فهرست عناوين فهرست آيات فهرست روايات
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الاسلام

تأليف الشيخ محمد مهدي شمس الدين

فهرست عناوين
كلمة المؤسسة9
مقدّمة13
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الاسلام19
الامام في مواجهة التاريخ30
التاريخ عند الإمام (ع) في المجال الوعظي، وفي المجال السّياسي الفكري38
التّاريخ في مجال الوعظ43
التّاريخ في مجال السّياسة والفكر52
التّاريخ في مجال الفكر57
1 - النّبوّات69
2 - وعي التّاريخ86
3 - التّاريخ يعيد نفسه95
4 - مصارع القرون عوامل انحطاط الأمم101
5 - المعروف والمنكر والأكثرية الصّامتة113
التّاريخ في مجال السّياسة134
1 - حركة التاريخ في مظهر التّفاعل الإجتماعي الثّوري139
2 - الفتنة151
3 - إنتصار حركة الرّدّة177
4 - المعاناة182
5 - الثّورة190
6 - الأمل195


5

«أيْ بُنَّي. إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهى إلَيَّ مِنْ أُمُوِرِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِه، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِه...».

مِنْ وصيَّةِ الإمامِ عليّ (ع) إلى وَلدِهِ الإمام الحَسنِ (ع)


6

7

8


9

كلمة المؤسسة

والحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، إِلى قيام يوم الدين..

وبعد ..

فإنه إِذا كان الهدف من دراسة التاريخ هو مجرد اجترار الأحداث، أو لتكون محض ترف فكري، ونشوة خاوية .. فإن قصارى جهد دراسة كهذه سيكون: هو أن يتمطى الفكر في قيوده وأغلاله - في بسمة حلم عارضة .. ثم لا يلبث أن يعود ليدفن نفسه تحت ركام من الأحلام في مطاوي الفراغ، والخنوع .. ثم النسيان..

وإنما تصبح دراسة التاريخ، وفلسفته، وآثاره، ذات قيمة، وفاعلية، وجدوى.. حينما يراد لها أن تتحول، لتكون عبء مسؤولية، وبداية حركة، ونبضات حياة..

وبديهي.. أنه من أجل أن تكون كذلك .. لا بد من أن تصبح قادرة على أن تعكس الواقع التاريخي، كما هو، ومن دون أي زيادة أو نقصان.. وكذلك من دون أي تزوير أو تحرير..

ومعنى ذلك: هو أن على هذه الدراسة لكي تكون على مستوى من الدقة والأمانة.. أن تتحرى أسلوب المحاكمة النزيهة والموضوعية للأحداث، والوقائع، أو فقل لما يدعى أنه منها .. وأن تعتمد الأصولية العلمية الصحيحة في بحوثها، وكذلك في مجال التحليل، والإستنتاج، والتقييم..

وإِذا كنا نعلم: أن أوثق من يمكن الإعتماد عليهم في إِعطاء صورة واقعية وواضحة عن أي حدث كان، وعن علله وأسبابه.. هم أولئك الذين عاصروه وعايشوه، وعاينوه عن قرب ..


10

فإننا نجد: أنه حتى هؤلاء.. بل وحتى كثير من الذين شاركوا في صنع ذلك الحدث لا يستطيعون: أن يقدموا صورة واضحة المعالم عن ذلك الحديث المفترض، ولا عن علله وأسبابه، وآثاره ونتائجه.. بل قد نجدهم يعطون تفسيرات مختلفة.. بل وحتى متباينة أحياناً.. رغم افتراضنا مسبقاً: أنهم جميعاً صادقون في رغبتهم بإعطاء الحقيقة، كل الحقيقة في هذا المجال..

وما ذلك.. إِلا لأن الناس يختلفون في مستويات إِدراكهم ووعيهم، وفي نسبة اطلاعهم على جزئيات وظروف ذلك الحدث. الأمر الذي يؤثر على قدرتهم على فهمه واستيعابه أحياناً، ثم على ربطه بغيره، فضلاً عن ادراك علله وأسبابه.. ثم آثاره ونتائجه على النحو الأفضل والأتم..

كل ذلك.. فيما لو كان الحدث عادياً، لا يوجد من يهتم بالتلاعب فيه، أو بالتعتيم عليه.. فكيف إِذن تكون الحال بالنسبة لتلك الأحداث، التي تشارك في صنعها أيد خفية، وتعمل على تزييف التعتيم أو على كثير من الحقائق.. ثم على التحوير والتزوير فيها، وفي خصوصياتها وملامحها..

وإِذا كانت الأحداث التي دونت ووصلت إِلينا أكثرها أو كثير منها ولا سيما أكثرها حساسية، وأعظمها أهمية هي من هذا النوع بالذات.. فإننا ندرك: مدى حاجتنا إِلى الناقل الخبير، والناقد البصير في هذا المجال.. كما أننا ندرك مدى أهمية وتأثير الوسائل التي لا بد لنا من الإستفادة منها في الوصول إِلى الحقائق، التي أُريد لسبب أو لآخر إِحاطتها بستار من الكتمان، أو بقاؤها رهن الإبهام والغموض..

وبعد كل ما تقدم.. فإننا إِذا كنا نعلم: أننا كلما قربنا من مصدر الوحي والرسالة، والإمامة والعصمة، فإننا نكون أبعد عن المغالاة والتجني، وعن الوقوع فريسة للخداع والتضليل.. لأن هذا هو المصدر الوحيد، الذي لا يعتريه خلل في الرؤية للواقع الموضوعي، ولا نقص في إِدراكاته لحقيقة ما يجري، ولا مجال للحيلولة بينه وبين الواقع، واطلاعه عليه كما هو، ومن دون أي تحوير أو تزوير..

- إِذا كنا نعلم ذلك - فإن النّهل من هذا النمير العذب، والاستقاء من هذا المنبع الصافي، والإعتماد عليه في التعرف على الأحداث والوقائع، وكل ما يرتبط بها أو يعود إِليها، يصبح أكثر أهميةً وخطراً، وأعظم بركةً وأثراً..

حتى إِذا تعذر علينا التعرف على نفس الحدث عن هذا الطريق.. فلا أقل من امتلاك الرؤية، ثم اعتماد المعايير والأسس، وبعد ذلك الوسائل والأساليب الصحيحة


11

التي يرى أهل بيت العصمة، والإمامة، ومعدن الوحي والرسالة، أنها تنفع في الوصول إلى ذلك الهدف المنشود، في مجال التقييم الصحيح والسليم للأحداث، ومحاكمتها، ثم قبولها أو رفضها، إِذا اقتضى الأمر أياً من الرفض، أو القبول..

أو على الأقل.. تقل معها احتمالات الخطأ والزيغ، والوقوع في متاهات التفسيرات، والتكهنات الخاطئة والناقصة، التي يتعرض لها الباحثون في التراث بصورة عامة..

ومؤسسة نهج البلاغة.. قد وجدت في هذا الكتاب: «حركة التاريخ عند الإمام علي عليه السلام» الذي هو من تأليف سماحة العلامة الجليل البحّاثة الشيخ محمد مهدي شمس الدين خطوة واسعة وموفقة في هذا الإتجاه..

ولأجل ذلك.. فقد بادرت لتقديمه إلى القراء الكرام، على أمل أن يجدوا فيه ما ينقع الغلة، ويبل الصدى..

ونسأل اللّه أن ينفع به.. ويجعله خالصاً لوجهه الكريم.. وهو الموفق والمسدد، وهو المعين والهادي..

مؤسسة نهج البلاغة


12


13

مقدّمة

التاريخ هو حركةُ الشيء في محيطه خلال الزّمان، وبعبارةٍ أخرى: التاريخ هو عمليةُ التحوّل والتغيّر والإنتقال (الصبرورة) من حالةٍ الى حالة، الّتي تعتري الشيء أو يُنجزها الشّيء من خلال علاقته بعناصر محيطة عبرَ الزّمان.

وقد كان الشّيءُ في النّظرة السّائدة قديماً يعني الإنسان فقط، ويعني - بصورة محدّدة - الفعاليات الإنسانية: المجتمع والمؤسسات السّياسيّة والعسكرية والإجتماعية والثقافية.

لقد كان التّاريخ علم حركة الإنسان من خلال محيطه في الزّمان، ولكن العصر الحديث شهد تطوراً في مدلول هذا المصطلح فاتّسع ليشمل كلّ شيء في الطّبيعة والحضارة: الأرض، والمعادن، والنّباتات، والحيوان، والأفكار، والعلوم.. وغير ذلك إِلى جانب الفعاليات الإنسانية، وغدا في وسع المؤرخ ذي النظرة الشاملة أن يدّعي أن التّاريخ كالفلسفة ذو موضوع شامل لكلّ ما يمكن أن يدخل في الوعي البشري.

ولعلّ بعض المؤرخين المسلمين العظام كانوا قد انتهوا في تفكيرهم إِلى حافة هذه النّظرة الّتي تُعطي التّاريخ مفهوماً شاملاً يتجاوز الفعالياتِ الانسانية، فنلاحظ أنَّهم أدخلوا في كتاباتهم التّاريخيّة معلوماتٍ جغرافية أو فلسفيّة، والمسعوديُّ في كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر» مثال بارز على ذلك.

ولكن هذه النّظرة الشّمولية لا تعنينا هنا. إنَّ عِنايتنا موجهة نحو تاريخ الإنسان. وربّما أمكن ردّ كلّ فروع التّاريخ الأخرى - في النّظرة الشّموليّة الحديثة - إلى تاريخ الإنسان، من حيث أنها تؤرّخ لبعض نشاطاته (تاريخ العلوم، الفنون والآداب، الفلسفة) أو تؤرّخ لبيئته (النّبات، الحيوان، طبقات الأرض).


14

وإذن، فالتّاريخ هو حركة الإنسان في محيطه خلال الزّمان، وقد يعالج التّاريخ حركة الإنسان في مجتمع معين أو في إِطار ثقافة معيّنة، وقد يتسع ليعالج حركة الإنسان على صعيدٍ عالمي.

ولا شكَّ في أن فكرة «العالميّة» لدى المؤرّخين المسلمين قد جاءتهم من القرآن الكريم حيث صوّر حركة الإنسانية من خلال عرضه لحركة النّبوات في الأمم والشعوب، كما أنّهم استفادوا في تعزيز نظرتهم العالميّة من «علم الأنساب» الّذي تحدّر إِليهم من التّقليد الجاهلي القديم، ثمّ دخل - كغيره من المعارف العربية والإسلامية - عصر التّدوين. وليس المهمُّ هنا جانب الصّدق التّاريخي في علم الأنساب، وهو أمر مشكوك فيه، وإِنّما المهمّ ما تُعطيه المعرفة النّسبيّة من إِدراكٍ لترابط الشّعوب والقبائل وعلاقاتها الدّاخلية، هذا الإدراكُ الذي يتجاوز بالمؤرخ حدود الجغرافيا والقبلية أو القومية ليفتح بصيرته على مدى أرحب.

على هذا المدى الرّحب كان الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالب عليه السّلام يتعامل مع التّاريخ، لا كمؤرّخ وإِنّما باعتبارهِ رجل عقيدة ورسالة، ورجل دولة وحاكماً، ولم يكن يستخدم التّاريخ كمادّة وعظيّة فقط وإِنّما كان يستهدف أيضاً منه النّقد السّياسي والتّربية السّياسية لمجتمعه والتوجيه الحضاري لهذا المجتمع.

ونحاول في هذا الكتاب أن نجلوَ نظرةَ الإمامِ عليّ (ع) إِلى حركة التاريخ، ونكتشف أساليب تعامله مع التّاريخ في حياته العامة الفكريّة والسّياسيّة.

والمصدر الأساس لهذه الدّراسات هو كتاب نهج البلاغة، وربّما استعنا بنصوص أخرى لم يضمّنها الشّريفُ الرّضي في كتاب نهج البلاغة للتّعرّفِ على مزيد من التّفاصيل بالنّسبة إِلى نظرة الإمام التّاريخيّة أو لإكمال نصوص أوردها الشّريف الرّضي في نهج البلاغة مبتورة.

ونحن نرى أنّ كتاب نهج البلاغة وثيقة عظيمة القيمة في الحضارة الإسلاميّة من النّاحية الفكريّة والسّياسية. ولا ينقضي أسفنا على أنّ الشّريف الرّضي رحِمه اللّهُ قد جمع النّصوص لغاية جمالية تحكمت في اختياره فجعلته يؤثِر النّصوص الممتازة من النّواحي البلاغيّة الفنيّة ويهمل ما عداها وقد يجزّئ - لهذا السّبب - من النّصّ بعضه الّذي تتوفّر فيه هذه الخاصّة ويهمل سائره، وهذا ما دعاه إِلى أن يُعطي كتابه اسماً


15

يلخص الغاية من جمعه له والمنهاج الّذي اتّبعه في عمليّة الجمع فضاع على الحضارة الإسلامية بذلك علم كثير وفكر عظيم.

ولعلّ اللّه تعالى يقيض من العلماء والباحثين من يتقصّى في كتب السّيرة والتاريخ والحديث والأدب جميع ما رُوِيَ عن أمير المؤمنين عليه السّلام ويخضعه لدراسة نقدية صارمة تميّز الأصيل فيه من المنحول الموضوع ويصنف ما يثبت للنّقد منه مع ما ورد في نهج البلاغة للشّريف الرّضي رحِمه اللّهُ تعالى تصنيفاً علمياً حسب موضوعات النّصوص (في السّياسة، والفكر، والوعظ، والحرب، والفقه، والإلهيات وسائر العقائد... وغير ذلك من الموضوعات) فذلك يجعل نهج البلاغة ومستدركّه مصدراً ميسّراً للدّراسات العلميّة عظيم القيمة جليل الفائدة.

وقد قام المرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء بتأليف كتاب (مستدرك نهج البلاغة) ورتّبه على نحو ما رتّب الشّريف الرّضي كتاب نهج البلاغة (الخطب، والكتب، والحكم)، ولكن هذا العمل دون ما نطمح إِليه لسببين: الأوّل - ما نقدّر من أنّ هذا الكتاب لم يستوعب كلّ ما أهمله الشّريف أو شذّ عنه، ولذا فإن الحاجة إِلى عمل أكثر شمولاً لا تزال قائمة. الثّاني - ما يبدو لنا من أن كاشف الغطاء أثبت في كتابه كلّ ما وجده منسوباً إِلى الإمام ولم يخضع النّصوص للنّقد، وهذا ما جعله يثبت في كتابه نصوصاً منسوبة إِلى الإمام نقدر أنها موضوعة.

وهنا نجد من المناسب الإشارة إِلى أنّ اللّغط الّذي أثير حول صحة نسبة ما جمعه السّيد الشّريف في نهج البلاغة إِلى الإمام (ع) بوجه عام منذ ابن خلدون إِلى زكي مبارك وأحمد أمين، من التّشكيك في صحة النّسبة أو الجزم بعدم صحة النّسبة - هذا اللّغط الّذي أثاره التّعصب في بعض الأحيان والجهل في أحيان كثيرة قد انتهى أو يجب أن ينتهي إِلى التّسليم بصحة النّسبة التّاريخيّة لِما ورد في نهج البلاغة بوجه عام إِلى الإمام عليه السّلام، فإنّ الدّراسات والأبحاث التوثيقيّة الّتي عقدت حول نهج البلاغة منذ شارح نهج البلاغة عزّ الدين ابن أبي الحديد (586 - 655 هجري) إلى أيّامنا قدّمت أجوبة مقنعة على جميع التّساؤلات الّتي أثيرت وأغلقت منافذ الشّك في صحة نسبة ما اشتمل عليه نهج البلاغة إِلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بالقدر الّذي يكفي لتصحيح النّسبة التّاريخيّة لأيّ نصّ من نصوص الفكر الإسلامي.

وهذه الأبحاث والدّراسات على قسمين:


16

منها ما اتّبع منهاج النّقد الدّاخلي حيث أخضعت النّصوص لدراسة تكوين الجمل فيها والعلاقات بين جملة وأخرى، وأنواع المفردات والمجازات وما إلى ذلك من مكوّنات النّصّ. وهذا ما صنعه ابن أبي الحديد في عدة مواضع من شرحه، وبعض من تأخّر عنه من الشّراح والباحثين. وهذا النّوع من الأبحاث قليل ومقصور على بعض نصوص النّهج، ولذا فإنّ الحاجة ماسّة إلى دراسة شاملة لجميع نصوص نهج البلاغة تتبع هذا المنهاج.

ومنها ما اتّبع منهاج النّقد الخارجي حيث بحث عن مصادر متقدّمة في الزّمن على الشّريف الرّضي تضمّنت نصوصاً من نهج البلاغة.

وقد كانت نتائج هذه الدّراسات وتلك في مصلحة صحة نسبة نهج البلاغة بوجه عام إلى الامام عليه السّلام.

ولعلّ آخر دراسة توثيقيّة هامّة وشاملة اتّبع فيها منهاج النّقد الخارجي هي دراسة الأستاذ السّيد عبد الزّهراء الخطيب الّتي نشرها في كتابهِ (مصادر نهج البلاغة وأسانيده - 4 مجلدات / دار الأعلمي للمطبوعات - بيروت).

ومن المؤكّد أنّ هذه الدّراسة لن تكون الأخيرة، فإنّ دراسات أخرى ستضاف إلى ما تمّ إنجازه في هذا الحقل كلّما تنامت حركة نشر كتب الفكر الإسلامي الّتي لا تزال مخطوطة وموزّعة في مكتبات العالم.

*

بقي عليّ أن أشير الى أنّ هذه الدّراسة عن حركة التّاريخ عند الإمام علي (ع) حلقة في سلسلة من الدّراسات في نهج البلاغة سبقها كتابنا (دراسات في نهج البلاغة) وقد اشتمل على أربع دراسات هي:

1 - المجتمع والطبقات الإجتماعية.

2 - الحكم والحاكم.

3 - المغيبات.

4 - الوعظ، وأضيفت إليها في الطّبعة الثّالثة دراسة خامسة بعنوان الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والأكثرية الصامتة.

*

دراسات في نهج البلاغة: الطّبعة الأولى - النَّجف العراق - 1956 - الطّبعة الثّانية - بيروت - دار الزّهراء 1392 هجري ‌ 1972 م الطّبعة الثّالثة. بيروت.


17

لقد انتفعت بكتاب (الكاشف عن ألفاظ نهج البلاغة في شروحه) لمؤلفه: السّيّد جواد المصطفوي الخراساني. وهو عمل جليل القدر، عظيم الفائدة للباحثين. نأمل أن يطوِّره مؤلفه بحيث يكون أكثر شمولاً للشروح في طبعاتها الجديدة المتداولة، وللنّصوص الواردة في مستدركات نهج البلاغة.

والحمد للّه رب العالمين.

محمد مهدي شمس الدّين


18


19

20

التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الاسلام


21

التّاريخ وحركة التقدّم البشري ونظرة الإسلام

التّاريخ حركة الكائن في الزّمان والمكان.

والكائن جماد، ونبات، وحيوان، وإنسان.

وتاريخ كلّ من الجماد والنّبات والحيوان يسير وفق قوانين ثابتة، وموضوعة خارج هذه العوالم.

إنّ الجماد لم يضع قوانين حركته، ومن ثمّ فإنّه لم يضع قوانين تاريخه، وكذلك النّبات والحيوان.

إنّ هذه العوالم الثّلاثة خاضعة في جميع حالات وجودها لمبدأ الضّرورة، ومن ثمّ فتاريخها من جميع وجوهه خاضع لمبدأ الضّرورة، إنّه حصيلة حركتها الضّرورية في الزّمان والمكان، ومن ثمّ ف(الخطأ) غير وارد في تاريخ هذه العوالم، إنّها لا تصنع تاريخها ولذا فهي لا تقع في أخطاء العمل.

أمّا تاريخ الإنسان فشيء آخر.

إنّ الإنسان يتعامل مع الكون على أساس مبدأ الإختيار لأنّه كائن حرّ لا يخضع لمبدأ الضّرورة إِلا في نطاق العمليات البيولوجية في جسمه، ومن ثمّ فإنّه يشارك في وضع قوانين حركته في الزّمان والمكان، فإنّ الإنسان يكيّف نفسه لتنسجم مع الطّبيعة حين يعجز عن تكيّف الطّبيعة لتنسجم معه.

والإنسان يحب ويبغض، ويأمل وييأس، ويتألم ويحلم، والإنسان يخاف...


22

يخاف من المجهول، ويخاف من المستقبل... والإنسان، قبل كلّ شيء وبعد كلّ شيء، يفكّر: يحلّل المواقف والمشكلات الّتي تواجهه، ويركّبها، ويوازن بين احتمالاتها، ويرجّح ويختار، ويتحرّك وفقاً لاختياره، فهو إذن يستجيب في حركته لعالمه الخارجي ولعالمه الدّاخلي من موقع الإختيار باعتباره كائناً حراً لا من موقع الضّرورة.

ومن هنا فإنّ الخطأ في التّحليل والتّركيب والإختيار، والرّجوع إِلى الوراء في حركته، وما يؤدّي إِليه ذلك من خيبات الأمل في خططه ومشاريعه - أمور حدثت للإنسان دائماً في حركته التاريخيّة.

ولذا فإنّ تاريخ الإنسان كما هو سجل مشرق ومشرّف لانتصاراته وإِنجازاته في الطبيعة والمجتمع هو كذلك سجل كئيب حافل بأخطائه، وانتكاسات حركته نحو المستقبل، وخيبات أمله.

*

ومن أسوأ ما يمكن أن يقع فيه الإنسان من أخطاء: حسبانه في كثير من الحالات أنّه كان دائماً على صواب، وأنّ تاريخه يمثل خطاً صاعداً باستمرار، وأنّ حركته نحو المستقبل - لذلك - تقدميّة دائماً، خيرة دائماً، صائبة دائماً، لا يتخللها خطأ ولا انحراف.

ومثل ذلك في السوء حسبانه أنّ كلّ ماضيه خطأ وتخلف، ومن ثمّ فهذا الماضي لا يستحقّ منه الإلتفات والمراجعة، وأنّه اهتدى إِلى النّظرة الصّائبة في حاضره، وأنه في حركته نحو المستقبل حليف الصّواب والتّوفيق باستمرار.

إِنّ هذا الحسبان وذلك يحملان الإنسان على ارتكاب مزيد من الأخطاء، والوقوع في كثير من المآسي وخيبات الأمل.

ذلك بأنّ الإنسان حين يخال حركة التّاريخ دائماً على صواب فإنّه يلغي جميع المؤثّرات الإنسانية، ويسلم نفسه لحركة التّاريخ الإنساني كما لو كان هذا التّاريخ خاضعاً لمنطق الضّرورة كتاريخ الجماد والنّبات والحيوان. ومن ثمّ فإنّه يرتكب الأخطاء الكبرى وهو يحسب أنّه على صواب، ويصحِّح أخطاءه بأخطاء أخرى


23

تسبّب للإنسانية مزيداً من التخلف على كلّ صعيد، ومزيداً من المآسي الفرديّة والجماعيّة.

وكذلك الحال حين يحكم الإنسان على ماضيه بأنّه مجموعة أخطاء قاد أسلافَه إِليها الجهلُ وسوء الفهم وسوء التّوجيه، ولذا فلا شيء من هذا الماضي يصلح للحاضر وللمستقبل. وأنّه كان ضالاً فاهتدى، وأنّه امتلك الحقيقة التّاريخيّة وكانت ضائعة منه بسبب هذا الّذي غلّه وشلّ قواه.

إِن الإنسان باتخاذه لهذا الموقف يحكم على جميع تجارب الماضي بالفشل والبطلان، وهو حكم لا شكّ في أنّه جائر عن قصد السّبيل، لأنّ الحقيقة هي أنّ في تجارب هذا الماضي الكثير الكثير من الصّواب الّذي تكبّدت الإنسانيّة أنواعاً شتّى من الآلام والتّضحيات وتحمّلت كثيراً من المصاعب في سبيل الوصول إِليه والإهتداء إِلى معالمه.

كِلا هذين الموقفين يؤدّي بالإنسان إِلى أن ينظر إِلى نفسه وعقله في حاضره و مؤسساته السياسيّة وغيرها وسائر نظمه بثقة مطلقة لا مبرّر لها. ولنقل إِنّه في هذه الحالة الّتي يرفض فيها جميع الماضي أو في تلك الحالة الّتي يخال فيها حركة التّاريخ دائماً على صواب - ينظر إِلى نفسه وموقفه بغرور أجوف ولعل هؤلاء وأُولئك ممّن عناهم اللّهُ تعالى بقوله:

«﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِاْلْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولئِكَ الّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً. ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوا».

إنّ هذا الغرور الأجوف، وتلك الثّقة المطلقة الّتي لا مبرّر لها تؤدّيان بالإنسان إلى الوقوع في أخطاء كبرى تعرض المجتمعات بل وجانباً كبيراً من الإنسانيّة لكوارث عظمى ومتنوّعة لم يعرف لها التّاريخ مثيلاً.

1 - سورة الكهف (رقم 18 مكّية) الآيات: 103 - 106. والآيات تومئ إِلى النّظرة الّتي تعتبر حركة التّاريخ خاضعة للإعتبارات المادّيّة وحدها، والنّظرة الّتي تقيس التّقّدَم البشري بالمقياس المادّي وحده.


24

وهذا ما وقع فيه إنسان الحضارة الحديثة، والويل له مما صنعت يداه في المقبلات من الأيام.

*

وقد ولّدت هاتان النّظرتان المتطرفتان إلى التّاريخ وإلى المستقبل مفهوماً للتّقدّم البشري غير متكامل ومِن ثمّ دافع بالإنسان إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء الكبرى في شأن نفسه وفي شأن عالمه.

لقد اعتبر التّقدّم في الحضارة الحديثة بالمقياس المادّي وحده. فيقاس التّقدّم في أيّ مجتمع وفي ظل أيّ نظام سياسي بحجم الإنتاج والإستهلاك بالنّسبة إلى أشياء الحياة المادّية: الطّعام، والملابس والمساكن وأدوات الزّينة، ووسائل النّقل والطّاقة والطّرق، ووسائل اللّهو ووسائل تيسير الحياة اليومية المنزلية وغيرها، والمصانع والأسلحة وما إلى ذلك من أشياء، يضاف إلى ذلك المؤسسات الحكومية والأهلية الّتي تنظّم كلّ هذه العمليات..

ولا يقيم هذا المفهوم عن التّقدّم البشري وزناً لوضعية الإنسان الأخلاقيّة وللقيم الّتي ينبغي أن توجّه سلوكه مع الطّبيعة المادّية، والعالم، والمجتمع والأسرة.

وهذا المفهوم هو الدّليل الّذي يوجّه أفكار وخطط وعمليات المؤسسات الوطنية والدّولية المعنية بقضايا التّنمية، فالوكالات المتخصّصة للأمم المتّحدة، والجامعات، ومراكز الأبحاث الّدولية والوطنية تعتبر حركة التقدم والنموّ بهذا المقياس.

وكانت عاقبة ذلك تقدّماً مذهلاً في مجال المادّيات... تقدّماً تجاوز أكثر الأحلام جموحاً في بداية النّهضة الصّناعية الحديثة. ولكنه تقدّم ترافق مع تأخر مأساوي في مجال المعنويات بدأت بعض البصائر المستقبلية في العالم الغربي و(الشرقي ؟؟) تكتشفه وتعي خطورته، وتحذر من عواقبه الوخيمة.

وعلى ضوء هذا المفهوم للتّقدّم قُسِّم الجنس البشري في الخمسينات من هذا القرن الميلادي إلى عوالم ثلاثة:

العالَم الأوّل: (أمريكا الشّماليّة، وأوربّا الغربيّة، واليابان) بلغ أعلى مستوى


25

عرفه الإنسانُ في التّقدّم المادي والتّنظيم.

العالَم الثّاني - (الإتّحاد السّوفياتي وأوربّا الشّرقيّة، والصّين «أخيراً») يلي العالم الأوّل في الرّتبة من هذه الحيثيّة ويجهد لِلّحاق به في شتّى الميادين.

العالَم الثّالث - (آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينيّة)، ويسمّى هذا القسم من البشريّة (العالم المتخلّف أو العالم النّامي).

وهكذا يحمل العالَم الثالث وصمة التخلّف وفقاً لهذا المفهوم،

وفقاً لمقاييس التّقدّم المبنية على هذا المفهوم - هذه المقاييس الّتي فرضها فكر الحضارة الحديثة وسطوتها، اندفعت شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة في تيّار هذه النّظرة إلى معنى التّقدّم البشري لتحقّق لنفسها اللّحاق بالعالَم الأوّل الّذي يحول بينها وبين ذلك مستغلاً تفوّقه الهائل وضعفها الكبير في نهب ثرواتها وبلبلة حياتها السّياسية، ولكنّها في سبيل التخلّص من وصمة التخلّف العالقة بها وفقاً لهذا المفهوم تمضي قدماً في ما تحسب أنّه يضعها على طريق التّقدّم مضحّية في سبيل ذلك بالكثير من قيمها وأخلاقها متخلّية عن اصالتها، طامحة إلى أنْ يكون إنسانُها نسخةً دقيقةً من إنسان العالَم الأوّل.

*

ولكنّ هذا المفهوم عن التّقدّم البشري ناقص ومبتور لأنّه يمثّل جانباً واحداً من الوضعيّة الإنسانية، وقد كان من أكبر الأخطاء الفكريّة الّتي وقع فيها إنسان الحضارة الحديثة نتيجة لخطأ نظرته إلى التاريخ وإلى المستقبل، فإنّ الوضعية الأخلاقيّة للإنسان ذات صلة وثيقة وأساسيّة بكونه متقدّماً أو متخلّفاً. وهذه حقيقة وجدت سبيلها أخيراً إلى الإدراك في داخل الحضارة الحديثة، وهذا، على الرّغم من أنّه لا يزال في نطاق ضيّقٍ نسبيّاً، باعث على الأمل.

لقد بدأت ترتفع، هنا وهناك، داخل الحضارة الحديثة، أصوات بعض ذوي العقول النيّرة والبصائر النّافذة من النخبة في العالم الغربي من علماء وشعراء ومفكرين محذرة من الإنسياق وراء هذه النظرة الخاطئة، محذّرة من عواقبها المهلكة، داعية إلى


26

اعتماد نظرة أخرى تقيم التّوازن في السّعي نحو التّقدّم بين حاجات الإنسان الرّوحية ووضعيّته الأخلاقية من جهة وبين حاجاته وطموحاته المادّية من جهة أخرى، منذرين بأنّ استمرار الحضارة في مادّيتها الخالصة سيؤدّي إلى خرابها ودمار الإنسانيّة أو جانب كبير منها.

إنّ نظرة هؤلاء المستقبليين من ذوي العقول النّيّرة في العالم الغربي (والشّرقي ؟) قريبة من نظرة الإسلام إلى مسألة التقدّم والتخلّف مع تأكيدنا على وجود اختلافات جمّة تعود إلى تفاصيل النّظرة وإلى الوسائل والأساليب.

فالإسلام - ممثلاً بالقرآن الكريم، والسّنّة الشّريفة، والفقه - إذ يدفع بالإنسان نحو المستقبل الأفضل من حاضره وماضيه، يركّز على أنّ هذه الأفضليّة تقوم على مقياس مركّب يعطي لكلّ واحد من المادّة والمعنى دوراً حاسماً وأساساً في إنجاز التّقدّم المتكامل المعافي، فلا بدّ أنْ تحقق حركة الإنسان في الزّمان والمكان تقدّماً وتكاملاً على صعيد المادّة وعلى صعيد الوضعيّة الأخلاقيّة والصّفات الإنسانيّة لتكون حركته تقدّميّة.

قالَ اللّهُ تعالى:

«﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللّهُ الدَّار الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إلَيْكَ، وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفسِدِينَ»1.

وقالَ تعالى:

«﴿يَا بَنِي آدَم خُذُواْ زيِنَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفينْ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللّهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ ؟ قُلْ: هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يِعْلَمُونَ. قُلْ: إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ،، وَالإثْمَ، والْبَغْيَ بِغَيْرِ الحقِ، وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَىَ اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ»2.

1 - سورة القَصص (رقم 28 مكَيّة) الآية: 77 .

2 - سورة الاعراف (رقم 7 مكيّة) الآيات: 31 - 33.


27

أمّا تحقيق التّقدّم المادّي وحده مع إهمال العناية بالوضعيّة الأخلاقيّة والمعنويّة للإنسانيّة أو مع التّضحية بها فإنّه كقصر العناية على الوضعيّة الأخلاقيّة والرّوحية مع إهمال شؤون التّقدّم المادّي - كلاهما لا يمثّلان النّظرة المتوازنة الّتي يجب أن تقوم عليها حركة الإنسان التّاريخيّة وتبنى على هديها مؤسّسات الحضارة. إنّ كلّ واحد من الإتجاهين يمثّل انحرافاً معيّناً لا يخدم الإنسانيّة ولا يبني الحضارة.

إننا - وفقاً لهذه النّظرة المتوازنة - كما نعتبر النقص في إنتاج السّلع والخدمات المادّيّة بدرجة تكفي أكبر عدد من الناس وتحقّق لهم الرّفاهيّة واللّذة - كما نعتبر هذا النقص وما يتصل به تخلفاً، كذلك نعتبر من أسوأ مظاهر التّخلّف: تزايد الجرائم في المجتمع بشتّى أنواعها، وتصدّع الأسرة، وجفاف العلاقات الإنسانية النّظيفة، ونموّ روح الحرب والعدوان داخل المجتمعات وبين الجماعات القوميّة والوطنيّة، وهو أنّ الحياة البشرية عندما تكون خارج الإطار القومي والعنصري للمعتدي ... وغير ذلك من مظاهر فساد الوضعيّة الأخلاقية للإنسان فرداً وجماعة ومجتمعاً ودولةً.

ووفقاً لهذه النّظرة المتوازنة يكون من الخطأ تقسيم عالم اليوم إلى عالم متقدّم وعالم متخلّف. إنّ عالم اليوم كلَّه - وفقاً لهذه النّظرة - متخلّف، فإنّه إِذا كان العالم الثالث متخلّفاً على مستوى المادّة وأساليب التّنظيم والإدارة، فإنّ العالم الآخر متخلّف من حيث الوضعيّة الأخلاقية والعلاقات الإنسانية والصّفات الإنسانية في أفراده وجماعاته ومجتمعاته.

وسنرى، خلال هذا البحث، أنّ منطلق أميرِ المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في فهمه للتّاريخ وحركة الإنسان في الحاضر نحو المستقبل هو هذه النّظرة المتوازنة الّتي اشتمل عليها الإسلام، وعبّر عنها القرآن الكريم، والسّنّة الشّريفة، والفقه المستمدّ منهما المبني عليهما.


28


29


30

الامام في مواجهة التاريخ


31

الإمام في مواجهة التّاريخ

كان أميرُ المؤمنين عليّ عليه السّلام، كما يخبرنا هو، وكما سنرى خلال هذه الدراسة يوجّه عناية فائقة إلى التاريخ، عناية جعلت من التاريخ عنصراً بارزاً فيما وصل إِلينا من كلامه في مختلف الموضوعات الّتي كانت تثير اهتمامه.

وعناية الإمام بالتاريخ ليست عناية القاصّ والباحث عن القصص. كما أنّها ليست عناية السياسي الباحث عن الحيل السياسيّة وأساليب التمويه الّتي يعالج بها تذمّر الشعب، وإنّما هي عناية رجل الرسالة والعقيدة، والقائد الحضاري والمفكر المستقبلي.

إِنّ القاصّ يبحث ليجد في تاريخ الماضين وآثارهم مادّة للتّسلية والإثارة. والسياسي يبحث ليجد في التاريخ أساليب يستعين بها في عمله السياسي اليومي في مواجهة المآزق، أو يستعين بها في وضع الخطط الآنية المحدودة1.

والمؤرّخ يقدم لهذا وذاك المادّة التاريخيّة الّتي يجدان فيها حاجتهما.

أمّا الرائد الحضاري، رجل الرسالة والعقيدة ورجل الدولة فهو يبحث ليجد في

1 - قال المسعودي في تقريره عن النشاط اليومي لمعاوية بن أبي سفيان «... ويستمرّ إلى ثلث اللّيل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وسير ملوك الأمم وحروبها ومكايدها. وسياستها لرعيتها وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة... ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها، والحروب والمكايد. فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتّبون وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمرّ بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السّياسات... « - مروج ... (بتحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد) - مطبعة السّعادة - الطّبعة الثّانية (1367هجري - 1948م) الجزء الثّالث - ص 40 .


32

التاريخ جذور المشكل الإنساني، ويتقصّى جهود الإنسانيّة الدائبة في سبيل حلّ هذا المشكل بنحو يعزّز قدرة الإنسان على التكامل الروحي - المادّي، كما يعزّز قدرته على تأمين قدر ما من السعادة مع الحفاظ على الطهارة الإنسانية.

وقد كان الإمامُ عليّ يتعامل مع التاريخ بهذه الروح ومن خلال هذه النظرة، ومن ثم فلم يتوقّف عند جزئيّات الوقائع إلا بمقدار ما تكون شواهداً ورموزاً، وإِنّما تناول المسألة التاريخيّة بنظرة كلّيّة شاملة، ومن هنا فقلّما نرى الإمام في خطبه وكتبه يتحدّث عن وقائع وحوادث جزئيّة، وإِنّما يغلب على تناوله للمسألة التاريخيّة طابع الشمول والعموميّة.

والإمام ليس مؤرخاً، ولذا فليس من المتوقع أن نجد عنده نظرة المؤرخ وأسلوب في سرد الوقائع وتحليلها والحكم عليها، وإنّما هو رجل دولة حاكم، ورجل عقيدة ورسالة فيها كل حياته، فهو يتعامل مع التاريخ باعتباره حركة تكوِّن شخصية الإنسان الحاضرة والمستقبلة، ولذا فهي تشغل حيّزاً هاماً وعلى درجة كبيرة من الخطورة في عملية التربية والتحرك السياسي، وهذا ما يجعل رجل رسالة وحاكماً كالإمام علي عليه السلام حريصاً على أن يدخل في وعي أمّته الّتي يحمل مسؤولية قيادتها ومصيرها .... الى التاريخ سليمة تجعله قوة بانية لا مخرّبة ولا محرّفة.

*

ونحن نعرف عناية الإمام عليّ (ع) الفائقة بالتاريخ واهتمامه البالغ بشأنه من نص ورد في وصيته الّتي وجهها إلى ابنه الإمام الحسن عليه السّلام كتبها إليه بحاضرين1 عند انصرافه من صفّين، قال فيه:

1 - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 16 / 52 - أمّا قوله «كتبها إليه بحاضرين» فالّذي كنّا نقرؤه قديماً، «كتبها إليه بالحاضرّينِ،» على صيغة التّثنية، يعني حاضر حلب وحاضر قنسرين، وهي الأرباض والضواحي المحيطة بهذه البلاد، ثم ___ بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لام، ولم يفسّروه، ومنهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التّثنية، ومنهم من يقول: خناصرين يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها. وقد طلبتُ هذه الكلمة في الكتب المصنفة سيّما في البلاد والأرضين فلم أجدها، لعلي أظفر بها فيما بعد فألحقها في هذا الموضع.

قال الشيخ محمد عبده في شرحه: حاضرين: اسم بلدة بنواحي صفّين.


33

«أيْ بُنَيَّ إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إلَيَّ مَنْ أُمُوِرِهِمْ، قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أوَّلَهَمْ إلى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مَنْ ضَرَرِه».

وكان قبل ذلك قد وجّه الإمام الحسن (ع) في هذه الوصية إلى تعرّف التاريخ الماضي للعبرة والموعظة، قال:

«أحْيِ قَلْبَكَ بالْمَوعظَةِ ... وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْماضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا، وَعَمَّا انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلوُّا وَنَزَلُوا. فَإنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلوُّا دِيَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَليلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ».

وهذا النص يحملنا على الإعتقاد بأنّ الإمام عليه السّلام تحدّث كثيراً عن المسألة التاريخية في توجيهاته السياسيّة وتربيته الفكرية لمجتمعه، ولرجال إدارته، ولخواصّ أصحابه.

ولكنّ النّصوص السياسيّة والفكريّة التي اشتمل عليها نهج البلاغة مِمّا يدخل فيه العنصر التاريخي قليلة جدّاً، وإنْ كانت النصوص الوعظيّة الّتي بنيت على الملاحظة التاريخية كثيرة نسيباً.

ولا نستطيع أن نفسّر نقص النصوص السياسيّة والفكريّة - التاريخيّة إلا بضياع هذه النصوص لنسيان الرّواة أو لإهمال الشّريف الرضي لما وصل إليه منها، لأنّه جعل منهجه في تأليف كتاب نهج البلاغة: «اختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحِكم والأدب»1. وقد أدّى هذا المنهج بطبيعة الحال إلى إهمال الكثير من النّصوص السياسيّة والفكريّة لأنّه لم يكن في الذّروة من الفصاحة والبلاغة.

ومن المؤكّد أنّ الكثير من كلام أميرِ المؤمنين في هذا الباب وغيرِه لم يصل إلى الشّريف الرضي كما اعترف هو بذلك في قوله:

«... ولا أدّعي - مع ذلك - أنّي أحيط بأقطار جميع كلام عليه السّلام حتّى لا يشذّ عنّي منه شاذّ، ولا يندّ نادّ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عنّي فوق الواقع إليّ،

_

1 - من مقدمة الشريف الرضي نهج البلاغة.


34

والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي»1.

*

وعلى أيّة حال فإنّ سُؤالاً هاماً يواجهنا هنا، وهو:

مِنْ أين استقى الإمام معرفته التاريخيّة ؟

إنّه يقول عن نفسه: «... نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ...».

فما الوسيلة الّتي توصّل بِها إلى معرفة أعمالهم لينظر فيها هو كيف تسنّى له أن اطّلع على أخبارهم ليفكّر فيها ؟

نقدّر أنّ الإمام عليه السّلام قد اعتمد في معرفته التاريخية على عدّة مصادر:

1 - القرآن الكريم:

يأتي القرآن الكريم في مقدّمة هذه المصادر الّتي استقى منها الإمام معرفته التاريخيّة. وقد اشتمل القرآن على نصوص تاريخيّة كثيرة منبثة في تضاعيف السّور تضمنت أخبار الأمم القديمة وارتفاع شأنها، وانحطاطها، واندثار كثير منها، وذلك من خلال عرض القرآن الكريم لحركة النّبوات في تاريخ البشرية، وحكايته لكيفية استجابات الناس في كلّ أمة وجيل لرسالات اللّه تعالى الّتي بشّر بها الأنبياء سلام اللّه عليه أجمعين..

وقد كان أميرُ المؤمنين عليّ عليه السّلام أفضل الناس - بعد رسول اللّه (ص) - معرفة بالقرآن من حيث الظاهر والباطن، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والأهداف والمقاصد، والأبعاد الحاضرة والمستقبلة، وغير ذلك من شؤون القرآن. كانت معرفته بالقرآن شاملة مستوعبة لكلّ ما يتعلق بالقرآن من قريب أو بعيد. والتأثير القرآني شديد الوضوح في تفكير الإمام التاريخي من حيث المنهج ومن حيث المضمون، كما هو شديد الوضوح في كلّ جوانب تفكيره الأخرى.

وقد حدّث الإمام عن نفسه في هذا الشأن كاشفاً عن أنّه كان يلحّ في مسائله

1: من مقدَمة الشّريف الرّضي لنهج البلاغة.


35

لرسول اللّه (ص) في شأن القرآن من جميع وجوهه. قال: «وَاللّه مَا نَزَلَتْ آيَة إلا وَقَدْ عَلِمْتُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ. أنّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبَاً عَقُولاً وَلِسَاناً سَؤُولاً»1.

وشهاداتُ معاصريه له في هذا الشأن كثيرة جداً. منها ما رُوِي عن عبد اللّه بن مسعود، قال: «إنّ القرآنَ أُنْزِل على سبعِة أحرُفٍ، مَا منها حرفُ إلا له ظهر وبطن، وإنّ عليَّ بنَ أبي طالبِ عليه السّلام عنده علم الظاهر والباطن».2

2 - التعليم الخاص:

التعليم الخاص الّذي آثر به رسول اللّه (ص) عليّاً مصدر آخر من مصادر معرفته التاريخيّة وغيرها.

وفقد استفاضت الروايات الّتي نقلها المحدثون، وكتّاب السيرة، والمؤرخون من المسلمين على اختلاف مذاهبهم وأهوائهم - استفاضت هذه الروايات - بل تواترت إِجمالاً - بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد خص أميرَ المؤمنين عليّاً بجانبٍ من العلم لم يرَ غيره من أهل بيته وأصحابه أهلاً له.

فمن ذلك ما قاله عبد اللّه بن عباس: «وَاللّهِ لَقدْ أُعطِيَ عَلَيُّ بن أبِي طَالِب (ع) تِسْعَةَ أعْشَارِ العلمِ، وَايمُ اللّهِ لَقدْ شَارَكَكُمْ فِي العُشرِ العَاشِرِ».3

وما رُوِي عن رسول اللّه (ص): «عَلِيّ عَيبَةُ عِلْمِي».4

وما رواه أنس بن مالك، قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللّه عَمَّنْ نَكْتُبُ الْعِلْمَ ؟ قالَ: عَنْ عَلِيّ وَسَلمَانَ».5

وقال الإمام عليه السّلام: «عَلَّمَني رَسُولُ اللّهِ (ص) ألْفَ بَابِ مِنَ العِلِم كُلُّ بابِ يَفتَحُ

1 - ابن سعد: الطبقات الكبرى ج 2 قسم 2 ص 101، والمتقي الهندي: كنز العمال 6 / 396 - وقال: أخرجه ابن سعد وابن عساكر، وقالوا (لِسَاناً طَلِقاً سَؤولاً) وأبو نعيم: حُلية الأولياء 1 / 67.

2 - أبو نعيم: حلية الأولياء: 1 / 65.

3 - أسد الغابة 4 / 22 والإستيعاب: 2 / 462.

- كنز العمال 6 / 153 وفتح القدير: 4 / 456.

5 - تاريخ بغداد: 4 / 158.


36

ألفَ بابٍ».1

وقد صرّح فيما وصل إِلينا من نصوصِ كلامه في نهج البلاغة بذلك في عدّة مناسبات، فقال:

1 - «... بَلِ انْدَمَجْتُ2 عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوبُحْتُ بِهِ لاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ لأرشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ3 الْبِعيدَةِ»4.

2 - «وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهذَا الْمَقَامِ وَهذَا الْيَوْم... ».5

3 - «... لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ6 عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلى الصُّعُدَاتِ7 تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ»8.

4 - «يَا أَخَا كَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَإِنَّماَ هُوَ تَعَلُّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ».9

وإِذا كانت بعضُ هذه النصوص ظاهرة في العلم بالغيبات (علم المستقبل)، فإنَّ غيرها مطلق يشمل الماضي، وإِذا كان الإمام قد اطّلع من رسول اللّه (ص) على بعض المعلومات المتعلقة بالمستقبل فمن المرجّح أنه قد اطلع منه على علم الماضي.

3 - السّنة النّبويّة:

إِشتملت السّنّة النبويّة على الكثير المتنوع من المادة التاريخيّة.

منه ما ورد في تفسير وشرح القرآن الكريم، ومن ما اشتمل إِجمالاً أو تفصيلاً على حكاية أحداث تاريخيّة لم ترد في القرآن إِشارة إِليها.

1 . كنز العمال: 6 / 392.

2 . اندمجتُ: انطويتُ، كناية عن معرفته بأمور خاصة جداً.

3 . الأرْشِية: جمع رشاء، الحبل. والطّويّ جمع طوية وهي البئر.

4. نهج البلاغة - الخطبة رقم: 5.

5 . نهج البلاغة - الخطبة رقم: 16.

6 . طُوي: حُجب عِلمُه عَنكُمْ.

7 . الصِّعُدات: جمع صَعيد. يُريدُ: لَذهبتْ عنكم الدّعةُ والإستقرارُ في منازِلكم وخرجتُم مِنها قلقينَ على مَصيرِكم.

8. نهج البلاغة - رقم الخطبة: 116.

9. نهج البلاغة - رقم الخطبة: 128.


37

وقد كان أمير المؤمنين علي (ع) أعلم أهل البيت (ع) والصحابة قاطبة بما قاله رسول اللّه (ص) أو فعله وأقرّه، فقد عاش علي (ع) في بيت رسول اللّه (ص) منذ طفولته، وبعث الرسول (ص) وعلي عنده، وكان أوّل من آمن به، ولم يفارقه منذ بعثته (ص) إِلى حين وفاته إِلا في تنفيذ المهمات الّتي كان يكلّفه بها خارج المدينة وهي لم تستغرق الكثير من وقته، ومن هنا، من تفرغه الكامل لتلقي التوجيه النبوي، ووعيه الكامل لِما كان يتلقّاه كان الإمام أعلم الناس بسنّة رسول اللّه وكتاب اللّه.

4 - القراءة:

فقدّر أنّ الإمام عليّاً قد قَرأ مدونات تاريخية باللّغة العربيّة أو بغيرها من اللغات الّتي كانت متداولة في المنطقة الّتي شهدت نشاطه، وخاصة بعد أن انتقل من الحجاز إِلى العراق واضطرّته مشكلات الحكم والفتن إِلى التنقل بين العراق وسوريا، وإِن كنا لا نعلم ما إِذا كانت هذه المدوّنات قد دفعت إِليه صدفة أو أنّه بحث عن كتب كهذه وقرأها أو قرئت له بلغاتها الأصلية مع ترجيحنا أنّه عليه السّلام كان يعرف اللّغة الأدبيّة الّتي كانت سائدة في المنطقة العراقيّة السّوريّة.

5 - الآثار القديمة:

وربما كانت الآثار العمرانية للأمم القديمة من جملة مصادر المعرفة التاريخيّة عند الإمام عليه السّلام، ويعزّز هذا الظن بدرجة كبيرة قوله في النص الآنف الذكر: «وَسِرْتُ في آثَارِهِمْ» ممّا يحمل دلالة واضحة على أنّ مراده الآثار العمرانية.

وقد خبر الإمام في حياته أربعة من أقطار الإسلام، هي: شبه الجزيرة العربية، واليمن، والعراق، وسوريا.

ونقدّر أنه قد زار الآثار الباقية من الحضارات القديمة في هذه البلاد، وإِذا كان هذا قد حدث - ونحن نرجّح حدوثه - فمن المؤكّد أنّ الإمام لم يزر هذه الآثار زيارة سائح ينشد التسلية إِلى جانب الثقافة، أو زيارة عالم آثار يتوقف عند الجزئيات، وإنّما زارها زيارة معتبر مفكر يكمل معرفته النظرية بمصائر الشعوب والجماعات بمشاهدة بقايا وأطلال مدنها ومؤسّساتها الّتي حلّ بها الخراب بعد أنِ انحطّ بناتها وفقدوا


38

قدرتهم على الإستمرار فاندثروا.

هذه هي، فيما نقدّر، المصادر المعلومة والمظنونة والمحتملة الّتي استقى منها الإمام علي (ع) معرفته التاريخيّة.


39

التاريخ عند الإمام (ع) في المجال الوعظي، وفي المجال السّياسي الفكري

إستخدم الإمام عنصر التّاريخ في مجالين، أحدهما مجال السّياسة والفكر، وثانيهما مجال الوعظ.

وهنا يواجهنا سؤال هام:


40

لماذا يدخل الإمام عنصر التاريخ في أحاديثه الوعظية، أو في أحاديثه وخطبه و كتبه السياسيّة والفكريّة، أو في غير ذلك من مجالات توجيههِ كرجل رسالة وعقيدة وحاكم دولة ؟ لماذا التاريخ ؟

ونقول في الجواب على هذه المسألة الّتي تثير الشك حول جدوى التاريخ باعتباره مادة أساسية في البنية الثقافية للإنسان والمجتمع أو باعتباره عاملاً مساعداً في الأعمال الفكريّة الّتي تتناسب مع مادّة التاريخ... نقول في الجواب:

إِنّ الحياة الإنسانية لدى جميع الناس في جميع الأزمان والأوطان واحدة في أصولها العميقة، ومكوّناتها الأساسية، وحوافزها، فهي نهر متدفق من التجارب والآمال والإنجازات وخيبات الأمل، وهذا ما يجعل الأسئلة الّتي تثيرها مشكلات الحاضر حافزاً نحو استرجاع الماضي باعتباره عملاً مكمّلاً وضرورياً في البحث الصحيح الموضوعي عن أجوبة أكثر سداداً وحكمة تؤدّي إِلى حلول صائبة أو مقاربة للصواب للمشكلات الّتي تواجه الإنسان في حاضره، أجوبة معجونة بالتّجارب الإنسانيّة


42

السّابقة.

وقد يثير هذا التحليل حفيظة فريق من أهل الفكر المشتغلين بالسياسة، أو فريق من أهل السياسة يدعون لأنفسهم صلة بالفكر يرون - أولئك وهؤلاء - أنّ النزعة التاريخيّة، أو العقلية التاريخية (السلفية) تعيق نموّنا في الحاضر وتقدّمنا في المستقبل، لأنّها تشدّنا دائماً إلى الماضي، إلى قيمه وتصوّراته. إنّ التاريخ عند هؤلاء مرض يشوّه الحاضر ويقضي على المستقبل.

ولكن هذا الرأي بعيد عن الصّواب.

بطبيعة الحال نحن - في فهمنا لدور التاريخ كعامل مكوّن في البنية الثقافية للإنسان والمجتمع ومساعد في عمليات الفكر - لا ندّعي أنَ من الحكمة أنْ يجعل الإنسان نفسه سجين التاريخ، لسنا في فهمنا لدور التاريخ مع غلاة النزعة التاريخية الّذين يرون أنّ التاريخ هو الحقيقة كلّها، لا مرحلة من مراحل نمو الحقيقة التجريبية فقط. فهذا الموقف الفكري يتّسم بالغلو والشطط.

ولكن ليس من الحكمة أيضاً أنْ يواجه الإنسان حاضره ويتجه نحو مستقبله وهو بلا جذور، إنّه حين لا يستشعر تاريخه الخاص بأمته أو تاريخ الإنسانيّة يفقد القدرة على الرؤية الصحيحة، ويفقد القدرة على تقويم المواقف الّتي تواجهه في خاطره تقويماً سليماً سواء في ذلك ما يتعلق منها بالحاضر نفسه أو ما يتعلق منها بالمستقبل، إنّه في هذه الحالة يتحرّك في الفراغ.

لهذا وذاك نرى أنَّ الإستخدام المتّزن للتاريخ، الإستخدام المتّسم بالحكمة والإعتدال يجعلنا أقدر على التحرّك في حاضرنا وأكثر شعوراً بخطورة قراراتنا فيما يتعلق بشؤون المستقبل، لأن التاريخ في هذه الحالة يعمّق حِسَّنا الأخلاقي حين اتخاذنا قرارات مستقبلية تمسّ نتائجها حياة أجيال، نصنع بهذه القرارات - المستقبليّة بالنسبة إلينا - حاضرها هي الّذي هو مستقبلنا المظنون الّذي قد لا نشاركها فيه لاننا نكون حينئذٍ قد غادرنا الحياة، ومن ثمّ فلا نواجه نتائج قراراتنا الماضية.

بدون استرجاع الماضي وما يمنحنا ذلك من عمق في الرّؤية، وغنى في التجربة


43

الإنسانيّة ووعي لاستمرار الحضارة الإنسانيّة فينا وفيمن يأتي بعدنا من الأجيال - بدون ذلك لن يكون في وسعنا تفادي أخطاء وقعت في الماضي كما لن يكون من حقنا التمتع بنتائج تجارب ناجحة أنجزت فيه، كما أننا في هذه الحالة قد نتّخذ بالنسبة الى المستقبل الّذي لا نملكه وحدنا قرارات متهوّرة شديدة الخطورة بالنسبة إلينا وإلى وضعية ومصير الأجيال الآتية.

إنّ الغلوّ في استرجاع التّاريخ، فكراً وعملاً، قد يجعل من التّاريخ مقبرة للحاضر والمستقبل، ويجعل الإنسان غريباً في العالم الّذي يعاصره ويحيط به ويتدفّق بالحياة نحو المستقبل من حوله.

كما إنّ الغلوّ في رفض التاريخ، والإنقطاع عنه والإنصراف عن تجاربه ومآثره قد يجعل الإنسان «ريشة في مهبّ الريح» عاجزاً عن التماسك في الحاضر، ويفقده القدرة على ممارسة دوره الأصيل في بناء الحضارة ويجعل منه مجرّد ممثّل لأدوار يضعها الآخرون يعكس هو بتمثيله إراداتهم وأفكارهم وموجاتهم.

إذنْ لابدّ للإنسان من أن يتعامل مع التاريخ باعتدال يجعله دليلاً في حركته وتربة ينمو فيها الحاضر الأصيل والمستقبل الأكثر يمناً وأصالة.

واستجابة لهذه الضّرورة تعامل أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (ع) مع التّاريخ في مجال الوعظ وفي مجال السّياسة والفكر.

وأكبر همنا في هذه الدراسة هو التّعرف على النظرة التاريخية للإمام في مجالي السّياسة والفكر، مكتفين بالنسبة إلى المجال الوعظي ذي المحتوى التاريخي بتقديم نموذج واحد من النصوص الوعظية في كتاب نهج البلاغة، وتحليله مع تسليط الأضواء على الجانب التاريخي فيه.


47

التّاريخ في مجال الوعظ

حلّلنا في فصل (الوعظ) من كتابنا «دراسات في نهج البلاغة»1، مواعظ أمير المؤمنين علي (ع) في نهج البلاغة على ضوء الظروف السياسية والإجتماعية والنفسية الّتي كانت تسيطر وتوجه مجتمع العراق بوجه خاص في أيام خلافة الإمام عليه السّلام.

وكشفنا النّقاب هناك عن أنّ الإمام لم يكن في مواعظه داعياً إلى مذهب زهدي يقف موقفاً سلبياً من الحياة الدنيا والعمل لها والإستمتاع بها، وإنّما كان، في مواعظه وتوجيهه الفكري بوجه عام، يدعو إلى مواجهة الحياة بواقعية وصدق، محذّراً من اللّهاث المجنون وراء الآمال الخادعة والأحلام الكاذبة الّتي ليس لها في واقع الحياة سند ولا أساس.

وكشفنا النّقاب أيضاً عن أن النّظرة الشّائعة إلى مواعظ الإمام في نهج البلاغة قد تأثرت بالتّيار الزهدي السّلبي الّذي طبع المجتمع الإسلامي بطابعه في عصور الإنحطاط، وهو دخيل على الفكر الإسلامي وعلى أخلاقيات الإسلام وتشريعه، ولذا فإنّ هذه النظرة خاطئة لا تمثل مقاصد الإمام وأهدافه من المواعظ الّتي كان يوجّهها إلى مجتمعه.

1 . محمّد مهدي شمس الدّين: دراسات في نهج البلاغة (الطّبعة الثّالثة) بيروت ص 247.


48

والمواعظ الّتي استخدم الإمام فيها عنصر التّاريخ كغيرها من مواعظه في أنه لا يدعو فيها إلى مذهب زهدي سلبي من الحياة الدنيا، وإنّما يعالج بها حالة خاصة في مجتمعه الّذي بدا غافلاً عن مصيره التعس، مهملاً لواجباته في جهاد النفس وجهاد العدو، متلهفاً على المتع والثراء اللّذَين لا يستحقهما الا مجتمع مستقر أحكم وضعه الأمني والسّياسي والإجتماعي، وقطع دابر الطامعين فيه المتآمرين عليه، وهذا ما لم يكنه مجتمع العراق في عهد الإمام عليه السلام، بل كان مجتمعاً قلقاً يعاني من اضطراب أمنه الخارجي وتدهور أمنه الداخلي، كما يعاني من التمزّق السياسي، وكان - نتيجة لذلك - يؤجّج مطامع الحكم الأموي في الشام ويدفع به نحو التآمر عليه.

ونقدّم فيما يلي نموذجاً من النّصوص الوعظية الّتي يكون التاريخ عنصراً بارزاً وأساسيّاً فيها.

قال عليه السّلام:

«أمّا بَعْدُ، فَإنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإنَّهَا حُلوَة خَضِرَة، حُفَّتْ بِالشَّهواتَ، وَتحبَّبت بِالعاجِلةِ، وراقت بِالقليلِ، وتحلَّت بِالآمالِ، وتزيَّنت بِالغُرُور، لا تدُومُ حبرتُها1، ولا تُؤمَنُ فجعتُها، غرَّارة ضرَّارة، حائلة2 زائلة نافدة بائدة3، أكَّالة غوَّالة4، لا تعدُو - إذا تناهت إلى أُمنيَّةِ أهلِ الرَّغبةِ فِيها والرِّضاءِ بِها أَن تكُون كما قالَ اللهُ تعالى سُبحانهُ «﴿كماءٍ أَنزلناهُ مِن السماءِ، فاختلط به نباتُ الأرضِ، فأَصبح هشِيماً5 تذرُوهُ الرِّياح وكان اللهُ على كُلِّ شيء مُقتدراً»6، لم يكُنِ امرُؤ مِنها فِي حَبرةٍ اِلا أعقبتهُ بعدها عبرةً، ولم يلقَ فِي سرَّائها بطناً إلا منحتهُ مِن ضرَّائَها ظهراً7، ولم تطُلَّهُ فيها دِيمة8 رخاءٍ إِلا هتنت9 عليهِ مُزنةُ بلاءٍ. وحرِيّ إذا أَصبحت لهُ مُنتصرةً

1 . الحبرة: بالفتح - النّعمة.

2 . حائلة: متغيرة.

3 . نافدة: فانية.

4 . غوّالة: مهلكة.

5 . الهشيم: النبت اليابس.

6 . سورة الكهف (رقم 18 مكيّة) الآية: 45.

7 . البطن كناية عن إقبال الدّنيا، والظّهر كناية عن الإدبار.

8 . الطلّ: المطر الخفيف. والدّيمة: مطر يدوم في سكون لا يرافقه رعد وبرق.

9 . هتنت: إنصبّت.


49

أن تُمسِيَ لهُ مُتنكِرةً، وإن جانِب مِنها اعذوذبَ واحلولى أَمرَّ مِنها جانِب فأَوبى1 لا ينالُ امرُؤ مَن غضاريها رغباً2 إلا أرهقتهُ مِن نوائبِها تعباً، ولا يُمسِي مِنها في جناحِ أمنٍ إلا أصبحَ على قوادِمِ خوفٍ3. غرَّارةُ ما فِيها، فانية، فانٍ مَن عليها، لا خيرَ فِي شيءٍ مَن أزوادِها إلا التقوى.

«مَن أقلَّ مِنها استكثرَ مِمَّا يُؤمِنُهُ، ومَنِ استكثرَ مِنها استكثرَ مِمّا يُوبِقُهُ4، وزال عمَّا قلِيلٍ عنهُ».

«كم مِن واثقٍ بِها قد فجعتهُ، وذِي طُمَأنِينَةٍ إليها قد صرعتهُ، وذِي أُبهةٍ قد جعلتهُ حقِيراً5، وذِي نخوةٍ قد ردَّتهُ ذلِيلاً6.

«سُلطانُها دُوَّل7 وعيشُها ريق8، وعذبُها أُجاج9، وحُلوها صَبِر10، وغِذاؤُها سِمام11 وأسبابُها رِمام12.

«حيُّها بِعرضِ موتٍ، وصحِيحُها بِعرضِ سُقمٍ، وموفُورُها منكُوبٍ13 وجارُها محرُوب14.

«ألستُم فِي مساكِنِ من كان قبلكُم أطولَ أعماراً وأبقى آثاراً، وأبعدَ آمالاً، وأعدَّ عدِيداً. وأكثف جُنُداً ؟ تعبَّدُوا لِلدُّنيا أيَّ تعبُّدٍ، وآثرُوها أيَّ إيثارٍ، ثُمَّ ظعنُوا عنها بِغيرِ زادٍ مُبلغٍ، ولا ظهرٍ قاطِعٍ15».

1 . أوبى: صار كثير الوباء.

2 . الغضارة: النّعمة، والرّغَب: الرغبة، والمرغوب فيه.

3 . القوادِم: جمع قادِمة، ريش في مقدم جناح الطائر.

4 . يُوبِقهُ: يُهلكهُ.

5 . أبّهة: عظمة.

6 . النّخوة: الإفتخار.

7 . دُوَّل - بضم الدال - المنحول.

8 . الريق: الكدر.

9 . أجاج: شديد الملوحة.

10 . الصّبر: عصارة الشّجر المرّ.

11 . سمام: جمع سم، وهو مثلث السين.

12 . الرّمام: جمع رمّة - بالضم، القطعة البالية من الحبل، ومنه (ذُو الرّمّة).

13 . موفورها..: من كان عنده وفر (كثرة) من الدنيا معرض للمصائب والنّكبات.

14 . محروب: المحروب من سلب مالُه.

15 . ظهر قاطع: وسيلة تقطع براكبها الطريق بأمان وتبلغه غايته.


50

«فهل بلغكُم أنَّ الدُّنيا سخت لهُم نفساً بِفِديةٍ1 أو أعانتهُم بِمَعُونةٍ، أو أحسنت إليهِم صُحبَةً.. ؟ بل أرهقتهُم بالقوادِحِ2 وأوهقتهُم بِالقوارِعِ3 وضعضعتهُم بِالنَّوائبِ4، وعفَّرتهُم لِلمناخِرِ5، ووطِئتهُم بِالمناسِمِ6، وأعانت عليهِم ريبَ المنُون».

«فقد رأيتُم تنكُّرَها لِمن دان لها7 وآثرها وأخلدَ إليها8 حِين ظعنُوا عنها لِفِراقِ الأبدِ... أفهذِهِ تُؤثِرون ؟ أم إليها تطمئنُّونَ ؟ أم عليها تحرِصُون ؟ فبِئستِ الدَّارُ لِمن لميتَّهِمها، ولم يكُن على وجلٍ مِنها».

«فاعلمُوا - وأنتُم تعلمُون - بِأنكُم تارِكُوها وظاعِنُون عنها، واتَّعظوا فِيها بِالَّذِين قالُوا (من أشدُّ مِنّا قُوَّةً..)9 حُمِلُوا إلى قُبُورِهِم فلا يُدعون رُكباناً10. وأُنزِلُوا الأجداث فلا يُدعَونَ ضِيفاناً11، وجُعِل لهُم مِنَ الصَّفِيحِ12 أجنانُ13 ومِن التُّرابِ أكفان...

استبدَلُوا بِظهرِ الأرِضِ بطناً، وبِالسَّعةِ ضِيقاً، وبِالأهلِ غُربةً، وبِالنُّورِ ظُلمَةً...»14.

*

ركّز الإمام عليه السّلام في هذه الخطبة الوعظية - كما هو شأنه في معظم مواعظه - على عاملين ثابتين في طبيعة الحياة على هذه الأرض:

1 . لم تدفع عنهم الدّنيا بلاء الموت.

2 . أرهقتهم: أتعبتهم. والقوادِح: جمع قادح، مرض يصيب الأسنان والشجر. أراد به هنا المصائب والنكبات.

3 . الوهق: حبل تصطاد به الفريسة، والقوارع: المحن. أراد أنهم أسرى مشاكلهم المادية والإجتماعية.

4 . ضعضعتهم: جعلتهم قلقين، وحرمتهم الإستقرار وطنب العيش.

5 . عفرتهم: العفر التراب، مرغت آنافهم بالتّراب، كناية عن إذلالِهم.

6 . المنسم: خف البعير، كناية عن إذلالهم.

7 . دان: خضع.

8 . أخلد: إِطمأنَ.

9 . سورة فُصّلت (رقم 41 مكّيّة) الآية: 15.

10 . لا يُدعَونَ رُكباناً لأنّهم مقهُوُرون ولم يُحملوا مختارين. ولا يُدعون ضيفاناً لأنّهم يُقيمون في قبورهم.

11 . الاجداث: القبور.

12 . الصفيح: الوجه من كل شيء له مساحة، والمراد هنا الارض.

13 . أجنان: جمع جنن - بالفتح - القبر.

14 . نهج البلاغة - رقم الخطبة: 111.


51

1 - عامل التغيّر والتقلّب في الحياة:

الحياة بما هي حركة، وبما هي تفاعل، وبما هي طاقات وقوى تتفاعل فتتكامل أو تتقاتل في داخل كل شيء ومن حول كل شيء في الكون المادي كلّه - الحياة بما هي كل هذا متقلّبة متغيّرة متحوّلة باستمرار - هي في حالة صيرورة دائمة لا تستقر على حال ولا تثبت على وتيرة واحدة.

2 - عامل الزّمن:

أثر الزمن في الأشياء والأعمار ظاهر لكلّ ذي بصيرة، فالزّمن يفتت الحياة باستمرار، فما أن يبدأ وجود الحياة في شيء، بل ما أن يبدأ وجود شيء، حيّاً كان أو غير حيّ حتى يبدأ هذا الوجود بالذّوبان والتّفتّت والضّياع. إنّ الحياة تولد في الزّمن. ولكنّ الزّمن يغتالها باستمرار.

وهذان العاملان - التّغيّر والزمن - لا يختصان بعالم الإنسان وحده، إِنّهما يعملان في كلّ شيء ويحُولانِ دون ثبات كل شيء: الجماد، والنّبات، والحيوان، والإنسان. ويتميّز الإنسان - بالنسبة إليهما - عن العوالم الأخرى بأنّه - لما أوتي من عقل وإدراك - يستطيع أن يعي الوجه المأساوي لعمل هذين العاملين، وأثرهما في حياته وفي الوجود من حوله.

ووعيُ الإنسان لهذين العاملين وأثرهما في الحياة والأشياء يجعله قادِراً على مواجهة الحياة ومباهجها الموقتة، ووعودها السّخيّة، وآمالها اللامعة. بعقل صافٍ خالٍ من الأوهام، ويعزّز فيه النّزعة الواقعية في أخذ الحياة والتعامل مع الدّنيا - هذه النّزعة الّتي من شأنها أن تجعل الآمال أقل بريقاً وجذباً واستهواءً، والإنتصارات أقل مدعاة للغرور والصلف، والمآسي أقل إيلاماً. ويعزّز مناعة الإنسان أمام تكالب صروف الدهر، وخيبات الأمل وضياع الجهود، ونوازل المرض والموت... فلا ينهار بسبب ذلك ولا ييأس ولا يستسلم، ولا يستكين ولا يهرب من العمل، وإنّما ينبعث للعمل والكفاح في سبيل نفسه وأهله ومجتمعه وعالمه من جديد لأنّه لم يفاجأ بالخيبة والإخفاق، بل كان مهيء النفس لتقّبلهما ومن ثم فقد كان مهيء النفس لتجاوزهما، واستئناف


52

العمل مرة أخرى بأملٍ واقعي جديد.

بالإجمال: إنّ وعيَ الإنسان لهذين العاملين، وإدراكهُ لأثرهما العميق والمصيري في حياته وفي الوجود من حوله يجعله قادِراً على مواجهة الحياة بكلّ وجوهها وما فيها من حسن وقبح، وألم ولذّة، وواقع وخيال، ونجاح وإخفاق ... يواجهها بروح واقعية.

وحين يدخل الإمام عليه السّلام في وعظه عنصر التاريخ فيتحدّث عن الماضين وما حلّ بهم من كوارث وآلام وما انتهت إِليه حياتهم على عظمة توهجها من انطفاء فإنه يقدّم لتحليله النظري الّذي تناول واقع حياة معاصريه الّذين يخاطبهم - يقدّم نماذج تطبيقيّة من حياة أقوام آخرين .. إنّه يقدّم لمعاصريه تجربة الآخرين الّتي يعرفونها، ويبعثون حياتهم في ساحاتها، ويرون آثارها الباقية من الماضي في هذه الساحات.

فهذه المدن والمساكن، وهذه الضياع والمزارع، وهذه القلاع والحصون عمرها في عصور سابقة أناس تقلبت بهم صروف الحياة وأفراحها وأحزانها، والآمال الّتي سعدوا بإنجازها وخيبات الأمل، ثم ماتوا وانقطعوا عن كل ما كان يملأ عليهم حياتهم من أحلام وأماني. ومطامح ومطامع، وحب وبغضاء، وصداقات وعداوات...

وكان هؤلاء أطول أعماراً، وأكثرُ قوةً .. «وأعد عديداً»، وقد وجّهوا كل ما أوتوا من قدرة وذكاء ومعرفة لدنياهم، فأعدوا لها واستعدوا، ولم يشغلهم عنها تفكير بالآخرة أو عمل لها، ولكن كلّ ذلك لم ينفعهم ولم يعد عليهم بطائل، لأنَّ عامل التغيّر والتقلّب من جهة وعامل الزمن من جهة أخرى، عملا دائماً - كما لا يزالان يعملان، وكما سيعملان في المستقبل - على تفتيت حياة أولئك الناس، وكانت حياتهم - كما هي الحياة الآن، وكما ستبقى الحياة - تحمل في جوهرها وفي أعماقها أثناء ولادتها ونموها وازدهارها بذور تقلصها وذبولها وأنطفائها في آخر المطاف.

*

هذا نموذج من وعظ الإمام عليّ الّذي يدخل فيه عنصر التاريخ باعتباره يُضيء الحاضر لأنه يضيف إِليه تجربة الماضي ويجعله - بذلك أكثر غنى، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهته بروح واقعية وبعقل خالٍ مِنَ الأوهام، فلا يهن ولا يستسلم تحت وطأة الكارثة، ولا يطغى ولا يطوّح به الغرور وهو في ذرى النجاح.


53

التّاريخ في مجال السّياسة والفكر

54
تمهيد

إستخدام الإمام التّاريخ في مجال الفكر كما استخدمه في مجال السّياسة.

كان رجل رسالة هي الإسلام، رسالة استوعبت الحياة كلّها: تنظيماً وتشريعاً ومناهجَ. وهي رسالة ذات طابع عالمي، ممتدة في الزّمان إلى آخر الزمان، أراد اللّه تعالى لها أن تكون ديناً للإنسان كلّ إنسان، تقوده نحو التكامل الّذي يحقّق له التّوازن والتّسامي.

وهي رسالة تقوم على العلم والمعرفة، وترفض الجهل لأنه يتيح لأعدائها أن يتسلّلوا في ظلماته إلى قلوب أتباعها المؤمنين بها وعقولهم فيشوهون ويحرفون عقائدها وشرائعها ومناهجها، ويضلّلون بعد ذلك أتباعها المؤمنين بها وذلك حين يلبسون لهم الحق بالباطل والصواب بالخطأ.

ومن هنا كان من أكبر هموم رجل الرسالة الإستعداد الدائم في هذا المجال، لأجل أن يجعل المسلمين على معرفة كاملة بالإسلام، وفي حالة وعي متجدّد ونام لحقيقة الإسلام وجوهره ومناهجه وغاياته ليكون المسلم المستنير بالمعرفة في حصانة من الحيرة والتضليل، على بيّنة من أمره، وليكون الإسلام بمنجاة من التشويه والتحريف، ويكون كل مسلم مستنير ديدباناً على دينه الّذي هو معنى وجوده وشرف وجوده.

ومن هنا كان عليّ عليه السلام في حركة تعليمية دائمة لمجتمعه وخواصّ أصحابه


56

الذين كانوا علماء ينشرون علمهم ووعيهم بين الناس بالحديث والخطابة وحلقات الدرس والتعليم.

وكان الإمام عليه السلام يختار ولاته وعمّاله على البلدان من ذوي المعرفة ومن أهل البصائر1. الّذين يتمتعون بالمعرفة والوعي والصلابة في العقيدة ليكونوا - الى جانب عملهم الإداري - معلّمين ورجال رسالة، وكان يوجههم نحو هذه المهمة التعليمية والتوجيهية. من ذلك ما كتب به إلى قثم بن العباس عامله على مكة:

«أمَّا بَعدُ، فَأقِم للِنّاس الحَجَّ، وَذَكِّرهُم بِأيامِ اللهِ2، وَاجلِس لَهُم العَصرَينِ3، فَأَفتِ المُستَفِتَي، وَعَلِم الجاهِلَ، وَذاكِرِ العالِمِ»4.

*

وفي عمله الفكري على صعيد التعليم والتوعية استعان الإمام عليه السلام بعنصر التاريخ ليعطي للفكر حرارة وحياة وحركة، وعمقاً في الزمان وفي الإنسان، وليجعل، بهذا، من القضية الفكرية بضعة من الحياة المعاشة تحمل في ثناياها رائحة المعاناة الإنسانية.

*

(1) «أهل البصائر» تعبير إسلامي يعود إلى صدر الإسلام، يعني به المومنون الواعون الّذين يتخذون مواقفهم السّياسّية وغيرها نتيجة لقناعات مستوحاة من المبدأ الإسلامي، ولا تتصل بالإعتبارات النفعية.

ومن المؤكد أنَّ هذا التعبير غدا في وقت مبكر جداً مصطلحاً ثقافياً إسلامياً يعني: الفئة المؤمنة الواعية للإسلام على الوجه الصحيح، والملتزمة بالإسلام في حياتها بشكل دقيق، بحيث أنّها تتخذ مواقف مبدئية من المشاكل الاجتماعية والسّياسّية الّتي تواجهها في الحياة والمجتمع، فلا تصغي إلى الإعتبارات الشخصية والقبليّة كما أنها لا تقف على الحياد أمام هذه المشكلات، وإنّما تعبّر عن التزامها النظري بالممارسة اليومية للنضال ضد الإنحرافات.

راجع بحثاً مفصلاً عن هذا الموضوع في كتابنا «أنصار الحسين: الرّجال والدلالات» - الطّبعة الأولى - دار الفكر - سنة 1975/ فصل «النخبة» ص 165 - 170.

2. «أيام اللّه» مصطلح ثقافي إسلامي، يغلب استعمالُه للدّلالة على الكوارث الكبرى الّتي أصابت الشعوب والجماعات نتيجة لانحرافها في العقيدة والشريعة والأخلاق، وقد يستعمل للدّلالة على الإنتصارات الكبرى التي أحرزها المؤمنون فغيّرت مجرى التاريخ أو مجرى تاريخ جماعة مؤمنة أو شعب مؤمن.

3. العصران: هما الغداة والعشي.

4. نهج البلاغة - باب الكتب/ الكتاب رقم 67.


57

وكان الإمام رجل سياسة.

كان سياسيّاً على مستوى رجل الدولة ورجل العقيدة والرسالة طيلة حياته. ملأ العمل السياسي حياته في عهد النبي (ص) بتكليف منه، وفي عهود الخلفاء الذين تقدّموه لحاجتهم إِليه أو لحاجة الناس إِليه. وكان - بالإضافة إِلى ذلك - حاكماً ورئيس دولة في السّنين الأخيرة من حياته.

وكان الإمام بهذين الإعتبارين في حاجة دائمة إِلى أن يُعطي لأمته ولأعوانه التوجيهات السّياسيّة اللاّزمة. وكان في بعض هذه التّوجيهات يستعين بعنصر التاريخ لُيضيء الفكرة السّياسّية الّتي يقدّمها، وليُعطي توجيهه السياسي صدقاً واقعياً إضافة الى الصدق النظري... صدقاً واقعياً يوفّر للتوجيه السياسي حرارة ووهجاً. إِنه بهذا العمل «يؤنس» التوجيه السياسي، ويجعله بحيث يخالط القلب كما يوجّه العقل.

التّاريخ في مجال الفكر

تمهيد

التّفكر هو التّأمّل، والفِكر - بالكسر - اسم منه، وهو يستعمل - حسب ما ذكره علماء اللّغة - للدّلالة على معنيين:

أحدهما: القوّة الموّدعة في الدّماغ، الّذي هو مركز، التفكير وإن كان علينا أن نعترف بأنّ لوضعية أعضاء أخرى في الجسم من حيث الصحة والمرض دخلاً في عملية التفكير. والفكر - بهذا المعنى - اسم لآلة التفكير.

ثانيهما: أثر التّفكّر، وهو ترتيب أمور في الذهن تتولّد منها معرفة جديدة، أو تؤّدي إلى تعميق وتوسيع معرفة قديمة. والفكر - بهذا المعنى - اسم لفعل التّفكير أو لعملية التّفكير.

هذا هو المعنى اللّغوي لكلمة تفكّر وفكر مع شرح وتوضيح.

وثمّة معنى ثالث لهذه الكلمة غلب استعمال اللّفظ فيه في العصور الأخيرة، ولعلّه دخل العربية من الإستعمالات الأوربّيّة، وهو نفس الأفكار والمعلومات الّتي يجعلها الفكر - بالمعنى الأوّل - موضوعاً لعمله - الفكر بالمعنى اللّغوي الثاني -، فيقال: مثلاً، الفكر الإسلامي، والفكر المسيحي، والفكر الماركسي، والفكر الدّيني، فالفكر المادي... يراد من ذلك الأفكار والمناهج والمعلومات الّتي يتشكل منها ويتقوّم بها مذهب أو فلسفة أو دين.


62

والمقصود ببحثنا هنا هو هذا المعنى لكلمة فكر.

*

والفكر في الثّقافة الّتي تقوّم شخصية كلّ أمة على قسمين: فكر حيّ، وفكر ميّت، والأوّل هو ما يطلق عليه لفظ (فكر) في عصرنا الحاضر، والثاني هو ما يطلق عليه في عصرنا الحاضر مصطلح (تراث).

*

والتّراث في أصل اللّغة: الميراث. وقد وردت كلمة (تراث) في القرآن الكريم مرّة واحدة في قوله تعالى في خطاب المشركين:

«﴿... وَتأكُلُونَ التُّراثَ أكلاً لمّاً ...»1.

وقد استعملت كلمة «ميراث» في اللّغة العربية في المادّيات والمعنويّات. أمّا استعمالها في المادّيات فأمثلته كثيرة ظاهرة. وأمّا استعمالها في المعنويّات فقد ورد في القرآن الكريم في عدة مواضع، هي الآيات التالية:

1 - «﴿.. فَخلَفَ مِن بعدِهِم خلف ورِثُوا الكِتابَ يَأخُذُونَ عرَضَ هذا الأدنى ويقُولُون سيُغفَرُ لَنا ...»2.

2 - «﴿... ثُمَّ أورَثنا الكِتابَ الّذِين اصطفينا مِن عِبادِنا: فمِنهُم ظالِم لِنفسِهِ، ومِنهُم مُقتصِد، ومِنهُم سابِق بِالخيرات بِإذنِ اللهِ ...»3.

3 - «﴿... وإنَّ الّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بعدِهِم لَفِي شكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ»4.

وقد استعملت هذه الكلمة في السّنّة في المعنويّات أيضاً كما فيما رُوي عن الإمام الصادق (ع) أنه رواه عن رسول اللّهِ (ص):

1 . سورة الفجر (مكيّة) رقم 89 - الآية 19.

2 . سورة الأعراف (مكيّة) رقم 7 - الآية 169.

3 . سورة فاطر (مكيّة) - رقم 35 - الآية 32.

4 . سورة الشورى (مكيّة - رقم 42) الآية: 14.


63

«... إنّ العُلماءَ ورَثةُ الأنبياءِ. إنّ الأنبياء لم يُورِّثِوا دِيناراً ولا دِرهماً، ولكِن وَرَّثوا العِلمَ، فمَن أخذَ مِنهُ أخذَ بِحظٍّ وافرٍ»1.

وقد وردت مادة (و. ر. ث) في نهج البلاغة في مواضع كثيرة بصيغة الفعل الماضي والفعل المضارع، وبصيغة الإسم (ميراث، تراث) وغيرهما، واستعملت في المادّيّات والمعنويّات، فمن استعمالها في المعنويّات قوله: «لا مِيراثَ كالأَدبِ ..»2 و«... العِلمُ وِراثَة كرِيمة ...»3. واستعملها في المعنويّات في السلطة السياسيّة في قوله: «إن بنِي أُميَّةَ ليُفوِّقُونني تُراث مُحمّدٍ صلّى اللّه عليه وآله تفوِيقاً ...»4 وقوله: «فصبرتُ وفِي العينِ قذىً ... أرى تُراثِي نهباً ...»5.

*

وعلى ضوء هذه الإستعمالات يمكن أن يقال أنّ التراث أو الميراث - بمعناه العام، لا بمعناه الإصطلاحي الفقهي - هو كلّ ما يخلفه سابق في الحياة لِلاحق له في الزّمان، مهما بعد الزّمان بالمورّث، سواء في ذلك المادّيّات والمعنويات.

وإذن، فما يقع عليه اسم التراث أو الميراث شيء لم يكن في حوزة الوراث وإنّما انتقل إليه من غيره. وهو قد يكون في حاجة اليه وقد لا يكون في حاجة إليه. ومع كونه في حاجة إليه فقد يعي حاجته إليه ويستعمله وينتفع به، وقد يعي حاجته إليه ولكنّه ينصرف عنه لسبب أو لآخر، وقد لا يعي حاجته إليه فيهمله ولا يعني به إلا باعتباره أثراً من الآثار الّتي تتّصل بأحبّته وأهله الماضين ربّما تكون له قيمة عاطفية ولكن ليس له قيمة عملية في حياة الوارث.

وهذا يعني أنَّ التراث أو الميراث ليس - بالضرورة - جزءاً مقوّماً للحياة الحاضرة تفسد بدونه لأنّه يشغل فيها حيزاً مهماً وأساساً، ويسدّ فيها حاجات ملحّة لا غنى عنها، وإنّما

1 . محمد بن يعقوب الكليني: الكافي ج 1 ص 34.

2 . نهج البلاغة، باب الحكم، رقم 54 و113.

3 . نهج البلاغة، باب الحكم، رقم 5.

4 . نهج البلاغة - الخطبة رقم 77.

5 . نهج البلاغة - الخطبة رقم 3.


64

قد يكون الأمر فيه هكذا، وقد يكون - في نظر الوارث - شيئاً يحسن أن يقتنى ويستعمل ولكن فقده لا يغير شيئاً من وضع الحياة الحاضرة ولا يدخل نقصاً هاماً فيها. وقد يكون في نظر الوارث ذا قيمة عاطفيّةٍ محضة لا يؤثّر فقده أبداً. وقد يكون في نظر الوارث عبأً على الحياة ومعوقاً لنموها ومانعاً من ازدهارها، ولذا فهو يسعى إلى نبذه والتخلص منه والبراءة من آثاره.

هذا تحليل لمفهوم التراث أو الميراث في اللّغة العربية - بمعناه العام لا بمعناه الإصطلاحي الفقهي الخاص.

وقد استعملت كلمة التراث في اللّغة العربية في العصور الأخيرة على ألسِنة الباحثين والأدباء والمفكرين للدّلالة على آثار الفكر الإسلامي في السّنّة وعلومها، والفقه وأصول الفقه، والتاريخ، والأدب، والفلسفة: وما إلى ذلك من الآثار الفكرية الّتي خلّفها المسلمون باللّغة العربية.

ذاك هو الفكر، وهذا هو التراث.

*

والفكر، في المفهوم الحضاري - إذن هو المعلومات والشرائع والمناهج والقيم الّتي تقوّم شخصيّة الأمة الثقافية والحضارية، وتُعطيها سمتها المميّزة لها عن الأمم الأخرى، ويرسم لها دورها في حركة التاريخ.

إنّ هذه المعلومات والشرائع والمناهج والقيم تشكّل عقل الأمّة وروحها وضميرها. وهي تنظر إلى الكون والحياة والإنسان والأمم الأخرى من خلال هذه المعلومات والشرائع والمناهج والقيم، وتواجه مشاكلها ومسائل حياتها على ضوء الحلول والمواقف الّتي يحميها هذا الفكر. وإنتاجها العقلي النظري كلّه يكون مطبوعاً بطابع هذا الفكر، محتوياً روحه، ومستهدياً بالنور الّذي يشعّه...

مثلاً: الماركسيّة هي فكر العالم الشيوعي. فهي تشكّل عقل شعوبه وروحها وضميرها، وهي تميّز هذه الشعوب عن العالم الرّأسمالي بالسّمات الّتي تطبع بها طريقة الحياة لدى هذه الشّعوب. كما إنّ النتاج الثقافي النظري لهذه الشّعوب مرسوم


65

بالطّابع الخاص للماركسية، بل لقد طمح المنظرون السوفيات إلى طبع النظريات العلميّة الّتي تفسّر بها المادّة بالطابع الخاصّ للماركسيّة: هذا في العصر الحديث.

وقد كانت المسيحيّة في القرون الوسطى وما قبلها بالنّسبة إلى أوربا على هذه الشاكلة.. كما كانت الكونغو شيوعية بالنّسبة إلى الصين.. والهندوسية بالنّسبة إلى الهند، والزّردشتية بالنّسبة إلى إيران، والإسلام بالنسبة إلى العالم الإسلامي منذ ظهور الإسلام وإلى يومنا هذا..

ولكلّ فكر بؤرة يرتدّ اليها كل شيء باعتبارها مقياساً للصدى والأصالة والإستقامة، وينطلق منها كلُّ شيء باعتبارها الذّخر الأكبر للأصول الأساس في التكوين الثقافي للأمة.

مثلاً: كتاب رأس المال للماركسيّة والشيوعيّة، والإنجيل والتوراة للمسيحيّة، والبهاجافاد - جيتا للهندوسية، والقرآن للإسلام. والآوستا للزردشية .. وهكذا يكون لكل فكر مركز أساس يتضمّن الخطوط الكبرى والمبادئ المركزية لذلك الفكر.

هذا هو الفكر في المفهوم الحضاري.

*

أمّا التّراث في المفهوم الحضاري فهو مجرد ثقافة ومعرفة نظرية لا تبلغ في أكثر الأحيان ومعظم الحالات أن تبلغ مستوى كونها فكراً بالمعنى الّذي شرحناه آنفاً، ولنقل: التّراث فكر ميّت.

إنّ التراث لا يدخل في صلب ثقافة الأمّة الّتي تغذي عقلها العملي وفعاليّتها وحركيّتها في مجرى التاريخ ، ولا يقوّم وجودها، ولا ينير طريق حياتها، ولا يميّزها عن غيرها من الأمم، وبالإجمال: كلّ ما هو دور إيجابي للفكر في الأمة منفي عن التّراث. إنّ التّراث شيء من بقايا الآباء والأجداد، كان صالحاً لحياتهم فهو يمثّل هذه الحياة الماضية وأساليبها وألوانها، ولكنّه لا يصلح للحياة الحاضرة، أو لا يصلح أكثره للحياة الحاضرة، وإذا احتفظنا به ودرسناه وأقمنا له المؤسسات فليس لأجل أن نُقيم عليه حياتنا ونقوّم به شخصيتنا كأمّة، وإنما ذلك لما تربطنا به من صلات عاطفية، أو لأنه


66

يمثّل حلقة هامّة في تاريخ نموّنا، إنّ له قيمة عاطفية وقيمة أكاديميّة (نظرّية)، وليست له قيمة عملية، أو إنّ أكثره كذلك. ونحن ندرسه، ونحققه وننشره، ونحفظه لنعرف كيف كنا لا لنعرف كيف نكون ؟ ولنرى صورتنا القديمة لا لنرسم صورتنا الحاضرة أو لنرى كيف تكون صورتنا المستقبلة. إن التراث، في أحسن الحالات، شيء من أشياء القلب والعاطفة، وليس من أشياء العقل والعمل.

هذا هو التراث في المفهوم الحضاري.

*

وهنا أودّ أن أُثير مسألة شديدة الخطورة وذات أهمّيّة بالغة جدّاً بالنّسبة إلينا نحن المسلمين في هذا العصر، وهي أنّ الكثرة الساحقة من المسلمين المتعلمين والمثقّفين على مناهج الغرب وأساليبه ينظرون إلى الإسلام - بما هو ثقافة ونظام وحضارة - ويتعاملون معه على أنه تراث، أي فكر ميت، لا على أنّه فكر.

أمّا الكثرة الساحقة من المسلمين فهُم بحمدِ اللّه ونعمته لا يزالون يتعاملون مع الإسلام على أنّه فكرهم (لا تراثهم) وهم يحرصون ما وسعهم الحرص على أن يقيموا حياتهم على هدى أحكامه وقيمه، وإن كان علينا أن نعترف أنّ الحياة الحديثة كثيراً ما تضطرّ الكثير منهم إلى تجاوز أحكام الإسلام، أو تغريهم بتجاوزها، لأنها حياة قائمة على غير الإسلام، وتستمدّ مفاهيمها الفكرية، وقيمها الأخلاقية، ومقاييسها الجمالية، وأفكارها العمليّة من غير الإسلام. ولكن هذه الكثرة الساحقة من المسلمين لا تزال تعتبر الإسلام - كما قلنا - (فكرها) وإن تجاوزته اضطراراً أو تهاوناً في الكثير أو القليل من شؤون حياتها. إنه عقيدتها، وشريعتها، وقيمها.

ونعود، بعد هذا الإستطراد، إلى شرح موقف المسلمين الّذين يتعاملون مع الإسلام على أنّه تراث لا فكر.

هم يرون أنّ الإسلام - لا بما هو عقيدة - وإنّما بما هو شريعة وقيم، فكر عصر مضى، وأنّه بالنسبة إلى عصرنا هذا - حيث تشكّل حياتنا الحضارة الحديثة، ومناهجها في التشريع، وقيمها - مجرّد تراث، يمثّل مرحلة سابقة في نموّنا تجاوزها تطوّر التاريخ، فليس


67

لنا والحال هذه أن نعتبره (فكرنا) أنّه (تراثنا) مبعث فخر لنا، موضوع حبنا وتقديرنا، ولكنّه لا يصلح لأن يشكّل حياتنا، ويكون موضوع عملنا الّذي نبني عليه مناهجنا ونستمدّ منه قيمنا.

والمفكرون العرب المحدثون المعنيون بقضايا النهضة العربية كثيراً ما يستعملون في التعبير عن الإسلام أو عن هذا الجانب أو ذاك من جوانب الفكر الإسلامي كلمة (تراث)1 ذاهبين إلى أنّ هذا (التراث الإسلامي) ليس شأن عصرنا وليس شأن الإنسان العربي في هذا العصر، وإنّما هو شأن السلف وقد ورثناه عنهم، ومن المؤكّد أنّه ليس من الصالح ولا من الراجح أن نأخذه كلّه لنتمثّله في حياتنا مناهج وتشريعات وقيماً لأنّه معطّل معوّق لنموّ هذه الحياة المعاصرة وازدهارها، ولكن هل ننبذه كلّه فلا نعني بشيء منه، ونحفظه كأثر من آثار تاريخنا، أو نخضعه لمقياس انتقائي نأخذ بموجبه من هذا (التراث) ما يتفق مع حياتنا الحاضرة «والفكر المعاصر» وننبذ من هذا (التراث) ما لا يتوافق مع هذا (الفكر المعاصر) أو يخالفه.

ولكنّ هؤلاء المفكرين على خطأ فادح في هذه المسألة الهامة، بل المصيريّة لا بالنسبة إلى العرب وحدهم، بل بالنسبة إلى المسلمين جميعاً.

إنّ الإسلام لا يزال حتى الآن «فكر» المسلمين، والعرب منهم، وسيبقى فكر المسلمين جميعاً. ولم يبلغ الإسلام في قلوب وعقول المسلمين درجة من الضّمور والتقلص أو الإندثار والنّسيان بحيث يكون «تراثاً» يحتاج إلى «إحياء» كالّذي حدث في أوروبا في عصر النّهضة بالنّسبة إلى التراث اليوناني - الروماني.

إنّ الإسلام لا يزال «حياً» مملوءاً بالحياة في قلوب وعقول المسلمين، ولا يزال قادراً على «تحريك» مئات الملايين من المسلمين في جميع أنحاء العالم نحو أهدافه العظيمة

1 . نشير هنا إلى أنّ بعض دُور النشر الكبرى في بعض البلاد العربية، ومنها ما هو تابع لمؤسسات ثقافية رسميّة، نشر كتباً في الفكر الإسلامي تحت عنوان (تراثنا) أو (سلسلة التراث) وغير ذلك من العناوين. هذا وعلينا أن ننبّه هنا إلى أنّه ليس كلّ من استعمل كلمة (تراث) في الدّلالة على الفكر الإسلامي يحمل على الفكر الإسلامي هذه النظرة، فثمة مفكرون وباحثون مسلمون مخلصون استعملوا كلمة (تراث) في الدّلالة على الفكر الاسلامي دون أن يقصدوا بها موقفاً فكرياً من (الفكر الإسلامي) يضعه في (التراث) بالمعنى الحضاري، وإنّما قصدوا بالتعبير مجرّد الدّلالة اللّغوية.


68

النبيلة، وإذن فهو لا يزال «فكر» هذه المئات من الملايين من البشر، وإنّما لا «يحركها» أو «لا تتحرك» وفقاً لمناهجه بسبب وجود الموانع الخارجية القاهرة والمعوّقات الشالّة لحركة المسلمين من خلال إسلامهم، وهي قوى الحضارة المادّية الّتي استعمرت بلاد المسلمين وأقصت الإسلام عن مركز القيادة وحلّت محله في هذا المركز.

وإذن، فالإسلام ليس «تراثاً» ميتاً نختلف على «إحيائه» «وعدم» «إحيائه» أو «إحياء» بعضه ممّا يتلاءم مع عصرنا كما يقولون... إنّه «فكر حيّ» وما يدعوننا إليه هو «إماتة هذا الفكر الحيّ» لإحلال فكر آخر غريب محله هو فكر الحضارة المادّيّة.

وقد أفلحت قوى الحضارة المادّيّة لا في «إماتة الإسلام» فهو لا يزال حيّاً كما قلنا، ولكن في فرض نفسها على حياة المسلمين الّذين يحملون في قلوبهم وعقولهم إسلاماً حيّاً قادراً على التحريك ولكنه «ممنوع عن التحريك» وليس «عاجزاً» عنه.

واستمرار مفكرينا المتأثرين بهذه الحضارة المادّيّة في جهودهم لفرضها على واقع حياة المسلمين وعزل الإسلام عن هذه الحياة لن يؤدّي إلى (إماتة الإسلام) كما لن يؤدّي إلى «تحرير» المسلم أو «العربي»، وإنَّما يؤدّي إلى مزيدٍ من التمزق الدّاخلي والأزمات الحضارية لإنسان ينقسم على نفسه، موزع الذّات بين ضرورات حياته اليومية وبين قناعاته العقلية والنفسية والأخلاقية والعاطفية. وهذا ما يؤدّي - كما أدّى بالفعل في العالم الإسلامي كلّه ومنه العالم العربي - إلى فقدان الفعالية والإيجابية في مواجهة تحدّيات الحياة، ويؤدي من ثمّ إلى مزيد من التّخلف والعجز عن مجاراة حركة التقدم لدى الأمم الأخرى وهكذا يسيء هؤلاء المفكرون من حيث يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، فبدلاً من إتاحة الفرصة أمام الإنسان العربي للتغلّب على مصاعبه وعوامل تخلّصه يضيف هؤلاء المفكرون سبباً آخر للتخلف يزيد الأمر سوءاً لأنّه يقدم تحت شعار التقدم، وهكذا يكون حال الإنسان العربي في هذه الحالة حالة القطّ الّذي يلحس المبرد الذي يغري لسانه وينزف دمه وهو يحسب أنّه يغذي نفسه بالمبرد الذّي يغريه في حقيقة الحال.

*


69

رأينا أن نقدّم للبحث عن التّاريخ في مجال الفكر عند الإمام علي (ع) بهذا التمهيد لشعورنا العميق بخطورة هذه المسألة، وموقفنا من الفكر الإسلامي، وضرورة تصحيح النظرة السائدة إلى هذا الفكر الذي ملاك وجودنا كلّه.

1 - النّبوّات

أ - بداية العصر التّاريخي للإنسان:

يبدو لنا من كلمات أمير المؤمنين علي (ع) أنّ العهد التاريخي للإنسانية بدأ بظاهرة وجود النبوّات في المجتمع البشري. هذه النبوّات الّتي تقود مجتمعاتها نحو حياة أفضل، ووجود إنساني أكمل.

ما قبل التاريخ، إذن، بالنسبة إلى الإنسانيّة، هو ما قبل النبوّات، حيث كانت الإنسانية تعيش في حالة البراءة الفطرية، وكانت النفس الإنسانيّة لا تزال عذراء ساذجة، بدائية، خالية من أيّ تعليم... ولذا فلم تكن لدى الإنسانية في فترة ما قبل التاريخ هذه تجارب ومعاناة يعود عرضها بالفائدة التعليميّة والتربويّة لمجتمع متحضر، تامّ التكوين، على درجة عالية من التعقيد، يفترض فيه أنّه يبنى على هدى خاتمة الرّسالات، وخلاصة النبوّات، وهو مجتمع الأمة الإسلامية.

ولذا لا نجد في جميع الكلام الصادر عن أمير المؤمنين حديثاً عمّا قبل عهد النبوّات، ومن هنا استنتاجنا أنّه يعتبر إشراق النبوّة وظهور الأنبياء في المجتمعات البشريّة بداية العصر التاريخي للبشرية.

وقد بيّن اللّه تعالى في القرآن الكريم تاريخ بداية عهد النّبوّات في المجتمع البشري فقال سبحانه وتعالى:

«﴿كَانَ النّاسُ أمّةً واحِدةً، فبَعثَ اللهُ النّبِيِّين مُبشّرِين ومُنذِرين، وأنزَلَ معهُمُ الكِتابَ بِالحقِّ


72

لِيحكُم بينَ النّاسِ فِيما اختلفُوا فِيهِ، وما اختلفَ فِيهِ إلا الذِين أُوتُوهُ مِن بعدِ ما جاءتهُمُ البَيّناتُ بغياً بينهُم، فهدَى اللهُ الّذيِنَ آمنوا لِما اختلفُوا فِيهِ مِن الحقِّ بِإذنِهِ، واللّهُ يهدِي مَن يشاءُ إلى صِراطٍ مُستقِيمٍ»1.

«﴿كانَ النّاسُ أمةً واحِدةً»... كان إنسان ما قبل التّاريخ، ما قبل النّبوّات يحيا في وحدة فطرية قائمة على أساس وحدة المصالح ووحدة الدّم من جهة، وعلى عامل سلبي من جهة أخرى هو عدم وجود ما يهدد حالة السكون والخمود الّتي تميّز هذه الحياة نظراً لبساطة الحاجات وتوفّر ما يلبيها ويشبعها في الطبيعة دون حاجة إلى مغالبة وصراع.

ولكن حركة الحياة النامية المتصاعدة، وتزايد عدد أفراد النوع، وتفاوت القدرات العقلية والجسمية... كل ذلك وما يشبهه من عوامل الإنقسام والتعقيد أدّى إلى نشوء خلافات داخل الجماعة البشرية النامية، ومغالبة وصراع بين أفرادها وفئاتها... وربّما كان من مظاهر ذلك أو أوّل مظهر من مظاهر ذلك خلفّيات الجريمة الأولى بين ابنَي آدم حيث قتل أحدهما أخاه، وقد قصّ اللّه تعالى نبأهما في القرآن الكريم2، وتردّدنا في أنّ هذه الجريمة هي من مظاهر ذلك أو أنّها أوّل مظهر من مظاهر ذلك ناشئ من وجود احتمال أنّ «آدم» القرآني لا يمثّل بداية الجنس البشري على الأرض، وإنّما يمثّل بداية النسل البشري الموجود الآن، ويكون، على هذا، قد وجد نسل سابق على النسل الموجود الآن من بداية يمثّلها آدم سابق على آدم القرآني، واللّه تعالى أعلم وعلى هذا تكون آية سورة البقرة (213) موضوع البحث تؤرخ لفترة من عمر البشريّة سابقة على الفترة التي بدأت بآدم القرآني.

وعلى أيّ حال، ففي هذه المرحلة من نموّ الإنسان لم تعد وحدة الدم كافية لتكوين وحدة المجتمع، ولم تعد ثمّة مصالح واحدة أو متّفقة، ولم تعد النفس الإنسانيّة عذراء، ساذجة، بدائية... ويستحيل على النوع الإنساني في أن ينمو - كما أراد اللّه في أوضاع كهذه تقوده فيها غرائزه فقط، ولا مرجح له في خصوماته ومراعاته إلا غرائزه... في هذه

1 . سورة البقرة (مدنيّة - 2) الآية: 213.

2 . سورة المائدة (مدنيّة - 5) الآيات: 27 - 31.


73

المرحلة من نمو الإنسان قضت حكمة اللّه ورحمته بإرسال الأنبياء حاملين إلى الإنسانية منهاج هدايتها الّذي يخرجها من عهد الغريزة إلى عهد العقل ومن منطق الصراع الّذي مرجعه الغريزة والقوة إلى منطق النظام ومرجعية القانون.

وقد حقّق الإنسان، بإشراق عهد النبوّات، قفزة نوعية عظيمة وحاسمة في تطوّره نحو الأعلى وتكامله، فقد خرج المجتمع البشري بالنبوّات عن كونه تكويناً حيوانياً - بيولوجياً إلى كونه ظاهرة عقلية - روحية.. لقد عقلنت النبوّات المجتمع الإنساني وروحنته.

وحقّقت النّبوّات للإنسان مشروع وحدة أرقى من وحدته الدّموية البيولوجية الّتي كانت سائدة قبل عهد الخلافات والإنقسامات والصراع... وهي الوحدة القائمة على أساس المعتقد، وبذلك تطوّرت العلاقات الإنسانية مرتفعة من علاقات المادّة إلى علاقات المعاني... بعهد النبوّات بدأ عهد الإنسان...

وتمضي الآية الكريمة، بعد التأريخ لهذه المرحلة، في بيان أنّ الإختلافات الّتي نشأت في النوع الإنساني، بعد إشراق عهد النّبوّات، غدت اختلافات في المعنى اختلافات في الدّين والمعتقد، إذ أنّ أسباب الصّراع والبغي من بعض الناس على بعض، واستغلال الأقوياء للضعفاء لم تلغ بالدين الّذي جاءت به النبوات، بل استمرّت وتنوّعت، ولكن المرجع لم يعد الغريزة وإنما غدا القانون هو المرجع، وإذا كان من المستحيل على الإنسانية أن تجد قاعدة لوحدتها وتعاونها عن طريق الغرائز، وعلاقات المادة، فإنّ من الممكن لها أن تجد قاعدة ثابتة لوحدتها وتعاونها وتكاملها عن طريق القانون الذي يتضمّنه الدّين وغير القانون من تربية الدّين وإغنائه لروحية الإنسان وأخلاقيّته، وذلك حين يستبدل الإنسان علاقات المادة بعلاقات المعنى. وعدم بلوغ الإنسانية إلى هذا المرتقى ليس ناشئاً، في عهد النّبوّات، من فقدان الوسائل، وإنما هو ناشئ من سوء الاختيار البشري، ومن سوء استخدام الحرية المعطاة.

لقد أفضنا في الحديث عن بعض جوانب الآية الكريمة لنضيء بها الفكرة التي عبّر عنها الإمام عليه السّلام في شأن النبوات وبداية العصر التاريخي للإنسان إذ قال:


74

«.. واصطَفى سُبحانَهُ... أنبياءَ أخذَ علَى الوحِي مِيثاقهُم، وعلى تبِليِغ الرسالةِ أمانتهُم، لمّا بدَّل أكثر خلقِهِ عهد اللهِ إليهم، فجهِلُوا حقَّه، واتخذُوا الأندادَ معهُ، واجتالتهُمُ1 الشياطِينُ عن معرِفته، واقتطعتهُم عن عِبادتِهِ، فبعثَ فيِهمُ رُسُلَه، وواترَ2 إليهم أنبياءه،... ولم يُخلِ اللهُ سُبحانهُ خلقهُ مَن نبيٍّ مُرسَلٍ أو كِتابٍ مُنزَلٍ، أو حُجَّةٍ لازِمةٍ أو محجَّةٍ3 قائمةٍ: رُسُل لا تُقَصِّر بِهم قِلّةُ عددِهِم، ولا كثرةُ المُكذِّبين لهُم مِن سابقٍ سُمِّي لهُ مَن بعدهُ، أو غابرٍ عرَّفهُ مَن قبلهُ، على ذلِك نسلتِ القُرونُ، ومضتِ الدّهُورُ، وسلفتِ الآباء، وخلفتِ الأبناءُ»4.

وهكذا يعبّر الإمام عن جوانب من أفق الآية الكريمة، فحين تعقّدت الحياة البشرية نتيجة لنمو المجتمع وتشابك العلاقات فيه، وحين أدّى ذلك إلى تصادم بين ما تقضي به الحياة الإجتماعية من تعاون وما تدفع إليه الغريزة والروح الفردية من استئثار. وحين ترافق هذا مع الإنحراف عن مقتضيات الفطرة المستقيمة العذراء - وإن تكن في ذلك الحين ساذجة - في إدراك الخالق سبحانه وتعالى... حين حدث في حياة الإنسانية كل هذا اقتضى لطف اللّه ورحمته إرسال الأنبياء ليضيئوا عقول الناس، ويرتفعوا بالمجتمع من علاقات المادة - البيولوجيا - إلى علاقات المعنى والقانون.

*

وقد تواترت حركة النّبوّات في تاريخ البشرية: تضيء عقولها، وتصوغ مفاهيمها، تغني حياتها، وتضعها رويداً رويداً على طريق التكامل... تواترت هذه الحركة في خطّ تصاعدي نحو الأكمل والأفضل والأجمل، مستجيبة في كل مرحلة من مراحل التاريخ البشري لحاجات تلك المرحلة، باذرة فيها بذور نموّ آخر في المستقبل يهيئ لمرحلة من التقدم والتكامل جديدة.. إلى أن بلغت حركة النبوات ذروتها في الرسالة الخاتمة الجامعة: رسالة الإسلام على لسان خاتم النبيّين محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم.

1 . اجتالتهم: صرفتهم عن اللّه.

2 . واتر: تابع.. أرسل الأنبياء يتبع أحدهم الآخر.

3 . المحجة: الطريق المستقيمة الواضحة، يريد هنا الشّريعة الّتي تتبع.

4 . نهج البلاغة - الخطبة الأولى.


75

قال عليه السلام:

«... إلى أن بعث اللّه سُبحانهُ مُحمّداً رسُولَ اللّه صلَّى اللّه عليِه وآلهِ وسلَّمَ لإنجازِ عِدتِهِ، وإتمامِ نُبوَّتهِ، مأخُوذاً على النّبيِّين مِثاقُهُ، مشهورةً سِماتُهُ1، كريماً مِيلادُهُ»2.

وقال في خطبة أخرى:

«.. بل تعاهدهُم - النّاسَ - بِالحُججِ على ألسُنِ الخِيرّة مِن أنبيائهِ ومُتحمِّلِي ودائِع رِسالاتِهِ قَرناً فقرناً، حتَّى تمّت بِنَبِيِّنَا مُحمَّدٍ صلَّى اللّه عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ حُجَّتُهُ، وبلغَ المقطعَ3 عُذرُهُ ونُذُرُهُ..»4.

ب - وظيفة النّبوّة

ما وظيفة النبوّة في المجتمع البشري ؟

إنّها فيما نفهم من كلمات أمير المؤمنين تتلخص في هدفين كبيرين:

الأول:

وهو أهمهما، إحياء الفطرة الإنسانية الصافية المستقيمة، هذه الفطرة الّتي يهتدي بها الإنسان إلى الإيمان الصحيح باللّه سبحانه وتعالى، ويدرك بها كونه مخلوقاً للّه، ومن ثمّ يدرك موقعه في الكون. ويترتب على هذا الإيمان الواعي تصحيح المسار الإنساني في طريق التكامل بجعل حركة الإنسان التاريخية وثيقة الصّلة بعقيدة التوحيد ومتفرعاتها.

الثاني:

وهو، من بعض الوجوه نتيجة للأوّل، تكوين الحوافز الروحية والنّفسية

1 . السّمة: العلامة، والمراد علامات النّبيّ محمّدٍ الّتي بشَر بها الأنبياء السابقون.

2 . نهج البلاغة - الخطبة الأولى.

3 . المقطع: النّهاية الّتي ليس عليها مزيد. أي أنّ أعذار اللّه وأنذاره تلقيا نهايتهما برسالة محمد (ص).

4 . نهج البلاغة - خطبة الأشباح، رقم: 91.


76

والإجتماعية لإنجاز عملية التقدّم العقلي والمادّي والإجتماعي في الحياة في صيغة تضمن التوازن بين النموّ الرّوحي - الأخلاقي والنموّ المادّي. وهذه الصّيغة الّتي توازن بين اتجاهي النموّ والنّشاط الإنساني هي الدّين.

وهذه هي وظيفة النبوّة كما تفهم من القرآن الكريم والسّنّة الشّريفة.

فالنّبيّ يخرج الناس من الظلمات إلى النّور في عقائدهم وعلاقاتهم الإجتماعية والسياسية، ويصحّح نظرتهم إلى موقعهم في الكون، ومن ثمّ يوجد الإنسان الصّالح الّذي يسعى نحو التكامل فيحقّق لنفسه التقدّم المتوازن في الشكل والمضمون، في الرّوح والمادّة.

وليس النّبيّ مخترعاً كبيراً ومخططاً عظيماً يبدع الآلات والمؤسسات، وليست النبوّة مركزاً للأبحاث والدّراسات وما إلى ذلك.

إنّ الّذي يخترع الآلات ويُنشئ المؤسسات ويبتكر الخطط هو عقل الإنسان بعد أن تتوفّر له دواعي النموّ والإنطلاق. فاذا تآخت معها قيم الروح والأخلاق حقق الإنسان إنجازات مادّيّة وتنظيمية تتّفق مع مُقتضيات الإيمان، وتوفّر للإنسان حياة سعيدة طيّبة، ورضوان اللّه والنجاة في الآخرة. وإذا لم تتآخ قيم الروح والأخلاق مع دواعي النموّ والإنطلاق في التعامل مع الكون المادّي حقّق الإنسان إنجازات مادّيّة وتنظيمية توفّرُ له القوة واللّذّة والرّخاء دون أن توفّر له السّعادة وطيب بالحياة.

*

وفهمنا لوظيفة النبوّة - كما تعكسها نصوص نهج البلاغة - مستفاد من النصوص الّتي تحدّث فيها الإمام عن حالة العالم عشية بعثة النبي محمّد (ص)، ذلك لأنّ النصوص الّتي تؤرخ للنّبوات السابقة لنبوّة محمد (ص) نادرة من جهة، وتشبه، من جهة أخرى، أن تكون في معظمها مجرد إشارات يغلب عليها طابع الإجمال.

ولكن هذا لا يؤثر شيئاً على سلامة فهمنا لوظيفة النّبوّة، فإنها وظيفة واحدة منذ بداية حركة النبوّات في فجر التاريخ الإنساني إلى ختام النبوّات بنبّوة محمّد (ص) ورسالة الإسلام. ولا توجد اختلافات جوهرية بين النبوّات من حيث وظيفتها


77

الأساسيّة، والإختلاف الأساسي الوحيد فيما بينها هو في درجة الشّمول والإتساع من حيث مساحة شمول التشريع للنشاط البشري من جهة، ومن حيث عُموم الرسالات بالنسبة إلى الشّعوب من جهة أخرى.

*

قال عليه السّلام:

«... فَبعثَ فيِهم رُسُلَهُ، وواترَ إليهم أنبياءهُ لِيستأدُوهُم مِيثاق فِطرتِه، ويُذكِّروهُم منسِيَّ نِعمتِهِ، ويحتجُّوا عليِهم بِالتّبليغ، ويُثيروا لهُم دفائنَ العُقولِ، ويُرُوهُم آياتِ المقدِرةِ: مِن سقفٍ فوقهُم مرفُوعٍ، ومِهادٍ تحتهُم موضُوعٍ، ومعايِش تُحييهِم، وآجالٍ تُفنِيهِم وأوصابٍ1 تُهرِمُهم، وأحداثٍ تتابعُ عليهِم..»2.

إحتوى هذا النّص الّذي يؤرخ للنّبوّات السّابقة على القضايا التّالية في معرض بيان الغاية من إرسال الأنبياء:

1 - ميثاق الفطرة:

وهذه القضية تعني مسألة الإيمان باللّه تعالى، وما يتفرع عن هذا الإيمان من قضايا أساسية تنبع منه وتتصل بكافة شؤون الحياة.

وما عبّر عنه الإمام هنا وفي مواضع أخرى من خطب وتوجيهات هو تعبير عن حقيقة كبرى من الحقائق القرآنية، ورد النّبي عليها أو الإشارة إليها في عدّة آيات منها قوله تعالى: «﴿ وإذ أخذَ رَبُّكَ مِن بنِي آدمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرّيَّتهُم وأشهدَهُم على أَنفُسِهِم: أَلستُ بِربّكُم ؟ قالُوا: بلى شهِدنا، أن تقُولُوا يوم الِقيامةِ إِنَّا كُنّا عن هذا غافِلينَ. أَو تقُولُوا إِنَّمَا أشرك آباؤُنا مِن قبلُ، وكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بعدِهِم، أفتُهلِكُنا بِما فعلَ المُبطِلُونَ»3.

1 . الأوصاب: المَتاعِب.

2 . نهج البلاغة: الخطبة الأولى.

3 . سورة الأعراف (مكية - 7) الآية: 172 - 173.


78

وقد تكرّر ذكر هذه القضية الإيمانية الكبرى في جميع النصوص التي أرّخ فيها الإمام للنبوّات.

2 - إثارة دفائن العقول:

وهذه القضية تعني بعث القوى العقلية والنّفسية في الإنسان لإنجاز عملية التقدم الصحيح والتغيير الإيجابي في المجتمع عن طريق الحركة التاريخية المستبطنة للوعي الإيماني المستقيم.

3 - جعل الطّبيعة موضوعاً للبحث والنظرة:

هذه القضية دلّ عليها قوله: «... وَيُرُوهُم آياتِ المَقدِرَةِ...».

وهذه القضية تخدم القضيتين الأوليين، فإنّ مراقبة الطبيعة لفهمها، والتعامل معها واكتشافها تعزّز قضية الإيمان لأنها تقدِّم مزيداً من الأدلّة التجريبية على ما أدركته الفطرة السليمة من قضايا الألوهة. كذلك يعين التعامل مع الطبيعة بصورة مباشرة على إنجاز عملية التقدم، بل شرط أساسي لإنجاز التقدم المادّي، وإذ تتخذ قضية الإيمان في ذات الإنسان مع حركته التاريخيّة في الطّبيعة والمجتمع فيكون تقدم على هدى الإيمان وأخلاقيات الروح والعقل، ويكون إيمان يستجيب للحياة الدنيا ولا يقف منها موقف الرفض والعداء.

*

في نص آخر أرّخ الإمام للعالَم حين بعثة النبي محمد (ص) فقال:

«... إلى أن بَعثَ اللّه سُبحانَهُ مُحمّداً (ص)... وَأَهلُ الأرِض يومئذٍ مِلَلُ مُتفرِّقة، وأهواء مُنتَشِرة، وطرائقُ مُتَشتِّتَة، بينَ مُشَبِّهٍ للّه بِخلقِهِ أو مُلُحِدٍ فِي اسمِهِ، أو مُشِيرٍ إلى غيرِهِ، فهداهُم بِهِ مِن الضّلالَةِ، وأَنقذَهُم بِمَكانِهِ مِنَ الجهالَةِ...»1.

وقال في نصّ ثانٍ:

1 . نهج البلاغة - الخطبة الأولى.


79

«بَعثهُ والنّاسُ ضُلال فِي حَيرةً، وحاطِبُونَ1 فِي فِتنةٍ، قدِ استهوتهُمُ الأهواء، واستنزلتهُمُ الكِبرِياءُ2، واستخفَّتهُمُ3 الجاهِليّةُ الجهلاء. حيارى فِي زلزالٍ مِن الأمرِ وبلاءٍ مِن الجهلِ، فبالَغ (ص) فِي النّصِيحَةِ، ومضى على الطّرِيقة، ودعا إلى الحِكمَةِ والموعِظةِ الحسنَةِ»4.

وقال في نصّ ثالث:

«وأَشهدُ أنّ محمّداً عبدُهُ ورسُولُهُ، أرسلهُ بِالدِّينِ المشهُورِ... والنّاسُ فِي فِتنٍ انجذمَ5 فِيها حبلُ الدِّينِ، وتزعزعت سَوارِي6 اليقِنِ، واختلف النّجرُ7 وتشتَّت الأمرُ، وضاقَ المخرجُ وعمِيَ المصدَرُ، فالهُدى خامِل والعمى شامِل، عُصِي الرّحمانُ ونُصِرَ الشّيطانُ، وخُذِلَ الإيمَانُ، فانهارت دعائمُهُ، وتنَكّرت معالِمُهُ، ودرست سُبُلُهُ، وعفت شُرُكُهُ8 أطاعُوا الشّيطانَ فسلكُوا مسالِكَهُ، ووردُوا مناهِلهُ9، بِهِم سارت أعلامُهُ، وقام لِواؤُهُ، فِي فِتنٍ داستهُم بِأخفافِها، ووطِئتهُم بِأَظلافِها وقامت على سَنابِكِها10 فهُم فِيها تائهُون... حائرُون... جاهِلُون... مفتُونُون...»11.

أشار الإمام في هذه النّصوص إلى وجوه الفساد الّتي كان يعاني منها العالم عشية بعثة رسول اللّه (ص)، وهي وجوه الفساد الكبرى في كلّ عصر وفي كلّ أمّة، فإصلاحها هو وظيفة النّبوّة في حركتها الصاعدة منذ بدأت في مستهلّ التاريخ البشري إلى أن ختمت بمحمّد (ص).

1 . الحاطب هو الّذي يجمع الحطب، يقال لمن يأخذ بالصّواب والخطأ دون تمييز: حاطب ليلٍ، شبه للفتنة باللّيل الّذي تلتبس فيه الأشياء لظلامه حيث أنّ الحق يلتبس فيها بالباطل.

2 . استزلَّتهم: أوقعتهُم الكبرياءُ فِي الزّللِ والسّقوطِ، يعني بذلك فساد حياتهم الإجتماعية.

3 . استَخفَّتهُم: جَعلتهُم طائشينَ مُندفِعينَ وراء شهواتِهم الجسدية والنفسية دون كابح ورادع.

4 . نهج البلاغة، رقم الخطبة: 95.

5 . انجذم: انقطع.

6 . السّارية: هي العمود، يدعم بها السقف، والجمع سوارٍ.

7 . النّجر: الأصل، ومثله: النجار.

8 . درست واندرست بمعنى زالت وانطمست. والشّرك - بضم الرّاء - جمع شراك، وعفت شركه بمعنى انطمست.

9 . المناهل: جمع منهل، مورد النهر.

10 . الأخفاف جمع خُفّ، وهو للبعير كالقدم للإنسان، والأظلاف جمع ظِلْف للبقر والشّاء. والسّنابك جمع سُنبك: طرف الحافر.

11 . نهج البلاغة، رقم الخطبة: 2.


80

الأوّل:

الضّلال في العقيدة، فَالنّاسُ ضُلال فِي حَيْرَةٍ... وَحاطِبُون فِي فتنَةٍ، وَهُم حائرونَ لأنّه حيث لا يستقر الإنسان على عقيدة أو يؤدي به الفساد العام إلى عقيدة باطلة، فإنّه يشعر بالضياع ويشعر بانعدام الهدف... إِنعدام المعنى من وجوده، يشعر بالعبث حين يواجه نفسه بسؤال: مَن أنا ؟ لماذا أنا هنا ؟ ما المعنى لوجودي ؟ ... وهكذا يمضي هذا الإنسان الضائع في التماس الجواب حيث لا جواب، لأنّه «.. بين مشبّه للّه بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره».

الثّاني:

الفساد السياسي والإجتماعي، فالناس قد أوقعتهم كبرياؤهم الّتي لا مبرّر لها في الزّلل والسّقوط الحضاري، فحملت أقوياءهم على احتقار ضعفائهم وفقرائهم... وخاصّتهم إلى الإستهانة بعامّتهم، فهانت كرامة الإنسان من حيث هو إنسان، وغدا مقياس الكرامة خاضعاً لعوامل غير إنسانية: للثّروة، أو للقوة، أو للنسب، وما إليها. لقد غدا الناس - نتيجة لذلك مَللاً متفرقةً متناحرةً، لكلّ ملّة مذهب وطريق، ولكلّ فئة هوى واتجاه، ولكلّ فريق منهج وغاية، والكل مفتون برأيه، مأخوذ بهواه، يعمل على شاكلته.

والنّبوّة تعالج وجوه الفساد كلّها في الإنسان والمجتمع، في الرّوح وفي المادة، والمؤسسات لتحقق الغاية العظيمة النبيلة، وهي تكوين الإنسان المتكامل.

وقد أعلن الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين هدفهم هذا على مدى التاريخ، كلّ واحد منهم في المحيط الذي بعث إليه في الزّمان الّذي كان فيه.. إلى أن ختمت النبوّة بمحمد (ص) فكان هذا الهدف العظيم بحجم امتداد الرسالة الخاتمة في الزمان والمكان على مستوى البشريّة كلّها وعلى مدى المستقبل كله... إِلى نهاية الزمان: «فبالغ (ص) في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة»... «... فهداهم به من الضّلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة».

وقد أثمر جهد الأنبياء العظيم النبيل وجهادهم ومن اتبعهم وجرى على سنتهم -


81

أثمر تحقيق هذا الهدف العظيم الذي هو وضع الإنسانية على طريق التكامل.

وربّما كان هذا القول مثيراً للدّهشة والتّعجب، والتّساؤل:

كيف حقّق الأنبياء الكرام هدفهم هذا ولم يؤمن بهم إِلا القليل، وأعرض عنهم أكثر الناس، بل حاربوهم ورفضوهم.. ؟

إنّ هدف النبوّة قد تحقق في كلّ عصر، وعلى عهد كلّ نبيّ في صورتين:

إحداهما: فيمن آمن بالنّبيّ وصدّق به واتبع منهاجه، فالتزم في حياته العامة والخاصة بالعقيدة والشريعة اللّتين اشتملت عليهما رسالته.

والصّورة الأخرى: تتمثّل في الجو الثّقافي والرّوحي العام الّذي اشاعته الرّسالة النّبوية في المجتمع نتيجة لتبليغ النبي وأتباعه، وللصراع الفكري والإجتماعي الّذي ولّدته الرّسالة في المجتمع، فإنّ هذا المناخ الثقافي يترك آثاره بلا شكّ على المفاهيم والمؤسسات والقيم والقناعات الّتي تسود المجتمع، ويدفع بها نحو التغيير بصورة لا شعورية، فينتقل المجتمع إلى حالة أفضل في علاقاته وقيمه ومؤسساته وحوافز العمل فيه، وإن كان أكثر هذا المجتمع كافراً برسالة النّبيّ.

ومن هنا كان الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين هم آباء الحضارة الإنسانيّة والمدنية الإنسانيّة. وما من خير بلغته وتمتعت به البشريّة في عقولها وأذواقها وقيمها ومؤسساتها وحوافز العمل من أجل التقدم المادي عندها إِلا وللأنبياء فيه فضل كبير، لأنّهم - على مدى التاريخ - أشاعوا، بما بثّوه من الوحي الإلهي في الناس، وحدة جديدة في كلّ مجتمع تنبثّ كالنّور... كالعافية فيه فتضيء، بدرجات متفاوتة، مناطق الظلمة، وتلمس - بدرجات متفاوتة - مناطق البؤس والمرض فيه. وكان تأثير هذه الروح النبويّة متفاوتاً بنسبة مقاومة قوى الشر حين تعي درجة تأثير الخير النبوي، وبقاء هذا الخير حراً في التأثير حين تغفل قوى الشرعية أو ترى لنفسها مصلحة فيه.

وهكذا، فمن هذا المنظور نفهم أنّ كلّ نبي قد هدى اللّه به الناس من الضّلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة. فهم صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين آباء الإنسانية الكرام، وآباء الحضارة العظام.


82

وهذا نصّ آخر يضيء به الإمام جانباً آخر من جوانب وظيفة النبوّة في نطاق الهدفين العظيمين، قال عليه السّلام:

«قَد صُرِفَت نحوهُ أفئدةُ الأبرارِ، وثُنِيت إليهِ أزمَّةُ الأَبصارِ. دفنَ اللهُ بِهِ الضّغائنَ1 وأَطفأ بِهِ الثَّوائرَ2. ألَّفَ بِهِ إخواناً، وفرَّقَ بِهِ أقراناً. أعزَّ بِهِ الذِّلّةَ، وأذَلَّ بِهِ العِزَّة»3.

في هذا النّصّ كشف الإمام عن عمل النبوّة في تغيير القيم السائدة في المجتمع، هذه القيم الّتي تحكم وتوجه العلاقات داخل المجتمع بين فئاته وأفراده، وإبدالها بقيم أخرى متّسقة في طبيعتها مع طبيعة الرّسالة النبوية لأنها مستمدة منها. وما يترتب على ذلك من تغيّر في المفاهيم والقناعات، ومن تبدل في نوع العلاقات نتيجة لتبدل القيم الجاهليّة بالقيم النبويّة.

لقد ثنيت أزمّة الأبصار نحو الرّسول الأكرم (ص) كما كانت تثنى نحو كل نبيّ في مجتمعه، لأنه قد أثار اهتمام الناس كلّهم، وأوجد هزّة راحت تنداح على المجتمع كلّه وتنفذ في أعماقه. وهذه الفكرة تضيء التحليل الّذي بيّنا فيه آنفاً أنّ أثر النبوّة الخيّرة لا يقتصر على المؤمنين بالنبي ورسالته وحدهم، وإِنّما يتعداهم ليشمل ببركاته المجتمع كله.

لقد أدّت القيم الجديدة الّتي جاء بها النّبيّ إِلى تغيير المفاهيم، ومن ثمّ إِلى تغيير عميق وجذري في العلاقات الإجتماعيّة بين الأفراد والفئات، وإِلى إحداث التّبدّلات الإجتماعية.

لقد دفنت به الضغائن، لأن أسباب تولّدها قد زالت، ومن ثمّ فقد زالت أسباب تفجّرها فزالت الثوائر.

لقد نعم المجتمع كلّه بدرجة عالية من الإستقرار والطمأنينة بعد أن انخفضت إلى أدنى الدرجات مظاهر العنف والتوتر فيه نتيجة لتبدّل المفاهيم والقيم الّتي كانت

1 . الضّغائن: الأحقاد المكتومة.

2 . الثّوائر: الأحقاد المتفجّرة في أعمال عدائية عنفية ومعارك.

3 . نهج البلاغة، رقم الخطبة 96.


83

سائدة فيه بمفاهيم وقيم أخرى بثّتها النبوّة.

وقد أدّت القيم الجديدة إلى إيجاد علاقات جديدة:

فألّف اللّه بالنبي... بالقيم الّتي بشّر بها وأذاعها في الناس، إخواناً في الإيمان، وفرقت هذه القيم الإيمانية بين أقران اختلفت بهم الطريق حين هتف صوت النبوّة في المجتمع، فسلك بعضهم طريق الإيمان وبقي الآخر على طريقه القديمة، وقيمه القديمة، طريق الجاهلية وقيم الجاهلية.

كما أدّت هذه القيم الجديدة إلى تغيير في المراتب الإجتماعية، لأنّ القيم القديمة التي كانت تجعل أساس الترتيب في البنية الإجتماعية بين الأشخاص أو الفئات متمثلاً في المال، أو السلالة والنسب، أو القوة الحربية... هذه القيم قد زالت وحلّت محلها قيمة جديدة غدت هي الأساس الّذي يقوم عليه الترتيب الإجتماعي، وهي التّقوى1، ومن ثم فقد أعزّ اللّه بالنبي... بالقيم الّتي جاء بها الذّلة الّتي كانت تفرضها القيم الجاهلية القديمة على الفقراء والمستضعفين، وأذلّ به العزّة الّتي كانت تنشأ من قيم غير إيمانية.

من تاريخنا الإسلامي تحفل السيرة النبوية بمئات من الشّواهد والنّماذج.

فالأذلاء في الجاهلية كعمّار بن ياسر وبلال الحبشي غدوا أعزاء في المجتمع الجديد، لأنّ القيم الجاهليّة الّتي كانت تفرض عليهم أن يكونوا أذلاء في مرتبة اجتماعية متدنية قد زالت بالإسلام. وجاء الإسلام بقيم جديدة غيّرت موقعهم في المجتمع فجعلتهم من النخبة، والأعزاء في الجاهلية غدوا أذلاء لأنّ القيم الّتي كانوا يتكئون عليها ويستمدون منها اعتبارهم الإجتماعي ويتبوّؤن مركز النخبة فيه... هذه القيم قد زالت بالإسلام وحلّت محلّها قيمة جديدة هي التقوى، وحيث أنهم لم يتحلّوا بهذه القيمة الجديدة فقد غدوا من الأذلاء.

*

1 - في شرح مفهوم التقوى الإسلامي وبيان مكوّناته وأبعاده راجع كتابنا (دراسات في نهج البلاغة) فصل: المجتمع والطبقات الإجتماعية.


84

وثمة نصوص في نهج البلاغة تحدث فيها الإمام عن حالة العرب بالنّسبة إلى تأثير النبوّة في أوضاعهم الحياتية والمعنوية.

ففي النص التالي صوّر أمير المؤمنين حالة المجتمع العربي الجاهلي عشية بعثة النبي محمد (ص)، في جميع وجوه حياته الّتي كان عليها من النّواحي الرّوحية والإجتماعية والأخلاقية. قال عليه السّلام:

«إنّ اللهَ بعثَ مُحمّداً (ص) نَذِيراً للعالَمِين، وأميناً على التَّنزيلِ، وأنتُم معشرَ العربِ على شرِّ دِينٍ وفِي شرِّ دارٍ مُنِيخون1 بينَ حِجارَةٍ خُشنٍ وحيَّاتٍ صُمٍّ2 تشربُون الكَدِر، وتأكُلُون الجشِبَ3، وتسفِكُون دِماءكُم وتقطعُون أرحامكُم، الأصنام فِيكُم منصوبَة والآثامُ بِكم معصُوبة4»5.

إنّهم كانوا على شرّ دينٍ.

كانت الأصنام فيهم منصوبة يتوجهون إليها بالعبادة والضراعة، كانوا، إذن، وثنيّين، وكانت وثنيّتهم، الّتي استعاروها من هنا وهناك، بدائية متخلفة خالية من الجمال الفنّي والذوق إضافة إلى خلوها، بطبيعة الحال، من كلّ مضمون روحي سليم وكانوا في شر دارٍ.

كانت دارهم البادية القاحلة المجدبة الّتي تفرض عليهم شروط حياة صعبة قاسية جعلت من حياتهم سلسلة من الأخطار والمتاعب وألوان الحرمان.

وكانوا - بسبب ما هم عليه من إفلاس روحي لأنهم على شرّ دين، ومن تخلف في حياتهم المادّيّة لأنهم في شرّ دار - ... بسبب هذا وذاك - كانوا على شرّ حال في حياتهم الإجتماعية وعلاقاتهم الإنسانية، فهم يقطعون أرحامهم، وهم يسفكون دماءهم.

1 . منيخون: مقيمون.

2 . خشن: من الخشونة. والحيّات الصّم أخبث أنواع الحيّات. كنى عن صعوبة مناخ البادية وقساوة العيش فيها.

3 . الكَدِر: الماء الذّي يخالطه الطين وغيره، والجَشب من الطعام: الغليظ الخشن كناية عن بؤس حياتهم وفقرها، وانعدام وسائل الراحة فيها.

4 . معصوبة: مشدودة، كناية عن استمرارهم على المعصية.

5 - نهج البلاغة: رقم الخطبة 26.


85

وهم - بالإجمال - يكدحون بأستمرار لتوفير حياة متخلفة، قاسية، فقيرة في الشكل والمضمون في ظل علاقات اجتماعيّة وإنسانيّة فاسدة.

*

في نصّ آخر يؤرخ الإمام للتغيير الّذي أدخلته النبوّة على حياة العرب، ويسجّل ملامح عامة للحال الّتي انتقلوا منها وللحال الّتي صاروا إليها بعد الإسلام.

قال عليه السّلام:

«أمّا بعدُ فإنَّ الله سُبحانهُ بعثَ مُحمّداً (ص) وليس أحد مِن العربِ يقرأُ كِتاباً ولا يدّعِي نُبوَّةً ولا وحياً، فقاتلَ بِمن أطاعُ من عصاهُ، يسُوقُهُم إلى منجاتِهِم، ويُبادِرُ بِهِمُ السّاعة أن تنزِلَ بِهِم يحسِرُ الحسِيرُ ويقِفُ الكسِيرُ1 فَيُقِيم عليهِ حتى يُلحِقهُ غايتهُ، إلا هالِكاً لا خير فيِهِ، حتَّى أرأهُم منجاتُهم2 وبوّأهُم محلَّتَهُم3، فاستدارَت رحاهُم4 واستقامَت قناتَهُم»5.

كان العرب أمّيّين لا يقرأون ومن ثمّ فقد كان الجهل سائداً فيهم، وكانوا بعيدي عهد بالنبوّات ورسالات السماء ومن ثم فقد كانت حياتهم الروحية فقيرة هزيلة مشوّهة. وقد جهد رسول اللّه في إخراجهم من الظلمات... كلّ الظلمات: ظلمات الروح والعقل والحياة، إلى كلّ النور، من التخلف إلى التقدم، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن العمى الرّوحي إلى نعمة الإيمان الكبرى.

وبذلك بلغهم ساحل النجاة في الدنيا والآخرة.

وبذلك أعطاهم دوراً عالمياً - بما هم مسلمون - يحملون فيه الهدى والنور والكرامة إلى جميع الأمم بعد أن كانوا كمية مهملة لا قيمة لها ولا قدر ولا دور.

1 . الحسير هو الّذي أصابه الإعياء والتعب. والكسير المكسور الّذي لا يقوى على السير، يريد أنّ النبي كان تحريضه على الإسلام وإشفاقه على المسلمين يلاحظ حال من حدثت عنده شبهة أو خالط قلبه ريب في الدّين فلا يزال يرشده برفق وحب حتى يزيل من قلبه الريب ويجلو عن عقله الشبهة.

2 . منجاتهم: ما به نجاتهم وهو الإسلام.

3 . محلتهم: مركزهم في المجتمع العالمي، وكونهم ذوي رسالة عالمية هي الإسلام.

4 . استدارة الرّحى كناية عن وفرة الأرزاق. واستقامة القناة كناية عن صلاح الحال واستقرار الحياة.

5 . نهج البلاغة: رقم الخطبة 104.


86

وبذلك أعطاهم لين الحياة، وكرامة الحياة، واستقرار الحياة.

ولم تعد حياتهم قاسية صعبة، بل لقد استدارت رحاهم بالأرزاق.

ولم تعد حياتهم متوجسة متوحشة، بل لقد استقرت واطمأنت.

واستقامت قناتهم لم تعد مشرعة لأجل العدوان أو لأجل رد العدوان.

*

سلام اللّه وتحيّاته على جميع الأنبياء والمرسلين.

2 - وعي التّاريخ

من المؤكّد أن الإنسان العربي الجاهلي - قبيل الاسلام - كان يعوزه الوعي التاريخي بالمعنى الّذي عرفته الشعوب المتحضرة ذات الثقافة المدوّنة، وذات المؤسّسات السياسيّة والإدارية الرّاسخة العريقة. هذا فضلاً عن أن يكون الوعي التاريخي بالمعنى الّذي عرفه إنسان العصور الحديثة قد وجد لدى الإنسان العربي الجاهلي قبيل الإسلام.

وهذا الحكم ينطبق بوجه خاص على عرب الشّمال، وإن لم يكن عرب الجنوب - كما سنرى - أفضل حالاً منهم بكثير.

فقد كان العربي الجاهلي - قبيل الاسلام - يعيش حياة البداوة بما يلزمها من تنقل وارتحال طلباً للكلأ وللماء، ومن ثم لم يكن لدى العربي مؤسسات ثابتة، ونظم سياسية وإدارية.

وكانت الأمّية غالبة على هذا المجتمع، ومن ثم فلم يُنشئ ثقافة مدوّنة بأيّ نحو من الأنحاء إلا نقوشاً نادرة لا تبلغ أن تكون ثقافة مدوّنة تسهم في تكوين الشخصية الثقافية للإنسان - لا نستثني من ذلك عرب الجنوب الّذين كانوا قد فقدوا قبيل الإسلام - بانهيار نظام الرّي عندهم - الكثير من سماتهم كشعب متحضر له ماضٍ عريق، وغدوا أقرب إلى البداوة والأميّة.

وكانت الحياة من البساطة والسذاجة بحيث أن أحداثها البارزة كانت نادرة جداً، ومحدودة المدى جغرافياً وبشرياً، وهذه الأحداث هي الّتي شكّلت مادة ما يسمى «أيام العرب» الّتي سنعرض للحديث عنها بعد قليل.

كما لم يكن لدى العربي الجاهلي شعور بالزمن المستمر كمفهوم حضاري، كان


88

الزمن عنده مجرّد تعاقب للظواهر الفلكية والفصول. ومن المعلوم أنّه لم يكن لدى العربي الجاهلي تقويم.

ونتيجة لكل هذه العوامل لم تتكوّن لدى العربي أية خبرات تاريخية ماضية ذات شأن، ناشئة من وقوع الأحداث نفسها من ناحية والشعور بها من ناحية أخرى - لا أحداث مشتتة غير مترابطة - بل في نطاق نظام للتعاقب الزّمني وللعلاقات الداخلية فيما بينها.

وبعبارة أخرى: لم يكن لدى العربي الجاهلي شعور بأستمرار الأحداث وديمومتها، وتفاعلها الداخلي، وعلاقاتها بحاضره، وإمكانات تأثيرها في المستقبل على النحو الذي يصح أن يسمّى وعياً تاريخياً. لقد كان وعي الماضي على هذا النحو لدى العربي الجاهلي قبيل الإسلام معدوماً.

نعم، لقد كان ثمّة وميض من الشّعور بالماضي لدى العربي الجاهلي.

كانت الذّاكرة تحمل صوراً غامضة، هلاميّة الشّكل ومشوّهة لهذا الماضي ناشئة من القصص الّتي كانت تسمّى «الأيام»، ومن العناية بالأنساب. لقد كانت «الأيام» والأنساب كما «البعد التّاريخي» للإنسان العربي.

إنّ هذا الوميض من الشّعور بالماضي لا يرقى، بالتأكيد، إلى أن يكون وعياً تاريخياً بالمعنى الّذي نفهمه الآن.

فقصص الأيام نادراً ما تملئها الأحداث الكبرى ذات الشّأن السّياسي والإنساني وهو ما يعطي التاريخ حقيقته ومعناه. وغالب أحداثها يتكوّن من معارك صغيرة بين مجموعات قبلية، ويعطيها الخيال الشعري والنصوص الشعرية المرافقة لها وهجاً وحجماً غير واقعيين.

كما أنّها تفقد عنصر الترابط فيما بينها، ولا تأخذ في جميع الأحوال بنظر الاعتبار عنصر السببيّة، ولا تقوم بينها علاقات داخليّة.

وهي خالية من عنصر الزمن، وخلوّها من عنصر الزمن ليس ناشئاً من إهمال، بل ناشئ من عدم إدراك العربي الجاهلي لعامل الزمن التاريخي كما أشرنا آنفاً.


89

وكانت قصص الأيام في حلقات السّمر الّتي تعقد أمام الأخبية والخيام للتسلية والمتعة، وللمفاخرة في بعض الحالات. ولم تكن تتداول كمادة علمية. والرأي الراجح أنها لم تدوّن على الإطلاق.

والأنساب وإن كانت تدلّ على شعور بالماضي من خلال وعي الإنتماء إلى الآباء الّذين تشتمل على ذكرهم شجرة النسب القبلية، إلا أنّ علمنا بأنّ شجرات الأنساب كانت تقتصر على مجرّد ذكر الأسماء فقط دون أن تحتوي على أية مادة تاريخية، علمنا بهذا الوضع لشجرات الأنساب التي كانت تتداول عن طريق الرّوايات الشّفوية يجعل قيمتها كمصدر لتكوين الوعي التاريخي معدومة.

ومن المؤكدّ أنّ شجرات الأنساب في العصر الجاهلي لم تعرف أيّ شكل من أشكال التدوين ليتيح فرصة إضافة مادّة تاريخيّة إليها. ولم تدوّن شجرات الأنساب في كتب إِلا في عصر إسلامي متأخّر نسبيّاً.

ويظهر لنا هذا الوميض من الشعور بالماضي لدى العربي الجاهلي في الشعور الّذي يصور مواقف أخلاقية للشاعر في مجالات الحرب، والكرم، والوفاء، وما إلى ذلك، حيث تدفع الشاعر خشيته من (أحاديث الغد) الّتي تعكس مسلكية غير نبيلة إلى أن يجعل سلوكه منسجماً مع قيم النبالة كما تقضي بها أخلاقيات المجتمع الجاهلي فيكون وفياً، وشجاعاً حتى الموت، وكريماً...

هذا الشعور يمكن أن يكون نواة للوعي التاريخي، ولكنّه لا يرقى، بطبيعة الحال، إلى أن يكون وعياً تاريخياً بالمعنى الّذي حدّدناه آنفاً. إنّه وعي ناشئ عن قيم أخلاقية بدوية الطابع، وليس عن وجود تاريخ يستوعبه الشعور والوجدان، وهو مقصور على حالات فردية لم تبلغ أن تكون وعياً عاماً. وهو شعور بالخشية من تصرّف شخصي أو موقف شخصي قد يدفع الآخرين إلى إدانته، وليس شعوراً بإنجازات الآخرين وتفاعلاً معها.

*

كان هذا حال العربي الجاهلي


90

ولكن الحال تغيّر بعد ظهور الإسلام تغيّراً كاملاً.

إنّ القرآن الكريم والسّنّة الشريفة قد كشفا للعربي تدريجاً عن عمقه في الزمان باعتباره مسلماً. وغدا القرآن والسّنّة يغذيان على مهل وعي المسلم بعمقه التاريخي من خلال القصص الّتي تؤرخ للأمم الماضية، وأنبيائها، ومواقفها منهم باعتبارهم أنبياء، وحالات ازدهارها، وانحطاطها، وفنائها.

ومن خلال هذا الوعي أدرك المسلم أنّه بإسلامه، وجهاده اليومي - بالسيف والكلمة - في داخل الجماعة الإسلامية الّتي تبني نفسها بعين اللّه وعلى يد رسول اللّه، وفي مواجهة المشركين... أدرك بوضوح كامل أنّه بعمله اليومي هذا يصنع تاريخاً موصولاً بما وعاه من تاريخ الأمم الماضية كما تعلّمه من الكتاب والسنة. وهكذا وجد الوعي التاريخ لدى الإنسان المسلم.

*

وللتّاريخ وظيفة تتعدى شعورنا بالإستمرار والديمومة. وهذه الوظيفة تربوية أخلاقية. لا يعني هذا أنّ التاريخ يتحوّل إلى مادّة وعظية فقط، فإنّ البحث والنقد غرضان من أغراض التاريخ بلا شك، ولكن الوظيفة النهائية بعدهما هي، كما قلنا، تربوية أخلاقية.

وهذه الوظيفة تستمدّ معالمها وطبيعتها من طبيعة النهج الّذي تسلكه الأمة في بناء نفسها، ومن طبيعة الدور الّذي تعد نفسها للقيام به في محيطها الإقليمي أو على المستوى العالمي، ولذا نرى أنّ كلّ أمّة ذات نهج فكري مميّز لشخصيتها تجعل التاريخ مادة بانية لهذا النهج الّذي ارتضته.

وهذا لا يعني - بطبيعة الحال - أن يحرّف التاريخ ليكون أداة دعائية وسياسيّة. إنّ الأمانة للحقيقة يجب أن تكون دائماً مرعيّة، وإنّما يعني أنّ التاريخ ليس مادة ترف فكري وتسلية. إنّه مادة شديدة الخطورة إذا تولّى استعمالها في الشأن العام رجال لا يقيمون للأخلاق وزناً ولا تحركهم روح رسالية، وأجهزة كذلك... رجال وأجهزة يحركهم التعصب والغرور القومي والعنصري... في هذه الحالة قد يوجّه التاريخ


91

ليكون مبرّراً نظرياً وعاملاً نفسيّاً لدى الجماهير يخدم الطّغيان والإتجاهات العدوانيّة لدى السّياسيّين ورجال الحرب ضد أمة أخرى، وفي هذه الحالة يعرض التّاريخ للتّزوير والتّحريف.

والتّاريخ حافل بأمثلة عن تسخير التاريخ لغايات غير أخلاقية وغير رسالية في العصور القديمة وفي العصر الحديث.

وللتاريخ في الإسلام - انطلاقاً من هذا الفهم - وظيفة تتّصل بطبيعة الإنسان المسلم وطبيعة المجتمع الإسلامي.

إنّ الإنسان المسلم إنسان أخلاقي يعتنق رسالة عالمية، والمجتمع الإسلامي مجتمع أخلاقي وذو رسالة عالمية.

وإذن فالتاريخ ينبغي أن يخدم الرّسالية والأخلاقية في علاقات المسلم الداخلية والخارجية، كما ينبغي أن يخدم الرّسالة والرّوح الرّسالية في العالم.

وكلّما حدث في سلوك المسلم أو سلوك الجماعة الإسلامية انحراف عن الأخلاقية أو انحراف عن الرّوح الرّسالية في ممارسة الحياة والتعامل مع الآخرين فإنّ التاريخ يستعمل، إلى جانب الوسائل التربوية الأخرى والتنظيمية لتصحيح النظرة الخاطئة، وتقويم مسار الفرد والمجتمع.

والقرآن الكريم حافل بالشواهد على هذه الحقيقة نذكر منها شاهداً مميّزاً لأنّه يتضمن تعبيراً غدا مصطلحاً إسلامياً في الشّأن التاريخي، هو مصطلح «أيام اللّه» الّذي يعني الأحداث الكبرى في تاريخ كلّ أمّة سواء أكانت نجاحات كبرى وانتصارات باهرة أو نكبات عظمى وانهيارات مأساوية.

وقد ورد هذا التعبير (أيام اللّه) في القرآن الكريم مرة واحدة فقط، ذلك في سياق الآيات الكريمة الّتي تضمنت بيان تربية وتوجيه نبيّ اللّه موسى بن عمران سلام اللّه عليه لبني إسرائيل وهدايتهم إلى الإيمان الصحيح، ورفع مستوى إدراكهم من حالة الجهالة والبدائية والماديّة إلى المستوى الإيماني - الحضاري. قال اللّه تعالى:

«﴿ولَقد أرسلنا مُوسى بِآياتِنَا أن أخرِج قومكَ مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وذكِّرهُم بِأيَّامِ اللّه. إنَّ


92

فِي ذلِك لآياتٍ لِكُلِّ صبَّارٍ شكُورٍ»1.

وورد ذكر هذا المصطلح في نهج البلاغة في موضعين:

أحدهما في كلام للإمام عند تلاوته قوله تعالى ﴿يُسَبِّحُ لهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجال لا تُلهِيهِم تِجارَة ولا بيع عن ذِكرِ اللهِ...2 قال في وصفهم:

«﴿... وما برحَ لِلهِ .. عِباد ناجاهُم3 فِي فِكرِهِم، وكلَّمهُم فِي ذاتِ عُقُولِهم، فاستصبحُوا: بِنُورِ يقظةٍ في الأبصارِ والأسماعِ والأفئدةِ، يُذكِّرُون بِأيَّامِ اللهِ، ويُخوِّفُون مقامه...»5.

وثانيهما في كتاب له إلى عامله على مكّة قثم بن العبّاس6، قال فيه:

«أمَّا بعدُ، فأَقِم لِلناسِ الحجَّ، وذكِّرهُم بِأيَّامِ اللهِ»7.

*

من هذا المنطلق، وعلى هذا الأساس كان الإمام عليه السّلام يتعامل في توجيهه الفكري، وفي وعظه، وفي تعليمه وتوجيهه السّياسي مع التاريخ، وكان يوجّه المسلمين إبى أن يعُوا التاريخ على هذا الأساس، وأن يتعاملوا مع التاريخ من هذا المنطلق الّذي يخدم الأخلاقية والرّسالية.

ولعلّ الخطبة القاصعة8 أفضل مثال على طريقة تعامل الإمام علي مع التاريخ بهدف التربية وتقويم سلوك المجتمع أخلاقياً، وتوعيته بمسؤوليته الرّسالية، وسندرس في

1 . سورة إبراهيم (مكيّة - 14) الآية: 5.

2 . سورة النّورة (مدنيّة - 24) الآية: 36 و37.

3 . ناجاهم: خاطبهم بالإلهام.

4 . استصبح: أضاء مصباحه.

5 . نهج البلاغة: رقم النص 222.

6 . قثم بن العباس بن عبد المطلب. كان من مساعدي الإمام علي (ع) في تجهيز رسول اللّه (ص) ودفنه، وهو آخر من خرج من القبر الشريف، ولاهُ أمير المؤمنين على مكة، فلم يزل والياً عليها إلى أن استشهد الإمام، واستشهد قثم بسمرقند، كان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية، وقبره في سمرقند مشهور. وقد زرناه أثناء مشاركتنا في المؤتمر الدّيني.

7 . نهج البلاغة: (باب الكتب) رقم النص 67.

8 . الخطبة القاصعة رقمها في نهج البلاغة: 192.


93

فصل آتٍ جوانب من هذه الخطبة.

ويمكن أن نكوّن فكرة مقاربة للحقيقة عن جهود الإمام الفكرية في حقل التوعية بالتاريخ إذا لاحظنا أن الكثير مما ورد في نهج البلاغة - وهو قليل من كثير من كلام الإمام وخطبه - إن لم يكن أكثر ما ورد في كلامه في النهج من المواد التالية (و. ع. ظ / ح. ذ. ر / ز. ج. ر / ع. ب. ر) ... كان الإمام قد خاطب به الناس في حالات شتّى وأزمان شتّى، موجهاً تفكيرهم نحو التاريخ بهدف التربية وتقويم السّلوك الفردي والإجتماعي في شؤون الحياة عامة من روحيّة واجتماعية وسياسيّة. ولا يختصّ ما رُوي عنه في هذا الشأن بالوعظ وحده كما ربما يتوهّم البعض.

ومن أمثلة ما أشرنا إليه آنفاً قوله عليه السّلام في مواضع من نهج البلاغة:

«وعظتم بمن كان قبلكم...» «... فاتعظوا عباد اللّه بالصبر النّوافع...» «... واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير والشرّ أحوالهم، واحذروا ان تكونوا أمثالهم» «... واتَّعِظّوا فِيها بِالّذِين قالُوا ﴿من أشدُّ مِنّا قُوَّةً»1.

إلى أمثال هذه العبارات الّتي ورد كثير منها في خطبه وكتبه.

فقد كان الامام يقاتل بكل سلاح نزعه الشرّ والإنحراف وتيّار الفتنة الّتي بدأت تجتاح المجتمع الإسلامي. وكانت توعية المجتمع بالتّاريخ أحد هذه الأسلحة.

1 . سورة فصّلت (مكّيّة - 41) الآية 15: فأمَّا عاد فاستكبرُوا فِي الأرضِ بِغيرِ الحقِّ وقالُوا: مَن أشدُّ مِنَّا قُوَّةً...».


94


95

3 - التّاريخ يعيد نفسه

هل يعيد التاريخ نفسه ؟

من البديهي أنّ التّاريخ لا يعود مرة أخرى إلى ساحة الحاضر أو المستقبل، إذا أردنا من هذه القضية عودة تفاصيله وجزئيات أحداثه، فالأحداث ليست أشياء مجرّدة تقع في الفراغ دون أن تكون لها صلة بالبشر، وإنّما الأحداث بما هي صنع البشر تحمل السّمات الشخصية الخاصة لصانعيها: تحمل طابع مصالحهم الآنية، وأمزجتهم وعواطفهم، وأخلاقياتهم وطريقة فهمهم للحياة... وقد تنعدم هذه السمات الشخصية المميّزة مع أصحابها، ولن تعودَ على الإطلاق. وإذن، فالتاريخ بهذا المعنى لا يعود ولا يتكرر.

إنّ ما حدث في الماضي قد حدث مرة واحدة، ولن يحدث مرة أخرى، لن يتكرر، على الإطلاق.

أمّا إذا أردنا من هذه القضية عودة نمط الحركة التّاريخيّة ومظاهره العامة وآثارها النّفسيّة والإجتماعيّة في المجتمع فإنّ التاريخ يعود بالتأكيد حين تتوفّر في الحاضر... في نسيجه الإجتماعي وعلاقاته الإنسانية الأسباب الموضوعية الّتي أدّت إلى نشوء نمط الحركة التاريخيّة في الماضي.

إنّ الإنسان هو الإنسان في كلّ زمان.

إنّه يتحرك في الزّمان والمكان مدفوعاً - فرداً وجماعةً ومجتمعاً - بمصالحه وعلاقاته وعواطفه، والعقائد والشرائع والمثل والقيم الأخلاقية والرّوحية إذا تأصّلت فيه وتعمقت في وجدانه وكيّفت نظرته إلى الكون والحياة والإنسان فإنها تكون قادرة على


96

أن تدخل تغييراً عميقاً على عواطفه ومصالحه وعلاقاته في المجتمع والعالم، ومن ثمّ فإنّها تكون قادرة على تغيير تاريخه ونقله إلى مسار جديد، ما دامت لا تواجه عقبات تشلّ فاعليتها وتأثيرها.

أمّا إذا فشلت العقائد والشرائع والمثل والقيم الأخلاقية والرّوحية في إدخال التغيير المناسب لها على تكوين الإنسان النفسي وعلى تقديره لمصالحه، لأنها لم تتأصّل في أعماقه ولم تغيّر نظرته إلى الكون والحياة والإنسان، فإنّ تاريخه في هذه الحالة سيتكرر.

إنّ هذا التاريخ الجديد لن يحمل نفس السّمات والخصائص الماضية في الغالب، ولكنّه يحمل نفس الروح، ويخلّف في المجتمع نفس الآثار الّتي كانت في الماضي تحمل أسماء جديدة وتقدم نفسها بمبرّرات جديدة لا تعدو أن تكون مجرّد قشرة خادعة يستطيع المؤرخ الباحث أن يكتشف ما وراءها فيتجاوزها إلى العمق ليجد الواقع القديم تحت الأشكال الجديدة1.

*

في أول خطبة خطبها أمير المؤمنين عليّ بعد أن بويع بالخلافة في المدينة نرى أنّه قد لاحظ عودة الأشكال القديمة للإنقسامات القبلية والفئوية داخل المجتمع العربي الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي في عهد عثمان وبعد مقتله بكلّ ما كانت تحتويه هذه الأشكال من روح قبلية وعنصرية، وأخلاقيات جاهلية رجعيّة.

وقد كانت عودة هذه الأشكال القديمة حاملة مضمونها الرجعي نتيجة لضمور المثل العليا والقيم المؤثرة في حركة التاريخ الإسلامي، ونتيجة لضعف مؤسسة الخلافة في عهد عثمان، هذا الضعف الّذي مكّن القوى القديمة والقيم القديمة - الّتي لم تكن قد ماتت بعد، وإنّما كانت تعاني من حالة خمود وضمور - مكّنها من أن تستعيد فاعليتها، وتعود إلى التأثير في حركة التاريخ تحت شعارات مناسبة تنسجم مع الإسلام في

1 . من الظواهر الهامة الّتي نقدّر أنّها تستحق من المفكرين والمؤرخين بحثاً معمقاً، ظاهرة الإنقسامات الإقليمية في العالم العربي، فإنّنا نقدّر أنّها تعبير جديد عن القبلية، تحت أسماء جديدة وبمبرّرات تلائم المناخ الثقافي الحاضر والوعي السياسي السائد. ونقدّر أنّ فشل فكرة الوحدة العربية لا يرجع فقط إلى عمل الإستعمار التخريبي وإنّما نشأ من وجود استعداد للتشرذم أعان الإستعمار على رسم سياساته وإنجاحها في هذا المجال ولولا ذلك لما وُفِّق الإستعمار إلى بلوغ غايته.


97

الشكل الخارجي.

لقد عادت إلى الظهور والفاعلية تلك القيم والمثل الجاهليّة القديمة الّتي كانت تقود حركة التاريخ في المجتمع العربي وترسم ملامح هذا المجتمع وتوجه خطاه قبل بعثة الرّسول الأكرم وانتصار الإسلام.

وقد رأى أمير المؤمنين عليّ هذه القيم البائدة العائدة من خلال رصده للظواهر الجديدة الّتي تبدو في حركة الجماعات داخل المجتمع الإسلامي، وحركة القيادات الّتي توجّه هذه الجماعات سراً وعلانيةً.

وقد رأى مع ذلك الأفاعيل التي ستنجم عن هذه الحركة الرجعية للتاريخ في الإسلام، والمآسي الكبرى الّتي ستنزل بالمسلم فرداً وجماعةً ومجتمعاً ودولةً ومؤسساتٍ نتيجة لانبعاث هذه الرّوح الشّريرة من جديد.

قال عليه السلام:

«ذِمَّتِي بِماا أقُولُ رهِينة1 وأنا بِهِ زعِيم2. إنَّ من صرَّحت لهُ العِبرُ عمّا بين يديهِ مِن المثُلاتِ3 حجزتهُ التّقوى عن تقحُّمِ الشُّبُهاتِ4، ألا وإنّ بلِيَّتكُم قد عادت كهيئتِها5 يوم بعثَ اللهُ نبِيَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. والّذي بعثهُ بِالحقِّ لتُبلبلُنَّ6 بلبلةً، ولتُغربلُنَّ7 غربلةً، ولتُساطُنَّ سوط القِدرِ8 حتى يعُودَ أسفلُكُم أعلاكُم، وأعلاكُم أسفلكُم...»9.

1 . رهينة: من الرهن. جعل ذمته رهناً على ما يقول.

2 . زعيم: كفيل بصدق ما يقول.

3 . العبر: ما أصاب النّاس من «مثلات» عقوبات إذا دعاها الإنسان على سبيل الإعتبار، فيتعظ بتجربة الّذين أصابتهم العقوبات من قبله.

4 . الشّبهات: الأفعال والمواقف الغامضة الّتي لم يبت في الشرع الرخصة في فعلها. يريد أنّ العبرة بالماضين تحجر الإنسان عن الوقوع فيما وقعوا فيه من أخطاء.

5 . رجعت البلية كما كانت في الماضي الجاهلي.

6 . البلبلة: الإختلاط، كناية عن الأزمات الإجتماعية والثّورات.

7 . الغربلة: من الغربال: يريد أنّ التجارب الآتية ستميّز المواقف، وتكشف الأشخاص على حقيقتهم.

8 . السوط: الخلط - سوط القدر: كما تمزج مواد الطبخ في القدر، وتختلط وتغلي سيكون المجتمع نتيجة للثّورات والأزمات الإجتماعية.

9 . نهج البلاغة - رقم الخطبة 16.


98

يقول لهم: إنّ البليّة (الفساد الإجتماعي، والإنحطاط الأخلاقي والحضاري) الّتي كانت تسم الحياة العربية في الجاهلية نتيجة لسيادة قيم الجاهلية ونظرة الجاهلية إلى الكون والحياة والإنسان - هذه البليّة قد عادت كما كانت عشية بعثة الرسول الأكرم (ص) لأنّ القيم الّتي ولّدت هذه البليّة في الماضي الجاهلي قد دبّت فيها الحياة من جديد على حساب القيم الجديدة الّتي جاء بها الإسلام، هذه القيم الّتي تقلّص نفوذها وتأثيرها، بسبب عوامل متنوعة، على الإنسان المسلم، وأدّى ذلك إلى حدوث ثغرات نفذت منها القيم القديمة فعادت من جديد.

ثم أنذر الإمام علي مجتمعه بأنّ هذه البليّة الّتي عادت ستكون لها آثار مأساوية على المجتمع الإسلامي.

ستنجم عن هذه البليّة الأزمات الإجتماعية والثورات الّتي ستلقي بالمجتمع في غمار حروب أهلية مدمّرة، ولا بدّ أن تكون هذه الأزمات والحروب الأهلية أضرس، وأعم شراً، وأشدّ فتكاً مِمّا كان يحدث في الجاهلية.

ستكون في المجتمع نتيجة لعودة هذه البليّة بلبلة (اختلاط وتداخل) وشد وجذب ينتج عن الأزمات والثورات ويولّدها.

وسيكون حال المجتمع - نتيجة لهذه البليّة العائدة - حال القدر التي تغلي على النار وتختلط فيها المواد، ولا يستقر على حال، ولا ينعم بالطمأنينة، وإنّما هو في قلق دائم، واضطراب مستمرّ.

سيؤدّي ذلك إلى الغربلة، وتمييز مواقف الرجال والجماعات، لأنّ المحن والأزمات تفرز الفئات الإجتماعية، وتحدّد سماتها.

ولكن كلّ ما سيحدث لن يتضمّن شيئاً من الخير، بل سيعود على المجتمع بالشّرور، وسيؤدّي بالمجتمع إلى التمزق الّذي يشلّ الفاعلية، ويعطّل الطاقات الإيجابية، بل يهددها، ويعوق حركة التقدّم.

ستكون جاهلية تتغشّى بشعارات الإسلام، جاهلية بعثتها القيم الجاهلية الّتي عادت إلى الحياة، فكانت هي، بدل القيم الإسلامية الجديدة، الأسباب الموضوعية


99

لتحريك الإنسان المسلم في الزّمان والمكان.

هكذا يصوّر الإمام عودة التّاريخ.

*

وفي خطبة أخرى خطبها الإمام بذي قار1 وهو في طريقه من المدينة إلى البصرة بعد أن خرج عليه الزبير بن العوام وطلحة بن خويلد وأمّ المؤمنين عائشة فاتحين بخروجهم أبواب الفتنة الّتي عصفت بالمسلمين، والحرب الأهلية الّتي مزّقت وحدتهم... هذه الفتنة الّتي ولّدتها القيم الجاهلية الّتي تنبّأ الإمام بها في خطبته الأولى... في هذه الخطبة بيّن الإمام عليه السّلام أنّ مسيره لمواجهة المظهر الأول للفتنة هو كمسيره مع رسول اللّه (ص) لمواجهة قوى الجاهلية، وأنّ الروح المحركة واحدة في الحالين رغم اختلاف المظهر الخارجي الّذي قد يوحي للساذجين بخلاف ذلك، ولكنّه لا يخدع الخبير.

قال عليه السلام:

«... أما واللّه إن كُنتُ لفِي ساقتِها2 حتّى تولَّت بِحذافيرِها3 ما عجزتُ ولا جبُنتُ. وإنَّ مسيرِي هذا لِمِثلِها، فلأَنقُبنَّ4 الباطِل حتَّى يخرُج الحقُّ مِن جنبِهِ. مالي ولِقُريش!! واللّه لقد قاتلتُهم كافرِين، ولأُقاتِلنَّهُم مفتُونين، وإنّي لصاحِبُهُم بِالأمسِ كما أنا صاحِبُهُمُ اليومَ»5.

كان الإمام يتحدث عن شأن الجاهلية في مواجهة الإسلام، وعن كفاحه مع رسول اللّه (ص) ضد الجاهلية. ثم بيّن أنّ مسيره هذا إلى البصرة لمثل ما كان يكافحه من مظاهر عناد الجاهلية في حياة رسول اللّه (ص).

إنّ التاريخ قد عاد، ولكن تحت شعارات جديدة.

1 . ذو قار: موضع قريب من البصرة. اشتهر في التاريخ باعتباره الميدان الّذي جرت فيه، أول ظهور الإسلام، في سنة 610 م معركة بين الفرس والعرب حيث هاجم ثلاثة آلاف عربي من قبيلة بكر بن وائل المنطقة الفراتية، وهزموا الفرس هزيمة حاسمة في ذي قار.

2 . السّاقة: مؤخرة الجيش الّتي تسوقه. شبه الجاهلية بجيش مهزوم يطرده ويلاحقه.

3 . ولّت بحذافيرها: ذهبت وطردت بأسرها (الجاهلية).

4 . النقب: الثقب.

5 . نهج البلاغة: رقم الخطبة 33.


100

قال ابن أبي الحديد في شرح هذا النص:

«وشبّه عليه السّلام أمر الجاهلية أمّا بعجاجة ثائرة، أو بكتيبة مقبلة للحرب، فقال: إني طردتُها، فولّت بين يديّ، ولم أزل فِي ساقتِها أنا أطردها وهي تنطرد أمامي، حتَّى تولَّت بِأسرِها، ولم يبق مِنها شيء، ما عجزتُ عنها، ولا جبُنتُ مِنها.

«ثمّ قال: وإنّ مسيري هذا لِمِثلِها، فلأنقُبنّ الباطِل، كأنّه قد جعل الباطل كشيء قد اشتمل على الحق واحتوى عليه، وصار الحق في طيّه، كالشيء الكامن المستتر فيه، فأقسم لينقُبنّ ذلك الباطل إلى أن يخرج الحق من جنبِه»1.

وهكذا يصوّر الإمام عودة التاريخ حين تنشط الأسباب القديمة الّتي أنتجت الأحداث والمواقف القديمة، فتؤدّي إلى تكرار المواقف والإتجاهات ولكن تحت شعارات جديدة تتناسب مع الثقافة السائدة في المجتمع.

وثمّة نصوص أخرى، غير ما ذكرنا، منثورة في نهج البلاغة، تتضمّن الدّلالة على هذه الحقيقة.

1 . ابن أبي الحديد - شرح نهج البلاغة بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم - دار إحياء الكتب العربية - القاهرة - الطبعة الأولى: 1378 هجري ‌ 1959 م / ج 2. ص 185 - 186.


101

4 - مصارع القرون عوامل انحطاط الأمم

«مصارع القرون» تعبير استعمله الإمام في إحدى خطبه فقال «واعتَبِرُوا بِما قد رأيتُم مِن مصارِع القُرُونِ قبلَكُم»1. ويريد به الأمم الماضية أو الأجيال الماضية، فالقرن في اللغة جماعة الناس في عصر واحد2. فالإمام في هذا التعبير يوجّه الأفكار نحو التأمل في مصائر الأمم والشعوب، وكيف ولماذا تضعف وتتفسخ ويصيبها الإنحطاط والتخلف ؟.

ويتساءل الإمام في خطبة أخرى - ربّما تكون آخر خطبة، أو في أواخر كلامه في حشد عام3 - عن مصير الدّول والشّعوب القديمة، فيقول مخاطباً أصحابه:

«... وإنَّ لكُم فِي القُرُونِ السّالِفةِ لعِبرةً، أين العمالِقةُ وأبناء العمالِقةِ ؟ أين الفراعِنةُ وأبناءُ الفراعِنةِ ؟ أين أصحابُ مدائنِ الرَّسِّ الّذين قتلُوا النَّبِيِّين، وأطفأُوا سُننَ المُرسلِين4، وأحيوا

1 . نهج البلاغة: رقم الخطبة 161.

2 . وردت هذه الكلمة كثيراً في الكتاب الكريم في سور مكيّة ومدنية، والمراد بها، على الظاهر، هذا المعنى. وورد له في كلام بعض أهل اللغة تفسير زماني، فقيل: القرن مدة أغلب أعمار الناس، وهو سبعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: ثلاثون سنة. وقيل: القرن أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم، قلّ زمانه أو كثُر - وهذا التفسير الأخير يلحلظ معنى حضارياً للكلمة.

3 . قال الشّريف في نهج البلاغة: «رُوي عن نوف البكالي، قال: خطبنا بهذه الخطبة أمير المؤمنين علي (ع) بالكوفة، وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مِدرعة من صوف، وحمائل سيفه من ليف، وفي رجليه نعلان من ليف، وكأن جبينه ثفِنةُ بعير، فقال عليه السلام... قال: وعقد للحسين عليه السّلام في عشرة آلاف، ولقيس بن سعد رحمه اللّه في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرّجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه اللّه فتراجعتِ العساكر، فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذّئاب من كلّ مكان».

4 . ورد ذكر هؤلاء في الكتاب الكريم مرتين: في سورة الفرقان (مكّيّة - 25) الآية 38 «وعاداً وثمُود وأصحابَ الرَّسِّ وقُروناً ‌


102

سُننَ الجبَّارِينَ ؟ أين الّذِينَ ساروا بِالجُيوشِ، وهزمُوا بِالالُوفِ، وعسكرُوا العساكِر، ومدَّنُوا المدائن ؟»1.

*

لقد كان الوضع الذاخلي لمجتمع الإمام أثناء حكمه العاصف يقتضيه أن يستعين بالتاريخ ليواجه ما كان يتردّى فيه هذا المجتمع - في العراق بوجه خاص - من انقسامات قبلية، ومواقف عنصرية، وتسلط لرؤساء المجموعات القبلية على قبائلهم، وافتتان كثير من النابهين في المجتمع والقياديين في المجموعات القبلية بالسخاء الّذي كانوا يتسامعون به عن معاوية بالنّسبة إلى أنصاره السياسيين... وكان يرى ببصيرته النافذة أنّ هذه الطريق تؤدي بالمجتمع إلى الكارثة: ستنهكه النّزاعات الدّاخلية، وتخلخل بنيانه وتذهب بتماسكه، وتدفع بقياداته إلى خيانة مجتمعها والإرتماء في أحضان الحكم الأموي الإستبدادي في سوريا، وتفقد العراق دوره القيادي في دولة الخلافة، فتجعله تابعاً صغيراً للشام.

وكان الإمام علي يواجه هذا الخطر بشتى الأساليب، وعلى مختلف المستويات.

ومن الأساليب الّتي استعملها على المستوى الشعبي أسلوب التنظير بالتاريخ لحال مجتمعه، عاملاً على أن يكوّن لدى الناس العاديّين وعياً تاريخيّاً، ورؤيةً للحاضر واقعيةً تدرك ما فيه من خطورة وإحساساً بمخاطر الممارسات الّتي تسود المجتمع... كلّ ذلك لأجل أن يبعث في نفوسهم وعقولهم الحذر والتبصّر حين تعرض عليهم خيارات سبّبت للأمم الماضية نكبات أضعفتها أو حطمتها.

ومن الأمور الهامة الّتي يجب التّنبيه عليها أنّ الإمام في تصويره لانحطاط الأمم ومصارع القرون لا يردّ ذلك إلى أسباب غيبية، وإنّما يعرض أسباباً موضوعية لهذا الإنحطاط كما سنرى.

‌ بين ذلِك كثِيراً» وفي سورة ق (مكية - 50) الآية 12 «كذَّبت قبلهُم قومُ نُوحٍ وأصحابُ الرَّسِّ وثمُودُ». والرّس في اللّغة: البئر المطوية بالحجارة، والرّس اسم بئر كانت لبقية من ثمود - أو لقوم بعد ثمود - أرسل اللّه إليهم رسولاً فكذّبوه فأهلكهم اللّه. وقيل أنّ الرّسّ اسم نهر كان هؤلاء على شاطئه.

1 . نهج البلاغة: رقم الخطبة 182.


103

وأفضل الأمثلة الّتي يحتويها نهج البلاغة في موضوعنا هو الخطبة المسماة «القاصعة»1 وهو يعرض فيها الآفات الّتي تعرّض مجتمع العراق للخطر، ويذكر النظائر التاريخيّة لذلك عارضاً أسباب الإنحطاط.

*

عالج الإمام في هذه الخطبة آفة شديدة الخطورة كانت تتعاظم وتستفحل في مجتمع العراق في ذلك الحين. تلك هي آفة الصّراع الدّاخلي الّذي كان يمزق وحدة المجتمع العراقي ويشلّ فاعليته وينعكس بآثاره السّيئة وتفاعلاته المشؤومة على سائر دولة الخلافة.

وقد كان هذا الصّراع يبدو للمراقب بوجوه متنوعة:

1 - الصّراع القبلي:

فقد نشطت الرّوح القبلية والقيم القبلية، وعادت إلى الظهور فارضة منطقها في رسم خريطة العلاقات الإجتماعية والسّياسيّة داخل المجتمع، وكان ظهور الرّوح القبلية نتيجة لجملة من الأخطاء الّتي ارتكبت في عهد إدارة الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وكانت أخطاء في السّياسة، وفي الإدارة، وفي التنظيم الإقتصادي، وفي التّوجيه الثقافي العام.

ويبدو أنّ هذه الرّوح القبلية قد سبّبت تخريباً واسع النطاق داخل المجتمع العراقي، ونرجح أنّ معاوية بن أبي سفيان كان يستغلّها للإمعان في تصديع وحدة مجتمع العراق.

ويبدا أنّ هذه الرّوح القبلية الّتي كان يذكّيها أصحاب المصالح الخاصة

1 . قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الكلمة:

«يجوز أن تسمى هذه الخطبة «القاصعة» من قولهم: قصعت الناقة بجرّتها، وهو أن تردها إلى جوفها أو تخرجها من جوفها لتملأ فاها، فلما كانت الزواجر والمواعظ في هذه الخطبة مردّدة من أوّلها إلى آخرها شبهها بالناقة الّتي تقصع الجرّة. ويجوز أن تسمى القاصعة لأنها كالقاتلة لإبليس وأتباعه من أهل العصبية، من قولهم: قصعت القملة إذا هشمتها وقتلتها. ويجوز أن تسمى القاصعة لأن المستمع لها المعتبر بها يذهب كبره ونخوته، فيكون من قولهم: قصع الماء عطشه، أي أذهبه، وسكنه».

شرح نهج البلاغة - ج 13 / ص 128.


104

قد أفلحت إلى حدّ بعيد في تمزيق وحدة المجتمع، وإشاعة روح الشكّ والضغينة بين فئاته السّياسيّة، وداخل كلّ فئة أيضاً. يصوّر لنا ذلك نصّ في إحدى خطب الإمام يحذّر ويؤنّب فيه مجتمعه، قال:

«قدِ اصطلحتُم على الغِلِّ فيما بينكُم1 ونبت المرعى على دِفِنكُم2. وتصافيتُم على حُبِّ الآمالِ. وتعاديتُم فِي كسبِ الأموالِ. لقد استهام بِكُمُ الخبث3، وتاه بِكُمُ الغُرورُ4، واللهُ المُستعانُ على نفسِي وأنفُسِكُم»5.

وقد روى ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ما يصور التخريب والتمزيق اللّذين كانت تحدثهما هذه الرّوح القبلية، قال:

«وقيل أنّ أصل هذه العصبية وهذه الخطبة أنّ أهل الكوفة كانوا قد فسدوا في آخر خلافة أمير المؤمنين، وكانوا قبائل في الكوفة، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمنازل قبيلة أخرى، فينادي باسم قبيلته: يا للنّخع! مثلاً، أو يالكندة نداء عالياً يقصد به الفتنة وإثارة الشّر، فيتألّب عليه فتيان القبيلة الّتي مرّ عليها، فينادون: يالتميم! ويالربيعة! ويقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه، فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها، فتسلّ السّيوف وتثور الفتن، ولا يكون لها أصل في الحقيقة إلا تعرّض الفتيان بعضهم ببعض»6.

وما لا يرى ابن أبي الحديد له أصلاً نرى له أصلاً في دسائس معاوية أو عملائه الّذين نقدّر أنَّهم يشجّعون أمثال هذه الممارسات القبليّة، ويمدّونها بمزيد من أسباب

1 . الغل: الحقد، اتفقتم على تمكين الحقد في نفوسكم.

2 . الدّفن: جمع دفنة، ما يتجمد ويتلبد من الضابط وردت الماشية، ينبت عليه العشب ونبتت المرعى عليه: استر بظواهر النفاق الإجتماعي فيبدو ظاهره سليماً أخضر وواقعه بشع منفر. شهروا أحقادهم الّتي يسترونها بالنفاق فيما بينهم بهذه القذارة الّتي يسترها العشب فتبدو جملة تخدع بظاهرها وهي في الواقع قذرة نجسة.

3 . استهام بكم: تعلق بكم الشيطان فأغواكم.

4 . الغرور: ما يسبّب الإنخداع.

5 . نهج البلاغة - رقم الخطبة - 133.

6 . ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج 13 ص 167 - 168.


105

الإثارة والهياج ليزيدوا مجتمع العراق إنهاكاً وتمزّقاً. وكذلك نرى لها أصلاً في سياسات رؤساء القبائل الّذين كان نهج عليّ السّياسيّ يهدّد سلطانهم ونفوذهم، فكانوا يشجّعون العامّة والبسطاء على أمثال هذه الممارسات ليثبّتوا سلطانهم على قبائلهم.

2 - الصّراع العنصري:

لقد كان مجتمع العراق، كغيره من بلاد الإسلام في ذلك الحين، يضمّ مجموعات كبرى من المسلمين غير العرب الّذين أدّى التّوسّع في الفتوح خارج شبه الجزيرة العربية إلى احتلال بلادهم في إيران ومستعمرات الإمبراطوريّة البيزنطيّة (مصر وسوريا، وغيرهما)، ومن ثم أدّى إلى دخول كثير منهم في الإسلام.

وقد كان هؤلاء - من الناحية النظرية - يتمتعون بحقوق مساوية لحقوق المسلمين العرب كما يتحملون واجبات مساوية. لقد ضمن لهم الإسلام مركزاً حقوقياً مساوياً تماماً للمسلمين العرب، ولكنهم كانوا من الناحية الواقعية يعانون من التمييز العنصري بسبب انطلاق الرّوح القبلية والعصبية العربية.

وقد ألغى الإمام علي فور تسلّمه السلطة جميع مظاهر التّمييز العنصري والعصبية العنصرية الّتي كان يعاني منها، بشكل أو بآخر، المسلمون غير العرب.

وقد أثار ذلك ردود فعل سلبيّة عند زعماء القبائل، فاحتجوا على التسوية في العطاء بينهم وبين الموالي (المسلمين غير العرب)، واندفعوا ينصحون الإمام عليّاً قائلين:

«يا أمير المؤمنين، أعطِ هذه الأموال، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، واستمل من تخاف خلافه من النّاس»1.

وكان هؤلاء ينظرون في نصيحتهم هذه وينطلقون في نظريتهم السّياسيّة هذه من التجربة الّتي كان يقوم بها معاوية بن أبي سفيان.

1 . ابن ابي الحديد: شرح نهج البلاغة.


106

ولكنّ الإمام علياً كان ينطلق في ممارسته السّياسيّة من قاعدة أخرى، فأجابهم قائلاً:

«أتأمُرُونِّي أن أطلُب النَّصر بِالجورِ فِيمن وليتُ عليهِ ؟!! واللهِ لا أطُورُ1 بهِ ما سمر سمِير2، وما أمَّ نجم فِي السَّماء نجماً»3.

*

وتشتمل الخطبة القاصعة على عدّة شواهد تدلّ على أنّ ما كان يثير في نفس الإمام قلقاً عميقاً ليس الصّراع القبلي المستفحل وحده، بل الصّراع العنصري أيضاً.

هذا الصراع بوجهيه - القبليّ والعنصريّ - كان، بالإضافة إلى أنّه آفة في ذاته، يؤدّي إلى توليد آفات أخرى:

1 - يعمّق ويرسّخ الواقع الإجتماعي القبلي والتكوين الإجتماعي القبلي للمجتمع في الثقافة العامّة، والبنية النّفسية للفرد، وبذلك يحول دون تطوّر التركيب الإجتماعي من طور القبلية الّتي تقسم المجتمع إلى وحدات تقوم على علاقة الدّم إلى طور التّوحد على أساس العقيدة والشّريعة والمؤسسات والمصالح المشتركة، وهو يؤدّي بالتّالي إلى أن يكون معوّقاً حضارياً أيضاً يجمّد المجتمع في حالة التخلف على صعيد المؤسسات والإنجازات التنظيمية.

2 - يزيد ويعزّز سلطة رؤساء القبائل على قواعدهم القبلية، فيؤثر ذلك على فاعلية أجهزة السّلطة المركزية ويضعفها.

3 - يؤثر على تلاحم المجتمع - وهو في حالة حرب مع القوى الخارجة على الشّرعية في الشام، ومع الخوارج.

1 . أطور به: من طار يطور، بمعنى: حام حول الشّيء، وقاربه، يعني: لا أقارب الجور فيمن ولّيت عليه.

2 . ما سمر سمير: يعني مدى الدّهر.

3 . نهج البلاغة - رقم النص 126. ما أمّ نجم فِي السماء.. يعني مدى الدّهر. في هذا الموضوع راجع كتابنا (دراسات في نهج البلاغة) الطبعة الثانية، فصل (المجتمعات والطبقات الإجتماعيّة) وكتابنا (ثورة الحسين)، الطبعة الخامسة - ص 101 - 172.


107

4 - يعزّز إمكانات تسلل معاوية بن أبي سفيان إلى داخل التكوينات السياسية في مجتمع العراق، وهي القبائل.

*

وننتقل الآن إلى عرض الشّواهد من الخطبة القاصعة1.

بيّن الإمام أوّلاً أنّ الكبرياء من صفات اللّه تعالى. ومن ثمّ فليس للناس أن يتكبّر بعضهم على بعض.

ثم عرض، ثانياً، لكبرياء أبليس، وتعصّبه ضدّ آدم مفتخراً بأصله، وذكّر بأن كبرياء إبليس كانت كارثة عليه إذ قضت على منزلته العالية.

ثم قرن الإمام بين كبرياء إبليس وكبرياء البشر على بعضهم، واعتبر المتكبرين أتباعاً لإبليس في هذا الخُلق الذميم:

«صدَّقهُ بهِ أبناء الحمِيَّةِ2، وإخوانُ العصبيّةِ، وفرُسانُ الكِبرِ والجاهِليَّةِ، حتَّى إذا انقادت لهُ الجامِحَةُ مِنكُم3، واستحكمتِ الطَّماعِيّةُ مِنهُ فيكُم - فنجمتِ4 الحالُ مِن السِّرِّ الخفِيِّ إلى الأمر الجلِيِّ - استفحل سُلطانُهُ عليكُم5. فأصبحتُم أعظم في دينِكُم حرجاً، وأوروى فِي دُنياكُم قدحاً7 مِن الّذين أصبحتُم لهُم مُناصِبينَ وعليهِم مُتألِّبينَ».

وهكذا بيّن لهم الإمام أن الشرّ والفساد النّاشئين عن العصبيّة، والصّراع النّاتج منها لا يقتصر تأثيرها على الجانب الديني والإيماني فقط، وإنّما يتعدى ذلك إلى التّأثير

1 . نهج البلاغة - رقم الخطبة: 192.

2 . الحميّة: الأنفة والغضب.

3 . الجامحة: من جموح الفرس - أراد أنّ الفئة الّتي لم تطع إبليس وجمحت عنه عادت فأطاعته واتّبعت سبيله في الكبرياء. أو أنّ الفئة الّتي جمحت عن الشرع انقادت إلى إبليس.

4 . نجم: ظهر. أي أنّ العصبية بعدما كانت خفية في النّفوس ظهرت في ممارسات علنية.

5 . استفحل: قوي واشتدّ وصار فحلاً.

6 . الحرج: لغة في الحرج - بفتح الرّاء - وهو الإثم . يريد: إنّكم بطاعتكم لإبليس أصبحتم أعظم إثماً في دينكم. ورواية النّسخة المتداولة من النهج (فأصبح)، ولا يستقيم المعنى عليها، ورواية ابن أبي الحديد في شرحه (فأصبحتم) وقد اعتمدناها لأنّها أوفق بالمعنى.

7 . أورى: اشد قدحاً وتوليداً للنار. كناية عن تخريب دنياهم بالفتن والقلاقل.


108

على الوضع الحياتي الدّنيوي، لهذه العصبيّة (أورى في دُنياكم قدحاً) من هؤلاء الّذين تخافون منهم على امتيازاتكم المادّيّة فتتعصبون ضدّهم.

ثم أثار الإمام في أذهانهم ذكرى تاريخية يعرفونها من القرآن، هي قصة ابني آدم:

«ولا تكُونُوا كالمُتكبِّرِ على ابنِ أمِّهِ من غيرِ ما فضلٍ جعلهُ اللهُ فيه سِوى ما ألحقتِ العظمةُ بِنفسِهِ مِن عداوةِ الحسدِ، وقدحتِ الحميّةُ في قلبه من نارِ الغضب، ونفخ الشيطانُ في أنفِهِ من ريحِ الكِبرِ الّذي أعقبهُ اللهُ بهِ النَّدامةَ، وألزمهُ آثام القاتِلين إلى يومِ القيامةِ».

ثم يعود الإمام إلى تأنيب سامعيه على ما هم عليه من روح قبلية، وتعصب عنصري ذميم، مبيناً لهم أنّ هذه الآفة الخطيرة الوبيلة قد ابتليت بها الأمم الماضية وذاقت مرارتها:

«ألا وقد أمعنتُم في البغي1، وأفسدتُم في الأرضِ، مُصارحةً للّه بالمُناصبةِ2، ومُبارزةً للِمؤمنينَ بِالمُحاربةِ (يقصد بالمؤمنين أولئك الّذين توجّه ضدهم العصبيّة) فاللّه اللّه في كِبرِ الحمِيَّةِ، وفخر الجاهليَّةِ، فإنَّه ملاقِحُ الشَّنآنِ3 ومنافخُ الشيطانِ، الّتي خدعَ بِها الأُمم الماضِية والقُرُون الخالِية4. أمراً تشابهتِ القُلُوبُ فيه، وتتابعتِ القُرونُ عليهِ، وكِبراً تضايقتِ الصُّدُورُ بهِ».

ثم يوجّه الأنظار بصورة مباشرة إلى القيادات الّتي تغذّي هذه الآفة، وتؤجّج نارها وهم زعماء القبائل:

«ألا فالحذر الحذر مِن طاعةِ ساداتِكُم، الّذين تكبَّرُوا عن حسبِهِم وترفَّعُوا فوق نسبِهِم... فإنَّهُم قواعِدُ أساسِ العصبِيَّةِ، ودعائمُ أركانِ الفِتنةِ، وسُيُوف اعتِزاءِ5 الجاهِلية. فاتقُوا اللّه

1 . أمعنتم في البغي: بالغتم فيه، من أمعن في الأرض، أي ذهب فيها بعيداً.

2 . مصارحة للّه..: أي مكاشفة يعني الإعلان بالمعاصي، وعدم التستر في شأن العصبيّة والتكبر الجاهلي.

3 . ملاقح جمع ملقح، وهو المصدر من لقحت: والشّنآن: البغض يريد أنّ الكبر والفخر الجاهلي مكان البغضاء والحقد ومثارهما.

4 . منافخ الشيطان: جمع منفخ، مصدر من نفخ: يعني أن الكبر والفخر هما المكان الّذي ينفخ فيه الشّيطان من نفس الإنسان فيدفعها إلى الشّر والجريمة.

5 . اعتزاء الجاهلية: الإعتزاء هو الإنتساب، أي أنّهم يفتخرون بأنسابهم وآبائهم، كقولهم: يا لفلان، أو: يا لآل فلان.


109

ولا تكُونُوا لِنِعمِهِ عليكُم أضداداً، ولا لفضلِهِ عِندكُم حُسَّاداً، ولا تُطيعُوا الأدعياء الَّذِينَ شربتُم بصفوكُم كدرهُم1، وخلطتُم بصحَّتكُم مرضهُم، وأدخلتُم في حقِّكُم باطِلهُم، وهُم أساسُ الفُسُوقِ وأحلاسُ العُقُوقِ...»2.

ثم يعود الإمام إلى التنظير بالتاريخ، مذكّراً بالنهايات الفاجعة للأُمم والشعوب الّتي فتكت بها آفة التّعصب والتّناحر، مقابلاً ذلك بالنهج النبوي الإنساني البعيد عن الكبر:

«فاعتبِرُوا بِما أصابَ الأُمم المُستكبِرين مِن قبِلكُم مِن بأسِ اللّهِ وصولاتِهِ، ووقائعِهِ ومثُلاتِهِ واتّعِظُوا بِمثاوي خُدُودهِمِ ومصارع جُنُبوبِهِم... فلو رخَّص اللّه في الكِبر لأحدٍ مِن عِبادِهِ لرخّص فيه لِخاصَّةِ أنبيائهِ... ولقد دخل مُوسى بنُ عِمران ومعهُ أخُوهُ هارُون - عليهِما السّلام - على فِرعون وعليهِما مدارعُ الصُّوفِ5، وبِأيديهِما العِصِيُّ، فشرطا لهُ - إن أسلم - بقاءَ مُلكِهِ، ودوام عِزّهِ، فقالَ: (ألا تعجبُون مِن هذينِ يشرِطانِ لي دوامَ العِزِّ وبقاء المُلكِ، وهُما بِما ترونَ مِن حالِ الفقرِ والذُّلِ)».

ويستمرّ الإمام في التّنظير التّاريخيّ، داعياً مستمعيه إلى فحص المواقف التاريخيّة الّتي مرّت على الأمم السّابقة، وتجنّب الإختيارات والتّجارب الّتي أدّت إلى الإنحطاط والإنهيار، واختيار المسلكيّة الّتي ثبت بالتّجربة صلاحها:

«... واحذرُوا ما نزلَ بِالاُممِ قبلكُم مِن المثُلاتِ بِسُوءِ الأفعالِ وذميمِ الأعمال. فتذكّرُوا في الخير والشَّرِّ أحوالهُم، واحذرُوا أن تُكُونُوا أمثالهُم. فإذا تفكَّرتُم في تفاوُتِ حاليِهم، فالزمُوا كُلَّ أمرٍ لزِمتِ العِزَّةُ بهِ شأنهُم، وزاحتِ الأعداءُ لهُ عنهُم6. ومُدَّتِ العافيةُ بهِ عليهِم،

1 . المراد من هذه الجملة وما بعدها أنّ هؤلاء الزعماء يفسدون بنزعاتهم الشرّيرة حياتكم وإيمانكم وطهارة نفوسكم.

2 . الأحلاس: جمع حلس. وهو كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازماً له، فقيل لكلّ ملازم أمر: هو حلس ذلك الأمر. فهؤلاء المغدون من رؤساء القبائل ملازمون للعقوق والتنكر لنعم اللّه ولأحكام الشرع وقواعد الأخلاق.

3 . المثلات والوقائع: يقصد بهما عقوبات اللّه الّتي استحقوها نتيجة لإنحرافاتهم.

4 . المثوى: المنزل. مواضع حدودهم بعد الموت على التراب، ومصارع جنوبهم: مواقعها بعد الموت على التّراب.

5 . مدارع الصّوف: جمع مدرعة - بكسر الميم - وهي كالكساء.

6 . زاحت: بعدت. وله: لأجله، يعني: الزموا كل أمر خافتهم الأعداء بسببه.


110

وانقادتِ النعمةُ لهُ معهُم، ووصلَتِ الكرامةُ عليهِ حبلهُم، مِن الإجتنابِ لِلفُرقةِ، واللُّزُوم للأُلفةِ، والتَّحاضِّ عليها1، والتَّواصي بِها.

«واجتنبُوا كُلَّ أمرٍ كسر فِقرتهُم2، وأوهنَ مِنّتهُم3 مِن تضاغُن القُلوبِ4، وتشاحُن الصُّدورِ، وتدابُرِ النُّفُوسِ وتخاذُلِ الأيدي...»5.

ويستمر الإمام في تنظيره التاريخي بتقديم أمثلة محددة من حياة الإسرائيليين والعرب، بعدما كان في تنظيره السّابق يذكر الأمم بشكل عام، دون أن يخصّ بالذّكر أمة بعينها:

«... وتدبَّرُوا أحوال الماضِين مِن المُؤمِنينَ قبلكُم: كيف كانُوا في حالِ التّمحِيص6 والبلاءِ. ألم يكُونُوا أثقلَ الخلائقِ أعباءً، وأجهد العِبادِ بلاءً7 وأضيق أهلِ الدُّنيا حالاً. اتخذتهُم الفراعِنةُ عبيداً فسامُوهُم سُوء العذابِ، وجرَّعُوهُمُ المُرار8، فلم تبرحِ الحالُ بِهم في ذُلِّ الهلكةِ وقهرِ الغلبةِ... حتَّى إذا رأى اللّه سُبحانهُ جدّ الصَّبر منهُم على الأذى في محبَّتهِ9، والإحتمالَ للمكرُوه من خوفِهِ، جعلَ لهُم في مضايقِ البلاءِ فرجاً، فأبدَلهُمُ العِزَّ مكان الذُّلِّ، والأمنَ مكان الخوف، فصاروا مُلوكاً حُكّاماً، وأئمَّةً أعلاماً... فانظُرُوا كيفَ كانُوا حيثُ كانتِ الأَمْلاءُ مجتمِعةً10، والأهواء مُؤتلِفةً، والقُلُوبُ مُعتدِلةً، والأيدى مُترادفِةً11، والسُّيوفُ مُتناحِرةً، والبصائرُ نافِذةً12، والعزائمُ واحِدةً، ألم يكُونُوا أرباباً في أقطارِ الأرضين،

1 . التحاض، صيغة تفاعل من الحض بمعنى الحث والترغيب، يعني أن يحث بعضكم بعضاً على الإتحاد والتعاون.

2 . الفقرة: واحدة فقر الظهر. ويقال لمن اصابته مصيبة شديدة: قد كسرت فِقرته. يعني اجتنبوا كلّ ما أضعف الأمم السّابقة وسبب لها الإنحطاط.

3 . المنة: القوة، ومعنى الجملة كسابقتها.

4 . تضاغن القلوب وتشاحن الصّدور بمعنى واحد: تبادل البغضاء بين فئات المجتمع.

5 . تخاذل الأيدي: ألا ينصر الناس بعضهم بعضاً ولا يتعاونون في حالات الخطر.

6 . التّمحيص: التّطهير والتّصفية.

7 . أجهد العباد: أكثرهم تعباً.

8 . المرار: شجر مر في الأصل، كناية عمّا أصابهم من العذاب والهوان على أيدي الفراعنة.

9 . رأى اللّه منهم جد الصّبر، أي أشد الصّبر.

10 . الأملاء: الجماعات، الواحد: ملأ، يريد اتحاد الفئات الإجتماعية وتعاونها.

11 . مترادفة: متعاونة.

12 . البصائر نافذة: الإرادة عازمة جازمة غير متردّدة للعلم بحقيقة الموقف أو الشّيء.


111

ومُلُوكاً على رِقابِ العالَمِينَ.

«فانظُرُوا إلى ما صارُوا إليه في آخرِ أمُورِهم، حين وقعتِ الفُرقَةُ وتشتَّتتِ الألفةُ، واختلفتِ الكلِمةُ والأفئدَةُ، وتشعَّبُوا مُختلِفين، وتفرَّقُوا مُتحارِبين، قد خلع اللّه عنهُم لِباس كرامتِهِ. وسلبهُم غضارَة نِعمتِهِ1، وبقي قصصُ أخبارِهِم فِيكُم عِبراً لِلمعُتبرين مِنكُم.

«فاعتبِروا بحالِ ولدِ إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهِمُ السلامُ، فما أشدَّ اعتِدالَ الأحوالِ2 وأقربَ اشتِباه الأمثالِ.

«تأمَّلُوا أمرهُم فِي حالِ تشتُّتهِم وتفرُّقهم ليالِي كانت الأكاسرةُ والقياصِرةُ أرباباً لهُم. يختارُونهم عن ريفِ الآفاق3، وبحرِ العِراقِ4 وخُضرةِ الدُّنيا، إلى منابتِ الشِّيح ومهافِي الرِّيح5، ونَكد المَعاشِ6 فتركُوهُم عالةً مساكِينَ، إخوانَ دبرٍ ووبرِ7، أذلَّ الاممِ داراً، وأجدبهُم قراراً، لا يأووُن إلى جناحِ دعوةٍ يعتصِمُون بها، ولا إلى ظِلِّ ألفةٍ يعتمدُون على عِزِّها، فالأحوالُ مُضطرِبة، والأيدي مُختلفة، والكثرةُ متفرقة، في بلاءِ أزلٍ8 وأطباقِ جهلٍ9، من بناتٍ موؤودةٍ، وأصنام معبُودةٍ، وأرحامٍ مقطُوعة، وغاراتٍ مشنُونةٍ.

«فانظُروا إلى مواقِعِ نعمِ اللهِ عليهِم حينَ بعثَ إليهِم رسُولاً، فعقدَ بمِلِّتهِ طاعتهُم، وجمع على دعوتهِ أُلفتهُم كيف نشرتِ النِّعمةُ عليهم جناحَ كرامتِها، وأسالت لهُم جداول نعيمها. والتفَّتِ المِلَّةُ بهم في عوائد بركتِها، فأصبحُوا في نعمتها غرقين10 وفي خُضرةِ عيشِها فكهين11 قد تربَّعتِ الأمُورُ بهم12 في ظلِّ سُلطانٍ قاهرٍ وآوتهُمُ الحالُ إلى كنفِ عزٍّ غالبٍ13

1 . الغضارة: النّعمة اللّينة الطّيّبة.

2 . ما أشدّ اعتدال الأحوال: ما أشبه الأشياء بعضها ببعض.

3. الرّيف: الأرض ذات الخصب والزرع، والجمع أرياف.

4 . بحر العراق: دجلة والفرات. قال ابن أبي الحديد: 13 / 173 «أمّا الأكاسرة فطردوهم عن بحر العراق، وأمّا القياصرة فطردوهم عن ريف الآفاق أي عن الشّام وما فيه من المرعى والمنتجع».

5 . يقصد البادية الخالية مِن الزّرع والمياه والعمران.

6 . نكد المعاش: قلّته، وصعوبة الحصول عليه، وخشونته.

7 . عالة: فقراء (دبر ووبر) دبر البعير عقرة القتب. والوبر للبعير بمنزلة الصّوف للضأن. يريد أنّهم كانوا عالة فقراء يمثل البعير ثروتهم، ومرضه شغلهم الشاغل.

8 . الأزل: الضّيق والشّدّة، يريد بلاء شديداً شغلهم عن كلّ شيء.

9 . أطباق، جمع طبق. أي جهل متراكم بعضه فوق بعض.

10 - غرقين: من الغرق، مبالغة في وصف ما هم فيه من النعمة.

11 . فكهين: بمعنى ناعمين.

12 . تربّعت الأمور بهم، أي أقامت، من: ربع بالمكان أي أقام فيه، يعني استقرار أحوالهم السّياسيّة والمعيشيّة.

13 . آوتهم الحال: ضمتهم وأنزلتهم، والكنف: الجانب.


112

وتعطَّفتِ الأمُورُ عليهم في ذُرى ملكٍ ثابتٍ1 فهُم حُكّام على العالمين، ومُلُوك في أطرافِ الأرضين. يملِكُون الأمُور على من كان يملِكُها عليهم، ويُمضُون الأحكام فيمن كان يُمضِيها فيهم، لا تُغمزُ لهم قناة، ولا تُقرعُ لهم صفاة2...

«وإنَّ عندكُمُ الأمثالُ من بأسِ اللّه وقوارعهِ، وأيَّامهِ ووقائعهِ3، فلا تستبطئُوا وعيدهُ جهلاً بِأخذهِ وتهاوُناً ببطشهِ، ويأساً من بأسِهِ فإنَّ اللّه سُبحانهُ لم يلعنِ القرن الماضي بين أيديكُم إلا لتركِهم الأمرَ بالمعرُوف والنّهي عن المُنكرِ، فلعن اللّه السُّفهاء لرُكُوب المعاصي، والحُلماءَ لتركِ التناهي»4.

1 . تعطّفت.. كناية عن السّعادة والإقبال، يقال: تعطّف الدّهر على فلان، أي أقبل حظّه وسعادته، والذّرى الأعالي، جمع ذروة، كناية عن عزّهم وقوّتهم وامتناعهم.

2 . لا تغمز.. لا تقرع.. مثل يضرب لمن لا يجترأ عليه لعزته وقوته.

3 . الأمثال هي ما ورد في القرآن بما قصّه اللّه تعالى من أحوال الأمم القديمة وكيف نزلت بها الكوارث نتيجة لممارساتها المنحرفة.

4 . التّناهي مصدر تناهى القوم عن كذا، أي نهى بعضهم بعضاً. يقول: لعن اللّه الماضين من قبلكم لأنّ سفهاءهم ارتكبوا المعصية. وحلماءهم لم ينهوهم عنها وهذا من قوله تعالى في شأن بني إسرائيل (كانُوا لا يتناهَونَ عن مُنكرٍ فعلُوهُ لبِئسَ ما كانُوا يفعلونَ) سورء المائدة / 79.


113

5 - المعروف والمنكر والأكثرية الصّامتة

من فرائض الإسلام الكبرى فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

وقد ورد تشريع هذه الفريضة في الكتاب الكريم والسّنّة الشّريفة في عدة نصوص دالّة على وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر على جميع المسلمين بنحو الواجب الكفائي1.

كما وردت نصوص أخرى كثيرة في الكتاب والسّنّة، منها ما يشتمل على بيان الشّروط التي يتنجز بها وجوب هذه الفريضة على المسلم. ومنها ما يضيء الجوانب السّياسية والإجتماعية لهذه الفريضة، كما يوضح المبدأ الفكري الإسلامي العام الّذي ينبثق منه هذا التّشريع، دلّ على وجوب هذه الفريضة من الكتاب الكريم قوله تعالى: «﴿ولتكُن مِنكُم أُمَّة يدعُون إلى الخيرِ ويأمُرُون بِالمعرُوفِ وينهون عن المُنكرِ، أُولئك هُمُ المُفلحُون»2.

فقد دلّت هذه الآية على وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من جهة دلالة لام الأمر في «ولتكن» على الوجوب.

1 . من جملة تقسيمات الواجب عند علماء أُصول الفقه تقسيمه إلى واجب عيني وواجب كفائي. ويعنون بالواجب العيني ما يتعلق بكلّ مُكلَّف ولا يسقط عن أحد من المكلّفين بفعل غيره. ويعنون بالواجب الكفائي ما يطلب فيه وجود الفعل من أيّ مكلّف كان، فهو يجب على جميع المكلّفين ولكن يكتفى بفعل بعضهم فيسقط عن الآخرين. نعم إذا تركه جميع المكلّفين فالجميع مذنبون. وأمثلة الواجب الكفائي كثيرة في الشّريعة منها تجهيز الميّت والصّلاة عليه، ومنها الحِرَف والصّناعات والمِهَن الّتي يتوقف عليها انتظام شؤون حياة النّاس ومنها الإجتهاد في الشّريعة، ومنها الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

2 . سورة آل عِمران (مدنيّة - 3) الآية: 104.


114

كما أنّ ظاهرها أنّ الواجب هنا كفائي لا عيني، لأن مفاد الأمر تعلّق بأن تكون في المسلمين أُمّة تأمر وتنهى، لا بجميعهم على نحو العينيّة الإستغراقيّة وعليه فإذا قامت جماعة منهم بهذا الواجب سقط الوجوب عن بقيّة المكلّفين كما هو الشّأن في الواجب الكفائي.

ولم يحدّد في القرآن والسّنّة عدد مخصوص لأفراد هذه الأمّة، فيراعى في عدد الأفراد القائمين بالواجب مقدار الوفاء بالحاجة.

وقد جعل اللّه تعالى في كتابه الكريم وعي هذه الفريضة، وأدائها حين يدعو وضع المجتمع إلى ذلك، من صفات المؤمنين الصّالحين، فقال تعالى:

«والمُؤمِنُون والمُؤمِناتُ بعضُهُم أولياءُ بعضٍ يأمُرُون بِالمعرُوفِ، وينهون عن المُنكرِ، ويُقيمُون الصَّلاةَ وُيؤتُون الزَّكاة ويُطيعُون اللّه ورسُولهُ اُولئك سيرحمُهُمُ اللّه إن اللّه عزيز حكيم»1.

فقد دلّت الآية المباركة على تضامن المؤمنين بعضهم مع بعض في عمل الخير والبرّ والتقوى، وأنّهم جميعاً من جنود هذه الفريضة حين يدعوهم الواجب إليها.

وسياق الآية الكريمة دالّ على وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، من حيث أن بقيّة ما ورد في الآية كلّه من الواجبات المعلومة في الشريعة (الصّلاة، والزّكاة، وطاعة اللّه ورسوله)2، وإن لم تكن الدّلالة السّياقيّة من الدّلالات الّتي لها حجيّة في استظهار الأحكام الشّرعية.

وكما ورد مدح المؤمنين والمؤمنات - كأفراد - في الآية الآنفة، فقد ورد في آية أخرى مدح المسلمين كافّة - كأمّة ومجتمع - من حيث وعيهم لهذه الفريضة وعملهم بها، وتلك هي قوله تعالى:

1 . سورة التّوبة (مدنيّة - 9) الآية: 71.

2 . ربّما يكون المراد من طاعة اللّه ورسوله، بعد ذكر الأمر والنّهي والصّلاة والزّكاة - الطاعة في الشّأن السّياسي، فلا يكون من ذكر العامّ بعد الخاص.


115

«﴿كُنتُم خير أُمَّةٍ أُخرِجت لِلناسِ تأمُرُون بِالمعرُوفِ وتنهون عن المُنكرِ، وتُؤمنُون بِاللّه»1.

وقد مدح اللّه في كتابه الكريم المسلمين من أهل الكتاب، أتباع الأنبياء السّابقين قبل بعثة النّبيّ محمّد (ص) بوعيهم لهذه الفريضة والعمل بها، ممّا يكشف عن أنّها فريضة عريقة في الإسلام منذ أقدم عصوره وصيغهِ، وأنّها قد كانت فريضة ثابتة في جميع مراحله التّشريعيّة الّتي جاء بها أنبياء اللّه تعالى جيلاً بعد جيل. قال تعالى:

«﴿ليسُوا سواءً مِن أهلِ الكتابِ أُمَّة قائمة يتلُون آياتِ اللهِ آناء الليلِ وهُم يسجُدُون. يُؤمنُون بِاللّه واليوم الآخرِ، ويأمُرُون بِالمعرُوف وينهون عن المُنكرِ، ويُسارعُون في الخيراتِ وأُولئك مِن الصّالحين»2.

*

وقد كان إحياء هذه الفريضة، وجعلها إحدى هواجس المجتمع من شواغل الإمام الدّائمة. وقد تناولها في خطبه وكلامه - كما تعكس لنا ذلك النّماذج الّتي اشتمل عليها نهج البلاغة - من زوايا كثيرة:

تناولها كقضيّة فكريّة لا بدّ أن توعى لتغني الشّخصية الواعية، وباعتبارها قضية تشريعية تدعو الأمّة والأفراد إلى العمل.

ومن هذين المنظورين عالجها بعدة أساليب.

*

لقد أعطاها منزلة عظيمة، تستحقها بلا شك، بين سائر الفرائض الشرعيّة، فجعلها إحدى شعب الجهاد الأربع:

«.. والجهادُ منها - من دعائمِ الإيمانِ - على أربعِ شُعبٍ: على الأمرِ بالمعرُوف والنَّهي عن المُنكرِ، والصِّدقِ في المواطن، وشنآن الفاسقينَ، فمن أمرَ بالمعرُوفِ شدَّ ظُهُور المؤمنين، ومن نهى عن المُنكرِ أرغم أنُوف الكافرين ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن

1 . سورة آل عِمران (مدنيّة - 3) الآية: 110.

2 . سورة آل عِمران (مدنيّة - 3) الآية: 113 - 114.


116

شنِئ الفاسِقِين وغضِب للّه غضِب اللّهُ لهُ وأرضاهُ يوم القيامةِ»1.

وجعل الإمام هذه الفريضة، في كلام له آخر، تتقدم على أعمال البرّ كلّها، فقال:

«... وما أعمالُ البِرِّ كُلُّها، والجهادُ في سبيلِ اللّه عندَ الأمرِ بالمعرُوفِ والنَّهي عنِ المُنكرِ إلا كنفثةٍ2 في بحرٍ لُجِّيٍّ...»3.

ومن السّهل علينا أن نفهم الوجه في تقدّم هذه الفريضة على غيرها إذا لاحظنا أنّ أعمال البرّ تأتي في الرّتبة بعد استقامة المجتمع وصلاحه المبدئي - الشّرعي والأخلاقي - وأنّ الجهاد لا يكون ناجعاً إلا إذا قام به جيش عقائدي، وهذه كلّها تتفرع من الوعي المجتمعي للشريعة والأخلاق، ومن الحد الأدنى للإلتزام المسلكي بهما.

*

في بعض كلماته بيّن الإمام جانباً من الأسباب الموجبة لهذا التّشريع، فقال:

«فرضَ اللّهُ... والأمرَ بالمعرُوفِ مصلحةً للعوامِّ، والنَّهي عن المُنكرِ ردعاً للسُّفهاءِ»4.

فعامّة النّاس الّذين قد يقعون في إثم ترك الواجبات لأنّهم لا يعرفونها على وجهها أو يجهلونها، يمكّنهم الأمر بالمعروف من التعلّم والتفقّه، بالإضافة إلى أولئك الّذين يقعون في إثم ترك الواجب وهم يعرفون الواجب والحرام حيث يردّهم الأمر بالمعروف إلى جادّة الصّواب والإستقامة، كما يرد إليها السّفهاء الّذين يتجاوزون في لهوهم وعبثهم حدود اللّه.

*

وللأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مراتب متدرجة من الأدنى إلى الأعلى، فهي

1 . نهج البلاغة - باب الحكم - رقم النّص: 31.

2 . النفثة - كالنّفخة لفظاً ومعنى بزيادة ما يمازج النفس من الريق عند النّفخ.

3 . نهج البلاغة - باب الحكم - رقم النّص: 374.

4 . نهج البلاغة - باب الحكم - رقم النص: 252.


117

فريضة مرنة تستجيب للحالات المتنوعة، وللأوضاء المختلفة. فربّ إنسان تنفع في ردعه الكلمة، وربّ إنسان لا ينفع في شأنه إلا العنف.

ولكلّ حالة طريقة أمرها ونهيها الّتي يقدّرها الآمر والنّاهي العارف، ويتصرّف بقدرها فلا يتجاوزها إلى ما فوقها حيث لا تدعو الحاجة إليه، ولا ينحطّ بها إلى ما دونها حيث لا يؤثّر ذلك في ردع السّفيه عن غيّه وحمله على الإستقامة والصّلاح.

وثمّة حالات من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا بدّ فيها من القتال، وهذه حالات تحتاج إلى أن يقود عملية الأمر والنهي فيها الحاكم العادل. وفي هذه الحالات الخطيرة جدّاً لا يجوز لآحاد الناس أو جماعاتهم أن يقوموا بها دون قيادة حاكم شرعي عادل.

وإذا كانت مراتب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر تتدرج صاعدة من الإنكار بالقلب إلى الإنكار باللّسان إلى الإنكار باليد، وللإنكار باللّسان درجات، وللإنكار باليد درجات...

وإذا كانت الحالات العادية للأمر والنّهي تتفاوت في خطورتها وأهميتها بما يستدعي هذه المرتبة من الإنكار أو تلك...

فإنّ الحالات الكبرى الّتي لا بدّ فيها من تدخل الحاكم العادل والأمّة كلّها قد تبلغ درجة من الخطورة لا بدّ فيها من الإنكار بالقلب واللّسان وأقصى حالات الإنكار باليد - أعني القتال.

وهذا هو ما كان يواجهه المجتمع الإسلامي في عهد الإمام عليه السّلام، متمثلاً تارة في ناكثي البيعة الّذين خرجوا على الشرعيّة واعتدوا على مدينة البصرة، ولم تفلح دعوته لهم بالحسنى في عودتهم إلى الطاعة واضطروه إلى أن يخوض ضدّهم معركة الجمل في البصرة. أو المتمردين على الشرعية في الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان الّذي رفض جميع الصيغ السّياسيّة الّتي عرضها عليه الإمام ليعود من خلالها إلى الشرعية. أو المارقين الخوارج على الشّرعيّة والّذين رفضوا كلّ عروض السّلام الّتي قُدِّمت لهم، وأصروا على الفتنة ومارسوا الإرهاب ضدّ الفلاحين والآمنين والأطفال والنّساء...


118

في هذه الحالات وأمثالها على المسلم المستقيم أن يبرأ من الإنحراف في قلبه، وأن يدينه علناً بلسانه، وأن ينخرط في أيّ حركة يقودها الحاكم العادل لتقويم الإنحراف بالقوة إذا اقتضى الأمر ذلك.

قال عليه السلام، فيما يبدو أنه تقسيم لمواقف النّاس الّذين كان يقودهم من المنكر المبدئي الخطير الّذي كان يهدّد المجتمع الإسلامي كلّه في استقراره، وتقدمه، ووحدة بنيه:

«فمِنهُمُ المُنكرُ للمُنكرِ بيدِهِ ولسانهِ وقلبهِ، فذلك المُستكمِلُ لِخصالِ الخيرِ. ومنهُمُ المُنكِرُ بِلسانهِ وقلبهِ والتَّاركُ بيدهِ فَذلِكَ مُتمسِّك بخصلتين من خصالِ الخيرِ ومُضيع خصلةً، ومنهُم المُنكِرُ بقلبهِ والتَّاركُ بيدهِ ولسانهِ فذلِكَ الَّذي ضيَّع أشرفَ الخصْلَتين من الثَّلاثِ وتمسَّك بِواحدةٍ. ومنهُم تارك لإنكارِ المُنكرِ بلسانهِ وقلبهِ ويدهِ فذلِك ميِّتُ الأحياءِ»1.

ونلاحظ أنّ الإمام سمّى التّارك، في هذه الحالة الخطيرة، لجميع مراتب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر «ميّت الأحياء» ونفهم صدى هذا الوصف إذا لاحظنا أنّ إنساناً لا يستشعر الأخطار المحدقة بمجتمعه، ولا يستجيب لها أيّ استجابة، حتى أقل الإستجابات شأناً وأهونها تأثيراً، وأقلها مؤونةً وهي الإنكار بالقلب الّذي يقتضيه مقاطعة المنكر واعتزال أهله - أنّ إنساناً كهذا بمنزلة الجثة الّتي لا تستجيب لأيّ مثير، لأنّها خالية من الحياة الّتي تشعر وتستجيب.

ويقول عبد الرحمان بن أبي ليلى الفقيه، وهو ممّن قاتل مع الإمام في صفّين، أنّ الإمام كان يقول لهم حين لقوا أهل الشّام:

«أيُّها المؤمنُون. إنَّهُ من رأى عُدواناً يُعملُ بهِ، ومُنكراً يُدعى إليه فأنكرهُ بِقلبهِ فقد سلمَ وبَرئَ، ومن أنكرهُ بِلسانهِ فقد أُجِرَ، وهو أفضلُ من صاحبهِ. ومن أنكرهُ بالسَّيف لِتكُون كلِمةُ اللّه هي العُليا وكلِمةُ الظّالمين هي السُّفلى فذلك الّذي أصاب سبيل الهُدى وقام على الطَّريقِ، ونوَّر في قلبِه اليقينُ»2.

1 . نهج البلاغة - باب الحكم - رقم النص: 374.

2 . نهج البلاغة - باب الحكم - رقم النّص: 373.


119

ونلاحظ هنا أنّ الإمام وضع للإنكار بالسّيف - وهو أقصى مراتب الإنكار باليد - شرطاً، هو أن تكون الغاية منه إعلاء كلمة اللّه لا العصبيّة العائلية أو العنصريّة، ولا المصلحة الخاصة، والعاطفة الشّخصية. وهذا شرط في جميع أفعال الإنسان، وفي جميع مراتب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، إِلا أنّ الإمام عليه السّلام صرّح به في هذه المرتبة لخطورة الآثار المترتبة على القيام بها من حيث أنّها قد تؤدّي إلى الجرح والقتل.

*

ويقدّر الإمام أنّ كثيراً من الناس يتخاذلون عن ممارسة هذا الواجب الكبير فلا يأمرون بالمعروف تاركه ولا ينهون عن المنكر فاعله بسبب ما يتوهمون من أداء ذلك إلى الإضرار بهم: أن يعرضوا حياتهم للخطر، أو يعرضوا علاقاتهم الإجتماعية للإهتزاز والقلق، أو يعرضوا مصادر عيشهم للإنقطاع... وما إلى ذلك من شؤون.

وقد لحظ الشارع هذه المخاوف، فجعل من شروط وجوب الأمر والنهي عن المنكر عدم ترتب ضرر معتدٍّ به على الآمر والناهي.

ولكنّ كثيراً من الناس لا يريدون أن يمسّهم أيّ أذى أو كدر. وهذا موقف ذاتي وأناني شديد الغلوّ لا يمكن القبول به من إنسان يفترض فيه أنه ملتزم بقضايا مجتمعهِ كما هو شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. فهو إنسان يستبدّ به القلق لأيّ انحراف يراه، ويدفعه قلقه وأخلاقه إلى أن يتصدّى للإنحراف بالشّكل المناسب، وهو الّذي قال فيه الامام في النّص السّابق «المستكمل لخصال الخير».

لقد نبّه الإمام - في موضعين من نهج البلاغة على أنّ التّخاذل عن الأمر والنهي خشية التعرض للأذى ناشئ عن أوهام ينبغي أن يتجاوزها المؤمن الملتزم بقضية مجتمعه، فلا يجعلها هاجسهُ الّذي يشلّه فيحول بينه وبين الحركة المباركة المثمرة، فقال الإمام فيما خاطب به أهل البصرة في إحدى خطبه، وقد كانوا بحاجة إلى هذا التّوجيه، لما شهدته مدينتهم، وتورّط فيه كثير منهم من فتنة الجمل:

«وإنّ الأمرِ بالمعرُوفِ والنَّهي عنِ المُنكرِ لخُلُقان مِن خُلُق اللّه سُبحانهُ، وإنَّهُما لا يُقرِّبان مِن


120

أجلٍ، ولا ينقصانِ مِن رزقٍ»1.

ونوجّه النظر إلى قوله عليه السّلام أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر خلقان من خلق اللّه عزّ وجلّ، فاللّه هو الآمر بكلّ معروف، والناهي عن كلّ منكر، وإذن، فإنّ المؤمن الملتزم بقضية مجتمعه الواعي للأخطار المحدقة به، يمتثل - حين يأمر وينهى - للّه تعالى ويتبع سبيله الأقوم.

وقال الإمام في موقف آخر:

«وإنَّ الأمرَ بالمعرُوف والنَّهي عنِ المُنكرِ، لا يُقرِّبان من أجلٍ ولا ينقُصان من رزقِ»2.

*

قلنا إنّ إحياء هذه الفريضة، وجعلها إحدى هواجس المجتمع الدّائمة، وإحدى الطّاقات الفكرية الحيّة المحرّكة للمجتمع كان من شواغل الإمام الدّائمة.

وكان يحمله على ذلك عاملان:

أحدهما أنّه إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، ومن أعظم واجباته شأناً أن يراقب أمّته، ويعلّمها ما جهلت، ويعمّق وعيها مما علمت، ويجعل الشّريعة حيّة في ضمير الأمة وفي حياتها.

وثانيهما هو قضيته الشّخصيّة في معاناته لمشاكل مجتمعه الدّاخلية والخارجية في قضايا السّياسة والفكر.

فقد كان الإمام يواجه في مجتمعه حالة شاذة لا يمكن علاجها والتغلب عليها إِلا بأن يجعل كلّ فرد بالغ في المجتمع - والنّخبة من المجتمع بوجه خاص - من قضية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، في كلّ موقف تدعو الحاجة إليهما وخاصة في المواقف الخطيرة، قضية التزام شخصي واع وصارم.

لقد شكا الإمام كثيراً من النّخبة في مجتمعه، وأدان هذه النّخبة بأنّها نخبة فاسدة

1 . نهج البلاغة - رقم الخطبة 156.

2 . نهج البلاغة - باب الحكم - رقم النّص 374.


121

في الغالب لأنّها لم تلتزم بقضية شعبها ووطنها وإنّما تخلّت عن هذه القضية سعياً وراء آمال شخصية وغير أخلاقية...

أكثر من هذا: لقد اتّهم الإمام هذه النخبة مراراً بأنّها خائنة. ومن مظاهر عدم التزامها بقضية شعبها أو خيانته هو تخليها الّذي لا مبرّر له عن ممارسة واجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وإذ يئس الإمام من التّأثير الفعّال في هذه النّخبة فقد توجّه بشكواه رأساً إلى عامة الشّعب محاولاً أن يحركه في اتجاه الإلتزام العملي بقضيته العادلة، موجهاً وعيه نحو الأخطار المستقبلية، محذراً له من تطلّعات نخبته.

نجد هذا التّوجه نحو عامة الشعب مباشرة ظاهراً في الخطبة القاصعة الّتي تضمّنت ألواناً من التّحذير، النّابض بالغضب، من السقوط في حبائل النّخبة.

وكانت قضية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر - فيما يبدو - والتراخي أو اللامبالاة الّتي تظهرها النّخبة نحو هذه القضية - إحدى أشدّ القضايا إلحاحاً على ذهن الإمام وأكثرها خطورة في وعيه.

وكان أسلوب التّنظير بالتاريخ إحدى الوسائل الّتي استعملها الإمام في تحذيره لشعبه وفي تعليمه الفكري لهذه الفريضة.

لقد كانت شكواه وتحذيراته المترعة بالمرارة والألم نتيجة لمعاناته اليومية القاسية من مجتمعه بوجه عام ومن نخبة هذا المجتمع بوجه خاص.

ولا بدّ أنّ هؤلاء وأولئك قد سمعوا من الإمام مراراً كثيرة مثل الشّكوى التّالية الّتي قالها في أثناء كلام له عن صفة من يتصدّى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل:

«إلى اللّه أشكُو مِن معشر يعيشُون جُهالاً ويمُوتُون ضُلالاً. ليس فيهم سِلعة أبورُ1 مِن الكتاب إذا تُلي حقَّ تلاوتهِ، ولا سلعة أنفق بيعاً ولا أغلى ثمناً مِن الكِتاب إذا حُرِّف عن مواضعهِ، ولا عندهُم أنكر من المعرُوف ولا أعرفُ من المُنكرِ»2.

1 . أبور - على وزن أفعل - من البور، الفاسد، بار الشيء أي فسد، وبارت السّلعة أي كسدت ولم تنفق، وهذا هو المراد هنا: أنّ العمل الحق بالقرآن كاسد لا يقبله الناس ولا يتعاملون معه.

2 . نهج البلاغة، الخطبة رقم: 17.


122

كان النّهج الّذي سار عليه الإمام في حكمه نهج الإسلام الّذي يستجيب لحاجات عامّة النّاس في الكرامة، والرّخاء، والحرّيّة.

وكان هذا النّهج يتعارض، بطبيعة الحال، مع مصلحة طبقة الأعيان وزعماء القبائل الّذِين اعتادوا على الإستماع بجملة من الإمتيازات في العهد السّابق على خلافة أمير المؤمنين علي (ع).

وقد كان لهذه الطّبقة ذات الإمتيازات أعظم الأثر في الحيلولة بشتّى الأساليب دون تسلّم الإمام للسّلطة في الفرص الّتي مرّت بعد وفاة رسول اللّه (ص)، وبعد وفاة أبي بكر، وبعد وفاة عمر، ولكنَّه بعد وفاة عثمان تسلّم السلطة على كراهية منه لها، وعلى كراهية من النّخبة له، فقد قبلت به مرغمة لأن الضغط الذي مارسته الأكثرية الساحقة من المسلمين في شتّى حواضر الإسلام شلّ قدرة النّخبة المالية وطبقة الأعيان على التأثير في سير الأحداث، فتكيّفت مع الوضع الجديد الّذي وضع الإمام علياً - بعد انتظار طويل - على رأس السّلطة الفعليّة في دولة الخلافة.

وقد كشفت الأحداث الّتي ولدت فيما بعد عن أنّ هذا التكيّف كان مرحليّاً، رجاء أن تحتال في المستقبل، بطريقة ما - لتأمين مصالحها وامتيازاتها.

وحين يئست طبقة الأعيان هذه من إمكان التّأثير على الإمام وتبدّدت أحلامهم في تغيير نهجه في الإدارة وسياسة المال وتصنيف الجماعات تغييراً ينسجم مع مصالحهم فيحفظ لها مراكزها القديمة، ويبوّئها مراكز جديدة ويمدّها بالمزيد مِن القوة والسّلطات على القبائل والموالي من سكّان المدن والأرياف... حين يئست هذه الطّبقة من كلّ هذا وانقطع أملها.. طمع كثير من أفراد هذه الطّبقة بتطلّعاته إلى الشّام ومعاوية بن أبي سفيان، فقد رأوا في نهجه وأسلوبه في التّعامل مع أمثالهم ما يتّفق مع فهمهم ومصالحهم... وتخاذل بعض أفرادها عن القيام بواجباتهم العسكرية في مواجهة النشاط العسكري المتزايد الّذي قام به الخارجون عن الشّرعية في الشّام، هذا النّشاط الّذي اتّخذ في النّهاية طابع الغارات السّريعة وحروب العصابات.

وكان تخاذلاً لا يمكن تبريره بجبنهم فشجاعتهم ليست موضع شك على الإطلاق.

ولا يمكن تبريره بقلّتهم، فقد كانت الأمّة قادرة على أن تزود حكومتها الشرعية


123

بجيوش جرّارة وجنود أقوياء مدربين جعلت منهم طبيعتهم، وثقافتهم، وحروب الفتح الّتي خاضوها مدة سنوات طويلة من خيرة المقاتلين في العالم.

ولا يمكن تبريره بنقص في التّسليح وعدة الحرب وعتادها، فقد كانت معامل السّلاح نشطة لتأمين إحتياطي ضخم من السّلاح لمجتمع كان لا يزال محارباً.

ولا يمكن تبريره بسوء الحالة الإقتصاديّة، فقد كان المال العام وفيراً بعد أن أصلحت الإدارة الماليّة في خلافة الإمام.

لم يكن إذن ثمة سبب للتّخاذل سوى الموقف السّياسي غير المعلن الّذي صممت النّخبة من الأعيان وزعماء القبائل على التّمسك به والتّصرّف في القضايا العامّة وفقاً له، إلى النّهاية، وذلك بهدف تفريغ حكومة الإمام علي من قوة السّلطة، وجعلها عاجزة عن الحركة بسبب عدم توفّر الوسائل الضّرورية لها، وهذا ما يؤدّي في النّهاية إلى انتصار التّمرّد على الشّرعية.

كان هذا الموقف السّياسي غير المعلن هو سبب التّخاذل.

وقد كان هذا الموقف غير معلن، بل كان قادة هذه النّخبة يوحون بإخلاصهم وتفانيهم، لأنّ هذه النخبة كانت تخاف، إذا أعلنت موقفها وكشفت عن نواياها وأهدافها البعيدة وأمانيها المخزية، من جمهور الأمّة أن يكتشف لعبتها ضد آماله ومصالحه، فيدينها ويعاقبها.

وقد حفظ لنا الشريف في نهج البلاغة نصوصاً كثيرة يلوم فيها الإمام نخبة مجتمعه لوماً قاسياً مرّاً على تراخيهم وتخاذلهم عن القيام بالتزاماتهم العسكرية في الدّفاع عن الشرعية، ولا شكّ أنّ الإمام في آخر عهده كان مضطرّاً للإكثار من هذا اللّوم والتقريع، كقوله في إحدى خطبه:

«ألا وإنّي قد دعوتُكم إلى قتالِ هؤلاءِ القوم ليلاً ونهاراً، وسِرّاً وإعلاناً، وقلتُ لكُم: اغزُوهُم قبل أن يغزوكُم، فو اللّه ما غُزي قوم قطُّ في عُقرِ دارهِم1 إلا ذلُّوا، فتواكلتُم وتخاذلتُم2،

1 . عُقر دارهم: أصل دراهم، والعُقر: الأصل، ومنه: العقار للنخل، كأنّه أصل المال.

2 . تواكلتم: من وكلت الأمر إليك ووكلته إليّ، أي لم يتوله أحد منا، ولكن أحال به كلّ واحد على الآخر.


124

حتّى شُنَّت1 عليكُمُ الغاراتُ، ومُلِكت عليكُمُ الأوطانُ...

فيا عجباً! عجباً واللّهُ يُميتُ القلب، ويجلبُ الهمَّ، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلِهم، وتفرُّقِكم عن حقِّكم! فقُبحاً لكُم وترحاً2 حين صِرتُم غرضاً يُرمى: يُغارُ عليكم ولا تُغيرُون، وتُغزون ولا تغزُون، ويُعصى اللّه وترضون.

«فإذا أمرتُكم بالسَّيرِ إليهم في أيّامِ الحرِّ قلتُم: هذه حمارةُ القيظ أمهلنا يُسبخُ عنّا الحرُّ3، وإذا أمرتُكُم بالسير إليهم في الشتاء قلُتُم: هذه صبارَّةُ القُرِّ4... كُلُّ هذا فِراراً من الحرِّ والقُرِّ، فإذا كُنتُم مِن الحرِّ والقُرِّ تفرُّون، فأنتُم واللّهِ من السيف أفرُّ.

«يا أشباه الرِّجالِ ولا رجال ! حلُومُ الأطفالِ، وعُقُولُ ربَّاتِ الحجالِ5 لوددتُ أنّي لم أركُم ولم أعرفكُم معرفةً - واللّه - جرَّت ندماً وأعقبت سدماً6.

«قاتلكُمُ اللّهُ! لقد ملأتُم قلبي قيحاً، وشحنتُم صدري غيظاً، وجرعتُمُوني نُغب التَّهمامِ أنفاساً7 وأفسدتُم عليّ رأيي بالعصيانِ والخذلانِ، حتَّى لقد قالت قُريش: إن ابن أبي طالبٍ رجُل شُجاع ولكن لا عِلم لهُ بالحرب، للهِ أبُوهُم وهل أحد منهُم أشدُّ لها مراساً وأقدمُ فيها مقاماً منِّي لقد نهضتُ فيها وما بلغتُ العشرين وهأنذا قد ذرَّفتُ8 على السِّتِّين! ولكن لا رأي لِمن لا يُطاعُ»9.

*

بهذه المرارة، وبهذا الغضب، وبهذه السّخرية، وبهذا الإحتقار كان الإمام يواجه هذه النخبة الّتي تخاذلت عن القيام بواجبها، أو خانت قضية شعبها.

ويبدو أن هذه الطبقة - أو فريقاً منها - كانت تحاول، ستراً لمواقفها الّتي عمل

1 . شُنّت الغارات: فرقت، أي نشبت الحروب الصّغيرة في أماكن متعدّدة (حرب العصابات).

2 . دعاء عليهم بالخزي والسّوء: القبح، والتّرح.

3 . حمارّة القيظ: شدّة حره. ويسبخ عنا الحر: بمعنى يخفّ، ويلطف الهواء.

4 . صبارّة الشّتاء: بتشديد الرّاء - شدة برد الشّتاء. وهذه هي الأعذار الّتي كانوا يبرّرون بها تخاذلهم ويلوذون بها دون كشف موقفهم السّياسي الّذي بيّناه.

5 . الحجال: جمع حجلة، وهي بيت يزين بالسّتور، والثّياب، والأسرّة.

6 . السّدم: الحزن والغيظ.

7 . النّغب: جمع نغبة: وهي الجرعة، والتّهمام: الهمم، أنفاساً: جرعة بعد جرعة.

8 . ذرّفت: زدت على السّتين.

9 . نهج البلاغة - الخطبة رقم: 27.


125

الإمام على فضحها، أن تتظاهر في بعض الحالات بالغيرة والحميّة الدّينية، فتتخذ مواقف لفظية آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر دون أن تترجم ذلك إلى أفعال وممارسة عملية، شأنها في ذلك شأن الكثيرين ممّن يسترون خياناتهم وأنانيتهم، وحرصهم على المتاع الدّنيوي بالمواقف الأخلاقية اللّفظية.

ولكنّ الإمام عليّاً كان يعرف هؤلاء، ومن السّهل معرفتهم في كلّ زمان، وكان يفضح هذه المواقف المنافية بقسوة، لأنها تضيف إلى جريمة الخيانة السّياسيّة رذيلة النّفاق والتّمويه على بسطاء النّاس، فيقول مبصِّراً مجتمعه بفساد العلاقات الناشئ من فساد النّخبة:

«... وهل خُلقتُم إلا في حُثالةٍ1 لا تلتقي إلا بذمِّهمُ الشَّفتان، استصغاراً لقدرهِم، وذهاباً عن ذكرهِم، فإنّا للّه وإنا إليه راجعون.

«ظهر الفسادُ فلا مُنكر مُغيِّر، ولا زاجر مُزدجِر. أفبهذا تُريدُون أن تجاورُوا اللّه في دارِ قُدسهِ، وتكُونوا أعزَّ أوليائهِ عندهُ ؟ هيهات! لا يخدعُ اللّه عن جنَّتهِ، ولا تُنالُ مرضاتُهُ إلا بطاعتهِ.

«لعن اللّهُ الآمرين بالمعرُف التّاركين لهُ، والنّاهين عن المُنكر العاملين بهِ»2.

*

وإذا كانت مصلحة الحكم المستبد الطبقي أو الفئوي تقضي بأن يصمت الشعب ولا يرتفع منه صوت اعتراض أو احتجاج، أو إدانة مهما أصابه من مظالم، ومهما حلّ بحقوقه من انتهاكات، فإنّ مصلحة الحكم الشّعبي الملتزم بالمصالح الحقيقيّة للناس العاديّين البسطاء هي على العكس من ذلك... إنّ مصلحة هذا الحكم الّذي يستمدّ فاعليته وقوته من مجموع الشعب هي في أن يتكلّم النّاس في الشّأن السّياسي مؤيدين أو منتقدين لحماية مصالحهم الحقيقيّة في مواجهة البنى العليا في المجتمع الّتي تتبع سياسات مضادّة لمصالح مجموع الشعب على المدى القريب أو البعيد، والّتي تعمل

1 . الحثالة: الرديء من كلّ شيء.

2 . نهج البلاغة - الخطبة رقم 129.


126

باستمرار لتكوين حالات اجتماعية، ومشاغل واهتمامات فكريّة تصرف فئات الشعب عن مصالحها الجوهرية1 وتقعد بها عن مساعدة الحكم الشّعبي الّذي يمثل هذه المصالح ويعمل لتحقيقها، هذا إذا لم تفلح هذه البنى العليا في أن تؤلّب بعض فئات الشّعب - نتيجة للتّضليل - ضد هذا الحكم.

وسكوت الشّعب في حالة النّشاط المعادي الّذي تقوم به البنى العليا، أو عدم مبالاته، بترك السّاحة خالية أمام هذه القوى لتفسد على الحكم الشّعبي سياساته المستقبليّة دون أن تخشى عقاباً، لأنّ الحكم في هذه الحالة يقف في مواجهة تلك القوى وهو أعزل، وهذا يمنعها من التّغلب عليه أو من تجاوزه. وهذا ما كان يحدث في كثير من الحالات في عهد الإمام عليه السّلام، وكان يثير غضبه على النّخبة لفسادها، ويحمله على كشف عيوبها أمام أعين النّاس.

لقد كان الإمام عليه السّلام حريصاً أشدّ الحرص على أن يحرّك الجماهير ويدفع بها دوماً إلى أن تعبّر عن رأيها، وتعلن عن مواقفها.

وتعكس لنا النّصوص إدراك الإمام العميق للأهميّة الكبرى والحاسمة الّتي تبيّنها هذه المسألة في عمله السّياسي، وذلك في مظهرين:

الأوّل:

كثرة المناسبات الّتي أثار فيها الإمام موضوع الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وتنوّع الأساليب الّتي شرحه بها. وهذا أمر ملفت للنّظر بالنّسبة إلى حكم شرعي ثابت في القرآن الكريم والسّنّة النبوية ويعتبره الفقهاء من الأحكام القطعية الضّرورية، إنّ هذا الإهتمام المستمر على مسألة الأمر والنّهي يكشف عن أنّ الإمام كان يواجه في المجتمع حالة غفلة عن الحكم الشّرعي بوجوب الأمر والنهي، وحالة تراخ عن القيام

1 . في المؤتمر الّذي عقده الخليفة عثمان بن عفان، عند تعاظم موجة الإحتجاج والتّذمر - وجمع الولاة والعمال الكبار - لمعالجة الموقف المتفجّر بالغضب والنّقمة على سياسة الدّولة - كان اقتراح عبد اللّه بن عامر، حاكم ولاية البصرة أن تحبس الجيوش حيث هي (تجمر) ولا يؤذن لها بالعودة ليشغل الجنود بمشاكل حياتهم اليوميّة عن النشاط السّياسي - ومن المؤسف أنّ هذا الإقتراح هو الّذي تمّ العمل به فأدى إلى الفتنة الكبرى.


127

بهذه الفريضة الإسلامية على وجهها، وهذه الغفلة وهذا التّراخي حملاه على أن يذكّر المسلمين بفريضة الأمر والنّهي ما استطاع.

الثّاني:

عنف الأسلوب الّذي عبّر به الإمام عن أفكاره وعن معاناته حين كان يوجّه خطاباته إلى المسلمين في هذا الموقف أو ذاك مقرّعاً لائماً، أو مشجعاً حاثاً لهم على أداء هذه الفريضة... وهو ما يكشف عن أنّ الإمام يعاني من قلق عميق وغضب مكبوت نتيجة لما يراه في المجتمع من إهمال. وتراخ.

*

وقد حثّ الإمام المسلمين على الإلتزام العملي بفريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في حياتهم العامّة وعلاقاتهم الإجتماعية والسّياسيّة بأساليب متنوعة، ونظر إليها من زوايا متعدّدة.

ومن جملة الأساليب الّتي اتّبعها في تعليمه الفكري والسّياسي بِالنّسبة إلى هذه الفريضة أسلوب التّنظير التّاريخي، فمن ذلك قوله في الخطبة القاصعة:

«وإنَّ عِندكُمُ الأمثال مِن بأسِ اللّه وقوارعهِ، وأيّامهِ ووقائعهِ، فلا تستبطئُوا وعيدهُ جهلاً بأخذهِ، وتهاوُناً ببطشهِ، ويأساً من بأسهِ، فإنّ اللّه سُبحانهُ لم يلعنِ القرن الماضي بين أيديكُم، إلا لتركِهمُ الأمر بالمعرُوف والنّهي عن المُنكر، فلعنَ اللّه السُّفهاء لِرُكُوبِ المعاصي، والحُلماء لترك التَّناهي»1.

نلاحظ أنّ الإمام عبّر في هذا النّص، كما في نصوص أخرى - عن إنكاره بشأن ما يراه في مجتمعه من تهاون وتراخ في امتثال فريضة الأمر والنّهي، بأسلوب شديد الوقع يتجاوز النصيحة الرّقيقة الهادئة إلى الإنذار الشّديد، والتّحذير من أهوال كبرى مقبلة، واستعان على تصوير ذلك بالتذكير بما حلّ في القرن الماضي من اللّعن نتيجة لإهماله هذه الفريضة أو تراخيه عن القيام بها.

1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم: 192.


128

واللّعن هنا ليس عقاباً روحياً وأخروياً فقط، إنّه هنا يأخذ معنى سياسيّاً، إنّ اللّعن هو البعد عن رحمة اللّه ورعايته، وهذا يعني أنّ الملعون يتعرّض للنّكبات السياسيّة والإجتماعيّة الّتي تؤدي به في النهاية إلى الإنحطاط والإنهيار.

والظاهر أنّ الإمام يعني بالقرن الماضي الإسرائيليّين، فإنّ في كلامه هنا قبساً من الآية الكريمة:

«لُعِنَ الذينَ كفرُوا من بني إسرائيلَ على لِسانِ داوُد وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانُوا يعتدُونَ. كانوا لا يتناهونَ عن مُنكرٍ فعلُوهُ لبئسَ ما كانُوا يفعلُون»1.

*

في النّص التالي اتّبع الإمام أسلوب التّنظير بالتاريخ أيضاً في تعليمه الفكري لمجتمعه بشأن فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، معيداً إلى أذهان مستمعيه قصة ثمود القرآنية، والنّكبة المرعبة الّتي أبادتهم حين عصوا أمر اللّه تعالى إليهم في شأن ناقة نبيهم صالح (ع).

وليس من همنا هنا عرض الحادث التاريخي القرآني، وإنّما نبغي الكشف عن استخدام الإمام للتاريخ في تعليمه الفكري.

والإمام في التّنظير الوارد في النّص التّالي يثير مسألة ذات أهمية بالغة في العمل السّياسي، وهي أنّ حركة التاريخ تقودها دائماً جماعة قليلة العدد من الناس تملك القدرة على الحركة فتبادر إلى اتخاذ المواقف، في حين أنّ غيرها من الناس يكون في حالة سكون، فتكوّن بحركتها وقائع جديدة تحمل الناس على قبولها، وتضع السّلطة أمام أمر واقع.

وحين تكون هذه الجماعة المتحركة القليلة العدد ملتزمة بقضايا مجتمعها، عاملة في سبيل مصلحته، فإنّ واجب المجتمع أن يساندها ويقدّم لها العون المعنوي والمادّي في جهادها.

1 . سورة المائدة (مدنيّة - 5) الآية: 78 - 79.


129

أمّا حين تعمل هذه الجماعة ضد مصالح المجتمع العليا والحقيقة - رغم ما توشّي به عملها من ألوان خادعة - فإنّ على المجتمع أن يتحرك ويقف في وجهها، ويلجم اندفاعها ذوداً عن مصالحه.

أمّا سكوت المجتمع وسكونه وسلبيته تجاه مواقف هذه الجماعة فإنّه جريمة يرتكبها في حق نفسه، لأن الكارثة حين تقع في النهاية نتيجة لأعمال الجماعة المتحركة لا تميّز بين المسبّبين لها وبين السّاكتين عنهم. إنّها حين تقع تصيب بشرورها المجتمع كلّه، بل لعلّها، في قضايا السّياسة والفكر، تصيب السّاكتين عنها أكثر ممّا تصيب المسبّبين لها، والّذين تكمن مصلحتهم في الإنحراف والتزوير.

ومن هنا فإنّ ما اصطلح عليه في لغة السّياسة في هذه الأيام باسم الأكثريّة الصّامتة، هذه الأكثريّة الّتي لا تبدي فيما يجري أمامها وعليها ولا تعيد، وإنما تقبل ما يقوم به الآخرون مختارة أو مرغمة، راضية أو ساخطة،... هذه الأكثريّة الصّامتة بموقفها هذا تقوم بدور الخاذل للحق أو المتواطئ على الجريمة.

وذلك لأن الصّمت في هذه الحالات ليس علامة على البراءة والطّيبة، وإنّما هو علامة الجبن والغفلة والفرار من المسؤولية.

وهذه السّلبية الّتي هي في مستوى الجريمة لا تعفى من العقاب، والعقاب في هذه الحالة لا تقوم به السّلطة وإنّما تقوم به القوانين الإجتماعية الّتي تصنع الكارثة، يقوم به القدر الّذي لا يميّز بين السّاكن والمتحرك وإنّما يجرف الجميع، يقوم به اللّه تعالى الّذي يؤاخذ الجميع بذنوبهم: المتحركين بذنب المعصية، والساكتين بذنب توفير أجواء الجريمة أمام المجرمين ليرتكبوا جرائمهم.

ولذا، فإنّ الأكثرية الصّامتة، من هذا المنظور، لا تضمّ أبرياء، وإنّما تضمّ متواطئين وجبناء، سبّبوا، بإيثارهم للسّلامة الشخصية العاجلة، كوارث عامّة مستقبليّة، وجبنهم الّذي يكشف عن أنانيتهم الرّخيصة والذلّيلة يكشف عن أنّهم ليسوا جيلاً صالحاً لأن يبني حياة مزدهرة.

إنّ الكوارث الإجتماعية، كالكوارث الطّبيعيّة، تجرف في طريقها، حين تقع النّبات النّافع والنّبات الضّار، ولا تميّز بينهما في الدّمار.


130

قال عليه السلام:

«... وإنّهُ سيأتي عليكُم من بعدي زمان ليس فيه شيء من الحقِّ، ولا أظهر من الباطلِ، ولا أكثر من الكذبِ على اللّه ورسُوله، وليس عند أهلِ ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تُلي حقَّ تلاوته، ولا أنفق منهُ إذا حُرِّفَ عن مواضعه، ولا في البلاد شيء أنكرَ من المعرُوف ولا أعرف من المنكرِ، فقد نبذ الكتاب يومئذٍ حملتُهُ، وتناساهُ حفظتُهُ فالكِتابُ يومئذٍ وأهلُهُ طريدانِ منفيّانِ، وصاحبان مُصطحبان في طريقٍ واحدٍ لا يؤويهُما مؤو... فالكتابُ وأهلُهُ في ذلك الزمانِ في النّاسِ وليسا فيهم، ومعهُم وليسا معهُم، لأنّ الضَّلالةَ لا تُوافِق الهُدى وإن اجتمعا...»1.

وتصور الفقرة الأخيرة من هذا النّص أبلغ تصوير واقع الإنفصال بين الأمّة وبين قيادتها الفكريّة نتيجة لاغترابها الثقافي، وانفصالها - في مجال تكوين المفاهيم والتوجيه - عن أُصولها الفكريّة.

وهذا الإغتراب الثّقافي - الحضاري النّاشئ عن هجر الأصول - وليس عن التّفاعل مع الآخرين - يؤدّي إلى موقف في المنكر والمعروف خطير، فإنّ ثمّة مقياسينِ للقيم والمثل الأخلاقية. أحدهما المقياس الموضوعي، والآخر المقياس الذّاتي.

المقياس الموضوعي هو الّذي يجعل شريعة المجتمع وعقيدته منبعاً للقيم الأخلاقية ففي مجتمع إسلامي، مثلاً، يكون منبع القيم هو العقيدة والشّريعة الإسلاميتان.

وكذلك الحال في مجتمع مسيحي مثلاً أو بوذي.

وهذا المقياس يقضي بأن يكون المجتمع ملتزماً بعقيدته وشريعته في مؤسساته ونظمه وعلاقاته بدرجة تجعله تعبيراً عن تلك العقيدة والشّريعة.

والمقياس الذّاتي هو الّذي يجعل منبع القيم الأخلاقية شخص الإنسان، فالإنسان في هذه الحالة هو الّذي يخترع أخلاقياته وقيمه الّتي تكيّف سلوكه تجاه المجتمع وعلاقاته في داخل المجتمع، ويستبعد هذا المقياس أي مصدر للقيم خارج الذّات للقيم والأخلاقيّات.

1 . نهج البلاغة - الخطبة رقم 147.


131

قال عليه السلام:

« أيُّها النّاسُ. إنَّما يَجمَعُ النّاسَ الرِّضَى والسُّخْطُ ،وَانَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُل وَاحِد، فَعَمَّهُمُ اللّه بِالعَذابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَى »1.

*

وقد حذر الإمام بجتمعه في إحدى استبصاراته نحو المستقبل من وضعية فكرية وثقافية تودّي إالى هجر الأصول الثقافية والفكرية التي تكوّن روح المجتمع الإسلامي وتسمه بطابعه الخاص المميّز له عن سائر التجمعات الثقافية - الحضارية ، وتعطيه دوره المميز والخاص في حركه التاريخ العالمي وبناء الحضارة ... وتؤدي به - نتيجة لاتبثاقه عن أصوله - إلى أن يكون نسخة من ثقافة أُخرى ، ووحدة من وحدات حضارة اخرى ، وتغدو الاصول الثقافية التي ترجع كلّها الى الكتاب والسنّة مجرّد أشكال يتداولها النّاس دون أن يكون لها دور في تكوين المفاهيم، وبناء الشخصية، ورسم طريق العمل.

إنّ المسلمين أنفسهم، يومئذٍ سينبذون الكتاب باعتباره مصدراً للمفاهيم الفكريّة، ويتّجهون نحو منابع غريبة عن ثقافتهم وحضارتهم، وعقيدتهم وشريعتهم، وتاريخهم، يستمدّون منها الغذاء العقلي والنفسي، والتوجيه السلوكي.

وننبّه هنا إلى أنّ الإغتراب الثقافي النّاشئ عن هجر الاُصول - وهو ما حذّر الإمام منه - غير الإنفتاح الثقافي- الحضاري الذي يتولّد من الطموح إلى التّفاعل مع الآخرين واكتشاف صيغهم الحضاريّة والتعرّف على فتوحهم الفكريّة مع الحفاظ على الأصول، والأمانة للذّات ومقوّماتها...فهذا الإنفتاح أمر مطلوب مرغوب، وقد مارسه المسلمون وكانوا سادة فيه حين أنشأواالحضارة الإسلاميّة العظيمة التي انفتحت على كلّ الإنجازات الخيّرة في الحضارات الأخرى، فاكتشفوها وكيّفوها وفقاً لقيم الإسلام، ومفاهيم الإسلام، وأخلاقيات الإسلام المستمدة من الكتاب والسّنّة والفقه.

1- نهج البلاغة - رقم النص 201.


132

وحينئذٍ يقع التعارض بين عقيدة المجتمع الرّسمية وشريعته، وبين أخلاقيّات وقيم أفراده وفئاته، ففي مجتمع إسلامي، مثلاً، أو مسيحي أو بوذي، لا بّد أن نكتشف - في حالة شيوع المقياس الذاتي للقيم بين الأفراد - أن التزام المجتمع بعقيدته وشريعته التزام شكلي يرافق الإلحاد العملي.

والأثر الذي يترتب على التزام المقياس الموضوعي للقيم في المجتمع أو المقياس الذّاتي هام جداً.

أولاً:

يؤدّي اعتماد المقياس الموضوعي إلى نمو الفرد دون عُقد وتمزقات داخلية، لأنه يوفّر حالة التّجانس والتّكامل بين محتوى الضّمير والعقل وبين التعبير السّلوكي في العلاقات مع المجتمع وفي داخله.

أمّا اعتماد المقياس الذّاتي فإنّه يؤدّي إلى خلاف ذلك، لأنّ اتباع المقياس الذّاتي يحدث للفرد تمزقات داخلية وعُقداً في نفسه، لأنّه يجعله دائماً في حالة تعارض وتجاذب بين الزام العقيدة والشّريعة وبين رغبات الذّات باعتبارها مصدراً للقيم، ويؤدي ذلك إلى انعكاسات ضارة لا تقتصر على الأفراد، وإنّما تتجاوزهم إلى المجتمع نفسه.

وثانياً:

إنّ المقياس الموضوعي بما يوفّره من تجانس في داخل الفرد بين أخلاقياته من جهة ومعتقده وشريعته من جهة أخرى يؤدي إلى تلاحم واسع النطاق داخل المجتمع، ويكوّن لدى المجتمع نظرة إلى المشكلات، ويؤدّي أيضاً إلى تكوين مواقف واحدة أو متقاربة بين الجماعات تجاه التّحديات الّتي تواجه المجتمع.

أمّا اعتماد المقياس الذّاتي فإنّه يؤدّي إلى العكس من ذلك. إنّه يؤدّي إلى تخلخل البنية الإجتماعية، وتعدّد الفئات ذات المنازع الفكريّة والسّياسيّة المختلفة، ويكوّن مناخاً ملائماً لتولّد المشاكل الإجتماعية وتعاظمها، لأنّ المقياس الذّاتي لدى الأفراد والجماعات شديد التنوّع والإختلاف.


133

وهذا التّشرذم يؤدّي: أمّا إلى العجز عن اتخاذ مواقف موحّدة على الصّعيد القومي أو الوطني نتيجة لتعدّد الإرادات والميول، وأمّا إلى الإستسلام للدّعاية السّياسيّة الّتي يخطط لها وينفذها فريق من ذوي الأغراض والغايات الخاصة يخضع عقول الناس لمفاهيمه وقناعاته، ويحملها على قبول اختيارات قد لا تنسجم مع المصالح الحقيقية للأمّة، وإنّما تنسجم مع مصالح هذا الفريق الّذي يملك وسائل الدّعاية والإعلان والإعلام، وهذا هو ما يحدث في العصر الحديث، ويؤدّي إلى كوارث كبرى على الأصعدة الوطنية في بعض الحالات، وعلى الصعيد العالمي في بعض الحالات الأخرى، حيث يعرّض سلام العالم كلّه أو سلام قارّة بكاملها لمطامح ومطامع حفنة صغيرة من الناس تكيّف عقول شعوب بكاملها، دافعة بها إلى اتخاذ مواقف سياسيّة تناقض مصالحها الوطنية، ومصالح جميع الشّعوب، وقضية فلسطين أكبر شاهد على ما نقول.

لقد نبّه الإمام عليه السّلام إلى هذا الخطر، وحذّر منه مجتمعه، فقال:

«فيا عجباً، وما لي لا أعجبُ مِن خطإِ هذه الفرقِ على اختلاف حُججها في دينها، لا يقتصُّون أثر نبيٍّ، ولا يقتدُون بعملِ وصيٍّ، ولا يؤمنون بغيبٍ، ولا يعفُّون1 عن عيبٍ. يعملُون في الشُّبُهات ويسيُرون في الشَّهواتِ. المعروفُ فيهم ما عرفُوا والمُنكر عندهُم ما أنكروا. مفزعُهُم في المُعضلاتِ إلى أنفُسهم وتعويلُهُم في المُهمّاتِ على آرائهم، كأنَّ كُلَّ امرئٍ منهُم إمام نفسهِ، قد أخذَ منها فيما يرى بعُرىً ثقاتٍ وأسبابٍ مُحكماتٍ»2.

*

وأخيراً، لقد بلغ من خطورة فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر عند الإِمام علي (ع) أنّه جعلها إحدى وصاياه البارزة الهامّة لابنيهِ الإمامين الحسن والحسين.

وقد تكرّرت هذه الوصية مرتين. إحداهما لابنه الإِمام الحسن في وصيته الجامعة

1 . ولا يعِفّون: أي يستحسنون ما بدا لهم استحسانه، ويستقبحون ما خطر لهم قبحه بدون رجوع إلى دليلٍ بيّن، أو شريعة واضحة. يثق كلّ منهم بخواطر نفسه، كأنّه أخذ منها بالعروة الوثقى على ما بها من جهل ونقص

2 . نهج البلاغة - الخطبة رقم 88.


134

الّتي كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفّين. والأخرى في وصيته للإمامين الحسن والحسين في وصيته لهما وهو على فراش الإستشهاد بعد أن ضربه ابن ملجم المرادي بالسّيف.

قال عليه السّلام في الوصية الأولى:

«... وأمُر بِالمعرُوفِ تكُن من أهلهِ، وانكرِ المُنكر بيدك ولِسانِك وباين1 من فعلهُ بجُهدك وجاهد في اللّه حقَّ جهادِه ولا تأخُذك في اللّه لومةُ لائمٍ2.

وقال عليه السّلام في الوصية الثّانية:

«... اُوصيكُما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغهُ كتابي... وعليكُم بالتّواصُلِ والتّباذُلِ، وإيَّاكُم والتّدابُر والتّقاطُع، لا تترُكُوا الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ فيُولى عليكُم شرارُكُم، ثُمَّ تدعُون فلا يُستجابُ لكُم»3.

*

سلام اللّه على عليّ في الخالدين.

1 . باين: أي باعِد وجانِب.

2 . نهج البلاغة - باب الكتب - رقم النّص: 31.

3 . نهج البلاغة - باب الكتب - رقم النّص: 47.

التّاريخ في مجال السّياسة

تمهيد

السّياسة لدى رجل العقيدة ورجل الدّولة الحاكم القائد - وهو ما كانه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - أداة للتّغلّب على سلبيات الماضي والحاضر من أجل التّوصل إلى أوضاع حياتية أفضل في المستقبل لأكبر قدر من النّاس.

والسّياسة، في الوقت نفسه، أداة للمحافظة على إيجابيّات الماضي والحاضر أمام عواصف التغيير والتقلّبات المفاجئة التي قد تحمل للمجتمع السّياسي في ثناياها نذر كارثة.

السّياسة، إذن، ليست فنّ التغيير فقط، إنّها فنّ الثّبات أيضاً.

إنّ السّياسي الأمين على قضية مجتمعه، يعيش في أبعاد الزّمان كلّها - ماضيه وحاضره ومستقبله - ويتعامل مع حقائق الماضي، وواقع الحاضر، وآمال ومخاوف ومطامح المستقبل، يقود، بحذر لا يبلغ الجمود ومغامرة لا تبلغ التّهوّر، مجتمعه نحو آفاق جديدة دون أن يبتر استمراريّته وبعده في الماضي.

نقول هذا في مواجهة دعاة التغيير منا في عصرنا هذا، التغيير الّذي يستهدف استئصال جذورنا لقذفنا في الفراغ تحت شعار: ريادة المستقبل، جاعلين منا ساحة لتجربة النّظريات والأفكار الّتي توضع في مراكز الحضارة الحديثة في أوربّا وأمريكا والإتحاد السّوفياتي.


138

نقول هذا داعين إلى إعادة النّظرة في هذا النهج لمصلحة نهج آخر أقلّ غلوّاً، وأكثر واقعية، وأوثق صلة بتكويننا العقيدي والحضاري والثّقافي، وأشدّ مواءمة لمصالحنا في الحاضر والمستقبل، وأوفق بدورنا الّذي نطمح إلى استعادته لنساهم به في إنقاذ الإنسان الحديث بتقويم الحضارة الحديثة، وتصحيح مسارها نحو وضعيّة ملائمة لتكوين الإنسان.

*

لقد كانت سياسة أمير المؤمنين علي (ع) - كما سنرى وجوهاً منها في الفصول التالية.. محكومة بهاجس واحد كبير ونبيل: تكوين الإنسان المسلم المتكامل القوي السّعيد، والمجتمع المسلم المتكامل القوي السّعيد، الإنسان والمجتمع المؤهلين ليكونا قوة خيّرة في العالم، يمثلان طموح الإنسانيّة الدّائم المتوهج نحو مثل أعلى.

وقد كانت، لذلك سياسة لا تستمد مقوّماتها من الحفاظ على الذّات وعلى مصالح الحاكم وأُسرته، فلقد كانت أُسرة أمير المؤمنين علي أكثر النّاس حرماناً من خيرات حكمه، وكان هو عليه السّلام أكثر حرماناً من أسرته.

وكانت سياسته تستضيء بنور الفكر، وتستهدي تعليم اللّه، وتنفلق من قيم الأخلاق والمناقب الّتي تشرّف الإنسان، ولذا فقد كانت سياسة الإمام إنسانية بكلّ ما لهذه الكلمة من محتوى.

لم تكن أبداً سياسة الأفعال وردود الأفعال، وحسابات الأرباح والخسائر للحاكم وآله وبطانته... هذه السّياسة التي تحمل روح الطيش والغريزة، وتوجّه بعقليّة مزيج من روح الغاية وروح التّجارة.

وقد كان أمير المؤمنين علي في سياسته أميناً لعقيدته، أميناً لشريعته، فلا ينحرف عنهما أبداً، ولا يتجاوزهما - كما لا يقصّر عنهما - في أمر من الأمور أو في حالة من الحالات.

أميناً لأخلاقيّاته القرآنيّة - النّبويّة، ولذا فقد جعل من العمل السّياسي ممارسة رفيعة للمناقب، أميناً لمجتمعه، فيشركه في اتخاذ القرارات بعد أن يبصّره بعواقب سوء الإختيار:


139

«... ولقد أصبحنا في زمانٍ قد اتخذَ أكثرُ أهلِهِ الغدر كَيساً1 ونسبهُم أهلُ الجهلِ فيهِ إلى حُسنِ الحِيلةِ. ما لهُم! قاتَلهُمُ اللّه! قد يرى الحُوَّلُ القُلَّب2 وجه الحِيلةِ ودُونها مانِع من أمرِ اللّه ونهيهِ، فيدعُها رأي عينٍ بعد القُدرةِ عليها، وينتهزُ فُرصتها من لا حريجة3 لهُ في الدِّينِ»4.

وقال في موقف آخر:

«واللّه ما مُعاويةُ بِأدهى مِنَّي، ولكُنَّهُ يغدِرُ ويفجُرُ. ولولا كراهِيةُ الغدرِ لكُنتُ مِن أدهى النّاسِ. ولكِن كُلُّ غُدرةٍ فُجّرة، وكُلُّ فُجّرَةٍ كُفرة «وِلِكُلِّ غادرٍ لِواء يُعرفُ به يوم القيامةِ»5 واللّه ما أُستغفلُ بالمكيدَةِ، ولا اُستغمَزُ6 بالشَّديدةِ»7.

*

وبعد هذا التمهيد، كيف تعامل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب مع التّاريخ في مجال تعليمه السّياسي.

1 . الكيس: الفطنة والذّكاء.

2 . الحوّل القلّب: هو البصير بتحويل الأمور وتقليبها.

3 . الحريجة: التحرج والتحرز من الآثام.

4 . نهج البلاغة - الخطبة رقم: 41.

5 . حديث مروي عن النّبي (ص).

6 . لا أستغمز على البناء للمجهول - لا يستضعفني الرّجل القوي. والغمز - بفتح الميم - الرّجل الضّعيف.

7 . نهج البلاغة - رقم النّص: 200.

1 - حركة التاريخ في مظهر التّفاعل الإجتماعي الثّوري

البشر يتحركون دائماً في الزّمان والمكان: يبدعون، ويتواصلون بالتّجارة والصداقة تارةً، وبالعداوة والحرب تارةً، وبالفكر دائماً.

ويتعاملون مع الطّبيعة دائماً. يكيّفونها ويتكيّفون معها، ويحبّونها ويهربون منها في بعض الأحيان.

وهم يواجهون الإخفاق وخيبات الأمل في حالات، ويسعدون بنشوة النصر في حالات أخرى. ويشلّهم اليأس عن الحركة في بعض الحالات، ولكن سرعان ما يؤجّح الأمل في التّقدم والمستقبل الأفضل في قلوبهم جذوة الرغبة في التغيير فيعودون إلى الحركة من جديد.

وهكذا يصنع البشر تاريخهم باستمرار. ينسجونه خيطاً فخيطاً، ويبنونه ذرّةً فذرَّةً من ملايين الآمال الصّغيرة، والمخاوف الصّغيرة، والأحقاد الصّغيرة، والشّهوات الصّغيرة، الّتي تنكر لهم كلّها وتتراكم فتتكوّن منها عجينة التاريخ.

ولكنها لن تكون تاريخاً ما لم تأخذ قواماً معيناً وما لم تتشكل بهيئة معينة... ما لم تتضمن فكرة تغيير، وروح تغيير، وعزيمة تغيير، تجعل من آحاد الآمال والمخاوف والأحقاد والشّهوات التي تبلغ الملايين شيئاً واحداً كبيراً تنبض فيه روح واحدة تلفّ بوهجها كلّ المجتمع والجماعة، وتدفع بهم - لا في طريق الحركات الأحاديّة المبعثرة - في طريق حركة متدفقة هادرة، تحدوها رؤيا واحدة أو رؤى متقاربة تلتقي على التّغيير. حينئذٍ تنشط حركة التّاريخ الّتي كانت هادئة أو أمينة، وتتعاظم، وتلد الأحداث الكبيرة، وتدخل المجتمع والجماعة في منعطف من التاريخ جديد.


142

قد يتمّ هذا التّفاعل في حال السّلم والإستقرار الإجتماعي فتكون الفترة الزّمنية الّتي يستغرقها التّغيير - بعد فترة الإعداد والإختمار - طويلة نسبيّاً، لأنّ التّغيير التّاريخي يتم في هذه الحالة وفقاً لمعادلات السّلم والإستقرار الّتي تجعل الإنسان أكثر أناة وتؤدة في حركته، وأكثر قدرة على الإختيار.

وقد يتمّ هذا التّفاعل في حال الغليان الإجتماعي والقلق العام. في هذا الحال تنشأ ظاهرتان:

الأولى - ظاهرة رفض وتمرّد في الجماهير، يغذيها ويؤججها اليأس من العدالة الرّسمية، وينعشها الأمل في مستقبل أفضل لهذه الجماهير يتوصل إليه دعاة التّغيير.

الثّانية - تقابل الأولى وتتولّد منها، وهي إجراءات القمع التي تلجأ إليها السّلطة الرسميّة من أجل أن تضمن سيادة وثبات نظامها وقيمها.

إنّ هذا القمع يعزز روح اليأس والغضب، ويدفع إلى مزيد من التّمرّد والرّفض، ويرصّ - بدرجة أعلى من الصّلابة والتّماسك - ملايين الآمال والمخاوف والأحقاد والشّهوات، ويؤجج روح الغضب، ويدفع الجماهير، أكثر فأكثر، نحو العنف باتجاه التغيير.

في هذه الحالة تقصر نسبياً، الفترة الحاسمة الّتي يستغرقها التّغيير - بعد فترة الإعداد والإختمار -.. إنّ الأحداث تتسارع، ويتعاظم حجمها، وتتسع مساحة الفئات الإجتماعية الّتي تشارك فيها، وتتصاعد إلى أن تبلغ الذّروة الّتي ينهار عندها العهد التّاريخي الّذي كان سائداً، ويدخل المجتمع في منعطف من تاريخه جديد.

*

إذن البشر لا يتوقفون عن صنع التأريخ، لكنّهم قد يصنعون تاريخهم في حال السّلم، وقد يصنعونه في حال الغليان والتّوتّر الإجتماعي، كما قد يصنعونه بالحرب.

وقد لاحظ الإمام علي عليه السّلام حركة التّاريخ في مظهرها الثّاني لأنّ الظّروف السّائدة في مجتمعه كانت تدفع بهذا المجتمع نحو هذا المسار الدّامي في مواجهة مستقبله المكفهر، الحافل بالأنواء.

*


143

لقد تسببت أخطاء الحكم في عهد الخليفة عثمان بن عفان في خيبة آمال فئات واسعة من المسلمين وغضبها. كما تسبّبت - إلى جانب ذلك - في انبعاث كثير من القيم والأخلاق والمطامح الجاهليّة الّتي نَشطت للعمل من خلال ممثليها ورموزها في قمة السّلطة في مجالات السّياسة والإقتصاد والإجتماع. وقد أدّى انبعاث هذه القيم الجاهليّة إلى تعارض في المصالح بين ممثلي هذه القيم وبين أكثرية المسلمين الّذين كانت تغتذي نفوسهم بالآمال الّتي تولدها قيم الإسلام في العدالة الخالصة والمساواة... هذا التعارض المأساوي الّذي ما فتئت تغذيه أخطاء الحكم وسياسات الرّموز الجاهلية العائدة، فتعمّقه، وتزيده حدّة، وتدفع به إلى مزيد من الإتساع والإنتشار.

وقد تراكم كلّ ذلك على مدى سنين، واتسع إلى أن شمل حواضر الدّولة كلّها. وأدى في النّهاية إلى عاقبته الوخيمة وثمرته المرّة: ثورة شارك فيها الأغنياء والفقراء، السّاخطون بلا حقد والحاقدون من علية القوم. وأدّت الثورة إلى مقتل الخليفة عثمان، وإلى دخول المسلمين في منعطف من تاريخهم جديد طلبوا من علي بن أبي طالب أن يقودهم فيه، ولكنّه رفض طلبهم، لأنّه أدرك - وهو الراعي للتاريخ وأفاعليه وآلية حركته - أن حجم الحاجات الّتي يفتقر إليها النّاس والآمال الّتي تعمر قلوبهم أكبر بكثير من حجم الإمكانات الّتي توفرها مؤسسات الدّولة، وأن حجم المعوّقات الّتي يمثّلها رموز العهد الماضي وقواه الّتي شلّتها الثورة فاضطرت إلى الإنكماش... حجم هذه المعوّقات كبير وخطير، لأنّها مستشرية في جميع مراكز السّلطة، وقد قال لهم معلناً رفضه:

«دعُوني والتمِسُوا غيري، فإنَّا مُستقبِلُون أمراً لهُ وجوه وألوان، لا تقُوم لهُ القُلُوبُ، ولا تثبُتُ عليهِ العُقُولُ1. وإنّ الآفاق قد أغامت2، والمحجَّة قد تنكَّرت3. واعلموا أني إن أجبتُكُم

1 . لا تقوم له القلوب: لا تجرئ عليه. لا تثبت عليه العقول: لا تكاد تفهمه وتحققه، يومئ بذلك إلى المشكلات الإجتماعية والأزمات الّتي عصفت بالمجتمع كلّه.

2 . أغامت: حجبها الغيم، كناية عن صعوبة إيجاد الحلول المقبولة من الجميع.

3 . المحجّة: الطّريقة الواضحة - وتنكرت: التبس أمرها على النّاس.


144

ركِبتُ بِكُم ما أعلمُ، ولم أُصغِ إلى قولِ القائلِ وعتبِ العاتبِ، وإن تركتُمُوني فأنا كأحدِكُم، ولعلِّي أسمعُكُم وأطوعُكُم لِمن ولَّيتُمُوهُ أمركُم، وأنا لكُم وزيراً، خير لكُم منّي أميراً»1.

وقد ذكّر الإمام، فيما بعد، بموقفه هذا في مناسبات كثيرة، منها قوله في كلام له عند خروج طلحة والزّبير عليه:

«فأقبلتُم إليَّ إقبال العُوذ المطافيلِ على أولادِها2، تقُولُون: البيعة البيعة!! قبضتُ كفِّي فبسطتُمُوها، ونازعتكُم يدي فجاذبتُمُوها3.

ومنها قوله لطلحة والزّبير أيضاً:

«واللّه ما كانت لي في الخِلافةِ رغبة، ولا في الولايةِ إربة4، ولكِنَّكُم دعوتُمُوني إليها، وحملتُمُوني عليها...»5.

وقال في موقف آخر:

«... وبسطتُم يدي فكففتُها، ومددتُمُوها فقبضتُها. ثُمَّ تداكُكتُم عليَّ6 تَداكَّ الإبلِ الهيم7 على حِياضِها يوم وردِها، حتَّى انقطعتِ النَّعلُ، وسقط الرِّداءُ، ووُطئ الضَّعِيفُ، وبلغَ مِن سُرُور النَّاسِ ببيعتهم إيَّاي أن ابتهج بها الصَّغيرُ، وهدج إليها الكبيرُ8، وتحامل نحوها العليلُ، وحسرت9 إليها الكِعابُ»10.

1 . نهج البلاغة - رقم النّص: 92.

2 . العوذ المطافيل: الإبل والضّباء ذات الأولاد، وهي جمع عائذة، ومطفل كناية عن اللّهفة الّتي توجهوا بها إليه طالبين منه قبول بيعتهم، كما اللّهفة الّتي تقبل بها أمّ الطّفل على ولدها.

3 . نهج البلاغة - رقم النّص: 137.

4 . الإربة: الغرض والرّغبة.

5 . نهج البلاغة - رقم النّص: 205.

6 . التّداك الإزدحام - تصوير لحالهم في الإقبال على البيعة.

7 . الهيم: العطاش: تصوير لرغبتهم العارمة في إنجاز البيعة.

8 . الهدج: مشي الضّعيف. بيان لإقبال الجميع على البيعة، حتّى أولئك الذين لهم من سنهم العالية أو مرضهم عذر يعفيهم من مشقة التّزاحم على البيعة.

9 . الكعاب: جمع كاعبة: الفتاة ينهد ثدياها. وحسرت كشفت عن وجهها كناية عن إقبال النّاس جميعاً وفرحتهم بالبيعة.

10 . نهج البلاغة - رقم النّص: 229.


145

لماذا أبى عليّ بن أبي طالب أن يستجيب... ؟

لعلّه كان يأمل أن يمرّ المجتمع - بعد ما أصاب علاقاته من اهتزاز وتشويه في العهد الماضي - في مرحلة انتقال يقوده فيها رجال لا تتألّب عليهم مراكز القوى الجديدة الّتي تمثّل قيم الجاهليّة...

ولكنّ تيّار الرّغبة كان عارماً، كما تعكسه لنا النّصوص الآنفة الذّكر، ولم يكن من الممكن تحويل ولاء الجماهير وثقتها إلى بديل. لقد كان الرّفض يعني الكارثة، لأنّ القوى الجاهليّة كانت قادرة - إذا استمر الفراغ في السّلطة - أن تعود من جديد بعد أن تكتّل قواها المبعثرة، وحينئذٍ يحرم المجتمع الإسلامي حتّى من تجربة تكون في المستقبل نموذجاً وملهماً...

ولا نعدم في نهج البلاغة نصوصاً تضيء هذه المسألة، وتوحي بقوّة أنّ الإمام كان يفكر على هذا النّحو، وذلك كقوله في كلام له عنونه الشّريف الرّضي ب«... يبيّن سبب طلبه الحكم ويصف الإمام الحق»:

«... اللّهُمَّ إنَّك تعلمُ أنّهُ لم يكُنِ الذّي كان مِنّا مُنافسةً في سُلطانٍ، ولا التِماس شيءٍ مِن فُضُول الحُطامِ، ولكن لنردَ المعالمَ من دينك ونُظهر الإصلاح في بلادك، فيأمنَ المظلُومُون مِن عبادِك، وتُقام المُعطَّلةُ من حُدُودك»1.

وقوله في كتاب منه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاه إمارتها:

«... ولكننَّي آسى2 أن يلي3 أمر هذهِ الأمّةِ سُفهاؤُها وفُجَّارُها، فيتّخِذُوا مال اللّه دُولاً وعِبادَهُ خولاً5 والصّالحينَ حرباً6، والفاسقينَ حزباً...»7.

1 . نهج البلاغة - رقم النّص: 131.

2 . آسى: أحزن - الماضي منه: أسيت بمعنى حزنت.

3 . يلي: يكون والياً وحاكماً على الأُمة.

4 . دولاً: جمع دولة، يعني: لئلا يكون المال العام بأيدي السّفهاء والفجّار يتداولونه بينهم لمصالحهم مهملين مصالح الأمّة فيه. والعبارة تومئ إلى قول اللّه عزّ وجلّ (كي لا يكُون دُولةً بين الأغنياءِ مِنكُم - سورة الحشر - الآية 7).

5 . خولاً: عبيد، يعني لئلا يستعبدوا النّاس ويذلّوهم.

6 . حرباً - أعداء يحاربونهم.

7 . نهج البلاغة - باب الكتب - رقم النّصّ: 62.


146

وهكذا استجاب عليّ بن أبي طالب للرّغبات الملحّة المتلهفة، فقبل كارهاً - على ما يبدو - أن يتولّى السّلطة ويقود الأمّة. وقد تبلورت وتحددت باستجابته وتولّيه للسّلطة ثلاث قوى سياسيّة - فكريّة، هي:

1 - النّهج الإسلامي الصّافي النّبوي: تمثّله السّلطة الشرعيّة (الخلافة) وعلى رأسها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع).

والهدف الآني المباشر والملحّ لهذا النهج كان تصحيح الأوضاع السّياسيّة والإداريّة والإقتصاديّة في المجتمع الإسلامي الّذي يتطلّع بلهفة إلى تغييرات تحقق آماله. كما كان هذا الهدف يستبطن هدفاً آخر هو إعادة الإعتبار النّظري والعملي للمفاهيم والقيم الإسلامية.

2 - النهج الجاهلي المموّه بالإسلام: وقد كان هذا النّهج يتمتع بسلطة واسعة وثابتة في المنطقة السّوريّة. وكانت له جيوب في الحجاز، والعراق، ومصر، وغيرها من بلاد الإسلام.

وقد بدا منذ اللّحظة الأولى أنّ قائد هذا النّهج هو معاوية بن أبي سفيان، والهدف الآني والنّهائي لهذا النّهج هو تثبيت الأوضاع القديمة، وإجهاض النّهج النّبوي أو قمعه بإثارة المشاكل والفتن في وجهه.

إنّه الثّورة المضادّة. إنّه قطع الطّريق على حركة التغيير.

.. وقد عبّر الإمام عن قادة هذا النّهج بأنهم «أرادُوا ردَّ الأمورِ على أدبارِها» وذلك في كلام له عن أصحاب الجمل:

«إنَّ هؤُلاءِ قد تمالأوا1 على سخطةِ2 إمارتي، وسأصبِرُ ما لم أخف على جماعتِكُم، فإنَّهُم إن تمّمُوا على فيالةِ3 هذا الرَّأي انقطع نِظامُ المُسلمِين، وإنَّما طلبُوا هذهِ الدُّنيا حسداً لِمن

1 . تمالأوا: تواطأوا واتفقوا وتعاونوا.

2 . السّخطة: البغض والنّعرة.

3 . فيالة الرّأي: ضعفه وسخفه.


147

أفاءها1 اللّه عليهِ، فأرادُوا ردَّ الأُمُورِ على أدبارِها. ولكُم علينا العملُ بكتابِ اللّه، تعالى، وسِيرةِ رسُولِ اللّه (ص)، والقيامُ بِحقِّهِ، والنَّعشُ2 لِسُنَّتهِ»3.

3 - الموقف المتردد الحائر - إِذا صح أن يسمى التّردد موقفاً -.

وتمثّل هذا الموقف بعض القيادات الثّانويّة: (سعد بن أبي وقاص، عبد اللّه بن عمر.. وآخرون).

هذا النّهج لم يبلغ من الصفاء والوعي درجة تحمله على أن ينضوي في النّهج النبوي وكانت مصالح رجاله من جهة وأثارة من التّقوى في أنفس بعضهم من جهة أخرى، قد حملتا هؤلاء الرّجال على التزام جانب الحيطة والحذر من النهج الجاهلي فلم ينحازوا إليه في هذه المرحلة، وإن كان بعضهم قد والى النّهج في النّهاية.

هؤلاء قال عنهم الإمام (ع):

«خذلُوا الحقَّ، ولم ينصُروا الباطِلَ»4.

ولما قال له الحارث بن حوط: أتُرانِي أظُنّ أصحابَ الجملِ كانُوا على ضلالة ؟ قال لهُ الإمامُ:

«يا حارِث إنَّك نظرت تحتك ولم تنظُر فوقك فحِرت5، إنّك لم تعرِفِ الحقَّ فتعرِف من أتاهُ، ولم تعرِفِ الباطِلَ فتعرِفَ من أتاهُ».

فقال لَه الحارثُ بنُ حَوط: فإنّي أعتزلُ مع سعيدِ بن مالِك وعبد اللّه بن عُمرَ... فأجابه الإمامُ قائلاً:

«إنَّ سعيداً وعبد اللهِ بن عُمر لم ينصُروا الحقَّ، ولم يخذُلا الباطِلَ»6.

1 . أفاءها اللّه.. أرجعها إليه، من فاء بمعنى رجع.

2 . النّعش، من نعش ينعش: بمعنى رفع السّنة إلى مقام العمل والتّطبيق.

3 . نهج البلاغة - رقم النّص: 169.

4 . نهج البلاغة - باب الحكم - رقم: 18.

5 . حِرتَ: من «حار» أي تحيّر.

6 . نهج البلاغة - باب الحكم - رقم: 262.


148

وكان بعض ممثلي هذا الموقف يتمتعون باحترام محدود في قواعدهم القبليّة، وهذا الإحترام لم ينبع من ولاء فكري بل من ولاء قبلي، كما كانوا يتمتعون باحترام محدود من جماهير المسلمين نابع من صحبتهم للنّبيّ (ص) ومن غموض موقفهم من الخيارات المطروحة على السّاحة السّياسيّة.

*

وقد أدرك الإمام منذ اللّحظة الأولى صعوبة موقفه، فكشف للأمّة عن أنّ حركة التّاريخ قد عادت ذات نبض جاهلي، فقد عاد التاريخ السابق على النّبوة.. كما صارح الأمة بأنّ المواجهة مع القيم البائدة العائدة تقتضي الحكم بأن يكون قويّاً وصارماً... كما صارحهم بأنّ الآمال في تغيير سريع وكامل نحو الأفضل ينبغي أن تتضامن قليلاً ليتاح للسّلطة الشّرعيّة أن تواجه قوى الجاهلية بمرونة.

هذه الرّؤية السّياسيّة عبّر عنها الإمام في خطبة خطبها في أوّل خلافته، في المدينة، أو هي - حسب رواية الجاحظ في كتابه «البيان والتّبيين» عن أبي عبيدة معمر بن المثنى - أوّل خطبة خطبها بالمدينة، قال فيها حسب رواية الجاحظ عن أبي عبيدة:

«ألا لا يرعينَّ مُرعٍ على نفسهِ1 شُغِلَ منِ الجنَّةُ والنَّارُ أمامهُ. ساعٍ مُجتهِد ينجُو، وطالِب يرجُو، ومُقصِّر في النَّار...

«اليمينُ والشِّمالُ مضلَّة، والوُسطى الجادَّةُ2 منهج عليهِ باقي الكِتابِ والسُّنَّةِ وآثارِ النبُّوةِ. إن اللّه داوى هذهِ الأُمّةَ بدوائينِ: السوط والسَّيف، لا هوادةَ3 عندَ الإمامِ فيهما. استتِروا في بُيُوتِكُم4 وأصلِحُوا ذات بينِكُم، والتَّوبةُ من ورائكُم. من أبدى صفحتهُ لِلحقِّ هلكَ5... انظُرُوا: فإن أنكرتُم فانكرُوا، وإن عرفتُم فآزرِرُوا... وقلَّما أدبر شيء فأقبلَ. ولئن رُجِعت

1 . لا يرعين.. أي لا يبقين، أرعيت عليه أي أبقيت: يقول: من سالم وهدأ فإنّما سلّم نفسه وأبقى عليها.

2 . الجادّة: الطريق المستقيمة الواضحة.

3 . الهوادة: الرفق والصلح، وأصله اللّين.

4 . استتروا في بيوتكم: لا يريد منع التّجول كما يقولون في أيّامنا، وإنّما يريد النّهي عن التّجمعات ذات الطابع التّحزبي القبائلي الّتي تدفع إليها العصبية القبلية كما إِنّه لا ينهاهم عن النقد السّياسي لأنه قال (فإن أنكرتم فانِكروا).

5 . الصّفحة: جانب الوجه، أو هي الوجه. يريد الإمام أنّ من تعرّض للحق بمخالفته وتجاوزه يهلك، لأنّه سيعاقب.


149

إليكُم أمُورُكُم إنّكم لسُعداءُ وإنّي لأخشى أن تكُونُوا في فترةٍ، وما علينا إلا الإجتهادُ...»1.

حذّرهم، أوّلا، من إثارة القلاقل والإضطربات.

ثم أثار في عقولهم وقلوبهم عقيدة البعث واليوم الآخر.

ثم بيّن لهم أن الإنحراف عن منهج الكتاب والسّنة إلى اليمين أو إلى الشمال يؤدّي بصاحبه إلى الضّلال والتّيه، ولذا فإنّ نبض الجاهلية العائد ضلال.

ثم كشف لهم عن أنّ المرحلة تقتضي الحكم أن يكون صارماً (السّوط والسّيف)، ولذا، فإنّ على النّاس ألا يخوضوا في أيّ شأن يزيد الوضع سوءاً بإثارة العصبيّات القبليّة والنّزعات العشائريّة، داعياً إيّاهم إلى أن يكفّوا ويتوبوا عمّا سلف منهم من إفساد.

ثمّ أعطاهم حق الرّقابة، وطالبهم بحقه في تأييدهم ومؤازرتهم.

ثم أبدى تشاؤمه من المستقبل وشكّه في عودة النهج النّبوي إلى سابق قوّته (قلَّما أدبرَ شيء فأقبل)، ولكنه، مع ذلك، لم يفقد الأمل في تحسن الأوضاع، ( لئن رُجعت إليكُم أُمُورُكم إنَّكُم لسُعداء).

ثمّ حذرهم من أنّ على الآمال المشرقة في التغيير نحو الأحسن... نحو النّهج النّبوي الصافي، أن تضامن نفسها، وأن يعود أصحابها إلى شيء من الواقعّية في تطلعاتهم: «... وإنّي لأخشى أن تكُونُوا في فترةٍ».

قال ابن أبي الحديد في شرح هذه الفترة:

«الفترة هي الأزمنة الّتي بين الأنبياء إذا انقطعت الرّسل فيها، كالفترة بين عيسى عليه السّلام ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله، لأنّه لم يكن بينهما نبي، بخلاف المدّة الّتي كانت بين موسى وعيسى عليهما السّلام لأنّه بعث فيها أنبياء كثيرون. فيقول عليه السّلام: إني لأخشى ألا أتمكن من الحكم بكتاب اللّه تعالى فيكم، فتكونوا

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1 / 275 - 276. ورواها الشّريف الرّضي في نهج البلاغة بتغيير بعض العبارات، انظر الخطبة رقم 176: «ومن خطبة له عليه السّلام في الشّهادة والتّقوى» وقيل: إنّه خطبها بعد مقتل عثمان في أوّل خلافته.


150

كالأمم الّذين في أزمنة الفترة لا يرجعون إلى نبي يشافههم بالشّرائع والأحكام. وكأنّه عليه السّلام كان يعلم أنّ الأمر سيضطرب عليه.

«ثمّ قال: (وَما علينا إلا الإجتهادُ) يقول: أنا أعمل ما يجب عليّ من الإجتهاد في القيام بالشريعة وعزل ولاة السوء وأمراء الفساد عن المسلمين، فإن تم ما اُريده فذاك، وإلا كنت قد أعذرت»1.

*

إنّ الإمام عليه السّلام قبل الحكم، إذن، بمزيج من التّشاؤم والأمل، ولكن سرعان ما تسرّب الذّبول إلى شعلة الأمل، فإنّ القوى المترددة سرعان ما أخذت تنحاز رويداً رويداً نحو المعسكر المناهض للنَّهج النّبوي، إن لم يكن في العلن ففي السّر... هذا من جهة، ومن جهة أخرى راحت الجماهير الغاضبة، المترعة قلوبها بآمال التّغيير تضغط في سبيل التّغيير دون أن تقدّر ظروف المرحلة. وكان اتباع سياسة متوازنة ضرورة حيويّة لئلا ينفجر المجتمع من الدّاخل بانحياز قوى موالية للنّهج النّبوي، ولكنها غير واعية وغير ناضجة، نحو معسكر الثّورة المضادّة.

*

وهكذا، فبعد الصّدمة الّتي شلّت قوى الثّورة المضادّة، وبعد فترة الإنتظار الّتي مرّت بها الفئات الأخرى من الأمّة، تفجّر الموقف من جديد، وعاد الغليان إلى المجتمع، وعادت حالة الإختلاط والإضطراب المحمومة.

وظهرت للإمام عليّ في هذه المرحلة الّتي بلغت فيها أزمة الحكم وأزمة الفكر الذّروة - ظهرت له بوضوح تام موجع ومدم للقلب معالم تاريخ المستقبل للأمّة الإسلاميّة حافلاً بالأهوال والمآسي، وبكلّ ما فيه من ظلام ودماء، وتمزقات وانهيارات، تتخللها هنا وهناك، في بعض الأحيان، لمعات نور وحالات سلام عارضة، وآمال مضيئة ملهمة، وخيبات أمل قاسية.

لقد رأى، رأى بحدس يضيئه نور نبويّ، وعقل مستوعب لحركة التاريخ وآليتها

(1) المصدر السابق: 1 / 281.


151

الّتي تكاد أن تكون رياضيّة - رأى الفتنة آتية بكلّ ظلامها، وحيلها، وتلبيسها الحق بالباطل.

ورأى بعدها انتصار حركة الرّدة بقيمها الجاهليّة، بلبسها للإسلام (لبس الفرو مقلوباً).

ورأى بعد ذلك معاناة الأمة: فسمع بقلبه الكبير أنين المظلومين الّذين تسحقهم أنيابها الوحشية، ورأى بقلبه الكبير نزيف الدّماء من ضحاياها، وأحسّ بأعمق أعماق كرامته الإنسانية ذلّ الإنسان المسلم في مجتمع الرّدة، وبكى بحرارة ومرارة لكلّ ما سيصيب الناس بعده.

ورأى بعد ذلك نار الثّورة تحرق كلّ شيء، وتهدم كلّ شيء، تستلهم حقّ الناس ومرارتهم... ولكنها ثورة تقع في أخطاء الفتنة في أحيان،وفي مهاوي الرّدة في أحيان، وقلّما تهتدي الطّريق الوسطى...

ورأى أخيراً، في البعيد البعيد... بعد طول عذاب وعناء، نور الأمل الآتي في النّهاية... نور الخلاص.

2 - الفتنة

فتنة: تعبير قرآني يدلّ، حين يسند إلى اللّه تعالى ويصدر عنه، تارة على الإختبار والإمتحان الرّبّاني بالنّعمة، ومن هذا ما ورد في قوله تعالى:﴿

«واعلَمُوا أنَّما أموالُكُم وأولادُكُم فِتنة وأنَّ اللّه عِندهُ أجر عظيم»1

أو يدلّ في موارد أخرى على الإختبار والإمتحان الرّبّاني بالمصاعب والشدائد، ومن هذا ما ورد في قوله تعالى:﴿

«أحسِبَ النَّاسُ أن يُتركُوا أن يقُولُوا آمنَّا وهُم لا يُفتنُون. ولقد فتنَّا الّذِين مِن قبلِهم فليعلمَنَّ اللّه الذِينَ صدقُوا وليعلمَنَّ الكاذِبِين»2

وهذه الفتن ذات وظيفة تربوية تعزز صلابة المؤمنين، وترفع درجة وعيهم، وتميز عنهم الدّخلاء والمنافقين.

هذا التعبير القرآني ذو المضمون التربوي الإيجابي، غدا عند الإمام عليّ مصطلحاً سياسيّاً - تاريخيّاً ذا مدلولات متنوعة يتّصل بالحركة التّاريخيّة للمجتمعات في الحاضر وفي المستقبل.

وهو ذو مدلول سلبي بالنّسبة إلى حركة التّقدّم النّبويّة.

إنّ الفتنة عند الإمام - باعتبارها ظاهرة سياسيّة - معوّق لحركة التّقدّم، ونكسة في

(1) سورة الأنفال (مدنية - 8) الآية: 28 - ووردت آية أخرى مماثلة في سورة التّغابن _مدنيّة - 64) الآية: 15.

(2) سورة العنكبوت (مكيّة - 29) الآية: 2 - 3.


154

سير حركة النبوّة، وهي، والحال هذه، ليست من صنع اللّه تعالى، وإنّما هي من صنع البشر.

*

قسّم الإمام الفتنة إلى قسمين:

أحدهما: الفتنة بالمعنى القرآني التّربوي، واعتبر أنّ الفتنة بهذا المعنى ذات دور إيجابي، بشرط أن تكون استجابة الإنسان لها بروح إيماني ملتزم، ووعي أخلاقي مسؤول، ولذا فلا معنى للإستعاذة باللّه من الفتنة بهذا المعنى فإنّ ذلك سخف، لأنّها تلازم طبيعة الحياة ووجود الإنسان، فلا توجد حياة مكتملة دون أن توجد معها فتنة بهذا المعنى.

وثانيهما: الفتنة باعتبارها ظاهرة سياسيّة، وهذه هي الفتنة التي يحذر منها ويستعاذ منها، وهي الّتي أعطاها الإمام في تعليمه الفكري مدلولاتها السّياسية - التّاريخية. وسمّاها (مضلات الفتن).

وقد شرح الإمام ذلك بقوله:

«لا يقُولَنَّ أحدُكُم: اللّهُم إنَّي أعُوذُ بِك من الفتنَةِ، لأنَّهُ ليس أحَد إلا وهُو مُشتمِل على فِتنةٍ، ولكِن من استعاذ فليستعِذ من مُضلاتِ الفِتنِ، فإن اللّه سُبحانهُ يقُولُ: (واعلمُوا أَنما أموالُكُم وأولادُكُم فِتنة) ومعنى ذلِك أنَّهُ سُبحانَهُ يختبِرُ عِبادَهُ بِالأَموالِ والأولادِ لَيتَبيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزقِهِ والرَّاضيَ بقِسمِهِ، وإن كان سُبحانهُ أعلمَ بِهم مِن أنفُسِهِم، ولكِن لِتظهرَ الأفعالُ التِي بِها يُستَحقُّ الثَّوابُ والعِقابُ، لأنَّ بعضهُم يُحِبُّ الذُّكُورَ وبكرَهُ الإناثَ، وبعضهُم يُحِبُّ تثمِير المالِ ويكرهُ انثِلامَ الحاِلِ»1.

*

وليس من أهداف هذه الدّراسة البحث عن الفتنة باعتبارها مصطلحاً تربويّاً، وإنّما الهدف منها هو البحث عن الفتنة باعتبارها مصطلحاً سياسيّاً - تاريخياً، فلنرَ فيما يأتي تقسيم الإمام لها باعتبارها ظاهرة سياسيّة، وتحليله لآليّة حركتها: كيف تبدأ

(1) نهج البلاغة - باب الحكم - رقم النّص: 93.


155

وتنمو وتنتشر، وتوجيهه في شأن الموقف الّذي ينبغي اتخاذه حين تقع. ولنرَ دور عليّ في مواجهة الفتنة الّتي بدأت طلائعها في عهده، وأخيراً رؤيته لفتنة بني أميّة بعده.

*

يبدو من تحليل النصوص الّتي اشتمل عليها نهج البلاغة بشأن الفتنة والمقارنة بينها أنّ ثمَّة ثلاثة أنواع من الفتن:

1 - الفتنة الشّاملة.

2 - الفتنة العارضة.

3 - الفتنة الغالبة.

وهذه التّسميات وضعناها نحن، ولم ترد في كلمات الإمام عليّ، على ضوء ما لاحظناه عن اتساع المساحة الفكريّة الّتي تطبعها الفتنة بطابعها، وتؤثّر بالتّالي على الوضعيّة السّياسيّة والعلاقات الإجتماعيّة والإنسانيّة داخل المجتمع.

أ - الفتنة الشّاملة

تكون الفتنة شاملة حين تكون نظاماً فكريّاً يسود مجتمعاً من المجتمعات ذات الحضارة أو البدويّة - الرّعويّة، فالحضارة التي تقوم الحياة فيها على قيم الضّلال في الفكر والأخلاق والضّياع، وتنبني مؤسساتها السّياسيّة والإجتماعية على الإعتبارات الّتي تنشأ من هذه القيم، وتحكم المجتمع السّياسي فيها علاقات فاسدة... هذه الحضارة تكون فتنة شاملة تصل إلى كلّ إنسان، وتنشر ظلالها خارج حدودها. إنّها الجاهلية قديمها وحديثها في ذلك سواء.

وكذا الحال فيما إذا كان نظام فكري كهذا يكوّن روح وعقل مجتمع بدوي - رعوي، لم يبلغ مرحلة الحضارة ذات الإنجازات في مجال التّعامل مع الطّبيعة والمؤسّسات التّنظيميّة.

وقد صور الإمام عليه السّلام هذه الفتنة الشّاملة في حديثه عن حال العالم، والعرب بوجه خاص - قبل بعثة رسول اللّه (ص) قال:


156

«... وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عبدُهُ ورَسُولُهُ، أرسلَهُ بالدِّينِ المشهُورِ، والعلَمِ المَأثُورِ، والكِتابِ المسطُورِ... والنّاسُ في فتنٍ انجذَمَ1 فِيها حبلُ الدِّينِ، وتزعزعَت سوارِي اليِقين2 واختَلَف النَّجرُ3 وتشتَّتَ الأمرُ، وضاقَ المخرجُ، وعمِي المصدرُ، فالهُدى خامِل، والعمى شامِل. عُصِي الرَّحمانُ، ونُصِرَ الشَّيطانُ، وخُذِلَ الإيمانُ فانهارت دعائمُهُ وتنَكَّرت معالِمُهُ، ودرسَت سُبُلُهُ4 وعفَت شُرُكُهُ5، أطاعُوا الشَّيطانَ فسلكُوا مسالِكَهُ ووردُوا مناهِلَهُ6، بِهِم سارَت أعلامُهُ وقامَ لِواؤُهُ، في فِتَنٍ داستهُم بِأخفافِها ووطِئتهُم بِأظلافِها7 وقامَت على سنابِكِها8، فهُم فيها تائهُونَ حائروُن جاهِلُون مفتُونُونَ، في خيرِ دارٍ وشّرِّ جِيرانٍ. نومُهُم سُهُود، وكُحلُهُم دُمُوع، بِأرضٍ عالِمها مُلجَم، وجاهِلُها مُكرَم»9.

في هذا النّصّ فصّل الإمام عليّ نظرته إلى نموذج من نماذج الفتنة باعتبارها ظاهرة سياسيّة لمجتمع ما.

والسّمات الّتي تميّز الفتنة الشّمالة فيما يفيده هذا النّصّ هي:

1 - مجتمع لا يحكمه نظام أخلاقي، وخالٍ من الحياة الرّوحيّة السّليمة. وهذا لا ينفي أن يتمتع المجتمع المذكور بنظام سياسي.

وهذه السّمة يدلّ عليها قول الإمام «انجذم فيها حبل الدّين» فالمجتمع منقطع الصّلة بالوحي، ومن ثمّ فهو لا يتمتع بنظام روحي وأخلاقي.

2 - مجتمع تسيطر على أفراده وفئاته روح الشّك. ويتبع فيه - في مجال القيم - المقياس الذّاتي، لأنّه لا يتمتع بمقياس موضوعي نتيجة لخلوّه من النّظام الأخلاقي والحياة الرّوحيّة.

(1) انجذم: انقطع.

(2) السّواري: جمع سارية، وهي الدّعامة.

(3) النّجر: الأصل.

(4) درست: انطمست.

(5) عفت شركه: عفت: انمحت، وشركه جمع شراك: الطّريق.

(6) المناهل: جمع منهل، هو مورد النّهر.

(7) الخف للبعير: والظلف للبقر والشّاء: كالقدم للإنسان.

(8) السّنابك جمع سنبك: طرف الحافر.

(9) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 2.


157

وهذه السّمة الثّانية يدلّ عليها قول الإمام في النّصّ الآنف «تزعزعت فيها سواري اليقين».

3 - مجتمع منقسم على نفسه إلى شيع وأحزاب، تمزقه الصّراعات والنّزاعات وتجعله خالياً من روح التّضامن والتّكافل. ومن ثم فلا توجّه حركته آمال متحدة وهدف أخلاقي كبير، وإنّما توجّهه الرّغبات الفرديّة والفئويّة بسبب عدم وجود نظام أخلاقي من جهة، وانتشار روح الشّك واتباع المقياس الذّاتي في القيم من جهة أخرى.

وهذه السّمة يدلّ عليها قول الإمام «واختلف النّجر، وتشتّت الأمر، وضاق المخرج وعَمي المصدر...».

هذه هي السّمات الّتي تميّز الفتنة الشّاملة، وتطبع المجتمعات المفتونة بطابعها. وما جاء من أوصاف للمجتمع في الفقرات التالية من النّصّ الآنف هي نتائج لهذه السّمات الثّلاث الكبرى: فقدان النّطام الأخلاقي والحياة الروحيّة / شيوع روح الشّك واتباع المقياس الذّاتي في القيم / الإنقسامات الطبقيّة والفئويّة والعائليّة، وعدم وجود هدف عظيم ونبيل يوجّه حركة المجتمع التاريخيّة.

هذه هي الفتنة الشّاملة.

وتسميتنا لهذه الفتنة ب(الشّاملة) ناشئ من ملاحظة أنّها مستوعبة لكلّ المجتمع بحيث لا يخلو منها أيّ مستوى من مستوياته وأي مظهر من مظاهر الحياة فيه، فهي روحه وعقله: روحه الملهمة، وعقله الموجّه.

ب - الفتنة العارضة

الفتنة العارضة: عثرة تعترض سير المجتمع أثناء حركته التّقدّميّة فتشيع الحيرة والإلتباس في بعض المواقف، وتعرّض بعض الأشخاص القياديّين وبعض فئات المجتمع لاختبارات حرجة، وتحفّز بعض القيم القديمة للتّعبير عن نفسها، ولكن قوّة اندفاع المجتمع في حركته التّقدّميّة، وقوّة المبادئ الّتي تحكم سيره في قلوب وعقول أفراده - تحول بين الفتنة وبين أن تنتشر وتتعمق وتضرب بجذورها في ثنايا المجتمع، فسرعان ما ينكشف وجه الحقّ فيها، وتذبل حركتها، ويخفت صوت الدّاعين إليها بين


158

الناس، بل يغدون موضعاً للنقد والتّجريح، وتجف الرّوافد الرّجعيّة الّتي تمدّها بالحياة والحركة، ويتعافى المجتمع من نكسته، ويخرج من التّجربة أكثر وعياً ويقظةً.

وقد مرّت على المسلمين في عهد رسول اللّه (ص) بعض الفتن العارضة الّتي تجاوزوها، بتوجيه رسول اللّه (ص)، بنجاح، وخرجوا منها دون أن تؤثّر على حركة المجتمع الإسلامي المندفعة إلى الأمام.

ولعلّ أشدّ هذه الفتن العارضة الّتي واجهت المجتمع الإسلامي في عهد النّبي (ص) خطورة كانت فتنة الإفك، في سنة ست للهجرة، في أعقاب غزو رسول اللّه (ص) والمسلمين لبني المصطلق من خزاعة.

وقبل الإفك ما حدث أثناء العودة من الغزوة المذكورة، حين أدّى تزاحم على الماء في بعض منازل الطّريق بين أجير لعمر بن الخطاب من بني غفار اسمه (جهجاه)، وبين أحد حلفاء الخزرج واسمه (سنان بن وبر الجهني)، واقتتلا، فصرخ حليف الخزرج: «يا معشر الأنصار» وصرخ أجير عمر بن الخطاب «يا معشر المهاجرين». ونشط المنافقون، وعلى رأسهم (عبد اللّه بن أبي سلول)، لاستغلال التّوتّر الّذي ولّده هذا النّزاع البسيط بين المهاجرين والأنصار، وهدّد ابن أبي سلول بأنهم إذا عادوا الى المدينة (ليُخرِجنَّ الأعزُّ مِنها الأذلَّ)، وكادت الفتنة أن تجرف كثيرين...

ولكن حكمة رسول اللّه (ص) قضت على الفتنة في مهدها.

وأنزل اللّه في شأن هذه الفتنة الصّغيرة العارضة سورة المنافقين (رقم 63 في المصحف) فضح فيها نوايا المنافقين وأساليبهم، وجعل منها درساً تربويّاً إيمانيّاً وسياسيّاً للمسلمين عمّق وعيهم، وزاد يقظتهم، وعزّز صلابتهم أمام أساليب النّفاق.

أمّا فتنة الإفك فكانت أشد خطورة وأوسع انتشاراً.

لقد كانت مرتعاً خصباً للمنافقين يوهنون من خلالها مقام رسول اللّه (ص)، ويشوّهون سمعته، ويلقون ظلالاً من الرّيبة على طهارة بيته، في مجتمع يقوم على قيم صارمة فيما يتعلق بالطّهارة الجنسيّة، بما يؤدّي إليه الهمس الخفي في شأن كهذا في مجتمع كهذا من سخريات وظنون والاشاعات تضعف التّأثير النّفسي لتوجيهات رسول اللّه (ص).


159

وما هو أشد خطورة في دسّ المنافقين واستغلالهم للإمكانات الّتي يتيحها الإفك، هو أنّ الفتنة أدّت إلى تصدّع تلاحم المسلمين أنفسهم، حيث استغل زعماء قبيلة الأوس تورّط بعض أفراد قبيلة الخزرج في إشاعة الحديث عن الإفك، للتّعبير عن أحقاد قبلية جاهليّة تحت ستار الغيرة على رسول اللّه (ص)، والتّمسك بأهداب الدّين.

فقال رئيس الأوس (أسيد بن حضير) مخاطباً رسول اللّه (ص) حين وجه عتاباً رقيقاً للّذين روّجوا الإشاعة الكاذبة، دون أن يسمّي أحداً:

«يا رسول اللّه: إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك، فو اللّه إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم».

فقال سعد بن عبادة زعيم الخزرج رادّاً عليه:

«كذبت لعمر اللّه، لا تضرب أعناقهم. أما واللّه ما قلت هذه المقالة إلا أنّك عرفت أنّهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا...».

فقال أسيد بن حضير:

«كذبت لعمر اللّه، ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين...».

وتساور النّاس1 حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شرّ2.

وهكذا وجدت القيم الجاهلية القديمة متنفساً تعبّر به عن نفسها من خلال هذه الفتنة متستّرة بشعارات إسلاميّة.

ولكن حكمة رسول اللّه (ص)، ووعي المجتمع، ورسوخ المبادئ والقيم الإسلاميّة في نفوس النّخبة حصرت الفتنة في نطاق ضيّق، وحالت دون تأثير في إحداث تفاعلات سيّئة بالنّسبة إلى حركة التّقدم النّبويّة. وجاء الوحي بعد ذلك فقضى على الفتنة، حيث أنزل اللّه تعالى في هذا الشّأن سورة النّور (السّورة رقم 24 في المصحف) وجعل منها درساً تربويّاً، ومناسبة لسنّ تشريعات تتعلق بالعلاقات بين الجنسين

(1) تساور النّاس: قام بعضهم إلى بعض ليتقاتلوا.

(2) تراجع سيرة ابن هشام بتحقيق مصطفى السّقا ورفيقيه (الطّبعة الثّانية) 1375 هجري ‌ 1955 م / القسم الثّاني - ص: 289 - 307.


160

داخل المجتمع الإسلامي، في نطاق الزّوجية - من حيث العلاقات الزّوجيّة وغيرها - وخارج الحياة الزّوجيّة.

*

هذان نموذجان للفتنة العارضة في المجتمع الإسلامي في عهد رسول اللّه (ص) وقد واجه المجتمع الإسلامي بعد وفاة الرّسول (ص) فتنة عارضة ذات طابع سياسي محض هي فتنة السّقيفة.

وقد بدأت هذه الفتنة حين تجاوز بعض كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار وصية رسول اللّه (ص) بإسناد الخلافة بعده إلى الإمام علي بن أبي طالب، لأنّه كان الشّخصيّة الإسلامية الوحيدة الّتي تجمّعت فيها المواهب والمؤهلات الّتي جعلتها قادرة على قيادة الأمّة الإسلاميّة بعد وفاة رسول اللّه (ص).

وقد حسم النّزاع على منصب الخلافة بين المهاجرين والأنصار، في سقيفة بني ساعدة1، بمعزل عن الإمام علي بن أبي طالب، لمصلحة قبيلة قريش، بمبايعة الخليفة الأوّل (أبي بكر) على أثر مناورات سياسيّة استخدم فيها منطق قبلي، وكادت تؤدّي إلى انشقاق خطير داخل المجتمع الإسلامي الوليد2.

وقد كان العامل الأكبر والأبعد أثراً في التّغلّب على فتنة السّقيفة وآثارها الخطيرة هو موقف علي بن أبي طالب.

فقد كان الإمام علي بمؤهلاته المتفوقة بشكل مطلق على نخبة الصحابة، وبمواهبه النادرة الفريدة، وبالنّصّ عليه من رسول اللّه (ص) خليفة من بعده... كان لذلك كلّه رجل الشرعية الإسلاميّة الأصيل.

وكان هذا الوضع الحقوقي المؤاتي بالنّسبة إليه يخوّله حق المعارضة، ونقض القرار والإنجاز الّذي اتخذ خارج الشّرعية في اجتماع السّقيفة، سعياً وراء حقه في تسلّم السّلطة.

(1) سقيفة بني ساعدة، مكان مسقوف بسعف النّخل في المدينة (يثرب)، وكانت مجمع الأنصار بعد الإسلام، ودار ندوتهم لفصل القضايا وإجراء المناورات.

(2) يراجع للمؤلف: نظام الحكم والإدارة في الإسلام. كما يراجع للمؤلف أيضاً: ثورة الحسين - ظروفها الإجتماعيّة وآثارها الإنسانيّة (الطبعة الخامسة) الفصل الأوّل.


161

ولكن هذا الوضع الحقوقي النّظري بالنّسبة إليه، كان يواجه وضعاً اجتماعياً وسياسيّاً واقعّياً.

فمن ناحية كان المجتمع الاسلامي الوليد لا يزال مجتمعاً هشّاً من حيث التّلاحم الدّاخلي النّاشئ عن العقيدة الواحدة، لأنّ القيم الجاهليّة كانت لا تزال سائدة في الحياة العامّة للقبائل الّتي دخلت في الإسلام في عام الوفود قبل وفاة النّبي (ص) بسنة وأشهر - أو أقل من سنة بالنّسبة إلى إسلام بعض هذه القبائل - وكانت هذه القيم الجاهليّة في أحسن الحالات مستكنّة تحت قشرة رقيقة من الإسلام، وكان لا بدّ من مضيّ وقت طويل قبل أن تذبل هذه القيم الجاهلية وتفقد حرارتها وفاعليّتها.

وفي حالة كهذه كان أيّ عمل سياسي يتّسم بطابع العنف سيؤدّي في الراجح إلى تصدع خطير في بنية المجتمع الإسلامي وتماسكه، وقد يؤدّي إلى ردّة واسعة النّطاق في أوساط حديثي العهد بالإسلام.

ومن ناحية أخرى كان فريق من القبائل قد ارتدّ فعلاً عن الإسلام، واتّبع بعض أدعياء النّبوة، وغدا يشكّل تهديداً حقيقيّاً للإسلام حين انتشرت ظاهرة التّنبّؤ واتّجه قادتها إلى تحالف يوحّد قواهم، فسيطروا على اليمن تقريباً في الجنوب، وعلى مساحات واسعة من الحجاز ونجد في الشّمال.

وقد اتّجه الإمام عليّ إلى المعارضة والإحتجاج أوّل الأمر. ورفض الإعتراف بالنّتيجة الّتي أسفر عنها اجتماع السّقيفة، واعتصم في منزله، وبدا بوضوح أنّ موقفه سيثير تفاعلات خطيرة في وجه اختيار السّقيفة داخل المدينة وخارجها... ولكنّ الإمام عليّاً سرعان ما واجه الواقع السّياسي والإجتماعي للمجتمع الإسلامي الوليد، والأخطار الّتي ربّما تعرض لها الإسلام نفسه نتيجة لهذا الموقف.

ولو لم يكن عليّ بن أبي طالب رجل العقيدة الأوّل، ورجل الرّسالة الأوّل، الأكثر وعياً والأعظم شعوراً بالمسؤوليّة، لما ألقى بالاً إلى الواقع السّياسي والإجتماعي للإسلام، ولمضى في معارضته إلى نهايتها، مستغلاً الواقع السّياسي والإجتماعي في سبيل نجاح مسعاه للوصول إلى السّلطة.

ولكنّه كان بالفعل رجل العقيدة الأوّل، ورجل الرّسالة الأوّل، وأعظم المسلمين


162

إطلاقاً شعوراً بالمسؤوليّة تجاه الإسلام، وأعظمهم حرصاً على ازدهاره وانتشاره وتعمقه في العقول والقلوب.

ومن المؤكّد أنّ الحكم عنده لم يكن مطلباً شخصياً، بل وسيلة إلى بلوغ غاية تتجاوز الأشخاص والأجيال والمصالح الخاصّة لتعمّ وتشمل ما بقي من عمر الدّنيا، وما تضمره القرون المقبلة من أجيال في كلّ الأوطان وفي كلّ الأمم.

إنّ عليّاً، بعد رسول اللّه (ص) - كان أب الإسلام. وقد تصرّف تصرّف الأب الحريص، فتحمّل بصبر جميل نبيل جراحه الشّخصية وحرمانه في سبيل قضيّة حياته الكبرى، قضيّة الإسلام.

ولا شكّ في أنّ جميع المسلمين كانوا يعرفون هذه الحقائق في شخصيّة وضمير الإمام عليّ، ويبدو أنّ منافسيه السّياسيّين قاموا بمغامرتهم النّاجحة1 معتمدين على جملة معطيات من جملتها ثقتهم بأنّ الإمام سيقدّم مصلحة الإسلام العليا على مصالحه الخاصّة.

لقد أشار الإمام في كتاب له بعث به إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها، إلى العامل السّياسي الّذي حال دون مضيه في المعارضة، فقال:

««... فأمسكتُ يدِي2 حتَّى رأيتُ راجِعةَ النّاسِ3 قد رجعت عنِ الإسلامِ، يدعُونَ إلى محقِ دِينِ مُحمَّدٍ (ص)، فخشِيتُ إن لم أنصُرِ الإسلام وأهلهُ أن أرى فِيه ثلماً4 أو هدماً تكُونُ المُصِيبةُ بِهِ عليَّ أعظمَ مِن فوتِ ولايتِكُمُ التي إنَّما هيَ متاعُ أيَّامٍ قلائلَ يزُول مِنهَا ما كانَ كمَا يزُولُ السَّرابُ، أو كما يتقشَّعُ السَّحابُ فنهضتُ في تِلك الأحداثِ حتَّى زاح5 الباطِلُ

(1) ممّا يوحي بشعور الجميع آنذاك بخطورة الإجراء الّذي اتّخذوه واشتماله على درجة كبيرة من المغامرة قول الخليفة عمر بن الخطّاب في خلافته في تحذير غير مباشر وجّهه إلى طلحة والزّبير وغيرهما لما نمي إليه عنهم من آراء تتصل بطريقة انتقال السّلطة على الأسلوب الّذي تمّ في السّقيفة (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها).

(2) أمسكت يدي: توقّفت عن المشاركة في الموقف الرّاهن.

(3) راجعة الناس: الرّاجعون عن الإسلام، المرتدّون.

(4) ثلماً: خرقاً وانتهاكاً.

(5) زاح: ذهب وزال.


163

وزَهقَ1، واطمأنَّ الدِّينُ وتنهنه 2».3

وقد خيّب موقفه المبدئي الرّسالي آمال كثيرين ممّن كان إسلامهم موضع شكّ أو كانوا مسلمين مخلصين ولكنهم ينظرون إلى مسألة الحكم من زاوية المصالح القبليّة والعائليّة نتيجة لافتقارهم إلى النّضج والوعي.

وقد حاول بعض هؤلاء أن يحملوه على تغيير موقفه المبدئي الرّسالي، ولكنه رفض محاولاتهم، مصرّحاً بأنّ الموقف موقف فتنة، داعياً، إلى النّظر في الموقف وفقاً لمقياس عقيدي إسلامي مبدئي، والإبتعاد عن المنظور الجاهلي القبلي الّذي بدت سماته في تلك المحاولات.

وقد صرّح بذلك في مواقف كثيرة، منها قوله مخاطباً الناس حين دعاه أبو سفيان بن حرب والعبّاس بن عبد المطلب إلى أن يبايعا له بالخلافة:

«أيُّها النّاسُ، شُقُّوا أمواجَ الفِتنِ بِسُفُنِ النَّجاةِ، وعرِّجُوا عن طرِيقِ المُنافرِةِ4 وضعُوا تِيجانَ المُفاخرةِ. أفلحَ من نهض بِجناحِ، أو استسلم فأراح. هذا ماء آجِن5، ولُقمَة يغصُّ بِها آكِلُها. ومُجتنِي الثَّمرةِ لِغيرِ إيناعِها6 كالزَّارِعِ بِغيرِ أرضِهِ»7.

*

والسّمات الّتي تميّز الفتنة العارضة، فيما نستفيده من جملة ما ورد عن الإمام عليّ في هذا الشّأن، ومن الدّراسة التّاريخيّة،... أربع:

1 - تتولّد أزمة سياسيّة، قد تكون بسبب أحداث صغيرة، تكون غالباً غير مخطّط لها بل عرضيّة، ولكن سرعان ما تدخلها بعض القوى الإجتماعية ذات الأهداف السّريّة

(1) زهق: مات، يعني هنا: زال الباطل تماماً.

(2) تنهنه: انتعش.

(3) نهج البلاغة، باب الكتب، رقم النّصّ: 62.

(4) عرّج عن الطّريق: تنحّى عنها. يعني تنحّوا عن الأسلوب الجاهلي في الصّراع السّياسي وهو المنافرة والمفاخرة.

(5) الآجن: الماء الّذي تغيّر لونه وفسدت رائحته ولم يعد صالحاً للشرب، يعني بذلك الأسلوب السّياسي الجاهلي.

(6) الإيناع: النّضج والصّلاحيّة للأكل.

(7) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 5.


164

المخالفة لنظام المجتمع في نطاق خططها للإستفادة منها ومن تلك الأزمة السّياسيّة، في سبيل الوصول إلى أهدافها.

وقد تتولّد الأزمة السّياسيّة بسبب أحداث ذات شأن كبير ومخطّط لها - كما حدث في السّقيفة - ولكن الجماعات الّتي تصنع الحدث لا تستثمره لأهداف مخالفة لنظام المجتمع العام والسّائد، بل تكون عازمة على الإنسجام مع نظام المجتمع، ساعية إلى تعزيزه وفقاً لفهمها الخاص، عاملة على أن يكون ذلك من خلال سلطتها هي.

2 - في الحالتين الآنفتين تحرّك الفتنة العارضة بعض القيم القديمة الّتي قضى عليها النّظام الجديد، إمّا بسبب ضعف رقابة النظام لانشغال أجهزته بالمشكلات السّياسيّة الآنية، أو بسبب التسامح مع بعض القوى السّياسيّة غير الواعية لأجل كسب ولائها في الصّراع السّياسي الدّائر. ولكن هذه القيم القديمة، في جميع الحالات، لا تعود سافرة صريحة، إنّما تعود مموّهة بشعارات جديدة.

3 - (في الغالب) تتولّد الأحداث الّتي تكوّن مناخ الفتنة من مشكلات يثيرها أشخاص عاديون أو ذوو قيمة ثانويّة في السلم الإجتماعي، كما أنها تقع على أشخاص من هذا القبيل كما هو الحال في فتنة النّزاع على الماء بين الغفاري والجهني، ولكن علاقات الدّم والصّداقة والمصالح والمطامح سرعان ما (تسيّس) الأحداث وتستغلها. وقد يحدث أن تتولّد الأحداث من مشكلات يثيرها أشخاص ذوو شأن كبير في المجتمع أو تصيب هذه الأحداث أشخاصاً من هذا النّوع، كما هو الحال في حادثة الإفك وفي أحداث السّقيفة.

4 - تواجه القيادة الحقيقيّة الشّرعيّة هذه الفتنة بسياسة تتّسم بالهدوء، وروح المسؤولية العالية، وتتجنب اتّخاذ أيّة إجراءات أو مواقف انفعالية وانتقامية، لما يؤدّي إليه ذلك من عواقب خطيرة تزيد الموقف تعقيداً والفتنة استحكاماً، وتتيح للقوى الخفيّة المعادية للنّظام (المنافقون، مثلاً في المجتمع الإسلامي) أن تستغل الوضع الطّارئ لتحقيق أهدافها (لاحظ السّمة رقم (1)).

وبدلاً من مواجهة أحداث الفتنة العارضة بالعنف والإنفعال، تحرص القيادة على


165

مواجهتها بأسلوب يعطي الأولويّة في الحل لمصلحة القضايا المبدئيّة والعامّة، لا للجانب الشّخصي والعائلي.

هذه هي، فيما نرى، أبرز سمات الفتنة العارضة.

ج - الفتنة الغالبة

هذا النوع الثّالث من أنواع الفتنة، هو، كما يدلّ عليه الوصف الّذي اخترناه له، دون الفتنة الشّاملة، وفوق الفتنة العارضة.

وقد تنشأ الفتنة الغالبة من تدهور سياسي عقيدي - تشريعي كبير يحلّ بالمجتمع أثناء حركته الإنبعاثيّة، أو بعد بلوغه الذّروة.

كما قد تنشأ من فتنة عارضة تهمل القيادة جانب الحكمة في مواجهتها، أو تغفل عنه، فتتعاظم عثرة المجتمع، وتتغذّى الحالة الإنحرافيّة بالتّناقضات المستكنّة في أعماق التّركيب الإجتماعي، كما أنّها تتغذى بالقيم القديمة الّتي أجبرها النّظام الجديد على أن تنسحب من دائرة العمليات الإجتماعيّة إلى الظّلام.

وتفشل النّخبة في علاج العثرة بسب عجز هذه النّخبة، أو بسبب تناحر أجنحتها وانحياز بعض الأجنحة إلى خط الإنحراف.

وعامل الزّمن في مصلحة الإنحراف، فكلّما مضى على الإنحراف يوم دون أن يوضع له حد ودون أن يقوّم، يزداد رسوخاً وتمكّناً، ويستوعب مساحة جديدة من المجتمع، ويكوّن لدى مزيد من النّاس قناعات في صالحه بينما تزداد النّخبة عجزاً، وعزلةً، وتفقد مزيداً من مواقعها.

وقبل مضيّ زمن طويل على الإنحراف الّذي أنشب مخالبه في كيان المجتمع، وفشلت النّخبة في القضاء عليه - يشيع هذا الإنحراف، ويطبع كثيراً من أوجه الحياة، ويغدو عرفاً أو قانوناً أو سنّة متبعة، تحميه وتصونه قناعات تتأصل في الثّقافة، وتغدو جزءاً من تكوين المجتمع الثّقافي.

قلنا: إنّ هذا يحدث قبل مضيّ زمن طويل على حدوث الإنحراف، لأن الإنحراف عادة يكون إلى جانب اليسر والسهولة والحياة الهيّنة وهذا ما يغري بالإتباع


166

لأنه أوفق بهوى النفوس، وأبعد عن التّبعة والتّضحية.

ولكن الإنحراف (الفتنة) لا يبلغ درجة الشّمول واستيعاب كلّ مؤسسات المجتمع، ولا يستطيع أن يغيّر بنيته الثّقافية من جميع وجوهها، ولا يقدر على أن يستوعب في مفاهيمه وقيمه الجديدة المبتدعة أو القديمة المحياة - كلّ الفئات الإجتماعيّة، ومن ثمّ فهو لا يستطيع أن يقضي نهائياً على حركة المجتمع التّقدميّة. إنّه يعوّقها ولكنّه لا يعطّلها، يشوّهها ولا يمسخها، إنّه لا يبلغ درجة الفتنة الشّاملة، وإنّما يكون فتنة غالبة.

تبقى مع الإنحراف الغالب روح الطّهارة والأصالة شائعة في المجتمع بوجه عام، تغذي حركته التّقدميّة في أكثر من وجه من وجوه حياته ونشاطاته، وإن كانت هذه الرّوح تتعرّض دائماً للنّكسات بالنّسبة إلى عامّة المجتمع، ولكنّها تبقى على وهجها الكامل وفاعليّتها الكاملة في جماعات قد تكون محدودة وصغيرة، منبثّة في ثنايا المجتمع سلمت من الإنحراف فلم ينل منها شيئاً، وبقيت ثابتة على الصّراط المستقيم.

هذه الجماعات الأصيلة الطّاهرة هي طليعة الكفاح ضدّ الفتنة الغالبة في داخل المجتمع.. هي الّتي تحول بين الفتنة وبين أن تستوعب كلّ المجتمع وتغدو شاملة، وهي الّتي بكفاحها الدّائب الصّبور تحول بين الفتنة وبين التمكّن والإستقرار، وتجعلها في حالة حرب مستمرة.

ومن هنا فإنّ المجتمع في حالة الفتنة الشّاملة يتمتع باستقرار وثبات نتيجة لتناغم المؤسسات مع القيم مع القناعات الشّعبيّة مع الثّقافة العامّة، فهذه كلّها تتكامل وتتساند، وتتوفّر نتيجة لذلك حالة من التّوازن توفّر بدورها استقراراً وثباتاً.

أمّا في الفتنة الغالبة فإنّ الأمر على خلاف ذلك، لأنّه يوجد تنافر قليل أو كثير بين المؤسسات والقيم والقناعات والثّقافة، وهذا يؤدّي إلى أن يعاني المجتمع باستمرار من القلق والفوران والتمزّق، نتيجة لوجود القوى المناهضة للفتنة، هذه القوى الّتي تضطرّ حركتها الأصيلة المناهضة نظام الفتنة إلى أن يتحرّك ضدّها.

*

والفتنة الغالبة، في عالم الإسلام، هي الفتنة الّتي استفحلت في آخر عهد الخليفة عثمان بن عفان، وقاد الإمام علي بن أبي طالب حركة التّصدّي لها طيلة السّنيّ


167

الأخيرة من حياته... واستمرت بعد استشهاده، وزادت ضراوة وعنفاً حين فترت الهمم وتقاعست العزائم عن التّصدّي الفعّال لها، فانتصرت وسادت - قبل عهد الثّورات - حركة الرّدّة.

ومن هنا فقد كثر كلام الإمام علي عن هذه الفتنة من جميع وجوهها: نعرض أسباب وبدايات حدوثها، وآليّة حركتها، والموقف منها.

أ - كيف تبدأ الفتنة ؟

كيف تبدأ الفتنة ؟. قال عليه السلام:

«إنّما بدءُ وُقُوعِ الفِتَن أهواء تُتَّبَعُ، وأحكام تُبتدَعُ، يُخالَفُ فيهَا كِتابُ اللّه، ويتولَّى عليها رِجال رِجالاً على غير دينِ اللّه. فلو أنَّ الباطِلَ خلصَ مِن مزاجِ الحقِّ لم يخفَ على المُرتادِين1 ولو أنَّ الحقَّ خلصَ مِن لبسِ الباطِلِ انقطعت عنهُ ألسُنُ المُعاندينَ2 ولكِن يُؤخذُ مِن هذا ضِغث3 وَمِنْ هذا ضِغْث فيُمزجانِ فهُنالك يَستَولي الشَّيطانُ على أوليائهِ. وينجُو ﴿الَّدِينَ سبقت لهُم مِنا الحُسنى4»5.

هذا النّصّ يكشف عن عاملين يكوّنان الفتنة الغالبة:

أحدهما:

تغليب المقياس الذّاتي في القيم على المقياس الموضوعي «أهواء تتبع» فبدلاً من أن يكون المرجع في القيم النّظام العقيدي والتّشريعي للمجتمع، يتجاوز رواد الفتنة هذا النّظام فيرجعون إلى النّوازع الذّاتيّة والعاطفيّة والمصلحية فتكون هي المقياس بالمعتمد وهو المرجع الأخير في القيم والسّلوك، وعلى ضوء ما تمليه تتخذ المواقف من الأحداث والأشخاص.

(1) المرتاد: الطّالب.

(2) اللّبس: الملابسة والمخاطبة.

(3) الضّغث من الحشيش القبضة منه. يعني يخلط شيء من الحقّ بشيء من الباطل فيشتبه أمرهما وتحصل الفتنة.

(4) سورة الأنبياء (مكيّة - 21) الآية 101.

(5) نهج البلاغة - الخطبة رقم: 50


168

ثانيهما:

سقوط القانون وانتهاك حرمته على الصّعيد العملي: «... وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب اللّه»، وتغلّب العامل الشخصي بالإحتيال على الشّرعية القانونيّة الّتي يحتفظ لها المفتونون بالإحترام النّظري، ويتظاهرون بتطبيقها، بينما هي على الصّعيد العملي تنتهك كلّما تمكن الأقوياء من انتهاكها.

هذان العاملان: سقوط المقياس الموضوعي في القيم على صعيد الأخلاق والعلاقات الإجتماعية والسّياسيّة، وسقوط الشّرعية القانونيّة على صعيد المؤسسات العامّة والعلاقات والوضعيّة السّياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة... هذان العاملان هما جوهر الفتنة الغالبة.

ويحدث حينئذٍ أن تتكوّن القناعات الموالية للفتنة الغالبة لدى فئات اجتماعيّة جديدة: «... ويتولّى عليها رجال رجالاً على غير دين اللّه» يتعزّز بها موقع الإنحراف في المجتمع، ويعمّق رسوخه في القلوب والعقول، ويتسع مداه فيشمل مساحات جديدة من الحياة.

ولكنّ الفتنة - كما ذكرنا آنفاً - لا تبلغ درجة الشّمول، بل يبقى للحقّ في المجتمع سلطان، ويبقى للشّرعيّة في المجتمع أعوان، هم «الّذِينَ سبقت لهُم مِنّا الحُسنى» وهم الّذين يقودون حركة الكفاح ضدّ الباطل والفتنة من أجل الحقّ الخالص الّذي لا يلتبس بالباطل.

*

ب - كيف تتحرّك الفتنة وتنمو ؟

ويصف الإمام في نصّ آخر كيف تبدأ الفتنة، ويصوّر آليّة حركتها وانتشارها في المجتمع، وذلك في سياق وصفه للفتنة الغالبة الّتي كانت نذرها تطلّ على المجتمع الإسلامي في عهده:


169

«... ثُمَّ إنَّكُم معشَرَ العربِ أغراضُ بلايا قدِ اقتربَت، فاتَّقُوا سكراتِ النِّعمَةِ واحذرُوا بوائقَ النقمةِ1، وتثبَّتُوا في قتامِ العِشوةِ2 واعوِجاجِ الفِتنةِ عندَ طُلُوع جنِينها، وظُهُورِ كمينها، وانتِصابِ قُطبِها ومدارِ رَحاها. تبدأُ في مدارجَ خِفيَّةٍ، وتؤُولُ إلى فظاعةٍ جليَّةٍ. شِبابُها كشِبابِ الغُلام3، وآثارُها كآثارِ السِّلامِ4 يتوارثُها الظَّلمَةُ بِالعُهُودِ، أوَّلُهُم قائد لآخِرِهِم، وآخِرُهُم مُقتدٍ بِأوَّلهِم. يتنافَسُون في دُنيا دنِيَّةٍ، ويتكالبُون على جِيفةٍ مُريحَةً5. وعن قلِيلٍ يتبرَّأُ التَّابعُ مِن المتبُوع، والقائدُ من المقُودِ، فيتزايلُونَ بِالبَغضاءِ6 ويتلاعنُونَ عِندَ اللِّقاءِ»7.

في هذا النّصّ صورّ الإمام آليّة حركة الفتنة، ونموّها وانتشارها في المجتمع، فأبرز الملامح التّالية:

1 - إنّ شيوع روح التّرف في المجتمع، واستغراق النّخبة في التّرف يؤدّيان بالمجتمع إلى أن يفقد روحه النّضاليّة الرّساليّة، ويحرص على حياته الهيّنة النّاعمة، وعلى توفير الوسائل الملائمة لبلوغ مستوى من الحياة أكثر نعومة وليناً.

كما أنّ النّخبة في هذه الحالة تصاب بالتّرهّل والعجز والجبن.

وشيوع هذه الرّوح، روح التّرف، في مجتمع لا يزال في مرحلة تكوين نفسه، ومحاط بالقوى المضادّة الخائفة، ويحتوي تركيبه الدّاخلي على نقاط ضعف ناشئة من كونه يضم جماعات لم تتمثّل بعد بدرجة مرضيّة وعميقة رسالته الّتي يعتنقها ويبشر بها... - شيوع هذه الرّوح في مجتمع كهذا - وهو ما كانه المجتمع الإسلامي في ذلك الحين - يجعله مهيّأً لنموّ روح الفتنة فيه وانتشارها.

لقد حذّر الإمام من هذا بقوله: (احذروا سكرات النّعمة...).

(1) البوائق: جمع بائقة، وهي الواهية، والمصيبة الكبيرة.

(2) القتام: الغبار، العشوة الظلام. يعني أنّ الموقف الآتي شديد الإلتباس لأنّه مظلم في نفسه ويثور مع ذلك حوله الغبار. ويعني بذلك الفتنة الآتية.

(3) شباب الغلام: فتوته وعنفوانه، والفتنة تبدأ هكذا ذات عنفوان.

(4) السّلام الحجارة الصّمّ، وأثرها في الأبدان الجرح والكسر.

(5) مريحة: منتنة.

(6) يتزايلون: يتفارقون وينفصل بعضهم عن بعض.

(7) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 151.


170

2 - تقع في الحياة العامّة أحداث، أو يواجه المجتمع حالات معينة، تسبّب هذه أو تلك التباساً في طريقة التّعامل مع بعض المفاهيم الرّساليّة ومفاهيم المعتقد على ضوء الواقع الّذي حصل (مثلاً: التّغيّرات الّتي نشأت نتيجة لتوسّع حركة الفتح في إيران والمستعمرات البيزنطيّة... والإحتكاك بالحضارتين الإيرانيّة، والرّومانية - الشّرقيّة .. - أو الحيرة الّتي نشأت نتيجة لمقتل الخليفة عثمان بن عفان)... في هذه الحالات قد تتخذ النّخبة أو القيادة السّياسيّة للمجتمع قرارات مرتجلة، وتخضع لآليّة الفعل ورد الفعل، بعيداً عن التروّي (مثلاً: كالّذي حدث عند مطالبة الإمام عليّ بعد البيعة فوراً بأن يقبض على المتهمين بقتل عثمان ويعاقبهم، فقد قال له قوم من الصّحابة: لو عاقبت قوماً ممن أجلب1 على عثمان ؟ فقد أجابهم الإمام جواب رجل الدّولة المسؤول النّاظر إلى عواقب الأمور، البعيد عن الإنفعال:

«يَا إخوَتاهُ! إنِّي لستُ أجهلُ ما تعلمُونَ، ولكِن كيف لي بِقُوةٍ والقومُ المُجلبُون على حدِّ شوكتِهِم2 يملِكُوننا ولا نملِكُهُم! وها هُم هؤُلاء قد ثارت معهُم عبدانُكُم، والتفَّت إليهم أعرابُكُم3 وهُم خِلالَكم4 يسُومُونكُم ما شاؤوا5 وهل ترون موضِعاً لِقُدرةٍ على شيءٍ تُريدُونهُ! إنّ هذا الأمر أمرُ جاهليَّةٍ، وإنَّ لهؤُلاء القومِ مادَّةً6. إنَّ النَّاس من هذا الأمرِ إذا حُرِّك على أُمُورٍ: فِرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترونَ، وفِرقة لا ترى هذا ولا ذاك. فاصبِرُوا حتَّى يهدأ النَّاسُ، وتقع القُلُوبُ مواقِعها7 وتُؤخذَ الحُقُوقُ مسمحَةً8.

«فاهدأُوا عنّي، وانظُرُوا ماذا يأتيكُم بِهِ أمري، ولا تفعلُوا فعلَةً تُضعضِعُ قُوةً، وتُسقِطُ مُنِّةً9،

وتُورِثُ وهناً وذِلّةً. وسأُمسِكُ الأمر ما استمسك، وإذا لم أجِد بُدَّا فآخِرُ الدَّواءِ الكيُّ»10.

(1) أجلب عنه: أعان عليه.

(2) على حد شوكتهم: الشّوكة الشّدّة، أي لم يضعف هيجانهم.

(3) التفّت... انضمّت إليهم واختلطت بهم.

(4) وهم خلالكم... أي بينكم.

(5) يسومونكم.. يكلفونكم بما يريدون من الأفعال والمواقف.

(6) مادّة: مدداً وأنصاراً.

(7) تقع القلوب مواقعها: تهدأ وتستقر بعد اضطرابها بسبب هيجان الفتنة.

(8) مسمحة: أي سهلة ميسّرة وهذا حين تهدأ العواطف، ويثوب النّاس إلى المنطق والقانون.

(9) المنّة: القوّة والقدرة، ينهاهم عن الأعمال المرتجلة المتسرّعة الّتي تسبّب انشقاقاً وتمزّقاً في المجتمع يضعفه ويوهن قوته.

(10) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 168.


171

وهكذا نرى الإمام يطلب إلى هؤلاء المتعجّلين أن يلزموا جانب التّروّي، وأن يتركوا له اتّخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وألا يخضعوا لمنطق الفعل وردّ الفعل لأنّ هذا يؤدّي إلى التباس في المفاهيم، وتخبّط في المواقف، وأخطاء في القرارات تجعل المناخ العام أكثر ملاءمة لروح الفتنة. وقد أشار الإمام إلى ذلك بقوله: «وتثبّتوا في قتام العشوة...».

3 - حين يتهيّأ المناخ الملائم نتيجة للعاملين الآنفي الذّكر تبدأ الفتنة بظواهر انحرافية بسيطة وهيّنة، يقابلها المجتمع بوجه عام، ونخبته السّياسيّة والفكريّة بوجه خاص، بالتّسامح واللامبالاة، وهذا ما يوفّر لهذه الظّواهر الإنحرافية مناخ الأمان وفرص الإتساع والنّمو. وهذا ما عبّر عنه الإمام بقوله: «تبدأ في مدارجَ خفيّة، وتؤول إلى فظاعة جليّة».

4 - وعلى خلاف وضع الفتنة حين تبدأ خفيّة حيّة، تلوذ وراء المبرّرات وتغطي نفسها بشعارات خادعة، فإنّها حين تنمو وتتسع «وتؤول إلى فظاعة جليّة» يكون لها عنفوان وتسلّط وبطش، وتبدأ بطبع آثارها العميقة في بنية المجتمع، وهذا ما عبّر عنه الإمام بقوله: «شِبابها كشباب الغلام، وآثارها كآثار السِّلام».

5 - بعد انتشار الفتنة، واتساع المساحات الّتي تستوعبها من فئات المجتمع، تكوّن قناعات تجعلها أشدّ رسوخاً في الذّهنيّة العامّة، وتغدو ثقافة شائعة ترتكز إليها السّلطة الّتي تقود حركة الفتنة، وتوجّه المجتمع وفقاً لقوانينها، وهذا ما عبّر عنه الإمام بقوله: «يتوارثها الظلمة بالعهود، أوّلهم قائد لآخرهم، وآخرهم مقتد بأوّلهم...».

6 - ولكن الوضع السّياسي لقادة الفتنة - بعد انتشارها، وتأصّلها في بنية المجتمع - لا يبقى موحداً ومتلاحماً، وإنّما تبرز التّناقضات والسّمات الشّخصية لكلّ فئة، والمطامع والمخاوف الخاصّة بكلّ جماعة. وحينئذٍ تنقسم قيادة الفتنة إلى فئات متخاصمة متناحرة، وتجرّ المجتمع وراءها إلى التّخاصم والتّناحر والحروب الأهليّة، وهذا ما عبّر عنه الإمام بقوله: «... وعن قليل يتبرّأ التّابع من المتبوع، والقائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء، ويتلاعنون عند اللّقاء».

*


172

وهذا نص يصرّح فيه الإمام لأصحابه بما ينتظرهم من الفتنة وويلاتها من بعده، محملاً إيّاهم مسؤوليّة نشوء الفتنة وانتشارها وما يترتّب على ذلك من شرور، لأنّهم كانوا سلبيّين أمام مظاهر تسرّب روح الفتنة إلى مجتمعهم السّياسي وبنيتهم الثّقافيّة، وهذا ما وفّر للفتنة أجواء النّموّ والإنتشار، وكانوا متخاذلين، مهملين لواجبهم، لم يتحمّلوا مسؤوليّتهم في نصرة قضيتهم، وحماية نظامهم الشّرعي العادل:

«أيُّها النَّاسُ، لو لم تتخاذلُوا عن نصرِ الحقِّ، ولم تهِنُوا عن توهينِ الباطِلِ، لم يطمع فيكُم من ليس مِثلكُم، ولم يقوَ مَن قويَ عليكُم. لكِنَّكُم تهتُم متاه بني إسرائيلَ، ولعمري ليُضعَّفنَّ لكُمُ التِّيهُ مِن بعدي أضعافاً، بِما خلَّفتُمُ الحقَّ وراء ظُهُورِكُم، وقطعتُمُ الأدنى ووصلتُمُ الأبعدَ...»1.

ج - ما موقف المسلم من الفتنة حين تبدأ ؟

ما موقف المسلم من الفتنة حين يذّر قرنها ؟

في الفتنة - كما رأينا - يختلط الحّق بالباطل، ويلتبس الصّواب بالخطأ، فلا يتميّز أحدهما من الآخر.

وفي هذه الحالة يكون الموقف الأسلم والأوفق بالشرع هو الإبتعاد عن الفتنة والإمتناع عن المشاركة مع هذا الطرف أو ذاك، إذ لا يأمن المشارك من أن يقع في الباطل وهو يرى أنّه ينصر الحق، أو يحارب الحق وهو يرى أنّه يحارب الباطل.

وهذا هو الموقف الّذي نصح الإمام بالتزامه حين تقع الفتنة، ويلتبس فيها الحقّ بالباطل، فقد قال:

«كُن في الفِتنَة كابنِ اللَّبُونِ. لا ظهر فيُركبَ، ولا ضرع فيُحلبَ»2.

(1) نهج البلاغة - الخطبة رقم: 166. ويومئ في الجملة الأخيرة إلى أنّهم اتصّلوا بمعاوية وتخلّوا عن الحاكم الشّرعي.

(2) نهج البلاغة - باب الحكم - رقم 1. وابن اللّبون هو ابن النّاقة إذا كمل له سنتان. وهو في هذه الحالة لا ينفع للرّكوب لأنّه لا يقوى على حمل الأثقال، وليس له ضرع ليحلب، كنّى الإمام بذلك عن أنّ الإنسان الواعي في الفتنة يقف على الحياد فلا يكون ذا نفع لأيّ طرف من أطرافها.


173

ولكن هذا الموقف يكون صواباً حين لا يكون الإمام العادل موجوداً، ولا يتاح للمسلم أن يتبيّن الحقّ من الباطل في الأحداث والمواقف الّتي تجري أمامه، أمّا حين يكون الإمام العادل موجوداً، ويتّخذ من الفتنة موقفاً، فإنّ على المسلم أن ينسجم في مواقفه مع مواقف الإمام العادل، وليس له أن يبقى على السّلبيّة متذرّعاً بأنّه يخشى الوقوع في الباطل، وإنّما يكون موقفه هذا، في هذه الحالة، جبناً وخذلاناً للحقّ، بل إنّه يكون، من بعض الوجوه، خيانة ومساهمة في الفتنة، لأنّه بسلبيّته غير المبرّرة قد يضلّل آخرين يجدون في سلبيّته تبريراً لمواقفهم.

وقد واجه الإمام أثناء فترة حكمه العاصفة مثل هذه المواقف الجبانة السلبيّة الخائنة من قبل بعض القيادات في مجتمعه تجاه الفتنة الّتي أثارتها قوى الثّورة المضادّة، فقال مرّة يخاطب النّاس:

«أيُّها النَّاسُ، ألقُوا هذِهِ الأزِمَّة1 الَّتِي تحمِلُ ظُهُورُها الأثقالَ مِن أيدِيكُم، ولا تصدَّعُوا2 على سُلطانِكُم، فتذُمُّوا غِبَّ فِعالِكُم3 ولا تقتحِمُوا ما استقبلتُم مِن فور نارِ الفِتنةِ4، وأميطُوا عن سننِهَا5 وخلُّوا قصد السّبِيلِ لها6، فقد لعمري يهلِكُ في لهبها المُؤُمِنُ، ويسلمُ فيها غيرُ المُسلِمِ.

«إنَّما مَثَلِي بينكُم كمثلِ السِّراجِ في الظُّلمةِ، يستضِيءُ بهِ مَنْ ولجهَا...»7.

فالإمام هنا ينهى جمهوره عن المشاركة في الفتنة ولكنّه لا يقرّهم على الموقف السّلبي منها، وإنّما يأمرهم بالتّصدّي لها.

إنّ المشاركة فيها تعني التآمر معها، والسّلبيّة أمامها تعني عدم التّصدّي لها،

(1) الأزمّة، جمع زمام، كنّى عن قضايا الفتنة بالنياق الّتي يمسك أصحابها بأزّمتها، وهي تحمل على ظهورها الأثقال. يقول لهم: اتركوا قفا الفتنةِ ولا تخوضُوا فِيها لِتخلصُوا مِن آثارِها.

(2) لا تصدّعوا: لا تتفرقوا عن الحاكم الشّرعي.

(3) غِبَ فعالكم: عواقبها.

(4) فور النّار: تعاظمها وارتفاع لهبها.

(5) أماط: نحّى وأزال. والسّنن: الطّريق. يعني تنحّوا عن طريق الفتنة وابتعدوا.

(6) قصد السّبيل: الطّريق. أي اتركوا الفتنة تسير في طريقها ولا تشتركوا فيها .

(7) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 187.


174

وكلاهما خطأ. الموقف السّليم هو مواجهتها مع الإمام الحاكم العادل، لأنّ الحقّ - بوجوده - بيّن ظاهر، فهو الهادي، وهو الدّليل الّذي لا يضلّل، وهو «السّراج في الظّلمة»، ظلمة الفتنة، وكلّ ظلمة.

وقد حدث أنّ بعض المسلمين في بدايات خلافة أمير المؤمنين عليّ التبس عليهم الأمر في الفتنة الّتي أثارها خروج طلحة والزّبير، وعصيان معاوية نتيجة لموقف أبي موسى الأشعري الّذي قال للنّاس في الكوفة حين دعوا إلى قمع عصيان طلحة والزّبير: إنّ الموقف موقف فتنة، وأنّ الموقف السّليم منها هو الإمتناع عن المشاركة فيها.

وقد أوضح الإمام إذ ذاك أنّ الموقف من الفتنة الّتي يلتبس فيها الحقّ بالباطل هو هذا، ولكنّ الأمر يختلف حين يتّضح جانب الحقّ بوجود الإمام العادل أو بأيّة وسيلة أخرى، فإنّ السّلبيّة في هذه الحالة تكون خيانة.

ومن هنا فقد سمّى الإمام خروج طلحة والزّبير فتنة، ودعا الناس إلى مواجهتها وقمعها، لأنّ وجه الحقّ فيها بيّن، فقد كتب إلى أهل الكوفة عند مسيره إلى البصرة:

«...واعلمُوا أنَّ دارَ الهِجرة1 قد قلعت بِأهلِها وقلعوا بِها2، وجاشت جيش المِرجلِ3، وقامتِ الفِتنةُ على القُطبِ4، فأسرِعُوا إلى أميرِكُم، وبادِرُوا جِهادَ عدُوِّكُم»5.

د - موقف الإمام عليّ من فتنة عصره

ما دور الإمام عليّ، وما موقفه من الفتنة الّتي عصفت بالمجتمع الإسلامي في عهده ؟.

نظرة إلى التاريخ السّياسي والفكري للإسلام تكشف بوضوح عن أنّ الإمام عليّاً كان المنقذ الأكبر للإسلام من التّشوّه والمسخ بالفتنة الّتي عصفت رياحها المجنونة

(1) دار الهجرة: هي المدينة المنوّرة.

(2) قلع المكان بأهله: نبذهم وطردهم. وقلع فلان بمكانه: نبذه وابتعد عنه.

(3) جاشت: اضطربت، والمرجل: القدر: يعني أنّ دار الهجرة قد اضطربت بأهلها بسبب الفتنة الّتي نشبت فيها وانطلقت منها.

(4) قامت الفتنة على القطب: وجدت من يوجّهها ويرعاها ويغذيها بالأفكار والقوى، فاشتدت وعظم خطرها.

(5) نهج البلاغة - باب الكتب - الكتاب رقم 1.


175

بالمسلمين منذ النّصف الثاني من خلافة عثمان.

ولولا توجيه عليّ الفكري، ومواقفه السّياسيّة، ومواجهته العسكريّة للفتنة في شتّى مظاهرها الفكريّة والسّياسيّة والعسكريّة لَتشوّه الإسلام، وانمسخ، وتقلّص. ولكنّ الإمام عليّاً، بموقفه الواضح الصّريح الرّافض لأيّة مساومة، كان المنقذ الّذي كشف الفتنة ودعاتها، ووضع المسلمين جميعاً أمام الخيار الكبير: مع الفتنة أو ضدّها ؟.

ولا يهمّ بعد ذلك أنّ الفتنة حازت إلى جانبها جمهوراً كبيراً من النّاس، المهم أنّها افتضحت، وبافتضاحها سلم الإسلام من التّشوّه ومن خطر التّزوير، وكان على الّذين انحرفوا أن يجدوا لأنفسهم مبرّرات.

وقد كان توقع نشوء الفتنة، والخوف منها ومن أفاعليها وعواقبها، هاجساً عامّاً عند المسلمين. يكشف عن ذلك السّؤال عنها، وعن الموقف الصّواب منها، وكثرة حديث الإمام عن أخطارها وملابساتها.

وقد كان الإمام عليّ بروحانيّته العالية السّامية، وإسلاميّته الصّلبة الصّافية، وروحه الرّساليّة الّتي تفوّق بها على جميع معاصريه، وحكمته وشجاعته، وسيرة حياته الناصعة الّتي ابتدأت بالإسلام... كان هو الرّجل الوحيد المرصود لمواجهة الفتنة، وإنقاذ الإسلام منها.

لقد أعلمه رسول اللّه (ص) بذلك، وأدرك هو دوره من خلال رصده لحركة المجتمع التّاريخيّة.

وهذا نصّ عظيم الأهمّيّة يكشف لنا عن الدّور المرصود للإمام عليّ في مواجهة الفتنة، يتضمن الرّؤية النّبويّة لمستقبل الحركة التّاريخيّة من جهة، والرّؤية النّبويّة لدور الإمام عليّ في هذه الحركة.

وقد أورد الشّريف الرّضي هذا النّصّ، كما أورده ابن أبي الحديد في شرحه (9 / 105 - 107) برواية الشّريف وبرواية أخرى أكثر بسطاً. ويبدو أنّ الرّواية الأخرى تقريريّة حدّث بها الإمام، ورواية الشّريف خطابيّة، جاءت جواباً منه على سؤال، فقد قام إليه رجل - وهو يخطب - فقال: يا أمير المؤمنين: أخبرنا عن الفتنة، وهل


176

سألت رسول اللّه (ص) عنها ؟ فقال عليه السّلام:

«إنَّهُ لَما أنزلَ اللّه سُبحانهُ قولَهُ (الم. أحَسِب النَّاسُ أن يُتركُوا أن يقُولوا آمنّا وهم لا يُفتنُون)1 علِمتُ أنَّ الفِتنة لا تنزِلُ بِنا ورسُولُ اللّه (ص) بين أظهُرِنا. فقُلتُ: يا رسُول اللّهِ ما هذهِ الفِتنةُ الَّتِي أخبرَك اللّه تعالى بِها ؟ فقال: (يا علِيُّ، إنّ أُمَّتي سيُفتنُون من بعدِي)، فقُلتُ: يا رسُولَ اللّه، أوَ لَيْسَ قد قلتَ لي يوم أُحُدٍ حيثُ استُشهِدَ من استُشهِدَ من المُسلمِين، وحيزَت2 غنِّي الشَّهادةُ، فشقَّ ذلك عليَّ، فقُلتَ لي: (أبشِر، فإنَّ الشَّهادةَ مِن ورائكَ) فقال لِي: (إنَّ ذلِك لكذلِك، فكيف صبرُك إذن ؟) فقُلتُ: يا رسُول اللّه: ليس هذا مِن مواطِنِ الصَّبرِ، ولكِن مِن مواطِنِ البُشرى والشُّكرِ. وقال: (يا عليُّ، إنَّ القومَ سيُفتنُون بِأموالِهِم، ويمُنُّون بدينِهِم على ربِّهِم، ويتمنَّون رحمتهُ، ويأمنُون سطوتهُ، ويستحِلُّون حرامهُ بِالشُّبُهاتِ الكاذبِةِ، والأهواءِ السَّاهيةِ، فيستحِلُّون الخمرَ بالنَّبيذِ، والسُّحتَ بالهديَّةِ، والرِّبا بالبيعِ) قُلتُ: يا رسُول اللّه: فبأيِّ المنازِلِ أُنزِلُهُم عندَ ذلِك ؟ أبمنزلَةِ رِدَّةٍ أم بمنزلَةِ فِتنةٍ ؟ فقالَ: (بِمنزِلَة فِتنةٍ)»3.

وإذن، فقد كان الإمام مرصوداً لمواجهة الفتنة وفضحها.

لقد كان منقذ الإسلام بعد رسول اللّه (ص) من التّزييف والتّحريف، فحقّق بمواجهته للفتنة صيغة الإسلام الصّافي، في المعتقد والفكر والتّشريع والعمل، وغدت الفتنة أزمة في داخل الإسلام، ولم تفلح في أن تكون هي الإسلام.

وقد عبّر الإمام في أكثر من مقام عن دوره العظيم الفريد في التاريخ، من حيث كونه القيادي الوحيد الّذي استطاع أن يواجه الفتنة ويفضحها، فقال ممّا قال:

«... فإنِّي فقأتُ عين الفِتنةِ4، ولم يكُن ليجترئ عليها أحد غيري، بعدَ أن ماج غيهبُها5 واشتدَّ كلبُها6.

(1) سورة العنكبوت (مكيّة - 29) الآية: ا و 2.

(2) جاز عنه الشّيء: أبعده عنه.

(3) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 156.

(4) فقأت عين الفتنة: تغلّبت عليها.

(5) الغيهب: الظّلمة. يعني أنِّي واجهتها في عنفوانها وقوتها.

(6) الكلب: داء معروف يصيب الكلاب. يعني أنّه واجهها وهي في هذه الحالة عن الأذى والشّرّ الشّديدَين. والخطبة في نهج البلاغة، رقم: 93.


177

لقد حدثت داخل الإسلام فتن كثيرة، ولكن أعظم هذه الفتن خطورة وأشدّها تخريباً فتنة بني أميّة الّتي عصفت رياحها السّوداء الشّرّيرة المجتمع الإسلامي منذ النّصف الثّاني من عهد عثمان، وتعاظمت خطورتها بعد مقتله. واستغرقت مواجهتها الفكريّة والسّياسيّة والعسكريّة معظم جهود أمير المؤمنين عليّ في السّنين الأخيرة من حياته.

وقد كان الإمام يغتنم كل فرصة سانحة ليحدّث مجتمعه عن هذه الفتنة، ويبيّن له أخطارها الآنية والمستقبليّة من أجل إيجاد المناعة النّفسية منها، والوعي العقلي لأخطارها، والعزم العملي على مواجهتها وقمعها، والتّصميم على رفضها حتّى بعد انتصارها.

قال عليه السّلام،

«إنَّ الفِتنَ إذا أقبلت شبَّهت1، وإذا أدبرت نبَّهت، يُنكرن مُقبِلاتٍ، ويُعرفن مُدبِراتٍ، يحُمنَ حوم الرِّياحِ، يُصِبن بلداً، ويُخطِئن بلداً. ألا وإن أخوف الفِتنِ عندي عليكُم فِتنةُ بني أُميَّة، فإنَّها فتنة عمياءُ مُظلِمة، عمَّت خُطَّتُها2 وخصَّت بليَّتُها، وأصاب البلاءُ من أبصرَ فيها، وأخطأ البلاءُ من عمِي عنها»3.

فَهي فتنة عمّت بليتها لأنّ روّادها الحكام أنفسهم، ومن ثمّ فشرورها السّياسيّة والفكريّة تشمل المجتمع كلّه.

وهي فتنة خصّت بليتها لأنّ أعنف ضرباتها ستوجّه إلى الصّفوة المؤمنة الواعية الّتي بقيت سليمة من داء الفتنة، ووضعت نفسها في مواقع كفاح الفتنة الغالبة.

والمسؤوليّة في هذه الفتنة ملقاة على المبصرين فيها، الّذين يعرفونها ويعرفون وجه الحقّ ويجبنون عن مواجهتها، أو يتواطؤون، ضد الحق، معها.

أمّا من عمي عنها، وجهل أبعادها وأخطارها فهو معذور بجهله.

(1) شبّهت: اشتبه فيها الحقّ بالباطل، وإذا أدبرت وخلص النّاس منها تميّز حقّها من باطلها.

(2) عمّت خطتها: يعني أنَّها فتنة غالبة تصيب ببلائها أهل الحقّ.

(3) نهج البلاغة: الخطبة رقم: 93.

3 - إنتصار حركة الرّدّة

لا نعني بالرّدّة هنا الرّدّة الدّينيّة عن الإسلام، فقد سبق أن رأينا التّوجيه النّبوي لعليّ حين سأل رسول اللّه (ص): فبأيّ المنازل اُنزلهم عند ذلك ؟ أبمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة ؟ فقال (ص) بمنزلة (فتنة).

وإنّما نعني الرّدّة السّياسيّة والفكريّة. فإنّ الفتنة حين انتصرت سياسيّاً بعد استشهاد أمير المؤمنين عليّ راحت تمكّن لنفسها بفرض قيمها الفكريّة والإجتماعية في الثّقافة العامّة، وتطبع العلاقات في داخل المجتمع بطابعها.

*

لقد كان الإمام يرى ببصيرته النّافذة أنّ الفتنة ستنتصر، وكانت هذه الرّؤية إحدى مسببّات ألمه العميق.

وكان يرى أنّ الفتنة لا تقاوم إِلا بالكفاح، أمّا السّكوت عنها ومهادنتها فيتيحان الفرصة أمامها لكي تنتصر.

وكان يؤرقه أنّ مجتمعه، لأسباب شتّى، آثر أن يواجه الفتنة بالسّكوت عنها، أو - بعبارة أخرى - آثر ألا يواجه الفتنة الآتية.

وكان يقارن بين أصحابه وبين أصحاب رسول اللّه (ص)، فيريهم أنّ التّوجيه الثّقافي واحد، وأنّ القيادة واحدة، ولكنّه يرى أنّ درجة الإخلاص متفاوتة:

«... واللّه ما اسمعكُمُ الرَّسُولُ شيئاً إلا وها أنا ذا مُسمِعُكُمُوهُ، وما أسماعُكُم اليوم بِدُونِ أسماعِكُم بالأمسِ، ولا شُقَّت لهُمُ الأبصارُ، ولا جُعِلت لهُمُ الأفئدةُ في ذلك الزَّمانِ، إلا وقد أُعطيتُم مِثلَها في هذا الزَّمانِ. وواللّه ما بُصِّرتُم بعدهُم شيئاً جهلُوهُ، ولا أُصفِيتُم بهِ


180

وحُرِمُوهُ1، ولقد نزلت بِكُم البليَّةُ جائلاً خِطامُها2، رِخواً بطانُها3 فلا يغُرَّنَّكُم ما أصبح فيه أهلُ الغُرُورِ، فإنَّما هو ظِل ممدُود إلى أجلٍ معدُودٍ»4.

وقد تكرّر منه المقارنة بين حال أصحابه وحال أصحاب رسول اللّه (ص) في عدة مواقف. وكان يرى في طريقة مواجهة أصحابه للفتنة الآتية نذر انتصار هذه الفتنة من بعده، وقد كشف عن رؤيته هذه لمجتمعه في عدة مواقف، منها قوله:

«...أما والذي نفسي بيدِه، ليظهرنَّ هؤُلاءِ القومُ عليكُم، ليس لأنَّهُم أولى بِالحقِّ، ولكِن لإسراعهِم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكُم عن حقِّي. ولقد أصبحتِ الأُممُ تخاف ظُلم رُعاتِها، وأصبحتُ أخافُ ظُلم رعيَّتي، استنفرتُكُم للجِهادِ فلم تنفِروا، وأسمعتُكُم فلم تسمعُوا، ودعوتُكُم سِرّاً وجهراً فلم تستجيبُوا، ونصحتُ لكُم فلم تقبلُوا»5.

ويكشف هذا النّصّ - كغيره من النّصوص المماثلة له - عن أنّ انتصار الفتنة لم يكن في تقدير الإمام عليه السّلام وتحليله ناشئاً من قدر غيبي، وإنّما نشأ من توفّر الأسباب الموضوعيّة على أرض الواقع السّياسي والإجتماعي الّذي كانت عوامله تتفاعل في المجتمع السّياسي المواجه للفتنة.

لقد فقد هذا المجتمع فاعليته، وتخلّى عن روح الكفاح في مواجهة الفتنة، وانفصل عملياً عن قيادته فسقط في السّلبيّة، وآثر الحياة السّهلة الخالية من تبعات الرّسالة والجهاد.

ومن ذلك قوله عليه السّلام:

(1) اُصفيتم.. خصصتم به دون غيركم.

(2) الخطام ما جعل في أنف البعير ليقاد به، فإذا لم يكن ثمّة قائد تاه البعير ولم يسلك طريق السّلامة، كنى بذلك عن الفتنة الّتي تعيث فساداً في المجتمع.

(3) البطان: حزام يجعل تحت بطن البعير ليحفظ استقرار ما عليه من راكب أو حمل فإذا استرخى ادّى ذلك إلى خطر السّقوط. كنّى بذلك عن أخطار الفتنة.

(4) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 89.

(5) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 97.


181

«... ثُمَّ يأتي بعد ذلِك طالِعُ الفِتنةِ الرَّجُوفِ1، والقاصِمةِ الزَّحُوفِ2، فتزيغُ قُلُوب بعد استِقامةٍ، وتضِلُّ رِجال بعد سلامةٍ، وتختلِفُ الأهواءِ عند هجُومِها، ونلتبسُ الآراءُ عِند نُجُومِها3 من أشرف لها قصمتهُ4 ومن سعى فيها حطمتهُ، يتكادمُون فيها تكادُم الحُمُرِ في العانةِ5 قد اضطرب فيها معقُودُ الحبلِ، وعمي وجهُ الأمرِ. تغيضُ فيها الحِكمةُ6، وتنطِقُ فيها الظَّلمةُ، وتدُقُّ أهل البدو بمسحلِها7 وترُضُّهُم بِكلكلِها8... فلا تكُونُوا أنصاب الفِتنِ9 وأعلامَ البِدعِ، والزمُوا ما عُقد عليه حبلُ الجماعةِ، وبُنيت عليه أركانُ الطَّاعةِ»10.

في هذا النّصّ بيّن الإمام بعض سمات انتصار الفتنة:

1 - إستيلاء الفتنة على مساحات جديدة في المجتمع: «تضلّ رجال بعد سلامة» وتتعمّق الأفكار المنحرفة «تزيغ قلوب بعد استقامة».

2 - تلفّ المجتمع حيرة شديدة نتيجة للإنتصار غير المتوقع الّذي فرض مفاهيم جديدة لم تكن مألوفة.

3 - تحطّم الفتنة - في أوج انتصارها - كلّ من يتصدى لها مواجهة.

وفي نصّ آخر بيّن الإمام وجوهاً أخرى لانتصار الفتنة:

«... فعِند ذلكَ أخذ الباطِلُ مآخِذَهُ، وركب الجهلُ مراكِبهُ، وعظُمتِ الطَّاغيةُ، وقلَّتِ

(1) الرّجوف: شديد الرّجفان والإضطراب، تُدخل الإضطراب والقلق على المجتمع.

(2) القاصمة: الكاسرة، والزّحوف: المتحرّكة الّتي تسعى للإنتشار في المجتمع.

(3) نجوم الآراء ظهورها يعني أنّ الفتنة تسبّب البلبلة الفكرية في المجتمع، فتمكن للشّعارات الدّخيلة من التّسرب والشّيوع.

(4) أشرف لها: تعرّض لها، قصمته: كسرته.

(5) يتكادمون.. ينهش بعضهم بعضاً، والعانة هي الجماعة من الحمر الوحشية، يعني أنّ سلطان القانون، في حالة انتصار الفتنة، يسقط، ويسود سلطان الغريزة.

(6) تغيض.. تختفي، غاض الماء: غار تحت الأرض.

(7) دقّ: فتّت وطحن. والمسحل: المبرد أو المطرقة، يعني أنّ شرورها الاجتماعيّة تصل الى أهل البدو - مع بعدهم عن يد السّلطة - فتحطّم علاقاتهم، وتهدّد أمنهم.

(8) الرّضّ: التّهشيم، والكلكل: الصّدر، يعني أنّها تطبق عليهم، فتشلّ حركتهم وتحطّم مقاومتهم.

(9) أنصاب: علامات.

(10) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 51.


182

الدَّاعيةُ، وصال الدّهرُ صيالَ السَّبُع العقُورِ1، وهدر فنيقُ الباطل بعد كُظومٍ2 وتواخى النَّاسُ على الفُجُورِ، وتهاجرُوا على الدِّين، وتحابُّوا على الكذِبِ، وتباغضُوا على الصِّدقِ، فإذا كان ذلك كان الولدُ غيظاً3 والمطرُ قيظاً4 وتفيضُ اللِّئامُ فيضاً وتغيضُ الكِرامُ غيضاً5. وكان أهلُ ذلك الزَّمانِ ذئاباً، وسلاطينُهُ سِباعاً، وأوساطُهُ أكَّالاً، وفُقراؤهُ، أمواتاً، وغار الصِّدقُ، وفاض الكَذِبُ، واستُعمِلتِ المودَّةُ باللِّسانِ، وتشاجر النَّاسُ بالقُلُوبِ، وصار الفُسُوقُ نسباً، والعفافُ عجباً، ولُبِس الإسلامُ لبسَ الفرو مقلُوباً»6.

في هذا النّصّ فصّل الإمام ملامح الفتنة عندما تنتصر، وتغلب على المجتمع، فتتسلّط على مؤسّساته، وتعمّق جذورها فيه، وتبسط مفاهيمها وقيمها عليه.

ويمكن تلخيص هذه الملامح في النّقاط التّالية:

1 - تأصّل روح الطّغيان في الحكم، ونزعة التّجبر والإستبداد في الحاكمين، وانحسار الرّوح الرّساليّة في مؤسسات الحكم.

2 - فساد العلاقات الإنسانيّة داخل المجتمع، وتدنّي المستوى الأخلاقي، وشيوع أخلاق المنفعة بين الناس. وما أروع قوله في تصوير جانب من هذه الظّاهرة (واستعملتِ المودّة باللّسان، وتشاجر النّاس بالقلوب).

3 - إنحطاط مؤسّسة الأُسرة، وشيوع الإباحة الجنسيّة.

ويلخص ذلك كلّه قوله عليه السّلام: (ولُبِس الإسلامُ لُبس الفرِو مقلوباً) وهذا كقوله في نصّ آخر:

«أيُّها النّاسُ، سيأتي عليكُم زمان يُكفأُ فيه الإسلامُ كما يُكفأُ الإناءُ بما فيه»7.

(1) صال.. هجم للفتك والإعتداء.

(2) الفنيق: الفحل من الإبل، والكظوم الصّمت والسّكون - يعني أنّ الباطل بعد أن كان ذليلاً صامتاً، غدا، في الفتنة، عالي الصّوت هادراً.

(3) بسبب الفتنة تفسد أخلاق الأجيال الشّابة فيكونون سبباً لغيظ أهلهم.

(4) القيظ: شدّة الحر. يعني أنّ الأمور والسّياسات تقع في غير مواقعها فلا تفيد بل تضرّ.

(5) غاض الماء في الأرض: اختفى وغار فيها. يعني يندر في الفتنة حين تغلب وجود ذوي الأخلاق الكريمة في مراتبهم الإجتماعية لأنّهم يخفون أنفسهم ويبتعدون عن الأضواء.

(6) نهج البلاغة - الخطبة رقم: 108.

(7) نهج البلاغة - الخطبة رقم: 103.

4 - المعاناة

تنتصر الفتنة، فتأتي بحكم غير عادل، لا يرى في الأمة إلا موضوعاً لتسلّطه ومصدراً للمال.

وهي غير أخلاقية، لأنّ قادتها يتبعون في سياسة الناس منطق الغريزة، لا منطق القانون والعدالة. ومن هنا وهناك فلا بدّ أن يكون لها ضحايا كثيرة.

ومن ضحاياها خصومها السّياسيون الذين حاربوها في الماضي، وغلبوا على أمرهم في النّهاية.

ومن ضحاياها خلفاؤها الّذين ساندوها في أيّام ضعفها، واستغنت عنهم في أيّام قوّتها.

ومن ضحاياها الغافلون عن شرورها وأخطارها، الّذين كانوا محايدين في المعركة الدّائرة بينها وبين أهل الحقّ، ثم دهشوا عند انتصارها، فاحتجوا أو أظهروا معارضتهم لها. وأكبر ضحاياها الأمّة كلّها حين تحولها الفتنة المنتصرة إلى موضوع للتّسلط، ومصدر لصنع الثّروات، وتوفير أسباب التّرف واللّهو لنخبتها، وجهازها القمعي، وحلفائها.

وهكذا تبدأ معاناة الأمّة من الفتنة، من ظلمها وتسلطها، من عدوانها الّذي ينتشر كالوباء فيصيب كلّ فئة من المجتمع المغلوب على أمره بشتّى ألوانه: العدوان الأخلاقي، والعدوان السّياسي، والعدوان الإقتصادي.

وقد صوّر الإمام عليّ وجوهاً من معاناة الأمّة وعذاباتها بعد انتصار الفتنة في لوحات معبّرة تكاد تنطق بالحركة الحيّة.


184

من ذلك قوله عليه السّلام:

«... وايمُ اللّه لتجِدُنَّ بني اُميَّةَ لَكُم اربَابَ سوءٍ بَعدِي، كالنَّاب الضَّروس(1) تعذِمُ بفيهَا(2)، وتخبطُ بيدِها، وَتزِبنُ بِرجلهَا(3) وتمنع درَّها»(4).

« لا يزالونَ بِكُم حَتى لا يَترُكُوا مِنكُم إلا نافعاً لَهُم، أو غيرَ ضائر بِهم. ولا يَزال بَلاؤُهم عَنكُم حتَّى لا يكُون انتِصارُ أَحَدِكُم مِنهُم إلا كَانتِصارِ العَبدِ من رَبِّه والصّاحبِ من مُستَصحِبِهِ. تَرِدُ عَلَيكُم فتنتهم شَوهاء مخشيَّةً، وقطعاً جاهليَّة، لَيسَ فيها مَنَارُ هُدى وَلا عَلَم يُرى»(6).

وهكذا يعاني النّاس من الفتنة بعد انتصارها ألواناً من الشّرِّ:

1 - حكم الطّغيان الّذي يقضي على كلّ معارضة له بالرّأي والمذهب، وهو لا يقضي عليه بهوادة ولين، وإنّما بالعنف والقسوة.

2 - والإذلال الّذي يمحق كرامة الإنسان ويشوّه روحه، فيحوّله إلى عبد لا يجرؤ على رفع صوته والتّعبير عن رأيه، وإنّما يخضع بالطّاعة العمياء الصّمّاء الّتي لا خيار فيها ولا تنبثق من قناعة وإنّما يفرضها الخوف من العذاب.

*

ومن ذلك قوله عليه السلام:

«واللّه لا يزالُون حتَّى لا يدعُوا لِله مُحرَّماً إلا استَحلّوهُ، ولا عقداً إلا حلُّوهُ، وحتَّى لا يبقى بيتُ مدرٍ ولا وبرٍ(7) إلا دخلهُ ظُلمُهُم ونبا بِهِ سُوءُ رعيهِم(8)، وحتَّى يقُوم الباكيانِ، يبكيانِ: باكٍ يبكِي لدينِهِ وباكٍ يبكي لدُنياهُ، وحتَّى تكُون نُصرةُ أحدِكُم مِن أحدِهم كنُصرةِ العبدِ

(1) النّاب: النّاقة المسنة، والضّروس: النّاقة السّيّئة الخلق.

(2) عذم الفرس: إذا أكل بجفاء، أو عضّ.

(3) تزبن: تضرب برجلها من يقترب منها.

(4) الدّرّ: اللّبن. يعني أنّها غير ذات فائدة مع كونها مصدراً للتّخريب والأضرار. فالفتنة شرّ كلّها، ولا خير فيها.

(5) شوهاء: قبيحة المنظر، ومخشية: مخوفة مرعبة.

(6) العلم: الدّليل الهادي في متاهات الصّحراء. نهج البلاغة، رقم: 93.

(7) يبت المدر: ما بُني بالحجارة، وبيت الوبر: الخيمة. يعني أنّ شرّ الفتنة لا يقتصر على سكّان المدن وإنّما يشمل الرّيف والبدو.

(8) نبا به سوء رعيهم: شرّد النّاس، وأقلق حياتهم من (نبا به المنزل): إذا لم توافقه.


185

مِن سيِّدهِ، إذا شهِد أطاعهُ وإذا غاب اغتابهُ، وحتَّى يكُون أعظمكُم فيها عناءً أحسنُكُم بِاللّه ظنّاً، فإن أتاكُم اللّه بعافيةٍ فاقبلُوا، وإن ابتُليتُم فاصبِرُوا، فإنَّ العاقبِةَ للمُتَّقين»(1).

في هذا النّصّ يكشف الإمام عن وجوه أخرى من المعاناة والعذاب:

1 - سقوط حرمة القانون عند الطّغمة الحاكمة الّتي يفترض فيها، وهي تحكم باسم الدّين، أن تحافظ عليه من حيث التّطبيق.

2 - انتشار الظّلم، وعدم اقتصاره على الحواضر والمدن، بل يشمل جميع مستويات الأمّة فيعاني منه سكّان المدن وبدو الصحراء.

3 - الإذلال، وهدر كرامة الإنسان الّذي يتحوّل، لطول ما يعاني من الإذلال، إلى ما يشبه أخلاق الرّقيق.

إنّ هذا الواقع يجعل المعاناة شاملة في قضايا الدّين وقضايا الدّنيا، ويكون أشدّ النّاس بلاء ومعاناة أكثرهم وعياً، وأصلبهم عوداً في مواجهة إغراء الفتنة وإرهابها.

ولكن الإمام يوصي هذه الفئة المستنيرة الّتي لم تستهلكها الفتنة بالصّبر، لأنّ الفتنة في هذه المرحلة لا تقاوم، وكل جهد يبذل في مقاومتها جهد ضائع مهدور يزيد الشَّرعيّة ضعفاً ووحدة وعزلة دون أن يؤثّر على الفتنة، وهي في أوج انتصارها شيئاً.

*

ومن ذلك قوله عليه السّلام:

«رايةُ ضلالٍ قد قامت على قُطبِها(2) وتفرَّقت بِشُعبِها(3) تكيلُكُم بِصاعِها(4)، وتخبطُكُم بباعِها(5)، قائدُها خارج مِن الملَّةِ، قائم على الضِّلَّةِ، فلا يبقى يومئذٍ مِنكُم إلا ثُفالة كثُفالةِ القدرِ(6) أو

(1) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 98.

(2) استحكم أمرها كالرّحى حين تستقرّ على قطبها.

(3) الشّعب: الفروع. يعني أنّ الفتنة تغلغلت في جميع ثنايا المجتمع.

(4) تشمل النّاس بشرّها دون تمييز كما يكال الحب بالصّاع.

(5) تضرب بذراعها جميع الأمّة فلا يمتنع منها أحد، مأخوذ من (خبط الشّجرة) ضربها بالعصا ليسقط ثمرها أو يتناثر ورقها.

(6) الثّفل: نفاية الشّيء، وما لا خير فيه منه، وثفالة القدر ما يبقى فيه من هذا القبيل.


186

نُفاضة كنُفاضةِ العِكمِ(1) تعرُكُكُم عرك الأديِم(2)، وتدُوسُكُم دوسَ الحصِيدِ(3) وتستخلِصُ المؤمِنَ من بينِكُمُ استخلاصَ الطَّيرِ الحبَّةَ البطينةَ(4) من بينِ هزيلِ الحبِّ»(5).

في هذا النّصّ يتابع الإمام الكشف عن وجوه المعاناة:

سيادة حكم الطّغيان بسبب أنّ الشريعة مهملة من حيث التّطبيق لأنّ الرّاية راية ضلال، ولذا فإنّ هذا الحكم يتصرّف بوحي الغريزة لا على ضوء القانون، ونتيجة ذلك أنّ الحكم يدوس الأمّة ويسحقها، ويذهب بكلّ صلابة وعنفوان فيها ليحوّلها إلى كيان مطواع لا إرادة له ولا اختيار، كالجلد الّذي سحق وعرك حتى لان ففقد كلّ صلابة، وكالحصيد الّذي ديس حتّى تفتت.

ولكنّ الفتنة، مع ذلك، لا تفلح في القضاء على كلّ شيء، فرغم الظّلم المادّي والمعنوي، والتّشويه الثّقافي تبقى نخبة النخبة محافظة على ذاتها، إنّها تكون قليلة العدد حقّاً، ولكنّها أصيلة، صافية، منيعة على الطّغيان، والتّشويه والإغراء والإرهاب.

*

ومن ذلك قوله عليه السّلام:

«تغِيضُ فيها الحِكمة(6)، وتنطِقُ فيها الظَّلمةُ، وتدُق أهل البدو بمسحلِها(7) وترُضُّهُم بكلكلِها(8) يضيِعُ في غبارِها الوُحدانُ(9)، ويهلِكُ في طريقِها الرُّكبانُ، ترِدُ بِمُرِّ القضاءِ، وتحلُبُ عبيط

(1) النّفاضة ما يسقط من الثّوب أو البساط بالنّفض، والعكم: العدل الّذي يجعل على الدّابة ويحمل فيه المتاع.

(2) العرك: الدّلك الشّديد، والأديم: الجلد.

(3) الحصيد: الغلات المحصودة.

(4) البطينة: السّمينة.

(5) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 108.

(6) تغيض: تختفي، يعني أنّ الحكمة في الفتنة تختفي في النّاس فلا يتعاملون بما تقضي به من عدالة وأخلاق.

(7) المسحل: المبرد أو المطرقة.

(8) الرّضّ: التّهشيم. والكلكل: الصّدر.

(9) الوحدان: جمع واحد، يعني المنفردون.


187

الدِّماءِ(1) وتثلِمُ منار الدِّينِ(2) وتنقُضُ عقد اليقين. يهرُبُ منها الأكياسُ(3) ويُدبِّرُها الأرجاسُ(4) مرعاد مبراق كاشِفة عن ساقٍ، تقطعُ فيها الأرحامُ، ويُفارقُ عليها الإسلامُ، بريُّها سقيم، وظاعِنُها مُقِيم... بين قتيلٍ مطلُولٍ(5)، وخائفٍ مُستجيرٍ، يختلُون بعقدِ الأيمانِ(6)...»(7).

يبرز الإمام في هذا الفصل - كما في النّصّ الثّاني من هذا الفصل - شمول الظلم لأهل البدو، وهذا يعني - بملاحظة التّركيب الإجتماعي، والوضع الثّقافي للمجتمع الإسلامي في ذلك الحين - أقصى درجات الشّمول للظّلم والطّغيان، فأهل البدو - بسبب طريقة حياتهم - بعيدون عن متناول السّلطة وأجهزتها ومن ثمّ فهم يتمتعون بفرص أكثر من أهل المدن للنجاة من كثير من شرور الطّغيان السّياسي. ولكن هذه الفتنة المنتصرة يبلغ من قوّتها وعنفها أنّ هؤلاء البدو - أهل الوبر - لا يسلمون منها، بل تسومهم سوء العذاب.

كما أبرز الإمام في هذا الّنصّ الوجوه الأخرى للمعاناة: الإذلال، وسياسة القمع، وتجاوز الشّريعة والقانون، وانحطاط العلاقات الإنسانية.

*

وقال عليه السّلام:

«... فعِند ذلِك لا يبقى بيتُ مدرٍ ولا وبرٍ إلا وأدخلهُ الظَّلمةُ ترحةً(8)، وأولجُوا فيهِ نقمةً، فيومئذٍ لا يبقى لهم في السَّماء عاذِر، ولا في الأرض ناصِر. أصفيتُم بالأمر غير أهله(9) وأوردتُمُوهُ غير موردِهِ، وسينتقِمُ اللّه مِمَّن ظلمَ، مأكلاً بمأكلٍ، ومشرباً بمشربٍ، من مطاعِمِ العلقمِ،

(1) عبيط الدّماء: الطّريّ منها.

(2) الثّلم: الكسر، يعني أنّها تنتهك الدّين وتقلص نفوذهُ وولايته بترك العمل به وظلم أهله والدّاعين اليه.

(3) الكيس: الحاذق العاقل.

(4) الأرجاس: الأشرار.

(5) قتيل مطلول: مهدور الدّم، لا دية ولا قصاص.

(6) الختل: الخداع، يعني يخدعون النّاس بحلف الأيمان وإظهار شعار الإسلام.

(7) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 151.

(8) ترحمة: حزن وألم.

(9) أصفيت فلاناً كذا: أعطيته إيّاه خالصاً، يعني أعطيتم السّلطة السّياسيّة في الإسلام إلى غير أهلها.


188

ومشارِب الصَّبِرِ والمقرِ(1)، ولِباسِ شِعارِ الخوف ودثارِ السَّيفِ(2)، وإنَّما هُم مطايا الخطِيئاتِ وزوامِلُ الآثام(3)»(4).

في هذا النّصّ بيّن الإمام أيضاً طابع الشّمول لهذه الفتنة. وذكّر جمهور النّاس في كلّ عصر بالسّبب الموضوعي الّذي ولّدها، ومكن لها، وهو تجاوز الشّرعيّة في الحاكم والنظام، والإنسياق وراء المصالح الخاصّة، والأنانيّات الفرديّة والقبلية، وعدم تحمّل مسؤوليّات الصّراع ضدّ الباطل وأهله.

*

ومن ذلك قوله عليه السّلام مخاطباً الخوارج، مخبراً لهم بما سيكون عليه حالهم في نظام الفتنة الآتي حيث لا يجدون الإنصاف والعدل، والتّفهّم لأوضاعهم وآمالهم الّتي يجدونها في نظام العدل الّذي يقوده الإمام.

«أما إنَّكُم ستلقُون بعدي ذُلاً شامِلاً، وسيفاً قاطِعاً، وأثرةً(5) يتَّخذُها الظَّالِمُون فيكُم سُنَّةً»(6).

*

تنتصر الفتنة، وتسود مفاهيمها، وتفرض على المجتمع قيمها، وتمضي على ذلك السّنون، والفتنة تزداد قوّة ومناعة وتسلّطاً، ويمتدّ سلطانها لينفذ في كلّ زاوية وعلى كلّ صعيد في المجتمع، ويسود الإعتقاد بأنّ كلّ شيء قد انتهى، وبأنّ التّاريخ قد استقر على هذه الصّيغة إلى النّهاية، وتنشأ على هذا الإعتقاد أجيال بعد أجيال.

ولكنّ هذا الإعتقاد خاطئ، فحركة التاريخ لا تتوقف عند صيغة بعينها، بل هي دائبة التّقلب والتّغيّر، وسيكون لانتصار الفتنة واستقرار سلطانها نهاية قد لا تنتهي بها الفتنة، ولكنّها تواجه مقاومة جديدة.

(1) الصّبر: عصارة شجر مرّ، والمقر: السّم.

(2) الشّعار من الملابس ما يكون على الجلد، والدّثار ما يكون على الثّياب.

(3) الزّاملة النّاقة أو الدّابّة الّتي يحمل عليها المتاع.

(4) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 158.

(5) الأثرة: الإستبداد بالخيرات دون الآخرين.

(6) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 58.


189

تنشأ هذه المقاومة من حقّ استعاد بعضاً من حيويّته فهو لا يطيق السّكوت، فيعبّر عن نفسه بالثّورة، لا لينتصر، فقد يكون انتصار الحق بعيد المنال في هذه المرحلة من التّاريخ، ولكن ليكسر من غلواء الفتنة، ويعطّل جانباً من عملها التّخريبي في عقيدة الأمّة وشخصيتها، وذلك حين يسلب الفتنة الشّعور بالإستقرار والأمان، فيحملها على اتخاذ موقف الدّفاع عن نفسها والتّخلّي عن بعض مناهجها التّخريبيّة، ويحملها على أن ترتدّ ولو قليلاً إلى الصّواب.

أو تنشأ هذه المقاومة من أزمات داخل الفتنة نفسها، تولّد فتناً تزعج أهل السّلطان القديم، وتأتي إلى سدّة السّلطان بقوم آخرين، ويكون بين أولئك وهؤلاء فرج لأهل الإيمان، ونهضة لأهل الحقّ في غفلة أهل السّلطان.

قال عليه السّلام:

«حتّى يظُنَّ الظَّانُّ أنَّ الدُّنيا معقُولة على بني أُميَّةَ(1)، تمنحُهُم درَّها(2)، وتُورُدُهُم صفوَها، ولا يُرفعُ عن هذه الأُمّةِ سوطُها ولا سيفُها، وكذب الظَّانُّ لذلِك، بل هي مجّة(3) من لذِيِذ العيشِ يتطعَّمُونها بُرهةً، ثُمَّ يلفظُونها جُملةً»(4).

وقال عليه السّلام في نص آخر يخاطب بني أميّة:

«فما احلولت لكُمُ الدُّنيا في لذَّتها، ولا تمكَّنتُم من رضاعِ أخلافِها(5) إلا مِن بعدِ ما صادفتُمُوها جائلاً خِطامُها(6)، قلِقاً وضينُها(7)، قد صار حرامُها عِند أقوامٍ بِمنزلةِ السِّدرِ المخضُودِ(8)، وحلالُها بعيداً غير موجُودٍ، وصادفتُمُوها واللّه، ظلاً ممدُوداً إلى أجلٍ معدُودٍ.

(1) معقولة..: مقصورة عليهم، دائمة لهم، من عقل النّاقة إذا حبسها بالعقال في مكان بعينه.

(2) الدّر: اللّبن، يعني خيرات الدّنيا والذّاتها.

(3) مجّة: مصدر مرة، من مجّ الشّراب من فيه، يعني أنّها لا تدوم لهم كما يتوهّم النّاس وإنّما يمجّونها ويلفظونها رغماً عنهم.

(4) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 87.

(5) الأخلاف جمع خلف: حملة ضرع النّاقة.

(6) الخطام: ما يوضع في أنف البعير ليقاد به، يعني أنّ تخاذل أهل الحقّ عن نصرة الحق مكن لأهل الباطل من الإنتصار.

(7) الوضين: حزام عريض يشدّ به الرحل على النّاقة، وهو كناية عن تخاذل أهل الحقّ الّذي مكن لأهل الباطل من النّصر.

(8) السّدر: شجر النّبق، والمخضود: المقطوع شوكه. يعني أنّكم انتصرتم بأقوام يستحلّون حرام اللّه، ولا يتورّعون من شيء.


190

فالأرضُ لكُم شاغِرة(1)، وأيديكم فيها مبسُوطة وأيدي القادةِ عنكُم مكفُوفة، وسُيُوفُكُم عليهِم مُسلَّطة، وسُيُوفُهُم عنكُم مقبُوضة. ألا وإنَّ لِكُلِّ دمٍ ثائراً، ولِكّلِّ حقٍّ طالبِاً. وإنَّ الثَّائر في دمائنا كالحاكِمِ في حقِّ نفسهِ، وهُو اللّه الذي لا يُعجزُهُ من طلبَ، ولا يفُوتُهُ من هربَ. فاُقسُمُ باللهِ يا بني أُميَّةَ: عمَّا قليلٍ لتعرفُنَّها في أيدي غيرِكُم، وفي دارِ عدُوِّكُم...»(2).

وقال عليه السّلام:

«.. فاُقسِمُ ثُمَّ اُقسِمُ لتنخمنَّها اُميَّةُ من بعدِي كما تُلفظُ النُّخامةُ(3)، ثُمَّ لا تذُوقُها ولا تطعمُ بِطعمِها أبداً ما كرَّ الجديدان(4)»(5).

*

وهكذا يرى الإمام ببصيرته الّتي تضيء آفاق المستقبل الملفّح في ظلمات الزّمان إلا في حركة التاريخ الهادرة، والقوى السّياسيّة الّتي يحبل بها المجتمع في الحاضر وسيلدها في الآتي من الأيّام، لتحرم الفتنة من لذّات انتصارها، وتتراجع إلى مواقع الدّفاع عن نفسها، وتبدل القوى الحاكمة بقوى جديدة، عادلة أو ظالمة.

(1) شاغرة: خالية، يعني لم يقاومكم أحد.

(2) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 105.

(3) نخم: أخرج النّخامة من صدره، وهي المواد المخاطية، كنّى بذلك عن سلطان بني أميّة.

(4) الجديدان: اللّيل والنّهار. يعني أنّهم لا يعودون إلى السّلطة أبداً.

(5) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 158.

5 - الثّورة

الفتنة تنمو، ويتسع سلطانها، ويزيد شيئاً فشيئاً عدد السّاخطين عليها: من أبنائها الذين نبذتهم بعد أن استغنت عنه، ومن الصّفوة الذين قامت في أساسها ضدهم، ومن أولئك الذين لم يكن يعنيهم الإمر في شيء، ولكنَّهم اكتشفوا - بعد انتصار الفتنة التي لم يحاربوها أوّل الإمر - أنهم قد غدوا من ضحاياها ... هؤلاء جميعاً الّذين تجملهم كلمة أمير المؤمنين في تصويره لمعاناة الناس من الفتنة بقوله:

« ... وحتَّى يقومَ الباكِيان يَبكِيان: بَاك يَبكي لِدِينِه، وبَاك يَبكِي لِدُنياهُ »(1).

ويرى هؤلاء جميعاً أن النظام ، نظام الفتنة، ظالم. وكل فريق يرى ظلم هذا النظام من منظوره الخاص:

بعضهم يرى ظلم النطام من منظوره النفعي الخاص ، أو الفئوي ، أو القبلي، دون أن يبالي بانتهاك الثورة لحقوق أشخاص آخرين أو فئات أخرى ، ودون أن يبالي بتجاوز النظام للشريعة وتعطيل دور الأمة الرّسالي في العالم ، وتحويلها إلى فئات محتربة متخاصمة فقدت وحدتها الداخلية .

وبعضهم الآخر يرى ظلم النّظام من منظور رسالي وشرعي يتجاوز مصالحه الشّخصية ومصالح فئته وقبيلته.

كلّ الفئات السّاخطة على النّظام ترى ظلم هذا النّظام... هذا الظّلم الّذي هو

(1) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 98.


192

حصيلة التّعارض بين القانون كما يراه كلّ فريق من منظوره الخاص وبين سياسة الدّولة.

وتتأهب كلّ فئة - بوسائلها الخاصّة - للعمل من أجل تصحيح الوضع القائم برفع التعارض بين الواقع السّياسي للدّولة وبين القانون، بإرغام الدّولة على أن تعود في سياستها إلى القانون، أو بتغيير الفئة الحاكمة نفسها.

والوسيلة إلى إنجاز عملية التّصحيح هذه هي الثّورة.

إذن، عملية الإحتجاج بالعنف على واقع نظام الفتنة وممارساته قد تكون ثورة عادلة، وقد تكون أزمة في داخل الفتنة نفسها. نعني: فتنة جديدة تولّد من فشل الفتنة الحاكمة في إرضاء قوى سياسيّة في المجتمع تحمل نفس المفاهيم الّتي تحملها الفتنة الحاكمة(1).

إن الإحتجاج بالعنف على واقع نظام الفتنة له فائدة إيجابية كبرى وهامّة سواء أكان القائمون بالإحتجاج عادلين أو مفتونين.

هذه الفائدة هي إدخال الإضطرابات والقلق على هذا النّظام وحرمانه من فرص الإستقرار والشّعور بالأمن الّتي تتيح له المضي في تزوير الشّريعة وإفساد القيم. وتتيح لقوى الخير والحقّ الصّامدة في الأمّة أن تتنفّس قليلاً، وتمارس دورها في توعية الأمّة بحرّيّة نسبيّة لم تكن لتتاح لها لو أنّ نظام الفتنة نعم بالسّلام والإستقرار.

*

وقد كان موقف الإمام إيجابياً من حركات الإحتجاج على نظام الفتنة الّذي سيقوم من بعده، لأنه إذا لم يكن من المتاح - نظراً لما تقضي به حركة التاريخ - انتصار الشّرعية الكاملة في المدى المنظور، فان من الخير ألا تتاح لنظام الفتنة فرصة للتمكن والإستقرار، ومن الخير أن يبقى نظام الفتنة في أجواء الخوف والحذر، وحالة الدفاع.

(1) نحن نعبّر بمصطلح (ثورة) في التاريخ الإسلامي عن العمل السّياسي الّذي يتمتع بالشّرعية، وما عدا ذلك لا نسمّيه ثورة، وإنّما نسمّيه تمرداً، أو خروجاً، أو فتنة.

وإنّما جعلنا عنوان هذا الفصل (الثورة) - مع أنّ البحث فيه يشمل الإحتجاج بالعنف بجميع ألوّانه (الشّرعيّة وغير الشّرعيّة) لغرض بياني فقط. هو إيثار بساطة العنوان على تعقيده.


193

ومن هنا كان توجيهه بشأن الخوارج الّذين تمظهرت فيهم الفتنة بمظهر الرّفض المطلق للأنظمة القائمة، ومن ثمّ فهم مؤهلون لأن يشكلوا قوّة مزعجة لنظام الفتنة المنتصر.

لقد نهى الإمام عن قتال الخوارج من بعده، مع إنّه، هو، قاتلهم في خلافته، - لأنّهم - حين قاتلهم وقتلهم في النّهروان بعد أن رفضوا كلّ عروض السلام، وبعد أن رفضوا التّخلّي عن مواقفهم - كانوا يمثّلون قوّة هادمة لنظام عادل، أمّا في نطام الفتنة فإنّهم يمثّلون قوّة شالّة وشاغلة لهذا النّظام الجائر المنحرف عن أن يمارس طغيانه المادّي والسّياسي، وينفذ خطط التّحريف العقيدي والشّرعي. قال عليه السلام:

«لا تُقاتِلُوا الخوارج بعدي، فليسَ من طلبَ الحقَّ فأخطأهُ كمن طلب الباطِل فأصابهُ»(1).

وقد كان عليه السّلام يرى الثّورة آتية.

إنّه لا يصف هذه الثّورة بأنّها عادلة مستقيمة، أو ظالمة مفتونة، وإنّما يرى أنّ نظام الفتنة المنتصر لا يتمتّع طويلاً بانتصاره واستقراره، بل ستسلب منه لذّة النّصر وحرّيّة الحركة الّتي يتيحها النّصر والإستقرار السّياسي والإجتماعي، ثورات دامية تتوالى فتقضي في النّهاية على فتنة بني أميّة، وتزيل ملكهم.

قال، وهو يحدّث جمهوره عن الفتنة وانتصارها، والمعاناة من ويلاتها وشرورها:

«... ثمُّ يُفرِّجُها اللّه عنكُم كتفرِيج الأديم(2)، بِمن يسُومُهُم خسفاً(3)، ويسُوقهُم عُنفاً، ويسقِيهِم بكأس مُصبَّرة(4)، لا يُعطيهِم إلا السَّيف، ولا يحلِسُهُم إلا الخوف(5) فعِند ذلك تودُّ قُريش - بالدُّنيا وما فيها - لو يرونني مقاماً واحِداً، ولو قدر جزر جزُورٍ، لأقبل منهُم ما أطلُب اليوم بعضهُ فلا يُعطُونيه»(6).

(1) نهج البلاغة، رقم النّصّ - 61.

(2) الأديم الجلد، وتفريجه سلخه: يعني أنّ اللّه يسلخ سلطان بني أميّة عن الأُمّة مع شدّة رسوخه ولصوقه.

(3) الخسف: الذّل. يعني أنّ الثّورة الآتية تعاملهم بالإذلال.

(4) مصبّرة مملوءة إلى أصبارها بمعنى حافتها، يعني لا يرحمهم ولا يخفف عنهم.

(5) حلس البعير: كساء يوضع على ظهره، يعني أنّ الثّورة الآتية تلبس بني أُمية الخوف.

(6) نهج البلاغة - رقم النّصّ: 93.


194

والإمام يرى أنّ من الهموم الكبرى لنظام الفتنة المنتصر تشتيت القوى السّياسيّة والعقيديّة المناهضة له، سواء أكانت هذه القوة أو تلك قد حافظت على نقائها الإسلامي أو تلوّثت بغبار الفتنة بشكل أو بآخر.

ولكنّه يرى أيضاً أنّ محاولات نظام الفتنة لتشتيت القوى المضادّة له لن تستمر في النّجاح، فانّ حركة التاريخ تعمل على تجميع هذه القوى من جديد وفقاً لصيغ سياسيّة جديدة، ويكون ذلك إيذاناً بنهاية الإستقرار لنظام الفتنة الأموي.

قال عليه السلام:

«... وايمُ اللّه لو فرَّقُوكُم تحتَ كُلِّ كوكبٍ، لجمعكُمُ اللّه لِشرِّ يومٍ لهُم»(1).

وقال عليه السلام:

«افترقُوا بعد أُلفتهِم، وتشتَّتُوا عن أصلِهِم، فمنهُم آخِذ بِغُضْنٍ أينما مال مال معهُ على أنَّ اللّه تعالى سيجمعُهُم لِشرِّ يومٍ لبني أُميَّةَ، كما تجتمعُ قزعُ الخريفِ(2)، يُؤلِّفُ اللّه بينهُم، ثُمَّ يجمعُهُم رُكاماً كرُكامِ السَّحابِ(3)، ثُمَّ يفتحُ لهُم أبواباً يسيلُون من مُستشارهِم كسيلِ الجنَّتينِ، حيثُ لم تسلم عليهِ قارة، ولم تثبُت عليهِ أكمة(4)، ولم يرُدَّ سننهُ رصُّ طودٍ ولا حدابُ أرض(5)، يُزعزعُهُم اللّه في بُطُونِ أوديتهِ(6) ثُمَّ يسلُكُهُم ينابيعَ في الأرضِ، يأخُذُ بِهم من قومٍ حُقُوقَ قومٍ، ويُمكِّنُ لقومٍ في ديارِ قومٍ وايمُ اللّه ليذُوبنَّ ما في أيديهم بعد العُلُوِّ والتمكينِ كما تذُوبُ الأليةُ على النَّارِ»(7).

*

(1) نهج البلاغة - رقم النّصّ: 106.

(2) القزع: القطع المتفرقة من السّحاب.

(3) ركام السّحاب: السّحاب المتراكم. والمستشار مكان تجمعهم وانطلاقهم ثائرين، وسيل الجنتين السّيل الّذي دمّر اللّه به قوم سبأ وحضارتهم عندما طغوا وبطروا.

(4) القارة: ما اطمأنّ من الأرض. والأكمة: ما ارتفع من الأرض ، يعني أنّ الكارثة ستكون شاملة عليهم لا يفلت منها أحد منهم ولا مؤسّسة من مؤسّسات دولتهم.

(5) السّنن: الجري، والطّود: الجبل العظيم، والحداب: المرتفعات. والمراد هنا هو المراد في رقم(3).

(6) يزعزعهم: يفرقهم في بطون الأودية حيث يختفون، كناية عن أماكن اختفائهم، ثم يجمعهم.

(7) نهج البلاغة - رقم النّصّ: 166.


195

ومن أروع رؤاه لحركة التاريخ في المستقبل رؤيته لحركة الخوارج التّمرّديّة، وكيف أنّها ستنمو وتتشعب على رغم ما يبدو في الحاضر من مظاهر اندثارها وانقطاع أصلها، وذلك أنّه لمّا قتل الخوارج قيل له: يا أمير المؤمنين: هلك القوم بأجمعهم، فقال:

«كلاَّ واللّه. إنَّهُم نُطف في أصلابِ الرِّجالِ وقراراتِ النِّساءِ(1) كُلَّما نجم منهُم قرن قطِع(2) حتَّى يكُون آخِرُهُم لُصُوصاً سلاَّبين»(3).

*

وهكذا تأتي الثّورة في أعقاب انتصار الفتنة فتحول بينه وبين الإستقرار، وتحول بين أدواته وبين أن تمكن لمفاهيمها في الأمّة، وتتيح بذلك فرصاً لقوى الخير الباقية أن تنعم بشيء من الأمان، وأن تقدر على شيء من الحركة يتيح لها إبقاء النّور الصّافي متألقاً في ظلمات الفتنة، في عقول وقلوب كثيرةٍ، بانتظار الأمل الكبير، والنّصر النّهائي الكبير.

(1) قرارات النّساء: أرحام النّساء.

(2) نجم: ظهر. قرن: رئيس أو جماعة.

(3) نهج البلاغة - رقم النّصّ: 60.

6 - الأمل

الإنسان يعيش في الحاضر مشدوداً بين وترين: الماضي والمستقبل، فهو لا يني يحمل الماضي في وعيهِ، وفي ذاكرته، وفي تركيب جسده، مثقلاً بأحزانه وأفراحه، ومخاوفه وآماله، مندفعاً بها نحو المستقبل، يضيء عينيه نور الأمل الّذي يغمر قلبه بالحياة الأفضل. ولكنّه أمل معذب بالحيرة، والقلق، والمخاوف من خيبات الأمل.

وهذه الحقيقة بارزة في تكوين وحياة الإنسان الفرد بوضوح، وهي لا تقلّ وضوحاً في حياة الأمم والشّعوب والجماعات.

وقد وقف الإسلام في تعليمه التّربوي الإيماني للأفراد في وجه الميل إلى الإغراق في الأمل، لأنه حين يشتدّ ويغلب على مزاج الإنسان يجعله غير واقعي، ويحبسه في داخل ذاته، وينمي فيه الشّعور ب«الأنا» على نحو لا يعود الآخرون موضوعاً لاهتمامه وعنايته أو يجعله قليل الإهتمام بهم، وهذا أمر مرفوض في دين يجعل الإهتمام الشّخصي بالآخرين أحد المقوّمات الأساسيّة للشّخصيّة الإنسانية السّليمة، ولأنّ الاغراق في الأمل يحول بين الإنسان وبين كثير من فرص كثيرة للتّكامل الرّوحي والأخلاقي.

والنّصوص القرآنيّة في هذا الشّأن كثيرة، كذلك النّصوص النّبويّة الواردة في السّنّة. وقد حفلت مواعظ الإمام عليّ في نهج البلاغة بالتّحذير من الإسترسال مع الآمال(1).

(1) راجع دراسة موسّعة ومعمِقة عن هذا الموضوع في فصل (الوعظ) من كتابنا، دراسات في نهج البلاغة - الطّبعة الثّالثة.


198

وهذا لا يعني - بطبيعة الحال - أنّ تأميل الإنسان في مستقبله - باعتدال وواقعية - ممارسة غير أخلاقية في الإسلام، كيف وقد حذّر اللّه تعالى في القرآن الكريم من اليأس ونهى عنه في آيات تذكر برحمة اللّه ورَوح اللّه، ومن ذلك تعليم يعقوب سلام اللّه عليه لبنيه حين أمرهم بالبحث عن يوسف واخيه، وذلك كما ورد في قوله تعالى:﴿

«يا بنِيَّ اذهبُوا فتحسَّسُوا مِن يُوسُف وأخيِه ولا تيأسُوا مِن روحِ اللّه. إنَّهُ لا ييأسُ مِن روحِ اللّه إلا القومُ الكافِرُون»(1).

فإنّ يعقوب طبق مبدأ مشروعيّة الأمل العام المطلق على حالة فردية هي حالته وحالة بنيه.

وإذن، فالأمل، في نطاق الواقع، حقيقة كيانيّة في الإنسان، قد يكون فقدانها ظاهرة مرضيّة نفسيّة وليس علامة عافية.

هذا على الصّعيد الفردي.

وأمّا على الصّعيد الجماعي في الأمم والشّعوب والجماعات فان الأمل عامل هامّ جداً وأساسي في تنشيط حركة التّاريخ وتسريعها، وجعلها تتغلب بيسر على ما يعترضها من صعوبات ومعوّقات.

والأمل الموضوعي القائم على اعتبارات عملية تنبع من الجهد الإنساني، واعتبارات عقيديّة وروحيّة... هذا الأمل يشغل حيزاً هامّاً وأساسيّاً في تربية اللّه تعالى للبشريّة السّائرة في حياتها على خط الإيمان السّليم.

وقد اشتمل القرآن الكريم على آيات محكمات تتضمن وعد اللّه تعالى بالنّصر والعزّة لأهل الإيمان وقادتهم من الأنبياء والتّابعين لهم بإحسان.

قال اللّه تعالى:

«﴿إنَّا لننصُرُ رُسُلنا والَّذينَ آمنُوا في الحياةِ الدُّنيا ويوم يقُومُ الأشهادُ»(2).

(1) سورة يوسف (مكّيّة - 12) الآية: 87.

(2) سورة المؤمن (مكّيّة - 40) الآية: 51.


199

وقال تعالى:«﴿ولقد كتبنا في الزَّبُور من بعدِ الذِّكرِ أنَّ الأرض يرِثُها عباديَ الصَّالِحُون»(1).

وقال تعالى:

«﴿إنّ الأرض للّه يُورِثُها من يشاءُ مِن عبادِهِ والعاقِبةُ للمُتَّقينَ»(2).

وقد وجّه اللّه تعالى في القرآن الكريم رسوله محمداً (ص) والمسلمين إلى أنّ الأمل بالنّصر والحياة الأفضل يجب أن يبقى حيّاً نابضاً دافعاً إلى العمل حتّى في أحلك ساعات الخذلان والهزيمة وانعدام النّاصر... لقد كانت الآمال بالنّصر تتحقّق في النّهاية على أروع صورها حين يخالج اليأس قلوب أهل الإيمان، وحين يصل الرّسل الكرام إلى حافة اليأس:

«﴿ومَا أرسلنَا مِن قبلِك إلا رِجالاً نُوحي إليهِم مِن أهلِ القُرى أفلم يسيرُوا في الأرضِ فينظُرُوا كيف كان عاقِبةُ الذينَ من قبلِهم. ولدارُ الآخِرةِ خير للذَّينَ اتقوا، أفلا تعقِلُونَ. حتَّى إذا استيئس الرُّسُلُ، وظنُّوا أنَّهُم قد كُذِبُوا جاءهُم نصرُنا، فنُجِّي من نشاءُ، ولا يُردُّ بأسُنا عنِ القومِ المُجرِمينَ. لقد كان في قصصِهِم عِبرة لأُولي الألبابِ، ما كان حدِيثاً يُفترى، ولكِن تصدِيق الذي بين يديِه. وتفصيلَ كُلِّ شيءٍ، وهُدىً ورحمةً لِقومٍ يؤمِنُونَ»(3).

*

إن الأمل الجماعي بمستقبل أكثر إشراقاً وأقلّ عذاباً، أو مستقبل مترع بالفرح خال من المنغصات... إنّ هذا الأمل يستند إلى «وعد إلهي»، فهو، إذن، ليس مغامرة في المستقبل، وإنما هو سير نحو المستقبل على بصيرة.

وهو أمل يرفض الواقع التّجريبي الحافل بالمعوّقات نحو مستقبل مثالي مشروط «بالعمل» المخلص في سبيل اللّه، وفي سبيل اللّه بناء الحياة، وعمارة الأرض، وإصلاح

(1) سورة الأنبياء (مكّيّة - 21) الآية: 105.

(2) سورة الأعراف (مكّيّة - 7) الآية: 128.

(3) سورة يوسف (مكّيّة - 12) الآيات: 109 - 111.


200

المجتمع. كما أنّ هذا المستقبل مشروط «بالصّبر» على الأذى في جنب اللّه، و«الصدق» في تناول الحياة والتعامل معها ومع المجتمع و«الرّضا» بقضاء اللّه تعالى.

والسّنّة حافلة بالنّصوص الّتي تغرس في قلب الإنسان روح الأمل، وتملأ وعيه ببشائر المستقبل الأفضل، استناداً إلى وعد اللّه تعالى.

*

والتّأمّل العميق الواعي في نصوص الكتاب الكريم والسّنّة الشّريفة الّتي تفصح عن العلاقة بين اللّه والإنسان، وتكشف عن طبيعة هذه العلاقة... كذلك التّأمّل في الفقه المبني على هذين الأصلين... إنّ هذا التأمّل يكشف عن أنّ العلاقة بين اللّه والناس مبنيّة على ثلاث حقائق ربّانيّة يقوم عليها وجود المجتمع البشري، وديمومته، ونموّه وتقدّمه:

1 - الحقيقة الأولى هي الإنعام المطلق غير المشروط بشيء على صعيد الشّروط المادّيّة للحياة بما يكفل لها الدّيمومة والنموّ التّصاعدي نحو الأفضل، فقد خلق اللّه الإنسان، وزوّده بالمواهب العقليّة والنّفسيّة والرّوحيّة، الّتي تتيح له أن يتعامل مع الطّبيعة المسخّرة له، وتمكنه من اكتشاف خيراتها وكنوزها، ومعرفة قوانينها وتوجيه هذه الإكتشافات والمعارف لخدمة نفسه ونوعه.

2 - الحقيقة الثّانية هي الرّحمة الّتي «كتبها اللّه على نفسهِ»(1) والّتي «وسعت كلّ شيء»(2)، وإقالة العثرات - على صعيد الأمم والجماعات والمجتمعات، والأفراد -، والتّجاوز عن الخطايا والسّيئات، ومنع الفرص المتجدّدة لتصحيح السّلوك، وتقويم

(1) قال تعالى: «﴿قُل لِمن ما في السماواتِ والأرضِ ؟ قُل للّه، كتب على نفسِهِ الرحمَة» سورة الأنعام (مكّيّة - 6) الآية 12 وقال تعالى:

«﴿وإذا جاءك الّذينَ يُؤمِنُون بَآياتِنا فقُل سلام عليكُم كتب ربُّكُم على نفسِهِ الرَّحمةَ، أنهُ من عمِل مِنكُم سُوءاً بِجهالةٍ، ثُمَّ تاب من بعدِهِ وأصلح فأنَّهُ غفُور رحِيم» سورة الأنعام (مكّيّة - 6) الآية: 54.

(2) قال تعالى «﴿... ذُو رحمةٍ واسِعةٍ، ولا يُردُّ بأسُهُ عن القوم المُجرمين» سورة الأنعام (مكّيّة - 6) الآية: 147. وقال تعالى: «﴿قال عذابي أُصيبُ به من أشاءُ ورحمتي وسعت كُلَّ شيءٍ، فسأكتُبُها لِلَّذِينَ يتَّقُون، ويُؤُتُون الزَّكاة والَّذِين هُم بآياتِنا يُؤُمِنُون» سورة الأعراف (مكّيّة - 7) الآية: 156. وقال تعالى «﴿ربَّنا وسِعت كُلَّ شيءٍ رحمةً وعِلماً، فاغفر للَّذِين تابُوا واتبّعوا سبيلك وقِهِم عذاب الجحيم» سورة المؤمن (مكّيّة - 40) الآية: 7.


201

الإعوجاج، والتّوبة والإنابة إلى اللّه تعالى والعمل بقوانينه وشرائعه.

وهذه الحقيقة نابعة من معادلة تقابل بين حقيقتين كونيّتين:

أ - خيرية اللّه الشّاملة المطلقة.

ب - الحقيقة الموضوعيّة الثّابتة في الفكر الإسلامي، وهي أنّ الإنسان خُلِق ضعيفاً(1).

وما يخالف هذه الحقيقة من الآلام والكوارث فهو على قسمين:

الاوّل - ناشئ عن عمل الطّبيعة وقوانينها، وهي قوانين تعمل، في غرضها الأقصى، لخير الجنس البشري بصورة شاملة وغير مقيّدة بزمان أو رقعة جغرافيّة، وهذا ما يجعلها قوانين عادلة وإن أصابت بالآلام بعضاً من البشر في زمان بعينه أو مكان بعينه.

وهذا بالنّسبة إلى الكوارث الطّبيعية الّتي تحصل بغير تدخل من الإنسان أو تقصير منه. أمّا ما يحدث في الطّبيعة نتيجة لعمل الإنسان نفسه أو سلبيّته، أو عدم التزام بالقوانين (في عصرنا الحاضر: ثلويت البيئة، مثلاً، أو روح الإستغلال والعدوان في المجتمعات الصّناعيّة ضدّ العالم الثّالث، مثلاً)... هذا النّوع من الكوارث يدخل في القسم الثّاني التّالي.

الثّاني - ناشئ عن سوء اختيار الإنسان، واستعجاله الخير قبل توفّر شروطه ونضجها، ومن عدوان بعضه على بعض.

3 - الحقيقة الثّالثة هي البشارة من اللّه تعالى بأن أمور الحياة والمجتمع تصير إلى أفضل وأحسن ممّا عليه في الحاضر. ولكن هذه البشارة لا تتحقّق بطريقة إعجازيّة محضة. إنّ تحقيق البشارة يتمّ وفاء بالوعد الإلهي، ومن ثمّ ففيها عنصر غيبي غير تجريبي، ولكن تحقيقها مشروط بالعمل البشري:

«إنَّ هذا القُرآن يهدي للَّتِي هي أقومُ ويُبشِّرُ المُؤمِنين الّذين يعملُون الصَّالِحاتِ أنَّ لهُم أجراً كبيراً»(2).

(1) قال اللّه تعالى: «﴿يُريدُ اللّه أن يُخفِّف عنكُم، وخُلِق الإنسانُ ضعِيفاً» سورة النّساء (مدنيّة - 4) الآية:28.

(2) سورة الإسراء (مكّيّة - 17) الآية: 9.


202

«﴿والَّذِين اجتنبُوا الطَّاغُوت أن يعبدُوها وأنابُوا إلى اللّه لهُمُ البُشرى، فبشِّر عِبادِ الَّذين يستمِعُون القولَ فيتَّبِعُون أحسنهُ، أُولئك الَّذين هداهُمُ اللّه، وأولئكَ هُم أُولُو الألبابِ»(1).

«﴿... وبشِّرِ المُؤمِنينَ بأنَّ لهُم من اللّه فضلاً كبيراً»(2).

*

من هذا المنطلق الثّابت في الفكر الإسلامي، ومن البشائر المحدّدة في الكتاب الكريم والسّنة النّبويّة بفرج شامل آت في «النهاية» يملأ عدلاً بعد ما ملئت ظُلماً وجوراً»... من هذا المنطلق، ومن هذه البشائر كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يرى نور الأمل في المستقبل، وكان يبشّر بأنّ فرجاً آتياًلا ريب فيه:

إنّ حركة التاريخ تقضي به، وإنّ وعد اللّه يقضي به، واللّه لا يخلف الميعاد.

وقد كانت رؤية الإمام لحركة التاريخ في المستقبل لا تقتصر على رؤية النّكبات والكوارث - كما توحي بذلك كثرة النّصوص الحاكية عن ذلك في نهج البلاغة - وإنّما تشمل البشائر أيضاً، وقد تقدّم في الحديث عن (المعاناة) وعن (الثورة) بعض النّصوص الدّالّة على ذلك.

وكانت رؤية الإمام دقيقة، محدّدة، مضيئة، واضحة المعالم، في نطاق الخطوط الكبرى والتّيّارت الأساسيّة لحركة التاريخ، وإن لم تشتمل على التّفاصيل، من ذلك هذا الشاهد على رؤيته لحركة الثّورة العادلة الّتي لا تنطفئ مهما تكالبت عليها الرّياح الهوج، فقد قال له بعض أصحابه، لما أظفره اللّه بأصحاب الجمل: «وددت أنّ أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك اللّه به على أعدائك» فقال له الإمام (ع):

«أهوى أخِيك معنا(3) ؟ فقال: نعم. قال: فقد شهِدنا في عسكِرنا هذا أقوام في أصلاب الرِّجال وأرحامِ النِّساء سيرعفُ بهِمُ الزَّمانُ(4) ويقوى بهمُ الإيمانُ»(5).

(1) سورة الزّمر (مكّيّة - 39 ) الآية: 17 - 18.

(2) سورة الأحزاب (مدنيّة - 33) الآية: 47.

(3) الهوى: الميل والرّغبة، يعني هنا الموقف السّياسي.

(4) يرعف بهم .. يوجدون في المجتمع من غير أن يتوقّع وجودهم لاختلافهم النّوعي الأساسي عن الأخلاقيّة والذّهنيّة السّائدة في المجتمع، فيفاجأ المجتمع بوجودهم. كما يفاجئ الرّعاف صاحبه.

(5) نهج البلاغة - رقم النّصّ: 12.


203

هذا الأمل الكبير الآتي الّذي يبشّر به الإمام عليه السّلام يتمثّل في قيام ثورة عالميّة تصحّح وضع عالم الإسلام، ومن ثمّ وضع العالم كلّه، يقودها رجل من أهل البيت هو الإمام المهدي. وقد وردت في نهج البلاغة نصوص قليلة نسبيّاً تحدّد بعض ملامح هذا الأمل، فمن ذلك قوله عليه السّلام:

«... حتَّى يُطلِع اللّه لكُم من يجمعُكُم، ويضُمُّ نشرَكُم(1)»(2)

والعقيدة بالمهدي عقيدة إسلاميّة ثابتة أجمع عليها المسلمون بأسرهم، ودلّ عليها القرآن الكريم في جملة آيات، والسّنّة الشّريفة في مئات الأحاديث المتواترة عن رسول اللّه (ص) وأئّمة أهل البيت. قال ابن أبي الحديد في التّعليق على النّصّ الآنف: «ثم يطلع اللّه لهم من يجمعهم ويضمهم، يعني من أهل البيت عليه السّلام. وهذا إِشارة إلى المهديّ الّذي يظهر في آخر الوقت. وعند أصحابنا إنّه غير موجود الآن وسيوجد، وعند الإمامية إنّه موجود الآن»(3).

وقال ابن أبي الحديد في التّعليق على نصّ آخر مماثل للنّصّ الآنف: «فإن قيل: ومن هذا الرّجل الموعود الّذي قال عليه السّلام عنه (بأبي ابن خيرة الإماء) ؟ قيل: أمّا الإمامية فيزعمون أنّه إمامهم الثّاني عشر، وأنه ابن أمة اسمها نرجس، وأمّا أصحابنا فيزعمون أنّه فاطمي يولد في مستقبل الزّمان لأم ولد(4) وليس بموجود الآن»(5).

ومن النّصوص الّتي اشتمل عليها نهج البلاغة في هذا الشأن قول الإمام:

«ألا وفي غدٍ - وسيأتي غد بما لا تعرِفُون - يأُخُدُ الوالي من غيرِها عُمَّالها على مساوئ أعمالِها، وتُخرِجُ لهُ الأرضُ أفاليذ كبدِها(6)، وتُلقي إليه سِلماً مقاليدها، فيُريكُم كيف عدلُ

(1) يضم نشركم: يجمع شتاتكم ويوحد مواقفكم في حركة تاريخيّة واحدة.

(2) نهج البلاغة - رقم النّصّ: 100.

(3) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة - 7 / 94.

(4) أمّ ولد: كناية عن الأمة المملوكة.

(5) المصدر السابق: 7 / 59.

(6) الفلذة: القطعة. والكبد في المعتقد الطّبّي القديم من أشرف أعضاء الإنسان وأكثرها أهمّيّة في بقائه وصحته، فهي تخرج الأرض: أفضل كنوزها وثرواتها.


204

السِّيرةِ، ويُحيِي ميِّتَ الكِتابِ والسُّنَّةِ»(1).

هذا الأمل المضيء في الظلمات ليس أملاً قريباً إذا نظرنا إليه بمنظار آمال الأفراد - كل واحد بخصوصه -، فقد يمضي الموت بالأفراد دون أن تكتحل عيونهم بفجر هذا الأمل... إنّه بالنّسبة إليهم - كأفراد - بعيد... بعيد. كذلك هو أمل بعيد بالنّسبة إلى كلّ مجتمع بمفرده وخصوصه، فقد تمضي القرون على مجتمع دون أن يحقّق في نظامه، ومؤسّساته هذا الأمل العظيم... ولكنّ هذا الأمل على مستوى النّوع البشري كلّه أمل قريب، لأنّ الأحداث الّتي تغيّر مسار الجنس البشري كلّه لا تقاس بأعمار الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات ولا بالحركة التاريخيّة في هذا النّطاق أو ذاك أو ذيّاك، وإنّما تقاس بما تناسب مع حجم النّوع الإنساني كلّه، ومع حركة التّاريخ العالمي كلّها... إنّ ألف سنة، مثلاً، في عمر فرد زمن كبير طويل... كذلك الحال بالنّسبة إلى عمر حركة تاريخيّة في مجتمع من المجتمعات، ولكن ألف سنة في عمر البشرية كلّها زمن قصير بالنّسبة إلى فترات التّحوّل التّاريخيّة الكبرى الّتي أدخلت تغييراً أساسيّاً على المسار التّاريخي للجنس البشري كلّه، فنقلته من مستوى معين إلى مستوى أعلى منه مرتبة ونوعيّة. إنّ فترات التّحوّل التّاريخيّة الكبرى - كما نعلم - تستغرق أُلوف السّنين، أو - بالأحرى - عشرات الأُلوف من السّنين... إنّها حركة التّاريخ الكبرى(2).

وفي انتظار أن تنجز حركة التّاريخ الكبرى عملها في نقل الإنسانيّة إلى مستوى أعلى لم تفلح في بلوغه من قبل.. في انتظار ذلك تستمر حركة التاريخ في دوائرها الصّغرى في العمل على تغيير حال البشر: أفراداً، وجماعات، ومجتمعات، ومجموعات إقليميّة.

(1) نهج البلاغة - رقم النّصّ: 138.

(2) لعلّ ابن ابي الحديد قد طافت بذهنه هذه الفكرة حين قال معلّقاً على احد نصوص نهج البلاغة بهذا الشّأن: «ثم وعدهم بقرب الفرج، فقال: إنّ تكامل صنائع اللّه عندكم، ورؤية ما تأملونه أمر قد قرب وقته، وكأنّكم بعد قد حضر وكان، وهذا (على نمط المواعيد الإلهية بقيام السّاعة، فإن الكتب المنزلة كلّها صرّحت بقربها، وإن كانت بعيدة عنّا، لأنّ البعيد في معلوم اللّه قريب، وقد قال سبحانه ﴿إنَّهُم يرونهُ بعِيداً ونراهُ قرِيباً» شرح نهج البلاغة 7 / 95.


205

إنّ حركة التّاريخ في دوائرها الصّغرى تغيّر الإنسان نحو الأفضل على الصّعيد المادّي كما يثبت ذلك الواقع التّجريبي، ولكنّها لا تغيّره نحو الأفضل دائماً على الصّعيد المعنوي والأخلاقي، بل قد تعود به إلى الوراء كما يثبت الواقع التّجريبي أيضاً، وبالنّسبة إلى كثير من مظاهر حضارة عصرنا بشكل خاص.

والمسؤول عن التّخلف المعنوي للبشر ليس القدر، إنّه إرادة البشر أنفسهم، فإنَّ العالم الأخلاقي لدى الفرد والمجتمع ليس عالماً معطى وجاهزاً يأخذه الناس كما يستعملون الوصفات الطّبيّة أو المعادلات الرّياضيّة، إنما يتم بناؤه بالمعاناة اليوميّة للناس مع شهواتهم ورغائبهم الشّرّيرة، ومجاهدتهم لأنفسهم من أجل التغلب عليها. إنّ العالم الأخلاقي ليس سهل البناء كالعالم المادي التّجريبي، لأنّه تجاوز الإنسان لنفسه باستمرار نحو إنسانيّة أغنى وأعلى، ومن هنا فإنّ العالم الأخلاقي يبني التّعامل مع المستحيل، وكأنّه ممكن، إنّه في التكوين دائماً، لأنّ الإنسان كلّما بلغ ذروة جديدة في تكامله المعنوي لاحت لعينيه ذروة أسمى وأعلى.

وإذن، فالبشر، بانتظار أن يتحقّق هذا الأمل العظيم، لا يجوز أن يجمدوا وإنّما عليهم أن يتحركوا في أطر دوائر التاريخ الصّغرى نحو بلوغ ذرى إنسانيّة جديدة أعلى مما بلغوه في كفاحهم الدّائب نحو مزيد من الكمال والنّور.

وإذن، فالمسلمون، باعتبار أنّ هذا الأمل العظيم سيتحقّق بإذن اللّه في نطاقهم بما هم جماعة بشريّة عقيديّة ومن خلال الإسلام نفسه بما هو دينهم،... المسلمون ينتظرون هذا الأمل العظيم قبل غيرهم من الجماعات العقيديّة في المجتمع البشري.

وقد ارتكز في أذهان الكثيرين ممّن عالجوا موضوع المهديّ والمهدويّة أنّ هذا المعتقد... هذا الأمل العظيم الثّابت بمقتضى وعد اللّه في الكتاب والسّنّة، والثّابت بمقتضى حركة التاريخ الكبرى... أنّ هذا المعتقد عامل سلبي في حركة التّقدّم والنّموّ يعوّقها، ويبعث على السكون، ويقعد بالناس عن الحركة والسّعي نحو التّكامل المادي والمعنوي في انتظار أمل آتٍ ينقذ البشر بالمعجزة، ينقذ البشر بغير جهد البشر.

وربّما تكون بعض المظاهر في تاريخ عالم الإسلام تعزز هذا الإتهام ولكنّ الحقيقة هي أنّ هذا اللون من الإنتظار السّلبي المريض دخل على ذهنيّة الإنسان نتيجة

لانتكاس حضاري تسلّل إليه من بعض الثّقافات الأجنبيّة عن الإنسان، فشلّ قدرته على العمل، لأنّه شلّ إرادته وفعاليته وحولّه إلى حياة التّأمّل والقناعة والإستسلام.

أمّا الحقيقة فهي على خلاف ذلك، إنّ الإنتظار - نتيجة لهذا المعتقد - هو انتظار إيجابي فعّال، هو تهيّؤ واستعداد، هو كدح دائم ومستمر يجب أن يطبع حركة تاريخ الإنسان المسلم نحو توفير أفضل الشّروط الّتي تهيِّئ لهذا الأمل العظيم أحسن ظروف النّجاح والتّحقّق.

لقد رأينا أنّ حركة التّاريخ في دوائرها الصّغرى لا تتوقّف، ونوع هذه الحركة - تقدّميّة صاعدة أو رجعيّة هابطة (على صعيد المعنويّات والأخلاق) - يتوقف على إرادة البشر أنفسهم، فهم الّذين يبنون عالمهم الأخلاقي الأمثل وهو لا يبنى إلا بالعمل الإيجابي الّذي يحرّكه الطموح نحو إنسانيّة أفضل.

*

سلام اللّه على محمّد وآله الطاهرين، وصحبه الّذين اتبعوه بإحسان إلى يوم الدّين. وسلام اللّه على أشهر المؤمنين الإمام عليّ أمير المؤمنين.

والحمد للّه ربّ العالمين.

فهرست آيات
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِاْلْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ ...23
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللّهُ الدَّار الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ ...26
يَا بَنِي آدَم خُذُواْ زيِنَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ ...26
كماءٍ أَنزلناهُ مِن السماءِ، فاختلط به نباتُ الأرضِ، فأَصبح هشِيماً5 تذرُوهُ الرِّياح وكان اللهُ ...48
... وَتأكُلُونَ التُّراثَ أكلاً لمّاً ...62
.. فَخلَفَ مِن بعدِهِم خلف ورِثُوا الكِتابَ يَأخُذُونَ عرَضَ هذا الأدنى ويقُولُون سيُغفَرُ لَنا ...62
... ثُمَّ أورَثنا الكِتابَ الّذِين اصطفينا مِن عِبادِنا: فمِنهُم ظالِم لِنفسِهِ، ومِنهُم مُقتصِد، ...62
... وإنَّ الّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بعدِهِم لَفِي شكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ62
كَانَ النّاسُ أمّةً واحِدةً، فبَعثَ اللهُ النّبِيِّين مُبشّرِين ومُنذِرين، وأنزَلَ معهُمُ الكِتابَ ...69
كانَ النّاسُ أمةً واحِدةً72
وإذ أخذَ رَبُّكَ مِن بنِي آدمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرّيَّتهُم وأشهدَهُم على أَنفُسِهِم: أَلستُ ...77
ولَقد أرسلنا مُوسى بِآياتِنَا أن أخرِج قومكَ مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وذكِّرهُم بِأيَّامِ ...91
يُسَبِّحُ لهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجال لا تُلهِيهِم تِجارَة ولا بيع عن ذِكرِ اللهِ...92
... وما برحَ لِلهِ .. عِباد ناجاهُم3 فِي فِكرِهِم، وكلَّمهُم فِي ذاتِ عُقُولِهم، فاستصبحُوا: ...92
من أشدُّ مِنّا قُوَّةً93
ولتكُن مِنكُم أُمَّة يدعُون إلى الخيرِ ويأمُرُون بِالمعرُوفِ وينهون عن المُنكرِ، أُولئك هُمُ ...113
كُنتُم خير أُمَّةٍ أُخرِجت لِلناسِ تأمُرُون بِالمعرُوفِ وتنهون عن المُنكرِ، وتُؤمنُون بِاللّه115
ليسُوا سواءً مِن أهلِ الكتابِ أُمَّة قائمة يتلُون آياتِ اللهِ آناء الليلِ وهُم يسجُدُون. يُؤمنُون ...115
«واعلَمُوا أنَّما أموالُكُم وأولادُكُم فِتنة وأنَّ اللّه عِندهُ أجر عظيم151
«أحسِبَ النَّاسُ أن يُتركُوا أن يقُولُوا آمنَّا وهُم لا يُفتنُون. ولقد فتنَّا الّذِين مِن قبلِهم ...151
الَّدِينَ سبقت لهُم مِنا الحُسنى167
«يا بنِيَّ اذهبُوا فتحسَّسُوا مِن يُوسُف وأخيِه ولا تيأسُوا مِن روحِ اللّه. إنَّهُ لا ييأسُ مِن ...198
إنَّا لننصُرُ رُسُلنا والَّذينَ آمنُوا في الحياةِ الدُّنيا ويوم يقُومُ الأشهادُ198
ولقد كتبنا في الزَّبُور من بعدِ الذِّكرِ أنَّ الأرض يرِثُها عباديَ الصَّالِحُون199
إنّ الأرض للّه يُورِثُها من يشاءُ مِن عبادِهِ والعاقِبةُ للمُتَّقينَ199
ومَا أرسلنَا مِن قبلِك إلا رِجالاً نُوحي إليهِم مِن أهلِ القُرى أفلم يسيرُوا في الأرضِ فينظُرُوا ...199
قُل لِمن ما في السماواتِ والأرضِ ؟ قُل للّه، كتب على نفسِهِ الرحمَة200
وإذا جاءك الّذينَ يُؤمِنُون بَآياتِنا فقُل سلام عليكُم كتب ربُّكُم على نفسِهِ الرَّحمةَ، أنهُ من ...200
... ذُو رحمةٍ واسِعةٍ، ولا يُردُّ بأسُهُ عن القوم المُجرمين200
قال عذابي أُصيبُ به من أشاءُ ورحمتي وسعت كُلَّ شيءٍ، فسأكتُبُها لِلَّذِينَ يتَّقُون، ويُؤُتُون ...200
ربَّنا وسِعت كُلَّ شيءٍ رحمةً وعِلماً، فاغفر للَّذِين تابُوا واتبّعوا سبيلك وقِهِم عذاب الجحيم200
يُريدُ اللّه أن يُخفِّف عنكُم، وخُلِق الإنسانُ ضعِيفاً201
والَّذِين اجتنبُوا الطَّاغُوت أن يعبدُوها وأنابُوا إلى اللّه لهُمُ البُشرى، فبشِّر عِبادِ الَّذين ...202
... وبشِّرِ المُؤمِنينَ بأنَّ لهُم من اللّه فضلاً كبيراً202
إنَّهُم يرونهُ بعِيداً ونراهُ قرِيباً204
فهرست روايات
أيْ بُنَّي. إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي ...5
أيْ بُنَيَّ إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي ...33
أحْيِ قَلْبَكَ بالْمَوعظَةِ ... وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْماضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ ...33
وَاللّه مَا نَزَلَتْ آيَة إلا وَقَدْ عَلِمْتُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ. أنّ رَبِّي ...35
عَلِيّ عَيبَةُ عِلْمِي35
عَلَّمَني رَسُولُ اللّهِ (ص) ألْفَ بَابِ مِنَ العِلِم كُلُّ بابِ يَفتَحُ ألفَ بابٍ35
... بَلِ انْدَمَجْتُ2 عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوبُحْتُ بِهِ لاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ لأرشِيَةِ فِي ...36
وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهذَا الْمَقَامِ وَهذَا الْيَوْم... 36
... لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ6 عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلى ...36
يَا أَخَا كَلْبٍ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وَإِنَّماَ هُوَ تَعَلُّمُ مِنْ ذِي عِلْمٍ36
وَسِرْتُ في آثَارِهِمْ37
أمّا بَعْدُ، فَإنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإنَّهَا حُلوَة خَضِرَة، حُفَّتْ بِالشَّهواتَ، ...48
... إنّ العُلماءَ ورَثةُ الأنبياءِ. إنّ الأنبياء لم يُورِّثِوا دِيناراً ولا دِرهماً، ولكِن وَرَّثوا ...63
لا مِيراثَ كالأَدبِ ..63
... العِلمُ وِراثَة كرِيمة ...63
إن بنِي أُميَّةَ ليُفوِّقُونني تُراث مُحمّدٍ صلّى اللّه عليه وآله تفوِيقاً ...63
فصبرتُ وفِي العينِ قذىً ... أرى تُراثِي نهباً ...63
.. واصطَفى سُبحانَهُ... أنبياءَ أخذَ علَى الوحِي مِيثاقهُم، وعلى تبِليِغ الرسالةِ أمانتهُم، لمّا ...74
... إلى أن بعث اللّه سُبحانهُ مُحمّداً رسُولَ اللّه صلَّى اللّه عليِه وآلهِ وسلَّمَ لإنجازِ ...75
.. بل تعاهدهُم - النّاسَ - بِالحُججِ على ألسُنِ الخِيرّة مِن أنبيائهِ ومُتحمِّلِي ودائِع رِسالاتِهِ ...75
... فَبعثَ فيِهم رُسُلَهُ، وواترَ إليهم أنبياءهُ لِيستأدُوهُم مِيثاق فِطرتِه، ويُذكِّروهُم منسِيَّ ...77
... وَيُرُوهُم آياتِ المَقدِرَةِ...78
... إلى أن بَعثَ اللّه سُبحانَهُ مُحمّداً (ص)... وَأَهلُ الأرِض يومئذٍ مِلَلُ مُتفرِّقة، وأهواء ...78
بَعثهُ والنّاسُ ضُلال فِي حَيرةً، وحاطِبُونَ1 فِي فِتنةٍ، قدِ استهوتهُمُ الأهواء، واستنزلتهُمُ ...79
وأَشهدُ أنّ محمّداً عبدُهُ ورسُولُهُ، أرسلهُ بِالدِّينِ المشهُورِ... والنّاسُ فِي فِتنٍ انجذمَ5 ...79
قَد صُرِفَت نحوهُ أفئدةُ الأبرارِ، وثُنِيت إليهِ أزمَّةُ الأَبصارِ. دفنَ اللهُ بِهِ الضّغائنَ1 ...82
إنّ اللهَ بعثَ مُحمّداً (ص) نَذِيراً للعالَمِين، وأميناً على التَّنزيلِ، وأنتُم معشرَ العربِ على ...84
أمّا بعدُ فإنَّ الله سُبحانهُ بعثَ مُحمّداً (ص) وليس أحد مِن العربِ يقرأُ كِتاباً ولا يدّعِي ...85
أمَّا بعدُ، فأَقِم لِلناسِ الحجَّ، وذكِّرهُم بِأيَّامِ اللهِ92
وعظتم بمن كان قبلكم...93
... فاتعظوا عباد اللّه بالصبر النّوافع...93
... واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير والشرّ ...93
... واتَّعِظّوا فِيها بِالّذِين قالُوا ? من أشدُّ مِنّا قُوَّةً ?93
ذِمَّتِي بِماا أقُولُ رهِينة1 وأنا بِهِ زعِيم2. إنَّ من صرَّحت لهُ العِبرُ عمّا بين يديهِ مِن ...97
... أما واللّه إن كُنتُ لفِي ساقتِها2 حتّى تولَّت بِحذافيرِها3 ما عجزتُ ولا جبُنتُ. وإنَّ مسيرِي ...99
... وإنَّ لكُم فِي القُرُونِ السّالِفةِ لعِبرةً، أين العمالِقةُ وأبناء العمالِقةِ ؟ أين الفراعِنةُ ...101
... وأمُر بِالمعرُوفِ تكُن من أهلهِ، وانكرِ المُنكر بيدك ولِسانِك وباين1 من فعلهُ بجُهدك وجاهد في ...134
... اُوصيكُما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغهُ كتابي... وعليكُم بالتّواصُلِ والتّباذُلِ، وإيَّاكُم ...134
... ولقد أصبحنا في زمانٍ قد اتخذَ أكثرُ أهلِهِ الغدر كَيساً1 ونسبهُم أهلُ الجهلِ فيهِ إلى حُسنِ ...139
واللّه ما مُعاويةُ بِأدهى مِنَّي، ولكُنَّهُ يغدِرُ ويفجُرُ. ولولا كراهِيةُ الغدرِ لكُنتُ مِن أدهى ...139
... اللّهُمَّ إنَّك تعلمُ أنّهُ لم يكُنِ الذّي كان مِنّا مُنافسةً في سُلطانٍ، ولا التِماس شيءٍ مِن ...145
خذلُوا الحقَّ، ولم ينصُروا الباطِلَ147
يا حارِث إنَّك نظرت تحتك ولم تنظُر فوقك فحِرت5، إنّك لم تعرِفِ الحقَّ فتعرِف من أتاهُ، ولم تعرِفِ ...147
إنَّ سعيداً وعبد اللهِ بن عُمر لم ينصُروا الحقَّ، ولم يخذُلا الباطِلَ147
لا يقُولَنَّ أحدُكُم: اللّهُم إنَّي أعُوذُ بِك من الفتنَةِ، لأنَّهُ ليس أحَد إلا وهُو مُشتمِل على ...154
... وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عبدُهُ ورَسُولُهُ، أرسلَهُ بالدِّينِ المشهُورِ، والعلَمِ المَأثُورِ، ...156
تزعزعت فيها سواري اليقين157
واختلف النّجر، وتشتّت الأمر، وضاق المخرج وعَمي المصدر...157
إنّما بدءُ وُقُوعِ الفِتَن أهواء تُتَّبَعُ، وأحكام تُبتدَعُ، يُخالَفُ فيهَا كِتابُ اللّه، ويتولَّى ...167
وتثبّتوا في قتام العشوة...171
تبدأ في مدارجَ خفيّة، وتؤول إلى فظاعة جليّة171
شِبابها كشباب الغلام، وآثارها كآثار السِّلام171
يتوارثها الظلمة بالعهود، أوّلهم قائد لآخرهم، وآخرهم مقتد بأوّلهم...171
... وعن قليل يتبرّأ التّابع من المتبوع، والقائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء، ويتلاعنون عند اللّقاء171
إنَّهُ لَما أنزلَ اللّه سُبحانهُ قولَهُ (الم. أحَسِب النَّاسُ أن يُتركُوا أن يقُولوا آمنّا وهم لا ...176
... فإنِّي فقأتُ عين الفِتنةِ4، ولم يكُن ليجترئ عليها أحد غيري، بعدَ أن ماج غيهبُها5 واشتدَّ كلبُها176
إنَّ الفِتنَ إذا أقبلت شبَّهت1، وإذا أدبرت نبَّهت، يُنكرن مُقبِلاتٍ، ويُعرفن مُدبِراتٍ، يحُمنَ حوم ...177
... واللّه ما اسمعكُمُ الرَّسُولُ شيئاً إلا وها أنا ذا مُسمِعُكُمُوهُ، وما أسماعُكُم اليوم بِدُونِ ...177
...أما والذي نفسي بيدِه، ليظهرنَّ هؤُلاءِ القومُ عليكُم، ليس لأنَّهُم أولى بِالحقِّ، ولكِن ...180
... ثُمَّ يأتي بعد ذلِك طالِعُ الفِتنةِ الرَّجُوفِ1، والقاصِمةِ الزَّحُوفِ2، فتزيغُ قُلُوب بعد ...181
ولُبِس الإسلامُ لُبس الفرِو مقلوباً182
أيُّها النّاسُ، سيأتي عليكُم زمان يُكفأُ فيه الإسلامُ كما يُكفأُ الإناءُ بما فيه182
... وايمُ اللّه لتجِدُنَّ بني اُميَّةَ لَكُم اربَابَ سوءٍ بَعدِي، كالنَّاب الضَّروس(1) تعذِمُ ...184
لا يزالونَ بِكُم حَتى لا يَترُكُوا مِنكُم إلا نافعاً لَهُم، أو غيرَ ضائر بِهم. ولا يَزال بَلاؤُهم ...184
واللّه لا يزالُون حتَّى لا يدعُوا لِله مُحرَّماً إلا استَحلّوهُ، ولا عقداً إلا حلُّوهُ، وحتَّى لا ...184
رايةُ ضلالٍ قد قامت على قُطبِها(2) وتفرَّقت بِشُعبِها(3) تكيلُكُم بِصاعِها(4)، وتخبطُكُم ...185
تغِيضُ فيها الحِكمة(6)، وتنطِقُ فيها الظَّلمةُ، وتدُق أهل البدو بمسحلِها(7) وترُضُّهُم بكلكلِها(8) ...186
... فعِند ذلِك لا يبقى بيتُ مدرٍ ولا وبرٍ إلا وأدخلهُ الظَّلمةُ ترحةً(8)، وأولجُوا فيهِ نقمةً، ...187
حتّى يظُنَّ الظَّانُّ أنَّ الدُّنيا معقُولة على بني أُميَّةَ(1)، تمنحُهُم درَّها(2)، وتُورُدُهُم ...189
فما احلولت لكُمُ الدُّنيا في لذَّتها، ولا تمكَّنتُم من رضاعِ أخلافِها(5) إلا مِن بعدِ ما ...189
.. فاُقسِمُ ثُمَّ اُقسِمُ لتنخمنَّها اُميَّةُ من بعدِي كما تُلفظُ النُّخامةُ(3)، ثُمَّ لا تذُوقُها ...190
لا تُقاتِلُوا الخوارج بعدي، فليسَ من طلبَ الحقَّ فأخطأهُ كمن طلب الباطِل فأصابهُ193
... ثمُّ يُفرِّجُها اللّه عنكُم كتفرِيج الأديم(2)، بِمن يسُومُهُم خسفاً(3)، ويسُوقهُم عُنفاً، ...193
... وايمُ اللّه لو فرَّقُوكُم تحتَ كُلِّ كوكبٍ، لجمعكُمُ اللّه لِشرِّ يومٍ لهُم194
افترقُوا بعد أُلفتهِم، وتشتَّتُوا عن أصلِهِم، فمنهُم آخِذ بِغُضْنٍ أينما مال مال معهُ على أنَّ ...194
كلاَّ واللّه. إنَّهُم نُطف في أصلابِ الرِّجالِ وقراراتِ النِّساءِ(1) كُلَّما نجم منهُم قرن قطِع(2) ...195
أهوى أخِيك معنا(3) ؟ فقال: نعم. قال: فقد شهِدنا في عسكِرنا هذا أقوام في أصلاب الرِّجال وأرحامِ ...202
... حتَّى يُطلِع اللّه لكُم من يجمعُكُم، ويضُمُّ نشرَكُم(1)203
ثم يطلع اللّه لهم من يجمعهم ويضمهم، يعني من أهل البيت عليه السّلام. وهذا إِشارة إلى المهديّ الّذي ...203
ألا وفي غدٍ - وسيأتي غد بما لا تعرِفُون - يأُخُدُ الوالي من غيرِها عُمَّالها على مساوئ أعمالِها، ...203