فهرست عناوين فهرست آيات فهرست روايات فهرست اشعار
الفصُول المهمَّة

في تأليف الأمَّـة

فهرست عناوين
الخطبة7
« الفصل الأول» فيما جاء في الكاب والسنة من الحض على الاجتماع والتنديد بأهل التفريق والنزاع 9
« الفصل الثاني» في بيان معنى الاسلام والايمان وفيه ما يوجب القطع بأن جميع أهل الشهادتين والصوم والصلاة والحج والزكاة إخوان13
« الفصل الثالث » في صحاح أهل السنة الحاكمة باحترام أهل الأركان الخمسة كافة وحرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم وفيه من الأحاديث الصحيحة والنصوص الصريحة : ما يقطع شغب المشاغب ولا يبقى معه أثر لهذيان النواصب 16
« الفصل الرابع » في يسير من نصوص أئمتنا عليهم السلام في الحكم باسلام أهل السنة وانهم كالشيعة في جميع الآثار التي تترتب على مطلق من كان مسلما 23
« الفصل الخامس » في صحاح السنة الحاكمة على أهل الأركان الخمسة بدخول الجنة وفيه من البشائر ما تقربه النواظر 25
تنبيه مهم يذود العصاة عن التشبث بما في ذلك الفصل من المباشرات28
الاشارة الى صحاحنا وكونها مخصصة للعمومات السابقة. 30
« الفصل السادس» في لمعة من فتاوى علماء أهل السنة بايمان أهل الأركان الخمسة كافة واحترامهم ونجاتهم جميعا وفيه فتاوى كثيرة من أعلام الأمة. 33
فتوى الامام السبكي بذلك.... 33
فتوى الشيخ ابن العربي بذلك 35
فتوى صاحب المنار. وفتوى النبهاني. وفتوى العارف الشعراني بذلك. 35
فتوى كل من الروياني والقزويني وعلماء بغداد قاطبة وجمهور العلماء والخلفاء من الصحابة ومن بعدهم. 36
الاجماع الذي نقله ابن تيمية وفتوى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة الشافعي والثوري وداوود بن علي وأصحابه. 37
فتوى الامامين الأشعري والشافعي38
اجماع الشافعية على عدم كفر الخوارج39
قول ابن المنذر لا أعلم أحد وافق على تكفير الخوارج وكلام ابن عابدين في ان سب الصحابة ليس بكفر40
قول ابن حزم بعدم كفر المتأولين بسب الصحابة41
ما نقله ابن حزم عن الأشاعرة من القول بعدم كفر الساب لله ولرسوله مطلقا43
الأوزاعي لا يكفر أحدا من أهل الشهادتين وابن سيرين والحسن البصري والزهري والثوري يحكمون بنجاتهم مطلقا44
كلمة لابن المسيب وأخرى لابن عيينة في هذا المعنى. وكلمة في ختام الفصل للمصنف تأخذ بالاعناق الى الوفاق44
« الفصل السابع » في بشائر السنة للشيعة ويا لها من بشائر تحكم بفلاحهم في الدنيا وسعادتهم في اليوم الآخر. 46
تنبيه لبيان معنى الشيعة المختصين بتلك البشائر أردنا به الرد على ابن حجر وأمثاله اذ زعموا انهم هم الشيعة لا نحن. 48
« الفصل الثامن » فيمن تأولوا من السلف فخالفوا الجمهور ولم يقدح ذلك في عدالتهم والغرض إثبات معذرة المتأولين. 52
تخلف سعد وحباب عن بيعة السقيفة متأولين53
تخلف علي وأهل بيته وشيعته عنها53
إثبات أن عليا مع الحق والحق معه لا يفترقان55
تخلف أبي سفيان وقوله لعلي أبسط يدك أبايعك... الخ55
ما كان بين الزهراء وأبي بكر اذ هجرته فلم تكلمه حتى ماتت56
قتل خالد لمالك بن نويرة ونكاح زوجته57
قتل خالد لبني جذيمة وتبري النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عمله يومئذ58
تأولهم في الطلاق الثلاث وحكمهم فيه بخلاف ما كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم59
بيان مذهبنا في الطلاق الثلاث والاستدلال عليه من طريق غيرنا راجعه تجده كرسالة ( في هذه المسألة ) حافلة59
تأولهم في المتعتين راجع ما كتبناه هنا فانه حقيق بالمراجعة وهو كرسالة في هذا الموضوع على حدة وفينا المقام حقه وعقدنا هناك مباحث :60
المبحث الأول : في اصل مشروعية المتعتين واثبات ذلك بالاجماع والكتاب والسنة.63
تحرير محل النزاع في متعة النساء والرد على الآلوسي فيما بهت به الامامية67
المبحث الثاني : في دوام حل المتعتين واستمرار حكمهما.69
المبحث الثالث : فيما زعموه ناسخا لمتعة النساء وبيان خطأهم في ذلك.73
المبحث الرابع : في إثبات كون المحرم انما هو عمر.77
المبحث الخامس : في الاشارة الى المنكرين من الصحابة على تحريم المتعة.79
النداء بتحليل المتعة أيام المأمون81
خاتمة في الاشارة الى من صرح من الاعلام بأن عمر أول من حرم المتعة.81
تأولهم في أذان الصبح حيث زادوا فيه ( الصلاة خير من النوم ) واثبات انها لم تكن.82
تأولهم في إسقاط حي على خير العمل مع كونها جزءا من الأذان والاقامة وقد أثبتنا ذلك بالبرهان فجدير بأهل التحقيق والتحديق أن يقفوا عليه83
تأولهم في صلاة التراويح وبيان أنها لم تكن أيام رسول الله وأبي بكر85
تأولهم آية الزكاة إذ أسقطوا سهم المؤلفة قلوبهم87
تأولهم آية الخمس حيث صرفوها الى خلاف منطوقها ويليق بما كتبناه هنا في الخمس والزكاة أن يكون رسالة على حده. 88
تأولهم في صلاة الجنائز حيث جمعوا الناس على أربع تكبيرات90
تأولهم في البكاء على الميت حيث حرمه الخليفة الثاني وبيان عدم حرمته راجع ذلك فانه من ( الأساليب البديعة ) في رجحان مأتم الشيعة91
تأولات للسلف عديدة نلفت اليها كل باحث93
تنبيه الى أن بعض الصحابة كانوا لا يتعبدون بالنصوص المتعلقة بالسياسة بل كانوا يتأولونها ولذلك تأولوا النص بالخلافة على علي ومن راجع هذا البحث رأي الحقيقة بأجلى مظاهرها. 96
بيان الأسباب التي دعتهم الى تأول ذلك النص فمنها أنه غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي حيث أنه وترها وسفك دماءها ومنها أن العرب كانت تنقم منه عدله ومساواته ولم يكن لها فيه مطمع ومنها أنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله. 96
ومنها أنهم كانوا قد تشرفوا الى تداول الخلافة بينهم وقد رأوا تعبدهم بالنص مانعا لهم من ذلك ومنها أنهم كرهوا أن تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم97
الأسباب التي منعت عليا وشيعته من المقاومة واضطرته الى عدم القيام بأمر الناس والسر في قعوده في بيته حتى أخرجوه كرها. ودلالة ذلك على أصالة رأيه وشدة احتياطه على الاسلام98
تأول الخليفة الأول وأتباعه للنصوص الصريحة بالخلافة على أمير المؤمنين عليه السلام كما تأولوا من غيرها نصوصا كثيرة. 99
ومنها تأولهم في سرية أسامة فراجع ذلك تجد فيه من الفوائد الجمة ما لا غنى لك عنه. 99
ومنها تأولهم في رزية يوم الخميس حيث قالوا هجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فراجعها لتقف على ابحاث هناك مهمة ولتعلم الحكمة في ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ لكتابة ذلك الكتاب.104
ومنها تأولهم يوم تبوك 109
ومنها تأولهم يوم الحديبية فراجعه وحق لمثله ان يراجع 109
ومنها تأولاتهم يوم بدر فراجعها فانها مما يجب أن تراجع وقد الهمنا الله تعالى هناك الى تفسير الآية بما لم نسبق اليه وله الحمد.111
تأولاتهم يوم أحد وهي عديدة فراجعها وحق لها أن تراجع وقد استطردنا مواقف أمير المؤمنين يومئذ التي عجبت منها ملائكة السماء.115
تأولهم يوم مات ابن أبي المنافق 119
تأولهم يوم ضربوا أبا هريرة منعا له عن تبليغ ما أمره النبي يومئذ بتبليغه 120
تأولهم إذ تركوا قتل من أمروا بقتله من أهل الفتن والفساد في الأرض 121
تأولهم اذ خالفوا رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووافقوا رأي المشركين في رد بعض المؤمنين اليهم ليفتنوهم عن دينهم.121
تأولهم اذ لمزوه صلى الله عليه وآله وسلم في الصدقات 122
تأولهم اذ تنزهوا عن الشيء يرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 124
تأولهم في شان حاطب إذ كذبوه وشتموه بعد شهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصدقه وقوله لهم لا تقولوا له الا خيرا124
موارد تأول عثمان وهي كثيرة فراجعها لتعلم بمعذرة المتأولين 125
والا بلغ في معذرة المتأولين من كل ما سبق اجماعهم على عدالة عثمان وعدالة المجلبين عليه كعائشة وطلحة وغيرهما126
تأول عائشة وطلحة والزبير فيما فعلوه يوم الجمل الأصغر مع عثمان ابن حنيف وشيعة علي من القتل والنهب والمثلة وتأولهم يوم الجمل الأكبر فيما فعلوه مع أمير المؤمنين عليه السلام126
الحاق معاوية لزياد بأبي سفيان 127
عهده بالخلافة الى شريره المتهتك وسكيره يزيد المفضوح والاشارة الى بعض ما قد ترتب على ذلك يوم الطف ويوم الحرة128
نصب المجانيق على مكة وهدم الكعبة وحرقها وفظائع أخر ليزيد وكون أبيه يعلم بأنه ممن لا يؤتمن على نقير ولا يولى أمر قطمير ومع ذلك فقد غش الامة وسلطه عليها 130
الأخبار الدالة بأن معاوية ملعون لمحاباته وأنه من أهل جهنم 130
قتله عمر بن الحمق الخزاعي 131
قتله حجرا وأصحابه ودسه السم الى الحسن عليه السلام 131
الاشارة الى يسير من بوائق معاوية وجرائم عماله 133
سبي المسلمات من نساء همدان وذبح طفلي عبيد الله بن العباس وأمهما تنظر اليهما 133
فظائع سمرة بن جندب أيام معاوية 135
الاشارة الى فظائع زياد حين ولاه معاوية على الكوفة والبصرة والمشرق كله وسجستان وفارس والسند والهند136
حرب معاوية لأخي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه ونفسه في آية المباهلة ووليه. 137
لعنه بقنوت الصلاة رجالا أذهب الرجس عنهم محكم التنزيل وهبط بتطهيرهم جبرائيل وباهل بهم النبي بأمر ربه الجليل وما اكتفى حتى أمر الناس بلعن أمير المؤمنين. 138
النصوص الدالة على كفر من سبه أو عاداه أو آذاه 139
إذا صح اجتهاد معاوية في ذلك فاجتهادنا في جواز سبه أولى بالصحة 141
« الفصل التاسع » فيمن أفتى بكفر الشيعة وتفصيل ما استدل به على ذلك. 143
نص الفتوى بذلك نقلا من كتاب الفتاوى الحامدية 144
استفظاع تلك الفتوى والانكار على المفتي بها 145
الرد عليه اجمالا وتزييف قوله ببغيهم وكفرهم 146
الوجه الأول في تزييف قوله بأن الشيعة تستخف بالدين وتهزأ بالشرع المبين وإثبات كونهم أحوط الناس على الدين وأعظمهم تقديسا للشرع المبين.147
الوجه الثاني في تزييف قوله بأنهم يهينون العلم والعلماء واثبات أنهم أشد الناس للعلماء تعظيما.148
الوجه الثالث في تزييف قوله إنهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات واثبات أنهم أبعد الناس عن المحرمات وأحوطهم على الحرمات وقد استطردنا ذكر الحدود الشرعية على راي الامامية. 150
الوجه الرابع في تزييف قوله بأنهم كفروا بانكارهم خلافة الشيخين وبيان أن لا وجه لتكفير المسلمين بانكار سياسة خالية وخلافة ماضية هي ليست من أصول الدين باجماع المسلمين وقد تكلمنا هناك بما يوجبه العلم وتقتضيه الادلة العقلية والنقلية فلا يمكن جحوده فليراجع بتدبر وإمعان.153
الوجه الخامس في تزييف قوله بأنهم يتكلمون في حق السيدة عائشة بما لا يليق من أمر الافك والعياذ بالله وبيان أن هذا مما لا صحة له وأن مضمون مسألة الافك محال ممتنع عند الشيعة عقلا وأنهم لا يجيزون على جميع نساء الأنبياء حتى امرأة نوح وامرأة لوط. 156
نعم ننتقد من أفعال أم المؤمنين خروجها من بيتها وركوبها الجمل وسائر سيرتها مع أهل البيت عليهم السلام.156
الوجه السادس : تزييف قوله بأنهم كفروا بسبب الشيخين. 157
الأدلة على عدم حصول الكفر بذلك وهي ستة ـ الأول : الأصل مع عدم ما يدل على التكفير ـ الثاني : ان الصحابة كانوا يتشاتمون على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكفّر أحدا منهم بذلك. 158
الثالث : عموم الأحاديث الحاكمة بالاسلام على مطلق أهل الأركان الخمسة كافة ـ الرابع : أن رجلا من المسلمن سب الصديق فلم يعامله رضي الله عنه معاملة المرتد بل عامله معاملة غيره من المسلمين. 159
الخامس : أجماع فقهائهم ان مجرد السب لا يوجب الكفر وقد ذكرنا كلماتهم في ذلك. 160
السادس : أنه لا يفتى بالتكفير عندهم الا أن يكون الموجب للكفر مجمعا على إيجابه لذلك وبناء على هذا فلا يمكن التكفير في هذه المسألة مع انعقاد إجماعهم على عدم الكفر بها ولو أنكر الخصم ذلك فحسبه وجود القائل بعدم التكفير فانه مما لا يمكن انكاره. 162
« فصل العاشر » في الاشارة الى يسير مما نسبه الكذابون الى الشيعة وبيان براءتهم منه وقد ذكرنا أن الرامين لهم على أربعة أقسام ـ القسم الأول : طائفة تزلفوا بذلك الى ملوك بني أمية وبني العباس. 164
القسم الثاني : طائفة حملهم على ذلك الخوف من ميل الناس الى الشيعة فبهتوهم بما بهتوهم به تنفيرا للناس عنهم. 165
القسم الثالث : طائفة التبس الأمر عليهم لاشتراك اسم الشيعة بين الامامية وغيرهم 165
القسم الرابع : جماعة اعتمدوا على من تقدمهم فرأوهم ينقلون شيئا فنقلوا166
زعم ابن حزم ان من الامامية من يجيز نكاح تسع نسوة ومنهم من يحرم الكرنب وبيان افترائه واعتدائه بذلك166
ارجاف الشهرستاني بالامامية والرد عليه فيما نسبه اليهم عامة والى زرارة والهشامين ومؤمن الطاق بالخصوص169
وقد بلغت القحة بجودت باشا الى رمي الشيعة بانكار الصوم والصلاة والحج والزكاة فراجع ما نقلناه عنه وما قلناه في رده. 170
الرد على من نسب الينا تحريم لحم الابل وعدم العدة على النساء. 171
« فصل 11 » في الرد على نواصب هذا العصر. 172
معاتبة الفاضل الرافعي حيث نبذ الشيعة بالرفض ونسب اليهم القول بتحريف القرآن الحكيم وبيان خطأه في ذلك بما لا مزيد عليه. 174
« فصل 12 » في سبب التباعد بين الطائفتين وفيه مقصدان ـ المقصد الأول : فيما ينفر منه الشيعي وهو أمران ـ الأول : التحقير والتكفير ـ والثاني : الاعراض عن مذهب أهل البيت في أصول الدين وفروعه وفي تفسير القران وفي الحديث وفي سائر الأمور وانكى من ذلك عدم احتجاجه بأكثر أئمة أهل البيت عليهم السلام. 180
مع احتجاجه بداعية الخوارج عمران بن حطان181
قول ابن خلدون وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها والرد عليه في ذلك بما يصلح لأن يكون رسالة حافلة بالأدلة على وجوب أتباعهم وضلال من خالفهم فراجع. 183
المقصد الثاني : في الأمور التي ينفر منها السني وبيان أنها مما بهتنا بها المبطلون وإبداء رأينا في الصاحبة رضي الله عنهم وكونه أوسط الآراء. 189
فهرس أسماء الشيعة من الصحابة مرتبا على حروف الهجاء191
هناك جماعة نافقوا في صحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وظهر نفاقهم بما أحدثوه بعده وقد أخبر النبي بأنهم سيرتدون على أعقابهم القهقري200
تصريح القرآن بنفاقهم 201
وجوب مودة الذين استقاموا على ما أمرهم به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم واولئك لهم الخيرات واولئك هم المفلحون203

الإمام عبدالحسين شرف الدين الموسوي

قدس الله سرّه

الفصُول المهمَّة

في تأليف الأمَّـة

دار الزهراء

للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت ـ لبنان


5

تنبيه أول :

توسعنا بالفصول المهمة في هذه الطبعة ، أكمالا لفوائدها ، وأتماما لمقاصدها ، فظهرت اليوم بغير مظهرها أمس حتى كأنها غير الأولى ، فننبه المطلعين على تلك الى أنها لا تغنيهم عن هذه ( وفي الحمية معنى ليس في العنب ).

وما أحق كتابي هذا بأن أخاطبه بقول ولي الدين يكن :

فما بــك من أكذوبة فأخافها
ولا بك من جهل فيزري بك الجهل

تنبيه ثاني :

لما كانت الكتب المتكرر طبعها مختلفة في عدد الصفحات لم نقتصر في مقام النقل عنها في هذا الكتاب وغيره على تعيين الصفحة فقط بل عينا معها الباب أو الفصل مثلا ، ليرجع اليه من لم تكن صفحات النسخ التي عنده موافقه لصفحات النسخ التي عندنا ، فأحفظ هذه الجملة وانتبه.


6


7

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الميامين (1).

لا تنسق أمور العمران ولا تستتب أسباب الارتقاء ولا تنبث روح المدنية ولا تبزغ شموس الدعة من أبراج السعادة ولا نرفع عن أعناقنا نير العبودية بيد الحرية إلا باتفاق الكلمة واجتماع الأفئدة وترادف القلوب واتحاد العزائم والاجتماع على النهضة بنواميس الأمة ورفع كيان الملة ، وبذلك تهتز الأرض طربا وتمطر السماء ذهبا وتتفجر ينابيع الرحمة من قلب المواساة فتجري في سهوب الترقي وتتفرق في بيد (2) العمران وأخاديد الحنان والاتحاد ، فتنشر روح الانسانية من أجداثها وتحشر الملة الفطرية من رفاتها ويتبلج القسط بازغة أنواره ويستوسق نظام العدل خافقة بنوده ويتفقد الحاكم أمر رعيته تفقد الوالد العطوف أمر ولده ، وعندها تجب مؤازرته في إحياء مواتها وعمارة فلواتها ورتق ما انفتق واصلاح ما فسد وارشاد من ضل وجهاد من بغى وأعانة من ضعف وتعليم من جهل.

(1) بسم الله الرحمن الرحيم. يقول ناظم عقد هذه الفصول عبدالحسين شرف الدين الموسوي : لما نفدت الطبعة الاولى من هذا الكتاب التمس مني من لا تسعني مخالفتهم من المؤمنين من أهل سوريا والعراق وغيرهما أن أعيد طبعه وان اتوسع فيه ليتضاعف نفعه ، فأجبتهم الى ذلك وعلقت في أسفل صفحات الكتاب تعليقة نافعة جدا ، والله نسأل أن يكون الكتاب وتعليقته خالصين لوجهه الكريم انه الرؤوف الرحيم.

(2) جمع بيداء كبيض جمع بيضاء.


8

أما إذا كانت الأمة أوزاعا متباينة وشيعا متباغضة لاهية بعبثها غافلة عن رقيها لتكونن حيث منابت الشيح ومهافي الريح أذل الأمم دارا وأجدبها قرارا ، مذقة الشارب ونهزة الطامع وهدف السهام وقبسة العجلان ، في باحة ذل وحلقة ضيق وعرصة موت وحومة بلاء ، لا تأوي الى جناح دعوة ، ولا تعتصم بظل منعة ، فحذا حذار من بقاء الفرقة وتشتت الألفة واختلاف الكلمة وتنافر الأفئدة «﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم » ، «﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا » ، «﴿ ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ».

إلا وانا في عصر العلم ودور الذكاء والفطنة ، قد تفجر لذوي العصر ينبوع الحكمة وتقشعت عن أبصارهم غياهب العشوة ، فزهر كهرباء النور من أفكارهم وأشرقت شموس الفضل من وجوههم ، فهلا شرعوا خطي أقلامهم وجردوا صوارمها ووتروا قسي أفكارهم وناضلوا بثواقبها فأزهقوا نفس العصبية ومحقوا آثارها وصدعوا بوظائف الأنسانية ورفعوا منارها وهتفوا بدعوة التمدن واعتنوا باتحاد التشيع والتسنن بخطابة تملأ مسمع الدهر وملامة تفلل جلاميد الصخر ، فمتى يطلقون عنان براعتهم ويحملون على جيوش التوحش بيراعتهم ، وينهضون باجتماع الاملاء ويصدعون بأسباب التمدن والارتقاء ويحذرون الأمة مما يصطلم حوزتها ويفرق جماعتها ، فان الله سبحانه يقول : «﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ».

واني صادع بهذه المقالة شارع بعون الله تعالى في تصنيف رسالة سميتها ( الفصول المهمّة في تأليف الأمّة ). « ان اريد الاّ الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب ».


9

الفصل الأول في نبذة مما جاء في الكتاب العزيز

والسنـة المقدسة من الترغيب في

الاجتماع والالفة.

قال الله تبارك وتعالى : «﴿ انما المؤمنون أخوة » ، «﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض » ، «﴿ محمد رسول الله والذين معه » إلى ان قال عز اسمه في وصفهم : «﴿ رحماء بينهم » ، «﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم » ، «﴿ واعتصموا بحبل الله جيمعا ولا تفرقوا » ، «﴿ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون » ، «﴿ يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا » إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : الدين النصحية. قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم ، والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.


10

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم يد على من سواهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مؤمنا ستره الله يوم القيامة.

وقال الصادق عليه السلام : المسلم أخو المسلم ، وهو عينه ومرآته ودليله لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه.

وقال عليه السلام لجماعة من شيعته : اتقوا الله وكونوا أخوة بررة متحابين في الله متواصلين متواضعين متراحمين ، تزاوروا وتلاقوا وأحيوا أمرنا.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : المؤمن ألف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.

وفي حديث آخر : ان أحبكم الى الله الذين يألفون ويؤلفون ، وان أبغضكم الى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الاخوان.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : المتحابون في الله على عمود من ياقوتة حمراء ، رأس العمود سبعون ألف غرفة يشرفون على الجنة يضيء حسنهم كما تضيء الشمس ،


11

عليهم ثياب سندس خضر مكتوب على جباههم : المتحابون في الله.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس وهم لا يفزعون ويخاف الناس وهم لا يخافون ، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقيل : من هم يا رسول الله ؟ فقال : هم المتحابون في الله.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ان الله تعالى يقول : حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي ، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : أن الله تعالى يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي.

وعن باقر علوم النبيين عن آبائه الخلفاء الراشدين عن جدهم سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين من حديث طويل قال : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين جيران الله جل جلاله في داره ؟ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم : ماذا كان عملكم فصرتم به جيران الله في داره ؟ فيقولون : كنا نتحاب في الله ونتباذل في الله ونتزاور في الله عز وجل. قال : فينادي مناد صدق عبادي خلوا سبيلهم لينطلقوا الى جوار الله بغير حساب.

وعن عبد المؤمن الانصاري قال : دخلت على الإمام أبي الحسن ( الكاظم ) عليه السلام وعنده محمد بن عبدالله الجعفري ، فتبسمت اليه فقال عليه السلام : أتحبه ؟ قلت : نعم وما أحببته الا لكم. فقال عليه السلام : هو أخوك ، والمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه ، ملعون ملعون من اتهم أخاه ، ملعون ملعون من غش أخاه ، ملعون ملعون من لم ينصح أخاه ، ملعون ملعون من استأثر على أخيه ملعون ملعون من اغتاب أخاه.


12

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الثناء على الأخوة في الدين : من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا ان نسي ذكره أو ذكر أعانه ، ومثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل احداهم الأخرى ، وما التقى مؤمنان قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيرا.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : عليكم بالأخوان فانهم عدة في الدنيا والآخرة ، الا تسمعون الى قول أهل النار : «﴿ فما لنا من شافعين*ولا صديق حميم ».

وعن جرير بن عبدالله قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على إقام الصلاة وايتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.

والأخبار في هذا متواترة والصحاح متظافرة ، وإذا راجعت حديث الفريقين رأيت الصبح قد أسفر لذي عينين ، وفي هذا كفاية لمن له من الله هداية.


13

الفصل الثاني في بيان معنى الاسلام والايمان اللذين بهما

ينال العهد غاية الرضوان ، وعليهما يكون

المدار وبوجودهما تترتب الاثار.

دعاني الى بيانهما اقناع أهل العصبية والتنديد بهؤلاء المرجفين على حمية الجاهلية ، فاقول : أجمع اخواننا أهل السنة على أن الاسلام والايمان عبارة عن الشهادتين ، والتصديق بالبعث ، والصلوات الخمس الى القبلة ، وحج البيت ، وصيام الشهر ، والزكاة والخمس المفروضين (1). وبهذا تعلن الصحاح الستة وغيرها.

ففي البخاري بسنده قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم.

(1) وربما بعضهم فرق بين الاسلام والايمان بفارق اعتباري ، والذي يظهر من قوله تعالى : «﴿ قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا » أن الاسلام عبارة عن مجرد الدخول في الدين والتسليم لسيد المرسلين وان الايمان عبارة عن اليقين الثابت في قلوب المؤمنين مع الاعتراف به في اللسان ، فيكون على هذا أخص من الاسلام ، ونحن نعتبر فيه الولاية مضافا الى ذلك ـ فافهم.


14

وفيه أيضا بالاسناد الى أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ، فلا تخفروا (2) الله في ذمته.

وفيه بالاسناد الى طلحة (3) بن عبيد الله قال : جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل من أهل نجد ناثر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة. قال : هل عليّ غيرها ؟ (4) قال : لا. إلا أن تطّوع. قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وصيام رمضان. قال : هل عليّ غيره ؟ قال : لا. إلا أن تطّوع. قال : وذكر له الزكاة قال : هل عليّ غيرها ؟ قال : لا. إلا أن تطّوع. قال : فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أفلح إن صدق.

وفي صحيح البخاري أيضا بالاسناد الى نافع أن رجلا أتى ابن عمر فقال يا أبا عبدالرحمن ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما وتترك الجهاد في سبيل الله وقد علمت ما رغّب الله فيه ؟ قال : يا ابن أخي بُني الاسلام على خمس : إيمان بالله ورسوله ، والصلاة والخمس ، وصيام رمضان ، وأداء الزكاة ، وحج البيت.

وفيه أيضا بالاسناد الى أبي هريرة قال : كان النبي صلى الله عليه وآله بارزا

(2) الاخفار نقض العهد. وهذا الحديث والذي قبله مقيدان بما يدل على اشتراط الصوم والزكاة والحج كما لا يخفى.

(3) هذا الحديث موجود في صحيح مسلم بهذا الاسناد أيضا.

(4) يعني من جنسها ، وكذلك المراد من قوله « هل علي غيرها » بعد ذكر الصيام والزكاة.


15

يوما للناس ، فأتاه رجل فقال : ما الايمان ؟ قال صلى الله عليه وآله : الايمان أن تؤمن بالله وملائكته وتؤمن بالبعث. قال : ما الاسلام ؟ قال صلى الله عليه وآله : الاسلام أن تعبد الله ولا تشرك به ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ـ الحديث. وآخره ثم أدبر ( يعني السائل ) فقال صلى الله عليه وآله : ردوه ، فلم يروا شيئا ، فقال : هذا جبرائيل ، جاء يعلم الناس دينهم.

قلت : وأخرج هذا الحديث مسلم أيضا في صحيحه بطرق مختلفة وأسانيد متعددة ، بعضها عن عمر بن الخطاب ، وبعضها عن ابنه عبدالله ، وبعضها عن أبي هريرة ، وفيه شيء ما من زيادة أو نقصان.

وأخرج البخاري في عدة مواضع من صحيحه بالاسناد الى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله قال لوفد عبدالقيس ( لما أمرهم بالايمان بالله وحده ) : أتدرون ما الايمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وأيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وان تعطوا من المغنم الخمس ـ الحديث (5).

والأحاديث في هذا المعنى لا تكاد تحصى ، فمن أرداها فعليه بمظانها من الصحاح الستة وغيرها ، ولا سيما كتاب الايمان من صحيح مسلم ، فان فيه أبوابا كثيرة تفيد القطع بأن الاسلام والايمان عند أهل السنة ليس إلا ما ذكرناه ، على أن ما سنورده في الفصلين الآتيين صريح في ذلك أيضا ، فتدبر ولا تذهل.

(5) وأخرجه مسلم أيضا في عدة مواضع من صحيحه. ولا يخفى ما فيه من الدلالة على ان الخمس ركن من أركان الاسلام كالصلاة والزكاة ، فيكون هذا الحديث مقيدا لجميع الاحاديث المطلقة بالنسبة الى الخمس ، ولا غرو فان الكتاب والسنة يقيد بعضهما بعضا.


16

الفصل الثالث في نبذة مما صح عند أهل السنة والجماعة من

الاحاديث الدالة على أن من قال « لا إله إلا الله

محمد رسول الله » محترم دمه وماله وعرضه

أوردناها لينتبه الغافل ويقنع الجاهل ، وليعلما ان أمر المسلمين ليس كما يزعمه اخوان العصبية ، وابناء الهمجية ، وحلفاء الحمية ، حمية الجاهلية ، الذين شقوا عصا المسلمين وأضرموا نار الفتن بينهم ، حتى كانوا اوزاعا وشيعا ، يكفر بعضهم بعضا ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، من غير أمر يوجب ذلك ، إلا ما نفخته الشياطين ، أو نفثته أبالسة الأنس الذين هم انكى للاسلام من نسل آكلة الأكباد ، وهذا عصر العلم ، عصر الانصاف ، عصر النور ، عصر التأمل في حقائق الامور ، عصر الاعراض عن كل تعصب ذميم ، والأخذ بكتاب الله العظيم ، وسنة نبيه الكريم ، واليك منها ما عقد الفصل لذكره :

أخرج البخاري في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه الى اليمن : انك ستأتي قوما أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم الى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله ، فان هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم ان الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فان هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم ان الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فان هم أطاعوا لك


17

بذلك ، فاياك وكرائم أموالهم ـ الحديث (1).

وتراه ينادي بثبوت الاسلام لهم بمجرد طاعتهم له بذلك ، بحيث تكون أموالهم حينئد فضلا عن أعراضهم ودمائهم محترمة كغيرهم من أفضل أفراد المؤمنين.

ومثله في باب فضائل علي عليه السلام من الجزء الثاني من صحيح مسلم (2) قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لاعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله ( وفي رواية أخرى هي في الصحاح أيضا ويحبه الله ورسوله ) يفتح الله على يديه. قال عمر بن الخطاب : ما أحببت الامارة إلا يومئذ ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب فأعطاه اياها وقال : امش وال تلتفت. قال فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس ؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم.

وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكفّ الانصاري

(1) وأخرجه مسلم في صحيحه بالاسناد الى ابن عباس ايضا. ولا يخفى تقييده بما دل على اشتراط طاعتهم له في الصوم والحج والخمس من الصحاح الاخر.

(2) وهو موجود في باب غزوة خيبر من الجزء الثالث من صحيح البخاري ، وفي باب مناقب علي عليه السلام من الجزء الثاني منه ايضا بنوع ما من التغيير في الالفاظ.


18

عنه فطعنته برمحي حتى قتلته ، فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال : يا اسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ قلت : كان متعوذا. قال : فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

قلت : ما تمنى ذلك حتى اعتقد أن جميع ما عمله قبل هذه الواقعة ( من ايمان وصحبة وجهاد وصلاة وصوم وزكاة وحج وغيرها ) لا يذهب عنه هذه السيئة ، وأن أعماله الصالحة بأجمعها قد حبطت بها. ولا يخفى ما في كلامه من الدلالة على انه كان يخاف ان لا يغفر له ، ولذلك تمنى تأخر اسلامه عن هذه الخطيئة ليكون داخلا في حكم قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « الاسلام يجب ما قبله ». وناهيك بهذا دليلا على احترام لا إله إلا الله وأهلها ، وإذا كانت هذه حال من يقولها متعوذا فما ظنك بمن انعقدت بها نطفته ثم رضعها من ثديي أمه ، فاشتد عليها عظمه ونبت بها لحمه وامتلأ من نورها قلبه ودانت بها جميع جوارحه ، فلينته أهل العناد عن غيهم وليحذروا غضب الله تعالى وسخط نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي الصحيحين بالاسناد الى المقداد بن عمرو أنه قال : يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب احدى يدي بالسيف فقطعها ، ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله ، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقتله ، فان قتلته فانه بمنزلتك قبل أن تقتله (3) وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال (4).

قلت : ليس في كلام العراب ولا غيرهم عبارة هي أدل على احترام الاسلام وأهله من هذا الحديث الشريف ، وأي عبارة تكايله في ذلك أو توازنه ، وقد

(3) يعني انه يكون من عدول المؤمنين ، لان المقداد كان كذلك.

(4) يعني انه يكون بمنزلة الكافر الحربي ، لان المقتول كان كذلك قبل ان يقول كلمته التي قالها.


19

قضى بأن المقداد على سوابقه وحسن بلائه لو قتل ذلك الرجل لكان بمنزلة الكافرين المحاربين لله ولرسوله ، وكان المقتول بمنزلة واحد من أعاظم السابقين وأكابر البدريين الأحديين ، وهذه أقصى غاية يؤمها المبالغ في احترام أهل التوحيد ، فليتق الله كل مجازف عنيد.

وأخرج البخاري في باب بعث علي عليه السلام وخالد الى اليمن : أن رجلا قام فقال : يا رسول الله اتق الله. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله. فقال : خالد يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : لا ، لعله أن يكون يصلي (5).

قلت : أعظم بهذا الحديث ودلالته على احترام الصلاة وأهلها ، وإذا كان احتمال كونه يصلي مانعا من قتله ، وقد اعترض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهرة وكاشفه علانية ، فما ظنك بمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم الشهر ويحج البيت ويحلل الحلال ويحرم الحرام ، ويتعبد بقول النبي صلى الله عليه وآله وفعله وتقريره ، ويقترب الى الله تعالى بحبه وبموالاة أهل بيته ويرجو رحمة الله عز وجل بشفاعته متمسكا بثقليه معتصما بحبليه ، ويوالي وليه

(5) وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي سعيد الخدري في صفحة 4 من الجزء الثالث من مسنده. ومثله ما نقله العسقلاني في الاصابة في ترجمة سرحوق المناطق من أنه لما أتى به ليقتل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هل يصلي ؟ قالوا : أذا رآه الناس. قال : اني نهيت ان اقتل المصلين ا هـ. وكذلك ما أخرجه الذهبي في ترجمة عامر بن عبدالله ابن يساف من ميزانه بسند ضعيف عن انس قال : ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقيل ذلك كهف المنافقين فلما أكثروا فيه رخص لهم في قتله ثم قال : هل يصلي ؟ قالوا : نعم لا خير فيها. قال صلى الله عليه وآله وسلم : اني نهيت عن قتل المصلين. قلت : اذا كانت هذه حاله مع المنافقين المرائين بصالتهم فما ظنك بالمحافظين عليها والخاشعين المخلصين لله فيها.


20

وان كان قاتل ابيه ويعادي عدوه وان كان خاصته وأهليه.

وأخرج البخاري في باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان ، حيث ذكر مقتل عمر « رض » والحديث طويل ، وفيه : يابن عباس انظر من قتلني ؟ فجال ساعة ثم جاء فقال : غلام المغيرة. قال : الصنع ؟ قال : نعم. قال قاتله الله لقد امرت به معروفا ، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الاسلام ، قد كنت أنت وابوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة. فقال : ان شئت قتلناهم. قال : كذبت بعد ان تكلموا بلسناكم ( اي اقروا بالشهادتين ) وصلوا قبلتكم وحجوا حجتكم.. الحديث.

والظاهر من قوله « الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الاسلام » ـ بقرينة ما ستسمعه من رواية ابن قتيبة وابن عبدالبر ـ انه كان يخشى أن يكون قاتله مسلما فيغفر له بسبب اسلامه ، فلما عرف أنه ممن لا يدعي الاسلام علم أن الله آخذ بحقه على كل حال ، وفي هذا من الدلالة على حسن عواقب المسلمين ما لا تسعه عباره.

ثم إذا نظرت الى انكاره على ابن عباس ، وقوله له مع جلالته « كذبت » الى آخر كلامه ذلك دلك على احترام أهل الشهادتين والصلاة والحج كيف كانوا.

وفي صفحة 26 من كتاب الامامة والسياسة للإمام المجمع على فضله ابن قتيبة المتوفى سنة مائتين وسبعين : ان عمر لما أخبر ان قاتله غلام المغيرة قال : الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة.

وروى الحافظ أبو عمرو يوسف بن عبدالبر القرطبي في ترجمة عمر من الاستيعاب أنه قال لولده عبدالله : الحمد لله الذي لم يجعل قتلي بيد رجل يحاجني بلا إله إلا الله .


21

قلت : إذا كان صاحب لا إله إلا الله بحيث لو قتل عمر بن الخطاب وهو الخليفة الثاني لحاجه بها فأمر أهل التوحيد اذن سهل يسير ، فليتق الله أهل الشقاق ولينهض رجال الاصلاح بأسباب الوئام والوفاق ، فقد نصب الغرب لنا حبائله ووجه نحونا قنابله وأظلّنا منطاده بكل صاعقة وأقلنا نفقه بكل بائقة وأحاط بنا أسطوله وضربت في أطلالنا طبوله ، ولئن لم يعتصم المسلمون بحبل الاجتماع ويبرأوا الى الله من هذا النزاع ليكونن أذلاء خاسئين وأرقاء صاغرين ( أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ).

وأخرج البخاري عن أنس « رض » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم .

قلت : هل بقي بعد هذه الأحاديث الصحيحة والنصوص الصريحة ملتمس لشغب المشاغب أو مطمع يتشبث به الناصب ؟ كلا ورب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ان دين الاسلام بريء مما يزعمه المرجفون ، مناقض لما يحاوله المجحفون ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ).

وفي الصحيحين بالاسناد الى ابن عمر « رض » قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمنى ـ قد أشار الى مكة المعظمة ـ : أتدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : فان هذا بلد حرام ، أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : انه يوم حرام ، أتدرون اي شهر هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : شهر حرام. قال : فان الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا .

والصحاح الستة وغيرها مشحونة من هذه الأخبار ، وهي أشهر من الشمس في رائعة النهار.


22

فليت شعري اي عذر لمن اعتمد عليها ، وانحصر رجوعه في أحكام الدين اليها ، ثم خالف في ذلك أحكامها ونبذ وراء ظهره كلامها (6) بلى انهم مرجفون والأمر على خلاف ما يظنون.

(6) كالشيخ نوح الحنفي حيث أفتى ـ مع وجود هذه الصحاح وأمثالها ـ بتكفير الشيعة ، وأوجب قتالهم ، وأباح قتلهم وسبي ذراريهم ونساءهم ، سواء تابوا أم لم يتوبوا ، فراجع فتواه هذه في باب الردة والتعزير ، من كتاب الفتاوي الحامدية الشهير ، وسنذكرها بعين لفظه في الفصل التاسع من هذه الفصول ، مزيفين لها بالادلة القاطعة والبراهين الناصعة ، فراجع ذلك الفصل واعلم ان الفصول الثمانية التي قبله انما هي مقدمة للرد على هذه الفتوى القاسية ، وما ألفنا هذا الكتاب الا لهذه الغاية ، اذ لم اجد أحدا قام بهذا الواجب ، والحمد لله على التوفيق لادائه كما يجب.

الفصل الرابع في يسير من نصوص أئمتنا عليهم الصلاة والسلام

في الحكم باسلام أهل السنة وانهم كالشيعة في كل

اثر يترتب على مطلق المسلمين.

وهذا في غاية الوضوح من مذهبنا لا يرتاب فيه ذو اعتدال منا ، ولذا لم نستقص ما ورد من هذا الباب ، إذ ليس من الحكمة توضيح الواضحات وهاك ما عقد الفصل للاشارة اليه :

قال الإمام أبو عبدالله الصادق عليه السلام في خبر سفيان بن السمط : ـ الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واقامة الصلاة وايتاء الزكاة ، وحج البيت وصيام شهر رمضان ـ الحديث.

وقال سلام الله عليه في خبر سماعة : الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله ، والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح والمواريث ، وعلى جماعة الناس ـ الحديث.

وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام في صحيح حمران بن أعين من جملة


24

حديث : والاسلام ما ظهر من قول أو فعل ، وهو الذي عليه جماعة من الناس من الفرق كلها ، وبه حقنت الدماء ، وعليه جرت المواريث ، وجاز النكاح ، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج ، فخرجوا بذلك عن الكفر واضيفوا الى الايمان .

إلى آخر ما هو مأثور عنهم في هذا المعنى مما لا يمكنني استيفاؤه ولا يسعني استقصاؤه ، وهذا القدر كاف لما أردناه موضح لما قصدناه.


25

الفصل الخامس في طائفة مما صح عند أهل

السنة من الأحاديث الحاكمة

بنجاة مطلق الموحدين.

أوردناها ليعلم حكمها بالجنة على كل من الشيعة والسنة ، والغرض بعث المسلمين على الاجتماع والتنديد بهم على هذا النزاع والتنبيه لهم على أن هذا التدابر بينهم عبث محض وسفه صرف بل فساد في الأرض وأهلاك للحرث والنسل ، ضرورة انه متى كان الدين حاكما على كل منهما بالايمان معلنا بفوزهما في أعلى الجنان لا يبقى لنزاعهما غرض تقصده الحكماء أو أمر يليق بالباب العقلاء ، لكن مني المسلمون بجماعة ذهلوا عن صلاحهم وغفلوا عن حديث صحاحهم ، واليك منه ما عقد الفصل لذكره :

اخرج البخاري (1) في صحيحه عن أبي أيوب الأنصاري « رض » ان رجلا

(1) وفي صحيح مسلم من هذا النوع أحاديث وافرة ، فراجع منه باب الايمان الذي يدخل به الجنة في الجزء الاول منه ، وباب من لقى الله بالايمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار ، وهو في الجزء الاول أيضا تجد فيه من البشائر ما تقر به عين المؤمن بالله واليوم الآخر.


26

قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : اخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال القوم : ماله ماله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إرب ماله ) فقال : تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها. قال : كأنه كان على راحلته واخرج ايضا بسنده ان اعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال صلى الله عليه وآله : تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان. قال : والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من سره أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا .

قلت : ظهر لي من أخبار أخر أن هذا الأعرابي انما هو مالك بن نويرة بن حمزة التميمي (2).

وفي صحيح البخاري بالاسناد الى عبادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه

(2) وكان رجلا سريا نبيلا يردف الملوك ، وهو الذي يضرب به المثل فيقال « مرعى ولا كالسعدان وماء ولا كصداء وفتى ولا كمالك ». وكان فارسا شاعرا مطاعا في قومه ، وكان فيه خيلاء وتقدم ، وكان ذا لمة كبيرة ، وكان يقال له الجفول ، قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم وحسن اسلامه فولاه صلى الله عليه وآله وسلم صدقة قومه وحج معه حجة الوداع وشهد خطبته يوم غدير خم بالولاية لعلي فكان بعدها من المتفانين في ولايته. قتله خالد بن الوليد يوم البطاح ونكح زوجته وكانت زوجته وكانت في غاية الجمال وجعل رأسه أثفية لقدر فكانت القدر على رأسه حتى نضج الطعام وما خلصت النار اليه ، نص على ذلك وثيمة بن موسى بن الفرات كما في ترجمته من وفيات ابن خلكان ، وذكره الواقدي وكثير من أهل السير والأخبار وعللوا عدم خلوص النار الى شواه بكثرة شعر رأسه وهو كما ترى. وقد أشرنا الى هذه القضية حيث ذكرنا خالد بن الوليد في فصل المتأولين وهو الفصل الثامن من هذه الفصول فراجع.


27

وآله وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وان عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل (3).

وفي البخاري أيضا عن جنادة مثله إلا انه زاد فيه « من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء دخل ».

وفيه عن أبي ذر « رض » قال : أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ، ثم أتيته وقد استيقظ ، فقال : ما من عبد قال : لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك الا دخل الجنة. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق ؟ قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال : وان زنى وان سرق على رغم أنف أبي ذر.

وفيه عن أبي ذر أيضا قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قال جبرائيل : من مات من امتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة أو لم يدخل النار. قلت : وان زنى وان سرق ؟ قال وان .

وفيه عنه أيضا قال : خرجت ليلة من الليالي فاذا رسول الله صلى الله عليه وآله يمشي وحده وليس معه انسان. قال : فظننت انه يكره أن يمشي معه أحد فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال : من هذا ؟ قلت : أبو ذر جعلني الله فدك. قال : يا أبا ذر تعال. قال فمشيت معه ساعة فقال : ان المكثرين في الدنيا هم المقلون يوم القيامة الا من أعطاه الله خيرا ، فنفخ فيه

(3) اي مع ما كان منه من الاعمال سواء كانت مرضية لله تعالى أو غير مرضية.


28

يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا. قال : فمشيت معه ساعة فقال لي : اجلس ها هنا حتى أرجع اليك. قال : فانطلق في الحرة حتى لا أراه ، فلبث عني فأطال اللبث ثم اني سمعته وهو مقبل وهو يقول : وان سرق وان زنى. فلما جاء لم أصبر حتى قلت له : يا نبي الله جعلت فداءك من تكلم في جانب الحرة ما سمعت احدا يرجع اليك شيئا ؟ قال : ذلك جبرائيل عرض لي في جانب الحرة فقال : بشر امتك انه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت : يا جبرائيل وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. قلت : وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم. قلت وان سرق وان زنى ؟ قال : نعم وان شرب الخمر .

قلت : الظاهر ان الزنا والسرقة وشرب الخمر هنا كناية عن مطلق الكبائر ، فيكون المراد ان من مات على التوحيد دخل الجنة أو لم يدخل النار وان ارتكب الكبائر ، على حد قوله في الحديث السابق أعني حديث عبادة « على ما كان من العمل ».

تنبيه :

يجب ان يعلم ان عصاة المؤمنين يعذبون يوم القيامة على قدر ذنوبهم ثم ينالون الكرامة في دار المقامة ، على ذلك اجتماع اهل البيت وشيعتهم بل هو من الضروريات عندهم.

فالأخبار الحاكمة بنجاة اهل القبلة على ما كان من العمل ليست ناظرة الى ان العصاة منهم لا يرون العذاب اصلا ، وانما المراد انهم لا يخلدون كما يخلد الكفار ، وبهذا لا يبقى لهم تمسك بهذه الأحاديث ونحوها ، وليس لهم بما اجترحوا إلا التوبة والندم أو العذاب في جهنم على قدر ما يستحقون أو يتداركهم الله بعفوه وغفرانه وشفاعة الشافعين عليهم السلام.


29

وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل قال : بينا انا رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس بيني وبينه الا آخرة الرحل قال : يا معاذ. قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال. يا معاذ. قلت لبيك رسول الله وسعديك. ثم قال يا معاذ. قلت لبيك رسول الله وسعديك. قال : هل تدري ما حق الله على عباده ؟ قلت : الله ورسوله اعلم. قال : حق الله على عباده ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم سار ساعة فقال. يا معاذ بن جبل. قلت : لبيك رسول الله وسعديك. قال : هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه ؟ قلت : الله ورسوله اعلم. قال : حق العباد على الله ان لا يعذبهم.

وفي يصحيح البخاري عن عتبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لن يوافي عبد يوم القيامة بقول « لا إله إلا الله » يبتغي به وجه الله الا حرم عليه النار.

وفيه عن عتبان بن مالك الانصاري أيضا أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله أن يأتي بيته فيصلي فيه ليتخذه مصلى (1) قال عتبان : فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بنا ركعتين وحبسناه على حريرة... الى أن قال ، فثاب في البيت رجال ذوو عدد فقال قائل منهم : اين مالك بن الدخشن ؟ (2) فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقل ذلك ، ألا تراه قد قال « لا إله إلا الله » يريد بذلك وجه الله. قال : فإنا نرى وجهه ونصيحته الى المنافقين. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فان الله قد حرم على النار من قال « لا إله إلا الله » يبتغي بذلك وجه الله.

(1) ما يقول الوهابية في هذا الحديث الصحيح ومنافاته لمذهبهم ؟

(2) هكذا في النسخة التي تحضرني من صحيح البخاري ، والظاهر انه ابن الدخشم بالميم ابن مالك بن الدخشم بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف شهد بدرا وما بعدها ، وهو الذي اسر يوم بدر سهيل بن عمرو ، ومع هذا فقد كان معروفا بالنفاق. والله أعلم بحاله.


30

وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بطرق متعددة ، وآخره عنده : أليس يشهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله. قالوا : انه يقول ذلك وما هو في قلبه. قال صلى الله عليه وآله وسلم : لا يشهد أحد انه لا إله إلا الله واني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه. قال أنس : فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني اكتبه فكتبه .

قلت : اي عبارة أدل على نجاة كافة الموحدين من هذه العبارة ؟ وأي بشارة في الجنة لمطلق الملسمين أعظم من هذه البشارة ؟ والعجب ممن لا يرتاب في صحتها وهو مع ذلك يحكم بنقيض دلالتها ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ).

وأخرج البخاري في الصحيح عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول الله تعالى ـ لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة ـ : لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم. فيقول الله تعالى : أردت منك أهون من هذا وانت في صلب آدم ان لا تشرك بي شيئا فابيت إلا أن تشرك بي.

قلت : ظاهر هذا أنه انما ابتلي بعذاب النار لانه ابى الا أن يشرك ولولا ذلك لنجا ، فعلم ان أهل التوحيد ناجون.

وايضا دل الحديث على ان اهون اهل النار عذابا هذا المشرك فعلم ان ليس فيها موحد ، اذ لو كان هناك موحد لكان أهون عذابا من هذا المشرك (3) وهذا خلاف صريح الحديث.

وفي الصحاح الستة ومسند احمد وكتب الطبراني وغيرها من هذا كثير ،

(3) لان الموحد من المسلمين وان جاء باعظم الجرائم لا يعذب عذاب المشرك وان لم يأت بغير الاشراك من الذنوب.


31

ولا سيما أحاديث الشفاعة حتى يقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( فيما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين ) : أخرج من النار من في قلبه أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان.

ولو اردنا ايراد ما في الصحيحين من أحاديث الشفاعة المشتملة على أعظم البشائر لطال المقام ، لكنا أشرنا اليها ليراجعها من أرادها. على أن الشيخين ( البخاري ومسلما ) أخرجا في صحيحيهما عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من مات وهو يعلم ان لا إله إلا الله دخل الجنة. وهذا ظاهر بأن مجرد العلم بالوحدانية موجب لدخول الجنة. ومثله ما أخرجه الطبراني في الكبير عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من علم أن الله ربه واني نبيه صادقا عن قلبه حرم الله لحمه على النار.

وهذه الأخبار أجلى من الشمس في رائعة النهار وصحتها أشهر من نار على علم ، فيها من البشائر ما ربما هون على المسلم موبقات الكبائر ، فدونك أبوابها في كتب أهل السنة لتعلم حكمها عليك وعليهم بالجنة (4) وكلما ذكرناه شذر من بذر ، ونقطة من لجج بحر ، اكتفينا منها بما ذكره البخاري في كتابه وكرره بالأسانيد المتعددة في كثير من أبوابه ، ولم نتعرض لما في باقي الصحاح ، اذ انشق بما ذكرناه عمود الفجر واندلع لسان الصباح ، وان عندنا صحاحا أخر فزنا بها من طريق أئمتنا الاثني عشر :

روتهــا هداة قولــهم وحديثهم
روى جدنا عن جبرئيل عن الباري

(4) لان كلا من الامامية والسنية يؤمنان بالله ، ويصدقان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقيمان الصلاة ، ويؤتيان الزكاة ، ويحجان البيت ، ويصومان الشهر ، ويوقنان بالبعث ، ويحللان الحلال ، ويحرمان الحرام ، كما تشهد به أقوالهما وأفعالهما وتحكم به الضرورة من كتبهما القديمة والحديثة مختصرة ومطولة.


32

فهي السنة التالية للكتاب ، وهي الجنة الواقية من العذاب ، واليكها في اصول الكافي وغيره تعلن بالبشائر لأهل الايمان بالله ورسوله واليوم الآخر لكنها تخصص ما سمعته من تلك العمومات المتكاثرة بولاية آل الرسول الله وعترته الطاهرة ، الذين قرنهم بمحكم الكتاب ، وجعلهم قدوة لأُولي الالباب ، ونص على أنهم سفن النجاة إذا طغى زخار الفتن ، وامان الأمة إذا هاج اعصار المحن ، ونجوم الهداية إذا ادلهم ليل الغواية ، وباب حطة لا يغفر إلا لمن دخلها ، والعروة الوثقى لا انفصام لها.

ولا غرو فان ولايتهم من اصول الدين ، وقد اقمنا على ذلك قواطع الحجج وسواطع البراهين ادلة عقلية وحججا نقلية ، نلفت الباحثين الى الوقوف عليها في كتابنا ( سبيل المؤمنين ) اذ اوضحنا فيه المسالك وامطنا بقوة برهانه كل ديجور حالك ، والحمد لله رب العالمين.


33

الفصل السادس في لمعة مما أفتى به علماء أهل السنة ،

من ايمان أهل التوحيد مطلقـا ونجـاة

أصحاب الشهادتين جميعا.

أوردناها ليعلم الناس توافق النص والفتوى في ذلك ، والغرض لم شعث المسلمين باجتماعهم ، ورتق ما انفتق بتدابرهم ونزاعهم ، لأن العاقل إذا رأى نصوص صحاحه وفتاوى علمائه تحكم بالايمان على مطلق أهل التوحيد وتعلن نجاة جميع أصحاب القبلة لا يبقى بعدها أمر يدعوه الى هذه النفرة أو يصده عن الوئام والالفة ، ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) فما بالهم ( وهم في الدين إخوة ) قد انشقت عصاهم واختلفت مذاهبهم ، فهاج بينهم قسطل الشر ، وتعلقت أهواؤهم بقواقر الفتن ، ولو رجعوا الى ما أفتى به المنصفون من علمائهم لأيقنوا أن الأمر على خلاف ما زعم المرجفون. واليك منه ما عقد الفصل لبيانه.

ذكر العارف الشعراني في المبحث 58 من اليواقيت والجواهر ، أنه رأى بخط الشيخ شهاب الدين الاذرعي صاحب القوت ، سؤالا قدمه الى شيخ الاسلام تقي الدين السبكي ، وصورته : ما يقول سيدنا ومولانا شيخ الاسلام في تكفير أهل الأهواء والبدع ؟


34

قال : فكتب اليه أعلم يا أخي أن الاقدام على تكفير المؤمنين (1) عسر جدا ، وكل من في قلبه ايمان يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع ، مع قولهم « لا إله إلا الله محمد رسول الله » ، فان التكفير أمر هائل عظيم الخطر ـ الى آخر كلامه وقد أطال في تعظيم التكفير وتفضيع خطره.

ودونك يواقيت الشعراني فانها تنقل الجواب عن خط السبكي على طوله ، وفي آخره ما هذا لفظه : فالأدب من كل مؤمن أن لا يكفر أحدا من أهل الأهواء والبدع ، اللهم إلا أن يخالفوا النصوص الصريحة التي لا تحتمل.

هذا كلامه ولا يخفى تصريحه بقصر التفكير على مخالف النصوص الصريحة عنادا لله وجحودا لما علم حكمه بالضرورة من دين الاسلام ، وقد دق في هذه الفتوى أصلاب المرجفين ، واستل ألسنة المتشدقين ، وقطع أمل من يبتغي تفريق المسلمين ، من كل أفاك أثيم.

وفي الصفحة العاشرة من طبقات الشعراني ما لفظه : وسئل سيدنا ومولانا شيخ الاسلام تقي الدين السبكي عن حكم تكفير غلاة المبتدعة ، وأهل الأهواء ، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدسة ؟ فقال ( رضي الله عنه ) : اعلم أن كل من خاف الله عز وجل استعظم القول بالتكفير لمن يقول : « لا أله إلا الله محمد رسول الله » ، ثم أورد جواب السبكي وهو طويل ، جاء في آخره ما هذه ألفاظه : فما بقي الحكم بالتكفير الا لمن اختاره دينا وجحد الشهادتين وخرج عن دين الاسلام جملة ـ .

قلت : الظاهر من اختلاف عبارة السؤالين والجوابين كونهما متعددين كما لا

(1) انظر كيف أطلق لفظ « المؤمنين » على أهل الهواء والبدع بدون تكلف.


35

يخفى ، وإذا كان كلام هذا الامام الكبير معلنا باختصاص الكفر بمن جحد الشهادتين ومناديا بالتنزيه لأهل الأهواء والبدع ، والمتفوهين بالكلام على الذات المقدسة من أهل القبلة ، فأي وقع بعده لكلام المرجفين وتحكم المشاغبين ، وإذا كان هذا حكمه في المتفوهين بالكلام على الله عز وجل فما ظنك بمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟

وقال الشيخ الأكبر ابن العربي في باب الوصايا من فتوحاته : اياكم ومعاداة أهل لا إله إلا الله ، فان لهم الولاية العامة ، فهم أولياء الله ، ولو أخطأوا وجاءوا بقراب الارض من الخطايا وهم لا يشركون بالله شيئا ، فان الله يتلقى جميعهم بمثلها (2) مغفرة ، ومن ثبتت ولايته حرمت محاربته. وأطال الى أن قال : واذا عمل أحدكم عملا توعد الله عليه بالنار ، فليمحه بالتوحيد ، فان التوحيد يأخذ بناصية صاحبه ، لا بد من ذلك.

هذا كلامه وفيه ما تراه من الحكم على جميع أهل التوحيد بالولاية لله عز وجل ، والبشارة للمخطئين والمجرمين منهم بالمغفرة ، والجزم بأن التوحيد يمحو الكبائر ويأخذ بناصية صاحبه. والحمد لله رب العالمين.

وقال الفاضل الرشيد في صفحة 44 من المجلد السابع عشر من مناره : ان من أعظم ما بليت به الفرق الاسلامية رمي بعضهم بعضا بالفسق والكفر مع

(2) هذا مأخوذ من حديث أخرجه الترمذي وصححه ، رواه بالاسناد الى انس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : قال الله تعالى : يابن آدم انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ، ولا أبالي. يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا بن آدم انك لو اتيتني بقراب الارض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لآتيتك بقرابها مغفرة . وهذا الحديث ذكره الفاضل النووي في أربعينه ، وهو الحديث الاخير مما انتخبه من الاحاديث الصحيحة.


36

ان قصد كل الوصول الى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة اليه ، فالمجتهد وان اخطأ معذور. وقد اطال الكلام في هذا الموضوع حتى بلغ الصفحة 50 من ذلك المجلد فراجع.

وقال المعاصر النبهاني البيروتي في أوائل كتابه شواهد الحق (3) : اعلم اني لا اعتقد ولا اقول تكفير احد من اهل القبلة ، لا الوهابية ولا غيرهم ، وكلهم مسلمون تجمعهم مع سائر المسلمين كلمة التوحيد والايمان بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما جاء به من دين الاسلام... إلى آخر كلامه.

وعقد العارف الشعراني في الجزء الثاني من اليواقيت والجواهر مبحثا مسهبا لثبوت الايمان لكل موحد يصلي الى القبلة ، وهو المبحث 58 ، قال في آخره : فقد علمت يا اخي مما قررناه لك في هذا المبحث ان جميع العلماء المتدينين امسكوا عن القول بالتكفير لأحد من أهل القبلة ( فبهداهم اقتده ) .

ونقل جماعة كثيرون منهم الشعراني في المبحث المتقدم ذكره عن ابي المحاسن الروياني وغيره من علماء بغداد قاطبة انهم كانوا يقولون : لا يكفر احد من المذاهب الاسلامية لأن رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم قال : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا واكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا .

قلت : وقد ذكرنا في الفصول السابقة جملة من النصوص في هذا المعنى ، والصحاح مشحونة به فراجع. وقد بالغ الشيخ ابو طاهر القزويني في كتابه ( سراج العقول ) باثبات الاسلام لكل فرد من اهل القبلة ، وجزم بنجا

(3) طبع هذا الكتاب وفي هامشه رسالة النبهاني ايضا في فضائل معاوية سماها البديعة في اقناع الشيعة ، وقد نقضناها بكتاب يكون بحجمها ثلاث مرات سميناه الذريعة الى نقض البديعة.


37

الجميع من كل فرق الاسلام ، واول الحديث المشهور ، اعني حديث « تفترق امتي ثلاثا وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار » بل قال انه روي في بعض طرق هذا الحديث ما نصه : « كلها في الجنة الا واحدة (4) ».

واطال في اثبات الايمان لكل مصدق بالشهادتين من أهل الأهواء والبدع كالمعتزلة والنجارية والروافض (5) والخوارج والمشبهة ونحوهم ، وحكم بنجاة الجميع يوم القيامة ، ونقل القول باسلام الجميع عن جمهور العلماء والخلفاء من أيام الصحابة الى زمنه. قال : وهم من أهل الاجابة بلاشك ، فمن سماهم كفرة فقد ظلم وتعدى... الى آخر كلامه وهو طويل نقله لي بعض مشائخي مشافهة عن سراج العقول ، وأورده الشعراني بتمامه في المبحث 58 من يواقيته نقلا عن ذلك الكتاب أيضا فراجع.

وقال ابن تيمية في أوائل رسالة الاستغاثة وهي الرسالة 12 من مجموعة الرسائل الكبرى (6) ما هذا لفظه : ثم اتفق اهل السنة والجماعة على انه صلى الله عليه وآله وسلم يشفع في أهل الكبائر ، وانه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد (7).

وقال ابن حزم حيث تكلم فيمن يكفر ولا يكفر في صفحة 247 من أواخر الجزء الثالث من كتاب الفصل في الأهواء والملل والنحل ما هذه ألفاظه :

(4) اخرجه ابن النجار ونقل الشعراني عند ايراده في المبحث 58 من اليواقيت عن العلماء ان المراد بهذه الواحدة التي هي في النار انما هي الزنادقة..

(5) هذه عبارته نقلناها بدون تصرف.

(6) في صفحة 470 من الجزء الأول.

(7) فعلى هذا تكون أهل السنة مجمعة على ان مصير الشيعة الى الجنة ، ضرورة انهم من أهل التوحيد والايمان بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.


38

وذهبت طائفة الى انه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا ، وأن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى انه الحق فانه مأجور على كل حال ، ان أصاب فأجران وان اخطأ فأجر واحد. قال : وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي ، وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة من الصحابة ( رض ) لا نعلم منهم خلافا في ذلك أصلا.

قلت : هذه الفتوى من هؤلاء الأئمة تقطع دابر المشاغبين وتنقض اساس المهولين ، لأن خصومهم من أهل القبلة لم يقولوا قولا ولم يعتقدوا أمرا إلا بعد الاجتهاد التام واستفراغ الوسع والطاقة ، وبذل الجهد في الاستنباط من الكتاب والسنة وكلام أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم ، ولم يدينوا إلا بما رأوا انه الحق واعتقدوا عين الصواب ، فيكونون بحكم هؤلاء الاعلام ( وهم أئمة السلف والخلف ) مأجورين ، وان أصابوا أو اخطأوا ، على رغم من يبتغي تكفير المؤمنين ، ويدأب مجتهدا في تفريق المسلمين.

وكان احمد بن زاهر السرخسي ( وهو أجل أصحاب الامام أبي الحسن الأشعري ) يقول : ( فيما نقله الشعراني عنه في أواخر المبحث 58 من يواقيته ) لما حضرت الشيخ أبا الحسن الاشعري الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع اصحابه ، فجمعتهم له فقال : اشهدوا علي انني لا اكفر احدا من اهل القبلة بذنب ، لأني رأيتهم كلهم يشيرون الى معبود واحد ، والاسلام يشملهم ويعمهم. هذا كلام امام السنيين وكفى به حجة تدحض أقاويل المبطلين ، وقد تواتر القول بعدم تكفير اهل الأهواء والبدع من اهل القبلة عن الامام الشافعي ، حتى قال : ( كما في خاتمة الصواعق ) اقبل شهادة اهل البدع الا الخطابية (8).

(8) الخطابية اصحاب ابي الخطاب محمد بن مقلاص الاجدع عليه


39

وقال شيخ الاسلام المخزومي ( فيما نقله الشعراني عنه في المبحث 58 من يواقيته ) : وقد نص الامام الشافعي على عدم تكفير اهل الأهواء في رسالته ، فقال : لا أكفر اهل الاهواء بذنب. قال وفي رواية عنه : ولا أكفر احدا من اهل القبلة بذنب. قال وفي رواية اخرى عنه : ولا اكفر اهل التأويل المخالف للظاهر بذنب .

واجمع الشافعية على عدم تكفير الخوارج ، واعتذروا عنهم ( كما في خاتمة الصواعق ) بأنهم تأولوا فلهم شبهة غير قطعية البطلان (9).

وعليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ، كان قبحه الله مغاليا في الصادق عليه السلام فاسد العقيدة خبيث المذهب لا ريب في كفره وكفر أصحابه ، وقد تبرأ منه الصادق عليه السلام ولعنه وأمر الشيعة بالبراءة منه وشدد القول في ذلك وبالغ في التبرء منه واللعنة عليه ، ومن أراد الوقوف على كلام الصادق عليه السلام في شأن هذا الملعون فعليه بكتاب الكشي وغيره من كتب التراجم لاصحابنا ولهذا الكافر بدع كثيرة : منها تأخير صلاة المغرب حتى تستبين النجوم ، وقد نسب الجاهلون هذه البدعة الينا ، على انا نبرأ الى الله منها وممن ابتدعها ، والذين نذهب اليه ان اول وقت صلاة المغرب غروب الشمس من جميع افق المصلي ، ويتحقق ذلك بارتفاع الحمرة المشرقية كما لا يخفى على من راجع فقهنا.

(9) هذا مع ما أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم في الجزء الرابع من صحيحه بالاسناد الى أبي سعيد الخدري من حديث ذكر فيه الخوارج فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نصلة فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في رصافة فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل احدى يديه ، أو قال : ثدييه مثل ثدي المرأة ، أو قال : مثل البضعة تدردر ، يخرجون على حين فرقة من الناس.


40

وقال العلامة ابن عابدين في باب المرتد من حاشيته الشهيرة الموسومة برد المختار ما هذا لفظه : وذكر في فتح القدير أن الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويكفرون الصحابة حكمهم عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث حكم البغاة (10) قال : وذهب بعض أهل الحديث الى أنهم مرتدون. قال قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم. قال : وهذا يقتضي نقل اجماع الفقهاء ( على عدم تكفير الخوارج ) .

هذا مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من

قال البخاري : قال ابو سعيد : اشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واشهد ان عليا قتلهم ، وانا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث واخرجه مسلم ايضا في باب ذكر الخوارج وصفاتهم في اواخر كتاب الزكاة من الجزء الاول من صحيحيه. واخرجه أحمد من حديث أبي سعيد في مسنده ورواه كافة المحدثين. واخرج مسلم في باب الخوارج شر الخلق والخليقة من كتاب الزكاة من صحيحه بالاسناد الى أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ان بعدي من امتي قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم ، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه ، هم شر الخلق والخليقة ـ الحديث.

واخرج احمد بن حنبل في صفحة 224 من الجزء الثالث من مسنده عن انس بن مالك وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : سيكون في أمتي حين اختلاف بينها وفرقة قوم يحسنون القيل ، ويسيؤن الفعل.. الى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، لا يرجعون حتى يرتدوا على فوقه ، هم شر الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، يدعون الى كتاب الله وليسوا منه في شيء ـ الحديث.

(10) يعني انهم خرجوا على سلطان المسلمين يجب قتالهم حتى يفيؤا الى طاعته ، فان بخعوا لاوامره كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

الرمية ، وانهم شر الخلق والخليقة ، وانهم ليسوا من الله في شيء وان طوبى لمن قتلهم أو قتلوه. وإذا كان هؤلاء مسلمين بالاجماع فما ظنك بمن دخل باب حطة ، وركب سفينة النجاة ، واعتصم بحبل الله ، وتمسك بثقلي رسول الله ، ودخل مدينة علمه من بابها ، ولجأ الى أمان أمته من اختلافها وعذابها. وإذا كان الخوارج مسلمين فمن غيرهم من أهل القبلة يكون كافرا ، وأي ذي نحلة من أهل الإسلام ليس له كشبهتهم.

ورأيت كلاما في هذا المعنى ناجعا لشيخ السادة الحنفية محمد أمين المعروف بابن عابدين في باب المرتد من كتاب الجهاد في صفحة 302 من الجزء الثالث من رد المحتار ، يحكم قاطعا باسلام من يتأول في سب الصحابة مصرحا بأن القول بتكفير المتأولين بذلك مخالف لاجماع الفقهاء ، مناقض لما في متونهم وشروحهم ، وأن ما وقع في كلام أهل المذهب من تكفيرهم ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون ، بل من غيرهم قال : ولا عبرة بغير الفقهاء ، والمنقول عن الفقهاء ما ذكرناه.. الى آخر كلامه ، وقد اشتمل على أدلة وافية ، وشواهد كافية ، فليطلبه من أراده ، وله كلام آخر في هذا المعنى أبسط مما أشرنا اليه ، نلفت الطالبين له الى كتابه تنبيه الولاة والحكام. على أن ما في رد المحتار مقنع لأُولي الأبصار.

وقد ألف العلامة الكبير الملا علي القاري الحنفي رسالة في الرد على من يكفر المتأولين بذلك ، كما نص عليه ابن عابدين فيما تقدمت اليه الاشارة من كلامه.

وقال ابن حزم في صفحة 257 من أواخر الجزء الثالث من فصله ما هذا لفظه : وأما من سبّ أحدا من الصحابة رضي الله عنهم فان كان جاهلا فمعذور وان قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق ، وان عاند الله تعالى في ذلك ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر. قال : وقد


42

قال عمر رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن حاطب ـ وحاطب مهاجري بدري ـ : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا ، بل كان مخطئا متأولا .

قلت : لا يخفى انه جعل الملاك في التكفير إنما هو العناد لله ورسوله ، وهذا لا وجود له فيمن ينتحل دين الاسلام. نعم قد يكون الساب ( والعياذ بالله ) جاهلا أو ذا شبهة أوردته ذلك المورد ، فيكون معذورا.

ويدل على عدم كفر المسلم به اطلاق الأحاديث التي سمعتها في كل من الثاني والثالث والرابع والخامس من هذه الفصول فرجع.

وأيضا يدل على عدم الكفر مضافا الى ذلك ما أورده القاضي عياض في الباب الأول من القسم الرابع من كتاب الشفا نقلا عن القاضي اسماعيل وغير واحد من الأئمة أن رجلا سب أبا بكر بمحضر منه رضي الله عنه ، فقال له أبو برزة الأسلمي : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال : اجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (11).

وفي ذلك الباب من الشفا أيضا ان عامل عمر بن عبد العزيز بالكوفة استشاره في قتل رجل سب عمر رضي الله عنه ، فكتب اليه : لا يحل قتل امرء مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن سبه فقد حل دمه .

قلت : أفضى بنا الكلام الى ما هو غير مقصود بالذات ، وليس الغرض إلا

(11) وروى النسائي بالاسناد الى أبي برزة الاسلمي قال : أتيت ابا بكر وقد أغلظ لرجل فرد عليه ، فقلت : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال : اجلس فليس ذلك لاحد الا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


43

تأليف المسلمين وإعلامهم بأنهم اخوان في الدين ، ولا نرتاب في ان سب رجل من عرض المؤمنين ـ فضلا عن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ـ موبقة وفسق ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سباب المسلم فسق وقتاله كفر.

ولنرجع الى ما كنا فيه فنقول : نقل علي بن حزم الظاهري عن الأشاعرة ما لا يتسنى معه القول بتكفير أحد أصلا ، وإليك عبارته بحروفها ، قال في أثناء شنع المرجئة في ص 206 من الجزء الرابع من فصله : وأما الأشعرية فقالوا : إن شتم من أظهر الإسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم ، وإعلان التكذيب لهما باللسان بلا تقية ولا حكاية ، والاقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفرا .

وفي صفحة 204 من الجزء الرابع من الفصل ايضا : نسب الى الامام أبي الحسن الأشعري وجميع أصحابه القول بأن الايمان عقد بالقلب ، وأن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية ، وعبد الاوثان أو لزم اليهودية او النصرانية في دار الاسلام ، وعبد الصليث واعلن التثليث في دار الاسلام ، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الايمان عند الله عز وجل من أهل الجنة .

ولا يخفى انه إذا ثبت هذا عن الامام الأشعري وأصحابه ـ وهم جميع اخواننا السنيين في هذه الاعصر ـ هان الأمر في مسألتنا ، إذ لا يمكنهم حينئذ تكفير من يجاهرهم بصريح الكفر ، فكيف يتسنى لهم تكفير من انطوى ضيمره على تقديس الله عز وجل ، وانعقد قلبه على تنزيهه ، ونبضت شرايينه بتسبيحه ، ونبت لحمه واشتد عظمه على توحيده ، وخالط الايمان مخه ودمه وامتزج بجميع عناصره ، فشهد به لسانه ، وبخعت له أركانه ، واعترفت به حركاته ، وأقرت به سكناته ، مؤمنا برسوله ، موقنا بجميع ما جاء به من عند الله عز وجل ، يحيي ما أحياه الكتاب والسنة ، ويميت ما أماتاه ، لكن


44

منينا بقوم همهم تفريق المسلمين ودأبهم بث العداوة بين الموحدين ( وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ).

وعن الأوزاعي : والله لئن نشرت لا أقول بتكفير أحد من أهل الشهادتين.

وعن ابن سيرين : أهل القبلة كلهم ناجون.

وسئل الحسن البصري عن أهل الأهواء ؟ فقال : جميع أهل التوحيد من أمة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يدخلون الجنة البتة.

وسئل الزهري عمن لابس الفتن وقاتل فيها ؟ فقال : القاتل والمقتول في الجنة ، لانهم من أهل لا إله إلا الله.

وعن سفيان الثوري : لاثل عداوة موحد وإن مال به الهوى عن الحق لأنه لا يهلك بذلك.

وعن سعيد بن المسيب : لا تعاد منتحلا لدين الاسلام وان أخطأ ، فكل مسلم مغفور له.

وعن ابن عيينة : لأن تأكل السباع لحمي أحب إليّ من أن ألقى الله تعالى بعداوة من يدين له بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة.

قلت : أي حكمة في عداوته الا اعلانه فيما يسيئك ومجاهرته فيما يخالفك ، وحرية بالمذاهب والأديان تخول ذلك ، ولو تحببت اليه ثم ناظرته فعسى ان يتبين له صوابك فيتبعك ، أو يريك الحق فتوافقه. على أنه ما صار الى خلافك عنادا للحق ، أو رغبة في الباطل ، ضرورة ان ذلك لا يفعله ـ في مقام التقرب الى الله تعالى ـ عاقل.

أجل سيق قسرا الى مخالفتك في بعض ما تتبره من الفروع بسياط الأدلة


45

القاطعة ، ومقارع الحجج الساطعة ، وهبها شبها ( كما تزعم ) لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه ( لأنها مع كونها من الكتاب والسنة ) افادته افادة القطع بما قادته اليه ، فإن كان مصيبا فله أجران وإلا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول ( في غير اصول الدين ) وإن أخطأ كما تشهد به أخبارهم وتفصح عنه أسفارهم وتعلنه أفعالهم وأقوالهم.


46

الفصل السابع في بشائر السنة للشيعــة ، وهي صحاح

متظافرة من طريق العترة الطاهرة ، وإليك

منها ما أخرجه محدثـوا أهــل السنــة

بأسانيدهم وطرقهم.

روى الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس ـ كما في صفحة 96 من الصواعق المحرقة لابن حجر (1) ـ انه قال : لما أنزل الله تعالى «﴿ ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنهم ذلك لمن خشي ربه » قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : وهم أنت وشيعتك ، وتأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوك غضابى مقمحين.

واخرج الحاكم في شواهد التنزيل عن ابن عباس أيضا : قال نزلت هذه الآية «﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية » في علي وأهل البيت ، وعدها ابن حجر في الفصل الأول من الباب 11 من صواعقه في جملة

(1) راجع النسخة المطبوعة بالمطبعة الميمنية بمصر سنة 1324 هـ ، وكل ما ننقله عن الصواعق فانما ننقله عن هذه النسخة.


47

الآيات النازلة فيهم عليهم السلام ـ فراجع الآية الحادية عشرة من الآيات التي أوردناها هناك (2).

واخرج الحاكم في كتابه شواهد التنزيل بالاسناد الى علي قال : قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانا مسنده الى صدري ، فقال : يا علي ألم تسمع قول الله تعالى «﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية » هم شيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض ، يُدعَون غرا محجلين.

واخرج الديلمي ـ كما في ص 96 من الصواعق المحرقة ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي إن الله قد غفر لك ولولدك ولذريتك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك ، فابشر فإنك الأنزع البطين.

وأخرج الطبراني وغير واحد من المحدثين ان عليا اتي يوم البصرة بذهب وفضة ، فقال : أبيضاء وصفراء غري غيري ، غري أهل الشام غدا إذا ظهروا عليك ، فشق قوله هذا على الناس فذكر ذلك له ، فاذن في الناس فدخلوا عليه ، فقال : ان خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليه عدوك غضابى مقمحين. قال : ثم جمع علي يده الى عنقه يريهم الاقماح .

وقد أورد ابن حجر هذا الحديث في صفحة 92 من صواعقه وعلق عليه كلاما يضحك الثكلى ، ونحن نأخذ بما روى ونعرض عما رأى.

واخرج الطبراني ـ كما في صفحة 96 من الصواعق أيضا ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : اول اربعة يدخلون الجنة انا وانت والحسن والحسين ، وذريتنا خلف ظهورنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا.

(2) في صفحة 96 من الصواعق.


48

واخرج احمد بن حنبل في المناقب ـ كما في صفحة 96 من الصواعق أيضا ـ ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي : اما ترضى انك معي في الجنة والحسن والحسين وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا.

واخرج الحاكم ـ كما في تفسير آية المودة في القربى من مجمع البيان ـ بالاسناد الى ابي الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن الله تعالى خلق الأنبياء من اشجار شتى ، وخلقت انا وعلي من شجرة واحدة ، فأنا اصلها وعلي فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمارها واشياعنا اوراقها ، فمن تعلق بغصن من اغصانها نجا ، ومن زاغ عنها هوى ، ولو ان عبدا عبدالله الف عام ثم الف عام ثم الف عام حتى يصير كالشن البالي وهو لا يحبنا كبّه الله على منخريه في النار ، ثم تلا : «﴿ قل لا اسألكم عليه اجرا إلا المودة في القربى ».

تنبيه :

لا يخفى ان شيعة علي وأهل البيت هم أتباعهم في الدين وأشياعهم من المسلمين ، ونحن والحمد لله قد انقطعنا اليهم في فروع الدين وعقائده وأصول الفقه وقواعده وعلوم السنة والكتاب وفنون الاخلاق والسلوك والآداب بخوعا لامامتهم واقراراً بولايتهم ، وقد والينا أوليائهم وجانبنا أعداءهم ، عملا بقواعد المحبة وطبقا لاصول الاخلاق في المودة ، فكنا بذلك لهم شيعة وكانوا لنا وسيلة وذريعة. والحمد لله على هدايته لدينه والتوفيق لما دعا اليه الرسول من التمسك بثقليه والاعتصام بحبليه ودخول مدينة علمه من بابها ، باب حطة وأمان أهل الأرض وسفينة نجاة هذه الأمة ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

واخرج ابن سعد ( كما في صفحة 91 من الصواعق ) عن علي : اخبرني


49

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان اول من يدخل الجنة انا وفاطمة والحسن والحسين. قلت يا رسول الله فمحبونا ؟ قال : من ورائكم.

وأخرج الديلمي ( كما في الصواعق ايضا ) مرفوعا : إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار (1).

واخرج ابن حنبل والترمذي ( كما في صفحة 91 من الصواعق ) انه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد الحسنين وقال : من أحبني واحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة (2).

واخرج الثعلبي في تفسيره الكبير بالاسناد الى جرير بن عبدالله البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من مات على حب آل محمد (3) مات

(1) واخرج النسائي نحوه كما في صفحة 96 من الصواعق.

(2) وأخرجه ايضا أبو داوود ( كما في صفحة 103 من الصواعق ) وزاد فيه : « ومات متبعا لسنتي » ، وبها يعلم ان اتباع سنته لا يكون الا بمحبتهم (عليهم السلام ).

(3) المراد من آل محمد في هذا الحديث ونحوه مجموعهم من حيث المجموع ، باعتبار ائمتهم الذين هم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأوصياؤه. ووارثوا حكمه وأولياؤه ، وهم الثقل الذي قرنه بالقرأن ونص على انهما لا يفترقان ، فلا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي من تخلى عنهما ، وليس المراد هنا من الآل جميعهم على سبيل الاستغراق والشمول لكل فرد فرد ، لان هذه المرتبة السامية ليست الا لأولياء الله القوامين بأمره ، لخاصة بحكم الصحاح المتواترة من طريق العترة الطاهرة.

نعم تجب محبة جميع أهل بيته وذريته كافة لتفرعهم من شجرته الطاهرة صلى الله عليه وآله وسلم ، وبذلك تحصل الزلفى لله تعالى والشفاعة من جدهم بأبي هو وأمي ، وكنت أوصيت اولادي ان يكتبوا هذا الحديث على كفني بعد الشهادتين لألقى الله تعالى بذلك ، والآن اكرر وصيتي هذه اليهم ولتكن الكتابة على العمامة.


50

شهيدا ، الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا له ، الا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا ، الا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان ، الا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، الا ومن مات على حب آل محمد يزف الى الجنة كما تزف العروس الى بيت زوجها ، الا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان الى الجنة ، الا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، الا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة ، الا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ـ الحديث.

وقد ارسله الزمخشري في تفسير آية المودة في القربى من سورة الشورى من كشافه ارسال المسلمات ، ورواه المؤلفون في المناقب والفضائل مرسلا مرة ومسندا تارات. وانت تعلم ان هذه المنزلة السامية إنما ثبتت لهم لأنهم حجج الله البالغة ، ومناهل ، شرائعه السائغة وأمناؤه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على وحيه ، وسفراؤه في أمره ونهيه ، فالمحب لهم بسبب ذلك محب لله والمبغض لهم مبغض لله. ومن هنا قال فيهم الفرزدق.

من معشر حبهم دين وبغضهم
كفــر وقربهــم منجى ومعتصم
إن عُد أهل التقى كانوا أئمتهم
أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

واخرج احمد « كما في أواخر الفصل الثاني من الباب 9 من الصواعق (4) » عن علي قال : طلبني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجدني في حائط فقال : قم والله لأرضينك ، أنت اخي وابو ولدي تقاتل على سنتي ، من مات على عهدي فهو في كنز الجنة ومن مات على عهدك فقد قضى نحبه ، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والايمان ما طلعت شمس أوغربت.

(4) صفحة 75.


51

وأورد ابن حجر في اوائل المقصد الثاني من المقاصد التي ذكرها في آية المودة في القربى من صواعقه حديثا هذا لفظه (5) ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج على أصحابه ذات يوم ووجهه مشرق كدائرة القمر ، فساله عبدالرحمن بن عوف عن ذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم : بشارة اتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي ، بأن الله زوّج عليا من فاطمة ، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاقا ـ يعني صكوكا ـ بعدد محبي أهل بيتي ، وأنشأ تحتها ملائكة من نور دفع الى كل ملك صكا ، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت اليه صكا فيه فكاكا من النار ، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكّاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار والأخبار في هذا لا يحتملها هذا الاملاء ، وفي هذا القدر كفاية لمن كانت لله تعالى فيه عناية.

فعسى أن يعرف الشيعي بعد هذا ان أهل السنة قد انصفوا واعترفوا ، وعسى أن يعرف السني ان لا وجه بعد هذه المبشرات لشيء من الضغائن أو الهناة. والسلام على من اتبع السنن وجانب الفتن ورحمة الله وبركاته.

(5) راجعه في صفحة 103 من الصواعق ورواه غير واحد ممن كتب في المناقب والفضائل.


52

الفصل الثامن نضمنه طائفة ممن تأولوا من السلف

فخالفوا الجمهور ولم يقدح ذلك في

عدالتهم.

وغرضنا الذي نرمي اليه إنما هو إيضاح معذرة المتأولين من المسلمين ، وذلك انك إذا رأيت صالح سلفك ومن اخذت عنه دينك واتخذته واسطة بينك وبين نبيك صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخالفك مجتهدا وينحو غير نحوك متأولا فلا جرم انك تقطع حينئذ بمعذرة من يتأول من معاصريك نحو تأوله أو يخالفك مثل خلافه.

وانا أرجوا ممن خدمتهم من إخواني المسلمين بهذه الرسالة أن ينظروا بعين الانصاف هل كان بين الله عز وجل وبين أحد من الناس قرابة فيحابيه ؟ كلا ! ما كان الله ليعاقب قوما بأمر يثيب به آخرين ، وإن حكمه في الأولين والآخرين لواحد ، وما بين الله تعالى وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين.

إن المتأولين بما يخالف الجمهور من الصحابة والتابعين وتابعيهم كثيرون لا يسعنا استقصاؤهم وإنما نذكر منهم ما يحصل به الغرض :


53

هذا أبو ثابت سعد بن عبادة العقبي البدري سيد الخزرج ونقيبهم وجواد الانصار وعظيمهم ، تخلف عن بيعة الخليفتين ، وخرج مغاضبا الى الشام فقتل غيلة بحوران سنه 15 للهجرة ، وله كلام يوم السقيفة وبعده نلفت الطالبين له الى كتاب الامامة والسياسة لابن قتيبة أو الى تاريخ الطبري أو كامل ابن الأثير أو غيرها من كتب السير والأخبار ، فاني لا اظنه يخلو من كتاب يشتمل على ذكر السقيفة ، وكل من ذكر سعدا من أهل التراجم ذكر تخلفه عن البيعة ، ومع ذلك لم يرتابوا في كونه من أفضل المسلمين وعدول المؤمنين ، وما ذاك إلا لكونه متأولا ، فهو معذور عندهم وان كان مخطئا.

وهذا حباب بن المنذر بن الجموح الانصاري البدري الاحدي ، تخلف عن البيعة أيضا كما هو معلوم بحكم الضرورة من تاريخ السلف ، فلم يقدح ذلك في عدالته ولا انقص من فضله ، وهوالقائل : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب (1) انا أبو شبل في عرينة الأسد ، والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة. وله كلام آخر رأينا الاعراض عنه أولى ، ولولا معذرة المتأولين ما كان أهل السنة ليقطعوا بأن هذا الرجل من أفاضل أهل الجنة ، ومع مكاشفته للخليفتين بما هو مبسوط في كتب الفريقين.

وهذا أمير المؤمنين عليه السلام ، وعمه العباس وبنوه ، وعتبة بن أبي لهب ، وسائر بني هاشم ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمار ، والزبير ، وخزيمة بن ثابت ، واُبي بن كعب ، وفروة بن عمرو بن ودقة الانصاري ، وخالد ابن سعد بن العاص ، والبراء بن عازب ، ونفر غيرهم تخلفوا عن البيعة أيضا بحكم ما تواتر من الأخبار واتضح اتضاح الشمس في رائعة النهار ، وقد نص الشيخان

(1) الجذيل مصغر جذل : عود ينصب للجرباء لتحتك به. والعذيق مصغر عذق : قنو النخلة. والمرجب : المبجل ، والتصغير هنا للتعظيم.


54

البخاري ومسلم في صحيحيهما (2) على تخلف علي عن البيعة حتى لحقت سيدة النساء بأبيها صلى الله عليه وآله وسلم وانصرفت عنه وجوه الناس.

وصرح بتخلفه المؤرخون كابن جرير الطبري في موضعين من احداث السنة الحادية عشرة من تاريخه المشهور ، وابن عبد ربه المالكي في حديث السقيفة من الجزء الثاني من العقد الفريد (3) وابن قتيبة في أوائل كتابه الامامة والسياسة وابن الشحنة حيث ذكر بيعة السقيفة في كتابه « روضة المناظر » (4) وأبي الفداء حيث اتى على ذكر أخبار أبي بكر وخلافته في تاريخه الموسوم بالمختصر اخبار البشر ونقله المسعودي في مروج الذهب عن عروة بن الزبير في مقام الاعتذار عن أخيه عبدالله (5) إذ هم بتحريق بيوت بني هاشم عليهم حين تخلفوا عن بيعته ، ورواه الشهرستاني عن النظام عند ذكره للفرقة النظامية في كتابه

(2) راجع أواخر باب غزوة خيبر في صفحة 36 من الجزء الثالث من صحيح البخاري المطبوع في مصر سنة 1309 وفي هامشه تعليقة السدي ، أو باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نورث ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد والسير من صحيح مسلم في صفحة 72 من الجزء الثاني طبع مصر سنة 1327 تجد التصريح بتخلفه عن البيعة مسندا الى ام المؤمنين عائشة ( رض ).

(3) في ص 197 من النسخة المطبوعة في مصر سنة 1305 وفي هامشها زهر الآداب.

(4) هذا الكتاب ومروج الذهب مطبوعان في الهامش من كامل ابن الأثير ، أما مروج الذهب فمطبوع مع الخمس الاول من مجلدات الكامل ، وهذا الكتاب ـ أعني تاريخ ابن الشحنة ـ في هامش المجلد الأخير المشتمل على جزء 11 وجزء 12 ، وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 112 من الجزء الحادي عشر فراجع.

(5) عرفت ان مروج الذهب مطبوع في هامش ابن الاثير ، وما نقلناه الآن عنه موجود في آخر صفحة 259 من الجزء السادس فراجع.


55

الملل والنحل ، وأورده ابن ابي الحديد المعتزلي الحنفي في اوائل الجزء السادس من شرح النهج (6) ، ونقله العلامة في نهج الصدق عن كتاب المحاسن وانفاس الجواهر وغرر ابن خزابة وغيرها من الكتب المعتبرة ، وأفرد أبو مخنف لبيعة السقيفة كتابا على حدة فيه تفصيل ما أجملناه من تخلف علي عن البيعة وعدم اقراره لهم بالطاعة.

وهذا من أدل الأمور على معذرة المتأولين ، ومن يجتريء على أخي النبي ووليه ووارثه ووصيه ( وانه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم ) فيقول إنه كان حينئذ عاصيا لله سبحانه ، وهو أول من آمن به وأطاعه من هذه الامة ، أو يقول انه كان مخالفا للسنة ، وهو قيمها ووارثها وصاحب العناء بتأييدها ، وقد انتهى اليه ميراثها ، أو يزعم ابمه كان مفارقا لشقيقه القرآن وقد نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على انهما لا يفترقان (7) او يتوهم انه كان مجانب للصواب ، وقد اذهب عنه الرجس وطهره نص الكتاب ، أو يقول انه كان متنكبا عن الحق ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار » او يقول انه قعد به الجهل بحكم هذه البيعة ، وهو اقضى الأمة وباب مدينة العلم ( ومن عنده علم الكتاب ).

وهذا ابو سفيان صخر بن حرب تخلف عن البيعة أيضا وهو القائل يومئذ (8) اني أرى غبرة لا يطفئها إلا دم ، وجعل يطوف في أزقة المدينة ويقول :

(6) في اوائل الصفحة الخامسة من المجلد الثاني من الشرح طبع مصر.

(7) أخرج الطبراني في الاوسط « كما في الفصل الثاني من الباب التاسع من الصواعق صفحة 74 » عن ام سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض.

(8) هذا وما بعده حتى البيتان موجود في حديث السقيفة من العقد الفريد فراجع.


56

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم
ولا سيما تيم بن مرة أو عـدي
فما الامــر فيكــم واليكـم
وليس لهــا إلا أبو حسن علي

وقال (9) فما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ، ثم قال لعلي : ابسط يديك أبايعك ، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجلا ، فأبى أمير المؤمنين عليه السلام ، فتمثل بقول المتلمس :

ولن يقيم على خسـف يراد بـه
إلا الاذلان عيـر الحـي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته
وذا يشـج فلا يبكـي لـه أحـد

هذا بعض ما كان منه يومئذ ، ونحن ( الامامية ) لا نحمل فعله هذا إلا على إرادة الفتنة ، وشق عصا المسلمين ، ولذا زجره أمير المؤمنين عليه السلام وقال له (10) والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وانك والله طالما بغيت للاسلام شرا.

وإنما ذكرناه في عداد المتأولين مجاراة لمن يحمل أفعاله على الصحة ، لتتم حجتنا عليهم به في معذرة المتأولين ، ضرورة انه لا يمكن أن يكون معذورا عندهم في هذا التخلف إلا بناء على ذلك الأصل.

وهذه سيدة نساء العالمين ، وبضعة خاتم النبيين والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، قد علم الناس ما كان بينها وبين أبي بكر إذ هجرته فلم تكلمه حتى ماتت ودفنها أمير المؤمنين ليلا ، ولم يؤذن بها إلا نفرا من شيعته لئلا يصلي

(9) هذا وما بعده حتى البيتان الاخيران موجود في حديث السقيفة من كامل ابن الاثير.

(10) نقلناه عن كامل ابن الاثير.


57

عليها غيرهم ، وهذا من المسلمات اخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (11) ورواه الامام احمد من حديث أبي بكر في آواخر صفحة 6 من الجزء الأول من مسنده ، وذكره أهل الأخبار ، ونص عليه ارباب السير ، وحسبك من ذلك ما اودعه الامام ابن قتيبة كتابه في كتابه الامامة والسياسة ونقله العلامة المعتزلي عن ثقاة المؤرخين في شرحه لنهج البلاغة.

ولها خطبتان تفرغ فيهما عن لسان أبيها صلى الله عليه وآله وسلم ، احداهما في ميراثها والثانية في امر الخلافة ، أوردهما احمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتابه والعلامة المعتزلي في الجزء 16 من شرح النهج (12) واليكهما في كتاب بلاغات النساء (13) والاحتجاج والبحار وغيرها من كتب الفريقين ، لتكون على يقين من معذرة المتاولين.

وهذا ابو سليمان خالد بن الوليد المخزومي ، قتل يوم البطاح مالك بن نويرة ابن حمزة بن شداد بن عبد بن ثعلبة بن يربوع التميمي ، ونكح زوجته أم تميم بنت المنهال وكانت من اجمل النساء ، ثم رجع الى المدينة وقد غرز في عمامته اسهما فقام اليه عمر (رض) فنزعها وحطمها ، وقال له ( كما في تاريخ ابن الأثير وغيره ) قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته ، والله لأرجمنك بأحجارك. ثم قال لأبي بكر ( كما في ترجمة ثمية بن موسى من وفيات ابن خلكان ) إن خالدا

(11) راجع أواخر باب غزوة خيبر في صفحة 36 من الجزء 3 من صحيح البخاري أول كتاب الفرائض في صفحة 105 من الجزء الرابع من صحيحه ايضا أو باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نورث ما تركنا فهو صدقة من كتاب الجهاد في صفحة 72 من الجزء 2 من صحيح مسلم.

(12) اما الاولى فموجودة في صفحة 79 والثانية في صفحة 87 من المجلد الرابع من شرح النهج طبع مصر.

(13) لمؤلفه أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المتوفى سنة 280 فراجع منه صفحة 16 و 23.


58

قد زنى فارجمه. قال : ما كنت لأرجمه ، فانه تأول فاخطأ. قال : إنه قتل مسلما فاقتله به. قال : ما كنت لاقتله به ، إنه تأول فأخطأ. فلما أكثر عليه قال : ما كنت لأشيتم سيفا سلّه الله تعالى ، وودى مالكا من بيت المال وفك الأسرى والسبايا من آله. وهذه واقعة من المسلمات ، لا ريب في صدورها من خالد (14) وقد ذكرها محمد بن جرير الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله ، ووثيمة بن موسى بن الفرات والواقدي في كتابيهما ، وسيف بن عمر في كتاب الردة والفتوح ، والزبير بن بكار في الموفقيات ، وثابت بن قاسم في الدلائل ، وابن حجر العسقلاني في ترجمة مالك من إصابته ، وابن الشحنة في روضة المناظر ، وأبو الفداء في المختصر ، وخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين ،

(14) وله واقعة اخرى ايام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك انه بعثه الى بني جذيمة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ، وكانت جذيمة قتلت في الجاهلية عمه الفاكه بن المغيرة ، فلما ورد عليهم قال لهم : ضعوا سلاحكم فان الناس قد اسلموا ، فوضعوا سلاحهم فأمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف وقتل منهم مقتلة عظيمة ، فلما انتهى الخبر الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع يده الى السماء فقال « كما في باب بعث خالد بن الوليد الى جذيمة من كتاب المغازي من صحيح البخاري في صفحة 47 من جزئه الثالث » : اللهم اني ابرأ اليك مما صنع خالد ـ مرتين.

ثم أرسل عليا « كما في كامل ابن الاثير وغيره » ومعه مال ، وأمره ان ينظر في أمرهم فودى لهم الدماء والاموال حتى انه ودى ميلغة الكلب ، وبقي معه من المال فضلة ، فقال لهم : هل بقي لكم مال أو دم لم يود ؟ قالوا : لا. قال : فاني أعطيكم هذه البقية احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففعل ثم رجع فاخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال اصبت واحسنت.

هذا ما نقله جميع المؤرخين وكل من ترجم خالدا ، حتى قال ابن عبد البر بعد ان ذكر هذا الخبر عنه في ترجمته من الاستيعاب ، ما هذا لفظه : وخبره في ذلك من صحيح الاثر .


59

والكل ذكروا اعتذار أبي بكر عن خالد بأنه تأول فأخطأ.

وإذا كان ابو بكر أو من نص على معذرة المتأولين ، فمن ذا يرتاب في ذلك من جمهور المسلمين.

وليت شعري متى كان التأول في الفروع شيئا نكرا أم كيف لا يكون عند الله والمؤمنين عذرا ، وقد تأول السلف كثيرا من ظواهر الأدلة لأمور ظنوا فيها صلاح الملة ، فبخع لتأولهم جمهور المسلمين ، وانقطع اليهم في كل ما يتعلق بالدين ، تقديسا لتأولهم واجتهادهم وتنزيها لغرضهم ومرادهم ، واليك مضافا الى ما تلوناه تلميحا الى بعض تأويلهم وإشارة الى اليسير من اجتهاداتهم ، وذكر ذلك مختصرا في العبارة والحر تكفيه الاشارة.

فمنها تأولهم في الطلاق الثلاث وحكمهم فيه بخلاف ما كان عليه زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر كما هو مقرر معلوم.

ففي باب طلاق الثلاث من كتاب الطلاق من صحيح مسلم في صفحة 574 من جزئه الأول عن ابن عباس بطرق مختلفة قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. قال : فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضينا عليهم. قال : فأمضاه عليهم .

ونقله قاسم بك أمين في صفحة 173 من كتابه « تحرير المرأة » عن صحيح البخاري ونقله الفاضل الرشيد في صفحة 210 من المجلد الرابع من مناره عن أبي داوود والنسائي والحاكم والبيهقي ثم قال ما هذا لفظه : ومن قضاء النبي بخلافه ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس (15) قال : طلق ركانة امرأته ثلاثا

(15) وذكره ابن اسحاق في صفحة 191 من الجزء 2.


60

في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا ، فساله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثا. قال في مجلس واحد ؟ قال : نعم. قال : فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت .

قلت : وهذا مذهبنا في المسألة ، ويدل عليه مضافا الى ما سمعت (16) وكونه مقتضى الأصل قوله تعالى «﴿ الطلاق » الذي تحل المطلقة من بعده إنما هو «﴿ مرتان » فإن طلقها مرتين فالواجب عليه بعد ذلك ما أشار إليه سبحانه بقوله « فامساك » بعد التطليقتين المتفرقتين «﴿ بمعروف أو تسريح » حينئذ «﴿ باحسان » الى أن قال عز اسمه: « ﴿فإن طلقها » أي مرة ثالثة بعد المرتين المتفرقتين «﴿ فلا تحل له من بعد » ذلك التطليق الثالث «﴿ حتى تنكح زوجا غيره ».

وعلى هذا فلو قال لزوجته « أنت طالق ثلاثا » ولم يكن طلقها من قبل أصلا ، أو كان قد طلقها مرة واحدة فلا مانع لهما ان يتراجعا وان لم ينكحها غيره ، لأن المنفي في الولاية إنما هو حل ارجاعها من بعد التطليق الثالث المسبوق بتطليقتين كما لا يخفى. بيد أن أبا حفص (رض) تأول الآية وسائر

(16) ويدل عليه ايضا ما نقله قاسم بك امين في صفحة 172 من كتابه تحرير المرأة عن النسائي والقرطبي والزيلعي بالاسناد الى ابن عباس قال : اخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل طلق امراته ثالثا جمعا ، فقام غضبان ثم قال أتلعبون بكتاب الله وانا بين أظهركم ، قلت : وفي تفسير سورة الطلاق من الكشاف نحوه ، وربما قيل ان هذا الحديث دال على فساد الطلاق الثلاث بالمرة لكونه لعبا ، وبذلك قال سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين ، لكن الحق ان اللعب انما هو في قوله ثلاثا فيلغى واما قوله انت طالق فيؤثر اثره اذا لا لعب فيه كما هو واضح.


61

ادلة المسألة (17) عقوبة للمستعجلين وردعا لأهل الطيش والجاهلين ، وهذا كاف لك في معذرة المتأولين. فتدبر ولا تكن من الغافلين.

ومنها تأولهم في متعة الحج ومتعة النساء وحكمهم فيهما بخلاف ما كانتا عليه ايام النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هو مقرر معلوم ، وبيان ذلك على التفصيل يستوجب مباحث :

(17) وفي الصفحة 212 من المجلد 4 من المنار تصريح بأن عمر قد اجتهد في هذه المسألة.

« المبحث الأول »

في أصل مشروعيتهما

اعلم ان هذا المقدار باجماع المسلمين ، وبكل من الكتاب والسنة :

أما الاجماع فلأن أهل القبلة كافة متفقون على أن الله تعالى قد شرع هاتين المتعتين في دين الاسلام ، وأهل التوحيد من هذه الأمة قاطبة متصافقون على ذلك ، بحيث لا ريب فيه لأحد من المتقدمين والمتأخرين من كافة المسلمين ، بل لعل ذلك ملحق لدى أهل العلم بالضروريات الثابتة عن سيد النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينكره أحد من المذاهب الاسلامية مطلقا.

وأما الكتاب العزيز ففيه آيتان محكمتان : إحداهما في تشريع متعة الحج والأخرى في تشريع متعة النساء (1).

(1) متعة النساء ( التي هي موضع الخلاف بين الشيعة والسنة ) ان تزوجك المرأة نفسها حيث لا يكون لك مانع في دين الاسلام عن نكاحها من نسب أو سبب أو رضاع أو احصان عدة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ، ككونها منكوحة لأبيك ، أو كونها اختا لزوجتك ، أو غير ذلك ـ تزوجك نفسها بمهر معلوم الى أجل مسمى ، بعقد نكاح جامع لشرائط الصحة ‌


64

أما آية متعة الحج فهي قوله تعالى : « فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر

الاسلامية ، فتقول لك بعد الاتفاق والتراضي : « زوجتك ، أو انكحتك ، أو متعتك نفسي ، بمهر قدره كذا يوما أو شهرا أو سنة أو تذكر مدة اخرى معينة على الضبط. فتقول أنت لها على الفور : « قبلت ». وتجوز الوكالة في هذا العقد كغيره من العقود ، وبتمامه تكون زوجة لك ، وانت تكون زوجا لها الى منتهى الاجل المسمى في العقد ، وبمجرد انتهائه تبين من غير طلاق كالاجارة ، وللزوج فراقها قبل انتهائه بهبة المدة المعينة لا بالطلاق عملا بالنصوص الخاصة الدالة على ذلك ، ويجب عليه مع الدخول وعدم بلوغها سن اليأس ان تعتد بعد هبة المدة أو انقضائها بقرءين اذا كانت ممن تحيض والا فبخسمة وأربعين يوما كالامة عملا بالادلة الخاصة ايضا ، فاذا وهبها المدة أو انقضت قبل ان يمسها فماله عليها من عدة كالمطلقة قبل الدخول.

وولد المتعة ذكرا كان أو انثى يلحق كغيره من الابناء بأبيه ، فانه اشرف الابوين ، ولا يدعى الا له عملا بقوله تعالى «﴿ أدعوهم لآبائهم » ، وله من الارث ما أوصى به الله سبحانه حيث يقول : «﴿ يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين » ولا فرق ( عند مبيحي المتعة ) بين ولديك المولود أحدهما منها والآخر من النكاح المألوف بين عامة المسلمين ، وجميع العمومات الواردة في الاخوة والاخوات وابنائهما والاعمام والعمات والاخوال والخالات وابنائهم «﴿ وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض » مطلقا.

نعم عقد نكاح المتعة لا يوجب توارثا بين الزوجين المتمتعين ولا ليلة ولا نفقة للمتمتع بها ، وللزوج ان يعزل عنها عملا بالادلة الخاصة المخصصة للعمومات الواردة في أحكام الزوجات.

هذه هي متعة النساء التي فهم الامامية من الكتاب والسنة دوام اباحتها ، وأهل المذاهب الاربعة قالوا بتحريمها مع اعترافهم بأن الله تعالى شرعها في دين الاسلام ، وليس عندنا متعة نساء غيرها بحكم الضرورة الاولية من مذهبنا المدون في الوف منن مصنفات علمائنا المنتشرة بفضل الطبع في اكثر بلاد الاسلام ، لكن محمود شكري الالوسي غفر الله له لفق رسالة


65

من الهدي » الى قوله عز اسمه : «﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام » إذ لا خلاف بين المسلمين في نزولها في متعة الحج كما لا يخفى.

أما آية متعة النساء فهي قوله تعالى : « فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استمتعتم

بذيئة شحنها بافكه الواضح وبهتانه الفاضح ، وقد وقفت عليه في الجزء 6 من المجلد 269 من المنار فاذا هي كذب وسباب وتنابز بالالقاب نعوذ بالله السميع العليم من الافاك الاثيم ، اذ يقول غير متأثم : ان عند الشيعة متعة اخرى يسمونها المتعة الدورية ويروون في فضلها ما يروون ، هي ان يتمتع جماعة بامرأة واحدة فتقول لهم من الصبح الى الضحى في متعة هذا ومن الضحى الى الظهر في متعة هذا ومن الظهر الى العصر في متعة هذا ومن العصر الى المغرب في متعة هذا ومن المغرب الى العشاء في متعة هذا ومن العشاء الى منتصف الليل في متعة هذا ومن منتصف الليل الى الصبح في متعة هذا... الى آخر بهتانه المبين فراجعه في صفحة 41. من المجلد 29 من المنار.

وليت المنار سأل هذا المرجف المجحف فقال له : من الذي سماها من الشيعة بهذا الاسم وأي راو منهم روى في فضلها شيئا أو اتى رواياته على ذكرها ، وما تلك الروايات التي زعمت انهم رووها في فضلها ، ومن أخرج تلك الروايات من محدثيهم ، وأي عالم أو جاهل منهم افتى بها أو ذكرها ، وأي كتاب من كتب حديثهم او فقههم أو تفسيرهم يشتمل على ذكرها ؟؟.

ولو تقدم المنار بهذا السؤال لعرف حقيقة الحال ، ونحن الآن نحيله على مصنفات الامامية في الفقه والحديث والتفسير وسائر الفنون ، وقد انتشر منها بفضل المطابع عشرات الالوف مختصرة ومطولة متونا وشروحا بعضها للمتقدمين وبعضها للمتأخرين ، فليتتبعها المنار كتابا كتابا وليتصفحها حرفا حرفا ليعلم ان الآلوسي وامثاله من المرجفين الظالمين لاحياء المؤمنين ولامواتهم ، وقد بهت السلف الصالح بما تستك به المسامع وترتعد منه الفرائص :

من كـان يخلــق ما يقــو
ل فحيلتــي فيـــه قليلــة


66

به منهن فآتوهن أجورهن» حتى ان كلا من أُبي بن كعب وابن عباس (2) وسعيد ابن جبير والسدي وغيرهم كانوا يقرءونها : « فما استمتعتم به منهن الى أجل

( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور ).

(2) أرسل الزمخشري في كشافه هذه القراءة عن ابن عباس ارسال المسلمات ، والرازي ذكر في تفسير الآية انه روى عن أُبي بن كعب انه كان يقرأ « فما استمعتم به منهن الى أجل مسمى فآتوهن اجورهن ». قال : وهذا هو أيضا قراءة ابن عباس. قال : والامة ما انكروا عليهما في هذه القراءة. قال : فكان ذلك اجماعا من الامة على صحة هذه القراءة ـ هذا كلامه بلفظه فراجعه في صفحة 201 من الجزء 3 من تفسيره الكبير.

ونقل القاضي عياض عن المازري ( كما في أول باب نكاح المتعة من شرح صحيح مسلم للفاضل النووي ) ان ابن مسعود قرأ « فما استمتعتم به منهن الى اجل » والاخبار في ذلك كثيرة. وصرح عمران بن حصين الصحابي بنزول هذه الآية في المتعة وانها لم تنسخ حتى قال رجل فيها برأيه ما شاء.

ونص على نزول الآية في المتعة مجاهد أيضا فيما أخرجه عنه الطبري في تفسيره باسناده اليه ، فراجع صفحة 9 من الجزء 5 من تفسيره الكبير.

ويشهد لنزولها في ذلك بالخصوص ان الله سبحانه قد أبان في أوائل السورة حكم نكاح الدائم بقوله تعالى : «﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع » الى أن قال : «﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة » فلو كانت هذه الآية في بيان الدائم ايضا للزم تكرار ذلك في سورة واحدة ، أما اذا كانت لبيان المتعة المشروعة بالاجماع فانها تكون لبيان معنى جديد.

وأهل النظر ممن تدبر القرآن الحكيم يعلمون ان السورة قد اشتملت على بيان الانكحة الاسلامية كلها ، فالدائم وملك اليمين تبيتا بقوله تعالى : «﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ان لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ».

والمتعة مبينة بآيتها هذه «

فما استمتعتم به منهن» ونكاح الاماء مبين بقوله تعالى : «﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات » الى أن قال : «﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ».


67

مسمى » اخرج ذلك عنهم الامام الطبري في تفسير الآية من أوائل الجزء الخامس من تفسيره الكبير ، ورواه عنهم وعن ابن مسعود جماعة كثيرون من ثقاة الأمة وحفظتها ، لا يسعنا استقصاؤهم.

واما نصوص السنة في اصل مشروعية المتعتين فمتواترة ، ولا سيما من طريقنا عن العترة الطاهرة ، وحسبك في ثبوت متعة الحج واستمرارها ما اخرجه الشيخان ( البخاري ومسلم ) في التمتع والافراد والقران من كتاب الحج من صحيحيهما فراجع.

على ان متعة الحج قد انعقد الاجماع بعد الخليفة الثاني على استمرارها ولم يعملوا بنهيه عنها ، فهي مما لا كلام في دوامه ، وانما الكلام في متعة النساء ، وقد اخرج الشيخان في اصل مشروعيتها احاديث في صحيحهما كثيرة عن كل من سلمة بن الأكوع ، وجابر بن عبدالله ، وعبد الله بن مسعود ، وابن عباس. وسبرة بن معبد الجهني ، وابي ذر الغفاري ، وعمران بن حصين ، والأكوع بن عبدالله الاسلمي ، واخرجهما أحمد بن حنبل في مسنده من حديث هؤلاء كلهم ومن حديث عبدالله بن عمر ، وأخرج مسلم في باب نكاح المتعة من كتاب النكاح من الجزء الأول من صحيحه عن جابر بن عبدالله ، وسلمة بن الأكوع ، قالا : خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن رسول الله أذن ان تستمتعوا يعني متعة النساء والصحاح في هذا المعنى كثيرة وفيما اشرنا اليه كفاية.


68


69

« المبحث الثاني »

في دوام حلها واستمرار اباحتها

وقد ذهب الى ذلك ائمتنا الاثنا عشر من اهل البيت ( واهل البيت ادرى بالذي فيه ) وتبعهم في ذلك شيعتهم واولياؤهم ، وحسبك حجة لهم ما قد سمعته من إجماع المسلمين على ان الله تعالى شرعها في دينه القويم وصدع باباحتها في الذكر الحكيم ، واذّن في الاذن بها منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يثبت نسخها عن الله تعالى ، ولا عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حتى انقطع الوحي باختيار الله تعالى لنبيه دار كرامته ومأوى اصفيائه ، بل ثبت عدم نسخها بحكم صحاحنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، فراجعها في كتاب وسائل الشيعة الى احكام الشريعة.

وان ابتغيت صحاحا سواها فاليك ما أخرجه محدوثوك « أيها القائل بتحريمها » انقله اليك بعين ألفاظهم فأقول :

أخرج مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه (1) عن عطاء قال : قدم جابر

(1) في صفحة 535 من جزئه الاول.


70

ابن عبدالله معتمرا ، فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة ، فقال : نعم ، استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر .

وأخرج مسلم في الباب المذكور ايضا عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر ابن عبدالله فأتاه آت فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم نهانا عنهما عمر ، فلم نعدلهما .

واخرج مسلم في الباب المذكور ايضا عن ابي الزبير قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث .

وانت تعلم ان ليس المراد من قول جابر في هذه الأحاديث استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة وفعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخرى ، وكنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تارة ، إلا بيان انهم كانوا يستمتعون بمرأى منه صلى الله عليه وآله وسلم ومسمع ، فيقرهم على ذلك وانه لم ينههم عنها حتى اختار الله له لقاءه. وناهيك بهذا برهانا على دوام الاباحة. وأذا نظرت الى قوله تمتعنا واستمتعنا ، وكنا نستمتع ، وفعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تجده ظاهرا في نسبة فعلهما أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وابي بكر الى عموم الصحابة لا الى نفسه بالخصوص ، ولو كان ثمة ناسخ ما فعلوهما بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يجوز أن يخفى الناسخ عليهم مع ملازمتهم للرسول في حضره وسفره ليلا ونهارا ، وكيف يخفى عليهم ، ثم يظهر للمتأخرين عنهم. على أن قول جابر « حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث » صريح بأن النهي عنها لم يكن من الله ولا من رسوله


71

صلى الله عليه وآله وسلم وانما كان من عمر لقضية وقعت من عمرو بن حريث ـ وقوله ثم نهانا عمر دال على أن النهي كان متوجها منه الى كافة الصحابة لا الى شخص منهم مخصوص ، وأما قوله « فلم نعد لهما » فانما هو للتقية والخوف من العقوبة. والأخبار الدالة على دوام إباحة المتعة واستمرار حلها لا تستقصى في هذه العجالة ، وسأتلو عليك في المبحث الرابع والمبحث الخامس لمعة من الصحاح تدل على ذلك أيضا.


72


73

« المبحث الثالث »

في الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لحكم المتعة

أمعنا النظر فيها فوجدناها أحاديث ملفقة وضعها المتأخرون عن زمن الخلفاء الأربعة تصحيحا لرأي من حرّمها ، وقد استقصيناها في رسالتنا الموسومة بالنجعة في أحكام المتعة ، فأثبتنا من طريق خصومنا تضعيف تلك الأحاديث وان أخرجها الشيخان ، ونقلنا كلمات البعض من أئمتهم في الجرح والتعديل الدالة على ذلك ، على أن تلك الأحاديث الملفقة تناقض صحاحنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، بل تناقض ما سمعته من صحاحهم الدالة على دوام حلها واستمرار إباحتها ، ومن تدبرها وجدها تناقض نفسها بنفسها ، وقد فصلنا ذلك كله في نجعتنا بما لا مزيد عليه.

وأنت هداك الله سمعت النص من جابر بن عبدالله على أن التحريم والنهي إنما كان من عمر في بادرة بدرت من ابن حريث ، وستسمع كلام عمران بن حصين وعبدالله بن مسعود ، وعبدالله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وأمير المؤمنين ،


74

فتراه صريحا بأن التحريم لم يكن بناسخ شرعي وانما كان بنهي الخليفة الثاني ، ومحال أن يكون ثمة ناسخ فيجهلونه ، وهم من علمت منزلتهم من رسول الله وملازمتهم له صلى الله عليه وآله وسلم وحرصهم على أخذ العلم منه.

على أنه لو كان هناك ناسخ لنبههم اليه بعض المطلعين عليه ، وحيث لم يعارضهم أحد من الصحابة فيما كانوا ينسبونه من التحريم الى عمر علمنا أنهم أجمع معترفون بذلك ، مقرون بأن لا ناسخ من الله تعالى ، ولا من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما لا يخفى.

على أن عمر نفسه لم يدع النسخ كما ستسمع من كلامه الصريح في إسناد التحريم والنهي الى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ لأسند التحريم الى الله تعالى أو الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فان ذلك أبلغ في الزجر وأولى بالذكر.

ومن غرائب الأمور دعواهم النسخ بقوله تعالى : «﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم » بزعم انها ليست بزوجة ولا ملك يمين. قالوا : أما كونها ليست بملك يمين فمسلم ، وأما كونها ليست بزوجة فلأنها لا نفقة ولا إرث ولا ليلة ، والجواب أنها زوجة شرعية بعقد نكاح شرعي ، أما عدم النفقة والارث والليلة فانما هو بأدلة خاصة تخصص العمومات الواردة في أحكام الزوجات ، كما بيناه فيما علقناه على صفحة 54 من هذه الفصول. على أن هذه الآية مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق ، فلا يمكن أن تكون ناسخة لاباحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالاجماع.

ومن عجيب أمر هؤلاء المتكلفين ان يقولوا بأن اية ( المؤمنون ) ناسخة للمتعة ، إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين ، فإذا قلنا لهم ولم لا تكون ناسخة لنكاح الاماء المملوكات لغير الناكح ، وهنّ لسن بزوجات للناكح ولا ملك يمين له ،


75

قالوا حينئذ إن آية المؤمنين ونكاح الاماء المذكورات انما شرع بقوله تعالى في سورة النساء وهي مدنية : «﴿ فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات فمما ملكت أيمانكم » الآية ، والمكي لا يمكن أن يكون ناسخا للمدني لوجوب تقدم المنسوخ على الناسخ ، يقولون هذا وينسون أن المتعة إنما شرعت في المدينة بقوله تعالى في سورة النساء أيضا : «﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن » وقد منينا بقوم لا يتدبرون فانا لله وإنا اليه راجعون.


76


77

« المبحث الرابع »

في يسير من الأحاديث الدالة على أن التحريم

إنما كان من الخليفة الثاني رضي الله عنه.

أخرج مسلم في باب المتعة بالحج والعمرة من صحيحه (1) بالاسناد الى أبي نضرة قال : كان ابن عباس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، فذكرت ذلك لجابر فقال : على يدي دار الحديث ، تمعتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قام عمر قال : إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، فأتموا الحج والعمرة ، وأبتوا نكاح هذه النساء ، فلن أوتي برجل نكح امرأة الى رجل إلا رجمته بالحجارة .

وهذا كما ترى صريح بما قلناه ، ولا تنس ما ذكرناه في المبحث الثاني من حديث جابر فإنه صريح أيضا فراجعه وتأمل.

وقد استفاض قول الخليفة الثاني وهو على المنبر : « متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا انهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء » حتى نقل الرازي هذا القول عنه محتجا به على حرمة متعة النساء ، فراجع تفسير آيتها من تفسيره الكبير.

(1) صفحة 467 من جزئه الاول.


78

والذي نقله متكلم الأشاعرة وحكيمهم الامام القوشجي في أواخر مبحث الامامة من شرح التجريد أن عمر قال وهو على المنبر : أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا انهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحي على خير العمل ، ثم اعتذر عنه بأن هذا إنما كان منه على تأول واجتهاد ، والأخبار في ذلك كثيرة تضيق هذه الفصول عن استقصائها.

وقد استمتع في أيامه ربيعة بن أمية بن خلف القرشي الجمحي ( وهو أخو صفوان ) فيما أخرجه الامام مالك في باب نكاح المتعة من موطأه عن عروة بن الزبير : أن خولة بنت حكيم السلمية دخلت على عمر فقالت : إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه ، فخرج عمر يجر رداءه ( من العجلة والغضب ) فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت . أي لو كنت تقدمت في تحريمها والانذار برجم فاعلها قبل هذا لرجمت ، إذ كان هذا القول منه قبل نهيه عنها ، نص على ذلك ابن عبدالبر كما في شرح الزرقاني لهذا الحديث من الموطأ ، وربما يكون المراد بقوله : « لو كنت تقدمت فيها لرجمت » انه لو تقدم باقامة الحجة من الكتاب والسنة على نسخها لرجم ، وحيث لا حجة على تحريمها فلا رجم.

وكيف كان فكلامه هذا ظاهر بأن التصرف في حكمها إنما هو منه لا من سواه ، وخطبته تلك على المنبر نص صريح بذلك ، حيث روى كون المتعتين كانتا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرو نهيه عنهما ، بل أسند النهي عنهما الى نفسه ، فقال : « وأنا انهى عنهما » مقدما للمسند اليه ليكون النهي عنهما مقصورا عليه ، ولو كان هناك ناسخ لذكره كما لا يخفى.


79

« المبحث الخامس »

في الاشارة الى يسير ممن تسنى لهم أن

يبوحوا ببعض ما تكنه نفوسهم من الانكار

على تحريمها وهم كثيرون.

فمنهم جابر بن عبدالله الأنصاري وقد سمعت حديثه.

ومنهم أمير المؤمنين عليه السلام فيما أخرجه الامامان الطبري والثعلبي عند بلوغهما في تفسيريهما الكبيرين الى آية المتعة من سورة النساء بالاسناد الى علي (1) قال : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي ، وهذا المعنى متواتر عنه من طريق أبنائه الميامين.

ومنهم عبدالله بن عباس حيث قال : ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لولا نهيه ( يعني عمر ) عنها ما احتاج الى الزنى إلا شقي ، أي إلا القليل من الناس. نقل ذلك عنه ابن الأثير في مادة « شقي » من النهاية ، ورواه عنه خلق كثير. وقوله في اباحة المتعة والانكار على من حرمها متواتر ، وله في ذلك مع ابن الزبير وغيره نوادر يطول المقام بذكرها ، وقد أخرج مسلم

(1) ونقله الرازي في صفحة 200 من الجزء 3 من تفسيره عن تفسير الطبري.


80

بعضها عن جابر فراجع 77 و 78 من كتابنا هذا.

ومنهم عبدالله بن عمر كما هو ثابت عنه. اخرج الامام احمد في صفحة 95 من الجزء الثاني من مسنده من حديث عبدالله بن عمر قال : سأل رجل ابن عمر عن متعة النساء فقال : والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر .

ونقل العلامة في نهج الصدق والشهيد الثاني في نكاح المتعة من روضته البهية عن صحيح الترمذي أن رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء فقال : هي حلال. فقال : إن أباك قد نهى عنها. فقال ابن عمر : أرأيت ان كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتترك السنة وتتبع قول أبي ؟ ! .

ومنهم عبدالله بن مسعود ، كما هو مقرر معلوم ، أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين ، واللفظ للأول في الصفحة الثانية أو الثالثة من كتاب النكاح عن عبدالله « ابن المسعود » قال : كنا نغزوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس لنا شيء فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ، ثم قرأ علينا «﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين » .

وأنت تعلم ان استشهاده بالآية دال على قوله باباحة المتعة وإنكاره على من حرمها كما صرح به كل من شرح صحيح البخاري.

ومنهم عمران بن حصين فيما صح عنه ، وقد نقل فخر الدين الرازي أثناء بحثه عن حكم متعة النساء في تفسير آيتها من تفسيره الكبير عن عمران بن حصين قال : انزل الله في المتعة آية وما نسخها بآية اخرى ، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمتعة وما نهانا عنها ، ثم قال رجل برأيه ما شاء « قال الرازي » يريد عمر .


81

وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات صلى الله عليه وآله وسلم قال رجل برأيه ما شاء .

وأخرج أحمد في مسنده من طريق عمران القصير عن أبي رجاء عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى ، وعملنا بها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات صلى الله عليه وآله وسلم .

وأمر المأمون أيام خلافته فنودي بتحليل المتعة ، فدخل عليه محمد بن منصور وأبو العيناء فوجداه يستاك ويقول (2) وهو متغيظ : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عهد أبو بكر وأنا أنهى عنهما ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر. فأراد محمد بن منصور أن يكلمه فأومأ اليه أبو العيناء وقال : رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن فلم يكلماه ، ودخل عليه يحيى بن أكثم فخوفه من الفتنة وذكر له أن الناس يرونه قد أحدث في الاسلام بسبب هذا النداء حدثا عظيما ، لا ترتضيه الخاصة ولا تصبر عليه العامة ، اذ لا فرق عندهم بين النداء باباحة المتعة والنداء باباحة الزنى ، ولم يزل به حتى صرف عزيمته احتياطا على ملكه واشفاقا على نفسه.

الخاتمة

قال العسكري « فيما نقله السيوطي عنه في ترجمة عمر من كتابه تاريخ الخلفاء » هو أول من سمي أمير المؤمنين ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة ، وأول من اتخذ بيت المال ، وأول من سن قيام شهر رمضان « بالتروايح » وأول

(2) فيما نقله ابن خلكان في ترجمة يحيى بن أكثم من وفيات الاعيان ، لكنه لم ينقل حديث يحيى بن أكثم مع المأمون على وجهه والصحيح ما نقلناه.


82

من عس بالليل ، وأول من عاقب على الهجاء ، وأول من ضرب في الخمر ثمانين ، وأول من حرم المتعة الخ.

والذين صرحوا بهذا من أعلام السلف والخلف لا يحيط بهم هذا الاملاء وفي هذا القدر كفاية إذ تبين به أن تحريم المتعتين إنما كان عن اجتهاد محض وتأول صرف ، وقد قوبل بالاذعان ولم يندد به من الجمهور انسان ، فثبت ما أردناه في هذه العجالة وتم ما أفردنا له هذه الرسالة من معذرة المجتهدين ونجاة المتأولين من المسلمين والحمد لله رب العالمين.

ولنرجع الى ما كنا فيه من موارد تأولهم فنقول عطفا على ما سبق.

ومنها تأولهم في أذان الصبح حيث تصرفوا فيه فنظموا في سلك فصوله فصلا لم يكن أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ألا وهو نداء مؤذنهم « الصلاة خير من النوم » بل لم يكن أيام أبي بكر وانما أمر به الخليفة الثاني فيما دلت عليه الأحاديث المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، وحسبك من غيرها ما أخرجه الامام مالك في باب ما جاء في النداء للصلاة من موطأه من أنه بلغه ان المؤذن جاء الى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح انتهى بلفظه. وقال العلامة الزرقاني عند بلوغه الى هذا الحديث من شرح الموطأ ما هذا لفظه : هذا البلاغ أخرجه الدار قطني في السنن من طريق وكيع في مصنفه عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر. ( قال ) وأخرج عن سفيان عن محمد بن عجلان عن نافع بن عمر عن عمر انه قال لمؤذنه : إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر فقل « الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم » .

قلت : وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن عروة ، ورواه جماعة آخرون يطول المقام بذكرهم.


83

وانت تعلم أن لا عين ولا أثر لهذه الكلمة فيما هو مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كيفية الأذان ، فراجع ان شئت كتاب الأذان في الجزء الأول من صحيح البخاري ، وباب صفة الأذان وهو في أول كتاب الصلاة من صحيح مسلم ، تعلم حقيقة ما نقول.

وأيضا ذكروا في أصل مشروعية الأذان (1) قضية تمنعها الامامية حاصلها أن عبدالله بن زيد بن ثعلبة الأنصاري رأى ليلة فيما يراه النائم شخصا علمه الأذان والاقامة ، فلما انتبه قبل الفجر وقص الرؤيا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يلقن بلالا ما حفظه في تلك الرؤيا ، وأمر بلالا أن ينادي به أول الفجر ، ففعلا ذلك وشرع الأذان بهذا الطيف فيما زعموا. ونحن نظرنا فيما نقلوه من تلقين عبدالله لبلال فلم نجد فيه مع كونه أذانا للفجر « الصلاة خير من النوم » والأدلة على كون هذه الكلمة ليست من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة ، وما ذكرناه كاف لاثبات تأولهم في الأذان واف بمعذرة المتأولين في كل زمان.

ومنها تأولهم في اسقاط « حي على خير العمل » من الأذان والاقامة ، وذلك أنهم كانوا يرغبون في إعلام العامة بأن خير العمل إنما هو الجهاد في سبيل الله ليشتاقوا اليه وتعكف هممهم عليه ، والنداء على الصلاة بخير العمل في كل يوم خمس مرات (2) ينافي ذلك.

بل ربما رأوا ان في بقاء هذه الكلمة في الأذان والاقامة تثبيطا للعامة عن

(1) ذكر هذه القضية مالك في موطأه على سبيل الاجمال ، وفصلها أكل من ابن عبدالبر والزرقاني في شرحيهما ، وأوردها الحلبي في باب بدء الاذان ومشروعيته من الجزء الثاني من سيرته ، وكل من ذكر عبدالله بن زيد من أهل التراجم أشار الى هذه القضية وربما سموه صاحب الاذان ، وأصحابنا ينكرونها ويعدونها من المحال.

(2) بل كل مسلم ملتزم بالنسبة يقولها كل يوم عشر مرات.


84

الجهاد ، اذ لو عرفوا أن الصلاة خير العمل من ما فيها من الدّعة والسلامة لاقتصروا في ابتغاء الثواب عليها ، وأعرضوا عن خطر الجهاد المفضول بالنسبة اليها ، وكانت همم ولي الأمر يومئذ « عمر بن الخطاب (رض) » مصروفة الى الاستيلاء على ممالك الأرض ، وعزائمه مقصورة على امتلاكها في الطول والعرض.

وفتح الممالك لا يكون الا بتشويق الجند الى التورط في سبيله بالمهالك ، بحيث يشربون في قلوبهم الجهاد حتى يعتقدوا أنه خير عمل يرجونه يوم المعاد.

ولذا ترجح في نظره اسقاط هذه الكلمة تقديما لتلك المصلحة على التعبد بما جاء به الشرع الأقدس ، فقال وهو على المنبر « كما نص عليه القوشجي أواخر مباحث الامامة من شرح التجريد وهو من ائمة المتكلمين على مذهب الاشاعرة » : ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحي على خير العلم. (3)

وتبعه في اسقاطها عامة من تأخر عنه من المسلمين ، حاشا أهل البيت ومن يرى رأيهم : فان حي على خير العمل مع شعارهم ، كما هو بديهي من مذهبهم حتى أن شهيد فخ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليهم السلام لما ظهر بالمدينة أيام الهادي (4) من ملوك العباسيين ، أمر المؤذن أن ينادي بها ففعل ، نص على ذلك أبو الفرج الاصفهاني حيث ذكر صاحب فخ ومقتله في كتابه مقاتل الطالبيين. وذكر العلامة الحلبي في باب بدء الاذان ومشروعيته في صفحة 110 من الجزء الثاني من سيرته أن ابن عمر (رض) والامام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام كانا يقولان في الأذان بعد حي على الفلاح حي على خير العمل .

(3) واعتذر بعد ان أرسله عنه ارسال المسلمات بانه قد اجتهد في ذلك.

(4) مضل الناس قد سموه هاد
كما قد سمي الاعمى بصيرا


85

قلت : وهذا متواتر عن أئمة أهل البيت ، فراجع حديثهم في كتاب وسائل الشيعة الى أحكام الشريعة لتكون على بصيرة من مذهبهم.

ونحن الآن في ان السلف تأولوا ، فأسقطوا فصلا من الأذان والاقامة فلم يقدح ذلك عند الجمهور في تبوئهم منصة الخلافة وأريكة الامامة ، فكيف لا يكون المتأول بعدهم معذورا ، ام كيف لا يكون مثابا مأجورا ، فاحكموا بالعدل ايها المنصفون.

ومنها صلاة التراويح (5) إذ لم تكن ايام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في ولاية أبي بكر ، وانما سنها الخليفة الثاني سنة 14 للهجرة بالاجماع ، نصّ العسكري على ذلك في اوائله ، ونقله السيوطي في الفصل الذي عقده لخلافة عمر من كتابه تاريخ الخلفاء (6).

وقال ابن عبدالبر في ترجمة عمر من الاستيعاب : وهو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه.

وقال العلامة ابو الوليد محمد بن الشحنة ، حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تأريخه « روضة المناظر » (7) هو أول من نهى عن بيع امهات الأولاد ، وجمع الناس على اربع تكبيرات في صلاة الجنائز ، واول من جمع الناس على امام يصلي بهم التراويح الخ.

(5) هي نافلة رمضان جماعة ، وانما سميت تراويح للاستراحة فيها بعد كل أربع ركعات ، ونحن نصلي نافلة رمضان فرادى كما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(6) في صفحة 51.

(7) عرفت سابقا انه مطبوع في هامش ابن الأثير وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 122 من جزء 11.


86

ولما ذكر السيوطي في كتابه « تاريخ الخلفاء » أوليات عمر نقلا عن العسكري قال : هو اول من سمي امير المؤمنين ، الى ان قال : واول من سن قيام شهر رمضان « بالتراويح » ، واول من حرم المتعة ، واول من جمع الناس في صلاة الجنائز على اربع تكبيرات الخ.

وقال محمد بن سعد « حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات » وهو اول من سن قيام شهر رمضان « بالتراويح » وجمع الناس على ذلك وكتب به الى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة اربع عشرة ، وجعل للناس بالمدينة قارئين قارئا يصلي « التراويح » بالرجال وقارئا يصلي بالنساء.. الخ.

واخرج البخاري « في اواخر الجزء الأول من صحيحه في كتاب صلاة التراويح » ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. قال : فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة ابي بكر رضي الله عنه وصدرا من خلافة عمر .

وأخرج مسلم « في باب الترغيب في قيام رمضان من الجزء الأول من صحيحه » ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرغّب في قيام رمضان من غير ان يأمرهم فيه بعزيمة ، فيقول : من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » قال : فتوفي صلى الله عليه وآله وسلم والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر على ذلك .

واخرج البخاري في كتاب صلاة التراويح من صحيحه عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاريّ (8) قال : خرجت مع عمر ليلة في رمضان الى المسجد ، فاذا الناس

(8) « عبد القاري » بتنوين عبد وتشديد ياء القاري نسبة الى قاره ، وهو ابن ديش بن محلم بن غالب المدني. كان عبد الرحمن هذا عامل عمر


87

أوزاع متفرقون... الى أن قال : فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد كان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. « قال » ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر (رض) نعمت البدعة هذه ـ الحديث.

وقال العلامة القسطلاني « في أول الصفحة الرابعة من الجزء الخامس من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري » عند بلوغه الى قول عمر في هذا الحديث « نعمت البدعة هذه » ما هذا نصه : سماها بدعة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسن لهم الاجتماع لها ، ولا كانت في زمن الصديق ولا أول الليل ، ولا كل ليلة ، ولا هذا العدد الخ.

وفي تحفة الباري مثله فراجع. وهذا أمر لا يناقش فيه أحد من المسلمين وحسبك به دليلا على معذرة المتأولين.

ومنها تأولهم آية الزكاة ، إذ أسقطوا منها سهم المؤلفة قلوبهم مع نص الكتاب والسنة على ثبوته ، وكونه معلوما بحكم الضرورة من دين الاسلام ، وقد أجمعت كلمة المسلمين واتفقت جميع طوائفهم على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطيهم منها حتى لحق بربه عز وجل ، وأنه لم يعهد الى احد من بعده باسقاط سهمهم ؛ وقد ذكر (9) صاحب كتاب الجوهرة النيّرة على مختصر

على بيت المال وهو حليف بني زهرة روى عن عمر ، وابي طلحة ، وابي ايوب ، وابي هريرة ، وروى عنه ابنه ، محمد والزهري ، ويحيى بن جعدة بن هبيرة مات سنة ثمانين ، وله ثمان وسبعون سنة.

(9) وذكر المؤرخون نظير هذه الحكاية أيضا ، اذ قالوا جاء عيينة بن حصين والاقرع بن حابس الى أبي بكر ، فقالا له : ان عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلا ولا منفعة ، فان رأيت ان تقطعناها لعل الله ان ينفع بها بعد اليوم. فقال أبو بكر لمن حوله : ما تقولون ؟ قالوا : لا بأس ، فكتب لهما


88

القدوري (10) في الفقه الحنفي في صفحة 164 من جزئه الأول : ان المؤلفة قلوبهم جاءوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى ابي بكر رضي الله عنه ليكتب لهم بعادتهم ، فكتب لهم بذلك فذهبوا بالكتاب الى عمر (رض) ليأخذوا خطه على الصحيفة ، فمزقها وقال : لاحاجة لنا بكم فقد اعز الله الاسلام واغنى عنكم ، فان اسلمتم والا فالسيف بيننا وبينكم فرجعوا الى ابي بكر فقالوا له : انت الخليفة ام هو ؟ فقال : بل هو إن شاء الله وامضى ما فعله عمر واستقر الأمر من يومها عند الجمهور على اسقاط هذا السهم ، بحيث لا تبرأ الذمة عندهم باعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة.

ومنها تأولهم آية الخمس ، وهي قوله تعالى في سورة الانفال : «﴿ واعلموا انما غنمتم (11) من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين

بها كتابا فانطلقا الى عمر ليشهد لهما فيه ، فأخذه منهما ثم تفل فيه فمحاه ، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة ، ثم ذهبا الى أبي بكر وهما يتذمران فقالا : والله ما ندري أانت الخليفة ام عمر ؟ فقال : بل هو ، وجاء عمر حتى وقف على ابي بكر وهو مغضب فقال : اخبرني عن هذه الارض التي اقطعتها هذين اهي لك خاصة ام بين المسلمين ؟ فقال : بل بين المسلمين. فقال : ما حملك على ان تخص بها هذين ؟ قال : استشرت الذين حولي. فقال : اوكل المسلمين وسعتهم مشورة ورضا ؟ فقال أبو بكر (رض) : فقد كنت قلت لك انك اقوى على هذا الامر مني لكنك غلبتني.

نقل هذه القضية ابن ابي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرح النهج في صفحة 108 من المجلد الثالث ، والعسقلاني في ترجمة عيينة من اصابته وغيرهما. وليته كان يوم السقيفة وسع كل المسلمين مشورة ، ويا حبذا لو تأنى حتى يفرغ بنو هاشم من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(10) هو من أشهر الكتب الحنفية يتبركون به ، ولمصنفه شأن عظيم ، وما نقلناه هنا عنه مصرح به في كلمات المحدثين والفقهاء كما لا يخفى.

(11) الغنيمة لغة هي الفوز بالشيء ، وذلك أعم من غنائم دار الحرب ، وبهذا تعلم دلالة الآية على مذهبنا في الخمس.


89

وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله (12) وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير » حيث صرفوا الخمس الى خلاف منطوقها.

فذهب الامام مالك « كما هو معلوم من مذهبه » الى ان الخمس بأسره مفوض الى السلطان يصرفه كيف شاء وانه لاحق لأحد بالمطالبة فيه ، وذهب الامام ابو حنيفة « كما هو بديهي من مذهبه » الى انه يقسم ثلاثة اسهم : فيعطى لمطلق ايتام المسلمين سهم ، ولمطلق مساكينهم سهم ، ولمطلق ابناء السبيل منهم سهم ، ولا فرق عنده في ذلك بين ذي القربى منهم وغيره.

وانت ترى نص الكتاب قد فرض لذي القربى في الخمس حقا قصره عليهم ، وتعلم ان السنة المطهرة قد جعلت لهم فيه سهما لن تبرأ الذمة إلا بدفعه اليهم ، وقد اجمع كافة اهل القبلة من اهل كل مذهب منهم ونحلة على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يختص بسهم من الخمس ويخص منه اقاربه بسهم آخر ، ولم يعهد بتغيير ذلك الى احد حتى لحق بربه عز وجل فلما ولي ابو بكر (رض) تأول الأدلة فأسقط سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ذوي القربى ، ومنع « كما في تفسير هذه الآية من الكشاف وغيره » بني هاشم من الخمس.

وفي اواخر باب غزوة خيبر من صحيح البخاري في صفحة 36 من جزئه الثالث ان فاطمة ارسلت الى ابي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى ابو بكر أن يدفع اليها شيئا ، فوجدت عليه فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ، ولم يؤذن بها ابا بكر وصلى عليها ـ الحديث. وهو موجود ايضا في باب قول النبي « لا نورث ما تركناه فهو

(12) معنى هذا الشرط ان الخمس مصروف الى هذه الوجوه الستة فاقطعوا عنه اطماعكم وادوه لأربابه ان كنتم آمنتم بالله ، وفيه من البعث على اداء الخمس والانذار لتاركيه ما لا تسع بيانه عبارة.


90

صدقة » من صحيح مسلم في صفحة 72 من جزئه الثاني ، وفي مواضيع أخر من الصحيحين كما لا يخفى.

وأخرج مسلم في أواخر كتاب الجهاد والسير من الجزء الثاني من صحيحه عن قيس بن سعد عن يزيد بن هرمز قال : كتب نجدة بن عامر ( الحروري الخارجي ) الى ابن عباس قال ( يزيد بن هرمز ) فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه. قال : فقال ابن عباس : والله لولا ان ارده عن نتن يقع فيه ما كتبت اليه ولا نعمة عين. قال : فكتب اليه إنك سألت عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله من هم ؟ وإنا كنا نرى ان قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم نحن ، فأبى ذلك علينا قومنا ـ الحديث (13).

وأخرجه ايضا الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر صفحة 294 من الجزء الأول من مسنده ، ورواه المحدثون بطرق كلها صحيحة ، وهذا هو مذهب أهل البيت والمتواتر عن أئمتهم عليهم السلام.

ومنها اقتصارهم في صلاة الجنائز على اربع تكبيرات ، كما هو معلوم من فقه أهل المذاهب الأربعة وسيرتهم ، واول من جمع الناس على ذلك عمر بن الخطاب (رض) كما نص عليه جماعة كثيرون ، منهم السيوطي حيث ذكر أوليات عمر في تاريخ الخلفاء ، وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تأريخه روضة المناظر (14) وغيرهما من أهل الأخبار.

ويدلك على تأولهم في هذه المسألة ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث زيد ابن أرقم في صفحة 370 من الجزء الرابع من مسنده عن عبد الاعلى قال : صليت

(13) فراجعه في أول صفحة 105 من ج 2 من صحيح مسلم المطبوع سنة 1327 على نفقة الحلبي وأخويه.

(14) وهو مطبوع في هامش ابن الاثير وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 122 من جزء 11.


91

خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسا ، فقام اليه أبو عيسى عبدالرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال : نسيت ؟ قال لا ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي صلى الله عليه وآله وسلم فكبر خمسا فلا أتركها ابدا .

ومنها تأولهم في البكاء على الميت حيث حرمه الخليفة الثاني ، حتى أخرج الطبري عند ذكر وفاة أبي بكر في حوادث سنة 13 من الجزء الرابع من تأريخه بالاسناد الى سعيد بن المسيب قال : لما توفي أبو بكر اقامت عليه عائشة النوح فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبي بكر فأبين ان ينتهين فقال عمر لهشام بن الوليد : أدخل فأخرج الي ابنة أبي قحافة. فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : اني أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام : أدخل فقد أذنت لك. فدخل هشام فأخرج ام فروة اخت ابي بكر الى عمر فعلاها بالدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك .

هذا مع ما أخرجه الامام احمد من حديث ابن عباس في صفحة 335 من الجزء الأول من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكاء النساء عليها قال : فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي دعهن يبكين ، وقعد على شفير القبر وفاطمة الى جنبه تبكي. قال : فجعل النبي يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة .

واخرج أحمد أيضا من حديث ابي هريرة في صفحة 333 من الجزء الثاني من مسنده حديثا جاء فيه انه : مر على رسول الله جنازة معها بواكي فنهرهن عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : دعهن فإن النفس مصابة والعين دامعة.

واخرج الامام احمد من حديث ابن عمر في صفحة 40 من مسنده قال : رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ولكن حمزة لا بواكي له قال : ثم نام


92

فانتبه وهن يبكين حمزة قال : فهن اليوم إذا بكين يندبن حمزة ـ وهذا الحديث مستفيض بين المسلمين ، وقد ذكره ابن جرير ، وابن الأثير ، وصاحب العقد الفريد ، وجميع أهل السير والأخبار.

وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلا عن الواقدي ، قال : لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله « لكن حمزة لا بواكي له » الى اليوم إلا بدأت بالبكاء على حمزة. وذكر ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه قال : لما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعي جعفر اتى امرأته اسماء بنت عميس فعزاها. قال ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مثل جعفر فلتبك البواكي.

وأخرج البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه انه صلى الله عليه وآله وسلم بكى على زيد وجعفر ، وذكر ابن عبد البر في ترجمة زيد من استيعابه انه صلى الله عليه وآله وسلم بكى على جعفر وزيد ، وقال : اخواي ومؤنساي ومحدثاي. وبكى على ولده إبراهيم فقال له عبد الرحمن بن عوف ( كما في الجزء الأول من صحيح البخاري ) وانت يا رسول الله ؟ قال : يابن عوف انها رحمة ، ثم اتبعها ـ يعني عبرته ـ بأخرى فقال : إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون.

وقد علم الناس كافة بكاءه على عمه حمزة حتى قال ابن عبد البر في ترجمته من الاستيعاب : لما رأى النبي حمزة قتيلا بكى ، فلما رأى ما مثل به شهق.

وذكر الواقدي ( كما في اواخر صفحة 387 من المجلد الثالث من شرح النهج ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يومئذ اذا بكت صفية يبكي وإذا نشجت ينشج ، قال : وجعلت فاطمة تبكي فلما بكت بكى رسول الله.

وبكى صلى الله عليه وآله وسلم على صبي مات لاحدى بناته ، فقال له


93

سعد ( كما في صحيحي البخاري ومسلم ) ما هذا يا رسول الله ؟ قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ـ الى مالا يحصى من قبيل هذه الأحاديث المشهورة ، مما لا يمكن استقصاؤه وفي هذا المقدار كفاية.

وأما ما جاء في الصحيحين من ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه ، وفي رواية ببعض بكاء اهله عليه ، وفي رواية ببكاء الحي ، وفي رواية يعذب في قبره بما نيح عليه ، وفي رواية من يبك عليه يعذب ، فإنه خطأ من الرواي بحكم العقل والنقل.

قال الفاضل النووي ( عند ذكر هذه الروايات في باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه من شرح صحيح مسلم ) : هذه الروايات كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله. قال : وانكرت عائشة عليهما ، ونسبتهما الى النسيان والاشتباه واحتجت بقوله تعالى : «﴿ ولا تزر وازرة وزر اخرى ».

قلت : وانكر هذه الروايات ايضا ابن عباس واحتج على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى ناحت على ابيها يوم مات ، فكان بينها وبين عمر ما قد سمعت ، والتفصيل في رسالتنا « الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة » وفي مقدمة مجالسنا الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة (15).

وللسلف تأولات غير الذي ذكرناه كتأخيرهم مقام ابراهيم الى موضعه اليوم (16) وكان ملصقا بالبيت ، وتوسعتهم المسجد الحرام سنة 17 للهجرة

(15) المطبوعة سنة 1332.

(16) أخره الخليفة الثاني كما هو مستفيض عنه فراجع صفحة 113 من المجلد الثالث من شرح النهج الحديدي طبع مصر ، ومادة « الديك » من حياة الحيوان للفاضل الدميري. وقال ابن سعد في ترجمة عمر من


94

باضافة دور جماعة من حوله اليه ، وكانوا أبوا بيعها فهدمها الخليفة الثاني عليهم (17) ووضع اثمانها في بيت المال حتى اخذوها ، وكحكمه على اليمانيين بدية أبي خراش الهذلي الشاعر الصحابي المشهور (18) إذ باتوا ضيوفا عنده ، فذهب يستقي لهم فمات من حية نهشته في الطريق ، وكنفيه نصر بن الحجاج بن علابط السلمي الى البصرة (19) إذ تغنت به امرأة في دارها وكان في غاية من الحسن والجمال (20) وكقضاياه المختلفة في ميراث الجد مع الأخوة (21) حتى رجع الى رأي زيد بن ثابت الانصاري.

وكتأوله آية التجسس ، إذ رأى فيه صلاح المملكة ونفع الرعية ، فكان

طبقاته ما هذا لفظه : وهو الذي أخر مقام ابراهيم الى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت ـ ونقل السيوطي ذلك في أحوال عمر من تاريخ الخلفاء.

(17) نص على ذلك جميع أرباب السير كابن الاثير في حوادث تلك السنة من كامله وغيره.

(18) ذكر هذه القضية ابن عبد البر في ترجمة ابن خراش من كتاب الكنى من الاستيعاب ، ونقلها عنه الدميري في مادة « الحية » من كتاب حياة الحيوان.

(19) هذه القضية مستفيضة فراجع صفحة 99 من المجلد الثالث من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر تجد تفصيلها ، وقد ذكرها ابن خلكان في ترجمة نصر بن الحجاج من وفياته تفصيلا.

(20) وكنفيه ضبيع التميمي الى البصرة أيضا بعد ضربه الضرب المبرح اذ سأله عن تفسير آية من القرآن في قضية ذكرها ابن أبي الحديد في صفحة 122 من المجلد الثالث من شرح نهج البلاغة.

(21) في صفحة 173 من الجزء الثاني المطبوع في هامشه كتاب عوارف المعارف..


95

يتجسس نهارا ويعس ليلا ، حتى ذكر الغزالي في احياء العلوم (22) انه سمع وهو يعس بالمدينة صوت رجل يتغنى في بيته فتسور عليه ، فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال : يا عدو الله اظننت ان الله يسترك وانت على معصيته ؟ فقال : ان كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته انت في ثلاثة. قال الله : «﴿ ولا تجسسوا » وقد تجسست ، وقال : «﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » وقد تسورت عليّ ، وقال «﴿ لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم » الآية ، وقد دخلت بيتي بغير اذن ولا سلام. فقال عمر (رض) : هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال : نعم فتركه وخرج ، الى غير ذلك من مصاديق اجتهاداته وموارد تأولاته التي عدل بها عن ظواهر الأدلة حرصا على توطيد دعائم السياسة وابتغاء لتنظيم شؤونها ، وتقديما لمصلحة المملكة ، وايثارا لتقوية الشوكة من وضعه الخراج على السواد ، وكيفية ترتيبه للجزية وعهده بالشورى على الوجه المعلوم ، وقوله (23) يومئذ : « لو كان سالم ( ابن معقل مولى ابي حذيفة ) حيا استخلفته » مع انعقاد الاجماع (24) نصا وفتوى على عدم جواز عقد الامامة لمثله ، ضرورة انه من اهل فارس ، إما من اصطخر أو من كرمد ، استرقته زوجة أبي حذيفة ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكانت من الأنصار.

(22) روى ذلك طارق بن شهاب الزهري ، والتفصيل في مادة « الحية » من حياة الحيوان للدميري.

(23) هذا القول متواتر عنه ، وهو موجود في كامل ابن الاثير وغيره من كتب السير والاخبار حتى صرح ابن عبدالبر ، حيث أورد هذه المقالة في ترجمة سالم من استيعابه بأنها عن رأي رآه عمر واجتهاد ادى اليه نظره ، وأخرج احمد من حديث عمر في صفحة 20 من مسنده انه قال : لو ادركني احد رجلين لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة.

(24) صرح بانعقاد الاجماع على ذلك جماعة كثيرون ، منهم النووي في أول كتاب الامارة من شرحه لصحيح مسلم ، ولو راجعت ذلك الكتاب في صحيح مسلم لازددت بصيرة في ائمتك الاثني عشر عليهم السلام..


96

تنبيه :

أفادتنا سيرة بعض الصحابة انهم إنما كانوا يتعبدون بالنصوص ويجمدون عليها إذا كانت متمحضة للدين مختصة بالشؤون الاخروية ، كنصه صلى الله عليه وآله وسلم على صوم شهر رمضان دون غيره ، واستقبال القبلة في الصلاة لا غيرها ، ونحو ذلك من أوامره المتمحضة للنفع الاخروي ، أما ما كان منها متعلقا بالسياسة كالولايات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة وتسريب الجيش ، فإنهم لم يكونوا يرون التعبد به والالتزام في جميع الأحوال بالعمل على مقتضاه ، بل جعلوا لأفكارهم فيه مسرحا للبحث ومجالا للنظر والاجتهاد ، فكانوا إذا رأوا في خلافه رفعا لكيانهم أو نفعا في سلطانهم عدلوا عنه الى ما يرفعون به كيانهم أو ينتفعون به في سلطانهم ، ولذلك عدل هؤلاء في الخلافة عن وليها المنصوص عليه من نبيها فجعلوها للخلفاء الثلاثة (رض) واحدا بعد واحد ، مع عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها الى أخيه ووليه ، ووارثه ووصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

لم يكونوا غائبين عن عهد النبي بها اليه ، ولا جاهلين بنصوصه (1) المتواترة عليه. وكانت تترى من مبدأ أمره بأبي هو وأمي الى آخر عمره ، كما أوضحناه في مراجعاتنا الأزهرية وفي سبيل المؤمنين ، وانما غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي ولا ترتضيه مالكا لأزمة الحكم عليها حيث انه وترها في سبيل الله وسفك دماءها بسيفه في إعلاء كلمة الله ، وكشف القناع منابذا لها في نصرة الحق حتى ظهر أمر الله على رغم كل عات كفور.

فهم لا يطيعونه إلا عنوة ولا يخضعون لامامته إلا بالقوة ، وقد عصبوا به كل

(1) لم نذكر شيئا من هذه النصوص هنا اكتفاء بمراجعاتنا الازهرية ومناظراتنا المصرية ، وقد استقصيتها بأسانيدها المعتبرة عند أهل السنة ، وسنطبع تلك المناظرات وكل قريب آت الا أن يشاء الله تعالى.


97

دم أراقه الاسلام أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم جريا على عادتهم في أمثال ذلك ، إذ لم يكن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عشيرته أحد يستحق أن تعصب به تلك الدماء عند العرب غيره ، لانه الأمثل في عشيرته والأفضل في قبيلته ، ولذلك تربصوا به الدوائر وقلبوا له الأمور وأضمروا له ولذريته كل حسيكة ووثبوا عليهم كل وثبة ، وكان ما كان مما طار في الأجواء وطبق رزؤه الأرض والسماء.

وأيضا فإن قريشا خاصة والعرب عامة كانت تنقم من علي شدة وطأته على اعداء الله ونكال وقعته فيمن يتعدى حدود الله أو يهتك حرماته عز وجل ، وكانت ترهب من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وتخشى عدله في الرعية ومساواته بين الناس في كل قضية ، ولم يكن لها فيه مطمع ولا لأحد عنده هوادة ، فالقوي العزيز عنده ضعيف ذليل حتى يأخذ منه الحق ، والضعيف الذليل عنده قوي عزيز حتى يأخذ له بحقه ، فمتى تخضع الاعراب لمثله ( وهم أشد كفرا ونفاقا واجدر ان لا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله ) ، ( ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) وفيها بطانة لا يألونها خبالا.

على ان قريشا وسائر العرب كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله ، حيث بلغ في علمه وعمله رتبة عند الله ورسوله تقاصر عنها الافران وتراجع عنها الاكفاء ، ونال من الله ورسوله بسوابقه وخصائصه منزلة تشرئب اليها أعناق الاماني وشأوا تنقطع دونه هوادي المطامع ، وبذلك دبت عقارب الحسد له في قلوب المنافقين واجتمعت على نقض مجده كلمة الفاسقين والناكثين والقاسطين والمارقين ، فاتخذوا النص ظهريا وكان لديهم نسيا منسيا.

وكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

على ان قريشا وسائر العرب كانوا قد تشوفوا الى تداول الخلافة بين


98

قبائلهم واشرأبت الى ذلك اطماعهم ، فأمضوا نياتهم عليه ووجهوا عزائمهم اليه ، فتصافقوا على تناسي النص وعدم ذكره بالمرة ، وتبايعوا على صرف الخلافة من اول ايامها عن وليها المنصوص عليه من نبيها ، فجعلوها بالاختيار والانتخاب ليكون لكل حي من احيائهم امل في الوصول اليها ولو بعد حين ولو عملوا بالنص فقدموا عليا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خرجت الخلافة من عترته الطاهرة ، حيث قرنها يوم الغدير وغيره بمحكم الكتاب وجعلها قدوة لأولي الألباب الى يوم الحساب ، وما كانت العرب لتصبر على حصر الخلافة في بيت مخصوص بعد أن طمحت اليها الابصار من كافة قبائلها وحامت عليها النفوس من جميع أحيائها.

وقد هزلت حتى بدا من هزالها
كلاها وحتى استامها كل مفلس

ومن ألمّ بتاريخ قريش والعرب في صدر الاسلام يعلم انهم لم يخضعوا للنبوة الهاشمية إلا بعد أن تهشموا ولم يبق فيهم من رمق ، فكيف يرضون باجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم وقد قال الخليفة الثاني لابن عباس في كلام دار بينهما : ان قريشا كرهت أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فتجحفون على الناس.

والسلف الصالح لم يتسن له أن يقهرهم يومئذ على التعبد بالنص فرقا من انقلابهم إذا قاومهم وخشية من سوء عواقب الاختلاف في تلك الحال وقد ظهر النفاق بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقويت بفقده شوكة المنافقين وعتت نفوس الكافرين وتضعضعت اركان الدين وانخلعت قلوب المسلمين ، حيث صاروا بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية بين ذئاب كاسرة ووحوش ضارية ، وقد ارتدت طوائف من العرب وهمت بالردة أخرى وعظم قلق السلف الصالح على الاسلام واشتد فرقهم على أمة سيد الأنام فصبروا على مخالفة النص بقيا على المسلمين واحتياطا على الدين ـ صبروا وفي أعينهم من ذلك قذى وفي حلوقهم منه شجى كما قالوا عليهم السلام ـ وأشفق علي امير المؤمنين أن يظهر


99

أرداة القيام بأمر الناس مخافة البائقة وفساد العاجلة والآجلة ، والقلوب على ما وصفنا والمنافقون على ما ذكرنا ، يعضون عليهم الانامل من الغيظ وأهل الردة على ما بينا والأنصار قد خالفوا المهاجرين ، وانحازوا عنهم يقولون منا أمير ومنكم أمير و. و. فدعاه النظر للدين الى الكف عن الاظهار والتجافي عن الأمور ، وعلم أن طلب الخلافة والحال هذه يستوجب التغرير في الدين والخطر بالأمة فاختار الكف ضنا بالدين وايثارا للآجلة على العاجلة.

غير أنه قعد في بيته ( ولم يبايع حتى أخرجوه كرها ) احتفاظا بحقه واحتجاجا على من عدل عنه ، ولو أسرع الى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان ، ولكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من امرة المؤمنين ، فدل ذلك على اصالة رأيه ورجاحة علمه وسعة صدره وشدة زهده وفرط سماحه وقلة حرصه ، ومتى سخت نفس امرىء عن هذا الخطب الجليل والأمر الجزيل ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين ، وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له وأعود المقصودين عليه.

أما الخليفة الأول وأتباعه (رض) أجمعين فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها ، ولا عجب منه في ذلك بعد الذي نبهناك اليه من عدم تعبدهم بما كان من نصوصه صلى الله عليه وآله وسلم ، متعلقا بالسياسات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة واليك مضافا الى ما تلوناه نبذة من موارد تأولهم تكون نموذجا لرأيهم في تلك النصوص ، وحسبك بها أدلة على معذرة المتأولين ، وهي كثيرة :

فمنها سرية أسامة بن زيد بن حارثة الى غزو الروم ، وهي آخر السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد اهتم فيها بأبي هو وأمي اهتماما عظيما ، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهاقا لعزائمهم واستنهاضا لهممهم ، فلم يبق أحدا من وجوه المهاجرين


100

والأنصار كأبي بكر وعمر (2) وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم إلا وقد عبأه بالجيش (3) وكان ذلك لاربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشرة للهجرة (4) فلما كان من الغد دعا اسامة فقال له : سر الى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش فاغز صباحا على أهل أبنى (5) وحرق عليهم ، وأسرع

(2) أجمع أهل السير والاخبار على ان ابا بكر وعمر كانا في الجيش ، وارسلوا ذلك في كتبهم ارسال المسلمات ، وهذا مما لم يختلفوا فيه ، فراجع ما شئت من الكتب المشتملة على هذه السرية كطبقات ابن سعد وتاريخي الطبري وابن الاثير والسيرة الحلبية والسيرة الدحلانية وغيرها لتعلم ذلك ، وقد أورد الحلبي حيث ذكر هذه السرية في الجزء الثالث من سيرته حكاية ظريفة نوردها بعين لفظه. قال : ان الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى اياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء وهو صبي وخلفه اربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة فقال المهدي : أف لهذه العثانين ـ اي اللحى ـ أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث ؟ ثم التفت اليه المهدي وقال : كم سنك يا فتى ؟ فقال : سني أطال الله بقاء أمير المؤمنين سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشا فيه أبو بكر وعمر. فقال : تقدم بارك الله فيك. قال الحلبي : وكان سنه سبع عشرة سنة .

(3) كان عمر يقول لاسامة : مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانت علي أمير. نقل ذلك عنه جماعة من الاعلام كالحلبي في سرية اسامة من سيرته الحلبية وغير واحد من المحدثين والمؤرخين.

(4) هذا بناء على ما صرح به كثير من أعلام السنة كابن سعد في سرية اسامة من طبقاته والحلبي والدحلاني في هذه السرية من سيرتيهما ، وقد اعتمدنا في شؤون هذه السرية على هاتين السيرتين.

(5) ابنى بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها الف مقصورة ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة ، وهي قرب مؤتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة عليه السلام.


101

السير لتسبق الأخبار ، فإن أظفرك الله عليهم فأقل اللبث فيهم وخذ معك الادلاء وقدم العيون والطلائع معك. فلما كان يوم الثامن والعشرين من صفر بدأ به صلى الله عليه وآله وسلم مرض الموت فحمّ بأبي هو وأمي وصدع ، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين ووجدهم متثاقلين خرج اليهم فحضهم على السير وعقد صلى الله عليه وآله وسلم اللواء لأسامة بيده الشريفة تحريكا لحميتهم وارهافا لعزيمتهم ، ثم قال : اغز بسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله ، فخرج بلوائه معقودا فدفعه الى بريدة وعسكر بالجرف ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا ـ مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب اسراعهم كقوله صلى الله عليه وآله وسلم « أغز صباحا على أهل أبنى » وقوله « واسرع السير لتسبق الأخبار » الى كثير من أمثال هذه الأوامر التي لم يعملوا بها في تلك السرية ـ وطعن قوم منهم في تأمير أسامة كما طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقالوا في ذلك فأكثروا مع ما شهدوه من عهد النبي له بالامارة وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ « فقد وليتك هذا الجيش » ورأوه يعقد له لواء الامارة وهو محموم بيده الشريفة فلم يمنعهم ذلك من الطعن في تأميره حتى غضب صلى الله عليه وآله وسلم من طعنهم غضبا شديدا فخرج بأبي هو وأمي معصب الرأس (6) مدثرا بقطيفته محموما ألما ، وكان ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول قبل وفاته بأبي هو وأمي بيومين (7) فصعد المنبر فحمد

(6) كل من ذكر هذه السرية من المحدثين وأهل السير والأخبار نقل طعنهم في تأمير اسامة وانه صلى الله عليه وآله وسلم غضب غضبا شديدا فخرج على الكيفية التي ذكرناها فخطب الخطبة التي أوردناها ، فراجع سرية اسامة من طبقات ابن سعد وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها من المؤلفات في هذا الموضوع.

(7) هذا بناء على ما ذكره الحلبي والدحلاني في سيرتيهما ورواه المحدثون من أهل السنة كابن سعد في سرية اسامة من طبقاته ، وهي في آخر القسم الأول من الجزء الثاني من الطبقات.


102

الله وأثنى عليه ثم قال فيما اجمع اهل الأخبار على نقله واتفق أولوا العلم على صدوره : أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري اسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقا بالامارة وان ابنه بعده لخليق بها.. وحضهم على المبادرة الى السير فجعلوا يودعونه ويخرجون الى العسكر بالجرف وهو يحضهم على التعجيل ، ثم ثقل ( بأبي هو وأمي ) في مرضه فجعل يقول جهزوا جيش اسامة أنفذوا جيش اسامة أرسلو بعث اسامة ـ يكرر ذلك وهم متثاقلون ، فلما كان يوم الأثنين الثاني عشر من ربيع الأول دخل اسامة من معسكره على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمره بالسير قائلا له أغد على بركة الله تعالى ، فودعه وخرج الى العسكر ثم رجع ومعه عمر وأبو عبيدة فانتهوا اليه بأبي هو وأمي وهو يجود بنفسه فتوفي ، ( روحي وأرواح العالمين له الفداء ) في ذلك اليوم (8) فرجع الجيش باللواء الى المدينة الطيبة ، ثم عزموا على الغاء البعث بالمرة ، وكلموا أبا بكر في ذلك وأصروا عليه غاية الاصرار ، مع ما رأوه بعيونهم من اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في انفاذه وعنايته التامة في تعجيل ارساله ونصوصه المتوالية في الاسراع به على وجه يسبق الأخبار وبذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه وعهد الى أسامة في أمره وعقد لواءه بيده الى أن احتضر بأبي هو وأمي فقال « اغد على بركة الله تعالى » كما سمعت ، ولولا الخليفة لاجمعوا يومئذ على رد البعث وحل اللواء لكنه أبى عليهم ذلك ، فلما رأوا منه العزم على ارسال البعث جاءه عمر بن الخطاب حينئذ يلتمس منه بلسان الأنصار أن يعزل اسامة ويولي غيره.

هذا ولم يطل العهد منهم بغضب النبي وانزعاجه من طعنهم في تأمير أسامة ،

(8) وهذا أيضا بناء على ما في سيرتي الحلبي والدحلاني ورواية المحدثين من أهل السنة كابن سعد وغيره ، والمأثور عندنا أنه توفي صلى الله عليه وآله وسلم لليلتين بقيتا من صفر.


103

ولا بخروجه من بيته بسبب ذلك محموما مألوما معصبا مدثرا يرسف في مشيته ورجله لا تكاد تقله مما كان به من لغوب فصعد المنبر وهو يتنفس الصعداء ويعالج البرحاء فقال : أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وايم الله ان كان لخليقا بالامارة وان ابنه من بعده لخليق بها ، فأكد صلى الله عليه وآله وسلم الحكم بالقسم وان واسمية الجملة ولام التأكيد ليقلعوا عما كانوا عليه فلم يقلمعوا ، لكن الخليفة أبى ان يجيبهم الى عزل أسامة ، كما أبى ان يجيبهم الى الغاء البعث ، ووثب فأخذ بلحية عمر (9) فقال ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأمرني أن أنزعه.

ولما سيروا الجيش ـ وما كادوا يفعلون ـ خرج اسامة في ثلاثة آلاف مقاتل فيهم ألف فرس (10) وتخلف عنه جماعة منمن عبأهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جيشه ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم « جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه » (11).

(9) نقله الحلبي والدحلاني في سيرتيهما وابن جرير الطبري في احداث سنة 11 من تاريخه وغير واحد من اهل الأخبار.

(10) قشن الغارة على أهل ابنى فحرق منازلهم وقطع نخلهم وأجال الخيل في عرصاتهم وقتل من قتل منهم وأسر من أسر ، وقتل يومئذ قاتل أبيه ولم يقتل والحمد لله رب العالمين من المسلمين أحد ، وكان أسامة يومئذ على فرس أبيه شعارهم يا منصور امت ـ وهو شعار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ـ وأسهم للفارس سهمين وللرجل سهما واحد وأخذ لنفسه مثل ذلك.

(11) أرسل هذه الكلمة أرسال المسلمات جماعة من أعلام الاثبات كالامام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في المقدمة الرابعة من المقدمات التي ذكرها في أوائل كتابه الملل والنحل ، وأخرجها أبو بكر احمد ابن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة بالاسناد المرفوع الى رسول الله


104

وأنت تعلم انهم انما تثاقلوا عن السير أولا وتخلفوا عن الجيش أخيرا ليحكموا قواعد سياستهم ، ويقيموا عمدها ترجيحا منهم لذلك على التعبد بالنص ، حيث رأوه أولى بالمحافظة وأحق بالرعاية ، إذ لا يفوت البعث بتثاقلهم عن السير ، ولا بتخلف من تخلف منهم عن الجيش ، اما الخلافة فإنها تنصرف عنهم لا محالة ، إذا انصرفوا الى الغزوة قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وكان بأبي هو وأمي اراد ان تخلو منهم العاصمة ، فيصفوا الأمر من بعده لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب على سكون وطمأنينة ، فإذا رجعوا وقد ابرم عهد الخلافة واحكم لعلي عقدها ، كانوا عن المنازعة والخلاف ابعد.

وانما امر عليهم أسامة وهو ابن سبع عشرة سنة (12) لياّلأعنة البعض وردا لجماح اهل الجماح منهم واحتياطا على الأمن في المستقبل من نزاع اهل التنافس لو أمر احدهم كما لا يخفى ، لكنهم فطنوا الى كل ما دبر صلى الله عليه وآله وسلم فطعنوا في تأمير أسامة وتثاقلوا عن السير معه ، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بربه ، فهموا حينئذ بالغاء البعث وحل اللواء تارة وبعزل أسامة اخرى ، ثم تخلف كثير منهم عن الجيش كما سمعت. فهذه خمسة امور في هذه السرية لم يتعبدوا فيها بالنصوص الجلية إيثار لرأيهم في الأمور السياسية وترجيحا لاجتهادهم فيها على التعبد بنصوصه صلى الله عليه وآله وسلم.

ومنها رزية يوم الخميس ، وهي من الرزايا الفادحة والقضايا الثابتة نقلها اهل السير والأخبار ، واخرجها المحدثون كافة بالطرق المجمع على صحتها

صلى الله عليه وآله وسلم ، ونقلها عنه جماعة من أهل الاخبار كالعلامة المعتزلي الحنفي في آخر صفحة 20 من المجلد 2 من شرحه لنهج البلاغة طبع مصر.

(12) على الاظهر ، وقيل كان ابن ثمان عشرة سنة ، وقيل ابن تسع عشرة سنة ، وقيل ابن عشرين سنة ، ولا قائل بأن عمره كان أكثر من ذلك.


105

وحسبك منها ما اخرجه البخاري في باب قول المريض « قوموا عني » من كتاب المرضى من صحيحه (13) بسنده الى عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس قال : لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى عليه وآله وسلم : هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا (14) بعده فقال عمر : ان النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قوموا : قال عبيدالله : فكان ابن عباس يقول : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ـ .

وهذا الحديث مما لا كلام في صحته ، وقد اورده البخاري في كتاب العلم ايضا من صحيحه (15) ، وفي مواضع اخر يعرفها المتتبعون.

واخرجه مسلم في آخر الوصية من صحيحه (16) ورواه احمد من حديث ابن عباس في مسنده (17) وسائر المحدثين ، وقد تصرفوا فيه اذ نقوله بالمعنى ولفظه الثابت عن عمر رضي الله عنه « ان النبي يهجر » لكنهم ذكروا انه قال « ان النبي قد غلب عليه الوجع » تهذيبا للعبارة وتقليلا لما يستهجن منها ، ويدل على ذلك ما اخرجه ابو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة (18)

(13) راجع صفحة 5 من الجزء 4 من الصحيح.

(14) بحذف النون مجزوما لكونه جوابا ثانيا لهم.

(15) في صفحة 22 من جزئه الاول.

(16) في صفحة 14 من جزئه الثاني.

(17) راجع صفحة 32 من جزئه الأول.

(18) كما في صفحة 20 من المجلد الثاني من شرح النهج للعلامة المعتزلي طبع مصر.


106

بالاسناد الى عبدالله بن عباس قال : لما حضرت رسول الله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أئتوني بدواة وصحيفة اكتب كتاب لا تضلوا بعده. قال : فقال عمر كلمة معناها ان الوجع قد غلب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال : عندنا القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف من في البيت واختصموا فمن قائل قربوا يكتب لكم النبي ومن قائل ما قال عمر ، فلما اكثروا اللغط واللغو والاختلاف غضب صلى الله عليه وآله وسلم فقال : قوموا ـ الحديث.

وتراه صريحا بأنهم انما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا بعين لفظه ، ويدلك على هذا ايضا ان المحدثين حيث لم يصرحوا باسم المعارض يومئذ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نقلوا الحديث بعين لفظه : قال البخاري في باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد والسير من صحيحه (19) : حدثنا قبيصة حدثنا ابن عيينة عن سلمان الاحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس انه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال : اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه يوم الخميس فقال : ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا ، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا : هجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال دعوني فالذي انا فيه خير مما تدعوني اليه. قال : وأوصى عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم : قال : ونسيت الثالثة (20). وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضا في آخر كتاب الوصية من صحيحه ، واحمد من حديث ابن عباس في مسنده (21) ونقله كافة المحدثين.

(19) في صفحة 118 من جزئه الثاني.

(20) الثالثة ليست الا الامر الذي أراد ـ بأبي وأمي ـ ان يكتبه حفظا لهم من الضلال فصدوه عن كتابته ، وهو العهد لعلي بالخلافة من بعده لكن السياسة في تلك الاوقات اضطرت رواة الحديث الى القول بانهم قد نسوا ذلك ، فانا لله وانا اليه راجعون.

(21) راجع صفحة 222 من جزئه الاول.


107

وأخرج مسلم في كتاب الوصية من الصحيح عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس انه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أئتوني بالكتف والدواة ، أو اللوح والدواة اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقالوا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهجر (22).

ومن ألم بمجموع ما حول هذه الرزية من الأحاديث يعلم أن أول من قال يومئذ هجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انما هو الخليفة الثاني رضي الله عنه ، ثم نسج على منواله من الحاضرين من كانوا يرون رأيه ويؤثرون هواه ، كما يدل عليه الحديث الأول الذي رواه البخاري بسنده الى عبيد الله بن عبدالله عن ابن عباس ، وقد سمعت قول ابن عباس فيه ، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر.

وكيف كان فانهم لم يتعبدوا هنا بنصه الذي لو تعبدوا به لأمنوا من الضلال ، بل لم يكتفوا بعدم الامتثال لامره حتى ردوا عليه بقولهم « حسبنا كتاب الله » كما يزيف أحدنا رأي الآخر ، كأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم بمكان كتاب الله منهم ، أو أنهم أعلم منه بخواص كتاب الله وفوائده ، وليتهم اكتفوا بهذا كله ولم يفاجئوه بكلمتهم تلك وهو محتضر بأبي هو وأمي بينهم ، وأي كلمة كانت منهم وداعا له صلى الله عليه وآله وسلم ، وكأنهم حيث لم يأخذوا بهذا النص اكتفاء منهم بكتاب الله على ما زعموا لم يسمعوا هتاف الكتاب آناء الليل وأطراف النهار في أنديتهم قائلا : « وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا » وكأنهم حيث قالوا كلمتهم تلك لم يقرأوا قوله تعالى : «﴿ انه لقول رسول كريم*ذي قوة عند ذي العرش مكين*مطاع ثم أمين*وما صاحبكم بمجنون » وقوله عز من

(22) وأخرج هذا الحديث بهذه الالفاظ احمد في صفحة 355 من الجزء الاول من مسنده وغير واحد من الاثبات.


108

قائل : «﴿ انه لقول رسول كريم*وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون*ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون*تنزيل من رب العالمين » وقوله سبحانه وتعالى : «﴿ ما ضل صاحبكم وما غوى*وما ينطق عن الهوى*إن هو الا وحي يوحى*علمه شديد القوى » الى كثير من هذه الآيات المحكمة المنصوص فيها على عصمة قوله من الهجر صلى الله عليه وآله وسلم.

على أن العقل يستقل بذلك ويحكم جازما به كما لا يخفى على أولي الألباب ، لكن القوم علموا أنه صلى الله عليه وآله وسلم يريد توثيق العهد الى علي بالخلافة وتأكيد النص بها عليه خاصة وعلى الأئمة من عترته عامة احتياطا على أمته ومبالغة في النصح لها واهتماما في شأن خلفائه بتسجيل عهده اليهم بالخلافة خطا بعد أن أعلنه قولا وفعلا ، فصدوه عن هذه المهمة بكلمتهم هذه ، كما اعترف به الخليفة الثاني في كلام دار بينه وبين ابن عباس (23).

وانت هداك الله إذا تأملت في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « أئتوني اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده » وقوله في حديث الثقلين « اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي » تعلم ان المرمى في الحديثين واحد ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم انما أراد في مرضه بأبي هو وأمي أن يكتب لهم تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين ، وانما عدل عن ذلك لأن كلمتهم التي فاجأوه بها اضطرته الى العدول ، إذ لم يبق بعدها أثر لكتابة الكتاب لاختلاف الامة من بعده في أنه هجر فيما كتبه فيه ( والعياذ بالله ) أو لم يهجر ، كما اختلفوا في ذلك فاختصموا وأكثروا اللغط نصب عينيه ، فلم يتسن له يومئذ أكثر من طردهم من مجلسه ، فقال : « قوموا عني » كما سمعت.

(23) راجع الجزء 12 من شرح النهج الحديدي تجد ذلك في السطر 27 من صفحة 114 من المجلد 3 طبع مصر.


109

ولو أصر فكتب الكتاب للجوا في قولهم هجر ولأوغل اشياعهم في اثبات هجره ( والعياذ بالله ) فسطروا به أساطيرهم وملأوا منه طواميرهم ردا على علي وشيعته اذا احتجوا بذلك الكتاب.

لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضرب صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك الكتاب صفحا لئلا يفتح هؤلاء المعارضون وأولياؤهم بابا الى الطعن في نبوته ( نستجير بالله ) وقد رأى صلى الله عليه وآله وسلم أن أولياء علي خاضعون لخلافته ، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ، وغيرهم لا يعمل به ولا يعتبره ولو كتب ، فالحكمة والحال هذه توجب تركه إذا لا أثر له بعد تلك المعارضة سوى وقوع الفتنة كما لا يخفى. ومن تأمل أحوالهم زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلا عن أيام خلافتهم علم أنهم كانوا كما نبهناك اليه.

ألا تراهم يوم تبوك كيف انكروا اذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ بنحر ابلهم وأكل لحومها ، إذ أملقوا في تلك الغزوة وجاعوا فأنكر عمر ( رض ) ذلك وقال : ما بقاؤكم بعد إبلكم والقضية ثابتة معروفة ، أخرجها البخاري في باب حمل الزاد في الغزو من كتاب الجهاد والسير من الجزء الأول من صحيحه ، ورواها سائر المحدثين.

وأنكروا عليه صلح الحديبية بتلك العبارات المزعجة ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم مأمورا به والحكمة كانت فيه بالغة ، اذ دخل بسببه في الدين أضعاف ما دخل فيه قبل ذلك ، فكان في الواقع فتحا مبينا (24) ونصرا عزيزا

(24) وفيه انزل الله تعالى «﴿ انا فتحنا لك فتحا مبينا » عن الشعبي وغيره كما في الكشاف وغيره. وعن موسى بن عقبة كما في الكشاف أيضا أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح ، لقد صدونا عن البيت وصد هدينا ، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال : بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح ـ الحديث.


110

بيد أن أبا حفص (رض) لم يدرك يومئذ حكمته واعتقده خطة خسف فأنكره جهرة وصادر به علانية ، والقضية مشهورة وحسبك منها ما أخرجه مسلم في باب صلح الحديبية من الجزء الأول من صحيحه ان عمر بن الخطاب قال يومئذ : ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بلى. قال : اليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى. قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا بن الخطاب اني رسول الله ولن يضيعني الله ابدا. قال : فانطلق عمر (رض) فلم يصبر متغيضا ، فأتى ابا بكر (رض) فقال : يا أبا بكر السنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى. قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى. قال : فعلى م نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال : يا بن الخطاب أنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا ـ الحديث. وأخرجه غير واحد من المحدثين بلهجة اشد مما سمعت.

وأخرج البخاري في آخر كتاب الشروط (25) من صحيحه حديثا جاء فيه : أن عمر (رض) قال : فقلت ألست نبي الله حقا ؟ قال : بلى. قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى. قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا اذن ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : اني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام. قلت : لا قال : فانك آتيه ومطوف به ؟ قال : فأتيت أبا بكر فقلت : اليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى. ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى. قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا اذن ؟ قال : أيها الرجل انه لرسول الله ، وليس يعصي به وهو ناصره فاستمسك بغرزه (26) فوالله انه على الحق. فقلت :

(25) في صفحة 81 من جزئه الثاني.

(26) الغرز ركاب من جلد يضع الراكب رجله فيه ، فيكون المعنى


111

أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرك انك تأتيه العام. قلت : لا. قال : فانك آتيه ومطوف به. قال عمر (رض) فعملت لذلك أعمالا (27) قال : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قضية الكتاب ( الذي كتبه يومئذ في الصلح ) قال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال : فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ـ الحديث. وأخرجه الأمام أحمد من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في مسنده (28).

وذكر الحلبي في غزوة الحديبية من سيرته (29) أن عمر (رض) جعل يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام ، فقال له أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما يقول ، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الحلبي : وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ : يا عمر اني رضيت وتأبى.

وقال الحلبي وغيره ان عمر(رض) كان بعد ذلك يقول : ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق مخافة كلامي الذي تكلمت به... الى آخر ما هو مأثور عنه في هذه القضية.

وأنكر (رض) يوم بدر أخذ الفداء من الأسرى واطلاق سراحهم ، وكان من رأيه أن يعمد حمزة الى أخيه العباس فيقتله ، ويأخذ علي أخاه عقيلا

اعتلق به وامسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه ، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره. وفي القاموس : غرز كسمع اطاع السلطان بعد عصيان ، وعلى هذا فلفظ غرزه هنا مصدر مصدر غرز فيكون المعنى استمسك بطاعته بعد العصيان.

(27) لا تخفى دلالة كلمته هذه على أن اعماله كانت عظيمة وبسببها لم يمتثلوا أمره أياهم بالنحر حتى أمرهم بذلك ثلاثا كما ستسمعه في الاصل.

(28) راجع آخر الصفحة 230 من جزئه الرابع.

(29) في الصفحة 19 من الجزء الثالث.


112

فيقتله ، وهكذا كل مسلم له قرابة في أسرى المشركين يقتله بيده حتى لا يبقى منهم أحد ، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الرأي ، تعبدا بالوحي الموافق للرحمة والحكمة «﴿ وما ينطق عن الهوى. أن هو إلاّ وحي يوحى. علمه شديد القوى » لكن الجاهلين بعصمته وحكمته «﴿ لا يقومون كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا انما » كان الحق في هذه الواقعة مع عمر (رض) ، معتمدين في ذلك على أحاديث اختلقها بعض المنافقين من أعداء الله «﴿ وما أنزل الله بها من سلطان » ، «﴿ فما قدروا الله حق قدره » وقد امعنوا في التيه واوغلوا في الجهل وتسكعوا في تفسير قوله تعالى : «﴿ ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الحياة الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم » حيث اشتبهت عليهم في هذه الآية معالم القصد وعميت لديهم فيها وجوه الرشد ، فقالوا بنزولها في التنديد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه ، حيث آثروا ( بزعم هؤلاء الجهلاء ) عرض الحياة الدنيا على الآخرة ، فاتخذوا الأسرى وأخذوا منهم الفداء قبل ان يثخنوا في الأرض وزعموا انه لم يسلم يومئذ من الخطيئة الا عمر رضي الله عنه ، وانه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطاب ، ورووا في ذلك من الروايات الموضوعة ما شاءه جهلهم ، واقتضاه نفاق الواضعين وعداوتهم.

وكذب من زعم انه صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ الأسرى واخذ منهم الفداء قبل ان يثخن في الأرض ، فانه بأبي وأمي انما فعل ذلك بعد ان اثخن في الأرض ، وقتل صناديد قريش وطواغيتها ، كأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد وحنظلة الى سبعين من رؤوس الكفر وزعماء الظلال ، كما هو معلوم بالضرورة الأولية ، فكيف يمكن بعد هذا ان يتناوله صلى الله عليه وآله وسلم اللوم المذكور في الآية ( تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ) ؟ !

والصواب ان الآية انما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودون العير واصحابه


113

على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في هذه الواقعة عز من قائل : «﴿ واذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين » وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد استشار أصحابه ، فقال لهم (30) ان القوم قد خرجوا على كل صعب وذلول فما تقولون العير أحب اليكم أم النفير ؟ قالوا : بل العير أحب الينا من لقاء العدو ، وقال بعضهم حتى رآه صلى الله عليه وآله وسلم مصرا على القتال : هلا ذكرت لنا القتال لنتأهب له انا خرجنا للعير لا للقتال ، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى : «﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين لهم كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون ».

وحيث أراد الله عز وجل أن يقنعهم بمعذرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اصراره على القتال وعدم مبالاته بالعير وأصحابه قال عز من قائل : «﴿ ما كان لنبي » من الأنبياء المرسلين قبل نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم : «﴿ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض » فنبيكم لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض على سنن غيره من الأنبياء عليهم السلام ، ولذلك لم يبال اذ فاته أسر أبي سفيان واصحابه حين هربوا بعيرهم الى مكة ، لكنكم انتم «﴿ تريدون » إذ تودون اخذ العير واسر اصحابه «﴿ عرض الدنيا والله يريد الآخرة » باستئصال ذات الشوكة من اعدائه «﴿ والله عزيز حكيم » والعزة والحكمة تقتضيان يومئذ اجتثاث عز العدو واطفاء جمرته. ثم قال تنديدا بهم وتهديدا لهم «﴿ لولا كتاب من الله سبق » في علمه الأزلي بأن يمنعكم من اخذ العير واسر صحابه لأسرتم القوم واخذتم عيرهم ، ولو فعلتم ذلك «﴿ لمسكم فيما اخذتم » قبل ان تثخنوا في الأرض «﴿ عذاب عظيم » هذا معنى الآية الكريمة (31) وحاشا لله ان يريد منها ماذكره اولئك الجهلاء.

(30) كما في السيرتين الحلبية والدحلانية وغيرهما من الكتب المشتملة على ذكر هذه الواقعة.

(31) يجوز ان يكون المعنى « لولا كتاب من الله سبق » في علمه الازلي


114

بقى هنا أمر ننبهك اليه لتكون على يقين بمعذرة المتأولين ، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه (32) ( يوم التقى الجمعان في بدر ) قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم أخرجوا اكراها ، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله ، فانه أخرج كرها. نهى عن قتل بني هاشم عموما وعن قتل العباس منهم بالخصوص حين كانوا في ساحة القتال لكونهم مكرهين على ذلك ، فالعجب ممن اقترح بعدها عليه بأبي هو وأمي أن يقتل العباس وعقيلا بيدي أخويهما حمزة وعلي فهل هذا من مظاهر رفقه بالنبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ، أو من موارد تعبده بنصوصه المقدسة ؟ ! كلا بل هو من الشواهد على أنه كان يؤثر رايه على التعبد بها كما لا يخفى.

وقد استاء أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من نهي النبي صلى الله عليه وآله عن قتل العباس وسائر بني هاشم حتى قال ( كما في تاريخي ابن الأثير وابن جرير وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرهما ) : أنقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا ونترك العباس ، والله لئن لقيته لا لجمنه بالسيف ، فبلع النبي ذلك النبي فقال لعمر (رض) : يا أبا حفص اما تسمع قول أبي حذيفة ، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟ فانظر كيف استنجده للدفاع عن عمه واعجب من اقتراحه بعد ذلك عليه قتله.

وقد ذكر المؤرخون كافة أنه لما أمسى العباس مأسورا بات رسول الله بأبي هو وأمي ساهرا ، فقال له أصحابه : يا رسول الله مالك لا تنام ؟ فقال : سمعت تضور العباس في وثاقه فمنع مني النوم فقاموا اليه فأطلقوه فنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

بأن لا يعذبكم والنبي فيكم كما صرحت به محكمات الفرقان «﴿ لمسكم فيما أخذتم » به من الرأي والعزم في شأن العير وأصحابه «﴿ عذاب عظيم ».

(32) كما في تاريخي ابن جرير وابن الاثير وسيرتي الدحلاني والحلبي وغيرها.


115

وان رحمته صلى الله عليه وآله وسلم للعالمين ورأفته بالمؤمنين واشفاقه على عشيرته الأقربين وخصوصا على أبي الفضل صنو أبيه والبقية من أهليه لمما هو غني عن البيان ومن ذا يجهل حرصه يومئذ على سلامتهم ورغبته التامة في بقائهم ليفوزوا بعد ذلك بخدمته ، وكانوا في الواقع مؤمنين لكنهم لم يتمكنوا من الهجرة اليه فأكرهوا على الخروج كما نص عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاقترح قتلهم والحال هذه أكبر شاهد على أنهم كانوا يؤثرون ارادتهم في مثل هذا المقام على التعبد بارادته وأوامره عليه وآله الصلاة والسلام.

ولهم في أحد حالات تشهد بما قلناه ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد استقبل المدينة في هذه الغزوة وترك أحدا خلف ظهره وجعل الرماة وراءه وكانوا خمسين رجلا أمر عليهم عبد الله بن جبير رحمه الله وقال له ( فيما نص عليه المؤرخون والمحدثون كافة ) انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت (33) مكانك ان كانت لنا أو علينا ، وحضهم على ذلك بما لا مزيد عليه وشدد عليهم الأمر في طاعة أميرهم عبدالله ـ لكنهم ( واأسفاه ) لم يتعبدوا يومئذ بأوامره ونواهيه صلى الله عليه وآله وسلم ترجيحا لآرائهم عليها ، وذلك حيث حمي الوطيس واشتد بأس المسلمين بسطوة حيدرة الكرار على فيالق المشركين وصولته على أصحاب لوائهم وهم ثمانية من بني عبد الدار ، كانوا أسود الوقائع واحلاس الخيل وتاسعهم عبدهم صواب كان من طينتهم وعلى شاكلتهم فقتلهم أمير المؤمينين (34) واحداً بعد واحد وبقي لواؤهم مطروحا على الارض لا يدنوا منه

(33) راجع تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما تجد قوله صلى الله عليه وآله وسلم هذا بعينه : وكل من أرخ واقعة أحد ذكره أو أشار اليه.

(34) نص ابن الاثير في غزوة أحد من كامله على ان الذي قتل أصحاب اللواء يومئذ علي بن أبي طالب ، وصرح بذلك غير واحد من المؤرخين والمحدثين.


116

أحد ، فانكشف الكفار حينئذ عن المسلمين هاربين على غير انتظام ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون ما تركه من أسلحة وأمتعة وذخائر ومؤن فلما نظر الرماة الى المسلمين وقد اكبوا على الغنائم دفعهم الطمع في النهب الى مفارقة محلهم (35) الذي أمروا ان لا يفارقوه فنهاهم أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه فلم ينتهوا وقالوا : ما مقامنا ها هنا وقد انهزم المشركون. فقال عبدالله (36) والله لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثبت مكانه مع أقل من عشرة فنظر خالد ابن الوليد المخزومي الى قلة من في الجبل من الرماة فكر بالخيل عليهم (37) ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فقتلوهم ومثلوا بعبد الله بن جبير فأخرجوا حشوة بطنه وهجموا على المسلمين وهم غافلون وتنادوا بشعارهم يا للعزى يا لهبل ، ووضعوا السيوف في المسلمين وهم آمنون فكان البلاء ، وقتل حمزة سيد الشهداء وسبعون من صناديد المهاجرين والانصار ، وأصيب النبي بأبي هو وأمي بجروح يقرح القلوب ذكرها ويهيج الأحزان بيانها ، فجزاه الله عنا خيرا ما جزى نبيا عن أمته ، وانما كان هذا البلاء كله بعدهم بأوامره ونواهيه المقدسة عفا الله تعالى عنهم.

لهم ثمة واقعة ثانية قدموا فيها رأيهم أيضا ، وهي أعظم من الأولى ، وذلك أنه لما اشتد البلاء بهجوم خالد على المسلمين تركوا سيد الأنبياء بين أولئك الأعداء ، وأسلموه لأحقادهم البدرية وضغائنهم الكفرية ، وفروا مصعدين لا يلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم فلا يلبونه كما حكاه الله عز وجل حيث

(35) كما في غزوة أحد من تاريخ ابن الاثير وغيره من سائر كتب السير والاخيار.

(36) كما في تاريخ ابن الاثير وغيره.

(37) صرح بهذا كل من ارخ غزوة أحد فراجع ما شئت من كتب السير والاخبار.


117

يقول (38) «﴿ اذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم » ولم يثبت معه الا نفر يسير لا يزيدون على أربعة عشر رجلا (39) يحمل لواءهم علي بن أبي طالب (40) وله ثمة مواقف شكرها الله له ورسوله وجبرئيل والمؤمنون ، حيث قام في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ساقه وشد لها حيازيمه ، فحمل على جموع الأعداء حملته العظيمة فكشفهم عن النبي وقد أثخن بأبي هو وأمي فجعل تارة يدافع عنه الأعداء وأخرى ينقل له الماء من المهراس في درقته فيغسل جرحه (41) وجعل صلى الله عليه وآله وسلم كلما أبصر جماعة من الأعداء يقول : اكفينيهم يا علي (42) ، فيشد عليهم بسيفه فلا يرجع حتى يفرق شملهم ويمزق جمعهم وقد عجبت بذلك ملائكة السماء من مواساته فقال جبرائيل عليه السلام (43) : يا رسول الله هذه المواساة. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أنه مني وأنا منه فقال جبرائيل عليه السلام : وأنا منكما. وسمعوا حينئذ مناديا ينادي لا سيف إلا ذو الفقار (44) ولا فتى الا علي.

(38) اجمع المفسرون والمحدثون والمؤرخون على نزول هذه الآية في هذه الواقعة.

(39) كما في تاريخ ابن الأثير وغيره.

(40) لا كلام في ان حامل لواء المسلمين يوم أحد انما كان أولا مصعب ابن عمير ، فلما استشهد رحمه الله حمله علي باتفاق اهل الاخبار ، ولم يزل يومئذ حاملا له حتى انتهى القتال.

(41) كل من أرخ غزوة احد من الاولين والآخرين ذكر نقل على الماء من المهراس بدرقته الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فراجع.

(42) راجع غزوة أحد من تاريخ ابن الاثير وغيره.

(43) كما في تاريخ ابن الأثير وابن جرير وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها.

(44)راجع غزوة أحد من تاريخي ابن جرير وابن الاثير والسيرة الحلبية وغيرها تجد هذا النداء.


118

شط بنا القلم عن المقصود فلنعد اليه فنقول : أن القوم اسلموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واوغلوا في الهرب حتى قال المحدثون والمؤرخون واللفظ لابن الاثير في كامله : قد انتهت الهزيمة بجماعة المسلمين وفيهم عثمان بن عفان وغيره الى الأحوص فأقاموا به ثلاثة ثم أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم حين رآهم : لقد ذهبتم فيها عريضة.

هذا مع ما سمعوه من النواهي الصريحة في تحريم ذلك ، وحسبك منها قوله تعالى : «﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار » الآية.

هناك نص آخر عدل البعض عن العمل به أيضا ، وذلك أنه لما أشتد البلاء وعظم الخطب بفرار المسلمين ارهف المشركون لقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غرار عزمهم وأرصدوا لذلك جميع اهبهم ، فتعاقد خمسة من شياطينهم على ذلك كانوا كالفدائية في هذا السبيل ، وهم عبدالله بن شهاب الزهري وعتبة بن أبي وقاص وابن قمأة الليثي وأبي بن خلف وعبد الله بن حميد الأسدي القرشي لعنهم الله واخزاهم ، فاما ابن شهاب فأصاب جبهته الميمونة ، وأما عتبة فرماه ( تبت يداه ) بأربعة أحجار فكسر رباعيته وشق شفته ، وأما ابن قمأة ( قاتله الله ) فكم وجنته ودخل من خلف المغفر فيها ، وعلاه بالسيف ( شلت يداه ) فلم يطق ان يقطع فسقط صلى الله عليه وآله وسلم الى الأرض. وأما أبي بن خلف فشد عليه بحربته فأخذها رسول الله منه وقتله بها ، وأما عبدالله بن حميد فقتله أبو دجانة الأنصاري شكر الله سعيه وأعلى في الجنان مقامه فأنه ممن أبلى يومئذ بلاء حسنا ، ثم حمل ابن قمأة على مصعب بن عمير وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقتله ورجع الى قريش يبشرهم بقتل محمد ، فجعل الناس يقولون قتل محمد قتل محمد ، فانخلعت قلوب المسلمين جزعا وكادت نفوسهم أن تزهق هلعا وأوغلوا في الهرب مدلهين مدهوشين لا يرتابون في قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد سقط في أيديهم ، وكان


119

أول من عرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حي كعب بن مالك. قال (45) فناديت يا معشر المسلمين ابشروا هذا رسول الله حي لم يقتل فأشار اليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان انصت مخافة ان يسمعه العدو فيثب عليه ، فسكت الرجل ثم أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تجيبوه (46) مخافة أن يعرف انه حي فيشد عليه بمن معه من أعداء الله ورسوله ثم نادى : أنشدك الله يا عمر اقتلنا محمد ؟ فقال عمر (47) اللهم لا وانه والله ليسمع كلامك. فقال أبو سفيان : انت أصدق من ابن قمأ. وأنت تراه قد أجاب أبا سفيان مع نهيه صلى الله عليه وآله وسلم اياهم عن جوابه ، وما ذاك إلا لكونه متأولا وحسبك بهذا دليلا على معذرة المتأولين.

وأنكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم مات المنافق ابن أبي حيث جاء ابنه فقال : يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له ، فأعطاه قميصه وقال : إذا فرغت منه فآذنا. ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ قد نهي عن الصلاة على المنافقين (48) وكانت الحكمة فيما فعله صلى الله عليه وآله وسلم بالغة ، وقيل له صلى الله عليه وآله وسلم (49) لم وجهت قميصك اليه يكفن فيه ؟

(45) كما في غزوة احد من تاريخ ابن الأثير وغيره.

(46) كما في غزوة احد من تاريخي ابن الأثير وابن جرير ومن طبقات ابن سعد ومن السيرتين الحلبية والدحلانية وسائر الكتب المشتملة على هذه الغزوة.

(47) فيما رواه عنه كل من أرخ غزوة أحد كابن سعد في طبقاته وابن جرير وابن الاثير وسائر أهل السير والاخبار.

(48) فيما رواه أصحابنا عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونقله صاحب مجمع البيان عن ابن عباس وجابر وقتادة.

(49) في رواية ذكرها صاحب مجمع البيان في تفسير قوله تعالى «﴿ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا » من سورة التوبة.


120

فقال : ان قميصي لن تغني عنه من الله شيئا ، واني أؤمل ان يدخل بهذا السبب في الاسلام خلق كثير. فروي انه اسلم بهذا السبب ألف من الخزرج (50) ولكن عمر (رض) لم يدرك الحكمة فيما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنكر عليه فعله حتى جذبه بردائه وهو واقف للصلاة عليه ، والقضية ثابتة اخرجها البخاري في الصفحة الثانية من كتاب اللباس من صحيحه (51) ورواها كافة محدثي السنة ومؤرخيهم ، وقد بلغت القحة هنا ببعض الجاهلين مبلغا لا يليق بذي دين والأولى بفصولنا الاعراض عن فضولهم.

وانكر عليه أمره صلى الله عليه وآله وسلم أبا هريرة ان يبشر بالجنة كل من لقيه من أهل التوحيد ، حيث اقتضعت الحكمة يومئذ تنشيط الموحدين وتشويق الناس الى التوحيد ، وترغيبهم في الاسلام بتسهيل الامر عليهم ، وكانت الحاجة في تلك الأوقات الى ذلك شديدة فأنكر عمر ذلك وضرب أبا هريرة ( وهو رسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ردعا له عن أداء ما أمره به رسول الله ) ضربة خر بها الى الأرض ، والقضية ثابتة فراجعها في صحيح مسلم (52).

وترك ابو بكر وعمر رضي الله عنهما قتل رجل أمرهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتله وأخبرهم انه لو قتل ما اختلف بعده اثنان ، وفي قضية مستفيضة أخرجها المحدثون بأسانيدهم المعتبرة ونقلها أهل السير والأخبار. وحسبك منها ما اخرجه الامام احمد بن حنبل في صفحة 15 من الجزء الثالث من مسنده من حديث ابي سعيد الخدري قال : ان أبا بكر جاء الى رسول الله صلى الله عليه

(50) نقل الامام الطبرسي هذه الرواية في تفسير الآية من مجمع البيان عن الزجاج.

(51) في اول صفحة 18 من جزئه الرابع.

(52) في باب من لقي الله بالايمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار ، وهو في أوائل الجزء الاول من الصحيح.


121

وآله وسلم فقال : يارسول الله اني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اذهب اليه فاقتله قال : فذهب اليه ابو بكر فلما رآه على تلك الحال كره أن يقتله ، فرجع الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر اذهب فاقتله ، فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه ابو بكر. فكره أن يقتله. قال : فرجع فقال يا رسول الله اني رايته يصلي متخشعا فكرهت أن أقتله. قال يا علي اذهب فاقتله قال : فذهب علي فلم يره ، فرجع علي فقال : يا رسول الله انه لم يره. قال : فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه ، فاقتلوهم هم شر البرية .

وأخرج أبو يعلي في مسنده ( كما في ترجمة ذي الثدية من اصابة ابن حجر ) عن أنس قال : كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل يعجبنا تعبده واجتهاده وقد ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسمه فلم يعرفه ، فوصفناه بصفته فلم يعرفه ، فبينما نحن نذكره إذ طلع الرجل قلنا : هو هذا. قال : انكم لتخبروني عن رجل ان في وجهه لسفعة من الشيطان ، فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنشدك الله هل قلت حين وقفت على المجلس ما في القوم أحد أفضل مني أو خير مني ؟ قال : الهم نعم. ثم دخل يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من يقتل الرجل ؟ فقال أبو بكر أنا ، فدخل عليه فوجده يصلي ، فقال : سبحان الله أقتل رجلا يصلي ؟ ! فخرج فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما فعلت ؟ قال : كرهت أن أقتله وهو يصلي ، وأنت قد نهيت عن قتل المصلين. قال من يقتل الرجل قال عمر : أنا فدخل فوجده واضعا جبهته فقال عمر : أبو بكر أفضل مني ، فخرج فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : مهيم ؟ قال : وجدته واضعا جبهته لله فكرهت أن اقتله. فقال : من يقتل الرجل ؟ فقال علي : أنا. فقال صلى الله


122

عليه وآله وسلم : انت ان ادركته ، فدخل عليه فوجده قد خرج ، فرجع الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : مهيم ؟ قال : وجدته قد خرج. قال : لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان ـ الحديث.

وأخرجه الحافظ محمد بن موسى الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من تفاسير يعقوب بن سفيان ومقاتل بن سليمان ويوسف القطان والقاسم بن سلام ومقاتل بن حيان وعلي بن حرب والسدي ومجاهد وقتادة ووكيع وابن جريح. وارسله ارسال المسلمات جماعة من الاثبات ، كابن عبد ربه الأندلسي انتهائه الى القول في أصحاب الاهواء من الجزء الأول من عقده الفريد وقد جاء في آخر ما حكاه في هذه القضية ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ان هذا لاول قرن يطلع في أمتي لو قتلتموه ما اختلف بعده اثنان ، إن بني اسرائيل افترقت اثنين وسبعين فرقة وان هذه الأمة ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا فرقة (53) واحدة .

وقريب من هذه القضية ما أخرجه الامام أحمد من حديث علي ( في صفحة 155 من مسنده ) قال : جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أناس من قريش فقالوا : يا محمد انا جيرانك وحلفاؤك وإن ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه انما فروا من ضياعنا وأموالنا فارددهم الينا. فقال لأبي بكر : ما تقول ؟ قال : صدقوا انهم جيرانك. قال : فتغير وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال لعمر ما تقول ؟ قال صدقوا انهم جيرانك وحلفاؤك فتغير وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان بعضهم يلمزه في الصدقات قال الله تعالى «﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون » وأخرج

(53) فرقة وشيعة لفظان « بحساب الجمل » مترادفان لان كلا منهما 385 ، وهذا بما تتفاءل به تلك الفرقة.


123

البخاري (54) عن عبدالله بن مسعود قال : قسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم فقال رجل من الأنصار : والله انها لقسمة ما أريد بها وجه الله. قلت : أما أنا لأقولن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأتيته وهو في أصحابه فساررته فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتغير وجهه وغضب حتى وددت اني لم أكن أخبرته ، ثم قال : قد أوذي موسى عليه السلام بأكثر من ذلك فصبر .

وأخرج البخاري أيضا (55) عن عبدالله قال : لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الابل وأعطى عيينة مثل ذلك ، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم في القسمة تألفا لقلوبهم وقلوب عشائرهم وترغيبا لهم في الاسلام. فقال رجل والله إن هذه القسمة ما عدل بها. فقلت : والله لاخبرن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأتيته فأخبرته فقال : فمن يعدل إذا لم يعدل الله (56) ورسوله ، رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر .

وأخرج الامام أحمد من حديث عمر في صفحة 20 من الجزء الأول من مسنده عن الأعمش عن شقيق سلمان بن ربيعة قال : سمعت عمر يقول : قسم رسول الله قسمة فقلت : يا رسول الله لغير هؤلاء احق منهم أهل الصفة قال : فقال رسول الله انكم تسألوني بالفحش ـ الحديث.

(54) في باب الصبر على الاذى من كتاب الآداب في صفحة 44 من الجزء الرابع من صحيحه.

(55) في أواخر كتاب الجهاد والسير في صفحة 132 من الجزء الثاني من صحيحه ، وهناك عدة أحاديث بهذا المعنى.

(56) قوله اذا لم يعدل الله ورسوله نص بأنه بأبي هو وأمي كان مأمورا من الله تعالى بتلك القسمة التي أنكرها المنافقون الجاهلون بحكمته البالغة «﴿ أن هو الا وحي يوحى ».


124

وكان بعضهم يتنزه عن الشيء يرخص فيه رسول الله ويفعله صلى الله عليه وآله وسلم... اخرج البخاري (57) عن عائشة قالت : صنع النبي صلى الله عيله وآله وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخطب فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء اصنعه ، فوالله اني لأعلمهم بالله واشدهم له خشية .

وسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاطب بن بلتعة حين أرسل صحيفته الى المشركين فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي ومالي ، وليس من أصحابك أحد إلا له هناك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدق لا تقولوا له الا خيرا. فقال عمر : قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلاضرب عنقه ـ الحديث. أخرجه البخاري في آخر كتاب استتابة المرتدين من الجزء الرابع من صحيحه ، وفي مواضع أخر من الصحيح.

ولا يخفى ما فيه من الدلالة على ما قلناه. ولو أردنا استيفاء ما كان من هذا القبيل من موارد تأولهم في مقابل الدليل لطال الباب وخرجنا عن خطة الكتاب ، فعساك تقنع بعد هذا بمعذرة المتأولين وتقلع عما ابتدعه طغام المرجفين.

وان أردت المزيد وابتغيت التأكيد فخذ مني مضافا الى ما تلوناه وعلاوة على ما اسلفناه دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا لا ترتاب بعده في معذرة المتأولين ولا تشك في نجاتهم يوم الدين ، وحاصله أن الجمهور أجمعوا على خلافة عثمان منذ بويع حتى قتل ، مع ما كان في أيامه من الأحداث التي لولا حمله فيها على التأول لبطلت أمامته وسقط عن أريكة الخلافة ، وحسبك من تلك الأحداث ما هو معلوم بالتواتر وضرورة التاريخ ، وسأتلو عليك يسيرا منها نقلا من كتاب الملل

(57) في كتاب الآداب في صفحة 44 من الجزء الرابع من صحيحه.


125

والنحل للشهرستاني بعين لفظه : قال (58) منها رده الحكم ابن أمية الى المدينة بعد أن طرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان يسمى طريد رسول الله ، وبعد أن تشفع الى أبي بكر وعمر (رض) أيام خلافتيهما فما أجاباه الى ذلك ونفاه عمر من مقامه أربعين فرسخا. قال : ومنها نفيه أبا ذر الى الربذة ، وتزويجه مروان بن الحكم بنته ، وتسليمه خمس غنائم أفريقية له ، وقد بلغت مئتي ألف دينار. قال : ومنها ايواؤه عبدالله بن سعيد بن أبي سرح ، بعد أن أهدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم دمه وتوليته أياه مصر بأعمالها ، وتوليته عبدالله بن عامر البصرة حتى أحدث ما أحدث الى غير ذلك مما نقموا عليه .

قلت : كاحراقه المصاحف جمعا للناس على قراءة واحدة كما هو مقرر معلوم ، وقد نص عليه المؤرخون وأرسله ابن الأثير في كامله ارسال المسلمات (59) وكحماية لحمى ، وإعطائه المقاتلة من مال الصدقة ، وايثاره أهل بيته بالأموال وضربه عمار بن ياسر وعبدالله بن مسعود ، وعدم اقامته الحد على عبيد الله بن عمر قاتل الهرمزان ، وكتابه الى أهل مصر بقتل محمد بن أبي بكر وجماعة آخرين من فضلاء المسلمين.

ومن موارد تأوله أنه كان إذا خرج من مكة الى عرفات يتم فيها وفي منى صلاة الظهرين والعشاء ، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر كانوا إذا خرجوا اليها يقصرون صلاتهم فيها ، بل كان عثمان أول امارته يقصر أيضا روى ذلك

(58) في اثناء الخلاف التاسع من الاختلافات التي أوردها في المقدمة الرابعة من المقدمات الخمس التي جعلها في أول كتابه « الملل والنحل » فراجع.

(59) وذلك حيث ذكر غزوة حذيفة الباب وأمر المصاحف في صفحة 42 من الجزء 3.


126

البخاري في باب الصلاة بمنى من كتاب الحج من صحيحه (60).

وأنت تعلم أن عذره في كل هذه الأمور كونه متأولا مجتهدا ، وبهذا حفظت عندهم عدالته وامامته ، فمن بعدها لا يقول بمعذرة المتأولين ؟

والا بلغ من هذا كله في معذرة المتأولين اجماعهم على عدالة كثير من المجلبين عليه ، كعائشة وطلحة والزبير وعمار بن ياسر وعمرو بن الحمق الخزاعي وعمرو ابن العاص وغيرهم ، ضرورة أنه لا يتسنى لهم الحكم بامامة المقتول وعدالة من أمر بقتله ونبزه باسم اليهود « فقال اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا اقتلوا نعثلا فقد كفر » الا بناء على ما قلناه.

وان أردت المزيد فاعتق رقبتك من رق التقليد وانظر فيما كان من عائشة وطلحة أيام عثمان من تأليب الناس عليه ، وما كان منهما بعد قتله ، وانعقاد البيعة لأمير المؤمنين من الذهاب الى البصرة طلبا بثأر عثمان ، فهم غير مصيبين في احدى الحالين ، أو في كليهما قطعا ، ولكن الجمهور عذرهم اولا وآخرا ، وذلك ليس إلا لما قلناه وبه يتم ما أردناه.

وإن أوجست في نفسك ريبة فيما نقول فانظر الى ما كان من طلحة والزبير وعائشة في البصرة مع عثمان بن حنيف الأنصاري وحكيم بن جبلة العبدي وغيرهما من شيعة علي عليه السلام مما لا يخلو منه كتاب من كتب الأخبار ، وقد اشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ، من القتل الذريع والنهب الفظيع والمثلة بعثمان بن حنيف حيا (61) هذا كله قبل مجيء امير المؤمنين عليه السلام الى البصرة ثم جاء :

(60) وأخرجه مسلم في باب قصر الصلاة بمنى من كتاب صلاة المسافر من الجزء الاول من صحيحه بأسانيد متعددة وطرق مختلفة.

(61) أن أردت التفصيل فعليك بتاريخ ابن جرير أو كامل ابن الاثير أو ما شئت من كتب الاخبار.


127

فكان ما كان مما لست اذكره
فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

فهل تجد وجها للجزم بعدالة هؤلاء والقطع بمعذرتهم الا ما يذكره الجمهور من تأولهم في كل ما فعلوه ، وبه يتجلى لك عذر المتأولين.

دع كل ما ذكرناه وعرج على رأى الجمهور في معاوية تجد هناك معذرة المتأولين قالبا حسيا ، وتلفها أمامك شخصا مرئيا فانه لما كان متأولا على زعمهم ، لم يقدح في عدالته عندهم الحاقه زيادا بأبيه ( أبي سفيان ) بدعوى انه عاهر سمية وهي على فراش عبيد ، مستندا في ذلك الى شهادة أبي مريم القواد الخمار مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » (62).

وقوله من حديث (63) ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو راد ، وقوله تعالى : «﴿ أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله » وكان فعله هذا أول عمل جاهلي عمل به في الاسلام علانية ، فلم يقدح مع ذلك عند الجمهور في عدالته ولم يمنع محمد بن اسماعيل البخاري عن الاحتجاج به في صحيحه (64).

(62) هذا الحديث متواتر قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ترافع اليه سعد ابن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام عهد عتبة بن أبي وقاص الى اخيه سعد انه ابنه بسفاح الجاهلية ، فقال سعد : يا رسول الله انه ابن أخي وقد عهد به اليّ وعليه شبهة. وقال عبد بن زمعة : انه أخي وابن أبي ولد على فراشه من جاريته. فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الغلام فرأى عليه شبه عتبة بينا ولم يلحقه مع ذلك به وانما الحقه بزمعة ، وقال « الولد للفراش وللعاهر الحجر » اخرج البخاري هذه القضية بهذه الكيفية في ثلاثة مواضع من كتاب البيوع في أول الجزء الثاني من صحيحه ، واخرجه مسلم بطرق مختلفة في باب الولد للفراش من كتاب الرضاع من صحيحه.

(63) أخرجه البخاري في باب النجش من كتاب البيوع في صفحة 12 من الجزء الثاني من صحيحه.

(64) جميع المحدثين من أهل السنة يحتجون بمعاوية ويعتمدون عليه


128

وأيضا لم يخدش في وثاقته عندهم عهده بالخلافة الى ابنه يزيد ، وهو صبي يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ولا يعرف من الدين موطىء قدمه مع معرفته بليله ونهاره واعلانه واسراره وعلمه بمنزلة الحسين عليه السلام من الله عز وجل ومكانته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومحله في نفوس المؤمنين ، على انه كان يومئذ في المهاجرين والأنصار وبقية البدريين وأهل بيعة الرضوان جم غفير وعدد كثير كلهم قارىء للقرآن عالم بمواقع الأحكام خبير بالسياسة حقيق على رأي الجمهور بالخلافة والرياسة ، فلم يراع سابقتهم في الاسلام ولا عناءهم في تأييد الدين وأمر عليهم شريره المتهتك وسكيره المفضوح ، فكان منه في طف كربلاء مع سيد شباب أهل الجنة وخامس أصحاب الكساء ما أثكل النبيين وأبكى الصخر الأصم دما ورمى المدينة الطيبة بمجرم بن عقبة ، وكان أبوه معاوية قد عهد (65) بذلك اليه كما نص عليه جماعة (66) فكانت أمور تكاد السماوات يتفطرن منها. وحسبك انهم أباحوا المدينة المنورة ثلاثة أيام حتى

في مسانيدهم وصحاحهم ، أما البخاري فقد احتج به في كتاب الجهاد والسير في باب قوله تعالى « فان لله خمسه وللرسول » من صحيحه ، واحتج به أيضا في أول باب وصل الشعر من كتاب اللباس ، وفي مواضع أخر لا تخفي على المتتبع.

(65) غير مبال بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على من أخاف أهل المدينة ، ولا مكترث بقوله صلى الله عليه وآله وسلم « من أخاف أهل المدينة أخافه الله عز وجل وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا » أخرجه احمد من حديث السائب بن خلاد بطريقين في صفحة 56 من الجزء 4 من مسنده.

(66) منهم الامام ابن جرير الطبري في الصفحة الاخيرة من حوادث سنة 63 في اوائل الجزء 7 من تاريخه ، وابن عبد ربه المالكي حيث ذكر وقعة الحرة في الجزء الثاني من العقد الفريد.


129

افتض فيها ألف عذراء من بنات المهاجرين والأنصار ؛ كما نص عليه السيوطي في تاريخ الخلفاء وعلمه جميع الناس (67) وقتل يومئذ من المهاجرين والأنصار وأبنائهم وسائر المسلمين اللائذين بضريح سيد النبيين صلى الله عليه وآله وسلم 10870 رجلا ، ولم يبق بعدها بدري (68) وقتل من النساء والصبيان عدد كثير ، وكان الجندي يأخذ برجل الرضيع فيجذبه من أمه ويضرب به الحائط فينتشر دماؤه على الأرض وامه تنظر اليه (69) ثم أمروا بالبيعة ليزيد ، على انهم خول وعبيد ان شاء استرق وان شاء اعتق ، فبايعوه على ذلك وأموالهم مسلوبة ورحالهم منهوبة ودماؤهم مسفوكة ونساؤهم مهتوكة ، وبعث مجرم بن عقبة برؤوس أهل المدينة الى يزيد ، فلما القيت بين يديه قال :

ليت أشياخي ببدر شهدوا : الأبيات (70)

(67) حتى قال ابن الطقطقي في صفحة 107 من تاريخه المعروف بالفخري ما هذا لفظه : فقيل ان الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان اذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها ويقول لعلها افتضت في وقعة الحرة . وقال الفاضل الشبراوي في صفحة 66 من كتابه الاتحاف : وافتض فيها نحو ألف بكر وحمل فيه من النساء اللاتي لا أزواج لهن نحو من الف أمرأة. وقال ابن خلكان وقد ذكر الحرة في ترجمة يزيد بن القعقاع القارىء المدني من وفياته ما هذا لفظه : كان يزيد بن معاوية في مدة ولايته قد سير الى المدينة جيشا مقدمه مسلم بن عقبة المري فنهبها وأخرج أهلها الى هذه الحرة ، فكانت الوقعة بها وجرى فيها ما يطول شرحه ، وهو مسطور في التواريخ حتى قيل انه بعد وقعة الحرة ولدت أكثر من الف بكر من أهل المدينة بسبب ما جرى فيها من الفجور.

(68) نص على ذلك ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة وغير واحد من أهل الأخبار.

(70) ارسال رؤوس اهل المدينة الى يزيد وانشاده أبيات ابن الزبعري مشهور مستفيض ، وقد ذكره ابن عبد ربه في أواخر وقعة الحرة من العقد الفريد ، ونقل هناك اعتراف يزيد بارتداده عن الاسلام.


130

ثم توجه مجرم لقتال ابن الزبير فهلك في الطريق ، وتأمر بعده الحصين بن غمير بعهده من يزيد ، فأقبل حتى نزل على مكة المعظمة ونصب عليه العرادات والمجانيق (71) وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كل يوم يرمونها بها ، فحاصروهم بقية المحرم وصفر وشهري ربيع يغدون على القتال ويروحون ، حتى جاءهم موت يزيد وكانت المجانيق أصابت جانب البيت فهدمته مع الحريق الذي أصابه.

وفظائع يزيد من أول عمره الى انتهاء أمره أكثر من أن تحويها الدفاتر ، أو تحصيها الأقلام والمحابر ، قد شوهت وجه التاريخ وقبحت صحائف السير وكان أبوه يرى كلابه وقروده وصقوره وفهوده ويطلع على خموره وفجوره ، وبشاهد الفظائع من كل أموره ويعاين لعبه من الغواني ويعرف خبثه بكل المعاني ، ويعلم انه ممن لا يؤتمن على نقير ولا يولي أمر قطمير ، فكيف رفعه والحال هذه الى أوج الخلافة وأحله عرش الملك والامامة وملكه رقاب المسلمين وسلطه على أحكام الدنيا والدين ، فغش بذلك امته ولم ينصح رعيته وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيما أخرجه البخاري في الورقة الأولى من كتاب الأحكام من صحيحه (72) : ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم الا حرم الله عليه الجنة. وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه احمد من حديث ابي بكر في صفحة 6 من الجزء الأول من مسنده : من ولي من أمور المسلمين شيئا فأمر عليهم احدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما اخرجه البخاري في تلك الورقة ايضا : ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحظها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة.

(71) ذكر ذلك ابن قتيبة في صفحة 214 من كتابه الامامة والسياسة.

(72) في صفحة 250 من جزئه الرابع.


131

والجمهور يعذرونه في ذلك بناء على اجتهاده كما عذر بعضهم في وقعتي الطف والحرة اكفر اولاده (73).

وعذروه أيضا في قتله عباد الله الصالحين كعمرو بن الحمق الخزاعي ، وكان بحيث ابلته العبادة ورأسه أول رأس حمل في الاسلام ، قتله ( وهو من خيار الصحابة ) بحبه عليا عليه السلام ، وكحجر بن عدي الكندي وكان من فضلاء الصحابة أيضا ، قتله وأصحابه البررة الأتقياء إذ لم يلعنوا عليا عليه السلام ، ومعاوية هو الذي قتل الحسن سلام الله عليه بسم دسه اليه فسقته اياه بنت الأشعث عليها اللعنة ، علم بذلك كافة أهل البيت وشيعتهم واعترف به جماعة من غيرهم.

(73) بل اعتقد قوم من الجمهور ان يزيد كان من اولياء الله ، وان من توقف فيه وقفه الله على نار جهنم ، فراجع ما حكاه ابن تيمية عنهم في الرسالة 7 من مجموعة الرسائل الكبرى في صفحة 300 من جزئها الاول. ونقل القسطلاني في باب ما قيل في قتال الروم من كتاب الجهاد من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري في صفحة 230 من جزئه السادس عن المهلب انه كان يقول بثبوت خلافة يزيد وانه من أهل الجنة. ونقل ابن خلدون في صفحة 241 اثناء الفصل الذي عقده في مقدمته لولاية العهد عن القاضي ابي بكر ابن العربي المالكي انه قال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه ان الحسين قتل بشرع جده صلى الله عليه وآله وسلم. وذكر ابن الاثير في عدة حوادث سنة 583 في آخر ورقة من الجزء 11 من كامله ان في تلك السنة مات عبد المغيث بن زهير ببغداد قال : وكان من أعيان الحنابلة قد سمع الحديث الكثير وصنف كتابا في فضائل يزيد بن معاوية أتى فيه بالعجائب ، وقد رد عليه أبو الفرج ابن الجوزي وكان بينهما عداوة . قلت : والذين عذروا يزيد من أوليائه واعتذروا عنه كثيرون ، منهم ابن تيمية فيما تقدمت اليه الاشارة من رسالته السابعة والغزالي في الآفة الثامنة من كتاب آفات اللسان من أحياء العلوم في صفحة 112 من جزئه الثالث.


132

قال أبو الحسن المدائني ( كما في أوائل الجزء 16 من شرح النهج لابن أبي الحديد في الصفحة 4 من المجلد 4 طبع مصر ) : كانت وفاة الحسن سنة 49 وكان مريضا 40 يوما وكان سنة 47 سنة ، دس اليه معاوية سما على يد جعدة بنت الأشعث ، وقال لها : ان قتلتيه بالسم فلك مائة ألف وأزوجك يزيد فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد وقال : أخشى ان تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

ونقل المدائني عن الحصين بن المنذر الرقاشي ( كما في صفحة 7 من المجلد الرابع من شرح النهج طبع مصر أيضا ) : انه كان يقول : والله ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه قتل حجرا وأصحابه وبايع لابنه يزيد ، وسم الحسن .

وقال أبو الفرج الاصفهاني المرواني في كتابه مقاتل الطالبيين حيث ذكر السبب في وفاة الحسن عليه السلام ما هذا لفظه : وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس اليهما سما فماتا منه الخ.

وفي صفحة 17 من المجلد 4 من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر ما يلفت الأنظار في هذا المقام فراجعه لتعلم ما قلناه.

وروى ابن عبد البر في ترجمة الحسن من استيعابه عن قتادة وأبي بكر بن حفص ان بنت الأشعث سقت الحسن بن علي السم ، ثم قال : وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية اليها وما بذل لها في ذلك . والأخبار في ذلك لا تحتملها هذه العجالة.

ولو أردنا ان نستوفي من قتلهم معاوية من المصلحين وأولياء الله (74) صبرا

(74) لم يقتصر معاوية على قتل أولياء الله في سبيل سياسته حتى قتل


133

وأبادهم غدرا واستأصلهم عتوا وطحنهم حربا وسمل أعينهم ظلما وقطع أيديهم وأرجلهم بغيا واستل السنة لهم تنطق بالحق عنادا واسقط شهاداتهم زورا وتقول عليهم افتراء وطلق حلائلهم مكرا وأخذ أموالهم سلبا وصاح في حجراتهم نهبا وهدم دورهم عشيا واقصاهم نفيا وأوسعهم ذلا وضيق عليهم حبسا ودفنهم أحياء ولعنهم على المنابر أمواتا ـ لافنينا المحابر واستغرقنا الصحف والدفاتر ثم لم نبلغ غايتنا المقصودة ولم نظفر بضالتنا المنشودة وكذلك لو أردنا أن نتصدى للأحكام التي بدلها والحدود التي عطلها والبوائق التي ارتكبها والفواقر التي احتقبها والدواهي التي حدثت في زمانه والغاشمين الذين اشركهم في سلطانه كابن شعبة وابن العاص وابن سعيد وابن ارطأة وابن جندب ومروان وابن السمط وزياد وابن مرجانة والوليد الذين فعلوا الأفاعيل وقهروا الأمة بالأباطيل وساموا عباد الله سوء العذاب يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وحسبك ما اجمع أهل الأخبار على نقله واتفق أهل العلم على صدوره من بعثه بسرا سنة أربعين لاستئصال من في اليمن من عباد الله الصالحين ، فراجع ما شئت من كتب الأخبار ولاحظ ما يحضرك مما يشتمل على أحداث تلك السنة من كتب الآثار ، لتعلم فظاعة هذه الواقعة وتعرف كنه ما كان يوم هذه الفاجعة من قتل الشيوخ الركع وذبح الأطفال الرضع ونهب الأموال وسبي العيال ، وما ينس فلا ينس ما فعله يومئذ بنساء همدان ، اذ سباهن فأقمن ( كما في ترجمة بسر من الاستيعاب ) في السوق ، وكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها.

قال في الاستيعاب : فكن أول مسلمات سبين في الاسلام ، وما أدري هذه

في ذلك اخص اوليائه به وأشدهم ملازمة له عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، حارب معه في صفين وحالفه على عداوة أمير المؤمنين ثم بعدها باعه بالتافه الزهيد وقتله مخافة أن ترغب الناس به عن يزيد ، وقصته مشهورة عند أهل الاخبار مستفيضة بين اهل السير والآثار ، فراجع ترجمة عبد الرحمن من الاستيعاب تجد التفصيل.


134

أفظع وأوجع أم ما فعله بطفلي عبيد الله بن العباس ، وكان عبيد الله يومئذ عاملا لأمير المؤمنين على اليمن فهرب اليه من بسر ، واستخلف عبدالله بن عبد المدان الحارثي وكان جد الطفلين لامهما ، فقتله بسر فيمن قتلهم يومئذ من الألوف المؤلفة من خيار الناس وقتل ابنه ، وبحث عن الطفلين فوجدهما عند رجل من كنانة في البادية ، فلما أراد بسر قتلهما قال له الكناني ( كما في تاريخ ابن الأثير ) لم تقتلهما وهما طفلان لا ذنب لهما ، فان كنت قاتلهما فاقتلني معهما ، فقتله ثم ذبحهما بين أيدي أمهما (75) فهامت على وجهها جنونا مما نالها تأتي الموسم تنشدهما فتقول :

يا مـن احسّ بــابنيّ اللذين هما
كالدرتين تشظى عنهمــا الصدف
يــا من أحسّ بــابنيّ اللذين هما
مخ العظام فمخي اليــوم مزدهف
يا مــن احسّ بــابنيّ اللذين هما
قلبي وسمعي فقلبي اليـوم مختطف
من دل والهة حيرى مــدلهة (76)
على صبيين ذلا إذ غــدا السلف
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا
من إفكهم ومن الاثم الـذي اقترفوا
أحنى (77) على ودجي ابني مرهفة
مشحوذة وكذاك الاثـم يقتــرف

وقالت له امرأة من كنانة لما ذبحما ( كما في تاريخ ابن الأثير ) : يا هذا قتلت الرجال فعلى م تقتل هذين ؟! والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والاسلام والله يا بن أبي ارطأة سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان السوء.

قال ابن الأثير : فلما سمع امير المؤمنين بقتلهما جزع جزعا شديدا ودعا على

(75) كذا في ترجمة بسر من الاستيعاب.

(76) الذاهبة العقل.

(77) كذا في رواية ابن الأثير وفي رواية الاستيعاب وأبي الفداء انحى.


135

بسر فقال اللهم اسلبه دينه وعقله. قال فأصابه ذلك فكان يهذي بالسيف فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه ولم يزل كذلك حتى مات . ـ إلى غير ذلك من بوائق معاوية واعوانه وجرائم وزرائه ومقوية سلطانه ، وكان احدهم يقتل الألوف من افاضل الرجال ويعمل الأعمال التي يهتز منها عرش العظمة والجلال ثم لا يستعظم ما احتقب ولا يتألم مما ارتكب.

اخرج الامام الطبري في احداث سنة خمسين من تاريخه (78) بالاسناد الى محمد بن سليم قال : سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل احدا ؟ قال : وهل يحصى من قتلهم سمرة بن جندب ، استخلفه زياد على البصرة ستة اشهر حين كان واليا عليها وعلى الكوفة من قبل معاوية واتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس. فقال له زياد : هل تخاف ان تكون قتلت احدا بريئا ؟ قال لو قتلت اليهم مثلهم ما خشيت .

واخرج هناك ايضا بالاسناد الى ابي سوار العدوي قال : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة واربعين رجلا قد جمع القرآن .

واخرج هناك ايضا باسناده عن عوف قال : اقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني اسد خرج رجل من بعض ازقتهم ففاجأ اول الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة عبثا وعتوا. قال : ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط بدمه فقال : ما هذا ؟ قيل : اصابته اوائل خيل الأمير ، قال عتوا واستكبارا : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا اسنتنا .

وهذه القضايا متفق علي صدورها من سمرة نقلها كل من ارخ حوادث سنة الخمسين ، كابن جرير وابن الأثير وامثالهما. وإذا كانت هذه اعمال سمرة في

(78) في صفحة 122 من جزئه السادس.


136

ستة أشهر وهو ثقة البخاري ودليله على دين الباري قد احتج به في الورقة الثالثة من كتاب بدء الخلق من صحيحه (79).

وجزم بعدالته (80) في ظاهر القول وصريحه ، فما ظنك بأعمال زياد بن سمية الخبيث الفاسق باجماع البرية ، وقد ولاه معاوية ( كما نص عليه الطبري (81) في احداث سنة خمسين من تاريخه ) اعمال الكوفة والبصرة والمشرق كله ، وسجستان وفارس والسند والهند ، فكم حرة في تلك الولاية هتكت. وكم حرمة لله انتهكت ، وكم دماء زكية سفكت ، وكم شرعة اندرجت وكم بدعة اسست ، وكم اعين سملت وايد وارجل قطعت و. و. و. ؟! الى ما لا يحصى من الأعمال البربرية والفظائع الأموية التي تقشعر لها جلود البرية ويتصدع بها قلب الانسانية.

(79) في آخر صفحة 138 من جزئه الثاني قبل باب ما جاء في صفة الجنة باربعة أحاديث ، واحتج به في موارد يعرفها المتتبع ، ونص الامام محمد بن القيسراني في كتابه « الجمع بين كتابي أبي نصر الكلاباذي وابي بكر الاصفهاني » على احتجاج البخاري ومسلم كليهما في سمرة بن جندب مع ما له من الاعمال ، فراجع أحواله في الجزء الرابع من شرح النهج للعلامة ابن أبي الحديد في السطر الأول من صفحة 363 من المجلد الاول طبع مصر لتعلم الحقيقة ، ولو سبرت من قبل تلك الصفحة الى ما بعدها بوريقات لعلمت أحوال جملة من رجال البخاري كابن العاص والمغيرة ومروان وابي هريرة وغيرهم من عمل معاوية وأوليائه.

(80) مع ما ثبت عنه من المساوىء التي من جملتها بيع الخمر على عهد عمر فيما رواه المحدثون ، وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث عمر بن الخطاب في صفحة 25 من الجزء الاول من مسنده قال : ذكر لعمر ان سمرة باع خمرا. فقال : قاتل الله سمرة ان رسول الله قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها.

(81) في صفحة 134 من جزئه السادس.


137

لكن الجمهور لما بنوا على اجتهاد معاوية عذروه في اعمال عماله ، ولم يخدش في عدالته عندهم بوائقه ولا بوائق رجاله.

وعذروه أيضا في حربه عليا عليه السلام ، وهو اخو النبي ووصيه ونفسه في آية المباهلة ووليه بعد انعقاد البيعة له حتى قتل من المسلمين ألوف مؤلفة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه البخاري (82) ومسلم في صحيحيهما « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » (83) وقال صلى الله عليه وآله وسلم يوم جلل عليا وفاطمة والحسن والحسين بالكساء فيما ذكره ابن حجر في صواعقه (84) وابو بكر بن شهاب الدين في رشفته من جملة حديث : « أنا حرب لمن حاربهم

(82) راجع من صحيح البخاري باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض من كتاب الفتن في الجزء الرابع وراجع من صحيح مسلم كتاب الايمان.

(83) فان قلت : كيف قاتل علي عليه السلام كلا من أهل الشام والبصرة والنهروان وهم مسلمون ؟ قلت : انما قاتلهم عملا بقوله تعالى « فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله » ولا ريب ببغي معاوية وأصحابه بدليل قتلهم لعمار ، على ان بغيهم أوضح من النهار.

وايضا أخرج مسلم في باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع من كتاب الامارة من صحيحه عن عرفجة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من اتاكم وامركم مجمع على رجل واحد يريد ان يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه . وقال ابن عبد البر في ترجمة علي من الاستيعاب ما هذا لفظه : وروي من حديث علي ومن حديث ابن مسعود حديث ابي ايوب الانصاري انه « يعني عليا » أمر بقتال الناكثين « يوم الجمل » والقاسطين « يوم صفين » والمارقين « يوم النهروان » قال : وروي عنه انه قال : ما وجدت الا القتال أو الكفر بما انزل الله .

(84) في الآية الاولى من الآيات التي أوردها في الفصل الاول من الباب الحادي عشر.


138

وسلم لم سالمهم وعدو لمن عاداهم » (85) وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « حرب علي حربي وسلمه سلمي » الى غير ذلك من الصحاح التي لا حاجة الى ايرادها لتواترها بين المسلمين.

وعذروه أيضا في لعنه بقنوت الصلاة رجالا اذهب عنهم الرجس محكم التنزيل وهبط بتطهيرهم جبرائيل وباهل بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر ربه الجليل ، أولئك الذين فرض الله مودتهم وأوجب الرسول ولايتهم ، وهم أحد الثقلين اللذين لا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي الى الله من ضل عنهما ، الا وهم امير المؤمنين أخو الرسول ووليه وصاحب العناء بتأسيس دينه ووصيه ومن شهد الرسول بأنه يحب الله ورسوله ، وانه منه بمنزلة هارون من موسى ، وولداه سبطا رسول الله وريحانتاه الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة.

ولعن معهم عبدالله بن عباس حبر هذه الأمة ، مع ما علم من وجوب تعظيمهم بحكم الضرورة من دين الاسلام وما ثبت بالعيان من شرف مقامهم لدى سيد الانام ، وكيف لا يكونون كذلك وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرحمة.

وما اكتفى بذلك حتى أمر بلعن امير المؤمنين عليه السلام في كل كورة وترك ذلك سنة على أعوادها في كل عيد وجمعة ، وما زالت الخطباء في جميع الانحاء تعد تلك البدعة المكفرة جزء من الخطبة الى سنة 99 فأزالها خير بني مروان عمر بن عبد العزيز ، وهذا كله معلوم بالضرورة مقطوع فيه بحكم البداهة قد أجمع اهل العلم على صدوره واتفقت كلمة اهل السير على نقله فراجع ما شئت من كتب الأخبار لتعلم ان المسألة كضوء النهار.

(85) واخرج احمد بن حنبل من حديث ابي هريرة في صفحة 442 من الجزء الثاني من مسنده ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر الى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : انا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم.


139

وكان الحسن قد شرط على معاوية اذا اصطلحا شروطا منها ان لا يشتم أباه فلم يجبه الى هذه وأجابه الى ما سواها ، فطلب الحسن أن لا يشتم عليا وهو يسمع ، قال ابن الأثير وابن جرير وابو الفداء وابن الشحنة وكل من ذكر صلح معاوية والحسن : فأجابه الى ذلك ثم لم يف له به .

بل شتم عليا والحسن على منبر الكوفة ، فقام الحسين ليرد عليه فأجلسه الحسن عليهما السلام ، ثم قام بأبي هو وأمي ففضح معاوية وألقمه حجرا ، وهذه القضية ذكرها أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين وكثير من أهل السير والأخبار ، ولم يزل معاوية يلعن أمير المؤمنين أمام البر والفاجر ويحمل عليها الاصاغر والاكابر حتى أمر سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم في باب فضائل علي من صحيحه بالاسناد الى عامر بن سعد قال : أمر معاوية بن ابي سفيان سعد ابن أبي وقاص فقال : ما منعك أن تسب ابا تراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن اسبه لان تكون لي واحدة منهن احب إلي من حمر النعم ـ الحديث (86).

وامر الاحنف بن قيس فقال له كما نص عليه جماعة منهم أبو الفداء في أحداث سنة 67 من تاريخه : والله لتصعدن المنبر ولتلعننه طوعا أو كرها ، فكان بينهما كلام افضى الى خوف معاوية من الفضيحة إذا استوى الاحنف على المنبر فأعفاه من ذلك. وقد علم الناس كافة ان معاوية لم يقتل حجرا وأصحابه الابدال إلا لامتناعهم عن لعن امير المؤمنين وسيد الوصيين ، ولو أجابوه الى لعنه لحقنت دماؤهم فراجع مقتل حجر في أول الجزء 16 من كتاب الأغاني لأبي فرج المرواني ، وفي أحداث سنة 51 من تاريخ ابن جرين وابن الأثير وغيرهما لتعلم

(86) وأخرجه النسائي في الصفحة الثانية من الخصائص العلوية ، وهو منقول عن الترمذي وعن الجمع بين الصحيحين والجمع بين الصحاح الستة.


140

الحقيقة ، وتعرف ان عبد الرحمن بن حسان العنزي لما ابى وامتنع عن لعن علي عليه السلام في مجلس معاوية أرسله الى زياد وأمره ان يقتله شر قتلة ، فدفنه حيا ، وما زال يلعن عليا على رؤوس الاشهاد ، ويحمل على لعنه بالترهيب والترغيب كافة العباد في كافة البلاد. هذا مع ما صح من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « من سب عليا فقد سبني » أخرجه الحاكم وصححه ، وهو عندنا من المتواترات ، وأخرج النسائي في صفحة 17 من الخصائص العلوية وابن حنبل في 323 من الجزء السادس من مسنده من حديث أم سلمة عن عبدالله او ابي عبدالله الجدلي قال : دخلت على أم سلمة فقالت لي ايسب رسول الله فيكم ؟ ! قلت : معاذ الله او سبحان الله او كلمة نحوها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من سب عليا فقد سبني (87) .

وقال ابن عبد البر في ترجمة علي من استيعابه ما هذا لفظه : وقال صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب عليا فقد احبني ومن ابغض عليا فقد ابغضني ، ومن آذى عليا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله (88).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما اخرجه الطبراني وغيره : ما بال أقوام يبغضون عليا ومن ابغض عليا فقد ابغضني ومن فارق عليا فقد فارقني ، ان عليا مني وانا منه ، خلق من طينتي وخلقت من طينة ابراهيم ، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم يا بريدة اما علمت ان لعلي افضل من الجارية التي اخذ وهو وليكم بعدي.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما اخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما ( كما في الفصل الثاني من الباب 9 من الصواعق ) عن عمران بن حصين ان رسول الله قال : ما تريدون من

(87) هذه الفضيلة من خصائص أمير المؤمنين ، ولذلك أوردها النسائي في خصائصه ، وبها وبأمثالها نكفر الخوارج وأشباههم.

(88) وأخرج ابن خالويه في كتاب الآل عن ابن عباس وأبو يعلي والبزار عن سعد بن أبي وقاص والطبراني عن ام سلمة نحوه.


141

علي ما تريدون من علي ما تريدون من علي ، ان عليا مني وانا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي.

وفي ترجمة علي عليه السلام من الاستيعاب ما هذا نصه : وروى طائفة من الصحابة ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام : لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. قال : وكان علي عليه السلام يقول : والله انه لعهد النبي الامي انه لا يحبني الا مؤمن ولا يبغضني الا منافق .

قلت : واخرجه مسلم في كتاب الايمان من صحيحه ، وقد تواتر قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « من كنت مولاه فعلي مولاه (89) اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيث دار » .

ومقامنا لا يسع استقصاء ما جاء في وجوب موالاته ولا يفي باستيفاء ما دل على تحريم معاداته ، فنلفت الراغب في ذلك من اخواننا المسلمين الى ما أودعناه في كتابنا سبيل المؤمنين ، فإنه متكفل بالتفصيل متعهد باقامة البرهان والدليل على ان هذا المقدار كاف لأولي الابصار ، وإذا صح اجتهاد معاوية في مقابل هذه الأحاديث الصحيحة وجاز تأوله في عرض تلك النصوص الصريحة ، فتأول من يستفرغ وسعه في التعبد بالأدلة ويستغرق جهده في العمل بقواعد الملة اولى بالصحة وأحق بالجواز على ان أفعاله لم تكن الا لطلب الملك (90) انتزاعه

(89) قد اعترف به صاحب الفتاوي الحامدية بتواتره وعده من المتواترات في رسالته المختصرة الموسومة بالصلاة الفاخرة بالاحاديث المتواترة ، وكذلك الحافظ السيوطي وغيره.

(90) وقد صرح معاوية به يوم النخيلة حيث قال من جملة خطبة خطبها يومئذ : والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا وانما قاتلتكم لاتأمر عليكم ، وقد اعطاني الله ذلك وانتم كارهون.


142

من أهله وعدواته لعلي انما هي ناشئة عن الأحقاد البدرية والضغائن الجاهلية.

واما المتأولة من فقراء المسلمين ومساكين أهل الدين فإنه لا طمع لهم بملك ، ولا أمل لهم بسلطان ولا ثار لهم يطلبونه ولا غرض لهم سوى الحق يقصدونه ، وقد اقتفوا أثر البرهان واتبعوا ادلة اهل الايمان فإن أصابوا فمأجورون وان أخطأوا فمعذورون. وهذا آخر ما أردناه في هذا الفصل فاحكموا أيها المنصوفون بالعدل. والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى ورحمة الله وبركاته.

رواه الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد ، ونقله أهل الاخبار وكان عبد الرحن بن شريك اذا حدث بذلك يقول : هذا والله التهتك ـ فراجع صفحة 16 من المجلد 4 من شرح النهج الحديدي المطبوع في مصر.


143

الفصل التاسع فيمن أفتى بكفر الشيعة وتفصيل ما استدل به على ذلك

والغرض استئصال بذور الشقاق بايضاح خطأه واجتثاث ارومة الافتراق ببيان اشتباهه حرصا على ان لا يكال بصاعه ، واتقاء من تصديقه واتباعه ، وقد اقترصنا من ذلك على ما وجدناه في باب الردة والتعزير من الفتاوي الحامدية وتنقيحها بامضاء الشيخ نوح الحنفي لاشتهار هذين الكتابين ورجوع من بأيديهم منصب الفتوى في المملكة المحروسة اليهما.

قال في جواب من سأله عن السبب في وجوب مقاتله الشيعة وجواز قتلهم : اعلم أسعدك الله أن هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد ، وأنواع الفسق والزندقة والالحاد ، ومن توقف في كفرهم والحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم.

قال : وسبب وجوب قتالهم وجواز قتلهم البغي والكفر معا ، أما البغي فانهم خرجوا عن طاعة الامام خلد الله تعالى ملكه الى يوم القيامة ، وقد قال الله تعالى : «﴿ فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله » والأمر للوجوب فينبغي للمسلمين إذا دعاهم الامام الى قتال هؤلاء الباغين الملعونين على لسان سيد المرسلين أن لا يتأخروا عنه بل يجب عليهم أن يعينوه ويقاتلوهم معه.


144

قال : وأما الكفر فمن وجوه : منها أنهم يستخفون بالدين ويستهزئون بالشرع المبين ، ومنها أنهم يهينون العلم والعلماء ، ومنها انهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات ، ومنها انهم ينكرون خلافة الشيخين ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين ، ومنها أنهم يطولون السنتهم على عائشة الصديقة (رض ) ويتكلمون في حقها ما لا يليق بشأنها ( من أمر الافك ) مع أن الله تعالى أنزل عدة آيات في براءتها ( قال والله يعلم أنه كاذب فيما قال ) فهم كافرون بتكذيب القرآن العظيم وسابون النبي ضمنا بنسبتهم الى أهل بيته هذا الأمر العظيم ، ومنها أنهم يسبون الشيخين سود الله وجوههم في الدارين... الى ان قال : فيجب قتل هؤلاء الأشرار الكفار تابوا أو لم يتوبوا ، ثم حكم باسترقاق نسائهم وذراريهم .

قلت : هذا الذي لا تبرك الأبل على مثله ، هذا الذي لا تقوم السماء والأرض بحمله ، هذا الذي لا يتسنى للغيور أن يقيم في أرض ينشر فيه ، هذا الذي لا يستطيع الحمي أن يستظل بسماء تشرق شمسها على معتقديه ، هذا الذي ما أنزل الله به من سلطان ، هذا الذي يأباه الله ورسوله وكل ذي وجدان ، هذا هو الاختلاف الذي ليس بعده ائتلاف ، هذا هو الافتراق الذي ليس بعده اتفاق ، هذا هو المحاربة التي ليس بعدها مصاحبة. هذا والله الافك والبهتان ، هذا والله الظلم والعدوان.

بجدك قل لي هل درى صاحب الفتوى أي دماء من أهل الشهادتين سفكها ، وأي حرائر قانتات هتكها ، وأي حرمات لله عز وجل انتبكها ، وأي صبية من بني الاسلام سلبها ، وأي أموال مزكيات نهبها ، واي ديار معمورة بالصلاة وتلاوة القرآن خربها ، وأي كبد لرسول الله بذلك فراها ، وأي عين لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفتواه اقذاها ، واي فتنة بين المسلمين أججها ، وأي حرب بينهم ألجمها وأسرجها ، وأي شوكة لهم بذلك كسرها ، وأي دولة لاعدائهم أعزها ونصرها ،


145

وأي مخالفة لحكم الله ارتكبها ، وأي أوزار بتكفيره للمسلمين احتقبها « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون »؟!

ولو درى الى اي غاية بلغ الشيعة في المحافظة على قوانين الدين ونواميس الشريعة ، أو علم الى أي أوج ارتقوا في الاحتياط بالأحكام ، أو الى اي حد انتهوا في التمسك بثقلي سيد الانام ، أو الى أي مرتبة أخذوا بالسنة السنية أو الى أي مقدار اقتدوا بالعترة الطاهرة الزكية ، لدعا بالويل والثبور وتمنى ان يكون قبل هذه البائقة من اهل القبور.

ظن الرجل انه قضى على الشيعة بعداوته ، وزعم انه اسقطهم بافكه وبهتانه فطاش سهمه وظلت مطيته ، بل كان كالباحث عن حتفه بظلفه ، والجادع ما رن انفه بكفه.

اجل والله ما قضى الا على مروءته ولا اسقط بأكاذيبه غير امانته ، وقد افتضح بين علماء العالم واتضح تحامله بالزور لدى فضلاء بني آدم ، وكان كمبغضي الأنبياء اذ سطروا الأساطير افتراء عليهم واعداء الأوصياء ، اذ ملأوا الطوامير في نسبة الأباطيل اليهم ، فما أثر ذلك فيهم الاّ رفعة ، ولا ازدادت شرائعهم الا عزا ومنعة « سنة الله قد حلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ».

كان العزم على ان نربأ عن مناقشته ولا نلوث اليراع بمحاسبته لوضوح افترائه وظهور ظلمه واعتدائه ، لكن اقتدينا بالكتاب الكريم والذكر الحكيم ، اذا تصدى للرد على كل أفاك أثيم فقال جل وعلا : «﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء » الى غير ذلك مما كان في التنزيل من هذا القبيل.

ذكر الرجل لوجوب قتال الشيعة وجواز قتلهم سببين ( البغي والكفر ) وقد علم الله ورسوله واولو الفضل من عباده انه ظلم الشيعة بذلك وبغي عليهم ،


146

كما افك اعداء الأنبياء اذ نسبوا السحر والجنون اليهم ، ونحن نناشدكم الله ايها الناس متى كانت الشيعة غير خاضعة للسلطان ، وفي أي جهة من مملكته المحروسة كان ذلك منهم ، وبما بغوا عليه ؟ ارأيتموهم تأخروا عن اداء الخراج ، او توقفوا عن دفع الضرائب والاعشار والاعانات ، أو تخلفوا عن جهاد عدوه ، أو قصروا عن طليعة عساكره ، او تقهقروا عن مقدمة جنوده ، أو خانوه في خدمة ، أو كفروا له نعمة ؟ ! كلا والله ما كان ذلك منهم ولا هو جائز عندهم ، والناصب الكاذب يعلم براءتهم منه (1) ويقطع بأنهم في غاية البعد عنه ، وانما اراد اغراء السلطان بهم وحمله على استئصالهم ومبالغة في ابادتهم واحتياطا على ان لا يكون لهم نصيب من مراحم الدولة ولا حصة من عدل القانون ولا سهم من انصاف الولاة ولاحظ من معاشرة العامة ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ).

واما قوله بكفرهم فانه قول من لا يخاف من الله سطوة ولا يخشى منه نقمة ، قول لم يرجع فيه الى دين ولا عمل فيه بما تواتر عن سيد النبيين والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم من الحكم بالاسلام ، على كل من اقام الصلاة وآتى الزكاة وصام الشهر وحج البيت من اهل الشهادتين والايمان باليوم الآخر.

وقد افردنا في اوائل هذه الرسالة فصلا لبيان معنى الاسلام والايمان وهو الفصل الثاني منها واوردنا فيه وفي الفصول الثلاثة التي بعده طائفة من الصحاح الحاكمة بما قلنا ، وتكلمنا هناك بما يجدر بالباحث المدقق ان يقف عليه ، فالمرجو ممن وقف على هذا الفصل مراجعة تلك الفصول ، ليعلم ان قواعد الشريعة

(1) يعلم الناصب وغيره ان الشيعة والسنة في الخضوع للسلطان وعدمه على حد سواء ، لان من كان منهما في مملكته فهو مطيع بحكم الوجدان والعيان ، ومن كان من كلا الطائفتين في ممالك الاجانب فهو ممنوع عن طاعته وأما شيعة ايران فكأهل السنة في مراكش وافغان فأي فرق بين الشيعة والسنة في هذا الأمر يا مسلمون ؟.


147

تحكم بايمان الشيعة ، ويعرف ان الصحاح المتواترة تقضي باحترامهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.

وأما الوجوه التي اعتمد الناصب عليها في التكفير فانها من أوضح أفراد الافك وافضح أنواع التزوير.

إفك لا يكون من صبي يرجى فلاحه ، وزور لا تأتي به أمة وكعاء الا أن تكون مدخولة العقل ، ونحن نذكر تلك الوجوه ( وهي ستة ) ونتكلم في كل منها بما يوجبه العلم وتقضي به الامانة.

الوجه الأول :

زعم أن الشيعة تستخف بالدين وتهزأ بالشرع المبين ، وهذا قول لا يخفى زوره وافك لا يمطل ظهوره ، فان الشيعة أحوط الناس على الدين وأعظمهم تقديما للشرع المبين ، وتلك كتبهم في الأصول والفروع والتفسير والحديث تشهد ( وقد ملأت ما بين الخافقين ) لهم بذلك ، على ان هذا الأمر غني عن البرهان بعد أن كان شاهده الحس والوجدان.

واذا استطال الشيء قام بنفسه
وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا

وليته دلنا على الموارد التي استخف بها الشيعة من معالم الدين ، أو أخبرنا عن المقامات التي استهزءوا فيها بالشرع المبين ، أتراهم استخفوا بالخالق تبارك وتعالى فشبهوه بخلقه تارة ، وجوزا عليه القبيح أخرى ، أم استخفوا بالأنبياء والأوصياء ، فنسبوا اليهم صلوات الله عليهم ما يليق بالأشقياء ، أم استخفوا بمقام سيد البشر فقالوا أنه والعياذ بالله هجر ؟!

كلا والله انهم لاعظم تقديسا لله وأكبر تنزيها لأنبيائه وأكثر تعظيما لخلفائه ، واحكم قواعد في الأصول وأشد احتياطا في الفروع وأكثر تثبتا في قبول الحديث وأحرز للواقع في كل ما يرجع للدين ، وانا ألفت الباحث الى أصول الامامية


148

وفروعهم ليعلم الحقيقة ، على أن من ساح في بلادهم ، وجاس خلال ديارهم يرى مواظبتهم على الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات في جميع الأحوال رجالا ونساء كبارا وصغارا ومماليك ، بحيث لا يتسامح في ذلك منهم إلا من سرى اليه الداء من معاشرة غيرهم. ومن ترك فريضة من الصلوات الخمس أو أفطر يوما من شهر رمضان بلا عذر ، يعزر عندهم بخمس وعشرين سوطا فان أعاد عزر ثانيا فان اعاد قتل ، والأحوط تأخير إعدامه الى المرة الرابعة ، ولا يؤخر الى الخامسة ( لو لم تكن الحدود معطلة ) باجماعهم.

هذا في غير المنكر أما المنكر لوجوب الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو الخمس أو الحج أو غيرها من الضروريات ، كحرمة الزنى واللواط والسرقة وشرب الخمر والغيبة والفساد في الأرض واشباهها أو الشاك في شيء من ذلك فانه يقتل بمجرد الانكار أو الشك ، وقد امتازوا بالاستنابة عن الميت في الصلاة والصوم كما يستنيبون عنه في الحج ، وأوجبوا على وليه قضاء ما فاته من الصلاة والصوم في الجملة ، ولو علموا أن في ذمته زكاة أو خمسا أو مظالم اخرجوها من اصل ماله وان لم يوص بها كسائر الديون ، وهكذا احتياطهم في جميع العبادات والمعاملات والايقاعات وسائر الشرعيات ، فكيف يتسنى للناصب بعد هذا أن يرميهم بالاستخفاف بالدين والاستهزاء بالشرع المبين ، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل ، وبه نستجير من بوائق العثرة وسوء الخطل ، انه ارحم الراحمين.

الوجه الثاني :

انهم يهينون العلم والعلماء ، سألتكم أيها المنصفون بالحقيقة التي ضيعها المرجفون هل سمعتم اوحش من هذا العدوان ، او بلغكم افحش من هذا البهتان ، او رأيتم احمق من هذا الدليل ، او حدثتم بأسخف من هذا الوجه الساقط الرذيل ؟ أللشيعة يقل ذلك ؟ ! وهم الذي اسسوا العلوم ومهدوها واحكموا المعارف وشيدوها وسبقوا بالتأليف فلم يلحقوا وعرجوا الى أوج الفضل فحلقوا فما من


149

علم من العلوم الدينية إلا وهم اصله وفرعه ، وما من فن من الفنون الاسلامية إلا وهم معدنه (1).

وما ادرى بأي شيء اهانوا العلم والمعارف ابا لمدارس التي عمروها ، ام بالأوطان التي رغبة في العلم هجروها ، ام بالاعمار التي على التعلم قصروها ام بالأفكار التي في خدمة العلم حصروها ، ام بالأموال التي في سبيله اتلفوها ام بالقرى التي على طلابه وقفوها ، ام بالقواعد التي احكموها ، والأصول التي ابرموها ، والأحكام التي اقاموا دليلها ، والغاية التي اوضحوا للعالمين سبيلها ؟؟؟.

وما ادري كيف رماهم باهانة العلماء مع شهادة البر والفاجر بأنهم اشد الناس للعلماء تعظيما واعظم العالمين لهم تبجيلا ، لا يرجعون في الحوادث الا اليهم ، ولا يعولون في امور الدنيا والدين الا عليهم.

نعم هناك من قضاة الرشوة وشيوخ الزور وعلماء السوء والمرجفين في المسلمين والناصبين للمؤمنين ، من لا يسع المؤمن تعظيمه ولا تباح له موالاته ، فاهانته بالاعراض عنه وعدم اخذ الدين منه واجبة باجماع المسلمين وحكم الضرورة من

(1) من ابتغى تفصيل هذه الجملة والوقوف على حقيقتها فعليه بكتاب « تأسيس الشيعة » لمؤلفه شيخ المسلمين ومن انتهت اليه النوبة في الاستواء على دست آبائه الطيبين الطاهرين الامام الشريف آية الله ابي محمد الحسن من آل شرف الدين المشهور بالسيد حسن الصدر الموسوي العاملي الكاظمي فانه متع الله المسلمين بشريف وجوده تتبع العلوم الدينية ذكرا واستقصى الفنون الاسلامية سبرا واستوفى في البحث عن مؤسسيها واستقرا الكلام في طبقات المصنفين فيها ، فأثبت بذلك للعيان واظهر بالحس والوجدان سبق الامامية الى جميع الفنون الاسلامية ، وقد اختصر هذا السفر الثمين في كتاب وسمه بكتاب « الشيعة وفنون الاسلام » وهو من الكتب المنتشرة بفضل مطبعة العرفان.


150

الدين ، على أنا ننقض على الناصب بنفسه إذ أهان بهذه الفتوى جميع علماء الشيعة وكافة حفاظ الشريعة ، بل أهان بقوله : « ومن توقف في كفرهم والحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم » جميع من توقف في هذه المسألة من أهل السنة وجميع من حكم من علمائهم باسلام الشيعة ممن سمعت كلامهم في الفصل المختص بما افتى به علماء السنة كما لا يخفى ، ومن وقف علي حكم هذا الرجل بكفر من توقف في تكفير الشيعة بعد مراجعة ذلك الفصل وهو الفصل 6 من الفصول المتقدمة علم انه قد كفر إمامية أبا حنيفة والأشعري وكفر الامام الشافعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وداوود بن علي والحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن عيينة وابن سيرين والزهري وأبا طاهر القزويني والامام السبكي وأبا المحاسن الروياني والقدماء من علماء بغداد قاطبة ، وكفر ابن حزم الظاهري والشيخ الكبير ابن العربي والعارف الشعراني وصاحب فتح القدير والملا علي الحنفي وابن تيمية وابن عابدين والمعاصر النبهاني وغيرهم ، إذ حكموا جميعا باسلام كافة أهل الأركان الخمسة من الشيعة وغيرهم فان كانت اهانة العلماء كفرا فالناصب من أكفر العالمين ، إذ أهان بهذه الفتوى جميع أئمة المسلمين وكافة علماء الموحدين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الوجه الثالث :

أنهم يستحلون المحرمات ويهتكون الحرمات ، بالله عليك هل يكون في صفاقة الوجه ، وصلابة الخد ، وعدم الحياء ، والجرأة على الأفك أكثر من هذا نعوذ بالله من الخذلان وبه نستجير من سوء عواقب الظلم والعدوان.

سلوا أيها المسلمون كتب الامامية متونها وشروحها قديمها وحديثها تخبركم ـ وصاحب البيت أدرى بالذي فيه ـ أنهم أبعد الناس عن المحرمات وأحوط العالمين على الحرمات ، ألم يحكم فقههم بالجلد والرجم معاً على كل من المحصن إذا زنى ببالغة عاقلة والمحصنة إذا زنى بها البالغ وان لم يكن عاقلا ؟ ألم يقض


151

بالقتل على مطلق من زنى بالمرأة مكرها لها وعلى كل من زنى بمحارمه النسبية وعلى الذمي إذا زنى بالمسلمة مطلقا ، ألم يوجب مائة جلدة للمحصن إذا زنى بطفلة أو مجنونة وللزانية إذا لم تكن محصنة أو كانت محصنة لكن الزاني بها طفل ، الم يعلن فقههم باقامة الحد على الذكر الحر غير المحصن إذا زنى بضربه مائة جلدة وجز رأسه ونفيه سنة كاملة ، ألم يصرح بضرب المملوك والمملوكة البالغين العاقلين خمسين جلدة إذا زنى أحدهما مطلقا ، ألم يبعضوا في حد من تحرر بعضه فأوجبوا له من حد الأحمرار بقدر ما فيه من الحرية ومن حد العبيد بقدر العبودية ، الم يوجبوا لمن زنى في زمان معظم أو مكان شريف عقوبة زائدة على الحد لهتكه حرمة الزمان أو المكان ، ألم يحكموا على مطلق الحر البالغ إذا لاط بالقتل بالسيف أو بالرجم أو بالقائه من شاهق أو بهدم جدار عليه ؟ وهل عرفت انه يجوز إحراقه عندهم ، وهل بلغك ان هذا الحكم ثابت للمحصن وغيره ، ألم يحكموا بالقتل كذلك على المفعول به ان كان بالغا عاقلا مختارا ، ألم يوجبوا تعزير الصبي فاعلا أو قابلا وتأديب المجنون فاعلا أو مفعولا ، ألم يعلنوا بالحكم بمائة جلدة على كل من الفاعل والقابل مع البلوغ والعقل والاختيار إذا حصل منهما مجرد التفخيذ أو بين الاليتين دون الايقاب ؟؟؟ (1).

ألم يصرحوا بالحكم بمائة جلدة على كل واحدة من المساحقتين ، ألم يحكموا بخمس وسبعين جلدة على القيادة وثمانين على كل من القذف وتناول المسكر ولو حشيشة ، ألم يحكموا على السارق أول مرة بقطع الأربع من أصابع يده اليمنى ، فلو سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ، وفي الثالثة يحبس أبدا ، وفي الرابعة يقتل ؟؟ الى غير ذلك مما لا يسع المقام تفصيله من جزاء المفسد في الأرض والمرتد عن الاسلام وبقية الحدود وسائر التعزيزات.

(1) من غير فرق بين المحصن وغيره وقيل يرجم المحصن.


152

ومن اراد التفصيل فعليه بأبوابها من فقه الامامية وحديثهم ، وقد انتشر منها ببركة الطبع في ايران وفضل المطابع في الهند ألوف ومئات مختصرات ومطولات ، فراجعها لتعلم حال الشيعة في انكار المنكرات واستعظام المحرمات ولهم في أهل الكبائر حكم قد امتازوا به ، وذلك ان صاحب الكبيرة مطلقا إذا أقاموا عليه الحد مرتين قتلوه في الثالثة ، وربما احتاطوا بتأخيره الى الرابعة ولا قائل منهم بتأخيره الى الخامسة. وهذا في غير المستحل أما المستحل فيقتل عندهم بمجرد الاستحلال.

ناشدتكم الله رب العالمين ، هل يجوز دينا ام يسوغ مروءة ان ترمى الشيعة بعد هذا كله باستحلال المحرمات وهتك الحرمات ؟! وليت الظالم دلنا على محرم اباحوه او ارشدنا الى حرمة من حرمات الدين هتكوها. هيهات هيهات ، انهم ابرأ من أن يكون ذلك منهم واجل من ان يؤثر شيء مما هو دونه عنهم ، وانما وصفهم الناصب بصفاته وألزمهم بذنوبه وموبقاته ، إذ استحل بهذه الفتوى انواعا من المحرمات واستباح اقساما من الحرمات ، استحل الكذب والبهتان ، استحل الظلم والعدوان ، استحل تكفير المؤمنين ، استحل ايقاد الحرب بين المسلمين ، استحل قتل الشيعة وهم ركن الاسلام ، استحل نهب مالهم وهو الحرام ، استحل سبي المسلمات القانتات ، استحل اطفال المسلمين وهتك الحرمات ، وقد اباد بهذه الفتوى من مؤمني حلب اربعين الفا او يزيدون وانتهبت اموالهم واخرج الباقون منهم من ديارهم الى نبل والنغاولة وام العمد والدلبوز والفوعة وقراها ، وهاجم الامير ملحم بن الأمير حيدر « بسبب هذه الفتوى » جبل عامل سنة 1147 فانتهك الحرمات واستباح المحرمات « يوم وقعة انصار » وقتل وسلب وخرب ونهب واسر الفا واربع مائة من المؤمنين فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت ، الى غير ذلك مما كان بسبب هذه الفتوى من الفظائع والفجائع. على انها في ذاته بائقة الدهر وفاقرة الظهر ، الحكم لله والمصير اليه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الوجه الرابع :

انهم ينكرون خلافة الشيخين ، ويريدون أن يوقعوا في الدين الشين (1) والجواب انه لا ينكر استخلاف الشيخين (رض) ذو شعور ، ولا يرتاب فيه ذو وجدان ، وقد امتدت امارتهما من سنة 11 الى سنة 23 وفتحت بها الفتوحات وضرب الدين فيها بجرانه ، على أن خلافتهما من الشؤون السياسية التي خرجت بانقضائها وتصرمها عن محل الابتلاء ، فأي وجه لتنافر المسلمين اليوم بسببها وأي ثمرة عملية تترتب فعلا على الاعتقاد بها.

فهلموا يا قومنا للنظر في سياستنا الحاضرة وعرجوا عما كان من شؤون السياسة الغابرة ، فان الأحوال حرجة والمآزق ضيقة لا يناسبها نبش الدفائن ولا يليق بها اثارة الضغائن ، وقد آن للمسلمين ان يلتفتوا الى ما حل بهم من هذه المنابذات والمشاغبات التي غادرتهم طعمة الوحوش وفرائس الحشرات.

وأي وجه لتكفير المسلمين بانكار سياسة خالية وخلافة ماضية ؟ قد اجمع أهل القبلة على انها ليست من أصول الدين ، وتصافقوا على انها ليست مما بني الاسلام عليه ، ونحن نظرنا فيما صح عند أهل السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تفسير معنى الاسلام والايمان فلم نجده (2) مقيدا بها ، وتتبعنا الأمور التي جعلها صلى الله عليه وآله وسلم سببا في احترام الدماء والأعراض والأموال فلم تكن (3) من جملتها ، واستقرأنا من نصوصه شرائط دخول الجنة فلم نجدها (4) في زمرتها ، فأي مانع

(1) لم يأت بهذه الفقرة « اعني قوله ويريدون ان يوقعوا في الدين الشين » الا لمجرد السجع وال فقد عرفت انهم احوط الناس على الدين.

(2) راجع الفصل 3 المعقود لبيان معنى الاسلام من هذه الرسالة.

(3) راجع الفصل 3 المختص باحترام الموحدين من هذه الرسالة.

(4) راجع الفصل 5 المتعلق بنجاة الموحدين من هذه الرسالة.


154

بعد هذا من جريان الاجتهاد فيها ، وأي دليل كفر المتأولين من منكريها.

فان القوم لم تكن بينهم وبين الحق عداوة وانما قادتهم الأدلة الشرعية الى القطع باشتراط أمور في القائم في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمستوى على مرقاة الخلافة عنه ، كعدم سبق الكفر منه على الايمان وكعصمته والعهد اليه وعدم كونه مفضولا ، واستدلوا على هذه الشروط بأدلة من الكتاب والسنة والعقل كثيرة لا يسع المقام بيانها ، وقد استقصيناها في كتابنا « سبيل المؤمنين ».

وهبها شبها كما تقول لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه لانها من الكتاب والسنة ، وقد الجأته الى القطع بما صار اليه ، فان كان مصيبا والا فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين وان اخطأ كما سمعته في فصل المتأولين.

على انه لا وجه التكفير بانكارها حتى لو فرضنا انها من أصول الدين عندهم ، لأنها ليست من الضروريات التي يرجع انكارها الى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا هي في نظر منكريها من الأمور التي قد انعقد الاجماع عليها ، وقد سبقوا بشبهة من الكتاب والسنة تمنعهم من الاعتقاد بها ، ألا ترى أن الشيعة لم تكفر أهل السنة بانكرها امامة الأئمة من أهل اليت عليهم لاسلام مع أن امامتهم من أصول الدين على رأي الشيعة ، وكذلك العدلية من الشيعة والمعتزلة لم تكفر طائفة الاشاعرة بانكارها العدل مع انه من الأصول عندهم ايضا.

وقد تأول في انكار هذه الخلافة سعد بن عبادة وحباب بن المنذر الانصاريان وتخلف عنها جمعة وأكره عليه آخرون كما ذكرناه في فصل المتأولين ، فلم يكفر أحد من أولئك بما كان منه ولا فسق بما تواتر من القول والفعل عنه ، فكيف هؤلاء وحكم الله واحد يا ايها المنصفون ؟ على أن الأحاديث المتواترة من طريق العترة الطاهرة والصحاح الوافرة من طريق أهل السنة ، ألجأت هؤلاء الى القطع بعهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى علي من بعده ، فدانوا بما رأوا انه الحق من دين


155

الاسلام ، فهم معذورون بل مأجورون ان اصابوا بذلك وان اخطأوا بالاجماع.

قال ابن حزم حيث تكلم فيمن يكفر ولا يكفر في صفحة 247 من الجزء الثالث من فصله ما هذا نصه : وذهبت طائفة الى انه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا ، وان كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى انه الحق فانه مأجور على كل حال ، ان أصاب فأجران وان اخطأ فأجر واحد.

قال : وهذا قول ابن ابي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداوود ابن علي ، وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسالة من الصحابة (رض) لا نعلم منهم خلافا في ذلك أصلا.

قلت : اجماع الصحابة وهؤلاء الأئمة يقطع دابر المشاغبين وينقض أساس المجازفين ، ضروة ان القائلين بخلافة علي والمنكرين لغيره لم يقولوا هذا القول ولم يعتقدوا هذا الأمر الا بعد الاجتهاد التام واستفراغ الوسع والطاقة وبذل الجهد في الاستنباط من الكتاب والسنة ، ولقد عز عليهم فراق اخوانهم من أهل السنة في هذه المسألة ، وقاسوا في سبيلها من أنواع البلايا وأقسام المحن والرزايا ما قد علمه جميع الناس ، ولكن ما يصنعون فيما يرونه الحق ويقطعون بأنه عين الصواب ، وقد صرح بمعذرتهم وكونهم مأجورين جماعة من أفاضل المعاصرين كالعلامة القاسمي الدمشقي حيث قال في ميزان الجرح والتعديل بعد ذكر الشيعة واحتجاج مسلم بهم في صحيحه ما هذا لفظه : لأن مجتهدي كل فرقة من فرق الاسلام مأجورون أصابوا أم اخطأوا بنص الحديث .

قلت : ومن راجع هذه الرسالة الفصل المشتمل على فتاوى علماء السنة يجدهم مجمعين على ذلك ، ومن سبر فصل المتأولين لا يرتاب فيه. والحمد لله رب العالمين.


156

الوجه الخامس :

انهم يطولون السنتهم على عائشة الصديقة رضي الله عنها ويتكلمون في حقها من أمر الافك والعياذ بالله ما لا يليق بشأنها.. إلى آخر افكه وبهتانه.

والجواب أنها عند الامامية وفي نفس الأمر والواقع أنقى جيباُ واطهر ثوبا وأعلى نفسا وأغلى عرضا وامنع صوتا وارفع جنابا وأعز خدرا واسمى مقاما من أن يجوز عليها غير النزاهة أو يمكن في حقها الا العفة والصيانة ، وكتب الامامية قديمها وحديثها شاهد عدل بما أقول ، على أن أصولهم في عصمة الانبياء تحيل ما بهتها به أهل الافك بتاتا ، وقواعدهم تمنع وقوعه عقلا ولذا صرح فقيه الطائفة وثقتها أستاذنا المقدس الشيخ محمد طه النجفي أعلى بما يستقل بحكمه العقل من وجوب نزاهة الأنبياء عن أقل عائبة ولزوم طهارة اعراضهم عن أدنى وصمة فنحن والله لا نحتاج في براءتها الى دليل ولا نجوز عليها ولا على غيرها من أزواج الأنبياء والأوصياء كل ما كان من هذا القبيل.

قال سيدنا الامام الشريف المرتضى علم الهدى في المجلس 38 من الجزء الثاني من أماليه ردا على من نسب الخنا الى امرأة نوح ما هذا لفظه : ان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب عقلا ان ينزهوا عن مثل هذه الحال لأنها تعر وتشين وتغض من القدر ، وقد جنب الله تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام ما هو دون ذلك تعظيما لهم وتوقيرا لكل ما ينفر عن القبول منهم... الى آخر كلامه الدال على وجوب نزاهة امرأة نوح وامرأة لوط من الخنا ، وعلى ذلك اجماع مفسري الشيعة ومتكلميهم وسائر علمائهم.

نعم ننتقد من أفعال أم المؤمنين خروجها من بيتها بعد قوله تعالى « وقرن في بيوتكن » وركوبها الجمل بعد تحذيرها من ذلك ومجيئها الى البصرة تقود جيشا


157

عرمر ما تطلب على زعمها بدم عثمان ، وهي التي أمالت حربه وألبت عليه وقالت فيه ما قالت ، ونلومها على أفعالها في البصرة يوم الجمل الأصغر مع عثمان بن جنيف وحكيم بن جبلة ونستنكر أعمالها يوم الجمل الأكبر مع امير المؤمنين ويوم البغل حيث طنت ان بني هاشم يريدون دفن الحسن المجتبى عند جده صلىالله عليه وآله وسلم فكان ما كان منها ومن مروان ، بل نعتب عليها في سائر سيرتها مع سائر أهل البيت عليهم السلام ، والناصب الكاذب بلغ عداوة الشيعة الى حد لا يبلغه مسلم وتجشم في بغضائهم مسلكا لا يسلكه موحد ، اذ وصم الاسلام واهله بما افتراه في هذا الوجه على الشيعة وهم نصف المسلمين وصمة اقر بها عيون الكافرين وفرى بها مرائر الموحدين وظلم ام المؤمنين وجميع المسلمين ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

الوجه السادس :

انهم يسبون الشيخين (رض).

والجواب ان البحث يقع هنا في كل من صغرى هذا الوجه وكبراه وبعبارة اخرى هي اوضح يقع البحث في مقامين :

المقام الأول : في أنهم هل يسبون ؟

« اولا » يسبون ؟

« والثاني » في انه هل يكفر الساب ( والعياذ بالله ) او لا يكفر ، وقد رأيت البحث في المقام الأول عبثا صرفا ولغوا محضا ، اذ لا يمكن اذعان الخصم ببراءة الشيعة من هذا الأمر ، ولو حلفنا له برب الكعبة ، بل لا يلتفت الى نفيه عنهم ولو جئناه بكل آية ، والامامية طالما اذنت فلم يسمع اذانها وشد ما اعلنت فلم يصغ لاعلانها ، فسد هذا الباب اقرب الى الصواب واولى بأولي الألباب ولا حول ولا قوة الا بالله.


158

واما المقام الثاني : فالحق عدم الكفر ، ولنا على ذلك ادلة قاطعة وبراهين ساطعة نذكر منها ستة ثم نوكل الحكم بعدها لرأي المنصفين :

« الأول » الأصل مع عدم ما يدل على الكفر من عقل او نقل او اجماع.

« الثاني » أنا تتبعنا سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما رايناه يكفر أحدا يشتم واحد من أصحابه رضي الله عنهم ، وكان الصحابة يتنازعون ويتشاتمون على عهده فلم يؤثر عنه تكفير أحد منهم بسبب ذلك ، حتى تشاتموا مرة أمامه وتضاربوا بالنعال ( كما رواه البخاري في أول كتاب الصلح من صحيحه وأخرجه مسلم في آخر باب دعاء النبي الى الله من كتاب الجهاد من صحيحه ) وتقاتل الأوس والخزرج مرة على عهده صلى الله عليه وآله وسلم وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال كما في آخر صفحة 107 من الجزء الثاني من السيرة الحلبية وكذا في السيرة الدحلانية وغيرها ، فأصلح بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكفر بذلك أحدا منهم ، وموارد اختلافهم وتشاتمهم بل تقاتلهم وتحاربهم مسطورة في كتب الحديث والأخبار ، فهل بلغكم تكفير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأحدهم بهذا السبب ، أم هل سمعتم ذلك عن أحد الصحابة رضي الله عنهم ؟ وإذا كان القوم لم يثبتوا لأنفسهم هذه المنزلة فكيف أثبتها لهم المجازفون ؟

« الثالث » ما سمعته في الفصول الثلاثة المنعقدة لبيان معنى الايمان واحترام الموحدين ونجلتهم من الأحاديث الصحيحة والنصوص المتواترة الصريحة ، فراجعها لتعلم حكمها على مطلق أهل الأركان الخمسة بالايمان والاحترام ودخول الجنة ولا يخفى على كل من لحظها بطرفه أو رمقها ببصره أو سمع بيانها أو عرف لسانها امتناع تقييدها واستحالة تخصيصها ، ولذا أجمع المسلمون على عدم تخصيصها بما أخرجه مسلم في أوائل صحيحه من الأحاديث الظاهرة بكفر التارك للصلاة من المسلمين والمقاتل منهم للمسلم والعبد الآبق والنائحة على الميت والطاعن في النسب ، بل قالوا ان الغرض من هذه الصحاح وأمثالها انما هو تغليظ الحرمة وتفظيع


159

المعصية لا الكفر الحقيقي ، فلتكن الأخبار المتعلقة في السب مثلا على فرض صحتها نظير هذه الصحاح ، ويوضع لك ما نقول اجماع الخلف والسلف من أهل السنة على أن من مات موحدا دخل الجنة ولو عمل من المعاصي ما عمل ، كما ستسمعه عن الفاضل النووي قريبا ان شاء الله تعالى.

« الرابع » ما أورده القاضي عياض في الباب الأول من القسم الرابع من كتاب الشفا ، ان رجلا من المسلمين سب أبا بكر بمحضر منه (رض) فقال أبو برزة الأسلمي : خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه. فقال : اجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . واخرجه الامام احمد من حديث ابي بكر في صفحة 9 من الجزء الأول من مسنده.

بالله عليك إذا كان هذا حكم الصديق فيمن واجهه بالسب وهذه فتواه فيمن تسور على مقامه بالشتم فمن أين نحكم بعده بالتكفير ، وكيف نقضي بوجوب القتل أو نفتي بجواز التعزير ؟ أنحن اعرف منه بالأحكام ام احرص على اقامة الحدود ؟ كلا بل لو ارتد ذلك الساب لاقام عليه حد المرتدين ، ولو كفر بها لرتب عليه آثار الكافرين ، وحاشا ابا بكر من تعطيل حدود الله أو تبديل احكامه عز وجل.

وقد افتدى به في ذلك الصالحون ، ونسج على منواله المتورعون كعمر بن عبد العزيز حيث كتب اليه عامله بالكوفة يستشيره في قتل رجل سب عمر بن الخطاب (رض) فكتب اليه كما في الباب المتقدم ذكره من الشفا : لا يحل قتل امرىء مسلم بسبب احد من الناس ، الا رجلا سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن سبه فقد حل دمه.

واخرج محمد بن سعد في أحوال عمر بن عبدالعزيز في صفحة 279 من الجزء الخامس من طبقاته بسنده الى سهيل بن ابي صالح قال : ان عمر بن عبدالعزيز


160

قال : لا يقتل احد في سب الا في سب نبي ـ وأخرج احمد من حديث أبي هريرة في صفحة 436 من الجزء الثاني من مسنده ان رجلا شتم ابا بكر والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعجب ويبتسم... الحديث.

« الخامس » اجماع فقهائهم على ان مجرد السب لا يوجب الكفر ، وقد نقله من علماء السنة خلق كثير فمنهم فقيه الحنفية في عصره ( الأمين ) ابن عابدين ، حيث جزم في كتابيه رد المختار وتنبيه الولاة بعدم كفر المتأولين في هذه المسألة ، وصرح في كليهما بأن القول بكفرهم مخالف لاجماع الفقهاء مناقض لما في متونهم وشروحهم ، فراجع من رد المحتار صفحة 302 من جزئها الثالث في باب المرتد لتعلم الحقيقة.

ومنهم صاحب الاختيار حيث قال ـ كما نص عليه ابن عابدين فيما اشرنا اليه من رد المحتار ـ اتفق الأئمة على تضليل اهل البدع اجمع وتخطئتهم وسب احد من الصحابة وبغضه لا يكون كفرا لكن يضلل .

ومنهم ابن المنذر حيث صرح ـ كما في رد المحتار ايضا ـ بما يقتضي نقل اجماع الفقهاء على عدم تكفير الخوارج ، وان استحلوا دماء المسلمين واموالهم وكفروا الصحابة رضي الله عنهم (1).

ومنهم صاحب فتح القدير حيث قطع بعدم كفر احد من اهل البدع ، وان خاف ببدعته دليلا قطعيا كالخوارج الذين يكفرون الصحابة وسبونهم مثلا ، وذكر ان ما وقع في كلام اهل المذهب من تكفيرهم ليس من كلام القهاء الذين هم المجتهدون وانما هو من كلام غيرهم ، قال : ولا عبرة بغير الفقهاء والمنقول عن الفقهاء ما ذكرناه .

(1) اذا كان هؤلاء مسلمين ، وقد مرقوا من الدين واستحلوا ما حرم الله من دماء المسلمين فالامر في غيرهم سهل يسير ، وهذا الاجماع دال على ما هو أعم من المطلوب مثبت لما هو أعظم من المقصود كما لا يخفى.


161

ومنهم ابن حجر حيث قال كما في خاتمة الصواعق ، فمذهبنا ( فيمن يسب ) انه لا يكفر بذلك .

ومنهم الشيخ ابو طاهر القزويني في كتابه سراج العقول حيث نقل القول بعدم كفر احد من اهل الأركان الخمسة من الروافض وغيرهم عن جمهور العلماء والخلفاء من ايام الصحابة الى زمنه ، فراجع ما نقلناه عنه في الفصل المعقود لفتاوى علماء السنة.

ومنهم العارف الشعراني حيث قال في آخر المبحث 58 من يواقيته ما هذا لفظه : فقد علمت يا أخي ان جميع العلماء المتدينين امسكوا عن القول بالتكفير لاحد من اهل القبلة .

وقد ارسل ابن حزم عدم الكفر ارسال المسلمات ، فقال في صفحة 257 من اواخر الجزء الثالث من فصله ما هذا لفظه : واما من سب احدا من الصحابة فان كان جاهلا فمعذور وان قامت عليه احجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق ، وان عاند الله تعالى ورسوله في ذلك فهو كافر. قال : وقد قال عمر بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن حاطب « وحاطب مهاجري بدري » : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا ، بل كان مخطئا متأولا .

قلت : حسبك في عدم كفر الموحدين بمجرد هذا ما هو معلوم بحكم البداهة الأولية من اجماع أهل السنة على أن مطلق الموحدين يدخلون الجنة على كل حال. قال الفاضل النووي « في باب الدليل على ان من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا من شرح الصحيح » : واعلم ان مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من الخلف والسلف ان من مات موحدا دخل الجنة قطعا... الى ان قال : فال يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل .


162

« السادس » أنه لا يفتى بالتكفير عندهم إلا ان يكون الموجب للكفر مجمعا على ايجابه ، لذلك قال في شرح تنوير الأبصار : والعم انه لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن او كان في كفره خلاف ولو كان ذلك رواية ضعيفة .

وقال الخير الرملي كما في صفحة 398 من الجزء الثالث من رد المحتار : ولو كانت « تلك الرواية » لغير اهل مذهبنا ، واستدل على ذل باشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعا على ايجابه لذلك.

قلت. اذا كان التكفير مشروطا بهذا فكيف يفتى بالكفر في مسألتنا مع ما سمعت من انعقاد الاجماع على عدم الكفر فيها ؟ ولو أنكر الخصم ذلك الاجماع فصسبه وجود القائل بعد التكفير ، فانه مما لا يمكن انكره كما لا يخفي. وقد اغرب النصب اذ حكم بعدم قبول توبته مع اجماعهم على قبول توبة من يسب الله عز وجل (2).

فهل هذا الا تحامل قبيح وظلم صريح ، وجرأة على الله عز وجل في تبديل أحكامه واستخفاف فيما شرغ الله سبحانه من حلاله وحرامه ، وما أراه الا مدفوعا على هذا الفتوى من ملوك الجور تحسينا لأفعالهم او مستأجرا عليها من ولاة الجور تصحيحا لأعمالهم.

ولا غرو فان علماء السوء وقضاة الرشوة يبدلون احكام الله بالتافه ويبيعون الامة بالنزر القليل.

(2) نسجوا في هذه الفتوى على منوال اليهود اذ اجمعت اخبارهم على ان من شتم الله تعالى يؤدب ومن شتم الاحبار يقتل ، وقد انكر ذلك عليهم ابن حزم اذ نقله عنهم في صفحة 221 من الجزء الاول من فصله قبل انتهاء الجزء بورقتين ، قم قال : فأعجبوا لهذا وأعلموا ا نهم ملحدون لا دين لهم أهـ ـ قلت : وهب ان الرافضي كافر فقد نشأ على مذهبه وتدين به من قبل البلوغ فلم لا تقبل توبته كما تقبل توبة المجوس والصابئة يا منصفون.


163

فقاتل الله الحرص على الدنيا ، وقبح الله التهالك على الخسائس ، ما اشد ضررهما وما افظع خطرهما ، نبذ اولئك الدجالون حكم الله وراء ظهورهم طمعا في الوظائف ، وحكموا بما تقتضيه سيسة ملوكهم رغبة في المناصب ، وارجفوا في المؤمنين وفرقوا كلمة المسلمين ، ولولاهم لتعارفت الأرواح وائتلفت القلوب وامتزجت النفوس واتحدت العزائم ، فلم يطمع بالمسلمين طامع ولم يرمقهم من النواظر الا بصر خاشع ، ولكن وا أسفاه استحوذ عليهم اولئك المفسدون الذين ينحرون دين الله في سبيل الوظائف ويضحون عباده في طلب القضاء والأفتاء ، فتناكرت بفتاويهم وجوه المسلمين وتباينت بأراجيفهم رغائب الموحدين حتى كان من تفرق آرائهم وتضارب اهوائهم ما تصاعدت به الزفرات وفاضت منه العبارات ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.


164

الفصل العاشر في الشارة الى يسير مما نسبه الكذابون

الى الشيعة وبيان براءتهم منه

والغرض من ذلك استئصال شأفة النتافر واقتلاع بذرة التدابر وازالة كل عثرة في طريق الاجتماع ودك كل عقبة في سبيل الوئام ، وقبل الشروع في المقصود نقدم جملة لا تتم بدونها الفائدة ، حاصلها : ان في اهل السنة من رمى الامامية بدواهي وفاوقر قد علم اليوم بفضل المطابع وبركة انتشار الكتب وتقلص العصبيات وبزوغ الحقائق انهم في غاية البعد عنها وتمام التقدس منها ، والرامون لهم بها على اربعة اقسام :

« القسم الأول » طائفة من العلماء حملهم على ذلك مجرد التزلف الى ملوك بني أمية وسلاطين بني العباس ، إذ كانت الشيعة بعد صفين والطف أعداء السياسة الأموية واضداد الدولة العشمية ، يجتهدون في رفضها ويعملون على نقضها ، ففتكت بهم الحكام وقتلتهم تحت كل حجر ومدر ، ووازرهم على ذلك القراء المراؤون والعلماء الدجالون ، فبلغوا في تسويد صحائف الشيعة كل مبلغ ، والصقوا بهم كل عائبة ، تهجينا لمذهبهم وتقبيحا لمشربهم وتصحيحا لما كان يرتكبه بنوا امية من تقتيل أبنائهم واستحياء نسائهم ، وكانوا ينتظرون الفرج


165

بسقوط الدولة الأموية ، فلما ملك بنو العباس نسجوا معهم على ذلك المنوال وعملوا مع أئمة أهل البيت أفظع الأعمال ، حتى قضى ( الكاظم ) في سجونهم ، وتجرع ( الرضا ) كأس السم من يد مأمونهم ، وكربوا قبر الحسين عليه السلام ، وأبادوا نسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فعاد على شيعة أهل البيت ذلك البلاء وحلت بهم من ولاة الدولة العباسية وعلمائها تلك الأواء الولاة تقنيهم بسهامها وعلماء التزلف ترميهم بأقلامها.. بيد أن ظلم السيف لم يبق وظلم القلم مسجل ما بقيت كتب الظلال ، فالعاقل المتثبت لا يصدق في حق الشيعة علماء تلك الدولتين ، ولا يعتني بما كان في أيامهما من الأراجيف فانها أكاذيب أوجبتها سياسة الملك واقتضتها قواعد الظالمين.

« القسم الثاني » طائفة من العلماء حملهم على ذلك مجرد الخوف من ميل الناس الى الشيعة ، ومحض الحذر من اتباع سائر المسلمين لطريقتهم ، وكأنهم قد استباحوا بذلك تنفير الناس عنهم بكل طريق ، فقالوا ما قالوا ونالوا ما نالوا ، على علم منهم بأن الامامية منزهون عما افتروه عليهم مقدسون عما نسبوه اليهم ، الا في مسألةواحدة تتعلق بمباحث الامامة والسياسة لا نتحاشى منها ، وهي على قواعد الخصم لا تعار اهتماما زائدا لو انصفوا لأنها ليست من الأصول عندهم كما لا يخفى.

« القسم الثالث » طائفة قد التبس الأمر عليهم ، لأن اسم الشيعة غير خاص بالامامية بل مشترك بينها وبين فرق كثيرة ، كالآغا خانية والكيسانية والناووسية والخطابية والفطحية والواقفية وغيرها ، فربما وجدوا أقوالا منكرة ومذاهب مكفرة لاحدى تلك الفرق الضالة التي يطلق عليه لفظ الشيعة فظنوا أنه مذهب الجميع ، فأرسوله عنهم ارسال المسلمات ، وأعانهم على ذلك وغر في صدورهم وغيظ في نفوسهم ، يمنعانهم عن التثبت في النقل.

ولله ورع الامامية وتثبتهم اذ يرون الكرامية وهم طائفة من أهل السنة


166

يذهبون الى ان الله سبحانه وتعالى مستقر على العرش استقرارك على الأرض ويجدون آخرين يقولون بأنه تعالى بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة ، ويلفون الحائطية والحدثية ( وهما فرقتان من المعتزلة ) يقولون بحلول الله عز وجل في بعض الأنبياء مقالة النصارى في ابن مريم عليهما السلام نص على ذلك الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ، ومع ذلك لم ينسبوا القولين الأولين الى مطلق أهل السنة ، ولا ألحقوا المقالة الأخيرة بمطلق المعتزلة ، وانما نسبوا تلك الأقوال الى أربابها وقصروها على أصحابها ، فلم ينسب غيرهم مقالة الخطابية والناووسية مثلا الى مطلق الشيعة يا منصفون.

« القسم الرابع » جماعة قد اعتمدا في نقل تلك الدواهي والطامات عن الشيعة على من تقدمهم من علماء سلفهم ، إذ رأوهم ينقلون شيئا فنقلوه ووجدوا أثرا فاتبعوه ، ولو رجعوا في معرفة أقوال الأمامية إلى علمائهم وأخذوا مذهبهم في الأصول والفروع من مؤلفاتهم ، لكان أقرب الى التثبت والورع وما أدري كيف نبذوا في هذا المقام كتب الأمامية على كثرتها وانتشارها واعتمدوا على نقل أعدائهم المرجفين وخصمائهم المجازفين الذين تحكموا في تضليلهم ، وسلقوهم بألسنة الافتراء وهذا عصر لا يصغى فيه الى من يرسل نقله ارسال الكذابين أو يطلق كلامه اطلاق المموهين حتى يرشدنا الى المأخذ ويدلنا على المستند ، وقد طبع في اماكن من فارس والهند ألوف من مصنفات أصحابنا في الفقه والحديث والكلام والعقائد والتفسير والاصول والارواد والاذكار والسلوك والاخلاق ، فليطلبها من اراد الاستبصار ولا يعول على كتب المهولين الذين بثوا روح البغضاء في جسم المسلمين ، ونقلوا عن الشيعة كل إفك مبين ، وإليك منه ما عقد الفصل لذكره.

قال ابن حزم الظاهري في صفة 182 من الجزء الرابع من الفصل ما هذا نصه : ومن الامامية من يجيز نكاح تسع نسوة ، ومنهم من يحرم الكرنب


167

( وهو نوع من السلق يشبه القنبيط ) لانه انما نبت على دم الحسين(1) ولم يكن قبل ذلك.

قلت : أما نكاح ما زاد على الاربع فاجماع الامامية قاطبة نصا وفتوى على حرمته ، وهذا الحكم من ضروريات مذهبهم بحيث لا يشتبه فيه أحد منهم ، وأما الكرنب فليس له في كلام الامامية عنوان مخصوص وحكمه عندهم حكم الخس والفجل واللفت واشباهها ، وانا انشدكم أيها الباحثون بعزة الحقيقة وناموس العدل وشرف الانصاف ان تستقصوا فقه الامامية واصولهم وتستقروا حديثهم وتفسيرهم وتتصفحوا قديم كتبهم وحديثها مختصرها ومطولها متونها وشروحها فان وجدتم أثرا لما قال فالشيعة ليست على شيء من الحق ، والا فابن حزم وأمثاله من اكذب الخلق ، وقد ارجف بالامامية في غير هذا المقام من فصله ارجافا لا يصدر من ذي دين ، وكذب عليهم اكاذيب لا تكون من ذي يقين ، وظلمهم ظلما لا يقدم عليه مؤمن بالمعاد وبهتهم بهتان من لا يخشى الله ولا يستحي من العباد. ونحن بسبب انتشار كتب الامامية في غنى عن التصدى لتزييف أقاويله وتكذيب اباطيله ، على ان الرجل لم يقتصر في طلمه على الشيعة خاصة بل ظلم أئمة اهل السنة وبهت علماء المعتزلة وكفر كثيرا من السلف ولم يكد أحد يسلم من لسانه حتى قال ابن العريف كما في ترجمة على بن أحمد بن حزم من الوفيات : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين.

وحسبك ما نقله في شنع المرجئة عن الامام الأشعري وأصحابه ، من ان اعلان الكفر باللسان وعبادة الأصنام والأوثان بال تقية وال عذر لاينفيان مقام الولاية لله عز وجل ، فراجع صفحة 204 من الجزء 4 من الفصل. ونقل في

(1) الامامية اجل من أن تعول في احكام الله على الخرافات الباردة والترهات المسخنة كهذه الحكاية وأمثالها.


168

الصفحة الأولى من الجزء 4 أيضا عن الباقلاني القول بجواز كل فسق وكفر على الأنبياء ، حاشا الكذب في البلاغ. ونقل في صفحة 205 من الجزء 4 أيضا عن بعض الاشاعرة القول بجواز الكذب في البلاغ عن الأنبياء. ونقل عن السمناني وهو من أئمة الأشاعرة في صفحة 224 من الجزء الرابع تجويز الكفر على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسب الى محمد بن الحسن بن فورك وسليمان بن خلف الباجي ـ وهم من أئمة الأشعرية ـ أمورا عظيمة يطول المقام بتعدادها.

والغرض أن الرجل لا يستحي من الكذب ولا يتأثم من البهتان ، وقد أجمع فقهاء عصره كما في ترجمته من الوفيات على تضليله ، وذكره ابن خلدون في الفصل الذي عقده لعلم الفقه وما يتبعه من مقدمته الشهيرة فكان مما قال فيه : ونقم الناس عليه وأوسعوا مذاهبه اسهجانا وانكارا وتلقوا كتبه بالاغفال والترك حتى انه ليحظر بيعها في الاسواق ، وربما تمزق في بعض الأحيان .

فلا يغتر احد بما ينقله عن الامامية وغيرهم « يا أيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين » على أن الرجل من موالي يزيد بن معاوية فالحظ نسبه في الوفيات ، ولذا فضل أم حبيبة بنت أبي سفيان على أبي بكر وعمر وعثمان حيث تكلم في وجوه الفضل والمفاضلة بين الصحابة ؛ واختار تفضيل نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جميع من عدا الأنبياء من سائر الناس ، واعتمد في ذلك على خزعبلات مسخنة وترهات باردة وتششبث بسفاسف فاضحة وتمويهات واضحة فليراجعها كل مغرور بابن حزم في صفحة 112 وما بعدها الى صفحة 134 من الجزء الرابع من الفصل وليعجب. وقد ظهر منه في تلك المقامات وما بعدها نصب عظيم لأمير المؤمنين وعداوة لأهل البيت بالغة ، حتى فضل صهيبا في صفحة 152 من الجزء الرابع على العباس وبنيه وعلى عقيل وبنيه وعلى سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهما السلام ، وانكر كل فضيلة لأهل البيت فراجع.


169

ونسج على منواله في بهت الامامية جماعة كثيرون منهم الشهرستاني في الملل والنحل اذ ألحق بهم كل مستهجن والصق فيهم كل قبيح. ذكر انهم افترقوا بعد الامام أبي محمد الحسن العسكري احدى عشرة فرقة ، والله يلعم انهم لم يفترقوا في اصول الدين أو شيء من العقائد وانما أراد بتفريقهم اطفاء نورهم ، وليته اسند شيئا من الأقاويل التي نقلها عن تلك الفرق الى كتاب يتلى أو شخص خلقه الله تعالى ، وليته اخبرنا عن بلاد واحدة من تلك الفرق أو زمانها او اسمها فانه قال : وليس لهم ألقاب مشهورة ولكنا نذكر أقاويلهم. بالله عليك هل سمعت متخاصمة ونحل آراؤها متعاركة لا يعرف لهم في الأحياء والأموات رجل ولا امرأة ولا يوجد في الخارج لهم مسمى ولا اسم ؟

وقد نقل عن زرارة بن اعين وهشام بن الحكم (2) ومؤمن الطاق محمد بن النعمان وهشام بن سالم امورا ترتعد منها الفرائص وتقشعر لها الجلود فلم يقدح ذلك في سمو مقامهم وعظيم خطرهم عند الله ورسوله والمؤمنين وما أدري كيف اختص الشهرستاني واصحابه بالاطلاع على أقوال هؤلاء الاعلام دوننا ، مع انهم سلفنا وفرطنا قد بحثنا عن رأيهم واخذنا من الدين بهديهم ، فنحن اعرف الناس بمذاهبهم وصحبحنا مشحونة من حديثهم واسفارنا مملوءة من اقوالهم في الكلام والتفسير والفقه واصوله ، وفي ايدينا جملة أحوالهم وتفاصيل اخبارهم ، فلا يجوز ان يخفى علينا من احوالهم ما ظهر لغيرنا ، مع بعده عنهم في المشرب ومخالفته لهم في المذهب وكونهم ليسوا محلا لا بتلائه في شيء من امور الدنيا والدين ، ولو رأيناهم يذهبون الى ما عزاه الشهرستاني اليهم لبرأنا منهم كما هي سنتنا فيمن نراه معوجا عن الحق او منتهجا نهج الضلال.

(2) قد استوفينا الرد في هذه المسألة على الشهرستاني في كتابنا مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام فراجع ما نشر منه في صفحة 189 وفي صفحة 231 من المجلد الثاني من العرفان.


170

وقد اعرضنا عن بعض اولاد ائمتنا مع شدة اخلاصنا لهذا البيت الطاهر وكفرنا جماعة ممن صحبهم وفسقنا آخرين وضعفنا قوما وامسكنا عن قوم آخرين كما يشهد به الخبير بطريقتنا ، فلو كان هؤلاء كما ذكره الشهرستاني لم يعظم علينا تكفيرهم ولألحقناهم بأبي الخطاب محمد بن مقلاص الاجدع وبالمغيرة بن سعد وعبد الله بن سبأ والمختار بن ابي عبيد وامثالهم ، لكن اعداء اهل البيت عمدوا الى اكابر اصحابهم فرموهم بهذه الطامات كي يسقطوهم من اعين الناس حسدا منهم وبغيا ، ثم جاء الشهرستاني فرأى اثرا فاتبعه ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

وقد بلغت القحة ببصض المتعصبين الى رمي المتاولة ( وهم الامامية في عرف سوريا ) بانكار الصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر الواجبات حتى نقل ذلك عنهم جودت باشا كما في صفحة 366 من الجزء الاول من ترجمة كتابه المطبوع في بيروت سنة 1308(3) فاعجبوا لهذه الاكاذيب الدالة على حمق الكاذب وقلة حيائه نعوذ بالله من الخذلان.

وربما افك بعض المخرفين فنسب الى الشيعة انهم لا يأكلون لحوم الابل هذا مع ما ينحر من الجزر كل يوم في مشاهد الائمة عليهم السلام وغيرها من بلاد الامامية ولا سيما في النجف الأشرف وهي عاصمة فقهائهم ، على ان من راجع من فقههم باب الأطعمة والاشربة لا يجدهم يفتون بكراهة الابل كما يفتون بكراهة الخيل والبغال والحمير ، بل يذكرون الابل في غير المكروه قبل البقر والغنم والمعز ، وفي باب الذباحة يصرحون بأن تذكية الابل بنحرها في وهدة

(2) ذكرنا في كتاب مؤلفي الشيعة كلام جودت واستوفينا المقام في رده فراجع ما نشر منه في صفحة 190 من المجلد الثاني من العرفان ، وقد سمعت في الفصل السابق حال الامامية في ايجاب الواجبات وتحريم المحرمات فلا وجه للاعادة.


171

اللبة وهذا أمر من الضروريات لا يجهله أحد منهم اصلا.

وأعجب من هذا نسبة بعض الآفكين الى الشيعة عدم ايجاب العدة على النساء مع انهم احوط في هذه المسألة من غيرهم أن المتوفى عنها زوجها تعتد بأربعة أشهر وعشر ليال مبدؤها نفس وفاته ، وتظهر الثمرة فيما لو علمت اليوم انه مات منذ أربعة أشهر وعشر ليال أو أكثر فانها لا تتزوج على رأيهم حتى تتربص لامدة وعند غيرهم بأبعد الاجلين من وضع الحمل ومضي المدة ، فلو مضت المدة قبل وضع الحمل لاتتزوج عندهم حتى تضع حملها ، وكذا لو وضعت قبل مضي المدة.. وان اردت التفصيل فعليك بفقه الامامية وحديثهم وتفاسيرهم ، وقد ملأت انحاء الهند وارجاء فارس وانتشرت في العراقين وسوريا وسائر بلاد الاسلام ، وانا ارشدك الى أسماء بعض ما هو بطبوع منها اكمالا للفائدة وخدمة للعلم ، فمن الكتب افقهية شرائع الاسلام وجواهر الكلام ومسالك الافهام ومدارك الأحكام وكشف اللئام ومفتاح الكرامة وتذكرة العلامة والبرهان القاطع والمختصر النافع والروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية وجامع المقاصد في شرح القواعد الى ما لا يحصى من الكتب المطولة فضلا عن المختصرة ، وحسبك من حديثهم وسائل الشيعة الى أحكام الشريعة ، ومن تفاسيرهم مجمع البيان في تفسير القرآن فراجعها لتعلم الحقيقة والله المستعان على ما تصفون.


172
الفصل الحادي عشر (1) كنا نظن العصبية العمياء تقلصت

وايامها الوحشية تصرمت.

وان المسلمين أحسوا اليوم بما حل بهم من المنابذات والمشاغبات التي تركتهم طعمة الوحوش والحشرات ، وكنا نقول بزغت الحقائق بفضل المطابع وانتشار كتب الشيعة فلا أفاك ولا بهات ولا رامي لهم بعدها بهنات ، لكن النواصب ابوا الا ايقاظ الفتنة النائمة وايقاد الحرب العوان «﴿ تفريقا بين المؤمنين وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ان اردنا الا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون ».

قام في سوريا من حثالة الأمويين طغام دأبهم العهر والخمر يدعون الى سلفهم الفاجر يريدون ليعيدوها أموية يزيدية هياما في مجاهل ضلالهم وتسكعا في مفاوز محالهم ، ركبوا في ذلك رؤوسهم وارخوا فيه أعنة اقلامهم فالحقوا بالشيعة كل مستهجن وبهتوهم بكل عائبة «﴿ وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ».

(1) انما عقدنا هذا الفصل وزدناه فيما في هذه الطبعة ( أعني الطبعة الثانية ) تأثرا من هؤلاء النواصب الكذبة ، ولئن لم ينتهوا لنعذرن الى الله عز وجل بهم.


173

خط قرد يزيد في خطته وفي مجلة الأمويين قوارص ترتعد منها الفرائص لكن فتيان المؤمنين خصموه فخطموه وقذعوه فقمعوه لا شلت ايمانهم.

ونشب النشاشيبي منشب سوء فلم ينشب ان ابكم فأفحم وانكبح فافتضح ، والحمد لله رب العالمين.

وصوب النصولي نصوله على الامام فنصل بذلك من دين الاسلام ، وقد طاش سهمه وسفه رأيه وخولط في عقله فهو في ( كتابه ) احمق دالع (2) ومن شك فليراجع.

ومع ذلك فقد كال الكيالي بصاعه وانتظم في سلك اتباعه فأثار ثائر هوجه وهبت عواصف رعنه ، فبرهن بما كتب على اطفاء شعلة ذهنه وفلول شباة عقله «﴿ وخسر هنالك المبطلون ». «﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ».

ما لهؤلاء السفهاء والتطوع في هذا الجيش الوهمي ، وما كان أغناهم عن ذلك الارجاف والاجحاف ، وما هذا الهوس الحزبي الذي اماتته السنون يبعثه هؤلاء العادون ليشقوا عصا المسلمين ويلقوا بأسهم بينهم.

وان من عصب برأسه العار وخطم انفه بالشنار وعاقر المدام وعانق الغلام وأضاع الصلاة واتبع الشهوات لجدير بالموبقات ، وحقيق بالمنديات المخزيات.

ولو أني بليت بهاشمــي
خــؤولته بنو عبد المدان
لهان عليّ ما ألقى ولكــن
تعالوا وانظروا بمن ابتلاني

ولقد اسرف منار الخوارج بما أرجف واجحف وبغى وطغى وبهت الشيعة بهتانا عظيما «﴿ ومن يكسب خطيئة او اثما ثم يرمي به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما مبينا » شنها في مجلده التاسع والعشرين غارة ملحاحا أوسعت قلب الدين

(2) وهو الذي لا يزال دالع اللسان وذلك غاية الحمق.


174

واهله جرحا ايقادا للفتنة وتمسكا بقرن الشيطان وتزلفا لخوارج القرن الرابع عشر وابتغاء لعرض الدنيا «﴿ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ».

وتبا وترحا لمن يتلون كالحرباء ويدين بالسياسة كيف تشاء ، فيوما بحزوى ويوما بالعقيق وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء.

نشر المنار (3) دعايته الى النصب والخرافات والتفريق بين المسلمين بالتمويه والترهات ، وادرج لذلك الناصب الكاذب رسالة خالية الوطاب إلا من الافك والسباب ، فأين النهضة التي يزعم المنار قيامه بها على أساس الوحدة الاسلامية وأين ما يدعيه من مجاهدة البدع والخرافات ؟ ! هيهات هيهات ( لقد حن قدح ليس منها وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها ) ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، ونعوذ بك من طغوى نفسهم وسفه أحلامهم وعمه بصائرهم وبغي طغامهم ، ونبرأ اليك من نعرتهم الممقوتة الملعونة ، فقد شقوا بها عصا المسلمين وكان بسببها من الفشل وذهاب ريح الاسلام ما يفري المرائر ويمزق لفائف القلوب.

وهناك أفاضل نحملهم على الصحة في سوء ظنهم بالشيعي ونبزهم إياه بالرفض ونسبتهم الاباطيل اليه ، حيث أنسوا بناحية من تقدمهم ممن رأوه ينبز الشيعة ويلمزهم فنحوا نحوه وتلوا في ذلك تلوه إخلادا اليه بثقتهم واعتمادا عليه في كل ما يقول ، فلا تثريب اذن على الوحيد الرافعي إذا قال (4) ان الرافضة شكوا في نص القرآن وقالوا انه وقع نقص وزيادة وتغيير وتبديل .

ولا جناح علينا إذا سألناه فقلنا له من تعني هنا بالرافضة ، أتعني الامامية

(3) في الجزء 6 وما بعده من المجلد 29 تباعا.

(4) في صفحة 161 من كتابه ( تحت راية القرآن ).


175

أم غيرهم ، فإن عنيتهم فقد كذبك من أغراك بهم وكل من نسب اليهم تحريف القرآن فإنه مفتر عليهم ظالم لهم ، لأن قداسة القرآن الحكيم من ضروريات دينهم الاسلامي ومذهبهم الامامي ، ومن شك فيها من المسلمين فهو مرتد باجماع الامامية ، فإذا ثبت عليه ذلك قتل ثم لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. وظواهر القرآن فضلا عن نصوصه من أبلغ حجج الله تعالى واقوى ادلة أهل الحق بحكم البداهة الاولية من مذهب الامامية ، ولذلك تراهم يضربون بظواهر الاحاديث المخالفة للقرآن عرض الجدار ولا يأبهون بها وان كانت صحيحة ، وتلك كتبهم في الحديث والفقه والاصول صريحة بما نقول.

والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنما هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف ، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً الى عهد الوحي والنبوة ، وكان مجموعا على ذلك العهد الأقدس مؤلفا على ما هو عليه الآن ، وكان جبرائيل عليه السلام يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن في كل عام مرة وقد عارضه به عام وفاته مرتين.

والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي حتى ختموه عليه صلى الله عليه وآله وسلم مرارا عديدة ، وهذا كله من الامور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الامامية ، ولا عبرة بالحشوية فإنهم لا يفقهون.

والباحثون من اهل السنة يعلمون أن شأن القرآن العزيز عند الامامية ليس إلا ما ذكرناه والمنصفون منهم يصرخون بذلك.

قال الامام الهمام الباحث المتتبع رحمة الله الهندي رضي الله عنه في صفحة 89 من النصف الثاني من كتابه النفيس ( اظهار الحق ) ما هذا لفظه : القرآن الكريم عند جمهور علماء الشيعة الامامية الاثني عشرية محفوظ عن التغيير


176

والتبديل ، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه فقوله مردود غير مقبول عندهم.

قال : قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه الذي هو من أعظم علماء الامامية الاثني عشرية في رسالته (5) الاعتقادية : « اعتقادنا في القرآن ان القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الله مائة وأربع عشر سورة ، وعندنا والضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولايلاف وألم تر سورة واحدة ، ومن نسب الينا أنا نقول انه اكثر من ذلك فهو كاذب » انتهى.

قال الامام الهندي : وفي تفسير مجمع البيان (6) الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة ذكر السيد الاجل المرتضى علم الدين ذو المجد ابو القاسم علي بن الحسين الموسوي : ان القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجموعا مؤلفا على ما هو الآن ، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنه كان يعرض على النبي ( ص ) ويتلى عليه ، وان جماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدة ختمات ، وكل ذلك بأدنى تأمل يدل على انه كان مجموعا مرتبا غير مبتور ولا مبثوث.

قال الهندي : وذكر ان من خالف من الامامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فإن الخلاف مضاف الى قوم من أصحاب الحديث نقلوا اخبارا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته ـ انتهى.

قال الامام الهندي : وقال السيد المرتضى أيضا : ان العلم بصحة القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام المشهورة وأشعار العرب

(5) المطبوعة المنتشرة.

(6) المطبوعة مرارا في ايران.


177

المسطورة ، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وبلغت الى حد لم تبلغ اليه فيما ذكرناه ، لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وعنايته الغاية حتى عرفوا كل شيء فيه اعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد ـ انتهى.

قال الامام الهندي : وقال القاضي نور الله التوستري الذي هو من علمائهم المشهورين في كتابه المسمى بمصائب النواصب : ما نسب الى الشيعة الامامية من وقوع التغيير في القرآن ليس مما قال به جمهور الامامية ، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم ـ انتهى.

قال الامام الهندي : وقال الملا صادق في شرح الكليني : « يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الامام الثاني عشر ويشهر به » انتهى.

قال الامام الهندي : وقال محمد بن الحسن الحر العاملي الذي هو من كبار المحدثين في الفرقة الامامية في رسالة كتبها في رد بعض معاصريه « هر كسيكة تتبع أخبار وتفحص تواريخ وآثار نموده بعلم يقيني ميداند كه قرآن در غايت وأعلى درجة تواتر بوده وآلاف صحابة حفظ ونقل ميكردند آن راودر عهد رسول خدا صلى الله عليه وآله وسلم مجموع ومؤلف بود » انتهى.

قال الامام الهندي : فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الامامية الاثني عشرية أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، وانه كان مجموعا مؤلفا في عهد رسول الله صلى الله وآله وسلم وحفظه ونقله ألوف من الصحابة ، وجماعة من الصحابة كعبدالله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدة ختمات ، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الامام الثاني عشر رضي الله عنه.


178

قال والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغيير فقولهم مردود عندهم ولا اعتداد به فيما بينهم.

قال : وبعض الأخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته.

قال : وهو حق لأن خبر الواحد إذا اقتضى علما ولم يوجد في الادلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده ، على ما صرح به ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى بمبادىء الوصول الى علم الاصول ، وقد قال الله تعالى : «﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ».

قال : ففي تفسير الصراط المستقيم الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة « أي إنا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان » انتهى...

هذا كلام الامام الهندي عينا ، وانما اكتفينا بما نقله من كلام أعلام الشيعة الامامية المسطور في كتبهم المعتبرة لأن الاستقصاء يوجب الخروج عما أخذناه على أنفسنا من اجتناب الاطناب الممل.

ومن أراد النقل عن الطوائف والامم فليقتف أثر هذا الامام في الاستناد الى الكتب المعتبرة عند تلك الامة أو الطائفة ، ولا يعول في النقل عنها على المرجفين من خصمائها والالداء من أعدائها.

وأنا اكبر السفر الجليل « تحت راية القرآن » واقدر قدر مؤلفه « المصطفى الصادق » واعلم انه بعيد الغاية رزين الحصاة ، وكنت أربأ به وبسفره الثمين المؤلف لعموم المسلمين عن جرح عواطف الشيعة وهم ركن الدين وشطر المسلمين ، وفيهم الملوك والامراء والعلماء والأدباء والكتبة والشعراء والساسة المفكرون والدهاة المدبرون وأهل الحمية الاسلامية والنفوس العبقرية والشمم والكرم


179

والعزائم والهمم ، وقد انبثوا في الانحاء وانتشروا في الأرض انتشار الكواكب في السماء ، فليس من الحكمة ولا من العقل أن يستهان بهم ، وهم أهل حول وقوة وغنى وثروة وأموال مبذولة في سبيل الدين وانفس تتمنى أن تكون فداء المسلمين.

وليس من التثبت أن يعتمد في مقام النقل عنهم على إرجاف المرجفين واجحاف المجحفين «﴿ يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ».


180

الفصل الثاني عشر نوضـح فيـه سبب التباعد بين الطائفتين

ونكشف عن مكنـون السر في تنافرهما ،

زيادة على ما سمعت في الفصول السابقة.

والغرض تشخيص الداء لنصف الناجع فيه من الدواء ، فهنا مقصدان :

المقصد الاول

في الأمور التي ينفر منها الشيعي ولا يكاد يمتزج بسببها مع السني ، وأهمها شيئان :

( الأول ) ما سمعته في الفصول السابقة (1) من التكفير والتحقير والشتم والتزوير.

( الثاني ) اعراض اخواننا أهل السنة عن مذهب الأئمة من أهل البيت ، وعدم الاعتناء بأقوالهم في أصول الدين وفروعه بالمرة ، وعدم الرجوع اليهم في تفسير القرآن العزيز ( وهو شقيقهم ) الا دون ما يرجعون فيه الى مقاتل

(1) ولا سيما التاسع والعاشر والحادي عشر.


181

ابن سليمان المجسم المرجىء الدجال ، وعدم الاحتجاج بحديثهم الا دون ما يحتجون بدعاة الخوارج والمشبهة والمرجئة والقدرية ، ولو أحصيت جميع ما في كتبهم من حديث ذرية المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ما كان إلا دون ما أخرجه البخاري وحده عن عكرمة البربري الخارجي المكذب.

وأنكى من هذا كله عدم احتجاج البخاري في صحيحه بأئمة أهل البيت النبوي ، اذ لم يرو شيئا عن الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والزكي العسكري وكان معاصرا له ، ولا روى عن الحسن (2) بن الحسن ولا عن زيد بن علي بن الحسين ، ولا عن يحيى بن زيد ، ولا عن النفس الزكية محمد بن عبدالله الكامل ابن الحسن الرضا ابن الحسن السبط ، ولا عن أخيه ابراهيم بن عبدالله ، ولا عن الحسين الفخي بن علي بن الحسن بن الحسن ، ولا عن يحيى بن عبدالله بن الحسن ، ولا عن أخيه ادريس بن عبدالله ولا عن محمد بن جعفر الصادق ، ولا عن محمد بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا ، ولا عن أخيه القاسم الرسي ، ولا عن محمد بن محمد بن زيد بن علي ، ولا عن محمد ابن القاسم بن علي بن عمر الأشرف ابن زين العابدين صاحب الطالقان المعاصر للبخاري (3) ولا عن غيرهم من أعلام العترة الطاهرة وأغصان الشجرة الزاهرة كعبدالله بن الحسن وعلي بن جعفر العريضي وغيرهما من ثقل رسول الله ، وبقيته في أمته صلى الله عليه وآله وسلم حتى أنه لم يرو شيئا من حديث سبطه الأكبر وريحانته من الدنيا أبي محمد الحسن المجتبى سيد شباب أهل الجنة ، مع احتجاجه بداعية الخوارج وأشدهم عداوة لأهل البيت عمران بن حطان القائل في ابن ملجم وضربته لأمير المؤمنين عليه السلام :

(2) الحسن بن الحسن هو الامام بعد عمه الحسين السبط على رأي الشيعة الزيدية وبعده زيد ثم من ذكرناهم بعد زيد ، وترتيبهم في الامامة على حسب ما رتبناهم في الذكر عليهم السلام.

(3) قتل في العراق سنة 250 قبل وفاة البخاري بست سنوات.


182

يا ضربة من تقي ما أراد بها
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
انـي لاذكـره يومـا فأحسبه
أوفــى البـريـة عند الله ميزنا

أما ورب الكعبة وباعث النبيين لقد وقفت هنا وقفة المدهوش وقمت مقام المذعور ، وما كنت أحسب ان الأمر يبلغ هذه الغاية ، وقد باح العلامة ابن خلدون بسرها المكنون حيث قال في الفصل الذي عقده لعلم الفقه وما يتبعه من مقدمته الشهيرة بعد ذكر مذاهب أهل السنة ما هذا لفظه : وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به ، وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة (4) بالقدح وعلى قولهم بعصمة الأئمة ، ورفع الخلاف عن أقوالهم ، وهي كلها أصول واهية (5).

قال : وشذ بمثل ذلك الخوارج (6) ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم ، بل

(4) ما أدري كيف يمكن ان تبنى المذاهب الفقهية على تناول بعض الصحابة بالقدح ، وما عرفت كيف تستنبط الاحكام الشرعية الفرعية من تناول احد من الناس ، وابن خلدون يعد من الفلاسفة ، فما هذا الهذيان منه يا أولي الالباب ؟.

(5) ان أصحابنا « الامامية » اثبتوا في كتبهم الكلامية عصمة أئمتهم بالادلة العقلية والنقلية ، والمقام لا يسع بيانها ولو تصدينا لها لخرجنا عن موضوع هذه الرسالة ، وحسبك دليلا على عصمتهم ، كونهم بمنزلة الكتاب الذي لا يأتيه الباطل وكونهم أمان هذه الامة من الاختلاف ، فاذا خالفتهم قبيلة من العرب كانت حزب ابليس ، وكونهم سفينة النجاة وباب حطة هذه الامة ، وكونهم النافين عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

(6) انظر كيف جعل أهل البيت ( الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) شذاذ مارقة كالخوارج نعوذ بالله.


183

أوسعوها جانب الانكار والقدح ، فلا نعرف شيئا من مذاهبهم (7) ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم ، فكتب الشيعة في بلادهم ، وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن والخوارج كذلك ولكل منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة. هذا كلامه فتأمله واعجب.

ثم رجع الى مذاهب أهل السنة فذكر انتشار مذهب أبي حنيفة في العراق ومذهب مالك في الحجاز ، ومذهب أحمد في الشام وفي بغداد ، ومذهب الشافعي في مصر ، وهنا قال ما هذا لفظه : ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة ، وتداول بها فقه أهل البيت (8) وتلاشى من سواهم ، الى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ، ورجع اليهم فقه الشافعي الخ.

وقال ابن خلدون وأمثاله انهم على الهدى والسنة وان أهل البيت شذاذ مبتدعة وضلال رافضة.

إذا وصف الطائي بالبخل ما در
وعيـر قسـا بالفهامـة باقــل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة
وقال الدجى للصبح لونك حائـل
وطاولت الأرض السماء سفاهة
وكاثرت الشهب الحصى والجنادل

(7) كذب ابن خلدون نفسه في هذه الكلمة ، فانه اذا كان لا يعرف شيئا من مذاهبهم ولا يروى كتبهم ولا أثر لشيء منها عنده فمن أين عرف انهم شذاذ ضلال مبتدعون ومن أين عرف أصولهم واهية « قتل الخراصون ».

(8) انظر كيف اعترف بأن الرافضة يدينون الله بمذهب اهل البيت.

لكم ذخركم ان النبي ورهطــه
وجيلهم ذخري اذا التمس الذخــر
جعلت هواي الفاطميين زلفــة
الى خالقي ما دمت أو دام لي العمر
وكوفني ديني على أن منصبـي
شئــام ونجري أية ذكــر النجر


184

فيا موت زر ان الحياة ذميمة
ويا نفس جدي ان سبقك هازل

ولا غرو ان قام المسلم عند سماع هذه الكلمة وقعد ، بل لا عجب أن مات أسفا على الإسلام وأهله ، إذ بلغ الأمر هذه الغاية ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أيقول ابن خلدون ان أهل البيت شذاذ ضلال مبتدعون ، وهم الذي أذهب الله عنهم الرجس بنص التنزيل (9) وهبط بتطهيرهم جبرائيل وباهل (10) بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر ربه الجليل ، وقد فرض القرآن مودتهم (11) وأوجب الرحمن ولايتهم (12) وهم سفينة النجاة (13) إذا طغت لجج النفاق ،

(9) اشارة الى قوله تعالى «﴿ انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا » فراجع ما علقناه على هذه الآية في الفصل الثاني من المطلب الاول من كلمتنا الغراء.

(10) اشارة الى قوله تعالى «﴿ فقل تعالوا ندعوا ابناءنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل »الآية فراجع ما علقناه عليها في الفصل الاول من الكلمة الغراء ايضا.

(11) اشارة الى قوله تعالى «﴿ قل لا اسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى » فراجع ما علقناه عليها في الفصل الثالث من الكلمة الغراء.

(12) اشارة الى ما أخرجه الديلمي وغيره ـ كما في الصواعق وغيرهما ـ عن أبي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال « وقفوهم انهم مسئولون » عن ولاية علي. وقال الامام الواحدي ـ كما في تفسير هذه الآية من الصواعق أيضا ـ انهم مسئولون عن ولاية علي وأهل البيت.

(13) وقال ابن حجر في صفحة 93 من صواعقه حيث تكلم في تفسير الآية 7 من الآيات التي أوردها في الباب 11 من الصواعق ما هذا لفظه : وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضا : انما مثل أهل بيتي فيكم كمثل


185

وأمان الأمة (14) إذا عصفت عواصف الشقاق ، وباب حطة (15) يأمن من دخلها ، والعروة الوثقى لا انفصام لها ، وأحد الثقلين (16) لا يضل من تمسك بهما ،

سفينة نوح من ركبها نجا ( قال ) وفي رواية مسلم ومن تخلف عنها غرق ( قال ) وفي رواية هلك الخ.

(14) اشارة الى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « النجوم أمان لاهل الارض من الغرق ، واهل بيتي أمان لامتي من الاختلاف ، فاذا خالفتهم قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس » اخرجه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا وصححه على شرط البخاري ومسلم كما في صفحة 93 من الصواعق المحرقة لابن حجر حيث تكلم في الآية 7 من الباب 11 ـ وأخرج ابن أبي شيبة ومسدد في مسنديهما والترمذي في نوادر الاصول ـ وابو يعلى والطبراني والحاكم عن سلمة بن الاكوع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النجوم أمان لاهل السماء وأهل بيتي امان لأمتي ـ وقد نقله الحافظ السيوطي في كتاب احياء الميت بفضائل اهل البيت والنبهاني في اربعينه وغير واحد من العلماء.

(15) اشارة الى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، ومثل باب حطة في بني اسرائيل » أخرجه الحاكم عن أبي ذر عليه الرحمة ـ وأخرج الطبراني في الصغير والاوسط عن أبي سعيد قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « انما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، وانما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له ».

(16) اشارة الى قوله صلى الله عليه وآله وسلم « اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما » اخرجه الترمذي والحاكم كما في احياء الميت للسيوطي ، وهو من الاحاديث المستفيضة رواه اكثر المحدثين بألفاظ متقاربة وأسانيدهم فيه صحيحة. قال ابن حجر بعد نقله أياه عن الترمذي وغيره في اثناء تفسيره للآية الرابعة من الباب 11 من صواعقه ما هذا لفظه : ثم اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيف


186

ولا يهتدي الى الله من ضل عن أحدهما وقد أمرنا صلى الله عليه وآله وسلم بأن نجعلهم منا مكان الرأس (17) من الجسد ، بل مكان العينين من الرأس ، ونهانا عن التقدم عليهم (18) والتقصير عنهم ، ونص على انهم القوامون على الدين ، النافون عنه في كل خلف من هذه الأمة (19) تحريف الضالين ، وقد أعلن صلى الله عليه وآله وسلم بأن معرفتهم براءة من

وعشرين صحابيا ( قال ) ومر له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحجة الوداع بغرفة ، وفي اخرى انه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلات الحجرة بأصحابه ، وفي اخرى انه قال ذلك بغدير خم ، وفي اخرى انه قاله لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف ( قال ) ولا تنافي اذ لا مانع من انه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.. الى آخر كلامه فراجعه في صفحة 92 من الصواعق.

(17) اشارة الى ما نقله غير واحد من الاعلام كالعلامة الصبان في الصفحة 114 من اسعافه المطبوع في هامش نور الابصار حيث قال ما هذا لفظه : وروى جماعة من أهل السنن من عدة من الصحابة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك ( قال ) وفي رواية غرق ( قال ) وفي رواية أخرى زج في النار ( قال ) في اخرى عن أبي ذر زيادة وسمعته يقول : اجعلوا اهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد ومان العينين من الرأس.

(18) اشارة الى قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث التمسك بالثقلين « فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم » ونقله عن الطبراني غير واحد من العلماء كالامام أبي بكر العلوي في باب 5 من رشفة الصادي وابن حجر حيث تكلم في تفسير الآية الرابعة في الباب 11 من صواعقه.

(19) اشارة الى ما أخرجه الملا في سيرته بسنده الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : في كل خلف من امتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، الا وان ائمتكم وفدكم الى الله فانظروا من توفدون ـ وقد نقله ابن حجر في صفحة 92 من صواعقه.


187

النار (20) وحبهم جواز على الصراط ، والولاية لهم أمان من العذاب ـ وأن الأعمال الصالحة لا تنفع عامليها الا بمعرفة حقهم (21) ولا تزول يوم القيامة قدما أحد من هذه الأمة (22) حتى يسأل عن حبهم ولو أن رجلا أفنى عمره قائما وقاعدا وراكعا وساجدا بين الركن والمقام مات غير موال لهم دخل النار (23).

(20) اشارة الى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « معرفة آل محمد براءة من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب » رواه القاضي عياض في الفصل الذي عقده لبيان ان من توقيره وبره صلى الله عليه وآله وسلم بر آله وذريته من كتابه « الشفاء » فراجع أول الصفحة 41 من قسمه الثاني طبع الاستانة سنة 1328.

(21) اشارة الى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « الزموا مودتنا أهل البيت فانه من لقى الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا ، والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله الا بمعرفة حقنا » أخرجه الطبراني في الاوسط ونقله السيوطي في احياء الميت بفضائل أهل البيت والنبهاني في أربعينه.

(22) اشارة الى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما افناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله فيما أنفقه ومن اين اكتسبه ، وعن محبتنا أهل البيت. أخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا ونقله السيوطي في احياء الميت والنبهاني في أربعينه.

(23) اشارة الى قوله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أخرجه الطبراني والحاكم « كما في احياء الميت وأربعين النبهاني وغيرهما » فلو ان رجلا صفن « اي صف قدميه » بين الركن والمقام فصلى وصام وهو مبغض لآل محمد دخل النار . واخرج الحاكم وابن حيان في صحيحه « كما في احياء الميت واربعين النبهاني وغيرهما » عن ابي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده لا يبغضنا اهل البيت رجل الا دخل النار.

وأخرج الطبراني « كما في احياء الميت للسيوطي » عن الحسن السبط انه قال لمعاوية بن خديج : اياك وبغضنا فان رسول الله قال لا يبغضنا احد ولا يحسدنا أحد الا ذيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من النار ـ


188

فهل يحسن من الأمة المسلمة بعد هذا أن تجري الا على أسلوبهم ، وهل يتسنى لمسلم يؤمن بالله ورسوله أن يستن بغير سنتهم ، فكيف يعدّهم ابن خلدون في أهل البدع بكل صراحة ووقاحة من غير خجل ولا وجل.

أبهذا أمرته آية القربى وآية التطهير وأيتا أولي الأمر والاعتصام بحبل الله ، أم بهذا أمره سبحانه حيث يقول «﴿ وكونوا مع الصادقين » أم به صدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نصوصه المجمع على صحتها ؟ وقد استقصيناها بطرقها وأسانيدها في كتابنا سبيل المؤمنين ، واستقصتها علماؤنا الاعلام في مؤلفاتهم فراجعها لتعلم حقيقة أهل البيت ومنزلتهم في دين الاسلام.

على أنهم لا ذنب لهم يستوجب الجفاء ، ولا قصور بهم يقتضي هذا الأعراض ، فليت أهل المذاهب الأربعة نقلوا في مقام الاختلاف مذهب أهل البيت كما ينقلون سائر المذاهب التي لا يعلمون بها ، ما رأيناهم يعاملون أهل البيت هذه المعاملة في عصر من الأعصار ، وانما يعاملونهم معاملة من لم يخلقه الله عز وجل ، أو من لم يؤثر عنه شيء من العلم والحكمة.

نعم ربما تعرضوا لشيعتهم فنبزوهم بالرفض ، وسلقوهم بألسنة الافتراء كما سمعت في الفصول السابقة ـ وقد ولى زمن الاعتداء واقبل عصر الاخاء وآن لجميع المسلمين ان يدخلوا مدينة العلم النبوي من بابها ويلجوا من باب حطة ويلجأوا الى أمان أهل الأرض بركوب سفينتهم ومقاربة شيعتهم ، فقد زال سوء التفاهم من البين ، وأسفر الصبح عن توثق الروابط بين الطائفتين ، والحمد لله رب العالمين.

وأخرج الطبراني في الاوسط كما في احياء الميت واربعين النبهاني عن جابر قال : خطبنا رسول الله فسمعته وهو يقول : أيها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهوديا .

المقصد الثاني

في الأمور التي ينفر منها أهل السنة ولا يأتلفون بها مع الشيعة ، وهي أمور مكذوبة بهتنا بها المبطلون ، وقد سمعت في الفصول السابقة جملة منها ، ووقفت على ما يشفي صدرك من الأجوبة عنها ، ولم يبق سوى مسألة الصحابة رضي الله عنهم فانها المسألة الوحيدة والمعضلة الشديدة ، وذلك ان بعض الغلاة من الفرق التي يطلق عليها لفظ الشيعة ، كالكاملية يتحاملون على الصحابة كافة رضي الله عنهم وينالون من جميع السلف ، فيظن الجاهل أن ذلك رأي مطلق الشيعة ، وتوهم أنه مذهب الجميع ، فيرمي الصالح بحجر الطالح ، ويأخذ البريء بذنب المسيء ، كما هو الشأن فيمن يختلط عليه الحابل بالنابل ، ولو عرف رأي الامامية في هذه المسألة ووقف على كلامهم فيها لعلم أنه أوسط الآراء ، اذ لم يفرطوا تفريط الغلاة ولا أفرطوا افراط الجمهور.

وكيف يجوز عليهم ما يقوله الجاهلون او يمكن في حقهم ما يتوهمه الغافلون ، بعد اقتدائهم في التشيع بكبراء الصحابة كما يعلمه الخبير ( بالاستيعاب والاصابة وأسد الغابة ) واليك اكمالا للفائدة واتماما للغرض بعض ما يحضرني من أسماء الشيعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتعلم انا بهم اقتدينا وبهديهم اهتدينا ، وسأفرد لهم ان وفق الله كتابا يوضح للناس تشيعهم ويحتوي على تفاصيل شؤونهم ، ولعل بعض أهل النشاط من حملة العلم وسدنة الحقيقة


190

يسبقني الى تأليف ذلك الكتاب فيكون لي الشرف ، اذ خدمته بذكر اسماء بعضهم في هذا الباب ، وها هي على ترتيب حروف الهجاء.

أ

أبو رافع القبطي مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واسمه أسلم أو ابراهيم وقيل هرمز وقيل ثابت وقيل غير ذلك ، وله أولاد وأحفاد كلهم خصيصون بأهل البيت ومنقطعون اليهم ، أما أولاده فرافع والحسن والمغيرة وعبيد الله ( الذي أفرد كتابا فيمن حضر صفين مع علي من الصحابة وقد نقل عنه صاحب الاصابة وغيره ) وعلي الذي ألف كتابا في فنون الفقه على مذهب أهل البيت ، وهو أول كتاب فقهي عمل في الاسلام بعد صحيفة علي عليه السلام. وأما أحفاد أبي رافع فالحسن وصالح وعبيد الله أولاد علي بن أبي رافع والفضل بن عبيد الله بن ابي رافع ولهم ذرية كلها صالحة ، ولنرجع الى ما كنا فيه فنقول : وابو المنذر أبي بن كعب سيد القراء (24). وابان بن سعيد بن العاص الأموي ، وانس بن الحرث أو ابن الحارث بن نبيه الذي سمع ـ كما في ترجمته من الاصابة ـ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ان ابني هذا يعني الحسين عليه السلام يقتل بارض يقال له كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره. قال : فخرج انس بن حارث الى كربلاء فقتل بها مع الحسين عليه السلام . وفي ترجمته من الاستيعاب مثله. واسيد بن ثعلبة الأنصاري البدري ، وأسلم بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي وهو أخو نوفل. وأسلم بن بجرة الساعدي. والأسود بن عبس بن أسماء التميمي وأعين بن ضبيعة بن ناجية الدارمي التميمي. وأنس بن مدرك الخثعمي الأكلبي. وامرؤ القيس بن عابس الكندي. وأويس بن عامر القرني وهو من

(24) ذكره ابن الشحنة في تاريخه فيمن تخلف عن بيعة السقيفة مع علي عليه السلام.


191

أفضل التابعين بشر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلم على عهده ولم يره صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ذكره ابن حجر في القسم الثالث من اصابته.

وأبو ليلى الغفاري لم أقف له على اسم هو الذي أخرج عنه أبو أحمد وابن منده وغيرهما ـ كما في ترجمته من الاصابة ـ انه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « ستكون من بعدي فتنة ، فاذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فانه أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الأكبر وهو فاروق هذه الأمة وهو يعسوب المؤمنين » الحديث ورواه عنه ابن عبد البر في ترجمته من الاستيعاب أيضا. وأبو فضالة الأنصاري لم أقف أيضا له على اسم ، روى صاحب الاستيعاب والاصابة في ترجمته عن ابنه انه سمع عليا يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرني اني لا أموت حتى أؤمر ثم تخضب هذه من هذه ( يعني كريمته من هامته ) قال فضالة : فصحبه أبي فقتل فيمن قتل في صفين ، وكان بدريا رحمه الله. وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واخوه من الرضاعة أرضعتهما حليمة السعدية.

ب

وبريد الاسلمي أحد الذين رثاهم أمير المؤمنين عليه السلام بقوله :

جزى الله خيرا عصبة اسلمية
صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
بريــد وعبد الله منهم ومنقذ
وعروة وابنــا مالك في الأكارم

وبريد بن الحصيب الاسلمي. وبلال بن رباح الحبشي. والبراء بن عازب (25)

(25) ذكره ابن الشحنة في تاريخه فيمن تخلف مع علي عن بيعة السقيفة.


192

ابن الحارث الأنصاري. والبراء بن مالك وهو أخو أنس بن مالك الانصاري. وبشير وهو أخو وداعة بن أبي زيد الأنصاري وقد شهد هو وأخوه صفين وكانا من خيار المستبصرين واستشهد أبوهما في احد.

ت

وتمام بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي عليهم الرحمة.

ث

وثابت بن عبيد الأنصاري. وثابت بن قيس بن الخطيم الظفري. وثعلبة بن قيظي بن صخر الأنصاري.

ج

وجندب بن جنادة وهو أبو ذو الغفاري. وجارية بن قدامة السعدي وجارية ابن زيد. وجابر بن عبدالله الأنصاري. وجبلة بن عمرو بن أوس الساعدي. وجبير بن الحباب الأنصاري. وجعدة بن هبيرة المخزومي وأمه أم هاني شقيقة أمير المؤمنين عليه السلام. وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي. وجهجاه بن سعيد الغفاري. وجراد بن مالك ابن نويرة التميمي المقتول يوم البطاح مع أبيه وقد رثاه عمه متمم. وجراد بن طهية الوحيدي وهو والد شبيب ابن جراد الشهيد يوم الطف مع سيد الشهداء عليه السلام.

ح

وحجر بن عدي الكندي. وحذيفة بن اليمان العبسي. والحارث بن العباس ابن عبد المطلب الهاشمي. وأبو الورد بن القيس واسمه ( فيما ذكره أبو عمر ) حرب المازني. والحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدهة الأنصاري. والحارث بن زهير الازدي. والحارث بن خاطب


193

ابن عمرو الأنصاري. والحارث بن عمر بن حزام الخزرجي. والحارث بن النعمان ابن أمية الأوسي. وحازم بن أبي حازم الأحمسي. والحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري. وحسان بن خوط بن مسعر الشيباني وهو من بيت كلهم صفوة شهد الجمل مع علي عليه السلام ومعه ابناه الحارث وبشر ، وأخوه وبشر بن خوط ، وحفيده عنبس بن الحارث بن حسان المذكور ، وابن أخيه وهيب بن عمرو بن خوط وابن اخيه الآخر الأسود بن بشر بن خوط ، وابنا ابن أخيه وهما الحسين وحذيفة ابنا مخدوج بن بشر بن خوط ، وكان اللواء مع الحسين بن مخدوج بن بشر ابن خوط ، فاستشهد فأخذه أخوه حذيفة فاستشهد فأخذه عمهما الأسود فاستشهد فأخذه عنبس بن الحارث بن حسان المذكور. فاستشهد فأخذه وهيب بن عمرو بن خوط ، فاستشهد بخ بخ ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، يا ليتنا كنا معهم فنفوز فوزا عظيما.

وحنظلة بن النعمان بن عامر الأنصاري. وحكيم بن جبلة العبدي صاحب المقام المشكور يوم الجمل الأصغر ، وقد استشهد يومئذ ، واستشهد معه ابنه الأشرف وأخوه الرعل بن جبلة في سبعين رجلا من عشيرته ، وكانت تلك الواقعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة 36 قبل مجيء أمير المؤمنين الى البصرة ثم جاء عليه السلام فكان يوم الجمل الأكبر. وحبيب بن مظاهر بن رئاب بن الاشتر بن حجون بن فقعس الشهيد بين يدي الحسين عليه السلام ، وهو تابعي ادرك أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يره ، وقد ذكره ابن حجر في القسم الثالث من اصابته. والحكم بن المغفل بن عوف الغامدي الشهيد يوم النهروان.

خ

وخالد بن سعيد بن العاص (26) الأموي. وأبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري.


194

وخالد بن ربيعة الجدلي. وخالد بن الوليد الأنصاري. وخالد بن المعمر السدوسي. وخويلد بن عمرو الأنصاري. وخباب بن الارت التميمي ويقال الخزاعي. وذو الشهادتين خزيمة بن ثابت الأنصاري. وخرشة بن مالك الاودي. وخليفة بن عدي البياضي.

د

وأبو ليلى داوود بن بلال والد عبد الرحمن الأنصاري. وقد اختلف العلماء في اسمه.

ر

وربيعة بن قيس العدواني. ورفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري. ورافع ابن أبي رافع القبطي.

ز

وزيد بن أرقم الخزرجي. وزيد بن صوحان العبدي. وزيد بن اسلم البلوي. وزيد بن جارية أو ابن حارثة الأنصاري. وزيد أو يزيد بن شراحيل الأنصاري. وزيد بن حبيش الاسدي. وزياد بن مطرف الذي أخرج عنه مطين والبارودي وابن جرير وابن شاهين كما في ترجمته من الاصابة انه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من أحب أن يحيى حياتي ويموت

(26) ذكره ابن الشحنة في تاريخه فيمن تخلف يوم السقيفة مع علي عليه السلام.


195

ميتتي ويدخل الجنة فليتول عليا وذريته من بعده . وأبو زينب زهير بن الحارث بن عوف. وزيد بن وهب الجهني الحسلي.

س

وأبو عبد الله سلمان الخير الفارسي. وسلمان بن ثمامة الجعفي. وسليمان بن صرد الخزاعي المتفاني في الاخذ بثار سيد الشهداء والشهيد في سبيل ذلك. وسليمان بن هاشم المرقال الزهري. وسهل بن حنيف الانصاري. وسهيل بن عمرو الانصاري. وسلمة بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وسويد بن غفلة الجعفي. وسماك بن خرشة والظاهر انه غير أبي دجانة الانصاري. وسنان بن شفعلة الاوسي الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : حدثني جبرئيل ان الله عز وجل لما زوج فاطمة عليا أمر رضوان فأمر شجرة طوبى فحملت رقاقا بعدد محبي آل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم . أخرجه عنه أبو موسى كما في ترجمة سنان من الاصابة. وسعنة بن عريض التيماوي الذي دار بينه وبين معاوية كلام في المدينة فيه ذكر علي عليه السلام فغض ابن عريض من معاوية ، فقال معاوية : ما أراه الا قد خرف فأقيموه ، فقال ( كما في ترجمته من الاصابة ) ما خرفت ولكن انشدك الله يا معاوية أما تذكر لما كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاء علي فاستقبله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : قاتل الله من يقاتلك وعادى من يعاديك ؟ قال : فقطع معاوية حديثه وأخذ في حديث آخر . وسعيد بن الحارث بن عبد المطلب. وسعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وسعيد بن نمران الهمداني. وسعيد ابن وهب الخوياني. وسعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري ، أما أبوه سعد فقد ذكره صاحب الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة وفيه نظر. وسعد بن الحارث ابن الصمة الانصاري. وسعد بن مسعود الثقفي وهو عم المختار. وسعد بن عمرو الانصاري. وسفيان بن هاني بن جبير الجيشاني.


196

ش

وشراحيل بن مرة الهمداني الذي روى عنه كما في ترجمته من الاصابة ابن السكن وابن شاهين وابن قانع والطبراني انه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي : ابشر يا علي حياتك وموتك معي. وشريح بن هاني بن يزيد الحارثي وهو غير القاضي. وشيبان بن محرث.

ص

وصعصعة وصيحان ابنا صوحان. وصالح الانصاري السالمي. وصبيح مولى ام سلمة. وصيفي بن ربعي الاوسي.

ض

والضحاك وهو الاحنف بن قيس التميمي الذي يضرب المثل بحلمه وأدرك النبي صلى الله عليه واله وسلم ولم يجتمع به ، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ط

وطاهر بن أبي هالة التميمي. وطريف بن أبان الانماري.

ظ

وأبو الاسود ظالم بن عمرو الدؤلي ، ذكره ابن حجر في القسم الثالث من اصابته ، وهو مخضرم ادرك الجاهلية والاسلام.

ع

وابو اليقظان عمار بن ياسر. وعمار بن أبي سلمة الدالاني المستشهد كما في


197

ترجمته من الاصابة بين يدي الحسين عليه السلام يوم الطف. والعباس بن عبد المطلب. وعقيل بن أبي طالب. وعمارة بن حمزة بن عبد المطلب. وعون بن جعفر بن أبي طالب. وعتبة بن أبي لهب. وعبدالله بن العباس. وعبد الله بن جعفر. وعبد الله بن حنين بن أسد بن هاشم. وعبدالله بن الزبير بن عبدالمطلب. وعبدالله بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب. وعبدالله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وعبدالله بن نوفل بن الحرث بن عبدالمطلب. وعبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب. وعبيدالله بن العباس بن عبدالمطلب. وعبيد الله بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب. وعبدالله بن يقطر ، وفي الاصابة ابن يقظة وهو رضيع الحسين عليه السلام ، وقد استشهد في سبيل نصرته. وعبد الله بن دباب المذحجي. وعبد الله بن سلمة الكندي. وعبد الله بن الطفيل العامري. وعبد الله بن بديل الخزاعي. وعبدالله بن مسعود الهذلي. وعبد الله بن خباب بن الارت التميمي. وعبدالله ابن عبد المدان الحارثي. وعبد الله بن كعب الحارثي. وعبدالله بن حوالة الازدي المذكور في الجزء الاول من امل الآمل. وعبدالله بن سهل بن حنيف. وعبدالله بن ورقاء السلولي. وعبيدالله بن سهيل الانصاري النبيتي. وعبدالله ابن أبي رافع. وعبيد بن التيهان ، ويسمى عتيكا الانصاري. وعبيد بن عازب. وعبيدة بن عمرو السلماني. وعمارة بن شهاب الثوري. وعمرو بن أبي سلمة ، ربيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعمرو بن الحمق الغزاعي. وعمرو بن انس الانصاري. وعمرو بن شراحيل. وعمرو بن عميس بن مسعود. وعمرو ابن فروة بن عوف الانصاري. وعمرو بن محصن وعمرو بن هبير المخزومي. وعمرو بن سلمة المرادي ، ذكر ابن حجر في ترجمته من الاصابة أنه قتل مع حجر ، وفيه نظر لا يخفى على أهل العلم. وعمرو بن عريب الهمداني. وعمرو ابن مرة النهدي وعبد الرحمن بن عباس بن عبد المطلب. وعبدالرحمن بن بديل الخزاعي. وعبد الرحمن بن ابزى الخزاعي. وعبد الرحمن بن حسل الجمحي. وعبد الرحمن بن خراش الانصاري. وعبد الرحمن بن السائب المخزومي.


198

وعبدالرحمن بن عبد رب الانصاري ، ذكره ابن عقدة في كتاب الموالاة فيمن سمع النص يوم الغدير ، وشهد به في الرحبة لامير المؤمنين ، كما في الاصابة وغيرها. وعدي بن حاتم الطائي. وعثمان بن حنيف الانصاري. وعروة بن نمران بن الفضفاض بن عمرو بن قعاس بن عبد يغوث المرادي ثم العطيفي ، وهو ابو هاني ابن عروة الشهيد في سبيل سيد الشهداء دفاعا عن مسلم بن عقيل ، وعروة بن زيد الخيل ، وعروة بن شفاف بن شريح بن سعد بن حارثة بن لام الطائي الذي شهد قتال الخوارج مع امير المؤمنين فقال له : لا يفلت منهم عشرة ولا يقتلون منا عشرة ، فكان الامر كذلك ، وكان عروة هذا فيمن قتل يومئذ رحمه الله تعالى. وعروة بن مالك السلمي أحد الذين رثاهم أمير المؤمنين عليه السلام بقوله :

بريد وعبــد الله منهــم ومالك
وعروة ابنــا مالك في الأكــارم

وعطية الذي ذكره الاسماعيلي في الصحابة. وعتبة بن الدغل الثعلبي. وعلباء ابن الهيثم بن جرير. وعوف وهو مسطح بن اثاثة المطلبي. وعنترة السلمي الذكواني. والعلاء بن عمرو الانصاري. وعقبة بن عمرو بن ثعلبة الانصاري. وابو الطفيل عمار بن وائلة الكناني. وعبادة بن الصامت بن قيس الانصاري وعلي بن أبي رافع القبطي.

ف

والفضل بن العباس بن عبد المطلب. وفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري. والفاكه بن سعد بن جبير الانصاري.

ق

وقيس بن سعد بن عبادة الانصاري. وقيس بن المكشوح البجلي. وقيس ابن خرشة القيسي ، وقيس بن أبي قيس. وقثم بن العباس بن عبد المطلب. وقرضة بن كعب الانصاري.


199

ك

وكعب بن عمرو بن عباد الانصاري المعروف بأبي اليسر.

م

والمقداد بن عمرو الكندي. والمغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. ومالك ومتم ابنا نويره. ومالك بن التيهان. ومهاجر بن خالد بن الوليد المخزومي ، رضع حب الوصي من لبن أمه وكانت من الشيعة ، وهي بنت انس بن مدرك بن كعب الذي ذكرناه سابقا في حرف الالف. ومخنف بن سليم وهو جد أبي مخنف الغامدي. ومحمد بن أبي بكر بن أبي قحافة التميمي والمسور ابن شداد بن عمير القرشي ، ومرداس بن مالك الأسلمي. والمسيب بن نجية بن ربيعة الفزاري الشهيد في طلب ثار سيد الشهداء مع سليمان بن صرد الخزاعي.

ن

ونعيم بن مسعود بن عامر الاشجعي. ونضلة بن عبيد الأسلمي.

هـ

وهاشم المرقال ابن عتبة بن أبي الوقاص الزهري. وهالة ابن أبي هالة. وابنه هند التميميان. وهاني بن عروة بن الفضفاض بن نمران بن عمرو بن حفص بن عبد يغوث المرادي ، الشهيد في سبيل الدفاع عن مسلم بن عقيل ، ذكره في القسم الثالث من الاصابة. وهاني بن نيار حليف الأنصار.

و

والوليد بن جابر بن ظالم الطائي. ووداعة بن أبي زيد الانصاري. وأبو جحيفة وهب بن عبدالله السوائي.


200

ي

ويعلى بن حمزة بن عبد المطلب الهاشمي. ويعلى بن عمير النهدي. ويزيد بن طعمة الانصاري. ويزيد بن نويرة الانصاري. ويزيد بن حوثرة الانصاري وآخرون يعرفهم المتتبعون.

على أنا نتولى من الصحابة كل من سبق في عدم تشيعه بشبهة اضطرته الى الحياد أو الى مسايرة أهل السلطة بقصد الاحتياط على الدين ، وهم كثيرون جدا فكيف ترمى الشيعة بعد هذا ببغض الصحابة كافة ( سبحانك هذا بهتان عظيم ).

نعم هناك جماعة نافقوا في صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وظهر نفاقهم بما احدثوه بعده من الحوادث العظيمة ، وبما نصبوه لعلي ولسائر أهل البيت من العداوة والبغضاء ، حتى كان ما كان «﴿ ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم » وقد تواترت الاخبار عن أئمتنا الأبرار بردتهم ، وحسبك في اثبات ذلك ما اخرجه البخاري في باب الحوض وهو في آخر كتاب الرقاق من الجزء الرابع من صحيحه عن ابي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينا أنا قائم ( يعني يوم القيامة على الحوض ) فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم. فقلت : أين ؟ قال : الى النار والله. قلت : وما شأنهم ؟ قال : انهم ارتدوا على أدبارهم القهقري ، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم. قلت : إلى أين ؟ قال : إلى النار والله. قلت : وما شأنهم ؟ قال : انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري ، فلا أراه يخلص منهم الا مثل همل النعم .

وأخرج البخاري في باب الحوض عن ابي هريرة ايضا انه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يرد علي يوم القيامة رهط من اصحابي فيحلأون عن الحوض فأقول : يا رب اصحابي. فيقول : انك لا علم لك بما


201

أحدثوا بعدك ، انهم ارتدوا على اعقابهم القهقري .

وأخرج في الباب المذكور ايضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني فأقول : اصحابي. فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك .

واخرج في الباب المذكور ايضا عن سهل بن سعد قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اني فرطكم على الحوض من مر عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ ابدا ، وليردن عليّ أقوام اعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم. قال البخاري : قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم. فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : فأقول انهم مني فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدي .

وأخرج في آخر الباب المذكور عن اسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما قالت : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اني على الحوض حتى انظر من يرد علي منكم ، وسيؤخذ ناس دوني فأقول : يا رب مني ومن أمتي. فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. قال البخاري : فكان ابن ابي مليكة يقول : اللهم انا نعوذ بك ان نرجع على اعقابنا ونفتن عن ديننا .

واخرج ايضا في باب غزوة الحديبية من الجزء الثالث من صحيحه عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت : طوبى لك صحبت النبي وبايعته تحت الشجرة. فقال : يابن أخي انك لا تدري ما أحدثنا بعده .

واخرج ايضا في اول باب قوله تعالى : «﴿ واتخذ الله ابراهيم خليلا » من


202

كتاب بدء الخلق من الجزء الثاني من صحيحه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : انكم تحشرون حفاة عراة غولا (27) ثم قرأ «﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا انا كنا فاعلين » وأول من يكسى يوم القيامة ابراهيم ، وان ناسا من اصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : اصحابي اصحابي. فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح : « وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم » الى قوله « الحكيم ».

ومن وقف على ما أخرجه الامام احمد من حديث ابي الطفيل في آخر الجزء الخامس من مسنده يعلم أن فيهم قوما دحرجوا الدباب ليلة العقبة لينفروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقته «﴿ وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن اغناهم الله ورسوله من فضله » ومن تلا سورة التوبة يعلم بأنهم ابتغوا الفتنة من قبل ، وقلبوا الأمور لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون « ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون. لو يجدون ملجأ أو مغارات او مدخلا لولوا اليه وهم يجمحون. ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عذاب أليم. يحلفون بالله لكم ليرضوكم ورسوله أحق أن يرضوه ان كانوا مؤمنين ألم يعلموا انه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم». «﴿ ولئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ». «﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا

(27) قال في لسان العرب : وفي الحديث « يحشر الناس عراة حفاة غرلا بهما » أي قلقا ، والغرل جمع الاغرل : هو الذي لم يختن.

تمت التعليقة بقلم مؤلفها الاقل الاحقر عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي ، والحمد لله في البدء وفي الختام ، والصلاة والسلام على خير الانام محمد وآله الكرام.


203

من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون. فأعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ». «﴿ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم استغفر لهم او لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم » «﴿ ولا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون. ولا تعجبك أموالهم واولادهم انما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون. واذا أنزلت سورة ان آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك اولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون » «﴿ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم اليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم انهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين » الى آخر السورة الدالة على فشو النفاق فيهم.

فما ادري كيف صار كل من كانت له صحبة ثقة عدلا بمجرد ان مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل افإن مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين » الذين شكروا نعمة الرسالة فلم ينقلبوا ولم يحدثوا بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حدثا ولم يبدلوا واستقاموا على ما أمرهم الله تعالى به ورسوله «﴿ وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون. اعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم » وهم في غنى عن مدحة المادحين وتقريظ الواصفين بما لهم من تأييد الدين ونشر دعوة الحق المبين ، فمودتهم واجبة والدعاء لهم فريضة «﴿ ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم ».

وتمت والحمد لله بقلم مؤلفها اقل خدمة الدين الاسلامي واحقر سدنة المذهب


204

الامامي عبد الحسين ابن الشريف يوسف ابن الشريف جواد ابن الشريف اسماعيل ابن الشريف محمد ابن الشريف محمد ابن الشريف إبراهيم ويلقب بشرف الدين بن الشريف زين العابدين ابن الشريف علي بن علي بن الحسين المعروف بابن أبي الحسن الموسوي العاملي عامله الله بألطافه الخفية.

وكان تأليفها في مدينة صور من جبل عامل سنة 1327 وقد أضفنا اليها في هذه الطبعة فصلين كاملين وهما الفصل 7 والفصل 11 لم يكونا في الطبعة الأولى ، وزدنا في غضون بقية الفصول مطالب جمة وفوائد مهمة ولا سيما في فصل المتأولين وهو الفصل 8 ، والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على خيرته من عباده محمد وآله الميامين من رجاله وسلم تسليما كثيرا.

فهرست آيات
ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم 8
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا 8
ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون 8
ولا تنازعوا فتفشلوا 8
انما المؤمنون أخوة 9
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض 9
محمد رسول الله والذين معه 9
رحماء بينهم 9
ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم 9
واعتصموا بحبل الله جيمعا ولا تفرقوا 9
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون 9
يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا 9
فما لنا من شافعين ولا صديق حميم 12
قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا 13
ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ...46
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية 46
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية 47
قل لا اسألكم عليه اجرا إلا المودة في القربى 48
الطلاق 60
مرتان 60
بمعروف أو تسريح 60
باحسان 60
فإن طلقها 60
فلا تحل له من بعد 60
حتى تنكح زوجا غيره60
أدعوهم لآبائهم64
يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين 64
وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض 64
ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام 65
فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع 66
وآتوا النساء صدقاتهن نحلة 66
فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ان لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم 66
ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات 66
وآتوهن أجورهن بالمعروف 66
والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم 74
فمن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات فمما ملكت أيمانكم 75
فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن 75
يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين 80
واعلموا انما غنمتم (11) من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ...88
ولا تزر وازرة وزر اخرى 93
ولا تجسسوا 95
وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها 95
لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم 95
?"> انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون » وقوله عز من قائل ...107
ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى علمه شديد القوى 108
انا فتحنا لك فتحا مبينا 109
وما ينطق عن الهوى. أن هو إلاّ وحي يوحى. علمه شديد القوى 112
لا يقومون كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا انما 112
وما أنزل الله بها من سلطان 112
فما قدروا الله حق قدره 112
ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الحياة الدنيا والله يريد الآخرة والله ...112
واذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله ان يحق الحق ...113
كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين لهم كأنما ...113
ما كان لنبي 113
أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض 113
تريدون 113
عرض الدنيا والله يريد الآخرة 113
والله عزيز حكيم 113
لولا كتاب من الله سبق 113
لمسكم فيما اخذتم 113
عذاب عظيم 113
لمسكم فيما أخذتم 114
عذاب عظيم 114
اذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم 117
يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار 118
ولا تصل على أحد منهم مات أبدا 119
ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون 122
أن هو الا وحي يوحى 123
أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله 127
فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله 143
وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء 145
تفريقا بين المؤمنين وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ان اردنا الا الحسنى والله يشهد ...172
وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون 172
وخسر هنالك المبطلون 173
ومن يضلل الله فما له من هاد 173
ومن يكسب خطيئة او اثما ثم يرمي به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما مبينا 173
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ...174
إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون 178
يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين 179
انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا 184
فقل تعالوا ندعوا ابناءنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل 184
قل لا اسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى 184
وكونوا مع الصادقين 188
ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم 200
واتخذ الله ابراهيم خليلا 201
كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا انا كنا فاعلين 202
وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن اغناهم الله ورسوله من فضله 202
ولئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون 202
ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به ...202
الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ...203
ولا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون. ولا ...203
سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم اليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم انهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا ...203
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل افإن مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن ...203
وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون. اعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك ...203
ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف ...203
فهرست روايات
المسلم أخو المسلم ، وهو عينه ومرآته ودليله لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه10
أتحبه ؟ قلت : نعم وما أحببته الا لكم11
هو أخوك ، والمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه ، ملعون ملعون من اتهم أخاه ، ملعون ملعون من غش أخاه ، ...11
? فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ?»"> عليكم بالأخوان فانهم عدة في الدنيا والآخرة ، الا تسمعون الى قول أهل النار : «? فما لنا ...12
الاسلام يجب ما قبله »18
علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار » او يقول انه قعد به الجهل بحكم هذه البيعة ، وهو اقضى ...55
أئتوني اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده » وقوله في حديث الثقلين « اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن ...108
?& أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض &?» فنبيكم لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض على سنن غيره من الأنبياء عليهم السلام ، ولذلك لم يبال اذ فاته أسر أبي سفيان واصحابه حين هربوا بعيرهم الى مكة ، لكنكم انتم «?& تريدون &?» إذ تودون اخذ العير واسر اصحابه «?& عرض الدنيا والله يريد الآخرة &?» باستئصال ذات الشوكة من اعدائه «?& والله عزيز حكيم &?» والعزة والحكمة تقتضيان يومئذ اجتثاث عز العدو واطفاء جمرته">?& أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض &?» فنبيكم لا يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ...113
وأنا منكما117
الولد للفراش وللعاهر الحجر » (62)127
حرب علي حربي وسلمه سلمي » الى غير ذلك من الصحاح التي لا حاجة الى ايرادها لتواترها بين المسلمين138
من سب عليا فقد سبني » أخرجه الحاكم وصححه ، وهو عندنا من المتواترات ، وأخرج النسائي في صفحة 17 من ...140
لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق141
من كنت مولاه فعلي مولاه (89) اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر ...141
$ (2) الحسن بن الحسن هو الامام بعد عمه الحسين السبط على رأي الشيعة الزيدية وبعده زيد ثم من ...181
النجوم أمان لاهل الارض من الغرق ، واهل بيتي أمان لامتي من الاختلاف ، فاذا خالفتهم قبيلة من العرب ...185
معرفة آل محمد براءة من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب » رواه ...187
الزموا مودتنا أهل البيت فانه من لقى الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا ، والذي نفسي بيده لا ينفع ...187
فهرست اشعار
فما بــك من أكذوبة فأخافها   =   ولا بك من جهل فيزري بك الجهل5
روتهــا هداة قولــهم وحديثهم   =   روى جدنا عن جبرئيل عن الباري31
من معشر حبهم دين وبغضهم   =   كفــر وقربهــم منجى ومعتصم50
إن عُد أهل التقى كانوا أئمتهم   =   أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم50
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم   =   ولا سيما تيم بن مرة أو عـدي 56
فما الامــر فيكــم واليكـم   =   وليس لهــا إلا أبو حسن علي 56
ولن يقيم على خسـف يراد بـه   =   إلا الاذلان عيـر الحـي والوتد 56
هذا على الخسف مربوط برمته   =   وذا يشـج فلا يبكـي لـه أحـد 56
من كـان يخلــق ما يقــو   =   ل فحيلتــي فيـــه قليلــة 65
(4) مضل الناس قد سموه هاد   =   كما قد سمي الاعمى بصيرا 84
وكان ما كان مما لست أذكره   =   فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر97
وقد هزلت حتى بدا من هزالها   =   كلاها وحتى استامها كل مفلس98
فكان ما كان مما لست اذكره   =   فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر127
يا مـن احسّ بــابنيّ اللذين هما   =   كالدرتين تشظى عنهمــا الصدف 134
يــا من أحسّ بــابنيّ اللذين هما    =   مخ العظام فمخي اليــوم مزدهف 134
يا مــن احسّ بــابنيّ اللذين هما    =   قلبي وسمعي فقلبي اليـوم مختطف 134
من دل والهة حيرى مــدلهة (76)    =   على صبيين ذلا إذ غــدا السلف 134
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا    =   من إفكهم ومن الاثم الـذي اقترفوا 134
أحنى (77) على ودجي ابني مرهفة    =   مشحوذة وكذاك الاثـم يقتــرف 134
واذا استطال الشيء قام بنفسه   =   وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا147
ولو أني بليت بهاشمــي   =   خــؤولته بنو عبد المدان173
لهان عليّ ما ألقى ولكــن   =   تعالوا وانظروا بمن ابتلاني 173
يا ضربة من تقي ما أراد بها   =   إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا182
انـي لاذكـره يومـا فأحسبه   =   أوفــى البـريـة عند الله ميزنا 182
إذا وصف الطائي بالبخل ما در   =   وعيـر قسـا بالفهامـة باقــل 183
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة    =   وقال الدجى للصبح لونك حائـل 183
وطاولت الأرض السماء سفاهة   =   وكاثرت الشهب الحصى والجنادل 183
لكم ذخركم ان النبي ورهطــه   =   وجيلهم ذخري اذا التمس الذخــر 183
جعلت هواي الفاطميين زلفــة   =   الى خالقي ما دمت أو دام لي العمر 183
وكوفني ديني على أن منصبـي   =   شئــام ونجري أية ذكــر النجر 183
فيا موت زر ان الحياة ذميمة   =   ويا نفس جدي ان سبقك هازل 184
جزى الله خيرا عصبة اسلمية   =   صباح الوجوه صرعوا حول هاشم 191
بريــد وعبد الله منهم ومنقذ   =   وعروة وابنــا مالك في الأكارم191
بريد وعبــد الله منهــم ومالك   =   وعروة ابنــا مالك في الأكــارم198