فهرست عناوين فهرست آيات فهرست اشعار
كتاب وَقعَة النَهرَوانْ أو الخَوارج
الخَطيبْ عَلي بنِ الحُسَيْن الهَاشِميّ ( 1328 ـ 1396 ) هـ مؤسسة المفيد بيروت ... لبنان
فهرست عناوين
« الاحاديث والخوارج »7
( بذرة الخوارج )11
( الخوارج وأسماؤهم )17
( الفتنة ورفع المصاحف )19
( المكاتبة )33
( صورة الكتاب )38
( شهود الكتاب )40
( التقاء الحكمين )41
( وصية ابن عباس لأبي موسى )42
( معوية يوصي عمرو بن العاص )42
( أوان المكر والخديعة )43
( علي (ع) والحرورية )49
( الخوراج في النهروان )53
( المنجم )55
( وقعة النهروان (1) )57
( عبدالله بن خباب )64
( وقعة النخيلة )67
( أحاديث تروى عن عائشة )70
( مقتل الإمام علي (ع) )72
( الخوارج ومعوية )77
[ الخوارج وابن زياد ]79
[ الخوراج وابن الزبير ]82
[ وقعة دولاب ]85
[ حروب أهل البصرة مع الخوراج ]88
[ وقائع المهلب والخوارج ]92
( وقعة سلى وسلبرى )98
( وقائع أرجان )101
[ وقائع الخوارج في فارس ]103
[ غارات الخوارج ]107
( واقعة الأهواز )112
[ واقعة صالح بن مسرح ]138
[ وقائع شبيب بن يزيد الشيباني ]142
[ من وقايع شبيب ]151
( من وقائع شبيب )155
[ وقعة الأنبار ]159
( وقعة الاهواز وهلاك شبيب )171
( وقعة الضحاك بن قيس )176
( وقعة الخيبرى )179
( واقعة شيبان اليشكري )180
( واقعة قديد )182
( وقائع ابو حمزة الخارجي ومقتله )190
( خطبة ابي حمزة )195
( مساور الشاري )200
( الحرب بين الخوارج أنفسهم )206
( صاحب الزنج الخارجي )208
( وقايع ابو يزيد الخارجي )210
( خروج فضل الخارجي بعد ابيه )217
( فتكات الخوارج )217
( فتكهم بعبد الله بن خباب )218
( فتكهم بخارجة )220
( فتكهم بالخلال )222
( فتكهم بالمثلم بن مشرح الباهلي )223
( فتكهم بمعن بن زائدة )225
( فتكهم بعيسى بن جعفر )228
( فتكهم بعامل سوآرء )229
( فتكهم بمحمد بن هرون بن المعمر )229
( فتكهم بالنساء )229
( الخوارج وفرقهم )232
( الخوارج ومعتقداتهم )243
( شبه الخوارج وردها )251
( من ارتد بسبب الخوراج )255
( نجدة بن عويمر )259
( ابي بلال )261
( عمران بن حطان )265
( نافع بن الأزرق )269
( الطرماح بن حكيم الطائي )270
( أعلام الخارجيات )286
( ليلى بنت طريف التغلبية )293
( عاشئة بنت يحيى بن يعمر )295
( عبدة بنت حسان المزنية )296
( أم علقمة الخارجية )297
( ام عمران بن الحارث الراسبي )298
( امرأة عمران بن حطان )298
( عمرة بنت مرداس بن أبي عامر ) (3)299
( عميرة امرأة مجاشع ) (5)300
( ما قيل في الخوارج )300
( أئمة الخوارج )310
( الخوارج لغة واصطلاحاً )318
( الخاتمة )323

4
بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم . فاطر الخليقة . اذ هديتنا إلى السراط السوى فسلكناه ، وبصرتنا نهج الصواب فاتبعناه ، ولم نكن من الضالين ، الخارجين عن جدد الهداية ، والمحجة الواضحة ، فأجبنا اللهم داعيك واهتدينا بهدى كتابك المنزل على رسولك سيد الرسل ـ محمد مصطفى ـ صلى الله عليه وآله الذين طهرتهم من الرجس فقلت عز اسمك وعظمت آلاؤك ، ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً ) .
5
بسم الله الرحمن الرَّحيم ﴿ وَلَو شاء الله مَا اقتَتَل الذينَ مِن بَعدهْم مِنْ بَعدِ ما جاءَتهُمُ البيِّناتُ وَلِكنْ اختلفُوا فَمِنهُم من آمَن وَمِنهم مَن كفرَ وَلَو شاءَ الله مَا اقْتَتَلوا ولكِنَ الله يَفعلُ ما يُريد (1) . ﴿ فَامّا نَذهبّن بك فَانّا منهُم مُنتقمُونْ أو نُرينَّكَ الذي وَعَدناهُمْ فَانا عَلِيهمْ مُقتدرُون (2) . ﴿ وإنْ طائفتان مِن المُؤمنينَ اقْتَتَلوا فأصلحوا بَينهما فاِن بَغت اِحداهُما عَلى الاخرى فَقاتلوا الْتي تَبغي حَتّى تفيىءَ اِلى امر الله فإنْ فاءَت فَأصلحوا بَينهُما بالعدلِ وَاقسطوا إنَّ الله يُحِبُ المُقسِطينْ (3) . ﴿ صدق الله العلي العظيم
(1) سورة البقرة . (2) سورة الزخرف . (3) سورة الحجرات .

6

7
« الاحاديث والخوارج »
ذكر علي بن عيسى الاربلي . في كتابه كشف الغمة . قال البغوي في شرح السنة عن ابن مسعود . قال خرج رسول الله (ص) فأتى منزل أم سلمة فجاءه علي (عليه السلام ) فقال رسول الله (ص) يا أم سلمة هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين والمارقين من بعدي . وذكر الخوارزمي . في « الفائق » في باب قال . وقال : يعني النبي (ص) في ذكر بيان معجزاته » . قال . وقال : يعني النبي (ص) لعلي ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . فقاتل (ع) طلحة والزبير . بعدما نكثا بيعته ، وقاتل معاوية وأشياعه . وهم القاسطون ـ أي الظالمون وقاتل ـ الخوارج وهم المارقون ، هذا لفظ الخوارزمي . وذكر الخوارزمي أيضاً في « الفائق » من قصة ذي الثدية . الذي قتل مع الخوارج ، وقد رواها ( الحميدي ) في الحديث الرابع من المتفق عليه . من مسند ابي سعيد
8
الخدري . في حديث . ذي الثدية وأصحابه الذين قتلهم علي بن أبي طالب (ع) بالنهروان . قال . قال رسول الله (ص) تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق ، قال أبو سعيد الخدري . فاني أشهد اني سمعت هذا من رسول الله (ص) وأشهد أن علي بن ابي طالب (ع) قاتلهم وأنا معه . وأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فاتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله (ص) الذي نعت . وعن أبي ذر الغفاري ، بحذف سنده . قال . كنت مع رسول الله (ص) وهو في بقيع الغرقد (1) فقال والذي نفسي بيده ان فيكم رجلاً . يقاتل الناس على تأويل القرآن . كما قاتلت المشركين على تنزيله . وهم في ذلك يشهدون ـ ان لا إله إلا الله ـ وما يؤمن اكثرهم بالله . الا وهم مشركون . فيكبر قتلهم على الناس . حتى يطعنوا على ولي الله . ويسخطوا عمله كما سخط موسى بن عمران خرق السفينة . وقتل الغلام . واقامة الجدار . وكان خرق السفينة وقتل الغلام واقامة الجدار لله رضا وسخط موسى . وفي صحيح الترمذي . ان النبي (ص) قال يوم
(1) الغرقد ، شجر . والبقيع المدينة حتى اليوم .

9
الحديبية لسهل بن عمرو . وقد سأله رد جماعته . فروى ان النبي (ص) قال يا معشر قريش لتنتهوا او ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم على الدين امتحن الله قلبه بالإيمان فقالوا من هو يا رسول الله (ص) ؟ قال : هو خاصف النعل ، وكان اعطى علياً يخصفها حينذاك .
10

11
( بذرة الخوارج )
عندما قتل عثمان (رض) بايع المسلمون علياً (ع) وهدأت القلاقل ـ بالمدينة . وهناك ظن الناس ان الفتن اطفأت نائرتها ورجع الحق إلى أهله . باسناد الخلافة الى « علي (ع) . علي (ع) الذي عرف بصلابة ايمانه وقوة جنانه . علي (ع) الذي لا تأخذه في الله لومة لائم . اول الناس إسلاماً وتصديقاً بابن عمه رسول الله (ص) آمن بالله وصدق رسوله والناس عكف على أربابها . اللات والعزى وهبل يعبدونها . فكان علي (ع) يحامي عن رسول الله (ص) وينصره في مواقفه كلها حتى دانت قريش الطاغية لكلمة التوحيد . كلمة ـ لا إله الا الله . نعم ناضل علي (ع) المشركين ولم يتأخر عن غزوات
12
النبي (ص) الا غزوة واحدة . وأبلى فيها البلاء الحسن وكان الفتح في الحروب والوقائع يكون على يده ، ناضل المشركين وجاهدهم وهو لم يبلغ العشرين من عمره . ولقد وجده الرسول الأعظم . كفأً لسيدة النساء ـ فاطمة ـ فزوجه منها ، واختاره اخاً له دون المسلمين عندما أمر (ص) بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، ونوه باسمه في حشد بعد حشد منادياً على رؤس الأشهاد من المهاجرين وأنصار ( على أقضاكم ) علي (ع) مني بمنزلة هرون من موسى إلى أنه لا نبي بعدي ، علي اخي ووزيري وقاضي ديني وخليفتي عليكم من بعدي . ويحدثنا التاريخ ما صدر منه (ص) في حجة الوداع . عندما قفل راجعاً الى المدينة . وانتهى به السير الى ـ غدير خم ـ فأمر الناس حينذاك بالكف عن السير . ونزل ونزل الناس مؤتمرين لأوامره على غير ماء وكلاء في بلقع من الأرض قاحلة ماحلة نبتها الصخور والحجر الصلد . غديرها لعاب الشمس ووهج الرمضاء . نزل الناس هناك . وصاروا يستظلون عن أشعة الشمس برواحلهم وربما كان الرجل منهم يجمع ثيابه تحت قدميه يقي بها حر الصفا اللاذعة .
13
لماذا أمر النبي بحط الرحال في ذلك المحل ـ لأنه مفرق الطرق ولئلا يتفرق الحاج . صعد (ص) على الصخور والأحجار والاحداج التي أمر بجمعها وقام خطيباً وأمر الناس ان يبلغ الشاهد منهم الغائب . والناس كلهم آذان صاغية حتى انتهى في خطبته الى قوله (ص) أيها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم فصاحوا اللهم نعم . قال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيث ما دار إلى آخر خطبته . نعم وعى المسلمون هذه الأحاديث من رسول الله (ص) وشهدوا مشاهده المعجبة ومواقفه الجليلة من تفانيه دون الدين وجهده العظيم ومنازلته الأقران من اليهود ومشركي قريش في عهد الرسالة ، وصبره وتسليمه بعد وفاة النبي (ص) لئلا ينكص الناس على الأعقاب وعقائد الجاهلية وعاداتها بعد راسخة في أذهانهم ، وهكذا شاهد المسلمون علياً (ع) ابن عم النبي (ص) حتى جاء اليوم الذي انثالوا عليه كعرف الضبع للبيعة ، وبايع المهاجرون والأنصار في ذلك اليوم بالمدينة علياً (ع) ولم يتخلف عن بيعته كما تخلف عن من قبله أحد .
14
ظن المسلمون عندما بويع علي (ع) انهم تخلصوا من الفتن والأراجيف التي كانت من قبل ، ولكنهم ما كانوا يحلمون بأن طلحة والزبير ينكثا البيعة يوماً ما ، لحطام الدنيا الدنية ، ويثيراها حرباً دامية ـ بالبصرة ـ وكان النصر لعلي على اعدائه ، وهناك نعر معاوية بالشام معلناً حربه على خليفة المسلمين فكانت الواقعة بصفين اعظم منها بالبصرة ، وكاد معاوية أن يستسلم لعلي في صبيحة ليلة الهرير لولا مكيدة عمرو بن العاص ، وإشارته برفع المصاحف على الرماح ، ومن هناك بدأت الفتنة على ما ذكره المؤرخون فتنة ـ الخوارج ـ . وقعت الفتنة في جيش أهل العراق ، وذلك لسماع الهتافات من جيش الشام ـ لا حكم إلا لله ـ كلمة حق أريد بها باطلاً ، فانحازت وقتئذ طائفة من عسكر علي (ع) وهي تقول . جعلوا الكتاب حكماً بيننا وبينهم . وارتفعت أصواتهم يا علي أجب القوم إلى كتاب الله وهذه الطائفة كانت تضمر غير ما تظهره من قل على علي (ع) فظهر منها في هذا الموقف ما ظهر من الحقد والمروق ، أمثال الأشعث بن قيس ، وحرقوص الخارجي ونظائرهما ممن اندس في جيش علي (ع) حتى اجبروا خليفتهم على المهادنة وإجابة القوم ـ إلى حكم الكتاب ـ فكأنهم لم يقرؤا
15
قوله تعالى : ( اطيعوا الله والرسول وأولوا الأمر منكم ) فمن ذلك اليوم بدأت فتنة الخوارج كما ذكر المؤرخون . ولكنا لو أمعنا النظر لرأينا فتنة الخوارج لم تكن وليدة صفين بل كانت نواة هذه الطائفة من عهد النبي الأعظم . نعم البدزة كانت من عهد النبي ومن اليوم الذي عارض ذلك الرجل رسول الله (ص) بقوله ( اعدل يا رسول الله ) من هو ذلك الرجل يا ترى ؟ هو حرقوص بن زهير التميمي ـذو الخويصرة (1) . ذكر ارباب التاريخ أن النبي (ص) لما رجع من الجعرانة ، بعد أن فرغ من غزوة حنين . صار يقسم الغنائم . فآثر نفراً تألفاً لقلوبهم في الإسلام . فصاح به الرجل ـ اعدل يا رسول الله ـ فقال (ص) : ( ويحك ومن يعدل إذا لم اعدل ) . ثم التفت النبي (ص) الى اصحابه وقال : ( انه يخرج من ضئضىء هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وآيتهم رجل احدى يديه كثدي المرأة ) فقام اليه عمر بن الخطاب (رض) وقال : يا رسول الله اقتله ؟ فقال (ص) دعه فان له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع
(1) هو الذي صار اماماً للخوارج يأتمون به في الصلوات .

16
صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم . يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية انه سيقتلهم (1) قتل عادان أدركهم ) فكأن كلمة هذا الرجل صارت بذرة يسقيها النفاق وينميها الحقد والشغب على النبي وآله ، حتى كانت من جرائها واقعة النهروان . والحروب التي من بعدها والفتن والأراجيف بين عامة المسلمين .
(1) الضمير في يقتلهم يرجع إلى علي (ع) وإنما لم ينوه النبي باسم علي (ع) لمصلحة هناك يعرفها ، وكل هذه الأحاديث التي تكلم بها فهي من مغيباته (ص) .

17
( الخوارج وأسماؤهم )
« الخوراج » اسم يشمل جميع فرقهم . وانما سموا ـ بالخوارج ـ لأنهم خرجوا عن الدين . وعلى خليفتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . « المحمة » عرفوا ـ بالمحكمة . لأنهم نادوا يوم صفين لا حكم إلا لله ، وهي كلمة حق يراد بها باطل . « الحرورية » . سموا بهذا الإسم لأنهم خرجوا الى حرورآء قرية من قرى الكوفة واجتمعوا فيها وأظهروا العداء لعلي بن ابي طالب (ع) . « المارقة سماهم بهذا الاسم ـ رسول الله (ص) عندما قال (ص) لعمر بن الخطاب (رض) ( انهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية ) وقوله ( ص) لعلي (ع) يا علي . ( انك ستقاتل الناكثين . والقاسطين . والمارقين ) وهم ـ الخوارج ـ .
18
« أصحاب جباه السود » . سماهم بهذا الإسم ـ مالك الأشتر النخعي (رض) وذلك لما رفع أهل الشام المصاحف ، وخالفوا أمر الإمام علي (ع) وأجبروه على وضع الحرب وكف القتال ، فرجع مالك من ساحة الوغى ورأى اجتماعهم على علي (ع) فخاطبهم آنذاك ـ يا أهل جباه السود . « المخدوعين » عرفوا بهذا الاسم لأنهم انخدعوا برفع المصاحف في صفين . صبيحة ليلة الهرير . « النروانية » . سموا بالنهروانية . لأنهم خرجوا من الكوفة وقصدوا النهروان وحاربوا علياً (ع) هناك فنصره الله عليهم وما نجا منهم إلا تسعة أنفار وهلك الباقون فكانت مصارعهم على ذلك النهر . وهناك تجد اسماء لهم في كتابنا هذا غير ما ذكرناه . حدثت بتطورات حوادثهم ، وأهوائهم . حيث تشعبوا شعباً وتفرقوا فرقاً وكل طائفة منهم كانت تنشق الى طائفتين أو أكثر فتكفر الثانية الأولى وتتسمى باسم رئيسها أو لقبه .
19
( الفتنة ورفع المصاحف )
ان اعظم ساعة مرت على معاوية بن ابي سفيان . هي الساعة التي ضاق به الخناق . وكادت روحه أن تفارق جسده . وذلك لإنكسار جيشه بصفين صبيحة ليلة الهرير ، وطلوع فجر النصر على جيش علي (ع) جيش العراق فالتفت عندئذ الى عمرو بن العاص قائلاً له وهو في رعدة واضطراب أنفر أم نستأمن ؟ فقال ابن العاص أؤمر برفع المصاحف ، فان قبلوا حكم القرآن أوقفنا الحرب . ورافعنا بهم الى أجل . وان أبى بعضهم إلا القتال الحرب . ورافعنا بهم الى أجل . وان أبى بعضهم إلا القتال فللنا شوكتهم ووقعت الفرقة بينهم . فصوب معاوية هذا الرأي وأمر برفع المصاحف فرفعت على أطراف الرماح . ذكر نصر بن مزاحم عن جابر . قال سمعت تميم بن جذيم يقول : لما أصبحنا من ليلة الهرير . نظرنا فاذا أشباه الرايات أمام صف أهل الشام وسط الفيلق من حيال معاوية ، فلما أسفرنا فاذا هي المصاحف قد ربطت على أطراف
20
الرماح ، وهي عظام مصاحف العسكر ، وقد شدوا ثلاثة أرماح جميعاً . وقد رطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشر رهط . قال ابو جعفر وأبو الطفيل . استقبلوا علياً بمائة مصحف ، ووضعوا في كل مجنبة مأتي مصحف . وكان جميعها خمسمائة مصحف . قال : ابو جعفر . ثم قام الطفيل بن أدهم حيال على (ع) وقام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة . وقام ورقاء بن معمر حيال الميسرة . ثم نادوا يامعشر العرب الله الله في نسائكم وبناتكم . فمن للروم والأتراك . وأهل فارس غداً إذا فنيتم . الله الله في دينكم . هذا كتاب الله بيننا وبينكم . فقال علي (ع) : اللهم انك تعلم انهم ما لكتاب يريدون . فاحكم بيننا وبينهم انك انت الحكيم الحق المبين . قال فاختلف أصحاب علي في الرأي ،فطائفة قالت القتال وطائفة قالت المحاكمة الى الكتاب ، ولا يحل لنا الحرب وقد دعينا الى حكم الكتاب : فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت اوزارها ، وذكر نصر انهم رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح وقلدوها الخيل . ورفع مصحف دمشق الأعظم تحمّله عشرة رجال على رؤوس الرماح ، ونادوا : يا أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم . وأقبل أبو الأعور السلمي على برذون له أبيض . وقد
21
وضع المصحف على رأسه ينادي : يا أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم . ومن ثم وقعت الفتنة بين أصحاب علي (ع) : وشك فريق من أصحابه ولجؤا الى المسالمة . ودعوه اليها ـ وهم أصحاب جباه السود ـ فقال لهم علي (ع) ويلكم ان هذه خديعة . وما يريد القوم القرآن لأنهم ليسوا بأهل القرآن فاتقوا الله وامضوا على بصائركم في قتالهم . فان لم تفعلوا تفرقت بكم السبل وندمتم حيث لا تنفعكم الندامة . قال : وحضر عند علي (ع) مسعر بن فدكي . وزيد بن حصين الطائي والأشعث بن قيس الكندي . فقالوا له أجب القوم إلى كتاب الله فقال أمير المؤمنين (ع) ويحكم والله انهم ما رفعوا المصاحف الا خديعة ومكيدة حين علوتموهم . فأجابه خالد بن معمر السدوسي قائلاً : يا أمير المؤمنين احب الأمور الينا ما كفينا مؤنته . وابتدر رفاعة بن شداد البجلي قائلاً :
وان حكموا بالعدل كانت سلامة
والا اثـرنـاهـا بيـوم قماطر
واجتمع حول علي (ع) عشرون ألف رجل . ينادون يا علي . اجب الى كتاب الله اذا دعيت وإلا دفعناك برمتك الى القوم ، أو نفعل بك ما فعلنا بعثمان ، فقال (ع)
22
فاحفظوا عني مقالتي فاني آمركم بالقتال . فان تعصوني فافعلوا ما بدأ لكم ، قالو فابعث إلى الأشتر ليأتيك ، فبعث يزيد بن هاني السبعي يدعوه . فقال الأشتر قد رجوت أن يفتح الله لا تعجلني . وشدد مالك في القتال فقالوا حرضه في الحرب ، فابعث اليه بعزيمتك ليأتيك والا والله اعتزلناك ، قال يا يزيد عد إليه . وقل له اقبل الينا ، فان الفتنة قد وقعّت . فاقبل الأشتر عليهم يقول . لأهل العراق يا أهل الذل والوهن : أحين علوتم القوم . وعلموا انكم قاهرون رفعوا لكم المصاحف خديعة ومكراً . فقالوا قاتلناهم في الله . فقال : امهلوني ساعة احسست بالفتح وايقنت بالظفر . قالوا لا . قال : امهلوني عدوة فرسي . قالوا : انا لسنا نطيعك ولا لصاحبك . ونحن نرى المصاحف على رؤوس الرماح تدعي اليها . فقال خدعتم والله فانخدعتم . ودعيتم الى وضع الحرب فأجبتم ، فقال جماعة من بكر بن وائل . فقالوا يا أمير المؤمنين (ع) ان أجبت القوم أجبنا وان أبيت أبينا فقال : نحن احق من أجاب الى كتاب الله . وان معاوية وعمرو بن العاص . وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة . وابن أبي سرح . والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين وقرآن . أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالاً ورجالاً فهم شر أطفال ورجال (1) .
(1) مروج الذهب ج2 (ص) 27 طبع دار الرجاء .

23
قال نصر . وأقبل عدي بن حاتم . فقال يا أمير المؤمنين (ع) ان كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق فانه لم يصب عصبة منا الا وقد أصيب مثلها منهم ، وكل مقروح . ولكنا أمثل بقية منهم . وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما تحب فناجز القوم : وقام مالك الأشتر النخعي (رض) فقال يا أمير المؤمنين (ع) إن معاوية لأخلف له من رجاله . ولك بحمد الله الخلف . ولو كان مثل رجالك لم يكن مثل صبرك ولا بصرك فأقرع الحديد بالحديد واستعن بالله الحميد . وقام عمرو بن الحمق الخزاعي . فقال يا أمير المؤمنين (ع) انا والله ما أجبناك . ولا نصرناك عصبية على الباطن . ولا أجبنا إلا الله عزّ وجلّ ، ولا طلبنا إلا الحقّ : ولا دعانا غيرك إلى ما دعوت إليه لاستشرى (1) فيه اللجاج . وطالت فيه النجوى . وقد بلغ الحق مقطعه . وليس لنا معك رأى . قال : فقال الأشعث بن قيس مغضباً . فقال يا أمير المؤمينين (ع) أنالك اليوم على ما كنا عليه بالأمس . وليس آخر أمرنا كأوله ، وما من القوم أحد احنى على أهل
(1) استشرى . اي اشتد وقوي .

24
العراق ولا اوتر لأهل الشام مني . فأجب القوم إلى كتاب الله . فانك أحق به منهم ، وقد أحب الناس البقاء وكرهوا القتال . فقال علي (ع) ان هذا أمر ينظر فيه ، وسمع من أهل الشام صائح يصيح :
رؤوس العـراق اجيبوا الدعاء
فقـد بلغـت غـايـة الشـدة
وقد أودت الحرب بـالعالمين
واهـل الحفـائـظ والنجـده
فلسنا ولستم مـن المشركيـن
ولا الـمجمعيـن علـى الردة
ولكن انـاس لقـوا مثلهــم
لنـا عـدة ولهـــم عــده
فقاتل كـل علـى وجهــه
يقحمـــه الجـد والحــده
فـان تقبلـوها ففيهـا الباق
ء وامـن الفـريقيـن والبلـدة
وان تدفعـوها ففيهـا الفنـاء
وكــل بـلاء الــى مـده
وحتى متى مخض هذا السقاء
ولابـــدان يخـرج الزبـده
ثلاثـة رهـط هـم أهلهـا
وان يسكنـوا تخمـد الـوقده
سعيد بن قيس وكبش العـرا
ق وذاك المسود مـن كنده (2)
قال : وتداعى الناس على علي (ص) وكثر الصياح ، فلا نسمع إلا النداء من أصحابه أكلتنا الحرب وقتلت
(2) أراد الشاعر : بالثلاثة هم الأشعث فانه لم يرض بالسكوت . بل كان اعظم الناس قولا في اطفاء الحرب والركون الى الموادعة وكبش العراق هو الأشتر فلم يكن يرى الا الحرب ولكنه سكت على مضض ، وسعيد بن قيس فتارة هكذا وتارة هكذا .

25
الرجال (1) : الا نفر يسير ينادون نقاتل القوم على ما قاتلناهم عليه بالأمس . ثم رجعوا عن قولهم مع الجماعة (2) وثارت الجماعة بالموادعة ، قال فقام علي (ع) وقال : أنه لم يزل امري معكم على ما أحب الي ان أخذت منكم الحرب وقد والله أخذت منكم وتركت ، وأخذت من عدوكم فلم تترك . وانهافيهم أنكى وانهك . الا اني كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأموراً . وكنت ناهياً فأصبحت منهياً . وقد احببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » ثم جلس (ع) وكثر اللغط بين أصحابه ، تهددوه ان يصنع به ما صنع بعثمان (ع) وكثر الهرج والمرج حتى أسفر هذا كله عن الرضا والتحاكم الى كتاب الله من العسكرين . قال وسأل مصعب ابن الزبير ابراهيم بن الأشتر . حين دخل عليه عن الحال فقال كنت عند علي حين بعث الى الأشترياتية . وقد كان أشرف على معسكر معوية ليدخله . فأرسل اليه يزيد بن هاني أن أئتني . فأتاه وبلغه . فقال الأشتر . ائته فقل له ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن
(1) نصر بن مزاحم ص 552 طبع مصر . (2) مروج الذهب ج2 ، ص 272 طبع دار الرجاء .

26
تزيلني فيها عن موقفي . اني قد رجوت الله أن يفتح لي فلا تعجلني . فرجع يزيد بن هاني الى علي وأخبره فما هو إلا أن انتهى الينا . حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر . وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ، ودلائل الخذلان والأدبار على أهل الشام ، فقال له القوم . والله ما نراك الا أمرته بقتال القوم . فقال ارأيتموني ساررت رسولي ؟ أليس اني كلمته على رؤسكم علانية وانتم تسمعون . قالوا : فابعث اليه فليأتك . والا فوالله اعتزلناك . قال : ويحك يا يزيد قل له أقبل الي . فان الفتنة قد وقعت فأتاه وأخبره فقال : الأشتر . الرفع هذه المصاحف ؟ قال نعم . قال اما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافاً وفرقة . انها من مشورة ابن النابغة ـ يعني عمرو بن العاص ـ قال : ثم قال ليزيد ( ويحك ) ألا ترى الى الفتح . الا ترى الى ما يؤلون . الا ترى الى الذي يصنع الله لنا ، أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟ فقال له يزيد . أتحب أنك ظفرت ها هنا . وان أمير المؤمنين (ع) بمكانه الذي هو به يفرج عنه ويسلم الى عدوه ؟ فقال سبحان الله (لا) والله ما احب ذالك . قال فانهم قالوا . لترسلن الى الأشتر فليأتيك أو لنقتلنك بأسيافنا . كما قتلنا عثمان ، أو لنسلمنك الى عدوك . قال . فاقبل الأشتر حتى انتهى اليهم فصاح : يا أهل الذل والوهن ، أحين علوتم
27
القوم فظنوا انكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم الى ما فيها ، وقد والله تركوا ما امر الله به فيها . وسنة من انزلت عليه . فلا تجيبوهم امهلوني فواقا فاني قد أحسست بالفتح . قالوا لا . قال : فامهلوني عدوة الفرس . فاني قد طمعت في النصر . قالوا : اذن ندخل معك في خطيئتك قال : فحدثوني عنكم . وقد قتل اماثلكم وبقي اراذلكم . متى كنتم محقين احين كنتم تقتلون أهل الشام . فانتم الآن حين امسكتم عن القتال مبطلون . ام انتم الآن ( في مساككم عن القتال ) محقون ؟ فقتلاكم اذن الذي لا تنكرون فضلهم وكانوا خيراً منكم في النار ، قالوادعنا منك يا اشتر . قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله . انا لسنا نطيعك فاجتنبنا . قال : خدعتم والله فانخدعتم ، ودعيتم الى وضع الحرب فأجبتم . يا أصحاب الجباه السود كنا نظن ان صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء الله . فلا أرى فراركم الا الى الدنيا من الموت . ألا فقبحاً لكم يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزاً ابداً . فابعدوا كما بعد القوم الظالمون ، قال فسبوه وسبهم ، وضرب بسوطه وجوه دوابهم . فصاح بهم على (ع) فكفوا . وقال : الأشتر يا أمير المؤمنين (ع) احمل الصف يصرع القوم . فتصايحوا . ان أمير المؤمنين قد قبل
28
الحكومة . ورضي بحكم القرآن هذا وعلي ساكت لا ينبس بكلمة مطرق الى الأرض (1) . وجاء الأشعث بن قيس الى علي (ع) وقال : يا أمير المؤمنين (ع) ما أرى الناس الا وقد رضوا وسرهم ان يجيبوا القوم الى ما دعوهم اليه من حكم القرآن . قان شئت أتيت معوية فسألته ما يريد . نظرت ما الذي يسأل فقال (ع) ائته ان شئت . فأتاه فسأله . فقال : يا معوية لأي شيء رفعتم هذه المصاحف ؟ قال : لنرجع نحن وأنتم الى ما أمر الله في كتابه فابعثوا منكم رجلاً ترضون به . ونبعث منا رجلاً ، ثم نأخذ عليهما ان يعملا بما في كتاب الله ولا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه . فقال . الأشعث هذا هو الحق ، فانصرف الى علي وأخبره بالذي قال ، وقال الناس قد رضينا . وقبلنا . فبعث علي (ع) قراءاً من أهل العراق . وبعث معاوية قراءاً من أهل الشام ، فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصحف فنظروا فيه وتدارسوه . واجمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ، وأن يميتوا ما أمات القرآن .
(1) نصر بن مزاحم ص 562 وص 563 ، طبع مصر .

29
ثم رجع كل فريق الى أصحابه ، وقال الناس . قد رضينا بحكم القرآن . فقال أهل الشام . فأنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص . وقال الأشعث والقرآء ـ الذين صاروا خوارج فيما بعد ـ فانا قد رضينا واخترنا أبا موسى الاشعري . فقال لهم علي (ع) اني لا أرضى بأبي موسى ولا أرى ان أوليه . فقال الأشعث . وزيد بن حصين ، ومسعر بن فدكي . في عصابة من القرآء . انا لا نرضى الا به ، فانه قد حذرنا ما وقعنا فيه (2) قال (ع) فانه ليس لي برضاً . وقد فارقني وخذل الناس عني ثم هرب حتى أمنته بعد أشهر . ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك ، قالوا والله لا نبالي أكنت أنت او ابن عباس ، ولا نريد الا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء . ليس الى واحد منكما بادني من الآخر . قال علي (ع) فاني اجعل الأشتر . فقال الأشعث وهل سعر
(2) كان ابو موسى يحدث قبل وقعة صفين ويقول : ان الفتن لم تزل في بني اسرائيل ترفعهم وتخفضهم . حتى بعثوا الحكمين يحكمان بما لا يرضى به من اتبعهما ، فقال سويد بن علقمة . إياك ان أدركت ذلك الزمان ان تكون أحد الحكمين . قال : انا ؟ . قال نعم انت . فكان يخلع قميصه ويقول : لا جعل الله لي اذا في السماء مصعداً ولا في الأرض مقعداً ، فلقيه سويد بن علقمة بعد ذلك . فقال : يا أبا موسى اتذكر مقالتك ؟ . قال : سل ربك العافية .

30
الأرض علينا غير الأشتر . وهل نحن الا في حكم الأشتر . فقال علي (ع) وما حكمه قال . حكمه أن يضرب بعضنا بعضاً بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد . فأجابه علي (ع) ان معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحداً هو أوثق برأيه . ونظره من عمرو بن العاص . وانه لا يصلح للقرشي الا مثله ، فعليكم بعبدالله بن عباس فارموه به . فان عمرو ألا يعقد عقدة الا حلها عبدالله . ولا يحل عقدة الا عقدها ولا يبرم امرأ الا نقضه . ولا ينقض امرأ الا أبرمه فقال الأشعث . لا والله لا يحكم فيها مضريان حتى تقوم الساعة ، ولكن اجعله رجلاً من أهل اليمن . اذ جعلوا من مضر . فقال علي اني أخاف أن يخدع يمنيكم (1) فان عمرواً ليس من الله في شيء اذا كان له في أمر هوى . فقال الأشعث . والله لأن يحكما ببعض ما نكره . وأحدهما من أهل اليمن . أحب الينا من أن يكون بعض ما نحب في حكمهما وهما مضريان ، فقال علي (ع) فالأحنف بن قيس التميمي فقالوا لا يكون الا أبا موسى . فقال (ع) قد أبيتم الا أبا موسى ؟ قالوا نعم . قال فاصنعوا ما أردتم . قال : نصر وقال علي (ع) للحكمين حين أكره على
(1) هذه الكلمة وأمثالها من مغيباته (ع) .

31
امرهما ، على أن تحكما بما في كتاب الله ، وكتاب الله كله لي ، فان لم تحكما بما في كتاب الله فلا حكم لكما ، وصيروا الأجل الى شهر رمضان . على أن يجتمع الحكمان في موضع بين الكوفة والشام . وقيل اتعد الحكمان اذرح (1) وأن يجىء علي (ع) باربعماءة من أصحابه ، ويجىء معوية بأربعمائة من أصحابه ، فكتبت صحيفتهم بذلك . قال وجاء الاشعث بالصحيفة يقرؤها على الناس فرحاً مسروراً . حتى انتهى الى مجلس لبني تميم فيه جماعة من زعمائهم . منهم عروة بن الزبير التميمي ، وهو أخو مرداس الخارجي . فقرأ عليهم . فجرى بين الاشعث وبين أناس منهم كلام طويل . وأن الاشعث كان بدء هذا الأمر . والمانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا الى أمر الله ، وقال عروة ابن أدية . أتحكمون في دين الله وأمره ونهيه الرجال ؟ لا حكم إلا لله ، فكان أول من قالها وحكم بها ، وقد تنوزع في ذلك ، وشد بسيفه على الأشعث فضم فرسه من الضربة فوقعت في عجز الفرس . ونجا الأشعث ، وكادت العصبية
(1) أذرح . بفتح أوله وسكون الذال المعجمة وضم الرآء ، بلاد في أطراف الشام مجاور لأرض الحجاز .

32
أن تقع بين النزارية واليمانية ، لولا اختلاف كلمتهم في الديانة والتحكيم . وارتجل صالح بن شقيق ، وكان من رؤساء مراد فقال :
ما لعلي في الدماء قد حكم
لو قاتل الأحزاب يوماً لظلم
وصاح ، لا حكم إلا لله ولو كره المشركون ، وصاح قومه بمثل ما صاح به ، ونادى فتيان من غزة ، لا حكم إلا لله ، وكان عددهم أربعة آلاف مجفف (2) وخرج منهم فتيان . وحملاً على أهل الشام بسيفيهما . فقاتلا حتى قتلا على باب رواق معاوية ، وأسماهما . معدان وجعد . وهما اخوان . وصاحب تميم ـ لا حكم إلا لله يقضي بالحق وهوخير الفاصلين ، وصاحت بنور اسب . لا حكم إلا لله ـ لا نرضى ولا نحكم الرجال في دين الله . قال : وكثر اللغط . وتباغض القوم جميعاً . وصار يبرأ الأخ من أخيه والابن من أبيه ، وأمر علي (ع) بالرحيل لما رأى الحال هذه ، وتفاوت الرأي وعدم النظام لأمورهم . وما لحقه من الخلاف منهم ، وكثرة التحكيم في جيش أهل العراق ، وتضارب القوم وبالمقارع ونعال السيوف
(2) هو الذي لبس التجفاف ، وهو ما يجلل به الفرس من سلاح وآلة تقية الجراحة .

33
وتساببهم . ولام كل منهم الآخر في رأيه . وصاح جماعة الحكم لله يا علي لا لك . لا نرضى بأن تحكم الرجال في دين الله أن الله قد امضى حكمه في معوية وأصحابه ان يقتلوا أو يدخلوا في حكمنا عليهم ، وقد كانت منازلة حين رضينا بالحكمين . فرجعنا عليهم ، وقد كانت منازلة حين رضينا بالحكمين . فرجعنا وتبنا فارجع انت يا علي كما رجعنا . وتب إلى الله كاتبنا وإلا برئنا منك . فقال (ع) ويحكم أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع . أوليس الله تعالى قال : ( اوفوا بالعهود ) وقال : ( واوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ان الله يعلم ما تفعلون ) (1) فأبى على أن يرجع وأبت الخوارج الا تضليل التحكيم والطعن فيه . وبرأت من علي (ع) وبرىء منهم .
(1) سورة المائدة .
( المكاتبة )
لما وقع اختيار معوية على عمرو بن العاص ، ورضي أهل العراق بأبي موسى أخذ وافي تنظيم الكتاب فكتب . هذا ما تقاضى عليه ( علي أمير المؤمنين (ع) ) فقال معاوية بئس الرجل انا ان أقررت انه أمير المؤمنين . ثم قاتلته . وقال عمرو : للكاتب اكتب اسمه واسم ابيه . انما هو أميركم . وأما أميرنا فلا . فلما أعيد اليه الكتاب أمر بمحوه . وقال : لا إله إلا الله والله أكبر سنته بسنة . أما والله لعلى يدي دار هذا الأمر يوم الحديبية . حين كتب الكتاب عن رسول الله (ص) ( هذا ما صالح عليه محمد رسول الله (ص) وسهيل بن عمرو ) فقال : سهيل لا أجيبك الى كتاب تسمى فيه رسول الله (ص) ولو أعلم أنك رسول الله لم أقاتلك ، اني أذن ظلمتك أن منعتك أن تطوت ببيت الله وأنت رسول الله (ص) ولكن أكتب ( محمد بن

36
عبدالله ) اجبك . فقال (ص) يا علي اني لرسول الله ، واني لمحمد بن عبدالله ، ولم يمحو عني الرسالة كتابي عليهم من محمد بن عبدالله ، فاكتب : محمد بن عبدالله (ص) فراجعني المشركون في هذا الى مدة . فاليوم اكتبها الى ابنائهم . كما كتبها رسول الله (ص) الى آبائهم سنة ومثلاً ، فقال عمرو بن العاص سبحان الله ومثل هذا شبهتنا بالكفار ونحن مؤمنون ؟ فقال له علي (ع) يا بن النابغة . ومتى لم تكن للكافرين ولياً وللمسلمين عدواً . وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك . فقام عمرو . وقال : والله لا يجمع بيني وبينك مجلس ابداً بعد هذا اليوم . فقال علي (ع) والله اني لأرجو أن يظهر الله عليك وعلى أصحابك . قال : وجاءت عصابة قد وضعوا سيوفهم على عواتقهم . فقالوا : يا أمير المؤمنين . مرنا بما شئت . فقال لهم ابن حنيف . أيها الناس اتهموا اراءكم فوالله لقد كنا مع رسول الله (ص) يوم الحديبية . ولو نرى قتالاً لقاتلنا . وذلك في الصلح الذي صالح عليه النبي (ص) قال : ودعا على الأشتر ليكتب . فقال قائل اكتب بينك وبين معاوية . قال (ع) اني والله لا أكتب الكتاب بيدي يوم الحديبية . وكتبت ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقال سهيل : لا أرضى . اكتب ( باسمك اللهم ) فكتبت : ( هذا
37
ما صالح عليه محمد رسول الله (ص) وسهيل بن عمرو ) فقال : لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك . قال علي : فغضبت . فقلت بلى والله انه لرسول الله وان رغم أنفك . فقال رسول الله (ص) اكتب ما يأمرك . ان لك مثلها . ستعطيها وأنت مضطهد . قال : نصر . وقيل لعلي حين أراد أن يكتب الكتاب بينه وبين معاوية . وأهل الشام . أتقر أنهم مؤمنون مسلمون ؟ فقال علي (ع) ما أقر لمعاوية وأصحابه انهم مؤمنون ولا مسلمون ، ولكن يكتب معوية بما شاء ويقرء بما شاء لنفسه وأصحابه . ويسمى نفسه وأصحابه ما شاء فكتبوا .
38
( صورة الكتاب )
بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما تقاضى عليه على بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان . قاضي علي بن ابي طالب على أهل العراق ومن كان من شيعته من المؤمنين والمسلمين : وقاضي معاوية بن ابي سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين . انا ننزل عند حكم الله وكتابه ولا يجمع بيننا إلا اياه . وان كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته الى خاتمته ، نحي ما احيا القرآن ونميت ما أمات القرآن . فما وجد الحكمان في كتاب الله بيننا وبينكم فانهما يتبعانه . وما لم يجداه في كتاب الله اخذا بالنسة العادلة الجامعة غير المفرقة . والحمان عبدالله بن قيس . وعمرو بن العاص . وأخذنا عليهما عهد الله وميثاقه ليقضيا بما وجداً في كتابالله فالسنة الجامعة غير المفرقة . وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين : مما هما
39
عليه من أمر الناس بما يرضيان به من العهد والميثاق والثقة من الناس . انهما آمنان على أموالهما وأهليهما . والأمة لهما انصار علي الذي يقضيان به عليهما وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله انا على ما في هذه الصحيفة ولنقر من عليه . وأنا عليه لانصار وانهما قد وجبت القضية بين المؤمنين بالأمن والاستقامة ووضع السلاح . اينما ساروا على أنفسهم وأموالهم وأهليهم وأرضيهم وشاهدهم وغائبهم . وعلى عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليحكمان بين الأمة بالحق . ولا يردانها في فرقة ولا بحرب حتى يقضيا ، أجل القضية الى شهر رمضان فان احبا أن يعجلا عجلا . وان توفي واحد من الحكمين فان أمير شيعته يختار مكانه رجلاً لا يألو عن المعدلة والقسط . وأن ميعاد قضائهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الشام وأهل الكوفة . فان رضيا مكاناً غيره فحيث رضيا لا يحضرهما فيه إلا من أراد . وأن يأخذ الحكمان من شاءاً من الشهود . ثم يكتبوا شهادتهم على ما في الصحيفة . ونحن برآء من حكم بغير ما أنزل الله ، الله انا نستعينك على من ترك ما في هذه الصحيفة أو أراد فيها الحاداً وظلماً .
40
( شهود الكتاب )
عبدالله بن عباس . الأشعث بن قيس . سعيد بن قيس . ورقاء بن سمى عبدالله بن الطفيل . حجر بن يزيد . عبدالله بن جمل . عقبة بن جارية . يزيد بن حجية . ابو الأعور السلمي . حبيب بن مسلمة . المخارق بن الحارث . زمل بن عمر . حمزة بن مالك . عبد الرحمن بن خالد . سبيع بن الحر ، كتبه . عميرة . يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين ، وذكر نصر بن مزاحم بحذف السند . عن عمارة بن ربيعة الجرمي . قال . لما كتبت الصحيفة . دعي لها الأشتر فقال : لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي ان كتب ولي في هذه الصحيفة اسم على صلح معاوية ولا موادعة اولست على بينة من ربي ويقين من ضلالة عدوي ألستم قد رأيتم الظفر ان لم تجمعوا على الخور ؟ ؟ فقال له رجل من الناس انك
41
والله ما رأيت ظفراً ولا خوراً ، هلم فاشهد على نفسك . واقرر بما كتب في هذه الصحيفة . فانه لا رغبة بك عن الناس قال بلى والله ان بي لرقبة عنك في الدنيا ، وفي الآخرة . ولقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت بخير منهم عندي ولا احرم دماً قال عمار بن ربيعة . فنظرت الى ذالك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم (1) وهو الأشعث بن قيس . ثم قال : ولكن قد رضيت بما صنع علي أمير المؤمنين (ع) ودخلت فيما دخل ، فيه ، وخرجت مما خرج منه فانه لا يدخل الا في هدى وصواب .
( التقاء الحكمين )
كان التقاء الحكمين . بدومة الجندل . وقيل بغيرها ، في سنة ثمان وثلاثين ، وكان قد بعث علي (ع) بعبدالله بن العباس وشريح بن هاني الهمداني . في أربعماءة رجل فيهم أبو موسى الأشعري . وبعث معوية بعمرو بن العاص . ومعه شرحبيل بن الصمة . في أربعماءة . واجتمع الكل في صعيد واحد .
(1) القصع : الضرب والدلك . والحمم . الرماد والفحم . وكل ما احترق من النار واحدته حمة .

42
( وصية ابن عباس لأبي موسى )
ذكر المسعودي . قال : ابن عباس لأبي موسى . ان الناس أبوا غيرك . واني لأظن ذلك لشرير أدبهم . وقد ضم داهية العرب معك . ان نسيت فلا تنس ان علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان . وليس فيه خصلة تباعده من الخلافة ، وليس في معوية خصلة تقربه من الخلافة (2) .
( معوية يوصي عمرو بن العاص )
ذكر المسعودي . قال : وصى معوية عمرواً حين فارقه . وهو يريد الاجتماع بأبي موسى . فقال : يا عبدالله ، ان أهل العراق قد أكرهوا علياً على أبي موسى . وأنا وأهل الشام راضون بك . وقد ضم اليك رجل طويل اللسان قصير الرأي . فخذ الجد ، وطبق المفصل . ولا تلقه بأريك كله .
(2) مروج الذهب ج2 ص276 .

43
( أوان المكر والخديعة )
عندما التقى الحكمان . ابو موسى الأشعري . وعمرو بن العاص . قال : عمرو لأبي موسى تكلم وقل خيراً فقال أبو موسى . بل تكلم أنت يا عمرو . فقال عمرو . ما كنت لأفعل وأقدم نفسي قبلك ولك حقوق كلها واجبة . لسنك وصحبتك رسول الله (ص) وانت ضيف . فحمد الله أبو موسى واثنى عليه . وذكر ما حل بالإسلام . والخلاف الواقع بأهله . فقال إليه عمرو . وقال : ان للكلام أولا وآخراً . ومتى تنازعنا الكلام خطباً لم نبلغ آخره حتى ننسى أوله ، فاجعل ما كان من كلام نتصادر عليه في كتاب يصير اليه أمرنا ، قال : فاكتب . فدعا عمرو بصحيفة وكاتب ، وكان الكاتب غلاماً لعمرو . فتقدم اليه ليبدأ به اولاً دون ابي موسى . لما أراد المكر به . ثم قال له بحضرة الجماعة : اكتب فانك شاهد علينا . ولا تكتب شيئاً يأمرك به أحدنا حتى تستأمر الآخر فيه . فاذا أمرك فأكتب . واذا
44
نهاك فانته حتى يجتمع رأينا . اكتب بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما تقاضى عليه فلان وفلان . فكتب وبدأ لعمرو . فقال له عمرو . لا أم لك اتقدمني قبله . كأنك جاهل بحقه ؟ فبدأ باسم عبدالله بن قيس . قال : ثم بدا لها رأي آخر فتركوا الصحيفة فأخذها عمرو : ووضعها تحت قدمه . واتفقا على خلع علي (ع) ومعوية . وأن يجعلا الأمر بعد ذلك شورى . يختار الناس رجلاً يصلح لها ، فقدم عمرو . أبا موسى ، فقال أبو موسى ، اني خلعت علياً ومعوية . فاستقبلوا امركم وتنحى . فقام عمرو من مكانه وقال : ان هذا قد خلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معوية . فقال أبو موسى مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت . انما مثلك كمثل الحمار يحمل اسفاراً ، فقال عمرو . بل إياك يلعن الله . كذبت وغدرت . انما مثلك مثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث . ثم وكز أبا موسى فألقاه لجنبه . فلما رأى ذلك شريح بن هاني قنع عمرواً بالسوط (1) وتحول أبو موسى فاستوى على راحلته ولحق
(1) فكان شريح يقول : بعد ذلك . اني ما ندمت على شيء ندامتي اني ما ضربته بالسيف بدل السوط .

45
بمكة . ولم يعد الى الكوفة (2) . وانصرف عمرو . وأهل الشام الى معوية فسلموا عليه بالخلافة . ورجع ابن عباس . وشريح بن هاني الى علي (ع) . ولما بلغ علي ما كان من أمر ابي موسى وعمرو . قال : اني كنت تقدمت اليكم في هذه الحكومة . ونهيتكم عنها . فأبيتهم الا عصياني . فكيف رأيتم عاقبة أمركم اذ أبيتم علي ؟ والله اني لأعرف من حملكم على خلافي والترك لأمري . ولو أشاء آخذه لفعلت ، ولكن الله من ورائه . وكنت أمرت به كما قال . اخو بيني خثعم .
أمرتهم أمـري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد الاضحى الغد
من دعا إلى هذه الخصومة فاقتلوه قتله الله . ولو كان تحت عمامتي هذه الا أن هذين الرجلين الخاطئين الذين اخترتموهما حكمين . قد تركا حكم الله . وحكما أنفسهما بغير حجة ولا حق معروف . فأماتا . ما أحيا القرآن . واحييا ما أماته ، وأختلف في حكمهما كلامهما . ولم يرشدهما
(2) وكان ابن عباس يقول : قبح الله ابا موسى . وامرته بالرأي فما عقل ، وكان ابو موسى يقول . قد حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكن اطمأننت اليه . وظننت انه لن يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة .

46
الله . ولم يوفقهما . فبرىء الله منهما ورسله وصالح المؤمنين . فتأهبوا للجهاد . واستعدوا للمسير . واصبحوا في عسكرهم ان شاء الله تعالى وقال : أيمن بن خزيم في أمر الحكمين مخاطباً أهل الشام (1) .
لو كان للقوم رأي يعصمـون بـه
مـن الضلال رمـوكم بابن عباس
لله در أبيـــه أيمــا رجــل
مـا مثله لفصال الخطب في الناس
لكن رموكم بشيخ مـن ذوي يمـن
لم يدر مـا ضرب اخماس لاسداس
ان يخل عمرو بـه يقذفه في لجج
يهـوى بـه النجم تيساً بين أتياس
أبلغ لديك ـ علياً ـ غيـر عاتبه
قول امرىء لا يرى بالحق من باس
مـا الاشعري بمـأمون أبا حسن
فـاعلم هديت وليس العجز كالراس
فاصدم بـصاحب الادنى زعيمهم
ان ابـن عـمك عباس هـو الاسى
(1) كان ايمن معتزلاً لمعاوية . وكان هواه أن يكون هذا الأمر لأهل العراق .

47
وقال : ابن عم لابي موسى حين شاهد شتم احدهما للآخر .
أبا موسى خدعت وكـنت شيخاً
قـريب القعـر مـدهوش الجنان
رمى عمرو . صفاتك يا بن قيس
بـأمـر لا تنـوء بـه اليـدان
وقد كنـا نجمجم عـن ظنـون
فصـرحت الظنـون عن العيان
فـعض الكف مـن ندم ومـاذا
يـرد عليـك عـضك للبنـان
وقال عمرو بن العاص لما خدع أبا موسى :
خدعت أبـا موسى خـديعة شيظم
يخادع شقباً في فلاة من الأرض (2)
فقـلت لـه أنـا كـرهنـا كليهما
فنخلعهمـا قبل التلاتل والدحض (3)
فطاوعني حتـى خـلعت اخـاهم
وصـار أخونا مستقيماً لدى القبض
وقال الراسبي : وهو من أهل حروراء ـ ندمنا على ما كان منا ومن يرد
(2) الشيظم : الطويل الجسم . الفتي من الناس والخيل والابل . والسقب ولد الناقة . (3) التلاتل : الشدائد ، والدحض الزلق والزلل .

48
ندمنا علـى ما كان منا ومن يرد
سـوى الحق لا يدرك هواه ويندم
خرجنـا على أمـر فلـم يك بينا
وبين علـي غيـر غـاب مقـوم
وضرب يزيل الهـام عن مستقره
كفـاحاً كفـاحاً بـالصفيح المصمم
فجاء علـي بالتي لـيس بعدهـا
مقـال لـذي حلــم ولا متحلـم
رمانا بمـر الحق اذ قـال جئتـم
الــي بشيـخ للأشـاعر قـشعم
فقلتم رضينا بـابن قيس ومـا لنا
رضاً غير شيخ ناصح الجيب مسلم
وقـال : ابن عباس يكـون مكانه
فقـالوا لـه لا لا إلا بـالتهجــم
فمـا ذنبـه فيـه وأنتـم دعـوتم
اليـه عليــاً بـالهوى والتقحـم
فـاصبح عبدالله بـالبيت عـائذاً
يـريد المنـى بين الحطيم وزمزم

49
( علي (ع) والحرورية )
لما رجع علي (ع) من صفين الى الكوفة ، أقام الخوارج فيها حتى اجتمعوا وخرجوا الى حروراء . فتنادوا ـ لا حكم إلا لله ـ ولو كره المشركون الا ان علياً ومعوية أشركا في حكم الله . فارسل اليهم علي (ع) عبدالله بن عباس فناظرهم وكلمهم فلم يرجعوا عما هم عليه فرجع إلى علي (ع) وأخبره بخبرهم ، فقال (ع) ما رأيتهم ؟ فقال ابن عباس والله ما أدري ما هم ، فقال (ع) : أرأيتهم منافقين . فقال ما سيماهم سيماء منافقين ان بين أعينهم لأثر السجود يتأولون القرآن . فقال (ع) دعوهم ما لم يسفكوا دماً أو يغصبوا مالاً ، قال أرباب التاريخ وكانوا اثني عشر الفاً . فخرج اليهم علي (ع) في ازار ورداء راكباً بغلته . فقيل له يا أمير المؤمنين القوم شاكون في السلاح . تخرج اليهم وأنت اعزل ، فقال (ع) انه ليس بيوم قتالهم .
50
حتى اذا وصل الى حروراء ، اجتمعوا عليه . فأول ما قال لهم . يا قوم . ليس اليوم أوان قتالكم . وستفترقون . حتى تصيروا أربعة آلاف . فتخرجون علي في مثل هذا اليوم وفي مثل هذا الشهر فأخرج اليكم بأصحابي فأقاتلكم حتى لا يبقى منكم الا دون عشرة . ويقتل من أصحابي يومئذ دون عشرة هكذا أخبرني رسول الله (ص) قال : فلم يبرح من مكانه حتى تبرأ بعضهم من بعض . وتفرقوا الى أن صاروا أربعة آلاف بالنهروان ، وكان مما قال لهم في ذلك اليوم ما هذا الذي أحدثتم وما تريدون قالوا نريد أن نخرج نحن وأنت ومن كان معنا بصفين ثلاث ليال ونتوب إلى الله من أمر الحكمين . ثم نسيرك الى معوية فنقاتله . حتى يحكم الله بيننا وبينه . فقال علي (ع) فهلا قلتم هذا حين بعثنا الحكمين . وأخذنا منهم العهد واعطينا هموه الا قلتم هذا ، قالوا كنا رأينا قد طالت الحرب علينا واشتد البأس وكثر الجراح . وكل الكراع والسلاح . فقال لهم أفحين اشتد البأس عليكم عاهدتم . فلما وجدتم الجمام قلتم ننقض العهد . ان رسول الله (ص) كان يفي للمشركين بالعهد . أفتأمرونني بنقصه . فمكثوا مكانهم لا يزال الرجل منهم يرجع الى علي (ع) والآخر يخرج من عند علي لهم ، حتى اذا جاء أحدهم ذات يوم الى المسجد وعلي (ع)
51
جالس وحوله أصحابه . فصاح ـ لا حكم إلا لله ولو كره المشركون ـ فتلفت الناس ، ثم صاح لا حكم إلا لله ولو كره المنافقون ، فرفع علي رأسه إليه ، ثم صاح الرجل ، لا حكم إلا لله ولو كره أبو حسن ، فقال (ع) ان أبا حسن لا يكره أن يكون الحكم لله . ثم قال حكم الله انتظر فيكم ، فقال له الناس هلا ملت يا أمير المؤمنين (ع) فأفنيتم ؟ فقال انهم لا يفنون وان منهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة . وذكر الطبري أيضاً . ان علياً لما دخل الكوفة . دخلها ومعه كثير من الخوارج ـ ( المحكمة ) وقد تخلف منهم في النخيلة وغيرها خلق كثير لم يدخلوا الكوفة فدخل حرقوص بن زهير السعدي . وزرعة بن برج الطائي . وهما من رؤوس الخوارج على علي (ع) فقال له حرقوص تب من خطيئتك . وأخرج بنا الى معوية نجاهده . فقال (ع) اني كنت نهيت عن الحكومة فأبيتم ثم الآن تجعلونها ذنباً اما أنها ليست بمعصية ولكنها عجز من الرأي وضعف في التدبير وقد نهيتكم عنه ، فقال له زرعة أما والله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لأقتلنك اطلب بذلك وجه الله ورضوانه . فقال له علي (ع) بؤساً لك ما أشقاك كأني بك قتيلاً تسفى عليك الرياح قال زرعة وددت انه ذلك .
52
قال : وخرج علي (ع) يخطب الناس فصاح به الخوارج من جوانب المسجد لا حكم إلا لله ، وصاح به خارجي ( ولقد أوحى اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) فقال علي (ع) ( فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) . قال وانصرفت الخوارج . وقد فارقوا الكوفة يريدون النهروان . وصاروا يعبثون في الأرض فساداً يقتلون البريء والضعيف .
53
( الخوراج في النهروان )
قال المبرد . ثم مضى القوم إلى « النهروان » . وقد كانوا ارادوا المضي الى المدائن . فمن طريف أخبارهم انهم أصابوا في طريقهم مسلماً ونصرانياً فقتلوا المسلم لأنه عندهم كافر . واستوصوا بالنصراني . وقالوا احفظوا ذمته بينكم ، ووثب رجل منهم على رطبة كانت قد سقطت من نخلة فأخذها ووضعها في فيه فصاحوا به فلفظها تورعاً ، وعرض لرجل منهم خنزير فضربه فقتله . غضبوا عليه وقالوا له هذا فساد في الأرض . وانكر واقتل الخنزير وجاء لأمير المؤمنين (ع) كتاب من قرظة بن كعب الأنصاري ، وكان أحد عماله يخبره بأن خيلاً مرت من قبل الكوفة متوجهة ، وأن رجلاً من دهاقين أسفل الفرات كان هناك وقد مروا به . فقالوا له أمسلم أنت ؟ قال الحمد لله ، فقالوا له ما تقول في علي (ع) قال : أقول أنه أمير المؤمنين وسيد
54
البشر ووصي رسول الله (ص) فقالوا له كفرت يا عدو الله . ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه بأسيافهم ، : قال . ولقيهم عبدالله بن خباب في عنقه مصحف على حمار ومعه امرأته وهي حامل ، فقالوا له ان هذا الذي في عنقك ليأمرنا بقتلك . فقال لهم ما أحياه القرآن فأحيوه . وما أماته فأميتوه ، فقالوا له حدثنا عن أبيك قال سمعت أبي يقول . قال : رسول الله (ص) ستكون بعدي فتنة يموت قلب الرجل كما يموت بدنه يمسي مؤمناً ويصبح كافراً . فكن عبدالله المقتول ولا تكون القاتل . قالوا فما تقول في أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيراً ، قالوا فما تقول في علي (ع) بعد التحكيم . وفي عثمان في السنين الست الأخيرة فأثنى خيراً قالوا فما تقول في التحكيم والحكومة . قال ان علياً أعلم بالله منكم وأشد توقياً عن دينه . وأنفذ بصيرة . فقالوا له انك لست بمتبع الهدى . انما تتبع الرجال على ايمانهم ، قال ثم قربوه إلى شاطىء النهر فأضجعوه وذبحوه ، وجاؤا الى زوجته ، وكانت حبلى فشقوا بطنها واستخرجوا جنينها فذبحوه .
55
( المنجم )
قال : وعزم علي (ع) على الخروج لحربهم ، وكان ابو أيوب الأنصاري على ميمنته فجاءه رجل منجم كان في أصحابه فقاله يا أمير المؤمنين (ع) لا تسر في هذه الساعة . وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار ، فانك ان سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد . وان سرت في الساعة التي أمرتك بها ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت ، فقال له أتدري ما في بطن فرسي هذه أذكر أم أنثى ؟؟ . قال ان حسبت علمت . فقال (ع) من صدقك بهذا فقد كذب بالقرآن . قال الله تعالى : ( ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ) ثم قال : ان محمداً (ص) ما كان يدعي علم ما أدعيت علمه . تزعم انك تهدي الى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها وتصرف عن الساعة التي يحيق
56
السوء بمن سار فيها فمن صدقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة بالله جل وعز في صروف المكروه عنه . وينبغي للموقن بأمرك ان يوليك الحمد دون الله جل جلاله . لأنك بزعمك هديته إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها . وصرته عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ضداً ونداً ، اللهم لا طير إلا طيرك . ولا ضير الا ضيرك ولا إله غيرك ثم نخالف ونسير في الساعة التي نهيتنا عنها . ثم اقبل على الناس فقال : أيها الناس . إياكم والتعلم للنجوم . إلا ما يهتدي به في ظلمات البر والبحر إنما المنجم كالكاهن والكاهن كالكافر والكافر في النار ، أما والله ان بلغني انك تعمل بالنجوم لأخلدنك السجن أبداً ما بقيت ولأحرمنك العطاء قال ثم سار في الساعة التي نهاه عنها المنجم . فظفر بأهل النهروان وظهر عليهم ثم قال . لو لم نسر في الساعة التي نهانا عنها المنجم . لقال الناس . سار في الساعة التي أمر بها المنجم فظفر وظهر . أما أنه ما كان لمحمد (ص) ولا لنا من بعده حتى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر . أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به فانه يكفي من سواه .
57
( وقعة النهروان (1) )
كانت وقعة النهروان ثالثة الوقايع في خلافة علي أمير المؤمنين (ع) بعد وقعة الجمل . وصفين . لها أهميتها في تاريخ فجر الإسلام والصدر الأول كانت تلك الوقعة بين علي أمير المؤمنين (ع) وبين طائفة يقال لهم . الخوارج . أو المارقة . أو الشراة . تلك الطائفة التي تعصبت بعصابة الجهل والغرور . وقد أظهرت الشغب والفساد في المجموعة الإسلامية حينذاك . وكان محورها شرذمة من المنافقين . من الذين يضمرون الغل على علي أمير المؤمنين (ع) دأبها النفاق والانشقاق عليه . والتخاذل
(1) النهروان بفتح النون والراء . ثلاث قوى . اعلا وأوسط وأسفل . وبين واسط وبغداد وقيل : هو النهر الذي كانت عليه الواقعة . قرب المدائن ، وكانت الواقعة في التاسع من شهر صفر سنة ثمان وثلاثين ، وصادف ذلك اليوم يوم النيروز .

58
والتخادع بين أصحابه (ع) فسمموا أفكار تلك الطائفة المغرورة بآرائها الشيطانية . حتى صارت تعتقد أنها هي الطائفة المسلمة ليس إلا . والمسلمون كلهم كفار مشركون . وصاروا الى النهروان . فمشى اليهم علي (ع) بجيشه حينذاك فوعظهم وحذرهم سوء المصير . فما رجعوا ولا ارتدعوا بل شرعوا الرماح وسلوا السيوف في وجهه (ع) وقالوا الحرب الحرب . يا علي لا نريد الا قتلك كما قتلنا عثمان ، فأفلجهم (ع) بالحجج والأدلة من الكتاب والسنة فما ازدادوا الا غياً ، فعند ذلك زحف اليهم بجيشه حتى أتى على آخرهم فملأ النهر من دمائهم والموقع من أشلائهم . وكان عددهم أربعة آلاف ولا يحيط المرك السيء ، إلا بأهله . ذكر أرباب التاريخ . انه لما وصل علي (ع) بجيشه الى ـ النهروان ـ قال : اقبل اليه رجل من أصحابه . وكان على مقدمته . يركض . وقال له : يا أمير المؤمنين (ع) البشرى . قال (ع) ما بشراك قال : ان القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك . فابشر فقد منحك الله أكتافهم . فقال (ع) الله أنت رأيتهم قد عبروا . قال نعم . فاحلفه ثلاثاً . وفي كلها يقول نعم . فقال (ع) والله ما عبروا ولن يعبروه . وان مصارعهم لدون النطفة . والذي فلق الحبة
59
وبرأ النسمة . لن يبلغوا الا ثلث ولا قصر بوران حتى يقتلهم الله . وقد خاب من افترى . قال : ثم أقبل فارس آخر يركض . فقال كقول الأول . فلم يكترث (ع) بقوله . وجاءت الفرسان كلها تركض . وتقول مثل ذلك . فقام علي (ع) واعتلى متن بغلته . قال : فقال شاب من الناس قلت في نفسي والله لأكونن قريباً منه . فان كانوا قد عبروا النهر لأجعلن سنان رمحي في صدره . أيدعي علم الغيب ولا يصدق بهذا الجمع . قال : فما انتهى علي (ع) الى النهر وجد القوم لم يعبروه . وقد كسروا جفون سيوفهم . وعرقبوا خيلهم . وجثوا على ركبهم . وتحكموا تحكيمة واحدة بصوت له زجل . قال : فنزل ذلك الشاب إلى أمير المؤمنين (ع) وقبل رجله . وقال : يا أمير المؤمنين (ع) اني قد شككت فيك آنفاً . واني تائب الى الله واليك فاغفر لي . فقال : علي (ع) ان الله هو يغفر الذنوب فاستغفره (1) . وذكر المبرد في الكامل . قال لما وافقهم علي (ع) بالنهروان . قال (ع) لأصحابه لا تبدؤهم بقتال حتى يبدؤكم . قال فحمل منهم رجل على جيش علي (ع) فقتل
(1) البحار ج الثامن طبع كمباني .

60
منهم ثلاثة . فخرج عليه علي (ع) فضربه فقتله . فلما خالطه سيفه . قال : يا حبذا الروحة الى الجنة فقال عبدالله بن وهب الراسبي والله ما أدري الى الجنة أم إلى النار ، فقال رجل منهم من بني سعد إنما حضرت اغتراراً بهذا الرجل ـ يعني عبدالله بن وهب ـ وأراه الآن قد شك واعتزل عن الحرب بجماعة من الناس . قال ومال ألف منهم إلى جهة أبي أيوب الأنصاري . وكان على ميمنة علي (ع) قال ثم استنطقهم علي (ع) بقتل ابن خباب فأقروا به . فقال (ع) انفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة فتكبتوا كتائب وأقرت كل كتيبة بما أقرت به الأخرى . من قتل ابن خباب وقالوا : لنقتلنك كما قتلناه فقال : والله لو أقر أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا وأنا أقدر على قتلهم به لقتلتهم : ثم التفت إلى أصحابه . وقال : شدوا عليهم فأنا أول من يشد عليهم ، قال ثم رفع يديه ورأسه الى السمآء وقال : اللهم اشهد ـ ثلاثاً ـ اني قد أنذرتهم . وقد أعذر من أنذر . اللهم وبك العون وإليك المشتكى . وعليك التكلان وإياك نذرأ في نحورهم . أبى القوم إلا تمادياً في الباطل ويأبى الله إلا الحق . فأين يذهب بكم عن حطب جهنم وعن طيب المغنم . التفت الى أصحابه . وقال : فاستعدوا لعدوكم فانكم غالبوهم باذن الله تعالى . ثم قرأ عليهم آخر سورة آل عمران .
61
قال : أرباب التاريخ . وحمل علي (ع) ذلك اليوم ثلاث حملات فكان في كل حملة يقتل منهم مقتلة عظيمة حتى يعوج سيفه ذا الفقار فكان (ع) يخرج من بين الجموع ويسويه بركبته . ثم يحمل ثانية . وعن جندب بن الأزدي . قال : لما فارقت الخوارج علياً (ع) وخرجنا معه فانتهينا الى معسكرهم . فاذا لهم دوي كدوي النحل وفيهم أصحاب البرانس وذوا الثفنات . فلما رأيت ذلك دخلني شك فتنحيت ونزلت عن فرسي وركزت رمحي ووضعت ترسي ونثرت عليه درعي وقمت أصلي وأنا أقول في دعائي . الله ان كان قتال هؤلاء القوم رضاً لك فأرني من ذلك ما أعرف به انه الحق . وان كان لك سخطاً فاصرف عني الشك . قال فبينا أنا على هذا ونحوه اذ أقبل علي (ع) وهو على بغلته ( وكانت بغلة رسول الله (ص) فنزل عن بغلته وقام يصلي . حتى اذا فرغ من صلوته . جاءه رجل من أصحابه فقال يا أمير المؤمنين (ع) انهم قطعوا النهر . ثم جاء آخر تشتد به دابته . فقال قطعوه وذهبوا فقال : أمير المؤمنين (ع) ما قطعوه ولن يقطعوه وليقتلن دون النطفة عهد من الله ورسوله (ص) وقال لي يا جندب . ترى التل . قلت نعم يا أمير المؤمنين (؛ ع) قال : قال حدثني (ص) أنهم يقتلون عنده . ثم قال انا نبعث رسولاً يدعوهم الى كتاب الله
62
وسنة نبيه . فيرشقونه بالنبل ويقتلونه . قال : ولما انتهينا الى القوم فإذا هم في معسكرهم لم يبرحوا ولم يترحلوا . فنادى الناس وضمهم ثم اتى الصف . وقال (ع) من يأخذ هذا المصحف فيمشي به الى هؤلاء القوم . فيدعوهم الى كتاب الله وسنة نبيه وهو مقتول وله الجنة فما أجابه أحد إلا شاب من بني عامر بن صعصعة فلما رأى حداثة سنه قال : له ارجع إلى موقفك ثم أعاد القول فما أجابه أحد إلا ذلك الشباب فقال له (ع) أما أنك مقتول قال فمشى بالمصحف حتى إذا دنا من القوم بحيث يسمعهم فناداهم فعطفوا عليه وجعلوا يرمونه بالنبل وصار وجهه كالقنفذ وحمل عليه أحدهم وضربه بسيفه فقتله فقال (ع) دونكم لاقوم قال فحملنا عليهم وقد ذهب الشك عني وقتلت بيدي ثمانية من الخوارج . هذا وقد كان حمل فارس من الخوارج في تلك الساعة . يقال له الأخنس الطائي . وكان شهد صفين مع علي (ع) فحمل وشق الصفوف يطلب علياً (ع) فبدره علي بضربة فقتله . ثم حمل ذو الثدية ليضرب علياً فسبقه علي (ع) وضربه ففلق البيضة ورأسه . ومضى به الفرس يعدوا حتى ألقاه في آخر المعركة في جرف دالية على شاطىء النهروان وخرج ابن عمه . مالك بن الوضاح . وحمل على أمير المؤمنين (ع) فضربه علي بسيفة وقتله .
63
وتقدم عبدالله بن وهب الراسبي . وصاح يا بن أبي طالب . لا نبرح من هذه المعركة أو تأتي على أنفسنا أو نأتي على نفسك . فابرز الي . وأبرز اليك . وذر الناس جانباً . فلما سمع علي (ع) كلامه تبسم . وقال : قاتله الله من رجل ما أقل حياءه أما انه ليعلم اني حليف السيف وخدين الرمح . ولكنه قد يئس من الحياة أو انه ليطمع طمعاً كاذباً . قال ثم حمل الرجل على علي (ع) وحمل علي عليه فضربه علي بسيفه وقتله ، وألحقه بأصحابه ، قال : ثم التقى الجمعان وحمي الوطيس . واشتد الجلاد . فما كانت إلا ساعة . حتى صارت ـ الحرورية ـ كرماد اشتد به الريح في يوم عاصف . هذا وقد قتل من أصحاب علي (ع) في ذلك اليوم تسعة منهم رؤبة البجلي . ورفاعة بن وايل الأرحبي . والفياض بن خليل الأزدي . وكيسوم بن سلمة الجهني . وحبيب بن عاصم الأزدي وأربعة آخرون رضي الله عنهم . قال الراوي : قال علي (ع) في ذلك اليوم بعد أن أفنى القوم اطلبوا ذا الثدية . فطلبوه فلم يجدوه . فقال (ع) اطلبوه . فوالله ما كذبت ولا كذبت ثم قام (ع) وركب بغلته ـ وهي بغلة رسول الله (ص) ومضى نحو القتلى . فقال : اقلبوا هذه الأشلاء فقلبوا تلك الجيف ونحوها جانباً . حتى عثروا عليه فاستخرجوه . فإذا هو
64
حبشي . احدى عضديه مثل ثدي المرأة عليه شعرات كسبال السنور . فكبر (ع) وكبر الناس معه . ثم سجد (ع) شكراً ولما رفع رأسه من السجود قال : الحمد لله الذي عجل بك إلى النار ، وقال : هذا شيطان لولا أن تتكلموا لحدثتكم بما أعد الله على لسان نبيكم لمن قاتل هؤلاء . قال أرباب التاريخ وما أفلت من ـ الخوارج ـ في ذلك اليوم الا تسعة أنفار ، هرب رجلان الى خراسان وأرض سجستان . وبها نسلهما ، وهرب رجلان الى بلاد عمان وبها نسلهما ، وهرب رجلان إلى اليمن وفيها نسلهما ، ورجلان صارا الى بلاد الجزيرة . بموضع يعرف بالسن والبوازيخ (1) . وصار الآخر منهم إلى تل موزن . قال : المؤرخون وحصل أصحاب علي (ع) على غنائم كثيرة في ذلك اليوم .
(1) السن : بلد على الدجلة ، البوازيخ . بلد . قريب تكريت ( القاموس ) .
( عبدالله بن خباب )
هو عبدالله بن خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد من بني سعد بن زيد مناة بن تيم ، وأصاب خباباً سباء في الجاهلية . فصار الى أم أنمار بنت سباع الخزاعية حلفاء بني زهرة بن كلاب فأعتقته . بحذف السند عن رجل من عبد القيس . قال : كان عبدالله مع الخوراج ثم فارقهم ، قال : ودخلوا ـ أي الخوارج ـ قرية . فخرج عليهم عبدالله بن خباب ذعراً قالوا لن ترع . قال : والله لقد رعتموني . قالوا لن ترع . قال والله لقد رعتموني . قالوا : أنت عبدالله بن خباب صاحب رسول الله (ص) قال نعم قالوا فهل سمعت من أبيك حديثاً يحدثه عن رسول الله (ص) تحدثنا به قال نعم سمعت أبي يحدث عن رسول الله (ص) ذكر فتنه . القاعد فيها خير من القائم . والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي . قال فان أدركت ذلك فكن عبدالله المقتول .

66
قال ابو أيوب . ولا اعلمه الا قال ولا تكن عبدالله القاتل قالوا سمعت هذا من ابيك يحدثه عن رسول الله (ص) : قال نعم . قال فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل أحمر ( فامذقر (1) وبقروا بطن أم ولده فبهذا استحل علي (ع) قتالهم (2) .
(1) ذكر المبرد في الكامل هذا الحديث . قال فأخذوه وقربوه الى شاطىء النهر فذبحوه . فامذقر دمه اي جرى مستطيلاً متفرقاً هكذا رواه بغير حرف . (2) طبقات ابن سعد الكبرى ج5 ص182 طبع ليدن .

67
( وقعة النخيلة )
قال ابو العباس بعد ان . فارق جماعة من الخوارج عبدالله بن وهب ، ولجأ بعضهم يوم النهروان الى راية ابي أيوب الأنصاري . والبعض الذي تخلف منهم بالكوفة لم يخرجوا الى النهروان . اجتمع هؤلاء كلهم وتواصوا فيما بينهم . وتعاضدوا وتأسفوا على خذلانهم أصحابهم بالنهروان . وكان خطيبهم يؤمئذ المستورد . من بني سعد بن زيد مناة ، وخرجوا الى النخيلة . فوجه اليهم علي بن أبي طالب (ع) ابن عمه عبدالله بن العباس داعياً فقالوا له يا بن عباس اذا كان علي (ع) على حق لم يشكك فيه . وحكم مضطراً فما باله حيث ظفر لم يسب فقال لهم ابن عباس قد سمعتم الجواب في التحكيم فأما قولكم في السباء أفكنتم سابين أمكم عائشة . فوضعوا أصابعهم في آذانهم وقالوا أمسك عنا غرب لسانك يا بن عباس . فانه طلق ذلق غواص على موضع الحجة ، قال : وأبوا الا الإنشقاق .
68
فلما رأى ابن عباس ذلك رجع الى أمير المؤمنين (ع) وأخبره . قال : ولما أراد علي المسير اليهم . جاءه عفيف بن قيس . وقال له يا أمير المؤمنين (ع) لا تخرج في هذه الساعة . فانها ساعة نحس لعدوك عليك فقال له (ع) توكلت على الله وحده . وعصيت رأي كل متكهن . انت تزعم أنك تعرف وقت الظفر من وقت الخذلان ( اني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم ) . ثم سار اليهم فطحنهم جميعاً لم يفلت منهم إلا خمسه . منهم المستورد ابن جوين الطائي (1) وفروة بن شريك الأشجعي ، وهم الذي ذكرهم الحسن البصري . فقال دعاهم الى دين الله . فجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم . وأصروا واستكبروا استكباراً فسار اليهم أبو حسن فطحنهم طحناً . وفيهم يقول عمران بن حطان الفاسق .
(1) خرج المستورد هذا بعد ذلك على المغيرة بن شعبة وهو وإلى الكوفة فوجه إليه معقل بن قيس الرياحي . فاستدعاه المستورد إلى المبارزة وقال له علام يقتل الناس بيني وبينك . فقال له معقل النصف سألت فأقسم عليه أصحابه فقال ما كنت لا أبى عليه . فاختلفا بضربتين فخر كل واحد منها ميتاً .

69
اني اديـن بمـا دان الشراة بـه
يوم النخيلة عند الجوسق الخرب
وقال الحميري رحمه الله يعارض هذا المذهب المزيف .
اني أدين بمـا دان الوصي بـه
يوم النخيلة مـن قتل المحلينـا
وبالذي دان يوم النهر دنت بـه
وشـاركت كفـه كفـي بصفينا
تلك الدماء معا يا رب في عنقي
ومثلهـا فاسقني آمين آمينا (2)
(2) الكامل للمبرد . ج2 ص148 و149 طبع المكتبة التجارية .

70
( أحاديث تروى عن عائشة )
ذكر احمد بن مردويه في مناقبه . عن أبي اليسر الأنصاري . عن ابيه . قال دخلت على أم المؤمنين عايشة . قال : فقالت : من قتل الخارجية ؟ قلت قتلهم علي (ع) . قالت ما يمنعني الذي في نفسي على علي (ع) ان أقول الحق سمعت رسول الله (ص) يقول : يقتلهم خير امتي من بعدي . وسمعته يقول علي مع الحق . والحق مع علي (ع) . وعن مسروق ، قال : قالت لي عائشة . يا مسروق . انك من أكرم بني علي وأحبهم الي فهل ، عندك علم من ـ المخد ـ (1) ؟ قال قلت : نعم . قتله علي (ع) على نهر يقال لأسفله ـ تامراء وأعلاه النهروان . بين
(1) المخدج . . هو ناقص الخلقة ـ النهاية .

71
أخاقيق (2) وطرفاء ، قال : فقالت : فائتني معك بمن يشهد في ذلك ، فاتيتها بسبعين رجلاً فشهدوا عندها أن علياً (ع) قتله على نهر يقال لأسفله تامراء وأعلاه النهروان ، بين أخاقيق وطرفاء . فقالت لعن الله عمرو بن العاص فانه كتب الي انه قتل على نيل مصر ، قال : فقلت لها : يا ام اخبريني اي شيء سمعت من رسول الله (ص) يقول فيهم . قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق وأقربهم عند الله وسيلة يوم القيامة .
(2) الأخاقيق شقوق الأرض .

72
( مقتل الإمام علي (ع) )
خرجت طائفة من الخوارج بعد واقعة النخيلة الى مكة فوجه معوية بن ابي سفيان من يقيم الحج للناس . فناوشه هؤلاء الخوراج . فبلغ معاوية ذلك فوجه بسر بن أرطأة . على عسكر له فتوافقوا وتراضوا بعد الحرب بأن يصلي بالناس رجل من بني شيبة لئلا يفوت الناس الحج . فلما انقضى الحج نظرت الخوارج في أمرها . وقالوا ان علياً ومعاوية قد أفسدا أمر هذه الأمة فلو قتلناهما لعاد الأمر الى حقه . وقال رجل من أشجع والله ما عمرو دونهما . وانه لأصل هذا الفساد . فقال عبد الرحمن بن ملجم . انا اقتل علياً . فقالوا وكيف لك به . قال اغتاله . فقال الحجاج بن عبدالله الصريمي . وهو البرك . وأنا اقتل معاوية . وقال راذويه مولى بني العنبر بن عمرو بن تميم . وأنا اقتل عمرواً . فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة فجعلوا تلك الليلة . ليلة احدى وعشرين من
73
شهر رمضان (1) فخرج كل واحد منهم الى ناحية . فأتى ابن ملجم الكوفة فأخفى نفسه وتزوج بامرأة عاهر . يقال لها قطام بنت علقمة من تيم الرباب . وكانت خارجية وكانت . قد طلبت منه الصداق وهو ثلاثة آلاف درهم وعبد وأمة . ثم قالت له لا أقنع منك إلا بقتل علي بن ابي طالب (ع) فقال لها لك ما سألت . فكيف لي به . قالت تروم ذلك غيلة . فان سلمت ارحت الناس من شر . وأقمت مع أهلك . وان أصبت سرت إلى الجنة ونعيم لا يزول فانعم لها . وفي ذلك يقول :
ثـلاثـة آلاف وعبـد وقينــة
وقتـل علـي بالحسـام المسمم
فلا مهر اغلى من علي وان غلا
ولا فتك الا دون فتـك ابن ملجم
قال : فأقام ابن ملجم عندها . ثم قالت له بعد أيام الا تمضي لما قصدت لشد ما أحببت أهلك . قال اني وعدت صاحبي وقتاً بعينه . وكان هناك رجل من أشجع يقال له شبيب . فواطأه عبد الرحمن على ما أضمره ، : فلما كانت ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان . خرج ابن ملجم
(1) وهناك اختلاف في الليلة . يروى جعلوا لليلة تسعة عشر من شهر رمضان .

74
وشبيب الأشجعي . فاعتورا الباب الذي يدخل منه علي (ع) وكان مغلساً ويوقظ الناس للصلاة . فخرج كما كان يفعل فضربه شبيب فأخطأه . وأصاب سيفه الباب وربه ابن ملجم على رأسه فقال علي (ع) فزت ورب الكعبة (1) شأنكم بالرجل ، يروى عن بعض من كان بالمسجد من الأنصار . قال سمعت كلمة علي (ع) ورأيت بريق السيف . فأما ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه فأفرجوا له . وتلقاه المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب بقطيفة فرمى بها عليه واحتمله فضرب به الأرض . وكان المغيرة أيداً فقعد على صدره . وأما شبيب فانتزع السيف منه رجل من حضرموت وصرعه وقعد على صدره . وكثر الناس فجعلوا يصيحون صاحب السيف فخاف الحضرمي ان يكبوا عليه . ولا يسمعوا عذره فرمى بالسيف . وانسل شبيب بين الناس ، وجيىء بعبد الرحمن
(1) هذه رواية المبرد . أما الأخبار الواردة والمعول عليها . هو ان ابن ملجم كان قد أخفى سيفه تحت ثيابه . حتى اذا صلى علي (ع) في محرابه صلاة الفجر . قام إليه ووقف خلف الأسطوانة حتى اذا سجد السجدة الأولى ورفع رأسه من السجود أهوى بالسيف عليه فشق رأسه الى موضع سجوده فصاح علي (ع) فزت ورب الكعبة . قتلني اللعين ابن اليهودية . ثم جعل يأخذه التراب ويضعه على الجرح وهو يقول : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى الخ .

75
بين أناس يقودونه . فأمر علي (ع) بسجنه فسجن . فقال علي (ع) ان أعش فالأمر الي وان أصب فالأمر لكم . فان آثرتم أن تقتصوا فضربة بضربه . وان تعفوا أقرب للتقوى قال الراوي . وسمع ابن ملجم الرنة من الدار فقال له من حضره أي عدو الله انه لا بأس على امير المؤمنين (ع) فقال أعلى من تبكي أم كلثوم . أما والله لقد اشتريت سيفي بألف درهم وما زلت أعرضه فما يعيبه أحد الا أصلحت ذلك العيب ولقد أسقيته السم حتى لفظه . ولقد ضربته ضربة لو قسمت على من بالمشرق والمغرب لأتت عليهم (2) . وقضى صلوات الله وسلامه عليه في آخر اليوم الثالث في الواحد والعشرين من شهر الله سنة أربعين من الهجرة . ورثاه ابو زبيد الطائي :
ان الكرام على ما كان من خلق
رهط امرىء خاره للدين مختار
طب بصير باضغان الرجال ولم
يعـدل بحبـر رسول الله احبار
وقطرة قطرت اذ حان موعدها
وكـل شيء لـه وقـت ومقدار
حتى تنصلها في مسجد طهـر
على امام هدى ان معشر جاروا
(2) الكامل للمبرد ج2 ص128 ، طبع المكتبة التجارية .

76
حمت ليدخل جنات ابو حسن
وأوجبت بعـده للقاتل النـار
وقال الكميت رحمه الله :
والوصي الذي أمال التجــو
بي به عرش امــة لانهدام
قتلـوا يـوم ذاك اذ قتلــوه
حكماً لا كغـابـر الحكــام
الإمام الزكي والفارس المعـ
ـلم تحت العجاج غير الكهام
راعيـاً كـان مسجعاً ففقدنـا
ه وفقد المسيم هلك السوام (1)
(1) أما صاحب معاوية . وهو الحجاج بنت عبدالله الصريمي ـ البرك ـ فانه جاء الى معاوية وهو يصلي فأصاب مأكمته . وكان معاوية عظيم الاوراك . فقطع منه عرقاً يقال له عرق النكاح . فلم يولد لمعاوية بعد ذلك ولد ، فلما ألقى القبض على البرك وجيء به الى معاوية . صاح الأمان والبشارة . قتل علي (ع) في هذه الصبيحة . فاستؤني به حتى جاء الخبر فقطع معاوية يديه ورجليه . وأمر معاوية . بعد هذا الحادث باتخاذ المقصورة . وأما صاحب عمرو بن العاص ، وهو ـ زاذويه . فانه أرصد لعمرو . وكان عمرو قد اشتكى تلك الليلة بطنه فلم يخرج للصلاة . وأمر خارجة ـ وهو رجل من رهطه ـ أن يخرج للصلاة . فجاء الرجل وضربه فقتله . ولما ألقى القبض عليه وأدخل على عمرو . سمع الناس يخاطبونه بالأمرة . قال أوما قتلت عمرواً ؟ قيل له انما قتلت خارجة . فقال أردت عمرواً والله أراد خارجة . فقال الشاعر . :
فليتها اذا فدت عمرواً بـخارجة
فدت علياً بمن شاءت من البشر

77
( الخوارج ومعوية )
قال : ابو العباس . وخرج من الخوارج على معاوية بعد قتل علي (ع) حوثرة الأسدي . وحابس الطائي . خرجا في جمعهما . فصادراً الى موضع أصحاب النخيلة . ومعاوية يومئذ بالكوفة . قد دخلها عام الجماعة . وكان الحسن بن علي (ع) قد خرج يريد المدينة . فوجه اليه معاوية ـ وقد تجاوز في طريقه ـ يسأله . أن يكون المتولي لمحاربة الخوارج . فكان جواب الحسن . والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين . وما أحسب ذلك يسعني افأقاتل عنك قوماً أنت والله أولى بالقتال منهم ، قال ابن ابي الحديد وهذا موافق لقول ابيه لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه مثل من طلب الباطل فأدركه . وهو الحق الذي لا يعدل عنه ، قال ابن ابي الحديد . وبه يقول أصحابنا فان الخوراج عندهم أعذر من معاوبة . وأقل ضلالاً . ومعاوية أولى بأن يحارب منهم .
78
قال : ابو العباس . فلما رجع الجواب ـ اي جواب الحسن (ع) ارسل الى حوثرة الأسدي أباه . وقال له اذهب فاكفني أمر ابنك . فصار اليه ابوه فدعاه الى الرجوع فأبى فاداره فصمم ، فقال يا بني اجيك بابنك فلعلك تراه فتحن اليه . فقال : يا أبت انا والله الى طعنة نافذة انقلب فيها على كعوب الرمح أشوق مني الى ابني فرجع إلى معاوية فأخبره . فقال يا أبا حوثرة لقد عتى هذا جداً . ثم وجه اليه جيشاً اكثره أهل الكوفة . فلما نظر اليهم حوثرة . قال : لهم يا اعداء الله . أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه . وانتم اليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه . فخرج اليه ابوه فدعاه الى البراز . فقال يا أبت لك في غيري مندوحة . ولي في غيرك مذهب . ثم حمل على القوم وهو يقول :
اكرر على هذي الجموع حوثرة
فـعن قـليل ستنـال المغفـرة
فحمل عليه رجل من طي فقتله .
79
[ الخوارج وابن زياد ]
نكل ابن زياد بالخوارج أشد تنكيل . اذ أنهم اقلقوه وراحوا يقاومونه بكل قواهم . حتى ملىء السجون بهم وقتلهم وصلبهم . فكانوا لا يزدادون الا شدة وتعصباً ، وعندما قتلوا قائد جيشه عباد بن أدية . انزل عليهم سخطه . وجد في استأصالهم ولم يترك في القوس مدفعاً في أمرهم . غير انه لم يحصل على بغيته ، وكانوا لا يتقاعسون عن أخذ ثأر قتيل لهم حتى يطلبوا القاتل فيقتلوه أياً كان . ولن يفوتهم ثأر قط ، قال : أبو العباس . وأكثرهم لم يكن يبالي بالقتل وشيمتهم استعذاب الموت والاستهانة بالمنية . قال أبو العباس كان قتل عباد ، وعبيد الله بن زياد بالكوفة وخليفته على البصرة عبيد الله بن أبي بكرة ، فكتب
80
اليه يأمره أن لا يدع أحداً يعرف بهذا الرأي الا حبسه (1) ، قال : فجد ابن ابي بكرة في طلب من تغيب عنه وجعل يتبعهم ويأخذهم . فاذا شفع اليه في أحد منهم كفله الى ان يقدم به علس ابن زياد . حتى أتوه بعروة بن اذينة فأطلقه وقال أنا كفيلك . فلما قدم ابن زياد أخذ من في الحبس فقتلهم جميعاً وطالب الكفلاء بمن كفلوا به فكل من جاء بصاحبه اطلقه وقتل الخارجي . ومن لم يأت بمن كفل به منهم قتله . ثم قال ابن زياد . لأبي بكرة هات عروة بن اذينة . قال : لا اقدر عليه قال : اذا والله اقتلك فانك كفيله . فلم يزل يطلبه حتى دل عليه في سرب العلاء بن موتة المنقري : فكتب بذلك إلى عبيد الله بن زياد فقرء عليه كتابه فقال انا قد أصبناه في سرب العلاء ولوددت انه كان ممن شرب النبيذ . فلما أقيم عروة بين يديه قال : لم جهزت أخاك علي يعني أبا بلال ؟ فقال والله لقد كنت به ضنيناً ، وكان لي عزاء ولقد أردت له ما أريد لنفسي فعزم عزماً فمضى عليه . وما احب لنفسي الا المقام وترك
(1) قيل ان ابن زياد كان قد حبس من الخوارج زهاء اربعماءة ولما هلك يزيد اطلقهم من السجن وكان يروم البيعة لنفسه فمن جملة من افسد عليه امره هؤلاء الخوارج .

81
الخروج . فقال له : أفأنت على رأيه . قال كنا نعبد رباً واحداً . قال : أما والله لأمثلن لك . قال اختر لنفسك من القصاص ما شئت فأمر به فقطعوا يديه ورجليه . ثم قال كيف ترى قال : افسدت علي دنياي . وأفسدت عليك آخرتك . قال فأمر بصلبه على باب داره . قال : أبو العباس : كان ابو الوازع الراسبي من مجتهدي الخوارج وهذا ابو وازع اشترى سيفاً . وأتى صيقلاً ، كان يذم الخوارج ويدل على عوراتهم . فشاوره في السيف فحمد ثم اشحذه فشحذه حتى اذا رضيه خبط به الصيقل فقتله . وحمل على الناس فهربوا منه حتى أتى مقبرة بني يشكر . فدفع عليه رجل حايطاً ستره فشدخه . وأمر ابن زياد بصلبه فصلب .
82
[ الخوراج وابن الزبير ]
لما هلك يزيد بن معاوية اجتمع الخوارج فيما بينهم وتذاكروا أمر ابن الزبير وقالوا ندخل على هذا الرجل فننظر ما عنده فان قدم أبا بكر وعمر وبرىء من عثمان ومن علي وكفر أباه وطلحة بايعناه . وان تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده فتشاغلنا بما يجدي علينا . قال فدخلوا على ابن الزبير وهو متبذر وأصحابه متفرقون عنه . فقالوا انا جئناك لتخبرنا رأيك فان كنت على الصواب بايعناك . وان كنت على غيره دعوناك الى الحق ما تقول في الشيخين . قال خيراً . قالوا ما تقول في عثمان الذي احمى الحمى وآوى الطريد وأظهر لأهل مصر شيئاً وكتب بخلافه وأوطأ آل أبي معيط رقاب الناس وآثرهم بفيىء المسلمين وفي الذين بعده ـ أي علي بن ابي طالب (ع) ـ الذي حكم في دين الله الرجال وأقام علي (ع) غير تائب ولا نادم ، وفي ابيك وصاحبه وقد بايعا علياً . وهو امام عادل مرضي لم يظهر منه كفر . ثم نكثا
83
بعرض من أعراض الدنيا وأخرجا عائشة تقاتل وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن في بيوتهن . وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة فان أنت قلت كما نقول فلك الزلفة عند الله والنصر على ايدينا ونسأل الله لك التوفيق . وان أبيت الا نصر رأيك الأول وتصويب ابيك وصاحبه . والتحقيق بعثمان والتولي وفي السنين الست التي أحلت دمه ونقضت أمره وأفسدت إمامته خذلك الله وانتصر منك بأيدينا . قال ابن الزبير ان الله أمر وله العزة والقدرة في مخاطبة اكفر الكافرين واعتى العتاة بأرأف من هذا القول . فقال لموسى ولأخيه صلى الله عليهما في فرعون : ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) (1) . وقال رسول الله (ص) لا تؤذوا الأحياء بسبب الموتى ، فنهى عن سب ابي جهل من أجر عكرمة ابنه . وأبو جهل عدو الله وعدو الرسول والمقيم على الشرك والجاد في المحاربة والمتبغض الى رسول الله (ص) قبل الهجرة والمحارب له بعدها وكفى بالشرك ذنباً . وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبى أن تقولوا أتبرأ من الظالمين ؟ فان كانا منهم دخلاً في غمار الناس وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسب أبي وصاحبه . وأنتم تعلمون ان الله جل وعز . قال للمؤمن
(1) سورة طه .

84
في أبويه ( وان تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ) . وقال جل ثناؤه ( وقولوا للناس حسناً ) وهذا الذي دعوتهم اليه أمر له ما بعده وليس يقنعكم الا التوقيف والتصريح ولعمري ان ذلك لأحرى بقطع الحجج وأوضح لمنهاج الحق . وأولى بأن يعرف كل صاحبه من عدوه . فروحوا الي من عشيتكم هذه اكشف لكم ما أنا عليه ان شاء الله . قال الراوي فلما كان العشي راحوا اليه فخرج اليهم وقد لبس سلاحه فلما رأى ذلك ـ نجدة ـ قال : هذا خروج منا بذلكم فجلس على رفع من الأرض وخطبهم وأثنى على ابي بكر وعلى عمر وعلى عثمان فلما سمعوا ذلك منه تفرقوا عنه .
85
[ وقعة دولاب ]
اجتمع الخوارج بالأهواز . ورئيسهم يومئذ نافع بن الأزرق الحنفي ، وصاروا يقتلون الأطفال . ويريعون النساء . فارتاع لذلك أهل البصرة . فاجتمعوا الى الأحنف بن قيس فشكوا ذلك اليه . وقالوا ليس بيننا وبين العدو الا ليلتان . وسيرتهم ما ترى فقال الأحنف . ان فعلهم في مصركم ان ظفروا به كفعلهم في سوادكم فجدوا في جهاد عدوكم . فاجتمع اليه عشرة آلاف . فأتى عبدالله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبدالمطلب وهو ( ببة ) . فسأله ان يؤمر عليهم فاختار لهم ابن عبيس ابن كريز . وكان ديناً شجاعاً . فأمره عليهم وشيعه . فلما نفد من جسر البصرة أقبل على الناس . فقال اني ما خرجت لأمتار ذهب ولا فضة واني لأحارب قوماً ان ظفرت بهم فما ورآءهم الا سيوفهم ورماحهم فمن كان شأنه الجهاد فلينهض ومن أحب الحياة فليرجع فرجع نفر يسير ومضى الباقون معه . فلما
86
صاروا . بدولاب . خرج اليهم نافع فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى تكسرت الرماح وعقرت الخيل وكثرت الجراح والقتل وتضاربوا بالسيوف والعمد ، فقتل في المعركة ابن عبيس ونافع بن الأزرق . وكان ابن عبيس تقدم الى أصحابه . فقال ان اصبت . فأميركم الربيع بن عمر . والأجدم الغداني . فلما أصيب بن عبيس اخذ الربيع الراية . وكان نافع قد استخلف عبيد الله بن بشير بن الماحوز السليطي فكان الرئيسان من بني يربوع رئيس المسلمين من بني غدانة بن يربوع ورئيس الخوارج من بني سليط بن يربوع . فاقتتلوا قتالاً شديداً . فلم يزل الربيع بن الأجذم يقاتلهم نيفاً وعشرين يوماً . حتى قال : يوماً أنا مقتول لا محالة . قالوا وكيف قال لأني رأيت البارحة كأن يدي التي أصيبت بكابل انحطت من السماء فاستشلتني (1) فلما كان الغد قاتل الى الليل . ثم غاداهم فقتل فتدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب . اذ لم يكن لهم رئيس . ثم اجمعوا على الحجاج بن باب الحميري . فأباها . فقيل له ألا ترى ان رؤساء العرب بالحضرة وقد اختاروك من بينهم ؟ فقال : مشؤمة ما يأخذها أحد الا قتل . ثم أخذها فلم يزل يقاتل
(1) استشلتني . اي اخذتني اليها .

87
الخوارج بدولاب والخوارج اعد بالألات والدروع والجواشن . فالتقى الحجاج بن باب : وعمران بن الحرث الراسبي وذلك بعد ان اقتتلوا ، زهاء شهر فاختلفا بضربتين فسقطا ميتين .
88
[ حروب أهل البصرة مع الخوراج ]
قال الراوي . وكره ( ببة ) القتال ، وأقام حارثة بن بدر القداني بازاء الخوارج يناوشهم على غير ولاية . وكان يقول ما عذرنا عند اخواننا من أهل البصرة ان وصل اليهم الخوارج ونحن دونهم فكتب اهل البصرة الى ابن الزبير يخبرونه بقعود ( ببة ) ويسألونه ان يولي والياً فكتب الى أنس بن مالك أن يصلي بالناس فصلى بهم أربعين يوماً وكتب إلى عمر بن عبيد الله بن معمر فولاه البصرة فلقيه الكتاب وهو يريد الحج وهو في بعض الطريق فرجع فأقام بالبصرة . وولى اخاه عثمان محاربة الأزارقة . فخرج اليهم في اثني عشر الفاً ولقيه حارثة فيمن كان معه وعبيد الله بن الماحوز في الخوارج بسوق الأهواز . فلما عبروا اليهم دجيلا نهض اليهم الخوارج . وذلك قبيل الظهر فقال عثمان بن عبيد الله لحارثة بن بدر . أما الخوارج الا ما أرى فقال له حارثة حسبك بهؤلاء . فقال لا جرم والله لا اتغدى حتى
89
أناجزهم . فقال له حارثة ان هؤلاء لا يقاتلون بالتعسف فابق على نفسك وجندك . فقال أبيتم أهل العراق الا جبناً وانت يا حارثة ما علمك بالحرب انت والله بغير هذا أعلم ـ يعرض له بالشراب ـ فغضب حارثة فاعتزل . وحاربهم عثمان يومه الى ان غابت الشمس فأجلت الحرب عنه قتيلاً . وانهزم الناس وأخذ حارثة الراية . وصاح بالناس انا حارثة بن بدر . فثاب اليه قومه فعبر بهم دجيلاً . وبلغ فل عثمان البصرة وخاف الناس الخوارج خوفاً شديداً . وعزل ابن الزبير عمر بن عبيد الله وولى الحرث بن عبدالله بن ابي ربيعة المعروف بالقباع احد بني مخزوم . وهو اخو عمر بن عبدالله بن ابي ربيعة المخزومي الشاعر ، فقدم البصرة . فكتب اليه حارثة بن بدر يسأله الولاية والمدد . فاراد أن يوليه فقال له رجل من بكر بن وايل . ان حارثة ليس بذلك . انما هو صاحب شراب فكتب اليه القباع تكفي حربهم انشاء الله فأقام حارثة يدافعهم حتى تفرق عنه الناس ، واقام بنهر تيري فعبرت اليه الخوارج فهرب وأصحابه حتى أتى دجيلاً فجلس في سفينة واتبعه جماعة من أصحابه كانوا معه . وأتاه رجل من بني تميم وعليه سلاحه والخوارج وراءه . وقد توسط حارثة فصاح به يا حارث ليس مثلي ضيع . فقال للملاح قرب فقرب الى جرف ولا فرصة هناك فطفر بسلاحه في السفينة فساخت بالقوم جميعاً . وأقام ابن
90
المأحوز يجبي كور الأهواز ثلاثة اشهر . ثم وجه الزبير بن علي نحو البصرة فضج الناس الى الأحنف فأتى القباع فقال أصلح الله الأمير ، ان هذا العدو قد غلبنا على سوادنا وفيئنا فلم يبق الا أن يحصرنا في بلدنا حتى نموت هزلا . قال فسموا رجلاً فقال أحنف الرأي ما يخيل ما أرى لها الا المهلب بن أبي صفرة . فقال أو هذا رأي جميع أهل البصرة اجتمعوا الي في غد . وجاء الزبير حتى نزل الفرات وعقد الجسر ليعبر الى ناحية البصرة . فخرج اكثر أهل البصرة اليه . وقد اجتمع للخوارج أهل الأهواز وكورها رغبة ورهبة . فأتاه البصريون في السفن وعلى الدواب ورجالة ، فاسودت بهم الأرض فقال : الزبير لما رآهم أبى قومنا الا كفراً . فقطعوا الجسر وأقام الخوارج بالفراق بازائهم . واجتمع الناس عند القباع وخافوا الخوارج خوفاً شديداً . وكانوا ثلاث فرق فسمى قوم المهلب . وسمى قوم مالك بن مسمع . وسمى قوم زياد بن عمرو بن الاشرف العتكي . فصرفهم . ثم اختبر ما عند مالك وزياد فوجدهما متثاقلين عن ذاك . ثم اختبر ما عند مالك وزياد فوجدهما متثاقلين عن ذاك . وعاد اليه من أشار بهما . وقالوا قد رجعنا عن رأينا ما نرى لها الا المهلب . فوجه الحرث اليه فأتاه فقال له يا أبا سعيد . انا والله ما آثرناك بها . ولكننا لم نر من يقوم مقامك فقال له الحرث . وأومأ الى الأحنف ان هذا الشيخ لم يسمك الا ايثاراً للدين . وكل من في مصرك ماد عينيه
91
اليه راج أن يكشف الله عز وجل هذه الغمة بك . فقال : المهلب لا حول ولا قوة إلا بالله اني عند نفسي لدون ما وصفتم . ولست آبيا ما دعوتم اليه على شروط اشترطها . قال الأحنف قل : قال على أن أنتخب من احببت . قال ذاك لك . قال : ولي امرة كل بلد أغلب عليه . قال وذاك لك . قال : ولي فيىء كل بلد اظفر به . . قال : الأحنف ليس ذاك لك ولا لنا انما هو فيىء المسلمين . فان سلبتهم اياه كنت عليهم كعدوهم . ولكن لك أن تعطي أصحابك من فيىء كل بلد تغلب عليه ما شئت . تنفق على محاربة عدوك . فما فضل عنكم كان للمسلمين . فقال المهلب فمن لي بذلك . قال : الأحنف نحن وأميرك وجماعة أهل مصرك . قال : قد قبلت . فكتبوا بذلك كتاباً . ووضع على يدي الصلت بن حريث بن جابر الحنفي . وانتخب المهلب من جميع الأخماس فبلغت نخبته اثني عشر الفاً . ونظروا ما في بيت المال فلم يكن إلا مأتي الف درهم فعجزت . فبعث الملهب الى التجار . ان تجارتكم مذحول قد كسدت عليكم بانقطاع مواد الأهواز وفارس عنكم . فهلم فبايعوني واخرجوا معي أو فكم انشاء الله حقوقكم فتاجروه فأخذ من المال ما يصلح به عسكره . واتخذ لأصحابه : الخفاتين . والرانات . المحشوة بالصوف . ثم نهض وأكثر أصحابه رجاله . حتى اذا صار بحذاء القوم أمر بسفن فاحضرت
92
وأصلحت ، فما ارتفع النهار حتى فرغ منها . ثم أمر الناس بالعبور الى الفرات . وأمر عليهم ابنه المغيرة فخرج الناس . فلما قاربوا الشاطىء فحاربوهم فكشفوهم وشغلوهم حتى عقد المهلب الجسر وعبر والخوارج منهزمون فنهى الناس عن أتباعهم . ففي ذلك يقول الأزدي .
ان العراق واهلـه لـم يخبروا
مثل المهلب في الحروب فسلموا
أمضى وايمن فـي اللقاء نقيبة
واقـل تهليلاً اذا مـا أحجمـوا
[ وقائع المهلب والخوارج ]
قال : المبرد . لما انهزم الخوارج من المهلب . اقام المهلب اربعين يوماً بكور دجلة ، والخوارج بنهر تيري . والزبير بن علي منفرد بعسكره عن عسكر ابن الماحوز . وهناك قضى المهلب التجار واعطى أصحابه فاسرع اليه الناس رغبة مجاهدة الخوارج ، ثم صار المهلب الى نهر تيري فتنحوا عنه الى الأهواز . وأقام المهلب يجبي ما حواليه من الكور . قال : : ودس المهلب الجواسيس الى عسكر الخوارج فأتوه بأخبارهم ومن في عسكرهم . فاذا حشوة ما بين قصار . وصباغ وداعر وحداد . فخطب المهلب الناس . فذكر من هناك . وقال للناس امثل هؤلاء يغلبونكم على فيئكم . فلم يزل مقيماً حتى فهمهم أمره وقوى أصحابه وكثرت الفرسان في عسكره وتتام اليه زهاء عشرين الفاً . ثم مضى يؤم الأهواز . واستخلف اخاه ـ المعارك ـ بن ابي
94
صفرة على نهر تيري ، وفي مقدمته المغيرة بن المهلب . حتى قاربهم المغيرة فناوشوه فانكشف عنه بعض أصحابه . وثبت المغيرة بقية يومه وليلته يوقد النيران . ثم غاداهم القتال . فاذا القوم قد أوقدوا النيران . في ثقلة متاعهم . وارتحلوا عن سوق الأهواز . فدخلها المغيرة . وقد جاءت اوائل خيل المهلب . فأقام بسوق الأهواز . وكتب بذلك الى الحرث بن عبد الله بن أبي ربيعة كتاباً يقول فيه . بسم الله الرحمن الرحيم . اما بعد فانا منذ خرجنا نؤم هذا العدو في نعم من الله متصلة علينا . ونقمة من الله متتابعة عليهم . نقدم ويحجمون ونحل ويرتحلون الى أن حللنا سوق الأهواز . والحمد لله رب العالمين الذي ما عنده النصر وهو العزيز الحكيم ، فكتب اليه الحرث هنيئاً لك أخا الأزد الشرف في الدنيا والذخر في الآخرة ان شاء الله . فقال : المهلب لأصحابه ما أجفى أهل الحجاز أما ترونه يعرف اسمي واسم ابي وكنيتي ، وكان المهلب . يبث الأحراس في الأمن كما يبثهم في الخوف . ويذكي العيون في الأمصار كما يذكيها في الصحارى . ويأمر أصحابه بالتحرز ويخوفهم البيات . وان بعد منهم العدو . ويقول احذروا ان تكادوا كما تكيدون . ولا تقولوا هزمنا وغلبنا . فان القوم خائفون وجلون والضرورة تفتح باب
95
الحيلة . ثم قام فيهم خطيباً . وقال أيها الناس انكم قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج وانهم ان قدروا عليكم فتنوكم في دينكم وسفكوا دماءكم . فقاتلوهم على ما قاتل عليه أولهم . علي بن ابي طالب صلوات الله عليه . فلقد لقيهم قبلكم . الصابر المحتسب مسلم بن عبيس . والعجل المفرط عثمان بن عبيد الله . والمعصي المخالف حارثة بن بدر فقتلوا جمعياً . وقتلوا فألقوهم بجد وحد . فانما هم مهنتكم وعبيدكم وعار عليكم ونقص في أحسابكم وأديانكم ان يغلبكم هؤلاء على فيئكم ويوطئوا حريمكم . ثم سار يريدهم . وهم بمناذر الصغرى . فوجه عبيد الله ابن بشير بن الماحوز ـ رئيس الخوارج ـ رجلاً يقال له واقد مولى لآل ابي صفرة من سبى الجاهلية في خمسين رجلاً . فيهم صالح بن مخراق الى نهر تيري . وبها المعارك بن أبي صفرة . فقتلوه وصلبوه . فنمى الخبر الى المهلب . فوجه ابنه المغيرة . فدخل نهر تيري . وقد خرج واقد منها فاستنزله ودفنه وسكن الناس . واستخلف بها ورجع الى أبيه . وقد حل بسولاف . والخوارج بها . فواقعهم وجعل على بني تميم الحريش بن هلال فخرج رجل من أصحاب المهلب . يقال له عبد الحمن الاسكاف فجعل يحض الناس وهو على فرس له صفراء . فجعل يأتي الميمنة والميسرة والقلب فيحض الناس ويهون أمر الخوارج ويختال
96
بين الصفين . فقال رجل من الخوارج لأصحابه يا معشر المهاجرين هل لكم في فتكه فيها أريحية فحمل جماعة منهم على الاسكاف فقاتلهم وحده فارساً . ثم كبا به فرسه . فقاتلهم راجلاً قائماً وباركاً . ثم كثرت به الجراحات . فذبب بسيفه وجعل يحثوا التراب في وجوههم والمهلب غير حاضر . ثم قتل . وحضر المهلب فأخبر . فقال للحريش . وعطية العنبري أأسلمتما سيد أهل العسكر لم تعيناه . ولم تستنقذاه حسداً له لأنه رجل من أصحابه ووبخهما . وحمل رجل من الخوارج على رجل من أصحابه فقتله فحمل عليه المهلب فطعنه وقتله . ومال الخوارج بأجمعهم على العسكر . فانهزم الناس وقتلوا سبعين رجلاً . وثبت المهلب وأبلى المغيرة يومئذ وعرف مكانه . يقال حاص المهلب وأبلى المغيرة يومئذ وعرف مكانه . يقال حاص المهلب يومئذ حيصة . وتقول الأزد . كان يرد المنهزمة ويحمي أدبارهم ، قال الراوي . وبات المهلب في الفين . فلما أصبح رجع بعض المنهزمة فصار في أربعة آلاف فخطب أصحابه . فقال : والله ما بكم من قلة . وما ذهب عنكم إلا أهل الجبن والضعف والطمع والطبع . فان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله . فسيروا الى عدوكم على بركة الله . فقام اليه الحريش بن هلال . فقال انشدك الله أيها الأمير ان تقاتلهم الا ان يقاتلوك فان بالقوم جراحاً . وقد اثخنتهم هذه الجولة فقبل منه . ومضى
97
المهلب في عشرة فأشرف على عسكر الخوارج . فلم ير منهم احداً يتحرك . فقال له الحريش ارتحل عن هذا الموضع فارتحل فعبر دجيلا . وصار الى عاقول لا يؤتى إلا من وجه واحد . قال : وأقام في العاقول ثلاثة أيام . ثم ارتحل والخوارج بسلى وسلبرى (1) فنزل قريباً منهم . فقال ابن الماحوز لأصحابه ما تنتظرون بعدوكم وقد هزمتموهم بالأمس وكسرتم حدهم ؟ فقال له وافد مولى أبي صفرة . يا أمير المؤمنين . انما تفرق عنهم أهل الضعف والجبن وبقي أهل النجدة والقوة . فان أصبتم لم يكن ظفراً هيناً لأني أراهم لا يصابون حتى يصيبوا فان غلبوا ذهب الدين فقال أصحابه نافق وافد . فقال ابن الماحوز لا تعجلوا على أخيكم فانه انما قال هذا نظراً لكم . ثم توجه الزبير بن علي الى عسكر المهلب لينظر ما حالهم . فأتاهم في مائتين فحزرهم ورجع . وأمر المهلب أصحابه بالتحارس . حتى اذا أصبح ركب اليهم على تعبية صحيحة فالتقوا بسلى وسلبرى .
(1) سلى وسلبرى قال الأخفش بفتح السين موضعان بالأهواز .

98
( وقعة سلى وسلبرى )
لما تقابل الفريقان . بسلى وسلبرى . خرج من الخوارج مائة فارس فركزوا رماحهم بين الصفين واتكئوا عليها . وأخرج اليهم المهلب عدادهم . ففعلوا مثل ما فعلوا لا يريمون الا الصلاة حتى أمسوا فرجع كل فريق الى معسكرهم . ففعلوا هذا ثلاثة أيام . قال فحمل المهلب وحملوا فاقتتلوا قتالاً شديداً فجهد الخوارج فنادى مناديهم الا أن المهلب قد قتل فركب المهلب بذوناً قصيراً أشهب وأقبل يركض بين الصفين وان احدى يديه لفي القباء وما يشعر بها . وهو يصيح أنا المهلب فسكن الناس بعد ان كانوا قد ارتاعوا وظنوا أن أميرهم قد قتل . وكل الناس مع العصر فصاح المهلب بابنه المغيرة تقدم ففعل وصاح بذكوان مولاه قدم رايتك ففعل . فقال له رجل من ولده انك تغرر بنفسك فذمره . ثم صاح يا بني تميم أمركم فتعصونني فتقدم وتقدم الناس . واجتلدوا أشد جلاد حتى إذا كان مع
99
المساء . قتل ابن الماحوز . وانصرف الخوارج . ولم يشعر المهلب بقتله . فقال لأصحابه ابغوني رجلاً جلداً يطوف في القتلى فأشاروا عليه برجل من جرم وقالوا أنا لم نر رجلاً قط أشد منه فطوف ومعه النيران فجعل اذا مر بجريح من الخوارج قال كافر ورب الكعبة فأجهز عليه . وإذا مر بجريح من المسلمين أمر بسقيه وحمله . وقام المهلب في عسكره يأمرهم بالاحتراس . حتى إذا كان نصف الليل وجه رجلاً من اليحمد (1) في عشرة فصاروا الى عسكر الخوارج فإذا القوم قد تحملوا إلى ـ أرجان ـ فرجع إلى المهلب فأعلمه . فقال أنا لهم الساعة أشد خوفاً . فاحذروا البيات . قال : أبو العباس . ويروى عن شعبة بن الحجاج أن المهلب . قال لأصحابه يوماً . أن هؤلاء الخوارج قد يئسوا من ناحيتكم الا من جهة البيات فان كان ذلك فاجعلوا شعاركم ـ حم لا ينصرون ـ فان رسول الله (ص) كان يأمر بها . ويروى أنه
(1) قال الأخفش : اليحمد من الازد . والخليل من بطن منهم . يقال لهم الفراهيد والفرهود في الأصل الحمل . فان نسبت الى الحي قلت فراهيدي . وان نسبت الى الحملان قلت فرهودي لا غير .

100
كان شعار أصحاب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه . قال : ولما أصبح المهلب غدا على القتلى فأصاب ابن الماحوز فيهم ففي ذلك يقول رجل من الخوارج :
بسلى وسلبرى مصـارع فتية
كرام وجرحى لم توسد خدودها

101
( وقائع أرجان )
قال المبرد . واجتمع الخوارج بأرجان . فبايعوا الزبير بن علي وهو من بني سليط بن يربوع من رهط ابن الماحوز . فرأى فيهم انكساراً شديداً وضعفاً بيناً فخطبهم وحرضهم على القتال : قال : ثم تحمل لمحاربة المهلب فنفحهم المهلب نفحة فرجعوا فأكمن للمهلب في غمض من غموض الأرض يقرب من عسكره مائة فارس ليغتالوه . فسار المهلب يوماً يطوف بعسكره ويتفقد سواده فوقف على جبل . فقال ان من التدبير لهذه المارقة أن تكون قد أكمنت في سفح هذا الجبل كمناً . فبعث عشرة فوارس فاطلعوا على المائة فلما علموا أنهم قد علموا بهم قطعوا القنطرة ونجوا وكسفت الشمس فصاحوا بهم يا أعداء الله لو قامت القيامة لجددنا في جهادكم . ثم يئس الزبير من ناحية المهلب فضرب إلى ناحية اصفهان . ثم كر راجعاً الى أرجان . وقد جمع جموعاً ، فكانت الوقعة . وقتل ابن
102
الماحوز . قال : ووجه المهلب بعقب هذه الوقعة رجلاً من الازد برأس عبيد الله بن بشير بن الماحوز الى الحرث بن عبدالله بن أبي ربيعة القباع ، فلما صار بكربج دينار لقيه حبيب وعبد الملك وعلي بنو بشير (1) بن الماحوز . فقالوا له ما الخبر ولا يعرفهم . فقال قتل الله المارق ابن الماحوز وهذا رأسه معي فوثبوا عليه فقتلوه وصلبوه . ودفنوا الرأس .
(1) كان علي بن بشير وسيماً جسيماً . دخل على الحجاج فعرفه فأمر بقتله ووهب ابنه الأزهر وابنته لأهل الأزدي المقتول . ثم وهبوهما لزينب بنت أمير .

103
[ وقائع الخوارج في فارس ]
قال الراوي : ما زال المهلب دائباً في قتال الخوارج في ولاية الحرث بن القباع حتى عزل الحرث وولى مصعب بن الزبير . فكتب اليه ان أقدم علي واستخلف ابنك المغيرة ففعل ثم مضى الى مصعب وكتب مصعب إلى المغيرة بولايته . وكتب إليه انك لم تكن كأبيك فانك كاف لما وليتك فشمر واتزر وجد واجتهد ، ثم اشخص المهلب الى الموصل . هذا والخوارج يغيرون ويعيثون وكثر فسادهم ، فسال مصعب أصحابه وشاورهم . قال من يستكفي امر الخوارج . فقال : قوم ول عبيد الله بن ابي بكرة . وقال : قوم ول عمر بن عبيد بن معمر ، وقال : قوم ليس لهم الا المهلب فأردده اليهم . قال وولي عليهم عمر بن عبيد الله وولاه فارساً . والخراج بارجان وعليهم الزبير بن علي السليطي فشخص
104
اليهم فقاتلهم . وألح عليهم حتى أخرجهم عنها فألحقهم بأصبهان ، ثم اتوا سابور فقصدهم فأقام هناك . فلما كان ذات ليلة بيته الخوارج . فخرج اليهم فحاربهم حتى أصبح فلم يظفروا منه بشيء فأقبل على ملك بن حسان . فقال كيف رأيت ؟ . قال قد سلم الله عز وجل . ولم يكونوا يطمعون من المهلب بمثلها . فقال أما انكم لو ناصحتموني مناصحتكم المهلب لرجوت أن أنفي هذا العدو ولكنكم تقولون قرشي حجازي بعيد الدار خيره لغيرنا فتقاتلون معي تعذيراً . قال الراوي : ثم زحف الى الخوارج من غد ذلك اليوم فقاتلهم قتالاً شديداً حتى ألجأهم الى قنطرة فتكاثف الناس عليها حتى سقطت فأقام حتى أصلحها . ثم عبروا . وتقدم ابنه عبيد الله بن عمر وأمه من بني سهم بن عمرو ابن هصيص بن كعب فقاتلهم حتى قتل . فقال قطري لا تقاتلوا عمر اليوم فانه موتور . ولم يعلم عمر بقتل ابنه حتى أفضى الى القوم ، وكان مع ابنه النعمان بن عباد . فصاح به يا نعمان أين ابني . فقال احتسبه فقد استشهد رحمه الله صابراً مقبلاً غير مدبر . فقال انا الله وإنا اليه راجعون . ثم حمل على الخوارج حملة لم ير مثلها وحمل أصحابه بحملته فقتلوا في وجههم ذلك تسعين رجلاً من
105
الخوارج ، وحمل على قطري فضربه على جبينه ففلقه . وانهزمت الخوارج وانتهبها . فلما استقروا . قال لهم قطري أما أشرت عليكم بالإنصراف . فجعلوه وجوههم حتى خرجوا من فارس فتلقاهم في ذلك الوقت . الفزر بن مهزم العبدي فسألوه عن خبره وأرادوا قتله . فأقبل على قطري . فقال اني مؤمن مهاجر . فسأله عن أقاويلهم فأجاب اليها عنه ففي ذلك يقول في كلمة له :
وشدوا وثاقي ثم ألجوا خصومتي
الـى قطري ذي الـجبين المفلق
وحاججتهم فـي دينهم وحججتهم
ومـا دينهم غيـر الهوى والتخلق
ثم أن الخوارج تراجعوا وتكاتفوا وعادوا الى ناحية أرجان . فسار اليهم عمر وكتب الى مصعب . أما بعد فاني قد لقيت الأزارقة . رزق الله عبيد الله بن عمر الشهادة ووهب له السعادة ورزقنا عليهم الظفر فتفرقوا شذر مذر . وبلغتني عنهم عودة . فيممتهم وبالله أستعين وعليه أتوكل . قال : ثم سار اليهم ومعه عطية بن عمر ومجاعة بن سعيد . فالتقوا فألح عليهم حتى أخرجهم وانفرد من أصحابه فعمد له أربعة عشر رجلاً منهم . من شجعانهم وفي يده عمود فجعل لا يضرب رجلاً منهم ضربة إلا صرعه فركض اليه ـ قطري ـ على فرس طمر . وعمر على مهر فاستعلاه قطري
106
بقوة فرسه حتى كاد يصرعه فبصر به مجاعة . فاسرع اليه فصاحت الخوارج بقطري يا أبا نعامة ان عدو الله قد رهقك فانحط قطري عن قربوسه فطعنه مجاعة وعلى قطري درعان فهتكهما وأسرع السنان في رأس قطري فكشط عنه جلده ونجا . وارتحل القوم الى أصفهان فأقاموا برهة ثم رجعوا الى الأهواز ، وقد ارتحل عمر بن عبيد الله الى اصطخر .
107
[ غارات الخوارج ]
قال الراوي : وعاد المهلب الى الأهواز وحارب ـ الخوارج ـ حتى أخرجهم منها وفروا الى أصبهان . والوالي عليها عتاب بن ورقاء الرياحي . فأقام الخوارج هناك يجبون القرى ، قال وخرج مصعب من البصرة يريدهم . وأقبل عمر بن عبيد الله يريدهم . فتنحى الخوارج الى السوس . ثم أتوا المدائن . فقتلوا أحمر طي . وكان شجاعاً . وكان من فرسان عبيد الله بن الحر ففي ذلك يقول الشاعر :
تركتم فتى الفتيان أحمر طيء
بساباط لـم يعطف عليه خليل
ثم ان الخوارج رجعوا عامدين الى الكوفة فلما خالطوا سوادها وواليها الحرث بن عبدالله القباع فتثاقل عن الخوارج . وكان جباناً فذمره ابراهيم بن الأشتر ولامه الناس فخرج متحاملا حتى أتي النخيلة ففي ذلك يقول الشاعر :
108
ان القباع سار سيراً نكراً
يسير يـوماً ويقيم شهراً
وجعل يعد الناس بالخروج ولا يخرج . والخوارج يعيثون . حتى أنهم أخذوا امرأة فقتلوا أباها بين يديها . وكانت جميلة . ثم أرادوا قتلها فقالت أتقتلون من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين . فقال قائل منهم دعوها . فقالوا قد قتنتك ؟ ثم قدموها فقتلوها . ثم قربوا اخرى وهم بحذاء القباع والجسر معقود بينهما فقطعه القباع وهو في ستة آلاف والمرأة تستغيث به وتقول : علام تقتلونني ؟ فوالله ما فسقت ولا كفرت ولا ارتددت . والناس يتفلتون الى الخوارج والقباع يمنعهم فلما خاف أن يعصوه . أمر عند ذلك بقطع الجسر . فأقام بين دهاباً ودبيري خمسة أيام والخوارج بقربه . وهو يقول للناس في كل يوم . اذا لقيتم العدو غداً فأثبتوا أقدامكم واصبروا . فان اول الحرب الترامي . ثم اشراع الرماح ثم السلة فثكلت رجلاً امه فر من الزحف . فقال بعضهم لما أكثر عليهم أما الصفة فقد سمعناها فمتى يقع الفعل . وقال الراجز :
ان القباع سار سيراً ملسا
بين دبـاها ودبيري خمساً
قال : واخذ الخوارج حاجتهم . وكان شأن القباع التحصن منهم . ثم انصرفوا . وساروا من فورهم الى
109
اصفهان . ورجع القباع الى الكوفة . وكان على اصبهان عتاب بن ورقاء . قال وأقام الخوارج يغادون عتاب بن ورقاء الحرب ويراوحونه حتى اطال عليهم المقام . ولم يظفروا منه بكبير . فلما كثر ذلك عليهم انصرفوا . وصاروا لا يمرون بقرية بين اصفهان والأهواز . الا استباحوها وقتلوا من فيها . وعزم مصعب ابن يرسل اليهم المهلب . فلما أحس به الزبير بن علي . خرج الى الري . وبها يزيد بن الحرث بن رؤيم فحاربه ثم حصره . فلما طال عليه الحصار خرج اليه فكان الظفر للخوارج . وقتل يزيد بن الحرث بن رؤيم . ونادى يؤمئذ ابنه حوشباً ففر عنه وعن امه لطيفة . قال ثم انحط الزبير بن علي على اصفهان فحصر بها عتاب بن ورقاء الرياحي سبعة أشهر ، وعتاب يحاربه في بعضهن . فلما طال به الحصار قال لأصحابه ما تنظرون ؟ والله ما تؤتون من قلة . وانكم لفرسان عشائركم . ولقد حاربتموهم مراراً فنتصفتم منهم وما بقي مع هذا الحصار الا أن تفنى ذخائركم فيموت احدكم فيدفنه أخوه . ثم يموت أخوه فلا يجد من يدفنه فقاتلوا القوم . وبكم قوة من قبل أن يضعف أحدكم عن أن يمشي الى قرنه . فلما أصبح الغد . صلى بهم الصبح . ثم خرج الخوارج . وهم غارون . وقد نصب لواء لجاربة يقال لها ياسمين . فقال من أراد البقاء فليلحق بلواء ياسمين . ومن أراد الجهاد فيخرج معي .
110
فخرج في الفين وسبعمائة فارس . فلم يشعر بهم الخوارج حتى غشوهم فقاتلوهم بجد لم ير الخوارج منهم مثله فعقروا خلقاً . وقتلوا الزبير بن علي رئيسهم . وانهزمت الخوارج فلم يتبعهم عتاب . ثم ان الخوارج أداروا أمرهم بينهم . فارادوا تولية عبيدة بن هلال فقال أدلكم على من هو خير لكم مني من يطاعن في قبل ويحمي في دبر . عليكم بقطري بن الفجـأة المازني . فبايعوه . فوقف بهم وقالوا له يا أمير المؤمنين امض بنا الى فارس . فقال : ان بفارس عمر بن عبيد الله بن معمر ولكن نصير الى الأهواز . فان خرج مصعب بن الزبير دخلناها . فأتوا الأهواز . ثم ترفعوا عنها الى ايذج . وكان مصعب قد عزم على الخروج الى باجمير . فقال : لأصحابه . ان قطرياً قد أطل علينا وان خرجنا عن البصرة دخها . فبعث الى المهلب فقال . اكفنا هذا العدو . فخرج اليهم المهلب فلما أحس به قطري تيمم نحو كرمان . فأقام المهلب بالأهواز ثم كر قطري عليه وقد استعد . فكان الخوارج في جميع حالاتهم أحسن عدة ممن يقاتلهم بكثرة السلاح وكثرة الدواب وحصانة الجنن . فحاربهم المهلب فنفاهم الى رام هرمز ، وكان مصعب قد خرج الى باجمير او قتل فأتى خبر مقتله الخوارج بمسكن . ولم يأت المهلب
111
وأصحابه فتواقفوا يوماً على الخندق . فناداهم الخوارج ما تقولون في مصعب ؟ قالوا : امام هدى . قالوا فما تقولون في عبد الملك ؟ قالوا ضال مضل . فلما كان بعد يومين أتى المهلب قتل مصعب . وان أهل الشام اجتمعوا على عبد الملك وورد عليه كتاب عبد الملك بولايته . فلما تواقفوا ناداهم الخوارج ما تقولون في مصعب ؟ قالوا : لا نخبركم . قالوا فما تقولون في عبد الملك ؟ قالوا إمام هدى . قالوا : يا اعداء الله . بالأمس ضال مضل . واليوم امام هدى . يا عبيد الدنيا عليكم لعنة الله .
112
( واقعة الأهواز )
قال الراوي : ولما ولي خالد بن عبدالله بن أسيد وقدم البصرة فأراد عزل المهلب ، فأشير عليه بأن لا يفعل . وقيل له انما أمن أهل هذا المصر بأن المهلب بالأهواز . وعمر بن عبيد الله بفارس . فقد المهلب تنحى عمر . وان نحيت المهلب لم تأمن على الصرة فابي الا عزله . فقدم المهلب البصرة . وخرج خالد إلى الأهواز . فأشخصه . فلما صار بكربج دينار لقيه قطري فمنعه حط أثقاله وحاربه ثلاثين يوماً . أقام قطري بازائه وخندق على نفسه . فقال المهلب ان قطرياً ليس بأحق بالخندق منك فعبر دجيلاً الى شق نهر تيري . واتبعه قطري فصار إلى مدينة نهر تيري فبنى سورها وخندق عليها . فقال المهلب لخالد خندق على نفسك . فاني لا آمن عليك البيات . فقال : يا أبا سعيد الأمر أعجل من ذلك . فقال المهلب لبعض ولده اني أرى أمراً ضايعاً . ثم قال لزياد بن عمرو خندق علينا . فخندق المهلب وأمر
113
بسفنه ففرغت وأبى خالد أن يفرغ سفنه . فقال المهلب لفيروز حصين سر معنا فقال : يا أبا سعيد الحزم ما تقول غير أني أكره أن افارق اصحابي . قال فكن بقربنا . قال : أما هذه فنعم وقد كان عبد الملك كتب الى بشر بن مروان يأمره أن يمد خالداً بجيش كثيف . أميره عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث لعنه الله . ففعل فقدم عليه عبد الرحمن . فأقام قطري يغاديهم القتال ويراوحهم أربعين يوماً فقال المهلب لمولى لأبي عيينة انتبذ لي ذلك النأوس فبت عليه في كل ليلة فمتى أحسست خبراً من الخوارج أو حركة أو صهيل خيل فاعجل الينا فجاءه ذات ليلة . فقال قد تحرك القوم . فجلس المهلب بباب الخندق وأعد قطري سفناً فيها حطب فاشعلها ناراً وأرسلها على سفن خالد ، وخرج في أدبارها . حتى خالطهم . فجعل لا يمر برجل الا قتله . ولا بدابة إلا عقرها . ولا بقسطاط الا هتكه . فأمر المهلب يزيد فخرج في مائة فارس . يقاتل وأبلى يومئذ وخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأبلى بلاء حسناً ، وخرج فيروز حصين في مواليه فلم يزل يرميهم بالنشاب هو ومن معه فأثر أثراً جميلاً . فصرع يزيد بن المهلب يؤمئذ وصرع عبد الرحمن فحامى عنهما اصحابهما حتى ركبا . وسقط فيروز حصين في الخندق فأخذ بيد رجل من الأزد فاستنقذه . فوهب له فيروز حصين عشرة آلاف .
114
درهم . وأصبح عسكر خالد كأنه حرة سوداء فجعل لا يرى الا قتيلاً أو صريعاً . فقال للمهلب يا أبا سعيد كدنا تفتضح . فقال خندق على نفسك فان لا تفعل عادوا اليك ، فقال اكفني أمر الخندق . فجمع له الأخماس فلم يبق شريف الا عمل فيه . فصاح بهم الخوارج والله لولا هذا الساحر المزوني . لكان الله قد دمر عليكم . وكانت الخوارج تسمى المهلب الساحر لأنهم كانوا يدبرون الأمر فيجونه قد سبق الى نقض تدبيرهم فقال فيه أعشى همدان .
ويوم أهوازك لا تنسه
ليس الثنا والذكر بالدائر
قال : ومضى قطري الى كرمان وانصرف خالد الى البصرة . وأقام قطري بكرمان أشهراً ثم عمد لفارس . وخرج خالد الى الأهواز . وندب للناس رجلاً فجعلوا يطلبون المهلب . فقال خالد ذهب المهلب بحظ هذا المصر ، اني قد وليت أخي قتال الأزارقة . فولى أخاه عبد العزيز ، واستخلف المهلب على الأهواز في ثلثمائة ومضى عبد العزيز في ثلاثين الفاً ، والخوارج بدر ابجرد . فجعل عبد العزيز ، يقول في طريقه يزعم أهل البصرة أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلب فسيعلمون ، قال ـ صعب بن زيد . فلما خرج عبد العزيز عن الأهواز جاءني كردوس حاجب المهلب . فقال أجب الأمير . فجئت الى المهلب
115
وهو في سطح وعليه ثياب هروية فقال : يا صعب أنا ضائع كأني انظر الى هزيمة عبد العزيز واخشى أن توافيني الأزارقة ولا جند معي . فابعث رجلاً من قبلك يأتيني بخبرهم سابقاً به الي . فوجهت رجلاً يقال له عمران بن فلان . فقلت أصحب عسكر عبد العزيز . واكتب الي بخبر يوم يوم . فجعلت أورده على المهلب . فلما قاربهم عبد العزيز وقف وقفة . فقال له الناس . هذا يوم صالح فينبغي أن تترك أيها الأمير حتى نطمئن ثم نأخذ اهبتنا فقال كلا . الأمر قريب . فنزل الناس على غير امره . فلم يستتم النزول حتى ورد عليهم سعد الطلايع في خمسمائة فارس . كأنهم خيط ممدود فناهظهم عبد العزيز فواقفوه ساعة ثم انهزموا عنه مكيدة فأتبعهم فقال له الناس لا تتبعهم فانا على غير تعبية فأبى لفم يزل في آثارهم حتى اقتحموا عقبة فاقتحمها وراءهم والناس ينهونه ويأبى ، وكان لهم كمين فخرج الكمين واقتتلوا فقتل عبس بن طلق وقتل مقاتل وقتل الضبيعي صاحب الشرطة . فانحاز عبد العزيز واتبعهم الخوارج على فرسخين يقتلونهم كيف شاؤا . وكان عبد العزيز قد خرج معه بأم حفص ابنة المنذر بن الجارود امرأته فسبوا النساء يومئذ واخذوا أسرى لا تحصى فقذفوهم في غار بعد أن شدوهم وثاقاً ثم سدوا عليهم بابه حتى ما توافيه . قال : ونودي على السبي يومئذ فغولي بأم حفص فبلغ بها رجل سبعين الفاً . وذلك الرجل من مجوس كانوا أسلموا
116
ولحقوا بالخوارج ففرض لكل واحد منهم خمسمائة فكاد يأخذها . فشق ذلك على قطري . وقال ما ينبغي لرجل مسلم أن يكون عنده سبعون الفاً . ان هذه فتنة فوثب اليها أبو الحديد العبدي فقتلها ، فأتى به قطري فقال يا أبا الحديد مهيم (1) فقال يا أمير المؤمنين رأيت المؤمنين قد تزايدوا في هذه المشركة فخشيت عليهم الفتنة . فقال قطري أصبت وأحسنت فقال رجل من الخوارج :
كفانا فتنـة عظمت وجـلت
بـحمد الله سيف ابـي الحديد
اهـاب المسلمون بها وقالوا
على فرط الهوى هل من مزيد
فزاد ابو الحديد بنصل سيف
رقيـق الحـد فعل فتى رشيد
قال : صعب بن يزيد بعثني المهلب لآتيه بالخبر فصرت الى قنطرة أربك . فلم احس خبراً فسرت مهجراً إلى أن أمسيت فلما أظلمنا سمعت كلام رجل عرفته من الجهاضم فقلت ما وراءك ؟ . فقال الشر . قلت فأين عبد العزيز ؟ قال امامك . فلما كان آخر الليل اذا أنا بزهاء خمسين فارساً معهم لواء . فقلت من هذا فقالوا هذا لواء عبد العزيز . فتقدمت اليه وسلمت عليه وقلت أصلح الله
(1) قوله مهيم حرّف استفهام معناه ما الخبر وما الأمر ؟

117
الأمير لا يكبرن عليك ما كان . فانك كنت في شر جند وأخبثه . قال لي أو كنت معنا ؟ قلت لا ولكن كأني شاهد امرك . قال كأنك كنت معنا ؟ قلت أرسلني المهلب لآتيه بخبرك ، ثم تركته وأقبلت الى المهلب فقال لي ما وراءك ؟ قلت ما يسرك . , قد هزم وفل جيشه ، فقال ويحك وما يسرني من هزيمة رجل من قريش وفل جيش من المسلمين . قلت قد كان ذاك ساءك . أو سرك . فوجه رجلاً الى خالد يخبره . قال الرجل فلما أخبرت خالداً . قال كذبت ولؤمت . ودخل رجل من قريش فكذبني وقال لي خالد . والله لهممت ان اضرب عنقك . قلت أصلح الله الأمير ان كنت كاذباً فاقتلني . وان كنت صادقاً فأعطني مطرف هذا المتكلف فقال خالد لبئسما أخطرت به دماك . قال فما برحت حتى دخل بعض الفل ، وقدم عبد العزيز سوق الأهوازا . فأكرمه المهلب وكساه وقدم معه على خالد واستخلف ابنه حبيباً . وقال له تحسس عن الأخبار . فان أحسست بخبر الأزارقة قريباً منك فانصرف الى البصرة فلم يزل حبيب مقيماً والأزارقة تدنوا منه حتى بلغوا قنطرة أربك . فانصرف الى البصرة على نهر تيري فلما دخلها أعلم خالد . فغضب عليه واستتر جيب في بني هلال بن عامر بن صعصعة . وتزوج هناك امرأة هلالية . وكتب خالد الى عبد الملك يعذر عبد العزيز . وقال للمهلب ما ترى عبد الملك صانعاً بي ؟ قال يعز لك . قال أتراه قاطعاً رحمي ؟ قال نعم اتته هزيمة أمية اخيك من
118
البحرين وتأتيه هزيمة اخيك عبد العزيز من فارس . وكتب عبد الملك الى خليفته بالكوفة أن يعقد لعبد الرحمن بن مخنف على ثمانية آلاف من كل ربع الفين . ويوجه مدداً الى المهلب . فلحق بالمهلب . فلما أحس الأزارقة بدنوه منهم انكشفوا عن الفرات فأتبعهم المهلب الى سوق الأهواز فنفاهم عنها . ثم تبعهم الى رامهرمز فهزمهم منها . فدخلوا فارس . وأبى يزيد ابنه في وقايعه هذه بلاء حسناً تقدم فيه . وهز ابن احدى وعشرين سنة . فلما صار القوم بفارس . وجه اليهم ابنه المغيرة فقال له عبد الرحمن بن صبح . أيها الأمير ليس برأي قتل هذه الاكلب . ولئن والله قتلتهم لتقعدن في بيتك . ولكن طاولهم وكل بهم . فقال ليس هذا من الوفاء . فلم يلبث برام هرمز الا شهراً حتى أتاه موت بشر . فاضطرب الجند على ابن مخنف . فوجه الى محمد بن اسحق بن الأشعث وابن زحر واستحلفهما أن لا يبرحا فحلفا به ولم يفيا ، فجعل الجند من أهل الكوفة يتسللون . حتى اجتمعوا بسوق الأهواز . وأراد أهل البصرة الإنسلال من المهلب . فخطبهم . فقال : انكم لستم كأهل الكوفة . انما تذبون عن مصركم وأموالكم وحرمكم . فأقام منهم قوم وتسلل منهم ناس كثير . وكان خالد بن عبدالله خليف بشر بن مروان . فوجه مولى به بكتاب منه إلى من بالأهواز يحلف فيه بالله مجتهداً لئن لم يرجعوا الى مراكزهم
119
عصاة لا يظفر بأحد منهم الا قتله . فجاء مولاه فجعل يقرأ الكتاب عليهم ولا يرى في وجوههم قبوله . فقال اني لأرى وجوهاص ما القبول من شأنها . فقال له ابن زحرايها العبد اقرأ ما في الكتاب وانصرف إلى صاحبك فانك لا تدري ما في أنفسنا . وجعلوا يستعجلونه في قراءته . ثم قصد واقصد الكوفة . فنزلوا النخيلة وكتبوا إلى خليفة بشر يسألونه أن يأذن لهم في الدخول فأبى فدخلوها بغير اذن . فلم يزل المهلب ومن معه من قواده وابن مخنف في عدد قليل . فلم ينشبوا الى أن ولى الحجاج العراق . فدخل الكوفة قبل البصرة وذلك في سنة خمس وسبعين . قال الراوي : ولما رأى المهلب كثرة الناس عليه . قال اليوم قوتل هذا العدو . ولما رأى ذلك قطري . قال : انهضوا بنا نريد السردان فتحصن فيها . فقال عبيدة بن هلال أو نأتي سابور ، وخرج المهلب في آثارهم . فأتى أرجان . وخاف أن يكونوا قد تحصنوا بالسردان . وليست بمدينة . ولكن محدقة منيعة . فلم يصب بها أحداً . فخرج نحوهم فعسكر بكازرون . واستعدوا لقتاله . وخندق على نفسه . ثم وجه إلى عبد الرحمن بن مخنف . خندق على نفسك فوجه إليه خنادقنا سيوفنا . فوجه إليه المهلب أني لا آمن عليك البيات . فقال ابنه جعفر ذاك أهون علينا من ضرطة جمل . فأقبل المهلب على ابنه المغيرة . فقال لم يصيبوا
120
الرأي ولم يأخذوا بالوثيقة ، فلما أصبح القوم غادوه الحرب . فبعث الى ابن مخنف يستمده فأمده بجماعة وجعل عليهم ابنه جعفراً . فجاؤا وعليهم أقبية بيض جدد . فقاتلوا يومئذ حتى عرف مكانهم . وحاربهم المهلب وأبلى بنوه يومئذ كبلاء الكوفيين أو أشد . ثم نظر الى رئيس منهم . يقال له صالح بن مخراق . وهو ينتخب قوماً من جلة العسكر . حتى بلغوا اربعمائة . فقال لابنه المغيرة ما يعد هؤلاء الا للبيات ، وانكشف الخوارج . والأمر للمهلب عليهم . وقد كثر فيهم القتل والجراح ، فقال المهلب لابنه المغيرة اني اخاف البيات على بني تميم . فانهض اليهم وكن فيهم . فأتاهم المغيرة . فقال له الحريش بن هلال يا أبا حاتم . ايخاف الأمير أن يؤتى من ناحيتنا . قل له فليلبث آمناً فانا كافوه ما قبلنا انشاء الله . قال الراويي : ولما انتصف الليل وقد رجع المغيرة الى ابيه سرى صالح بن مخراق في القوم الذين اعدهم الى ناحية بني تميم ومعه عبيدة بن هلال وهو يقول :
اني لمذك للشراة نارها
ومانع ممن أتاها دارها
فوجد بني تميم ايقاظاً متحارسين . فخرج اليهم الحريش بن هلال وهو يقول :
121
لقد وجدتم وقـراً انجاداً
لا كشفاً ميلا ولا اوغاداً
هيهات لا تلفوننا رقـاداً
لا بل اذا صيح بنا آسادا
ثم حمل على القوم فرجعوا عنه . فاتبعهم وصاح بهم الى اين يا كلاب النار فقالوا انما اعدت النار لك ولأصحابك . فقال الحريش كل مملوك لي حر ان لم تدخلوا النار ان دخلها مجوسي فيما بين سفوان وخراسان ، ثم قال بعضهم لبعض نأتي عسكر ابن مخنف (1) فانه لا خندق عليهم وقد تعب فرسانهم اليوم مع المهلب . وقد زعموا انا أهون عليهم من ضرطة جمل . فأتوهم فلم يشعر ابن مخنف وأصحابه بهم الا وقد خالطوهم في عسكرهم . فترجل عند ذلك عبد الرحمن بن مخنف فجالدهم فقتل ، وقتل معه سبعون من القراء . فيهم نفر من أصحاب علي بن ابي طالب صلوات الله عليه ، ونفر من أصحاب ابن مسعود . وبلغ الخبر الى المهلب وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف عند المهلب . فجاءهم مغيثاً فقاتلهم حتى ارتث وصرع ، ووجه المهلب اليهم ابنه حبيباً فكفهم ، ثم جاء المهلب حتى صلى على ابن مخنف وأصحابه . وصار جنده في جند المهلب فضمهم الى ابنه حبيب فعيرهم البصريون . فقال رجال لجعفر بن عبد الرحمن :
(1) قال المبرد : في الكامل . كان ابن مخنف شريفاً يقول رجل من عامد لرجل يعاتبه ويضرب بابن مخنف المثل .
تروح وتغدو كل يوم معظماً
كانك فينا مخنف وابن مخنف

122
تـركت أصحابنـا تـدمى نحورهم
وجئت تسعى الينا خضفة الجمل (2)
فلا مهم المهلب . وقال بئسما قلتم . والله ما فروا ولا جبنوا ولكن خالفوا اميرهم أفلا تذكرون فراركم يوم دولاب ، وفراركم بدارس ، عن عثمان وفراركم عني . قال ارباب التاريخ : ووجه الحجاج البراء بن قبيصة المهلب يستحثه في مناجزة القوم . وكتب اليه انك لتحب بقاءهم لتأكل بهم . فقال المهلب لأصحابه حركوهم ، فخرج فرسان من أصحابه اليهم فخرج اليهم من الخوارج جمع فاقتتلوا الى الليل ، فقال لهم الخوارج ويلكم أما تملون ؟ فقالوا لا حتى تملوا . قالوا : فمن انتم ؟ قالوا تميم . قالت الخوارج ونحن بنو تميم . فلما امسوا افترقوا فلما كان الغد خرج عشرة من أصحاب المهلب . وخرج اليهم عشرة من الخوارج فاحتفر كل واحد منهم حفيرة وأثبت قدمه فيها فكلما قتل رجل جاء رجل من أصحابه فاجتره ووقف مكانه حتى اعتموا . فقال لهم الخوارج ارجعوا فقالوا بل ارجعوا انتم . فقالوا : ويلكم من أنتم ؟ فقالوا تميم قالوا : ونحن تميم فرجع البراء بن قبيصة الى الحجاج . فقال مه . قال رأيت قوماً لا يعين عليهم الا الله ، وكتب اليه المهلب اني منتظر بهم احدى ثلاث موت ذريع أو جوع مضر أو اختلاف من اهوائهم .
(2) قوله خضفة الجمل ـ أي ضرطة الجمل ـ .
قال : ولما كان يوم النحر والمهلب على المنبر يخطب الناس اذا الشراة قد تألبوا . فقال المهلب سبحان الله افي مثل هذا اليوم ، يا مغيرة اكفنيهم . فخرج اليهم المغيرة بن المهلب . وأمامه سعد بن نجد الفردوسي (1) وتبع المغيرة جماعة من فرسان المهلب فالتقوا ، وامام الخوارج غلام جامع السلاح مديد القامة كريه الوجه شديد الحملة صحيح الفروسية . فأقبل يحمل على الناس وهو يقول :
نحن صبحناكم غداة النحـر
بالخيل أمثال الوشيج تجري
فخرج اليه سعد بن نجد الفردوسي من الأزد . ثم تجاولا ساعة فطعنه سعد فقتله ، والتقى الناس فصرع يومئذ المغيرة فحامى عليه سعد بن نجد . وذبيان السختياني وجماعة الفرسان . حتى ركب وانكشف الناس عند سقطة المغيرة . حتى صاروا الى أبيه المهلب . فقالوا قتل المغيرة . ثم أتاه ذبيان السختياني فأخبره بسلامته . فأعتق كل مملوك بحضرته وصار يناهضهم ثلاثة أيام يعاديهم القتل ولا يزالون كذلك الى العصر . وينصرف أصحابه وبهم قرح والخوارج قرح وقتل قال وكتب الحجاج الى عتاب بن ورقاء الرياحي من بني رياح بن يربوع بن حنظلة . وهو والي أصفهان يأمره بالمسير الى المهلب . وأن يضم جند
(1) كان سعد بن نجد القردوسي شجاعاً متقدماً في شجاعته ، وكان المهلب اذا ظن برجل ان نفسه قد اعجبته . قال له لو كنت سعد بن نجد القردوسي ما هذا . ( وقردوس من الأزد ) .

124
عبد الرحمن بن مخنف فكل بلد تدخلانه من فتوح أهل البصرة . فالمهلب امير الجماعة فيه وأنت على أهل الكوفة ، فاذا دخلتم بلداً فتحه لأهل الكوفة فأنت أمير الجماعة والمهلب على أهل البصرة . فقدم عتاب في احدى جمادى من سنة ست وسبعين على المهلب وهو بسابور ، وهي من فتوح أهل البصرة . فكان المهلب أمير الناس على أصحاب ابي مخنف ، والخوارج في أيديهم كرمان وهم بازاء المهلب بفارس يحاربونه من جميع النواحي . فوجه الحجاج الى المهلب رجلين يستحثانه مناجزة القوم . فغادوا الخوارج . فاقتتلوا أشد قتال فقتل الرجلان ، ثم باكروهم في اليوم الثاني بالحرب ، وأقام المهلب على حربهم . فلما انقضى من مقامه ثمانية عشر شهراً اختلفوا ، وكان سبب اختلافهم أن رجلاً حداداً من الأزارقة كان يعمل نصالاً مسمومة فيرمى بها أصحاب المهلب فرفع ذلك الى المهلب ، فقال : انا اكفيكموه إنشاء الله فوجه رجلاً من أصحابه بكتاب وألف درهم الى عسكر قطري . فقال ألق هذا الكتاب في عسكر قطري واحذر على نفسك ، وكان الحداد يقال له : أبزي . فمضى الرسول ، وكان في الكتاب . أما بعد فان نصالك قد وصلت الي وقد وجهت اليك بألف درهم فاقبضها وزدنا من هذه النصال ، فوقع الكتاب والدراهم الى قطري . فدعا بأبزي ، فقال ما هذا الكتاب ؟ قال لا أدري . قال فهذه الدراهم . قال ما أعلم علمها . فأمر به فقتل فجاءه عبد ربه الصغير مولى بني
125
قيس بن ثعلبة فقال له أقتلت رجلاً على غير ثقة ولا تبين ؟ ؟ فقال : له ما هذه الدراهم . قال يجوز أن يكون أمرها كذباً ، ويجوز أن يكون حقاً ، فقال قطري قتل رجل في صلاح الناس غير منكر . وللإمام أن يحكم بما رآه صلاحاً . وليس للرعية أن تعترض عليه ، فتنكر له عبد ربه في جماعة ولم يفارقوه . فبلغ ذلك المهلب . فدس اليه رجلاً نصرانياً . فقال له اذا رأيت قطرياً فاسجد له فاذا نهاك فقل انما سجدت لك ، ففعل النصراني فقال له قطري انما السجود لله . فقال ما سجدت الا لك . فقال له رجل من الخوارج قد عبدك من دون الله وتلا ( انكم وما تعبدون من دون الله حطب جهنم انتم لها واردون ) فقال : قطري ان هؤلاء النصارى قد عبدوا عيسى بن مريم فما ضر ذلك عيسى شيئاً . فقام رجل من الخوارج الى النصراني فقتله فأنكر ذلك عليه ، وقال قتلت ذمياً فاختلفت الكلمة . فبلغ ذلك المهلب . فوجه اليهم رجلاً يسألهم عن شيء تقدم به اليه . فأتاهم الرجل . فقال أرأيتم رجلين خرجا مهاجرين اليكم فمات أحدهما في الطريق وبلغكم الآخر فامتحنتموه فلم يجز المحنة ما تقولون فيهما ؟ فقال بعضهم : أما الميت فمؤمن من أهل الجنة وأما الآخر الذي لم يجز المحنة فكافر حتى يجيزها ، وقال قوم آخرون بل هما كافران حتى يجيزا المحنة فكثر الاختلاف . فخرج قطري الى حدود اصطخر فأقام شهراً والقوم في اختلافهم ، ثم أقبل فقال لهم صالح بن مخراق يا قوم انكم قد أقررتم أعين عدوكم وأطمعتموهم
126
فيكم . لما ظهر من اختلافكم فعودوا الى سلامة القلوب واجتماع الكلمة وخرج عمرو القنافنادي ايها المحلون هل لكم في الطراد فقد طال العهد به ثم قال :
الم ترانـا مـذ ثلاثـون ليلـة
قريب واعداء الكتاب على خفض
فتهايج القوم وأسرع بعضهم الى بعض فأبلى يومئذ المغيرة بن المهلب . وصار في وسط الأزارقة فجعلت الرماح تحطه وترفعه واعتورت رأسه السيوف وعليه ساعد حديد فوضع يده على رأسه فجعلت السيوف لا تعمل شيئاً واستنقذه فرسان من الأزد بعد أن صرع وكان الذي صرعه عبيده بن هلال وهو يقول :
أنا ابن خير قومه هلال
شيخ على دين ابي بلال
وذاك ديني آخر الليالي فقال رجل للمغيرة كنا نعجب كيف تصرع . والآن نعجب كيف تنجو ، وقال المهلب لبنيه ان سر حكم لغار ولست آمنهم عليه أفوكلتم به أحداً » قالوا لا . فلم يستتم الكلام حتى أتاه آت فقال ان صالح بن مخراق قد أغار على السرح فشق ذلك على المهلب ، وقال كلو أمر لا أليه بنفسي فهو ضائع وتذمر عليهم . فقال له بشر بن المغيرة . أرح نفسك فان كنت انما تريد مثلك فوالله لا يعدل أحدنا شسع نعلك . فقال خذوا عليهم الطريق فثار بشر بن المغيرة ومدرك .
127
والمفضل ابنا المهلب . فسبق بشر الى الطريق فاذا اسود من الأزارقة يشل السرح (1) وهو يقول :
نحن قمعناكم بـشل السرح
وقد نكأنا القرح بعد القرح
ولحقه المفضل ومدرك فصاحا برجل من طيء اكفنا الأسود فاعتوره الطائي وبشر بن المغيرة وأسرا رجلاً من الازارقة . فقال له المهلب ممن الرجل ؟ قال رجل من همدان . قال : انك لشين همدان . وخلى سبيله وكان عياش الكندي شجاعاً بئيساً فأبلى يومئذ . ثم مات على فراشه بعد ذلك فقال المهلب لا وألت نفس الجبان بعد عياش ، وقال المهلب ما رأيت كهؤلاء كلما ينقص منهم يزيد فيهم ، قال ووجه الحجاج الى المهلب رجلين احدهما من كلب والآخر من سليم يستحثانه بالقتال فقال المهلب متمثلاً .
ومستعجب مما يرى من أناتنا
ولو زبنته الحرب لم يترمرم (2)
وقال ليزيد حركهم فتهايجوا . وذلك في قرية من قرى اصطخر فحمل رجل من الخوارج على رجل من أصحاب المهلب فطعنه فشك فخذه بالسرج . فقال المهلب للسلمي
(1) يشل السرح اي يطرده . (2) لم يترمرم : اي لم يتحرك . من قصيدة اوس بن حجر .

128
والكلبي كيف نقاتل قوماً هذا طعنهم وحمل يزيد عليهم . وقد جاء الرقاد وهو من فرسان المهلب . وهو أحد بني مالك بن ربيعة على فرس له أدهم وبه نيف وعشرون جراحة وقد وضع عليها القطن . فلما حمل يزيد ولى الجمع وحماهم فارسان . فقال يزيد لقيس الخشني مولى العتيك من لهذين ؟ فقال انا فحمل عليهما فعطف عليه أحدهما فطعنه قيس الخشني فصرعه . وحمل عليه الآخر فعانقه فسقط جميعاً الى الأرض فصاح قيس الخشني اقتلونا جميعاً فحملت خيل هؤلاء وخيل هؤلاء فحجزوا بينهما فإذا معانقة امرأة فقام قيس مستحيياً . فقال له يزيد أما أنت قبارزتها على أنها رجل . فقال أرأيت لو قتلت . أما كان يقال قتلته امرأة . وأبلى يومئذ ابن المنجب السدوسي . فقال له غلام له يقال له خلاج والله لوددنا انا فضضنا عسكرهم حتى اسير الى مستقرهم فاستلب مما هناك جاريتين . فقال له مولاه وكيف تمنيت اثنتين . قال لاعطيك احداهما وآخذ الأخرى فقال ابن المنجب .
اخلاج انك لـن تعانق طفلة
شرقاً بها الجادي كالتمثال (3)
حتى تلاقى في الكتيبة معلماً
عمرو القنا وعبيدة بن هلال
(3) بفتح الطاء الناعمه . والجادي الزعفران .

129
وترى المقطر في الكتيبة مقدماً
في عصبة قسطوا مع الضلال
أو وان يـعلمك المهلب غزوة
وتـرى جبالا قـد دنت لجبال
قال الراوي : وكان بشر بن المغيرة ابلى يومئذ بلاء حسناً عرف مكانه فيه . وكانت بينه وبين بني المهلب جفوة . فقال لهم يا بني عم اني قد قصرت عن شكاة العاتب وجاوزت شكاة المستعتب حتى كأني لا موصول ولا محروم فاجعلوا الى فرجة اعش بها وهبوني امراً رجوتم نصره او خفتم لسانه فرجعوا له ووصلوه وكلموا فيه المهلب فوصله ، قال وولي الحجاج كردماً فارس فوجهه الحجاج اليها والحرب قائمة فقال رجل من أصحاب المهلب .
ولـو رآهـا كردماً لكردما
كردمة العير أحس الضيغما
قال : وكتب المهلب الى الحجاج يسأله أن يتجافى له عن اصطخر ودر ابجرد لارزاق الجند ففعل ، وكان قطري هدم مدينة اصطخر لأن أهلها كانوا يكاتبون المهلب بأخباره . وأراد مثل ذلك بمدينة فسا فاشتراها منه آزاد مرد بن الهربذ بمائة الف درهم فلم يهدمها فواقعه المهلب فهزمه ونفاه الى كرمان واتبعه ابنه المغيرة . وقد كان دفع اليه سيفاً وجه به الحجاج الى المهلب وأقسم عليه أن يتقلده فدفعه الى المغيرة بعدما تقلد به فرجع به المغيرة اليه وقد دماه فسر المهلب بذلك . وقال ما يسرني ان اكون كنت دفعته الى
130
غيرك من ولدي . اكفني جباية خراج هاتين الكورتين وضم اليه الرقاد فجعلاً يجبيان ولا يعطيان الجند شيئاً ، قال : وحاربهم المهلب بالسيرجان حتى نفاهم عنها إلى جيرفت . واتبعهم فنزل قريباً منهم . واختلفت كلمتهم ، وكان سبب ذلك أن عبيدة بن هلال اليشكري اتهم بامرأة رجل حداد رأوه مراراً يدخل منزله بغير اذن . فأتوا قطرياً فذكروا ذلك له . فقال لهم ان عبيدة من الدين بحيث علمتم ومن الجهاد بحيث رأيتم . فقالوا انا لا نقاره على الفاحشة فقال انصرفوا . ثم بعث الى عبيدة فأخبره وقال انا لا نقار على الفاحشة فقال بهتوني يا أمير المؤمنين فما ترى ؟ قال اني جامع بينك وبينهم فلا تخضع خضوع المذنب ولا تتطاول تطاول البريء فجمع بينهم فتكلموا فقام عبيدة فقال بسم الله الرحمن الرحيم . ان الذين جاؤا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم . الآيات ، فبكوا وقاموا اليه فاعتقوه وقالوا استغفر لنا ففعل ، فقال لهم عبد ربه الصغير . مولى بني قيس بن ثعلبة والله لقد خدعكم فبايع عبد ربه منهم ناس كثير لم يظهروا ولم يجدوا على عبيدة في اقامة الحد ثبتاً ، وكان قطري قد استعمل رجلاً من الدهاقين فظهرت له اموال كثيرة فأتوا قطرياً فقالوا ان عمر بن الخطاب لم يكن يقار عماله على مثل هذا . فقال قطري اني استعملته وله ضياع وتجارات فأوغر ذلك صدورهم . وبلغ ذلك المهلب . فقال ان اختلافهم أشد عليهم مني . وقالوا لقطري ألا تخرج بنا إلى عدونا فقال لا . ثم خرج
131
فقالوا قد كذب وارتد فاتبعوه يوماً فأحس بالشر . فدخل دار امن جماعة من أصحابه فصاحوا به يا دابةٍ اخرج الينا . فخرج اليهم . فقال رجعتم بعدي كفاراً فقالوا أولست دابة ؟ . قال : الله عز وجل وما من دابة في الأرض الا على الله رزقها ، ولكنك كفرت بقولك انا قد رجعنا كفاراً فتب الى الله عز وجل . فشاور عبيدة . فقال ان تبت لم يقبلوا منك . ولكن قل انما استفهمت فقلت أرجعتم بعدي كفاراً . فقال ذلك لهم فقبلوه منه فرجع الى منزله وعزم أن يبايع المقعطر العبدي فكرهه القوم وأبوه . فقال له صالح بن مخراق عنه وعن القوم ابغ لنا غير المقعطر . فقال قطري ألى طول العهد قد غيركم وأنتم بصدد عدوكم فاتقوا الله واقبلوا على شأنكم واستعدوا للقاء القوم . فقال له صالح بن مخراق ان الناس قبلنا ساموا عثمان بن عفان أن يعزل عنهم سعيد بن العاصي ففعل . ويجب على الامام أن يعفي الرعية مما كرهت . فأبى قطري أن يعزله . فقال له القوم انا خلعناك وولينا عبد ربه الصغير ، فانفصل الى عبد ربه اكثر من الشطر وجلهم الموالي والعجم . وكان هناك منهم ثمانية آلاف وهم القراء . ثم ندم صالح بن مخراق فقال لقطري هذه نفحة من نفحات الشيطان فأعفنا من المقعطر . وسر بنا . الى عدوك فأبى قطري الا المقعطر فحمل فتى من العرب على صالح بن مخراق فطعنه فأنفذه وأجره الرمح فقتله . فنشبت الحرب بينهم فتهايجوا ثم انحاز كل قوم الى صاحبهم . فلما كان الغد اجتمعوا فاقتتلوا قتالاً شديداً
132
فأجلت الحرب عن ألفي قتيل . فلما كان الغد باكروهم القتال فلم ينتصف النهار حتى أخرجت العجم العرب من المدينة . وأقام عبد ربه بها وصار قطري خارجاً من مدينة جيرفت بازائهم . فقال له عبيدة يا أمير المؤمنين ان أقمت لم آمن هذه العبيد عليك الا أن تخندق فخندق على باب المدينة وجعل يناوشهم . وارتحل المهلب فكان منهم على ليلة فدس رجلاً من أصحابه فقال أئت عسكر قطبي . فقل اني لم ازل أرى قطرياً يصيب الرأي حتى نزل منزله هذا فبان خطؤه . أنقيم بين المهلب وعبد ربه يغاديه هذا القتال ويراوحه هذا . فنما الكلام الى قطري . فقال صدق . تنحوا بنا عن هذا الموضع . فان اتبعنا المهلب قاتلناه . وأن أقام على عبد ربه رأيتم فيه ما تحبون فقال له الصلت بن مرة يا أمير المؤمنين ان كنت تريد الله فاقدم على القوم . وان كنت تريد الدنيا فاعلم اصحابك حتى يستأمنوا . وانشأ الصلت يقول :
قـل للمحلين قـد قـرت عيونكم
بفـرقة القـوم والبغضاء والهرب
كنـا انـاساً علـى ديـن فغيرنـا
طـول الجدال وخـلط الجد باللعب
ما كان أغنـى رجالاً ضل سعيهم
عـن الجدال وأغناهم عن الخطب
اني لاهونكم في الأرض مضطرباً
مالي سوى فرسي والرمح من نشب

133
ثم قال : أصبح المهلب يرجو منا ما كنا نطمع فيه منه . فارتحل قطري وبلغ ذلك المهلب . فقال لهريم بن عدي بن ابي طحمة المجاشعي اني لا آمن أن يكون قطري كاذباً بترك موضعه . فاذهب فتعرف الخبر فمضى هريم في اثني عشر فارساً فلم ير في العسكر الا عبداً وعلجاً فسألهما عن قطري وأصحابه فقالا مضوا يرتادون غير هذا المنزل . فرجع هريم الى المهلب فأخبره فارتحل المهلب حتى نزل خندق قطري فجعل يقاتلهم أحياناً بالغداة وأحياناً بالعشي قال : ولما كان العشي خرج الأزارقة وقد حملوا حرمهم وأموالهم وخف متاعهم لينتقلوا فقال المهلب لأصحابه الزموا مصافكم واشرعوا رماحكم ودعوهم والذهاب ، فقال له عبيد هذا لعمري أيسر عليك فقال للناس ردوهم عن وجهتهم وقال لبنيه تفرقوا في الناس ، وقال لعبيد بن ابي ربيعة كن مع يزيد فخذه بالمحاربة أشد الأخذ ، وقال لأحد الامينين كن مع المغيرة ولا ترخص له في الفتور . فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى عقرت الدواب . وصرع الفرسان وقتلت الرجال فجعلت الخوارج تقاتل على القدح يؤخذ منها والسوط والعلق الخسيس أشد قتال . وسقط رمح لرجل من مراد من الخوارج فقاتلوا عليه حتى كثر الجراح والقتل وذلك مع المغرب والمرادي يقول :
الليل ليل فيـه ويل ويل
وسال بالقوم الشراة السيل
ان جاز للأعداء فينا قول
134
فلما عظم الخطب فيه بعث المهلب الى المغيرة خل عن الرمح عليهم لعنة الله فخلوا لهم عنه . ثم مضت الخوارج حتى نزلوا على اربعة فراسخ من جيرفت ودخلها المهلب وأمر بجمع ما كان لهم فيها من المتاع وما خلفوه من رقيق وختم عليه هو والثقفي والامينان . ثم أتبعهم فاذا هم قد نزلوا على عين لا يشرب منها الأقوى . يأتي الرجل بالدلو قد شدها في طرف رمحه فيستقي بها وهناك قرية فيها أهلها فغاداهم القتال إلى نصف النهار ، فقال المهلب لأبي علقمة العبدي . وكان شجاعاً عانياً أمدد بخيل اليحمد وقل لهم فليعيرونا جماجمهم ساعة فقال له ان جماجمهم ليس بفخار فتعار وليست أعناقهم كرادي فتنبت ، وقال لحبيب بن أوس كر على القوم فلم يفعل وقال :
يقول لي الأمير بغيـر علـم
تقـدم حين جـد به المراس
فمـالي ان اطعتك مـن حياة
ومالي غير هذا الرأس راس
وقال لمعن بن المغيرة بن ابي صفرة احمل . فقال لا الا ان تزوجني ام مالك بنت المهلب ففعل فحمل على القوم فكشفهم وطعن فيهم وقال :
ليست من يشتري الغداة بمال
هلكـه اليوم عنـدنا فيرانا
نصل الكر عنـد ذاك بطعن
ان للمـوت عندنـا الوانا

135
ثم جال الناس جولة عند جملة حملها عليهم الخوارج فم يزالوا على ذلك حتى ضعف الفريقان ، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها عبد ربه جمع أصحابه ، وقال يا معشر المهاجرين ان قطرياً وعبيدة هرباً طلب البقاء ولا سبيل اليه فالقوا عدوكم فان غلبوكم على الحياة فلا يغلبنكم على الموت فتلقوا الرماح بنحوركم والسيوف بوجوهكم وهبوا أنفسكم لله في الدنيا يهبها لكم في الآخرة ، قال ولما أصبحوا غادوا المهلب فقاتلوه قتالا شديداً انسى به ما كان قبله . وقال عبدالله بن رزام الحارثي لأصحاب المهلب احملوا . فقال المهلب أعرابي مجنون . وكان من أهل نجران فحمل وحده فاخترق القوم حتى نجم من ناحية اخرى . ثم رجع ثم كر ففعل فعلته الأولى وتهايج الناس فترحلت الخوارج وعقروا دوابهم فناداهم عمرو القنا ولم يترجل هو وأصحابه من العرب ، وكانوا زهاء أربعمائة موتوا على ظهور دوابكم ولا تعقروها فقالوا انا اذا كنا على الدواب ذكرنا الفرار فاقتتلوا ونادى المهلب بأصحابه الأرض الأرض ، وقال لبنيه تفرقوا في الناس ليروا وجوهكم . ونادى الخوارج إلا أن العيال لمن غلب فصبر بنوا المهلب وصبر يزيد بين يدي ابيه وقاتل قتالاً شديداً أبلى فيه . فقال له ابوه يا بني اني أرى موطناً لا ينجو فيه إلا من صبر وما مر بي يوم مثل هذا منذ مارست الحروب ، وكسرت الخوارج أجفان سيوفها وتجاولوا فأجلت جولتهم عن عبد ربه مقتولاً .
136
فهرب عمرو القنا وأصحابه واستأمن قوم وأجلت الحرب عن أربعة آلاف قتيل وجرحى كثير من الخوارج . فأمر المهلب بأن يدفع كل جريح الى عشيرته . وظفر بعسكرهم فحوى ما فيه . ثم انصرف الى جيرفت . فقال الحمد لله الذي ردنا الى الخفض والدعة فما كان عيشنا بعيش ، ثم نظر الى قوم في عسكره لم يعرفهم فقال ما أشد عادة السلاح ناولوني درعي فلبسها . ثم قال خذوا هؤلاء فلما صير بهم اليه . قال ما أنتم ؟ قالوا نحن جئنا لنطلب غرتك لنفتك بك فأمر بهم فقتلوا قاب وكتب الحجاج الى المهلب . أما بعد فان الله عز وجل قد فعل بالمسلمين خيراً . وأراحهم من حد الجهاد . وكنت أعلم بما قبلك والحمد لله رب العالمين . فاذا ورد عليك كتابي هذا فأقسم في المجاهدين فيئهم ونفل الناس على قدر بلائهم . وفضل من رأيت تفضيله وان كانت بقيت من القوم بقية فخلف خيلاً تقوم بازائهم . واستعمل على كرمان من رأيت . وول الخيل شهماً من ولدك . ولا ترخص لأحد في اللحاق بمنزله دون أن تقدم بهم علي . وعجل القدوم ان شاء الله . فولى المهلب ابنه يزيد كرمان . وقال له يا بني انك اليوم لست كما كنت انما لك من مال كرمان ما فضل عن الحجاج ولن تحتمل الا على ما احتمل عليه أبوك . فأحسن الى من معك . وان انكرت من انسان شيئاً وجهه الي وتفضل على قومك . وقدم المهلب على الحجاج فأجلسه الى جانبه وأظهر اكرامه وبره ، وقال يا أهل العراق
137
أنتم عبيد المهلب . ثم قال انت والله كما قال لقيط الأيادي :
وقلـدوا أمـركــم لله دركــم
رحب الذراع بامر الحرب مضطلعاً
لا يطعـم النـوم الا ريث يبعثـه
هـم يكـاد حـشاه يـقصم الضلعا
لا مترفاً ان رخاء العيش ساعـده
ولا اذا عـض مكـروه بـه خشعاً
ما زال يحلب هذا الدهر اشطـره
يكـون متبعـاً طـوراً ومتبعــاً
حتى استمرت على شزر مريرته
مستحكم الرأي لا قحماً ولا ضرعاً

138
[ واقعة صالح بن مسرح ]
كان صالح بن مسرح من رؤساء الخوارج . وكان بدارات أرض الموصل . فخرج بأصحابه على عبد الملك بن مروان . ليلة الأربعاء هلال صفر سنة ست وتسعين . وكان أحد قواده شبيب بن يزيد الشيباني فأول ما عملوه وقعوا على دواب لمحمد بن مروان في رستاق فنهبوها وحملوا عليها أثقالهم . وتحصن منهم أهل دارات . فبلغ خبرهم محمد بن مروان وهو يومئذ امير الجزيرة . فاستخف بأمرهم وبعث اليهم عدي بن عميرة في خمسمائة . وكان صالح في مائة وعشرة . فقال عدي أصلح الله الأمير تبعثني الى رأس الخوارج . ومعه رجال سمعوا لي وان الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة فقال له اني ازيدك خمسمائة فسر اليهم في ألف فارس . فسار من حران في ألف رجل . وكأنما يساقون الى الموت . وكان عدي رجلاً ناسكاً فلما نزل ذرعان نزل بالناس وأنفذ إلى صالح بن مسرح رجلاً
139
دسه اليه فقال : ان عدياً بعثني اليك يسألك أن تخرج عن هذا البلد . وتأوي الى بلد آخر فتقاتل أهله فاني للقتال كاره . فقال له صالح ارجع اليه فقل له ان كنت ترى رأينا فأرنا من ذلك ما نعرف ثم نحن مدلجون عنك . وان كنت على رأي الجبابرة وأئمة السوء رأينا رأينا فأما بدأنا بك وإلا رحلنا الى غيرك . فانصرف اليه الرسول فأبلغه . فقال له عدي ارجع اليه فقال له اني والله لا أرى رأيك ولكني اكره قتالك وقتال غيرك من المسلمين . فقال صالح لاصحابه اركبوا واحتبس الرجل عنده ومضى بأصحابه حتى اتي عدياً في سوق ذرعان وهو قائم يصلي الضحى فلم يشعر الا بالخيل طالعة عليهم فلما دنا صالح منهم رأهم على غير تعبئة وقد تنادوا وبعضهم يجول في بعص . فأمر شبيباً فحمل عليهم . في كتيبة ثم أمر سويداً فحمل في كتيبة . فكانت هزيمتهم . وأتى عدي بدابته فركبها ومضى على وجهه . واحتوى صالح على عسكره وما فيه . وذهب فل عدي حتى لحقوا بمحمد بن مروان فغضب . ثم دعا بخالد بن جزء السلمي فبعثه في ألف وخمسماية . ودعا الحرث بن جعوية في ألف وخمسماية . وقال لهما اخرجا الى هذه الخارجة القليلة الخبيثة وعجلا فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه فخرج واجداً في السير وجعلاً يسألان عن صالح . فقيل لهما توجه نحو آمد فأتبعاه حتى انتهيا اليه بآمد فنزلا
140
ليلاً وخندقا وهما متساندان كل واحد منهما على حدته فوجه صالح شبيباً الى الحرث بن جعوبة في شطر أصحابه وتوجه هو نحو خالد السلمي . فاقتتلوا أشد قتال اقتتله قوم حتى حجر بينهم الليل وقد انتصف بعضهم من بعض . فتحدث بعض أصحاب صالح قال كنا اذا حملنا عليهم استقبلنا رجالهم بالرماح ونضحنا رماتهم بالنبل وخيلهم تطاردنا في خلال ذلك . فانصرفنا عند الليل وقد كرهناهم وكرهونا فما رجعنا وصلينا وتروحنا وأكلنا من الكسر دعانا صالح . وقال : يا اخلائي ماذا ترون ؟ فقال شبيب : انا ان قاتلنا هؤلاء القوم وهم معتصمون بخندقهم لم ننل منهم طائلاً . والرأي أن نرحل عنهم . فقال صالح وأنا ارى ذلك فخرجوا من تحت ليلتهم حتى قطعوا أرض الجزيرة وأرض الموصل ومضوا حتى قطعوا أرض الدسكرة . فلما بلغ ذلك الحجاج سرح عليهم الحارث بن عميرة في ثلاثة آلاف . فسار اليهم وخرج صالح نحو كلولاء وخانقين واتبعه الحرث . حتى انتهى الى قرية يقال لها الريح وصالح يومئذ في تسعين رجلاً فعبى الحرث بن عميرة أصحابه ميمنة وميسرة . وجعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس . وهو في كردوس . وشبيب في ميمنته في كردوس وسويد بن سليم في كردوس في ميسرته في كل كردوس منهم ثلاثون رجلاً فلما شد عليهم الحرث بن عميرة انكشف سويد بن سليم . وثبت صالح
141
فقتل . وضارب شبيب حتى صرع عن فرسه فوقع بين رجاله فجاء حتى انتهى الى موقف صالح فوجده قتيلاً فنادى الي يا معشر المسلمين فلاذوا به فقال لأصحابه ليجعل كل رجل منكم ظهره الى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه اذا قدم عليه حتى ندخل هذا الحصن ونرى راينا ففعلوا ذلك . حتى دخلوا الحصن وهو سبعون رجلاً مع شبيب . وأحاط بهم الحرث بن عميرة ممسياً . وقال لأصحابه احرقوا الباب فاذا صار جمراً فدعوه فانهم لا يقدرون على الخروج حتى نصبح فنقتلهم ففعلوا ذلك بالباب . ثم انصرفوا الى معسكرهم فقال شبيب لاصحابه يا هؤلاء ما تنتظرون ؟ فوالله ان اصبحوكم انه لهلاككم . فقالوا له مرنا بأمرك . فقال لهم بايعوني ان شئتم أو بايعوا من شئتم منكم . ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم فانهم آمنون منكم . واني أرجو أن ينصركم الله عليهم . قالوا ابسط يدك فبايعوه . فلما جاؤا الى الباب وجدوه جمراً فأتوه باللبود فبلوها بالمآء ثم القوها عليه وخرجوا فلم يشعر الحرث بن عميرة الا وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم فضارب الحرث حتى صرع واحتمله أصحابه وانهزموا وخلوا لهم المعسكر وما فيه ومضوا حتى نزلوا المدائن . وكان ذلك أول جيش هزمه شبيب .
142
[ وقائع شبيب بن يزيد الشيباني ]
كان شبيب يكنى بأبي الصحارى . وكان بأرض الموصل والجزيرة فقصد عبد الملك بن مروان بالشام وطلب منه أن يساوي عطاءه وعطاء الأشراف فأنكره عبد الملك . فقال شبيب يوشك أن يعرفني فخرج من وقته الى صالح بن مسرح رأس الخوارج . فجعله صالح من قواده وحارب معه الأمويين . حتى اذا قتل صالح بن مسرح . جمع شبيب الصالحية وأصحابه من بني شيبان وغلب على حد كسكران المدائن فتحصن منه أهلها . فأنتهب المدائن الا الاولى واصاب دواب من دواب الجند وقتل من ظهر له ولم يدخل البيوت . ثم أتى فقيل له هذا سورة قد أقبل اليك فخرج في أصحابه حتى أتوا مصارع اخوانهم الذين قتلهم علي بن ابي طالب (ع) فاستغفروا لهم وتبرؤا من علي وأصحابه وبكوا فأطالوا البكاء ثم عبروا جسر النهروان فنزلوا من جانبه الشرقي وجاء سورة حتى نزل بنفطر انا وجاءته
143
عيونه فأخبروه بمنزل شبيب بالنهروان . فدعا سورة رؤوس أصحابه . فقال لهم ان الخوراج قلما يلقون في صحراء وعلى ظهر الا انتصفوا وقد حدثت انهم لا يزيدون على مائة رجل وقد رأيت أن أنتخبكم وأسير في ثلثمائة رجل منكم من أقويائكم وشجعانكم فأبيتهم فانهم آنسون من بياتكم واني والله ارجوا ان يصرعهم الله مصارع اخوانهم في النهروان من قبل . فقالوا اصنع ما أحببت . فاستعمل على عسكره حازم بن قدامة . وانتخب ثلاثمائة من شجعان أصحابه ثم أقبل بهم حتى قرب من النهروان وبات وقد أذكى الحرس ثم بيتهم . فلما دنا أصحاب سورة منهم نذروا بهم فاستووا على خيولهم وتعبوا تعبيتهم . فلما انتهى اليهم سورة وأصحابه اصابوهم ، وقد نذروا فحمل عليهم سورة فصاح شبيب بأصحابه فحمل عليهم حتى تركوا له العرصة . وحمل شبيب وجعل يضرب ويقول : من ينك العيرينك نياكاً . فرجع سورة مفلولاً قد هزم فرسانه وأهل القوة من أصحابه وأقبل نحو المدائن وتبعه شبيب حتى انتهى سورة الى بيوت المدائن والنتهى شبيب اليهم وقد دخل الناس البيوت وخرج ابن ابي عصيفر وهو امير المدائن يومئذ في جماعة فلقيهم في شوارع المدائن ورماهم الناس بالنبل والحجارة من فوق البيوت . ثم سار شبيب الى تكريت .
144
لما صار شبيب الى تكريت وجه الحجاج الجزل وهو عثمان بن سعيد في أربعة آلاف فسار الجزل نحو المدائن وهو يظن أن شبيباً هناك حتى اذا وصلها لم يجد فسأل عنه فأخبرانه توجه الى تكريت فلحقه والتقى معه في أرض خوخي . ووقعت بينهما المعركة فهرب شبيب بأصحابه وصار الجزل يطارده بكتائبه وجاء كتاب من الحجاج الى الجزل يحضه على قتالهم وكان قد سمع الحجاج أن الجزل يراوغ الخوارج . قال : فارسل الحجاج سعيد بن المجالد اميراً بدله وعهد اليه اذا التقى بالمارقة أن يزحف عليهم ولا يناظرهم ولا يطاولهم ولا يصنع صنع الجزل . وكان الجزل يومئذ قد انتهى في طلب شبيب الى النهروان . وقد لزم عسكره وخندق عليهم . فجاء سعيد حتى دخل عسكر أهل الكوفة اميراً . فقام فيهم خطيباً . فحمد الله وأثنى عليه . ثم قال : يا أهل الكوفة انكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم أنتم في طلب هذه الأعاريب العقف منذ شهرين قد أخربوا بلادكم وكسروا خراجكم وأنتم حذرون في جوف هذه الخنادق ولا تزايلونها الا أن تبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم ونزلوا بلداً سوى بلدكم اخرجوا على اسم الله اليهم . ثم خرج وخرج الناس معه . فقال الجزل ما تريد أن تصنع قال : اقدم على شبيب وأصحابه في هذه الخيل فقال له الجزل أقم أنت في جماعة الناس فارسهم وراجلهم ولا
145
تفرق أصحابك ودعني اصحر له فان ذلك خير لك وشر لهم فقال سعيد بل تقف أنت في الصف وأنا اصحر له . فقال الجزل اني بريء من رأيك هذا سمع الله ومن حضر من المسلمين . فقال سعيد هو رأيي ان أصبت فيه فالله وفقني وان أخطأت فيه فأنتم براء . فوقف الجزل في صف الكوفة . وقد جعل على ميمنتهم عياض بن ابي ليينة الكندي وعلى وعلى ميسرتهم عبد الرحمن بن عوف وأبا حميد الراسبي ووقف الجزل في جماعتهم واستقدم سعيد بن مجالد والناس معه . وقد أخذ شبيب الى نزار الدور فنزل قطيطاً وأمر دهقانها أن يشوي لهم غنماً ويعدلهم غذاء ففعل . وأغلق مدينة قطيطاً ولم يفرغ الدهقان من طعامه حتى أحاط ابن مجالد فصعد الدهقان ثم نزل وقد تغير لونه . فقال شبيب ما بالك ؟ قال قد جاءك جمع عظيم . قال ابلغ شواؤك ؟ قال لا . قال دعه يبلغ ثم أشرف الدهقان اشرافة اخرى ثم نزل فقال قد أحاطوا بالجوسى . قال هات شواءك فجعل يأكل غير مكترث بهم . ولا فزع (1) فلما فرغ . قال لأصحابه قوموا الى الصلاة وقام فتوضأ فصلى بأصحابه صلاة الأولى ولبس درعه وتقلد سيفه وأخذ عموده الحديد . ثم قال اسرجوا لي بغلتي فقال أخوه أفي مثل هذا اليوم
(1) اراد أن يريه ثبات جنانه .

146
تركب بغلة ؟ قال نعم أسرجوها فركبها . ثم قال : يا فلان انت على الميمنة . وأنت يا فلان على الميسرة . وانت يا مضاد يعني أخاه على القلب وأمر الدهقان ففتح الباب في وجوههم فخرج اليهم وهو يحكم وحمل حملة عظيمة فجعل سعيد وأصحابه يرجعون القهقري حتى صار بينهم وبين الدير ميل . وشبيب يصيح اتاكم الموت الزؤام فاثبتوا وسعيد يصيح يا معشر همدان الي اي انا ابن ذي مران . فقال شبيب لمضاد ويحك استعرضهم استعراضاً فانهم قد تقطعوا واني حامل على أميرهم وأثكلنيك الله ان لم اثكل ولده .ثم حمل على سعيد فعلاه بالعمود ثم سقط ميتاً . وانهزم أصحابه ولم يقتل يومئذ من الخوارج الا رجل واحد وانتهى قتل سعيد الى الجزل . فناداهم ايها الناي الي الي وصاح عياض بن ابي ليينة أيها الناس ان يكن اميركم هذا القادم هلك فهذا اميركم الميمون النقيبة أقبلوا اليه فمنهم من أقبل اليه ومنهم من ركب فرسه منهزماً . وقاتل الجزل يومئذ قتالاً شديداً حتى صرع وحامى عنه خالد بن نهيك وعياض بن ابي ليينة حتى استنقذاه مرتثاً . وأقبل الناس منهزمين حتى دخلوا الكوفة وأتى بالجزل جريحاً حتى دخل المدائن . فكتب الجزل الى الحجاج ما كان من أمر سعيد ومقتله وفل عسكره . فأجابه الحجاج شاكراً له صنعه وأرسل
147
اليه جبار بن الاعز الطبيب ليداويه ويعالج جراحاته : قال ابن ابي الحديد وأما شبيب فاقبل حتى قطع دجلة عند الكرخ وأخذ بأصحابه نحو الكوفة . وبلغ الحجاج مكانه بحمام أعين فبعث اليه سويد بن عبد الرحمن السعدي وجهزه بألفي فارس منتخبين . وقال اخرج الى شبيب فالقه ولا تتبعه فخرج بالناس بالسبخة وبلغه أن شبيباً قد أقبل فسار نحوه كأنما يساق الى الموت هو وأصحابه . وأمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس في السبخة ونادى الا برأت الذمة من رجل من هذا الجند بات الليلة بالكوفة ولم يخرج الى عثمان بن قطن بالسبخة . فبينا سويد بن عبد الرحمن يسر في الألفين الذين معه وهو يعبيهم ويحرضهم اذ قيل قد غشيك شبيب . فنزول ونزل معه جل أصحابه وقدم رايته . فأخبر أن شبيباً لما علم بمكانه تركه ووجد مخاضة فعبر الفرات يريد الكوفة من غير الوجه الذي سويد بن عبد الرحمن به . ثم قيل أما تراهم فنادى في أصحابه فركبوا في آثارهم . فأتى شبيب دار الرزق فنزلها . وقيل له أن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون . فلما بلغهم مكان شبيب ماج الناس بعضهم الى بعض وجالوا وهموا بدخول الكوفة حتى قيل هذا سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم في الخيل . ومضى شبيب حتى أخذ على شاطىء الفرات . ثم أخذ على الأنبار . ثم دخل دقوقاً . ثم ارتفع
148
الى أداني آذربيجان . وخرج الحجاج من الكوفة الى البصرة حيث فقد شبيب . واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة . فما شعر الناس الا بكتاب ما دارست دهقان بابل مهروذ الى عروة بن المغيرة بن شعبة . ان تاجراً من تجار أهل بلادي أتاني يذكر أن شبيباً يريد أن يدخل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل واحببت اعلامك لترى رأيك واني لم ألبث بعد ذلك اذ جاءني اثنان من جيراني فحدثاني أن شبيباً قد نزل خازبار . فأخذ عروة كتابه وأدرجه وسرح به الى الحجاج الى البصرة فلما قرأه الحجاج أقبل جاداً الى الكوفة واقبل شبيب حتى انتهى الى قرية ـ حربي ـ على شاطىء دجلة فعبرها . وقال لأصحابه يا هؤلاء ان الحجاج ليس بالكوفة وليس دون أخذها شيء ان شاء الله . فسيروا بنا نبادر الحجاج الى الكوفة فالعجل العجل . فطوى الحجاج المنازل مسابقاً لشبيب الى الكوفة فسبقه ونزلها صلاة العصر . ونزل شبيب السبخة صلاة العشاء الآخرة فأصاب هو وأصحابه من الطعام شيئاً يسيراً . ثم ركبوا خيولهم فدخل شبيب الكوفة في أصحابه حتى انتهى الى السوق . وشد حتى ضرب القصر بعموده . فحدث جماعة أنهم رأوا أثر ضربة شبيب بالعمود بباب القصر . ثم اقبل حتى وقف عند باب المصطبة وأنشد .
وكأن حافرها بـكل ثنية
فرق يكيل به شحيح معدم
ثم أقحم هو وأصحابه المسجد الجامع ولا يفارقه قوم يصلون فيه فقتل منهم جماعة . ثم خرج ومر بطريقه بدار حوشب . وكان على شرطة الحجاج فوقف على بابه ومعه جماعته فصاحوا ان الأمير يدعوك فظن أن الحجاج يدعوه فخرج غلامه وأخرج برذونه ليركبه ونزل حوشب فاذا هو بشبيب واصحابه فعلجوا اليه فغلق الباب في وجوههم وقتلوا غلامه وأخذوا برذونه وانصرفوا . ثم مروا بمسجد بني ذهل فلقوا ذهل ابن الحرث وكان يصلي في مسجد قومه فصادفوه منصرفاً الى منزله فقتلوه . ثم خرجوا متجهين الى الردمة . وأمر الحجاج فنودي يا خيل الله اركبي وابشري وهو فوق القصر ينادي وهناك مصباح مع غلام له قائم . وكان أول من جاء من الناس عثمان بن قطن ومعه مواليه وناس من أهله . وقال اعلموا الأمير مكاني أنا عثمان بن قطن فيأمرني بأمره . وجاء بعض الناس حتى الصباح . وكان عبد الملك بن مروان بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان وكتب له عهده اليها . وكان قد أمر والحجاج أن يسرح له الفي فارس . فهيأ له العسكر وقال له أن شبيباً في طريقك فناجزه فاستجاب له وبعث الحجاج بشر بن غالب الأسدي في ألفي رجل وزياد بن قدامة في ألفين . وأبا الضرّيس مولى تميم في ألف من الموالي وأعين صاحب حمام أعين ـ مولى لبشر
150
بن مروان في ألفين رجل . وجماعة غيرهم . فاجتمعت تلك الامراء في أسفل الفرات . وترك شبيب الوجه الذي فيه جماعة هؤلاء القواد وأخذ نحو القادسية فوجه الحجاج زجر بن قيس في جريدة خيل تقاوم عدتها ألف وثمانمائة ، فارس . وقال له اتبع شبيباً حتى تواقعه حيثما أدركته فخرج زجر بن قيس حتى انتهى الى السليحين وبلغ شبيباً مسيره اليه . فاقبل نحوه فالتقيا وقد جعل زجر على ميمنته عبيد الله بن كنار . وكان شجاعاً . وعلى ميسرته عدي بن عدي بن عميرة الكندي . وجمع شبيب خيله كلها كبكبة واحدة . ثم اعترض بها الصف يوجف وجيفاً حتى انتهى الى زجر فنزل زجر فقاتل حتى صرع . وانهزم أصحابه وظن انه قد قتل . فلما كان الليل وأصابه البرد قام يمشي حتى دخل قرية فبات بها وحمل منها الى الكوفة وبوجهه أربع عشرة ضربة فمكث أياماً حتى أتى الحجاج وعلى وجهه القطن فأجلسه معه على السرير . وقال أصحاب شبيب لشبيب وهم يظنون أنهم قد قتلوا زجراً . قد هزمنا جندهم وقتلنا اميرهم . فانصرف بنا الآن موفورين . فقال لهم ان قتلكم هذا الرجل وهزيمتكم هذا الجند قد أرعب هؤلاء الامراء . فاقصدوا بنا قصدهم فوالله لئن نحن قتلناهم ما دون قتل الحجاج وأخذ الكوفة شيء . فقالوا له نحن طوع لأمرك ورأيك . قال الراوي فانقض بهم جاداً نحو عين التمر واستخبر عن القوم فعرف اجتماعهم في رود آباد في أسفل الفرات على أربعاً وعشرين فرسخاً من الكوفة .
151
[ من وقايع شبيب ]
قصد شبيب بأصحابه روذ آباد حيث اجتمع هناك قواد الحجاج ولما بلغ الحجاج مسير شبيب اليهم بعث اليهم ان جمعكم قتال فأمير الناس زائدة بن قدامة . فانتهى اليهم شبيب . وفيهم سبعة امراء ، على جماعتهم زائدة بن قدامه . وقد عبىء كل أمير أصحابه على حدة وهو واقف في أصحابه فاشرف شبيب على الناس وهو على فرس له أغر كميت فنظر الى تعبيتهم . ثم رجع إلى أصحابه وأقبل في ثلاث كتائب يزحف بها . حتى اذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم فوقفت بازاء ميمنة زائدة بن قدامة وفيهما زياد بن عمرو العتكي . ومضت كتيبة فيها مضاد أخو شبيب فوقفت بازاء الميسرة وفيها بشر بن غالب الأسدي . وجاء شبيب في كتيبة حتى وقف مقابل القوم في القلب فخرج زائدة بن قدامة يسير في الناس بين الميمنة والميسرة . يحرض الناس ويقول عباد الله انكم الطيبون الكثيرون . وقد
152
نزل بكم الخبيثون القليلون فاصبروا جعلت لكم الفداء انما حملتان أو ثلاث ثم هو النصر ليس دونه شيء الا ترونهم والله لا يكونون مائتي رجل انما هم أكلة رأس وهم السراق المراق انما جاؤكم ليهريقوا دماءكم . وياخذوا فيئكم . فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على معه وهم قليل . وانتم كثير وهم أهل فرقة وانتم اهل جماعة . فضوا الأبصار واستقبلوهم بالأسنة ، ولا تحملوا عليهم حتى آمركم ثم انصرف الى موقفه . فحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو العتكي فكشف صفة وثبت زياد قليلاً ثم ارتفع سويد عنهم يسيراً ثم كر علهم ثانية . فقال فروة بن لقسط الخارجي اطعنا ذلك اليوم ساعة فصبروا لنا حتى ظننت انهم لن يزولوا . وقاتل زياد بن عمرو قالاً شديداً . ولقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وانه لأشد العرب قتالاً وأشجعهم . وهو واقف لا يعرض لهم . ثم ارتفعنا عنهم فاذا هم يتقوضون احملوا عليهم . فارسل الينا شبيب خلوهم لا تحلموا عليهم حتى يخفوا فتركناهم قليلاً . ثم حملنا عليهم الثلاثة فانهزموا فنظرت الى زياد بن عمرو وانه ليضرب بالسيوف وما من سيق يضرب به الا نبا عنه ولقد اعتروه اكثر من عشرين سيفاً وهو محفف فما ضره شيء منها . ثم انهزم وانتهينا الى محمد بن موسى بن طلحة أمير سجستان عند المغرب وهو
153
قائم في أصحابه فقابلناه قتالاً شديداً وصبر لنا . ثم أن مضاداً . حمل على بشر بن غالب في اليسرة فصبر وكرم وابلى ونزل معه رجال من اهل البصرة نحو خمسين فضاربوا بأسيافهم . ثم انهزم أصحابه فشددنا على أبي الضريس فهزمناه . ثم انتهينا الى موقف أعين ثم شددنا على اعين فهزمناهم حتى انتهينا الى زائدة بن قدامة . فلما انتهوا اليه نزل ونادى يا اهل الاسلام الأرض الأرض . الا لا يكونوا على كفرهم اصبر منكم على ايمانكم . فقاتلوا عامة الليل الى السحر . ثم أن شبيباً شد على زائدة بن قدامة في جماعة من أصحابه فقتله . وقتل ربضة حوله من أهل الحفاظ . ونادى شبيب في أصحابه ارفعوا السيف وادعوهم الى البيعة فدعوهم عند الفجر الى البيعة . قال عبد الرحمن بن جندب فكنت فيمن تقدم فبايعه بالخلافة وهو واقف على فرس اغر كميت وخيله واقفة دونه . وكل من جاء ليبايعه ينزع سيفه عن عاتقه ويؤخذ سلاحه ثم يدنو من شبيب فيسلم عليه بأمرة المؤمنين . ثم يبايع فانا كذلك حتى اذا ضاء الفجر ومحمد بن موسى بن طلحة في أقصى العسكر مع أصحابه . وكان الحجاج قد جعل موقفه آخر الناس . وزائدة بن قدامة بين يديه . ومقام محمد بن موسى مقام الأمير على الجماعة كلها . فأمر محمد مؤذنه فاذن . فلما سمع شبيب الاذان . قال ما هذا ؟ قيل هذا ابن طلحة لم يبرح قال : ظننت أن
154
حمقه وخيلاءه سيحملانه على هذا ؛ نحوا هؤلاء عنا وانزلوا بنا . فلنصل فنزل وأذن هو ثم استقدم فصلى بأصحابه وقرأ ( ويل لكل همزة لمزة ) و( أرأيت الذي يكذب بالدين ) . ثم سلم وركب وأرسل الى محمد بن موسى بن طلحة انك امرؤ مخدوع قد اتقى بك الحجاج المنية وانت لي جار بالكوفة ولك حق فانطلق لما أمرت به ولك الله أن لا اسوءك فأبى الا محاربته فأعاد عليه الرسول فأبى الا قتاله : فقال شبيب كأني بأصحابك لو التقت حلقتا البطان لأسلموك وصرعت مصرع أمثالك فاطعني وانصرف لشأنك فاني انفس بك عن القتل . فأبى وخرج بنفسه ودعا الى البراز فبرز له البطين ثم قعنب بن سويد وهو يأبى الا شبيباً . فقالوا لشبيب انه قد رغب عنا اليك . قال فما ظنكم بمن يرغب عن الاشراف . ثم برز له وقال له انشدك الله يا محمد في دمك فان لك جواراً فأبى الا قتاله فحمل عليه بعموده الحديدي وكان في اثنا عشر رطلاً فهشم رأسه وبيضة كانت عليه فقتله ونزل اليه فكفنه ودفنه وتتبع ما غنم الخوارج من عسكره فبعث به الى أهله . واعتذر الى أصحابه . وقال هو جاري بالكوفة ولي ان أهب ما غنمت فقال له أصحابه ما دون الكوفة الآن احد يمنعك فنظر فاذا أصحابه قد فشا فيهم الجراح فقال ليس عليكم اكثر مما قد فعلتم . وخرج على نفر ثم خرج بهم نحو بغداد يطلب جانباً .
155
( من وقائع شبيب )
قال ابن ابي الحديد وسار شبيب الى نفر فظن الحجاج انه قصد المدائن وهي باب الكوفة . ومن أخذ المدائن كان ما في يديه من أرض الكوفة اكثر . وقد هاله ذلك فبعث الى عثمان بن قطن فسرحه الى المدائن وولاه منبرها والصلاة ومعونة خوخى كلها وخراج الاستان فجاء مسرعاً حتى نزل المدائن وعزل الحجاج ابن عصيقر عن المدائن وكان الجزل مقيماً بها يداوي جراحاته . ودعى الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث . فقال له انتخب الناس فأخرج ستمائة من قومه من كندة . واخرج من سائر الناس ستة آلاف . واستحثه الحجاج على الشخوص فخرج بعسكره يدبر بدير عبد الرحمن . فلما استتموا هناك كتب اليهم الحجاج كتاباً قرىء عليهم . والكتاب فيه تهديد ووعيد وحث على القتال . قال وارتحل عبد الرحمن بالناس حتى مر بالمدائن فنزل بها يوماً ليشتري اصحابه منها
156
حوائجهم . ثم خرج بالناس نحو شبيب . فلما دنا منه ارتفع شبيب عنه الى دقوقاء وشهر زور فخرج عبد الرحمن في طلبه . حتى اذا كان على تخوم تلك الأرض أقام . وقال انما هو في أرض الموصل فليقاتل امير الموصل وأهلها عن بلادهم او فليدعوا . وبلغ ذلك الحجاج فكتب اليه أما بعد فاطلب شبيباً واسلك في اثره اين سلك حتى تدركه فتقتله . أو تنفيه عن الأرض . فانما السلطان سلطان امير المؤمنين والجند جنده والسلام . فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب خرج في طلب شبيب فكان شبيب يدعه حتى اذا دنا منه ليبيته تركه فيتبعه عبد الرحمن . فاذا بلغ شبيباً انه قد تحمل وسار يطلبه . كر في الخيل نحوه فاذا انتهى اليه وجده قد صف خيله ورجاله المرامية فلا يصيب له غرة ولا غفلة . فيمضي ويدعه وكان شبيب يسير في الأرض الغليظة الوعرة وعبد الرحمن يتبعه فاذا دنا منه سار شبيب حتى صار الى خانقين وجلولاء . ثم اقبل على تامراً فصار الى التبت ونزل على تخوم الموصل . ثم اقبل على تامراً فصار الى التبت ونزل على تخوم الموصل . ليس بينه وبين الكوفة الا نهر حولايا وجاء عبد الرحمن حتى نزل بشرقي حولايا . وهم في ذادان الاعلى من ارض خوخى . ونزل في غوامير من النهر ونزلها عبد الرحمن حيث نزلها وهي تعجبه . يرى انها مثل الخندق الحصين . فأرسل شبيب الى عبد الرحمن ان هذه الايام أيام عيد لنا ولكم : فان رأيتم ان توادعونا حتى تمضي هذه الأيام
157
فعلتم . فأجابه عبد الرحمن الى ذلك . ولم يكن شيء احب الى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة . فكتب عثمان بن قطن الى الحجاج يخبره . فأجابه الحجاج انك أنت الأمير . فسر الى الناس فانت اميرهم وعاجل المارقة حتى تلقاهم والسلام . فخرج عثمان حتى قدم على عبد الرحمن ومن معه وهم معسكرون علىنهر حولايا قريباً من التبت . وذلك يوم التروية فباتوا ليلتهم حتى اذا أصبحوا صار عثمان يعبىء الناس . ثم أقام حتى صلى بالناس الغداء . ثم خرج بالخيل فنلز يمشي بالرجال . وخرج شبيب ومعه يومئذ مائة واحد وثمانون رجلاً . فقطع اليهم النهر . وكان في ميمنة أصحابه . وجعل على الميسرة سويد بن سليم وجعل في القلب مضاداً أخاه وزحفوا . وكان عثمان بن قطن يقول لأصحابه فيكثر . قل لن ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت أو القتل واذاً لا تمتعون الا قليلاً . ثم قال شبيب لاصحابه اني حامل على ميسرتهم مما يلي النهر فاذا هزمتها . فتحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم ولا يبرح صاحب القلب حتى يأتيه امري . ثم حمل في ميمنة أصحابه مما يلي النهر على ميسرة عثمانبن قطن . انهزموا . ونزل عقيل بن شداد مع طائفة من أهل الحفاظ فقاتل حتى قتل وقتلوا معه . ودخل شبيب عسكرهم وحمل سويد بن سليم في ميسرة شبيب على عثمان بن قطن فهزمها . وعليها خالد بن نهيك
158
الكندي . فنزل خالد وقاتل قتالاً شديداً فحمل عليه شبيب من ورائه فلم يثن حتى علاه بالسيف فقتله ومشى عثمان بن قطن وقد نزلت معه العرفاء والفرسان واشراف الناس نحو القلب وفيه اخو شبيب في نحو من ستين رجلاً فلما دنا منهم وأصحابه حتى فرقوا بينهم . وحمل شبيب ورائهم بالخيل فما شعروا الا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم وعطف عليهم سويد بن سليم ايضاً في خيله وقاتل عثمان فأحسن القتال . ثم ان الخوارج شدوا عليهم فأحاطوا بعثمان وحمل عليه مضاد اخو شبيب فضربه ضربة بالسيف فاستدار لها وسقط وهو يقول : وكان أمر الله قدراً مقدوراً فقتل وقتل معه العرفاء ووجوه الناس وقتل من كنده يومئذ مائة وعشرون رجلاً . وقتل ما سائر الناس نحو الف . ووقع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الى الأرض فعرفه ابن ابي سبرة . فنزل واركبه وصار رديفاً له ودخل بعدها الكوفة مستتراً من الحجاج الى أن أخذ له الأمان ؟
159
[ وقعة الأنبار ]
قال : وقصد شبيب بعد ان اشتد عليه الحر . ماء النهروان . فصيف بها ثلاثة اشهر . وبعدها قصد المدائن في نحو من ثلثمائة رجل وعلى المدائن يومئذ المطرف بن المغيرة بن شعبة فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان . فبلغ الحجاج ذلك فكتب الى عبد الملك . اما بعد فان شبيباً قد شارف المدائن وإنما يريد الكوفة . وقد عجز أهل العراق عن قتاله في مواطن كثيرة في كلها تقتل امراءهم . وتفل خيولهم . وأجنادهم . فان رأى أمير المؤمنين أن يبعث الي حنداً من جند الشام ليقاتلوا عدوهم ويأكلوا بلادهم فعل ان شاء الله . فلما اتى عبد الملك كتابه بعث الى سفيان بن الأبرد في اربعة آلاف وبعث اليه حبيب بن عبد الرحمن بن مذحج في الفين وسرحهم نحوه حين أتاه الكتاب . وقد كان الحجاج بعث الى عتاب بن ورقاء الرياحي ليأتيه . وكان على خيل الكوفة مع المهلب ـ ودعا الحجاج أشراف أهل
160
الكوفة منهم زهرة بن جوية وقبيصة بن والق . فقال متى ترون ان ابعث على هذا الجيش ؟ قالوا رأيك ايها الأمير افضل . قال : اني قد بعثت الى عتاب بن ورقاء وهو قادم عليكم الليلة فيكون هو الذي يسير بالناس . فقال زهرة بن جوية اصلح الله الامير رميتهم بحجرهم لا والله لا يرجع اليك حتى يظفرا ويقتل . فقال قبيصة بن والق واني مشير عليك أيها الأمير بأي اجتهدته نصيحة لك ولأمير المؤمنين ولعامة المسلمين . ان الناس قد تحدثوا ان جيشاً قد وصل اليك من الشام لأن أهل الكوفة قد هزموا . وهان عليهم الفرار والعار من الهزيمة فكأنما قلوبهم في صدور قوم آخرين فان رأيت أن تبعث الى الجيش الذي قد أمددت به من أهل الشام فليأخذوا حذرهم ولا يثبتوا بمنزل الا وهم يرون أنهم يبيتون فان فعلت فانك انما تحارب حولاً قلباً محلالاً مظعاناً . ان شبيباً بينا هو في أرض اذا هو في اخرى ولا آمن ان يأتيهم وهم غارون فان يهلكوا يهلك العراق كله . فقال الحجاج الله أبوك ما احسن ما رأيت : وما أصح ما أشرت به فبعث الى الجيش الورد عليه من الشام كتاباً قرؤه . وقد نزلوا هيت . وهو أما بعد . فاذا حاذيتم هيت فدعوا طريق الفرات والأنبار وخذوا على عين التمر حتى تقدموا الكوفة إن شاء الله . فاقبل القوم سراعاً . وقدم عتاب بن ورقاء في الليلة التي قال الحجاج انه فيها قادم . فأمره الحجاج .
161
فخرج بالناس وعسكر بحمام اعين . وأقبل شبيب حتى انتهى الى كلواذى فقطع منها دجلة واقبل حتى نزل نهر سير وصار بينه وبين مطرف بن المغيرة بن شعبة جسر دجلة فقطع مطرف الجسر ورأى رأياً صالحاً كاد به شبيباً حتى حسبه عن وجهه . وذلك انه بعث اليه أن ابعث الي رجالاً من فقهاء اصحابك وقرائهم وأظهر له انه يريد أن يدارسهم القرآن وينظر فيما يدعون اليه . قال وجد حقاً اتبعه . فبعث اليه شبيب رجالاً فيهم قعنب وسويد والمجلل . ووصاهم ان لا يدخلوا السفينة حتى يرجع رسوله من عند مطرف . وأرسل الى مطرف ان ابعث الي من أصحابك ووجوه فرسانك بعدة أصحابي ليكونوا رهناً في يدي حتى ترد على أصحابي فقال مطرف لرسوله القه وقل له كيف آمنك الآن على أصحابي اذ ابعثهم اليك وأنت لا تأمنني على أصحابك فابلغه الرسول فقال قل له قد علمت انا لا نستحل الغدر في ديننا وأنتم قوم غدر تستحلون الغدر وتفعلونه . فبعث اليه مطرف جماعة من وجوه أصحابه فما صاروا في يد شبيب سرح اليه أصحابه فعبروا اليه في السفينة فأتوه فمكثوا أربعة أيام يتناظرون ولم يتنقوا على شيء فلما تبين لشبيب ان مطرفاً كاده وانه غير متابع له تعبىء للمسير وجمع أصحابه . وقال لهم ان هذا الثقفي قطعني عن رأيي منذ اربعة أيام . وذاك اني هممت ان أخرج في جريدة من الخيل حتى القى هذا
162
الجيش المقبل من الشام . وأرجو أن أصادف غرتهم قبل أن يحذروا وكنت ألقاهم منقطعين عن المصر ليس عليهم امير كالحجاج يستندون اليه . ولا لهم مصر كالكوفة يعتصمون به . وقد جاءني عيون ان اوائلهم قد دخلوا عين التمر . فهم الآن قد شارفوا الكوفة وجاءني أيضاً عيون من نحو عتاب انه نزل بحمام أعين بجماعة أهل الكوفة واهل البصرة فما اقرب ما بيننا وبينهم فتيسروا بنا للمسير الى عتاب وكان عتاب حينئذ قد أخرج معه خمسين الفاً من المقاتلة وهددهم الحجاج ان هربوا كعادة اهل الكوفة .وعرض شبيب أصحابه بالمدائن فكانوا الف رجل فخطبهم . وقال يا معشر المسلمين ان الله عز وجل كان ينصركم وأنتم مائة ومائتان . واليوم والنتم مئون الا واني مصلي الظهر . ثم سائر بكم ان شاء الله . فصلى الظهر . ثم نادى في الناس فتخلف عنه بعضهم . قال فروة بن لقيط . فلما جاز ساباط ونزلنا معه قص علينا . وذكرنا بأيام الله . وزهدنا في الدنيا ورغبنا في الآخرة . ثم أذن مؤذنه فصلى بنا العصر . ثم أقبل حتى اشرف على عتاب بن ورقاء فلما رأى جيش عتاب نزل من ساعته وأمر مؤذنه فأذن ثم تقدم فصلى بأصحابه صلاة المغرب وخرج عتبا بالناس كلهم فعبأهم . وكان قد خندق على نفسه مذ يوم نزل وجعل على ميمنته محمد بن سعيد بن قيس الهمداني . قال له يا ابن اخي انك شريف فاصبر
163
وصابر . فقال اما انا فوالله لاقاتلن ما ثبت معي انسان . وقال لقبيصة بن والق الثعلبي اكفني الميسرة فقال أنا شيخ كبير غايتي ان أثبت تحت رايتي أما تراني لا استطيع القيام الا أقام وأخي نعيم بن عليم . ذو عناء فابعثه على الميسرة فبعثه عليها . وبعث حنظلة بن الحارث الرياحي ابن عمه وشيخ اهل بيته على الرجالة وبعث معه ثلاثة صفوف فيه الرجالة ومعهم السيوف . وصف هم اصحاب الرماح . وصف فيه المرامية . ثم سار عتاب بين الميمنة والميسرة يمر براية فيحرض من تحتها على الصبر . ومن كلامه يومئذ ان اعظم الناس نصيباً من الجنة الشهداء وليس الله لاحد أمقت منه لأهل البغي الا ترون عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه لا يرى ذلك الا قربة لهم فهم شرار أهل الارض وكلاب اهل النار . فلم يجبه أحد فقال اين القصاص يقصون على الناس ويحرضونهم فلم يتكلم أحد . فقال اين من يروي شعر عنترة فتحرك الناس فلم يجبه أحد ولا رد عليه كلمة فقال لا حول ولا قوة إلا بالله . والله لكأني بكم وقد تفرقتم عن عتاب وتركتموه يسفي في استه الريح . ثم أقبل حتى جلس في القلب . ومعه زهرة بن جوية وعبد الرحمن بن محمد بن الاشعث . وأقبل شبيب في ستمائة . وقد تخلف عنه من الناس فبعث سويد بن سليم في مائتين الى الميسرة . وبعث المجلل بن وائل في مائتين
164
الى القلب ومضى هو في مائتين الى الميمنة . وذلك بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر . فناداهم فمن هذه الرايات ؟ قالوا رايات همدان . فقال : رايات طالما نصرت الحق وطالما نصرت الباطل . لها في كل نصيب انا أبو المذلة اثبتوا ان شئتم . ثم حمل عليهم وهم على مسناة امام الخندق ففضهم . وثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق . فجاء شبيب فوقف عليه . وقال لأصحابه مثل هذا قوله تعالى ( واتل عليهم نبأ الذي آتينا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) ثم حمل على الميسرة ففضها وصمد نحو القلب . وعتاب جالس على طنفسة هو وزهرة بن جوية فغشيهم شبيب فانفض الناس عن عتاب وتركوه . فقال عتاب يا زهرة هذا يوم كثر في العدد وقل فيه الغناء . لهفي على خمسمائة فارس من وجوه الناس الا صابر لعدوه . الا مواس بنفسه فمضى الناس على وجوههم . فلما دنا شبيب وثب اليه في عصابة قليلة صبرت معه . فقال له بعضهم ان عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قد هرب وانصفق معه ناس كثير . فقال اما انه قد فر قبل اليوم . وما رأيت مثل ذلك الفتى ما يبالي ما صنع . ثم قاتلهم ساعة . وهو يقول ما رأيت كليوم قط موطناً لم ابل بمثله أقل ناصراً ولا أكثر هارباً خاذلاً . فرآه رجل من بني تغلب من أصحاب شبيب . وكان أصاب دماً في قومه والتحق بشبيب فقال اني
165
لأظن هذا المتكلم عتاب بن ورقاء . فحمل عليه فطعنه فوقع وقتل ووطأت الخيل زهرة بن جوية فأخذ يذبب بسيفه وهو شيخ كبير لا يستطيع ان ينهض فجاءه الفضل بن عامر الشيباني فقتله وانتهى اليه شبيب فوجده صريعاً فعرفه . فقال من قتل هذا ؟ قال الفضل أنا قتلته . فقال شبيب هذا زهرة بن جوبة أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة . لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك ولرب خيل للمشركين هزمتها وسرية لهم ذعرتها ومدينة لهم فتحتها . ثم كان في علم الله ان تقتل ناصراً للظالمين . وقتل يومئذ وجوه العرب من عسكر العراق في المعركة . واستمكن شبيب من اهل العسكر . فقال ارفعوا عنهم السيف . ودعاهم الى البيعة فبايعه الناس عامة من ساعتهم واحتوى على جميع ما في العسكر وبعث الى اخيه وهو بالمدائن فأتاه بموضع المعركة يومين . ودخل سفيان بن الابرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن فيمن معهما الى الكوفة فشدوا ظهر الحجاج واستغنى بهم عن أهل العراق ووصلته اخبار عتاب وعسكره فصعد المنبر . فقال يا أهل الكوفة لا اعز الله من اراد بكم العز ولا نصر من اراد منكم النصر اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا والحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى ولا يقاتلن معنا الى من لم يشهد قتال عتاب بن ورقاء ، قال ارباب التاريخ . وقصد شبيب بن يزيد يريد الكوفة فانتهى
166
الى سوراء فقال لأصحابه أيكم يأتيني برأس عاملها فانتدب اليه خمسة من أصحابه فمضوا وقتلوه وجاؤا برأسه فبلغ الحجاج ذلك . فقال سيفان بن الأبرد للحجاج ابعثني الى شبيب استقبله قبل ان يرد الكوفة . فقال لا ما أحب أن نفترق حتى ألقاه في جماعتكم والكوفة في ظهرنا . قال واقبل شيب حتى نزل حمام اعين ودعا الحجاج الحرث بن معاوية بن أبي زرعة بن مسعود الثقفي فوجهه في ناس لم يكونوا شهدوا يوم عتاب فخرج في ألف رجل حتى انتهى الى شبيب ليدفعه عن الكوفة فلما رآه شبيب حمل عليه فقتله وفل أصحابه فجاؤا حتى دخلوا الكوفة . وبعث شبيب البطين في عشرة فوارس يرتادون له منزلاً على شاطىء الفرات في دار الرزق . فوجه الحجاج حوشب بن يزيد في جمع من أهل الكوفة فأخذوا بأفواه السكك فقاتلهم البطين فلم يقو عليهم فبعث الى شبيب فأمده بفوارس من اصحابه فعقروا فرس حوشب وهزموه فنجا بنفسه ومضى البطين الى دار الرزق في أصحابه . ونزل شبيب بها ولم يوجه الحجاج أحداً حتى ابتنى مسجداً في أقصى السبخة واقام ثلاثا لم يوجه اليه الحجاج أحداً ولا يخرج اليه من أهل الكوفة ولا من أهل الشام أحد وكانت امرأته غزالة نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران : فجاء شبيب مع امرأته حتى أوفت بنذرها في المسجد وأشير على
167
الحجاج أن يخرج بنفسه إليه . فقال لقتيبة بن مسلم اني خارج فاخرج أنت فارتد لي معسكراً فخرج وعاد . فقال وجدت المدى سهلاً . فسر أيها الأمير على اسم الله والطائر الميمون . فخرج الحجاج بنفسه ومر على مكان فيه كناسة وأقذار فقال القوا لي هنا بساطاً . فقيل له ان الموضع قذر . فقال ما تدعوني اليه أقذر الارض تحته طيبة والسماء فوقه طيبة ووقف هناك وأخرج مولى له يعرف بأبي الورد وعليه تجافيف وأحاط به غلمان كثير . وقيل هذا الحجاج فحمل عليه شبيب فقتله . وقال ان يكن الحجاج فقد أرحت الناس منه ودلف الحجاج نحوه حينئذ وعلى ميمنته مطرف بن ناجية وعلى ميسرته خالد بن عتاب بن ورقاء وهو في زهاء أربعة آلاف . فقيل له أيها الأمير لا تعرف شبيباً بمكانك فتنكر وأخفى مكانه وتشبه به مولى آخر للحجاج في هيئته وزيه . فحمل عليه شبيب فضربه بالعمود فقتله . ويقال انه قال لما سقط أخ بالخاء المعجمة . فقال شبيب قاتل الله بن أم الحجاج اتقى الموت بالعبيد . وذلك ان العرب تقول عند التاؤه بالحاء المهملة ـ ثم تشبه بالحجاج أعين صاحب حمام أعين ولبس لبسته . فحمل عليه شبيب فقتله . فقال الحجاج علي بالبغل لأركبه فأتى ببغل محجل : وقيل أيها الأمير أصلحك الله أن الأعاجم كانت تتطير أن تركب مثل هذا البغل في مثل هذا اليوم . فقال ادنوه مني فانه أعز
168
محجل . فركبه وسار في الناس يمينا وشمالاً . ثم قال اطرحوا لي عباءة فطرحت له فنزل فجلس عليها ، ثم قال ائتوني بكرسي فأتي به فجلس عليه ثم نادى اهل الشام . فقال أهل الشام يا أهل السمع والطاعة لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم غضوا الأبصار واجثوا على الركب واستقبلوا القوم بأطراف الأسنة فجثوا على الركب وكأنهم حرة سوداء ومنذ هذا الوقت ركدت ريح شبيب وأذن الله تعالى في أدبار أمره وانقضاء إيامه . فاقبل حتى إذا دنا من أهل الشام عبىء أصحابه ثلاثة كراديس معه وكتيبة مع سويد بن سليم وكتيبة مع المجلل بن وائل . وقال لسويد احمل عليهم في خيللك فحمل عليهم فثبتوا له حتى اذا غشي أطراف أسنتهم فوثبوا في وجهه فقاتلهم طويلاً فصبروا له ثم طاعنوه قدماً قدما حتى الحقوه بأصحابه . فلما رأى شبيب صبرهم نادى يا سويد احمل في خيلك في هذه الرايات الأخرى لعلك تزيل أهلها فتأتي من ورائه ونحمل نحن عليه من أمامه . فحمل سويد على تلك الرايات وهي بين جدران الكوفة فرمى بالحجارة من سطوح البيوت ومن أفواه السكك فانصرف ولم يظفر . ورماه عروة بن المغيرة بن شعبة بالسهام وقد كان الحجاج جعله في ثلثمائة رام من أهل الشام رداً له كي لا يؤتى من ورائه . فصاح شبيب في أصحابه يا أهل الإسلام انما شريتم لله ومن
169
يكن شراؤه لله لم يضره ما أصابه من ألم وأذى لله ابوكم الصبر الصبر شدة كشداتكم الكريمة في مواطنكم المشهورة . فشدوا شدة عظيمة فلم يزل أهل الشام عن مراكزهم . فقال شبيب الأرض دبوا دبيباً تحت تراسكم حتى إذا صارت أسنة أصحاب الحجاج فوقها فادلفوها صمداً وأدخلوا تحتها واضربوا سوقهم وأقدامهم وهي الهزمية باذن الله فأقبلوا يدبون دبيباً تحت الجحف صمداً صمدا نحو أصحاب الحجاج . فقال خالد بن عتاب بن ورقاء أيها الأمير أنا موتور ولا أتهم في نصيحتي فأذن لي حتى آتيهم من ورائهم فأغير على معسكرهم وثقلهم . فقال افعل ذلك فخرج في جمع من موالية وشاكرية وبني عمه حتى صار من ورائهم . فالتقى بمضاد أخي شبيب فقتله وقتل غزالة امرأه شبيب وألقى النار في معسكرهم والتفت شبيب والحجاج فشاهدا النار . فأما الحجاج فكبر وكبر أصحابه . وأما شبيب فوثب هو وكل راجل من أصحابه على خيولهم مرعوبين . فقال الحجاج لأصحابه شدوا عليهم فقد أتاهم ما أرعبهم فشدوا عليهم فهزموهم . وتخلف شبيب في خاصة الناس حتى خرج من الجسر وتبعه خيل الحجاج وغشيه النعاس فجعل يخفق برأسه والخيل تطلبه . قال أرباب التاريخ لما فل عسكر شبيب بالكوفة وقتل أخوه مضاد وزوجته غزالة . مضى ببقية من معه حتى قطعوا جسر
170
المدائن فدخلوا ديراً هناك هذا وخالد بن عتاب يقفوهم فحصرهم في الدير فخرج شبيب اليه فهزمه وأصحابه نحواً في فرسخين حتى ألقى خالد نفسه في دجلة هو وأصحابه بخيولهم فمر به شبيب فرآه في دجلة ولواؤه في يده فقال قاتله الله فارساً وقتل فرسه . هذا فارس أشد الناس قوة وفرسه أقوى فرس في الارض وانصرف . فقيل له بعد انصرافه ان الفارس الذي رأيت هو خالد بن عتباً بن ورقاء . فقال معرق في الشجاعة لو علمت به لأقحمت خلفه ولو دخل النار . ثم دخل الكوفة بعد هزيمة شبيب فصعد المنبر . وقال والله ما قوتل شبيب قط قبل اليوم وولى هارباً وترك امرأته تكسر في استها القصب . ثم دعا حبيب ، عبد الرحمن فبعثه في أثره في ثلاثة آلاف من أهل الشام . وقال احذر بياته وحيثما لقيته فنازله فان الله تعالى قد فل حده وقصم نابه . فخرج حبيب في أثره حتى نزل الأنبار . وبعث الحجاج الى العمال أن دسوا الى اصحاب شبيب من جاءنا منكم آمن . فكان كل من ليست له بصيرة في دين الخوارج ممن هزه القتال وكره ذلك اليوم يجبىء فيؤمن . وقبل ذلككان الحجاج نادى يوم هزيمة شبيب من جاءنا فهو آمن فتفرق عن شبيب ناس كثير من اصحابه . وبلغ شبيباً منزل حبيب بن عبد الرحمن بالأنبار فأقبل بأصحابه حتى دنا منه . فقال يزيد السكسكي كنت مع أهل الشام بالأنبار ليلة جاءنا
171
شبيب . فبيتنا فلما أمسينا جمعنا حبيب بن عبد الرحمن فجعلنا أرباعاً . وجعل على كل ربع اميراً . وقال لنا ليحم كل ربع منكم جانبه . فان قتل هذا الربع فلا يعنهم الربع الآخر . فانه . بلغني ان الخوارج منكم قريب فوطنوا أنفسكم على أنكم مبيتون فمقاتلون . قال فما زلنا على عتبيتنا حتى جاءنا شبيب . تلك الليلة فبيتنا فشد على ربع منا فصابرهم طويلاً فما زالت قدم انسان منهم . ثم تركهم وأقبل الى ربع آخر فقاتلهم طويلاً فلم يظفر بشيء . ثم طاف بنا حتى قلنا لا يفارقنا ثم ترجل فنازلنا راجلاً نزالاً طويلاً هو وأصحابه . فسقطت والله بيننا وبينهم الأيدي والأرجل وفقئت الأعين وكثرت القتلى فقتلنا منهم نحو ثلاثين وقتلوا منا نحو مائة وأيم الله لو كانوا أكثر من مائتي رجل لأهلكونا . ثم فارقونا وقد مللناهم وملونا وكرهناهم وكرهونا . ولقد رأيت الرجل منا يضرب الرجل منهم بالسيف فما يضره من الأعياء والضعف . ولقد رأيت الرجل منا يقاتل جالساً ينفخ بسيفه ما يستطيع أن يقوم من الاعياء والبهر . حتى ركب شبيب وقال لأصحابه الذين معه اركبوا وتوجه بهم من منصرفاً يجوز الفيافي حتى لحق بكرمان .
( وقعة الاهواز وهلاك شبيب )
قال أرباب التاريخ مكث شبيب بكرمان بعد واقعة الأنبار . حتى جبر واستراش هو وأصحابه . وقد وجه الحجاج سفيان بن الأبرد على الناس وكان قد قسم فيهم اموالاً عظيمة واعطى الجرحى وكل ذي بلاء فأقبل سفيان بالعسكر واستقبله شبيب وأصحابه بدجيل الاهواز وعليه جسر معقود : فعبر الى سفيان فوجده قد نزل بالرجال . وجعل مضاض بن صيفي على خيل . وبشر بن حيان الفهري على ميمنته . وعمر بن هبيرة الفزاري على ميسرته . وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس هو في كتيبة وسويد بن سليم في كتيبة وقعنب في كتيبة وخلف المجلل في عسكره . فلما حمل سويد وهو في ميمنته على ميسرة سفيان . وقعنب وهو في ميسرته على ميمنة سفيان . وحمل هو على سفيان . ثم اضطربوا ملياً حتى رجعت الخوارج الى مكانها الذي كانوا فيه . فقال يزيد السكسكي . وكان
173
من أصحاب سفيان يؤمئذ كر علينا شبيب وأصحابه اكثر من ثلاثين كرة ولا يزول من صفنا أحد . فقال لنا سفيان لا تحملوا عليهم متفرقين ولكن لتزحف عليهم الرجال زحفاً ففعلنا وما زلنا نطاعنهم حتى اضطررناهم الى الجسر فقاتلونا عليه أشد قتال ما يكون لقوم قط . ثم نزل شبيب ونزل معه نحو مائة رجل فما هو الا أن نزلوا حتى أوقعوا بنا من الضرب والطعن شيئاً ما رأينا مثله قط ولا ظنناه يكون . فلما رأى سفيان انه لا يقدر عليهم ولا يأمن ظفرهم دعا الرماة فقال ارشقوهم بالنبل فرشقوهم بالنبل . وذلك عند السماء . وكان الالتقاء ذلك اليوم نصف النهار فرشقهم أصحابه . وقد كان سفيان صفهم على حدة وعليهم أمير فلما رشقوهم شدوا عليهم فشددنا نحن وشغلناهم عنهم . فلما رأوا ذلك ركب شبيب واصحابه وكروا على أصحابه النبل كرة شديدة صرعوا منهم فيها أكثر من ثلاثين رامياً . ثم عطف علينا يطاعننا بالرماح حتى اختلط الظلام ثم انصرف عنا فقال سفيان بن الأبرد لاصحابه يا قوم دعوهم لا تتبعوهم يا قوم دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم . قال فكففنا عنهم وليس شىء أحب الينا من أن ينصرفوا عنا . قال زفر بن لقيط الخارجي . فلما انتهينا الى الجسر . قال شبيب اعبروا معاشر المسلمين فاذا أصبحنا باكرناهم ان شاء الله تعالى . قال : فعبرنا أمامه وتخلف في آخرنا وأقبل يعبر الجسر وتحته
174
حصان جموح وبين يديه فرس أنثى ما ذيانة فنزا حصانه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة وزن حافر فرس شبيب عن جرف السفينة فسقط في الماء فسمعناه يقول لما سقط ( ليقضي الله امراً كان مفعولاً ) واغتمس في الماء ثم ارتفع فقال ( ذلك تقدير العزيز العليم ) ثم اغتمس في الماء فلم يرتفع وغرق . وحدث قوم من أصحاب سفيان قالوا سمعنا صوت الخوارج يقولون غرق امير المؤمنين . فعبرنا الى عسكرهم فاذا هو ليس فيه صافر ولا اثر . فنزلنا فيه . وطلبنا شبيباً حتى استخرجناه من الماس وعليه الدرع فيزعم الناس أنهم شقوا بطنه وأخرجوا قلبه فكان مجتمعاً صلباً كالصخرة وانه كان يضرب به الأرض فينبو ويثب قامة الانسان وبعث برأسه وبمن كان قد أسر من أصحابه الى الحجاج فقال بعض اولئك الأسرى .
ابرأ الى الله من عمر وشيعته
ومن علي ومن اصحاب صفين
ومن معاوية الطاغي وشيعته
لا بارك الله في القوم الملاعين .
قال فأمر الحجاج بقتله . ويحكى ان أم شبيب كانت لا تصدق أحداً نعاه اليها . وقد كان قيل لها مراراً انه قد قتل فلا تقبل . فلما قيل لها انه قد غرق بكت فقيل لها في ذلك فقالت رأيت في المنام حين ولدته انه خرجت من فرجي نار
175
ملأت الافاق . ثم سقطت في ماء فخمدت فعلمت انه لا يهلك الا بالغرق . قال أرباب التاريخ . ثم أمر سفيان باعادة الجسر وعبره وقصد من بقي من أصحابه . وكانوا قد بايعوا أم شبيب . فلم يزل بهم حتى قتل اكثرهم ، وقتلت ام شبيب . قال الاسفراييني . ومن عجائب حال الخوارج انهم خرجوا على أم المؤمنين عائشة وقالوا لم خرجت من بيتها والله تعالى يقول ( وقرن في بيوتكن ) ثم صاروا تبعاً لغزالة وجهيزة وجوزوا إمامتهن .
176
( وقعة الضحاك بن قيس )
كان الضحاك بن قيس من رؤساء الخوارج . وكان من أمره أن جاء الى واسط (1) وحاصر بها عبدالله بن عمر بن عبد العزيز ، فرأى عبدالله بن عمر أن لا طاقة له عليه أرسل اليه أن مقامكم علي ليس بشيء هذا مروان فسر اليه . فان قاتلته فانا معك . فصالحه علي ذلك . وكان مروان بكفر توتا من أرض الجزيرة ، قال الطبري ارتحل الضحاك حتى دخل الكوفة فكاتبه أهل الموصل ودعوه الى أن يقدم اليهم وعليها يومئذ عامل لمروان وهو رجل من بني شيبان من الجزيرة . يقال له القطران بن أكمه . فارتحل اليها ولما وصلها فتح اهل الموصل المدينة للضحاك ، وقاتلهم القطران في عدة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا . واستولى الضحاك على الموصل وكورها وبلغ مروان خبره
(1) وذلك في سنة 128 هجرية .

177
وهو محاصر حمص مشتغل بقتال أهلها . فكتب الى ابنه عبدالله وهو خليفته بالجزيرة يأمره أن يسير فيمن معه من روابطه الى مدينة نصيبين . يشغل الضحاك عن توسط الجزيرة . فشخص عبدالله الى نصيبين في جماعة روابطه . وهو في نحو من سبعة آلاف أو ثمانية . وخلف بحران قائداً في ألف . أو نحو ذلك . قال : وسار الضحاك من الموصل الى عبدالله بنصيبين . فقاتله . فلم يكن له قوة لكثرة من مع الضحاك . وكان معه مائة وعشرون ألف وحاصر نصيبين . قال ووجه قائدين من قواده . يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبي وبدر الذكواني في خمسة آلاف حتى وردا الرقة . فقاتلهم من بها من خيل مروان . وهم نحو من خمسمائة فارس . ووجه مروان حين بلغه نزولهم الرقة . خيلا من روابطه . فلما دنوا منها انقشع أصحاب الضحاك منصرفين اليه فأتبعهم خيله فاستسقطوا من ساقتهم نيفاً وثلاثين رجلاً . فقطعهم مروان حين قدم الرقة ومضى صامداً الى الضحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغز . من أرض كفرتوثا . فقاتله يومه ذلك فلما كان عند المساء ترجل الضحاك وترجل معه من ذوي الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف واهل عسكره اكثرهم لا يعلمون بما كان منه وأحدقت بهم خيول مروان . فألحوا عليهم حتى قتلوهم عند العتمة . وانصرف من بقي من أصحاب
178
الضحاك الى عسكرهم . ولم يعلم مروان ولا اصحاب الضحاك . ان الضحاك قد قتل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل وجاءهم بعض من عاينه حين ترجل فأخبرهم بخبره ومقتله . فبكوه وناحوا عليه . وخرج عبد الملك بن بشر التغلبي القائد الذي كان وجهه في عسكرهم الى الرقة حتى دخل عسكر مروان ودخل عليه فأعلمه أن الضحاك قتل . فأرسل معه رسلاً من حرسه معهم النيران والشمع الى موضع المعركة . فقلبا القتلى حتى استخرجوه فاحتملوه حتى أتوا به مروان وفي وجهه اكثر من عشرين ضربة فكبر أهل عسكر مروان فعرف أهل عسكر الضحاك انهم قد علموا بذلك . وبعث مروان برأسه من ليلته الى مدائن الجزيرة فطيف به فيها .
179
( وقعة الخيبرى )
لما كانت الواقعة بين الضحاك وبين مروان . وأسفرت عن قتل الضحاك صار الخوارج حول الخيبري وبايعوه واقاموا يومئذ وغادوه من بعد الغد وصافوه وصافهم . قال : وحمل الخيبري على مروان في نحو من اربعمائة فارس من الشراة فهزم مروان وهو في القلب . وخرج من المعسكر هارباً . ودخل الخيبري . يا خيبري . ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا الى حجرة مروان فقطعوا أطنابها وجلس الخيبري على فرشه . وميمنة مروان عليها ابنه ثابتة على حالها وميسرته ثابتة عليها اسحاق بن مسلم العقيلي . فلما رأى أهل العسكر بعمد الخيام فقتلوا الخيبري وأصحابه جميعاً في حجرة مروان وحولها وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزماً . فانصرف الى عسكره ورد خيوله عن مواضعها ومواقفها . وبات ليلته تلك في عسكره ، .
180
( واقعة شيبان اليشكري )
قال الطبري وبعد قتل الخيبري بايع عسكره شيبان بن عبد العزيز اليشكري ابا الدلفاء وكان الخيبري قد تزوج اخت شيبان . فاجتمع اليه أصحابه وحارب مروان وطالت الحرب بينهما . وابن هبيرة بواسط فقتل عبيدة بن سوار . ونفى الخوارج ومعه رؤوس قواد اهل الشام . وأهل الجزيرة . فوجه عامر بن ضبارة في أربعة ألاف مدداً لمروان فأخذ على المدائن . وبلغ مسيره شيبان فخاف أن يأتيهم مروان . فوجه اليه الجون بن كلاب الشيباني ليشغله فالتقيا بالسن . فحصر الجون عامراً أياماً . قال أبو سعيد فأخرجناهم والله واضطررناهم الى قتالنا . وقد كانوا خافونا وأرادوا الهرب منا . فلم ندع لهم مسلكاً . فقال لهم عامر أنتم ميتون لا محالة فموتوا كراماً فصدمونا صدمة لم يقم لها شيء وقتلوا رئيسنا الجون بن كلاب وانكشفنا حتى لحقنا بشيبان . وابن ضبارة في آثارنا . حتى نزل منا قريباً . وكنا
181
نقاتل من وجهين . نزل ابن ضبارة من ورائنا مما يلي العراق . ومروان أمامنا مما يلي الشام فقطع عنا المادة والميرة . فغلت أسعارنا حتى بلغ الرغيف درهماً . ثم ذهب الرغيف فلا يشتري بغال ولا رخيص . فقال حبيب بن جدرة لشيبان يا أمير المؤمنين انك في ضيق من المعاش فلو انتقلت الى غير هذا الموضع ففعل ومضى الى شهرزور من أرض الموصل . فعاب ذلك عليه أصحابه واختلفت كلمتهم . ثم ان شيبان خرج من الموصل ولحق بارض فارس فوجه مروان في أثره عامر بن ضبارة . ثم صار الى جزيرة ابن كاوان ومضى شيبان بمن معه حتى صار الى عمان فقتله جلندي بن مسعود بن جيفر بن جلندي الأزدي سنة 129 هجـ . وقد كان شيبان الحروري قد أشغل رأي مروان وأقلقه . وفي الوقت نفسه كانت وقائع أبو مسلم الخراساني في خراسان مع عامل مروان ـ نصر بن سيار ـ .
182
( واقعة قديد )
قال أبو الفرج . كان عبدالله بن يحيى من حضرموت وكان مجتهداً عالماً . فكاتب جماعة من الأباضية بالبصرة وغيرها يشاورهم في الخروج فكتبوا اليه ان استطعت ان لا تقيم يوماً واحداً فافعل ، وشخص اليه المختار بن عوف الأزدي وبلخ بن عقبة بن المسعودي في رجال من الأباضية فقدموا عليه حضرموت فحضوه على الخروج ، فعندها دعا عبدالله أصحابه فبايعوه وقصد دار الإمارة . وعلى حضرموت يومئذ ابراهيم بن جبلة بن مخزمة الكندي . فأخذه وحبسه يوماً ثم أطلقه ، فأتى صنعاء ، قال : وأقام عبدالله بحضرموت وكثر جمعه وسمعه طالب الحق ثم استخلف على حضرموت عبدالله بن سعيد الحضرمي ، وتوجه الى صنعاء وذلك سنة تسعة عشر ومأة .
183
قال : وقصد عبدالله صنعاء في الفين . وعاملها يومئذ القاسم بن عمرو الثقفي ـ أخو يوسف فوقعت بينهم مناوشات فانتصر عبدالله بن يحيى على القاسم فدخل الى صنعاء واستولى على الخزائن والأموال فاحرزها ، واستولى على بلاد اليمن ، واقام بصنعاء أشهراً يحسن السيرة ويلين جانبه لهم ويخطبهم ويعظهم . حتى كثر جمعه . وأتته الشراة من كل جانب ، فلما كان في وقت الحج ، وجه أبا حمزة المختار بن عوف . وبلخ بن عقبة . وأبرهة بن الصباح الى مكة والأمير عليهم أبو حمزة في ألف . وأمره أن يقيم بمكة الى صدور الناس . وتوجه بلغ الى الشام . فأقبل المختار الى مكة يوم التروية . وعليها وعلى المدينة . عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك في خلافة مروان بن محمد بن مروان . فكره عبد الوحد قتالهم . وفزع الناس منهم حين رأوهم . وقد طلعوا عليهم بعرفة ومعهم اعلام سود على رؤوس الرماح . وقالوا لهم ما لكم وما حالكم فأخبروهم بخلافهم لمروان . والتبري منهم . فراسلهم عبد الواحد في أن لا يعطوا على الناس حجهم . فقال أبو حمزة . نحن بحجنا أضن وعليه أشح حتى ينفر الناس النفر الأخير . وأصبحوا من الغد ووقفوا بحيال عبد الواحد بعرفة ودفع عبد الواحد بالناس . فلما كانوا بمنى . قيل لعبد الواحد قد اخطأت فيهم . ولو حملت عليهم الحاج . ما كانوا الا اكلة
184
رأس . وبعث عبد الواحد الى حمزة . عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) ومحمد بن عمر بن عثمان ، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وعبيد الله بن عمر بن حفص العمري ، وربيعة بن عبد الرحمن ، ورجلاً أمثالهم ، فلما قربوا من أبي حمزة أخذتهم مسالحه . فادخلوا على أبي حمزة فوجدوه جالساً وعليه أزار قطري . قد ربط نحوره في قفاه . فلما دنوا تقدم اليه عبدالله بن الحسن العلوي ، ومحمد بن عبدالله العثماني ، فلما انتسبا له عبس في وجهيهما وما أظهر الكرامة لهما ، ثم تقدم اليه البكري والعمري فانتسبا له فهش اليهما . وتبسم في وجهيهما . وقال : والله ما خرجنا الا لنسير سيرة ابويكما . فقال : عبدالله بن الحسن والله ما جئناك لنفاخر بين آبائنا . ولكن الأمير بعثنا اليك برسالة وهذا ربيعه يخبركما . فلما أخبره ربيعة . قال له ان الأمير يخاف نقض العهد . قال معاذ الله والله لا أفعل . ولكن الى أن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم . فخرجوا من عنده ، وخلى مكة لأبي حمزة . فدخلها بغير قتال . فقال بعض الشعراء يهجو عبد الواحد .
زار الحجيج عصابة قد خالفوا
ديـن الاله ففـر عبـد الواحد
ترك الامارة والمواسم هـارباً
ومـضى يخبط كالبعير الشارد

185
فلـو ان والـده يخبر امه
لصقت خلايقه بعرف الوالد
ثم مضى عبد الواحد الى المدينة . ودعى بالديوان فضرب على الناس البعث وزادهم في العطاء عشرة عشرة واستعمل على الجيش عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فخرجوا قلقيهم . جزر منحورة فتشأم الناس بها . فلما كانوا بالعقيق علق لواء عبد العزيز بسمرة فانكسر الرمح فتشأموا بذلك أيضاً ، ثم ساروا الى ـ قديد ـ وقد نزل بها قوم معتزلون ليسوا بأصحاب حرب . وأكثرهم تجار أغمار قد خرجوا في المصبغات والثياب الناعمة واللهو . لا يظنون أن للخوارج شوكة . ولا يشكون في أنهم في أيديهم . وقال رجل منهم من قريش . لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء . ولكنهم داهنوا في دين الله . والله لنظفرن ولنسيرن الى أهل الطايف فلنسبينهم ، ثم قال : من يشرى مني سبى أهل الطايف ، قال أبو الفرج فكان هذا الرجل أول المنهزمين ، فلما وصل المدينة . ودخل داره أراد أن يقول لجاريته أغلقي الباب . قال لها : غاق ناق دهشاً . فلقبه أهل المدينة بعد ذلك غاق ناق ، ولم تفهم الجارية قوله . حتى أومى اليها بيده فأغلقت الباب . قال : وكان عبد العزيز يعرض الجيش بذي الحليفة . فمر به أمية بن عتبة بن سعيد بن العاص فرحب به وضحك
186
اليه . ثم مر به عمارة بن مصعب بن الزبير فلم يكلمه ولم يلتفت اليه . فقال عمران بن مطيع . وكان ابن خالته ، سبحان الله مر بك شيخ من شيوخ قريش فلم تنظر اليه ولم تكلمه ؟ ومر بك غلام بني امية فضحكت اليه ولا طفته ؟ أما والله لو التقى الجمعان لعلمت أيهما اصبر . قال فكان امية بن عتبة أول من انهزم وركب فرسه ومضى ، وقال لغلامه يا مجيب اما والله لئن اخرت هذه الا كلب من الشراة اني لعاجز ، وأما عمارة بن مصعب بن الزبير فقاتل يومئذ حتى قتل . وكان يحمل ويتمثل .
وانـي اذا ظـن الأميـر بــاذنـه
على الاذن من نفسي اذا شئت قادر (1)
قال : ولما بلغ أبا حمزة اقبال أهل المدينة استخلف على مكة أبرهة بن الصباح وأشخص اليهم . وعلى مقدمته بلخ بن عقبة . فلما كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتها وأهل المدينة نزول ـ بقديد ـ قال : لأصحابه أنكم ملاقوا غداً أهل المدينة ، وأميرهم فيما بلغني ابن عثمان . اول من خالف سنى الخلفاء وبدل سنة رسول الله (ص) وقد وضح
(1) البيت من شعر الأغر بن حماد اليشكري .

187
الصبح لذي عينين اكثروا ذكر الله وتلاوة القرآن ووطنوا انفسكم على الموت وصبحهم غداة الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة . قال : ابو الفرج . وقال عبد العزيز لغلامه في تلك الليلة ابغنا علفاً قال هو غال . فقال : ويحك البواكي عينا غداً أغلا . قال : وارسل ابو حمزة اليهم بلخ بن عقبة ليدعوهم فأتاهم في ثلاثين راكباً فذكرهم الله وسألهم أن يكفوا عنهم . وقال لهم خلوا سبيلنا الى الشام لنسير الى من ظلمكم . وجار في الحكم عليكم . ولا تجعلوا أحدنا بكم فانا لا نريد قتالكم فشتمهم اهل المدينة . وقالوا يا أعداء الله نحن نخليكم ونترككم تفسدون في الأرض . فقال الخوارج . يا أعداء الله نحن نفسد في الأرض وإنما خرجنا لنكف الفساد . ونقاتل من قاتلنا منكم واستأثر بالفيء فناظروا لأنفسكم واخلعوا من لم يجعل الله له الطاعة . فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فادخلوا في السلم وعاونوا أهل الحق فنادا عبد العزيز ما تقول في عثمان . قال : قد برىء منه المسلمون قبلي وأنا متبع آثارهم ومقتد بهم . ارجع الى أصحابك فليس بيننا وبينكم الا السيف . فرجع الى ابي حمزة فاخبر . فقال : كفوا عنهم . ولا
188
تقاتلوهم حتى يبدءوكم بالقتال . فواقفوهم ولم يقاتلوهم . فرمى رجل من أهل المدينة بسهم في عسكر أبي حمزة فجرح منهم رجلاً ، فقال أبو حمزة شأنكم الآن فقد حل قتالهم فحملوا عليهم فثبت بعضهم لبعض ، وراية قريش مع ابراهيم بن عبدالله بن مطيع . ثم انكشف أهل المدينة . فلم يتبعوهم ، وكان على عامتهم صخر بن الجهم ابن حذيفة العدوي فكبر وكبر الناس فقاتلوا قليلاً ، ثم انهزموا . فلم يبعدوا حتى كبر ثانية فثبت معه ناس وقاتلوا ثم انهزموا هزيمة لم يبق بعدهم منهم باقية ، فقال علي بن الحصين لأبي حمزة اتبع آثار القوم أو دعني اتبعهم فاقتل المدبر وأدفف على الجريح فان هؤلاء شر علينا من أهل الشام . ولم قد جاء أهل الشام غداً لرأيت من هؤلاء ما تكره . قال لا افعل ولا أخالف سيرة أسلافنا وأخذ جماعة منهم اسرى ، وأراد اطلاقهم . فمنعه على بن الحصين . وقال أن لكل زمان سيرة . وهؤلاء لم يؤسروا وهم هراب وإنما أسروا وهم يقاتلون . ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم . وهكذا الآن . وكان ابو حمزة اذا رأى رجلاً من قريش قتله واذا رأى رجلاً من الأنصار أطلقه . قال ابو الفرج وذلك لأن قريشاً كانوا اكثر الجيش . وبهم كانت الشوكة .
189
قال ابن ابي الحديد : وقد بلغت قتلى قديد الفين ومائتين رجلاً ، بينهم من قريش أربع مائة وخمسون رجلاً ، ومن الأنصار ثمانون رجلاً ، ومن الموالي وسائر الناس ألف وسبعمائة رجل : قال : وكان في قتلى قريش من بني أسد بن عبد العزى بن قصي اربعون رجلاً ، وكانت نائحة أهل المدينة تقول :
مـا للزمـان ومـاليه
أفنت ـ قديد ـ رجاليه
فـلا بـكين سريـرة
ولا بكيـن عــلانيـه
ولا بكين علـى قديـد
بســوء مـا اولانيـه
ولا عولـن اذا خلوت
مـع الكـلاب العـاوية
ذكر الطبري ان وقعة قديد كانت سنة 130 هجـ .
190
( وقائع ابو حمزة الخارجي ومقتله )
لما انقضت واقعة ـ قديد ـ واسفر النصر للخوارج على أهل المدينة دخل ابو حمزة قائد جيش الخوارج الى المدينة ـ وخطب على منبر هاولام أهل المدينة وشتم بني امية . ومن انتمى اليهم واظهر معايبهم وصرح بكفرهم وامر أهل المدينة بلعنهم وذكر شيعة آل ابي طالب وعاب عليهم ، واثنى على قتلاه في ـ قديد ـ (1) ثم خرج من المدينة الى مكة وخلف المفضل الأزدي في جماعة من اصحابه معه : قال : وبعث مروان بن محمد عبد الملك بن عطية السعدي في أربعة آلاف من أهل الشام . وفيهم فرسان عسكره ووجوههم لحرب ابي حمزة . وعبدالله بن يحيى ، وأمر ابن عطية بالجد في المسير وأعطى كل رجل من الجيش مائة دينار وفرساً عربياً وبغلاً لثقله ، فخرج ابن
(1) سوف نورد خطبته التي ألقاها بالمدينة . بعد هذا الفصل .

191
عطية بالجيش . قال : ابو الفرج . وقد كان خرج بلخ بن عقبة في ستمائة رجل ليقاتل عبد الملك بن عطية . فلقيه بوادي القرى لايام خلت من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة فتوافقوا . ودعاهم بلخ الى الكتاب والسنة . وذكر بني أمية وظلمهم فشتمه أهل الشام . وقالوا يا أعداء الله انتم أحق بهذا ممن ذكرتم فحمل بلخ واصحابه عليهم وانكشفت طائفة من أهل الشام . وثبت ابن عطية في عصبة صبروا معه . فناداهم يا أهل الشام يا أهل الحفاظ ناضلوا عن دينكم وأميركم واصبروا وقاتلوا قتالاً شديداً . فقتل بلخ واكثر أصحابه . وانحازت قطعة من أصحابه نحو الماية الى جبل اعتصموا به . فقاتلهم ابن عطية ثلاثة أيام . فقتل منهم سبعين رجلاً ونجا ثلاثون ؛ وجاؤا الى ابي حمزة ، وكان آنذاك بالمدينة . وقد اغتموا وجزعوا من ذلك الخبر وقالوا فررنا من الزحف . فقال لهم ابو حمزة لا تجزعوا فانا لكم فئة . والا أبحرتم . وخرج أبو حمزة الى مكة . فدعا عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أهل المدينة الى قتال المفضل خليفة ابي حمزة على المدينة فلم يجد لديه أحد . لأن القتل كان قد أسرع في الناس . وخرج وجوه أهل البدعة . فاجتمع الىعمر البربر والزنوج وأهل السوق فقاتل بهم الشراة . فقتل المفضل وعامة أصحابه وهرب الباقون .
192
فلم يبق منهم أحد . قال ولما قدم ابن عطية ، أتاه عمر بن عبد الرحمن ، فقال : أصلحك الله أني جمعت قضى وقضيضي فقاتلت هؤلاء الشراة ، فلقبه أهل المدينة قضى وقضيضي . قال : ابو الفرج ، وأقام ابن عطية بالمدينة شهراً وابو حمزة مقيم بمكة ثم توجه اليه . فقال علي بن الحصين العبدي لأبي حمزة . اني كنت أشرت عليك يوم ـ قديد ـ وقبله ان تقتل الاسرى ، فلم تفعل حتى قتلوا المفضل وأصحابنا المقيمين معه بالمدينة . وأنا اشير عليك الآن أن تضع السيف في أهل مكة فانهم كفرة فجرة . ولو قد قدم ابن عطية لكانوا أشد عليك من أهل المدينة . فقال : لا أرى ذلك لأنهم قد دخلوا في الطاعة وأقروا بالحكم ووجب لهم حق الولاية . فقال : انهم سيغدرون . فقال : ومن نكث فانما ينكث على نفسه ، قال وقدم ابن عطية مكة . فصير اصحابه فرقتين ولقى الخوارج من وجهين . فكان هو بازاء ابي حمزة في اسفل مكة وجعل طائفة اخرى بالابطح بازاء أبرهة بن الصباح . فقتل ابرهة كمن له ابن هبار وهو على خيل دمشق . فقتله عند بئرام ميمون ، قال والتقى ابن عطية بأبي حمزة . فخرج اهل مكة بأجمعهم مع ابن عطية وتكاثر الناس على ابي حمزة فقتل على فم الشعب وقتلت معه امرأته . وكانت ترتجز :
انـا الجديعاء وبـنت الأعلم
من يسألن اسمي فاسمي مريم

193
بعت سواري بقضيب مخدم وقتلت الخوارج قتلاً ذريعاً . وأسر منهم اربعماءة ، فقال لهم ابن عطية ويلكم ما دعاكم الى الخروج مع هذا ؟ فقالوا ضمن لنا ( الكنة ) اي الجنة فقتلهم كلهم . وصلب ابا حمزة وابرهة بن الصباح على الخيف . قال ابو الفرج : وحدثني بعض اصحابنا انه رأى رجلاً واقفاً على سطح داره يرمى بالحجارة قوم ابي حمزة بمكة . فقيل له كيف تدري لمن ترمي مع اختلاط الناس ؟ . فقال : ما أبالي ان رميت . انما يقع حجري في شام او شار . والله ما ابالي ايهما قتلت . ودخل علي بن الحصين داراً من دور قريش . فاحدق اهل الشام بها ، فرمى بنفسه عليهم وقاتلهم ، فأسر ، ثم قتل وصلب مع ابي حمزة . فلم يزالوا مصلوبين حتى افضى الأمر الى بني هاشم في خلافة ابي العباس . قال : ولما أراد أبو حمزة الخروج من المدينة خطب في الناس ، وقال يا أهل المدينة أنا خارجون لحرب مروان فان نظهر عليه نعدل في احكامكم ونحملكم على سنة نبيكم . وان يكن ما تمنيتم لنا . فسيعلم الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون ، قال : واتبعه على رأيه قوم من أهل المدينة فبايعوه ، منهم بشكست النحوي . فلما جاء خبر قتله . وثب الناس على أصحابه فقتلوهم . وكان من جملة من قتل بشكست النحوي . فطلبوه فرقى في درجة دار لحقوه . وهو
194
يصيح يا عباد الله فيم تقتلوني فجروه وقتلوه . قال أبو الفرج : وخرج ابن عطية الى الطائف . واتى قتل ابي حمزة الى عبدالله بن يحيى طالب الحق وهو بصنعاء . فاقبل في اصحابه يريد حرب ابن عطية . فشخص ابن عطية اليه . والتقوا فقتل بين الفريقين جمع كثير . ورحل عبدالله بن يحيى في الف رجل فقاتلوا حتى قتلوا كلهم . وقتل عبدالله بن يحيى ، وبعث ابن عطية رأسه الى مروان بن محمد . قال ابو الفرج : وأقام ابن عطية بحضرموت بعد ظفره بالخوارج حتى أتاه كتاب مروان يأمره بالتعجيل الى مكة فيحج بالناس فشخص الى مكة مستعجلاً ومخففاً في تسعة عر فارساً . وندم مروان على ما كتبه وقال : قتلت ابن عطية . وسوف يخرج مستعجلاً مخففاً من اليمن ليلحق الحج فيقتله الخوارج . فكان كما قال صاجفه في طريقه جماعة متلفقة فمن كان منهم اباضياً ، قال ما ننتظر ان ندرك ثأر اخواننا ومن لم يكن منهم اباضياً ظن انه اباضي منهزم من ابن عطية فصمد له سعيد ، وحمانه ابنا الأخنس الكنديان في جماعة من قومهما كانوا على رأي الخوارج فعطف ابن عطية على سعيد فضربه بالسيف وطعنه حمانه فصرعه . فنزل اليه سعيد وقعد على صدره . فقال له ابن عطية هل لك ان تكون أكرم العرب أسيراً ؟ فقال سعيد يا عدو الله اتظن الله يهملك أو تطمع في الحياة وقد قتلت طالب الحق ، وأبا حمزة ، وبلحا ، وأبرهة . ثم ذبحه . وقتل أصحابه كلهم .
195
( خطبة ابي حمزة )
قال ابو الفرج الاصبهاني في أغانيه . خطب ابو حمزة بالمدينة على منبر الرسول . وكان سبب خطبته هذه أن اهل المدنية عابوا عليه اصحابه لحداثة أسنانهم وخفة أحلامهم . فصعد المنبر وقال : يأ أهل المدينة قد بلغتني مقالتكم في أصحابي . ولولا معرفتي بضعف رأيكم وقلة عقولكم لاحسنت أدبكم . ويحكم ان رسول الله (ص) انزل اليه الكتاب وبين فيه السنن وشرع له في الشرايع . وبين له في ما يأتي وما يذر . فلم يكن يتقدم الا بأمر الله ولا يحجم الا عن أمر الله حتى قبضه الله اليه وقد أدى الذي عليه . لم يدعكم من أمركم في شبهة . ثم قام من بعده ابوبكر فأخذ بسنته وقاتل اهل الردة وشمر في أمر الله حتى قبضه الله اليه والأمة عنه راضية رحمة الله عليه ومغفرته . ثم ولى بعده عمر فأخذ بسنة صاحبه . وجند الأجناد ومصر الأمصار وجبي الفيىء وقسمه بين أهله وشمر عن ساقيه وحسر عن ذراعيه . وضرب في الخمر ثمانين . وقام في شهر رمضان وغزا العدو في بلادهم وفتح المدائن والحصون حتى قبضه الله اليه
196
والأمة عنه راضية رحمة الله عليه ورضوانه ومغفرته ، ثم ولي من بعده عثمان بن عفان فعمل في ست سنين بسنة صاحبيه ثم أحدث احداثاً أبطل آخرها أولها . واضطرب حبل الدين بعدها فطلبها كل امرىء لنفسه وأسر كل رجل منهم سريرة ابداها الله عنه حتى مضى على ذلك (1) ثم ولى معاوية بن ابي سفيان لعين رسول الله (ص) وابن لعينه . وجلف من الأعراب وبقية من الأحزاب مؤلف طليق فسفك الدم الحرام . واتخذ عباد الله خولاً ومال الله دولاً وبغى دينه عوجاً ودغلا . وأحل الفرج الحرام وعمل بما يشتهيه حتى مضى لسبيله . ثم ولى بعد ابنه يزيد يزيد الفجور ويزيد الصقور ويزيد الفهود ويزيد الصيود ويزيد القرود فخالف القرآن واتبع الكهان ونادم القرود وعمل بما يشتهيه حتى مضى على ذلك . ثم ولي مروان بن الحكم طريد لعين رسول الله وابن لعينه فاسق في بطنه وفرجه ، ثم تداولها بنو مروان بعده أهل بيت اللعنة طرداء رسول الله وقدم الطلقاء ليسوا من الهاجرين والانصار ولا التابعين باحسان فأكلوا مال الله اكلا ولعبوا بدين الله لعباً . واتخذوا عباد الله عبيداً يورث ذلك اكبرهم منهم الأصغر . فيا لها امة ما اضيعها وأضعفها
(1) روى هذه الخطبة بتغيير الجاحظ في البيان والتبيين . وبعد ان سرد أبو حمزة ذكر عثمان قال وولى علي بن ابي طالب فلم يبلغ من الحق قصداً ولم يرفع له مناراً ثم مضى لسبيله رضي الله تعالى عنه .

197
والحمد لله رب العالمين . ثم مضوا على ذلك من اعمالهم واستخفافهم بكتاب الله تعالى قد نبذوه وراء ظهورهم ، وقد ولى منهم عمر بن عبد العزيز فبلغ ولم يدك وعجز عن الذي أظهره حتى مضى لسبيله . ثم ولى يزيد بن عبد الملك غلام ضعيف سفيه غير مأمون على شيء من امور المسلمين لم يبلغ اشده ولم يؤنس رشده وقد قال الله عز وجل ( فان آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم أموالهم ) فأمر امة محمد احكامهم وفروجها ودمائها اعظم من ذلك كله وان كان ذلك عند الله عظيماً ، مأبون في بطنه وفرجه يشرب الحرام ويأكل الحرام ويلبس الحرام . يلبس بردتين قد حيكتا له على أهلها بالف دينار وأكثر واقل قد أخذت من غير حلها وصرفت في غير وجهها بعد أن ضربت فيها الأبشار وحلقت فيها الاشعار . واستحل ما لم يحل الله لعبد صالح ولا لنبي مرسل ثم يجلس ما لم يحل الله لعبد صالح ولا لنبي مرسل ثم يجلس حبابة عن يمينه . وسلامة عن شماله تغنيانه بمزامير الشيطان ويشرب الخمر الصراح . المحرمة نصاً بعينها . حتى اذا أخذت مأخذها فيه وخالطت روحه ولحمه ودمه وغلبت سورتها على عقله مزق حلتيه . ثم التفت اليهما فقال : أتأذنان لي في أن أطير ؟ نعم فطر الى النار الى لعنة الله لا يردك الله ، ثم ذكر بني امية وأعمالهم وسيرهم . فقال : اصابوا امرة ضائعة وقوماً طغاماً جهالاً لا يفرقون بين الضلالة والهدى ويرون ان بني امية أرباب لهم . فملكوا الأمر وتسلطوا فيه تسلط ربوبية بطشهم بطش الجبابرة يحكمون بالهوى ويقتلون على الغضب ويأخذون
198
بالظن ويعطلون الحدود بالشفاعات ويؤمنون الخونة ويقصون ذوي الأمانة ويأخذون الصدقة على غير فرضها ويضعونها في غير موضعها . فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما انزل الله : وأما اخواننا من هذه الشيع فليسوا بأخواننا في الدين لكن سمعت الله عز وجل : قال في كتابه ( انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) شيعة ظاهرت بكتاب الله وأعلنت الفرية على الله لا يرجعون الى نظر نافد في القرآن ولا عقل بالغ في الفقه ولا تفتيش عن حقيقة الصواب . قد قلدوا أمرهم أهواءهم وجعلوا دينهم عصبية لحزب لزموه وأطاعوه في جميع ما يقوله لهم غياً كان أو رشداً . ضلالاً أو هدى . ينتظرون الدول في رجعة الموتى ويؤمنون بالبعث قبل الساعة ويدعون علم الغيب لمخلوق لا يعلم ما في داخل بيته بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه . ينقمون المعاصي على أهلها ويعلمون اذا ظهروا بها ولا يعرفون المخرج منها . جفاة في الدين . قليلة عقولهم . قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم وزعموا ان موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة . قاتلهم الله أنا يؤفكون . فأي هؤلاء الفرق يا أهل المدينة تتبعون . أو بأي مذاهبهم تقتدون ، يا أهل المدينة بلغتني مقالتكم في أصحابي وما عبتموه من حداثة أسنانهم ويحكم وهل كان أصحاب رسول الله (ص) الا احداثاً ؟ شباب والله مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم . ثقيلة عن الباطل
199
أرجلهم انضاء عبادة . قد نظر الله اليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على اجزاء القرآن كلما مر أحدهم بآية من ذكر الله بكى شوقاً وكلما مر بآية من ذكر الله شهق خوفاً . كان زفير جهنم بين اذنيه . قد أكلت الأرض جباههم وركبهم ووصلوا كلال الليل بكلال النهار مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيتم . انضاء عبادة موفون بعهد الله منتجزون لوعد الله . قد شروا انفسهم حتى اذا التقت الكتيبتان وأبرقت سيوفهما وفوقت سهامهما وأشرعت رماحهما تلقوا شبا الأسنة وشائك السهام وظباة السيوف بنحورهم ووجوههم وصدورهم . فمض الشاب منهم حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه واختضبت محاسن وجهه بالدماء وعفر جبينه بالثرى والنحطت عليه الطير من السماء . وتمزقه سباع الارض . فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله . وكم من وجه رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد . ثم بكى وقال : آه آه على فراق الاخوان . رحمة الله على تلك الأبدان وأدخل الله ارواحهم الجنان . اقول : لو أمعنا النظر الى هذه الخطبة لراينا أبا حمزة صدق في أولها بكلامه عن بني امية حيث تطرق الى شنايعهم وهذا شيء لا ينكر وكتب المسلمين طافحة بأكثر مما قال : ولكنه كذب ودلس في فقراتها الأخيرة حيث انتحل أكثر كلامه من خطب الإمام علي (ع) المثبتة في
200
نهج البلاغة (1) فوصف اصحابه بما يقارب وصف امير المؤمنين لأصحابه في استطراد خطبته التي ذكر (ع) فيها عمار بن ياسر ، وابن التيهان وذا الشهادتين . وجاراه بها حتى في حالة التأوه . ولكن اين هذا من ذاك ذاك كلام سيد البلغاء وخريج مدرسة سيد البشر في وصف جماعة من الصحابة المقدمين . وهذا كلام خارجي مارق عن الدين في شرذمة من المارقة . ليت شعري فلو كان أصحاب ابي حمزة كما وصفهم بهذا الكلام فلماذا استحلوا قتل الرضع والنساء وهتكوا الحرمات وشقوا بطون الحبالى وسفكوا الدماء البريئة . ولكن أبا حمزة بلباقة لسانه وباظهاره التقشف أراد أن يستميل اهل المدينة اليه . وان يكونوا تبعاً له مارقين خارجين . (1) كثير من امثار ابي حمزة انتحلوا من كلام امير المؤمنين (ع) او استعانوا به في خطبهم فنسب اليهم ما استشهدوا به من كلامه (ع) حتى ان بعض المؤرخين الذين لم يسبروا النهج صاروا يسندون بعض خطب الامام علي (ع) الى غيره . هذا الجاحظ ذكر خطبة علي (ع) التي أولها ( أما بعد فاني احذركم الدنيا فانها حلوة خضرة الخ ) اسندها الى قطري ابن الفجاءة الخارجي ، وجاء آخر وأسند خطبة علي (ع) الشهيرة لمعاوية التي يقول في ألها : ( أيها الناس انا اصبحنا في دهر عنود الخ ) فنقده الناقد البصير الجاحظ ، قال : بعد سردها هي بكلام على اشبه . وبمذهبه في تصنيف الناس ) الى ان قال : انا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه مسلك الزهاد ولا يذهب مذاهب العباد ؛ ومن قوله (ع) أين القوم الذين دعوا الى الإسلام الخ .
( مساور الشاري )
كان سبب خروج مساور بن عبد الحميد بن مساور الشاري البجلي الموصلي بالبوازيج يروي ان شرطة الموصل كان برأسها حسين بن بكير فحبس ابناً لمساور اسمه حوثرة . وكان حبسه بالحديثة . وكان حوثرة جميلاً فكان حسين بن بكير يخرجه من الحبس ليلاً ويحضره عنده ويرده الى الحبس نهاراً . فكتب حوثرة الى ابيه مساور وهو بالبوازيج يقول له أنا بالنهار محبوس وبالليل عروس . فغضب لذلك وقلق وخرج وبايعه جماعة وقصد الحديثة فاختفى حسين بن بكير . واخرج مساور ابنه حوثرة وكثر جمعه من الأكراد والأعراب وصار الى الموصل فنزل بالجانب الشرقي . وكان الوالي عليها يومئذ عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن اهبان الخزاعي (1) قال وعبر رجلان من اهل الموصل الى مساور فقاتلا فقتلا وعاد مساور وكره القتال وسمع ابنه يرتجز :
(1) كان اهبان صحابياً .

202
انا الغلام البجلي الشـاري
اخرجني جوركم من داري
وأتى الخبر بمسير مساور الى كرخ حدان وبلغ بندار الطري فصار الى مساور وكان معه ثلثمائة فارس ومع الخوارج سبعمائة فاشتد القتال بينهم وحمل الخوارج حملة اقتطعوا من أصحاب بندار اكثر من ماءة فصبروا لهم وقاتلوهم حتى قتلوا جميعاً . فانهزم بندار وأصحابه وجعل الخوارج يقطعونهم قطعة بعد قطعة فقتلوهم وأمعن بندار في الهرب فطلبوه ولحقوه فقتلوه ونصبوا رأسه ولجأ من أصحابه نحو من خمسين رجلاً . وسار مساور نحو حلوان فقاتله أهلها فقتل منهم اربعمائة اسنا وقتلوا من أصحابه جماعة وقتل عدة من حجاج خراسان كانوا بحلوان وقال مساور في ذلك :
فجعت العـراق ببندارها
وخـرت البلاد بأقطارها
حلـوان صبحتها غـارة
فقبلت غـرار غـرارها
وعقبة بالموصل احجرته
وطوقته الذل فـي كارها
قال واستولى مساور على أكثر اعمال الموصل وقوي أمره . فجمع له الحسن بن ايوب بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي . وكان خليفة ابيه بالموصل عسكراً كثيراً منهم حمدان بن حمدون جد الامراء الحمدانية وغيره . وسار الى مساور وعبر اليه نهر الزاب فتأخر عنه مساور عن موضعه ونزل بموضع يقال له وادي الريات وهو واد عميق .
203
فسار الحسن في طلبه فالتقوا هناك واقتتلوا أشد القتال . فانهزم عسكر الموصل وكثر القتل فيهم وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه اكثر من القتلى ونجا الحسن فوصل الى حرة من أعمال اربل اليوم ونجا محمد بن علي بن السيد فظن الخوراد انه الحسن فتبعوه فقاتلهم فقتل وكان شجاعاً فارساً . قال : وعظم شأن مساور حتى خافه الناس . وقصد الموصل ونزل بظاهرها عند الدير الأعلى . فاستتر أمير البلاد وهو عبدالله بن سليمان لضعفه عن مقاتلته . ووجه مساور جمعاً الى دار عبدالله أمير البلاد فأحرقها ودخل الموصل بغير حرب وصلى الجمعة في المسجد الجامع . قال فوضع ابهامه في اذنيه وكبر ست تكبيرات وخطب بعد الصلاة . وكان قد جعل على درج المنبر من أصحابه من يحرسه بالسيوف وكذلك في الصلاة . ثم فارق الموصل ورجع الى الحديثة لأنه كان اتخذها دار هجرته . قال وخالف أحد الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير العمروي على مساور في توبة الخاطىء فقال مساور تقبل توبته . وقال عبيدة لا تقبل فجمع عبيدة جمعاً كبيراً وسار الى مساور وتقدم اليه مساور من الحديثة فالتقوا بنواحي جهينة بالق بالقرب من الموصل واقتتلوا أشد قتال فأسفرت النتيجة عن قتل عبيدة وفل جمعة واستولى مساور على كثير من العراق . حتى انه منع الأموال على الخليفة وضاقت على الجند أرزاقهم . ولما ولي المعتمد الخلافة سير مفلحاً الى قتال مساور في عسكر كبير حسن العدة فلما قارب
204
الحديثة فارقها مساور وقصد جبلين يقال لأحدهما زيني وللآخر عامر . وهما بالقرب من الحديثة فتبعه مقلح فعصف عليه مساور وهو في أربعة آلاف فارس فاقتتل هو ومفلح وجرت وقفات عديدة بينهما . ثم اصبحوا يوماً وطلبوا مساوراً فلم يجدوه . وكان قد سار الى الحديثة ورجع مفلح الى الموصل فأحسن السيرة في أهلها . ثم تأهب للقاء مساور فلما قارب الحديثة فارقها مساور . ثم رحل عنها مفلح ، وفي سنة ست وخمسين وماءتين التقى بغابمساور الخارجي بخانقين وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة . وفي سنة سبع وخمسين وماءتين . خرج علي بن مساور الخارجي وخارجي آخر اسمه طوق من بني زهير فاجتمع اليه أربعة آلاف فسار الى أذرمة فحاربه أهلها فظفر بهم فدخلها بالسيف وأخذ جارية بكراً فجعلها فيئاً وافتضها في المسجد . فجمع عليه الحسن بن ايوب بن احمد العدوي جمعاً كثيراً فحاربه فقتله وقطع رأسه وانفذه الى سامراء ، وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين سار مسرور الى البوازيج فلقى مساوراً هناك فكان فيها ما بينهما وقعة أسر فيها من اصحاب مسرور جماعة ثم انصرف مسرور الى سامراء وفي سنة ستين وماءتين قتل رجل من اصحاب مساور الشاري محمد بن هرون بن المعمر رآه يريد سامراء فقتله وحمل رأسه الى مساور فطلبت ربيعة بثاره فندب مسرور البلخي
205
وغيره الى أخذ الطرق على مساور فلم يتيسر له ذلك ، وفي سنة احدى وستين وماءتين قتل مساور الشاري يحيى بن جعفر الذي كان يلي خراسان . فسار مسرور البلخي في طلبه وتبعه ابو احمد وهو الموفق بن المتوكل فسار مساور من بين ايديهما فلم يدركاه . وفي سنة ثلاث وستين وماءتين رحل الى البوازيج يريد لقاء عسكر قد سار اليه من عند الخليفة وجاءه حتفه فمات حينذاك .
206
( الحرب بين الخوارج أنفسهم )
لما هلك مساور طلب الخوارج أن يبايعوا محمد بن خرزاد فامتنع فبايعوا هرون بن عبدالله البجلي . قال ابن الأثير جمع بن خرزاد أصحابه وسار الى هرون محارباً له فنزل واسط وهي محلة بالقرب من الموصل وكان يركب البقر لئلا يفر من القتل ويلبس الصوف الغليظ ويرقع ثيابه وكان كثير العبادة والنسك ويجلس على الأرض ليس بينها وبينه حائل . فلما نزل واسط خرج اليه وجوه أهل الموصل وكان هرون بمعلثايا يجمع لحرب محمد . فلما سمع بنزول محمد عند الموصل سار اليه ورحل ابن خرزاد نحوه فالتقوا بالقرب من قرية شمرخ فاقتتلوا قتالاً شديداً كان فيه مبارزة وحملات كثيرة فانهزم هرون وقتل من أصحابه نحو مائتي رجل منهم جماعة من الفرسان المشهورين . مضى هرون منهزماً فعبر دجلة الى العرب قاصداً بني تغلب فنصروه واجتمعوا اليه ورجع ابن خرزاد من حيث أقبل وعاد هارون
207
الى الحديثة فاجتمع عليه خلق كثير . وكاتب أصحاب بن خرزاد واستمالهم فأتاه منهم الكثير ولم يبق مع ابن خرزاد الا عشيرته من الشمردلية وهم من أهل شهر زور . وإنما فارقه أصحابه لأنه كان خشن العيش وهو ببلد شهر زور وهو بلد كثير الأعداء من الأكراد وغيرهم وكان هرون ببلد الموصل قد صلح حاله وحال أصحابه فلما راى أصحاب ابن خرزاد ذلك مالوا اليه وقصدوه وواقع ابن خرزاد بنواحي شهر زور والأكراد الجلالية وغيرهم . فقتل وتفرد هرون بالرياسة على الخوارج وقوي وكثر أتباعه وغلبوا وذلك سنة سبع وستين وماءتين .
208
( صاحب الزنج الخارجي )
قال : أرباب التاريخ . خرج في عهد المهدي . صاحب الزنج بالبصرة (1) وكان من كبار أصحاب الفتن في العهد العباسي ، وكان يزعم انه علي بن احمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) . وأكثر الناس يقولون انه دعى آل ابي طالب ، قال المسعودي في مروج الذهب (2) كان صاحب الزنج . من أهل قرية من أعمال الري . يقال لها . وزق . وظهر من فعله ما دل على تصديق ما رمى به . انه كان يرى رأي الأزارقة . من الخوارج . لأن أفعاله في قتل النساء والأطفال وغيرهم . من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتال يشهد بذلك عليه . وله خطبة . يقول في أولها . الله اكبر . الله اكبر . لا
(1) كان خروج صاحب الزنج سنة خمس وخمسين ومأتين . وقيل سنة سبعين ومأتين ؟ . (2) ج4 ص135 . طبع دار الرجاء .

209
اله الا الله والله اكبر . الا لا حكم إلا لله . وكان يرى الذنوب كلها شركاً . وكان أنصاره الزنج . قال : المسعودي : وشخص الموفق لمحاربة صاحب الزنج في صفر سنة سبع وستين ومأتين . وقدم الموفق ابنه أبا العباس في ربيع الآخر الى الأهواز فأصلح ما افسده الزنج . ثم عاد الى البصرة . فلم يزل منازلاً لصاحب الزنج . قد التف حوله سودان البصرة ورعاعها . فنزل البطائح وامتلك البصرة . والأهواز . وأغار على واسط . وبلغ عدد جيشه ثلاث مئة الف مقاتل . وعجز عن قتاله الخلفاء . وكان يقتل الصغير والكبير . والذكر والأنثى . ويحرق ويخرب . وكان قد جعل مقامه في قصر اتخذه بالمختارة وقد كان أتى بالبصرة في وقعة واحدة على قتل ثلاث مئة ألف من الناس وآخر أمره قتله الموفق . وقطع رأسه . وحمله الى بغداد . وطيف به البلدان . وكان قتله سنة سبعين ومأتين لليلتين خلتا من شهر صفر . وكانت أيامه أربع عشر سنة وأربعة أشهر وستة أيام في أيام المعتمد .
210
( وقايع ابو يزيد الخارجي )
كان ابو يزيد الخارجي واسم والده كنداد . من مدينة توزر من قسطيلية . وكان أبوه يختلف الى بلاد السودان للتجارة . فولد بها أبو زيد من جارية هوارية . فاتى به الى توزر . ونشأ بها فتعلم القرآن . حتى كبر وترعرع وصار يخالط جماعة من النكارية (1) . فمالت نفسه الى مذهبهم . ثم سافر الى تاهرت . فأقام بها يعلم الصبيان . الى ان خرج ابو عبدالله الشيعي الى سجلماسة في طلب المهدي وكان أبو زيد من مذهبه تكفير أهل المل الملة واستباحة الأموال والخروج على السلطان . فابتدأ يحتسب على الناس في أفعالهم ومذاهبهم . فصار له جماعة يعظمونه . وذلك في ايام المهدي سنة ست عشرة وثلثمائة . ولم يزل
(1) النكار . هم خوراد الأندلس وهم من الأباضية : وان جل اهل عمان اليوم اباضية .

211
على ذلك الى أن اشتدت شوكته وكثر تبعه في ايام القائم ولد المهدي . فصار يغير ويحرق ويفسد ويغزو البلدان فيهدم ويحرق ويقتل . حتى انه قتل الأطفال وأخذ النساء ورعب منه الناس وخافته القبائل واستولى على بلدان كثيرة والقيروان وقتل أهلها وحارب الكتاميين . وعمل أعمالاً عظيمة . وقتل ميسور قائد جيش القائم . وحمل رأسه وطيف بالقيروان . حتى خافه القائم ومن معه بالمهدية وفتح سوسة وقتل الرجال وسبى النساء وأحرق البيوت وشق فروج النساء . وبقر البطون حتى ما ترك موضعاً بأفريقية معموراً . وقد حاصر المهدية غير مرة . وتفرق اهل المهدية أيدي سبأ . وتفرق من أصحابه جماعة وصاروا الى المهدية بسبب عداوة كانت بينهم وبين أقوام سعوا بهم اليه . فخرجوا من المهدية مع أصحاب القائم فقاتلوا أصحاب ابي يزيد فظفروا . فتفرق عند ذلك أصحاب أبي يزيد ولم يبق معه الا القليل فشخص الى القيروان ليجمع بها البربر فخرج أهل المهدية وانتهبوا ثقله . فلما وصل الى القيروان سدس صفر . فنزل المصلى . ولم يخرج اليه أحد من أهلها سوى عاملة وخرج الصبيان يلعبون حوله ويضحكون منه . ثم ما مرت أيام حتى خرجوا اليه . وذلك لما ألان لهم القول وخوفهم صولة القائم . وتسامع الناس فأتاه العسكر من كل ناحية فنهب البلدان ووضع السيف بالرقاب وأكثر الحريق
212
والخراب . ودخل تونس في العشرين من صفر بعسكره سنة أربع وثلاثين وثلثمائة فنهبوا جميع ما فيها وسبوا النساء والأطفال وقتلوا الرجال وهدموا المساجد ولجأ كثير من الناس الى البحر فغرق . فسير اليهم القائم عسكراً الى تونس فخرج اليهم أصحاب ابي يزيد واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم عسكر القائم هزيمة عظيمة . ثم عدلوا على عسكر ابي يزيد فهزموه ودخلوا تونس وأخرجوا من فيها من عسكر ابي يزيد . وكان لأبي يزيد ولد اسمه أيوب . فلما بلغه الخبر جهز جيشاً جراراً وقصد تونس . فدخلها وأحرق ما بقي فيها وقتل أناساً بها . وتوجه الى باجة ـ فقتل من اصحاب القائم . ودخلها بالسيف فأحرقها وكان هذه المدة من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف . وحمل عسكر القائم على ابي يزيد ثلاث حملات . وفي الحملة الثالثة تغلبوا على أبي يزيد وحاصر أبو يزيد بلدة سوسة . وكان بها عسكراً للقائم وعمل في تلك الوقعة الدبابات والمنجنيقات . فقتل من أهل سوسة خلق كثير وفي ذلك الحين فوض القائم العهد الى ولده اسماعيل المنصور . وتوفي القائم فكتم المنصور موت ابيه خوفاً من ابي يزيد لقربه وهو على مدينة سوسة ، وعمل المنصور المراكب وشحنها بالرحال واستعمل عليها رشيقاً الكاتب . ويعقوب بن اسحاق . ووصاهما أن لا يقاتلا حتى يأمرهما ثم سار من
213
الغد يريد سوسة . فسألوا أن يعود ولا يخاطر بنفسه فعاد وارسل رشيق ويعقوب بالحد في القتال . فوصلوا سوسة . وقد أعد ابو يزيد الحطب لإحراق السور وعمل دبابة . فالقى رشيق النار في الحطب الذي جمعه ابو يزيد وفي الدبابة فأظلم الجو بالدخان واشتعلت النار . فلما رأى ذلك أبو يزيد وأصحابه خافوا فانهزم أبو يزيد واصحابه . وجد في الهرب حتى دخل القيروان من يومه . وفل جيشه على يد رشيق وأصحابه ولما وصل الى القيروان منعه أهلها من الدخول اليها . فرحل ابو يزيد الى سبيبة . وهي على مسافة يومين من القيروان . فنزلها ولما بلغ الخبر لأبي منصور بفتح القيروان أعطى أهلها بالامان . ثم ان ابا يزيد جمع عساكره وارسل سرية الى القيروان فقاتلهم أصحاب المنصور . ورجعوا مفلولين . وسار ابو يزيد بنفسه مع شجعان أصحابه الى القيروان . وكان المنصور قد خندق عليها ففرق أبو يزيد عسكره ثلاث فرق وباشر الحرب بنفسه وكان الظفر للمنصور . وكان يوماً مشهوداً . قال ورحل ابو يزيد عن القيروان في أواخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة ونادى المنصور من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار . ووقعت حرب أخرى بينهما وكان الظفر مرة
214
لهذا ومرة لهذا . وصار ابو يزيد يرسل السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة . ثم انه أرسل الى المنصور يسال أن يسلم اليه حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان . وأخذهم المنصور . فان فعل ذلك دخل في طاعته على أن يؤمنه وعياله وأصحابه وحلف له بأغلظ الايمان على ذلك فأجابه المنصور الى ما طلب وأحضرهم اليه مكرمين بعد أن وصلهم وأحسن كسوتهم وأكرمهم . فلما وصلوا اليه نكث جميع ما عقده . وقال انما وجههم خوفاً وانقضت سنة أربع وثلاثين وثلثمائة . ودخلت سنة خمس وثلاثين وثلثمائة وهم على حالهم في القتال ففي خامس المحرم منها زحف أبو يزيد . وركب المنصور . وكان بين الفريقين قتال ما سمع بمثله وأسفرت الحرب عن هزيمة ابي يزيد الى تاه مديت . وقتل من اصحابه ما لا يحصى . فكان ما أخذه أطفال أهل القيروان من رؤس القتلى عشرة آلاف رأس . قال وتجهز المنصور في أثره . وكان كلما قصد موضعاً يتحصن فيه سبقه المنصور حتى وصل طبنة فوصلت رسل محمد بن خزر الزناتي . وهو من أعيان أصحاب ابي يزيد يطلب الأمان فأمنه المنصور . وأمره أن يرصد أبا يزيد . واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل الى جبل للبربر يسمى برزال . وأهله على مذهبه وسلك الرمان ليختفي أثره . فاجتمع معه خلق كثير فعاد الى
215
نواحي مقبرة . والمنصور بها فكمن ابو يزيد أصحابه . فلما وصل عسكر المنصور رآهم فحذروا منهم . فعبىء حينئذ أبو يزيد أصحابه واقتتلوا حتى انهزم أبو يزيد الى جبل سالات . ورحل المنصور في أثره فدخل مدينة المسيلة ورحل في أثر ابي يزيد في جبال وعرة وأودية عميقة خشنة الأرض فاراد الدخول وراءه فعرفه الادلاء أن هذه الأرض لم يسلكها جيش قط . واشتد الأمر على العسكر فبلغ عليق الدابة دينار ونصف وقربة الماء دينارين . وان ما وراء ذلك رمال وفقار بلاد السودان ليس فيها عمارة وان أبا يزيد اختار الموت جوعاً وعطشاً على القتل بالسيف . فلما سمع ذلك رجع الى بلاد صنهاجة فاتصل به أميرها زيرى بن مناد الصنهاجي الحميري جد بني باديس ملوك افريقية . فأكرمه المنصور وأحسن اليه . قال ووصل كتاب محمد بن خزر يذكر الموضع الذي فيه أبو يزيد من الرمال فقصده المنصور فهرب منه يريد بلاد السودان . وتحصن في جبال كتامة . وصار يعبث هناك ويختطف الناس . فسار المنصور عاشر شعبان اليه . فلم ينزل أبو يزيد فلما عاد نزل الى ساقة العسكر . فرجع المنصور ووقعت الحرب فانهزم ابو يزيد وأسلم أولاده واصحابه ولحقه فارسان فعقرا فرسه وسقط عنه فأركبه بعض اصحابه ولحقه زيرى بن مناد فطعنه فالقاه وكثر القتال عليه فخلصه اصحابه وخلصوا معه . وتبعهم أصحاب
216
المنصور فقتلوا منهم ما يزيد على عشرة آلاف . ثم سار المنصور في أثره فلحقه واقتتل الفريقان ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته . ثم انهزم أبو يزيد فالتجأ الى قلعة كتامة وهي منيعة فاحتمى بها . وجاء أكثر أصحاب ابي يزيد يطلبون الأمان . فأمنهم المنصور . وسار الى قلعة كتامة فحصر أبا يزيد فيها . وفرق جنده حولها حتى انهزم أصحاب ابي يزيد ودخل هو وأولاده وأعيان أصحابه الى قصر في القلعة فاجتمعوا فيه فاحترقت أبوابه وأدركهم القتل . وأمر المنصور باشعال النار في شعاري الجبل وبين يديه لئلا يهرب ابو يزيد . فصار الليل كالنهار . فلما كان آخر الليل خرج أصحابه وهم يحملونه على أيديهم وحملوا على الناس حملة منكرة . فأفرجوا لهم فنجوا به ونزل من القلعة خلق كثير فأخذوا واخروا بخروج ابي يزيد . فأمر المنصور . فسجد شكراً لله تعالى والناس يكبرون حوله وبقي عنده الى سلخ المحرم سنة ست وثلاثين وثلثمائة . فمات من الجراح الذي به . وأمر بادخاله في قفص عمل له وجعل معه قردين يلعبان عليه وأمر بسلخ جلده وحشاه تبناً وكتب الى سائر البلاد بالبشارة في ذلك .
217
( خروج فضل الخارجي بعد ابيه )
لما هلك أبو يزيد . خرج فضل بن ابي يزيد على المنصور بن القائم وأفسد وقطع الطريق فغدر به بعض أصحابه وقتله وحمل راسه الى المنصور وذلك سنة ست وثلاثين وثلثمائة .
( فتكات الخوارج )
فتك عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي بسيد الأولين والآخرين ونفس سيد المرسلين وأول المسلمين . في أشرف الشهور ـ شهر رمضان وفي أشرف الليالي ـ ليلة القدر ـ وفي أشرف الأوقات ـ بين الطلوعين وفي مكان شريف ـ في مسجد الكوفة ـ في محرابه بين يدي ربه بين السجدتين ضربه بسيفه فشق رأسه الشريف ومضى السيف الى موضع سجوده من غرته المباركة فخضبت بدمائه كريمته الشريفة . وأفجع الإسلام والمسلمين عامة بقتله . وكان الشقي ابن ملجم شقيق عاقر ناقة صالح قد سقى سيفه السم فقضى امير المؤمنين من ضربته . والبس الاسلام ابراد الحداد لهذا الفتك العظيم وذلك في سنة 40 هجـ .
218
( فتكهم بعبد الله بن خباب )
هو عبدالله بن خباب بن الارت التميمي وكان خباب لحقه سبأ في الجاهلية فبيع بمكة فاشترته امرأة من خزاعة واعتقته فهو تميمي بالنسب خزاعي بالولاء زهري بالحلف ، وكان قيناً يعمل السيوف في الجاهلية وكان فاضلاً من المهاجرين الأولين شهد بدراً وما بعدها المشاهد مع النبي (ص) وكان قديم الاسلام ممن عذب في الله وصبر على دينه وحدث عمراً عما لقي من الأذى في بدء الإسلام ، قال : سأل خباباً عما لقي من المشركين . فقال انظر الى ظهري فنظر ثم قال ما رأيت كاليوم . قال خباب لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها فما أطفأها الا ودك ظهري ، قال ابن حجر وشهد مع علي صفين والنهروان ، قيل مات سنة تسع وثلاثين وصلى الله علي بن ابي طالب ، وقيل بل مات سنة تسع عشرة بالمدينة وصلى عليه عمر (1) وولده المقتول
(1) الاستيعاب بهامش الاصابة ج1 ص423 .

219
بسيوف الخوارج عبدالله بن خباب سبق ذكر مقتله في ص41 ذبحوه فوق خنزير وقالوا والله ما ذبحنا لك ولهذا الخنزير الا واحداً وبقروا بطن زوجته وهي حامل وذبحوها وذبحوا الجنين ، قال أرباب التاريخ ولما التقى الجمعان يوم النهروان استنطقهم علي (ع) بقتل عبدالله فأقروا كلهم كتيبة كتيبة فقال (ع) لو أقر أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا وأنا قادر على قتلهم به لقتلتهم .
220
( فتكهم بخارجة )
هو خارجة بن حذافة بن غانم ، امه فاطمة بنت عمره بن بحرية العدوية كان أحد الفرسان . وكان يعد بألف فارس وهو من مسلمة الفتح وأمد به عمر عمرو بن العاص فشهد معه مصر واختط بها . وكان على شرطة عمرو بن العاص . يقال : ان عمرو بن العاص استخلفه على الصلاة ليلة قتل علي بن أبي طالب فقتله الخارجي الذي انتدب لقتل عمرو بن العاص . وقال أردت عمرواً واراد الله خارجة (1) اقول : رأيي ان هذه المؤامرة كانت مدبرة من عمرو بن العاص نفسه على قتل علي ومعاوية لتكون الخلافة له بعدهما . دبرها مع ابن ملجم المنتدب لقتل علي ومع المنتدب لقتل معاوية بحيث كان المنتدب لقتله لا يعلم ذلك ، كما دبر الحزب الأموي من قبل الحيلة بقتل عمر بن الخطاب ( رض )
(1) الاصابة لابن حجر العسقلاني ج1 ص399 .

221
ليفضي الأمر الى عثمان : للمؤلف .
الحكـم لله اذ ينجـوا معـاوية
ورأس سيـده بـالسيف يـنقسم
ويفلت الرجس عمر وفي تغيبه
عمــداً وخارجة بالغدر يخترم

222
( فتكهم بالخلال )
هو ابو سلمة حفص بن سليمان الهمداني ، مولى السبيع ، كان وزيراً للسفاح ، اول خلفاء العباسيين ، وكان الخلال هذا أول من وقع عليه اسم الوزير . وشهر بالوزارة ولم يكن قبله من يعرف بهذا الاسم وهو الذي بذل اموالاً طائلة له في تكوين الدولة الهاشمية . واتهموه بالتشيع قتله الخوارج . ويقال حرض عليه ابو مسلم الخراساني جماعة . فخطبوه بأسيافهم ليلاً وذلك عند منصرفه من مجلس السمر مع السفاح بالأنبار في رجب سنة 132 هجـ هكذا ذكره ابن خلكان .
223
( فتكهم بالمثلم بن مشرح الباهلي )
هو المثلم بن مشرح . كان يقال له ابن سعاد اسم امه ، ذكر أرباب التاريخ انه ذكر لعبيد الله بن زياد رجل من سدوس يقال له ـ خالد بن عباد ـ . وكان من نساك الخوارج . فوجه اليه فأخذه ، فأتاه رجل من اهل ـ فوز ـ فكذب عنه . وقال هو صهري . وفي ضمني فخلني عنه فلم يزل الرجل يفقده حتى تغيب فأتى ابن زياد فاخبره . فلم يزل يبعث الى خالد بن عباد حتى ظفر بن فأخذه . فقال له أين كنت في غيبتك هذه ؟ قال : كنت عند قوم يذكرون الله فيسجدون له ويذكرون أئمة الجور فيتبرؤن منهم . قال ادللني عليهم . قال : اذن يسعدوا ويشقى . ولم اكن لأروعهم فلم يزل به حتى عزم على قتله . وأمر به فأخرج الي رحبة تعرف برحبة ـ الترتيبي ـ وكانت الشرطة تتفادى عن قتله . حتى اتى ـ المثلم بن مشرح الباهلي . وكان من الشرطة فتقدم اليه فقتله فأتمر به الخوارج أن يقتلوه وكان
224
مغرما باللقاح يتبعها فيشتريها من مضانها ، فبعثوا اليه رجلاً في هيئة الفتيان عليه درع زعفراني فلقيه ـ بالمربد ـ وهو يسأل عن لقحة صيفي فقال له الفتى ان كنت تبتع فعندي ما يغنيك عن غيره فامض معي فمضى ـ المثلم ـ معه على فرسه يمشي أمامه حتى أتى به بني سعد فدخل داراً وقال له ادخل على فرسك فلما دخل وتوغل في الدار غلق الباب وثارت به الخوارج . فاعتوره حريث بن حجل وكهمش بن طلق الصريمي فقتلاه . وجعلا دراهم كانت معه في بطنه ودفناه في ناحية الدار وحكا آثار الدم . وخليا فرسه في الليل . فأصبحت الغد في المربط . وتجسس عنه الباهليون فلم يروا له أثراً . فأتهموا بني سدوس به . وأخذوا من السدوسيين أربع ديات . ولم يعلم بمكان المثلم . حتى خرج مرداس وأصحابه . فلما وافقهم ابن زرعة الكلابي صاح بهم حريث . وقال : اهاهنا من باهلة أحد ؟ قالوا : نعم . قال أعداء الله أخذتم للمثلم من بني سدوس أربع ديات وأنا قتلته وجعلت دراهم كانت معه في بطنه . وهو في موضع كذا مدفون . ولما انهزم ابن زرعة صاروا الى الدار فأصابوا أشلاءه .
225
( فتكهم بمعن بن زائدة )
كان معن بن زائدة الشيباني يكنى بأبي الوليد . وقد اشتهر بالكرم والجود والحلم والشجاعة والمروءة والنجدة والفصاحة والذكاء والشعر ، حتى قيل فيه . حدث عن معن ولا حرج . وكان قد أدرك الدولتين الأموية والعباسية . فأحرز فيهما الشأن الخطير والمنصب الرفيع . وقد اتصل في أيام بني أمية بيزيد بن عمرو بن هبيرة الفزاري امير العراقين لبني امية . ولما اديل للعباسيين من الأمويين ، ثار ابن هبيرة واشترك معه معن في هذه المعركة وأبلى فيها بلاء حسناً . وقد حاربهما المنصور حرباً تشيب لها الولدان حتى حصرهما في مدينة واسط : ولم يزل يشدد عليهما الحصار حتى قتل ابن هبيرة وفر معن واختفى . فصار المنصور يطلبه أشد الطلب وجعل لمن يمسكه أو يدل عليه جائزة سنية ، ولما ثار الخراسانيون على المنصور في مدينة الهاشمية ـ قرب الكوفة ـ وجرت بينهم وبين حاشية المنصور
226
معركة هائلة كادوا يقتلونه فيها ، كان معن حينذاك متوارياً على مقربة منهم ، فخرج من مخبئه وهو متلثم ودخل المعركة شاهراً سيفه وأخذ يقاتل الثائرين قدام المنصور حتى مزقهم كل ممزق ، ولما انكشفت الحالة عن المنصور قال له : ( من أنت لله ابوك ؟ ) فأجاب « أنا طلبتك يا امير المؤمنين ، انا معن بن زائدة » فقال المنصور : قد آمنك الله على نفسك ومالك ومثلك من يصطنع ، ثم أخذه معه وخلع عليه وحباه وزينه : ومما يروى من نجدته . ما ذكره المؤرخون . أنا المنصور أهدر دم رجل من أهل الكوفة كان يسعى مع الخوارج بفساد دولته وجعل لمن يدل عليه مئة ألف درهم ، ثم ظهر الرجل متنكراً في بغداد فعرفه أحد البغداديين وتمسك به وصاح « هذا بغية امير المؤمنين » وفيما هما على تلك الحال مر معن فاستجار به الرجل فأمر معن البغدادي الى الخليفة وأعلمه الخبر فغضب الخليفة واستدعى معناً في الساعة . ولما وصل أمر المنصور الى معن . جمع أهل بيته وأقاربه ومواليه وقال لهم « أقسمت عليكم الا يصل مكروه الى هذا الرجل وفيكم عين تطرف » ثم سار الى الخليفة . وعندما دخل عليه رآه محتدماً غيظاً . فلما أنبه المنصور على فعلته . قال : يا أمير المؤمنين . كم مرة تقدم في دولتكم بلائي وحسن عنائي ! وكم مرة
227
خاطرت بدمي أفما رأيتموني أهلاً لأن يوهب لي رجل استجار بي بين الناس لوهمه أني من عبيد امير المؤمنين . وكذلك أنا ؟ فمر بما شئت وها أنذا بين يديك » فسكن غضب المنصور وقال له ( أجرناه لك يا معن ) ولم يزل بالخليفة يسترضيه حتى أخذ منه مئة الف درهم عطية للرجل المغضوب عليه . ثم عاد الى منزله وقال للرجل « يا رجل خذ صلتك والحق بأهلك وإياك ومخالفة الخلفاء في امورهم بعد الآن ، وكان من الكرم ما يضيق المجال عن ذكره . فان اخبراه بالكرم مسطورة في مضانها . وكذلك مقالة الشعراء فيه ، قال ارباب التاريخ وفي ستة مئة وخمس وعشرين هجرية . أدخل الى منزله بعض الصناع ليعملوا له عملاً فاندس بينهم بعض الخوراج فقتلوه غيلة وهو يحتجم فتبعهم ابن اخيه يزيد وقتلهم على بكرة أبيهم ، فكان لقتله رنة أسىً في الدولة العباسية . ورثته الشعراء بمراث مشجية .
228
( فتكهم بعيسى بن جعفر )
بعث هرون الرشيد عيسى بن جعفر بن عمه واخو زبيدة الى عمان عاملاً عليها في ستة آلاف مقاتل فخرج اليه والي صحار وهو مقارش بن محمد اليحمدي فالتقوا ( بحتى ) فانهزم عيسى بن جعفر وسار الى مراكبه بالبحر فتبعه الخوارج في ثلاث سفن فأسروا عيسى وجيء به الى صحار فحبس بها بأمر من الامام الوارث . قال الراوي وبعد ذلك انطلق جماعة من حيث لا يعلم الإمام حتى أتوا الى صحار فتسوروا السجن على عيسى بن جعفر فقتلوه في السجن .
229
( فتكهم بعامل سوآرء )
قال ابن ابي الحديد : مرّ شبيب في طريقه الى الكوفة على سورآء فالتفت الى أصحابه وقال : ايكم يأتيني برأس عاملها . فانتدب اليه قطين . وقعنب وسويد ورجلان من أصحابه فكانوا خمسة وساروا حتى انتهوا الى دار الخراج والعمال فيها . فقالوا اجيبوا الأمير فقال الناس أي امير قالوا أمير قد خرج من قبل الحجاج يريد هذا الفاسق شبيباً . فاغتر بذلك عامل سورآء فخرج اليهم . فلما خالطهم شهروا السيوف وحكموا وخبطوه بها حتى قتلوه وقبضوا ما وجدوا في دار الخراج من مال ولحقوا بشبيب فلما رأى شبيب البدر . قال : أتيتمونا بفتنة المسلمين هلم يا غلام الحربة فخرق بها البدر وأمر أن تنخس الدواب التي كانت البدر عليها فمرت رائحة والمال يتناثر من البدر حتى وردت الصراة . فقال ان كان بقي شيء فاقذفوه في الماء .
( فتكهم بمحمد بن هرون بن المعمر )
ذكر ابن الاثير أن رجلاً من اصحاب مساور الشاري وافق محمد بن هارون بن المعمر . وهو يريد سامراء فقتله وحمل رأسه الى مساور فطلبت ربيعة بثأره .
( فتكهم بالنساء )
ذكر أرباب التاريخ أن الخوارج قتلوا زوجة عبدالله بن خباب فبقروا بطنها وذبحوا جنينها (1) ثم قتلوا ام سنان الصيداوية وثلاثاً من النساء وذلك قبل وقعة النهروان بقليل ، وقتلوا ام حفص . ابنة المنذر بن الجارود العبدي زوجة عبد العزيز بن عبدالله بن اسيد قتلها ابو الحديد العبدي (2) . قال ابن الأثير في حوادث سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة . كان جيش ابي يزيد الخارجي . قد هجم في الليل على رجل من أهل القيروان وأخذ ماله وثلاث بنات ابكار . فلما أصبح واجتمع الناس لصلاة الصبح قام الرجل في الجامع وصاح وذكر ما حل به فقام الناس معه وصاحوا فاجتمع الخلق العظيم . ووصلوا الى ابي يزيد فاسمعوه كلاماً غليظاً
(1) انظر ، ص41 . (2) انظر ، ص70 .

231
فاعتذر اليهم ولطف بهم وأمر برد البنات . فلما انصرفوا وجدوا في طريقهم رجلاً مقتولاً فسألوا عنه فقيل ان فضل بن ابي يزيد قتله وأخذ امرأته وكانت جميلة فحمل الناس المقتول الى الجامع وقالوا لا طاعة الا للقائم ، وجيء اليه بسبي من أهل تونس وهم عنده فوثبوا اليهم وخلصوهم ، وكانت الحروب بين القائم وابي يزيد سنين عديدة . وبعد وفاة القائم قام بالأمر ابنه المنصور فتغلب على ابي يزيد بعد حروب وقتال بين الطرفين . وهلك أبا يزيد ، وقتل من بعده ابنه فضل كما ذكرناه .
232
( الخوارج وفرقهم )
افترقت الخوارج خمس وعشرون فرقة ، وكل هذه الفرق متفقة على أمرين لا مزيد عليهما في الكفر والبدعة . احدهما : انهم يزعمون ان علياً ، وعثمان ، وعائشة ، وطلحة والزبير ومن رضي بالحكمين وعمرو بن العاص ، وابي موسى الأشعري ، ومعاوية وأتباعه كفروا كلهم . والثاني : يعتقدون ان كل من أذنب ذنباً من المسلمين فهو كافر ، ويخلد من النار ، وشذت فرقة منهم وهم النجدات فانهم قالوا : ان الفاسق كافر على معنى انه كافر نعمة ربه ، فيكون اطلاق هذه التسمية عند هؤلاء منهم على معنى الكفران لا على معنى الكفر ؛ ومما يجمع أيضاً تجويزهم الخروج على الإمام الجائر . والكفر لا محالة لازم لتكفير الصحابة ، وهناك اصحاب مقالاة ومعتقدات اكثرها كفر والحاد عصمنا الله من الزلل ، وحفظنا من
233
المروق عن الدين ، والإنشقاق عن صفوف المسلمين ، وجعلنا ممن يهتدى بهدي خاتم المرسلين انه سميع مجيب . المروق عن الدين ، والإنشقاق عن صفوف المسلمين ، وجعلنا ممن يهتدى بهدي خاتم المرسلين انه سميع مجيب . « المحكمة » : أول من قال منهم ـ لا حكم إلا لله ـ عروة بن حدير (1) اخو مرداس الخارجي ـ ابي بلال ـ ، فسمع من كان من أهل جباه السود هذه الكلمة ، فتعلقوا بهذه الشبهة فسموا المحكمة ، وخرجوا الى ـ حروراء ـ وكان فيها اجتماعهم واظهارهم العداء لعلي (ع) فسموا ـ الحرورية ـ . « الازارقة » وهم اتباع . نافع بن الأزرق . ابو راشد الحنفي (2) وهم اكثر الخوارج عدداً . وأشدهم شوكة . واعظمهم عصبية . فارقوا المحكمة . لقولهم كل من خالفهم من هذه الأمة فهو مشرك . بخلاف المحكمة . فانهم كانوا يقولون كل من خالفهم كافر ، وتزعم الأزارقة من
(1) وقيل اول من قال ـ لا حكم إلا الله ـ في صفين هو يزيد بن عاصم المحاربي كلمة حق يراد بها باطل . وقيل ان الذي قالها رجل من بني يشكر ، كان مع أصحاب علي يومئذ . (2) ذكر المبرد في كامله . أنه اعتزل الحرب يوم النهروان فضللته الخوراج .

234
لم يهاجر الى ديارهم فهو مشرك . وان وافقهم في مذهبهم ، وكان من عاداتهم فيمن هاجر اليهم أن يمنحوه بأن يسلموا اليه أسيراً من اسراء مخالفيهم . وأطفالهم ويأمروه بقتله ، ويزعمون أن أطفال مخالفيهم مشركون يخلدون في النار ، ويزعمون أنّ ديار مخالفيهم ديار كفر ، وأنّ قتل نسائهم وأطفالهم مباح ، وإنّ رد أماناتهم لا تجب ، ويزعمون ان الرجم لا يجب على الزاني المحصن ، خلافاً لا جماع المسلمين ، وقالوا انّ من قذف رجلاً محصناً فلا حد عليه ، ومن قذف امراة محصنة فعليه الحد وقالوا ان سارق القليل يجب عليه القطع . « النجدات » اتباع ـ نجدة بن عامر الحنفي ـ فمن قولهم ان من يقول بمقالة نافع فهو كافر ، ثم افترق هؤلاء ثلاث فرق ، وخرجوا على نجدة . « العطوية » اتباع عطية بن الأسود الحنفي ، كان عطية هذا من اصحاب نجدة أرسله الى سجستان فأظهر مذهبه بمرو منابذاً لنجدة فعرفت اتباعه بالعطوية . « الفديكية » اتباع ـ ابو فديك ـ كان ابو فديك من أصحاب نجدة فانقلب على نجدة لأنه أخذ عليه أشياء . منها انه بعث جنداً للغزو ، في البر وجنداً في البحر ، ثم فضل في العطاء من بعثه في البحر فأنكر عليه ذلك . وقال
235
لم يكن من حقه ان يفضل هؤلاء فتبعه جماعة وسموا الفديكية . « الصفرية » اتباع زياد بن الأصفر ـ وقولهم كقول الأزارقة في فساق هذه الامة ولكنهم لا يبيحون قتل نساء مخالفيهم ولا أطفالهم وقالت طائفة منهم : كل ذنب له حد معلوم في الشريعة لا يسمى مرتكبه مشركاً . ولا كافراً ، بل يدعى باسمه المشتق من جريمته يقال سارق ، وقاتل ، وقاذف ، وكل ذنب ليس فيه حد معلوم في الشريعة . مثل الاعراض عن الصلاة فمرتكبه كافر ، ولا يسمون مرتكب واحد من هذين النوعين جميعاً مؤمناً ، وقال فريق منهم . ان المذنب لا يكون كافراً الى أن يحده الوالي ويحكم بكفره ، وكان هذه الفرق الثلاث تدعى بامامة ـ مرداس ـ ابي بلال الخارجي ، وبعده قالت بإمامة ـ عمران بن حطان ـ الخبيث . « العجاردة » اتباع عبد الكريم بن عجرد ـ وكان من اتباع عطية بن الأسود الحنفي ، وقولهم ان كل طفل بلغ فانه يدعى الى ان يقر بدين الاسلام ، وقبل ان يبلغ يتبرؤن منه ، ولا يحكمون له بحكم الإسلام في حالة طفوليته . « الخازمية » كانوا يقولون بتكفير القدرية ، ووافقوا أهل السنة في القدر والاستطاعة والمشيئة ، فيقولون لا خالق الا
236
الله ولا يكون الا ما يريد . غير أنهم يكفرون . عثمان بن عفان . وعلي بن ابي طالب (ع) والحكمين . « الشعيبية » اتباع ـ محمد بن شعيب ـ يروى ان محمد بن شعيب نازع رجلاً من الخوارج يقال له ميمون ، وكان على شعيب نازع رجلاً من الخوارج يقال له ميمون ، وكان على شعيب مال فطالب به شعيباً ، فقال شعيب أؤديه اليك ان شاء الله تعالى . فقال ميمون الآن شاء الله ذلك ألا تراه قد أمر به . فقال شعيب : لو كان الله شاء لم اقدر على مخالفته . فظهر بسبب ذلك الخلاف بيت العجاردة في مسألة المشيئة . فكتبوا هذه القصة الى عبد الكريم بن عجرد ، وهو محبوس في حبس السلطان فكتب في جوابه . نحن نقول ما شاء الله كان . وما لم يشأ لم يكن ، ولا نلحق به سوءاً . وقال ميمون : من قال انه لم يرد ان يؤدي الي حقي فقد الحق به سوءاً ، وقال شعيب : بل وافقني في الجواب . ألا تراه يقول : وما لم يشأ لم يكن ، ورجع الخازمية الى قول شعيب ، والحمزية منهم الى قول ميمون القدري ، وميمون هذا كان يجوز نكاح بنات البنين ، وبنات البنات وبنات الأخوة . وهذا خلاف اجماع المسلمين . وهذا منه كفر زاده على قوله بالقدر ، والارادة ، وكان ينكر سورة يوسف ويقول انها ليست من القرآن . « الخلفية » وهم اتباع ـ خلف ـ وكان من اتباع ميمون
237
القدري ثم رجع عن قوله وتبع مذهب اهل السنة في باب القدر والمشيئة والاستطاعة فبايعه خوراج كرمان على ذلك ، وكان حمزة الخارجي يحاربهم حتى فني في حروبهم خلق كثير وقالوا بمقالة الأزارقة . في قولهم ان أطفال مخالفيهم يكونون في النار . « المعلومية » و ... « المجهولية » والفريقان من جملة الخازمية ، ثم ان المعلومية . خالفوهم وزعموا ان من لم يعلم الله بجميع اسمائه فهو جاهل به . والجاهل به كافر ، وزعموا ان من كان على دينهم . وخرج على اعدائه بالسيف فهو الامام ، والمجهولية يقولون . من عرف الله ببعض اسمائه يكون عالماً به ، ولا يشترطون معرفة جميع اسمائه ، ويكفرون المعلومية بهذا السبب . « الصلتية » ابتاع صلت بن عثمان ، وقيل صلت بن ابي الصلت وقال : المقريزي ـ عثمان بن ابي الصلت ـ وهؤلاء كانوا يقولون انا نوالي كل من كان على مذهبنا . ولكنا نتبرأ عن أطفالهم الى أن يبلغوا ونعرض عليهم الاسلام فيقبلوه ـ يريدون عرض مذهبهم وقبوله . « الحمزية » وهم اصحاب حمزة الخارجي . القدري . الذي خرج في عهد الرشيد بخراسان ، فانه جمع بين
238
البدعتين الخروج . والقدر . وكان الى عهد المأمون ، وقد ظهر فساده في جميع بلاد خراسان . وكرمان ومكران . وقهستان . وكان قبلاً على مذهب الخازمية . ثم خالفهم في القدر . والاستطاعة . ورجع الى قول القدرية . وكان يزعم ان مخالفيهم من هذه الأمة مشركون . وان غنائمهم لا تحل لنا . وكان يأمر باحراق الغنائم . وعقر دواب مخالفيهم الى ان قتله جماعة من أهل نيسابور . « الثعالبة » أصحاب ـ ثعلبة بن مسكان ، وذكره الشهرستاني ثعلبة بن عامر ، وهذه الفرقة كانت تقول بامامة عبد الكريم بن عجرد وصارت تكفره بعد ذلك . « المعبدية » كانت هذه الفرقة تقول بامامة ـ معبد بن ثعلبة والثعالبة كانت تكفر معبد ، حيث خالف امام الثعالبة . بان قال : يجوز أخذ الزكاة من العبيد . ويجوز دفعها اليهم ، وزعم بأن كل من لم يوافقه بهذه المقالة كافر . « الاخنسية » هم أصحاب اخنس بن قيس ، وكان من اتباع الثعالبة اولاً . في موالاة الأطفال ، ثم خنس من بينهم ؛ وزعم انه يجب التوقف في جميع من كان في دار التقية الامن عرفنا منه نوعاً من الكفر فحينئذ نتبرأ عنه ، ومن عرفنا منه الايمان فنواليه ، وكان يقول : ان قتل مخالفيهم
239
في السر لا يجوز ، ولا يجوز ابتداء أحد من أهل القبلة بالقتال حتى يدعوه أولاً الى مذهبهم . « الشيبانية » أصحاب شيبان بن سلمة الخارجي . الذي ساعد أبا مسلم الخراساني في نهضته ضد الأمويين . وكان يذهب الى مذهب المشبهة وكذلك ساير الثعالبة ، ثم خالفهم . وقال : كل زرع يسقى بنهر ، أو عين ففيه نصف الشعر . وقال : كل زرع سقى بالسماء ففيه عشر كامل . « المكرمية » هؤلاء اتباع اب مكرم ابن عبدالله العجلي . كان يقول من ترك الصلاة فقد كفر لا لانه ترك الصلاة ولكن لانه يكون جاهلاً بالله تعالى . وكان يقول ان المذنبين كلهم جاهلون بالله وكان يقول ان الاعتبار بما سبق في كتاب الله . « الاباضية » وهم أتباع عبدالله بن اباض ، قال ابن قتيبة . انه من بني مرة بن عبيد من بني تميم ، وهؤلاء الاباضية . تفرقوا الى فرق عديدة . وكل فرقهم تقول بهذه المقالة . ان كل من خالفهم من فرق هذه الأمة كفار . لا مشركون ولا مؤمنون ، ويجوزون شهادتهم ويحرمون دماءهم سراً . ويستبيحونها علانية ، ويجوزون مناكحتهم ويثبتون التوارث بينهم ، ويحرمون بعض غنائهم ويحللون بعضها ، يحللون ما كان من جملة الاسلاب والسلاح ،
240
ويحرمون ما كان من ذهب او فضة ويردونها الى اربابها ، وعلى هذا قال : شاعرهم العماني (1) .
نبرأ ممن قد عصى مولاه
ما لم يتب عن الذي أتاه
وهكـذا نبرأ ممن بـريا
منا برأي فافهمن ما عنيا
لانه بـذاك عـاص آثم
وهـو به مخالف مراغم
فعلى هذا أن الاباضية تتبرأ من كل المسلمين . كذلك المسلمون يتبرأون منهم لانهم مرقوا عن الدين واختلقوا لهم معتقدات وآراء مخالفة لقدسية الاسلام وحقيقته . « اليزيدية » : يقال لهم يزيدية الخوارج اتباع يزيد الخارجي (2) وكان من البصرة . ثم رجع الى كور فارس . وكان على رأي الاباضية من الخوارج وكان يقول : ان الله تعالى يبعث رسولاً من العجم ، وينزل عليه كتاباً ينسخ به شريعة محمد (ص) وكان يقول اتباعه يكونون في الصابئة المذكورة في القرآن .
(1) عبد بن حميد بن سلوم السالمي المتوفي سنة 1332 هـ في كتابه جوهر النظام ج1 ، ص16 . (2) هذا في كتب الملل . لكن الصواب زيد بن ابي انيسة من رؤوس الخوارج ، وقال ابن حزم هو غير زيد بن ابي انيسة .

241
« الحفصية » طائفة من الاباضية ، تبعوا حفص بن ابي المقدام الذي كان يقول : ليس بين الكفر والايمان الا معرفة الله ـ فمن عرفه فهو مؤمن ، وان كان كافراً بالرسول وبالجنة والنار ، واستحل جميع المحرمات كالقتل والزنا واللواط والسرقة . وفهو كافر ولكنه بريء من الشرك ، وهؤلاء يقولون في عثمان . كما تقول الروافض في ابي بكر وعمر . ويقولون في عثمان . كما تقول الروافض في ابي بكر وعمر . ويقولون في علي نزل قوله تعالى : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ) (1) وفي عبد الرحمن بن ملجم قوله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه البتغاء مرضاة الله والله رؤف بالعباد ) (2) فهذه الأشياء ظاهرة من بدعهم ولاعبهم في الدين والكتاب . « الحارثية » اتباع الحارث بن مزيد الاباضي ، كانوا يقولون بقول القدرية في القدر والاستطاعة ، وسائر الأباضية كانوا يكفرونهم بسبب ذلك . « ابراهيمية » ليس لهم شيء يذكر الا أن أصحابهم كفروهم لتوقفهم عن تكفير ميمون .
(1) (2) سورة البقرة .

242
« ميمونية » كفرهم أصحابهم وذلك لبيع جارية له ، وقالوا كفر ميمون . « واقفية » : كفرهم اصحابهم لتوقفهم عن تكفير ميمون . « البهيسية » : وهم أصحاب ابي بهيس ، هيصم بن عامر كانوا يقولون لا يطلق على المذنب كافر ولا مؤمن حتى يدفع الى السلطان . ويقيم عليه الحد . وقال بعضهم متى ما كفر الامام كفرت رعيته ايضاً ، وقال قوم منهم ان السكر كفر وترك الصلاة كفر . « الصالحية » اتباع صالح بن مسرح التميم الخارجي ، قتله الحارث بن عميرة أحد قواد الحجاج سنة 76 . « الشبيبية » اتباع شبيب بن يزيد الشيباني ، كان من قواد صالح بن مسرح ، وكان كنيته ابو الصحارى : وكان شبيب من أصحاب صالح وخالفه في تجويز امامة النساء . اذا قمن بأمر الرعية كما ينبغي وخرجن على مخالفيهم ، وتبعه جماعة فانتسبوا اليه . وكانوا يقولون ان غزالة أم شبيب كانت هي الامام بعد شبيب الى ان قتلت ، لأن شبيب أمر امه فصعدت على منبر الكوفة وخطب وبايعوها بعد قتل ابنها .
243
( الخوارج ومعتقداتهم )
ان للخوارج معتقدات . تخالف معتقدات السنة والشيعة وبحيث يعتقدون بأشياء يضمرونها ولا يظهرونها ، وانا نرى حرصهم على كتبهم أشد الحرص فيعسر على المؤلف أن يقف على معتقداتهم لندارة كتبهم . اذا كانت هناك لهم مؤلفات ، وها هي مكتبات المسلمين عارية عن أي مؤلف يمت بالخوارج . أما المعتقدات التي نذكرها فهي ما وقف عليها سلفنا الصالح ودونوها في مؤلفاتهم . منها : أنهم يكفرون عائشة ، وطلحة ، والزبير ، بمقاتلتهم علياً (1) ويزعمون ان أصحاب الجمل مخلدون في النار مع الكفار (2) وكان على (ع) يومئذ على الحق ولكنه كفر بعد ذلك (3) .
(1) التبصر في الدين . للاسفراييني ص41 : (2) (3) التبصر في الدين ، 40 ، 41 .

244
وجاء واصل بن عطاء (1) . مخالفاً لهذين القولين قال : ان الفاسق لا مؤمن ولا كافر . وانه في منزلة بين المنزلتين ، وحكمهم . اي اصحاب الجمل ـ انهم مخلدون في النار مع الكفار . وان من خرج منهم من الدنيا . قبل أن يتوب لم يجز لله تعالى ان يغفر له . فخالف في هذا القول جميع المسلمين . واعتزل به دين المسلمين . فطرده الحسن البصري من مجلسه فاعتزل جانباً فسموا معتزلة . لا عتزالهم مجلسه . واعتزالهم قول المسلمين ، ولما أظهر واصل هذه البدعة واعتزل جانباً ووافقه عمرو بن عبيد على هذه البدعة ، ولم يقدرا على اظهار قولهما فلما عرف الناس من واصل قول بالقدر . وكانوا يكفرونه بالقول الأول للذي
(1) واصل ابن عطاء الغزال . رأس المعتزلة . وهو أول من دعا الخلق الى بدعتهم ـ وذلك ان معبد الجهني . وغيلان الدمشقي كانا يضمران بدعة القدرية . ويخفيانها عن الناس ، ولما أن ظهراً ذلك في أيام الصحابة لم يتابعهما على ذلك أحد . وصاروا مهجورين بين الناس بذلك السبب الى ايام الحسن البصري ، وكان واصل في غرار القولين يختلف اليه الناس . وكان في السر يضمر اعتقاد معبد . وغيلان . وكان يقول بالقدر ، ومن قوله : لو شهد عندي رجلان من هذا العسكر ورجلان من ذلك العسكر يعني عسكر علي وعسكر أصحاب الجمل ـ لم اقبل ، فقيل لو شهد من هذا العسكر علي ، والحسن والحسين وابن عباس ، وعمار بن ياسر : رضي الله عنهم ، ومن ذلك العسكر عائشة . وطلحة . والزبير . هل تقبل شهادتهم ؟ فقال لو شهدوا جميعهم على باقة بقل لم اقبل .

245
ابتدعه في فساق اهل الملة كانوا يضربون به المثل ويقولون : مع كفره قدري ، فصار ذلك مثلاً سائراً بين الناس يضربونه لكل من جمع بين خصلتين . وكان قوله موافقاً لقول الخوارج في تخليد العصاة في النار مخالفاً لهم في القول بمنزلتين . والمعتزلة بعده تمكسوا بهذا القول ولهذا قيل يف المعتزلة أنهم مخانيث الخوارج . ونسبهم اسحق بن سويد الى الخوارج في شعره فقال :
برأت من الخوارج لست منهم
مـن العزال منهم وابـن باب
ومـن قـوم اذا ذكـروا علياً
يـردون السلام على السحاب
ويجوز عندهم أن الامام يكون غير معصوم : ويجوزون عدم اعتبار النص على الامام من النبي (ص) او من إمام قبله . ويجوزون أن يكون الإمام غير هاشمي . وكانوا قبل خروجهم على علي بن أبي طالب ـ يعتقدون ان الخلافة لعلي بالنص والبرهان ، وبعد التحكيم انكروا نص النبي على علي (ع) بالخلافة ، وأنكروا امامة الحسن ، والحسين ، وأولاد الحسين ، بل صاروا يختارون لهم اماماً يرجعون اليه ، ويأتمون به . امثال شبيب وأمه غزالة وزوجته جهيزة .
246
ويكفرون علياً ، وعثمان ، وعائشة ، وطلحة ، والزبير . يخرجونهم بكفرهم الذي اعتقدوه فيهم عن الإيمان ، الا فرقة النجدات منهم ، كانوا يقولون ان الفاسق كافر على معنى انه كافر نعمة ربه . وزعموا : ان من جاء باحدى الكبائر ، خارج عن الاسلام بما فعله من الكبائر والآثام ، وانه فاسق ليس بمؤمن ولا مسلم . وزعموا ان كل مسلم مؤمن ، وانه لا فرق بين الاسلام والايمان في الدين . وكانوا يجوزون الخورج على الامام الجائر حتى اليوم . ذكر ابن حزم الظاهري في كتابه الفصل (1) في فصل شنع الخوارج ، قال : الاباضية : كان رئيسهم زيد بن ابي أبيسة . كان يقول ان في هذه الأمة شاهدين عليها هو أحدهما والآخر لا يدري من هو ولا متى هو ولا يدري لعله قد كان قبله . وان من اليهود والنصارى يقول لا إله الا الله محمد رسول الله الى
(1) الفصل في الملل والاهواء والنحل ج4 ص188 : المطبعة الأدبية بمصر .

247
العرب لا الينا كما تقول العيسوية من اليهود . قال : فانهم مؤمنون . أولياء الله تعالى وان ماتوا على هذا العقد وعلى التزام شرائع اليهود والنصارى . وان دين الإسلام سينسخ بنبي من العجم يأتي بدين الصابئين وبقرآن آخر ينزل عليه جملة واحدة ، قال ابو محمد الا ان جميع الاباضية يكفرون من قال بشيء من هذه المقالات ويبرؤن منه ويستحلون دمه وماله . وقالت طائفة من أصحاب الحرث الاباضي ان من زنى أو سرق أو قذف فانه يقام عليه عليه الحد ثم يستتاب مما فعل فان تاب ترك وان ابى التوبة قتل على الردة . قال : ويوجبون القضاء على من نام نهاراً في رمضان فاحتلم ويتيممون وهم على الأبار التي يشربون منها الا قليلاً منهم . قال : ابو اسماعيل البطيحي وأصحابه . وهم من الخوارج ان لا صلاة واجبة الا ركعة واحدة بالغداة . وركعة اخرى بالعشي فقط . ولا يرون الحج في جميع شهور السنة ويحرمون أكل السمك حتى يذبح ولا يرون اخذ الجزية من المجوس ويكفرون من خطب في الفطر والأضحى ويقولون : ان اهل النار في لذة ونعيم وأهل الجنة كذلك . الازارقة : قالت بالطال رجم من زنى وهو محصن . وقطعوا يد السارق من المنكب . وأوجبوا على الحائض
248
الصلاة والصيام في حيضها وقال بعضهم . لا ولكن تقضى الصلاة اذا طهرت كما تقضي الصيام . وأباحوا دم الأطفال ممن لم يكن في عسكرهم وقتل النساء ايضاً ممن ليس في عسكرهم وبرئت الازارقة ممن قعد عن الخروج لضعف او غيره . وكفروا من خالف هذا القول بعد موت اول من قال به منهم . ولم يكفروا من خالفه فيه في حياته . وقالوا باستعراض كل من لقوه من غير أهل عسكرهم ويقتلونه اذا قال انا مسلم . ويحرمون قتل من انتمى الى اليهود او الى النصارى او الى المجوس (1) . النجدات : من قوله ليس على الناس أن يتخذوا إماماً إنما عليهم ان يتعاطوا الحق بينهم . وقالوا من ضعف عن الهجرة الى عسكرهم فهو منافق . واستحلوا دم القعدة وأموالهم . وقالوا من كذب كذبة صغيرة أو عمل عملاً صغيراً فاصرّ على ذلك فهو كافر مشرك . وكذلك أيضاً في الكبائر . وأن من عمل من الكبائر غير مصرّ عليها فهو مسلم . وقالوا جائز أن يعذب الله المؤمنين بذنوبهم لكن في غير النار وإما النار فلا . وقالوا أصحاب الكبائر منهم ليسوا كفاراً . وأصحاب الكبائر من غيرهم كفار .
(1) بهذا شهد رسول الله (ص) عليهم بالمروق من الدين كما يمرق السهم من الرمية اذ قال (ص) انهم يقتلون اهل الاسلام ويتركون اهل الأوثان . وهو من مغيباته (ص) .

249
الصفرية : قالت طائفة منهم بوجوب قتل كل من أمكن قتله من مؤمن عندهم أو كافر . وكانوا يؤولون الحق بالباطل . الميمونية : وهم العجاردة . والعجاردة من الصفرية قالت باجازة نكاح بنات البنات وبنات البنين وبنات بني الأخوة والأخوات . وذكر ذلك عنهم الحسين ابن علي الكراسي وهو أحد الأئمة في الدين والحديث . البيهسية : وهم من فرق الصفرية . قالوا : ان كان صاحب كبيرة فيها حد فانه لا يكفر حتى يرفع الى الإمام . فاذا أقام عليه الحد فحينئذ يكفر . الرشيدية : وهم من فرق الثعالبة . والثعالبة من فرق الصفرية قالوا ان الواجب في الزكاة نصف العشر مما سقى بالأنهار والعيون . العونية : وهم طائفة من البيهسية . قالوا : ان الامام اذا قضى قضية جور وهم بخراسان أو بغيرها حيث كان من البلاد ففي ذلك الحين نفسه يكفر هو وجميع رعيته حيث كانوا من شرق الارض وغربها ولو بالأندلس واليمن فما بين ذلك من البلاد . وقالوا ايضاً لو وقعت قطرة خمر في جب ماء بفلاة من الارض فان كل من خطر على ذلك الجب فشرب منه وهو لا يدري ما وقع فيه كافر بالله تعالى . قالوا : الا ان الله تعالى يوفق المؤمن لاجتنابه .
250
الفضيلة : وهم من الصفرية قالت : من قال لا اله إلا الله محمد رسول الله بلسانه ولم يعتقد ذلك بقلبه بل اعتقد الكفر أو الدهرية او اليهودية او النصرانية فهو مسلم عند الله مؤمن ولا يضره اذ قال الحق بلسانه ما اعتقد بقلبه . وقالت طائفة من الصفرية . ان النبي اذا بعث ففي حين بعثه في ذلك الوقت من ذلك اليوم لزم جميع أهل المشرق والمغرب الايمان به وان لم يعرفوا جميع ما جاء به من الشرائع . فمن مات منهم قبل أن يبلغه شيء من ذلك مات كافراً . العجاردة : وهم من الصفرية : قالت ان من بلغ الحلم من اولادهم وبناتهم فهم براء منه ومن دينه حتى يقر بالإسلام فيتولوه حينئذ . المكرمية : وهم من الثعالبة . قالت ان من أتى كبيرة فقد جهل الله تعالى فهو كافر ليس من أجل الكبيرة كفر لكن لانه جهل الله عز وجل فهو كافر بجهله بالله تعالى . الحفصية : وهم من الأباضية . قالت من عرف الله تعالى وكفر بالنبي (ص) فهو كافر وليس بمشرك وان جهل الله تعالى أو جحده حينئذ مشرك . الحارثية : وهم من الاباضية : قالت طائفة منهم . المنافقون على عهد رسول الله (ص) انما كانوا موحدين لله تعالى . أصحاب كبائر ومن حماقاتهم . قول بكر ابن اخت عبد الواحد بن زيد . فانه كان يقول : كل ذنب صغير او كبير ولو كان أخذ حبة خردل بغير حق أو كذبة خفيفة على
251
سبيل المزاح فهي شرك بالله وفاعلها كافر مشرك مخلد في النار الا أن يكون من أهل بدر فهو كافر مشرك من أهل الجنة وهذا حكم طلحة والزبير عندهم . ومن حماقاتهم قول عبدالله بن عيسى تلميذ بكر بن اخت عبد الواحد بن زيد المذكور فانه كان يقول ان المجانين والبهائم والأطفال ما لم يلغوا الحلم فانهم لا يألمون البتة لشيء مما ينزل بهم من العلل وحجته في ذلك ان الله تعالى لا يظلم احداً . وقالت طائفة من الخوارج . ما كان من المعاصي فيه حد كالزنا والسرقة والقذف فليس فاعله كفراً ولا مؤمناً ولا منافقاً . وأما ما كان من المعاصي لأحد فيه فهو كفر وفاعله كافر .
( شبه الخوارج وردها )
ذكر ابن ابي الحديد المعتزلي طائفة من الاحتجاجات والشبه التي أوردها البعض على علي (ع) وأجاب عنها . منها . قال : ومنها شبهة التحكيم . وقد يحتج به على انه اعتمد ما لا يجوز في الشرع . وقد يحتج به على انه اعتمد ما ليس بصواب في تدبير الأمر . الأول فقولهم انه حكم الرجال في دين الله . والله سبحانه يقول : ان الحكم الا لله ، والثاني فقولهم انه قد كان لاح له النصر وظهرت امارات الظفر بمعاوية . ولم يبق الا ان يؤخذ برقبته . فترك التصميم على ذلك وأخلد الى التحكيم . وربما قالوا ان تحكيمه يدل على شك منه في أمره ، وربما قالوا كيف رضي بحكومة ابي موسى . وهو فاسق عنده بتثبيطه أهل الكوفة . في حرب البصرة ، وكيف رضي بتحكيم عمرو ابن العاص وهو أفسق الفاسقين .
253
ـ الجواب ـ إما تحكيم الرجال في الدين فليس بمحظور . فقد أمر الله تعالى بالتحكيم . بين المرأة وزوجها . فقال تعالى ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ) وقال : في جزاء الصيد . ( يحكم به ذوا عدل منكم ) . وأما قولهم : كيف ترك التصميم بعد ظفره بامارات النصر . فقد تواتر الخبر بأن أصحابه ـ لما رفع أهل الشام المصاحف وظهر أهل العراق عليهم . ومشارفة هلاك معاوية وأصحابه ـ انخدعوا برفع المصاحف . وقالوا لا يحل لنا التصميم على حربهم . ولا يجوز لنا الا وضع السلاح . ورفع الحرب والرجوع الى المصاحف . وحكمها . فقال لهم : انها خديعة . وانها كلمة حق يراد بها باطل . وأمره بالصبر . ولو ساعة واحدة فأبو ذلك . وقالوا ارسل الى الاشتر فليعد . فارسل اليه . فقال كيف اعود . وقد لاحت امارات النصر والظفر . فقالوا : له ابعث اليه مرة اخرى فبعث اليه فأعاد الجواب بنحو قوله الأول . وسأل ان يمهل ساعة من النهار . فقالوا ان بينك وبينه وصية ان لا يقبل . فان لم تبعث اليه من يعيده والا قتلناك بسيوفنا كما قتلنا عثمان . او قبضنا عليك وأسلمناك الى معاوية فعاد الرسول الى الأشتر فقال : أتحب أن تظفر انت ههنا وتكسر جنود الشام . ويقتل امير المؤمنين (ع) في مضربه ؟
254
قال : أوقد فعلوها . لا بارك الله فيهم . أبعد ان اخذت بمخنق معاوية . ورأى الموت عياناً ارجع . ثم عاد فشتم أهل العراق وسبهم ، وقال لهم وقالوا له ما هو منقول مشهور . فاذا كانت الحال وقعت هكذا فاي تقصير وقع من امير المؤمنين (ع) وهل ينسب المغلوب على امره المقهور على رأيه الى تقصير . وبهذا نجيب عن قولهم ان التحكيم يدل على الشك في أمره لانه انما يدل على ذلك لو ابتدأ هو به . فاما اذا دعاه الى ذلك غيره واستجاب اليه اصحابه فمنعهم وأمرهم أن يمروا على وتيرتهم وشأنهم فلم يفعلوا . وبين لهم انها مكيدة . فلم يتبينوا . وخاف ان يقتل أو يسلم الى عدوه . فانه لا يدل تحكيمه على شكه . بل يدل على انه قد دفع بذلك ضرراً عظيماً من نفسه . ورجا ان يحكم الحكمان بالكتاب فتزول الشبهة عمن طلب التحكيم من أصحابه . وأما تحكيمه عمرواً مع ظهور فسقه فانه لم يرض به . وإنما رضي به مخالفه وكره هو فلم يقبل منه . وقد قيل انه أجاب ابن عباس (ره) عن هذا . فقال : للخوارج . اليس قد قال الله تعالى . ـ فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ـ أرأيتم . لو كانت المرأة يهودية . فبعثت حكماً من أهلها ـ أرأيتم . لو كانت المرأة يهودية . فبعثت حكماً من أهلها اكنا نسخط ذلك . وأما ابو موسى . فقد كرهه امير المؤمنين (ع) وأراد أن يجعل بدله عبدالله بن العباس . فقال أصحابه لا يكون الحكمان من مضر
255
فقال : فالاشتر . فقالوا وهل اضرم النار الا الاشتر . وهل جر ما نرى الا حكومة الأشتر . ولكن أبا موسى . فأباه فلم يقبلوا منه واثنوا عليه . وقالوا : لا نرضى الا به فحكمه على مضض .
( من ارتد بسبب الخوراج )
كان من جراء فتنة الخوارج على ما ذكره المؤرخون . أن ارتد جماعة من المسلمين . وان كان دينهم مستودع من قبل . فقاتلهم علي (ع) وسبى ذراريهم . ولو لم يكن دينهم مستودع لكان حالهم حال عامة المسلمين . ذكر المسعودي (1) قال : ومضى الحرث بن راشد الناجي (2) في ثلاثمائة من الناس فارتدوا الى دين النصرانية . وهم من ولد سامة بن لؤي عند أنفسهم . وقد أبى ذلك كثير من الناس . وذكروا أن سامة بن لؤي ما أعقب . ولست ترى سامياً الا منحرفاً عن علي (عه) قال فسرح عليهم علي (ع) معقل به قيس الرياحي . فقتل الحرث ومن معه من المرتدين بسيف البحر . وسبى عيالهم وذراريهم .
(1) ج2 ص286 طبع دادا الرجاء . (2) ذكره صاحب الاصابة باسم الخريت .

256
وذلك بساحل البحرين . فنزل معقل بن قيس بعض كور الاهواز بسبي القوم . وكان هنالك مصقلة بن هبيرة الشيباني عاملاً لعلي (ع) فصاح به النسوة . امنن علينا . فاشتراهم بثلثماءة ألف وأعتقهم . وأدى من المال مأتي ألف وهرب الى معوية . فقال علي (ع) قبح الله مصقلة فعل فعل السيد وفر فرار العبد . لو أقام أخذنا ما قدرنا على أخذه فان اعسر انظرناه وان عجز لم نؤاخذه بشيء ، وأنفذ العتق ، وفي ذلك يقول مصلقة بن هبيرة من أبيات :
تركت نساء الحي بكر بن وائل
وأعتقت سبياً من لؤي بن غالب
وفارقت خير الناس بعـد محمد
لمـال قليل لا محـالة ذاهـب
وفي ذلك يقول الآخر :
ومصقلة الذي قد باع بيعاً
ربـحياً يوم ناجية بن سام
وقال علي بن محمد بن جعفر العلوي فيمن انتمى الى سامة بن لؤي بن غالب ابن محمد .
سامـة منـا فأما بنـوه
فـأمرهم عنـدنا مـظلم
اناس اتونـا بـأنسابهم
خـرافة مصطجع يـحلم

257
وقلنا لهم مثل قول الوصي
وكـل أقــاويلـه محكـم
اذا مـا سئلت فلم تدر مـا
تقـول فقـل ربنـا أعلـم
وكان علي بن الجهم الشاعر الشهير ينتسب الى سامة . وكان من النصب على جانب عظيم . فمن نصبه العداوة لعلي (ع) انه كان يلعن أباه فسئل عن ذلك . وبم اسحق اللعن منه ؟ فقال : بتسميته إياي علياً . أقول : وأنا سأل الله الرحمة والرضوان لأبي اذا شرفني بهذا الاسم المبارك . أنظر : شتان بين ابن الجهم وبين السيد الحميري (ره) في العقيدة . يروى ان السيد الحميري . كان ابواه يبغضان علياً (ع) وكانا من الخوارج . فسمعهما يسبانه بعد صلاة الفجر فقال :
لعــن الله والــدي جميعـــاً
ثـم اصلاهمـا عـذاب الجحيـم
حكما غـدوة كمـا صليـاً الفجـ
ـر بلعن ـ الوصي ـ باب العلوم
لعنا خيـر مـن مشى فوق ظهراً
لارض أو طـاف محرماً بالحطيم
كفـرا عنـد شتـم آل رسـول
الله نــسل المهـذب المعصـوم

258
والوصـي الـذي به تثبت الأ
رض ولـولاه دكدكت كـالرميم
وكـذا آله اولوا العلـم والفهـ
ـم هـداة الى الصـراط القويم
خلفـاء الاله فـي الخلق بالعد
ل وبالقسط عنـد ظلم الظلـوم
صلـوات الاله تتـرى عليهم
مقرنات بالرحب والتسليم (1) )
(1) رواها ابن شاكر في ( الفوات ) ج1 ، ص19 .

259
( أعلام الخوراج )
( نجدة بن عويمر )
كان نجدة بن عويمر الحنفي من رؤساء الخوارج . وله مقالة مفردة من مقالة الخوارج . قال ابن ابي الحديد . كان نجدة يصلي بمكة بحذاء عبدالله بن الزبير في جمعة وعبدالله يطلب الخلافة فيمسكان عن القتال من أجل الحرم . وقال الراعي يخاطب عبد الملك .
اني حلفت علـى يميـن بـرة
لا اكـذب اليـوم الخليفـة قيلاً
مـا ان أتـيت أبا حبيب وافداً
يـومـاً اريـد لبيعتـي تبـديلاً
ولما أتيت نجيدة بـن عويمـر
أبغي الهـدى فيزيدنـي تضليلاً
من نعمة الرحمن لا من حيلتي
انـي اعـدلـه علـى فضـولاً
قال واستولى نجدة على اليمامة وعظم أمره حتى ملك اليمن والطائف وعمان والبحرين ووادي تميم وعامر . ثم ان
260
اصحابه نقموا عليه أحكاماً احدثها في مذهبهم . منها : قوله ان المخطيء بعد الاجتهاد معذور . وأن الدين أمران معرفة رسوله وما سوى ذلك فالناس معذورون بجهله الى أن تقوم عليهم الحجة فمن استحل محرماً من طريق الاجتهاد فهو معذور . حتى أن من تزوج اخته أو امه مستحلاً لذلك بجهالة فهو معذور ومؤمن . قال فخلعوه واختاروا أبا فديك . ثم ان أبا فديك أنفذ الى نجدة بعد من قتله . ثم تولاه بعد قتله طوائف من أصحابه بعد أن تفرقوا عنه وقالوا قتل مظلوماً .
261
( ابي بلال )
كان ابي بلال مرداس من متقشفي الخوارج ورجالاتهم المشهورين وكان إمام الصفرية . وكان قد خرج في أيام يزيد بن معاوية بناحية البصرة على عاملة هبيرة بن زياد فبعث اليه زرعة بن مسلم العامري في ألفي مقاتل . وكان زرعة يميل الى رأي الخوارج . فلما اصطف العسكران . قال زرعة : يا أبا بلابل اني أعلم أنك على الحق ولكنا لو لم نقاتلك يحبس عبيد الله بن زياد عطاءنا عنا . فقال ابو بلال : ليتني فعلت كما أمرني به أخي عروة (1) فانه أمرني أن استعرض
(1) عروة هذا اخو مرداس . لما جيىء برأس مرداس الى ابن زياد امر باحضار عروة فاحضر . فقال له يا عدو الله . امرت أخاك أن يستعرض المسلمين قد انتقم الله منه . ثم أمر به فصلب .

262
الناس بالسيف فاقتل كل من استقبلني . ثم هزمه ابو بلال (2) فبعث عبيد الله بن زياد . الى قتال ابي بلال عباد التميمي (3) في أربعة آلاف . والخوارج قد نزحوا آنذاك الى أرض فارس فصار اليهم . وكان التقاؤهم في يوم الجمعة . فناداه ابو بلال اخرج يا عباد : فاني اريد ان أحاورك فخرج
(2) لما هزم ابو بلال زرعة واصحابه ، صار ابو بلال الى ـ آسنك . وهي ما بين رامهرمز وأرجان فنزل بها فجهز عبيد الله اليه أسلم بن زرعة في أسرع مدة وبعث اليه في ألفين وقد تكامل اصحاب مرداس الربعين رجلاً . فلما صار أسلم اليه . صاح به ابو بلال . اتق الله يا أسلم . فما الذي تريد منا ؟ قال اريد أن أردكم الى ابن زياد . قال اذن يقتلنا قال وان قتلكم . قال : تشرك في دمائنا . قال اني أدين بأنه محق وانتم مبطلون . فصاح به حريث بن حجل أهو محق ؟ وهو يطيع الفجرة . وهو أحدهم ويقتل بالظنة ويخص بالفيىء ويجوز في الحكم . أما علمت انه قتل بابن سعاد أربعة براء وانا أحد قتلته ( انظر فتك الخوراج بالمثلم بن سعاد ) وضعت في بطنه دراهم كانت معه . ثم حملوا على أسلم حملة رجل واحد فانهزم هو وأصحابه من غير قتال . وكاد يأسره معبد أحد الخوارج ـ فلما عاد غضب عليه ابن زياد غضباً شديداً . وقال له ويلك أتمضي في الفين وتنهزم بهم من حملة أربعين . فكان اسلم يقول لئن يذمني ابن زياد وأنا حي احب الي أن يمدحني وأنا ميت ، وكان اذا خرج الى السوق أو مر بصبيان صاحوا . ابو بلال وراءك أو ربما صاحوا يا معبد خذه حتى شكا الى ابن زياد ذلك . فأمر الشرطة أن يكفوا الناس عنه . (3) هو عباد بن أخضر التميمي أحد قواد عبيد الله بن زياد في عهد يزيد قتل سنة 61 هجـ .

263
اليه . فقال ما الذي تبغي ؟ قال أن آخذ بأقفيتكم فاردكم الى الأمير عبيد الله بن زياد . فقال ـ حريث بن حجل أيحاول أن يرد فئة من المسلمين الى جبار عنيد . فقال له أنتم أولى بالضلال منه . وما من ذاك من بد . قال : وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج . فلما رأى الجمعين . قال ما هذا ؟ قالوا الشراة . فحمل عليهم ونشبت الحرب بينهم فأخذت الخوارج ـ القعقاع أسيراً فأتوا به أبا بلال . فقال له ما أنت قال أنا من اعدائك انما قدمت للحج فحملت وغررت . فاطلقه . فرجع الى عباد واصلح من شأنه . وحمل على الخوارج ثانية . فحمل الى عباد وأصلح من شأنه . وحمل على الخوارج ثانية . فحمل عليه حريث بن حجل السدوسي وكهمش بن طلق الصريمي فأسراه وقتلاه . ولم يأتيا به أبا بلال . قال : فلم يزل القوم يجتلدون حتى جاء وقت صلاة الجمعة . فناداهم أبو بلال . هذا وقت الصلاة فوادعونا حتى نصلي وتصلوا . قالوا لك ذلك فرمى القوم أجمعون بأسلحتهم وعمدوا للصلاة . فأسرع عباد ومن معه وقضوا صلاتهم والحرورية مبطؤن فيهم ما بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد حتى مال عليهم عباد ومن معه فقتلوهم جميعاً . وأتى برأس ابي بلال . وأمر عباد بصلب الرؤوس وحملها الى عبيد الله بن زياد ، ومن افتراءات ابن ابي الحديد المتزلي . قوله : ومرداس هذا ينتحله كثير من الفرق لتقشفه وتصرمه وصمد
264
عبادته وصلابة بنيته . أما المعتزلة فتنتحله . وتقول ، انه خرج منكراً لجور السلطان داعياً الى الحق . وانه من أهل العدل . ويحتجون لذلك بقوله لزياد . وقد كان . قال في خطبته على المنبر والله لاخذن المحسن بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم . فقام اليه مرداس . فقال قد سمعنا ما قلت . أيها الانسان وما هكذا قال الله تعالى لنبيه ابراهيم اذ يقول . الا تزر وازرة وزر اخرى (1) ثم خرج اليه عقيب هذا اليوم ، وأما الشيعة فتنتحله وتزعم انه كتب الى الحسين بن علي (ع) اني والله لست من الخوارج . ولا أرى رأيهم وأني على دين ابيك ابراهيم أقول : زعم امعتزلي ان المعتزلة تنتحله هذا صحيح لأنها مفتقرة الى أمثاله ، وأما قوله والشيعة تنتحله فهذا غير صحيح بل افتراء منه على الشيعة ليت شعري متى انتحلت الشيعة في دور من أدوارها الى مثل هذا الخارجي الذي مرقد عن حضيرة الإسلام وترأس على اربعين نفر ممن يندى الجبين بذكرهم حتى صار إماماً عليه . وصار يتنقل بهم من بلد الى بلد وديدنه السلب والنهب والهتك والفتك والسفك فالشيعة تترفع من أن ينسب اليها مثل هذا الخارجي المنبوذ ، ولكن هذا إفتراء من المعتزل على الشيعة . وما اكثر افتراءاته .
(1) سورة النجم .

265
( عمران بن حطان )
كان عمران بن حطان السدوسي . قد نشأ بالبصرة ، وكان شاعراً روى عن ابي موسى الاشعري وغيره (2) وكان رأس القعد من الصفرية وخطيبهم (3) وقال ابو الفرج قبل ان يفتن بالشراة مشتهراً بطلب العلم والحديث ، حتى بلى بهذا المذهب فضل وهلك لعنه الله (4) . وكان عمران مجهولاً قبل ان يلحق بالخوارج . وكان سبب اعتناقه لمذهب الخوارج : كما يروى انه تزوج ابنة عمه حمزة ، وكانت خارجية فحاول أن يردها عن مذهب الشراة . فاذا هي التي ترده عن مذهب الجاعة ـ فلا خير في رجل يتأثر برأي امرأة ، وقيل انه جادل حرورياً ، في مجلسه . فاذا هو في نفس المجلس الذي بدأ فيه الجدال يصبح خارجياً .
(2) هكذا ذكر ابن سعد في طبقاته طبع ليدن . (3) الأغاني جزء 176 ، ص162 طبع بولاق . (4) خزانة الأدب للبغدادي ج3 ص438 .

266
وصار يطارده الحجاج . أيام ولايته بالعراق ، فكان عمران يتنقل من حي الى حي متخفياً ، وقيل هدر عبد الملك دمه . بمدحه عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله من قوله :
يا ضربة من تقي ما اراد بهـا
الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
الـي لا ذكـره يوماً فأحسبـه
أو في البـرية عنـد الله ميزاناً
لله در المرادي الـذي سفكت
كفـاه مهجـة ... الخلـق انساناً
أمسى عشية غشاه بضربتـه
ممـا جنـاه مـن الآثام عريانا
وما ان طرقت سمع الفقيه الطبري هذه الأبيات حتى رد عليه قائلاً :
يا ضربة من شقي ما أراد بها
الا ليهدم من ذي العـرش اركـانا
انـي لأذكـره يومـاً فالعنـه
والعـن الرجس عمران بن حطانا
ورد القاشي ابو الطيب طاهر بن عبدالله الشافعي عليه قائلاً :
اني لا برأ مما أنت قائله
عـن بن ملجم الملعون بهتانا

267
يا ضربة من شقي ما أراد بها
الا ليهــدم للإسلام أركـانـا
ولغيره من قصيدة عامرة :
فلا عفـا الله عنـه مـا تحملـه
ولا سقـى قبر عمـران بـن حطانا
لقولـه فـي شقي ضـل مجترماً
ونـال مـا نـاله ظلمـا وعـدوانا
يا ضربة من تقي مـا أراد بهـا
الا ليبلغ من ذي العـرش رضـوانا
بل ضربة من غوي اوردته لظى
مخلـداً قـد أتـى الرحمن غضبانا
وقال محمد بن احمد الطبيب يرد على عمران بن حطان .
يا ضربة من غدور صار ضاربها
أشقـى البـرية عنـد الله انسـانـا
اذا تفكــرت فيـه ظلت ألعنـه
والعـن الكلب عمـران بن حطـانا
وكان عمران ينتقل من حي الى حي ومن مكان الى مكان وينتسب لاهل كل حي ينزل به . حتى انتهى الى عمان فوجدهم يعظمون أمر ابي بلال . فأشهر أمره فيهم . فبلغ ذلك الحجاج . فكتب فيه الى اهل عمان . فهرب حتى أتى قوماً من الأزد في سواد الكوفة . فنزل بهم فلم يزل
268
عندهم حتى مات لعنه الله . وكان هلاكه سنة 84 هـ .
لعن الله اعظماً حملـوها
لديار البلى على الخشبات
أعظماً تكره النبي وأهل
البيت والطيبين والطيبات
أقول : ان اكثر الشعر المنسوب لافراد الخوارج . في شتى المناسبات هو من نظم عمران بن حطان . كان يقوله عن لسان غيره أو من يحب وينشره بين الناس ترويجاً لمذهب الخوارج .
269
( نافع بن الأزرق )
نافع بن الأزرق الحنفي . كان من شجعانهم . وكان مقدماً في فقه الخوراج وإليه تنسب الأزارقة . وكان يفتي بأن الدار كفر وانهم جميعاً في النار . وكل من فيها الا من أظهر ايمانه . ولا يحل للمؤمنين أن يجيبوا داعياً منهم الى الصلاة . ولا أن يأكلوا من ذبائحهم ولا أن يناكحوهم . ولا يتوارث الخارجي وغيره . وهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان . لا يقبل . منهم الا الاسلام أو السيف والبعد بمنزلتهم . والتقية . منه الا الإسلام أو السيف والبعد بمنزلتهم . والتقية لا تقبل لأن الا تعالى يقول : اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ، وقال فيمن كان على خلافهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فتفرق عنه جماعة من الخوارج .
270
( الطرماح بن حكيم الطائي )
قال ابو الفرج الأصبهاني في أغانيه (1) كان الطرماح من الشراة . وقال آخر (2) كان من الصفرية . وذكر المدائني انه كان من الأزارقة ويحدثنا الجاحظ (3) أن الطرماح كان خارجياً ، وكان منشأه بالشام وجاء الى الكوفة مع من جاء من جيش الشام وهو حينذاك شاب . وكان عمه القعقاع بن قيس الطائي من الكوفة . ذكر أبو الفرج أن الطرماح استمع الى شيخ من شيوخ تيم اللات من الخوارج فأثر به كلامه فاعتنق مذهبه حتى مات عليه . وفي بعض أدوار حياته قطن ـ الري ـ وكان يدرس بها . كما ذكر الجاحظ (4) عن عبد الأعلى . قال رأيت الطرماح مؤدباً بالري فلم أر أحداً آخذ لعقول الرجال ولا أجذب لأسماعهم الى حديثه منه ولقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده كأنهم قد جلسوا الى العلماء . وكان يتعصب لأهل الشام والقحطانيين تعصبه للخوراج . كما أن الكميت كان يتعصب للعدنانيين ولأهل
(1) الأغاني جزء 1ص 156 و160 طبع بولاق . (2) من مقدمة ديوانه الذي نشره ( كرنكو ) . (3) البيان والتبيين جزء 1ص 54 طبع مصر . (4) ج2 ص357 .

271
الكوفة . وربما تنقل بين الكوفة والبصرة والري وخراسان . وشعره كله في الحماس ويريك عقيدته بالمذهب الخارجي والشراة منهم بقوله :
لقد شقيت شقـاء لا انقطاع لـه
ان لم أفـز فوزة تنجي مـن النار
والنار لم ينج مـن روعاتها أحد
الا المنيب بقلب المخلص الشاري
أو الذي سبقت مـن قبل مولده
لـه السعادة مـن خلاقهـا الباري
وكان يثني على عمه ويفتخر به في شعره :
عمي الذي صبح الجلائب غدوة
مــن نهروان بجحفـل مطنـاب
قيل أن الطرماح أراد الخوارد إلى النهروان مع الخوارج فمنعه عمه وقيل منعه بعض قومه . وقيل خرج الى النهروان . وتوفي الطرماح ما بين سنة 106 و112 هجـ . ابان : ابن قحطبة ، قتله عبد الرحمن الأنباري بمرج القلعة سنة 158 هـ ابراهيم ابن حجر كان من أعيانهم . أبو بلال ـ مرداس ـ كان من رؤسائهم قتله عباد التميمي قائد جيش ابن زياد ، وقد ترجماه على حدة : انظر ص165 . ابو حمزة الأزدي المختار . كان من خطباء الشراة .
272
نشأ بالبصرة . وخرج في أواخر الدولة الأموية مع يحيى طالب الحق خالعاً لمروان بن محمد . وكان يقال له بطل ـ قديد ـ قتله قائد جيش مروان بن محمد ، ابو الخطاب . كان إمام المغاربة للخوارج . ابو الخير : كان من رؤسائهم . استماله زياد بن ابيه وولاه جندي شابور وأعطاه أربعة آلاف فرجع عن مذهبه ـ ان صح ذلك . ابو فديك : كان من رؤسائهم . وأصحاب ـ نجدة بن عامر التميمي . ثم خالفه الى ان قتله ونجدة . ابن الماحوز : كان الرئيس الثاني للأزارقة . قتل في حرب جرت بينه وبين بني امية . ابو منصور الخراساني احد أئمتهم . ابو مكرم ، ابن عبدالله العجلي . رئيس المكرمية . اخنس بن قيس : كان على مذهب الثعالبة ، ثم خالفهم وتبعه جماعة . فصار يقال له الأخنسية . الأعرج الطائي : كان من فرسان الخوارج ومن شعراء الدولتين الأموية والعباسية . الأشل الأزرقي : هذا من بعض اخوال عمران بن حطان الصفري . كان من شعرائهم .
273
أصفر بن عبد الرحمن : هو من اخوال ـ طوق بن مالك ـ كان من خطباء الصفرية . ايوب بن حيان الوارقي : كان من رؤساء الشراة قتله محمد بن خرزاد ، بدر الذكواني ـ من قواد الضحاك بن قيس . البرج بن مسهر الطائي : كان من شعرائهم . وكان أثرماً ـ أي ساقط الثنية ـ . بلغ بن عقبة المسعودي : كان من رجالاتهم المعروفين . بشير بن المنذر كان من أئمتهم . البطين : كان من فرسانهم . ثروان الحروري : الذي قام بالبصرة في أيام الرشيد ، كان من رؤسائهم ثعلبة بن مشكاة (1) وقيل بن عامر . كان يقول بامامة عبد الكريم بن عجرد ثم تركه وتبعه جماعة سموا بالثعالبة ، وكان من رؤساء الصفرية ، جابر بن زيد . كان من ائمتهم . جعفر بن السماك : كان من أئمتهم . الجلندي بن مسعود : كان إمام العمانيين قتله خازم بن خزيمة عامل السفاح .
(1) وقيل ابن مسكان .

274
الجوف بن كلاب : كان من رؤسائهم . قتله قائد جيش مروان . الحارث بن مزيد الأباضي : كان رئيس الحارثية . حبيب بن خدرة الهلالي : كان من شعرائهم المعروفين ذكر زيد بن علي بقوله ،
يا با حسين لو شراة عصابة
صحبوك كان لو ردهم اصدار
يابا حسين والجديد الى بلى
أولاد درزة اسلموك وطاروا (1)
حبيبة البكري من عبد القيس : كان من رجالاتهم . قتل في المعركة . بين ابي بلال وجيش ابن زياد . حتاب بن كاتب : كان من أئمتهم . حرقوص بن زهير التميمي : هو نواة الخوارج المعروف بذي الثدية قتل بالنهروان بسيف امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله عليه . الحرث بن راشد الناجي من رؤسهم . حريث بن حجل : كان من فرسانهم ومن رجالات أصحاب مرداس .
(1) تقول العرب للسفلة والسقاط . أولاد درزة .

275
حفص بن ابي المقدام : تبعه قدم من الاباضية . عرفوا بالحفصية . حمزة القدري بن أدرك : كان من رؤسائهم خرج أيام الرشيد بخراسان وجمع بين البدعتين الخروج والقدر . كثر فساده في نواحي سجستان . وديار خراسان وكرمان . ومكران . وقهستان . وهزم كثيراً من العساكر . وكان أولاً على مذهب ـ الخازمية ـ ثم خالفهم في القدر والاستطاعة ورجع الى قول القدرية . وبقي الى أيام المأمون . حتى قتله جماعة من أهل نيسابور . حوثرة الأسدي : كان من رجالاتهم . قتله رجل من طي من جيش معاوية ، حيان الوارقي كان من رؤسائهم . خلف الخارجي كان من رؤسائهم . واليه تنسب الخلفية من خوارج كرمان خرزاد كان من رؤسائهم . قتله هرون بن عبدالله البجلي من رؤساء الخوارج أيضاً . الخزرج بن الصدى بن الخلق . كان من خطبائهم . داوود بن شبيب : كان من نساكهم . قتل في واقعة ـ ابي بلال . الربيع بن حبيب . كان من أئمتهم . رهين المرادي : كان من رؤسائهم وشعرائهم . زحاف الطائي : كان من أئمتهم قتلة الناس في أيام
276
معاوية . وكان مع قريب قرينه . زيد بن أبي أبيسة . رئيس الاباضية . زيد بن جندب الأيادي . كان من الأزارقة من خطبائهم . وشعرائهم . زياد بن الأصفر : كان رئيس الصفرية . وكان يقول أولاً بامامة مرداس . ثم صار يقول بامامة عمران بن خطاب . سالم بن مطر ابو طالوت : كان من رؤسائهم . بايعه جماعة منهم . وبعد خلعوه وبايعوا ـ نجدة ـ . سبرة بن الجعد : كان من شعرائهم . اتخذه الحجاج سميراً له . ولم يعلم به انه من الخوارج ثم بعدها فارق الحجاج ولحق بقطري بن الفجأة . سعيد بن المبشر : كان من أئمتهم . في عمان . سعيد بن محرز : كان من أئمتهم ، في عمان . سليمان بن عثمان : كان من أئمتهم في عمان . سويد بن سليم : كان من قواد صالح بن مسرح . شبيب بن ربعي : كان الرئيس الثاني للخوارج عندما اجتمعوا ـ بحروراء ثم رجع وصار قائداً على ميسرة علي (ع) لحرب الخوارج بالنهروان ، ثم خانه ، والتحق بهم ولقي جزاء عمله . شبيب بن مزيد الشيباني (1) كان يكنى أبا الصحارى . واليه تنسب الشبيبية . وكان اتباعه يقولون ان غزالة ـ أم شبيب كانت هي الامام بعد شبيب الى ان قتلت . شيبان بن سلمة ، كان من رؤسائهم . وهو الذي ساعد أبا مسلم الخراساني فهجره الخوارج ـ وأصحابه يقال لهم الشيبانية . شعيب بن رباب الحنفي ، هو ابو بكار ، كان من خطبائهم . شيبان بن عبد العزيز اليشكري ، كان من رؤسائهم وسموه . امير المؤمنين . شعيب بن محمد كان من رؤسائهم . صالح بن نوح الدهان . كان من ائمتهم بعمان . صالح بن مجرح التميمي : كان من أعيانهم ، ودعاتهم بالموصل والجزيرة وكان من متقشفي الصفرية واليه تنسب الفرقة ـ الصالحية ـ قتله الحارث بن عمير أحد قواد الحجاج سنة 76 هجـ . صبيح بن الأسعر المازني : كان من رؤساء الأزارقة . وقيل من الصفرية خرج على هشام فأسر وقتل .
(1) هو رأس الصفرية . كان ممن يحمل العمد في الحرب ( الدبوس ) .

278
صحار بن العباس : كان من أئمتهم بعمان . الصدى بن الخلق من بني صريم (1) وفد به الحجاج على عبد الملك . فقال له ممن أنت ؟ قال من بني صريم . قال : له ما اسمك ؟ قال الصدى بن الخلق قال : دعاً في عنقه خارجي خبيث . صحار بن العباس : كان من ائمتهم بعمان . صفرة بن حاتم من فرسانهم . صلت بن عثمان : وقيل صلت ابن ابي صلت . ويذكره المقريزي عثمان ابي الصلت كان رأس الصلتية . الصلت بن مرة : كان من شعرائهم . الضحاك بن قيس : أحد بني عمرو بن محلم بن ذهال بن شيبان . يكنى أبا سعيد ملك العراق . وصلى خلفه عبدالله بن عمر . كان من رؤسائهم الضحاك بن قيس الفهري : كان من قوادهم . ضمام بن السائب : كان من أئمتهم في عمان .
(1) كانوا عامة بني صريم خوارج . وكان منهم برك الصريمي ، واسمه الحجاج ، الذي ضرب معاوية بالسيف ، قال الشاعر في بني صريم :
أصلي حيث تدركني صلاتي
وبئس الدين دين بني صريم
قيـامـا يطعنون علـى معد
وكلهم علـى ديـن الخطيـم
والخطيم هو عبدالله بن العزى ؛ من باهلة .

279
الطرماح بن حكيم الطائي : كان من شعرائهم له ديوان مطبوع نشره ( كرنكو ) مات 106 و112 هجـ وقد أفردنا له ترجمة ، انظر ص171 ، عبدالله بن اباض بن عمرو من بني مرة . كان من رؤسائهم . خرج أصحابه من سواد الكوفة . فقتلوا الناس وسبوا الذرية وقتلوا الأطفال وكفروا الأمة ، وكان من أئمتهم . واليه تنسب الأباضية حتى اليوم . عبد ربه الكبير : كان من رؤساء الأزارقة . خالف قطرياً . وكان من أصحابه وخرج الى جيرفت كرمان في سبعة آلاف رجل . قتله الحجاج بطبرستان وبه انهارت شوكة الأزارقة . عبد ربه الصغير : بايعه جمع من الخوارج الذين انشقوا من قطرى بن الفجأة وهو أول من قام ضد قطري . حتى أبادهم المهلب . عبيدة بن هلال اليشكري : كان من رؤساء الأزارقة . وكان فتاكاً لا يبالي ما صنع ، أراد الخوارج أن يولوه عليهم فأبى . واشار عليهم باختيار قطري بن الفجأة . قتله سفيان بن الأبرد سنة 77 هجـ في « ثومس » . عبدالله بن الكوا اليشكري كان من رؤسائهم الذي خرجوا الى حروراء ـ ولما حاججهم ـ علي (ع) وناظرهم . استأمن اليه ابن الكوا في ألف . واستمر الباقون
280
على ضلالهم . عبدالله بن الوضين : كان من رؤساء الأزارقة هلك سنة 60 هجـ . عبدالله بن وهب الراسبي الأزدي ، كان أحد رؤساء الحرورية . قتل بالنهروان . عبدالله بن يحيى الكندي : كان من أئمة الخوارج باليمن الملقب ـ طالب الحق ـ . عبدالله بن ابي قيس : كان من أئمتهم . عبيدة بن سواد : كان من قوادهم . قتله ابن هبيرة قائد جيش مروان بواسط في حرب جرت بينهما . عبد المقتدر بن الحكم : كان من ائمتهم . عبد الملك بن بشر التغلبي : كان من قواج الضحاك بن قيس . عتبان بن وصيلة الشباني : كان شعرائهم . ومن شعره . يتعرض بالحجاج قوله :
ولا صلح ما دامت منابر أرضنا
يقـوم عليها مـن ثقيف خطيب
عروة بن جدير : وقيل ابن أدية . وهي جدة جاهلية له . من رؤس الخوارج وأئمتهم وهو أول من نادى بصفين ـ لا حكم الا الله ـ حضر النهران . ثم نجا . وظفر به
281
بعدها عبيد الله بن زياد فسجنه عنده . حتى قتل أخاه ـ مرداساً ـ وجيىء اليه برأسه . فأمر آنذاك باخراج عروة من السجن وصلبه سنة 58 هجـ . عطية بن الأسود الحنفي : كان من أصحاب . نجدة . وقد أرسله الى سجستان فأظهر مذهبه بمرو . منابذاً له . وعرفت اتباعه بالعطوية . علي بن الحصين العبدي كان من أئمتهم . علي بن عزرة ، كان من أئمتهم . عمارة : الرجل الطويل كان من رجالاتهم . عمران بن حطان الدوسي : كان من أخبث الخوارج . وكان من شعرائهم هلك سنة 84 هجـ وقد ترجمناه انظر ص 168 . عمرو بن الحصين العبري : كان من شعرائهم ، وهو صاحب القصيدة التي مطلعها :
هبت قبيل تبلج الفجر
هند تقول ودمعها يجري
عيسى الحبطي : كان من رؤسائهم وشعرائهم . عيسى بن قاتل : من بني تيم اللات ابن ثعلبة . وكان من شعرائهم . فروة بن لقيط : كان من فرسانهم .
282
فروة ابن نوفل الأشجعي : كان من ائمتهم . فضل بن ابي يزيد : كان من رؤسائهم خرجح أيام المنصور بن القائم وقتل القاسم بن عبد الرحمن بن صديق من بني ضبة . كان من رجالاته . قريب بن مرة الازدي : خرج في أيام معاوية ومعه زحاف الطائي . وكانا من ائمة الخوارج . قتله جمهور الناس بالبصرة . قطري بن الفجأة : كان من امرائهم وشعرائهم . والفجأة اسم امه . كان أصحابه يسمونه ـ أمير الموت ـ ويلقب بسيد الكفار . لما كفره اصحابه وكان يلقب بأبي نعامة . وكان ممن يحمل العمد ـ الدبوس ـ قال فيه الشاعر :
سائل بنا عمرو القنا وجنوده
وأبي نعامـة سيـد الكفـار .
قال : أرباب التاريخ قتل بطبرستان سنة 79 هـ . قطين : كان من فرسانهم . قعنب بن سويد كان من فرسانهم . كهمش بن طليق الصريمي : كان من شجعانهم . المجلجل بن وائل : كان من أعيانهم . محبوب بن الرحيل : كان من ائمتهم . محمد بن محبوب : كان من أئمتهم . محمد بن خرزاد : كان من أعيانهم .
283
محمد بن شعيب : رأس الشعبية . محمد بن عبدالله بن يحيى الوارقي المعروف بالغلام . بايعه الشراة بعد قتل حيان الوارقي . قتله اصحاب محمد بن خرزاد وكان من رؤسائهم . محمد بن هاشم بن غيلان : كان من أئمتهم . مرداس بن جدير : كان من رؤسائهم قتله ابن زياد ، انظر ص 165 ، مساور الشاري كان من رؤساء الشراة . المستورد : كان من رؤسائهم . خرج على علي (ع) يوم النخيلة . ونجا من سيفه . وخرج بعد ذلك على المغيرة بن شعبة . والي الكوفة . فبارزه معقل بن قيس الرياحي فاختلفا بضربتين فخر كل منهما ميتاً . مسلم بن ابي كريمة ابو عبيدة : كان من ائمتهم . مسلم بن كريز : كان من علماء الاباضية . معدان الأيادي : كان إمام الصفرية . ثم خلعوه بعد ذلك لقوله :
سلام على مـن بايع الله شاريا
وليس على الحزب المقيم سلام
فبرأت منه الصفرية . وقالوا انك خالفت لأنك برأت من القعد . ثم خلعوه وبايعوا عبدالله بن وهب الراسبي من الأزد .
284
معمر بن المثنى : ابو عبيدة النحوي . مولى تيم بن مرة كان من علمائهم ، معبد بن ثعلبة رأس المعبدية . مضاد أخو شبيب بن مزيد . كان من قواد عسكره حتى قتل . المقعطل : كان من قضاة الأزارقة ايام قطري بن الفجأة . مليل : من بني ثهلبة . كان من علماء الصفرية . منير بن النير : كان من أئمتهم . موسى بن ابي جابر : كان من أئمتهم . موسى بن علي : كان من ائمتهم . نافع بن الأزرق : ابو راشد . رأس الأزراقة . افردنا له ترجمة ص 170 . نجدة بن عويمر الحنفي : كان رئيس النجدات ، ترجمناه في ص 165 . نصر بن ملحان : كان من قضاتهم . وولاه الضحاك الصلاة . هرون بن عبدالله البجلي : بويع له بعد قتل محمد بن عبدالله بن يحيى الوارقي كان من رؤسائهم . هاشم بن عبدالله الخراساني : كان من أئمتهم . هاشم بم غيلان : كان من أئمتهم . هشام بن المهاجر : كان من أئمتهم . هشام الدستواني ابن عبدالله سنير مولى بني سدوس .
285
كان من علمائهم مات سنة 154 هـ . هصيم بن عامر : أبي بهيس رأس البهيسية . الهيثم بن عدي : الأخباري : كان من العلماء . ومات سنة 209 هـ . وداع بن حوثرة الأسدي : كان من أئمتهم . الوضاح بن عقبة : كان من أئمتهم . الوليد بن طريف : كان من شجعانهم ، قتله . دولب ، التركي . يزيد بن جابر : يقال له الصموت . لشلل أصاب لسانه كان فاضياً للأزارقة ، يزيد بن قيس الأرحبي : كان من رؤساء الحرورية . قيل انه استماله علي (ع) بولاية اصبهان والري . فرجع من حرورآء . وتبعه جماعة . وكانت تنادية الخوارج بالنهروان يا يزيد ـ لا حكم إلا لله ـ وان كرهت اصبهان .
286
( أعلام الخارجيات )
( البلجاء ) : هذه من النساء الخارجيات اللواتي اشتهرن بقوة الجنان والمجتهدات في نساء قومها ـ بني حرام بن يربوع ـ وقد عرفت البلجاء بصلابتها ونتمسكها الشديد بالعقيدة وحملت مشعل النكران والعداء لأمراء المسلمين حتى قتلت . ذكر المؤرخون . أن بلابل بن مرداس بن حدير . من رجالات الخوارج المشهورين . جاء اليها ، وقال لها : ان الله قد وسع على المؤمنين في التقية فاستتري . فان هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك . ـ يعني عبيد الله بن زياد ـ قالت أن يأخذني فهو اشقاني . فأما أنا فما احسب ان يعنت انسان بسببي . فوجه اليها ابن زياد فاتى بها فقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق بالبصرة فمر ابو بلال والناس مجتمعون فقال ما هذا ؟ فقالوا البلجاء فعرج اليها فنظر ثم عض على لحيته وقال لنفسه : لهذه أطيب نفساً عن بقية الدنيا منك يا
287
مرداس . ( حمادة الخارجية ) : كانت تعد من النساء اللاتي اشتهرن بالتمسك بالعقيدة . قال أرباب التاريخ أخرجت مع الخوارج في ولاية عامر على البصرة فعير الناس الخوارج من أجلها . وكانت في مرتبة البلجاء بصلابتها لمعتقدها . ( حمادة الصوفية ) : هذه كانت عابدة من عابدات الخوارج بالشام . وكانت ذات رياسة ونفوذ في قومها ، وفصاحة وبيان . قتلت صلباً . ( الشجاء الخارجية ) كانت من ربات العبادة ، والورع ، والزهد والرئاسة . جيىء بها الى زياد ، فقال لها ما تقولين في امير المؤمنين معاوية ؟ قالت ماذا أقول في رجل أنت خطيئة من خطاياه ، فقال بعض جلسائه : أيها الأمير : أحرقها بالنار ، وقال بعضهم : اقطع يديها ورجليها ، وقال بعضهم ، اسمل عينيها ، فضحكت حتى استلقت وقالت ، عليكم لعنة الله ، فقال لها زياد ، مم تضحكين ؟ قالت : كان جلساء فرعون خيراً من هؤلاء ، قال لها ولم ؟ قالت : استشارهم في موسى فقالوا ، أرجه وأخاه ، وهؤلاء يقولون ، اقطع يديها ورجليها واقتلها فضحك منها وخلى سبيلها . ( ام حكيم ) اخبارها بشجاعتها كثيرة . وكانت جميلة
288
للغاية ، وقد خطبها بعض الخوارج . فردته ، قال من شهدها كانت تحمل على الناس وهي ترتجز :
أحمل رأساً قد سئمت حمله
وقـد مللت دهنـه وغسلـه
الا فتى يحمل عني ثقله ( غزالة ) هي زوجة شبيب بن يزيد (1) كانت من ربات الفروسية والشجاعة والفصاحة والبلاغة ، خرجت مع زوجها شبيب على عبد الملك بن مروان وذلك في امارة الحجاج بن يوسف على العراق فجهز الحجاج اليه خمسة قواد الواحد بعد الواحد فقتلوا . ثم خرج شبيب من الموصل يريد الكوفة ، وخرج الحجاج من البصرة يريد الكوفة أيضاً . وطمع شبيب أن يلقاه قبل أن يصل الى الكوفة ، فأقحم الحجاج خيله فدخل قبله ، وذلك في عام 77 هجـ وقد تحصن الحجاج في قصر الامارة ، ودخل شبيب الكوفة ومعه امه جهيزة وزوجته غزالة عند الصباح ، وقد كانت غزالة نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيهما سورة البقرة وآل عمران ، فأتوا الجامع سبعين رجلاً
(1) زعم ابن خلكان ؛ والبغدادي في الفرق بين الفرق ، ان غزالة هي ام شبيب ، وأما زوجته فهي جهيزة .

289
فصلت فيه الغداة وخرجت من نذرها ، وهي تتمتع بالموضع العظيم من الشجاعة والفروسية ، فقال بعضهم :
وفت الغزالة نذرها
يا رب لا تغفر لها
ولقد قاتلت غزالة في حروب عديدة مع الحجاب حتى هرب في بعض الوقائع فعيره بعضهم بقوله :
أسد علي وفـي الحروب نعـامة
فتخاء تنفر مـن صفيـر الصافر
هلا برزت الي غزالة في الوغى
بل كان قلبك فـي جناحـي طائر
قال ارباب التاريخ ، ولم يزل شيب يحارب الحجاج ، حتى هزم له عشرين جيشاً في مدة سنتين . منها جيش عتاب بن ورقاء ، وجيش الحارث بن معاوية الثقفي . وجيش ابي الورد البصري . وجيش طهمان مولى عثمان . ثم كبس شبيب الكوفة ليلاً ومعه ألف من الخوارج . ومعه غزالة وجهيزة في مائتين من نساء الخوارج قد اعتقلن الرماح وتقلدون السيوف . وقصد المسجد الجامع فقتل حراس المسجد والمعتكفين فيه ونصب غزالة على المنبر فخطبت . وقال خزيم بن فاتك الأسدي في ذلك :
أقامت غزالة سوق الضراب
لأهل العـراقين حـولا قميطاً

290
سمت للعراقين في جيشها
فلاقى العراقان منها أطيطا
قال : وبايع اصحاب شبيب في الجانب الآخر من الدجيل (1) غزالة . وعقد سفيان بن الأبرد الجسر وعبر مع جنده الى أولئك الخوارج وقتل اكثرهم وقتل غزالة وجهيزه واسر الباقين من أتباع شبيب ، ( قطام بنت الشجنة التيمية ) (2) . كانت ممن يضرب بجمالها المثل . قتل أبوها واخوها يوم النهروان وقد عشقها عبد الرحمن بن ملجم المرادي وهام بها . ولما أن خطبها . قالت لا اتزوجك حتى تشفي لي صدري قال وما يشفيك ؟ قالت ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن ابي طالب (ع) قال الشاعر :
فلا مهراً ساقـه ذو سمـاحة
كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبـد وقينـة
وقتـل علي بـالحسام المسمم
(1) الدجيل نهر بالأهواز مخرجه من أرض اصبهان ومصبه في بحر فارس قرب عبادان . (2) ذكر الطبري : والمبرد انها قطام بنت علقمة ، وذكر ابن ابي الحديد في شرح النهج قطام بنت الاخضر .

291
قال هو مهر لك . فأما قتل علي (ع) فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني قالت بلى التمس غرته . فان اصبت شفيت نفسك ونفسي ويهنئك العيش معي وان قتلت فما عند الله غير من الدنيا وزينتها وزينة أهلها . قال فوالله ما جاء بي الى هذا المصر الا قتل علي فانك ما سألت . قالت اني اطلب لك من يسند ظهرك ويساعدك على أمرك . فبعثت الي رجل من قومها من تيم الرباب يقال له وردان فكلمته فأجابها وأتى ابن ملجم رجلاً من اشجع يقال له شبيب ابن بجرة . فجاؤا الى قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة فقالوا لها : قد أجمع رأينا على قتل علي : قالت فاذا اردتم ذلك فأتوني . ثم عاد اليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي (ع) سنة اربعين للهجرة . فقال : هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي فعصبتهم وأخذوا أسيافهم ودخلوا المسجد فناموا حتى طلوع الفجر حتى اذا جاء علي (ع) ليؤدي فرض الصبح فأمهلوه حتى اذا سجد السجدة الأولى ورفع رأسه من السجدة ضربه عبد الرحمن بسيفه فشق رأسه الى موضع سجوده وقد ضربه شبيب فوقعت ضربته بالاسطوانة وهرب وردان حتى دخل منزله فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره فقال ما هذا الحرير والسيف : فأخبره بما كان وانصرف فجاء
292
بسيفه فعلاً به وردان حتى قتله . وخرج شبيب نحو أبواب كنده في الغلس وصاح الناس فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر . وفي يد شبيب السيف فأخذه وصرعه وجثم الحضرمي على صدره . فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده حشى على نفسه فتركه ونجا شبيب في غمار الناس فشدوا على ابن ملجم فأخذوه الا ان رجلاً من همدان يكنى أبا دماء أخذ سيفه فضرب رجله فصرعه وجيىء به الى علي (ع) فأمر بسجنه ثم أمر باخراجه في اليوم الثاني فاخرج واحضر اليه . فقال له : اي عدو الله ألم احسن اليك ؟ قال : بلى . قال فما حملك على هذا فسكت الشقي . فأمر علي بحبسه . ثم قال ، علي (ع) لولده الحسن . ان أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ولا يمثل بالرجل فاني سمعت رسول الله (ص) يقول إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور . ولما توفي امير المؤمنين ( ؛ ع ) اخرجه الحسن (ع) وضربه ضربة واحدة فقتله كما أوصاه أبوه ، غير أن الناس تعادوا على جيفته فأدرجوها في بواري وأحرقوه . ( كحيلة ) كانت من ربات الفصاحة والبيان . فكانت تخرج مع الخوراج هي وصاحبتها قطام ، وجعل أصحاب ابن عامر يعيرونهم ويصيحون بهم . يا اصحاب كحيلة
293
قطام . ويعرضون لهم بالفجور فتناديهم الخوارج بالدفع والردع .
( ليلى بنت طريف التغلبية )
شاعرة من شواعر العرب في الدولة العباسية . كان اخوها الوليد بن طريف الشيباني » رأى الخوارج واشدهم بأساً وصولة وأشجعهم فاشتدت شوكته وطالت أيامه فوجه اليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فجعل يخاتله ويماكره وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد بن مزيد فأوغروا به امير المؤمنين وقالوا : انما يتجافى عنه للرحم والا فشوكة الوليد يسيرة . فوجه الرشيد كتاباً مغضباً الى يزيد وأقسم بالله لئن اخرت مناجزة الوليد ليوجهن اليك من يحمل رأسك الى امير المؤمنين . فسار يزيد الى الوليد بن طريف فلحق به بعد مسافة بعيدة . فخرج الوليد الى يزيد وهو يقول :
انا الوليد بن طريف الشاري
قسـورة لا يصطلى بنـاري
جوركم أخرجني من داري فأوقع يزيد السيف في أصحاب الوليد وأخذ رأسه . فحملت على الناس اخته ليلى بنت طريف وعليها الدرع والجوشن . فلما رآها يزيد قال : دعوها . ثم خرج اليها فضرب بالرمح قطاة فرسها ثم قال : اغربي غرب الله عينيك
294
فقد فضحت العشيرة فاستحيت وانصرفت وهي تقول :
بتل ثباتاً رسم قبـر كأنـه
على جبل فوق الجبال منيف
تضمن جوداً حاتمياً ونائلاً
وسورة مقدام ورأي حصيف
وهي قصيدة عامرة في رثاء أخيها الوليد ذكرها البحتري في حماسته . وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني (1) وقال ابن خلكان : ان الفارعة (2) رثت أخاها الوليد بهذه القصيدة وأجادت . وهي قليلة الوجود ولم أجد في مجاميع الأدب الا بعضها . حتى أن أبا علي القالي لم يذكر منها في أماليه سوى أربعة أبيات فأتفق أن ظفرت بها كاملة فأثبتها لغرابتها مع حسنها ، اقول وهي ثمانية عشر بيت ولكن في الحماسة والأغاني أربعة وعشرون بيتاً ، ومن رثائها لأخيها أيضاً :
ذكـرت الوليـد وايامـه
اذا الارض من شخصه بلقع
فأقبلت اطلبه فـي السماء
كـما ينبغي أنفـه الأجـدع
(1) لفت نظر . ذكر ليلى بنت طريف الاستاذ عمر رضا كحالة في كتابه ـ أعلام النساء ـ في الجزء الثالث منه ؛ وذكرها أيضاً في حرف الفاء باسم الفارعة بنت طريف بن الصلت الشيباني الخارجي . والظاهر اختلف عليه الاسم والترجمة واحدة والقصيدة نفسها . واظن ان الذي اوقعه بهذا الاشتباه هو ابن خلكان . (2) أراد ليلى .

295
( الجديعاء ) هي مريم بنت الأعلم ، كانت تحارب مع زوجها ابي حمزة في حربه مع أهل مكة . وكانت ترتجز :
أنـا الجديعاء وبنت الأعلـم
من يأسلن اسمي فاسمي مريم
أن الجديعـاء وبنت الأعلـم
من يسألن اسمي فاسمي مريم
( عاشئة بنت يحيى بن يعمر )
كانت عائشة هذه من الخارجيات اللاتي اشتهرن بالجمال ومن ربات الرأي والعقل . خطبها محمد بن بشير لما قدم البصرة فابى أبوها وكلمة في ذلك يحيى بن يعمر فأبى . الا بعد أن يطلق زوجتيه واحداهن كانت ابنة عمه والأخرى من أشجع ، ثم رجع الى الحجاز ولم يوافق على ما طلبه منه أبوها (1) ، .
(1) الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني .

296
( عبدة بنت حسان المزنية )
كانت من ربات الفصاحة والبلاغة ، وكان محمد بن بشير الخارجي يتحدث الى عبدة بنت حسان المزنية ويقيل عندها أحياناً وربما بات عندها ضيفاً لاعجابه بحديثها . فنهاها قومها عنه وقالوا : ما مبيت رجل بامرأة أيم . فجاءها ذات يوم فلم تدخله خباءها وقالت له : قد نهاني قومي عنك . وكان قد أمسى فمنعته المبيت وقال : لا تبيت عندنا فيظن بي وبك شر . فانصرف وقال فيها :
ظللت لـدى أطنابها وكأننـي
أسير معنى فـي مخلخلة كبـل
أعبـدة امـا جلسة عنـد كاره
وأمـا مزاج لا قـريب ولا سهل
فانك لو اكرمت ضيفك لم يعب
عـليك الذي تأتين حمو ولا بعل
وقد كان ينميها الى ذروة العلا
أب لا تـخطاه المطيـة والرحل

297
فهل أنت الا شعبـة كـان أصلها
نضاراً فلم يفضحك فرع ولا أصل
صددت امرءاً عن ظل بيتك ماله
بواديك لولاكم صديق ولا أهل (1)
( أم علقمة الخارجية )
من ربات الفصاحة والبلاغة والشجاعة وقوة الحجة اتى بها الى الحجاج بن يوسف فقيل لها : وافقية في المذهب فقد يظهر الشرك بالمكر . فقالت : قد ظللت اذا وما أنا من المهتدين . فقال لها : قد خبطت الناس بسيفك يا عدوة الله خبط العشواء . فقالت : لقد خفت الله خوفاً صيرك في عيني أصغر من ذباب وكانت منكسة فقال : ارفعي رأسك وانظري إلي . فقالت : أكره أن أنظر الى من لا ينظر الله اليه . فقال : يا اهل الشام ما تقولون في دم هذه ؟ قالوا : حلالاً . فقالت : لقد كان جلساء اخيك فرعون أرحم من جلسائك حيث استشارهم في أمر موسى فقالوا : أرجه وأخاه فقتلها .
(1) : الأغاني للاصبهاني . (2) محاضرات الأدباء للراغب الاصبهاني .

298
( ام عمران بن الحارث الراسبي )
هي شاعرة من شواعر العرب . فمن شعرها ما قالته في عمران بن الحارث عندما التقى مع الحجاج بن باب وذلك بعدما اقتتلوا زهاء شهر فاختلفا بضربتين فسقطا ميتين فانشدت ام عمران .
الله أيــد عمـرانــاً وطهـره
وكان عمـران يدعو الله في السحر
يدعوه سـراً واعلانـاً ليـرزقـه
شهــادة بيــدي ملحـادة غـدر
ولـي صحابته عـن حـرّ ملحمة
وشد عمران كالضرغامة الهصر (1)
( امرأة عمران بن حطان )
كانت ذا فضل وعقل . قالت يوماً لعمران أما زعمت انك لم تكذب في شعر قط قال : أو فعلت ؟ قالت : انت القائل .
فهناك مجزأة بن نو
ركان أشجع من أسامة
(1) شرح النهج لابن ابي الحديد .

299
أفيكون رجل أشجع من الاسد فقال : أنا رأيت مجزأة فتح مدينة والاسد لا يفتح مدينة (2) .
( عمرة بنت مرداس بن أبي عامر ) (3)
هي شاعرة مجيدة مخضرمة فمن رثائها لأخيها يزيد لما قتل وذلك أن يزيد كان قد قتل قيس بن الأسلت في بعض حروبهم فطلبه بثأره هرون بن النعمان بن الأسلت حتى تمكن من يزيد فقتله بقيس بن ابي قيس وهو ابن عمه فقالت :
أجـد ابـن امـي أن لا يؤوبـا
وكـان ابـن اميـر جليداً نجيباً
وهي من أحسن الرثاء (4) ومن رثائها أيضاً :
أعينـي لـم اختلكمـا بخيانـة
أبـي الدهر والأيام أن اتصبرا
ومن رثائها لأخيها عباس بن مرداس .
لتبك ابن مرداس على ما عراهم
عشيرتـه اذ حـم أمس زوالها
قيل انها توفيت نحو سنة 48 هـ .
(2) الكامل للمبرد . (3) امها الخنساء الشاعرة الشهيرة . (4) في الحماسة لابي تمام وفي الأغاني ، وديوان الخنساء .

300
( عميرة امرأة مجاشع ) (5)
شاعرة من شواعر العرب كانت ترى رأي زوجها بالقعود عن الخوارج . ثم افسدها رجل حتى رأت رأي الخوارج . فدعت زوجها الى ذلك فأبى وأبت ان تخرج فخرجت فكتب اليها زوجها :
وجداً يصاحبني لعل صبابة
منهـا تـرد خليلـة لخليل
فـلئن قتلت ليقتلن قتيلكـم
فتيقني انـي قتيـل قتيـل
فقالت تجيبه :
أبلغ مجاشع ان رجـعت فـانني
بيـن الاسنة والسيـوف مقيلي
أرجـو السعادة لا احدث ساعـة
نفسي اذا أنـا اجبتهـا بقفـول
ووهبت خدري والفراش لكاعب
في الحي ذات دمالج وحجول (6)
(5) من بكر بن وائل . (6) بلاغات النساء .
( ما قيل في الخوارج )
نبدأ بكلام علي امير المؤمنين (ع) وما قاله فيهم في شتى المناسبات وتقصر بالاشارة على أول كل خطبة من قوله . وكل ما ذكره فيهم بكاملة في نهج البلاغة فيراجع . وكلام علي (ع) كما قيل فوق كلام المخلوق دون كلام الخالق . والمثال المعروف كلام الملوك ملوك الكلام . وما قاله المرتضى مرتضى . 1 ـ ذكرهم (ع) في خطبته الشقشقية . عند قوله : فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة . وهم أصحاب الجمل . ومرقت أخرى . وهم ـ الخوارج ـ وقسم آخرون . وهم معاوية وأهل الشام . 2 ـ ذكرهم . في خطبته بعد التحكيم . وأولها . الحمد لله وان اتى الدهر بالخطب الفادح . 3 ـ ذكرهم في تخويف ـ أهل النهروان ـ قوله : فأنا

302
نذير لكم ان تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر (1) . 4 ـ قوله . : لما سمع الخوارج يقولون . لا حكم إلا لله . كلمة حق يراد بها باطل . 5 ـ قوله (ع) أصابكم حاصب . الخ . 6 ـ قوله لما عزم على حرب الخوارج . وقيل له . انهم قد عبروا جسر النهروان ، قال : ( مصارعهم دون النطفة ) (2) . 7 ـ قوله : كلا والله انهم نطف في أصلاب الرجال . 8 ـ قوله (ع) لا تقتلوا الخوارج بعدي الخ . 9 ـ قوله : لرجل من أصحابه . لما قال له نهيتنا عن الحكومة . ثم امرتنا بها فلم ندر أي الأمرين أرشد ؟ فقال (ع) هذا جزاء من ترك العقدة الخ . 10 ـ قوله : وقد خرج الى معسكرهم ( كلكم شهد معنا صفين ) الخ . 11 ـ قوله : في التحكيم ( أنا لم نحكم الرجال . وانما حكمنا القرآن ) الخ .
(1) هذه من مغيباته (ع) . (2) ايضاً من مغيباته (ع) .

303
12 ـ قوله : في معنى الحكمين ( فأجمع راي ملئكم على أن أختار رجلين ) . 13 ـ قوله : وقد ارسل رجلاً من اصحابه يعلم له علم من لحق بالخوارج ( بعداً لهم كما بعدت ثمود ) الخ . 14 ـ قوله : للبرج الطائي . لما سمعه يقول : لا حكم إلا لله . ( اسكت قبحك الله يا أثرم ) . 15 ـ قوله : لما اضطرب عليه اصحابه في أمر الحكومة ( أيها الناس انه لم يزل أمري معكم على ما احب حتى نهكتكم الحرب ) الخ . 16 ـ قوله : في شأن الحكمين وذم أهل الشام ( جفاة طغام ) الخ . 17 ـ قوله : وقد مر (ع) بقتلى الخوارج ( بؤساً لكم لقد ضركم من غرّكم ) فقيل له من غرّهم يا امير المؤمنين . فقال : ( الشيطان المضل والنفس الأمارة بالسوء غرتهم بالأماني وفسحت لهم بالمعاصي ووعدتهم الأظهار فاقتحمت بهم النار ) . 18 ـ قوله : عندما سمع خارجياً يتهجد ويقرأ القرآن ( نوم على يقين خير من صلاة في شك ) . 19 ـ قوله : لما مرت امرأة جميلة فنظر اليها الجلاس
304
( ان ابصار هذه الفحول طوامح . وان ذلك سبب هبابها . فاذا نظر أحدكم الى امرأة تعجبه فليلامس أهله . فانما هي امرأة كامرأة . فقال رجل من الخوارج « قاتله الله كافراً ما أفقهه » فوثب القوم ليقتلوه . فقال (ع) ( رويداً انما هو سب بسب أو عفو عن ذنب ) . في تفسير القشري . وإبانة العكبري . عن سفيان ، عن الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ، عن ابي الطفيل . انه سأل ابن الكوا امير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى : ( هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ) فقال (ع) انهم أهل حروراء . قال الجاحظ عند ذكره الخوارج « انك لا تعرف فقيهاً من أهل الجماعة لا يستحل قتال الخوارج . كما انا لا نعرف احداً منهم لا يستحل قتال اللصوص (1) . ان للنار سبعة ابواب وان اشدها سعيراً لباب الخوارج (2) . الخوارج قوم من أهل الأهواء لهم مقالة على حدة وهم الحرورية . والخارجية طائفة منهم . وهم سبع طوائف سموا به
(1) البيان والتبيين ج3 ص87 . السندوبي . (2) البحار . للمجلسي ره :

305
لخروجهم على الناس أو عن الدين أو عن الحق أو عن علي كرم الله وجهه في صفين (1) . قال ابن ابي الحديد في شرح النهج . ان الخوارج كانوا من أصحاب علي وأنصاره في الجمل وصفين . قبل التحكيم . فدعا عليهم علي فسلط الله عليهم الذل الشامل والسيف القاطع والاثرة من السلطان وما زالت حالهم تضمحل حتى أفناهم الله تعالى . وأفنى جمهورهم . ولقد كان سيف المهلب بن أبي صفرة وبنيه الحتف القاضي عليهم والموت الزؤام . ذكر الشيخ سلامة القضاعي في كتابه « فرقان القرآن » (2) عند ذكره قوله تعالى ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) قال : كان قتادة اذا قرأ هذه الآية ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) قال : ان لم يكونوا الحرورية والسبئية ، فلا أدري من هم ، ولعمري لقد كان في أهل بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله (ص) بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار خبر لمن استعبر ، لمن كان يعقل أو يبصر أن الخوارج
(1) تاج العروس ص30 ج2 . (2) فرقان القرآن ص 64 طبع بمصر ، بمعية « الأسماء والصفات » للبيهقي .

306
خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير بالمدينة والشام والعراق . وأزواجه يومئذ أحياء ، والله ان خرج منهم ذكر ولا انثى حرورياً قط ، ولا رضوا الذي هم عليه . بل كانوا يحدثون يعيب رسول الله اياهم . ونعته الذي نعتهم به ، وكانوا يبغضونهم بقلوبهم ، ويعادونهم بألسنتهم ، وتشتد والله عليهم أيديهم اذا لقوهم ، ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع ، ولكنه كان ضلالاً فتفرق ، وكذلك الأمر واذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافاً كثيراً فقد ألاصوا ـ أي أرادوا وحاولوا رواجه ـ هذا الأمر منذ زمان طويل فهل أفلحوا فيه يوماً أو نجحوا ؟ ياسبحان الله : كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأولهم ؟ لو ـ كانوا على هدى لأظهره الله وأفلحه ونصره ، ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه ، فهم كما رأيتهم . كلما خرج لهم قرن أدحض الله حجتهم . وأكذب أحدوثتهم ، واهراق دماءهم ، وان كتموا كان قرحاً في قلوبهم ، وغماً عليه . وان أظهروه أهرق الله دماءهم ، ذاكم والله دين سوء فاجتنبوه ، والله ان اليهودية لبدعة ، وان النصرانية لبدعة ، وان الحرورية لبدعة ، وان السبئية لبدعة ما نزل بهن كتاب ولا سنهن نبي . ولقد وردت فيهم أحاديث كثيرة عن النبي (ص) ذكرت
307
في مضانها . وقد ذكرنا البعض منها اول الكتاب . وإتماماً للفائدة نثبت البعض الآخر منها هنا . روى الطحاوي الحنفي في مشكل الآثار ص 353 ج3 في رواية انس عن النبي (ص) يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . هم شرار الخلق والخليفة . وروى الحافظ ابو نعيم الأصبهاني في اخبار اصبهان ص 193 ج1 عن ابي غالب . قال كنت بالشام عند ابي امامة فجاءت رؤوس من قبل العراق . فلما رآها بكى وقال ( كلاب النار مرتين أو ثلاثاً شر قتلى تحت ظل السماء وخير قتلى من قتلوه . فقلت يا أبا إمامة أي شيء رأيتك تقول . قال بل سمعت رسول الله لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً وجعل يعدد باصبعه . ثم ادخل اصبعه في اذنه . وقال : والا فصمتا . ثم عقال أبا يا غالب أنت ببلدهم بها كثير فانشدك الله ان تكون منهم . وروى في الخصائص الكبرى ص146 ح3 حديث الخدري وقال بعده وأخرجه ابو يعلا . وزاد في آخره فقال علي (ع) ايكم يعرف هذا فقال رجل من القوم هذا هو حرقوص ابن زهير وامه ها هنا . فأرسل الى امه فقال لها ممن هذا ؟ قالت ما أدري . الا اني كنت في الجاهلية أرعى غنماً بالربذة فغشيتني كهيئة الظلمة . فحملت منه فولدت هذا ، وروى عن صحيح مسلم عن عبيدة . قال : لما فرغ
308
علي (ع) من اصحاب النهر . قال ابتغوا فيهم فان كانوا القوم الذين ذكرهم رسول الله فان فيهم رجلا مخدج اليد . فابتغيناه فودناه فدعوناه اليه فجاء حتى قام عليه . فقال الله اكبر ثلاثاً . والله لولا ان تبطروا لحدثتكم بما قضى الله على لسان نبيه لمن قتل هؤلاء . قلت انت سمعت هذا من رسول الله ؟ قال اي ورب الكعبة ثلاث مرات وروى ابن عساكر الدمشقي الشافعي في تاريخ الشام ص 130 ج4 حديث ابي امامة . وحديث ابي ايوب في انه امر أن يقاتل مع علي الناكثين وقد قاتلهم والقاسطين وهذا وجهنا اليهم والمارقين . ولم يرهم بعد . وقد أورد الخطيب البغدادي الشافعي وغيره من حفاظ أهل السنة كثير من الأحاديث الواردة عن رسول الله (ص) في مروقهم عن الدين والأمر بقتلهم وقتالهم مع امير المؤمنين . والأحاديث التي وردت . انهم يقتلون اهل الايمان ويتركون اهل الأوثان فكان مصداق هذه الأحاديث من جملتها قتل عبدالله بن خباب ، وذكر الدينوري في اخبار الطوال ص 309 انهم اعترضوا الناس يعني يقتلون كل من لقوه . وقتلوا الحارث بن مرة . وقد بعثه اليهم امير المؤمنين وذكر المبرد في الكامل ص141 ج1 وهو غير متهم عليهم . قال فمن طريف اخبارهم انهم أصابوا الى آخر ما ذكرناه ص33 .
309
وذكر صاحب العقد النفيس . احمد بن ادريس الحسيني المالكي الرزايا الثلاثة التي منها ردهم على النبي (ص) لما طلب الدواة ليكتب لهم . وذكر الخارجي المعترض . وقال : فقال رسول الله من يقوم فيقتله . فقام أبو بكر فوجده قد خط خطاً يصلي . فقال لا اقتل رجلاً يصلي وهوي يناجي ربه ، ثم قال من منكم يقوم الى الرجل فيقتله . فقام عمر فمضى فوجده يصلي فقال ان ارجع فقد رجع من هو خير مني لا اقتله وهو يصلي . فلما سمع قول النبي (ص) من يقوم فيقتله بعد أن قال ابو بكر وهو يصلي . ثم ذكر ان علياً مضى ليقتله فلم يجده . وقال النبي (ص) لو قتلتموه لكانت او فتنة في الإسلام وآخرها . وما اختلف في امتي اثنان . وذلك الرجل هو راس الخوراج .
310
( أئمة الخوارج )
محمد بن أبي عفان . عزلوه في 15 ذي القعدة 179 هجـ وكان من ائمة أهل عمان (2) ، عبدالله بن سعيد عزلوه وقدموا عليه خنبشاً وهو من ائمة حضرموت (3) ، الوارث بن كعب الخروصي وخروص من اليحمد نصبوه بعد عزل محمد بن أبي عفان ويثبتون له كرامات خرافية غرق في سبل وادي كلبوه من نزوى ومعه سبعون رجلاً 3 ج1 ، 102 هجـ (4) غسان بن عبدالله اليحمدي بويع له بالإمامة بعد وفاة الوارث ومات في 26 ذي القعدة ، سنة 207 . (5) عبد الملك بن حميد بويع له سنة 208 مات في 3 رجب سنة 126 . (6) المهنا بن جيفر بويع له بالإمامة في 2 رجب سنة 126 مات في 16 ربيع الآخر سنة 237 . (7) الصلت بن مالك بويع له وعزل بعد ذلك ، فبويع لراشد بن النظر ، وقيل بقيت بقية تدعى بامامته الى ان مات . (8) راشد ابن النظر بويع له ووقعت فتن وحروب في عهده
311
فعزلوه وبايعوا عزان ابن تميم الخروصي في 3 صفر سنة 277 ، حتى قتله محمد بن بور وبعث برأسه الى المعتضد ببغداد . (9) بيحرة عامل العباسيين على نزوى امام الصلاة قتل سنة 282 . (10) محمد بن الحسن بويع له بنزوى . ثم تتابعت أئمتهم والعباسيون يحاربونهم حتى ايام القرامطة وحروبها ، ثم ان قائمة من كلب اليحمد عقد له في حياة الصلت بن القاسم . ثم عقد في حياة عزان ابن الهزبر لعبدالله بن محمد الحداني المعروف بأبي سعيد القرمطي ثم عقد للصلت بن القاسم ثانية الى ان مات . ثم بويع للحسن بن سعيد السحتني النازل نزوى . ثم في شهره عقد للحواري بن مطرف الحداني النازل نزوى الى ان مات ، وبويع لابن اخيه عمر بن محمد بن مطرف . وكان هو وعمه اذا جاء السلطان اعتزلا عن بيت الامامة . ثم صارت بعدها فترة الامامة . ثم عقدوا . لمحمد بن يزيد الكندري النازل نزوي وبايعوه على الدفاع واعتل عند البيعة بانه رجل عليه دين أهل الاحساء من أهل بيت ابن مقرب قاموا على الرامطة وحاربوهم سبع سنين حتى انتزعوا الدولة منهم . ثم عقد بعد فترة من الزمن . لمحمد بن الحسن الخروصي . ثم عزل . وبايع أهل عمان من بعده لتصابية أئمة . منهم الصلت بن القاسم الخروصي بنزوى . ثم بعده عزان بن الهزبر المالكي . ثم الحكم بن الملا البحري
312
النازل بسعال . ثم اعتزل عن الإمامة وبويع لمحمد بن يزيد . ثم افتتنوا فيما بينهم . ورجعوا إلى راشد . يعني ابن النظر بعد أن كان في السجن خليعاً مقيداً محبوساً أسيراً . فعقدوا له إماماً وقصروا الجمعة وجبوا الزكاة وباع راشد الصوافي . ثم خذلوه وتركوه . ثم خلعوا معه الإمامة وفرضها ، وصاروا كلما يبايعون رجلاً منهم يخلعوه بعد برهة . حتى بايعوا في تلك الفترة من الزمن ستة عشر بيعة فقد بايعوا راشد ابن النظر بيعتين . وبايعوا الحواري بن عبدالله . وبايعوا أبا سعيد القرمطي . وبايعوا محمد بن حسن . وبايعوا حسن بن سعيد . وبايعوا الحواري بن مطرف بيعتين وبايعوا عمر بن محمد بن مطرف . وبايعوا محمد بن يزيد وبايعوا الحكم بن ملا بيعتين . وبايعوا عزان بن الهزبر . ثم من بعده بايعوا سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب . فقتل في وقعة بمنى في سنة 428 هجـ ثم بايعوا راشد بن الوليد بنزوى . ثم قتل . وبايعوا الجليل بن شاذان بن الصلت بعد راشد بزمن طويل ثم مات 425 وبويع راشد بن سعيد ثم توفي 445 فبويع حفص بن راشد ثم مات . وبويع راشد بن علي . فاختلف الناس عليه ، ثم بويع عامر بن راشد بم الوليد الخروصي وهو آخر أئمتهم من بني خروص ، ثم بويع محمد بن غسان بن عبدالله الخروصي ، ثم مات وبويع الخليل بن عبدالله بن عمر بن
313
محمد بن الخليل بن شاذان (1) الى أن مات ، وبويع محمد بن ابي غسان . يقال انه ابن راشد بن سعيد هو من أئمة الرستاقية وهم الغلاة في امر موسى وراشد ثم بويع موسى بن أبي المعالي بن موسى بن نجاد 549 هو من أئمة الرستاقية ثم بويع لخنبش بن محمد بن هشام وهو من الطائفة الرستاقية . حتى توفي 510 وبويع محمد بن خنبش وما 557 وبعده صارت ملوكية بني نبهان حتى 809 بايعوا الحواري بن مالك . وقيل اسمه مالك بن الحواري ولده الى أن مات 833 وبويع خميس ابن عامر الى ان توفي 846 . ثم بويع عمر بن الخطاب بن محمد ابن احمد ابن شاذان الخروصي 885 . الذي انهار عرش ملوكية آل نبهان في عهده . واستولى على جميع ما ملكوه فصيره الى ما بايعوه ، وجعلت تنتقل من أمام الى امام الى يومنا هذا (2) ثم مات عمر بن الخطاب ، ثم بويع 894 محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج القاضي البهلوي . وكأنه عزل او اعتزل ن ثم بويع لعمر الشريف . فأقام سنة . ثم خرج الى بهلي . فبايع أهل نزوى محمد بن سليمان ثانية . ثم بايعوا
(1) قاتل النباهنة . وهم آل نبهان ملوك عمان الذين ملكوا في فترة الامامة من حدود منتصف القرن السادس الى القرن العاشر . (2) هذا كلام صاحب تحفة الأعيان . وهو من علماء الخوراج .

314
من بعده لأحمد بن عمر بن محمد الزنجي البهلوي ، فمات ، وبايعوا لأبي الحسن بن عبد السلام النزوي ، وأقام دون السنة ، ثم بويع محمد بن اسماعيل بن عبدالله بن محمد بن اسماعيل الحاضري . وهو من قضاعة ثم مات 942 فبويع ابنه بركات بن محمد بن اسماعيل . وتبرأ البعض منه وممن نصبه . ونصبوا عمر بن القاسم الفضيلي في ايام بركات . ثم نصب أيضاً عبدالله بن محمد القرن إماماً 967 فكان هناك فتن ومناوشات وصار الملك متفرقاً بين الرؤساء والنباهنة وآل عمير وآل هلال وكثر النزاع والاختلاف ومات بركات 509 وصار الملك بعده لبني نبهان رؤساء القبائل : ولما كثر الظلم من الأمراء عليهم اجتمع الخوارج وبايعوا المؤيد ناصر بن مرشد بن مالك بن ابي العرب . وهو أول امام في اليعاربة وذلك 1024 وفي عهده وقعت حروب كثيرة بينه وبين حكام الجور بعد جره الجيوش الى حربهم . حتى ما 1050 قيل انه مات وعنده بنت واحدة فتجعله الخوارج كرامة له وانه شابه رسول الله (ص) حيث انه مات وعنده فاطمة الزهراء . فهذه من خرافاتهم وما أكثرها ، ثم بويع سلطان بن شيف بن مالك ابن عم ناصر بن مرشد مات سنة 1091 ثم بويع بلعرب في اليوم الذي مات فيه ابوه سلطان . وكان يسكن بقرية جبرين مات 1104 ثم عقدوا الإمامة لسيف بن سلطان أخو بلعرب .
315
مات 1123 ثم بويع سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف بن مالك بن ابي العرب اليعربي مات 1131 ثم بويع مهنا بن سلطان بن ماجد بن مبارك ابن بلعب اليعربي وثار يعرب بن بلعرب بن سلطان وحاربه وخذله اهل عمان وكان يعرب لا يدعى الإمامة لنفسه وإنما يدعيها لسيف بن سلطان الصغير . فألقى القبض على مهنا وأصحابه بعد حصارهم بالقلعة . ثم استسلموا وزجوهم في السجن وبعدها قتلوهم . وهم في القيود وصارت الإمامة ليعرب بن سلطان بن سيف ابن ملك وفي 1145 وقعت حروب بينه وبين أصحاب سيف بن سلطان حتى انتصر عليه سيف بجيشه الذي عليه العنبوري وبهذا النصر ذالت امامة يعرب ونودي بإمامة سيف بن سلطان ثم بويع محمد بن ناصر بن عامر بن رمثه ابن خميس الغافري ثم صار الاتفاق على امامة سلطان بن مرشد بن عدي اليعربي . وهو آخر أئمة اليعاربة وذلك 1154 ثم مات على اثر جراحات اصابته في الحرب . وانتقل ملك اليعاربة الى احمد بن سعيد . ثم بويع مرة ثانية بلعرب بن حمير ث لخع وقتل وانتقلت الدولة من ايدي اليعاربة الى آل بوسعيد ، وأول هذه الدولة احمد بن سعيد بن احمد بن محمد البوسعيدي . وهو ابو ملوك عصرنا وعقدت له الامامة وحارب اهل فارس توفي 1196 وخلف اولاداً منهم سعيد بن احمد وسلطان بن احمد
316
وقيس بن احمد ومحمد بن احمد وطالب بن احمد وهؤلاء كلهم يقال لهم أولاد الامام فأما سلطان فهو ابو ملوك مسكد وزنجبار . وأما قيس فهو ابو ملوك الرستاق ، وأما محمد وطالب فانهما وليا من قبل اخوتهما ، وأما سعيد فهو الذي ملك بعد ابيه وتسمى بالإمامة واشتهر بهذا الاسم وأولاده يقال لهم اولاد الامام . ويقال له السلطان . وخرج عليه سلطان اخوه وولى طالب بن الامام على الرستاق وكان بالرستاق أولاد سعيد فانتقلوا عنها . وبقي طالب في الرستاق الى أن مات . وصارت الى سعود بن علي بن سيف . وهو أحد أولاد الامام . فقتل بالمنصور . وهو نائم ، وقدم حمود بن عزان المنصور . فدخلها وهي في ايدي أولاد عزان حتى هذا العصر ، وأخذت منهم صحار بالحرب بعد أسر حمود بن عزان ، وقد أسره السلطان ثويني بن سعيد . فحمله الى مسكد ومات بالسجن وأما السلطان ثويني فقد قتله ابنه سالم بصحار . وقيد عمه تركي وجاء به الى مسكد وولى السلطنة وذلك سنة 1282 ثم قامت عليه القبائل وحاربته وأخرجته من مسكد . وعقدوا الإمامة لعزان بن قيس 1285 وبعدها كاتب الناس تركي بن سعيد . وقام بالأمر وحارب الإمام حتى قتل الإمام على سور مطرح . وهذا شبه انقلاب من تركي بمساعدة الانكليز الى أن مات 1305 واستولى بعده ولده فيصل بن تركي وتوفي 1328 والسلطان اليوم حفيده سعيد
317
بن تيمور على جميع عمان ، والإمامة للإمام الحالي في نزوي . وقد علمنا أن الامام في هذا العصر رجل نبيه عارف له اصلاحات كثيرة وقضايا مرضية واحدة منها أنه عمم أمره برفع سب الإمام علي (ع) ، بل راح يعاقب من يسمع منه ذلك .
318
( الخوارج لغة واصطلاحاً )
الخوارج : لغة . يقال لكل من خرج على خليفة أو ملك أو سلطان . وإطلاق الخارجية يختلف باختلاف الأهواء والمعتقدات الاسلامية : أما في رأي السنة فيطلق لفظ ـ الخارجي ـ على كلّ من خرج على الخلفاء الراشدين وهم ابوبكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله عنه ، وعلى هذا الرأي كل من خرج على علي (1) فهو كافر بالإجماع . أما رأي الإمامية : فيصدق لفظ الخارجي على كل من خرج على إمام معصوم : كالمارقة : الذي نحن بصددهم لأنهم خرجوا على علي (ع) أيام خلافته . فقاتلهم علي (ع) بدوره ، ونهى عن قتالهم من بعده .
(1) الذين معظمهم اليوم في شمال العراق ـ يقال لهم . على اللهية .

319
وإنما نهى (ع) عن قتالهم من بعده لأن الذين يخرجون عليهم ليسوا بأئمة مفترضة طاعتهم كمعاوية ويزيد وعبد الملك . والخلفاء العباسيين ، ولهذا لما بعث معاوية الة الحسن بن علي (ع) يسأله ان يتولى قتال الخوارج . فكان جواب الحسن (ع) والله لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين . وما أحسب ذلك يسعني . أفأقاتل عنك قوماً أنت والله أولى بالقتال منهم . قال ابن ابي الحديد . وهذا موافق لقول أبيه لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه مثل من طلب الباطل فأدركه وهو الحق الذي لا يعدل عنه . قال : وبه تقول أصحابنا . فان الخوارج عندهم أعذر من معاوية وأقل ضلالاً . ومعاوية أول بأن يحارب منهم . والخوارج احدى فرق الاسلام . التي افترقت بعد الرسول الأعظم والفرق التي تنتحل دين الإسلام . اصولها أربعة فرق . الأولى البكرية وهم أهل السنة . الثانية : العلوية وهم الشيعة . الثالثة : المارقة : وهم الخوارج الرابعة : الغلاة (2) . والفوراق التي بين هذه الفرق الأربعة فوارق جوهرية .
(2) انظر صفحة 147 .

320
فالسنة تعتقد أن الخلافة تثبت بالاختيار دون النص من النبي (ص) وان الخلفاء أربعة مترتبين في الفضل كترتيبهم في الخلافة الزمنية . والشيعة تعتقد ان الخلافة تثبت بالنص دون الاختيار . وأن الخليفة المنصوص عليه هو علي بن ابي طالب صلوات الله عليه : والخوارج يتولون الشيخيين (رض) ويتبرأون من الصهرين . بل يكفرانهما . والغلاة (1) الدين يرفعون النبي (ص) وأهل بيته عن درجة البشرية . الى درجة التصرف بالأكوان . امثال عبدالله بن سبأ ومن نحا نحوه . أعاذنا الله منهم . فهذه الفرق الأربعة : هي أصول الفرق الإسلامية . وعنها تفرقت الفرق الأخرى ، حتى صار فيها مصداق قول النبي (ص) ( ستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة ) . وأما الخوارج الذين نحن بصددهم . افترقوا خمس وعشرين فرقة (2) ومبدؤهم وأصل دعوتهم كلمة ـ لا حكم الا لله (1) وعلى م نتقي في ديننا ، وأردفتها كلمة ـ ذي
(1) قال امير المؤمنين (ع) لما سمع قول الخوارج لا حكم إلا لله ( كلمة حق يراد بها باطل ) قال ابن ابي الحديد في شرحه معنى قوله سبحانه ان الحكم لله أي اذا أراد شيئاً من افعال نفسه فلا بد من وقوعه بخلاف غيره من القادرين بالقدر فانه لا يجب حصول مرادهم إذا ارادوه ألا ترى ما قبل هذه الكلمة يا بني ( لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شيىء ان الحكم إلا لله ) خاف عليهم من الاصابة بالعين ‌

321
الخويصرة ـ اعدل يا محمد ما نراك عدلت هذا اليوم ، حتى قال فيه النبي (ص) . ( يخرج من ضئضيء هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً . لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . وآيتهم رجل احدى يديه كثدي المرأة ) . فكانت كلمة ـ لا حكم إلا لله ـ من قائلها . وكلمة اعدل يا محمد : أسأ لمبدأ لخوارج وعقيدتهم . وهناك أحاديث كثيرة . وقضايا اعرضت عنها حذر الاطالة والإسهاب كما أن في تاريخهم أشياء لم اذكرها اذ ليست هي : محل الحاجة . ومما اهملتها محاججة
‌ اذا دخلوا من باب واحد فامرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة . ثم قال لهم وما أغنى عنكم من الله من شيء أي اذا أراد الله بكم سوءاً لم يدفع عنكم ذلك السوء ما أشرت به عليكم من التفرق . ثم قال ان الحكم إلا لله . أي ليس حي من الأحياء ينفذ حكمه لا محالة ومراده لما هو من أفعاله الا الحي القديم واحده . فهذا هو معنى هذه الكلمة وضلت الخوارج عندها فأنكروا على أمير المؤمنين عليه السلام موافقته على التحكيم . وقالوا كيف يحكم وقد قال الله سبحانه ان الحكم إلا لله فغلطوا لموضع اللفظ المشترك وليس هذا الحكم هو ذلك الحكم . فاذن هي كلمة حق يراد بها باطل لأنها حق على المفهوم الأول ويريد بها الخوارج نفي كل ما يسمى حكماً اذا صدر عن غير الله تعالى وذلك باطل لأن الله تعالى قد أمضى حكم المخلوقين في كثر من الشرائع .

322
الخارجي والمأمون العباسي (1) وكذلك مناظرة قواد جيوش المأمون في أمر محاربة الخوارج ومحاربة الأتراك وأيهما أهون ذكرها الجاحظ في أحدى رسائله (2) وقضية سمير الحجاج الخارجي الذي ذكره المسعودي ، وقضية المنتصر مع الشاري ذكرها المسعودي أيضاً . أمام سبب تأليفي لهذا الكتاب أني لما رأيت أني شيخنا المفيد (ره) ألف كتاباً في حرب ـ الجمل ـ وأسماه النصرة في حرب البصرة (3) وقد ألف نصر بن مزاحم المنقري كتابه وقعة صفين (4) فأحببت أن أؤلف كتاباً في ـ وقعة النهروان ـ ثم لما سبرت كل ما كتبه المؤرخون وأرباب السير عن وقعة النهروان فاذا به لا يتجاوز الخمسة صحائف لذا أخذت في تاريخ الخوارج اتماماً للموضوع أولاً . ولأهمية في تاريخ الإسلام ثانياً واسمية ـ ( وقعة النهروان أو الخوارج ) . ولله ولي التوفيق
(1) ذكرها المسعودي في مروج الذهب ج3 ص342 طبع دار الرجاء . (2) وسائل الجاحظ طبع مصر . (3) طبع في النجف غير مرة . (4) طبع أولاً في ايران ثم طبع في مصر .

323
( الخاتمة )
اقول : يظهر أن الخوارج لم يشموا حتى اليوم نسمة من نسمات الحضارة . فهم على ما كانوا عليه قبل قرون بكل وضعياتهم . وهم على عجرفتهم غلظتهم وبداوتهم . وزيهم الذي هم فيه على ما كانوا يتزيون به كالعمة والمنطقة ولبس الرداء الصوفي والثياب العربية التي تغطى النعال وتسحب في الأرض وحمل الأسلحة والخناجر . فمن يشاهدهم اليوم يحسب أنهم في القرون الأول والثاني من الهجرة . وهكذا عقائدهم . وقد شاهدت اكثر قراهم . وهي من جريد النخل ليس الا . والغذاء الذي يستقيتون عليه هو السح ـ نوع من التمر ـ من أردء التمر والمتوت وهو السمك ـ الذي يصيدونه من البحر بكثرة وهو سمك صغار كالأنامل ، يستخرج من البخر ويجفف على الرمول ، ثم يحرز للأكل بلا نضج ولا شواء . ولم يكن عندهم صحة .
324
ولا طبيب فهم يعانون انواع الأمراض لا سيما الأمراض المتوطنة ، الا مسقط ومطرح كل فيها مستشفى للأميركان . تاريخ اصدار الكتاب للاستاذ الشيخ علي البازي .
في المسلمين فرقـة
ضلت عـن المناهج
وخـالـفت نبيهـا
بقطعهـا الـوشائـج
وقــاتلت امامهـا
حيـدر ذي المبـاهج
عنها ( علي ) جاءنا
بـأوضـح الـنتائج
ينبيك في تاريخـه
( تقلب الخـوارج )
1373 هجـ علي البازي
فهرست آيات
وَلَو شاء الله مَا اقتَتَل الذينَ مِن بَعدهْم مِنْ بَعدِ ما جاءَتهُمُ البيِّناتُ وَلِكنْ اختلفُوا ...5
فَامّا نَذهبّن بك فَانّا منهُم مُنتقمُونْ أو نُرينَّكَ الذي وَعَدناهُمْ فَانا عَلِيهمْ مُقتدرُون 5
وإنْ طائفتان مِن المُؤمنينَ اقْتَتَلوا فأصلحوا بَينهما فاِن بَغت اِحداهُما عَلى الاخرى فَقاتلوا ...5
صدق الله العلي العظيم 5
فهرست اشعار
وان حكموا بالعدل كانت سلامة    =    والا اثـرنـاهـا بيـوم قماطر21
رؤوس العـراق اجيبوا الدعاء    =    فقـد بلغـت غـايـة الشـدة24
وقد أودت الحرب بـالعالمين    =    واهـل الحفـائـظ والنجـده24
فلسنا ولستم مـن المشركيـن    =    ولا الـمجمعيـن علـى الردة24
ولكن انـاس لقـوا مثلهــم    =    لنـا عـدة ولهـــم عــده24
فقاتل كـل علـى وجهــه    =    يقحمـــه الجـد والحــده24
فـان تقبلـوها ففيهـا الباق    =    ء وامـن الفـريقيـن والبلـدة24
وان تدفعـوها ففيهـا الفنـاء    =    وكــل بـلاء الــى مـده24
وحتى متى مخض هذا السقاء    =    ولابـــدان يخـرج الزبـده24
ثلاثـة رهـط هـم أهلهـا    =    وان يسكنـوا تخمـد الـوقده24
سعيد بن قيس وكبش العـرا    =    ق وذاك المسود مـن كنده (2)24
ما لعلي في الدماء قد حكم    =    لو قاتل الأحزاب يوماً لظلم32
أمرتهم أمـري بمنعرج اللوى    =    فلم يستبينوا الرشد الاضحى الغد45
لو كان للقوم رأي يعصمـون بـه    =    مـن الضلال رمـوكم بابن عباس46
لله در أبيـــه أيمــا رجــل    =    مـا مثله لفصال الخطب في الناس46
لكن رموكم بشيخ مـن ذوي يمـن    =    لم يدر مـا ضرب اخماس لاسداس46
ان يخل عمرو بـه يقذفه في لجج    =    يهـوى بـه النجم تيساً بين أتياس46
أبلغ لديك ـ علياً ـ غيـر عاتبه    =    قول امرىء لا يرى بالحق من باس46
مـا الاشعري بمـأمون أبا حسن    =    فـاعلم هديت وليس العجز كالراس46
فاصدم بـصاحب الادنى زعيمهم    =    ان ابـن عـمك عباس هـو الاسى46
أبا موسى خدعت وكـنت شيخاً    =    قـريب القعـر مـدهوش الجنان47
رمى عمرو . صفاتك يا بن قيس    =    بـأمـر لا تنـوء بـه اليـدان47
وقد كنـا نجمجم عـن ظنـون    =    فصـرحت الظنـون عن العيان47
فـعض الكف مـن ندم ومـاذا    =    يـرد عليـك عـضك للبنـان47
خدعت أبـا موسى خـديعة شيظم    =    يخادع شقباً في فلاة من الأرض (2)47
فقـلت لـه أنـا كـرهنـا كليهما    =    فنخلعهمـا قبل التلاتل والدحض (3)47
فطاوعني حتـى خـلعت اخـاهم    =    وصـار أخونا مستقيماً لدى القبض47
ندمنا علـى ما كان منا ومن يرد    =    سـوى الحق لا يدرك هواه ويندم48
خرجنـا على أمـر فلـم يك بينا    =    وبين علـي غيـر غـاب مقـوم48
وضرب يزيل الهـام عن مستقره    =    كفـاحاً كفـاحاً بـالصفيح المصمم48
فجاء علـي بالتي لـيس بعدهـا    =    مقـال لـذي حلــم ولا متحلـم48
رمانا بمـر الحق اذ قـال جئتـم    =    الــي بشيـخ للأشـاعر قـشعم48
فقلتم رضينا بـابن قيس ومـا لنا    =    رضاً غير شيخ ناصح الجيب مسلم48
وقـال : ابن عباس يكـون مكانه    =    فقـالوا لـه لا لا إلا بـالتهجــم48
فمـا ذنبـه فيـه وأنتـم دعـوتم    =    اليـه عليــاً بـالهوى والتقحـم48
فـاصبح عبدالله بـالبيت عـائذاً    =    يـريد المنـى بين الحطيم وزمزم48
اني اديـن بمـا دان الشراة بـه    =    يوم النخيلة عند الجوسق الخرب69
اني أدين بمـا دان الوصي بـه    =    يوم النخيلة مـن قتل المحلينـا69
وبالذي دان يوم النهر دنت بـه    =    وشـاركت كفـه كفـي بصفينا69
تلك الدماء معا يا رب في عنقي    =    ومثلهـا فاسقني آمين آمينا (2)69
ثـلاثـة آلاف وعبـد وقينــة    =    وقتـل علـي بالحسـام المسمم73
فلا مهر اغلى من علي وان غلا    =    ولا فتك الا دون فتـك ابن ملجم73
ان الكرام على ما كان من خلق    =    رهط امرىء خاره للدين مختار75
طب بصير باضغان الرجال ولم    =    يعـدل بحبـر رسول الله احبار75
وقطرة قطرت اذ حان موعدها    =    وكـل شيء لـه وقـت ومقدار75
حتى تنصلها في مسجد طهـر    =    على امام هدى ان معشر جاروا75
حمت ليدخل جنات ابو حسن    =    وأوجبت بعـده للقاتل النـار76
والوصي الذي أمال التجــو    =    بي به عرش امــة لانهدام76
قتلـوا يـوم ذاك اذ قتلــوه    =    حكماً لا كغـابـر الحكــام76
الإمام الزكي والفارس المعـ    =    ـلم تحت العجاج غير الكهام76
راعيـاً كـان مسجعاً ففقدنـا    =    ه وفقد المسيم هلك السوام (1)76
فليتها اذا فدت عمرواً بـخارجة    =    فدت علياً بمن شاءت من البشر76
اكرر على هذي الجموع حوثرة    =    فـعن قـليل ستنـال المغفـرة78
ان العراق واهلـه لـم يخبروا    =    مثل المهلب في الحروب فسلموا92
أمضى وايمن فـي اللقاء نقيبة    =    واقـل تهليلاً اذا مـا أحجمـوا92
بسلى وسلبرى مصـارع فتية    =    كرام وجرحى لم توسد خدودها100
وشدوا وثاقي ثم ألجوا خصومتي    =    الـى قطري ذي الـجبين المفلق105
وحاججتهم فـي دينهم وحججتهم    =    ومـا دينهم غيـر الهوى والتخلق105
تركتم فتى الفتيان أحمر طيء    =    بساباط لـم يعطف عليه خليل107
ان القباع سار سيراً نكراً    =    يسير يـوماً ويقيم شهراً108
ان القباع سار سيراً ملسا    =    بين دبـاها ودبيري خمساً108
ويوم أهوازك لا تنسه    =    ليس الثنا والذكر بالدائر114
كفانا فتنـة عظمت وجـلت    =    بـحمد الله سيف ابـي الحديد116
اهـاب المسلمون بها وقالوا    =    على فرط الهوى هل من مزيد116
فزاد ابو الحديد بنصل سيف    =    رقيـق الحـد فعل فتى رشيد116
اني لمذك للشراة نارها    =    ومانع ممن أتاها دارها120
لقد وجدتم وقـراً انجاداً    =    لا كشفاً ميلا ولا اوغاداً121
هيهات لا تلفوننا رقـاداً    =    لا بل اذا صيح بنا آسادا121
تروح وتغدو كل يوم معظماً    =    كانك فينا مخنف وابن مخنف121
تـركت أصحابنـا تـدمى نحورهم    =    وجئت تسعى الينا خضفة الجمل (2)122
نحن صبحناكم غداة النحـر    =    بالخيل أمثال الوشيج تجري122
الم ترانـا مـذ ثلاثـون ليلـة    =    قريب واعداء الكتاب على خفض126
أنا ابن خير قومه هلال    =    شيخ على دين ابي بلال126
نحن قمعناكم بـشل السرح    =    وقد نكأنا القرح بعد القرح127
ومستعجب مما يرى من أناتنا    =    ولو زبنته الحرب لم يترمرم (2)127
اخلاج انك لـن تعانق طفلة    =    شرقاً بها الجادي كالتمثال (3)128
حتى تلاقى في الكتيبة معلماً    =    عمرو القنا وعبيدة بن هلال128
وترى المقطر في الكتيبة مقدماً    =    في عصبة قسطوا مع الضلال129
أو وان يـعلمك المهلب غزوة    =    وتـرى جبالا قـد دنت لجبال129
ولـو رآهـا كردماً لكردما    =    كردمة العير أحس الضيغما129
قـل للمحلين قـد قـرت عيونكم    =    بفـرقة القـوم والبغضاء والهرب132
كنـا انـاساً علـى ديـن فغيرنـا    =    طـول الجدال وخـلط الجد باللعب132
ما كان أغنـى رجالاً ضل سعيهم    =    عـن الجدال وأغناهم عن الخطب132
اني لاهونكم في الأرض مضطرباً    =    مالي سوى فرسي والرمح من نشب132
الليل ليل فيـه ويل ويل    =    وسال بالقوم الشراة السيل133
يقول لي الأمير بغيـر علـم    =    تقـدم حين جـد به المراس134
فمـالي ان اطعتك مـن حياة    =    ومالي غير هذا الرأس راس134
ليست من يشتري الغداة بمال    =    هلكـه اليوم عنـدنا فيرانا134
نصل الكر عنـد ذاك بطعن    =    ان للمـوت عندنـا الوانا134
وقلـدوا أمـركــم لله دركــم    =    رحب الذراع بامر الحرب مضطلعاً137
لا يطعـم النـوم الا ريث يبعثـه    =    هـم يكـاد حـشاه يـقصم الضلعا137
لا مترفاً ان رخاء العيش ساعـده    =    ولا اذا عـض مكـروه بـه خشعاً137
ما زال يحلب هذا الدهر اشطـره    =    يكـون متبعـاً طـوراً ومتبعــاً137
حتى استمرت على شزر مريرته    =    مستحكم الرأي لا قحماً ولا ضرعاً137
وكأن حافرها بـكل ثنية    =    فرق يكيل به شحيح معدم148
ابرأ الى الله من عمر وشيعته    =    ومن علي ومن اصحاب صفين174
ومن معاوية الطاغي وشيعته    =    لا بارك الله في القوم الملاعين .174
زار الحجيج عصابة قد خالفوا    =    ديـن الاله ففـر عبـد الواحد184
ترك الامارة والمواسم هـارباً    =    ومـضى يخبط كالبعير الشارد184
فلـو ان والـده يخبر امه    =    لصقت خلايقه بعرف الوالد185
وانـي اذا ظـن الأميـر بــاذنـه    =    على الاذن من نفسي اذا شئت قادر (1)186
مـا للزمـان ومـاليه    =    أفنت ـ قديد ـ رجاليه189
فـلا بـكين سريـرة    =    ولا بكيـن عــلانيـه189
ولا بكين علـى قديـد    =    بســوء مـا اولانيـه189
ولا عولـن اذا خلوت    =    مـع الكـلاب العـاوية189
انـا الجديعاء وبـنت الأعلم    =    من يسألن اسمي فاسمي مريم192
انا الغلام البجلي الشـاري    =    اخرجني جوركم من داري202
فجعت العـراق ببندارها    =    وخـرت البلاد بأقطارها202
حلـوان صبحتها غـارة    =    فقبلت غـرار غـرارها202
وعقبة بالموصل احجرته    =    وطوقته الذل فـي كارها202
الحكـم لله اذ ينجـوا معـاوية    =    ورأس سيـده بـالسيف يـنقسم221
ويفلت الرجس عمر وفي تغيبه    =    عمــداً وخارجة بالغدر يخترم221
نبرأ ممن قد عصى مولاه    =    ما لم يتب عن الذي أتاه240
وهكـذا نبرأ ممن بـريا    =    منا برأي فافهمن ما عنيا240
لانه بـذاك عـاص آثم    =    وهـو به مخالف مراغم240
برأت من الخوارج لست منهم    =    مـن العزال منهم وابـن باب245
ومـن قـوم اذا ذكـروا علياً    =    يـردون السلام على السحاب245
تركت نساء الحي بكر بن وائل    =    وأعتقت سبياً من لؤي بن غالب256
وفارقت خير الناس بعـد محمد    =    لمـال قليل لا محـالة ذاهـب256
ومصقلة الذي قد باع بيعاً    =    ربـحياً يوم ناجية بن سام256
سامـة منـا فأما بنـوه    =    فـأمرهم عنـدنا مـظلم256
اناس اتونـا بـأنسابهم    =    خـرافة مصطجع يـحلم256
وقلنا لهم مثل قول الوصي    =    وكـل أقــاويلـه محكـم257
اذا مـا سئلت فلم تدر مـا    =    تقـول فقـل ربنـا أعلـم257
لعــن الله والــدي جميعـــاً    =    ثـم اصلاهمـا عـذاب الجحيـم257
حكما غـدوة كمـا صليـاً الفجـ    =    ـر بلعن ـ الوصي ـ باب العلوم257
لعنا خيـر مـن مشى فوق ظهراً    =    لارض أو طـاف محرماً بالحطيم257
كفـرا عنـد شتـم آل رسـول    =    الله نــسل المهـذب المعصـوم257
والوصـي الـذي به تثبت الأ    =    رض ولـولاه دكدكت كـالرميم258
وكـذا آله اولوا العلـم والفهـ    =    ـم هـداة الى الصـراط القويم258
خلفـاء الاله فـي الخلق بالعد    =    ل وبالقسط عنـد ظلم الظلـوم258
صلـوات الاله تتـرى عليهم    =    مقرنات بالرحب والتسليم (1) )258
اني حلفت علـى يميـن بـرة    =    لا اكـذب اليـوم الخليفـة قيلاً259
مـا ان أتـيت أبا حبيب وافداً    =    يـومـاً اريـد لبيعتـي تبـديلاً259
ولما أتيت نجيدة بـن عويمـر    =    أبغي الهـدى فيزيدنـي تضليلاً259
من نعمة الرحمن لا من حيلتي    =    انـي اعـدلـه علـى فضـولاً259
يا ضربة من تقي ما اراد بهـا    =    الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا266
الـي لا ذكـره يوماً فأحسبـه    =    أو في البـرية عنـد الله ميزاناً266
لله در المرادي الـذي سفكت    =    كفـاه مهجـة ... الخلـق انساناً266
أمسى عشية غشاه بضربتـه    =    ممـا جنـاه مـن الآثام عريانا266
يا ضربة من شقي ما أراد بها    =    الا ليهدم من ذي العـرش اركـانا266
انـي لأذكـره يومـاً فالعنـه    =    والعـن الرجس عمران بن حطانا266
اني لا برأ مما أنت قائله    =    عـن بن ملجم الملعون بهتانا266
يا ضربة من شقي ما أراد بها    =    الا ليهــدم للإسلام أركـانـا267
فلا عفـا الله عنـه مـا تحملـه    =    ولا سقـى قبر عمـران بـن حطانا267
لقولـه فـي شقي ضـل مجترماً    =    ونـال مـا نـاله ظلمـا وعـدوانا267
يا ضربة من تقي مـا أراد بهـا    =    الا ليبلغ من ذي العـرش رضـوانا267
بل ضربة من غوي اوردته لظى    =    مخلـداً قـد أتـى الرحمن غضبانا267
يا ضربة من غدور صار ضاربها    =    أشقـى البـرية عنـد الله انسـانـا267
اذا تفكــرت فيـه ظلت ألعنـه    =    والعـن الكلب عمـران بن حطـانا267
لعن الله اعظماً حملـوها    =    لديار البلى على الخشبات268
أعظماً تكره النبي وأهل    =    البيت والطيبين والطيبات268
لقد شقيت شقـاء لا انقطاع لـه    =    ان لم أفـز فوزة تنجي مـن النار271
والنار لم ينج مـن روعاتها أحد    =    الا المنيب بقلب المخلص الشاري271
أو الذي سبقت مـن قبل مولده    =    لـه السعادة مـن خلاقهـا الباري271
عمي الذي صبح الجلائب غدوة    =    مــن نهروان بجحفـل مطنـاب271
يا با حسين لو شراة عصابة    =    صحبوك كان لو ردهم اصدار274
يابا حسين والجديد الى بلى    =    أولاد درزة اسلموك وطاروا (1)274
أصلي حيث تدركني صلاتي    =    وبئس الدين دين بني صريم278
قيـامـا يطعنون علـى معد    =    وكلهم علـى ديـن الخطيـم278
ولا صلح ما دامت منابر أرضنا    =    يقـوم عليها مـن ثقيف خطيب280
هبت قبيل تبلج الفجر    =    هند تقول ودمعها يجري281
سائل بنا عمرو القنا وجنوده    =    وأبي نعامـة سيـد الكفـار .282
سلام على مـن بايع الله شاريا    =    وليس على الحزب المقيم سلام283
أحمل رأساً قد سئمت حمله    =    وقـد مللت دهنـه وغسلـه288
وفت الغزالة نذرها    =    يا رب لا تغفر لها289
أسد علي وفـي الحروب نعـامة    =    فتخاء تنفر مـن صفيـر الصافر289
هلا برزت الي غزالة في الوغى    =    بل كان قلبك فـي جناحـي طائر289
أقامت غزالة سوق الضراب    =    لأهل العـراقين حـولا قميطاً289
سمت للعراقين في جيشها    =    فلاقى العراقان منها أطيطا290
فلا مهراً ساقـه ذو سمـاحة    =    كمهر قطام من فصيح وأعجم290
ثلاثة آلاف وعبـد وقينـة    =    وقتـل علي بـالحسام المسمم290
انا الوليد بن طريف الشاري    =    قسـورة لا يصطلى بنـاري293
بتل ثباتاً رسم قبـر كأنـه    =    على جبل فوق الجبال منيف294
تضمن جوداً حاتمياً ونائلاً    =    وسورة مقدام ورأي حصيف294
ذكـرت الوليـد وايامـه    =    اذا الارض من شخصه بلقع294
فأقبلت اطلبه فـي السماء    =    كـما ينبغي أنفـه الأجـدع294
أنـا الجديعاء وبنت الأعلـم    =    من يأسلن اسمي فاسمي مريم295
أن الجديعـاء وبنت الأعلـم    =    من يسألن اسمي فاسمي مريم 295
ظللت لـدى أطنابها وكأننـي    =    أسير معنى فـي مخلخلة كبـل296
أعبـدة امـا جلسة عنـد كاره    =    وأمـا مزاج لا قـريب ولا سهل296
فانك لو اكرمت ضيفك لم يعب    =    عـليك الذي تأتين حمو ولا بعل296
وقد كان ينميها الى ذروة العلا    =    أب لا تـخطاه المطيـة والرحل 296
فهل أنت الا شعبـة كـان أصلها    =    نضاراً فلم يفضحك فرع ولا أصل297
صددت امرءاً عن ظل بيتك ماله    =    بواديك لولاكم صديق ولا أهل (1)297
الله أيــد عمـرانــاً وطهـره    =    وكان عمـران يدعو الله في السحر298
يدعوه سـراً واعلانـاً ليـرزقـه    =    شهــادة بيــدي ملحـادة غـدر298
ولـي صحابته عـن حـرّ ملحمة    =    وشد عمران كالضرغامة الهصر (1)298
فهناك مجزأة بن نو    =    ركان أشجع من أسامة298
أجـد ابـن امـي أن لا يؤوبـا    =    وكـان ابـن اميـر جليداً نجيباً299
أعينـي لـم اختلكمـا بخيانـة    =    أبـي الدهر والأيام أن اتصبرا299
لتبك ابن مرداس على ما عراهم    =    عشيرتـه اذ حـم أمس زوالها299
وجداً يصاحبني لعل صبابة    =    منهـا تـرد خليلـة لخليل300
فـلئن قتلت ليقتلن قتيلكـم    =    فتيقني انـي قتيـل قتيـل300
أبلغ مجاشع ان رجـعت فـانني    =    بيـن الاسنة والسيـوف مقيلي300
أرجـو السعادة لا احدث ساعـة    =    نفسي اذا أنـا اجبتهـا بقفـول300
ووهبت خدري والفراش لكاعب    =    في الحي ذات دمالج وحجول (6)300
في المسلمين فرقـة    =    ضلت عـن المناهج324
وخـالـفت نبيهـا    =    بقطعهـا الـوشائـج324
وقــاتلت امامهـا    =    حيـدر ذي المبـاهج324
عنها ( علي ) جاءنا    =    بـأوضـح الـنتائج324
ينبيك في تاريخـه    =    ( تقلب الخـوارج ) 324