فهرست عناوين فهرست آيات
تقريرات الشيرازي الجزء الرابع

فهرست عناوين
     الجزء الرابع‏ 5
     في البراءة5
     في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي‏7
     الفرق بين التخصيص و الحكومة13
     صور الاشتباه في الشبهة الحكمية14
     الاستدلال بآية نفي التكليف عليها17
     الاستدلال بآية نفي التعذيب عليها23
     الاستدلال بآية قل لا أجد و غيرها26
     في الاستدلال بالسنة29
     الاستدلال بحديث الرفع‏29
     الاستدلال بالحسد معصية و غيره‏37
     الاستدلال بصحيحة عبد الرحمن‏39
     في الاستدلال بالإجماع‏51
     في الاستدلال بالعقل‏52
     الاستدلال بالاستصحاب‏61
     في الاحتياط63
     الاستدلال على الاحتياط بالكتاب و السنة و العقل‏63
     الشبهة المحصورة و أحكام أقسامها82
     وظيفة الجاهل عند عدم إفتاء المجتهد بالاحتياط104
     عدم استناد الحلية إلى أصالة الحل‏106
     التمسك بقوله(لا يحل مال)في الشبهة الموضوعية110
     إيراده على الحر العاملي‏113
     بيان رأي المحدث الحر العاملي‏118
     أخبار من بلغه‏122
     بيان مشروعية الاحتياط130
     اختصاص أدلتها بالشك في الوجوب التعييني و عدمها132
     في التعادل و الترجيح‏147
     التعارض بين الحكم الواقعي و الظاهري‏149
     ميزان الحكومة و الورود177
     الوجوه المتصورة في اعتبار الأصول‏180
     جريان الورود و الحكومة في الأصول اللفظية190
     قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الترك‏195
     بيان منشأ التعارض بين الخبرين‏208
     تأسيس الأصل الأولي في المتعارضين و المتزاحمين‏215
     مفاد الأخبار عند التعارض‏235
     حكم الترجيح عند تعارض الأخبار247
     كلام السيد الصدر من مفاد الأخبار و التحقيق فيها273
     التعدي عن المرجحات و عدمها288
     انقسام المرجحات‏300
     الكلام في الخبرين المتعارضين‏302
     تشخيص موضوعي النص و الأظهر في المتعارضات‏331
     انقسام المرجحات إلى السندية و المتنية354

الجزء الرابع‏
بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

و به ثقتي‏ و الحمد للّه رب العالمين،و أفضل صلواته و أكمل تسليماته على أكرم أنبيائه‏

محمّد و آله الطيّبين الطاهرين‏ (1) .

في البراءة

قوله-قدّس سرّه-:(المكلف الملتفت.). (2) .

(1)هذا القيد ليس احترازيا،بل توضيحي محقّق لموضوع القاطع و الظانّ‏

و الشاكّ،فإنّ القاطع من حيث هو قاطع لا يكون إلاّ بوصف كونه ملتفتا،و هكذا

الكلام في الظانّ و الشاكّ فالالتفات مأخوذ في هذه العناوين.

قوله-قدّس سرّه-:(لم يكن فيه كشف.). (3) .

(2)فإنّ صفة الطريقية ليست ثابتة للشكّ أصلا:لأنّه مجرّد التردّد و التحيّر،

فالتردّد مأخوذ في حقيقته،فكيف يمكن معه كونه مرآة لشي‏ء و كاشفا عنه و ليس‏

له إلاّ جهة الموضوعية،و من تلك الجهة له أحكام في الشريعة؟!

قوله-قدّس سرّه-:(لأنّه حكم واقعي للواقعة المشكوك...إلخ» (4) .

(3)فإنّ الواقعة المشكوك في حكمها-من حيث كونها مشكوكة-موضوع‏

1)أثبتناه من النسخة المستنسخة.

2)فرائد الأصول 1:308.

3)فرائد الأصول 1:308.

4)فرائد الأصول 1:308.

6
من الموضوعات الواقعية،و له حكم واقعيّ بهذه الحيثيّة،فهذا الحكم بالنسبة

إلى هذا الموضوع من تلك الجهة يسمى واقعيا،و من جهة حكمه الأوّلي‏

-بلحاظ نفس الأمر مع قطع النّظر عن هذا العنوان-يكون هذا الحكم‏

المفروض كونه ظاهريا في مرحلة الظاهر بالنسبة إلى الحكم الأوّلي ثانويّا،

فإباحة شرب التتن-مثلا-من حيث كونه مجهول الحكم حكم واقعي ثانويّ‏

بالنسبة إلى حكمه الأوّلي الواقعي،و هو الحكم الكلّي الإلهي المشكوك فيه‏

الثابت لشرب التتن باعتبار المصلحة و المفسدة الواقعيتين لذات التتن.

قوله-قدّس سرّه-:(متأخّرا طبعا.). (1) .

(1)ضرورة تأخّر الحكم عن الموضوع بوصف كونه موضوعا بالطبع.

قوله-قدّس سرّه-:(لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه‏

و الاجتهاد.). (2)

(2)فإنّ الفقه قد أخذ العلم في تعريفه،حيث عرّف:بأنّه العلم بالأحكام‏

الشرعية الفرعيّة1،و لا ريب أنّه لا علم للفقيه إلاّ في مرحلة الظاهر في‏

مجاري الأصول فلذا تقيّد هذه الأصول‏بالفقاهتية (3) .

و أمّا الاجتهاد فنظرا (4) إلى تعريفه باستفراغ الوسع لتحصيل الظنّ‏

بالحكم الشرعي الفرعيّ بحسب الجهد و الطاقة من ألفاظ الكتاب و السنة

1لا يخفى أنّ هذا ناظر إلى ظاهر تعريف الفقه،و إلاّ فلو جعل العلم فيه بمعنى الظن أو مطلق الاعتقاد

الراجح أو الملكة فتنتفي‏ (5) المناسبة جدّاً.لمحرّره عفا اللّه عنه.

1)فرائد الأصول 1:308

2)فرائد الأصول 1:309

3)كذا في الأصل و الصحيح:الفقاهيّة.

4)في الأصل:نظرا...

5)كذا و الصحيح:لانتفت.

7
و غيرها من الأدلّة الظنّيّة،فتسمّى الأدلّة المستنبطة منها تلك الأحكام الظنّية

بالأدلّة الاجتهادية.

قوله-قدّس سرّه-:(حكمه حكم الشكّ.). (1) .

(1)فمجاري هذه الأصول حال كونها مظنونة بالظنّ الغير المعتبر

كمجاوريها حال كونها مشكوكة من غير فرق بينهما أصلا.

في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي‏
قوله-قدّس سرّه-:(فلا معارضة بينهما.). (2) .

(2)أقول:لا شبهة في وجود أحكام واقعيّة مشتركة بين العالم و الجاهل غير

متغيّرة بالعلم و الجهل و غير مقيّدة بشي‏ء منها،و إلاّ لاستلزم الدور،مضافا إلى‏

استلزامه للتصويب-أيضا-كما لا يخفى،إذ على هذا التقدير يكون العلم‏

و الجهل من قبيل القدرة و العجز و السفر و الحضر من حيث تبدّل الأحكام‏

الواقعيّة بتبدّلهما كما فيها.

نعم،تنجزها على المكلّف مشروط بالعلم،فنقول:

إنّ الشاكّ كما يتوجّه إليه الأحكام الظاهرية المجعولة حال الشكّ،فكذا

يتوجّه إليه تلك الأحكام الواقعية الغير المقيدة بالعلم و الجهل أيضا في تلك الحال،

و ربما تكون هي منافية لتلك الأحكام الظاهريّة و مناقضة لها،فيؤدّي ذلك إلى‏

اجتماع حكمين متناقضين في حقّ المكلّف-بالفتح-في حالة واحدة في واقعة

واحدة كشرب التتن-مثلا-يكون منهيّا عن شربه في الواقع حال الشكّ‏

و مرخّصا فيه في تلك الحال في مرحلة الظاهر،و تعدّد الجهة هنا غير مجد بالضرورة،

لأنّه لا يجعله شخصين،بل كيف كان فهو شخص واحد قد يوجه نحوه خطابان‏

متناقضان في آن واحد.

1)فرائد الأصول 1:309.

2)فرائد الأصول 1:309

8
هذا،و يمكن حل الإشكال:باختلاف تعلّق الحكمين به من حيث القوّة

و الفعل،فإنّ الحكم الواقعي إنّما يتعلّق به شأنا،و الظاهريّ متعلّق به فعلا،

و يشترط في التناقض الوحدات الثمانية التي منها القوّة و الفعل.

و أمّا بالنسبة إلى المكلّف-بالكسر-و هو الآمر،فينهض إشكال آخر:

فإنّه و إن لم يكن ما بين خطابي الأمر و النهي-أو النهي و الرخصة بالذات-

تناقض،لكنّه يلزم بالنسبة إلى نفس المكلف-بالكسر-فإنّه في حالة واحدة

مريد للفعل جزما،و غير مريد له كذلك،أو مبغض له و غير مبغض له،كما إذا

كان الحكم الواقعي الوجوب و الظاهري الإباحة،أو كان الحكم الواقعي الحرمة،

و الظاهري الرخصة،أو كان الأمر بالعكس فيهما،بأن يكون الحكم الواقعي‏

الإباحة و الرخصة،و الظاهري الوجوب أو الحرمة،فالمكلف-في جميع تلك‏

الصور-نفسه كارهة للفعل و مبغضة له و راضية به،أو مريدة له جزما و راضية

بتركه،بل قد يؤدّي إلى كونه كارها للفعل و مبغضا له و مريدا له،كما إذا كان أحد

الحكمين الوجوب،و الآخر الحرمة.

و هذا الإشكال أعظم من ذاك كما لا يخفى،و تعدّد الجهة هنا غير مجد أيضا

بالضرورة لأنه لا يجعل المكلف-بالكسر-شخصين يكون أحدهما كارها

و الآخر راضيا.

و يمكن حلّ ذلك أيضا:

تارة:بأن الموجود في نفس الآمر من جهة الحكم الواقعي بالنسبة إلى‏

الشي‏ء المشكوك حكمه عند المكلف-بالفتح-ليس إلاّ مجرّد العلم بالمصلحة

و المفسدة الكامنتين في ذات ذلك الشي‏ء القابلتين للتدارك من الآمر،بحيث‏

يتمكّن هو من جبران فوت الأولى على المكلّف أو الوقوع في الثانية إذا كان‏

الفوت أو الوقوع من جهة قصور المكلف،أو لإذن الآمر في الترك في مورد

الأولى،أو في الفعل في مورد الثانية في مرحلة الظاهر لمصلحة من المصالح راجحة


9
على الفوت أو الوقوع في تلك الواقعة الشخصيّة مع تمكّن المكلّف من تحصيل‏

العلم بحكم الواقعة أو من الاحتياط فيه و لو كانت تلك المصلحة تسهيل الأمر

عليه،لئلا يشق عليه امتثال سائر الأوامر و النواهي المعلومتين له.

و أمّا بالنسبة إلى الحكم الظاهري فالموجود في نفسه هو الإرادة أو الرضا

بالترك من جهة تلك المصلحة الموجبة لرخصة المكلف في مخالفة الواقع،فإذن لا

منافاة بين الحكم الظاهري و الواقعي بالنسبة إلى نفس الآمر لعدم المنافاة بين‏

العلم بالمصلحة و المفسدة الواقعيّتين و بين الرضا بالفعل في مورد الأولى أو بالترك‏

في مورد الثانية.

و أخرى:بأنّا لو سلّمنا أنّ الموجود في نفسه بالنسبة إلى الحكم الواقعي‏

ليس هو مجرّد العلم بالمفسدة أو المصلحة نقول:إنّه ليس بحيث يبلغ إلى حدّ

الكراهة و الإرادة الفعليّتين،بل إنّما هو مجرّد حب أو بغض نفس‏ (1) ذلك الشي‏ء

المشكوك حكمه عند المكلف،بمعنى أنّه يحب أو يبغض وجود ذلك الشي‏ء في‏

الخارج،لكن المصلحة الخارجيّة دعته إلى الرضا فعلا-حال كون المكلف‏

شاكّا-بفوت محبوبه أو وجود مبغوضه،بل قد تدعوه إلى إرادة ترك الأوّل أو

فعل الثاني فعلا في تلك الحال،و تلك الإرادة و إن كانت ملزومة للحبّ أو البغض‏

أيضا،إلاّ أنّهما متعلّقان بصدور ذلك الشي‏ء من المكلف حال الشك أو تركه‏

منه في تلك الحال،و ذلك الحبّ و البغض متعلّقان بوجود ذلك الشي‏ء في نفسه أو

عدمه كذلك،مع قطع النّظر عن ملاحظة المكلّف،فلا منافاة بين ذينك و بين‏

هذين،لانتفاء الوحدة-من جهة الإضافة-بينهما (2) .

1)في الأصل:أو بغض إلى نفس.

2)الظاهر تعلّق الظرف(بينهما)بقوله:(لانتفاء الوحدة).

10
و ثالثة:بأنّ الخطابات الظاهرية لا يجب أن تكون مضامينها مقصودة في‏

نفس الآمر،بل لا يجوز لاستلزامه للتناقض كما مرّ،فالترخيص الظاهري‏

للمكلف الشاكّ في حكم الواقعة الخاصّة الواقعي فيما إذا كان حكم الواقعة

الخاصّة في الواقع الحرمة أو الوجوب ليس ملزوما للرضا النفسانيّ بارتكاب‏

المكلف الفعل أو تركه في تلك الواقعة،و كذا النهي الظاهري فيما إذا كان حكم‏

الواقعة الواقعي الوجوب،أو الأمر الظاهري فيما إذا كان حكمها الواقعي‏

الحرمة،ليس شي‏ء منهما ملزوما للحبّ و الإرادة أو البغض و الكراهة في نفس‏

الآمر و الناهي بالنسبة إلى فعل الشي‏ء المشكوك في تلك الواقعة أو إلى تركه،

و إنّما تلك الخطابات أحكام صورية-خالية عن الرضا النفسانيّ أو الحبّ‏

و البغض أو الكراهة و الإرادة-دعت مصلحة خارجيّة إلى توجيهها على هذا

النحو نحو المكلف،فالحب و البغض و الإرادة و الكراهة الواقعيّات ثابتات في‏

نفس الآمر بالنسبة إلى المصلحة و المفسدة الواقعيتين في تلك الوقائع،و ليس في‏

نفسه حب و بغض‏بالنسبةإلى طرف نقيض متعلّق الحب و البغض من حيث‏

المصلحة و المفسدة الواقعيّتين،و كذا ليس في نفسه إرادة أو كراهة غير اللتين في‏

نفسه بالنسبة إلى المصلحة و المفسدة الواقعيّتين.

نعم الإرادة و الكراهة الواقعيّتان ليستا بحيث توجبان استحقاق العقاب‏

على مخالفة الأمر و النهي الواقعيّتين الناشئين منهما،و إنّماتوجبانه‏ (1) إذا علم‏

المكلف بالأمر و النهي الواقعيّتين،أو قام عنده طريق ظنّي معتبر عليهما.

و بالجملة:المتحقق في نفس المكلف-بالكسر-في تلك الوقائع-زائدا

على الإرادة و الكراهة بالنسبة إلى الفعل من جهة المفسدة أو المصلحة

الواقعيّتين-إنّما هو الإرادةبالنسبةإلى مجرّد توجيه نفس الخطابات الظاهريّة

1)في الأصل:توجبان له.

11
دون مضامينها،و المنشأ للتناقض هي الثانية،لا الأولى.

و هذا الّذي ذكرنا في دفع التناقض ممّا يجده المتأمّل المصنف من نفسه في‏

خطاباته العرفية بالبديهة،و ذلك كما إذا ورد أحد تبغضه على مائدتك،فيأخذك‏

الحياء من أن لا تأذن‏له‏ (1) في الأكل منها،فيدعوك ذلك إلى ترخيصه في الأكل،

مع أنّك في نفسك تكره و تبغض أن يأكل من مائدتك،بل قد يدعو الحياء إلى‏

إلزامك إيّاه بالأكل،فهل تجد من نفسك-حينئذ-إرادة و كراهة و حبّا و بغضا؟

حاشاك ثمّ حاشاك،بل لم تجد فيها إلاّ الكراهة وحدها و البغض وحده.

و كيف كان،فاجتماع الأحكام الظاهريّة مع الواقعيّة بالنظر إلى ملزوماتها

من قبل المكلّف-بالكسر-مما يشهد به وجدان كلّ أحد،و إنّما أردنا بذلك بيان‏

السرّ فيه تفصيلا،لئلا يبقى مجال لبعض المغالطات المتوهّمة في المقام.

و من ذلك الّذي ذكرنا في الوجه الأخير ظهر:أنّ المعتمد في دفع التناقض‏

هو دون الأوّلين،فخذه و كن من الشاكرين،و قل الحمد للّه ربّ العالمين.

ثمّ إنّ تقديم الأدلّة الظنّيّة على الأصول العمليّة بناء على اعتبار تلك‏

الأصول من باب العقل إنّما هو من باب الورود،فإن العقل على تقدير حكمه‏

باعتبارها فإنّما يحكم به على تقدير عدم قيام حجّة شرعيّة في مواردها،فبوجود

الحجّة يرتفع موضوع حكمه،و لا ريب أنّ الأدلّة الظنيّة حجّة شرعيّة،فيرتفع‏

بقيامها في مورد موضوع دليل اعتبار تلك الأصول،و هو حكم العقل.

و أمّا بناء على اعتبارها من باب الأخبار فهو من باب الحكومة:لأنّ‏

الأخبار ظاهرة في كون الموضوع فيها صفة الشكّ،و لا ريب أنّها لا ترتفع بقيام‏

الأدلّة الظنّيّة على مواردها،بل المرتفع بها-حينئذ-إنّما هو حكمها بمقتضى‏

أدلّة اعتبار تلك الأدلّة الظنّيّة،و يمكن أن يقال:إنّ التقديم المذكور من باب‏

1)في الأصل:(من أن لا تؤذنه في الأكل منها).و الصحيح ما أثبتناه.

12
تخصيص أدلّة اعتبار الأصول بأدلّة اعتبار تلك الطرق الظنّيّة،بتقريب ما ذكره‏

-قدس سرّه-،فراجع‏ (1) .

قوله-قدّس سرّه-:(و كون دليل تلك الأمارة أعمّ من وجه.).إلى‏

قوله:(لا ينفع بعد قيام الإجماع على عدم الفرق في اعتبار تلك الأمارة

حينئذ بين مواردها) (2) .

(1)توضيح ذلك:أنّه إذا وقع التعارض بين العامّين من وجه:فإمّا أن يمكن‏

إخراج مورد التعارض عن كلّ واحد منهما و إدخاله في الآخر،أو لا:

فعلى الأوّل:لا يجوز جعل أحدهما مخصصا للآخر و مخرجا لمورد

التعارض عن تحت الآخر و مدخلا إيّاه تحت نفسه إلاّ إذا كان له مرجح على‏

الآخر من المرجحات المعمول بها في تعارض العامّين من وجه،و مرجعها إلى ما

يوجب كون مورده من العامّين أظهر دلالة على مورد التعارض من الآخر،و إلاّ

لزم الترجيح بلا مرجح.

و أمّا على الثاني:فيتعيّن كون العامّ الّذي لا يمكن إخراج مورد

التعارض عنه مخصصا للعام الآخر الّذي يمكن إخراجه عنه بالبديهة،فنقول‏

-حينئذ-:إنّ النسبة بين دليل اعتبار الأمارات الظنية و بين دليل اعتبار

الأصول العمليّة و ان كانت هي العموم من وجه،إلاّ أنّه لا يمكن إخراج مورد

التعارض عن الأوّل،لقيام الإجماع على عدم الفرق بين موارده،فيدور الأمر

بين طرح الأوّل رأسا حتّى في غير مورد التعارض و هو مورد الافتراق من جهته‏

و بين تخصيص الثاني،لكن الأوّل باطل جدّاً،ضرورة أنّه لا يعارض الثاني الأوّل‏

في مورد افتراق الأوّل عنه،فحينئذ يثبت به اعتبار الأمارة في مورد الافتراق،

1)فرائد الأصول 1:309.

2)فرائد الأصول 1:309.

13
فإذا ثبت اعتبارها فيه بذلك الدليل ثبت اعتبارها في مورد التعارض بالإجماع‏

المركّب،فيجب إخراجه عن تحت الثاني،و تخصيصه بغير مورد التعارض،فافهم.

قوله-قدّس سرّه-:(توضيح ذلك.). (1) .

(1)المشار إليه إنّما هو أصل المدّعى،و هو تصوير كون تقديم الأدلّة على‏

الأصول من باب التخصيص الحقيقي،لكن العبارة موهمة في بادئ النّظر أنّ‏

المشار إليه هو ما ذكر من عدم نفع كون دليل اعتبار الأمارة أعمّ من وجه.

قوله-قدّس سرّه-:(و هو الشكّ.). (2) .

(2)يعني غير العلم الشامل للظنّ أيضا.

الفرق بين التخصيص و الحكومة

قوله-قدّس سرّه-:(لا مخصص.). (3) .

(3)الفرق بين التخصيص و الحكومة:أنّ الحاكم متعرّض لحال المحكوم عليه‏

و مفسّر له،فلذا لا يفهم التعارض بينهما من أوّل الأمر،هذا بخلاف المخصص،

فإنّه معارض للمخصص-بالفتح-من أوّل الأمر و مناف له،و لذا يعمل بالعلاج‏

بينهما.

قوله-قدّس سرّه-:(و أمّا الأصول المشخصة لحكم الشبهة في‏

الموضوع.).إلى قوله:(إلاّ لمناسبة يقتضيها المقام.). (4) .

(4)و ذلك لأنّ التعرض لحكم الشبهات في الموضوعات الخارجية-

كاستصحاب الطهارة مع الشك في الحدث أو العكس و كذا سائر الموارد-من‏

وظيفة الفقيه،فمورده الكتب الفقهية.

و أما الأصولي فليس شأنه إلا التعرض للقواعد الكلية التي يستنبط منها

1)فرائد الأصول 1:309.

2)فرائد الأصول 1:309.

3)فرائد الأصول 1:310.

4)فرائد الأصول 1:310.

14
الأحكام الفرعية الكلية الإلهية.

صور الاشتباه في الشبهة الحكمية

قوله-قدس سره-:(ثم إن انحصار موارد الاشتباه في الأصول‏

الأربعة عقلي.). (1) .

(1)يعني أن انحصار موارد الاشتباه في الموارد الأربعة-التي هي مجار

للأصول الأربعة-عقلي.

لكن لا يخفى أن العبارة ليس لها تمام الانطباق على المقصود.

ثم إنه-قدس سره-إنما ادعى انحصار موارد الاشتباه عقلا في الأربعة،

و لم يدع انحصار الأصول في الأربعة كذلك،لأن انحصار الأصول في الأربعة في‏

الموارد الأربعة ليس عقليا كما لا يخفى،لأنه يمكن أن يجعل الشارع في كل مورد

من الموارد الأربعة أزيد من أصل واحد،بأن يحكم في موارد الاستصحاب‏

-مثلا-في بعض المقامات بالأخذ على طبق الحالة السابقة،فيكون الأصل في‏

ذلك المقام الاستصحاب،و في بعض المقامات من ذلك المورد بالأخذ على خلاف‏

الحالة السابقة،فيكون هذا أصلا آخر وراء الأصول الأربعة و يترك‏

الاستصحاب من حيث كون النّظر فيها إلى الحالة السابقة،و هكذا الكلام في‏

سائر الموارد الأربعة.

نعم الواقع في الشريعة ليس أزيد من الأصول الأربعة،فالحصر فيها

اتفاقي لا عقلي.

قوله-قدس سره-:(لأن الشك إما في نفس التكليف...إلخ) (2) .

(2)أقول:الشبهة الحاصلة في مقام الشك و التحير:إما شبهة في الحكم،و إما

شبهة في الموضوع.

1)فرائد الأصول 1:310.

2)فرائد الأصول 1:313.

15
و الأولى تقع من وجوه‏ (1) .

الأول:من جهة الاشتباه في موضوع الحكم كالصلاة.

و الثاني:من جهة الاشتباه الحاصل في محموله كالوجوب.

و الثالث:من جهة الاشتباه الحاصل من الجهتين معا.

و كل هذه داخلة في الشبهة الحكمية،كما لا يخفى.

و قد يطلق على الشبهة في الحكم الشبهة في المراد،و على الشبهة في‏

الموضوع الشبهة في المصداق.

ثم إن التكليف في كل من الشبهة في الحكم و الشبهة في الموضوع:إما

معلوم،أو لا.و المراد بالتكليف نوعه الخاصّ كالوجوب و الحرمة و الاستحباب‏

-مثلا-لا جنسه،و هو القدر المشترك بين الوجوب و الاستحباب،أو بين أحدهما

و الحرمة،أو بين الثلاثة،و هو الطلب مثلا،فلو علم جنس التكليف و تردد بين‏

الوجوب و الاستحباب فهو شك في التكليف-لا المكلف به-،فتحصل من‏

ملاحظة الشق الثاني مع القسمين المذكورين قسمان.

و أما الشق الأول:و هو الّذي علم فيه التكليف-و إنما الاشتباه في تعيين‏

المكلف به-فيدور الأمر فيه:إما بين المتباينين حقيقة أو حكما،و الثاني كالمطلق‏

و المقيد،و التعيين و التخيير الشرعي أو العقلي،و إما بين الأقل و الأكثر

الارتباطيين.

و أما الاشتباه فيه مع تردده بين الاستقلاليين فهو داخل في الشك في‏

أصل التكليف،و خارج عن الشك في المكلف به جدا،لانحلال العلم الإجمالي‏

فيه إلى العلم التفصيليّ و الشك البدوي.

و يتلوه-في الخروج عن الشبهة في المكلف به و الدخول في الشك في أصل‏

1)كذا في الأصل،و المناسب:من جهات:الأولى...و الثانية...و الثالثة..


16
التكليف-الشبهة التحريمية في الارتباطيين لانحلالها إلى العلم التفصيليّ،و هو

حرمة الأكثر،و شك بدوي،و هو حرمة الأقل،و ذلك كالشك في حرمة قراءة سور

العزائم‏ (1) في الصلاة هل هو تمام السورة،أو بعضها المخصوص كآية السجدة أو

المطلق؟فحرمة المجموع متيقنة،و حرمة البعض-معينا أو مطلقا-مشكوكة كما

لا يخفى،و يحصل من ملاحظة هذين القسمين في الشق الأول مع القسمين‏

السابقين-أعني الشبهة في الموضوع و الحكم-أربعة أقسام،و مع كل من ذلك:

إما الشك في جميع الأحكام الخمسة،أو بعضها مع بعض،ثنائيا،أو ثلاثيا،أو

رباعيا،فيكثر صور الاشتباه،لكن نكتفي بذكر بعض من الثنائيات حتى يظهر

منها أحكام سائر الأقسام فنقول:إنّ الشكّ:إمّا بين التحريم و غير الوجوب و إمّا بين الوجوب و غير

التحريم،أو بين الوجوب و التحريم،و مع ملاحظة هذه الثلاثة مع الأقسام‏

الأربعة للمكلّف به يحصل اثنا عشر قسما،و مع القسمين في الشكّ في التكليف ستة

أقسام.

و منشأ الاشتباه في الشبهة الموضوعية هو وقوع الاشتباه في الأمور

الخارجيّة،و رفع الاشتباه فيها ليس من وظيفة الشارع إلاّ بجعل طريق كلّيّ‏

يجعله ميزانا لرفع الاشتباه كالبيّنة و اليد و القرعة و نحوها مما يرجع في الحقيقة إلى‏

بيان الحكم الظاهري الكلّيّ في الموضوع الكلّيّ.

و أمّا منشأ الاشتباه في الشبهة الحكميّة من هذه الأقسام إمّا عدم النصّ‏

في المسألة أصلا،أو إجماله مع وجوده،أو تعارض النصين،و فقد النصّ أعمّ من‏

عدمه مطلقا و بالمرّة بحيث يشمل صورةوجودأمارة (2) ضعيفة كخبر ضعيف‏

1)في الأصل:سورة العزائم.

2)في الأصل:صورة أمارة له ضعيفة.

17
أو فتوى فقيه أو نحو ذلك.

و الأوّل خارج عن محلّ النزاع في الجملة،لكن قبل ورود الشرع،لعدم‏

وجود احتمال الوجوب من أحد من المتنازعين،و لعل الوجه في ذلك كون المراد

إثبات الإباحة بالمعنى الأعمّ الشامل للوجوب أيضا بإيكال رفع الوجوب إلى‏

مسألة البراءة،لا أن عدم احتمال الوجوب مسلم منهم بحيث صار خارجا عن‏

محل النزاع بينهم.

و كيف كان فالكلام يقع في أقسام الشك في التكليف لا غير،و أما الشك‏

في المكلف به فسيجي‏ء الكلام فيه بعد الفراغ عن حكم الشك في التكليف،كما

قال-قدس سره-:(و الموضوع الأول يقع الكلام فيه في مطالب...إلخ) (1) .

الاستدلال بآية نفي التكليف عليها

قوله-قدس سره-:(منها:قوله تعالى: لا يكلف اللَّه نفسا

إلا ما آتاها (2) ) (3) .

(1)تقريب الاستدلال بالآية:أن المراد بالموصولة هو التكليف،فهي مفعول‏

مطلق لقوله عز اسمه-: لا يكلِّف ،و المراد بالإيتاء هو الإعلام،فيكون‏

المراد:لا يكلف اللَّه نفسا إلا تكليفا أعلمها به،فيشمل الشبهة التحريمية

المتنازع فيها،و يقتضي عدم وجوب الاحتياط لعدم العلم بالتكليف فيها

بالفرض،و إلا لما كانت شبهة.

و الجواب عنه:منع ظهور الآية في ذلك،بل الظاهر خلافه،فإن حقيقة

الإيتاء الإعطاء،لا الاعلام،و الظاهر من الموصولة:بقرينة اتحاد سياقها

1)فرائد الأصول 1:314.

2)الطلاق:7.

3)فرائد الأصول 1:316.

18
مع‏ (1) الموصولة الواردة في الآية السابقة على هذه الآية،و هي قوله تعالى:

و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه (2) ،هو المال،لا الحكم و التكليف،

فتكون الموصولة مفعولا به لقوله: لا يكلِّف ،و إرادة ذلك و إن كانت مستلزمة

لارتكاب مخالفة الظاهر في الجملة،نظرا إلى لزوم إضمار الإعطاء أو الإنفاق أو

الدفع قبل الموصولة،ليكون هو المكلف به في الحقيقة،حيث إنه لا يصح تعلق‏

التكليف بنفس الأعيان،بل لا بد من تعلقه بالأفعال لكن مخالفة الظاهر على‏

هذا التقدير أقل منها على فرض المستدل،إذ عليه مخالفتان للظاهر:

إحداهما:حمل الإيتاء على الإعلام.

و الأخرى:حمل الموصولة-الظاهرة في المال بقرينة اتحاد سياقهامع‏ (3)

ما قبلها-على الحكم و التكليف.

هذا مع عدم ملائمة إرادة الحكم منها لمورد الآية،فإن قوله تعالى:

لا يكلف اللَّه نفسا إلا ما آتاها تعليل لما في الآية السابقة من وجوب الإنفاق‏

مما آتاه من المال،و لا ريب أنه-على تقدير إرادة الحكم و التكليف من الموصولة

فيه-مستلزم لكون التعليل أجنبيا عن مورده بالمرة،لعدم اندراجه تحت موضوع‏

الحكم المعلل به،كما هو الشأن في مقام التعليل،فلا بد إذن من حمل الآية على ما

ذكرنا مع التزام إضمار فيها بكون المضمر مضافا إلى الموصولة.

و يمكن أن لا يراد بالموصولة المال،بل يراد منها نفس الفعل من غير

حاجة إلى إضمار شي‏ء قبلها،فإن إرادة ذلك منها و إن كانت مخالفة لظاهرها

بالنظر إلى اتحاد سياقهامع‏ (4) الموصولة في الآية السابقة إلا أنه لا يبعد دعوى‏

1)في الأصل:اتحاد سياقها للموصولة.

2)الطلاق:7.

3)في الأصل:اتحاد سياقها للموصولة.

4)في الأصل:اتحاد سياقها للموصولة.

19
ظهورها بقرينة إيقاع التكليف على نفسها (1) ،فإنها ظاهرة في كون المكلف‏

به‏ (2) نفسها (3) ،و هو لا يكون إلا بأن يراد منها ما هو من مقولة الأفعال لا

الذوات،لما مر،فيكون المفعول به حينئذ هو نفس الموصولة حقيقة،و يكون‏

المراد بالإيتاء هو الإقرار،و يكون التعليل على هذا التقدير-أيضا-في محله،

لدخول الإنفاق من الميسور فيما أقدر اللَّه المكلف عليه من الأفعال.

و بالجملة:إيقاع التكليف على نفس الموصولة قرينة على إرادة الفعل‏

منها،و على إرادة الإقرار من الإيتاء،فالمراد من الآية حينئذ نفي التكليف عن‏

غير المقدور.

و لعل هذا المعنى أظهر مما ذكر و أشمل،لما مر من شموله لمورد الآية

و لغيره.

لا يقال:إن هنا احتمالا آخر في الآية،و هو أن يراد بالموصولة الأعم من‏

الفعل الشامل للحكم مع إبقاء الإيتاء على ظاهره،و هو الإعطاء،فإنه معنى يصح‏

نسبته إلى الحكم و إلى الفعل على حد سواء،و إنما الاختلاف في مصاديقه،حيث‏

إنه بالنسبة إلى الحكم إعلامه،و بالنسبة إلى الفعل الإقدار عليه،و هذا الاحتمال‏

ليس أقل مما اخترتم،فإنه لا يلزم منه محذور إلا مخالفة ظاهر الموصولة من جهة

اتحاد سياقهامع‏ (4) ما قبلها،و قد التزمتموها أنتم،فلا يرد علينا شي‏ء أزيد

مما يرد عليكم،فإذا صح إرادة ذلك من الآية صح الاستدلال بها.

لأنا نقول:إن هذا الاحتمال ينفيه لزوم استعمال الموصولة في معنيين على‏

تقديره،كما ذكره-قدس سره-بقوله:(و إرادة الأعم منه و من المورد يستلزم‏

1)كذا في الأصل،و الصحيح:هي نفسها.

2)كذا في الأصل،و الصحيح:(عليها نفسها)أي على نفس الموصولة.

3)إضافة يقتضيها السياق.

4)في الأصل:اتحاد سياقها لما قبلها...

20
استعمال الموصول في معنيين،إذ لا جامع بين تعلق التكليف بنفس الحكم و بالفعل‏

المحكوم عليه) (1) .

و توضيحه:أن تعلق التكليف بالحكم إنما يكون من باب تعلق الفعل‏

بالمفعول المطلق-كما مرت الإشارة إليه-و تعلقه بالفعل المحكوم عليه إنما يكون‏

من باب تعلق الفعل بالمفعول به-كما هو واضح،و مرت الإشارة إليه أيضا-و لا

ريب أنه لا يمكن اجتماع هاتين الحيثيتين في معنى واحد،لعدم الجامع بينهما،فلا

يعقل كون لفظ باعتبار معنى واحدا مفعولا مطلقا و به لفعل واحد في استعمال‏

واحد،فلا بد-حينئذ-من إرادة كل من الحكم و الفعل من الموصول بطريق‏

الاستقلال و الانفراد،لا الجامع بينهما حتى يكون التكليف متعلقا بالموصول‏

باعتبار الأول من الحيثية الأولى،و باعتبار الثاني في الحيثية الثانية،لكن اللازم‏

باطل،فالملزوم مثله.

قوله-قدس سره-:(بغير المستقلات.). (2) .

(1)فإن المستقلات العقلية في مخالفتها استحقاق العقاب قطعا من غير توقف‏

على ورود بيان نقلي فيها.

قوله-قدس سره-:(أو يلتزم بوجوب التأكيد.). (3) .

(2)على تسليم أنه لا عقاب فيها بمجرد حكم العقل،و إن كان فيها الذم،

بل يتوقف العقاب على تأييد العقل بالنقل.

و كيف كان،فالكلام فيما نحن فيه في غير المستقلات،و الآية (4) تدل على‏

نفي العقاب عنها على كل تقدير سواء اختص البيان بالنقلي مع تعميم مورد

1)فرائد الأصول 1:316.

2)فرائد الأصول 1:317.

3)فرائد الأصول 1:317.

4)و هي قوله تعالى: و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا الإسراء:15.

21
الآية بالنسبة إلى المستقلات،أو تخصيصه بغير المستقلات،أو عم البيان العقلي‏

أيضا.

ثم إنه تمسك بعضهم بالآية على التفكيك بين حكم العقل و الشرع،

بتقريب:

أن المراد بالرسول هو البيان النقلي،و مورد الآية عام بالنسبة إلى‏

المستقلات العقلية،فتدل على نفي العذاب عنها إلا بعد البيان‏النقلي‏ (1) ،مع‏

أن العقل مستقل باستحقاق العقاب و العذاب عليها،فلزم التفكيك بين العقل‏

و الشرع.

فأجاب عنه بعض من استدل بها فيما نحن فيه على أصالة البراءة،بأن‏

الآية إنما تدل على نفي فعلية العذاب،و هو أعم من نفي الاستحقاق،و لا دلالة

للعام على الخاصّ،فيمكن معه ثبوت نفس الاستحقاق عند اللَّه-أيضا-الّذي‏

يحكم به العقل،و يكون عدم فعلية العذاب من باب العفو،فلا ينافي ثبوت أصل‏

الحكم المدعى،كما في الظهار على ما قيل،فلم تنف الآية حكم العقل حتى يلزم‏

التفكيك.هذا.

أقول:و يرد عليه أيضا:أن الاستدلال بها على التفكيك مبني على‏

اختصاص البيان بالنقلي،كما عرفت،مع عموم الآية للمستقلات العقلية،و في‏

كل واحدة من هاتين المقدمتين منع ظاهر،لعدم ما يدل على الاختصاص إن لم‏

نقل بظهور البيان بالنسبة إلى العقلي،و معه تدل الآية على التطبيق،لا التفكيك،

نظرا إلى وجه التعلق بالغاية،فإنه غاية نفي العذاب أو استحقاقه حاصلة في‏

المستقلات.

و لو سلمنا فغايته الإجمال،و معه تسقط الآية عن الاستدلال بها على ما

1)في الأصل:(العقلي)،و هو من سهو القلم.

22
صار إليه،و لبداهة ثبوت استحقاق العقاب في المستقلات العقلية أيضا.

ثم إنه قد أورد ثالث على هذا المجيب:بأن الاستدلال بالآية في المقام‏

على أصالة البراءة يناقض رد ذلك المستدل،فإن المطلوب في مسألة البراءة إنما

هو إثبات نفي استحقاق العقاب على ارتكاب المشتبه،لا نفي فعليته و لو بطريق‏

العفو،فحينئذ إن لم تقتض الآية أزيد من نفي الفعلية الأعم من نفي‏

الاستحقاق فلا وجه للاستدلال بها على أصالة البراءة،و إن اقتضت نفي‏

الاستحقاق فلا وجه لرد ذلك المستدل،فإن نفي الاستحقاق ملازم لعدم الحكم‏

الشرعي.

هذا،لكن الإنصاف اندفاعه بما ذكره-قدس سره-بقوله:(و يمكن‏

دفعه:بأن عدم الفعلية...إلخ) (1) .

و حاصله:أن الإجماع قائم على الملازمة بين نفي فعلية العذاب و بين نفي‏

استحقاقه على ارتكاب الشبهات مما لا يستقل بها العقل التي هي المتنازع فيها

في مسألة البراءة،فإن القائلين بالاحتياط فيها مسلمون بعدم الاستحقاق على‏

تقدير عدم الفعلية،فحينئذ يكفي للمستدل على عدم الاستحقاق دلالة الآية

على عدم الفعلية،فإنه بضميمة الإجماع المركب المذكور يتم مطلوبه.

و أما في المستقلات العقلية فلم‏يقم‏فيها إجماع على الملازمة بين نفي‏

فعلية العذاب و بين نفي الاستحقاق الملازم لنفي الحكم الشرعي،بل يحتمل فيها

التفكيك،فلا يلزم فيها من إثبات نفي الفعلية نفي الحكم،فيكون الرد في محله.

و بالجملة:الكلام فيما نحن فيه مع من يسلم الملازمة المذكورة،فيكفي في‏

رده إثبات نفي الفعلية،و هناك مع من لا يسلمها فيه،فلا يكفي في رده ذلك،

و المراد بفعلية العذاب إنما هو عدم العفو المحتمل،لا الوقوع كيف كان،فإن‏

1)فرائد الأصول 1:317.

23
ذلك غير متيقن في المحرمات المعلومة فكيف بمشتبهاتها؟!و عليه يحمل قوله‏

-قدس سره-(و العقاب و الهلاك فعلا) (1) فإن مراد الخصم أيضا ذلك،لا

الوقوع كيف كان.

الاستدلال بآية نفي التعذيب عليها

و مما ذكرنا ظهر الجواب عما ربما يتوهم من الإيراد على الاستدلال بالآية

على أصالة البراءة من أن غاية ما تدل عليه إنما هي نفي فعلية العذاب،دون‏

استحقاقه كما هو المدعى.

لكن الإنصاف عدم نهوضها على المطلوب.

أما أولا-فلما ذكره-قدس سره-من كونها إخبارا عن وقوع التعذيب‏

سابقا في الأمم السابقة بعد بعث الرسول إليهم،كما يدل عليه قوله: و ما

كنا... بصيغة الماضي،فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع فيهم،لأن الأخروي‏

لم يجئ وقته بعد لأحد.

أقول:لا يخفى كثرة إطلاق لفظ الماضي على المستقبل في القرآن،

خصوصا فيما يتعلق بأحوال القيامة،و لا شبهةفي‏ (2) وقوع التعذيب سابقا إلا

أنه لا يوجب ظهوره أيضا في أحوال القيامة،فتسقط الآية عن الاستدلال بها.

و يمكن أن يقال:-على فرض تسليم كون الآية في مقام الإخبار عن‏

وقوع التعذيب في الأمم السابقة بعد البعث-:إن في العدول عن لفظ: و ما

عذبنا إلى قوله: و ما كنا معذبين (3) إشعارا بأنه تعالى أراد:أنه لم يكن‏

شأنه تعذيب أحد إلا بعد البيان،فيستفاد أن هذا شأنه تعالى في جميع الأمور

و في الدنيا و الآخرة،فيتم به المطلوب،إلا أنه مجرد إشعار لا ينبغي الركون إليه.

و أما ثانيا-فبأن الظاهر من الرسول هو الشخص المبعوث من اللَّه‏

1)فرائد الأصول 1:317.

2)في الأصل:فلا شبهة له على..

3)الإسراء:15.

24
تعالى لا البيان-سواء خصوص النقلي أو الأعم-فظاهر الآية على هذا:

ما كنا معذبين أحدا في زمان الفترة من الرسل إلى أن نبعث إليهم رسولا،و لذا

تمسك بالآية بعض الأخباريين-على ما حكي عنه-على ثبوت العقاب على‏

ارتكاب ما لم يعلم الإذن فيه من اللَّه تعالى في شريعتنا،سواء بينة النبي‏

صلى اللَّه عليه و آله أو أحد أوصيائه صلوات اللَّه عليهم-و لم يصل البيان‏

إلينا،أو لم يبينه أحد منهم عليهم السلام أصلا،فإن غاية نفي العذاب هو

بعث شخص النبي صلى اللَّه عليه و آله لا بيانه،و هي حاصلة،فالآية بمقتضى‏

مفهوم الغاية تدل على ثبوت العذاب على ارتكاب ما لم يعلم الاذن فيه من اللَّه‏

في شريعتنا.

لا يقال:إن هذا مناف لحكم العقل بقبح العذاب من غير بيان،فهو

قرينة على إرادة البيان من الرسول لا الشخص.

لأنا نقول:هذا يرجع بالأخرة إلى الاستدلال بالعقل،لا الآية،فلا معنى‏

لعدها حينئذ من أحد أدلة البراءة.

قوله-قدس سره-:(و الإنصاف:أن الآية لا دلالة لها على المطلب‏

في المقامين.). (1) .

(1)يعني في مقامنا هذا و في مقام التمسك بها على التفكيك،فإن الاستدلال‏

بها فيهما مبني على دلالتها على نفي فعلية العذاب لا محالة،مضافا إلى ابتنائه‏

على الإجماع على الملازمة بينه و بين الاستحقاق في الثاني لو سلم تحققه في الأول،

و قد مر منع دلالتها على نفي فعلية العذاب أيضا،بل إنما تدل على نفي العذاب‏

الدنيوي في الأمم السابقة كما مر.

1)فرائد الأصول 1:317.


25
قوله-قدّس سرّه-:(و فيه ما تقدّم في الآية السابقة.) (1) .(1)من أنّها

تدلّ على وقوع العذاب بعد البيان،فيختصّ بالدنيويّ.

أقول:و يمكن أن يقال فيها أيضا ما قلنا في الآية السابقة من أنّ العدول‏

إلى لفظ(ما كنا)معشر بأنّ شأنه تعالى لم يكن إلاّ الخذلان و العذاب بعد

البيان،فيكون هذا شأنه تعالى و هو ثابت له في الآخرة أيضا،فلا يعذّب‏

بعذاب الآخرة أيضا إلا بعد البيان،إلاّ أنّه مجرّد إشعار لا ينبغي الركون إليه،

كما مرّ.

قوله-قدّس سرّه-:(إلاّ بالفحوى.). (2) (2)بأن يقال:إنّه إذا أوقف اللّه‏

-سبحانه و تعالى-العذاب الدنيويّ الّذي هو أهون من الأخروي على البيان،

فإيقافه الأخرويّ عليه أولى.

و فيه:أنّا نقطع بانتفاء العذاب الدنيويّ في أكثر المحرّمات المعلومة،مع‏

القطع بترتّب العذاب الأخروي عليها،فلا ملازمة بين انتفاء الأوّل و بين انتفاء

الثاني،فضلا عن كون الثاني أولى.

قوله-قدّس سرّه-:(في دلالتها تأمّل.). (3) .

(3)فإنّها مذكورة في سورة الأنفال في مورد خاصّ،و هو غزوة بدر،فيحتمل‏

ان يكون المراد بالهلاك هو القتل،و بالبيّنة البصيرة الحاصلة لكلّ أحد من ظهور

معجزات النبيّ صلّى اللّه عليه‏و آله -الظاهرة في تلك الغزوة للكفّار،فيكون‏

المراد منها-و اللّه أعلم-أنّا فعلنا ما فعلنا (4) في تلك الواقعة من إظهار مقامات‏

النبيّ صلّى اللّه عليه‏و آله -لهم ليقتل من يقتل عن بصيرة،فلا ربط لها-على‏

1)فرائد الأصول 1:317.

2)فرائد الأصول 1:318.

3)فرائد الأصول 1:318.

4)في الأصل غير مقروءة و يحتمل انها:(فعلناها فعلا)،و لكن العبارة التي أثبتناها أقوم.

26
هذا-بالمدّعى،و لو لم تكن هي ظاهرة في هذا المعنى لم تكن ظاهرة في المطلوب‏

أيضا،فتسقط بالإجمال عن الاستدلال بها.

قوله-قدّس سرّه-:(عدم المؤاخذة على مخالفة النهي‏

المجهول.). (1) .

(1)فلا يصلح لرد الأخباريين،حيث إنهم مسلمون بذلك،و إنما يدعون ثبوت‏

المؤاخذة على تكليف معلوم،و هو وجوب الاحتياط في موارد الشبهة التحريمية،

فأدلة الاحتياط على تقدير تماميتها من قبيل الدليل،و تلك من قبيل الأصل،

فيرتفع موضوعها بأخبار الاحتياط.

الاستدلال بآية قل لا أجد و غيرها

قوله-قدس سره-:(و منها:قوله تعالى مخاطبا لنبيه) صلى اللَّه عليه و آله إلى قوله: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما .) (2) (3) ..

الآية.

(2)تقريب الاستدلال بهذه الآية:أنه تعالى لقن نبيه صلى اللَّه عليه‏

و آله -طريق الرد على اليهود بقوله: قل لا أجد في ما أُوحي إليَّ محرما ،

فيجعل طريق الرد عليهم عدم وجدانه ما التزموا بحرمته فيما أوحي إليه،مع أن‏

رده صلى اللَّه عليه‏و آله -إياهم بنفي الحرمة صريحا-بأن يقول لهم:ليس ما

التزمتم بحرمته حراما عند اللَّه-كان كافيا في الرد،فإنه كما يكون إخباره عن‏

عدم الحرمة دليلا قطعيا للغير على عدم الحرمة واقعا،فكذلك عدم وجدانه شيئا

محرما فيما أوحي إليه دليل قطعي على عدم حرمة ذلك الشي‏ء،فإن أفاد أحدهما

الغير فائدة فيفيدها الآخر،و إن لم يفدها لم يفدها الآخر،ففي العدول عن‏

1)فرائد الأصول 1:318.

2)الأنعام:145.

3)فرائد الأصول 1:318.

27
العبارة الثانية إلى الأولى-و هي قوله: لا أجد -دلالة على أن عدم الوجدان‏

كاف في الحكم بعدم الحرمة و إن كان هو من النبي صلى اللَّه عليه‏و آله -يفيد

القطع،لكن الحكم بعدم الحرمة يدور مدار الوصف،و هو عدم الوجدان،لا

القطع.

هذا غاية ما يقال في توجيه الاستدلال.

لكن يتجه عليه وجوه:

الأول:ما ذكره-قدس سره-من أن غاية ما يستفاد منها الإشعار بما

ذكر،و أما الدلالة فلا (1) .

الثاني:ما أفاده-دام ظله-من منع إشعارها بذلك أيضا،إذ لعل النكتة

في العدول إلى قول: لا أجد في مقام الرد على اليهود كون الرد بهذه العبارة

لاشتمالها على نوع من التأدب‏1لعدم كونه تكذيبا لهم صريحا-كما في العبارة

الثانية-مجادلة معهم بالأحسن،و قد امر صلى اللَّه عليه و آله بها بقوله‏

تعالى: و جادلهم بالتي هي أحسن (2) ،و احتمال كون النكتة في العدول هذا

ليس بأبعد من احتمال كونها ذاك إن لم نقل بكونه أظهر منه،كما هو ليس ببعيد.

الثالث:أنه على فرض التسليم و الإغماض عن هذين الوجهين نقول:

إنه تعالى جعل المناط في الحكم بعدم الحرمة عدم وجدان النبي صلى اللَّه‏

1و هذا كما يقال في العرف في نفي مدعى الخصم‏ (3) إذا أريد نفي مدعاه بطريق التأدب-:إني لا

أجد ما تقول في شي‏ء من الكتب،و لا يقال:إنه باطل أو كذب،لكونه موجبا لاستخفاف المدعي‏ (4)

لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 1:318.

2)النحل:125

3)غير مقروءة و المثبت استظهارا.

4)الأنسب بالسياق ظاهرا هو:للاستخفاف بالمدعى.

28
عليه‏و آله -،كما يشهد به قوله: لا أجد ،لا عدم الوجدان من كل أحد،

كما هو مبنى الاستدلال.

الرابع:أنه-على تقدير الإغماض عن هذا أيضا،و تسليم إلغاء خصوصية

الفاعل-نقول:إنه تعالى جعل المناط عدم الوجدان فيما أوحي إلى النبي‏

صلى اللَّه عليه‏و آله -فخصوصية المفعول فيه معتبرة جدا،و ظاهر الموصولة

العموم،بل إرادة العموم منها متعينة جدا،و إلا لما كان وجه لتوبيخ اليهود على‏

التزامهم بحرمة بعض الأشياء المحتمل للحرمة عند اللَّه،فإن الاحتياط مما

يستقل بحسنه العقل،فكيف يصح معه الذم و التوبيخ عليه؟!

إلا أن يقال:إن الظاهر من الآية التوبيخ على الالتزام بالحرمة،

و الاحتياط هو الالتزام بترك محتمل التحريم،لا بحرمته،فإنه تشريع،فالتوبيخ‏

في محله،مع عدم إرادة العموم أيضا.

و كيف كان،فظاهر الموصولة كاف في حملها على العموم،فيكون المناط

في الحكم بعدم الحرمة هو عدم وجدان الشي‏ء المشتبه في جميع ما أوحي إليه‏

صلى اللَّه عليه‏و آله -من المحرمات،فلا ينطبق على المدعى،و هو جعل عدم‏

الوجدان فيما بأيدينا منها مناطا في الحكم بعدم الحرمة،ضرورة أنه ليس بتمام ما

أوحي إليه صلى اللَّه عليه‏و آله -للقطع باختفاء كثير منها عنا.

اللهم إلا أن يقال:إنا نعلم أنه لا مدخلية لصفة عدم الوجدان في جميع‏

ما أوحي إليه صلى اللَّه عليه‏و آله -من حيث هي-في الحكم بعدم الحرمة،بل‏

كونها مناط لذلك إنما هو من جهة كونها من مصاديق عدم البيان،فالمناط هو،

و هو متحقق في عدم الوجدان فيما بأيدينا أيضا،لكنه مشكل غاية الإشكال جدا.

قوله-قدس سره-:(فالتوبيخ في محله.). (1) .

1)فرائد الأصول 1:319.

29
(1)إشارة إلى وجه تأييد إرادة العموم من الموصول،فإنه لو كان ما التزموا

بترك أكله مما احتمل كونه من المحرمات الإلهية المفصلة مع عدم اطلاعهم على‏

تفصيله-و لو لتقصير-لم يكن وجه لتوبيخهم على الالتزام بترك أكله،لكونه‏

احتياطا،و هو مما يستقل العقل بحسنه و لو مع التمكن من السؤال،فالتوبيخ‏

كاشف عن أن ما التزموا بترك أكله كان خارجا عن جميع ما فصل،فيخرج عنه‏

ما نحن فيه-و هو الشبهة التحريمية-فإنها محتملة لكونها من المحرمات المفصلة

بالفرض.

و لا يقال:إن التوبيخ لعله لأجل أن الالتزام المذكور كان تشريعا.

لأنا نقول:إن الالتزام بالترك-لاحتمال الحرمة-ليس تشريعا قطعا،

بل التشريع هو الالتزام بحرمة ما لم تعلم حرمته.

قوله-قدس سره-:(لأن غاية مدلول الدال منها عدم التكليف‏

فيما لم يعلم خصوصا أو عموما.). (1) .

(2)لا يخفى أن الآيتين الأخيرتين-على فرض تماميتهما-تدلان على عدم‏

التكليف فيما لم يعلم حكمه بالخصوص-سواء علم حكمه العام،أو لا-نظير

قوله صلى اللَّه عليه‏و آله -:«كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (2) ،فإن ظاهر

الموصول فيهما هي المحرمات الواقعية،كما لا يخفى،إلا أن الظاهر أنه-قدس‏

سره-جعلهما من الآيات الغير الدالة على المطلوب بوجه.

في الاستدلال بالسنة

الاستدلال بحديث الرفع‏

قوله-قدس سره-:(منها:المروي عن النبي صلى اللَّه عليه‏و آله )

إلى قوله:«رفع عن أمتي تسعة (3) ...» (4) .

1)فرائد الأصول 1:319

2)الوسائل 18:127-128-كتاب القضاء-الباب 12 من أبواب صفات القاضي-حديث 60،و هذه‏

هي مرسلة الصدوق(ره).

3)الخصال:417-9.

4)فرائد الأصول 1:320.

30
(1)اعلم أن الحديث الشريف يدل بدلالة الاقتضاء على كون المرفوع شيئا

آخر غير ذوات تلك الأمور التسعة مقدرا في طي الكلام،و يحتمل كونه أحد أمور

ثلاثة:

الأول:جميع الآثار،فيكون المعنى:رفع عن أمتي جميع آثار التسعة.

الثاني:خصوص المؤاخذة،فيكون المعنى.رفع عنهم المؤاخذة عليها.

الثالث:الأمر المناسب،فيكون المعنى رفع عنهم ما هو المناسب لها من‏

الآثار.

فتقريب الاستدلال به-حينئذ-:أن ظاهر الموصول في قوله صلى اللَّه‏

عليه‏و آله -:«ما لا يعلمون»العموم بالنسبة إلى الموضوعات و الأحكام مطلقا

حتى الحرمة،و الحديث الشريف دال على عدم المؤاخذة على ما لم يعلم مطلقا

و على كل تقدير:أما على الأولين فواضح،و أما على الثالث:فلأنها الأمر المناسب‏

لما لا يعلم،و مما لا يعلم الحرمة المجهولة،فدل الحديث الشريف على نفي‏

المؤاخذة على ارتكاب المشتبهات في الشبهات التحريمية الحكمية المتنازع فيها.

هذا غاية ما قيل أو يقال في توجيه الاستدلال به،و قد عرفت أنه مبني‏

على مقدمتين:

إحداهما:عموم الموصول للحكم دون اختصاصه بالموضوع،و هو فعل‏

المكلف.

و ثانيتهما:كون المؤاخذة أمرا مناسبا لما لا يعلم.

و يتجه على أولاهما:على جميع التقادير ما ذكره-قدس سره-أولا من‏

منافاته لسياق الرواية،فإن ظاهرها كون المراد من الموصول في جميع فقراتها

واحدا،و الظاهر أن المراد به في الفقرات السابقة هو الموضوع،فاتحاد سياقه في‏

تلك الفقرةمع‏ (1) سياقه في الفقرات السابقة يقضي بأن المراد منه فيها أيضا

1)في الأصل:لسياقه.

31
هو الموضوع،فتختص الرواية بالشبهات الموضوعية.

و على تقدير كون المقدر هو خصوص المؤاخذة ما ذكره‏ (1) -قدس سره-

ثانيا من عدم ملائمته لعموم الموصول:إذ على هذا التقدير يكون معنى(رفع ما

لا يعلم)رفع المؤاخذة عليه،و لا معنى لرفع المؤاخذة على التكليف المجهول،فإن‏

المؤاخذة-على تقديرها-فهي على الفعل المكلف به،لا على التكليف الّذي هو

فعل اللَّه تعالى نعم هي من آثاره.

و على ثانيتهما:منع كون المؤاخذة من آثار التكليف المجهول بأن يكون‏

هو مقتضيا لها،فرفعها الشارع،فضلا عن كونها أمرا مناسبا له،فإن العقل‏

مستقل بقبح العقاب على التكليف المجهول حتى مع إمكان الاحتياط1،كما لا

يخفى على المتأمل.

و هذا مما اعترف به الأخباريون-أيضا-فإنهم يدعون ثبوت المؤاخذة

و العقاب على تكليف معلوم،و هو التكليف بالاحتياط الثابت بالأخبار الدالة

عليه،كما مرت الإشارة إليه فإذا قبح العقاب على التكليف المجهول:-و لو مع‏

إمكان الاحتياط-فهو ليس مقتضيا للعقاب و المؤاخذة أصلا.

فظهر أنه لا يصح جعل المقدر فيما لا يعلمون المؤاخذة بعنوان كونها أمرا

مناسبا،و كذا بعنوان كونها من جملة الآثار بناء على تقدير جميع الآثار-أيضا-

لعدم اقتضاء التكليف المجهول لها حتى تكون من آثاره.

و أما تقديرها بعنوانها الخاصّ فإنه مناف لظاهر الرفع،فإنه يشترط في‏

صدق الرفع حقيقة على نفي شي‏ء عن شي‏ء كون ذلك الشي‏ء مقتضيا لثبوت‏

هذا الشي‏ء المنفي لا محالة،و قد عرفت عدم اقتضاء التكليف المجهول‏

1و من هنا يظهر ضعف توجيهه-قدس سره-لتقدير المؤاخذة فيما يأتي من كلامه بأنه مقتض لها في‏

صورة إمكان الاحتياط بعد التفاته إلى الإشكال لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)أي:و يتجه-على تقدير...المؤاخذة-ما ذكره.

32
للمؤاخذة أصلا،فحينئذ لا بد إما من حمل الموصول فيما لا يعلمون على‏

الموضوع،فتسقط الرواية عن الاستدلال بها على المدعى،و إما من دعوى أن‏

المقدر خصوص المؤاخذة بعنوانها الخاصّ مع عموم الموصول للحكم:

أما تقدير خصوص المؤاخذة،و إن كان يقتضيه اتحاد سياق تلك الفقرة

مع‏ما قبلها (1) ،حيث إن الظاهر أن المقدر فيما قبلها أيضا هي المؤاخذة،لكنه‏

مناف لظاهر الرفع و لعموم الموصول-أيضا-كما عرفت.

و أما عموم الموصول فهو مع عدم ملائمته لتقدير المؤاخذة مناف لظاهر

سياق الرواية-كما مر-فتعين اختيار الشق الأول من شقي الترديد.هذا.

قال دام ظله:إن المؤاخذة و إن لم تكن من آثار التكليف المجهول-كما

مر-لكن إيجاب الشارع الاحتياط في مورد احتماله من آثاره،فإنه مقتض‏

لذلك جدا،فحينئذ لو لا اتحاد سياق الموصولة فيما لا يعلمون‏مع‏ما قبلها (2)

-الموجب لظهور إرادة الموضوع منها-لكان الاستدلال بالحديث الشريف‏

جيدا جدا،فإنه إذا كان المراد بها الأعم من الموضوع-الشامل للحكم-

فتقريب الاستدلال:بأن المقدر في كل واحد من التسعة إنما هو الأمر المناسب‏

له،و هو في غير«ما لا يعلمون»المؤاخذة،و فيه إيجاب الشارع الاحتياط في‏

مورده:إذ ليس له أثر مناسب غيره،بل لا أثر له سواه،فلا يصح نسبة الرفع‏

إليه إلا باعتبار رفع إيجاب الاحتياط،فيدل الحديث الشريف على رفع الشارع‏

وجوب الاحتياط عما لا يعلم،بمعنى عدم إيجابه مع قيام المقتضي له،فيكون‏

هذا نظير الحديث الآتي-و هو قوله عليه السلام:«كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه‏

نهي» (3) -دالا على نفي التكليف بالاحتياط في الشبهات التحريمية المتنازع‏

1)في الأصل:..لما قبلها.

2)في الأصل:..لما قبلها.

3)الفقيه 1:208-22 باب 45 في وصف الصلاة،وسائل الشيعة 8:127-128-60 باب 12 من‏

أبواب صفات القاضي.


33
فيها،فيكون حجة على نفي مدعى الأخباريين،و على نفي العقاب من جهة

التكليف بالاحتياط.

أقول:و هذا الّذي أفاده-دام ظله-في تقريب الاستدلال بما لا يعلمون‏

-بعد عدم احتمال كون المقدر المرتفع المؤاخذة،لعدم كونها من آثاره مطلقا،

حتى بالنسبة إلى الحكم المجهول هو الّذي ينبغي أن يعتمد عليه،لا الّذي‏

ذكره-قدس سره-فيما يأتي من كلامه.من أن المرتفع فيما لا يعلمون و أشباهه‏

-مما لا يشملها أدلة التكليف-هو إيجاب الاحتياط و التحفظ على وجه لا يقع‏

في مخالفة الحرام الواقعي،و يلزمه ارتفاع العقاب و استحقاقه.

فإنه-قدس سره-و إن أصاب في جعل الأثر لما لا يعلمون عدم إيجاب‏

الاحتياط،لكن في جعله وجوب الاحتياط على تقدير ثبوته منجزا للواقع‏

المجهول على المكلف-كما في الطرق و الأمارات الشرعية،بحيث يكون العقاب‏

حينئذ على مخالفة الواقع المجهول،كما ينادي به قوله قبل ذلك،حتى يلزمه ترتب‏

العقاب إذا أفضى ترك التحفظ إلى الوقوع في الحرام الواقعي-ما لا يخفى على‏

المتأمل،فإن وجوب الاحتياط و التحفظ على تقديره مستلزم للعقاب على مخالفة

نفسه بعد العلم به،سواء كان في مورده تكليف واقعي،أو لا،كما يقول به‏

الأخباريون أيضا،لا على مخالفة الواقع المجهول على تقديرها،فإنه ليس‏

التكليف بالاحتياط كالتكليف بالطرق و الأمارات الشرعية،فإنها بعد أمر

الشارع بها يتم كونها طريقا و حجة على الواقع،لكونها في أنفسها كاشفة عنه‏

و مرآة له ظنا،و الأمر بالاحتياط لا يعقل كونه بيانا لذلك التكليف المجهول كما

اعترف به-قدس سره-أيضا في نظيره،و هو قاعدة وجوب دفع الضرر في طي‏

الاستدلال بالوجه الرابع من أدلة البراءة،و هو العقل‏ (1) ،فراجع.

1)فرائد الأصول 1:335.


34
بل إنما هو-على تقديره-علم مصحح للعقاب على مخالفة نفسه،لكونه‏

حينئذ تكليفا معلوما مبينا.

هذا،ثم إن الإشكال المتقدم،الوارد على جعل المقدر-المرتفع فيما لا

يعلمون هي المؤاخذة بناء على عموم الموصول للحكم،يرد عليه على تقدير

تخصيص الموصول بالموضوع أيضا بناء على استقلال العقل بقبح‏

العقاب على مخالفة التكليف المجهول،حتى فيما إذا كان الجهل ناشئا من الأمور

الخارجية-كما هو الحال في الشبهات الموضوعية-و سيأتي اختياره-قدس‏

سره-له أيضا،لكن لا حاجة في الاستدلال إلى جعله هي المؤاخذة-على هذا

التقدير-لصحة الاستدلال بناء على جعله هو الأثر المناسب،و هو إيجاب‏

الاحتياط بالتقريب المتقدم في الاستدلال عليه بالحديث على الشبهات الحكمية

على تقدير عموم الموصول للحكم.

قوله-قدس سره-:(فلعل نفي جميع الآثار مختص بها،

فتأمل.). (1) .

(1)أقول:الأمر بالتأمل لعله إشارة إلى أنه إذا كان المقدر في تلك الثلاثة

جميع الآثار فيبعد كونه في غيرها من الستة الباقية خصوص المؤاخذة لاستلزام‏

ذلك للتفكيك الّذي يأباه ظاهر السياق،فإن ظاهره أن المقدر في الجميع على‏

نسق واحد،فبعد كون المراد في تلك الثلاثة رفع جميع الآثار،فالظاهر ذلك أيضا

في الستة الباقية التي منها ما لا يعلمون،فافهم.

قوله-قدس سره-:(رفع كل واحد من التسعة.). (2) .

(2)و هذا نظرا إلى أن إسناد فعل إلى العدد يقتضي إسناده إلى كل واحد من‏

1)فرائد الأصول 1:321.

2)فرائد الأصول 1:321.

35
الآحاد مستقلا،و هذا وجه فساد ما قيل من أن اختصاص الرفع باعتبار

المجموع.

قوله-قدس سره-:(و أما في الآية فلا يبعد أن يراد به العذاب‏

و العقوبة.). (1) .

(1)و القرينة على ذلك قوله تعالى بعد تلك الفقرة: و أعف عنا و اغفر

لنا (2) .

قوله-قدس سره-:(و هو كما ترى.). (3) .

(2)فإن تقدير جميع الآثار مساو لتقدير بعضها،و التفاوت بينهما إنما هو لكون‏

المقدر على الأول أكثر أفرادا منه على الثاني.

قوله-قدس سره-:(مبنيا لإجماله،فتأمل.). (4) .

(3)الأمر بالتأمل لعله إشارة إلى أن عموم العام لا يوجب ظهور المخصص‏

المجمل بالظهور الذاتي،بل إنما هو ظهور خارجي،فهذا التوجيه لم يثبت ظهور

الرواية في المدعى من حيث هو،كما هو المدعى.

قوله-قدس سره-:(و أما نفس المؤاخذة فليست من الآثار

المجعولة الشرعية.). (5) .

(4)بل هي من مقولة الأفعال.

قوله-قدس سره-:(أن المراد برفع التكليف عدم توجيهه إلى‏

المكلف مع قيام المقتضي له،سواء كان هنا دليل يثبته لو لا الرفع،أم‏

لا.) (6) ..

1)فرائد الأصول 1:322.

2)سورة البقرة:286.

3)فرائد الأصول 1:322.

4)فرائد الأصول 1:322.

5)فرائد الأصول 1:323.

6)فرائد الأصول 1:323.

36
(1)لا يخفى أن الرفع حقيقة في رفع الأمر الثابت قبل الرفع حقيقة،فلذا

يقال في النسخ:إنه رفع صوري بالنظر إلى ظاهر الدليل الدال على الاستمرار،

و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا شموله لرفع الأمر الثابت-و لو بحسب ظاهر

الدليل-فلا يشمل عدم توجيه التكليف مع قيام المقتضي له حقيقة إذا لم يكن‏

هنا دليل يثبته،و لو أطلق عليه فهو مجاز جدا.

لكن الظاهر من الرواية إرادة ما يعم ذلك كما ذكره-قدس سره-

و القرينة عليه أنه صلى اللَّه عليه‏و آله -ذكر هذا الحديث الشريف في مقام‏

الامتنان على هذه الأمة،بأنه من اللَّه عليهم برفع تلك الأمور التسعة عنهم،و لم‏

يثبتها عليهم،كما أثبتنا على الأمم السابقة،فالرفع هنا مقابل لإثباتها على الأمم‏

السابقة،فلم يكن معناه حينئذ إلا عدم جعلها في حقهم مع قيام المقتضي،فيكون‏

معناه مساوقا لقوله تعالى و ما جعل عليكم في الدين من حرج (1) .

هذا مضافا إلى أنه لا يعقل الرفع الحقيقي في الأحكام الشرعية،بمعنى‏

رفعها حال ثبوتها واقعا لكونه مستلزما للبداء في حقه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

و أما رفعها بمعنى الإعلام بانقضاء مدة ثبوتها بعد اقتضاء الدليل لها

مستمرا-كما هو معنى النسخ-فهو و إن كان ممكنا واقعا في الشريعة إلا أنه‏

غير محتمل في الحديث الشريف جدا كما لا يخفى،فتعين أن يكون المراد به ما

مر،فتدبر.

ثم إن حاصل الجواب عن الإيراد المذكور:أن الّذي مر-من أن المراد

رفع الآثار الشرعية المترتبة على نفس الفعل من حيث هو-نعني به رفع الآثار

الشرعية التي يقتضي ذات الفعل ترتبها عليه،و لما كان التكليف المجهول بذاته‏

مقتضيا لإيجاب الاحتياط فمعنى رفعه رفع إيجاب الاحتياط و التحفظ.

1)الحج:78.

37
قوله-قدس سره-:(و كذلك‏الكلام‏في الجزء المنسي،فتأمل.). (1) .

(1)لعله إشارة إلى أنه قد مر أن المراد برفع تلك الأمور التسعة التي منها

النسيان رفع الآثار الشرعية المترتبة على الفعل-من حيث هو-لو لا الرفع،مع‏

قيام المقتضي لثبوتها حال الرفع،و هذا المعنى غير متعقل في جزئية شي‏ء للمأمور

به أو شرطيته له،فإنهما و إن كانتا من الآثار الشرعية المترتبة على ذات الفعل-

من حيث هو-على تقدير ثبوتها،إلا أنه لا يمكن رفعهما مع قيام المقتضي لهما،

و بدونه لا رفع أصلا،فهما يخرجان عن الرواية جدا،و ذلك لأن المقتضي لجزئية

شي‏ء للمأمور به أو شرطيته له إنما هو الأمر بالفعل المأمور به مقيدا بهما،و هذا

على تقدير ثبوته علة تامة للشرطية و الجزئية،لا يعقل معه رفع الشرطية و الجزئية

-مضافا إلى ما قد يقال:من أن الأحكام الوضعيّة أمور انتزاعية من التكليفية

ليس لها واقع سواها-و على تقدير عدمه لا رفع أصلا.هذا.

أقول:هب أنه لا يصح إدخال الشرطية و الجزئية في الرواية فلا يصح‏

التمسك بها على نفيهما حال النسيان إلا أن سببهما-و هو الأمر بالمشروط و الكل‏

مقيدا بالجزء و الشرط-داخل فيها جدا،فإن ذات الفعل من حيث هو مقتض‏

لتعلق الأمر به مقيدا بهما،فمعنى رفعه حال النسيان رفع هذا الأمر الّذي‏

يقتضيه فتدل الرواية على عدم الأمر حال النسيان بالجزء و الشرط المنسيين.

الاستدلال بالحسد معصية و غيره‏

قوله-قدس سره-:(و في الشرائع‏ (2) :أن الحسد معصية،و كذا الظن‏

بالمؤمن،و التظاهربذلك‏ (3) قادح بالعدالة.). (4) .

(2)فإن هذا موافق لما في الدروس‏ (5) فإن جعله التظاهر بالحسد قادحا

1)فرائد الأصول 1:324.و بين المعقوفين للتوضيح.

2)الشرائع 4:128.

3)لم ترد في الأصل،و إنما أثبتناها من المصدر.

4)فرائد الأصول 1:325.

5)الدروس 2:126.

38
بالعدالة دون نفسه-مع أنه قال:إنه معصية-دال على أنه جعل نفس الحسد

من المعاصي الصغيرة،و التظاهر به من الكبائر القادحة بالعدالة و لو مع عدم‏

الإصرار عليها.

قوله عليه السلام:«و إنما يذهبه التوكل.. (1) .» (2) .

(1)الضمير إما راجع إلى الطيرة،فالمعنى:يذهب الطيرة التوكل،و إما إلى‏

الشرك المخصوص،فالمعنى:أنه إنما يذهب الشرك-و هو الطيرة-التوكل.

و كيف كان،الطيرة شرك إن اعتقد أنه المؤثر الحقيقي في الأمور،لا

الواسطة،كالخواص المترتبة على الأشياء،كالحموضة،و الحلاوة،و السمنية،

و الترياقية،و غير ذلك.

قوله-قدس سره-:(و منها:قوله عليه السلام:«ما حجب اللَّه‏

علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (3) ) (4) .

(2)الاحتمالات السابقة في حديث الرفع-من حيث كون المقدر

جميع الآثار أو الأثر المناسب أو خصوص المؤاخذة-جارية فيه أيضا،

و الكلام هنا الكلام فيه إلا أن بعض القرائن الموجودة هناك على حمل‏

الموصول على الموضوع خاصة غير موجود هنا،بل الظاهر منه هنا

الأعم.

قوله-قدس سره-:(لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط.). (5) .

(3)لا يخفى أن هذا الإيراد لا يختص بهذه الرواية،بل يعم سائر الروايات‏

1)سنن أبي داود 4:17-3910،سنن الترمذي 4:160-1614.

2)فرائد الأصول 1:326.

3)توحيد الصدوق:413.الوسائل 18:119-28 باب 12 من أبواب صفات القاضي.

4)فرائد الأصول 1:326.

5)فرائد الأصول 1:327.

39
المتقدمة،مع أنه لم يتعرض له فيها.

اللهم إلا أن يكون ذلك لأجل اختصاص هذه الرواية بهذا الإيراد

وحده،و سلامته من سائر الإيرادات الواردة على غيرها.

قوله-قدس سره-:(و سياقه يأبى عن التخصيص.). (1) .

(1)فإن قوله:عليه السلام-:«أيما امرئ ارتكب أمرا بجهالة فلا شي‏ء

عليه» (2) باعتبار تعليق الحكم فيه على الوصف المناسب-و هو الجهل-يفيد عليته‏

لرفع المؤاخذة،و كونه علة له مناف لتخصيصه بالشاك الغير المقصر،لوجوده في‏

غيره أيضا بمثل وجوده فيه.

قوله-قدس سره-:(فتأمل) (3) .

(2)لعله إشارة إلى أن حمل الرواية على الغفلة أو اعتقاد الصواب أيضا يحوج‏

الكلام إلى التخصيص بالجاهل الغير المقصر-أي الغافل أو المعتقد للصواب‏

عن غير تقصير-مع أن السياق آب عن التخصيص لما مر.

الاستدلال بصحيحة عبد الرحمن‏

قوله-قدس سره-:(و قد يحتج بصحيحة (4) عبد الرحمن‏

ابن الحجاج.). (5) .

(3)وجه الاستدلال:أنه عليه السلام حكم فيها بالمعذورية في التزويج‏

على المرأة في العدة و رفع المؤاخذة عليه،و علق المعذورية فيها على الوصف‏

المناسب،و هو الجهل المفيد لعليته للمعذورية و رفع المؤاخذة،فيستفاد منها كون‏

الجهل علة لرفع المؤاخذة مطلقا،سواء كان المجهول موضوعا أو حكما،و سواء

1)فرائد الأصول 1:327.

2)التهذيب 5:73.

3)فرائد الأصول 1:327.

4)الكافي 5:427.

5)فرائد الأصول 1:328.

40
كان منشؤه في الثاني اشتباه الأمور الخارجية أو فقد النص أو إجماله أو تعارضه.

فتكون حجة على نفي المؤاخذة على ارتكاب الشبهة التحريمية فيما لا نصّ فيه‏

التي هي المتنازع فيها.

أقول:و يؤكد عموم عليته للمعذورية و رفع المؤاخذة عدم استفصال‏

الإمام عليه السلام من السائل عن تخصيصه الواقعة المسئول عنها بأن‏

الجهل فيها:أ هو في أصل العدة،أو في انقضائها مع العلم بها،أو أنه في مقدارها.

أو أنه في كون العقد على المرأة محرما شرعا،و تعيينه سؤال السائل‏ (1) ثانيا بقوله:

(بأي الجهالتين أعذر؟)ثم جوابه عليه السلام:«إحدى الجهالتين أهون،

الجهالة بأن اللَّه حرم عليه ذلك».

و كأن المصنف-قدس سره-منع من إطلاق الجهالة،و حملها على الجهالة

المخصوصة بالواقعة المسئول عنها،فلذا ردد في الجواب عن الاستدلال‏بها،

و قد ظهر ما في منعه منه مما ذكرنا.

هذا،لكن الإنصاف عدم صحة الاستدلال بالصحيحة على المدعى،

لظهور أن المراد من المعذورية فيها إنما هي المعذورية في التزويج على‏ (2) المرأة

مطلقا بعد انقضاء عدتها،و نفي التحريم الأبدي،لا المعذورية في التزويج‏

عليها (3) في عدتها مطلقا،كما هو مبنى الاستدلال‏بها،و القرينة على ذلك‏

أمران:

أحدهما:قوله عليه السلام في الصحيحة:«أما إذا كان بجهالة

فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها»،فإنه ظاهر في عدم كون التزويج عليها (4) في‏

العدة حال الجهل موجبا للحرمة الأبدية،و قوله عليه السلام بعد ذلك:«فهو

1)كذا في الأصل،و الصحيح:و تعيين السائل سؤاله.

2)تصح العبارة بتضمين(التزويج)معنى(العقد)،فيتعدى ب(على).

3)تصح العبارة بتضمين(التزويج)معنى(العقد)،فيتعدى ب(على).

4)تصح العبارة بتضمين(التزويج)معنى(العقد)،فيتعدى ب(على).

41
معذور في أن يتزوجها»،فإنه صريح في ذلك.

و ثانيهما:إطلاق الجهالة في قوله عليه السلام:«أما إذا كان بجهالة»

بالنسبة إلى الصور الأربعة المذكورة في وجه تأييد إرادة العموم منها مطلقا،حتى‏

إذا كانت الجهالة فيها بالشك،فإن الجهالة لها فردان:أحدهما ذلك،و الآخر

الغفلة،حيث إنها بمعنى عدم العلم المعبر عنه بالفارسية:ب(ناداني)فيشملها

عند الإطلاق.

و بالجملة:لما كان كل من الوجوه الأربعة-المذكورة في كيفية الواقعة

المسئول عنها-محتملا،مع احتمال كون الجهل في كل منها-على تقديره-

بالشك أو بالغفلة،فالجهالة بإطلاقها شاملة لجميعها بأي الاحتمالين في مصداقي‏

الجهالة،بل بعمومها،لما مر من وجه ترك الاستفصال،فإن حملها على إطلاقها أو على‏

العموم لا يمكن إلا بحمل المعذورية في موردها على المعذورية في التزويج بعد

انقضاء العدة،فإن الجاهل في تلك الصور إذا كان شاكا ملتفتا فليس معذورا في‏

التزويج على‏ (1) المرأة في العدة مطلقا:

أما إذا كانت شبهة موضوعية-كما في الصورة الأولى،و هي الشك في‏

أصل العدة،و الثانية،و هي الشك في انقضائها مع العلم بها-فلوجوب الفحص‏

عليه في الأولى،مضافا إلى أصالة عدم تأثير العقد،و لاقتضاء الاستصحاب‏

عدم انقضاء العدة في الثانية،فلا يجوز العقد فيها اتفاقا.

و أما إذا كانت شبهة حكمية-كما في الصورة الثالثة،و هي كون الشك‏

في مقدار العدة شرعا مع العلم بها في الجملة،و الصورة الرابعة،و هي الشك في‏

حرمة التزويج على‏ (2) المرأة في العدة-فلوجوب الفحص فيها عليه اتفاقا،

مضافا إلى أصالة عدم تأثير العقد،مع أن الجهالة في الرابعة بمعنى الشك لا

1)مر الوجه في تعدية التزويج ب(على)،و سيتكرر نظيرها.

2)مر الوجه في تعدية التزويج ب(على)،و سيتكرر نظيرها.

42
يكون إلا عن تقصير،لوضوح الحكم فيها بين المسلمين بحيث يعرفه كل أحد

الكاشف عن تقصير الجاهل،فالجاهل فيها ليس معذورا بالضرورة.

و لو سلمنا المعذورية في الصورة الأولى،نظرا إلى اقتضاء الاستصحاب‏

عدم العدة و عدم وجوب الفحص فيها،فتكون الشبهة موضوعية لا يجب‏

الفحص فيها إجماعا،كما ادعاه المصنف-قدس سره-في بعض كلماته أيضا،

و إلى‏ (1) حكومة هذا الاستصحاب على استصحاب عدم تأثير العقد كما هو

كذلك،نظرا إلى كون الشك في التأثير مسببا عن الشك في أن عليها عدة.

فيكفي في منافاة الإطلاق،بل العموم-كما مر-عدم استقامة الكلام في سائر

الصور.

فحينئذ يدور الأمر في الرواية بين:تخصيص الجهالة فيها و تقييدها بالغفلة

في جميع تلك الصور،أو تخصيص الجهالة بالصورة الأولى و إخراج سائر الصور عنها

على تقدير الشك فيها مع إطلاق الجهالة في الصورة الأولى بالنسبة إلى الشك.

و بين حمل المعذورية على المعذورية في التزويج بعد العدة،حيث إنها لم‏

يقم دليل على نفيها عن واحدة من تلك الصور بأي قسم من قسمي الجهالة من‏

الشك أو الغفلة،فلا يلزم تخصيص أو تقييد في الجهالة،مضافا إلى قيام الإجماع‏

على ثبوتها في أكثرها-و هي غير الأخيرة-،فتكون الرواية حجة على ثبوتها فيها

أيضا للتنصيص بها (2) فيها بالخصوص،مضافا إلى إطلاقها بالنسبة إليها.

لا سبيل إلى الأول،لوجوب الأخذ بأصالة الإطلاق و العموم ما لم يثبت‏

الصارف عنهما،و ليس في الرواية ما يوهم الصرف،فكيف بما يدل عليه؟!فتعين‏

الثاني،و هو المطلوب.

لا يقال:إنه لو كان المراد بالمعذورية المعذورية في التزويج بعد العدة لما

1)المعطوف على(نظرا إلى اقتضاء.).،أي و نظرا إلى حكومة.

2)كذا في الأصل،و الصحيح،للتنصيص عليها..

43
استقام تعليله عليه السلام إياها في الصورة الأخيرة-المنصوصة في الرواية-

بكون الجاهل فيها غير قادر على الاحتياط،فإنه إنما يستقيم كون عدم القدرة

على الاحتياط علة على نفي المؤاخذة على التزويج.

لأنا نقول:إن تجويز العقد بعد انقضاء العدة إنما هو من باب التخفيف‏

و تسهيل الأمر على العباد مع قيام المقتضي لتحريمه،كما ينادي به قوله-عليه‏

السلام-:«فهو معذور»،و لا ريب أن الغافل أولى بالتسهيل عليه من الشاك‏

الملتفت،فاستقام التعليل.

ثم إنه ربما يتخيل:أن إطلاق الجهالة-في قوله عليه السلام:«الجهالة

بأن اللَّه حرم ذلك عليه»-أيضا شاهد على حمل المعذورية على المعذورية في‏

التزويج بعد العدة بتقريب:

أنها بإطلاقها شاملة لصورة التزويج على المرأة المعتدة قبل الفحص عن‏

حكم المسألة،فلو كان المراد المعذورية في ذلك و رفع المؤاخذة عنه عليه دون‏

المعذورية في التزويج بعد العدة،لكان مفاد تلك الفقرة مخالفا للإجماع بل‏

الضرورة،فإن الجاهل بالأحكام الشرعية لا يصح و لا يجوز له الرجوع إلى‏

أصالة البراءة قبل الفحص ضرورة،فلا يكون معذورا بالبديهة.

هذا بخلاف ما لو حملناها على المعذورية في التزويج بعد انقضاء العدة،

لعدم قيام الإجماع-حينئذ-على خلافه،فتكون الفقرة المذكورة دليلا

على جواز العقد بعد العدة في تلك الصورة كما مرت الإشارة إليه،فحينئذ لو

بنينا على الثاني عملنا بإطلاقها،و إلا يلزم طرحه من غير صارف له،و هو باطل‏

فتعين الأول.

هذا،لكن لا يخفى فساده على من له أدنى تأمل،فإن تعليله-عليه‏

السلام-الأهونية في تلك الصورة بعدم القدرة فيها على الاحتياط قرينة على‏

أن مورد تلك الفقرة هو الغافل لا غير،و لا ريب أنه يتعقل في حقه المعذورية في‏


44
التزويج على المرأة المعتدة،بمعنى رفع المؤاخذة عنه عليه،بل لا بد أن يكون‏

كذلك،فإذا أمكن في حقه ذلك تحمل‏ (1) المعذورية في تلك الفقرة على الأعم من‏

المعذورية في التزويج بعد العدة لإطلاقها،فإذا فرض كون المراد منها هنا الأعم‏

يكون‏ (2) المراد منها ذلك أيضا،و إلا لزم التفكيك في المعذورية في الموارد في سائر

الصور (3) ،فيتم مطلوب المستدل.

اللهم إلا أن يلتجأ حينئذ-في حمل المعذورية على المعذورية في التزويج‏

بعد العدة-إلى ما ذكرنا من الوجهين،فيرجع الأمر بالأخرة إليهما،فلم يبد

هنا (4) وجه ثالث للدلالة على المطلوب.

قوله-قدس سره-:(لوجوب الفحص و أصالة عدم تأثير

العقد.). (5) .

(1)قد مرت الإشارة إلى ضعف كل من هذين.

أما الأول:فلكون الشبهة-حينئذ-موضوعية لا يجب الفحص فيها

إجماعا.

و أما الثاني:فلأن استصحاب عدم العدة حاكم على هذا الأصل جدا،

كما مر.

هذا،لكن لا يبعد أن يكون مراده-قدس سره-من الجهالة بأصل العدة

الجهالة بلزوم التربص،فتكون الشبهة حكمية قصر في السؤال عنها،و لا يجوز

1)في الأصل:فتحمل.

2)في الأصل:فيكون.

3)كذا في الأصل،و الصحيح:..المراد منها ذلك أيضا في سائر الصور،و إلا لزم التفكيك في المعذورية في‏

الموارد،فيتم مطلوب المستدل.

4)في الأصل الكلمة غير مقروءة أثبتناها استظهارا.

5)فرائد الأصول 1:328.

45
له الرجوع إلى أصالة البراءة،لتوقفه في الشبهة الحكمية على الفحص،فيكون‏

ما ذكره-قدس سره-من عدم معذوريته-حينئذ-معللا بوجوب الفحص‏

و أصالة عدم تأثير العقد في محله،إذ لا أصل يعارض-حينئذ-أصالة عدم تأثير

العقد،فضلا عن حكومته عليها،فتكون هي محكمة،و القرينة على إرادته‏

-قدس سره-تلك الصورة تعليله بوجوب الفحص و أصالة عدم تأثير العقد،إذ

لو كان المراد هو صورة الشبهة الموضوعية-و هي الجهالة بأن عليها عدة،أم لا،

مع العلم بوجوب العدة-لم يستقم هذا التعليل،كما عرفت،و لا يقول هو بلزوم‏

الفحص-حينئذ-و لا باعتبار هذا الأصل.

قوله-قدس سره-:(إلا أنه إشكال وارد على الرواية على كل‏

تقدير.). (1) .

(1)يعني أن تخصيص الجاهل بالحكم بالتعليل المذكور إشكال وارد عليها

مطلقا:

أما على تقدير كون المراد بالجهالة في جميع الفقرات متحدا-بأن يكون‏

المراد منها في الجميع الغفلة-فلأنه مستلزم لكون تعليل أولوية الجاهل بالحكم‏

بالعلة المذكورة تعليلا بالعلة المشتركة،و هو قبيح،كما لا يخفى،أو بأن يكون‏

المراد منها في الجميع الشك،فإنه لا وجه للتعليل-حينئذ-أصلا،لكونه كذبا.

و أما على تقدير كون المراد منها في هذه الفقرة الغفلة،و في سابقها الشك.

فيلزم التفكيك بين الجهالتين،و هو خلاف الظاهر،إلا أنه بعد دوران الأمر بينه‏

و بين التقدير الأول بأحد احتماليه يجب الالتزام به،لبطلان الأول و فساده عند

العقل مطلقا،بخلاف الثاني،فإن غايته كونه مخالفا للظاهر،لا قبيحا.و الظاهر

يخرج عن مقتضاه بعد قيام القرينة عليه بالضرورة،و لذا قال-قدس سره-

1)فرائد الأصول 1:328،و العبارة فيه هكذا:(إشكال يرد)..

46
(و محصله لزوم التفكيك بين الجهالتين) (1) بغير موجه‏ (2) -بالفتح-.

قوله-قدس سره-:(فتدبر فيه و في دفعه.). (3) .

(1)أما التدبر في أصل الإشكال فقد حصل.

و أما التدبر في دفعه:فبأن الجهالة معناها إنما هو عدم العلم المعبر عنه‏

بالفارسية:ب(ناداني)المتحقق تارة في ضمن الشك،و أخرى في ضمن الغفلة،

كما مرت الإشارة إليه،و هي مستعملة في كلا الموضعين من الرواية في هذا المعنى‏

العام،إلا أنه لما لم يكن لها مصداق في الثاني منهما-و هو الجهل بأن اللَّه حرم عليه‏

التزويج في العدة-إلا في ضمن الغفلة،لوضوح هذا الحكم بين المسلمين‏

كالشمس في رابعة النهار،بحيث يعرفه كل أحد ممن قرعت سمعه كلمة الإسلام‏

أو كان لها مصداق آخر أيضا،لكنه في غاية الندرة،بحيث كاد أن يلحق بالمعدوم،

فعلل عليه السلام أولوية العذر-هنا-بعدم القدرة على الاحتياط،

لانحصار مورد الجهالة هنا في الغفلة،لا لاستعماله إياها-هنا-في الغفلة،حتى‏

يلزم التفكيك،مع أنه لا يعقل-مع إطلاق الجهالة في السؤال بكلا شقيه-وقوع‏

الجواب بكونها أهون في الشق الثاني معللا بأني فرضت الجاهل فيه الغافل،و هو

لا يقدر على الاحتياط،لكون ذلك بمكان لا يمكن نسبته إلى أحد منا،فكيف‏

بالإمام عليه السلام ؟!

قوله-قدس سره-:(إذ لا يستقيم إرجاع الضمير في(منه)

إليهما...إلى آخر) (4) .

1)فرائد الأصول 1:328.

2)العبارة في الأصل غير واضحة،و الأقرب فيها:(يعني موجبه-بالفتح-)،فهو-رحمه اللَّه-يفسر عبارة

الفرائد أعلاه بما يلي:..لزوم المحذور المترتب على التفكيك بين الجهالتين.

3)فرائد الأصول 1:328.

4)فرائد الأصول 1:329.

47
(1) نظرا إلى أن كلمة(من)ظاهرة في التبعيض،فمقتضاها هنا كون الحرام‏

قسما من ذلك الشي‏ء و فردا منه،و على تقدير جعل الشي‏ء خصوص المشتبه لم‏

يكن الحرام قسما منه،بل عينه،فإن الشي‏ء الكلي المشتبه الحكم كشرب التتن‏

-مثلا-عند الاطلاع بحرمته‏ (1) يكون الحرام نفسه،لا فردا منه،إذ المفروض‏

عدم وجود القسمين فيه:أحدهما حلال،و الآخر حرام.

قوله-قدس سره-:(و كون الشي‏ء مقسما لحكمين-كما ذكره‏

المستدل-لم يعلم له معنى محصل) (2) .

(2)إذ المعتبر في المقسم صدقه على كل واحد من الأقسام،و لا يعقل كون‏

الشي‏ء المشتبه الحكم-الّذي هو الموضوع-صادقا على شي‏ء من الحكمين،

فإنهما من عوارضه،لا من أفراده و مصاديقه.

هذا،لكن لا خفاء فيما أراده المستدل من تلك العبارة،فإنه أراد بها كون‏

الشي‏ء محتملا للحلية و الحرمة،و إنما أدى مراده بما لا دخل له في إفادته،مع‏

ظهورها فيما ينكره كل صبي.

قوله-قدس سره-:(لازم قهري لا جائز لنا.). (3) .

(3)فيه:أنه معلوم أن مراد المستدل بالجواز هو العقلي،و هو الإمكان،لا

الشرعي،و هو الإباحة،حتى ينكر بما ذكره-قدس سره-.

قوله-قدس سره-:(و على الاستخدام...-إلى قوله-:فذلك‏

الجزئي لك حلال.). (4) .

(4)إنما جعل المشار إليه على تقدير الاستخدام هو الجزئي المراد بلفظ.

1)كذا في الأصل،و الصحيح:الاطلاع على حرمته.

2)فرائد الأصول 1:329.

3)فرائد الأصول 1:329.

4)فرائد الأصول 1:330.

48
الشي‏ء،دون الكلي الّذي يعود إليه الضمير في«فيه»و«منه»،لأنه لولاه لخلت‏

الجملة الواقعة خبرا عن المبتدأ-الّذي هو الشي‏ء-عن الربط لها إلى ذلك‏

المبتدأ،كما لا يخفى.

قوله-قدس سره-:(و لضمير«منه»و لو على الاستخدام.). (1) .

(1)إذ معنى الرواية على تقديره:أن كل جزئي مشتبه الحكم محتمل للحلية

و الحرمة،فذلك الجزئي لك حلال حتى تعرف الحرام من نوعه،فتدع ذلك الحرام،

و ظاهر كلمة(من)كما مر هو التبعيض،فمقتضاها كون ذلك الجزئي مما في نوعه‏

قسمان فعلا-أحدهما حلال و الآخر حرام-و هذا لا ينطبق على الشبهات‏

الحكمية التي أراد المستدل الاحتجاج عليها،فإن الجزئي فيها ليس مما في نوعه‏

قسمان فعلا،بل حال نوعها مردد بين الحلية و الحرمة،لا أنه منقسم إليهما،فإن‏

الشك في حرمة الجزئي فيها أو حلية ينشأ من الشك في حال نوعها.

قوله-قدس سره-:(الاشتباه الّذي يعلم من قوله:«حتى‏

تعرف...») (2) .

(2)فإن الحكم على شي‏ء بالحلية أو الحرمة-أو غيرهما من الأحكام التكليفية

أو الوضعيّة-مغيا بغاية العلم و المعرفة يفيد أن المراد بالشي‏ء-الّذي جعل‏

موضوعا لذلك الحكم المغيا بتلك الغاية-هو المشتبه المتردد حكمه في الواقع‏

بين كونه هذا الحكم أو نقيضه.

قوله-قدس سره-:(ليس منشأ لاشتباه لحم الحمير.). (3) .

(3)فإن منشأ الاشتباه فيه إنما هو فقد النص،كما في شرب التتن.

1)فرائد الأصول 1:330.

2)فرائد الأصول 1:330.

3)فرائد الأصول 1:330،و فيه:(الحمار)بلفظ المفرد.

49
قوله-قدس سره-:(معرفة ذلك الحرام الّذي فرض وجوده.). (1) .

(1)فإن إعادة النكرة بالمعرفة يفيد أن المراد بها هي النكرة بخصوصها.

و قوله:(فرض وجوده)يعني فرض وجوده في الشي‏ء الّذي جعل موضوعا للحكم‏

بالحلية،كما هو ظاهر قوله عليه السلام:«فيه حلال و حرام».

أقول:لا يخفى أن اتحاد الحرام-الّذي جعل معرفته غاية للحكم بالحلية-

مع الشي‏ء المفروض الوجود الّذي لا يقضي بخروج مثل مطلق اللحم عن‏

موضوع الرواية،إذ ليس معنى«شي‏ء فيه حلال و حرام»أزيد من كونه شيئا

وجد فيه القسمان فعلا،و هو صادق على مطلق اللحم جدا،لوجودهما فيه كذلك،

فيقال:إن حلية مطلق اللحم مغياة بمعرفة ذلك القسم الحرام منه،لا أن حلية

قسم آخر منه مغياة بمعرفة ذلك القسم الحرام،حتى ينكر،فمعرفة لحم الخنزير

ليست غاية لحلية لحم الحمار من حيث خصوصيته،بل إنما هي غاية لها بعنوان كونه‏

من مطلق اللحم.

فظهر أن مجرد اتحاد الحرام-الّذي جعلت معرفته غاية للحلية-مع‏

الحرام الموجود في نوعه لا يقضي بما ذكر إلا بضميمة ما مر من أن الظاهر من‏

قوله عليه السلام:«فيه حلال و حرام»بيان منشأ الاشتباه في الحلية و الحرمة،

فيكون المراد بالحرام هو الّذي صار وجوده منشأ لاحتمال الحرمة،فيكون المراد

بالحرام-الّذي جعلت معرفته غاية لحلية ذلك النوع-هو هذا الحرام،و هذا لا

ينطبق على المثال المذكور،فإن وجود القسم الحرام فيه-و هو لحم الخنزير-لم‏

يكن منشأ لاحتمال الحرمة في لحم الحمار،حتى يكون معرفته غاية للحلية،بل‏

المنشأ له إنما هو فقد النص،كما مرت الإشارة إليه،و مع الحاجة إلى تلك الضميمة

لم يحسن قوله-قدس سره-(هذا كله مضافا)إلى آخر ما ذكره،فإن الظاهر

1)فرائد الأصول 1:330-331.

50
منه جعل ذلك وجها آخر مستقلا لإثبات المرام،و قد عرفت ما فيه.

اللهم إلا أن يكون المراد جعل ذلك من القرائن المفيدة بمجموعها لما

هو في صدده،و لا يبعد،و إن كانت العبارة قاصرة عنه.

ثم إن الرواية الشريفة شاملة لجميع الشبهات الموضوعية البدوية منها

و الثانوية التي علم بوجود حرام فيها،كالشبهة الغير المحصورة و المحصورة

أيضا،و لقسم من الشبهات الحكمية،-و هو أن علم بحرمة صنف من نوع و بحلية

صنف آخر منه إجمالا مع عدم العلم بأن الحرام أي الصنفين منه-فإنه يصدق على‏

ذلك النوع أنه شي‏ء فيه حلال و حرام فعلا،و يكون منشأ الاشتباه فيه هو وجود

القسمين،لكن لا بد من تخصيصها بالشبهات البدوية و بالقسم الأول من‏

الثانوية و لإخراج الأخيرين منها،كما سيأتي التنبيه عليه في محله إن شاء اللَّه‏

تعالى.

قوله-قدس سره-:(و الإنصاف ظهور بعضها.). (1) .

(1)و هو قوله عليه السلام:«كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (2) .

قوله-قدس سره-:(و الظاهر من التعبير عن الدليل المخالف‏

(للأصل)بالناقل إرادة الأصل) (3) ،(2)فإن ذلك هو المعهود من الدليل المخالف‏

للأصل العملي،بل المصطلح عليه بينهم،كما أن المعهود-بل المصطلح بينهم-

في الدليل المخالف للأصل اللفظي-كأصالة الحقيقة و أصالة الإطلاق و العموم-

هو لفظ الصارف‏

1)فرائد الأصول 1:331.

2)الفقيه 1:208-22 باب 45،وسائل الشيعة 18:127-128-60 باب 12 من أبواب صفات‏

القاضي.

3)فرائد الأصول 1:334.الموجود في الفرائد عبارة المحقق في المسائل المصرية التي وجه بها نسبة السيد

إلى مذهبنا جواز إزالة النجاسة بالمضاف مع عدم النص.


51
و هذا الّذي ذكره-قدس سره-دفع لما ربما يتوهم من أنه لعل مراد

المحقق-قدس سره-من الأصل الّذي ادعي الاتفاق على العمل به إذا لم يكن‏

دليل مخالف له هو اللفظي،بمعنى أنه-قدس سره-فهم أن السيد-قدس‏

سره-حكم بجواز إزالة النجاسات بالمائعات المضافة متمسكا بإطلاق لفظ

الغسل في الأوامر الشرعية الواردة في الغسل عن النجاسات،مع عدم ثبوت‏

دليل على خلافه عنده،فنسب حكم المسألة إلى مذهبنا،لأن المذهب على جواز

العمل بأصالة الإطلاق،و سائر الأصول اللفظية ما لم يثبت دليل على الخلاف.

فوجه كلامه بما فهمه منه.

في الاستدلال بالإجماع‏

قوله-قدس سره-:(و ان طريقة الشارع كان تبليغ‏

المحرمات.). (1) .

(1)قد بتوهم:أنه-قدس سره-جعل ذلك من كواشف الإجماع العملي‏

المذكور،و أن قوله:(و أن طريقة الشارع)عطف على قوله:(فإن سيرة المسلمين).

لكن لا يخفى ما فيه من الضعف،فإن ذلك على تقدير ثبوته لا يصلح‏

لكونه كاشفا عن الإجماع المذكور،بل إنما هو دليل آخر مستقل على إثبات‏

أصالة البراءة،و يمكن أن يكون معطوفا على قوله:(الإجماع العملي)،بأن يكون‏

الوجه الثالث من وجوه الكواشف عن الوجه الثاني من وجهي الإجماع مركبا من‏

الإجماع العملي و منه،لكن على هذا أيضا لا يسلم من الإشكال المذكور،مع أنه‏

يبعده-أيضا-أنه-قدس سره-جعل كل واحد من وجوه الكشف عن الوجه‏

الثاني من وجهي الإجماع بسيطا،لا مركبا من وجهين،فتدبر.

لكن الظاهر أنه عطف على الفحص في قوله:(بعد الفحص)يعني أن‏

سيرة المسلمين على عدم الالتزام و الإلزام بترك ما يحتمل ورود النهي عنه من‏

1)فرائد الأصول 1:334.

52
الشارع بعد الفحص و عدم الوجدان،و بعد ملاحظة أن طريقة الشارع كانت‏

تبليغ المحرمات دون المباحات.هذا.

أقول:يتجه على ذلك-مضافا إلى ما ذكره(قدس سره)-بأن ملاحظة

هاتين المقدمتين توجب القطع بانتفاء الحرمة في المشكوك،و يصير الشك في حرمته‏

بدويا يزول بملاحظتهما،فيخرج عن الشهادة لما نحن فيه،فافهم.

في الاستدلال بالعقل‏

قوله-قدس سره-:(الرابع:حكم العقل بقبح العقاب على شي‏ء

من دون بيان التكليف...إلى آخره) (1) .

(1)المراد بالبيان ليس خصوص العلم،و إلا لقبح العقاب على مخالفة

التكاليف القائمة عليها الطرق الظنية المعتبرة،ضرورة أن قيام الأمارة الظنية

على تكليف لا يوجب العلم به،فلا يعقل كونها بيانا علميا له،مع أنه لا شبهة

في جواز العتاب و حسن العقاب عليها حكم العقل و شهادة العقلاء كافة،بل‏

المراد به الحجة القاطعة للعذر بين الموالي و العبيد،و هي ما لو عمل به العبد و اتفق‏

مخالفته للواقع-بأن كان مؤديا إلى مبغوض المولى-لقبح على المولى عقاب‏

العبد على ذلك،و لو لم يعمل به و اتفق كون مؤداه مطلوبا للمولى لحسن له عقابه‏

عليه‏1،فيعم الطرق الظنية المعتبرة،فإنها و إن لم تكن حججا في أنفسها كالعلم،

إلا أنها منزلة منزلة العلم بجعل الشارع و أمره بالعمل بمؤداها و جعله‏إياها

مرآة للواقع كالعلم.

لا يتوهم:أنه إذا لم يكن الطرق الظنية بأنفسها حججا-بل بجعل‏

1قبح العقاب في صورة مخالفة الطريق للواقع إنما هو لعدم بيان ذلك التكليف الّذي اتفق مخالفته جهلا.

فإن مجرد نصب طريق من دون قيامه على تكليف لا يكون بيانا لذلك التكليف،و إنما يكون بيانا له‏

إذا قام عليه،بأن يكون موصولا إليه،و حسنه في صورة مصادفته للواقع إنما هو لبيانه بقيام ذلك الطريق‏

عليه بالفرض.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 1:335.


53
الشارع-فيكون مدار الحجية فيما لم يكن حجة بنفسه على جعل الشارع،

فيكون الطرق الظنية و الأمور الغير المفيدة للظن أصلا1سواء من حيث عدم‏

حجيتهما في أنفسهما و حجيتهما بجعل الشارع،فما الوجه في جعل الشارع الأولى‏

حججا دون الثانية؟ لأنّ اعتبار الشارع ما لم يكن حجّة بنفسه و جعله حجّة معناه-كما أشير

إليه-إنّما هو أمره بالعمل بمؤدّاه و جعله مرآة لتكليفه الواقعي،و ذلك لا يعقل‏

في الثانية،ضرورة أنه ليس لها مؤدّى ليأمر الشارع بالعمل به،لعدم الكشف‏

فيها أصلا،فيرجع جعلها طرقا إلى جعل الشكّ طريقا،و هو غير معقول.

و بالجملة:الطرق الظنية صفة الطريقية ثابتة لها في أنفسها كالعلم إلا

أن الخاصية المترتبة على العلم-و هي السببية لقطع العذر-ليست لازمة لها كما

في العلم،بل إنما هي بجعل الشارع،فجعل الشارع مكمل لطريقيتها لا محدث‏

لصفة الطريقية فيها.

و مما ذكر إلى هنا ظهر:أنه لا يعقل أن يأمر الشارع بالاحتياط في مورد

الشك في التكليف الواقعي لأجل دفع ضرر ذلك التكليف الأخروي،سواء كان‏

أمره ذلك إرشاديا،أو شرعيا يكون الحكمة فيه التحرز عن ذلك الضرر

الأخروي،إذ بعد قبح العقاب على ذلك التكليف المشكوك لا ضرر حتى يجعل‏

التحرز عنه منشأ للأمر بأحد الوجهين المذكورين،و أنه يقبح للشارع‏ (1) إلزام‏

المكلف-بخطاب آخر سوى الخطاب الواقعي المشكوك فيه-على امتثال‏ (2)

ذلك التكليف المشكوك فيه،بأن يقول له-مثلا-:يجب عليك امتثال التكاليف‏

1ككون طلوع الشمس أو غروبها-مثلا-حجة و طريقا مجعولا على وجوب امتثال التكاليف الواقعية

المجهولة.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)كذا في الأصل،و الصحيح:يقبح على الشارع.

2)كذا في الأصل،و الصحيح:بامتثال.

54
الواقعية المشكوك فيها عندك ضرورة أن هذا الخطاب لا يعقل كونه بيانا لذلك‏

التكليف الواقعي المشكوك فيه و طريقا إليه،بل هو على جهالته بعده أيضا،

فيكون هذا إلزاما بامتثال تكليف لا بيان له أصلا،و هو قبيح.

نعم يجوز له الأمر-في الصورة المفروضة-بالاحتياط،مع جعل موضوعه‏

هو احتمال الخطاب الواقعي،لا الضرر الأخروي،بأن يأمر:بأنك إذا احتملت‏

في مورد احتمال‏ (1) كونه منهيا عنه في الواقع يجب عليك التحرز عنه،فإن‏

المفروض احتمال الخطاب،و ليس كالضرر الأخروي الّذي يقطع بعدمه،فيصح‏

جعل موضوع ذلك الأمر هو محتمل الخطاب،إلا أن هذا الأمر-أيضا-لا يعقل‏

كونه بيانا للتكليف و الخطاب المشكوك فيه،و إنما هو بيان لحكم هذا الموضوع‏

الخاصّ،و هو المحتمل كونه منهيا عنه مثلا،فهو مصحح للعقاب على مخالفة نفسه‏

و لو لم يكن في مورده تكليف واقعي أصلا،لا على الواقع.

هذا بناء على كون ذلك الأمر شرعيا.

و أما لو كان إرشاديا لأجل التحرز عن الضرر الدنيوي المترتب على‏

الحرام الواقعي الغير المرتفع بالجهل،فحينئذ لا عقاب على نفسه أيضا.

قوله-قدس سره-:(و دعوى أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر

المحتمل بيان عقلي...إلى آخره) (2) .

(1)طريق الإيراد بتلك القاعدة (3) أن يقال علي نحو الإجمال‏ (4) :إنه إذا بني‏

على قبح العقاب عقلا على التكليف المجهول فهنا قاعدة عقلية أخرى-و هي‏

وجوب دفع الضرر المحتمل-فما يصنع بتلك؟و كيف التوفيق بينها و بين هذه،

1)لا يخفى عليك زيادة كلمة(احتمال)هنا.

2)فرائد الأصول 1:335.

3)و هي قاعدة دفع الضرر المحتمل.

4)يعني بطور سربستگي.لمحرره عفا اللَّه عنه.

55
و هي قبح العقاب من غير بيان؟

و طريق الجواب عنها:أن منافاة تلك القاعدة على تقدير ثبوتها لهذه إنما

تتصور على وجهين:

أحدهما:أن تكون تلك رافعة لموضوع هذه،بكونها بيانا للتكليف‏

المجهول.

و ثانيهما:أن يكون ما نحن فيه-أعني الشبهة التحريمية-مصداقا

لكليهما بحيث يشمله تلك و هذه.

و هي-بكلا وجهيها-مدفوعة:

أما على الأول:فبما ذكره-قدس سره-من أن الحكم المذكور على تقدير

ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول،بمعنى أنه لا يصلح لذلك،نظير عدم‏

صلاحية الأمر بوجوب الإتيان بمشكوك الوجوب-مثلا-لكونه بيانا للتكليف‏

الوجوبيّ الواقعي،بل هي قاعدة ظاهرية موضوعها محتمل الضرر،فلو تمت‏

-بمعنى أنه ثبت كونها حكما شرعيا،لا إرشاديا-فالعقاب على مخالفة نفسها،

لأنها-حينئذ-بيان لحكم موردها و لو لم يكن تكليف واقعي في موردها أصلا،لا

على التكليف المحتمل على فرض وجوده،فإذا كان المأخوذ في موضوعها احتمال‏

الضرر فلا تصلح لورودها على قاعدة قبح العقاب بلا بيان،فإن جريانها في‏

مورد فرع احتمال الضرر،و القاعدة المذكورة تنفيه،فتكون هي واردة على تلك،

لا العكس.

و أما على الثاني:فظهر وجهه-أيضا-مما ذكرنا،فإن ما نحن‏فيه‏ليس‏

من أفراد تلك القاعدة أصلا،بل هوفردلهذه القاعدة فقط،و هي مخرجة له‏

عن كونه من أفراد تلك.

و شيخنا الأستاذ-قدس سره-إنما اقتصر على بيان الإشكال على الوجه‏


56
الأول و دفعه،و لعل وجه عدم تعرضه له‏على‏ (1) الوجه الثاني:أنه بعد الجواب‏

المذكور عن الأول لا يبقى مجال للثاني أصلا،فافهم‏1.

قوله-قدس سره-:(ذكر السيد أبو المكارم ابن زهرة (2)

-قدس سره-:أن التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما

لا يطاق.). (3) .

(1)المراد بالتكليف ليس مجرد الخطاب المتوجه إلى المكلف الموقوف تنجزه‏

عليه على علمه به،فان ذلك مما لا شبهة في جوازه،فإنه لا يلزم منه محذور أصلا،

فلا يجوز حمل كلام السيد عليه،مع أنه خلاف الظاهر من لفظ التكليف أيضا،

بل مراده-كما هو الظاهر من لفظ التكليف أيضا،مضافا إلى شهادة قوله:

(تكليف بما لا يطاق)-هو الخطاب المتوجه إلى المكلف على سبيل التنجيز

بحيث يؤاخذ الأمر على ترك العمل به.

و مراده بما لا طريق إلى العلم به ما لا طريق إلى العلم به من‏

حيث كونه مكلفا به من قبل الآمر،و يكون عدم العلم حقيقة راجعا إلى‏

التكليف.

و مراده بما لا يطاق بقرينة ما ذكره شيخنا الأستاذ-قدس سره-هو ما

لا يطاق الامتثال به،فيكون حاصل كلامه:أن التكليف بالمعنى المذكور

1و التعليق على التمام:إشارة إلى عدم كونها حكما شرعيا،بل إنما هي إرشادي محض،لا يترتب عليها

عدا ما يترتب على نفس الواقع،فإن كان في موردها ضرر فيترتب على الفعل،و إلا فلا.لمحرره عفا

اللَّه عنه.

1)في الأصل:من.

2)غنية النزوع إلى علمي الأصول و الفروع،قسم أصول الدين:مخطوط.

3)فرائد الأصول 1:335.

57
-بأمر لا طريق للمكلف إلى العلم بتعلق التكليف به-تكليف بما لا يطاق‏

الامتثال به،و هو قبيح،فيكون التكليف المذكور قبيحا،و إنما لم يحتج على‏

بطلان ذلك‏1اتكالا على وضوحه.

و وجه استدلاله بذلك على مسألة البراءة:أنه لو كان التكليف المشكوك‏

فيه في الواقع منجزا على المكلف-و موجبا للزوم الإتيان به بطريق الاحتياط

-لكان ذلك التكليف تكليفا بما لا طريق إلى العلم به،و هو قبيح،لكونه.تكليفا

بما لا يطاق الإتيان به،فيكون باطلا،فيكون المقدم مثله،فحينئذ لا شي‏ء

يقتضي وجوب الاحتياط في موارد الشك في التكليف.

لكن لا يخفى أن قبح التكليف بما لا طريق إلى العلم به من جهة كونه‏

تكليفا بما لا يطاق الإتيان به،على ما ذكره المستدل لا يتم بمجرد صدق كونه‏

تكليفا بما لا يطاق الإتيان به،فإن القبيح هو التكليف بما لا يطاق،و أما قبح‏

التكليف بما لا يطاق الإتيان به،فهو مطلقا ممنوع،بل المسلم منه ما إذا كان‏

الغرض من التكليف هو الامتثال الحقيقي،بمعنى الإتيان بخصوص المأمور به‏

أو ترك خصوص المنهي عنه،لكونه مأمورا به أو منهيا عنه،و السر فيه رجوعه‏

إلى التكليف بما لا يطاق.و أما لو كان الغرض منه الإتيان به على أي وجه كان‏

فقبح ذلك التكليف-من جهة صدق التكليف بما لا يطاق الإتيان به-

ممنوع.

و الحاصل:أنا و إن كنا نقول بقبح التكليف بمالاطريق إلى العلم‏

به‏،لكن‏لالأجل ما ذكره المستدل،بل لأجل قبح ذلك في نفسه عند العقل‏

من غير إرجاعه إلى أمر آخر و إدخاله فيه،و المستدل أراد إثبات قبحه من جهة

1أي بطلان التكليف بما لا يطاق الإتيان به.منه قدس سره‏.


58
قبح التكليف بما لا يطاق امتثاله‏ (1) ،و لأجل إرجاعه إليه و إدخاله فيه،فحينئذ

يتجه عليه:

أن قبح التكليف بما لا طريق إلى امتثاله‏ (2) مطلقا ممنوع،بل إنما يكون‏

قبيحا إذا لزم منه التكليف بما لا يطاق،و هو فيما إذا كان الغرض من التكليف‏

الامتثال الحقيقي،فلا يستقيم-حينئذ-جعله دليلا على أصل البراءة،إذ

للخصم أن يمنع كون الغرض من التكليف المشكوك فيه ذلك،بل لا بد له من‏

منعه،فإنه لو سلم ذلك فلا ريب في عدم إمكان حصوله بالاحتياط أيضا،فلا

وجه له‏ (3) لإيجابه.

و بالجملة:لأحد أن يقول للمستدل:الغرض من التكليف الواقعي‏

المشكوك لا ينحصر في الامتثال حتى يحكم ببطلانه،لكونه تكليفا بما لا يطاق،

بل يمكن أن يكون الغرض منه مطلق صدور الفعل أو إتيانه لداعي حصول‏

الانقياد،فعلى المستدل نفي هذين الاحتمالين أيضا،حتى يثبت خلو التكليف‏

المذكور عن الغرض بالكلية،فيكون قبيحا و باطلا حينئذ.

و شيخنا الأستاذ-قدس سره-لما رأى عدم تمامية هذا المقدار الّذي ذكره‏

السيد-قدس سره-على إثبات أصالة البراءة،فأكمله بقوله:(و احتمال كون‏

الغرض من التكليف.) (4) .إلى آخر ما ذكره-قدس سره-فقوله ذلك إلى‏

آخره تتميم لذلك الدليل.

و حاصل ما ذكره-قدس سره-من الدفع بتوضيح منا:أنه إن قام دليل‏

على وجوب إتيان الشاك في التكليف بالفعل مطلقا أو لاحتمال المطلوبية فذلك‏

1)في الأصل:الامتثال به..

2)في الأصل:الامتثال به..

3)(له)الظاهر زيادتها.

4)فرائد الأصول 1:336.

59
مغن عن التكليف بنفس الفعل،و إلا فلا يصلح التكليف المجهول،لكون‏

الغرض منه أحد هذين الأمرين،فإنه على تقدير كون الغرض منه أحدهما،فهو

إما غرض على سبيل الإطلاق،بمعنى أن المقصود به تحريك المكلف إلى تحصيله‏

على أي تقدير،و إما غرض في الجملة،بمعنى أن المقصود به تحريكه إلى إيجاده‏

أحيانا،و لا يعقل كون التكليف المجهول محركا أصلا لعدم قابليته لذلك،مع أن‏

الغرض لو كان هو الثاني-أي إتيان المكلف بالفعل لداعي الانقياد-فهو

حاصل بدون تكليف في الواقع أصلا،فإن مجرد احتماله يكفي في ذلك،و لا حاجة

إلى وجوده الواقعي.

اللهم إلا أن يبدى وجه آخر:و هو أن الغرض لعله حصول الفعل من‏

المكلف على سبيل الامتثال إذا صادق الواقع،إذ بدونه مجرد انقياد.

و بعبارة أخرى:أنه يكلف اللَّه تعالى العبد في حال جهله به لغرض‏

أنه إذا أتى بالمحتمل كونه مكلفا به بداعي احتمال التكليف يقع ذلك امتثالا،

و يثيبه ثواب الامتثال إذا اتفق كونه هو المكلف به واقعا،إذ لو لم يكلف في‏

الواقع،و أتى هو بالمحتمل كونه مكلفا بداعي احتمال التكليف به،فلا يقع ذلك‏

امتثالا،إذ مجرد الإتيان به على هذا الوجه مع عدم تكليف في الواقع لا يجعله‏

امتثالا،بل هو مجرد انقياد،و لو أعطي شيئا فهو لأجل الانقياد لا الامتثال،نظير

ما إذا ارتكب أحد شيئا باعتقاد كونه محرما-أو بداعي احتمال كونه كذلك-لا

يكون مخالفة إذا لم يصادف الواقع،بل إنما هو مجرد تجر،و لو عوقب لكان عقابه‏

ذلك لأجل التجري لا غير.

لكنه مدفوع:بأن هذا الغرض ليس من الأغراض المتعارفة في التكاليف‏

عند العقلاء،فلا يجوز احتماله في تكاليف الشارع.

و أيضا يتجه عليه:ما مر من أن التكليف لا بد أن يكون محركا للمكلف‏

إلى ما هو المطلوب منه،و لا يعقل كون التكليف المجهول محركا أصلا.


60
هذا،مع أن حقيقة التكليف هو ما حمل المكلف على الفعل و بعثه إليه،

و التكليف المجهول حال كونه كذلك لا يعقل كونه محركا كما عرفت،فلا يكون‏

تكليفا حقيقة.

قوله-قدس سره-:(و اعلم أن هذا الدليل العقلي)إلى قوله:(معلق‏

على عدم تمامية أدلة الاحتياط) (1) .

(1)لا يخفى أنه قد توهم العبارة خلاف المقصود،و هو أن موضوع قاعدة

-قبح العقاب على تكليف من دون بيان-مقيد بعدم وجوب الاحتياط،حتى‏

بالنسبة إلى التكاليف الواقعية المجهولة،بحيث لو فرض وجوبه بفرض تمامية

أدلته فلا يبقى لهذه القاعدة مطلقا موضوع،فيكون الاحتياط واردا على هذه‏

القاعدة مطلقا،و الموهم لذلك هو قوله-قدس سره-:(إنما هو إطلاق القول‏

بكون تلك القاعدة معلقة على‏عدم‏ (2) وجوب الاحتياط)فإنه ظاهر فيما ذكر،مع‏

أنه خلاف المقصود،مضافا إلى فساده في نفسه،حيث إن وجوب الاحتياط كيف‏

يعقل كونه بيانا للتكاليف الواقعية المجهولة؟!بل إنما هو بيان لحكم موضوع‏

نفسه،و هو مشكوك الحكم-مثلا-فلا يعقل ارتفاع موضوع تلك القاعدة

بالنسبة إلى التكاليف الواقعية المجهولة مع وجوبه،و لا يقول به الأخباريون‏

أيضا،بل المقصود كونها معلقة بالنسبة إلى هذا التكليف الظاهري الخاصّ،و هو

الاحتياط على عدم تمامية أدلة وجوبه،بحيث لو ثبت منها وجوبه لم يبق لتلك‏

القاعدة موضوع بالنسبة إلى هذا الحكم الظاهري المشكوك فيه قبل،فإن‏

القاعدة المذكورة جارية في مطلق التكليف المجهول-سواء كان واقعيا أو

ظاهريا-و ارتفاع موضوعها عن واحد منهما إنما هو ببيان نفس ذلك الواحد.

و بالجملة:لما كان النزاع في المقام-أعني الشبهة التحريمية-في وجوب‏

1)فرائد الأصول 1:336.

2)زيادة يقتضيها السياق.

61
الاحتياط و عدمه فالقاعدة تنفي العقاب عن التكليف بالاحتياط مع احتماله،

و تثبت البراءة ما لم يثبت وجوب الاحتياط بأدلته،فإذا وجب ارتفع موضوعها

عن الاحتياط لمعلومية حكمه حينئذ،فتنتفى أصالة البراءة الثابتة بها.

الاستدلال بالاستصحاب‏

قوله-قدس سره-:(بل هو من المقارنات حيث إن عدم‏

المنع...إلخ) (1) .(1)قال-دام ظلّه-:نعم الإذن الشرعي ليس لازما شرعيا للمستصحبات‏

المذكورة كلّها حتى عدم المنع،إلا أنّه يمكن استصحاب نفس عدم المنع السابق‏

من غير حاجة إلى ثبوت أثر شرعي له،و هو الإذن،و ذلك لأن عدم المنع السابق‏

الأزلي و إن لم يكن من المجعولات الشرعية و من أحكامه،إلاّ أن استمراره واقعا

أو ظاهرا إنما هو بيد الشارع،لقدرته على قطعه.

و بالجملة:كلّ عدم يكون انقطاعه بيد الشارع بحيث لو شاء لقطعه‏

بإثبات حكم وجودي في محلّه،فيكون استمراره-أيضا-كذلك واقعا أو ظاهرا،

بمعنى أنّ له أن يحكم باستمراره واقعا،و أن يحكم به ظاهرا و إن كان المنع موجودا

منه في الواقع،فعلى هذا فيمكن دخوله في أخبار الاستصحاب،و يكون‏

الاستصحاب فيه نظير الاستصحاب في نفس الأحكام الشرعية الوجودية،

كاستصحاب الوجوب و الحرمة و غيرهما من حيث كون معنى الاستصحاب فيها

هو الحكم باستمرار تلك الأحكام في مرحلة الظاهر،و إحداث خطاب مماثل‏

للخطاب الواقعي،و لا حاجة فيها إلى إحراز أثر شرعي لها.نعم هو معتبر فيما

إذا كان المستصحب من الموضوعات،لا الأحكام.

و الحاصل:أن للشارع أن يحكم باستمرار عدم المنع واقعا،و أن يحكم به‏

في مرحلة الظاهر،و يكون حكمه هذا خطابا مماثلا للخطاب الواقعي المبيّن.

1)فرائد الأصول 1:337.


62
لاستمرار عدم المنع واقعا،كيف و لو لم يبن علي هذا لوجب طرح جميع‏

الاستصحابات العدمية الجارية في نفي نفس الأحكام كاستصحاب عدم الحرمة

و عدم الوجوب و غيرهما،إذ لا فرق بينها و بين عدم المنع من جهة أن الأولى منها

-أيضا-ليس بيد الشارع حتى يحكم به،و يكون استمرارها بيده،و أن عدم‏

الحرمة أو الوجوب مع الإذن في الفعل أو في الترك من قبيل الضدين،فلو لم ينفع‏

هذا التوجيه في المقام لما تم ثمة أيضا،و بعده لا وجه للاستصحاب فيها،مع أن‏

شيخنا الأستاذ-قدس سره-يقول بجريان الاستصحاب فيها،كما هو الحق‏

عندنا بلا إشكال.

و خلاصة المرام:أن المصحح للاستصحاب لا ينحصر في ثبوت أثر

شرعي للمستصحب،و إلا لم يجر في مجاري الشك في الأحكام الشرعية،لا من‏

حيث الوجود،و لا من حيث العدم،بل المصحح أحد الأمرين على سبيل منع‏

الخلو:أحدهما ما ذكر،و ثانيهما كون نفس المستصحب من الأمور المنوط

استمرارها بيد الشارع.

قوله-قدس سره-:(فتأمل) (1) .

(1)لعله إشارة إلى أن إحراز الموضوع في موارد الاستصحاب-بناء على‏

اعتبار الاستصحاب من باب الإخبار-إنما هو موكول إلى نظر العرف،و هم لا

يجعلون مثل ذلك التغاير منشأ لتبدل الموضوع،بل مع ذلك يحكمون بأن هذا

هو الّذي كان قبل،و يتسامحون في ذلك التغاير،فلا يبنون على مغايرة المجنون‏

-إذا أفاق-له حال الجنون،بل يقولون:إنه-حينئذ-هو،و كذا لا يبنون و لا

يحكمون بمغايرة الصبي-إذا بلغ-له حال الصغر،بل يحكمون باتحاد الموضوع‏

بالنسبة إلى تينك الحالتين،فافهم.

1)فرائد الأصول 1:338.

63
في الاحتياط

قوله-قدس سره-:(و منها:أن الاحتياط عسر منفي) (1) .

(1)حاصل ما يتجه على هذا الوجه و ما بعده:أن المطلوب في مسألة البراءة

نفي الاحتياط كلية عن موارد الشبهة التحريمية،و هذا-كما بعده-لا ينهض‏

لإثبات ذلك،و إنما يوجب-كما بعده-بطلان الاحتياط في بعض الموارد فقط،

فيكون أخص من المدعى.

الاستدلال على الاحتياط بالكتاب و السنة و العقل‏

قوله-قدس سره-:(بالأدلة الثلاثة) (2) .

(2)المراد بها غير الإجماع من الأدلة الأربعة المعروفة.

قال دام ظله:ظاهر قوله-قدس سره-:(بالأدلة الثلاثة)أن الأدلة

الثلاثة الآتية معهودة من هذا اللفظ،ككون الأربعة معهودة من لفظ الأدلة

الأربعة،و ليس كذلك،فكان الأولى التعبير عنها بقول:وجوه ثلاثة،أو بأسماء

تلك الأدلة الآتية،و لو لا تفصيل الأدلة فيما بعد لم يفهم أن المراد بلفظ الثلاثة

أي الثلاثة من الأدلة الأربعة المعروفة،فإنه يمكن تصوير الثلاثة منها على وجوه‏

و اعتبارات،كما لا يخفى.

و لو قيل:إنه لما كان الغرض الاستدلال بها في هذه المسألة الخلافية،

فذلك قرينة على كون المراد بها غير الإجماع لاتجه عليه أنه كثيرا ما يستدل في‏

المسائل الخلافية بالإجماع.

قوله-قدس سره-:(و هي قوله تعالى: اتقوا اللَّه حق‏

تقاته ) (3) (4) .

(3)وجه الاستدلال به:أن حق التقاة أن يجتنب العبد عن جميع ما يحتمل‏

1)فرائد الأصول 1:338.

2)فرائد الأصول 1:339.

3)آل عمران:102.

4)فرائد الأصول 1:339.

64
كونه حراما،فيثبت به المطلوب،فإنه لو لم يجتنب بعض ما يحتمل كونه كذلك لما

كان متقيا حقيقة مع أنه تعالى أمر بالتقاة.

قوله-قدس سره-:(و قوله تعالى: فإن تنازعتم في شي‏ء

فردوه إلى اللَّه و الرسول ) (1) (2) .

(1)لا يخفى أن مساق هذه الآية مساوق لغيرها من الآيات الناهية عن‏

القول بغير العلم،فإن ظاهر التنازع هو الاختلاف في حكم شي‏ء المتنازع فيه،

فيكون معنى الرد هو رد حكمه إلى اللَّه و الرسول،لا التوقف في العمل،فلا يدل‏

على المطلوب.

قوله-قدس سره-:(مضافا إلى النقض بشبهة الوجوب‏

و الشبهة في الموضوع.). (3) .

(2)توضيح النقض:أنه لو دلت تلك الآيات على وجوب التوقف فهي عامة

بالنسبة إلى الشبهة الوجوبية و الشبهة الموضوعية التحريمية أو الوجوبية،مع‏

أن المستدلين بها لا يقولون به فيهما،و لو ادعوا خروجهما بالإجماع فهو مدفوع‏

بكونه مستلزما لتخصيص الأكثر،لكون الخارج أكثر من الداخل،فلا بد

-حينئذ-من‏صرفها إلى معنى آخر غير ما زعموا.

قوله-قدس سره-:(و زاد فيها«إن على كل حق حقيقة،و كل‏

صواب نورا،فما وافق كتاب اللَّه فخذوه» (4) ...إلى آخره)1.

1فرائد الأصول 1:340 لكن فيه العبارة هكذا:و نحو صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللَّه عليه‏

السلام:«إن لكل حق حقيقة،و على كل صواب نورا..».

1)النساء:59.

2)فرائد الأصول 1:339.

3)فرائد الأصول 1:339.

4)الكافي 1:69-1 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب،وسائل الشيعة 18:78-10 باب 9 من أبواب‏

صفات القاضي.


65
(1)جعله عليه السلام ما ذكر تمهيدا لوجوب الأخذ بما وافق‏

الكتاب تنبيه على أن ما وافق كتاب اللَّه حق و صواب،و أن عليه حقيقة

و نورا.

قوله-قدس سره-:(فمساقه مساق قول القائل:أترك الأكل‏

يوما خير من أن أمنع منه سنة.). (1) .

(2)اعلم أنه ذهب بعض النحاة إلى أن لفظة(أفعل)في مثل هذه الموارد-مما

لم يكن المفضل عليه متصفا بالمبدإ أصلا-وصفي،لا تفضيلي‏ (2) .

لكن لا يخفى فساده،نظرا إلى أنه إذا كان للوصف لا يجوز استعماله‏

مع لفظة(من)باتفاق جميع أهل العربية-مع أنه مستعمل معها في تلك الموارد-

فالحق أنه للتفضيل الفرضي،فإن التفضيل قد يكون حقيقيا،و هو فيما إذا كان‏

المفضل عليه متصفا بالمبدإ،و قد يكون فرضيا (3) ،و ذلك فيما لم يكن هو متصفا به،

لكن يفرض اتصافه به،فيفضل غيره عليه على تقدير الاتصاف،فيكون معنى‏

هذا التفضيل أن هذا أفضل من ذاك على تقدير اتصاف ذلك بالمبدإ،فمعنى ترك‏

الأكل يوما خير من أن أمنع سنة:أنه على تقدير كون المنع من الأكل سنة

مشتملا على صلاح و خير يكون ترك الأكل يوما خيرا منه،و معنى قوله-عليه‏

السلام-:«الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (4) أن الاقتحام في‏

الهلكة لو فرض كونه حسنا يكون الوقوف عند الشبهة خيرا منه.

بل قد يكون اتصاف المفضل بالمبدإ-أيضا-فرضيا،كما في قول القائل:

1)فرائد الأصول 1:341.

2)راجع شرح التصريح على التوضيح 2:105،و شرح ابن عقيل 2:182-183.

3)سبقه إلى هذا المعنى الشيخ الرضي الأسترآبادي(ره)في شرح الكافية 2:215.

4)الوسائل 18:114 و 126-9 و 50 باب 12 من أبواب صفات القاضي،بتفاوت يسير.

66
(الخضخضة1خير من الزنا) (1) ،و كذا في المثال الأول المتقدم،و هو قول القائل:

أترك الأكل يوما خير من أن أمنع منه سنة،فإنه لا حسن في الخضخضة و ترك‏

الأكل يوما أصلا،كما لا حسن فيما فضلا عليه،و يكون الغرض في التعبير باسم‏

التفضيل في تلك الموارد إفادة أن ارتكاب هذا أحسن و خير من ارتكاب ذلك‏

على كل تقدير،يعني لا يختص رجحانه عليه بما إذا فرض خلوه عن الحسن‏

بالمرة،بل راجح عليه لو فرض اتصافه به أو اتصاف كليهما به.

قوله-قدس سره-:(و في كلا الجوابين‏ (2) ما لا يخفى على من راجع‏

تلك الأخبار) (3) .

(1)فإنها لكثرتها يحصل العلم منها بتواتر وجوب التوقف معنى،بل بتواتر

لفظ بعضها إجمالا،فلا حاجة فيها إلى تصحيح السند بوجه،مع أنه يمكن ذلك‏

في بعضها،فظهر فساد الجواب الأول‏ (4) .

و أما الثاني‏ (5) :ففساده يظهر بما ذكره-قدس سره-من أن المراد

1الخضخضة (6) :الجلق‏ (7) .لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)عن ابن عباس أنه سئل عن الخضخضة،فقال:(هو خير من الزنا.و نكاح الأمة خير منه).تاج‏

العروس 5:26-مادة(خضض)من فصل الخاء مع الضاد.

2)و هما:-1-ضعف سند أخبار التوقف.-2-و أنها في مقام المنع عن العمل بالقياس،و هما الجواب الثاني‏

و الثالث بحسب ما جاء في فرائد الأصول.

3)فرائد الأصول 1:345.

4)و هو الجواب الثاني بحسب ما جاء في فرائد الأصول.

5)و هو الجواب الثالث بحسب ما جاء في فرائد الأصول.

6)و الخضخضة المنهي عنها في الحديث هو الاستمناء باليد،أي استنزال المني في غير الفرج.تاج العروس 5:

26-مادة(خضض)من فصل الخاء مع الضاد.

7)لم أعثر على هذه الكلمة في كتب اللغة،و لعلها فارسية،فقد جاء في قاموس الفارسية للدكتور عبد النعيم‏

محمد حسنين-ص:183-:جلق زدن:الاستمناء).


67
بالتوقف في تلك الأخبار إنما هو التوقف في العمل في مقابل المضي فيه،كما يشهد

به سياقها و موارد أكثرها،لا التوقف في الحكم و الفتوى اعتمادا على القياس أو

على كل ما لم يعلم وصوله من الشارع،كما هو مفاد الجواب الأول من تلك‏

الأجوبة (1) .

و لا يخفى أن هذا الجواب أفسد من الجواب الأول،فإنه على تقدير كون المراد

بالتوقف هو التوقف في الحكم و الفتوى،فسياق تلك الأخبار آب عن تخصيصها

بخصوص القياس.

قوله-قدس سره-:(و هي جميع آيات الكتاب.). (2) .

(1)لا يخفى أن آيتين منها لا دلالة لهما على نفي استحقاق العقاب على مخالفة

التكليف المجهول،و هما قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي... إلخ‏ (3) ،

و قوله تعالى و ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللَّه عليه إلخ‏ (4) ،فالتعبير

بلفظ الجمع غير جيد،اللهم‏إلاأن يكون مراده الآيات الدالة على المطلوب،

فإن الآيتين المذكورتين-كما مر سابقا-ليستا من الآيات الدالة عليه،فتدبر.

قوله-قدس سره-:(على ما هو المفروض.). (5) .

(2)فإن المجيب رد الاستدلال بأخبار التوقف بمعارضتها لأخبار البراءة،و لا

ريب أن المعارضة لا تكون إلا بعد استجماعها لشرائط الدليليّة،بحيث لا يكون‏

مانع عن وجوب العمل بها إلا معارضتها للأدلة الاخر الدالة على البراءة،فهو

معترف بتمامية تلك الأخبار.

1)التي ذكرت في فرائد الأصول.

2)فرائد الأصول 1:345.

3)الأنعام:145.

4)الأنعام:119.

5)فرائد الأصول 1:345.

68
قوله-قدس سره-(فتلك الأدلة بالنسبة إلى هذه الأخبار من‏

قبيل الأصل بالنسبة إلى الدليل.). (1) .

(1)لا يخفى أن هذا لا يتم في آيتين من الآيات المستدل بها على البراءة على‏

تقدير تماميتهما،و هما قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما... (2)

الآية، و ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللَّه عليه،و قد فصل لكم ما حرم‏

عليكم (3) ،فإن الظاهر من الموصول-في قوله: ما أوحي و ما حرم‏

عليكم -هو الحكم الواقعي،فتدلان على عدم استحقاق العقاب على ما لم‏

يعلم حكمه الواقعي-سواء لم يعلم حكمه الظاهري أيضا أو علم-فهما نظيرا

قوله عليه السلام:«كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (4) .اللهم.إلاأن‏

يكون مراده-قدس سره-عدهما من الأدلة الغير الدالة على المطلوب أصلا.

قوله-قدس سره-:(فيوجد في أدلة التوقف ما لا يكون أعم منه...

إلى آخره) (5) .

(2)مراده-قدس سره-مما لا يكون أعم منه هو الإجماع المركب على‏

استلزام التوقف في صورة تعارض النصين-الدال أحدهما على الحرمة،و الآخر

على الإباحة-للتوقف في الشبهة التحريمية فيما لا نصّ فيه،فإنه بعد ثبوت‏

وجوب التوقف في الشق الأول-بأخبار التوقف لدخوله فيها،مع سلامتها عن‏

معارضة الخبر المذكور-فالإجماع المذكور دليل على وجوب التوقف فيما نحن‏

فيه،فيكون من أدلة التوقف فيما نحن فيه،و لا يكون أعم من الخبر المذكور،

1)فرائد الأصول 1:345.

2)الأنعام:145.

3)الأنعام:119.

4)الفقيه 1:208-22 باب 45 في وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها،وسائل الشيعة 18:127-

128-60 باب 12 من أبواب صفات القاضي.

5)فرائد الأصول 1:346.

69
فإن ما يدل على وجوب التوقف فيه إنما هي الشبهة التحريمية فيما لا نصّ فيه‏

التي هي موضوع الخبر المذكور فحسب،فإن وجوب التوقف في صورة تعارض‏

النصين يثبت بأخبار التوقف،لا به.

قوله-قدس سره-:(فإن ما ورد فيه نهي معارض بما دل على‏

الإباحة غير داخل في هذا الخبر.). (1) .

(1)هذا بناء على أن المراد بقوله عليه السلام:«حتى يرد فيه...»هو ورود

ما دل على النهي،فمتى حصل تلك الغاية يرتفع الإباحة المستفادة من الرواية،

بل تدل الرواية على نفي إباحته حينئذ،بناء على اعتبار مفهوم الغاية،فالصورة

المذكورة و إن كانت من صور الشبهة الحكمية التحريمية إلا أنها ورد فيها ما دل‏

على الحرمة و النهي،فتخرج عن مورد الخبر المذكور،و تشمله أخبار التوقف،

فيثبت مطلوب الأخباريين بالتقريب الّذي ذكره-قدس سره-.

قال-دام ظله-:على تقدير كون الغاية في الرواية هي مجرد ورود ما دل‏

على النهي،فالرواية بنفسها نافية للإباحة و الترخيص الظاهري في الصورة

المذكورة بمقتضى مفهوم الغاية الّذي ذهب-قدس سره-إلى اعتباره أيضا،

فلا حاجة-حينئذ-إلى الالتجاء إلى أخبار التوقف،فكان عليه-قدس سره-

أن يقول:إن الصورة المذكورة خارجة عما قبل الغاية في الرواية،و داخلة فيما

بعدها،فتدل الرواية على نفي الرخصة فيها و وجوب الاحتياط،فيثبت فيما لا

نصّ فيه بالإجماع المركب.

قوله-قدس سره-:(فتأمل) (2) .

(2)لعله إشارة إلى منع الإجماع المذكور لوجود المفصل بين المقامين بالتوقف‏

ثمة و البراءة فيما نحن فيه،كما سيأتي في مسألة تعارض النصين،فانتظر.

1)فرائد الأصول 1:346.

2)فرائد الأصول 1:346.

70
و يمكن أن يكون وجهه أنه بعد ثبوت الإجماع المذكور فالخبر المزبور

يعارض أخبار التوقف في صورة تعارض النصين أيضا،و ينفيها بالالتزام،فإنه‏ (1)

بعد ثبوت التلازم-بين البراءة فيما نحن فيه و بينها ثمة-فهو يدل عليها فيما

نحن فيه بالمطابقة،و في ثمة بالالتزام،فحينئذ لا يسلم أخبار التوقف ثمة عن‏

المعارض،حتى يثبت التوقف فيه،فيثبت فيما نحن‏فيه‏بالإجماع المذكور.

و يمكن ان يكون الغرض الإشارة إلى كلا هذين الوجهين.

هذا،لكن الظاهر أن وجهه منع كون الغاية في الرواية المذكورة هو مجرد

ورود ما دل على النهي،بل المراد بورود النهي إنما هو ثبوت الحرمة،فالغاية هذا

لا ذاك،و لا ريب أن هذا غير حاصل في الصورة المذكورة،فيدخل في مورد

الرواية و ما قبل الغاية،فتعارض هي أخبار التوقف في تلك الصورة أيضا،فلم‏

يسلم تلك من المعارض،حتى يتم المطلوب بالإجماع المركب.

قوله-قدس سره-:(مع أن جميع موارد الشبهة...إلى آخره) (2) .

(1)يعني أن الخبر المذكور يشمل جميع موارد أخبار التوقف،إذ لا مورد منها

لم يكن فيه شي‏ء محتمل التحريم و لو كان حكما أو اعتقادا،فليس هو أخص من‏

تلك،حتى يقدم عليها و يخصصها.

قوله-قدس سره-:(فتأمل) (3) .

(2)لعله إشارة إلى أن قوله عليه السلام «كل شي‏ء مطلق» (4) ظاهر في‏

العمل فقط،و ليس جميع موارد الشبهة بحيث يشتمل على عمل محتمل الحرمة،

فيكون هو أخص منها،فيخصصها.

1)في الأصل:فإن..

2)فرائد الأصول 1:346.

3)فرائد الأصول 1:346.

4)الفقيه 1:208-22.الوسائل 18:127-128-60.


71
قوله-قدّس سرّه-:(و الجواب:أما عن الصحيحة فبعدم الدلالة،

لأن المشار إليه...إلى آخره) (1) .

(1)و حاصل الجواب:أنّ المشار إليه بقوله عليه السلام:«إذا أصبتم بمثل‏

هذا» (2) .إما نفس واقعة الصيد،فيكون المراد:إذا أصبتم بمثل واقعة الصيد

فعليكم بالاحتياط،و إما السؤال عن حكم واقعة الصيد المفهوم من قول الراوي:

سألني عن ذلك،فلم أدر ما عليه،فيكون المراد إذا أصبتم بمثل السؤال عن‏

واقعة الصيد فعليكم بالاحتياط،و المراد بالاحتياط على الأول هو الاحتياط في‏

العمل،و على الثاني هو الاحتياط من حيث الفتوى:أمّا بكون المراد لزوم‏

الفتوى بالاحتياط في مثل هذا السؤال أو الاحتياط في الفتوى و لو بالاحتياط

إلى أن يسأل من أهل الذّكر عليهم السلام ،و على التقديرين لا يدخل ما

نحن‏فيه‏-و هي الشبهة التحريمية البدوية-في موضوع الرواية،لعدم كونه‏

مثلا لواقعة الصيد أو للسؤال عن حكمها لما قرّره-قدّس سرّه-من أنّ واقعة

الصيد:إما من قبيل الشكّ في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليين الّذي يرجع فيه إلى‏

البراءة بالاتفاق،لكون الشبهة وجوبية فيهما،أو من قبيل الأقل و الأكثر

الارتباطيين اللذين مرجعهما إلى المتباينين على مذاق بعض من أوجب الاحتياط

فيهما،فأصل التكليف على التقديرين في الجملة محرز،و ما نحن فيه لم يحرز فيه‏

تكليف أصلا،مع أنّ الشبهة في واقعة الصيد وجوبية،و فيما نحن‏فيه‏تحريمية.

أقول:هذا مضافا إلى أنه لو كان المشار إليه هو السؤال عن حكم واقعة

الصيد،فتصير (3) الرواية-حينئذ-أبعد عمّا نحن فيه منها على تقدير كون‏

المشار إليه هو نفس واقعة الصيد،لأن الكلام فيما نحن‏فيه‏ليس في وجوب‏

1)فرائد الأصول 1:347.

2)وسائل الشيعة 9:210-6 باب 18 من أبواب كفّارات الصيد.

3)الصحيح:لصارت.

72
الإفتاء بالاحتياط،أو في حرمة الإفتاء و لو بالاحتياط.

قوله-قدّس سرّه-:(و منه يظهر أنه لو كان المشار إليه بهذا هو

السؤال عن حكم الواقعة.). (1) .

(1)يعني مما ذكره-من أن مورد الرواية:إما من قبيل الأقل و الأكثر

الاستقلاليين،و إما من قبيل الأقلّ و الأكثر الارتباطيين-يظهر أنه على هذا

التقدير أيضا لا يدخل ما نحن فيه في موضوع الرواية،لعدم كونه مثلا لمورد

الرواية،كما ذكر في توضيح الجواب في كلامه-قدّس سرّه-المتقدّم.

قوله-قدّس سرّه-:(و الظاهر أنّ مراده الاحتياط من حيث‏

الشبهة الموضوعية) (2) .

(2)قوله:(و الظاهر)مقام قول:(و الإنصاف)من جهة كون المراد به‏

الإعراض عمّا تقدّم و إبداء مطلب آخر،لأنّ مراده-قدّس سرّه-إثبات وجوب‏

الاحتياط من الجهة المذكورة،فيكون ذلك إعراضا عن قوله:(فبأنّ ظاهرها

الاستحباب) (3) .

قوله-قدّس سرّه-:(و كون الحمرة غير الحمرة المشرقية.). (4) .

(3)حمل الحمرة على غير المشرقية-حينئذ-لأجل أنه لا يصلح الحمرة

المشرقية-حينئذ-لكونها منشأ للشكّ في استتار القرص الّذي هو محقّق‏

للمغرب على هذا القول،لأنها لا تشتبه بشعاع الشمس،بخلاف الحمرة الغير

المشرقية،فإنّها قد تشتبه بشعاعها.

ثمّ إنه قال سيّدنا الأستاذ-دام ظلّه-:حمل الأمر بالاحتياط على هذا

1)فرائد الأصول 1:348.

2)فرائد الأصول 1:348.

3)فرائد الأصول 1:348.

4)فرائد الأصول 1:348.

73
التقدير على الوجوب مبني على عدم اعتبار الظن بدخول الوقت،و إلاّ فلا بدّ

من حمله على الاستحباب،لأن المفروض في مورد الرواية الظن بدخول الوقت،

فإن تواري القرص و إقبال الليل و زيادة الليل ارتفاعا و استتار الشمس عن‏

النّظر و ارتفاع الحمرة فوق الجبل-المفروضة في السؤال-أمارات مفيدة للظنّ‏

بالدخول.انتهى.

أقول:لا يتوهّم:أنه إذا كان الظنّ بالدخول حجة،فيكون قائما مقام‏

القطع،فلا وجه للاحتياط حينئذ،و لا فائدة فيه،فلا يجوز الأمر به استحبابا

أيضا.

لأنه مدفوع:بأنّ غاية ما يترتّب على حجّية الظنّ جواز الإفطار إن كان‏

صائما،و جواز الدخول في الصلاة إن أرادها،لكنه لا يترتّب عليه سقوط القضاء

و الإعادة بعد انكشاف الخلاف على المختار من أن الأمر الظاهري لا يفيد

الإجزاء،ففائدة الاحتياط-حينئذ-رفع كلفة القضاء و الإعادة على تقدير

انكشاف الخلاف فيما بعد،فيكون تلك الفائدة حكمة مقتضية لأمر الشارع به‏

استحبابا.

ثمّ إنه لا يختصّ جواز الأمر بالاحتياط استحبابا بموارد الظنون‏

المعتبرة،بل يجري في موارد القطع أيضا،فإن القاطع و إن لم يحتمل انكشاف‏

الخلاف،لكن الشارع يحتمله،فيأمر بالاحتياط استحبابا لحكمة رفع كلفة

الإعادة أو القضاء عن المكلّف على تقدير انكشاف الخلاف،فإنّ القطع‏

-كالظنون المعتبرة-لا يفيد الإجزاء.

فإن قيل:إنّ حكمة الاستحباب ثابتة في حق القاطع الّذي قطع من‏

أسباب لا ينبغي القطع بسببها،فإنه الّذي يمكن في حقّه انكشاف الخلاف فيما

بعد بالتفاته إلى مستند قطعه،و هو تلك الأسباب،و أما القاطع بأسباب موجبة

للقطع عادة فلا،فلا وجه للأمر بالاستحباب بالنسبة إلى عامة المكلفين،


74
لاختلاف أسباب قطعهم،حيث إن بعضهم من قبيل الأول،و بعضهم من قبيل‏

الثاني.

قلنا:أولا-إن الأسباب العادية أيضا يمكن زوال القطع الحاصل منها

و انكشاف خلافها،إلاّ أنّ انكشاف الخلاف فيها أقلّ من غيرها.

و ثانيا-إن الحكمة لا يلزم ان تكون مطردة،بل يكفي ثبوتها لكثير من‏

الناس في إثبات الحكم بالنسبة إلى نوع المكلفين.

قوله-قدّس سرّه-:(و يحتمل بعيدا أن يراد من الحرمة الحمرة

المشرقية.). (1) (1)هذا بناء على أن المغرب-شرعا-لا يدخل إلا بزوال الحمرة المشرقية

عن سمت الرّأس،و أن الإمام عليه السلام لم يبيّن للسائل الحكم الواقعي‏

للواقعة المسئول عنها بأن يقول له:إن مجرد ارتفاع الحمرة المشرقية لا يكفي في‏

تحقّق المغرب،بل لا بدّ من ارتفاع إلى حيث تزول عن سمت الرّأس لأجل‏

التقيّة،و إنما أمره بالانتظار جمعا بين الحقّين.

أحدهما:أن يقع إفطاره و صلواته في وقت المغرب الشرعي.

و ثانيهما:التقية حيث إن الأمر بالانتظار معللا بالاحتياط يوهم موافقته‏

عليه السلام للمخالفين،فيتحقّق به التقية.

و وجه إيهامه لذلك:أنّ تعليله بالاحتياط يشعر بأنه لأجل تحصيل الجزم‏

باستتار القرص الّذي هو كاف عند المخالفين.

و بالجملة على هذا التقدير يكون فرض سؤال السائل في الشبهة

الحكمية،لكن الإمام عليه السلام أجابه بصورة الشبهة الموضوعية الموهمة

لكفاية استتار القرص في المغرب،و أنّ التأخير في الإفطار و الصلاة لأجل‏

تحصيل الجزم باستتاره للتقية.

1)فرائد الأصول 1:348.

75
قوله-قدّس سرّه-:(لا أن‏ (1) المغرب لا يدخل مع تحقّق‏

الاستتار.). (2) .

(1)يعني لئلا يوهم هذا المعنى الّذي هو حكمه الواقعي حتى يؤخذ برقبته.

قوله-قدّس سرّه-:(كما أنّ قوله عليه السلام:«أرى لك»

يستشمّ منه رائحة الاستحباب.). (3) .

(2)يعني أنّ الإمام عليه السلام أجاب بلفظ«أرى»المشعر بالاستحباب،

و هذا يشهد بأنه عليه السلام كان في مقام التقيّة،نظرا إلى أنه لو أمر

بالاحتياط على سبيل الوجوب لكان موهما لمخالفته للمخالفين،فعدل عنه إلى‏

هذا التعبير الموهم لموافقته لهم.

قوله-قدّس سرّه-:(فتحمل على الإرشاد.). (4) .

(3)أي‏على الطلب الإرشادي المشترك بين الإلزاميّ و غيره بقرينة قوله-

قدّس سرّه-:(لأن تأكّد الطلب الإرشادي و عدمه بحسب المصلحة الموجودة في‏

الفعل...إلخ) (5) ،فإنه دفع لسؤال مقدّر وارد على تقدير حمله على الطلب‏

الإرشادي،و تقريره:

أنه إذا حمل ذلك عليه فموارد الإرشاد أيضا مختلفة:بعضها يقتضي لزوم‏

الاحتياط،و بعضها رجحانه،فأجاب عنه-قدّس سرّه-بذلك،و حاصل مراده،

أنّ المراد حينئذ الطلب الإرشادي المشترك بين الإلزاميّ و غيره إلى آخر

ما ذكره،لا الإلزاميّ فقط،حتى يلزم إخراج موارد رجحانه الغير المانع من‏

1)في طبعة المصدر المعتمدة(لأنّ)و الصحيح المثبت.

2)فرائد الأصول 1:348.

3)فرائد الأصول 1:349.

4)فرائد الأصول 1:349.

5)فرائد الأصول 1:349.

76
الارتكاب،و لا الغير الإلزاميّ فقط،حتى يلزم خروج موارد لزومه.

هذا،لكن كان عليه-قدّس سرّه-ذكر هذا التعليل بعد قوله:(فتحمل‏

على الإرشاد)،ثم ذكر قوله:(أو على الطلب المشترك بين الوجوب و الندب) (1) .

قوله-قدّس سرّه-:(ففي مقبولة عمر بن حنظلة (2) -إلى قوله:-

و ترك الشاذّ النادر معللا بقوله‏ (3) :«فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه»

قال‏ (4) :«إنما الأمور ثلاثة...»).إلى قوله عليه السلام:«قال رسول‏

اللّه...» (5) إلى آخر الحديث.

(1)وجه الاستدلال:أنه أوجب طرح الشاذّمعلّلابأنّ المجمع عليه لا ريب‏

فيه،و المراد بالمجمع عليه هو المشهور،و لا ريب أنه ليس الشهرة مما يجعل الشاذّ

ممّا لا ريب في بطلانه،و يجعل موردها مما لا ريب فيه حجّيته،و إلاّ لم يكن معنى‏

لتأخير الترجيح بها عن الترجيح بالأعدلية و أخواتها:إذ حينئذ يكون المشهور

مقطوع الصدور،فلا يعقل طرحه و الرجوع إلى غيره،و لا لفرض الراوي‏

الشهرة في كلا الخبرين،لامتناع صدور الخبرين المتنافيين من الأئمة-عليهم‏

السلام-إلا على وجه التقية،و هو بعيد،و لتثليث‏ (6) الأمور،إذ-حينئذ-يكون‏

الأمور على قسمين:بين الرشد،و بين الغي من غير واسطة بينهما،و لا لاستشهاده‏

عليه السلام بتثليث النبي صلّى اللّه عليه و آله لما ذكر،فيعلم من ذلك كلّه‏

أنّ الشاذّ فيه ريب منفيّ عن المشهور،فيجب طرحه،و لا ريب أنّ الاستشهاد

1)فرائد الأصول 1:349.

2)الوسائل 18:75-باب 9 من أبواب صفات القاضي-حديث 1.

3)في المصدر:بقوله عليه السلام .

4)في فرائد الأصول:(و قوله.).،و هو الصواب.

5)فرائد الأصول 1:350.

6)في المستنسخة(تثليث)و الصحيح ما أثبتناه.

77
لوجوب طرح الشاذ الّذي فيه الريب بتثليث النبي صلّى اللّه عليه و آله لا

يستقيم إلاّ أن يكون لإفادة أنه داخل في الشبهات الواردة في كلام النبي-صلّى‏

اللّه عليه و آله و أنه يجب التحرّز عنها و الاحتياط فيها،لأنّ وجوب طرحه‏

-حينئذ-لأجل دخوله في تلك الشبهات،و هو لا يكون إلاّ بوجوب الاحتياط

فيها،فإذا ظهر من ذلك أنّ المراد وجوب ترك الشبهات بين الحلال و الحرام‏

و الاحتياط فيها،فيثبت المطلوب،و هو وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية.

قوله-قدّس سرّه-:(و دون هذا النبويّ في الظهور النبويّ‏

المرويّ عن أبي عبد اللّه عليه السلام ) (1) .

(1)و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله:«لا تجامعوا في النكاح على الشبهة

وقفوا عند الشبهة»إلى قوله:«فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في‏

الهلكة» (2) .

وجه كون دلالة ذلك أدون من دلالة هذا:أنّ هذا مشتمل على بعض‏

القرائن المنتفية في ذلك،و هي قوله صلّى اللّه عليه و آله:«نجا من المحرّمات»،

و قوله:«وقع في المحرّمات،و هلك من حيث لا يعلم»،و هكذا الكلام في مرسلة

الصدوق الآتية عن أمير المؤمنين عليه السلام و قد تقدّم ذكرها (3) أيضا في‏

الأخبار المتقدّمة،لكن لا بعنوان كونها مرسلة الصدوق،بل بعنوان إسناده إلى‏

أمير المؤمنين عليه السلام .

قوله-قدّس سرّه-:(فقد تكون المضرّة عقابا) (4) ،(2)كما في موارد الشكّ‏

في المكلّف به.

1)فرائد الأصول 1:350.

2)وسائل الشيعة 14:193-2 باب 157 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه.

3)تقدّم ذكرها في فرائد الأصول 1:342،لكن مع سقوط صدرها.

4)فرائد الأصول 1:350.

78
قوله-قدّس سرّه-:(و قد تكون مضرّة أخرى) (1) ،(1)كما في موارد الشكّ‏

في التكليف.

و حاصل الجواب:أنّ الأمر بترك الشبهات في النبوي للطلب الإرشادي‏

المشترك بين الإلزاميّ و غيره،فيعمّ جميع صور الشبهة،و يختلف بحسب اختلاف‏

الموارد من جهة وجود المقتضي للتحرّز حتما و عدمه.

قوله-قدّس سرّه-:(من غير الطرق المنصوبة من الشارع،

فتأمّل) (2) .

(2)الأمر بالتأمّل لعلّه إشارة إلى أنّ حاصل ما ذكر في توجيه مناسبة

الاستشهاد أنه عليه السلام أمر بطرح الشاذّ من باب الاحتياط،لاحتمال‏

عدم كونه حجّة شرعا،فيكون الآخذ به آخذا بغير الحجّة،فلا يكون معذورا

إذا أدّى العمل به إلى مخالفة التكليف الواقعي،و هذا بعيد عن منصبه-عليه‏

السلام-،فإنّ شأنه رفع الجهل عن الجاهل،لا تقريره عليه بأمره بالاحتياط،

فاللازم عليه بيان أنّ الخبر الشاذ ليس بحجّة،لا أنه يحتمل عدم كونه حجّة،

فيجب طرحه لذلك.هذا.

أقول:الّذي يهوّن الأمر في النبويّ،و يخرجه عن الدلالة على وجوب‏

الاحتياط،و يوجب حمله على الإرشاد هو ما ذكره-قدّس سرّه-من الوجوه‏

الثلاثة الشاهدة على ذلك،و معها فليس علينا معرفة وجه استشهاد الإمام-عليه‏

السلام-به.

و مما يعيّن حمله على الإرشاد:أنه شامل لصور الشكّ في المكلّف به بعد

ثبوت التكليف،بل هي مرادة منه يقينا و باعتراف الأخباريين،و لا ريب أنّ‏

الضرر المحتمل فيها هو العقاب على مخالفة التكليف المعلوم،و أن الأمر

1)فرائد الأصول 1:350.

2)فرائد الأصول 1:351.

79
بالاحتياط فيها إنما هو لأجل التحرّز عن ذلك الضرر،و هذا لا يعقل أن يكون‏

غير الإرشادي فإذا ثبت كونه فيها للإرشاد،فيكون له بالنسبة إلى غيرها أيضا

و إلاّ يلزم استعمال اللفظ في معنيين،كما لا يخفى.

قوله-قدّس سرّه-:(و هي أنّ الإشراف على الوقوع في الحرام.).

إلى قوله:(محرّم من دون سبق علم به أصلا) (1) .

(1)يمكن الخدشة فيه:بأنّ الإشراف لا يصدق إلاّ على ما كان موردا لخوف‏

الوقوع في مفسدة الحرام،فحينئذ و إن لم نقل بحرمة الإشراف نقول بوجوب‏

تحصيل الأمن من تلك المفسدة عقلا،فيجب الاحتياط من تلك الجهة،و لا ريب‏

أنّ وجوب الاحتياط في صور الشكّ في المكلّف‏به‏أيضا انما هو لأجل ذلك،

كما اعترف به هو-قدّس سرّه-في غير واحد من كلماته.

اللهم إلا أن يقال:إنّ المفسدة التي يتوقّع الابتلاء بها:إن كانت هي‏

العقاب فالعقل مستقلّ بنفيه في صور الشكّ في التكليف التي منها الشبهات‏

التحريمية التي هي محلّ النزاع،و إن كانت غيره فالعقل لا يستقلّ بلزوم التحرّز

عنه حتى يحكم بلزوم الاحتياط من جهته.

و الحاصل:أنّ المفسدة غير العقاب إن كان هو الضرر البدني،فهو مع‏

كونه مقطوع العدم في ارتكاب المحرّمات-مضافا إلى وجود النّفع البدني فيه،

كما في شرب الخمر و الزنا و غيرهما كما لا يخفى-لا يستقلّ العقل بدفعه على‏

تقدير احتماله،لأنه ليس بحيث يترتب على الحرام كائنا ما كان كترتّب المعلول‏

على علته،بل ارتكاب الحرام مقتض له و إن كان غيره-مثل كون ارتكاب‏

الحرام منشأ لقساوة القلب الموجبة للتجرّي على ترك الواجبات و ارتكاب‏

المحرّمات-فنمنع أيضا استقلاله بلزوم دفعه لعدم كون ارتكاب الحرام علّة تامّة

1)فرائد الأصول 1:351.

80
له،بل هو مقتض له على تقديره.

نعم لأحد أن يقول:إنا سلّمنا انتفاء احتمال العقاب على ارتكاب‏

المحرّمات الواقعية،كيف!و الأخباريون أيضا لا يقولون بالعقاب على مخالفة

النواهي الواقعية المجهولة،بل يقولون به على مخالفة التكليف الاحتياطي الّذي‏

هو التكليف الظاهري،لكن بعد تسليم احتمال مفسدة أخرى غير العقاب‏

نقول:إنه و إن لم يستقل العقل بلزوم التخلص عنه في مورد الشكّ،نظرا إلى‏

عدم كون ارتكاب الحرام علّة تامّة له،أو نظرا إلى عدم كون ذلك علّة تامّة لترك‏

الواجبات أو ارتكاب المحرّمات إذا كان هو من قبيل قساوة القلب،لكن لا نمنع‏

أن يكون علّة لوجوب الاحتياط شرعا،بأن يكون تلك المفسدة حكمة في إيجاب‏

الشارع الاحتياط في موارد احتمال الحرمة،فإنّ المفسدة التي لا يستقلّ العقل‏

بلزوم دفعها قد تكون علّة تامّة للنهي بمقتضى قاعدة اللطف،فنقول-حينئذ-:

إنّ أخبار الاحتياط ظاهرها وجوب الاحتياط شرعا عن محتمل الحرمة،و مع‏

إمكان ما ذكر فيمكن إرادة هذا الظاهر،منها و لا صارف عن ظاهرها،فيجب‏

الأخذ بمقتضاها،فيثبت مطلوب الأخباريين.

هذا،لكنّه مردود بما ورد على أخبار الاحتياط بالنسبة إلى كلّ طائفة منها،

و معه ليس لها هذا الظهور،حتى يقال بما ذكره.

قوله-قدّس سرّه-:(يجب-بمقتضى قوله تعالى: و ما نهاكم‏

عنه فانتهوا (1) و نحوه-الخروج عن عهدة تركها) (2) .

(1)قال-دام ظلّه-:إنّ الآية لا تنهض لإفادة وجوب الخروج عن عهدة ترك‏

تلك المحرّمات المعلومة إجمالا إلاّ على بعض الوجوه،فإنّ قوله تعالى:

1)الحشر:7.

2)فرائد الأصول 1:353.


81
انتهوا يحتمل وجوها:

أحدها:-و لعلّه الظاهر-أن يكون الأمر بالانتهاء عما نهى الرسول‏

صلّى اللّه عليه و آله من باب الإرشاد،نظرا إلى أنّ نواهي الرسول صلّى اللّه‏

عليه و آله نواهي اللّه تعالى ،فيكون مساوقا لقوله تعالى: أطيعوا

اللَّه ،فعلى هذا لا دلالة للآية على وجوب الخروج عما ذكر.

و ثانيها:أن يكون للأمر الطريقي،بمعنى أنّ غرضه-سبحانه‏و

تعالى-من ذلك جعل قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله طريقا إلى نواهيه‏

تعالى حتى يكون نهيه صلّى اللّه عليه و آله لكونه طريقا إلى نهي اللّه‏

تعالى منجّزا لنهي اللّه تعالى و موجبا لاستحقاق العقاب على ارتكابه‏

لصيرورته معلوما بنهي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ،و على هذا أيضا لا تزيد

الآية على نفس النواهي الواقعية المعلومة إجمالا،فإنها بعد العلم بها منجّزة على‏

المكلّف و لو لم تكن هذه الآية.

و ثالثها:أن يكون المراد به الوجوب النفسيّ الشرعي بمعنى أنه‏

تعالى جعل بذلك اتباع قول النبي صلّى اللّه عليه و آله واجبا نفسيّا،فكلّ‏

ما أخبر بحرمته فالاجتناب عنه لازم من جهة اتباعه و لو لم يحصل لأحد القطع‏

بوجود النهي في الواقع مثلا،و على هذا فالآية تدلّ على وجوب امتثال تلك‏

النواهي من باب العلم بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أخبر بها.

لكن لا يخفى أنه لا حاجة إلى الآية على هذا التقدير أيضا،فإنّ العلم‏

بوجود المحرّمات من اللّه سبحانه منجّز لها على المكلف،و يحكم العقل بلزوم‏

الخروج عن عهدة تركها.

اللهم إلاّ أن يكون ذكر الآية و الاعتماد عليها من باب التأييد لحكم‏

العقل بلزوم الخروج عن عهدة تركها بعد العلم الإجمالي بها.

قوله-قدّس سرّه-:(و بعبارة أخرى:العلم الإجمالي قبل الرجوع‏


82
إلى الأدلّة،و أمّا بعده فليس هنا علم إجمالي) (1) .

الشبهة المحصورة و أحكام أقسامها

(1)لمّا آل الكلام هنا إلى الشبهة المحصورة فلا بأس بالتعرض لها بأقسامها،

مع بيان حكم كلّ منها على نحو الإجمال و إن كان يأتي تحقيقها في محلّه عن قريب‏

-إن شاء اللّه تعالى-فنقول:

إنّ العلم الإجمالي بوجود الحرام بين أمرين أو أمور:إما أن يحصل بعد

خروج بعض أطرافه عن مورد الابتلاء بتلف و نحوه،أو بعد العلم التفصيليّ‏

بحرمة بعض أطرافه‏1أو بعد قيام الطريق الظني الشرعي على حرمة بعضها،

و إمّا أن يحصل قبل تحقّق تلك الأمور الثلاثة:

فعلى الأول:فالظاهر جواز تناول غير الطرف الخارج أو المعلوم حرمته‏

تفصيلا أو القائم على حرمته الطريق الظني المعتبر،إذ قبل حصوله كان الشكّ‏

في حرمة غير الطرف المذكور بدويا مجرى للأصل السليم عن المعارض،فهو

مخرج لمورده عن موضوع الحرمة المحتملة،فيكون تناول مورده جائزا بحكم‏

الشارع،فإذا حصل العلم الإجمالي بعد ذلك فهو لا ينافي ذلك الأصل الجاري‏

في بعض الأطراف‏2،و إنّما ينافي إجراء الأصل في جميع الأطراف،لاستلزام ذلك‏

طرحه و مخالفته القطعية،و نحن لا نريد إجراءه في جميع الأطراف،بل لا يجري‏

1و هذا كما إذا علم تفصيلا بكون أحد الإناءين خمرا،ثم وقع قطرة من الخمر من الخارج أو من غيرها

من سائر النجاسات أو المحرّمات،و لم يعلم أنّ تلك القطرة وقعت في هذا الإناء أو في الطاهر الّذي كان‏

قريبا منه،و هكذا لو علم بكون أحد الإناءين بالخصوص خمرا،ثم علم إجمالا بحرمة أحدهما مع احتمال‏

كون المعلوم بالإجمال هو هذا المعلوم تفصيلا.لمحرّره عفا اللّه عنه.

2و ذلك لأنّ العلم الإجمالي إنّما يقتضي عدم ارتكاب ذلك المعلوم بالإجمال الواقعي،و العمل بالأصل‏

في بعض الأطراف لا يستلزم ارتكابه،حتى ينافيه العلم الإجمالي.نعم ينافي العمل به في جميع الأطراف،

لكون ذلك مستلزما لارتكاب الحرام الواقعي المعلوم بالإجمال.لمحرّره عفا اللّه عنه.

1)فرائد الأصول 1:353.


83
في الطرف المذكور،فإنّه إنّما يجري في الطرف المشكوك مع ابتلاء المكلّف به مع‏

عدم قيام طريق معتبر على حرمته،و أما إذا علم حكم المورد أو خرج عن محلّ‏

الابتلاء،أو قام عليه طريق معتبر فلا،لانتفاء موضوعه في الأوّل،و عدم شمول‏

أدلّة اعتباره للثاني،و حكومة أدلّة اعتبار الطرق الظنية عليه في الثالث.

نعم لو فرض جريانه في جميع الأطراف لاتجه أن يقال:إنّ إجراءه في‏

جميع الأطراف مناف للعلم الإجمالي،و مستلزم لمخالفة المعلوم إجمالا،و إجراؤه في‏

بعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح،فيجب الاجتناب عن جميع الأطراف،لكن‏

ما نحن فيه-كما عرفت-ليس من هذا القبيل،فإنّ جريان الأصل فيه مختصّ‏

ببعض الأطراف فلا يرد أنّ الأخذ به في بعض الأطراف ترجيح بلا مرجّح،فمع‏

سلامته في غير الطرف المذكور يقتضي جواز تناول مورده بحكم الشارع،و لا

ريب أنه بعد إذن الشارع في تناول مورده لا يقتضي العلم الإجمالي أزيد من‏

عدم جواز مخالفته القطعية1،و هي مرتفعة بالاجتناب عن الطرف المذكور

الواجب الاجتناب،مع عدم هذا العلم الإجمالي أيضا،فما زاد هذا العلم.الإجمالي‏

على صورة فقده شيئا2.

1فإنّ معنى اعتبار الشارع الأصل-حينئذ-في مورده مع كونه من أطراف الحرام المعلوم إجمالا:أنه لا

يريد امتثال ذلك الحرام على سبيل القطع،و إنما الواجب عدم مخالفته القطعية.لمحرّره عفا اللّه عنه.

2و إن شئت قلت-في وجه عدم لزوم الاجتناب عن غير الطرف المذكور في الشقّ الأوّل في المورد الثاني‏

و الثالث-:إنّه‏ (1) قبل حصول العلم الإجمالي كان الطرف المذكور مكلّفا بالاجتناب عنه،و بعد حصوله‏

لمّا احتمل كون ذلك المعلوم الإجمالي متّحدا مع الطرف المذكور المكلّف بالاجتناب عنه قبله،فالمكلّف‏

لا يعلم-حينئذ-بأزيد من المكلّف به الواحد،و هو هذا الطرف المذكور،و ليس وراء ذلك مكلّف به‏

مردّد بين ذلك الطرف و بين الأطراف الاخر،حتى يجب الاجتناب عن سائر الأطراف،لكونها من‏

محتملاته التي يتوقّف امتثال ذلك المكلّف به على تركها،فيكون الشكّ في سائر الأطراف بدويّا حقيقة

1)في الأصل:إن قبل حصول.

84
و الحاصل:أنّه قبل حصول‏ (1) العلم الإجمالي في الصور الثلاث المذكورة

لم يكن تكليف بحرام مردّد بين الأطراف،حتى يكون منجّزا للأطراف على‏

المكلّف لتوقّف امتثاله على الاجتناب عنها،و بعد حصوله-و المفروض جريان‏

الأصل في بعض الأطراف،مع سلامته عن المعارض الموجب لجواز تناول‏

مورده-فلا يقتضي أزيد من عدم جواز المخالفة القطعية،و هي مرتفعة

بالاجتناب عن الطرف المعلوم بالتفصيل،أو الخارج عن مورد الابتلاء أو القائم‏

على حرمته الطريق الشرعي‏1،فلم يزد هو على صورة فقده شيئا.

و اما على الثاني فالحقّ فيه:التفصيل بين موارده الثلاثة المتقدمة:بلزوم‏

الاجتناب عن غير التالف من الأطراف في الأول،و بعدم لزوم الاجتناب عن‏

غير المعلوم بالتفصيل في الثاني،سواء علم كون المعلوم بالتفصيل عين ذلك‏

المعلوم الإجمالي،أو لا،بل يحتمل كونه غيره.

و أما الثالث:فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

و الوجه في لزوم الاجتناب عن غير التالف في الأول:أنّ المفروض ابتلاء

المكلّف بجميع الأطراف قبل حصول العلم الإجمالي و بعده قبل تلف بعضها،

فيكون العلم الإجمالي منجّزا للتكليف المعلوم إجمالا على المكلّف،فيجب عليه‏

كما في المورد الثاني،أو حكميا كما في الثالث.

و أمّا المورد الأوّل فيقال:إنّ المعلوم الإجمالي مردّد فيه بين ما لا تعلّق له بالمكلّف أصلا و هو الطرف‏

التالف،إذ على تقدير كونه هو فلا يتوجّه التكليف بالاجتناب عنه إلى المكلّف،و بين ما له تعلّق به،و ما

يكون حاله ذلك فلم يعلم فعلا تعلّقه بالمكلّف و توجّهه إليه،فلا يكون منجّزا عليه،حتّى يجب الاجتناب‏

عن سائر أطراف مقدّمة لامتثاله.لمحرّره عفا اللّه عنه.

1و بالجملة:مدار وجوب الاجتناب عن أطراف الشبهة على وجود معلوم إجماليّ فعلا مردّد بين الأطراف‏

مع تعارض الأصول فيها،فإذا انتفى أحد الأمرين انتفى وجوب الاجتناب عنها من حيث كونها من‏

أطراف إجمال المحرّم الواقعي.لمحرّره عفا اللّه عنه.

1)في الأصل:أنّ قبل حصول.

85
الخروج عن عهدته،و هو لا يحصل إلاّ بالاجتناب عن جميع الأطراف،إلاّ أن‏

تلف بعضها يكون-حينئذ-بمنزلة امتثاله،و أمّا الأطراف الاخر فلما كان‏

المفروض عدم امتثالها فيجب الاجتناب عنها،و احتمال ذهاب موضوع التكليف‏

المعلوم بالإجمال بذهاب الطرف التالف،لاحتمال كونه هو المكلّف به،غير

مجد،فإن غايته الشك بعد التلف في بقاء التكليف الواقعي على حاله،و هذا غير

كاف،لأنه بعد القطع يتنجّزه لا بدّ من القطع بسقوطه،و لا يجوز الاكتفاء باحتمال‏

سقوطه.

و بالجملة:كلّ طرف من أطراف المعلوم بالإجمال مهما لم يخرج عن‏

كونه من أطرافه يجب الاجتناب عنه بحكم العقل،و خروجه من أطرافه إنّما

يكون‏فيما (1) إذا فرض اجتماع جميع الأطراف‏و (2) لم يكن هناك تكليف‏

معلوم إجمالا مردّد بينها.هذا.

و إن شئت قلت:إنّ العلم الإجمالي متى تحقّق بين أمور مع تعارض‏

الأصل في تلك الأمور-بأن لم يكن في بعضها أصل سليم عن المعارض-فهو

منجّز للمعلوم الإجمالي على المكلّف بحيث يوجب الاجتناب عن جميع الأطراف،

و لا ريب أنّ العلم الإجمالي بهذا النحو قد تحقّق فيما نحن فيه قبل تلف بعض‏

الأطراف:أما حصوله فبالفرض،و أما تعارض الأصول في الأطراف قبل تلف‏

بعضها فواضح،فيكون منجزا لجميع الأطراف على المكلّف فيجب الخروج عن‏

عهدة الجميع.

لا يقال:إنّه بعد تلف بعض الأطراف يكون الأصل في الباقي سليما عن‏

المعارض،فيخرج مورده عن تحت الحرام الواقعي.

لأنا نقول:إنّ الأصل في الباقي قد سقط بالتعارض قبل التلف،و التلف‏

1)إضافة يقتضيها السياق.

2)إضافة يقتضيها السياق.

86
لا يوجب عود ذلك الأصل في الباقي،فافهم.

و أما وجه لزوم الاجتناب عن غير المعلوم تفصيلا في المورد الثاني:فهو

أنه إن علم بحرمة ذلك الطرف تفصيلا-مع العلم باتّحاده مع المعلوم الإجمالي،

بأن علم أنه هو-فلا إشكال-حينئذ-في تبدّل ذلك المعلوم بالإجمال إلى المعلوم‏

بالتفصيل،و يكون الشكّ في الطرف الآخر بدويا،لا شي‏ء يوجب الاحتياط فيه،

بل يرجع فيه إلى الأصل السليم عن المعارض،فإنه لا يجري الأصل-حينئذ-

في الطرف المعلوم تفصيلا،حتى يعارضه في هذا الطرف.

و إن علم بحرمته تفصيلا-مع الشكّ في اتحاده مع المعلوم الإجمالي،بأن‏

احتمل كون غيره-فعدم لزوم الاجتناب عن غيره-حينئذ-و إن لم يكن في‏

الوضوح مثله في الفرض الأول،لكن لا ينبغي الإشكال فيه هنا أيضا فإنّ العلم‏

هنا و إن كان متعدّدا،إلاّ أنّ العبرة-في مقام لزوم الامتثال-على تعدّد (1) المعلوم‏

لا تعدّد العلم،و لا ريب أنّ المكلّف في تلك الحال لا يعلم بحرمة أزيد من ذلك‏

المعلوم بالتفصيل،و ليس عنده-حينئذ-معلوم آخر مردّد بينه و بين الأطراف‏

الاخر،حتى يجب الاجتناب عنها من باب المقدّمة،فالعلم التفصيليّ-أيضا

حينئذ-موجب لتبدّل العلم الإجمالي إلى العلم التفصيليّ و الشكّ البدوي في سائر

الأطراف،فيرجع فيها إلى الأصل السليم عن المعارض.

لا يقال:إنّ المفروض-في هذا الفرض-وجود معلوم إجمالي مردّد بين‏

الأطراف قبل حصول العلم التفصيليّ بحرمة بعضها،و هو بعد وجوده و قبل‏

حصوله صار منجّزا على المكلّف،فيجب عليه الخروج عن عهدته على سبيل‏

الجزم،و الاجتناب عن المعلوم التفصيليّ لا يوجب الجزم بالخروج عن عهدته بل‏

يتوقّف على الاجتناب عن سائر الأطراف أيضا.

و بالجملة:الحال هنا نظير الحال في الموارد الأول،و هو تلف بعض‏

1)كذا في الأصل،و المناسب:بتعدّد المعلوم.

87
الأطراف بعد حصول العلم الإجمالي من جهة أنه بتلف بعضها لا يقطع بذهاب‏

التكليف الواقعي،بل يحتمل،و معه قلتم بلزوم الاجتناب عن سائر الأطراف،

نظرا إلى تنجّز المعلوم الإجمالي على المكلّف و لزوم الخروج عن عهدته على سبيل‏

الجزم،فما هو المناط في لزوم الاجتناب عن سائر الأطراف ثمة موجود بعينه فيما

نحن فيه.

لأنا نقول:حصول العلم التفصيليّ فيما نحن فيه قد يكون موجبا

لسريان الشكّ إلى العلم الإجمالي السابق،بمعنى أنه إذا علم المكلّف بحرمة

بعض الأطراف تفصيلا أو بنجاسته كذلك،فيحتمل حدوث الحرمة أو النجاسة

فيه من الآن،مع احتمال عدم حرام أو نجس دون هذا من قبل،فيشكّ أنه هل‏

في زمن حصول العلم الإجمالي كان محرّم في الواقع بين الأطراف،أو لا؟فحينئذ

فلا إشكال في عدم لزوم الاجتناب عن سائر الأطراف،فإنّ غاية ما هنا أنه‏

اعتقد بوجود محرّم مردّد بين الأطراف،و الآن زال هذا الاعتقاد،فهو كان معتقدا

لتنجّز تكليف عليه في السابق،لكن الآن زال ذلك الاعتقاد،فالآن ليس له علم‏

بتكليف منجّز عليه في السابق حتى يجب الخروج من عهدته،و قياس ذلك بما

ذكر واضح الفساد كما لا يخفى.

و قد لا يكون‏موجبا لسريان الشكّ إلى العلم الإجمالي بالمعنى المذكور،

بل الآن-أيضا-قاطع بوجود محرّم مردّد بين الأطراف في السابق،لكن يحتمل‏

كونه هو هذا المعلوم بالتفصيل،فنقول-حينئذ-:إنّ لزوم الاجتناب عن‏

أطراف المعلوم الإجمالي عند العقل إنّما هو من آثار إجمال ذلك المعلوم،فإنّ‏

التكليف المتوجّه من الشارع إنما هو بأحد تلك الأطراف في الواقع،و هو-أولا

و بالذات-لا يقتضي أزيد من ترك ذلك الحرام الواقعي،إلاّ أنه إذا طرأ عليه‏

الإجمال مع فرض تنجّزه على المكلّف فالعقل يحكم بلزوم الاجتناب عن جميع‏

محتملاته مقدّمة لتحصيل العلم بامتثاله،فلزوم الاجتناب عن جميع الأطراف‏


88
يدور مدار وجود معلوم مجمل مردّد بينها على تقدير اجتماع تلك الأطراف بمعنى‏

فرض وجود جميعها و إن لم يكن بعضها موجودا فعلا،فإذا حصل العلم الإجمالي‏

على هذا النحو-مع بقائه على تلك الحال-فهو موجب للزوم الاجتناب عن‏

جميع محتملاته إلى الأبد و لو فرض تلف بعضها بعده مع وجوده على الكيفية

المذكورة على فرض وجوده الآن و انضمامه إلى سائر الأطراف،كما هو الحال في‏

المورد الأول الّذي قاس المورد ما نحن فيه عليه.

و أما إذا لم يبق على تلك الحال-بمعنى أنه لم يكن للمكلّف فعلا معلوم‏

إجماليّ مردّد بين الأطراف على تقدير اجتماعها-فلا شي‏ء يوجب لزوم‏

الاجتناب عن محتملاته،و ما نحن فيه من هذا القبيل،فإنه بعد العلم التفصيليّ‏

بحرمة بعض الأطراف مع احتمال كونه هو المعلوم الإجمالي السابق لم يبق له‏

معلوم آخر مجمل مردّد بين هذا المعلوم بالتفصيل و بين سائر الأطراف فلا شي‏ء

يوجب لزوم الاجتناب عن غير ذلك المعلوم بالتفصيل،فانقلب المعلوم الإجمالي‏

-حينئذ أيضا-إلى المعلوم بالتفصيل و الشكّ البدوي بالنسبة إلى سائر

الأطراف،فيكون موردا للأصل،فظهر الفرق بين المقيس و المقيس عليه،فبطل‏

القياس المذكور.

و بالجملة:بعد حصول العلم التفصيليّ ببعض الأطراف مع احتمال كونه‏

هو المعلوم الإجمالي يكون ذلك نظير الشكّ الساري من حيث عدم إحراز معلوم‏

إجمالي مردّد بين الأطراف.

و الحاصل:أن المعلوم الإجمالي إنّما يكون منجّزا على المكلّف،و موجبا

للزوم تحصيل القطع بامتثاله إذا بقي على ما كان عليه على تقدير اجتماع أطرافه،

و أما بدونه فلا،و العلم التفصيليّ ببعض الأطراف-أيضا-لا يقتضي لزوم‏

الاجتناب عن سائر الأطراف،فلا شي‏ء حينئذ يوجب لزوم الاجتناب عنها،

و إنما قيّدنا العلم التفصيليّ ببعض الأطراف بكونه بحيث يحتمل كون متعلقه‏


89
متّحدا مع متعلّق العلم الإجمالي السابق احترازا عن صورة اجتماع السببين‏

للاجتناب في بعض أطراف المعلوم الإجمالي،بأن يحدث فيه بعد العلم الإجمالي‏

ما يقتضي لزوم الاجتناب،فيجتمع فيه سببان:أحدهما كونه من أطراف المعلوم‏

الإجمالي اللازم الاجتناب،و ثانيهما ذلك الأمر الحادث،و هذا كما إذا علم بنجاسة

أحد الإناءين إجمالا،ثم وقع بعد ذلك نجاسة أخرى في أحدهما بالخصوص،فإنه‏

و إن كان يعلم بذلك نجاسة ذلك الإناء بالخصوص و بالتفصيل،نظرا إلى أنه إما

النجس الواقعي،أو هو الإناء الآخر،فإن كان الأول فهو نجس يقينا،و ان كان‏

الثاني فهو و إن لم يكن نجسا قبل وقوع هذه النجاسة عليه،إلاّ أنه تنجّس بعده‏

يقينا،فهو نجس على كلّ حال.

و وجه الاحتراز عن تلك الصورة:أنّ العلم التفصيليّ فيه بلزوم‏

الاجتناب عن الطرف المذكور لا يوجب انقلاب العلم الإجمالي السابق إلى‏

العلم التفصيليّ و الشك البدوي،بل يكون حدوث ذلك السبب كعدمه،إذ معه‏

أيضا يعلم بوجود النجس المعلوم سابقا بين الإناءين،و إنما الشكّ في إحداث ذلك‏

تكليفا آخر بلزوم الاجتناب وراء التكليف بالواقع المردّد بينهما،لاحتمال وروده‏

على غير ما يكون نجسا في الواقع.

و بعبارة أخرى:إنا نعلم الآن-أيضا-بوجود النجس بالنجاسة السابقة

بين الإناءين،و الأصل في كلّ منهما-بالنسبة إلى تلك النجاسة السابقة-معارض‏

بمثله في الآخر الآن-أيضا-و قد مرّ أنّ العلم الإجمالي مع تعارض الأصول في‏

أطرافه موجب لوجوب الموافقة القطعية المتوقّفة على الاجتناب عن جميع‏

الأطراف.

لا يتوهم:أنّ الأصل بالنسبة إلى تلك النجاسة السابقة معارض لأصالة

عدم تأثّر محلّ هذه النجاسة الحادثة منها،للعلم بنجاسة ذلك المحلّ بإحدى‏

النجاستين،فإذا وقع التعارض فيسقطان عن الاعتبار،فيبقى الأصل بالنسبة


90
إلى النجاسة السابقة-في غير مورد النجاسة الحادثة-سليمان عن المعارض،

فيقتضي جواز ارتكابه،فلا يقتضي العلم الإجمالي المذكور وجوب الموافقة

القطعية.

لأنه مدفوع:بأنّ الأصل بالنسبة إلى النجاسة السابقة في مورد حدوث‏

النجاسة اللاحقة كان معارضا بمثله في الطرف الآخر قبل حدوث تلك النجاسة

الحادثة،و لا ريب أنّ الأصل المبتلى بالمعارض لا يصلح للتعارض بالنسبة إلى‏

السليم منه،و هو الأصل بالنسبة إلى النجاسة اللاحقة في مورد حدوثها،و إن كان‏

لا بدّ فليقل بسلامة ذلك الأصل عن المعارض،إلاّ أنه لا يترتّب عليه فائدة،

فإنّه لا يلزم منه في المقام جواز ارتكاب مورده فإنّ الاجتناب عنه لازم على كلّ‏

حال.

و بالجملة:حدوث سبب آخر في أحد طرفي المعلوم الإجمالي لا يوجب‏

إحياء الأصل الميّت بالتعارض في الطرف الآخر،بل هو-حينئذ أيضا-ميّت‏

لبقاء التعارض،فلا يترتّب عليه شي‏ء.

هذا،و كيف كان،فجواز ارتكاب الطرف الآخر بعد حدوث السبب في‏

غيره مما يأباه وجدان كلّ أحد،فلا يليق صدور القول به من أحد،و إنما أردنا

بما سمعت بيان وجه الامتناع تفصيلا.

هذا تمام الكلام في المورد الأوّل و الثاني.

و أما الثالث:-و هو ما قام فيه الطريق المعتبر الظنّي على بعض أطراف المعلوم‏

الإجمالي-:فربما يتخيّل أنه من قبيل اجتماع السببين للاجتناب في بعض‏

أطراف الشبهة،لكنه فاسد،للفرق بين حدوث سبب آخر في بعض أطراف‏

الشبهة و بين قيام طريق عليه،إذ قد عرفت أنّ الأوّل لا يقتضي سلامة الأصل‏

في الطرف الآخر،و الطريق القائم عليه يقتضيه،و ذلك لأنه إذا قام الطريق‏

الشرعي الظنّي على حرمة بعض الأطراف أو نجاسته فهو حاكم على أصالة عدم‏


91
الحرمة أو النجاسة الجاريتين في مورده،فلا مجرى للأصل في مورده،فحينئذ يبقى‏

الأصل في الطرف الآخر سليمان عن المعارض،فلا أثر للعلم الإجمالي بالنسبة إلى‏

ذلك الطرف،لعدم اقتضائه-حينئذ-وجوب الموافقة القطعية.

فإن قلت:كما أنا لا نعلم فيما نحن فيه بأزيد من التكليف بالاجتناب عما

قام عليه الطريق الشرعي المعتبر من الأطراف،فكذلك لا نعلم في صورة

اجتماع السببين بأزيد من التكليف بالاجتناب عما ورد عليه السبب الثاني من‏

الأطراف فلا معلوم إجماليا سوى المعلوم بالتفصيل في الموردين،فحينئذ إن كان‏

العبرة-في وجوب الاجتناب عن سائر الأطراف في الأول-بوجود معلوم إجمالي‏

مردّد بينها قبل العلم التفصيليّ و لو لم يبق إلى حينه،فهذا موجود بعينه في الثاني‏

أيضا،فلا وجه للتفصيل بينهما بوجه،و إن‏كان‏العبرة فيه بشي‏ء آخر غير

موجود في الثاني فبيّنه.

قلنا:مناط وجوب الاجتناب عن جميع الأطراف-كما عرفت سابقا-

إنما هو وجود معلوم إجمالي مردّد بينها-على تقدير اجتماعها-مع عدم الرخصة

في ارتكاب بعضها،و إلاّ سقط الوجوب عن الطرف المأذون في ارتكابه و لا

يقتضي-حينئذ-أزيد من وجوب الموافقة الاحتمالية المتحقّقة بالاجتناب عن‏

سائر الأطراف،و عرفت أنّ عدم الرخصة في بعضها إنما هو في صورة تعارض‏

الأصول في الأطراف،و أنه‏ (1) مع سلامة الأصل في بعضها يكون ذلك البعض‏

مرخّصا فيه بمقتضاه،و يختصّ الوجوب بغيره،و لا ريب في أنّ المناط المذكور

متحقّق في الأول دون الثاني،إذ قد عرفت أنّ الأصل بالنسبة إلى السبب السابق‏

المعلوم التأثير في أحد الأطراف إجمالا معارض في كلّ منها بمثله في الآخر،

فالمعلوم المردّد بينها من تلك الجهة مع تعارض الأصول في الأطراف متحقّق فعلا

1)في الأصل:(و أنّ مع.).و الصحيح ما أثبتناه.

92
حين ورد السبب الثاني،و بعده فإنه لا يقتضي وروده سلامة الأصل بالنسبة إلى‏

ذلك المعلوم الإجمالي عن المعارض بالنسبة إلى الأطراف الاخر،حتى يقتضي‏

جواز ارتكابها،و يختصّ وجوب الاجتناب بمورده،فالسبب الأول بعد ورود

الثاني أيضا تامّ الاقتضاء للاجتناب عن جميع الأطراف،هذا بخلاف الثاني،فإنّ‏

الطريق الشرعي القائم على بعض الأطراف مانع عن جريان الأصل في مورده،

فلا يصلح-حينئذ-هو لمعارضته للأصول في الأطراف الاخر،فإنّ الطرق‏

و الأمارات الشرعية ليست من قبيل الأسباب‏1،بأن يحدث-بسبب قيامها-

تكليف واقعي،و إنّما هو لمجرّد الطريقية،و لازمها تنجّز التكليف الموجود في محلّها

على المكلّف على تقديره‏2،فالتكليف الواقعي في محلّها مشكوك فيه بعد قيامها

أيضا،و إنّما المعلوم‏من‏التكليف-حينئذ-هو التكليف الظاهري.

فمن هنا ظاهر فساد ما قيل في العنوان:من كون الطرف القائم عليه‏

الطريق الشرعي معلوما بالتفصيل.نعم هذا يتمّ في أسباب النجاسة،فإنّها بعد

ورودها على أطراف الشبهة يعلم تفصيلا بنجاسة ذلك الطرف فإنّه-حينئذ-

إمّا أن يكون هو النجس المعلوم إجمالا قبل ورودها،أو غيره،و على كلّ تقدير

فهو نجس بعد ورودها عليه،لأنه على الثاني ينجس بها البتّة.هذا.

1و مجمل الفرق بين الأمارات و الأسباب فيما إذا حصل شي‏ء منهما في بعض أطراف الشبهة:أن الأسباب‏

محدثة-بمجرّد ورودها في مورد-تكليفا آخر غير المعلوم الإجمالي،فمع ورودها يتحصّل تكليفان‏

منجّزان فعلا لا بدّ من الخروج عن عهدتهما.

هذا بخلاف الأمارات،فإنها إذا قامت في بعض الأطراف فلا توجب تكليفا آخر غير المعلوم‏

بالإجمال،فإنها طريق إلى التكليف الموجود في موردها،و موجبة لتنجّزه على المكلّف على تقديره.لمحرّره‏

عفا اللّه عنه.

2و بعبارة أخرى:إنّ وجوب العمل بالطرق الشرعية ليس من باب الموضوعية و السببية،و إنما هو من‏

باب كونها طرفا إلى ما قامت عليه،و لازمها تنجّز التكليف المجهول في موردها على المكلّف،بحيث لا

يعذر في مخالفته على تقديره.لمحرّره عفا اللّه عنه.


93
و بالجملة:فقد ظهر أن ورود الأسباب على بعض أطراف الشبهة-مع‏

كونها موجبة للعلم التفصيليّ بذلك الطرف-لا تقتضي سلامة الأصل في‏

الأطراف الاخر بالنسبة إلى المعلوم الإجمالي السابق،و أنّ الطرق الشرعية-مع‏

عدم إيجابها لذلك-تقتضي سلامته في الأطراف الأخر.

ثمّ إنه يكشف عن فساد ما ربما يتخيّل-من أنّ الأصل بالنسبة إلى‏

المعلوم الإجمالي السابق في موارد الأسباب معارض بأصالة عدم تأثير.ذلك‏

السبب في ذلك المحلّ-أنّ أصالة عدم التأثير المذكورة غير جارية في موارد

أسباب النجاسة و الحرمة،إذ بعد ورودها على مورد يقتضي وجوب الاجتناب عن‏

ذلك المورد،بحيث يتمّ بها الحجّة على وجوب الاجتناب فيه،بحيث لو لم يكن‏

في محلّها نجس أو حرام تكون هي محدثة لهما،و تكون منجّزة للتكليف بالاجتناب‏

عنهما على تقدير كونها محدثة لهما،فحينئذ لا مجرى للأصل المذكور في موردها.

و الحاصل:أنّ التكليف الثاني من جهة ورودها على بعض الأطراف و إن‏

كان مشكوكا فيه،إلاّ أنه محتمل،و احتماله كاف في لزوم الاجتناب عن مورده‏

من جهتها،فإنّ التكليف المحتمل في موردها على تقديره منجّز،فلا معنى لإجراء

الأصل فيه.

و بالجملة:الأسباب الشرعية للنجاسة أو الحرمة أو الوجوب إذا ثبتت في‏

مورد فهي متمّمة للحجّة على مقتضاها في موردها،فتكون هي بالنسبة إلى‏

مقتضاها كالطرق الشرعية بالنسبة إلى مؤدّاها في كونها حجّة عليه بحيث لا يعذر

الجاهل فيها على تقدير وجود تكليف في موردها،فلذا لا مجال للأصول النافية

للتكليف موضوعية كانت أو حكمية فيها.

ثمّ إنه لا ينبغي التحاشي عن أنّ العلم الإجمالي كيف لا يقتضي الموافقة

القطعية في بعض الصور؟!و ما الفرق بينه و بين العلم التفصيليّ؟!حيث إنه‏

يقتضيها عقلا،و يكون علّة تامّة لها عنده،لأنّ العلم الإجمالي ليس كالتفصيلي،


94
فإنّ التفصيليّ بحيث لو اذن فيه بترك الموافقة القطعية لكان ذلك مستلزما

للتناقض،بخلاف العلم الإجمالي،فإنّ له جهة علمية وجهة شكّية،و هو بالنسبة

إلى الأولى كالعلم التفصيليّ لا يعقل رفع مقتضاه،و بالنسبة إلى الثانية قابل‏

لرفعه،و مقتضاه على الأولى هو عدم جواز المخالفة القطعية،و على الثانية (1) هي‏

الموافقة القطعية.

و الحاصل:إنه يمكن التفكيك بين عدم جواز المخالفة القطعية و وجوب‏

الموافقة القطعية فيه،لما ذكر،بخلاف العلم التفصيليّ.

ثمّ إنه لا بأس بإعادة الكلام فيما كنّا بصدده من الجواب عن الدليل‏

العقلي المذكور،فنقول:

توضيح الكلام فيه:إنه قد يجاب عنه:تارة بأنّ العلم الإجمالي إنّما هو

قبل المراجعة إلى الأدلة (2) ،و أمّا بعده فينقلب هو إلى العلم التفصيليّ و الشكّ‏

البدوي،لحصول العلم التفصيليّ-حينئذ-بحرمة عدّة أمور تساوي المعلوم‏

الإجمالي،فيكون الشكّ في غيرها بدويا مرجعا للبراءة الأصلية.

و الحقّ:أنّ ذلك على تقدير ثبوته كاف شاف في دفع الدليل المذكور،فإنه‏

إذا علم إجمالا بوجود محرّم أو نجس بين أمور-مثلا-ثم علم بنجاسة أحدها

أو حرمته تفصيلا فهناك صور ثلاث:

أولاها:أن يعلم أنّ ذلك المعلوم بالتفصيل الآن هو المعلوم بالإجمال من‏

قبل.

و ثانيتها:أن لا يعلم الاتّحاد،لكن يعلم أنّ ذلك المعلوم بالتفصيل كان‏

حراما أو نجسا في زمان العلم الإجمالي.

1)في النسخة(الثاني)و الصحيح ما أثبتناه.

2)كذا في الأصل،و الصحيح:(مراجعة الأدلّة)أو(الرجوع إلى الأدلة).

95
و ثالثتها:أن لا يعلم سبق حرمته أو نجاسته أيضا،و إنّما المعلوم تفصيلا

الآن إنما هو حرمته أو نجاسته الآن،مع احتمال عروض الحرمة أو النجاسة عليه‏

بعد زمان العلم الإجمالي،لا إشكال في جواز الرجوع إلى البراءة الأصلية

بالنسبة إلى غير ذلك المعلوم بالتفصيل بعد العلم التفصيليّ في الصورتين الأوليين:

أمّا في أولاهما فواضح.

و أمّا في ثانيتهما فلأنّ المقتضي للاحتياط فيه إنّما هو ثبوت التكليف بأمر

مردّد يكون ذلك من أطرافه،و هو منتف هنا:أما بالنسبة إلى الزمان الثاني‏

فواضح،ضرورة أنّه لا يعلم بالتكليف الآن بأزيد من ذلك المعلوم بالتفصيل،و لا

يعلم الآن بتكليف آخر مردّد بينه و بين ذلك الغير.

و أمّا بالنسبة إلى الزمان الأول-الّذي هو زمان العلم الإجمالي السابق-

فلأنه لا يعلم الآن بالتكليف فيه بأزيد منه مردّدا بين الأطراف التي ذلك منها،بل‏

الشكّ فيه-بالنسبة إلى ذلك الزمان بعد العلم التفصيليّ بحرمة صاحبه فيه أو

نجاسته-بدويّ.

و أما الثالثة ففيها إشكال،نظرا إلى أنه و إن لا يعلم الآن بالتكليف‏

الواقعي بأزيد من ذلك المعلوم بالتفصيل،إلاّ أنه يعلم بتكليف واقعي منجّز عليه‏

في السابق،فلا بد من الخروج عن عهدته كما يجب الخروج عن عهدة ذلك‏

المعلوم بالتفصيل،لكن ما نحن فيه إنّما هو من الصورة الثانية،فإنه إذا علم‏

بحرمة أمور بعد الفحص فيعلم بثبوت الحرمة لها من قبل،فلا إشكال في‏

الرجوع إلى البراءة الأصلية في غيرها.

قوله-قدّس سرّه-:(و حكي عن المحدّث الأسترآبادي في‏

فوائده‏ (1) :أن تحقيق الكلام.) (2) .(1)إلى آخر ما ذكره المحدّث.

1)الفوائد المدنية:140-141.

2)فرائد الأصول 1:357.

96
و كأنّ المحدّث المذكور نشأ تخيّله التفصيل من كلام المحقّق من قول‏

المحقّق:(الثانية:أن يتبيّن‏ (1) أنه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلّت عليه إحدى تلك‏

الدلائل) (2) ،فتخيّل أنّ تلك المقدّمة لا تتم إلاّ فيما يعمّ البلوى به،مع غفلته عن‏

تعليل المحقّق-قدّس سرّه-ذلك بقوله:(لأنه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف‏

بما لا طريق للمكلّف إلى العلم به،و هو تكليف بما لا يطاق،فإنّ هذا التعليل‏

صريح في أنّ مراده ليس نفي الحكم الواقعي،بل الفعلي،و هو المناط للتكليف،

و هو الّذي يتمّ فيه هذا التعليل،إذ لا تكليف بنفس الواقع من حيث هو،حتّى‏

يلزم من عدم الدلالة عليه التكليف بما لا يطاق،و هذا التعليل لا يختصّ جريانه‏

بما يعمّ به البلوى،بل يعمّ غيره أيضا،فإنّ كلّ مورد-سواء كان مما يعمّ به‏

البلوى أو لم يكن-إذا لم يكن على التكليف به دلالة واضحة لزم التكليف بما

لا يطاق.

فظهر أنّ المحقّق لم يفصّل في اعتبار أصل البراءة بين ما تعمّ به البلوى‏

و بين غيره،بل قال بها مطلقا بالنسبة إلى الحكم الفعلي،و أما الحكم الشأني فلا

تجري فيه البراءة مطلقا،لعدم العقاب عليه على تقدير ثبوته،فما تخيّله المحدّث‏

المذكور تحقيقا لكلام المحقّق-مع فساده في نفسه،كما لا يخفى على المتأمّل-لا

ربط له بمقالة المحقّق أصلا.

قوله-قدّس سرّه-:(كما ذكره جماعة من الأصوليين) (3) .

(1)لا يذهب عليك:أنّ هذا لا ينافي ما اختاره-قدّس سرّه-من عدم‏

جريان الاستصحاب في الأحكام العقلية،فإنّ ما اختاره هناك إنّما هو بالنظر

1)في الفرائد و في الفوائد المدنية(أن يبيّن)،و في المصدر:(أن نبيّن)،و في نسخة:(أن يتبيّن)،و هي‏

الصحيحة ظاهرا.

2)معارج الأصول:212.

3)فرائد الأصول 1:359.

97
إلى الاستصحاب الثابت اعتباره بالأخبار،و الاستصحاب الّذي هنا إنّما هو

عبارة عن أصالة البراءة العقلية (1) .

قوله-قدّس سرّه-:(منهم صاحب المعالم) (2) .

1)قال الفاضل التوني-قدّس سرّه-في عدّ الأدلّة العقلية:

الثالث:استصحاب حال العقل،أي الحالة السابقة،و هي عدم شغل الذمّة عند عدم دليل أو أمارة

عليه.

أقول:فوجه تسمية ذلك بحال العقل:أنّ حال عدم دليل و أمارة على شغل الذمّة حالة يحكم العقل‏

معها بالبراءة من باب قبح العقاب من غير بيان،فإذا تحقّقت تلك الحالة في زمان-ثمّ جاء زمان آخر

شكّ في اشتغال الذمّة بشي‏ء-فيستصحب(أ كذا في الأصل،و الصحيح بحذف الفاء:يستصحب).براءة الذمّة السابقة.

لكن إن أريد استصحاب نفس حكم العقل...(ب في الأصل هنا كلمة لعلها«و الحصر»و الظاهر ان وجودها و عدمها سواء).في السابق ففيه-مضافا إلى عدم الحاجة في‏

الزمان الثاني إليه بعد فرض عدم الدليل العقلي(ج في الأصل:الدليل العقل).على شغل الذمّة،نظرا إلى بقاء موضوع القضية

العقلية-أنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام العقلية إن لوحظ اعتباره من باب التعبّد كما حرّر في‏

محلّه.

نعم إن كان من باب الظنّ فيصحّ إجراؤه،إلاّ أنه لا فائدة فيه-أيضا-كما عرفت.

و إن أراد استصحاب نفس عدم اشتغال الذمّة بتكليف(د تكرّرت في الأصل كلمة(بتكليف))فحسن مطلقا مع الإغماض عمّا ذكرنا من‏

عدم الحاجة إليه،لكفاية أصالة البراءة-حينئذ-في المقصود.

ثمّ إنّه-قدّس سرّه-قال:إنّ التمسّك به بأن يقال:إنّ الذمّة لم تكن مشغولة بهذا الحكم في الزمان‏

السابق أو الحالة الأولى،فلا تكون مشغولة في الزمان اللاحق و الحالة الأخرى.

و هذا يصحّ إذا لم يتجدّد ما يوجب شغل الذمّة في الزمان الثاني،و وجه حجّيته ظاهر،إذ التكليف‏

بالشي‏ء مع عدم الإعلام به تكليف العاقل و تكليف بما لا يطاق،و تدلّ عليه الأخبار أيضا،كما سيجي‏ء

مع ما فيه.إن شاء اللّه تعالى.لمحرّره عفا اللّه عنه‏(ه ما بين المعقوفين غير واضح في الأصل،فأثبتناه استظهارا).

2)فرائد الأصول 1:359.


98
(1)يظهر ذلك من قوله:(و أمّا أصالة البراءة فهي لا تفيد إلاّ الظنّ) (1) .

قوله-قدّس سرّه-:(لا إشكال في رجحان الاحتياط) (2) .

(2)قال-دام ظله-:الظاهر من نسبة الرجحان إلى شي‏ء كون ذلك الشي‏ء

حسنا في نفسه،لكنّه-قدّس سرّه-أراد الأعمّ من ذلك الشامل للحسن‏

بواسطة الغير،و إلاّ لم يكن معنى لترديده في استحباب الاحتياط بعد الاعتراف‏

بحسنه الذاتي،فإنّ التردّد آئل إلى الترديد في أنّ الاحتياط بنفسه حسن حتّى‏

يكون مندوبا شرعا،أولا.

ثمّ إنّه-دام ظلّه-قال:لا شبهة في أنّ تعليم الجاهل من الواجبات‏

النفسيّة،و لا ريب أنّ كلّ واجب نفسي كالمندوب لا بدّ أن يكون حسنا في نفسه،

و إلاّ يكون وجوبه غيريا أو إرشاديا.

و الّذي يتراءى-في بادئ النّظر-أنه لا مصلحة في التعليم إلاّ تمكّن الغير

من امتثال ما يجب عليه،فلا يكون حسنا في نفسه على هذا.

و يمكن أن يقال:إنّ إرشاد الجاهل في نفسه حسن أوجب الأمر به،

و يكون تركه و تقرير الجاهل على جهله قبيحا،فيحرم تركه.

فمن هنا يدفع ما ربما يتوهّم أن يقال:إنه ما الفرق بين الاحتياط و بين‏

تعليم الجاهل من جهة عدم الحسن في نفس كلّ منهما؟!فإن كان ذلك يقدح في‏

استحباب الاحتياط نفسيّا فليقدح‏ (3) في وجوب التعليم نفسيّا.

قوله-قدّس سرّه-:(و اقترانه مع الاجتناب عن الحرام المعلوم في‏

كونه ورعا) (4) ..(3)يعني‏ (5) لما ذكرنا أيضا:أنّ الإمام عليه السلام أقرن‏

1)معالم الدين:192.

2)فرائد الأصول 1:359.

3)في الأصل:ليقدح..

4)فرائد الأصول 1:360.

5)كذا في الأصل،لكن صحيح العبارة-بمراجعة الفرائد-هكذا:يعني و يشهد لما ذكرنا...

99
اجتناب الشبهة مع الاجتناب عن الحرام المعلوم في كونه ورعا بمعنى أنه علّة

جعله قرينا له في كونه ورعا،و قال:و كما أن الثاني ورع،فكذلك الأوّل،فيكون‏

حال الشبهة في الأمر بالاجتناب عنها حال الأمر باجتناب الحرام المعلوم،فإن‏

كان الأمر بالثاني،إرشاديّا يكون الأمر بالأوّل-أيضا-كذلك،و من المعلوم أنّ‏

الأمر باجتناب المحرّمات المعلومة ليس إلاّ للإرشاد،كما أشار إليه-قدّس‏

سرّه-بقوله:(و من المعلوم...إلخ) (1) ،و المشار إليه بقوله-قدّس سرّه-(في تلك‏

الأخبار)هي الأخبار الآمرة بالاجتناب عن الحرام المعلوم.

قوله-قدّس سرّه-:(من حيث إنه إطاعة حكمية.). (2) .

(1)قال-دام ظلّه-:ترتّب الثواب يتوقّف على أن يكون الانقياد حسنا في‏

نفسه و ممدوحا كذلك،بحيث لا يرجع المدح فيه إلى المدح الفاعلي،و إلاّ فلا

يكون فعله سببا للثواب،و لو التزم بحسنه الذاتي،بأن يقال:إنّ العمل إذا أتي‏

به بعنوان إحراز مطلوب المولى يكون العمل في نفسه حسنا،كما هو ليس ببعيد

كلّ البعد،فلا بدّ من القول:بأنّ الذمّ في التجرّي-أيضا-فعليّ،لا فاعلي،

فيكون حراما ذاتا.

أقول:لا يتوهّم قضية ذلك-أي مقايسة التجرّي بالانقياد-هو أن‏

يكون التجرّي مكروها.

لأنا نقول:إذا تحقّق أنّ الذمّ في التجرّي على نفس الفعل المتجري به‏

فيكشف عن حرمته شرعا،لأنّ كلّ مذموم عقلا حرام شرعا من غير فرق بين‏

مراتب الذمّ،و المكروهات لا ذمّ فيها أصلا،هذا بخلاف المندوبات،فإنّها ممدوحة

بأقلّ درجة المدح.

1)فرائد الأصول 1:360.

2)فرائد الأصول 1:360.لكن في المصدر:(من حيث إنه انقياد و إطاعة).


100
و بالجملة:لا يتحقّق الذمّ في المناهي إلاّ في المحرّمات،و أمّا المدح في‏

الأفعال المأمور بها فيتحقّق في كلّ من واجبها و مندوبها،فحصول الذمّ في طرف‏

المناهي موجب للحرمة بخلاف الفعل المأمور به،فإنّ مجرّد المدح عليه لا يوجب‏

وجوبه.

قوله-قدّس سرّه-:(و لكن الظاهر من بعض الأخبار المتقدّمة مثل‏

قوله عليه السلام:«من ارتكب الشبهات نازعته نفسه إلى أن يقع‏

في المحرّمات» (1) ...إلى آخره) (2) .

(1)وجه استظهار الاستحباب ممّا ذكر أنّ معنى قوله عليه السلام:

«نازعته نفسه إلى أن يقع في المحرّمات»أنّ من ارتكب الشبهة يحصل لنفسه حالة

شقوة تحمله على ارتكاب المحرّمات المعلومة،بحيث لا يبالي بها،فمن تركها

يسلم من ذلك،و هذا ممّا يصلح أن يكون حكمة للاستحباب،فإنه أمر حسن‏

ممدوح،و معه يمكن حمل الطلب على الاستحباب،بل ظاهر فيه.

قوله-قدّس سرّه-:(لأن معنى الإباحة الإذن و الترخيص) (3) .

(2)هذا بناء على أنّ حقيقة الإباحة هو الإذن،و الإذن ليس إلاّ الترخيص‏

المعلوم،فإنّه مأخوذ من الأذان بمعنى الإعلام،و منه قوله تعالى: و أذان من‏

اللَّه... (4) و قوله تعالى: ثم أذن مؤذّن أيّتها العير... (5) ،فالترخيص الواقعي‏

إذالم يحصل العلم به لا يكون إباحة،فلا يكون الشي‏ء الغير المعلوم ترخيصه‏

من الشارع مباحا في الواقع،فيكون حراما واقعا.

1)لم أعثر على نصّه،و إنما ورد مضمونه في الوسائل 18:111-129 باب 12 من أبواب صفات القاضي.

2)فرائد الأصول 1:360.

3)فرائد الأصول 1:361.

4)سورة براءة:3.

5)سورة يوسف:70.

101
قوله‏قدّس سرّه‏:(فتأمّل) (1) .

(1)لعلّه إشارة إلى منع كون الإباحة هو الترخيص المعلوم،بل هي عبارة

عن نفس الترخيص الواقعي،و هو قد يكون معلوما،و قد يكون مجهولا،كما فيما

نحن فيه،و هذا هو الّذي ارتضاه السيّد الأستاذ-دام ظلّه-أيضا.

قوله-قدّس سرّه-:(لأنّ من شرائطها قابلية المحلّ،و هي‏

مشكوكة،فيحكم بعدمها) (2) .

(2)لأحد أن يقول:إنّ قابلية المحل ليست إلاّ حلّية الحيوان ذاتا،فبأصالة

الحلّ تحرز تلك الحلّيّة،فيحرز بها مورد تأثير التذكية و شرطها،و المفروض إحراز

نفس التذكية،فيكون الحيوان المذكّى حلالا.

و بعبارةأخرى‏:إنا نعلم أنّ الشارع جعل التذكية سببا تاما للحلّية فيما

يكون حلالا ذاتا،فإذا ذكّينا ما شككنا في حلّيته الذاتيّة فنحرز بأصالة الحلّ‏

حلّيته الذاتيّة،فنحكم بحلّيته،إذ لا قصور في السبب أصلا،و لو كان فهو من‏

جهة المحلّ،لاحتمال عدم كونه حلالا ذاتا،و قد أحرزنا تماميته أيضا،فعلى هذا

لا حاجة لنا إلى عموم يدلّ على جواز تذكية كلّ حيوان.

و الحاصل:أنّ المتصوّر في كلّ حيوان من جهة الحرمة حيثيتان،إحداهما

حيثية ذات الشي‏ء بما هو،و ثانيتهما:حيثية كونه ميتة،و التذكية قد جعلها الشارع‏

سببا تامّا لرفع الحرمة من الحيثية الثانية،و إذا أحرزت الحلّية من حيث الذات‏

فأصل التذكية محرز بالحسّ،و شرطه-و هو كون المحلّ حلالا ذاتا-بأصالة الحلّ‏

-كما مرّ-فالتذكية الشرعية-التي هي سبب(فعلي)لجواز أكل لحم الحيوان-

محرزة،فلا معنى لأصالة عدمها،لعدم الشكّ فيها و لو بحكم الأصل المحرز

1)فرائد الأصول 1:361.

2)فرائد الأصول 1:362،لكن في المصدر:(فيحكم بحرمتها.).،و الصحيح نسخة المتن.

102
لشرطها،فأصالة الحلّ و الإباحة مثبتة محرزة لشرط التذكية الشرعية الموجبة

لجواز الأكل،لا أنّ أصالة عدم التذكية حاكمة عليها.

و نظير ذلك ما إذا شككنا في حلّية وطئ امرأة قد عقدنا عليها من جهة

الشكّ في حلّية وطئها ذاتا بسبب الشكّ في أنّ النسب الفلاني أو الرضاع الفلاني‏

المتحقّقين بين المرء و بينها موجبان للحرمة الدائمية،أو لا.

فنقول:قد جعل الشارع العقد سببا تامّا لجواز الوطء في المحلّلات‏

الذاتيّة،و هو محرز بالفرض،و أمّا الحليّة الذاتيّة فبأصالة الحلّ و الإباحة،و هذا

يجري في الشبهات الموضوعية-أيضا-مثل ما إذا ذبحنا حيوانا في الظلمة،

و شككنا في أنه كلب أو شاة،أو عقدنا على امرأة،و شككنا في أنها من المحارم أو

أجنبية،فشككنا في حلّية الأكل و جواز الوطء لذلك،فعلى ما ذكره-قدّس سرّه-

لا يجوز الأكل و الوطء لعدم إحراز شرط التذكية و العقد،و هو قابلية المحلّ،

فيستصحب عدم التذكية و عدم تأثير العقد،و على ما ذكرنا يجوز كلّ منهما،

لإحراز السبب التامّ في نفسه،و بأصالة الحلية الذاتيّة يحرز الشرط،فإنّ قوله‏

عليه السلام:«كل شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنه حرام» (1) يقضي بحلية

المشتبه،فإذا حلّ أثّر السبب أثره.

هذا،لكن يتّجه عليه:أنّ أصالة الحلّ ليست من قبيل الاستصحاب تحرز

بها الشروط،بل إنّما هي حكم ظاهري لمشتبه الحلّية الذاتيّة،بمعنى أنها حكم‏

من الشارع على حلّية ما شكّ في أنه حرام ذاتا أو حلال كذلك،و هذا الحكم ثابت‏

للمشتبه بعنوان الاشتباه،و لا يصلح لإحراز الإباحة الذاتيّة فإنّ الشارع لم يحكم‏

في مورد الاشتباه بالبناء على الحلّية من حيث ذات الشي‏ء،بل حكم به بعنوان‏

أنه مشتبه‏ (2) .

1)الكافي 5:313-40.المحاسن:497-601.

2)ما بين المعقوفتين أثبتناه من النسخة المستنسخة لموافقته للسياق،و في الأصل هكذا:(بل حكم به بعنوان هذا)..

103
هذا،بخلاف موارد الاستصحاب إذا كان مقتضاه الحلّية-مثلا-فإنه‏

حكم بها بعنوان كونه هو الواقع،فعلى هذا فالشروط مشكوك فيه،فيستصحب‏

عدم التذكية و عدم تأثير العقد.

و يمكن أن يقال:إن قابلية المحلّ ليس معناها حلّية الحيوان أو حلّية

وطئ المرأة بعد الذبح أو العقد،و هي محرزة بأصالة الحلّ و الإباحة،و لا فرق بين‏

الشكّ في حلية شرب التتن و بين حلّية حيوان يشكّ في قبوله التذكية أو جواز

وطئ امرأة يشكّ في تأثير العقد فيها،إلاّ من حيث إنّ الشكّ في الأول في الحلّية

مطلقا-و على جميع التقادير-و في الأخيرين على تقدير وجود السبب المحلّ‏

المؤثّر فيه على تقدير قابلية المحلّ،فإنّ الحرمة فيهما ثابتة و معلومة بالنسبة إلى‏

سائر التقادير،و إنّما الشكّ في الحلّية مختصّ بذلك التقدير الخاصّ،و هذا لا يصلح‏

لكونه فارقا للموردين،فإنّ مناط الحكم بالحلّية في الأول هو الشكّ فيها،و هو

موجود في الأخيرين على بعض التقادير.

لكن يدفع ذلك أيضا:أنه فرق بين الشكّ في حلّية شي‏ء عن سبب و بين‏

الشكّ في حلّيته مطلقا،فإنّ المحلّل على الأول هو السبب مع اجتماعه مع‏

الشرائط الشرعية المعتبرة في تأثيره،فإذا شكّ في شرط من شروطه يكون‏ (1)

الأصل عدم تحقّق السبب الشرعي،فيكون هذا حاكما على أصالة الحلّ.

قوله-قدّس سرّه-:(كما ادّعاه بعض) (2) .

(1)العموم المدّعى الظاهر أنه ما يأتي من الآية و الرواية:

أما الآية فهي قوله تعالى: قل لا أجد... (3) إلى آخره،و أما الرواية

1)في الأصل:فيكون.

2)فرائد الأصول 1:362.

3)الأنعام:145.

104
فهي قوله عليه السلام:«ليس الحرام إلاّ ما حرّم اللَّه...» (1) ،و مورد السؤال فيها

إنّما هو جواز أكل بعض أصناف السمك،و الظاهر منها أنه ليس الحرام إلاّ ما حرّم‏

اللّه في الكتاب،فيكون مفادها مفاد الآية،فكلّ شي‏ء لم يكن مما حرّم اللّه في‏

الكتاب يحكم بحلّيته واقعا بمقتضي العموم،فيحرز به الإباحة الواقعية التي هي‏

شرط تأثير التذكية.

قوله-قدّس سرّه-:(و حينئذ فيحكم الجاهل بما يحكم به عقله) (2) .

(1)أي حين لم يفت المجتهد بشي‏ء من الاحتياط و البراءة-حتى يكون هو

المستند للجاهل المقلّد-فيكون حال الجاهل مثل فاقد المجتهد في الدنيا،فيعمل‏

-حينئذ-بما يحكم عقله،فإنّ قول الأخباري بأنّ العقل يحكم بكذا،أو قول‏

المجتهدين بأنه يحكم بكذا-حينئذ-إخبار عن حكم العقل،و الجاهل-أيضا-

من أهل العقل،فالمعتمد عقل نفسه،لا عقل غيره،و أمر الأخباري إيّاه‏

بالاحتياط من باب الإرشاد لا يلزمه عليه‏ (3) ،إذ الأمر الإرشادي لا يكون حجّة

عليه شرعا،و إنّما الحجّة هو فتواه و اعتقاده القائم بنفسه،و المفروض عدمه.

نعم يمكن أن يكون قول الأخباريين أو المجتهدين معينا لعقله و إدراكه،

كما في المعلّم بالنسبة إلى المتعلّم فإنّ المتعلّم لا يقلّد المعلّم في المطالب،إلاّ أنه‏

يستعين من المعلّم‏ (4) فيها،و كثيرا يكون قول المعلّم معينا له على إدراك مطلب.

وظيفة الجاهل عند عدم إفتاء المجتهد بالاحتياط

قوله-قدّس سرّه-:(و ربما يتوهّم:أنّ الإجمال إذا كان في متعلّق‏

الحكم-إلى قوله-:كان داخلا في الشبهة في طريق الحكم،و هو

1)الوسائل 17:2 و 3-2 و 4،و نصّ الأول منهما:«و إنّما الحرام ما حرّم اللّه في القرآن»،و الثاني منهما:«انه‏

ليس الحرام إلاّ ما حرّم اللّه في كتابه».

2)فرائد الأصول 1:364.

3)الظاهر زيادة كلمة(عليه).

4)كذا في الأصل،و الصحيح:يستعين بالمعلّم.

105
فاسد) (1) .

(1)منشأ التوهّم المذكور:أنه إذا كان الإجمال في متعلّق الحكم كان منشأ

الشكّ هو الجهل بوضع اللفظ،و بأنه هل وضع لمعنى يشمل مورد الشكّ،أو لا؟

و هذا الجهل ممّا يرتفع بالسؤال عن العالمين‏ (2) بالوضع،و ليس من شأن الشارع‏

رفعه،فيكون داخلا في الشبهة الموضوعية،فيجري فيه ما يجري فيها من جواز

الرجوع إلى أصالة البراءة و عدم وجوب الفحص.

و بالجملة:الشكّ في الحكم ناشئ عن الشكّ في الوضع،فالشكّ حقيقة في‏

الوضع،و رفعه من شأن العالم به.

و أما وجه الفساد:أنّ معيار الشبهة الحكمية أن يكون رفع الشبهة من‏

شأن الشارع كما أنّ معيار الموضوعية أن يكون رفعها من غيره،كما يعترف به‏

المتوهّم،و لا ريب أنه إذا شكّ في الحكم بواسطة الشكّ في متعلّقه،و لم يتمكّن من‏

السؤال عن وضع اللفظ،فعليه أن يسأل الشارع عن مراده:بأني لم أفهمه،و لا

ريب أنّ بيان مراد الشارع من شأن الشارع.

و بالجملة:الشكّ و إن كان مسبّبا عن الشكّ في وضع اللفظ،لكنه شكّ في‏

مراد الشارع،و شأنه رفعه.نعم السؤال عن الوضع‏ (3) مع تمكّنه يكفي عن السؤال‏

من الشارع.

و الحاصل:أنّ مناط الشبهة الحكمية أن يكون الشكّ في مراد الشارع،

و هو حاصل في المقام.

قوله-قدّس سرّه-:(و إن حكم أصحابنا بالتخيير أو

1)فرائد الأصول 1:365.

2)كذا في الأصل،و الصحيح:بالسؤال من العالمين.

3)الأصحّ في العبارة هكذا:السؤال من الواضع.

106
الاحتياط...إلى آخره) (1) .

(1)هذا دفع للإشكال الثاني و هو مخالفة عملهم لقولهم في المسألتين.

قوله-قدّس سرّه-:(لا لمقتضى نفس مدلولي الخبرين) (2) .

(2)يعني لا لمقتضى الأصل الأوّلي بالنظر إلى نفس مدلولي الخبرين،بل‏

بالنظر إلى الأصل الثانوي المستفاد من الأخبار،و هو التخيير على قول الأكثر

أو غيره على حسب اختلاف الأقوال.

قال-دام ظلّه-:يشكل الجمع بين حكمهم بالتخيير-و لو من جهة

الأخبار-و بين حكمهم بتقديم المخالف للأصل من الخبرين و لو بالنظر إلى‏

الأصل الأوّلي،فإنه إذا كان مخالفة الأصل من المرجّحات لأحدهما فلا يدخل‏

المورد في اعتبار التخيير،فإنّ موردها صورة فقد المرجّحات رأسا.

قوله-قدّس سرّه-:(قد يأباه مقتضى أدلّتهم) (3) .

(3)لأنّهم علّلوا تقديم الناقل على المقرّر-في مسألة الناقل و المقرّر-بأنّ‏

الغالب فيما يصدر من الشارع الحكم بما يحتاج إلى البيان،و لا يستغني عنه بحكم‏

العقل،و هذا التعليل عامّ شامل لصورة كون مقتضى الأصل البراءة من‏

الوجوب،فالتفصيل المذكور في التوجيه ينافي ذلك،و المشار إليه بقوله:(و هذا

الوجه) (4) إنما هو الوجه الأول لدفع الإشكال الأوّل،لكن ظاهر العبارة موهم‏

لأنّ المشار إليه هو الوجه الثاني لدفع الإشكال الثاني،مع أنه ليس بمراد قطعا.

عدم استناد الحلية إلى أصالة الحل‏

قوله-قدّس سرّه-:(إلاّ أنّ الأمثلة المذكورة فيها ليس الحلّ فيها

مستندا إلى أصالة الحلّية...إلى آخره) (5) .

1)فرائد الأصول 1:367.

2)فرائد الأصول 1:367.

3)فرائد الأصول 1:367.

4)فرائد الأصول 1:367،في المصدر:(لكن هذا الوجه)..

5)فرائد الأصول 1:368.

107
(1) توضيح المقال و تحقيق الحال على نحو الإجمال:أما في مثال الثوب و العبد

فلأنهما إن لوحظا باعتبار اليد عليهما فهما محكومان بالحلّ،لكنه ليس مستندا إلى‏

أصالة الحلّ،بل إلى اليد التي‏هي‏من الأمارات الشرعية،و إن لوحظا مع قطع‏

النّظر عنها فهما محكومان بحرمة التصرّف فيهما-حينئذ-بمقتضى استصحاب‏

بقاء تلك الغير في الأول،و بمقتضى أصالة الحرية الثابتة بقوله عليه السلام:

«الناس كلّهم أحرار إلاّ من أقرّ على نفسه بالرقّ» (1) في الثاني،فإنهما حاكمان‏

على أصالة الحلّ في موردهما لإخراجهما موردهما عن تحتها،و قد مرّ أنه إذا كان‏

على المورد أصل موضوعي لا يجري فيه أصالة الحلّ و الإباحة،فلا يكون شي‏ء

من المثالين مندرجا (2) في صدر الرواية المثبتة لأصالة الحلّ.

نعم المثال الأول-على بعض الوجوه-يمكن إدخاله‏ (3) في صدر الرواية،

فإنّ الشكّ في كون الثوب ماله أو مال الغير قد سرق منه له صورتان:

إحداهما:صورة العلم بكونه-سابقا-مال ذلك الغير الّذي يحتمل الآن‏

كونه ماله،ففي هذه الصورة الحلّية مستندة إلى اليد كما مرّ،و مع قطع النّظر

فالحكم الحرمة لما مرّ.

و ثانيتهما:صورة الشك في أنه مال الغير في السابق باحتمال أن يكون‏

الثوب مصنوعا من مال نفسه،فحينئذ:

إن قلنا:إنّ موضوع الحلّية في الأموال هو كون الشي‏ء مالا للإنسان،

و موضوع الحرمة فيها هو ما لم يكن مالا له.

فالحلّية-حينئذ أيضا-مستندة إلى اليد،و مع قطع النّظر عنها فالحكم‏

الحرمة بمقتضى أصالة عدم كونه ماله،فبه يحرز موضوع الحرمة لكونه عدميا،

و يترتّب عليه الحرمة،و لا يعارضه استصحاب عدم كونه مال الغير،فإن ذلك‏

1)الكافي 8:69-26،و فيه:«...الناس كلّهم أحرار،و لكن اللّه خوّل بعضكم بعضا...».

2)أي:لا يصحّ أن يكون شي‏ء منهما مندرجا.

3)أي:يصحّ دخوله.

108
يصلح للمعارضة.

و إن قلنا:بالعكس،و هو أن موضوع‏الحرمةأمر وجودي،و هو كون‏

الشي‏ء مالا للغير،و موضوع الحلّ عدمي،و هو ما لم يكن مالا للغير.

فحينئذ و إن كان الحكم-مع قطع النّظر عن اليد أيضا-الحلّية لإحراز

موضوع الحلّ بالاستصحاب،لكنها مستندة إلى الاستصحاب،لا إلى أصالة

الحلّ،و لا يعارضه استصحاب عدم كونه مال نفسه،لأنه لا حكم له.

و إن قلنا:إنّ موضوع كلّ منهما أمر وجودي يتعارض‏ (1) استصحاب عدم‏

المالية من الجانبين،و يتساقطان.

فيكون المورد مجرى لأصالة الحلّ و الإباحة،فالحلّية ثابتة-مع قطع‏

النّظر عن اليد و الاستصحاب-بمقتضى أصالة الإباحة،فإنها جارية في هذه‏

الصورة:لعدم أصل موضوعي حاكم عليها حينئذ،فمورد جريانها هي هذه‏

الصورة لا غير.

قال-دام ظلّه-:الظاهر أنّ موضوع كلّ من الحل و الحرمة في الأموال‏

أمروجودي،كما يستفاد من الأدلّة الشرعية،و يظهر للمتتبع فيها.

و مثل ما ذكرنا في الأموال يجري في الحيازات-أيضا-فإنّ من حاز شيئا،

ثمّ شكّ في سبق يد عليه أصلا،أو سبق يد مسلم مع العلم بسبق اليد في الجملة،

فإن قطع النّظر عن اليد فالحلّية مستندة إلى استصحاب عدم يد

المسلم لا إلى أصالة الإباحة،فيحرز بذلك مورد الحيازة المملّكة،و هو ما لم يسبق‏

إليه أحد من المسلمين،كما يستفاد من قوله عليه السلام:«من سبق إلى ما

لم يسبق إليه أحد من المسلمين فهو له» (2) .

و أما مثال الزوجة المحتملة لكونها أختا أو رضيعة،فإنّ جهة الحلّية فيها

1)في الأصل:فيتعارض.

2)سنن البيهقي 6:142،و فيه:«من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له».

109
منحصرة في استصحاب عدم تحقّق النسب و الرضاع،و إلاّ فمع قطع النّظر عنه‏

تكون محكومة بالحرمة جدّاً،لحكومة أصالة عدم تأثير العقد على قاعدة الحلّ‏

حينئذ.

قال-دام ظلّه-:الحكم بالحلية في هذا المثال-فيما إذا كان منشأ الشبهة

احتمال كون الزوجة أختا له أو غير الأخت من المحارم-من جهة الاستصحاب‏

أيضا مشكل غاية الإشكال،فإنه لو فرض عدم علمه إجمالا بأخت له مردّدة

بين نساء،فحينئذ و إن كان يجري استصحاب عدم تحقق النسب الكلّي،حيث‏

إنه مسبوق بالعدم،لكن لا يثبت ذلك جواز النكاح على‏ (1) تلك المرأة إلاّ بناء

على الأصل المثبت الّذي لا يقول هو-قدّس سرّه-به،و أما استصحاب عدم‏

تحقّق النسب بالنسبة إلى تلك المرأة فلا يجري أصلا:لعدم الحالة السابقة له:

لأنها على تقدير كونها من إحدى الأنساب،فهي منها من أول وجودها،و على‏

تقدير عدم كونها منها،فهي ليست منها كذلك،فلا يتعقّل فيها أن تكون هي‏

موجودة في زمان خالية عن النسب،و إن فرض علمه إجمالا بما ذكر فينحصر

الاستصحاب في الثاني،و قد عرفت حاله.

و كيف كان،فلا تنطبق الأمثلة على صدر الرواية.

قال-دام ظلّه-:فيدور الأمر بين أن يجعل تلك الأمثلة قرينة على إرادة

غير ما يظهر من الصدر،و بين جعل الصدر قرينة على إرادة معنى آخر من تلك‏

الأمثلة.

و يمكن أن يقال:إنه يمكن أن يراد من الصدر ما يعمّ أصالة الحلّ‏

بحيث لا ينافي تلك الأمثلة،فيكون المدّعى-و هو ثبوت قاعدة الحلّ-داخل فيه.

قوله-قدّس سرّه-:(و توهّم عدم جريان قبح التكليف بلا

1)كذا في الأصل،و الصحيح:(جواز النكاح من تلك المرأة)..نعم يصح ما في المتن على تضمين النكاح‏

معنى العقد،أي جواز العقد على تلك المرأة.

.


110
بيان...إلخ) (1) (1)منشأ توهّم ذلك المتوهّم أنه تخيل أن المراد بالبيان في تلك القاعدة هو

بيان الشارع،فلذا زعم أنها مختصة بالشبهة الحكمية.

لكنه مدفوع بما مر سابقا:من أن المراد به إنما هو الحجة القاطعة

للعذر،فما لم يتم الحجة لم يكن عقاب،فيقبح العقاب،و الحجة في الشبهات‏

الموضوعية هو العلم بالحرام تفصيلا أو إجمالا،و أما فيما فقد العلم بأحد الوجهين‏

-كما هو المفروض في المقام-فلم يتم فيه الحجة،فيقبح المؤاخذة على تقدير

مصادفته للحرام الواقعي بلا شبهة تعتريه.

قوله-قدس سره-:(و يمكن عدمه،لأن الحلية في‏

الأملاك...إلخ) (2) .(2)قال-دام ظله-:كان عليه-قدس سره-:أن يقول-بدل‏

الأملاك-:الأموال،بأن يقول:لأن الحلية في الأموال...إلى آخر ما ذكره،إذ

الملكية إنما هي علقة حاصلة بين الشخص و المال،بخلاف المالية،فإنها صفة

أصلية ثابتة للشي‏ء في الواقع،مع قطع النّظر عن الشخص،فإن معناه كون‏

الشي‏ء مما يقوم.

فعلى هذا فقوله:(في الأملاك)يعطي بظاهره أن الأشياء التي هي أموال‏

للإنسان فعلا لا يجوز له التصرف فيها إلا بسبب آخر،و هو كما ترى،لأن الملكية

-بعد إحرازها-من الأسباب المبيحة للتصرف،بل من أقواها.

التمسك بقوله(لا يحل مال)في الشبهة الموضوعية

قوله-قدس سره-:(و لقوله-عليه السلام (3) -:«لا يحل مال إلا

من حيث أحله اللَّه») (4) .

1)فرائد الأصول 1:369.

2)فرائد الأصول 1:371.

3)الكافي 1:584-25،و فيه:«لا يحل مال إلا من وجه أحله اللَّه».

4)فرائد الأصول 1:371.

111
(1)قال-دام ظله-:الظاهر أن المراد إلا من حيث أحله اللَّه في الكتاب.

ثم إن الاستدلال به مبني على أن يكون هو في مقام إنشاء الحلية،فيقال‏

-حينئذ-:إنه علق الحل على أمر وجودي،و هو السبب الّذي جعله اللَّه سببا

للحل في القرآن،فإذا لم يحرز سبب الحل فالشي‏ء محكوم بالحرمة لأصالة عدم‏

تحقق سبب الحل.

لكن الظاهر أنه تأكيد للخطابات الخاصة،لا تأسيس،و معناه نظير قوله‏

عليه السلام:«إنما الحرام ما حرم اللَّه» (1) يعني الحرام منحصر فيما حرم اللَّه‏

في الواقع،فيكون إخبارا لا إنشاء،فيسقط عن الاستدلال.

ثم قال:إن بنينا أن موضوع كل من الحرمة و الحل أمر وجودي،

فيتعارض استصحاب عدم موضوع كل منهما مع استصحاب عدم موضوع‏

الآخر،فيجري أصالة الحل-حينئذ-لعدم أصل موضوعي حاكم عليها.

و كذا نحكم بالحل-أيضا-إن قلنا بأن موضوع الحرمة أمر وجودي،

دون موضوع الحل،بأن يقال:إن موضوعها مال الغير،و موضوعه ما لم يكن‏

مالا للغير،فحينئذ نحكم-بمقتضى أصالة عدم كونها مالا للغير-بحليته،و إن‏

قلنا بعكس ذلك فنحكم بالحرمة،لأصالة عدم تحقق موضوع الحل،فيحرز

به موضوع الحرمة،و لعل المتأمل في الأدلة يجد أن موضوع كل منهما

وجودي،فيجري أصالة الحل و الإباحة.

ثم قال:و يمكن أن يقال-أيضا-:إنه قد يثبت في بعض الموارد حلية

التصرف الملكي الّذي هو أقوى التصرفات المالية من غير توقف على سبب،كما

في باب الحيازات و اللقطة،و إذا ثبت ذلك ثبت حلية سائر التصرفات بالأولى.

لكن الإنصاف اندفاعه:بمنع الأولوية لما ترى من جواز التملك في‏

1)الوسائل 17:2-2،و فيه:«و إنما الحرام ما حرم اللَّه في القرآن».

112
اللقطة ابتداء مع عدم جواز التصرف فيها قبل التملك،بل يتوقف على السبب‏

و هو التملك،فافهم.

قوله-قدس سره-:(و لو في الأمور العدمية.). (1) .

(1)وجه الترقي:أن الأمور العدمية مما ادعي الإجماع على اعتبار

الاستصحاب فيها،فتكون هي أقوى موارد الاستصحاب.

قوله-قدس سره-:(و الدليل عليه استثناء ما

ذكيتم (2) ...إلى آخره) (3) .

(2)قال-دام ظله-:استفادة كون موضوع الحل هو الأمر الوجوديّ،و كونه‏

موضوع الحرمة هو الأمر العدمي،و هو ما لم يقع عليه التذكية الشرعية من ذلك‏

الاستثناء موقوف على أن يكون مفاد الاستثناء كون موضوع الحكم في المستثنى‏

منه أمرا متفصلا بعدم المستثنى،فيكون عدميا باعتبار فصله،فإذا أحرز ذاته‏

بالحس-مثلا-كماإذاأحرزنا بالحس أن الشي‏ء مما أكله السبع أو نطيحة أو

متردية،و شككنا في أنه مذكى-أيضا-فيجري أصالة عدم التذكية،و يحرز بها

فصله،فيحرز بها موضوع الحرمة بتمامه،و أما لو قلنا بأن مفاده التنويع-و أن‏

معناه كون موضوع الحكم في المستثنى منه هو الّذي‏ (4) غير المستثنى‏ (5) الّذي هو

الأمر الوجوديّ-فلا،بل يكون الأصل الموضوعي في كل من موضوعيهما

معارضا بمثله في الآخر،فيجري أصالة الحل.

و كيف كان،فلا بد من التأمل في أن مفاده ما ذا؟و المراد بقولنا:(مفاده)

1)فرائد الأصول 1:371.

2)المائدة:3.

3)فرائد الأصول 1:372.

4)كذا في الأصل،و الظاهر زيادة كلمة(الّذي).

5)أي:هو غير الموضوع في المستثنى..

113
أعم من العرفي،شامل للعقلي أيضا،فافهم.

إيراده على الحر العاملي‏

قوله-قدس سره-:(و قسم متردد) (1) .

(1)أقول:لا تردد في ذلك القسم،بل هو داخل في الشبهة الحكمية،فإن‏

الشبهة فيه إنما هي لإجمال‏ (2) موضوع الحكم،و هو الغناء و الخبائث،بأنهما مفادهما

ما يشمل الأفراد المشكوكة،أو لا،و قد مر أن الشبهة من هذه الجهة-أيضا-

داخلة في الحكمية،و إن تخيل بعض دخولها في الموضوعية.

قوله-قدس سره-:(لم يصدق عليها أن فيها حلالا و حراما) (3) .

(2)غرضه أن الخبر المذكور و أشباهه غير صادقة على الشبهة التحريمية

الحكمية،فإذا لم يصدق يكون‏ (4) الاحتياط واجبا فيها لأخبار الشبهة الشاملة

لها.

و الحاصل:أن أخبار وجوب التوقف في مطلق الشبهة إنما ثبت تخصيصها

في الشبهة الموضوعية بالخبر المذكور و أشباهه،و أما في أزيد من هذا فلا.

قوله-قدس سره-:(كأن مطلبه...إلخ) (5) .

(3)مراده:أنه كأن مطلب المحدث المذكور (6) ما مر من أن مقتضى ما دل‏

على وجوب التوقف في مطلق الشبهة وجوبه مطلقا،لكن ثبت خروج الشبهة

الموضوعية،و أما خروج الشبهة الحكمية فلا.

لكن لا يخفى ما في عبارته-قدس سره-من القصور في إفادة المراد،

و كان عليه أن يقول:كأن مطلبه أن هذه الروايات و أمثالها إنما هي مخصصة لعموم‏

1)فرائد الأصول 1:372.

2)في الأصل:(إنما هو لإجمال.)..و الصحيح ما أثبتناه.

3)فرائد الأصول 1:372.و في المصدر:و لا حراما.

4)في الأصل:فيكون.

5)فرائد الأصول 1:372.

6)و هو الشيخ الحر العاملي في الفوائد الطوسية:518.

114
ما دل على وجوب التوقف في مطلق الشبهة بالنسبة إلى الشبهة الموضوعية لا

غير.

قوله-قدس سره-:(و إلا فجريان أصالة الإباحة...إلخ) (1) .

(1)يعني أنه لو لم يكن مراده ذلك-و كان مراده أنه يجب الاحتياط في الشبهة

الحكمية لعدم شمول تلك الأخبار المذكورة لها مع قطع النّظر عن عموم ما دل‏

على وجوب التوقف في مطلق الشبهة-لما كان له وجه أصلا،فإن ثبوت الإباحة

و الرخصة في الشبهة الموضوعية لا ينفي ثبوتها في الشبهة الحكمية-أيضا-و لو

لدليل آخر،فلم يكن هذا بمجرده مع قطع النّظر عن عموم ما دل على وجوب‏

التوقف في مطلق الشبهة صالحا لإثبات وجوب التوقف في الشبهة الحكمية.

قوله-قدس سره-:(إلا أن الإنصاف أن دلالتها على الإباحة

و الرخصة أظهر) (2) .

(2)قال-دام ظله-:وجه الأظهرية كون أخبار التوسعة و التخيير أقل أفرادا

من أخبار الشبهة،فإنه إذا كان أحد العامين من وجه عند التعارض أقل أفرادا

من الآخر،فهو بالنسبة إلى مورد التعارض كالنص،و العام بمنزلة الظاهر.

و أما بيان كون التعارض بينهما من تعارض العامين من وجه:فلكونهما معا

صادقين على الشبهة التحريمية-لأجل تعارض النصين-التي هي مورد

تعارضهما،و صدق أخبار الشبهة على الشبهة التحريمية-لفقد النص أو إجماله-

بدون صدق أخبار التخيير عليها،و صدق أخبار التخيير على الشبهة الوجوبية

و التحريمية-لتعارض النصين-بدون صدق تلك عليها،لأنها تدل على لزوم‏

الاحتياط فيما أمكن فيه الاحتياط،و تلك الصورة لا يمكن فيها الاحتياط.

1)فرائد الأصول 1:373.

2)فرائد الأصول 1:373.

115
و أما أقلية أفراد أخبار التخيير من أفراد أخبار التوقف،فلأن الثانية

شاملة للشبهة التحريمية مع فقد النص و لإجماله و لتعارضه،و الأولى للصورة

الثالثة فقط و لصورة دوران الأمر بين الوجوب و الترحيم لتعارض النصين،

فللثانية ثلاثة أنواع،و للأولى نوعان.

قوله-قدس سره-:(أن الشبهة في نفس الحكم يسأل عنها الإمام‏

-عليه السلام .). (1) .

(1)يعني يجب أن يسأل عنها الإمام عليه السلام لأجل العمل،فإذا وجب‏

السؤال عنها للعمل فنقول:إنه لا ريب‏أن‏العمل بالاحتياط لا حاجة فيه إلى‏

السؤال بالضرورة،فيكون وجوب السؤال لأجل العمل بالبراءة و السلوك على‏

مقتضاها.

و الحاصل:أن الشبهة في طريق الحكم لا يجب السؤال فيها لأجل العمل‏

مطلقا أصلا،بل يجب السؤال في الشبهة الحكمية لأجل العمل،و هو مختص‏

بصورة العمل بالبراءة،فيتوقف العمل بها (2) على السؤال.

قوله-قدس سره-:(فإن طريق الحكم لا يجب الفحص عنه‏

و إزالة الشبهة فيه) (3) .

(2)يعني أن وجوب السؤال على تقديره ليس لأجل خصوصية السؤال،بل‏

من باب أنه من أفراد الفحص،فيكون وجوبه من جهة وجوب الفحص،

و الشبهة الموضوعية لما لم يجب فيها الفحص أصلا،فلم يجب فيها السؤال أيضا.

و أما الشبهة الحكمية فهي و إن كانت وجب فيها الفحص-و القائل‏

بالبراءة أيضا يلتزم به،و إنما يعمل بها بعد الفحص،لكن لا يلزم من وجوب‏

1)فرائد الأصول 1:374.

2)المراد من(العمل بها):العمل على خلاف الاحتياط.لمحرره عفا اللَّه عنه.

3)فرائد الأصول 1:374.

116
الفحص وجوب خصوص السؤال إذا كان المفروض أن وجوبه من جهة أنه من‏

أفراد الفحص.

نعم يجب السؤال-عند التمكن منه-من جهة أنه أقوى مراتب‏

الفحص،و تحصيل أقوى مراتب الفحص لازم عند إمكانه،و أما مع عدم التمكن‏

منه فلم تجب هذه المرتبة،بل يقتصر على أدون منها مما هو بطاقة المكلف.

قوله-قدس سره-:(على وجه لا يعذر الجاهل المتمكن من‏

العلم) (1) .

(1)و هذا يختص بصورة المتمكن من السؤال،و أما بدونه فلا يتعلق التكليف‏

بالواقع على هذا الوجه.

قوله-قدس سره-:(نعم يمكن أن يقال.). (2) .

(2)قال-دام ظله-:لا يخفى ما في هذه العبارة،فإنه في مقام التعليل،لأن‏

الدليل المذكور أولى بالدلالة على وجوب التوقف و الاحتياط في الشبهات‏

الموضوعية،فكان عليه-قدس سره-أن يقول-مكان قوله:نعم-:لأنه،إذ

ليس المقام مقام الاستدراك،كما لا يخفى.

قوله-قدس سره-:(لاختلال النظام.). (3) .

(3)يعني نظام نوع العباد،فإنه إذا أمر الشارع عامة المكلفين بالاحتياط

يلزم‏ (4) من بنائهم على العمل به اختلال أمورهم،لكونه شاغلا لهم عن أكثر ما

يتوقف عليه نظام أمورهم من التجارات و الصنائع إن لم نقل بكونه شاغلا عن‏

جميعها.

1)فرائد الأصول 1:374.

2)فرائد الأصول 1:375.

3)فرائد الأصول 1:375.

4)في الأصل:فيلزم.

117
قوله-قدس سره-:(بل يلزم أزيد مما ذكره.). (1) .

(1)فإنه ربما يؤدي إلى اختلال النظام الشخصي بالنسبة إلى كل واحد واحد

من المكلفين كما لا يخفى،بل إلى مفاسد أخر غير الاختلال،فإنه من موارد

الاحتياط الأموال و الفروج أيضا،و لا ريب أنه لو يبنى عليه فيهما يلزم‏

الوقوع‏1في المحرم،و هو التفتيش عن عيوب الناس الّذي هو مبغوض عند

الشارع،و مخالف لغرضه،بل ربما يؤدي إلى العداوة و البغضاء بين الناس المخالفة

لغرضه،بل ربما يؤدي إلى تلف النفوس و الأعراض كما لا يخفى،فإنه إذا أراد

أحد تفتيش حال آخر فلا ريب أنه يكون موجبا لبغضه له،فربما يحمله هذا على‏

هتك‏ (2) عرض المفتش أو قتله.

قوله-قدس سره-:(لأن تحديده في غاية العسر) (3) .

(2)قال-دام ظله-:بل لا يمكن،فإنه مما لا يعلم إلا بعد وقوعه.

و أما تحديده بالظن فقال-دام ظله-:هو أيضا كذلك،فإنه في غاية

التعسر،فلا يمكن تحديد الاختلال علما أو ظنا بحسب الموارد.

قوله-قدس سره-:(فيحتمل التبعيض بحسب الاحتمالات) (4) .

(3)قال-دام ظله-:هذا التبعيض جيد إلا أنه قد يصادف المظنونات بعض‏

الموارد التي يلزم الاختلال من العمل بالاحتياط فيها مع الاقتصار عليها أيضا،

1قال-دام ظله-:لا حسن للاحتياط-حينئذ-لا عقلا و لا شرعا،بل الاحتياط تركه،ففي الحقيقة

إذا عارضته جهة أقوى منه يخرج‏ (5) هو عن موضوع الاحتياط،و لا يتحقق له موضوع أصلا.

1)فرائد الأصول 1:375.

2)في الأصل:(هتك ذلك عرض.).،و لا يخفى زيادة كلمة(ذلك)هنا.

3)فرائد الأصول 1:375.

4)فرائد الأصول 1:375.

5)في الأصل:فيخرج.

118
كما في الأموال و الفروج،و لذا عللوا اعتبار سوق المسلم و يده بأنه لو لاه‏لما بقي‏

للمسلمين سوق،هذا مضافا إلى محاذير أخر تلزم في تلك الموارد من العمل‏

بالاحتياط،كما أشرنا إليها.

و من هنا ينقدح الإشكال في التبعيض بحسب المحتملات أيضا،فإن‏

الفروج و حقوق الناس و أموالهم هي مادة الإشكال المتقدم.

قوله-قدس سره-:(و فيه:أن مساقها التسهيل.). (1) .

(1)قال-دام ظله-:يمكن منع ذلك بناء على حرمة التفتيش عن عيوب‏

الناس،و لعله الظاهر،و أن غرض الشارع تعلق بسترها،و الاحتياط في مثل‏

حرمة المعقودة مستلزم للتفتيش عن عيوب الناس،بل هو عينه،فيكون‏

الاحتياط بترك الاحتياط،و يكون التوبيخ في محله.

قوله-قدس سره-:(فهو إنما يقدح في وجوب الاحتياط،لا في‏

حسنه.). (2) .

(2)قال-دام ظله-:هذا مبني على أن الاختلال كالعسر إنما هو مانع عن‏

وجوب الاحتياط،لا عن حسنه،و ذلك يتم على القول بعدم كون الاختلال‏

مبغوضا ذاتيا للشارع،بحيث يكون غرضه متعلقا بعدمه،و إلا فمع فرض كونه‏

كذلك-كما لعله الظاهر-فلا يتحقق في مورده موضوع الاحتياط،فضلا عن‏

حسنه،كما أشرنا إليه.

بيان رأي المحدث الحر العاملي‏

قوله-قدس سره-:(لكنه-قدس سره-في مسألة وجوب‏

الاحتياط قال...إلى آخره) (3) .

1)فرائد الأصول 1:376.

2)فرائد الأصول 1:376.

3)فرائد الأصول 1:378.

119
(1)قال-دام ظله-:يستفاد مخالفة المحدث المذكور-قدس سره-في المقام‏

من موضعين من كلامه:

أحدهما:تمثيله لصورة إجمال النص-التي أوجب الاحتياط فيها-بتردد

بين الوجوب و الاستحباب.فإن ذلك ظاهر في الاحتياط الواجب فيما لا نصّ فيه‏

-أيضا-أعم من الشبهة التحريمية،شامل للشبهة الوجوبية أيضا.

و ثانيهما:قوله:(و من هذا القسم ما لم يرد فيه نصّ من الأحكام التي لا

يعم به البلوى) (1) ،فإن ذلك ظاهر بعمومه للمقام،لكن كلماته الاخر لا تنافي‏

أصالة البراءة في المقام.

و كيف كان،فيكفي في الدلالة على مخالفته تمثيله المذكور.

ثم إنه-دام ظله-قال:قول المحدث-قدس سره-:(و من هذا القسم‏

ما لم يرد فيه نصّ...إلى آخره)لا يلائم ما قبله،فإنه ليس مثالا لما لا نصّ فيه،

بل هو عينه.

ثم قال:و لعل العبارة المذكورة فيها سقط،فلا بد من مراجعتها في الدرر

النجفية (2) .

قوله-قدس سره-:(للحسن و القبح الذاتيين) (3) .

(2)قال-دام ظله-:ليس المراد بالذاتي هنا ما لا يتخلف عن الشي‏ء،بل‏

المراد به الثابت للشي‏ء قبل الشرع.

و بعبارة أخرى:إن المرادبه‏الحسن و القبح الواقعيان الثابتان للشي‏ء مع‏

قطع النّظر عن أمر الشارع و نهيه،و يقال لهما:العقليان،كما عبر بهما شيخنا

الأستاذ-قدس سره-في كلامه الآتي.

1)فرائد الأصول 1:378.

2)الدرر النجفية:115.

3)فرائد الأصول 1:379.


120
وجه توصيفهما بذلك:7 أنّهما مقابلان لما يقول به الأشاعرة-المنكرين لهما-

من الحسن و القبح الشرعيين:أي الحاصلين بأمر الشارع و نهيه،فإنّهم يقولون:

إن الشي‏ء لا حسن فيه إلا بأمره،و لا قبح فيه إلا بنهيه،فالأمر و النهي جاعلان‏

للحسن و القبح،لا كاشفان عنهما.

قوله(قدّس سرّه):(و كذا عند من يقول بها و لا يقول بالحرمة

و الوجوب الذاتيين) (1) .

(1)المراد بكون الحرمة و الوجوب ذاتيين أن كل ما هو واجب أو حرام عقلا1

فهو كذلك شرعا بمعنى الملازمة بين حكم العقل و الشرع،فالمراد بمن يقول‏

بالحسن و القبح العقليين و لا يقول بالحرمة و الوجوب الذاتيين هو المنكر للتلازم‏

بين العقل و الشرع فيجوز بمقتضى مذهبه كون القبيح الذاتي مباحا بل واجبا

و كذا كون الحسن الذاتي منهيا عنه و لا يلتزم بذلك ذو مسكة،و يمكن أن يكون‏

مراده مجرد نفي التلازم لكن نقول بأن الشارع إذا أوجب شيئا فلا بد من حسنه‏

الذاتي أو حرمة فلا بد من قبحه كذلك فافهم.

قوله(قدس سره):(و أوجبوا الاحتياط في بعض صوره) (2) .

(2)أي في بعض صور التوقف هذا لما مر2من أن التوقف أعم موردا من‏

الاحتياط.

قوله(قدس سره):(لكن يعرف مذهبهم من أكثر المسائل) (3) .

1المراد بالوجوب العقلي هو حكم العقل بلزوم العمل بالنظر إلى ما في الفعل من المصلحة و بالحرمة

العقلية هو حكمه بترك العمل لما في الفعل من المفسدة.لمحرره عفا اللَّه عنه.

2في بيان نسبة المحقق البهائي إلى الأخباريين مذاهب أربعة في المسألة الأولى من المسائل الأربعة فيما

لا نصت فيه فراجع.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 1:379.

2)فرائد الأصول 1:379.

3)فرائد الأصول 1:380.

121
(1)فإن المنع في كلماتهم في أكثر المسائل يجدي أن مذهبهم على العمل‏

بالبراءة و أن استدلالهم بالاحتياط من باب تأييد دليل آخر.

قوله(قدس سره):(و الحكم بالثواب هنا أولى) (1) .

(2)وجه الأولوية أن الأمر في جانب الثواب أوسع منه في جانب العقاب‏

لأنه يكتفى في الثواب بأقل ما يوجب استحقاقه بخلاف العقاب،فإنه لا يكون‏

إلا ببلوغ سببه الشدة و التأكد.

و إن شئت قلت إذا تحقق من المكلف سبب استحقاق الثواب يقبح من‏

المولى عدم إعطائه إياه،هذا بخلاف ما إذا صدر منه سبب استحقاق العقاب،

فإن العقاب منه حينئذ و إن لم يكن قبيحا إلا أن العفو عنه حسن.

قوله(قدس سره):(و في جريان ذلك) (2) .(3)يعني جريان الاحتياط.

قوله(قدس سره):(لأن العبادة لا بد فيها من نية التقرب) (3) .

(4)توضيحه:أنه لا يتحقق في العبادات موضوع الاحتياط إذا لم يحرز أمر

في مورده إجمالا أو تفصيلا،لأن معناه الإتيان بشي‏ء يكون ذلك الشي‏ء بحيث‏

يصح قيامه مقام الواقع المشكوك فيه على تقديره واقعا و ذلك لا يكون إلا إذا

أتى بما ينطبق عليه و يكون من نوعه،فإذا فرض أن المشكوك إنما هو على تقديره‏

من العبادات فلا بد حينئذ إذا أراد الاحتياط أن يأتي بما ينعقد عبادة منطبقة على‏

ذلك المشكوك على تقديره لكن ذلك لا يمكن فيما نحن فيه،لأن العبادة تتوقف‏

على العلم بالأمر تفصيلا أو إجمالا و المفروض عدمه أصلا و معه لا يمكن إيقاع‏

الفعل على وجه ينعقد عبادة حتى يصح قيامه مقام الواقع على تقديره فيكون‏

1)فرائد الأصول 1:381.

2)فرائد الأصول 1:381.

3)فرائد الأصول 1:381.

122
إدراكا للواقع على تقديره فيكون احتياطا،هذا بخلاف التوصليات،فإن الواقع‏

فيها على تقديره قد تعلق الغرض فيه بذات الفعل كيف ما اتفق،و لا ريب أن‏

الإتيان بذات الفعل يمكن و لو مع العلم بعدم أمر في الواقع أيضا فيكون المأتي‏

به حينئذ منطبقا على المطلوب الواقعي على تقديره فيتحقق موضوع الاحتياط.

قوله(قدس سره):(بناء على أن هذا المقدار من الحسن العقلي) (1) .

(1)لا يخفى ما في هذه العبارة فإن الحسن إنما يدور مدار تحقق موضوع‏

الاحتياط،و قد مر أنه لا يحصل إلا مع العلم بالأمر،فلو أتى بالفعل حينئذ لم‏

يكن احتياطا فلم يكن حسنا،فكان عليه(قدس سره)الاقتصار على قوله منع‏

توقفها إلى ما بعده و حذف قوله المتقدم إلى هنا،و من هنا يتطرق المنع إلى قوله‏

(قدس سره):و ما ذكرناه من ترتيب الثواب...إلى آخره و قوله:و دعوى أن‏

العقل إذا استقل بحسن هذا الإتيان...إلى آخره فإنه إذا لم يتحقق هنا موضوع‏

الاحتياط فالعقل لا يحسن هذا الإتيان قطعا،بل يقبحه لكونه عبثا،و كذا لا

يترتب عليه الثواب جزما حتى يقال إنه يوجب الأمر أو لا يوجبه.

أخبار من بلغه‏

قوله‏ (2) (قدس سره):(عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:

من بلغه عن النبي صلى اللَّه عليه و آله شي‏ء من الثواب فعمله‏

كان له أجر ذلك...إلى آخره) (3) .

(2)قال دام ظله:البلوغ معناه الحقيقي هو الوصول فعلى هذا لا يصح نسبته‏

حقيقة إلى العمل أو الثواب بمعنى الأجر،إذ لا يعقل وصولها إلى الشخص قبل‏

وجودهما كما هو المفروض في الرواية بل لا يعقل ذلك بالنسبة إلى العمل بعد

1)فرائد الأصول 1:382.

2)فرائد الأصول 1:383.

3)المحاسن:25،بحار الأنوار 2:256.

123
وجوده أيضا،فإنه حينئذ صادر عن الشخص لا واصل إليه فعلى كل من‏

الاحتمالين في لفظة شي‏ء لا يصح إسناده إليه على سبيل الحقيقة فلا بد على كل‏

منهما إما من حمله من باب المجاز العقلي و إما من التزام إضمار الخبر بأن يكون‏

المعنى من بلغه خبر شي‏ء من الثواب.

ثم المراد بالشي‏ء يحتمل أن يكون هو عمل الخير الّذي هو سبب‏

لاستحقاق الثواب،فعلى هذا يكون المراد من الثواب ذلك أيضا و تكون كلمة

(من)بيانية1و يكون المعنى من بلغه خبر شي‏ء هو عمل الخير...إلخ.

و يحتمل أن يكون نفس الأجر على عمل الخير فتكون كلمة(من)تبعيضية

لا محالة2و يكون المراد بالأجر المراد من الشي‏ء،إما المقدار من الأجر أو نوع‏

منه،كالحور و القصور أو غيرهما مثلا و يكون المعنى على هذا من بلغه خبر مقدار

من الثواب أو نوع منه...إلى آخره).

و حاصل المعنى على الأول أنه من بلغه خبر ثوابية عمل و أن عليه أجرا

فعمل ذلك العلم...إلخ.و على الثاني أنه من بلغه خبر نوع من الثواب و الأجر

أو مقدار منه،فالبالغ على الأول هو نفس خيرته العمل و كونه مما يثاب عليه من‏

غير تعرض لأصل الثواب كما و كيفا،فيكون المتسامح فيه هو العمل كما هو

المدعى،و على الثاني هو المقدار أو النوع بعد الفراغ عن خيرة العمل و كونه مما

يثاب عليه،فعلى هذا لا تكون الرواية دليلا على المدعى،لكن الأظهر من‏

الاحتمالين هو الأول بقرينة قوله(فعمله)فإن الظاهر أن الضمير فيه راجع إلى‏

الشي‏ء نفسه فيكون هو المعمول و لفظ الثواب و إن كان ظاهرا في نفس الجزاء

1و الظاهر من كلمة(من)الواقعة بعد المبهمات هو كونها بيانية.لمحرره عفا اللَّه عنه.

2أما على تقدير إرادة المقدار فواضح و أما على تقدير إرادة الفرد فلأن كلمة(من)الداخلة على الجنس‏

المفرد أيضا تبعيضية لا محالة مثل قولك فرد من الإنسان.لمحرره عفا اللَّه عنه.


124
و الأجر و يكون مقتضاه كون المراد من الشي‏ء إما المقدار منه أو النوع منه،لكن‏

ظهور الشي‏ء بقرينة قوله فعمله أقوى،إذ على تقدير إرادة العمل منه يلزم‏

التجوز في لفظ الثواب و على تقدير إرادة المقدار أو النوع من الثواب منه لا بد

من إضمار لفظ1(على عمل)لتصحيح مرجع قوله فعمله و لا ريب أن المجاز

أكثر من الإضمار فيتعين.

و يشهد لذلك أيضا إضافة الأجر إلى العمل،إذ لو كان المراد بالشي‏ء

المقدار أو النوع من الثواب لناسب أن يقال كان له ذلك الشي‏ء.

ثم إن قوله عليه السلام في الخبر الثاني من بلغه شي‏ء من الخير ظاهر في‏

العمل،بمعنى أن لفظ الخير ظاهر فيه و كلمة من فيه يناسبه جدا كيف كان،لكن‏

قوله عليه السلام فعمل به ظاهر في إرادة خبر الخير إما من لفظ الخير بأن يكون‏

هو مستعملا في خبر الخير و مرادا منه ذلك،و إما بتقدير لفظ الخبر،ضرورة أن‏

المعمول به إنما هو الخبر دون العمل،فإنه معمول لا معمول به و دون الثواب‏

بمعنى الجزاء و الأجر لكونه أيضا معمولا لا معمولا به و أيضا هو معمول لله‏

سبحانه و تعالى،فإنه عمله تعالى و لا يصح نسبته إلى العبد من نسبة الفعل إلى‏

فاعله كما هو مفاد الرواية.هذا،لكن قوله عليه السلام:(ما بلغه)لعله ظاهر في‏

مقدار الثواب دون أصله.

قوله(قدس سره):(و أخرى بما تقدم في أوامر الاحتياط من أن‏

قصد القربة مأخوذ في الفعل المأمور به بهذه الأخبار) (1) .

(1)و ذلك لأن موضوعها إنما هو العمل بما بلغ احتياطا لإدراك الواقع على‏

1و يكون المعنى من بلغه خبر مقدار من الثواب أو نوع منه على عمل فعمل ذلك العمل كان له أجر

ذلك العمل.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 1:383.

125
تقديره كما هو المصرح به في بعض تلك الأخبار ورود في بعضها أنه عمله طلبا

لقول النبي صلى اللَّه عليه و آله و في بعضها التماس ذلك الثواب و هو الظاهر

مما لم يصرح به أيضا،فإن قوله:(من بلغه شي‏ء من الخير أو من الثواب فعمله)ظاهر

في أنه عمله بداعي ذلك البلوغ بأن يكون الداعي إلى عمله هو مجرد احتمال‏

الواقع الناشئ من البلوغ و يكون الفرض إدراكه على تقديره فحينئذ إما أن‏

تكون تلك الأخبار مختصة بالعبادات أو يعم غيرها أيضا.

و كيف كان فهي داخلة فيها البتة و كلامنا أيضا فيها،و هذا لا يصح إلا

بأن يكون البالغ هو الثواب الخاصّ مع ثبوت مشروعية أصل الفعل و الأمر به‏

حتى يكون الاحتياط لإدراك ذلك الثواب البالغ على تقديره فتكون تلك‏

الأخبار منجبرة لذلك الثواب على كل تقدير،لأنه لو كان المراد بلوغ أصل‏

العمل بمثل الخير الضعيف فلا ريب أنه لا يمكن أن يكون منشأ للقربة المعتبرة

في العبادات المقومة لها فلا ينعقد الفعل حينئذ عبادة حتى يكون احتياطا و مدركا

للواقع على تقديره و لا يعقل أيضا أن تكون هذه الأخبار منشأ للقربة المثوبة

فيها لاستلزامه الدور كما لا يخفى،حيث إن موضوعها الاحتياط فهي متوقفة

على تحققه قبل ورودها،فإذا كان تحققه متوقفا على ورودها يلزم الدور فلا بد

حينئذ من حملها على ما إذا ثبت الأمر بالفعل في نفسه لكن يشك في مقدار

المثوبة مع بلوغ مقدار منه عليه فتكون هي مثبتة لذلك المقدار الموعود بالبلوغ‏

لا شرعية أصل الفعل.

قوله(قدس سره):(و ثالثة بظهورها فيما بلغ فيه الثواب المحض‏

لا العقاب محضا أو مع الثواب) (1) .

(1)قال دام ظله:لما كان الكلام في احتمال الوجوب الناشئ بالخبر الضعيف‏

1)فرائد الأصول 1:383.

126
البالغ به فيقال حينئذ إن الأخبار المذكورة مختصة بمقتضى ظاهرها بما إذا بلغ‏

الثواب المحض كما إذا أقام خبر ضعيف مثلا على استحباب شي‏ء فلا يشمل‏

ما إذا بلغ العقاب المحض كما إذا قام خبر ضعيف على وجوب شي‏ء و قلنا بأن‏

العقل لا يستقل باستحقاق الثواب على امتثال الواجبات،فإنه حينئذ يدل‏

التزاما على استحقاق العقاب على ترك ذلك الشي‏ء من غير دلالة على الثواب‏

أصلا و لا ما إذا بلغ الثواب و العقاب معا كما إذا قام خبر ضعيف مثلا على وجوب‏

شي‏ء و قلنا بأن العقل مستقل باستحقاق الثواب على امتثال الواجب أيضا

كاستقلاله باستحقاق العقاب على مخالفته،فإنه حينئذ يدل التزاما على الثواب‏

على فعل ذلك الشي‏ء و على العقاب على تركه،فالبالغ حينئذ هو الثواب و العقاب‏

معا لا الثواب المحض.

و الحاصل أن الظاهر منها أن يكون البالغ هو الثواب من غير أن يكون‏

معه بلوغ عقاب أيضا فلا يشمل صورة بلوغ العقاب المحض أو بلوغ كليهما معا.

قوله(قدس سره):(و يرد على هذا منع الظهور مع إطلاق الخبر) (1) .

(1)لا يخفى أن ظاهر العبارة موهمة بخلاف المقصود،فإنها بظاهرها تقضي‏

أن المراد إطلاق تلك الأخبار بالنسبة إلى صورة بلوغ العقاب المحض أيضا مع‏

أنه ليس بمراد له قطعا،و كان عليه أن يقول:و يرد على هذا منع كون البالغ في‏

المقام و هو احتمال الوجوب الناشئ من الخبر الضعيف هو العقاب المحض‏

لاستقلال العقل باستحقاق الثواب على امتثال الواجب،و منع ظهور الأخبار في‏

كون البالغ هو الثواب المحض،بل يعم ما إذا كان مع العقاب أيضا كما في المقام.

و لعل الداعي إلى عدم تفصيل الكلام وضوح بطلان كون البالغ في المقام‏

هو العقاب المحض.

1)فرائد الأصول 1:383.

127
قوله(قدس سره):(و يرد ما قبله ما تقدم...إلى آخره) (1) .

(1)و هو أن تلك الأوامر المستفادة من أخبار التسامح إنما تعلقت بالعمل‏

المجرد عن نية القربة لا بالاحتياط المتوقف تحققه في العبادات على نية القربة

المتوقفة على الأمر قبل تلك الأخبار فحينئذ يمكن أن تكون تلك الأخبار منشأ

للقربة في العبادات كما مر.

قوله(قدس سره):(لأن الظاهر من هذه الأخبار كون العمل‏

متفرعا على البلوغ و كونه الداعي على العمل(إلى قوله)و من المعلوم‏

أن العقل مستقل باستحقاق هذا العامل المدح و الثواب) (2) .

(2)حاصله أن موضوع هذه الأخبار إنما هو العمل بما بلغ بداعي بلوغه لما

ذكره(قدس سره)و لا ريب أن العمل على هذا الوجه موجب لاستحقاق فاعله‏

الثواب و لو لم يكن هناك أمر أصلا فإنه من الانقياد و الإطاعة الحكمية فلا

يكشف حينئذ ثبوت الثواب عليه بهذه الأخبار عن الأمر الشرعي بها لاحتمال‏

كون تلك الأخبار مؤكدة لحكم العقل،فإنه إنما يصح التمسك بثبوت الثواب على‏

عمل على الأمر الشرعي به إذا لم يكن ذلك العمل في نفسه موجبا لاستحقاقه‏

أصلا،و أما إذا كان كذلك كما هو المفروض فورد خبر على ثبوت أصل الثواب‏

عليه أو على ثبوت مقدار خاص منه فلا يكشف ذلك عن الأمر به شرعا.

أما إذا كان منشأ لأصل الثواب فواضح،حيث إنه مؤكد لحكم العقل به‏

و هو لا يلازم طلب الشارع استحباب و إن كان يلازم طلبه إرشادا،حيث إن كل‏

عاقل فضلا عن الشارع الحكيم إذا علم بوجود نفع في شي‏ء لأحد يطلب منه‏

ذلك إرشادا.

1)فرائد الأصول 1:383.

2)فرائد الأصول 1:383.

128
و أما إذا كان منشأ لمقدار منه فهو و إن لم يكن حينئذ مؤكدا لحكم العقل‏

لعدم استقلاله بمرتبة خاصة من الثواب إلا أنه أيضا لا يلازم الاستحباب‏

لاحتمال أن يكون ذلك من باب التفضل و يكون ذلك الخبر وعدا من اللَّه عليه‏

تفضلا و اللازم من ذلك أيضا هو الأمر الإرشادي.

قال(دام ظله):

إذا كان الدليل حينئذ منشأ للمقدار لا ينحصر محمله في التفضل،بل‏

يمكن أن يقال إنه يحتمل أن يكون هذا العمل على ذلك الوجه في الواقع موجبا

لاستحقاق هذا المقدار الخاصّ البالغ لكن العقل لا يدركه و إنما الشرع كشف‏

عنه،هذا.

و كيف كان فمن هنا تبين بطلان قياس ما نحن فيه بقوله عليه السلام:

(من سرح لحيته فله كذا)فإن سرح اللحية ليس في نفسه موجبا لاستحقاق‏

الثواب أصلا بل كونه موجبا له إنما هو بأن يكون قد أمر به و أتى به لداعي هذا

الأمر حتى يدخل في عنوان الامتثال ليكون موجبا له و ليس هو نظير ما نحن‏

فيه،لعدم صدق الانقياد عليه.

هذا حاصل ما أفاده قدس سره.

أقول:استقلال العقل باستحقاق هذا الفاعل الثواب كما ادعاه(قدس‏

سره)إنما يتجه بناء على كفاية احتمال الأمر في تحقيق موضوع العبادة التي محط

نظرنا في المقام حتى يتحقق موضوع الاحتياط و الانقياد أيضا.

و أما بناء على عدم كفايته و توقف موضوع العبادة على العلم بأمر الشارع‏

تفصيلا أو إجمالا فلا وجه لدعوى استقلال العقل بذلك لعدم تحقق موضوع‏

الانقياد حينئذ و قد عرفت أن الظاهر بل الصريح من كلماته(قدس سره)

المتقدمة أن الفعل بداعي الاحتمال موجب لاستحقاق الثواب و المدح و إن لم‏

يكن احتياطا.


129
و قد عرفت ما فيه أيضا.

و الظاهر أن قوله هنا أيضا ناظر إلى ذلك لا إلى كفاية الاحتمال في تحقيق‏

موضوع العبادة فافهم.

و كيف كان فالتحقيق ما أفاده دام ظله من أنا إن قلنا بتحقق موضوع‏

الانقياد في المقام نفعل ما يحتمل الوجوب بداعي الاحتمال بأن يكون الإتيان‏

بداعي احتمال الأمر كافيا فيه كما هو الظاهر فلا يصح التمسك بتلك الأخبار

لما مر.

و أما إذا بنينا بتوقفه على العلم بالأمر تفصيلا أو إجمالا كما اختاره(قدس‏

سره)سابقا فيصح التمسك بها حينئذ لأن هذا العمل على هذا نظير سرح اللحية

من غير فرق بينهما أصلا،لكن لما اخترنا كفاية الاحتمال فيه فتسقط هي عن‏

الاستدلال.

قوله(قدس سره):(و لا يترتب عليه رفع الحدث فتأمل) (1) .

(1)الأمر بالتأمل لعله إشارة إلى أن الوضوء قد ثبت استحبابه في نفسه‏

فحينئذ إن ورد أمر آخر به فهو إنما يكون غيريا يفيد شرطيته لغاية واجبة أو

مندوبة و من المعلوم أنه لم تتعلق تلك الأوامر الغيرية إلا به بعنوانه الراجح الّذي‏

هو جهة استحبابه النفسيّ،فلا بد في إتيانه لغاية مشروطة من قصد جهة

استحبابه النفسيّ لا محالة،فيكون إتيانه بتلك الجهة موجبا لانعقاده عبادة

و صحيحة فيترتب عليه الطهارة البتة سواء تلك الغاية مما ثبت اشتراطه به بدليل‏

معتبر أو غير معتبر،فإنه إذا كان ذلك بدليل غير معتبر فأراد إتيانه احتياطا

فلا بد أن يأتي به بتلك الجهة و هذا موجب لانعقاده عبادة و صحيحا موجبا لرفع‏

الحدث،فلا تظهر الثمرة بين القولين فيه.

1)فرائد الأصول 1:385.


130
بيان مشروعية الاحتياط

قوله(قدّس سرّه):(و إن قلنا بصيرورته مستحبّا شرعيّا) (1) .

(1)و ذلك لوجوب المسح ببلّة الوضوء و هي مختصّة بما يكون في محل الوضوء

من الماء دون الخارج عنه و إن استحب غسله كالمسترسل من اللحية هذا.

ثم إنّ هاهنا فائدة أفادها(دام ظله):و هي أنّه هل يشرّع الاحتياط في‏

موارد احتمال الوجوب أو الاستحباب بحيث يستحق الثواب عليه إذا قام دليل‏

ظني معتبر على عدم وجوب ذلك الشي‏ء المحتمل للوجوب أو على عدم‏

استحباب ذلك الشي‏ء المحتمل للاستحباب أو لا؟و ذلك كما إذا قام على عدم‏

وجوب السورة في الصلاة مثلا أو على عدم استحبابها مع احتمال كونها واجبة أو

مندوبة في الواقع أو قام على وجوبها أو استحبابها مع احتمال عدم وجوبها أو

استحبابها في الواقع فأراد المكلف الإتيان بالصلاة بدونها احتياطا لأجل ذلك‏

الاحتمال،إما لتعذر إتيانه بها مع السورة مثلا أو لأنه لا يريد إتيانها معها بتشهي‏

نفسه و تجريه،فقال دام ظله:

الحق فيه التفصيل بأنه إن قام دليل معتبر على وجوب شي‏ء في العبادة

فتجري و لم يأت بها من ذلك الشي‏ء الثابت اعتباره بالدليل بتشهي نفسه لكن‏

أراد الإتيان بها بدونه فلا يكون ذلك منشأ للثواب في شي‏ء فإن مثل ذلك خارج‏

عن الانقياد و الاحتياط جدا،بل هو نظير اللهو و اللعب و أما إذا اتفق تعذر

الإتيان بها مع ذلك الشي‏ء بحيث لو كان الواجب عليه واقعا هي مع ذلك‏

الشي‏ء لم يكن عليه شي‏ء فأتى به بدونه حينئذ فالظاهر أن الحكم حينئذ هو

الحكم فيما يأتي من صورة قيام الدليل على عدم شي‏ء في العبادة أو على عدم‏

استحبابه فأتي بها معه احتياطا فقال:أما في تلك الصورة أعني صورة قيام دليل‏

معتبر على عدم وجوب شي‏ء أو عدم استحبابه في العبادة أو مطلقا مع احتمال‏

1)فرائد الأصول 1:385.

131
وجوبه أو استحبابه فيها أو مستقلا و نفسا فأتى به المكلف احتياطا لذلك‏

الاحتمال.

فإن قلنا:إن استحقاق الثواب على الاحتياط من اللوازم العقلية المترتبة

عليه قهرا،بمعنى أنه مترتب عقلا على مجرد احتمال المطلوبية مع الإتيان‏

بالمحتمل لأجل ذلك و ليس مما يدخله الجعل أصلا،لاختصاص ذلك بما إذا كان‏

رفع المجعول بيد الشارع بأنه إن شاء رفعه و إن شاء أثبته،فيكون الاحتياط في‏

الصورة المفروضة منشأ لاستحقاق الثواب و مشروعا جدا.

و إن قلنا بأنه مما يمكن أن يدخله الجعل بمعنى أن العقل إنما يحكم‏

باستحقاق الثواب ما لم يقل المولى بأني لا أعطي الثواب على فعل ذلك‏

المحتمل للمطلوبية كما لعله الظاهر فلا يستحق عليه شيئا من الثواب أصلا

لدخوله حينئذ على العمل مجانا فإن أعطاه شيئا فإنما هو إحسان محض.

هذا فيما إذا ثبت عدم إعطائه الثواب بطريق القطع ظاهر،و أما فيما إذا

ثبت بدليل ظاهر معتبر فالظاهر أنه أيضا كذلك،لأن دليل اعتبار ذلك الظاهر

منزلة منزلة القطع في آثار مؤداه،بل نقول إن الاستحقاق ليس له ظاهر و واقع بل‏

واقعه إنما يتحقق إذا لم يقم في المورد حجة من المولى على عدم الثواب و هي‏

حاصلة بذلك الدليل الظني المعتبر هذا إذا كان مفاد ذلك الدليل عدم إعطاء

الثواب،و أما إذا لم يكن دليل كذلك،بل الموجود في المورد إنما هو الدليل الدال‏

على عدم وجوب ذلك الشي‏ء المحتمل للوجوب أو على عدم استحبابه فهل هو

يفيد ما يفيد الدليل المذكور أو لا؟

وجهان:

أحدهما:أن مقتضى دليل اعتبار ظاهر هذا الدليل جعل مؤداه مقام‏

المقطوع و من المعلوم أنه إذا قطع بعدم الوجوب أو الاستحباب فلا يستحق بعمله‏

شيئا على المولى أصلا.


132
و ثانيهما:و هو الظاهر أن مقتضاه إنما هو جعل مؤداه منزلة ذات المقطوع‏

لا يوصف كونه مقطوعا فحينئذ لا يقضي هو بنفي حكم احتمال الوجوب أو

الاستحباب،فالظاهر استحقاق الثواب على العمل حينئذ و يدل عليه بناء

العقلاء أيضا فراجع‏.

اختصاص أدلتها بالشك في الوجوب التعييني و عدمها

قوله(قدس سره):(أما لو شك في الوجوب التخييري و الإباحة) (1) .

(1)يعني لو شك في كون شي‏ء أحد فردي الواجب المخير أو مباحا لكن‏

العبارة قاصرة عن ذلك،فإن ظاهر الشك في الوجوب التخييري إنما هو الشك‏

في أصل الوجوب التخييري،بمعنى أن نشك في أنه هل ثبت عليه وجوب،

تخييري بين أمرين أو لم يثبت شي‏ء أصلا بل هما مباحان و من المعلوم أن الشك‏

في أصل الوجوب التخييري مجرى لأصالة البراءة بلا شبهة،فإن أحد هذين‏

الأمرين لا إلى بدل في مقام الواجب التعييني كما لا يخفى و كذلك مجموع‏

الفردين من الكلي المنحصر فيهما.

ثم إنه أراد بالوجوب التخييري أعم من الشرعي بقرينة جعله الشك في‏

وجوب الشي‏ء في ضمن كلي مشترك من أقسامه.

ثم إنه لا ريب إذا كان الشك في وجوبه في ضمن كلي مشترك فمن المعلوم‏

حينئذ عدم وجوبه و إلا يرجع الشك إلى وجوب ذلك الكلي أو وجوب ذلك‏

الفرد بالخصوص كما اعترف به(قدس سره)بقوله إذ ليس هنا إلا وجوب واحد

مردد بين الكلي و الفرد.

قوله(قدس سره):(فتعين إجراء أصالة عدم سقوط ذلك الفرد

المتيقن الوجوب) (2) .

1)فرائد الأصول 1:385.

2)فرائد الأصول 1:385.

133
(1)قال(دام ظله)ليست العبارة بجيدة،ضرورة أن ذلك الفرد ليس متيقن‏

الوجوب و إنما هو المتيقن بكونه مسقطا للواجب المعلوم المردد بينه و بين الكلي‏

المشترك.

ثم قال إن إجراء أصالة عدم سقوط الواجب المعلوم بذلك الفرد إنما

يتجه بناء على عدم اعتبار أصالة البراءة في مقام الشك في الوجوب التعييني‏

و التخييري حتى فيما إذا كان التخيير عقليا،لكن الظاهر اعتبارها حينئذ

فحينئذ تكون هي حاكمة على تلك الأصل و مقتضاها حينئذ إسقاط الواجب‏

المعلوم بفعل الفرد المشكوك فافهم،فإنه إذا نفى التعين بها فيكون المأمور به‏

بمقتضاها هو الكلي و مقتضاه سقوطه بأي من الفردين.

و إن شئت قلت:إنه لما كان الشك في تعيين ذلك الفرد بالخصوص بحيث‏

يلزم به و يعاقب عليه فمقتضى أصالة البراءة نفى التكليف عن خصوصيته فهو

حينئذ ليس ملزما بتلك الخصوصية فيكون مخيرا حينئذ.

و بعبارةأخرى‏إن الواقع لم يتنجز على المكلف كيف كان،بل بمقدار لا

يجوز مخالفته القطعية الحاصلة بترك الفردين جميعا و أما على نحو لو كان هو تلك‏

الخصوصية فيتجه على المكلف فيعاقب عليه فلا،بمقتضى أدلة البراءة من العقل‏

و النقل فلا يرد حينئذ أن أصالة البراءة لا تصلح لتعيين المكلف به بعد العلم‏

الإجمالي به،بل شأنها نفي التكليف المشكوك فيه فافهم.

قوله(قدس سره):(و أما إذا كان الشك في إيجابه بالخصوص) (1) .

(2)يعني بأن نشك بعد القطع بوجود شي‏ء آخر في الجملة في أن هذا أيضا

واجب بالخصوص بالوجوب التخييري،بمعنى أن وجوب ذلك الشي‏ء الآخر

تخييري و هذا أحد فردي الواجب التخييري أو أن ذلك الشي‏ء الآخر واجب‏

1)فرائد الأصول 1:385.

134
عينا فلا وجوب لهذا أصلا.

و بعبارة أخرى إن حال هذا الشي‏ء مردد بين عدم الوجوب أصلا أو كونه‏

واجبا تخييريا بأن يكون وجوب ذلك الفرد المعلوم وجوبه في الجملة تخييريا

شرعا.و المراد بوجوب هذا الشي‏ء بالخصوص هذا.و إنما عبر به لأنه مقابل‏

لوجوبه في ضمن كلي مردد،إذ عليه لا يكون هو واجبا بالخصوص و إنما الواجب‏

هو الكلي المردد هذا.

هذا بخلاف التخييري الشرعي فإنه على تقديره ثابت لهذا الشي‏ء

بالخصوص لا للكلي المردد بينه و بين الغير.

ثم إنه ربما يتخيل أن هنا ثلاثة حوادث يكون كل منها مشكوك الحدوث‏

في نفسه و هي:وجوب هذا الشي‏ء تخييرا،و وجوب ذلك الشي‏ء المعلوم وجوبه في الجملة

تخييرا،و وجوبه عينا،و اثنان منها متلازمان،و هما:وجوب هذا تخييرا و وجوب‏

ذلك الغير كذلك و لما كان المفروض العلم الإجمالي بوجود حادث في ذلك‏

الشي‏ء الآخر مردد بين الوجوب التخييري الملازم لوجوب هذا الشي‏ء كذلك‏

و بين التعييني الغير الملازم لوجوبه فيقع التعارض بين أصالة عدم وجوب ذلك‏

الغير عينا و بين أصالة عدم وجوبه تخييرا و أصالة عدم وجوب هذا الشي‏ء

كذلك،فإن أصالة عدم الوجوب التخييري في هذا الشي‏ء و في ذلك لا تعارض‏

بينهما بوجه بل متوافقتان إلا أن أصالة عدم وجوب ذلك عينا منافية لكل واحدة

من هاتين بعد فرض العلم الإجمالي المذكور،فلا معنى للأخذ بأصالة عدم‏

الوجوب التخييري في خصوص هذا الشي‏ء فإنها في مرتبة أصالة عدم الوجوب‏

العيني في ذلك الشي‏ء الآخر،فلا يعقل أن يرخص الشارع في الأخذ بها دون‏

تلك لعدم الترجيح كما أنه لا يعقل ترخيصه للأخذ بهما جميعا فإنه مستلزم‏

للمخالفة القطعية.

لكنه مدفوع بأنه لو كان مفروض الكلام فيما إذا كان محل كل من تلك‏


135
الحوادث مغايرا لمحل الآخر كما إذا شك في ثلاثة أشياء بأن اثنين منها واجبان‏

تخييرا أو أن الثالث واجب عينا بعد العلم الإجمالي بحدوث وجوب من الشارع‏

في أحد تلك الأشياء فكان الأمر كما ذكر من أن أصالة عدم الوجوب التعييني‏

في مرتبة كل من الأصليين الآخرين و هما أصالة عدم الوجوب التخييري في هذا

و أصالة عدم الوجوب كذلك في ذلك،لكن مفروضة في صورة اتحاد مورد اثنان‏

منها،إذ المفروض أن ذلك الشي‏ء الآخر هل ثبت له الوجوب التعييني أو

التخييري،فهذان الحادثان متحدان بحسب المورد في ذلك الشي‏ء و لما كان‏

المفروض العلم الإجمالي بوجود حادث في ذلك الشي‏ء مردد بينهما فيعارض‏

الأصلان الحادثان فيهما فيه لذلك و يتساقطان.

و أما أصالة عدم الوجوب التخييري في هذا الشي‏ء المشكوك الوجوب‏

رأسا فهي ليست في مرتبة أصالة عدم الوجوب التعييني لذلك الشي‏ء،بل إنما

هي في مرتبة أصالة عدم وجوب ذلك الشي‏ء أصلا،المنقطعة بالعلم بوجوب ذلك‏

الشي‏ء في الجملة،فتكون هذه سليمة عن المعارض فيصح الأخذ بها.

و بعبارة أخرى إن الشك هنا في وجوب الأكثر بعد العلم بوجوب الأقل،

إذ المفروض العلم بوجوب ذلك الفرد في الجملة و الشك في وجوب هذا أيضا أو

اختصاصه بذلك.

و الحاصل أن أطراف الشك هنا ثلاثة خصوصيات و هي وجوبان تخييريان‏

و وجوب عيني،متلازمة اثنتان منها و هما الأولان في الوجود و متحدة اثنتان منها في‏

مفروض البحث و هما الأخير و أحد الأولين فيكون الحال في المقام نظير ما إذا

شككنا في إناءين في أنه هل وقع في كل منهما البول أو وقع الدم في أحدهما فقط

هو هذا الإناء الخاصّ بعد العلم الإجمالي بوقوع أحد النجسين في هذا الإناء

الخاصّ،بمعنى أنا علمنا أنه لو كان الواقع بولا لوقع في كليهما و إن كان دما وقع‏

في هذا الإناء الخاصّ فكما أنه لا إشكال في نفي وقوع البول من الإناء الآخر


136
المشكوك النجاسة رأسا فكذلك نفي الوجوب التخييري عن الشي‏ء المفروض‏

كونه مشكوك الوجوب كذلك.

و بالجملة نحن إذا جعلنا وجوب هذا الشي‏ء في عرض وجوب الشي‏ء

الآخر المعلوم الوجوب في الجملة فلا يمكن أن نقول إما هذا واجب و ليس ذلك‏

كذلك مع إمكان عكسه فيكون هذا الشي‏ء مشكوك الوجوب بدوا فيجري في‏

نفي وجوبه الأصل من غير معارضة بالأصل في الآخر لانقطاعه بالعلم.

و بعبارة ثالثة أن المشكوك الحدوث في هذا الشي‏ء إنما هو أمر شخصي‏

جزئي و هو الوجوب التخييري فإنا إذا شككنا في أن هذا الشخص هل حدث في‏

هذا الشي‏ء أو لا؟و مقابل هذا المشكوك إنما هو الحادث المردد بين النفسيّ‏

و التخييري في ذلك الشي‏ء الآخر و لما كان قد علم انقلاب الأصل هناك بالعلم‏

بوجود ذلك المردد فيبقي،الأصل في نفي هذا الشخص سليما عن المعارض فينفيه.

و الشك في أن ذلك المعلوم الإجمالي هناك تخييري أو عيني شك آخر في مرتبة

لاحقة على هذا.

و إن أبيت إلا عن معارضة أصالة عدم الوجوب التعيني هناك لأصالة

عدم الوجوب التخييري فنقول:أن الغرض نفي ذات الوجوب عن هذا الشي‏ء

و من المعلوم أنه لا أصل يعارض أصالة عدم ذات الوجوب فحينئذ لا يجوز لنا

ترتيب الآثار المجعولة لعدم الوجوب التخييري لهذا الشي‏ء و أما ترتيب لازم عدم‏

ذات الوجوب فلا مانع منه.

ثم إنه قد عرفت أن المصنف(قدس سره)منع استصحاب عدم المنع كما

مر في المسألة الأولى من مسائل الشبهة التحريمية فكان عليه أن يمنع من أصالة

عدم الوجوب أيضا لعدم الفرق بينهما كما بينا عليه ثمة،و الإنصاف ما يبنى عليه‏

هنا لأن استصحاب عدم المنع أو عدم الوجوب عبارة عن عدم جعل قاطع في‏

مرحلة الظاهر للعدم الأصلي الأولى و هو معقول و مشمول لأدلة الاستصحاب جدا.


137
قوله(قدس سره):(و أصالة عدم لازمه الوضعي و هو سقوط

الوجوب المعلوم).

(1)فيه ما مر من أنه إذا بنينا على جريان أصالة البراءة عن تعيين ذلك الفرد

المعلوم وجوبه إجمالا مرددا بين التخييري و التعييني فهي حاكمة على أصالة عدم‏

ذلك اللازم الوضعي بتقريب ما مر،فتدبر.

قوله(قدس سره):(إلا بالنسبة إلى طلبه) (1) .

(2)لكونه هو المشكوك دون لازمه الوضعي للعلم بثبوته.

قوله(قدس سره):(لكن الظاهر أن المسألة ليست من هذا

القبيل) (2) .

(3)فإنها مختصة بما إذاكان‏ذلك المشكوك كونه واجبا تخييرا أو مباحا

مسقطا للواجب التعييني مباينا لذلك الواجب الآخر المعلوم الوجوب كالسفر

بالنسبة إلى الصلاة فإنه إذا فرض كون شي‏ء فردا من كلي واجب يكون ذلك‏

الواجب الآخر فردا منه فلا فإن ذلك الشي‏ء يتصف بالوجوب حينئذ لا محالة

فلا يعقل الشك في إباحته من جميع الجهات.

ثم إن التخيل لما ذكر إنما هو الفخر(قدس سره)كما ينطق به آخر

عبارته المحكية عنه و هو قوله:و المنشأ ان قراءة الإمام بدل أو مسقط.و منشأ تخيله‏

أنه لاحظ الإسقاط بين قراءة الإمام و قراءة المأموم مع أنه ليس كذلك،بل الصلاة

جماعة مسقطة للقراءة عن المأموم و هي فرد من الصلاة الواجبة فالمسقط هي لا

قراءة الإمام حتى يكون المسقط مباينا للواجب،فافهم.

قوله(قدس سره):(ثم إن الكلام في الشك في الوجوب‏

الكفائي...إلى آخره) (3) .

1)فرائد الأصول 1:385.

2)فرائد الأصول 1:385.

3)فرائد الأصول 1:386.

138
(1)اعلم أن الشك في الوجوب الكفائي يتصور على وجوه:

الأول:ان نشك في أصله فحينئذ لا إشكال في جريان أصالة عدم‏

الوجوب.

و أما أصالةالبراءةفتختص جريانها بما إذا تعين مورد ذلك الواجب‏

المشكوك فيه،فيه.

الثاني:ان نشك في تعيين مورده بعد العلم الإجمالي بثبوت وجوب كفائي‏

مردد بينه و بين غيره بأن لم يكن هو أو صاحبه متيقن الدخول فيه فحينئذ لا

تجري أصالة البراءة أيضا إلا فيما إذا لم يقم عليه صاحبه و أما أصالة عدم‏

الوجوب فالظاهر جواز إجرائه في حق نفسه و لا يعارضه أصالة عدم الوجوب في‏

حق صاحبه،فإنها لا حكم لها في حق الشاك فلا تصلح للمعارضة.

الثالث:أن نشك في دخوله فيمن ثبت ذلك في حقهم كما إذا صلى على‏

جماعة و هو منهم و هو يعلم بكون غيره مقصودا بالسلام و لكن نشك في كون نفسه‏

أيضا مقصودا فحينئذ جريان أصالة البراءة أيضا تختص بصورة عدم قيام غيره‏

برد السلام،و أما أصالة عدم الوجوب فلا إشكال بوجه حينئذ في جريانها لعدم‏

معارضتها بشي‏ء أصلا فإن الشك فيه حينئذ بدوي كما لا يخفى‏ (1) .

قوله(قدس سره):(و كذا ما لو تردد فيما فات عن أبويه إلى قوله‏

و مجرد عروض النسيان) (2) .

(2)لعدم توجه الأمر الأول إليه فيما على الأبوين من الفوائت بخلاف ما

نحن فيه،هذا.

ثم إنه(دام ظله)قال الإنصاف أنه إذا كان النسيان مسببا عن‏

1)بعد هذا سقط لعله ورقة أو أكثر،و قوله:لعدم توجه...إلخ مرتبط بقول الشيخ:و كذا ما لو...إلخ‏

الموضوع بين معقوفين.

2)أضفناه لارتباطه بما بعده لما تقدم و انظر:فرائد الأصول 1:392.

139
تقصير المكلف لعدم تحفظه لعدد ما عليه من الفوائت مع التفاته إلى اشتغال ذمته‏

بها و التمكن من حفظها فالعقل لا يحكم بقبح العقاب حينئذ على القضاء

المجهول بسبب النسيان عن تقصيره،بل الظاهر أنه يصحح عقابه على ترك ما

عليه من القضاء الّذي قد التفت إليه في زمان و لم يحفظه إلى أن نسيه فصار مجهولا

عنده لذلك النسيان.

و هكذا نقول في مسألة الدين أيضا فإن من كان بانيا على الاستدانة من‏

أحد كثيرا على نحو التدريج فلم يحفظ ما يأخذه في دفتر فعرض له النسيان فيما

بعد شك في أن الدين عشرة دراهم مثلا أو عشرون فالعقل لا يقبح العقاب‏

حينئذ على ترك أداء العشرين إذا كان هو تمام الدين في الواقع مع جهله به.

فإن قيل:إن هذا مناف لما اتفقوا عليه من عدم وجوب الفحص في‏

الشبهات الموضوعية بل جواز إجراء أصالة البراءة من أول الأمر.

قلنا:الاتفاق في الصورة التي ذكرناها ممنوع،لوجود القول بما ذكرنا من‏

كثير من الأعلام في قضاء الفوائت فيها كما عرفت،بل لم يقيد هؤلاء وجوب‏

الاحتياط فيها بالتقصير كما فعلنا.

و كيف كان فالذي هو مناط وجوب‏1الفحص في الشبهات الحكمية

بعينه موجود في الصورة المفروضة و هو علية الوقوع في مخالفة الواقع لو لا

الفحص،و التحفظ هنا قائم مقام الفحص لعدم طريق للفحص بعد النسيان‏

و إنما طريقه منحصر في التحفظ قبله فلا يعذر الجاهل المقصر التارك له مع تمكنه‏

منه عند العقل في مخالفة التكاليف المجهولة عليه بسبب جهله المسبب عن تقصيره.

و الحاصل أنا لا نجد فرقا بعد المراجعة إلى عقولنا في الحكم بعدم‏

المعذورية في مخالفة التكليف المجهول على تقديره و كون احتماله سببا للتنجيز

1اعلم أن وجوب الفحص في الشبهات الحكمية عقلي لا غير لعدم معذورية الجاهل في مخالفة الواقع‏

بدونه.لمحرره عفا اللَّه عنه.


140
و مصحّحا للعقاب على مخالفته بين:ما إذا وصل طومار من مولى إلى عبده يحتمل‏

العبد أن يكون لمولاه فيه أوامر و نواه بالنسبة إليه فلم يفتح الطومار و لم ينظر إلى‏

ما فيه بل أتلفه و أحرقه أو غسله بالماء لئلا يعلم ما فيه،و بين من علم من مولاه‏

بأوامر أو نواه موسعة أوقاتهما فلم يحفظ عددها إلى أن غاب عن ذهنه.

هذا ما يقتضيه العقل في المقام،و أما النقل فالذي يمكن أن يستدل به منه‏

على البراءة فيه قوله صلّى اللّه عليه و آله:(الناس في سعة ما لم يعلموا)و قوله‏

صلّى اللّه عليه و آله (رفع عن أمتي تسعة)بتقريب:أن ما لم يعلموا عام لما كان‏

معلوما من قبل فصار مجهولا بعروض النسيان و لو مع ترك التحفظ،و بأنّ المقام‏

داخل في إطلاق النسيان في الحديث الثاني،بل في عموم ما لا يعلمون أيضا

فالحديثان يدلان على أنّ اللّه عزّ و جلّ قد رفع التكليف في المورد أيضا امتنانا على‏

الأمة،لكن الإنصاف أن دون الاستدلال بهما خرط القتاد.. (1) .مثل المقام فافهم‏

قوله(قدّس سرّه):(فتأمّل) (2) .

(1)وجهه أنّ مراعاة الاحتياط في النافلة إنما هي على سبيل الندب فالذي‏

يقتضيه الأولوية المذكورة ثبوته في الفريضة كذلك لا وجوبا و كون ذلك في النافلة

بيانا لتدارك ما فات و لم يخصّ ممنوع،بل يحتمل أن يكون المراد بيان استحباب‏

التدارك على هذا النحو.

قوله(قدّس سرّه):(فإنّ في المسألة أقوالا ثلاثة) (3) .

(2)اعلم أوّلا أنه كان يحسن أن يقول بدل(فإنّ في المسألة أقوالا)ففي المسألة

أقوال،فإنّ قوله:فإنّ ظاهر في كون ما بعده علّة لما قبله مع أنّه غير سديد كما

لا يخفى و غير مراد قطعا.

1)سقط في الأصل.

2)فرائد الأصول 1:394.

3)فرائد الأصول 1:395.

141
و ثانيا أن وجه عدّه الوجوه ثلاثة بملاحظة جعله وجوب الأخذ بأحد

الاحتمالين بكلا قسميه قسما واحدا فلذا عطف أولا بعينه بكلمة أو دون الواو.

قوله(قدّس سرّه):(و التوقف بمعنى عدم الحكم لشي‏ء لا ظاهرا

و لا واقعا) (1) .

(1)بمعنى عدم الحكم بأن اللَّه قد أباح كلا من الفعل و الترك ظاهرا أو واقعا،

بل نقول إنه تعالى لم يبح شيئا في الظاهر و حكمه الواقعي أحد الأمرين من‏

الوجوب أو الحرمة لكن العقل لما لاحظ أنه لا بد للمكلف من أخذ الفعل أو

الترك و أنه لا يمكنه الجمع بينهما و تركهما جميعا فلا يتمكن من الاحتياط فحكم‏

بأنه لا حرج عليه لا في الفعل و لا في الترك و إلا لزم الترجيح بلا مرجح.

و بالجملة فالعقل مستقل هنا بقبح المؤاخذة على شي‏ء من الفعل و الترك‏

فيستكشف منه الغاؤه بكلا الاحتمالين بمعنى عدم تنجيزه شيئا منهما على المكلف‏

لو كان هو الحكم المعلوم بالإجمال،و مناط حكم العقل على هذا إنما هو عجز

المكلف من الاحتياط و عدم تمكنه منه مع بطلان الترجيح بلا مرجح،كما أن مناط

حكمه بالبراءة الأصلية في الشبهات البدوية إنما هو صرف الجهل بالواقعة من‏

دون النّظر إلى عدم التمكن من الاحتياط،و كما أن مناط حكمه بالأخذ بأحد

الاحتمالين لا بعينه في المقام على القول به إنما هو التحير فهو مخير في أول الأمر

بين الأخذ بأيهما شاء إذا لم يكن أحدهما راجحا على الآخر و بعد الأخذ يلزمهم ما

أخذه و لا يجوز مخالفته إذ يصير هو حينئذ على تقديره منجزا على المكلف و هذا

هو الفرق بين التخيير و الإباحة.

و أما إذا كان لأحدهما مرجح كما قد يدعى في المقام فيتعين الأخذ به‏

بالخصوص دون التخيير.

1)فرائد الأصول 1:395.

142
ثم إن هذا الّذي ذكرنا في معنى التخيير لا يفرق فيه بين العقلي و الشرعي،

إذ على الثاني إذا قال الشارع:أنت مخير بين الأخذ بأي الاحتمالين معناه أنه‏

بعد الأخذ يتعين عليك ما أخذت به بمعنى أنه على تقدير عليك،و ليست معذورا

في مخالفته على تقديره فيكون قوله ذلك إنشاء لحكم ظاهري بالنسبة إلى‏

الاحتمال الّذي قد أخذ به،فإن كان هو الحرمة فيكون الفعل حراما عليه في‏

الظاهر و إن كان الوجوب فيكون واجبا كذلك.

قوله(قدس سره):(لأنها مخالفة قطعية عملية) (1) .

(1)لا يخفى أن ذلك غير لازم في بعض صور ما إذا كان أحدهما المعين تعبديا،

فإنه إذا كان أحدهما المعين تعبديا ففيه صورتان:

إحداهما:أن يقع العمل على طبق ذلك الّذي هو على تقديره تعبدي لكن‏

بدون نية القربة.

ثانيتهما:أن يقع العمل على طبق ما يكون على تقديره توصليا و لا ريب‏

أن المخالفة القطعية إنما يلزم في أولى هاتين الصورتين لا غير.

و أما في ثانيتهما فهي احتمالية قطعا كما أن الموافقة معها أيضا احتمالية.

و من هنا يظهر أنه لو كان أحدهما الغير المعين تعبديا لا يلزم المخالفة

القطعية العملية أصلا و قد بينه(قدس سره)لذلك و إلا لم يذكره.

قوله(قدس سره):(و التخيير) (2) .

(2)هو في بعض النسخ مخطوط عليه.قال(دام ظله)و على تقديره لا بد أن‏

يكون معطوفا بالعطف التفسيري على قوله أو لا بعينه،فإن معنى الأخذ

بأحدهما لا بعينه هو التخيير و ليس التخيير وجها مقابلا له.

1)فرائد الأصول 1:395.

2)ليس بموجود في المطبوع لجماعة المدرسين فراجع 1:395 و 396.

143
قوله(قدس سره):(و ليس العلم بجنس التكليف المردد بين نوعي‏

الوجوب و الحرمة كالعلم بنوع التكليف) (1) .

(1)لا يخفى أن العلم بجنس التكليف المردد بين نوعي الوجوب و الحرمة

ليس كالعلم بنوع التكليف إذا كان طرفا الترديد في ذلك الجنس المعلوم متعلقين‏

بأمر واحد بأن يعلم أن ذلك الفعل واجب أو محرم كما هو مفروض البحث في‏

المقام،و أما فيما إذا كان طرفاه متعلقين بأمرين متباينين كما إذا علم وجوب هذا

الفعل أو حرمة ذلك الفعل الآخر فلا ينبغي الارتياب في كونه كالعلم بنوع‏

التكليف من حيث كونه مقتضيا عقلا لوجوب الاحتياط.

و هذا القسم من الشبهة داخل في الشك في المكلف به كما قاله(دام ظله)

و حكمه حكمه،و لعله يجي‏ء منه(قدس سره)ما يشير إلى ما ذكرنا من اتحاد حكم‏

هذا الحكم العلم بنوع التكليف،و على هذا فكان عليه تقييد ما ذكره هنا بصورة

اتحاد متعلق طرفيه.

ثم إن مجمل الفرق بين العلم بجنس التكليف إذا كان طرفاه متعلقين‏

بأمر واحد و بينه إذا كان طرفاه متعلقين بأمرين من حيث حكم العقل أن العقل‏

إنما يحكم بكون الجهل عذرا رافعا للتكليف المستتبع للعقاب إلى ما لم يتم الحجة

على المكلف من الشارع و من المعلوم أن العلم بالجنس إذا كان طرفا الترديد فيه‏

متعلقين بأمر واحد لا يصلح لقيامه حجة عليه في تنجز التكليف بالواقع و صحة

المؤاخذة عليه لعدم قدرة المكلف على الاحتياط معه فيكون هذا العلم بمنزلة

الجهل رأسا فيكون ذلك الجهل الموجود معه عذرا بحكم العقل.

هذا بخلاف ما إذا كان كل من طرفيه متعلقا بأمر غير ما تعلق به الآخر،

فإن ذلك العلم الإجمالي حجة عليه حينئذ و لا يعذر معه في مخالفة المعلوم الإجمالي‏

1)فرائد الأصول 1:396.

144
لتمكنه من موافقته بحكم العقل و بناء العقلاء كافة فإنهم لا يفرقون بينه و بين‏

ما إذا كان المعلوم نوع التكليف قطعا.

لا يتوهم إنا نقول أن مجرد التمكن من الاحتياط حجة قاطعة للعذر حتى‏

يرد علينا أن مقتضى ذلك لزوم الاحتياط في الشبهات البدوية،بل المراد أن ذلك‏

العلم الإجمالي منضما إلى إمكان الاحتياط حجة.

و بعبارة أخرى:إنه حجة بشرط إمكان الاحتياط معه.

و أما الفرق بين المقامين من حيث الأخبار فسيأتي الكلام فيه في الشبهة

المحصورة إن شاء اللَّه.

و يمكن الفرق بينهما من تلك الجهة أيضا بما ذكرناه.

و تقريره أن كل واحد من أخبار البراءة مغيا بعدم قيام الحجة فيشمل‏

صورة كون طرفي العلم الإجمالي متعلقين بأمر واحد دون ما إذا كانا متعلقين‏

بأمرين.

قوله(قدس سره):(فهو حاصل فيما نحن فيه) (1) .

(1)لا يخفى ما فيه من القصور،فإن مراده الموافقة العملية بالقدر الميسور

و هو الاحتمالية منها فإنها هو القدر الممكن.و ظاهر العبارة حصول الموافقة

العملية القطعية.

قوله(قدس سره):(و ليس حكما شرعيا ثابتا في الواقع) (2) .

(2)يعني ليس هذا النحو من الحكم الشرعي لا أنه ليس حكما شرعيا أصلا

كما قد يتوهم.

و الحاصل أن الحكم الشرعي قد يكون مما يمكن تطرق الجهل إليه بمعنى‏

1)فرائد الأصول 1:396.

2)فرائد الأصول 1:396.

145
كونه ثابتا في الواقع في حال الجهل و قد يكون مما لا يمكن فيه ذلك،بمعنى أن‏

تحققه الواقعي لا يكون إلا بعد العلم الإجمالي بمتعلقه تفصيلا و ما نحن فيه من‏

قبيل الثاني.

و بعبارة أخرى:لا يوجد الحكم إلا بعد تحقق موضوعه و لما كان موضوعه‏

فيما نحن فيه مأخوذا فيه العلم التفصيليّ فلا تحقق له واقعا في صورة الجهل‏

أصلا.

قوله(قدس سره):(إلا أن مجرد احتماله يصلح فارقا بين‏

المقامين).

(1)فإن استفادة حكم ما نحن فيه من حكم الشارع بالتخيير في مقام‏

التعارض إنما هي من باب تنقيح المناط لا غير،و من المعلوم أنه لا بد في تنقيح‏

المناط من العلم بالمناط في الأصل.

فعلى هذا لو احتمل كون المناط فيه أمرا آخر غير مؤد في الفرع و لو

بالاحتمال الموهوم لا يصح إجراء حكمه إلى الفرع.

ثم إن وجوب العمل بالخبر و إن لم يكن من باب السببية في غير صورة

التعارض إلا أنه محتمل في تلك الصورة كالعلة يستفاد من بعض الأخبار الواردة

في حكم تعارض الخبرين من قبيل قوله عليه السلام بأيهما أخذت من باب‏

التسليم وسعك.


146

147
بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

رب زدني علما و عملا،و ألحقني بالصالحين،و وفقني لما تحب و ترضى بجاه‏

محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و آله الطاهرين من ولده صلواتك عليهم‏

أجمعين.يا معين الضعفاء ارحم ضعفي و مسكنتي و ذلي و فقري و فاقتي.

في التعادل و الترجيح‏

قوله-قدس اللَّه نفسه الزكية-:(خاتمة في التعادل و الترجيح) (1) .

(1)التعادل في الأصل:تساوي طرفي العدل و نحوه،و المراد به في باب الأدلة

إنما هو تساوي الدليلين المتعارضين،و عدم مزية لأحدهما على الآخر.

و الترجيح في الأصل:إحداث الرجحان و المزية في أحد شيئين متقابلين،

و المراد به في باب الأدلة تقديم المستنبط أحد الدليلين المتعارضين على الآخر.

ثم إنه قد يعبر عنه في هذه المسألة بصيغة المفرد كما صنع المصنف.قدس‏

سره-،و قد يعبر عنه بصيغة الجمع:

و الظاهر أن مراد من أفرده إنما هو إطلاقه الشائع في باب الأدلة،و هو

الّذي عرفته،و يحتمل بعيدا إرادة جنس المزية القائمة بأحد الدليلين المتعارضين‏

بعلاقة السببية.

و أما الّذي عبر عنه هنا بلفظ الجمع فالظاهر أنه أراد به المزايا الجزئية،

لمنافاة الجمعية لإرادة جنسها-كما لا يخفى-و لإرادة إطلاقه الشائع أيضا،إذ

1)فرائد الأصول 2:749.لكن في المصدر:...و التراجيح.

148
لا يخفى أنه فعل المستنبط،و هو في حد ذاته واحد لا تعدد فيه.

نعم يمكن اعتبار تعدده باعتبار تكثر موارده،فإن كل تقديم و ترجيح-في‏

مورد لمزية-شخص مغاير لتقديم في مورد آخر لمزية أخرى أو بتلك المزية أيضا،

فيرتفع به منافاة الجمعية،فيكون احتماله أقرب لكونه على تقديره إطلاقا

حقيقيا،بخلافه على جنس المزية أو جزئياتها.

قوله-قدس سره-:(و غلب في الاصطلاح على تنافي الدليلين‏

و تمانعهما باعتبار مدلولهما) (1) .

(1)وجه التسمية:أن الدليلين المتعارضين كأن كلا منهما يظهر نفسه لصاحبه،

و يبارزه ليدفعه،فيكون إطلاقه عليه من باب المجاز بعلاقة المشابهة.

قوله-قدس سره-:(و لذا ذكروا أن التعارض تنافي مدلولي‏

الدليلين) (2) .

(2)ما ذكره-قدس سره-في تعريف التعارض أحسن مما ذكروه،إذ من‏

المعلوم أن التعارض عنده وصف للدليلين لا لمدلولهما.

نعم منشأ تعارضهما و تنافيهما إنما هو كون مدلولهما على وجه يمتنع الجمع‏

بينهما،فيلزمه تنافي الدليلين الدالين عليهما و تدافعهما،فالتدافع وصف قائم‏

بالدليلين ناشئ عن وصف امتناع الاجتماع الحاصل في مدلولهما.

ثم إن النزاع في هذه المسألة:إنما هو بعد الفراغ عن ثبوت التعارض بين‏

الدليلين،فيكون كبرويا،إلا أنه قد يقع الاشتباه في بعض الموارد الخاصة من‏

حيث دخوله في تلك الكبرى و عدمه،مع عدم تعرضهم له أصلا،كما تعرضوا

لخصوص الأمر و النهي-في مسألة اجتماع الأمر و النهي-فلم يكن بأس‏

1)فرائد الأصول 2:750.

2)فرائد الأصول 2:750.

149
بالتعرض له من هذه الجهة هنا لوجود المناسبة بين المقام و بينه في الجملة،فأشار

إليه-قدس سره-بقوله‏ (1) :(و منه يعلم أنه لا تعارض‏1بين الأصول و ما يحصله‏

المجتهد من الأدلة الاجتهادية..إلى آخره).

و لما انجر الكلام إلى ذلك فالحري توضيح المرام فيه ببسط النقض‏

و الإبرام:

التعارض بين الحكم الواقعي و الظاهري‏

فاعلم أنه ربما يتوهم التدافع بين الأصول العملية و مؤدى الأدلة

الاجتهادية،و هي الأحكام الواقعية،و مورد توهمه إنما هو صورة تخالفهما،كأن‏

يكون الأصل مقتضيا لوجوب شي‏ء مع كون مقتضى الطريق الاجتهادي ضد

الوجوب من سائر الأحكام،أو العكس.

و توضيح وجه ذلك التوهم:أنه لا شبهة في تضاد الأحكام الخمسة بأسرها

فيلزمها بينا امتناع‏اجتماع‏ (2) اثنين منها في مورد واحد،فإذا كان حكم شي‏ء

في الواقع أحدا منها يمتنع‏ (3) ثبوت غيره-أيضا-لذلك الشي‏ء حال ثبوته له في‏

الواقع و لو كان غيره حكما ظاهريا،ضرورة أنه-أيضا-بالنسبة إلى موضوعه‏

واقعي،فإنه ثابت للمورد مع صدق موضوعه عليه واقعا،و تسميته بالظاهري‏

ليس معناه أنه لا واقع له،بل إنما هو مجرد اصطلاح بملاحظة أنه يحدث في حق‏

المكلف في مرحلة الظاهر مع جهله بالواقع الأولي الغير الملحوظ فيه شي‏ء من‏

وصفي العلم و الجهل.

1لا يخفى أنه كان الأوفق التعبير بعدم المنافاة،لما عرفت أن التعارض وصف للدليلين،فلا يوصف به‏

المدلول،و من المعلوم أن مؤدى الأدلة الاجتهادية و الأصول إنما هما مدلولان للدليل،لا أن كل واحد

دليل.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:750.

2)إضافة يقتضيها السياق.

3)في الأصل:فيمتنع.

150
فالفرق بينه و بين الحكم الواقعي:أنه قد اعتبر في موضوعه وصف الجهل‏

بالحكم الواقعي أو بموضوعه الموجب للجهل به بالأخرة،بخلاف الحكم‏

الواقعي،فإنه إنما علق على موضوع غير ملحوظ فيه شي‏ء من وصفي العلم‏

و الجهل،بل يمتنع ذلك فيما إذا لوحظ العلم و الجهل بالنسبة إلى نفس الحكم،

لاستلزامه الدور،كما لا يخفى.

لكن مجرد هذا الفرق لا يصلح فارقا مع فرض اتحاد متعلقي الحكمين‏

المتضادين،فإن الجهل الّذي هو مأخوذ في موضوع الحكم الظاهري إذا عرض‏

في مورد فلا يعقل أن يصير ذلك المورد شيئين يكون أحدهما موضوعا للحكم‏

الواقعي،و الآخر موضوعا للظاهري،بل الشي‏ء الّذي له حكم من الأحكام‏

الواقعية باق على وحدته مع الجهل،فإن الخمر المشكوك خمريتها أو حرمتها

-مثلا-التي حكمها الإباحة في مرحلة الظاهر هي بعينها الخمر التي قد أخذت‏

موضوعا للنهي الواقعي،فهي في جميع عوالمها و حالاتها1هي بعينها من غير

اختلاف فيها بما يوجب خروجها عن موضوع النهي،و المفروض دوران النهي‏

الواقعي مدارها نفيا و إثباتا،فإذا كان المفروض كون المائع المشكوك كونه خمرا

خمرا في الواقع،فيكون النهي عنه ثابتا حال الشك،و هو ينافي ثبوت الرخصة في‏

شربه في تلك الحال،فكيف بوجوب شربه؟!كما قد يقتضي الأصل ذلك.

فبالجملة:منشأ التنافي إنما هو اتحاد متعلقي الحكمين المتضادين،فلا فرق‏

بين كون الحكمين واقعيين،أو ظاهريين،أو مختلفين،فالملتزم بجواز الاجتماع في‏

المقام لا بد له أن يلتزم به في مسألة اجتماع الأمر و النهي-أيضا-و لوكان‏

1بمعنى أن تلك الحالات ليس شي‏ء منها مشخصا لها حتى تكون هي بالنسبة إلى كل واحد منها من‏

قبيل المطلق و المقيد،بل هي بالنسبة إليها مثل(زيد)بالنسبة إلى أحواله من القيام و القعود و نحوهما.

لمحرره عفا اللَّه عنه.


151
السبب هنا تعدّد جهتي الحكمين‏ (1) ،نظرا إلى ان الأحكام الواقعية ثابتة للشي‏ء

المشكوك الحكم بالنظر إلى ذاته من غير ملاحظة صفة الجهل أصلا،و الأحكام‏

الظاهرية ثابتة له بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي،فلا بد أن يلتزم بكفايته في‏

رفع التنافي هناك-أيضا-إذ المفروض ثمة-أيضا-تعدد الجهة،ضرورة أن‏

تعددها لو كان رافعا لاجتماع الضدين و كافيا فيه فلا يعقل اختصاصه بمورد

دون آخر.

نعم فرق بين المقامين من حيث إن جهة كل واحد من الحكمين المبحوث‏

عن امتناع اجتماعهما ثمة في عرض جهة الآخر كالصلاة و الغصب،بخلاف‏

المقام،ضرورة أن جهة الحكم الظاهري-كما عرفت-إنما هو الجهل بالحكم‏

الواقعي للمورد،فلذا لا يعقل بقاؤه حال فعلية الحكم الواقعي،و هي حال العلم‏

به،فيكون جهة الحكم الواقعي مقدمة على جهة الظاهري طبعا،ضرورة أن‏

ذات الشي‏ء الّذي هو جهة الحكم الواقعي مقدم كذلك على الجهل بحكمه أو

بنفسه،ضرورة تقدم الموضوع على الحكم كذلك.

لكنه لا يصلح فارقا بينهما:فإن الحكم الظاهري و إن لم يمكن تحققه حال‏

فعلية الواقعي،لكن الواقعي متحقق مع فعلية الظاهري،فيلزم اجتماع الحكمين‏

المتضادين في مورد واحد في آن واحد.

و أيضا1يقبح من الحكيم إيراد حكمين متضادين على المكلف في آن واحد

بالنسبة إلى شي‏ء واحد،فإذن يقع التعارض بين الخطاب الواقعي و دليل اعتبار

الأصل،فلا بد إما من تخصيص الخطاب الواقعي بغير مورد الأصل،أو طرح‏

الأصل رأسا،إذ لا يعقل تخصيص دليل اعتباره بصورة موافقته للواقع،ضرورة

1قولنا:(و أيضا...إلى آخره)إبداء لمانع آخر غير محذور اجتماع الضدين.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:و لو السبب بتعدد جهتي الحكمين.

152
أن الأصل حكم مجعول في مرحلة الظاهر للمكلف في مقام العمل حال كون‏

المكلف جاهلا بالواقع،و متحيرا فيما يصنع،و من المعلوم أنه على تقدير تعليقه و تقييده‏

بموافقة الواقع لا يجدي في رفع تحيره في مقام العمل أصلا،إذ مع جهله بالواقع‏

لا يمكن له العلم بموافقته له،فلا يعلم حينئذ كونه مأمورا بالعمل بالأصل،و لو

فرض تمكنه من الاطلاع على الموافقة و عدمها فتفحص فاطلع على الموافقة لم‏

يبق مورد للأصل حينئذ أصلا،إذ لا يعقل له مورد مع انكشاف الواقع.

هذا خلاصة الكلام في توضيح وجه امتناع اجتماع الحكم الواقعي مع‏

الأصل المخالف له.

و لا يخفى أن ما ذكر من الوجه بعينه جار بالنسبة إلى مؤديات الطرق‏

الظنية الاجتهادية المعتبرة،و الأمارات كذلك،إذ من المعلوم أن مؤدى الطرق‏

-أيضا-حكم ظاهري،و كذلك مقتضى الأمارات.

نعم فرق بين مؤديات الطرق و الأصول من حيث إن الأولى إنما هي‏

مجعولة بعنوان الطريقية و الكشف عن الواقع،نظرا إلى أن مقتضى أدلة اعتبار

الطرق البناء على كون مؤدياتها أحكاما واقعية،و التدين بها على هذا الوجه،

و العمل عليها على أنها الواقع،بخلاف الأصول حيث إنها أحكام ظاهرية لا

على ذلك الوجه.

لكنه لا يصلح فارقا بينهما-كما لا يخفى-ففي صورة مخالفة تلك الطرق‏

و الأمارات للواقع يجري ما مر في الأصول بعينه،و المصنف لم يتعرض لذلك،

فالأحسن تعميم الكلام بالنسبة إليها،و تحرير الإشكال:بأنه يمتنع اجتماع‏

الحكم الواقعي مع الظاهري المخالف له مطلقا-سواء كان من الأصول أو من‏

مؤديات الطرق و الأمارات-لما مر.

و أما دفعه على نحو العموم-أيضا-:فبأن الحكم الواقعي و الظاهري قد

يلاحظان في حد أنفسهما مع قطع النّظر عن لوازم شي‏ء منهما،بمعنى ملاحظة


153
نفس الإنشاءين،و من المعلوم لكل أحد أنه لا تنافي بينهما بهذه الملاحظة بوجه،

ضرورة إمكان اجتماع ذاتي الأمر و النهي في مورد و لو كانا واقعيين،فلا وجه‏

لإطناب الكلام في دفع التدافع بينهما من هذه الجهة.

و قد يلاحظان بالنسبة إلى المكلف-بالفتح-و قد يلاحظان بالنسبة إلى‏

المكلف،و قد يلاحظان بالنسبة إلى الفعل المكلف به،حيث إن لهما ربطا بكل‏

واحد منهما،و لكل منهما لوازم بالنسبة إلى كل منها،و نحن لا نجد مانعا من‏

اجتماعهما في شي‏ء من تلك الاعتبارات.

و توضيح ذلك يتوقف على التكلم في مقامات ثلاثة:

أحدها:في لوازم اجتماعهما بالنسبة إلى المكلف-بالفتح-

و ثانيها:فيها بالنسبة إلى المكلف به.

و ثالثها:فيها بالنسبة إلى المكلف-بالكسر-

أما المقام الأول:فخلاصة الكلام فيه:أنه لا شبهة في أنه لا يلزم من توجه‏

الحكمين إلى المكلف في آن واحد شي‏ء من محذوري اجتماع الضدين و القبح على‏

الحكيم.

أما الأول:فلبداهة عدم التضاد بالنظر إلى المكلف بين حكمين،أحدهما

شأني،و الآخر فعلي-كما هو المفروض في المقام-فإن الأحكام الخمسة على‏

تقدير تضادها فإنما هي متضادة مع اتفاقها في الوحدات الثماني المعتبرة في‏

التناقض،و أما بدونه فلا،فإن أوضح مضادة من بين الأحكام إنما هو الوجوب‏

و الحرمة (1) ،و من المعلوم أنه لا امتناع في ثبوتهما في حق المكلف بالنسبة إلى شي‏ء

واحد في آن واحد مع عدم تنجز أحدهما عليه و فعليته في حقه،مع أنهما متضادان،

1)كذا في الأصل،لكن صحيح العبارة هكذا:فإن أوضح مضادة بين الأحكام إنما هي المضادة بين الوجوب‏

و الحرمة.


154
و ليس هذا إلا من جهة كفاية اختلافهما من حيث الشأنية و الفعلية في رفع التضاد

بينهما بالنسبة إليه‏1.

و هذا هو الفارق بين المقام و بين مسألة اجتماع الأمر و النهي،إذ المفروض‏

هناك فعلية كل منهما في حقه فينكر2.

و أما الثاني:فلأن منشأه بالنظر إلى المكلف منحصر في التكليف بغير

المقدور له و لو من قبل المكلف-بالكسر-و تفويت المصلحة على المكلف أو

إيقاعه في المفسدة.

الأول:لا يلزم في المقام أصلا.

الثاني:و إن كان يلزم في بعض الصور،لكنه لا يقبح مطلقا.

توضيح عدم لزوم الأول:أنه إذا كان الحكم الواقعي للفعل هو

الوجوب‏ (1) و كان الظاهري غير الحرمة،أو العكس،أو كان الواقعي هي الحرمة

و الظاهري غير الوجوب،أو العكس،فعدم لزومه بين.

1قال-دام ظله-:بل لا مانع من اجتماع الحكمين المتضادين مع فعليتهما إذا كان أحدهما مرتبا على‏

الاخر،لكن النّفس فيه تأمل،بل منع،فإنا لو تعقلنا مسألة الترتب فغاية ما يمكن أن يقال من إمكانه‏

إنما هو في الطلبين المتضادين أو المماثلين‏ (2) مع تعلق كل منهما بضد متعلق الآخر لا بنقيضه،إذ معنى‏

الطلب المرتب على طلب آخر أنه أريد تحصيل متعلقه على تقدير عصيان ذلك الطلب،و من المعلوم أنه‏

على تقدير عصيان الطلب المتعلق بأحد النقيضين يحصل الغرض من الطلب المتعلق بالآخر،فيكون‏

ذلك الطلب الآخر طلبا للشي‏ء على تقدير حصوله،و هل هذا الا طلب الحاصل؟!لمحرره عفا اللَّه عنه.

2اعلم أنه كما يمتنع اجتماع الأمر و النهي الفعليين كذلك يمتنع اجتماع الشأنيين منهما أو المختلفين إذا

كان زمن فعلية كليهما واحدا،فإنهما يصيران فعليين في وقت واحد،و أما إذا كان أحدهما على وجه يمتنع‏

فعليته-بل بقاؤه-مع فعلية الآخر-كما في الحكم الظاهري و الواقعي-فيجوز اجتماع الشأنيين منهما

أو المختلفين.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)توجد في هذا الموضع من الأصل كلمة غير مقروءة يحتمل أنها:(مثلا).

2)كذا في الأصل،و الأصح ظاهرا:المتماثلين).

155
أما في الصورة الأولي:فلأن الوجوب لما كان مشكوكا فهو غير منجز

على المكلف فلم يبلغ حد التكليف أصلا،فضلا عن كونه تكليفا بغير المقدور،

فالمكلف معذور في مخالفته،و أما غير الحرمة (1) -الّذي هو الحكم الظاهري‏

بالفرض-فلأنه لا يقتضي امتثالا أصلا إذا كان هي الإباحة،و لا يقتضي تحتم‏

الامتثال إذا كان هي الكراهة أو الاستحباب مثلا،فلا يكون شي‏ء منها مقتضيا

لحتمية الامتثال،حتى يكون تكليفا بفرض الاطلاع عليه،فضلا عن كونه‏

تكليفا بغير المقدور للمكلف مع أن الاستحباب الظاهري إن لم يكن مؤكدا

للوجوب الواقعي فهو لا ينافيه جدا.

لا يقال:إنه هب أن النهي عن الواجب الواقعي تنزيها ليس تكليفا بغير

المقدور لكنه طلب لغير المقدور،و من المعلوم أن طلب غير المقدور و لو مع الرخصة

في مخالفة ذلك سفه و عبث،فيكون قبيحا من هذه الجهة.

لأنا نقول:إن الوجوب الواقعي قبل اطلاع المكلف عليه لا يصلح لجعل‏

الفعل غير مقدورالترك‏ (2) للمكلف،فإنه إنما يؤثر في غير (3) مقدورية ترك‏

الفعل إذا أثر منع المكلف فعلا من الترك،و ذلك لا يكون إلا بعد الاطلاع عليه،

و المفروض عدمه في محل الفرض،كما أن الحرمة الواقعية لا تصلح لجعل الفعل‏

غير مقدور الإيجاد إلا بعد الاطلاع عليها.

و من هنا ظهر الحال في الصورة الثالثة أيضا.

و أما في الصورة الثانية:فلأن غير الوجوب و الحرمة المفروض كونه حكما

واقعيا خارج عن مرحلة التكليف مع الاطلاع عليه و غير قابل للتأثير في نفي‏

مقدورية ترك الفعل أو إيجاده في تلك الحال،فكيف بما إذا كان مجهولا؟!فلا

1)في الأصل:(غير الوجوب)،و هو من سهو القلم،و الصحيح ما أثبتناه.

2)إضافة يقتضيها السياق.

3)كذا في الأصل،و الصحيح:إنما يؤثر في عدم مقدورية.

156
يكون طلب الفعل حتما في مرحلة الظاهر تكليفا بغير المقدور.

و من هنا ظهر حال الصورة الرابعة-أيضا-فلا نطيل الكلام بذكرها.

و أما إذا كان أحدهما الوجوب و الآخر الحرمة فوجه عدم لزومه حينئذ ما

مر:من أن الطلب الحتمي الواقعي ما لم يتنجز على المكلف لا يصلح لجعل الفعل‏

ممنوع الترك أو الإيجاد فعلا:حتى يكون نطلبه أو طلب تكره طلبا لغير المقدور

للمكلف‏1.

و أما توضيح عدم لزوم الثاني على الإطلاق-ثم منع قبحه على تقدير

لزومه في المقام-فبأنه إنما يلزم فيما إذا كان الحكم الواقعي هو الوجوب أو

الاستحباب مع كون الظاهري هو الإباحة أو الحرمة أو الكراهة،أو كان الحكم‏

الواقعي هي الحرمة أو الكراهة مع كون الظاهري هو الإباحة أو الوجوب أو

الاستحباب،أو كان الواقعي هو الاستحباب مع كون الظاهري غير الوجوب،

أو كان هي الكراهة مع كون الظاهري غير الحرمة:

أما في الصورة الأولى:فلأن إباحة الفعل كاشفة عن عدم المصلحة فيه‏

و دالة عليه،فكيف بتحريمه أو كراهته؟!فيكون كل منهما إخفاء لمصلحة الواقع‏

على المكلف و تفويتا لها عليه.

1لا يتوهم:أن عدم فعلية طلب-أمرا كان،أو نهيا-يوجب التجوز في الخطاب الدال عليه،و هو الأمر

أو النهي،لأن صيغتي الأمر و النهي لم توضعا إلا لمجرد الطلب الحتمي الفعلي المتعلق بالترك أو الإيجاد،

و من المعلوم أن ذلك موجود حال عدم تنجز الخطاب كوجود الإرادة و الكراهة اللازمتين لهما،و التنجز

ليس من مدلول اللفظ،بل هو أمر عقلي يترتب عليه بعد اطلاع المكلف عليه.

و الحاصل:أنهما موضوعتان للطلب الفعلي،لا للتكليف الفعلي الّذي يتوقف تحققه على اطلاع المكلف‏

على الطلب،فيما نحن فيه-إذا فرض كون الحكم الواقعي هو الوجوب و الظاهري هي الحرمة،أو

العكس-الإرادة و الكراهة و طلب الفعل و طلب الترك،-أعني الإنشائيين-كلها فعلية،و الشأنية إنما

تلاحظ بالنسبة إلى عنوان التكليف بالنظر إلى الواقع،و هو ليس من مدلول الصيغة،بل مسبب منه‏

بعد الاطلاع عليه.لمحرره عفا اللَّه عنه.


157
و منه يعلم وجه كون الإباحة أو الوجوب أو الاستحباب إيقاعا له في‏

المفسدة كما في الصورة الثانية.

و أما في الصورة الثالثة:فلأن غير الوجوب-كما عرفت-مستلزم لإخفاء

مصلحة الفعل الداعية إلى الأمر الاستحبابي الواقعي،فيكون تفويتا لها على‏

المكلف.

و منه يعلم وجوه كون غير الحرمة في مرحلة الظاهر مستلزما لإخفاء مفسدة

الكراهة على المكلف،و إيقاعا له‏فيها (1) كما في الصورة الرابعة.

و أما في غير تلك الصور فلا يلزم من الحكم الظاهري تفويت للمصلحة

و لا إيقاع‏في‏ (2) المفسدة أصلا،فإن الصور المتصورة وراء تلك الصور-أيضا-

أربع:

إحداهما:ما إذا كان الحكم الواقعي هي الإباحة مع كون الظاهري هي‏

الحرمة أو الكراهة.

و ثانيتها:ما إذا كان هي الإباحة مع كون الحكم الظاهري هو الوجوب‏

أو الاستحباب.

و ثالثتها:ما إذا كان ذلك الاستحباب مع كون الحكم الظاهري هو

الوجوب.

و رابعتها:ما إذا كان ذلك هي الكراهة مع كون الحكم الظاهري هي‏

الحرمة.

و من المعلوم أنه لا يلزم شي‏ء من ذينك في شي‏ء منها:

أما في الأولى و الثانية:فلأنه ليس في الفعل مصلحة حتى يكون الحكم‏

1)في الأصل:و إيقاعا له عليها.

2)في الأصل:و لا إيقاع على المفسدة.

158
بحرمته أو كراهته إخفاء لها و تفويتا لها على المكلف،و لا مفسدة حتى يكون‏

الحكم بوجوبه أو استحبابه إخفاء لها و إيقاعا للمكلف‏فيها (1) .

و أما في الصورة الثالثة:فلأن الوجوب يؤكد داعي تحصيل مصلحة

الاستحباب كما لا يخفى،فلا يكون إخفاء لها على المكلف،بل تأكيدا لها.

و أما في الصورة الرابعة:فلأن الحرمة بالنسبة إلى مفسدة الكراهة نظير

الوجوب بالنسبة إلى مصلحة الاستحباب من حيث كونها مؤكدة لداعي التحرز

عنها.

فظهر أن ما ذكر غير لازم على الإطلاق بالنسبة إلى جميع صور مخالفة

الحكم الظاهري للواقعي المبحوث عنها في المقام.

لكن لا يخفى على المتأمل أنه في موارد لزومه لا يقبح مطلقا،بل إنما يقبح‏

مع عدم تدارك المكلف(بالكسر)لمفسدة الواقع،أو مصلحته و أما معه فكلا،

و نحن قد حققنا-في مسألة نصب الطرق في مسألة حجية الظن-أن الشارع‏

يتدارك ما يستند إليه من فوت المصلحة،أو الوقوع في المفسدة.

هذا.

و أما المقام الثاني:

فملخص الكلام فيه:أن اللازم عندنا في مقام إيراد حكم على شي‏ء أن‏

يكون ذلك الحكم تابعا لما في ذلك الفعل من المقتضي إذا كان حقيقيا،لا

ابتلائيا (2) :

فإذا كان هو الوجوب أو الاستحباب:فلا بد حينئذ من مصلحة فيه ملزمة

أو غير ملزمة تقتضي وجوبه أو ندبه.

1)في الأصل:و إيقاعا للمكلف عليها.

2)لم تكن هذه الكلمة في الأصل واضحة،فأثبتناها استظهارا.

159
و إذا كان هي الحرمة أو الكراهة:فلا بد أن يكون فيه مفسدة ملزمة،أو

غير ملزمة تقتضي تحريمه أو كراهته.

و إذا كان هي الإباحة:فلا بد من خلوه مما يقتضي غير الإباحة-من‏

الأحكام الأربعة المذكورة-سواء كان مشتملا على ما يقتضي الإباحة أو خاليا

عن ذلك أيضا.

فغاية ما يلزم من إيراد حكمين متخالفين من الأحكام الخمسة على شي‏ء

اجتماع المصلحة و المفسدة،أو المصلحة و عدم المصلحة،أو المفسدة و عدمها في ذلك‏

الشي‏ء في آن واحد.

لكنه لا يمتنع مع تعدد الجهة-كما هو المفروض في المقام-بل واقع في‏

بعض الأمور الخارجية،كالأدوية و الأغذية و الأشربة،فإن المصلحة و المفسدة

و إن كانتا متضادتين،لكنهما إنما يمتنع اجتماعهما في مورد واحد مع اتفاقهما في‏

الوحدات المعتبرة في التناقض،و كذلك كل منهما مع عدمه‏ (1) و إن كانا نقيضين‏

لكنهما إنما يمتنع اجتماعهما مع اتفاقهما في تلك الوحدات.

و إحدى الجهتين:فيما نحن فيه إنما هي الملحوظة في مقام جعل الحكم‏

الواقعي و إنشائه،و هي جهة ذات الشي‏ء الغير الملحوظة بشي‏ء من وصفي العلم‏

و الجهل.

و أخراهما:إنما هي الجهة الملحوظة في مقام جعل الحكم الظاهري،و هي‏

عنوان سلوك الطريق‏1أو الأمارة الظنين إذا كان الحكم الظاهري من مؤدى‏

1اعلم أنه ربما يتوهم:أنه إذا فرض أن جهة الحكم الظاهري إنما هو عنوان سلوك الطريق-مثلا-

فنقول:إن ذلك العنوان إما أن يكون فيه مصلحة ملزمة،و إما أن يكون فيه مصلحة غير ملزمة،و إما

أن لا يكون فيه مصلحة أصلا.

لا سبيل إلى شي‏ء من هذه الشقوق:

1)في الأصل:مع عدم نفسها.

160
الطرق و الأمارات،أو البناء على طبق الحالة السابقة إذا كان من مقتضى‏

الاستصحاب.

و أما أصالة البراءة:فهي ليست من الإباحة المصطلحة-التي هي أحد

الأحكام الخمسة-بل إنما هي مجرد معذورية المكلف و رفع العقاب عنه على‏

تقدير مخالفة الواقع في مواردها-سواء كانت مأخوذة من العقل أو من النقل-

فإن الأخبار الدالة عليها لا تفيد أزيد من ذلك.

و أما الاحتياط:فهو من الأحكام العقلية،و مقتضاه عدم معذورية المكلف‏

في موارد لزومه-ضد أصالة البراءة-و من المعلوم أن عدم المعذورية ليس حكما

شرعيا.

و أما أصالة التخيير:فهو-أيضا-نظير أصالة البراءة ليست إلا عذرا

في اختيار المكلف في مقام التخيير أيما شاء من الاحتمالين.

أما الأول:فلأنه على تقديره يلزم أن يكون العمل بالطريق واجبا مطلقا في جميع الموارد،فينحصر

الحكم الظاهري في الوجوب و هو باطل.

و أما الثاني:فلأنه لازمه استحباب العمل بالطريق،فيلزمه أن يكون الحكم الظاهري منحصرا في‏

الاستحباب،و هو في البطلان كسابقه.

و أما الثالث:فلأنه على تقديره يستلزم إباحة سلوك الطريق،فيلزمه انحصار الحكم الظاهري في‏

الإباحة،و هذا في البطلان كسابقيه.

و هكذا يتوهم:بالنسبة إلى سلوك الأمارة و العمل على طبق الحالة السابقة.

لكنه مدفوع:بأنا نختار الشق الأول،أعني اشتمال سلوك الطريق على المصلحة الملزمة.

لكن نقول:إن تلك المصلحة لا تقتضي وجوب كل ما قامت الطرق الظاهرية على إفادة حكمه‏

و لو كانت مفيدة لغير الوجوب من سائر الأحكام،حتى ينحصر الحكم الظاهري في الوجوب،بل إنما

هي مقتضي لزوما حكم الشارع في مرحلة الظاهر على طبق مؤديات تلك الطرق،فإن كانت مؤدياتها

هو الوجوب فتقتضي حكمه بوجوب الفعل و إحداث طلب حتمي بالنسبة إليه في مرحلة الظاهر،و إن‏

كانت هي الحرمة فمقتضى حكمه بحرمة الفعل كذلك،و هكذا إلى سائر الأحكام،فلا ينحصر الحكم‏

الظاهري في واحد من الأحكام الخمسة،فلا تغفل.لمحرره عفا اللَّه عنه.


161
ثمّ إنّ المراد بالجهة-في المقام-إنّما هي التقييدية لا التعليلية.

و الفرق بينهما-في المقام-:أنّه على الثاني يلزم ثبوت المصلحة و المفسدة

لذات الفعل-الّذي هو مورد اجتماع الجهتين-أوّلا و بالذات فيما إذا كان الحكم‏

الواقعي و الظاهري مختلفين باعتبار كون أحدهما طلبا لترك الفعل،و الآخر طلبا

لإيجاده،إذ كلّ وصف أو حكم إنّما يقوم بموضوعه لا بعلّته،و إنّما تكون العلّة

واسطة في ثبوته لموضوعه.

هذا بخلاف الأوّل،إذ عليه يثبت كلّ منهما ابتداء لنفس الجهة،و يكون‏

ثبوتهما لمورد اجتماع الجهتين من باب العرض بتوسّط الجهتين،فتكونان واسطتين‏

في العروض،كما أنّهما كانتا واسطتين في الثبوت على التقدير الثاني.

نعم المصلحة و المفسدة يجوز اجتماعهما في مورد مع تعدّد الجهة التعليلية

أيضا.

و الثمرة بين التعليلية و التقييدية يظهر بالنسبة إلى لوازم المفسدة و المصلحة

كما سيأتي.

و كيف كان،فبعد تعدّد موضوعي المصلحة و المفسدة و مورديهما لم يبق‏

محذور من جهة اجتماع الأمر الظاهري و النهي الواقعي أو العكس بالنظر إلى‏

المكلّف به.

فإن قيل:إنّه لا مصلحة و لا مفسدة في المفاهيم،بل إنّما هما-على‏

تقديرهما-ثابتتان للأشخاص الخارجية،كما نشاهده بالعيان و الوجدان،فلا

يصحّ جعل الجهات واسطة في العروض بالنظر إلى ثبوتهما للأشخاص التي منها

مورد اجتماع تلك الجهات،بل هي في مقام اتّصاف الأشخاص و اشتمالها على‏

المفسدة و المصلحة واسطة في الثبوت دائما.

قلنا:سلّمنا أنّه لا مصلحة و لا مفسدة في المفاهيم،لكن نقول:إنّ هذا إنّما

هو في عالم كلّيّها و عالم وجودها الذهني،و أمّا في عالم وجودها الخارجي فلا،و ظهور


162
المصلحة و المفسدة في الأشخاص ليس لأجل كون موضوعهما هي الأشخاص‏

من حيث هي،بل إنّما هو لأجل أنّ الأشخاص ليست إلاّ وجودات تلك المفاهيم‏

في الخارج،فهي عالم الوجود الخارجي لتلك،فالمصلحة و المفسدة في هذا العالم‏

ثابتتان لنفس الطبائع من حيثية وجودها الخارجي بحيث تكون تلك الحيثية

محقّقة لفعليّة الاتّصاف و محصّلة لها.

و الحاصل:أنّهما ثابتتان للطبائع من الحيثية التي هي من تلك الحيثية منشأ

للآثار،و هي حيثية وجودها الخارجي.

هذا مضافا إلى أنّ مورد اجتماع الجهات في المقام-أيضا-قد يكون من المفاهيم،

كما في موارد الشبهة في الحكم الكلّي الواقعي للشي‏ء كما لا يخفى،فلا بدّ لذلك‏

السائل من صرف المصلحة و المفسدة-حينئذ-إلى أشخاصه،فافهم.

و أمّا المقام الثالث:

فتوضيح الحال فيه:أنّ غاية ما يقال فيه:أنّ الحكيم إذا حكم على شي‏ء

بحكم،فلا بدّ أن يتصوّر أولا ذلك الشي‏ء،و يعلم بما فيه من الجهة المقتضية

للحكم من المصلحة و المفسدة،أو خلوّه منهما،أو استوائهما فيه الّذي يقتضي‏ (1) الإباحة،ثمّ يحكم عليه بما تقتضيه تلك الجهة من الأحكام الخمسة،فإذا فرض‏

حكمه على شي‏ء بحكمين،فاللازم منه بالنسبة إليه إنّما هو تعدّد التصوّر على‏

حسب تعدّد الجهة المقتضية لهما و تعدّد العلم.

و من المعلوم أنّه لا تنافي بين التصورين و لا بين العلمين بوجه،فلا يلزم من‏

اجتماع اثنين من تلك الأحكام بالنسبة إليه-أيضا-محذور أصلا.

فإن قيل:إنّ في مقام الحكم واسطة أخرى بين الحكم و بين العلم بالجهة

1)في الأصل:اللذين يقتضيان.

163
المقتضية له،و هي الإرادة أو الكراهة النفسانيّتين‏1أو الرضا بطرفي الفعل‏

و الترك على حدّ سواء،فإنّ الحاكم إذا تصوّر الفعل و تصوّر ما فيه من الجهة:فإن‏

كانت تلك الجهة هي المصلحة الملزمة ينشأ (1) منها في نفسه إرادة حتمية للفعل من‏

المحكوم،ثمّ ينشأ من تلك الإرادة الحكم عليه بالوجوب.

و إن كانت هي المصلحة الغير الملزمة ينشأ (2) منها في نفسه إرادة غير بالغة

إلى مرتبة الحتم بحيث يجتمع مع الرضا بالترك،ثمّ ينشأ من تلك الإرادة الحكم‏

عليه بالاستحباب.

و إن كانت هي المفسدة الملزمة ينشأ (3) منها في نفسه كراهة حتمية للفعل،

ثمّ ينشأ من تلك الكراهة الحكم عليه بالحرمة.

و إن كانت هي المفسدة الغير الملزمة ينشأ (4) منها في نفسه كراهة حتمية للفعل‏

غير بالغة حدّ الحتم،ثم ينشأ منها الحكم عليه بالكراهة و النهي عنه تنزيها.

و إن كانت هي خلوه من المصلحة و المفسدة رأسا أو استواؤهما فيه ينشأ (5)

منها في نفسه الرضا بطرفي الفعل و الترك على حدّ سواء،فينشأ منه الحكم عليه‏

بالإباحة.

و من البديهي عند كلّ أحد-أيضا-ثبوت التضادّ بين الإرادة و الكراهة،

و كذا بين كلّ منهما و بين الرضا بطرفي الفعل و الترك على حدّ سواء،و كذا بين كلّ‏

مرتبة من كلّ منهما و بين المرتبة الأخرى منه،فيلزم من إيراد الحاكم حكمين من‏

1المراد بالإرادة النفسانيّة هو الحبّ للشي‏ء (6) و الشوق المؤكّد إليه و بالكراهة النفسانيّة هو البغض له‏ (7)

لمحرّره عفا اللّه عنه.

1)في الأصل:فينشأ..

2)في الأصل:فينشأ..

3)في الأصل:فينشأ..

4)في الأصل:فينشأ..

5)في الأصل:فينشأ..

6)في الأصل:الحبّ بالشي‏ء.

7)في الأصل:البغض به.

164
تلك الأحكام على شي‏ء واحد اجتماع الضدّين في نفسه.

قلنا:إنّ توسّط الإرادة و الكراهة أو الرضا مسلّم فيما إذا كان الحاكم غير

اللّه-سبحانه و تعالى-،و أما إذا كان هو-سبحانه-فغير معلوم،بل ذهب جمع‏

من محققي المتكلّمين إلى أنّ معنى كونه تعالى مريدا إنّما هو علمه بالأصلح‏

بحال العباد،و الغرض إنّما هو رفع التنافي بين أحكامه.

و على تسليم توسّطها في حقّه تعالى أيضا نقول:إنّها و إن كانت‏

مضادّة،لكنّها كسائر الأمور المضادة إنّما يمتنع اجتماع اثنين منها إذا كان موردهما

متحدا،و أمّا مع تعدّده و تغايره فلا،و مواردهما (1) في محلّ الكلام متعدّدة و متغايرة،

فإنّ متعلّق كلّ منهما إنّما هو العنوان المتضمّن له،فمتعلّق الإرادة و الكراهة بعينه‏

هو متعلّق المصلحة و المفسدة،كما أنّ متعلّق كلّ من الحكمين إنّما هو العنوان‏

المتضمّن للجهة الداعية إليه،فإنّ كلا من المصلحة و المفسدة إنّما تدعوا إلى إرادة

ما تضمّنتها أو كراهته و إلى طلبه أو طلب تركه،و نحن لمّا فرغنا عن تعدّد مورد

المصلحة و المفسدة في المقام السابق،فلا يرد علينا محذور من جهة اجتماع الإرادة

و الكراهة بالنسبة إلى المكلّف-بالكسر-في هذا المقام.

و الحاصل:إنّ الإرادة و الكراهة ناشئتان من المصلحة و المفسدة و تابعتان‏

لهما،و كل واحدة ثابتة لعنوان مغاير للعنوان الّذي ثبتت له الأخرى،و الأمر

و النهي ناشئان عن الإرادة و الكراهة،فيتعلّق كلّ منهما بما نشأ منها (2) ،و يتّحد

موضوعه معه.

فإن قيل:إنّ الأحكام لا بدّ من تعلّقها بفعل المكلّف الاختياري،فإنّها

تابعة للحسن و القبح،و من المعلوم أنّ المتّصف بهما إنّما هو فعله الاختياري،و فعله‏

1)في الأصل:و مواردها.

2)في الأصل:منه.

165
إنّما هو ما يصدر منه،و هو ليس إلاّ الأشخاص و الأفراد،دون العناوين و الوجوه‏

الصادقة عليها،فلو سلّمنا أنّ مورد المصلحة و المفسدة إنّما هو تلك العناوين نمنع‏

من تعلّق الأحكام بها.

و الإرادة و الكراهة-أيضا-لا بدّ من تعلّقهما بفعله الاختياري،إذ لا يعقل‏

إرادة غير فعله منه،و كذا كراهته،فتكون تلك العناوين واسطة لثبوت تلك‏

الأحكام و الإرادة و الكراهة لنفس الأفراد التي منها مورد اجتماعها في محلّ‏

الكلام،و هو صورة مخالفة الحكم الواقعي مع الظاهري،فيلزم اجتماع الإرادة

و الكراهة في الواحد الشخصيّ،و هو مورد الاجتماع.

قلنا:مراد من قال بتبعية الأحكام للحسن و القبح إنّما هو تبعيّتها

للمصالح و المفاسد الثابتتين للأشياء قبل إيراد حكم عليها،و إطلاق الحسن‏

و القبح عليهما شائع،إذ كثيراما يقال‏ (1) للشي‏ء أنّه حسن باعتبار اشتماله على‏

مصلحة،أو أنّه قبيح باعتبار اشتماله على مفسدة،و قد يقال للشي‏ء الواحد أنّه‏

حسن و قبيح باعتبار اشتماله على مصلحة من جهة و على مفسدة من أخرى،و أمّا

الحسن و القبح بمعنى المدح و الذم-كما قد يطلقان عليهما-فلا،بل لا يعقل‏

تبعيتها لهما بهذا المعنى،ضرورة أنّ المدح و الذمّ إنّما هما من آثار الإطاعة

و العصيان،و هما لا يتحقّقان إلاّ بالأمر و النّهي،فكيف يعقل تبعيّة الأمر و النهي لما

لا يتحقّق إلاّ بهما؟!

و بالجملة:الحسن و القبح،-بمعنى المدح و الذمّ-و إن كانا قائمين‏

بالأشخاص دون المفاهيم،لكن تبعيّة الأحكام و ما يلزمها من الإرادة و الكراهة

لهما ممنوع،بل غير معقولة،لما عرفت،و هما-بمعنى المصلحة و المفسدة-و إن كانا

قائمين بالعناوين من حيثية الوجود-كما عرفت سابقا-لكن تبعية الأحكام و ما

1)إضافة يقتضيها السياق.

166
يلزمها لهما غير خفيّ على المتأمّل.

و ما ذكر من أنّ فعل المكلّف ليس إلا الأشخاص ممنوع،بل فعله إنّما

هي نفس الطبيعة،و الأشخاص ليست إلاّ وجوداتها،و بعبارة أخرى:إنّ‏

الأشخاص عين صدور الطبيعة من المكلّف.

و لو سلّمنا نقول:إنّه لا يجب أن تكون الأحكام متعلّقة بفعل المكلّف،

بل يجب تعلّقها بما يكون مقدورا،و من المعلوم ثبوت قدرته على الطبائع باعتبار

تمكّنه ممّا يحصّلها و هي الأفراد.

و الحاصل:أنّ متعلّق الأحكام إنّما هي الطبائع من الحيثية التي هي بها

منشأ للآثار،و هي حيثية وجودها الخارجي الّذي هو عين الأفراد،و ذوات الأفراد

خارجة عن موضوعها،و حيثيتها مأخوذة فيه،و ذلك لأنّ حال الشارع في المقام‏ (1)

حال أحد منّا،و الّذي نجده من أنفسنا في مقام الحكم و الطلب أنّا لا نلاحظ

الأفراد من حيث هي حينئذ بوجه،بل نجد الّذي نطلبه أو نطلب تركه أو نبيحه‏

أمرا وحدانيا،و هو نفس الطبيعة،و لو كان هو الأفراد لوجدناه‏ (2) متعدّدا.

و إن قيل:سلّمنا أنّ الأمر و النهي يتبعان المصلحة و المفسدة دون المدح‏

و الذمّ،و أنّ المصلحة و المفسدة قائمتان بالعنوانين المتغايرين في الذهن،لكن مجرّد

تعدّد موضوعهما و تغايرهما في الذهن لا يجدي في جواز اجتماع الحكمين في مورد

اجتماعهما،إذ بعد فرض تصادفهما فيه تجتمع فيه المصلحة و المفسدة الثابتتان‏

لذينك العنوانين،فحينئذ إن كانت إحداهما أقوى من الأخرى فالحكم الفعلي‏

يستتبع تلك الأقوى و لا تؤثّر الأخرى حينئذ في الحكم الّذي تقتضيه لو لا

مزاحمتها بأقوى منها،فيكون الحال فيه كما في صورة اجتماع عنوان الكذب الّذي‏

1)في الأصل:مقام.

2)في الأصل:لنجده.

167
هو قبيح ذاتا مع عنوان حسن ذاتي أهمّ منه كحفظ نفس أو عرض و نحوهما،

فيكون الحكم الفعلي الواقعي في مقامنا مستتبعا لأقوى الجهتين،فلو كانت هي‏

جهة الحكم الظاهري لانقلب‏ (1) الواقع الأوليّ-واقعا-إلى الظاهري بحيث لا

حكم حينئذ للمكلّف سواه،كما أنّ الكذب المتّحد مع عنوان حفظ النّفس ليس‏

حكمه واقعا إلاّ الوجوب،و إلاّ فلا يقتضي شي‏ء منهما ما (2) كانت تقتضيه من‏

الحكم أصلا،بل الحكم الفعلي حينئذ إنّما هي الإباحة،و ذلك لأن المصلحة

و المفسدة كسائر العلل إذا اجتمعنا في مورد واحد يقع‏ (3) الكسر و الانكسار فيما

بينهما لا محالة،لا بمعنى أنّ إحداهما تنقض الأخرى أو تزيلها رأسا،بل بمعنى‏

أنّهما يتصادمان من حيث التأثير الفعليّ،فإن كانت إحداهما أقوى فهي تغلب‏

الأخرى،و تؤثّر أثرها فعلا،و تبقى الأخرى بلا أثر فعليّ،و إلاّ فلا أثر لشي‏ء

منهما حينئذ،بل يكون المورد كالخالي عن المصلحة و المفسدة من حيث كون‏

حكمه هي الإباحة،فإنّ كل واحدة إذا زوجت بالأخرى تكون كالمعدومة.

فعلى هذا إذا فرض أنّ مقتضى دليل الواقع إنّما هو الوجوب-مثلا-،

و مقتضى دليل إثبات الحكم الظاهري هي الحرمة،فمع فرض كون جهة

الوجوب في مورد الاجتماع أقوى لا بدّ من تخصيص دليل إثبات الحكم‏

الظاهري،و مع فرض كون جهة الحرمة أقوى لا بدّ من تخصيص دليل الواقع‏

بغير تلك الصورة،و مع تساويهما لا بدّ من تخصيص كلا الدليلين.

قلنا:هذا إنّما يلزم بناء على تعلّق الأحكام بالأشخاص التي منها مورد

الاجتماع في محلّ الكلام،دون الطبائع،و قد مرّ عدم المانع من الثاني،بل تعيّنه،

و عليه فمورد الاجتماع غير داخل في شي‏ء من الدليلين أصلا و غير محكوم عليه‏

1)في الأصل:فينقلب.

2)في الأصل:لما.

3)في الأصل:فيقع.

168
بحكم أحد العنوانين،فلا يلزم ما ذكر من المحذور.

نعم يتّصف بحكم كلّ منهما من باب العرض و المجاز.

و إن قيل إنّك سلّمت ثبوت التضادّ بين صفتي الإرادة و الكراهة

النفسيّتين،و إنّما دفعت محذور اجتماعهما بتعدد المتعلّق،لكنه إنّما يجدي مع تعدّد

متعلّقهما في الخارج-أيضا-و مجرّد تعدّدهما في الذهن غير مجد مع فرض‏

تصادفهما في مورد.

و ذلك لأنّه كما يمتنع اجتماع الضدّين،كذلك يمتنع صيرورة شي‏ء واحد

مصداقا لهما،فإنّه-أيضا-آئل إلى الأول كما لا يخفى،فإذا فرض أنّ أحد

العنوانين مراد و الآخر مكروه،فيلزم كون مورد الاجتماع مرادا و مكروها و هو

محال،فيكون ملزومه-أيضا-كذلك.

قلنا:سلّمنا أنّ المراد و المكروه عنوانان متضادّان لكنّ الطبيعتين‏

الموصوفتين بهما لا تتصادقان في مورد الاجتماع مع ثبوت الاتّصاف بهما فعلا،

و ذلك لأنّ معنى الإرادة النفسيّة هو الحبّ للشي‏ء (1) و الشوق المؤكّد إليه،و معنى‏

الكراهة النفسيّة إنّما هو البغض له‏ (2) ،و من المعلوم أنّهما لا يعقل تعلّقهما بالطبائع‏

من حيث هي،بل إنّما تتعلّقان بها من حيثية وجودها الخارجيّ،فإنّهما من مقولة

الطلب،نظير الأمر و النهي،و إنّما الفرق بينهما و بين الأمر و النهي أنّهما طلبان من‏

جانب القلب،و يكون الطالب فيهما هو القلب،و الأمر و النهي طلبان من‏

الشخص،و الطالب فيهما هو،و الطلب إنّما يتعلّق بالشي‏ء من حيثية وجوده‏

الخارجي،و من المعلوم أنّه بمجرّد تحقّق تلك الحيثية لا يعقل بقاؤه،لاستلزام بقائه‏

طلب الحاصل،فالطبيعة المرادة المحبوبة قبل وجودها مرادة و محبوبة،لكنها غير

مجامعة للطبيعة الأخرى المكروهة،و بمجرّد وجودها-و لو في ضمن مورد

1)في الأصل:هو الحبّ بالشي‏ء.

2)في الأصل:هو البغض به.

169
اجتماعهما-ترتفع عنها تلك الصفة،فهي حال اجتماعها مع تلك الطبيعة غير

متّصفة بصفة الإرادة حتى يلزم اجتماع الضدّين.

و بالجملة:الأوصاف:منها ما لا قيام لها بموصوفها إلاّ في عالم الذهن،

كالكلية للمفاهيم،و منها ما لا قيام لها بموصوفها إلاّ في عالم الخارج،كالألوان،

و الحرارة،و البرودة،و الطعوم:كالحلاوة،و الحموضة،و الملوحة،و نحوها.

و الطلب نظير القسم الأول،أو منه،فافهم.

هذا تمام الكلام و كمال النقض و الإبرام في دفع التنافي بين الأحكام‏

الواقعية و الظاهرية،و الحمد للّه رب العالمين،و الصلاة على نبيّه محمّد و آله‏

الطاهرين.

و قد ظهر ممّا ذكرنا:أنّ ما ذكره المصنّف-قدّس سرّه-في وجه الدفع من‏

تعدّد موضوعهما بمجرّده غير مجد،فإنّه إنّما ينفع في رفع محذور اجتماع الضدّين،

لكنه لا يرفع محذوري التكليف بغير المقدور،و تفويت المصلحة على المكلّف،أو

إيقاعه في المفسدة المشار إليهما في المقام الأول من المقامات الثلاثة المتقدّمة،إذ

من المعلوم أنّ تعدّد موضوعهما على تقديره إنّما هو بحسب الذهن،و هو بنفسه لو

كان مصحّحا لإيراد الأمر و النهي على شي‏ء واحد لكان مصحّحا في مسألة

اجتماع الأمر و النهي المعروفة،مع أنّه-قدّس سرّه-لا يلتزم به،فتأمّل‏1.

ثمّ إنّه يتفرّع على ما ذكرنا في المقام الأول-من وجه دفع المحذورين‏

1وجه التأمّل:أن مسألة اجتماع الأمر و النهي مغايرة للمقام من حيث فرض المندوحة للمكلّف في امتثال‏

الأمر فلا يلزم من الأمر ثمّة التكليف بغير المقدور.نعم يلزم من فرض الاجتماع ثمّة طلب غير المقدور

تخييرا،و هو أيضا قبيح كالتكليف بغير المقدور،لكن تعدّد الجهة لو كان مجوّزا للتكليف بغير المقدور

لكان مجوّزا له-أيضا-قطعا،فإنّ قبحه لو لم يكن أخفى من قبح التكليف بغير المقدور لم يكن أجلى‏

منه،فالملتزم بجواز الاجتماع مع لزوم التكليف بغير المقدور لا بد أن يلتزم به مع لزوم طلب الغير المقدور

تخييرا أيضا.لمحرّره عفا اللّه عنه.


170
المشار إليهما-صحّة البناء على وجود الأمر واقعا في مسألة اجتماع الأمر و النهي‏

حال نسيان المكلّف للنهي و غفلته عنه أو عن القضيّة،لجريان الوجه فيه بعينه،

فإنّه حينئذ معذور في مخالفة النهي،فيصحّ توجّه الأمر إليه حينئذ.

فعلى هذا لا حاجة في توجيه صحّة عمله إذا كان عبادة إلى التجشّم‏

لكفاية (1) جهة الأمر،بل المصحّح حينئذ هو وجود نفس الأمر في نفس الأمر

فعلا مع فرض كونه هو الداعي للمكلّف نحو الفعل،فإنّ المفروض اعتقاده‏

لشمول الأمر بالنسبة إلى مورد الاجتماع،فاغتنم.

ثمّ أنّه يمكن دفع محذور اجتماع الضدّين بالنظر إلى المصلحة و المفسدة،

و الإرادة و الكراهة بنحو آخر لم يتعرّض له-دام ظلّه-و هو أن يقال:

إنّه لا يجب أن يكون الداعي للأمر بسلوك الطرق و الأمارات الغير

العلميّة-و كذا الأصول-مصلحة قائمة بنفس السلوك المتّحد مع موضوع‏

الأحكام الواقعية،حتى يتوهم منه لزوم اجتماع الضدّين بالنظر إلى نفس‏

المصلحة و المفسدة،و بالنسبة إلى لوازمها من الإرادة و الكراهة،نظرا إلى اتّحاد

مواردها بالنسبة إلى مورد اجتماع العنوانين،بل يمكن ان يكون ذلك مصلحة

قائمة بنفس الأمر بالسلوك على طبقها،فإنّ الالتزام بالمصلحة-في مقام نصب‏

الطرق و الأمارات و جعل الأصول-إنّما هو لأجل رفع محذور لزوم السفه و العبث‏

في فعل الحكيم،إذ لولاها لزم نقضه لغرضه مع تمكّن المكلّف من تحصيله،و يكفي‏

في رفعه وجود مصلحة في نفس الطلب المتعلّق بالسلوك على طبق الطرق‏

و الأمارات و الأصول،لا في السلوك،و يكفي كونها مجرّد التوسعة على العباد،

فيختلف مورد المصلحة و المفسدة و لوازمهما في الخارج-أيضا-،فلا يلزم الاجتماع‏

بينهما و لا بين لوازمهما بوجه‏ (2) .

1)في الأصل:(إلى التجشم بكفاية).و الأصحّ:إلى تجشّم كفاية...

2)كذا في الأصل،و الأصوب:فلا يلزم اجتماعهما و لا اجتماع لوازمهما بوجه.


171
و أمّا صحة وقوع التسهيل حكمة و صلاحيته لذلك الحكم،فتوضيحه على‏

نحو الاختصار:

أنه لو أراد الشارع من نوع المكلفين-مع تمكنهم من امتثال التكاليف‏

الواقعية علما-امتثالها كذلك،لكان مخالفة تلك التكاليف حينئذ أكثر منها على‏

تقدير أمرهم بامتثالها بالطرق و الأمارات و الأصول،فإن بعضهم و إن لم يكن‏

حاله كذلك،لكن حال أكثرهم كذلك،ضرورة ما نشاهد من صعوبة امتثال تلك‏

التكاليف بالطرق و الأمارات و مشقته على أنفسهم بحيث يخالفون مع ذلك‏

كثيرا من التكاليف الثابتة عليهم،فكيف بامتثالها بطريق القطع؟!بل لو أراد

منهم الشارع امتثالها بطريق العلم لكان أشق عليهم ذلك،و سببا لمخالفتهم أكثر

منها على تقدير امتثالها بالطرق الظاهرية،فإذا كان حالهم كذلك فاللطف‏

يقتضي اختياره لما يكون مخالفته و فوت المصالح الواقعية أقل منهما على تقدير

اختياره لأمر آخر مستلزم لأكثر منهما على تقدير اختياره،فلعل هذا الوجه أظهر

مما اختاره-دام ظله-من التزام مصلحة في نفس السلوك على طبق الطرق‏

و الأصول.

و المصنف-قدس سره-كان في أول زمان تأليف الرسالة مختارا لما اختاره‏

-دام ظله-ثم رجع أخيرا حين قراءتنا عليه مسألة المظنة (1) ،و اختار ذلك،

و ضعف ما اختاره أولا:بأنه نوع من التصويب،فإنه إذا كان عنوان السلوك‏

نفسه متضمنا لمصلحة معادلة لمصلحة الواقع على تقدير فوتها،أو مفسدته على‏

تقدير وقوع المكلف فيها-لسلوكه على طبق الطرق و الأمارات بحيث يتدارك‏

بها هاتيك المفسدة أو تلك المصلحة-فلا يعقل أن يكون شي‏ء منهما مع اتحاد

الفعل المتضمن له مع عنوان السلوك مقتضيا فعليا لما كان يقتضي لو لا اتحاد

1)يريد بها مبحث الظن من(فرائد الأصول)للشيخ الأعظم(قده)المعنون ب(المقصد الثاني في الظن).

172
مورده مع عنوان السلوك،ضرورة أن المفسدة المتداركة في قوة المعدومة،و كذا

المصلحة المتداركة في قوة الحاصلة.

و من البديهي أنه مع عدم المفسدة لا يعقل النهي،و كذا مع وجود البدل‏

لمصلحة فعل لا يعقل الأمر به نفسا،بل لا بد منه تخييرا،و لازم ذلك انتفاء

الخطاب المشترك بين العالم و الجاهل،و هل هذا إلا من التصويب،فإن التصويب‏

و إن لم ينحصر فيه،فإن منه-أيضا-القول بانتفاء المفسدة و المصلحة الواقعيتين‏

في حق الجاهل رأسا الّذي هو خلاف اتفاق الخاصة.

إلا أن الظاهر أن هذا النوع-أيضا-خلاف اتفاقهم،فإن ظاهرهم‏

وجود خطاب مشترك بين العالم و الجاهل،لا مجرد المصلحة و المفسدة.

هذا خلاصة ما أفاده-قدس سره-في مجلس الدرس.

أقول:و يضعفه-أيضا-دوران العقاب في مخالفة الأوامر الظاهرية مدار

مخالفة الواقع،فإن لازم كون نفس عنوان السلوك مشتملا على المصلحة،

و كون تلك المصلحة هي الداعية إلى تلك الأوامر كون الفعل المأمور به بتلك‏

الأوامر واجبا نفسيا،و لازم ذلك كون موافقة تلك الأوامر من حيث هي-و لو لم‏

يكن في مواردها أمر واقعي-امتثالا حقيقة،و منشأ لاستحقاق الثواب على تلك‏

الموافقة من حيث هي موافقة لتلك الأوامر،و كون مخالفتها-من حيث إنها

مخالفتها-معصية موجبة لاستحقاق العقاب على هذه المعصية،و لازم ذلك تعدد

الثواب و العقاب في صورة مصادفة تلك الأوامر للواقع مع موافقتها أو مخالفتها.

فإن قيل:إنه ما معنى ما اشتهر بينهم من(أن من أصاب فله أجران،

و من أخطأ فله أجر واحد).

قلنا:مورده إنما هو الاجتهاد،لا العمل،و كلامنا في الثاني،فلا تغفل.

و الحاصل:أنه لا يتحقق معصية في مخالفة تلك الأوامر حقيقة و لا امتثال‏

و إطاعة في موافقتها كذلك،بل المتحقق إنما هو التجري و الانقياد،فلو كان هناك‏


173
ثواب فإنما هو على مجرد الانقياد،أو عقاب فإنه على مجرد التجري.

و كيف كان،فما اختاره-قدس سره-في كيفية نصب الطرق خال عن‏

الإشكال.

إن قيل:لم يقم إجمال في الأوامر الظاهرية على دوران العقاب مدار مخالفة

الواقع،بل المصرح به في كلمات جمع من الأعلام الخلاف فيه،بل ذهب بعض‏

منهم إلى ثبوت العقاب في مخالفتها و لو لم يصادف مخالفة الواقع،و كيف كان،

فليس عدم العقاب على مخالفة الأوامر الظاهرية أمرا مفروغا عنه حتى يستدل‏

به على ملزومه.

قلنا:هذا الّذي ذكرنا إنما هو بالنظر إلى مخالفة الأوامر الظاهرية من‏

حيث كونها تكاليف شرعية مع قطع النّظر عن ملاحظة اتحاد مخالفتها مع عنوان‏

آخر،و ذلك الخلاف إنما هو في عنوان التجري من حيث أنه تجري على المولى،

فهو غير ما نحن فيه،و يكشف عن مغايرته للمقام جريانه بالنسبة إلى موارد

الطرق العقلية الصرفة،كالقطع،و الظن عند الانسداد،ضرورة أنه لا حكم من‏

الشارع هناك حتى يقتضي الامتثال.

و بعبارة أخرى:كلامنا في المقام في ثبوت العقاب و عدمه بعد الفراغ عن‏

ورود أمر من الشارع في مرحلة الظاهر،و ثمة في حرمة التجري من حيث هو

ذلك العنوان و أن الشارع هل حرمه كسائر المحرمات الواقعية و لو لم يكن‏

للمورد تكليف في الواقع أصلا،و من يدعي حرمته يدعي استحقاق العقاب عليه،

و يحتج به على حرمته شرعا،فلا تغفل.

فإن قيل:إن حاصل ذلك الوجه:أن الأمر على طبق الطرق و الأمارات‏

الغير العلمية أو الأصول،و السلوك على مقتضاها إنما هو لمصلحة في الأمر،لا في‏

المأمور به،فتكون الأوامر الظاهرية-التي ليس في مواردها أمر واقعي-نظير

الأوامر الابتلائية،فلم تكن تلك الأوامر أوامر حقيقية يقصد منها امتثالها من‏


174
حيث هو،و مقتضى ذلك عدم علم المكلف بكونه مكلفا بشي‏ء قامت الطرق،أو

الأمارات على وجوبه،أو على حرمته،أو اقتضى الأصول ذلك،فحينئذ فما

المحرك له نحو الامتثال و السلوك على مقتضاها،فإن الأمر الغير الحقيقي إنما

يكون محركا إذا اعتقد المكلف كونه واقعيا،و أما مع اعتقاده بكونه غير حقيقي‏

-و غير مراد منه الامتثال حقيقة،و أنه لا يلزم منه عقاب على العصيان لذلك،و أن‏

تكليفه حقيقة دائر مدار الواقع-فلا يعقل ذلك،و اللازم باطل،ضرورة علم كل‏

أحد بكونه مكلفا بمجرد قيام واحد من الطرق أو الأصول أو الأمارات على‏

ثبوت تكليف في حقه،فالملزوم مثله.

قلنا:نلتزم بالملزوم،و نمنع بطلان اللازم،فإن غاية ما هنا أنه بمجرد قيام‏

شي‏ء من الأمور المذكورة على تكليف يتحرك المكلف نحو الفعل أو الترك إذا

لم يكن بانيا على العصيان،لكنه ليس لأجل علمه بكونه مكلفا واقعا،بل لأجل‏

احتمال التكليف المحتمل-في موارد تلك الأمور-المنجز عليه على تقديره واقعا،

فإن تلك الأمور و إن لم تحدث في حقه تكليفا حقيقة،لكنها توجب تمامية الحجة

عليه في التكليف الموجود في مواردها على تقديره،بحيث لا يكون المكلف معها

معذورا في مخالفته،فيكون المحرك له نحو الفعل أو الترك هو مجرد احتمال‏

العقاب،هذا،فافهم و اغتنم،و اللَّه العالم بحقائق الأمور.

تنبيه:كل ما ذكرنا في بيان توهم المنافاة بين الأحكام الظاهرية و الواقعية

إنما هو بعد فرض وجود حكم ظاهري و واقعي،فيختص مورده بموارد الطرق‏

الشرعية،فإن الطرق العقلية لا توجب حدوث حكم من الشارع في مرحلة

الظاهر على طبق مؤداها حتى يقال:إنه ينافي الحكم الواقعي المخالف له،أو لا

ينافي،بل غاية ما يترتب عليها إنما هو مجرد معذورية المكلف و رفع العقاب‏

عنه.

ثم إنه بعد ما ظهر عدم المنافاة بين الأحكام الظاهرية و الواقعية،ظهر


175
لك أنه لا تعارض بين الأدلة الاجتهادية الكاشفة عن الأحكام الواقعية و بين‏

الأصول العملية المقتضية لخلاف مؤداها.

ثم إن كل دليلين غير متعارضين إن لم يكن الحكم المدلول عليه بأحدهما

مترتبا على الجهل بالحكم المدلول عليه بالآخر،فالمكلف مكلف في جميع الحالات‏

بالعمل بمؤدى كليهما و إلا-بأن يكون الجهل بأحد الحكمين مأخوذا في‏

الموضوع الآخر-فالمكلف لا يكلف في شي‏ء من الحالات إلا بالعمل بمقتضى‏

أحدهما الّذي علم به،فإنه حينئذ:

إن كان جاهلا بكليهما معا،فهو غير مكلف بشي‏ء منهما،بل له حكم‏

ثالث.

و إن كان عالما بأحدهما:فإن كان ذلك هو الحكم الّذي قد أخذ الجهل‏

به موضوعا للحكم الآخر،فلا يبقى مورد للآخر حينئذ أصلا لارتفاع موضوعه‏

بالعلم،و في حكمه ما إذا دل دليل غير علمي معتبر على ثبوتا ذلك الحكم فإنه‏

و إن كان لا يرفع موضوع الحكم الآخر،إلا أنه رافع له من باب حكومة دليل‏

اعتباره على الدليل المثبت لذلك الحكم الآخر.

و إن كان هو الحكم الّذي قد أخذ في موضوعه الجهل فهو معذور في‏

الحكم الاخر و غير مكلف به حينئذ أصلا.

و من هنا ظهر أن وجه ورود الأدلة على الأصول إن كانت علمية،أو

حكومتها عليها إن كانت ظنية،إنما هو أخذ الجهل بالأحكام الواقعية-التي‏

هي مؤديات الأدلة-في موضوع الأصول،فيكون ورودها أو حكومتها عليها

مترتبا على ذلك.

و ظاهر كلام المصنف(قده)-حيث إنه بعد بيان عدم المنافاة بين الأحكام‏


176
الظاهرية و الواقعية قال:(فحينئذ الدليل المفروض‏1...إلى آخره) (1) -أنه يترتب‏

على عدم المنافاة بينهما،فإن كلمة(فاء)ظاهرة في التفريع على ما سبق،و قد

عرفت عدم استقامة ذلك بأن مجرد عدم المنافاة بين الدليلين لا يقتضي بورود

أحدهما على الآخر أو بحكومته عليه.

لكن مقصوده-قدس سره-ما ذكرنا،نظرا إلى تعليله ما ذكره بقوله‏

-بعد ذلك-:(لأنه إنما اقتضى حلية مجهول الحكم)2،فما أراده-قدس سره-

حسن،لكن صدر العبارة ليس بجيدة3،و لو كان بعده كلمة(الواو)مكان(الفاء)

لكان حسنا.

و يمكن تصحيح إيراد(الفاء)المشعر بالتفريع:بأن ورود دليل على دليل‏

آخر،أو حكومته عليه مبني على أمرين:

أحدهما:عدم التعارض بينهما.

أحدهما:عدم التعارض بينهما.

و ثانيهما:كون الجهل بالحكم-المدلول عليه بذلك الدليل الحاكم أو

الوارد-موضوعا للحكم المدلول عليه بالدليل الآخر،فيكون الورود أو

1الموجود في الطبعات المتوفرة لدينا هكذا:«...مجهول الحكم و الدليل المفروض ان كان....»،

و يبدو أن نسخته قدس سره كانت على ما ذكر.

انظر:طبعة الوجداني:410،طبعة جماعة المدرسين(النوراني):2:750،و طبعة المصطفوي‏

431.

2المناقشة هذه إنما ترد بناء على نسخة المصنف قدس سره،و أما على الطبعات المتوفرة لدينا

فلا،لما تقدم في الهامش رقم(1).

3حكمه بعدم جودة صدر العبارة يتضح من الهامش الأول و الثالث و هو مناسب‏

لنسخة الرسائل التي اعتمدها المحرر(ره)و التي نقل منها العبارة السابقة:(فحينئذ..).

-و الظاهر انها نسخة غير مصححة-و أما نسخة وجداني و النوراني و مصطفوي فلا خلل فيهما

فلاحظهما.

1)فرائد الأصول 2:750.

177
الحكومة متوقفا و متفرعا على عدم التعارض في الجملة،و هذا المقدار منه مصحح‏

لإيراد كلمة(الفاء)،فافهم.

ميزان الحكومة و الورود

ثم إنه لما كان المأخوذ في موضوع الأصول العملية هو الجهل بحكم‏

الواقعة في الواقع-إما من جهة الشبهة في نفس الحكم الكلي الواقعي،أو من‏

جهة الشبهة في مصداقية المورد لموضوعه كما أشرنا إليه-فلازم ذلك أنه إذا قام‏

طريق قطعي-على نفس الحكم،أو على تعيين المصداق-يكون ذلك الطريق‏

واردا على الأصول الجارية في المورد لولاه،لكونه بمجرده رافعا لموضوعها

حقيقة،فلا يعقل التعارض بينه و بينها بوجه.

و أما إذا قام طريق ظني-من دليل أو أمارة ظنيين،إما من جهة ظنية

دلالتهما،أو من جهة ظنية السند في الأول أو الصدق في الثاني،أعني الأمارة-

ففي وروده أو حكومته عليهما أو تعارضهما وجوه،و توضيحها يتوقف على بيان‏

ميزاني الورود و الحكومة أولا،ثم بيان الوجوه المتصورة في كيفية اعتبار ذلك‏

الطريق الظني،و في كيفية اعتبار الأصول الشرعية العملية،و أن الظاهر من أدلة

اعتبارهما ما ذا؟

فاعلم أن ميزان الورود:أن يكون الطريق الوارد بحيث يرفع موضوع‏

المورود عليه،و يخرج مورده حقيقة عن كون مصداقا لموضوع المورود عليه-كما

أشير إليه-و ذلك بأن يكون بنفسه رافعا للشك حقيقة.

و أما ميزان الحكومة:فأحسن ما يقال فيه:أن يكون الحاكم-أولا

و بالذات و بنفسه‏1-مفسرا للمراد من المحكوم عليه،و مبينا لكمية مدلوله،لكنه‏

غير رافع لموضوعه،بل هو مع وجود الحاكم صادق على المورد-أيضا-و إنما

1قولنا:(بنفسه)إنما عدلنا إلى ذلك،و لم نقل:(بلفظه)كما صنع المصنف-قدس سره-،لأن الحاكم قد


178
الحاكم أوجب رفع الحكم المعلق عليه عن المورد.

و المراد من كونه مفسرا له أولا:أنه يكون بحيث لا يفهم التنافي بينه و بين‏

المحكوم عليه من أول النّظر،بل يكون كالقرائن المتصلة من حيث كونه موجبا

لظهور المحكوم عليه في اختصاص الحكم الّذي تضمنه بغير مورد الحاكم ابتداء.

و بعبارة أخرى:ميزانه أن يكون بحيث يوجب ظهور المحكوم عليه في‏

إرادة اختصاص الحاكم المعلق على الموضوع المذكور فيه بغير مورد الحاكم مع‏

صدق ذلك الموضوع على ذلك المورد بنفسه،و ذلك بأن يكون ذلك الدليل الحاكم‏

بمنزلة قول المتكلم،أعني غير هذا المورد.

و من هنا ظهر الفرق بينه و بين المخصص المنفصل،فإنه ليس بحيث‏

يوجب ظهور العام في اختصاص الحكم المعلق عليه بغير مورد التخصيص،بل‏

العام معه-أيضا-ظاهر في تعميم الحكم بالنسبة إلى ذلك المورد،و إنما يقدم‏

الخاصّ لترجيح ظهوره على ظهور العام،فالعام و الخاصّ متعارضان إلا أن‏

الترجيح للخاص،فيقدم عليه ذلك.

بخلاف الحاكم و المحكوم عليه،فإن المحكوم عليه لا ظهور له في عموم‏

الحكم بالنسبة إلى مورد الحاكم حتى يتعارضا،بل ظاهر في اختصاصه بغير ذلك‏

المورد

و تظهر الثمرة بينهما في الدليلين الظاهرين،فإنه على تقدير كون أحدهما

حاكما على الآخر،فيقدم على الآخر،و لو كان من أضعف الظنون المعتبرة،و لا

يقدم عليه الآخر أبدا،إلا أن تعارض الحاكم و تزاحمه قرينة أخرى غير المحكوم‏

يكون دليلا لبيا،فلا يشمله اللفظ،و من هنا ظهر أن إيراده-قدس سره-(قوله):(بلفظ)لا يستقيم.

لمحرره عفا اللَّه عنه.


179
عليه،فإذا زاحمه أمر آخر يلاحظ (1) أحكام التعارض بينه و بين ذلك الأمر،لا

بينه و بين المحكوم عليه.

هذا بخلاف الخاصّ في مقام التخصيص،فإنه لا يقتضي بمجرده تقديمه‏

على العام،بل يدور ذلك مدار رجحان ظهوره على ظهور العام،فربما يكون‏

ظهور العام أقوى من ظهوره‏1،فينعكس فيه الأمر.

و الحاصل:أن الحاكم من حيث هو مقدم على المحكوم عليه كذلك دائما،

بخلاف الخاصّ،فإنه لا يقدم على العام من حيث هو،بل بملاحظة رجحان‏

ظهوره على ظهوره،فعليه يدور مدار تقديمه عليه.

و السر في ذلك:ما مر من أن الحاكم مع ظهوره مفسر للمحكوم عليه،

و موجب لظهور المحكوم عليه في اختصاص الحكم الّذي تضمنه بغير مورده،

فيدور تقديمه عليه مدار بقاء ظهوره من دون توقف على أمر آخر.

بخلاف الخاصّ،فإنه بمجرد ظهوره لا يوجب صرف العام،حتى يكون‏

بنفسه مقدما عليه،بل مع رجحان ظهوره-أيضا-لا يوجب صرفه،و إنما يوجب‏

ذلك تقديم ظهوره على ظهوره.

هذا،ثم إن ما ذكره المصنف-قدس سره-من ميزان الحكومة-من كون‏

الحاكم على وجه لو فرض عدم ورود المحكوم عليه لكان لغوا خاليا من‏

المورد-،فيه ما لا يخفى على من له دقة النّظر،إذ لا يخفى أن أدلة اعتبار الأدلة

الاجتهادية بأسرها حاكمة على أدلة اعتبار الأصول العملية الشرعية كما اختاره‏

-قدس سره-و سيأتي توضيحه أيضا،مع أنه ليس شي‏ء منها بحيث لو فرض‏

عدم دليل على اعتبار الأصول الشرعية العملية لكان لغوا خاليا عن الفائدة،

1كما في العمومات الآبية عن التخصيص.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل،فيلاحظ.

180
بل لها فائدة أخرى غير بيان كمية مدلول أدلة اعتبار الأصول الشرعية العملية

-أيضا-و هي ورودها على الأصول العقلية المحكمة في المورد قبل الأصول‏

الشرعية.

و كأنه قدس سره-زعم أن الحاكم لا بد أن يكون الغرض منه مجرد

التفسير و البيان لدليل آخر،فلذا يكون لغوا لولاه.

لكنه كما ترى،بل مدار الحكومة على كون الحاكم على وجه يصلح لأن‏

يكون بيانا و مفسرا لدليل آخر على خلافه على تقدير ذلك الدليل و لو كان‏

الغرض منه غير تفسير ذلك الدليل أيضا.

نعم اتصافه فعلا بذلك العنوان يتوقف على وجود ذلك الدليل.

ثم إن ما ذكره-من لغوية دليل النافي لحكم الشك في النافلة،أو مع كثرة

الشك و غير ذلك لو لا الأدلة المثبتة لحكم الشك-.

ففيه أنه بدون تلك الأدلة و إن كان حكم الشك منفيا عن النافلة،أو مع‏

كثرة الشك بحكم العقل بالبراءة،كنفيه به حينئذ عن غير ذلك المورد-أيضا-

من غير احتياج في نفيه إلى ذلك الدليل أصلا،لكن ليس كل ما لا يحتاج إليه‏

يكون الإتيان به لغوا،إذ ربما تكون له فائدة أخرى غير التفسير و البيان،

فيحسن الإتيان به،و أقلها تأييد حكم العقل و تعاضده بالنقل،و هو حاصل في‏

المثال المذكور،فلا وجه للحكم باللغوية على تقدير انتفاء تلك الأدلة،فافهم.

هذا كله في بيان ميزاني الورود و الحكومة.

الوجوه المتصورة في اعتبار الأصول‏

أما الوجوه المتصورة في كيفية اعتبار الطرق و الأمارات الظنية فأربعة:

أحدها:أن يكون اعتبارها على وجه السببية واقعا،بأن يراد من أدلة

اعتبارها علية قيامها لوجوب البناء على مقتضاها و العمل على طبقها.

و ثانيها:أن يكون اعتبارها على وجه السببية ظاهرا،بأن يراد من تلك‏

الأدلة عليتها في مرحلة الظاهر لإحداث حكم بالعمل على طبقها.


181
و الفرق بينه و بين الأول:تحقّق الإطاعة و العصيان الواقعيّتين بمجرّد

إيقاع العمل على طبقها أو عدم إيقاعه إذا كانت متضمنة لتكليف على الأول‏

مطلقا،و على الثاني إذا صادفت تكليفا واقعيا لا مطلقا،بحيث تكون مخالفتها

-فيما إذا لم يكن في مواردها-مجرد تجر.

و ثالثها:أن يكون اعتبارها على وجه الطريقية بالنسبة إلى نفي الاحتمال‏

المخالف لها فحسب،بأن يراد من تلك الأدلة أنه لا يعبأ بالاحتمال المخالف‏

لمؤديات تلك الطرق و الأمارات،فيكون نفس الاحتمال الموافق لها كالمسكوت‏

عنه،لعدم كونها دليلا عليه حينئذ.

و رابعها:أن يكون اعتبارها على وجه الطريقية في تمام مؤداها و كونها منزلة

منزلة العلم،بأن يراد من تلك الأدلة جعل مؤداها بمنزلة المتيقن و جعل الاحتمال‏

المخالف لها بمنزلة العدم.

و أما الوجوه المتصورة في كيفية اعتبار الأصول-أيضا-أربعة بالنظر

إلى الشك المأخوذ في موضوعها و إلى العلم الّذي جعل غاية لارتفاعها في أدلة

اعتبارها.

أحدها:أن يكون المراد بالشك في أدلة اعتبارها هو الجهل المقابل للعلم،

و كان المراد بالعلم هو صفة القطع.

و ثانيها:الوجه الأول بحاله بالنظر إلى الشك مع كون المراد بالعلم في‏

الأدلة هو مطلق الطريق الشامل لغير العلم من الظنون المعتبرة،بأن يكون‏

المراد به هو مطلق الحجة على خلاف الأصول.

و ثالثها:أن يكون المراد بالعلم هو صفة القطع،لكن يكون المراد بالشك‏

هو التحير في مقام العمل.

و رابعها:أن يكون المراد بالشك عدم الحجة،و بالعلم مطلق الحجة.

فإذا عرفت ذلك كله فاعلم:أنه إن كان اعتبار الطرق و الأمارات على‏


182
الوجه الأول من الوجوه الأربعة المتقدمة:فهي و إرادة على الأصول الشرعية

العملية بجميع الوجوه المتصورة في اعتبارها،فإن حكم الواقعة-المفروض‏

الشك في حكمها-و إن لم يعلم بمجرد قيام دليل أو أمارة ظنيين،لكن قيامهما

يوجب حدوث تكليف آخر واقعي معلوم بإيقاع العمل على طبقهما،فلا مجرى‏

للأصول أصلا بالنسبة إلى هذا التكليف،بل يرتفع موضوعها و هو الشك بكلا

المعنيين فيه بمجرد قيامهما في المورد.

و إن كان اعتبارها على الوجه الثاني:يقع‏ (1) التعارض بينها و بين الأصول‏

بجميع الوجوه المتصورة في اعتبارها-أيضا-إذ حينئذ كل منهما يقتضي حكما

ظاهريا مأخوذا فيه الجهل بحكم الواقعة،و لا يوجب شي‏ء منهما تبيين الواقع،

حتى يكون واردا على الآخر،و لا منزلا منزلة العلم،حتى يكون حاكما عليه،

فلا بد حينئذ من ملاحظة الترجيح بين أدلة اعتبار الطرق و الأمارات و بين أدلة

اعتبار الأصول،و مع فقده يرجع إلى الأحكام المقررة لصورة تكافؤ الدليلين.

و إن كان اعتبارها على أحد الوجهين الأخيرين من الوجوه الأربعة

المتقدمة فحينئذ:

إن كان اعتبار الأصول على الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة:تكون‏ (2)

الطرق و الأمارات-بمقتضى أدلة اعتبارها المنزلة لهما بالنسبة إلى نفي الاحتمال‏

المخالف لهما الموافق للأصول-حاكمتين على الأصول لكونهما رافعتين للأصول‏

مع صدق موضوعها-و هو عدم العلم-على المورد.

و إن كان اعتبارها على الوجه الثالث و الرابع:فهما واردتان عليها،لأن‏

موضوعها-و هو التحير في العمل و عدم الحجة-يرتفع بمجرد قيامهما،إذ مع‏

1)في الأصل:فيقع.

2)في الأصل:فتكون.

183
واحد منهما لا تحير في مقام العمل.

و إن كان اعتبارها على الوجه الأول:فهما حاكمتان عليها،فإنها و إن لم‏

يرفعا موضوعها،إلا انهما رافعتان لحكمها بمقتضى أدلة اعتبارهما،فإن حكم‏

الشارع بالبناء على عدم الاحتمال المخالف لمؤداهما معناه رفع الحكم الظاهري‏

المجعول منه لذلك الاحتمال في موردهما،فيكون قوله:(صدق العادل في خبره‏

أو البينة)-مثلا-تفسيرا لقوله:«لا تنقض اليقين بالشك» (1) ،و قوله:«كل شي‏ء

طاهر حتى تعلم أنه قذر» (2) و قوله:«كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام منه‏

بعينه» (3) ،و غير ذلك.

و مبنى الحكومة في الوجه الأول على تنزيل الشارع لهما مقام العلم من دون‏

تصرف في أدلة اعتبار الأصول أصلا.

و مبناها في الوجه الثالث على جعل تلك الأدلة قرينة صارفة للعلم المأخوذ

غاية في أدلة اعتبار الأصول إلى الأعم من صفة القطع.

و مبنى الورود في الوجه الثالث على جعل تلك الأدلة قرينة صارفة للشك‏

المأخوذ في أدلة اعتبار الأصول إلى الأخص من ظاهره،حيث إن ظاهره مطلق‏

الجهل المقابل للعلم،و الشك المقرون بالتحير في مقام العمل قسم منه،و إن شئت‏

فعبر عنه بالشك فيما يصنع حال الجهل.

1)الوسائل 2:1053،كتاب الطهارة،باب:37 من أبواب النجاسات،ح:1،و الوسائل 1:

174-175،كتاب الطهارة،باب:1 من أبواب نواقض الوضوء ح:1،و ما في المتن قريب من الثاني.

2)الوسائل 2:1054،كتاب الطهارة،باب:37 من أبواب النجاسات،ح:4،لكن ورد الحديث فيه‏

هكذا:«كل شي‏ء نظيف..»،و ورود في الوسائل 1:106 كتاب الطهارة باب:4 من أبواب الماء المطلق‏

ح:2 هكذا:«الماء كله طاهر..».

3)لم تعثر على نصّ هذا الحديث،و إنما عثرنا على نظائره في الوسائل 12:59 كتاب التجارة،باب:4

من أبواب ما يكتسب به،ح:1،و ج:17-90-92 كتاب الأطعمة و الأشربة-باب:61 من أبواب‏

الأطعمة المباحة ح:1 و 7.


184
و مبناه في الفرض الرابع على جعل تلك الأدلة صارفة للشك إلى الأخص‏

و للعلم إلى الأعم منه.

و مبناه في الفرض الأول-من فروض اعتبار الطرق و الأمارات-على‏

ظهور أدلة اعتبارها في السببية من غير تصرف في أدلة اعتبار الأصول أصلا.

هذا.

و التحقيق:أن كل واحد من التعارض و الورود و الحكومة-على تقديره-

إنما هو بين أدلة اعتبار الطرق و الأمارات و بين أدلة اعتبار الأصول،لا بين ذات‏

الطرق و الأمارات و بين نفس الأصول.

أما على تقدير الحكومة:فلأن المفسر،إنما هو أدلة اعتبار الطرق‏

و الأمارات،و المفسر-بالفتح-إنما هو أدلة اعتبار الأصول،دون نفس الطرق‏

و الأمارات و الأصول.

و أما على تقدير الورود:فلأن الرافع للشك حقيقة إنما هو أدلة اعتبار

الطرق و الأمارات،لا أنفسهما كما لا يخفى،فلا يصدق تعريف(الوارد)إلا

عليها.

و أما على تقدير التعارض:فلأنه لو فرض وجود طريق أو أمارة مع فرض‏

عدم اعتباره،أو أصل كذلك-مثلا-فمن المعلوم عدم التعارض بينه و بين‏

الطرف الآخر المفروض اعتباره،فإنه بوجوده لا يمنع من العمل به،بل إنما

يمنع منه بواسطة اعتباره،و المفروض أن اعتباره كل من الطرق و الأمارات‏

و الأصول إنما هو بأدلة اعتبارها،فالتعارض حقيقة بين تلك الأدلة.

و تقديم الطرق و الأمارات على الأصول ليس لأجل ورودها أو حكومتها

على الأصول،بل لأجل ورود أدلة اعتبارها أو حكومتها على أدلة اعتبار

الأصول،و تقديم أدلة اعتبارها إنما هو بتقديم ما قامت هي على اعتبارها،و هي‏

الطرق و الأمارات.


185
و بعبارة أخرى:لا بد من تقديم أدلة اعتبارها على أدلة اعتبار الأصول‏

على تقدير حكومتها أو ورودها عليها،و تقديمها عبارة عن العمل على طبقها

و الأخذ بمؤداهما،و طرح مؤدى أدلة اعتبار الأصول،و العمل على طبقها عنوان‏

منطبق على العمل بتلك الأدلة الخاصة و الأمارات في الموارد الخاصة مقابل‏

الأصول الجارية فيها لو لا تلك الأدلة و الأمارات.

نعم قد يوجد من الأدلة و الأمارات ما يكون هو بنفسه واردا على الأصل‏

الجاري في المورد لولاه،كجميع الأدلة و الأمارات المفيدة للقطع،و أما الأدلة

و الأمارات الغير العلمية فليس الوارد-على تقدير الورود-إلا دليل اعتبارها،

و كلامنا إنما هو فيها.

و قد يوجد منها-أيضا-ما يكون حاكما على في بعض الموارد الخاصة،

كأدلة الشكوك-في الصلاة الرباعية-الدالة على البناء على الأكثر في مقابل‏

الاستصحاب-المقتضي للبناء على الأقل-إذا فرض كون تلك الأدلة قطعية

سندا و دلالة،إذ لو فرض ظنيتها من إحدى الجهتين يكون الحاكم حينئذ حقيقة

هو دليل اعتبار السند أو الدلالة،كما أنه قد يكون بعض الأدلة الاجتهادية

الظنية حاكمة على البعض الآخر،كالأدلة النافية لحكم الشك-مع كثرة الشك،

أو مع حفظ الإمام أو المأموم،أو غير ذلك-الحاكمة على أدلة الشكوك‏1.

لكن كلامنا في كلية الطرق و الأمارات الظنية بالنسبة إلى كلية الأصول‏

و توضيح الحال بالنظر إليهما،لا في استيفاء جميع مصاديق الوارد و الحاكم.

و كيف كان،فقد ظهر مما ذكرنا ما في كلام المصنف-قدس سره-من‏

1اعلم أنه قد تتحقق الحكومة بين نفس أدلة اعتبار الأصول بعضها مع بعض،فإن أدلة اعتبار

الاستصحاب حاكمة على أدلة اعتبار سائر الأصول من أصالتي البراءة و الاحتياط و غيرهما،و قد

تتحقق بين نفس أدلة اعتبار الأمارات بعضها مع بعض،فإن أدلة اعتبار البينة حاكمة على أدلة اعتبار

اليد و السوق،لمحرره عفا اللَّه عنه.


186
جعل الحكومة بين نفس الأدلة و نفس الأصول.

نعم جعله الورود بين أنفسهما-حيث إنه فرض الدليل قطعيا من جميع‏

الجهات-في محله،حيث إن الأدلة القطعية بنفسها رافعة للشك من غير حاجة

إلى دليل اعتبار أصلا،لأن القطع منجعل في نفسه.

ثم إن الظاهر من أدلة اعتبار الطرق و الأمارات الظنية إنما هو اعتبارها

على الوجه الرابع من الوجوه الأربعة المتصورة المتقدمة فيها1.

نعم لا تظهر الثمرة بين اعتبارها على ذلك الوجه و بين اعتبارها على‏

الوجه الثالث من تلك الوجوه من حيث الورود و الحكومة على الأصول،فإن‏

الملحوظ فيهما إنما هو الاحتمال المخالف للطرق و الأمارات الموافق للأصول.

و إنما تظهر الثمرة بينهما من جهة أخرى،و هي كون الطرق و الأمارات‏

دليلا في إثبات الاحتمال الموافق لها على وجه تعارض ما يدل على نفي ذلك‏

الاحتمال-بناء على اعتبارها على الوجه الرابع-و عدم كونها دليلا،فلا تصلح‏

لمعارضة ما يدل على نفي ذلك الاحتمال بناء على اعتبارها على الوجه الثالث.

و أما الأصول العملية فهي مختلفة.

فإن الظاهر من أدلة اعتبار الاستصحاب اعتباره على الوجه الأول من‏

الوجوه المتقدمة فيها،كما لا يخفى.

و أما أصالة البراءة فهي و إن كان ظاهر بعض أدلتها اعتبارها على ذلك‏

الوجه،لكن التأمل في مجموع الأدلة يقضي باعتبارها على الوجه الرابع.

و أما التخيير فهو من باب العقل،و الكلام في الأصول الشرعية،و إن‏

1من غير فرق في الطرق بين اعتبارها من حيث الصدور إذا كان الصدور ظنيا،أو من حيث الدلالة

إذا كانت الدلالة كذلك،أو من حيث وجه الصدور إذا كان هو كذلك،فإن أدلة اعتبار السند و أدلة

اعتبار الأصول اللفظية التي هي المنشأ للظهور،و كذا أدلة اعتبار أصالة كون المتكلم في مقام بيان‏

الواقع كلها خاصة بذلك.لمحرره عفا اللَّه عنه.


187
شئت الإشارة إلى كيفية اعتباره عقلا،فاعلم أن موضوعه إنما هو التحير،و غايته‏

رفعه،فيكون اعتباره على الوجه الرابع،كاعتبار أصالة البراءة من باب التعبد،

بل و من باب العقل أيضا.

نعم التخيير في الخبرين المتعارضين شرعي،و الظاهر أن اعتباره-أيضا-

على الوجه الرابع،فتكون أدلة التراجيح واردة عليها (1) مطلقا1،فيكون حاله‏

بالنسبة إلى تلك الأدلة حال القرعة في الموضوعات بالنسبة إلى الأمارات من‏

حيث وجه الاعتبار و كونه مورودا عليه‏ (2) .

و أما أصالة الاحتياط فالظاهر أنها-أيضا-كأصالة البراءة-سواء كان‏

مدركها الأخبار أو العقل-فإن مدركها2مطلقا إنما هو عدم الحجة للمكلف في‏

ترك الموافقة القطعية.

و بالجملة:فعل ما استظهرنا فأدلة اعتبار الطرق و الأمارات حاكمة على‏

الاستصحاب،و واردة على أصالة البراءة و الاحتياط،و وجهه قد علم مما سبق،

فلا نطيل الكلام بإعادته.

لا يقال:إنه لو كان أدلة اعتبار تلك الأصول قطعية الصدور فتكون‏ (3)

أدلة اعتبار الطرق و الأمارات مفسرة لها و رافعة لحكمها عن صورة قيام دليل أو

أمارة غير علميين.

و أما إذا كانت تلك الأدلة أيضا-كنفس الأدلة الاجتهادية-ظنية فلا،

1سواء كانت قطعية أو ظنية.لمحرره عفا اللَّه عنه.

2كذا في الأصل،لكن الظاهر أن عدم الحجة المذكور أعلاه هو موضوع أصالتي البراءة و الاحتياط أو

جزء موضوعهما،لأن عدم الحجة يعني الشك في التكليف.

1)الظاهر أن مرجع الضمير في(عليها)إلى أدلة التخيير الشرعي،و هو مفهوم من السياق.

2)مرجع الضمير في(عليه)-و كذا في(حاله)-إلى التخيير،و المراد أدلته.

3)كذا في الأصل،و الصحيح:لكانت.

188
فإنها حينئذ إنما تثبت تلك الأصول بملاحظة اعتبارها بمقتضى أدلة اعتبار قول‏

العادل،فإن قوله عليه السلام:«لا تنقض اليقين بالشك» (1) -على تقدير

ظنية صدوره إنما يقوم دليلا على اعتبار الاستصحاب بالنظر إلى شمول قوله:

(صدق العادل)له الّذي هو مستند اعتبار الأخبار الظنية الصدور المتضمنة لبيان‏

الأحكام الواقعية،المخالفة لمقتضى الاستصحاب،فهو في عرض تلك الأخبار،

فكيف تقدم هي عليه في مورد المخالفة؟!فإن معنى تصديق العادل-في قوله:

قال الصادق عليه السلام:«لا تنقض اليقين بالشك»-وجوب البناء على‏

عدم احتمال عدم صوره منه عليه السلام و فرضه كمقطوع الصدور،كما أن‏

قوله:صدق العادل-في قوله:قال الصادق عليه السلام:«تجب السورة» (2) -

معناه ذلك،فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر،لعدم اقتضاء دليل اعتبار

صدورهما ذلك،بل نسبته إلى كل منهما كنسبته إلى الآخر.

مع أنه يلزم-على تقدير تقديم قوله:«تجب السورة»على قوله:«لا تنقض‏

اليقين بالشك»-التبعيض في الصدور،إذ من المعلوم أن(ما) (3) و ما تقدمه عليه إنما

تقدمه في مورد مخالفته للأدلة الاجتهادية،و أما في صورة عدم دليل اجتهادي‏

فيعمل به،و هو كما ترى.

لأنا نقول:إنا لا تقدم صدور أحدهما على صدور الآخر،بل نحكم‏

-بمقتضى دليل الصدور بصدور كليهما و فرضهما كمقطوعي الصدور،إلا أنا نقدم‏

1)الوسائل 1:174-175،كتاب الطهارة،باب:1 من أبواب نواقض الوضوء ح:1،مع اختلاف يسير.

2)الظاهر أن هذا مضمون أحاديث،راجع الوسائل 4:736-737،كتاب الصلاة،باب:4 من‏

أبواب القراءة في الصلاة،و الاستبصار 1:314-315 باب:173(أنه لا يقرأ في الفريضة بأقل من‏

سورة و لا بأكثر منها)ح:8.

3)في الأصل:من.

189
أحدهما على الآخر من حيث الدلالة،و دليل اعتبار دلالتيهما و ظهوريهما و إن كان‏

-أيضا-متحدا،إلا أنه يقتضي جعل كل ظهور طريقا إلى مؤداه،و جعل احتمال‏

خلافه بمنزلة العدم في عدم ترتب حكم المجعول له مع فقد ذلك الظهور عند

وجوده.

و من المعلوم أن مقتضى قوله:«لا تنقض اليقين بالشك»ليس إلا أنه‏

جعل لاحتمال بقاء الحالة السابقة حكما ظاهريا،و هو البناء على بقائه،و مقتضى‏

قوله عليه السلام:«تجب السورة»وجوبها واقعا،و احتمال خلافه إنما هو

عدم وجوبها الّذي هو مقتضى الاستصحاب،و حكم الشارع بحجية ظهوره عدم‏

اعتنائه بذلك الاحتمال،فيكون ذلك في معنى(أني لا أريد ذلك الحكم الظاهري‏

المجعول له عند وجود ذلك الظهور)،فيكون نفس دليل اعتبار ظهوريهما مفسرا

للمراد من قوله:«لا تنقض اليقين».

فالحكومة بينهما إنما هي بالنظر إلى دلالتهما،و التبعيض إنما هو بالنسبة

إليها،لا بالنسبة إلى الصدور.

و بعبارة أخرى:دليل اعتبار ذينك الظهورين يقتضي عدم اعتناء

الشارع باحتمال‏ (1) خلافهما،بمعنى أنه لو فرض منه حكم مجعول لاحتمال‏

خلافهما فهو منفي في مورديهما،و من المعلوم أن ظاهر قوله:«لا تنقض اليقين‏

بالشك»أنه قد جعل للشك في احتمال البقاء و الارتفاع حكما ظاهريا،و هو

وجوب البناء على مقتضى الحالة السابقة للمشكوك،و احتمال خلاف ذلك‏

الظهور عدم جعله للشك ذلك الحكم،لا عدم جعله للمورد حكما واقعيا على‏

خلاف حكمه السابق،حتى يقع التعارض بين قوله المذكور و بين قوله:«تجب‏

1)في الأصل:لاحتمال.

190
السورة»الّذي يفيد للسورة حكما مخالفا لحكمها السابق،و هو عدم الوجوب‏

-مثلا-،نظرا إلى كون احتمال وجوب السورة حينئذ هو احتمال خلاف قوله:

«لا تنقض اليقين»مع ملاحظة أن احتمال خلاف قوله:«تجب السورة»أيضا

عدم وجوبها الّذي هو الاحتمال الموافق لقوله:«لا تنقض»فيقال حينئذ:إن‏

دليل اعتبار كل من الظهورين يقتضي إلغاء احتمال خلافه،مع فرض أن كلا

منهما إنما هو احتمال خلاف الآخر،فيلزم من شموله لكل منهما عدم حجية شي‏ء

منهما في مؤداه،و شموله لأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح،فيلزم أن لا يكون‏

شي‏ء منهما حجة في مؤداه،فلا يثبت للمورد حكم أحد الدليلين.

و الحاصل:أن احتمال خلاف ظاهر الدليل الاجتهادي المتكفل لبيان‏

الحكم الواقعي إنما هو الاحتمال الموافق لمقتضي دليل اعتبار الأصل،بخلاف‏

العكس،فمقتضى حكمه بالأخذ بالظهورين-و البناء على عدم احتمال‏

خلافهما-أنه لم يرد ذلك الحكم الظاهري في مورد ظهور الدليل الاجتهادي،

و معناه ذلك،فيكون دليل اعتبارهما مفسرا للمراد من قوله:«لا تنقض»

-مثلا-و حاكما عليه،فافهم،و لا تغفل.

جريان الورود و الحكومة في الأصول اللفظية

قوله-قدس سره-:(ثم إن ما ذكرنا من الورود و الحكومة جار في‏

الأصول اللفظية أيضا) (1) .

(1)اعلم أن الأصول اللفظية إنما هي أدلة اجتهادية بالنسبة إلى مؤدياتها،لا

أحكام ظاهرية،إلا أن اعتبارها إنما هو في صورة عدم القرينة الصارفة عنها.

فحينئذ إن كانت القرينة قطعية فهي بنفسها رافعة لموضوعها،فتكون واردة

عليها.

1)فرائد الأصول 2:751.


191
و إن كانت ظنية من حيث الصدور-مع نصوصيته أو أظهريته-فتكون‏

حاكمة عليها،إذ بمقتضى أدلة اعتبار سندها تكون كمقطوع الصدور من حيث‏

إيجابها لرفع حكم تلك الأصول و اعتبارها عن موردها و إن لم يرفع موضوعها،

و هو عدم العلم بالقرينة.

و بعبارة أخرى:إن الحكم بصدور ما يكون على تقدير صدوره قرينة أنه‏

لم يعتن باحتمال عدم القرينة بمعنى أنه رفع الحكم المجعول لذلك الاحتمال عن‏

مورد تلك القرينة المظنونة الصدور،فيكون حكمه بالصدور تفسيرا لدليل‏

اعتبار تلك الأصول،فيكون دليل اعتبار الأصول حاكما على دليل اعتبار

الأصول اللفظية.

و المصنف-قدس سره-جعل الحكومة هنا-أيضا-بين نفس الأصول‏

و نفس القرائن الظنية،و ليس بجيد.

و التحقيق:ما عرفت من كون دليل اعتبار القرينة حاكما على دليل‏

اعتبار الأصول.

قوله-قدس سره-:(و حاكم عليه إذا كان ظنيا في الجملة كالخاص‏

الظني السند) (1) .

(1)أقول:قوله:(في الجملة)يشعر بأنه إذا كانت القرينة ظنية-دلالة،أو

سندا و دلالة-فهي‏-أيضا-حاكمة على الأصول اللفظية،و أن قوله:

(كالخاص الظني السند)إنما هو من باب المثال‏1.

لكنه لا يستقيم،لأنها إذا فرضت ظنية من حيث الدلالة-مع القطع‏

1لا يقال:إن تقديم الأظهر على الظاهر-إذا كان الأظهر مقطوع‏الصدور-إن كان من باب ترجيح‏

1)فرائد الأصول 2:752.

192
بصدورها (1) -فلا ريب أن منشأ ذلك الظن إنما هو-أيضا-هي‏ (2) الأصول‏

اللفظية،فحينئذ يقع التعارض بين نفس الأصول اللفظية،و حينئذ إن لم يكن‏

ظهورها أقوى فلا تصلح لكونها قرينة للصرف أصلا،و إن فرض كونه أقوى‏

فتقديمه على الظهور الآخر إنما هو لأجل ترجيحه عليه لقوته،و قد عرفت في‏

الفرق بين الحكومة و التخصيص أن التقديم لأجل الترجيح خارج عن باب‏

الحكومة،فإن الترجيح فرع التعارض و كون كل منهما حجة في نفسه،و قد مر أن‏

دلالته على دلالة الظاهر لقوته أو من باب الحكومة يكون‏ (3) تقديمه عليه مع ظنية صدوره-أيضا-من‏

هذا الباب،و إن كان فرق فبينه.

لأنا نقول:إنه إذا كان مقطوع الصدور لا يصلح أن يعارض القطع بصدوره الظن بصدور الآخر،

و إنما يعارض الظاهر ظاهرالآخر (4) ،فيقدم ظهوره عليه لقوته،هذا بخلاف ما إذا كان ظني الصدور،

فإن الكلام فيه إنما هو بعد الفراغ عن كون الأظهر كالنص في تقديمه على الظاهر على تقدير قطعية

صدوره،فينحصر التعارض بمقتضى الفرض بين الظن بصدور الأظهر و بين ظهور الظاهر،إذ على‏

تقدير قطعية صدوره لا معارضة بين ظهوره و بين ظهور الظاهر بالفرض،بل يقدم عليه دون العكس،

فيكون الأظهر بمقتضى دليل صدوره حاكما على الظاهر دون العكس،فإن دليل صدورهما و إن كان‏

واحدا إلا أن مقتضاه وجوب التعبد بآثار الصدور للمشكوك الصدور،فإذا فرضنا أن من آثار الأظهر

كونه صارفا للظاهر على تقدير صدوره دون العكس،فيكون مقتضاه وجوب البناء على كون الأظهر

صارفا عنه حال الشك في صدوره،فالأظهر حال كونه مشكوك الصدور لا تنفع قوة دلالته بمجردها في‏

تقديمه على الظاهر،بل يتوقف على إحراز صدوره،فالدليل المثبت لصدوره يكون حاكما على الظاهر،

و يكون تقديمه عليه من هذا الباب،فافهم.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)في الأصل:بصدوره..

2)الظاهر زيادة الضمير(هي)هنا.

3)في الأصل:فيكون..

4)عبارة الأصل هكذا:(و إنما يعارض ظاهر لظاهره).،و يمكن تصحيح العبارة هكذا:(و إنما يعارض ظاهر

أحدهما ظاهر الآخر).و لكن ما في المتن أقل تصرفا.


193
تقديم الحاكم على المحكوم عليه ليس لأجل ترجيحه عليه،بل لأجل كونه‏

مفسرا له و رافعا لحكمه عن مورده بحيث لا تعارض أولا و بالذات فكان عليه‏

-قدس سره-أن يقول:إذا كان ظنيا من حيث السند كالخاص الظني السند

و نحوه،فلا تغفل.

قوله-قدس سره-:(فحالها حال الأصول العقلية،فتأمل) (1) .

(1)أقول:الأمر بالتأمل إشارة إلى أن القول يكون العمل بالظواهر معلقا

على عدم التعبد بالقرينة خلاف التحقيق،بل الحق أن العرف متعبدون بالظواهر

عند عدم القرينة الصارفة،لكن إحراز عدمها على سبيل القطع لما كان مخلا

بأمور معاشهم و موجبا للتعطيل فيها فاكتفوا في إحراز عدمها بأصالة عدمها

تعبدا،و جعلوها طريقا إلى عدمها.

قوله-قدس سره-:(و إن فرض كونه أضعف الظنون‏

المعتبرة). (2) .

(2)يعني من حيث الصدور بقرينة قوله-فيما بعد-:(نعم لو فرض الخاصّ‏

ظاهرا)،و لا بد أن يكون المراد ذلك،لما مر في بيان الإشكال على قوله:(إذا كان‏

ظنيا في الجملة).

قوله-قدس سره-:(فلو كان حجية ظهور العام غير معلقة على‏

عدم الظن المعتبر على خلافه). (3) .

1)فرائد الأصول 2:752.

2)فرائد الأصول 2:752.

3)فرائد الأصول 2:752.

194
(1)توضيحه:أنه لو لم يكن حجية ظهور العام-مثلا-معلقة على عدم‏

مخصص ظني الصدور بالظن المعتبر لكان دليل حجية ظهوره مقتضيا لحجيته مع‏

وجود ذلك المخصص الظني الصدور-أيضا-فحينئذ يقع التعارض بينه و بين‏

دليل اعتبار ذلك المخصص من حيث الصدور،و يكون كل واحد من الظنين‏

-أعني الظن بالصدور و الظن بالمراد الحاصل من العام-حجة في نفسه،لكن‏

العمل بأحدهما و الأخذ بمقتضاه لا بد من ترجيحه على الآخر،و المرجح حينئذ

كون أحدهما أقوى من الآخر،فإن كان أحدهما كذلك يؤخذ به،و يطرح الآخر،

و إلا فيتكافئان و يتساقطان.

و من المعلوم أنه ليس الظن بالصدور في جميع الموارد أقوى من الظن‏

بإرادة العموم من العام،بل قد يكون ظن إرادة العموم أقوى،و قد يكونان‏

متساويين،و لازم ذلك أن يؤخذ بالعامّ في مورد كون الظن بإرادة العموم أقوى،

و يطرح الخاصّ الظني الصدور،و يتوقف فيما إذا كان الظنان متساويين مع أنا لم‏

نسمع موردا يقدم‏فيه‏ظهور العام على صدور الخاصّ حتى في صورة كون‏

احتمال إرادة العموم أقوى من احتمال صدور الخاصّ،بل يقدمون الخاصّ من‏

حيث الصدور على العام من حيث الدلالة.

نعم قد يكون الخاصّ ظني الدلالة،فيتعارضان،لكن التعارض حينئذ إنما

هو بين الدلالتين،لا بين دلالة العام و بين سند الخاصّ،فإنه لا يزاحم سنده،

و إنما يزاحم دلالته،و حينئذ إن كان ظهور العام أقوى من ظهوره فيقدم عليه،

لترجيح ظهوره على ظهوره،لا لترجيح ظهوره على سنده.

و يكشف عن ذلك-أيضا-أنه على تقدير تقديم العام لا يطرح الخاصّ‏

رأسا بحيث يكون وجوده كعدمه،بل يصرف عن ظاهره،فحينئذ إن كان أقرب‏


195
المجازات‏ (1) فيحمل عليه،و يكون حجة في إثباته و واردا على الأصل النافي له لو

كان مخالفا للأصل،و يتعارض مع ما دل على نفيه من الأدلة الاجتهادية لو كان‏

هناك دليل كذلك.

قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الترك‏

قوله-قدس سره-:(و هي أن الجمع مهما أمكن أولى من‏

الطرح). (2) .

(1)المراد بالأولوية هنا إنما هو التعيين،لا الرجحان المطلق،و منه قوله‏

تعالى: النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفُسهم (3) .

و الكلام في الجمع بين الخبرين هنا إنما هو بالنظر إلى صدورهما.

و المراد بالجمع:البناء على صدور كليهما،و فرضهما كمقطوعي الصدور،

و التصرف في متنهما.

و بالطرح:البناء على عدم صدور أحدهما و الأخذ بسند الآخر و دلالته‏

إما لمرجح أو من باب التخيير.

و محل النزاع في هذه القاعدة:إنما هو فيما إذا كان الخبران كلاهما

ظاهرين من حيث الدلالة.

و أما إذا كان أحدهما نصا أو أظهر أو كان كلاهما نصين فلا نزاع،بل‏

المتعين على التقديرين الأولين هو الجمع و التصرف في دلالة الظاهر،و في الأخير

هو الطرح لمرجح إن كان له مرجح و قلنا بوجوب الأخذ به،و إلا فيؤخذ بأحدهما

تخييرا.

ثم إن الكلام في هذه القاعدة خارج عن مسألة التعادل و الترجيح‏

الموضوعة لها هذه الرسالة فإن النزاع في هذه القاعدة صغروي بالنسبة إليها

1)في الأصل:إن كان أقرب مجازات.

2)فرائد الأصول 2:753.

3)الأحزاب:6.

196
حيث إنها على تقدير اعتبارها و لزوم الأخذ بها ترفع التعارض المتحقق بين‏

الخبرين الظاهرين من حيث الصدور،فيخرجهما عن مورد الكلام في المسألة

المذكورة،فيختص مورد المسألة بالنصين من الخبرين المتعارضين،حيث إن شيئا

منهما غير قابل للتأويل في دلالته،و على تقدير عدم اعتبارها فلا،بل يدخل‏

موردها في المسألة المذكورة.

قوله-قدس سره-:(و لا ريب أن التعبد بصدور أحدهما-المعين‏

إذا كان هناك مرجح،و المخير إذا لم يكن-ثابت على تقدير الجمع‏

و عدمه). (1) .

(1)هذا بالنظر إلى الإجماع و الأخبار العلاجية،حيث إنها بمجموعها تفيد

عدم سقوط المتعارضين كليهما عن الحجية في مؤداهما و كونهما كأن لم يكونا بالنسبة

إلى مؤداها،و إلا فمقتضى الأصل-كما ستعرف بناء على اعتبار الأخبار من‏

باب الطريقية كما هو المختار-إنما هو سقوط المتعارضين منها عن الحجية،و عدم‏

كون شي‏ء منهما حجة فعلا في مؤداه.

ثم إن حاصل مراده-قدس سره-:أنه لا مناص عن الأخذ بأحد

الخبرين المتعارضين،لما مرت الإشارة إليه،و من المعلوم أن الّذي وجب الأخذ به‏

منهما لا يعقل أن يزاحم سنده سند الآخر،بل التزاحم إنما يقع بين ظاهر ذلك‏

المتيقن الأخذ به و بين السند الآخر،لدوران الأمر حينئذ بين التصرف في ظاهره‏

و الأخذ بسند الآخر و دلالته و بين طرح سند الآخر،و ظاهر الآخر لا يزاحم‏

ظاهره،لعدم صلاحيته لذلك،فإن أدلة اعتبار الظواهر إنما تقتضي اعتبار

الظواهر بعد الفراغ عن سندها،و المفروض عدم إحرازه بعد (2) في المقام،فلا

1)فرائد الأصول 2:754.

2)(بعد)هنا بمعنى(إلى الآن).

197
يكون طرحه مع الشك في صدور متنه مخالفا لذلك الدليل،حتى يقع التعارض‏

و التزاحم بينه و بين ظهور ذلك المتيقن الأخذ به‏1.

و بالجملة:ذلك الدليل إنما يشمل ظهور ذلك الواحد المتيقن الأخذ به،

دون ظهور الآخر،فيقع التعارض و التزاحم حقيقة بين ذلك الدليل و بين دليل‏

اعتبار سند الآخر و لا ترجيح للثاني،فيكون اختياره ترجيحا بلا مرجح.

فظهر أنه لا دليل على القاعدة المذكورة مع قطع النّظر عن الأدلة

المتقدمة المشار إليها المانعة من المصير إليها.

هذا خلاصة ما ذكره-قدس سره-.

لكن الإنصاف:أنه مع الإغماض عن تلك الأدلة مقتضى الأصل‏

و القاعدة إنما هو لزوم الأخذ بالسندين و التصرف في ظهور أحدهما أو كليهما

فإن الشك في جواز التأويل في أحدهما أو كليهما ناشئ من الشك في صدور كليهما

و مسبب عنه،دون العكس،فحينئذ يكون دليل اعتبار سند ما عدا المتيقن الأخذ

به حاكما على دليل اعتبار ظهور المتيقن الأخذ به،فيكونان كمقطوعي الصدور،

فلا بد من التأويل حينئذ دون الطرح،فقياسهما بمقطوعي الصدور في محله،

و سيجي‏ء بيان ضعف ما ذكره-قدس سره-في وجه بطلانه.

قوله-قدس سره-:(و توضيح الفرق و فساد القياس:أن وجوب‏

التعبد بالظواهر لا يزاحم القطع بالصدور،بل القطع بالصدور قرينة

على إرادة خلاف الظاهر). (1) .

(1)حاصل مراده-قدس سره-:منع كون الشك في التأويل مسببا عن‏

1و من هنا ظهر ضعف الوجه الثاني الّذي احتج به صاحب عوالي اللئالي،فإن الدلالة الأصلية ما لم يحرز

صدور متنها لا يكون طرحها مخالفا للأصل،حتى يصار إلى التأويل-الّذي هو طرح دلالة نفسه-

فرارا عنه.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:755.

198
الشك في الصدور و إبداء الفارق بين المقيس و المقيس عليه‏1.

و توضيح ما أراده من الفرق:أن الأمر في الخبرين المتعارضين يدور بين‏

أمور أربعة:

أحدها:البناء على صدور كليهما،و الأخذ بظاهر كل منهما.

ثانيها:البناء على عدم صدور شي‏ء منهما.

و ثالثها:البناء على صدور أحدهما المعين،و الأخذ بظاهره،و طرح الآخر

رأسا.

و رابعها:البناء على صدور كليهما،و التصرف في ظاهريهما.

و الشك في أحد تلك الأمور غير مسبب عن شي‏ء من البواقي‏2،حتى‏

يكون النافي له نافيا و مزيلا للآخر.

بل لو قام دليل على نفى أحدها فغاية ما يترتب عليه‏هوانحصار

الاحتمال في البواقي،فلو فرض قيام دليل على نفي أحدها ينحصر الاحتمال‏

في الثلاثة،و لو فرض قيامه على نفي اثنين ينحصر في اثنين،و لو فرض قيامه على‏

نفي ثلاثة منها يتعين الأخذ بالواحد الباقي من باب أن انتفاء أحد طرفي‏

المنفصلة المانعة الخلو مستلزم لثبوت الطرف الآخر.

و لما كان الأمران الأولان غير محتملين في المقيس و المقيس عليه كليهما

-أما أولهما فلعدم إمكانه عقلا،و إلا لم يكونا متعارضين،و أما ثانيهما فلعدم إمكانه‏

شرعا،نظرا إلى قيام الإجماع و تواتر الأخبار العلاجية بحجية أحدهما-فيبنى‏

على عدمهما في كل منهما.

1المقيس هو الخبران المعتبران سندا،و المقيس عليه هو الخبران المقطوع بصدورهما.

2فواعل جمع فاعلة،و كل واحد من الأمور الثلاثة الباقية يوصف بالباقي،لا بالباقية،فلا توصف‏

الأمور بالبواقي،بل بالمفرد المؤنث،أي الأمور الباقية،و هكذا يقال فيما شاع استعماله من وصف الأمور

بالاخر.


199
لكن المقيس عليه له خصوصية زائدةهي‏صفة القطع بالصدور-

تنفي احتمال الأمر الثالث-أيضا-فينحصر فيه الأمر في الرابع،و يتعين الأخذ

به،و هذه الخصوصية مفقودة في المقيس،حتى توجب نفي ذلك الاحتمال أيضا.

و الحاصل:أن الّذي ألجأنا في المقيس عليه إلى ارتكاب التأويل إنما هو

القطع باحتمال‏1غيره،إذ معه لا مناص لنا عن الالتزام بالتأويل و هذا مفقود في‏

المقيس.

و بعبارة أخرى:الملازمة ثابتة بين التأويل و الأخذ بالسندين و بين القطع‏

بالسندين،لا بين واقعية السندين و بين التأويل.

و بعبارة ثالثة:مجرد صدور الخبرين المتعارضين في الواقع مع قطع النّظر

عن العلم به غير ملازم للالتزام بالتأويل،و إنما الملازم له هو القطع بصدورهما.

هذا حاصل ما ذكره-قدس سره-بتوضيح منا.

لكن يتجه عليه:منع الملازمة بين نفس القطع و بين التأويل،بل الملازم له‏

إنما هو صدور الخبرين واقعا،و عدم انفكاك القطع عنه من جهة أنه طريق إلى‏

ملزومه و كاشف،و من المعلوم أنه مع انكشاف الملزوم بأي طريق كان يترتب عليه‏

لازمة،سواء كان ذلك الطريق عقليا كالقطع،أو شرعيا كأدلة اعتبار السند،

و الّذي يكشف عن ذلك أنا لو فرضنا القضية فرضية لوجدنا الملازمة بين نفس‏

صدور كليهما واقعا و بين التأويل فيهما.

ألا ترى أنه لو قيل:-إنه لو كان الخبران كلاهما صادرين لوجب‏

1الظاهر-إذا لم يكن من المقطوع به-أن عبارة المتن صحيحة و مراده(ره)فيها هو:أن الّذي ألجأنا

إلى التأويل في المقيس مكية-أي في الخبرين المتعارضين المقطوعي الصدور-هو القطع بإرادة خلاف‏

الظاهر من أحدهما،إذ التعارض بين ظاهريهما،و لا يمكن طرحهما و لا طرح أحدهما للقطع بصدورهما،

كما لا يمكن الأخذ بظاهريهما لتعارضهما،فلا محيص من تأويل ظاهر أحدهما لرفع التعارض.إذن ففي‏

المقيس عليه نحن نقطع بإرادة الاحتمال الآخر غير الظاهر.


200
التأويل فيهما-لكان صادقا من غير مسامحة و مجاز من غير حاجة إلى توسيط

صفة القطع.

نعم ترتيب هذا اللازم عليه هو في الظاهر يتوقف على إحراز ملزومه بأحد

الطرق،فيكون الشك في التأويل مسببا عن الشك في صدور كليهما واقعا،و بعد

ملاحظة أدلة إثبات صدورهما يرتفع هذا الشك،و يتعين الأخذ بالتأويل كصورة

القطع بصدورهما.

و يكشف عن ضعف ما ذكره-قدس سره-أيضا أنه من المعلوم عدم‏

الفرق في الخبر الّذي يجب الأخذ به و البناء على صدوره بين ما كان واحدا معينا

-كما إذا تعارض آية أو رواية متواترة مع خبر واحد غير معلوم الصدور-و بين‏

ما كان واحدا مخيرا-كما في المقام-من حيث دوران الأمر في الأول-أيضا-

بين الأخذ بظاهر ذلك الّذي لا بد من الالتزام بصدوره و بين الأخذ بسند الآخر

و التأويل فيهما أو في ذلك الّذي يجب الالتزام بصدوره.

فإن لم يكن الشك في التأويل مسببا عن الشك في صدور الآخر يلزم أن‏

لا يبادر إلى التأويل في المقامين،و إن كان مسببا عنه فلا بد من المصير إليه في‏

كليهما،مع أنه لم يتوقف أحد فيما أعلم في اختيار التأويل على الطرح في القسم‏

الأول حتى المصنف-قدس سره-فإن جواز تخصيص الكتاب و الخبر المتواتر

بخبر الواحد مما لم نقف فيه على مخالف.

و كيف كان،فالمصنف-قدس سره-ملتزم به،فلا مناص له عنه في القسم‏

الثاني الّذي هو محل الكلام.

إن قيل:إن الكلام هنا إنما هو في الظاهرين،و مسألة تخصيص الكتاب‏

-أو السنة المتواترة-بأخبار الآحاد إنما هي فيما إذا كان الخبر المخالف لهما نصا

أو أظهر منهما.

قلنا:المناط في المقامين واحد،فإن الشك في التأويل في ظاهر الكتاب‏


201
و السنّة المتواترة إن لم يكن مسبّبا عن الشكّ في صدور المخصّص فلا وجه للأخذ

به و اختيار التأويل،و إن كان مسببا عنه و كان هو الوجه لاختيار التأويل على‏

طرح المخصص،فلا فرق بين المقامين بوجه.

نعم بينهما فرق،و هو أن التأويل على تقديره ثمة إنما هو بالنسبة إلى واحد

معين و هو الكتاب أو السنة المتواترة،و فيما نحن فيه في الواحد الغير المعين أو في‏

كليهما.

و من هنا ظهر-أيضا-ضعف إبطاله-قدس سره-لقياس ما نحن فيه‏

بالنص الظني السند مع الظاهر،الّذي مثاله الخبر الواحد النص مع عموم‏

الكتاب أو السنة المتواترة.

و العجب أنه-قدس سره-صرح-في مقام بيان حكومة الأدلة على‏

الأصول اللفظية و حكومتها عليها-:بأن الظاهر أن دليل حجية الظن الحاصل‏

بإرادة الحقيقة مقيد بصورة عدم وجود ظن معتبر على خلافه،و مع ذلك أنكر فيما

نحن فيه كون الشك في التأويل مسببا عن الشك في صدور ما عدا الواحد

المتيقن الأخذ به،و كون دليل اعتبار الصدور مزيلا للشك فيه،فإن مراده بالظن‏

المعتبر على خلاف الظن بإرادة الحقيقة-كما عرفت سابقا-هو الظن بالصدور،

و من المعلوم أن ذلك على تقدير ثبوته جار في جميع الظواهر و بالنسبة إلى كافة

الأسناد،فافهم.

و الحاصل:أنه لو لا لزوم الهرج و المرج في الفقه على تقدير إهمال‏

المرجحات في الظاهر من المتعارضين-و لو لا قيام الإجماع على إعمالها فيهما،

و عدم الفرق بينهما و بين النصين-لكان القول بتقديم الجمع متجها،لكونه‏

مقتضى القاعدة الأولية،إلا أنهما قد قطعا تلك القاعدة في الظاهرين،و اختص‏

العمل بها بما إذا كان هناك ظاهر قطعي الصدور مع نصّ ظني الصدور أو أظهر

كذلك.


202
نعم ربما يوهن كون الجمع-أولا و بالذات-على طبق القاعدة تحير

الصحابة في الخبرين المتعارضين-من حيث كيفية العمل بهما-الداعي لهم إلى‏

السؤال،فإنه لو كان مقتضي القاعدة هو الجمع لكانت تلك القاعدة مركوزة في‏

أذهانهم أيضا،فإنها-على تقدير اعتبارها-متخذة من بناء العرف و العقلاء

-و هم منهم-و لم يبق لهم تحير حينئذ،لكونها رافعة له على تقدير اعتبارها.

اللهم إلا أن يدعى أن مورد تحيرهم و سؤالهم إنما هو فيما إذا كان‏

المتعارضان نصين في مؤداهما،بأن يقال:إن مرادهم من قولهم:(يجيئنا خبران‏

أحدهما يأمرنا و الآخر ينهانا)إنما هو الخبران النصان في الأمر و النهي،لا مطلق‏

ما يدل عليهما.

لكنه بعيد،فإن الأمر و النهي و إن كان موضوعين لطلب الفعل حتما واقعا،

أو لطلب تركه كذلك،إلا أن الظواهر اللفظية مبنية لهما،و يقال لما يكون ظاهرا

في طلب الفعل حتما:إنه أمر،و لما يكون ظاهرا في طلب تركه حتما:إنه نهي،

فتأمل.

و أبعد من ذلك الاستبعاد كون التصرف في ظاهر الخطاب المقطوع‏

الصدور بالنص الظني الصدور-أو بالأظهر كذلك-الّذي لا إشكال عندهم‏

في جوازه على خلاف القاعدة،و كونه لدليل خاص مخرج له عن كلية عدم جواز

تقديم الصدور على ظاهر المتيقن الأخذ به،إذ قد عرفت أنه مع ما نحن فيه من‏

باب واحد.

فلو كان مقتضي القاعدة الأولية عدم جواز تقديم الصدور لكان‏

مقتضاها ذلك-أيضا-ثمة،و كان جوازه هناك لأجل دليل وارد عليها،مع أنا

نقطع بأنه إنما هو بمقتضى القاعدة الأولوية،لا على خلافها،فحينئذ لا بد من‏

التزام كون مورد التحير في الأسئلة الواقعة في الأخبار العلاجية هو النصان،أو

يقال:إن تحيرهم لم يكن لأجل عدم ثبوت قاعدة أولوية الجمع عندهم و ارتكاز


203
ذلك في أذهانهم،بل لأجل أنهم كانوا يحتملون عدم إمضاء الشارع لتلك‏

القاعدة،كما لم يمض كثيرا من القواعد المقررة عندهم قبل الشرع.

ألا ترى أن مقتضى القاعدة الثابتة عند العرف هو التوقف في صورة

تعارض النصين مع ظنية صدورهما كصورة قطعية صدورهما،مع أن الشارع رد

هذه القاعدة في تلك الصورة،و جعل فيها قاعدة أخرى،و هي التخيير إذا لم يكن‏

لأحدهما مرجح،أو ترجيح أحدهما إذا كان له مرجح،فحينئذ لا مانع من تعميم‏

مورد السؤال في تلك الأخبار بالنسبة إلى الظاهرين من الخبرين المتعارضين،

فتدبر.

أقول:الّذي أجده من العرف في الظاهرين اللذين يتوقف الجمع بينهما

على التأويل في أحدهما الغير المعين-بأن لم يكن أحدهما أظهر-عدم المبادرة

إلى الجمع،بل يتوقفون في مؤدى كل منهما بالخصوص،و يعملون فيه بمقتضى‏

الأصول المقررة لصورة عدم الدليل.

و الظاهر أن صورة توقف الجمع على التأويل في كليهما-أيضا-عندهم‏

كذلك،فإن الظاهر أنهم في تلك الصورة-أيضا-يتحيرون فيما يصنعون،و لا

يبادرون إلى الجمع و التأويل فيهما،بل يتوقفون.

فما ذكره المصنف-قدس سره-من منع القاعدة في نفسها كأنه هو

الظاهر،لكن تعليله بما مر غير سديد،لاقتضائه إهمال تلك القاعدة في كثير من‏

الموارد المسلمة المشار إليها مع أنه-قدس سره-لا يقول به.

فعلى هذا الشأن في إبداء الفارق بين الصورتين و بين سائر الموارد المشار

إليها،فتدبر.

قوله-قدس سره-:(و يؤيده قوله أخيرا:فإذا لم يتمكن من ذلك‏

و لم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث،فإن مورد عدم‏


204
التمكن نادر جدا) (1) .

(1)توضيحه:أن مورد عدم التمكن العقلي في غاية الندرة،فإنه منحصر في‏

النصين،و من المعلوم أن تعارض النصوص في أخبار أهل العصمة في غاية الندرة

و الشذوذ،فلا يمكن حمل الأخبار العلاجية عليه.

مع أن اهتمام الصحابة في السؤال يأبى عن ذلك،إذ لا معنى لكثرة

الاهتمام بهذه المرتبة في السؤال و استعلام حكم مورد نادر غاية الندرة،فلا بد

لأحد (2) من حملها على مورد عدم التمكن العرفي،لكونه كثيرا مقتضيا لكثرته‏

لذلك.

فإرجاع صاحب غوالي اللئالي-في صورة عدم التمكن من التأويل-إلى‏

الأخبار العلاجية يشعر بأن مراده من عدم التمكن إنما هو مورد تلك الأخبار،

و هو عدم التمكن العرفي،فافهم.

قوله-قدس سره-:(و لو خص المثال بالصورة الثانية لم يرد عليه‏

ما ذكره المحقق القمي-رحمه اللَّه-). (3) .

(2)حاصل ما ذكره المحقق القمي:أن الحكم بالتنصيف في الصورة الأولى‏

إنما هو لأجل تقديم اليد الداخلة على الخارجة،فإن المفروض فيها يد كل من‏

المتداعيين على الدار،فيد كل منهما مستقرة في نصفها المشاع،فيحكم لذلك‏

باستحقاقه للنصف،لا للتمام،فإن يده على النصف الآخر يد خارجة مقدم عليها

يد الآخر الداخلة التي هي على النصف الباقي المشاع.

1)فرائد الأصول 2:756.

2)كذا.

3)فرائد الأصول 2:758.

205
قوله-قدس سره-:(و إن كان ذلك-أيضا-لا يخلو عن مناقشة

تظهر بالتأمل) (1) .

(1)المناقشة هي أن الحكم بالتنصيف في الصورة الثانية لعله لأجل تساقط

البينتين لأجل التعارض،فيكون كصورة تداعيهما مع عدم بينة لأحدهما و لا يد،

فإن الحكم-حينئذ-التنصيف.

و الحاصل:أن التنصيف في الصورة المذكورة غير متوقف على اعتبار

قاعدة الجمع،فلا يتفرع عليها.

قوله-قدس سره-:(و في مثل تعارض البينات-إلى قوله-:

انحصر وجه الجمع في التبعيض فيهما). (2) .

(2)حاصل الفرق بين البينات و بين أدلة الأحكام-بالنظر إلى العمل‏

بقاعدة الجمع على تقدير اعتبارها-:أن وجه العمل بها في البينات منحصر في‏

التبعيض،فيما قامت عليها من الحقوق إذا كانت تلك الحقوق مما يمكن فيها

التبعيض،كالدار و نحوها.

و أما إذا كانت مما لا يمكن فيها ذلك كالنسب و نحوها،فلا يمكن العمل‏

فيها بتلك القاعدة،بل لا بد حينئذ من الأخذ بالراجحة من البينتين و العمل على‏

طبقها و طرح الأخرى إذا كان لأحدهما مرجح،و إلا فالتساقط بالنسبة إلى‏

خصوص مؤدى كل منهما و الرجوع إلى القواعد الاخر غير التخيير لاختصاصه‏

بالتعارض بين الخبرين.

هذا بخلاف الأخبار،فإن وجه العمل بها فيها منحصر في التصرف في‏

دلالتي المتعارضين منها مع التصديق و التعبد بصدور كليهما إذا أمكن التصرف في‏

1)فرائد الأصول 2:758.

2)فرائد الأصول 2:758.

206
دلالتهما،كما إذا كان ظاهرين،و مع عدم إمكانه لا مورد لتلك القاعدة،بل يرجع‏

-حينئذ-إلى قاعدتي التعادل و الترجيح المستفادتين من الأخبار العلاجية،فإن‏

كان لأحدهما مرجح معتبر يؤخذ به،و يطرح الأخرى،و إلا فيتخير بينهما1.

و كيفية التصرف في الدلالة هي أن المدلول المستفاد مما يراد التصرف فيه‏

إن كان مطلبا وحدانيا غير قابل للتبعيض أصلا،فلا بد حينئذ من طرح تلك‏

الدلالة رأسا،و حمل الخطاب على غير ذلك المدلول.

و إن كان مطالب متعددة،فالتصرف حينئذ إنما هو بطرحها بالنسبة إلى‏

بعض تلك المطالب و قصير الخطاب على الباقي،و ذلك فيما إذا كان الخطاب من‏

العمومات،فإنها مفيدة لأحكام متعددة مستقلة،و مثلها المطلقات،فيعمل بها ما

يعمل بتلك من كيفية التصرف و هذا النحو من التصرف يشبه التبعيض في متعلق‏

البينات.

و السر في ذلك الفرق:أن البينتين المتعارضتين كالنصين المتعارضين غير

قابلتين للتأويل في دلالتهما،و إلا لم تكونا متعارضتين‏2،بل يتعين الأخذ بالناصة

1لا يخفى أن الفرق بين البينات و أدلة الأحكام بالنظر إلى العمل بقاعدة الجمع إنما هو ما ذكرنا في‏

موارد إمكان العمل بها و أما الّذي ذكرنا في موارد عدم إمكانه فهو حقيقة خارج عن حيثية الجمع.

و بعبارة أخرى نحن في المقام في صدد بيان الفرق في مورد تلك القاعدة و هو صورة إمكان الجمع،

فما ذكرنا من الأحكام لصورة عدم إمكانه فإنما هو فرق بين البينات و أدلة الأحكام من حيثية أخرى،فلا

تغفل.لمحرره عفا اللَّه عنه.

2و ذلك لأن التعارض إنما يتحقق مع كون كل من المتعارضين حجة في نفسه بحيث لا مانع من وجوب‏

العمل بكل منهما عينا إلا وجوب الآخر كذلك،لا وجود الآخر،إذ معه يكونان من مقولة المانع و الممنوع‏

لا المتعارضين.

و كيف كان فلا بد من كون كل من المتعارضين جامعا لجميع شرائط الحجية المأخوذة في دليل‏

اعتبارهما،و من المعلوم أن من شرائط حجية البينة إنما هو كون الكلام نصا في المطلوب غير محتمل‏

للخلاف،لمحرره عفا اللَّه عنه.


207
منهما إن كانت إحداهما كذلك،أو لا يعمل بشي‏ء منهما إن لم تكن،بل بالقواعد

المقررة لصورة تداعي شخصين مع عدم بينة لأحدهما،فينحصر طريق الجمع‏

بينهما في التبعيض في تصديق كل منهما،فيصدق كل منهما في بعض ما قامت عليه‏

من الحق.

و أما الخبران المتعارضان-اللذان يعمل فيهما بتلك القاعدة على تقدير

اعتبارها-لما كان المفروض فيهما كونهما ظاهرين في مؤداهما،فيمكن الجمع بينهما

بالتأويل في ظاهريهما،بل ينحصر وجه الجمع في ذلك،إذ لا يعقل التبعيض في‏

تصديق كل من المخبرين بالنسبة إلى الصدور الّذي هو متعلق إخبارهما،إذ لا

يعقل تعبد الشارع لنا بالبناء على صدور نصف الكلام الّذي يحكيه أحدهما عن‏

المعصوم عليه السلام،لكونه سفها و عبثا،لعدم ترتب فائدة على نصف الكلام‏

الواحد،فإنه لا يفيد حكما،فإن معنى تعبده بصدور ما نشك في صدوره،إيجابه‏

للبناء على صدوره و ترتيب مؤداه عليه،و التدين به في مرحلة الظاهر،فإذا لم يكن‏

له مؤدى أصلا،فيلغى التعبد بصدوره.

قوله-قدس سره-:(سواء كانا نصين بحيث لا يمكن التجوز في‏

أحدهما) (1) .

(1)فيه ما مرت الإشارة إليه من أن اعتبار تلك القاعدة على القول به‏

مختص بصورة إمكان التأويل.

هذا مع أن ما ذكره(قدس سره)من وجه المنع من التبعيض في ترتيب‏

الآثار في تلك الصورة من لزوم المخالفة القطعية على تقديره لا يستقيم،

لاختصاصه بما إذا كان كل من النصين متضمنا لحكم إلزامي و كان أحدهما

مقطوع الصدور من المعصوم عليه السلام على وجه بيان الواقع،مع أن النصين.

1)فرائد الأصول 2:759.

208
أعم من ذلك فلا تغفل.

نعم يتم ما ذكره(قدس سره)بناء على اعتبار الأخبار من باب السببية

إذ عليه يجب إيقاع العمل على طبق واحد من المتعارضين لا محالة و إن لم يكن‏

في الواقع تكليف أصلا.

لكنه(قدس سره)لا يقول به،مع أن التحقيق على القول به-أيضا-

عدم تمامية الوجه على الإطلاق،فإن اعتبار الأخبار على ذلك الوجه إنما يقتضي‏

ما ذكر إذا كان أحد المتعارضين متضمنا لحكم تكليفي لا محالة،كما لا يخفى.

بيان منشأ التعارض بين الخبرين‏

قوله-قدس سره-:(فنقول إن المتعارضين إما أن لا يكون مع‏

أحدهما مرجح فيكونان متكافئين متعادلين) (1) .

(1)المراد بالمرجح إنما هي المزية1المعتبرة القائمة بأحدهما،لا مطلق المزية.

قوله-قدس سره-:(قد يقال،بل قد قيل:إن الأصل في‏

المتعارضين عدم حجية أحدهما) (2) .

(2)المراد بالمتعارضين المبحوث عنهما هنا،المتكافئان منهما،لا مطلق‏

المتعارضين.

قوله-قدس سره-:(بل عنوان منتزع منهما غير محكوم عليه بحكم‏

نفس المشخصات بعد الحكم بوجوب العمل بها عينا) (3) .

1المراد بالمزية المعتبرة أعم من المعتبرة شرعا شاملة للمعتبرة عقلا،إذ قد يعتبر العقل المزية القائمة

بأحدهما في مقام الترجيح بحيث لا يرخص في المصير إلى فاقدها مع عدم إحراز اعتبار الشارع إياها

كما سيجي‏ء بيانه في تأسيس الأصل في مقام احتمال اعتبار الشارع للمزية الموجودة في أحدهما.لمحرره‏

عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:759.

2)فرائد الأصول 2:760.

3)فرائد الأصول 2:760.

209
(1)وجه عدم كونه محكوما عليه بحكم نفس المشخصات أنه في الحقيقة راجع‏

إلى ما ينتزع منه و هو أحد تلك المشخصات،فهو في الحقيقة،واحد منها،و ليس‏

فردا آخر وراءها،و المفروض الحكم لكل من المشخصات بالوجوب العيني فلو

حكم عليه حينئذ-أيضا-بالوجوب العيني يلزم اجتماع حكمين متماثلين في مورد

واحد،و هو أحد تلك المشخصات.

تمهيد مقال لتوضيح الحال فيما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى:

فاعلم أن منشأ التعارض بين الخبرين،بل بين كل دليلين أو أمارتين‏

-بناء على اعتبار الأخبار أو مطلق الأدلة أو الأمارات أيضا من باب السببية-

منحصر في عجز المكلف من الجمع بين العمل بالخبرين أو الدليلين،أو الأمارتين،

بحيث لو فرض محالا جمعه بينها في مقام العمل لكان ذلك منه مطلوبا،فإن سلوك‏

الطريق-بمعنى إيقاع العمل على طبقه على هذا التقدير-يكون واجبا نفسيا

و لو لم يكن في الواقع وجوب أصلا،فيكون حاله حال سائر الواجبات النفسيّة

من حيث توقف تحقق التزاحم-بين اثنين منها،أو أزيد-على عدم إمكان‏

امتثالهما و إيقاع العمل على طبقهما،فيتوقف التعارض بين الطريقين حينئذ على‏

عجز المكلف من إيقاع العمل على طبق كليهما معا،و لا ريب أن عجزه عن ذلك‏

مختص بما إذا كان مؤدى أحدهما هو الوجوب العيني و مؤدى الآخر هي الحرمة

كذلك.

و أما في غير هذه الصورة فلا.

أما إذا كان مؤدى كليهما أحد الأحكام الخمسة بأن يكون مؤدى كل منهما

هو الوجوب،أو الحرمة،أو غيرهما،فلأن كلا منهما حينئذ مؤكد للآخر،غير

مقتض لغير ما يقتضيه الآخر من السلوك.

مع أنه إذا كان الحكم المدلول عليه بهما هو غير الوجوب و الحرمة فلا

يلزمه امتثال.


210
أما إذا كان هو الاستحباب،أو الكراهة،فإنهما و إن كانا مقتضيين‏

للامتثال لكنهما غير مقتضيين لتحتمه،إذ السلوك المأمور به على التقدير المذكور

إنما هو السلوك على طبق الطريق على الوجه الّذي يستفاد منه،لا وجوب إيقاع‏

العمل على طبقه مطلقا،و من المعلوم أن الاستحباب و الكراهة لا يقتضي شي‏ء

منهما ذلك.

و أما إذا كان هو الإباحة فالأولى،فإنها حينئذ غير مقتضية لأصل إيجاد

العمل،فكيف يتحتم امتثاله.

و أما إذا كان مؤدى كل منهما حكما مغايرا لمؤدى الآخر مع عدم كون أحد

الحكمين هو الوجوب العيني و كون الآخر الحرمة كذلك،فلأن أحدهما لا محالة

-حينئذ-لا يقتضي تحتم الامتثال،و المتحتم عليه فيما إذا كان أحدهما مقتضيا

لتحتم الامتثال،-كما إذا كان مؤدى أحدهما فقط هو الوجوب العيني،أو الحرمة

كذلك-ليس إلا امتثال أحدهما.

فظهر أن التعارض بين الخبرين-بناء على اعتبار الأخبار من باب‏

السببية-إنما يتحقق في صورة كون مؤدى أحدهما هو الوجوب العيني و كون‏

مؤدى الآخر هي الحرمة كذلك.

هذا بناء على القول بكونها أسبابا لوجوب تطبيق العمل عليها مطلقا.

و أما بناء على القول بكونها أسبابا لوجوب تطبيق العمل عليها على وجه‏

التدين بها،بأن يكون الاستناد في العمل إليها-كما هو حقيقة السلوك على‏

طبقها-فالتعارض متحقق بينهما في جميع صور مخالفة مؤدى أحدهما لمؤدى‏

الآخر،لعدم إمكان الاستناد في فعل واحد إلى كل واحد منهما على سبيل‏

الاستقلال،كما لا يخفى.

و أما منشأ التعارض بينهما كغيرهما من مطلق الدليلين،أو الأمارتين-بناء

على اعتبار الأخبار و الأدلة من باب الطريقية المحضة،كما هو ظاهر أدلة اعتبار


211
مطلق الطرق-إنما هو التكاذب بينهما بأن لا يمكن صدقهما بحسب الواقع.

فعلى هذا التقدير يتحقق التعارض بينهما بمجرد مخالفة مؤدى أحدهما

لمؤدى الآخر بأي مخالفة كانت و لو مع تمكن المكلف من الجمع بينهما في العمل،

فمورد التعارض على التقدير الثاني أعم مطلقا منه على التقدير الأول.

و إذا عرفت ذلك،فاعلم أنا قد أشرنا سابقا إلى أن أدلة الأخبار لا

تشمل صورة التعارض.

و السر فيه أن مفاد تلك الأدلة إنما هو اعتبار كل واحد واحد من‏

خصوصيات الأخبار عينا،لكنه غير معقول بالنسبة إلى صورة تعارضها.

أما بناء على اعتبارها من باب السببية فواضح،لاستلزامه التكليف بما

لا يطاق،كما لا يخفى.

و أما بناء على اعتبارها من باب الطريقية،فلأن معنى جعل الطريق الغير

العلمي هو إيجاب التدين به و استناد العمل إليه في مرحلة الظاهر،و مفاد أدلة

اعتبار الأخبار على هذا التقدير إنما هو ذلك،و يعتبر في الطرق المجعولة عدم‏

العلم بكذبها لا محالة،فما علم كذبه و لو إجمالا لم يرد الشارع التدين به،بل حرم‏

التدين به،و كل واحد من الطريقين المتعارضين و إن كان جامعا لشرائط الحجية

و الاعتبار بالفرض و إلا لم يكونا متعارضين،لكن إيجاب العمل بهما معا في مورد

التعارض يوجب الرخصة في التدين بما علم كذبه فيما بينهما مع فرض حرمة

التدين به بالفرض،بل الرخصة في العمل بهما معا حينئذ مستلزمة لما ذكر،فلو

كان معنى حجية الطرق هو مجرد الرخصة في العمل بها لا إيجابه يلزم ذلك‏

المحذور-أيضا-فيمتنع حجية كل واحد منهما فعلا.

و إيجاب العمل-حينئذ-بأحدهما تعيينا،أو تخييرا،و إن كان أمرا،جائزا،

لكونه غير مستلزم لما ذكر،إلا أن نفس أدلة اعتبارها لا تصلح لإفادته،إذ

المفروض أن مفادها اعتبار كل منهما عينا.


212
نعم يمكن ذلك بدليل آخر،و هو خارج عن محل الكلام.

و الحاصل:أن صورة التعارض غير قابلة للدخول في تلك الأدلة على‏

التقديرين مع فرض إرادة وجوب العمل بكل من خصوصيات الأخبار على‏

التعيين من تلك الأدلة.

نعم يمكن استفادة حكمهما من نفس تلك الأدلة على التقدير الأول‏1

على بعض الوجوه،و سيأتي بيانه عن قريب إن شاء اللَّه‏2،فانتظر.

ثم إنه كما لا يمكن إطلاق اعتبار الأخبار،بل مطلق الطرق و الأمارات‏

على وجه التعيين بالنسبة إلى صورة التعارض-كما عرفت-كذلك لا يعقل تقييد

أدلة الاعتبار بغير تلك الصورة-أيضا-على كل من الوجهين المتقدمين في‏

كيفية اعتبارها،و ذلك لوجهين:

أحدهما:لزوم السفه على تقديره،إذ فائدته إخراج تلك الصورة عن تحت‏

تلك الأدلة،و المفروض عدم شمولها لها بنفسها،فيكون تحصيلا للحاصل.

و ثانيهما:امتناعه في نفسه مع قطع النّظر عن كونه سفهيا،فإن التعارض‏

بين الطريقين ليس بالنسبة إلى ذاتيهما،ضرورة إمكان اجتماع ذاتيهما،و لا

بالنسبة إلى وجوب العمل بأحدهما و ذات الآخر،لدخولهما حينئذ في المانع‏

و الممنوع‏3،بل بالنسبة إلى وجوبيهما،بمعنى أن التدافع حقيقة بين وجوب‏

1بل على التقدير الثاني-أيضا-لما سيأتي هناك من عدم الفرق.لمحرره عفا اللَّه عنه.

2في المقام الثاني من المقامين اللذين وضعنا أحدهما لتأسيس الأصل في حكم المتعارضين و الآخر لبيان‏

كيفية استعمال الخطاب الدال على اعتبار الأخبار.لمحرره عفا اللَّه عنه.

3و من المعلوم عدم التعارض بين المانع و الممنوع بل يتعين الأخذ بالمانع ان كان حجة في نفسه مع تعينه‏

و إلا فلا يعمل بشي‏ء منهما.

لا يقال:إن المانع من الأخذ بكل من المتعارضين إنما هو كونه من أطراف ذلك المعلوم الإجمالي،

أعني معلوم الكذب المردد بينهما لا وجوب الأخذ بالآخر.

لأنا نقول:لو فرضنا قيام طريقين على طرفي النقيض في مورد مع كون أحدهما المعين حجة في نفسه‏


213
العمل بكل واحد منهما عينا و بين وجوب العمل بالآخر كذلك،فالتعارض بينهما

إنما هو بفرض وجوب كل منهما،فوجوب العمل بكل منهما معتبر في تحقق‏

معارضته للآخر،فإن غير الواجب العمل منهما لا يزاحم واجب العمل منهما.

فحينئذ يلزم من اعتبار تقييد وجوب العمل بكل منهما بالنسبة إلى صورة

التعارض أخذ وجوب العمل موضوعا لنفسه بالنسبة إلى كل منهما-لما مر-من‏

أن عنوان التعارض لا يتحقق بواحد منهما إلا مع فرض وجوب العمل به،و هذا

دور ظاهر.

و لا فرق في ذلك بين ما إذا كان الدليل على وجوب العمل بهما واحدا،أو

كان وجوب العمل بكل منهما مستفادا و مرادا من دليل آخر غير ما يستفاد منه‏

وجوب العمل بالآخر،إذ على الثاني-أيضا-يلزم أخذ الحكم المستفاد من كل‏

دليل موضوعا لنفسه،كما لا يخفى.

و من هنا ظهر امتناع هذا التقييد بخطابين،أو أزيد،فإن غاية ما يترتب‏

على تعدد الخطاب كون أحدهما قرينة على أن الشارع لاحظ هذا التقييد،و من‏

المعلوم امتناع ملاحظة هذا التقييد في نفسه،فالقرينة عليه لا تصيره ممكنا.

و بذلك يفرق بينه و بين التقييد بقصد القربة،حيث أنه ممكن مع تعدد

الخطاب.

و توضيح الفرق:أن الموضوع للخطاب الثاني ثمة إنما هو الخطاب الأول،

و ليس الأمر هنا كذلك،فإن الخطاب الثاني هنا على تقديره كاشف عن تقييد

الأول بنفسه،و ليس مقيدا لحكم آخر معلق على نفس الأول،فيكون حاله حال‏

و عدم كون الآخر كذلك كالقياس فمن المعلوم حينئذ حصول العلم الإجمالي بكذب أحدهما،فلو كان‏

وقوع حجة طرفا للمعلوم الكذب إجمالا مانعا من الأخذ به لكان مانعا منه في الفرض المذكور مع أنه‏

لم يقل به أحد.لمحرره عفا اللَّه عنه.


214
الخطاب الثاني الوارد هناك على وجوه القرينة و الكشف عن تقييد الأول بنفسه.

ثم إن هذا الإشكال لا يختص بالخبرين،بل يجري في المتزاحمين من‏

الواجبات النفسيّة-أيضا-فإن التدافع بينهما-أيضا-إنما هو بين وجوب كل‏

منهما عينا و بين وجوب الآخر كذلك،و لا فرق ثمة-أيضا-بين أن يكون‏

المتزاحمان مندرجين في عنوان واحد-بمعنى كونهما فردين من واجب واحد-

كإنقاذ غريقين أو مندرجين في عنوانين،كإنقاذ غريق مع إطفاء حريق،لعين ما

مر في الخبرين.

ثم إن حكم الطريقين المتعارضين في حد أنفسهما لو كان هو مجرد جواز

العمل-أيضا-لا يمكن ثبوته لهما بالنسبة إلى مورد التعارض،فلا يعقل إطلاقه‏

بالنسبة إليه،كما قد أشرنا إليه،و كذلك لا يعقل تقييده بصورة التعارض‏

-أيضا-كما لا يخفى،لعين ما مر من المانع من تقييد الوجوب على تقديره،فلا

تغفل‏1.

قوله-قدس سره-:(لكن ما ذكره من الفرق بين الإجماع و الدليل‏

اللفظي لا محصل و لا ثمرة له) (1) .

(1)حاصله أنه لا يتحقق التعارض بين الدليلين إلا إذا كان كل واحد منهما

حجة في نفسه،و جامعا لشرائط الحجية كذلك،بحيث لا مانع من وجوب العمل‏

بكل واحد منهما على سبيل التعيين إلا وجوب الآخر كذلك،إذ لو لم يكن شي‏ء

1لا يقال إن الدور المذكور إنما يلزم على تقدير تقييد الحكم بالنسبة إلى صورة التعارض بملاحظة عنوان‏

التعارض،لكن لا يتعين أن يكون التقييد على تقديره كذلك،بل يمكن بملاحظة صورة التعارض مع‏

قطع النّظر عن وصف التعارض فلا دور حينئذ.

لأنا نقول:إن التقييد على تقديره لا بد أن يكون بملاحظة وصف التعارض،إذ مع قطع النّظر عنه‏

لا مانع من شمول الحكم لتلك الصورة فلا معنى للتقييد حينئذ،لعدم الداعي له.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:760.

215
منهما.حجة في نفسه،فلا يزاحم شي‏ء منهما الآخر أصلا،إذ لا يزيد شي‏ء منهما

حينئذ على نفسه بالنسبة إلى غير صورة التعارض،و المفروض عدم وجوب‏

العمل به في غير تلك الصورة،أو كان أحدهما حجة بعينه و كان ذات الآخر مانعا

من وجوب العمل به فعلا،فإنهما حينئذ من مقولة المانع و الممنوع و حكمهما إلقاء

الممنوع و العمل بالمانع إذا كان حجة،و إلا فإلقاؤه أيضا.

فحينئذ لا فرق بين الإجماع و غيره،إذ على تقدير كون الدليل على‏

اعتبار الأخبار هو الإجماع فلا يتحقق التعارض بينها إلا بقيامه على حجيتها في‏

حد نفسها.

و بالجملة،بعد فرض كون الخبرين متعارضين،لا معنى لذلك التفصيل‏

بوجه،و عدم التعارض ليس من شرائط الحجية،بل من شرائط العمل،فلذا لم‏

يعده أحد من شرائط الحجية،بل عدوه من شرائط العمل.

مع أنه لو كان من شرائط الحجية،فيكون كل من المتعارضين مانعا عن‏

حجية الآخر،فيكون كل منهما مانعا و ممنوعا من غير فرق بين أن يكون الدليل‏

على الحجية من الأدلة اللفظية و بين ما إذا كان من الأدلة اللبية.

تأسيس الأصل الأولي في المتعارضين و المتزاحمين‏

قوله-قدس سره:(فنقول:إن الحكم بوجوب الأخذ بأحد

المتعارضين...إلى آخره) (1) .

(1)اعلم أن هاهنا مقامين:

أحدهما:في تأسيس الأصل في حكم المتعارضين من أن القاعدة الأولية

العقلية ما ذا تقتضي فيهما؟

و ثانيهما:في أن الخطاب-أعني الدليل اللفظي الدال على اعتبار كل منهما

في حد ذاته-في ما ذا استعمل؟

1)فرائد الأصول 2:761.

216
و تحقيق الكلام في المقام الأول:أنه على تقدير اعتبار الأخبار من باب‏

السببية-بمعنى إفادة أدلة اعتبارها عليتها لوجوب إيقاع العمل على مقتضاها

و لو لم يكن في مواردها تكليف واقعا أصلا-يكون حال الخبرين المتعارضين حال‏

الغريقين اللذين لا يتمكن المكلف من إنقاذهما،بل المقدور له إنقاذ أحدهما،

فيدور أمره بين إنقاذ هذا،أو ذاك،فيكونان من مقولة الواجبين النفسيين‏

المتزاحمين،فلهما حكمهما.

و على تقدير اعتبارها من باب الطريقية-بمعنى جعلها مرآة للأحكام‏

الواقعية و طرقا إلى امتثال تلك الأحكام من دون تعلق غرض لوقوع العمل على‏

طبقها من حيث أنه عمل على طبقها سوى ذلك-يكونان من مقولة الطريقين‏

المتنافيين،فلهما حكمهما،و هذا واضح لا غبار عليه بوجه.

و الشأن إذن في تأسيس الأصل في مطلق الواجبين النفسيين المتزاحمين و في‏

مطلق الطريقين المتنافيين.

فاعلم أن مقتضى الأصل في كل واجبين نفسيين متزاحمين-سواء كانا

مندرجين في عنوان واحد،كإنقاذ الغريقين،أو إطفاء حريقين،أو مندرجين في‏

عنوانين مختلفين،كل منهما مأمور به بأمر مستقل،كإنقاذ غريق،و إطفاء حريق-

إنما هو لزوم امتثال أحدهما تخييرا إذا كانا متساويين-بمعنى عدم كون أحدهما

أهم من الآخر،كما هو المفروض في المقام بحيث يستحق العقاب على مخالفة

كليهما معا-و هذا الوجوب التخييري و إن لم يدل عليه الخطاب،لفرض كون‏

مؤداه وجوب كل منهما عينا مع امتناع ثبوته لهما حينئذ،لاستلزام التكليف بغير

المقدور-كما مر-كامتناع إرادة الوجوب التخييري من ذلك الخطاب بالنسبة

إلى صورة التزاحم-أيضا-لاستلزامها لاستعماله في معنيين لكننا إنما نستفيده‏

بتنقيح المناط.

و توضيحه:أنه لا شبهة في تضمن كل من المتزاحمين حال التزاحم لما


217
تضمنه في غير تلك الحال من المصلحة التامة في حد نفسها،بحيث تساوي هي‏

في تلك الحال لها في غيرها من غير قصور فيها أصلا،و هي تقتضي مطلوبية ذيها

حتما على وجه التعيين لو لا مانع عن طلب ذيها كذلك-بمعنى‏1أن المانع على‏

تقديره إنما يمنع عن فعلية التأثير،لا من أصل الاقتضاء-و المانع إن كان منافيا

لأصل الطلب رأسا،فهي لا تؤثر في أصل الطلب فعلا،فكيف بتأثيرها في عينيته،

و إن كان منافيا لعينية الطلب دون نفسه،فهو إنما يمنع من فعلية تأثيرها في عينية

الطلب دون أصله،و من المعلوم أن غاية ما عرضها في صورة التزاحم إنما هو عجز

المكلف عن امتثال كلا الواجبين معا،بحيث لو فرض محالا إتيانه بهما معا في‏

تلك الحال لكان مطلوبا منه ذلك،و لا ريب أن الّذي ينافيه العجز إنما هو عينية

الوجوب لا أصله،ضرورة عدم منافاته له تخييرا،فلا مانع من اقتضاء المصلحة

المفروضة حينئذ للوجوب التخييري،و من البديهي أن المقتضي مع عدم المانع منه‏

علة تامة لمقتضاه،فهي في تلك الحال علة تامة لوجوب كل من المتزاحمين تخييرا،

فيستكشف منه بطريق اللم كون كل واحد منهما حينئذ واجبا كذلك.

لا يقال:إن العجز إنما يمنع من وجوب كليهما معا عينا،لكن لا يمنع من‏

وجوب أحدهما خاصة كذلك،كما إنه لا يمنع من وجوب كل منهما تخييرا،فحينئذ

لا يثبت من رفع وجوب كليهما معا عينا وجوب كل منهما تخييرا،لجواز اختصاص‏

إحدى المصلحتين بالتأثير الفعلي في وجوب ذيها عينا،و عدم تأثير الأخرى أصلا.

لأنا نقول:المفروض مساواة كل منهما للأخرى في حد نفسها،و مساواة

مورد كل منهما لمورد الأخرى-أيضا-بمعنى عدم كونه أهم من الآخر في نظر

الشارع،فيكون تأثير إحداهما فيما يقتضيه بالذات من الوجوب العيني من دون‏

1إذ المفروض كونها كذلك،و إلا فلا معنى لاقتضائها للوجوب التعييني في غير صورة التزاحم.لمحرره‏

عفا اللَّه عنه.


218
تأثير الأخرى ترجيحا بغير مرجح لتساوي نسبة المانع المفروض إلى كل منهما1

و عدم مانع غيره بالفرض عن الأخرى.

نعم فيما إذا كان أحد الواجبين أهم،فتكون أهمية مانعة من تأثير

المصلحة الموجودة في الآخر في الوجوب التخييري-أيضا-و ذلك مانع آخر غير

المفروض فيما نحن فيه و مختص بإحدى المصلحتين،لا مشترك بينهما،فافهم.

ثم إن ذلك الوجوب التخييري يغاير الوجوب التخييري المصطلح،فإن‏

المصلحة الموجودة في كل من الواجبين التخييرين بالمعنى المصطلح أولا و بالذات‏

لا يقتضي أزيد من مطلوبية ذيها لا إلى بدل،و المصلحة الموجودة في كل منهما من‏

المتزاحمين،بحيث تقتضي أولا و بالذات مطلوبية ذيها على الإطلاق بحيث لا

يرفع عنه بعد الإتيان بالبدل أيضا.

هذا كله في مقتضى الأصل و القاعدة الأولية في حكم المتزاحمين.

و أما مقتضاه في الطريقين المتعارضين فإنما هو تساقطهما و فرضهما كأن لم‏

يكونا في خصوص مؤدى كل منهما،و الرجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما دون‏

المخالف لكليهما.

و توضيح ذلك:

أن المفروض اشتمال كل منهما على شرائط الحجية المأخوذة في دليل‏

اعتبارهما على نحو اشتمال الآخر عليها،بحيث لو لا العلم بكذب أحدهما

الناشئ من تنافي مدلوليهما،لكان كل منهما حجة فعلية على خصوص مؤداه،لكن‏

العلم بكذب أحدهما الغير المعين منع من حجية كليهما معا،لاستلزامها العمل‏

1بمعنى أنه لا يمنع من وجوب كل منهما عينا في حد ذاته،و لا من وجوبه تخييرا مع وجوب الآخر كذلك،

و إنما يمنع من وجوب كل منهما عينا مع وجوب الآخر كذلك من غير اقتضاء له لرفع الوجوب العيني‏

من أحدهما المعين فحينئذ رفع الوجوب العيني عن كليهما معا برفعه عن أحدهما المعين لا يرفعه عن‏

كل منهما يحتاج إلى مرجح.لمحرره عفا اللَّه عنه.


219
بالطريق المعلوم الكذب،و الشارع لم يرد العمل به،كما أشرنا إليه سابقا،إذ لا

يعقل التعبد بطريقية ما علم مخالفته للواقع،إذ لا بد من كون الطريق‏

المتعبد به على وجه يمكن الوصول به إلى الواقع في نظر المكلف لا محالة،

و مع علمه المفروض يمنع عنده التوصل به إليه،فيكون تعبده به حينئذ آئلا إلى‏

التناقض في نظره،لفرض إرادته الواقع منه المخالف لمؤدى ذلك الطريق المتعبد

به و أن التعبد به على تقريره ليس إلا لغرض التوصل به إليه،فيقبح التعبد به‏

فيقبح التعبد بكلا الطريقين المتعارضين معا تعبدا،لاستلزام التعبد بهما كذلك‏

التعبد بذلك.

و هذا هو الفارق بين المتزاحمين و بين الطريقين المتعارضين،فإنهما لأجل ما

ذكر ليسا على وجه لو فرض تمكن المكلف من العمل بكليهما معا يكون ذلك منه‏

مطلوبا،و التعبد بكل واحد منهما عينا بدون التعبد بالآخر كذلك و إن كان أمرا

جائزا،لفرض الشك في مخالفة كل منهما بالخصوص و في حد نفسه للواقع،

و إمكان التوصل به إلى الواقع بدون العمل بالآخر،لكن لما كان المفروض‏

اشتمال كل منهما على شرائط الحجية المعتبرة في دليل اعتبارهما على نحو اشتمال‏

الآخر عليها و دخول كل منهما من مصاديق العنوان المحكوم على حجيته في ذلك‏

الدليل،و هو خبر العادل مثلا،فلا يقتضي ذلك الدليل اعتبار أحدهما دون الآخر.

و التعبد بكل منهما تخييرا-أيضا-و إن كان أمرا جائزا،لعدم استلزامه‏

المحذور المتقدم،إلا أنه لا يقتضيه ذلك الدليل،لفرض كون مؤداه اعتبار كل‏

منهما على التعيين،و المفروض عدم ورود دليل آخر على حجية أحدهما تعيينا أو

حجية كل منهما تخييرا،لفرض الكلام في المقام في مقتضى الأصل مع الإغماض‏

عن ورود دليل آخر،فاللازم من ذلك كله إنما هو عدم حجية شي‏ء منهما فعلا في‏

إثبات مؤداه و نفي مؤدي الآخر،فيحرم التدين بمؤدى كل منهما،لفرض عدم‏

ثبوت التدين به،لكن لا يلزم منه عدم حجية واحد منهما في نفي الاحتمال‏


220
المخالف لكليهما،إذ المفروض اشتمال كلّ منهما على المقتضي للحجية في جميع‏

مدلوله،و هو كونه خبر العدل الضابط،الغير المعلوم الكذب مثلا،إلا أنه منع‏

وقوعه طرفا لذلك العلم الإجمالي مما يقتضيه المقتضي بالنسبة إلى إثبات مؤداه‏

و نفي مؤدى الآخر دون غيرهما من مداليله،و من المعلوم أنه مع إحراز المقتضي‏

لا بد من الاقتصار في ترك العمل بمقتضاه على مقدار مانعية المانع،و الأخذ بما

يبقى منه،فإن المقتضي مع عدم المانع علة تامة لترتيب المقتضي(بالفتح)و هو

التعبد بالخبر و ترتيب مدلوله عليه في المقام بالنسبة إلى صورة انتفاء المانع،

فيكون كل منهما حجة فعلا في نفي الاحتمال المخالف لكليهما.

و من هذا الباب حجية العمومات المعلومة التخصيص بالنسبة إلى بعض‏

الأفراد في إثبات الحكم للأفراد الأخر،و من المعلوم المحقق-في محله-جواز

التمسك بها فيما إذا كانت مخصصه بمخصص مبين إثبات الحكم لغير مورد

التخصيص و فيما إذا كانت مخصصة بمخصص مجمل في الجملة في إثباته لغير

مورد الإجمال و فيما إذا كانت مخصصة بمخصص مجمل من جميع الجهات في نفي‏

الاحتمال المخالف لهما.

و من هنا يظهر الفرق بين تعارض الطريقين المعتبرين في أنفسهما و بين‏

اشتباه طريق معتبر في نفسه بغيره الغير المعتبر كذلك،كما إذا اشتبه خبر صحيح‏

بضعيف غير منجبر،فإن المقامين و إن اشتركا في الحكم بنفي الثالث فيهما،إلا

أن النافي له في المقام كل واحد من المتعارضين،و ثمة إنما هو المعلوم الإجمالي المردد

و هو الخبر الصحيح،فإن الطريق الغير المعتبر عند اشتباهه بالمعتبر لا يزيد على‏

ما كان عليه عند امتيازه عنه،فإن اشتباهه بذلك لا يجعله حجة،فتكون الحجة

حينئذ هو المعتبر المشتبه به لا غير،فهو النافي للثالث لا غير.

و قد يشكل الفرق:بأن المفروض في صورة تعارض الطريقين هو العلم‏

الإجمالي بكذب أحدهما و قد مر أنه لا يعقل حجية الطريق المعلوم الكذب،فلا


221
يكون كل منهما حجة،بل أحدهما،فالنافي للثالث إنما هو أحدهما،لا كل منهما،

فارتفع الفرق بين المقامين بما ذكر.

و يمكن دفعه،بأن غاية ما في المقام إنما هو العلم الإجمالي بكذب أحدهما

في مدلوله المطابقي،و أما كذبه بالنسبة إلى نفي الثالث الّذي هو مدلوله الالتزامي‏

فلا،و لما كان المفروض وجود مقتضي الحجية في كل منهما و قد مر أنه لا بد بعد

إحرازه من ترتيب مقتضاه عليه إلا أن يمنع مانع،و أنه على تقدير وجود مانع‏

لا بد من الاقتصار في رفع اليد عن مقتضاه بمقدار مانعية ذلك المانع،فهما بالنسبة

إلى مدلوليهما المطابقي كالطريق المعتبر و الغير المعتبر المشتبهين،و أما بالنسبة إلى‏

ذلك المدلول الالتزامي فلا.بل كل منهما حجة عليه فيصح الفرق.

و قد يشكل:بأن القدر المعلوم و إن كان كذب أحدهما في مدلوله المطابقي‏

دون مدلوله الالتزامي الّذي هو عدم الثالث،لكن مجرد الشك في كذبه في مدلوله‏

الالتزامي لا يصلح لكونه سببا لحجيته فيه،بل لا بد معه من حجيته في مدلوله‏

المطابقي-أيضا-بكونه أيضا مشكوكا،فإن المدلول الالتزامي من توابع‏

المطابقي،فإذا حكم بعدم إرادة المطابقي،فيحكم بعدم إرادة الالتزامي-أيضا-

فأحدهما الّذي علم بكذبه لا يكون حجة في نفي الثالث-أيضا-فارتفع الفرق‏

المذكور لذلك.

و يمكن دفعه،بأن المدلول الالتزامي لا يدور إرادته مدار إرادة المطابقي‏

نفيا و إثباتا،بل إثباتا فقط-بمعنى أنه لا يمكن انفكاك إرادة الالتزامي عن‏

إرادة المطابقي-و أما العكس فهو ممكن-كما في المدلول التضمني-فتأمل‏1.

1من الخطاب الدال على إرادة المطابقي إلا بعد حمله على إرادته منه.

و بالجملة استفادة الجزء أو اللازم من حيث كونهما جزء أو لازما متوقفة على استفادة الكل أو الملزوم.

نعم قد يكون استفادته منهما من الخطاب المتعلق بالكل أو الملزوم بوجه آخر غير متوقف على حمله‏

على إرادة الكل أو الملزوم،بل مبني على عدم إرادتهما و هو أنه إذا قام قرينة على عدم إرادتهما فيحمل‏

الخطاب على إرادة الجزء أو اللازم من جهة أنه إذا تعذر حمل لفظ على حقيقته فلا بد من حمله على أقرب‏

مجازاته إذا كان مجاز أقرب،و هما أقرب من سائر المجازات،و حمل العمومات-بعد قيام قرينة منفصلة

على عدم إرادة العموم-على ما عدى ما علم بخروجه من هذا الباب،فإن القرائن المنفصلة فيها ليست‏

كالمتصلة موجبة لظهور العام في إرادة الباقي فتكون معينة أيضا،بل إنما هي صارفة صرف،و التعيين‏

إنما يجي‏ء من جهة أقربية تمام ما عدى الخارج إلى مدلول العام من سائر مراتب الخصوص،لكن ما

نحن فيه أعني الطريقين المتعارضين خارج عن ذلك الباب،فإن المفروض مساواة الطريقين في كيفية

الإفادة من النصوصية و الظهور و عدم مزية و قوة لدلالة أحدهما على دلالة الآخر،و من المعلوم أنه إذا

كانا نصين لا يمكن التصرف في شي‏ء منهما بوجه بحمله على إرادة جزئه أو لازمه،بل الأمر دائر بين‏

الأخذ بتمام مؤدى هذا و بين الأخذ بتمام مؤدى ذاك،و أما إذا كانا ظاهرين فكل منهما حينئذ و إن كان‏

قابلا للتأويل و الحمل على خلاف ظاهره،لكن لا بد أن يكون الاعتماد في التصرف على أمر ثالث،لا

على صاحبه المساوي له،لعدم صلاحيته لذلك،و لما كان المفروض انتفاء أمر ثالث فلازمه إرادة تمام‏

مدلول هذا أو تمام مدلول ذاك،فالعلم بكذب أحدهما في مدلوله المطابقي مانع منه من حجيته في مدلوله‏

الالتزامي أيضا،فأحدهما غير حجة في مداليله مطلقا.

و من هنا يظهر أن الظاهرين المتعارضين ليس شي‏ء منهما من مقولة الخطاب المجملة من جهة

اكتنافها بما أوجب إجمالها،فإن الشك هناك إنما هو في المراد من الخطاب بعد الفراغ عن إرادة معنى‏

منه في الجملة،و هنا إنما هو في إرادة معنى الخطاب و عدم إرادته رأسا،و سيجي‏ء لذلك مزيد بيان في طي‏

بيان جواز التعدي عن المرجحات المنصوصة و عدمه،فانتظر.

و كيف كان فقد ظهر الفرق بين المقام و بين العمومات المخصصة،و بطل قياسه عليها،فتدبر و لا

تغفل.لمحرره عفا اللَّه عنه.


222
و الّذي يقتضيه دقيق النّظر عدم تمامية الفرق بما ذكر،و مقتضى التحقيق‏

ثبوت الفرق بين المقامين بوجه آخر:و هو أن أحد الطريقين في المقام و إن لم يكن‏

حجة في مداليله مطلقا لما ذكر في تقرير الإشكالين المتقدمين إلا أنه ليس أحدهما

المعين في الواقع المجهول في الظاهر،كما هو الحال في ذلك المقام،حيث أن غير


223
الحجة هناك إنما هو معين واقعي،و هو الخبر الضعيف مثلا مجهول في الظاهر،

لاشتباهه بالصحيح،بل أحدهما الغير المعنون بعنوان معين له في الواقع الّذي‏

هو في قوة أحدهما على البدل،لأن غاية ما في المقام العلم بكذب أحدهما مع قيام‏

احتمال كذب الآخر-أيضا-فلا يعقل أن يكون عنوان معلوم الكذب متعينا في‏

أحدهما بخصوصه في الواقع،و تعينه فيه فيما إذا علم بصدق الآخر إنما هو من‏

لوازم العلم بصدق الآخر لا من لوازم العلم بكذب أحدهما حتى يجري في صورة

الشك في صدق الآخر أيضا.

و بعبارة أخرى أوضح:إنه لا يعقل اعتبار مصادقة الواقع و الصدق في‏

نصب الطرق الغير العلمية،بأن يكون المجعول منه حجة هو المصادف للواقع،

لأن ذلك العنوان إن حصل العلم به فيخرج الطريق المجعول عن كونه طريقا

غير علمي،فلا يكون حجة بمقتضي دليل اعتبار الطريق الغير العلمي،بل‏

حجيته حينئذ من باب كونه علما،و هو حجة في نفسه لا يجعل جاعل،و إن لم‏

يحصل العلم به،فلا ينفع نصبه طريقا للمكلف في شي‏ء،فاعتبار الطريق الغير

العلمي من حيث كونه طريقا غير علمي يناقضه تقييده بصورة مصادفته للواقع،

كما أنه لا يعقل تقييده بصورة العلم بكذبه تفصيلا،فإنه حينئذ يخرج عن قابلية

الطريقية،و عدم شمول الحكم له حينئذ من باب التعبد و الاختصاص،لا التقييد

و التخصيص.

نعم يمكن تقييده بصورة عدم كونه من أطراف معلوم الكذب إجمالا،

لعدم استلزامه لشي‏ء من المحاذير،إلا أنه غير واقع إلا فيما إذا كان الطرف‏

الآخر مساويا له في سائر شرائط الحجية التي متحققة فيه،إذ لا شبهة في حجية

الخبر الصحيح الّذي علم إجمالا بكذب الطريق المردد بينه و بين القياس مثلا في‏

الظاهر،فما يصح اعتباره في اعتبار الطريق الغير العلمي غير وصف مصادفته‏

للواقع،كعدالة الراوي و ضبطه و نحوهما،و المفروض في تعارض الطريقين اشتمال‏


224
كل منهما على الأوصاف المعتبرة في الاعتبار على نحو اشتمال الآخر عليها و كون‏

كل منهما مندرجين في العنوان الّذي دل الدليل على اعتباره لشرائطه،و هو خبر

العدل الضابط مثلا،و قد علمنا من جهة تنافي مدلوليهما كذب واحد منهما حيث‏

أنه يمتنع صدق المتنافيين،لكنه ليس واحدا معينا في الواقع مجهول في الظاهر،

بل هو أحدهما بلا عنوان معين له،لأن معينه الواقعي إما وصف الكذب و إما

العلم بالكذب،و إما غيرهما،لا سبيل إلى شي‏ء منهما.

أما الأول:فلفرض احتمال الكذب في كليهما،إذ من المعلوم أنه على‏

تقدير كذبهما جميعا لا يعقل أن يكون الكذب معينا لأحدهما،لفرض عدم‏

اختصاصه بواحد منهما.

و أما الثاني:فلأنه لا يعقل اعتباره في متعلقه،لأنه من جعل الشي‏ء

موضوعا لنفسه.

و أما الثالث:فالمفروض كون المتعارضين فيه سواء واقعا من غير

اختصاص له بأحدهما حتى يصلح لكونه معينا،فإذا كان الّذي علم كذبه‏

أحدهما بلا عنوان معين فغير الحجة منهما إنما هو أحدهما بلا عنوان،كما أن الحجة

منهما إنما هو أحدهما كذلك.

هذا مع أن الكذب لا يعقل أخذه و اعتباره غاية،لعدم الحجية،لاستلزامه‏

لأخذ وصف المصادفة شرطا في الحجية.

و الحاصل أن الّذي علم من ملاحظة تنافي مدلوليهما إنما هو كذب أحدهما

بلا عنوان،فأحدهما بلا عنوان غير حجة في مداليله مطلقا،و أحدهما كذلك حجة

في مداليله مطلقا،لفرض بقاء احتمال‏ (1) صدقه مع اشتماله على شرائط الحجية

إلا أنه لما لم يكن له عنوان ما مر فيكون تعيينه في خصوص أحدهما تعيينا بلا

1)في النسخة الأصلية(احتماله)و الصحيح ما أثبتناه في المتن.

225
معين،فلأجل ذلك لا يعمل بشي‏ء منهما في مؤداه المطابقي،و إنما بنفي الثالث‏

بأحدهما المحتمل الصدق الغير المعنون بعنوان الّذي هو الحجة.

هذا بخلاف ما إذا اشتبه طريق معتبر بغيره،فإن المعتبر له عنوان واقعي‏

غير عنوان الغير المعتبر،فالنافي هناك للثالث إنما هو معين واقعي مجهول في‏

الظاهر،ففيما إذا اشتبه خبر صحيح بضعيف يكون النافي له هو الصحيح الّذي‏

هو معين في نفسه في الواقع،فالمقامان اشتركا في حكم التساقط بالنسبة إلى‏

المدلول المطابقي لكل من الطريقين و في أن النافي للثالث فيهما إنما هو أحدهما

لا كل منهما و لا كلاهما معا،و افترقا في أن النافي له في مقامنا هذا هو أحدهما بلا

عنوان معين،و هناك هو أحدهما المعين.

و كيف كان،فحاصل ما يقتضيه تدقيق النّظر في تعارض الطريقين‏

تساقطهما في مؤداهما و عدم كون واحد منهما حجة فعلية في إثبات مؤداه المطابقي‏

فإنه لما علم بكذب أحدهما فلا يكون أحدهما حجة لذلك،و أحدهما و إن لم يعلم‏

بكذبه إلا أنه لما لم يكن له مائز و يكون تعيينه في خصوص واحد منهما ترجيحا

بلا مرجح فلا يكون هو-أيضا-حجة في مؤداه المطابقي فعلا،لكنه حجة في‏

نفي الثالث،لفرض وجود المقتضي فيه،فلا بد من ترتيب مقتضاه عليه مع عدم‏

المانع منه،و الّذي ذكر إنما هو يمنع منه بالنسبة إلى مدلوله المطابقي دون‏

الالتزامي.

لا يقال:قد مر أن المدلول الالتزامي تابع للمطابقي،فإذا لم يمكن الحكم‏

بإرادة المطابقي فكيف يمكن الحكم بإرادة الالتزامي.

لأنا نقول:إن مقتضى المانع المذكور إنما هو عدم إمكان الحكم بإرادة

المدلول المطابقي لأحد الطريقين بالخصوص و أما المدلول المطابقي لأحدهما لا

على التعيين فذلك لا يمنع من الحكم بإرادته،فيحكم بكونه مرادا،فيتبعه مدلوله‏

الالتزامي الّذي هو عدم الثالث،فيحكم بعدم الثالث،فإن البناء على إرادة


226
المدلول المطابقي لأحدهما لا على التعيين إنما لا ينفع في الحكم بإرادة خصوص‏

واحد من المدلولين المطابقيين لهما،و أما في الحكم بعدم إرادة الثالث فيجدي جدا،

فإن المفروض أن كل واحد من الطريقين دال على نفي الثالث التزاما،فأحدهما

لا على التعيين المحكوم بإرادة مدلوله المطابقي في أي منهما تعين،يقتضي نفي‏

الثالث التزاما.

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

و اما المقام الثاني:فتوضيح المرام أن المتصور فيه،بل الممكن وجوه:

أحدهما:أن يكون المستعمل فيه الخطاب الدال على اعتبار الخبر هو

الوجوب التعييني،لكن بالنظر إلى ذات الخبر من غير ملاحظة حال التعارض‏

أو التزاحم،بأن يوجه به البعث و التحريك إلى العمل به بالنظر إلى ذاته،كما هو

الحال في الخطاب الدال على حلية الأشياء أو طهارتها،كقوله تعالى: أحل لكم‏

الطيبات (1) فإن المراد به إنما هو الرخصة في تناولها بالنظر إلى ذاتها التي لا

تنافي المنع عن تناولها في بعض الحالات لأجل عروض مانع،ككونها مغصوبة

مثلا.

نعم المانع عند عروضه مانع من فعليتها مع بقاء مقتضيها.

و فائدة الرخصة،أو الطلب كذلك-فيما إذا اتحد متعلقهما مع عنوان محرم،

فارتكبه المكلف حينئذ-أنه يستحق حينئذ عليه عقاب واحد،و بدونهما-بأن‏

يكون أصل الفعل في حد ذاته محرما إذا اتحد مع عنوان آخر محرم كأكل النجس‏

المغصوب مثلا1-يتعدد العقاب على الارتكاب.

1و كوطء الأجنبية الحائض فانه يستحق عليه عقابان أحدهما من جهة كونه وطءا للأجنبية حيث أنه‏

محرم ذاتا و ثانيهما من جهة وطئ المرأة حال الحيض،هذا بخلاف ما إذا كانت الحائض الموطوءة زوجته‏

فإنه حينئذ يستحق عقاب واحد من الجهة الثانية فقط لكون وطئها مباحا في حد ذاتها.لمحرره عفا

اللَّه عنه.

1)المائدة:4.

227
و فائدة الطلب التعييني كذلك بالنسبة إلى ذات الخبرين المتعارضين مع‏

فرض امتناع فعليته في كل منهما و لا في واحد منهما-كما مر-أنه يشتبه تحرير

المقتضي للعمل بكل منهما أو بواحد منهما-بناء على ما قويناه أخيرا1-من أن‏

المقتضي للعمل إنما هو لأحدهما بلا عنوان،لا لكل منهما،لفرض العلم بكذب‏

أحدهما كذلك،فيقال،في تقرير ثبوت المقتضي لأحدهما بلا عنوان أنه لا شبهة

في مساواته للخبر السليم عن المعارض من حيث وجود المقتضي فيه،و هو كونه‏

خبر عدل غير معلوم الكذب.

و إنما الفرق بينهما أن هذا لما لم يتعين مورده في خصوص أحد المتعارضين،

1قولنا بناء على ما قويناه..إلى آخره:يمكن المناقشة فيه بأن المفروض طلب العمل على طبق كل واحد من‏

الخبرين و جعله طريقا في مؤداه في حد ذاته فهو يكشف عن وجود المقتضي للحجية في ذات كل منهما،

و من المعلوم أن ما ثبت لذات الشي‏ء ثابت له في جميع أحواله التي منها حال التعارض في حمل الغرض،

فكل منهما مشتمل على مقتضي وجوب العمل تعيينا في تلك الحال،إلا أن التعارض مانع من عينية

الوجوب،فيترتب عليه أصله المتحقق في ضمن التخييري،كما هو الحال فيهما،بناء على اعتبارهما من‏

باب السببية.

لكنها مدفوعة بأن وجوب العمل على الفرض المذكور أيضا-بناء على اعتبارهما من باب‏

الطريقية-لا يتعلق بذات خصوص شي‏ء منهما،بل إنما هو يتعلق بعنوان الخبر الغير المعلوم الكذب.

و بعبارة أخرى إنه يتعلق بذات ذلك العنوان من حيث هو،و هذا العنوان صادق على أحدهما الغير

المعين في خصوص شي‏ء منهما،لا على كل منهما فتأمل،فالمقتضي للحجية إنما هو متحقق في أحدهما بلا

عنوان،لا في كل منهما،هذا.

و بل يمكن دعوى ذلك بناء على اعتبارهما من باب السببية أيضا،إذ من المعلوم أنه على ذلك‏

التقدير-أيضا-لا يجب العمل بالخبر المعلوم الكذب،بل موضوع وجوب العمل حينئذ-أيضا-هو

المحتمل للصدق منه الصادق في صورة التعارض على أحدهما بلا عنوان.

اللهم إلا أن يقال إنه و إن كان صادقا على أحدهما بلا عنوان إلا أنه صادق على خصوص كل منهما

أيضا لفرض عدم معلومية كذب خصوص شي‏ء منهما فثبت المقتضي لوجوب العمل في خصوص كل‏

منهما لذلك و العلم بكذب أحدهما بلا عنوان ربما يمنع من العمل بواحد منهما بالخصوص في مؤداه على‏

وجه الطريقية دون السببية فافهم.لمحرره عفا اللَّه عنه.


228
فذلك منع من التمسك و حجيته فعلا في إثبات مؤداه المطابقي.و أما بالنسبة إلى مؤداه الالتزامي الخالي عن المانع،فلا فرق بينهما بوجه.

فيقتصر في رفع اليد عنه على مقدار ما يمنعه المانع-لما مر-من أنه بعد ثبوت‏

المقتضي فلا بد من ترتيب مقتضاه عليه حسبما أمكن.

و قد مر أنه لا مانع من ترتيب نقيض مقتضاه عليه حينئذ،و هو نفي‏

الثالث-بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقية-و العمل بأحدهما مخيرا

-بناء على اعتبارها على وجه السببية-و كذلك الحال في سائر الواجبات النفسيّة

المتزاحمة.

و بالجملة إذا كان الحكم معلقا على ذات الشي‏ء من حيث هو،فتعليقه‏

عليه على هذا الوجه يكشف عن ثبوت المقتضي له فيه مطلقا في جميع حالاته،

و لازمه ترتيب ذلك الحكم أمرا كان،أو نهيا عليه إذا لم تزاحمه جهة أخرى خارجية

مساوية له،أو غالبة عليه،و على تقدير التزاحم يقتصر على مقداره.

ثم إن ذلك الشي‏ء إذا عرضته جهة أخرى مؤكدة لما فيه من مقتضي ذلك‏

الحكم بأن اتحد مع عنوان آخر مشتمل على الجهة المقتضية للحكم الّذي تقتضيه‏

جهة ذات ذلك الشي‏ء فلازمه ثبوت مرتبة متأكدة من ذلك الحكم له حينئذ،فإن‏

كل علتين مشتركتين في معلول إذا وردتا على مورد دفعة فلا يعقل أن يؤثر كل‏

منهما أثرا ممتازا عن أثر الآخر،بل يؤثر كل منهما حينئذ ذلك المقدار الّذي كانت‏

تؤثر فيه،فيتداخل أثرهما و يكون الحاصل من كليهما مرتبة بمقدار مجموع‏

المقدارين،كما في صورة ورود علتين للسواد،أو الحمرة على مورد دفعة.

و الحاصل أنه يؤثر كل منهما حينئذ أثره،لكن وحدة المورد مانعة من امتياز

أثر كل منهما عن أثر الآخر،نظرا إلى امتناع اجتماع المثلين كاجتماع الضدين‏

في مورد واحد،و لأجل كون كل منهما مؤثرة ترى أنه تتعدد آثارهما حينئذ،كتعدد

العقاب على الفعل إذا كان الحكم الحرمة،أو على الترك إذا كان هو الوجوب.


229
و ثانيها:أن يكون المستعمل فيه اللفظ هو خصوص الوجوب التعييني-

أيضا-لكن مع ملاحظة تقييده بغير صورة التزاحم و التعارض،فيكون حاله‏

حال سائر التقييدات اللفظية من حيث رجوع التقييد إلى تقييد المصلحة

المقتضية للحكم،هذا بخلاف الوجه الأول،فإن التقييد بناء عليه إنما هو من‏

جانب العقل،و هو راجع إلى تقييد فعلية تأثير تلك المصلحة مع ثبوت أصلها

مطلقا،لا إلى تقييد نفسها،و لازمه عدم ثبوت وجوب العمل للطريقين مطلقا،لا

تخييرا،و لا تعيينا،على كل من وجهي اعتبارهما من السببية،أو الطريقية

أما الوجوب التعييني فواضح.

و أما التخييري،فلأنه لا مقتضي حينئذ حتى يترتب عليه مقتضاه على‏

حسب الإمكان،فيقال-بناء على اعتبارهما من باب السببية-إن الممتنع إنما

هو تأثيره في عينية الوجوب،دون أصله باعتبار تحققه في ضمن التخييري،

-و بناء على اعتبارها من باب الطريقية-إن الممتنع إنما هو حجية أحدهما الغير

المعلوم الكذب في مؤداه المطابقي،لما مر غير مرة،و أما حجيته بالنسبة إلى مدلوله‏

الالتزامي-و هو نفي الثالث-فممكن،فيكون حجة عليه لوجود المقتضي‏

بالنسبة إليه و عدم المانع منه.

فعلى هذا،فاللازم في صورة التعارض-بناء على اعتبارهما من باب‏

الطريقية-فرض المسألة التي تعارضا فيها كالمسألة الخالية عن النص رأسا

و العمل على مقتضى الأصول العملية المقررة لتلك الصورة.

و بناء على اعتبارهما من باب السببية فلا يفرض شك في جواز عدم‏

العمل بواحد منهما،لفرض تقييده دليل اعتبارهما بغير تلك الصورة و يرجع في‏

الشك في المسألة المتفرعة عليهما إلى تلك الأصول المقررة لصورة فقد النص.

و ثالثها:أن يكون المستعمل فيه اللفظ هو خصوص الوجوب التعييني‏

مع إرادة شموله لصورة التزاحم و التعارض،لكن من باب التوطئة لإفادة حكم‏


230
صورة التزاحم و التعارض على وجه ينطبق على غرضه من مطلوبية العمل بكل‏

من الخبرين حال التعارض-أيضا-في حد ذاتهما و طلبه للعمل بكل منهما حينئذ

تخييرا-بناء على اعتبارهما من باب السببية-و من حجية أحدهما بلا عنوان‏

الّذي يجدي في نفي الثالث-بناء على اعتبارهما من باب الطريقية-بمعونة

العقل‏1جمعا بين الحقين من إفادة الغرض على ما هو عليه في نفسه،و الاستراحة

عن كلفة إيراد خطاب آخر لبيان حكم خصوص صورة التعارض أو التزاحم.

بيان ذلك:إن الّذي في نفسه إنماهووجوب العمل بكل واحد من آحاد

الخبر عينا في صورة السلامة عن المعارض مطلقا،و تخييرا في صورة التعارض‏

-بناء على اعتبارها من باب السببية-و عدم وجوب العمل بواحد منهما في مؤداه‏

مع العمل بواحد منهما بلا عنوان في نفي الثالث في تلك الصورة.

و من المعلوم أن حكمها في صورة التزاحم،أو التعارض مخالف لحكمها في‏

صورة السلامة،فلا يمكن إفادة الحكمين بخطاب واحد،لتوقفه على جواز

استعمال اللفظ في معنيين،فلا بد إذن إما من خطابين،أو خطاب واحد يصلح‏

لإفادة حكم الصورتين و لو بمعونة العقل،مع عدم استلزامه لمحذور استعماله في‏

معنيين،و مع إمكان خطاب واحد معه لذلك على الوجه المذكور لا حاجة إلى‏

خطابين،فإن إيراد خطاب يدل على الوجوب التخييري مثلا و إن لم يكن مفيدا

لحكم الصورتين و لو بمعونة العقل نظرا إلى أن غاية ما يترتب عليه إطلاقه‏

بالنسبة إلى صورة السلامة-أيضا-،و من المعلوم أن ثبوت الوجوب التخييري‏

لا يكشف عن مقتضي الوجوب التعييني حتى يحكم بمقتضاه في صورة السلامة،

إلا أن الخطاب الدال‏2على الوجوب التعييني مع تعميم الوجوب بالنسبة إلى‏

1قولنا بمعونة العقل متعلق بالإفادة في قولنا لإفادة حكم صورة التعارض.لمحرره عفا اللَّه عنه.

2نعم مع عدم تعميمه بالنسبة إلى تلك الصورة يفهم منه التقييد في المقتضي المستلزم لعدم ثبوت الحكم‏

في تلك الصورة أصلا كما مر سابقا فلا يكون مفيدا لغرضه الكامن في نفسه.لمحرره عفا اللَّه عنه.


231
صورة التزاحم و التعارض كاف في إفادة حكم الصورتين بمعونة العقل.

أما إفادته لحكم صورة السلامة عن المعارض و المزاحم فظاهرة.

و أما إفادته لحكم صورةعدم‏السلامة عنهما،فلأنه إما يدل على اعتبار

الخبر من باب السببية،و إما أن يدل عليه باعتبار الطريقية.

فإن كان مفاده هو الأول،فتقريب استفادة حكم الصورة المذكورة

حينئذ أن العقل لما رأى ثبوت الوجوب التعييني لكل منهما مع عجز المكلف عن‏

العمل بكليهما جميعا و مع ملاحظة أن المتكلم حكيم لا يكلف بغير المقدور،

فيستفيد من ذلك كله أن غرض المتكلم من تعميم الوجوب التعييني إلى تلك‏

الصورة إنما هو التنبيه على تمامية المقتضي له في كل منهما فيها و أنه يجب العمل‏

بمقتضاه بما أمكن،و هو العمل بأحدهما لا تركهما جميعا،و هكذا يقال:في سائر

الواجبات النفسيّة أيضا.

و إن كان مفاده هو الثاني،فتقريب استفادة حكم الصورة المذكورة

حينئذ أن العقل لما رأى إطلاق وجوب العمل بالنسبة إلى تلك الصورة،و علم أن‏

الغرض إنما هو العمل بهما بعنوان الطريقية مع ملاحظته أنه لا يعقل التعبد

بطريق معلوم الكذب،بل لا بد فيه من احتمال الإيصال،و أن التعبد بكل منهما

في مؤداه المطابقي عينا مستلزم للتعبد بالطريق المعلوم الكذب كذلك،و بواحد

منهما بالخصوص لا يدل عليه الكلام لفرض مساواتهما في العنوان المأخوذ فيه و أن‏

أحدهما بلا عنوان محتمل له مساو للخبر السليم عن المعارض من حيث اشتماله‏

على الجهة المقتضية للحجية،إلا أنه لعدم تعينه في شخص خاص لا يمكن‏

التمسك في مؤداه المطابقي مع إمكان التمسك به في مؤداه الالتزامي،و مع ملاحظة

أنه مع وجود المقتضي يترتب عليه مقتضاه إذا لم يمنعه مانع،فيستفيد من ذلك‏

كله أن الغرض إنما هو حجية أحدهما بلا عنوان في نفي الثالث،و عدم حجية


232
شي‏ء منهما في مؤداه المطابقي‏1.

و رابعها:أن يكون المستعمل فيه اللفظ هو القدر المشترك بين الوجوب‏

التعييني و التخييري و إيكال إفادة العينية و التخييرية بالنسبة إلى صورتي‏

التزاحم و عدمه إلى العقل،و كذا إفادة أن التخييري على تقديره ليس‏

كالتخييري المصطلح،و هو ما يسقط عن مورده المطلوبية و المحبوبية و المصلحة

بمجرد الإتيان ببدله،بل المصلحة موجودة في المبدل بعد الإتيان يبدله أيضا

أما تقرير استفادة العقل عينية الوجوب بالنسبة إلى غير صورة التزاحم‏

فهو أنه بعد ما علم أنه طلب العمل بالخبر مع فرض عدم جعل بدل له في مقام‏

امتثال ذلك الطلب المتعلق به يحكم بلزوم العمل به عينا،فإن لازم عدم جعل بدل‏

لواجب عقلا انحصار مورد الامتثال في ذلك الواجب،كما أن لازم جعل بدل له‏

إنما هو عدم انحصار مورده فيه،و منه يظهر وجه استفادة الوجوب التخييري‏

بالنسبة إلى صورة التزاحم.

و يمكن استفادته بوجه آخر أحسن،بل متعين‏2و هو أن الطلب‏

المفروض تعلقه بكل من المتزاحمين لا يعقل كونه تعيينيا،لاستلزامه للتكليف،بما

1لا يقال:إن المفروض وجود المقتضي لأحدهما بلا عنوان فهو حجة عينا في مؤداه المطابقي أيضا و هو

صادق على خصوص كل منهما على حد سواء و لازمه التخيير منهما.

لأنا نقول:المفروض حرمة العمل بأحدهما بلا عنوان أيضا لفرض العلم بكذب أحدهما كذلك‏

و هو صادق على كل منهما فيدور الأمر في كل منهما بين حرمة العمل به في مؤداه المطابقي و بين جوازه‏

فيتساقط الجواز و الحرمة في كل بالنسبة إلى مؤداه المطابقي فيرجع إلى الأصل في مؤدى كل منهما.لمحرره‏

عفى اللَّه عنه.

2قولنا بل متعين،وجهه أن جعل البدل في المقام إنما هو من قبل العقل و هو إنما يحكم به بعد حكمه برفع‏

التعيين عن كل من المتزاحمين مع ثبوت أصل الوجوب لكل منهما تخييرا،و في الحقيقة بدلية كل منهما عن‏

الآخر مفهوم منتزع من حكمه برفع التعيين من غير أن تكون هي بحكم آخر منه،فبدلية كل منهما

عن الآخر متوقفة و متفرعة على رفع التعيين عن كل منهما مع ثبوت الوجوب التخييري له،فلو توقف‏

حكمه بالتخيير حينئذ على بدلية أحدهما عن الآخر يلزم الدور.لمحرره عفا اللَّه عنه.


233
لا يطاق،فيتعين في التخييري.

و هذا الوجه إنما يجري في الخبرين المتعارضين-بناء على اعتبار الاخبار

من باب السببية-،و أما-بناء على اعتبارها من باب الطريقية-فلا يكاد يجري‏

فيهما.

و يمكن إجرائه فيهما بتقريب آخر:و هو أنه أريد من الخطاب وجوب‏

التعبد بكل خبر،و جعله طريقا في مؤداه من غير ملاحظة التعيين و التخيير فيه،

فحينئذ تلاحظ خصوصية الموارد.

فإن كان المورد قابلا للوجوب التعييني،بأن يكون الخبر المفروض تعلق‏

الوجوب به سليما عن معارضة مثله في مؤداه،فيتعين وجوبه في التعيين.

و إن لم يكن قابلا لذلك لأجل معارضته بمثله،فلا مانع عقلا من كونه‏

حينئذ تخييريا،و إلا للزم طرح الأخبار الآمرة بالتخيير في المتعارضين المتساويين،

فيتعين في التخييري،فعلى هذا فيكون التخيير في المتعارضين بمقتضى أدلة

اعتبارهما و يكون أصلا أوليا فيهما.

نعم وجوب الترجيح حينئذ-فيما إذا كان مرجح لأحدهما-إنما هو أصل‏

ثانوي وارد عليه،لعدم اقتضاء أدلة اعتبارهما ذلك،إذ المفروض اشتمال كل منهما

على الشرائط المعتبرة في الحجية المأخوذة في أدلة اعتبارهما،و المزية القائمة

بأحدهما-التي تدل تلك الأخبار على وجوب الترجيح بها-خارجة عن تلك‏

الشرائط،فأولوية الأخذ بذيها إنما جاءت من قبل تلك الأخبار.

فإذا عرفت تلك الوجوه،فهل الأوفق بأدلة اعتبار الأخبار أي منها؟

لا يخفى أن الثاني منها-مع منافاته لظواهر تلك الأدلة حيث أنها ظاهرة

في الإطلاق-يمنع من المصير إليه الأخبار العلاجية المفيدة لحجية أحد

المتعارضين في الجملة.

مضافا إلى قيام الإجماع عليه أيضا،فلا يمكن حمل تلك الأدلة عليه.


234
و الرابع منها و إن كان هو مقتضى ظاهر الأمر عرفا،لما حققنا في محله من‏

أنه ظاهر في مجرد الطلب الحتمي و أن التعيين و التخيير خارجان عن مدلوله‏

يلحقانه باعتبار خصوصيات الموارد المقتضية لأحدهما،إلا أنه يبعد إرادته من‏

الأوامر الواردة في تلك الأدلة،إذ لو كانت هي ظاهرة فيه لما يبقى تحير لأحد في‏

حكم صورة التعارض،فلم يكن داع لتلك الأسئلة في الأخبار العلاجية،و لا

لورود كثير منها مع عدم سبق سؤال-أيضا-فذلك يكشف عن اكتفاف تلك‏

الأوامر بما أوجب صرفها عنه إلى ما لا يغني عن بيان صورة التعارض،فلا يكاد

يمكن حملها عليه.

فظهر أن الأوفق بتلك الأدلة أحد الوجهين الآخرين،و هما الأول‏

و الثالث،لعدم منافاتهما لما ذكر.

إلا أنه قد يستشكل في صحة الوجه الأول في نفسه بأن إيراد الحكم إذا

كان إباحة و رخصة على ذات الشي‏ء من حيث هو و إن كان جائزا،بل واقعا

أيضا،لكنه يشكل فيما إذا كان من مقولة الطلب-كما هو المفروض في تلك‏

الأدلة-فإنه لا يكاد يمكن بقائه فيما إذا اقترن ذلك الشي‏ء بمانع من امتثاله،لكونه لغوا حينئذ،فلا يكون ثابتا لذات الشي‏ء من حيث هو،فإن الثابت له‏

كذلك لا بد من ثبوته له في جميع حالاته كما مر،فإن الذات متحققة في جميع‏

حالاته اللاحقة له و الحكم المعلق على موضوع يدور مدار ذلك الموضوع.

لكنه مدفوع بعدم الفرق بينه و بين الإباحة من تلك الجهة،لجريان شبهة

اللغوية فيها-أيضا-بعينها،إذ يقال فيها-أيضا-أنها لا يعقل بقائها فيما إذا

اقترن الشي‏ء بجهة محرمة فيلغى إلى آخر ما ذكر من التقريب.

و الّذي يقوي في النّظر أن ذلك الحكم لا يمكن فعليته‏1في صورة وجود

1المراد بالفعلية انما هو فعليته بالنسبة إلى آثاره-بمعنى ترتيبها في صورة وجود المانع-و بعدم الفعلية

ثبوت أصله مع عدم ترتيب تلك الآثار،فوجوده في تلك الصورة فعلي و آثاره شأنية.لمحرره عفا اللَّه عنه.


235
المانع،فإنه إنما يمنع من ترتيب آثاره التي هي المؤاخذة على المخالفة إذا كان‏

إلزاما،أو عدمها و جواز التناول فعلا إذا كان رخصة من غير فرق بين الطلب‏

و غيره،فافهم.

ثم إنه يظهر من المصنف(قدس سره)اختيار الوجه الثالث،حيث أنه‏

جعل كلا من المتعارضين مشمولا لدليل الاعتبار،إلا أنه قيد امتثال الأمر الوارد

فيها في كل منهما بصورة عدم العمل بالآخر-على تقدير اعتبارهما من باب‏

السببية-و جعلهما دليلا على نفي الثالث مع تساقطهما في مؤداهما لأجل‏

التعارض-بناء على اعتبارهما من باب الطريقية-فتدبر.

ثم إن في كلامه(قدس سره)في مقام تأسيسه للأصل في المتعارضين مواقع‏

للنظر لا يسعني المجال للتعرض لجميعها،فلنقتصر على واحد منها،و هو قوله:

(بل وجود المصلحة في كل منهما بخصوصه مقيد بعدم معارضته بمثله) (1) .

و لا يخفى على المتأمل أن وجود مصلحة الإيصال في كل منهما بالخصوص‏

مقيد بعدم وجودها في الآخر،لا بعدم معارضة موردها للآخر.

و كيف كان،فالأجود ما ذكرنا في تأسيس الأصل.

مفاد الأخبار عند التعارض‏

قوله-قدس سره-:(و أما أخبار التوقف الدالة على الوجه الثالث،

من حيث أن التوقف في الفتوى يستلزم الاحتياط في العمل) (2) .

(1)اعلم أن الوجه الثالث مركب من دعويين:

أحدهما:وجوب التوقف في المتعارضين و عدم الإفتاء بشي‏ء منهما.

و ثانيهما:الاحتياط في مقام العمل و الرجوع فيه إليه مطلقا.

1)فرائد الأصول 2:762.

2)فرائد الأصول 2:763.

236
و تقريب الاستدلال بأخبار التوقف على أولهما أنها آمرة بالتوقف في مورد

الشبهة،و كل من التوقف و الشبهة عام،فإن التوقف عبارة عن السكون و عدم‏

المضي،و الشبهة عبارة عن اشتباه الواقع،فكل منهما يعم المقام،فان عدم المضي‏

معنى واحد في مقام الفتوى و العمل،و الاختلاف إنما هو في مصاديقه،حيث أن‏

مصداقه في مقام الفتوى تركه،و في مقام العمل ترك العمل المخالف للاحتياط،

و كذلك الاشتباه معنى واحد في جميع الموارد،و الاختلاف إنما هو في مصاديقه،

حيث أنه في الشبهات الحكمية مسبب عن فقد النص،أو إجماله،أو عن تعارضه‏

-كما هو المفروض في المقام-و في الشبهات الموضوعية مسبب عن اختلاط

الأمور الخارجية مع تبين حكم العنوان الكلي،فتدل تلك الأخبار بإطلاقها على‏

وجوب التوقف في مقام الفتوى في الشبهة الحكمية الناشئة عن تعارض النصين‏

المبحوث عنها في المقام.

و أما تقريب الاستدلال بها على الثانية،أنه إذا ثبت بمقتضاها وجوب‏

التوقف من حيث الفتوى فثبت وجوبه من حيث العمل أيضا-لاستلزام‏

الأول للثاني،كما ادعاه المصنف(قدس سره).

و وجهه:أن وجوب التوقف من حيث الفتوى على تقدير ثبوته ثابت‏

مطلقا شامل للإفتاء بالحكم الظاهري،و وجوب التوقف من حيث الحكم‏

الظاهري يستلزم وجوبه من حيث العمل.

لكن الإنصاف:أن الاستلزام غير بين،بل يمكن منعه لانتقاضه‏

بالشبهات الحكمية التي يرجع فيها إلى أصالة البراءة العقلية،إذ من المعلوم أن‏

معنى الرجوع أنه يقبح المؤاخذة عقلا على التكليف من غير بيان و حجة،فلا

مؤاخذة على ارتكاب محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب مع فرض عدم قيام‏

الحجة عليهما،فيكون الحاصل نفي العقاب بمقتضى حكم العقل و ترك‏

الاحتياط في مقام العمل لذلك،و من المعلوم أن نفي العقاب كذلك ليس إفتاء


237
بالإباحة شرعا،لا ظاهرا و لا واقعا،فلا يخالف الاحتياط من حيث الفتوى،بل‏

يوافقه،فيتحقق هناك الاحتياط في الفتوى مع عدمه من حيث العمل.

لا يقال:إن غاية ما هناك تحقق الاحتياط في الفتوى مع الرخصة في ترك‏

الاحتياط من حيث العمل،و المدعى ثبوت التلازم بين وجوب الاحتياط في‏

الفتوى و بينه من حيث العمل،لا بين تحققه من حيث الفتوى و بين وجوبه من‏

حيث العمل.

لأنّا نقول:إن العمل بالبراءة الأصلية-أيضا-يقول بوجوب الاحتياط

من حيث الفتوى مع قوله بعدم وجوبه من حيث العمل،فتأمل‏1.

و الأولى أن يتمسّك بإطلاق أخبار التوقف،بتقريب أنّها تدل بإطلاقها

على وجوب التوقف من حيث العمل في مورد الشبهة-أيضا-و المفروض في‏

المقام الشبهة في حكم الواقعة لأجل تعارض النصين،فلا بد من التوقف من‏

حيث العمل-أيضا-فافهم.

قوله-قدس سره-:(و إلا لوجب التوقف) (1) .

(1)إشارة إلى وجه توهم دلالة الأخبار الآمرة بالتخيير في المتعارضين على‏

اعتبار الأخبار من باب السببية.

و توضيحه:أنه لو كان اعتبارها على وجه الطريقية لكان مقتضى القاعدة

1وجه التأمل أنه يمكن دفع النقض بموارد أصالة البراءة بأن ترك الاحتياط فيها من جهة أن المكلف‏

يستكشف من حكم العقل بقبح التكليف من غير حجة إباحة الفعل شرعا في مرحلة الظاهر،نظرا إلى‏

الملازمة بين حكمه و بين حكم الشرع فتركه العمل بالاحتياط في العمل بعد إفتائه بالإباحة الشرعية ظاهرا و اعتماده فيه إليها،إذ لا معنى للإباحة إلا رفع المنع و الجرح عن الفعل،و من المعلوم أنه يعلم‏

بحكم العقل المذكور أن الشارع رفع المنع عن الفعل المشكوك حكمه،فيجوز الإفتاء بالإباحة

الظاهرية شرعا فلم يجمع وجوب التوقف في الفتوى مع عدمه في العمل،بل اجتمع جوازه فيه مع جوازه‏

من حيث العمل فلا تغفل.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:763.

238
أن يحكم الشارع في المتعارضين منها بالتساقط في مؤداهما،فإن القاعدة فيهما

-بناء على اعتبارهما من باب الطريقية-إنما هو ذلك،كما مر غير مرة،و حكمه‏

بالتخيير يناسب اعتبارها على وجه السببية،إذ القاعدة فيهما-بناء على‏

اعتبارهما كذلك-إنما هو ذلك‏،و قوله(قدس سره):(لقوة احتمال أن يكون‏

التخيير حكما ظاهريا عمليا) (1) (1)دفع لذلك الوجه.

و توضيحه:أن اعتبارها على وجه الطريقية إنما ينافي ثبوت التخيير في‏

المتعارضين على نحو ثبوته للمتزاحمين من الواجبات النفسيّة،بأن يكون كل منهما

مطلوبا نفسيا واقعيا تخييرا.

و أما ثبوته فيهما بعنوان كونه حكما ظاهريا في مقام العمل‏فلا ينافي‏ (2)

كما مرت الإشارة إليه سابقا،و أخبار التخيير ليست ظاهرة فيه على الوجه‏

الأول،بل ساكتة عنه،فغاية ما ثبت منها إنما هو التخيير بين المتعارضين و هو أعم‏

منه فلا يدل عليه.

ثم إن وجه قوة احتمال كونه على الوجه الثاني ظهور أدلة اعتبار الأخبار

في اعتبارها على وجه الطريقية مع عدم ظهور أخبار التخيير على خلافها.

هذا مضافا إلى شهادة الأخبار الآمرة بالأخذ بالمرجحات،إذ لا ريب أن‏

تلك المرجحات من المزايا التي توجب أقربية ذيها إلى الصدور،أو أبعدية احتمال‏

عدم صدوره،و من المعلوم أن المعتبر في المتزاحمين في مقام الترجيح كون الراجح‏

مشتملا على مزية موجبة لتأكد مطلوبيته و أهميته بالنسبة إلى صاحبه،و مجرد

أقربية صدوره،أو أبعدية احتمال عدم صدوره بالنسبة إلى صاحبه لا يصلح لجعله‏

أهم سيما مع اشتمال صاحبه-أيضا-على جميع الشرائط المعتبرة في المطلوبية

1)فرائد الأصول 2:763.

2)زيادة يقتضيها السياق.

239
المأخوذة في أدلة اعتبارهما.

هذا مضافا إلى ما مر سابقا من أنه لا يتحقق التزاحم بين الخبرين إذا

كان اعتبارهما على وجه السببية إلا فيما إذا كان مؤدى أحدهما مطلوبية الفعل‏

و مؤدى الآخر مطلوبية تركه.

و على تقدير اعتبارهما على ذلك الوجه لا بد من تخصيص حكمي التخيير

و الترجيح بتلك الصورة،لعدم الدوران بينهما في غيرها،فلا داعي إلى ترك العمل‏

بأحدهما و طرحه،مع أن مورد الأخبار العلاجية أعم منها قطعا و بلا ريب من أحد

فيه.

و أيضا من الظاهر ورود أدلة اعتبار الأخبار في اعتبارها على طبق بناء

العقلاء،و من المعلوم أن بناءهم على اعتبارها من باب الطريقية،و قوله:(بل هو

أمر واضح) (1) (1)إشارة إلى هذا.

فكل من هذه الوجوه شاهد قوي على أن التخيير الثابت في المتعارضين‏

حكم ظاهري ثابت في مورد التوقف.

ثم إن المصنف(قدس سره)لم يذكر أخبار التخيير و إنما ادعى تواترها

عليه.

نعم بعض أخبار الترجيح التي ذكرها مشتمل على التخيير مع فقد

المرجحات،فيكون هو من أخبار التخيير-أيضا-و هو خاص بالنسبة إلى سائر

أخباره التي لم يذكر المصنف(قدس سره)و إني لم أتمكن من كتاب من كتب‏

الأخبار المشتملة عليهما مكنني اللَّه تعالى منها عن قريب،و وفقني للتدبر فيها

و شرح صدري و يسر أمري بمحمد و آله الطاهرين صلواته عليهم أجمعين إلى‏

يوم الدين.

1)فرائد الأصول 2:763.

240
ثم إن المصنف(قدس سره)ذكر الوجوه الثلاثة في المتعارضين على سبيل‏

الإطلاق المقتضي لجريان كل منهما على القول به في جميع موارد الأصل الأولي،

و هو التساقط،و ظاهر جعله كلا منها مقابلا للأصل السابق-أيضا-يقتضي‏

ذلك.

لكنه لا يستقم بالنسبة إلى الوجهين الأخيرين المشار إليهمابقوله(أو

العمل بما طابق منهما الاحتياط أو بالاحتياط و لو كان مخالفا لهما) (1) (1)ضرورة أن‏

الأصل المذكور المفروغ عنه يعم جميع موارد تعارض الخبرين حتى ما لا يكون‏

موردا للاحتياط،بمعنى عدم كون أحدهما موافقا له كما إذا كان مؤدى أحدهما

الوجوب،و مؤدى الآخر الحرمة،فلا يعقل حينئذ القول بالأخذ بما طابق منهما

الاحتياط أو بنفس الاحتياط و لو كان مخالفا لهما،فكان عليه(قدس سره)

أن يقول:(أو العمل بما طابق منهما الاحتياط إن كان أحدهما موافقا له و إلا

فالتخيير،أو بالاحتياط و لو كان مخالفا لهما مع إمكانه،و إلا فالتخيير)فحينئذ

يجري كل من الوجهين في جميع موارد الأصل المذكور،و كأنه(قدس سره)اعتمد

في إفادة ذلك الّذي ذكرنا على وضوحه،فلذا اقتصر في التعبير عنه بما ذكر.

ثم إن قوله:(أو بالاحتياط و لو كان مخالفا لهما)بعد تقييده بما ذكرنا أيضا

بظاهره لا يستقيم،فإن ظاهر قوله و لو كان مخالفا لهما هو الأخذ بما خالف كليهما

جميعا.

و من المعلوم أن عد ذلك وجها من وجوه المسألة بعد البناء على كون أحد

الخبرين المتعارضين حجة لا محالة تناقض ظاهر،فإن لازم كون أحدهما حجة

نفي الاحتمال الثالث،فمع التزامه لا يمكن المصير إلى وجوب الاحتياط

المخالف لهما،نعم يجوز ذلك.

1)فرائد الأصول 2:762.

241
و يمكن ان يوجه ذلك بأن مراده من قوله(و لو كان مخالفا لهما)ليس ما

كان مخالفا لكليهما،بل إنما هو المخالف لخصوص كل منهما،بقرينة تمثيله لذلك‏

بالظهر و الجمعة،فتأمل.

لكن يبقى فيه إشكال آخر،لا أرى محيصا عنه،و هو أنه بعد فرض كون‏

أحد الخبرين حجة لا محالة لا يعقل إيجاب الرجوع إلى الاحتياط فيما إذا كان‏

أحدهما موافقا له أيضا،لأن قضية الفرض المذكور كون المرجح في مقام العمل‏

أحد الخبرين،لا الاحتياط الموافق له.

اللهم إلا أن يوجه ذلك بأن المراد كون الاحتياط مرجعا في مؤدى‏

الخبرين،نظرا إلى أن القدر المتيقن من الإجماع و الأخبار حجية أحدهما في‏

الجملة،من غير ثبوت أن يكون ذلك على وجه التعيين أو التخيير،فلا يجوز

التمسك بواحد منهما في خصوص مؤداه لقيام احتمال كون الحجة أحدهما

بالخصوص و لا نعلمه،و المراد بحجية أحدهما في الفرض المذكور هذا،فمعنى‏

حجية أحدهما حجية أحدهما فعلا في نفي الثالث مع عدم كونه حجة في خصوص‏

مؤداه،فلا ينافي الرجوع إلى الاحتياط في خصوص مؤداه.

لكنه أفسد من سابقه،لأن ذلك-كما مر غير مرة-إنما هو يقتضي‏

الأولى‏1،و المراد بالوجه المذكور ما كان مخالفا له،و من المعلوم أن مقتضى‏

الإجماع و الأخبار المتواترة إنما هو حجية أحدهما حينئذ فعلا في مؤداه،و مراده‏

(قدس سره)أيضا ذلك.

هذا مع أن المفروض في مورده الوجوه الثلاثة إنما هي صورة تكافؤ

الخبرين،و عدم ترجيح لأحدهما شرعا،و معه لا يحتمل كون الحجية على تقدير

1نعم تفارقه من حيث أن مقتضاه حجية أحدهما بلا عنوان لا الغير المردد بين كونه أحدهما بالخصوص‏

أو على التخيير.لمحرره عفا اللَّه عنه.


242
ثبوتها-كما هو المفروض-مختصة بأحدهما،بل يلازم حجية كل منهما تخييرا.

قوله-قدس سره-:(و يحتمل أن يكون التخيير للمفتي،فيفتي بما

اختاره،لأنه حكم للمتحير،و هو المجتهد) (1) .

(1)فيه أن كون التخيير حكما للمتحير مسلم لكن المتحير ليس المجتهد

فحسب،بل المقلد-أيضا-متحير،فان تحيره في نفس الحكم الفرعي،و في أدلته،

و شرائط تلك الأدلة،و مؤدياتها،لا ينافي تحيره في الخبرين،بل هو من هذه الجهة

-أيضا-متحير،لا يدري ما يصنع فيهما،فيكون تحيره من هذه الجهة زائدا على‏

تحيره من الجهات الاخر المذكورة،فهو متحير في جميع جهات التحير للمجتهد،

التي منها تحيره في حكم الخبرين المتعارضين،الّذي حكمه التخيير بينهما،إلا أنه‏

عاجز عن استعلام ذلك الحكم و استنباطه،فإذا استنبطه المجتهد يكون ذلك‏

حكما مشتركا بينه و بين المقلد.

اللهم الا أن يقال:إن مطلق الجاهل لشي‏ء لا يسمى متحيرا في ذلك‏

الشي‏ء،و إنما يصدق عليه هذا العنوان إذا كان مبتلى به،و لا بد له من عمل فيه،

فينحصر في المجتهد1،إذ المقلد لمكان عجزه لا يلزمه التصدي لتعيين الطريق‏

الفعلي من المتعارضين.

قوله-قدس سره-:(فلو فرضنا أن راوي أحد الخبرين عند المقلد

أعدل إلى قوله فلا عبرة بنظر المقلد) (2) .

1و بعبارةأخرى‏إن المتحير هو ما يعبر عنه بالفارسية ب(درمانده)و هو لا يصدق إلا على من ليس‏

له بد من العمل مع جهله في كيفية العمل.

ألا ترى أن من لم يرد الذهاب إلى بغداد لكنه جاهل بطريقه لم يصدق عليه أنه متحير في طريق‏

بغداد،بل يقال له أنه جاهل به فحسب بخلاف من أراد الذهاب إليه مع جهله بطريقه فيصدق عليه‏

انه متحير في طريقه.لمحرره عفا اللَّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:763.

2)فرائد الأصول 2:763.

243
(1)قال(دام ظله)عدم العبرة بنظر المقلد-في الموارد المذكورة بحيث يكون‏

اعتقاده بخلاف ما اعتقده المجتهد كعدمه في جواز أخذه الحكم الّذي استنبطه‏

المجتهد بناء على اعتقاده في كيفية الطريق-مشكل غاية الإشكال،و إنما المسلم من‏

جواز تقليده له إنما هو ما إذا لم يكن معتقدا بخلاف ما اعتقده المجتهد في الطريق.

قوله-قدس سره-:(و إن كان وجه المشهور أقوى) (1) .

(2)قال(دام ظله)الظاهر ذلك.

و أنا أقول و للنفس في كل من الوجهين تأمل و تزلزل،و المرجو من اللَّه أن‏

يهدينا إلى سواء السبيل،فإنه خير هاد و دليل،و كأن القوي في النّظر انما هو

الوجه الثاني،فان الظاهر من الأخبار العلاجية كونها مسوقة لبيان حكم‏

المتعارضين بالنسبة إلى من يكون طريقه إلى الواقع الأخبار،أعني من يجب عليه‏

تحصيله بها،لا غير،مع جهلة بالطريق الفعلي له من المتعارضين،و هذا لا يكون‏

الا المجتهد،إذ المقلد طريقه إلى الواقع ليس إلا اعتقاد المجتهد.

و لو تنزلنا عن ذلك فغاية الأمر كونه متحيرا في العمل،بين العمل‏

باعتقاده،أو بما يشخصه من الخبر لشرائط حجيته،و على أي تقدير خارج عن‏

مورد الأخبار العلاجية،و الإشكال المتقدم منه(دام ظله)إنما يقدح بالاستشهاد

بالموارد المذكورة،إذ هي على تقدير ثبوت عدم جواز عمل المقلد بمقتضى اعتقاد

المجتهد فيها لا تكون شاهدة على المدعى،لكنها لا تقدح به،فان عدم جواز

العمل حينئذ من باب أنه حينئذ عالم بخطإ اجتهاد المفتي،و هو لا يلازم جواز

عمله بمقتضى ما اعتقده هو،حتى ينافي اختصاصه حكم المتعارضين بالمفتي،فافهم.

قوله-قدس سره-:(فالظاهر أنها مسوقة لبيان وظيفة المتحير في‏

ابتداء الأمر،فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حال المتحير بعد الالتزام.

1)فرائد الأصول 2:764.

244
بأحدهما) (1) .

(1)أقول:كان الأجود أن يقول إنها مسوقة لبيان وظيفة المتحير،و من المعلوم‏

أن الجاهل بطريق مقصد لا يكون متحيرا فيه إلا مع قصده الذهاب إلى ذلك‏

المقصد،و من المعلوم أن مقصد كل مكلف في موارد احتمال التكاليف الشرعية إنما

هو ما يبرأ ذمته عن تبعة استحقاق العقاب عليها،فغرضه تحصيله و الوصول إليه،

و هو لا ينحصر في الإتيان بالواقع على ما هو عليه،بل يعم ما أدى إليه طريق‏

غير علمي معتبر فعلا من قبل الشارع،فالشاك في اعتبار أحد الخبرين‏

المتعارضين إنما يكون متحيرا قبل ثبوت اعتبارهما في تلك الحال شرعا،و أما بعد

ثبوت اعتبارهما تخييرا حينئذ بمقتضى أخبار التخيير فيرتفع تحيره،فإنه حينئذ

بأيهما أخذ يؤديه إلى مقصده،و هو المؤمن له من العقاب،فله الأخذ بأي منهما في‏

الواقعة الأولى،و أما الوقائع الاخر فإذا فرض كونه شاكا فهي‏ (2) فيها في اعتبار

غير ما اختاره في الأولى،فلا يصدق عليه أنه متحير،لأن له فيها طريقا فعليا

إلى مقصده،و هو ما اختاره في الأولى لأن اعتباره فيها متيقن،و المفروض أن‏

أخبار التخيير مسوقة لبيان حكم المتحير،لا مطلق الشاك،فلا تشمل الوقائع‏

الاخر قطعا،فلا بد له في إثبات حكم التخيير حينئذ من التشبث بغيرها إن‏

كان،و إلا فالاقتصار على المتيقن.

قوله-قدس سره-:(و بعض المعاصرين استجود هنا كلام العلامة

مع أنه منع من العدول عن أمارة إلى أخرى و عن مجتهد إلى آخر

فتدبر) (3) .

1)فرائد الأصول 2:764.

2)الظاهر زيادة كلمة(فهي).

3)فرائد الأصول 2:764.

245
(1)أقول:لعل وجه استجواده له أن كلا الخبرين المتعارضين قد وصلا من‏

الشارع بطريق صحيح،و كل ما كان كذلك يجوز الأخذ به تعبدا من باب‏

التسليم،بمقتضى أخبار التسليم-التي منها ما ورد في بعض الأخبار العلاجية-

و هو قوله عليه السلام حين سئل عن الخبرين المتعارضين(بأيهما أخذت من باب‏

التسليم وسعك) (1) فيجوز الأخذ بكل من المتعارضين مطلقا،لأن مصلحة

التسليم لا ترتفع،و عنوانه لا ينتفي بمجرد الأخذ بأحدهما و اختياره،بل هما

-أعني مصلحة التسليم و صدق عنوانه-باقيان على ما كانا عليه بالنسبة إلى‏

الوقائع المتأخرة-أيضا-.

هذا مع أن ما ذكرنا-من أخبار التسليم-وارد في خصوص الخبرين‏

المتعارضين،و معه لا حاجة إلى إثبات كلية الكبرى.

هذا بخلاف الأمارة و فتوى المجتهد،فإن شيئا منهما لم يصل من الشارع‏

بالوصول القولي و بطريق الانتساب إليه كذلك.

نعم الدليل على اعتبارهما قد وصل منه كذلك،و ليس الكلام فيه،و كأن‏

أمر المصنف(قدس سره)بالتدبر إشارة إلى هذا الّذي ذكرنا،فافهم.

قوله-قدس سره-:(بقي هنا ما يجب التنبيه عليه خاتمة للتخيير

و مقدمة للترجيح) (2) .

(2)أقول:كون التنبيه المذكور خاتمة للتخيير لأجل أن الّذي أثبته سابقا إنما

هو حكم التخيير للمتكافئين من الخبرين المتعارضين،لكن لم يبين أنه ثابت‏

لمطلق المتكافئين منهما،أو للذين لا يرجى الاطلاع على مزية لأحدهما،فلا عبرة

بالتكافؤ البدوي،فكان عليه التنبيه على ذلك فنبه عليه لذلك،لكن كونه مقدمة

1)الوسائل:18:77 باب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 6.

2)فرائد الأصول 2:765.

246
للترجيح لم يفهم وجهه،بل الظاهر العكس،لأن وجوب الفحص عن المرجحات.

مبني على وجوب الأخذ بها،فالمناسب التعرض له بعد إثبات وجوب الترجيح.

قوله-قدس سره-:(مع أن أصالة العدم لا يجدي في استقلال‏

العقل بالتخيير،كما لا يخفى) (1) .

(1)فيه أنه لا فرق بين الأصول العملية و الطرق الغير العلمية المعتبرة في‏

هذا المقام أصلا،فان حكم العقل إن كان على وجه يستكشف منه حكم الشارع‏

به في صورة عدم المزية لأحد المتعارضين،فيكون الحال كما في تخيير الشارع‏

بلسانه في تلك الصورة،من حيث جواز الاعتماد في عدم المزية على استصحاب‏

عدمها و على الطريق الظني الكاشف عن عدمها.

و إن لم يكن حكمه على هذا الوجه،فلا مساس لشي‏ء منهما في إحراز عدم‏

المزية،إذ كل من الطريق الظني و الأصل العملي مجعول من قبل الشارع،و معنى‏

جعل الطريق الظني إيجابه ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على مؤداه-على تقدير

صدقه-عليه مع كونه محتملا للخلاف،بمعنى جعله طريقا إلى ما يفيده من‏

الأحكام الشرعية،و معنى جعل الاستصحاب مثلا الحكم في مورده على طبق‏

الحالة السابقة،و ترتيب الأحكام الشرعية المترتبة على المتيقن على مورده،و من‏

المعلوم أنه إن استكشف من حكم العقل تخيير الشارع في صورة عدم المزية

لأحد المتعارضين،فيكون التخيير حكما شرعيا ثابتا لتلك الصورة واقعا،فيجري‏

في إحراز موضوعه-المفصل بعدم المزية-كل منهما،و إلا فلا مجرى لشي‏ء منهما

لعدم إفادة شي‏ء منهما حينئذ علما و لا عملا.

أما عدم إفادة العمل فواضح.

و أما عدم إفادة العلم بالنسبة إلى الأصل فكذلك،و أما عدمها بالنسبة

1)فرائد الأصول 2:765.


247
إلى الظنّ،فلأن استقلال‏العقل‏ (1) في الموارد الشخصية بحكم منوط بجزمه‏

بكون الموارد من مصاديق الكلي الّذي حكم عليه بذلك الحكم،و من المعلوم أن‏

الظن و إن بلغ في القوة إلى ما بلغ يكون محتملا للخلاف،و إلا لما كان ظنّا فلا

يحرز به موضوع ذلك الحكم في المورد ليستقل العقل بالحكم عليه.

قوله-قدّس سرّه-:(المتممة فيما لم يذكر فيها من المرجحات‏

المعتبرة بعدم القول بالفصل) (2) .

(1)قوله المتممة مبني للمفعول،صفة للدلالة في قوله قبل ذلك(و دلالة بعضها

الآخر على وجوب الترجيح ببعض المرجحات)و حاصله أن أخبار التخيير جملة

منها مطلقة،غير مقيدة بشي‏ء من المرجحات،و بعض منها مقيدة ببعض تلك‏

المرجحات،فلا بد من حمل تلك المطلقات عليه،إذ المطلقات و إن بلغت في الكثرة

إلى ما بلغت يكفي في تقييدها ورود مقيد واحد معتبر،فيكون الحاصل من‏

مجموعها اختصاص حكم التخيير بغير صورة بعض المرجحات المذكور في‏

بعضها،فإذا ثبت اختصاصه بغير صورة ذلك البعض من المرجحات ثبت‏

اختصاصه بغيره من المرجحات بضميمة عدم القول بالفصل،فذلك البعض من‏

أخبار التخيير الدال على اختصاص التخيير بغير صورة ما ذكر فيه من‏

المرجحات و إن لم يكن دالا على اختصاصه بغير صورة وجود سائر المرجحات‏

في نفسه إلا أنه دال عليه بضميمة عدم القول بالفصل،فعدم القول بالفصل‏

متمم لدلالته على تمام المطلوب.

حكم الترجيح عند تعارض الأخبار
قوله-قدس سره-:(فالمشهور فيه وجوب الترجيح و حكي عن‏

1)زيادة يقتضيها السياق.

2)فرائد الأصول 2:765.

248
جماعة منهم الباقلاني و الجبائيان عدم الاعتبار بالمزية) (1) (2) .

(1)قال(دام ظله)و من القائلين بعدم اعتبارها السيد صدر الدين الشارح للوافية

(قدس سره)1إلا أنه قائل باستحباب الترجيح بها،و سيأتي من المصنف نقله‏

منه-أيضا-.

1شرح الوافية للسيد صدر الدين،مخطوط،فإنه صرح بذلك في باب التعادل و التراجيح في موردين‏

بالاختصار و التفصيل.

المورد الأول في الباب المزبور قبل ثماني أوراق عند قوله العاشر بين الخبرين و إليك لفظه:

فأنت إذا تأملت ما بيناه-و نظرت في أحاديث التراجيح من حيث الاختلاف إذ قد اكتفى في‏

البعض بالتوقف،و في البعض بالتخيير و في البعض فصل تفصيلا ثم إن المفصلات منها مختلفة الترتيب‏

و مختلفة العدد،و نظرت-أيضا-في قول الصادق عليه السلام انه هو الّذي أوقع هذا الاختلاف بين‏

الشيعة،لكونه أبقى لهم عليهم السلام و لنا-علمت ان الأصل هو التخيير في العمل و الفتوى فيجوز

للمكلف العمل بما في الكافي و الفقيه بشرط عدم رد الشيخ له سواء كان له معارض أم لا.

نعم الترجيح بما ذكر في الأخبار مستحب إن أمكن و سيجي‏ء كلام أبسط من هذا إن شاء اللَّه تعالى.

المورد الثاني في الباب المزبور أيضا قبل ست أوراق و إليك لفظه بكلامه الأبسط حيث قال:ثم‏

إن المشهور،بل المجمع عليه عند الأصوليين و هو وجوب استعلام التراجيح و وجوب العمل بالراجح،

و سننقل دليلهم إن شاء اللَّه تعالى فيرد على قولهم إشكالات على تلك الأحاديث.

منها:أن الواجب على من يسأل عن طريق العمل بالمتعارضين أن يجيب بأن اللازم العمل بالحديث‏

الّذي اختص بوجه من جملة ثمانية وجوه إن كان مناط جوابه على الوجوه المعلومة من الأحاديث،و هو

ما فوق التوقف حسب ما ذكرناه مع أن الراوي سأل مرة و أجاب عليه السلام بأن اللازم العمل بما

هو أصح سندا،ففرض الراوي التساوي فيه فأجاب بترجيح المشهور على النادر،فيشكل الأمر بأن‏

الراوي إن فرض التساوي في الوجوه الأخر غير السند ثم فرض التساوي فيه-أيضا-فالجواب هو

التوقف أو التخيير ليس إلا،و إن لم يفرض التساوي،فالعمل بما أصح سندا لا يقتضي قوة الظن‏

بالعمل بما هو حكم اللَّه تعالى في الواقع لأن الأوثقية لا تفيد إلا قوة الظن بصدور الخبر عن المعصوم‏

عليه السلام،و ربما كان خبر الثقة قطعي المضمون فضلا عن قوة الظن به،كما أشرنا إليه،كأن يروي‏

الأوثق ما هو مخالف لجميع أقوال الأمة و يروى الثقة ما هو المعلوم من مذهب الشيعة،و أيضا بعد فرض‏

التساوي في السند فقط ليس اللازم العمل بما يخالف العامة،كما يدل عليه حديث زرارة بن أعنى(رحمه‏

1)فرائد الأصول 2:766.

2)شرح البدخشي 3:213.

249
و احتج عليه على ما حكي عنه(دام ظله)بوجوه:

أحدها:الاقتصار في بعض أخبار الترجيح على بعض المرجحات.

و ثانيها:اختلاف الترتيب في ذكر المرجحات في تلك الأخبار.

و تقريب الاستدلال بهما:أن شيئا منهما لا يناسب وجوه الترجيح،بل‏

يناسب استحبابه،لأن الواجبات لا يعقل تسامح المعصوم عليه السلام في بيانها،

و بيان كيفيتها مع عدم الموجب له المقطوع به في المقام.

و ثالثها:أن من المرجحات المنصوصة موافقة الكتاب،و المراد بها إما

موافقة نصوصه و إما موافقة ظواهره،لا سبيل إلى حملها على الأولى،إذ مع وجود

اللَّه)أعني المخالفة لا يقتضي قوة الظن بكون مضمون المخالف واقعيا،كما إذا كان الموافق موافقا

لنص الكتاب و محكمه،لأن صدور الأخبار التي ليست واقعية ليس منحصرا في التقية عن العامة،بل‏

لعله كان تقية من بعض سلاطين الوقت الّذي لا يبالي بالدين مطلقا،كبعض بني أمية و بني العباس،

ألا ترى أن الوليد(لعنه اللَّه)استخف بالقرآن و المتوكل(لعنه اللَّه)صرح بعداوة سيدة النساء صلوات‏

اللَّه عليها مع أن هذين ليسا مذهبا لأحد من العامة.

و منها:أن العوض على كتاب اللَّه تعالى إن كان على المحكم الّذي صار مضمونه ضروريا في الدين‏

أو المذهب فلا ثمرة لعرض الحديث عليه إن كان المقصود تحصيل العلم أو الظن بحقيته ليعمل به،

لأن مثل هذا الحكم مستغن عن الدليل،و إن كان على الظاهر الّذي اختلف في ظهوره و لم يعلم من‏

طريق الأئمة عليهم السلام حاله و المقصود منه،فلا يحصل من موافقته لمثل هذا الظاهر قوة الظن،إذ

ربما كانت دعوى الظهور من قائله غير مستندة إلى حجة شرعية و كان ما ليس بظاهر عنده هو المقصود

فيكون الحديث المخالف لهذا الظاهر المطابق للواقع.

و منها:الاكتفاء في البعض بالبعض.

و منها:مخالفة الترتيب ففي البعض قدمت الشهرة و في الآخر قدم السند و غير ذلك مما يظهر بالتأمل‏

فيها.

و الجواب عن الكل هو ما أشرنا إليه،من أن الأصل التوقف في الفتوى و التخيير في العمل إن لم‏

يحصل من دليل آخر العلم بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع و أن الترجيح هو الفضل و الأولى.انتهى.

و قد قال في مورد آخر:فنحتاج إلى الترجيح و ليس لازما بل مخيرون بين الترجيح و الأخذ بأيهما شئنا

من باب التسليم.


250
نصّ من الكتاب في مسألة لا يعقل التحير في حكمها الّذي هو مورد تلك‏

الأخبار و الداعي للسؤال فيها في المسبوقة به منها،فيتعين حملها على الثانية،و هي‏

لا تصلح لإيجاب الأخذ بها في مقام الترجيح،إذ الظواهر مما تختلف باختلاف‏

الأنظار،فلا بد أن يكون الأمر بالأخذ بها استحبابيا،فإذا كان الحال في موافقة

الكتاب ذلك،فهو الحال‏في‏سائر المرجحات،إذ من المعلوم أنها بأسرها على‏

نسق واحد،مضافا إلى عدم القول بالفصل،بل إلى الاتفاق على عدمه.

و رابعها:أن من تلك المرجحات أعدلية راوي إحدى الروايتين،و قد

قدمت هي على الشهرة في مقبولة عمر بن حنظلة (1) ،التي هي العمدة من أدلة

وجوب الترجيح بها،مع أن الترجيح على القول بوجوبه إنما هو لقوة الظن في‏

إحدى الروايتين،و من المعلوم أن الشهرة أقوى منها من حيث إفادة الظن لصدق‏

موردها.

هذه جملة ما ذكره(قدس سره)من الأدلة،مع توضيح منا في تقريب‏

الاحتجاج بها.

و حاصل الجميع تسليم ظهور الاخبار العلاجية في وجوب الأخذ

بالمرجحات،إلا أنه يدعي الاستحباب بإبداء الصارف لها عنه بهذه الوجوه.

و لا يخفى على المتأمل ما في كل منهما:

أما الأولان منها:فلأنهما على تقدير تماميتهما في أنفسهما إنما يقدحان‏

بالقول بوجوب الأخذ بتلك المرجحات من باب التعبد،لا الظن بأقربية إحدى‏

الروايتين إلى الواقع أو أبعديته عن الباطل،إذ مراعاة الترتيب بينهما و العمل‏

بخصوص كل منهما لازمان على ذلك القول،و أما على القول الثاني فلا يلاحظ

الترتيب بينها على النحو المذكور في الأخبار،و لا يقتصر على ما ذكر فيها من‏

1)التهذيب 6:301 الحديث 52.الوسائل 18:75 الحديث 1.

251
المرجحات،بل المناط ما مر من اشتمال إحدى الروايتين على مزية مفقودة في‏

الأخرى موجبة لأقربية ذيها إلى الواقع على فرض الدوران بينه و بين صاحبه،

أو أبعديته عن الباطل،و الترجيح بتلك المزية و إن كان-أيضا-تعبدا من‏

الشارع إلا أنه ليس تعبدا صرفا غير منوط بأمر جامع بينهما كما هو مقتضى‏

القول الأول.

و الحاصل أن أصحاب القول الأول إنما يتعبدون بخصوصيات تلك‏

المرجحات المنصوصة و لا يتعدون فيها إلى غيرها،و بتقديم بعضها على بعض‏

على النحو المذكور فيها.

و أصحاب القول الثاني لا يتعبدون بشي‏ء منهما و إنما يتعبدون بالمزية

الموجودة في إحدى الروايتين على النحو المذكور،من أي سبب حصلت،

و يحملون ذكر المنصوصة منها في الأخبار على ذكر بعض أفرادها،و كونه من باب‏

التمثيل.

و بالجملة إذا كان المناط في الترجيح هي المزية المذكورة،فالواجب على‏

الشارع التنبيه عليها فحسب،إذ لولاه لزم تسامحه في بيان الواجب،و هو حاصل‏

كما يقضي به التأمل في تلك الأخبار و أما التنبيه على شي‏ء من خصوصياتها فلا،

فضلا عن جميعها،لعدم إناطة الترجيح بخصوص شي‏ء منها،حتى يلزم من عدم‏

التنبيه عليه التسامح في بيان الواجب.

و من هنا يظهر عدم قدح اختلاف الترتيب في ذكر المنصوصة منها بذلك‏

القول أيضا،بل دليل عليه،كما لا يخفى على المتأمل.

و السيد المذكور(قدس سره)قد اعترف في ذكر الرابع من الوجوه‏

المتقدمة بأن الترجيح على القول به منوط بقوة الظن في إحدى الروايتين،و هو

عين ما اختاره أصحاب القول الثاني.

و خلاصة الكلام:أنه ينبغي الاحتجاج-بالوجهين المذكورين على تسلمهما


252
و تماميتها في أنفسهما-على بطلان القول الأول،بتقريب أنه لو كان الترجيح‏

منوطا بخصوص تلك المرجحات المنصوصة لما أهمل الإمام عليه السلام بعضها

في بعض تلك الأخبار العلاجية،لاستلزامه إخلاله عليه السلام ببيان الواجب‏

مع عدم الداعي المجوز له،و أيضا أصحاب هذا القول لا بد لهم من التعبد بتقديم‏

بعض تلك المرجحات على بعض،كتعبدهم بخصوصياتها،و لا يتمكنون من‏

إثبات ذلك لاختلاف الأخبار العلاجية في ترتيبها،بل اختلافها في ذلك كاشف‏

عن عدم وجوب ملاحظة الترتيب بينها،إذ على تقدير الوجوب يلزم إخلاله عليه‏

السلام ببيان الواجب.

و أما القول الثاني،فلا ينافيه شي‏ء من الوجهين،إذ عليه يكون الواجب‏

هو الترجيح بتلك المزية المذكورة من أي سبب حصلت،و قد ثبتت هي في تلك‏

الأخبار،و أما خصوصياتها فلم ينط الترجيح بخصوص شي‏ء منها،حتى يلزم من‏

عدم ذكر شي‏ء منها التسامح في بيان الواجب،فلا ينافيه أول الوجهين المتقدمين.

و الترتيب بين الأسباب المحصلة لتلك المزية-إذا تحققت جملة منها في‏

إحدى الروايتين المتعارضتين،و جملة أخرى مخالفة لتلك الجملة في أخراهما-إنما

هو بكون أحدهما محصلة للظن الأقوى مما يحصله الأخرى،و إن كانت الأخرى‏

المفيدة للظن الأضعف مقدمة في الذّكر في تلك الأخبار،فأن الأخرى المحصلة

للظن الأضعف مع تعارضها للمحصلة للأقوى غير مندرجة في تلك المزية،التي‏

أنيط بها الترجيح،بل المندرجة فيها حينئذ إنما هي المحصلة للأقوى و إنما تندرج‏

فيها إذا كانت سليمة عن معارضة تلك لها،و في الحقيقة لا تعارض بينهما عند

اجتماعهما.

و الحاصل:إذا كان المفروض أن الشارع أناط الترجيح بكون إحدى‏

الروايتين مشتملة على مزية موجبة لأقربيتها إلى الحق،أو أبعديتها عن الباطل،

و تعبدنا بالأخذ بمثل هذه المزية،فلا يعقل تعبده إيانا بمصداقية شي‏ء لها،فإنها


253
كسائر المفاهيم صدقها على ما ينطبق عليها قهري،و على ما لا ينطبق عليها

ممتنع،فعلى تقدير عدم اختلاف الأخبار في ترتيب المزايا المذكورة-أيضا-لا

حجية فيها علينا في إثبات وجوب الترتيب بينها،لرجوعه إلى التعبد بمصداقية

ما قدمت عند الاجتماع لتلك المزية الكلية،و هي ليست حكما شرعيا يتطرق إليه‏

التعبد،فلا تكون أدلة اعتبار الخبر مقتضية للتعبد به،بل لا يعقل إرادته به منها،

فيكون تشخيص مصاديقها موكولا إلى نظر المستنبط،فاتضح بذلك عدم منافاة

الوجه الثاني لذلك القول-أيضا-.

هذا كله مضافا إلى عدم تمامية شي‏ء من الوجهين في نفسه أيضا.

أما أولهما:فلأنه غير مستلزم للتسامح في بيان الواجب على تقدير وجوب‏

الأخذ بجميع تلك المرجحات المنصوصة،فإن التسامح حينئذ إنما يتحقق بعدم‏

بيان بعض منها أصلا،و أما إذا كان المفروض بيان الجميع في مجموع تلك الأخبار

و إن لم يكون في بعضها فلا.

و أما ثانيهما:فلأن أكثر الأخبار الآمرة بالترجيح قد اقتصر في كل منهما

على ذكر بعض المرجحات،فلا منافاة بينها من حيث الترتيب،حتى يقدح‏

بالقول الأول،و إنما المذكور فيها جميع تلك المرجحات اثنان،أحدهما مقبولة

عمر بن حنظلة،و ثانيهما مرفوعة زرارة،و الاختلاف في الترتيب إنما هو بين تينك‏

من جهة أن أول ما ذكر منها في المقبولة إنما هي صفات الراوي،و في المرفوعة

إنما هي الشهرة،و غاية ما يلزم أصحاب ذلك القول إنما هو العلاج بينهما،و سيأتي‏

إمكان العلاج بينهما إما بحمل تقديم الترجيح بصفات الراوي على الترجيح بين‏

الحكمين من حيث أنهما حكمان،كما هو ظاهر صدر المقبولة،و إما بتحكيم‏

المرفوعة على المقبولة على النحو الّذي يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى،فلم ينهض‏

الوجهان حجتين على أولئك أيضا.

و أما ثالث الوجوه المتقدمة،ففيه أن المراد بموافقة الكتاب إنما هو موافقة


254
ظواهره،من عموماته أو إطلاقاته،لكن ليس كل ظاهر مما يختلف باختلاف‏

الأنظار،بل غالب الظواهر مما اتفقت فيها الأنظار،إذ الغالب استناد الظهور

إلى الوضع،أو إلى إحدى من القرائن العامة التي في قوة الوضع،و اختلاف‏

الأنظار فيها على تقديره راجع إما إلى الاختلاف في الوضع،و إما إلى صلاحية

القرينة لإيجابها لذلك،و هو بكلا شقيه نادر جدا،فلا محذور في إيجاب الترجيح‏

بتلك الظواهر.

و أيضا إنما علقت الترجيح على نوع الظهور الكتابي دون أشخاصه،فهو

كسائر الموضوعات العرفية المعلق عليها حكم شعري،من حيث إناطة تشخيصه‏

إلى المحكوم،و هو يشخصه بالرجوع إلى العرف و استعلامه منهم أن الظاهر من‏

الآية المحتمل ظهورها في الاحتمال الموافق لأحد الخبرين ما ذا؟و بعد استعلامه‏

ظهورها فيه لا عبرة في حقه باختلاف إنظار سائر المجتهدين،و إنما القادح بعمله‏

اختلاف إنظار العرف،فافهم.

هذا مضافا إلى أن اختلاف الظواهر باختلاف الأنظار لو كان قادحا

بوجوب الترجيح بموافقتها لكان قادحا باستحبابه أيضا،كما لا يخفى على‏

المتأمل.

و أما رابع الوجوه المذكورة،ففيه أنه على تقدير تماميته بقدح بالقول‏

الأول من القولين في وجوب الأخذ بالمرجحات،إذ أصحاب الثاني منهما لا عبرة

عندهم بالترتيب الواقع بينها في الأخبار،و يحملون تلك الأخبار على بيان‏

مرجحية كل منهما في نفسه.

هذا مضافا إلى عدم تماميته في نفسه أيضا،فإن الترجيح بقوة الظن إنما

هو أحد الأقوال في المسألة فليس أمرا متفقا عليه حتى يحتج به على أولئك.

نعم،الّذي يرد عليهم أن الظاهر أنهم معترفون بتقديم الشهرة على‏

صفات الراوي مع أنها قد قامت على الشهرة في المقبولة.


255
لكنه مندفع-أيضا-بما مرت الإشارة إليه،من أن غاية ما يلزم عليهم‏

علاج التعارض بينها و بين المرفوعة،الدالة على تقديم الشهرة،و لهم العلاج‏

بإحدى الوجهين المشار إليهما.

و كيف كان،فلا ينبغي الارتياب في وجوب الأخذ بالمرجح لأحد الخبرين‏

المتعارضين،و هذا هو المشهور.

لنا عليه-مضافا إلى تواتر الأخبار الظاهرة فيه من غير ما يصلح‏

لصرفها عنه كما عرفت،و إلى الإجماع المحقق،و السيرة القطعية،و المحكية عن‏

الخلف عليه في الجملة1،و إلى لزوم الهرج و المرج في الفقه،و إحداث فقه جديد

من طرح المرجحات كلية،حيث أن من سير الفقه سيرا إجماليا يجد الأخبار

المتعارضة في عمدة أبوابه فوق حد الإحصاء،إذ في عمدة أبوابه وردت الأخبار

الموافقة للعامة و المخالفة لهم لا محالة،فإذا بني في تلك الأبواب على الإفتاء على‏

طبق الموافقة لهم يلزم إحداث فقه مباين لطريقة الفرقة الناجية(نصرهم اللَّه)-

أن مقتضى الأصل إنما هو ذلك،مع قطع النّظر عن تلك الوجوه أيضا.

و توضيحه أنا قد قوينا سابقا أن اعتبار الأخبار إنما هو على وجه‏

الطريقية،لا السببية،و قد عرفت ان مقتضى الأصل الأولي في المتعارضين منها

بناء عليه-إنما هو تساقطهما في خصوص مؤداهما،و فرضهما كأن لم يكونا

بالنسبة إليه في العمل بما يقتضيه الأصول العملية،فلو لا قيام الإجماع و السيرة

و تواتر الأخبار على اعتبار أحدهما في الجملة-حينئذ-و كونه دليلا في مؤداه،

لكان مقتضى الأصل و القاعدة عدم العبرة باحتمال الترجيح لأحدهما-أيضا-

فانه بمجرده-من غير قيام دليل على اعتباره في مقام الترجيح و التعيين-لا

1فإن المرجحات المنصوصة داخلة في معقد الإجماع و مورد السيرة المذكورين لا محالة و الخلاف إنما هو

في غيرها.لمحرره عفا اللَّه عنه.


256
يصلح لجعل مورده حجة حتى يؤخذ به،و لا قدرا متيقنا من الحجية أيضا حتى‏

يؤخذ به لذلك،إذ المفروض حجية كل منهما في نفسه على نحو حجية الآخر

كذلك،بمعنى اشتمال كل منهما على شرائط الحجية المأخوذة في دليل اعتبارهما

و كونهما في الدخول فيه سواء،و عدم حجية شي‏ء منهما فعلا لأجل التعارض،

و عدم مزية لأحدهما على الآخر بالنظر إلى دخوله في ذلك الدليل،كما أنه لا

مساس للتخيير بينهما على ذلك التقدير أيضا،فإنه مترتب على حجية أحدهما

فعلا لا محالة،و المفروض عدمه،لكن لما قام الإجماع و السيرة و تواترت الأخبار

على حجية أحدهما فعلا في الجملة،حيث أن أخبار التخيير و الترجيح متفقة على‏

ذلك،لاشتراك الكل فيه،فصارت حجية محتمل الترجيح منهما متيقنة،فإن‏

الواحد منهما الّذي علم بحجيته إما حجة عينا،أو تخييرا،و على أي تقدير يلزم‏

حجية محتمل الترجيح لعدم احتمال حجية الآخر تعيينا،و حجية الآخر مشكوكة

بدوا،فيتعين الأخذ بمحتمل الترجيح للعلم بحجيته،و عدم العمل بالآخر،

لفرض الشك في حجيته الموجب لدخوله تحت أدلة حرمة العمل،و التدين بغير

ما علم من الشارع التدين به.

و لا مساس لأصالة البراءة عن التعيين في محتملة في المقام،إذ لا سبيل لها

إلى موارد الشك في طريق الامتثال‏1،فإنها إنما يرفع التكليف المستتبع للعقاب،

و مخالفة الطريق من حيث هو لا يعقل العقاب عليه و لو مع القطع باعتباره،

فكيف بصورة احتماله،و إنما هو على تقديره على مخالفة ذيه،و بعد فرض قيام‏

الحجة عليه لفرض العلم بحجية ما قام عليه و أن التردد إنّما هو في انحصار

الحجية فيه،دون أصلها،لا مساس لها به-أيضا-،فإن موردها سواء أخذت‏

1هذا مع أنها على تسليم جريانها لا يثبت جواز العمل بالآخر المشكوك الحجية فعلا،فلا يجوز الأخذ

به حينئذ بمقتضى أدلة حرمة التشريع لمحرّره عفا اللّه عنه.


257
من الأخبار أو من العقل إنما هي موارد احتمال التكليف التي لم يقم عليها حجة،

فتأمل‏1.

و الحاصل:أن احتمال الترجيح لأحد الخبرين المتعارضين،و إن لم يكن في‏

نفسه صالحا لإثبات حجية مورده،لكن بعد قيام الدليل على حجية أحدهما في‏

الجملة يوجب تيقن حجية مورده،فالأخذ به إنما هو لأجل ذلك.

فقد ظهر أن الأصل بالنظر إلى الأدلة اللبية من الإجماع و السيرة و إلى‏

تواتر الأخبار القاطعة للأصل الأولي في الطريقين المتعارضين بالنسبة إلى‏

الخبرين المتعارضين-أيضا-مع الإغماض عن الأدلة المتقدمة،إنما و وجوب‏

الترجيح.

لا يقال:إن إطلاق أخبار التخيير حجة على عدم وجوب الترجيح.

لأنا نقول:إنه لا بد من تقييدها بأخبار الترجيح بالنسبة إلى المرجحات‏

المنصوصة فيها لا محالة عملا بقاعدة المطلق و المقيد،المتفق عليها في المتنافيين‏

منهما،و لا يعقل ملاحظة التعارض بينهما،فضلا عن ترجيح الأول فتأمل‏2.

و أيضا بعض أخبار التخيير مقيد بصورة فقد المرجحات،فلا بدّ من تقييد

غيره به،عملا بتلك القاعدة.

نعم يتجه الاحتجاج بإطلاقها في نفي وجوب الترجيح بغير المرجحات‏

المنصوصة،إذا لم يستظهر من أخبار الترجيح وجوب الأخذ بمطلق المزية،و ليس‏

1وجه التأمل أن غاية ما هنا إنما هي العلم بجواز الأخذ بمحتمل الترجيح من الخبرين،و هذا بمجرده‏

لا يوجب تمامية الحجة في مؤداه حتى لا يجري فيه أصالة البراءة لفرض احتمال حجيته من باب‏

التخيير،إذ من المعلوم أنه على تقدير كونه حجة تخييرا لا ينهض حجة في مؤداه إلا بعد الأخذ و الالتزام‏

به،فافهم.لمحرّره عفا اللّه عنه.

2وجه التأمل أن الكلام على تقدير الغض عن أخبار الترجيح فلا معنى حينئذ للجواب بتقييد إطلاق‏

أخبار التخيير بها.لمحرّره عفا اللّه عنه.


258
كلامنا الآن في ذلك المقام.

فتلخص ممّا حققنا أنه لا دليل على التخيير مع احتمال وجوب الترجيح‏

بأي لحاظ في الخبرين المتعارضين،فانّ مدركه:

إن كان دليل اعتبار خبر الواحد،فهو لا يقتضي حجية واحد من‏

المتعارضين،فضلا عن اقتضائه لحجية غير محتمل الترجيح.

و إن كان ما قام على حجية أحدهما في الجملة،فهو-أيضا-لا يقتضي‏

حجة غير محتمل الترجيح،حتى يثبت التخيير،و إنما القدر المتيقن منه حجية

محتمله.

و إن كان أدلة التخيير،فهي مقيدة بصورة فقد المرجحات المنصوصة لا

محالة-كما عرفت-بل الدليل على عدمه بأي لحاظ،كما عرفت.

نعم يتجه القول به-بناء على اعتبار الأخبار من باب السببية التي لا

نقول بها-،إذ الكلام في وجوب الترجيح بمزية لأحد الخبرين المتعارضين موجبة

لأقربية ذيها إلى الحق،أو أبعديته عن الباطل بالنسبة إلى فاقدها،و غاية ما

يترتب عليها إنما هي تأكد جهة الكشف و الطريقية في ذيها بالنسبة إلى فاقدها،

و من المعلوم أو جهة الكشف غير ملحوظة أصلا على ذلك التقدير في وجوب‏

العمل بالخبر،حتى يتأكد بقوتها وجوب العمل بالأقوى من تلك الحيثية،و المناط

في الترجيح بين المتعارضين على ذلك التقدير ما هو المناط في سائر الواجبات‏

المتزاحمة،و هو تأكد وجوب أحدهما بالإضافة إلى الآخر المتوقف على تأكد ما

يقتضي وجوبه بالإضافة إلى ما يقتضي وجوب الآخر،فلا بدّ في مقام ترجيح أحد

الخبرين المتعارضين-حينئذ-من مزية له من غير سنخ المزية المتنازع فيها

محتملة لتأكد مطلوبية العمل بذيها بالإضافة إلى الآخر و ليس الكلام فيها،

فتأمل‏1.

1وجه التأمل أنه ليس جميع المرجحات المتنازع فيها كذلك،بل بعضها كالأعدلية،بل و مخالفة العامة


259
و في الحقيقة يخرج المزية المتنازع فيها عن صلاحية النزاع في وجوب‏

الترجيح بها و عدمه على ذلك التقدير،إذ عليه يكون عدم وجوب الترجيح بها

قطعيا و غيرها-مما يحتمل معه تأكد وجوب مورده،و اهتمام الشارع به بالإضافة

إلى الآخر-يتوقف الترجيح به على وجوب الترجيح باحتمال الأهمية لأحد

الواجبين المتزاحمين،و الحق عندنا عدمه،فالوجه معه هو التخيير-أيضا-.

ثم إنه لا بأس بتأسيس الأصل-في الواجبين المتزاحمين اللذين منهما

الخبران المتعارضان على ذلك التقدير-توضيحا لما ذكره من عدم العبرة باحتمال‏

الأهمية للعمل بأحد الخبرين المتعارضين على تقدير اشتماله على ما يصلح‏

لتأكد (1) مطلوبيته بالإضافة إلى الآخر.

فاعلم أن كل واجبين متزاحمين إما نعلم بتساويهما في نظر الشارع و إما

نعلم بأهمية أحدهما من الآخر على تقدير الدوران بينهما و هو تقدير تزاحمهما،و إما

-أيضا-مما يصلح لإحداث مزيد حسن في مورده،فيحتمل معه تأكد وجوب مورده من وجوب العمل‏

بفاقده.

و بعبارة أخرى:العمل بقول العادل مع الشك في صدقه نوع إعظام له و هذا العنوان له مطلوبية

ذاتية،و يحتمل أن يكون إعظام الأعدل عند تزاحمه لإعظام العادل أهم في نظر الشارع،و إذ فرض‏

تساوي الرّاويين في ذلك مع مخالفة قول أحدهما لمذهب العامة فعنوان الإعظام و إن ان مطلوبيته‏

بالنسبة إلى قوليهما سواء،إلا أن اتحاده في قول أحدهما مع عنوان مخالفة العامة و ترك النسبة بهم يصلح‏

لتأكد مطلوبيته،فإن عنوان ترك النسبة بهم-أيضا-له مطلوبية ذاتية.

اللهم إلا أن يقال:الجهة المؤكدة للوجوب لا بدّ أن يكون عنوانا مقتضيا لوجوب العمل مع قطع‏

النّظر عن اتحاده مع عنوان واجب،حتى يكون اتحاده معه موجبا لتأكد وجوبه،لأن الطلب المؤكد لا

يعقل تأكده إلا بما يكون من نوعه،فلو فرض اتحاد واجب مع عنوان مستحب في نفسه فهو غير صالح‏

لتأكد وجوبه،بل لا يتأكد وجوبه و لو مع اتحاده مع الف عنوان من العناوين المستحبة،كما سيأتي‏

توضيحه عن قريب،و من المعلوم أن إعظام العادل،و كذلك ترك النسبة بالعامة،ليس شي‏ء منهما واجبا

في حد نفسه،فيصح القول بأن شيئا من المرجحات المنصوصة لا يصلح للترجيح به-بناء على اعتبار

الأخبار من باب السببية-فافهم.لمحرّره عفا اللّه عنه.

1)كان في الأصل(تأكد)بدون اللام و الصحيح ما أثبتناه في المتن.

260
نشك في الأهمية و المساواة.

لا إشكال في حكمهما على التقديرين الأولين،و قد مر الكلام فيهما على‏

الأول في أوائل المسألة،و وجوب الأخذ بالأهم على الثاني من القضايا التي‏

قياساتها معها،إذ معنى أهمية أحدهما إنما هو كونه على وجه لو فرض الدوران‏

بينه و بين ما يزاحمه لأراد الشارع امتثاله تعيينا،دون امتثال ما يزاحمه.

و على الثالث،إما أن يكون احتمال الأهمية في أحدهما بالخصوص،و إما

أن يكون في كل منهما إما بأن يعلم بأهمية أحدهما إجمالا و تردد ذلك المعلوم بينهما

و إما أن يشك في أصل الأهمية لأحدهما مع احتمال كون الأهم على تقديره هذا

أو ذاك.

لا كلام و لا إشكال في عدم العبرة باحتمال الأهمية على الثاني بكلتا

صورتيه،و كون الحكم في كلّ منهما هو التخيير،لأن حرمة المخالفة لكل واحد

منهما بالخصوص لأجل احتمال أهميته معارضة بحرمة ارتكابه لاحتمال أهمية ما

يزاحمه في كل من الصورتين،يدور الأمر في كل منهما في كل واحدة من الصورتين‏

بين المحذورين،و العقل مستقل بالتخيير في كل مورد يكون الحال فيه كذلك،

لكن هذا إنما يجري في جميع فروض الصورتين في خصوص الخبرين المتعارضين‏

بناء على كون اعتبار الأخبار من باب السببية على معنى علّيتها لوجوب التدين‏

بمقتضاها،و الاستناد في الحركة و السكون إليها،لكن الظاهر أن القائل‏

باعتبارها على وجه السببية على تقدير وجوده لا يلتزم به،للإجماع على جواز

الاحتياط و ترك طريقي الاجتهاد و التقليد الكاشف عن بطلان ذلك،فتأمل.

و أما بناء على اعتبارها على وجه السببية على معنى كونها علة لإحداث‏

حكم مماثل لمؤداها فيختص جريانه بما إذا كان‏1مؤدى أحد الخبرين المتعارضين‏

1و التخيير في تلك الصورة حقيقة راجع إلى التخيير في الاحتمالين،المدلول عليهما بالخبرين،لا إلى‏


261
هو الوجوب و مؤدى الآخر هي الحرمة،إذ اللازم على هذا التقدير حرمة المخالفة

العملية للأخبار المختصة بما إذا كانت متضمنة لحكم إلزامي دون الالتزامية،لكن‏

يمكن إثبات التخيير في غير تلك الصورة-حينئذ-بأخبار التخيير و إن لم يمكن‏

إثباته بها لمطلق المتزاحمين المحتمل أهمية كل منهما،لورودها في خصوص الخبرين‏

المتعارضين،لكن لا حاجة إليها في غيرهما من الواجبات المتزاحمة،لجريان الوجه‏

الأول فيها،و إنما الإشكال في جريانه في خصوص الخبرين.

و توضيح إثبات التخيير بين الخبرين في غير تلك الصورة بأخبار التخيير

-بناء على اعتبار الأخبار على وجه السببية على المعنى الثاني-أن المأخوذ في‏

موضوع تلك الأخبار إنما هو التحير في المراد من الخبرين المتعارضين،على تقدير

صدورهما،بحيث لا يعلم المراد من واحد منهما إلا ببيان آخر،و هذا حاصل في‏

كل خبرين متعارضين،و لو كان مؤدى أحدهما أو كليهما حكما غير إلزامي،و غاية

ما ثبت إنما هي تقييدها بغير صورة وجود مزية لأحدهما راجعة إلى قوة جهة

طريقية ذيها مع العلم بموردها،و في الحقيقة خروج صورة وجود المزية المذكورة

لأحدهما على الوجه المذكور انما هو من باب الاختصاص،لا التخصيص،لعدم‏

صدق موضوع تلك الأخبار عليها بعد اعتبار الشارع لتلك المزية في تعيين المنع‏

من المتعارضين،إذ معه لا يبقى تحير في مراده في مرحلة الظاهر،فإن الراجح منهما

حينئذ محكوم بكون مؤداه هو المراد له،و إنما كان التحير حاصلا في تلك الصورة

مع قطع النّظر عن اعتبار الشارع لتلك المزية،لعدم صلاحية دليل اعتبارهما

لتعيين أحدهما،لغرض دخول كليهما فيه على حد سواء و إلا لم يكونا متعارضين،

و من المعلوم-أيضا-أن اعتبارهما من باب السببية لا يرفع هذا التحير،فيدخل‏

التخيير بين نفس الخبرين،بمعنى جواز التمسك بأيهما شاء،و جعله دليلا في مؤداه.

و بعبارة أخرى:إنه راجع إلى التخيير في العمل من حيث العمل و الترك،دون الاستدلال بالخبرين،

فلا تغفل لمحرّره عفا اللّه عنه.


262
جميع صور احتمال الأهمية لكل من الخبرين المتعارضين في أخبار التخيير على‏

حد سواء،و هذا التخيير ليس كالتخيير الآتي من قبل العقل على تقديره،بل‏

إنما هو تخيير في الأخذ بأي من الخبرين و جعله دليلا في مؤداه.

لكن يشكل تمامية الاستدلال بأخبار التخيير في جميع صور احتمال‏

الأهمية لكل من الخبرين المتعارضين،بأن الكلام في حكم الخبرين المتعارضين‏

على ذلك التقدير إنما هو على فرض إلغاء المزايا الراجعة إلى جهة الطريقية،

و إنما هو بالنظر إلى احتمال الأهمية،و لو كان أحدهما مشتملا على شي‏ء من تلك‏

المزايا،و أخبار التخيير لا يفيد التخيير في صورة اشتمال أحدهما على شي‏ء من‏

تلك المزايا،فيكون الدليل أخس من المدعى.

لكنه مدفوع بأن الكلام و إن كان عاما لصورة اشتمال أحدهما على شي‏ء

من تلك المزايا،لكنه إنما هو مع الغض عن الأخبار الآمرة بالأخذ بتلك المزايا،

و من المعلوم حصول التحير في تلك الصورة-أيضا-مع قطع النّظر عنها الموجب‏

لدخولها في أخبار التخيير،فافهم.

فقد ظهر أنه لا إشكال في حكم الخبرين المتعارضين بناء على اعتبار

الأخبار الآحاد من باب السببية على الشق الثاني من شقي الفرد الثالث من‏

الفروض الثلاثة المتقدمة بكلتا صورتيه،و لا كلام فيه ظاهرا-أيضا-هذا.

لكن الإنصاف عدم استقامة الاحتجاج بأخبار التخيير على ثبوته لغير

المتضمنين للحكم الإلزامي من الخبرين المتعارضين في هذا المقام،و إن كان‏

الاحتجاج بها عليه تاما في نفسه،فإن الكلام في المقام في حكم نوع الواجبين‏

المتزاحمين،و دخول الخبرين المتعارضين فيه إنما هو بالتبع،و من باب كونهما أحد

أفراد ذلك النوع،و قد عرفت أنهما لا يدخلان فيه بناء على كون معنى اعتبار

الأخبار على وجه السببية كونها علة لإحداث حكم مماثل لمؤداها،إلا فيما إذا

كانا متضمنين لحكم إلزامي.


263
و الحاصل أنه كما في الكلام في المقام مع الغض عن أخبار الترجيح،

كذلك هو مع الغض عن أخبار التخيير-أيضا-و إنما هو في نوع الواجبين‏

المتزاحمين المختص صدقهما على الخبرين المتعارضين بالصورة المذكورة.

و من هنا يظهر عدم دخولهما في الكلام في المقام الآتي-أيضا-و هو صورة

قيام احتمال الأهمية بخصوص أحد الواجبين المتزاحمين،فأن الكلام هناك‏

-أيضا-في حكم الواجبين المتزاحمين،إلا أنه يفارق هذا المقام من حيث فرض‏

اختصاص احتمال الأهمية بأحد الواجبين المتزاحمين بالخصوص.

و كيف كان،فلا إشكال في أن الحكم هو التخيير فيما إذا احتمل أهمية

كل من الواجبين المتزاحمين،و لا كلام فيه ظاهرا-أيضا-و إنما الكلام في ثبوت‏

التخيير فيما إذا اختص احتمالها بأحدهما،لكن لا ينبغي الإشكال في ثبوته لهما

على ذلك التقدير-أيضا-في الجملة،لضعف ما يتوهم مانعا منه كلية.

نعم يقع الإشكال في ثبوته لهما فيما إذا كانا مندرجين في عنوانين في بعض‏

الصور.

و توضيح ذلك:أن الواجبين المتزاحمين المحتمل أهمية خصوص أحدهما

إما أن يكونا مندرجين في عنوان واحد بمعنى كون القدر المشترك بينهما هو

الموضوع للتلف في الأدلة الشرعية،كإنقاذ الغريقين،و إطفاء الحريقين،و إما أن‏

يكونا مندرجين في عنوانين،بمعنى عدم كون الموضوع لهما في الأدلة هو القدر

المشترك بينهما،كإنقاذ غريق مع إطفاء حريق.

و منشأ أهمية أحدهما من الآخر على تقديرها في القسم الأول منهما

منحصر في اتحاده مع عنوان آخر واجب،فيتأكد به وجوبه بالإضافة إلى الآخر،

و يقدم عليه عند الدوران بينهما،كما إذا دار الأمر بين إعطاء الزكاة بهذا الفقير

أو بذاك،مع كون أحدهما في مخمصة يخاف عليه الموت من المجاعة،فإن وجوب‏

إعطاء الزكاة في حقه قد تأكد باتحاده مع عنوان آخر واجب و هو حفظ نفس‏


264
المسلم.و وجه انحصار سبب الأهمية في هذا القسم في ذلك أن المفروض كون‏

الواجبين مندرجين في عنوان واحد،و كون وجوب كل منهما من جهة دخوله في‏

ذلك العنوان،حيث أن الدليل قد دل على وجوب ذلك العنوان أولا و بالذات،

و هما في الدخول فيه على حد سواء.

و بعبارة أخرى وجوب كل منهما من جهة تحقق ذلك العنوان في ضمنه،

و هو متحقق في ضمن كل منهما على نحو تحققه في ضمن الآخر،فيكون المقتضي‏

للوجوب في كل منهما مساويا له في الآخر،و لا يعقل كونه في أحدهما أقوى و آكد

منه في الآخر من الحيثية المذكورة،بل يتوقف ذلك على اتحاده في أحدهما مع‏

عنوان آخر واجب.

لا يقال:قد يكون الطبيعة مشككة بواسطة شدة تحققها في ضمن بعض‏

أفرادها،فيكون وجوب ذلك الفرد آكد من غيره.

لأنا نقول:إذا كانت مشككة،فإما أن يكون الطلب الوجوبيّ في الخطاب‏

الشرعي متعلقا بنفسها من حيث هي،مع قطع النّظر عن شدة تحققها في‏

الخارج،و إما أن يكون متعلقا لشدة تحققها فيه،فيكون موضوعه مرتبة من وجود

تلك الطبيعة،و هي وجودها في الخارج على نحو الشدة،دون نفسها من حيث‏

هي.

و على الأول لا محيص عما ذكرنا من توقف تأكده في بعض الأفراد على‏

اتحاده مع عنوان آخر واجب،إذ المفروض كون المناط هو نفس الطبيعة لا شدة

وجودها،و نفس الطبيعة موجودة في كل من الأفراد،فيكون كل منها من حيث‏

وجود المقتضي للطلب فيه مساويا لغيره من الأفراد،لو لا اتحاده مع عنوان‏

واجب آخر.

و على الثاني يخرج عن محلّ الفرض،إذ الكلام في الواجبين المتزاحمين،


265
فلا بدّ أن يكون كلّ منهما في نفسه واجبا،بحيث لا مانع من التكليف به فعلا

و المؤاخذة عليه إلا مزاحمة الآخر له،لعجز المكلف من الجمع بينهما،و من المعلوم أن‏

الفرد الّذي يضعف فيه تحقق الطبيعة لا وجوب له في نفسه أصلا،و إنما يختص‏

الفرد الآخر بالوجوب،فأين التزاحم بين الواجبين.

و أما منشأها في القسم الثاني فلا ينحصر في ذلك،بل قد يكون هو عظم‏

أحد الواجبين في نظر الشارع بالإضافة إلى الآخر،من غير اتحاده مع عنوان‏

آخر-أيضا-بل قد يكون أهم من الآخر في صورة اتحاد الآخر مع عنوان‏

واجب آخر-أيضا-كما في حفظ بيضة الإسلام بالإضافة إلى غيره من‏

الواجبات،و بعده حفظ النّفس المحترمة بالإضافة إلى غير الأول،و كما في حقوق‏

الناس الصرفة بالإضافة إلى حقوق اللَّه تعالى كذلك.

و تظهر الثمرة بين الأهمية الناشئة من الجهة الأولى و بين الناشئة من‏

الثانية عند إيجابها لتنجيز التكليف بالأهم في تعدد العقاب و اتحاده،فإنه إذا تعين‏

الأخذ بالأهم،فخالف المكلف و عصى،فإن كان منشأ أهميته هي الجهة الأولى‏

يتعدد عقابه،فإنه حينئذ حقيقة قد عصى في واجبين،و إن كان منشأه هي الجهة

الثانية يتحد عقابه،نعم هو على تقديره أعظم من العقاب على عصيان غير

الأهم إذا لم يزاحمه الأهم.

لا يقال:إن اتحاد الأهم في الفرض الأول مع عنوان واجب آخر يمنع‏

من تعدد الطلب به،فإن الشي‏ء الواحد لا يعقل أن يجتمع فيه طلبان،و لو كانا

مثلين،فإنهما كالنقيضين في امتناع اجتماعهما في محل واحد،بل الطلب معه واحد،

و معه لا معنى لتعدد العقاب،إذ هو يدور مدار تعدد العصيان المتوقف على تعدد

الأمر.لأنا نقول:سلمنا أن الطلب من الكيفيات التي تتداخل فيها أسبابها

عند توارد اثنان أو أزيد منها في محل واحد دفعة،لكن نقول إنه ليس معنى‏


266
تداخل أسبابه أنها عند الاجتماع تؤثر أثر واحد منهما،بل معناه أنه لا أثر لكل‏

واحد حينئذ يمتاز عن أثر الآخر في الخارج من حيث الذات،لكن كل منها

حينئذ يؤثر أثره الّذي يؤثر فيه حال الانفراد،و إنما منع وحدة المورد من امتيازه‏

عن أثر الآخر في الخارج،فهناك طلبات متعددة من حيث الذات،فيلزم كلا منها

ما هو لازم له حال الامتياز من العقاب على العصيان،لتعدد العصيان حينئذ في‏

الحقيقة،نعم لا يتعدد الامتثال،إذ بعد فرض اتحاد متعلقها جميعا يثبت الغرض‏

من الكل بامتثال واحد،لصدق المطلوب من كل منها عليه‏1.

و كيف كان،فإذا احتمل أهمية أحد الواجبين المتزاحمين من إحدى تينك‏

الجهتين،ففي الحكم بالتخيير حينئذ مطلقا-كصورة القطع بانتفاء الأهمية

لأحدهما-أو تعين الأخذ بمحتملها مطلقا،أو التفصيل بين ما إذا كان منشأها

هي الجهة الأولى،و بين ما إذا كان منشأها هي الجهة الثانية باختيار الأول في‏

الأول،و الثاني في الثاني،وجوه:

للثاني:أنه قد علم المكلف باشتغال ذمته بتكليف مردد بين تعلقه‏

بخصوص محتمل الأهمية و بين تعلقه بكل منهما تخييرا،لعدم جواز مخالفته لكليهما

بالضرورة،و هو يقتضي القطع بامتثاله المتوقف على الإتيان بمحتملها.

و للثالث:أن قاعدة الاشتغال المذكورة محكمة سليمة عما يحكم عليها فيما

إذا كان منشأ الأهمية هي الجهة الثانية،لعدم جريان أصالة البراءة عن التعيين‏

1لا يقال:بالفرق بين مقام الامتثال و بين مقام العصيان،فكما أن الإيجاد الواحد يقع امتثالا عن الجميع،

فلا بد أن يكون ترك أحد تلك العناوين المتصادقة عصيانا عن الجميع-أيضا-فيتحد عصيانها

-أيضا-.

لأنا نقول:الفرق أن تلك العناوين إنما يتحد في ظرف الوجود فقط،و تصادقها إنما هو في عالم‏

الوجود دون عالم العدم،فلا يصدق على ترك أحدها ترك الآخر،بل على تقدير الترك هناك تروك‏

متعددة،فيكون كل منها عصيانا للمتروك،فلا تغفل.لمحرره عفا اللَّه عنه.


267
حينئذ،فإن مجراها إنما هو التكليف المشكوك بدوا.

و من المعلوم أن التكليف بمحتمل الأهمية في الجملة ثابت قطعا،فلا

يمكن نفيه بها رأسا،و إنما الشك في تعيينه،و هو من الجهة الثانية ليس تكليفا

آخر،حتى يمكن نفيه بها لغرض الشك فيه،بل هو على تقديره من كيفيات ذلك‏

التكليف المعلوم تعلقه به الناشئة من قوة جهة ذلك التكليف بالنسبة إلى جهة

التكليف بالآخر،فجهة الأهمية على ذلك التقدير إنما هي عين جهة أصل وجوب‏

الأهم على تقديره،بمعنى أن جهة وجوبه لما كانت أقوى من جهة الوجوب في‏

غيره فأقوائيتها توجب أقوائية طلب موردها من طلب مورد الجهة الأخرى،

فهي على تقديرها لا يوجب طلبا و تكليفا آخر،حتى يرجع في نفيه إلى أصالة

البراءة،فقاعدة الاشتغال في القسم المذكور محكمة لسلامتها عما يحكم عليها،

هذا بخلاف ما إذا كان منشأها هي الجهة الأولى،فإن التكليف بمحتملها حينئذ

-أيضا-و إن كان معلوما في الجملة إلا أن تعيينه على تقديره ناشئ عن تكليف‏

مستقل آخر متعلق بالعنوان الّذي اتحد معه محتملها،فيكون الشك حقيقة راجعا

إلى الشك في التكليف بذلك العنوان بدوا،فيكون موردا لأصالة البراءة،و هي‏

أينما تجري تحكم على قاعدة الاشتغال على تقدير جريانها في المورد لولاها.

فان قلت:إن حكومة أصالة البراءة على قاعدة الاشتغال مسلمة فيما إذا

كان أمران،ثبت وجوب كل منهما في الجملة،و شك في أن وجوب كل منهما إنما هو

على سبيل التعيين،حتى يلزم الإتيان بكليهما معا،أو التخيير حتى يجوز الاكتفاء

بواحد منهما.

و بعبارة أخرى:إنها مسلمة فيما إذا لم يكن منشأ تعيين الوجوب هي‏

الأهمية،و أما إذا كان منشأه هي فلا،إذ المفروض في الثاني-المتنازع فيه في‏

المقام-العلم بثبوت طلب لمحتمل التعيين في الجملة فعلا،و الشك في وجوب‏

الآخر رأسا،فإنه على تقدير تعيين وجوب الأول لا وجوب للآخر أصلا،فإنه‏


268
على تقديره تخييري،و احتمال تعيين وجوب الأول مستلزم للشك في وجوبه‏

التخييري،و وجوبه التعييني معلوم العدم،و أصالة البراءة ليس من شأنها إثبات‏

التكليف،و لا تعيين متعلقه و إثبات مصداقية شي‏ء للواجب،فإنها-سواء أخذت‏

من باب التعبد أو من باب حكم العقل-حكم ظاهري،و هو رفع المنع من‏

ارتكاب محتمل التحريم أو ترك محتمل الوجوب بدوا في مرحلة الظاهر،لا

طريق،حتى يلزم من طريقيته إلى الملزوم-و هو عدم تعيين وجوب الأول-

طريقيته إلى اللازم،و هو وجوب الآخر تخييرا،حتى يكون الإتيان به مسقطا عن‏

التكليف المعلوم تعلقه بمحتمل التعيين،فغاية ما يترتب عليها رفع المنع من ترك‏

ذلك العنوان المتحد مع محتمل التعيين في حد نفسه و عدم العقاب عليه كذلك،

و أما رفعه من ترك نفس ذلك المحتمل التعيين و عدم المؤاخذة عليه فلا،للعلم‏

بتعلق الطلب به،فلا بد من العلم بامتثاله المتوقف على الإتيان بنفسه.

قلنا:نحن لا نحكم أصالة البراءة على قاعدة الاشتغال في المقام بنفسها،

و إلا لزم ما ذكر،و إنما نحكمها عليها بضميمة شي‏ء آخر و هو أن المفروض في‏

المقام وجود المقتضي للطلب لغير محتمل التعيين في حد نفسه عينا،و أنه لا مانع‏

من وجوبه فعلا عينا إلا وجود المقتضي له في الآخر كذلك،و لا من أصل وجوبه‏

في الجملة فعلا المتحقق في ضمن التخييري إلا اختصاص المقتضي في الآخر

فعلا بتمام مقتضاه،و هو الوجوب التعييني من جهة احتمال تأكده باتحاده مع‏

عنوان آخر.

و كيف كان فالمقتضي للوجوب في الجملة المتحقق في ضمن التخييري فيه‏

فعلا محرز قطعا،و الشك في ترتيب مقتضاه عليه كذلك ناشئ من الشك في‏

التكليف بذلك العنوان الّذي اتحد معه صاحبه،حيث أنه على تقديره يرجح‏

صاحبه عليه،و يختص ما فيه من المقتضي للوجوب التعييني بمقتضاه فعلا.

و من المعلوم أنه لا مانع من جريان أصالة البراءة بالنسبة إلى التكليف‏


269
المشكوك المتعلق بذلك العنوان على تقديره واقعا،فإذا جرت في نفيه،فينتفي‏

المانع من وجوب غير محتمل التعيين تخييرا،فيترتب عليه،لأن وجود المقتضي مع‏

عدم المانع علة تامة لترتيب المقتضي فعلا،فإذا ثبت وجوبه كذلك فيكون‏

الإتيان به مسقطا عن ذلك الطلب المعلوم تعلقه بمحتمل التعيين.

و ليس المراد نفي الطلب عن ذلك العنوان بأصالة البراءة حتى يرد أنه‏

ليس من شأنها ذلك،بل المراد نفي فعليته على تقديره،و إثبات المعذورية في‏

مخالفته،و قد حققناه في مقام رفع التنافي بين الحكم الظاهري و الواقعي في أول‏

مسألة التعادل و الترجيح،و كذلك في مطاوي كلماتنا في مسألة اجتماع الأمر

و النهي-أيضا-جواز التكليف بأحد طرفي النقيض فعلا،مع كون المكلف‏

معذورا في الطلب المتعلق بالطرف الآخر،و كذلك جوازه بأحد الضدين المتزاحمين‏

مع كونه معذورا في الآخر،بمعنى أن المانع ليس هو الطلب بالنقيض أو الضد،

و إنما هو فعليته،و ما نحن فيه من قبيل الثاني،فإذا ثبت معذورية المكلف في ذلك‏

العنوان المتحد معه محتمل التعيين من الواجبين المتزاحمين يجوز التكليف بما

يزاحمه،و هو غير محتمله منهما تعيينا،فكيف به تخييرا،و لما كان المفروض العلم‏

بتعلق طلب فعلا بمحتمله إجمالا،فهو مانع من المصير إلى وجوب غير محتمله‏

عينا فحسب،فإذا جاز ذلك عقلا مع فرض قيام المقتضي له و عدم المانع بواسطة

أصالة البراءة من ترتيب الوجوب التخييري عليه فعلا،فيترتب عليه ذلك‏

كذلك.

و الحاصل أن السؤال المذكور إنما يرد فيما إذا علم وجوب شي‏ء و تردد بين‏

كونه عينيا أو تخييريا بينه و بين شي‏ء آخر لم يحرز فيه الوجوب في نفسه أصلا،

و المقام المتنازع فيه ليس منه.

و بعبارة أخرى أقصر:إن المقتضي للوجوب التخييري لا محالة في غير

محتمل التعيين في المقام معلوم،و أنه لا مانع من ترتيبه عليه إلا تنجز الطلب‏


270
المعلوم تعلقه بمحتمله على وجه لا يجوز مخالفته إلى بدل،و أصل ذلك الطلب و إن‏

كان معلوما إلا أن كونه على وجه التعيين المستلزم لعدم جواز المصير إلى بدل غير

معلوم،و لم يقم عليه حجة،و مقتضي أصالة البراءة كون المكلف معذورا في مخالفته‏

إلى بدل،فإذا ثبت بها عدم ذلك المانع يترتب على ذلك المقتضي مقتضاه،و هو

الوجوب التخييري،المستلزم لكون مورده مسقطا عن ذلك الطلب المعلوم،هذا.

و قد قوى(دام ظله)هذا الوجه من بين الوجوه الثلاثة.

و لكن الأقوى عندي هو الحكم بالتخيير مطلقا،لجريان أصالة البراءة

في كل من الشقين على حد سواء،كان مدركها العقل أو الأخبار.

إذ على الأول المناط عند العقل في استقلاله بعدم المنع و الإباحة ظاهرا

إنما هو قبح العقاب من غير حجة،و هذا موجود في كل منهما على حد سواء،إذ

على تقدير كون احتمال التعيين لأجل أهمية محتملة في نفسه و إن كان الشك‏

راجعا إلى كيفية من كيفيات الطلب المعلوم تعلقه به في الجملة لا إلى طلب آخر

مستقل،لكن الكيفيات أيضا مما لا طريق إليها للمكلف إلا ببيان الشارع لها،

كنفس التكاليف المستقلة،و من المعلوم للمتأمل أن قبح العقاب عند العقل في‏

التكاليف المستقلة المجهولة ليس لخصوصية استقلال المجهول،بل إنما هو من‏

باب أنه مما لا طريق للمكلف إليه إلا ببيان الشارع،و أن كل ما كان كذلك‏

يقبح المؤاخذة على مخالفته مع الجهل به.

و على الثاني المناط هو الجهل الموجود في كل منهما،فإن المستفاد من‏

الأخبار إنما هو معذورية الجاهل في مخالفته الواقع المشتبه عن جهله به،من غير

فرق بين أن يكون متعلقه من الأمور المستقلة،أو من الكيفيات و التوابع،

و الاشتغال بمحتمل التعيين في كل من الشقين لم يثبت على الإطلاق،و إنما المعلوم‏

منه ثبوته على وجه لا يجوز مخالفته لا إلى بدل أصلا،فلا يقتضي تعيين خصوص‏

محتمل التعيين.


271
و من هنا ظهر أنه لا حاجة في جواز الاكتفاء بغير محتمله إلى التوجيه‏

بحكومة أصالة البراءة،إذ على هذا التقدير لا ينافيها قاعدة الاشتغال أصلا

حتى يحتاج تقديمهما عليها إلى إثبات حكومتها عليها،فافهم.

ثم إنه بقي أمران ينبغي التنبيه عليها:

الأول:أنه إذا كان أحد الواجبين المتزاحمين أهم من الآخر في نظر

الشارع واقعا حال التزاحم من جهة اتحاده مع عنوان آخر واجب،فذلك إنما هو

فيما إذا انحصر مصداق ذلك العنوان فيه،بحيث لا يمكن امتثاله في مورد آخر،

و أما معه فلا،إذ مجرد اتحاده معه لا يقضي بتعيينه،و إنما هو لأجل أنه لو ترك‏

ذلك يلزم فوت الواجبين،بخلاف ترك الآخر الغير المتحد معه،و من المعلوم أن‏

ترك واجبين لا يلزم إلا في تقدير انحصار مصداق ذلك العنوان فيه،فإذا كانت‏

أهمية أحدهما محتملة من تلك الجهة،فلا بد أن يكون المورد مما انحصر مصداق‏

ذلك العنوان المتحد معه المحتمل وجوبه،و إلا فلا يعقل احتمال أهميته بمجرد

اتحاده معه مع فرض المندوحة.

الثاني:أنه إذا اتحد أحد الواجبين المتزاحمين مع عنوان مندوب في نفسه،

بل و مع ألف عنوان كذلك،لا يوجب ذلك تعينه،بل الحكم حينئذ أيضا التخيير،

كصورة عدم اتحاده مع شي‏ء منها أصلا.

و الدليل عليه-بعد الإجماع على عدم تعيين أحد فردي الواجب‏

التخييري باتحاده مع عنوان آخر مندوب،الّذي يعبر عنه بأفضل فردي الواجب‏

التخييري،بل و مع اتحاده مع عناوين كذلك-العقل.

و توضيحه:أن تعيين أحد الواجبين المتزاحمين المتخير فيهما لو لا أهمية

أحدهما إنما هو على تقديره من جهة تأكد وجوبه بالإضافة إلى وجوب الآخر،

و من المعلوم أن كان كيفية من الكيفيات لا بد أن يكون مؤكدها كيفية هي من‏

سنخها و نوعها،كما ترى ذلك في مثل الألوان،و الطعوم.


272
و من المعلوم أن الجهات المقتضية للاستحباب و إن اجتمعت آلاف منها في‏

مورد،لا يعقل تأثيرها في إيجاب المورد،و إنما يؤثر حينئذ-أيضا-طلبه ندبا،

غاية الأمر أنه تؤثر-حينئذ-مرتبة من الطلب الندبي المؤكد.

و من المعلوم-أيضا-أن الطلب الندبي،و إن بلغ ما بلغ من التأكد،لا

يبلغ مرتبة الوجوب،فلا تسانخه،فلا يعقل أن يكون مؤكدا له،فلا يوجب‏

اتحادها مع أحد الواجبين التخييريين-بالأصل،أو لعارض لأجل التزاحم-

تعيين ما اتحدت معه،نعم يوجب أفضليته من الآخر.

قوله-:(قدس سره)-:(و مرجع التوقف أيضا إلى التخيير إذا لم‏

يجعل الأصل من المرجحات) (1) .

(1)مراده من رجوع التوقف إلى التخيير إنما هو رجوعه إليه بحسب المورد،

بمعنى أنه إذا كان المورد مما كان الأصل الأولي فيه التوقف مع عدم كون الأصل‏

من المرجحات يكون من صور التكافؤ التي هي مورد للتخيير الثابت بأخبار

التخيير،و التقييد بعدم كون الأصل من المرجحات لأجل أنه مع كونه منها يكون‏

قاطعا للأصل الأولي الّذي هو التوقف،و معينا للأخذ بموافقه من الخبرين‏

المتعارضين،فيكون مخرجا للمورد عن أخبار التخيير،لاختصاصها بما لم يكن‏

لأحدهما مرجح و معين،الّذي يعبر عنه بصورة التكافؤ.

و ظاهر العبارة يعطي ما لا يخلو من المناقشة و الإيراد مع أنه ليس‏

بالمراد،فإن ظاهرها رجوع نفس التوقف إلى نفس التخيير على التقدير المذكور

و هو لا يستقيم،فإن التوقف و التخيير معنيان متباينان،لا يعقل صدق أحدهما

على الآخر،إذ الأول عبارة عن عدم التمسك بواحد من الخبرين المتعارضين في‏

خصوص مؤداه،و الثاني عبارة عن جواز التمسك بواحد منهما على البدل في‏

1)فرائد الأصول 2:766.

273
خصوص مؤداه،و جعله طريقا إليه،فالنسبة بينهما هو التباين الكلي،لتناقضهما.

قوله-قدس سره-:(و مرجع الأخير إلى أنه لو لا الإجماع حكمنا

بالترجيح في البينات-أيضا-) (1) .

(1)أقول:هذا بظاهره لا يستقيم،فإن الأخير الّذي استظهر منه ذلك هي‏

العبارة المحكية عن النهاية (2) و المنية (3) و هي قوله سلمنا،لكن عدم الترجيح في‏

الشهادة ربما كان مذهب أكثر الصحابة،و الترجيح هنا مذهب الجميع.

و لا يخفى أنها ظاهرة،بل صريحة في إبداء الفرق بين المقام و بين البينات،

بقيام الإجماع على وجوب الترجيح هنا،و وقوع الخلاف فيه في البينات،حيث‏

أن أكثر الصحابة على عدم الترجيح فيها،لا قيام الإجماع على عدم الترجيح‏

فيها-كما استظهره(قدس سره)-و حاصلها أن الترجيح في المقام للإجماع،فهو

الفارق بينه و بين البينات،لا أن عدم الترجيح في البينات للإجماع فيها على‏

عدمه،كما استظهره(قدس سره).

كلام السيد الصدر من مفاد الأخبار و التحقيق فيها

قوله-قدس سره-:(ثم إنه يظهر من السيد الصدر الشارح‏

للوافية (4) الرجوع في المتعارضين من الأخبار إلى التخيير أو التوقف‏

و الاحتياط و حمل أخبار الترجيح على الاستحباب) (5) .

(2)أقول:لا يخفى أن ما استظهره من السيد المذكور من التخيير أولا،ثم‏

التوقف و الاحتياط،ظاهره هو التخيير في الفتوى،ثم التوقف فيه،و الاحتياط

1)فرائد الأصول 2:770.

2)نهاية الوصول،مخطوط،انظر باب الترجيح حسبما أحال إليه نفسه في مبحث بناء العام على الخاصّ.

156 و نحن لاحظنا النسخة فكانت غير كاملة إلى آخر مباحث النسخ.

3)منية اللبيب،مخطوط.

4)شرح الوافية للسيد صدر الدين،مخطوط،انظر:هامش رقم(3)ص 77.

5)فرائد الأصول 2:770.


274
في العمل خلاف صريح العبارة التي حكاها عن السيد المذكور،و هي أن الأصل‏

التوقف في الفتوى و التخيير في العمل،فلا تغفل‏ (1) .

بيان ما لعله يحتاج إلى البيان في مقبولة عمر بن حنظلة،و هو أن قوله‏

عليه السلام فيها(من تحاكم إليهم في حق أو باطل،فإنما تحاكم إلى الطاغوت،

و ما يحكم له فإنما يأخذه سحتا،و إن كان حقه ثابتا...إلى آخره) (2) .يشمل‏

المنازعة في الدين و العين الخارجية أيضا،و يعم ما إذا كان منشؤها في الموضعين‏

اختلاف المتنازعين في الحكم الشرعي،أو كان اختلافهما صغرويا بعد اتفاقهما

على الحكم الشرعي الكلي،كأن يدعي أحدهما تملكه لدار في يد الآخر مستندا

إلى دعوى أنه قد باعها تلك الدار،و ينكره الآخر لإنكار عدم وقوع البيع‏

الّذي يدعيه،مع اتفاقهما على أن البيع الّذي يدعي مدعيها وقوعه عليها على‏

تقديره سبب ملك شرعا.

لكن يشكل الحكم بحرمة أخذ العين الخارجية المتنازع فيها إذا كان‏

اختلافهما صغرويا مع علم الآخذ بأنها ماله واقعا،بل الظاهر قيام الإجماع على‏

جواز أخذها حينئذ،بل و يشكل حرمة أخذ العين المتنازع فيها مع كون النزاع‏

فيها كبرويا-أيضا-إذا كان الآخذ قاطعا بأنها له شرعا،كأن ادعى أحدهما

تملك ثوب في يد الآخر مستندا إلى اشترائه بالبيع بالصيغة الفارسية مثلا،و ينكره‏

الآخر،لإنكاره سببية العقد بالفارسي للتملك شرعا مع اعترافه بوقوعه،لكن‏

المدعي قاطع بسببيته له شرعا،بل لا أظن بأحد القول بالحرمة في ذلك الفرض،

بل الظاهر جواز أخذها-حينئذ-لجريان مناط الجواز في معقد الإجماع المذكور

فيه-أيضا-فإن جواز الأخذ هناك ليس حكما تعبديا جديدا،بل المعلوم أنه من‏

1)لاحظ هامش رقم(3)ص 77.

2)التهذيب 6:301 الحديث 52.

275
باب سلطنة كل أحد على ماله،و أن المفروض قطع المدعي بكون العين ماله،

و هذا بعينه موجود في الفرض المذكور.

بل و يشكل ذلك فيما إذا كان مورد النزاع دينا،مع كون النزاع صغرويا

أو كبرويا،مع كون المدعي قاطعا بمستند دعواه من الحكم إذ انحصر طريق‏

استيفاء الدين في كلتا الصورتين في التحاكم إلى حكام الجور.

و قد يوجه حرمة أخذ الدين في تينك الصورتين بأن الدين كلي لا يتعين‏

في مال إلا بإعطاء المديون إياه بعنوان الإيفاء و الأداء،و المأخوذ بحكم حكام‏

الجور لم يؤخذ بذلك العنوان،فلا يتعين الدين فيه حتى يكون ملكا للآخذ.

لكن يمكن منعه بمنع توقف تعيينه في مال مخصوص على ما ذكر فيما إذا

كان المديون ممتنعا من الأداء-كما هو المفروض-و إلا فلا نزاع،بل يتعين فيه‏

حينئذ من باب التقاص،فالأولى قصر الرواية الشريفة على ما قام الإجماع على‏

حرمة الأخذ فيه-أيضا-و هو ما إذا كان الآخذ شاكا في تملكه لما يأخذه،و يكون‏

اعتماده فيه على حكم حاكم الجور،سواء كان شكه من جهة شكه في الحكم‏

الشرعي الكلي،أو من جهة شكه في ثبوت الصغرى،لكن قول السائل فيها

(و كلاهما اختلفا في حديثكم)يأبى عن عمومها لما كان منشأ النزاع،النزاع في‏

الصغرى فإن القاطع للنزاع من حيث الصغرى إنما هي البينة و الحلف،لا

الحديث المتكفل لبيان الأحكام الكلية.

فمنه يظهر خروج النزاع من حيث الصغرى،سواء كان مورده هو العين‏

أو الدين منها.

قوله-قدس سره-:(و هذه الرواية الشريفة و إن لم تخل عن‏

الإشكال بل الإشكالات من حيث ظهور صدرها في التحكيم لأجل‏

فصل الخصومة إلى قوله و لا جواز الحكم من أحدهما بعد حكم‏


276
الآخر) (1) .

(1)أقول:و فيها إشكال آخر،لم يذكره المصنف(قدس سره)و هو أن ظاهر

صدرها الرجوع إلى الحاكم عند المعارضة و المنازعة،و لا ريب أن الأمر بيد

المدعي في اختيار الحاكم في المنازعات و له اختيار من شاء،و إن كان مفصولا

بالنسبة إلى من اختاره المنكر،فإن الفقيه و إن كان مفصولا،ينفذ حكمه في‏

الواقعة الشخصية،لا تفويض الأمر بيد المتنازعين و تحريهما في إعمال المرجحات‏

فكان المناسب أن يجيب عليه السلام بأن الأمر بيد المدعي،و القول قول من‏

اختاره حكما،هذا.

و لكن الّذي يقتضيه التأمل اندفاع تلك الإشكالات بأسرها على تقدير

تماميتها في أنفسها،بأن غاية ما ثبت إنما هي المنع منها في القاضي المنصوب‏

خصوصا أو عموما،و أما قاضي التحكيم الّذي هو المفروض في صدر الرواية كما

يقتضيه قول السائل(فإن كان كل رجل يختار رجلا)فلم يقم دليل على عدم‏

جواز نقض حكمه،و لا على عدم جواز تعدده،و لا على عدم جواز اجتهاد

المترافعين بعد تعارض حكمهما،و لا على عدم جواز اختيار المنكر من شاء أيضا،

فالأمور المذكورة على تقدير لزومها لا محذور فيها،بل يمكن التمسك على‏

جوازها بصدر الرواية.

هذا مضافا إلى عدم لزوم بعضها-أيضا-كتعدد الحكمين،فلأن الظاهر

من الرواية فرض السؤال عن تراضي المتخاصمين بكون كلا الشخصين معا

حكما فيما شجر بينهما بأن يحكم كل منهما باستصواب الآخر،لا كونه حكما

مستقلا مستندا برأيه،نظرا إلى قول الراوي(فرضيا أن يكونا الناظرين في‏

حقهما).

1)فرائد الأصول 2:772.

277
و قوله(فإن كان كل رجل يختار رجلا)و إن كان في نفسه ظاهرا فيما

استظهره المصنف(قدس سره)من تعدد الحكمين،لكنه بقرينة ما ذكر محمول‏

على اختيار كل منهما رجلا برأسه في أول الأمر،ثم بنيا على كونهما معا حكما بينهما

بالاستصواب.

و بهذا يندفع لزوم حكم أحدهما بعد حكم الآخر-أيضا-إذ بعد كون‏

كليهما معا حكما لا يجوز أن يحكم واحد منهما مخالفا لما حكم به الآخر،و كذا لزوم‏

تفويض الأمر في اختيار الحاكم إلى المنكر-أيضا-.

و يمكن منع لزوم ذلك على تقدير تعدد الحكمين-أيضا-بحمل الرواية

على صورة التداعي،فإن كلا من المتخاصمين في تلك الصورة مدع و منكر

باعتبارين.

و أما ما ذكره(قدس سره)من لزوم غفلة الحكمين عن المعارض لمدارك‏

حكمه ففيه أن مثل ذلك غير عزيز.

و أيضا يمكن منع اللزوم بأن فتوى كل منهما على خلاف الآخر لعله‏

لاطلاعه على قدح في مستند حكم الآخر،لم يطلع الآخر عليه من صدوره تقية

أو غيره من القوادح،لا لغفلته عنه رأسا.

فبقي مما ذكره لزوم اجتهاد المترافعين،و وجه كونه محذورا أن القول قول‏

الحاكم في مقام الدعوى.

لكن لا ضير فيه بعد فرض تعارض الحكمين-كما عرفت-لعدم قيام‏

دليل على المنع منه.

ثم إن هذا كله على تقدير تسليم ظهور صدر الرواية في رجوع‏

المتخاصمين إلى الحكمين،لأجل الحكم بينهما،بأن يكون الفاصل بينهما هو

حكومة الحاكم،لا روايته.

لكن يمكن دعوى ظهوره في رجوعهما إليهما من حيث الرواية،و ذلك‏


278
لمقدمتين.

إحداهما:ما عرفت سابقا من ظهور الرواية من فرض كون منشأ النزاع‏

بينهما هو الاختلاف في الحكم.

و ثانيتهما:أن المتعارف في ذلك الزمان أن كل من يفتي بشي‏ء كان إفتاؤه‏

بنقل الحديث الوارد في الواقعة المسئول عنها،و كان المستفتى عن شي‏ء إنما يرجع‏

إلى المفتي،لأجل استعلام ما عنده من الحديث في الواقعة المجهولة الحكم.

و المستنتج من هاتين المقدمتين ان فرض السؤال إنما هو في رجوع‏

المتخاصمين إلى الحكمين من حيث كونهما راويين،و كون كل منهما مجتهدا.

و يدل عليه-أيضا-قول السائل(و كلاهما اختلفا في حديثكم)فإنه‏

ظاهر في رجوعهما إليهما من حيث الحديث و الرواية،و جعل الفاصل بينهما هي لا

رأى الحاكم،فلا يرد حينئذ شي‏ء من الإشكالات المتقدمة،إذ الرواية مما يناسبها

التعدد،و يجوز نقل رواية متعارضة لما يرويه الغير أيضا،و الراوي أيضا لا يجوز

له إلزام الغير الّذي له ملكة الاستنباط على ما يراه مما رواه،بل العبرة بنظر

الغير في أحكام نفسه.

نعم يقع التعارض على هذا بين هذه الرواية و بين المرفوعة الآتية كما

سيأتي التنبيه عليه.

هذا كله مضافا إلى أن إجمال صدر الرواية الشريفة لا يقدح في‏

الاحتجاج بذيلها،الصريح بوجوب الأخذ بالمرجحات المذكورة فيه كما اعترف‏

به(قدس سره)أيضا.

قوله-قدس سره-:(اللهم إلا أن يمنع ذلك،فإن الراوي إذا

فرض كونه أفقه...إلى آخره) (1) .

1)فرائد الأصول 2:773.

279
(1)أقول:لا يخفى أن هذا التعليل إنما يقتضي عدم جواز العمل على‏

العكس،لا عدم عمل العلماء كذلك،و ظاهره أخذه علة للثاني.

و يمكن توجيهه:بأن غرضه أخذ العلة المذكورة كاشفة عن عدم عمل‏

العلماء كذلك.

و يحتمل كونها علة للأول،بأن يكون غرضه منع حجية عمل العلماء على‏

إثبات العكس،و أن الوجه هو الأخذ بصفات الراوي لمكان العلة المذكورة.

قوله-قدس سره-:(حتى بين من هو أفقه من هذا المنفرد برواية

الشاذ) (1) .

(2)يعني الأفقه منه في زمانه و عصره،بأن يكون بعض رواة الرواية المشهورة

المعاصرين له أفقه منه،فلا يجوز ترجيح تلك الرواية الشاذة لأجل أفقهية ذلك‏

المنفرد لوجود تلك العلة فيما يعارضها،لأن اعتبار الأفقهية على تقديره لا يختص‏

بشخص دون شخص،أو زمان دون زمان.

قوله-قدس سره-:(مع أن أفقهية الحاكم بإحدى الروايتين لا

يستلزم أفقهية جميع رواتها) (2) .

(3)يعني أفقهية جميع رواتها المعاصرين في جميع الطبقات،فقد يكون بعض‏

رواة الرواية الأخرى في بعض الطبقات المتقدمة على عصر ذلك المنفرد،أو

المتأخرة عنه أفقه منه إن لم يكن بعض رواتها المعاصرين له أفقه منه،فلا يجوز

ترجيح روايته على الرواية المشهورة في تلك الصورة-أيضا-لما مر،هذا.

أقول:لا يخفى أن الغرض إنما هو تقديم الأفقهية من حيث هي على‏

الشهرة كذلك في مقام الترجيح،و عدم تقديمها عليها في الصورتين لا يقدح‏

1)فرائد الأصول 2:773.

2)فرائد الأصول 2:773.

280
بذلك،فإنه حقيقة ليس لأجل تقديم الشهرة عليها فيهما،بل إنما هو لأجل‏

اشتراك الروايتين في اشتمالهما عليها و مساواتهما من جهتها،فليس لإحداهما مزية

على الأخرى من جهتها،و ترجيح الرواية المشهورة على الشاذة-حينئذ-

لأجل اشتمالها على مزية أخرى غير تلك الجهة،و وجوب الأخذ بكل من‏

المرجحات إنما هو فيما لم يوجد في كلا الخبرين معا،و هذا إنما هو من باب‏

الاختصاص‏1لا التخصيص،لأن التخصيص إنما هو فيما كان من شأنه عموم‏

الحكم بالنسبة إليه،و من المعلوم أنه لا يعقل تعميم وجوب الترجيح بها بالنسبة

إلى صورة وجودها في كلا الخبرين.

قوله-قدس سره-:(أو تعارض الصفات بعضها مع بعض) (1) .

(1)فيه:أن فهم السائل جواز الترجيح بكل من الصفات في نفسه لا يغنيه‏

عن حكم تلك الصورة،إذ غايته جواز الترجيح بكل منها إذا لم يكن لها معارض،

و أما فيما كان لها معارض من الصفات الأخر فلا يقتضي ذلك جواز الترجيح‏

بكل منها حينئذ.

أما تعيينا فواضح،لامتناعه.

و أما تخييرا،فلأنه ليس من مدلول قوله عليه السلام .

و الحاصل:أن عدم سؤال السائل عن صورة تعارض الصفات بعضها مع‏

بعض لا يصلح قرينة على إرادة وجوب الترجيح بكل منها مستقلا،لعدم‏

الارتباط بينهما بوجه،كما عرفت،بل يمكن جعله قرينة على فهمه وجوب‏

الترجيح بجميعها،إذ عليه لا حاجة إلى بيان حكم تعارض بعض الصفات مع‏

بعض،لأنه لا يجب الترجيح حينئذ لفرض عدم اجتماعها في طرف.

1الظاهر ان المراد التخصص،أي أن هذا من باب الخروج موضوعا،لا حكما مع الدخول موضوعا.

1)فرائد الأصول 2:773.

281
نعم،عدم سؤاله عن صورة وجود بعض منها دون بعض ظاهر فيما ذكره،

فيقع التعارض بين ظهوره و بين ظهور عدم سؤاله عن تعارض بعضها مع بعض‏

في خلافه،فلا يصح الاستشهاد بشي‏ء منهما.

نعم،قول السائل:-(لا يفضل أحدهما على صاحبه)-ظاهر في أن مراده‏

عدم فضل أحدهما على الآخر بشي‏ء من المزايا،فهو ظاهر في أنه فهم أن‏

الترجيح بمطلق المزية،فالاستشهاد به لما ذكر جيد.

قوله-قدس سره-:(الثاني ما رواه ابن أبي جمهور

الأحسائي) (1) .

(1)أقول:لا يخفى أن في ذلك الّذي حكي عن ابن أبي جمهور إشكالا لا

يكاد1أن يتفصى عنه،و هو أنه قد ذكر في ذيله-بعد ذكر وجوب الأخذ بما وافق‏

الاحتياط من الخبرين-أنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له،إذ لا يمكن‏

أن يكون النقيضان كلاهما موافقين للاحتياط2.

قوله-قدس سره-:(التاسع ما عن الكافي...إلى آخره) (2) .

(2)أقول:قوله عليه السلام في ذلك الحديث:(خذوا به)الظاهر منه إرادة

الأخذ بالأخير من الخبرين.

أما أولا:فلأن الضمير إذا تقدمه أمران أحدهما أقرب إليه،الظاهر

1أي:التخلص من الإشكال ممكن لكنه بعيد بينما هو يريد ظاهرا عدم إمكان التخلص منه.فالأفضل‏

الإشارة إلى أنه استعمل(يكاد)بمعنى(يمكن).

2طبعا و لا يمكن أيضا أن يكون النقيضان مخالفين للاحتياط لأن النقيضين كما لا يجتمعان لا يرتفعان.

1)فرائد الأصول 2:773،و انظر:عوالي اللئالي 4:133.

2)فرائد الأصول 2:775،و انظر:الكافي 1:53 حديث 9.

282
رجوعه إليه،دون الأبعد منه،و من المعلوم أن قوله:(حديث من آخركم)أقرب‏

إليه.

و أما ثانيا:فللتصريح به في الحديث العاشر،و الحادي عشر.

بيان ما لعله يحتاج إلى البيان في الحديث الرابع عشر و هو قوله(عليه‏

السلام).

(إن الكلمة لتنصرف على وجوه،فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء

و لا يكذب.) (1) .فاعلم أن الظاهر من قوله:(إن الكلمة لتنصرف على وجوه)

أنها تنصرف إلى وجوه بعضها ظاهر منها و بعضها غير ظاهر،فلو شاء إنسان‏

لصرف كلامه كيف شاء يعني يريد به ما شاء،فله أن يريد المعنى المؤول للكلمة

الّذي هو خلاف ظاهرها،و لا يكذب في إرادة ذلك المعنى منها.

و كلمة(إن)في قوله:(إن الكلمة لتنصرف على وجوه)في مقام التعليل‏

لقوله عليه السلام:أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا.

و الواو في قوله:(و لا يكذب)حالية.

فحاصل ما يستظهر من الحديث الشريف،أن الغرض أنه لا يجوز

المبادرة إلى طرح خبر مروي عنهم عليهم السلام و تكذيب صدوره بمجرد

ورود خبر آخر ينافي ذلك الخبر بظاهره،لإمكان إرادة خلاف الظاهر منه،بل‏

لاحتماله،لأنه على تقديره غير مستلزم للكذب،بل لا بد من ملاحظة دلالتهما

أولا،و أن دلالة أحدهما أقوى من دلالة الآخر أو لا؟فإن كانت دلالة أحدهما

أقوى فيجعل ذلك قرينة على إرادة خلاف الظاهر من الآخر.

قوله-قدس سره-:(الأول في علاج تعارض مقبولة ابن حنظلة

1)الوسائل 18:الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 27.

283
و مرفوعة زرارة).

(1)قال(دام ظله):إن المرفوعة ضعيفة السند باعتبار رفعها و انفراد ابن أبي‏

جمهور بنقلها،إلا أن عمل الأصحاب حيث إنه على طبقها جابر لها،فتكون‏

حجة لذلك.

و أما المقبولة،فالراوي لها إنما هو عمر بن حنظلة،و هو مجهول الحال عند

الأكثر.

نعم حكى ولد الشهيد الثاني(قدس سرهما)عن والده الماجد في حاشية

له-الظاهر أنها على الروضة في مسألة الوقت-أنه قد ورد في عمر في مسألة

الوقت أنه سئل أحدهما عليهما السلام عن أن عمر بن حنظلة يجي‏ء لنا عنكم‏

بوقت فكيف تصنع؟

فقال عليه السلام:(إذن لا يكذب علينا)و هذا يدل على حسن حاله.

و كأنه زعم(قدس سره)أن قوله عليه السلام:(لا يكذب)مبني‏

للفاعل،لأنه على تقدير كونه مبنيا للمفعول-كما هو المحتمل-يكون دليلا

على سوء حاله،كما لا يخفى،كما ضعفه بعضهم بزعم كونه مبنيا للمفعول.

و كيف كان،فلم نعلم حال عمر،فتكون المقبولة ضعيفة السند لذلك.

فيتوقف اعتبارها على جابر لها،و هوكونهامعمولا بها عندهم حتى وصفت‏

بالمقبولة،فيكون ذلك جابرا لضعفها،بمعنى أنهم استدلوا بها و اعتمدوا عليها،

و لو بالنسبة إلى بعض مدلولها الغير المنافي للمرفوعة،فاعتمادهم عليها كذلك‏

جابر لها،موجب لاعتبارها.

تمهيد مقال:الشهرة في الأصل هو الوضوح،و التجرد عن موجبات‏

الخفاء،و منه فلان شهر سيفه،و سيف شاهر،بمعنى المشهور.

و الشذوذ فيه إنما هو الانفراد،و منه شذ الغنم،و يعبر عن الأول بالفارسية

بنماياني،و عن الثاني ببازماندگي.


284
و أما في الاصطلاح:فالظاهر عدم نقلهما عن معنييهما الأصليين إلى‏

غيرهما،بل يكون إطلاقهما على شهرة الرواية أو الفتوى أو على شذوذهما

باعتبار معنييهما الأصليين،كما أن إطلاقهما في أخبار الأئمة عليهم السلام أيضا

كذلك بطريق أولى.

و بالجملة هما في جميع الموارد بمعنى الوضوح و الانفراد،و اختلافهما في‏

الموارد إنما هو من اختلاف مصاديقهما و مشخصاتهما،فإن الّذي يختلف باختلاف‏

الموارد إنما هو جهة الوضوح و الانفراد،لا أنفسهما.

و مشهور الرواية معروفيّتها بين العلماء،بأن عرف كل واحد منهم وجودها

في الروايات المأثورة عن أهل العصمة عليهم السلام و لو كان ناقلها واحدا.

و يقابلها شاذها،و هي ما لم يعرفها إلا نادر منهم،و إطلاق الشاذ عليها

باعتبار انفرادها عن المشهورة بهذا الاعتبار،و عدم وصولها إلى حدها من‏

الوضوح،كما أن مشهور الفتوى ما كان معروفا بينهم بحيث يعرفه كل أحد على‏

وجه لا ينكر وجوده في جملة فتاوى العلماء،بل يعترف بوجوده و لو كان المفتي‏

شخصا واحدا.

و قد توصف الرواية بالشهرة أو الشذوذ من حيث الفتوى،و يقال:إنها

مشهورة أو شاذة من حيث الفتوى،و المراد حينئذ إنما هو كون مضمونها

اشتهر الإفتاء به أو شذ بالاعتبار المذكور في شهرة الفتوى و شذوذه.

و من هنا يعلم الفرق بين المشهور من الرواية و مستفيضها،أو متواترها،

و كذا الفرق بين المشهور من الفتوى و المجمع عليه منه.

و توضيح الفرق:أن توصيف الرواية بكونها مشهورة-كما عرفت-إنما

هو باعتبار معروفيتها بين العلماء من غير نظر إلى تعدد راويها أصلا.

بخلاف المستفيض و المتواتر،فإن توصيفها بهما إنما هو باعتبار تعدد و كثرة

راويها،من غير نظر إلى الاعتبار الأول أصلا.


285
و كذا توصيف الفتوى بكونه مشهورا إنما هو بالاعتبار الأول،و توصيفه‏

بكونه مجمعا عليه إنما هو بالاعتبار الثاني.

نعم قد يكون سبب معروفية الرواية أو الفتوى هو كثرة النقلة،أو

المفتين.

و قد توصف الرواية بكونها مشهورة من حيث الرواية،و يراد به كونها

متفقا على نقلها من الرّواة.

و قد توصف به من حيث الفتوى،و يراد به كون مضمونها متفقا عليه‏

و مفتى به بين العلماء و لو لم يستندوا إليها.

و قد يوصف الفتوى بكونه مشهورا،و يراد به اتفاق العلماء على الإفتاء

به فيرادف المجمع عليه.

لكن الرواية المشهورة من حيث الرواية بالمعنى المذكور لا ترادف شيئا

من المستفيض و المتواتر،بل أعم منهما إذ قد يكون الرّواة منحصرا في اثنين،فلا

يصدق على الرواية شي‏ء من المستفيض و المتواتر،و قد لا يبلغ رواتها إلى حد

التواتر،فلا يصدق عليها المتواتر أيضا.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد بالشاذ في المقبولة ليس الحقيقي منه،و هو

ما لا يعرفها إلا نادر،فإن الشذوذ إلى هذا المقدار مناف للاعتبار،و من المعلوم أن‏

المراد به في المقبولة ما كان معتبرا بنفسه،بحيث لو لم يكن له معارض لوجب‏

العمل به،فحينئذ لا بد من حمله على الإضافي،فيكون المراد بالمشهور أيضا

كذلك.

قوله-قدس سره-:(و لأجل ما ذكرنا لم يذكر ثقة الإسلام رضوان‏

اللَّه عليه...إلى آخره) (1) .

1)فرائد الأصول 2:779.

286
(1)يعني لأجل ما ذكرنا من أن المستفاد من مجموع الأخبار هو الترجيح‏

بالمرجحات المنصوصة من الشهرة و ما بعدها.

قوله-قدس سره-:(إلا أن يقال:إن إطلاقات التخيير حاكمة

على هذا الأصل).

(2)أقول:قد يتوهم أن التمسك بتلك الإطلاقات لا يستقيم في المقام،لكون‏

الشبهة فيه مصداقية،نظرا إلى العلم بتقيد تلك المطلقات بصورة عدم مزية

معتبرة شرعا لأحد المتعارضين،فيكون الشك في اعتبار مزية في أحدهما آئلا إلى‏

الشك في كونها مصداقا لتلك المزايا المعلوم خروجها عنها إجمالا.

لكنه مدفوع بأن القدر المسلم بين المتعدي عن المرجحات المنصوصة

و بين المقتصر عليها-إنما هو تقيدها بتلك المرجحات المنصوصة،لا بمزية واقعية

غير معلومة العنوان،حتى يكون الشك في اعتبار مزية راجعا إلى مصداقيتها

لتلك المزية.

و بعبارة أخرى أوضح:إنه لا نزاع بين الفريقين في وجوب الأخذ

بالمرجحات المنصوصة،و تقيد تلك المطلقات بالنسبة إليها لا محالة،و إنما النزاع‏

بينهما في غيرها من المزايا الموجبة لأقربية احتمال صدور ذيها،أو احتمال كون‏

وجه صدوره بيان الواقع أو أبعدية ذينك الاحتمالين فيه عن الباطل بعد الفراغ‏

عن كون المزية المبحوث عن اعتبارها كذلك،فالمتعدي يدعي تقيدها بصورة

عدم مطلق المزية كذلك،التي من أفرادها المزايا المنصوصة،و المقتصر يدعي‏

تقيدها بصورة فقد تلك المزايا الخاصة المنصوصة،و من المعلوم أن التقييد على‏

تقدير التعدي أكثر منه على تقدير الاقتصار على المزايا المنصوصة،فيكون الشك‏

في اعتبار مزية من غير المزايا المنصوصة راجعا إلى الشك في التقييد البدوي‏


287
الزائد على القدر المعلوم،فلا تغفل‏1.

اللهم إلا ان يقرر الشبهة بأن تقييدها بفقد المرجحات المنصوصة معلوم،

و إنما الشك في أن الملحوظ خصوص تلك المنصوصات أو القدر المشترك بينها

و بين غيرها،و أن إخراج مواردها من باب أن تلك الموارد من موارد فقد ذلك‏

القدر المشترك،و من المعلوم أنه على تقدير كون الملحوظ هو القدر المشترك و كون‏

الخارج هو،لا يلزم تقييد زائد على القدر المعلوم،فإن الملحوظ في الإخراج حينئذ

ليس خصوصية كل واحد من مصاديقه،حتى يقال:إنه يلزم على تقديره‏

تقييد تلك المطلقات بأزيد من القدر المعلوم،بل نوعها و هو في حد ذاته أمر

وحداني،فيدور الأمر بين أن يكون الخارج ذلك الأمر الوحدانيّ أو خصوصية

كل واحد من المرجحات المنصوصة،و على الأول لا يلزم أكثرية التقييد منه على‏

الثاني،فلا يصح التمسك بتلك الإطلاقات على نفيه،بل يمكن تعكيس الأمر

بأنه لما كان الملحوظ في مقام الإخراج على الثاني خصوصية كل واحد واحد من‏

المرجحات المنصوصة،فيكون التقييد على تقديره أكثر منه على الأول،فيصح‏

1و بعبارة أوضح:إن المزية المعتبرة بعنوان كونها معتبرة عنوان منتزع من الأمر المتعلق بالأخذ بالمزايا

المأمور بالأخذ بها،فإن الخارج عن إطلاق أخبار التخيير إنما هي ذوات تلك المزايا،لا هي بذلك‏

العنوان،إذ لا يعقل أخذه في الدليل المخرج،فإنه ليس إلا الأوامر الواردة بالأخذ بتلك المزايا،

فاعتبارها لا يكون إلا بتلك الأوامر،فيلزم من اعتبار عنوان الاعتبار فيها الدور،لأن معنى كونها

معتبرة كونها مأمورا بالأخذ بها في مقام الترجيح،و المفروض أن كونها كذلك إنما هو بتلك الأوامر،فيلزم‏

من اعتباره فيها اعتبار نفسها في موضع نفسها.

فإن قيل:إنا نقرر الشبهة بوجه آخر،و هو أنا نعلم بعدم ثبوت حكم التخيير في صورة وجود مزية

أخرجها الشارع عن إطلاق أخبار التخيير،فإذا شككنا في مزية أنها من المزايا الخارجة أو لا،فلا يصح‏

التمسك بالإطلاق لكون الشبهة مصداقية.

قلنا:هذا أفسد من سابقه،لأن وصف المخرج عنوان منتزع عن أمر الشارع بالأخذ بمزايا

مخصوصة منصوصة و حاصل بعده،و أن الخارج إنما هو ذوات تلك المزايا،لا هي بهذا العنوان.لمحرره‏

عفا اللَّه عنه.


288
التمسك بتلك الإطلاقات على نفيه،فتأمل.

التعدي عن المرجحات و عدمها

قوله-قدس سره-:(فلا بد للمتعدي من المرجحات الخاصة

المنصوصة من أحد أمرين،إما أن يستظهر من النصوص،إلى قوله:

و إما أن يستظهر من إطلاقات التخيير.إلى آخره) (1) .

(1)اعلم أن ما ذكره(قدس سره)من الترديد إنما هو من مقولة المنفصلة

باعتبار منع الخلو فقط،ضرورة عدم التنافي بين طرفيه،بل كل منهما يؤكد الآخر

و يقويه.

ثم اعلم أن الشواهد للأمر الأول مضافا إلى فتوى الأكثرين هي‏

الفقرات التي أشار إليها(قدس سره)فيما بعد.

و أما الأمر الثاني،فيمكن الاستشهاد له بظهور الأسئلة،فإن قول‏

السائل:(يأتي عنكم خبران أحدهما يأمرنا و الآخر ينهانا كيف نصنع)ظاهر في‏

أن مورد السؤال إنما هو مقام التحير في مقام العمل،و من المعلوم أنه لا تحير مع‏

اعتبار الشارع لذي المزية من الخبرين لتعين الأخذ به حينئذ.

و بعبارة أخرى:إن الداعي للسؤال عن حكم الخبرين المتعارضين إنما هو

تحير السائل في مقام العمل،فيكون سؤاله ظاهرا في أن مورده مورد التحير،

لا سيما بملاحظة قوله(كيف نصنع)الّذي هو كالصريح،بل الصريح في ذلك.

فيكون الحكم المذكور في الجواب مختصا بذلك المورد،أعني مورد التحير،نظرا

إلى أن ظاهر الجواب إنما هو كونه جوابا عن مورد السؤال،هكذا أفاد(دام ظله)

أقول:اختصاص أخبار التخيير بصورة التحير مما لا شبهة فيه،و لا

نزاع،لكن هذا المقدار لا يجدي فيما نحن بصدده،إذ الّذي يجدينا إنماهو

ظهور اختصاصها بصورة عدم مزية لأحد الخبرين المتعارضين أصلا،إذ معه‏

1)فرائد الأصول 2:780.

289
يقال:إن المزايا غير المنصوصة قد فرضنا كونها مزايا على الوجه المتقدم،و إنما

الكلام في اعتبارها،و بعد فرض ظهور اختصاص أدلة التخيير بغير صورة مطلق‏

المزية لا حاجة لنا إلى ظهور أخبار الترجيح في الأخذ بمطلق المرجح،لما قد

أشرنا إليه غير مرة من أن مقتضى الأصل الأولي في الخبرين المتعارضين هو

التوقف و تساقطهما في مؤداهما،إلا أن الإجماع قام على عدم سقوط كليهما عن‏

الحجية حينئذ،بل أحدهما حجة في مؤداه،فيدور الأمر-حينئذ-بين كون‏

أحدهما حجة على التعيين أو كونه حجة على التخيير،و بعد ما فرضنا انتفاء

احتمال كونه حجة على التخيير بمقتضى ظهور اختصاص تلك الأخبار بغير

مورد الفرض،يتعين كونه حجة على التعيين،و هو المطلوب.

و أما ظهور اختصاصها بصورة التحير،فلا يجدينا في المقام في شي‏ء أصلا،

ضرورة أن التحير لا يرتفع بمجرد وجود مزية في المورد لأحد المتعارضين،و إنما

يرتفع بثبوت اعتبارها شرعا عند المكلف،و مع الشك فيه-كما هو المفروض-

فالتحير متحقق،و إن فرض كونه ثابتا في الواقع،لأن مجرد اعتبار مزية في الواقع‏

مع عدم العلم باعتبارها لا يرفع التحير،فيتوقف رفعه في مورد الشك على ظهور

أدلة الترجيح على اعتبار مطلق المزية.

قوله-قدس سره-:(فما يمكن استفادة هذا المطلب منه فقرات‏

من الروايات) (1) .

(1)اعلم أن إفادة بعض تلك الفقرات للمطلوب على نحو الإشعار،و إفادة

بعضها له على نحو الدلالة.

أما المشعرة به منها فهي المتضمنة للترجيح بالأصدقية،و الأوثقية في‏

المقبولة،و المرفوعة،فإن اعتبار هاتين الصفتين يشعر بأن النّظر في اعتبارهما إنما

1)فرائد الأصول 2:781.

290
هو إلى كونهما موجبتين لأقربية ما يرويه المتصف بهما إلى الحق مما يرويه الفاقد

لهما.

لا يقال:إن أكثرية ملكة الوثاقة و الصداقة للراوي لا يلازم أقربية ما

يرويه إلى الحق،إذ غاية ما يلازمه إنما أكثرية تحرزه عن تعمد الكذب،و احتياطه‏

في نقل الرواية،و من المعلوم أن ذلك بنفسه غير ملازم للأقربية لإمكان الخطأ

و السهو في حقه،بل ربما يكون كثير السهو،فيكون الأقرب خلاف ما يرويه،

فإذا لم تكن ملازمة بين الصفتين المذكورتين و بين أقربية ما يرويه المتصف بهما

إلى الحق،فلا يكون اعتبارهما مشعرا بكونهما معتبرتين لأجل أنهما توجبان تلك‏

الأقربية حتى نتعدى منهما إلى مطلق المزية الموجبة لها.

لأنا نقول:إن لمخالفة الرواية للواقع جهات:

منها:تعمد الراوي للكذب.

و منها:عدم احتياطه في طريق تحملها و عدم تأمله فيه حق التأمل،مع كونه‏

متحرزا عن تعمد الكذب،بمعنى أنه يتحملها عن طريق يثق به في بادئ النّظر،

بحيث لو تأمل فيه حق التأمل لذهب عنه ذلك الوثوق،فلا يرويها.

و منها:عروض السهو و النسيان له،اللذين هما كالطبيعة الثانية للإنسان.

و منها:كثرتهما.

أما الأخير،فهو مفروض العدم في مقام التعارض بالنسبة إلى كل من‏

الرّاويين،إذ عدمه من شرائط الحجية،و المفروض حجية الخبرين المتعارضين في‏

حد أنفسهما.

و أما سابقه:فهو مشترك بين الراويين،فتبقى الأوليان.

و من المعلوم أنه كلما ضعف جهة من جهات المخالفة للواقع في شي‏ء

يكون احتمال موافقته له أقرب منه فيما لم يضعف فيه تلك الجهة.

و من المعلوم-أيضا-ضعف الأوليين بتينك الصفتين في حق المتصف بهما


291
بالنسبة إلى الفاقد لهما،فيكون رواية المتصف بهما أقرب إلى الحق و الواقع من‏

رواية الفاقد لهما.

و الحاصل:أن تينك الصفتين،و إن أمكن اعتبارهما من باب التعبد

كغيرهما من صفات الراوي إلا أن المناسب لهما اعتبارهما من باب الطريقية،

و كونهما موجبتين للأقربية المذكورة،فيشعر اعتبارهما بأن النّظر فيه إنما هو إلى‏

ذلك،فيستشعر-لذلك-كون قوله عليه السلام في المقبولة:(و أصدقهما في‏

الحديث)عطفا تفسيريا لسابقه،و كون قوله عليه السلام:(و أوثقهما في نفسك)

في المرفوعة كذلك بالنسبة إلى سابقه-أيضا-،فيستفاد أن الغرض من اعتبار

سائر الصفات-أيضا-إنما هو كونها موجبة لضعف الجهتين الأوليين المذكورتين،

فإن الأورعية و الأعدلية-أيضا-توجبان ضعفهما إلا أنهما ليستا كالأوثقية

و الأصدقية.

نعم،قد يستشكل في كونه قوله:(و أصدقهما في الحديث)في المقبولة عطفا

تفسيريا للأعدلية و الأورعية معا،لتوسط فيما بينهما،فإنه على تقدير كونه كذلك‏

لكان مقتضى القواعد تأخيره عنهما،فلا يكون تفسيرا لكليهما معا.

و يمكن الذب عنه:بأن غاية ما يلزم من ذلك عدم كونه عطفا تفسيريا

بمصطلح أهل العربية،لكنه لا ينافي كونه تفسيرا لكليهما معا،إذ بعد تسليم‏

إشعار اعتبار صفة الأصدقية باعتبارها،لأجل كونها موجبة لأقربية ما يرويه‏

المتصف بها إلى الواقع،فيستشعر منه كونه تفسيرا لما قبله من الأعدلية لا محالة.

و من المعلوم لكل أحد أنه لا فرق بين صفتي الأعدلية و الأورعية في جهة

الاعتبار،بل كلتاهما على نسق واحد قطعا،و إذا ثقبت أن الأعدلية إنما اعتبرت‏

من جهة إيجابها لما ذكر،فيكون اعتبار الأورعية-أيضا-كذلك.

هذا مضافا إلى أنه مع الإغماض عن كون قوله(و أصدقهما في الحديث)

تفسيرا لقوله:(و أعدلهما)يمكن-أيضا-إثبات المطلوب بوجه آخر،و هو أنه إذا


292
ثبت أن اعتبار الأصدقية لتلك الجهة المذكورة ثبت أن اعتبار غيرها من صفات‏

الراوي-أيضا-لتلك الجهة بالإجماع المركب.

و أيضا قوله عليه السلام:(و أوثقهما في نفسك)في المرفوعة ظاهر في كونه‏

عطفا تفسيريا لقوله:(أعدلهما عندك)فيمكن جعله قرينة على أن النّظر في‏

اعتبار الأعدلية و الأورعية في المقبولة-أيضا-إلى جهة وثاقة الأورع و الأعدل،

و صداقتهما الموجبتين لضعف احتمال مخالفة الواقع فيما يرويانه.

ثم اعلم أن الاستشهاد بقوله عليه السلام:(و أصدقهما في الحديث)مبني‏

على حمل صدر المقبولة-أيضا-على الترجيح من حيث الرواية،الّذي هو

المتنازع فيه في المقام.

و أما على تقدير اختصاصه بالترجيح بين الحكمين،فيخرج عما نحن فيه،

فلا يكون شاهدا عليه،فلا يبقى للاستشهاد به مورد،و للإشكال المتقدم فيه‏

مجال،و حينئذ فيقتصر في الاستشهاد على قوله(و أوثقهما في نفسك)في المرفوعة.

ثم إنه يتقوى ذلك الإشعار بعدم سؤال الراوي عن حكم صورة وجود

بعض المرجحات المنصوصة و تخالفها،بل ذلك في نفسه شاهد مستقل أقوى من‏

ذلك الإشعار.

و تقريب الاستشهاد به أنه لو فهم أن اعتبار تلك المرجحات من باب‏

التعبد،أو احتمل ذلك،لكان يسأل عن حكم تلك الصورة،ضرورة أن بيان‏

حكم صورتي وجود جميع تلك الصفات لأحد الراويين،أو لكليهما معا و استوائهما

فيها،لا يغني-حينئذ-عن حكم تلك الصورة،و إنما يغني ذلك عنه على تقدير (1)

فهمه أن غرضه عليه السلام الترجيح بمطلق المزية الموجبة لأقربية مورده إلى‏

الحق،أو أبعديته عن الباطل،إذ معه يلاحظ في تلك الصورة أن أية المزيتين‏

1)و الصحيح ما في المتن و كان في الأصل(على تقديره).

293
كذلك،فيؤخذ بها،و يرجح بها ذيها على صاحبه،و إن كانتا متساويتين فيأتي فيهما

حكم صورة المساواة.

لا يقال:إن غاية ما يستفاد من ترك السؤال عن حكم تلك الصورة أنه‏

فهم استقلال كل من الصفات في مقام الترجيح،من غير اعتبار اجتماعها،كما

هو قضية عطف بعضها على بعض بالواو،و أما فهمه أن العبرة بمطلق المزية فلا،

لأن حكم الصورة المذكورة على تقدير اعتبار كل من تلك الصفات مستقلا من‏

باب التعبد مع اعتبار الترتيب بينها على الوجه الّذي في الأجوبة في تلك الأخبار

-أيضا-غير محتاج إلى السؤال،فان الصورة المذكورة إن كان الموجود فيها

إحدى تلك الصفات لأحد الرّاويين فلا بد من الأخذ بها-حينئذ-لفرض‏

استقلالها في كونها مرجحة،و إن ثبتت لكليهما معا فيكون المورد من صور

تساويها،و المفروض السؤال عن حكمها،و إن وجدت ثنتان منها مختلفتان كل‏

واحدة لواحد منهما فلا بد حينئذ من الأخذ بما يكون أقدم من الأخرى و أسبق‏

من حيث الترتيب المذكور في الأخبار،فإن غاية ما هناك أنه تعذر حمل كلمة

الواو على الجمع،لكنه لا يوجب صرفها عن الترتيب-أيضا-إذ عدم سؤاله‏

عن حكم تلك الصورة لا ينافيه.

لأنا نقول:إن الأخبار الآمرة بالأخذ بالمرجحات لو كانت متفقة على‏

ترتيب واحد لكان ما ذكر متجها،لكن المفروض اختلافها في ذلك،فلا بد من‏

إبقاء اعتبار الترتيب كاعتبار الاجتماع-أيضا-لذلك،و من المعلوم-حينئذ-

عدم كفاية بيان حكم الصورتين المذكورتين و إغناؤه عن بيان حكم الصورة

المشار إليها.

نعم قد يستشكل في ذلك بأن غاية ما هناك أن السائل فهم من كلامه‏

عليه السلام ذلك،لكن لا تنهض حجة لنا،فإن ذلك منه بمقتضى استنباطه‏

و اجتهاده،و لا حجة فيه في حق غيره.


294
لكنه مدفوع بأن فهمه إنما يكشف عن كون الكلام ظاهرا في ذلك،فإذا

أحرزنا بفهمه ظهور الكلام فيه فيكون الحجة لنا هو ظهور ذلك الكلام.

و ممّا يقوي الإشعار المذكور أيضا أنه عليه السلام لم يتعرض لبيان حكم‏

تلك الصورة في الأخبار الغير المسبوقة بالسؤال أيضا مع تعرّضه للصورتين‏

الأخريين كما في رواية الصدوق عن أبي الحسن الرضا عليه السلام و رواية

القطب الراوندي عن الصادق عليه السلام و وجه التقريب به ما مرّ.

ثم إن المصنف(قدّس سرّه)جعل الفقرتين المتقدمتين مفيدتين للمطلوب‏

على نحو الدلالة كما يظهر من قوله،فإن اعتبار هاتين الصفتين ليس إلاّ لترجيح‏

الأقرب.

لكن دعوى القطع بعدم اعتبارهما إلاّ لما ذكره دونه خرط القتاد،إذ من‏

المعلوم إمكان اعتبارهما من باب التعبد كالأعدلية و الأورعية في تعارض‏

المجتهدين في حقّ المقلّد.

نعم الإنصاف ظهور اعتبارهما فيما ذكره.

ثم إن ما ذكره من تقريب شهادة عدم سؤال الراوي عن حكم الصورة

المذكورة للمطلوب لا يخلو عن تشويش و اضطراب،و هو قوله(فلو لا فهمه أن‏

كل واحدة من هذه الصفات و ما يشبههما مزية مستقلة لم يكن وقع للسؤال عن‏

صورة عدم المزية فيهما رأسا،بل ناسبه السؤال عن حكم عدم اجتماع‏

الصفات) (1) .

و توضيح الاضطراب فيه:أنه أخذ المدّعى إثبات أن العبرة في مقام‏

الترجيح بمطلق المزية الموجبة لأقربية ذيها إلى الحق أو أبعديته عن الباطل.

و تقريبه المذكور لا يفي به،فإنه أخذ النتيجة فيه مطلبا آخر،و هو استقلال كل‏

1)فرائد الأصول 2:781.

295
من الصفات في مقام الترجيح،و من المعلوم أن الكلام في كون كل واحدة من‏

تلك الصفات مستقلة في مقام الترجيح،أو كون المجموع من حيث المجموع‏

مرجحا واحدا يناسب القول باعتبار تلك الصفات من باب التعبد.

و أما على القول باعتبارها من باب كونها أحد أفراد مطلق المزية فلا

مناص لاحتمال كون المجموع منها مرجحا واحدا فكان ذلك يناقض ما ادعاه‏

أولا.

هذا مضافا إلى أن ما ذكره من الدليل على إثبات تلك النتيجة-أيضا-

غير تام في نفسه،فإن السؤال عن حكم صورة عدم المزية أصلا من المزايا لا

يلازم فهمه من كلامه عليه السلام استقلال كل واحدة من الصفات في مقام‏

الترجيح،لعدم توقفه عليه،إذ لا ينحصر موجبه في ذلك،إذ من المعلوم أنه مع‏

احتمال الاستقلال-أيضا-يصح السؤال،بل يحسن،بل يجب،كما أن احتمال‏

ملاحظة اجتماعها-أيضا-يوجب السؤال عن حكم صورة عدم اجتماعها و لو

وجد بعضها في المقام،فقوله(قدس سره)(لم يكن وقع للسؤال عن صورة عدم‏

المزية رأسا)لم يعرف له وجها،و كان الحري الاستدلال على تلك النتيجة بأن‏

السائل إما فهم استقلال كل من الصفات في مقام الترجيح أو لا.

و على الثاني إما فهم اعتبار اجتماعها أو شك في الاستقلال و الاجتماع،

و لم يظهر له من كلامه شي‏ء منهما.

لا سبيل إلى الأخيرين،إذ على أولهما كان الواجب على السائل السؤال‏

عن صورة عدم اجتماع تلك الصفات،لا عن عدمها رأسا.

و على ثانيهما كان الواجب السؤال عن كلتا الصورتين معا،لا الاقتصار

على السؤال عن إحداهما،فاقتصاره على السؤال عن حكم عدم تلك الصفات‏

رأسا يكشف عن فهمه استقلال كل منهما في مقام الترجيح.

هذا خلاصة بيان التشويش فيما ذكره(قدس سره).


296
لكن من المعلوم للمتأمل فيه حق التأمل أن مراده ما ذكره في تقريب‏

التأييد،فإن مراده-بقوله(حتى قال لا يفضل أحدهما على صاحبه) (1) يعني‏

بمزية من المزايا أصلا-هو أن السائل إنما سأل بقوله(لا يفضل أحدهما على‏

صاحبه)عن صورة عدم مزية لأحدهما من المزايا،يعني مطلق المزايا أعم من‏

المزايا المنصوصة،فإن ماله الفضل في قوله(لا يفضل)أعم شاملة للمزية

المتحققة بغيرها-أيضا-.

و مراده(قدس سره)بقوله(عن صورة عدم المزية فيهما رأسا)هو صورة

عدم مطلق المزية.

و مراده بقوله(مزية مستقلة)أنه فهم كون كل واحدة من تلك الصفات‏

إحدى المزايا من غير خصوصية لها.

و مراده(بعدم اجتماع الصفات)إنما هو وجود بعضها و تخالفها الّذي أشار

إليه سابقا.

و مراده بقوله(لم يكن وقع للسؤال)أنه لم يكن وقع للاقتصار في السؤال‏

على صورة عدم المزية أصلا،فيرجع ما ذكره إلى ما ذكرنا،و يرتبط بما أخذه‏

مدعى أولا،فتدبر.

ثم إنه ربما يتخيل كون السؤال عن صورة عدم المزية رأسا-بناء على‏

عمومه بالنسبة إلى مطلق المزايا في نفسه-شاهدا لفهم السائل اعتبار مطلق‏

المزية.

لكنه فاسد،لعدم توقف ذلك السؤال عليه،لصحته،بل لوجوبه مع‏

احتمال اعتبار مطلق المزية أيضا.

و المعتمد في الاستشهاد له إنما هو ما ذكرنا من عدم سؤاله عن حكم‏

1)فرائد الأصول 2:781.

297
صورة وجود بعض تلك المرجحات المنصوصة مع تخالفها.

هذا كله فيما يشعر بالمطلوب من الفقرات.

و أما المفيدة له على نحو الدلالة فهي فقرتان:

إحداهما:تعليل الأخذ بالمشهور بقوله عليه السلام (فإن المجمع عليه لا

ريب فيه).

و ثانيهما:تعليل تقديم الخبر المخالف للعامة(بأن الحق و الرشد في‏

خلافهم).

و تقريب دلالتهما على المطلوب كما ذكره المصنف(قدس سره).

و أما قوله عليه السلام (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (1) فلا يصلح‏

شاهدا للمطلوب،فإنه من جملة أخبار الاحتياط،و لا يمكن حمل شي‏ء منها على‏

الوجوب الشرعي،لاستلزامه تخصيص الأكثر فلا بد من حملها على الإرشاد.

ثم إنه لا يمكن حملها على الإرشاد الإلزاميّ-أيضا-ضرورة عدم كون‏

الداعي للاحتياط-في أكثر من موارد الشبهة من المضار اللازمة-الدفع،فلا بد

من حملها على الطلب الإرشادي المشترك بين الإلزام و الندب،فيكون مفادها

حينئذ مطلوبية الاحتياط في الجملة على نحو الإرشاد في موارد الشبهة في كل‏

مورد بحسب ما يقتضيه من المضرة،فإن كانت المضرة مما يجب دفعها عقلا

فيكون مطلوب الشارع-حينئذ إلزاما من باب الإرشاد-التحرز عنها

بالاحتياط في محتملاتها.

و إن كانت مما يندب دفعها عقلا فيكون مطلوبه الاحتياط-حينئذ-ندبا

من باب الإرشاد.

و الحاصل:أن الحديث الشريف المذكور كغيره من أخبار الاحتياط لم‏

1)الذكرى:138،الوسائل 27:173-63،مسند أحمد 1:200،3:112 و 153،مستدرك الحاكم‏

2:13


298
يأت بشي‏ء جديد من الشارع أزيد مما استقل به العقل من مطلوبية الاحتياط

إرشادا على حسب ما يقتضيه من المضار،فحينئذ لا بد من النّظر في المفسدة

المحتملة في الأخذ بالخبر الأقرب إلى مخالفة الواقع بالنسبة إلى صاحبه من أنها

تقتضي لزوم الاحتياط أو ندبه،و من المعلوم أن المفسدة التي يتوهم فيه إنما هي مفسدة الوقوع في خلاف الواقع،لكن لا ريب أنها ليست ملزمة للاحتياط

مطلقا،و إلا للزم عدم العمل بالأبعد عن مخالفة الواقع من الخبرين-أيضا-

لفرض كونه-أيضا-محتملا للخلاف،بل إنما يلزمه إذا لم يكن المكلف معذورا

فيها.

و بعبارة أخرى:إن الملزمة للاحتياط إنما هي مفسدة الهلكة الأخروية،

و أما بدونها فالعقل لا يحكم بلزوم الاحتياط،و إن كان يحكم بحسنه،و أخبار

التخيير-حيث إنها لا يعارضها الحديث المذكور لفرض كونه إرشاديا-شاملة لمورد

الحديث،و مبينة للتخيير في مرحلة الظاهر،فتكون هي محصلة للأمن من الهلكة

الأخروية،فلا تكون مخالفة الواقع حينئذ مقتضية للزوم الاحتياط بالأخذ بالأبعد

عن مخالفة الواقع من الخبرين.

و العجب من المصنف(قدس سره)أنه كيف غفل عما يبنى عليه-في‏

مسألة البراءة و الاحتياط-من كون أخبار الاحتياط للإرشاد حتى الحديث‏

المذكور،حيث إنه ذكره هناك في طي تلك الأخبار،و أخذه دليلا على لزوم‏

الترجيح بالأبعدية عن مخالفة الواقع في المقام،مع أنه يتوقف على كونه أمرا

شرعيا حتى يصلح لوروده على أخبار التخيير.

قوله-قدس سره-:(و لا ريب أن المشهور بهذا المعنى ليس قطعيا

من جميع الجهات) (1) .

1)فرائد الأصول 2:781.

299
(1)يعني من جهة السند و الدلالة معا.

قوله-قدس سره-:(حتى يصير مما لا ريب فيه) (1) .

(2)لأن الرواية لا ينفى منها الريب إلا بكونها قطعية من جميع الجهات.

قوله-قدس سره-:(و لا الرجوع إلى صفات الراوي) (2) .

(3)و ذلك لأن أحد الخبرين المتعارضين إذا كان مشهورا،بمعنى كونه قطعيا

من جميع الجهات،فمن المعلوم الواضح لكل أحد أنه لا يجوز اختيار غيره عليه،

و لو اشتمل على جميع المرجحات،إذ مع القطع المذكور لا يصلح غيره للمقاومة

و المعارضة،فلا تقبل هذه الصورة للسؤال،و لبيان الإمام عليه السلام حكمها من‏

غير سؤال عنها-أيضا-فلا يمكن حمل قوله عليه السلام (خذ بما اشتهر بين‏

أصحابك)على هذه الصورة.

قوله-قدس سره-:(و إن لم يكن عليه أمارة المطابقة كما يدل عليه‏

قوله عليه السلام ما جاءكم...إلى آخره) (3) .

(4)أقول في هذا الاستشهاد نظر،بل منع فإن قوله عليه السلام (فإن‏

أشبههما فهو حق)مساوق لقوله عليه السلام في الحديث السابق(فإن الرشد في‏

خلافهم)لا سيما بملاحظة قوله عليه السلام (و إن لم يشبههما فهو باطل)فإن‏

الظاهر أنه تأكيد لإثبات كون موافقة الكتاب و السنة أمارة للحق فلا وجه لجعل‏

الموافق لهما مما ليس فيه أمارة الحق و المطابقة.

ثم إن الشباهة في الحديث الشريف تحتمل معنيين:

أحدهما:الشباهة من حيث الأسلوب و الفصاحة و البلاغة.

و ثانيهما:الشباهة بحسب المعنى،بمعنى كون معنى الرواية منطبقا على‏

1)فرائد الأصول 2:781.

2)فرائد الأصول 2:781.

3)فرائد الأصول 2:782.

300
القواعد الكلية المستنبطة من الكتاب و السنة.

انقسام المرجحات‏

قوله-قدس سره-:(و هي كل مزية غير مستقلة في نفسه،بل‏

متقومة بما فيه) (1) .

(1)يعني من حيث الدليليّة،فالمراد أن المرجح الداخليّ إنما هي المزية التي‏

لا يستقل في نفسه من حيث الدليليّة على حكم على تقدير اعتبارها شرعا،

بمعنى أنها ليست صالحة للطريقية إلى حكم من الأحكام،لعدم كشفها عن حكم‏

حتى تصلح لجعلها حجة و طريقا إليه،كصفات الراوي من العدالة أو الأعدلية

أو الضبط و غيرها،و صفات الرواية من الفصاحة و نحوها،فإن شيئا منها لا

يكشف عن حكم بنفسه،بل الكاشف عنه كذلك إنما هو مواردها،و هي متون‏

الروايات.

و من هنا علم معنى المرجح الخارجي أيضا،فإنه خلاف الداخليّ،فهو

المزيةالتي‏تكشف بذاتها عن حكم بحيث لو اعتبرها الشارع لكانت بنفسها

مبينة لحكم من الأحكام الشرعية،كالكتاب و الأصل.

هذا خلاصة توضيح ما أراده المصنف(قدس سره)بالمرجح الداخليّ‏

و الخارجي.

أقول:فيما ذكره(قدس سره)ما لا يخفى على المتأمل،إذ ما من مزية من‏

المزايا إلا و هي غير مستقلة في نفسها من حيث الدليليّة،فلم يبق منها مصداق‏

للمرجح الخارجي أصلا،فإن ذات الأصل أو الكتاب ليس مرجحا،و إنما المرجح‏

هو موافقة الرواية من حيث مضمونها لهما،و من البديهي أن موافقة الرواية لهما مع‏

قطع النّظر عن ذات الرواية لا تفيد حكما،بل هي كصفات الراوي و مخالفة

العامة،فلا وجه للتمثيل للمرجح الخارجي بهما،و أما الشهرة فهي و إن كانت‏

1)فرائد الأصول 2:783.

301
نفسها مرجحة إلا أنها أيضا كصفات الراوي من حيث عدم إفادتها شيئا،كما لا

يخفى.

فالحري أن يقال:إن المرجح الداخليّ هي المزية الراجعة إما إلى صفات‏

الراوي أو إلى صفات لفظ الرواية،كالفصاحة و الأفصحية،و ككونها منقولة

باللفظ و الشهرة من حيث الرواية،و الخارجي بخلافه،فيصدق على موافقة

الكتاب و الأصل و الشهرة الفتوائية،فإن كلا من الثلاثة من صفات معنى‏

الرواية،هذا.

قوله-قدس سره-:(و جعل المعتبر مطلقا خصوصا ما لا يؤثر في‏

الخبر من المرجحات لا يخلو عن مسامحة) (1) .

(1)مراده(قدس سره)من الجعل إنما هو جعل العلماء،يعني تسميتهم المعتبر

مرجحا،لا جعل الشارع بمعنى وضعه و حكمه بلزوم الأخذ به،فإنه بهذا المعنى‏

واقع في الشريعة حقيقة و من غير مسامحة،و لا بمعنى تسميته،لأنه لم يعبر عنه‏

و لا عن غيره من المرجحات-أيضا-بلفظ المرجح في الأخبار المأثورة عن أهل‏

العصمة عليهم السلام حتى يقال:إنه على وجه الحقيقة أو المسامحة و إنما سماها

العلماء بهذا الاسم.

و وجه المسامحة في تسمية مطلق المعتبر من المرجحات الخارجية بالمرجح‏

أنه قد مر أن المرجح الخارجي هو ما يكون مستقلا بنفسه في الدليليّة على تقدير

اعتباره في نفسه،فإذا فرض اعتباره كذلك فهو بنفسه دليل على الحكم الّذي‏

يفيد أحد الخبرين المتعارضين الموافق له،فلا بد من الالتزام بذلك الحكم على‏

تقدير الترجيح و العمل بالراجح منهما،و على تقدير عدمه فلا يزيد على تقدير

الترجيح به شي‏ء،بل الترجيح حقيقة راجع إلى العمل به،لا بالراجح منهما فهو

1)فرائد الأصول 2:783.

302
مرجع في الحقيقة لا مرجح.

و أما وجه خصوصية ما لا يؤثر (1) منه في الخبر،أن تسميته بالمرجح مسامحة

أخرى و هي أن المرجح حقيقة ما يحدث بسببه رجحان لذيه بالنسبة إلى معادله،

و المفروض عدم إيجاب القسم المذكور ذلك.

و المسامحة من الجهة الأولى المشتركة بين جميع أقسام المعتبر مبنية على‏

تعريفه السابق للمرجح الخارجي،و قد عرفت ما فيه.و على ما ذكرنا فلا يوجد

شي‏ء من المرجحات يكون مستقلا بنفسه في الدليليّة على تقدير اعتباره،فلا

يلزم المسامحة من الجهة الأولى.

قوله-قدس سره-:(كالمنقول باللفظ بالنسبة إلى المنقولة

بالمعنى) (2) .

(1)أقول:إن النقل باللفظ و إن كان موجبا لأقربية مضمون المنقول به إلى‏

الحق إلا أنه يكون موجبا لأقربية صدوره-أيضا-فلا يستقيم عده من‏

المرجحات الراجعة إلى المضمون خاصة.

قوله-قدس سره-:(و كالترجيح بشهرة الرواية و نحوها) (3) .

(2)أقول:أعد الشهرة من المرجحات إلى المضمون كما ترى،إذ رب رواية

مشهورة تحققت شهرة الفتوى على خلافها،و الحري عدها من المرجحات‏

الراجعة إلى الصدور فحسب،بل هي أقواها،إذ لا شبهة أن الشهرة من حيث‏

الرواية أقوى في إفادتها أقربية موردها إلى الصدور من صفات الراوي التي‏

عدها المصنف(قدس سره)من المرجحات الراجعة إلى الصدور.

الكلام في الخبرين المتعارضين‏

قوله-قدس سره-:(بل اقترانهما تحير السائل فيهما) (4) .

1)و الصحيح ما أثبتناه في المتن و كان في الأصل(ما يؤثر)بدون كلمة(لا).

2)فرائد الأصول 2:783.

3)فرائد الأصول 2:783.

4)فرائد الأصول 2:784.

303
(1)و ذلك لأن العام و الخاصّ-الذين هما أظهر موارد الجمع العرفي لا يصار

معه إلى الأخبار العلاجية-ربما يعدان متنافيين متعارضين مع عدم فرض‏

اقترانهما بحيث التحير للإنسان،لكن إذا فرضهما مقترنين يرفع عنه هذا التحير

لعدم فهم التنافي بينهما إذا كانا مقترنين عرفا بوجه،فلا بد للعامل بالأخبار

العلاجية في مورد من فرض صدور كلا المتعارضين و فرض اقترانهما أيضا فإن‏

حصل له التحير-حينئذ-على وجه يحتاج في فهم مراد الشارع إلى بيان آخر

منه فله العمل بتلك الأخبار،و إلا فلا.

قوله-قدس سره-:(نعم قد يظهر من عبارة الشيخ في الاستبصار

خلاف ذلك إلى قوله فضلا من الظاهر و الأظهر) (1) .

(2)لا بأس بإعادة الكلام في تحقيق المرام في الخبرين المتعارضين على نحو

الإجمال توضيحا لضعف مقالة من مال إلى خلاف المذهب المنصور الّذي عليه‏

الجمهور.

فاعلم أن فيهما ثلاثة أقوال من حيث العمل فيهما بالمرجحات و عدمه:

أحدها:ما ربما يظهر من صاحب عوالي اللئالي من مراعاة قاعدة الجمع‏

المتقدمة و إهمال المرجحات رأسا حتى فيما إذا توقف الجمع على التأويل في كليهما

معا.

و ثانيها:إعمال المرجحات مطلقا حتى في العام و الخاصّ منهما كما يظهر

من الشيخ قدس سره في الاستبصار.

و ثالثها:ما عليه الجمهور الّذي ينبغي القول به من أنه يجب الأخذ

بالمرجحات في غير النص و الظاهر و الظاهر و الأظهر،و في تينك الصورتين‏

بقاعدة الجمع.

1)فرائد الأصول 2:784.


304
لنا على وجوب الأخذ بالمرجحات في الجملة في قبال صاحب عوالي‏

اللئالي و من وافقه ما مرّ سابقا،من ظهور أخبار الترجيح فيه مع عدم اكتنافها

بشي‏ء يصلح لصرفها عنه،فيظهر بذلك فساد القول الأول،و على اختصاص‏

الترجيح بتلك المرجحات بغير النص و الظاهر و الظاهر و الأظهر ما مر غير مرة

من ظهور تلك الاخبار في الاختصاص بما إذا كان المتعارضان في نظر العرف‏

على وجه يحصل التحير لهم في المراد منهما على تقدير صدورهما من متكلم واحد

و اقترانهما بحيث يتوقف فهم المراد على بيان آخر غيرهما،كما لا يخفى على‏

المتأمل فيها حق التأمل،و التحير على الوجه المذكور لا يحصل إلا في غير النص‏

و الظاهر و الظاهر و الأظهر.

و الفارق بين هاتين الصورتين و بين غيرهما من صور التعارض إنما هو

حكومة دليل اعتبار صدور النص و الأظهر على دليل اعتبار ظهور الظاهر،

بخلاف سائر الصور،لعدم حكومة لدليل اعتبار صدور واحد من المتعارضين‏

الظاهرين على دليل اعتبار ظهور الآخر كما مرت الإشارة إليه غير مرة.

و توضيحه:أنه لا ريب أن مقتضى دليل اعتبار صدور الخبر المشكوك‏

الصدور ليس وجوب الاعتقاد بصدوره،لأنه غير معقول،إذ مجرد التعبد بذلك‏

كيف يعقل تأثيره في الاعتقاد و لم يقل به أحد أيضا،بل مقتضاه و المراد به إنما

هو وجوب ترتيب الآثار الشرعية على صدوره واقعا عليه عند الشك،و من المعلوم‏

أن من آثار صدور النص و الأظهر كونهما قرينتين على صرف الظاهر من غير

عكس فانه إذا قطع بصدورهما لا يشك أحد في كونهما كذلك.

و هذا في النص ظاهر.

و أما الأظهر هو و ان لم يكن كالنص في عدم قابليته للتأويل،بل يمكن‏

فيه ذلك،لكنه لا يمكن بمجرد الظاهر،بل لا بد من قرينة أخرى،بخلاف‏

التأويل في الظاهر،فانه يصح الاعتماد فيه على مجرد الأظهر،فهو مع عدم بيان‏


305
آخر1غير الظاهر-كما هو المفروض-كالنص في عدم قابليته للتأويل عرفا

و كونه قرينة على صرف الظاهر،و مثل ذلك لا يحصل لواحد من الظاهرين على‏

تقدير صدورهما من متكلم واحد و اقترانهما،إذ لا يصلح واحد منهما لكونه متصرفا

في ظاهر الآخر و لو كان التصرف في أحدهما خاصة كافيا في رفع التعارض عما

بينهما مع كون النسبة بينهما هي العموم من وجه أيضا،إذ لا شبهة في أنهما إذا كانا

عامين من وجه-أيضا-على تقدير صدورهما و اقترانهما يحصل التحير للعرف في‏

فهم المراد منهما،و لا أولوية عندهم لأحدهما في كونه بيانا للآخر و لا يحكمون‏

-أيضا-بكون ظهور كل منهما صارفا لظهور الآخر،ليكون كل منهما في نظرهم‏

من المجملات،بل ظهور كل منهما في تمام مؤداه متحقق عندهم،إلا أنهم يتحيرون‏

لأجل تنافي الظهورين في أن مؤدى أيهما هو مراد المتكلم،فالحاصل عندهم من‏

صدورهما و اقترانهما إنما هو الدوران بين إرادة مؤدى هذا الظهور و بين إرادة مؤدى‏

ذاك،لا إجمال كل منهما في مؤداه،و الدوران المذكور ليس من الآثار المجعولة منهم‏

أيضا،بل إنما هو من الآثار العقلية الناشئة عن اجتماعهما لكونهما متنافيين‏2.

فمقتضى دليل صدور النص و الأظهر ترتيب حكم صدورهما و هو كونهما

متصرفين في الظاهر و صارفين له عليهما مع الشك في صدورهما من غير عكس،

1إذ الكلام في المتعارضين انما هو بالنظر إلى أنفسهما مع قطع النّظر عن بيان آخر لمحرره عفا اللَّه عنه.

2و قد ظهر من ذلك الفرق بين المقام و بين المجملات فإن المجمل ما ليس له ظهور،إما بداية-و هو

المعبر عنه بالمجمل الذاتي-و إما لاكتنافه بما أوجب صرفه عن ظهوره الّذي كان له بدوا-و هو المعبر

عنه بالمجمل العرضي-و الظاهر أنه من المتعارضين مطلقا المفروض كون كل منهما في حد ذاته ظاهرا في‏

مؤداه و قد تحقق أيضا عدم صلاحية واحد منهما على صرف الآخر أيضا فلا يكونان من المجملات مطلقا

لعدم الإجمال في شي‏ء منهما لا ذاتا و لا عرضا.

و بعبارة أخرى:المجمل هو الكلام الّذي يشك في المراد منه بعد الفراغ عن إرادة معنى منه لعدم‏

ظهوره في تعيين المراد إما ذاتا أو عرضا و لا شي‏ء من الظاهرين المتعارضين كذلك فإن الشك فيهما في‏

أن ظهور أيهما مراد للمتكلم بعد الفراغ عن ظهور كل منهما.لمحرره عفا اللَّه عنه.


306
فيكون حاكما على دليل اعتبار ظهور الظاهر و مفسرا له من غير عكس،فمعنى‏

التعبد بصدورهما أنه يجب على المخاطب رفع اليد عن مقتضى الظاهر في موردهما

في مرحلة الظاهر.

و أما في الظاهرين فلما لم يكن من آثار صدور واحد منهما التصرف في ظاهر

الآخر فلا حكومة لدليل اعتبار صدور واحد منهما على دليل اعتبار ظهور

الآخر،بل يقع التعارض و التدافع بين دليل صدور كل منهما و بين دليل ظهور

الآخر من غير ترجيح لواحد منهما.

و بالجملة:مقتضى دليل اعتبار صدورهما ليس إلا التعبد بصدور واحد

منهما لا بعينه و ترتيب الآثار-المجعولة شرعا التي يكشف هو عنها-عليه،

لا التعبد بصدور كليهما معا،لا لأجل ما ذكر المصنف(قدس سره)-في مسألة

أولوية الجمع-من كون التعبد بصدور كليهما مع التوقف في مؤداهما لغوا،لمنعه‏

بأنه إنما يلزم إذا لم يكن له فائدة أصلا،و من المعلوم أن نفي الثالث من فوائده،

بل لأجل ما مر من أنه لا يعقل التعبد بهما بالنسبة إلى مدلوليهما المطابقيين معا،

لاستلزام التعبد بما علم كذبه منهما،بل الجائز انما هو التعبد بواحد منهما بلا

عنوان،فيكون نفي الثالث من آثار أحدهما لا بعينه،لما مر من أنه مدلول‏

التزامي تابع للمطابقي،فإذا فرض أن التعبد لم يقع الا بالنسبة إلى المدلول‏

المطابقي لأحدهما فهو تابع له،لا لكليهما،فالتعبد به يقتضي التعبد بذلك،لأن‏

التعبد بكل طريق ظني معناه ترتيب الأحكام الشرعية-التي يكشف عنها ذلك‏

الطريق و لو التزاما عقليا-عليه مع احتمال مخالفته للواقع،و من المعلوم أن إرادة

عدم الثالث ملزوم عقلي لإرادة المؤدى المطابقي لأحدهما،فكشفه عن إرادة

المطابقي ملازم مع كشفه عنه،فيجب التعبد إذا كان من الأحكام الشرعية على‏

تقدير ثبوته لا مطلق الأمر الثالث و لو كان عقليا،و التأويل في أحدهما أو كليهما


307
المستلزم لإجمالهما معا مطلقا1المؤدي إلى توقف في مؤدى كل منهما ليس مدلولا

لواحد منهما بالضرورة،و لا لمجموعهما-أيضا-لأن غاية ما يكشفان عنه حال‏

الاجتماع على تقدير القطع بصدورهما معا إنما هو عدم إرادة ظاهر واحد منهما كما

مرت الإشارة إليه،لا إرادة معنى آخر غير الظاهر مما لم يكن ظاهره مرادا

لإمكان عدم إرادة شي‏ء منه أصلا،و احتمال أن يكون الغرض من صدوره‏

مصلحة أخرى من تقية و نحوها.

و على تسليم كشفهما مجتمعين عنه في صورة القطع بصدور كليهما معا فإنما

هو من لوازم القطع بصدور كليهما،و من باب الاستدلال على تعيين أحد أطراف‏

القضية المنفصلة بانتفاء سائر الأطراف،لا من باب السببية بين نفس صدورهما

معا و بينه حتى يقتضي دليل صدورهما التعبد به،فيكون دليل صدور كل منهما

حاكما على دليل اعتبار ظهور الآخر.

فظهر من ذلك كله عدم تمامية قاعدة الجمع في نفسها في غير النص‏

و الظاهر و الظاهر و الأظهر مطلقا،حتى في العامين من وجه،و أن غير تينك‏

الصورتين من موارد عدم إمكان الجمع عرفا و التحير الّذي هو مورد الاخبار

العلاجية.

و ما قويناها به-في مطاوي الكلام فيها سابقا-من منع كون التأويل‏

من آثار القطع نظرا إلى لزومه على تقدير جعل القضية فرضية،خلاف ما يقتضيه‏

دقيق النّظر،فإن القضية الفرضية و إن كانت صادقة،إلا أنه لرجوعها حقيقة

1قولنا(المستلزم لإجمالهما معا مطلقا)أي سواء كان التأويل في أحدهما أو في كليهما،إذ على الأول لا

يمكن الحكم في الظاهر يكون المؤول أحدهما بالخصوص،بل إنما هو أحدهما لا بعينه فيسري الإجمال‏

في كل منهما و على الثاني واضح اللهم إلا أن يكون للتأويل في كل منهما شاهد كان يكون لكل منهما مجاز

شايع فيكون شيوعه معينا للمراد أو غير ذلك من القرائن المعينة بعد إرادة عدم الظاهر.لمحرره عفا

اللَّه عنه.


308
إلى فرض انتفاء بعض أطراف القضية المنفصلة الموجب للعلم بترددها في سائر

الأطراف،فلا تغفل.

فإذن لا ينبغي الإشكال في شمول الأخبار العلاجية لغير تينك الصورتين‏

مطلقا.

هذا مضافا إلى قيام الإجماع في الجملة و السيرة على عدم إعمال قاعدة

الجمع في سائر الصور.

و مع الغض عن ذلك كله-أيضا-لا يمكن قصر الأخبار العلاجية على‏

النصين المتعارضين بأن يقال:إن المراد منها إنما هو الأخذ بأحكام التعادل‏

و الترجيح فيما إذا كان التحير الحاصل للمكلف فيهما من جهة السند فقط فلا

يجري في الظاهرين لكون التحير فيهما من جهة الدلالة-أيضا-لاحتمال‏

التأويل في أحدهما أو كليهما مع عدم صلاحية أحدهما لكونه متصرفا في الآخر

و بيانا له لأن ذلك يستلزم قلة مورد تلك الأخبار غاية القلة و الندرة،ضرورة قلة

موارد تعارض النصين من الأخبار المتعارضة،فلا يمكن قصرها عليهما،و مع‏

التعدي نقطع بعدم الفرق بين ما إذا كان الظاهر على وجه يكفي في الجمع بينهما

التأويل في أحدهما و بين ما إذا كان متوقفا على التأويل في كليهما،و على الأول‏

-أيضا-نقطع بعدم الفرق بين العامين من وجه و بين غيرهما من الظاهرين‏

المتباينين الذين يكفي في الجمع بينهما التأويل في أحدهما كقوله يجب غسل الجمعة

و قوله ينبغي غسل الجمعة.

و الحاصل:أن المتعارضين إذا كانا من قبيل النص و الظاهر أو الظاهر

و الأظهر يتعين فيهما العمل على مقتضى قاعدة الجمع كما مر.

و إذا كانا نصين فلا شبهة و لا تراع في وجوب الرجوع فيهما إلى الأخبار

العلاجية.

و أما إذا كانا ظاهرين فالأمر دائر فيهما بين أمور ثلاثة:العمل فيهما


309
بمقتضى الأصل الأولي في كل طريقين متعارضين،أو العمل بقاعدة الجمع الّذي‏

يوافق العمل بالأصل من حيث عدم حجية أحدهما فعلا في مؤداه،أو العمل‏

باحكام التعادل و الترجيح.

لا سبيل إلى الأول،لقيام الإجماع على حجية أحدهما و لا إلى الثاني‏

لذلك،و لعدم اعتبار قاعدة الجمع فيهما في نفسها-كما مر-مضافا إلى الوجوه‏

الأخر المتقدمة،فيتعين الثالث و هو المطلوب.

لا يقال:سلمنا وجوب الرجوع في الظاهرين إلى الاخبار العلاجية،لكن‏

مقتضى القاعدة الرجوع إليها في النص و الظاهر،و الظاهر و الأظهر،أيضا،فإن‏

النص و الأظهر و إن كان من شأنهما على تقدير القطع بصدورهما التصرف في‏

الظاهر لكنه من لوازم القطع بصدورهما فإن كل قرينة صارفة لا تكون صارفة

الا مع العلم بها.

ألا ترى أن لفظ(يرمي)في قولنا رأيت أسدا يرمي ما لم يحصل العلم‏

بصدوره و اقترانه بلفظ الأسد لا يصلح لصرف الأسد عن ظاهره.

و من المعلوم أن دليل صدورهما إنما يفيد التعبد بآثار صدورهما،لا بآثار

القطع بصدورهما،فلا يكون حاكما على دليل اعتبار ظهور الظاهر،فيكون الحال‏

في الصورتين أيضا كما في الظاهرين من جهة حصول التحير فيهما في فهم المراد

الموجب لدخولهما في الأخبار العلاجية.

لأنا نقول:المتوقف على العلم إنما هو الحكم بالصرف و العمل بمقتضاه،

لا نفس الصرف،بل إنما هو من لوازم ذات القرينة،فالعلم معتبر بعنوان‏

الطريقية لا السببية،فيقوم غيره مقامه.

إن قيل:سلمنا أن الصرف من لوازم صدور النص و الأظهر،لكنه من‏

اللوازم العادية فلا يقتضي دليل صدورهما ترتيبه عليهما حال الشك في الصدور.


310
قلنا:كونهما قرينتين في الظاهر و متصرفين فيه من أحكام المحاورة1و هي‏

و ان لم يكن أصل جعلها من الشارع،بل من العرف من زمان آدم عليه السلام‏

منذ بنوا على كشف مقاصدهم بالمحاورة،لكن بعد جعلها منهم قد اتخذها كل‏

متكلم في أي زمان بعدهم أحكاما لنفسه في محاوراته و أتبعهم فيها من غير أن‏

يحدث في محاوراته أحكاما أخر وراء تلك الأحكام،فإذا كان هو الشارع-كما هو

المفروض-فهي من أحكامه التي التزم بها في محاوراته المترتبة على كلامه الصادر

منه،فيكون مقتضى دليل صدور ما شك في صدوره عنه ترتيب تلك الأحكام‏

أيضا.

إن قيل هب إن ذلك من الأحكام الشرعية المترتبة على صدور النص‏

و الأظهر لكن دليل صدورهما لا يقتضي إلا التعبد بالاحكام الشرعية التي‏

يكشفان عنها و أما الأحكام الشرعية التي أخذ نفس الصادر موضوعا لها لا

طريقا إليها فلا،و من المعلوم أن النص و الأظهر أنفسهما موضوعان لذلك الحكم،

أعني كونهما متصرفين في الظاهر و ليسا طريقين إليه،لعدم كشفهما عنه كشف‏

الطريق عن مؤداه.

قلنا:الظاهر،بل المعلوم إفادة أدلة اعتبار خبر الواحد التعبد بجميع‏

الأحكام المترتبة على صدوره واقعا،سواء كانت هي مما يكون ذات الخبر

موضوعا لها أو مما يكون هو طريقا إليها،و يكشف عن ذلك وجوب ترتيب أحكام‏

الإعراب و البناء على الأدعية المحكية عن أهل العصمة عليهم السلام بطريق‏

الآحاد مع أنها من أحكام ذوات تلك الأدعية على تقدير صدورها،فإن ذلك لا

يكون بمقتضي دليل خاص،بل حكموا به بمقتضى دليل التعبد بصدورها،

1و هذا نظير أحكام الإعراب و البناء في الألفاظ العربية المجعولة من واضعها فاتخذها غيره أيضا أحكاما

لنفسه في محاوراته حتى الشارع.لمحرره عفا اللَّه عنه.


311
فافهم و اغتنم و اللَّه العالم.

ثم إن ما ذكرنا من لزوم الأخذ بمقتضي النص و الأظهر،و التأويل في‏

الظاهر إنما هو بالنظر إلى ذات النص و الأظهر و إلى ذات الظاهر مع قطع النّظر

عن الموانع الخارجية،إذ قد يكون وجه التأويل في الظاهر في غاية البعد كما إذا

كان نسخا،فبعده يمنع من العمل بقاعدة الجمع بل لا بد من الرجوع إلى‏

الاخبار العلاجية الحاكمة بطرح أحدهما تعيينا أو تخييرا.

ثم إنه ظهر مما ذكرنا-من عدم الفرق في الظاهرين بين أقسامهما من‏

حيث حصول التحير في الكل و دخولها في الأخبار العلاجية لذلك حتى العامين‏

من وجه-ضعف التفصيل بينهما و بين غيرهما من أقسام الظاهرين الّذي حكاه‏

المصنف(قدس سره)عن بعض بإخراجه إياهما عن مورد الأخبار العلاجية

و إدخاله غيرهما فيها محتجا عليه بأن الرجوع إلى المرجحات السندية فيهما على‏

الإطلاق يوجب طرح الخبر المرجوح في مادة الافتراق،و لا وجه له‏1،و الاقتصار

في الترجيح بها في خصوص مادة الاجتماع التي هي محل المعارضة،و طرح‏

المرجوح بالنسبة إليها مع العمل به في مادة الافتراق بعيد عن ظاهر الأخبار

العلاجية2.انتهى.

و كأن نظره في الاستبعاد المذكور إلى ما هو المقرر عند العرف من العمل‏

بأخبارهم من حيث الظن بالصدور،فزعم أن اعتبار أخبار الآحاد في الشريعة

-أيضا-على ذلك الوجه،فإنه لا يمكن التبعيض في صدور أحد العامين من‏

وجه فيظن بصدوره في مادة الافتراق و عدم صدوره في مادة الاجتماع.

و توضيح الضعف:أنا نختار الشق الثاني و هو الترجيح بتلك المرجحات‏

1وجهه أن التنافي بينه و بين الراجح في مادة الاجتماع لا يقتضي ذلك.لمحرره عفا اللَّه عنه.

2زعم أن ظاهرها انما هو طرح إلى المرجوح رأسا.لمحرره عفا اللَّه عنه.


312
في خصوص مادة الافتراق و لا يلزم منه التبعيض في صدور المرجوح،فإن اعتبار

أخبار الآحاد في الشريعة إنما هو من باب التعبد من غير أن يكون دائرا مدار

الظن كما هو الحال في اعتبارها عند العرف.

نعم غلبة مصادفتها للواقع قد لوحظت في اعتبارها على وجه كونها حكمة

و معنى التعبد بها إنما هو وجوب ترتيب الآثار و الأحكام الشرعية المترتبة عليها

على تقدير صدورها واقعا عليها حال الشك في صدورها-كما مر غير مرة-و من‏

المعلوم أن التعبد ليس كالصدور في عدم قابليته للتبعيض،بل هو قابل له،

فيمكن أن يتعبدنا الشارع بترتيب آثار صدور المرجوح في مورد الافتراق مع‏

عدم تعبده بترتيب آثار صدوره في مورد الاجتماع،فإذا أمكن فيه ذلك،

و المفروض كونه جامعا لشرائط الحجية و الاعتبار،و أنه لا مانع من إيجاب العمل‏

به إلا معارضته بأقوى منه المتقدم عليه لقوته لأجل المرجح،فلا بد من رفع اليد

عنه بمقدار ما يزاحمه المعارض و هو آثاره بالنسبة إلى مورد الاجتماع فيترتب عليه‏

آثاره في مورد الافتراق،و وجوب ترجيح الراجح عليه ليس معناه التعبد بعدم‏

صدوره في مورد الاجتماع،بل معناه التعبد بالراجح فيه،بمعنى التعبد بآثار

الراجح فيه دون آثار المرجوح فيه.

و بعبارة أخرى:معنى وجوب الترجيح بالمرجحات أنه لو فرض الدوران‏

بين ذيها و بين فاقدها في التعبد بآثار صدورهما يجب التعبد بآثار ذيها في مورد

الدوران و التعارض دون التعبد بآثار فاقدها فيه،و الدوران إنما هو ينشأ من جهة

التعبد بآثارهما،لا من جهة نفس صدورهما،ضرورة إمكان صدور النصين‏

المتعارضين فضلا عن الظاهرين المبحوث عنهما،بل وقوعه في الجملة في الشريعة.

فإن قلت:ما الفرق بين الترجيح بين العامين من وجه على هذا النحو

و بين العمل فيهما بقاعدة الجمع،فإن مقتضاها-أيضا-أخذ مقتضى أحدهما في‏

مورد الاجتماع حيث أن الجمع بينهما يحصل بالتأويل في أحدهما،و هو بأن يخرج‏


313
مورد الاجتماع عن أحدهما و يدخل في الآخر و يثبت له حكمه.

قلنا:بين المقامين بعد المشرقين فإن المفروض كون العامين وجه‏

المتعارضين ظاهرين و قد عرفت أن معنى الجمع إنما هو التعبد بسندي المتعارضين‏

و الحكم بصدورهما و لازمه إجمالهما إذا كانا ظاهرين و التزام التأويل في أحدهما

لا بعينه إذا لم يكن شاهد من الخارج على التعيين،لعدم إمكان الأخذ فيه‏

بالمرجحات السندية،إذ معنى الأخذ بها إنما هو التعبد بذيها خاصة في مورد

التعارض،و المفروض بمقتضى قاعدة الجمع التعبد بصدور كلا المتعارضين،و إنما

الّذي يمكن الأخذ به فيه هي المرجحات الراجعة إلى قوة الدلالة المفروضة

العدم في المقام أو شاهد خارجي و هو غير مفروض في السؤال عن الفرق،مع أنه‏

لا يجب وجوده في جميع الموارد بل قد يوجد و قد لا يوجد.

هذا بخلاف ما إذا عملنا بالمرجحات السندية على الوجه المتقدم،إذ

حينئذ يكون مورد الاجتماع محكوما بدخوله في ذيها خاصة-في مرحلة الظاهر-

من غير تردد و تحير و انتظار شاهد خارجي،فاحفظ و لا تنس.

قوله-قدّس سرّه-:(فحكمهما حكم الظاهرين المحتاجين في‏

الجمع بينهما إلى شاهدين) (1) .

(1)يعني المحتاجين في الجمع بينهما إلى التأويل في كليهما معا فعبّر عن‏

التأويلين بالشاهدين تنبيها على توقف التأويل-فيما إذا لم يكن أحد الخبرين‏

بنفسه قرينة على التصرف و التأويل في الآخر-على ورود شاهد من الشارع‏

عليه من غير فرق بين الواحد منه و بين المتعدد،فلا يجوز المبادرة إليه مطلقا من‏

غير دليل شرعي عليه،و قد مر مرارا أن غاية ما يتخيل كونه شاهدا عليه في‏

الظاهرين دليل اعتبار صدورهما،و قد مر دفعه بأنه لا حكومة له على دليل‏

1)فرائد الأصول 2:788.

314
اعتبار الظهور،بل هما متعارضان من غير أولوية له عليه،هذا.

ثم إنه بقي شي‏ء كان الأنسب جعله خاتمة لمسألة أولوية الجمع.و قد

غفلنا عن ذكرها هناك،و لما كان ذكرها هنا-أيضا-لا يخلو عن مناسبة،فالحري‏

التنبيه عليه هنا،و هو أن المتعارضين إذا كان أحدهما نصا أو أظهر فيعمل فيهما

بقاعدة الجمع بجعل النص و الأظهر متصرفين في الظاهر-كما مرّ-فعلى هذا

يكون شأنهما شأن القرائن القطعية الصدور القائمة على إرادة خلاف الظاهر

من الخطاب،فالشأن إذن بيان شأن تلك إظهارا لشأنهما.

فاعلم أنها إما منفصلة أو متصلة،كالشرط،و الغاية و الوصف،

و الاستثناء1على أظهر الاحتمالين في الأخير.

و شأنها على الأول إنما هو مجرد إفادة أن المراد بالخطاب خلاف ظاهره‏

من غير كونها مزيلة لظهوره ذلك الخطاب العرفي الحاصل له بدونها،و موجبة

لإجماله،و لا معينة للمراد منه-أيضا-بل يتوقف التعيين على قرينة أخرى‏

غيرها.

نعم لو وردت قرينة على المراد أولا فهي مغنية عن تلك،فإن لازمها

الكشف عن أصل التأويل أيضا.

و الحاصل:أن غاية ما يترتب على تلك إنما كونها دليلا على التأويل فقط.

و أن الخطاب معها من المؤوّلات لا المجملات.

و أما على الثاني،فهي مزيلة لظهور ذلك الكائن له بدونها و موجبة لإجماله‏

-أيضا-2إذا لم يكن من العمومات أو المطلقات،بمعنى عدم ظهور معها في‏

1إذ قد يتوهم كونه من القيود المنفصلة،و لعله لجعله مقام قولنا أستثنيه فيكون كلاما تاما،لمحرّره(عفا

اللّه عنه).

2إذا الكلام المنكشف بها لا يعدّ في العرف من الظواهر.لمحرّره عفا اللّه عنه.


315
المعنى المراد المخالف لظاهره الأولي-أيضا-فيتوقف تعيينه على قرينة أخرى‏

-كما في الفرض الأول-فهي حينئذ صارفة فقط،و أما إذا كان من أحدهما فهي‏

موجبة لظهوره في تمام الباقي فتكون معينة-أيضا-و لما كان النص و الأظهر

المبحوث عنهما في المسألة من القسم الأول،لفرض كون كل منهما كلاما مستقلا

حيث أن الكلام في الخبرين المتعارضين،و الخبر لا يكون خبرا إلا بكونه كلاما

تاما،فيكون النص و الأظهر المفروضان-في المسألة-من القرائن‏

المنفصلة،فلهما شأنها،و قد أشرنا في طيّ بعض كلماتنا المتقدمة إلى ذلك أيضا.

و من هنا يظهر أنا لو عملنا في الظاهرين-أيضا-بقاعدة الجمع فلا يلزم‏

منه إجمال شي‏ء منهما،بل غاية ما يترتب عليها التزام التأويل في أحدهما إذا

حصل الجمع به،أو في كليهما إذا توقف عليه،إذ يكون حينئذ كل منهما-بمقتضى‏

دليل صدوره-دليلا على التأويل في الآخر،فيعمل بمقتضى كل منهما في الآخر

بالتزام التأويل فيه إذا توقف الجمع على التأويل في كليهما،أو بمقتضى أحدهما

لا بعينه،بمعنى التزام تأويل واحد في أحدهما لا بعينه إذا حصل بتأويل واحد.

و على الأول يحتاج كل منهما إلى شاهد على تعيين المراد.

و على الثاني يكفي شاهد واحد،لفرض التزام التأويل في أحدهما مع بقاء

الآخر على ظاهره،بمعنى التزام كون المراد ظاهره،فالمحتاج إليه إنما هو

أحدهما.

نعم على الثاني لا بد من شاهد آخر لتعيين مورد التأويل فيهما،فيحتاج‏

الجمع على الثاني-أيضا-إلى شاهدين،و نظر المصنف(قدّس سرّه)إنما هو إلى‏

الشاهد على تعيين المراد و هو واحد على الثاني،فلذا عبر عن الظاهرين الذين‏

يحصل الجمع بينهما بتأويل واحد في أحدهما بالمحتاجين إلى شاهد واحد،و الحاجة

إلى شاهد آخر على الفرض الثاني إنما هو فيما إذا لم يكن الشاهد على المراد

خطابا آخر يفيد كون المراد من خصوص أحدهما خلاف ظاهره،و أما إذا كان‏


316
هو،فيغني عن الشاهد على مورد التأويل،إذ لازمه تعيين مورده-أيضا-إلا أنه‏

بحسب الاعتبار متعدد و ان كان بحسب الذات واحدا،و كيف كان فلا يمكن‏

استفادة مورد التأويل من أحد الظاهرين أو من كليهما على الفرض الثاني،

بخلاف النص و الظاهر و الظاهر و الأظهر،فإن كلا من النص و الأظهر دليل على‏

أصل التأويل و على تعيين مورده-أيضا-إلا أن تعيين المراد يتوقف على قرينة

أخرى.

ثم إن القرينة على تعيين المراد بعد ثبوت أصل التأويل و ثبوت مورده‏

إنما هي القرينة المعينة له بعد صرف اللفظ عن ظاهره و هي أحد أمور:

أحدهما:انحصار المعنى المخالف للظاهر-الّذي يصح إرادته منه بعد عدم‏

إرادة ظاهره-في واحد.

و ثانيها:أقربية بعض المعاني المخالفة له-استعمالا،أو اعتبارا إن‏

اعتبرناه مطلقا أو حيث اعتبرناه-فيما إذا تعددت.

و ثالثها:غلبة وجود بعضها إن اعتبرناها.

و رابعها:كون اللفظ المؤول على وجه يكون ظاهرا في إرادة بعض المعاني‏

بنفسه كما في العمومات المخصصة على بعض الوجوه فيها و لعله أظهر،فإن‏

الظاهر أن ألفاظ العموم في مقام قضايا جزئية متعددة يتعدد أفرادها بحيث يكون‏

ظاهرة في إرادة هذا الفرد و ذاك،و هكذا إلى تمام الأفراد على وجه إذا قامت قرينة

على عدم إرادة بعض تلك الأفراد فهي لا يرفع ظهورها في إرادة غير الخارج‏

منها،الثابت لها بدونها،بل هي ظاهرة في إرادة غير ذلك الفرد حينئذ بالاقتضاء

الأولي،فكأن تلك القرينة رفعت قضية واحدة جزئية من القضايا الجزئية التي‏

يكون العام في مقامها،هذا.

أو من غير الأمور المذكورة من الخصوصيات اللاحقة لبعض الموارد

الخاصة التي لا تندرج تحت ضابط و قد تكون خطابا مستقلا جي‏ء به ليفسر


317
المراد به.

قوله-قدّس سرّه-:(و بالجملة إن الخبر الظني إذا دار الأمر بين‏

طرح سنده و حمله و تأويله،فلا ينبغي التأمل في أن المتعين تأويله و وجوب‏

العمل على طبق التأويل) (1) .

(1)قد يتوهم التدافع بين هذا الّذي ذكرنا و بين منعه عن الأخذ بقاعدة

الجمع في الظاهرين،و كذا بينه و بين منعه من العمل بها في النص و الظاهر،

و الظاهر و الأظهر،إذا انحصر وجه الجمع في النسخ.

لكنه مدفوع بقوله(إذا دار الأمر)فإن الدوران لا يحصل بين أمرين إلا

مع إمكان كل منهما على نحو إمكان الآخر و أما مع امتناع أحدهما فلا،بل يتعين‏

الآخر،و منعه من الأخذ بمقتضى قاعدة الجمع في الظاهرين،و في النص‏

و الأظهر مع الظاهر إذا انحصر وجهه في النسخ إنما هو لعدة الجمع في تلك الموارد

ممتنعا عرفا،فلا دوران فيها عنده بين الجمع و الطرح،فمرجع كلامه فيها إنما هو

إلى تشخيص الصغرى،و مرجعه هنا إلى الكبرى.

قوله-قدّس سرّه-:(فلنرجع إلى ما كنا فيه...-إلى قوله-:

و مرجعها إلى ترجيح الأظهر على الظاهر) (2) .

(2)تخصيصه مورد الترجيح بالظاهر و الأظهر لأجل أن الترجيح بين دلالتين‏

فرع تعارضهما،و قد مر غير مرة أنه لا يصلح ظهور الظاهر لمعارضته لنصوصيّة

النص،لعدم إمكان التأويل في النص،بخلاف الأظهر،فإنه يمكن فيه التأويل،

فيمكن معارضة الظاهر معه إلا أنه يقدم عليه لقوله.

قوله-قدّس سرّه-:(و الأظهرية قد تكون بملاحظة خصوص‏

1)فرائد الأصول 2:790.

2)فرائد الأصول 2:790.

318
المتعارضين من جهة القرائن الشخصية و هذه لا يدخل تحت ضابطة) (1) .

(1)وجه عدم دخولها تحت ضابطة اختلافها باختلاف الموارد و الأشخاص،

أما اختلافها باختلاف الموارد فواضح،و أما هو باختلاف الأشخاص،فلأنه ربما

يكون بعض القرائن الشخصية بحيث يتوقف فهمها على الذوق السليم‏

و الفطانة،فلا يكون قرينة لغير الفطن،و أيضا قد يكون بين متكلم و بين شخص‏

خاص عهد يوجب ذلك أظهرية اللفظ في المعنى المعهود لذلك الشخص دون‏

غيره.

ثم إنه إذا دار الأمر بين الأخذ بمقتضى القرائن الشخصية و بين الأخذ

بمقتضى القرائن الصنفية،أو النوعية،يتعين الأول،ضرورة كون اللفظ مع‏

الشخصية ظاهرة فيما تقتضيه هي،بحيث لا أثر حينئذ لغيرها من القرائن،و إذا

دار الأمر بين الأخذ بمقتضى الصنفية و بين الأخذ بمقتضى النوعية بتعين الأول‏

لما ذكر في وجه تقديم الشخصية.

قوله-قدّس سرّه-:(في بعض أفراد العام و الخاصّ) (2) .

(2)و هو الخاصّ المتقدم مع العام المتأخر،فإنه يدور الأمر فيهما بين أن يكون‏

العام ناسخا للخاص و بين كون الخاصّ مخصصا له و بيانا،و أما العكس و هو

صورة تأخر الخاصّ فلا يعقل الدوران بينهما فإن الخاصّ المتأخر إن كان صادرا

قبل حضور وقت العمل فيتعين كونه مخصصا،إذ يشترط في النسخ صدور

الناسخ بعده،و إن كان صادرا بعده،فيتعين كونه ناسخا:إذ المخصص بيان للعام‏

و لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.فتأمل‏1.

1وجه التأمل أنه يمكن تعبد الشارع بمقتضى عموم العام في مرحلة الظاهر مع كون المراد منه واقعا هو

الخاصّ مع عدم بيانه وقت حضور العمل،فلا يمتنع تأخير البيان عن وقت العمل مطلقا،بل إنما يمتنع‏

مع عدم إرادة الشارع العمل بمقتضى العام و تعبده به في مرحلة الظاهر،بل كان مراده العمل به في‏

1)فرائد الأصول 2:790.

2)فرائد الأصول 2:790.

319
قوله-قدّس سرّه-:(فكذلك ورود التقييد و التخصيص للعمومات‏

و المطلقات) (1) .

(1)توضيح القياس أنه لا ريب أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و لم يبيّن جميع‏

الأحكام الواقعية للموجودين في زمنه في أول بعثته دفعة،بل إنما بينها لهم على‏

التدريج إلى يوم ارتحاله إلى الدار الآخرة،كما يظهر من الأخبار و الآثار المأثورة

عن أهل بيته الأطهار سلام اللّه عليهم مع أنهم كانوا مشاركين لغيرهم في جميع‏

الأحكام الواقعية و ليس ذلك إلا لأجل أن الشارع جعل أحكامهم-في مرحلة

الظاهر قبل بيان تلك التكاليف-مقتضى أصالة البراءة العقلية و هو التخيير

و الإباحة لأجل مصلحة من التسهيل عليهم أو غيرها من المصالح،و رفع ذلك‏

المقتضى عنهم بالنسبة إلى كل مورد ببيان التكليف الواقعي الثابت لذلك المورد

واقعا،فإذا جاز ذلك،بل ثبت وقوعه،جاز أن يكون حكمهم في مرحلة الظاهر

في موارد الخطابات العامة أو المطلقة هو مقتضى العموم و الإطلاق لأجله مصلحة

مع كون الحكم الواقعي لهم ثابتا للخاص،إذ مع عدم فرض المصلحة لا يصح‏

إيقاع المكلف على خلاف الواقع مطلقا و معها لا فرق بين الموارد قطعا.

و توهم الفرق بين المقامين بأن غاية ما في المقيس عليه إنما هو عدم بيان‏

الشارع للأحكام الواقعية و هو لا يستلزم قبيحا،لعدم استناد فوت الواقع على‏

بعض أفراده،و مورد الحاجة إلى البيان حقيقة إنما هو هذا القسم خاصة،لعدم الحاجة إليه في الأول،

فيصح أن يقال إنه يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة بقول مطلق إلا أن ذلك لا يوجب تعيين كون‏

الخاصّ في مورد الفرض ناسخا،لأنه لم يفرض فيه كون المراد هو العمل بالعامّ في غير مورد الخاصّ‏

على تقدير كونه بيانا،فمع إمكان ذلك الّذي ذكرنا يتحقق الدوران فيه بين كونه مخصصا و بيانا و بين‏

كونه ناسخا إذا كان مجملا في المورد،فلا بدّ من فرض امتناع الدوران فيما إذا علم من الخارج عدم تعبد

الشارع بمقتضى العموم على تقدير تخصيصه واقعا.لمحرّره عفا اللّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:791.

320
المكلف إليه حينئذ،لمكان إمكان الاحتياط في موارد أصالة البراءة،بخلاف‏

المقيس،فإنه ببيانه للعدم يغرّ المكلف حيث أنه يزعم أن مقتضى العموم هو

الواقع مع أن الواقع خلافه،فيكون فوته عليه-حينئذ-مستندا إليه،فيكون‏

قبيحا.

مدفوع:بأن مفاد العام-أيضا-ليس قطعيا حتى لا يمكن معه‏

الاحتياط بل احتمال مخالفته للواقع قائم معه،فيكون فوته على المكلف مستندا

إلى اختياره فتأمل‏1،و غاية ما يترتب على تجويز الشارع العمل بمقتضى‏

العموم إنما هو عدم العقاب على مخالفة التكاليف الواقعية المسببة من العمل‏

بمقتضى العموم،و من المعلوم أنه لا قبح في عدم العقاب،بل يقبح ثبوته مع‏

تجويزه العمل بالعامّ المؤدي إلى المخالفة كقبح ثبوته في المقيس عليه أيضا،فإنه‏

و إن فرض فيه عدم بيانه شيئا للمكلف،إلا أنه لما كان البيان عليه و لا طريق‏

للمكلف إلى تكاليفه سوى بيانه فيكون سكوته بمنزلة بيانه للعدم من حيث‏

استناد مخالفة الواقع إليه فيهما.

و الحاصل:أنه مع وجود المصلحة لا قبح في بيانه للعدم،كعدم قبح سكوته‏

عن البيان معها،و مع انتفائها يقبح كل منهما،لأن إخفاء المصالح و المفاسد على‏

المكلف سواء كان بالسكوت عن البيان رأسا أو ببيان العدم قبيح إذا لم تكن‏

مصلحة تقتضيه،و معها لا قبح فيه بوجه مطلقا.

قوله-قدّس سرّه-:(لأن الحكم بالإطلاق من حيث عدم البيان‏

1وجه التأمل أن المفروض تكليف الشارع ظاهرا بالعمل بالعموم،فاحتمال الخلاف إنما هو في مؤدى‏

العموم،لا في التكليف بالعمل بمقتضاه،فإنه قد فرض قطعيته و وقوعه واقعا.

و بعبارة أخرى:النزاع في أنه يجوز أن يكلف الشارع بالعمل بمقتضى العموم مع كون مراده‏

الخاصّ أو لا؟لا في أنه هل يجوز احتمال أن يفعل الشارع هكذا نعم على تقدير ثبوت إمكانه ينفع‏

احتماله في موارد الجمع،إذ معه يمكن أخذه طريقا للجمع.لمحرّره عفا اللّه عنه.


321
و العام بيان.). (1) .

(1)فيه:أن عدم البيان الّذي هو جزء من مقتضى ظهور المطلق في الإطلاق‏

إنما هو عدم البيان في مقام البيان،لا عدمه إلى آخر الأبد،فإذا أحرز كونه في‏

مقام البيان مع فرض ورود بيان في ذلك المقام فيتنجز الحكم بالإطلاق،لانعقاد

ظهور المطلق فيه حينئذ بحصول ما علق عليه،و البيان المتأخر عن ذلك المقام‏

الّذي منه العام لم يعلق عليه ظهوره فيه حتى يدور الأمر بين المعلق و المنجز،

فيرجح المنجز،بل هو معه حينئذ من قبيل المنجزين،فلا يعقل ترجيح أحدهما

بكونه منجزا لاشتراكه بينهما،و لو لا ذلك لم يجز التمسك بواحد من المطلقات‏

لأحد إلى آخر الأبد لقيام احتمال ورود بيان لها فيما بعد البتة،و هو كما ترى.

فإن قلت:إن المصنف(قدّس سرّه)لم يصرّح بكون العام-المعارض‏

للمطلق،الّذي حكم بترجيحه عليه-متأخرا عنه،بل يحتمل أن يكون مراده‏

الأعم الشامل للمقارن أو يكون خصوص المقارن.

قلنا:نعم،بل المعلوم إرادة الأعم،فإنه في مقام بيان حكم تعارض العام‏

و المطلق مطلقا على وجه لم يهمل بعض موارده،لكنها لا يصحح ما ادعاه مطلقا،

بل يبقى الإرادة على حاله بالنسبة إلى العام المتأخر،فكان عليه التفصيل بينه‏

و بين المقارن،هذا.

ثم إنه-بعد ما انجر الكلام هنا إلى شرائط ظهور المطلق في الإطلاق-

قال(دام ظلّه):و يشترط إحراز كون المتكلم في مقام البيان حال التكلم،كما

مرت الإشارة إليه.

و بعبارة أخرى:الشرط في ظهور المطلق في الإطلاق أمران:

أحدهما:كون المتكلم في مقام البيان حال التكلم،فلو لم يكن غرضه ذلك‏

1)فرائد الأصول 2:792.


322
في تلك الحال،ثم تبدل قصده إلى البيان بعدها إلى أول وقت العمل،و علمنا من‏

حاله ذلك لا يكون ذلك موجبا لظهور المطلق في الإطلاق،لأنه حين صدوره‏

كان مجملا لم يقصد به العموم أو الخصوص،و بعد تبدل قصده إلى البيان لا بدّ

من بيان آخر غير ما ذكره أولا،لعدم صلاحيته لإفادة مقصوده،فتصديه للبيان‏

حينئذ يجدي في صدوره ثانيا،و الصادر ثانيا كلام آخر،فتكون العبرة بكونه في‏

مقام البيان في تلك الحال،فلا بد من إحرازه في التمسك بإطلاق المطلق،و لا يخفى‏

أن إحرازه في غاية الإشكال،إذ لا يجب عقلا على المتكلم بيان تمام مقصوده حال‏

التكلم،بل له تأخيره إلى أول وقت العمل،و لم يثبت عليه-أيضا-حتى يحرز

بها ذلك،و لأجل ذلك يكون المطلقات الواردة في الشريعة عندي مجملات‏

مهملات.

و من هنا يظهر ما في دعوى بعضهم أن الأصل كون المتكلم في مقام‏

البيان،لعدم صلاحية شي‏ء لكونه مدركا له عدا الغلبة،و قد عرفت حالها.

و ثانيهما:عدم ورود بيان في ذلك كما مرّ،انتهى ما أفاده(دام ظلّه).

أقول:الإنصاف ندرة كون المتكلّم في مقام الإجمال حال التكلم و تأخير

البيان إلى أول وقت العمل غاية الندرة،لقلة ما يقتضيه غاية القلة جدّاً و لأجل‏

ذلك ترى العرف أنهم إذا علموا من أحد كونه في مقام الإجمال حال التكلم‏

يسألونه عن الداعي له إليه بخلاف ما إذا علموا منه كونه في مقام البيان في تلك‏

الحال،مع أن البيان-أيضا-كالإجمال يحتاج إلى داع،فكأن القاعدة عندهم‏

إنما هو البيان في تلك الحال بحيث بعد الإجمال فيها في نظرهم مخالفا للقاعدة

و محتاجا إلى سبب و علة،فلا تغفل و لا تقلد.

خلق را تقليدشان بر باد داد

اى دو صد لعنت بر اين تقليد باد

ربّ ارفعني عن حضيض التقليد إلى أوج الاجتهاد بنبيّك محمد و آله‏

الأمجاد صلواتك عليه و عليهم إلى يوم الميعاد.


323
قوله-قدّس سرّه-:(نعم إذا استفيد العموم الشمولي من دليل‏

الحكمة كانت الإفادة غير مستندة إلى الوضع) (1) .

(1)يعني أنه يكون كالمطلق تعليقيا فيتعارضان،فلا بدّ من ملاحظة الترجيح‏

بينهما.

أقول:و لا يبعد حينئذ ترجيح التخصيص-أيضا-لغلبته.

قوله-قدّس سرّه-:(و مما ذكرنا يظهر حال التقييد مع سائر

المجازات) (2) .

(2)فإن المجاز هو غير التخصيص إن كان مخالفا لظهور اللفظ وضعا،فلا

يصار إليه،بل يلزم بتقيد المطلق،فإن ذلك الظهور منجز،فيقدم على ظهور

المطلق التعليقي كتقديم ظهور العام وضعا عليه،و إن كان مخالفا لظهوره‏

الناشئ من دليل الحكمة،فيقع الدوران بينه و بين التقييد،لدوران الأمر حينئذ

بين التعليقين فلا بدّ من ملاحظة الترجيح.

قوله-قدّس سرّه-:(و لم يقل ذلك في العام المخصص فتأمل) (3) .

(3)كأن وجه التأمل أن كثرة التخصيص في العام أيضا على وجه قيل أنه ما

من عام إلا و قد خص.

أقول:لا يخفى أن ما قيل معناه أنه لا يوجد شي‏ء من العمومات أريد

منه العموم بل كل واحد منها وقع التخصيص عليه و لو بمخصص عقلي لا أن‏

كل واحد منها غلب فيه التخصيص.

هذا مع أنا لو سلمنا غلبته في كل واحد منها فإنما هي بملاحظة مجموع‏

1)فرائد الأصول 2:792.

2)فرائد الأصول 2:792.

3)فرائد الأصول 2:793.

324
مراتب التخصيص،لا بالنسبة إلى كل واحدة منها مع عدم إمكانه في نفسه و لا

بالنسبة إلى مرتبة خاصة،بخلاف صيغة الأمر،فإن غلبة الاستعمال المجازي فيها

إنما تحققت بالنسبة إلى خصوص بعض معانيها المجازية،و هو الاستحباب،و من‏

المعلوم أنه يتعين الأخذ بالغلبة الشخصية في مقام الترجيح.

لكن الإنصاف اندفاع ذلك بأن الغلبة الشخصية انما تجدي في تعيين‏

المراد من بين المجازات من لفظ واحد بعد ثبوت عدم إرادة الحقيقة منه كما إذا

ورد(أكرم العالم مثلا)و علم أنه ليس المراد إكرام مطلق طبيعة العالم بل شخص‏

خاص منها و تردد هو بين زيد-الّذي هو من النحويين-و بين عمرو-الّذي هو

من الفقهاء-و فرضنا ان استعمال العالم في خصوص زيد أكثر منه في خصوص‏

عمر و مع تحقق كثرة استعماله-أيضا-في مجموع آحاد الفقهاء بحيث تساوي‏

كثرة استعماله في زيد،فيكون حمله على عمرو مقتضى الغلبة في نوع الفقهاء،

و حمله على زيد مقتضى الغلبة الشخصية المختصة به،فيقدم الثاني لما مر.

لكن المفروض في المقام عدم ثبوت المجازية في خصوص شي‏ء من العام‏

و الأمر،مع العلم بإرادة مخالف الظاهر من أحدهما إجمالا الداعي إلى الالتزام‏

بالتأويل في أحدهما،و الأمر دائر بين الأخذ بظهور العام و التأويل في الأمر و بين‏

العكس،و من المعلوم أن المرجح في هذا المقام إنما هو ما يوجب أظهرية دلالة

العام على العموم من دلالة الأمر على الوجوب أو العكس و من المعلوم أن‏

الأظهرية إنما هي بواسطة قلة تصدم جهة الوضع بالاستعمال المجازي،فكل ما

قل استعماله في خلاف ما وضع له بالإضافة إلى الآخر فهو أظهر،من غير فرق‏

بين أن يكون كثرة الاستعمال المجازي-المصادمة لجهة وضع الظاهر-متحققة

في معنى خاص من المعاني المجازية أو في ضمن مجموعها،فإن ضعف دلالته على‏

إرادة الموضوع له إنما هو ناشئ عن كثرة إرادة خلاف الموضوع‏له‏لا عن كثرة

إرادة معنى خاص من المعاني المخالفة له،فلا يقدح كثرة استعمال الأمر في‏


325
الندب في أضعفية ظهوره من ظهور العام إلا إذا كانت أقوى من كثرة

التخصيص في ذلك العام المتحققة في جميع موارد استعماله المجازي من مراتب‏

الخصوص.

و الحاصل:أن الكلام في تشخيص الأظهر من اللفظين لتعيين مورد

التأويل المعلوم إجمالا في غيره لا في تشخيص إرادة المعنى المجازي،و المرجح إنما

هو قلة تصدم مقتضى الوضع بكثرة الاستعمال المجازي من غير فرق بين تحققها

في معنى خاص و بين تحققها في مجموع معان مجازية،فالحكم بأظهرية العام في‏

العموم متوقف على إحراز أكثرية استعمال الأمر في خلاف معناه الموضوع له من‏

استعمال العام في خلاف ما وضع له و هو الخصوص،فلا يجدي أكثرية استعماله في‏

خصوص الاستحباب من استعمال العام في خصوص مرتبة من مراتب‏

الخصوص.

نعم إذا كان استعماله في خصوص الاستحباب أكثر من استعمال العام‏

بالنسبة إلى جميع مراتب الخصوص فيجدي من جهة كون تلك الأكثرية محققة

لعنوان أكثرية تصدم جهة الوضع الّذي هو المناط في أضعفية الظهور و لا يبعد

أكثرية استعمال أي من ألفاظ العموم في غير العموم بالنسبة إلى جميع مراتب‏

التخصيص من استعمال الأمر في غير الوجوب مطلقا،فكيف باستعماله في‏

خصوص الاستحباب،هذا فافهم جيدا.

قوله-قدّس سرّه-:(و منها تعارض ظهور الكلام في استمرار الحكم‏

مع غيره من الظهورات) (1) .

(1)لا يخفى أنه كان المناسب إيراد ذلك عقيب الكلام في تعارض التخصيص‏

1)فرائد الأصول 2:793.

326
و النسخ،و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في تقديم ظهور الكلام في استمرار

الحكم على غيره من الظهورات،لغلبة سائر الوجوه المخالفة للأصل بالنسبة

إلى النسخ،مع أنه في نفسه-أيضا-نادر غاية الندرة جدا،و كفى بذلك حجة

في أمثال المقام.

و قد يحتج لذلك بوجهين آخرين لا ينبغي الاعتماد على واحد منهما.

أحدهما:استصحاب عدم النسخ.

و فيه:ما ذكره المصنف(قدّس سرّه)من أن الكلام في ترجيح أحد

الظهورين على الآخر،و من المعلوم المحقق في محله سقوط الأصول العملية في‏

مرتبة الأدلة الاجتهادية مطلقا مخالفة كانت أو موافقة،و سواء كان العمل بها

بعنوان كونها مرجعا أو بعنوان كونها مرجحة،فإنها غير

صالحة لإفادة الظن حتّى يقوّى به الظهور الموافق لها،مع أنها على فرض إفادتها

له لا يجدي،إذ الظن الحاصل منها إنما هو ظن بالواقع لا بإرادة المظنون من‏

الخطاب،فيكون ظنا خارجيا غير صالح للترجيح به،إذ المدار فيه على قوة أحد

الظهورين بالإضافة إلى الآخر،و ذلك لا يفيد قوة الموافق له منهما.

هذا مضافا إلى عدم جريانه في نفسه-أيضا-في صورة تأخر الخاصّ‏

عن العام و تردده بين أن يكون ناسخا أو مخصصا-بناء على إمكان الدوران بين‏

النسخ و التخصيص حينئذ كما هو الظاهر-إذ على تقدير كونه مخصصا يكشف‏

عن عدم ثبوت الحكم للعام بعمومه من أول الأمر فمع احتمال تخصيصه كما هو

المفروض لا يمكن القطع بثبوته للعام في أول الأمر مع الشك في ارتفاعه بعده‏

حتى يكون موردا للأصل.

و ثانيهما،قولهم عليهم السلام(حلال محمد صلّى اللّه عليه و آله حلال إلى‏


327
يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة) (1) .

و تقريب الاستدلال به:أنه ليس المراد استدامة خصوص المباح و الحرام‏

المصطلحين إلى يوم القيامة،بل مطلق الأحكام المجعولة في شريعة محمد صلّى‏

اللّه عليه و آله،فالمراد أن كل حكم صادر من اللّه سبحانه و تعالى في شريعة محمد

صلّى اللّه عليه و آله مستمر إلى يوم القيامة،فيفيد الحديث الشريف أصلا كليا

و هو عموم الاستمرار بالنسبة إلى كل حكم،فيكون ذلك مرجعا عند الشك في‏

استمرار حكم لوجوب الاقتصار في تخصيصه على القدر المعلوم،هذا.

و الّذي يقتضيه النّظر أنه على تقديره إفادة الحديث الشريف ذلك المعنى‏

-أعني عموم الاستمرار بالنسبة إلى كل صادر في شريعة محمد صلّى اللّه عليه‏

و آله يتّجه الاحتجاج به على المطلوب،لكن الكلام بعد في إفادته ذلك،فهاهنا

موضعان:

أحدهما:في تمامية الاستدلال به على تقدير إفادته ذلك المعنى.

و ثانيهما:في تحقيق أنه هل يفيد ذلك المعنى أو لا.

فلنقدّم الكلام في الموضع الأول.

فاعلم ان الإنصاف أنه إذا كان مفيدا لذلك المعنى فيكون بعمومه مفسرا

لذلك الدليل المقتضي بظاهره لنسخ حكم الدليل الآخر الظاهر في استمرار

حكمه و حاكما عليه،فإن معناه حينئذ أن الشارع لم يعتن باحتمال النسخ،و حكم‏

عليه بالعدم،فيكون مقتضاه من جهة عمومه الحكم بعدم النسخ المحتمل في‏

مورد الفرض الّذي يدل عليه ذلك الدليل،فيكون معناه عدم إرادة بيان انتهاء

حكم الدليل الآخر الظاهر في الاستمرار من ذلك الدليل الدال على نسخ‏

حكمه و انتهاء أمده،فيكون عموم الحديث الشريف مفسرا و مؤولا له إلى غير

1)الكافي(الأصول)1:58.

328
ظاهره،فهو بنفسه كاف في البناء على عدم كون ذلك الدليل ناسخا و تأويله إلى‏

غير ما يظهر منه و لو مع عدم ظهور الدليل الآخر في استمرار حكمه أيضا.

و ربما يتمسك بالحديث الشريف في المقام بتقريب آخر،و هو أن المفروض‏

ظهور الدليل الآخر في استمرار حكمه إلى الأبد مع ظهور الحديث-أيضا-

بعمومه في ذلك،فحينئذ لو يبنى على نسخ حكم ذلك الدليل أخذا بظهور

الدليل الظاهر في كونه ناسخا له يلزم طرح ظهورين و ارتكاب الوجوه المخالفة

للأصل في موردين،حيث أن كلا من تخصيص عموم الحديث بالنسبة إلى مورد

الفرض و تأويل ظهور ذلك مخالف للأصل،هذا بخلاف ما إذا يبنى على عدم‏

النسخ،فإنه يلزم منه مخالفة الأصل،في مورد واحد و هو ظهور ذلك الدليل‏

المقتضي للنسخ،فإذا دار الأمر بين الأقل و الأكثر من الوجوه المخالفة للأصل‏

تعين ارتكاب الأقل منها،فيتعين الأخذ بظهور ذلك الدليل المقتضي لاستمرار

الحكم،انتهى.

و قد ظهر ما في هذا التقريب مما قدمنا.

و توضيح فساده أنه قد مر أن ظهور الحديث حاكم على ظهور ذلك‏

الدليل في النسخ،و من المعلوم عدم المعارضة بين الحاكم و المحكوم عليه حتى‏

يلاحظ الدوران بينهما فيؤخذ به لأجل الترجيح،بل مرتبة المحكوم عليه متأخرة

عن مرتبته فهو ساقط عن الاعتبار مع وجود الحاكم،لا أنه معارض له،فلا تغفل.

هذا خلاصة الكلام في الموضع الأول.

و أما الموضع الثاني:

فالحق فيه ما ذكره المصنف(قدّس سرّه)من عدم إفادة الحديث الشريف‏

لذلك المعنى.

و توضيحه:أنه إذا جعل الحلال و الحرام في الحديث كناية عن مطلق‏

الأحكام فيكون معناه أن أحكام محمد صلّى اللّه عليه و آله مستمرة من قبل اللّه‏


329
سبحانه و تعالى إلى يوم القيامة،فإن قولهم(حلال إلى يوم القيامة و حرام إلى يوم‏

القيامة)المراد منهما أنه حلال من قبل اللّه تعالى و حرام من قبله إلى يوم القيامة.

و الظاهر أنه مسوق لبيان عدم نسخ اللّه تعالى دين محمد صلّى اللّه عليه‏

و آله بدين آخر،فهو ساكت عن إفادة أن كل حكم منه في شريعة محمد صلّى اللّه‏

عليه و آله لم ينسخ بإثبات حكم مغاير له في مورد ذلك الحكم في شريعته صلّى اللّه‏

عليه و آله و لم يبين انتهاء أمده ببيان ذلك الحكم المغاير كما هو مبنى الاستدلال،

فلا ينافي عدم استمرار بعض أحكامه صلّى اللّه عليه و آله و انقطاع أمده بحكم‏

آخر في شريعته.

قوله-قدّس سرّه-:(ثم إن هذا التعارض إنما هو مع عدم ظهور

الخاصّ في ثبوت حكمه في الشريعة ابتداء و إلا تعين التخصيص) (1) .

(1)يعني هذا النحو من التعارض-و هو تعارض الظهور في الاستمرار مع‏

الظهور في العموم بالنسبة إلى كلام واحد الّذي مورده ما إذا ورد عام و خاص‏

متأخر عن العام-لا يتحقق في جميع صور ذلك المورد و إنما يختص بصورة عدم‏

ظهور الخاصّ المتأخر في ثبوت حكمه في أول الشريعة.

و وجهه أنه إذا كان الخاصّ المتأخر ظاهرا في ذلك يكون ظهوره هذا

حاكما على ظهور العام في ثبوت حكمه بالنسبة إليه أي إلى الخاصّ في الجملة،

بمعنى أنه قرينة حينئذ على عدم إرادته من العام من أول الأمر،فيكون رافعا

لاحتمال ثبوت حكم العام له من حين صدور العام إلى حين صدوره المستلزم‏

للنسخ،إذ لا بدّ من رفع حكم العام عنه من حين صدوره إلى بعده لا محالة،فإنّ‏

الخاصّ نصّ في هذا المقدار و إنما الشبهة في ثبوته له من حين صدور العام إلى‏

حين صدوره،نظرا إلى ظهوره العام في ثبوت حكمه لكل فرد في الجملة،فعلى‏

1)فرائد الأصول 2:793.

330
تقدير ثبوت ذلك الحكم له من حين صدور العام مع فرض انقطاعه حين صدوره‏

لا محالة يلزم النسخ و على تقدير عدم ثبوته له في ذلك المقدار من الزمان-أيضا-

لا يعقل النسخ فيه،إذ النسخ إنما هو الإعلام بانتهاء أمة الحكم الثابت للشي‏ء

واقعا،فمع عدم ثبوته له في الواقع أصلا يمتنع تحقق النسخ،و هذا لا يتوقف على‏

اعتبار حضور وقت العمل في النسخ،بل يجري على عدم اعتباره أيضا،إذ عليه‏

لا بد من ثبوته له قبل ذلك الوقت لا محالة،فإذا كان ظهور الخاصّ رافعا لاحتمال‏

النسخ في العام بالنسبة إليه فيتعيّن التخصيص،فلا تعارض معه و لا دوران بين‏

النسخ و التخصيص في العام حكميّا.

و بعبارة أخرى أوضح إن للكلام المتضمن للعام ظهورين:

أحدهما في ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده التي منها الخاصّ في الجملة.

و ثانيهما ظهوره في استمرار ذلك الحكم لموضوعه من حين ثبوته إلى الأبد،و من‏

المعلوم أنه لا تعارض أولا و بالذات بين هذين الظهورين،و إنما جاء الدوران‏

و التعارض من جهة التعبد بالخاص المتأخر-الّذي هو نصّ في عدم ثبوت حكم‏

العام له في الجملة مطلقا-إذ معه يدور الأمر بين الأخذ بظهوره في ثبوت حكمه‏

لكلّ فرد في الجملة ليثبت به حكمه للخاصّ من حين صدوره إلى حين صدور

الخاصّ،إذ به يتحقق العمل بذلك الظهور فيلزم منه طرح الظهور الآخر له،

و هو ظهوره في استمرار حكمه فيما ثبت له إلى الأبد،إذ لا بدّ من رفع اليد عن‏

حكم العام بالنسبة إلى الخاصّ من حين صدوره لا محالة لنصوصيته في هذا

المقدار،فينافي ظهوره في الاستمرار و بين الأخذ بظهوره في استمرار حكمه إلى‏

الأبد،و هو يناسب عدم ثبوت حكمه للخاص أصلا و خروجه منه من أول الأمر

الّذي هو معنى التخصيص،فإذا فرض ظهور الخاصّ المتأخر في ثبوت حكمه‏

من أول الشريعة و خروجه عن حكم العام كذلك،فلا بدّ حينئذ من رفع اليد عن‏

ظهور الكلام في عموم ثبوت حكمه لكلّ فرد بالنسبة إليه،و هذا هو معنى‏


331
تخصيصه بغير الخاصّ،فلا يكون للنسخ حينئذ مساس،فعلى هذا التقدير يكون‏

العمل على مقتضى ظهوره في استمرار حكمه لما ثبت إلى الأبد،فإن مقتضاه‏

ليس ثبوت حكمه لكلّ فرد بل إنما هو استمراره أينما ثبت‏1.

قوله-قدّس سرّه-:(نعم لا يجري في مثل العام المتأخر عن‏

الخاصّ) (1) .

(1)يعني لا يجري ذلك النحو من التعارض في مثل العام المتأخر عن الخاصّ،

فإن الظهور في عموم الحكم المستدعي إلى النسخ إنما هو للكلام المتضمن للعام،

و الظهور في استمرار الحكم المقتضي للتخصيص إنما هو للكلام المتضمن‏

للخاص،فيكون الظهوران المتعارضان حينئذ في كلامين.

تشخيص موضوعي النص و الأظهر في المتعارضات‏

قوله-قدّس سرّه-:(فنقول توضيحا لذلك إن النسبة بين‏

المتعارضات) (2) .

(2)الغرض من التعرض للمتعارضات بعد التعرض للمتعارضين ليس لأجل‏

مخالفة حكمها مع حكمهما،بل الحكم في الجميع واحد،و هو تقديم النص و الأظهر

على الظاهر،و الرجوع فيما لم يوجد أحدهما-أو كان كلاهما نصين-إلى الأخبار

العلاجية.

بل إنما هو لأجل أنّه قد يصعب تشخيص موضوعي النص و الأظهر

في المتعارضات،فقد يتوهم فيها نصوصية بعضها أو أظهريته بالنسبة إلى ما عداه‏

مع أنه ظاهر حقيقة،و قد يتوهم ظهور بعضها مع أنه عند التأمل نصّ أو أظهر،

1و إن شئت قلت إن الشك في تخصيص العام ناشئ عن احتمال ثبوت حكمه للخاص في الجملة،فإذا

كان الكلام المتضمّن للخاص ظاهرا في ثبوت حكمه للخاص في أول الشريعة،المستلزم لعدم ثبوت‏

حكم العام له رأسا،فيرتفع ذلك الشك و يبيّن تخصيص العام بغير ذلك الخاصّ،فيرتفع احتمال النسخ.

لمحرّره عفا اللّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:793.

2)فرائد الأصول 2:794.


332
فالنزاع في موارد الإشكال الآتية صغرويّ.

قوله-قدّس سرّه-:(فإن كانت النسبة العموم من وجه وجب‏

الرجوع إلى المرجّحات) (1) .

(1)و ذلك لما مر في المتعارضين من أن الأخص من شي‏ء من وجه مع كونه‏

أعم منه كذلك لا يوجب كونه كذلك أظهريّته منه،بل يكونان من قبيل‏

الظاهرين الذين لا مساس للجمع بينهما من حيث الدلالة.

نعم قد يكون أحدهما أظهر من الآخر من جهات أخر-ككونه أقل‏

فردا من الآخر أو كون مورد الاجتماع أظهر أفراده و أندر أفراد الآخر أو كونه‏

أغلب أفراده و غير الغالب من أفراد الآخر-فيجب حينئذ الجمع بينهما بإخراج‏

مورد الاجتماع عن الآخر و تخصيصه بغيره،لكن الكلام في العامين من وجه مع‏

قطع النّظر عن الأمور الخارجية.

قوله-قدّس سرّه-:(و إن كانت النسبة عموما مطلقا...-إلى‏

قوله-:خصص بهما) (2) .

(2)و ذلك لما مر ثمة من أن الأخص من شي‏ء مطلقا أظهر منه لا محالة،فيقدم‏

عليه لذلك،فلا يصار حينئذ إلى الأخبار العلاجية إلا إذا كانت المتعارضات‏

للعام التي كل منها أخص منه مطلقا بأجمعها مستوعبة لجميع أفراد العام أو

لأكثرها،بحيث لو خصص هو بها يلزم تخصيصه بأقل من أقل مرتبة من المراتب‏

التي يجوز التخصيص إليها.

و هذا أحد موارد الإشكال المشار إليها الّذي أشار إليه المصنف بقوله‏

(قدّس سرّه):(و إن لزم محذور مثل قوله:يجب إكرام العلماء و يحرم إكرام فساق‏

1)فرائد الأصول 2:794.

2)فرائد الأصول 2:794.

333
العلماء و ورد يكره إكرام عدول العلماء،فإن اللازم من تخصيص العام بهما بقائه‏

بلا مورد)لكنه(قدّس سرّه)خص محذور لزوم عدم بقاء مورد للعام أصلا بالذكر

و قد عرفت أن لزوم قلة مورده بحيث ينتهي إلى الأقل من أقل مراتب‏

التخصيص-أيضا-محذور مثله‏1،فالأولى تعميمه-كما ذكرنا-و الحكم في‏

الصورتين واحد و هو أن يعمل في كل منهما بقاعدة التعارض بين النصين المتباينين،

لأن مجموع الخاصّين مباين،للعام و مناقض له،و كما أن كلا منهما نصّ في مدلوله‏

كذلك العام نصّ في مدلوله في الجملة و هي أقل مراتب التخصيص كما أشار إليه‏

(قدّس سرّه)بقوله:(فحكم ذلك كالمتباينين،لأن مجموع الخاصّين مباين للعام)

و لمّا جاز المصنف(قدّس سرّه)من هنا سريعا مكتفيا بالإشارة الإجمالية مع وجود

المقتضي للتفصيل فنحن نبسط الكلام توضيحا للمقام مستعينا بالملك العلاّم‏

تعالى شأنه العزيز و نبيه محمد و آله البررة الكرام صلواته عليه و عليهم إلى يوم‏

القيام.

فنقول:إنه إذا كانت النسبة بين المتعارضان عموما مطلقا،فإن لم يلزم‏

من تخصيص الأعم مطلقا بجميع الأخص منه كذلك أحد المحذورين‏

المذكورين فلا بدّ من تخصيصه بالجميع،لفرض أن كلا منها نصّ في مؤداه أو

أظهر،و العام ظاهر في أزيد من أقل مراتب التخصيص،و المفروض أن تلك‏

بأجمعها مزاحمة له في أزيد من تلك المرتبة،فيكون المقام من قبيل تعارض النص‏

أو الأظهر مع الظاهر و قد مر مرارا تعين المصير حينئذ إلى قاعدة الجمع،دون‏

قاعدة العلاج المستفادة من الأخبار العلاجية.

و إن لزم منه أحد المحذورين،فلا مساس لتلك القاعدة بالنسبة إلى‏

1لكن ذكره(قدّس سرّه)لذلك إنما هو من باب المثال من شمول إطلاق المحذور في قوله و إن لزم‏

محذور للثاني أيضا.لمحرّره عفا اللّه عنه.


334
الأقل من تلك المرتبة،بل يعامل بين العام و مجموع المتعارضات له التي هي‏

أخص منه مطلقا في أقل مراتب التخصيص معاملة النصين المتعارضين لما مرّت‏

الإشارة إليه من نصوصيّة العام‏1بالنسبة إليه،و كل واحد من تلك المتعارضات‏

و إن كان نصا في مؤداه لا يدافعه فيه بنفسه،بل بضميمة البواقي،فيكون طرفا

التعارض فيه مجموعها مع العام،فيعمل فيه بينهما بقاعدة العلاج،و في أزيد منه‏

بقاعدة الجمع،فإن رجّح مجموعها عليه من حيث السند،أو أخذ به من باب‏

التخيير كما إذا بان سند مجموعها مساويا مع سند العام يطرح العام رأسا،و لا

يعمل به في شي‏ء من مؤداه أما في أزيد من تلك المرتبة فللزوم إهماله فيه و عدم‏

العمل به على تقدير الأخذ بسنده تعيينا،كما إذا كان سنده أقوى من سند

مجموعها أو تخييرا كما إذا كان مساويا معه فإنه يتعبد حينئذ بآثار صدوره بالنسبة

إلى تلك المرتبة خاصة،و يعمل بينه في أزيد منها و بين تلك المتعارضات بقاعدة

الجمع،و حيث أنها نصّ أو أظهر بالنسبة إليه في الأزيد فلا بدّ من تخصيصه بها.

نعم لا تؤخذ بجميع تلك المتعارضات،لفرض استلزامه لإلقاء النص،و هو

العام بالنسبة إلى تلك المرتبة مع فرض التعبد بسنده بالنسبة إليها،بل بغير واحد

منها،بمعنى أنه يجعل مورد تلك المرتبة أحدها تعيينا أو تخييرا و يؤخذ بالباقي‏

في تخصيصه بالنسبة إلى أزيد من تلك المرتبة،هذا هو الحال في صورة الأخذ

بسنده،فكيف بصورة طرحه،فإن هذه الصورة أولى بذلك من تلك.

و أما إهماله في نفس تلك المرتبة فلفرض طرح سنده و عدم التعبد به فيها

-أيضا-.

1و من هنا ظهر أن الرجوع في مورد الفرض إلى قاعدة العلاج ليس خروجا عن قاعدة تعارض النص‏

و الأظهر مع الظاهر و هي الجمع بل إنما هو لأجل عدم الموضوع لتلك القاعدة في محل الفرض،لفرض‏

رجوع التعارض إلى التعارض بين النصين.لمحرّره عفا اللّه عنه.


335
و ان رجح سنده على سند مجموعها أو أخذ به من باب التخيير فقد

عرفت حكمه في طيّ الكلام في الفرض الأول.

و وجه عدم طرح مجموعها حينئذ مع كون طرف التعارض هو المجموع‏

-ما مرّت الإشارة إليه-من أن تدافعها للعام في تلك المرتبة إنما نشأت من‏

ملاحظة اجتماعها خاصة فعلى تقدير الأخذ بسند العام فيها يكون الواجب‏

طرحها على وجه يتحقق به رفع صفة الاجتماع و الاقتصار عليه،و من المعلوم‏

تحققه بطرح بعضها فلا داعي إلى طرح الكل،فيكون طرح الباقي إلغاء للنص‏

بلا سبب موجب.

و الحاصل:أن كلا منها في حد نفسه مع عدم انضمامه إلى البواقي حاكم‏

على العام،لفرض كونه نصا أو أظهر بالنسبة إليه،و المانع من تقديمه عليه فعلا

إنما هو صفة الانضمام،فإذا رفعناها بطرح واحد منها يجب تقديم غير ذلك‏

الواحد عليه و تخصيصه به في أزيد من تلك المرتبة إلى حيث استوعبته التخصيص‏

من المراتب الفوقانية من مراتب العام و إن وصلت و استوعبت تمام تلك المراتب‏

كما إذا كان مجموع موارد البواقي بمقدار تمامها،لعدم المانع حينئذ من ترتيب ما

يقتضيه عليه من التقديم.

ثم إنه لا يخفى عدم التنافي بين نفس تلك المتعارضات للعام لمغايرة

موضوع كل منها مع الموضوع في غيره،و شرط التعارض اتحاده بحيث لا يكفي‏

مجرد الاختلاف في الحكم-كما عرفت في أول المسألة-إلا أنه تحقق التعارض‏

بينها بواسطة أمر خارجي و هو التعبد بصدور العام تعيينا أو تخييرا المنافي‏

لمجموعها من حيث المجموع بمقتضى الفرض المستلزم لطرح أحدها لا محالة

لأجل ذلك.

فعلى هذا لا بدّ من العمل في نفس تلك المتعارضات بقاعدة التعارض،

لعمومها لما كان التعارض ناشئا عن أمر خارجي،لعدم الفرق في العرف في إعمال‏


336
قاعدة الجمع في تعارض النصّ و الأظهر مع الظاهر بين ما إذا كان منشأه تنافي‏

مدلولي الدليلين أولا و بالذات كأن يكونا متناقضين أو متضادين،و بين ما إذا كان‏

منشأه أمر خارجي موجب للدوران بينهما،و الأخبار العلاجية-أيضا-عامة لكلا

المقامين،لظهورها في بيان حكم صورة التحير بين الخبرين المتحقق في كل من‏

المقامين على حد سواء إذا لم يكن أحد المتعارضين أقوى دلالة من الآخر فيجب‏

فيها أولا ملاحظة قوة دلالته و الترجيح بها و جعل المطروح فيها-هو الأضعف‏

دلالة من الكل-خاصة إن كان مؤداه بمقدار منتهى التخصيص الّذي يكون‏

العام نصا فيه،و إلا بأن يكون أقل منه فهو مع ما هو الأقوى منه الأضعف‏

بالنسبة إلى ما عداه،و هكذا.

و إن كان أحدها أقوى دلالة من الكل أو اثنان منها مع تساوي الباقي‏

في قوة الدلالة لقدّم ذلك الواحد،أو الاثنان،و يعمل بهما في تخصيص العام،

و يرجع في الباقي إلى قاعدة العلاج.

و إن تساوى الجميع‏1فيرجع في الجميع إلى تلك القاعدة،و على تقدير

عدم كفاية طرح واحدا تعيينا أو تخييرا و الالتجاء إلى ضم آخر إليه كذلك،فإن‏

كان مؤدى كليهما بمقدار منتهى التخصيص بحيث لا يزيد عنه،فلا إشكال،

و إن كان أزيد منه ففي ترك العمل بهما في تمام مؤداها،أو الاقتصار فيه على ذلك‏

المقدار فيما إذا كان أحدهما أو كلاهما قابلا للتأويل وجهان:

من فرض وجود المقتضي في كل منهما في ذاته،و إنما المانع الخارجي أوجب‏

الخروج عنه،فلا بدّ من الاقتصار على مقدار يندفع به الضرورة.

و من أنه على تقدير الاقتصار لا يتعين الأزيد من ذلك المقدار في أفراد

خاصة،فيكون الكلام في قوة المجمل،فلا معنى للتعبد به في الأزيد لعدم إمكان‏

1بأن يكون كل واحد نصّا أو أظهر بالنسبة إلى العام خاصّة لا بالنسبة إلى غيره.لمحرّره عفا اللّه عنه.


337
العمل به فيه فتأمل.

ثم إن المدار في الترجيح بين العام و تلك المخصصات على ثبوت المرجح‏

للعام وحده بالنسبة إلى مجموع تلك،بحيث لا يكفي في ترجيحه عليها كون‏

سنده أقوى من سند بعض منها مع مساواته لأسانيد البواقي،أو لمجموع تلك‏

من حيث المجموع،بحيث لا يكفي كون سند بعضها أقوى من سنده مع كون‏

سند بعض منها أضعف في ترجيحها عليه،بل يجب حينئذ ترجيح العام عليها،

إذ المجموع باعتبار اشتماله على الأضعف منه يكون أضعف،إذ النتيجة تابعة

لأخس المقدمتين.كما أن مدار التخيير على مساواة سنده لسند مجموع تلك من‏

حيث المجموع بحيث لا مساس له بما إذا كان سنده مساويا لسند بعض،أو

جملة منها مع كونه أضعف من سند بعضها،بل يجب حينئذ ترجيح تلك عليه،

فإنها من حيث المجموع أقوى منه.

و السر في ذلك كله-ما مرّ-من أن التعارض إنما هو بين العام و بين‏

مجموع تلك من حيث المجموع لا بينه و بين كل واحد منها مع قطع النّظر عن‏

الانضمام،إذ لا يناقضه واحد منها وحده و إنما هو خاص بالنسبة إليه،و لا معارضة

بين العام و الخاصّ،بل المناقض له إنما هو المجموع من حيث المجموع.

قوله-قدّس سرّه-:(و قد توهم بعض من عاصرناه فلاحظ العام‏

بعد تخصيصه ببعض الأفراد...إلى آخره) (1) .

(1)هذا-أيضا-أحد موارد الإشكال المشار إليها.

و ذلك البعض الّذي نسب التوهم إليه،الظاهر أنه الفاضل النراقي‏1

1مناهج الأصول:انظر منهاج تعادل الخبرين عند قوله:السابعة:لا بد في تغيير كيفية تعارض الدليلين‏

و أنه هل بالعموم المطلق أو من وجه أو التساوي من ملاحظة المتصلة و المنفصلة لكل منهما و يحكم بعده‏

1)فرائد الأصول 2:795.

338
صاحب المستند(قدّس سرّه)و الّذي ذهب إليه هنا ذلك ليس لأجل بنائه على‏

تخصيص قاعدة تخصيص العام بالخاص،بل إنما هو لأجل زعمه خروج هذا

المورد عن عنوانهما و دخوله في العامين من وجه،بزعم أن الدليل اللبيّ الّذي‏

خصص العام بمنزلة المخصّص المتّصل الّذي يكون العام معه ظاهرا في تمام‏

الباقي فتنقلب النسبة إلى العموم من وجه،فله حكم تعارض العامين من وجه،

و لم يبق معه ظهوره في الجميع الّذي تكون النسبة بين مقتضاه و بين مقتضى‏

المخصّص اللّفظي هو العموم مطلقا،هذا.

لكن الّذي يقتضيه التحقيق اندفاعه بمنع كون المخصص اللبي‏

كالمتصل،بل إنما هو من قبيل المنفصل،فله حكمه،و غاية ما يترتب على المنفصل‏

إنما هو منع العمل بظهور العام بالنسبة إلى مورده لا ظهوره في ما عدا مورده‏

-كما هو شأن المتصل-بأن ينعقد به له ظهور آخر في ما عدا ذلك الخاصّ،و لا

ارتفاع ظهوره في العموم-أيضا-فإنّ المخصصات المنفصلة و إن بلغت ما بلغت‏

لا تصلح لإخراج العام عن ظهوره في ما كان ظاهرا فيه بدونها حتى يكون مجملا

عرفا بأن يعد في العرف من المجملات،بل هو معها من الظواهر العرفية في ما

كان ظاهرا فيه بدونها،و هي على تقدير ورودها إنما هي أدلة على التأويل فيه،

لا التصرف،بمعنى أن العمل على طبق ذلك الظهور-في تمام مؤداه الّذي هي‏

المرتبة العليا،أو في ما دونه من مراتب الخصوص إلى منتهى التخصيص-معلق‏

على عدم بيان مخالف له بالنسبة إلى ما يراد العمل به فيه من مؤداه فكلّما جاء

البيان المخالف المعبر عنه بالمخصص بالنسبة إلى أيّ مرتبة من تلك المراتب فهو

بأن التعارض على أي وجه و يعمل بمقتضاه فقد يكون الخبران متعارضان بالتساوي مثلا و بملاحظة

تخصيص أحدهما بمخصص آخر من إجماع أو غيره يرجع التعارض إلى العموم و الخصوص المطلقين أو

من وجه و هذا فائدة جليلة لا ينبغي الغفلة عنها فلا يحكم إلا بعد ملاحظة جميع ما يجب ملاحظته من‏

التقييدات و التخصيصات في كل من الخبرين.


339
وارد عليه إذا كان قطعيا من جميع الجهات،و حاكم عليه إذا كان ظنيا من حيث‏

الصدور،و على أي تقدير يكون المخصص المنفصل شارحا للمراد منه،سواء كان‏

واحدا أو متعددا،إلاّ أنه إذا كان قطعيا من جميع الجهات يكون شارحا له بنفسه،

و إذا كان ظنيا من حيث الصدور يكون شارحا بمقتضى دليل صدوره،و لا فرق‏

في صورة التعدد بين الأول من المخصصات المنفصلة و بين المتأخر عنه في كون‏

كل واحد منهما شارحا لأمر واحد و هو ذلك الظهور،فإذا وردت مخصصات‏

منفصلة بالنسبة إلى مراتب متعددة من مؤداه فكلها شارحة له في تلك المراتب‏

و رافعة لجواز التمسك به فيها من غير فرق بين ما إذا اتفقت جملة منها،أو جميعها

على إخراج بعض تلك المراتب،كأن تكون النسبة بين تلك الجملة أو الجميع هي‏

العموم من وجه-كما في المثال الّذي ذكره المصنف(قدّس سرّه)-و بين ما إذا لم‏

يتفق،فإذن لا ترتيب و لا تدرّج في العمل بتلك المخصّصات المتعددة المنفصلة إذا

تواردت على العام متعاقبة،بل الكل في مرتبة واحدة من حيث كونها شارحة

و مؤوّلة له و رافعة للعمل بمقتضاه و إن تدرجت في الوجود.

و الحاصل:أن التعارض و إن كان يلاحظ بالنظر إلى ظاهر الدليلين‏

بالنسبة إلى الإرادة و إن كان ظهورهما مستندا إلى القرينة لا الوضع،لكن العام‏

المخصص بالمنفصل قبل تخصيصه به ظاهر-بمقتضى الوضع-في إرادة جميع‏

الأفراد،و بعد ورود المخصص المنفصل لا يزول عنه ذلك الظهور بحيث يعدّ من‏

المجملات عرفا،بل هو باق على حاله،و إنما يرفع اليد عن العمل به فيما ورد

الدليل على إخراجه و إرادة تمام الباقي ليست بظهور آخر ممتاز عن ذلك‏

الظهور،بل إنما هي بذلك الظهور،فكلما جاء له المعارض لا بدّ من ملاحظة

التعارض بينه و بين العام بالنظر إلى ذلك الظهور و أخذ النسبة بينه و بين ذلك‏

المعارض منه بلغ ما بلغ.

و الفرق بين المنفصل و المتصل أن الثاني يرفع ظهور العام الثابت له لولاه‏


340
و يوجب انعقاد ظهور آخر في ما عدا المخرج،بمعنى أن الكلام معه يكون ظاهرا

في ثبوت الحكم لتمام الباقي و كون موضوعه هو تمام الباقي،فلذا إذا جاء مخصّص‏

منفصل بعده تلاحظ النسبة بين ظهوره في تمام الباقي،لا في الجميع لانتفائه،

هذا بخلاف الأول،أعني المنفصل،فإنه-كما عرفت-لا يوجب ذلك،بل العام‏

معه ظاهر في ثبوت الحكم لما كان ظاهرا في ثبوته له بدونه.

ثم إن المصنف(قدّس سرّه)و إن أصاب في جعل المخصص اللبي‏

كاللفظي المنفصل،إلا أن في جعله المنفصل مانعا عن نفس ظهور العام و موجبا

لإجماله-كما هو ظاهر كلامه-ما عرفت،فلا تغفل و لا تقله.

قوله-قدّس سرّه-:(و من هنا يصح أن يقال إن النسبة بين قوله‏

ليس في العارية ضمان إلا الدينار و الدرهم و بين ما دل على ضمان الذهب‏

و الفضة عموم من وجه) (1) .

(1)يعني مما مر من أن التخصيص بالاستثناء من قبيل التخصيص بالمتصل‏

صح القول بما ذكر،و ذلك لأنه لو خصص دليل نفي الضمان عن العارية

بمنفصل،كأن يقال يضمن في استعارة الدرهم و الدينار لكان ذلك الدليل-و هو

قوله ليس في العارية ضمان-ظاهرا في عموم نفي الضمان بالنسبة إلى أيّ عارية

فكانت النسبة بينه بعد التخصيص بالمنفصل-أيضا-و بين دليل الضمان في‏

الذهب و الفضة هي العموم مطلقا،لكن تخصيصه بالاستثناء الّذي هو من قبيل‏

المتّصل أوجب ظهوره في نفي الضمان عن غير الدرهم و الدينار عموما الّذي هو

تمام الباقي و النسبة بين غير الدرهم و الدينار و بين الذهب و الفضة هي العموم من‏

وجه لتصادقهما في المصوغ من الذهب و الفضة،و افتراق الأول في غير الذهب‏

و الفضة،و افتراق الثاني في الدرهم و الدينار المستثنيين من العام.

1)فرائد الأصول 2:796.

341
و الأوفق بمذاق المصنف(قدّس سرّه)-في جعل المخصص المنفصل‏

موجبا لإجمال العام-أن يعلّل عدم رجوع النسبة على تقدير التخصيص‏

بالمنفصل إلى العموم من وجه بأن المنفصل يوجب رفع الظهور الأول للعام و لا

يحدث معه ظهور آخر في تمام الباقي الّذي تكون النسبة بينه و بين دليل الضمان‏

في الذهب و الفضة هي العموم من وجه،بل يكون مجملا،و القدر المتيقن منه حينئذ

إنما هو غير الذهب و الفضة المصوغتين-أيضا-فلا يكون له حينئذ عموم من‏

وجه حتى تتحقق النسبة المذكورة،لانحصار مؤداه-حينئذ-و هو المتيقن في‏

مورد واحد،و هو غير الذهب و الفضة مطلقا،و النسبة بينه باعتبار ذلك المتيقن‏

و بين الدليل المذكور إنما هي التباين الكلي،لعدم صدق غير الذهب و الفضة على‏

الإطلاق على شي‏ء منهما في شي‏ء من أقسامه حتى المصوغ.

قوله-قدّس سرّه-:(قلنا:هذا-أيضا-لا يمنع قصور كل واحد

من الدلالة) (1) .

(1)حاصله بتوضيح منا:أن المفروض وقوع التخصيص بالدراهم و الدنانير

في روايتين مستقلّتين فيلغى الحصر المستفاد بمقتضى التخصيص بالاستثناء في‏

كل منهما،لمعارضته بالحصر المستفاد من الأخرى بمقتضى الاستثناء،و حصر

المستثنى في ما عدا الدراهم و الدنانير مبنيّ على وقوع استثنائهما في كلام واحد،

و المفروض عدمه،فحينئذ فالقدر المتيقن من مجموع الروايتين خروج الدراهم‏

و الدنانير عن مطلق العارية من غير دلالة لهما على انحصار المستثنى فيهما،

فتكونان قاصرتين عن إفادة الانحصار المطلق.

قوله-قدّس سرّه-:(فانّ قيل إخراج الدراهم و الدنانير خاصة) (2) .

1)فرائد الأصول 2:797.

2)فرائد الأصول 2:798.


342
أقول لا وقع لهذا السؤال بعد منع ظهور الروايتين المستثنى منهما الدراهم‏

و الدنانير في إرادة تمام الباقي،فان المنافاة إنما تتحقق على تقدير هذا الظهور

و بملاحظته،و أما بدونه فإخراج الدراهم و الدنانير ليس لظهور الكلام في خروج‏

خصوصهما،بل من باب القدر المتيقن،فلا منافاة.

قوله-قدّس سرّه-:(إلا أن يقال إن الحصر في كل من روايتي‏

الدرهم و الدينار موهون من حيث اختصاصهما بأحدهما) (1) .

(1)أقول:بعد فرض الروايتين كرواية واحدة لا وقع لهذا الدفع أصلا،إذ لازم‏

جعلهما كرواية واحدة الالتزام بمقتضى الرواية الواحدة المستثنى منها الدراهم‏

و الدنانير،و هو الحصر،فلا وجه لدفعه بتوهين الحصر نظرا إلى وقوع استثنائهما

في روايتين.

نعم يتّجه توهينه بما أشار إليه بقوله:و يؤيد ذلك أن تقييد الذهب و الفضة

بالنّقدين مع غلبة استعارة المصوغ بعيد جدا،هذا.

ثم إن خلاصة المقال،في تحقيق الحال،في رواية الدرهم و الدينار مع رواية

الذهب و الفضة،أن في العارية خمس روايات:

ثنتان منها و هما صحيحتا الحلبي و محمد بن مسلم دالتان على نفي الضمان‏

في العارية عموما.

و إحداها دالة عليه،مع تضمّنها لاستثناء الدراهم.

و أخرى دالة عليه مع تضمّنها لاستثناء الدنانير.

و ثالثة دالة عليه مع تضمّنها لاستثناء الذهب و الفضة.

أما الأوليان:فلا بدّ من تخصيصهما بغير الدراهم و الدنانير،المستثنيين من‏

الثانيتين لا محالة،فإنه قد خصّص عموم نفي الضمان في الثانيتين بغيرهما،

1)فرائد الأصول 2:799.

343
فيكون المراد بهما غير الدراهم و الدنانير لا محالة،فإذا كان مؤدى هاتين خاصا

بالنسبة إلى مؤدى الأولتين،فلا بدّ من حمل الأولتين-أيضا-على ذلك الخاصّ،

إذ حمل العام على الخاصّ من القواعد المتقررة في العرف،فحينئذ تبقى المعارضة

بين العقد السلبي من الروايتين الثانيتين،و هو قوله«ليس في العارية ضمان»و بين‏

العقد الإيجابي من الأخيرة،و هي المتضمنة لاستثناء الذهب و الفضة،و هو قوله‏

«إلاّ الذهب و الفضة»الّذي في قوة قوله يضمن عارية الذهب و الفضة.

فإن العقد الأول بعمومه يقتضي نفي الضمان عن عارية المصوغ من‏

الذهب و الفضة،لأن القدر الثابت من تخصيصه إنما هو تخصيصه بالدرهم‏

و الدينار.

و العقد الثاني يقتضي بإطلاقه ثبوت الضمان في عارية المصوغ منهما،

و مرجع التعارض بينهما إلى العموم من وجه إن جعلنا تينك الروايتين بمنزلة رواية

واحدة متضمنة لاستثناء الدراهم و الدنانير معا،بمعنى إفادتهما ما يفيده من كون‏

موضوع حكم نفي الضمان فيهما هو تمام ما بقي بعد استثناء الدرهم و الدينار.

فيكونان-حينئذ-بمنزلة قوله ليس في غير الدرهم و الدينار من العارية ضمان،

و من المعلوم أن غير الدرهم و الدينار أعم من وجه من الذهب و الفضة،و كذلك‏

الذهب و الفضة أعم منه كذلك،فيتصادقان في المصوغ من الذهب و الفضة،

و يفترق الأول في عارية غير الذهب و الفضة و الثاني في الدرهم و الدينار.

فعلى هذا لا بدّ من العلاج بينهما بالقواعد المتقرّرة لتعارض العامين من‏

وجه،من ملاحظة قوة دلالة أحدهما و الترجيح بها،و مع عدمها ملاحظة قوة

السند و الترجيح بها،و مع عدمها فالتخيير.

و إن لم نجعلهما بمنزلة رواية واحدة،بواسطة ما مرّت الإشارة إليها من‏

موهنات ظاهر الحصر المستفاد من الاستثناء-التي يأتي تفصيلها أيضا-

فتكونان مجملتين بالنسبة إلى إفادة نفي الضمان عن عارية المصوغ من الذهب‏


344
و الفضة،لأن ظهورهما في تمام ما بقي بعد استثناء الدرهم و الدينار إنما هو من‏

جهة ظهور الاستثناء في الحصر،فمع فرض عدمه ينتفي هذا الظهور،و لا تكونان‏

-حينئذ-كالعام المخصص بمنفصل،من حيث بقاء الظهور الوضعي،و هو

ظهورهما في جميع أفراد العارية لترجع النسبة إلى العموم و الخصوص المطلقين،

بل ذلك الظهور منتف بسبب اقترانهما بالاستثناء لا محالة،فإذا صارتا مجملتين‏

مهملتين،فتكونان في قوة القضية الجزئية في القدر المتيقن منهما،و هو عارية غير

الذهب و الفضة مطلقا حتى المصوغ منهما،فحينئذ لا يعارض العقد السلبي منهما

للإيجابي من الرواية الأخيرة،فإن العقد الإيجابي منها لا يعارض السلبي منهما في‏

ذلك القدر المتيقن،لاختلاف موضوعهما،و السلبي منهما لا يعارض الإيجابي منها

في المصوغ من الذهب و الفضة،لفرض عدم دلالته على نفي الضمان عنه،مع‏

دلالة الإيجابي على ثبوت الضمان فيه،فمقتضى القاعدة حينئذ الحكم بثبوت‏

الضمان في استعارة مطلق الذهب و الفضة،لمكان العقد الإيجابي المذكور مع‏

سلامته عما يعارضه،كما أن مقتضى القاعدة على التقدير الأول-أعني تقدير

كون الروايتين بمنزلة رواية واحدة-ترجيح العقد السلبي منهما على ذلك‏

الإيجابي نظرا إلى كون العام أقوى دلالة من المطلق،فيكون التصرف في المطلق‏

عند التعارض و الدوران أقرب.

اللهم إلا أن يمنع ذلك،بأن العام و إن كان نوعا أقوى من المطلق إلا

أن المطلق قد يكون أقوى منه في بعض الموارد بواسطة بعض الخصوصيات‏

اللاحقة له،كما في محل الكلام،فإن عارية الدرهم و الدينار في غاية الندرة

و الشذوذ،بل لم نقف على وقوعها في الخارج.

بخلاف المصوغ من الذهب و الفضة،كالحليّ،فإن استعارته شائع جدا،

فلو قيد الذهب و الفضة بالدرهم و الدينار يلزم تقييدهما بالفرد النادر في مقام‏

العارية،و هو في نفسه بعيد جدا و أبعد من تخصيص العام بغير المصوغ منهما،


345
فيتّجه-حينئذ-تقديم المطلق و تخصيص العام،و الإنصاف أنه جيّد ينبغي‏

الاعتماد عليه.

فالأقرب ثبوت الضمان في عارية مطلق الفضة و الذهب على كل من‏

التقديرين.

هذا مضافا إلى عدم استقامة التقدير الأول في نفسه-أيضا-لأن روايتي‏

الدرهم و الدينار كل منهما دافع‏ (1) للآخر،بمقتضى اختصاص كل منهما باستثناء

واحد منهما المفيد لحصر المخرج من العقد السلبي منها (2) فيما استثنى منها (3) ،فلا

يمكن العمل بظاهر كليهما معا،و لا بواحدة منهما فقط-أيضا-لكونه مخالفا

للإجماع،فلا بد من التأويل في ظاهر كل منهما و حمل المستثنى فيهما على كونه من‏

باب أحد الأفراد.

اللهم إلا أن يقال إن المتعذر من جهة التنافي بينهما إنما هو حمل كل منهما

على الحصر الحقيقي.

و أما حمله على الإضافي‏ (4) بالنسبة إلى ما عدا المستثنى في الأخرى فلا مانع‏

منه،فيحمل عليه،إما لكونه أقرب المجازات بعد تعذر الحقيقة،و إما باعتبار

جعل مفهوم الحصر من مقولة المطلق المتعذر حمله على العموم،إذ-حينئذ-لا

يجوز طرحه رأسا،بل يعمل به في بعض مصاديقه،و الأول أجود،فافهم.

قوله-قدّس سرّه-:(و إن كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة...

-إلى قوله-:قدم ما حقه التقديم ثم لوحظ النسبة مع باقي المتعارضات) (5) .

(1)أقول:في ملاحظته(قدّس سرّه)النسبة بين خطاب-بعد علاج‏

1)كذا و الصحيح(دافعة).

2)كذا و الصحيح(منهما فيما استثنى منهما).

3)كذا و الصحيح(منهما فيما استثنى منهما).

4)كذا و لكن سياق المطلب يقتضي أن يكون بدل الإضافي(الحقيقي).

5)فرائد الأصول 2:799.

346
التعارض بينه و بين خطاب آخر-و بين سائر الخطابات المتعارضة له ما لا يخفى‏

على المتأمل،من منافاته لما مر منه(قدّس سرّه)سابقا في مقام الرد على الفاضل‏

النراقي من أن التعارض بين دليلين إنما يلاحظ بالنظر إلى ظاهريهما قبل علاج‏

التعارض بين أحدهما و بين معارض آخر له،فإنّ العلاج إنما هو من قبيل دفع‏

المانع،لا إحراز المقتضي،فحمل خطاب على معنى لمرجّح في معارضه لا يجعله‏

ظاهرا في ذلك المعنى حتى تلاحظ النسبة بينه و بين خطاب آخر معارض له،فلم‏

يبق الفرق من حيث ملاحظة النسبة قبل العلاج بين تساوي نسب المتعارضات‏

و بين اختلافها.

و الحاصل:أن مقتضى ما يبنى عليه ثمة-من كون المخصص مانعا من‏

ظهور العام و غير موجب لظهوره فيما بقي إذا كان منفصلا كما هو المفروض‏

هنا-إجمال العام المخصص بالخاص المنفصل في المقام،و معه لا ظهور له حتى‏

تلاحظ النسبة بينه و بين معارض آخر له.

و الّذي يقتضيه التأمل،أنه على تقدير انقلاب النسبة بين متعارضين من‏

المتعارضات بعد تقديم ما حقّه التقديم على أحدهما-بأن تكون النسبة بين ما

بقي منه بعد تخصيصه بما قدّم عليه و بين المعارض الآخر مخالفة و مغايرة لما كانت‏

بينهما قبله،كأن تكون النسبة بينهما قبله هي العموم مطلقا،يكون المخصّص بما

حقّه التقديم عليه أعم من الآخر مطلقا،ثم انقلبت بعده إلى العموم من وجه،

أو كانت قبله هي العموم من وجه ثم صار ذلك المخصّص بعد التخصيص أخص‏

مطلقا من الآخر-أن يقال بعدم الفرق من حيث ملاحظة النسبة بينهما بالنظر

إلى ظاهريهما قبل تخصيص أحدهما بين الحالتين،بل يجب بعد التخصيص أيضا

ملاحظة النسبة بينهما بالنسبة إلى ظهوريهما قبله مطلقا،من غير فرق بين ما إذا

انقلبت بعده إلى العموم من وجه أو إلى العموم مطلقا،على النحو الّذي عرفت،

لما مرت الإشارة إليه،من أن الكلام في المخصّص المنفصل،و ليس من شأنه إزالة


347
ظهور ما قدّم عليه و إحداث ظهور آخر فيه في تمام ما بقي منه بعد التخصيص،

بل هو معه-أيضا-ظاهر فيما كان ظاهرا فيه بدونه،و إنما أوجب ذلك رفع اليد

عن العمل بذلك الظهور في مورده،لكون العمل به في أي جزء من مؤداه معلقا

على عدم المخصّص.

و قد عرفت الكلام مشبعا في انقلاب النسبة بين متعارضين إلى العموم من‏

وجه بعد ما كانت هي العموم مطلقا بعد تخصيص أحدهما في طيّ الكلام في‏

المتعارضات بنسبة واحدة.

نعم،إذا انقلبت النسبة بينهما إلى العموم مطلقا بعد ما كانت هي العموم‏

من وجه-بأن يصير المخصّص بما حقّه التقديم عليه أخصّ من الآخر بعد

التخصيص مع كونه أعم منه من وجه قبله-يعامل بينه و بين العام الآخر الغير

المخصّص معاملة العام و الخاصّ،و يقدّم على ذلك العام،لكن لا لأجل ملاحظة

النسبة بين ما بقي منه و بين العام الآخر و إدخاله في قاعدة العام و الخاصّ،بل‏

لأجل نظير ما مرّ في المتعارضات بنسبة واحدة فيما إذا كان عام مطلقا و خاصان‏

كذلك مع كونهما على تقدير تقديمهما عليه مستوعبين لجميع مدلول العام أو

لأكثره.

و توضيحه،أن كل عام نصّ في منتهى التخصيص من مؤداه لا محالة،فإذا

فرض في مورد عامان من وجه متعارضان و خاص مطلقا بالنسبة إلى أحدهما،فلا

ريب أن ذلك الخاصّ حقه التقديم على ما هو أخص منه،و لا مانع من تقديمه‏

عليه-أيضا-من جهة الأمور الخارجية إذ هو بنفسه لا يناقض الأعم منه مطلقا

في ذلك المقدار الّذي هو نصّ فيه،و العام الآخر ليس في مرتبة ذلك الخاصّ،فإنه‏

ليس من شأنه التصرف و التأويل في صاحبه،فلا يمكن أن يقال بما قيل في العام‏

المطلق مع خاصتين كذلك مستوعبين لجميع مؤداه من ملاحظة التعارض بين‏

مجموع المستوعبين و بين العام،فإنّ كل واحد منهما هناك كان صالحا للتصرف في‏


348
العام،و كان من حقه التقديم عليه،و إنما منع من الأخذ بكليهما لزوم محذور

الاستيعاب بخلاف المقام،فإن أحدهما و هو العام الآخر ليس كذلك-كما

عرفت-فيقدم الأخص من ذلك العام عليه كائنا ما كان،فإذا قدم عليه ينحصر

مورده في مورد اجتماعه مع العام الآخر،فلا بدّ من تقديمه على العام الآخر فيه،

إذ لو أخرج مورد الاجتماع عنه يلزم طرح النص،حيث أنه نصّ في المقدار

المذكور المنحصر مورده في محل الاجتماع،بخلاف إخراجه عن العام الآخر،

لفرض عدم انحصاره مورده فيه،فيكون طرحه طرحا للظاهر و تأويلا فيه،

فيتعيّن.

و تظهر الثمرة بين ما اخترنا و بين ما اختاره المصنف(قدّس سرّه)من‏

ملاحظة النسبة بين عام و بين معارض آخر له،بعد تخصيصه بما حقه التخصيص‏

به في المتعارضات المختلفة النسب فيما إذا كان عامان من وجه متعارضان مع‏

خاصان مطلقا بالنسبة إلى أحدهما و كان أحدهما على وجه إذا قدم على الأعم‏

منه تنقلب نسبته مع الخاصّ الآخر إلى العموم من وجه.

فعلى ما اخترنا من ملاحظة النسبة السابقة و العمل على طبقها يقدم‏

الخاصّ الآخر عليه-أيضا-و على ما اختاره يكون حكمه مع العام حكم‏

العامين من وجه.

فربما يقدّم العام عليه لاشتماله على بعض المرجّحات من حيث الدلالة،

أو السند.

لكن الظاهر من قوله(قدم ما حقه التقديم ثم لوحظ النسبة مع باقي‏

المتعارضات)التزامه بتقديم الخاصّ الآخر عليه في المثال المذكور-أيضا-،لأنه‏

-أيضا-ممّا حقه التقديم و معه لا يكاد يوجد مورد تظهر الثمرة بينهما فتأمل.

ثم إنه بقي شي‏ء لم ينبه المصنف(قدّس سرّه)عليه و هو حكم صورة عدم‏

انقلاب النسبة بعد تقديم ما حقه التقديم من المتعارضات.


349
فاعلم أنه بعد تقديم ما حقّه التقديم من المتعارضات مع عدم انقلاب‏

النسبة بين ما بقي من العام المخصص و بين معارض آخر له،فإما أن يقلّ أفراد

ذلك العام بعد تخصيصه بما يجب تقديمه عليه إلى حيث ينتهي إلى منتهى مراتب‏

التخصيص الّذي لا يجوز التخصيص إلى ما دونه أو إلى ما يقرب منه مما يستبعد

التخصيص إليه و إن جاز،أو لا يقلّ كذلك.

فإن كان المورد من قبيل الفرض الثاني،فلا ينبغي الإشكال في تقديم‏

العام الآخر الغير المخصّص على ذلك العام في مورد التعارض،و هو مورد

اجتماعهما،فإن العام الآخر لعدم تطرق تخصيص إليه أقوى منه،فإن دلالته‏

بواسطة تطرقه إليه موهونة،فاحتمال التخصيص فيه أقرب منه في العام الآخر،

فيتعين،و هنا إنما هو مورد القضية المعروفة بينهم،من أن تطرق التخصيص أو

كثرته يوجب و هو دلالة العام.

و إن كان من قبيل الفرض الأول،فالعمل فيه على عكس ما في الفرض‏

الثاني،أما على التقدير الأول منه و هو لزوم قلة الأفراد إلى حيث ينتهي إلى‏

منتهى مراتب التخصيص،فلعين ما مر في وجه تقديم العام المخصّص المنحصر

مورده في مورد اجتماعه مع العام الآخر،و اما على التقدير الثاني منه فلفرض بعد

التخصيص في العام المذكور زائدا على القدر المتيقّن مع قربه من العام الآخر،

و هنا إنما هو مورد القضية المعروفة من أن إذا كثر التخصيص في عام مع عدم‏

كثرته في عام آخر معارض له كان احتماله في الأول أبعد فإن مرادهم من كثرة

التخصيص الموجب لبعد احتمال التخصيص إنما هو ما بلغ هذا المقدار من‏

الكثرة،لا مطلقا فافهم.

قوله-قدّس سرّه-:(و السر في ذلك واضح...-إلى قوله-:أو طرح‏

الظاهر المنافي له رأسا) (1) .

1)فرائد الأصول 2:799.

350
(1)فيه إجمال،إذ يحتمل أن يكون مراده من النص الّذي يلزم طرحه على‏

تقدير عدم طرح الظاهر المنافي له هو العام المعارض بأخص منه مطلقا و من‏

الظاهر العام الآخر المعارض له في غير مورد ذلك الخاصّ،و هو مورد اجتماعهما.

و وجه التعبير-حينئذ-عن طرح الأول بطرح النص،و عن طرح الثاني‏

طرح الظاهر-مع كون كل منهما نصا في مؤداه في الجملة،و هي منتهى‏

التخصيص و ظاهرا فيه كذلك و هو بالنسبة إلى أزيد من تلك المرتبة-أنه إذا يبنى‏

على طرح الأول لمرجّح للثاني من حيث الدلالة أو السند قبل علاجه مع ما هو

أخص منه و الأخذ بما يحدث له من الترجيح بعده،يلزم طرحه في جميع مؤداه‏

الآئل إلى طرحه فيما هو نصّ فيه،إذ-حينئذ-يطرح في مورد اجتماعه مع ذلك‏

العام بالفرض و يجب طرحه-أيضا-في مورد افتراقه عنه،الّذي هو مورد التنافي‏

بينه و بين ما هو أخص منه،إذ لا بد من تقديمه عليه،كائنا ما كان،فلا يبقى له‏

مورد بعده أصلا.

هذا بخلاف ما إذا يبنى على طرح العام الآخر،فإنه إنما يطرح في مورد

المعارضة بينه و بين ذلك العام لا مطلقا،لفرض عدم معارض له في مورد الافتراق‏

عنه،فلا يلزم من طرحه خلوه عن المورد الآئل إلى طرح النص،بل يكون طرحا

لظهوره فحسب.

لكن هذا لا يناسب تأكيده طرح الظاهر بقوله رأسا،فإنه ظاهر في طرح‏

المنافي في جميع مؤداه،فيئول إلى طرح النص،مع أنه لو كان المراد طرح المنافي‏

فيما هو ظاهر فيه فقط،بمعنى طرحه في مؤداه في الجملة و هو مورد التنافي بينه‏

و بين ذلك العام،فلا يخفى أنه ليس محذورا،بل لا بدّ منه على تقدير الترتيب في‏

العلاج و عدمه.

و يحتمل أن يكون مراده(قدّس سرّه)بالنص هو الأخص المنافي لأحد

العامين في مورد افتراقه عن صاحبه،و بالظاهر المنافي له ذلك العام.


351
و الوجه في لزوم أحد المحذورين على هذا لو لا مراعاة الترتيب في العلاج،

أنه إذا عولج أولا بين العامين من وجه و قدم العام الغير المنافي للنص في مورد

الاجتماع بينهما،لمرجّح،أو تخييرا فينحصر مورد العام المنافي له في مورد افتراقه‏

عنه،الّذي هو محل التعارض بينه و بين ذلك النص،و حينئذ إما يقدم ذلك العام‏

على ذلك النص أو يقدم النص.

و على الأول يلزم طرح النص.

و على الثاني طرح الظاهر المنافي له في جميع مؤداه،و هو محذور مثله،بل‏

عينه،لرجوعه بالأخرة إليه،إذ العام نصّ في مؤداه في الجملة.

و الثاني من الاحتمالين أظهر،كما استظهره(دام ظلّه)أيضا.

و لا يخفى على المتأمل عدم لزوم الدوران بين ذينك المحذورين على تقدير

مخالفة الترتيب في العلاج إلا في بعض صورها،و هو ما إذا قدم العام الآخر الغير

المنافي للنص على المنافي له في مورد الاجتماع بينهما،مع منافاة النص له في جميع‏

مصاديق مورد افتراقه عن ذلك العام،و أما في غيره-كما إذا قدم العام المنافي‏ (1)

في مورد الاجتماع بينهما أو لا ينافيه في جميع مصاديق مورد افتراقه عن العام‏

الآخر على تقديم الآخر عليه-فلا.

هذا مضافا إلى أنه لا يتوقف ترجيح الترتيب في العلاج على لزوم الدوران‏

المذكور في جميع موارد مخالفته،بل يكفي فيه لزومه في بعضها مع عدم لزومه على‏

تقدير الترتيب أصلا،فالحري تعليله بلزومه في بعض مواردها.

و يتأكد ترجيحه بلزوم الدوران بين طرح النص و بين قلة المورد للعام‏

المنافي له في بعض صور المخالفة،و هو ما إذا قدم عليه العام الغير المنافي له في‏

مورد الاجتماع بينهما مع لزوم قلة مورده على تقدير تقديم النص عليه-أيضا-

1)فرائد الأصول 2:461.

352
بأن يكون النص منافيا له في كثير من مصاديق مورد الافتراق،أو في أكثرها،

فيدور الأمر بين طرح النص و بين طرحه المؤدي في مورد التنافي بينه و بين النص‏

إلى قلة مورده،فإنها-أيضا-محذور كطرح النص،هذا.

قوله-قدّس سرّه-:(و قد ينقلب النسبة و يحدث الترجيح في‏

المتعارضات بنسبة واحدة)1.

(1)توضيحه:أن المتعارضات بنسبة واحدة إما أن تكون النسبة بينها هي‏

التساوي،أو العموم من وجه،و أما التباين و العموم مطلق فلا يعقلان هنا.

أما الأول:فلما مر-في أول المسألة-من أن شرط التعارض اتحاد متعلقي‏

الدليلين المتعارضين في الجملة مع اختلاف حكمهما،و مع التباين كلية لا اتحاد

أصلا.

و أما الثاني:فلامتناعه في نفسه،إذ لا يعقل كون كل واحد من أمرين أو

أمور أخص مطلقا من الآخر.

ثم إنه إذا كانت النسبة بينهما هي التساوي،فلازم تقديم أحدهما على ما

يعارضه رفع الحكم المدلول عليه به عن جميع موارده،كما لا يخفى،لعدم مورد له‏

-حينئذ-سليم عن المعارض،فتكون النسبة معه بحالها بعد علاج التعارض.

و إذا كانت هي العموم من وجه،فلازم ترجيح بعضها على بعض انقلاب‏

نسبة ذلك البعض المرجوح المخصص مع باقي المتعارضات إلى العموم مطلقا،

إذا لم يكن له مورد (1) يفترق فيه عن البواقي،و إن كان له مورد كذلك فنسبته معها

بحالها بعد التخصيص.

فظهر أن انقلاب النسبة و حدوث الترجيح إنما هو في بعض موارد محل‏

1فإنّ ذلك يوافق في النتيجة في مورد العلاج.لمحرّره عفا اللّه عنه.

1)فرائد الأصول 2:799.

353
الفرض،لا مطلقا،كما أشار إليه المصنف(قدّس سرّه)بقوله:و قد ينقلب النسبة

و يحدث الترجيح المشعر بالتقليل.

ثم إن ظاهر كلامه(قدّس سرّه)أن حدوث الترجيح إنما هو يدور مدار

انقلاب النسبة،و أنه مع انقلابه إلى العموم مطلقا يجب الترجيح.

و يتجه على الأول منع الدوران،إذ قد تكون النسبة بعد التخصيص‏

بحالها،و معه يجب تقديم ذلك المخصص على غيره،و ذلك فيما إذا قل أفراده بعد

التخصيص بضميمة مورد افتراقه عن باقي المتعارضات إلى مورد التعارض بينه‏

و بينها-أيضا-على وجه يبعد فيه التخصيص عرفا،أو يمنع كذلك،كما إذا

انحصرت في منتهى التخصيص.

نعم استلزام انقلاب النسبة إلى العموم مطلقا للزوم التقديم و الترجيح‏

متجه،إذ لو لا الترجيح لزم بقائه بلا مورد.

ثم إنه يتجه عليه(قدّس سرّه)هنا-أيضا-ما مر سابقا من أن ملاحظة

النسبة بين بعض المتعارضات مع بعض بعد العلاج بينه و بين بعض آخر لا معنى‏

له،و أنه خلاف ما اختاره سابقا-أيضا-.

و التحقيق ما مر سابقا من أن اللازم إنما هو ملاحظة النسبة بين‏

المتعارضين بعد تصرف في أحدهما بدليل بما كان بينهما قبله،فمع تقديم أحد

المتعارضات بنسبة العموم من وجه على واحد،فالملحوظ بين ذلك الواحد و بين‏

البواقي من النسبة بعد التخصيص إنما هو ما كان بينهما قبله.

لكن ترجيحه على باقي المتعارضات-إذا كانت النسبة بين ما بقي منه‏

و بينها هي العموم مطلقا-ليس لملاحظة هذه النسبة الحادثة،بل إنما هو لأجل‏

أنه لولاه لزم خلوه عن المورد رأسا.

و بالجملة،مدار الترجيح إنما هو على قلة الأفراد إلى حيث يبعد معها

التخصيص بالإضافة إلى باقي المتعارضات عرفا،أو إلى حيث يمتنع‏


354
كذلك،كما إذا انحصرت في منتهى التخصيص أو على لزوم خلوه عن المورد

رأسا.

إذ مع الأول يرجع التعارض بينه و بين باقي المتعارضات إلى تعارض‏

الأظهر و الظاهر،فإنه لبعد احتمال تخصيصه بالنسبة إلى مورد تعارضه بينه و بينها

بالإضافة إليهايكون‏أظهر في الدلالة على دخول مورد التعارض فيه.

و مع كل واحد من الأخيرين يرجع التعارض بينه و بين سائر المتعارضات‏

إلى تعارض النص و الظاهر لما قد مر غير مرة من نصوصية العام في منتهى‏

التخصيص.

ثم إن ما ذكر من لزوم قلة المورد أو الخلو عنه على تقدير عدم الترجيح‏

إنما يكونان مرجحين-بعد ثبوت مرجح من المرجحات الداخلية أو الخارجية-

لبعض تلك المتعارضات بنسبة العموم من وجه على ذلك البعض الّذي يراد

ترجيحه على باقي المتعارضات أو بعضها لأنهما إنما يحدثان على هذا التقدير،لا

مطلقا.

انقسام المرجحات إلى السندية و المتنية

قوله-قدّس سرّه-:(و اما تقسيم الأصوليين المرجحات إلى‏

السندية و المتنية) (1) .

(1)حاصله ان ما ذكره من التقسيم إنما هو بملاحظة مورد المرجح،يعنى‏

محل وجوده،و ما ذكره(قدس سرّه)إنما هو باعتبار مورد الرجحان،و هو ما

يوصف بكونه راجحا،و المغايرة بين الاعتبارين من حيث المفهوم واضحة،و اما

من حيث المصداق فالمغايرة ثابتة بينهما أيضا،إذ ليس كل ما يكون موردا

للمرجّح يكون موردا للرجحان أيضا،فإنّ الفصاحة و الأفصحية و ما يشبههما

كالعموم و الخصوص و المفهوم و المنطوق إنّما موردها هو المتن فإنّ ظرف وجودها

1)فرائد الأصول 2:801.

355
إنما هو المتن مع أنّ الراجح بسببها إنما هو الصدور،فإنه يقال بملاحظة ثبوت‏

بعضها أو كلها في أحد الخبرين أن صدوره راجح على صدور الخبر الآخر لا أنّ‏

متنه راجح.

و وجه عدوله(قدّس سرّه)-عن تقسيمهم المذكور إلى ما ذكره-أن ما

ذكروه غير حاصر لجميع الأقسام،فإن المضمون أيضا من موارد المرجح،فإن‏

المزية قد تكون موجودة فيه فإذا كان التقسيم باعتبار مورد المرجح فلا بد من‏

التقسيم على وجه يحصره فلا يستقيم ما ذكروه،لعدم شموله و حصره له،فإنه‏

مقابل و قسيم للمرجحات السندية و المتنية بالاعتبار المذكور،غير داخل في‏

أحدهما.

ثم إن في عدهم المنطوق و الخصوص من المرجحات ما مرت الإشارة إليه‏

غير مرة من أن الكلام مع اشتماله على شي‏ء منهما يخرج عن صورة التعارض‏

و يدخل في الجمع العرفي،فإن الخاصّ و المنطوق أقوى دلالة من العموم و المفهوم‏

فيكونان متصرفين فيهما و قرينتين عليهما،فلا يبقى معهما تحير في فهم المراد

عرفا حتى يدخل موردهما في الأخبار العلاجية.

قوله-قدّس سرّه-:(منها كون أحد الراويين عدلا) (1) .

(1)أقول:الترجيح بالعدالة-فيما إذا كان غير العادل متحرزا عن الكذب‏

كتحرز العادل عنه بناء على كون المناط فيه هو الأقربية إلى الحق-لا يستقيم‏

كما لا يخفى،و إنما يناسب الترجيح بها في تلك الصورة القول بإناطته بها من‏

باب التعبد،فالأوفق بما ذكر تخصيص الترجيح بها بغير تلك الصورة.

قوله-قدّس سرّه-:(و في حكم الترجيح بهذه الأمور أن يكون‏

1)فرائد الأصول 2:801.

356
طريق ثبوت مناط القبول في أحدهما أوضح من الآخر) (1) .

(1)توضيحه:أنه لو كان مناط حجية الخبر هو عدالة الراوي فيقدم رواية

من كان عدالته ثابتة بطريق أقوى من طريق عدالة الآخر،و إن كان هو

الوثوق و الاطمئنان لا صفة العدالة من حيث هي،فيقدم رواية من كان طريق‏

ثبوت توثيقه أقوى من طريق توثيق الآخر.

قوله-قدّس سرّه-:(و يلحق بذلك التباس اسم المزكى) (2) .

(2)الظاهر أنه بصيغة المفعول لكن في حكمه التباس اسم المزكي بصيغة

الفاعل بين من يجوز الاعتماد عليه و بين غيره.

ثم إنه لا حاجة إلى تطويل الكلام بذكر ما ذكروه من أسباب قوة الظن‏

المنوط بها الترجيح،إذ بعد ما كان المدار عليها يكون تشخيصها موكولا إلى نظر

المجتهد في خصوص المورد.

قوله-قدّس سرّه-:(ان ترجيح أحد الخبرين بمخالفة العامة

يمكن أن يكون بوجوه) (3) .

(3)اعلم أن الفرق بين الوجه الثاني و الرابع اختصاص الرابع بمورد خبرين‏

متعارضين،أحدهما موافق للعامة و الآخر مخالف لهم،بخلاف الثاني،فإنه يعم‏

موارد انتفاء الخبر في المسألة أصلا،فعلى تقدير ثبوته تكون مخالفة العامة أمارة

على أن الواقع هو الاحتمال المخالف لهم إن كان الاحتمال في المسألة منحصرا

في اثنين،أو على كونه فيما بين الاحتمالات المخالفة لهم إن كان غير منحصر

فيهما،فيعمل مع الاحتمال الموافق لهم معاملة العدم،و في غيره بمقتضى الأصول‏

العملية المقررة لصورة انحصار الاحتمال في غيره.

1)فرائد الأصول 2:802.

2)فرائد الأصول 2:802.

3)فرائد الأصول 2:805.

357
و الحاصل:أنه يكشف عن أن الحق في خلافهم،و لازمه فيما إذا انحصر

الاحتمال في اثنين كون الحق هو الاحتمال الواحد المخالف لهم،و فيما لم ينحصر

كونه في جملة الاحتمالات المخالفة لهم،و أيضا الوجه الرابع على تقدير ثبوته إنما

يكشف عن صدور الموافق لهم من الخبرين تقية،لا عن كون مضمونه باطلا،

بخلاف الوجه الثاني،فإنه إنما يكشف عن كون مضمون الموافق لهم باطلا و لا

يكشف عن صدوره تقية فتأمل.

ثم إن الوجه الأول و الثالث يشتركان في كون الأمر بالأخذ بمخالف‏

العامة مع كل منهما من باب التعبد،بمعنى أنه لا يكون الأمر لأجل كاشفية

المخالف لهم عن شي‏ء إلا أن الفرق بينهما أن الأول يختص بموارد خبرين‏

متعارضين،أحدهما موافق لهم،و الثالث يعم موارد فقد الخبر رأسا كالوجه الثاني،

فإنه بعد البناء على كون مخالفة العامة من العناوين المحبوبة في أنفسهما،فتكون‏

محبوبة و مطلوبة أينما تحقق موضوعها،و هو لا يتوقف على وجود خبر أصلا،بل‏

إنما يتوقف على موافقة أحد الاحتمالين،أو الاحتمالات الموجودة في المسألة

لمذهبهم.

قوله-قدّس سرّه-:(أما الوجه الأول فمع بعده عن مقام ترجيح‏

أحد الخبرين المبنيّ اعتبارهما على الكشف النوعيّ...إلى آخره) (1) .

(1)وجه الاستبعاد أن المناسب للترجيح بين متعارضين.يكون اعتبار كل‏

منهما في نفسه من باب الطريقية المحضة و الكشف-إنما هو جعل المرجح‏

لأحدهما ما يتقوى به مورده من حيث الكشف،بمعنى كونه مما يقوي جهة

كشفه،بحيث يكون مورده معه أقرب إلى الواقع أو أبعد عن الباطل من غيره‏

المعارض له،فلا يناسب جعل المرجح من الأمور الغير المفيدة لذلك أصلا،أو

1)فرائد الأصول 2:806.

358
جعله من الأمور المفيدة له مع عدم ملاحظة جهة تقويته لطريقية مورده،بل‏

يكون الأمر بالأخذ به من باب التعبد الصرف،كما هو الحال في الأمر بأخذ

المخالف العامة على الوجه الأول من تلك الوجوه الأربعة.

و الحاصل:أن المناسب حينئذ إنما هو جعل المرجّح لأحدهما ما يكون‏

مقويا لجهة الكشف في مورده مع كون النّظر-في اعتباره مرجّحا-إلى هذه‏

الحيثية و هي المناسبة بمثابة تبعة وقوع خلاف ما يقتضيه و إن لم تكن منافية

لإمكانه.

قوله-قدّس سرّه-:(إلا أنّه يشكل الوجه الثاني...-إلى قوله-:

لأن خلافهم ليس حكما واحدا) (1) .

(1)أقول:التعليل الواقع في الأخبار إنما هو كون الرشد في خلافهم بذكر

لفظة(في)المفيدة للظرفية،لا كون الرشد هو خلافهم،و الإشكال الّذي ذكره‏

(قدّس سرّه)إنما يتجه على تقدير كون العلة فيها هو الثاني،لا الأول،لعدم‏

استلزامه لكون المخالف لمذهبهم حكما واحدا،إذ غاية ما يفيده أن الرشد

متحقق في خلافهم،و لازم في صورة انحصار الاحتمال المخالف لهم في واحد كون‏

الرشد هو ذلك الاحتمال،و في صورة تعدده كونه في جملة تلك الاحتمالات‏

المخالفة لهم،بمعنى عدم كونه هو الاحتمال الموافق لهم.

و لا ينبغي أن يتوهم أنه ما الفائدة في كون الرشد في جملة الاحتمالات‏

المخالفة لهم،و أي فائدة في التعبد بالأخذ بتلك الاحتمالات،فإن الأخذ بها لا

يترتب عليه أزيد مما يترتب على صورة عدم الأخذ بها،إذ على تقدير الأخذ بها

لا يمتاز الرشد من الغي حتى يتبع،كعدم امتيازه منه على تقدير عدمه.

لاندفاعه بأن الفائدة لا تنحصر في ذلك حتى يلغى التعبد بالأخذ بها

1)فرائد الأصول 2:806.

359
لفرض انتفاء تلك الفائدة،فإن المعاملة مع الاحتمال الموافق للعامة معاملة العدم‏

من الفوائد المهمة،لاختلاف حكم عدم إلقائه مع حكم إلقائه بالنظر إلى‏

الرجوع في الأصول و القواعد بالنسبة إلى غيره من الاحتمالات كما لا يخفى.

و الحاصل:أن مقتضى التعليل المذكور في الروايات المستفيضة كون‏

مخالفتهم أمارة على كون الرشد في خلافهم،غاية الأمر أنه مع تعدد الاحتمالات‏

المخالفة لهم يكشف عن كون الحق و الرشد فيما بينهم-بمعنى عدم خروجه‏

منها-فقوله(قدّس سرّه)(و كون الحق و الرشد فيه بمعنى وجوده في محتملاته لا

ينفع في الكشف عن الحق)إن أريد به عدم نفعه في الكشف عن وجوده فيما بين‏

تلك المحتملات فهو يناقض فرضه كون الرشد في خلافهم على معنى كونه في‏

محتملاته،و إن أريد به عدم نفعه في تشخيص الحق من بين تلك المحتملات كما

هو الظاهر منه،فهو مسلم لكن اعتبار الكشف على هذا الوجه غير لازم في‏

مقام الترجيح،لكفاية الكشف على الوجه الأول فيه،بل يكفي ما دونه و هو كون‏

المرجح موجبا لأبعدية مورده عن الباطل على تقدير الدوران بينه و بين فاقده‏

مع احتمال بطلان كليهما كما اعترف به(قدّس سرّه)في غير موضوع من كلامه،

و التعليل المذكور في الاخبار لا يقضى به-أيضا-كما عرفت.

نعم لا يمكن حمل التعليل المذكور على الدوام للعلم بأن جميع أحكام‏

العامة ليست مخالفة للحق،فلا بد من حمله على الغلبة،فإنها غير منكرة،بل‏

الظاهر من ملاحظة جملة من الأخبار ذلك،و معها لا يكشف مخالفتهم عن كون‏

الرشد في خلافهم على سبيل القطع،لأن غاية ما يفيده غلبة الباطل على‏

أحكامهم‏ (1) هو الظن في خصوص الموارد الشخصية بكون الرشد في خلافهم،

و من المعلوم أنه محتمل للخلاف و إلا لخرج عن كونه ظنا،و إنما يكشف مخالفتهم‏

1)و الصحيح ما أثبتناه في المتن و في الأصل(أحكام).


360
حينئذ عن أبعدية خلافهم عن الباطل،لكن على هذا التقدير-أيضا-لا يفرق‏

بين ما إذا كان خلافهم حكما واحدا و بين ما إذا كان أحكاما متعددة،إذ على‏

الأول-أيضا-لا يعلم من غلبة الباطل على أحكامهم كون الحق هو ذلك‏

الحكم المخالف لهم،بل غاية ما توجيه هي حينئذ-أيضا-إنما هو كونه أبعد

عن الباطل،فلا تغفل.

قوله-قدّس سرّه-:(لكنه خلاف الوجدان) (1) .

(1)أقول:لا يخفى إن الّذي يقضي ببطلانه الوجدان إنما هو غلبة الباطل‏

على جميع أحكامهم حتى أحكامهم المتفق عليها من الخاصة-أيضا-و أما

خصوص أحكامهم التي لم يوافقهم الشيعة فيها أصلا أو لم توافقهم فيها جلهم‏

فمنع غلبة الباطل عليها في حيّز المنع،إذ المتأمل فيها يجد غلبة الباطل عليها.

و كيف كان فلم يعلم عدم غلبة الباطل عليها،و مورد أخبار الترجيح إنما

هو هذه الطائفة من أحكامهم،فمع عدم معلوميّة انتفاء تلك الغلبة لا يرد

الإشكال بالتعبد بالعلة،لأنا حينئذ نستكشف واقعية العلة و ثبوتها بنفس تلك‏

الأخبار لصدورها من أهل البيت عليهم السلام الذين هم أدرى بما في البيت.

ألا ترى أنه لو أخبرك أحدهم عليهم السلام بغلبة الباطل على الأحكام‏

المذكورة فهل يبقى لك معه الشك في ثبوت تلك الغلبة،و المحكي عنهم بمنزلة

المسموع منهم،فان الحكاية مبينة لما صدر منهم عليهم السلام.

نعم الإنصاف أن تلك الاخبار الحاكية عنهم ذلك ليست قطعية،لكن‏

الإنصاف حصول الظن،بل الاطمئنان بصدقها و لو بملاحظة المجموع من‏

حيث المجموع من أخبار الترجيح و من غيرها،مضافا إلى ما حكي‏

عن أبي حنيفة،و من المعلوم أن الظن بصدقها ظن بثبوت تلك الغلبة،

1)فرائد الأصول:806.

361
فيكون بطلان الاحتمال الموافق لهم في الموارد الشخصية مظنونا،ضرورة أن‏

الظن بما يفيد الظن بشي‏ء ملازم للظن بذلك الشي‏ء كالملازمة بين العلم بما يفيد

العلم بشي‏ء و بين العلم بذلك الشي‏ء.

و كيف كان فالغرض منع لزوم التعبد بعلة الحكم،و قد عرفت وجهه.

ثم إن الترجيح بمخالفة العامة على الوجه الأول من الوجوه الأربعة

التي ذكرها المصنف(قدّس سرّه)إنما هو من باب التعبد الصرف.

و على ثانيها:إنما هو جهة تقوي مضمون الخبر المخالف لهم بالنسبة إلى‏

مضمون الموافق لهم،فيدخل مخالفة العامة على ذلك الوجه في المرجحات‏

المضمونية،كما أنها على رابعها تدخل في المرجحات لجهة الصدور دون المضمونية

أو الصدورية أصلا.

و على ثالثها:يكون الترجيح بها-أيضا-تعبدا كالأول،إلا أنه ليس‏

تعبدا صرفا غير ملحوظ فيه تقويته بمورده،أو كونه مطلوبا نفسيا-كما هو

الحال في الأول-لفرض كون مخالفة العامة في الوجه الثالث من العناوين‏

المطلوبة للشارع.

قوله-قدّس سرّه-:(أما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من‏

حيث جهة الصدور إلى قوله(قدّس سرّه)فالظاهر تقديمه على غيره‏

و إن كان مخالفا للعامة بناء على تعليل الترجيح بمخالفة العامة باحتمال‏

التقية في الموافق) (1) .

(1)يعني بناء على أن يكون الترجيح بها لأجل كشفها عن صدور الموافق‏

تقية كما هو الوجه الرابع من الوجوه المتقدمة الّذي قلنا إنها باعتباره تدخل في‏

المرجحات من حيث الصدور،و أما بناء على أن يكون الترجيح بها لأجل كشفها

1)فرائد الأصول 2:812.

362
عن أقربية مضمون المخالف إلى الحق فقد عرفت أنها بذلك الاعتبار من‏

المرجحات المضمونية،و سيأتي من المصنف تقديمها على المرجحات الصدورية

فحكمه هنا بتقديم المرجحات الصدورية عليها مبني على كونها من المرجحات‏

من حيث جهة الصدور.

قوله-قدّس سرّه-:(لأن هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد

فرض صدورهما قطعا-كالمتواترين-أو تعبدا-كما في الخبرين-بعد

عدم إمكان التعبد بصدور أحدهما و ترك التعبد بصدور الآخر...إلى آخره) (1) .

(1)حاصل ما أفاده(قدّس سرّه)-في وجه تقديم المرجحات الصدورية على‏

المرجحات من حيث جهة الصدور بتوضيح منا-أن جهة الصدور متفرعة على‏

أصل الصدور،لأنها متأخرة عنه و متوقفة عليه طبعا،ضرورة أن كون خبر صادرا

لبيان الواقع،أو لغيره تقية،أو لغيرها من مصالح إظهار خلاف الواقع بصورة

الواقع لا يعقل إلا أن يكون صادرا،فوصفا الصدور لبيان الواقع أو لغيره لا

يتحقق موضوعهما إلا بأصل الصدور،و هذا الاعتبار يقتضي أن يكون الترجيح‏

من حيث جهة الصدور ملحوظا بعد الفراغ عن أصل صدور كلا الخبرين‏

المتعارضين قطعا أو تعبدا،لأجل وجود المقتضي للتعبد في كل منهما على حد سواء

مع عدم مرجح للتعبد بصدور خصوص أحدهما،و أيضا التعبد بجهة الصدور قبل‏

التعبد بأصل الصدور لغو خال عن الفائدة،لأنها نظير الدلالة،لا يترتب عليها

شي‏ء الا بعد الفراغ عن صدور المتن،إذ معنى التعبد بها ليس التعبد بصدور

الراجح من جهتها،لأنه راجع إلى التعبد بصدور الراجح،بل معناه إنما هو

التعبد بكون الراجح لبيان الواقع على تقدير صدوره.

و بعبارة أخرى:معناه هو التعبد بعدم كونه صادرا لبيان خلاف الواقع،

1)فرائد الأصول 2:812.

363
و هذا بمجرده لا يترتب عليه حكم أصلا،بل إنما ينفع بعد الفراغ عن إثبات‏

أصل صدوره قطعا أو تعبدا،فلا بد من المصير أولا إلى الصدور،ثم بعد انقطاع‏

اليد عن المرجحات الصدورية إلى المرجحات من حيث جهة الصدور.

لا يقال:أن قضية ما ذكر إنما هو إعمال المرجحات الصدورية في النص‏

و الظاهر أو الأظهر و الظاهر بمعنى عدم جواز المصير إلى الترجيح أولا بقوة

الدلالة بالنصوصية أو الأظهرية،بل يجب المصير أولا إلى المرجحات الصدورية

ثم بعد فقدها إلى الترجيح بقوة الدلالة،إذ كما أن جهة الصدور متأخرة طبعا

عن أصل الصدور فكذلك الدلالة متأخرة عنه كذلك و كما أن جهة الصدور

بمجردها لا يترتب عليها شي‏ء و لا فائدة فيها من دون إحراز الصدور المتن‏

فكذلك لا فائدة في قوة الدلالة من دون إحراز صدور الأقوى دلالة.

لأنا نقول:إن حاصل ما ذكرنا إنما هو لزوم المصير إلى جهة الصدور بعد

الفراغ عن أصل الصدور،و قياس الدلالة على جهة الصدور إنما يقتضي لزوم‏

المصير إليها بعد الفراغ عن صدور المتن،و هذا مسلم و أما اقتضائه لوجوب‏

إعمال المرجحات الصدورية في النص و الأظهر مع الظاهر فلا،ضرورة أن‏

الرجوع إلى المرجحات الصدورية إنما هو بعد حصول الدوران بين الخبرين من‏

حيث الصدور،بأن يدور الأمر بين صدور هذا و بين صدور ذاك،و من المعلوم أن‏

منشأ ذلك الدوران إنما هو تنافي مدلوليهما و تعارضهما على وجه لا يفهم المراد منهما

عرفا إلا ببيان ثالث،إذ بدونه لا مانع من الحكم بصدور كليهما بمقتضى دليل‏

اعتبارهما من غير حاجة إلى دليل آخر أصلا،لأن عدم التعبد بصدور واحد منهما

بمقتضى دليل اعتبارهما إنما هو نتيجة مقدمتين‏1.

1و لأجل ذلك،أعني عدم اقتضاء دليل الاعتبار للتعبد بصدور واحد من المتعارضين في الظاهرين،نظرا

إلى المقدمتين المذكورتين،يكون الأصل فيهما هو التساقط،و يكون التعبد بصدور أحدهما أو كليهما


364
إحداهما:دوران الأمر بين صدورهما لأجل تنافي مدلوليهما على الوجه‏

المذكور.

و ثانيهما:عدم مرجح لأحدهما بالنظر إلى ذلك الدليل،بمعنى كونهما على‏

حد سواء في الدخول تحته.

و المقدمة الثانية إنما يمنع من التعبد بأحدهما بالخصوص على تقدير ثبوت‏

المقدمة الأولى،إذ على تقدير انتفائها يعمل بذلك الدليل في كل منهما،بمعنى‏

أنه يتعبد بصدور كل منهما لفرض شموله لهما مع عدم مانع من العمل به في كل‏

منهما،و من المعلوم انتفاء المقدمة الأولى في النص و الظاهر و الظاهر و الأظهر،لما

من غيره مرة من عدم التنافي عرفا بين الظاهر و بين كل من النص و الأظهر،فلا

دوران مع كون أحد المتعارضين نصا أو أظهر بالنظر إلى الصدور حتى لا يصلح‏

دليل صدورهما لاقتضاء التعبد بصدور واحد منهما،فيقتضي التعبد بكل منهما،

كاقتضائه لكون النص و الأظهر متصرفين في الظاهر-كما مر فظهر بطلان‏

المصير إلى المرجحات الصدورية في محل الفرض و ظهر-أيضا-أن المصير إلى‏

الترجيح بقوة الدلالة إنما هو بعد الفراغ عن أصل الصدور بمقتضى دليل‏

السند من غير حاجة إلى دليل آخر أصلا.

و من هنا ظهر اندفاع توهم المصير-في النص و الأظهر مع الظاهر-إلى‏

المرجحات من حيث جهة الصدور-أيضا-.

و توضيح اندفاعه أنها كالمرجحات الصدورية مختصة بما إذا لم يمكن‏

الجمع بين المتعارضين على وجه عرفي،و أما مع إمكانه-كما هو المفروض و المتحقق‏

محتاجا إلى دليل آخر غير ذلك الدليل بخلاف النص و الأظهر مع الظاهر،لأن مقتضى الأصل‏

بالنسبةإلى ذلك الدليل كما مرّ غير مرة هو التعبد بصدور كلا المتعارضين من غير حاجة إلى أدلة

الترجيح أو التخيير أصلا.لمحرّره عفا اللّه عنه.


365
مع النص و الأظهر-فلا مساس لها بوجه.

و الحاصل:أنه مع وجود المرجح لأحد المتعارضين من حيث الدلالة لا

مورد للمرجحات الصدورية و لا للمرجحات من حيث جهة الصدور أصلا،إذ

معه لا تنافي بينهما عرفا حتى يلتجأ إلى الترجيح بإحدى الجهتين الأخيرتين.

و ما ذكرنا-في مطاوي بعض كلماتنا المتقدمة-من أن الترجيح من حيث‏

الدلالة مقدم على الترجيح من حيث الصدور أو من حيث جهة الصدور ليس‏

المراد به أنه إذا دار الأمر في مورد بين الترجيح من حيث الدلالة و بين الترجيح‏

من حيث الصدور أو (1) من حيث جهة الصدور يقدم الترجيح من حيث الدلالة

حتى ينافي ذلك الّذي ذكره في هذا المقام من أنه مع وجود الترجيح من حيث‏

الدلالة لا مورد لغيره أصلا،بل المراد به إنما هو تقديمه على غيره بالنظر إلى‏

نوع المتعارضين لا آحاده و أشخاصه.

و من هنا ظهر-أيضا-فساد قياس المرجح من حيث جهة الصدور في‏

الظاهرين على المرجح من حيث الدلالة في النص أو الأظهر مع الظاهر،من‏

حيث عدم المصير فيهما-أيضا-إلى المرجحات من حيث الصدور معللا بأن‏

الأصل في الخبرين المتعارضين المفروض اجتماعهما لشرائط الحجية التعبد

بصدور كليهما كما هو الحال ثمة.

و توضيح الفساد أنه مع وجود المرجح من حيث الدلالة لا مورد

للمرجحات الصدورية أصلا،لاختصاصها بما لم يمكن الجمع بين المتعارضين‏

عرفا و مع وجوده لا شبهة في إمكانه،و الأخذ بالمرجحات من حيث جهة الصدور

دون المرجحات الصدورية مبني على اختصاصها بموارد فقد المرجحات من‏

حيث جهة الصدور و هو غير معلوم.

1)قد ورد في هامش النسخة في هذا المقام هكذا:(و ذلك في مثل حروف الإيجاب صح).

366
و يدفعه-أيضا-أن دعوى أن الأصل في الخبرين الصدور إن كانت مع‏

قطع النّظر عن ورود دليل على اعتبارهما فهي متّضحة الفساد،إذ معه يكون‏

الأصل عدم الصدور حتى في النص و الظاهر و الظاهر و الأظهر-أيضا-.

و إن كانت بالنظر إلى دليل اعتبارهما الّذي هو غير أخبار الترجيح أو

التخيير و هو الدليل الأولي فهي مسلمة في النص و الظاهر،و الظاهر و الأظهر،

دون الظاهرين،لأن مؤداه إنما هو التعبد بكل خبر على وجه التعيين و هو غير

ممكن في الظاهرين معا،لأدائه إلى التعبد بالمتناقضين لو تعبّدنا الشارع‏

بمدلوليهما معا-أيضا-أو إلى الإجمال على تقدير عدم تعبده بمدلوليهما معا فلا

يزيد التعبد بصدورهما معا على عدم التعبد بصدورهما فائدة،فيلغى التعبد

بصدورهما معا على وجه التعيين مطلقا،و التعبد بأحدهما معينا دون آخر لا يقتضيه‏

ذلك الدليل،لفرض دخولهما فيه على حد سواء،و التعبد بكليهما تخييرا ليس من‏

مدلوله،مع أن المدعى التعبد بصدور كليهما معا و قد عرفت ما فيه.

هذا بخلاف خبرين يكون أحدهما نصا أو أظهر،إذ لا مانع فيهما من‏

التعبد بصدور كليهما معا و التعبد بمدلوليهما حسبما تقضيه القواعد،و لا يرد حينئذ

اللغوية المذكورة في الظاهرين،لأن مقتضى القاعدة إنما هو كون النص‏

و الأظهر شارحين للظاهر فمدلول النص و الأظهر هو ظاهراهما الأوليان‏

و مدلول الظاهر ما يبقى له بعد التصرف فيه بهما،و من المعلوم أنه على تقدير

التعبد بذينك الخبرين يترتب عليهما تلك المداليل،و على تقدير عدم التعبد بهما

لا يترتب عليهما شي‏ء منها.فتظهر الفائدة بين التقديرين،فهي الفارقة بين‏

المقامين.

و-أيضا-لا معنى للتعبد بصدور خبر يتعين طرحه لخلوه عن الفائدة،

و لذا لا يشمل أدلة اعتبار الخبر لخبر يتعين حمله على التقية على تقدير صدوره.

لا يقال:إن نظير هذا وارد على التعبد بصدور خبر ظاهر معارض للنص‏


367
أو الأظهر،لأنه يجب طرح ظاهره على تقدير التعبد بصدوره.

لأنا نقول:المحذور إنما هي اللغوية الناشئة من عدم الفائدة،و من المعلوم‏

أن غاية ما هناك هي عدم التعبد بظاهر ذلك الخبر،لكن لا يلزم منه خلو التعبد

به عن الفائدة رأسا لأنه على تقدير طرح ظاهره يؤخذ بمؤوله و يكون دليلا

و حجة على إثبات معناه المؤول إليه و هو من الفوائد المهمة.

فإن قلت:إن ما ذكر من لزوم اللغوية على تقدير التعبد بصدور ما يتعين‏

حمله على التقية يلزمكم بعد مساواة الخبرين الظاهرين في المرجحات‏

الصدورية،لأن عدم التعبد بصدور واحد منهما و إن كان مقتضى الأصل الأولي‏

لكنه مخالف للإجماع،لقيامه على التعبد بأحدهما لا محالة،و التعبد بأحدهما

بالخصوص دون الآخر ترجيح بلا مرجّح،لفرض مساواتهما في المرجّحات من‏

حيث الصدور،فيجب التعبد بصدور كليهما معا،فيلزم التعبد بما وافق منهما العامة

الّذي يجب حمله على التقية،فيلزمكم الكرّ على‏مافررتم منه بالأخرة.

قلنا:مقتضى الكلية المستفادة من أخبار الترجيح هو الترجيح بكل مزية

موجبة لأقربية موردها إلى الحق أو أبعديته عن الباطل بالإضافة إلى فاقدها،

و من المعلوم أنه مع فرض كون أحد الخبرين مخالفا للعامة مع مساواته للموافق‏

لهم في سائر الجهات يكون هو أبعد عن الباطل،فيجب ترجيحه على الموافق‏

لهم لذلك،فلا يلزم من مساواته له في المرجّحات الصدورية التعبد بكليهما معا،

لأنه مبني على عدم المرجّح،و قد عرفت أن مخالفة العامة مرجحة.

فإن قلت:معنى طرح الموافق للعامة إنما هو حمله على التقية،و من المعلوم‏

أنه لا يعقل بدون التعبد بأصل صدوره،لأن صدوره تقية متفرع على أصل‏

صدوره فيجب التعبد بصدوره-أيضا-فعاد المحذور لذلك.

قلنا:معنى طرحه ليس ما ذكر،بل إنما هو التعبد بالمخالف دون رأسا.

و بعبارة أخرى:المراد به إنما هو عدم التعبد بالموافق للعامة رأسا و من‏


368
أصله،لا التعبد بصدوره تقية.

و بعبارة ثالثة:الغرض أنه إذا دار الأمر بين خبرين أحدهما مخالف للعامة

و الآخر موافق لهم مع فرض مساواتهما في سائر الجهات،فنحن إنما نتعبد

بالمخالف و لا نتعبد بالموافق أصلا لا بعدم صدوره من أصله و لا بصدوره تقية (1) .

1)انتهت النسخة الأصلية،و بعدها توجد صفحة أخرى ناقصة بحسب المطلب غير قابلة للاستفادة

و كتب في آخرها:أنا الراجي علي روزدري.

فهرست آيات
لا يكلف اللَّه نفسا إلا ما آتاها 17
و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه 18
لا يكلف اللَّه نفسا إلا ما آتاها 18
و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا 21
و ما كنا معذبين 23
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما 26
قل لا أجد في ما أُوحي إليَّ محرما 26
و جادلهم بالتي هي أحسن 27
و أعف عنا و اغفر لنا 35
و ما جعل عليكم في الدين من حرج 36
اتقوا اللَّه حق‏ تقاته 63
فإن تنازعتم في شي‏ء فردوه إلى اللَّه و الرسول 64
قل لا أجد في ما أوحي... 67
و ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللَّه عليه 67
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما... 68
و ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللَّه عليه،و قد فصل لكم ما حرم‏ عليكم 68
ما حرم‏ عليكم 68
و ما نهاكم‏ عنه فانتهوا 80
أطيعوا اللَّه 81
و أذان من‏ اللَّه... 100
ثم أذن مؤذّن أيّتها العير... 100
قل لا أجد... 103
ما ذكيتم 112
النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفُسهم 195
أحل لكم‏ الطيبات 226