

لأنّا نقول:الّذي نفيناه في الفرعية و أثبتناه في الأصوليّة من الواسطة إنّما

هو الاحتياج إلى استنباط حكم آخر لا مطلق الاستنباط،و لا ريب أنّ المحتاج‏

إليه في المسائل المذكورة ليس استنباط حكم آخر،بل إنّما هو استنباط موضوع‏

الحكم الفرعي المستنبط،بخلاف مسألة الأمر بالشي‏ء-مثلا-فإنّها-مضافا إلى‏

حاجتها إلى ذلك-محتاجة في تعلّقها بعمل المكلف إلى استنباط حكم آخر،و هو

وجوب المأمور به المضيّق مثلا.

و كيف كان فالمسألة بالاعتبار المذكور داخلة في المسائل الأصولية

العقلية،و باعتبار وقوع السؤال فيها عن لوازم الوجوب و أحكامه إذا قصد به‏

توضيح معرفة الوجوب-الّذي هو أحد الأحكام المبحوث عن حقيقتها في المبادئ‏

الأحكامية-تدخل في المبادئ الأحكامية،فإنّ الغرض فيها لما كان معرفة الحكم‏

و الحاكم و المحكوم عليه و به و أقسام الحكم من التكليفي و الوضعي بأقسامهما،و قد

يتوقّف معرفة بعض الأقسام على معرفة بعض لوازمه و أحكامه،فلذا قد يقع‏

البحث فيها عن لوازم بعض تلك الأقسام و أحكامه نظرا إلى توضيح الحال في‏

الملزوم،و لا ريب أنّ وجوب المقدّمة من لوازم وجوب ذيها و من أحكامه فهو من‏

أحكام الوجوب الّذي هو أحد الأقسام المقصود معرفتها ثمّة من الأحكام،

و لأجل ذلك ذكر بعض المسألة في المبادئ الأحكامية.

و باعتبار وقوع السؤال فيها عن وجوب المقدّمة التي هي من فعل المكلّف‏

تدخل في المسائل الفرعية.

و باعتبار وقوعه عن دلالة الأمر عليه لفظا تدخل في المبادئ اللغوية.

فإذا عرفت ذلك فهل النزاع في المقام إنّما هو بالاعتبار الأوّل،أو الثاني،


214
أو بأحد الأخيرين‏1؟.

الظاهر أنّه إنّما هو بأحد الأوّلين،لا الثالث و ان كان يوهمه ظاهر قولهم:

(مقدمة الواجب واجبة،أو ما لا يتمّ الواجب إلاّ به واجب،أو لا؟)إلاّ أنّ التأمّل‏

التامّ في كلامهم و أدلّتهم يقضي بأنّ مرادهم إنّما هو إثبات الملازمة بين وجوب‏

المقدمة و وجوب ذيها،لا إثبات وجوب المقدّمة ابتداء.

هذا،مضافا إلى أنّه لو كان الغرض ذلك فلا ريب أنّه لا سبيل إلى إثبات‏

ذلك إلاّ للعقل لعدم ما يدلّ عليه من الكتاب و السنّة أو الإجماع،فيتوقّف ثبوته‏

على حكم العقل بالملازمة،فحينئذ لو كان النزاع هنا مع قطع النّظر عن حكم‏

العقل بالملازمة فهو كما ترى،و إن كان معه فالبحث عنه يغني عن البحث في‏

وجوب المقدّمة.

و لا الرابع،ضرورة عدم اختصاص النزاع بالواجبات التي يكون الدال‏

عليها الأوامر اللفظية و إن كان يوهمه ذكر بعضهم تلك المسألة في مباحث الأوامر

كصاحب المعالم،لكنه يدفعه أنّه-قدّس سرّه-لمّا لم يذكر في كتابه المبادئ‏

الأحكامية و لا الأدلّة العقلية،و كانت مباحث الأوامر أنسب حينئذ لأن تذكر فيها

هذه،حيث إنّ الغالب من الواجبات ما يثبت باللفظ،فذكرها في طيّها لذلك‏

كذكره مسألتي الأمر بالشي‏ء و اجتماع الأمر و النهي،و أمّا غيره ممن تأخّر عنه من‏

1اعلم أنّ مرجع البحث في الأخيرين كليهما إلى وجه واحد،و هو ثبوت الملازمة عقلا بين وجوب‏

شي‏ء و وجوب مقدّمته،و النزاع فيهما إنّما هو في ذلك،إلاّ أنّ كون المقام من المبادئ‏

الأحكامية أو الأصولية العقلية يدور مدار الغرض من البحث،فإن كان الغرض توضيح‏

حال الحكم الوجوبيّ فيدخل في المبادئ الأحكامية لتمهيده حينئذ لمعرفة بعض أقسام‏

الحكم،فهو متمهّد لمعرفة الحكم في الجملة،و إن كان الغرض التوصّل به إلى معرفة الحكم‏

الفرعي-و هو وجوب المقدّمة-فيدخل في المسائل الأصوليّة لصدقها عليه،لكونه ممهّدا

لاستنباط الحكم الشرعي الفرعي.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


215
الذين ذكروها في مباحث الأوامر مع تعرّضهم للدلالة العقلية فهو إنّما لمجرّد

التبعيّة له-قدّس سرّه-.

هذا،مضافا إلى أنّه لم يستدلّ أحد من المثبتين على وجوب المقدّمة بظهور

الأمر فيه لفظا و إن وقع إنكار الدلالات الثلاث في كلام بعض المنكرين،لكنّه‏

بعد ظهور المراد لا بدّ من حمله على شدّة النكير.

و كيف كان فالظاهر-بل المقطوع به-أنّ النزاع في ثبوت الملازمة عقلا

بين وجوب شي‏ء و بين وجوب مقدّمته،فتكون المسألة عقلية.

و حينئذ إن تعلّق الغرض بتوضيح الحكم الوجوبيّ بذكر بعض لوازمه‏

فيناسب ذكرها في المبادئ الأحكامية،و إلاّ ففي الأدلّة العقلية كما فعله بعضهم،

فتكون من المسائل الأصولية العقلية.

و من هنا ظهر ضعف ما يظهر من سلطان المدقّقين‏ (1) -قدّس سرّه-من‏

كون النزاع في المقام لغويّا،حيث قال-في ردّ استدلال المانعين من وجوب‏

المقدّمة،بأنّه لو كان الأمر مقتضيا له لامتنع التصريح بنفيه‏ (2) -:

(أقول:فيه نظر،إذ صحّة التصريح بعدم وجوب المقدّمة لا ينافي ظهور

وجوبها عند عدم التصريح،إذ يجوز التصريح بخلاف ما هو الظاهر،كما في‏

القرائن الصّارفة في المجازات عن المعاني الحقيقية،إذ الخصم لا يدّعي إلاّ ظهور

وجوب المقدّمة عند إيجاب ذي المقدّمة مع عدم دليل و قرينة،إلاّ أن يدّعي عدم‏

الفرق بين التصريح و عدمه،و هو في مرتبة المدّعى،فتأمّل).انتهى كلامه رفع‏

مقامه.

و توضيح الضعف:أنّ مراد المستدلّ بالامتناع و الجواز إنّما هو الامتناع‏

1)راجع حاشيته(قده)-على المعالم-المطبوعة في ذيل شرح معالم الدين للمولى محمد صالح‏

المازندراني(ره):282.

2)معالم الدين:61.


216
و الجواز العقليّان بمعنى الحسن و القبح،يعني أنّه لو كان الأمر مقتضيا عقلا

لوجوب المقدّمة-بمعنى ثبوت الملازمة بينه و بين وجوب ذيها-لقبح التصريح‏

بخلافه،و ليس مراده نفي الظهور اللفظي حتى يتّجه عليه ما أورده-قدّس سرّه-

بل المراد نفي الملازمة عقلا،فيتّجه الاستدلال،و ينقلب الإشكال فافهم.

و كيف كان فالمتأمّل المنصف يجد الاستدلال المذكور كالصريح-بل‏

صريحا (1) -في كون المدّعى نفي الملازمة عقلا و أنّ النزاع فيها.

نعم على تقدير القول بعدم الملازمة1يمكن عقد بحث آخر في دلالة

الأمر لفظا على وجوب المقدّمة إذا كان المثبت لوجوب ذيها الأمر اللفظي،و أمّا

على تقدير ثبوت الملازمة فلا فائدة في البحث عن الدلالة اللفظية أصلا.

ثمّ إنّه قد ظهر مما حقّقنا اندفاع ما قد يتوهّم من كون المسألة فرعية،

نظرا إلى كون المطلوب و النتيجة فيها نفس الحكم الشرعي الفرعي،و هو وجوب‏

المقدمة لا العقلية،حيث إنّه لا بدّ فيها أن يكون المطلوب عبارة عن الدليل‏

العقلي،و هو الحكم العقلي الّذي ينتقل منه إلى الحكم الشرعي،فتخرج المسألة

عن الأدلّة العقلية.

و توضيح الاندفاع:أنّ المطلوب في المقام-كما عرفت-ليس وجوب‏

1إذ حينئذ يمكن تحقّق الوجوب في الخارج على وجهين:

أحدهما-ما يراد معه وجوب المقدّمة أيضا.

و ثانيهما-ما لا تعرّض معه لذلك،فيكون الحال في المقام كما في المفاهيم،حيث إنّه لا ريب أنّه‏

لا ملازمة عقلا بين تعليق وجود شي‏ء على وجود أمر و بين انتفاء الشي‏ء الأوّل بانتفاء الثاني،

بل التعليق في الخارج يقع على وجهين:أحدهما ما يقصد به الانتفاء عند الانتفاء،و الآخر

ما لا تعرّض له لذلك.

و كيف كان فالبحث اللفظي إنّما هو بعد الفراغ عن إمكان وقوع الشي‏ء المبحوث عنه على‏

كلا الوجهين في محلّ البحث،و إلاّ فيلغى.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:(بل الصريح.).،و ما أثبتناه هو الصحيح.

217
المقدّمة و ان كان يترتّب عليه ذلك،بل إنّما هو مجرّد الملازمة عقلا بين وجوب شي‏ء

و بين وجوب مقدّمته.

و بعبارة أخرى:إنّ النزاع في أنّ العقل يستقلّ بالملازمة بينهما،و يجزم بها،

أو لا؟و لا ريب أن الحكم بالملازمة حكم عقلي ينتقل منه إلى الحكم الشرعي،

و هو وجوب المقدمة فبتعدّد الحكم فدخلت المسألة في الأدلّة العقلية.هذا لا إشكال فيه.

و إنّما الإشكال كلّه في أنّهم بعد ما عرّفوا الدليل العقلي بما أشرنا إليه‏

-أي الحكم العقلي الّذي ينتقل منه إلى الحكم الشرعي-قسّموا حكم العقل إلى‏

المستقلّ و غير المستقلّ،و جعلوا مسألة الحسن و القبح من الأوّل،و الالتزامات من‏

الثاني،بل بعضهم لمّا رأى ذكر بعض الأصول العملية في الأدلّة العقلية،و رأى‏

أنّ مفادها ليس إلاّ الحكم الظاهري زاد (1) قسما ثالثا،فقال:حكم العقل:إمّا

ظاهري،و إمّا واقعي،و الثاني:إمّا أن يستقلّ به العقل،و إمّا أن يحتاج إلى أمر

آخر كخطاب من الشارع.

بيان الإشكال:أنا لا نرى حكم العقل في هذه الموارد من جهة

الاستقلال الا كحكمه في مسألة الحسن و القبح.

توضيحه:أن في الموارد و الأمثلة المذكورة للعقل المستقل أمورا ثلاثة:

الصغرى:و هو قولك-مشيرا إلى الفعل الخاصّ-:هذا مقدّمة للواجب.

و الكبرى:و هي قولك:كل‏1مقدمة للواجب واجبة شرعا.

و النتيجة:و هي أنّ هذا الفعل واجب شرعا،و لا ريب أنه لا مدخل للعقل‏

أصلا في بعض تلك الأمور كالأوّل،ضرورة أنّ كون شي‏ء مقدّمة للواجب حسي،فلا

سبيل للعقل إلى إحراز صفة التوقّف و المقدّمية،و أمّا وجوب ذي المقدّمة-الّذي‏

1أي يلزم من وجوب كلّ واجب وجوب كلّ ما هو مقدّمة له.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:(فزاد)،و الصحيح ما أثبتناه.

218
هو الواجب-فكذلك أيضا،بمعنى أنّه لا مدخل له فيه أيضا،فإنّ وجوبه حكم‏

شرعي موظّف من الشارع،و الحكم له مستقلاّ في بعضها كالثاني،حيث إنّ‏

الحاكم بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و بين وجوب كلّ ماهومقدّمة له هو العقل لا غير،

و لا مرية أنّ حكمه بها لا يتوقّف على وجود واجب في الخارج شرعي أو غيره،بل‏

هو مستقلّ فيه و لو فرض امتناع حصول واجب و صدور خطاب من الشارع في‏

الخارج.

و أمّا الثالث-أعني النتيجة-فلا ريب أنّ الحاكم به إنّما هو الحاكم‏

بوجوب ذي المقدّمة،فإنّك بعد إحراز كون الفعل الخاصّ مقدّمة لواجب،و بعد

الالتفات إلى حكم العقل بالملازمة بين إيجاب شي‏ء و بين إيجاب مقدّمته-سواء

كان الآمر هو الشارع أو غيره-تستنتج من هاتين المقدّمتين أنّ هذا الفعل‏

واجب من قبل من أوجب ذا المقدّمة،فإذا فرض كونه هو الشارع فيكون الحاكم في‏

النتيجة هو الشارع،أو غيره فهو،و كيف كان،فوجوب المقدّمة إنما هو من قبل‏

من أوجب ذاها،فإن كان وجوبه شرعيا فيكون وجوبها كذلك،أو غيره فغيره،

و لا ريب أنّ الحاكم بوجوب ذي المقدّمة-في محطّ النّظر و محلّ البحث-هو

الشارع لا غير،فتكون النتيجة-و هي وجوب الفعل الخاصّ-شرعية أيضا،

غاية الأمر أنّ استفادته تبعية،فإن شئت سمّه بالوجوب الشرعي التبعي،و أما

تسميته بالعقلي التبعي فلا وجه لها،فإنه و إن كان تبعيا إلاّ أنّه شرعي-كما

عرفت-لا عقلي،فيكون الحال في الأمر الثالث نظير الحال في الأوّل من جهة

عدم مدخل للعقل في حكمه أصلا.

و الحاصل:أنّ الحكم في الموارد الثلاثة كلها:إما شرعي مستقلّ،أو

تبعي‏ (1) ،و إما عقلي مستقلّ،و أمّا التبعي منه فقد عرفت انتفاءه.

1)في الأصل:(التبعي)،و الصحيح ما أثبتناه في المتن.

219
هذا توضيح الإشكال في مقدّمة الواجب،و مثله الكلام في سائر

الاستلزامات و المفاهيم أيضا بناء على أن لا يكون التلازم فيها لفظيا-أي لا

يكون بيّنا بالمعنى الأخصّ-إذ عليه فحكم العقل بانتفاء الحكم المعلّق على‏

شي‏ء عند انتفاء ذلك الشي‏ء حكم عقلي مستقلّ لا يحتاج إلى خطاب من‏

الشارع،فظهر بطلان تقسيم حكم العقل إلى غير المستقلّ.

و يتلوه في الضعف تقسيمه إلى الواقعي و الظاهري.

و توضيحه:أن في موارد الأصول العملية كالبراءة مثلا أيضا أمورا ثلاثة:

الصغرى:و هي أنّ هذا الشي‏ء مشكوك الحكم.

و الكبرى:و هي أنّ كلّ مشكوك الحكم يقبح العقاب عليه،و أنه يلزم من‏

كونه مشكوكا فيه كونه مباحا من قبل المكلّف-بالكسر-.

و النتيجة:و هي أن هذا الشي‏ء يقبح العقاب عليه،و أنه مباح من قبل‏

المكلّف.

و لا ريب أنه لا مدخل للعقل في الأوّل أصلا،فإنه إنما يحرز بالوجدان لا

غير.و أما الثاني فلا ريب أنّ الحكم الّذي من قبل العقل هو الملازمة و قبح‏

العقاب،و لا ريب أنّ الملازمة أمر واقعي جدا،و أن العقاب قبيح واقعا قطعا.

و كيف كان فذلك حكم عقلي مستقلّ واقعي،و أما كونه مباحا فليس من حكم‏

العقل في شي‏ء أصلا،و إن كان مدركه العقل،بل هو حكم شرعيّ ظاهريّ يكشف‏

عنه العقل،فما يكون ظاهريا ليس بعقليّ،و ما يكون عقليّا لم يكن ظاهريا،كما

أنّه لم يكن تبعيّا.

و الحاصل:أنّ الّذي هو حكم العقل واقعي مستقلّ،فإنّ إجراء

البراءة في موارد جريانها إنّما هو لحكم العقل القطعي بقبح العقاب من دون تمام‏

الحجّة،بل تسميته حكما أيضا لا يخلو عن مسامحة إلاّ أن يعمّم الحكم إلى مطلق‏

الإثبات و النفي،و كذا في الاحتياط في موارد جريانه،فإنّه أيضا لحكم العقل‏


220
المستقلّ بلزوم دفع الضرر المحتمل.

و أمّا أصالة الإباحة:فالمراد بها الإباحة الواقعيّة الشرعية-كما يظهر

من بعض أدلّة النافين-فإنّ محلّ النزاع ثمّة في الأشياء المشتملة على المنفعة

الخالية عن المفسدة،فيبحث عن أنّ العقل هل يحكم بالإباحة من قبل الشارع‏

واقعا و يدركه،أو لا؟فإدراك العقل واقعي و كذا مدركه.

و من وجوه النافين وجود الحكم الشرعي على خلاف الإباحة في بعض‏

أفراد محلّ النزاع،فمعه لا يستقلّ العقل بذلك الحكم.

هذا،و يمكن الذبّ عن الإشكال الأوّل-المتوجّه إلى تقسيم حكم العقل‏

إلى الغير المستقلّ-:بأنّ الظاهر أنه ليس المراد تقسيم حكم العقل نفسه-أي‏

مدركه بالفتح-كما هو الظاهر من لفظ الحكم،بل المراد تقسيم استنباط العقل‏

للحكم،و أنه تسامح في العبارة،إذ لا ريب أنّ طريق الاستنباط في حكم العقل‏

قد يكون بتمامه-صغرى و كبرى-عقليا،و قد يكون ملفّقا منه و من الشرعي‏

بحيث لو لا ثبوت الصغرى أو الكبرى من الشرعي لم يكن العقل مدركا لما

يدركه مع فرض الثبوت.

أو يقال:إنّ المراد تقسيم الحكم نفسه،لكن باعتبار الاستنباط،و هذا هو

الأجود الّذي ينبغي أن يحمل عليه كلماتهم.

و عن الإشكال الثاني-المتوجّه إلى تقسيم بعضهم إيّاه إلى الظاهري-:

بأن المراد تقسيم حكم العقل باعتبار ما ينتقل منه إليه من الحكم الشرعي.

فافهم.

الثاني‏ (1) :ينبغي التعرّض لمفردات كلامهم الواقع محلا للخلاف في المقام‏

-و هو قولهم:مقدمة الواجب واجبة أو لا؟-كي يرتفع الإجمال،و يتّضح الحال في‏

مقالهم من جهة معرفة محلّ الخلاف‏

،فنقول:

1)أي(الأمر الثاني)على ما في هامش المخطوطة.

221
المقدّمة لغة:هي ما قدّم أمام شي‏ء،و المراد بها في المقام إنما هو ما يتوقّف‏

عليه فعل الواجب،و النسبة بينهما هي العموم المطلق،إذ ما يتوقّف عليه الفعل‏

له تقدّم طبعي على حصول الفعل،و هو نوع من التقدّم،فيكون من أفراد المقدّمة لغة.

ثمّ المقدّمة-أي ما يتوقّف عليه حصول الواجب-تنقسم إلى داخلي‏

و خارجي:

و الأوّل:منحصر في الأجزاء،و ينطبق عليها بحيث لا يتعدّاها.

و الثاني:إلى السبب،و الشرط،و المعدّ،و فقد المانع.

و هذه الأقسام كلها-حتى المقدّمات الداخلية-مشتركة في كونها دخيلة

في وجود ذي المقدّمة،و في أنّها يلزم من عدم كلّ منها عدمه.

ثم السبب في اللغة:ما يمكن التّوصل به إلى غرض،و منه سمّي الحبل‏

سببا.

و في اصطلاح أهل العلم عرّفوه:بما يلزم من وجوده الوجود و من عدمه‏

العدم.و الظاهر أنّ ذلك من النقل من العامّ إلى الخاصّ،لأنّ السبب‏

الاصطلاحي أيضا نوع منه و فرد له،لأنّه مما يمكن التوصّل به إلى غرض هو

المسبّب.

ثمّ إنّ قولهم:(و يلزم من عدمه العدم)يحتمل أن يكون جنسا لجميع أقسام‏

المقدّمة-كما أشرنا إليه-بحمل الموصولة على الأعمّ من الأمر الوجوديّ مع‏

حمل العدم أيضا على الأعمّ مما يقابل الوجود،ليشمل عدم العدم الّذي هو الملازم‏

للوجود أو عينه،ليشمل عدم المانع،فيكون قولهم:(ما يلزم من وجوده الوجود)

فصلا مخرجا لغير السبب من الشرط،إذ لا يلزم من وجوده الوجود،و المانع أيضا

كذلك،فإنه يلزم من وجوده العدم و لا يلزم من عدمه الوجود.

لكن هذا خلاف ما هو المتعارف في الحدود من تقديم الجنس و تأخير

الفصل عنه،و إن كان يحتمل أن يكون العكس هنا لنكتة،و يحتمل أن يكون‏


222
نظرهم في الجزء الأوّل إلى إخراج الشرط و في الثاني إلى إخراج المانع فقط لكن‏

لا يخفى عدم الحاجة إلى القيد الثاني في إخراج شي‏ء من المقدّمات الغير السببية

من الشرط و غيره،بل يكفي في إخراجها الجزء الأوّل من الحدّ.

أما الشرط:فواضح و ان كان واقعا جزءا أخيرا للعلّة التامة،لأنّ كلمة

(من)في الحدّ للنشوء،و مقتضاها حينئذ كون السبب ما يكون منشأ لحصول‏

المسبّب،بحيث يستند الأمر-الّذي هو حصول المسبّب-إليه،و الشرط في‏

الفرض المذكور ليس كذلك،فإنّ التأثير ليس مستندا إليه و ان كان تحقّقه في‏

الخارج متوقّفا عليه،بل إنّما هو مستند إلى المجموع منه و من المقتضي أو

خصوص المقتضي،كما هو الحقّ،و ستأتي البيّنة عليه.

و أما المانع:فإن جعل نفسه من المقدّمات تسامحا-كما فعله بعضهم-

فواضح خروجه،إذ لا يلزم من وجوده الوجود،بل يلزم العدم،و ان جعل عدمه‏

منها نظرا إلى الواقع فكذلك،إذ لا يلزم من وجوده الوجود و إن كان متوقّفا عليه،

و لو فرض كونه جزءا أخيرا للعلة التامة بتقريب ما مرّ في الشرط.

و كيف كان،فظاهر التعريف أنّ السبب مرادف للعلّة التامّة،كما هو

كذلك عند أهل المعقول،لكن الظاهر-بل المقطوع به-مخالفته لها عند أهل‏

المنقول،كما يظهر من تقسيمهم السبب إلى المجامع للمانع و الخالي عنه-و لذا زاد

بعضهم في حدّه قيد(لذاته)لإدخال القسم الأوّل و هو المجامع للمانع-و من‏

احتجاج السيّد (1) -قدّس سرّه-الآتي على وجوب السبب بأنّه مع وجود السبب‏

لا بدّ من وجود المسبّب إلاّ أن يمنع مانع،فلو كان المراد بالسبب العلّة التامّة

لناقض الأشياء المذكورة ما قبلها.

و أيضا من أقوال المسألة القول بوجوب المقدّمة مطلقا،و القول بوجوب‏

1)لاحظ الذريعة إلى أصول الشريعة 1:85.

223
السبب دون غيره،و كلاهما متّفقان على وجوب السبب،بل ادّعى بعضهم‏

خروجه عن محلّ النزاع و جعله في غيره.

و لا ريب أنّ المراد بالوجوب في المقام ليس الوجوب العقلي أي اللابديّة

و التوقّف،إذ لا يعقل بعد إحراز كون شي‏ء مقدّمة لشي‏ء الخلاف في وجوبه العقلي،

فإنّه راجع إلى الخلاف في مقدّميته لذلك الشي‏ء،فيخالف الفرض،بل المراد به‏

الوجوب الشرعي التكليفي.

و لا ريب أنّه لا يعقل التكليف بغير المقدور محضا،أو ما يكون مركّبا منه‏

و من المقدور،فإنّه أيضا غير مقدور،و لا ريب أنّ كثيرا من أجزاء العلّة التامّة من‏

الأمور الاضطرارية الخارجة عن قدرة المكلّف كحياته و قدرته و صحته و غير ذلك‏

من الأمور الاضطرارية المتوقّف عليها فعل الواجب،فلو كان السبب في المقام‏

عبارة عن العلة التامّةلم‏يعقل‏ (1) القول بوجوبه،لأنّ وجوب المركّب عين وجوب‏

أجزائه،لأنّها عينه و إن كانت تغايره‏ (2) اعتبارا،فإنّها إن لم تجب باعتبار كونها

مقدّمة لتحصيل الكلّ فتجب باعتبار كونها علّة لا محالة،و المفروض خروج بعض‏

الأجزاء عن القدرة،فيمتنع التكليف به عقلا،فتبيّن مخالفته للعلة.

و ظهر من ذلك:أنّ محلّ النزاع في مقدّمة الواجب إنّما هو فيما يكون من‏

الأفعال الاختيارية للمكلّف المتوقّف عليها فعل الواجب لا مطلق المقدّمة،و أنّ‏

المراد بلفظ المقدّمة أو ما يتوقّف عليه الواجب-الواقعين في عنوان النزاع اللذين‏

هما المقسم لأقسام المقدّمة-ذلك لا الأعمّ.

فإن شئت توضيح الحال فراجع‏ (3) موارد إطلاق السبب و مواضع تحديده،

1)في الأصل:فلا يعقل..

2)في الأصل:تغايرها..

3)في الأصل:فراجع إلى..

224
فإنّهم عرّفوه في مواضع:

منها:مبحث الحكم الوضعي من مباحث المبادئ الأحكامية،حيث إنّهم‏

عرّفوه بما ذكر،و جعلوا منه أسباب الأحكام الشرعية،كالوقت لوجوب الواجب‏

الموقّت به،و كالنذور،و العهود،و الأيمان لوجوب ما التزم به و غير ذلك.

و منها:مبحث تداخل الأسباب فإنهم أيضا أطلقوه على أسباب الحكم‏

الشرعي.

و منها:ما نحن فيه كما عرفت.

و لا ريب أنّ أسباب الحكم في الموضعين الأوّلين كأسباب الموضوع كما في‏

المقام ليس شي‏ء منها علّة تامّة للحكم الشرعي،بل يتوقّف على فقد المانع لا محالة

كتوقّف وجوب الصلاة في الوقت مثلا على عدم الإغماء أو الجنون أو المرض‏

البالغ حدّ العجز-مثلا-و هكذا في غيره من أمثلة الأحكام الشرعية المعلّقة على‏

الأسباب.

و بالجملة:معنى السبب في جميع تلك المواضع واحد جدّاً فإنّ معناه المفهوم‏

الأعمّ الشامل لكلّ من سببي الحكم و الموضوع،و التعريف المتقدّم لا يختصّ‏

بأحدهما و ان كان قد اختصّ سبب الحكم بتعريف آخر،فعرّفوه بالوصف الظاهر

المنضبط الّذي دلّ الدليل على كونه سببا للحكم و مقتضيا له أو معرّفا على‏

اختلاف التعبيرين،نظرا إلى الخلاف في أنّ أسباب الشرع مقتضيات أو معرّفات.

نعم،الفرق بين السبب المتنازع فيه في المقام و بينه في المبادئ الأحكامية

و مسألة تداخل الأسباب كما أومي إليه من وجهين:

أحدهما-أنّ المراد به في المقام إنّما هو سبب الموضوعات المتعلّق بها الحكم‏


225
الشرعي و هو الوجوب،و في ذينك المقامين إنّما هو سبب الحكم الشرعي‏1.فإن‏

شئت قلت:المراد به في المقام ما يكون سببا لتحقّق الواجب و حصوله في الخارج،

و في ذينك الموضعين ما يكون سببا لثبوت الوجوب و توجّهه نحو المكلّف.

و ثانيهما-أنّه لا خلاف في كون السبب في المقام مقتضيا لوجود المسبّب‏

بخلافه في ذينك الموضعين،حيث إنه اختلف في كون أسباب الأحكام الشرعية

مقتضيات،فذهب بعضهم إلى أنّها معرّفات،فتكون مقتضية بالنظر إلى ظاهر

الأدلّة الشرعية الدّالة على سببيتها.

فإذا علم عدم ترادف السبب عندهم للعلّة التّامة و خروج فقد المانع عنه،

فهل المراد به المركّب من الشرط و المقتضي-و هو ما ينشأ منه الأثر و يستند إليه-

أو خصوص المقتضي مطلقا،أو مقيدا بكونه مجامعا للشرط بأن يكون نفس‏

القيد-و هو الشرط-خارجا؟

الظاهر-من تقسيم بعضهم السبب إلى المجامع للشرط و المفارق له،و من‏

القول بالتفصيل بين السبب و الشرط بوجوب الأوّل دون الثاني-أنّ المراد به‏

خصوص المقتضي،لا المركّب منه و من الشرط:

أمّا دلالة الأوّل-و هو تقسيم السبب إلى المجامع للشرط و إلى المفارق‏

له-فواضحة (1) .

و أمّا الثاني‏ (2) فلأنه لو كان الشرط جزء منه لما بقي معنى لذلك التفصيل‏

1اعلم أنّ النسبة بين سبب الحكم و سبب الموضوع إنّما هي العموم من وجه لصدق الأوّل في‏

مثل الدلوك و نحوه دون الثاني،و صدق الثاني في مقدّمات الواجب المطلق دون الأوّل،

و اجتماعهما في صيغة العقود و الإيقاعات،إذ لا ريب أنّ الصيغة سبب لتحقّق موضوع العقد

و الإيقاع في الخارج و سبب توجّه الأحكام الشرعيّة نحو المكلّف من وجوب الوفاء و غيره من‏

الأحكام.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:..فواضح.

2)و هو القول بالتفصيل بين السبب و الشرط.


226
أصلا،إذ لا يعقل وجوب المركّب مع عدم وجوب جزء منه،بل وجوبه مستلزم‏

لوجوب جميع الأجزاء لأنها إمّا عينه أو مقدّمات له،فلو لم نقل بوجوبها من باب‏

المقدّمة فلا بدّ من القول بوجوبها باعتبار كونها عين المركّب،فلا يمكن نسبة مثل‏

ذلك إلى من دون السيّد(قدّس سرّه)،فكيف به(قدّس سرّه)؟!

و مقابلتهم السبب بالشرط أيضا مشعرة (1) بما ذكرنا،و إن كان يحتمل أن‏

يكون التقابل اعتباريّا من حيث الكلية و الجزئية.

و يدلّ عليه أيضا إطلاقهم السبب على أسباب الحكم،كالوقت للصلاة

بالنسبة إلى وجوبها،إذ لا ريب في اشتراط البلوغ و العقل و غيره من الشروط

أيضا،فقد أطلق السبب على المقتضي فقط.

لا يقال:إن المراد بالسبب في باب تداخل الأسباب إنما هو المركّب من‏

المقتضي و الشرط،بل و من عدم المانع أيضا،إلاّ من جهة اجتماع السبب مع مثله،

فإن كان محلّ النزاع ثمّة في الأسباب التي لم يكن لها مانع من التأثير في مسبّباتها

إلا تعدّدها،فاختلف في أنّ كلاّ من تلك الأسباب حينئذ بالنظر إلى ظاهر أدلّتها

هل يؤثر في مسبّب مستقلّ،و يترتّب عليه حكم كذلك،كما في صورة الاتّحاد،أو

لا؟.

لأنا نقول:القدر المعلوم ثمّة أنّ مفروض البحث في السبب إنّما هو حال‏

كونه مجامعا للشرط و فقد المانع من غير جهة التعدّد.

و أمّا استعمال لفظ السبب في المركّب من المقتضي و غيره فغير معلوم و لا

مظنون،فلا شهادة لما ذكر على ذلك.

نعم يحتمل ذلك في كلام السيّد-قدّس سرّه-حيث احتجّ على إطلاق‏

1)في الأصل:مشعر..

227
الواجب بالنسبة إلى السبب:بأنّه محال أن يوجب علينا المسبّب بشرط اتفاق‏

وجود السبب،إذ مع وجود السبب لا بدّ من وجود المسبّب،إلاّ أن يمنع مانع‏ (1) .

إلى آخر ما ذكره-قدّس سرّه-فإنّه لو كان مراده-قدّس سرّه-من السبب‏

المقتضي وحده لما تمّ ما ادعاه من المحال أصلا،لجواز فقدبعض‏من الشروط،

بل وقوعه كثيرا غاية الكثرة.

لكن غاية ما يستفاد من ذلك اعتبار الشرط،أمّا اعتباره على نحو

الجزئيّة و إطلاق لفظه على المجموع فلا،لإمكان اعتباره على نحو التقيّد فيكون‏

المراد به على هذا التقدير المقتضى وحده إلاّ أنه مقيد بكونه مجامعا للشرط.

و الظاهر أنّ مراده(قدس سره)بالمانع أيضا هو المانع الخارق للعادة،لا مطلق‏

الموانع كما فهم بعض المحقّقين من المتأخّرين‏ (2) أيضا،إذ لو كان المراد هو الثاني‏

لاستهجن أخذ المدعي الامتناع و الاحتجاج عليه بما يتخلّف كثيرا عن المسبّب،

لأنّ الموانع المتعارفة كثيرة لا تحصى،فلا بدّ من حمل الامتناع في كلامه على‏

العادي،و حمل المانع على الخارق للعادة،ليتّجه الاستدلال،فيكون المراد بقوله:

(لا بدّ من وجود المسبّب)أنّه لا بدّ من وجوده عادة.

و من هنا يظهر أنه-قدس سره-أراد بالسبب ما اعتبر فيه عدم الموانع‏

العادية أيضا.

لكن ما قدّمنا من تقسيمهم السبب إلى المجامع للشرط و المفارق له،و إلى‏

المجامع للمانع و الخالي عنه يكفي في نفي اعتبار الشرط و عدم المانع في السبب‏

مطلقا عندهم و إن علم اعتبارهما في كلام السيد،لكنّه بملاحظة ذلك محمول على‏

التجوّز أو التقييد في معنى السبب،فيلزمه المجاز أيضا على بعض الوجوه.

1)لاحظ المصدر السابق.

2)و هو صاحب هداية المسترشدين:200.

228
اما دلالة التقسيمين المذكورين على نفي اعتبارهما مطلقا فواضحة،لأنّهما

لو كانا معتبرين بأحد الوجهين لكان السبب منحصرا في المجامع لهما،فلا يصحّ‏

تقسيمه إلى الخالي عنهما،لأنّه من تقسيم الشي‏ء إلى نفسه و إلى غيره المباين له،

و هو كما ترى.

فظهر من ذلك أنّ المراد بالسبب في مصطلح أهل المنقول هو المقتضي لا

غير و ان كان لا يساعد عليه التعريف المتقدّم:أمّا بدون زيادة قيد(لذاته)

فواضح،حيث إنّه منطبق على العلّة التامّة،و أمّا معه فلعدم انطباقه على المقتضي‏

المقرون بعدم الشرط،فإنّ المراد بقيد(لذاته)هو كون المقتضي مخلّى و نفسه،

و هذا يصدق على ذلك،و إنّما لا يصدق على المقرون بالمانع،و لا على المقتضي‏

المقارن لمثله مع كون كلّ منهما جامعا للشرط و فاقدا للمانع عدا جهة الاجتماع،

لأنّ‏ (1) كلاّ منهما سبب قطعا،و لا يصدق عليه حدّه،فانّه لا يلزم حينئذ من وجود

كلّ واحد منهما الوجود و إن صدق الخلوّ مع نفيه.اللّهمّ إلاّ أن يتعسّف بجعل‏

السبب حينئذ أحد الأمرين لا خصوص كلّ واحد منهما أو المجموع،فتأمل،و لا

على السبب الّذي يخلفه سبب آخر،فإنه لا يلزم من عدمه العدم.اللّهمّ إلاّ أن‏

يقال:بأنّ السبب حينئذ أحد الأمرين.

و قد يورد عليه بوجوه أخرى:

منها-النقض بالجزء الأخير من العلّة التامّة فإنّه يلزم من وجوده الوجود

و من عدمه العدم،فلم يطّرد الحدّ،لكنّه بمعزل عن التحقيق،لأنّ الجزء الأخير

إن كان هو المقتضي فهو ليس خارجا عن السبب،و إن كان شرطا أو فقد المانع‏

فقد عرفت خروجهما بكلمة(من)لكونها نشويّة،ضرورة أنّ الشرط و عدم المانع‏

ليسا منشأين لوجود بحيث يقال:هذا من ذاك،بل من المقتضي،فإنه الّذي يقال‏

1)في الأصل:فإنّ..

229
فيه ذلك.

و كيف كان،فالمتّجه من الإشكال ما ذكره،أما غيره فهو بالإعراض‏

عنه حريّ،فيكفي الاقتصار على ذلك الّذي سمعت حذرا من الإطناب المملّ.

ثمّ الأولى أن يعرّف:بما يستند إليه المسبّب و الأثر على تقدير حصوله و إن‏

لم يحصر المسبّب بعد-أعني ما يكون منشأ له على تقدير حصوله في الخارج،

بحيث يقال:هذا من ذاك-فيشمل جميع أقسام السبب.فلاحظ و تدبّر.هذا تمام‏

الكلام في السبب.

و أمّا الشرط:فهو في اللغة التعليق،و في الاصطلاح:ما يتوقّف عليه‏

عليه تأثير المؤثّر،و من لوازمه أنه يلزم من عدمه عدم المشروط،لكنه لا

يلزم من وجوده وجوده.

و الفرق بينه و بين الجزء واضح-مع اشتراكهما في الصفات من التوقّف،

و من لزوم العدم بعدمهما،و عدم لزوم الوجود بوجودهما-فإنّ الشرط خارج‏

عن المشروط،و الجزء داخل فيه.

ثمّ الشرط قد يكون شرطا في اقتضاء التأثير،و قد يكون شرطا في فعليته،

و الأوّل معتبر في الفاعل،و هو المؤثّر،و الثاني في القابل،و هو محل التّأثير.

و أيضا الشرط كالسبب ينقسم إلى شرط الحكم،و شرط الموضوع:

كالطهارة من الحيض و النفاس،حيث إنّها شرط في وجوب الصلاة و جوازها،

و يلزم من عدمها نقيض الوجوب و الجواز،و هو الحرمة.

و قد يكون الشي‏ء مصداقا للأمرين كالطهارة من الحدث أكبره و أصغره،

حيث إنّه شرط في صحّة الصلاة و تحقّقها على نحو المطلوبية في الخارج،و شرط

في جواز الدخول فيها أيضا بحيث يحرم الدخول فيها بدونها،بل و كذلك الطهارة

من الحيض و النفاس أيضا،فإنّهما أيضا من شروط الصحّة.


230
و كيف كان،فالظاهر أنّ النسبة بين الأمرين هي العموم من وجه كما في‏

السبب،فتدبّر.و محلّ النزاع في المقام إنّما هو شرط الموضوع.

و أمّا المانع:فهو من المنع،و هو في اللغة-كما في القاموس-ضدّ الإعطاء،

فالمانع ضدّ المعطي.

و في اصطلاح أهل العلم‏1:ما يلزم من وجوده العدم،و لا أثر لعدمه في‏

الوجود،و إن كان مما يتوقّف عليه الوجود.

و كيف كان،فهو ينقسم:إلى مانع السبب،و مانع الحكم،و الأوّل إلى مانع‏

سبب الموضوع،و مانع سبب الحكم:

و عرّفوا مانع الحكم:بما اشتمل على حكمة تقتضي نقيض الحكم مع بقاء

السبب و حكمته،و ذلك كالأبوّة المانعة من القصاص لاشتمالها على كون الوالد

سببا لوجود الولد،و ذلك يقتضي نفي القصاص،لئلا يصير الولد سببا لعدمه مع‏

ثبوت القتل الّذي هو السبب في القصاص،و بقاء حكمته التي هي الحياة المشار

إليها في قوله عز من قائل: و لكم في القصاص حياة (1) .

و قد يعرّف أيضا بأنه الوصف الوجوديّ الظاهر المنضبط الّذي يخلّ‏

وجوده بحكم السبب مع وجوده و بقاء حكمته.

و عرّفوا القسم الثاني من مانع السبب-و هو مانع سبب الحكم-:بأنه ما

يشتمل على حكمة تخلّ بحكمة السبب حتى تفضي إلى زوال السبب،و ذلك‏

كالدّين المانع من وجوب الخمس في المكاسب لاقتضائه زوال السبب في‏

وجوبه،و هو وجود الفضل-أعني ما يزيد على المئونة-و زوال حكمته التي هي‏

مواساة أهل البيت عليهم السلام بما لا يعود على المالك بالمفسدة،لوقوعه في‏

1بل في العرف العامّ أيضا،بل لا يبعد كونه كذلك لغة أيضا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)البقرة:179.

231
الفضل،و إغناؤهم بذلك عن أوساخ الناس،إذ لا فضل مع الدّين ليواسي به.

و مثله اللعان المانع من توارث الزوجين،لاقتضائه زوال سبب التوارث الّذي هو

الزوجيّة،و زوال الحكمة في الميراث التي هي تمام المواصلة،و كذا منعه من التوارث‏

بين الوالد و ولده إذا كان اللعان في نفي الولد.

و قد يعرّف:بأنّه الوصف الوجوديّ الظاهر المنضبط المستلزم لحكمة

تقتضي نقيض حكمة السبب حتّى تزيله.

و كيف كان،فمحلّ الكلام في المقام إنّما هو مانع سبب الموضوع،و أما

غيره فيقع الكلام فيه في المبادئ الأحكامية.و هو-أي مانع سبب الموضوع-أمر

وجودي يخلّ وجوده بفعليّة تأثير السبب في إيجاد الموضوع مع وجود السبب،و بقاء

حكم الموضوع،و بقاء حكمة ذلك الحكم،و ذلك كنجاسة محلّ الوضوء أو الغسل،

و كردّ المالك في البيع الفضولي بناء على كون الإجازة كاشفة لا ناقلة.

و أمّا المعدّ:فهو من الإعداد،و هو:لغة-التهيّؤ،فهو فيها بمعنى المهيّئ‏

-بالكسر-و في الاصطلاح عرفوه-بما يلزم من مجموع وجوده و عدمه الوجود.

و أمّا الجزء فواضح،و هو قد يكون جزء للسبب،و قد يكون جزء للمسبّب‏

الّذي هو الواجب فيما نحن فيه.

و قد يقال:بخروج الثاني عن محلّ النزاع في المقام معلّلا بأنّ الأمر المتعلّق‏

بالمركّب-الّذي هو الواجب-متضمّن للأمر بالنسبة إلى كلّ جزء.

و يتّجه عليه:أنّ الطلب المتعلّق بالكلّ طلب بسيط،و ليس له جزء أصلا

-لا خارجا و لا ذهنا-حتى ينحلّ إلى أوامر متعدّدة،و هذا الطلب البسيط إنّما

تعلّق بالكلّ-الّذي هو عبارة عن تمام الأجزاء-فله تعلّق بكلّ جزء.

و بعبارة أخرى فارسية:اين طلب بسيط روى همه أجزاء رفته است كه‏

هر گوشه از أو تعلّق بجزئي گرفته است نه آنكه منحل ميشود بطلبات عديدة

كه‏هو يك متعلّق بجزئي بأشد زيرا كه انحلال فرع تركّب عقلي است و شكى‏


232
نيست در بساطت طلب مذكور و نه آنكه تعلّق دارد بهر يك مستقلا بطور لا

بشرط كه هر يك از أجزاء مطلوب بأشد لا بشرط زيرا كه لا بشرطيت در أجزاء

خارجية معنا ندارد بجهت اينكه معناى لا بشرط اينست كه صدق داشته بأشد

با انضمام شرط نيز،و شكى نيست كه خلّ صدق ندارد مثلا بر خلّ ممزوج به‏

أنگبين،بمعنى اينكه صدق بر مجموع كند.

و بالجملة:معنى اللابشرط أن يكون المركّب من ذلك الشي‏ء و غيره أيضا

من مصاديق ذلك الشي‏ء،كما يقال-للحيوان المركّب مع أحد الفصول المنوّعة

له-:إنه حيوان.

و بعبارة أخرى:إنه لا بدّ في الأمر اللابشرط من صدقه على المجتمع منه‏

مع الشرط أو عدم الشرط،بأن يكون المركّب منه و من كلّ منهما من مصاديقه‏

التي يصحّ حمله عليها،و هذا لا يصحّ في الأجزاء الخارجية لعدم‏صدق‏الجزء

على الكلّ في المركّبات الخارجية.

هذا،مضافا إلى أنّ كلّ جزء من الأجزاء-في الواجبات المتنازع في‏

مقدّماتها-إنّما يكون مطلوبا بشرط الانضمام إلى سائر الأجزاء.

و كيف كان،فظهر بطلان التعليل بتضمّن الأمر بالكلّ للأمر بالجزء،لما

عرفت من عدم تركّبه أصلا و مطلقا.نعم،التركّب ثابت في متعلّقه،لكنه لا يصير

منشأ لذلك.

و التحقيق:أنّ للإجزاء اعتبارين:

أحدهما-أنّها عين الكلّ الواجب،لأنّه ليس إلاّ تلك الأجزاء.

ثانيهما-أنّها مقدّمة لحصول الكلّ،نظرا إلى كونه ملحوظا بلحاظ

الوحدة،كأن يلاحظ الصلاة-التي هي مركّبة من التكبير و القراءة و الركوع‏

و السجود إلى آخر الأجزاء-أمرا واحدا،فيكون أجزاؤها مقدّمة لحصولها.


233
لا ريب في وجوبها على الأوّل،فإنّ الطلب المتعلّق بالكلّ-كما عرفت-

إنّما يتعلّق بجميع الأجزاء،و يأخذ كلّ طرف منه شيئا منها.

و أما على الثاني فهي قابلة لوقوعها محلا للبحث،فإنّها بهذا الاعتبار من‏

أفراد محلّ النزاع-أعني مقدّمة الواجب-لكنّ الأوّل لمّا لم يكن منفكّا عنها

-فإنّه ليس مجرّد الاعتبار،بل وصف واقعي للأجزاء-فالوجوب ثابت من هذه‏

الجهة،فتنتفي ثمرة النزاع في وجوبها على الثاني،فيلغى‏ (1) البحث عن وجوبها.

و كيف كان فكلّما اتحدت المقدّمة مع ذيها في الوجود فهي لا تليق بالبحث‏

عن وجوبها،لما مرّ،و ما نحن فيه منها.

و من هنا يظهر انتفاء الثمرة في الخلاف في أجزاء السبب من حيث إنها

أجزاء السبب:أما على القول بعدم وجوب السبب،فيلزم عدم وجوبها بالأولى،

و أمّا على وجوبه فيلزم وجوبها من الاعتبار المذكور،و هو اعتبار كونها عين‏

السبب.

ثمّ المراد بالأجزاء أعمّ من الأجزاء المادّية بحيث تشتمل الهيئة أيضا.

و مرادنا بقولنا:الكلّ عين تمام الأجزاء جميع أجزائه من المادّية و الهيئة،و إلاّ

فواضح أنّ الكلّ-مطلقا-ليس عين أجزائها المادّية كيف كان،بل الهيئة من‏

الأجزاء أيضا في المركّبات الخارجية،ضرورة أنّ السرير ليس عبارة عن أجزائه‏

مطلقا حتى مع تفرّقها و انهدام هيئتها السريرية،بل هو هي مع الهيئة المخصوص.

نعم،هو عين الأجزاء المادّية في المركّبات العقليّة،فإنّ الإنسان-مثلا-عين‏

الحيوان و الناطق من دون مدخلية للهيئة المخصوصة للإنسان،فافهم.

إيقاظ:قد حصر بعض المحقّقين‏ (2) المقدّمة في السبب و الشرط،و قد

1)الأنسب للسياق:فيلغو..

2)و هو المحقّق القمّي(ره)في القوانين:1-100.

234
عرفت انقسامها إلى الجزء و عدم المانع و المعدّ أيضا،فبطل ما ذكره من الحصر.

نعم يمكن أن يقال:المعدّ ليس قسما مباينا للسبب و الشرط،بل قد

يكون من الأوّل،و قد يكون من الثاني،فلا يبطل الحصر من جهته،لكنه يبقى‏

الإشكال بالنسبة إلى الجزء و الشرط لعدم تمشّي ذلك فيهما.

و يمكن دفعه:بأنّ الظاهر بل المقطوع به أنه-قدّس سرّه-أراد

بالشرط الأعمّ منه و من الجزء و عدم المانع.

لكن يتّجه عليه أنّ ذلك جري على خلاف الاصطلاح فإنهم يقابلون‏

الشرط بالجزء و عدم المانع،و يقسّمون المقدّمة إليه و إليهما أيضا.فتأمّل‏1.

1وجه التأمّل:منع اختصاص إطلاق الشرط بما يقابل غير السبب من الجزء و عدم المانع في‏

الاصطلاح بل يمكن دعوى اشتراكه فيه بين ما ذكر و بين الأعمّ الشامل لجميعها.

نعم،ظهور ما ذكرته عن الإطلاق لا يقدر المنصف على إنكاره،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه‏

عنه.


235
في المقدمات العقلية و العادية و الشرعيّة

ثمّ إنّهم قسّموا المقدّمة أيضا إلى عقلية و عادية و شرعية،و مرادهم‏

بالشرعية ما يكون جاعلها الشارع،بمعنى أنّه لا يتوقّف عليها الواجب عقلا

و لا عادة.

و بعبارة أخرى:أنه لا ربط و لا ملازمة بينها و بين ذيها بالنظر إلى العقل‏

و العادة إلاّ أنّ الشارع قد جعل الملازمة و الربط بينهما،لكن على هذا لا يحسن‏

تقابلها بالعقلية و العادية كما لا يخفى،إذ قضية ذلك أن يكون التقسيم باعتبار

جعل التوقّف،و لا ريب أنّ العقل و العادة ليس شي‏ء منهما جاعلا للتوقّف.

أقول:هذا مضافا إلى عدم استقامة الكلام في الشرعية أيضا،لما حقّقنا

في محلّه:أنّ الأحكام الوضعيّة مما لا يقبل الجعل،بل إنّما هي أمور واقعية قد كشف‏

عنها المطلع عليها،فمرجع اشتراط الصلاة بالطهارة إلى أنّ الشارع قد كشف‏

عن توقّف وجود الصلاة بحسب الواقع على الطهارة.

لا الجعل،فالشرعية ما يكون الحاكم بمقدّمته الشارع،و العقلية ما يكون الحاكم‏

فيها العقل،و كذلك العادية ما يكون الحاكم فيها العادة.

العادية ما يكون الحاكم فيها العادة.

قلنا:فلا يصحّ مقابلة العقلية للشرعية،إذ حينئذ تكون الثانية قسما من‏

الأولى.

بيان ذلك:أنّ المقدّمات الشرعيّة لا تكون مقدّمات للواجبات المتوقّفة

عليها إلاّ إذا كان الشارع قد اعتبر تلك الواجبات على وجه لا تحصل هي على‏

ذلك الوجه إلاّ بهاتيك المقدّمات،و إلاّ فلا تكون مقدّمات،و لا ريب أنّ العقل مع‏

ذلك الاعتبار قاض بالتوقّف و المقدّمية.


236
و إن قيل:إنّ التقسيم باعتبار الإدراك،بمعنى أنّ المدرك للتوقّف إن كان‏

هو العقل فالمقدّمة عقلية،و إن كان هو الشارع فهي شرعية،فلا تدخل الشرعية

في العقلية،ضرورة أنه لا سبيل للعقل إلى إدراك التوقّف فيها و كشفه عن‏

مقدّميتها،و إنّما الكاشف عنها هو الشارع لا غير.

قلنا:فلا يصحّ حينئذ مقابلة العاديّة للعقليّة و الشرعية لعدم تمشّي الاعتبار

المذكور فيها،ضرورة أنّ العادة ليست مدركة للتوقّف،بل إنّما هي من القيود

المأخوذة في موصوفها،بمعنى أنّها من قيود التوقّف الثابت في المقدّمات العادية

لا من الكواشف عنه.

و بعبارة ثالثة:فارسية:مقدّمه عاديه آنست كه هر گاه قطع نظر شود

از عادت توقّف و ربطى بين او و بين ذى المقدّمه نباشد اصلا،پس مقدميت او

بملاحظه عادت خواهد بود،پس بنا بر اين عادت از اعتبارات مقدمه عاديه‏

خواهد بود كه واقع مقدّميتش نسبت بملاحظه او است نه آنكه در واقع صفت‏

مقدميّت را از براى و ثابت باشد و عادة از كواشف اين وصف باشد همچنانكه در

عقلية و شرعية است‏1.

هذا،و كيف كان،فلم يكن التقسيم المذكور باعتبار جامع بين الأقسام،

فالأجود إيراد التقسيم على هذا الوجه:

المقدمة:إما يتوقّف عليها ذوها في نفس الأمر مع قطع النّظر عن ملاحظة

شي‏ء آخر،أو يكون توقفه عليها بملاحظة شي‏ء،الثانية هي العادية كما عرفت.

1امّا در عقليّه واضح است و امّا در شرعيه پس بجهت اين است كه شارع ايجاد وصف توقف‏

در مقدمه نمى‏كند بلكه چيزى كه از اوست اعتبار تقيّد مطلوبش ميباشد بمقدمات شرعيّه‏

و بدليل دال بر اين اعتبار كشف از ثبوت توقف مطلوبش بر اين مقدمات مينمايد كه با قطع‏

نظر از اين دليل توقف در واقع ثابت است.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.


237
و الأولى أيضا:إما أن يكون العقل مدركا لمقدميّتها مع قطع النّظر عن بيان‏

الشارع،أو لا،بل يكون المدرك و الكاشف عنها هو الشارع لا غير،فالأولى منهما

عقلية،و ثانيتهما شرعية.

و مرجع هذا التقسيم إلى اثنين:أولهما باعتبار ثبوت التوقف في الواقع‏

و عدمه،و ثانيهما باعتبار الإدراك و الكشف،و لا بد من ذلك،و إلا لا يستقيم لو

اقتصر على واحد كما عرفت.


238
في مقدمة الوجود و الوجوب و الصحة و العلم‏

و قد ينقسم المقدمة:إلى مقدمة الوجوب،و مقدّمة الوجود،و مقدمة

الصحة،و مقدمة العلم:

و المراد بمقدّمة الوجود هو مقدمة وجود الفعل المقابل للوجوب و الصحة

و العلم،و إلا فالكلّ مقدمات الوجود بالمعنى الأعم كما لا يخفى،و النسبة بينها

و بين مقدمة الصحة هي العموم المطلق كما لا يخفى،لأنّ كلّ ما هو مقدّمة الوجود

مقدّمة للصحة لا محالة،و لا عكس كليا،لصدق مقدمة الصحة بدون مقدمة الوجود

في بعض الموارد،كما في غير الأركان المتوقف عليها صدق أسماء العبادات في‏

العبادات على القول بوضعها للأعم،و كما في شروط الصحة في المعاملات كإجازة

المالك في البيع الفضولي و نحوه من شروط الصحة.

نعم،على القول بوضع ألفاظ العبادات للصحيحة فلا يتصور الانفكاك‏

بينهما حينئذ في العبادات،بل يتساويان في الصدق حينئذ بالنسبة إلى العبادات‏

فينحصر مورد انفكاكهما في المعاملات،لكن على القول بوضعها للأعم كما لا

يخفى.

ثمّ إنه لا إشكال في خروج المقدمة الوجوبية عن محلّ النزاع في المقام‏

كما يشهد تحريرهم له بمقدمة الواجب،ضرورة أنّ الواجب إنّما هو عنوان‏

للأفعال المتّصفة بالوجوب،فلا صدق له على الوجوب أصلا.

هذا،مضافا إلى أنه لم يقع الخلاف من أحد في عدم وجوب مقدمة

الوجوب،كما أنه لا إشكال في دخول مقدمتي الوجود و الصحة فيه،ضرورة

كونهما مقدمتين للواجب الواقع في عنوان الخلاف في المسألة.


239
و أمّا المقدمة العلمية فقد يقال بخروجها عن محلّ الخلاف معلّلا بأنّ‏

النزاع في وجوب المقدّمة إنّما هو في وجوبها الشرعي،لا الأعم منه و العقلي،إذ

الوجوب العقلي مفروغ عنه في مقدمات الواجبات الشرعية كيف؟و إنكاره‏

راجع إلى نفي مقدّميتها،إذ لا معنى للوجوب العقلي إلاّ للزوم الإتيان بالمقدّمة في‏

تحصيل ذيها و كونها لا بدّ منها عند العقل،و ليس هذا إلاّ معنى المقدّمة،و بعد

فرض شي‏ء مقدّمة و توقف ذلك الشي‏ء عليها لا يعقل النزاع فيها من تلك الجهة

لأدائه إلى التناقض.

و من الواضح أنه لا يعقل الوجوب الشرعي في المقدّمة العلمية،ضرورة

أنّ وجوب كلّ مقدّمة إنّما يتبع وجوب ذيها في الوجود و الكيفية،و من المعلوم عدم‏

وجوب تحصيل العلم بالمكلّف به شرعا،و إنّما هو بحكم العقل و البراءة من باب‏

الإرشاد،نظرا إلى لزوم تحصيل الأمن من تبعة العقاب بعد العلم باشتغال الذمّة

بتكليف من المولى.

و أخبار الاحتياط أيضا واردة على طبق حكم العقل،فإذا لم يكن لذي‏

المقدّمة-و هو تحصيل العلم-وجوب شرعا فلا يعقل كون مقدّمته واجبة شرعا،

فلا يعقل النزاع فيها من تلك الجهة فهي على وجوبها العقلي الّذي لا نزاع فيه‏

مطلقا حتى في مقدّمات الواجبات الشرعية.

فحاصل الكلام بالأخرة مرجعه إلى دعوى اختصاص محلّ النزاع‏

بمقدّمات الواجبات الشرعية و بوجوبها الشرعي،و مقتضى ذلك خروج المقدّمة

العلمية عن موضوع محل البحث و عدم كونها من مصاديقه.

اللهم إلاّ أن يلتزم بأحد الأمرين:

أحدهما-دعوى وجوب تحصيل العلم الّذي هو ذو المقدّمة شرعا،نظرا

إلى أخبار الاحتياط،أو إلى خصوص ما ورد في مطاوي أخبار الاستصحاب من‏

الأمر بتحصيل اليقين،بأن يدّعى استفادة الوجوب شرعا من أحدهما أو كليهما


240
حتّى تدخل مقدّمته في موضوع محلّ النزاع.

و ثانيهما-دعوى عموم النزاع بالنسبة إلى مقدّمات الواجبات العقليّة

أيضا بتقريب:أنّ النزاع إنّما هو في أنّه هل يلزم من وجوب شي‏ء وجوب مقدمته‏

-إن شرعا فشرعا،و إن عقلا فعقلا.تبعا لوجوب ذلك الشي‏ء-أو لا؟

بمعنى أنه هل يجب عند العقل أن يتوجّه من الأمر بذي المقدّمة أمر آخر بالنسبة

إلى المقدّمة من جهة كونها مقدمة لما أمر به،أو لا؟.

و بعبارة أخرى فارسية:

چيزى و بين إيجاب مقدّمه أو،بمعنى اينكه بايدباأمر بذي المقدّمة

أمر ديگري بمقدّمه كرده بأشد از روي أمرش بذي المقدّمة يا نه؟

فإذا كان وجوب ذي المقدّمة شرعيّا فيقال:إنّه هل يحكم العقل بلزوم‏

صدور طلب آخر من الشارع بالمقدّمة من جهة أمره بذيها،أو لا؟و إذا كان عقليّا

فيقال:إنه كما يحكم العقل بوجوب ذي المقدّمة فهل يحكم من جهته بوجوب‏

المقدّمة أيضا-بمعنى أنه كما يلزم بذيها فهل يلزم بها أيضا من جهة إلزامه بذيها-

أو لا؟و هذا ليس من معنى المقدّمة في شي‏ء حتى يقال:إنه لا يقبل بوقوعه محلا

للنزاع،إذ معنى حكمه بالمقدميّة إنما هو جزمه بالتوقف من غير اعتبار إلزام منه،

و معنى إيجابه المقدّمة إلزامه بإيجادها كما يلزم بتحصيل ذيها.

هذا،لكن لا يخفى بعد الأوّل عن الإنصاف،و أما الثاني فليس ببعيد كلّ‏

البعد،لكن عليه يشكل دعوى دخول المقدّمة العلمية1بجميع أقسامها في محلّ‏

1المقدّمة العلمية على قسمين:

أحدهما-ما عرفت.

و ثانيهما-ما تكون مغايرة لذيها ذاتا و اعتبارا،كما في غسل جزء من غير موضع الوضوء

-مثلا-متصل بالجزء الأخير منه لتحصيل اليقين بغسل موضع الوضوء.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


241
الخلاف،إذ لا يخفى أنها قد تكون متّحدة مع ذيها بالذات و مغايرة له بالاعتبار،

كما في الصلوات إلى أربع جهات،و كالجمع بين القصر و الإتمام أو الظهر و الجمعة

عند إجمال المكلّف به.

و لقد قدّمنا لك سابقا في الكلام في دخول المقدّمات الداخلية في محلّ‏

النزاع أو خروجها عنه:أنه إذا صارت المقدّمة حالها كذلك-كما في الأجزاء،و كما

في هذا القسم من المقدمة العلمية-فلا ثمرة في البحث فيها،فلا تليق هي‏

للنزاع.

و لذا ادّعى بعض الأساطين كالفاضل التوني‏ (1) خروج القسم المذكور

-من المقدمة العلمية-عن محلّ الخلاف معلّلا:بأنّ الإتيان بها عين الإتيان‏

بالواجب،فلا يعقل النزاع في وجوبها،و علّل أيضا:بكون وجوب ذلك القسم‏

منصوصا عليه في بعض الأخبار.

لكن الظاهر منه-قدّس سرّه-بقرينة تعليله الثاني دعوى وجوبها

الشرعي،و قد عرفت ما فيه‏1من أنّه يتوقّف على كون وجوب ذيها شرعيا،و قد

مرّ خلافه.و أيضا لا يخفى أنّ تعليله الثاني يخرجها عن محلّ النزاع،إذ النزاع‏

إنّما هو في الوجوب التبعي الحاصل من الأمر بذي المقدّمة،و على ما ذكره من‏

كونه منصوصا عليه يكون وجوبها أصليا،فيدخل في الواجبات الشرعية،و يخرج‏

1و أورد عليه بذلك الإيراد السيد صدر الدين الشارح للوافية (2) على ما حكي عنه.لمحرّره عفا

اللَّه عنه.

1)الوافية:100-101.و الطبعة الجديدة:221.

2)شرح الوافية-مخطوط-.

242
عن مقدمة الواجب،إذ حينئذ هي نفس الواجب.هذا تمام الكلام في لفظ المقدّمة

الواقع في عنوان البحث.

و اما الواجب فتعريفه لا حاجة لنا1إليه،و إنّما المهمّ التعرّض لأقسامه،

فنقول:

قد ينقسم الواجب إلى مطلق و مشروط و يعبّر عن الثاني بالمقيّد أيضا
،

و لا ريب أنه لم يثبت اصطلاح خاصّ منهم في خصوص الواجب المطلق و المقيد،

بل الحال فيهما كسائر المطلقات و المقيدات،و لا مرية أنّ الإطلاق و التقييد أمران‏

إضافيان.فقد يلاحظان بالنسبة إلى كلّ شي‏ء بطريق الإيجاب الكلّي فيهما،لكن‏

لا شبهة في عدم تحقّق مصداق لهما على هذا التقدير في الخارج:أمّا المشروط بهذا

المعنى فواضح،و أما المطلق فكذلك أيضا،ضرورة أنّه ما من واجب إلاّ و هو

مشروط بالشرائط العامّة كالبلوغ و القدرة و العقل.

و قد يلاحظان أيضا بطريق عموم المتعلّق،لكن بعد إخراج الشرائط

العامّة،فالمطلق ما لم يقيّد وجوبه بشي‏ء سواها،و المقيد بخلافه.

و قد يلاحظان بالنسبة إلى كلّ مقدّمة،فيكون الواجب مطلقا بالنسبة إلى‏

بعض المقدّمات و مقيّدا بالنسبة إلى الأخرى،و لعلّ الأخير أجود.

و إلى الثاني ينظر من فسّر المطلق بما يجب في كلّ وقت و على كلّ حال في‏

كلّ وقت قدّره الشارع إلاّ لمانع على ما يظهر منه كما لا يخفى.

1و إن شئت إجماله فنقول:

إنّه ما يكون تركه منشأ لاستحقاق العقاب في الجملة،فيشمل الواجب التخييري و الغيري‏

أيضا،لأنّ ترك الأوّل في صورة اجتماعه مع ترك الفرد الآخر موجب لاستحقاقه بلا شبهة،

و الثاني موجب له مطلقا،فإنّ تركه مستلزم لترك ذي المقدّمة الموجب له.

و كيف كان،فيصدق على كلّ واحد منهما أنّه ما يكون تركه منشأ لما ذكر في الجملة،و هذا أجود

ما يعرّف به الواجب.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


243
قال التفتازاني في شرح الشرح‏ (1) :(قد فسّر الواجب المطلق بما يجب في‏

كلّ وقت و على كلّ حال،فنوقض بالصلاة،فزيد:(في كلّ وقت قدّره الشارع)،

فنوقض بصلاة الحائض،فزيد:(إلاّ بمانع).انتهى كلامه.

لكن الفاضل المذكور تبعا للعضدي حمله على الوجه الأخير،فراجع كلامهما.

ثمّ إنّ الإطلاق و التقييد من الأوصاف-القائمة بالطلب الكامن في نفس‏

الآمر-التي يعتبرها الآمر في طلبه،و تسمية الواجب بالمطلق أو المقيّد باعتبار

اتّصاف الطلب المتعلّق به بأحد هذين الاعتبارين في نفس الآمر فما لم يزل أحد

هذين لم يختلف الاسم الّذي سمّي به الواجب بذلك الاعتبار.

فمن هنا ظهر فساد ما قد قيل:من أنّ الواجب المشروط يصير مطلقا

عند حصول شرطه،إذ بحصوله لا يزول ذلك الاعتبار الّذي حصل للطلب في‏

نفس الآمر،فهو الآن يصدق عليه أنّه ما علّق وجوبه على أمر،و ليس المشروط

إلاّ هذا.

ثمّ إنّ الواجب هل هو حقيقة في المطلق خاصّة،أو في الأعمّ منه و من‏

المشروط؟

الحقّ هو الثاني،نظرا إلى أنه من المشتقّات،و قد حقّقنا في محلّه أنّها

حقيقة فيما تلبّس بالمبدإ حال النسبة،و سواء كان المبدأ مطلقا أو مقيدا،و لا ريب‏

أنّ وجوب الحجّ المقيّد بقيد الاستطاعة ثابت فعلا لمن لم يستطع بعد،فيكون‏

الحجّ واجبا بهذا الوجوب المقيّد بذلك القيد.نعم،لا يطلق عليه الآن أنه حقيقة

واجب بقول مطلق،لعدم اتصافه حينئذ بالمبدإ كذلك،فيكون مجازا كما في سائر

المشتقّات المطلقة على من لم يتلبّس بعد بمبادئها.

1)شرح الشرح:1-244.

244
ثمّ إنّ الوجوب المطلق و المشروط هل هما من أفراد المطلق و المقيّد

المعروفين،بأن يكون الأول كلّيا و الثاني فردا منه،أو لا؟

الحقّ هو الثاني،لأنّ الظاهر أنّ هيئة الأمر ليست موضوعة للطلب‏

بطريق عموم الموضوع له كما في المصادر و سائر أسماء الأجناس بل كان بطريق‏

عموم الوضع و خصوص الموضوع له كما في المبهمات،فيكون وضعها حرفيا،

فيكون معناه هي الطلبات الجزئية الموجودة في الخارج من الطالبين،غاية الأمر

أنّه لم يعتبر في وضعها خصوصية الطالبين و ان كان المعنى الموجود لا ينفكّ عنها،

فيكون معنى الطلب المطلق هي الطلبات الجزئية الحقيقية الغير المقيّدة،و معنى‏

الطلب المشروط هي الطلبات الجزئية الحقيقية المقيّدة بقيد الاشتراط،أي‏

الموجودة بتلك الخصوصية،فيكون معناهما حقيقة من قبيل المتباينين.نعم،هما

نظير المطلق و المقيد،حيث إنّ الأمر المطلق يفيد جزء من معنى الأمر المشروط،

و هو يفيد ذلك الجزء مع خصوصية زائدة بضميمة قيد الاشتراط،فيكون إفادة

الطلب المشروط بدالّين:أحدهما نفس الأمر الدّال على نفس الطلب،و الآخر

هو قيد الاشتراط،فيستفاد من مجموعهما الطلب المقيّد كما في موارد التقييد في‏

المقيّدات.

و إذا عرفت ذلك كلّه فاعلم:أنّ النزاع في المقام-كما عرفت سابقا-في‏

المقدّمات الوجودية دون الوجوبية،لكن الكلام في أنه يعمّ جميع المقدّمات‏

الوجودية حتى التي يتوقّف عليها وجود الواجب المشروط وجوبه بأمر آخر مع‏

عدم حصول ذلك الأمر المعلّق عليه بعد،أو يختصّ بالتي تنجّز وجوب ذيها إمّا

لعدم اشتراطه بشي‏ء أصلا،أو معه مع حصول ذلك الشي‏ء المعلّق عليه:

ذهب بعضهم إلى الثاني محتجّا:بأنّه لا يعقل وجوب المقدّمة قبل وجوب‏


245
ذيها،لأنه إنّما يجي‏ء من جهته،و يكون تابعا له،و ما لم يحصل المتبوع يستحيل‏

وجود التابع له،فلا يعقل النزاع في المقدّمات التي لم يجب ذوها بعد.هذا

حاصل استدلاله.

و بشهادة عنوان البحث لذلك،فإنّ لفظ الواجب ظاهر في المطلق إما

بالوضع أو الانصراف،مضافا إلى تصريح بعضهم بتقيّده بالمطلق و إن كان القيد

غير محتاج إليه لكفاية ظهور لفظ الواجب في المطلق عند الإطلاق.

هذا،لكنّ الحق إمكان جريان النزاع في ذلك القسم أيضا،و يتّجه على‏

ذلك البعض أنّ المستحيل إنما هو فعلية وجوب المقدمة قبل فعلية وجوب ذيها

و أما وجوبها على نحو وجوب ذيها-إن مطلقا فمطلقا،و إن مشروطا فمشروطا-

فلا،بل هذا هو الحقّ كما لا يخفى على المتأمّل.

هذا ما في الوجه الأوّل.

و أما الثاني ففيه:أنّ الظاهر أنّ إيراد لفظ الواجب المضاف إليه لفظ

المقدّمة المتنازع فيها إنّما هو لإخراج المقدّمات الوجوبية-كما مرّت الإشارة إليه-

و أمّا تقييد بعض إياه بالمطلق ففي الاستشهاد به أيضا نظر،لاحتمال أن يراد

به المطلق بالمعنى الأخير من المعاني الثلاثة،فيكون مراده أنّ النزاع في مقدّمة

الواجب المطلق،أي في مقدّمة وجودية للواجب لا يتوقّف وجوبه عليها،و لعلّه‏

الظاهر.

هذا،ثمّ إنّه يرد على هذا البعض أنّ تقييده إيّاه بالمطلق-مع أنّه غير

محتاج إليه-إن كان لإخراج المقدّمات الوجوبية فهي غير متوهّمة الدخول،و إن‏

جي‏ء به لإخراج المقدّمات الوجودية للواجب المشروط ففيه ما عرفت من لزوم‏

وجوبها في محلّ النزاع.


246
الثالث‏
(1) -قد ذكرنا أنّ الواجب حقيقة في المشروط أيضا بمعنى أنّه‏

للأعمّ منه و المطلق‏ (2) ،لا للأخير فقط،فاعلم أنّ صيغة الأمر أيضا بحسب الوضع‏

حقيقة في ذلك القدر المشترك،و هو مطلق الطلب،و كذا ما يفيد معناها من الموادّ

كمادّة الوجوب و الأمر.

لكن الأمر عند الإطلاق ظاهر في الوجوب المطلق،و لم يظهر في ذلك‏

مخالف عدا السيّد (3) -قدّس سرّه-على ما يظهر من كلامه-في بادئ الرّأي‏

-من تعليله عدم الحكم بوجوب الشرط لورود الأمر في الشريعة على ضربين،

و لم يعلم كون الأمر الوارد المجرّد عن القرينة أنّه أيّهما بالنسبة إلى الشرط،

فيجب التوقّف لاحتمال كونه مشروطا بالنسبة إليه.هذا حاصل استدلاله.

وجه دلالته على ما قلنا:أنه لو كان قائلا بظهور الأمر في الإطلاق‏

لما بقي لما ذكره وجه،بل كان عليه أن يبني و يحكم على الإطلاق عند الشكّ‏

-فيما إذا كان الوجوب بأمر لفظي-آخذا بأصالة الإطلاق كما فعل المشهور.

لكنّ الإنصاف:ما فهمه بعض المحقّقين من المتأخّرين‏ (4) من عبارته‏

-قدّس سرّه-من أنّ مراده-قدّس سرّه-إنّما هو التوقّف في وجوب الشرط

فيما إذا ثبت شرطيّته و تقيّد الأمر به في الجملة و شكّ في أنّه قيد و شرط

للوجوب أو لذات الواجب و شرط لصحّته،لا فيما إذا كان أصل الاشتراط

مشكوكا حتى يخالف المشهور،فحينئذ يوافق المشهور من جهة الحكم‏

بالإطلاق في تلك الصورة سواء كان الشكّ في كون الشي‏ء شرطا للوجوب أو

1)أي الأمر الثالث.

2)الأصح:منه و من المطلق..

3)الذريعة إلى أصول الشريعة-انتشارات دانشگاه تهران-:83-84.

4)و هو المحقّق التقي(ره)في هداية المسترشدين:196.

247
للوجود و ذات الواجب أخذا بأصالة الإطلاق،و التوقف في هذه الصورة

المذكورة،و هي ما علم فيها أصل الاشتراط في الجملة،حيث أنّه لا أصل‏

لفظيا سليما عن المعارض يقتضي إطلاق الأمر حينئذ له،فان أصالة الإطلاق‏

في هيئة الأمر و إن كانت تقتضي ذلك إلاّ أنّها معارضة بأصالة الإطلاق في‏

المادّة المعروضة لها،ضرورة أنّ الأمر المشكوك في كونه شرطا و قيدا للهيئة

أو للمادّة لو لم يكن قيدا للهيئة لزم كونه قيدا للمادّة،إذ المفروض دوران الأمر

بين كونه قيدا لهذه أو لتلك،و لم يعلم كونه قيدا للمادّة،كما لم يعلم كونه قيدا

للهيئة،فتجري أصالة الإطلاق من جهة المادّة كما تجري من جهة الهيئة،

فتتعارضان،و لا ترجيح لإحداهما على الأخرى.

نعم،قد يتخيّل الترجيح لأصالة الإطلاق في الهيئة من وجهين:

أحدهما-أنه لو قلنا بتقييد الهيئة لا تفيدنا حينئذ أصالة الإطلاق في‏

المادة في شي‏ء أصلا،ضرورة أنّ إطلاق المادّة لا يثبت وجوب الفعل في‏

صورة فقد الشرط،بل و لا جوازه أيضا،حيث إنّ الجواز أيضا لا بدّ له من دليل،

و مجرّد إطلاق المادّة لا ينهض عليه،و المفروض انحصار الدليل في الأمر،

و المفروض تقيّده بصورة تحقّق الشرط،فلا دلالة له على شي‏ء عند فقده،

فتعرى أصالة الإطلاق في المادّة عن الفائدة حينئذ بالمرّة.

هذا بخلاف ما لو قلنا بالعكس،أي الحكم بتقييد المادة و كون الشرط

شرطا لها،فإنّ إطلاق الهيئة حينئذ يثبت وجوب ما يتوقّف عليه الواجب فعلا

لكونه حينئذ مقدّمة للواجب المطلق،فيحكم بأصالة الإطلاق فيها على وجوب‏

كلّ ما يتوقّف عليه الواجب فعلا على سبيل التنجيز،فيكون العكس المذكور

أولى.

و ثانيهما-أنّ مفاد الهيئة إنّما هو العموم الاستغراقي بالنسبة إلى‏

صورتي حصول الشرط و عدمه بمعنى أنّها تقتضي وجوب الإتيان بالفعل‏


248
الواجب على كلّ من تقديري حصوله و فقده،و مفاد المادّة إنّما هو العموم‏

البدلي،حيث إنّ مقتضى تعليق الوجوب على الطبيعة المطلقة إنّما هو وجوب‏

أيّ فرد على سبيل التخيير،لا كلّ فرد،و إذا دار الأمر بين هذين العمومين‏

الأوّل أولى بالترجيح،لكونه أقوى.

هذا،و في كلّ من الوجهين نظر بل منع:

أمّا الأوّل-فلعدم صلاحية أمثاله للاعتماد عليها فيما إذا كانت مباني‏

الأحكام الشرعية،لكونها مجرّد استحسان.

و أما الثاني-فلتوجّه المنع على الكبرى‏1فيما إذا كان العمومان‏

المذكوران كلاهما لفظيّين كلفظي(كلّ و أيّ)،فكيف بما إذا كانا من جهة

الحكمة و عدم البيان كما في المقام كما لا يخفى؟!

و كيف كان،فالتوجيه المذكور لكلام السيّد المتقدّم غير بعيد بل‏

ظاهر،و ذلك لأنّه-قدّس سرّه-إنّما صار إلى ما حكينا عنه من التوقّف في وجوب‏

الشرط بعد إحراز كون الشي‏ء شرطا في الجملة،ضرورة أنّه توقف في الشرط،

و هو لا يكون إلاّ بعد إحراز شرطيته في الجملة،و إلاّ لما بقي وجه للتعبير عنه‏

بلفظ الشرط.

هذا،مضافا إلى أنّه يبعد التزام السيّد بعدم اعتبار أصالة الإطلاق في‏

صورة الشكّ في أصل الشرطية غاية البعد،بحيث كاد أن يقطع بعدمه لعدم‏

حكاية أحد هذا القول من أحد،فكيف يمكن نسبته إلى مثل السيّد-قدّس‏

سرّه-؟!.

ثمّ إنّه لا بدّ من حمل كلامه-قدّس سرّه-على الشروط الشرعية دون‏

الأعمّ منها ومن‏العقلية،فإنّ العقلية إن علم تقيّد وجود الواجب بها و يكون‏

1أي أولويّة العموم الاستغراقي من البدلي بالترجيح.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


249
الشكّ في تقيّد الوجوب بها أيضا شكّا بدويا،فلا بدّ من الأخذ بإطلاق الأمر لا

التوقّف،و الشاهد على ذلك هو الاستبعاد المذكور.

هذا،لكن يتّجه على السيّد-قدّس سرّه-حينئذ أنّه لا وجه إذن لردّه‏

على القوم بأنّهم حكموا بوجوب مقدّمة الواجب المطلق مطلقا،فإنّ مراد القوم‏

-كما مرت الإشارة إليه-من الحكم بما ذكر إنما هو في غير الصورة المشار إليها

التي حملنا كلام السيّد عليها،و أمّا فيها فهم أيضا متوقّفون كالسيّد،فلا مخالفة

لهم للسيّد في المذهب،حيث إنّ السيّد-قدّس سرّه-أيضا يحكم بوجوب الشرط

في غير الصورة المذكورة،كما يحكم به القوم فكأنّه-قدّس سرّه-غفل عن‏

مرادهم،و فهم إطلاق كلامهم من الحكم بوجوب الشرط بالنسبة إلى الصورة

المذكورة أيضا.

و كيف كان فعلى هذا يصير النزاع بينه و بين القوم لفظيا،فافهم.

تنبيهات:

الأوّل‏
:قد ذكرنا:أنّ الأمر حقيقة في المشروط كما أنه حقيقة في المطلق‏

بمعنى أنه للقدر المشترك بينهما،فيطلق على كلّ منهما من جهة أنه فرد منه.

و بعبارة أخرى:إنّ صيغة الأمر لما كان وضعها حرفيا فالموضوع له إنّما

هي الجزئيات الخارجية الحقيقية لا محالة،لكن نقول:إنّ الجزئيات الخارجية و إن‏

كانت لا تنفكّ عن إحدى الخصوصيّتين-أعني الإطلاق و التقييد-لكنّها لم توضع‏

لها بهاتين الخصوصيّتين،بل للحصّة الموجودة من مطلق الطلب المتّحدة مع إحدى‏

تينك الخصوصيّتين،فيطلق على كلّ جزئيّ من جزئيات الطلب الموجود بإحدى‏

تينك حقيقة من باب اتحاده‏مع‏الحصة (1) الموجودة في ضمنه التي هي‏

1)في الأصل:..للحصة.

250
الموضوع‏له‏ (1) ،فيكون ذلك الإطلاق نظير إطلاق الكلّي على الفرد1،كما لا

يخفى.

ثم إنّا و إن قلنا بكون الأمر حقيقة في المشروط أيضا إلاّ أنّه عند

الإطلاق ظاهر حينئذ كما مرّفي‏الوجوب المطلق جدّاً،فهل هذا من جهة عدم‏

البيان،فيحتاج إلى إحراز كون الخطاب في مقام بيان تمام المقصود،أو أنه من‏

جهة عدم ذكر القيد،فيكون ظاهرا في الإطلاق من أوّل الأمر؟وجهان:أوّلهما

للثاني،و ثانيهما للأوّل:

أمّا الوجه الأوّل فبيانه:أنّه لا مرية أن الإطلاق و الاشتراط إنّما هما من‏

صفات الطلب،و الطلب ليس إلاّ البعث و التحريك،و هو ليس إلاّ بلفظ الأمر،

فيكون الطلب هو لفظ الأمر المطلق بعنوان التحريك،فيكون الإطلاق و الاشتراط من‏

صفات اللفظ.و لا ريب أنّ اللفظ الموجود في الخارج إما يذكر معه قيد فهو

المشروط،و إلاّ فهو المطلق،فعلى هذا لا يعقل تحقّق طلب في الخارج يكون غير

هذين،فينحصر مصداق الطلب فيهما جدّاً.

فعلى هذا إذا ورد أمر غير مقيّد لفظه بشي‏ء فهو متعيّن في المطلق،فلا

حاجة في حمله عليه إلى إحراز مقدّمات دليل الحكمة التي منها كون الخطاب واردا

في مقام البيان كما هو الحال في المطلقات،بل الخطاب ظاهر أوّل الأمر في‏

المطلق من جهة عدم ذكر القيد.

1و إنّما قلنا:نظير إطلاق الكلّي على الفرد،و لم نقل منه،لأنّ المستعمل فيه ثمّة إنما هو المفهوم‏

الكلّي،مع إفادة الخصوصية بدليل آخر،بخلاف ما نحن فيه،فإنه فيه جزئي حقيقي.نعم،

يشتركان من جهة تعدّد الدالّ و المدلول فيهما،حيث إنّ الخصوصية في كلا المقامين تستفاد من‏

الخارج،و هذا وجه كونه نظير إطلاق الكلّي على الفرد.فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)إضافة اقتضاها السياق.

251
و الحاصل:أنّ الطلب من مقولة الإيجاد،و لا ريب أنّ إيجاد البعث‏

و التحريك:إمّا مقيّد بشي‏ء،أو مجرّد:الأوّل هو المشروط،و الثاني هو المطلق،و إنّما

يتصوّر الشقّ الثالث-و هو القدر المشترك المجرّد عن الخصوصيّتين-في مقام‏

الإخبار كما في المطلقات لجواز إظهار نفس الماهيّة المطلقة.

و أمّا في الإنشاء-الّذي هو من مقولة الإيجاد-فلا يعقل فيه ذلك،لأن‏

القدر المشترك لا يمكن حصوله في الخارج بدون إحدى الخصوصيّتين.

ثم لمّا كانت هاتان الخصوصيتان من قبيل الأقل و الأكثر و أنّ فصل‏

إحداهما عدم فصل الأخرى،فبعدم التقييد يتعيّن الطلب في المطلق،فيكون حمله‏

عليه من جهة ظهوره فيه من باب عدم ذكر القيد.هذا حاصل الوجه الأول.

و أما الوجه الثاني فبيانه:أنا نمنع انحصار فرد الطلب في الوجود

الخارجي في المطلق و المشروط،بل يمكن أن يوجد المتكلّم بالصيغة الأمر المبهم‏

المردّد بينهما،و يقصد به ذلك.

نعم،الترديد لا يعقل في ضميره،فإنّ الطلب الكامن فيه أحد الأمرين‏

لا محالة،و ورود الأمر على هذا النحو فوق حدّ الإحصاء كما يظهر للمتتبّع في‏

الأخبار،فإن أوامر الشروط و الأجزاء أكثرها مطلقة من حيث اللفظ مع القطع‏

باشتراط تلك الأجزاء أو الشرائط بوجوب المركّب أو المشروط.

و كيف كان فالغرض في تلك الأوامر ليس إلاّ إبراز الطلب و إيجاده في‏

الجملة.فعلى هذا فلا يمكن حمل كلّ أمر مطلق بمجرّد إطلاقه اللفظي على‏

الوجوب المطلق من أوّل الأمر،بل لا بدّ من إحراز كون الخطاب واردا في مقام‏

البيان حتى يحمل إطلاقه على الإطلاق حقيقة،و إلاّ فيمكن أن يكون من قبيل‏

تلك الأوامر المشار إليها.

هذا،و يمكن إدخال الأوامر المشار إليها في أحد الأمرين من المطلق‏

و المشروط بالتزام إضمار فيها و جعل المضمر:إمّا قيدا للهيئة،فتدخل تلك في‏


252
الأوامر المشروطة،أو للمادّة فتدخل في المطلقة،فإنّ الإضمار في قوّة الذّكر كما لا

يخفى.فيقال في مثل قوله عليه السلام:(إن بلت فتوضّأ،و إن نمت‏

فتوضّأ (1) ،و إن صلّيت فاقرأ الفاتحة) (2) مثلا:إنّ التقدير:إن بلت مع دخول وقت‏

الصلاة و اجتماع شرائط وجوبها فتوضّأ،و هكذا في نظائره،فتدخل في المشروط

لكون القيد المقدّر حينئذ قيدا للهيئة كما لا يخفى.

أو أنّ التقدير:إن بلت فتوضّأ حال دخول الوقت و وجوب الصلاة،

و هكذا إلى آخر الشرائط،فتدخل في المطلقة،فإنّ الأمر حينئذ مطلق،و يكون‏

القيد المقدّر من قيود المادّة المأمور بها،و من ظروف امتثال الأمر.

هذا،لكن يشكل التزام الإضمار بكلا وجهيه:بأنه إنّما يصحّ إذا كان‏

الأمر واردا في مقام البيان من جهة الإطلاق و الاشتراط،و إلاّ لماكان‏وجه‏

للتقدير الّذي هو في قوّة الذّكر،و نحن نقطع بأنّ أمثال تلك الأوامر ليس المقصود

منها إلاّ مجرّد بيان شرطية تلك الأمور أو جزئيتها في الجملة و ليست في مقام بيان‏

الإطلاق و الاشتراط قطعا.

و بعبارة أخرى:إنّها في مقام بيان اعتبار تلك الأمور نفسها في الواجبات‏

مع قطع النّظر عن الأمور الأخرى،و بيان الإطلاق و الاشتراط راجع إلى تعرّض‏

حال الأمور الأخرى أيضا.

و كيف كان فالوجه غير بعيد،و عليه يكون الحال في المقام كالحال في‏

المطلقات من جهة توقّف الحكم بالإطلاق على إحراز كون الخطاب واردا في مقام‏

البيان.

1)هذه مضامين أحاديث مثل:(و لا ينقض الوضوء إلاّ غائط أو بول أو ريح أو نوم).الوسائل:

1-179-أبواب نواقض الوضوء-باب:2-ح:8،و كذا باقي أحاديث الباب.

2)هذا مضمون أحاديث راجع الوسائل:4-732-كتاب الصلاة-أبواب القراءة في الصلاة-

باب:1.


253
نعم،الفرق بين المقام و بين المطلقات أن الأمر المطلق إذا كان في مقام‏

البيان إنما يحمل على أحد فردي طبيعة الطلب خاصة بخلاف المطلقات،حيث‏

إنّها تحمل حينئذ على العموم بالنسبة إلى جميع أفراد الطبيعة إمّا بدلا أو استغراقا

على حسب اختلاف المقامات.فافهم.

الثاني‏
(1) -قد أشرنا سابقا إلى أنّه يمتنع وجوب المقدّمة على سبيل التنجّز

و الفعليّة قبل وجوب ذيها كذلك،فنقول:

إنّ الدليل على ذلك-كما مرّت الإشارة إليه-أنّ وجوب المقدّمة تابع‏

لوجوب ذيها ذاتا و صفة،بمعنى أنّه إن لم يجب مطلقا لم يجب هي كذلك،و إن وجب‏

على وجه مخصوص فتجب هي حينئذ كذلك،لأنّ وجوبها معلول من وجوبه‏

ذاتا و صفة،فلا يعقل وجوبها-و لو في الجملة-بدون وجوبه أصلا،لأنّه ينافي‏

توقّف وجوبها على وجوبه ذاتا،و كذا لا يعقل وجوبها على صفة مخصوصة مخالفة

لصفة وجوبه،لأنه ينافي توقف صفة وجوبها على صفة وجوبه،فلا يعقل وجوبها

على سبيل الإطلاق و التنجّز،مع كون وجوبه مشروطا لم يتنجّز بعد،كما أنه لا

يعقل وجوبها على نحو الاشتراط مع وجوبه على سبيل الإطلاق و التنجّز.

هذا بناء على القول بوجوب المقدّمة عقلا.

و أما على القول بعدمه فالحقّ-أيضا-امتناع وجوبها قبل وجوب ذيها

و لو بخطاب أصلي مستقلّ،فإنّ أصالة الخطاب لا تجدي في شي‏ء أصلا،ضرورة أنّ‏

الأمر بالمقدّمة سواء كان من العقل أو بخطاب أصليّ من الشارع انما هو غيري‏

البتة،و لا يعقل الأمر الغيري بشي‏ء قبل وجوب ذلك الغير،ضرورة أنّ الدّاعي‏

إلى الأمر الغيري إنّما هو الحبّ الحتمي بحصول ذلك الغير و عدم الرّضا بتركه،

فإذ ليس فليس.

1)أي(التنبيه الثاني)على ما في هامش المخطوطة.

254
و كيف كان فبعد إحراز كون شي‏ء مقدّمة لآخر لا يعقل الطلب التنجيزي‏

من الآمر بالنسبة إليه قبل طلبه لذيه كذلك و لو بخطاب أصليّ.

فعلى هذا فما يرى في بعض الموارد مما يكون كذلك على الظاهر لا بدّ (1) من‏

تأويله إلى غير ذلك الوجه جدّاً.

و كيف كان فلم أظنّ بأحد القول بجواز ذلك بطريق الإيجاب الكلّي و ان‏

كان الوجه فيه و في الجزئي واحدا و لا يقبل التخصيص و التفصيل.

نعم،حكي عن جماعة-منهم صاحب الذخيرة (2) و المحقّق‏

الخوانساري‏ (3) -الجواز فيما إذا علم المكلّف أو ظنّ بوجوب ذي المقدّمة في وقته،

حيث زعموا أنّه لا مانع منه حينئذ.

و يدفعه:أنّ الواجب الغيري إنّما يجب لأجل وجوب نفس ذلك الغير،لا

لأجل العلم أو الظنّ بوجوبه في وقته،و الجواز المدّعى إنّما يتمّ على الثاني،و هم لا يقولون‏

به،فكيف بغيرهم؟!و أمّا على الأوّل فقد عرفت امتناعه،فبطل كون العلم أو

الظنّ فارقا.

المقدمات المفوتة

ثمّ إنّه على ما حقّقنا يشكل الأمر في موارد1وقعت في الشرع مما

وجب فيها المقدّمة على سبيل الفعلية و التنجّز قبل وجوب ذيها كذلك على‏

الظاهر:

1ثمّ إنّ من تلك الموارد وجوب حفظ الماء للطهارة قبل مجي‏ء وقت العبادة على المشهور ظاهرا.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:فلا بدّ فيه من تأويله.

2)ذخيرة المعاد:54.

3)مشارق الشموس:32.

255
منها:وجوب تعلّم المسائل العملية قبل دخول وقت العبادات.

و منها:وجوب إبقاء القدرة على إتيان الواجب إلى وقته.

و منها:وجوب الغسل قبل الصبح على الصائم،فإنّ الظاهر من‏

الأدلّة1كون الوقت شرطا لوجوب العبادة في مثل الصلاة و الصوم أيضا2.

و منها:وجوب حفظ الماء للغسل أو الوضوء أو لإزالة الخبث قبل الوقت‏

إذا علم بفقده بعده.

و لا ريب أنّ العلم بالمسألة و القدرة على العبادة و الغسل من مقدّمات تلك‏

العبادات،فكيف التوفيق بين وجوبها قبل وجوب ذيها و بين ما حقّقنا؟فقد وقع‏

جمع من الأعلام في توجيه المرام و التوفيق في المقام في حيص و بيص.

و لقد تفصّى بعضهم عن الإشكال بدعوى كون وجوب تلك الأمور

نفسيا لا غيريّا.

و يتّجه عليه:أنّ الوجوب النفسيّ لا يمكن ثبوته لتلك بالأوامر المتعلّقة

بنفس العبادات كما لا يخفى،بل لا بدّ له من أمر آخر و لا يخفى عدمه.

اللهم إلاّ أن يدّعي الإجماع على وجوبها كما هو الظاهر.

لكن يتّجه عليه حينئذ:أنّا نقطع أنّ مناط حكم المجمعين بوجوبها إنّما

هو كونها مقدّمات لتلك الواجبات.

سلّمنا،لكن يتّجه عليه على تقدير الوجوب النفسيّ:أنّه يلزم أن يكون‏

1كقوله عليه السلام:«إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (1) لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2قولنا:(أيضا)إشارة إلى أنّ المستفاد من الأدلّة كون الوقت شرطا للوجوب و الصحّة معا،لكن‏

الغرض في المقام التعرّض للأوّل.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)من لا يحضره الفقيه:1-22-باب وقت وجوب الطهور-ح:1.و تتمته:«و لا صلاة إلاّ بطهور».


256
العقاب على ترك تلك الأمور لنفسها و لأجلها،كما هو الشأن في سائر الواجبات‏

النفسيّة،و هو خلاف الاتفاق في المقام ظاهرا.

اللهمّ إلاّ أن يمنع الاتّفاق على ذلك،و يقال:إن الواجب النفسيّ هو ما

يعاقب على مخالفة الأمر المتعلّق به سواء كان الحكمة في تعلّق الأمر به‏

هو المصلحة الكامنة في نفسه أو مصلحة أخرى،ككون المكلّف أهلا و قابلا

للتكليف بتلك الواجبات،ضرورة أنّه لو لم يحصل تلك الأمور إلى وقت تلك‏

الواجبات لا يقدر على تلك الواجبات على ما هي عليه عند الشارع لتوقّفها

على تلك الأمور المتعذّرة عليه.

و يفترق الثاني عن الواجب الغيري بكون العقاب على نفس ذلك،

بخلاف الواجب الغيري فإنّ العقاب فيه إنّما هو لأجل مخالفة الأمر المتعلّق‏

بذلك الغير،فيقال حينئذ:إنّ ما نحن فيه و إن لم يكن من القسم الأوّل من‏

ذينك،إلاّ أنّه من القسم الثاني،فيدخل في الواجب النفسيّ،فتأمّل.

و من هنا يندفع ما ربما يقال:من أنّه على تقدير كونها واجبات نفسية

يلزم ان يكون تلك العبادات صحيحة بدونها لخروجها حينئذ عن المقدّمة و هو

خلاف الضرورة.

و توضيح الدفع:أنه لا منافاة بين المقدمية و الوجوب النفسيّ،فإنّ‏

الوجوب النفسيّ ليس لأجل الأمر بذيها،بل هو لأمر آخر.

هذا،و قد تفصّى بعضهم‏ (1) عن الإشكال بدعوى إطلاق وجوب تلك‏

الواجبات التي تلك الأمور مقدّمات لها بالنسبة إلى وقت الفعل،فيكون وجوب‏

تلك الأمور قبل الوقت على طبق القاعدة لكونها حينئذ مقدّمات للواجب‏

المطلق بتقريب:

1)و هو صاحب الفصول(ره):آخر صفحة:79.

257
أنّ الواجب:إما يكون وجوبه مشروطا بحصول‏ (1) شي‏ء آخر،أو لا:الأوّل‏

هو المشروط الّذي لا يجب مقدّماته على سبيل التنجّز إلاّ بعد حصول شرط

الوجوب،و الثاني هو المطلق،و هو على قسمين:

أحدهما-ما يكون وقت فعله متّحدا مع زمان الأمر به،و هو المطلق بالمعنى‏

الأخصّ.

و ثانيهما-ما يكون وقت فعله متأخّرا عن زمان الأمر،بحيث يكون‏

الطلب حاصلا الآن بالنسبة إليه إلاّ أنّ الوقت الخاصّ المتأخّر ظرف لأدائه‏

و شرط لصحّته،و يقال له المعلّق.

و كيف كان،فالمعلّق قسم من المطلق الّذي يجب فيه تحصيل المقدّمات‏

بمجرّد ورود الأمر به،و ما نحن فيه من هذا الباب فإنّ الوقت المعتبر فيه إنّما هو

قيد للواجب لا الوجوب.هذا حاصل مراد ذلك البعض.

و وجه إحداثه هذا القسم:إنّما هو دعوى الفرق بين قول القائل:صم‏

غدا،و صم إن جاء الغد،حيث يفهم من الأوّل كون الغد قيدا للصوم المأمور به‏

دون الهيئة،و من الثاني عكس ذلك،فيدخل الأوّل في المطلق،و الثاني هو

المشروط،و يعبّر عن الأوّل بالمعلّق.

و يمكن دفع ما ذكره:بأنّ اختلاف معنيي العبارتين إنّما يجدي إذا كان‏

راجعا إلى اللبّ،بأن يكون للمتكلّم عند التعبير بإحداهما حالة نفسانية مغايرة

في الواقع للتي له عند التعبير بالأخرى،و أما إذا كان الاختلاف راجعا إلى‏

الوجوه و الاعتبار مع اتحاد المعنيين بحسب اللبّ فلا.

و نحن ندّعي الثاني لوجوه:

1)في الأصل:على حصول..

258
الأوّل:أنّا إذا راجعنا وجداننا لا نجد فرقا بحسب اللبّ بين تينك‏

العبارتين،و هما قولنا:(صم غدا)،أو(صم إن جاء الغد)،فإنّا لا ننكر أنّ لكلّ‏

منهما مفهوما مغايرا لمفهوم الآخر،إلاّ أنّا نجد أنّ تغايرهما إنّما هو راجع إلى مجرّد

الاعتبار و اللحاظ،بمعنى أنّه لم يكن كلّ منهما منتزعا عن لبّ غير ما ينتزع عنه‏

الآخر بأن يكون للمتكلّم عند التعبير بإحداهما حالة كامنة في نفسه غير الحالة

التي تكون في نفسه عند التعبير بالأخرى،بل نجد من أنفسنا اتّحاد الحالة فيها (1)

جدّاً إلاّ أنّ التعبير بكلّ واحدة منهما مبنيّ على اعتبار مغاير لما ابتنى عليه التعبير

بالأخرى،فيرجع الأمر بالأخرة إلى كونهما عبارتين عن مطلب واحد،نظير لفظ

الراكب-مثلا-حيث إنّه قد يجعل حالا،كما في قولك:جاء زيد راكبا،و قد يجعل‏

صفة،كما في قولك:جاء زيد الراكب،و قد يجعل خبرا،كما في قولك:زيد راكب،

و قد يجعل مبتدأ،كما في قولك:الراكب زيد،حيث إنه لا ريب أنّ هيئة الركوب‏

الواقعة في الخارج الثابتة لزيد إنّما هي حالة وحدانية وقعت على نهج خاصّ‏

بحيث لا يختلف باختلاف العبارات المعبّر بها عنها،بل إنما هي عبارات عن‏

مطلب واحد،إلاّ أنّ كلاّ منها مبنيّ على اعتبار خاصّ فإنّ الملحوظ فيه-في المثال‏

الأوّل-إنّما هو بيان هيئة الفاعل،و في الثاني إنّما هو توضيحه،و هكذا.

و كيف كان،فإذا اتّحد اللبّ فلا يجدي اختلاف العبارات و الاعتبارات‏

في شي‏ء،فإنّ وجوب المقدّمة إنّما هو حكم عقلي تابع للمعنى الواقعي،و هو وجوب‏

ذيها،و كونه مطلوبا في نفس المتكلّم،و ليس يدور مدار العبارات،فيكون تابعا

لإحداها دون الأخرى.

و بالجملة:فإن شئت توضيح ما ذكرنا فافرض مقاما ثبت الطلب فيه من‏

دون كاشف لفظي،بل باللبّ،فانظر حينئذ،فهل تجد ثبوت وجوب شي‏ء في‏

1)الأنسب ان تكون(فيهما).

259
زمان بهذين الطريقين؟حاشا.

فإن قلت:المتّبع هو عنوان الأدلّة،إذ به يحصل الإفادة و الاستفادة،

و اختلاف العناوين في المقام كاف في اختلاف الحكمين كما في المطلق و المشروط.

قلت:قد عرفت أنّ وجوب المقدّمة تابع لما هو واقع الطلب بحسب اللبّ،

لكونه حكما عقليا،لا لما يظهر من اللفظ في بادي النّظر،و بعد تسليم اتّحاده لا

وجه لاختلاف لوازمه.

و قياس ذلك بالمطلق و المشروط يبطله الفارق بين المقامين،و هو تحقّق‏

الاثنينية في المعنى بحسب اللبّ و الواقع ثمّة،بخلاف المقام.

و بعد ثبوت التعدّد نحن نستكشف المعنيين من اللفظ المناسب لهما،لا أنّا

نحمل اختلاف اللفظ دليلا على اختلاف المعنى.

الثاني-أنّ الطالب إذا تصوّر الفعل المطلوب و التفت إليه فإمّا أن تكون‏

المصلحة الداعية إلى طلبه موجودة فيه على تقدير وجوده في زمان خاصّ فقط،

بحيث لا تحصل هي على تقدير خلافه،أو تكون المصلحة تحصل فيه في خلاف‏

ذلك الزمان أيضا.

فعلى الأوّل لا بدّ من أن يتعلّق الأمر بذلك الفعل على الوجه الّذي‏

يشتمل على المصلحة،بأن يكون المأمور به هو الفعل المقيّد بحصوله في ذلك‏

الزمان.

و على الثاني لا بدّ من تعلّق الأمر بالفعل على سبيل الإطلاق من غير

تقييده بزمان خاصّ،و لا يعقل هناك قسم ثالث يكون القيد الزماني‏فيه‏راجعا

إلى نفس الطلب دون المطلوب.

هذا بناء على مذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.

و يمكن إتمام الجواب على المذهب الآخر أيضا:بأنّ العاقل إذا توجّه إلى أمر

و التفت إليه فإمّا أن يتعلّق طلبه بذلك الشي‏ء،أو لا،لا كلام على الثاني.


260
و على الأوّل:فإمّا أن يكون ذلك الأمر موردا لأمره و طلبه مطلقا،أو على‏

تقدير خاصّ،و ذلك التقدير الخاصّ قد يكون من الأمور الاختيارية للمكلّف‏

كما في قولك:إن دخلت الدار فافعل كذا،و قد يكون من الأمور الاضطرارية

كالزمان و نحوه.لا إشكال فيما إذا كان مطلوبا مطلقا.

و أمّا إذا كان مقيّدا بتقدير خاصّ:فإن كان ذلك التقدير من الأمور

الاختيارية للمكلف فيعقل فيه الوجهان من رجوع القيد تارة إلى المطلوب،

و أخرى إلى الطلب،حيث إن الطلب قد يتعلّق بالفعل و القيد كليهما معا بحيث‏

يكون متعلّقه هو المجموع منهما،فحينئذ يصير الواجب مطلقا،فيجب تحصيل‏

الخصوصية،و هي القيد،و قد يتعلق بالفعل على تقدير حصول القيد و صدوره من‏

المكلف،فيكون مشروطا،فلا يجب فيه تحصيل الخصوصية،فيكون مرجع القيد

في الأوّل إلى المطلوب و في الثاني إلى الطلب.

و أمّا إن كان من الأمور الاضطرارية فلا يعقل فيه الوجهان،ضرورة أنه‏

لا يمكن تعلّق الطلب بتلك الخصوصية أيضا حتى يتصور فيه القسم الأوّل من‏

الفرض،بل يتوقّف تعلّقه على حصول تلك الخصوصية،فيكون مشروطا لا غير.

و ما نحن فيه من هذا القبيل كما لا يخفى.

و كيف كان،فرجوع القيد تارة إلى الفعل،و أخرى إلى الطلب،و الحكم‏

بحسب القواعد العربية مما لا يجدي نفعا بعد اتّحاد المناط في هذه المسألة العقلية.

و حاصل هذا الوجه:إنكار الواجب المشروط بالنسبة إلى الأمور

الاضطرارية التي منها الزمان.

الثالث-أنّه لا يتعقّل رجوع القيد إلى الطلب لأنّه ليس إلاّ البعث‏

و التحريك باللفظ،و هو حاصل في المطلق و المشروط كليهما من أوّل الأمر،و لا

يعقل التعليق فيه،لأنّه من تعليق الشي‏ء بعد وجوده،فلا بدّ من إرجاعه إلى‏

المطلوب فيما يكون الظاهر من الدليل اللفظي رجوعه إلى الطلب.


261
و حاصل هذا الوجه إنكار الواجب المشروط،فينحصر الأمر المقيّد

بحسب اللبّ و الواقع في قسم واحد،فيبقى القسمان.

هذا عمدة ما قيل أو يقال في دفع التوجيه المتقدّم.

لكن الإنصاف اندفاع تلك الوجوه الثلاثة:

أمّا الأوّل فبأنّه إن كان المراد-من عدم وجدان الحالة الكامنة في النّفس‏

في الأمر المقيّد على قسمين-دعوى امتناع تصوّرهما فيها في الأمر المقيّد فنحن‏

ندّعي خلافه‏1.

الثالث‏
(1) :قد مرّ أنّ المقدّمات الوجوبية للواجب خارجة عن محلّ‏

النزاع،لكن يشكل الأمر بناء على ما ذكره جمع من وجوب إبقاء القدرة على‏

المأمور به إلى وقت وجوب الإتيان به،بل الحكم به في الجملة متّفق عليه بين‏

الأصحاب،و لا ريب أنّ القدرة على الفعل المأمور به من شرائط الوجوب،فينافي‏

هذا ما مرّ من عدم الخلاف في عدم وجوب تحصيل المقدّمات الوجوبية،فيشكل‏

التوفيق بين هذين.

لكن الإنصاف إمكان دفعه:بأنّه إن كان المراد وجوب إبقاء القدرة

و عدم جواز سلبها (2) عن النّفس مطلقا حتى قبل حصول الشرائط الوجوبية

الشرعية التي هي المحقّقة لعنوان الأمر كما مرّت الإشارة إليه فممنوع.

و إن كان المراد وجوبه في الجملة و هو-فيما إذا حصلت الشروط

الوجوبيّة الشرعية مع عدم مجي‏ء وقت الفعل-مسلّم لكنّه ليس لأجل وجوب‏

1لا يخفى النقص في المطلب،فإنّه قد بقي بيان اندفاع الوجهين الآخرين،و قد كتب في هامش‏

المخطوطة هكذا:(سلب منه ورق)،و الظاهر أنّ الورق الناقص كان مشتملا على بقية

الأجوبة.

1)أي(التنبيه الثالث)من التنبيهات.

2)في الأصل:جواز سلبه..

262
تحصيل الشرط الوجوبيّ كما قد يتوهّم،بل لأنه إذا كان الأمر مطلقا-بحسب‏

اللفظ بالنسبة إلى القدرة على المأمور به-فالاشتراط بالنسبة إليها حينئذ إنّما

هو ثابت بحكم العقل،و الحاكم به هو،و هو يكتفي في الاشتراط بحصولها

للمكلّف في الجملة و لو قبل مجي‏ء وقت الواجب مع استمرارها إلى ذلك الوقت لو

لم يسلبها المكلّف عن نفسه بسوء اختياره،فإذا كان التقدير تقدير حصول‏

القدرة قبل الوقت و حصول الشروط الشرعية المحقّقة لعنوان الأمر مع القدرة

بمعنى حصولها مع حصول القدرة،فالتكليف الآن منجّز على المكلّف لحصول‏

شرائطه الشرعية و العقلية،و عدم توقّف الوجوب على حصول شي‏ء آخر،فإنّ‏

الوقت ليس من شرائط الوجوب،بل هو قيد للواجب و ظرف لامتثاله،فسلب‏

المكلّف القدرة حينئذ عن نفسه مخالفة و عصيان لذلك التكليف المنجّز،فيكون‏

حراما لذلك،لا لأجل ترك تحصيل المقدّمة الوجوبية،بل لا ربط لذلك بتحصيل‏

المقدّمة الوجوبية،بل إنّما هو تفويت لها بعد حصولها كتفويت الاستطاعة بعد

حصولها،فيرجع حاصل الإشكال إلى المغالطة و الخلط،فافهم.

الرابع‏
(1) :لا ريب أنّه بعد فرض كون شي‏ء مقدّمة لآخر لا يعقل حصول‏

ذلك الشي‏ء الآخر قبله،و إلاّ يلزم عدم كون الأوّل مقدّمة له،بل لا بدّ من‏

مقارنة المقدّمة لذيها في الوجود لا محالة.

لكن يشكل الأمر في التكاليف مطلقا-إلهية أو عرفية-بالنسبة إلى‏

القدرة على المأمور به و السلامة إلى زمان يسع الإتيان به،فإنّه لا ريب أنّ‏

التكليف مشروط بالقدرة و السلامة إلى آخر زمان يسع الفعل‏ (2) ،فيكون القدرة

و السلامة الحاصلتان في الجزء الأخير أيضا شرطين للتكليف بمعنى تنجّز الأمر

1)أي(التنبيه الرابع)على ما جاء في هامش الأصل.

2)في الأصل:يسع للفعل..

263
و استحقاق العقاب على التأخير الموجب للترك،مع أنّ التكليف تنجّز على‏

المكلّف في الجزء الأوّل من ذلك الزمان إذا علم ببقاء قدرته و سلامته إلى الجزء

الأخير،فيلزم تقدّم المشروط على الشرط،و قد عرفت امتناعه.

و لا يمكن أن يقال:إنّ الشرط ليس نفس القدرة و السلامة المذكورتين،

بل إنّما هو علم المكلّف بهما،و هو مقارن للتنجّز،لأنه لا ريب أنّ الحاكم بالاشتراط

إنّما هو العقل لا غير،و الّذي نجد من عقولنا إنّما هو الترتّب و الربط بين تنجّز

التكليف-بمعنى استحقاق العقاب على التأخير الموجب لترك المأمور به-و بين‏

نفس القدرة و السلامة إلى آخر زمان يسع الفعل‏ (1) ،لا بينه و بين علم المكلّف بهما.

نعم،لا يبعد كون العلم بهما شرطا لصحّة الأمر و الإلزام إذا كان الآمر

عالما بالعواقب بمعنى أنّه إن علم ببقاء المكلّف و قدرته على الفعل إلى زمان‏

يسعه‏ (2) يحسن منه الأمر،و إلاّ يقبح.

مع أنّه يمكن أن يقال ثمة أيضا بأنّ الشرط هو نفس القدرة و السلامة،

و أنّ العلم طريق لإحراز الشرط كما في المقام.

و بالجملة:كلامنا الآن إنّما هو في التنجّز الّذي يحكم به العقل بالمعنى‏

الّذي عرفت،و أنّ شرطه في نظر العقل ما ذا؟و لا ينبغي الارتياب في أنّ العلّة

الموجبة للتنجّز إنما هو نفس البقاء و السلامة و القدرة على الفعل إلى آخر زمان‏

يسعه‏ (3) ،لا علم المكلّف-بالفتح-بهما.

و كيف كان فلا ريب أنّ العقل يحكم بالتنجّز و حصول استحقاق العقاب‏

على التأخير الموجب للترك من أوّل الأمر بمجرّد ملاحظة قدرة المكلّف و سلامته إلى‏

1)في الأصل:يسع للفعل..

2)في الأصل:يسع‏( )3)في الأصل:يسع‏

264
آخر زمان يسع الفعل‏ (1) ،فلا بدّ إذن من التوفيق بينه و بين ما ذكرنا.

و ما ذكرنا من الإشكال وارد بالنسبة إلى بعض الشروط الشرعية أيضا

كخلوّ المرأة عن النفاس و الحيض غدا بالنسبة إلى وجوب الصوم عليها،حيث‏

إنّ شرط وجوبه عليها إنّما هو خلوّها عنهما في تمام الغد،مع أنّ التكليف بالصوم‏

منجّز عليها في الليل اتّفاقا،فيلزم تقدّم المشروط على الشرط.

و الّذي قيل في دفع الإشكال أو يمكن أن يقال وجوه‏1:

الأوّل:ما ذكره بعض متأخّري المتأخّرين‏ (2) من جعل الشرط في تلك‏

الموارد هو العنوان المنتزع من تلك الأمور-أعني القدرة و السلامة إلى آخر الزمان‏

و الخلوّ من الحيض و النفاس-و هو كون المكلّف ممن يقدر على الفعل و يسلم إلى‏

1إيقاظ:لا يتوهّم أنه قد مرّ في التنبيه الثاني في الفرق بين الواجب المعلّق و المشروط ما يغني عن‏

التعرض لدفع هذا الإشكال في ما نحن فيه،إذ بعد البناء على أنّ من الواجبات المتوقّفة على‏

أمر آخر ما يكون معلّقا قبال المشروط،و أنّ من لوازمه تنجّزه على المكلّف قبل وجود المعلّق‏

عليه،فلذا يجب تحصيل مقدّماته الوجودية قبله،بخلافه في المشروط كما مرّ مفصّلا،فيقال في‏

دفع الإشكال فيما نحن فيه:إنّ موارد النقض المذكورة من قبل الواجبات المعلّقة بالنسبة إلى‏

الأمور المتأخّرة المعلّقة عليها.

لأنّه مدفوع:بأنّ الكلام ثمّة في تحقيق أنّ الواجبات المتوقّفة على أمر آخر على قسمين،و إثبات‏

وجود كلا القسمين،و كان دفع الإشكال هناك مبنيّا على ذلك،و الكلام في المقام في تعقّل تعليق‏

الوجود السابق على الأمر المتأخّر،و التوفيق بينه و بين القاعدة العقلية،و هي امتناع تقدّم‏

المعلول على علّته،و بعبارة أخرى:أنّ الكلام ثمّة في إثبات الوجوب المعلّق قبال المشروط،و في‏

هنا في تعقّله و تصويره على وجه لا ينافي القاعدة المذكورة بعد الفراغ عن وجوده،بمعنى أنّه‏

يقع البحث عن أنّ الواجبات المعلّقة على الأمور المتأخّرة عن زمان وجوبها،هل هي معلّقة

حقيقة على نفس تلك الأمور،أو على الوصف المنتزع منها و على أمر آخر مقارن لها يكشف عنه‏

تلك الأمور؟!لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:يسع للفعل..

2)و هو صاحب الفصول(ره)في كتابه:80.

265
آخر زمان يسعه‏ (1) ،و ممّن يخلو عن الحيض و النفاس،و هذا الوصف المنتزع حاصل‏

حال التنجّز و مقارن له،فلا يلزم تقدّم المشروط على الشرط.

و يردّه:أنه لا ريب في عدم حصول تلك الأمور بعد عند التنجّز،فيكون‏

العنوان المأخوذ شرطا أمرا عدميا،لأن المنتزع من المعدوم معدوم،و ليس له واقع،

بل ينعدم بانعدام الاعتبار.

و بالجملة فما يكون حصوله باعتبار المعتبر و ملاحظته فهو معدوم بدون‏

ذلك الاعتبار،فليس له واقع بدونه،فيرجع الأمر بالأخرة إلى جعل الشرط أمرا

عدميا،و هو غير معقول‏1،فإنّ العدم لا يؤثّر في الوجود جدّاً ببديهة العقل.

الثاني:ما خطر ببالي الفاتر من جعل الشرط هو الاستعداد للفعل،و هو

كون المكلّف بحيث يقدر و يسلم و يخلو من الحيض و النفاس،و لا ريب أنّ‏

الاستعداد أمر واقعي موجود فيه حال التنجّز و مقارن له،فلا يلزم المحذور

المذكور،و لا يرد عليه الإيراد المزبور،فتأمّل.

الثالث:ما ربما يتخيّل من جعل الشرط أمرا واقعيا موجودا حال وجود

المشروط-و هو التنجّز-يكشف عنه تلك الأمور،و حاصله جعل تلك الأمور

معرّفات للعلّة لا نفسها.

لكن فيه أنّه لا يجري في الشروط العقلية،لأنّ الحاكم بالاشتراط فيها

إنّما هو العقل،و لا يعقل خفاء ما يحكم هو بشرطيته،فلو كان الشرط غير تلك‏

الأمور لما حكم بكون تلك الأمور شروطا.

نعم،يمكن دعوى ذلك في الشروط الشرعية كما في الخلوّ عن الحيض‏

1و كيف كان فإذا فرض عدم جواز تأثير الوجود المتأخّر في الوجود السابق فكيف يعقل‏أن‏

يؤثّر ما لا حقيقة له و لا واقع،بل إنّما هو صرف الاعتبار؟!لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:يسع له..


266
و النفاس،و كما في الإجازة في العقد الفضولي أيضا،فإنهم دفعوا الإشكال الوارد

عليه بناء على كون الإجازة كاشفة لا ناقلة بوجهين:

أحدهما-ما مرّ من بعض متأخّري المتأخّرين‏ (1) من جعل الشرط هو

الوصف المنتزع،و هو كون العقد متعقّبا بالإجازة.

و ثانيهما-جعل الإجازة معرّفة للعلّة-لا نفسها-بمعنى أنّها على تقدير

حصولها يكشف عن أمر واقع موجود حال وقوع العقد،و ليست علّة حقيقة

لتأثير العقد،فإنّ علل الشرع معرّفات للعلل الواقعية.

و أوجه هذين الوجهين لدفع الإشكال-ثمّة-الثاني،فإنّ الأوّل منهما

خلاف ظاهر الأدلّة،لأنّ المستفاد منها كون الشرط نفس الإجازة،لا المفهوم‏

المنتزع.

فإن قيل:هذا وارد على تقدير جعل الشرط نفس الإجازة بناء على كونه‏

معرّفا للشرط،فإنّ الأمر المكشوف عنه بها مغاير لها.

قلنا:إنّه بناء على كون علل الشرع معرّفات،فلا بدّ من التصرف في شرطية ما

ثبت شرطيته مطلقا-سواء كان هو نفس الإجازة أو الوصف المنتزع منها-و لا

يمكن معه جعل الشرط حقيقة هو نفس المفهوم المنتزع بناء على عدم كون‏

الإجازة شرطا،بل لا بدّ أيضا من جعله كاشفا عن الشرط و معرّفا له،فيكون‏

القاعدة المذكورة قرينة عامّة على أنّ المراد بالسببية و الشرطية في الأدلّة

الشرعية إنّما هو المعرّفية فيحمل قوله عليه السلام:(يشترط)على ذلك،

و ظاهر الأدلّة ثبوت المعرّفية للإجازة،لا للوصف المنتزع.

و بالجملة:فظاهرها أوّلا كون الإجازة نفسها شرطا،ثمّ بعد صرفها عنه‏

1)الفصول:80.

267
فيكون الظاهر منها كون المعرّف هي نفسها لا شيئا آخر.

و كيف كان فهذا الوجه أحسن ما يقال في دفع الإشكال الوارد على‏

الإجازة.

و أمّا ما سيأتي من الشيخ الأستاذ-قدّس سرّه-من دفع الإشكال‏

المذكور فيما نحن فيه الآن فلا ممشى له‏مع‏مسألة (1) الإجازة،إذ لا يمكن فيها

التزام كون الإجازة شرطا بصفة التأخّر،ضرورة عدم مدخلية تلك الصفة في‏

تأثير العقد،و إنّما الدخيل فيه هو نفس الرضا و الإذن،و إلاّ لزم عدم تأثيره إذا

كان الإذن مقارنا للعقد،و هو خلاف البديهة.

نعم يمكن أن يجعل الشرط في تأثير العقد في الحلّية الرضا في الجملة سواء

كان مقارنا للعقد أو متأخّرا عنه،فيكون المتأخّر أحد فردي الرضا الّذي هو

شرط فيه،فالعقد الفضولي و ان كان فاقدا للفرد الأوّل إلاّ أنّه واجد للثاني،

فحينئذ ينفعه الوجه الآتي منه-قدّس سرّه-في دفع الإشكال و حلّه.

و كيف كان،فالتحقيق في الجواب:ما ذكره شيخنا الأستاذ-قدّس‏

سرّه-:

و هو النقض أوّلا-بالأحكام المعلّقة على الشروط الماضية المتقدّمة زمانا

على ما علّق عليها كما في قولك:أكرم زيدا إن جاءك أمس،و غير ذلك من‏

الأمثلة،إذ ليس المأخوذ في الشرطية صفة التقدّم حتى يقال بانتفائها في الشروط

المستقبلة،بل المعتبر مقارنته لوجود المشروط،فالمحذور هو انتفاء المشروط عند

انتفاء شرطه،و هذا المعنى موجود في الشروط الماضية أيضا لصدق عدمها عند

تنجّز الخطاب،فما هو الجواب عنها فهو الجواب عن هذه.

أقول:لا يخفى على المتأمّل ما في هذا النقض،لما عرفت من أنّ الإشكال‏

1)في الأصل:بمسألة..

268
المتقدّم لم يكن هو عدم اجتماع المشروط مع الشرط المتأخّر و عدم تقارنهما،بل‏

إنّما هو لزوم حصول المعلول قبل حصول العلّة المؤدّي إلى التناقض.

نعم هنا إشكال آخر وارد على كلّ من الشروط الماضية و المستقبلة:و هو

أنّ تلك الشروط-ماضية كانت أو مستقبلة-إنّما هي من قبيل العلل التامّة،

و لذا يقال:إن الجملة الشرطية تفيد علّية الشرط للجزاء و ان كان ظاهر إطلاق‏

لفظ الشرط عليها يفيد كونها بحيث لها دخل في الوجود في الجملة كما هو

مصطلح الأصوليين،لكنهم جروا في إطلاق لفظ الشرط على الجمل التالية

لأدوات الشرط-من لفظ إن و أخواته-على اصطلاح النحويين،حيث إنّه في‏

مصطلحهم عبارة عن ذلك،فأطلقوا لفظ الشرط تبعا لهم على ما هو علّة تامّة،

فإذا كانت تلك الأمور من قبيل العلل التامّة بالنسبة إلى ما علّق عليها فكيف‏

يعقل تقدّمها أو تأخّرها بالنسبة إلى ما علّق عليها؟!لكونه مؤدّيا إلى انفكاك‏

المعلول عن العلّة.

اللهمّ إلاّ أن يلتجأ في دفعه إلى ما يأتي من الحلّ.

نعم يمكن إرجاع الإشكال فيما نحن فيه إلى ما ذكر،نظرا إلى أنّ امتناع‏

تقديم المعلول على العلّة راجع إلى وجوب تقارنهما في الوجود الخارجي،فيصحّ‏

حينئذ جعل منشأ الإشكال لزوم عدم التقارن،فافهم.

و الحلّ ثانيا-بحيث يرتفع به كلتا الشبهتين بأنّ الشرط:قد يكون‏

الوجود المطلق-أي الغير المقيّد بحالة خاصّة-كاشتراط الحجّ بالاستطاعة

الحاصلة في أيّ زمان من غير اختصاص الشرطية بالتي تحصل وقت الموسم،

فحينئذ فلا إشكال في وجوب مقارنته وجودا للمشروط.

و قد يكون الوجود المقيّد بوصف خاصّ كطهارة يوم الخميس-مثلا-

لوجوب الصوم على المرأة،فلا يجب حينئذ وجوده قبل ذلك الوقت،بل لا يعقل‏

إذ الوجود المقيّد بكونه في الغد يمتنع حصوله في غيره و إلاّ خرج عن كونه‏


269
الوجود في الغد كما لا يخفى.

و هذا لا يختصّ بالشروط الزمانية،بل يجري في غيرها أيضا،فإنّ بقاء

الاستطاعة إلى آخر (1) اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة بناء على عدم اعتبار

مئونة ما بعد الحجّ،مع أنّ وجوب الحجّ حاصل قبل ذلك اليوم إذا كان التقدير

تقدير بقائها إلى ذلك اليوم،بل و لا يعقل أن يكون ابتداء الوجوب في ذلك اليوم‏

بمضيّ الوقت و تمام العمل.

و بالجملة:إذا علم بحصول الشرط فالوجوب متحقّق،و إن علم بعدمه‏

فلا وجوب أصلا،لقبح إيجاب شي‏ء على من يعلم الآمر بعدم تمكّنه منه،فجميع‏

التكاليف في الواقع مطلوبات منجزات،لأنّ من تعلّق به الخطابات المشروطة هو

ممن كان واجدا للشرط دون غيره،إذ موضوع الحكم في الحجّ هو الشخص‏

المستطيع،و هو بالنسبة إليه مطلق،فلو علّق الوجوب بالنسبة إليه على‏

الاستطاعة لكان لغوا كما لا يخفى.

و أمّا الشخص الغير المستطيع فلا توجّه للخطاب إليه أصلا،و هذا

التعليق الّذي وقع في الخطابات الشرعية إنّما (2) هو لتوجّهها إلى عامّة المكلّفين‏

من الواجد و الفاقد،و إلاّ لم يحتج إلى التقييد بوجه.

فإذا عرفت ذلك فنحن لا نقول بجواز تأخير الشرط عن المشروط،و لا

بجواز تقدّمه عليه،و لا بعدم فاعلية الشرط في تأثير السبب،و لا بغير ذلك من‏

لوازم الشرط،إذ لا يعقل القول بشي‏ء من ذلك،و بان بذلك قوام معنى الشرطية،

بل نقول:إنّ الوجود المتأخّر شرط،لا الشرط متأخّر،و كذلك في الماضي،فإنّ‏

الشرط فيه أيضا هو الأمر المنقضي،لا أنّ الشرط قد انقضى.

1)الظاهر أنّ الجارّ و المجرور خبر(إنّ)المتقدّمة،و إلاّ فالعبارة ينقصها الخبر.

2)في الأصل:فإنما..

270
و بعبارة أخرى:إنّ الوجود المتّصف بالتأخّر أو الانقضاء شرط،لا

الوجود المطلق حتى يصدق عدمه الآن.

و بالجملة:صفة التأخّر و الانقضاء جزء من الشروط،و لها دخل في وجوده،

و لا ريب أنّ هذا الوجود المقيّد بإحدى هاتين الصفتين موجود في محلّه الآن،

و يصدق حقيقة أنّ الشخص الآن واجد للوجود المتأخّر أو المتقدّم،و لو لا ذلك‏

لزم رفع اليد عن أغلب الشروط،فإنّ أغلبها من الأمور المقيّدة بالتأخّر أو

الانقضاء،كاستمرار الاستطاعة الّذي هو شرط لوجوب الحجّ،فإنّه مأخوذ في‏

معنى الاستمرار الوجود المتأخّر.

و كيف كان،فلا شبهة في جواز كون وجود شي‏ء في المستقبل منشأ

لوجود سابق عليه بأن يكون موجبا لحصول مصلحة في الآن تقتضي هي الحكم‏

المعلّق على ذلك الشي‏ء،كما لو قال:اقتل من يقتلك غدا،و أنت تعلم أنّ عمرا

لو بقي إلى الغد لقتلك فإنّ القتل الصادر منه غدا يقتضي مصلحة داعية إلى‏

قتلك إياه الآن،و إنّما وقع الإشكال في التوقّف بينه و بين ما برهن عليه في محلّه‏

من امتناع تأخّر الشرط عن المشروط و التفكيك بين العلة و المعلول.و أحسن‏

الأجوبة عنه ما عرفت.

فإن شئت قلت:إنّ الشرط و المشروط فيما نحن فيه مجتمعان في الوجود

الدهري و متقارنان فيه،و الّذي يمنع منه العقل إنّما هو الانفكاك حتى في الوجود

الدهري لا مطلقا.

و الحاصل:أنه إذا كان الشرط من الأمور الزمانية-أي المتقيّدة بالزمان-

فيكفي تقارنه مع المشروط في عالم الدهر،و أما في عالم الزمان فلا يجب،بل لا

يعقل،فإنه إذا كان الشرط هو الأمر المتقيّد بالزمان الماضي أو المستقبل فكيف‏

يعقل تأخّره مع ذلك القيد أو تقدّمه معه؟!

و بالجملة:إذا اعتبر الشرط على نهج خاصّ و صفة خاصّة-من التقدّم‏


271
أو التأخّر أو التقارن من حيث الزمان-يمتنع‏ (1) وجوده بدون تلك الصفة،و يكفي‏

وجودها معها في محلّها في تنجّز الواجب إذا كان متقيّدا بصفة التقدّم أو التأخّر،

بل ربما يكون حصوله في الآن المقارن مضرّا مانعا عن تحقّق الوجوب،فتدبّر.

فعلى هذا فإذا حصل العلم بوجود الشرط في المستقبل ينجّز (2) عليه‏

الوجوب،و إذا علم بعدمه فيه فلا وجوب عليه أصلا،لا في الواقع و لا في الظاهر،

و مع الشك المرجع الأصول العملية:فإن أوجبت هي عليه شيئا يقوم بامتثاله،

فإن بقي على شرائط التكليف إلى أن فرغ عن العمل،و إلاّ فيكشف عن عدم‏

الوجوب عليه في الواقع،و إلاّ (3) فلا شي‏ء عليه.

فالمرأة الحائض إذا علمت بنقائها قبل الفجر تنجّز عليها الليل وجوب‏

صوم الغد،و إن شكّت فمقتضى الأصل عدم خلوّها عن الحيض،فلا شي‏ء

عليها حينئذ،و المرأة الخالية عن الحيض إذا احتملت تحيّضها قبل الفجر أو في‏

جزء من الغد فمقتضى الاستصحاب عدم تحيّضها،فيجب عليها في الظاهر صوم‏

الغد،فيجب عليها الإقدام‏على‏مقدّماته‏ (4) السابقة على الفجر.

هذا كلّه في غير الشرط المقارن،أي الّذي اعتبر تقارنه للمشروط (5) من‏

حيث الزمان.

و أمّا فيه فيعتبر تحقّقه و وجوده مقارنا لزمان تنجّز الوجوب كالعقل‏

و البلوغ بالنسبة إلى جميع الواجبات،و إلاّ فلا وجوب أصلا.

و كيف كان،فلا ينبغي الإشكال في جواز جعل الشرط الوجود المقيّد

1)في الأصل:فيمتنع..

2)في الأصل:فينجّز..

3)أي و إن لم توجب عليه شيئا..

4)في الأصل:..الإقدام بمقدّماته..

5)كذا في الأصل،و الصحيح:تقارنه مع المشروط،أو مقارنته للمشروط.

272
بالزمان الماضي أو المستقبل كجواز جعله الوجود المطلق.

ثم إنه إذا كان الشرط هو الأمر المتأخّر لا يفرّق بين ما إذا كان من‏

الأمور الاضطراريّة كما في تعلّق تنجز الصوم على السلامة إلى آخر اليوم أو على‏

الخلوّ من الحيض كذلك،و بين ما إذا كان من الأمور الاختيارية للمكلّف،بأن‏

يقال:لو فعلت غدا كذا يجب عليك كذا،فإنّه يجري فيه حينئذ ما يجري فيه إذا

كان من الأمور الاضطرارية،بمعنى أنه إذا علم الآن بتحقّق ذلك الأمر

الاختياري و صدوره منه فيما بعد يتنجّز عليه التكليف الآن،و إن علم بعدمه فلا

تكليف أصلا،و إن شكّ فالمرجع هي الأصول العملية حسبما يقتضيه المقام.

نعم فرق بين المقامين من حيث مقدار التنجيز و كيفيته يأتي بيانه في دفع‏

الإشكال الآتي الوارد على الشرط المحرم،فانتظر.

و إجماله:أنه إذا كان الأمر المتأخّر من الأمور الاضطرارية و أحرز

المكلّف تحققه فيما بعد بالقطع أو بالأصل فالتكليف منجّز عليه الآن،ويجب‏

عليه الآن الإتيان و الإقدام بجميع مقدّمات الواجب الوجودية التي محلّها قبل‏

مجي‏ء ذلك الأمر المتأخّر بحيث لو أخلّ بواحدة منها استحقّ العقاب.

هذا،بخلاف ما إذا كان من الأمور الاختيارية له،فإنّه حينئذ إذا أحرز

تحقّقه بأحد الوجهين فيما بعد فلا ينجّز عليه الواجب الآن حتى بالنسبة إلى ذلك‏

الأمر المتأخّر الّذي هو أيضا من المقدّمات الوجودية،بل يختصّ تنجّزه الآن‏

بغيره من المقدّمات الوجودية،بمعنى أنه لو ترك الواجب بترك واحدة من‏

المقدّمات الوجودية غير ذلك الأمر المعلّق عليه الوجوب استحقّ العقاب،و أمّا

بالنسبة إليه فله الآن تركه بترك ذلك الأمر المتأخّر،و تفصيل الكلام فيه يأتي‏

عن قريب-إن شاء اللَّه تعالى-فانتظر.


273
المقدّمة المحرّمة

ثمّ إنّه‏1بعد البناء على جواز تعليق الوجوب السابق على الشرط

المتأخّر و تعقّله بأحد الوجوه المتقدّمة بحيث لا يلزم محذور من جهة تأخّر شرط

الوجوب،فهل يعقل كون ذلك الأمر المتأخّر المعلّق عليه الوجوب من المحرّمات‏

إذا كان من المقدّمات الوجودية للواجب أيضا مع عدم بدل له-بمعنى انحصار

المقدّمة الوجودية فيه،بمعنى أنه لا يلزم محذور من جهة كون المعلّق عليه المتأخّر

حراما-،أو لا؟المنسوب إلى المشهور هو الثاني.

لكن الحقّ-وفاقا لجمع من المحقّقين منهم الكركي‏ (1) -قدّس سرّه-في‏

باب الدين من جامع المقاصد في شرح كلام العلاّمة-قدّس سرّه-في بيان‏

اشتغال المديون المتمكّن من أداء الدّين بالصلاة مع مطالبة ذي الدّين،و منهم‏

الشيخ الأجلّ الشيخ جعفر-قدّس سرّه-في مقدّمات كشف الغطاء في مسألة

اقتضاء الأمر النهي عن الضدّ (2) ،و بعض من تأخّر عنهما من الأعلام-الأوّل.

1اعلم أنّ محلّ الكلام هنا إنّما هو المقدّمة الوجودية التي تكون من جملة أفعال المكلّفين،كما يدلّ‏

عليه قولنا:(من المحرّمات)،فإن المقدّمات الوجودية الاضطرارية كالقدرة و السلامة و الزمان‏

لا تكون موردا للتكليف أصلا،و إنّما قيّدنا محلّ النزاع بذلك لأنّه لا محذور في تعليق الوجوب‏

على المقدّمة الوجودية المتأخّرة إذا لم تكن اختيارية،إذ لا يعقل تعلّق تكليف بها-من الأمر

و النهي-حتى يلزم محذور،و إنّما قيّدنا المقدّمة بالوجوديّة،إذ لا يلزم المحذور الآتي على تقدير

كون الأمر المتأخّر المحرّم مقدّمة للوجوب فقط كما لا يخفى.

ثمّ الكلام في المقام إنّما هو في المقدّمة المحرّمة المنحصرة،و أمّا في غيرها فلا يلزم المحذور

الآتي أصلا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)جامع المقاصد:5-12-13.

2)كشف الغطاء:27-البحث الثامن عشر.

274
لنا:أنّه لا مانع عقلا من ذلك عدا ما ربما يتخيّل من استلزامه التكليف‏

بما لا يطاق و اجتماع الأمر و النهي،لكنّ النّظر الدّقيق يشهد بفساد ذلك التخيّل،

فثبت الإمكان،فلا بدّ إذن من بيان ذلك التخيّل ثمّ توضيح فساده،فنقول:

أمّا بيانه:فهو أنّه لا ريب أنّه إذا علّق وجوب الحجّ-المتوقّف وجوده‏

على ركوب الدابّة المغصوبة مثلا،بمعنى أنّه لا يمكن إيقاعه بدون الركوب‏

عليها-على ركوبها (1) ،أو علّق وجوب الوضوء-المتوقّف وجوده على الاغتراف‏

من الآنية المغصوبة-على الاغتراف منها بالنسبة إلى من يركب الدابّة المغصوبة

فيما بعد يقينا أو يغترف من الآنية المغصوبة فيما بعد كذلك سواء كان مأمورا بالحجّ‏

و الوضوء،أولا،كما هو مفروض البحث في الشرط المتأخّر،حيث إنّ الكلام فيه‏

في الشرط المتأخّر الّذي يحصل بعد يقينا و على كلّ تقدير،و قلنا بتنجّز التكليف بالحجّ‏

و الوضوء و فعليّته على المكلّف قبل زمان الركوب و الاغتراف المذكورين-كما هو

مقتضى البناء على ما مرّ من جواز تعلّق الوجوب السابق على الشرط المتأخّر-

فلا ريب‏ (2) في تنجّز النهي عن الركوب و الاغتراف و فعليته على المكلّف حينئذ

أيضا،إذ المفروض أنّه لم يأت وقت الركوب و الاغتراف و لم يصدر عنه شي‏ء من‏

هذين،فالنهي عنهما الآن موجود على سبيل التنجّز غير ساقط عن المكلّف،

ضرورة أنّ سقوط التكليف عن المكلّف-أمرا كان أو نهيا-إمّا بالامتثال،و إمّا

بالمخالفة،و المفروض أنّه لم يتحقّق شي‏ء منهما من المكلّف بعد حال تنجّز الأمر

بالحجّ و الوضوء:

أمّا الامتثال فواضح،ضرورة أنّ امتثال النهي المطلق إنّما هو بترك المنهيّ‏

عنه بجميع أفراده في جميع الأزمنة و المفروض عدم مجي‏ء الزمان اللاحق،فكيف‏

1)متعلّق بقولنا:(علّق).لمحرّره‏عفا اللَّه عنه‏.

2)هذا جواب قوله:(إذا علّق وجوب الحجّ).المتقدّم قبل أسطر.

275
بتركه إياه فيه؟!مع أنّ المفروض كونه مرتكبا له فيما بعد لا تاركا.

و أمّا المخالفة فالمفروض عدم حصولها منه بعد.

و أمّا كون التقدير تقدير المخالفة أو كونه عازما عليها،فلا يعقل كون‏

شي‏ء منهما مسقطا للتكليف كما لا يخفى،فإذا فرض توجّه تكليفي الأمر و النهي‏

إلى المكلّف في الآن و تنجّزهما عليه،و المفروض توقّف امتثال الأمر على مخالفة

النهي،إذ المفروض كما مرّ انحصار المقدّمة في المحرّم،فيلزم التكليف و الأمر بما

لا يطاق،فإنّ المقدّمة إذا كانت غير مقدورة يكون‏ (1) ذوها أيضا كذلك،فيكون‏

التكليف بذيها تكليفا بغير المقدور،و هو مما يستقلّ العقل بقبحه سواء كان عدم‏

القدرة على المقدّمة عقليا أو شرعيا كما فيما نحن فيه،فإنّ المنهيّ عنه غير مقدور

شرعا للمكلّف،و أيضا يلزم اجتماع الأمر و النهي في تلك المقدّمة المحرّمة،فإنّ‏

وجوب ذيها و إن لم يكن مطلقا على سبيل الإطلاق،لكنه مطلق على تقديرها،

أي على تقدير تلك المقدّمة المحرّمة.

و بعبارة أخرى:إنّ وجوب ذيها و إن كان مشروطا بتلك المقدّمة،لكنّه بعد

تقدير حصولها يكون مطلقا،و لمّا كان التقدير تقدير حصولها يكون‏ (2) وجوب ذيها

مطلقا،و لمّا كان المفروض كونها من المقدّمات الوجودية للواجب أيضا تعلّق‏ (3)

بها الوجوب المقدّمي من تلك الجهة،مع كونها محرّمة في أنفسها،فيجتمع فيها

الوجوب و الحرمة.

لا يقال:إنّ المفروض كونها من المقدّمات الوجوبية،و قد مرّ أنه لا

خلاف في عدم وجوبها.

لأنا نقول:إنّ عدم الوجوب مسلّم إذا كان المقدّمة مقدّمة

1)في الأصل:فيكون..

2)في الأصل:فيكون..

3)في الأصل:فتعلّق..


276
للواجب فقط،كالاستطاعة الشرعية بالنسبة إلى الحجّ،و أمّا إذا

كانت وجودية أيضا-كما في المقام-فلم يقم إجماع على عدم وجوبها من تلك‏

الجهة،بل لا يعقل الفرق بينها و بين سائر المقدّمات الوجودية الصرفة،فإنّ‏

الحاكم بالوجوب إنّما هو العقل،و مناط حكمه به ليس إلاّ حكمه بالتلازم بين‏

طلب شي‏ء و بين طلب ما يتوقّف وجود ذلك الشي‏ء عليه،فإذا فرض توقّف وجود

الواجب على شي‏ء فقد تحقّق ما هو المناط في حكم العقل بالوجوب في سائر

الموارد،فالعقل قاض به من تلك الجهة.

و الّذي مرّ-من عدم الخلاف في عدم وجوب المقدّمة الوجوبية-معناه‏

عدم الخلاف في عدم وجوبها من جهة كونها مقدّمة للوجوب لا مطلقا.

و كيف كان،فقد ظهر لزوم اجتماع الأمر و النهي في المقدّمة المحرمة،

و اللازم باطل ببديهة العقل لرجوعه بالأخرة إلى التكليف بما لا يطاق الإتيان به،

ضرورة عدم إمكان امتثال التكليفين المتناقضين المتعلّقين بأمر واحد فالملزوم‏

مثله.

هذا غاية ما قيل أو يقال في توجيه الإشكال.

و أما توضيح فساده بكلا وجهيه:

فهو أنّ الوجه الأوّل-و هو لزوم التكليف بغير المقدور من جهة انحصار

المقدّمة في المحرّمة مسلّم لو قلنا بتنجّز الأمر على المكلف-قبل ارتكاب تلك‏

المقدّمة المحرّمة المعلّق عليها الوجوب على وجه لا يجوز له مخالفة ذلك الأمر

مطلقا و لو بترك تلك المقدّمة المحرّمة.

لكنّا لا نقول بتنجّزه بهذا المعنى،لأنّه راجع إلى كون الواجب واجبا على‏

الإطلاق حتى على تقدير عدم ارتكاب تلك المقدّمة المحرّمة،و هذا خلاف الفرض،إذ

المفروض تعلّق الوجوب على تقدير ارتكاب المقدّمة كما هو المفروض في‏


277
المقدّمات المباحة المعلّق عليها الوجوب أيضا،و التقدير و إن كان تقدير ارتكابه‏

لها فيما بعد يقينيّا،لكنّ المفروض ارتكابه لها فيما بعد عن اختياره،فيكون‏

التقدير تقدير ارتكابه لها فيما بعد اختيارا،إذ لا ريب أنّ القطع بوقوع الأمر

الاختياري فيما بعد لا يوجب كون ذلك الأمر واجبا1بحيث يضطرّ الإنسان‏

إلى فعله،بل الفعل معه أيضا في اختيار المكلّف بحيث إن شاء فعل و إن شاء ترك.

و لا ريب أنّ تعليق التكليف على حصول أمر اختياري-يمكن حصوله‏

و عدمه فيما بعد،نظرا إلى إناطة كلّ منهما إلى اختيار المكلّف-إنّما يقتضي تنجّزه‏

على المكلّف بحيث لا يجوز له مخالفته على تقدير ارتكابه لذلك الأمر،بمعنى أنّه‏

لو ارتكبه و ترك الواجب بترك سائر المقدّمات الوجوديّة يستحقّ العقاب عليه،

لا أنه لا يجوز له مخالفته حتى بترك ذلك الأمر،بل له ترك ذلك الواجب بترك‏

ذلك الأمر،فيكون حاصل مثل هذا التعليق كون الواجب منجّزا على المكلّف‏

قبل صدور ذلك الأمر عنه بالنسبة إلى سائر المقدّمات الوجودية-بمعنى أنّه إذا

كان بانيا على ارتكاب تلك المقدّمة المحرّمة،و يعلم أنّه معاقب على ترك الواجب‏

على تقدير ارتكابها-فيجب عليه تحصيل سائر المقدّمات الوجودية للواجب‏

فرارا عن العقاب الزائد على عقاب ارتكاب تلك المقدّمة المحرّمة،فتلك المقدّمة

المحرّمة و إن كانت غير مقدورة له شرعا قبل ارتكابها،لكن التكليف بالنسبة

إليها قبل ارتكابها لم يكن منجّزا بحيث يعاقب على ترك الواجب المستند إلى‏

تركها،حتى يلزم التكليف بما لا يطاق و بغير المقدور،و بعد ارتكابها و إن كان‏

منجّزا بحيث يعاقب على ترك الواجب حينئذ،لكن الواجب حينئذ ليس غير

مقدور له شرعا حتى يلزم التكليف بغير المقدور،لأنّه حينئذ لا يتوقّف على‏

1المراد بهذا الوجوب التكوينيّ-لا التشريعيّ-و القرينة عليه قولنا:(بحيث يضطرّ إلى فعله).

لمحرّره عفا اللَّه عنه.


278
ارتكاب المقدّمة المحرّمة ثانيا،فلا توقّف له حينئذ بالنسبة إليها أصلا،و إنّما

يتوقّف على سائر المقدّمات الوجودية.

ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا-في كيفية تنجّز التكليف بالنسبة إلى المقدّمة

الوجودية المحرّمة المتأخّرة المعلّق عليها الوجوب-لا يختصّ بها،بل يجري في‏

غيرها أيضا من المقدّمات الوجودية المباحة المتأخّرة المعلّق عليها الوجوب لعين‏

ما سمعت في المقدّمة المحرّمة من أنه لو لا ذلك يلزم خلاف الفرض و أنّ تعليق‏

التكليف على أمر اختياري لا يقتضي أزيد من ذلك،فافهم،و تأمّل،حتى لا

يختلط عليك الأمر.

هذا حاصل الجواب و ملخّصه عن الوجه الأوّل من المحذورين.

و أمّا الوجه الثاني-و هو لزوم اجتماع الأمر و النهي في تلك المقدّمة-

فيدفعه أنّه لا شبهة أنّ وجوب المقدّمة إنّما هو ناش عن وجوب ذيها،و تابع له‏

في الكيفية من الإطلاق و التقييد و سائر الكيفيات،و المفروض فيم نحن فيه كون‏

وجوب ذيها معلّقا على حصولها،لكن هذا الوجوب لا يعقل تعلّقه بتلك المقدّمة

لرجوعه إلى وجوبها على تقدير وجودها،و تعليق طلب الشي‏ء على حصولها مما

ينادي البداهة ببطلانه،فإنه تحصيل للحاصل.

و بالجملة:لمّا كان‏1المفروض في وجوب ذيها تقدير وجودها فلا تقبل هي‏

إذن تعلّق هذا الوجوب بها أيضا،فلم يلزم اجتماع الأمر و النهي فيها.

ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا-من عدم تعقّل تعلّق الوجوب بالمقدّمة المتأخّرة

1اعلم أنّ عدم جواز تعلّق الوجوب المقدّمي بالأمور المتأخّرة المعلّق عليها الوجوب لا يفرّق‏

فيه بين ما إذا كانت محرّمة كما هو مفروض الكلام،أو مباحة لوجود المناط المذكور في كلا

الموردين بلا تفاوت،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


279
المعلّق عليها الوجوب-لا يفرّق فيه بين ما لو قلنا بأنّ الشروط في الواجبات‏

المشروطة بالأمور المتأخّرة هي نفس تلك الشروط،أو الأمر المنتزع عنها كما لا

يخفى،إذ على الثاني يستلزم تعلّق الوجوب المقدّمي بتلك الأمور تعليق وجوبها

على الأمر المنتزع من وجودها،و هو أيضا يرجع بالأخرة إلى تعليقه على وجودها

كما في الأوّل،فافهم.

ثمّ إنّ ما اخترناه-من جواز تعليق الوجوب السابق على المقدّمة المحرّمة

المتأخّرة-لا يفرّق فيه بين ما إذا كان تلك المقدّمة متقدّمة على امتثال‏

الواجب كما في الركوب على الدّابة المغصوبة للذهاب إلى الحجّ لو علّق عليها

وجوب الحجّ،أو مقارنة لامتثاله كما في الاغتراف من الآنية المغصوبة للوضوء لو

علّق عليه وجوب الوضوء،فإنّ الثاني لا يزيد على الأوّل شيئا من المحذور،بل‏

الّذي يتوهّم من المانع في الأوّل هو الّذي يتوهّم في الثاني من غير زيادة،و قد

عرفت اندفاعه.

هذا،و كيف كان فإذا ثبت جواز ما اخترناه‏1و عدم المانع منه بوجه،

و فرض ورود دليل يدلّ-بنصوصيته أو ظهوره من جهة الإطلاق أو العموم-

على وجوب الواجب على من انحصر المقدّمة في حقّه في الحرام لا يجوز لنا طرح‏

ذلك الدليل أو تأويله بحمله على غير هذا الشخص لإمكان تعلّق الوجوب به‏

على الوجه الّذي قرّرناه،فلا داعي إلى ارتكاب الطرح أو التأويل اللذين لا

1ثمّ إنّه لا يفرّق فيما اخترناه من جواز اشتراط الوجوب بالشرط المتأخّر المحرّم بين ما إذا

كان ذلك الأمر المحرّم من المقدّمات المتقدّمة على زمان إيقاع الفعل المأمور به كالركوب‏

على الدابّة المغصوبة في الحجّ،و بين ما إذا كان‏من‏المقدّمات المقارنة للفعل المأمور به‏

كالاغتراف من الآنية المغصوبة للوضوء لعدم المانع من الاشتراط بالقسم الثاني بأحد

الوجهين المتقدّمين أيضا،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


280
يصار إليهما إلاّ لمانع،فإذا ورد أنّه يجب على المستطيع الحجّ يمكن‏ (1) إثبات حكمه‏

في حقّ من انحصر مركوبة في المغصوبة على الوجه المتقدّم،فلا داعي إلى تقييده‏

بغيره،فتأمّل‏1.

ثمّ إنّه يتفرّع على ما مرّ-من جواز اشتراط الوجوب و تعليقه على‏

الشرط المتأخّر-أنّه لو دلّ دليل على عدم وجوب مقدّمة وجودية للواجب متقدّمة عليه‏

أو مقارنة له يمكن الجمع بينه و بين ما دلّ على وجوب ذلك الواجب على وجه‏

الإطلاق بالنسبة إلى تلك المقدّمة بصرف ذلك الدليل الدالّ على وجوب ذلك‏

الواجب عن ظاهره-و هو الإطلاق بالنسبة إلى تلك المقدّمة-و حمله على‏

الوجوب المشروط بالنسبة إليها على نحو ما مرّ بيانه،فيكون ذلك أحد الوجوه‏

للجمع بين ذينك الدليلين من حيث الدلالة المتقدّمة على الترجيح أو الطرح.

و لا فرق في ذلك بين ما لو كان ذلك الدليل الدالّ على عدم وجوب تلك‏

المقدّمة دالا على إباحتها أو كان دالا على كراهتها أو استحبابها.نعم لو كان‏

دالا على حرمتها فيفرّع الجمع بينه و بين الدليل الآخر على الوجه المذكور على‏

ما اخترناه من جواز الاشتراط بالمقدّمة المحرّمة المتأخّرة بعد البناء على جواز

الاشتراط بالمباحة المتأخّرة.

ثمّ إنّه ذكر لما اخترناه-من جواز اشتراط الوجوب بالمقدّمة المحرّمة

المتأخّرة-فروع،و نحن نذكر جملة منها:

منها:الحكم بصحة وضوء من توضّأ بالاغتراف من الآنية المغصوبة كما

1وجه التأمّل:أنّ مثل الخطاب المذكور متوجّه إلى من لم ينحصر مركوبة في المغصوبة،و إلى من‏

انحصر مركوبة فيها،فإذا فرض كون مؤدّاه مطلقا بالنسبة إلى الأوّل،و مشروطا بالنسبةإلى‏

الثاني‏يلزم استعمال اللفظ في المعنيين،إلاّ أنّه يمكن دفعه بالتزام استعمال الوجوب في القدر

المشترك،و بيان الاشتراط و الإطلاق من دليل آخر،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:فيمكن..

281
مرّ مثاله.

و منها:ما ذكره المحقّق الثاني‏ (1) -على ما حكي عنه-في مناسك منى-

أعني الحلق و الذبح و الرمي-من أنّ من عصى و خالف الترتيب صحّ نسكه‏

المتأخّر الّذي قد قدّمه،ثمّ قاس عليه صحّة صلاة المديون المطالب بالدين‏

المتمكّن من أدائه إذا عصى و لم يقضه،و اشتغل بالصلاة في سعة الوقت.

قال سيّدنا الأستاذ-دام ظله-:و هذا يجري في كلّ عبادة موسّعة

مزاحمة بواجب مضيّق-كالصلاة بالنسبة إلى إزالة النجاسة-إذا تركه و اشتغل‏

بها في سعة الوقت،و غير ذلك من الأمثلة للواجب المضيّق و الضدّ الموسّع.

و منها:ما ذكره المشهور من صحّة صلاة المأموم إذا خالف الإمام فيما يجب‏

عليه متابعته،حيث قالوا:إنّه أثم حينئذ،لكن صحّت صلاته.

و جميع تلك الأمثلة لا وجه للقول بالصحّة فيها إلاّ البناء على ما اخترناه،

كما لا وجه للقول بالفساد فيها إلاّ البناء على مخالفه.

نعم يمكن توجيه الفساد في الأخير-كما قيل-من جهة تعلّق النهي‏

بالجزء الّذي يأتي به بعد عصيان المتابعة،فيفسد الكلّ،لأن النهي عن الجزء

مستلزم للنهي عن الكلّ،فتأمّل.

إيقاظ:اعلم أنّ تعليق الحكم على الشرط المتأخّر على القول بجوازه لا

يختصّ بالوجوبي،بل يجري في سائر الأحكام التكليفية كما لا يخفى،بل في‏

الوضعيّة بأسرها أيضا.و من هذا الباب تعليق سببية العقد الفضولي على الإجازة

المتأخّرة على القول بكونها كاشفة كما أشرنا إليه سابقا.

ثمّ إنّ لازم التعليق على هذا الوجه كون وجود المعلّق عليه فيما بعد كاشفا

عن حصول المعلّق من قبل،و لازم ذلك ترتّب جميع الأحكام المترتبة عليه شرعا

1)جامع المقاصد:3-232،الفصل السادس،المطلب الأوّل.

282
-بعد وجود المعلّق عليه-عليه قبل وجوده إذا علم بحصول المعلّق عليه فيما

بعد،كما علمت من مطاوي كلماتنا المتقدّمة.

لكن لا يخفى أنّ التزام كون الإجازة من هذا القبيل لا يخلو عن إشكال‏

فإنّ لها على هذا التقدير لوازم يشكل الالتزام بها:

منها:جواز تصرّف الأصيل فيما انتقل إليه مع علمه بأنّ المالك سيجيز،

فإنّه كاد أن يكون مخالفا للإجماع،مع مخالفته للأدلّة العقلية و النقليّة منها قوله‏

عليه السلام:«لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه» (1) ،فإنه يدلّ على عدم جواز

التصرّف قبل تحقّق الإجازة لعدم حصول الطيب بعد،و هكذا نظائره من‏

الأخبار.

و منها:عدم جواز بيع ما باعه الشخص فضولا،فإنّه أيضا كاد أن يكون‏

مخالفا للإجماع إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة،فتدبّر.

و قد ذهب بعض من المحقّقين من متأخّري المتأخّرين‏ (2) في فقهه-على‏

ما حكي عنه-إلى كون الإجازة كاشفة،و التزم باللازم الأوّل،و هو جواز تصرّف‏

الأصيل،و ظهر ما فيه ممّا بيّنّا.

و قد يتفصّى عن الإشكال المتقدّم بوجوه أخرى غير ما تقدّم:

منها:التزام كون تلك الواجبات مشروطة،كما هو ظاهر أدلّة بعضها

و صريح أدلّة البعض الآخر،لكن وجوب تلك المقدّمات قبل وجوب ذواتها1

1المراد بذواتها هنا الواجبات النفسيّة التي وجبت مقدّماتها لأجلها،و مفردها:(ذو المقدّمة)،

و القياس في جمعه:(ذوو المقدّمة)أما(ذوات)فجمع(ذات).

1)الوسائل:17-309-كتاب الغصب-باب:1-ح:4،و مستدرك الوسائل:17-88-كتاب‏

الغصب-باب:1،ح:3 و 5،و سنن الدارقطني:3-26-ح:91،و عوالي اللئالي:3-473-

ح:3،مع اختلاف يسير.

2)(و هو الشيخ محمد تقي-قدّس سرّه-على ما حكي عنه)على ما جاء في هامش الأصل.

283
ليس من جهة اقتضاء وجوب ذواتها الّذي لم يحصل بعد،بل لأجل أنّ تلك‏

المقدّمات من شئون القدرة على الفعل في وقت وجوبه،بمعنى أنّ المكلّف لو فعلها

يصير متمكّنا من ذواتها في وقت وجوبها،و لو تركها يتعذّر عليه الإتيان‏

بذواتها في ذلك الوقت،فيفوت عليه التكليف لذلك،فيكون تركها قبل وقت‏

وجوب ذواتها تفويتا للتكليف بذواتها في وقت وجوبها،و تفويت التكليف مما

يستقلّ العقل بقبحه.

لا يقال:إنّ مقتضى ذلك وجوب تحصيل الشرائط الوجوبية الصرفة

للواجب أيضا كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ،إذ لا فرق بينها و بين القدرة لكون‏

كلّ واحدة منهما من شرائط الوجوب،و يكون ترك كلّ منهما تفويتا موجبا

لاستحقاق العقاب،و وجوب تحصيل الشرائط الوجوبية مطلقا خلاف الضرورة،

فإن كان فرق بينهما فبيّنه‏1.

لأنّا نقول:نحن لا ندّعي قبح التفويت كلّيّة بل جزئيّة،و هي فيما

إذا كان الفعل في نفسه تامّا من حيث المصلحة،بحيث لا مانع من التكليف به‏

إلاّ عجز المكلّف من أدائه،بحيث يكون مع العجز أيضا ذا تلك المصلحة إلاّ أنّ‏

عجزه منعه عن الإتيان به،و الشرائط الوجوبية ليست كلّها من هذا القبيل،بل‏

بعضها راجع إلى شرط تحقّق تلك المصلحة الداعية للأمر في المأمور به،بمعنى‏

أنّ الطبيعة المأمور بها لا مصلحة ملزمة فيها بدونه،بل معه بحيث يكون موضوع‏

1و أيضا لقائل أن يقول:إنّه قد مرّ أنّه لا خلاف في عدم وجوب المقدّمات الوجوبية،و إنّما هو

في الوجودية فقط.

و لكنّ الجواب عنه:بأنّ هذا ليس من جهة كون القدرة شرطا للوجوب،بل لأجل أنّ‏

سلبها تفويت للتكليف.

و بعبارة أخرى:نحن لا نقول بوجوب تحصيل القدرة،بل نقول بعدم جواز سلب الحاصلة

منها،و السؤال إنّما يتّجه على الأوّل لا الثاني،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


284
الخطاب هو الجامع لهذا الشرط،و الاستطاعة من هذا القبيل،حيث إنّه لا

مصلحة ملزمة في طبيعة الحجّ بدونها،و يكون موضوع الأمر ثمّة هو المستطيع،

و بعضها راجع إلى شرط حسن الأمر و الإلزام كالقدرة،فإنّها من شرائط حسن‏

الأمر و الإلزام،لا من شرائط حسن الفعل المأمور به،بل هو حسن مع العجز

أيضا،و نحن ندّعي قبح التفويت المتحقّق في ضمن القسم الثاني خاصّة لا الأوّل‏

أيضا.

و بعبارة أخرى:إنا ندّعي قبح تعجيز النّفس‏1عن امتثال التكليف سواء

كان متّحدا مع عنوان المخالفة و العصيان في الخارج-كما إذا عجّز نفسه بعد

دخول وقت الواجب،حيث إنّ سلب القدرة عن نفسه حينئذ مخالفة و عصيان‏

لذلك الواجب المطلق-أو لا-كما في الواجبات المشروطة قبل مجي‏ء وقت‏

وجوبها-و التعجيز يتحقّق بالقسم الثاني لا الأوّل.

هذا حاصل مراد الموجّه بتوضيح من الأستاذ-دام ظلّه العالي-.

و قد يستشهد لما ادّعاه من قبح تعجيز النّفس و استحقاق العقاب‏

عليه بفروع:

منها:أنّهم اتّفقوا ظاهرا على العقاب على المرتد (1) الفطري على الفروع‏

1أقول:و يدلّ على قبح التعجيز:أنه لو وصل طومار من مولى إلى عبده،و علم العبد أن لمولاه‏

فيه أوامر مطلقة أو مشروطة،فضيّع العبد ذلك الطومار،و محاه قبل أن يرى ما فيه،و لم يتمكّن‏

بعد ذلك من العلم بما فيه أيضا،و لم يقدر على الاحتياط الكلّي أيضا،فلا يرتابون‏ (2) العقلاء-

في ذمّه و تقبيحه على هذا الفعل الموجب لعجزه عن امتثال تلك الأوامر،و لا يفرّقون في الذمّ‏

و التقبيح بين الأوامر المشروطة و المطلقة،و إن كانوا يفرّقون بينهما بالحكم لتحقّق المخالفة

و العصيان بذلك،لا بالنسبة إلى الثانية من أوّل الأمر دون الأولى.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)الأقوم في العبارة هكذا:..على عقاب المرتدّ..

2)الصحيح بحسب المشهور:(فلا يرتاب العقلاء)،و عبارة المتن تصحّ على لغة ضعيفة.

285
مطلقا-من الواجبات المطلقة المنجّزة عليه عند الارتداد أو المشروطة التي تحصل‏

شروطها بعده-بناء على عدم قبول توبته،حيث إنّه من أفراد المقام،إذ الارتداد

سلب القدرة على المأمور به،إذ من شرط العبادة الإسلام،و هو الآن متعذّر عليه.

و منها:ما اتّفقوا عليه من وجوب قضاء العبادات على الكفار و عقابهم‏

عليه،فإنّه أيضا من أفراد المقام،حيث إنّهم بالكفر سلبوا قدرتهم عن الامتثال‏

و القضاء:أمّا في حال الكفر فظاهر،و أمّا لو أسلموا فهو (1) يجبّ ما قبله،فلا يبقى‏

تكليف بالقضاء.و كيف‏كان‏،فالمقصود الاستشهاد بكونهم معاقبين على القضاء

لو ماتوا على الكفر مع عدم قدرتهم عليه.

هذا،و لكن الإنصاف أنّ الوجه المذكور محلّ تأمّل،بل لا يبعد منعه،

فإنّ المراد من قبح التفويت و التعجيز:إن كان إثبات الوجوب النفسيّ‏ (2) لتلك‏

المقدّمات و لو بأن يقال:إنّ الوجوب النفسيّ لا ينحصر فيما كان المصلحة الداعية

إلى الأمر حاصلة في نفسه،بل يمكن أن يكون ممّا تكون المصلحة الداعية إلى‏

الأمر به هي المصلحة الحاصلة في غيره،و هي في المقام التأهّل للتكليف بشي‏ء

آخر،فهذا راجع إلى الوجه الأوّل من وجوه دفع الإشكال،مع أنّ الموجّه في مقام‏

إبداء وجه آخر غير الأوّل و الثاني،بل حكي-عن ظاهر بعض عباراته أيضا-

الطعن منه على من اختار الوجه الأوّل.

و إن كان المراد إثبات الوجوب الغيري لها فهذا ليس توجيها للإشكال‏

و دفعا له،بل إنّما هو قول بموجبة،و موافقة لمن قال باتّصاف المقدّمة بالوجوب‏

قبل وجوب ذيها،كصاحب الذخيرة و الخوانساري-قدّس سرّهما-مع أنّه في‏

1)أي الإسلام.

2)في الأصل:وجوب النفسيّ..


286
مقام التوجيه.

نعم يمكن أن يقال:إن مراده أنّ القدرة على الفعل الواجب و لو في زمان‏

موجبة لتنجّز التكليف بذلك الواجب في وقت وجوبه و لو كان ذلك الوقت‏

متأخّرا عن زمان القدرة،بمعنى أنّها مجوّزة عند العقل للعقاب على ترك ذلك‏

الواجب لا محالة و لو فاتت و انقطعت قبل وقته إذا كان الفوات باختيار المكلّف‏

و إنّما المسلّم إنّما هو عدم إيجابها للأمر بذلك الواجب و التكليف به في وقته إذا

كانت قد فاتت قبله.

و الحاصل:أنّ الامتناع بالاختيار-سواء كان في وقت وجوب الواجب‏

أو قبله-لا ينافي العقاب،و لو نافى فهو ينافي الأمر،فإنّ القدرة على الفعل في‏

زمان موجبة لحسن العقاب عليه-سواء بقيت إلى وقته أو فوّتها المكلّف قبله،

و إذا قدر المكلّف على المقدّمات في زمان قبل وقت الواجب فهو قادر الآن على‏

الإتيان بذلك الواجب في وقته،بأن يوجد تلك المقدّمات الآن،فيفعل الواجب‏

بعدها في وقته،فيتنجّز عليه ذلك الواجب،بمعنى حسن العقاب على تركه إذا

كان مسبّبا عن تقصيره،فلزوم الإتيان بتلك المقدّمات حينئذ إنّما هو للتحرّز عن‏

ذلك العقاب،إذ لو فوّتها فقد فوّت القدرة،و معه يستحقّه.

ففارق هذا الوجه الوجه الأوّل،حيث إنّ وجوبها على هذا الوجه ليس‏

نفسيا،و ليس العقاب المذكور على نفس تلك المقدّمات،بل وجوبها غيري،

بمعنى أنّه لأجل الغير،و العقاب إنّما هو على الغير،إلاّ أنّه يجوز تقديمه على‏

وقت ذلك الغير،لتحقّق ترك ذلك الغير الواجب الآن لعدم تمكّنه منه بعد تفويت‏

تلك المقدّمات.

و كذا فارق الوجه الثاني،لأنّ الكلام على هذا الوجه على تقدير عدم‏

حصول وجوب ذي المقدّمة بعد.

و لا يرد أيضا ما ذكر من الالتزام بموجب الإشكال،فإنّ وجوب تلك‏


287
المقدّمات ناشئ عن عقاب ذواتها،لا عن وجوب ذواتها،فافهم.

نعم يمكن أن يكون مراده إثبات العقاب-عند ترك المقدّمات-على‏

ذواتها،لا إثبات وجوب تلك قبل وجوب ذواتها،بل الحال فيها هي الحال في سائر

المقدّمات عند حصول وجوب ذواتها،فإنّه ليس الكلام الآن في وجوب المقدّمة.

و لكن الإنصاف أنّ الظاهر أنّ مراده ليس دعوى وجوب تلك‏

المقدّمات،بل إنّما هو أوكل الأمر فيها إلى سائر المقدّمات،بمعنى أنّ حالها إنّما

هي حال سائر المقدّمات عند وجوب ذواتها،فيثبت لها حينئذ ما ثبت لغيرها

على اختلاف الآراء.

بل مراده:أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار:بمعنى الأمر كما هو

مقالة المشهور،أو بمعنى العقاب كما هو مقالة آخرين،و عليه المذهب في الجملة،

و أنّه يكفي في تنجّز التكليف على المكلّف-بحيث يصحّ عقابه على تركه-قدرته‏

على المكلّف به في الجملة،و لا يشترط بقاؤها إلى وقت وجوب الواجب إذا لم تفت‏

عليه بسبب غير اختياري له،و لا ريب أنّه إذا علم الآن بتوجّه خطاب إليه فيما

بعد،و كان الآن متمكّنا من الإتيان بمقدّمات المأمور به التي لو فعلها الآن يقدر

على الإتيان به في وقته،و لو تركها يتعذّر عليه حينئذ،فهو الآن قادر على الإتيان‏

بالمأمور به في وقته لقدرته الآن‏على‏ما يتوقّف‏ (1) عليه.و هذا القدر من القدرة

كاف في تنجّز التكليف عليه فيما بعد بحكم العقل و بناء العقلاء.

و لمّا كان المفروض فيما نحن فيه علم المكلف بتوجه أمر إليه فيما بعد،

و قدرته على مقدّماته التي لو فعلها يتمكّن من فعل المأمور به في وقته،فهو قادر

قبل الوقت على المأمور به في وقته،فيوجب ذلك تنجّز ذلك الأمر عليه في ذلك‏

1)في الأصل:لما يتوقّف..

288
الوقت،فحينئذ لو ترك تلك المقدّمات فهو قد فوّت المأمور به عليه بسوء

اختياره،و هو لا ينافي العقاب على المكلّف به لا محالة،و لو كان بتفويت القدرة

قبل مجي‏ء وقت الواجب،فالعقل يحكم حينئذ بلزوم التحرّز عن ذلك العقاب‏

و قبح إيقاع النّفس فيه،و لا ريب أنّ ترك المقدّمات حينئذ إيقاع للنفس في‏

مهلكة العذاب،فوجوب تلك المقدّمات ليس من جهة المقدّميّة للواجب و من‏

حيثيّته،إذ المفروض عدم وجوبه بعد،و ليس نفسيا-أيضا-كما لا يخفى،لأنّ‏

التزام العقلاء بذلك إنّما لأجل الفرار عن العقاب،فيكون وجوبها عقليا إرشاديا

غيريا،ففارق هذا الوجه الوجه الأوّل للثاني،و الثاني للأوّل‏ (1) ،فمن هنا علم أنّ‏

مراده من التكليف المدّعى قبح تفويته هو المكلّف به،لا الأمر،إذ المفروض‏

توجّه الأمر إليه فيما بعد و لو عجز عن المكلّف‏به‏بسوء اختياره،كما مرّ.

مع أنّه لا يعقل جعل المدار في القبح على تفويت الأمر،إذ لو كان المدار

عليه لسرى إلى جميع الموارد،مع أنّ بعضها عدم العقاب فيه بديهي في الدين،

كما لو كان أحد قادرا على تحصيل الشرعية فلم يحصّلها،إذ لا شبهة في عدم‏

العقاب عليه في ذلك و عدم القبح أيضا،مع أنّه فوّت الأمر،مع أنّه لا معنى لقبح‏

تفويت الأمر،إذ لا مطلوبية و محبوبية في الأمر نفسه،و إنّما المصلحة في الفعل‏

المأمور به.

هذا،ثمّ إنّ القائل‏قد (2) يقول:إنّه لا يمكن البناء على كفاية القدرة

الحاصلة قبل وقت الوجوب في تنجّز الواجب على المكلّف في ذلك الوقت بطريق‏

الإيجاب الكلّي بالنسبة إلى الموارد،و الالتزام به في مورد دون آخر ترجيح بلا

مرجّح:

أمّا عدم إمكان البناء عليه كلّية فلأنّه لا ريب في أنّ من قدر على‏

1)في الأصل:ففارق هذا الوجه للوجه الأوّل للثاني،و للثاني للأوّل.

2)في الأصل هنا كلمة غير مقروءة تشبه(ليس)أو(لن).

289
تحصيل الاستطاعة المشروط بها وجوب الحجّ الآن فهو قادر الآن على‏ (1)

الحج في وقته بتقريب ما مرّ،مع أنّ عدم العقاب عليه لو لم يحصّلها ضروري‏

الدين.

و أمّا الثاني-أعني عدم الترجيح لبعض الموارد و عدم خصوصية له‏

بالنسبة إلى ما عداه-فواضح،و إن كان فبيّنه‏ (2) .

هذا،لكن الإنصاف عدم ورود هذا السؤال،فإنّ عدم إمكان الكلّية

المذكور-و إن كان مسلّما-إلاّ أنّ منع خصوصية لبعض الموارد على الآخر

ممنوع.

بيانه:أنّ مراد الموجّه:أنّ هذه قاعدة عقلية ثابتة بالعقل و بناء العقلاء

فيما إذا كان الأمر مطلقا بالنسبة إلى القدرة،لكن للآمر أن يعتبر في أمره تقييده‏

بقدرة خاصّة-و هي الحاصلة في وقت الواجب كما في الحجّ-فيخرج بذلك عن‏

موضوع حكم العقل،فلا يرد أيضا أنّ هذا تخصيص لحكم العقل،فثبت‏

الخصوصية لبعض الموارد بالنسبة إلى الآخر.

هذا،لكن الإنصاف-بعد ذلك كلّه-عدم جواز تصديق الموجّه في ذلك.

نعم،المذمّة ثابتة من العقلاء لو عجّز العبد نفسه عن الإتيان بالواجب في وقته،

لكن الظاهر أنّه على الفاعل لا الفعل.

ثمّ إنّ الفرق بين ما نحن فيه و بين المسألة المتقدّمة سابقا،و هي ثبوت‏

العقاب على من علم إجمالا بأحكام اللَّه تعالى عليه،فلم يتعلّمها حتى وصل‏

وقت الواجب و هو غافل عن وجوبه:أنّ الكلام هنا-كما عرفت-في أنّ المعتبر

في تنجّز التكليف بالواجب في وقته هو بقاء القدرة للمكلّف في ذلك الوقت أو في‏

1)في الأصل.من.

2)أي و إن كان ترجيح لخصوصيّة فبيّنه.

290
الجملة بعد علم المكلّف قبل الوقت بتوجّه أمر إليه فيما بعد لو بقي على شرائط

التكليف،و ثمّة في أنّ احتمال التكليف بالنسبة إلى شي‏ء مانع عن الرجوع إلى‏

أصالة البراءة قبل الفحص،إذ لا بدّ من الفحص.

ثمّ إنّه ليس الكلام في هاتين المسألتين من جهة وجوب المقدّمة كما لا

يخفى.

ثمّ إنّه بعد ما صدّقنا الوجه المذكور يشكل الأمر في الأمثلة المتقدّمة،

حيث إنّه لامجال‏ (1) لإنكار الوجوب فيها،و لا يمكن القول بالوجوب النفسيّ‏

كما هو الوجه الأوّل لا سيّما في مثل تعلّم المسائل و القراءة قبل الوقت،فينحصر

العلاج في التزام أحد أمور:

الأوّل:إنكار العقاب عند ترك تلك المقدّمات،و هو مشكل.

الثاني:نفي الواجب المشروط و إرجاع جميع الواجبات المشروطة بظاهر

الأدلّة إلى المعلّق،و هو أشكل للقطع بوجود واجبات مشروطة.

الثالث-التزام الوجه الثالث و دفع الإشكال بعدم إمكان القول به كلّية

بالتزام الجزئية،و إبداء الفرق بأحد وجهين-على سبيل منع الخلوّ:

أحدهما:ما مرّ من اختصاصه بالأوامر المطلقة بالنسبة إلى القدرة.

و الثاني:أن يقال:إنّ شرائط الوجوب في الواجب المشروط على‏

ضربين:

أحدهما:ما يكون محقّقا لعنوان الآخر بحيث لا يتعلّق هو إلاّ به،

كالاستطاعة للحجّ،حيث إنّ الأمر به يتعلّق بالمستطيع.

و الآخر:ما ليس كذلك،بل الأمر يتعلّق مطلقا بالنسبة إليه كالقدرة،

فيقال بقبح التفويت في الثاني دون الأوّل.

1)في الأصل:لا مناص..

291
و يمكن أن يقال:إنّ شرائط الوجوب في الواجب المشروط (1) -كما

أشير إليها-على ضربين:الشرعيّة و العقليّة:

الأولى:كالبلوغ و الاستطاعة في الحجّ،و الخلوّ من الحيض و النفاس في‏

العبادات بالنسبة إلى المرأة.

الثانية-هي القدرة بأنحائها،و أمّا العلم بالمأمور به فليس من شرائط

الوجوب و لا الوجود،لكفاية الاحتمال.

و إنّ الأولى من محقّقات عنوان الأمر بحيث لا يكون للأمر تعلّق‏

بالمكلّف أصلا بدونها،و يكون فاقدها خارجا عن موضوع الخطاب.

و أمّا الثانية فمن شرائط تعلّق الأمر،لا محقّقة لعنوانه،فمن هنا يقال:

إنّ الواجب المشروط ينحلّ إلى قضيتين:إحداهما سلبية،و الأخرى إيجابية،فإنّ‏

وجوب الحجّ بملاحظة اشتراطه بالاستطاعة ينحلّ إلى قولنا:المستطيع يحجّ،

و غيره لا يحجّ،و كذا في غيرها من شرائط الوجوب،و أمّا الوقت فليس من‏

شرائط الوجوب،بل للوجود.

فحينئذ نقول:إنّه إذا تحقّق في المكلّف الشرائط الشرعية للوجوب‏

-مع علمه ببقاء قدرته إلى وقت الفعل لو لا مانع سوء اختياره-يتعلّق‏ (2) الآن‏

التكليف بالواجب به و يتنجّز عليه لحصول شرائطه،فلا يجوز تفويت القدرة

بعده بسوء اختياره،لأنّه راجع إلى مخالفة الأمر عمدا،و لا يكون مشروطا

بالنسبة إلى الوقت،بل‏من‏المعلّق-الّذي هو قسم من المطلق-،فحينئذ

لو لم يتعلّم المسائل و القراءة،أو لم تغتسل بعد دورة الشهر التي هي كالشرط (3)

1)العبارة في الأصل غير واضحة.

2)في الأصل:فيتعلّق..

3)العبارة في الأصل غير واضحة.

292
في وجوب الصوم شرعا،مع كونه بالغا،أو عجّز نفسه عن الإتيان بالمكلّف به في‏

وقته،فهو معاقب لكونه مفوّتا له بعد تنجّز التكليف،فهو عاص.

و أمّا لو انتفى عنه فعلا أحد الأمور الشرعية التي هي شروط الوجوب‏

مع علمه بحصوله بعد،و لو كان الآن قادرا على نفس الفعل عقلا،أو انتفى الآن‏

عنه القدرة حال كونه جامعا فلا دليل على كونه معاقبا على تفويت التكليف‏

بتفويت القدرة الآن عن نفسه بحيث لا يبقى له قدرة حين حصول الشروط

الشرعيّة في الصورة الأولى،أو بتفويت الشروط الشرعيّة في الثانية،و أمّا الثاني‏

فواضح،و أمّا الأوّل فلعدم العلم به،فنقول حينئذ:

إنّ تعلّم المسائل و القراءة و الغسل للصوم و عدم تفويت القدرة إنّما يسلّم‏

وجوبها في صورة كون المكلّف جامعا للشروط الشرعية و عالما بأنّه لو لا مانع‏

سوء اختياره لقدر على المكلّف‏به‏في حينه،فيكون وجوب تعلّم المسائل أو

الغسل في الليل بعد الرؤية على طبق‏القاعدةلكونهما حينئذ من مقدّمات‏

الواجب المشروط بعد وجود شرطه.

و أمّا عدم جواز تفويت القدرة فهو من باب أنّه راجع إلى مخالفة هذا

التكليف المنجّز عليه الآن،لا من جهة كونه مقدّمة وجودية و إن جعلتها مقدّمة

وجودية أيضا و قلت بوجوبها،لأنّه حينئذ على طبق القاعدة.

و أمّا في غير صورة اجتماع تلك الشرائط فلا إجماع دلّ على وجوبها و على‏

مدعيه الإثبات.

و كيف كان،فالأجوبة الثلاثة عن الإشكال المتقدّم ما لا يخفى في كلّ‏

منها:

أمّا الأوّل-و هو التزام كون تلك المقدّمات واجبة نفسا-فلعدم إمكان‏

الالتزام به،لا سيّما في مثل تعلّم المسائل و القراءة.

و أمّا الثاني-و هو التزام كون الواجبات التي هي ذوات تلك المقدّمات‏


293
معلّقة-فهو أيضا غير مطّرد،إذ ليس يمكن إرجاع كلّ أمر مقيّد إلى الواجب‏

المعلّق بجعل القيد متعلّقا للواجب لا الوجوب إذ لنا في الشريعة واجبات‏

مشروطة بالضرورة،فتتوقّف تمامية الوجه-بحيث ينفع في كلّ مورد-على إنكار

الواجب المشروط،و هو كما ترى.

و أمّا الثالث-و هو التزام كونها مشروطة و القول بوجوب تلك المقدّمات من‏

باب عدم جواز تفويت القدرة-فقد عرفت ما فيه من أن المسلّم من حكم العقل‏

بقبح التفويت إنّما هو فيما إذا كان توجّه التكليف إلى المكلّف فعلا بحيث يكون‏

داخلا في موضوع الخطاب لرجوع سلب القدرة حينئذ إلى مخالفة الأمر

و عصيانه،و أمّا قبله فلا.

نعم يذمّ العبد من باب أنّه يكشف عن سوء سريرته،فالقبح فاعليّ،لا

فعليّ يترتّب عليه العقاب.

فالأجود أن يقال:بأنّه إن أمكن حمل الأمر المقيّد بتقدير خاصّ على‏

المعلّق-بأن يستفاد من الدليل كون القيد راجعا إلى المطلوب لا الطلب-

نلتزم‏ (1) حينئذ بوجوب تلك المقدّمات قبل حصول التقدير الخاصّ بكونها حينئذ

مقدّمات للواجب المطلق،و هو على طبق القاعدة،و إلاّ فنمنع وجوبها إلاّ في‏

صورة حصول القيد،فنحن لسنا ملتزمين بوجوبها في كلّ مورد حتّى يرد علينا

الإشكال،فنقع في كلفة الجواب.

تنبيه:

اعلم أنّه قد خصّ بعضهم وجوب الغسل في ليلة رمضان بالجزء الأخير

منها الّذي يسع الغسل‏ (2) معلّلا:بأنّ الحاكم بوجوب المقدّمة هو العقل،و هو

1)في الأصل:فنلتزم..

2)في الأصل:للغسل..

294
لا يحكم و لا يلزم به إلاّ في تلك الحال.

و فيه:أنّ حكم العقل به إنّما هو من جهة ملاحظة الأمر بذيها،فحينئذ

إن فرض أمر قبل الصبح فلا فرق حينئذ بين الجزء الأوّل من الليل و آخره.

نعم في الجزء الأوّل-لمّا يرى تعدّد أفراد الغسل بحسب إمكان إيقاعه‏

في الليل-لا يحكم به مضيّقا،بل موسّعا و مخيّرا،و حكمه بالضيق في آخر الوقت‏

لانحصار الفرد فيه،و ان لم يكن امر فلا يحكم بالوجوب.

و الظاهر أنّ المشهور بناؤهم على جواز نيّة الوجوب في الغسل في أي جزء

من الليل.

لكن يرد عليهم:أنّهم إذا لم يخصّوا الوجوب بالجزء الأخير،فلم ما عمّموه‏

إلى‏ماقبل رمضان أيضا.

لكنّه مدفوع:بأنّ الخطاب لم يتوجّه بعد إلى المكلّف،و إنّما يتوجّه إليه‏

بعد الرؤية بمقتضى قوله تعالى: من شهد منكُمُ الشهرَ فَليصُمه (1) ،فإذا

رأى الهلال يجب‏ (2) عليه صوم الشهر،و يكون مجي‏ء كلّ يوم من ظروف الامتثال‏ (3)

لا من شروط الوجوب،فيكون الوجوب معلّقا بالنسبة إليه،فيجب من أوّل‏

الليلة.

ينقسم الواجب باعتبار آخر إلى النفسيّ و الغيري:

و الّذي ينبغي أن يعرّف به الغيري-بحيث يسلم عمّا يرد على ما عرّفه‏

به بعضهم-هو أن يقال:إنّه ما يكون وجوبه لأجل واجب آخر،أي لكونه‏

1)البقرة:185.

2)في الأصل:فيجب..

3)الكلمة في الأصل غير واضحة.

295
مقدّمة لامتثال واجب آخر،فعلى هذا لا يحتاج لزوم إيجاده إلى خطاب من الشرع‏

لكونه معنونا بعنوان المقدّمة الّذي يحرّك معه العقل إلى إيجاده،و لو فرض ورود

خطاب به من الشارع فهو لا يكون إلاّ إرشاديا أو بيانا لكون الشي‏ء مقدّمة،

كما في المقدّمات الشرعية التي لا سبيل للعقل إلى توقّف الواجبات عليها مثل:

قوله تعالى: إذا قُمتُم إلى الصلاةِ فَاغْسِلُوا (1) الآية،و أمثاله.

و الواجب النفسيّ بخلافه،فعلى هذا ينطبق‏ (2) الحدّ على مقدّمات‏

الواجبات كلها،و لا يشمل غيرها أصلا،و لا بدّ أن يكون كذلك،فإنّ الظاهر بل‏

المقطوع به أنّ مرادهم بالواجب الغيري-اصطلاحا-ذلك لا غير،و ان كان‏

يصحّ إطلاقه أيضا على ما كان الغرض من وجوبه التوصّل إلى مصلحة حاصلة

في غيره لغة،لكنه خارج عن محلّ الكلام.

و بالجملة:فخرج بقولنا:(لأجل واجب آخر)ما كان الداعي إلى‏

وجوبه حصول غاية و غرض من الأغراض و لو كان ذلك الغرض و الغاية هو

التأهّل لتكليف آخر،كما قيل في وجوب الغسل على الجنب و الحائض و النفساء

في ليلة رمضان فرارا عن لزوم تقدّم وجوب المقدّمة على وجوب ذيها،كما عرفت‏

سابقا مع ما فيه.

و من عرّف الواجب الغيري:بأنّه ما يكون وجوبه لأجل الغير يرد عليه‏

النقض بجميع الواجبات النفسيّة،لأنّها إنّما وجبت لأجل الغير،و هو غايتها

المترتّبة عليها كالتقرّب و نحوه.

ثمّ إنّ لازم الواجب الغيري سقوط الوجوب عنه إذا وجد في الخارج بأيّ‏

وجه اتفق،إلاّ أنّه إذا كان عبادة ليس هو بذاته مقدّمة،بل المقدّمة هو متقيّدا

1)المائدة:6.

2)في الأصل:فينطبق..


296
بكونه واقعا على وجه الطاعة،فلا يوجد بدون قصد الامتثال،ضرورة انتفاء

المقيّد بانتفاء قيده.

و لازمه-أيضا-أنّه لو أوجده المكلّف قبل زمان وجوب الواجب-الّذي‏

هو مقدّمة لذلك،و كان واجدا له إلى أن دخل وقت ذلك الواجب-يسقط وجوبه،

و لا يلزم إعادته ثانيا،فمن توضّأ قبل الوقت استحبابا،و قلنا بكونه رافعا،فلا

حاجة إلى إعادته بعد دخول وقتها،فإنّ ما يتوقّف عليه إباحة الدخول في‏

الصلاة إنّما هو كون المصلّي متطهّرا عند الدخول،و هذا أمر حاصل من ذلك‏

الوضوء،فيرجع الأمر بإعادته إلى طلب الحاصل.

ثمّ إنّك قد علمت:أنّ الحكمة الباعثة على وجوب الواجب الغيري إنّما

هو كونه مقدّمة لامتثال واجب آخر فمهما تحقّقت تلك الحكمة في شي‏ء فيترتّب‏

عليه ذلك الوجوب عقلا و لو لم يكن هناك أمر من الشارع،كما أنّها أينما انتفت‏

لا يعقل الوجوب الغيري هناك.

و من هنا ظهر فساد ما ذهب إليه بعضهم من منع وجوب مقدّمة الواجب‏

بالوجوب الغيري إلاّ ما دلّ دليل شرعي على وجوبها كذلك كالوضوء و نحوه.

و توضيح فساده:أنّه إن فرض خلوّ الوضوء و نحوه مما اعترف هو بوجوبه‏

الغيري بمقتضى الأدلّة النقليّة عن تلك المصلحة فلا يعقل إيجاب الشارع إياه‏

لأجل المقدّمة للغير،و إن فرض حصولها فيه و أنّ الشارع أوجبه لتلك فلا يعقل‏

الفرق بينه و بين سائر الموارد من المقدّمات التي لم يرد من الشارع خطاب على‏

وجوبها لوجود تلك في كلّ واحدة منها بعينها من غير نقصان فيها.

و بالجملة:الوجوب الغيري لشي‏ء قد يثبت من الشارع كما في المقدّمات‏

الشرعية التي لا سبيل للعقل إلى معرفة كونها مقدّمات،و قد يثبت بالعقل كما في‏

المقدّمات العقلية و العادية.

و كيف كان،فلا يعقل التفصيل فيه بين المقدّمات بعد إحراز كونها


297
متساوية من حيث المقدّمية،و لا ثبوته فيما خلا عن تلك الحيثية.

مقتضى الأصل اللفظي عند الشك في النفسيّة و الغيرية
ثم إنّ مادّة الوجوب أو الهيئة الموضوعة لها-و هي صيغة(افعل)،أو

غيرهما و هي أسماء الأفعال الدالة على ما تدلّ عليه المادة و الهيئة-هل هي حقيقة

بحسب الوضع اللغوي أو العرفي في الوجوب النفسيّ أو أنها للأعم منه‏

و الغيري؟

الحقّ هو الثاني،فإنّا إذا راجعنا العرف-و كذا وجداننا-في مقام‏

التخاطب مع قطع النّظر عما يوجب صرف اللفظ إلى النفسيّ يتبادر منه القدر

المشترك بينهما-أي ما يقبل الانطباق‏على‏كلّ منهما-و هو دليل الوضع.

نعم يجب حمل تلك الألفاظ عند الإطلاق على الوجوب النفسيّ إذا كان‏

المقام جامعا لشرائط صحّة التمسّك بالإطلاق من كونه في مقام بيان تمام مقصود

المتكلّم مع خلوّه عن أمارة موهمة لإرادة المقيّد،و هو الوجوب الغيري فيما نحن‏

فيه،فيحكم حينئذ-بمقتضى قاعدة الحكمة من قبح تفويت الغرض و نقضه-

أنّ المراد هو المطلق،و هو فيما نحن فيه الوجوب النفسيّ،فإنّ الوجوب النفسيّ‏

و الغيري كليهما و إن اشتركا في كون كلّ واحد منهما مقيّدا بعلّته كما هو الحال في‏

سائر الموجودات من الممكنات،حيث أنّ كلاّ منها مقيّد بعلّته-بمعنى أنّ‏

وجودها ليس على كلّ تقدير،بل إنّما هو على تقدير وجود عللها الموجدة لها-

إلاّ أنّ الوجوب الغيري إنّما هو مقيّد بعنوان غير مقيّد به النفسيّ،و هو كونه‏

لأجل واجب آخر-كما عرفت في حدّه-فتكون نسبته إلى النفسيّ من نسبة

المقيّد إلى المطلق،فيجري فيهما ما يجري في المطلقات و المقيّدات.

و يكفيك شاهدا على ذلك:أنه لو تعلّق غرض المتكلّم ببيان الوجوب‏

الغيري لا يكفيه إيراد اللفظ مجرّدا عن التقييد بكونه لأجل واجب آخر بحيث‏

لو عبّر عن مقصوده ذلك باللفظ المطلق لكان مخلا بغرضه جدّاً،بخلاف ما لو

كان مراده الوجوب النفسيّ و تعلّق غرضه ببيانه،حيث إنه يكفيه التعبير عنه‏


298
باللفظ المطلق من دون حاجة إلى التقييد بكونه نفسيّا.

و كيف‏كان‏فلا ينبغي الارتياب في وجوب حمل تلك الألفاظ عند

الإطلاق على النفسيّ‏1لعدم ذكر القيد إذا كان المقام مقام بيان المراد من جهة

النفسيّة و الغيرية بأن يحرز من حال المتكلّم كونه في هذا المقام و إن كان إحراز

ذلك-لقلّة2موارده-في غاية الإشكال.

ثمّ إنّه يمكن دعوى ظهور تلك الألفاظ الدالّة على الوجوب في النفسيّ‏

منه عند الإطلاق من جهة الانصراف بسبب أكمليّة النفسيّ إلى حيث كأنّ‏

1اعلم أنّ ما اخترنا من ظهور الأمر في الوجوب النفسيّ نريد ظهوره في الوجوب المطلق،أي غير

المقيّد بواجب آخر قبال المقيّد به،و هذا المفهوم ملازم للوجوب النفسيّ،و مساو له،فالأمر لا ظهور له‏

-أوّلا و بالذات-في النفسيّ،بل هو ابتداء ظاهر-لأجل إطلاقه-في المطلق بالمعنى المذكور،فيكون‏

ظاهرا في النفسيّ من جهة ملازمة ذلك المفهوم للوجوب النفسيّ و تساويه له،فيكون ظهوره فيه‏

بالالتزام،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2لأنه لا يترتّب على بيان النفسيّة و الغيرية فائدة غالبا،و إنّما قيّدنا بالغالب،لأنه قد يتوهّم المخاطب‏

فيما إذا كان الواجب غيريا في الواقع مع عدم تقييد الأمر بكونه غيريا في الظاهر،أي ذلك واجب عليه‏

على تقدير عدم وجوب ذلك الغير أيضا،فيقع لأجل ذلك في كلفة الإتيان به في غير وقت وجوب ذلك‏

الغير أيضا،فإذا كان الآمر المكلّف-بالكسر-بانيا على تسهيل الأمر على عبده كما هو شأن الشارع،

فذلك يقتضي أن يبيّن له كونه غيريّا،لكن لا يخفى أنّ ذلك إنّما يتصوّر فيما إذا كان وجوب ذي المقدّمة

المعبّر عنه بالغير في وقت دون آخر،و أمّا إذا كان وجوبه دائميا فلا فائدة في البيان أصلا،لعدم تمشّي‏

التسهيل حينئذ،فإنّه إذا كان ذو المقدّمة واجبا دائما يكون‏ (1) مقدّمته واجبة كذلك،فلا يتصوّر له مقام‏

بيان أصلا،فإنّ حال الخطاب الغيري حينئذ يكون حال الوجوب المشروط بحسب الواقع المتوجّه إلى‏

المكلّف‏حال كونه‏ (2) واجد الشرط،فكما أنه ليس المقام ثمة مقام البيان كذلك هنا،فلا يصحّ التمسّك‏

بالإطلاق المقامي.

اللهمّ إلاّ أن يتصوّر حينئذ أيضا حكم آخر مترتّب على بيان الغيرية.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:فيكون.

2)أثبتنا هاتين الكلمتين استظهارا،لأنه يوجد هنا سقط في النسخة الأصلية.

299
الوجوب منحصر فيه بحيث لا يرى في الأنظار ابتداء غيره.

بل و يمكن دعوى ظهور الطلب الوجوبيّ في النفسيّ أيضا من غير جهة

الانصراف و هو جهة ظهور حال الطالب،فإنّ الظاهر من حال الطالب لشي‏ء

إنّما هو كون محبوبه و غرضه نفس ذلك المطلوب،لا كونه مقدّمة لحصول غرضه‏

الحاصل في غير ذلك المطلوب،فهذا الظهور الحالي يوجب ظهور اللفظ في كون‏

المراد هو النفسيّ و لو لم يكن في المقام شي‏ء من أسباب الانصراف،و لا ريب أنّ‏

الظهور المستند إليه أقوى ممّا استند إلى بعض المراتب من مراتب أسباب‏

الانصراف،كما لا يخفى على المتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّ قاعدة الحكمة الموجبة لحمل المطلقات على المعاني المطلقة

لا توجب ظهور اللفظ المطلق في إرادة المعنى المطلق،و لذا لو دلّ خطاب آخر

على إرادة المقيّد و لو بأضعف الظهورات اللفظية لا تعارض بينه و بين تلك‏

المطلقات،بل هو وارد على إطلاقها نظرا إلى أنّ موضوعه إنّما هو عدم البيان،

و مع ذلك الخطاب يرتفع هذا الموضوع الّذي هو المناط للقاعدة المذكورة،و هذا

واضح،بخلاف ما لو حملناها على المعاني المطلقة عند الإطلاق من جهة

الانصراف أو الظهور الحالي المذكور،فإنّه حينئذ لأجل ظهور اللفظ في كون‏

المراد هو المطلق و يكون السبب للانصراف أو الظهور الحالي قرينة عليه و منشأ

لهذا الظهور،و لذا لا يتوقف حمل المطلق حينئذ على المعنى المطلق على إحراز

كونه واردا في مقام البيان،بل إنّما هو ظاهر في إرادته من أوّل الأمر.

فعلى هذا لو دلّ خطاب آخر منفصل على إرادة المقيّد يقع التعارض بينه‏

و بين ذلك الظهور،فتلاحظ قاعدة التعارض.

و إن شئت قلت:إنّ بملاحظة قاعدة الحكمة بعد إحراز مقام البيان يظهر

أنّ مراد المتكلّم هو المعنى المطلق،لكن ليس هذا الظهور حينئذ ناشئا من اللفظ

و لو بسبب القاعدة،بل إنّما هو ظهور خارجي ناش عن أمر خارجي كظهور


300
أنّ المراد هو المعنى الفلاني من الخبر بملاحظة شهرة الفتوى مثلا.

هذا بخلاف الظهور من جهة الانصراف أو الظهور الحالي،إذ لا ريب‏

أنّهما يوجبان ظهور (1) اللفظ في إرادة المعنى المطلق من أوّل الأمر فيكون ذلك‏

الظهور من الظهورات اللفظية المعتبرة.

ثمّ إنّ المحقّقين على أنّ المطلقات إنّما هي موضوعة لنفس الطبائع المهملة

الصالحة لجميع الاعتبارات و الطواري من القيود بحيث لم يلحظ فيها اعتبار

كونها مطلقة أيضا،مضافا إلى عدم ملاحظة اعتبار سائر القيود،فإرادة

المقيّدات من تلك الطبائع منها لا توجب صيرورتها مجازا حينئذ،لاستعمالها حينئذ

أيضا فيما وضعت له،فإنّ وجوده في ضمن المقيّد لا يقدح في كون استعمال اللفظ

فيه حقيقة،إذ المفروض أنه معنى لا بشرط يصلح لألف شرط.

نعم لو أريدت الخصوصية من حاقّ اللفظ فيكون مجازا،لأنه لم يوضع‏

لذلك المعنى بتلك الخصوصية،بل مع قطع النّظر عنها.

لكن الظاهر أنّ إرادة الخصوصيّات فيما إذا كان المراد هو المقيّدات ليس‏

من حاقّ اللفظ،بل إنّما هي بدالّ آخر،كأحد أسباب الانصراف أو قرينة

أخرى،فيكون إفادة المقيّدات بدالّين لا بواحد.

أقول:و هذا هو الحقّ الّذي ينبغي أن يعتمد عليه وفاقا لشيخنا الأستاذ

-قدّس سرّه-و لسيّدنا الأستاذ1-دام ظلّه-،فعلى هذا يكون الحال في‏

المطلقات المحمولة على المعاني المطلقة-التي هي فرد من تلك الطبائع المهملة

كالمطلقات المحمولة على الأفراد الشائعة أو الكاملة من جهة الانصراف-هي‏

1هذا الكلام صريح في أنّ هذا الكتاب تصنيف للمحرّر،لا تقرير لدرس أستاذه(قده)،كما مرّ نظائره‏

في الإشارة إلى ذلك.

1)في الأصل:لظهور..

301
الحال فيها فيما إذا حملت عليها من جهة قاعدة الحكمة بالنظر إلى الثمرة الآتية

بين كون الوجوب موضوعا للنفسي أو كونه للأعمّ،و أنّه محمول على النفسيّ من‏

باب قاعدة الحكمة إذا جرت في مورد.

نعم قد قيل:إنّ الانصرافات من قبيل المجاز بمعنى أنّ اللفظ مستعمل‏

في خصوص معنى المنصرف إليه.

و قد يقال:إنّها من جهة الوضع في العرف بمعنى أنّ المطلقات في الأصل‏

و إن كانت موضوعة للطبائع المهملة،لكنّها في العرف نقلت إلى ما ينصرف إليه‏1.

و على هذين القولين-أي على أيّ منهما-يخالف حكم المطلقات المنصرفة

-بأحد أسباب الانصراف إلى المعاني المطلقة أو الأفراد الشائعة أو غيرها-

حكمها إذا حملت على المعاني المطلقة من جهة قاعدة الحكمة المذكورة بالنظر

إلى الثمرة الآتية.

لكن لا يخفى على المتأمّل فساد هذين القولين كليهما.

ثمّ إنّه يسري‏ (1) -من الخلاف في أنّ الانصرافات من قبيل تعدّد الدّال‏

و وحدة المطلوب كما هو المختار عندنا،أو أنّها من قبيل المجاز كما هو قول بعض،

أو من باب الوضع العرفي كما هو مذهب آخرين-الخلاف في أنّ ظهور الأمر

و غيره-مما يدلّ على الوجوب-في الوجوب النفسيّ العرفي هل هو من باب‏

تعدّد الدالّ و وحدة المطلوب أو من باب المجاز أو الوضع العرفي‏2لكون المقام‏

1بمعنى أنّ المطلقات بوصف إطلاقها،أي حال كونها مطلقة نقلت إلى ما ينصرف إليه عند

الإطلاق.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2اعلم أنه إذا قام قرينة على عدم إرادة الوجوب النفسيّ يحمل‏ (2) على الوجوب الغيري،لأنّه أقرب من‏

الاستحباب،و إن علم عدم إرادة الوجوب الغيري أيضا فعلى الاستحباب النفسيّ،فإنّه أقرب من‏

1)في الأصل:(يتسرّى)،و لا يوجد في اللغة هذا الفعل من السراية،فالصحيح ما أثبتناه‏

2)في الأصل:فيحمل.

302
من أفراد موضوع ذلك الخلاف؟و المختار هنا هو المختار ثمة.

و يتفرّع على هذا الخلاف اختلاف المراد في المفهوم فيما إذا وقع الأمر

و ما يحذو حذوه ممّا يدلّ على الوجوب-في حيّز ما يفيد الانتفاء عند الانتفاء من‏

الشرط و الغاية و الوصف على القول بالمفهوم له:

فعلى ما اخترنا-من كون المراد من اللفظ هي نفس الطبيعة المهملة،

و أنّ إفادة الخصوصية إنّما هي بدالّ آخر-يكون‏ (1) المفهوم في المقام هو انتفاء

مطلق الوجوب الأعمّ من كلّ من النفسيّ و الغيري.

و أمّا على القولين الآخرين فيكون هو انتفاء الوجوب النفسيّ‏

بالخصوص،و السرّ في ذلك أنّ قاعدة أخذ المفهوم هي نفي الحكم المراد من‏

اللفظ في المنطوق عن غير مورد القيد،و لما كان المراد منه على المختار هو مطلق‏

الوجوب فيكون المنفيّ حينئذ هو لا غير،و على القولين الآخرين هو خصوص‏

النفسيّ،فيكون المنفيّ هو بالخصوص.

فهذه الثمرة ثابتة بين ما اخترنا و بين كلا القولين الأخيرين،و أما بين‏

هذين فهي منتفية جدّاً كانتفائها بين ما اخترنا من ظهور الأمر في النفسيّ عند

الإطلاق من غير جهة قاعدة الحكمة و بين ظهوره فيه من جهة تلك القاعدة1.

ثمّ إنّ من ذهب إلى ظهور الأمر لغة في الوجوب النفسيّ موافق للقائلين‏

بذينك القولين من حيث تلك الثمرة المذكورة،فافهم.

الغيري حينئذ،و إن علم عدم إرادة ذلك أيضا فعلى الاستحباب الغيري.

و أما الوجوب الإرشادي فهو ليس في هذه السلسلة لاجتماعه مع النفسيّ و الغيري كليهما،و الفرق‏

بينه و بين الوجوب الغيري بعد اشتراكهما في أصل المطلوبية أنه لمحض اللطف،بخلاف الغيري،فإنّه‏

إنّما هو لأجل التوصّل به إلى المطلوب النفسيّ من دون النّظر فيه إلى الإرشاد و اللطف و الهداية أصلا،

و إن كان يترتب عليه اللطف و الهداية أيضا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1إذ على كلّ منهما يكون اللفظ مستعملا في نفس الطبيعة.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:فيكون..

303
في محقق القربية في الواجب الغيري‏
تنبيه:اختلفوا في أنّ امتثال الواجب الغيري و إيقاعه على وجه الطاعة

من جهة وجوبه الغيري هل يتوقّف على قصد ترتّب ذلك الغير عليه-بأن يفعله‏

لأجل التوصّل به إليه،فلا بدّ من العزم الجزمي على إيجاد ذي المقدّمة أيضا-أولا،

بل يكفي إيجاده بأيّ وجه اتفق و لو كان شاكّا في إيجاده لذي المقدّمة بعده،بل‏

و لو كان عازما على عدمه أيضا؟

ذهب جماعة1-على ما حكي عنهم-إلى الثاني،و آخرون إلى الأوّل،

و هو الحقّ.

و الّذي يمكن كونه سندا للأوّلين أنّ الأمر الغيري الناشئ عن الأمر بذي‏

المقدّمة إنّما تعلّق بذات المقدمة،لا بها بعنوان كونها مقدّمة،فإذا كان المطلوب منه‏

هي الذات،و أتى بها لداعي ذلك الأمر،فقد حصل الامتثال و الطاعة،و لا يعتبر

في امتثال ذلك الأمر قصد ما دعي إليه بأن يفعل الواجب الغيري بداعي ذلك‏

الأمر الغيري بوصف كونه أمرا غيريا و إلاّ يجري مثله في الواجبات النفسيّة أيضا،

حيث إنّ كلّ واجب له داع لا محالة،و هو قد يكون واجبا آخر كما في المقام،و قد

يكون أمرا آخر غير الواجب كسائر المصالح الداعية إلى الأمر،فلو لزم قصد

داعي الأمر أيضا وجب قصد إيقاع الواجبات النفسيّة أيضا بداعي الأمر

النفسيّ بوصف كونه نفسيا أو بوصف كونه ناشئا عن المصلحة الفلانية،ككون‏

الفعل مقرّبا مثلا.

اللازم باطل بالبديهة،فالملزوم مثله،و الملازمة واضحة.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في الاستدلال لذلك القول،لكن ستعرف‏

ضعفه ممّا سيأتي منا.

1منهم فخر الدين(قده)،حيث قال:(أن من كان بالعراق يوم النحر يجوز له الوضوء لطواف الحجّ،

و يصحّ منه ذلك،مع أنه غير عازم على الحجّ،فإنّه غير متمكّن منه في ذلك اليوم).لمحرّره عفا اللَّه عنه.


304
لنا على ما اخترناه وجهان:

الأوّل-أنّ الّذي يستفيد وجوبه العقل من وجوب ذي المقدّمة إنّما هو

عنوان المقدّمة لا غير،فإنّه لما رأى أنّ ذا المقدّمة لا يحصل إلاّ بإيجاد ما يتوقّف‏

عليه،فيحكم لذلك بالملازمة بين وجوبه و وجوب ما يتوقّف عليه من حيث إنّه‏

المتوقّف عليه الواجب،لا وجوب ذات المقدّمة و إن كانت هي لا تنفكّ في الخارج‏

عن ذلك العنوان،و يسقط بها الوجوب الغيري كيف ما اتفقت إذا لم تكن من‏

العبادات،أو كانت منها لكن يمكن إيقاعها على وجه الطاعة المحقّقة للعبادية

إذا تعلّق بها أمر آخر نفسي وجوبي أو ندبي بأن يؤتى بها لداعي ذلك الأمر.

لكن الكلام ليس في السقوط و لا في تحقّق الامتثال مطلقا1،بل في تحقّق‏

الامتثال من جهة وجوبها الغيري كما أشرنا إليه سابقا،فإذا كان عنوان الوجوب‏

الغيري هو المقدّمة-لا الذوات التي هي مصاديقها-يتوقّف‏ (1) صيرورة الإتيان‏

بتلك الذوات امتثالا و إطاعة لذلك الأمر على إيجادها بعنوان المقدّمية،فإن‏

الامتثال لا يحصل إلاّ بإتيان الفعل بالعنوان الّذي تعلّق الأمر به بذلك العنوان،

إذ لو قصد غير ذلك العنوان من سائر العناوين الصادقة على هذا الفعل لم يكن‏

آتيا بالفعل لداعي ذلك الأمر،إذ المفروض تعلّقه بالعنوان الّذي لم يقصد

حصوله،فلا يعقل كون ذلك الأمر داعيا لإيجاد الفعل بغير هذا العنوان،بل إنّما

هو داع لإيجاده بالعنوان الّذي تعلّقت به لا غير،فإذا لم يقع الفعل بداعي ذلك‏

الأمر فلا يقع امتثالا له جدّاً،فإذا لزم قصد ذلك العنوان-أي عنوان المقدّمة-

1و يؤكّد عدم إمكان تحقّق الامتثال و الطاعة بمجرّد الإتيان بالمقدّمة-مع عدم العزم على ترتيب ذيها

عليها فيما إذا كان عازما على ترك ذي المقدّمة بالمرّة أو شاكّا في الإتيان به بعدها-أنّه متجرّ في الإتيان‏

بها في تينك الصورتين بالنسبة إلى ذي المقدّمة،و لا يعقل اجتماع التجرّي مع الامتثال و الطاعة

بالضرورة.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:فيتوقف..

305
فلا ريب أنّ قصده عبارة عن إيجاد الفعل بقصد التوصّل به إلى ذلك الغير،و إلاّ

لم يكن قاصدا له البتّة.

لا يقال:إنّ الّذي ذكرت من لزوم قصد التوصّل راجع إلى ما سيأتي من‏

التفصيل بين وجوب المقدّمة الموصلة و بين غيرها،لأنّ المراد بالمقدّمة الموصلة في‏

التفصيل الآتي هي ما يترتّب عليها ذوها في الخارج سواء كان إيجادها بقصد

التوصّل إلى ذيها،أولا.

و الّذي نقوله في المقام إنّما هو لزوم قصد التوصّل في تحصيل الامتثال سواء

ترتّب عليها ذوها في الخارج أيضا،أو لم يترتّب لمانع من الموانع بحيث لو أتى‏

بالمقدّمة بقصد الترتّب و التوصّل بها إليه لوقع ذلك امتثالا و إطاعة،و لو لم يترتّب‏

عليها ذوها بعد في الخارج لمانع،فأين هذا من التفصيل الآتي؟!

فإن قيل:إن الّذي ذكرت إنّما يتمّ في المقدّمات التي هي من العبادات،و لم‏

يأت المكلّف بها لداعي أوامره النفسيّة إذا كانت هي مأمورا بها بالأمر النفسيّ،

أو لم يكن لها أمر آخر أصلا فإن سبيل وقوعها عبادة منحصر في إيجادها بقصد

الترتّب و التوصّل به إلى الغير،فيجب إتيانها بهذا القصد،و إلاّ لم يأت بالمقدّمات،

حيث إنّ وقوعها على جهة الطاعة و العبادة مأخوذ في مطلوبيتها الغيرية

و مقدميتها.

و أمّا في المقدّمات التوصّلية الموجب فعلها كيف ما اتفق لسقوط الأمر

الغيري عنها فلا يلزم فيها ذلك فان المطلوب فيها إنما هو ذوات تلك المقدّمات،

و إلاّ لم يكن معنى لكونها مسقطة،إذ لا يعقل كون غير المطلوب مسقطا للطلب،

فسقوط الطلب بذواتها كاشف عن أنّ المطلوب هي،فيحصل الامتثال و الطاعة

بإيجادها كيف ما اتفقت،إذ الامتثال ليس إلاّ إيجاد المأمور به على وجهه.


306
قلنا:إنّ المقدّمات التوصّلية و إن كان إيجادها كيف ما اتفقت مسقطا

للأمر الغيري بها،إلاّ أنّ السقوط أعمّ من حصول الامتثال،إذ الأوّل يتوقّف‏

على إيجاد المأمور به على وجه يحصل به الغرض الداعي إلى الأمر به في نظر

الآمر،و يحصل بمجرّد وقوع العمل على هذا الوجه،بخلاف الثاني،فإنه يتوقف‏

مضافا إلى توقفه على ما ذكر على شي‏ء آخر.

ألا ترى أنه لو أمر مولى عبده بإتيان الماء،و كان غرضه رفع العطش عن‏

نفسه،فأتى به العبد بتشهّي نفسه،لا لداعي أمر المولى،لا يبقى بعده وجوب‏

لإتيان الماء،بل يسقط بحصول غرض المولى بذلك الإتيان،مع أنه لم يمتثل و لم‏

يطع قطعا.

فنقول:المقدّمات التوصلية نمنع كون المطلوب فيها نفس الذوات‏

أوّلا،بل المطلوب إنّما هو عنوان المقدّمة الصادق عليها كما في المقدّمات التعبّدية

أيضا،فحينئذ يتوقّف وقوعها على وجه الامتثال على قصد ترتّب ذيها بتقريب ما

مرّ.

و أما سقوط الأمر عنها بعد إتيانها بدونه فهو لحصول الغرض،و هو

التوصّل،لا الامتثال.

و نسلّم كون المطلوب فيها هي الذوات ثانيا،لكن بمجرّد الإتيان بها كيف‏

كان لا يحصل الامتثال و إن كان يسقط الأمر لحصول الغرض.

و بالجملة:سقوط الأمر أعمّ من حصول الامتثال،فإنّ الأوّل-كما عرفت-

يحصل بحصول الغرض،و الغرض قد يكون أعمّ من الامتثال،كما أنّه قد يكون‏

أعمّ من المطلوب أيضا كأعميّة المطلوب من الامتثال كذلك،بمعنى أنّه قد يكون‏

المطلوب أعمّ ممّا يتحقّق به الامتثال بحيث لا يلزم من وجوده تحقّقه.

أمّا أعمّية الغرض من المطلوب فهو كما في الواجبات التوصّلية التي‏

تحصل بإيجادها بأيّ وجه اتّفقت كغسل الثوب-مثلا-حيث إنّه يحصل بدون‏


307
قصد القربة،بل بلا قصد و شعور كالنائم،بل يحصل بفعل الغير بحيث يسقط

الأمر،فإنه لا ريب أنه لا يعقل أن يكون المطلوب هو غسل الثوب من المكلّف‏

حتّى في حال الغفلة و الذهول و النوم،إذ لا يعقل تكليف الغافل،بل الطلب‏

متعلّق به حال الذّكر و الالتفات،لكن الغرض ليس غسل الثوب في حال الذّكر

بل أعمّ،فلذا يسقط الأمر بإيجاده كيف ما اتّفق.

و كيف كان،فتحقيق الكلام في الوجه المذكور لتوقّف الامتثال على‏

قصد الغير في الواجبات الغيرية:أنّ الفعل الّذي يصدق عليه عناوين متعدّدة

إذا تعلّق به الأمر بأحد تلك العناوين،فلا يخلو الحال من أنّه إمّا أن يتوقّف‏1

تحقّق ذلك العنوان على قصده كما في القيام،حيث إنّه مشترك بين عنواني التعظيم‏

1اعلم أنّ الوجه الأوّل من دليل المختار إنّما هو مبنيّ على أخذ الغيرية و المقدّمية في عنوان‏

الأمر الغيري كما عرفت،بمعنى أنّ المأمور به هو هذا العنوان،و هو كان يقتضي قصد الغير

في مقام الامتثال كما علمت.

و يمكن أن يجعل الغيرية من خصوصيات الأمر الغيري،بأن يقال:إن المأمور به هي ذات‏

المقدمة لكن الأمر بها إنّما تعلّق بعنوان الغيرية،بمعنى أنّ الآمر طلبها لأجل التوصّل بها

إلى الغير،و غرضه من ذلك الأمر هذا،فعلى هذا لا يصدق الامتثال إلا بالإتيان بها على طبق‏

غرضه،فإنّ معنى الامتثال بالفارسية حقيقت:(خواهش مولا را بعمل آوردن است)،و هذا إنّما

يصدق إذا أتى بالمأمور به بعنوان تحصيل غرض المولى،فيتوقّف صدق الامتثال في المقام‏

على الإتيان بالمقدّمة لأجل التوصّل بها إلى الغير،فإنّه هو الغرض الداعي للأمر بها،و هذا

القصد لا يمكن إلاّ بقيد الإتيان بذلك الغير.

فظهر أنّ وجوب القصد إلى الغير في تحقّق الامتثال لا يتوقّف على كون عنوان الأمر

الغيري هو عنوان المقدّمة،بل يجب مع تجريده عن ذلك العنوان أيضا لما عرفت الآن،

فذلك وجه ثالث لما اخترناه.

ثمّ إنّ الوجه الثاني المذكور في المتن غير متفرّع على خصوص شي‏ء من التقديرين‏

المذكورين،بل يجري على كلّ واحد منهما،فافهم.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


308
و الاستهزاء-مثلا-و لا يتحقّق شي‏ء من ذينك العنوانين إلاّ بقصده،أو لا

يتوقّف.

لا شبهة في وجوب قصد ذلك العنوان على الأوّل سواء كان الأمر به‏

تعبّديا أو توصّليا،إذ على الثاني لا بدّ من إيجاد نفس المأمور به لا محالة،

و المفروض أنّه لا يحصل إلاّ بقصده.

و أمّا على الثاني فإذا كان الفعل من العبادات أو من المعاملات لكن أراد

المكلّف الإتيان به على وجه العبادة و الطاعة،فلا ينبغي الإشكال أيضا على‏

توقّف حصول الامتثال و الطاعة على قصد ذلك العنوان الّذي تعلّق الأمر بالفعل‏

من جهة ذلك العنوان‏ (1) بحيث يكون الداعي و المحرّك له إلى إيجاد ذلك تحصيل‏

ذلك العنوان.

و ذلك لأنّ الإتيان بالفعل لداعي أمر المولى معتبر في تحقّق الامتثال‏

و الطاعة بالضرورة،فلا يحصل الفعل في الخارج على وجه الطاعة إلاّ بأن يكون‏

الداعي إلى الإتيان به هو أمر المولى،و لا ريب أنه لا يعقل كون الأمر داعيا

و محرّكا للمكلّف إلى إيجاد و تحصيل غير العنوان الّذي تعلّق هو به،بل إنّما هو

محرّك له إلى إيجاد و تحصيل العنوان المتعلّق هو به لا غير.

ألا ترى أنه لو أمر مولى عبده بالقيام بعنوان التعظيم لزيد عند مجيئه،

فإذا جاء زيد قام العبد لا لأجل تحصيل ذلك العنوان،بل لرفع التعب عن نفسه‏

أو للاستهزاء أو لغير ذلك من العناوين الصادقة على القيام لا يعدّ ممتثلا و مطيعا

أصلا،و كذا لو أمره بقتل عدوّه،فقتله لا لكونه عدوّا لمولاه،بل لأجل كونه عدوّا

لنفسه،فإذا ثبت توقّف الامتثال على قصد عنوان الأمر فلا بدّ من قصده.

ثمّ إنّ ذلك العنوان قد يكون من المفاهيم المستقلّة الغير المتوقّفة على‏

1)كذا في الأصل،و الأجود هكذا:...من جهته...

309
ملاحظة أمر آخر فلا حاجة إذن إلى أزيد من قصد نفس ذلك العنوان،كما هو

الشأن في الواجبات النفسيّة،و قد يكون من المفاهيم الغير المستقلّة الحاصلة في‏

غيرها كالمعاني الحرفية،فيتوقّف قصد ذلك العنوان على قصد ذلك الغير أيضا،

فإنّ التبعيّة-و التطفّل-مأخوذة في ذلك العنوان حينئذ،و من المعلوم أنّه لا يمكن‏

قصد التابع بما هو تابع إلاّ بقصد متبوعه،فيجب حينئذ-زائدا على قصد الإتيان‏

بذات ذلك العنوان-القصد إلى ذلك الغير الّذي أخذت التبعية بالنسبة إليه.

و بعبارة أخرى:إنّه إذا كان ذلك من الأمور التبعية فالتبعية مأخوذة في‏

حقيقته و واقعه،فيجب قصد الغير الّذي لوحظت التبعية بالنسبة إليه،و إلاّ لم‏

يكن قاصدا لذلك العنوان،إذ المفروض اعتبار التبعية في حقيقته،و قد مرّ وجوب‏

القصد إلى عنوان المأمور به في مقام الامتثال.

فإذا علم ذلك فنقول:إنّه لا ريب أنّ الواجبات الغيرية بأسرها إنّما

يكون العنوان للأمر الغيري فيها هو عنوان المقدّمية و التوصّل بها إلى الغير،

فتكون هي بأسرها من الأمور التبعية بالنسبة إلى الواجبات النفسيّة التي هي‏

مقدّمات لها،فيتوقف الإتيان بها على وجه الطاعة على قصد تلك الواجبات‏

النفسيّة أيضا بالتقريب المتقدّم‏1.

1اعلم أنّ الإتيان بالمقدّمة و إيجادها:تارة يكون على وجه أخذ المقدّمة عنوانا مستقلا و معنى‏

اسميّا،و هو بأن يكون الغرض ذات المقدّمة،و يكون المحرّك لإيجادها هي-لا عنوان‏

المقدّمة،و إن كانت هي صفة لازمة لها لا تنفكّ عنها-و حاصل ذلك:أنه يأتي بما يعلم أنّ من‏

خواصّه التوصّل إلى واجب آخر،لا أنه يأتي به لأجل التوصّل به إليه.

و أخرى يكون على وجه أخذها بعنوان الآلية و التبعية التي هي من قبيل المعنى الحرفي،

و هذا إنّما يكون بأن يأتي بالشي‏ء لأجل التوصّل إلى الغير،بأن يكون الداعي إلى إيجاده ذلك‏

لا غير،و هذا هو معنى كون الداعي هو عنوان المقدّمة الّذي قلنا بلزومه في مقام الامتثال.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.


310
الثاني‏ (1) -أنه لا شبهة أنّ الأمر الغيري المتعلّق بالمقدّمات إنّما هو شأن‏

من شئون الأمر بذي المقدّمة و شعبة من شعبه،فإن العقل إنّما يأخذه منه،فيكون‏

حقيقة امتثاله امتثال ذلك الأمر المتعلّق بذي المقدّمة،فيجب حينئذ قصد ذلك‏

الأمر.

هذا ما يحضرنا من الوجه لما صرنا إليه،و المعتمد هو الوجه الأوّل،و بعده‏

الثاني،فافهم.

ثمّ إنّه يشكل الأمر على ما اخترناه في الحكم بصحّة وضوء من توضّأ بعد

دخول وقت العبادة الواجبة المشروطة بالطهارة إذا لم يكن عازما على فعل تلك العبادة

في ذلك الوقت أصلا،أو كان لكن‏لابهذا الوضوء،بل قصد بذلك الوضوء

غاية أخرى غير الإتيان بتلك العبادة،حيث إنّ صحّته متوقّفة على وقوعه على‏

وجه الامتثال و الطاعة،و المفروض أنّه لم يأت به بعزم التوصّل به إلى ما هو مقدّمة

له،فلم يقع بداعي ذلك الأمر المقدّمي الناشئ من الأمر بتلك العبادة فلم يقع‏

طاعة من تلك الجهة بمقتضى ما اخترناه‏1.

و أمّا إيقاعه بداعي أمره الاستحبابي ليقع صحيحا من هذه الجهة فهو

غير ممكن،إذ بعد تعلّق الأمر الوجوبيّ به-و هو الأمر المقدّمي الناشئ من الأمر

1ثمّ إنّه تظهر الثمرة بين القولين في الواجبات التي هي من العبادات،و كان جهة الامتثال‏

فيها منحصرة في الأمر الغيري،بأن لم يكن لها أمر من جهة أخرى أصلا-لا وجوبا و لا ندبا-

بل أمرها منحصر في المقدّمي،فعلى ما اخترناه لا تقع هي صحيحة إلاّ بقصد الإتيان بما

تكون هي مقدّمات له،و على القول الآخر تصحّ بدون ذلك القصد أيضا.

و كذلك تظهر الثمرة المذكورة في الواجبات التي هي من العبادات إذا كان لها أمر من‏

غير جهة المقدّمية أيضا،لكن المكلّف لم يأت بها لداعي ذلك الأمر،بل لداعي أمرها

المقدّمي.و قد أشير إلى تلك الثمرة في طيّ كلماتنا المتقدّمة،و إنّما أردنا بذلك توضيحا لما

أشير إليه.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)أي‏الوجه الثاني،كما في هامش الأصل‏.

311
بتلك العبادة-لا يعقل بقاء ذلك الأمر الندبي لأدائه إلى التناقض لاستلزامه‏

اجتماع حكمين متناقضين في موضوع واحد في آن واحد،نظرا إلى أنّ الوضوء

حقيقة واحدة على المختار،و ليس كالغسل ليكون بالنظر إلى كلّ واحدة من‏

الغايات حقيقة على حدة،حتى يمكن بقاء أمره الاستحبابي إذا أراد به غاية

أخرى،فلا يكون إذن أمر ندبي حتى يمكن إيقاعه بداعيه ليقع صحيحا من‏

جهته،فلم يبق جهة صحة لذلك الوضوء أصلا.

لكن التحقيق اندفاعه:بأنّ ارتفاع الأمر الندبي قد يكون بانتفاء

المصلحة و الجهة المقتضية له بالمرّة،و قد يكون لمزاحمة الأمر الوجوبيّ له من حيث‏

منافاة (1) فصله لفصله مع بقاء المصلحة و الجهة المقتضية له على ما كانت عليه‏

أوّلا،كما هو الحال فيما نحن فيه،ضرورة أنه لا منافاة بين المصلحة المقتضية

للوجوب و بين المصلحة المقتضية للاستحباب‏1،بل الأولى مؤكّدة للثانية جدّاً،

و لا بين الثانية و بين الأمر الوجوبيّ قطعا.

و إنّما المنافاة بين نفس الأمرين من جهة تنافي فصلهما و عدم إمكان تحقّق‏

الامتثال من جهة الاستحباب إنّما هو في الصورة الأولى،و أمّا في الثانية فهو

يحصل بالإتيان بالفعل لداعي المصلحة و الجهة الاستحبابية،بأن يفعله لأجل‏

تحصيل تلك المصلحة،فإنّه إذا كان ارتفاع الأمر من جهة مانع خارجي مع بقاء

المصلحة المقتضية له لم يكن المحبوبية ساقطة عن ذلك الشي‏ء،بل هو في تلك‏

1و ذلك لأنّ المصلحة الاستحبابية إنّما هي بحيث تقتضي رجحان الفعل،لكن ليست بمثابة

تقتضي المنع من الترك،فعدم المنع من الترك في المستحبّ لعدم المقتضي للمنع،و المصلحة

الوجوبية هي بمثابة تقتضي كلا الأمرين،فتغاير المصلحتين بالنسبة إلى المنع من الترك من‏

باب اقتضاء أحد الأمرين لشي‏ء و عدم اقتضاء الآخر له،و لا شبهة في عدم التنافي بينهما.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:تنافي.

312
الحال أيضا محبوب للآمر،و الإتيان به مطابق لغرضه،فيعدّ ذلك لذلك إطاعة

و امتثالا.

و بالجملة:الإطاعة لا تنحصر في صورة وجود الأمر فعلا،بل تعمّ صورة

وجوده الشأني.

و بعبارة أخرى:الإطاعة-و الامتثال-تدور مدار صدق التعبّد الّذي‏

معناه بالفارسية:(بندگى كردن)،و هذا إنّما يكون بالإتيان بغرض المولى‏1.

و الإتيان بالفعل في صورة وجود الأمر فعلا إنّما يعدّ إطاعة لكونه إتيانا

لغرضه و تحصيلا له،و هذا موجود في صورة عدم الأمر مع بقاء المصلحة

و المحبوبية،فافهم.

بقي هنا شيئان ينبغي التنبيه عليهما:

الأوّل‏
-أنّه إذا علم وجوب شي‏ء من العبادات و تردّد بين كونه نفسيا أو

غيريّا فمقتضى قاعدة الشغل الإتيان به على وجه جامع للامتثال الغيري أيضا،

و هو إنّما يكون بالقصد إلى إيجاد ما يحتمل كونه مقدّمة له أيضا،فإنّه لو اقتصر

على امتثال الغيري أو النفسيّ لا يقطع بوقوع الفعل على وجه الطاعة

و الامتثال،لاحتمال عدم ذلك الوجوب الّذي يأتي بالفعل لأجله،و معه لا يقع‏

الامتثال من جهته،إذ هو يتقوّم بأمرين:وجود الأمر واقعا،و إيقاع الفعل‏

بداعيه،فإذا لم يقطع بوقوعه على وجه الطاعة على فرض الاقتصار،فيجب عليه‏

الجمع بين وجهي الامتثال تحصيلا للبراءة اليقينية.

1و بعبارة أخرى:(اينكه امتثال حقيقة عمل بميل و اشتهاى مولا است و ماداميكه مصلحت‏

استحبابيّه باقى است اشتهاى مولا باقي است بحيثى كه هر گاه ممكن بود امر او بمقتضاى‏

اين مصلحت از جهت اجتماعش با جهت امر وجوبى امر ميكرد لكن عدم امر بجهت عدم‏

امكان دو امر است).لمحرّره عفا اللَّه عنه.


313
و من هنا تبيّن الفرق بين صورة الشك و التردّد في كون‏

الشي‏ء واجبا نفسيا أو غيريا و بين صورة العلم بكونه واجبا من جهتين،فإنّ‏

الأمر من كل واحد منهما محرز،فيكون الاقتصار على الامتثال من تلك الجهة

محقّقا لوقوع الفعل على وجه الطاعة قطعا.

فإن قيل:إنه كما يجب مراعاة جهة الغيرية و امتثالها كذلك يجب مراعاة

جهة النفسيّة و امتثالها،و هاتان الجهتان متضادّتان لا يمكن اجتماعهما في القصد،فلا

يمكن الجمع بين الامتثالين في إيجاد واحد للفعل،بل يجب تارة إيجاده بعنوان‏

كونه واجبا نفسيا،و أخرى بعنوان كونه غيريا.

قلنا:إنّ المطلوبية نفسا ليست بشرط عدم الغير،بل إنّما هي لا بشرط،

فلا ينافي قصد الغير أيضا،و إلاّ لما جاز القصد إلى فعل واجب نفسيّ آخر فيما

بعد حين الاشتغال بواجب نفسي،و هو باطل بالضرورة.

فإن قيل:إنّ مجرّد القصد إلى فعل الغير ليس محققا للامتثال الغيري،

بل إنّما يحقّقه إذا كان على وجه يكون هو المحرّك لإيجاد هذا الفعل،و إلاّ لم يكن‏

إيجاده إتيانا بعنوان المقدّمة من حيث المقدّمية،و قد مرّ لزوم الإتيان به بهذا

العنوان في مقام الامتثال،فلا بدّ حينئذ أيضا من تكرار العمل كما مرّ.

قلنا:إنّ ما ذكر إنّما هو مسلّم في صورة العلم بكون ذلك مقدّمة لذلك‏

الغير،و أمّا في مقام الشكّ فيكفي مجرّد قصد الإتيان به أيضا.

أقول:و للنفس في ذلك الأمر تأمّل و تزلزل،فالأحوط هو التكرار على‏

الوجه المذكور.

ثمّ إنّه يشكل الأمر في العبادات المردّدة بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين‏

من الأجزاء على القول بالتمسّك بأصالة البراءة في الزائد المشكوك فيه،فإن‏

الأجزاء الباقية المتيقّنة مردّدة بين كونها واجبة نفسا و بين كونها واجبة مقدّمة


314
للكلّ المؤلّف منها و من الأجزاء الباقية المنفية بأصالة البراءة،ضرورة أنّ أصالة

البراءة إنّما تنفي التكليف و العقاب عن الزائد المشكوك فيه،و لا تصلح لتعيين‏

المأمور به حتى يثبت بها كون المأمور به هي الأجزاء و الشرائط الباقية،فيثبت‏

بذلك كون تلك الباقية واجبة نفسا.

و حاصل الإشكال و خلاصته:أنه بعد البناء على عدم الإتيان بالأجزاء

المشكوك فيها اعتمادا على أصالة البراءة لا يعقل تحقّق الامتثال الغيري و إن‏

بني على الإتيان بها أيضا فهو راجع بالأخرة إلى الالتزام بمقتضى الاحتياط لا

أصالة البراءة.

لكن التحقيق:أنّ هذا الإشكال إنّما يرد على من تمسّك بالبراءة في‏

الزائد مع التزامه بكون الأقلّ منجّزا1على كلّ تقدير حتى على تقدير كون‏

الواجب في الواقع هو الأكثر،لكن على المختار-من أنّ التكليف به إنّما يكون‏

منجّزا موجبا لاستحقاق العقاب على الترك لو كان الواجب في الواقع هو لا

الزائد،و لزوم الإتيان به إنّما هو لأجل تمامية الحجّة بالنسبة إليه و تمامه لو كان‏

الواجب هو في الواقع،و عدم معذورية المكلّف على تركه لو صادف كونه هو

الواجب لذلك-فلا مجال لهذا الإشكال أصلا،فإنّا مأمونون بحكم العقل من‏

العقاب على الأكثر لو كان هو المكلّف به في الواقع مع عدم بيانه لنا،و التكليف‏

بالباقي و استحقاق العقاب عليه-من جهة كونه جزء من ذلك الأكثر-غير

معقول بعد ارتفاع التكليف و العقاب عن الأكثر،فلا يجب علينا مراعاة الجهة

الغيرية في تلك الأجزاء المتيقّنة الباقية-و هي الأقلّ-حتّى يجب علينا قصد ما

يحتمل كون ذلك مقدّمة له ليرد الإشكال،و إنّما الواجب علينا بحكم العقل‏

1بمعنى استحقاق العقاب على تركه على كلّ تقدير.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


315
مراعاة جهة وجوبه النفسيّ،فيأتي به حينئذ لداعي وجوبه النفسيّ الاحتمالي‏1،

فافهم.

الثاني‏ (1) -أنّه هل الحال في مستحبّات الغيرية-من جهة توقّف تحقّق‏

الامتثال على قصد الغير و عدمه-هي الحال في الواجبات الغيرية،أو لا؟.

لا شبهة في عدم حصول الامتثال إذا أتى بها مع العزم على ترك ذلك‏

الغير بالمرّة،أو على عدم إيجاده بها،و أما إذا أتى بها لأجل احتمال فعل ذلك الغير

به فيما بعد فقال سيّدنا الأستاذ-دام ظلّه-:(لا يبعد صدق الامتثال بذلك).و لا

يرد عليه ما يرد على الواجب الغيري في هذه الصورة من عدم إمكان اجتماع‏

التجرّي مع الإطاعة،فإنّه لا يجري في المندوبات أصلا،للإذن في تركها،فلا مانع‏

من تلك الجهة.

لكن للنفس في ما اختاره-دام ظلّه-تأمّل و تزلزل.

ثمّ إنه لا بأس بالتنبيه على أمرين-قد علما إيماء من مطاوي كلماتنا

السابقة (2) مع زيادة على بعض منهما-:

الأوّل-أنّ الثمرة بين القولين-في قصد الغير في الواجب الغيري في‏

مقام الامتثال-تظهر في العبادات التي كان جهة امتثالها منحصرة في الغيري-

1ثمّ إنّه قد يكون الشي‏ء واجبا نفسا و لأجل الغير كما في الاعتقاد بأصول الدين،فحينئذ إذا

كان من العبادات أو أراد إيقاعه على وجه الطاعة إذا كان من التوصّليات،فيكفي فيه إيقاعه‏

بداعي أمره النفسيّ أو الغيريّ على الوجه المتقدّم على سبيل منع الخلوّ،و ليس كصورة

التردّد و الشكّ بين كونه نفسيّا أو غيريّا حتّى يجب الجمع بين الامتثالين لما قد مرّ سابقا،

فراجع.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)أي(الشي‏ء الثاني).على ما جاء في هامش الأصل.

2)و كذا مما مرّ من بعض الحواشي.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


316
بمعنى انه ليس لها أمر سوى الغيري-أو غير منحصرة فيه،لكنّ المكلّف لم يرد

إيقاعها و امتثالها من غير جهة الوجوب الغيري:

فعلى ما اخترناه من لزوم قصد الغير حينئذ لا يقع الفعل إطاعة أصلا

إذا لم يكن مع ذلك القصد.

و على القول الآخر يقع طاعة حينئذ،فيكون مبرئا للذمة و محقّقا لشرط

تلك العبادة المشروطة بذلك الفعل.

و من أمثلة ذلك-التي ذكرها بعضهم،بل جمع على ما نسب إليهم-وضوء

من عليه قضاء الصلوات مع عدم إرادته لفعلها بذلك الوضوء،بل إرادته غاية

أخرى غير الإتيان بها كأن فعله للزيارة أو لقراءة القرآن و نحوهما،و هذا مما

انحصر جهة الامتثال فيه في الوجوب الغيري،فإنّ الظاهر انّ الوضوء حقيقة

واحدة مع تعدّد غاياتها،و ليس هو لغاية معيّنة مخصوصة حقيقة غيره مع غاية

أخرى‏1،كما انّ الحال في الغسل كذلك،حيث إنه بالنسبة إلى كلّ غاية حقيقة

مغايرة له بالنسبة إلى غاية أخرى،فغسل الجنابة غير غسل الزيارة،و هو لمسّ‏

الميّت غيره للحيض أو النفاس أو الاستحاضة،بخلاف الوضوء،حيث إنه مع‏

كلّ غاية حقيقة متّحدة معه مع غاية أخرى‏2،و لا ريب أنّه إذا كان حقيقة

1و لذا قال ثاني الشهيدين(قدهما)-في الروضة في مبحث الوضوء بعد ذكر لزوم نيّة القربة

فيه كما في أمثاله-:(و كذا تميّز العبادة عن غيرها حيث يكون الفعل مشتركا،إلاّ أنّه لا

اشتراك في الوضوء حتى في الوجوب و الندب،لأنّه في وقت العبادة الواجبة المشروطة،به‏

لا يكون إلاّ واجبا،و بدونه ينتفي).انتهى كلامه.

و أشار بقوله:(إلاّ أنّه لا اشتراك في الوضوء.).إلى آخر ما ذكره:إلى ردّ الشهيد الأوّل‏

(قده)حيث إنّه عبّر بنيّة الوجوب أو الندب في الوضوء.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2لا تخلو العبارة من تشويش،و سليمها هكذا:حيث إنّه مع كلّ غاية حقيقة واحدة متّحدة مع‏

غاية أخرى.


317
واحدة فلا يعقل بعد تعلّق الوجوب الغيري به ثبوت حكم آخر ندبي كما مرّ

سابقا،بل الأمر الفعلي به إنّما هو الغيري لا غير،فيكون جهة الامتثال فيه إذن‏

منحصرة في الغيري.

نعم يجري فيه التوجيه المتقدّم لصحّة وضوء من توضّأ بعد دخول‏

وقت العبادة الحاضرة مع عدم إرادته لفعل تلك العبادة بذلك الوضوء،فلا تغفل.

الثاني-أنّه لا يختصّ الإشكال المتقدّم في الوضوء بعد دخول وقت‏

العبادة الحاضرة المشروطة به إذا لم يرد به إيقاع و إيجاد تلك العبادة بالوضوء

فقط،بل يجري في كلّ غسل من الأغسال المشروطة بها العبادات الواجبة بعد

دخول وقتها إذا وقعت تلك الأغسال لا لإتيان تلك العبادات،فإنّ كلّ واحد من‏

تلك الأغسال حقيقة واحدة بالنسبة إلى‏ماقبل دخول وقت العبادة المشروطة

به ومابعده،و يكون مستحبّا في الأوّل و واجبا في الثاني من باب كونه مقدّمة

للواجب،ففي الثاني لا يعقل بقاء الأمر الاستحبابي فيه،لما مرّ في الوضوء بعد

دخول الوقت،فغسل الجنابة-مثلا-قبل دخول العبادة المشروطة به‏

مستحبّ،و بعده واجب مقدّمة لها لا غير،فيجري فيه الإشكال المتقدّم في‏

الوضوء إذا لم يقصد به الإتيان بتلك العبادة المشروطة به،لكنّه مدفوع بما مرّ في‏

دفعه عن الوضوء،فتدبّر.


318
المقدّمة الموصلة

ثمّ إنّ ممّا يتعلّق بالوجوب الغيري أنّه ذهب بعض متأخّري‏

المتأخّرين‏ (1) إلى أنّ مقدّمة الواجب لا تتّصف بالوجوب و المطلوبية-من حيث‏

كونها مقدّمة-إلاّ إذا ترتّب عليها وجود ذي المقدّمة،لا بمعنى أنّ وجوبها مشروط

بوجوده،بل بمعنى أنّ وقوعها على الوجه المطلوب منوط بحصول الواجب،

حتى أنّها إذا وقعت مجرّدة عنه تجرّدت عن وصف الوجوب و المطلوبية لعدم‏

وجودها على الوجه المعتبر،فالتوصّل بها إلى الواجب من قبيل شرط الوجود لها،

لا شرط الوجوب.

و حاصل مرامه:أنّ الواجب بالوجوب الغيري ليس مطلق المقدّمة-أي‏

ما يتوقف عليه وجود الغير-بل فرد خاصّ منه،و هو ما يتعقّبه ذو المقدّمة،

و يوصل به إليه و لو بضميمة و معونة أمور أخرى‏1.

و برهانه على ذلك حقيقة هو الّذي اختاره في تعريف الواجب الغيري.

و الفرق بينه و بين النفسيّ أنّ التوصّل بالواجب الغيري إلى ما

يكون مقدّمة له مأخوذ فيه على وجه التقييد،بمعنى أنّ موضوع الوجوب الغيري‏

1قولنا:(و لو بضميمة و معونة أمور أخرى)يعني أنّ مراده ليس وجوب ما يكون علّة تامّة لوجود

ذي المقدّمة حتّى ينحصر الوجوب الغيري-على هذا (2) -فيها،بل مراده ما يوجد بعده ذو

المقدمة و لو بمعونة أمور أخرى.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)و هو صاحب الفصول(ره)في كتابه:81 و 86 في التنبيه الأوّل.

2)هنا كلمتان في الأصل غير مقروءتين أثبتناهما استظهارا).

319
إنّما هو ما يتوصّل به إلى الغير من حيث كونه كذلك،و يكون الداعي و الحامل‏

على الوجوب الغيري أيضا هو التوصّل إلى الغير،و بذلك يفرق بين الواجب‏

الغيري و النفسيّ،حيث إنّ الحامل في كلّ منهما إنّما هو التوصّل إلى شي‏ء آخر

و تحصيله،و هو في الواجب الغيري هو وجود ذي المقدّمة،و في النفسيّ الغايات‏

الداعية إلى الأمر به،إلاّ أنّ الحامل-و هو التوصّل-مطلوب أيضا و مأخوذ في‏

موضوع الطلب في الوجوب الغيري دون النفسيّ،فإنّه فيه خارج عن المطلوب‏

و موضوع الأمر،بل الموضوع فيه إنّما هو الفعل بدون تقييده بذلك.

و الوجوه الثلاثة التي ذكرها المستدلّ في هذا المقام كلّها راجعة إلى ذلك‏

و شواهد عليه:

و حاصل أوّلها-أنّ الحاكم بوجوب المقدّمة إنّما هو العقل لا غير،و الّذي‏

يحكم هو بوجوبها ليس مطلق المقدّمة،بل ذلك المقدار-أي ما يوصل بها إلى‏

الغير-فموضوع الوجوب الغيري هو ذلك لا غير.

و حاصل ثانيها-بتوضيح منّا:أنّه يجوز عند العقل تصريح الآمر الحكيم‏

بعدم وجوب غير ما يتوصّل به إلى الغير،و لا يعلم التناقض بينه و بين أمره بذي‏

المقدّمة،بخلاف تصريحه بعدم وجوب ما يتوصّل به إليه،فإنّه مناقض لأمره بذي‏

المقدّمة.

و أيضا لو كان الموضوع في الوجوب الغيري هو مطلق المقدّمة،و لم يلحظ

فيه غير جهة المقدّمية لقبح ذلك التفصيل،إذ لا اختصاص للموصلة من‏

المقدّمات على غيرها حينئذ فيما يكون المناط في موضوع الوجوب الغيري،

و الموجود من المزية فيها غير ملحوظة فيه أصلا بالفرض.

و حاصل ثالثها-دعوى شهادة الوجدان على أنّ الموضوع لذلك‏

الوجوب إنّما هي الموصلة لا غير.

و الوجهان الأخيران دليلان إجماليان و من الشواهد و المؤيّدات للوجه‏


320
الأوّل حقيقة،و هو دليل تفصيلي على المدعى.

هذا،لكن الإنصاف فساد هذا التفصيل كفساد مبناه،و هو كون‏

الموضوع في الوجوب الغيري هو ما يترتّب عليه ذو المقدّمة،فإنّ موضوعه-على‏

ما نجد من أنفسنا بعد المراجعة إلى عقلنا الّذي هو المرجع في محلّ النزاع كما

رجع إليه ذلك المستدلّ أيضا-هو عنوان المقدّمة-أي ما يتوقّف عليه الواجب-

كما ذكرنا في التنبيه المتقدّم من غير تقييد العقل إياه بالتوصّلي الفعلي إلى ذي‏

المقدّمة.

نعم هو غرض العقل في ذلك الأمر الغيري المقدّمي،بمعنى أنّ العقل‏

-بعد ملاحظة الواجب و ملاحظة أنّه لا يحصل إلاّ بأمور-يحكم بلزوم الإتيان بتلك‏

الأمور بعنوان كونها مقدّمات للواجب لغرض التوصّل بها إلى الواجب،فحيثية

التوصّل الفعلي و إن كانت ملحوظة عند العقل،إلاّ أنّها تعليلية،لا تقييدية كما

زعمها المستدلّ،فحينئذ إذا وجدت المقدّمة فهي متّصفة بالوجوب سواء تعقّبها

ذوها،أو لا،فإنّ الاتّصاف يدور مدار انطباق الفرد الموجود على المأمور به،

و المفروض-على ما حققنا-أنّه هو الشي‏ء بعنوان كونه مقدمة،و المفروض‏

الإتيان به على هذا الوجه،فيكون منطبقا عليه و متّصفا بالوجوب جدّاً.

و كان منشأ اشتباه الحال على المستدلّ أنّه رأى أنّه لو أتى بالمقدّمة و لم‏

يتعقّبها ذوها لكانت‏ (1) هي خالية عن الفائدة،فزعم أنّ العقل لا يطلب ما يكون‏

كذلك،و لم يتفطّن أنّ الغرض غير المأمور به،و أنّ كلّ واحدة من المقدّمات لمّا لم‏

تكن علّة تامّة لحصوله فلو تحقّقت واحدة منها وحدها لتجرّدت عن تلك الفائدة.

و بالجملة:منشأ اشتباه الأمر زعم كون الغرض من قيود المأمور به،و قد

عرفت فساده.

1)في الأصل:(لتكون).،و ما أثبتناه هو الصحيح.

321
و الحاصل:أنّ هنا حيثيتين:حيثية المقدّمة،و حيثية التوصّل إلى ذي‏

المقدّمة،و التقييدية التي أخذت قيدا في المأمور به بالأمر الغيري هي الأولى،

و أمّا الثانية فهي تعليلية فحسب.

و إن شئت قلت:إنّ الأمر يتعلّق بكلّ واحدة من آحاد المقدّمات بعنوان‏

كونها مقدّمة لغرض التمكّن من الوصول إلى ذي المقدّمة بمقدار ما يحصل من‏

تلك المقدّمة من التمكّن،لا لغرض التوصّل الفعلي بها،فإنّه لا يحصل بها وحدها،

و إنّما هو يحصل بمجموع المقدّمات،و ذلك الغرض حاصل مع كلّ واحدة من‏

المقدّمات على تقدير وجودها،فيكون المأمور به حاصلا مع ما يكون الغرض منه‏

أيضا،فإن شاء المستدلّ فليسمّ ذلك الغرض حيثية تقييدية1.

و مما حقّقنا ظهر فساد تعريفه للواجب الغيري أيضا2،فتدبّر.

ثمّ إنّه قد يورد على ذلك المستدلّ بأنّ ذلك التفصيل-باعتبار أخذ قيد

التوصّل في موضوع الأمر الغيري-مستلزم للالتزام بعدم التفصيل و إلغاء ذلك‏

القيد،و يلزم منه الالتزام بأحد أمرين:إمّا القول بوجوب المقدّمة مطلقا،و إمّا

القول بعدم وجوبها كذلك.

بيان ذلك:أنّ المقدّمة الموصلة مركّبة من جزءين:أحدهما نفس طبيعة

المقدّمة،و ثانيهما القيد كما في سائر المقيّدات،فيكون كلّ من الجزءين مقدّمة

لذلك المركّب الّذي هو مقدّمة الواجب،و داخلا في محلّ النزاع لرجوعه إلى كونه‏

مقدّمة للواجب،لأنّ مقدّمة الشي‏ء مقدّمة لذلك الشي‏ء بالضرورة.

1و بالجملة:صريح الوجدان شاهد بأنّ العقل إنّما يحكم بوجوب المقدّمة بصفة المقدّمية الموجودة

فيها الموجبة لتمكّن المكلّف من ذيها،لا لأجل الإيصال إليه.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2و لذا عدلنا نحن عنه أيضا،و عرّفناه بما عرفت.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


322
و نحن ننقل الكلام في الجزء الأوّل-و هو (1) الحصّة الموجودة من طبيعة

المقدّمة في ضمن ذلك المركّب-و نقول:

إنّ المفصّل:إمّا أن يقول بوجوب تلك الحصّة من باب كونها مقدّمة لذلك‏

المركّب الّذي هو مقدّمة للواجب،أو من باب كونها مقدّمة للواجب بالأخرة،أو

لا.

و على الأوّل:إمّا أن يقول بوجوبها بوصف كونها موصلة إلى ما هي مقدّمة

له‏،و هو ذلك المركّب أو الواجب‏1الّذي هو (2) مقدّمة له،أو بدون اعتبار ذلك‏

الوصف.

لا سبيل إلى أوّل هذين الشقّين،و هو القول بوجوبها باعتبار ذلك‏

الوصف،نظرا إلى أنّها حينئذ أيضا مركّبة من الجزءين كالمركّب الأوّل،و يكون‏

كلّ جزء مقدّمة له،و ننقل الكلام في الحصّة الموجودة في ضمن هذا المركّب الثاني،

فإن قال حينئذ أيضا بوجوبها باعتبار ذلك الوصف فننقل الكلام إلى المركّب‏

الثالث،و هكذا،فإن قال في كلّ من المقدّمات تلك المركّبات بوجوبها باعتبار ذلك‏

الوصف يلزم التسلسل،و أن وقف في مرتبة و قال في تلك المرتبة إمّا بعدم وجوبها

1لا يقال:لا يمكن القول بوجوبها باعتبار كونها موصلة إلى الواجب،و إنّما هي موصلة إلى‏

مقدّمته،لا إليه.

لأنّا نقول:قد مرّ أنّ المراد بالموصلة ليس العلّة التامّة للإيصال،مع أنّه نقول بوجوبها

حينئذ باعتبار الإيصال إلى مقدّمته أيضا،ضرورة أنّها أحد الجزءين و هو غير كاف في وجود

المركّب،بل المراد فعلية الإيصال،و هي تابعة لها بالنسبة إلى الواجب أيضا،و ليست حاصلة

لها و لو بضميمة أمور أخرى،فلا تغفل.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:و هي.

2)كذا في الأصل،لكن الصحيح ظاهرا:(هي).

323
أصلا،أو بوجوبها مطلقا بالنّسبة إلى هذا الوصف،فهو-مع ما يرد عليه‏1:من‏

أنّه لا معنى للترقّي إلى تلك المرتبة الخاصّة مع اعتبار ذلك الوصف في كلّ مرتبة

متقدّمة عليها و إلغاء اعتباره في تلك المرتبة،لعدم خصوصية في نظر العقل لبعض‏

المراتب و مزيّة له على غيره فيما هو مناط حكمه بالوجوب المقدّمي-راجع إلى‏

أحد الوجهين الآخرين،و ستعرف بطلانهما أيضا.

و أمّا ثانيهما (1) :فهو مستلزم لوجوب القول بوجوب المقدّمة مطلقا إذ لا

خصوصيّة لبعض المقدّمات-كما عرفت-على بعض من حيث تقدّم بعضها على‏

بعض طبعا أو وصفا،أو من حيث كون بعضها مقدّمة للواجب و كون البعض‏

الآخر مقدّمة للمقدّمة،فإذا وجب هذه لزم وجوب مطلق المقدّمات للواجب.

و أمّا الوجه الآخر و هو عدم وجوبه مطلقا فهو مستلزم لعدم وجوب‏

المقدّمة مطلقا،لما ذكر من عدم خصوصية في نظر العقل بالنسبة إلى بعض‏

المقدّمات.

هذا،وقال-دام ظلّه-:لكنّ الإنصاف عدم ورود ذلك على المفصّل،

فإنّ غرضه ليس وجوب المقدّمة الموصلة بقيد الإيصال،بأن يكون ذلك الوصف‏

معتبرا في موضوع الوجوب،بل غرضه وجوب ذات تلك المقدّمة الخاصّة الممتازة

عن غيرها بوجودها الخارجيّ،كما هو الحال في سائر الموجودات الخارجية،

و اعتبار ذلك الوصف إنّما هو من باب تعريف المقدّمة الواجبة،و هي تلك المقدّمة

الخاصّة به،فيكون ذلك الوصف معرّفا لا قيدا مأخوذا في موضوع الوجوب‏

المقدّمي‏2.

1قولنا:(هو)في قولنا:(فهو مع ما يرد عليه)مبتدأ،و خبره قولنا:(راجع).لمحرّره عفا اللَّه عنه‏.

2بمعنى أنّ الواجب من المقدّمة عنده هو فرد خاصّ من المقدّمة ممتاز بوجوده الخارجي عمّا عداه‏

1)(أي ثاني الشقين المذكورين) على ما جاء في هامش الأصل.

324
مع أنّه في نفسه غير معقول أيضا،فإنّ وصف الإيصال ليس كسائر

الأوصاف الصالحة لاعتبارها في موضوع الحكم كما هو الحال في الرقبة المؤمنة،

ضرورة أنّه وصف منتزع عن تعقّب ذي المقدّمة و وجوده بعد تلك المقدّمة،فلو

اعتبر في موضوع الوجوب المقدّمي لكان مستلزما لتعلّق الأمر المقدّمي الغيري‏

بنفس الواجب النفسيّ أيضا،مع كون ذلك الوجوب الغيري ناشئا من الأمر

النفسيّ المتعلّق بذلك الواجب،فيكون الواجب النفسيّ واجبا من باب المقدّمة

لنفسه أيضا،و هو غير معقول.

بيان الملازمة:أنّ الأمر بالمقيّد أمر بكلّ واحد من جزأيه،حيث إنّه‏

مركّب منهما،و لا يحصل إلاّ بهما،فيجب تحصيل القيد أيضا من باب المقدّمة،

كوجوب تحصيل ذات المقيّد كذلك،و ذلك القيد إذا كان من الأمور المتأصّلة فلا

إشكال،و إن كان من الأمور المنتزعة فيرجع وجوب إيجاده إلى وجوب إيجاد منشأ

الانتزاع في الحقيقة،إذ لا حقيقة للأمر الانتزاعي حتّى يكون الواجب هو في‏

الحقيقة،فإذا بنينا على اعتبار وصف الإيصال في موضوع الوجوب المقدّمي مع‏

أنه وصف منتزع من وجود ذي المقدّمة الّذي هو الواجب النفسيّ،فيرجع الأمر

بالأخرة إلى وجوب ذلك الواجب النفسيّ بالوجوب الغيري من باب المقدّمة

لنفسه.

هذا مضافا إلى أنّ الأمر المقدّمي لا يتعلّق بالأجزاء العقلية،بل إنّما هو

متعلّق بالأجزاء الخارجيّة،و ذلك لأنّ المقدّمة حقيقة إنّما هي الأشخاص،لأنّها مما

يتوقّف عليه وجود الواجب لا المفاهيم الكلية،إذ لا توقّف له عليها أصلا،إذ

من الأفراد،لكن لمّا أراد المستدلّ إراءته لنا و تعيينه،و لا شبهة أنّ تعيين الشي‏ء إما بالإشارة

الحسّية إليه،و إمّا بالتعبير عنه بوصف خاصّ به مساو له،و الأوّل غير ممكن هنا،فعيّنه بالثاني‏

و عرّفه به،فإنّه لا وصف له خاصّ به إلاّ وصف الإيصال و تعقّب ذي المقدّمة معه.لمحرّره عفا

اللَّه عنه.


325
ليس هي من حيث هي مؤثّرة في وجوده أصلا،و لا ريب أنّ المقيّدات و إن كانت‏

مركّبة عقلا و في ظرف الذهن إلاّ أنّها في الخارج بسيطة البتّة،و ليس لها فيه جزء

حتى يكون الأمر بها أمرا به من باب المقدّمة،فالمقدّمة الموصلة ليس لها جزءان‏

في الخارج حتى ينقل الكلام إليهما،بل هي أمر بسيط في الخارج،فعلى هذا فلا

وجه للإيراد المذكور على تقدير اعتبار صفة الإيصال في موضوع الأمر المقدّمي‏

أيضا،فافهم.

أقول:لا يخفى أنّ الجواب عن الإيراد بجعل الوصف معرّفا غير مجد

للمفصّل،فإنه جعله قيدا في موضوع الأمر المقدّمي الغيري،كما ينادي به‏

تعريفه الواجب الغيري:بأنّه ما يكون الحامل على إيجابه التوصّل إلى الغير،

و يكون التوصّل مأخوذا في موضوعه،بمعنى أنّ الواجب هو المقدّمة بهذا

الوصف،و بهذا فرّق بينه و بين الواجب النفسيّ،و قال:إنّ الواجب النفسيّ ما

لا يكون الحامل على الإيجاب-و هو التوصّل إلى الغير-مأخوذا في موضوع‏

الأمر.

و كذا كلامه الآخر في طيّ احتجاجه على ما صار إليه:و هو أنّ وجود ذي‏

المقدّمة بعدها شرط الوجود للمقدّمة،لا شرط الوجوب،إذ لا ريب أنّ الوصف‏

المعرّف لا دخل له في وجود شي‏ء أصلا و إن كان لا ينفكّ عنه،فحينئذ يتّجه عليه‏

أيضا ما ذكرنا من عدم معقولية اعتبار ذلك الوصف لكونه منتزعا من وجود ذي‏

المقدّمة،و لا مدفع عنه أصلا على فرض دفع الإيراد المتقدّم بالوجه الثاني من‏

الدفع،فتدبّر1.

1اعلم أنّ ثمرة النزاع في أنّ الواجب من المقدّمة هي الموصلة منها أو الأعم تظهر في مواضع‏


326
التوصلي و التعبّدي‏

و قد ينقسم باعتبار آخر إلى التوصّلي و التعبّدي:

و الأوّل-ما يكون الغرض منه حصول نفسه على أيّ وجه كان،و بعبارة

أخرى:ما يكون الغرض منه الوصلة إلى نفسه-كما يشعر به اسمه-بحيث لو

فرض تحقّقه و وجوده بأيّ نحو كان لكان مطابقا للغرض.

و الثاني-ما يكون الغرض منه وجوده على وجه التعبّد و الامتثال،لا

مطلقا،بمعنى أنّه لا يكفي وجود المأمور به الواجب في حصول الغرض،بل إنّما

يحصل هو به إذا وقع على وجه التعبّد و الامتثال،و ذلك أحسن ما عرّفوهما به.

ثمّ إنّ الواجب التوصّلي قد يكون من المعاملات،و هي ما لا يتوقّف‏

صحّتها على نيّة القربة،و قد يكون من العبادات،و هي ما يتوقّف صحّتها عليها،

و ذلك بأن يكون المأمور به نفس العبادة،كمافي‏أوامر السجود للَّه أو الخضوع‏

له أو الركوع له،و هكذا،بأن يكون وقوع تلك الأفعال للَّه قيدا للمأمور به،

و معتبرا فيه،لا غرضا خارجا عن المأمور به كما في الواجب التعبّدي،فيكون‏

الفرق بين هذا القسم من التوصّلي و بين التعبّدي:أنّ هذا القسم بنفسه عبادة،

تعرض لها المفصّل المذكور (1) بعد تعريف الواجب الغيري و النفسيّ‏ (2) ،و ذكر هذا النزاع‏

عنده،فإنه تعرّض له في موضعين:أحدهما ما عرفت،و ثانيهما أواخر البحث في مقدّمة

الواجب و في تنبيهاته‏ (3) ،و ذكر الثمرات في الموضع الأوّل،فراجع.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)و هو صاحب الفصول قدّه.

2)الفصول:80-81.

3)الفصول:86،في التنبيه الأوّل.

327
بخلاف الواجب التعبّدي،فإنّه إنّما يقع عبادة إذا وقع بداعي الغرض المقصود

منه،و هو الامتثال،و ذلك أنّ العبادة إنّما تتقوّم بقصد الامتثال،و كلّما وقع الفعل‏

بداعيه يصير عبادة،و القسم المذكور لمّا كان قصد الامتثال مأخوذا في حقيقته‏

و موضوعه للأمر فتوقّفه على قصد الامتثال لأجل توقّف موضوعه عليه،و هو من‏

قبيل توقّف المركّب على جزئه،و بعد قصد الامتثال يتحقّق موضوعه،و يكون‏

عبادة بمجرّد تحقّق موضوعه،ضرورة أنّه لا حاجة فيه إلى قصد امتثال آخر،

هذا بخلاف الواجب التعبّدي،حيث إنّ قصد الامتثال خارج عن موضوعه،

و ليس محقّقا له،بل يكون غرضا من الأمر به،فلا يكفي وجوده بنفسه في‏

صيرورته عبادة.

و إن شئت قلت:إنّ الفرق بينهما:أنّ هذا القسم من التوصّلي يكون‏

قصد الامتثال معتبرا فيه على وجه القيدية لموضوعه،و أما في التعبّدي فهو معتبر

على وجه الغرضية بحيث يكون خارجا عن المأمور به،و ليس من القيود المعتبرة

فيه،بل من القيود المعتبرة في الغرض من الأمر به.

فإن قلت:إنّ الفرق الأوّل-و هو أنّ هذا القسم من التوصّلي يقع عبادة

بمجرّد وجوده،بخلاف التعبّدي،حيث إنّه لا يقع عبادة إلاّ بقصد الامتثال-إنّما

يستقيم بناء على وضع ألفاظ العبادات للأعمّ،و أمّا بناء على كونها أسامي‏

للصحيحة-كما هو المختار-فلا،نظرا إلى أنّها لا تقع صحيحة إلاّ بقصد

الامتثال،و مع وقوعها معه تكون هي بمجرّد وجودها عبادة.

قلنا:قد حقّقنا-في محلّه-أنّها على فرض وضعها للصحيحة-كما هو

المختار-يكون معناها هو ما يكون موضوعا للأمر،و أنّه لا بدّ أن يكون المراد

بالصحيح هذا المعنى،لا الموافق للأمر،أو الواقع-على وجه التّعبّد و الامتثال‏

الّذي مرجعه إلى الموافق للأمر-،إذ لا يعقل ذلك في الأمر لأدائه إلى وقوع‏

الشي‏ء موضوعا لنفسه المستلزم للدور،و الّذي يعقل إنّما هو اعتبار ذلك من حيث‏


328
كونه غرضا خارجا عن المأمور به،مع إفادته بخطاب آخر لعدم صلاحية ذلك‏

الأمر لذلك،فالموضوع له لتلك-حينئذ أيضا-أعمّ ممّا يقع على وجه التعبّد

و الامتثال،فلا يكفي وجوده بمجرّده لصيرورته عبادة،بل إنّما يكفي إذا تحقّق‏

على وجه خاصّ.

و من هنا ظهر:أنّ المأمور به في التعبديّات أعمّ من الغرض مطلقا،سواء

قلنا بوضع ألفاظ العبادات للصحيحة أو للأعمّ،و في التوصّليات إما أخصّ أو

مساو كما في القسم المذكور من التوصّلي،و هو ما يكون نفسه من العبادات.

ثمّ إنّك قد عرفت الفرق بين الواجب التوصّلي و بين التعبّدي ممّا عرّفناهما

به من أنّ الفرق بينهما:أنّ الأوّل ما يكون الغرض منه الوصلة إلى نفسه‏

كيف ما اتّفق،و أنّ الثاني ما يكون الغرض منه إيقاعه على وجه التعبّد و الامتثال.

و قد يفرّق‏1بينهما من حيث اللازم:بأنّ الأوّل يجوز اجتماعه مع الحرام‏

دون الثاني،و ظاهر ذلك أنّ من آثار التوصّلي جواز وقوعه موردا للأمر و النهي‏

بحيث يجتمعان فيه،و من آثار الثاني امتناع ذلك فيه.

لكن لا يخفى فساد ذلك على من له أدنى تأمّل،ضرورة أنّ مناط امتناع‏

اجتماع الأمر و النهي عند العقل-على القول به-إنّما هو التناقض بين نفس‏

الأمر و النهي،لا كونها أمرا تعبديّا،و ذلك لا يفرّق فيه بين ما إذا كان متعلّقهما

من التوصّليات أو التعبّديات،فإن امتنع امتنع مطلقا،و إن جاز جاز كذلك،

1(هذا الفرق من صاحب المعالم(أ)(قدّه)،على ما في هامش الأصل.

(أ) معالم الدين-الطبعة الحجرية-:99 عند قوله:(و الجواب عن الأوّل).،لكنّه(ره)ترقّى في‏

الجواب بعد ذلك،فمنع كونه مطيعا في خياطته الثوب في المكان المخصوص المنهيّ عن‏

الكون فيه،فتأمّل).


329
فالتفصيل غير معقول.

و كون الغرض من التوصّلي الوصلة إلى نفسه كيف ما اتفق،و من التعبّدي‏

إيقاعه على وجه التعبّد،لا يصلح لكونه منشأ للفرق في حكم العقل بامتناع‏

الاجتماع لوجود ما هو المناط في حكمه في المقامين من غير فرق أصلا.

هذا،لكن الظاهر أنّ مراد القائل بالاجتماع إنّما هو سقوط الأمر بمعنى‏

أنّ الأمر في الواجب التوصّلي و إن تعلّق بالمباح،لكن الإتيان بالفرد المحرّم من‏

مصاديق الفعل المأمور به يوجب سقوط ذلك الأمر عن الأفراد المباحة.هذا

بخلاف التعبّدي فإنّ الفرد المحرّم لا يصلح لسقوط الأمر عن المباح منه.و هذا

المطلب حقّ لا غبار عليه.

و الوجه في ذلك:أنّ الغرض في الواجبات التوصّلية أعمّ من المأمور به،

فإنّ الغرض فيها-كما عرفت-إنّما هو حصول الفعل من المكلّف لا مقيّدا

بوقوعه منه على وجه الامتثال،فيكفي في تحصيل الغرض منها إيجادها في ضمن‏

الفرد المحرّم أيضا و إن لم يكف ذلك في امتثال الأمر،حيث إنّه لا يصلح لتعلّقه بالفعل‏

بهذا الإطلاق،فإنّ النهي عن الفرد المحرّم يمنع عن تعلّقه بالفعل على وجه الإطلاق‏

بالنسبة إلى هذا الفرد،كما أنّ غفلة المكلّف-فيما إذا كان غافلا بالنوم أو الإغماء

أو غير ذلك-مانعة عن تعلّقه به بالنسبة إلى حال الغفلة،مع أنّه لو أتى بالفعل‏

لكان منطبقا على غرض الآمر،و موجبا لسقوط الأمر عن الفعل بعده.

و بالجملة:الغرض في الواجب التوصّلي إنّما يكون على وجه يحصل‏

بالإتيان بالفعل على أيّ وجه اتّفق،بحيث لو لم يكن مانع خارجي عن الأمر به‏

بهذا الإطلاق لكان مأمورا به كذلك،لتساوي جميع أفراد الفعل-من الأفراد

الصالحة للأمر بها و غيرها-في تحقّق المصلحة الداعية للأمر بتلك الأفراد

الصالحة له التي يكون الغرض من الأمر حصولها،فيكون الإتيان بغير الفرد


330
المأمور به محصّلا لما يحصل من الفرد المأمور به من الغرض،فيكون مسقطا للأمر

عن ذلك الفرد لذلك،لأنّه لا يبقى الأمر بعد حصول الغرض.

هذا بخلاف الواجب التعبّدي،فإنّ الفرد الغير المأمور به فيه ليس‏

مساويا للفرد المأمور به في تحصيل الغرض منه،حتى يكون حصوله مسقطا للأمر

عنه،لأنّ الغرض منه إنّما هو الامتثال،و هو لا يحصل إلاّ بإيقاع الفعل بداعي‏

الأمر،و الفرد الغير المأمور به لا أمر فيه،حتى يوقع بداعيه،فيكون منطبقا على‏

الغرض،فعدم الأمر بالفرد المحرّم من الفعل حينئذ من جهة عدم المقتضي في‏

ذلك الفرد،لا من جهة وجود المانع عن تعلّق الأمر كما في التوصّلي،فالغرض في‏

التعبّدي لا يحصل إلاّ بالإتيان بالفرد المأمور به لا غير،فهو فيه إما مساو للمأمور

به،أو أخصّ كما مرّ اختياره منّا.

هذا،لكن الإنصاف:أنّ كون الفرد المحرّم مسقطا للأمر عن المباح في‏

الواجب التوصّلي لا يصحّ القول به مطلقا،إذ ليس لازمه كون الغرض منه أعمّ‏

من المأمور به المتحقّق بالفرد المحرّم،بأن كان عدم تعلّق الأمر بالفرد المحرّم‏

مطلقا من جهة مزاحمة النهي عن ذلك مع بقائه على المصلحة الموجودة في الفرد

المباح و تساويه له في تحصيلها،بل قد يكون الغرض فيه مساويا للمأمور به،

و يكون عدم تعلّقه بالمحرّم من جهة كونه فاقدا لتلك المصلحة،لا من جهة مزاحمة

النهي و إن كان المفروض كونه كذلك.

و بعبارة أخرى:يكون ذلك الفرد مشتملا على جهة المبغوضية الموجبة

للنهي عنه فحسب،و ليس كالقسم الأوّل من حيث كونه مشتملا على جهتي‏

المحبوبية و المبغوضية من المصلحة و المفسدة،و روعي فيه جانب المفسدة،فنهي‏

عنه لحصول تلك المصلحة المقصودة بغير ذلك الفرد من الأفراد المباحة،فحينئذ

لا يعقل كونه مسقطا للأمر عن الفرد المباح.

هذا مضافا إلى أنّ المأمور به في بعض الواجبات التوصّلية-كالسجود


331
للَّه و الركوع و غيرهما مما يكون من العبادات-لا يمكن حصوله بالمحرّم كما لا

يخفى،و الغرض فيه مساو للمأمور به لا محالة.

ثمّ إنّه إذا كانت المادّة المعروضة للأمر مقيّدة بالأفراد المباحة-بأن ثبت‏

تقيّدها بها:إمّا من دليل خارجي غير النهي عن الفرد المحرّم،بأن دلّ على أنّ‏

المقصود و الغرض إنّما هو إيجادها في ضمن الأفراد المباحة،أو من ذلك النهي و لو

بضميمة بعض القرائن-فلا إشكال حينئذ في كون الغرض مساويا للمأمور به،

فلا يحصل بالفرد المحرّم.

و أما إذا لم تكن المادّة مقيّدة،بل إنّما هي مطلقة فهل يجوز التمسّك‏

بإطلاقها-فيما إذا كان المقام مقام البيان الّذي هو شرط التمسّك بالإطلاق-

على أعمّية الغرض،و كون الغرض هو حصول المادّة كيف كان و إن كان في‏

ضمن فرد محرّم،أو لا؟.

قد يتخيّل الثاني بتوهّم أنّ التمسّك بالإطلاق إنّما يصحّ فيما لو كان المراد

من المطلق المقيّد لتوهّم إرادة الإطلاق،نظرا إلى إطلاق اللفظ،و ما نحن فيه‏

ليس كذلك،فإنّه لا يتوهّم فيه إرادة الإطلاق مطلقا حتى في صورة إطلاق المادّة.

لكن الظاهر هو الأوّل لفساد التخيّل المذكور بأنّ عدم تعلّق الأمر

بشي‏ء مع تعلّقه بغيره قد يكون من باب قصره على ذلك الغير و تخصيصه به مع‏

صلاحيته لتعلّقه بذلك الشي‏ء لو لا التخصيص،كما إذا قيل:أكرم زيدا إن‏

جاءك،فإنّ الأمر المذكور صالح لتعلّقه بإكرام زيد مطلقا-لو لا تخصيصه‏

بالشرط المذكور-بأن يقول:أكرم زيدا جاءك أو لم يجئ،و قد يكون من جهة

قصور ذلك الأمر و عدم صلاحيته لشموله له،بحيث لا يجوز للآمر تعليقه بذلك‏

الغير أيضا،و عدم تعلّق الأمر بشي‏ء إنّما يكون كاشفا عن خروجه عن المقصود

و الغرض إذا كان على الوجه الأوّل،و أمّا على الثاني-كما هو الحال فيما نحن‏

فيه-فلا يجوز القطع بكون المقصود مقصورا على مورد الأمر حينئذ،بل يحتمل‏


332
كونه أعمّ بحيث يشمل الفرد المحرّم،فيوهم إرادة كون المادّة غرضا مطلقا،فيصحّ‏

التمسّك بإطلاقها على إطلاق كونها غرضا فيما إذا كان المقام جامعا لشرائط

التمسّك بالإطلاق.

توضيح المقال:أنّ القيود الطارئة على المأمور به على ثلاثة أقسام:

الأوّل-ما يلحقه قبل تعلّق الأمر به بمعنى أنّه من الأمور التي يلاحظها

الآمر و يجعلها قيودا للمأمور به،فيورد الأمر على ذلك المقيّد.

و الثاني-ما يلحقه بعد تعلّق الأمر به،بحيث لا يمكن تقييد المأمور به‏

قبل الأمر و إيراد الأمر على الفعل المقيّد به،بل لا بدّ في إفادة اعتباره فيه من‏

أمر آخر،و هذا كالامتثال المعتبر في العبادات،فإنّه لا يمكن جعل المأمور به‏

مقيّدا بكونه على وجه الامتثال في الأمر الأوّل،بل لا بدّ من آخر دلّ على اعتباره‏

فيه.

و الثالث-ما يلحقه بعد تعلّق الأمر به،و لا يمكن لحوقه قبله لكونه من‏

الأوصاف المنتزعة عن الأمر ككون الشي‏ء مطلوبا و مأمورا به.

لا إشكال في جواز التمسك بإطلاق المادّة على نفي القسم الأوّل عند

الشكّ في صورة اجتماع شرائط التمسّك،و على كون الغرض أعم من المقيّد

بذلك القيد المشكوك في اعتباره،فإنه ممّا يصلح لتقييد المادّة به،و يتوهّم الإطلاق‏

من إطلاق المادّة بالنسبة إليه.

و أمّا القسم الثاني:فلا يجوز التمسّك به على نفيه،لأنه ليس من شأنه‏

تقييد المادّة به.

و أمّا الثالث:فهو كالثاني،فإنّه مما لا يمكن اعتباره في المأمور به قبل‏

الأمر،بل وصف منتزع منه،فليس من شأنه تقييد المادّة به،بل لا بدّ في تقييده‏

من دليل آخر.

و القيد المحتمل-فيما نحن فيه-اعتباره في المادّة من جهة كونها غرضا


333
إنّما هو من القسم الأوّل،فإنّ الشكّ في المقام:أنّ المادّة-من جهة كونها غرضا-

هل هي مقيّدة في نظر الآمر بكونها في ضمن الأفراد المباحة،أو مطلقة؟و لا ريب‏

أنّ هذا التقييد مما يلاحظه الآمر قبل الأمر،فلا مانع من التمسّك بإطلاقها من‏

هذه الجهة،و أمّا المانع من جهة عدم تعلّق الأمر بها بالنسبة إلى الفرد المحرّم فقد

عرفت الكلام فيه،فافهم.

ثمّ إنّه قد يفرّق بين الواجب التوصّلي و بين التعبّدي بكون الأوّل‏

بحيث يسقط بفعل الغير و بالفعل الغير الاختياري الصادر من المأمور،بخلاف‏

التعبّدي،فإنّه بحيث لا يسقط إلاّ بفعل المأمور نفسه مع صدوره منه عن اختياره‏

و شعوره به.

لكن لا يخفى على المتفطّن فساد ذلك الفرق بإطلاقه،فإنّ ما ذكر

بالنسبة إلى التعبّدي و إن كان صحيحا على وجه الإطلاق،لكن بالنسبة إلى‏

التوصّلي لا يصحّ كذلك،فإنّه إنّما يتمّ بالنسبة إلى التوصّليات التي يكون غرض‏

الشارع حصولها في الخارج من غير مدخلية لمباشرة المأمور أو لاختياره،و إنّما

يكون أمره للمكلّف‏ (1) من جهة أنّ غرضه يتوقّف على سبب موجد له،و هو من‏

الأسباب الموجدة له،بحيث يكون هو و غيره من جهة السببية سواء.

و أمّا بالنسبة إلى التوصّليات التي لمباشرة المأمور أو لاختياره دخل في‏

تحقّق الغرض منها فلا،و لا يمكن القول بانحصار التوصّلي في الخارج في القسم‏

الأوّل،فإن المضاجعة مع الزوجة و وطأها من الواجبات التوصّلية بلا شبهة مع‏

أنهما لا يسقطان بفعل الغير،و نظير ذلك في الواجبات التوصّلية فوق حد

الإحصاء.

ثمّ إنّه هل يمكن التمسّك هنا أيضا في مقام الشكّ بإطلاق المادّة على‏

1)في الأصل:بالمكلّف..

334
أعمّية الغرض بالنسبة إلى صدورها من الغير أو من غير اختيار المكلّف كما مرّ

في المقدّمة المحرّمة،أو لا؟.

لا شبهة في عدم جواز التمسّك بإطلاقها على أعمّية كونها غرضا بالنسبة

إلى فعل الغير،فإنّها و إن كانت صادقة على فعل الغير أيضا إلاّ أنّ ظاهر الأمر

كون الغرض صدورها من خصوص المأمور،فإنّ ظاهره هو الطلب منه نفسه،

بحيث يرجع عند العقل إلى تقييد المادّة.

و بعبارة أخرى:إنه بحسب القواعد اللفظية و إن كان المأمور به مطلقا

إلاّ أنّه بعد ملاحظة طلبه من هذا المكلّف الخاصّ على ما هو ظاهر الأمر

يكون‏ (1) المطلوب و المقصود بالدّقة العقليّة هو الفعل المقيّد بصدوره من ذلك‏

المكلّف الخاصّ.

و أمّا بالنسبة إلى فعل نفس المأمور إذا صدر من غير اختياره فالأولى‏

التفصيل بين مراتب الصدور من غير اختيار بجواز التمسّك في بعضها دون‏

أخرى.

بيان ذلك:أنّ الفعل الغير الاختياري قد يصدر منه على وجه يكون هو

بمنزلة الآلة،كما إذا كان نائما-مثلا-فأخذ بيده‏ (2) أحد فضرب بها آخر،

و قد يصدر منه على وجه المباشرة،لكنّه غير ملتفت إلى عنوان الفعل و لا إلى أصله‏

و لا إلى مورده،كما إذا كان نائما أو مغمى عليه،فحرّك يده فضرب بها آخر،و قد

يصدر منه على وجه المباشرة مع قصده و التفاته إلى أصل الفعل و عنوانه،مع عدم‏

قصده إلى مورده كأن قصد المأمور بضرب زيد ضرب شخص خاصّ معتقدا بأنه‏

عمرو،فضربه و بان كونه زيدا.

1)في الأصل:فيكون..

2)في الأصل:من يده..

335
لا إشكال في صدق المادّة على هذه الأفعال الغير الاختيارية في جميع تلك‏

المراتب،لكن الظاهر انصرافها في ضمن هيئات الأفعال إلى غير الصادر منها

في المرتبة الأولى،فإنّه يصدق فيها أنّه لم يضرب،و إنّما ضرب الّذي أخذ

يده‏ (1) و ضرب بها آخر،فحينئذ إذا كان مأمورا بضرب ذلك المضروب لم يكن‏

ذلك مسقطا للأمر عنه،فإنّ ظاهر(اضرب)-مثلا-هو طلب الضرب منه على‏

وجه المباشرة،فيكون الحكم في تلك المرتبة كما في فعل الغير.

و بالجملة:المادّة في ضمن هيئة الأمر منصرفة إلى ما ينصرف إليه في ضمن‏

هيئتي الماضي و المضارع،فيكون المطلوب و المقصود هو هذا المعنى المنصرفة إليه‏

المادّة،فلا بدّ في سقوط الغرض من إحراز صدق انتساب المادّة إلى هذا

الشخص المأمور بصيغة الماضي-مثلا-،بأن يصدق على الفعل الصادر منه أنه‏

فعله حتى يكون آتيا بالغرض من امر(افعل)،و لا ريب أنّه لا يصدق في الصورة

المذكورة أنّه ضرب فلانا،و إنّما يصدق ذلك بالنسبة إلى الآخذ بيده الضارب بها

ذلك الشخص الثالث.

و بعبارة أخرى:إنّ ظاهر الأمر طلب الفعل من المأمور نفسه على وجه‏

يكون هو الموقع إيّاه و الموجد له،فيكون الغرض بظاهر الأمر هو الفعل الصادر

من نفسه على وجه يصدق عليه أنه أوقعه و أوجده،و هذا المعنى لا يصدق في‏

الصورة المذكورة على فعل النائم المذكور.

هذا في المرتبة الأولى.

و أمّا في سائر المراتب فلا يبعد دعوى هذا الانصراف في غير الأخيرتين‏

منها،و أما فيهما فلا يبعد دعوى صدق الانتساب على الوجه المذكور،فيمكن‏

التمسّك بإطلاق المادّة فيهما على إطلاق الغرض بالنسبة إليهما لصلاحية تقيّدها

1)في الأصل:أخذ من يده..


336
بهما،و توهّم الإطلاق لو كان المراد المقيّد مع عدم تقيّد اللفظ و إن لم تكونا

صالحتين لتعلّق الأمر بهما إلاّ أنّه لقصور الأمر-كما مرّ في الفرد المحرّم-فيكون‏

الفعل الصادر فيهما مبرئا للذمّة عن التكليف،فإنّ العقل لا يلزم المكلّف بأزيد (1)

من إطاعة الأمر بمعناها الأعمّ،و هو تحصيل غرض المولى حذرا من تبعة المؤاخذة

و العقاب،فإنّه المدار في المؤاخذة و استحقاق العقاب،إلاّ أنّ مصاديق الغرض‏

مختلفة،فإنّها في التوصّليات على وجه لم يعتبر في حصوله قصد الامتثال،فيكتفي‏

العقل بإيجاد الفعل و لو على غير جهة الامتثال،و في التعبديّات على وجه اعتبر

في حصوله قصد الامتثال،فيلزم العقل بإيجاده مقرونا بقصد الامتثال،لتوقّف‏

حصول الغرض عليه الّذي هو المدار في استحقاق العقاب.

1)في الأصل:إلى أزيد.

337
في تأسيس الأصل المعوّل عليه عند الشك‏

في التعبدية و التوصّلية

ثمّ إنّه إذا ثبت وجوب شي‏ء و تردّد بين كونه تعبديّا متوقّفا حصوله على‏

قصد الامتثال و بين كونه توصّليا غير متوقّف حصوله عليه،فهل هنا أصل‏

يشخّص أحد الأمرين من جهة الأمر أو من الخارج-من الأصول العقلية

العملية أو اللفظية من العموم و الإطلاق-أو لا؟.

فلا بدّ من إيراد الكلام في مقامات ثلاثة:الأوّل في اقتضاء الأمر لأحد

الأمرين و عدمه،و الثاني في الأصول العقلية،و الثالث في العموم أو الإطلاق‏

المستفادين من الأدلّة الشرعية،فنقول:

أمّا المقام الأوّل‏
:فالحقّ فيه عدم ما يقتضي تعيين أحد الأمرين:أمّا

عدم ما يقتضي التعبّدية فواضح لا يحتاج إلى البيان،و أمّا عدم ما يقتضي‏

التوصّلية فلأنّ الدالّ عليها لو كان فهو إمّا إطلاق الهيئة،أو إطلاق المادّة،و لا

شبهة في بطلان التمسّك بواحد منهما عليها:

أمّا الأوّل-فهو لأنّ قصد الامتثال على تقدير اعتباره ليس من القيود

الراجعة إلى الهيئة كما في الواجب المشروط،حيث إنّ التقييد فيه راجع إلى مفاد

الهيئة،بل إنّما هو من قيود المادّة كما لا يخفى،فلا يلزم من اعتباره تقيّدها،حتى‏

يمكن التمسّك بإطلاقها على نفيه عند الشكّ.

و أمّا الثاني-فهو و إن كان ربما يتوهّم،نظرا إلى أنّ قصد الامتثال على‏

تقدير اعتباره من قيود المادّة إلاّ أنّه فاسد أيضا،بأنّ صحّة التمسّك بإطلاق‏

مطلق إنّما هي فيما إذا كان من شأنه تقيّده بالقيد المشكوك في اعتباره،و ما نحن‏

فيه ليس منه،ضرورة أنّه لا يعقل اعتبار قصد امتثال أمر في ذلك الأمر،لرجوعه‏


338
إلى كون الشي‏ء موضوعا لنفسه المستلزم لتقدّمه على نفسه طبعا،ضرورة تقدّم‏

الموضوع على الحكم كذلك،بل لا بدّ في اعتباره من أمرين:أوّلهماالأمربذات‏

الفعل،و ثانيهماالأمربه مقيّدا بقصد امتثال الأمر.

نعم هنا شي‏ء آخر:يقوم مقام الإطلاق في إثبات التوصّلية،بل أقوى منه،

و هو أنّ اعتبار قصد الامتثال و إن لم يتعقّل في الأمر الابتدائي،إلاّ أنّه ممكن بأمر

آخر-كما مرّ-فحينئذ إذا أحرزنا مقام البيان-أعني كون المتكلّم في مقام بيان‏

مقصوده من جهة التوصّلية و التعبديّة،كما هو المعتبر في المطلقات مع عدم بيان‏

اعتبار ذلك القيد بأمر آخر-فنقول:

إنّ سكوته حينئذ عن الأمر الآخر و عدم تعقيب الأمر الأوّل به يفيد

كون ذات الفعل تمام المقصود،لأنّ السكوت في مقام البيان يفيد الحصر-أعني‏

حصر المقصود في المذكور-فثبت به كون الواجب توصّليا.

و وجه كون ذلك أقوى من الإطلاق اللفظي:أنّ هذا الحصر المستفاد منه‏

إنّما هو من الظهورات الحالية التي هي أقوى الظهورات حتى الظهورات‏

الناشئة عن الوضع كما لا يخفى،فهو من الأدلّة الاجتهادية،بخلاف إطلاق‏

المطلق،فإنّ مفاده ليس من الظهورات أصلا،فكيف بكونه مساويا لما ذكر أو

أقوى،بل الأخذ به إنّما هو من باب التعبّد العقلي المبنيّ على قبح التكليف بلا

بيان.

هذا....

و أمّا المقام الثاني‏
:ففيه وجهان:

أحدهما-يقتضي البناء على التعبّد به و لزوم الإتيان بالفعل بقصد

الامتثال.

و ثانيهما-يقتضي التوصّلية و عدم لزوم قصد الامتثال.

أمّا الوجه الأوّل:فغاية ما يمكن أن يقرّر به هو أن يقال:


339
إنّ الشكّ في اعتبار قصد الامتثال حقيقة راجع إلى الشكّ في كيفية

الإطاعة،و لا دخل له بالشكّ في المكلّف به،فإذا ثبت التكليف بفعل،فشكّ في‏

كيفية إطاعته من جهة قصد الامتثال و عدمه،فهذا الشكّ لا يوجب إجمال المكلّف‏

به،لأنّه ليس من القيود المعتبرة فيه كما في الشرائط و الأجزاء للمأمور به،بل‏

خارج عنه،فحينئذ يكون المأمور به مبيّنا،و الشكّ فيما يتحقّق به،و حينئذ يحكم‏

العقل بتحصيل القطع بالخروج عن عهدة التكليف به،و هو لا يحصل إلاّ بقصد

الامتثال،فيحكم العقل بوجوبه لذلك.

و يمكن أن يقرّر بوجه آخر،و لعله أحسن:و هو أنّه إذا ثبت التكليف‏

بشي‏ء فالعقل يحكم بلزوم الإتيان به على وجه يطابق غرض الآمر،فإذا تردّد

الغرض بين أمرين:ذات الفعل كيف كان،أو التعبّد به،فالعقل يحكم بلزوم‏

الإتيان بالفعل على وجه يحصل القطع بتحصيل الغرض،و هو لا يكون إلاّ

بالإتيان به بقصد الامتثال.

و هذا التقرير ناظر إلى جعل الغرض دائرا بين المتباينين،فلذا يجب‏

الاحتياط بكلا الأمرين اللذين هما طرفا الشبهة له.

هذا،و لكن لا يخفى‏مافيه من الضعف،و سيظهر ضعفه من الوجه‏

الثاني،فانتظر.

و اما الوجه الثاني:فيقرّر على وجهين:

أحدهما:أنّ الشكّ فيما نحن فيه أيضا من الشكّ في اعتبار شي‏ء في‏

المكلّف به شطرا أو شرطا،فيكون الحال في المقام هي الحال في صورة الشكّ في‏

شرطية شي‏ء أو جزئيته للمأمور به،فعلى القول بالبراءة هناك-كما هو المختار-

نقول بها هنا أيضا.

توضيح رجوع الشكّ هنا إلى الشكّ في اعتبار شي‏ء في المكلّف به:أنّ‏

المكلّف به قد يكون بحيث يمكن إرادته بأمر واحد بجميع ما يعتبر فيه من‏


340
القيود،و قد يكون بحيث لا يمكن إرادته بأمر واحد بجميع قيوده المعتبرة فيه،

نظرا إلى عدم إمكان ذلك بالنسبة إلى بعض قيوده،و لا يختصّ الشكّ في اعتبار

شي‏ء في المكلّف به بالقسم الأوّل،بل يجري في الثاني أيضا،و ما نحن فيه منه،

فيكون الشكّ في اعتبار قصد الامتثال راجعا إلى الشكّ في اعتباره في المكلّف به،

فعلى المختار فالمرجع فيه هي أصالة البراءة،فإنّه إذا كان المكلّف به هو المقيّد

بقصد الامتثال،و المفروض عدم بيانه،فالعقل قاض بالبراءة عنه لقبح العقاب‏

عليه حينئذ،و المنجّز على المكلّف فعلا لا يكون إلاّ المقدار المعلوم،لأنّه على‏

تقدير كونه هو المكلّف به تمّت الحجّة فيه لبيانه.

ثانيهما:أنّه لو سلّم خروج ما نحن فيه عن مقولة الشكّ في اعتبار شي‏ء

في المكلّف به،و كون قصد الامتثال من مقولة الأغراض،فالعقل قاض أيضا

بالبراءة عن وجوبه،فإنّ ما هو المناط عند العقل في حكمه بالبراءة-عند الشكّ‏

في جزئية شي‏ء أو شرطيته للمأمور به-موجود هنا بنفسه،و هو قبح العقاب بلا

بيان،فالإتيان بالغرض إنّما يكون لازما مع بيانه،و أمّا مع عدم البيان فلا يلزم‏

العقل بتحصيله بالاحتياط،و لا ريب أنّ بيان الغرض في التكاليف الشرعية من‏

شأن الشارع و عليه بيانه،فإذا شكّ في كون شي‏ء غرضا له مع عدم بيان منه‏

فالعقل قاض بالبراءة عنه لقبح العقاب عليه من غير بيان،و دخول ما نحن‏

فيه في دوران الأمر بين المتباينين أيضا لا يقدح بالحكم بالبراءة عن المشكوك‏

فيه،و هو لزوم قصد الامتثال،فإنّه على تسليمه من باب الشبهة المحصورة التي‏

قام الدليل على بعض أطرافها،إذ المفروض قيام الدليل على وجوب ذات الفعل‏

التي هي أحد طرفي المعلوم الإجمالي من الغرض،فلا يجري فيها الأصل،فيبقى‏

الأصل في الطرف الآخر سليما عن المعارض،فيثبت جواز ترك ذلك الطرف‏

الآخر المحتمل وجوبه ظاهرا إن كان ذلك الأصل الاستصحاب،لكونه مخرجا

مورده عن تحت موضوع لزوم تحصيل الغرض،أو عدم العقاب عليه إن كان‏


341
أصالة البراءة العقلية،بل تثبت هي أيضا الجواز في مرحلة الظاهر

كالاستصحاب.

و بالجملة:العلم الإجمالي إنّما يوجب تنجّز الواقع على المكلّف على سبيل‏

لزوم موافقته القطعية إذا لم يكن في بعض أطرافه مرخّص شرعي أو عقلي،و أمّا

معه-كما هو الحال في المقام-فلا يقتضي أزيد من عدم جواز مخالفته القطعية،

فيختصّ إيجابه للموافقة القطعية بما إذا كانت الأصول متعارضة في أطرافه،

فافهم.

و الحاصل:أنّ التكليف بتحصيل غرض الامتثال لا يتنجّز على المكلّف‏

لعدم بيانه،فإن كان الغرض الواقعي هو ذلك فلا تكليف على المكلّف أصلا لعدم‏

بيانه.

نعم لو كان هو نفس الفعل فهو منجّز عليه لبيانه بالفرض،فلزوم‏

الإتيان به حينئذ لأجل كونه منجّزا على المكلّف و موجبا لاستحقاق العقاب عليه‏

على تقدير كونه هو الغرض الواقعي،فيلزم العقل بلزوم الإتيان به لذلك.

و كيف كان،فالحقّ في مقام الشكّ في تعبّدية وجوب شي‏ء أو توصّليته‏

بالنظر إلى الأصول العملية هو الحكم بالتوصّلية،لما عرفت.

و أمّا المقام الثالث‏
:فقد ذهب فيه جماعة إلى أنّ الحاصل-المستفاد من‏

عمومات الكتاب و السنّة-هي التعبّدية،زاعمين دلالة بعض الآيات و الأخبار

على ذلك:

فمن الآيات قوله تعالى-حكاية عن تكليف أهل الكتاب-: و ما أُمِروا

إلاّ ليعبُدوا اللَّهَ مُخلصينَ لَهُ الدين (1) الآية،أي ما امر أهل الكتاب في كتبهم‏

إلاّ ليعبُدوا اللَّه الآية.

1)البيّنة:5.

342
و قد نسب الاستدلال إلى العلاّمة-قدّس سرّه-في النهاية (1) لكن‏

المحكيّ من كلامه عن المنتهى مخالف لذلك فإنّه-(قدّس سرّه)على ما حكي‏

عنه في المنتهى‏ (2) -استدلّ‏ (3) بها على اشتراط العبادة بنيّة القربة قبالا لأبي‏

حنيفة-خذله اللَّه تعالى-القائل بعدم اشتراط الوضوء بها،و ليس في مقام إثبات‏

أصل كلي يعوّل عليه عند الشكّ.

و كيف كان،فيمكن الاستدلال بها من وجهين-على إثبات أصالة

التعبّدية في أوامر أهل الكتاب،ثم إثبات هذا الحكم في شريعتنا:إمّا

بالاستصحاب بناء على اعتباره في الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة،و إمّا

بمقتضى قوله تعالى في آخر الآية: و ذلكَ دينُ القيِّمة (4) ،فإنّ المشار إليه‏

بقوله: و ذلكَ هو ما استفيد من صدر الآية من الحكم،و معنى(القيِّمة)-كما

فسَّرها المفسرون-(المستقرّة)التي لا تنسخ و هي صفة لمحذوف،أي و ذلك دين‏

الملّة القيّمة-:

الوجه الأوّل:بالنظر إلى قوله تعالى: ليعبدوا ،و تقريب الاستدلال‏

على ذلك:

أنّ العبادة هي الإتيان بالفعل على وجه الإخلاص المرادف للامتثال،

و اللام في(ليعبدوا)للغاية،كما يظهر عن بعض في مقام الاستدلال بالآية على‏

خلاف الأشعري القائل بالجزاف في أفعال اللَّه-تعالى عن ذلك علوّا كبيرا-

فيكون المعنى:أنّه ما أمر أهل الكتاب بشي‏ء لغاية و غرض من الأغراض إلاّ

1)نهاية الوصول(مخطوط):76،و الموجود فيها مطابق لما في المنتهى.

2)منتهى المطلب:1-54.

3)في الأصل:انّه استدلّ..

4)البيّنة:5.

343
لغرض الامتثال و الإخلاص،فتدلّ الآية على انحصار الغرض فيما أمروا به في‏

الامتثال عموما بالنسبة إلى جميع ما أمروا به،نظرا إلى وقوع الجنس-و هو اللام-

في حيِّز النفي المفيد للعموم فإذا ثبت ذلك الحكم العامّ في حقّهم ثبت في حقّنا

بأحد الأمرين المتقدّمين،فيكون الأصل في واجباتنا أيضا هو التعبّدية إلاّ ما

أخرجه الدليل.

و كيف كان،ففي هذا الوجه يكون قوله تعالى: مخلصين له الدين

حالا مؤكّدة لقوله: ليعبدوا لتضمّن العبادة على هذا الوجه للإخلاص.

الوجه الثاني:بالنظر إلى قوله: مخلصين لهُ الدين ،و تقريب‏

الاستدلال به:

أنّ المراد بالدّين هنا إمّا القصد،و إمّا نفس الأعمال و الأفعال بعلاقة

السببية و المسببية بينها و بين الجزاء الّذي هو أحد معانيه،و على التقديرين يتمّ به‏

المطلوب،فإنّه حال من قوله تعالى: ليعبدوا .

و على تسليم عدم تضمّنه للإخلاص-بأن يكون المراد بالعبادة مطلق‏

الإتيان بالفعل المأمور به-فيكون مقيّدا بالإخلاص المستفاد من هذا القيد لا

محالة.

و على تقدير كون المراد بالدّين القصد يكون المعنى:و ما أمروا إلاّ لأن‏

يأتوا بما أمروا به على وجه إخلاص القصد فيه،و على تقدير كون المراد به‏

الأعمال يكون المراد:و ما أمروا إلاّ لأن يأتوا بما أمروا به على وجه الإخلاص في‏

العمل،و لا ريب أنّ إخلاص القصد في العمل أو إخلاص نفس العمل لا يكون‏

إلاّ بالإتيان بالمأمور به على وجه التقرّب و الامتثال لأمر الآمر.

و كيف كان فالآية تدلّ على لزوم الإتيان بالمأمور به على وجه الإخلاص‏

إمّا باستفادته من قوله: ليعبدوا بناء على تضمّنه له،و إمّا باستفادته من‏


344
القيد وحده،و الإخلاص لا يكون إلاّ بالإتيان بالمأمور به بداعي الامتثال لأمر

الآمر.

هذا غاية ما قيل أو يقال في توجيه الاستدلال بالآية،لكن لا يخفى على‏

المتفطّن ضعفه:

أمّا على الوجه الأوّل:فلأنّ الظاهر بملاحظة نظائر الآية كون اللام في‏

ليعبدوا من اللام الداخلة على مفعولي الأمر و الإرادة كقوله تعالى: يريد

اللَّه ليذهب عنكم الرجس (1) ، و يهديكم 1 (2) ،و قوله تعالى: أمرنا لنسلم‏

لربّ العالمين (3) ، و أمرت لأن أكون أوّل المسلمين (4) ، و أمرت لأعدل‏

بينكم (5) ، و أمرت أن أعبد اللَّه مخلصا له الدين (6) ،حيث إنّ اللام فيه‏

مقدّرة قبل(أن)،فيكون مدخولها هو المفعول به للفعل السابق عليها،فتكون‏

العبادة نفس المأمور به لا غايته.

هذا مضافا إلى شهادة عطف‏ يقيموا الصّلاة و يؤتوا الزكاة (7) عليه،

كما يؤذن به حذف النون منهما،فإنه لو جعل اللام في(ليعبدوا)للغاية لما صحّ‏

عطف هذين عليه،فإنّهما نفس المأمور به،لا الغاية له الخارجة عنه.

1في الأصل:(و ليهديكم).،و لم نعثر على آية بهذا النصّ،و لكن يوجد ما هو قريب منها،و هو

قوله تعالى: يريد اللَّه ليبيّن لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم

1)الأحزاب،آية:33.

2)النساء:26.

3)الأنعام:71.

4)الزمر:12.

5)الشورى:15.

6)الزمر:11.

7)البيّنة:5.

345
و بالجملة:اللام هنا غاية للأمر،فيكون مدخولها نفس المأمور به كما في‏

نظائره من الآيات و من الأمثلة العرفية،كما يقال:اؤمر عبدك ليفعل كذا،أو

أمرتك لتفعل كذا،و نظيره في الفارسية قولهم:بفرما تا آب بياورند،حيث إنّ‏

الإتيان بالماء نفس المأمور به.

لا يقال:إنّ الاستدلال ليس مبنيّا على جعل اللام غاية للمأمور به بل‏

يتمّ على تقدير كونها غاية للأمر أيضا،فإنّ معنى الآية على هذا التقدير:أنّه ما

امر أهل الكتاب إلاّ بالعبادة و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة،فتدلّ الآية على أنّه‏

لم يتوجّه إليهم من اللَّه تعالى أمر إلاّ بالعبادة،فيكون كلّ ما أمروا به مأمورا

به بعنوان كونه عبادة،و يكون عطف‏ يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة عليه من‏

عطف الخاصّ على العامّ،و يكون النكتة في تخصيص الصلاة و الزكاة بالذكر من‏

أفراد العامّ التنبيه على أنّهما عمدتها،كما ورد بذلك الأخبار أيضا،فيتمّ المطلوب.

لأنّا نقول:إنّ كون ذلك من عطف الخاصّ على العامّ إنّما يصحّ بعد

التنبيه على اعتبار قصد الامتثال في المعطوف أيضا ليعلم فرديته للعامّ،و من‏

المعلوم أنّه لا دلالة في الآية على كيفية الصلاة و الزكاة من جهة قصد الامتثال،

و إنّما المستفاد منها وجوب الإتيان بأنفسهما مع السكوت عن كيفيتهما،فيكونان‏

مع ذلك أجنبيّين عن المعطوف عليه،فتأمّل.

هذا كلّه مضافا إلى منع دلالة الآية على اعتبار التعبّد و الامتثال على وجه‏

القيدية فيما امر به أهل الكتاب على تسليم كون اللام لغاية المأمور به،فإنّ غاية

ما يدلّ عليه حينئذ:أنّ كلّ ما أمروا به يكون الغاية المقصودة منه هي العبادة

و الامتثال،و من الواضح أنّ غائية شي‏ء لشي‏ء على وجهين:

أحدهما-أن يكون الغاية حقيقة نفس ذلك الشي‏ء،و يكون المطلوب من‏

الأمر بذي الغاية تحصيل نفس ذلك الشي‏ء،كما في الطهارة بالنسبة إلى الوضوء

و الغسل.


346
و ثانيهما-أن يكون الغاية كون ذي الغاية لطفا في ذلك الشي‏ء،فيكون‏

الغاية حقيقة كونه لطفا في ذلك الشي‏ء،لا نفس ذلك الشي‏ء،كما في التجنّب‏

عن الفحشاء و المنكر بالنسبة إلى الصلاة،فإنّ فعلها لطف في التجنّب عنهما.

و الاستدلال يتمّ على تقدير كون العبادة غاية لما أمروا به على الوجه‏

الأوّل،و أما على الثاني بأن يكون الأمر بسائر الواجبات لأجل كونها ألطافا في‏

العبادة و مقرّبة إليها،فلا.

و لا ظهور للآية في الأوّل إن لم نقل بظهورها في الثاني،نظرا إلى عطف‏

يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة (1) على‏ ليعبدوا ،إذ حينئذ يجب أن يكون‏

إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة أيضا غايتين لما أمروا به،و لا ريب أنّه لا يعقل كونهما

غايتين لما أمروا به إلاّ على الوجه الثاني،ضرورة أنّ فعل الصلاة و الزكاة لا

يحصلان بفعل غيرهما من الواجبات،بل الممكن حصوله منها إنّما هو حالة

التقرّب إليهما،و قد ذكر جماعة أنّ بعض الواجبات الشرعية لطف في بعضها

الآخر كما أنّ كلّها ألطاف في الواجبات العقلية،فيكون المراد أنّ واجباتهم‏

-توصّلية كانت أو تعبدية-ألطاف في العبادة،لا أنّ كلّ ما أمروا به عبادة.

و مع الإغماض عن ذلك كلّه نقول:إنّ الاستدلال مبنيّ على أن يكون المراد

بالعبادة في الآية هو فعل الجوارح بقصد الطاعة الّذي يتعلّق به التكليف‏

الفرعي،و مع تسليم ظهورها في هذا المعنى في نفسها-كما هو ليس ببعيد،نظرا إلى‏

أنّ معناه بالفارسية:(بندگى كردن،و فرمانبري)،و هذا من فعل الجوارح-يمنع‏

من كون المراد منها ذلك في الآية،بل الظاهر أنّ المراد بها اتخاذ اللَّه تعالى ربّا،

و توحيده في المعبودية،و نفي الشريك عنه في مقابل عبادة الأوثان و الأصنام،حيث‏

إنّ المشركين عبدوها و جعلوها شفعاء عند اللَّه،كما ينادي به قوله تعالى حكاية

1)البيّنة:5.

347
عنهم: ليقرّبونا إلى اللَّه زلفى (1) ،و ذلك لكثرة إطلاقها على هذا المعنى في‏

الكتاب العزيز،كما في الآيات المتقدّمة الإشارة إليها المذكور فيها لفظ العبادة،

و كما في قوله تعالى: فاعبد اللَّه مخلصا له الدّين (2) ،و قوله: و لا يشرك‏

بعبادة ربّه أحدا (3) ،و قوله: فاعبدوا ما شئتم من دونه (4) ،و قوله: لا

أعبد ما تعبدون،و لا أنتم عابدون ما أعبد (5) ،بل و لم نقف على موضع من‏

الكتاب يراد بها غير هذا المعنى.

و بالجملة:فهذه الآية مساوقة لسائر الآيات المذكورة فيها لفظ العبادة

جدّاً،فيكون المراد بها بملاحظة اتّحاد السياق هو نفي الشرك و تخليص العبوديّة

للَّه تعالى ليطاع وحده‏ (6) ،لا أنّ كلّ ما أمرهم به طاعة،كما هو الحال في أخواتها

أيضا،فالمراد بالعبادة في الآية هو التوحيد الّذي هو أسّ أصول الدين،كما أنّ‏

الصلاة و الزكاة المعطوفتين عليها من أسّ فروعه‏1.

و على هذا يصحّ جعل اللام في‏ ليعبدوا لغاية المأمور به على الوجه الثاني‏

من الوجهين المتقدّمين،فيكون المراد:أنّه لم يؤمر أهل الكتاب بشي‏ء إلاّ لأجل‏

كونه لطفا في التوحيد الّذي هو من أصول الدين،و في الصلاة و الزكاة اللتين هما

1فالآية مشتملة على أمّ المسائل الإلهية و الأحكام الشرعية الفرعية،و هي وجوب الصلاة

و الزكاة،كما أنّه تعالى جمع بين التوحيد و بين حقوق الوالدين في قوله: و قضى ربّك‏

ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه و بالوالدين إحسانا .الإسراء:23لمحرّره عفا اللَّه عنه‏

1)الزمر:3.

2)الزمر:2.

3)الكهف:110.

4)الزمر:15.

5)الكافرون:2 و 3.

6)في الأصل:ليطاع له وحده...

348
من فروعه،و على هذا لا حاجة إلى حمل الحصر على الإضافي،كما لا يخفى.

كما أنّه جعلها (1) غاية للأمر-بأن يكون مدخولها نفس المأمور به،فيكون‏

المراد أنّهم لم يؤمروا بشي‏ء من الأصول و الفروع إلاّ بهذه الأمور،-فيكون‏

الحصر إضافيا،ضرورة عدم انحصار ما أمروا به فيها،و يكون النكتة في إيراد

الكلام على الوجه المفيد للحصر التنبيه على كون تلك الأمور عمدة أصول‏

الدين و فروعه،كما ورد في الصلاة:(أنّها عمود الدّين إن قبلت قبل‏ (2) ما سواها،

و إن ردّت ردّ (3) ما سواها) (4) .

هذا تمام الكلام في بيان ضعف الاستدلال على الوجه الأوّل.

و أما ضعفه على الوجه الثاني فظاهر للمتأمّل فيما تقدّم منّا في الأوّل.

و توضيحه:أنّه بعد قيام القرينة على كون المراد بالعبادة في‏ ليعبدوا

هو نفي الشرك و اتخاذ اللَّه وحده معبودا،لا مناص عن حمل لفظ الدّين في قوله:

مخلصين له الدين (5) على الطريقة و الملّة،و ذلك لأنّ الدّين له ثلاثة معان:

أحدها-الجزاء،كما في قوله تعالى: مالك يوم الدّين (6) .

و ثانيها-القصد.

و ثالثها-الطريقة و الملّة،كما في قوله تعالى: إنّ الدّين عند اللَّه‏

1)أي:كما أنه يصحّ جعلها..

2)في الأصل:قبلت ما سواها..

3)في الأصل:ردّت ما سواها.

4)الوسائل:3-78-أبواب المواقيت-باب وجوب المحافظة على الصلوات في أوقاتها-ح:2 و

11،و الحديث منقول بالمضمون.

5)البينة:5.

6)فاتحة الكتاب:3.

349
الإسلام (1) .

لا سبيل إلى حمله على الأوّل،لأنّ الجزاء من فعل اللَّه تعالى و لا يمكن‏

لأحد إخلاصه،مع أنّه غير مجد للمستدلّ،و لا يقول هو به أيضا.

و كذا لا سبيل إلى الثاني إن حمل إخلاصه على معنى قصد القربة-كما

هو المجدي للمستدلّ-لأنّ شأن الحال كونها مقيّدة للعامل في ذيها،فيكون‏

مقتضى حمله عليه أن يكون المراد-بعد كون المراد بالعبادة هو نفي الشرك‏

و اتخاذه تعالى معبودا وحده-أنّه و ما أمروا إلاّ ليوحّدوا اللَّه تعالى‏

بالمعبوديّة (2) مخلصين له القصد في التوحيد،أي قاصدين القربة فيه،و هذا لا معنى‏

له،إذ لا يمكن اعتبار قصد القربة في أصول العقائد كما لا يخفى‏1.

فتعيّن حمله على الثالث،فيكون المراد:مخلصين له الملّة،فيكون عبارة

أخرى عن التوحيد،فيكون حالا مؤكّدة لقوله: ليعبدوا ،و لا دخل له‏

بمرحلة اعتبار قصد القربة.

نعم يمكن أن يكون المراد به الأعمال و أفعال الجوارح بعلاقة السببية

و المسبّبية بينها و بين الجزاء-كما مرّ-كما في قولهم:(كما تدين تدان) (3) أو الاتّباع‏

كما في قوله تعالى‏ و لا يدينون دين الحق (4) ،حيث إنّ المراد بقوله‏ يدينون

1نعم يمكن أن يكون المراد به القصد على معنى قصد العبودية للَّه تعالى،لكنّه لا ينفع المستدلّ،

لأنّه عبارة أخرى عن العبادة بالمعنى الّذي ذكرنا.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)آل عمران:19.

2)في الأصل:للمعبوديّة..

3)مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري:2-155،رقم المثل:3093.

4)التوبة:29.

350
يتبعون،و المراد بدين الحقّ ملّته،أي لا يتّبعون ملّة الحقّ،و لعلّه مجاز عن القصد،

مع إمكان أن يراد به في المثال المذكور القصد نفسه،أي لا يقصدون دين الحقّ،

لكن لا شاهد على حمله على الأوّل لكونه معنى مجازيا لا يصار إليه إلاّ لقرينة

ظاهرة،و أمّا الثاني فهو عبارة أخرى عن العبودية،فيكون المراد على تقديره‏

نفي الشريك عنه تعالى في مقام العبودية له،فيتّحد مفاده‏مع‏صدر الآية (1) ،

و يؤكّده كتأكيده إياه على تقدير إرادة الملّة منه،كما هو الظاهر من سياق الآية

و ملاحظة نظائرها المشتملة على لفظ الدّين،كقوله تعالى: لكم دينكم ولي‏

دين (2) بعد أمره تعالى نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بنفي الشريك‏

و إخلاص العبودية له-تعالى‏-بقوله‏تعالى‏: قل يا أيّها الكافرون . لا أعبد

ما تعبدون (3) إلى آخر السورة.

و بالجملة:فمن تأمّل حقّ التأمّل يرى أنّ لفظ(العبادة)الوارد في‏

الكتاب العزيز يراد به ما ذكرنا،و أنّ المراد بلفظ الدّين -الوارد في تلوه-

معنى‏ (4) الملّة.

هذا كلّه مضافا إلى أنّا لو سلّمنا تمامية دلالة الآية و ظهورها في اعتبار

قصد القربة و الامتثال في كلّ ما امر به أهل الكتاب بأحد الوجهين المتقدّمين أو

بكليهما،لا يمكن الأخذ بظهورها هذا،لأنّ إرادته مستلزمة لتخصيص الأكثر،

كما لا يخفى،لأنّ أكثر الواجبات في كلّ شريعة توصّلية جدّاً،بل التعبّدية منها

لقلّتها مضمحلّة في جنب التوصّلية منها،فيستهجن إرادة اعتبار قصد التقرّب‏

1)في الأصل:لصدر الآية..

2)سورة الكافرون:6.

3)سورة الكافرون:1 و 2.

4)في الأصل:بمعنى..

351
المختصّ بهذا المقدار القليل بطريق عموم اللفظ للجميع،و لا يتمّ الاستدلال‏

بالآية لإثبات اعتبار قصد القربة في واجبات أهل الكتاب،فكيف بإثبات‏

اعتباره في شريعتنا؟!.

و مع الإغماض عن لزوم تخصيص الأكثر بالنسبة إلى واجباتهم و تسليم‏

تمامية الآية في الدلالة على اعتبار قصد القربة في واجباتهم عموما لا يمكن إثبات‏

هذا الحكم بعمومه بالنسبة إلى شريعتنا،لاضمحلال الواجبات التعبّدية،في‏

جنب التوصلية في واجباتنا جدّاً،و بدونه لا تثبت أصالة التعبّد في شريعتنا،كما

لا يخفى.

ثمّ إنّ شيخنا الأستاذ تعرّض للآية في تنبيهات رسالته الاستصحابية (1) ،

و أجاب عن الاستدلال بها:بأنّ المراد بها نفي الشريك.

ثمّ قال بعد تسليم تمامية دلالتها على المطلوب بالنسبة إلى الشرائع‏

السابقة ما حاصله:أنّ الآية تدلّ على اعتبار قصد القربة في الأفعال الواجبة

على أهل الكتاب،و مقتضى ثبوت هذا الحكم في شريعتنا-أيضا إما

بالاستصحاب و إما بقوله: و ذلك دين القيّمة (2) -أنّا لو كنّا مأمورين بتلك‏

الأفعال الخاصّة الواجبة عليهم لوجب علينا قصد القربة و الامتثال فيها أيضا،

و أين هذا من وجوبه في كلّ ما يجب علينا حتى تثبت أصالة التعبّد فيما وجب‏

علينا كما هو المطلوب؟!انتهى.

قال-دام ظله-:لكن الإنصاف اندفاعه بأنّ الظاهر من المستدلّ بالآية

جعل اللام في‏ ليعبدوا لغاية المأمور به مع حذف نفس المأمور به عن الكلام،

فيكون المراد على هذا-كما مرّ بيانه أيضا-أنّه لم يتوجّه إلى أهل الكتاب أمر

1)رسائل الشيخ الأنصاري(قدّه)،التنبيه الخامس:657.

2)سورة البيّنة:5.

352
من اللَّه تعالى بشي‏ء لغرض و غاية من الغايات إلاّ لغاية العبادة،فحينئذ

يكون النّظر في الكلام بقرينة حذف المفعول به إلى جهة الصدور لا الوقوع،

و يكون الغرض انحصار صدور الأمر منه تعالى إليهم فيما يكون الغاية منه‏

العبادة من غير نظر إلى المفعول به حتى يرد ما ذكر،فحينئذ فمقتضى اشتراكنا

معهم‏ (1) في هذا الحكم عدم توجّه أمر من اللَّه تعالى إلينا إلاّ لغرض العبادة،

فيتمّ المطلوب.

و بالجملة:قوله تعالى-: و ما أمروا بملاحظة حذف المفعول به-و هو

المأمور به-من قبيل قول القائل:(زيد يعطي أو يمنع)بحذف المفعول به فيهما

من جهة كون النّظر فيه كما في المثال إلى جهة الصدور هذا.

أقول:الإنصاف اندفاعه أيضا بناء على كون المفعول به أيضا مذكورا

بجعله إيّاه مدخول اللام،فإنّ معنى الآية على هذا انحصار المأمور به في‏

شريعتهم في العبادة،و مقتضى اشتراكنا معهم‏ (2) انحصاره في شريعتنا أيضا فيها،

فيتمّ المطلوب.

و كيف كان-و بعد الإغماض عن وجوه الإيراد على الاستدلال المتقدّمة

و تسليم دلالتها على اعتبار قصد القربة في المأمور به في شريعتهم-لا وجه لذلك‏

الإيراد.هذا.

و منها:قوله تعالى: أطيعوا اللَّه و أطيعوا الرسول و أولي الأمر

منكم (3) .

وجه الدلالة:أنه تدلّ على وجوب إطاعة اللَّه-سبحانه و تعالى-و هي لا

تكون إلاّ بالإتيان بما أمر به بقصد القربة،فيكون المراد وجوب الإتيان بما أمر

1)في الأصل:اشتراكنا لهم..

2)في الأصل:اشتراكنا لهم..

3)النساء:59.

353
به بقصد القربة،و ليس هذا الأمر كسائر الأوامر التي تسقط عن المكلّف‏

بالإتيان بفرد واحد من المأمور به،كما في الأمر بالضرب الساقط بإيجاده في ضمن‏

فرد منه بحيث لا يقتضي وجوب إيجاد جميع الأفراد،بل هذا الأمر-نظير قول‏

القائل:أدّ الدّين،أو أدّ الأمانة،و نظراءهما-ظاهر في إرادة الطبيعة بجميع‏

أفرادها،و لعلّ القرينة على العموم في المقام الملازمة بين ترك الإطاعة-في بعض‏

الأوامر و إن لم تترك كلّية لمخالفة المولى-و عصيانه،و هو قبيح‏ (1) جدّاً-فقبح‏

ترك الإطاعة بطريق السلب الجزئي-لكونه ملازما للمخالفة و العصيان-قرينة

على إرادة الإيجاب الكلّي في الأمر بها،كما أنّ القرينة عليه في مثال الأمر بأداء

الدّين أنّ الغرض من أدائه إنّما هو تخليص النّفس عن مهانته،مضافا إلى‏

الخروج عن تبعة العقاب عليه،و هو لا يحصل إلاّ بأدائه إلى مثقال ذرّة منه،و في‏

مثال الأمر بأداء الأمانة هي التخلّص عن قبح الخيانة،و هو لا يحصل إلاّ بردّها

إلى الدينار منها.

و بالجملة:فالآية دالّة على وجوب الإتيان بجميع ما أمر به-سبحانه‏و

تعالى-بقصد الطاعة،و هو المطلوب.

هذا،و قد أجيب عن الاستدلال بها بأنّ الإطاعة تطلق على معنيين:

أحدهما الإتيان بالفعل على وجه الامتثال،كما حملها عليه المستدلّ،

و الآخر مجرّد عدم المعصية،و المتعيّن منهما هنا هو الأخير خاصّة،إذ إرادة الأوّل‏

مستلزمة لكون قصد الامتثال معتبرا في إطاعة الرسول صلّى اللَّه عليه و آله‏

و الأئمّة عليهم السلام كما تقتضيه قاعدة العطف،و هو فاسد بالإجماع.

لا يقال:إنّ إطاعتهم عين إطاعة اللَّه تعالى فلا ضير في اعتبار قصد

الامتثال فيها من هذه الجهة.

1)في الأصل:و هي قبيحة..

354
لأنّ ذلك مدفوع:بتكرار الأمر،فإنّ الظاهر منه تكرار المأمور به أيضا،

فيكون المراد بإطاعة الرسول صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة-عليهم‏

السلام-إطاعة ما أمروهم عليهم السلام أنفسهم قبال ما أمر به اللَّه تعالى.

و بالجملة:فالمتعيّن في المقام حمل الإطاعة على المعنى الثاني لما ذكر،

مضافا إلى إطلاقها عليه في غير موضع من الكتاب و السنة كقوله-في مقام الأمر

بإطاعة الوالدين-: و إن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا

تطعهما (1) ،و قوله: و من يطع الرّسول فقد أطاع اللَّه،و من تولّى فما

أرسلناك عليهم حفيظا (2) ،فإنّ تقابل الطاعة للتولّي أقوى شاهد على ذلك.

و نظيره قوله تعالى: أطيعوا اللَّه و أطيعوا الرسول،فإن تولّوا فإنّما

عليه ما حمّل و عليكم ما حمّلتم (3) .

و في موضع آخر بعد أمره تعالى بإطاعته و إطاعة الرسول قال: فإن‏

تولّوا فإنّ اللَّه لا يحبّ الكافرين (4) .

و نظير هذه الآيات ما في بعض فقرات الزيارة الجامعة و غيرها من‏

الزيارات:«من أطاعكم فقد أطاع اللَّه،و من عصاكم فقد عصى اللَّه» (5) فجعل‏

الإطاعة مقابلة للعصيان،فإذا كان المراد بها فيما نحن فيه عدم العصيان فالأمر

بها لا يوجب تقييد الأوامر المطلقة،فإنّ عدم العصيان قد يحصل بدون قصد

الامتثال،كما إذا أتى بالواجبات التوصّلية لا بقصد القربة،فلم ينحصر عدم‏

1)العنكبوت:8.

2)النساء:80.

3)النور:54.

4)آل عمران:32.

5)البلد الأمين للكفعمي(ره):303.

355
العصيان في الامتثال حتى يكون الأمر به أمرا به.هذا.

أقول:لا يخفى فساد مبنى‏ (1) هذا الجواب على المتفطّن،و هو عطف‏

الرسول و أولي الأمر مع تكرار الأمر،فإنّ تكرار الأمر مشعر بأن المراد بإطاعة

الرسول صلّى اللَّه عليه و آله و الأئمّة غير ما أريد من إطاعة اللَّه تعالى و إلاّ

لما كان وجه للتكرار،فهو مؤيّد للمستدلّ لا مضرّ له،فالمراد بإطاعة اللَّه تعالى‏

هو الإتيان بما أمر به بقصد الامتثال،و بإطاعة الرسول صلّى اللَّه عليه و آله‏

و الأئمّة هو الإتيان بما أمروا به بعنوان كون إطاعتهم إطاعة اللَّه تعالى و لو

اكتفى المجيب في وجه حمل الإطاعة على عدم العصيان بكثرة إطلاقها عليه‏

-كما في الأمثلة المذكورة-لكان له وجه.

و قد يجاب عن الاستدلال بالآية:بأنه لو حمل الإطاعة على ما زعمه‏

المستدلّ لكان مستلزما لتخصيص الأكثر لخروج أكثر الواجبات عنها كما لا

يخفى،فلا بدّ من حملها على عدم العصيان،و معه لا دلالة لها على المطلوب.

لكن الإنصاف:عدم الحاجة إلى تكلّف حمل الإطاعة على عدم‏

العصيان،و لا داعي له بوجه،إذ مع حملها على المعنى الأوّل أيضا لا يتمّ مطلوب‏

المستدلّ.

بيان ذلك:أنّ الأمر بالإطاعة في الآية إرشادي وارد على طبق حكم‏

العقل بوجوبها مطلقا-حتى في الواجبات التوصّلية-و موضوع الإطاعة إنّما هو

الأمر،فالآية تقتضي وجوب الإتيان بالفعل المأمور به بداعي الامتثال ما دام‏

الأمر به باقيا،كما هو قضية حكم العقل أيضا،و أمّا مع سقوطه-كما إذا أتى‏

المكلّف بالفعل لا بداعي الامتثال،بل لاشتهاء نفسه-مثلا مع كونه توصّليا-

فلا تقتضي الآية وجوب الإتيان به ثانيا بقصد الامتثال و الطاعة لذهاب‏

1)و يحتمل أنّ الكلمة في الأصل:مثل..


356
موضوعها و هو الأمر.

و الحاصل:أنّا نقطع بإرادة جميع الواجبات من الآية حتى التوصّليات من‏

غير استثناء،كما هو الحال في حكم العقل،و نقسم على ذلك جدّاً.

لكن نقول:إنّها لا تصلح لتقييد الأوامر الخاصّة بحيث تكشف عن جعل‏

الشارع قصد الامتثال معتبرا في متعلّقاتها كلاّ أو بعضا،بل موضوعها إنّما هو أمر

اللَّه تعالى فإنّها دالّة على وجوب إطاعة أمر اللَّه تعالى فلا تقتضي إذن أزيد

من أنه لو لم يسقط المكلّف الأمر عن رقبته-و لو بالإتيان بالمأمور به بتشهّي‏

نفسه-لوجب عليه الإتيان به بداعي أمر الشارع من غير فرق بين الواجبات‏

التعبّدية أو التوصّلية،بحيث لو فرض سقوط التعبّدية بها بغير قصد الامتثال لما

تدلّ الآية على لزوم الإتيان بها ثانيا بقصده،كما هو الشأن في حكم العقل أيضا.

و بالجملة:الواجبات التعبّدية و التوصّلية سواء من حيث دخولهما تحت‏

الآية و إرادتهما بها،و هي تدلّ على وجوب الإتيان بكلّ واحدة منهما بقصد الامتثال‏

و بداعيه ما دام الأمر بها باقيا و إن كانت الأولى لا تسقط إلاّ به.

و من هنا ظهر أنه لا يلزم من ذلك تخصيص في الآية أصلا،فضلا عن‏

تخصيص الأكثر،كما زعمه المجيب المتقدّم،فإنّها شاملة لكل من الواجبات‏

التوصّلية و التعبّدية ما دام الأمر بهما باقيا،و لا داعي إلى إخراج التوصّلية منها

على تقدير كون الأمر به باقيا،بل يجب دخولها كما لا يخفى،و ساكتة عنهما جميعا

إذا ارتفع الأمر عنهما.هذا.

و من السنّة قوله عليه السلام:«لا عمل إلاّ بنيّة» (1) .

تقريب الاستدلال به:أنّ المراد بالعمل هو المأمور به،و المراد بالنيّة هو

1)الوسائل:1-33-34-أبواب مقدّمة العبادات-باب 5 وجوب النية في العبادات الواجبة..-

الحديث:1 و 2 و 9.


357
نيّة التقرّب،فالمعنى لا عمل من الأعمال الواجبة إلاّ بنيّة القربة،و لمّا لم يمكن‏

حمل كلمة(لا)على حقيقتها،و هي نفي الذات،فلا بدّ من حملها على نفي جميع‏

الآثار المساوق لنفي الصّحة لكونه أقرب إلى الحقيقة بعد تعذّرها،فيكون‏

المقصود أنه لا يصحّ شي‏ء من الواجبات إلاّ بنيّة القربة،فيدلّ على اعتبارها في‏

كلّ واجب إلاّ ما أخرجه الدليل،و هو المطلوب.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه الاستدلال به.

لكن يتّجه عليه:أنّ حمل العمل في الحديث الشريف على خصوص‏

الواجبات ينافي عمومه المستفاد من وقوعه نكرة في حيّز النفي،فيتوقّف على‏

قرينة ظاهرة عليه،و هي ممنوعة.

فإن قيل:إنّ حمله على العموم موجب لتخصيص الأكثر لعدم توقّف‏

صحّة الأكثر من غير الواجبات-و كثير منها-على نيّة القربة،فلا بدّ من الحمل‏

على الواجبات.

قلنا:المحذور المذكور مشترك الورود بين التقديرين،ضرورة عدم توقّف‏

صحّة أكثر الواجبات-و هي التوصّليات منها-على نيّة القربة.

و بالجملة:كلّ الأعمال من الواجبات و غيرها عدا العبادات منهما-التي‏

هي في جنب التوصّليات منهما كالشعرة البيضاء في بقرة سوداء-إذا أتى بها

الفاعل مع قصده عنوان العمل-حيث كان مشتركا بين عناوين-يترتّب على‏

ما فعله من الآثار المجعولة له شرعا من الوضعيّة و التكليفية من غير توقّف على‏

نيّة القربة أصلا،فالخبر على تسليم ظهوره بنفسه فيما ذكره المستدلّ لا بدّ من‏

حمله على غيره،حذرا عن المحذور المذكور.

و الأولى حينئذ حمل العمل على خصوص العبادة مطلقا-واجبة و مندوبة-

كما يشهد له إطلاقه عليها كثيرا في الأخبار كقوله عليه السلام:«العالمون‏


358
كلّهم هالكون إلاّ العاملون» (1) ،و قوله عليه السلام:«لا عمل لي أستحقّ به‏

الجنّة» (2) ،فعلى هذا لا ربط للخبر بمطلوب المستدل أصلا،إذ معناه حينئذ-و اللَّه‏

أعلم-لا عبادة إلاّ بنيّة القربة،و هذا مما لا ينكره أحد.

و منها:قوله عليه السلام:«إنّما الأعمال بالنيّات» (3) ،و قد ادّعي تواتره‏

لفظا،لكن المحكيّ عن شيخنا الأستاذ-قدّس سرّه-أنّ إسناده متصل إلى‏

رئيس الفاسقين‏ (4) .

و كيف كان،فتقريب الاستدلال به:أنّ كلمة(إنّما)بمنزلة كلمة(إلاّ)

الواقعة بعد(لا)،فتفيد ما تفيده من الحصر،و المراد بالعمل الواجبات،و بالنيّة

نيّة القربة-كما مرّ في الحديث السابق-فيتمّ به المطلوب.

لكن يتّجه عليه-مضافا إلى ما مرّ من استلزامه لتخصيص الأكثر،

و دعوى ظهور إرادة العبادة من العمل-أنّه يحتمل أن يكون المراد بالنيّة في هذه‏

الرواية نيّة التعيّن التي لا بدّ منها في الأفعال المشتركة،لا القربة،و هذا الاحتمال‏

إن لم نقل بظهوره،فهو ليس بأبعد مما صار إليه المستدلّ.

1)لم نعثر على هذا الحديث بهذا النصّ،و إنّما عثرنا على شبيه له في مصباح الشريعة:37،لكنه‏

قد لا يصحّ شاهدا هنا،فراجع.

2)لم نعثر على هذا الحديث بهذا النص و إنّما عثرنا على مضمونه في المصادر التالية:مسند أحمد:

6-125،و صحيح مسلم:4-2169-ح 72 و 75،و العقيدة الطحاوية:2-641.

3)الوسائل:1-35-أبواب مقدّمة العبادات-باب(5)وجوب النيّة في العبادات الواجبة..-

الحديث:10،التهذيب:4-186-ح 519.

4)صحيح البخاري:1-2،2-231،صحيح مسلم:3-1515-ح 155،مسند أحمد بن حنبل:

1-25،سنن البيهقي:7-341،سنن ابن ماجة:2-1413-ح 4227،سنن النسائي:

1-58،سنن الترمذي:4-179-ح 1647،سنن أبي داود:2-262-ح 2201.و في هذه‏

المصادر جميعها روى هذا الحديث عمر بن الخطّاب عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله .


359
و منها:قوله عليه السلام:«لكلّ امرئ ما نوى» (1) ،و لا ريب أنّ حاله‏

أظهر من سابقه لظهور أنه ليس من قبيل قولنا:المرء مجزيّ بعمله إن خيرا

فخيرا،و إن شرّا فشرّا (2) ،فلا دخل له بالمقام أصلا.

تنبيه:قد عرفت فقد ما يدلّ على أصالة التعبّدية في الواجبات،فهل يدلّ‏

دليل عامّ على أصالة اعتبار قصد العنوان في الواجبات،أو لا؟قولان.لعلّ أوّلهما

عن جماعة.. (3) ..

1)الوسائل:1-35-أبواب مقدّمة العبادات-باب(5)وجوب النية في العبادات الواجبة-

الحديث:10.

2)الأقوى عند النحويين:إن خيرا فخير،و إن شرّا فشر.

3)يوجد هنا في نسخة الأصل ما يعادل ثلاث صفحات تقريبا قد ترك بياضا لم يكتب فيه شي‏ء.

360
الواجب الأصلي و التبعي‏

و قد ينقسم الواجب باعتبار آخر إلى أصلي و تبعي،و الظاهر عدم ثبوت‏

اصطلاح فيهما،بل هما على معناهما الأصلي،فالأصالة و التبعية أمران إضافيان:

فقد يلاحظان بالنسبة إلى الاستفادة،فيسمّى الواجب الّذي استفيد وجوبه من‏

خطاب آخر تبعيا،و الّذي استفيد وجوبه من خطاب مستقلّ أصليا بهذا الاعتبار

و ان كان نفس المستفاد تبعيا.

و قد يلاحظان بالنسبة إلى نفس المستفاد مع قطع النّظر عن كيفية

استفادته،فيسمّى الواجب الّذي يكون وجوبه تبعيا-أعني من باب المقدّمة

لواجب آخر-تبعيا و ان كان وجوبه ثابتا بخطاب مستقلّ،و الّذي يكون وجوبه‏

نفسيا أصليا و لو فرض ثبوت وجوبه بتبع خطاب آخر.

و قد يلاحظان بالنسبة إلى كلا الجهتين،فيسمّى ما يكون مستقلاّ من‏

كليهما أصليا،و ما يكون تبعيا منهما جميعا تبعيا.


361
استحقاق الثواب أو العقاب على الواجب الغيري‏

اختلفوا في استحقاق الثواب و العقاب على فعل الواجب الغيري‏1أو

تركه-على نحو ترتّبهما على الواجب النفسيّ بمعنى كون فعله موجبا لاستحقاق‏

الثواب زائدا على الثواب المترتب على ذلك الغير الّذي هو ذو المقدّمة الّذي‏

يكون وجوبه نفسيا،و كون تركه موجبا لاستحقاق العقاب زائدا على استحقاقه‏

على ترك ذلك الغير-على أقوال يأتي تفصيلها.

و قبل الخوض في المرام ينبغي التعرّض لتحقيق الحال على نحو الإجمال‏

في الواجبات النفسيّة من حيث استحقاق الثواب‏2أوالعقاب‏ (1) على إطاعتها

أو مخالفتها،نظرا إلى أنّ محلّ النزاع في الثواب و العقاب المتنازع في استحقاقهما

في الواجب الغيري هو ما ثبت في الواجبات النفسيّة،فنقول:

الحقّ استحقاق العبد-على إطاعتها-تقريب المولى إيّاه و رفع منزلته‏

عنده و تعظيمه،بحيث لا يكون هو و العبد العاصي للمولى في المنزلة عنده‏

1و الواجب الغيري ينحصر في المقدّمات فإنها-على تقدير وجوبها لأجل المقدّمية-واجبة

غيرية لا غير،فلفظ الواجب الغيري عبارة أخرى عن المقدّمات،لكن بعد اعتبار وجوبها

الغيري المراد أنه هل في مقدّمات الواجب على القول بوجوبها ثواب و عقاب كنفس‏

الواجب،أو لا؟لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2قال في مجمع البحرين:الثواب-لغة-الجزاء،و يكون في الخير و الشرّ،و الأوّل أكثر،و في‏

اصطلاح أهل الكلام:هو النّفع المستحقّ المقارن للتعظيم و الإجلال.

أقول:فمعناه-لغة-هو العوض،لأنّ الجزاء عبارة عنه لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:و العقاب..

362
سواء1،و أمّا استحقاقه لعوض و نفع‏2،أيضا زائدا على ذلك فلا يستقلّ به‏

عقولنا جدّاً،و إن ذهب المتكلّمون إلى استحقاقه إيّاه أيضا،حيث عرّفوا

الثواب‏3:بأنّه النّفع المستحقّ المقارن للتعظيم و الإجلال،كتعريفهم العقاب:

بأنّه الضرر المستحقّ المقارن للاستخفاف و الإهانة،و ادّعوا استقلال العقل‏

باستحقاقهما على الإطاعة أو المعصية،و أمّا بالنسبة إلى العقاب فهو مستقلّ‏

باستحقاقه على مخالفة المولى الواجب عليه إطاعته بمعناه المصطلح عليه عند

المتكلّمين،بمعنى أنّه يستقلّ باستحقاقه-حينئذ-أن يعذّبه المولى زائدا على‏

استحقاقه لحطّ منزلته عنده و تبعيده عن حضرته بحيث لو عذّبه المولى حينئذ

مع إهانته إياه و حطّ منزلته لم يفعل قبيحا عند العقل و إن كان له العفو أيضا،

بل يستقلّ العقل بحسن العفو.

و الحاصل:أنّ مسألة استحقاق الثواب و العقاب عقلية محضة لا سبيل‏

للشرع فيها بوجه،فإنّ استحقاقهما ليس أمرا قابلا لجعل جاعل،بل من الأمور

الواقعية الثابتة في نفس الأمر،و العقل يكشف عنه كما في الحسن و القبح في‏

المستقلاّت العقلية،و الّذي نجد من عقولنا إنّما هو هذا المقدار المذكور من‏

استحقاقهما.

فإذا عرفت ذلك فاعلم:أنّ في محلّ النزاع المتقدّم أقوالا:

أحدها:نفي استحقاق شي‏ء منهما على فعل الواجب الغيري أو على تركه‏

1قال اللَّه تعالى: أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا

الصالحات سواء محياهم و مماتهم الجاثية:21.

2و السرّ في ذلك:أنّ العبودية و المولوية ليستا من مقولة الاستئجار حتّى يستحقّ العبد الأجرة

على عمله أيضا،لوجوب العمل على العبد و إطاعته لمولاه من غير استحقاق أجرة:لمحرّره‏

عفا اللَّه عنه.

3فبقيد الاستحقاق خرج التفضّل،و بمقارنة التعظيم خرج العوض.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


363
مطلقا.

و ثانيها:إثباتهما كذلك.

و ثالثها:التفصيل بين ما ورد عليه خطاب مستقلّ أصلي و بين ما لم يكن‏

كذلك،فوافقوا في الأوّل القول الثاني،و في الثاني الأوّل.

و رابعها:و هو المحكيّ عن الغزالي‏ (1) :التفصيل بين الثواب و العقاب‏

فنفى استحقاق الثاني و أثبت الأوّل.

و لعلّ التفصيل يزيد على هذا لكن لا فائدة في التعرّض لها و استيفائها.

و الحقّ من تلك الأقوال أوّلها:

لنا:أنّ استحقاق الثواب و العقاب يدور مدار الإطاعة و المعصية وجودا

و عدما بحكم العقل و بناء العقلاء كافّة،و لا ينبغي الارتياب في أنّ من أطاع‏

تكليفا نفسيّا لم يتحقّق منه أزيد من إطاعة واحدة و إن كان للمكلّف به مقدّمات‏

كثيرة بالغة إلى ما بلغت قد أتى هو بها لتحصيل ذلك المكلّف به الّذي هو ذوها،

و كذا من عصى تكليفا نفسيا لم يتحقّق منه أزيد من معصية واحدة و إن كان لما

تركه من الفعل المكلّف به ألف مقدّمة قد تركها جميعا،و هذه المعصية و تلك‏

الإطاعة إنّما هما على ترك ذي المقدّمة أو على فعلها لا غير،فلا عقاب و لا ثواب‏

أزيد من الثواب و العقاب على ترك ذي المقدّمة أو فعله،لعدم تحقّق المخالفة

و الإطاعة أزيد مما تحقّق منهما بالنسبة إلى ذي المقدّمة.

فهنا كبرى:و هي وحدة الثواب و العقاب على تقدير وحدة الإطاعة

و المعصية،و صغرى:و هي وحدة الإطاعة و المعصية في المقام،و أنّهما بالنسبة إلى ذي‏

المقدّمة نفسه دون شي‏ء من مقدّماته أصلا.

1)المستصفى من علم الأصول:1-72.

364
لا نزاع لأحد في الكبرى بعد فرض ثبوت صغراها،و إنّما النزاع في‏

الصغرى،فالشأن في إثباتها،فنقول:

إنّ الإطاعة معناها ما يعبّر بالفارسية عنه:ب(فرمانبري و خدمت كردن‏

مولا)،و المعصية معناها ما يعبّر بها عنه:ب(نافرماني)،و المثبت لاستحقاق الثواب‏

و العقاب هو هذان المعنيان،و يدوران مدارهما وجودا و عدما وحدة و تعدّدا،و لا

ينبغي الارتياب في أنّ الإتيان بالفعل بجميع مقدّماته إنّما هو إطاعة للتكليف‏

النفسيّ المتعلّق بنفس ذلك الفعل،لأنّ الإتيان بالمقدّمات حقيقة راجع إلى‏

إطاعته،فإنّ المطلوب إذا كان متوقّفا على مقدّمات لا يحصل إلاّ بإيجادها جميعا

فنحو إطاعته أن يؤتى بجميع تلك المقدّمات،كما أنّ تركه بترك جميع مقدّماته أو

بعضها إنّما هو مخالفة لذلك التكليف النفسيّ،و أنّ ترك جميع المقدّمات أو بعضها

من أنحاء المعصية بالنسبة إلى ذلك التكليف.

و السرّ في ذلك:أنّ الإطاعة و المعصية إنّما تتحقّقان بالنسبة إلى المطلوب‏

الأوّلي للمولى لا غير،فإنّ مطلوباته الثانوية-و هي الواجبات الغيرية-ليست‏

مطلوبة له في الحقيقة،فإنّ مطلوبيتها راجعة إلى مطلوبية ذيها،لأنّ الطلب‏

المتعلّق بها-سواء كان مستفادا بحكم العقل أو بخطاب أصلي-إنّما ينبعث عن‏

ذلك الطلب المتعلّق بذيها،فروح هذا الطلب إنّما هو ذاك،فهو شأن من شئونه،

ضرورة أنّه لو أمكن حصول ذي المقدّمة بدون مقدّماته لما جاء طلب إلى شي‏ء

من تلك المقدّمات من حيث المقدّمية أصلا،فالمطلوب حقيقة للمولى ليس إلاّ

ذات ذي المقدّمة،فينحصر الامتثال في واحدة (1) كالمعصية أيضا،لأنّهما عبارتان‏

عن الإتيان بمطلوب المولى أو تركه.

و الحاصل:أنّه ليس للمولى هنا مطلوب من المكلّف أزيد من نفس ذي‏

1)الصحيح ظاهرا:(في واحد)أي في مطلوب واحد.

365
المقدّمة حتى يتعدّد الثواب و العقاب.

فإن قلت:ما الفرق بين الواجبات الغيرية و بين بعض الواجبات‏

النفسيّة،كتعليم العالم الجاهل بأحكام دينه؟ضرورة أنّ وجوب التعليم أيضا

منبعث عن وجوب إتيان الجاهل بما وجب عليه من الواجبات،بحيث لولاه لما

كان ذلك أصلا،بمعنى أنه وجب مقدّمة لامتثال الجاهل لما وجب عليه،و لذا لو

علم العالم بعدم قبول الجاهل لقوله لما وجب عليه التعليم،فلا بدّ إذن إمّا من‏

إبداء الفرق بينهما،أو من التزام نفي استحقاق الثواب و العقاب عن ذلك القسم‏

من النفسيّ،أو التزام استحقاقهما على الواجبات الغيرية أيضا لا سبيل إلى أوّل‏

شقّي الشقّ الثاني،فيدور الأمر بين الشقّ الأوّل و بين الشقّ الثّاني من الثاني،

و نحن لا نرى فرقا بينهما بوجه،فإذا انتفى الفرق تعيّن الشقّ الآخر.

قلنا:إنّا نختار الشقّ الأوّل،و هو إبداء الفرق.

و بيانه:أنّ ذلك القسم من الواجب النفسيّ و إن كان شريكا مع الغيري‏

في بعض الآثار1إلاّ أنّ بينهما فرقا من وجهين:

أحدهما:أنّ المكلّف الموجّه إليه الوجوب في المقام واحد،فإنّ المكلّف‏

بإتيان الواجب الغيري هو المكلّف بإتيان ذلك الفرد الّذي وجوبه نفسي،

بخلاف ذلك المقام،حيث إنّ المكلّف بالتعليم غير المكلّف بذلك الواجب النفسيّ،

الّذي وجوب هذا لأجله،ضرورة أنّ المكلّف بالأوّل هو العالم،و بالثاني هو

الجاهل،فلا يعقل أن يكون تعليم العالم مما يدخل في إطاعة الجاهل لما وجب‏

عليه و إن كان مقدّمة له،فلأجل ذلك يتحقّق هناك إطاعتان و معصيتان،بخلاف‏

المقام.

1فإنّ هذا القسم كما أنّه لا يجب إلاّ لوجوب العمل على الجاهل،كذلك الواجب الغيري لا يجب‏

إلاّ لوجوب ذلك الغير بحيث لو ارتفع الوجوب عنه لارتفع عنه أيضا.لمحرّره عفا اللَّه عنه‏.


366
و ثانيهما:أنّ وجوب التعليم على العالم ليس منبعثا عن وجوب الواجبات‏

على الجاهل المتوقّف امتثالها على التعلّم.نعم هو منشأ لوجوبه،بمعنى أنه لمّا لم‏

يمكن أن يأتي الجاهل بما وجب عليه على وجه الطاعة إلاّ بتعليم العالم إيّاه،

فبمقتضى قاعدة اللطف يجب على الشارع إيجاب التعليم على العالم أيضا،

ليكون محرّكا إيّاه عليه لئلا يفوت الغرض المقصود من الجاهل،فيكون هو

حكمة لوجوبه،لا أنّ وجوبه منبعث عنه،و شأن من شئونه.

هذا بخلاف الواجب الغيري،فإنّ وجوبه منبعث عن وجوب ذي المقدّمة

بحيث يكون هو شأنا من شئونه على وجه يكون روحه هو ذلك الوجوب المتعلّق‏

بذي المقدّمة كما مرّ،فهناك طلبان مستقلاّن نفسيّان،بخلاف المقام.

و يدلّ على ما ذكرنا إطباق العقلاء كافّة فيما إذا أتى العبد بفعل واجب‏

أو تركه مع فرض ألف مقدّمة له على عدم استحقاقه أزيد من الثواب و العقاب‏

على نفس إتيان الفعل أو على تركه من غير نظر إلى شي‏ء من مقدّماته أصلا

بحيث لو أتى بألف مقدّمة مع عدم إتيانه بأصل الواجب لا يستحقّ شيئا من‏

الثواب على شي‏ء منها لعدم استحقاقه فيما إذا لم يأت بشي‏ء أصلا حتى بشي‏ء

من المقدّمات أزيد من العقاب على ترك نفس الواجب من غير فرق في ذلك بين‏

أن يكون على مقدّمته خطاب أصلي،أو لا،فممّا حقّقنا ظهر فساد الأقوال‏

الأخرى،فتدبّر.

و أمّا القول الثاني فالذي ربما يتخيّل الاستدلال به وجوه من العقل‏

و النقل:

أما العقل:فتقريره:أنه إذا أتى بالمقدّمة لأجل أدائها إلى ذيها تقع‏ (1)

طاعة،فيترتّب عليها الثواب لذلك،و إذا تركها فهو معصية،فيترتّب عليها

1)في الأصل:فيقع..

367
العقاب لذلك.

و أمّا النقل:فغاية ما يمكن الاستدلال به وجهان:

الأوّل:الأدلّة على ترتّب الثواب و العقاب على الإطاعة و العصيان‏

الشاملة بعمومها لجميع المطلوبات الشرعية-نفسية كانت أو غيرية-كقوله‏

تعالى: مَن يُطِع اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخشَ اللَّهَ وَ يَتَّقهِ فأُولئك هُمُ الفائزون (1) ،

و قوله تعالى: و من يعص اللَّه و رسولهُ و يتعدَّ حُدودهُ يُدخلهُ نارا (2) إلى غير

ذلك.

الثاني:الأدلّة الدالّة على ترتّب الثواب على خصوص بعض المقدّمات،

كما ورد في زيارة مولانا الحسين عليه السلام من أنّه لكلّ قدم ثواب كثواب‏

عتق عبد من أولاد إسماعيل-عليه السلام (3) -و غيره من الأخبار الصريحة في‏

ذلك،و ما ورد أيضا في ثواب الوضوء و الغسل.هذا غاية ما قيل أو يقال.

لكن يتّجه على الدليل العقلي المذكور و على أوّل الوجهين من النقلي منع‏

صدق الإطاعة و العصيان في الواجبات الغيرية كما عرفت.

مضافا إلى ما يتّجه على الاستدلال بالنقلي أيضا من أنّ المسألة عقليّة لا

وجه فيها للاستدلال بالنقل،و على ثاني الوجهين من النقلي-مع الإغماض عن‏

عدم استقامة الاستدلال بالنقل في المسألة العقلية-أنّ الكلام في الاستحقاق،

فلعلّ ذلك من باب التفضّل،مع انه يحتمل ان يكون الثواب المترتّب على‏

المقدّمات هو ثواب ذيها،و يكون المراد أنّ ثواب ذيها بمقدار لو وزّع على‏

1)النور:52.

2)النساء:14.

3)كامل الزيارات:134-الباب:49-ثواب من زار الحسين عليه السلام راكبا أو ماشيا..-

الحديث:9.


368
مقدّماته لكان لكلّ قدم ثواب كثواب عتق عبد من أولاد إسماعيل عليه السلام‏

ثمّ إنّه ذهب بعض المحققين من المتأخّرين‏ (1) :إلى استحقاق الثواب‏

و العقاب على المقدّمة لو كان وجوبها ثابتا بخطاب أصليّ دون غيره،و حمل كلام‏

القوم على هذا المعنى،بمعنى أنّ مرادهم من الوجوب المتنازع فيه هو الشرعي‏

الموجب لاستحقاق العقاب على ترك نفس الواجب،لا على ما يؤدّي إلى تركه.

و استشهد لذلك بتقسيمهم الوضوء إلى واجب و مندوب،نظرا إلى أنّه لو

كان المراد من الوجوب هناك الشرطي دون الشرعي لما استقام التقسيم المذكور،

فإنّ الوضوء المندوب أيضا واجب شرطيّ بالنسبة إلى الغاية المشروطة،إذ بدونه‏

لا تحصل هي،و ادّعى أنّ الوجوب الشرعي هو ما ثبت بخطاب أصلي لا غير.

و فيه:ما أشرنا إليه من أنّ الحاكم باستحقاق الثواب و العقاب هو العقل،

و بعد فرض كون شي‏ء واجبا غيريّا لا يفرّق العقل فيه بين ما يكون الدّال على‏

وجوبه خطاب أصلي مستقلّ و بين غيره.

ثمّ إنّه ذهب بعض المحقّقين‏ (2) من المتأخّرين:إلى استحباب مقدّمة

الواجب نفسا،و كذا مقدّمة المندوب إذا أتى بهما لأجل أدائهما إلى الواجب‏

و المندوب محتجّا عليه بأنّ كلّ فعل قصد به الطاعة فهو طاعة،و الإتيان بمقدّمتي‏

الواجب و المندوب على النّحو المذكور إتيان بهما بقصد الطاعة،فيكون طاعة،

فيكون مقدّمتا الواجب و المندوب مندوبتين نفسا من هذه الجهة،و هذا لا يتوقّف‏

على القول بوجوب مقدّمة الواجب و استحباب مقدّمة المندوب بالوجوب‏

1)و هو المحقّق القمّي(ره)في قوانينه:1-102،و قد نسبه المحقّق التقي(ره)في هدايته إلى بعض‏

الأفاضل:193.

2)جاء في هامش:(و هو الشيخ محمد تقي(قده)في أواخر تنبيهات مسألة مقدّمة الواجب،فراجع‏

كلامه)،و ذلك في آخر صفحة:197 من هداية المسترشدين.


369
و الاستحباب الغيريّين الناشئين عن الأمر بذي المقدّمة،بل يجري على القول‏

بعدمه أيضا.

هذا حاصل ما أفاده-قدّس سرّه-.

و يتّجه عليه:أنّ الواجب الغيري من جهة وجوبه الغيري-و هي جهة

مقدّميته للغير-لا يعقل أن يكون ذا حكمين-الوجوب و الندب-بل تلك الجهة

إنّما هي جهة الوجوب لا غير،و هو أيضا معترف بذلك.

و أمّا من جهة أخرى غير تلك فلم يدلّ دليل على استحبابه شرعا،و ما ادّعى‏

من أنّ الإتيان به لأجل أدائه إلى الواجب طاعة قد عرفت منعه من أنّ الواجب‏

الغيري نفسه لا يقع طاعة،بل الإتيان به من مقدّمات إطاعة ذلك الغير الّذي‏

هو ذو المقدّمة،فالإتيان به إطاعة بالنسبة إلى ذلك الغير،لا بالنسبة إلى نفسه،

فالمترتّب من الثواب إنّما يترتّب على ذلك الغير،لا عليه.

نعم ما ذكر-من أنّ كلّ فعل قصد به الطاعة فهو طاعة-متّجه في‏

الواجبات النفسيّة المعاملية،فإنّها إذا أتى بها لأجل امتثال أمر الشارع تكون‏ (1)

نفسها طاعة،و يترتّب عليها الثواب.

هذا مع أنّ الأمر بالإطاعة على تقديره-وجوبيّا أو ندبيّا-لا يكون‏

شرعيّا،بل عقليّ إرشاديّ محض،و بعد ما حقّقنا من أنّ الإتيان بالواجب على‏

وجه الامتثال لا يترتّب عليه ثواب،فلا يحكم العقل و لا يأمر بالإتيان به على‏

هذا الوجه ليكون مندوبا عقليا بعد تسليم صدق الإطاعة عليه،فإنّه إنّما يأمر

بالإطاعة لأجل اشتمالها على الثواب،و بعد فرض خلوّ إطاعته عنه لا أمر له بها

أصلا.

فظهر أنّ الإتيان بالواجب الغيري على الوجه المذكور ليس مندوبا لا

1)في الأصل:فتكون..

370
شرعا و لا عقلا.

ثمّ إنّه قال دام ظلّه:نعم إذا أتى بالمقدّمات على الوجه المذكور فلا يبعد

كون الإتيان بها على هذا الوجه موجبا لزيادة ثواب على الثواب المترتّب على‏

ذيها،نظرا إلى أنّ فعل ذيها على هذا الوجه أشقّ من فعله مع الإتيان بمقدّماته‏

بتشهّي النّفس.

و بعبارة أخرى:من أطاع واجبا مع إتيانه بمقدّماته أيضا بداعي إطاعة

ذلك الواجب فإطاعته له أشقّ من إطاعة من أطاعه مع عدم قصده في الإتيان‏

بمقدّماته إلى إطاعته،بل أتى بها بشهوة نفسه،ثمّ بدا له أن يأتي بنفس الواجب،

فأتى به قاصدا للطاعة فيه وحده،ضرورة أنّ الإتيان بشي‏ء غير مشتهى للنفس‏

مشقّة على النّفس.

و لعلّ هذا أقرب المحامل لقوله تعالى-في أواخر سورة البراءة (1) -: ما

كان لأهل المدينة و من حولهُم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول اللَّه،و لا

يرغبوا بأنفسهم عن نفسه،ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة

في سبيل اللَّه،و لا يطئون موطئا يغيظ الكفّار،و لا ينالون من عدوّ نيلا إلاّ

كتب لهم به عمل صالح،إنّ اللَّه لا يضيع أجر المحسنين (2) فإنّ ظاهره ثبوت‏

الثواب على نفس تلك المشاقّ-و هي الظمأ و النصب و المخمصة و غيرها-و هو

ينافي ما عرفت من عدم الثواب على نفس المقدّمات،فأقرب محامله أن يكون‏

المراد-و اللَّه أعلم-أنّه إذا أصابهم في الجهاد في سبيل اللَّه تلك المشاقّ يكون‏

ثوابهم على الجهاد أكثر ممّا لو جاهدوا بدون إصابتها إيّاهم،بحيث لو وزّع ذلك‏

الثواب على تلك المشاقّ لكان لكلّ واحدة عمل صالح،كما أنّ أقرب المحامل‏

1)«في الجهاد»على ما جاء في هامش الأصل.

2)سورة البراءة:120.

371
في الآية المتأخّرة عنه-و هي قوله تعالى: و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا

كبيرة إلى قوله: إلاّ كتب لهم ليجزيهم اللَّه أحسن ما كانوا يعملون (1) -

ذلك أيضا،فإنّ الإنفاق و قطع الأودية أيضا من المقدّمات الشاقّة على النّفس.

ثمّ إنّ الحال في مقدّمات الحرام هي الحال في مقدّمة الواجب،فلا يترتّب‏

على أنفسها (2) عقاب،و إنّما هو على نفس الحرام،إلاّ أنّه يشكل الأمر بناء على‏

ما ذكره الشهيد (3) -قدّس سرّه-من حرمة نيّة المعصية،إلاّ أنّه قال بثبوت العفو

عن النيّة المجرّدة عن المعصية أو عمّا يراه الشخص معصية.

و كيف كان،فهو قائل باستحقاق العقاب على نيّة المعصية و إن تجرّدت‏

عنها،إذ العفو لا ينفي الاستحقاق،بل يثبته.

لكن يمكن أن يقال:بأن العزم على الحرام حرام نفسي كنفس الحرام،

فيكون العقاب عليه على طبق القاعدة،فافهم،و لعلّه سيجي‏ء تتمّة الكلام فيه‏

فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى.

إيقاظ:لا شبهة أنّ الأمر الغيري-وجوبيّا كان أو ندبيّا-لا يقضي‏

بالتعبّدية و رجحان الشي‏ء في نفسه،و إنّما يقضي بأنّ الغرض من الواجب الغيري‏

أو الندب كذلك‏ (4) هو التوصّل به إلى ما هو مقدّمة له،و أيضا مقتضى ما حقّقنا

-من أنّ الواجب الغيري من جهة وجوبه الغيري لا يقع طاعة أصلا،و إنّما هو

من مقدّمات إطاعة ما هو مقدّمة له لا غير،و كذلك الندب الغيري-امتناع كون‏

الواجب و الندب الغيريّين تعبديّين من جهة الوجوب و الندب الغيريين،إذ العبادة

1)سورة البراءة:121.

2)كذا في الأصل،و الأقوم هكذا:عليها أنفسها..

3)القواعد و الفوائد:1-107-الفائدة الحادية و العشرون.

4)أي المندوب الغيري.

372
-كما يدلّ عليه تعريفها بما يتوقّف صحّتها على نيّة القربة-لا بدّ أن تكون‏

مقرّبة،و المقرّب لا يكون إلاّ فعل الطاعة،فما لا يكون طاعة لا يكون مقرّبا،

فلا يكون عبادة،و حينئذ يشكل الأمر في بعض المقدّمات الشرعيّة كالطهارات‏

الثلاث للاتّفاق على كونها من العبادات-فلذا اعتبروا فيها نيّة القربة،مع أنّ‏

الأوامر المتعلّقة بها منحصرة في الغيرية الغير القاضية بالتعبّدية،و يكون ما

تعلّقت به راجحا في نفسه كما هو شأن العبادات-و على انعقادها عبادة مع‏

الإتيان بها بداعي الأمر الغيري،مع أنّ الإتيان بالفعل بداعي امر الغيري لا

يمكن أن يصيّره طاعة حتّى يكون عبادة مقرّبة.

و يمكن الذبّ عن الأوّل:بأنّا نستكشف من الإجماع على اعتبار قصد

القربة فيها أنّ فيها رجحانا ذاتيا،و أنّها مطلوبة نفسا من تلك الجهة بالطلب‏

الندبي،إلاّ أنّ ذلك الطلب الندبي قد يزول عنها لعروض جهة موجبة لها

بالوجوب الغيري-كما إذا حضر وقت العبادة الواجبة المشروطة بها-أو

بالوجوب النفسيّ،كما إذا نذر فعلها أو حلف مثلا،فإنّ المندوب النفسيّ حينئذ

يصير بالعرض واجبا نفسيا،لكن جهة الاستحباب حينئذ باقية بل متأكّدة

بتلك الجهة،إذ المنافاة إنّما هي بين نفس الطلبين اللذين أحدهما وجوبي و الآخر

ندبي،دون جهتيهما،و أمّا إذا لم يعرض لها جهة موجبة،بل الموجود فيها إنّما هي‏

الجهة النادبة الغيرية لأجل غاية مندوبة نفسا كالكون على الطهارة في‏

الوضوء و الغسل من غير قصد غاية مشروطة بالطهارة بأن تكون الغاية لفعل‏

الوضوء و الغسل هي نفسه مجرّدا عن ذلك القصد،فإنّ الطهارة كما تكون‏

مقصودة للشارع مقدّمة لشي‏ء آخر من واجب أو مندوب،كذلك تكون‏

مقصودة و محبوبة له بالذات أيضا،أو مقدّمة كما إذا أراد فعل مندوب مشروط

بالطهارة فيتوضأ أو يغتسل لأجل الطهارة ليتوصّل بها إلى ذلك المندوب،

و لأجل مطلوبية الوضوء و الغسل و استحبابهما في أنفسهما ذهب جماعة من‏


373
المحقّقين منهم شيخنا الأستاذ-قدّس سرّه-إلى صحّة فعلهما قبل حضور

وقت العبادة الواجبة المشروطة بالطهارة بقصد القربة،و جعلوا رفع الحدث بهما

من آثارهما القهرية المترتّبة عليهما-إذا انعقدا على وجه الصحّة،و هو وقوعهما

على وجه العبادة-و إن لم يقصده الفاعل،و لو لا رجحانهما في أنفسهما

و استحبابهما كذلك لما بقي وجه لحكمهم بصحّتهما و بقصد القربة فيهما،فإنّ‏

قصدها متوقّف على إحراز كون الفعل راجحا في نفسه حتى يكون مقرّبا

بتوجّه القصد إليه،كما ذهب هؤلاء إلى صحّتهما بعد دخول وقت العبادة

الواجبة المشروطة بالطهارة إذا فعلهما بنيّة المطلوبية الذاتيّة،أعني بداعي جهة

استحبابهما و ان لم يكن الأمر الاستحبابي الآن موجودا لمنافاته للوجوب‏

الغيري العارض لهما،كما مرّت الإشارة إليه فيما سبق منّا في مطاوي بعض‏

الكلمات.

فإن قلت:إنّ هذا الّذي ذكرت مسلّم في الغسل و الوضوء فإنهما

مطلوبان من غير خصوصية زمان دون زمان،و أما التيمّم فلا يمكن فيه ذلك،

ضرورة أنّه ليس مطلوبا إلاّ بعد حضور وقت العمل المشروط بالطهارة بعد

تعذّرها على المكلّف،فليس فيه مطلوبية ذاتية ليكون مندوبا في جميع الأوقات‏

و الأحوال كما في الغسل و الوضوء،فليس فيه إلاّ المطلوبية الغيرية العارضة في‏

وقت خاصّ.

قلنا:العبادات لا يلزم أن تكون راجحة بالرجحان الذاتي الّذي لا ينفكّ‏

عن الشي‏ء بل يمكن أن يكون رجحان بعضها بالوجوه و الاعتبار،فنقول:

حينئذ إمّا يستكشف الرجحان الذاتي من ورود الأمر،و من دليل اعتبار قصد

القربة،و لا ريب أنّ الأمر بالتيمّم لم يرد إلاّ في بعض الأحوال كما ذكر،و القدر

المتيقّن من الإجماع على اعتبار نيّة القربة أيضا إنّما هو اعتباره في مقام ثبت‏

مشروعيته،فالقدر المتيقّن من رجحانه النفسيّ إنّما هو رجحانه فيما ثبت‏


374
مشروعيته.

هذا،و حاصل الدفع:أنّا لم نستكشف تعبّدية الطهارات من الأوامر

الغيرية المتعلّقة بها،بل من دليل آخر-و هو الإجماع المتقدّم-فلا إشكال في إلزام‏

تعبّديتها.

و قد يذبّ عن ذلك:بالمنع من كون الطهارات الثلاث عبادات بالمعنى‏

المتقدّم اللازم منه رجحان الشي‏ء في نفسه،بل هي عبادات بالمعنى الأعمّ‏1،و هو

ما اعتبر في صحّته-و ترتّب الأمر المقصود منه عليه-إيقاعه بداعي الأمر،

فالطهارات الثلاث ليست بذواتها مقدّمات،و إنّما هي مقدّمات إذا وقعت بداعي‏

الأمر،فغرض الإيصال إلى ذيها إنّما يحصل بإيقاعها على هذا الوجه لا غير.

و يتّجه عليه:أنّ نفي الرجحان النفسيّ و الاستحباب الذاتي عنها مع‏

اعتبار إيقاعها بداعي الأمر،-و المفروض حينئذ انحصار الأمر المتعلّق بها في‏

الواحد و هو الأمر الغيري المقدّمي-مستلزم للدور،ضرورة أنّ الأمر بشي‏ء إنّما

هو بعد تمامية مصلحة ذلك الشي‏ء في نفسه و كونه موضوعا لذلك الأمر مع قطع‏

النّظر عن ذلك الأمر بمعنى عدم كون ذلك الأمر محقّقا لموضوعية ذلك الشي‏ء

لنفسه،و متمّا لمصلحته الداعية إليه،فإذا فرض اعتبار الإتيان بداعي الأمر في‏

موضوع أمر فتوجّه ذلك الأمر متوقّف على تحقّق موضوعية ذلك الموضوع قبله‏

و مع قطع النّظر عنه،فإذا فرض عدم توجّه أمر به قبل ذلك الأمر يتوقّف‏ (1)

موضوعيته لذلك الأمر و تمامية مصلحته على ورود ذلك الأمر،فيكون نفس ذلك‏

الأمر موضوعا لنفسه،فيتوقّف توجّهه على ذلك الشي‏ء على توجّهه عليه،فهذا

دور ظاهر.

1فيقال:إنّ العبادة ما تعلّق غرض الشارع فيه بعدم وقوعه إلاّ له.لمحرّره‏عفا اللَّه عنه‏.

1)في الأصل:فيتوقّف.

375
و يمكن دفعه:بما حقّقنا في محلّه من دفع إشكال ذلك الدور في الأوامر

النفسيّة التعبّدية المشروطة بإيقاعها بداعي الأمر من التزام تعدّد الأمر،فيقال‏

في المقام:

إن الأمر و إن كان منحصرا في الغيري إلاّ أنّه غير منحصر في واحد،بل‏

هنا أمران غيريّان مرتّبان:أحدهما متعلّق بذات الفعل،و ثانيهما بإيقاعه بداعي‏

الأمر الأوّل،فالأمر الأوّل محقّق لموضوع الثاني،فلا دور.

لكنّه يشكل:بأن الأمر المقدّمي الناشئ عن الأمر بذي المقدّمة تعلّقه‏

بالنسبة إلى كلّ واحدة من المقدّمات مطلقا-قريبة كانت أو بعيدة-في مرتبة

واحدة،بمعنى أنّه إنّما ينبعث من وجوب ذي المقدّمة دفعة واحدة بالنسبة إلى‏

كلّ ما له دخل في وجود ذي المقدّمة أمر غيري،فإذا فرض كون مقدّمة مركّبة

من الأجزاء الخارجية أو الذهنية فالأمر الغيري المتعلّق بكلّ جزء منها في مرتبة

الأمر الغيري المتعلّق بجزئها الآخر،بحيث لا ترتّب بينهما في نفس الأمر أصلا،

فحينئذ-حين تعلّق الأمر المتعلّق بإيقاعها بداعي الأمر-لا موضوع له أصلا،

فيعود المحذور،فتدبّر.

هذا كلّه في الذبّ عن الإشكال الأوّل.

و أمّا الثاني من الإشكالين-فبعد الفراغ عن ثبوت رجحان الطهارات‏

الثلاث في أنفسها و استحبابها الذاتي يمكن‏ (1) الذبّ عنه:بأنّه لا شبهة في أنّ‏

مقدّميتها إنّما هي بعنوانها الراجح الّذي هو جهة استحبابها النفسيّ بمعنى أنّ‏

الأمر الغيري المقدّمي إنّما تعلّق بها بهذا العنوان،فالإتيان بها بداعي ذلك الأمر

الغيري المتعلّق بها ملازم للقصد الإجمالي إلى ذلك العنوان‏ (2) و إن لم نكن نعرفه‏

1)في الأصل:فيمكن..

2)«على وجه التوصيف».على ما جاء في هامش الأصل.


376
تفصيلا،ضرورة ثبوت الملازمة بين كون أمر داعيا إلى فعل شي‏ء و بين كونه داعيا

إلى ذلك الشي‏ء بالعنوان الّذي تعلّق هو بهذا العنوان،فيكون داعيا إلى ذلك‏

العنوان أيضا،فيكون حال الوجوب الغيري المتعلّق بها حال الوجوب النفسيّ‏

المتعلّق بها بنذر و شبهه من جهة كون العنوان في كلّ منهما هو العنوان الراجح،

و كما أنّ الإتيان بالواجب الغيري العبادي بداعي جهة استحبابه النفسيّ-على‏

وجه يكون تلك الجهة غاية للفعل-محقّق لعباديته و لانعقاده عبادة و إن لم يكن‏

الأمر الاستحبابي موجودا فيه بالفعل-كما مرّت الإشارة إليه في مطاوي ما تقدّم-

فكذلك الإتيان به بجهة استحبابه النفسيّ-بحيث تكون تلك الجهة صفة

للمأتيّ به-موجب لانعقاده عبادة كما في نذر المندوب،فإنّه إذا أتي به فإنّما يؤتى‏

به بداعي الأمر الوجوبيّ المسبّب من النذر مع القصد إلى جهة الاستحباب‏

بعنوان الوصفيّة لا الغائيّة،فينوي:أني أفعل ذلك الفعل المندوب لوجوبه،و على‏

هذا فينوي في المقام:أني أتوضّأ-مثلا-الوضوء المندوب لوجوبه الغيري،فإنّ‏

الوجوب الغيري إنّما تعلّق به بعنوان استحبابه النفسيّ و إن لم يكن الأمر

الاستحبابي موجودا فيه بالفعل،أو يقصد:أنّي أتوضّأ لوجوبه الغيري قربة إلى‏

اللَّه-مثلا-فإنّه أيضا وجه إجمالي إلى العنوان المذكور أيضا كما مرّ.

هذا،ثمّ إنّه نسب المحقّق القمي‏ (1) -رحمه اللَّه-المدح و الثواب على فعل‏

المقدّمة دون العقاب على تركها بطريق النقل إلى الغزالي.

ثمّ قال:(و لا غائلة فيه ظاهرا (2) ،إلاّ أنّه قول بالاستحباب،و فيه إشكال‏

إلاّ أن يقال باندراجه تحت الخبر العامّ فيمن بلغه ثواب على عمل،ففعله التماس‏

1)قوانين الأصول:1-104 حيث يقول:(و أما المدح و الثواب فالتزمه بعض المحقّقين،و نقله عن‏

الغزالي)..

2)في الأصل:(و غائلته فيه ظاهر)،و قد صحّحنا عبارة المتن على عبارة القوانين.

377
ذلك الثواب أوتيه و إن لم يكن كما بلغه،فإنّه يعمّ جميع أقسام البلوغ حتّى فتوى‏

الفقيه،فتأمّل) (1) .

و قال أيضا بعد ذلك:(لكن لا مانع من التزامه إلاّ تسديس الحكم أو

تسبيعه‏ (2) ،إلاّ أن يقال:إنّ ذلك إنّما هو في الأحكام الأصلية،فلا يضرّ حصول‏

ذلك في التبعيات)1انتهى.

و ينبغي أوّلا بيان مراده،ثمّ التعرّض لما في كلامه من مواقع النّظر،

فنقول:قوله:(و فيه إشكال).

وجه الإشكال-على ما صرّح‏به‏هو أيضا في الحاشية (3) -:خروجه‏

عن الاستحباب المصطلح،و الظاهر أنّ وجه الخروج إنّما هو عدم الأمر

الاستحبابي بالمقدّمة أصلا،فإنّ المعتبر في المستحبّ المصطلح هو تعلّق الأمر

الاستحبابي به شرعا،و الحال في المقدّمة ليس كذلك،لأنّ الأمر بذي المقدّمة لا

يقتضي الأمر بها ندبا ضرورة،و إن اقتضى فإنّما يقتضيه وجوبا لا غير،و لا دليل‏

من الخارج أيضا يستفاد منه الأمر الاستحبابي لها.

قوله:(إلاّ تسديس الحكم‏ (4) أو تسبيعه).

الظاهر أنّ وجهه أنّ هذا الحكم ليس وجوبا و لا ندبا أيضا لعدم ما يقضي‏

1لم ترد هذه العبارة في متن القوانين و إنّما وردت في الحاشية المنسوبة إلى صاحب القوانين‏

في بيان وجه تأمّله المذكور في المتن بقوله:(..حتّى فتوى الفقيه،فتأمّل)،و هذه الحاشية

ذكرها السيد علي القزويني(ره)في حاشيته على القوانين عند بيانه الأصل المذكور في‏

عبارة المتن التالية:(و الأقرب عندي عدم الوجوب مطلقا.لنا:الأصل).القوانين:104.

1)نفس المصدر السابق بعد عبارته التي نقلناها آنفا.

2)في الأصل:(تسديس الأحكام و تسبيعه)،و قد صححنا العبارة على عبارة حاشية القوانين.

3)أي في الحاشية المنسوبة إلى صاحب القوانين المشار إليها في الهامش السابق.

4)في الأصل:تسديس الأحكام.

378
به،فيكون قسما سادسا من الأحكام التكليفية،فتكون الأحكام ستّة،بل سبعة

بجريان مثل ذلك في الموانع أيضا،فلا يكون حراما لعدم ترتّب العقاب على‏

فعلها و ترتّب الثواب على تركها،و لا مكروها لعدم ما يقضي به،فيكون قسما

سابعا من الأحكام،و ليس مراده أنه ندب ظاهري أو هو مستلزم لتعشير

الأحكام مع أنّه لا محذور كما لا يخفى.

هذا،ثمّ إنّ ما أفاده-من استناد الاستحباب إلى قاعدة التسامح-

تسامح في تسامح،إذ بعد الغمض عن‏شمول‏ (1) أخبار التسامح لمثل فتوى‏

الفقيه أوّلا،ثمّ لمثل فتوى الغزالي-كما لعلّه تفطن له‏ (2) ،و أشار إليه بقوله:

(فتأمّل)-يتّجه عليه أنّ الكلام مع الغزالي القائل بمثل هذا،فالنزاع إنّما هو في‏

أمر واقعي يدّعيه الغزالي،و نحن ننفيه في الواقع،و لسنا في مقام إثبات الحكم‏

المذكور المتنازع فيه بالتسامح.

نعم لو فرض البحث مع غيره فيمكن للمدّعي للاستحباب الاستناد إلى‏

قول الغزالي حيث إنّه أفتى به من حيث إنّه مقدّمة.

و ما ذكره‏ (3) في الحاشية من عدم المانع من تسبيع الأحكام التبعية فغير

سديد لعدم الفرق بين الأصلية و التبعية بعد ملاحظة الاستحقاق الواقعي،فلا

يعقل قسم سادس أو سابع مطلقا،فافهم.

هذا تمام الكلام في مقدّمات المسألة مع ما يتعلق بها،فإذا عرفت ذلك كلّه‏

فنقول:

تحرير محلّ النزاع‏

إن محلّ النزاع في الواجب المتنازع في مقدّميته بالنظر إلى تقسيم الواجب‏

1)إضافة اقتضاها السياق.

2)الصحيح ما أثبتناه و إن كان الأقرب بحسب نسخة الأصل:(به).

3)في الأصل:و أما ذكره.

379
إلى المطلق و المشروط أعمّ كما لا يخفى على المتأمّل،و قد أشرنا إليه سابقا أيضا،

إلاّ أنّ وجوب المقدّمة يختلف،فإذا كانت من مقدّمات الواجب المشروط فوجوبها

أيضا كذلك،و إذا كانت من مقدّمات الواجب المطلق فوجوبها أيضا مطلق،

و محلّ النزاع‏ (1) في وجوب المقدّمة بالنظر إلى التقسيم المذكور أيضا.

و أمّا بالنظر إلى النفسيّ و الغيري فلا يعقل النزاع إلاّ في الغيري و إن‏

ادّعى بعض المحقّقين‏ (2) أنّ النزاع في الأوّل.

و أمّا بالنظر إلى التقسيم إلى الأصلي و التبعي فالظاهر أنّ النزاع أعمّ و إن‏

ادّعى بعض‏ (3) أنّه في الأوّل.

و هذه الدعوى أخفى فسادا من الأولى و إن كانت فاسدة في نفسها،لما

قد مرّ مرارا:أنّ الحاكم بوجوب المقدّمة-على القول به-هو العقل،و موضوع‏

حكمه هو اللبّ،لا اللفظ،فإنه-على القول به-يحكم بالملازمة بين وجوب ذي‏

المقدّمة و بين وجوب مقدّمته بالوجوب الغيري،و لا يوجب إفادته بخطاب أصلي.

ثمّ إنّ الوجوب له إطلاقات:فقد يطلق على مجرّد صفة التوقّف و اللابدّية

التي هي معنى المقدّمية،و قد يطلق على عدم انفكاك شي‏ء عن آخر،و قد يطلق‏

على الطلب الحتمي الإرشادي العقلي،و قد يطلق على الطلب الحتمي الآمري‏

المولوي.

لا نزاع في وجوب المقدّمة بالمعنى الأوّل،بل لا يعقل،إذ الكلام في وجوب‏

المقدّمة بعد الفراغ عن ثبوت مقدّميتها،و هو ينافي النزاع في مقدّميتها،و لا بالمعنى‏

الثاني قطعا و بالضرورة،و لا بالثالث،إذ لا نزاع لأحد أنّ العقل يحكم حتما بأنّ‏

من أراد ذا المقدّمة فليأت بمقدّمته لكي يحصل بها غرضه،فانحصر النزاع في‏

1)في الأصل:حمل النزاع..

2)و هو المحقّق القمّي(قدّه)في قوانينه:1-101-103،المقدمة السادسة و السابعة.

3)و هو المحقّق القمّي(قدّه)في قوانينه:1-101-103،المقدمة السادسة و السابعة.

380
الرابع و لو بأقلّ مراتبه-و هو دلالة الإشارة-بأن يكون النزاع في أنّ الآمر بفعل‏

هل في نفسه حالة اشتياق إلى مقدّمته أيضا،بحيث لو التفت إلى توقّف مطلوبه‏

عليها أو سئل عنها لأمر بها،أو لا؟و أعلى من تلك المرتبة أن يكون النزاع في‏

كون الأمر بالمقدّمة مقصودا من الأمر بذيها كما يدّعيه بعض القائلين بوجوب‏

المقدّمة،فالنزاع في اقتضاء1الأمر بذي المقدّمة للأمر بمقدّمته الوجودية2:إما

بدلالة الإشارة التي هي أقلّ مراتب الدلالات،أو بالالتزام البيّن بالمعنى الأعمّ‏

الّذي هو من الدلالات المقصودة و إن كانت الأولى أليق لأن يقال بها على القول‏

بوجوب المقدّمة كما لا يخفى على المتأمّل.

ثمّ إنّه قيّد بعض المتأخّرين‏ (1) المقدّمة المتنازع في وجوبها بالجائزة

احترازا عن أمرين:

أحدهما:المقدّمات الوجودية المحرّمة.

و ثانيهما:المقدّمات الوجودية الاضطرارية الخارجة عن قدرة المكلّف‏

كالوقت في الواجبات المؤقّتة،حيث إن حضوره ليس باختيار المكلّف.

و يتّجه عليه:أنّه إن كان المراد بالجواز هو الجواز العقلي-و هو الإمكان-

فلا يعقل كون التقييد به احترازا عنهما ضرورة إمكان وقوعهما عقلا،و ان كان‏

المراد به هو الشرعي،و هو الإباحة-كما هو الظاهر بل المقطوع به في كلامه-

1المراد بالاقتضاء هو التلازم عقلا،و هذا هو المراد منه في كلام من عبّرعن‏عنوان المسألة:

باقتضاء الأمر بشي‏ء للأمر بمقدّمته.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2فالقائل بوجوب المقدّمة يدّعي أنّ للآمر بشي‏ء حالة في النّفس بحيث لو التفت إلى كون‏

مقدّمة مقدمة له و أنه لا يحصل إلاّ بها لصح،له أمر أصلي بها أيضا،كالأمر بالذهاب إلى السوق من‏

الأمر بشراء اللحم،و المنكر ينفي ذلك.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)و هو صاحب الفصول،كما في هامش الأصل،راجع الفصول:1-82.

381
ففيه:أنّ وجوب المقدّمة-على القول به-إنّما هو من باب ثبوت التلازم عقلا

بينه و بين وجوب ذيها،فمع فرض بقاء وجوب ذيها على حاله لا يفرّق في المقدّمة

بين المباحة و المحرّمة،بل لا بدّ من انقلاب حكم المقدّمة الثابت لها بذيها إلى‏

الوجوب،فلا يبقى لها حينئذ حكم الإباحة أو الحرمة.

هذا إذا كانت المقدّمة منحصرة في المحرّمة.

و أما إذا لم تنحصر فالمقدّمة هو الكلّي القدر المشترك بين الجائزة و المحرمة

و هو جائز قطعا،إلاّ أنّ ذلك الكلّي إنّما يتّصف بالوجوب في ضمن فرده الجائز1،

فالنزاع في مقدّمة الواجب ليس في الجزئيات الخارجية حتى يكون خروج‏

المحرّمة منها خروجا عن محلّ النزاع،بل في كلّي المقدّمة،و هو غير خارج.

نعم قد خرج بعض جزئياته عن الاتّصاف بالوجوب و الانطباق على‏

المأمور به،فالاستثناء من الانطباق على المأمور به لا من محلّ النزاع.

هذا ما في جعله القيد المذكور احترازا عن المقدّمات المحرّمة.

و يتجه على جعله احترازا عن المقدّمات الغير المقدورة:أنّ تلك‏

المقدّمات خارجة عن محلّ النزاع بمجرّد تحرير العنوان:بأنّ مقدّمة الواجب‏

واجبة أو لا،فإنّ ذلك التحرير صريح في كون النزاع في أفعال المكلّف الاختيارية

له،إذ الأمور الاضطرارية لا تصلح لاتّصافها بشي‏ء من الأحكام الخمسة،

فالوجوب المتنازع فيه لا يمكن‏أن يكون‏له موضوع من المقدّمات‏

الاضطرارية حتى يتوهّم دخولها،فيستعان في إخراجها بما ذكر (1) .

هذا،و بالجملة:فالنزاع في المقام في وجوب المقدّمة الوجودية للواجب‏

1و بعبارة أخرى:العقل لا يخيّر المكلّف في أفراد ذلك القدر المشترك مطلقا،بل يختصّ تخييره في‏

الأفراد المباحة.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:إلى ما ذكر.

382
التي هي من أفعال المكلّف،فيخرج منها الأمور الاضطرارية،و المراد بالواجب‏

هو الواجب فعلا،و معه لا يفرّق في وجوب مقدّمته من جهة التوصّل إليه بين‏

المقدّمات المحرّمة بالذات و بين المباحة كذلك.

نعم فرق بينهما من جهة أخرى لا تجدي ذلك الرّجل في شي‏ء مما هو في‏

صدده،و هو أنّه إذا كانت المقدّمة جائزة فإذا عرضت لها جهة الوجوب فلا تقع‏

المعارضة بين جوازها و وجوبها،بل الأوّل يرتفع موضوعه بمجرّد عروض جهة

الثاني،لأنّ جواز الشي‏ء إنّما هو لأجل عدم مقتضي الوجوب أن الحرمة فيه،لا

من باب أنّ في الشي‏ء جهة تقتضي الجواز،فإذا عرضت له إحدى جهتي‏

الوجوب أو الحرمة يرتفع‏ (1) بذلك موضوع الجواز.

هذا بخلاف ما إذا كانت محرّمة،فإنّ الحرمة لا تكون إلاّ بثبوت جهتها

فيها،فلا ترتفع بمجرّد عروض جهة الوجوب موضوعها،بل تقع المعارضة بينهما،

فيجب الترجيح بينهما بالأهمّية إن كانت،و إلاّ فالتخيير،و الأهمية في الواجبات‏

الغيرية إنّما تلاحظ بالنسبة إلى الواجبات النفسيّة التي هي مقدّمات لها،فإن‏

رجّح جانب حرمة المقدّمة يطرح وجوب ذي المقدّمة بالمرّة لو فرض في مورد

ثبوت الجواز من جهة وجود سبب مقتض له،فيقع المعارضة بينه و بين ما دلّ على‏

الوجوب أو الحرمة،كما إذا كان فعل شي‏ء أو تركه حرجا،فإنّ الحرج حينئذ

يقتضي جواز الفعل أو الترك،فافهم.

قد ذكروا للمسألة ثمرات:

منها:حصول البرّ (2) بفعل واحدة من المقدّمات لناذر الإتيان بواجب‏

على القول بوجوب مقدّمة الواجب،و عدمه على القول بعدمه.

1)في الأصل:فيرتفع..

2)في الأصل:البرء..

383
و فيه-بعد الإغماض عن انصراف النذر إلى الواجب النفسيّ-أنّ ذلك‏

لا يعدّ من ثمرات المسألة الأصولية،فإنّها ممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية

الكلّية،لا لتحقيق الموضوعات.

و منها:ترتّب الثواب و العقاب على القول بوجوب المقدّمة على فعلها أو

تركها،و عدمهما على القول الآخر.

و فيه-مضافا إلى ما يرد عليه ممّا عرفت في الوجه الأوّل،إذ الثواب‏

و العقاب ليسا من الأحكام الشرعية،بل من فعل اللَّه سبحانه و تعالى-أنّهما غير

مترتّبين عليها على القول بوجوبها أيضا كما عرفت تحقيق الكلام فيه مفصّلا.

و منها:فسق تارك المقدّمة من حين تركه لها على القول بوجوبها،و عدمه‏

في تلك الحال‏على القول بعدمه‏ (1) و توقّف حصوله على حضور زمان فعل‏

الواجب،فيفسق التارك لها حينئذ لتحقّق المعصية منه حينئذ.

و فيه:أنّ الحكم بفسق التارك للمقدّمة إن كان لأجل الترك الحكمي‏

لذيها-المتحقّق بتركها قبل مجي‏ء زمان فعله-فلا ريب أنّ الترك الحكمي يتحقّق‏

بتركها قبل ذلك الزمان على القول بعدم وجوبها أيضا،ضرورة عدم تأثير إيجابها

في تحقّقه،فلو أوجب الترك الحكمي فسق المكلّف من حين تحقّقه لأوجبه على‏

القول بعدم وجوب المقدّمة أيضا،و إن كان لأجل صدور المعصية من التارك لها

فقد عرفت أنه لا يتحقّق معصية بالنسبة إلى ترك الواجبات الغيرية،فلا معصية

على القول بوجوب المقدّمة أيضا حتى يورث الفسق،بل المتحقّق منها إنّما هي‏

بترك الواجب النفسيّ الّذي هو ذو المقدّمة،و المفروض عدم حصولها بعد،فلا

يحكم بفسق التارك للمقدّمة قبل مجي‏ء زمان فعله و ان ادّعي صدق معصيته بترك‏

1)إضافة اقتضاها السياق،و قد كانت موجودة في عبارة شطب عليها.

384
المقدّمة قبل ذلك الزمان،فيكون فاسقا قبله لذلك،بأن يقال:إنّ ترك مقدّمته‏

علّة لتركه في وقته،فهو الآن تارك له في وقته،فهو الآن عاص له،فلا يفرّق فيه‏

أيضا بين القولين.

و منها:الحكم بفسق التارك لمقدّمات عديدة للواجب من حين تركها من‏

باب الإصرار إن لم نقل بكون ترك واحدة منها من الكبائر على القول بوجوب‏

المقدّمة،و عدمه لعدم الإصرار على القول بعدمه.

و فيه-مضافا إلى ما عرفت في الثمرة السابقة:من عدم صدق المعصية

في ترك الواجبات الغيرية،فلا معنى للقول بتحقّق الإصرار على المعصية بترك‏

جملة منها-انه قد يكون ترك المقدّمات تدريجيا،فحينئذ يكون ترك أولاها علّة

تامّة لترك ذي المقدّمة في وقته،و موجبا لتعذّره على المكلّف فيما بعد،فإذا تعذّر

لا (1) يبقى وجوب للمقدّمة المتأخّرة حتّى يتحقّق الإصرار بتركها1،و ترك أولاها

أيضا لا يوجبه بتسليم القائل.

اللهمّ إلاّ أن يكتفي القائل بظهور الثمرة في صورة ترك المقدّمات دفعة،

لكن يدفعها حينئذ عدم صدق المعصية على ترك الواجب الغيري أصلا،فلا

يكون تركه موجبا للفسق و لو على وجه الإصرار.

و منها:ما ذكره بعضهم من جواز أخذ الأجرة على فعل مقدّمات الواجب‏

على القول بعدم وجوب المقدّمة،و حرمته على القول بوجوبها.

و لعلّ ذلك مأخوذ من إرسال بعض الفقهاء عدم جواز أخذ الأجرة على‏

الواجب كالمحقق-قدّس سرّه-على ما حكي عنه،حيث أفاد عند عدّه ما يحرم‏

1إذ بقاء الأمر بالمقدّمة تابع لبقاء الأمر بذيها،فمع ارتفاعه-لأجل التعذّر أو لغيره-فهو موجب‏

لارتفاع الأمر عنها أيضا.لمحرّره عفا اللَّه عنه‏.

1)في الأصل:فلا..

385
الاكتساب به:(الخامس-ما يجب على الإنسان فعله) (1) ،أو من معاقد بعض‏

الإجماعات المنقولة و إن لم يقض بذلك على إطلاقه.

لكن الإنصاف:أنّه لا أصل لهذا التفريع بوجه،سواء قلنا بعدم جواز

أخذ الأجرة على الواجبات مطلقا أخذا بما ذكر،أو خصّصناه ببعض الواجبات‏

كما هو التحقيق:

أما على الأوّل-فلأنّ الظاهر أنّ القائل بعدم جواز أخذ الأجرة على‏

الواجب مراده عدم جواز أخذها في عمل الواجب.

و بعبارة أخرى فارسية:(مرادش اين است كه حرام است اجرت در

كردن واجب)،سواء جعلت الأجرة عوضا عن نفس فعل الواجب النفسيّ أو

عن فعل مقدّماته،فنقول بحرمتها أيضا إذا جعلت عوضا عن فعل المقدّمات‏

و لو مع عدم وجوبها،لأنّه أخذ للأجرة في عمل الواجب،ضرورة أنّ عمل‏

الواجب و إيجاده إنّما هو عبارة عن الإتيان بجميع ما يتوقّف عليه وجوده من‏

المقدّمات الداخلية و الخارجية.

و أمّا على الثاني-فلعدم الملازمة حينئذ بين الوجوب و حرمة أخذ الأجرة،

بل لا بدّ في إثبات حرمة أخذ الأجرة من دليل آخر دالّ على حرمة أخذ الأجرة

على فعل الواجب الغيري مثلا.

اللهمّ إلاّ أن يكتفي ذلك البعض بظهور الثمرة في مورد ذلك الدليل،

فإنّه إذا قام دليل على حرمة أخذ الأجرة على فعل الواجب الغيري فثمرة

القول بوجوب المقدمة أنّها تكون حينئذ واجبة غيرية داخلة في موضوع ذلك‏

الدليل.

لكن يتّجه عليه حينئذ-مضافا إلى أنّ مثل ذلك لا يعدّ من ثمرات‏

1)شرائع الإسلام-الطبعة الحجرية-:97-كتاب التجارة-الفصل الأوّل فيما يكتسب به.


386
المسألة الأصولية-أنّه إذا قام مثل ذلك الدليل يحرم‏ (1) أخذ الأجرة أيضا بالأولوية

القطعية في فعل نفس الواجب النفسيّ،فحينئذ يحرم أخذ الأجرة على فعل‏

المقدّمات و لو على القول بعدم وجوبها أيضا،لما عرفت على الاحتمال الأوّل.

ثمّ إنّ مجمل الكلام فيما حقّقنا من تخصيص حرمة أخذ الأجرة ببعض‏

الواجبات:أنّه لا شبهة في أنّ المانع من أخذ الأجرة على فعل و حرمته‏ (2) ليس‏

وجوبه،و إلاّ لما جاز أخذها على الواجبات الصناعية الكفائية،و التالي باطل‏

بالضرورة،بل المانع إنّما هو قيام الدليل على لزوم وقوع العمل مجّانا كما في بعض‏

الواجبات التوصّلية الكفائية كأحكام الأموات من التكفين و الدفن،فإنّه قد

استفيد من الأخبار مملوكية تلك الأعمال للغير مجّانا،مثل ما ورد:من أنّ المؤمن قد

ملك عن أخيه المؤمن أمورا منها الدفن و ما يتعلّق به‏ (3) ،فيكون أخذ الأجرة

عليه من الأكل بالباطل لكون العمل مملوكا للغير،و كما في جميع الواجبات‏

التعبّدية،فإنّ غرض اللَّه-سبحانه و تعالى-قد تعلّق بوقوعها خالصة لوجهه‏

الكريم،فكأنّها مملوكة له-سبحانه و تعالى-فليس للعبد تمليكها للغير و أخذ

العوض منه عليها،لكونه أيضا أكلا بالباطل.

و الحاصل:أنّه لا يمنع مجرّد وجوب فعل على الإنسان من أخذ الأجرة

عليه،فلا ملازمة بينهما،بل النسبة بينهما هي العموم من وجه،لافتراق الوجوب‏

عن حرمة أخذ الأجرة في القضاء بين المسلمين،و كذا السعي إلى الميقات لمن‏

1)في الأصل:فيحرم..

2)هذه الكلمة يتمّ المعنى بدونها،و لا تستقيم العبارة إلاّ بحذفها.

3)لم نعثر على رواية بهذا التعبير،و إنّما عثرنا على التعبير بالحقّ،كما في أصول الكافي 2:135-

136-باب حق المؤمن على أخيه،و أمالي الشيخ الطوسي 1:95،و ثواب الأعمال:175-

176،و غيرها.


387
وجب عليه الحجّ على ما ذكرهما بعض المتأخّرين من المعاصرين‏ (1) ،و أفتى بهما

مستدلا بأصالة جواز أخذ الأجرة،و افتراق حرمة الأجرة عن الوجوب في‏

مقدّمات الدفن و التكفين على القول بعدم وجوب المقدّمة و اجتماعهما في نفس‏

الدفن و التكفين و في جميع الواجبات التعبّدية.

و من هنا يظهر:أنّ مقتضى الأصل هو إباحة أخذ الأجرة على الواجب‏

كما ذكره البعض المشار إليه،فافهم.

و منها:ما نسب إلى المولى البهبهاني‏ (2) -قدّس سرّه-من أنّه على القول‏

بوجوب المقدّمة يلزم اجتماع الأمر و النهي في بعض الموارد،و هو فيما إذا كان‏

المقدّمة محرّمة.

و فيه:أنّ مجرّد اجتماع الأمر و النهي لا يعدّ من ثمرات المسألة الأصولية،

بل لا بدّ أن تكون الثمرة اختلاف الأحكام الشرعية بحسب اختلاف القولين،

و لا اختلاف من جهة وجوب المقدّمة و عدمه في الحكم الشرعي،و لا في حصول‏

امتثال ذي المقدّمة و عدمه.

بيان ذلك:أنّ المقدّمة المحرّمة:إمّا من المقدّمات الخارجية،و هي الأمور

المتقدّمة على ذي المقدّمة المتوقف عليها حصوله،و إمّا من المقدّمات الداخلية المقارنة لذي‏

المقدّمة المتّحدة معه في الوجود،و هي الأجزاء.

فإن كانت من الأولى فالقول بوجوب المقدّمة و إن أوجب فيها اجتماع‏

الأمر و النهي،لكن هذا الاجتماع غير قادح بحصول امتثال ذي المقدّمة إذا

طوي المسافة في طريق الحجّ بالدابّة المغصوبة،فالامتثال فيه حاصل على‏

1)بدائع الأفكار:329 و 339.

2)الفوائد الحائرية-المطبوع ضمن كتاب(ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد)-الفائدة

الرابعة عشر:70.


388
القولين في وجوب المقدّمة و عدمه.

و إن كانت من الثانية فحينئذ و إن كان يلزم فيها أيضا اجتماع الأمر

و النهي،لكن هذا الاجتماع ليس متوقّفا على القول بوجوب المقدّمة،بل حاصل‏

على القول بعدمه أيضا،لما تقرّر فيما سبق منّا في طيّ تقسيم المقدّمة:أنّ للأجزاء

اعتبارين:فباعتبار أنّ الكلّ ليس إلاّ عبارة عن تلك الأجزاء فتلك الأجزاء عين‏

ذلك الكلّ المأمور به نفسا،و باعتبار أنّ كلّ واحد منها من مقدّمات الكلّ و مما

يتوقّف عليه حصوله فهي مغايرة له،و لا ريب أنّ الوجوب لا يرتفع عنها

بالاعتبار الأوّل،فنحن إن لم نقل بوجوب المقدّمة فهي ليست واجبة بالاعتبار

الثاني،و أما وجوبها بالاعتبار الأوّل فهو لا ينفكّ عنها لعدم انفكاك ذلك الاعتبار

عنها،فهي واجبة دائما على القولين في مقدّمة الواجب،فلا حاجة حينئذ إلى‏

القول بوجوب المقدّمة في تحقّق اجتماع الأمر و النهي.

ثمّ على تقدير تسليم استناد الاجتماع إلى القول بوجوب المقدّمة لا

يترتّب على هذا الاجتماع بمجرّده شي‏ء،فإنّهم و إن اختلفوا في هذه الصورة في‏

صحّة العبادة و فسادها،لكن ليس شي‏ء من الصحّة و الفساد ناشئا من القول‏

بوجوب المقدّمة و عدمه،بل من أنّ تعدّد الجهة هل يجدي في الصحّة فيما إذا كان‏

متعلّق الأمر و النهي أمرا واحدا شخصيا،أو لا؟.

و منها:أنّ القول بوجوب المقدّمة يؤثّر في صحّتها إذا كانت عبادة

و انحصر الأمر بها بالغيري،بخلاف القول بعدم وجوبها.

و فيه:أنّه إذا كانت لا بد ان يكون فيها1رجحانها نفسيا جدّاً و استحبابها

ذاتيا،و إن لم يجتمع الأمر الاستحبابي مع الوجوب الغيري،لكن جهة

1الظاهر عدم الاحتياج إلى كلمة(فيها)و العبارة تستقيم بدونها،و يمكن إصلاح العبارة بوجه‏

آخر هو:(ان يكون فيها رجحان نفسي جدّاً و استحباب ذاتي).و قد كانت العبارة في الأصل‏

هكذا:(أن يكون فيها رجحانه نفسيا جدّاً و استحبابا ذاتيّا).


389
الاستحباب تجتمع معه،و حينئذ فتلك الجهة كافية في صحّة المقدّمة العبادية،إذ

على القول بوجوبها يجعل‏ (1) المكلّف تلك الجهة وصفا لما يأتي به،و يقصدها على‏

هذا الوجه،و بجعل وجوبها الغيري داعيا،و على القول بعدم وجوبها يأتي‏ (2) بها

بداعي أمرها (3) الاستحبابي الموجود فيها فيه فعلا،فلا يتوقّف صحّة المقدّمة إذا

كانت عبادة على وجوبها.

هذا،مع أنّ الوجوب الغيري هو بنفسه غير كاف في انعقاد الفعل عبادة،

بل لا بدّ من القصد إلى الأمر النفسيّ المتعلّق بذي المقدّمة أيضا،و الإتيان بها

بداعي ذلك الأمر مغن عن قصد الأمر الغيري،لما مرّ أنّ روحه هو ذلك الأمر.

و منها:أنّ القول بوجوب المقدّمة يؤثّر في فساد العبادة التي يتوقّف على‏

تركها فعل ضدّها بناء على اقتضاء النهي التبعي في العبادة لفسادها،فإنّه إذا وجب‏

تركها مقدّمة فوجوب تركها يقتضي النهي عن فعلها من باب اقتضاء الأمر

بشي‏ء النهي عن ضدّه،و ذلك النهي يقتضي فسادها على القول باقتضاء النهي‏

التبعي للفساد.

هذا بخلاف القول بعدم وجوب المقدّمة،إذ لا أمر حينئذ بالترك حتى‏

يكون مقتضيا للنهي الموجب لفساد الفعل.

و الإنصاف:أنّ هذه هي الثمرة التي ينبغي اختيارها بناء على اقتضاء

الأمر بشي‏ء النهي عن ضدّه،و على اقتضاء النهي التبعي للفساد،فهذه أهمّ‏

الثمرات و أجودها،بل الثمرة منحصرة فيها،لما عرفت من ضعف سائر ما ذكروه‏

ثمرة للمسألة.

1)في الأصل:فيجعل..

2)في الأصل:فيأتي..

3)في الأصل:أمره..

390
و ربما تدفع هذه الثمرة:بأنه لا بدّ من الحكم بفساد تلك العبادة على‏

القول بعدم وجوب المقدّمة أيضا لأجل عدم الأمر بفعلها،إذ لا يعقل الأمر

بشي‏ء مع الأمر بما ليس للمكلّف بدّ من تركه،فتأثير الفساد مستند إلى عدم‏

الأمر لا إلى النهي.

لكن هذا الدفع غير مرضيّ عندنا،و سيجي‏ء توضيح ضعفه في محلّه إن‏

شاء اللَّه تعالى.

و إذا عرفت تلك المقدّمات كلّها فلنشرع في أصل المسألة،و قبل التعرّض‏

لذكر الأقوال فيها و حججها ينبغي التعرّض لأنّ في المسألة أصلا يقتضي وجوب‏

المقدمة أو عدمه،كي يعوّل عليه عند الشكّ و عدم دليل على أحد الطرفين،أولا.

قد قيل-أو يقال-بالأوّل،و أنّه مقتض لعدم وجوبها.

لكن يتّجه عليه:أنه إن كان المراد بالأصل المقتضي لعدم الوجوب هو

أصالة البراءة ففيه:أنّ شأنها إنّما هو نفي العقاب على مشكوك الحرمة أو

الوجوب،و لا ريب أنّه لا تكليف بالمقدّمة يستتبع عقابا على القول بوجوبها

أيضا،لما عرفت سابقا من عدم استحقاق العقاب على مخالفة الواجب الغيري،

فاحتمال العقاب على المقدّمة منفيّ على القول بوجوب المقدّمة أيضا.

نعم ترك المقدّمة بعد العلم بمقدّميتها و إن كان سببا للعقاب لإفضائه إلى‏

ترك الواجب النفسيّ،لكن هذا العقاب إنما هو على ترك ذي المقدّمة،لا على‏

تركها،و إنّما تركها سبب له،و السببية لازمة للمقدّمية لا لوجوبها،فإنّ ترك‏

المقدّمة على القول بعدم وجوبها أيضا سبب للعقاب على نحو ما عرفت.

و بالجملة:النزاع في وجوب المقدّمة و عدمه إنّما هو بعد إحراز المقدّمية،و بعد

إحرازها لا خلاف لأحد في كون ترك المقدّمة سببا للعقاب،و إنّما الخلاف في‏

وجوبها،فلا يعقل إجراء أصالة البراءة عن ذلك العقاب المسبّب عن ترك المقدّمة

أيضا لمعلومية الاستحقاق له.


391
و الحاصل:أنّ المتصوّر هنا عقابان:

أحدهما:ما يترتّب على ترك المقدّمة نفسها.

و ثانيهما:ما يترتّب على ترك ذيها،و يتسبّب من ترك المقدّمة.

و لا سبيل لأصالة البراءة إلى شي‏ء منهما،لأنّ الأوّل معلوم العدم،و الثاني‏

معلوم الوجود،فلا موضوع لها في شي‏ء منهما.

و من هنا يعلم وجه جريانها في صورة الشكّ في جزئية شي‏ء أو شرطيته‏

للمأمور به،دون ما نحن فيه،فإنّ الشكّ هناك في أصل مقدّمية الشي‏ء للمأمور

به،فيشكّ في سببية ترك ذلك المشكوك في جزئيته أو في شرطيته للعقاب فينفى‏

ذلك العقاب المشكوك كونه مسبّبا عن تركه بأصالة البراءة للشكّ فيه.

و إن كان المراد به استصحاب عدم الوجوب-أعني استصحاب عدم‏

وجوب مقدّمة الواجب-ففيه:أنّ ممّا يعتبر في الاستصحاب وجود الحالة السابقة

بأن يحرز خلوّ الموضوع عن ذلك الحكم المشكوك فيه في زمان،بأن يكون هو

موجودا في زمان بدون ذلك الحكم،و هذا لا يعقل فيما نحن فيه،فإنّ حكم‏

الوجوب بالنسبة إلى عنوان المقدّمة لا يعقل فيه ذلك،لأنّ القائل بوجوبها إنّما

يقول به من أوّل الأمر،بمعنى أنّه متى صدق عنوان المقدّمة على شي‏ء يترتّب‏

عليه حكم الوجوب،و القائل بعدمه يقول بعدمه كذلك،فالكلّ متّفقون على أنّه‏

لولم‏تجب المقدّمة في زمان لم تجب مطلقا،و إن وجبت وجبت كذلك،فعلى تقدير

عدم وجوبها في زمان-مثلا-لا يعقل الشكّ في أنّها واجبة في الزمن الثاني،أو لا،

بل عدم الوجوب معلوم.

و السرّ في ذلك:أنّ القائل بالوجوب إنّما يقول به من جهة دعوى‏

لملازمة بين وجوب شي‏ء و بين وجوب المقدّمة،فتلك الملازمة-على تقديرها-

ثابتة من أوّل الأمر.

نعم لو كان المراد استصحاب عدم وجوب الأفعال الخاصّة بعناوينها


392
الخاصّة التي هي مصاديق لعنوان المقدّمة-مثل أن يقال:إنّ الوضوء-مثلا-

قبل وقت وجوب العبادة المشروطة به لم يكن واجبا،فيستصحب عدم وجوبه إلى‏

بعد دخول ذلك الوقت-فجيّد-،لأنّ الوضوء بعنوانه الخاصّ كان قبل الوقت‏

و لم يكن واجبا،و بعد عروض عنوان مقدّمة الواجب له يشكّ في وجوبه،

فيستصحب عدمه،و يكون ذلك الاستصحاب في الثمرة متّحدا مع الاستصحاب‏

في عنوان المقدّمة على تقدير صحّة استصحاب عدم وجوب عنوان المقدّمة،

فيكون الأصل بهذا التقرير في المقام هو عدم الوجوب.

و إذا عرفت هذا

فالأقوال في المسألة على ما استقصاه بعض‏

المحقّقين‏ (1) أربعة:

القول بوجوب المقدّمة مطلقا:و هو منسوب إلى الأكثر،بل قد نقل عن‏

الآمدي‏1أنه نقل الإجماع عليه.

و القول بعدمه مطلقا:و هو الّذي نسبه الآمدي‏ (2) -على ما حكى عنه‏

المحقّق الخوانساري-إلى بعض الأصوليين،و حكي‏ (3) عن ظاهر المنهاج‏ (4) وجود

1و حكي عن المحقّق الخوانساري المناقشة في ذلك النقل عن الآمدي:بأنّ الموجود من عبارة

إحكامه‏ (5) دعوى اتّفاق أصحابه و المعتزلة عليه،و نسب الخلاف إلى بعض الأصوليين.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)المحقّق القمّي(ره)في قوانينه:1-103-104،و صاحب الفصول(ره)في كتابه:82.

2)الإحكام في أصول الأحكام:1-97.

3)حكاه القمّي(ره)في القوانين:1-103 عن البيضاوي في المنهاج.

4)المنهاج للقاضي البيضاوي المطبوع ضمن الإبهاج للسبكي:1-110.

5)الإحكام في أصول الأحكام:1-97.

393
القائل به،و عن عبارة المختصر (1) على إجمال‏ (2) فيها.

و التفصيل بين السبب و غيره بالقول بوجوب الأوّل دون الثاني،

و نسب هذا إلى الواقفية (3) ،و اختاره صاحب المعالم‏ (4) ،و نسبه العلاّمة (5) -قدّس‏

سرّه-إلى السيّد (6) -قدّس سرّه-و إن كان فيه ما لا يخفى كما تفطّن له صاحب‏

المعالم‏ (7) -قدّس سرّه-.

و التفصيل بين الشرط الشرعي و غيره:بالقول بوجوب الأوّل‏

دون غيره‏ (8) .

و الّذي احتجّ به على مذهب المشهور أو يمكن أن يحتجّ به‏

عليه وجوه،و هي بين جيّدة،و رديئة،و ما بينهما.

فالجيّدة منها وجهان:

أوّلهما:ما احتجّ به شيخنا الأستاذ-قدّس سرّه-و ارتضاه سيّدنا

الأستاذ-دام ظلّه-من أنّ المسألة-كما عرفت-عقلية،فالمرجع فيها إلى‏

الوجدان و القاضي فيها هو،و لا شبهة أنّ من له وجدان سليم و طبع مستقيم إذا

1)مختصر المنتهى لابن الحاجب المطبوع ضمن شرحه للعضدي:90.

2)يحتمل أن الكلمة في الأصل:(احتمال)،و الأقرب ما أثبتناه.

3)ناسب هذا القول إلى الواقفية هو العلاّمة(ره)في نهاية الوصول-مخطوط-:64.

4)معالم الدين:58.

5)نهاية الوصول-مخطوط-:64 عند قوله:(و هو مذهب السيّد المرتضى).و 65 عند قوله:

(فروع:الأوّل:فرّق السيّد المرتضى بين السبب و غيره).

6)الذريعة إلى أصول الشريعة:1-83.

7)معالم الدين:57.

8)نسبه السبكي في الإبهاج:1-110 إلى إمام الحرمين و قال:إنّه مختار ابن الحاجب،كما نسبه‏

إلى الأخير العضدي في شرح المختصر:91،كما أنّه مختار العضدي:91.


394
راجع وجدانه يجد منه أنّه يقضي على وجه اليقين بالملازمة بين طلب شي‏ء و بين‏

طلب ما يتوقّف حصوله عليه بالمعنى الّذي أشرنا إليه في تحرير محلّ النزاع،

بمعنى أنه إذا فرض نفسه طالبا لشي‏ء يجد فيها حالتين مقتضية كل واحدة منهما

لطلب آمري مولوي عند الالتفات إليهما.

و بعبارة أخرى:نحن لا نريد إثبات طلب فعلي بمقدّمة الواجب‏

كالطلب المتعلّق بنفس الواجب،و إنّما المقصود إثبات حالة إجمالية في النّفس عند

طلب شي‏ء لو التفت الطالب إليها و انكشف غطاء إجمالها عنده لكانت تلك‏

الحالة في قالب الطلب التفصيليّ بمقدّمة ذلك الشي‏ء بالطلب الآمري المولوي‏

المقابل للإرشادي،بمعنى أنّها مقتضية لذلك الطلب حينئذ،و يكون هو منبعثا

عنها،و نحن نجد من وجداننا بالضرورة عند طلب شي‏ء تلك الحالة.

و بعبارة ثالثة:إنّا كما قد نجد من أنفسنا حالة تفصيلية موجبة

للطلب الفعلي‏ (1) بشي‏ء كذلك قد نجد منها حالة إجمالية من الشوق المؤكّد إلى‏

شي‏ء،بحيث لو كنا ممن يجب إطاعته على أحد عند العقلاء،كما لو كان لنا عبد،

و اطّلع ذلك العبد على تلك الحالة في أنفسنا مع فرض غفلتنا عنها أيضا لما كان‏

له ترك ذلك الشي‏ء المشتاق إليه،بمعنى أنّ العقلاء لا يعذرونه في تركه،بل‏

يلزمونه بالإتيان‏ (2) به،و يصحّحون المؤاخذة و العقاب على مخالفته لو كان ذلك‏

الشي‏ء مشتاقا إليه نفسا،و وجود تلك الحالة في المطلوبات النفسيّة مما لا مجال‏

لأحد لإنكارها لوجودها في نفس كلّ أحد كثيرا مع الغفلة عنها،بحيث لو التفت‏

إليها لأمر بمقتضاها فعلا،و أمّا بالنسبة إلى المطلوبات الغيرية فنجدها من‏

أنفسنا بالضرورة عند طلبنا لشي‏ء نفسا.

1)الكلمة في الأصل كأنها:(العقلي)،و قد أثبتناها(الفعلي)بحسب مقتضى السياق.

2)في الأصل:على الإتيان..

395
و الحاصل:أنّ من خلا ذهنه عن الاعوجاج و الانحراف لو أنصف حقّ‏

الإنصاف،و جانب سبيل الاعتساف،يجد بالضرورة من نفسه عند طلبه لشي‏ء (1)

حالة طلب إجمالية بالنسبة إلى مقدّمة ذلك الشي‏ء مركوزة في نفسه قبل‏

الالتفات إليها منبعثة عن الطلب لذلك الشي‏ء موجبة للطلب الفعلي‏ (2) المولوي‏

للمقدّمة لغيره،و ما نعني بوجوب المقدّمة و الطلب المتعلّق بها إلاّ هذا المقدار1.

و ثانيهما:ما أفاده سيّدنا الأستاذ-دام ظلّه-:أنّه لا شبهة في صحّة

الطلب الغير الإرشادي للمقدّمة (3) عند طلب ذيها،بل في وقوعه بالنسبة إلى‏

بعض المقدّمات الشرعية كالأمر بالوضوء عند دخول وقت الصلاة بمعنى أنّ‏

من طلب شيئا يصحّ له طلب ما يتوقّف عليه أيضا بالطلب المولوي،و لا يقبح‏

منه ذلك عند العقلاء،و إذا صحّ ذلك في بعض الموارد يلزم منه صحته مطلقا

1قولنا:(إلاّ هذا المقدار).إن قيل:و أيّ فائدة في إيجاب هذا المقدار؟

قلنا:لا شبهة أنّ تلك الحالة الإجمالية الموجبة للطلب الفعلي عند الالتفات يترتّب عليها

ما يترتّب على الطلب الفعلي كما أشرنا إليه،إذ العقلاء لا يفرّقون في باب الإطاعة بين‏

اطّلاع العبد على طلب مولاه فعلا و بين اطّلاعه على منشأ الطلب الموجود في نفسه مع غفلته‏

عنه،بل يجعلون كلا من الطلب و تلك الحالة المنشئة له على حدّ سواء،فيلزمون العبد

بالإتيان إرشادا بمجرّد اطّلاعه على أيّهما كان.

هذا،مضافا إلى أنّ الغرض الأصلي من البحث إنّما هو تحقيق الحال في مقدّمات‏

الواجبات الشرعية،و لا ريب أنّ وجود تلك الحالة فيها ملازم للطلب الفعلي،لاستحالة تطرّق‏

احتمال الغفلة إلى الشارع.لمحرّره‏عفا اللَّه عنه‏.

1)في الأصل:بشي‏ء..

2)هذه الكلمة في نسخة الأصل-في هذا المورد و في نظائره مما يأتي-ظاهرة أو محتملة في‏

(العقلي)،و قد أثبتناها في المتن(الفعلي)بمقتضى السياق،فتأمّل.

3)في الأصل:بالمقدّمة..


396
لوجود العلّة المصحّحة له في مورد خاصّ في جميع الموارد بعينها،و هي كون الشي‏ء

مقدّمة للمطلوب النفسيّ الّذي لا يحصل إلاّ بذلك الشي‏ء،أمّا كون العلّة

المصحّحة له في بعض الموارد هذه فواضح،و أمّا وجودها في جميع الموارد على حدّ

سواء فلمساواة كلّ مقدّمة مع أختها في جهة المقدّمية،و هي مدخليتها في وجود

ذيها بحيث لولاها لما حصل ذلك،و إذا صحّ ذلك في جميع الموارد لتلك الحكمة

يلزم‏ (1) منه وقوعه في جميعها ممّن التفت إلى تلك الحكمة،لأن كلّ حكمة

مصحّحة لحكم تكون علّة لوقوع ذلك الحكم مع عدم المانع من الوقوع كما هو

المفروض في المقام بالضرورة،لأنّ المقتضي لشي‏ء مع عدم المانع منه علّة تامّة

لوجوده،و لا يعقل تحقّق العلّة بدون المعلول،فيلزم من صحة ذلك وجوبه لذلك.

نعم لا يجب بيان ذلك الطلب باللسان،بل يصحّ التعويل في إفهامه على‏

العقل أيضا.

هذا،و إن شئت قرّر الوجه هكذا،لا ريب في ثبوت الطلب على الوجه‏

المذكور بالنسبة إلى بعض المقدّمات،و وقوعه فيما ثبت وقوعه فيه ملازم لصحّته‏

بالضرورة،لاستحالة صدور القبيح من الشارع،فإذا ثبت صحّته في ذلك المورد

يلزم صحّته مطلقا،فيلزم وقوعه كذلك ممن التفت إلى الحكمة المصحّحة لما تقرّر

في التقرير الأوّل.

و كيف كان،فلا نظنّ بأحد إنكار صحّته في الجملة-بل وقوعه كذلك-

و صحّته كذلك ملازمة (2) لوجوبه لما مرّ بالنسبة إلى الملتفت،فهذا دليل على ثبوت‏

الطلب الغيري الفعلي التشريعي لمقدّمات‏ (3) الواجبات الشرعية،لكون الآمر

1)في الأصل:فيلزم..

2)في الأصل:ملازم..

3)في الأصل:بمقدّمات..

397
بذيها من لا يتطرّق إلى حضرته احتمال الغفلة،فيحصل به ما هو الغرض الأصلي‏

من محلّ البحث.

و الحاصل:أنّا نستكشف من ثبوت الطلب على الوجه المذكور بالنسبة

إلى بعض المقدّمات الشرعية ثبوته مطلقا،و هو المطلوب المهمّ.هذا.

و أمّا المتوسّط من الوجوه:فهو الإجماع الّذي ادّعاه بعض‏ (1) .

و قد أورد عليه:بعدم حجّية الإجماع في المسألة الأصولية (2) .

و يدفعه:عدم الفرق في الاعتماد عليه-على تقدير ثبوته-بينها و بين‏

المسألة الفرعية كما حقّق‏ (3) في محلّه.

و لو قيل في ردّ الاستدلال بالإجماع:إنّ المسألة عقلية،فلا ينبغي الركون‏

إليه فيها-حيث إنّ اعتباره إنّما هو لأجل كشفه عن رأي الرئيس و عن رضاه،

و لا ريب أنه دخل لرضاه‏ (4) في المسألة العقلية،و أمّا رأيه فيها و إن كان على تقدير

ثبوته كاشفا عن حجّية ما رآه لعصمة عقله،إلاّ أنّ اتّفاق العلماء بمجرّده لا

يكشف عن رأيه فيها-لكان أحسن،إلاّ أنّه يتوجّه عليه أيضا:أنّ المقصود

الأصلي في المقام إنّما هو إثبات وجوب مقدّمات الواجبات الشرعية،و المطلوب‏

المهمّ هو هذا،و هذا المطلوب شرعي لا غير،و طريق ثبوته قد يكون هو الشرع،

و قد يكون هو العقل،و هذا المستدلّ لعلّه أراد إثباته بالأوّل،و يكون معقد الإجماع‏

الّذي ادّعاه هو وجوب مقدّمة الواجب شرعا الّذي هو المطلوب،و لا ريب أنّ‏

1)القوانين:1-104،ورد فيه أن الأكثر احتجّوا عليه بالإجماع،و ادّعى البعض الضرورة.

2)أورد عليه المحقّق القمّي(ره)في قوانينه:1-104:بعدم ثبوت حجّيّة الإجماع في المسائل‏

الأصولية.

3)يحتمل في نسخة الأصل:كما حقّقنا..

4)كذا في الأصل،و يعني:و لا ريب أنّ الرئيس لرضاه دخل..

398
اتّفاق العلماء على هذا المطلب يكشف عن رأي المعصوم و عن عدم رضاه بترك‏

مقدّمة الواجب كسائر اتّفاقاتهم على سائر الأحكام الشرعية،و إنّما يرد ما ذكر

على تقديركون‏معقد الإجماع المذكور هو ثبوت الملازمة عقلا بين طلب شي‏ء

و بين طلب ما يتوقّف عليه.

هذا،لكن الإنصاف عدم سلامة الاستدلال عن المناقشة على هذا

التقدير أيضا،لأنّه لمّا كان الطريق إلى ثبوت المطلوب المذكور لا ينحصر في‏

الشرعي-بل للعقل مدخل فيه أيضا-فذلك يوهن استناد المجمعين على وجوب‏

المقدّمة شرعا إلى ما وصل إليهم من صاحب الشرع لاحتمال أن يكون اتّفاقهم‏

ذلك لاجتهادهم بسبب الدليل العقلي،بل لعلّه أظهر الاحتمالين.

قال دام ظلّه:و الظاهر أنّ مراد المستدلّ بالإجماع المذكور هو اتّفاق‏

العقلاء كافّة،لا الإجماع المصطلح،فهو-على تقدير ثبوته كما هو الحقّ-كاشف‏

عن حجّية المدّعى،و هذا هو المعبّرعنه‏-في لسان بعض من وافقنا في المدّعى-

بالضرورة (1) ،ضرورة أنه لم يرد منها ضرورة الدين،لما يرى من الاختلاف في‏

المقام،بل غرضه ضرورة العقل و الوجدان،فافهم.

و أما الوجوه الرديئة:

فمنها:ما عن أبي الحسين البصري‏ (2) من أنّه(لو لم تجب مقدّمة الواجب‏

لجاز تركها،و حينئذ فإمّا أن يبقى وجوب ذيها،أو لا،فإن بقي يلزم التكليف بما

لا يطاق،و إلاّ يلزم‏ (3) خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا).انتهى.

1)المدّعي هو المحقّق الدواني(ره)على ما جاء في هداية المسترشدين:198.

2)المعتمد في أصول الفقه:1-95-باب:في الأمر بالشي‏ء هل يدلّ على وجوب ما لا يتمّ الشي‏ء

إلاّ به،أم لا؟

3)في الأصل:فيلزم..

399
و مراده بقوله:(حينئذ)ليس و حين جواز الترك،إذ هو بمجرّده لا يستلزم‏

شيئا من المحذورين بالضرورة،و لا حين الترك مطلقا،فإنّه و إن كان يلزم منه ما

ذكر إلاّ أنّه مشترك الورود بين القولين،إذ على القول بوجوب المقدّمة أيضا إذا

ترك المكلّف المقدّمة و فوّتها على نفسه بحيث لم يتمكّن منها بعده،فحينئذ إمّا أن‏

يبقى التكليف بذيها،أو يرتفع،فعلى الأوّل يلزم التكليف بما لا يطاق و على الثاني‏

خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا،بل يعني به أنّه حين جاز ترك‏

المقدّمة فتركها حال الجواز و لأجله،و ليس ذلك مشترك الورود بين القولين‏1.

و مراده بقوله:(لجاز تركها)أنه لجاز تركها كلّية،و هي بأن لا يوجد شيئا

من أفراد ما هو مقدّمة للواجب،فإنّ حقيقة ترك المقدّمة هو هذا،لا تركها في‏

زمان مع التمكّن منها في آخر و إتيانها فيه،و وجه خروج الواجب المطلق عن‏

كونه واجبا مطلقا أنّ مفروض البحث إنّما هو في المقدّمة الوجودية الغير المتوقّف‏

عليها وجوب ذيها.

و بعبارة أخرى:الكلام في مقدّمة يكون الواجب بالنسبة إليها مطلقا،

فإذا فرض انتفاء وجوبه بانتفاء مقدّمة فرض إطلاقه بالنسبة إليها يلزم خروجه‏

عن كونه مطلقا بالنسبة إليها و صيرورته مشروطا بوجودها،إذ لو لا الاشتراط

لما انتفى الوجوب عنه بانتفائها.هذا.

و قد أجيب عن الاستدلال بذلك بوجوه:

الأوّل:أنّا نلتزم بالشقّ الأوّل،و هو بقاء التكليف بالواجب حين تفويت‏

1و بعبارة أخرى:لا ريب في أنّ نفس ترك المقدّمة أمر ممكن بالحسّ،فهو لا يمكن أن يكون‏

منشأ لاستلزام ذلك التالي المحال،و في أنّ نفس الجواز أيضا لا يستلزم ذلك التالي،إذ

بمجرّده لا يلزم امتناع ذي المقدّمة،بل الّذي يستلزمه هو الترك حال الجواز،و على وجه‏

الجواز،فإنّه إذا كان ذلك مستلزما للمحال المذكور،فيقول المستدلّ:إنّه لم ينشأ من نفس‏

الترك،بل نشأ من الجواز،فهو محال.لمحرّره عفا اللَّه عنه.


400
مقدّمته،فإنّ امتناعه إنّما صار باختياره،و هو لا ينافي الاختيار.

و فيه:أنّ هذه القضية-و هي أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار-

و إن كانت مسلّمة،لكنّها لا دخل لها بالمقام و بمدّعى المجيب أصلا.

توضيحه:أنّ المتكلّمين اختلفوا (1) في أنّ أفعال العباد هل هي باختيارهم،

أو هم مضطرّون إليها فعلا و تركا؟.

ذهب الأشاعرة إلى الثاني محتجّين بأنّ الفعل ما لم يجب لم يوجد،و ما لم‏

يمتنع لم ينعدم و لا يترك،فإذا صار الفعل واجبا أو ممتنعا فليس شي‏ء من إيجاده‏

أو تركه باختيار العباد.

و احتجّوا على وجوب الفعل إذا وجد:بأنّ الشي‏ء لا يمكن وجوده إلاّ

بوجود علّته التامة،و معها لا يمكن تركه،بل يجب وقوعه.

و على امتناعه عند تركه:بأنّ الشي‏ء لا ينترك و لا ينعدم‏ (2) إلاّ مع انسداد

جميع أبواب علّة الوجود عليه،و معه يمتنع وجوده.

و ذهبت العدلية من الإمامية و المعتزلة إلى الأوّل،و أجابوا عن دليل‏

الأشاعرة:بأنّ ذلك الوجوب و ذاك الامتناع إنّما هما باختيار العبد،فإنّهما قد تسبّبا

من المبادئ الاختيارية له،و هو-أي الوجوب أو الامتناع بالاختيار-لا ينافي‏

الاختيار،بل يؤكّده.

و الحاصل:أنّ الفعل بالذات اختياري للعباد،و عروض الوجوب أو

الامتناع باختياره لا يصيّره‏واجبا أوممتنعا بالذات،بل معه أيضا ممكن بالذات‏

1)في مسألة الجبر و الاختيار.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

2)مضى التنبيه منا في أوائل هذا الكتاب تسامح علمائنا(رض)في هذا البناء مع عدم صحّته في‏

مثل هذه الموارد،فراجع.


401
قد عرض له‏الوجوب أوالامتناع العرضي.

فإذا عرفت هذا فالمجيب عن ذلك المستدلّ هنا:إن أراد بذكر تلك‏

القضيّة ما هو المراد بها هناك-و هو كون الفعل بعد تفويت مقدّمته أيضا مقدورا

بالذات-فهي لا تجديه في شي‏ء لتسليم المستدلّ بهذا الطلب،فإنّه لم يرتّب‏

التالي على الامتناع الذاتي،و لا يدّعي ذلك أصلا بل على العرضي الحاصل‏

باختيار المكلّف.

و إن أراد بها أنّ القدرة على الواجب مع تفويت المقدّمة باقية على حالها

و موجودة فعلا-فيكون المراد بالقضية أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي بقاء القدرة

حال الامتناع،فيصحّ بقاء التكليف-فالضرورة و الحسّ يناديان بفساده،فإنّا

نشاهد أنّه لا يقدر عليه حينئذ.

هذا،مضافا إلى كونه تناقضا في نفسه،و إلى أنّه لم يرد بها ما هو المقصود

منها في محلّه.

و إن أراد أنّ كون الفعل مقدورا بالذات يصحّح بقاء الطلب له‏ (1) حال‏

امتناعه بالعرض و باختيار المكلّف،فضرورة العقل تنكره لامتناع طلب الغير

المقدور و لو لعارض.

و الثاني‏ (2) :ما ذكره صاحب المعالم‏ (3) -قدّس سرّه-من أنّه بعد اختيار

بقاء الوجوب أنّ المقدور كيف يكون ممتنعا؟!و الكلام إنّما هو في المقدور،و تأثير

الإيجاب في القدرة غير معقول.

و الظاهر أنّه فهم من قول المستدلّ:(و حينئذ)حين جواز الترك،لا نفس‏

1)في الأصل:بقاء الطلب به..

2)الوجه الثاني من وجوه الأجوبة.على ما في هامش المخطوطة.

3)المعالم:61.و عبارة المتن هي عبارة المعالم بأدنى تغيير.

402
الترك،فلذا استوحش بأنّ المقدور كيف يكون ممتنعا؟!و قوله:(و تأثير الإيجاب‏

في القدرة)لعلّه أيضا قرينة عليه،لكن قد عرفت أنّ مراده ليس ما فهمه-قدّس‏

سرّه-.

و الثالث:ما ذكره السلطان-قدّس سرّه-في حاشيته على المعالم‏ (1) -بعد

ما أورد على نفسه:بأنّ الامتناع من أيّ‏ (2) جهات كان‏ (3) يوجب قبح الطلب من‏

الحكيم-من أنّ(أوامر الشارع للمكلّفين ليس على قياس أوامر الملوك و الحكّام‏

الذين غرضهم حصول نفس الفعل و دخوله في الوجود لمصلحة لهم في وجوده،

حتى إذا فات و امتنع حصوله كان طلبه سفها و عبثا،بل أوامر الشارع من قبيل‏

أوامر الطبيب للمريض:أنّ اللائق بحاله كذا،(و إن فعل كذا كان أثره كذا) (4) ،

و ان فعل بخلافه كان أثره بخلافه و هذا المعنى باق في جميع المراتب لا ينافيه‏

عروض الامتناع بالاختيار للفعل،إذ بعد ذلك أيضا يصحّ‏ (5) أنّه فات عنه ما

1)و السلطان(قده)أيضا فهم من قول المستدلّ:في حين الترك كما لا يخفى.منه عفا اللَّه عنه‏.

2)العبارة هنا منقولة عن حاشية السلطان(قدّه)بتصرّف و نصّ عبارته-كما في حاشيته(قدّه)

المطبوعة في هامش المعالم:61-هي:(لا يقال:بعد تحقّق الامتناع عليه بأيّ جهة كان يقبح‏

من الحكيم طلب حصول العلم و إيجاده منه.

لأنّا نقول:أوامر الشارع)..

3)كذا في الأصل و حاشية السلطان(قدّه)المطبوعة في هامش المعالم،أمّا في حاشيته(قدّه)

المطبوعة مستقلة في ذيل(شرح معالم الدين)للمولى محمد صالح المازندراني(ره):282

فالموجود:(كانت)..

4)كذا في الأصل،أما في حاشية السلطان(قده)على المعالم فبدون عطف بواو،و لا توجد هذه‏

الجملة في حاشية السلطان(قده)المطبوعة في ذيل شرح المازندراني(ره)للمعالم.

5)كذا في نسختي حاشية السلطان(قدّه)،أما في الأصل فهكذا:(..يصحّ أيضا أن يقال)..

403
هو اللائق بحاله،و يترتّب على ذلك الفوت(فوت) (1) الأثر الّذي كان أثره،

و ليس معنى كونه مكلّفا(حينئذ) (2) إلاّ هذا،و لا يتعلّق للشارع غرض بحصول‏ (3)

ذلك الفعل و وجوده،حتى قيل‏ (4) :إنّه لا يتصوّر حينئذ،و تحقيق المقام يقتضي‏

بسطا(في الكلام) (5) عسى أن نأتي به في رسالة منفردة (6) ،و اللَّه الموفّق) (7) .

انتهى كلامه رفع مقامه.

و فيه:أنّ أوامر الشارع و إن لم تكن لوجود مصلحة فيما أمر به عائدة

إليه،كما في أوامر السلطان و الحكّام،بل لمصلحة عائدة إلى العباد،لكن عدم تعلّق‏

غرضه بصدور المأمور به مطلقا ممنوع.

نعم المسلّم منه أنّه لم يتعلّق غرضه به على نحو الإرادة التكوينية التي‏

لازمها وجوب الأفعال المأمور بها إذا تحقّقت من اللَّه-سبحانه و تعالى-،فيلزم‏

منها خروجها عن اختيار المكلّفين و هي مرتبة من الإرادة متعلّقة بصدور الفعل‏

من العبد بحيث لو فرض كون جوارح العبد للمريد لما انفكّت عن صدوره كما

في إرادة الشخص لفعل نفسه،حيث إنّها تقهر جوارحه على إيقاع ذلك الفعل،

و تلك المرتبة ثابتة في أوامر السلاطين و الحكّام،حيث إنهم لو فرض سلطانهم على‏

جوارح المأمورين لما انفكّ صدور ما أمروا به عن إرادته،إلا أنّ عدم استلزامها

1)هذه الزيادة من حاشية السلطان(قدّه)المطبوعة في هامش المعالم.

2)أثبتنا هذه الزيادة من نسختي حاشية السلطان(قده).

3)في نسختي الحاشية:(لحصول)،لكن الصحيح ما أثبتناه من الأصل.

4)كذا في نسختي الحاشية،أما في الأصل فالموجود:(يقال)..

5)في الأصل:(بسطا لما في كلامه)،و ما أثبتناه موافق للنسختين.

6)في حاشية السلطان(قده)المطبوعة في ذيل شرح المازندراني(ره)للمعالم:مفردة..

7)معالم الدين هامش صفحة:61،و شرح معالم الدين:282.

404
لذلك لعدم سلطانهم على جوارح المأمورين،و أمّا تعلّق غرضه به على نحو

الإرادة التشريعية-و هي-مرتبة من الإرادة أدون من التكوينية متعلّقة بالفعل‏

من غير إلغاء (1) اختيار العبد و قدرته،بل تعلقت بصدوره منه عن اختياره-فلا

مجال لإنكاره.

فيفارق أمر الشارع أمر (2) السلطان و الحكّام من وجهين:

الأوّل:أنّ الداعي له في أمرهم هي المصالح العائدة إلى الآمر بخلاف‏

الداعي إليه في أمره تعالى.

و الثاني:أنّ الإرادة المقرونة بالأمر بالنسبة إليهم تكوينية،و بالنسبة إليه‏

تشريعية،و تشتركان في كون كلّ واحد منهما طلبا مولويا،لا إرشاديا،و لا إخبارا

عن المصالح،فيبطل قياسه لأمر الشارع على أوامر الطبيب للمريض،لما

عرفت من أنه ليس إرشاديا،سيما (3) مع جعله أمر الطبيب من مقولة الأخبار عن‏

الخاصيّة من المصالح و المفاسد،كما ينادي به تفسيره له:بأنّ اللائق بحاله كذا،

و أنّه إن فعل كذا فأثره كذا.

فبالجملة:فبعد الإغماض عن فساد تفسيره لأمر الطبيب بما ذكر،نظرا

إلى أنّه من مقولة الطلب-و إن كان إرشادا-لا الإخبار،نقول:

إنّ كون أوامر الشارع من مقولة الإخبار عن خاصيّات الأفعال يدفعه:

أوّلا-ظواهر أدلّة التكاليف،حيث إنّها ظاهرة في الطلب،فإرادة الإخبار

منها مناف لظواهرها من غير قرينة عليه.

و ثانيا-الأدلّة على ثبوت العقاب على مخالفة الأوامر الشرعية،إذ

1)الظاهر في الأصل:إلقاء..

2)في الأصل:لأمر..

3)كذا في الأصل،و الصحيح:و لا سيّما،كما يصحّ بدون الواو،و أما(لا)فلا يجوز حذفها.

405
لا معنى للعقاب على ارتكاب خلاف ما يصلح الفاعل إذا لم يكن هناك عصيان‏

للَّه تعالى.

اللّهمّ إلاّ أن يتأوّل في تلك الأدلّة بحملها على تجسّم الأعمال،كما ورد

به أخبار أيضا،بمعنى أنّ الأعمال السيّئة تتجسم في الآخرة بصورة النار،فتأخذ

عاملها،و الحسنة تتجسم بصورة الخلد و الحور و الرضوان،فينعم بها عاملها،

فيكون الثواب و العقاب بهذين المعنيين من الخواصّ الذاتيّة للأفعال المترتّبة

عليها قهرا،و أوامر الشارع إخبار عن تلك الخاصّيّات.

لكن يدفعه-مضافا إلى منافاة ذلك لظواهر تلك بل لنصّها-أنّ مذهب‏

التجسّم كاد أن يكون خلاف الضرورة من المذهب لقلّة القائل به منّا.

مضافا إلى عدم تمامية أدلّته بحيث يحصل بها الاعتقاد بذلك،حتى تكون‏

تلك قرائن صارفة لتلك الأدلّة.

و ثالثا-أنّ أمر الشارع إذا كان معناه مجرّد الإخبار عن خاصيّة ما تعلّق‏

به يصحّ‏ (1) تعلّقه بالممتنعات بالذات-أيضا-لعين ما ذكره المحقّق المذكور من‏

صدق أنّه فات عنه ما هو اللائق بحاله،مع أنّه لم يقل أحد بتعلّق أمره بالممتنعات‏

بالذات،فتأمّل.

الرابع‏ (2) :ما أفاد-دام ظلّه-من أنّ المستدلّ إن أراد ببقاء الوجوب بقاء

الطلب-و هو الأمر-فنحن نلتزم بارتفاعه،بل لا يعقل بقاؤه و لو حال التمكّن‏

من ذي المقدّمة،لأنّه من الأمور الغير القارّة-بمجرّد وجوده ينعدم-لكن لا

يلزم من ارتفاعه خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا و إلاّ يجري في‏

جميع الواجبات المطلقة،إذ قبل ورود الأمر بها لا وجوب لها أصلا،و بعد وروده‏

1)في الأصل:فيصحّ..

2)أي الرابع من الأجوبة على الأوّل من الوجوه الردّية.


406
يرتفع و ينعدم،و كذا إن أراد به بقاء الحالة الطلبية القائمة بنفس الطالب التي إذا

جاءت في قالب اللفظ يسمّى طلبا و تحريكا و بعثا،لامتناع تعلّقها و حصولها

بالنسبة إلى الممتنع و لو بالعرض،و لا يلزم من ارتفاعها أيضا خروج الواجب‏

المطلق عن كونه واجبا مطلقا لثبوت استحقاق العقاب على مخالفته،فإنّ تفويت‏

مقدّمته بعد تنجّز التكليف به مخالفة حكمية له،و يستحقّ العقاب على هذه‏

المخالفة،فثبوت استحقاق العقاب محقّق لوجوبه المطلق و مثبت له،فلا يلزم‏

خروجه عنه و إلاّ يجري ذلك في جميع الواجبات التي خالفها المكلّف عصيانا،إذ

بعد المخالفة لا شبهة في ارتفاع تلك الحالة فلو لم يكن ثبوت استحقاق العقاب‏

كافيا للزم خروجها عن كونها واجبات مطلقة و الخروج عنه إنّما هو إذا لم يكن‏

هناك استحقاق عقاب أصلا،و أمّا معه فلا،بل ذلك يحقّق إطلاق وجوبه بالنسبة

إلى تلك المقدّمة الفائتة،و يؤكّده.

و الحاصل:انّه يكفي في عدم خروجه عن كونه واجبا مطلقا بقاء أثر

الوجوب المطلق،و هو ثبوت استحقاق العقاب على ترك ذي المقدّمة المسبّب من‏

تركها.

الخامس:ما ذكره بعض من النقض بلزوم المحذور المذكور على تقدير

وجوب المقدّمة و تركها المكلّف عصيانا،فإنّه حينئذ يصير ذو المقدّمة ممتنعا،

فحينئذ إمّا أن يبقى التكليف...إلى آخر ما ذكره المستدلّ.فما هو الجواب عن‏

ذلك فهو الجواب عن المستدلّ على تقدير الجواز.

و قد يجاب عن ذلك:بإبداء الفرق بين التقديرين بأنّ امتناع ذي‏

المقدّمة على تقدير جواز تركها إنّما هو بسوء اختيار الآمر المكلّف-بالكسر-

فإنّه إذا جوّز تركها فتركها المكلّف لم يصدر (1) منه في هذا الترك معصية،بل إنّما

1)في الأصل:فلم يصدر..

407
فعل فعلا جائزا مرخّصا فيه من المولى،فامتناعه مسبّب من تجويزه تركها،

و حينئذ لا يصحّ العقاب على ترك ذي المقدّمة.

هذا بخلاف تقدير وجوبها،فإنّ الامتناع المذكور حينئذ إنما هو بسوء

اختيار المكلّف-بالفتح-فيجوز بقاء التكليف بمعنى ثبوت استحقاق العقاب.

و بعبارة أخرى:إنّ المفروض أنّ ترك المقدّمة علّة تامّة لترك ذيها،فإنّ‏

معنى المقدّمية هو هذا،أعني كون تركها علّة لترك ذيها،فتجويز الشارع لتركها

مستلزم لجواز ترك نفس الواجب،إذ لا يعقل تجويز ارتكاب علّة شي‏ء و النهي‏ (1)

عن معلوله الّذي لا ينفكّ عنه عقلا،بل هذا التجويز عبارة أخرى عن تجويز

ترك الواجب،فلا يعقل هنا استحقاق العبد للعقاب على ترك الواجب.

هذا بخلاف تقدير إيجابه للمقدّمة و نهيه عن تركها لبقاء وجوب ذي‏

المقدّمة حينئذ بحاله،فيصحّ العقاب على تركه المسبّب من سوء اختيار العبد.

هذا،لكن الإنصاف عدم استقامة هذا الجواب،لما ذكره بعض الأفاضل‏

المحقّقين‏ (2) ممّا حاصله بتوضيح منّا:

أنّ كون إيجاب المقدّمة مصحّحا للعقاب على ترك ذيها،و كذا كون عدم‏

وجوبها موجبا لقبحه كلاهما ممنوع،بل المصحّح له إنّما هو ترك الواجب‏

مطلقا1مع التمكن من الإتيان به بعد تعلّق التكليف به،و هذا المناط متحقّق في‏

المقام على التقديرين،إذ لا ريب أنّ.عدم إيجاب المقدّمة ليس معناه المنع من‏

إيجادها،و ليس مستلزما له أيضا،بل مراد القائل بعدم وجوبها أنّه ليس في المقدّمة

1قولنا:(مطلقا)إشارة إلى أنّ تركه الحكمي أيضا-الحاصل بترك المقدّمة-سبب لاستحقاق‏

العقاب.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)كذا في الأصل،و الأصحّ:مع النهي..

2)و هو المحقّق صاحب الفصول(ره)في كتابه:85.

408
جهة موجبة لها.

و بعبارة أخرى:إنّ مراده أنّ المقدّمة معناها ما يتوقّف عليه حصول‏

الواجب،و لا يلزم من وجوب الواجب وجوب هذا العنوان،فإذن لا شبهة أنّ‏

عدم وجوب عنوان ما يتوقّف عليه الواجب ليس معناه الإذن في ترك ذلك‏

العنوان من حيث أداؤه إلى ترك الواجب،و لا مستلزما له.

أمّا على القول بجواز خلوّ الواقعة عن الحكم فواضح،إذ عليه ليس له‏

حكم آخر غير الوجوب-أيضا-أصلا حتى الإباحة،بل الثابت للشي‏ء الّذي‏

صار مقدّمة للواجب إنّما هي الإباحة بالنظر إلى ذاتها لا بالنسبة إلى هذا العنوان‏

العارض عليه،بل هذا العنوان خال عن الحكم مطلقا،فلا يلزم من نفي‏

الوجوب إثبات الإباحة أصلا.

و أما على القول بعدم جواز خلوّ الواقعة عن الحكم فلأنّ اللازم-حينئذ-

من نفي الوجوب عن عنوان المقدّمة إنّما هو ثبوت الإذن في ترك نفس ذلك‏

العنوان من حيث هو-مع قطع النّظر عن كون تركه سببا لترك الواجب-

بمعنى أنّ غرض الآمر أنّه يجوز ترك ما يتوقّف عليه الواجب في نفسه،بمعنى‏

أنّ غرضه إنّما هو حصول الواجب كيف ما اتّفق،و لم يتعلّق طلبه بمقدّمته أصلا،

بل أراد نفس الواجب و إيجاده من المكلّف المتمكّن منه،سواء أتى به المكلّف‏

بتوسّط المقدّمة أو بدونها لو فرض إمكانه.

و الحاصل:أنّه طلب نفس الواجب مع قطع النّظر عن مقدّمته-بما هي‏

مقدّمة له-حال تمكّن المكلّف من امتثاله كما هو المفروض،فاللازم منه جواز

ترك المقدّمة في نفسها،و أما تركها من حيث كونه سببا لترك الواجب فهو ليس‏

مأخوذا في مفهوم المقدّمة،بل المأخوذ فيه هو توقّف وجود الواجب عليها لا غير،

فإنّ ترك المقدّمة بتلك الحيثية حقيقة عبارة أخرى عن ترك نفس الواجب،فإنّه‏

مفهوم منتزع من تركه،لكونه مأخوذا من حيثية تركه،فتجويزه حقيقة تجويز


409
لترك الواجب‏1.

و الحاصل:أنّ تجويز ترك الواجب له عبارتان:إحداهما أن نقول صريحا:

يجوز لك ترك الواجب،و أخراهما:أن نقول:يجوز تلك ترك ما يؤدّي تركه إلى‏

تركه من حيث كونه مؤدّيا إليه،فإذا لم يكن معنى عدم إيجاب المقدّمة الإذن في‏

تركها من حيث أداء تركه إلى ترك الواجب و لا مستلزما له،بل غاية ما يلزم منه‏

على القول المذكور ثبوت الإذن في تركها في نفسها مع قطع النّظر عن هذه‏

الحيثية،فلم يكن الامتناع باختيار الآمر،بل باختيار المأمور،إذ الآمر قد أراد

منه الواجب حال تمكّنه من الإتيان به،مع عدم منعه عن مقدّمته،فهو متمكّن‏

من امتثاله فتركه المقدّمة حينئذ إقدام على مخالفة التكليف بالواجب لكونه علّة

لتركه و معصية حكمية له،فيستحقّ العقاب حينئذ كصورة وجوب المقدّمة.

و بالجملة:الامتناع في الصورتين مستند إلى سوء اختيار المكلّف.

و من هنا ظهر ما في كلام بعض المحقّقين من المتأخّرين‏ (1) ،حيث إنّه زعم:

أنّ عدم جواز ترك المقدّمة-من حيث أداؤه إلى ترك ذيها-هو معنى وجوبها

الغيري.

و توضيح ضعفه:أنك قد عرفت أنّ تجويزه على هذا الوجه عبارة أخرى‏

عن تجويز ترك نفس الواجب،فيكون معنى المنع عنه هو وجوب نفس الواجب‏

لا وجوب مقدمته،فالالتزام بعدم جواز ترك المقدّمة من حيث كونه مؤدّيا إلى ترك‏

1فإنّ الحكم إذا ثبت لشي‏ء بحيثية مأخوذة من شي‏ء آخر،يكون موضوعه حقيقة هو ذلك الشي‏ء

الآخر.

و إن شئت قلت:إذا ثبت حكم لشي‏ء متقيّدا بحيثية فالموضوع تلك الحيثية،فإذا فرض‏

كونها منتزعة من شي‏ء آخر فالموضوع حقيقة هو ذلك الشي‏ء الآخر.لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)و هو الشيخ محمّد تقي-قده-على ما في هامش المخطوطة،و ذلك في هداية المسترشدين:205

206.


410
الواجب ليس عين وجوبها الغيري و لا مستلزما له.

و كيف كان فغاية ما قيل أو يقال-على تقدير عدم وجوب المقدّمة-:

أنه إذا جاز تركها فلا يعقل استحقاق العقاب على تركها،فإذا تركها المكلّف‏

لم تعقل‏ (1) معصية في هذا الترك،و ليس هذا الترك أيضا معصية لنفس ذي المقدّمة،

فإنّها إنّما تتحقّق بتركه في تمام وقته المضروب له شرعا،فهي إنّما تتحقّق بمخالفة

التكليف به في آخر وقته الّذي‏هوبمقدار فعله،فهو حين تركه لها لم يصدر منه‏

معصية لا بالنسبة إلى المقدّمة من حيث هي لعدم وجوبه نفسا بالفرض،و لا

بالنسبة إلى ذيها لتوقّف تحقّقها على مجي‏ء آخر الوقت مع بقاء الأمر فيه،و إذا

تركها فصار الواجب ممتنعا في حقّه في آخر الوقت فلا يعقل توجّه الأمر و الطلب‏

إليه و لا بقاؤه في ذلك الزمان،فلم يتحقق منه معصية بالنسبة إلى نفس الواجب‏

لعدم الأمر به حينئذ.

فبالجملة:فعلى تقدير عدم وجوب المقدّمة لا يصدر منه ما يوجب العقاب‏

أصلا من المعصية،فلا وجه لاستحقاقه للعقاب،مع أنه خلاف الضرورة من‏

الدين،فثبوت استحقاقه كاشف عن وجوب المقدّمة.

و مجمل الجواب عنه:

أوّلا-بالنقض بلوازم الواجب لعدم وجوبها بالاعتراف من كلّ أحد،فلا

حرج في تركها،فإذا تركها فلا ريب في امتناع الواجب،ضرورة امتناع أحد

المتلازمين بتفويت الآخر،فمقتضى ما ذكره عدم العقاب هنا أيضا،و هو خلاف‏

الضرورة،فما هو الجواب عن ذلك فهو الجواب عمّا ذكره.

و ثانيا-بالحلّ بأنّ الموجب لاستحقاق العقاب ليس منحصرا في العصيان‏

الحقيقي،حتى يقال:إنّه حين ترك المقدّمة لم يتحقّق،و بعده لا أمر،بل كما أنّه‏

1)في الأصل:فلم يعقل..

411
موجب له كذلك العصيان الحكمي موجب له،و هو فعل ما يمتنع معه امتثال‏

الواجب في وقته،و نحن نسلّم بانتفاء (1) الأوّل،و نقول بثبوت الثاني على‏

التقديرين‏ (2) ،فإنّ امتناع امتثال الواجب بترك المقدّمة لازم قهري عقلي غير

متوقّف على وجوب المقدّمة بالبديهة و بالحسّ،فإذا تحقّق العصيان الحكمي على‏

كلا التقديرين فاستحقاق العقاب على الواجب مطلقا ثابت و ان لم يبق الطلب‏

له‏ (3) بعد ترك المقدّمة-كما مرّ-لكن هذا الأمر باق لا يرتفع،و لا يلزم خروج‏

الواجب المطلق عن كونه كذلك.

و الحاصل:أنّ استحقاق العقاب إنّما هو للعصيان الحكمي للواجب‏

الموجب لاستحقاق العقاب ببناء العقلاء كافّة،و لا دخل لوجوب المقدّمة في ذلك‏

أصلا،و ليس الامتناع على تقدير جوازها من الأمر قطعا،لما عرفت من أنّ‏

جوازها على القول به إنّما هو بالنظر إلى ذاتها،و أمّا جواز تركها من حيث أداؤها

إلى ترك الواجب فلا،فإنّه عبارة أخرى عن جواز ترك الواجب-كما عرفت-

فليس معنى عدم جواز تركها من هذه الحيثية الالتزام بوجوبها الغيري-كما مرّ

تخيّله من بعض المحقّقين‏ (4) -بل معناه وجوب نفس الواجب الّذي هو ذو

المقدّمة.

و لعلّ منشأ ذلك التخيّل ما رآه من بيان مرادهم من تعريف الواجب‏

-بما يستحقّ تاركه الذمّ و العقاب بعد الإيراد عليهم بعدم شموله للواجب الغيري-

بأنّ المقصود1كون الواجب سببا لاستحقاق الذمّ و العقاب و لو لم يكن الذمّ‏

1و قولنا:(بأنّ المقصود).إلقاء تبصرة لتفسير قولنا:(بيان مرادهم)..لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:نسلّم انتفاء..

2)أي على تقديري وجوب المقدّمة و جوازها.

3)في الأصل:الطلب به..

4)و هو المحقّق التقيّ(ره)في هدايته،و قد مرّ آنفا.

412
و العقاب على نفسه،فيشمل الواجب الغيري،حيث إنّ تركه سبب‏

لاستحقاقهما،فلأجل ذلك لمّا رأى ما نقلنا عن بعض الأفاضل-من حكمه‏

بثبوت استحقاق العقاب على الواجب بتفويت مقدّمته المؤدّي إلى امتناعه على‏

القول بجوازها-زعم‏ (1) أنّ مراده:أنّ ترك المقدّمة من حيث هو سبب‏

لاستحقاق العقاب فيكون هذا معنى وجوبها الغيري،و لم يلتفت إلى أنّ غرضه‏

أنّ تركها-من حيث كونه عصيانا حكميا للواجب-سبب له كما مرّ بيانه بما

لا مزيد عليه،فتدبّر.

هذا مضافا إلى النقض عليه بلوازم الواجب الملازمة له‏ (2) في الوجود،

كاستدبار الجدي بالنسبة إلى استقبال القبلة،حيث إنّ تركه سبب لترك‏

الاستقبال الواجب و لاستحقاق العقاب،مع أنّه لا قائل بوجوب اللوازم كما

مرّت الإشارة إليه،فلا تغفل.

السادس:ما ذكره بعض أفاضل المتأخّرين‏1من أنّ مؤدّى الدليل‏

المذكور مؤدّ إلى الدور،و لم يبيّن وجهه كملا،و كأنّه زعم:أنّ مراد المستدلّ أنّه‏

يشترط في صحّة إيجاب شي‏ء إيجاب مقدّمته أوّلا،ثمّ إيجاب نفس ذلك الشي‏ء،

لئلا يلزم التكليف بما لا يطاق،مع أنّ وجوب المقدّمة من توابع وجوب ذيها يحصل‏

بعد حصوله،فيكون ذلك دورا لتوقّف وجوب الواجب على وجوب ما يتوقّف‏

وجوبه على وجوبه.

1و هو صاحب الفصول-قدّه-على ما في هامش المخطوطة،راجع الفصول:85 عند قوله:

(و أيضا وجوب المقدّمة من لوازم وجوب الواجب و توابعه المتوقّفة عليه بالضرورة،فلا يكون‏

ممّا يتوقّف عليه وجوب الواجب...و إلاّ لكان دورا)..

1)في الأصل:فزعم..

2)في الأصل:معه..

413
لكن الإنصاف اندفاعه:بأنّ مراده:أنّه لا بدّ من إيجاب المقدّمة

عند إيجاب ذيها و لو كان وجوبهما متقارنين في الزمان،لا أنّه لا بدّ من إيجابها أوّلا

ثم إيجاب ذيها،فمعنى ذلك إنّما هو التلازم بين وجوب الواجب و بين وجوب‏

مقدّمته و عدم انفكاك أحدهما عن الآخر،و هذا غير التوقّف كما لا يخفى.

و منها:ما عن المحقّق السبزواري في رسالته المعمولة في هذه المسألة:

من أنّه لو لم تجب المقدّمة لزم أن لا يكون تارك الواجب المطلق عاصيا مستحقّا

للعقاب أصلا،لكن التالي باطل،فالمقدّم مثله.

و أمّا الملازمة فلأنّه إذا أوجب الشارع الحجّ و لم يوجب طيّ المسافة-مثلا-

فترك المكلّف الحجّ بترك طيّ المسافة،فهو لو كان مستحقّا للعقاب فإمّا أن‏

يكون زمن الاستحقاق هو زمان ترك المشي،و إمّا أن يكون زمان فعل الواجب‏

نفسه،و هو في الحجّ يوم النحر،لا سبيل إلى شي‏ء منهما:

أمّا الأوّل:فلعدم صدور عصيان منه بعد يستحقّ به العقاب،لأنّه‏

حينئذ لم يصدر عنه إلاّ ترك المقدّمة،و لا يعقل كونه سببا لاستحقاقه لفرض‏

جوازه.

و أمّا الثاني:فلعدم الأمر بالواجب بعد امتناعه في وقته بسبب ترك‏

مقدّمته،فلا يعقل تحقّق العصيان بالنسبة إليه في ذلك الزمان لانتفاء العصيان.

و أمّا بطلان التالي فبديهي لا حاجة له إلى دليل.

هذا ملخّص كلامه-قدّس سرّه-،و هذا الدليل عين الدليل السابق‏

المحكي عن أبي الحسين حقيقة،إلاّ أنّ التغاير بينهما إنّما هو بأنّه-قدّس سرّه-

لم يتردّد في لازم عدم وجوب المقدّمة كما صنعه أبو الحسين،بل اختار-على تقدير-


414
الشقّ الثاني من شقّي الترديد المذكور ثمّة،و هو انتفاء الوجوب.

و الجواب عنه قد علم مما مرّ في الوجه السابق،و إن شئت توضيحه‏

فنقول:

إنّا نختار استحقاق العقاب في زمان ترك المقدّمة على تقدير جوازها،فإنّ‏

ترك المقدّمة و إن‏كان‏-في حدّ نفسه-جائزا بالفرض،لكنّه لمّا كان تركا

حكميّا للواجب المنجّز عليه المتعلّق به حال تمكّنه منه لتمكّنه من مقدّمته‏

بالفرض،إذ المفروض أنّه تركها اختيارا،فيكون سببا لاستحقاق العقاب على‏

ترك الواجب الآن ببناء العقلاء كافّة،ألا ترى أنّه إذا أمر مولى عبده بشي‏ء

ففوّت العبد مقدّمته على نفسه-بحيث امتنع به امتثال الواجب عليه في وقته-

لا يتوقّفون العقلاء1في استحقاقه للذمّ و العقاب في زمان ترك المقدّمة من غير

انتظار2إلى مجي‏ء زمان الواجب.

و بالجملة:فلا ينبغي الارتياب في تحقّق ترك الواجب حكما بترك مقدّمته‏

و لو على تقدير جوازها،و لا في كونه سببا لاستحقاق الذمّ و العقاب من حينه،فلا

يلزم على تقدير جوازها عدم تحقّق العصيان و استحقاق العقاب على ترك الواجب‏

المطلق.

هذا مضافا إلى النقض عليه بلوازم الواجب،فإنّه كما يمتنع الواجب‏

بتفويت مقدّمته،كذلك يمتنع بتفويت ما يلازمه في الوجود،مع أنّه أيضا لا يقول‏

1يصحّ ما في المتن على لغة قليلة،و على اللغة المشهورة يكون صحيح العبارة هكذا:لا يتوقّف‏

العقلاء..

2قال-دام ظلّه-بالفارسية:بجهت اينكه حضور زمان واجب چيز تازه از براى ايشان...

نمى آورد با اينكه انتظار او را داشته باشند بلكه واجب الآن در حكم متروك شد بحيثى كه‏

ديگر نخواهد.


415
بوجوب اللوازم،فما هو الجواب عنها فهو الجواب عن المقدّمة على تقدير جوازها،

فإنّ دفع الإشكال ثمّة بأنّ سبب العقاب هو ترك الواجب حكما فليقل به هنا

أيضا.

و لقد أجاد المحقّق الخوانساري في مقام ردّ هذا الوجه و إن اختار أنّ‏

استحقاق العقاب إنّما هو في زمان نفس الواجب،حيث قال ما هذا لفظه-على‏

ما حكي عنه-:(و فيه نظر أمّا أوّلا-فبالنقض:فإنّه قد تقرّر في محلّه أنّ كلاّ من‏

طرفي الممكن لم يتحقّق ما لم يصل حدّ الوجوب في الواقع،و على ما ذكر من أنّ‏

الامتناع و لو كان بالاختيار ينافي العقاب يلزم أن لا يصحّ العقاب على ترك أو

فعل أصلا.

و الفرق بين حصول الامتناع في ذلك الآن الّذي تعلّق التكليف بالفعل‏

فيه و بين حصوله في الآن السابق عليه تحكّم محض،إذ الإمكان الّذي هو شرط

التكليف إنّما يعتبر في زمان كلّف بإيجاد الفعل فيه لا في زمان آخر،و انتفاؤه في‏

ذلك الزمان حاصل في الصورتين بلا تفرقة،على أنّ كلّ ما يتحقّق في زمان فلزوم‏

امتناعه حاصل في الأزل بناء على قاعدة الترجيح بلا مرجّح،و أنّ الشي‏ء ما لم‏

يجب لم يوجد،و لزوم التسلسل أو القدم مدفوع في محلّه.

و أما ثانيا-فبالحلّ:باختيار أنّ استحقاق العقاب في زمان ترك الحجّ‏

و موسمه المعلوم.

قوله:الحج ممتنع بالنسبة إليه،فكيف يكون مستحقّا للعقاب بتركه؟

قلنا:امتناعه إنّما نشأ من اختيار سبب العدم،و مثل هذا الامتناع لا ينافي‏

المقدوريّة).

و الحاصل:أنّ القادر هو الّذي يصدر عنه الفعل،بان يريد الفعل،فيجب‏

حينئذ الفعل،أو لا يريده،فيجب حينئذ الترك و الوجوب الّذي ينشأ من‏

الاختيار لا ينافي الاختيار،و لا فرق بين أن يكون الوجوب ناشئا من اختيار


416
أحد طرفي المقدور أو من اختيار سببه.

قال المحقّق الطوسي في التجريد في جواب شبهة النافين لاستناد

الأفعال التوليدية إلى قدرتنا و اختيارنا:من أنّها لا يصحّ وجودها و عدمها منّا،فلا

تكون مقدورة لنا:(و الوجوب باختيار السبب لاحق) (1) كيف و لو كان الوجوب‏

باختيار السبب منافيا للمقدورية لزم أن لا يكون الواجب تعالى بالنسبة إلى‏

كثير من أفعاله قادرا-تعالى عن ذلك-لما تقرّر من أنّ الحوادث اليومية مستندة

إلى أسباب موجودة مترتّبة منتهية إليه تعالى.انتهى كلامه.

و لا يذهب عليك:أنّ ما ذكره المحقّق المذكور يوهم جواز التكليف‏

بالممتنع بواسطة الاختيار،كما استفاد منه بعض من لم تسلم فطرته عن‏

الاعوجاج،بل المذكور في الجواب هو التحقيق الّذي لا محيص عنه من جواز

العقاب على نفس المأمور به من دون مدخلية أمر،و امتناعه في ذلك الوقت لا

يضرّ في العقاب على تركه بعد استناد الترك إلى اختياره،و كذا ما أفاده المحقّق‏

الطوسي صريح فيما ذكرنا.

نعم قوله:(و مثل هذا الامتناع لا ينافي المقدورية)بظاهره يوهم اتّصاف‏

المورد بالمقدورية بعد الاختيار إلاّ أنّ من المقطوع من حال ذلك العلاّمة أنّ‏

مراده المقدورية حال الصدور.هذا.

و منها:ما عن المحقّق السبزواري أيضا بتوضيح منا:من أنّه لو لم تجب‏

المقدّمة:فإمّا أن يكون الطلب المتعلّق بذيها متعلّقا به مطلقا حتى على تقدير عدم‏

المقدّمة،و إمّا ان يكون متعلّقا على تقدير وجودها،ضرورة أنّ الطالب لشي‏ء إذا

التفت إلى الأمور المغايرة لمطلوبه فلا يخلو حاله من أنّه إمّا أن يطلبه مطلقا

1)تجريد الاعتقاد:200،و راجع شرح التجريد للعلاّمة(ره):340،و شرح تجريد العقائد

للقوشجي:348.و لم نجد فيها تمام العبارة.


417
-و على جميع تقادير تلك الأمور من تقدير وجودها و تقدير عدمها-،و إمّا أن يطلبه‏

على تقدير وجودها،لكن التالي باطل بكلا قسميه:-أمّا الأوّل:فلكونه تكليفا

بغير المقدور،إذ يمتنع إيجاد الفعل حال عدم مقدّمته،و أمّا الثاني:فلاستلزامه‏

انقلاب الواجب المطلق إلى المشروط،حيث إنّ الكلام إنّما هو في المقدّمات الغير

المتوقّف عليها وجوب ذيها،و لازم ذلك انتفاء العقاب على تركه بترك مقدّمته لعدم‏

وجوب الواجب عليه قبل وجود المقدّمة،فلا يكون تركه منشأ للعقاب،و لا

عقاب على ترك المقدّمة أيضا لعدم وجوبها بالفرض،و هذا خلاف الضرورة،

ضرورة ثبوت استحقاق العقاب حينئذ-فكذا المقدم.

قال:(و إنّما قيّدنا الأمور التي يلتفت إليها الطالب حين طلبه بالمغايرة

احترازا عن الأجزاء).

و هذا الدليل حقيقة عين ما مرّ من أبي الحسين كما لا يخفى،و عين الدليل‏

السابق منه-قدّس سرّه-.

و الجواب عنه:أوّلا-بالنقض بأجزاء نفس الواجب التي أخرجها بقيد

المغايرة،لعدم الفرق بينها و بين المقدّمات الخارجية من حيث مدخليتها في وجود

الواجب،و كون عدمها سببا لانعدامه،فنقول:إن وجوبه بالنظر إلى تقديري‏

وجودها و عدمها:إما مطلق،أو مشروط بوجودها:

فعلى الأوّل يلزم التكليف بما لا يطاق.

و على الثاني يلزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا فما هو

الواجب عن هذا فهو الجواب عن ذلك.

و ثانيا-بالنقض بلزوم المحذور المذكور على تقدير وجوب المقدّمة أيضا،

فإنّ منشأه إنّماهودوران الأمر بين تعلّق الوجوب بالفعل مطلقا بالنسبة إلى‏

تقديري وجود المقدّمات و عدمها و بين تعلّقه به على تقدير وجودها،فما هو

الجواب عنه فهو الجواب لنا.


418
و ثالثا-فلأنّ ذلك لو تمّ لكان مستلزما لنفي الواجب المطلق و نفي‏

العقاب على ترك الواجبات رأسا،مع أنّه لا يقول به،و لا دخل له بثبوت وجوب‏

المقدّمة أصلا.

و رابعا-أنّه لو تمّ لاستلزم عدم صحّة تكذيب الإخبار عن الأمور

المستقبلة.

و التالي باطل بالضرورة،فكذا المقدّم.

و أمّا الملازمة فلأنّه لا فرق بين الإنشاء و الإخبار من حيث كون الأمر

في مؤدّى كلّ منهما بالنسبة إلى الأمور المغايرة لمتعلّقاتهما منحصرا في أحد الشقّين‏

المذكورين من الإطلاق و التقييد،فمن أخبر:بأنّي أشتري اللحم غدا،يعلم‏ (1)

أنّ مراده ليس اشتراء اللحم على تقدير عدم المقدّمات لأول إخباره حينئذ إلى‏

الإخبار عن الممتنع،فلا بدّ أن يكون مراده اشتراءه على تقدير وجودها،و لا

ريب أنّه على تقدير وجودها يحصل الاشتراء البتّة،فإذا جاء الغد و لم يشتر اللّحم‏

فهو ليس إلاّ لفقد شي‏ء من مقدّماته،و لا أقلّ من كونه هي الإرادة،فلازم ما

ذكره عدم صحّة تكذيبه حينئذ،لأنّه لم يرد اشتراءه على تقدير فقد مقدّمته،بل‏

على تقدير وجود مقدّماته.

هذا كلّه بطريق النقض.

و أمّا الجواب عنه بالحلّ فتحقيقه:أنّا نختار الشقّ الأوّل،و هو الطلب‏

على كل من تقديري وجود المقدّمات و عدمها،و لا محذور فيه،إذ الكلام في‏

المقدّمات الوجودية المقدورة للمكلّف الصالحة لإطلاق الوجوب بالنسبة إليها،

و لا يلزم منه التكليف بغير المقدور لفرض قدرة المكلّف على إيجاد المقدّمات،و أنّ‏

تركها ليس إلاّ باختياره،فعليه أن لا يتركها حتّى يمتثل الواجب المنجّز عليه.

1)في الأصل:فيعلم.

419
و إن أراد من تقدير عدمها تفويت المكلّف إيّاها بحيث لا يتمكّن منه‏

بعده،فنقول:نحن نسلّم ارتفاع الطلب به حينئذ مع ثبوت استحقاق العقاب‏

لتركه الواجب و عصيانه الحكمي-كما مرّ-فارتفاع الطلب حينئذ لم يوجب‏

خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا لثبوت أثره،و هو استحقاق‏

العقاب.

و بالجملة:الطلب المتعلق بشي‏ء إنّما يكون على تقدير التمكّن من‏

مقدّماته،لا على تقدير وجودها،و المفروض حصول التمكّن للمكلّف،فتفويته‏

مقدّماته بعد تمكّنه عصيان لذلك التكليف،لا موجب لخروجه عن الوجوب‏

المطلق.

و بذلك يندفع الإشكال عن الإخبار عن الأمور المستقبلة أيضا،فإنّ‏

اشتراء اللحم-مثلا-إنّما هو على تقدير التمكّن من مقدّماته،فإذا لم يشتر

اللحم في الغد مع تمكّنه منه فصحّة تكذيبه إنّما هو لذلك،لا نقول:إنّ القائل‏

يقصد هذا التقيّد،بل مرادنا أنّ هذا التقييد إنما يثبت من قبل العقل و لو لم يلتفت‏

القائل إليه،فهذا الاعتبار لكون‏ (1) قوله:(أشتري اللحم غدا)في قوّة قوله:

(أشتريه غدا مع تمكّني من مقدّماته)،فإذا جاء الغد و لم يشتره مع تمكّنه منه فقد

كذب،فيصحّ تكذيبه لذلك حينئذ،فتدبّر.

و أجاب-دام ظلّه-عن الدليل المذكور بنحو آخر أيضا،و تقريره:

أنّ إطلاق شي‏ء بالنسبة إلى تقديرين أو تقييده بأحدهما،إنّما يصحّ فيما

إذا كان كلّ من التقديرين من أحوال ذلك الشي‏ء بحيث يمكن حصوله على‏

أي منهما،بأن يكون هو قد يحصل بهذا،و قد يحصل بذاك كما في الرقبة-مثلا-

بالنسبة إلى تقديري الإيمان و الكفر،فإنّها يمكن حصولها مع كلّ منهما،فيصح‏

1)في الأصل:«يكون»أو«بكون».

420
إطلاقها بالنسبة إليهما،كما يصحّ تقيّدها بواحد منهما،لكن هذا غير متأتّ في‏

المقام،فإن وجود الواجب الّذي تعلّق به الطلب لا يمكن حصوله على كلّ من‏

تقديري وجود مقدّماته و عدمها،بل حصوله ملازم عقلا لوجودها،و تقدير عدمها

حقيقة إنّما هو تقدير عدم نفس الواجب لامتناع وجوده حينئذ،فإذن لا يعقل أن‏

يعتبر وجود الطلب عند تعلّق الطلب به مطلقا بالنسبة إلى التقديرين،و هكذا

الكلام في سائر اللوازم و الملزومات التي ما نحن فيه منها،و كذا في كلّ متلازمين‏

فإنّه لا يعقل إطلاق أحدهما بالنسبة إلى تقديري وجود و عدم الآخر لما مرّ،فإذا

لم يصلح الفعل لاعتبار إطلاقه بالنسبة إلى تقدير عدم مقدّماته فلا يعقل اعتبار

تقييده بتقدير وجودها أيضا،فإنّه إنّما هو لأجل دفع توهّم الإطلاق،و هو مقطوع‏

العدم لرجوعه حقيقة إلى طلب الشي‏ء على تقدير عدمه أيضا،و هو غير معقول.

هذا كله في نفس الفعل الواجب،و أمّا الطلب المتعلّق به فيمكن فيه كلّ‏

من الإطلاق و التقييد بالنسبة إلى تقديري وجود المقدّمات و عدمها،فإنّه يمكن‏

حصوله على كلّ منهما،فإن قيّد بتقدير وجودها يصير الوجوب مشروطا بوجود

المقدّمات،وإن‏أطلق فيكون مطلقا بالنسبة إلى المقدّمات حاصلا قبل وجودها

و حصولها من المكلّف مع تمكّنه منها،فإذا علم ذلك فنقول:

إن أراد المستدلّ اعتبار الإطلاق و التقييد بالنسبة إلى نفس الفعل المأمور

به فقد ظهر فساده.

أقول:مع أنّه على تقدير تقييده بتقدير وجود المقدّمات لا يكون ذلك‏

مستلزما لصيرورة الوجوب مشروطا،بل هو حينئذ أيضا مطلق إلاّ أنّ متعلّقه‏

مقيّد.

و إن أراد اعتبارهما بالنسبة إلى نفس الطلب فنختار إطلاقه بالنسبة إلى‏

التقديرين،بمعنى أنه متعلّق بالفعل و متوجّه إلى المكلّف سواء كان المكلّف قد

أوجد مقدّماته،أو لم يوجد منها شيئا.


421
و بعبارة أخرى:إنّه متوجّه إليه بعد حصول التمكّن له من مقدّمات‏

الفعل و إن لم يفعلها بعد،و إذا فوّت بعد ذلك شيئا من المقدّمات بسوء اختياره‏

يرتفع ذلك الطلب لعدم قابلية المحلّ حينئذ لبقائه لفقد التمكّن،لا لعدم وجود

المقدّمات مع ثبوت استحقاق العقاب حينئذ-إمّا في زمان ترك المقدّمة أو في زمان‏

فعل الواجب على اختلاف القولين-فلم يلزم خروج الواجب المطلق عن كونه‏

كذلك،حتى ينفي استحقاق العقاب،و ليس معنى الواجب المطلق إلاّ هذا،أعني‏

ما يكون الطلب به متعلّقا مع تمكّن المكلّف منه و لو لم يأت بعد بمقدّماته‏

الوجودية،و مرتفعا عنه بعد رفع التمكّن،و موجبا لاستحقاق العقاب إذا كان رفعه‏

بسوء الاختيار،و هذا بعينه موجود في المقام.

هذا،و مما حقّقنا-من عدم جواز اعتبار إطلاق وجود الشي‏ء أو تقييده‏

بالنسبة إلى تقديري وجود ملزوماته أو لوازمه و عدمها،و أنّه مختصّ بنفسه في‏

تقدير وجودها-يتّضح الحال في الإخبار عن فعل شي‏ء في المستقبل.

و توضيحه:أنّ وجود المخبر به لا يعقل فيه الإطلاق و التقييد بالنسبة إلى‏

تقديري وجود مقدّماته و عدمها،لكن نفس الإخبار ليس متقيّدا بتقدير وجودها،

بل بالتمكّن منها و لو لم توجد بعد،فقوله:(افعل غدا كذا)في قوة(أفعل مع‏

التمكّن منه)فإذا جاء الغد و لم يفعل مع تمكّنه من مقدّماته و تركه بترك مقدّماته‏

يصحّ‏ (1) تكذيبه لذلك.

هذا خلاصة ما أفاده-دام ظلّه-.

و منها:ما ذكره بعضهم من أنّه لو لم تجب المقدّمة لجاز التصريح بجواز

1)في الأصل:فيصحّ..

422
تركها.

و التالي باطل،فالمقدّمة مثله.

أمّا الملازمة فلأن انتفاء الوجوب إمّا بانتفاء فصله،و إما بانتفاء جنسه،

و على التقديرين يجوز الترك مع انتفائه،لأن الجواز يعمّ جميع الأحكام غير

الحرمة.

و أمّا القول بالجواز عقلا لا شرعا-بعد تسليم التفكيك بين حكميهما-

مما لا يجدي،لأنّ المقدّمة المفروضة في محلّ البحث هي ما يكون من مقولة أفعال‏

المكلّف،فلا بدّ أن تكون محكومة بأحد الأحكام،ضرورة فساد كون فعل المكلّف‏

خاليا عن الحكم أصلا كأفعال البهائم و المجانين.

و أمّا بطلان التالي فلأنّه لا يرتاب أحد في قبح التصريح بالجواز من‏

الحكيم.

و فيه:أنّ الجواز:تارة يلاحظ بالنظر إلى المقدّمة من حيث هي مع قطع‏

النّظر عن كون تركها مؤدّيا إلى ترك الواجب،و أخرى بالنظر إليها مع ملاحظة

كون تركها مؤدّيا إلى تركه،و قد عرفت سابقا أنّ الثاني حقيقة راجع إلى جواز

ترك الواجب و عبارة أخرى عنه،فلا يصحّ التصريح به لأجل كونه حقيقة

تصريحا بجواز ترك الواجب،و أن معنى جوازها الّذي يدّعيه القائل به هو الأوّل،

لكنّه لا يلازم جواز التصريح به،بل يقبح التصريح به كما ذكره المستدلّ،و قبح‏

التصريح ليس لعدم الجواز واقعا،بل لخلوّه عن الفائدة،إذ لا بدّ للمكلّف‏

بالواجب المطلق‏من‏الإتيان بها تحصيلا للواجب و لو لم تكن هي واجبة في‏

نفسها،فلا يصدر التصريح به عن الحكيم.

نعم التصريح المثمر إنّما هو التصريح بالجواز على الوجه الثاني،إذ معه‏

يستريح المكلّف عن مشقّة التكليف بالواجب.

لكن عرفت فساده لفرض بقاء الوجوب بالواجب،و معه يكون هذا


423
التصريح آئلا إلى التناقض.

و كيف كان،فامتناع التصريح بالجواز لا يلازم انتفاء الجواز شرعا،حتّى‏

يقال بأنّه يلزم خلوّه عن الأحكام،بل الجواز الشرعي يمكن ثبوته مع امتناع‏

التصريح به و بيانه،بل أوكل الشارع بيانه إلى العقل.

و بعبارة أخرى:إنّ للشارع مانعا عن بيان الجواز بلسانه،فنبّه بلسان‏

العقل و أوكل البيان إليه‏1،فلا يلزم التفكيك و لا خلوّ الواقعة عن الحكم،و مراد

من قال بأنّ الحكم بجواز الترك هنا عقليّ لا شرعيّ أنّ بيان الجواز هنا إنّما هو

بلسان العقل،لا الشرع لعدم الفائدة فيه،فيقبح صدوره منه.

و مراده بالتفكيك بين حكمي العقل و الشرع إنّما هو التفكيك في البيان،

لا الحكم نفسه،حتى يمتنع التفكيك.

هذا،و لهم وجوه أخرى أعرضنا عنها لعدم الفائدة في التعرّض لها (1) ،

و المعتمد هو الوجه الأوّل،و بعده الثاني،و عليهما نعوّل،و نختار وجوب المقدّمة

مطلقا بالوجوب الغيري المولوي وفاقا لشيخنا الأستاذ-قدّس سرّه-و لسيّدنا

الأستاذ-دام ظلّه- (2) ،و منهما يظهر فساد حجّة النافين لوجوبها مطلقا

أيضا،و كذا فساد حجج القائلين بالتفصيل أيضا،فلا نطيل الكلام بذكر حجج‏

النافين مطلقا،لكن لا بأس بالتعرّض الإجمالي لحجج المفصّلين،فنقول:

1قال-دام ظلّه-بالفارسية:بجهت اينكه عقل كارش واقع تجويز است و نظر به قبح ندارد پس‏

در وقتى كه إدراك كرد چيزى را ميگويد كه جائز است و أمّا شارع چون بايد فعل أو مبنيّ‏

بر فائدة بأشد فلذا نميتواند تصريح بجواز ترك نمايد.

1)في الأصل:في تعرّضها..

2)هذا من الموارد الدالّة أيضا على أنّ الكتاب الّذي بين يديك تحرير لا تقرير،خلافا لما ذهب‏

إليه المحقق الحجّة الثبت آغا بزرگ الطهراني(ره)في الذريعة.


424
حجّة القول بالتفصيل بين السبب و غيره كما يظهر من صاحب المعالم‏ (1)

-قدّس سرّه-،أمّا على وجوب السبب فوجهان:

أحدهما:عدم ظهور الخلاف فيه‏ (2) .

و ثانيهما:أنّ القدرة غير حاصلة مع المسبّبات‏ (3) ،فيبعد تعلّق التكليف بها

وحدها.

و أيّد الوجه الثاني بقوله:(بل قد قيل:إنّ الوجوب في الحقيقة لا يتعلّق‏

بالمسبّبات.).إلى آخر ما ذكره،و إن ضعّف هذا القول بمنع عدم تعلّق القدرة

بالمسبّبات.

و أما على عدم وجوب غير السبب فينفي‏ (4) دلالة الأمر عليه مطلقا،

بدعوى صحّة تصريح الآمر بعدم وجوبه.هذا.

و يتّجه على ما احتجّ به على وجوب السبب:

أمّا على الوجه الأوّل فمنع حجّية عدم ظهور الخلاف في إثبات‏

المدّعى.

و أمّا على الثاني فمنع‏ (5) حجّية الاستبعاد.

و يتّجه على تأييده أيضا-بما قيل من تعلّق التكليف بالمسبّبات-أنّه‏ (6)

1)معالم الدين:58-61.

2)و من العامّة نقل الإجماع عليه التفتازاني في شرح الشرح:1-247،بل و نقل فيه القول بأنّه‏

من ضرورة الجبلّة..

3)العبارة في المعالم:58 هكذا:(..مع المسبّبات بدون السبب.).،و الصحيح في العبارة هكذا:(أنّ‏

القدرة غير حاصلة على المسبّبات بدون السبب)..

4)في الأصل:ينفي..

5)في الأصل:منع..

6)في الأصل:من أنّه..

425
على تقدير ثبوته لا يثبت الوجوب المتنازع فيه في المقام بل إنّما يثبت الوجوب‏

النفسيّ للسبب،ضرورة أنّ التكليف المتعلّق بالمسبّب نفسي،فإذا قلنا بتعلّقه‏

بالسبب فهو حينئذ واجب نفسا،و المقصود في المقام إثبات وجوبه الغيري لا

غير.

و على ما احتجّ به على نفيه عن غير السبب:

امّا على الوجه الأوّل:فبما عرفت في تحرير محلّ النزاع من أنّه ليس‏

النزاع في إثبات دلالة الأمر عليه،بل النزاع في ثبوت التلازم عقلا بين وجوب‏

شي‏ء و بين وجوب مقدّمته،فتأمّل.

و أمّا على الثاني:فأنّه يقبح التصريح بعدم الوجوب قطعا كما يظهر

للمتأمّل،فدعوى صحّته مكابرة للوجدان.

حجّة القول بالتفصيل بين الشرط الشرعي و بين غيره بوجوب الأوّل‏

دون غيره:

أمّا على الثاني:فما احتجّ به النافون للوجوب مطلقا.

و أمّا على الأوّل:فما احتجّ به ابن الحاجب على ما حكي‏ (1) عنه:بأنّه لو

لم يكن الشرط الشرعي واجبا لم يكن شرطا،و التالي باطل لكونه خلاف‏

الفرض‏ (2) ،فكذا المقدّم.

بيان الملازمة:أنّه‏لولم يجب الشرط لكان للمكلّف تركه،فحينئذ إذا

أتى بالمشروط فلا يخلو إمّا أن يكون آتيا بتمام المأمور به،أو لا.

لا سبيل إلى الثاني،فإنّ المفروض أنّ الشرط غير واجب،فيكون المأتيّ‏

به تمام ما يجب عليه،فيثبت الأوّل،فحينئذ لم يكن الشرط شرطا،لأنّ الإتيان‏

1)العضدي في شرحه للمختصر لابن الحاجب:1-90-91.

2)و يحتمل أنها(المفروض)بحسب نسخة الأصل.


426
بتمام المأمور به يقتضي الصحّة و الإجزاء،و تحقّقه بدون الشرط ينافي الشرطية.

انتهى.

و كأنّه جعل الشرط أمرا مستقلا،حيث إنّه حكم بأنّه على تقدير عدم‏

وجوبه يحصل المأمور به بتمامه بدونه.

و كيف كان فيتّجه عليه:

أوّلا-النقض بلزوم المحذور المذكور على تقدير وجوبه أيضا،فإنّه على‏

تقدير وجوبه يكون وجوبه غيريا،و المأمور به هو ما تعلّق به‏

الوجوب النفسيّ فإذا تركه المكلّف عصيانا و أتى بالمأمور به بدونه فهو آت بتمام‏

المأمور به،و هو ينافي الشرطية.

و ثانيا-أنّ الشرط الشرعي و إن كان يفارق الشروط العقلية من حيث‏

إنّه بحيث لو وجد يوجب حدوث وصف في المشروط يكون ذلك الوصف مأخوذا

في مطلوبية المشروط كالطهارة،حيث إنّها إذا وجدت تحدث في الصلاة المشروطة

بها وصفا،و هو كونها مع الطهارة،و يكون هذا الوصف مأخوذا في مطلوبية

الصلاة،و هكذا سائر الشرائط الشرعية بخلاف الشروط العقلية،فإنّها لا تحدث‏

عند وجودها وصفا في المشروط يكون ذلك الوصف دخيلا في مطلوبيته،كنصب‏

السلّم مثلا-للصعود إلى السطح،و كطيّ المسافة للحجّ،حيث إنّهما على تقدير

وجودهما لا يحدثان في المشروط وصفا معتبرا في مطلوبيته.

لكن هذا الفرق لا يصلح وجها للفرق فيما هو المناط في وجوب المقدّمة،

بل التحقيق:أنّ الشروط الشرعية كالعقلية في ذلك،بل هي في الحقيقة راجعة

إلى تلك،إذ الشارع لا يجعل شيئا شرطا لمطلوبه إلاّ إذا اعتبره على نحو و كيفية

لا يحصل هو على تلك الكيفية إلاّ بذلك الشرط،فبعد اعتباره ذلك في مطلوبه‏

يستحيل وجوده بدون الشرط كما إنّه يستحيل وجود المأمور به بدون الشروط

العقلية.


427
و الحاصل:أنّ الشروط الشرعية و إن كانت نفسها خارجة عن المأمور

به،لكن تقيّدها داخل فيه،فيستحيل وجوده بدونها كاستحالة وجوده بدون‏

الشروط العقلية الصرفة،فإذا رجعت الشروط الشرعية إلى العقلية بطل‏ (1)

التفصيل المذكور.

و من العجب أنّه حكم على تقدير عدم وجوب الشرط بكون الآتي‏

بالمأمور به بدونه آتيا بتمام المأمور به،لأنّ تقيّده-كما عرفت-داخل فيه،فكيف‏

يعقل كونه آتيا بتمام المأمور به بدون الإتيان بالشرط؟!فإنّ تماميّته هو الفعل‏

بوصف كونه مقرونا بالشرط الشرعي،فإذا لم يأت بالشرط و لو لم يكن واجبا

كيف يعقل حصول تمام المأمور به؟!و لذا قلنا:كأنّه جعل الشرط الشرعي أمرا

مستقلاّ أجنبيا عن المأمور به،فكان الأولى أن يقول:لا سبيل إلى الأوّل،لا إلى‏

الثاني.هذا.

ثمّ إنّه لا بأس بذكر عدّة من أدلّة النافين بوجوب المقدّمة مطلقا،

فنقول:

منها:دعوى صحّة التصريح بجواز تركها.

و فيه ما عرفت.

و منها:أنّها لو كانت واجبة لوصل إلينا على وجه العلم بتواتر و نحوه،

لتوفّر الدواعي و عموم البلوى و لم يصل إلينا ظنا فضلا عن العلم به.

و فيه:أنّ وجوبها مما يدّعى كونه ضروريا،بل لعلّه كذلك،فيكون غنيّا

عن البيان.

و ما ترى من وقوع الخلاف فيه لا ينافي ذلك لوقوع مثله كثيرا في مثله،

بل في ماهوأوضح منه.

هذا،مع أنّ الخلاف قد نشأ من المتأخّرين،و إلاّ فذلك من المسلّمات عند

1)في الأصل:فبطل..

428
القدماء،كما يظهر للمتتبّع في كتبهم.

و منها:أنّها لو كانت واجبة لعصى تاركها بتركها.التالي باطل،فالمقدّم‏

مثله.

و فيه:ما عرفت من منع تحقّق العصيان بترك الواجب الغيري.

و منها:أنّها لو وجبت لثبت قول الكعبي بنفي المباح،لأنّ ترك الحرام لا

يحصل إلاّ بفعل ضدّه،فتكون الأفعال المباحة واجبة تخييرا مقدّمة لترك الحرام،

فتخرج عن كونها مباحة.

و فيه:مايأتي تفصيله-إن شاء اللَّه تعالى-فيما بعد من أنّ فعل الضدّ

ليس مقدّمة للترك،بل هو الصارف عن الحرام،و وجوبه لا يستلزم نفي المباح.

و منها:أنّها لو كانت واجبة لترتّب الثواب على فعلها،و التالي‏باطل‏،

فالمقدّم مثله.

و فيه:ما عرفت من عدم تحقّق الإطاعة في الإتيان بالواجب الغيري التي‏

هي المناط في استحقاق الثواب.

و منها:أنّها لو وجبت لوجب نيّتها،و التالي‏باطل‏بالإجماع على عدم‏

وجوب نيّة المتوضّئ غسل كلّ جزء جزء من الرّأس‏ (1) .

و فيه:أنّ وجوب النيّة إنّما هو في الواجبات النفسيّة التعبّدية،لا في كلّ‏

واجب.

و منها:أنّها لو وجبت لكانت زيادة على النصّ‏1،و التالي باطل لكونه‏

نسخا.

1إذا ورد دليل على وجوب شي‏ء،ثمّ جاء دليل آخر على وجوب أمر زائد على ذلك الشي‏ء-كأن‏

دلّ دليل على وجوب مركّب ذي خمسة أجزاء،ثمّ جاء دليل على وجوب جزء آخر في ذلك المركّب-

1)كذا في الأصل،و الظاهر أنه أراد:كل جزء جزء من أعضاء الوضوء ...

429
و فيه:أنّ النّص-و هو الأمر بذي المقدّمة-متضمّن لوجوب المقدّمة،

بمعنى أنّ وجوبها يستفاد منه تبعا،و لسنا نقول:إنّ وجوبها على تقديره بدليل‏

آخر،حتى يكون مثل ما دلّ على وجوب السورة في الصلاة بعد الأمر بها بدون‏

السورة-مثلا-حتّى يكون زيادة على النصّ،فيكون نسخا.

هذا تمام الكلام في المرام ختم اللَّه أمورنا بخير ختام بنبيّه محمّد صلّى اللَّه‏

عليه و آله البررة الكرام.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل‏
:أنّ الكلام في مقدّمة المندوب هو الكلام في مقدّمة الواجب،

و المختار فيها المختار في تلك بعين ما مرّ،فالطالب لشي‏ء ندبا يلزمه حصول حالة

إجمالية في نفسه بالنسبة إلى مقدّمات المندوب بحيث لو جاءت في قالب اللفظ

لكانت طلبا أصليا ندبيا لها (1) .

الثاني‏
:أنّ من أقسام الواجب ترك الحرام‏1،فتدخل مقدّمته في مقدّمة

الواجب،و يكون من أفرادها.

يسمّى‏ (2) الدليل الثاني في الاصطلاح زيادة على النصّ،و يكون هو ناسخا للحكم الأوّل.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1المراد بترك الحرام الّذي هو من أفراد الواجب هو الترك الاختياري،فإنه هو الّذي يقبل‏

بتعلّق التكليف به،و يتصف بالوجوب،و تدخل مقدّمته في مقدمة الواجب.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:بها..

2)في الأصل:فيسمى..


430
و ليعلم أنّ مقدّمة الترك منحصرة في السببية،لما مرّ غير مرّة من أنّ‏

الوجود لا يتحقّق إلاّ بعد تحقّق جميع المقدّمات من الخارجية و الداخلية،و أمّا

العدم فيكفي فيه عدم إحدى مقدّمات الوجود،و يكون انتفاء واحدة منها وحدها

سببا لعدم ذي المقدّمة،فيكون ترك كلّ مقدّمة منفردة علّة تامّة للترك.

و إن شئت قلت:إنّ ترك شي‏ء لا يكون إلاّ مع وجود سبب الترك،و كلّ‏

واحدة من مقدّمات الوجود يكون تركها سببا للترك،فمقدّمة الترك سبب له‏

دائما.

ثمّ إنّه إذا كان للمعلول-وجودا كان أو عدما-علل متعدّدة فهو مستند

إلى الجميع إذا تواردت في المحلّ دفعة واحدة،فالعلّة له حينئذ هو المجموع،و إلى‏

أسبق منها وجودا إذا تواردت في المحلّ تدريجا،لأنّه لا يعقل التفكيك بين المعلول و بين‏

علّته،و المفروض كون الأولى علّة له،فمع تحقّقها مفردة عن البواقي يترتّب‏ (1)

عليها المعلول،فلا يعقل إذن تأثير البواقي فيه لاستلزامه لتحصيل الحاصل،

و هذا واضح لا حاجة له إلى البرهان.

و إذا تمهّد هذا فنقول:إنّ الفعل المحرّم لا يكون محرّما إلاّ مع الاختيار،

و إلاّ فمع الاضطرار إليه لا يعقل النهي عنه بالضرورة،و سبب الترك في الأفعال‏

الاختيارية إنّما هو الصارف عنها،لا الأفعال المضادّة لها،و ذلك لأنّ عدم كلّ فعل‏

إنّما هو لفقد مقدّمة من مقدّمات وجوده،فإنّ كلّ واحدة منها من جهة الانتفاء

عند الانتفاء علّة تامّة كما مرّت الإشارة إليه،و قد عرفت أنّه إذا كان لمعلول علل‏

متعدّدة متدرّجة فهو مستند إلى أسبقها،و من المعلوم أنّ أسبق علل ترك الفعل‏

الاختياري إنّما هو الصارف عنه و عدم الإرادة له‏ (2) ،ضرورة أنّ الفعل الاختياري‏

1)في الأصل:فيترتّب..

2)في الأصل:و عدم الإرادة إليه..

431
يجب عند إرادته،و يمتنع بدونها و إن كان سائر مقدّمات وجوده موجودة،فعليه‏

عدمه إنّما هو عدم الإرادة المعبّر عنه بالصارف لا غير.

فمن هنا بطل قول الكعبي‏1بمقدّمية فعل المباح لترك الحرام،فيجب‏

لذلك،فيلزم انتفاء المباح رأسا،و سيأتي زيادة توضيح لذلك فيما بعد-إن شاء

اللَّه-فانتظر.

الثالث‏
(1) :إذا علم مقدّميّة أمر للواجب فقد عرفت الحكم فيه،و أمّا إذا

شكّ في أصل المقدّمية فيجري استصحاب عدم الوجوب الغيري مطلقا

و استصحاب عدم جعل ذلك الأمر شرطا أو جزء أو مانعا إذا كان الشكّ في‏

مقدّميّته شرعا،و لا يعارضه استصحاب شغل الذمّة بما يحتمل كونه شرطا له،بل‏

هذا حاكم عليه كما لا يخفى.

و أما أصالة البراءة فلا مجال لها فيما إذا كان الشكّ في مقدّميته عقلا أو

عادة كاستصحاب عدم المقدّميّة،ضرورة أنّ الواجب ليس مقيّدا بشي‏ء من‏

المقدّمات العقلية أو العادية و إن كان لا يحصل بدونها،فليس في تركها مع الإتيان‏

1راجع شرح المختصر للعضدي:1-90 و 96،و الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 1:107،

و شرح اللمع للشيرازي 1:192 و غيرها.

و الكعبي هو أبو القاسم بن أحمد بن محمد البلخي الكعبي،من متأخّري متكلّمي المعتزلة

البغداديين،و تنسب إليه الطائفة الكعبيّة،و له آراء خاصّة في علم الكلام و التفسير و في الأصول‏

منها هذه الشبهة.

أقام ببغداد مدّة طويلة،ثم عاد إلى بلخ،و توفّي بها في شعبان سنة 319 ه.

من آثاره المقالات،و هو تفسير كبير في اثني عشر مجلّدا،و كتب في علم الكلام منها أوائل‏

الأدلّة في أصول الدين.

معجم المؤلّفين 6:31،و تاريخ بغداد 9:384،و لسان الميزان 3،255،و طبقات المعتزلة:88

-89.

1)أي(الأمر الثالث)على ما في هامش المخطوطة.

432
بالواجب-إذا فرض إمكان الإتيان به بدونها-احتمال المؤاخذة و العقاب أصلا،

حتى ينفى بأصالة البراءة.

و من هنا يعلم وجه عدم جريان استصحاب عدم المقدّمية فيها أيضا،

و توضيحه:

أنّ صفة المقدّميّة في المقدّمات العقلية و العادية إنّما هي من الأمور الملازمة

لذات الشي‏ء من أوّل الأمر إلى آخر الأبد،و لا يعقل فيها تحقّقها في زمان بدون‏

تلك الصفة حتى يستصحب عدمها.

هذا بخلاف المقدّمات الشرعية،فإنّ صفة المقدّمية فيها إنّما هي من‏

الأحكام الوضعيّة الجعلية المسبوقة بالعدم،فيجري فيها الاستصحاب لذلك.

و امّا إذا كان الشكّ في مقدّميته شرعا فهذا هو محلّ النزاع في جواز إجراء

أصالة البراءة في الشكّ في الجزئية و الشرطية،و تحقيق الكلام فيه يعلم بالنظر إلى‏

تلك المسألة،و المختار فيها جريانها.

و مجمل الاحتجاج عليه:أنّه لو كان الواجب مقيّدا في الواقع بوجود ذلك‏

الأمر المشكوك-في جزئيته أو شرطيته له-معه،أو بعدم ما شكّ في مانعيته له‏

مع عدم قيام حجّة على ثبوت هذا التقيّد لكان التكليف به على ذلك الوجه‏

قبيحا،و يقبح المؤاخذة عليه عقلا.

هذا مضافا إلى شمول أخبار البراءة لمثل المقام أيضا فأصالة البراءة

-سواء لوحظت من باب العقل أو من باب التعبّد-جارية في المقام و محكّمة،و لا

يعارضها استصحاب شغل الذمّة بالواجب،بل هي حاكمة عليه،بل لا معنى‏

لاستصحاب الشغل أيضا،فإنّ القدر المعلوم من الشغل قبل الإتيان بالفعل إنّما

هو بالنسبة إلى المقدار المعلوم دخوله في المأمور به،و هو مرتفع بعد الإتيان‏به‏

قطعا،فلا مجرى لاستصحاب عدمه.


433
و أمّا بالنسبة إلى أزيد من ذلك المقدار فلا ريب أنّ الجاري إنّما

هو استصحاب عدم الشغل،لا استصحاب بقائه،فافهم.

الرابع‏
(1) :المرجع في تمييز مقدّمية شي‏ء شرعا و عدمها إنّما هي الأدلّة

الشرعيّة،كما أنّ المرجع في تمييز مقدّميته عقلا أو عادة إنما هما لا غير،و من المعلوم‏

عدم طروّ الشكّ في المقدّمية العقليّة و العاديّة و عدمها غالبا،لإمكان تميّز ذلك‏

بالحسّ كذلك.

نعم قد خفي مقدّمية بعض الأمور عقلا و عدم مقدّميته كذلك،و هذا كما

في مقدّمية ترك أحد الضدّين للآخر و عدمها،فلا بأس بالتعرّض لتحقيق الحال‏

فيه حسبما يسعنا المجال،بل لا بدّ منه،فإنّه إنّماهومبنى الكلام في المسألة

الآتية المهمّة،المتفرّعة عليها فروع لا تحصى،فنقول-بعون اللَّه الملك المتعال‏

و حسن توفيقه-:

إنّهم اختلفوا في أنّ ترك أحد الضدّين مقدّمة لوجود الآخر،أو لا.

المشهور أنّه مقدّمة مطلقا،و ذهب بعض الأعلام‏ (2) إلى ذلك فيما إذا كان‏

الضدّ موجودا بالفعل في المحلّ،و أمّا بدونه فلا،و الظاهر هو العدم مطلقا.

و الّذي احتجّ به للمشهور أو يمكن أن يحتجّ به هو أن يقال:إنّما لو

فرضنا اجتماع جميع أجزاء علّة أحد الضدّين في المحلّ عدا أنّه مشغول بالضّد

الآخر نرى أنّه يمتنع عقلا وجود ذلك الضدّ المفروض اجتماع أجزاء علّته،

فيكشف ذلك عن عدم تماميّة علّته،و إلاّ لامتنع التفكيك،و المفروض أنّ جهة

1)أي(الأمر الرابع)،على ما في هامش المخطوطة.

2)و هو المحقق الخوانساري على ما حكي عنه.لمحرّره‏عفا اللَّه عنه‏.

434
النقصان فيها إنّما هي من حيث اشتغال المحلّ بالضدّ الآخر،إذ المفروض أنّه‏

لو يشتغل به يحصل ذلك قطعا،فيكشف ذلك عن مانعية وجود الضدّ للضدّ

الآخر و كون عدمه معتبرا في علّة وجوده.هذا.

و يمكن المناقشة فيه:

أمّا أوّلا-فبالنقض من وجوه:

الأوّل:بفرض اجتماع جميع أجزاء علّتي الضدّين معا و تواردهما في المحلّ‏

الخالي عنهما دفعة من دون سبقه باشتغاله بأحدهما،فلو كان جزء علّة كلّ منهما

هو عدم الآخر في المحلّ حال وجود سائر أجزاء علّته-كما هو نتيجة الدليل‏

المذكور-فلا ريب في تحقّقه في تلك الصورة بالنسبة إلى كلّ واحد منهما،مع أنّه‏

لا شبهة في امتناع وجود شي‏ء منهما فيها،فيكشف ذلك عن أنّ الشرط شي‏ء

آخر غير ما ذكر.

لا يقال:إنّ حكم تحقّق علّة الضدّ الآخر مع علّة الضدّ حكم وجود نفس‏

ذلك الضدّ حال تحقّق علّته،بمعنى أنّ الشرط إنّما هو عدم وجود الضدّ الآخر

أو ما يلزمه مع علّة ذلك الضدّ،فالشرط في الصورة المفروضة مفقود.

لأنّا نقول:لا تعاند و لا تمانع بين نفس علّتي الضدّين جدّاً،و لا تنافي بين‏

أنفس هاتين‏ (1) بوجه،بل إنّما جاء المنافاة من قبل معلوليهما،فإنّهما اللذان يمتنع‏

اجتماعهما،فلا معنى لاشتراط عدم العلّة نفسها في وجود الضدّ الآخر،و يكشف‏

عن ذلك عدم صحّة تخلّل كلمة فاء بين انتفاء أحد الضدين و بين وجود علّة

الآخر بان يقال:وجدت تلك فعدم هذا،كما هو الشأن في العلل مع معلولاتها،

بل يعدّ ذلك مستهجنا جدّاً لعدم الربط بينهما بوجه.

الثاني:بلوازم الضدّين:إذ مع وجود لازم من لوازم أحدهما يمتنع وجود

1)كذا في الأصل،و الصحيح ظاهرا:بين هاتين أنفسهما..

435
الآخر بالضرورة،مع أنّهم لا يقولون بكون عدم لازم أحد الضدّين مقدّمة

للآخر.

الثالث:بالنقيضين و بلوازمهما:بتقريب ما مرّ في لوازم الضدّين،مع أنّهم‏

لا يقولون بكون انتفاء أحد النقيضين أو انتفاء لازمه مقدّمة لوجود الآخر،و ليس‏

لأحدأن‏يلتزمه،ضرورة أنّ حيثية وجود أحد النقيضين إنّما هو عين حيثية عدم‏

الآخر فإنّ الوجود الّذي هو نقيض للعدم ليس في المعنى إلاّ عدم العدم،

و اختلافهما إنّما هو من حيث المفهوم لا اللبّ،و كذلك العدم إنّما هو عين عدم‏

الوجود في المعنى،و هكذا الحال في لوازمهما،فإنّ وجود لازم أحدهما عين عدم‏

الآخر و لازمه،فالعلّة لتحقّق أحد النقيضين إنّما هي عين علّة عدم الآخر و عدم‏

لازمه،فهما معلولان لعلّة واحدة كما هو الحال في المتضايفين أيضا،فليس أحدهما

علّة لفناء الآخر و مانعا منه،حتى يكون عدمه شرطا فيه.

و أمّا ثانيا-فبالحلّ،و توضيحه:

أنّ الشرط لتحقّق كلّ واحد من الضدّين بعد فرض استجماعه لسائر

أجزاء العلّة إنّما هو قابليّة المحلّ لا انتفاء الآخر.

و بعبارة أخرى:الشرط إنّما هو عدم استلزام وجوده محالا،ففي الصورة

التي فرضت في الاستدلال لو وجد أحد الضدّين مع اشتغال المحلّ بالآخر لكان‏

وجوده مستلزما للمحال،و هو اجتماع الضدّين بل عينه،فإنّ وجوده مع فرض‏

وجود الآخر اجتماع للضدّين،فانتفاؤه مستند إلى لزوم هذا المحال،لا إلى وجود

الآخر من حيث هو،حتى يقال:إنّه علّة لفنائه،فيكون عدمه من أجزاء العلّة.

فإن قلت:هب أنّ انتفاء أحد الضدّين ليس شرطا من حيث هو أوّلا

و بالذات،لكنّه شرط لما سلّمت شرطيته،و هو قابلية المحلّ،إذ معه يخرج المحلّ‏

عن القابلية كما اعترفت به،و الشرط بشرط الشي‏ء شرط لذلك الشي‏ء بالأخرة،

فثبت التوقّف و الشرطية.


436
قلنا:إنّ ارتفاع الضدّ الآخر الموجود في المحلّ و إن كان يحصل معه قابلية

المحلّ لوجود المتأخّر إلاّ أنّ هذا ليس من باب المقدّمية لتحقّق قابلية المحلّ،بل‏

من أنحائه،فإنّ خروجه عن القابلية إنّما هو باجتماع الضدّين المحال،و القابلية

عن ارتفاع ذلك المحال،و له أنحاء:

أحدها:ارتفاعهما جميعا عن المحلّ.

و ثانيها:ارتفاع هذا الضدّ.

و ثالثها:ارتفاع ذاك،فتأمّل.

لا يقال:إنّ قابليّة المحلّ-على ما اعترفت به-أمر كلّيّ،و له أفراد ثلاثة

منها ارتفاع ذلك الضدّ الخاصّ،فثبت مقدّمية ذلك الفرد لذلك الكلّي،لأنّ الفرد

مقدّمة لتحصيل الكلّي.

لأنّا نقول:الفرد عين الكلّي لا مقدّمة له،فإنّه إذا وجد يصير فردا.

هذا،لكن الإنصاف أنّ منع مقدّمية انتفاء أحد الضدّين لوجود الآخر

-بعد الاعتراف بأنّه عين قابليّة المحلّ التي هي مقدّمة له البتّة-بعيد عن‏

الإنصاف إلى الاعتساف،فإنّ هذا اعتراف بكون نفس انتفاء أحد الضدّين‏

مقدّمة بلا واسطة،و هو أولى من كونه مقدّمة معها،فثبت مطلب المستدلّ.

و الحاصل:أنّ للمستدلّ أن يقول حينئذ:إنّه إذا ثبت أنّ وجود أحد الضدّين‏

مخرج للمحلّ عن قابليّة وجود الآخر فيه،ثبت‏ (1) كونه مانعا من الآخر من تلك‏

الجهة،فثبت التمانع بين الضدّين،فيكون عدم كلّ واحد منهما شرطا لتحقّق الآخر،

فحينئذ إذا فرض الضدّان من مقولة الأفعال مع فرض تعلّق الطلب المنجّز

بأحدهما،فهو يقتضي النهي عن الآخر لكونه مانعا،و يلزمه ارتفاع الأمر من‏

الآخر لامتناع اجتماعه مع النهي و لو كان غيريّا.

1)في الأصل:فثبت..

437
مع أنّه لا يعقل بقاؤه من جهة أخرى أيضا:و هي أنّه لو بقي لكان‏

مستلزما لإرادة المحال،و هو اجتماع الضدّين،لعدم الفرق بين أن يكون أمر

واحد تعلّق بنفس اجتماعهما أو يكون أمران فعلا يتعلّق كلّ منهما بواحد منهما،

و لا يمكن القول برفع هذا المحال برفع الأمر المنجّز لفرض ثبوته كيف كان،

و إن كان على تقدير ارتفاعه يوجب ارتفاع ذلك المحال،فلا بدّ من أن يكون‏

ارتفاعه بارتفاع الأمر من الضدّ الآخر،و سيجي‏ء توضيح ذلك في المسألة الآتية

-إن شاء اللَّه-فانتظر.

و قد يورد على المشهور أيضا:بأنّ ثبوت التمانع بين الضدّين-كما قالوا

به-مستلزم للدور،ضرورة أنّ وجود كلّ من المتمانعين يتوقّف على عدم الآخر،

و عدم الآخر أيضا يتوقّف على وجود ما يتوقّف وجوده على عدمه،لأنّ توقّف‏

الوجود على العدم إنّما جاء من علّية وجود أحدهما لعدم الآخر،فيتوقّف وجود

كلّ منهما على وجود نفسه،و هو دور صريح،و هو باطل،فملزومه-و هو ثبوت‏

التمانع بين الضدّين الّذي صار منشأ للتوقّف-مثله.

و أجاب عنه المحقّق الخوانساري-قدّس سرّه-على ما حكي عنه:

بأنّ التوقّف و إن جاء من جهة التمانع،لكن عدم كلّ منهما لا ينحصر سببه في‏

وجود الآخر1،بل يمكن أن يكون مستندا إلى فقد مقتض له أو شرط من‏

شروطه،فإنّه كما ينعدم كلّ منهما بوجود الآخر،كذلك ينعدم بعدم المقتضي أو

الشرط،فلا يتوقّف عدم كلّ منهما على وجود الآخر،فاندفع الدور.

ثمّ قال قدّس سرّه:و إن فرض في المورد اجتماع جميع مقتضيات و شرائط

1قال دام ظلّه:و يمكن أن يكون العدم مستندا إلى وجود ضدّ ثالث في المحلّ،كما في الأضداد

التي لها ثالث،فتأمّل.


438
كلّ منهما بحيث لم يكن مانع من وجود كلّ منهما إلاّ اجتماعه مع الآخر،فحينئذ

و إن‏كان‏ذلك على فرض تحقّقه مستلزما للدور،لكن نقول بامتناع ذلك‏

الفرض،و معه لا وقع لإيراد الدور.

قال دام ظلّه:و توضيح عدم توجّه إيراد الدور حينئذ:أنّ مقتضى قاعدة

المناظرة في إيراد الدور أن يحرز المورد أوّلا وقوع صورة فرض فيها الدور أو

إمكان وقوعها لا محالة،بأن يكون أصل إمكانها مفروغا عنه من‏ (1) المتخاصمين،

ثمّ يعترض على خصمه:بأنّ لازم مقالتك امتناع تلك الصورة لاستلزامها الدور

فيها،مع أنّ الفرض إمكانها،فانتفاء الملزوم كاشف عن فساد الملزوم‏1،و هو ما

يدّعيه،و أمّا إذا لم يحرز ذلك فللخصم أن يدّعي امتناع تلك الصورة و جعل لزوم‏

الدور فيها دليلا على الامتناع.

هذا،ثمّ قال المحقّق المذكور-قدّس سرّه-:و هنا كلام آخر،و هو أنّا

ندّعي:أنّ الترك الّذي هو مقدّمة للوجود إنّما هو الترك المسبوق بالوجود لا

مطلقا،بمعنى أنّ الشرط لوجود كلّ من الضدّين إنّما هو عدم الآخر في المحلّ‏

على تقدير وجوده،و أمّا عدمه الأزلي فلا.انتهى.

و توضيح اندفاع الدور على هذا التفصيل:أنّ الصورة المفروضة للدور

صورة اجتماع جميع أجزاء علّة كلّ من الضدّين مع عدم اشتغال المحلّ بأحدهما،

و من المعلوم أن عدم كلّ منهما حينئذ أزلي،لا مسبوق بالوجود،فليس شي‏ء من‏

عدميهما (2) كذلك مقدّمة للآخر حتى يلزم الدور.

1في العبارة ملزومان و لازمان:فالملزوم الأوّل هو مقالة الخصم،و لازمها امتناع الصورة التي فرض‏

فيها الدور.و الملزوم الثاني هو نفس الصورة التي فرض فيها الدور،و لازمها هو الدور.

1)كذا في الأصل،و الصحيح ظاهرا:عند المتخاصمين..

2)كذا في الأصل،لكن الصحيح ظاهرا:من عدم كلّ منهما..

439
و بهذا يندفع الدور عن صورة اشتغال المحلّ بأحدهما أيضا فإنّ المتأخّر

من الضدّين حينئذ و إن كان متوقّفا على عدم السابق بعد وجوده،لكن وجود

السابق لم يكن متوقّفا على عدم اللاحق الأزلي‏1.

ثمّ إنّ وجه اختياره-قدّس سرّه-لهذا التفصيل:أنّه رأى أنّ مقدّميّة

ترك أحد الضدّين لوجود الآخر إنّما جاءت من جهة التمانع بينهما،و أنّ المانع من‏

كلّ منهما إنّما هو وجود الآخر في الخارج،ضرورة عدم التمانع بينهما من حيث‏

التقرّر الماهيتي‏ (1) و الوجود الذهني،فيكون الشرط لكلّ منهما انتفاء وجود الآخر

لا عدمه الأزلي.

لكن يتّجه عليه:أنّ مقتضى التمانع بينهما على تقديره أن لا يكون شي‏ء

منهما مقرونا بالآخر عند وجوده،فالشرط الناشئ من جهته إنّما هو عدم اقتران‏

كلّ منهما عند وجوده،فلا خصوصية إذن للعدم بعد الوجود،بل هو أحد الفردين‏

المحصّلين لذلك الشرط كما لا يخفى،و فرده الآخر هو استمرار عدم الآخر

الأزلي إلى زمان الوجود،فيعود المحذور لو لا دعوى امتناع الصورة المفروضة

للدور،فالتحقيق في دفعه إنّما هي تلك الدعوى،فإنّها هي التي يتّجه القول بها.

هذا،و التحقيق في ردّ دليل المشهور:أنّا نرى بالعيان و الوجدان أنّ‏

بعض الأضداد مع بعض ليسا من قبيل المتمانعين بحيث يكون كلّ واحد منهما

علّة لفناء الآخر و مانعا من وجوده،كما هو مبنى مقدّميّة ترك أحدهما لوجود

الآخر،بل من قبيل المانع و الممنوع،بحيث لو فرض اشتغال المحلّ بأحدهما

1ثمّ إنّه قال دام ظلّه:لو سلّمنا توقّف كلّ من الضدّين على عدم الآخر من غير تقيّده بكونه‏

مسبوقا بوجوده،يمكن دفع الدور المذكور:بأنّ كلا منهما يتوقّف على عدم الآخر حين وجوده،

و أمّا عدم الآخر حين وجود ذلك فلا يتوقّف على وجود ذلك في ذلك الحين.

1)كذا في الأصل،و الصحيح:الماهويّ.

440
فوجد المقتضي للآخر لوجد ذلك الآخر،و يرتفع ما وجد قبله في المحلّ،و يرى‏

تأثير المقتضي لذلك الآخر فيه حينئذ كتأثيره فيه حال خلوّ المحلّ عن جميع‏

الأضداد،و هذا كما في السواد مع البياض،فإنّهما ضدّان بالضرورة،مع أنّ الثاني‏

لا يمنع من وجود الأوّل إذا كان موجودا قبله،بل متى تحقّق المقتضي للسواد

يؤثّر فيه حال اشتغال المحلّ بالبياض كتأثيره فيه حال خلوّه عنه،و يرتفع‏

البياض بمجرّد تحقّق المقتضي له،و كما في كلّ لون قويّ مع الأضعف منه من‏

الألوان،ضرورة أنّ كلّ قويّ من لون مضادّ مع الضعيف‏ (1) منه،مع أنّ حال‏

القويّ بالنسبة إلى الضعيف حال السواد بالنسبة إلى البياض،و هذا بديهيّ غنيّ‏

عن الاحتجاج عليه.

فيتّضح من ذلك أنّ التمانع ليس صفة لازمة للضدّين من حيث إنّهما

ضدّان،و إلاّ لما انفكّ عنهما،فيظهر فساد دعوى مقدّمية ترك أحدهما للآخر

لذلك.

و من هنا ظهر أيضا اندفاع دعوى المقدّمية من جهة أنّ انتفاء الآخر

شرط لقابلية المحلّ لوجود ضدّه فيه،فإنّ التوقّف من هذه الجهة أيضا متّضح‏

الفساد ممّا ذكرنا في الأمثلة المذكورة من الأضداد.

و توضيحه:أنّ القويّ من الألوان-مع كونه مضادّا (2) مع الضعيف منها-

لا يتوقّف وجوده على ارتفاع الضعيف عن المحلّ قبله،بل يوجد مع اشتغال‏

المحلّ به،و يرفعه بمجرّد وجوده‏1،فظهر أنّ وجود الضعيف لا يوجب خروج‏

1فيكون الحال في مثل تلك الأضداد نظير الحال في النقيضين،فإنّه كما إذا وجد المقتضي‏

لأحد النقيضين يترتّب عليه وجود مقتضاه و ارتفاع النقيض الآخر،فكذلك إذا وجد المقتضي‏

للّون القويّ يترتّب عليه أمران:أحدهما هو،و الآخر ارتفاع اللون الضعيف،فافهم و تدبّر.

لمحرّره عفا اللَّه عنه.

1)كذا في الأصل،و المناسب:مضادّ للضعيف منه..

2)كذا في الأصل،و المناسب:مضادّ للضعيف منه..

441
المحلّ عن قابليته لوجود القويّ فيه،بل يكون وجود الضعيف و عدمه من هذه‏

الجهة على حدّ سواء.

فاتّضح من ذلك أنّه ليس من الصفات اللازمة للضدّين كون كلّ منهما

موجبا لخروج المحلّ عن القابلية،فظهر فساد دعوى المقدّمية من هذه الجهة

أيضا،فانكشف بذلك كلّه فساد دعوى مقدّمية ترك بعض الأفعال المضادّة

لبعض آخر منها.

فالتحقيق ما أفاده سلطان المحقّقين‏ (1) -قدّس سرّه-من منع التوقّف‏

من الطرفين،أعني توقّف وجود كلّ من الضدّين على عدم الآخر و توقّف عدم‏

كلّ منهما على وجود الآخر.

1)في حاشيته على المعالم:67 عند قوله:(فيجب ترك فعل الضدّ الخاصّ و هو معنى النهي عنه‏

و جوابه).

فهرست آيات
أحلّ اللَّهُ‏ البيعَ 114
أحلّ اللَّه البيعَ 114
أقيموا الصلاة 154
أقيموا الصلاة 172
أقيموا الصلاة 201
و لكم في القصاص حياة 230
من شهد منكُمُ الشهرَ فَليصُمه 294
إذا قُمتُم إلى الصلاةِ فَاغْسِلُوا 295
و ما أُمِروا إلاّ ليعبُدوا اللَّهَ مُخلصينَ لَهُ الدين 341
إلاّ ليعبُدوا اللَّه 341
و ذلكَ دينُ القيِّمة 342
و ذلكَ 342
ليعبدوا 342
مخلصين له الدين 343
ليعبدوا 343
مخلصين لهُ الدين 343
ليعبدوا 343
ليعبدوا 344
ليعبدوا 344
يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس 344
و يهديكم 344
أمرنا لنسلم‏ لربّ العالمين 344
و أمرت لأن أكون أوّل المسلمين 344
و أمرت لأعدل‏ بينكم 344
و أمرت أن أعبد اللَّه مخلصا له الدين 344
يقيموا الصّلاة و يؤتوا الزكاة 344
يريد اللَّه ليبيّن لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم 344
يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة 345
يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة 346
ليعبدوا 346
ليقرّبونا إلى اللَّه زلفى 347
فاعبد اللَّه مخلصا له الدّين 347
و لا يشرك‏ بعبادة ربّه أحدا 347
فاعبدوا ما شئتم من دونه 347
لا أعبد ما تعبدون،و لا أنتم عابدون ما أعبد 347
ليعبدوا 347
و قضى ربّك‏ ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه و بالوالدين إحسانا 347
ليعبدوا 348
مخلصين له الدين 348
مالك يوم الدّين 348
إنّ الدّين عند اللَّه‏ الإسلام 348
ليعبدوا 349
و لا يدينون دين الحق 349
يدينون 349
لكم دينكم ولي‏ دين 350
قل يا أيّها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون 350
الدّين 350
و ذلك دين القيّمة 351
ليعبدوا 351
و ما أمروا 352
أطيعوا اللَّه و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم 352
و إن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما 354
و من يطع الرّسول فقد أطاع اللَّه،و من تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظا 354
أطيعوا اللَّه و أطيعوا الرسول،فإن تولّوا فإنّما عليه ما حمّل و عليكم ما حمّلتم 354
فإن‏ تولّوا فإنّ اللَّه لا يحبّ الكافرين 354
أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات سواء محياهم و مماتهم 362
مَن يُطِع اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخشَ اللَّهَ وَ يَتَّقهِ فأُولئك هُمُ الفائزون 367
و من يعص اللَّه و رسولهُ و يتعدَّ حُدودهُ يُدخلهُ نارا 367
ما كان لأهل المدينة و من حولهُم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول اللَّه،و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه،ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل اللَّه،و لا يطئون موطئا يغيظ الكفّار،و لا ينالون من عدوّ نيلا إلاّ كتب لهم به عمل صالح،إنّ اللَّه لا يضيع أجر المحسنين 370
و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة 371
إلاّ كتب لهم ليجزيهم اللَّه أحسن ما كانوا يعملون 371