فهرست عناوين فهرست آيات فهرست روايات
دروس فى علم الاصول
فهرست عناوين
نبذة من حياة الشهيد [( قدس سره )]5
مقدمة المؤلف [( قدس سره )]17
التمهيد التعريف بعلم الاصول‏41
كلمة تمهيدية41
تعريف علم الاصول‏42
موضوع علم الاصول‏45
علم الاصول منطق الفقه‏46
أهمية علم الاصول فى عملية الاستنباط47
الاصول و الفقه يمثلان النظرية و التطبيق‏48
التفاعل بين الفكر الاصولى و الفكر الفقهى‏49
جواز عملية الاستنباط53
الحكم الشرعى و تقسيمه‏61
تقسيم الحكم الى تكليفى و وضعى‏62
أقسام الحكم التكليفى‏62
بحوث علم الاصول‏ تنويع البحث‏67
العنصر المشترك بين النوعين‏68
النوع الاول: الادلة المحرزة مبادى‏ء عامة72
تقسيم البحث‏73
أولا : الدليل الشرعى ألف الدليل الشرعى اللفظى‏75
1. الدلالة75
تمهيد75
ما هو الوضع و العلاقة اللغوية؟75
ما هو الاستعمال؟80
الحقيقة و المجاز81
قد ينقلب المجاز حقيقة83
تصنيف اللغة إلى معان اسمية و حرفية83
هيئة الجملة85
الجملة التامة و الجملة الناقصة86
المدلول اللغوى و المدلول التصديقى‏87
الجملة الخبرية و الجملة الانشائية90
الدلالات التى يبحث عنها علم الاصول‏91
1. صيغة الامر93
2. صيغة النهى‏95
3. الاطلاق‏96
4. أدوات العموم‏97
5. أداة الشرط98
2. حجية الظهور101
تطبيقات حجية الظهور على الادلة اللفظية103
القرينة المتصلة و المنفصلة105
3. إثبات الصدور107
باء الدليل الشرعى غير اللفظى‏111
ثانيا : الدليل العقلى‏ دراسة العلاقات العقلية113
تقسيم البحث‏115
العلاقات القائمة بين نفس الاحكام‏116
علاقة التضاد بين الوجوب و الحرمة116
هل تستلزم الحرمة البطلان؟118
العلاقات القائمة بين الحكم و موضوعه‏119
الجعل و العقلية119
موضوع الحكم‏121
العلاقات القائمة بين الحكم و متعلقه‏122
العلاقات القائمة بين الحكم و المقدمات‏123
العلاقات القائمة فى داخل الحكم الواحد126
النوع الثانى : الاصول العملية تمهيد129
1. القاعدة العملية الاساسية130
2. القاعدة العملية الثانوية133
3. قاعدة منجزية العلم الاجمالى‏134
تمهيد134
منجزية العلم الاجمالى‏136
انحلال العلم الاجمالى‏139
موارد التردد139
4. الاستصحاب‏141
الحالة السابقة المتيقنة142
الشك فى البقاء143
وحدة الموضوع فى الاستصحاب‏144
تعارض الادلة 1. التعارض بين الادلة المحرزة145
حالة التعارض بين دليلين لفظيين‏145
حالات التعارض الاخرى‏148
2. التعارض بين الاصول‏149
3. التعارض بين النوعين‏150
محتويات الحلقة الثانية التمهيد
تعريف علم الاصول‏157
موضوع علم الاصول و فائدته‏159
موضوع علم الاصول‏159
فائدة علم الاصول‏160
الحكم الشرعى و تقسيمه‏162
مبادى‏ء الحكم التكليفى‏162
التضاد بين الاحكام التكليفية164
شمول الحكم الشرعى لجميع وقائع الحياة165
الحكم الواقعى و الظاهرى‏165
الامارات و الاصول‏166
اجتماع الحكم الواقعى والظاهرى‏167
القضية الحقيقية و الخارجية للاحكام‏167
تنويع البحث‏
حجية القطع‏172
معذرية القطع‏176
التجرى‏177
العلم الاجمالى‏177
القطع الطريقى و الموضوعى‏179
جواز الاسنادإلى المولى‏180
تلخيص و مقارنة181
الادلة تحديد المنهج فى الادلة و الاصول‏185
المنهج على مسلك حق الطاعة186
فائدة المنجزية و المعذرية الشرعية187
المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان‏188
الاول : الادلة المحرزة
تقسيم البحث فى الادلة المحرزة193
الاصل عند الشك فى الحجية194
مقدار ما يثبت بالادلة المحرزة195
تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية197
وفاء الدليل بدور القطع الموضوعى‏199
إثبات الدليل لجواز الاسناد200
الف. الدليل الشرعى‏
تحديد دلالات الدليل الشرعى‏205
1. الدليل الشرعى اللفظى‏207
تمهيد207
الظهور التصورى و التصديقى‏207
الوضع و علاقته بالدلالات المتقدمة208
الوضع التعيينى و التعينى‏211
توقف الوضع على تصور المعنى‏212
توقف الوضع على تصور اللفظ213
المجاز213
علامات الحقيقة و المجاز215
تحويل المجاز الى حقيقة216
استعمال اللفظ وإرادة الخاص‏217
الاشتراك و الترادف‏218
تصنيف اللغة219
المقارنة بين الحروف و الاسماء الموازية لها221
تنوع المدلول التصديقى‏221
المقارنة بين الجمل التامة و الناقصة222
الدلالات الخاصة و المشتركة223
الامر و النهى‏224
الامر224
دلالات اخرى للامر227
النهى‏229
الاحتراز فى القيود230
الاطلاق‏232
الاطلاق فى المعانى الحرفية236
التقابل بين الاطلاق و التقييد237
الحالات المختلفة لاسم الجنس‏238
الانصراف‏239
الاطلاق المقامى‏240
بعض التطبيقات لقرينة الحكمة241
العموم‏243
تعريف العموم‏243
أدوات العموم و نحو دلالتها244
دلالة الجمع المعرف باللام‏245
المفاهيم‏247
تعريف المفهوم‏247
ضابط المفهوم‏248
مفهوم الشرط249
الشرط المسوق لتحقيق الموضوع‏251
مفهوم الوصف‏251
جمل الغاية و الاستثناء253
التطابق بين الدلالات‏254
مناسبات الحكم و الموضوع‏257
إثبات الملاك بالدليل‏258
2. الدليل الشرعى غير اللفظى‏260
دلالة الفعل‏260
دلالة السكوت و التقرير262
السيرة263
إثبات صغرى الدليل الشرعى‏267
تمهيد269
1. وسائل الاثبات الوجدانى‏270
الخبر المتواتر270
الاجماع‏273
سيرة المتشرعة276
الاحراز الوجدانى للدليل الشرعى غير اللفظى‏277
درجة الوثوق فى وسائل الاحراز الوجدانى‏282
2. وسائل الاحراز التعبدى‏283
أدلة حجية الخبر الواحد283
أدلة نفى الحجية290
تحديد دائرة الحجية292
قاعدة التسامح فى أدلة السنن‏293
3. إثبات حجية الدلالة فى الدليل الشرعى‏297
تمهيد299
الاستدلال على حجية الظهور300
موضوع الحجية302
ظواهر الكتاب الكريم‏303
ب. الدليل العقلى‏ تمهيد311
1. إثبات القضايا العقلية313
تقسيمات للقضايا العقلية313
قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور315
قاعدة إمكان التكليف المشروط319
قاعدة تنوع القيود و أحكامها321
تنوع القيود321
أحكام القيود المتنوعة322
قيود الواجب على قسمين‏324
المسؤولية قبل الوجوب‏325
القيود المتأخرة زمانا عن المقيد327
زمان الوجوب و الواجب‏329
متى يجوز عقلا التعجيز؟331
أخذ العلم بالحكم فى موضوع الحكم‏333
استحالة اختصاص الحكم بالعالم به‏333
أخذ العلم بالحكم فى موضوع حكم آخر334
أخذ قصد امتثال الامر فى متعلقه‏336
اشتراط التكليف بالقدرة بمعنى آخر338
التخيير و الكفائية فى الواجب‏341
التخيير الشرعى فى الواجب‏341
التخيير العقلى فى الواجب‏343
امتناع اجتماع الامر و النهى‏345
الوجوب الغيرى لمقدمات الواجب‏349
اقتضاء وجوب الشى‏ء لحرمة ضده‏352
اقتضاء الحرمة للبطلان‏355
مسقطات الحكم‏357
إمكان النسخ و تصويره‏359
الملازمة بين الحسن و القبح و الامر و النهى‏361
الاستقراء و القياس‏363
2. حجية الدليل العقلى 365
الثانى : الاصول العملية
1. القاعدة العملية فى حالة الشك‏369
القاعدة العملية الاولية فى حالة الشك‏370
القاعدة العملية الثانوية فى حالة الشك‏373
الاعتراضات على أدلة البراءة384
تحديد مفاد البراءة391
البراءة مشروطة بالفحص‏391
التمييز بين الشك فى التكليف و الشك فى المكلف به‏392
البراءة عن الاستصحاب‏396
2. قاعدة منجزية العلم الاجمالى‏397
منجزية العلم الاجمالى عقلا397
جريان الاصول فى أطراف العلم الاجمالى‏399
تحديد أركان هذه القاعدة403
حالة تردد الواجب بين الاقل و الاكثر408
حالة الشك فى إطلاق الجزئية410
حالة احتمال الشرطية411
حالات دوران الواجب بين التعيين و التخيير412
3. الاستصحاب‏414
تعريف الاستصحاب‏414
التمييز بين الاستصحاب و غيره‏415
1. أدلة الاستصحاب‏418
2. أركان الاستصحاب‏425
3. مقدار ما يثبت بالاستصحاب‏432
4. عموم جريان الاستصحاب‏435
5. تطبيقات‏438
استصحاب الحكم المعلق‏438
استصحاب التدريجيات‏439
استصحاب الكلى‏440
الاستصحاب فى حالات الشك فى التقدم و التأخر442
الاستصحاب فى حالات الشك السببى و المسببى‏446
تعارض الادلة
1. التعارض بين الادلة المحرزة452
قاعدة الجمع العرفى‏455
قاعدة تساقط المتعارضين‏459
قاعدة الترجيح للروايات الخاصة462
قاعدة التخيير للروايات الخاصة464
2. التعارض بين الاصول العملية466
3. التعارض بين الادلة المحرزة و الاصول العملية468

للشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر

قدس سره

الحلقة الاولى

مؤسسة النشر الاسلامى

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


2
دروس فى علم الاصول ( ج 1 )

المؤلف : الشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر

الموضوع : اصول

عدد الاجزاء : جزءان

طبع و نشر : مؤسسة النشر الاسلامى

المطبوع :

التاريخ :

مؤسسة النشر الاسلامى

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


3

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف الانبياء و المرسلين محمد , و على آله الانجبين الميامين سيما خاتم الاوصياء المنتظر الامام الثانى عشر عجل الله تعالى فرجه الشريف .

لا يخفى على ذوى البصائر أن انفتاح باب الاجتهاد فى الفقه أعطى فرصة طيبة لنمو حركة الاجتهاد و نمو العلوم المرتبطة بهذه الحركة , و على رأسها علم اصول الفقه فى الحوزات العلمية الامامية .

وهيأ الله تعالى لهذا العلم فى العصور الاخيرة أبطالا من فحول العلماء عمقوا أبحاث هذا العلم و أحكموا قواعده و وضعوا اصوله على اسس متينة و قوية , و اكتشفوا آفاقا جديدة من هذا العلم , و ذلك أمثال الوحيد البهبهانى و شريف العلماء والشيخ مرتضى الانصارى و المحقق الخراسانى صاحب الكفاية قدس الله أسرارهم و من بعد اولئك المحققون الثلاث الشيخ محمد حسين الاصفهانى و الميرزا النائينى والشيخ ضياءالدين العراقى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين و فى عصر العلمين الاخيرين بلغ علم الاصول ذروته و كانا بحق مدرستين فى الفكر الاصولى المعاصر تخرج عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة الكثير من علمائنا المعاصرين , و لذلك نرى تطور هذا العلم فى السنوات الاخيرة بشكل اختلف كمية و كيفية عما كان عليه فى الازمنة السالفة و ظهرت بعض المصطلحات التى لم تكن فى تلك الاعصار , كاد يصعب فهمها على كثير من بغاة هذا


4
العلم و طالبيه .

و لاجل هذا قام سيدنا الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر أعلى الله مقامه لحل هذه العويصة بمحاولة رائعة بتأليفه القيم و هى الحلقات الثلاث فى علم الاصول , حيث حافظ فيها على علمية المطالب الاصولية و ظرافتها و دقتها و تسلسلها و طرحها باسلوب أنيق يسهل فهمها على المبتدئين فى هذا العلم , والتوصل الى مباحثها الغامضة من دون مواجهة مشكلة و صعوبة فى دركها 0 و فى الحقيقة أوجد رحمه الله الحلقة المفقودة التى لابد منها لربط مباحث علم الاصول بعضها مع بعض بحيث تتناسب و تتلاءم مع النهج الدراسى , فانها و فى يومنا هذا تدرس فى كثير من المجالات الحوزوية . و لاجل الاستفادة أكثر فأكثر من هذا المجهود المقدس الذى بذله السيد الشهيد رضوان الله تعالى عليه قامت المؤسسة بطبع و نشر الحلقة الاولى و الثانية من الدروس بصورة مصححة و ممتازة و هو الجزء الاول الذى بين يديك عزيزنا القارىء الكريم ـ و سيتبعه إن شاء الله الجزء الثانى منه والذى يشمل الحلقة الثالثة بقسميها , سائلين الله سبحانه و تعالى أن يتغمد الله مؤلفها الشهيد برحمته و يوفقنا لاحياء التراث الاسلامى و بثه خدمة لرواد العلم و الفضيلة إنه سميع مجيب .

مؤسسة النشر الاسلامى

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


5

نبذة مختصرة عن حياة الشهيد[ ( قدس سره](

بسم الله الرحمن الرحيم

الاسرة الكريمة العريقة :

اسرة الشهيد الصدر معروفة بالفضل والتقى والعلم والعمل و مكارم الاخلاق . و قد كانت مشعلا للهداية والنور , و مركزا للزعامة والمرجعية الدينية , و مدارا للافادة والافاضة فى مختلف الاجيال . و قد انحدرت من شجرة الرسالة والسلالة العلوية من أهل بيت أراد الله ليذهب عنهم الرجس و يطهرهم تطهيرا .

و ها نحن نشير إلى عدد من الفحول العظام من سلالة هذه الشجرة الطيبة التى أنجبت أخيرا قائدا فذا و مرجعا عبقريا , ألا و هو شهيدنا الغالى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه .

1 السيد صدرالدين :

السيد صدرالدين محمد ابن السيد صالح ابن السيد محمد ابن السيد إبراهيم شرف الدين بن زين العابدين ابن السيد نورالدين الموسوى العاملى .

هو فخر من مفاخر الشيعة , و عالم فذ من كبار علماء المسلمين , و من نوابغ العلم و الادب , قل من يضاهيه فى الفضيلة والتقوى .

ولد فى قرية[ ( معركة]( و هى من قرى جبل عامل فى 21 ذى القعدة من سنة 1193 هو نشأ و نما علميا فى النجف الاشرف , ثم هاجر إلى الكاظمية , و منها إلى اصفهان , ثم عاد إلى النجف الاشرف , و توفى و دفن فيها .

والده : السيد صالح من أكابر العلماء , كان مرجعا للتقليد , و زعيم الطائفة


6
الامامية فى بلاد الشام , هاجر من جبل عامل إلى النجف الاشرف فرارا من الحاكم الظالم فى جبل عامل وقتئذ ( أحمد الجزار ) , و توفى فى سنة 1217 هجرية .

والدته : بنت الشيخ على ابن الشيخ محى الدين من أسباط الشهيد الثانى .

اهتم بتحصيل العلوم الاسلامية والمعارف الالهية فى صغر سنه , حتى أنه كتب تعليقة على كتاب قطر الندى و هو ابن سبع سنين .

و قد قال هو : إنى حضرت بحث الاستاذ الوحيد البهبهانى فى سنة 1205 هو كنت أبلغ من العمر اثنتى عشرة سنة , و حضرت فى نفس السنة بحث العلامة الطباطبائى والسيد بحرالعلوم .

و قد قالوا إن السيد بحر العلوم كان ينظم آنئذ ما أسماه بالدرة , و كان يعرضها على السيد صدرالدين لما لا حظ فيه من كماله فى فن الشعر و الادب .

بلغ السيد صدرالدين مرتبة الاجتهاد قبل بلوغه سن التكليف , و قد أجازه بالاجتهاد صاحب الرياض رحمه الله فى سنة 1210 ه , و صرح بأنه كان مجتهدا قبل أربع سنين . و هذا يعنى أنه قد بلغ الاجتهاد فى السنة الثالثة عشرة من عمره الشريف . و هذا ما لم يسمع نظيره إلا بشأن العلامة الحلى والفاضل الهندى .

2 ـ السيد إسماعيل الصدر :

رئيس الامة و زعيم الملة , مربى الفقهاء و صدر العلماء , استاذ المجتهدين والمحققين , نائب الامام سيد الانام , حامى الشريعة و فخر الشيعة , حسنة دهره و جوهرة عصره , الامام الزاهد الورع التقى , آية الله العظمى و الحجة الكبرى السيد إسماعيل الصدر الاصفهانى قدس سره .

سيد جليل , و عالم كامل , و خبير ماهر , فقيه اصولى , محقق عبقرى , واحد زمانه فى الزهد , و نادرة دهره فى التقوى . كان أحد مراجع الشيعة فى التقليد .

ولد فى اصفهان فى سنة 1258 ه .

والده السيد صدرالدين العاملى الاصفهانى .

حينما توفى والده فى سنة 1264 هتربى فى كنف أخيه السيد محمد على


7
المعروف ب[ ( آقا مجتهد]( و كان متمتعا بالذكاء الخارق حتى عد فى أوائل بلوغه سن التكليف من الفضلاء والعلماء .

هاجر فى سنة 1280 همن اصفهان إلى النجف الاشرف لغرض التتلمذ على يد الشيخ الانصارى رحمه الله , ولكن حينما وصل إلى كربلاء توفى الشيخ قدس سره فلم ينثن السيد رحمه الله عن عزمه للهجرة إلى النجف الاشرف , فسافر اليها فتتلمذ على يد الفقهاء والعلماء آنئذ , كما واشتغل بالتدريس و تربية الطلاب أيضا .

و هو من خواص تلاميذ و أصحاب المجدد الشيرازى قدس سره .

ثم هاجر استاذه المجدد الشيرازى إلى سامراء و بقى السيد الصدر يمارس نشاطه العلمى فى النجف الاشرف .

وانتقلت المرجعية والزعامة للشيعة من بعد المجدد الشيرازى إلى السيد الصدر .

توفى رضوان الله عليه بتاريخ 12 جمادى الاولى 1338 ه , و دفن بجوار جده موسى بن جعفر عليه السلام فى مقبرة عائلية لال الصدر .

أولاده :

خلف من بعده أولادا أربعة كانوا جميعا آية فى العلم و محاسن الاخلاق والتقوى و هم :

1 حجة الاسلام والمسلمين آية الله السيد محمد مهدى الصدر .

2 حجة الاسلام والمسلمين آية الله السيد صدرالدين الصدر .

3 حجة الاسلام والمسلمين و عماد الاعلام السيد محمد جواد الصدر .

4 حجة الاسلام والمسلمين آية الله السيد حيدر الصدر .

3 السيد حيدر الصدر :

سيد جليل القدر , عظيم المنزلة , حامل لواء التحقيق , نابغة دهره , و نادرة عصره , عابد , زاهد , عالم , عامل .

هاجر بصحبة والده الى كربلاء فى سنة 1314 هو درس المقدمات والعلوم العربية على يد عدة من الفضلاء , ثم درس بحث الخارج على يد أبيه السيد


8
اسماعيل الصدر و على يد السيد حسين الفشاركى والمرحوم آية الله الحائرى اليزدى فى كربلاء , و أصبح فى عنفوان شبابه من العلماء المرموقين المشار اليهم بالبنان .

توفى رحمه الله فى الكاظمية فى ليلة الخميس 27 جمادى الثانية 1356 ه , و دفن فى مقبرة آل الصدر .

أولاده :

خلف السيد حيدر الصدر رحمه الله من بعده ابنين و بنتا , يعتبر كل واحد منهم جوهرة ثمينة يقل نظيرها فى العلم و التقى , و هم :

1 حجة الاسلام والمسلمين السيد اسماعيل الصدر رحمه الله ولد فى الكاظمية فى شهر رمضان المبارك فى سنة 1340 ه , درس المقدمات والسطح العالى على يد علماء الكاظمية , و هاجر الى النجف بتاريخ 1365 ه , فأجازه فى الاجتهاد استاذه آية الله الشيرازى .

ثم عاد بطلب عدد من المؤمنين فى الكاظمية الى بلده و اشتغل بالتدريس و ترويج الدين , و كان آية من الاخلاص والدفاع عن حقوق المظلومين و فخرا للشيعة .

ألف كتبا فى الفقه و الاصول والتفسير والرجال لم يطبع منها عدا مجلد واحد فى التعليق على التشريع الجنائى الاسلامى , كما طبعت له محاضرات فى التفسير الجزء الاول .

توفى فى ذى الحجة من سنة 1388 ه , و دفن فى النجف الاشرف فى مقبرة المرحوم آية الله السيد عبدالحسين شرف الدين .

2 آية الله العظمى مفجر الثورة الاسلامية فى العراق الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره .

3 العلوية الفاضلة آمنة المعروفة ب[ ( بنت الهدى]( , كانت رحمها الله تعالى سيدة جليلة , عالمة فاضلة , عارفة عابدة , مهذبة تقية . ولدت فى الكاظمية فى سنة 1356 ه , و نمت فى كنف العلم و التقى والفضيلة . درست علوم العربية و مبادى علم


9
الكلام والفقه و الاصول على يد أخيها الشهيد إلى أن أصبحت من مفاخر الكاتبات الاسلامبات .

و قد اعتقلها حزب البعث الغاشم العميل بعيد آخر اعتقال لاخيها الشهيد , و اغتالوها بأيد خبيثة خائنة .

والدة الشهيد الصدر :

أما والدته المحترمة فهى السيدة العابدة الصالحة التقية الزاهدة بنت المرحوم آية الله الشيخ عبدالحسين آل ياسين , و كان أبوها و إخوتها جميعا من الايات العظام و من أكابر العلماء الاعلام رضوان الله عليهم أجمعين .

آية الله العظمى الشهيد الصدر

هو العلم العلامة , مفخرة عصره و اعجوبة دهره حامى بيضة الدين و ما حى آثار المفسدين , فقيه اصولى و فيلسوف إسلامى , كان مرجعا من مراجع المسلمين فى النجف الاشرف , فجر الثورة الاسلامية فى العراق و قادها حتى استشهد .

ولد فى 25 ذى العقدة 1353 هفى الكاظمية , و تربى من بعد وفاة والده فى كنف والدته و أخيه السيد إسماعيل الصدر .

كانت تبدو عليه من أوائل الصبا علائم النبوغ و آثار الذكاء .

قرأ رحمه الله فى الحادية عشرة من عمره المنطق و كتب رسالة فى المنطق يعترض فيها باعتراضات على بعض الكتب المنطقية .

و قد قرأ أكثر الابحاث المسماة بالسطح العالى بلا استاذ .

و فى أوائل الثانية عشرة من عمره درس معالم الاصول على يد أخيه المرحوم السيد إسماعيل فى الكاظمية و كان من شدة ذكائه يعترض على صاحب المعالم بايرادات وردت فى الكفاية .

ثم هاجر السيد الشهيد فى سنة 1365 همن الكاظمية إلى النجف الاشرف و تتلمذ على يدى علمين من أعلامها و هما :


10

1 آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين رضوان الله عليه .

2 آية الله العظمى السيد أبوالقاسم الخوئى مد ظله .

قال أخوه المرحوم السيد إسماعيل الصدر رحمه الله : سيدنا الاخ بلغ ما بلغ فى أوان بلوغه .

و قد حضر شهيدنا الغالى من سنة 1365 هدرس استاذه آية الله العظمى الخوئى فقها و اصولا , و أنهى تحصيلاته الاصولية فى سنة 1378 هو الفقهية فى سنة 1379 ه .

و كانت مدة تحصيلاته العلمية من البداية إلى النهاية حوالى سبع عشرة سنة أو ثمانى عشرة سنة . ولكن هذه المدة رغم قصرها زمنا كانت فى واقعها مدة واسعة , حيث إن شهيدنا الصدر كان يستثمر من كل يوم 16 ساعة لتحصيل العلم , فمن حين استيقاظه من النوم فى اليوم السابق إلى ساعة النوم فى اليوم اللاحق كان يلاحق المطالعة و التفكير عند قيامه و قعوده و مشيه .

بدأ شهيدنا الصدر بتدريس خارج الاصول فى سنة 1378 هفى يوم الثلاثاء 12 جمادى الثانية و أنهى الدورة الاولى فى يوم الثلاثاء 12 ربيع الثانى 1391 ه و كانت آخر كلماته فى البحث مايلى :

[ ( و بهذا انتهى الكلام فى هذا التنبيه , و به انتهى الكلام فى مبحث التعادل والتراجيح , و به انتهت هذه الدورة من علم الاصول]( .

و بدأ الشهيد بتدريس خارج الفقه على نهج العروة الوثقى فى سنة 1381 ه .

المقام العلمى الشامخ لسيدنا الشهيد :

تتميز الابحاث العلمية لسيدنا الشهيد بالدقة الفائقة و العمق الذى يقل نظيره من ناحية , و بالسعة و الشمول لكل جوانب المسألة المبحوث عنها من ناحية اخرى . إضافة إلى كل هذا نرى من مميزات سيدنا العلمية أن أبحاثه لم تقتصر على ما تعارفت عليه أبحاث العلما فى النجف الاشرف حينئذ من الفقه و الاصول , بل شملت سائر المرافق الفكرية كالفلسفة الاسلامية و الاقتصاد و المنطق و الاخلاق و التفسير والتاريخ , و فى كل مجال من هذه المجالات نرى بحثه مشتملا على العمق و الشمول .


11

ففى علم الاصول نستطيع أن نعتبر المرحلة التى وصل إليها مستوى البحث الاصولى على يد السيد الشهيد عصرا رابعا من أعصر العلم و تطوراته التى مربها علم الاصول على حد مصطلحاته فى كتاب[ ( المعالم الجديدة للاصول]( حيث قسم رضوان الله عليه الاعصر التى مربها علم الاصول من المراحل التى بلغ التمايز النوعى فيما بينها إلى ما ينبغى جعله حدا فاصلا بين عصرين .

و فى علم الفقه ترى إبداعاته رضوان الله عليه لا تقل عن إبداعاته فى علم الاصول , و قد طبع من أبحاثه الفقهية أربعة مجلدات باسم[ ( بحوث فى شرح العروة الوثقى]( فيها من التحقيقات الرشيقة , و هكذا فى بقية العلوم كالفلسفة و المنطق و الاقتصاد و الاخلاق , فكان بارعا مدققا فى كثير من جوانبها .

مؤلفاته :

1 فدك فى التاريخ , طبع فى سنة 1374 ه .

2 غاية الفكر فى علم الاصول , طبع منها جزء واحد فى سنة 1374 ه . و قد ذكر السيد الشهيد رحمه الله فى أول هذا الجزء أنه شرع فى تأليف هذا الكتاب قبل ثلاث سنين تقريبا .

3 فلسفتنا , طبع فى سنة 1379 ه .

4 اقتصادنا , طبع فى سنة 1381 هفى مجلدين .

5 المعالم الجديدة للاصول , طبعت فى سنة 1385 هلكلية اصول الدين .

6 الاسس المنطقية للاستقراء , طبعت بتاريخ 1391 ه .

7 البنك اللاربوى فى الاسلام , طبع قبل الاسس المنطقية للاستقراء .

8 المدرسة الاسلامية , ألف منها جزءين :

أ الانسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية .

ب ماذا تعرف عن الاقتصاد الاسلامى ؟

9 بحوث فى شرح العروة الوثقى , ألف منها أربعة أجزاء , و كان تاريخ الطبعة


12
الاولى لاول جزء منها سنة 1391 ه .

10 دروس فى علم الاصول , فى ثلاث حلقات , و هذه التى بين يديك عزيزنا الطالب هى الحلقة الاولى و الثانية , و الحلقة الثالثة منها فى مجلدين طبعت فى سنة 1397 ه .

11 بحث حول المهدى .

12 بحث حول الولاية .

13 الاسلام يقود الحياة , ألف منه ست حلقات فى سنة 1399 هبمناسبة نجاح الثورة الاسلامية فى إيران :

أ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية فى إيران .

ب صورة عن اقتصاد المجتمع الاسلامى .

ج خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الاسلامى .

د خلافة الانسان و شهادة الانبياء .

ه منابع القدرة فى الدولة الاسلامية .

و الاسس العامة للبنك فى المجتمع الاسلامى .

14 بحث فى المرجعية الصالحة و المرجعية الموضوعية .

15 الفتاوى الواضحة , رسالة عملية ألف منها جزء واحدا , ثم أضاف إليها فى الطبعة الثانية مقدمة بعنوان[ ( موجز فى اصول الدين]( بحث فيها بحثا مختصرا رائعا عن المرسل , و الرسول , و الرسالة , كما يوجد فى آخر الكتاب بحث بديع و ممتع بعنوان نظرة عامة فى العبادات .

16 تعليقة على رسالة عملية لاية الله العظمى الامام الحكيم , و هى الرسالة المسماة ب[ ( منهاج الصالحين]( .

17 تعليقة على صلاة الجمعة من الشرائع , ما زالت غير مطبوعة .

18 تعليقة على الرسالة العملية للمرحوم آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين المسماة ب[ ( بلغة الراغبين]( علق رحمه الله عليها فى وقت كان عمره الشريف حوالى سبع عشرة سنة , و ما زالت التعليقة غير مطبوعة .


13

19 تعليقة على مناسك الحج لاستاذه آية الله العظمى السيد الخوئى , و هى غير مطبوعة , كتبها رحمه الله عندما أراد التشرف إلى الحج .

20 موجز أحكام الحج و هو رسالة عملية فى الحج .

و أخير فان سيدنا الشهيد لم يكن من اولئك المفكرين التقليديين الذين لا يفكرون إلا فى ما تعارف بحثه فى الازمنة السالفة , بل كان عالما بزمانه , طبيبا روحيا يعالج فى كتبه أمراض المجتمع الحاضر , مواكبا لمشاكل الامة الاسلامية و آلامها و آمالها , يقارع الفلسفات المادية الحديثة بكتاب[ ( فلسفتنا]( , و يثبت التلازم بين الايمان بالعلم الحديث والتجربة و بين الايمان بالله تعالى , بماله من منطق رصين فى كتاب[ ( الاسس المنطقية للاستقراء]( , و يعارض الاصول الاقتصادية الكافرة الحديثة مع إعطاء البديل الاسلامى فى كتاب[ ( اقتصادنا]( و فى كتيبات اقتصادية , و حينما يستفتى من قبل بعض المؤمنين فى الكويت عن طريقة تأسيس البنك بلا ربا يؤلف فى الجواب كتابا فى البنك اللاربوى , و حينما يتحقق انتصار الاسلام فى إيران يكتب ست حلقات لتغطية الحاجات الفكرية الاسلامية المستجدة فى إيران على أساس الانتصار , و ما إلى ذلك مما يدل على مواكبته رضوان الله عليه للحياة و لحاجات المسلمين بحكمة و حنكة فائقتين .

اعتقالاته :

اعتقل سيدنا الشهيد أعلا الله مقامه أربع مرات بسبب ظلم البعث الكافر الحاقد على الذين :

أولا : اعتقل فى سنة 1392 ه , و كان ذلك فى الظن الغالب فى شهر رجب , أو فى أواخر جمادى الثانية .

ثانيا : اعتقل فى سنة 1397 هفى شهر صفر , فى أعقاب انتفاضة الاربعين .

ثالثا : اعتقل فى سنة 1399 هفى السادس عشر أو السابع عشر من رجب حسب الاختلاف الواقع فى الهلال آنذاك و اطلق سراحه فى نفس اليوم .

و أخيرا : اعتقل رحمه الله فى الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر يوم السبت


14
19 جمادى الاولى 1400 ه .
شهادته :

و قد قدرالله عز شأنه لهذا النجم أن يأفل افولا دمويا فى مطامير الظالمين و سجون الجبارين ليبقى شمسا مشرقة فى آفاق العلم و التعليم , فكانت نتيجة المواجهة المحتدمة بينه قدس سره و بين السلطة الجائرة الحاكمة فى العراق دفاعا عن المذهب و إعلاء لكلمة الله و دعما لدولة الحق التى أشرق نورها من رباع إيران , حيث قام بمبادلة الرسائل و البرقيات بينه و بين قائد الثورة الراحل الامام الخمينى قدس الله نفسه الزكية أن تهيج الذئاب الحاكمة فى العراق لتنهش لحمه المقدس , اعتقله الاعتقال الاخير بعد احتجازه لمدة طويلة و اخضاعه للمراقبة الشديدة , و لم يدم كثيرا هذا الاعتقال , فبعد أيام ارجعت جنازته من بغداد إلى النجف الاشرف و هى تحمل معها شعار الحزن و الكابة , فعلم الناس أنها فقدت السيد الصدر شهيدا مظلوما غريبا , سائرا على نهج جده الحسين سيد الشهداء ليبقى عبرة فى قلوب المؤمنين , فالسلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيا ( 1 )

( 1 ) هذه نبذة من حياة سيدنا الشهيد أعلى الله مقامه اقتبسناها من كتاب[ ( مباحث الاصول]( لسماحة الحجة السيد كاظم الحائرى دام ظله مع بعض التصرفات منا .


15
[
( نداء](

و قد أصدر الشهيد رضوان الله تعالى عليه قبيل اعتقاله الاخير نداء الى الشعب العراقى المسلم المظلوم حثهم فيه على العمل والجهاد لازالة هذا النظام الكافر المتعطش لسفك دماء المسلمين , و فيمايلى النص الكامل لهذا النداء التاريخى :

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد و على آله الطاهرين و صحبه الميامين .

يا شعبى العراقى العزيز !

يا جماهير العراق المسلمة التى غضبت لدينها و كرامتها , و لحريتها و عزتها , و لكل ما آمنت به من قيم و مثل !

أيها الشعب العظيم !

إنك تتعرض اليوم لمحنة هائلة , على يد السفاكين و الجزارين , الذين هالهم غضب الشعب و تململ الجماهير , بعد أن قيدوها بسلاسل من الحديد , و من الرعب و الارهاب , و خيل للسفاكين أنهم بذلك انتزعوا من الجماهير شعورها بالعزة و الكرامة , و جردوها من صلتها بعقيدتها و بدينها و بمحمدها العظيم , لكى يحولوا هذه الملايين الشجاعة المؤمنة من أبناء العراق الابى إلى دمى و آلات , يحركونها كيف يشاؤون , و يزقونها ولاء ( عفلق ) و أمثاله من عملاء التبشير و الاستعمار , بدلا عن ولاء محمد و على صلوات الله عليهما .

ولكن الجماهير دائما هى أقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة , و قد تصبر ولكنها لا تستسلم , و هكذا فوجى الطغاة بأن الشعب لا يزال ينبض بالحياة , و لا تزال لديه


16
القدرة على أن يقول كلمته , و هذا هو الذى جعلهم يبادرون إلى القيام بهذه الحملات الهائلة على عشرات الالاف من المؤمنين و الشرفاء من أبناء هذا البلد الكريم , حملات السجن و الاعتقال والتعذيب و الاعدام , و فى طليعتهم العلماء المجاهدون , الذين يبلغنى أنهم يستشهدون الواحد بعد الاخر تحت سياط التعذيب .

و إنى فى الوقت الذى ادرك فيه عمق هذه المحنة التى تمر بك يا شعبى , يا شعب آبائى و أجدادى , اؤمن بأن استشهاد هؤلاء العلماء , واستشهاد خيرة شبابك الطاهرين و أبنائك الغيارى تحت سياط العفالقة لن يزيدك إلا صمودا و تصميما على المضى فى هذا الطريق حتى الشهادة أو النصر .

و أنا اعلن لكم يا أبنائى أنى صممت على الشهادة , و لعل هذا آخر ما تسمعونه منى , و أن أبواب الجنة قد فتحت لتستقبل قوافل الشهداء , حتى يكتب الله لكم النصر , و ما ألذ الشهادة التى قال عنها رسول الله صلى الله عليه و آله : إنها حسنة لا تضر معها سيئة . والشهيد بشهادته يغسل كل ذنوبه مهما بلغت .

فعلى كل مسلم فى العراق , و على كل عراقى فى خارج العراق , أن يعمل كل ما بوسعه و لو كلفه ذلك حياته من أجل إدامة الجهاد و النضال لازالة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب , و تحريره من العصابة اللا إنسانية , و توفير حكم صالح فذ شريف , يقوم على أساس الاسلام .

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

10 شعبان

محمد باقر الصدر


17
[
مقدمة المؤلف]

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد و آله الطاهرين .

و بعد فان الدراسات العلمية لعلم اصول الفقه تمر فى مناهج الحوزة عادة بمرحلتين , أحداهما : تمهيدية و هى ما تسمى بمرحلة السطح . و الاخرى : المرحلة العالية و هى ما تسمى بمرحلة الخارج . و تتخذ هذه الدراسة فى مرحلتها التمهيدية اسلوب البحث فى كتب معينة مؤلفة فى ذلك العلم يدرسها الطالب على يد الاساتذة الاكفاء ليتهيأ من خلال ذلك لحضور ابحاث الخارج . و قد جرى العرف العام فى حوزاتنا جميعا على اختيار المعالم و القوانين و الرسائل والكفاية كتبا دراسية للمرحلة المذكورة , و هذا عرف جرت عليه مناهج الحوزة منذ اكثر من نصف قرن و لم يطرأ تغيير ملحوظ باستثناء تضاؤل دور كتاب القوانين من بين هذه الكتب الاربعة ككتاب دراسى بالتدريج , و انصراف عدد كبير من الطلبة فى الفترة الاخيرة عن دراسته , و استبداله بكتاب اصول الفقه كحلقة و سيطة بين المعالم و كتابى الرسائل و الكفاية .

والحقيقة أن الكتب الاربعة المتقدمة الذكر لها مقامها العلمى , و هى على العموم تعتبر حسب مراحلها التاريخية كتبا تجديدية ساهمت إلى درجة كبيرة فى تطوير الفكر العلمى الاصولى على اختلاف درجاتها فى هذه المساهمة , و قد يكون اختيار هذه الكتب الاربعة كتبا دراسية نتيجة عامل مشترك و هو ما اثاره كل


18
واحد منها عند صدوره من شعور عميق لدى العلماء بأهميته العلمية و ما اشتمل عليه من افكار و نكات , هذا اضافة إلى ما تميزت به بعض تلك الكتب من إيجاز للمطالب و ضغط فى العبارة كالكفاية مثلا .

و قد أدت هذه الكتب الاربعة مشكورة دورا جليلا فى هذا المضمار , و تخرج من حلقاتها الدراسية خلال نصف قرن الالاف من الطلبة الذين وجدوا فيها سلمهم إلى ابحاث الخارج . و لا يسعنا فى هذا المجال إلا ان نستشعر بعمق بما لاصحاب هذه الكتب الابرار قدس الله أسرارهم الزكية من فضل عظيم على الحوزة و مسيرتها العلمية , و من جميل لا يمكن ان ينساه أى شخص عاش على موائد تلك الافكار الحافلة و نهل من نمير علومها و نحن إذ نقول هذا نبتهل إلى المولى سبحانه ان يتغمد مؤلفى هذه الكتب من علمائنا الاعلام بعظيم رحمته , و يثيبهم بأفضل ثواب المحسنين .

غير ان هذا لا يحول دون ان نحاول تطوير الكتب الدراسية و تحسينها إذا وجدت مبررات تدعو إلى ذلك و أمكن وضع كتب دراسية اكثر قدرة على اداء دورها العلمى فى تنمية الطالب و اعداده للمرحلة العليا .

و قد كنا منذ زمن نجد اكثر من سبب يدعو إلى التفكير فى استبدال هذه الكتب بكتب اخرى فى مجال التدريس , لها مناهج الكتب الدراسية بحق و اساليبها فى التعبير و شرائطها . و مبررات التفكير فى هذا الاستبدال و ان كانت عديدة ولكن يمكن اختصارها فى مبررات اساسية محددة كما يلى :

المبرر الاول : ان هذه الكتب الاربعة تمثل مراحل مختلفة من الفكر الاصولى , فالمعالم تعبر عن مرحلة قديمة تاريخيا من علم الاصول , والقوانين تمثل مرحلة خطاها علم الاصول و اجتازها إلى مرحلة أعلى على يد الشيخ الانصارى و غيره من الاعلام , و الرسائل و الكفاية نفسهما نتاج اصولى يعود لما قبل مائة سنة تقريبا و قد حصل علم الاصول بعد الرسائل و الكفاية على خبرة مائة سنة تقريبا من البحث والتحقيق على يد اجيال متعاقبة من العلماء المجددين , و خيرة ما يقارب مائة سنة من البحث العلمى الاصولى جديرة بأن تأتى بأفكار جديدة كثيرة و تطور طريقة


19
البحث فى جملة من المسائل و تستحدث مصطلحات لم تكن تبعا لما تتكون من مسالك و مبان , و من الضرورى ان تنال الكتب الدراسية حظا مناسبا لها من هذه الافكار و التطورات و المصطلحات لئلا يفاجأ بها الطالب فى بحث الخارج دون سابق إعداد .

و هكذا يوجد الان فاصل معنوى كبير بين محتويات الكتب الدراسية الاربعة و بين ابحاث الخارج , فبينما بحث الخارج يمثل حصيلة المائة عام الاخيرة من التفكير و التحقيق و يعبر بقدر ما يتاح للاستاذ من قدرة عن ذروة تلك الحصيلة , نجد ان كتب السطح تمثل فى اقربها عهدا الصورة العامة لعلم الاصول قبل قرابة مائة عام ساكتة عن كل ما استجد خلال هذه الفترة من أفكار و مصطلحات . و نذكر على سبيل المثال لما استجد من مطالب : أفكار باب التزاحم , و ما اشاده الميرزا من مسلك جعل الطريقية بتعميقاته و تفريعاته فى مسائل قيام الامارات مقام القطع الموضوعى و حكومة الامارات على الاصول و رفع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بجعل الحجية , و فكرة جعل الحكم بنحو القضية الحقيقية باثارها الممتدة فى كثير من ابحاث علم الاصول كبحث الواجب المشروط و الشرط المتأخر والواجب المعلق و اخذالعلم بالحكم فى موضوع الحكم , والوجه الجديد لبحث المعانى الحرفية الذى يختلف اختلافا اساسيا عن الصورة الغريبة التى تخلقها آراء صاحب الكفاية فى ذهن الطالب .

فان هذه المطالب و غيرها مما اصبحت تشكل محاور للفكر الاصولى الحديث هى نتاج الفترة المتأخرة الذى يظل طالب السطوح جاهلا به تماما إلى ان يواجه ابحاث الخارج و هو لا يملك تصورات ابتدائية أو وسطى عن تلك المطالب .

فالطالب لكى يتسلل من كتب السطح إلى درس الخارج كأنه يكلف بطفرة و بأن يقطع فى لحظة مسافة لم يقطعها علم الاصول خلال تطوره التدريجى إلا فى مائة عام .

و كأن اختيار الكتب الدراسية من مراحل مختلفة للفكر الاصولى نشأ من الشعور بلزوم التدرج فى الكتب الدراسية من الابسط إلى الاعمق , و لما كان علم


20
الاصول فى وضعه على عهد صاحب المعالم أبسط منه فى عهد صاحب القوانين . و فى هذا العهد أبسط منه فى عهد الرسائل و الكفاية , فقد لوحظ ان هذا يحقق التدرج المطلوب إذا جعل الكتاب الدراسى الاول نتاج مرحلة قديمة من علم الاصول و ما يتلوه نتاج مرحلة متأخرة و هكذا .
و هذا الشعور يشتمل على حقيقة و على خطأ :

اما الحقيقة فهى لزوم التدرج فى الكتب الدراسية من الابسط إلى الاعمق , و اما الخطأ فهو ان هذا التدرج لا ينبغى ان يكون منتزعا من تاريخ علم الاصول و معبرا عما مر به هذا العلم نفسه من تدرج خلال نموه , لان هذا يكلف الطالب ان يصرف وقتا كثيرا فى مطالب و أفكار لم يعد لها موضع فى العلم بحسب وضعه الفعلى , و انما الوضع الصحيح فى الكتب الدراسية الذى يشتمل على التدرج المطلوب هو ان تتجه هذه الكتب جميعا على اختلاف مراحلها الدراسية لعرض آخر ما وصل اليه العلم من أفكار و تحقيقات و مصطلحات , ولكن بدرجات من العرض تختلف من ناحية الكم أو الكيف أو من الناحيتين معا , و الاختلاف فى الكم يعنى التفاوت فى المقدار المعطى من الافكار , فبدلا عن استعراض خمسة اعتراضات على الاستدلال باية النبأ مثلا يبدأ فى الحلقة الاولى باعتراض أو اعتراضين ثم يستعرض عدد اكبر من الاعتراضات فى حلقة تالية , و الاختلاف فى الكيف يعنى التفاوت فى درجة عمق ما يطرح من فكرة , فحينما يراد الحديث عن مسلك جعل الطريقية مثلا يعرض فى حلقة ابتدائية عرضا ساذجا بدون تعميق ثم يعمق فى حلقة لا حقة , فيعرض على نحو يميز فيه بين التنزيل و الاعتبار , و قد يعرض فى حلقة اخرى حينئذ على نحو المقارنة بين هذين النحوين فى النتائج و الاثار .

المبرر الثانى : ان الكتب الاربعة السالفة الذكر على الرغم من انها استعملت ككتب دراسية منذ اكثر من خمسين عاما لم تؤلف من قبل اصحابها لهذا الهدف , و انما ألفت لكى تعبر عن آراء المؤلف و أفكاره فى المسائل الاصولية المختلفة , و فرق كبير بين كتاب يضعه مؤلفه لكى يكون كتابا دراسيا و كتاب يؤلفه ليعبر فيه عن


21
أعمق و أرسخ ما وصل اليه من أفكار و تحقيقات , لان المؤلف فى الحالة الاولى يضع نصب عينيه الطالب المبتدىء الذى يسير خطوة فخطوة فى طريق التعرف على كنوز هذا العلم و اسراره , و اما فى الحالة الثانية فيضع المؤلف فى تصوره شخصا نظيرا له مكتملا من الناحية العلمية و يحاول ان يشرح له وجهة نظره و يقنعه بها بقدر ما يتاح له من وسائل الاقناع العلمى . و من الواضح ان كتابا يوضع بهذا الاعتبار لايصلح ان يكون كتابا دراسيا مهما كانت قيمته العلمية و ابداعه الفكرى , و من اجل ذلك كانت الكتب الدراسية المتقدمة الذكر غير صالحة للقيام بهذا الدور على جلالة قدرها العلمى لانها ألفت للعلماء و الناجزين لا للمبتدئين و السائرين .

فمن هنا لم يحرص فى هذه الكتب و امثالها من الكتب العلمية المؤلفة للعلماء على ابراز كل خطوات الاستدلال و حلقات التفكير فى المسألة الواحدة , فقد تحذف بعض الحلقات فى الاثناء أو البداية لوضوحها لدى العالم , غير ان الصورة حينئذ تصبح غير واضحة فى ذهن الطالب و على سبيل المثال لتوضيح الفكرة نذكر انه بحث فى التعبدى و التوصلى عن استحالة اخذ قصد الامتثال فى متعلق الامر , و فرع عليه ان التعبدى لا يتميز عن التوصلى فى مرحلة الامر بل فى مرحلة الغرض إذ لا يستوفى غرضه إلا بقصد الامتثال , و استنتج من ذلك عدم امكان التمسك باطلاق الامر لا ثبات كون الواجب توصليا , و هذا لا يصلح ان يكون بيانا مدرسيا لان البيان المدرسى بحاجة لتكميل الصورة فى ذهن الطالب إلى اضافة عنصرين آخرين تركا لوضوحهما احدهما ان قصد الامتثال إذا كان بالامكان اخذه فى متعلق الامر فحاله حال سائر القيود يمكن نفيه باطلاق الامر , و الاخر ان الخطاب و الدليل مدلوله الامر و الحكم لا الملاك و الغرض و ان استكشاف إطلاق الغرض دائما انما يتم عن طريق استكشاف إطلاق متعلق الامر مع افتراض التطابق بين متعلق الامر و متعلق الغرض فحيث لا يتبرهن هذا الافتراض لا يمكن الاستكشاف المذكور .

و مثال آخر من باب التزاحم فان جل احكام هذا الباب مبنية على اخذ القدرة شرطا فى التكليف و عدم كونه دخيلا فى الادانة و المنجزية فقط , بينما هذا المطلب لم يبحث بصورة مباشرة , و لم يوضح الربط المذكور بل بقى مستترا .


22

و أيضا ابرزت كيفية دلالة المطلق على الاطلاق بصورة مباشرة , بينما لم تبرز كيفية دلالة المقيد على اخذ القيد فى الموضوع كذلك و إنما بحث ذلك ضمنا خلال بحث حمل المطلق على المقيد و كيفية علاج التعارض بينهما .

و من هنا لم يراع فيها أيضا ما يجب ان يراعى فى الكتب الدراسية من التدرج فى عرض الافكار من البسيط إلى المعقد و من الاسبق رتبة إلى المتأخر , بحيث تعرض المسألة المتفرعة ذاتا فى تصوراتها على حيثيات مسائل اخرى بعد أن تكون تلك الحيثيات قد طرحت و بحثت . و على سبيل المثال لتوضيح الفكرة لاحظ بحث توقف العموم على اجراء الاطلاق و مقدمات الحكمة فى المدخول فإن تصور هذا الافتراض يستبطن الفراغ مسبقا عن تصور مقدمات الحكمة و وظيفتها , بينما يذكر ذلك البحث فى العام و الخاص و تذكر مقدمات الحكمة بعد ذلك فى مباحث المطلق و المقيد . و لا حظ أيضا الشرط المتأخر للحكم مثلا فإن تصور المشكلة فيه و تصور حلولها مرتبط بمجموعة أفكار عن الواجب المشروط , و طريقة السير من البسيط إلى المعقد تقتضى تقديم هذه المجموعة من الافكار على عرض مشكلة الشرط المتأخر و بحثها بينما وقع العكس فى الكفاية و غيرها . و مثال آخر ان تصور التخيير بين الاقل و الاكثر و افتراض استحالته دخيل فى استيعاب قاعدة اجزاء الاوامر الاضطرارية عن الواقع فإذا بحثت هذه القاعدة بعد افتراض تصور مسبق عن التخيير المذكور كان فهمها للطالب و تصورها أيسر .

و من هنا لم يراع فيها ما يجب أن يراعى فى الكتب الدراسية من توفير فهم مسبق عند الطالب للمسائل و القواعد التى يستعان بها لا ثبات المدعى فى مسألة اخرى و البرهنة عليها , أو لاقتناص الثمرة الاصولية لها . فالاطلاق و مقدمات الحكمة تدخل كدليل لا ثبات دلالة الامر على الوجوب , و لا ثبات دلالته على العينية و التعيينية و النفسية , و لا ثبات دلالة الجملة الشرطية و غيرها على المفهوم و هكذا , مع أن الطالب فى الكتب القائمة لا يعطى فكرة عن الاطلاق و مقدمات الحكمة إلا بعد الفراغ عن جميع مباحث الاوامر و النواهى و المفاهيم , و احكام التعارض بما فيها قواعد الجمع العرفى قد تدخل فى علاج كثير من ألوان التعارض بين الادلة اللفظية


23
المستدل بها على حجية امارة أو اصل من الاصول فيقال مثلا ( ان دليل وجوب الاحتياط حاكم على دليل البراءة أو وارد أو ان دليل البراءة مخصص ) قبل اعطاء تصورات و أفكار محددة عن احكام التعارض و قواعد الجمع بين الادلة التى لا تقع إلا فى نهاية ابحاث الاصول . . . و مسألة اقتضاء النهى للبطلان تدخل عندهم فى اقتناص الثمرة من بحث الضد , إذ جعلوا ثمرة اقتضاء الامر بشىء للنهى عن ضده بطلان العبادة , و فى اقتناص الثمرة من بحث امتناع اجتماع الامر و النهى , إذ جعلوا ثمرة هذا البحث بطلان العبادة بناء على القول بالامتناع و تقديم جانب النهى , مع ان الطالب لا يدرس مسألة اقتضاء النهى للبطلان و لا يأخذ عنها تصورا علميا إلا بعد الفراغ عن مسألتى الضد و الامتناع و هكذا إلى كثير من هذه النظائر .

و من هنا لم يحرص أيضا على ابراز الثمرة بكثير من المطالب التى يتبين من خلالها الارتباط بين تلك المطالب بعضها ببعض , فأهملت فى كثير من الاحيان أوجه العلاقة بين الافكار الاصولية و لم يتعرض لها إلا بقدر ما يحتاج اليه فى مقام الاستدلال على مطلب أو ابطاله , فبحث مثلا المعنى الحرفى و جزئيته و كليته ولكن لم يربط ذلك بالتمسك بالاطلاق فى المعانى الحرفية و ظل الطلبة يكررون ان البحث فى المعانى الحرفية لا أثر له , و بحث الوجوب التخييرى و الكفائى بحثا تحليليا ولكن لم يربط ذلك بأثره فى التمسك بالاطلاق او الاصل العملى عند الشك فى نوعية الواجب و بدا كأنه بحث تحليلى بحت .

و من هنا لم يحرص أيضا على وضع كثير من النكات و المباحث فى موضعها الواقعى و بصيغة تتناسب مع كليتها و أهميتها , و إنما دست دسا فى مقام علاج مشكلة أو دفع توهم أو اثيرت من خلال تطبيق من تطبيقاتها , و من الواضح ان الممارس العالم يستطيع من خلال ذلك ان يضع النكتة فى موضعها الواقعى و يعطيها حدودها المناسبة , ولكن قلما يتاح ذلك للطالب فيبقى فهمه لتلك النكات و المطالب فهما تجزيئيا و ضمن دوائر محدودة . خذ مثالا على ذلك اركان تنجيز العلم الاجمالى الاربعة التى عرضناها فى الحلقة الثانية , فإن الكتب التى تتحدث عنها حينما تناولت منجزية العلم الاجمالى لم تضع لها اركانها بصيغها الفنية العامة , و إنما


24
عقدت تنبيهات لحالات جزئية طبقت من خلالها ضمنا تلك الاركان اثباتا و نفيا , و فى حالة من هذا القبيل لن يخرج الطالب غالبا بصورة محدودة و رؤية واضحة لهيكل تنجيز العلم الاجمالى بما يشتمل عليه من قواعد و اركان .

و من هنا لم يحرص أيضا على اجتناب استعمال مصطلحات لم يأت بعد تفسيرها , لان الحديث فى تلك الكتب مع العالم لا مع الطالب , و العالم محيط بتلك المصطلحات منذ البدء , و لهذا نجد فى الصفحة الاولى من الكفاية استعمال مصطلح حجية الظن بناء على تقرير دليل الانسداد على الحكومة و هو مصطلح لا يكشف النقاب عنه إلا فى اواسط الجزء الثانى من الكتاب .

المبرر الثالث : و هو أيضا ناتج عن الحالة العامة التى لوحظت فى المبرر السابق ( و هى ان المؤلفين كانوا يكتبون لامثالهم لا للمبتدئين ) . و حاصل هذا المبرر ان المقدار الذى ينبغى ان يعطى من الفكر العلمى الاصولى فى مرحلة السطح يجب ان يحدد وفقا للغرض المفروض لهذه المرحلة , و الذى أعرفه غرضا لهذه المرحلة تكوين ثقافة عامة عن علم الاصول لمن يريد ان يقتصر على تلك المرحلة , و الاعداد للانتقال إلى مرحلة الخارج لمن يريد مواصلة الدرس , و هذا هو أهم الغرضين . فلا بد إذن ان يكون المعطى بقدر يكفل ثقافة عامة تحقق هذا الاعداد و توجد فى الطالب فهما مسبقا بدرجة معقولة لما سوف يتلقى درسه من مسائل , و مرتبة من العمق و الدقة تتيح له ان يهضم ما يواجهه فى ابحاث الخارج من أفكار دقيقة موسعة و بناءات فكرية شامخة , و من الواضح ان هذا يكفى فيه ان تتوفر الكتب الدراسية على اعطاء علم الاصول بهيكله العام , و لا يلزم ان يمتد البحث فى تلك الكتب إلى التفريعات الثانوية و يتلقى و جهات نظر فيها , بل الافضل ان تترك هذه التفريعات على العموم إلى ابحاث الخارج ما دامت المفاتيح التى سوف يتسلمها الطالب كافية لمساعدته على الدخول فيها بعد ذلك مع استاذ بحث الخارج . و على هذا الاساس نرى من المهم ان يحصل الطالب على تصورات شبه معمقة عن : الاحكام الظاهرية , و طريقة الجمع بينها و بين الواقع , و الفرق بين الامارات و الاصول , و سنخ المجعول فى ادلة الحجية , و أثر ذلك على ابواب مختلفة , كباب حكومة الامارة


25
على الاصل , و حكومة الاستصحاب على البراءة , و قيام الامارة مقام القطع الموضوعى . لان هذه الافكار تعتبر أساسية بالنسبة إلى الهيكل العالم لعلم الاصول , و اما ان يحاط الطالب علما بأن استصحاب عدم التذكية مثلا حاكم على أصالة البراءة و يستطرق من ذلك إلى بحث طويل و معمق فى نفس جريان استصحاب عدم التذكية و موارد جريانه فى الشبهات الموضوعية و الحكمية , فهذا مما لا يدخل فى نطاق الغرض من مرحلة بحث السطح . هذا فضلا عن الاستطرادات التى وقعت فيها تلك الكتب كاستطرادها للحديث عن قاعدة لا ضرر و لا ضرار و نحو ذلك , أو التوسعات التى تزيد عن الحاجة لمرحلة السطح فى استعراض الاقوال و نقل الادلة و استيعاب النقض و الابرام , حتى بلغت الاقوال التى احصاها الشيخ فى الرسائل فى الاستصحاب و بحث كل واحد منها بحثا مفصلا أربعة عشر قولا .

المبرر الرابع : ان الطريقة المتبعة فى تحرير المسائل و تحديد كل مسألة بعنوان من العناوين الموروثة تأريخيا فى علم الاصول لم تعد تعبر عن الواقع تعبيرا صحيحا , و ذلك لان البحث الاصولى من خلال اتساعه و تعمقه بالتدريج منذ ايام الوحيد البهبهانى إلى يومنا هذا طرح قضايا كثيرة جديدة ضمن معالجاته للمسائل الاصولية الموروثة تاريخيا , و كثير من هذه القضايا تعتبر من الناحية الفنية و من الناحية العملية معا أهم من جملة من تلك المسائل الموروثة , بينما ظلت هذه القضايا تحت الشعاع و لا تبرز إلا بوصفها مقدمات أو استطرادات فى مباحث تلك المسائل . و يمكنك ان تلاحظ بهذا الصدد المباحث العقلية التى ادرجت فى الجزء الاول من الكفاية تحت عناوين ( البحث عن الملازمة بين وجوب الشىء و وجوب مقدمته ) و ( الملازمة بين الامر بالشىء و النهى عن ضده ) و هكذا , فان هذه العناوين باعتبار كونها تأريخية و موروثة فى علم الاصول استأثرت بالمسائل المبحوثة , مع انه وقع البحث فى ادخل تلك المسائل عن كثير من القضايا العقلية المهمة التى بقيت بلا عنوان و كأنها مجرد ابحاث تمهيدية أو استطرادية , ( فامكان الشرط المتأخر أو استحالته ) و ( امكان الواجب المعلق أو استحالته ) و ( ضرورة تقيد التكليف بعدم الاشتغال بالمزاحم ) و ( عدم جواز تضييع المقدمات المفوتة ) إلى غير ذلك من القضايا


26
بقيت كأجزاء من ابحاث تلك العناوين التاريخية , بينما كل واحدة منها تشكل بحثا اصوليا مهما من الناحية الفنية و من ناحية ترتب الثمرة الاصولية , و لا تقل أهمية عن تلك المسائل التأريخية الموروثة بل قد تكون اهم منها , فالاصوليون مثلا حاروا فى كيفية تصوير الثمرة لبحث الملازمة بين وجوب الشىء و وجوب مقدمته , مع أنهم لم يتوصلوا إلى أفكارهم عن الواجب المعلق أو الشرط المتأخر و نحوهما إلا لتحقيق ثمرات عملية واضحة , و مع هذا حشروا كل هذه الافكار ضمن تلك المسألة التى لا يعرفون كيف يوضحون ثمرتها العملية , و ضاعت بذلك على الطالب قيمة تلك الافكار و مغزاها العملى , حتى ان كثيرا من الطلبة يرون ان التوسع فى داخل المسألة التى ليس من الواضح ان لها ثمرة عملية مجرد تطويل و توسيع لعملية لغو لا مبرر له . بل ان هذا الحشر فى كثير من الاحيان يؤدى إلى ايحاءات خاطئة , فمثلا مشكلة المقدمات المفوتة و وجوب تحصيلها حشرت فى سياق الوجوب الغيرى , و فرعت على تبعية الوجوب الغيرى للوجوب النفسى فى الاطلاق و الاشتراط , و هذا يوحى بالارتباط , مع ان مشكلة المقدمات المفوتة مشكلة قائمة تحتاج إلى تفسير و اكتشاف قانونها الاصولى سواء قلنا بالوجوب الغيرى أولا , فهى ترتبط بالمسؤولية المولوية تجاه المقدمة , و هى مسؤولية لا شك فيها و لا شك فى تبعيتها لفعلية الوجوب النفسى , سواء كانت هذه المسؤولية عقلية بحتة و من تبعات محركية الوجوب النفسى او كانت مشتملة على ما يسمى بالوجوب الغيرى .

هذه هى أهم المبررات التى تدعو إلى التفكير بصورة جادة فى استبدال الكتب الدراسية القائمة و الاعتقاد بعدهم صلاحيتها فى مجال التدريس على الرغم من قدسيتها العلمية و التأريخية .

و قد صدرت فى العقود الثلاثة الاخيرة عدة محاولات للاستبدال و التطوير فى الكتب الدراسية , و كان من نتاج هذه المحاولات : كتاب[ ( مختصر الفصول]( كتعويض عن القوانين , و كتاب[ ( الرسائل الجديدة]( اختصارا للرسائل كتعويض عنها , و كتاب[ ( اصول الفقه]( كحلقة وسيطة بين المعالم و كتابى الرسائل و الكفاية . و هى محاولات مشكورة و تمثل جهودا مخلصة فى هذا الطريق , و قد يكون اكثرها


27
استقلالية و اصالة هو المحاولة الثالثة باعتبارها تصنيفا مستقلا و ليس مجرد اختصار لكتاب سابق ولكنها لا تفى مع ذلك بالحاجة لعدة اسباب :

منها : انها لا يمكن الاقتصار عليها فى السطح و الاكتفاء بها عن جميع الكتب الدراسية الاصولية , و انما هى مرشحة لتكون الحلقة الوسيطة بين المعالم و كتابى الكفاية و الرسائل على ما يبدو من ظروف وضعها , و من الواضح ان هذا أشبه ما يكون بعملية الترقيع , فهى و ان حرصت على ان تعطى للطالب غالبا الافكار الحديثة فى علم الاصول بقدر ما اتيح للمؤلف ادراكه و استيعابه , ولكنها تصبح قلقة حين توضع فى مرحلة وسطى فيبدأ الطالب بالمعالم ليقرأ أفكارا أصولية و مناهج أصولية فى البحث وفقا لما كان عليه العلم قبل مئات السنين , ثم ينتقل من ذلك فجأة و بقدرة قادر ليلتقى فى ( اصول الفقه ) أفكارا اصولية حديثة مستقاة من مدرسة المحقق النائينى على الاغلب و من تحقيقات المحقق الاصفهانى احيانا , و بعد ان يفترض ان الطالب فهم هذه الافكار نرجع به خطوة إلى الوراء ليلتقى فى الرسائل والكفاية بأفكار أقدم تأريخيا بعد أن نوقش جملة منها فى الحلقة السابقة و استبدلت جملة منها بأفكار أمتن . و هذا يشوش على الطالب مسيره العلمى فى مرحلة السطح و لا يجعله يتحرك فى الاتجاه الصحيح .

و منها : ان اصول الفقه على الرغم من انه غير من المظهر العام لعلم الاصول إذ قسمه إلى أربعة اقسام بدلا عن قسمين و ادرج مباحث الاستلزامات و الاقتضاءات فى نطاق المباحث العقلية بدلا عما درج عليه المؤلفون من ذكرها ضمن مباحث الالفاظ , ولكن هذا لم يتجاوز التصرف فى كيفية تقسيم مجموعة المسائل الاصولية المطروحة فى الكتب السابقة إلى مجاميع , فقد صنفت فى أربعة مجاميع كما أشرنا بدلا عن مجموعتين , و لم يمس هذا التصرف جوهر تلك المسائل , و لم يستطع ان يكتشف مثلا فى مقدمات مسألة الملازمة بين وجوب الشىء و وجوب مقدمته مسائل اصولية لها استحقاقها الفنى لان تعرض كمسائل اصولية فى نطاق الادلة العقلية . و هكذا اقتصر التغيير على المظهر و لم يتجاوزه إلى الجوهر .

و منها : ان الكتاب لا تعبر بحوثه عن مستوى واحد من العطاء كيفا و كما أو عن


28
مستويات متقاربة , بل ان الكتاب فى بعض مباحثه يتوسع و يتعمق بينما يختصر و يوجز فى مباحث اخرى , فلاحظ مثلا ما يشتمل عليه من تحقيق موسع فيما يتصل باعتبارات الماهية فى بحث المطلق و المقيد , و ما يشتمل عليه من توسع و اطناب فى مباحث الحسن و القبح العقليين , و ما يشتمل عليه من توسع كذلك فى اثبات جريان الاستصحاب فى موارد الشك فى المقتضى , بل الملحوظ فى كثير من بحوث الكتاب انه لا تنسيق بينها و بين بحوث الكفاية التى فرض منهجيا ان تكون بعده فى الخط الدراسى , فجملة من المسائل تعرض بنحو أوسع مما فى الكفاية و أعمق لا يبقى مبررا لدراسة المسألة نفسها من جديد فى الكفاية , و جملة اخرى من المسائل تعرض موجزة أو ساذجة على نحو يبقى للكفاية قدرتها على اعطاء المزيد أو التعميق .

و قد رأينا ان الاستبدال يجب ان يتم بصورة كاملة فيعوض عن مجموعة الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا بمجموعة أخرى مصممة بروح واحدة و على اسس مشتركة و على ثلاث مراحل , و هذا ما قمنا به بعون الله و توفيقه آخذين بعين الاعتبار النقاط التالية :

اولا : ان الهدف الذى جعلنا على عهدة الحلقات الثلاث تحقيقه و صممناها وفقا لذلك هو ما أشرنا اليه سابقا من ايصال الطالب إلى مرحلة الاعداد لبحث الخارج و جعله على درجة من الاستيعاب للهيكل العام لعلم الاصول و من الدقة فى فهم معالمه و قواعده تمكنه من هضم ما يعطى له فى ابحاث الخارج هضما جيدا .

و لهذا حرصنا على ان نطرح فى الحلقات الثلاث أحدث ما وصل اليه علم الاصول من أفكار و مطالب من دون تقيد بما هو الصحيح من تلك الافكار والمطالب , لان الاعداد المذكور لا يتوقف على تلقى الصحيح بل على الممارسة الفنية لتلك الافكار , و ان كنا آثرنا اختيار الصحيح كلما لم نجد محذورا منهجيا و تدريسيا فى ذلك , ولكنا احيانا طرحنا و جهات نظر غير صحيحة و ان كانت حديثة , لان طرح وجهة النظر الصحيحة لم يكن بالامكان ان يتم إلا من خلال طرح وجهة النظر غير الصحيحة و مناقشتها , و مستوى الحلقة لا يتحمل استيعاب كل ذلك , فاقتصرنا على اعطاء وجهة النظر غير الصحيحة مؤجلين اعطاء وجهة النظر النهائية إلى حلقة


29
تالية أو إلى ابحاث الخارج . و من هنا لا يمكن التعرف على آرائنا النهائية من خلال هذه الحلقات حتى ولو صيغ بيان الرأى فيها صياغة تدل على التبنى و الارتضاء .

ثانيا : ان الحلقات الثلاث تحمل جميعا منهجا واحدا تستوعب كل واحدة منها علم الاصول بكامله , ولكنها تختلف فى مستوى العرض كما و كيفا و تتدرج فى ذلك , فيعطى لطالب الحلقة الاولى أو الثانية قدر محدد من البحث فى كل مسألة و يؤجل قدر آخر إلى المسألة من الحلقة التالية , و هذا التأجيل يقوم , اما على اساس تقدير قابلية استيعاب الطالب و تفادى تحميله ما يفوق هذه القابلية , أو على اساس ان القدر الاخر مبنى على مطالب و نكات متواجدة فى مباحث اخرى من المسائل الاصولية و لم تعط فعلا للطالب فيؤجل ذلك القدر من المسألة إلى أن يعطى للطالب هذه النكات التى يرتبط ذلك القدر بها .

و لم يتمثل التدرج فى العرض فى كل حلقة بالنسبة إلى سابقتها بل تمثل أيضا فى نفس الحلقة الواحدة وفقا لنفس الاسباب من الناحية الفنية , فالحلقة الثانية تتصاعد بالتدريج والحلقة الثالثة يعتبر الجزء الثانى منها اعلى درجة من الجزء الاول , لان الطالب كلما قطع شوطا اكبر فى الدراسة تعمق ذهنيا من ناحية و ازداد استيعابا للمطالب الاصولية من ناحية اخرى , و ذلك يرشحه لتقبل المزيد من التحقيق فيما يرتبط بتلك المطالب , و يتوقف عليها من نكات المسائل الاخرى و حيثياتها .

ثالثا : انا لم نجد من الضرورى حتى على مستوى الحلقة الثالثة استيعاب كل الادلة التى يستدل بها على هذا القول أو ذاك فبالنسبة إلى أصل البراءة و الاحتياط مثلا لم نحط بكل الايات و الروايات التى استدل بها على هذا أو ذاك , لان هذه الاحاطة انما تلزم فى بحث الخارج أو فى تأليف يخاطب به العلماء من اجل تكوين رأى نهائى فلا بد حينئذ من فحص كامل , و اما فى الكتب الدراسية لمرحلة السطح فليس الغرض منها كما تقدم إلا الثقافة العامة و الاعداد , و على هذا الاساس كنا نؤثر فى كل مسألة الادلة ذات المغزى الفنى و نهمل ما لا يكون له محصل من الناحية الفنية .


30

رابعا : انا تجاوزنا التحديد الموروث تاريخيا للمسائل الاصولية و ابرزنا ما استجد من مسائل و اعطيناها عناوينها المناسبة . و اما بالنسبة إلى التصنيف الموروث للمسائل الاصولية إلى مجموعتين و هما مباحث الالفاظ و الادلة العقلية فلم نجد مبررا للعدول عن التصنيف الثنائى إلى مجموعتين إلى تصنيف آخر ولكن ادخلنا تعديلا عليه بجعل المجموعتين هما مباحث الادلة و مباحث الاصول العملية , ثم صنفنا المجموعة الاولى إلى الدليل الشرعى و الدليل العقلى , و قسمنا الكلام فى الدليل الشرعى إلى البحث فى الدلالة والبحث فى السند و البحث فى حجية الظهور , كل ذلك من اجل تقريب التصنيف الاصولى للمسائل إلى واقع عملية الاستنباط و ما يقع فيها من تصنيف للمواقف , فكما ان عملية الاستنباط تشتمل على مرحلتين مترتبتين و هما الادلة و الاصول كذلك البحث فى علم الاصول يصنف إلى هذين الصنفين , و كما ان الفقيه فى مجال الادلة تارة يستدل بالدليل الشرعى و اخرى بالدليل العقلى كذلك علم الاصول يبحث الادلة الشرعية تارة و الادلة العقلية اخرى , و كما ان الفقيه حين يواجه دليلا شرعيا يتكلم عنه دلالة و سندا وجهة كذلك علم الاصول يبحث الجهات الثلاث فى الدليل الشرعى . و هذا الحرص على تطبيق التصنيف الاصولى للقواعد على عملية الاستنباط قد لا يكون له مغزى من الناحية الفنية البحتة ولكنه مهم من الناحية التربوية و جعل الطالب مأنوس الذهن بالقواعد الاصولية بمواقعها المحددة فى عملية الاستنباط , و هذا يمتاز على التصنيف الثنائى المشهور و يمتاز على التصنيف الرباعى الذى اقترحه المحقق الاصفهانى و سار عليه كتاب ( اصول الفقه ) إذ فى كلا التصنيفين تفصل حجية الظهور و حجية السند عن ابحاث الدلالة بينما الجهات الثلاث متلاحمة مترابطة فى عملية الاستنباط , فلكى يوحى التصنيف بصورة للقواعد الاصولية تتفق مع مواقعها فى عملية الاستنباط لابد من اتباع ما ذكرناه .

خامسا : انا لا حظنا فى استعراضنا لاحاد المسائل ضمن التصنيف المذكور الابتداء بالبسيط و الانتهاء إلى المعقد و التدرج فى عرضها حسب درجات تعقيداتها و ترابطاتها , و حرصنا على ان لا نعرض مسألة إلا بعد ان نكون قد استوفينا مسبقا


31
كل ما له دخل فى تحديد التصورات العامة فيها , و ان لا نعطى فى كل مسألة من الاستدلال والبحث إلا بالقدر الذى تكون اصوله الموضوعية مفهومة بلا حاجة إلى الرجوع إلى مسألة لاحقة . و قد كلفنا هذا فى جملة من الاحيان ان نغير ترتيب المسائل من حلقة إلى اخرى , فمثلا قدمنا الكلام عن امتناع اجتماع الامر و النهى على الكلام عن بحث الملازمة بين وجوب الشىء و وجوب مقدمته فى الحلقة الثانية , بينما عكسنا المطلب فى الحلقة الثالثة , و النكتة فى ذلك ان إبراز بعض النكات فى مسألة الوجوب الغيرى للمقدمة , يتوقف على فهم مسبق لمسألة الامتناع من قبيل اقتناص الثمرة بلحاظ اداء القول بالوجوب الغيرى لمطلق المقدمة إلى سقوط الحرمة حتى عن المقدمة غير الموصلة لامتناع اجتماع الامر و النهى , كما ان إبراز بعض النكات فى مسألة الامتناع ينبغى ان يكون بعد الاحاطة بحال الوجوب الغيرى من قبيل ان امتناع الاجتماع كما يكون فى الامر النفسى مع النهى كذلك فى الامر الغيرى مع النهى أيضا , ففى الحلقة الثانية ابرزنا الثمرة فى بحث الوجوب الغيرى فناسب تأخيره عن بحث الامتناع , و فى الحلقة الثالثة ابرزنا تعميم الامتناع للاوامر الغيرية فناسب تأخيره عن بحث الوجوب الغيرى و هكذا جاء الترتيب بين المسائل مختلفا فى الحلقتين لنكتة من هذا القبيل أو لنكات اخرى مقاربة .

سادسا : وجدنا ان تعدد الحلقات شىء ضرورى لتحقيق المنهج الذى رسمناه لان إعطاء مجموع الكمية الموزعة للمسألة الواحدة فى الحلقات الثلاث ضمن حلقة واحدة تحميل فجائى للطالب فوق ما يطيقه و يكون جزء من تلك الكمية عادة مبنيا على مسائل اخرى بعد لم يتضح للطالب حالها , بل انا وجدنا ان تثليث الحلقات شىء ضرورى أيضا على الرغم من ان الحلقة الاولى يبدو انها ضئيلة الاهمية و قد يتصور الملاحظ فى بادى الامر امكان الاستغناء عنها نهائيا , ولكن الصحيح عدم امكان ذلك لاننا بحاجة قبل ان نبدأ بحلقة استدلالية تشتمل على نقض و ابرام إلى تزويد الطالب بتصورات عن المطالب و القواعد الاصولية حتى يكون بالامكان فى تلك الحلقة الاستدلالية ان نضمن استدلالنا و نقضنا و ابرامنا لهذه المسألة أو تلك هذا المطلب الاصولى أو ذاك , و لهذا رأينا ان نضع الحلقة الاولى لاعطاء هذه


32
التصورات العلمية فيخرج منها الطالب و هو يعرف معنى الظهور التصورى , والتصديقى , والامارة , والاصل , والمنجزية , والمعذرية , والجعل , والمجعول , والمعنى الاسمى , والحرفى , و الحاكم , والوارد , والمخصص , والقرينة المتصلة , والمنفصلة , والاطلاق , والعموم , والفرق بينهما , إلى كثير من هذه المصطلحات والمقولات الاصولية التى تحتاج الحلقة الاستدلالية إلى استخدامها باستمرار .

و نضع الحلقة الثانية بوصفها حلقة استدلالية بحق ولكن بدرجة تتناسب معها . و تمثل الحلقة الثالثة المستوى الاعلى من الاستدلال الذى يكفى لتحقيق الهدف المطلوب من دراسة السطح .

سابعا : ان كل حلقة و ان كانت تستعرض علم الاصول و مباحثه على العموم ولكن مع هذا قد نذكر بعض المسائل الاصولية أو النكات فى حلقة ثم لا نعيد بحثها فى الحلقة التالية اكتفاء بما تقدم لاستيفاء حاجة المرحلة أى مرحلة السطح بذلك المقدار , و هذا ما وقع مثلا فى بحث الطرق التى يمكن استعمالها لا ثبات السيرة المعاصرة للمعصومين عليهم السلام فاننا استعرضنا أربع طرق فى الحلقة الثانية و لم نجد موجبا لاعادة البحث عن ذلك فى الحلقة الثالثة .

و انما نجمع كل الكمية التى تحتاجها مرحلة السطح فى حلقة متقدمة احيانا لاحد اسباب , اما لسهولة مفردات الكمية و امكان تفهمها من قبل طلبة تلك الحلقة , و اما لوجود حاجة ماسة إلى تفهم تلك الكمية بكاملها فى تلك الحلقة بالذات لارتباط فهم جملة من مسائلها الاخرى بذلك , و اما للامرين معا كما هو الحال فى البحث المشار اليه أى بحث الطرق لاثبات السيرة المعاصرة فانه بحث عرفى قريب من الفهم و ليس طالب الحلقة الثانية بحاجة إلى مران علمى اكبر لاستيعابه و هو فى نفس الوقت يشكل الاساس لفهم طريقة استدلال الحلقة نفسها بالسيرة على حجية خبر الثقة و على حجية الظهور و على حجية الاطمئنان .

ثامنا : انا لم ندخل على العبارة الاصولية تطويرا مهما و لم نتوخ ان تكون العبارة فى الحلقات الثلاث وفقا لا ساليب التعبير الحديث و انما حاولنا ذلك إلى حد ما فى الحلقة الاولى فقط , و اما فى الحلقتين الثانية و الثالثة فقد حرصنا ان تكون العبارة


33
سليمة و وافية بالمعنى ولكن لم نحاول جعلها حديثة , و لهذا جاء التعبير فى الحلقتين العاليتين مقاربا فى روحه العامة للتعبير المألوف فى الكتب العلمية الاصولية و ان تميز عنه بالسلامة و الوضوح و وفاء العبارة بالمعنى , و ليس ذلك لعدم ايماننا بأهمية تنشئة الطالب الحوزوى على اساليب التعبير الحديث , بل لاعتبارين آخرين قدمنا هما على ذلك .

أحدهما : اننا نريد ان نمكن الطالب تدريجا من الرجوع إلى الكتب العلمية الاصولية القائمة فعلا وفهمها , و هذا لا يتأتى إلا إذا خاطبناه بعبارة قريبة من مفردات تلك الكتب ولقناه من خلال الحلقات الثلاث المطالب الاصولية بنفس المصطلحات التى تستعملها تلك الكتب , حتى ولو كانت هذه المصطلحات تشتمل على خطأ فى تركيبها اللفظى , و اما إذا كتبنا الحلقات الثلاث بأساليب التعبير الحديث و وضعنا بديلا مناسبا عن المصطلحات القديمة فسوف تنقطع صلة الطالب بمراجع هذا العلم و كتبه و يتعسر عليه الرجوع اليها , و هذا يشكل عقبة كبيرة تواجه نموه العلمى . و على هذا الاساس اكتفينا من التجديد فى أساليب التعبير الاصولى بما أنجز فى الحلقة الاولى و انتقلنا بالطالب فى الحلقتين العاليتين إلى ارضية لغوية قريبة مما هو مألوف فى كتب الاصول .

و الاعتبار الاخر : ان الكتب الدراسية الاصولية والفقهية المكتوبة باللغة العربية تتميز عن أى كتاب دراسى عربى فى العلوم المدنية بأنها كتب لا تختص بأبناء لغة دون لغة , و كما يدرسها العربى كذلك يدرسها الفارسى والهندى والافغانى و غيرهم من أبناء الشعوب المختلفة فى العالم الاسلامى على الرغم من كونها كتبا عربية , و هؤلاء يتلقون ثقافتهم العربية من المصادر القديمة التى لا تهيى لهم قدرة كافية لفهم اللغة العربية بأساليبها الحديثة , فما لم يحصل بصورة مسبقة تطوير و تعديل فى أساليب تثقيف هؤلاء و تعليمهم اللغة العربية يصعب اتخاذ أساليب التعبير الحديث اساسا للتعبير فى الكتب الدراسية الاصولية .

تاسعا : أشرنا آنفا إلى انا حرصنا على سلامة العبارة و ان تكون واضحة وافية بالمعنى ولكن هذا لا يعنى ان تفهم المطالب من العبارة رأسا , و انما توخينا الوضوح


34
والسلامة بالدرجة التى تضمن ان تفهم المطالب من العبارة فى حالة دراستها على الاستاذ المختص بالمادة , لان الكتاب الدراسى لا يطلب منه التبسيط اكثر من ذلك كما هو واضح . نعم يمكن للطالب الالمعى فى بعض الحالات ان يمر على الحلقة الاولى مرورا سريعا مع الاستاذ أو يقرأها بصورة منفردة و يراجع الاستاذ فى بعض النقاط منها , إلا ان هذا استثناء و المفروض على العموم ان تدرس الحلقات الثلاث جميعا .

و بهذا تختلف الحلقات الثلاث عن الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا و تتفق مع مناهج الكتب الدراسية الحديثة , فان الكتب الدراسية الاصولية القائمة فعلا لا تحتوى على الصعوبة و التعقيد فى الجانب المعنوى والفكرى منها فقط , بل انها تشتمل على الصعوبة و التعقيد فى الجانب اللفظى و التعبيرى أيضا , و لهذا تجد عادة ان المدرس حتى بعد ان يشرح الفكرة للطالب تظل العبارة مستعصية على الفهم , و يحس الطالب بالحاجة إلى عون الاستاذ فى سبيل تطبيق تلك الفكرة على العبارة جملة جملة , و ليس ذلك إلا لان العبارة قد طعمت بشىء من الالغاز , اما لا يجازها , أو للالتواء فى صياغتها , أو لكلا الامرين , بينما الكتب الدراسية التى تسير عليها مناهج الدراسة فى العالم اليوم لا تحتوى على هذه الصعوبة لان العبارة فيها وافية , و هذا ما جرينا عليه فى هذه الحلقات , فقد جاءت العبارة فيها وافية بالمراد لا بمعنى ان الطالب يقتنص المراد من العبارة فقط بل بمعنى انه حين يشرح له استاذه المعنى يجده منطبقا على العبارة و لا يحس فى التعبير بالتواء و تعقيد .

عاشرا : أجدنى راغبا فى التأكيد من جديد على ان تبنى وجهة نظر أو طريقة استدلال أو مناقشة برهان فى هذه الحلقات لا يدل على اختيار ذلك حقا , كما ان المضمون الكامل للحلقات الثلاث لا يمثل الوضع التفصيلى لمباحثنا الاصولية و لا يصل إلى مداها كما أو كيفا . و من هنا كان على الراغبين فى الاطلاع على متبنياتنا الحقيقية فى الاصول و على نظرياتنا و أساليب استدلالنا بكامل ابعادها ان يرجعوا إلى ( بحوث فى علم الاصول ) .

بقى أخيرا ان نوجه بعض الارشادات إلى الطلبة الكرام الذين اعدت هذه


35
الحلقات الثلاث لهم و إلى أساتذتهم الاعلام و ذلك ضمن مايلى :

أولا : ان الجدير بتدريس ( الكفاية ) قادر على تدريس الحلقات الثلاث جميعا , كما ان القادر على تدريس ( المعالم ) قادر على تدريس الحلقة الاولى . و القادر على تدريس ( أصول الفقه ) يقدر على تدريس الحلقة الثانية بدون شك فضلا عن الاولى .

ثانيا : ان المرجح لطلبة الحلقة الثالثة ان يطالعوا قبل درس كل مسألة فيها المسألة نفسها من الحلقة السابقة , لان ذلك يساعدهم على سرعة تفهم الدرس الجديد الذى كثيرا ما يشتمل جزء منه على نفس المطالب المتقدمة فى الحلقة السابقة ولكن بشكل مضغوط و موجز .

كما انا نرجح لمن يقوم بتدريس الحلقة الثانية ان يطالع عند التحضير نفس المبحث من الحلقة الثالثة , لان ذلك يعطيه رؤية أوضح لما يريد أن يتولى تدريسه .

ثالثا : ان طلبة الحلقة الاولى يناسبهم ان يطالعوا المعالم الجديدة فى الاصول لان هذه الحلقة هى اختصار مع شىء من التعديل و التطوير لكتاب المعالم الجديدة فى الاصول , و الفارق بينهما ان كتاب المعالم الجديدة حينما وضعناه أدخلنا فى حسابنا الهواة أيضا و حاولنا ان نشرح الافكار فيه بطريقة تتيح لهم ان يفهموها من الكتاب نفسه بدون حاجة إلى مدرس , و اما الحلقة الاولى من هذه الحلقات الثلاث فقد وضعناها لطلبة العلم خاصة و افترضنا انها تتلقى من خلال الدرس .

رابعا : ان من المفيد ان يتخذ الطالب من بعض الكتب الدراسية القديمة مراجع له ككتابى ( اصول الفقه ) و ( الكفاية ) خلال البحث , و حيث ان المنهجة مختلفة فالمأمول فى مدرسى الحلقة الثالثة ان يرشدوا تلامذتهم إلى موضع المسألة التى يدرسونها و محل التعرض لها فى كتابى اصول الفقه و الكفاية , لان ذلك يوسع من مدارك الطالب و يسرع به نحو النضج العلمى المطلوب .

خامسا : ينبغى للطالب ان يحاول استيعاب شرح الاستاذ و كتابته , لكى تنمو لديه ملكة الكتابة العلمية , و تترسخ فى ذهنه مصطلحات العلم و لغته و أفكاره , و يكون اكثر استعدادا لكتابة ابحاث الخارج فيما بعد .


36

هذا و نسأل المولى سبحانه و تعالى ان يتقبل هذا بلطفه , و ينفع به طلبتنا و ابناءنا الاعزاء فى الحوزات العلمية , و ان ينفعنا به يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم , والحمد لله رب العالمين , و لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم .

18 رجب 1397 هالنجف الاشرف

محمد باقر الصدر


37
مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمدلله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين .

و بعد فان هذه هى الحلقة الاولى من دروس فى علم الاصول وضعناها للمبتدئين بدراسة هذا العلم , و تتبعها حلقتان اخريان ان شاءالله تعالى , و يتكامل من خلال الحلقات الثلاث إعداد الطالب للدراسة العليا و حضور ابحاث الخارج . و قد شرحنا فى مقدمة هذه الحلقة ما يتعلق بهذه الحلقات الثلاث و منهجها و طريقة تدريسها و من الله سبحانه نستمد العون و التوفيق .

جمادى الاولى 1397 ه . النجف الاشرف

محمد باقر الصدر


39

38
التمهيد

40

41

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بعلم الاصول
كلمة تمهيدية :

بعد ان آمن الانسان بالله و الاسلام و الشريعة , و عرف انه مسؤول بحكم كونه عبدالله تعالى عن امتثال أحكامه , يصبح ملزما بالتوفيق بين سلوكه فى مختلف مجالات الحياة و الشريعة الاسلامية , و باتخاذ الموقف العملى الذى تفرضه عليه تبعيته للشريعة , و لاجل هذا كان لزاما على الانسان ان يعين هذا الموقف العملى , و يعرف كيف يتصرف فى كل واقعة .

و لو كانت أحكام الشريعة فى كل الوقائع واضحة وضوحا بديهيا للجميع لكان تحديد الموقف العملى المطلوب تجاه الشريعة فى كل واقعة أمرا ميسورا لكل أحد , و لما احتاج إلى بحث علمى و دراسة واسعة , ولكن عوامل عديدة منها : بعدنا الزمنى عن عصر التشريع أدت إلى عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة و اكتنافها بالغموض .

و على هذا الاساس كان من الضرورى ان يوضع علم يتولى دفع الغموض عن الموقف العملى تجاه الشريعة فى كل واقعة باقامة الدليل على تعيينه .


42

و هكذا كان فقد انشى علم الفقه للقيام بهذه المهمة , فهو يشتمل على تحديد الموقف العملى تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا , و الفقيه فى علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العملى فى كل حدث من احداث الحياة , و هذا ما نطلق عليه اسم عملية استنباط الحكم الشرعى .

و لاجل هذا يمكن القول بان علم الفقه هو : علم استنباط الاحكام الشرعية أو علم عملية الاستنباط بتعبير آخر .

و تحديد الموقف العملى بدليل يتم فى علم الفقه باسلوبين :

احدهما : تحديده بتعيين الحكم الشرعى .

والاخر : تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك بعد استحكام الشك و تعذر تعيينه . و الادلة التى تستعمل فى الاسلوب الاول نسميها بالادلة أو الادلة المحرزة إذ يحرز بها الحكم الشرعى , و الادلة التى تستعمل فى الاسلوب الثانى تسمى بالادلة العملية أو الاصول العملية .

و فى كلا الاسلوبين يمارس الفقيه فى علم الفقه استنباط الحكم الشرعى , أى يحدد الموقف العملى تجاهه بالدليل .

و عمليات الاستنباط التى يشتمل عليها علم الفقه بالرغم من تعددها و تنوعها تشترك فى عناصر موحدة و قواعد عامة تدخل فيها على تعددها و تنوعها , و قد تطلبت هذه العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط وضع علم خاص بها لدراستها و تحديدها و تهيئتها لعلم الفقه فكان علم الاصول .

تعريف علم الاصول :

و على هذا الاساس نرى ان يعرف علم الاصول بانه[ ( العلم


43
بالعناصر المشتركة فى عملية استنباط الحكم الشرعى]( .

ولكى نستوعب هذا التعريف يجب ان نعرف ما هى العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط .

و لنذكر لاجل ذلك نماذج بدائية من هذه العملية فى صيغ مختصرة لكى نصل عن طريق دراسة هذه النماذج و المقارنة بينها إلى فكرة العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط .

افرضوا ان فقيها واجه هذه الاسئلة :

1 هل يحرم على الصائم ان يرتمس فى الماء ؟

2 هل يجب على الشخص إذا ورث مالا من ابيه ان يؤدى خمسه ؟

3 هل تبطل الصلاة بالقهقهة فى أثنائها ؟

فاذا أراد الفقيه أن يجيب على هذه الاسئلة فانه سوف يجيب على السؤال الاول مثلا بالايجاب و انه يحرم الارتماس على الصائم , و يستنبط ذلك بالطريقة التالية : قد دلت رواية يعقوب بن شعيب عن الامام الصادق ( عليه السلام ) على حرمة الارتماس على الصائم فقد جاء فيها انه قال : لا يرتمس المحرم فى الماء و لا الصائم ( 1 ) . والجملة بهذا التركيب تدل فى العرف العام على الحرمة و راوى النص يعقوب بن شعيب ثقة و الثقة و إن كان قد يخطى أو يشذ احيانا ولكن الشارع أمرنا بعدم اتهام الثقة بالخطأ أو الكذب و اعتبره حجة , و النتيجة هى ان الارتماس حرام .

و يجيب الفقيه على السؤال الثانى بالنفى , لان رواية على بن مهزيار جاءت فى مقام تحديد الاموال التى يجب فيها الخمس , و ورد فيها ان

( 1 ) الوسائل ج 7 ب 3 من ابواب ما يمسك عنه الصائم ح 1 .


44
الخمس ثابت فى الميراث الذى لا يحتسب من غير أب و لا ابن ( 1 ) , والعرف العام يفهم من هذه الجملة ان الشارع لم يجعل خمسا على الميراث الذى ينتقل من الاب إلى إبنه , والراوى ثقة و خبر الثقة حجة , و النتيجة هى ان الخمس فى تركة الاب غير واجب .

و يجيب الفقيه على السؤال الثالث بالايجاب , بدليل رواية زرارة عن الامام الصادق انه قال : [ ( القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصلاة]( ( 2 ) والعرف العام يفهم من النقض ان الصلاة تبطل بها , و زرارة ثقة و خبر الثقة حجة , فالصلاة مع القهقهة باطلة اذن .

و بملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة نجد ان الاحكام التى استنبطها الفقيه كانت من أبواب شتى من الفقه , و ان الادلة التى استند اليها الفقيه مختلفة , فبالنسبة إلى الحكم الاول استند إلى رواية يعقوب بن شعيب , و بالنسبة إلى الحكم الثانى استند إلى رواية على بن مهزيار , و بالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة . و لكل من الروايات الثلاث متنها و تركيبها اللفظى الخاص الذى يجب ان يدرس بدقة و يحدد معناه , ولكن توجد فى مقابل هذا التنوع و هذه الاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة أدخلها الفقيه فى عملية الاستنباط فى المواقف الثلاثة جميعا . فمن تلك العناصر المشتركة الرجوع إلى العرف العام فى فهم الكلام الصادر عن المعصوم , و هو ما يعبر عنه بحجية الظهور العرفى فحجية الظهور اذن عنصر مشترك فى عمليات الاستنباط

( 1 ) الوسائل ج 6 ب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس ح 5 .

( 2 ) الوسائل ج 4 ب 7 من ابواب قواطع الصلاة ح 1 .


45
الثلاث , و كذلك يوجد عنصر مشترك آخر و هو حجية خبر الثقة . و هكذا نستنتج ان عمليات الاستنباط تشتمل على عناصر مشتركة كما تشتمل على عناصر خاصة , و نعنى بالعناصر الخاصة تلك العناصر التى تتغير من مسألة إلى اخرى , فرواية يعقوب بن شعيب عنصر خاص فى عملية استنباط حرمة الارتماس , لانها لم تدخل فى عمليات الاستنباط الاخرى , بل دخلت بدلا عنها عناصر خاصة اخرى كرواية على بن مهزيار و رواية زرارة . و نعنى بالعناصر المشتركة القواعد العامة التى تدخل فى عمليات استنباط أحكام عديدة فى أبواب مختلفة .

و فى علم الاصول تدرس العناصر المشتركة , و فى علم الفقه تدرس العناصر الخاصة فى كل مسألة .

و هكذا يترك للفقيه فى كل مسألة أن يفحص بدقة الروايات والمدارك الخاصة التى ترتبط بتلك المسألة و يدرس قيمة تلك الروايات و يحاول فهم ألفاظها و ظهورها العرفى و أسانيدها , بينما يتناول الاصولى البحث عن حجية الظهور و حجية الخبر و هكذا .

و علم الاصول لا يحدد العناصر المشتركة فحسب بل يحدد أيضا درجات استعمالها و العلاقة بينها كما سنرى فى البحوث المقبلة ان شاءالله تعالى .

موضوع علم الاصول :

لكل علم عادة موضوع اساسى ترتكز جميع بحوثه عليه و تدور حوله و تستهدف الكشف عما يرتبط بذلك الموضوع من خصائص و حالات و قوانين , فالفيزياء مثلا موضوعها الطبيعة و بحوث الفيزياء ترتبط كلها


46
بالطبيعة و تحاول الكشف عن حالاتها و قوانينها العامة . و النحو موضوعه الكلمة لانه يبحث عن حالات إعرابها و بنائها و رفعها و نصبها . فما هو موضوع علم الاصول الذى تدور حوله بحوثه ؟ .

و نحن إذا لا حظنا التعريف الذى قدمناه لعلم الاصول استطعنا ان نعرف ان علم الاصول يدرس فى الحقيقة الادلة المشتركة فى علم الفقه لا ثبات دليليتها , و بهذا صح القول بان موضوع علم الاصول هو الادلة المشتركة فى عملية الاستنباط .

علم الاصول منطق الفقه :

و لابد ان معلوماتكم عن علم المنطق تسمح لنا ان نستخدمه كمثال لعلم الاصول , فان علم المنطق كما تعلمون يدرس فى الحقيقة عملية التفكير مهما كان مجالها وحقلها العلمى , و يحدد النظام العام الذى يجب ان تتبعه لكى يكون التفكير سليما , مثلا يعلمنا علم المنطق كيف يجب ان ننهج فى الاستدلال بوصفه عملية تفكير لكى يكون الاستدلال صحيحا , كيف نستدل على ان سقراط فان , و كيف نستدل على ان نار الموقد الموضوع أمامى محرقة , و كيف نستدل على ان مجموع زوايا المثلث تساوى قائمتين , و كيف نستدل على ان الخط الممتد بدون نهاية مستحيل , كل هذا يجيب عليه علم المنطق بوضع المناهج العامة للاستدلال كالقياس و الاستقراء , فهو إذن علم لعملية التفكير إطلاقا .

و علم الاصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية غير انه يبحث عن نوع خاص من عملية التفكير , أى عن عملية التفكير الفقهى فى


47
استنباط الاحكام , و يدرس العناصر المشتركة التى يجب ان تدخل فيها لكى يكون الاستنباط سليما , فهو يعلمنا كيف نستنبط الحكم بحرمة الارتماس على الصائم , و كيف نستنبط اعتصام ماء الكر , و كيف نستنبط الحكم باستحباب صلاة العيد أو وجوبها , و ذلك بوضع المناهج العامة و تحديد العناصر المشتركة لعملية الاستنباط .

و على هذا الاساس يصح ان يطلق على علم الاصول اسم منطق علم الفقه لانه بالنسبة اليه بمثابة المنطق بالنسبة إلى الفكر البشرى بصورة عامة .

اهمية علم الاصول فى عملية الاستنباط :

ولسنا بعد ذلك بحاجة إلى التأكيد على اهمية علم الاصول و خطورة دوره فى عالم الاستنباط لانه مادام يقدم لعملية الاستنباط عناصرها المشتركة و يضع لها نظامها العام فهو عصب الحياة فيها , و بدون علم الاصول يواجه الشخص فى الفقه ركاما متناثرا من النصوص و الادلة دون ان يستطيع استخدامها و الاستفادة منها فى الاستنباط , كانسان يواجه أدوات النجارة و يعطى منشارا و فأسا و ما اليها من أدوات دون ان يملك افكارا عامة عن عملية النجارة و طريقة استخدام تلك الادوات . و كما ان العناصر المشتركة ضرورية لعملية الاستنباط فكذلك العناصر الخاصة التى تختلف من مسألة إلى اخرى , كمفردات الايات و الروايات المتناثرة فانها الجزء الضرورى الاخر فيها , فلا يكفى مجرد الاطلاع على العناصر المشتركة التى يمثلها علم الاصول , و من يحاول الاستنباط على اساس الاطلاع الاصولى فحسب نظير من يملك معلومات


48
نظرية عامة عن عملية النجارة و لا يوجد لديه فأس و لا منشار و ما اليهما من أدوات النجارة , فكما يعجز هذا عن صنع سرير خشبى مثلا كذلك يعجز الاصولى عن الاستنباط إذا لم يفحص بدقة العناصر الخاصة المتغيرة من مسألة إلى اخرى .

فالعناصر المشتركة و العناصر الخاصة قطبان مندمجان فى عملية الاستنباط و لا غنى للعملية عنهما معا .

الاصول والفقه يمثلان النظرية و التطبيق :

و نخشى ان نكون قد أوحينا اليكم بتصور خاطى حين أوضحنا ان المستنبط يدرس فى علم الاصول العناصر المشتركة و يحددها و يتناول فى بحوث علم الفقه العناصر الخاصة ليكمل بذلك عملية الاستنباط , إذ قد يتصور البعض انا إذا درسنا فى علم الاصول العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط و عرفنا مثلا حجية الخبر و حجية الظهور و ما إليهما من العناصر الاصولية فلا يبقى علينا بعد ذلك أى جهد علمى , إذ لا نحتاج ما دمنا نملك تلك العناصر إلا إلى مجرد استخراج الروايات و النصوص من مواضعها لكى تضاف إلى العناصر المشتركة و يستنبط منها الحكم الشرعى , و هو عمل سهل بطبيعته لا يشتمل على جهد علمى .

ولكن هذا التصور خاطى إلى درجة كبيرة , لان المجتهد إذا مارس العناصر المشتركة لعملية الاستنباط و حددها فى علم الاصول لا يكتفى بعد ذلك بتجميع أعمى للعناصر الخاصة من كتب الاحاديث و الروايات مثلا , بل يبقى عليه ان يمارس فى علم الفقه تطبيق تلك العناصر المشتركة و نظرياتها العامة على العناصر الخاصة , والتطبيق مهمة


49
فكرية بطبيعتها تحتاج إلى درس و تمحيص , و لا يغنى الجهد العلمى المبذول اصوليا عن بذل جهد جديد فى التطبيق , فلنفرض مثلا ان المجتهد آمن فى علم الاصول بحجية الظهور العرفى فهل يكفيه أن يضع إصبعه على رواية على بن مهزيار التى حددت مجالات الخمس مثلا ليضيفها إلى العنصر المشترك و يستنبط من ذلك عدم وجوب الخمس فى ميراث الاب ؟ أو ليس المجتهد بحاجة إلى تدقيق مدلول النص فى الرواية لمعرفة نوع مدلوله فى العرف العام و دراسة كل ما يرتبط بتحديد ظهوره العرفى من قرائن و امارات داخل اطار النص أو خارجه لكى يتمكن بأمانة من تطبيق العنصر المشترك القائل بحجية الظهور العرفى ؟ و فى هذا الضوء نعرف ان البحث الفقهى عن العناصر الخاصة فى عملية الاستنباط ليس مجرد عملية تجميع , بل هو مجال التطبيق للنظريات الاصولية . و تطبيق النظريات العامة له دائما موهبته الخاصة و دقته و مجرد الدقة فى النظريات العامة لا يغنى عن الدقة فى تطبيقها , ألا ترون ان من يدرس بعمق النظريات العامة فى الطب يحتاج فى مجال تطبيقها على حالة مرضية إلى دقة و انتباه كامل و تفكير فى تطبيق تلك النظريات على المريض الذى بين يديه .
التفاعل بين الفكر الاصولى و الفكر الفقهى :

عرفنا ان علم الاصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى علم الفقه والعلاقة بينهما علاقة النظرية و التطبيق , و هذا الترابط الوثيق بينهما يفسر لنا التفاعل المتبادل بين الذهنية الاصولية على صعيد النظريات من ناحية , و بين الذهنية الفقهية على صعيد التطبيق من ناحية اخرى , لان


50
توسع بحوث التطبيق يدفع بحوث النظرية خطوة إلى الامام لانه يثير امامها مشاكل و يضطرها إلى وضع النظريات العامة لحلولها , كما ان دقة البحث فى النظريات الاصولية تنعكس على صعيد التطبيق , إذ كلما كانت النظريات أوفر و أدق تطلبت طريقة تطبيقها دقة و عمقا اكبر . و هذا التفاعل بين الذهنيتين الاصولية و الفقهية يؤكده تأريخ العلمين على طول الخط , و تكشف عنه بوضوح دراسة المراحل التى مر بها البحث الفقهى و البحث الاصولى فى تأريخ العلم , فقد نشأ علم الاصول فى احضان علم الفقه كما نشأ علم الفقه فى احضان علم الحديث .

و لم يكن علم الاصول مستقلا عن علم الفقه فى البداية , و من خلال نمو علم الفقه و اتساع افق التفكير الفقهى أخذت الخيوط العامة والعناصر المشتركة فى عملية الاستنباط تبدو و تتكشف , و اخذ الممارسون للعمل الفقهى يلاحظون اشتراك عمليات الاستنباط فى عناصر عامة لا يمكن استخراج الحكم الشرعى بدونها , و كان ذلك ايذانا بمولد علم الاصول و اتجاه الذهنية الفقهية اتجاها اصوليا , فانفصل علم الاصول عن علم الفقه فى البحث و التصنيف , و اخذ يتسع و يثرى تدريجا من خلال نمو الفكر الاصولى من ناحية و تبعا لتوسع البحث الفقهى من ناحية اخرى , لان اتساع نطاق التطبيق الفقهى كان يلفت انظار الممارسين إلى مشاكل جديدة فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة و تتخذ الحلول صورة العناصر المشتركة فى علم الاصول .

و كلما بعد الفقيه عن عصر النص تعددت جوانب الغموض فى فهم الحكم من مداركه الشرعية و تنوعت الفجوات فى عملية الاستنباط


51
نتيجة للبعد الزمنى , فيحس اكثر فاكثر بالحاجة إلى تحديد قواعد عامة يعالج بها جوانب الغموض و يملا بها تلك الفجوات , و بهذا كانت الحاجة إلى علم الاصول تأريخية , بمعنى انها تشتد و تتأكد كلما ابتعد الفقيه تأريخيا عن عصر النص و تراكمت الشكوك على عملية الاستنباط التى يمارسها . و على هذا الاساس يمكن ان نفسر الفارق الزمنى بين ازدهار علم الاصول فى نطاق التفكير الفقهى السنى و ازدهاره فى نطاق تفكيرنا الفقهى الامامى , فان التأريخ يشير إلى ان علم الاصول ترعرع و ازدهر نسبيا فى نطاق الفقه السنى قبل ترعرعه و ازدهاره فى نطاقنا الفقهى الامامى , و ذلك لان المذهب السنى كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبى ( ص ) فحين اجتاز الفكر الفقهى السنى القرن الثانى كان قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة زمنية كبيرة تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات . و اما الامامية فقد كانوا وقتئذ يعيشون عصر النص الشرعى لان الامام امتداد لوجود النبى , فكانت المشاكل التى يعانيها فقهاء الامامية فى الاستنباط اقل بكثير إلى الدرجة التى لا تفسح المجال للاحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الاصول , و لهذا نجد ان الامامية بمجرد ان انتهى عصر النصوص بالنسبة اليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص تفتحت ذهنيتهم الاصولية و أقبلوا على درس العناصر المشتركة . و هذا لا يعنى طبعا ان بذور التفكير الاصولى لم توجد لدى فقهاء أصحاب الائمة , بل قد وجدت هذه البذور منذ ايام الصادقين عليهما السلام على المستوى المناسب لتلك المرحلة , و من الشواهد التأريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط وجهها عدد من
52
الرواة إلى الامام الصادق و غيره من الائمة عليهم السلام و تلقوا جوابا منهم , فان تلك الاسئلة تكشف عن وجود بذرة التفكير الاصولى عندهم . و يعزز ذلك ان بعض أصحاب الائمة ألفوا رسائل فى بعض المسائل الاصولية كهشام بن الحكم من أصحاب الامام الصادق الذى روى انه ألف رسالة فى الالفاظ .
53
جواز عملية الاستنباط

مادام علم الاصول يرتبط بعملية الاستنباط و يحدد عناصرها المشتركة فيجب ان نعرف قبل كل شىء موقف الشريعة من هذه العملية , فهل سمح الشارع لاحد بممارستها لكى يوجد مجال لوضع علم لدراسة عناصرها المشتركة ؟ .

والحقيقة ان مسألة جواز الاستنباط حين تطرح للبحث بالصيغة التى طرحناها لا يبدو انها جديرة بالنقاش , لاننا حين نتساءل هل يجوز لنا ممارسة عملية الاستنباط أولا ؟ يجى الجواب على البداهة بالايجاب , لان عملية الاستنباط كما تقدم عبارة عن تحديد الموقف العملى تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا , و من البديهى ان الانسان بحكم تبعيته للشريعة ملزم بتحديد موقفه العملى منها , و لما لم تكن أحكام الشريعة غالبا فى البداهة و الوضوح بدرجة تغنى عن إقامة الدليل , فليس من المعقول ان يحرم على الناس جميعا تحديد الموقف العملى تحديدا استدلاليا .

ولكن لسوء الحظ اتفق لهذه المسألة ان اكتسب صيغة اخرى


54
لا تخلو عن غموض و تشويش , فأصبحت مثارا للاختلاف نتيجة لذلك الغموض والتشويش , فقد استخدمت كلمة ( الاجتهاد ) للتعبير عن عملية الاستنباط . و طرح السؤال هكذا : هل يجوز الاجتهاد فى الشريعة ؟ و حينما دخلت كلمة الاجتهاد فى السؤال و هى كلمة مرت بمصطلحات عديدة فى تاريخها أدت إلى إبقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث , و نتج عن ذلك ان أجاب البعض على السؤال بالنفى , و أدى ذلك إلى شجب علم الاصول كله لانه انما يراد لاجل الاجتهاد , فاذا الغى الاجتهاد لم تعد حاجة إلى علم الاصول .

و فى سبيل توضيح ذلك يجب أن نذكر التطور الذى مرت به كلمة الاجتهاد , لكى نتبين كيف ان النزاع الذى وقع حول جواز عملية الاستنباط و الضجة التى اثيرت ضدها لم يكن إلا نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمى , و غفلة عن التطورات التى مرت بها كلمة الاجتهاد فى تاريخ العلم .

الاجتهاد فى اللغة مأخوذ من الجهد و هو[ ( بذل الوسع للقيام بعمل ما]( و قد استعملت هذه الكلمة لاول مرة على الصعيد الفقهى للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التى قررتها بعض مدارس الفقه السنى و سارت على أساسها و هى القاعدة القائلة[ : ( إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا و لم يجد نصا يدل عليه فى الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص]( . و الاجتهاد هنا يعنى التفكير الشخصى , فالفقيه حيث لايجد النص يرجع إلى تفكيره الخاص و يستلهمه و يبنى على ما يرجح فى فكره الشخصى من تشريع , و قد يعبر عنه بالرأى أيضا .


55

و الاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلة الفقيه و مصدرا من مصادره , فكما ان الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنة و يستدل بهما معا كذلك يستند فى حالات عدم توفر النص إلى الاجتهاد الشخصى و يستدل به .

و قد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة فى الفقه السنى , و على رأسها مدرسة أبى حنيفة . و لقى فى نفس الوقت معارضة شديدة من أئمة أهل البيت ( ع ) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم .

و تتبع كلمة الاجتهاد يدل على ان الكلمة حملت هذا المعنى و كانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الائمة إلى القرن السابع , فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت ( ع ) ( 1 ) تذم الاجتهاد و تريد به ذلك المبدأ الفقهى الذى يتخذ من التفكير الشخصى مصدرا من مصادر الحكم , و قد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهى دور التصنيف فى عصر الائمة أيضا والرواة الذين حملوا آثارهم , و كانت الحملة تستعمل كلمة الاجتهاد غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الذى جاء فى الروايات , فقد صنف عبدالله بن عبدالرحمن الزبيرى كتابا , أسماه[ ( الاستفادة فى الطعون على الاوائل والرد على أصحاب الاجتهاد و القياس]( . و صنف هلال بن ابراهيم بن أبى الفتح المدنى كتابا فى الموضوع باسم كتاب[ ( الرد على من رد آثار الرسول و اعتمد على نتائج العقول]( . و صنف فى عصر الغيبة الصغرى أو قريبا منه اسماعيل بن على بن اسحاق بن أبى سهل النوبختى كتابا فى الرد على عيسى بن أبان فى الاجتهاد , كما نص

( 1 ) الوسائل ج 18 ب 6 من أبواب صفات القاضى .


56
على ذلك كله النجاشى صاحب الرجال فى ترجمة كل واحد من هؤلاء .

و فى أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق فى أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة , و نذكر له على سبيل المثال تعقيبه على قصة موسى و الخضر , إذ كتب يقول[ : ( ان موسى مع كمال عقله و فضله و محله من الله تعالى لم يدرك باستنباطه و استدلاله معنى أفعال الخضر حتى اشتبه عليه وجه الامر به , فاذا لم يجز لانبياء الله و رسله القياس و الاستدلال و الاستخراج كان من دونهم من الامم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك . . . فاذا لم يصلح موسى للاختيار مع فضله و محله فكيف تصلح الامة لاختيار الامام , و كيف يصلحون لاستنباط الاحكام الشرعية و استخراجها بعقولهم الناقصة و آرائهم المتفاوته]( .

و فى أواخر القرن الرابع يجىء الشيخ المفيد فيسير على نفس الخط و يهجم على الاجتهاد , و هو يعبر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهى الانف الذكر و يكتب كتابا فى ذلك باسم[ ( النقض على ابن الجنيد فى اجتهاد الرأى]( .

و نجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى فى أوائل القرآن الخامس , إذ كتب فى الذريعة يذم الاجتهاد و يقول[ : ( إن الاجتهاد باطل , و ان الامامية لا يجوز عندهم العمل بالظن و لا الرأى و لا الاجتهاد]( و كتب فى كتابه الفقهى[ ( الانتصار ]( معرضا بابن الجنيد قائلا[ : ( انما عول ابن الجنيد فى هذه المسألة على ضرب من الرأى والاجتهاد و خطأه ظاهر]( و قال فى مسألة مسح الرجلين فى فصل الطهارة من كتاب الانتصار[ : ( إنا لا نرى الاجتهاد و لا نقول به]( .

و استمر هذا الاصطلاح فى كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضا , فالشيخ


57
الطوسى الذى توفى فى أواسط القرن الخامس يكتب فى كتاب العدة قائلا[ : ( أما القياس و الاجتهاد فعندنا انهما ليسا بدليلين , بل محظور فى الشريعة استعمالهما]( .

و فى أواخر القرن السادس يستعرض إبن ادريس فى مسألة تعارض البينتين من كتابه السرائر عددا من المرجحات لاحدى البينتين على الاخرى ثم يعقب ذلك قائلا [ :( و لا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا , والقياس و الاستحسان و الاجتهاد باطل عندنا]( .

و هكذا تدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخى المتتابع على ان كلمة الاجتهاد كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهى المتقدم إلى أوائل القرن السابع , و على هذا الاساس اكتسبت الكلمة لونا مقيتا و طابعا من الكراهية و الاشمئزاز فى الذهنية الفقهية الامامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ و الايمان ببطلانه .

ولكن كلمة الاجتهاد تطورت بعد ذلك فى مصطلح فقهائنا و لا يوجد لدينا الان نص شيعى يعكس هذا التطور أقدم تاريخا من كتاب المعارج للمحقق الحلى المتوفى سنة ( 676 ه ) , إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول[ : ( و هو فى عرف الفقهاء بذل الجهد فى استخراج الاحكام الشرعية , و بهذا الاعتبار يكون استخراج الاحكام من ادلة الشرع اجتهادا , لانها تبتنى على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص فى الاكثر , سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره , فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد .

فان قيل : يلزم على هذا ان يكون الامامية من أهل الاجتهاد .

قلنا : الامر كذلك لكن فيه ايهام من حيث ان القياس من جملة


58
الاجتهاد , فاذا استثنى القياس كنا من اهل الاجتهاد فى تحصيل الاحكام بالطرق النظرية التى ليس أحدها القياس]( .

و يلاحظ على هذا النص بوضوح ان كلمة الاجتهاد كانت لا تزال فى الذهنية الاساسية مثقلة بتبعة المصطلح الاول , و لهذا يلمح النص إلى ان هناك من يتحرج من هذا الوصف و يثقل عليه ان يسمى فقهاء الامامية مجتهدين .

ولكن المحقق الحلى لم يتحرج عن اسم الاجتهاد بعد ان طوره أو تطور فى عرف الفقهاء تطويرا يتفق مع مناهج الاستنباط فى الفقه الامامى , إذ بينما كان الاجتهاد مصدرا للفقيه يصدر عنه و دليلا يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية , أصبح فى المصطلح الجديد يعبر عن الجهد الذى يبذله الفقيه فى استخراج الحكم الشرعى من أدلته و مصادره , فلم يعد مصدرا من مصادر الاستنباط , بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التى يمارسها الفقيه .

والفرق بين المعنيين جوهرى للغاية , إذ كان على الفقيه على أساس المصطلح الاول للاجتهاد ان يستنبط من تفكيره الشخصى و ذوقه الخاص فى حالة عدم توفر النص , فاذا قيل له : ما هو دليلك و مصدر حكمك هذا ؟ استدل بالاجتهاد و قال :الدليل هو اجتهادى و تفكيرى الخاص . و أما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أى حكم من الاحكام بالاجتهاد , لان الاجتهاد بالمعنى الثانى ليس مصدرا للحكم بل هو عملية استنباط الاحكام من مصادرها , فاذا قال الفقيه[ ( هذا اجتهادى]( كان معناه أن هذا هو ما استنبطه من المصادر و الادلة , فمن حقنا ان نسأله و نطلب منه ان يدلنا على تلك المصادر و الادلة التى


59
استنبط الحكم منها .

و قد مر هذا المعنى الجديد لكلمة الاجتهاد بتطور أيضا , فقد حدده المحقق الحلى فى نطاق عمليات الاستنباط التى لا تستند إلى ظواهر النصوص فكل عملية استنباط لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمى اجتهادا دون ما يستند إلى تلك الظواهر . و لعل الدافع إلى هذا التحديد أن استنباط الحكم من ظاهر النص ليس فيه كثير جهد أو عناء علمى ليسمى اجتهادا .

ثم اتسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك فاصبح يشمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النص أيضا , لان الاصوليين بعد هذا لا حظوا بحق ان عملية استنباط الحكم من ظاهر النص تستبطن كثيرا من الجهد العلمى فى سبيل معرفة الظهور و تحديده و اثبات حجية الظهور العرفى . و لم يقف توسع الاجتهاد كمصطلح عند هذا الحد , بل شمل فى تطور حديث عملية الاستنباط بكل ألوانها , فدخلت فى الاجتهاد كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملى تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعى أو على تعيين الموقف العملى مباشرة .

و هكذا أصبح الاجتهاد يرادف عملية الاستنباط , و بالتالى أصبح علم الاصول العلم الضرورى للاجتهاد لانه العلم بالعناصر المشتركة فى عملية الاستنباط .

و على هذا الضوء يمكننا ان نفسر موقف جماعة من علمائنا الاخيار ممن عارضوا كلمة الاجتهاد بما تحمل من تراث المصطلح الاول الذى شن أهل البيت حملة شديدة عليه و هو يختلف عن الاجتهاد بالمعنى


60
الثانى , و ما دمنا قد ميزنا بين معنيى الاجتهاد فنستطيع ان نعيد إلى المسألة بداهتها و نتبين بوضوح جواز الاجتهاد بالمعنى المرادف لعملية الاستنباط , و تترتب على ذلك ضرورة الاحتفاظ بعلم الاصول , لدراسة العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط .
61
الحكم الشرعى و تقسيمه

عرفنا ان علم الاصول يدرس العناصر المشتركة فى عملية استنباط الحكم الشرعى , و لاجل ذلك يجب ان نكون فكرة عامة منذ البدء عن الحكم الشرعى الذى يقوم علم الاصول بتحديد العناصر المشتركة فى عملية استنباطه .

الحكم الشرعى هو : التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الانسان . و الخطابات الشرعية فى الكتاب والسنة مبرزة للحكم و كاشفة عنه , و ليست هى الحكم الشرعى نفسه .

و على هذا الضوء يكون من الخطأ تعريف الحكم الشرعى بالصيغة المشهورة بين قدماء الاصوليين , إذ يعرفونه بانه ( الخطاب الشرعى المتعلق بافعال المكلفين ) , فان الخطاب كاشف عن الحكم و الحكم هو مدلول الخطاب .

أضف إلى ذلك ان الحكم الشرعى لا يتعلق بأفعال المكلفين دائما , بل قد يتعلق بذواتهم أو بأشياء اخرى ترتبط بهم , لان الهدف من الحكم الشرعى تنظيم حياة الانسان , و هذا الهدف كما يحصل بخطاب


62
متعلق بأفعال المكلفين كخطاب[ ( صل]( و[ ( صم]( و[ ( لا تشرب الخمر]( كذلك يحصل بخطاب متعلق بذواتهم أو بأشياء أخرى تدخل فى حياتهم من قبيل الاحكام والخطابات التى تنظم علاقة الزوجية و تعتبر المرأة زوجة للرجل فى ظل شروط معينة , أو تنظم علاقة الملكية و تعتبر الشخص مالكا للمال فى ظل شروط معينة , فان هذه الاحكام ليست متعلقة بافعال المكلفين بل الزوجية حكم شرعى متعلق بذواتهم والملكية حكم شرعى متعلق بالمال . فالافضل إذن استبدال الصيغة المشهورة بما قلناه من ان الحكم الشرعى هو التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الانسان سواء كان متعلقا بأفعاله أو بذاته أو بأشياء أخرى داخلة فى حياته .
تقسيم الحكم إلى تكليفى و وضعى

و على ضوء ما سبق يمكننا تقسيم الحكم إلى قسمين :

أحدهما : الحكم الشرعى المتعلق بأفعال الانسان والموجه لسلوكه مباشرة فى مختلف جوانب حياته الشخصية و العبادية و العائلية و الاجتماعية التى عالجتها الشريعة و نظمتها جميعا , كحرمة شرب الخمر و وجوب الصلاة و وجوب الانفاق على بعض الاقارب , و إباحة إحياء الارض , و وجوب العدل على الحاكم .

والاخر : الحكم الشرعى الذى لا يكون موجها مباشرا للانسان فى أفعاله و سلوكه , و هو كل حكم يشرع وضعا معينا يكون له تأثير غير مباشر فى سلوك الانسان , من قبيل الاحكام التى تنظم علاقات الزوجية , فانها تشرع بصورة مباشرة علاقة معينة بين الرجل والمرأة و تؤثر


63
بصورة غير مباشرة فى السلوك و توجهه لان المرأة بعد أن تصبح زوجة مثلا تلزم بسلوك معين تجاه زوجها , و يسمى هذا النوع من الاحكام بالاحكام الوضعية .

و الارتباط بين الاحكام الوضعية والاحكام التكليفية و ثيق , إذ لا يوجد حكم وضعى إلا و يوجد إلى جانبه حكم تكليفى , فالزوجية حكم شرعى وضعى توجد إلى جانبه أحكام تكليفية و هى وجوب إنفاق الزوج على زوجته و وجوب التمكين على الزوجة , والملكية حكم شرعى وضعى توجد إلى جانبه أحكام تكليفية من قبيل حرمة تصرف غير المالك فى المال إلا باذنه , و هكذا .

اقسام الحكم التكليفى :

ينقسم الحكم التكليفى و هو الحكم المتعلق بأفعال الانسان و الموجه لها مباشرة إلى خمسة أقسام , و هى كمايلى :

1 ـ[ ( الوجوب]( و هو حكم شرعى يبعث نحو الشىء الذى تعلق به بدرجة الالزام , نحو وجوب الصلاة و وجوب إعانة المعوزين على ولى الامر .

[ 2 ( الاستحباب]( و هو حكم شرعى يبعث نحو الشىء الذى تعلق به بدرجة دون الالزام , و لهذا توجد إلى جانبه دائما رخصة من الشارع فى مخالفته , كاستحباب صلاة الليل .

[ 3 ( الحرمة]( و هى حكم شرعى يزجر عن الشىء الذى تعلق به بدرجة الالزام , نحو حرمة الربا و حرمة الزنا و بيع الاسلحة من أعداء الاسلام .

[ 4 ( الكراهة]( و هى حكم شرعى يزجر عن الشىء الذى تعلق به


64
بدرجة دون الالزام , فالكراهة فى مجال الزجر كالاستحباب فى مجال البعث , كما ان الحرمة فى مجال الزجر كالوجوب فى مجال البعث , و مثال المكروه خلف الوعد .

[ 5 ( الاباحة]( و هى ان يفسح الشارع المجال للمكلف لكى يختار الموقف الذى يريده , و نتيجة ذلك ان يتمتع المكلف بالحرية فله ان يفعل و له ان يترك .


65
بحوث علم الاصول

66

67
تنويع البحث

حينما يتناول الفقيه مسألة كمسألة الاقامة للصلاة , و يحاول استنباط حكمها يتساءل فى البداية : ما هو نوع الحكم الشرعى المتعلق بالاقامة ؟ فان حصل على دليل يكشف عن نوع الحكم الشرعى للاقامة كان عليه ان يحدد موقفه العملى و استنباطه على اساسه , فيكون استنباطا قائما على اساس الدليل .

و ان لم يحصل الفقيه على دليل يعين نوع الحكم الشرعى المتعلق بالاقامة فسوف يظل الحكم الشرعى مجهولا للفقيه و فى هذه الحالة يستبدل الفقيه سؤاله الاول الذى طرحه فى البداية بسؤال جديد كمايلى : ما هى القواعد التى تحدد الموقف العملى تجاه الحكم الشرعى المجهول ؟ و هذه القواعد تسمى بالاصول العملية , و مثالها أصالة البراءة , و هى القاعدة القائلة : ان كل إيجاب أو تحريم مجهول لم يقم عليه دليل فلا أثر له على سلوك الانسان و ليس الانسان ملزما بالاحتياط من ناحيته و التقيد به , و يقوم الاستنباط فى هذه الحالة على اساس الاصل العملى بدلا عن الدليل , والفرق بين الاصل والدليل ان الاصل لا يحرز الواقع


68
و انما يحدد الوظيفة العملية تجاهه و هو نحو من الاستنباط و لاجل هذا يمكننا تنويع عملية الاستنباط إلى نوعين : أحدهما الاستنباط القائم على أساس الدليل , كالاستنباط المستمد من نص دال على الحكم الشرعى , والاخر الاستنباط القائم على أساس الاصل العملى كالاستنباط المستمد من أصالة البراءة .

و لما كان علم الاصول هو العلم بالعناصر المشتركة فى عملية الاستنباط فهو يزود كلا النوعين بعناصره المشتركة , و على هذا الاساس ننوع البحوث الاصولية إلى نوعين نتكلم فى النوع الاول عن العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط التى تتمثل فى أدلة محرزة للحكم , و نتكلم فى النوع الثانى عن العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط التى تتمثل فى اصول عملية .

العنصر المشترك بين النوعين :

و يوجد بين العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط عنصر مشترك يدخل فى جميع عمليات استنباط الحكم الشرعى بكلا نوعيها : ما كان منها قائما على أساس الدليل و ما كان قائما على أساس الاصل العملى .

و هذا العنصر هو ( حجية القطع ) و نريد بالقطع انكشاف قضية من القضايا بدرجة لا يشوبها شك . و معنى حجية القطع يتلخص فى أمرين :

أحدهما : أن العبد إذا تورط فى مخالفة المولى نتيجة لعمله بقطعه و اعتقاده , فليس للمولى معاقبته , و للعبد أن يعتذر عن مخالفته للمولى بانه عمل على وفققطعه , كما إذا قطع العبد خطأ بان الشراب الذى أمامه ليس خمرا فشربه اعتمادا على قطعه و كان الشراب خمرا فى الواقع ,


69
فليس للمولى أن يعاقبه على شربه للخمر مادام قد استند إلى قطعه , و هذا أحد الجانبين من حجية العلم و يسمى بجانب المعذرية .

والاخر : أن العبد إذا تورط فى مخالفة المولى نتيجة لتركه العمل بقطعه فللمولى ان يعاقبه و يحتج عليه بقطعه , كما إذا قطع العبد بان الشراب الذى أمامه خمر فشربه و كان خمرا فى الواقع , فان من حق المولى ان يعاقبه على مخالفته , لان العبد كان على علم بحرمة الخمر و شربه فلا يعذر فى ذلك , و هذا هو الجانب الثانى من حجية القطع و يسمى بجانب المنجزية .

و بديهى أن حجية القطع بهذا المعنى الذى شرحناه لا يمكن ان تستغنى عنه أى عملية من عمليات استنباط الحكم الشرعى , لان الفقيه يخرج من عملية الاستنباط دائما بنتيجة , و هى العلم بالموقف العملى تجاه الشريعة و تحديده على أساس الدليل أو على أساس الاصل العملى , ولكى تكون هذه النتيجة ذات أثر لابد من الاعتراف مسبقا بحجية القطع , إذ لو لم يكن القطع حجة و لم يكن صالحا للاحتجاج به من المولى على عبده و من العبد على مولاه لكانت النتيجة التى خرج بها الفقيه من عملية الاستنباط لغوا , لان علمه ليس حجة , ففى كل عملية استنباط لابد إذن أن يدخل عنصر حجية القطع لكى تعطى العملية ثمارها و يخرج منها الفقيه بنتيجة إيجابية .

و بهذا أصبحت حجية القطع أعم العناصر الاصولية المشتركة و أوسعها نطاقا .

وليست حجية القطع عنصرا مشتركا فى عمليات استنباط الفقيه للحكم الشرعى فحسب , بل هى فى الواقع شرط أساسى فى دراسة


70
الاصولى للعناصر المشتركة نفسها أيضا , فنحن حينما ندرس مثلا مسألة حجية الخبر أو حجية الظهور العرفى إنما نحاول بذلك تحصيل العلم بواقع الحال فى تلك المسألة , فاذا لم يكن العلم والقطع حجة فأى جدوى فى دراسة حجية الخبر والظهور العرفى ؟ ! .

فالفقيه و الاصولى يستهد فان معا من بحوثهما تحصيل العلم بالنتيجة الفقهية ( تحديد الموقف العملى تجاه الشريعة ) أو الاصولية ( العنصر المشترك ) , فبدون الاعتراف المسبق بحجية العلم والقطع تصبح بحوثهما عبثا لا طائل تحته .

و حجية القطع ثابتة بحكم العقل , فان العقل يحكم بان للمولى سبحانه حق الطاعة على الانسان فى كل ما يعلمه من تكاليف المولى و أوامره و نواهيه فاذا علم الانسان بحكم إلزامى من المولى[ ( وجوب أو حرمة]( دخل ذلك الحكم الالزامى ضمن نطاق حق الطاعة , و أصبح من حق المولى على الانسان ان يمتثل ذلك الالزام الذى علم به , فاذا قصر فى ذلك أو لم يؤد حق الطاعة كان جديرا بالعقاب , و هذا هو جانب المنجزية فى حجية القطع , و من ناحية أخرى يحكم العقل أيضا بان الانسان القاطع بعدم الالزام من حقه أن يتصرف كما يحلو له , و إذا كان الالزام ثابتا فى الواقع والحالة هذه فليس من حق المولى على الانسان أن يمتثله و لا يمكن للمولى أن يعاقبه على مخالفته ما دام الانسان قاطعا بعدم الالزام , و هذا هو جانب المعذرية فى حجية القطع .

والعقل كما يدرك حجية القطع كذلك يدرك أن الحجية لا يمكن أن تزول عن القطع بل هى لازمة له , و لا يمكن حتى للمولى أن يجرد القطع من حجيته و يقول : إذا قطعت بعدم الالزام فأنت لست معذورا ,


71
أو يقول : إذا قطعت بالالزام فلك أن تهمله , فان كل هذا مستحيل بحكم العقل , لان القطع لا تنفك عنه المعذرية والمنجزية بحال من الاحوال , و هذا معنى القاعدة الاصولية القائلة باستحالة صدور الردع من الشارع عن القطع .

و قد تقول : هذا المبدأ الاصولى يعنى أن العبد إذا تورط فى عقيدة خاطئة فقطع مثلا بان شرب الخمر حلال فليس للمولى ان ينبهه على الخطأ .

والجواب : أن المولى بامكانه التنبيه على الخطأ و إخبار العبد بان الخمر ليس مباحا , لان ذلك يزيل القطع من نفس العبد و يرده إلى الصواب , و المبدأ الاصولى الانف الذكر إنما يقرر استحالة صدور الردع من المولى عن العمل بالقطع مع بقاء القطع ثابتا , فالقاطع بحلية شرب الخمر يمكن للمولى أن يزيل قطعه ولكن من المستحيل أن يردعه عن العمل بقطعه و يعاقبه على ذلك مادام قطعه ثابتا و يقينه بالحلية قائما .


72
النوع الاول
الادلة المحرزة
مبادى عامة :

الدليل الذى يستند اليه الفقيه فى استنباط الحكم الشرعى , إما أن يؤدى إلى العلم بالحكم الشرعى أولا :

ففى الحالة الاولى يكون الدليل قطعيا و يستمد شرعيته و حجيته من حجية القطع , لانه يؤدى إلى القطع بالحكم , والقطع حجة بحكم العقل فيتحتم على الفقيه أن يقيم على أساسه استنباطه للحكم الشرعى . و من نماذجه القانون القائل[ ( كلما وجب الشىء وجبت مقدمته]( فان هذا القانون يعتبر دليلا قطعيا على وجوب الوضوء بوصفه مقدمة للصلاة .

و أما فى الحالة الثانية فالدليل ناقص لانه ليس قطعيا , و الدليل الناقص إذا حكم الشارع بحجيته و أمر بالاستناد اليه فى عملية الاستنباط على الرغم من نقصانه , أصبح كالدليل القطعى و تحتم على الفقيه الاعتماد عليه . و من نماذج الدليل الناقص الذى جعله الشارع حجة خبر الثقة , فان خبر الثقة لا يؤدى إلى العلم لاحتمال الخطأ فيه أو الشذوذ , فهو دليل ظنى ناقص و قد جعله الشارع حجة و أمر باتباعه و تصديقه , فارتفع بذلك فى عملية الاستنباط إلى مستوى الدليل


73
القطعى .

و إذا لم يحكم الشارع بحجية الدليل الناقص فلا يكون حجة و لا يجوز الاعتماد عليه فى الاستنباط , لانه ناقص يحتمل فيه الخطأ .

و قد نشك و لا نعلم هل جعل الشارع الدليل الناقص حجة أولا و لا يتوفر لدينا الدليل الذى يثبت الحجية شرعا أو ينفيها , و عندئذ يجب أن نرجع إلى قاعدة عامة يقررها الاصوليون بهذا الصدد , و هى القاعدة القائلة[ : ( ان كل دليل ناقص , ليس حجة ما لم يثبت بالدليل الشرعى العكس]( , و هذا هو معنى ما يقال فى علم الاصول من ان[ ( الاصل فى الظن هو عدم الحجية إلا ما خرج بدليل قطعى ]( و نستخلص من ذلك أن الدليل الجدير بالاعتماد عليه فقهيا هو الدليل القطعى أو الدليل الناقص الذى ثبتت حجيته شرعا بدليل قطعى .

تقسيم البحث :

والدليل المحرز فى المسألة الفقهية سواء كان قطعيا أو لا ينقسم إلى قسمين :

الاول : الدليل الشرعى , و نعنى به كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم الشرعى و يشتمل ذلك على الكتاب الكريم و على السنة و هى قول المعصوم و فعله و تقريره .

الثانى : الدليل العقلى , و نعنى به القضايا التى يدركها العقل و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعى , كالقضية العقلية القائلة بان إيجاب شىء يستلزم إيجاب مقدمته .

والقسم الاول ينقسم بدوره إلى نوعين :


74

أحدهما : الدليل الشرعى اللفظى و هو كلام الشارع كتابا و سنة .

والاخر الدليل الشرعى غير اللفظى كفعل المعصوم و تقريره أى سكوته عن فعل غيره بنحو يدل على قبوله .

و فى القسم الاول بكلا نوعيه نحتاج إلى ان نعرف :

أولا : دلالة الدليل الشرعى و انه على ماذا يدل بظهوره العرفى .

و ثانيا : حجية تلك الدلالة و ذلك الظهور و وجوب التعويل عليه .

و ثالثا : صدور الدليل من الشارع حقا .

و من هنا كان البحث فى القسم الاول موزعا إلى ثلاثة أبحاث وفقا لهذا التفصيل , فالبحث الاول فى تحديد الدلالة . و البحث الثانى فى اثبات حجية ما له من دلالة و ظهور . و البحث الثالث فى اثبات صدور الدليل من الشارع .


75
1 الدليل الشرعى الدليل الشرعى اللفظى الدلالة تمهيد :

لما كانت دلالة الدليل اللفظى ترتبط بالنظام اللغوى العام للدلالة نجد من الراجح أن نمهد للبحث فى دلالات الادلة اللفظية بدراسة اجمالية لطبيعة الدلالة اللغوية و كيفية تكونها و نظرة عامة فيها .

ما هو الوضع والعلاقة اللغوية ؟

فى كل لغة تقوم علاقات بين مجموعة من الالفاظ و مجموعة من المعانى , و يرتبط كل لفظ بمعنى خاص ارتباطا يجعلنا كلما تصورنا اللفظ انتقل ذهننا فورا إلى تصور المعنى , و هذا الاقتران بين تصور اللفظ و تصور المعنى و انتقال الذهن من أحدهما إلى الاخر هو ما نطلق عليه اسم[ ( الدلالة]( فحين نقول[ : ( كلمة الماء تدل على السائل الخاص]( نريد بذلك أن تصور كلمة الماء يؤدى إلى تصور ذلك السائل الخاص , و يسمى اللفظ[ ( دالا]( و المعنى[ ( مدلولا]( و على هذا الاساس نعرف أن العلاقة بين تصور اللفظ و تصور المعنى تشابه إلى درجة ما العلاقة التى نشاهدها فى حياتنا الاعتيادية بين النار و الحرارة أو بين طلوع الشمس


76
والضوء , فكما أن النار تؤدى إلى الحرارة و طلوع الشمس يؤدى إلى الضوء , كذلك تصور اللفظ يؤدى إلى تصور المعنى , و لاجل هذا يمكن القول بان تصور اللفظ سبب لتصور المعنى كما تكون النار سببا للحرارة و طلوع الشمس سببا للضوء , غير أن علاقة السببية بين تصور اللفظ و تصور المعنى مجالها الذهن , لان تصور اللفظ و المعنى انما يوجد فى الذهن , و علاقة السببية بين النار و الحرارة أو بين طلوع الشمس و الضوء مجالها العالم الخارجى .

والسؤال الاساسى بشأن هذه العلاقة التى توجد فى اللغة بين اللفظ والمعنى هو السؤال عن مصدر هذه العلاقة و كيفية تكونها , فكيف تكونت علاقة السببية بين اللفظ و المعنى ؟ و كيف أصبح تصور اللفظ سببا لتصور المعنى مع أن اللفظ و المعنى شيئان مختلفان كل الاختلاف ؟ و يذكر فى علم الاصول عادة اتجاهان فى الجواب على هذا السؤال الاساسى , يقوم الاتجاه الاول على أساس الاعتقاد بأن علاقة اللفظ بالمعنى نابعة من طبيعة اللفظ ذاته كما نبعت علاقة النار بالحرارة من طبيعة النار ذاتها , فلفظ[ ( الماء]( مثلا له بحكم طبيعته علاقة بالمعنى الخاص الذى نفهمه منه , و لا جل هذا يؤكد هذا الاتجاه أن دلالة اللفظ على المعنى ذاتية و ليست مكتسبة من أى سبب خارجى .

و يعجز هذا الاتجاه عن تفسير الموقف تفسيرا شاملا , لان دلالة اللفظ على المعنى و علاقته به إذا كانت ذاتية و غير نابعة من أى سبب خارجى و كان اللفظ بطبيعته يدفع الذهن البشرى إلى تصور معناه فلماذا يعجز غير العربى عن الانتقال إلى تصور معنى كلمة[ ( الماء]( عند تصوره للكلمة ؟ و لماذا يحتاج إلى تعلم اللغة العربية لكى ينتقل ذهنه إلى


77
المعنى عند سماع الكلمة العربية و تصورها ؟ إن هذا دليل على أن العلاقة التى تقوم فى ذهننا بين تصور اللفظ و تصور المعنى ليست نابعة من طبيعة اللفظ بل من سبب آخر يتطلب الحصول عليه إلى تعلم اللغة , فالدلالة إذن ليست ذاتية .

و أما الاتجاه الاخر فينكر بحق الدلالة الذاتية , و يفترض أن العلاقات اللغوية بين اللفظ والمعنى نشأت فى كل لغة على يد الشخص الاول أو الاشخاص الاوائل الذين استحدثوا تلك اللغة و تكلموا بها , فان هؤلاء خصصوا ألفاظا معينة لمعان خاصة , فاكتسبت الالفاظ نتيجة لذلك التخصيص علاقة بتلك المعانى و أصبح كل لفظ يدل على معناه الخاص , و ذلك التخصيص الذى مارسه اولئك الاوائل و نتجت عنه الدلالة يسمى ب ( الوضع ) , و يسمى الممارس له ( واضعا ) , واللفظ ( موضوعا ) , والمعنى ( موضوعا له ) .

والحقيقة أن هذا الاتجاه و إن كان على حق فى انكاره للدلالة الذاتية ولكنه لم يتقدم إلا خطوة قصيرة فى حل المشكلة الاساسية التى لا تزال قائمة حتى بعد الفرضية التى يفترضها أصحاب هذا الاتجاه , فنحن إذا افترضنا معهم أن علاقة السببية نشأت نتيجة لعمل قام به مؤسسو اللغة إذ خصصوا كل لفظ لمعنى خاص فلنا أن نتساءل ما هو نوع هذا العمل الذى قام به هؤلاء المؤسسون ؟ و سوف نجد أن المشكلة لا تزال قائمة لان اللفظ والمعنى ما دام لا يوجد بينهما علاقة ذاتية و لا أى ارتباط مسبق فكيف استطاع مؤسس اللغة أن يوجد علاقة السببية بين شيئين لا علاقة بينهما ؟ و هل يكفى مجرد تخصيص المؤسس للفظ و تعيينه له سببا لتصور المعنى لكى يصبح سببا لتصور المعنى حقيقة ؟ و كلنا نعلم


78
أن المؤسس و أى شخص آخر يعجز أن يجعل من حمرة الحبر الذى يكتب به سببا لحرارة الماء , و لو كرر المحاولة مائة مرة قائلا خصصت حمرة الحبر الذى أكتب به لكى تكون سببا لحرارة الماء , فكيف استطاع ان ينجح فى جعل اللفظ سببا لتصور المعنى بمجرد تخصيصه لذلك دون أى علاقة سابقة بين اللفظ و المعنى ؟ . و هكذا نواجه المشكلة كما كنا نواجهها , فليس يكفى لحلها أن نفسر علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عملية يقوم بها مؤسس اللغة , بل يجب أن نفهم محتوى هذه العملية لكى نعرف كيف قامت علاقة السببية بين شيئين لم تكن بينهما علاقة .

والصحيح فى حل المشكلة أن علاقة السببية التى تقوم فى اللغة بين اللفظ والمعنى توجد وفقا لقانون عام من قوانين الذهن البشرى .

والقانون العام هو أن كل شيئين إذا اقترن تصور أحدهما مع تصور الاخر فى ذهن الانسان مرارا عديدة ولو على سبيل الصدفة قامت بينهما علاقة و أصبح أحد التصورين سببا لانتقال الذهن إلى تصور الاخر .

و مثال ذلك فى حياتنا الاعتيادية أن نعيش مع صديقين لا يفترقان فى مختلف شؤون حياتهما نجد هما دائما معا , فاذا رأينا بعد ذلك أحد هذين الصديقين منفردا أو سمعنا باسمه أسرع ذهننا إلى تصور الصديق الاخر , لان رؤيتهما معا مرارا كثيرة أوجد علاقة فى تصورنا و هذه العلاقة تجعل تصورنا لاحدهما سببا لتصور الاخر .

و قد يكفى ان تقترن فكرة أحد الشيئين بفكرة الاخر مرة واحدة لكى تقوم بينهما علاقة , و ذلك إذا اقترنت الفكرتان فى ظرف مؤثر , و مثاله إذا سافر شخص إلى بلد و منى هناك بالملاريا الشديدة ثم شفى منها و رجع فقد ينتج ذلك الاقتران بين الملاريا و السفر إلى ذلك البلد


79
علاقة بينهما , فمتى تصور ذلك البلد انتقل ذهنه إلى تصور الملاريا . و إذا درسنا على هذا الاساس علاقة السببية بين اللفظ والمعنى زالت المشكلة , إذ نستطيع أن نفسر هذه العلاقة بوصفها نتيجة لاقتران تصور المعنى بتصور اللفظ بصورة متكررة أو فى ظرف مؤثر , الامر الذى أدى إلى قيام علاقة بينهما كما وقع فى الحالات المشار إليها .

و يبقى علينا بعد هذا ان نتساءل : كيف اقترن تصور اللفظ بمعنى خاص مرارا كثيرة أو فى ظرف مؤثر فأنتج قيام العلاقة اللغوية بينهما ؟ .

و الجواب على هذا السؤال : ان بعض الالفاظ اقترنت بمعان معينة مرارا عديدة بصورة تلقائية فنشأت بينهما العلاقة اللغوية . و قد يكون من هذا القبيل كلمة ( آه ) إذ كانت تخرج من فم الانسان بطبيعته كلما أحس بالالم , فارتبطت كلمة ( آه ) فى ذهنه بفكرة الالم , فأصبح كلما سمع كلمة ( آه ) انتقل ذهنه إلى فكرة الالم .

و من المحتمل أن الانسان قبل أن توجد لديه أى لغة قد استرعى انتباهه هذه العلاقات التى قامت بين الالفاظ من قبيل ( آه ) و معانيها نتيجة لاقتران تلقائى بينهما , و أخذ ينشى على منوالها علاقات جديدة بين الالفاظ والمعانى . و بعض الالفاظ قرنت بالمعنى فى عملية واعية مقصودة لكى تقوم بينهما علاقة سببية . و أحسن نموذج لذلك الاعلام الشخصية فأنت حين تريد أن تسمى إبنك عليا تقرن اسم على بالوليد الجديد لكى تنشى بينهما علاقة لغوية و يصبح اسم على دالا على وليدك . و يسمى عملك هذا[ ( وضعا]( فالوضع هو عملية تقرن بها لفظا بمعنى نتيجتها أن يقفز الذهن إلى المعنى عند تصور اللفظ دائما .

و نستطيع ان نشبه الوضع على هذا الاساس بما تصنعه حين تسأل


80
عن طبيب العيون فيقال لك : هو ( جابر ) فتريد أن تركز اسمه فى ذاكرتك و تجعل نفسك تستحضره متى أردت فتحاول أن تقرن بينه و بين شىء قريب من ذهنك فتقول مثلا : أنا بالامس قرأت كتابا أخذ من نفسى مأخذا كبيرا اسم مؤلفه جابر فلا تذكر دائما أن اسم طبيب العيون هو اسم صاحب ذلك الكتاب . و هكذا توجد عن هذا الطريق ارتباطا خاصا بين صاحب الكتاب والطبيب جابر , و بعد ذلك تصبح قادرا على استذكار اسم الطبيب متى تصورت ذلك الكتاب .

و هذه الطريقة فى ايجاد الارتباط لا تختلف جوهريا عن اتخاذ الوضع كوسيلة لايجاد العلاقة اللغوية .

و على هذا الاساس نعرف ان من نتائج الوضع انسباق المعنى الموضوع له و تبادره إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ بسبب تلك العلاقة التى يحققها الوضع و من هنا يمكن الاستدلال على الوضع بالتبادر و جعله علامة على ان المعنى المتبادر هو المعنى الموضوع له لان المعلول يكشف عن العلة كشفا إنيا و لهذا عد التبادر من علامات الحقيقة .

ما هو الاستعمال ؟

بعد أن يوضع اللفظ لمعنى يصبح تصور اللفظ سببا لتصور المعنى , و يأتى عندئذ دور الاستفادة من هذه العلاقة اللغوية التى قامت بينهما فاذا كنت تريد أن تعبر عن ذلك لشخص آخر و تجعله يتصوره فى ذهنه فبامكانك ان تنطق بذلك اللفظ الذى أصبح سببا لتصور المعنى , و حين يسمعه صاحبك ينتقل ذهنه إلى معناه بحكم علاقة السببية بينهما و يسمى استخدامك اللفظ بقصد إخطار معناه فى ذهن السامع


81
( استعمالا ) . فاستعمال اللفظ فى معناه يعنى إيجاد الشخص لفظا لكى يعد ذهن غيره للانتقال إلى معناه , و يسمى اللفظ ( مستعملا ) و المعنى ( مستعملا فيه ) و إرادة المستعمل إخطار المعنى فى ذهن السامع عن طريق اللفظ ( إرادة استعمالية ) .

و يحتاج كل استعمال إلى تصور المستعمل للفظ و للمعنى غير ان تصوره للفظ يكون عادة على نحو اللحاظ الالى المرآتى و تصوره للمعنى على نحو اللحاظ الاستقلالىفهما كالمرآة والصورة , فكما تلحظ المرآة و انت غافل عنها و كل نظرك إلى الصورة , كذلك تلحظ اللفظ بنفس الطريقة بما هو مرآة للمعنى و انت غافل عنه و كل نظرك إلى المعنى .

فان قلت كيف ألحظ اللفظ و انا غافل عنه هل هذا إلا تناقض ؟ .

أجابوك بأن لحاظ اللفظ المرآتى إفناء للفظ فى المعنى أى انك تلحظه مندكا فى المغنى و بنفس لحاظ المعنى , و هذا النحو من لحاظ شىء فانيا فى شىء آخر يجتمع مع الغفلة عنه .

و على هذا الاساس ذهب جماعة كصاحب الكفاية رحمه الله إلى استحالة استعمال اللفظ فى معنيين و ذلك لان هذا يتطلب افناء اللفظ فى هذا المعنى و فى ذاك و لا يعقل افناء الشىء الواحد مرتين فى عرض واحد .

فان قلت بامكانى أن اؤحد بين المعنيين بأن أكون منهما مركبا مشتملا عليهما معا وافنى اللفظ لحاظا فى ذلك المركب , كان الجواب ان هذا ممكن ولكنه استعمال للفظ فى معنى واحد لا فى معنيين .

الحقيقة و المجاز :

و يقسم الاستعمال إلى حقيقى و مجازى , فالاستعمال الحقيقى هو


82
استعمال اللفظ فى المعنى الموضوع له الذى قامت بينه و بين اللفظ علاقة لغوية بسبب الوضع , و لهذا يطلق على المعنى الموضوع له اسم[ ( المعنى الحقيقى]( .

والاستعمال المجازى هو استعمال اللفظ فى معنى آخر لم يوضع له ولكنه يشابه ببعض الاعتبارات المعنى الذى وضع اللفظ له , و مثاله أن تستعمل كلمة[ ( البحر]( فى العالم الغزير علمه لانه يشابه البحر من الماء فى الغزارة والسعة , و يطلق على المعنى المشابه للمعنى الموضوع له اسم[ ( المعنى المجازى]( و تعتبر علاقة اللفظ بالمعنى المجازى علاقة ثانوية ناتجة عن علاقته اللغوية الاولية بالمعنى الموضوع له , لانها تنبع عن الشبه القائم بين المعنى الموضوع له والمعنى المجازى .

و الاستعمال الحقيقى يؤدى غرضه و هو انتقال ذهن السامع إلى تصور المعنى بدون أى شرط , لان علاقة السببية القائمة فى اللغة بين اللفظ و المعنى الموضوع له كفيلة بتحقيق هذا الغرض .

و أما الاستعمال المجازى فهو لا ينقل ذهن السامع إلى المعنى , إذ لا توجد علاقة لغوية و سببية بين لفظ البحر والعالم , فيحتاج المستعمل لكى يحقق غرضه فى الاستعمال المجازى إلى قرينة تشرح مقصوده , فاذا قال مثلا[ : ( بحر فى العلم]( كانت كلمة[ ( فى العلم]( قرينة على المعنى المجازى , و لهذا يقال عادة ان الاستعمال المجازى يحتاج إلى قرينة دون الاستعمال الحقيقى .

و نميز المعنى الحقيقى عن المعنى المجازى بالتبادر من حاق اللفظ لان التبادر كذلك يكشف عن الوضع كما تقدم .


83
قد ينقلب المجاز حقيقة :

و قد لا حظ الاصوليون بحق أن الاستعمال المجازى و إن كان يحتاج إلى قرينة فى بداية الامر ولكن إذا كثر استعمال اللفظ فى المعنى المجازى بقرينة و تكرر ذلك بكثرة قامت بين اللفظ والمعنى المجازى علاقة جديدة , و أصبح اللفظ نتيجة لذلك موضوعا لذلك المعنى و خرج عن المجاز إلى الحقيقة و لا تبقى بعد ذلك حاجة إلى قرينة و تسمى هذه الحالة بالوضع التعينى . بينما تسمى عملية الوضع المتصور من الواضع بالوضع التعيينى . و هذه الظاهرة يمكننا تفسيرها بسهولة على ضوء طريقتنا فى شرح حقيقة الوضع والعلاقة اللغوية , لاننا عرفنا أن العلاقة اللغوية تنشأ من اقتران اللفظ بالمعنى مرارا عديدة أو فى ظرف مؤثر , فاذا استعمل اللفظ فى معنى مجازى مرارا كثيرة اقترن تصور اللفظ بتصور ذلك المعنى المجازى فى ذهن السامع اقترانا متكررا , و أدى هذا الاقتران المتكرر إلى قيام العلاقة اللغوية بينهما .

تصنيف اللغة إلى معان اسمية و حرفية :

تنقسم كلمات اللغة كما قرأتم فى النحو إلى اسم و فعل و حرف .

فالاسماء تدل على معان نفهمها من تلك الاسماء سواء سمعنا الاسم مجردا أو فى ضمن كلام .

و أما الحرف فلا يتحصل له معنى إلا إذا سمعناه ضمن كلام . و مدلول الحرف دائما هو الربط بين المعانى الاسمية على اختلاف انحائه ففى قولنا ( النار فى الموقد تشتعل ) تدل ( فى ) على ربط مخصوص بين


84
مفهومين اسميين و هما النار والموقد . والدليل على أن مفاد الحروف هو الربط أمران :

أحدهما ان معنى الحرف لا يظهر إذا فصل الحرف عن الكلام و ليس ذلك إلا لان مدلوله هو الربط بين معنيين فحيث لا توجد معان اخرى فى الكلام لا مجال لافتراض الربط .

والاخر ان الكلام لا شك فى أن مدلوله مترابط الاجزاء و لا شك فى ان هذا المدلول المترابط يشتمل على ربط و معان مرتبطة و لا يمكن ان يحصل هذا الربط ما لم يكن هناك دال عليه و إلا أتت المعانى إلى الذهن و هى متناثرة غير مترابطة و ليس الاسم هو الدال على هذا الربط و إلا لما فهمنا معناه إلا ضمن الكلام لان الربط لا يفهم إلا فى اطار المعانى المترابطة فيتعين ان يكون الدال على الربط هو الحرف .

و تختلف الحروف باختلاف انحاء الربط التى تدل عليها و لما كان كل ربط يعنى نسبة بين طرفين صح ان يقال إن المعانى الحرفية معان ربطية نسبية و إن المعانى الاسمية معان استقلالية و كل ما يدل على معنى ربطى نسبى نعبر عنه اصوليا بالحرف و كل ما يدل على معنى استقلالى نعبر عنه اصوليا بالاسم .

و أما الفعل فهو مكون من مادة و هيئة و نريد بالمادة الاصل الذى اشتق الفعل منه و نريد بالهيئة الصيغة الخاصة التى صيغت به المادة .

أما المادة فى الفعل فهى لا تختلف عن أى اسم من الاسماء فكلمة ( تشتعل ) مادتها الاشتعال و هذا له مدلول اسمى ولكن الفعل لا يساوى مدلول مادته بل يزيد عليها بدليل عدم جواز وضع كلمة اشتعال موضع كلمة ( تشتعل ) و هذا يكشف عن ان الفعل يزيد بمدلوله على مدلول


85
المادة و هذه الزيادة تنشأ من الهيئة و بذلك نعرف ان هيئة الفعل موضوعة لمعنى و هذا المعنى ليس معنى اسميا استقلاليا بدليل أنه لو كان كذلك لامكن التعويض عن الفعل بالاسم الدال على ذلك المعنى والاسم الدال على مدلول مادته مع إنا نلاحظ ان الفعل لا يمكن التعويض عنه فى سياق الكلام بمجموع اسمين , و بذلك يثبت ان مدلول الهيئة معنى نسبى ربطى و لهذا استحال التعويض المذكور . و هذا الربط الذى تدل عليه هيئة الفعل ربط قائم بين مدلول المادة و مدلول آخر فى الكلام كالفاعل فى قولنا : ( تشتعل النار ) فان هيئة الفعل مفادها الربط بين الاشتعال والنار .

و نستخلص من ذلك ان الفعل مركب من اسم و حرف فمادته اسم و هيئة حرف و من هنا صح القول بأن اللغة تنقسم إلى قسمين : الاسماء والحروف .

هيئة الجملة :

عرفنا ان الفعل له هيئة تدل على معنى حرفى أى على الربط و كذلك الحال فى الجملة أيضا , و نريد بالجملة كل كلمتين أو اكثر بينهما ترابط ففى قولنا : ( على إمام ) نفهم من كلمة[ ( على]( معناها الاسمى , و من كلمة[ ( الامام]( معناها الاسمى , و نفهم إضافة إلى ذلك ارتباطا خاصا بين هذين المعنيين الاسميين , و هذا الارتباط الخاص لا تدل عليه كلمة[ ( على]( بمفردها و لا كلمة [( إمام]( بمفردها , و إنما تدل عليه الجملة بتركيبها الخاص , و هذا يعنى أن هيئة الجملة تدل على نوع من الربط أى على معنى حرفى .


86

نستخلص مما تقدم أن اللغة يمكن تصنيفها من وجهة نظر تحليلية إلى فئتين : أحداهما فئة المعانى الاسمية و تدخل فى هذه الفئة الاسماء و مواد الافعال , والاخرى فئة المعانى الحرفية أى الروابط و تدخل فيها الحروف و هيئات الافعال و هيئات الجمل .

الجملة التامة والجملة الناقصة :

و إذا لا حظنا الجمل وجدنا ان بعض الجمل تدل على معنى مكتمل يمكن للمتكلم الاخبار عنه و يمكن للسامع تصديقه أو تكذيبه , و بعض الجمل ناقصة لايتأتى فيها ذلك و كأنها فى قوة الكلمة الواحدة , فحينما تقول : ( المفيد العالم ) نبقى ننتظر كما لو قلت ( المفيد ) و سكت على ذلك , بخلاف ما إذا قلت : ( المفيد عالم ) فان الجملة حينئذ مكتملة و تامة .

و مرد الفرق بين الجملة التامة والجملة الناقصة إلى نوع الربط الذى تدل عليه هيئة الجملة و سنخ النسبة , فهيئة الجملة الناقصة تدل على ( نسبة اندماجية ) أى يندمج فيها الوصف بالموصوف على نحو يصبح المجموع مفهوما واحدا خاصا و حصة خاصة و من أجل ذلك تكون الجملة الناقصة فى قوة الكلمة المفردة و أما الجملة التامة فهى تدل على ( نسبة غير اندماجية ) يبقى فيها الطرفان متميزين أحدهما عن الاخر و يكون أمام الذهن شيئان بينهما ارتباط كالمبتدأ والخبر .

و قد تشتمل الجملة الواحدة على نسب اندماجية و غير اندماجية كما فى قولنا : ( المفيد العالم مدرس ) فان النسبة بين الوصف و الموصوف المبتدأ اندماجية والنسبة بين المبتدأ والخبر غير اندماجية , و تمامية الجملة نشأت من اشتمالها على النسبة الثانية .


87

و نحن إذا دققنا فى الجملة الناقصة و فى الحروف من قبيل من و إلى نجد انها جميعا تدل على نسب ناقصة لا يصح السكوت عليها فكما لا يجوز ان تقول المفيد العالم و تسكت , كذلك لا يجوز ان تقول السير من البصرة و تسكت و هذا يعنى ان مفردات الحروف و هيئات الجمل الناقصة كلها تدل على نسب اندماجية خلافا لهيئة الجملة التامة فان مدلولها نسبة غير اندماجية سواء كانت جملة فعلية أو اسمية .

المدلول اللغوى والمدلول التصديقى :

قلنا سابقا : إن دلالة اللفظ على المعنى هى أن يؤدى تصور اللفظ إلى تصور المعنى , و يسمى اللفظ[ ( دالا]( و المعنى الذى نتصوره عند سماع اللفظ[ ( مدلولا]( .

و هذه الدلالة لغوية , و نقصد بذلك أنها تنشأ عن طريق وضع اللفظ للمعنى , لان الوضع يوجد علاقة السببية بين تصور اللفظ و تصور المعنى , و على أساس هذه العلاقة تنشأ تلك الدلالة اللغوية و مدلولها هو المعنى اللغوى للفظ .

و لا تنفك هذه الدلالة عن اللفظ مهما سمعناه و من أى مصدر كان , فجملة[ ( الحق منتصر]( إذا سمعناها انتقل ذهننا فورا إلى مدلولها اللغوى سواء سمعناها من متحدث واع أو من نائم فى حالة عدم وعيه , و حتى لو سمعناها نتيجة لاحتكاك حجرين , فنتصور معنى كلمة[ ( الحق]( و نتصور معنى كلمة[ ( منتصر]( , و نتصور النسبة التامة التى وضعت هيئة الجملة لها , و تسمى هذه الدلالة لاجل ذلك[ ( دلالة تصورية]( .


88

ولكنا إذا قارنا بين تلك الحالات وجدنا أن الجملة حين تصدر من النائم أو تتولد نتيجة لاحتكاك بين حجرين لا يوجد لها إلا مدلولها اللغوى ذاك , و يقتصر مفعولها على إيجاد تصورات للحق و الانتصار والنسبة التامة فى ذهننا , و أما حين نسمع الجملة من متحدث واع فلا تقف الدلالة عند مستوى التصور بل تتعداه إلى مستوى التصديق , إذ تكشف الجملة عندئذ عن أشياء نفسية فى نفس المتكلم فنحن نستدل عن طريق صدور الجملة منه على وجود ( إرادة استعمالية ) فى نفسه , أى إنه يريد أن يخطر المعنى اللغوى لكلمة[ ( الحق]( و كلمة[ ( المنتصر]( و هيئة الجملة فى أذهاننا و أن نتصور هذه المعانى , كما نعرف أيضا أن المتكلم إنما يريد منا أن نتصور تلك المعانى لا لكى يخلق تصورات مجردة فى ذهننا فحسب بل لغرض فى نفسه , و هذا الغرض الاساسى هو فى المثال المتقدم أى فى جملة[ ( الحق منتصر]( الاخبار عن ثبوت الخبر للمبتدأ , فان المتكلم إنما يريد منا أن نتصور معانى الجملة لاجل أن يخبرنا عن ثبوتها فى الواقع , و يطلق على الغرض الاساسى فى نفس المتكلم اسم ( الارادة الجدية ) . و تسمى الدلالة على هذين الامرين الارادة الاستعمالية و الارادة الجدية ( دلالة تصديقية ) , لانها دلالة تكشف عن إرادة المتكلم و تدعو إلى تصديقنا بها لا إلى مجرد التصور الساذج .

و هكذا نعرف أن الجملة التامة لها إضافة إلى مدلولها التصورى اللغوى مدلولان تصديقيان :

أحدهما : الارادة الاستعمالية , إذ نعرف عن طريق صدور الجملة من المتكلم أنه يريد منا أن نتصور معانى كلماتها .

والاخر : الارادة الجدية , و هى الغرض الاساسى الذى من أجله


89
أراد المتكلم أن نتصور تلك المعانى .

و أحيانا تتجرد الجملة عن المدلول التصديقى الثانى , و ذلك إذا صدرت من المتكلم فى حالة الهزل لا فى حالة الجد , و إذا لم يكن يستهدف منها إلا مجرد إيجاد تصورات فى ذهن السامع لمعانى كلماتها , فلا توجد فى هذه الحالة إرادة جدية بل إرادة استعمالية فقط .

والدلالة التصديقية ليست لغوية , أى انها لا تعبر عن علاقة ناشئة عن الوضع بين اللفظ و المدلول التصديقى , لان الوضع انما يوجد علاقة بين تصور اللفظ و تصور المعنى لابين اللفظ و المدلول التصديقى , و انما تنشأ الدلالة التصديقية من حال المتكلم , فان الانسان إذا كان فى حالة وعى و انتباه وجدية و قال[ : ( الحق منتصر]( يدل حاله على أنه لم يقل هذه الجملة ساهيا و لا هازلا و انما قالها بارادة معينة واعية .

و هكذا نعرف أنا حين نسمع جملة كجملة[ ( الحق منتصر]( نتصور المعانى اللغوية للمبتدأ و الخبر بسبب الوضع الذى أوجد علاقة السببية بين تصور اللفظ و تصور المعنى , و نكشف الارادة الواعية للمتكلم بسبب حال المتكلم , و تصورنا ذلك يمثل الدلالة التصورية , و اكتشافنا هذا يمثل الدلالة التصديقية , والمعنى الذى نتصوره هو المدلول التصورى واللغوى للفظ و الارادة التى نكتشفها فى نفس المتكلم هى المدلول التصديقى والنفسى الذى يدل عليه حال المتكلم .

و على هذا الاساس نكتشف مصدرين للدلالة :

أحدهما اللغة بما تشتمل عليها من أوضاع , و هى مصدر الدلالة التصورية .

والاخر حال المتكلم , و هو مصدر الدلالة التصديقية , أى دلالة


90
اللفظ على مدلوله النفسى التصديقى , فان اللفظ إنما يكشف عن إرادة المتكلم إذاصدر فى حال يقظة و انتباه وجدية , فهذه الحالة هى مصدر الدلالة التصديقية و لهذا نجد أن اللفظ إذا صدر من المتكلم فى حالة نوم أو ذهول لا توجد له دلالة تصديقية و مدلول نفسى .
الجملة الخبرية والجملة الانشائية :

تقسم الجملة عادة إلى خبرية و إنشائية , و نحن فى حياتنا الاعتيادية نحس بالفرق بينهما , فأنت حين تتحدث عن بيعك للكتاب بالامس و تقول[ : ( بعت الكتاب بدينار]( ترى أن الجملة تختلف بصورة أساسية عنها حين تريد أن تعقد الصفقة مع المشترى فعلا فتقول له[ : ( بعتك الكتاب بدينار]( .

و بالرغم من أن الجملة فى كلتا الحالتين تدل على نسبة تامة بين البيع و البائع أى بينك و بين البيع , يختلف فهمنا للجملة و تصورنا للنسبة فى الحالة الاولى عن فهمنا للجملة و تصورنا للنسبة فى الحالة الثانية , فالمتكلم حين يقول فى الحالة الاولى[ : ( بعت الكتاب بدينار]( يتصور النسبة بما هى حقيقة واقعة لا يملك من أمرها فعلا شيئا إلا أن يخبر عنها إذا أراد , و أما حين يقول فى الحالة الثانية[ ( بعتك الكتاب بدينار]( فهو يتصور النسبة لا بما هى حقيقة واقعة مفروغ عنها بل يتصورها بوصفها نسبة يراد تحقيقها .

و نستخلص من ذلك : أن الجملة الخبرية موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هى حقيقة واقعة و شىء مفروغ عنه , و الجملة الانشائية موضوعة للنسبة التامة منظورا إليها بما هى نسبة يراد تحقيقها .


91

و هناك من يذهب من العلماء كصاحب الكفاية رحمه الله إلى ان النسبة التى تدل عليها ( بعت ) فى حال الاخبار و ( بعت ) فى حال الانشاء واحدة و لا يوجد أى فرق فى مرحلة المدلول التصورى بين الجملتين و انما الفرق فى مرحلة المدلول التصديقى لان البائع يقصد بالجملة ابراز اعتبار التمليك بها و انشاء المعاوضة عن هذا الطريق و غير البائع يقصد بالجملة الحكاية عن مضمونها فالمدلول التصديقى مختلف دون المدلول التصورى .

و من الواضح ان هذا الكلام إذا تعقلناه فانما يتم فى الجملة المشتركة بلفظ واحد بين الانشاء والاخبار كما فى ( بعت ) و لا يمكن ان ينطبق على ما يختص به الانشاء و الاخبار من جمل فصيغة الامر مثلا جملة انشائية و لا تستعمل للحكاية عن وقوع الحدث و إنما تدل على طلب وقوعه و لا يمكن القول هنا بأن المدلول التصورى لافعل نفس المدلول التصورى للجملة الخبرية و ان الفرق بينهما فى المدلول التصديقى فقط والدليل على عدم امكان هذا القول انا نحس بالفرق بين الجملتين حتى فى حالة تجردهما عن المدلول التصديقى و سماعهما من لافظ لا شعور له .

الدلالات التى يبحث عنها علم الاصول :

نستطيع أن نقسم العناصر اللغوية من وجهة نظر أصولية إلى عناصر مشتركة فى عملية الاستنباط و عناصر خاصة فى تلك العملية .

فالعناصر المشتركة هى كل أداة لغوية تصلح للدخول فى أى دليل مهما كان نوع الموضوع الذى يعالجه ذلك الدليل , و مثاله صيغة فعل الامر , فان بالامكان استخدامها بالنسبة إلى أى موضوع .


92

والعناصر الخاصة فى عملية الاستنباط هى كل أداة لغوية لا تصلح للدخول إلا فى الدليل الذى يعالج موضوعا معينا , و لا أثر لها فى استنباط حكم موضوع آخر , ككلمة[ ( الاحسان]( فانها لا يمكن أن تدخل فى دليل سوى الدليل الذى يشتمل على حكم مرتبط بالاحسان , و لا علاقة للادلة التى تشتمل على حكم الصلاة مثلا بكلمة[ ( الاحسان]( , فلهذا كانت كلمة[ ( الاحسان]( عنصرا خاصا فى عملية الاستنباط . و على هذا الاساس يدرس علم الاصول من اللغة القسم الاول من الادوات اللغوية التى تعتبر عناصر مشتركة فى عملية الاستنباط , فيبحث عن مدلول صيغة فعل الامر و أنها هل تدل على الوجوب أو الاستحباب ؟ و لا يبحث عن مدلول كلمة[ ( الاحسان ]( . و يدخل فى القسم الاول من الادوات اللغوية أداة الشرط أيضا , لانها تصلح للدخول فى استنباط الحكم من أى دليل لفظى مهما كان نوع الموضوع الذى يتعلق به , فنحن نستنبط من النص القائل[ : ( إذا زالت الشمس وجبت الصلاة]( , أن وجوب الصلاة مرتبط بالزوال بدليل أداة الشرط , و نستنبط من النص القائل[ : ( إذا هل هلال شهر رمضان وجب الصوم]( , ان وجوب الصوم مرتبط بالهلال , و لا جل هذا يدرس علم الاصول أداة الشرط بوصفها عنصرا مشتركا , و يبحث عن نوع الربط الذى تدل عليه و نتائجه فى استنباط الحكم الشرعى .

و كذلك الحال فى صيغة الجمع المعرف باللام , لانها أداة لغوية صالحة للدخول فى الدليل اللفظى مهما كان نوع الموضوع الذى يتعلق به .

و فيما يلى نذكر بعض النماذج من هذه الادوات المشتركة التى يدرسها


93
الاصوليون :
1 صيغة الامر :

صيغة فعل الامر نحو[ ( إذهب]( و[ ( صل]( و[ ( صم]( و[ ( جاهد]( إلى غير ذلك من الاوامر .

والمقرر بين الاصوليين عادة هو القول بأن هذه الصيغة تدل لغة على الوجوب .

و هذا القول يدعونا أن نتساءل هل يريد هؤلاء الاعلام من القول بأن صيغة فعل الامر تدل على الوجوب أن صيغة فعل الامر تدل على نفس ما تدل عليه كلمة الوجوب ؟ فيكونان مترادفين . و كيف يمكن افتراض ذلك ؟ مع أننا نحس بالوجدان أن كلمة الوجوب و صيغة فعل الامر ليستا مترادفتين , و إلا لجاز أن نستبدل إحداهما بالاخرى و مادام هذا الاستبدال غير جائز فنعرف أن صيغة فعل الامر تدل على معنى يختلف عن المعنى الذى تدل عليه كلمة الوجوب , و يصبح من الصعب عندئذ فهم القول السائد بين الاصوليين بأن صيغة فعل الامر تدل على الوجوب .

والحقيقة أن هذا القول يحتاج إلى تحليل مدلول صيغة فعل الامر لكى نعرف كيف تدل على الوجوب , فنحن حين ندقق فى فعل الامر نجد أنه يدل على نسبة بين مادة الفعل والفاعل منظورا إليها بما هى نسبة يراد تحقيقها و إرسال المكلف نحو إيجادها . أرأيت الصياد حين يرسل كلب الصيد إلى فريسته ؟ إن تلك الصورة التى يتصورها الصياد عن ذهاب الكلب إلى الفريسة و هو يرسله إليها , هى نفس الصورة التى يدل


94
عليها فعل الامر , و لهذا يقال فى علم الاصول إن مدلول صيغة الامر هو النسبة الارسالية .

و كما أن الصياد حين يرسل الكلب إلى فريسته قد يكون إرساله هذا ناتجا عن شوق شديد إلى الحصول على تلك الفريسة و رغبة أكيدة فى ذلك و قد يكون ناتجا عن رغبة غير أكيدة و شوق غير شديد , كذلك النسبة الارسالية التى تدل عليها الصيغة فى فعل الامر قد نتصورها ناتجة عن شوق شديد و إلزام أكيد و قد نتصورها ناتجة عن شوق أضعف و رغبة أقل درجة . و على هذا الضوء نستطيع الان أن نفهم معنى ذلك القول الاصولى القائل : إن صيغة فعل الامر تدل على الوجوب , فان معناه أن الصيغة قد وضعت للنسبة الارسالية بوصفها ناتجة عن شوق شديد و إلزام أكيد , و لهذا يدخل معنى الالزام و الوجوب ضمن الصورة التى نتصور بها المعنى اللغوى للصيغة عند سماعها دون أن يصبح فعل الامر مرادقا لكلمة الوجوب . و ليس معنى دخول الالزام والوجوب فى معنى الصيغة أن صيغة الامر لا يجوز استعمالها فى مجال المستحبات , بل قد استعملت كثيرا فى موارد الاستحباب كما استعملت فى موارد الوجوب , ولكن استعمالها فى موارد الوجوب استعمال حقيقى , لانه استعمال للصيغة فى المعنى الذى وضعت له , و استعمالها فى موارد الاستحباب استعمال مجازى يبرره الشبه القائم بين الاستحباب والوجوب .

والدليل على ان صيغة الامر موضوعة للوجوب بالمعنى الذى قلنا هو التبادر فان المنسبق إلى ذهن العرف ذلك بشهادة ان الامر العرفى إذا أمر المكلف بصيغة الامر و لم يأت المكلف بالمأمور به معتذرا بأنى لم اكن اعرف ان هذا واجب أو مستحب لا يقبل منه العذر و يلام على تخلفه عن


95
الامتثال و ليس ذلك إلا لانسباق الوجوب عرفا من اللفظ و تبادره والتبادر علامة الحقيقة .
2 صيغة النهى :

صيغة النهى نحو ( لا تذهب ) والمقرر بين الاصوليين هو القول بأن صيغة النهى تدل على الحرمة , و يجب ان نفهم هذا القول بصورة مماثلة لفهمنا القول بأن صيغة الامر تدل على الوجوب مع فارق و هو ان النهى إمساك و منع و الامر إرسال و طلب فصيغة النهى اذن تدل على نسبة إمساكية .

أى إنا حين نسمع جملة[ ( اذهب]( نتصور نسبة بين الذهاب والمخاطب و نتصور أن المتكلم يرسل المخاطب نحوها و يبعثه إلى تحقيقها كما يرسل الصياد كلبه نحو الفريسة , و أما حين نسمع جملة[ ( لا تذهب]( فنتصور نسبة بين الذهاب والمخاطب و نتصور أن المتكلم يمسك مخاطبه عن تلك النسبة و يزجره عنها , كما لو حاول كلب الصيد أن يطارد الفريسة فأمسك به الصياد , و لهذا نطلق عليها اسم[ ( النسبة الامساكية]( . و تدخل الحرمة فى مدلول النهى بالطريقة التى دخل بها الوجوب إلى مدلول الامر , و لنرجع بهذا الصدد إلى مثال الصياد , فانا نجد أن الصياد حين يمسك كلبه عن تتبع الفريسة قد يكون إمساكه هذا ناتجا عن كراهة تتبع الكلب للفريسة بدرجة شديدة , و قد ينتج عن كراهة ذلك بدرجة ضعيفة و نظير هذا تماما نتصوره فى النسبة الامساكية التى نتحدث عنها , فانا قد نتصورها ناتجة عن كراهة شديدة للمنهى عنه , و قد نتصورها ناتجة عن كراهة ضعيفة .


96

و معنى القول بأن صيغة النهى تدل على الحرمة فى هذا الضوء أن الصيغة موضوعة للنسبة الامساكية بوصفها ناتجة عن كراهة شديدة و هى الحرمة , فتدخل الحرمة ضمن الصورة التى نتصور بها المعنى اللغوى لصيغة النهى عند سماعها . و الدليل على انها موضوعة كذلك هو التبادر كما تقدم فى صيغة الامر .

و فى نفس الوقت قد تستعمل صيغة النهى فى موارد الكراهة , فينهى عن المكروه أيضا بسبب الشبه القائم بين الكراهة والحرمة , و يعتبر استعمالها فى موارد المكروهات استعمالا مجازيا .

3 الاطلاق :

و توضيحه أن الشخص إذا أراد أن يأمر ولده باكرام جاره المسلم فلا يكتفى عادة بقوله[ : ( أكرم الجار]( بل يقول[ : ( أكرم الجار المسلم]( , و أما إذا كان يريد من ولده أن يكرم جاره مهما كان دينه فيقول[ : ( أكرم الجار]( و يطلق كلمة الجار أى لا يقيدها بوصف خاص و يفهم من قوله عندئذ أن الامر لا يختص بالجار المسلم بل يشمل الجار الكافر أيضا , و هذا الشمول نفهمه نتيجة لذكر كلمة الجار مجردة عن القيد , و يسمى هذا ب ( الاطلاق ) و يسمى اللفظ فى هذه الحالة[ ( مطلقا]( .

و على هذا الاساس يعتبر تجرد الكلمة من القيد اللفظى فى الكلام دليلا على شمول الحكم , و مثال ذلك من النص الشرعى قوله تعالى[ : ( أحل الله البيع]( , فقد جاءت كلمة البيع هنا مجردة عن أى قيد فى الكلام , فيدل هذا الاطلاق على شمول الحكم بالحلية لجميع أنواع البيع .


97

و أما كيف أصبح ذكر الكلمة بدون قيد فى الكلام دليلا على الشمول و ما هو مصدر هذه الدلالة فهذا ما لا يمكن تفصيل الكلام فيه على مستوى هذه الحلقة .

ولكن نقول على نحو الايجاز ان ظاهر حال المتكلم حينما يكون له مرام فى نفسه يدفعه إلى الكلام ان يكون فى مقام بيان تمام ذلك المرام فاذا قال أكرم الجار و كان مرامه الجار المسلم خاصة لم يكتف بما قال بل يردفه عادة بما يدل على قيد الاسلام و فى كل حالة لا يأتى بما يدل على القيد نعرف ان هذا القيد غير داخل فى مرامه إذ لو كان داخلا فى مرامه و مع هذا سكت عنه لكان ذلك على خلاف ظاهر حاله القاضى بأنه فى مقام بيان تمام المراد بالكلام , فبهذا الاستدلال نستكشف الاطلاق من السكوت و عدم ذكر القيد و يعبر عن ذلك بقرينة الحكمة .

4 أدوات العموم

أدوات العموم مثالها[ ( كل]( فى قولنا[ : ( احترم كل عادل]( و ذلك أن الامر حين يريد أن يدلل على شمول حكمه و عمومه قد يكتفى بالاطلاق و ذكر الكلمة بدون قيد كما شرحناه آنفا فيقول[ : ( أكرم الجار]( و قد يريد مزيدا من التأكيد على العموم و الشمول فيأتى بأداة خاصة . للدلالة على ذلك فيقول : فى المثال المتقدم مثلا[ ( أكرم كل جار]( , فيفهم السامع من ذلك مزيدا من التأكيد على العموم و الشمول , و لهذا تعتبر كلمة[ ( كل]( من أدوات العموم لانها موضوعة فى اللغة لذلك , و يسمى اللفظ الذى دلت الاداة على عمومه[ ( عاما]( و يعبر عنه ب[ ( مدخول الاداة]( , لان أداة العموم دخلت عليه و عممته .


98

و نستخلص من ذلك أن التدليل على العموم يتم باحدى طريقتين :

الاولى سلبية و هى الاطلاق , أى ذكر الكلمة بدون قيد .

والثانية إيجابية و هى استعمال أداة للعموم نحو[ ( كل]( و[ ( جميع]( و[ ( كافة]( و ما إليها من ألفاظ .

و قد اختلف الاصوليون فى صيغة الجمع المعرف باللام من قبيل[ ( الفقهاء]( , [( العقود]( :

فقال بعضهم : إن هذه الصيغة نفسها من أدوات العموم أيضا مثل كلمة[ ( كل ]( , فأى جمع من قبيل[ ( فقهاء]( إذا أراد المتكلم إثبات الحكم لجميع أفراده و التدليل على عمومه بطريقة إيجابية أدخل عليه اللام فيجعله جمعا معرفا باللام و يقول[ : ( احترم الفقهاء]( أو[ ( أوفوا بالعقود]( .

و بعض الاصوليين يذهب إلى أن صيغة الجمع المعرف باللام ليست من أدوات العموم , و نحن إنما نفهم الشمول فى الحكم عند ما نسمع المتكلم يقول[ : ( احترم الفقهاء]( مثلا بسبب الاطلاق و تجرد الكلمة عن القيود لا بسبب دخول اللام على الجمع , أى بطريقة سلبية لا إيجابية , فلا فرق بين أن يقال[ : ( أكرم الفقهاء]( أو[ ( أكرم الفقيه]( فكما يستند فهمنا للشمول فى الجملة الثانية إلى الاطلاق كذلك الحال فى الجملة الاولى , فالمفرد والجمع المعرفان لا يدلان على الشمول إلا بالطريقة السلبية .

5 أداة الشرط :

أداة الشرط مثالها[ ( إذا]( فى قولنا[ : ( إذا زالت الشمس فصل]( و[ ( إذا أحرمت للحج فلا تتطيب]( , و تسمى الجملة التى تدخل عليها


99
أداة الشرط جملة شرطية , و هى تختلف فى وظيفتها اللغوية عن غيرها من الجمل التى لا توجد فيها أداة شرط , فان سائر الجمل تقوم بربط كلمة بأخرى , نظير ربط الخبر بالمبتدأ فى القضية الحملية .

و أما الجملة الشرطية فهى تربط بين جملتين , و هما جملة الشرط و جملة الجزاء و كل من هاتين الجملتين تتحول بسبب هذا الربط الشرطى من جملة تامة إلى جملة ناقصة و تكون الجملة التامة هى الجملة الشرطية بكاملها .

و إذا لا حظنا المثالين المتقدمين للجملة الشرطية وجدنا أن الشرط فى المثال الاول زوال الشمس , و فى المثال الثانى هو الاحرام للحج , و أما المشروط فهو مدلول جملة[ ( صل]( و[ ( لا تتطيب]( . و لما كان مدلول[ ( صل]( بوصفه صيغة أمر هو الوجوب , و مدلول[ ( لا تتطيب]( بوصفه صيغة نهى هو الحرمة كما تقدم , فنعرف أن المشروط هو الوجوب أو الحرمة أى الحكم الشرعى , و معنى أن الحكم الشرعى مشروط بزوال الشمس أو بالاحرام للحج أنه مرتبط بالزوال أو الاحرام و مقيد بذلك , والمقيد ينتفى إذا انتفى قيده .

و ينتج عن ذلك أن أداة الشرط تدل على انتفاء الحكم الشرعى فى حالة انتفاء الشرط , لان ذلك نتيجة لدلالتها على تقييد الحكم الشرعى فى حالة انتفاء الشرط , لان ذلك نتيجة لدلالتها على تقييد الحكم الشرعى و جعله مشروطا , فيدل قولنا[ : ( إذا زالت الشمس فصل]( على عدم وجوب الصلاة قبل الزوال , و يدل قولنا[ : ( إذا أحرمت للحج فلا تتطيب]( على عدم حرمة الطيب فى حالة عدم الاحرام للحج , و بذلك تصبح الجملة الشرطية ذات مدلولين : أحدهما إيجابى والاخر سلبى .

فالايجابى هو ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط و مدلولها السلبى هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط .


100

و يسمى المدلول الايجابى[ ( منطوقا]( للجملة , و المدلول السلبى[ ( مفهوما ]( .

و كل جملة لها مثل هذا المدلول السلبى يقال فى العرف الاصولى : إن هذه الجملة أو القضية ذات مفهوم .

و قد وضع بعض الاصوليين قاعدة عامة لهذا المدلول السلبى فى اللغة فقال : إن كل أداة لغوية تدل على تقييد الحكم و تحديده , لها مدلول سلبى , إذ تدل على انتفاء الحكم خارج نطاق الحدود التى تضعها للحكم , و أداة الشرط تعتبر مصداقا لهذه القاعدة العامة , لانها تدل على تحديد الحكم بالشرط .

و من مصاديق القاعدة أيضا أداة الغاية حين تقول مثلا[ : ( صم حتى تغيب الشمس]( , فان[ ( صم]( هنا فعل أمر يدل على الوجوب , و قد دلت حتى بوصفها أداة غاية على وضع حد وغاية لهذا الوجوب الذى تدل عليه صيغة الامر , و معنى كونه غاية له , تقييده , فيدل على انتفاء وجوب الصوم بعد مغيب الشمس , و هذا هو المدلول السلبى الذى نطلق عليه اسم المفهوم . و يسمى المدلول السلبى للجملة الشرطية ب[ ( مفهوم الشرط]( كما يسمى المدلول السلبى لاداة الغاية من قبيل حتى فى المثال المتقدم ب[ ( مفهوم الغاية]( . و أما إذا قيل [( أكرم الفقير العادل]( فلا يدل القيد هنا على ان غير العادل لا يجب اكرامه لان هذا القيد ليس قيدا للحكم بل هو وصف للفقير و قيد له والفقير هو موضوع الحكم لانفسه و مادام التقييد لا يعود إلى الحكم مباشرة فلا دلالة له على المفهوم و من هنا يقال انه لا مفهوم للوصف و يراد به ما كان من قبيل كلمة العادل فى هذا المثال .


101
1 الدليل الشرعى أ الدليل الشرعى اللفظى حجية الظهور

إذا واجهنا دليلا شرعيا فليس المهم أن نفسره بالنسبة إلى مدلوله التصورى اللغوى فحسب , بل أن نفسره بالنسبة إلى مدلوله التصديقى لنعرف ماذا أراد الشارع به و كثيرا ما نلاحظ أن اللفظ صالح لدلالات لغوية و عرفية متعددة فكيف نستطيع أن نعين مراد المتكلم منه .

و هنا نستعين بظهورين : أحدهما ظهور اللفظ فى مرحلة الدلالة التصورية فى معنى معين , و معنى الظهور فى هذه المرحلة أن هذا المعنى اسرع انسباقا إلى تصور الانسان عند سماع اللفظ من غيره من المعانى فهو أقرب المعانى إلى اللفظ لغة . والاخر ظهور حال المتكلم فى ان ما يريده مطابق لظهور اللفظ فى مرحلة الدلالة التصورية أى أنه يريد أقرب المعانى إلى اللفظ لغة و هذا ما يسمى بظهور التطابق بين مقام الاثبات و مقام الثبوت , و من المقرر فى علم الاصول أن ظهور حال المتكلم فى إرادة أقرب المعانى إلى اللفظ , حجة .

و معنى حجية الظهور إتخاذه أساسا لتفسير الدليل اللفظى على ضوئه , فنفترض دائما أن المتكلم قد أراد المعنى الاقرب إلى اللفظ فى النظام


102
اللغوى العام ( 1 ) أخذا بظهور حاله . و لاجل ذلك يطلق على حجية الظهور اسم[ ( أصالة الظهور]( , لانها تجعل الظهور هو الاصل لتفسير الدليل اللفظى .

و فى ضوء هذا نستطيع أن نعرف لماذا كنا نهتم فى البحث السابق بتحديد المدلول اللغوى الاقرب للكلمة و المعنى الظاهر لها بموجب النظام اللغوى العام . مع أن المهم عند تفسير الدليل اللفظى هو اكتشاف ماذا أراد المتكلم باللفظ من معنى ؟ لا ما هو المعنى الاقرب إليه فى اللغة ؟ فانا ندرك فى ضوء أصالة الظهور أن الصلة و ثيقة جدا بين اكتشاف مراد المتكلم و تحديد المدلول اللغوى الاقرب للكلمة , لان أصالة الظهور تحكم بأن مراد المتكلم من اللفظ هو نفس المدلول اللغوى الاقرب , أى المعنى الظاهر من اللفظ لغة , فلكى نعرف مراد المتكلم يجب ان نعرف المعنى الاقرب إلى اللفظ لغة لنحكم بأنه هو المعنى المراد للمتكلم .

والدليل على حجية الظهور يتكون من مقدمتين :

الاولى : ان الصحابة و أصحاب الائمة كانت سيرتهم قائمة على العمل بظواهر الكتاب والسنة و إتخاذ الظهور اساسا لفهمها كما هو واضح تاريخيا من عملهم و ديدنهم .

الثانية : ان هذه السيرة على مرأى و مسمع من المعصومين عليهم السلام و لم يعترضوا عليها بشىء و هذا يدل على صحتها شرعا و إلا لردعوا عنها , و بذلك يثبت امضاء الشارع للسيرة القائمة على العمل بالظهور و هو معنى حجية الظهور شرعا .

( 1 ) لا نريد باللغة و النظام اللغوى العام هنا اللغة فى مقابل العرف , بل النظام القائم بالفعل لدلالة الالفاظ سواء كان لغويا أوليا أو ثانويا ( منه رحمه الله تعالى ) .


103
تطبيقات حجية الظهور على الادلة اللفظية :

و نستعرض فيما يلى ثلاث حالات لتطبيق قاعدة حجية الظهور :

الاولى : ان يكون للفظ فى الدليل معنى وحيد فى اللغة و لا يصلح للدلالة على معنى آخر فى النظام اللغوى و العرفى العام .

والقاعدة العامة تحتم فى هذه الحالة أن يحمل اللفظ على معناه الوحيد و يقال [ :( إن المتكلم أراد ذلك المعنى]( , لان المتكلم يريد باللفظ دائما المعنى المحدد له فى النظام اللغوى العام , و يعتبر الدليل فى مثل هذه الحالة صريحا فى معناه و نصا .

الثانية : أن يكون للفظ معان متعددة متكافئة فى علاقتها باللفظ بموجب النظام اللغوى العام من قبيل المشترك , و فى هذه الحالة لا يمكن تعيين المراد من اللفظ على أساس تلك القاعدة , إذ لا يوجد معنى أقرب إلى اللفظ من ناحية لغوية لتطبق القاعدة عليه , و يكون الدليل فى هذه الحالة مجملا .

الثانية : أن يكون للفظ معان متعددة فى اللغة و أحدها أقرب إلى اللفظ لغويا من سائر معانيه , و مثاله كلمة[ ( البحر]( التى لها معنى حقيقى قريب و هو[ ( البحر من الماء]( و معنى مجازى بعيد و هو[ ( البحر من العلم]( , فاذا قال الامر[ : ( إذهب إلى البحر فى كل يوم]( و أردنا أن نعرف ماذا أراد المتكلم بكلمة البحر من هذين المعنيين ؟ يجب علينا أن ندرس السياق الذى جاءت فيه كلمة البحر و نريد ب[ ( السياق]( كل ما يكتنف اللفظ الذى نريد فهمه من دوال اخرى , سواء كانت لفظية كالكلمات التى تشكل مع اللفظ الذى نريد فهمه كلاما واحدا


104
مترابطا , أو حالية كالظروف والملابسات التى تحيط بالكلام و تكون ذات دلالة فى الموضوع .

فان لم نجد فى سائر الكلمات التى وردت فى السياق ما يدل على خلاف المعنى الظاهر من كلمة البحر كان لزاما علينا أن نفسر كلمة البحر على أساس المعنى اللغوى الاقرب تطبيقا للقاعدة العامة القائلة بحجية الظهور .

و قد نجد فى سائر أجزاء الكلام ما لا يتفق مع ظهور كلمة البحر , و مثاله أن يقول الامر[ : ( اذهب إلى البحر فى كل يوم واستمع إلى حديثه باهتمام]( . فان الاستماع إلى حديث البحر لا يتفق مع المعنى اللغوى الاقرب إلى كلمة البحر , و انما يناسب العالم الذى يشابه البحر لغزارة علمه و فى هذه الحالة نجد انفسنا تتساءل ماذا أراد المتكلم بكلمة البحر , هل أراد بها البحر من العلم بدليل أنه أمرنا بالاستماع إلى حديثه , أو أراد بها البحر من الماء و لم يقصد بالحديث هنا المعنى الحقيقى بل أراد به الاضغاء إلى صوت أمواج البحر ؟ و هكذا نظل مترددين بين كلمة البحر و ظهورها اللغوى من ناحية , و كلمة الحديث و ظهورها اللغوى من ناحية أخرى , و معنى هذا أنا نتردد بين صورتين : إحداهما صورة الذهاب إلى بحر من الماء المتموج و الاستماع إلى صوت موجه , و هذه الصورة هى التى توحى بها كلمة البحر . و الاخرى صورة الذهاب إلى عالم غزير العلم و الاستماع إلى كلامه , و هذه الصورة هى التى توحى بها كلمة الحديث .

و فى هذا المجال يجب أن نلاحظ السياق جميعا ككل و نرى أى هاتين الصورتين أقرب إليه فى النظام اللغوى العام ؟ أى إن هذا السياق


105
إذا ألقى على ذهن شخص يعيش اللغة و نظامها بصورة صحيحة هل سوف تسبق إلى ذهنه الصورة الاولى أو الصورة الثانية ؟ فان عرفنا أن إحدى الصورتين أقرب إلى السياق بموجب النظام اللغوى العام و لنفرضها الصورة الثانية تكون للسياق ككل ظهور فى الصورة الثانية و وجب أن نفسر الكلام على أساس تلك الصورة الظاهرة .

و يطلق على كلمة الحديث فى هذا المثال اسم[ ( القرينة]( لانها هى التى دلت على الصورة الكاملة للسياق و أبطلت مفعول كلمة البحر و ظهورها .

و أما إذا كانت الصورتان متكافئتين فى علاقتهما بالسياق فهذا يعنى أن الكلام أصبح مجملا و لا ظهور له , فلا يبقى مجال لتطبيق القاعدة العامة .

القرينة المتصلة و المنفصلة :

عرفنا أن كلمة[ ( الحديث]( فى المثال السابق قد تكون قرينة فى ذلك السياق , و تسمى[ ( قرينة متصلة]( لانها متصلة بكلمة البحر التى أبطلت مفعولها و داخلة معها فى سياق واحد , والكلمة التى يبطل مفعولها بسبب القرينة تسمى ب [( ذى القرينة]( .

و من أمثلة القرينة المتصلة الاستثناء من العام , كما إذا قال الامر[ : ( أكرم كل فقير إلا الفساق]( , فان كلمة[ ( كل]( ظاهرة فى العموم لغة , و كلمة[ ( الفساق]( تتنافى مع العموم , و حين ندرس السياق ككل نرى أن الصورة التى تقتضيها هذه الكلمة أقرب إليه من صورة العموم التى تقتضيها كلمة[ ( كل]( , بل لا مجال للموازنة بينهما , و بهذا تعتبر أداة


106
الاستثناء قرينة على المعنى العام للسياق .

فالقرينة المتصلة هى كل ما يتصل بكلمة أخرى , فيبطل ظهورها و يوجه المعنى العام للسياق الوجهة التى تنسجم معه .

و قد يتفق أن القرينة بهذا المعنى لا تجىء متصلة بالكلام بل منفصلة عنه فتسمى [( قرينة منفصلة]( .

و مثاله أن يقول الامر[ : ( أكرم كل فقير]( ثم يقول فى حديث آخر بعد ساعة : [( لا تكرم فساق الفقراء]( , فهذا النهى لو كان متصلا بالكلام الاول لا عتبر قرينة متصلة ولكنه انفصل عنه فى هذا المثال .

و فى هذا الضوء نفهم معنى القاعدة الاصولية القائلة : إن ظهور القرينة مقدم على ظهور ذى القرينة سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة .


107
1 الدليل الشرعى أ الدليل الشرعى اللفظى إثبات الصدور

لكى نعمل بكلام بوصفه دليلا شرعيا لابد من إثبات صدوره من المعصوم و ذلك بأحد الطرق التالية :

( الاول ) التواتر و ذلك بأن ينقله عدد كبير من الرواة و كل خبر من هذا العدد الكبير يشكل احتمالا للقضية و قرينة لا ثباتها و بتراكم الاحتمالات والقرائن يحصل اليقين بصدور الكلام , و حجية التواتر قائمة على أساس افادته للعلم و لا تحتاج حجيته إلى جعل و تعبد شرعى .

( الثانى ) الاجماع والشهرة و توضيح ذلك أنا إذا لا حظنا فتوى الفقيه الواحد بوجوب الخمس فى المعادن مثلا . نجد أنها تشكل قرينة إثبات ناقصة على وجود دليل لفظى مسبق يدل على هذا الوجوب لان فتوى الفقيه تجعلنا نحتمل تفسيرين لها :

أحدهما أن يكون قد استند فى فتواه إلى دليل لفظى مثلا بصورة صحيحة , والاخر أن يكون مخطئا فى فتواه .

و ما دمنا نحتمل فيها هذين التفسيرين معا فهى قرينة إثبات ناقص , فاذا أضفنا إليها فتوى فقيه آخر بوجوب الخمس فى المعادن أيضا , كبر


108
احتمال وجود دليل لفظى يدل على الحكم نتيجة لاجتماع قرينتين ناقصتين , و حين ينضم إلى الفقيهين فقيه ثالث نزداد ميلا إلى الاعتقاد بوجود هذا الدليل اللفظى و هكذا نزداد ميلا إلى الاعتقاد بذلك كلما ازداد عدد الفقهاء بوجوب الخمس فى المعادن , فاذا كان الفقهاء قد اتفقوا جميعا على هذه الفتوى سمى ذلك[ ( إجماعا]( , و إذا كانوا يشكلون الاكثرية فقط سمى ذلك[ ( شهرة]( .

فالاجماع والشهرة طريقان لاكتشاف وجود الدليل اللفظى فى جملة من الاحيان .

و حكم الاجماع والشهرة من ناحية أصولية أنه متى حصل العلم بالدليل الشرعى بسبب الاجماع أو الشهرة وجب الاخذ بذلك فى عملية الاستنباط , و أصبح الاجماع و الشهرة حجة , و إذا لم يحصل العلم بسبب الاجماع أو الشهرة , فلا اعتبار بهما , إذ لا يفيدان حينئذ إلا الظن و لا دليل على حجية هذا الظن شرعا فالاصل عدم حجيته , لان هذا هو الاصل فى كل ظن كما تقدم .

( الثالث ) سيرة المتشرعة , و هى السلوك العام للمتدينين فى عصر المعصومين من قبيل اتفاقهم على إقامة صلاة الظهر فى يوم الجمعة بدلا عن صلاة الجمعة , أو على عدم دفع الخمس من الميراث .

و هذا السلوك العام إذا حللناه إلى مفرداته , و لا حظنا سلوك كل واحد بصورة مستقلة , نجد أن سلوك الفرد المتدين الواحد فى عصر التشريع , يعتبر قرينة إثبات ناقصة على صدور بيان شرعى يقرر ذلك السلوك , و نحتمل فى نفس الوقت أيضا الخطأ والغفلة و حتى التسامح .

فاذا عرفنا أن فردين فى عصر التشريع كانا يسلكان نفس السلوك


109
و يصليان الظهر مثلا فى يوم الجمعة ازدادت قوة الاثبات . و هكذا تكبر قوة الاثبات حتى تصل إلى درجة كبيرة عندما نعرف أن ذلك السلوك كان سلوكا عاما يتبعه جمهرة المتدينين فى عصر التشريع , إذ يبدو من المؤكد حينئذ أن سلوك هؤلاء جميعا لم ينشأ عن خطأ أو غفلة أو تسامح , لان الخطأ والغفلة أو التسامح قد يقع فيه هذا أو ذاك , و ليس من المحتمل أن يقع فيه جمهرة المتدينين فى عصر التشريع جميعا .

و هكذا نعرف أن السلوك العام مستند إلى بيان شرعى يدل على إمكان إقامة الظهر فى يوم الجمعة , و عدم وجوب الخمس فى الميراث . و هى فى الغالب تؤدى إلى الجزم بالبيان الشرعى ضمن شروط لا مجال لتفصيلها الان .

و متى كانت كذلك فهى حجة , و أما إذا لم يحصل منها الجزم فلا اعتبار بها لعدم الدليل على الحجية حينئذ .

و هذه الطرق الثلاث كلها مبنية على تراكم الاحتمالات و تجمع القرائن .

( الرابع ) خبر الواحد الثقة و نعبر بخبر الواحد عن كل خبر لا يفيد العلم , و حكمه أنه إذا كان المخبر ثقة اخذ به و كان حجة و إلا فلا , و هذه الحجية ثابتة شرعا لا عقلا لانها لا تقوم على أساس حصول القطع , بل على أساس أمر الشارع باتباع خبر الثقة , فقد دلت أدلة شرعية عديدة على ذلك , و يأتى بيانها فى حلقة مقبلة إن شاء الله تعالى .

و من تلك الادلة آية النبأ و هى قوله تعالى : [ ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا]( . . . الاية ( 1 ) , فانه يشتمل على جملة شرطية

( 1 ) الحجرات 6 .


110
و هى تدل منطوقا على إناطة وجوب التبين بمجىء الفاسق بالنبأ و تدل مفهوما على نفى وجوب التبين فى حالة مجىء النبأ من قبل غير الفاسق , و ليس ذلك إلا لحجيته فيستفاد من الاية الكريمة حجية خبر العادل الثقة .

و يدل على حجية خبره أيضا ان سيرة المتشرعة والعقلاء عموما على الاتكال عليه , و نستكشف من انعقاد سيرة المتشرعة على ذلك و استقرار عمل اصحاب الائمة والرواة عليه أن حجيته متلقاة لهم من قبل الشارع وفقا لما تقدم من حديث عن سيرة المتشرعة , و كيفية الاستدلال بها .


111
1 الدليل الشرعى ب الدليل الشرعى غير اللفظى

الدليل الشرعى غير اللفظى كل ما يصدر من المعصوم مما له دلالة على الحكم الشرعى و ليس من نوع الكلام .

و يدخل ضمن ذلك فعل المعصوم , فان أتى المعصوم بفعل دل على جوازه , و إن تركه , دل على عدم وجوبه , و إن أوقعه بعنوان كونه طاعة لله تعالى دل على المطلوبية , و يثبت لدينا صدور هذه الانحاء من التصرف عن المعصوم بنفس الطرق المتقدمة التى يثبت بها صدور الدليل الشرعى اللفظى .

و يدخل ضمن ذلك تقرير المعصوم , و هو السكوت منه عن تصرف يواجهه , فانه يدل على الامضاء و إلا لكان على المعصوم أن يردع عنه فيستكشف من عدم الردع الامضاء و الارتضاء .

والتصرف تارة يكون شخصيا فى واقعة معينة كما إذا توضأ انسان امام الامام فمسح منكوسا و سكت الامام عنه , و أخرى يكون نوعيا كالسيرة العقلائية , و هى عبارة عن ميل عام عند العقلاء نحو سلوك معين دون أن يكون للشرع دور إيجابى فى تكوين هذا الميل , و مثال ذلك الميل العام لدى العقلاء نحو الاخذ بظهور كلام المتكلم أو خبر الثقة أو


112
باعتبار الحيازة سببا لتملك المباحات الاولية , والسيرة العقلائية بهذا المعنى تختلف عن سيرة المتشرعة التى تقدم أنها احدى الطرق لكشف صدور الدليل الشرعى , فان سيرة المتشرعة بما هم كذلك تكون عادة وليدة البيان الشرعى , و لهذا تعتبر كاشفة عنه كشف المعلول عن العلة . و أما السيرة العقلائية فمردها كما عرفنا إلى ميل عام يوجد عند العقلاء نحو سلوك معين , لا كنتيجة لبيان شرعى بل نتيجة العوامل و المؤثرات الاخرى التى تتكيف وفقا لها ميول العقلاء و تصرفاتهم , و لاجل هذا لا يقتصر الميل العام الذى تعبر عنه السيرة العقلائية على نطاق المتدينين خاصة , لان الدين لم يكن من عوامل تكوين هذا الميل .

و بهذا يتضح أن السيرة العقلائية لا تكشف عن البيان الشرعى كشف المعلول عن العلة , و انما تدل على الحكم الشرعى عن طريق دلالة التقرير , بالتقريب التالى : و هو أن الميل الموجود عند العقلاء نحو سلوك معين يعتبر قوة دافعة لهم نحو ممارسة ذلك السلوك , فاذا سكتت الشريعة عن ذلك الميل و لم يردع المعصوم عن السيرة مع معاصرته لها كشف ذلك عن الرضا بذلك السلوك و امضائه شرعا . و مثال ذلك : سكوت الشريعة عن الميل العام عند العقلاء نحو الاخذ بظهور كلام المتكلم , و عدم ردع المعصومين عن ذلك , فانه يدل على ان الشريعة تقر هذه الطريقة فى فهم الكلام , و توافق على اعتبار الظهور حجة , و إلا لمنعت الشريعة عن الانسياق مع ذلك الميل العام , وردعت عنه فى نطاقها الشرعى .

و بهذا يمكن ان نستدل على حجية الظهور بالسيرة العقلائية , إضافة إلى استدلالنا سابقا عليها بسيرة المتشرعة المعاصرين للرسول و الائمة عليهم السلام .


113
2 الدليل العقلى دراسة العلاقات العقلية :

حينما يدرس العقل العلاقات بين الاشياء يتوصل إلى معرفة أنواع عديدة من العلاقة , فهو يدرك مثلا علاقة التضاد بين السواد والبياض و هى تعنى استحالة اجتماعهما فى جسم واحد , و يدرك علاقة التلازم بين السبب و المسبب , فان كل مسبب فى نظر العقل ملازم لسببه و يستحيل انفكاكه عنه , نظير الحرارة بالنسبة إلى النار , و يدرك علاقة التقدم و التأخر فى الدرجة بين السبب والمسبب . و مثاله : إذا أمسكت مفتاحا بيدك و حركت يدك فيتحرك المفتاح بسبب ذلك , و بالرغم من أن المفتاح فى هذا المثال يتحرك فى نفس اللحظة التى تتحرك فيها يدك , فان العقل يدرك أن حركة اليد متقدمة على حركة المفتاح , و حركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد لا من ناحية زمنية بل من ناحية تسلسل الوجود , و لهذا نقول حين نريد أن نتحدث عن ذلك[ : ( حركت يدى فتحرك المفتاح]( فالفاء هنا تدل على تأخر حركة المفتاح عن حركة اليد , مع أنهما وقعا فى زمان واحد . فهناك إذن تأخر لا يمت إلى


114
الزمان بصلة , و إنما ينشأ عن تسلسل الوجود فى نظر العقل , بمعنى أن العقل حين يلحظ حركة اليد و حركة المفتاح , و يدرك أن هذه نابعة من تلك , يرى أن حركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد بوصفها نابعة منها , و يرمز إلى هذا التأخر بالفاء فيقول[ : ( تحركت يدى فتحرك المفتاح]( , و يطلق على هذا التأخر اسم [( التأخر الرتبى]( .

و بعد أن يدرك العقل تلك العلاقات يستطيع أن يستفيد منها فى اكتشاف وجود الشىء أو عدمه , فهو عن طريق علاقة التضاد بين السواد و البياض , يستطيع أن يثبت عدم السواد فى جسم إذا عرف أنه أبيض نظرا إلى استحالة اجتماع البياض و السواد فى جسم واحد , و عن طريق علاقة التلازم بين المسبب و سببه , يستطيع العقل أن يثبت وجود المسبب إذا عرف وجود السبب نظرا إلى استحالة الانفكاك بينهما . و عن طريق علاقة التقدم و التأخر , يستطيع العقل أن يكتشف عدم وجود المتأخر قبل الشىء المتقدم , لان ذلك يناقض كونه متأخرا , فاذا كانت حركة المفتاح متأخرة عن حركة اليد فى تسلسل الوجود , فمن المستحيل أن تكون حركة المفتاح والحالة هذه موجودة بصورة متقدمة على حركة اليد فى تسلسل الوجود .

و كما يدرك العقل هذه العلاقات بين الاشياء و يستفيد منها فى الكشف عن وجود شىء أو عدمه , كذلك يدرك العلاقات القائمة بين الاحكام , و يستفيد من تلك العلاقات فى الكشف عن وجود حكم أو عدمه , فهو يدرك مثلا التضاد بين الوجوب و الحرمة , كما كان يدرك التضاد بين السواد و البياض , و كما كان يستخدم هذه العلاقة فى نفى السواد إذا عرف وجود البياض كذلك يستخدم علاقة التضاد بين


115
الوجوب والحرمة لنفى الوجوب عن الفعل إذا عرف أنه حرام .

فهناك إذن أشياء تقوم بينها علاقات فى نظر العقل , و هناك أحكام تقوم بينها علاقات فى نظر العقل أيضا .

و نطلق على الاشياء اسم[ ( العالم التكوينى]( و على الاحكام اسم[ ( العالم التشريعى]( .

و كما يمكن للعقل أن يكشف وجود الشىء أو عدمه فى العالم التكوينى عن طريق تلك العلاقات كذلك يمكن للعقل أن يكشف وجود الحكم أو عدمه فى العالم التشريعى عن طريق تلك العلاقات .

و من أجل ذلك كان من وظيفة علم الاصول أن يدرس تلك العلاقات فى عالم الاحكام بوصفها قضايا عقلية صالحة لان تكون عناصر مشتركة فى عملية الاستنباط , و فيما يلى نماذج من هذه العلاقات :

تقسيم البحث :

توجد فى العالم التشريعى أقسام من العلاقات : فهناك قسم من العلاقات قائم بين نفس الاحكام أى بين حكم شرعى , و حكم شرعى آخر , و قسم ثان من العلاقات قائم بين الحكم و موضوعه , و قسم ثالث بين الحكم و متعلقه , و قسم رابع بين الحكم و مقدماته , و قسم خامس و هو العلاقات القائمة فى داخل الحكم الواحد , و قسم سادس و هو العلاقات القائمة بين الحكم و أشياء أخرى خارجة عن نطاق العالم التشريعى .

و سوف نتحدث عن نماذج لاكثر هذه الاقسام فيما يلى :


116
العلاقات القائمة بين نفس الاحكام علاقة التضاد بين الوجوب والحرمة :

من المعترف به فى علم الاصول أنه ليس من المستحيل أن يأتى المكلف بفعلين فى وقت واحد أحدهما واجب والاخر حرام , فيعتبر مطيعا من ناحية إتيانه بالواجب و جديرا بالثواب , و يعتبر عاصيا من ناحية إتيانه للحرام و مستحقا للعقاب .

و مثاله ان يشرب الماء النجس و يدفع الزكاة إلى الفقير فى وقت واحد .

و أما الفعل الواحد فلا يمكن أن يتصف بالوجوب والحرمة معا , لان العلاقة بين الوجوب و الحرمة هى علاقة تضاد و لا يمكن اجتماعهما فى فعل واحد كما لا يمكن أن يجتمع السواد والبياض فى جسم واحد , فدفع الزكاة إلى الفقير لا يمكن أن يكون و هو واجب حراما فى نفس الوقت , و شرب النجس لا يمكن ان يكون و هو حرام واجبا فى نفس الوقت .

و هكذا يتضح :

( أولا ) أن الفعلين المتعددين كدفع الزكاة و شرب النجس يمكن أن يتصف أحدهما بالوجوب والاخر بالحرمة و لو أوجد هما المكلف فى زمان واحد .

( و ثانيا ) أن الفعل الواحد لا يمكن أن يتصف بالوجوب والحرمة معا .

والنقطة الرئيسية فى هذا البحث عند الاصوليين هى أن الفعل قد


117
يكون واحدا بالذات والوجود , و متعددا بالوصف والعنوان , و عندئذ فهل يلحق بالفعل الواحد لانه واحد وجودا و ذاتا ؟ أو يلحق بالفعلين لانه متعدد بالوصف والعنوان ؟ و مثاله أن يتوضأ المكلف بماء مغصوب , فان هذه العملية التى يؤديها إذا لو حظت من ناحية وجودها فهى شىء واحد , و إذا لوحظت من ناحية أوصافها فهى توصف بوصفين , إذ يقال عن العملية : إنها وضوء , و يقال عنها فى نفس الوقت : إنها غصب و تصرف فى مال الغير بدون إذنه , و كل من الوصفين يسمى[ ( عنوانا]( .

و لا جل ذلك تعتبر العملية فى هذا المثال واحدة ذاتا و وجودا و متعددة وصفا و عنوانا .

و فى هذه النقطة قولان للاصوليين[ ( أحدهما]( أن هذه العملية ما دامت متعددة بالوصف و العنوان تلحق بالفعلين المتعددين , فكما يمكن أن يتصف دفع الزكاة للفقير بالوجوب و شرب الماء النجس بالحرمة , كذلك يمكن أن يكون أحد وصفى العملية و عنوانيها واجبا و هو عنوان الوضوء والوصف الاخر حراما و هو عنوان الغصب . و هذا القول يطلق عليه اسم[ ( القول بجواز إجتماع الامر و النهى]( . و[ ( القول الاخر]( يؤكد على إلحاق العملية بالفعل الواحد على أساس وحدتها الوجودية , و لا يبرر مجرد تعدد الوصف والعنوان عنده تعلق الوجوب والحرمة معا بالعملية . و هذا القول يطلق عليه اسم[ ( القول بامتناع إجتماع الامر و النهى ) .

و هكذا اتجه البحث الاصولى إلى دراسة تعدد الوصف و العنوان من ناحية أنه هل يبرر إجتماع الوجوب والحرمة معا فى عملية الوضوء بالماء المغصوب ؟ أو أن العملية ما دامت واحدة وجودا و ذاتا فلا يمكن أن توصف بالوجوب والحرمة فى وقت واحد .


118

فقد يقال إن الاحكام باعتبارها أشياء تقوم فى نفس الحاكم انما تتعلق بالعناوين والصور الذهنية لا بالواقع الخارجى مباشرة , فيكفى التعدد فى العناوين والصور لارتفاع المحذور , و هذا معناه جواز إجتماع الامر والنهى . و قد يقال إن الاحكام و إن كانت تتعلق بالعناوين والصور الذهنية , ولكنها لا تتعلق بها بما هى صور ذهنية . إذ من الواضح ان المولى لا يريد الصورة , و إنما تتعلق الاحكام بالصور بما هى معبرة عن الواقع الخارجى و مرآة له , و حيث ان الواقع الخارجى واحد , فيستحيل ان يجتمع علهى الوجوب والحرمة ولو بتوسط عنوانين و صورتين , و على هذا الاساس يقال إن تعدد العناوين إن كان ناتجا عن تعدد الواقع الخارجى و كاشفا عن تكثر الوجود جاز ان يتعلق الامر بأحدهما و النهى بالاخر و إن كان مجرد تعدد فى عالم العناوين والصور الذى هو الذهن فلا يسوغ ذلك .

هل تستلزم الحرمة البطلان ؟

إن صحة العقد معناها أن يترتب عليه أثره الذى اتفق عليه المتعاقدان , ففى عقد البيع يعتبر البيع صحيحا و نافذا إذا ترتب عليه نقل ملكية السلعة من البائع إلى المشترى , و نقل ملكية الثمن من المشترى إلى البائع , و يعتبر فاسدا و باطلا إذا لم يترتب عليه ذلك .

و بديهى أن العقد لا يمكن أن يكون صحيحا و باطلا فى وقت واحد , فان الصحة والبطلان متضادان كالتضاد بين الوجوب والحرمة .

والسؤال هو هل يمكن أن يكون العقد صحيحا و حراما ؟ و نجيب على ذلك بالايجاب , إذا لا تضاد بين الصحة والحرمة , و لا تلازم بين الحرمة و الفساد , لان معنى تحريم العقد منع المكلف من إيجاد البيع ,


119
و معنى صحته أن المكلف إذا خالف هذا المنع و التحريم و باع ترتب الاثر على بيعه و انتقلت الملكية من البائع إلى المشترى , و لا تنافى بين أن يكون إيجاد المكلف للبيع مبغوضا للشارع و ممنوعا عنه , و أن يترتب عليه الاثر فى حالة صدوره من المكلف , كالظهار فانه ممنوع شرعا ولكن لو وقع لترتب عليه أثره .

و مثال ذلك فى حياتنا الاعتيادية : أنك قد لا تريد أن يزورك فلان و تبغض ذلك اشد البغض , ولكن إذا اتفق و زارك ترى لزاما عليك أن ترتب الاثر على زيارته و تقوم بضيافته .

و هكذا نعرف أن النهى عن المعاملة أى عقد البيع و نحوه لا يستلزم فسادها بل يتفق مع الحكم بصحة العقد فى نفس الوقت , خلافا لعدد من الاصوليين القائلين بأن النهى عن المعاملة يقتضى بطلانها .

و كما يتعلق التحريم بالعقد والمعاملة كذلك قد يتعلق بالعبادة , كتحريم صوم يوم العيد أو صلاة الحائض مثلا , و هذا التحريم يقتضى بطلان العبادة خلافا للتحريم فى المعاملة , و ذلك لان العبادة لا تقع صحيحة إلا إذا أتى بها المكلف على وجه قربى و بعد أن تصبح محرمة لا يمكن قصد التقرب بها , لان التقرب بالمبغوض و بالمعصية غير ممكن فتقع باطلة .

العلاقات القائمة بين الحكم و موضوعه الجعل والفعلية :

حين حكمت الشريعة بوجوب الحج على المستطيع و جاء قوله تعالى :


120
[ ( ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا]( ( 1 ) أصبح الحج من الواجبات فى الاسلام و أصبح وجوبه حكما ثابتا فى الشريعة . ولكن إذا افترضنا أن المسلمين وقتئذ لم يكن فيهم شخص مستطيع تتوفر فيه خصائص الاستطاعة شرعا فلا يتوجه وجوب الحج إلى أى فرد من أفراد المسلمين لانهم ليسوا مستطيعين , و الحج إنما يجب على المستطيع , أى إن وجوب الحج لا يثبت فى هذه الحالة لاى فرد بالرغم من كونه حكما ثابتا فى الشريعة , فاذا أصبح أحد الافراد مستطيعا اتجه الوجوب نحوه , و أصبح ثابتا بالنسبة إليه .

و على هذا الضوء نلاحظ أن للحكم ثبوتين : أحدهما ثبوت الحكم فى الشريعة . والاخر ثبوته بالنسبة إلى هذا الفرد أو ذاك .

فحين حكم الاسلام بوجوب الحج على المستطيع فى الاية الكريمة ثبت هذا الحكم فى الشريعة و لو لم يكن يوجد مستطيع وقتئذ إطلاقا بمعنى أن شخصا لو سأل فى ذلك الوقت ما هى أحكام الشريعة ؟ لذكرنا من بينها وجوب الحج على المستطيع , سواء كان فى المسلمين مستطيع فعلا أو لا , و بعد أن يصبح هذا الفرد أو ذاك مستطيعا يثبت الوجوب عليه .

و نعرف على هذا الاساس أن الحكم بوجوب الحج على المستطيع لا يتوقف ثبوته فى الشريعة بوصفه حكما شرعيا إلا على تشريعه , و جعله من قبل الله تعالى سواء كانت الاستطاعة متوفرة فى المسلمين فعلا أولا .

و أما ثبوت وجوب الحج على هذا المكلف أو ذاك , فيتوقف إضافة

( 1 ) سورة آل عمران : 97 .


121
إلى تشريع الله للحكم و جعله له , على توفر خصائص الاستطاعة فى المكلف . والثبوت الاول للحكم أى ثبوته فى الشريعة يسمى بالجعل[ ( جعل الحكم]( . والثبوت الثانى للحكم أى ثبوته على هذا المكلف بالذات أو ذاك يسمى بالفعلية[ ( فعلية الحكم]( أو المجعول , فجعل الحكم معناه تشريعه من قبل الله , و فعلية الحكم معناها ثبوته فعلا لهذا المكلف أو ذاك .
موضوع الحكم :

و موضوع الحكم مصطلح أصولى نريد به مجموع الاشياء التى تتوقف عليها فعلية الحكم المجعول بمعناها الذى شرحناه , ففى مثال وجوب الحج يكون وجود المكلف المستطيع موضوعا لهذا الوجوب , لان فعلية هذا الوجوب تتوقف على وجود مكلف مستطيع .

و مثال آخر : حكمت الشريعة بوجوب الصوم على كل مكلف غير مسافر و لا مريض إذا هل عليه هلال شهر رمضان , و هذا الحكم يتوقف ثبوته الاول على جعله شرعا , و يتوقف ثبوته الثانى أى فعليته على وجود موضوعه , أى وجود مكلف غير مسافر و لا مريض و هل عليه هلال شهر رمضان , فالمكلف و عدم السفر و عدم المرض و هلال شهر رمضان هى العناصر التى تكون الموضوع الكامل للحكم بوجوب الصوم . و إذا عرفنا معنى موضوع الحكم , استطعنا أن ندرك أن العلاقة بين الحكم والموضوع تشابه ببعض الاعتبارات العلاقة بين المسبب و سببه كالحرارة والنار , فكما أن المسبب يتوقف على سببه كذلك الحكم يتوقف على موضوعه , لانه يستمد فعليته من وجود الموضوع , و هذا معنى العبارة


122
الاصولية القائلة[ : ( إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه]( أى إن وجود الحكم فعلا يتوقف على وجود موضوعه فعلا .

و بحكم هذه العلاقة بين الحكم و الموضوع يكون الحكم متأخرا رتبة عن الموضوع كما يتأخر كل مسبب عن سببه فى الرتبة .

و توجد فى علم الاصول قضايا تستنتج من هذه العلاقة و تصلح للاشتراك فى عمليات الاستنباط .

فمن ذلك انه لا يمكن ان يكون موضوع الحكم أمرا مسببا عن الحكم نفسه و مثاله العلم بالحكم فانه مسبب عن الحكم , لان العلم بالشىء فرع الشىء المعلوم و لهذا يمتنع ان يكون العلم بالحكم موضوعا لنفسه بأن يقول الشارع أحكم بهذا الحكم على من يعلم بثبوته له لان ذلك يؤدى إلى الدور .

العلاقات القائمة بين الحكم و متعلقه

عرفنا أن وجوب الصوم مثلا موضوعه مؤلف من عدة عناصر تتوقف عليها فعلية الوجوب , فلا يكون الوجوب فعليا و ثابتا إلا إذا وجد مكلف غير مسافر و لا مريض و هل عليه هلال شهر رمضان , و أما متعلق هذا الوجوب فهو الفعل الذى يؤديه المكلف نتيجة لتوجه الوجوب إليه , و هو الصوم فى هذا المثال .

و على هذا الضوء نستطيع أن نميز بين متعلق الوجوب و موضوعه , فان المتعلق يوجد بسبب الوجوب , فالمكلف انما يصوم لاجل وجوب الصوم عليه , بينما يوجد الحكم نفسه بسبب الموضوع , فوجوب الصوم لا يصبح


123
فعليا إلا إذا وجد مكلف غير مريض و لا مسافر و هل عليه الهلال .

و هكذا نجد أن وجود الحكم يتوقف على وجود الموضوع , بينما يكون سببا لايجاد المتعلق و داعيا للمكلف نحوه .

و على هذا الاساس نعرف أن من المستحيل أن يكون الوجوب داعيا إلى إيجاد موضوعه و محركا للمكلف نحوه كما يدعو إلى إيجاد متعلقه , فوجوب الصوم على كل مكلف غير مسافر و لا مريض لا يمكن أن يفرض على المكلف أن لا يسافر , و إنما يفرض عليه أن يصوم إذا لم يكن مسافرا , و وجوب الحج على المستطيع لا يمكن أن يفرض على المكلف أن يكتسب , ليحصل على الاستطاعة , و إنما يفرض الحج على المستطيع , لان الحكم لا يوجد إلا بعد وجود موضوعه , فقبل وجود الموضوع لا وجود للحكم لكى يكون داعيا إلى إيجاد موضوعه , و لاجل ذلك وضعت فى علم الاصول القاعدة القائلة[ : ( إن كل حكم يستحيل أن يكون محركا نحو أى عنصر من العناصر الدخيلة فى تكوين موضوعه , بل يقتصر تأثيره و تحريكه على نطاق المتعلق]( .

العلاقات القائمة بين الحكم و المقدمات

المقدمات التى يتوقف عليها وجود الواجب على قسمين :

أحدهما المقدمات التى يتوقف عليها وجود المتعلق , من قبيل السفر الذى يتوقف أداء الحج عليه , أو الوضوء الذى تتوقف الصلاة عليه , أو التسلح الذى يتوقف الجهاد عليه .

والاخر المقدمات التى تدخل فى تكوين موضوع الوجوب , من قبيل


124
نية الاقامة التى يتوقف عليها صوم شهر رمضان , والاستطاعة التى تتوقف عليها حجة الاسلام .

والفارق بين هذين القسمين أن المقدمة التى تدخل فى تكوين موضوع الوجوب يتوقف على وجودها الوجوب نفسه , لما شرحناه سابقا من أن الحكم الشرعى يتوقف وجوده على وجود موضوعه , فكل مقدمة دخيلة فى تحقق موضوع الحكم يتوقف عليها الحكم و لا يوجد بدونها , خلافا للمقدمات التى لا تدخل فى تكوين الموضوع و إنما يتوقف عليها وجود المتعلق فحسب , فان الحكم يوجد قبل وجودها , لانها لا تدخل فى موضوعه .

و لنوضح ذلك فى مثال الاستطاعة والوضوء : فالاستطاعة مقدمة تتوقف عليها حجة الاسلام , والتكسب مقدمة للاستطاعة , و ذهاب الشخص إلى محله فى السوق مقدمة للتكسب , و حيث ان الاستطاعة تدخل فى تكوين موضوع وجوب الحج , فلا وجوب للحج قبل الاستطاعة , و قبل تلك الامور التى تتوقف عليها الاستطاعة .

و أما الوضوء فلا يدخل فى تكوين موضوع وجوب الصلاة , لان وجوب الصلاة لا ينتظر أن يتوضأ الانسان لكى يتجه إليه , بل يتجه إليه قبل ذلك , و إنما يتوقف متعلق الوجوب أى الصلاة على الوضوء , و يتوقف الوضوء على تحضير الماء الكافى , و يتوقف تحضير هذا الماء على فتح خزان الماء مثلا .

فهناك إذن سلسلتان من المقدمات : الاولى سلسلة مقدمات المتعلق أى الوضوء الذى تتوقف عليه الصلاة و تحضير الماء الذى يتوقف عليه الوضوء , و فتح الخزان الذى يتوقف عليه تحضير الماء .


125

والثانى سلسلة مقدمات الوجوب , و هى الاستطاعة التى تدخل فى تكوين موضوع وجوب الحج , و التكسب الذى تتوقف عليه الاستطاعة , و ذهاب الشخص إلى محله فى السوق الذى يتوقف عليه التكسب .

و موقف الوجوب من هذه السلسلة الثانية و كل ما يندرج فى القسم الثانى من المقدمات سلبى دائما , لان هذا القسم يتوقف عليه وجود موضوع الحكم , و قد عرفنا سابقا أن الوجوب لا يمكن أن يدعو إلى موضوعه . و تسمى كل مقدمة من هذا القسم[ ( مقدمة وجوب]( أو[ ( مقدمة وجوبية]( .

و أما السلسلة الاولى والمقدمات التى تندرج فى القسم الاول , فالمكلف مسؤول عن إيجادها , أى إن المكلف بالصلاة مثلا مسؤول عن الوضوء لكى يصلى , و المكلف بالحج مسؤول عن السفر لكى يحج , والمكلف بالجهاد مسؤول عن التسلح لكى يجاهد .

والنقطة التى درسها الاصوليون هى نوع هذه المسؤولية , فقد قدموا لها تفسيرين :

أحدهما أن الواجب شرعا على المكلف هو الصلاة فحسب دون مقدماتها من الوضوء و مقدماته , و إنما يجد المكلف نفسه مسؤولا عن إيجاد الوضوء و غيره من المقدمات عقلا , لانه يرى أن امتثال الواجب الشرعى لا يتأتى له إلا بايجاد تلك المقدمات .

والاخر أن الوضوء واجب شرعا لانه مقدمة للواجب , و مقدمة الواجب واجبة شرعا , فهناك إذن واجبان شرعيان على المكلف :

أحدهما الصلاة , والاخر الوضوء بوصفه مقدمة الصلاة . و يسمى الاول ب[ ( الواجب النفسى]( , لانه واجب لاجل نفسه . و يسمى الثانى


126
ب[ ( الواجب الغيرى]( , لانه واجب لاجل غيره , أى لاجل ذى المقدمة و هو الصلاة .

و هذا التفسير أخذ به جماعة من الاصوليين إيمانا منهم بقيام علاقة تلازم بين وجوب الشىء و وجوب مقدمته فكلما حكم الشارع بوجوب فعل حكم عقيب ذلك مباشرة بوجوب مقدماته .

و يمكن الاعتراض على ذلك بأن حكم الشارع بوجوب المقدمة فى هذه الحالة لا فائدة فيه و لا موجب له , لانه أن أراد به إلزام المكلف بالمقدمة فهذا حاصل بدون حاجة إلى حكمه بوجوبها , إذ بعد ان وجب الفعل المتوقف عليها يدرك العقل مسؤولية المكلف من هذه الناحية , و إن أراد الشارع بذلك مطلبا آخر دعاه إلى الحكم بوجوب المقدمة فلا نتعقله , و على هذا الاساس يعتبر حكم الشارع بوجوب المقدمة لغوا فيستحيل ثبوته , فضلا عن ان يكون ضرورى الثبوت كما يدعيه القائل بالتلازم بين وجوب الشىء و وجوب مقدمته .

العلاقات القائمة فى داخل الحاكم الواحد

قد يتعلق الوجوب بشىء واحد , كوجوب السجود على كل من سمع آية السجدة , و قد يتعلق بعملية تتألف من أجزاء و تشتمل على أفعال متعددة , من قبيل وجوب الصلاة , فان الصلاة عملية تتألف من أجزاء و تشتمل على أفعال عديدة , كالقراءة والسجود والركوع والقيام والتشهد و ما إلى ذلك .

و فى هذه الحالة تصبح العملية بوصفها مركبة من تلك الاجزاء


127
واجبة , و يصبح كل جزء واجبا أيضا , و يطلق على وجوب المركب اسم[ ( الوجوب الاستقلالى]( و يطلق على وجوب كل جزء فيه اسم[ ( الوجوب الضمنى]( , لانالوجوب إنما يتعلق بالجزء بوصفه جزءا فى ضمن المركب لا بصورة مستقلة عن سائر الاجزاء , فوجوب الجزء ليس حكما مستقلا , بل هو جزء من الوجوب المتعلق بالعملية المركبة .

و لاجل ذلك كان وجوب كل جزء من الصلاة مثلا مرتبطا بوجوب الاجزاء الاخرى , لان الوجوبات الضمنية لاجزاء الصلاة تشكل بمجموعها وجوبا واحدا استقلاليا .

و نتيجة ذلك قيام علاقة التلازم فى داخل إطار الحكم الواحد بين الوجوبات الضمنية فيه .

و تعنى علاقة التلازم هذه أنه لا تمكن التجزئة فى تلك الوجوبات أو التفكيك بينها , بل إذا سقط أى واحد منها تحتم سقوط الباقى نتيجة لذلك التلازم القائم بينها .

و مثال ذلك : إذا وجب على الانسان الوضوء و هو مركب من أجزاء عديدة كغسل الوجه و غسل اليمنى و غسل اليسرى و مسح الرأس و مسح القدمين , فيتعلق بكل جزء من تلك الاجزاء وجوب ضمنى بوصفه جزءا من الوضوء الواجب , و فى هذه الحالة إذا تعذر على الانسان أن يغسل وجهه لافة فيه و سقط لاجل ذلك الوجوب الضمنى المتعلق بغسل الوجه , كان من المحتم أن يسقط وجوب سائر الاجزاء أيضا , فلا يبقى على الانسان وجوب غسل يديه فقط ما دام قد عجز عن غسل وجهه , لان تلك الوجوبات لابد أن ينظر إليها بوصفها وجوبا واحدا متعلقا بالعملية كلها أى بالوضوء , و هذا الوجوب إما أن يسقط كله أو يثبت


128
كله و لا مجال للتفكيك .

و على هذا الضوء نعرف الفرق بين ما إذا وجب الوضوء بوجوب استقلالى , و وجب الدعاء بوجوب استقلالى آخر فتعذر الوضوء , و بين ما إذا وجب الوضوء فتعذر جزء منه كغسل الوجه مثلا , ففى الحالة الاولى لا يؤدى تعذر الوضوء إلا إلى سقوط الوجوب الذى كان متعلقا به , و أما وجوب الدعاء فيبقى ثابتا , لانه وجوب مستقل غير مرتبط بوجوب الوضوء , و فى الحالة الثانية حين يتعذر غسل الوجه و يسقط وجوبه الضمنى يؤدى ذلك إلى سقوط وجوب الوضوء , و ارتفاع سائر الوجوبات الضمنية .

قد تقول : نحن نرى أن الانسان يكلف بالصلاة , فاذا أصبح أخرس و عجز عن القراءة فيها , كلف بالصلاة بدون قراءة , فهل هذا إلا تفكيك بين الوجوبات الضمنية , و نقض لعلاقة التلازم بينها ؟

والجواب أن وجوب الصلاة بدون قراءة على الاخرس ليس تجزئة لوجوب الصلاة الكاملة , و إنما هو وجوب آخر و خطاب جديد تعلق منذ البدء بالصلاة الصامتة , فوجوب الصلاة الكاملة و الخطاب بها قد سقط كله نتيجة لتعذر القراءة و خلفه وجوب آخر و خطاب جديد .


129
النوع الثانى الاصول العملية تمهيد :

استعرضنا فى النوع الاول العناصر الاصولية المشتركة فى الاستنباط التى تتمثل فى أدلة محرزة , فدرسنا أقسام الادلة و خصائصها و ميزنا بين الحجة منها و غيرها .

و نريد الان أن ندرس العناصر المشتركة فى حالة أخرى من الاستنباط , و هى حالة عدم حصول الفقيه على دليل يدل على الحكم الشرعى و بقاء الحكم مجهولا لديه , فيتجه البحث فى هذه الحالة إلى محاولة تحديد الموقف العملى تجاه ذلك الحكم المجهول بدلا عن اكتشاف نفس الحكم .

و مثال ذلك : حالة الفقيه تجاه التدخين , فان التدخين نحتمل حرمته شرعا منذ البدء , و نتجه أولا إلى محاولة الحصول على دليل يعين حكمه الشرعى , فحيث لا نجد نتساءل ما هو الموقف العملى الذى يتحتم علينا أن نسلكه تجاه ذلك الحكم المجهول , و هل يتحتم علينا أن نحتاط أو لا ؟

و هذا هو السؤال الاساسى الذى يعالجه الفقيه فى هذه الحالة ,


130
و يجيب عليه فى ضوء الاصول العملية بوصفها عناصر مشتركة فى عملية الاستنباط , و هذه الاصول هى موضع درسنا الان .
1 القاعدة العملية الامامية

ولكى نعرف القاعدة العملية الاساسية التى نجيب فى ضوئها على سؤال[ ( هل يجب الاحتياط تجاه الحكم المجهول ؟]( لا بد لنا أن نرجع إلى المصدر الذى يفرض علينا إطاعة الشارع , و نلاحظ أن هذا المصدر هل يفرض علينا الاحتياط فى حالة الشك و عدم وجود دليل على الحرمة أو لا ؟ .

ولكى نرجع إلى المصدر الذى يفرض علينا إطاعة المولى سبحانه لا بد لنا أن نحدده , فما هو المصدر الذى يفرض علينا إطاعة الشارع , و يجب أن نستفتيه فى موقفنا هذا ؟ .

والجواب أن هذا المصدر هو العقل , لان الانسان يدرك بعقله أن لله سبحانه حق الطاعة على عبيده , و على أساس حق الطاعة هذا يحكم العقل على الانسان بوجوب إطاعة الشارع لكى يؤدى إليه حقه , فنحن إذن نطيع الله تعالى و نمتثل أحكام الشريعة , لان العقل يفرض علينا ذلك لا لان الشارع أمرنا باطاعته , و إلا لاعدنا السؤال مرة أخرى و لماذا نمتثل أمر الشارع لنا باطاعة أو امره ؟ و ما هو المصدر الذى يفرض علينا امتثاله ؟ و هكذا حتى نصل إلى حكم العقل بوجوب الاطاعة القائم على أساس ما يدركه من حق الطاعة لله سبحانه على الانسان .

و إذا كان العقل هو الذى يفرض إطاعة الشارع على أساس إدراكه


131
لحق الطاعة , فيجب الرجوع إلى العقل فى تحديد الجواب على السؤال المطروح . و يتحتم علينا عندئذ أن ندرس حق الطاعة الذى يدركه العقل و حدوده , فهل هو حق لله سبحانه فى نطاق التكاليف المعلومة فقط بمعنى أن الله سبحانه ليس له حقالطاعة على الانسان إلا فى التكاليف التى يعلم بها , و أما التكاليف التى يشك فيها و لا علم له بها , فلا يمتد إليها حق الطاعة أو ان حق الطاعة كما يدركه العقل فى نطاق التكاليف المعلومة يدركه أيضا فى نطاق التكاليف المحتملة بمعنى أن من حق الله على الانسان أن يطيعه فى التكاليف المعلومة و المحتملة , فاذا علم بتكليف كان من حق الله عليه أن يمتثله و إذا احتمل تكليفا كان من حق الله أن يحتاط , فيترك ما يحتمل حرمته أو يفعل ما يحتمل وجوبه ؟

والصحيح فى رأينا هو أن الاصل فى كل تكليف محتمل هو الاحتياط نتيجة لشمول حق الطاعة للتكاليف المحتملة , فان العقل يدرك أن للمولى على الانسان حق الطاعة لا فى التكاليف المعلومة فحسب , بل فى التكاليف المحتملة أيضا , ما لم يثبت بدليل أن المولى لا يهتم بالتكليف المحتمل إلى الدرجة التى تدعو إلى إلزام المكلف بالاحتياط .

و هذا يعنى أن الاصل بصورة مبدئية كلما احتملنا حرمة أو وجوبا هو أن نحتاط , فنترك ما نحتمل حرمته و نفعل ما نحتمل وجوبه , و لا نخرج عن هذا الاصل إلا إذا ثبت بالدليل أن الشارع لا يهتم بالتكليف المحتمل إلى الدرجة التى تفرض الاحتياط , و يرضى بترك الاحتياط , فان المكلف يصبح حينئذ غير مسؤول عن التكليف المحتمل .

فالاحتياط إذن واجب عقلا فى موارد الشك , و يسمى هذا


132
الوجوب أصالة الاحتياط أو أصالة الاشتغال أى اشتغال ذمة الانسان بالتكليف المحتمل و نخرج عن هذا الاصل حين نعرف أن الشارع يرضى بترك الاحتياط .

و هكذا تكون أصالة الاحتياط هى القاعدة العملية الاساسية .

و يخالف فى ذلك كثير من الاصوليين إيمانا منهم بأن الاصل فى المكلف ان لا يكون مسؤولا عن التكاليف المشكوكة , و لو احتمل اهميتها بدرجة كبيرة , و يرى هؤلاء الاعلام أن العقل هو الذى يحكم بنفى المسؤولية , لانه يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلف للتكليف الذى لم يصل إليه , و لاجل هذا يطلقون على الاصل من وجهة نظرهم اسم[ ( قاعدة قبح العقاب بلا بيان]( أو[ ( البراءة العقلية]( أى إن العقل يحكم بأن عقاب المولى للمكلف على مخالفة التكليف المشكوك قبيح , و ما دام المكلف مأمونا من العقاب فهو غير مسؤول و لا يجب عليه الاحتياط . و يستشهد لذلك بما استقرت عليه سيرة العقلاء من عدم إدانة الموالى للمكلفين فى حالات الشك و عدم قيام الدليل , فان هذا يدل على قبح العقاب بلا بيان فى نظر العقلاء .

ولكى ندرك ان العقل هل يحكم بقبح معاقبة الله تعالى للمكلف على مخالفة التكليف المشكوك أولا ؟ يجب ان نعرف حدود حق الطاعة الثابت لله تعالى , فاذا كان هذا الحق يشمل التكاليف المشكوكة التى يحتمل المكلف أهميتها بدرجة كبيرة كما عرفنا فلا يكون عقاب الله للمكلف إذا خالفها قبيحا , لانه بمخالفتها يفرط فى حق مولاه فيستحق العقاب , و أما ما استشهد به من سيرة العقلاء فلا دلالة له فى المقام لانه انما يثبت ان حق الطاعة فى الموالى العرفيين يختص بالتكاليف المعلومة ,


133
و هذا لا يستلزم ان يكون حق الطاعة لله تعالى كذلك أيضا , إذ أى محذور فى التفكيك بين الحقين و الالتزام بأن أحدهما أوسع من الاخر .

فالقاعدة الاولية إذن هى أصالة الاحتياط .

2 القاعدة العملية الثانوية

و قد انقلبت بحكم الشارع تلك القاعدة العملية الاساسية إلى قاعدة عملية ثانوية , و هى أصالة البراءة القائلة بعدم وجوب الاحتياط .

والسبب فى هذا الانقلاب أنا علمنا عن طريق البيان الشرعى , أن الشارع لا يهتم بالتكاليف المحتملة إلى الدرجة التى تحتم الاحتياط على المكلف , بل يرضى بترك الاحتياط .

والدليل على ذلك نصوص شرعية متعددة , من اشهرها النص النبوى القائل : [ ( رفع عن أمتى ما لا يعلمون]( , بل استدل ببعض الايات على ذلك كقوله تعالى : ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ( 1 ) . فان الرسول يفهم كمثال على البيان والدليل فتدل الاية على انه لا عقاب بدون دليل , و هكذا أصبحت القاعدة العملية هى عدم وجوب الاحتياط بدلا عن وجوبه , و أصالة البراءة شرعا بدلا عن أصالة الاشتغال عقلا .

و تشمل هذه القاعدة العملية الثانوية موارد الشك فى الوجوب , و موارد الشك فى الحرمة على السواء , لان النص النبوى مطلق , و يسمى

( 1 ) الاسراء 15 .


134
الشك فى الوجوب ب[ ( الشبهة الوجوبية]( والشك فى الحرمة ب[ ( الشبهة التحريمية]( كما تشمل القاعدة أيضا الشك مهما كان سببه . و لاجل هذا نتمسك بالبراءة إذا شككنا فى التكليف , سواء نشأ شكنا فى ذلك من عدم وضوح أصل جعل الشارع للتكليف أو من عدم العلم بتحقق موضوعه , و مثال الاول شكنا فى وجوب صلاة العيد أو فى حرمة التدخين , و يسمى بالشبهة الحكمية .

و مثال الثانى : شكنا فى وجوب الحج لعدم العلم بتوفر الاستطاعة , مع علمنا بأن الشارع جعل وجوب الحج على المستطيع . و إن شئت قلت إن المكلف فى الشبهة الحكمية يشك فى الجعل و فى الشبهة الموضوعية يشك فى المجعول و كل منهما مجرى للبراءة شرعا .

3 قاعدة منجزية العلم الاجمالى تمهيد :

قد تعلم أن أخاك الاكبر قد سافر إلى مكة , و قد تشك فى سفره , لكنك تعلم على أى حال أن أحد أخويك[ ( الاكبر أو الاصغر]( قد سافر فعلا إلى مكة , و قد تشك فى سفرهما معا و لا تدرى , هل سافر واحد منهما إلى مكة أولا ؟ .

فهذه حالات ثلاث , و يطلق على الحالة الاولى اسم[ ( العلم التفصيلى]( لانك فى الحالة الاولى تعلم أن أخاك الاكبر قد سافر إلى مكة , و ليس لديك فى هذه الحقيقة أى تردد أو غموض , فلهذا كان العلم تفصيليا . و يطلق على الحالة الثانية اسم[ ( العلم الاجمالى]( , لانك


135
فى هذه الحالة تجد فى نفسك عنصرين مزدوجين : أحدهما عنصر الوضوح , و الاخر عنصر الخفاء , فعنصر الوضوح يتمثل فى علمك بأن أحد أخويك قد سافر فعلا , فأنت لا تشك فى هذه الحقيقة , و عنصر الخفاء والغموض يتمثل فى شكك و ترددك فى تعيين هذا الاخ , و لهذا تسمى هذه الحالة ب[ ( العلم الاجمالى]( فهى علم لانك لا تشك فى سفر أحد أخويك , و هى إجمال و شك لانك لا تدرى أى أخويك قد سافر .

و يسمى كل من سفر الاخ الاكبر و سفر الاصغر طرفا للعلم الاجمالى , لانك تعلم أن أحدهما لاعلى سبيل التعيين قد سافر بالفعل .

و أفضل صيغة لغوية تمثل هيكل العلم الاجمالى و محتواه النفسى بكلا عنصريه هى [( إما وإما]( إذ تقول فى المثال المتقدم[ : ( سافرإما أخى الاكبر وإما أخى الاصغر]( فان جانب الاثبات فى هذه الصيغة يمثل عنصر الوضوح والعلم , و جانب التردد الذى تصوره كلمة[ ( إما]( يمثل عنصر الخفاء والشك و كلما أمكن استخدام صيغة من هذا القبيل دل ذلك على وجود علم إجمالى فى نفوسنا .

و يطلق على الحالة الثالثة اسم[ ( الشك الابتدائى]( أو[ ( البدوى]( أو[ ( الساذج]( و هو شك محض غير ممتزج بأى لون من العلم , و يسمى بالشك الابتدائى أو البدوى تمييزا له عن الشك فى طرف العلم الاجمالى , لان الشك فى طرف العلم الاجمالى يوجد نتيجة للعلم نفسه , فأنت تشك فى أن المسافر هل هو أخوك الاكبر أو الاصغر نتيجة لعلمك بأن أحدهما لا على التعيين قد سافر حتما , و أما الشك فى الحالة الثالثة فيوجد بصورة ابتدائية دون علم مسبق .

و هذه الحالات الثلاث توجد فى نفوسنا تجاه الحكم الشرعى ,


136
فوجوب صلاة الصبح معلوم تفصيلا , و وجوب صلاة الظهر فى يوم الجمعة مشكوك شكا ناتجا عن العلم الاجمالى بوجوب الظهر أو الجمعة فى ذلك اليوم , و وجوب صلاة العيد مشكوك ابتدائى غير مقترن بالعلم الاجمالى . و هذه الامثلة كلها من الشبهة الحكمية , و نفس الامثلة يمكن تحصيلها من الشبهة الموضوعية فتكون تارة عالما تفصيلا بوقوع قطرة دم فى هذا الاناء , و أخرى عالما إجمالا بوقوعها فى أحدإناءين و ثالثة شاكا فى أصل وقوعها شكا بدويا .

و نحن فى حديثنا عن القاعدة العملية الثانوية التى قلبت القاعدة العملية الاساسية كنا نتحدث عن الحالة الثالثة , أى حالة الشك البدوى الذى لم يقترن بالعلم الاجمالى .

والان ندرس حالة الشك الناتج عن العلم الاجمالى , أى الشك فى الحالة الثانية من الحالات الثلاث السابقة , و هذا يعنى أننا درسنا الشك بصورته الساذجة و ندرسه الان بعد أن نضيف إليه عنصرا جديدا و هو العلم الاجمالى , فهل تجرى فيه القاعدة العملية الثانوية كما كانت تجرى فى موارد الشك البدوى أولا ؟ .

منجزية العلم الاجمالى :

و على ضوء ما سبق يمكننا تحليل العلم الاجمالى إلى علم بأحد الامرين و شك فى هذا و شك فى ذاك .

ففى يوم الجمعة نعلم بوجوب أحد الامرين[ ( صلاة الظهر أو صلاة الجمعة]( و نشك فى وجوب الظهر كما نشك فى وجوب الجمعة , والعلم بوجوب أحد الامرين بوصفه علما تشمله قاعدة حجية القطع التى


137
درسناها فى بحث سابق , فلا يسمح لنا العقل لاجل ذلك بترك الامرين معا الظهر و الجمعة , لاننا لو تركنا هما معا لخالفنا علمنا بوجوب أحد الامرين , و العلم حجة عقلا فى جميع الاحوال سواء كان إجماليا أو تفصيليا .

و يؤمن الرأى الاصولى السائد فى مورد العلم الاجمالى لا بثبوت الحجية للعلم بأحد الامرين فحسب بل بعدم إمكان انتزاع هذه الحجية منه أيضا و استحالة ترخيص الشارع فى مخالفته بترك الامرين معا , كما لا يمكن للشارع أن ينتزع الحجية من العلم التفصيلى و يرخص فى مخالفته وفقا لما تقدم فى بحث القطع من استحالة صدور الردع من الشارع عن القطع .

و أما كل واحد من طرفى العلم الاجمالى أى وجوب الظهر بمفرده و وجوب الجمعة بمفرده فهو تكليف مشكوك و ليس معلوما .

و قد يبدو لاول وهلة أن بالامكان أن تشمله القاعدة العملية الثانوية أى أصالة البراءة النافية للاحتياط فى التكاليف المشكوكة , لان كلا من الطرفين تكليف مشكوك .

ولكن الرأى السائد فى علم الاصول يقول بعدم إمكان شمول القاعدة العملية الثانوية لطرف العلم الاجمالى , بدليل أن شمولها لكلا الطرفين معا يؤدى إلى براءة الذمة من الظهر و الجمعة و جواز تركهما معا , و هذا يتعارض مع حجية القطع بوجوب أحد الامرين , لان حجية هذا القطع تفرض علينا أن نأتى بأحد الامرين على أقل تقدير . فلو حكم الشارع بالبراءة فى كل من الطرفين لكان معنى ذلك الترخيص منه فى مخالفة العلم , و هو مستحيل كما تقدم .


138

و شمول القاعدة لاحد الطرفين دون الاخر و إن لم يؤد إلى الترخيص فى ترك الامرين معا لكنه غير ممكن أيضا , لاننا نتساءل حينئذ أى الطرفين نفترض شمول القاعدة له و نرجحه على الاخر , و سوف نجد أنا لا نملك مبررا لترجيح أى من الطرفين على الاخر , لان صلة القاعدة بهما واحدة .

و هكذا ينتج عن هذا الاستدلال القول بعدم شمول القاعدة العملية الثانوية[ ( أصالة البراءة]( لاى واحد من الطرفين , و يعنى هذا أن كل طرف من أطراف العلم الاجمالى يظل مندرجا ضمن نطاق القاعدة العملية الاساسية القائلة بالاحتياط ما دامت القاعدة الثانوية عاجزة عن شموله .

و على هذا الاساس ندرك الفرق بين الشك البدوى والشك الناتج عن العلم الاجمالى , فالاول يدخل فى نطاق القاعدة الثانوية و هى أصالة البراءة , والثانى يدخل فى نطاق القاعدة الاولية و هى أصالة الاحتياط .

و فى ضوء ذلك نعرف أن الواجب علينا عقلا فى موارد العلم الاجمالى هو الاتيان بكلا الطرفين أى الظهر والجمعة فى المثال السابق لان كلا منهما داخل فى نطاق أصالة الاحتياط .

و يطلق فى علم الاصول على الاتيان بالطرفين معا اسم[ ( الموافقة القطعية]( لان المكلف عند إتيانه بهما معا يقطع بأنه وافق تكليف المولى , كما يطلق على ترك الطرفين معا اسم[ ( المخالفة القطعية]( .

و أما الاتيان بأحدهما و ترك الاخر فيطلق عليهما اسم[ ( الموافقة الاحتمالية]( و[ ( المخالفة الاحتمالية]( لان المكلف فى هذه الحالة يحتمل أنه وافق تكليف المولى و يحتمل أنه خالفه .


139
انحلال العلم الاجمالى :

إذا وجدت كأسين من ماء قد يكون كلاهما نجسا و قد يكون أحدهما نجسا فقط , ولكنك تعلم على أى حال بأنهما ليسا طاهرين معا , فينشأ فى نفسك علم إجمالى بنجاسة أحد الكأسين لاعلى سبيل التعيين , فاذا اتفق لك بعد ذلك أن اكتشفت نجاسة فى أحد الكأسين و علمت أن هذا الكأس المعين نجس , فسوف يزول علمك الاجمالى بسبب هذا العلم التفصيلى , لانك الان بعد اكتشافك نجاسة ذلك الكأس المعين لا تعلم إجمالا بنجاسة أحد الكأسين لاعلى سبيل التعيين , بل تعلم بنجاسة ذلك الكأس المعين علما تفصيليا و تشك فى نجاسة الاخر . لاجل هذا لا تستطيع أن تستعمل الصيغة اللغوية التى تعبر عن العلم الاجمالى[ ( إما وإما]( , فلا يمكنك أن تقول[ : ( إما هذا نجس أو ذاك]( بل هذا نجس جزما و ذاك لا تدرى بنجاسته .

و يعبر عن ذلك فى العرف الاصولى ب[ ( انحلال العلم الاجمالى إلى العلم التفصيلى بأحد الطرفين و الشك البدوى فى الاخر]( لان نجاسة ذلك الكأس المعين أصبحت معلومة بالتفصيل و نجاسة الاخر أصبحت مشكوكة شكا ابتدائيا بعد أن زال العلم الاجمالى , فيأخذ العلم التفصيلى مفعوله من الحجية و تجرى بالنسبة إلى الشك الابتدائى أصالة البراءة , أى القاعدة العملية الثانوية التى تجرى فى جميع موارد الشك الابتدائى .

موارد التردد :

عرفنا أن الشك إذا كان بدويا حكمت فيه القاعدة العملية الثانوية


140
القائلة بأصالة البراءة , و إذا كان مقترنا بالعلم الاجمالى حكمت فيه القاعدة العملية الاولية .

و قد يخفى أحيانا نوع الشك فلا يعلم أهو من الشك الابتدائى أو من الشك المقترن بالعلم الاجمالى أو الناتج عنه بتعبير آخر ؟ و من هذا القبيل مسألة دوران الامر بين الاقل و الاكثر كما يسميها الاصوليون , و هى أن يتعلق وجوب شرعى بعملية مركبة من أجزاء كالصلاة و نعلم باشتمال العملية على تسعة أجزاء معينة و نشك فى اشتمالها على جزء عاشر و لا يوجد دليل يثبت أو ينفى , ففى هذه الحالة يحاول الفقيه أن يحدد الموقف العملى فيتساءل هل يجب الاحتياط على المكلف فيأتى بالتسعة و يضيف إليها هذا العاشر الذى يحتمل دخوله فى نطاق الواجب لكى يكون مؤديا للواجب على كل تقدير أو يكفيه الاتيان بالتسعة التى يعلم بوجوبها و لا يطالب بالعاشر المجهول وجوبه ؟

و للاصوليين جوابان مختلفان على هذا السؤال يمثل كل منهما اتجاها فى تفسير الموقف , فأحد الاتجاهين يقول بوجوب الاحتياط تطبيقا للقاعدة العملية الاولية , لان الشك فى العاشر مقترن بالعلم الاجمالى , و هذا العلم الاجمالى هو علم المكلف بأن الشارع أوجب مركبا ما , و لا يدرى أهو المركب من تسعة أو المركب من عشرة أى من تلك التسعة باضافة واحد ؟ ـ

والاتجاه الاخر يطبق على الشك فى وجوب العاشر القاعدة العلمية الثانوية بوصفه شكا ابتدائيا غير مقترن بالعلم الاجمالى , لان ذلك العلم الاجمالى الذى يزعمه أصحاب الاتجاه الاول منحل بعلم تفصيلى , و هو علم المكلف بوجوب التسعة على أى حال لانها واجبة سواء كان معها


141
جزء عاشر أولا , فهذا العلم التفصيلى , يؤدى إلى انحلال ذلك العلم الاجمالى , و لهذا لا يمكن أن نستعمل الصيغة اللغوية التى تعبر عن العلم الاجمالى , فلا يمكن القول بأنا نعلم إما بوجوب التسعة أو بوجوب العشرة , بل نحن نعلم بوجوب التسعة على أى حال و نشك فى وجوب العاشر .

و هكذا يصبح الشك فى وجوب العاشر شكا ابتدائيا بعد انحلال العلم الاجمالى فتجرى البراءة .

والصحيح هو القول بالبراءة عن غير الاجزاء المعلومة من الاشياء التى يشك فى دخولها ضمن نطاق الواجب كما ذكرناه .

4 الاستصحاب

على ضوء ما سبق نعرف أن أصل البراءة يجرى فى موارد الشبهة البدوية دون الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالى .

و يوجد فى الشريعة أصل آخر نظير أصل البراءة , و هو ما يطلق عليه الاصوليون اسم[ ( الاستصحاب]( .

و معنى الاستصحاب حكم الشارع على المكلف بالالتزام عمليا بكل شىء كان على يقين منه ثم شك فى بقائه .

و مثاله : أنا على يقين من أن الماء بطبيعته طاهر , فاذا أصابه شىء متنجس نشك فى بقاء طهارته , لاننا لا نعلم أن الماء هل يتنجس باصابة المتنجس له أولا ؟

والاستصحاب يحكم على المكلف بالالتزام عمليا بنفس الحالة


142
السابقة التى كان على يقين بها , و هى طهارة الماء فى المثال المتقدم . و معنى الالتزام عمليا بالحالة السابقة ترتيب آثار الحالة السابقة من الناحية العملية , فاذا كانت الحالة السابقة هى الطهارة نتصرف فعلا كما إذا كانت الطهارة باقية , و إذا كانت الحالة السابقة هى الوجوب نتصرف فعلا كما إذا كان الوجوب باقيا و هكذا والدليل على الاستصحاب هو قول الامام الصادق عليه السلام : فى صحيحة زرارة[ ( و لا ينقض اليقين بالشك]( .

و نستخلص من ذلك أن كل حالة من الشك البدوى يتوفر فيها القطع بشىء أولا والشك فى بقائه ثانيا يجرى فيها الاستصحاب .

الحالة السابقة المتيقنة :

عرفنا أن وجود حالة سابقة متيقنة شرط أساسى لجريان الاستصحاب , والحالة السابقة قد تكون حكما عاما نعلم بجعل الشارع له و ثبوته فى العالم التشريعى و لا ندرى حدود هذا الحكم المفروضة له فى جعله و مدى امتداده فى عالمه التشريعى , فتكون الشبهة حكمية , و يجرى الاستصحاب فى نفس الحكم كاستصحاب بقاء طهارة الماء بعدإصابة المتنجس له و يسمى بالاستصحاب الحكمى .

و قد تكون الحالة السابقة شيئا من أشياء العالم التكوينى , نعلم بوجوده سابقا و لا ندرى باستمراره و هو موضوع للحكم الشرعى , فتكون الشبهة موضوعية و يجرى الاستصحاب فى موضوع الحكم و مثاله استصحاب عدالة الامام الذى يشك فى طرو فسقه و استصحاب نجاسة الثوب الذى يشك فى طرو المطهر عليه و يسمى بالاستصحاب


143
الموضوعى لانه استصحاب موضوع لحكم شرعى , و هو جواز الائتمام فى الاول و عدم جواز الصلاة فى الثانى .

و يوجد فى علم الاصول إتجاه ينكر جريان الاستصحاب فى الشبهة الحكمية و يخصه بالشبهة الموضوعية , و لا شك فى أن الاستصحاب فى الشبهة الموضوعية هو المتيقن من دليله لان صحيحة زرارة التى و رد فيها اعطاء الامام للاستصحاب تتضمن شبهة موضوعية و هى الشك فى طرو النوم الناقض , ولكن هذا لا يمنع عن التمسك باطلاق كلام الامام فى قوله و لا ينقض اليقين بالشك لا ثبات عموم القاعدة لجميع الحالات , فعلى مدعى الاختصاص ان يبرز قرينة على تقييد هذا الاطلاق .

الشك فى البقاء :

والشك فى البقاء هو الشرط الاساسى الاخر لجريان الاستصحاب . و يقسم الاصوليون الشك فى البقاء إلى قسمين تبعا لطبيعة الحالة السابقة التى نشك فى بقائها , لان الحالة السابقة قد تكون قابلة بطبيعتها للامتداد زمانيا , و إنما نشك فى بقائها نتيجة لاحتمال وجود عامل خارجى أدى إلى ارتفاعها .

و مثال ذلك : طهارة الماء , فان طهارة الماء تستمر بطبيعتها و تمتد إذا لم يتدخل عامل خارجى , وإنما نشك فى بقائها لدخول عامل خارجى فى الموقف , و هو إصابة المتنجس للماء .

و كذلك نجاسة الثوب , فان الثوب إذا تنجس تبقى نجاسته و تمتد ما لم يوجد عامل خارجى و هو الغسل , و يسمى الشك فى بقاء الحالة السابقة التى من هذا القبيل ب[ ( الشك فى الرافع]( .


144

و قد تكون الحالة السابقة غير قادرة على الامتداد زمانيا , بل تنتهى بطبيعتها فى وقت معين و نشك فى بقائها نتيجة لاحتمال انتهائها بطبيعتها دون تدخل عامل خارجى فى الموقف . و مثاله : نهار شهر رمضان الذى يجب فيه الصوم إذا شك الصائم فى بقاء النهار , فان النهار ينتهى بطبيعته و لا يمكن أن يمتد زمانيا , فالشك فى بقائه لا ينتج عن احتمال وجود عامل خارجى و انما هو نتيجة لاحتمال انتهاء النهار بطبيعته و استنفاده لطاقته و قدرته على البقاء . و يسمى الشك فى بقاء الحالة السابقة التى من هذا القبيل ب[ ( الشك فى المقتضى]( , لان الشك فى مدى اقتضاء النهار و استعداده للبقاء .

و يوجد فى علم الاصول اتجاه ينكر جريان الاستصحاب اذا كان الشك فى بقاء الحالة السابقة من نوع الشك فى المقتضى و يخصه بحالات الشك فى الرافع . و الصحيح عدم الاختصاص تمسكا باطلاق دليل الاستصحاب .

وحدة الموضوع فى الاستصحاب :

و يتفق الاصوليون على أن من شروط الاستصحاب وحدة الموضوع , و يعنون بذلك أن يكون الشك منصبا على نفس الحالة التى كنا على يقين بها فلا يجرى الاستصحاب اذا كان المشكوك و المتيقن متغايرين مثلا : اذا كنا على يقين بنجاسة الماء ثم صار بخارا و شككنا فى نجاسة هذا البخار لم يجر هذا الاستصحاب , لان ما كنا على يقين بنجاسة هو الماء و ما نشك فعلا فى نجاسته هو البخار و البخار غير الماء , فلم يكن مصب اليقين و الشك واحدا .


145
تعارض الادلة

عرفنا فيما سبق أن الادلة على قسمين : و هما الادلة المحرزة و الاصول العملية , و من هنا يقع البحث تارة فى التعارض بين دليلين من الادلة المحرزة , و أخرى فى التعارض بين أصلين عمليين , و ثالثة فى التعارض بين دليل محرز و أصل عملى , فالكلام فى ثلاث نقاط نذكرها فيما يلى تباعا ان شاءالله تعالى .

1 التعارض بين الادلة المحرزة

والتعارض بين دليلين محرزين معناه التنافى بين مدلوليهما , و هو على أقسام منها أن يحصل فى نطاق الدليل الشرعى اللفظى بين كلامين صادرين من المعصوم , و منها أن يحصل بين دليل شرعى لفظى و دليل عقلى , و منها أن يحصل بين دليلين عقليين .

حالة التعارض بين دليلين لفظيين :

فى حالة التعارض بين دليلين لفظيين توجد قواعد نستعرض فيمايلى


146
عددا منها :

1 من المستحيل أن يوجد كلامان للمعصوم يكشف كل منهما بصورة قطعية عن نوع من الحكم يختلف عن الحكم الذى يكشف عنه الكلام الاخر , لان التعارض بين كلامين صريحين من هذا القبيل يؤدى الى وقوع المعصوم فى التناقض , و هو مستحيل .

2 قد يكون أحد الكلامين الصادرين من المعصوم نصا صريحا و قطعيا , و يدل الاخر بظهوره على ما ينافى المعنى الصريح لذلك الكلام .

و مثاله : أن يقول الشارع فى حديث مثلا[ : ( يجوز للصائم أن يرتمس فى الماء حال صومه]( و يقول فى حديث آخر[ : ( لا ترتمس فى الماء و أنت صائم ]( , فالكلام الاول دال بصراحة على إباحة الارتماس للصائم , و الكلام الثانى يشتمل على صيغة نهى , و هى تدل بظهورها على الحرمة , لان الحرمة هى أقرب المعانى الى صيغة النهى و ان أمكن استعمالها فى الكراهة مجازا , فينشأ التعارض بين صراحة النص الاول فى الاباحة و ظهور النص الثانى فى الحرمة , لان الاباحة و الحرمة لا يجتمعان . و فى هذه الحالة يجب الاخذ بالكلام الصريح القطعى , لانه يؤدى الى العلم بالحكم الشرعى , فنفسر الكلام الاخر على ضوئه و نحمل صيغة النهى فيه على الكراهة لكى ينسجم مع النص الصريح القطعى الدال على الاباحة . و على هذا الاساس يتبع الفقيه فى استنباطه قاعدة عامة , و هى الاخذ بدليل الاباحة و الرخصة اذا عارضه دليل آخر يدل على الحرمة أو الوجوب بصيغة نهى أو أمر , لان الصيغة ليست صريحة و دليل الاباحة والرخصة صريح غالبا .

3 قد يكون موضوع الحكم الذى يدل عليه أحد الكلامين أضيق


147
نطاقا و أخص دائرة من موضوع الحكم الذى يدل عليه الكلام الاخر . و مثاله أن يقال فى نص[ : ( الربا حرام]( و يقال فى نص آخر[ : ( الربا بين الوالد و ولده مباح]( فالحرمة التى يدل عليها النص الاول موضوعها عام , لانها تمنع باطلاقها عن التعامل الربوى مع أى شخص , و الاباحة فى النص الثانى موضوعها خاص , لانها تسمح بالربا بين الوالد و ولده خاصة , و فى هذه الحالة تقدم النص الثانى على الاول , لانه يعتبر بوصفه أخص موضوعا من الاول قرينة عليه , بدليل أن المتكلم لو أوصل كلامه الثانى بكلامه الاول فقال[ : ( الربا فى التعامل مع أى شخص حرام , ولا بأس به بين الوالد و ولده]( لابطل الخاص مفعول العام و ظهوره فى العموم .

و قد عرفنا سابقا أن القرينة تقدم على ذى القرينة , سواء كانت متصلة أو منفصلة .

و يسمى تقديم الخاص على العام تخصيصا للعام اذا كان عمومه ثابتا بأداة من أدوات العموم , و تقييدا له اذا كان عمومه ثابتا بالاطلاق و عدم ذكر القيد . و يسمى الخاص فى الحالة الاولى[ ( مخصصا]( و فى الحالة الثانية[ ( مقيدا]( . و على هذا الاساس يتبع الفقيه فى الاستنباط قاعدة عامة , و هى الاخذ بالمخصص و المقيد و تقديمهما على العام و المطلق . الا ان العام و المطلق يظل حجة فى غير ما خرج بالتخصيص و التقييد , اذ لا يجوز رفع اليد عن الحجة الا بمقدار ما تقوم الحجة الاقوى على الخلاف , لا أكثر .

4 و قد يكون أحد الكلامين دالا على ثبوت حكم لموضوع , و الكلام الاخر ينفى ذلك فى حالة معينة بنفى ذلك الموضوع . و مثاله أن يقال فى


148
كلام[ ( . . . يجب الحج على المستطيع]( و يقال فى كلام آخر[ : ( المدين ليس مستطيعا]( فالكلام الاول يوجب الحج على موضوع محدد و هو المستطيع و الكلام الثانى ينفى صفة المستطيع عن المدين , فيؤخذ بالثانى و يسمى[ ( حاكما]( و يسمى الدليل الاول[ ( محكوما]( .

و تسمى القواعد التى اقتضت تقديم أحد الدليلين على الاخر فى هذه الفقرة و الفقرتين السابقتين بقواعد الجمع العرفى .

5 اذا لم يوجد فى النصين المتعارضين كلام صريح قطعى , و لا ما يصلح أن يكون قرينة على تفسير الاخر و مخصصا له أو مقيدا أو حاكما عليه فلا يجوز العمل بأى واحد من الدليلين المتعارضين لانهما على مستوى واحد و لا ترجيح لاحدهما على الاخر .

حالات التعارض الاخرى :

و حالات التعارض بين دليل لفظى و دليل من نوع آخر أو دليلين من غير الادلة اللفظية لها قواعد أيضا نشير إليها ضمن النقاط التالية :

1 الدليل اللفظى القطعى لا يمكن أن يعارضه دليل عقلى قطعى , لان دليلا من هذا القبيل اذا عارض نصا صريحا من المعصوم عليه السلام أدى ذلك إلى تكذيب المعصوم ( ع ) و تخطئته و هو مستحيل .

و لهذا يقول علماء الشريعة : إن من المستحيل أن يوجد أى تعارض بين النصوص الشرعية الصريحة و أدلة العقل القطعية .

و هذه الحقيقة لا تفرضها العقيدة فحسب , بل يبرهن عليها الاستقراء فى النصوص الشرعية و دراسة المعطيات القطعية للكتاب والسنة , فانها جميعا تتفق مع العقل و لا يوجد فيها ما يتعارض مع أحكام


149
العقل القطعية اطلاقا .

2 إذا وجد تعارض بين دليل لفظى و دليل آخر ليس لفظيا و لا قطعيا قدمنا الدليل اللفظى لانه حجة , و أما الدليل غير اللفظى فهو ليس حجة ما دام لا يؤدى إلى القطع .

3 إذا عارض الدليل اللفظى غير الصريح دليلا عقليا قطعيا قدم العقلى على اللفظى , لان العقلى يؤدى إلى العلم بالحكم الشرعى , و أما الدليل اللفظى غير الصريح فهو إنما يدل بالظهور , و الظهور إنما يكون حجة بحكم الشارع إذا لم نعلم ببطلانه , و نحن هنا على ضوء الدليل العقلى القطعى نعلم بأن الدليل اللفظى لم يرد المعصوم ( ع ) منه معناه الظاهر الذى يتعارض مع دليل العقل , فلا مجال للاخذ بالظهور .

4 إذا تعارض دليلان من غير الادلة اللفظية فمن المستحيل أن يكون كلاهما قطعيا , لان ذلك يؤدى إلى التناقض , و إنما قد يكون أحدهما قطعيا دون الاخر , فيؤخذ بالدليل القطعى .

2 التعارض بين الاصول

و أما التعارض بين الاصول فالحالة البارزة له هى التعارض بين البراءة والاستصحاب , و مثالها أنا نعلم بوجوب الصوم عند طلوع الفجر من نهار شهر رمضان حتى غروب الشمس و نشك فى بقاء الوجوب بعد الغروب إلى غياب الحمرة , ففى هذه الحالة تتوفر أركان الاستصحاب من اليقين بالوجوب أولا و الشك فى بقائه ثانيا , و بحكم الاستصحاب يتعين الالتزام عمليا ببقاء الوجوب .


150

و من ناحية اخرى نلاحظ أن الحالة تندرج ضمن نطاق أصل البراءة لانها شبهة بدوية فى التكليف غير مقترنة بالعلم الاجمالى , و أصل البراءة ينفى وجوب الاحتياط و يرفع عنا الوجوب عمليا , فبأى الاصلين نأخذ ؟

والجواب أنا نأخذ بالاستصحاب و نقدمه على أصل البراءة , و هذا متفق عليه بين الاصوليين , و الرأى السائد بينهم لتبرير ذلك أن دليل الاستصحاب حاكم على دليل أصل البراءة , لان دليل أصل البراءة هو النص النبوى القائل[ ( رفع ما لا يعلمون ]( و موضوعه كل ما لا يعلم , و دليل الاستصحاب هو النص القائل[ ( لا ينقض اليقين أبدا بالشك]( و بالتدقيق فى النصين نلاحظ أن دليل الاستصحاب يلغى الشك و يفترض كأن اليقين باق على حاله , فيرفع بذلك موضوع أصل البراءة .

ففى مثال وجوب الصوم , لا يمكن أن نستند إلى أصل البراءة عن وجوب الصوم بعد غروب الشمس بوصفه وجوبا مشكوكا , لان الاستصحاب يفترض هذا الوجوب معلوما , فيكون دليل الاستصحاب حاكما على دليل البراءة , لانه ينفى موضوع البراءة .

3 - التعارض بين النوعين

و نصل الان إلى فرضية التعارض بين دليل محرز و أصل عملى كأصل البراءة أو الاستصحاب .

و الحقيقة أن الدليل إذا كان قطعيا فالتعارض غير متصور عقلا بينه و بين الاصل , لان الدليل القطعى على الوجوب مثلا يؤدى إلى العلم بالحكم الشرعى و مع العلم بالحكم الشرعى لا مجال للاستناد إلى أى


151
قاعدة عملية , لان القواعد العملية إنما تجرى فى ظرف الشك , اذ قد عرفنا سابقا أن أصل البراءة موضوعه كل ما لا يعلم , و الاستصحاب موضوعه أن نشك فى بقاء ما كنا على يقين منه , فاذا كان الدليل قطعيا لم يبق موضوع هذه الاصول و القواعد العملية .

و إنما يمكن افتراض لون من التعارض بين الدليل و الاصل إذا لم يكن الدليل قطعيا , كما إذا دل خبر الثقة على الوجوب أو الحرمة و خبر الثقة كما مربنا دليل ظنى حكم الشارع بوجوب اتباعه و اتخاذه دليلا و كان أصل البراءة من ناحية أخرى يوسع و يرخص .

و مثاله : خبر الثقة الدال على حرمة الارتماس على الصائم , فان هذه الحرمة إذا لا حظناها من ناحية الخبر فهى حكم شرعى قد قام عليه الدليل الظنى , و اذا لا حظناها بوصفها تكليفا غير معلوم نجد أن دليل البراءة رفع ما لا يعلمون يشملها فهل يحدد الفقيه فى هذه الحالة موقفه على أساس الدليل الظنى المعتبر أو على أساس الاصل العملى ؟ .

و يسمى الاصوليون الدليل الظنى بالامارة , و يطلقون على هذه الحالة اسم التعارض بين الامارات و الاصول .

و لا شك فى هذه الحالة لدى علماء الاصول فى تقديم خبر الثقة و ما إليه من الادلة الظنية المعتبرة على أصل البراءة و نحوه من الاصول العملية , لان الدليل الظنى الذى حكم الشارع بحجيته يؤدى بحكم الشارع هذا دور الدليل القطعى , فكما أن الدليل القطعى ينفى موضوع الاصل و لا يبقى مجالا لاى قاعدة عملية , فكذلك الدليل الظنى الذى أسند إليه الشارع نفس الدور و أمرنا باتخاذه دليلا , و لهذا يقال عادة : إن الامارة حاكمة على الاصول العملية


152
.
153

للشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر

قدس سره

الحلقة الثانية

مؤسسة النشر الاسلامى

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


154

155
تمهيد

1 تعريف علم الاصول .

2 موضوع علم الاصول و فائدته .

3 الحكم الشرعى و تقسيمه .

4 تنويع البحوث الاصولية .

5 حجية القطع و أحكامه .


156

157

بسم الله الرحمن الرحيم

تعريف علم الاصول

يعرف علم الاصول عادة بأنه[ : ( العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعى]( .

و توضيح ذلك : إن الفقيه فى استنباطه مثلا للحكم بوجوب رد التحية من قوله تعالى : [ ( و اذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها]( ( 1 ) يستعين بظهور صيغة الامر فى الوجوب , و حجية الظهور . فهاتان قاعدتان ممهدتان لاستنباط الحكم الشرعى بوجوب رد التحية .

و قد يلاحظ على التعريف أن تقييد القاعدة بوصف التمهيد يعنى أنها تكتسب أصوليتها من تمهيدها و تدوينها لغرض الاستنباط , مع أننا نطلب من التعريف إبداء الضابط الموضوعى الذى بموجبه يدون علماء الاصول فى علمهم هذه المسألة دون تلك , و لهذا قد تحذف كلمة التمهيد و يقال : إنه العلم بالقواعد التى تقع فى طريق الاستنباط . ولكن يبقى هناك اعتراض أهم و هو أنه لا يحقق الضابط المطلوب , لان مسائل اللغة

( 1 ) سورة النساء 86 .


158
كظهور كلمة الصعيد تقع فى طريق الاستنباط أيضا , و لهذا كان الاولى تعريف علم الاصول بأنه : العلم بالعناصر المشتركة فى عملية الاستنباط . و نقصد بالاشتراك صلاحية العنصر للدخول فى استنباط حكم أى مورد من الموارد التى يتصدى الفقيه لاستنباط حكمها مثل ظهور صيغة الامر فى الوجوب , فانه قابل لان يستنبط منه وجوب الصلاة أو وجوب الصوم و هكذا . و بهذا تخرج أمثال مسألة ظهور كلمة الصعيد عن علم الاصول , لانها عنصر خاص لا يصلح للدخول فى استنباط حكم غير متعلق بمادة الصعيد .
159
موضوع علم الاصول و فائدته
موضوع علم الاصول :

يذكر لكل علم موضوع عادة , و يراد به ما يكون جامعا بين موضوعات مسائله , و ينصب البحث فى المسائل على أحوال ذلك الموضوع و شؤونه , كالكلمة العربية بالنسبة إلى علم النحو مثلا .

و على هذا الاساس حاول علماء الاصول تحديد موضوع لعلم الاصول , فذكر المتقدمون منهم أن موضوعه هو : الادلة الاربعة ( الكتاب و السنة و الاجماع و العقل ) و اعترض على ذلك : بأن الادلة الاربعة ليست عنوانا جامعا بين موضوعات مسائله جميعا , فمسائل الاستلزامات مثلا موضوعها الحكم , إذ يقال مثلا : إن الحكم بالوجوب على شىء هل يستلزم تحريم ضده أولا ؟ و مسائل حجية الامارات الظنية كثيرا ما يكون موضوعها الذى يبحث عن حجيته شيئا خارجا عن الادلة الاربعة , كالشهرة و خبر الواحد , و مسائل الاصول العملية موضوعها الشك فى التكليف على أنحائه و هو أجنبى عن الادلة الاربعة أيضا .

و لهذا ذكر جملة من الاصوليين : أن علم الاصول ليس له موضوع واحد , و ليس من الضرورى أن يكون للعلم موضوع واحد جامع بين


160
موضوعات مسائله . غير أن بالامكان توجيه ما قيل أولا من كون الادلة هى الموضوع مع عدم الالتزام بحصرها فى الادلة الاربعة بأن نقول : إن موضوع علم الاصول هو كل ما يترقب أن يكون دليلا و عنصرا مشتركا فى عملية استنباط الحكم الشرعى و الاستدلال عليه , و البحث فى كل مسألة اصولية إنما يتناول شيئا مما يترقب أن يكون كذلك , و يتجه إلى تحقيق دليليته و الاستدلال عليها إثباتا و نفيا , فالبحث فى حجية الظهور أو خبر الواحد أو الشهرة بحث فى دليليتها , و البحث فى أن الحكم بالوجوب على شىء , هل يستلزم تحريم ضده بحث فى دليلية الحكم بوجوب شىء على حرمة الضد , و مسائل الاصول العملية يبحث فيها عن دليلية الشك و عدم البيان على المعذرية , و هكذا . فصح أن موضوع علم الاصول هو الادلة المشتركة فى الاستدلال الفقهى , و البحث الاصولى يدور دائما حول دليليتها .
فائدة علم الاصول :

اتضح مما سبق أن لعلم الاصول فائدة كبيرة للاستدلال الفقهى , و ذلك أن الفقيه فى كل مسألة فقهية يعتمد على نمطين من المقدمات فى استدلاله الفقهى :

أحدهما : عناصر خاصة بتلك المسألة من قبيل الرواية التى وردت فى حكمها , و ظهورها فى إثبات الحكم المقصود , و عدم وجود معارض لها و نحو ذلك .

والاخر : عناصر مشتركة تدخل فى الاستدلال على حكم تلك المسألة و فى الاستدلال على حكم مسائل اخرى كثيرة فى مختلف أبواب


161
الفقه , من قبيل أن خبر الواحد الثقة حجة , و أن ظهور الكلام حجة .

و النمط الاول من المقدمات يستوعبه الفقيه بحثا فى نفس تلك المسألة , لان ذلك النمط من المقدمات مرتبط بها خاصة . و أما النمط الثانى فهو بحكم عدم اختصاصه بمسألة دون اخرى , انيط ببحث آخر خارج نطاق البحث الفقهى فى هذه المسألة و تلك , و هذا البحث الاخر هو الذى يعبر عنه علم الاصول , و بقدر ما اتسع الالتفات تدريجا من خلال البحث الفقهى إلى العناصر المشتركة , اتسع علم الاصول و ازداد أهمية , و بذلك صح القول : بأن دور علم الاصول بالنسبة إلى الاستدلال الفقهى يشابه دور علم المنطق بالنسبة إلى الاستدلال بوجه عام , حيث إن علم المنطق يزود الاستدلال بوجه عام بالعناصر المشتركة التى لا تختص بباب من أبواب التفكير دون باب , و علم الاصول يزود الاستدلال الفقهى خاصة بالعناصر المشتركة التى لا تختص بباب من أبواب الفقه دون باب .


162
الحكم الشرعى و تقسيمه

الحكم الشرعى هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الانسان و توجيهه , و هو على قسمين : أحدهما : الاحكام التكليفية التى تتعلق بأفعال الانسان ولها توجيه عملى مباشر , و الاخر : الاحكام الوضعية التى ليس لها توجيه عملى مباشر , و كثيرا ما تقع موضوعا لحكم تكليفى كالزوجية التى تقع موضوعا لوجوب النفقة مثلا .

مبادى الحكم التكليفى :

و نحن إذا حللنا عملية الحكم التكليفى كالوجوب كما يمارسها أى مولى فى حياتنا الاعتيادية نجد أنها تنقسم إلى مرحلتين : إحداهما : مرحلة الثبوت للحكم , و الاخرى مرحلة الا ثبات و الابراز , فالمولى فى مرحلة الثبوت يحدد ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة و هى ما يسمى بالملاك حتى إذا أدرك وجود مصلحة بدرجة معينة فيه تولدت إرادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدركة , و بعد ذلك يصوغ المولى إرادته صياغة جعلية من نوع الاعتبار , فيعتبر الفعل على ذمة


163
المكلف , فهناك إذن فى مرحلة الثبوت ( ملاك ) و ( ارادة ) و ( اعتبار ) , و ليس الاعتبار عنصرا ضروريا فى مرحلة الثبوت , بل يستخدم غالبا كعمل تنظيمى و صياغى اعتاده المشرعون و العقلاء , و قد سار الشارع على طريقتهم فى ذلك . و بعد إكتمال مرحلة الثبوت بعناصرها الثلاثة أو بعنصريها الاولين على أقل تقدير تبدا مرحلة الاثبات , و هى المرحلة التى يبرز فيها المولى بجملة إنشائية أو خبرية مرحلة الثبوت بدافع من الملاك و الارادة , و هذا الابراز قد يتعلق بالارادة مباشرة , كما إذا قال : ( اريد منكم كذا ) , و قد يتعلق بالاعتبار الكاشف عن الارادة , كما إذا قال : ( لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) . و إذا تم هذا الابراز من المولى أصبح من حقه على العبد قضاء لحق مولويته الاتيان بالفعل , و انتزع العقل عن إبراز المولى لارادته الصادر منه بقصد التوصل إلى مراده عناوين متعددة من قبيل البعث و التحريك و نحو هما . و كثيرا ما يطلق على الملاك و الارادة و هما العنصران اللازمان فى مرحلة الثبوت اسم ( مبادى الحكم ) , و ذلك بافتراض أن الحكم نفسه هو العنصر الثالث من مرحلة الثبوت أى الاعتبار و الملاك و الارادة مبادىء له و إن كان روح الحكم و حقيقته التى بها يقع موضوعا لحكم العقل بوجوب الامتثال هى نفس الملاك و الارادة إذا تصدى المولى لابرازهما بقصد التوصل إلى مراده سواء أنشأ اعتبارا أولا .

ولكل واحد من الاحكام التكليفية الخمسة مبادىء تتفق مع طبيعته , فمبادىء الوجوب هى الارادة الشديدة , و من ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص فى المخالفة . و مبادىء الحرمة هى المبغوضية الشديدة , و من ورائها المفسدة البالغة إلى الدرجة نفسها .


164
والاستحباب و الكراهة يتولدان عن مبادىء من نفس النوع , ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب و بارتكاب المكروه . و أما الاباحة فهى بمعنيين , أحدهما : الاباحة بالمعنى الاخص التى تعتبر نوعا خامسا من الاحكام التكليفية , و هى تعبر عن مساواة الفعل و الترك فى نظر المولى . و الاخر : الاباحة بالمعنى الاعم , و قد يطلق عليها اسم الترخيص فى مقابل الوجوب و الحرمة فتشمل المستحبات و المكروهات مضافا إلى المباحات بالمعنى الاخص لاشتراكها جميعا فى عدم الالزام .

والاباحة قد تنشأ عن خلو الفعل المباح من أى ملاك يدعو إلى الالزام فعلا أو تركا , و قد تنشأ عن وجود ملاك فى أن يكون المكلف مطلق العنان , و ملاكها على الاول ( لا اقتضائى ) , و على الثانى ( اقتضائى ) .

التضاد بين الاحكام التكليفية :

و حين نلاحظ أنواع الحكم التكليفى التى مرت بنا , نجد أن بينها تنافيا و تضادا يؤدى إلى استحالة اجتماع نوعين منها فى فعل واحد , و مرد هذا التنافى إلى التنافر بين مبادىء تلك الاحكام , و أما على مستوى الاعتبار فقط فلا يوجد تنافر , إذ لا تنافى بين الاعتبارات إذا جردت عن الملاك و الارادة .

و كذلك أيضا لا يمكن أن يجتمع فى فعل واحد فردان من نوع واحد , فمن المستحيل أن يتصف شىء واحد بوجوبين , لان ذلك يعنى اجتماع إرادتين على مراد واحد , و هو من قبيل اجتماع المثلين , لان الارادة


165
لا تتكرر على شىء واحد , و إنما تقوى و تشتد , و المحذور هنا أيضا بلحاظ المبادىء لا بلحاظ الاعتبار نفسه .
شمول الحكم الشرعى لجميع وقائع الحياة :

ولما كان الله تعالى عالما بجميع المصالح و المفاسد التى ترتبط بحياة الانسان فى مختلف مجالاته الحياتية , فمن اللطف اللائق برحمته أن يشرع للانسان التشريع الافضل وفقا لتلك المصالح و المفاسد فى شتى جوانب الحياة , و قد أكدت ذلك نصوص كثيرة وردت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام , ( 1 ) , و خلاصتها أن الواقعة لا تخلو من حكم .

الحكم الواقعى و الحكم الظاهرى :

ينقسم الحكم الشرعى إلى واقعى و ظاهرى , فالحكم الواقعى هو : كل حكم لم يفترض فى موضوعه الشك فى حكم شرعى مسبق , والحكم الظاهرى هو : كل حكم افترض فى موضوعه الشك فى حكم شرعى مسبق , من قبيل أصالة الحل فى قوله : كل شىء لك حلال حتى تعلم أنه حرام , و سائر الاصول العملية الاخرى , و من قبيل أمره بتصديق الثقة و العمل على وفق خبره و أمره بتصديق سائر الامارات الاخرى . و على هذا الاساس يقال عن الاحكام الظاهرية بأنها متأخرة رتبة عن الاحكام الواقعية , لانها قد افترض فى موردها الشك فى الحكم الواقعى , و لو لا وجود الاحكام الواقعية فى الشريعة لما كانت هناك

( 1 ) اصول الكافى ج 1 كتاب فضل العلم باب الرد الى الكتاب و السنة .


166
أحكام ظاهرية .
الامارات و الاصول :

والاحكام الظاهرية تصنف عادة إلى قسمين :

أحدهما : الحكم الظاهرى المرتبط بكشف دليل ظنى معين على نحو يكون كشف ذلك الدليل هو الملاك التام لجعله , كالحكم الظاهرى بوجوب تصديق خبر الثقة و العمل على طبقه , سواء كان ذلك الدليل الظنى مفيدا للظن الفعلى دائما أو غالبا و فى حالات كثيرة , و فى هذه الحالة يسمى ذلك الدليل بالامارة , و يسمى الحكم الظاهرى بالحجية , فيقال : إن الشارع جعل الحجية للامارة .

والقسم الاخر : الحكم الظاهرى الذى اخذ فيه بعين الاعتبار نوع الحكم المشكوك , سواء لم يؤخذ أى كشف معين بعين الاعتبار فى مقام جعله , أو أخذ ولكن لا بنحو يكون هو الملاك التام , بل منظما إلى نوع الحكم المشكوك . و مثال الحالة الاولى : أصالة الحل , فان الملحوظ فيها كون الحكم المشكوك و المجهول مرددا بين الحرمة و الاباحة , و لم يلحظ فيها وجود كشف معين عن الحلية . و مثال الحالة الثانية : قاعدة الفراغ , فان التعبد فى هذه القاعدة بصحة العمل المفروغ عنه يرتبط بكاشف معين عن الصحة , و هو غلبة الانتباه و عدم النسيان فى الانسان , ولكن هذا الكاشف ليس هو كل الملاك , بل هناك دخل لكون المشكوك مرتبطا بعمل تم الفراغ عنه , و لهذا لا يتعبدنا الشارع بعدم النسيان فى جميع الحالات .

و تسمى الاحكام الظاهرية فى هذا القسم بالاصول العملية ,


167
و يطلق على الاصول العملية فى الحالة الاولى اسم الاصول العملية غير المحرزة , و عليها فى الحالة الثانية اسم الاصول العملية المحرزة , و قد يعبر عنها بالاصول العملية التنزيلية .
اجتماع الحكم الواقعى و الظاهرى :

و بناء على ما تقدم يمكن أن يجتمع فى واقعة واحدة حكمان , أحدهما : واقعى , والاخر : ظاهرى . مثلا : إذا كان الدعاء عند رؤية الهلال واجبا واقعا وقامت الامارة على إباحته , فحكم الشارع بحجية الامارة و بأن الفعل المذكور مباح فى حق من يشك فى وجوبه , فقد اجتمع حكمان تكليفيان على واقعة واحدة , أحدهما واقعى و هو الوجوب , و الاخر ظاهرى و هو الاباحة , و مادام أحدهما من سنخ الاحكام الواقعية , والاخر من سنخ الاحكام الظاهرية , فلا محذور فى اجتماعهما , و إنما المستحيل أن يجتمع فى واقعة واحدة وجوب واقعى و إباحة واقعية .

القضية الحقيقية و القضية الخارجية للاحكام :

الحكم الشرعى تارة يجعل على نحو القضية الخارجية , و اخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية , و توضيح ذلك : إن المولى المشرع تارة يشير إلى الافراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا , فيقول : أكرمهم , و اخرى يفترض وجود العالم و يحكم بوجوب إكرامه و لو لم يكن هناك عالم موجود فعلا , فيقول : إذا وجد عالم فأكرمه . والحكم فى الحالة الاولى مجعول على نحو القضية الخارجية , و فى الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية ,


168
و ما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية الحقيقية , و الفارق النظرى بين القضيتين : أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول : لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا , لان موضوع هذه القضية العالم المفترض , و أى فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور , و لا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية , لان المولى فى هذه القضية أحصى عددا معينا و أمر باكرامهم , و ليس فى القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد .
169
تنويع البحث

حينما يستنبط الفقيه الحكم الشرعى , و يستدل عليه , تارة يحصل على دليل يكشف عن ثبوت الحكم الشرعى فيعول على كشفه , و اخرى يحصل على دليل يحدد الموقف العملى و الوظيفة العملية تجاه الواقعة المجهول حكمها , و هذا ما يكون فى الاصول العملية التى هى أدلة على الوظيفة العملية و ليست أدلة على الواقع .

و على هذا الاساس سوف نصنف بحوث علم الاصول إلى نوعين :

أحدهما : البحث فى الادلة من القسم الاول , أى العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط التى تتخذ أدلة باعتبار كشفها عن الحكم الشرعى , و نسميها بالادلة المحرزة .

والاخر البحث فى الاصول العملية , و هى الادلة من القسم الثانى , أى العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط التى تتخذ أدلة على تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعى المجهول , و نسميها بالادلة العملية أو الاصول العملية .

و كل ما يستند إليه الفقيه فى استدلاله الفقهى و استنباطه للحكم


170
الشرعى لا يخرج عن أحد هذين القسمين من الادلة .

و يمكن القول على العموم : بأن كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها أساسا دليل من القسم الثانى , أى أصل عملى يحدد الوظيفة العملية , فان توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به و ترك الاصل العملى , وفقا لقاعدة تقدم الادلة المحرزة على الاصول العملية كما يأتى إن شاءالله تعالى و إن لم يتوفر دليل محرز أخذ بالاصل العملى فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز .

و يوجد عنصر مشترك يدخل فى جميع عمليات استنباط الحكم الشرعى , سواء ما استند فيه الفقيه إلى دليل من القسم الاول أو إلى دليل من القسم الثانى , و هذا العنصر هو حجية القطع , و نريد بالقطع انكشاف قضية بدرجة لا يشوبها شك , و معنى حجيته : كونه ( منجزا ) أى مصححا للعقاب إذا خالف العبد مولاه فى تكليف مقطوع به لديه , و كونه ( معذرا ) أى نافيا لاستحقاق العقاب عن العبدإذا خالف مولاه نتيجة عمله بقطعه .

و واضح أن حجية القطع بهذا المعنى لا يستغنى عنها جميع عمليات الاستنباط , لانهاإنما تؤدى إلى القطع بالحكم الشرعى أو بالموقف العملى تجاهه , ولكى تكون هذه النتيجة ذات أثر , لابد من الاعتراف مسبقا بحجية القطع , بل إن حجية القطع مما يحتاجها الاصولى فى الاستدلال على القواعد الاصولية نفسها , لانه مهما استدل على ظهور صيغة ( إفعل ) فى الوجوب مثلا فلن يحصل على أحسن تقديرإلا على القطع بظهورها فى ذلك , و هذا لا يفيد إلا مع افتراض حجية القطع .

كما أنه بعد افتراض تحديد الادلة العامة و العناصر المشتركة فى


171
عملية الاستنباط , قد يواجه الفقيه حالات التعارض بينها , سواء كان التعارض بين دليل من القسم الاول و دليل من القسم الثانى , كالتعارض بين الامارة و الاصل , أو بين دليلين من قسم واحد , سواء كانا من نوع واحد كخبرين لثقتين , أو من نوعين كالتعارض بين خبر الثقة و ظهور الاية , أو بين أصالة الحل و الاستصحاب .

و من أجل ذلك سنبدأ فيما يلى بحجية القطع , ثم نتكلم عن القسم الاول من الادلة , ثم عن القسم الثانى ( الاصول العملية ) , و نختم بأحكام تعارض الادلة إن شاءالله تعالى و منه نستمد التوفيق .


172
حجية القطع

للقطع كاشفية بذاته عن الخارج . و له أيضا نتيجة لهذه الكاشفية محركية نحو ما يوافق الغرض الشخصى للقاطع إذا انكشف له بالقطع , فالعطشان إذا قطع بوجود الماء خلفه تحرك نحو تلك الجهة طلبا للماء . و للقطع إضافة إلى ( الكاشفية ) و ( المحركية ) المذكورتين خصوصية ثالثة و هى : ( الحجية ) بمعنى أن القطع بالتكليف ينجز ذلك التكليف , أى يجعله موضوعا لحكم العقل بوجوب امتثاله و صحة العقاب على مخالفته .

والخصوصية الاولى و الثانية بديهيتان و لم يقع بحث فيهما , و لا تفيان بمفرد هما بغرض الاصولى و هو تنجيز التكليف الشرعى على المكلف بالقطع به و إنما الذى يفى بذلك الخصوصية الثالثة . كما أنه لا شك فى أن الخصوصية الاولى هى عين حقيقة القطع , لان القطع هو عين الانكشاف و الارادة , لا أنه شىء من صفاته الانكشاف , و لا شك أيضا فى أن الخصوصية الثانية من الاثار التكوينية للقطع بما يكون متعلقا للغرض الشخصى , فالعطشان الذى يتعلق غرض شخصى له بالماء حينما يقطع بوجوده فى جهة , يتحرك نحو تلك الجهة لا محالة , و المحرك هنا


173
هو الغرض , و المكمل لمحركية الغرض هو قطعه بوجود الماء , و بامكان استيفاء الغرض فى تلك الجهة .

و أما الخصوصية الثالثة و هى حجية القطع , أى منجزيته للتكليف بالمعنى المتقدم , فهى شىء ثالث غير مستبطن فى الخصوصيتين السابقتين , فلا يكون التسليم بهما من الناحية المنطقية تسليما ضمنيا بالخصوصية الثالثة , و ليس التسليم بهما مع إنكار الخصوصية الثالثة تناقضا منطقيا , فلا بدإذن من استئناف نظر خاص فى الخصوصية الثالثة . و فى هذا المجال يقال عادة : إن الحجية لازم ذاتى للقطع , كما أن الحرارة لازم ذاتى للنار , فالقطع بذاته يستلزم الحجية و المنجزية , و لاجل ذلك لا يمكن أن تلغى حجيته و منجزيته فى حال من الاحوال , حتى من قبل المولى نفسه . لان لازم الشىء لا يمكن أن ينفك عنه , و إنما الممكن للمولى أن يزيل القطع عن القاطع , فيخرجه عن كونه قاطعا بدلا عن أن يفكك بين القطع و الحجية . و يتلخص هذا الكلام فى قضيتين :

إحداهما : إن الحجية و المنجزية ثابتة للقطع لانها من لوازمه .

والاخرى : إنها يستحيل أن تنفك عنه لان اللازم لا ينفك عن الملزوم .

أما القضية الاولى فيمكن أن نتساءل بشأنها : أى قطع هذا الذى تكون المنجزية من لوازمه ؟ هل هو القطع بتكليف المولى , أو القطع بتكليف أى آمر ؟ . و من الواضح أن الجواب هو الاول لان غير المولى إذا أمر لا يكون تكليفه منجزا على المأمور و لو قطع به , فالمنجزية إذن تابعة للقطع بتكليف المولى , فنحن إذن نفترض أولا أن الامر مولى ثم نفترض


174
القطع بصدور التكليف منه , و هنا نتساءل من جديد ما معنى المولى ؟ والجواب أن المولى هو من له حق الطاعة أى من يحكم العقل بوجوب امتثاله و استحقاق العقاب على مخالفته , و هذا يعنى ان الحجية ( التى محصلها كما تقدم حكم العقل بوجوب الامتثال و استحقاق العقاب على المخالفة ) قد افترضناها مسبقا بمجرد افتراض أن الامر مولى , فهى إذن من شؤون كون الامر مولى , و مستبطنة فى نفس افتراض المولوية , فحينما نقول : إن القطع بتكليف المولى حجة أى يجب امتثاله عقلا كأننا قلنا : إن القطع بتكليف من يجب امتثاله يجب امتثاله , و هذا تكرار لما هو المفترض , فلا بد أن نأخذ نفس حق الطاعة و المنجزية المفترضة فى نفس كون الامر مولى لنرى مدى ما للمولى من حق الطاعة على المأمور , و هل له حق الطاعة فى كل ما يقطع به من تكاليفه , أو أوسع من ذلك بأن يفترض حق الطاعة فى كل ما ينكشف لديه من تكاليفه و لو بالظن أو الاحتمال , أو أضيق من ذلك بأن يفترض حق الطاعة فى بعض ما يقطع به من التكاليف خاصة ؟ و هكذا يبدو أن البحث فى حقيقته بحث عن حدود مولوية المولى , و ما نؤمن به له مسبقا من حق الطاعة , فعلى الاول تكون المنجزية ثابتة فى حالات القطع خاصة , و على الثانى تكون ثابتة فى كل حالات القطع و الظن و الاحتمال , و على الثالث تكون ثابتة فى بعض حالات القطع .

والذى ندركه بعقولنا أن مولانا سبحانه و تعالى له حق الطاعة فى كل ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال ما لم يرخص هو نفسه فى عدم التحفظ , و هذا يعنى أن المنجزية ليست ثابتة للقطع بما هو قطع بل بما هو انكشاف , و أن كل انكشاف منجز مهما


175
كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه فى عدم الاهتمام به .

نعم كلما كان الانكشاف بدرجة أكبر كانت الادانة و قبح المخالفة أشد , فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبة أشد من التنجز و الا دانة لانه المرتبة العليا من الانكشاف .

و أما القضية الثانية و هى : إن المنجزية لا تنفك عن القطع بالتكليف , و ليس بإمكان المولى نفسه أن يتدخل بالترخيص فى مخالفة القطع و تجريده من المنجزية . فهى صحيحة , و دليلها : أن هذا الترخيص إما حكم واقعى أو حكم ظاهرى , و الاول مستحيل لان التكليف الواقعى مقطوع به , فاذا ثبتت أيضا إباحة واقعية لزم اجتماع الضدين , لما تقدم من التنافى و التضاد بين الاحكام التكليفية الواقعية , و الثانى مستحيل أيضا لان الحكم الظاهرى كما تقدم ما اخذ فى موضوعه الشك و لا شك مع القطع .

و بهذا يظهر أن القطع لا يتميز عن الظن و الاحتمال فى أصل المنجزية , و إنما يتميز عنهما فى عدم إمكان تجريده عن تلك المنجزية , لان الترخيص فى مورده مستحيل كما عرفت , و ليس كذلك فى حالات الظن و الاحتمال , فان الترخيص الظاهرى فيها ممكن لانه لا يتطلب أكثر من فرض الشك و الشك موجود , و من هنا صح أن يقال : إن منجزية القطع غير معلقة بل ثابتة على الاطلاق , وإن منجزية غيره من الظن و الاحتمال معلقة لانها مشروطة بعدم إحراز الترخيص الظاهرى فى ترك التحفظ .


176
معذرية القطع :

كنا نتحدث حتى الان عن الجانب التنجيزى و التسجيلى من حجية القطع ( المنجزية ) , و الان نشيرإلى الجانب الاخر من الحجية و هو ( المعذرية ) , أى كون القطع بعدم التكليف معذرا للمكلف على نحو لو كان مخطئا فى قطعه لما صحت معاقبته على المخالفة , و هذه المعذرية تستندإلى تحقيق حدود مولوية المولى و حق الطاعة , و ذلك لان حق الطاعة هل موضوعه الذى تفرض طاعته تكاليف المولى بوجودها فى الشريعة بقطع النظر عن قطع المكلف بها , و شكه فيها , أو قطعه بعدمها , أى أنها تستتبع حق الطاعة فى جميع هذه الحالات , أو أن موضوع حق الطاعة تكاليف المولى المنكشفة للمكلف ولو بدرجة احتمالية من الانكشاف ؟ فعلى الاول لا يكون القطع معذراإذا خالف الواقع و كان التكليف ثابتا على خلاف ما قطع , و على الثانى يكون القطع معذرا إذ لا حق طاعة للمولى فى حالة عدم انكشاف التكليف و لو انكشافا احتماليا . و الاول من هذين الاحتمالين غير صحيح , لان حق الطاعة من المستحيل أن يحكم به العقل بالنسبة إلى تكليف يقطع المكلف بعدمه , إذ لا يمكن للمكلف أن يتحرك عنه فكيف يحكم العقل بلزوم ذلك , فيتعين الاحتمال الثانى , و معه يكون القطع بعدم التكليف معذرا عنه لانه يخرج فى هذه الحالة عن دائرة حق الطاعة , أى عن نطاق حكم العقل بوجوب الامتثال .


177
التجرى :

إذا قطع المكلف بوجوب أو تحريم فخالفه و كان التكليف ثابتا فى الواقع اعتبر عاصيا , و أماإذا قطع بالتكليف و خالفه و لم يكن التكليف ثابتا واقعا سمى متجريا , و قد وقع البحث فى أنه هل يدان مثل هذا المكلف المتجرى بحكم العقل و يستحق العقاب كالعاصى أولا ؟ .

و مرة أخرى يجب أن نرجع إلى حق الطاعة الذى تمثله مولوية المولى لنحدد موضوعه , فهل موضوعه هو التكليف المنكشف للمكلف أو مجرد الانكشاف و لو لم يكن مصيبا ؟ بمعنى أن حق المولى على الانسان هل فى أن يطيعه فى تكاليفه التى انكشفت لديه أو فى كل ما يتراءى له من تكاليفه , سواء كان هناك تكليف حقا أولا ؟ فعلى الاول لا يكون المكلف المتجرى قد أخل بحق الطاعة إذ لا تكليف , و على الثانى يكون قد أخل به فيستحق العقاب . و الصحيح هو الثانى , لان حق الطاعة ينشأ من لزوم احترام المولى عقلا و رعاية حرمته , و لا شك فى أنه من الناحية الاحترامية و رعاية الحرمة لا فرق بين التحدى الذى يقع من العاصى , و التحدى الذى يقع من المتجرى , فالمتجرى إذن يستحق العقاب كالعاصى .

العلم الاجمالى :

القطع تارة يتعلق بشىء محدد و يسمى بالعلم التفصيلى و مثاله : العلم بوجوب صلاة الفجر أو العلم بنجاسة هذا الاناء المعين , و اخرى يتعلق بأحد شيئين لا على وجه التعيين , و يسمى بالعلم الاجمالى و مثاله :


178
العلم بوجوب صلاة ما فى ظهر الجمعة هى إما الظهر أو الجمعة دون أن تقدر على تعيين الوجوب فى إحداهما بالضبط , أو العلم بنجاسة أحد الاناءين بدون تعين .

و نحن إذا حللنا العلم الاجمالى نجد أنه مزدوج من العلم بالجامع بين الشيئين , و من شكوك و احتمالات بعدد الاطراف التى يتردد بينها ذلك الجامع , ففى المثال الاول يوجد عندنا علم بوجوب صلاة ما , و عندنا احتمالان لوجوب صلاة الظهر خاصة , و لوجوب صلاة الجمعة خاصة .

ولا شك فى أن العلم بالجامع منجز , و أن الاحتمال فى كل طرف منجز أيضا , وفقا لما تقدم من أن كل انكشاف منجز مهما كانت درجته , ولكن منجزية القطع على ما عرفت غير معلقة , و منجزية الاحتمال معلقة , و من هنا كان بامكان المولى فى حالات العلم الاجمالى أن يبطل منجزية احتمال هذا الطرف أو ذاك , و ذلك بالترخيص الظاهرى فى عدم التحفظ , فاذا رخص فقط فى إهمال احتمال وجوب صلاة الظهر بطلت منجزية هذا الاحتمال و ظلت منجزية احتمال وجوب الجمعة على حالها , و كذلك منجزية العلم بالجامع فانها تظل ثابتة أيضا بمعنى أن المكلف لا يمكنه أن يترك كلتا الصلاتين رأسا , و إذا رخص المولى فقط فى إهمال احتمال وجوب صلاة الجمعة بطلت منجزية هذا الاحتمال و ظلت منجزية الباقى كما تقدم , و بامكان المولى أن يرخص فى كل من الطرفين معا بترخيصين ظاهريين , و بهذا تبطل كل المنجزيات بما فيها منجزية العلم بالجامع . و قد تقول : إن العلم بالجامع فرد من القطع و قد تقدم أن منجزية القطع غير معلقة , فكيف ترتفع منجزية العلم بالجامع هنا ؟ . و الجواب : أن القطع الذى تكون


179
منجزيته غير معلقة هو العلم التفصيلى , إذ لا مجال للترخيص الظاهرى فى مورده , لان الترخيص الظاهرى لا يمكن إلا فى حالة الشك , و لا شك مع العلم التفصيلى , ولكن فى حالة العلم الاجمالى حيث أن الشك فى كل طرف موجود , فهناك مجال للترخيص الظاهرى فتكون منجزية العلم الاجمالى معلقة على عدم إحراز الترخيص الظاهرى فى كل من الطرفين , هذا من الناحية النظرية ثبوتا , و أما من الناحية الواقعية إثباتا و أنه هل صدر من الشارع ترخيص فى كل من طرفى العلم الاجمالى ؟ , فهذا ما يقع البحث عنه فى الاصول العملية .
القطع الطريقى و الموضوعى :

تارة يحكم الشارع بحرمة الخمر مثلا فيقطع المكلف بالحرمة , و يقطع بأن هذا خمر , و بذلك يصبح التكليف منجزا عليه كما تقدم , و يسمى القطع فى هذه الحالة بالقطع الطريقى بالنسبة إلى تلك الحرمة لانه مجرد طريق و كاشف عنها و ليس له دخل و تأثير فى وجودها واقعا , لان الحرمة ثابتة للخمر على أى حال , سواء قطع المكلف بأن هذا خمر أولا .

و أخرى يحكم الشارع بأن ما تقطع بأنه خمر حرام , فلا يحرم الخمر إلاإذا قطع المكلف بأنه خمر , و يسمى القطع فى هذه الحالة بالقطع الموضوعى , لانه دخيل فى وجود الحرمة , و ثبوتها للخمر فهو بمثابة الموضوع للحرمة .

و القطع إنما ينجز التكليف إذا كان قطعا طريقيا بالنسبة إليه , لان منجزيته إنما هى من أجل كاشفيته , و هوإنما يكشف عما يكون قطعا طريقيا بالنسبة إليه , وأما التكليف الذى يكون القطع موضوعا له


180
و دخيلا فى أصل ثبوته , فهو لا يتنجز بذلك القطع , ففى المثال المتقدم للقطع الموضوعى لا يكون القطع بالخمرية منجزا للحرمة , لانه لا يكشف عنها وإنما يولدها , بل الذى ينجز الحرمة فى هذا المثال القطع بحرمة مقطوع الخمرية . و هكذا ينجز كل قطع ما يكون كاشفا عنه و طريقاإليه من التكاليف , دون ما يكون موضوعا و مولدا له من الاحكام .

و قد يتفق أن يكون قطع واحد طريقيا بالنسبة إلى تكليف , و موضوعيا بالنسبة إلى تكليف آخر , كماإذا قال المولى : الخمر حرام , ثم قال : من قطع بحرمة الخمر فيحرم عليه بيعه , فان القطع بحرمة الخمر قطع طريقى بالنسبة إلى حرمة الخمر , و قطع موضوعى بالنسبة إلى حرمة بيع الخمر .

جواز الاسنادإلى المولى :

و هناك جانب ثالث فى القطع غير المنجزية و المعذرية , و هو جواز إسناد الحكم المقطوع إلى المولى , و توضيح ذلك : أن المنجزية و المعذرية ترتبطان بالجانب العملى فيقال : إن القطع بالحرمة منجز لها , بمعنى أنه لابد للقاطع أن لا يرتكب ما قطع بحرمته , و إن القطع بعدم الحرمة معذر عنها , بمعنى أن له أن يرتكب الفعل , و هناك شىء آخر و هو إسناد الحرمة نفسهاإلى المولى , فان القطع بحرمة الخمر يؤدى إلى جواز إسناد الحرمة إلى المولى , بأن يقول القاطع : ان الشارع حرم الخمر , لانه قول بعلم , و قد أذن الشارع فى القول بعلم , و حرم القول بلا علم .

و بالتدبر فيما بيناه من التمييز بين القطع الطريقى و القطع الموضوعى يتضح أن القطع بالنسبة إلى جواز الاسناد قطع موضوعى لا طريقى ,


181
لان جواز الاسناد حكم شرعى اخذ فى موضوعه القطع بما يسند إلى المولى .
تلخيص و مقارنة :

اتضح مما ذكرناه أن تنجز التكليف المقطوع لما كان من شؤون حق الطاعة للمولى سبحانه , و كان حق الطاعة له يشمل كل ما ينكشف من تكاليفه , و لو انكشافا احتماليا , فالمنجزية إذن ليست مختصة بالقطع , بل تشمل كل انكشاف مهما كانت درجته , و إن كانت بالقطع تصبح مؤكدة و غير معلقة كما تقدم .

و خلافا لذلك مسلك من افترض المنجزية و الحجية لازما ذاتيا للقطع , فانه ادعى أنها من خواص القطع , فحيث لا قطع و لا علم لا منجزية , فكل تكليف لم ينكشف بالقطع و اليقين فهو غير منجز و لا يصح العقاب عليه , و سمى ذلك بقاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) أى بلا قطع و علم , وفاته أن هذا فى الحقيقة تحديد لمولوية المولى و حق الطاعة له رأسا .

و هذان مسلكان يحدد كل منهما الطريق فى كثير من المسائل المتفرعة , و يوضح للفقيه منهجا مغايرا من الناحية النظرية لمنهج المسلك الاخر .

و نسمى المسلك المختار بمسلك حق الطاعة , و الاخر بمسلك قبح العقاب بلا بيان .


182

183
الادلة

1 - الادلة المحرزة .

2 - الاصول العملية ( أو الادلة العملية ) .


184

185
تحديد المنهج فى الادلة و الاصول :

عرفنا سابقا أن الادلة التى يستندإليها الفقيه فى استدلاله الفقهى و استنباطه للحكم الشرعى على قسمين , فهى : إما أدلة محرزة يطلب بها كشف الواقع , وإما أدلة عملية ( اصول عملية ) تحدد الوظيفة العملية للشاك الذى لا يعلم بالحكم .

و يمكن القول على العموم بأن كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها دليل من القسم الثانى أى أصل عملى يحدد لغير العالم الوظيفة العملية , فان توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به و ترك الاصل العملى وفقا لقاعدة تقدم الادلة المحرزة على الاصول العملية كما يأتى إن شاءالله تعالى فى تعارض الادلة و إن لم يتوفر دليل محرز أخذ بالاصل العملى , فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز .

و تختلف الادلة المحرزة عن الاصول العملية فى أن تلك تكون أدلة و مستندا للفقيه بلحاظ كاشفيتها عن الواقع و إحرازها للحكم الشرعى , و أما هذه فتكون أدلة من الوجهة العملية فقط , بمعنى أنها تحدد كيف يتصرف الانسان الذى لا يعرف الحكم الشرعى للواقعة . كما أن الادلة


186
المحرزة تختلف فيما بينها , لان بعضها أدلة قطعية تؤدى إلى القطع بالحكم الشرعى , و بعضها أدلة ظنية تؤدى إلى كشف ناقص محتمل الخطأ عن الحكم الشرعى , و هذه الادلة الظنية هى التى تسمى بالامارات .
المنهج على مسلك حق الطاعة :

و أعم الاصول العملية بناء على مسلك حق الطاعة هو ( أصالة إشتغال الذمة ) , و هذا أصل يحكم به العقل و مفاده أن كل تكليف يحتمل وجوده و لم يثبت إذن الشارع فى ترك التحفظ تجاهه فهو منجز , و تشتغل به ذمة المكلف . و مرد ذلك إلى ما تقدم من أن حق الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من التكاليف و لو انكشافا ظنيا أو احتماليا .

و هذا الاصل هو المستند العام للفقيه , و لا يرفع يده عنه إلا فى بعض الحالات التالية :

أولا : إذا حصل له دليل محرز قطعى على نفى التكليف كان القطع معذرا بحكم العقل كما تقدم , فيرفع يده عن أصالة الاشتغال إذ لا يبقى لها موضوع .

ثانيا : إذا حصل له دليل محرز قطعى على إثبات التكليف فالتنجز يظل على حاله , ولكنه يكون بدرجة أقوى و أشد كما تقدم .

ثالثا : إذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا و لاإثباتا , ولكن حصل له القطع بترخيص ظاهرى من الشارع فى ترك التحفظ , فحيث أن منجزية الاحتمال و الظن معلقة على عدم ثبوت إذن من هذا القبيل كما تقدم , فمع ثبوته لا منجزية فيرفع يده عن أصالة الاشتغال .


187

و هذا الاذن تارة يثبت بجعل الشارع الحجية للامارة ( الدليل المحرز غير القطعى ) , كماإذا أخبر الثقة المظنون الصدق بعدم الوجوب فقال لنا الشارع : ( صدق الثقة ) و أخرى يثبت بجعل الشارع لاصل عملى من قبله , كأصالة الحل الشرعية القائلة ( كل شىء حلال حتى تعلم أنه حرام ) و البراءة الشرعية القائلة ( رفع ما لا يعلمون ) و قد تقدم الفرق بين الامارة و الاصل العملى .

رابعا : إذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا و لاإثباتا , ولكن حصل له القطع بأن الشارع لا يأذن فى ترك التحفظ , فهذا يعنى أن منجزية الاحتمال و الظن تظل ثابتة غير أنها آكد و أشد مماإذا كان الاذن محتملا .

و هنا أيضا تارة يثبت عدم الاذن من الشارع فى ترك التحفظ , بجعل الشارع الحجية للامارة , كماإذا أخبر الثقة المظنون الصدق بالوجوب فقال الشارع : ( لا ينبغى التشكيك فيما يخبر به الثقة ) أو قال : صدق الثقة ) , و اخرى يثبت بجعل الشارع لاصل عملى من قبله كأصالة الاحتياط الشرعية المجعولة فى بعض الحالات .

فائدة المنجزية و المعذرية الشرعية :

و بما ذكرناه ظهر أنه فى الحالتين الاولى و الثانية لا معنى لتدخل الشارع فى إيجاد معذرية أو منجزية , لان القطع ثابت , و له معذرية و منجزية كاملة , و فى الحالتين الثالثة و الرابعة يمكن للشارع أن يتدخل فى ذلك , فاذا ثبت عنه جعل الحجية للامارة النافية للتكليف أو جعل أصل مرخص كأصالة الحل , إرتفعت بذلك منجزية الاحتمال أو


188
الظن , لان هذا الجعل منه إذن فى ترك التحفظ , و المنجزية المذكورة معلقة على عدم ثبوت الاذن المذكور , وإذا ثبت عنه جعل الحجية لامارة مثبتة للتكليف أو لاصل يحكم بالتحفظ , تأكدت بذلك منجزية الاحتمال , لان ثبوت ذلك الجعل معناه العلم بعدم الاذن فى ترك التحفظ و نفى لاصالة الحل و نحوها .
المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان :

و ما تقدم كان بناء على مسلك حق الطاعة , و أما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فالامر على العكس تماما و البداية مختلفة , فان أعم الاصول العملية حينئذ هو قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) و تسمى أيضا بالبراءة العقلية و مفادها : أن المكلف غير ملزم عقلا بالتحفظ تجاه أى تكليف ما لم ينكشف بالقطع و اليقين , و هذا الاصل لا يرفع الفقيه يده عنه إلا فى بعض الحالات :

و لنستعرض الحالات الاربع المتقدمة لنرى حال الفقيه فيها بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان .

أما الحالة الاولى : فيظل فيها قبح العقاب ثابتا ( أى المعذرية ) غير أنه يتأكد بحصول القطع بعدم التكليف .

و أما الحالة الثانية : فيرتفع فيها موضوع البراءة العقلية , لان عدم البيان على التكليف تبدل إلى البيان و القطع فيتنجز التكليف .

و أما الحالة الثالثة : فيظل فيها قبح العقاب ثابتا , غير أنه يتأكد بثبوت الاذن من الشارع فى ترك التحفظ .

و أما الحالة الرابعة : فأصحاب هذا المسلك يلتزمون عمليا فيها بأن


189
التكليف يتنجز على الرغم من أنه غير معلوم , و يتحيرون نظريا فى كيفية تخريج ذلك على قاعدتهم القائلة بقبح العقاب بلا بيان , بمعنى أن الامارة المثبتة للتكليف بعد جعل الحجية لها أو أصالة الاحتياط , كيف تقوم مقام القطع الطريقى فتنجز التكليف مع أنه لا يزال مشكوكا و داخلا فى نطاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان ؟ . و سيأتى فى الحلقة التالية بعض أوجه العلاج للمشكلة عند أصحاب هذا المسلك .
190

191
الادلة المحرزة

1 الدليل الشرعى .

2 الدليل العقلى .


192

193
تقسيم البحث فى الادلة المحرزة :

يعتمد الفقيه فى عملية الاستنباط على عناصر مشتركة تسمى بالادلة المحرزة كما تقدم . و هى إما أدلة قطعية , بمعنى أنها تؤدى إلى القطع بالحكم فتكون حجة على أساس حجية القطع الناتج عنها , وإما أدلة ظنية و يقوم دليل قطعى على حجيتها شرعا , كماإذا علمنا بأن المولى أمر باتباعها فتكون حجة بموجب الجعل الشرعى .

والدليل المحرز فى الفقه سواء كان قطعيا أولا , ينقسم إلى قسمين :

الاول : الدليل الشرعى , و نعنى به كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم , ككلام الله سبحانه أو كلام المعصوم .

الثانى : الدليل العقلى , و نعنى به القضايا التى يدركها العقل و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعى كالقضية العقلية القائلة بأن إيجاب شىء يستلزم إيجاب مقدمته .

والقسم الاول ينقسم بدوره إلى نوعين :

أحدهما : الدليل الشرعى اللفظى , و هو كلام المعصوم كتابا أو سنة .


194

والاخر : الدليل الشرعى غير اللفظى , و يتمثل فى فعل المعصوم سواء كان تصرفا مستقلا , أو موقفاإمضائيا تجاه سلوك معين , و هو الذى يسمى بالتقرير .

والبحث فى هذا القسم بكلا نوعيه تارة يقع فى تحديد دلالات الدليل الشرعى , و اخرى فى ثبوت صغراه , و ثالثة فى حجية تلك الدلالة و وجوب الاخذ بها , ففى الدليل الشرعى إذن ثلاثة أبحاث .

ولكن قبل البدء بهذه الابحاث على الترتيب المذكور نستعرض بعض المبادىء و القواعد العامة فى الادلة المحرزة .

الاصل عند الشك فى الحجية :

عرفنا أن للشارع دخلا فى جعل الحجية للادلة المحرزة غير القطعية ( الامارات ) , فان أحرزنا جعل الشارع الحجية لامارة فهو , وإذا شككنا فى ذلك لم يكن بالامكان التعويل على تلك الامارة لمجرد احتمال جعل الشارع الحجية لها , لانهاإن كانت نافية للتكليف و نريد أن نثبت بها المعذرية فمن الواضح بناء على ما تقدم عدم إمكان ذلك ما لم نحرز جعل الحجية لها الذى يعنى إذن الشارع فى ترك التحفظ تجاه التكليف المشكوك , إذ بدون إحراز هذا الاذن تكون منجزية الاحتمال للتكليف الواقعى قائمة بحكم العقل , و لا ترتفع هذه المنجزية إلا باحراز الاذن فى ترك التحفظ , و مع الشك فى الحجية لاإحراز للاذن المذكور . وإن كانت الامارة مثبتة للتكليف و نريد ان نثبت بها المنجزية خروجا عن أصل معذر كأصالة الحل المقررة شرعا , فواضح أيضا انا ما لم نقطع بحجيتها لا يمكن رفع اليد بها عن دليل أصالة الحل مثلا , فدليل الاصل


195
الجارى فى الواقعة و المؤمن عن التكليف المشكوك هو المرجع ما لم يقطع بحجية الامارة المثبتة للتكليف . و بهذا صح القول : إن الاصل عند الشك فى الحجية عدم الحجية , بمعنى أن الاصل نفوذ الحالة المفترضة لو لا تلك الامارة من منجزية أو معذرية .
مقدار ما يثبت بالادلة المحرزة :

الدليل المحرز له مدلول مطابقى و مدلول التزامى , فكلما كان الدليل المحرز حجة ثبت بذلك مدلوله المطابقى , و أما مدلوله الالتزامى ففيه بحث , و حاصله أن الدليل المحرزإذا كان قطعيا فلا شك فى ثبوت مدلولاته الالتزامية به لانها تكون قطعية أيضا , فتثبت بالقطع كما يثبت المدلول المطابقى بذلك , وإذا كان الدليل ظنيا و قد ثبتت حجيته بجعل الشارع كما فى الامارة , مثل خبر الثقة و ظهور الكلام , فهنا حالتان :

الاولى : أن يكون موضوع الحجية أى ما حكم الشارع بأنه حجة صادقا على الدلالة الالتزامية كصدقه على الدلالة المطابقية , و مثال ذلك : أن يرد دليل على حجية خبر الثقة , و يقال بأن الاخبار عن شىء إخبار عن لوازمه , و فى هذه الحالة يثبت المدلول الالتزامى , لانه مما أخبر عنه الثقة بالدلالة الالتزامية , فيشمله دليل الحجية المتكفل للامر بالعمل بكل ما أخبر به الثقة مثلا .

الثانية : أن لا يكون موضوع الحجية صادقا على الدلالة الالتزامية , و مثال ذلك : أن يرد دليل على حجية ظهور اللفظ , فان الدلالة الالتزامية غير العرفية ليست ظهورا لفظيا فلا تشكل فردا من موضوع دليل الحجية , فمن هنا يقع البحث فى حجية الدليل لاثبات المدلول


196
الالتزامى فى حالة من هذا القبيل , و قد يستشكل فى ثبوت هذه الحجية بدليل حجية الظهور , لان دليل حجية الظهور لا يثبت الحجية إلا لظهور اللفظ , و الدلالة الالتزامية لهذا الظهور ليست ظهورا لفظيا فلا تكون حجة , و مجرد علمنا من الخارج بأن ظهور اللفظ إذا كان صادقا فدلالته الالتزامية صادقة أيضا , لا يبرر استفادة الحجية للدلالة الالتزامية , لان الحجية حكم شرعى , و قد يخصصه بإحدى الدلالتين دون الاخرى على الرغم من تلازمهما فى الصدق .
و يوجد فى هذا المجال اتجاهان :

أحدهما للمشهور , و هو : أن دليل الحجية كلما استفيد منه جعل الحجية لشىء بوصفه أمارة على الحكم الشرعى كان ذلك كافيا لاثبات لوازمه و مدلولاته الالتزامية , و على هذا الاساس وضعوا قاعدة مؤداها أن مثبتات الامارات حجة , أى أن الامارة كما يعتبرإثباتها لمدلولها المطابقى حجة , كذلك إثباتها لمدلولها الالتزامى .

والاتجاه الاخر للسيد الاستاذ , حيث ذهب إلى أن مجرد قيام دليل[ على] حجية أمارة على أساس ما لها من كشف عن الحكم الشرعى لا يكفى لذلك , إذ من الممكن ثبوتا أن الشارع يتعبد المكلف بالمدلول المطابقى من الامارة فقط , كما يمكنه أن يتعبده بكل ما تكشف عنه مطابقة أو التزاما , و مادام كلا هذين الوجهين ممكنا ثبوتا , فلا بد لتعيين الاخير منهما من وجود إطلاق فى دليل الحجية يقتضى امتداد التعبد و سريانه إلى المداليل الالتزامية .

والصحيح هو الاتجاه الاول , و ذلك لاننا عرفنا سابقا أن الامارة


197
معناها الدليل الظنى الذى يستظهر من دليل حجيته أن تمام الملاك بحجيته هو كشفه بدون نظرإلى نوع المنكشف , و هذا الاستظهار متى ما تم فى دليل الحجية كان كافيا لاثبات الحجية فى المدلولات الالتزامية أيضا , لان نسبة كشف الامارة إلى المدلول المطابقى و الالتزامى بدرجة واحدة دائما , و مادام الكشف هو تمام الملاك للحجية بحسب الفرض , فيعرف من دليل الحجية أن مثبتات الامارة كلها حجة . و على خلاف ذلك الاصول العملية تنزيلية أو غيرها فانها لما كانت مبنية على ملاحظة نوع المؤدى كما تقدم , فلا يمكن أن يستفاد من دليلهاإسراء التعبد إلى كل اللوازم إلا بعناية خاصة فى لسان الدليل , و من هنا قيل إن الاصول العملية ليست حجة فى مثبتاتها أى فى مدلولاتها الالتزامية , و سيأتى تفصيل الكلام عن ذلك فى أبحاث الاصول العملية إن شاءالله تعالى .
تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية :

عرفنا أن الامارات حجة فى المدلول المطابقى و المدلول الالتزامى معا , و المدلول الالتزامى تارة يكون مساويا للمدلول المطابقى , و اخرى يكون أعم منه , ففى حالة المساواة إذا علم بأن المدلول المطابقى باطل فقد علم ببطلان المدلول الالتزامى أيضا , و بذلك تسقط الامارة بكلا مدلوليها عن الحجية , و أماإذا كان اللازم أعم و بطل المدلول المطابقى , فالمدلول الالتزامى يظل محتملا , و من هنا يأتى البحث التالى : و هو أن حجية الامارة فى إثبات المدلول الالتزامى هل ترتبط بحجيتها فى إثبات المدلول المطابقى أولا ؟ فالارتباط يعنى أنهاإذا سقطت عن الحجية فى


198
المدلول المطابقى للعلم ببطلانه مثلا , سقطت أيضا عن الحجية فى المدلول الالتزامى و هو معنى التبعية , و عدم الارتباط يعنى أن كلا من الدلالة المطابقية و الدلالة الالتزامية حجة ما لم يعلم ببطلان مفادها بالخصوص , و مجرد العلم ببطلان المدلول المطابقى لا يوجد خللا فى حجية الدلالة الالتزامية ما دام المدلول الالتزامى محتملا و لم يتضح بطلانه بعد .

و قد يستدل على الارتباط بأحد الوجهين التاليين :

الاول : أن الدلالة الالتزامية متفرعة فى وجودها على الدلالة المطابقية , فتكون متفرعة فى حجيتها أيضا . و يلاحظ على ذلك أن التفرع فى الوجود لماذا يستلزم التفرع فى الحجية ؟ أولا يمكن أن نفترض أن كل واحدة من الدلالتين موضوع مستقل للحجية بلحاظ كاشفيتها ؟ .

الثانى : أن نفس السبب الذى يوجب سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية , يوجب دائما سقوط الدلالة الالتزامية , فإذا علم مثلا بعدم ثبوت المدلول المطابقى و سقطت بذلك حجية الدلالة المطابقية , فإن هذا العلم بنفسه يعنى العلم أيضا بعدم ثبوت المدلول الالتزامى , لان ما تحكى عنه الدلالة الالتزامية دائما حصة خاصة من اللازم , و هى الحصة الناشئة أو الملازمة للمدلول المطابقى , لا طبيعى اللازم على الاطلاق , و تلك الحصة مساوية للمدلول المطابقى دائما .

و بكلمة اخرى إن ذات اللازم وإن كان أعم أحيانا , ولكنه بما هو مدلول التزامى مساو دائما للمدلول المطابقى فلا يتصور ثبوته بدونه , فموت زيد وإن كان أعم من احتراقه بالنار ولكن من أخبر باحتراقه بالمطابقة فهو لا يخبر التزاما بالموت الاعم و لو كان بالسم , بل مدلوله الالتزامى هو الموت الناشىء من الاحتراق خاصة , فاذا كنا نعلم بعدم


199
الاحتراق فكيف نعمل بالمدلول الالتزامى ؟ و سيأتى تكميل البحث عن ذلك و تعميقه فى الحلقة الاتية إن شاءالله تعالى .
وفاء الدليل بدور القطع الموضوعى :

الدليل المحرز إذا كان قطعيا فهو يفى بما يقتضيه القطع الطريقى من منجزية و معذرية , لانه يوجد القطع فى نفس المكلف بالحكم الشرعى , كما أنه يفى بما يترتب على القطع الموضوعى من أحكام شرعية , لان هذه الاحكام يتحقق موضوعها وجدانا .

والدليل المحرز غير القطعى ( أى الامارة ) يفى بما يقتضيه القطع الطريقى من منجزية و معذرية , فالامارة الحجة شرعاإذا دلت على ثبوت التكليف أكدت منجزيته , وإذا دلت على نفى التكليف كانت معذرا عنه و رفعت أصالة الاشتغال كما لو حصل القطع الطريقى بنفى التكليف , كما تقدم توضيحه , و هذا معناه قيام الامارة مقام القطع الطريقى .

ولكن هل تفى الامارة بالقيام مقام القطع الموضوعى ؟ فيه بحث و خلاف , فلو قال المولى : كل ما قطعت بأنه خمر فأرقه و قامت الامارة الحجة شرعا على أن هذا خمر و لم يحصل القطع بذلك , فهل يترتب وجوب الاراقة على هذه الامارة كما يترتب على القطع أولا ؟ و هنا تفصيل , و هو أنا تارة نفهم من دليل وجوب إراقة مقطوع الخمرية أن مقصود هذا الدليل من المقطوع ما قامت حجة منجرة على خمريته و ليس القطع إلا كمثال , و اخرى نفهم منه إناطة الحكم بوجوب الاراقة بالقطع بوصفه كاشفا تاما لا يشوبه شك .


200

ففى الحالة الاولى تقوم الامارة الحجة مقام القطع الموضوعى و يترتب عليها وجوب الاراقة لانها تحقق موضوع هذا الوجوب وجدانا و هو الحجة .

و فى الحالة الثانية لا يكفى مجرد كون الامارة حجة و قيام دليل على حجيتها و وجوب العمل بها لكى تقوم مقام القطع الموضوعى . لان وجوب الاراقة منوط بالقطع بما هو كاشف تام , و الامارة وإن أصبحت حجة و منجزة لمؤداها بجعل الشارع , ولكنها ليست كاشفا تاما على أى حال , فلا يترتب عليها وجوب الاراقة , إلا إذا ثبت فى دليل الحجية أو فى دليل آخر أن المولى أعمل عناية و نزل الامارة منزلة الكاشف التام فى أحكامه الشرعية , كما نزل الطواف منزلة الصلاة فى قوله : الطواف بالبيت صلاة , و هذه عناية إضافية لا يستبطنها مجرد جعل الحجية للامارة . و بهذا صح القول : إن دليل حجية الامارة بمجرد افتراضه الحجية لا يفى لاقامتها مقام القطع الموضوعى .

إثبات الدليل لجواز الاسناد :

من المقرر فقهيا أن إسناد حكم إلى الشارع بدون علم غير جائز , و على هذا الاساس فاذا قام على الحكم دليل و كان الدليل قطعيا , فلا شك فى جواز إسناد مؤداه إلى الشارع لانه إسناد بعلم . و أما إذا كان الدليل غير قطعى كما فى الامارة التى قد جعل الشارع لها الحجية و أمر باتباعها فهل يجوز هناإسناد الحكم إلى الشارع ؟ .

لا ريب فى جواز إسناد نفس الحجية و الحكم الظاهرى إلى الشارع لانه معلوم وجدانا . و أما الحكم الواقعى الذى تحكى عنه الامارة فقد


201
يقال : إن إسناده غير جائز لانه لا يزال غير معلوم , و مجرد جعل الحجية للامارة لا يبرر الاسناد بدون علم وإنما يجعلها منجزة و معذرة من الوجهة العملية . و قد يقال : إن هذا مرتبط بالبحث السابق فى قيام الامارة مقام القطع الموضوعى , لان القطع أخذ موضوعا لجواز إسناد الحكم إلى المولى , فاذا استفيدت من دليل الحجية تلك العناية الاضافية التى تقوم الامارة بموجبها مقام القطع الموضوعى ترتب عليها جوازإسناد مؤدى الامارة إلى الشارع , و إلا فلا .
202

203
الدليل الشرعى

1 تحديد دلالات الدليل الشرعى .

2 إثبات صغرى الدليل الشرعى .

3 إثبات حجية الدلالة فى الدليل الشرعى .


204

205
تحديد دلالات الدليل الشرعى

1 الدليل الشرعى اللفظى .

2 الدليل الشرعى غير اللفظى .


206

207
1 الدليل الشرعى اللفظى تمهيد :

لما كان الدليل الشرعى اللفظى يتمثل فى ألفاظ يحكمها نظام اللغة . . . ناسب ذلك أن نبحث فى مستهل الكلام عن العلاقات اللغوية بين الالفاظ و المعانى , و نصنف اللغة بالصورة التى تساعد على ممارسة الدليل اللفظى و التمييز بين درجات من الظهور اللفظى .

الظهور التصورى و الظهور التصديقى :

إذا سمعنا كلمة مفردة كالماء من آلة انتقل ذهننا إلى تصور المعنى , و كذلك إذا سمعناها من إنسان ملتفت , ولكننا فى هذه الحالة لا نتصور المعنى فحسب بل نستكشف من اللفظ أن الانسان قصد بتلفظه أن يخطر ذلك المعنى فى ذهننا , بينما لا معنى لهذا الاستكشاف حينما تصدر الكلمة من آلة , فهناك إذن دلالتان لكلمة ( الماء ) إحداهما : الدلالة الثابتة حتى فى حالة الصدور من آلة و تسمى بالدلالة التصورية . والاخرى : الدلالة التى توجد عند صدور الكلمة من المتلفظ الملتفت و تسمى بالدلالة التصديقية .


208
وإذا ضم المتلفظ الملتفت كلمة أخرى فقال ( الماء بارد ) استكشفنا أنه يريد أن يخطر فى ذهننا معنى ( الماء ) و معنى ( بارد ) و معنى جملة ( الماء بارد ) ككل . ولكن لماذا يريد أن نتصور ذلك كله ؟ والجواب : أن تلفظه بهذه الجملة يدل عادة على أن المتكلم يريد بذلك أن يخبرنا ببرودة الماء و يقصد الحكاية عن ذلك , بينما فى بعض الحالات لا يكون قاصدا ذلك كما فى حالات الهزل , فان الهازل لا يقصدإلاإخطار صورة المعنى فى ذهن السامع فقط على خلاف المتكلم الجاد . فالمتكلم الجاد حينما يقول : ( الماء بارد ) يكتسب كلامه ثلاث دلالات و هى : الدلالة التصورية المتقدمة , و الدلالة التصديقية المتقدمة , ولنسمها بالدلالة التصديقية الاولى , و دلالة ثالثة هى الدلالة على قصد الحكاية و الاخبار عن برودة الماء , و تسمى بالدلالة على المراد الجدى , كما تسمى بالدلالة التصديقية الثانية . و أما الهازل حين يقول : ( الماء بارد ) فلكلامه دلالة تصورية و دلالة تصديقية أولى دون الدلالة التصديقية الثانية , لانه ليس جادا و لا يريد الاخبار حقيقة , و أما الالة حين تردد الجملة ذاتها فليس لهاإلا دلالة تصورية فقط . و هكذا أمكن التمييز بين ثلاثة أقسام من الدلالة .
الوضع و علاقته بالدلالات المتقدمة :

والدلالة التصورية هى فى حقيقتها علاقة سببية بين تصور اللفظ و تصور المعنى , و لما كانت السببية بين شيئين لا تحصل بدون مبرر , اتجه البحث إلى تبريرها , و من هنا نشأت عدة احتمالات :

الاول : احتمال السببية الذاتية بأن يكون اللفظ بذاته دالا على


209
المعنى و سببا لاحضار صورته . و لا شك فى سقوط هذا الاحتمال لما هو معروف بالخبرة و الملاحظة من عدم وجود أية دلالة للفظ لدى الانسان قبل الاكتساب و التعلم.

الثانى : افتراض أن السببية المذكورة نشأت من وضع الواضع اللفظ للمعنى , و الوضع نوع اعتبار يجعله الواضع وإن اختلف المحققون فى نوعية المعتبر , فهناك من قال : إنه ( اعتبار سببية اللفظ لتصور المعنى ) , و من قال : إنه ( اعتبار كون اللفظ أداة لتفهيم المعنى ) , و من قال : إنه ( اعتبار كون اللفظ على المعنى , كما توضع الاعمدة على رؤوس الفراسخ ) .

و يرد على هذا المسلك بكل محتملاته أن سببية اللفظ لتصور المعنى سببية واقعية بعد الوضع , و مجرد اعتبار كون شىء سببا لشىء أو اعتبار ما يقارب هذا المعنى لا يحقق السببية واقعا , فلا بد لا صحاب مسلك الاعتبار فى الوضع ان يفسروا كيفية نشوء السببية الواقعية من الاعتبار المذكور , و قد يكون عجز هذا المسلك عن تفسير ذلك أدى باخرين إلى اختيار الاحتمال الثالث الاتى :

الثالث : أن دلالة اللفظ تنشأ من الوضع , و الوضع ليس اعتبارا , بل هو تعهد من الواضع بأن لا يأتى باللفظإلا عند قصد تفهيم المعنى , و بذلك تنشأ ملازمة بين الاتيان باللفظ و قصد تفهيم المعنى , و لازم ذلك أن يكون الوضع هو السبب فىالدلالة التصديقية المستبطنة ضمنا للدلالة التصورية . بينما على مسلك الاعتبار لا يكون الوضع سبباإلا للدلالة التصورية . و هذا فرق مهم بين المسلكين , و هناك فرق آخر و هو أنه بناء على التعهد يجب افتراض كل متكلم متعهدا و واضعا لكى تتم الملازمة فى كلامه , و أما بناء على مسلك الاعتبار فيفترض أن الوضع إذا صدر


210
فى البداية من المؤسس أوجب دلالة تصورية عامة لكل من علم به بدون حاجة إلى تكرار عملية الوضع من الجميع .

و يرد على مسلك التعهد :

أولا : أن المتكلم لا يتعهد عادة , بأن لا يأتى باللفظإلاإذا قصد تفهيم المعنى الذى يريد وضع اللفظ له , لان هذا يعنى التزامه ضمنا بأن لا يستعمله مجازا , مع أن كل متكلم كثيرا ما يأتى باللفظ و يقصد به تفهيم المعنى المجازى , فلا يحتمل صدور الالتزام الضمنى المذكور من كل متكلم .

و ثانيا : أن الدلالة اللفظية و العلقة اللغوية بموجب هذا المسلك تتضمن استدلالا منطقيا وإدراكا للملازمة و انتقالا من أحد طرفيها إلى الاخر , مع أن وجودها فى حياة الانسان يبدأ منذ الادوار الاولى لطفولته و قبل أن ينضج أى فكر استدلالى له , و هذا يبرهن على أنها أبسط من ذلك .

و التحقيق أن الوضع يقوم على أساس قانون تكوينى للذهن البشرى , و هو : أنه كلما ارتبط شيئان فى تصور الانسان ارتباطا مؤكدا أصبح بعد ذلك تصور أحدهما مستدعيا لتصور الاخر . و هذا الربط بين تصورين تارة يحصل بصورة عفوية , كالربط بين سماع الزئير و تصور الاسد الذى حصل نتيجة التقارن الطبيعى المتكرر بين سماع الزئير و رؤية الاسد , و أخرى يحصل بالعناية التى يقوم بها الواضع , إذ يربط بين اللفظ و تصور معنى مخصوص فى ذهن الناس فينتقلون من سماع اللفظإلى تصور المعنى , و الاعتبار الذى تحدثنا عنه فى الاحتمال الثانى ليس إلا طريقة يستعملها الواضع فى إيجاد ذلك الربط و القرن


211
المخصوص بين اللفظ و صورة المعنى . فمسلك الاعتبار هو الصحيح , ولكن بهذا المعنى . و بذلك صح أن يقال : إن الوضع قرن مخصوص بين تصور اللفظ و تصور المعنى بنحو أكيد لكى يستتبع حالة إثارة أحدهما للاخر فى الذهن .

و من هنا نعرف أن الوضع ليس سببا إلا للدلالة التصورية , و أما الدلالتان التصديقيتان الاولى و الثانية فمنشؤهما الظهور الحالى و السياقى للكلام لا الوضع .

الوضع التعيينى و التعينى :

و قد قسم الوضع من ناحية سببه إلى تعيينى و تعينى , فقيل : إن العلاقة بين اللفظ و المعنى إن نشأت من جعل خاص فالوضع تعيينى , و إن نشأت من كثرة الاستعمال بدرجة توجب الالفة الكاملة بين اللفظ و المعنى فالوضع تعينى .

و يلاحظ على هذا التقسيم بأن الوضع إذا كان هو ( الاعتبار ) او ( التعهد ) , فلا يمكن أن ينشأ عن كثرة الاستعمال مباشرة , لوضوح أن الاستعمال المتكرر لا يولد بمجرده اعتبار و لا تعهدا , فلا بد من افتراض أن كثرة الاستعمال تكشف عن تكون هذا الاعتبار أو التعهد , فالفرق بين الوضعين فى نوعية الكاشف عن الوضع .

و هذه الملاحظة لا ترد على ما ذكرناه فى حقيقة الوضع من أنه ( القرن الاكيد ) بين تصور اللفظ و تصور المعنى , فان حالة ( القرن الاكيد ) تحصل بكثرة الاستعمال أيضا لانها تؤدى إلى تكرر الاقتران بين تصور اللفظ و تصور المعنى فيكون القرن بينهما أكيدا بهذا التكررإلى


212
أن يبلغ إلى درجة تجعل أحد التصورين صالحا لتوليد التصور الاخر فيتم بذلك الوضع التعينى .
توقف الوضع على تصور المعنى :

و يشترط فى كل وضع يباشره الواضع أن يتصور الواضع المعنى الذى يريد أن يضع اللفظ له لان الوضع بمثابة الحكم على المعنى و اللفظ , و كل حاكم لابد له من استحضار موضوع حكمه عند جعل ذلك الحكم . و تصور المعنى تارة يكون باستحضاره مباشرة و أخرى باستحضار عنوان منطبق عليه و ملاحظته بما هو حاك عن ذلك المعنى . و هذا الشرط يتحقق فى ثلاث حالات :

الاولى : أن يتصور الواضع معنى كليا كالانسان و يضع اللفظ بازائه , و يسمى بالوضع العام و الموضوع له العام .

الثانية : أن يتصور الواضع معنى جزئيا كزيد و يضع اللفظ بازائه , و يسمى بالوضع الخاص و الموضوع له الخاص .

الثالثة : أن يتصور الواضع عنوانا مشيراإلى فرده و يضع اللفظ بازاء الفرد الملحوظ من خلال ذلك العنوان المشير , و يسمى بالوضع العام و الموضوع له الخاص .

و هناك حالة رابعة لا يتوفر فيها الشرط المذكور و يطلق عليها اسم الوضع الخاص و الموضوع له العام , و هى : أن يتصور الفرد و يضع اللفظ لمعنى جامع , و هذا مستحيل لان الفرد و الخاص ليس عنوانا منطبقا على ذلك المعنى الجامع ليكون مشيراإليه , فالمعنى الجامع فى هذه الحالة لا يكون مستحضرا بنفسه و لا بعنوان مشيرإليه و منطبق عليه .


213

و مثال الحالة الاولى أسماء الاجناس , و مثال الحالة الثانية الاعلام الشخصية , و أما الحالة الثالثة فقد وقع الخلاف فى جعل الحروف مثالا لها , و سيأتى الكلام عن ذلك فى بحث مقبل إن شاءالله تعالى .

توقف الوضع على تصور اللفظ :

كما يتوقف الوضع على تصور المعنى كذلك يتوقف على تصور اللفظ , إما بنفسه فيسمى الوضع ( شخصيا ) , وإما بعنوان مشيرإليه فيسمى الوضع ( نوعيا ) . و مثال الاول : وضع أسماء الاجناس , و مثال الثانى : وضع الهيئة المحفوظة فى ضمن كل أسماء الفاعلين لمعنى هيئة اسم الفاعل , فان الهيئة لما كانت لا تنفصل فى مقام التصور عن المادة و كان من الصعب إحضار تمام المواد عند وضع اسم الفاعل اعتاد الواضع أن يحضر الهيئة فى ضمن مادة معينة كفاعل , و يضع كل ما كان على هذه الوتيرة للمعنى الفلانى فيكون الوضع ( نوعيا ) .

المجاز :

يكتسب اللفظ بسبب وضعه للمعنى الحقيقى صلاحية الدلالة على المعنى الحقيقى من أجل الاقتران الخاص بينهما , كما يكتسب صلاحية الدلالة على كل معنى مقترن بالمعنى الحقيقى اقترانا خاصا كالمعانى المجازية المشابهة , غير أنها صلاحية بدرجة أضعف , لانها تقوم على أساس مجموع اقترانين , و مع اقتران اللفظ بالقرينة على المعنى المجازى تصبح هذه الصلاحية فعلية و يكون اللفظ دالا فعلا على المعنى المجازى .

و أما فى حالة عدم وجود القرينة فالذى ينسبق إلى الذهن من اللفظ


214
تصور المعنى الموضوع له , و من هنا يقال : إن ظهور الكلام فى مرحلة المدلول التصورى يتعلق بالمعنى الموضوع له دائما بمعنى أنه هو الذى تأتى صورته إلى الذهن بمجرد سماع اللفظ دون المعنى المجازى .

و ما ذكرناه من اكتساب اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى المجازى لا يحتاج إلى وضع خاص وراء وضع اللفظ لمعناه الحقيقى , وإنما يحصل بسبب وضعه للمعنى الحقيقى .

و إنما الكلام فى أنه هل يصح استعمال اللفظ فى المعنى المجازى مادام أصبح صالحا للدلالة عليه أو تتوقف صحته على وضع معين : و على تقدير القول بالتوقف لابد من تصوير الوضع المصحح للاستعمال المجازى بنحو يختلف عن الوضع للمعنى الحقيقى و إلا لا نقلب المعنى المجازى إلى حقيقى و هو خلف و يحفظ الطولية بين الوضعين على نحو يفسر أسبقية المعنى الحقيقى إلى الذهن عند سماع اللفظ المجرد عن القرينة , و ذلك بأن يدعى مثلا وضع اللفظ المنضم إلى القرينة للمعنى المجازى فحيث لا قرينة تنحصر علاقة اللفظ بالمعنى الحقيقى و لا يزاحمه المعنى المجازى .

و الصحيح عدم الاحتياج إلى وضع فى المجاز لتصحيح الاستعمال , لانه إن أريد بصحة الاستعمال حسنه فواضح أن كل لفظ له صلاحية الدلالة على معنى يحسن استعماله فيه و قصد تفهيمه به , و اللفظ له هذه الصلاحية بالنسبة إلى المعنى المجازى كما عرفت فيصح استعماله فيه , وإن أريد بصحة الاستعمال انتسابه إلى اللغة التى يريد المتكلم التكلم بها فيكفى فى ذلك أن يكون الاستعمال مبنيا على صلاحية فى اللفظ للدلالة على المعنى ناشئة من أوضاع تلك اللغة .


215
علامات الحقيقة و المجاز :

ذكر المشهور عدة علامات لتمييز المعنى الحقيقى عن المجازى .

منها : التبادر من اللفظ أى انسباق المعنى إلى الذهن منه لان المعنى المجازى لا يتبادر من اللفظإلا بضم القرينة , فاذا حصل التبادر بدون قرينة كشف عن كون المتبادر معنى حقيقيا .

و قد يعترض على ذلك بأن تبادر المعنى الحقيقى من اللفظ يتوقف على علم الشخص بالوضع فاذا توقف علمه بالوضع على هذه العلامة لزم الدور .

وأجيب على ذلك بأن التبادر يتوقف على العلم الارتكازى بالمعنى و هو العلم المترسخ فى النفس الذى يلتئم مع الغفلة عنه فعلا و المطلوب من التبادر العلم الفعلى المتقوم بالالتفات فلا دور , كما أن افتراض كون التبادر عند العالم علامة عند الجاهل لا دور فيه أيضا .

و التحقيق أن الاعتراض بالدور لا محل له أساسا لانه مبنى على افتراض أن انتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ فرع العلم بالوضع مع أنه فرع نفس الوضع ( أى وجود عملية القرن الاكيد بين تصور اللفظ و تصور المعنى فى ذهن الشخص ) فالطفل الرضيع الذى اقترنت عنده كلمة[ ( ماما]( برؤية امه يكفى نفس هذا الاقتران الاكيد ليتصور امه عند ما يسمع كلمة[ ( ماما]( , مع أنه ليس عالما بالوضع إذا لا يعرف معنى الوضع . فالتبادرإذن يتوقف على وجود عملية القرن الاكيد بين التصورين فى ذهن الشخص , و المطلوب من التبادر تحصيل العلم بالوضع أى العلم بذلك القرن الاكيد فلا دور .


216

و منها : صحة الحمل , فان صح الحمل الاولى الذاتى للفظ المراد استعلام حاله على معنى ثبت كونه هو المعنى الموضوع له , و إن صح الحمل الشائع ثبت كون المحمول عليه مصداقا لعنوان هو المعنى الموضوع له اللفظ , وإذا لم يصح كلا الحملين ثبت عدم كون المحمول عليه نفس المعنى الموضوع له و لا مصداقه .

و الصحيح أن صحة الحمل إنما تكون علامة على كون المحمول عليه هو نفس المعنى المراد فى المحمول أو مصداق المعنى المراد , أما أن هذا المعنى المراد فى جانب المحمول هل هو معنى حقيقى للفظ أو مجازى فلا سبيل إلى تعيين ذلك عن طريق صحة الحمل , بل لابد أن يرجع الانسان إلى مرتكزاته لكى يعين ذلك .

و منها : الاطراد , و هو أن يصح استعمال اللفظ فى المعنى المشكوك كونه حقيقيا فى جميع الحالات و بلحاظ أى فرد من أفراد ذلك المعنى , فيدل الاطراد فى صحة الاستعمال على كونه هو المعنى الحقيقى للفظ , إذ لاإطراد فى صحة الاستعمال فى المعنى المجازى .

و قد أجيب على ذلك بأن الاستعمال فى معنى إذا صح مجازا و لو فى حال و بلحاظ فرد صح دائما , و بلحاظ سائر الافراد مع الحفاظ على كل الخصوصيات و الشؤون التىبها صح الاستعمال فى تلك الحالة أو فى ذلك الفرد , فالاطراد ثابت إذن فى المعانى المجازية أيضا مع الحفاظ على الخصوصيات التى بها صح الاستعمال .

تحويل المجازإلى حقيقة :

إذا استعمل الانسان كلمة الاسد مثلا الموضوعة للحيوان المفترس


217
فى الرجل الشجاع فهذا استعمال مجازى . و قد يحتال لتحويله إلى استعمال حقيقى بأن يستعمله فى الحيوان المفترس و يطبقه على الرجل الشجاع بافتراض أنه مصداق للحيوان المفترس , إذ بالامكان أن يفترض غير المصداق مصداقا بالاعتبار و العناية , ففى هذه الحالة لا يوجد تجوز فى الكلمة لانها استعملت فيما وضعت له , وإنما العناية فى تطبيق مدلولها على غير مصداقه فهو مجاز عقلى لا لفظى .
استعمال اللفظ وإرادة الخاص :

إذا استعمل اللفظ و أريد به معنى مباين لما وضع له فهو مجاز بلا شك . و أما إذا كان المعنى الموضوع له اللفظ ذا حصص و حالات كثيرة و أريد به بعض تلك الحصص , كماإذا أتيت بلفظ الماء و أردت ماء الفرات فهذا له حالتان : الاولى : أن تستعمل لفظة الماء بمفردها فى تلك الحصة بالذات أى فى ماء الفرات بما هو ماء خاص , و هذا يكون مجازا لان اللفظ لم يوضع للخاص بما هو خاص . الثانية : أن تستعمل لفظة الماء فى معناها المشترك بين ماء الفرات و غيره و تأتى بلفظ آخر يدل على خصوصية الفرات بأن تقول : ائتنى بماء الفرات , فالحصة الخاصة قد أفيدت بمجموع كلمتى ماء و الفرات لا بكلمة ماء فقط , و كل من الكلمتين قد استعملت فى معناها الموضوعة له فلا تجوز , و نطلق على إرادة الخاص بهذا النحو طريقة تعدد الدال و المدلول , فطريقة تعدد الدال و المدلول نعنى بهاإفادة مجموعة من المعانى بمجموعة من الدوال و بازاء كل دال واحد من تلك المعانى .


218
الاشتراك و الترادف :

لا شك فى إمكان الاشتراك ( و هو : وجود معنيين للفظ واحد ) والترادف ( و هو : وجود لفظين لمعنى واحد ) بناء على غير مسلك التعهد فى تفسير الوضع , و مجرد كون الاشتراك مؤدياإلى الاجمال و تردد السامع فى المعنى المقصود لا يوجب فقدان الوضع المتعدد لحكمته , لان حكمته إنما هى إيجاد ما يصلح للتفهيم فى مقام الاستعمال ولو بضم القرينة .

و أما على مسلك التعهد فلا يخلو تصوير الاشتراك و الترادف من إشكال , لان التعهدإذا كان بمعنى ( الالتزام بعدم الاتيان باللفظإلا إذا قصد تفهيم المعنى الذى يضع له اللفظ ) امتنع الاشتراك المتضمن لتعهدين من هذا القبيل بالنسبة إلى لفظ واحد , إذ يلزم أن يكون عند الاتيان باللفظ قاصدا لكلا المعنيين وفاء بكلا التعهدين , و هو غير مقصود من المتعهد جزما , وإذا كان التعهد بمعنى ( الالتزام بالاتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى ) امتنع الترادف المتضمن لتعهدين من هذا القبيل بالنسبة إلى معنى واحد , إذ يلزم أن يأتى بكلا اللفظين عند قصد تفهيم المعنى , و هو غير مقصود من المتعهد جزما . و حل الاشكال : إما بافتراض ( تعدد المتعهد ) أو ( وحدة المتعهد بأن يكون متعهدا بعدم الاتيان باللفظإلاإذا قصد تفهيم أحد المعنيين بخصوصه أو متعهدا عند قصد تفهيم المعنى بالاتيان بأحد اللفظين ) أو ( فرض تعهدين مشروطين على نحو يكون المتعهد به فى كل منهما مقيدا بعدم الاخر ) .


219
تصنيف اللغة :

تنقسم اللغة إلى كلمة بسيطة , و كلمة مركبة , و هيئة تركيبية تقوم بأكثر من كلمة . فالكلمة البسيطة هى الكلمة الموضوعة بمادة حروفها و تركيبها الخاص بوضع واحد للمعنى , من قبيل أسماء الاجناس و أسماء الاعلام و الحروف . و الكلمة المركبة هى الكلمة التى يكون لهيئتها وضع و لمادتها وضع آخر , من قبيل الفعل . و الهيئة التركيبية هى الهيئة التى تحصل بانضمام كلمة إلى أخرى و تكون موضوعة لمعنى خاص .

و الهيئات و الحروف عموما لا تستقل معانيها بنفسها لانها من سنخ النسب و الارتباطات , ففى قولنا : ( السيرإلى مكة المكرمة واجب ) , تدل ( إلى ) على نسبة خاصة بين السير و مكة , حيث إن السير ينتهى بمكة , و تدل هيئة ( مكة المكرمة ) على نسبة وصفية و هى كون ( المكرمة ) وصفا لمكة , و تدل هيئة جملة ( السير . . . واجب ) على نسبة خاصة بين السير و واجب , و هى أن الوجوب ثابت فعلا للسير . و النسبة التى يدل عليها الحرف غير كافية بمفردها لتكوين جملة تامة , و لهذا تسمى بالنسبة الناقصة . و أما الهيئات فبعضها يدل على النسبة الناقصة كهيئة الجملة الوصفية , و بعضها يدل على النسبة التى تتكون بها جملة تامة , و تسمى نسبة تامة , و ذلك كهيئة الجملة الخبرية أو هيئة الجملة الانشائية من قبيل ( زيد عالم ) و ( صم ) .

و يصطلح أصوليا على التعبير بالمعنى الحرفى عن كل نسبة , سواء كانت مدلولة للحرف أو لهيئة الجملة الناقصة أو لهيئة الجملة التامة , و بالمعنى الاسمى عما سوى ذلك من المدلولات . و يختلف المعنى الحرفى


220
عن المعنى الاسمى فى امور منها : أن المعنى الحرفى باعتباره نسبة و كل نسبة متقومة بطرفيها فلا يمكن أن يلحظ دائماإلا ضمن لحاظ طرفى النسبة , و أما المعنى الاسمى فيمكن أن يلحظ بصورة مستقلة .

و قد ذهب المحقق النائينى ( رحمه الله ) إلى التفرقة بين المعانى الاسمية و المعانى الحرفية بأن الاولى ( إخطارية ) و الثانية ( إيجادية ) . و المستفاد من ظاهر كلمات مقررى بحثه أن مراده بكون المعنى الاسمى إخطاريا , أن الاسم يدل علىمعنى ثابت فى ذهن المتكلم فى المرتبة السابقة على الكلام , و ليس دور الاسم إلا التعبير عن ذلك المعنى , و مراده بكون المعنى الحرفى إيجاديا أن الحرف أداة للربط بين مفردات الكلام فمدلوله هو نفس الربط الواقع فى مرحلة الكلام بين مفرداته , و لا يعبر عن معنى أسبق رتبة من هذه المرحلة , و من هنا يكون الحرف موجدا لمعناه لان معناه ليس إلا الربط الكلامى الذى يحصل به .

و هذا المعنى من الايجادية للحرف واضح البطلان لان الحرف و إن كان يوجد الربط فى مرحلة الكلام ولكنه إنما يوجد ذلك بسبب دلالته على معنى , أى على الجانب النسبى و الربطى فى الصورة الذهنية , و نسبته إلى الربط القائم فى الصورة الذهنية على حد ربط الاسم بالمعانى الاسمية الداخلة فى تلك الصورة . فلا تصح التفرقة بين المعانى الاسمية والحرفية بالاخطارية و الايجادية .

نعم هناك معنى آخر دقيق و لطيف لايجادية المعانى الحرفية تتميز به عن المعانى الاسمية تأتى الاشارة إليه فى الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى .


221
المقارنة بين الحروف و الاسماء الموازية لها :

كل حرف نجد تعبيراإسميا موازيا له ف ( إلى ) يوازيها فى الاسماء ( انتهاء ) و ( من ) يوازيها ( ابتداء ) و ( فى ) توازيها ( ظرفية ) و هكذا , و على الرغم من الموازاة , فان الحرف والاسم الموازى له ليسا مترادفين بدليل أنه لا يمكن استبدال أحدهما فى موضع الاخر كما هو الشأن فى المترادفين عادة . و السبب فى ذلك يعودإلى أن الحرف يدل على النسبة , و الاسم يدل على مفهوم اسمى يوازى تلك النسبة و يلازمها , و من هنا لم يكن بالامكان أن يفصل مدلول ( إلى ) عن طرفيه و يلحظ مستقلا , لان النسبة لا تنفصل عن طرفيها بينما بالامكان أن نلحظ كلمة ( الانتهاء ) بمفردها و نتصور معناها .

و نفس الشىء نجده فى هيئات الجمل مع أسماء موازية لها , فقولك : ( زيد عالم ) إخبار بعلم زيد , فالاخبار بعلم زيد تعبير اسمى عن مدلول هيئة ( زيد عالم ) , إلا أنه لا يرادفه لوضوح أنك لو نطقت بهذا التعبير الاسمى لكنت قد قلت جملة ناقصة لا يصح السكوت عليها , بينما ( زيد عالم ) جملة تامة يصح السكوت عليها .

تنوع المدلول التصديقى :

عرفنا فيما سبق أن الالفاظ لها دلالة تصورية تنشأ من الوضع , و لها دلالة تصديقة تنشأ من السياق . والدلالة التصديقية الاولى تشترك فيها الكلمات والجمل الناقصة والجمل التامة . والدلالة التصديقية الثانية على المراد الجدى تختص بها الجمل التامة . و سنخ المدلول التصديقى


222
الاول واحد فى جميع الالفاظ و هو قصد المتكلم إخطار صورة المعنى فى ذهن السامع . و أما سنخ المدلول التصديقى الثانى أى المراد الجدى فيختلف من جملة تامة إلى جملة تامة أخرى . فالجملة الخبرية مثل ( زيد عالم ) مدلولها الجدى قصد الاخبار و الحكاية عن النسبة التامة التى تدل عليها هيئتها , و الجملة الاستفهامية ( هل زيد عالم ) مدلولها الجدى طلب الفهم و الاطلاع على وقوع تلك النسبة التامة , و الجملة الطلبية ( صل ) مدلولها الجدى طلب إيقاع النسبة التامة التى تدل عليها هيئة صل أى طلب وقوع الصلاة من المخاطب .

و يختلف فى ذلك السيد الاستاذ فانه بنى كما عرفنا سابقا على أن الوضع عبارة عن التعهد و فرع عليه أن الدلالة اللفظية الناشئة من الوضع دلالة تصديقية لا تصورية بحتة , و على هذا الاساس اختار أن كل جملة تامة موضوعة بالتعهد لنفس مدلولها التصديقى الجدى مباشرة و قد عرفت الحال فى مبناه سابقا .

المقارنة بين الجمل التامة و الناقصة :

لاشك فى أن المعنى الموضوع له للجملة التامة يختلف عن المعنى الموضوع له للجملة الناقصة , لان الاولى يصح السكوت عليها دون الثانية . و هذا الاختلاف يوجد تفسيران له :

أحدهما : مبنى على أن المعنى الموضوع له هو المدلول التصديقى مباشرة كما اختاره السيد الاستاذ تفريعا على تفسيره للوضع بالتعهد . و حاصله أن الجملة التامة فى قولنا : ( المفيد عالم ) موضوعة لقصد الحكاية والاخبار عن ثبوت المحمول للموضوع , و الجملة الناقصة الوصفية فى


223
قولنا : ( المفيد العالم ) موضوعة لقصدإخطار صورة هذه الحصة الخاصة .

والجواب على ذلك ما تقدم ن أن المعنى الموضوع له غير المدلول التصديقى بل هو المدلول التصورى , و المدلول التصورى للحروف و الهيئات هو النسبة , فلا بد من افتراض فرق بين نحوين من النسبة : أحدهما : يكون مدلولا للجملة التامة , و الاخر : مدلول للجملة الناقصة .

و التفسير الاخر : أن هيئة كلتا الجملتين موضوعة للنسبة ولكنها فى إحداهما اندماجية و فى الاخرى غير اندماجية , و كل جملة موضوعة للنسبة الاندماجية فهى ناقصة , لانها تحول المفهومين إلى مفهوم واحد و تصير الجملة فى قوة كلمة واحدة , و كل جملة موضوعة للنسبة غير الاندماجية فهى جملة تامة . و قد تقدم فى الحلقة السابقة بعض الحديث عن ذلك .

الدلالات الخاصة و المشتركة :

هذه نبذة تمهيدية عن الدلالة اللفظية و علاقات الالفاظ بالمعانى نكتفى بها للدخول فى الحديث عن تحديد دلالات الدليل الشرعى اللفظى . و من الواضح أن هذه الدلالات على قسمين : فبعضها دلالات خاصة ترتبط ببعض المسائل الفقهية كدلالة كلمة ( الصعيد ) أو ( الكعب ) , و بعضها دلالات عامة تصلح أن تكون عنصرا مشتركا فى عملية الاستنباط فى مختلف أبواب الفقه كدلالة الامر على الوجوب . و قد عرفت سابقا أن ما يدخل فى البحث الاصولى إنما هو القسم الثانى , و لهذا فسوف يكون البحث عن الدلالات العامة للدليل الشرعى اللفظى .


224
الامر والنهى الامر :

الامر تارة يستعمل بمادته فيقال : ( آمرك بالصلاة ) و اخرى بصيغته فيقال : ( صل ) .

أما مادة الامر فلا شك فى دلالتها بالوضع على الطلب , ولكن لا بنحو تكون مرادفة للفظ الطلب , لان لفظ الطلب ينطبق بمفهومه على الطلب التكوينى كطلب العطشان للماء و الطلب التشريعى سواء صدر من العالى أو من غيره , بينما الامر لا يصدق إلا على الطلب التشريعى من العالى , سواء كان مستعليا أى متظاهرا بعلوه أولا .

كما أن مادة الامر لا ينحصر معناها لغة بالطلب , بل ذكرت لها معان اخرى كالشىء , و الحادثة , و الغرض , و على هذا الاساس تكون مشتركا لفظيا و تعيين الطلب بحاجة إلى قرينة , و متى دلت القرينة على ذلك يقع الكلام فى أن المادة تدل على الطلب بنحو الوجوب أو تلائم مع الاستحباب ؟ فقد يستدل على أنها تدل على الوجوب بوجوه :

منها : قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ( 1 ) و تقريبه أن

( 1 ) سورة النور : 63 .


225
الامر لو كان يشمل الطلب الاستحبابى لما وقع على إطلاقه موضوعا للحذر من العقاب .

و منها : قوله ( ص ) : ( لو لا أن أشق على أمتى لامرتهم بالسواك ) ( 1 ) . و تقريبه أن الامر لو كان يشمل الاستحباب لما كان الامر مستلزما للمشقة كما هو ظاهر الحديث .

و منها : التبادر فان المفهوم عرفا من كلام المولى حين يستعمل كلمة الامر أنه فى مقام الايجاب و الالزام , و التبادر علامة الحقيقة .

و أما صيغة الامر فقد ذكرت لها عدة معان كالطلب , و التمنى , و الترجى , و التهديد , و التعجيز , و غير ذلك , و هذا فى الواقع خلط بين المدلول التصورى للصيغة , و المدلول التصديقى الجدى لها باعتبارها جملة تامة . و توضيحه : أن الصيغة أى هيئة فعل الامر لها مدلول تصورى و لا بد أن يكون من سنخ المعنى الحرفى كما هو الشأن فى سائر الهيئات و الحروف , فلا يصح أن يكون مدلولها نفس الطلب بما هو مفهوم إسمى , و لا مفهوم الارسال نحو المادة , بل نسبة طلبية أو إرسالية توازى مفهوم الطلب أو مفهوم الارسال , كما توازى النسبة التى تدل عليها ( إلى ) مفهوم ( الانتهاء ) , و العلاقة بين مدلول الصيغة بوصفه معنى حرفيا و مفهوم الارسال أو الطلب تشابه العلاقة بين مدلول ( من ) و ( إلى ) و ( فى ) و مدلول ( الابتداء ) و ( الانتهاء ) و ( الظرفية ) . فهى علاقة موازاة لا ترادف . و نقصد بالنسبة الطلبية أو الارسالية الربط المخصوص الذى يحصل بالطلب أو بالارسال بين المطلوب و المطلوب منه , أو بين المرسل

( 1 ) الوسائل ج 1 , ب 3 من ابواب السواك ح 4 .


226
و المرسل إليه , و هذا هو المدلول التصورى للصيغة الثابت بالوضع . و للصيغة باعتبارها جملة تامة مكونة من فعل و فاعل مدلول تصديقى جدى بحكم السياق لا الوضع , إذ تكشف سياقا عن أمر ثابت فى نفس المتكلم هو الذى دعاه إلى استعمال الصيغة , و فى هذه المرحلة تتعدد الدواعى التى يمكن أن تدل عليها الصيغة بهذه الدلالة , فتارة يكون الداعى هو ( الطلب ) و أخرى ( الترجى ) و ثالثة ( التعجيز ) و هكذا , مع انحفاظ المدلول التصورى للصيغة فى الجميع .

هذا كله على المسلك المختار المشهور القائل بأن الدلالة الوضعية هى الدلالة التصورية . و أما بناء على مسلك التعهد القائل بأن الدلالة الوضعية هى الدلالة التصديقية , و أن المدلول الجدى للجملة التامة هو المعنى الموضوع له ابتداء فلا بد من الالتزام بتعدد المعنى فى تلك الموارد لاختلاف المدلول الجدى .

ثم إن الظاهر من الصيغة أن المدلول التصديقى الجدى هو الطلب دون سائر الدواعى الاخرى , و ذلك لانه إن قيل بأن المدلول التصورى هو النسبة الطلبية فواضح أن الطلب مصداق حقيقى للمدلول التصورى دون سائر الدواعى , فيكون أقرب إلى المدلول التصورى و ظاهر كل كلام أن مدلوله التصديقى أقرب ما يكون للتطابق و المصداقية للمدلول التصورى , و أما إذا قيل بأن المدلول التصورى هو النسبة الارسالية , فلان المصداق الحقيقى لهذه النسبة إنما ينشأ من الطلب لا من سائر الدواعى فيتعين داعى الطلب بظهور الكلام .

و لكن قد يتفق أحيانا أن يكون المدلول الجدى هو قصد الاخبار عن حكم شرعى آخر غير طلب المادة أوإنشاء ذلك الحكم و جعله , كما فى


227
قوله : ( اغسل ثوبك من البول ) فان المراد الجدى من ( اغسل ) ليس طلب الغسل , إذ قد يتنجس ثوب الشخص فيهمله و لا يغسله و لاإثم عليه , وإنما المراد بيان أن الثوب يتنجس بالبول , و هذا حكم وضعى , و أنه يطهر بالغسل , و هذا حكم وضعى آخر , و فى هذه الحالة تسمى الصيغة بالامر الارشادى لانهاإرشاد وإخبار عن ذلك الحكم .

و كما أن المعروف فى دلالة مادة الامر على الطلب أنها تدل على الطلب الوجوبى , كذلك الحال فى صيغة الامر بمعنى أنها تدل على النسبة الارسالية الحاصلة من إرادة لزومية , و هذا هو الصحيح للتبادر بحسب الفهم العرفى العام .

و كثيرا ما يستعمل غير فعل الامر من الافعال فى إفادة الطلب , إما بادخال لام الامر عليه فيكون الاستعمال بلا عناية , إما بدون إدخاله , كماإذا قيل ( يعيد ) و ( يغتسل ) , و يشتمل الاستعمال حينئذ على عناية , لان الجملة حينئذ خبرية بطبيعتها , و قد استعملت فى مقام الطلب . و فى الاول يدل على الوجوب بنحو دلالة الصيغة عليه , و فى الثانى يوجد خلاف فى الدلالة على الوجوب , و يأتى الكلام عن ذلك فى حلقة مقبلة إن شاءالله تعالى .

دلالات أخرى للامر :

عرفنا أن الامر يدل على الطلب و يدل على أن الطلب على نحو الوجوب . و هناك دلالات اخرى محتملة وقع البحث عن ثبوتها له و عدمه .

منها : دلالته على نفى الحرمة بدلا عن دلالته على الطلب و الوجوب


228
فى حالة معينة , و هى ما إذا ورد عقيب التحريم أو فى حالة يحتمل فيها ذلك .

والصحيح أن صيغة الامر على مستوى المدلول التصورى لا تتغير دلالتها فى هذه الحالة , بل تظل دالة على النسبة الطلبية , غير أن مدلولها التصديقى هنا يصبح مجملا و مرددا بين الطلب الجدى و بين نفى التحريم , لان ورود الامر فى إحدى الحالتين المذكورتين يوجب الاجمال من هذه الناحية .

و منها : دلالة الامر بالفعل الموقت بوقت محدد على وجوب القضاء خارج الوقت على من لم يأت بالواجب فى وقته . و توضيح الحال فى ذلك أن الامر بالفعل الموقت تارة يكون أمرا واحدا بهذا الفعل المقيد فلا يقتضى إلا الاتيان به , فان لم يأت به حتى انتهى الوقت فلا موجب من قبله للقضاء , بل يحتاج إيجاب القضاءإلى أمر جديد , و تارة اخرى يكون الامر بالفعل الموقت أمرين مجتمعين فى بيان واحد , أحدهما : أمر بذات الفعل على الاطلاق , و الاخر أمر بايقاعه فى الوقت الخاص , فان فات المكلف امتثال الامر الثانى بقى عليه الامر الاول , و يجب عليه أن يأتى بالفعل حينئذ ولو خرج الوقت فلا يحتاج إيجاب القضاء إلى أمر جديد . و ظاهر دليل الامر بالموقت هو وحدة الامر , فيحتاج إثبات تعدده على الوجه الثانى إلى قرينة خاصة .

و منها : دلالة الامر بالامر بشىء , على الامر بذلك الشىء مباشرة , بمعنى أن الامر إذا أمر زيدا بأن يأمر خالدا بشىء فهل يستفاد الامر المباشر لخالد من ذلك أولا ؟ فعلى الاول لو أن خالدا اطلع على ذلك قبل أن يأمره زيد لوجب عليه الاتيان بذلك الشىء , و على الثانى


229
لا يكون ملزما بشىء . و مثاله فى الفقه أمر الشارع لولى الصبى بأن يأمر الصبى بالصلاة , فان قيل بأن الامر بالامر بشىء أمر به كان أمر الشارع هذا أمرا للصبى و لو على نحو الاستحباب بالصلاة .
النهى :

كما أن للامر مادة و صيغة , كذلك الحال فى النهى , فمادته نفس كلمة النهى , و صيغته من قبيل ( لا تكذب ) , و المادة تدل على الزجر بمفهومه الاسمى , و الصيغة تدل على الزجر و الامساك بنحو المعنى الحرفى , وإن شئت عبر بالنسبة الزجرية و الامساكية .

و قد وقع الخلاف بين جملة من الاصوليين فى أن مفاد النهى هل هو طلب الترك الذى هو مجرد أمر عدمى , أو طلب الكف عن الفعل الذى هو أمر وجودى .

و قد يستدل للوجه الثانى , بأن الترك استمرار للعدم الازلى الخارج عن القدرة فلا يمكن تعلق الطلب به , و يندفع هذا الدليل بأن بقاءه مقدور فيعقل التكليف به .

و يندفع الوجه الثانى , بأن من حصل منه الترك بدون كف لا يعتبر عاصيا للنهى عرفا .

و الصحيح أن كلا الوجهين باطل , لان النهى ليس طلبا لا للترك و لا للكف , و إنما هو زجر بنحو المعنى الاسمى كما فى مادة النهى أو بنحو المعنى الحرفى كما فى صيغة النهى ـ و هذا يعنى أن متعلقه الفعل لا الترك .

و لاإشكال فى دلالة النهى مادة و صيغة على كون الحكم بدرجة التحريم , و يثبت ذلك بالتبادر و الفهم العرفى العام .


230
الاحتراز فى القيود

إذا ورد خطاب يشتمل على حكم و قيد له فقد يكون هذا القيد متعلقا للحكم , كالاكرام فى ( أكرم الفقير ) , و قد يكون موضوعا له كالفقير فى المثال , و قد يكون شرطا كما فى الجملة الشرطية ( إذا زالت الشمس فصل ) و قد يكون غاية كما فى ( صم إلى الليل ) و قد يكون وصفا للموضوع كالعادل فى ( أكرم الفقير العادل ) و هكذا .

و فى كل هذه الحالات يوجد للكلام مدلول تصورى أريد إخطاره فى ذهن السامع , و مدلول تصديقى جدى و هو الحكم الشرعى الذى أبرز و كشف عنه بذلك الخطاب . و لا شك فى أن الصورة التى نتصورها فى مرحلة المدلول التصورى عند سماع الكلام المذكور هى صورة حكم يرتبط بذلك القيد على نحو من أنحاء الارتباط , و نستكشف من دخول القيد فى الصورة التى يدل عليها الكلام بالدلالة التصورية دخوله أيضا فى المدلول التصديقى الجدى , بمعنى أن القيد مأخوذ فى ذلك الحكم الشرعى الخاص الذى كشف عنه ذلك الكلام , فحينما يقول المولى ( أكرم الفقير العادل ) نفهم أن الوجوب الذى أراد كشفه بهذا الخطاب


231
قد جعل على الفقير العادل , و أخذت العدالة فى موضوعه وفقا لاخذها فى المدلول التصورى للكلام , و ذلك لان المولى لو لم يكن قد أخذ العدالة قيدا فى موضوع ذلك الوجوب الذى جعله و أبرزه بقوله : ( أكرم الفقير العادل ) لكان هذا يعنى أنه أخذ فى المدلول التصورى لكلامه قيدا و لم يأخذ ذلك القيد فى المدلول الجدى لذلك الكلام , أى أنه بين بالدلالة التصورية للكلام شيئا و هو القيد مع أنه لا يدخل فى نطاق مراده الجدى , و هذا خلاف ظهور عرفى سياقى مفاده : أن كل ما يبين بالكلام فى مرحلة المدلول التصورى فهو داخل فى نطاق المراد الجدى , و بكلمة اخرى أن ما يقوله يريده حقيقة , و بهذا الظهور نثبت قاعدة و هى : قاعدة احترازية القيود , و مؤداها : أن كل قيد يؤخذ فى المدلول التصورى للكلام فالاصل فيه بحكم ذلك الظهور أن يكون قيدا فى المراد الجدى أيضا , فإذا قال : ( أكرم الانسان الفقير ) , فالفقير قيد فى المراد الجدى بمعنى كونه دخيلا فى موضوع وجوب الاكرام الذى سيق ذلك الكلام للكشف عنه . و يترتب على ذلك أنه إذا لم يكن الانسان فقيرا فلا يشمله ذلك الوجوب , و لكن هذا لا يعنى أن إكرامه ليس واجبا باعتبار آخر فقد يكون هناك وجوب ثان يخص الانسان العالم أيضا . فاذا لم يكن الانسان فقيرا و كان عالما فقد يجب إكرامه بوجوب ثان . و هكذا نعرف أن قاعدة احترازية القيود تثبت أن شخص الحكم الذى يشكل المدلول التصديقى الجدى للكلام المشتمل على القيد لا يشمل من انتفى عنه القيد و لا تنفى وجود حكم آخر يشمله .
232
الاطلاق

الاطلاق يقابل التقييد , فان تصورت معنى و لا حظت فيه وصفا خاصا أو حالة معينة , كان ذلك تقييدا , وإن تصورته بدون أن تلحظ معه أى وصف أو حالة اخرى كان ذلك إطلاقا , فالتقييدإذن هو لحاظ خصوصية زائدة فى الطبيعة , و الاطلاق عدم لحاظ الخصوصية الزائدة . والطبيعة محفوظة فى كلتا الحالتين , غير أنها تتميز فى الحالة الاولى بأمر وجودى و هو لحاظ الخصوصية , و تتميز فى الحالة الثانية بأمر عدمى و هو عدم لحاظ الخصوصية . و من هنا يقع البحث فى أن كلمة ( إنسان ) مثلا أو أى كلمة مشابهة هل هى موضوعة للطبيعة المحفوظة فى كلتا الحالتين فلا التقييد دخيل فى المعنى الموضوع له و لا الاطلاق , بل الكلمة بمدلولها تلائم كلا الامرين , أو أن الكلمة موضوعة للطبيعة المطلقة فتدل الكلمة بالوضع على الاطلاق و عدم لحاظ القيد ؟ . و قد وقع الخلاف فى ذلك , و يترتب على هذا الخلاف أمران :

أحدهما : إن استعمال اللفظ وإرادة المقيد على طريقة تعدد الدال و المدلول يكون استعمالا حقيقيا على الوجه الاول , لان المعنى الحقيقى


233
للكلمة محفوظ فى ضمن المقيد و المطلق على السواء , و يكون مجازا على الوجه الثانى لان الكلمة لم تستعمل فى المطلق مع أنها موضوعة للمطلق , أى للطبيعة التى لم يلحظ معها قيد بحسب الفرض .

والامر الاخر : إن الكلمة إذا وقعت فى دليل حكم كماإذا أخذت موضوعا للحكم مثلا و لم نعلم أن الحكم هل هو ثابت لمدلول الكلمة على الاطلاق , أو لحصة مقيدة منه ؟ أمكن على الوجه الثانى أن نستدل بالدلالة الوضعية للفظ على الاطلاق , لانه مأخوذ فى المعنى الموضوع له و قيد له , فيكون من القيود التى ذكرها المتكلم , فنطبق عليه قاعدة احترازية القيود , فيثبت أن المراد الجدى مطلق أيضا .

و أما على الوجه الاول فلا دلالة وضعية للفظ على ذلك , لان اللفظ موضوع بموجبه للطبيعة المحفوظة فى ضمن المطلق و المقيد , و كل من الاطلاق و التقييد خارج عن المدلول الوضعى للفظ , فالمتكلم لم يذكر فى كلامه التقييد و لا الاطلاق , فلا يمكن بالطريقة السابقة أن نثبت الاطلاق بل لابد من طريقة اخرى .

والصحيح هو الوجه الاول : لان الوجدان العرفى شاهد بأن استعمال الكلمة فى المقيد على طريقة تعدد الدال و المدلول ليس فيه تجوز .

و على هذا الاساس نحتاج فى إثبات الاطلاق إلى طريقة أخرى , إذ مادام الاطلاق غير مأخوذ فى مدلول اللفظ وضعا فهو غير مذكور فى الكلام , فلا يتاح تطبيق قاعدة احترازية القيود عليه .

و الطريقة الاخرى هى ما يسميها المحققون المتأخرون بقرينة الحكمة و جوهرها التمسك بدلالة تصديقية لظهور عرفى سياقى آخر غير ذلك


234
الظهور الحالى السياقى الذى تعتمد عليه قاعدة احترازية القيود , فقد عرفنا سابقا أن هذه القاعدة تعتمد على ظهور عرفى سياقى مفاده : أن ما يقوله يريده حقيقة , و يوجد ظهور عرفى سياقى آخر مفاده : أن لا يكون شىء دخيلا و قيدا فى مراده الجدى و حكمه و لا يبينه باللفظ , لان ظاهر حال المتكلم أنه فى مقام بيان تمام مراده الجدى بخطابه , و حيث أن القيد ليس مبينا فى حالة عدم نصب قرينة على التقييد فهوإذن ليس داخلا فى المراد الجدى و الحكم الثابت , و هذا هو الاطلاق المطلوب .

و هكذا تلاحظ أن كلا من قرينة الحكمة التى تثبت الاطلاق و قاعدة احترازية القيود تبتنى على ظهور عرفى سياقى حالى غير الظهور العرفى السياقى الحالى الذى تعتمد عليه الاخرى , فالقاعدة تبتنى على ظهور حال المتكلم فى أن ما يقوله يريده , و قرينة الحكمة تبتنى على ظهور حال المتكلم فى أن كل ما يكون قيدا فى مراده الجدى يقوله فى الكلام الذى صدر منه لابراز ذلك المراد الجدى , أى أنه فى مقام بيان تمام مراده الجدى بخطابه .

و قد يعترض على قرينة الحكمة هذه بأن اللفظإذا لم يكن يدل بالوضع إلا على الطبيعة المحفوظة فى ضمن المقيد و المطلق معا , فلا دال على الاطلاق , كما لا دال على التقييد , مع أن أحدهما ثابت فى المراد الجدى جزما , لان موضوع الحكم فى المراد الجدى إما مطلق و إما مقيد , و هذا يعنى أنه على أى حال لم يبين تمام مراده بخطابه و لا معين حينئذ لافتراض الاطلاق فى مقابل التقييد .

و يمكن الجواب على هذا الاعتراض بأن ذلك الظهور الحالى السياقى لا يعنى سوى أن يكون كلامه وافيا بالدلالة على تمام ما وقع


235
تحت لحاظه من المعانى , بحيث لا يكون هناك معنى لحظه المتكلم و لم يأت بما يدل عليه , لا أن كل ما لم يلحظه لابد أن يأتى بما يدل على عدم لحاظه , فان ذلك مما لا يقتضيه الظهور الحالى السياقى , و عليه فإذا كان المتكلم قد أراد المقيد مع أنه لم ينصب قرينة على القيد , فهذا يعنى وقوع أمر تحت اللحاظ زائد على الطبيعة و هو تقيدها بالقيد , لان المقيد يتميز بلحاظ زائد و لا يوجد فى الكلام ما يبين هذا التقييد الذى وقع تحت اللحاظ , و إذا كان المتكلم قد أراد المطلق فهذا لا يعنى وقوع شىء تحت اللحاظ زائدا على الطبيعة , لان الاطلاق كما تقدم عبارة عن عدم لحاظ القيد , فصح أن يقال : إن المتكلم لو كان قد أراد المقيد لما كان مبينا لتمام مرامه لان القيد واقع تحت اللحاظ و ليس مدلولا للفظ , و إذا كان مراده المطلق فقد بين تمام ما وقع تحت لحاظه لان نفس الاطلاق ليس واقعا تحت اللحاظ بل هو عدم لحاظ القيد الزائد .

و نستخلص من ذلك أننا بتوسط قرينة الحكمة نثبت الاطلاق , و نستغنى بذلك عن إثباته بالدلالة الوضعية عن طريق أخذه قيدا فى المعنى الموضوع له اللفظ ثم تطبيق قاعدة احترازية القيود عليه .

لكن يبقى هناك فارق عملى بين إثبات الاطلاق بقرينة الحكمة , و إثباته بالدلالة الوضعية و تطبيق قاعدة احترازية القيود , و هذا الفارق العملى يظهر فى حالة اكتناف الكلام بملابسات معينة تفقده الظهور السياقى الذى تعتمد عليه قرينة الحكمة , فلا يعود لحال المتكلم ظهور فى أنه فى مقام بيان تمام مراده الجدى بكلامه و أمكن أن يكون فى مقام بيان بعضه , ففى هذه الحالة لا تتم قرينة الحكمة لبطلان الظهور الذى تعتمد عليه , فلا يمكن إثبات الاطلاق لمن يستعمل قرينة الحكمة


236
لاثباته , و خلافا لذلك من يثبت الاطلاق بالدلالة الوضعية و تطبيق قاعدة احترازية القيود , فان بامكانه أن يثبت الاطلاق فى هذه الحالة أيضا , لان الظهور الذى تعتمد عليه هذه القاعدة غير الظهور الذى تعتمد عليه قرينة الحكمة كما عرفنا سابقا , و هو ثابت على أى حال .

ثم إن الاطلاق الثابت بقرينة الحكمة , تارة يكون شموليا , أى مقتضيا لاستيعاب الحكم لتمام أفراد الطبيعة , و اخرى يكون بدليا يكفى فى امتثال الحكم المجعول فيه إيجاد أحد الافراد . و مثال الاول : إطلاق الكذب فى ( لا تكذب ) , و مثال الثانى : إطلاق الصلاة فى ( صل ) .

و الاطلاق تارة يكون أفراديا , و اخرى يكون أحواليا , و المقصود بالاطلاق الافرادى أن يكون للمعنى أفراد فيثبت بقرينة الحكمة أنه لم يرد به بعض الافراد دون بعض , و المقصود بالاطلاق الاحوالى أن يكون للمعنى أحوال , كما فى أسماء الاعلام , فان مدلول كلمة زيد وإن لم يكن له أفراد و لكن له أحوال متعددة , فيثبت بقرينة الحكمة أنه لم يرد به حال دون حال .

الاطلاق فى المعانى الحرفية :

مربنا سابقا أن المعانى فى المصطلح الاصولى تارة تكون معانى إسمية كمدلول عالم فى ( أكرم العالم ) , و اخرى معانى حرفية , كمدلول صيغة الامر فى نفس المثال , و لا شك فى أن قرينة الحكمة تجرى على المعانى الاسمية و يثبت بها إطلاقها , و أما المعانى الحرفية فقد وقع النزاع فى إمكان ذلك بشأنها , مثلا : إذا شككنا فى أن الحكم بالوجوب هل هو مطلق و ثابت فى كل الاحوال , أو فى بعض الاحوال دون بعض ؟


237
فهل يمكن أن نطبق قرينة الحكمة على مفاد ( أكرم ) فى المثال و هو الوجوب المفاد على نهج النسبة الطلبية و الارسالية لاثبات أنه مطلق أو لا ؟ . و سيأتى توضيح الحال فى هذا النزاع فى الحلقة الثالثة إن شاء الله تعالى . و الصحيح فيه إمكان تطبيق مقدمات الحكمة فى مثل ذلك .
التقابل بين الاطلاق و التقييد :

اتضح مما ذكرناه أن هناك إطلاقا و تقييدا فى عالم اللحاظ و فى مقام الثبوت , و التقييد هنا بمعنى لحاظ القيد , و الاطلاق بمعنى عدم لحاظ القيد . و هناك أيضا إطلاق و تقييد فى عالم الدلالة , و فى مقام الاثبات , و التقييد هنا بمعنى الاتيان فى الدليل بما يدل على القيد , و الاطلاق بمعنى عدم الاتيان بما يدل على القيد مع ظهور حال المتكلم فى أنه فى مقام بيان تمام مراده بخطابه . و الاطلاق الاثباتى يدل على الاطلاق الثبوتى , و التقييد الاثباتى يدل على التقييد الثبوتى . و لا شك فى أن الاطلاق و التقييد متقابلان ثبوتا وإثباتا , غير أن التقابل على أقسام , فتارة يكون بين أمرين وجوديين كالتضاد بين الاستقامة و الانحناء , و أخرى يكون بين وجود و عدم , كالتناقض بين وجود البصر و عدمه , و ثالثة يكون بين وجود صفة فى موضع معين و عدمها فى ذلك الموضع مع كون الموضع قابلا لوجودها فيه من قبيل البصر و العمى , فان العمى ليس عدم البصر و لو فى جدار , بل عدم البصر فى كائن حى يمكن فى شأنه أن يبصر .

و على هذا الاساس اختلف الاعلام فى أن التقابل بين الاطلاق و التقييد الثبوتيين من أى واحد من هذه الانحاء , و من الواضح على ضوء


238
ما ذكرناه أنه ليس تضادا , لان الاطلاق الثبوتى ليس أمرا وجوديا , بل هو عدم لحاظ القيد , و من هنا قيل تارة : بأنه من قبيل تقابل البصر و عدمه , فالتقييد بمثابة البصر و الاطلاق بمثابة عدمه , و قيل اخرى : إنه من قبيل التقابل بين البصر و العمى , فالتقييد بمثابة البصر و الاطلاق بمثابة العمى .

و أما التقابل بين الاطلاق و التقييد الاثباتيين فهو من قبيل تقابل البصر و العمى بدون شك بمعنى أن الاطلاق الاثباتى الكاشف عن الاطلاق الثبوتى هو عدم ذكر القيد فى حالة يتيسر للمتكلم فيها ذكر القيد , وإلا لم يكن سكوته عن التقييد كاشفا عن الاطلاق الثبوتى .

الحالات المختلفة لاسم الجنس :

مما ذكرناه يتضح أن أسماء الاجناس لا تدل على الاطلاق بالوضع , بل بالظهور الحالى و قرينة الحكمة . و لا سم الجنس ثلاث حالات :

الاولى : أن يكون معرفا باللام من قبيل كلمة ( البيع ) فى ( احل الله البيع ) .

الثانية : أن يكون منكرا , أى منونا بتنوين التنكير من قبيل كلمة ( رجل ) فى ( جاء رجل ) أو ( جئنى برجل ) .

الثالثة : أن يكون خاليا من التعريف و التنكير , كما فى حالة كونه منونا بتنوين التمكين أو كونه مضافا .

و يلاحظ أن اسم الجنس يبدو بوضعه الطبيعى و بدون تطعيم لمعناه فى الحالة الثالثة , بينما يطعم فى الحالة الثانية بشىء من التنكير , و فى


239
الحالة الاولى بشىء من التعريف . أما الحيثية التى طعم بها مدلول اسم الجنس فى الحالة الثانية , فأصبح نكرة , فالمعروف أنها حيثية الوحدة , فالنكرة موضوعة للطبيعة المأخوذة بقيد الوحدة , و لهذا لا يمكن أن يكون الاطلاق شموليا حين ينصب الامر على نكرة مثل ( أكرم عالما ) , و ذلك لان طبيعة عالم مثلا حين تتقيد بقيد الوحدة لا يمكن أن تنطبق على أكثر من واحد أى واحد و هو معنى الاطلاق البدلى .

و أما الحيثية التى طعم بها مدلول اسم الجنس فى الحالة الاولى فأصبح معرفة فهى التعيين , فاللام تعين مدلول مدخولها و تطبقه على صورة مألوفة , إما بحضورها فعلا كما فى العهد الحضورى , وإما بذكرها سابقا , كما فى العهد الذكرى , وإما باستئناس ذهنى خاص بها , كما فى العهد الذهنى , وإما باستئناس ذهنى عام بها , كما فى لام الجنس , فان فى الذهن لكل جنس انطباعات معينة تشكل لونا من الاستئناس العام الذهنى بمفهوم ذلك الجنس , فان قيل : ( نار ) دلت الكلمة على ذات المفهوم وإن قيل : ( النار ) و اريد باللام لام الجنس أفاد ذلك تطبيق هذا المفهوم على حصيلة تلك الانطباعات , و بذلك يصبح معرفة .

و اسم الجنس فى حالة كونه معرفة , و كذلك فى الحالة الثالثة التى يخلو فيها من التعريف و التنكير معا يصلح للاطلاق الشمولى , و لهذاإذا قلت ( أكرم العالم ) جرت قرينة الحكمة لاثبات الاطلاق الشمولى فى كلمة ( العالم ) .

الانصراف :

قد يتكون نتيجة لملابسات أنس ذهنى خاص بحصة معينة من


240
حصص المعنى الموضوع له اللفظ , و هذا الانس على نحوين .

أحدهما : أن يكون نتيجة لتواجد تلك الحصة فى حياة الناس و غلبة وجودها على سائر الحصص .

والاخر : أن يكون نتيجة لكثرة استعمال اللفظ و إرادة تلك الحصة على طريقة تعدد الدال و المدلول .

أما النحو الاول فلا يؤثر على إطلاق اللفظ شيئا لانه انس ذهنى بالحصة مباشرة دون أن يؤثر فى مناسبة اللفظ لها أو يزيد فى علاقته بما هو لفظ بتلك الحصة خاصة .

و أما النحو الثانى فكثرة الاستعمال المذكورة قد تبلغ إلى درجة توجب نقل اللفظ من وضعه الاول إلى الوضع للحصة , أو تحقق وضعا تعينيا للفظ لتلك الحصة بدون نقل , و قد لا توجب ذلك أيضا , و لكنها تشكل درجة من العلاقة و القرن بين اللفظ و الحصة بمثابة تصلح أن تكون قرينة على إرادتها خاصة من اللفظ , فلا يمكن حينئذ إثبات الاطلاق بقرينة الحكمة , لانها تتوقف على أن لا يكون فى كلام المتكلم ما يدل على القيد , و تلك العلاقة و الانس الخاص يصلح للدلالة عليه .

الاطلاق المقامى :

الاطلاق الذى استعرضناه و عرفنا أنه يثبت بقرينة الحكمة و الظهور الحالى السياقى نسميه الاطلاق اللفظى تمييزا له عن نحو آخر من الاطلاق لابد من معرفته , نطلق عليه اسم الاطلاق المقامى .

و نقصد بالاطلاق اللفظى حالة وجود صورة ذهنية للمتكلم و صدور الكلام منه فى مقام التعبير عن تلك الصورة , ففى مثل هذه الحالة إذا


241
ترددنا فى هذه الصورة هل أنها تشتمل على قيد غير مذكور فى الكلام الذى سيق للتحدث عنها ؟ . كان مقتضى الظهور الحالى السياقى فى أن المتكلم يبين تمام المراد بالخطاب مع عدم ذكره للقيد هو الاطلاق , و هذا هو الاطلاق اللفظى لانه يرتبط بمدلول اللفظ .

و أما الاطلاق المقامى فلا يراد به نفى شىء لو كان ثابتا لكان قيدا فى الصورة الذهنية التى يتحدث عنها اللفظ , و إنما يراد به نفى شىء لو كان ثابتا لكان صورة ذهنية مستقلة و عنصرا آخر , فاذا قال المتكلم : ( الفاتحة جزء فى الصلاة , و الركوع جزء فيها , و السجود جزء فيها . . . ) و سكت , و أردنا أن نثبت بعدم ذكره لجزئية السورة أنها ليست جزء كان هذاإطلاقا مقاميا . و يتوقف هذا الاطلاق المقامى على إحراز أن المتكلم فى مقام بيان تمام أجزاء الصلاة , إذ ما لم يحرز ذلك لا يكون عدم ذكره لجزئية السورة كاشفا عن عدم جزئيتها , و مجرد استعراضه لعدد من أجزاء الصلاة لا يكفى لاحراز ذلك , بل يحتاج إحرازه إلى قيام قرينة خاصة على أنه فى هذا المقام .

و بذلك يختلف الاطلاق المقامى عن الاطلاق اللفظى , إذ فى الاطلاق اللفظى يوجد ظهور سياقى عام يتكفل إثبات أن كل متكلم يسوق لفظا للتعبير عن صورة ذهنية , فلا تزيد الصورة الذهنية التى يعبر عنها باللفظ عن مدلول اللفظ , و لا يوجد فى الاطلاق المقامى ظهور مماثل فى أن كل من يستعرض عددا من أجزاء الصلاة فهو يريد الاستيعاب .

بعض التطبيقات لقرينة الحكمة :

يدل الامر على الطلب و أنه على نحو الوجوب كما تقدم و قد يقال


242
بهدا الصدد : إن دلالته على الوجوب ليست بالوضع , وإنما هى بالاطلاق و قرينة الحكمة , لان الطلب غير الوجوبى طلب ناقص محدود , و هذا التحديد تقييد فى هوية الطلب , و مع عدم نصب قرينة على التقييد يثبت بالاطلاق إرادة الطلب المطلق , أى الطلب الذى لا حد له بما هو طلب و هو الوجوب .

و للطلب انقسامات عديدة :

كانقسامه إلى الطلب ( النفسى ) و ( الغيرى ) , فالاول هو طلب الشىء لنفسه , و الثانى هو طلب الشىء لاجل غيره .

و انقسامه إلى الطلب ( التعيينى ) و ( التخييرى ) , فالاول هو طلب شىء معين , و الثانى طلب أحد الاشياء على سبيل التخيير .

و انقسامه إلى ( العينى ) و ( الكفائى ) , فالاول هو طلب الشىء من المكلف بعينه , و الثانى طلبه من أحد المكلفين على سبيل البدل . و بالاطلاق و قرينة الحكمة يمكن أن نثبت كون الطلب نفسيا , تعيينيا , عينيا , و يقال فى توضيح ذلك : إن الغيرية تقتضى تقييد وجوب الشىء بماإذا وجب ذلك الغير , و التخييرية تقتضى تقييده بماإذا لم يؤت بالاخر , و الكفائية تقتضى تقييده بما إذا لم يأت الاخر بالفعل , و كل هذه التقييدات تنفى مع عدم القرينة عليها بقرينة الحكمة , فيثبت المعنى المقابل لها .


243
العموم
تعريف العموم :

الاستيعاب تارة يثبت دون أن يكون مدلولا للفظ , و اخرى يكون مدلولا له , فالاول كاستيعاب الحكم الوارد على المطلق لافراده , فاذا قيل : ( أكرم العالم ) اقتضى اسم الجنس استيعاب وجوب الاكرام لافراد العالم , إلا أن هذا الاستيعاب ليس مدلولا للفظ , وإنما الكلام يدل على نفى القيد , و من لوازم ذلك انحلال الحكم حينئذ فى مرحلة التطبيق على جميع أفراد العالم . و الثانى هو العموم , كما فى قولنا : ( كل رجل ) فان ( كل ) هنا تدل بنفسها على الاستيعاب .

و بهذا ظهر أن أسماء العدد ( كعشرة ) رغم استيعابها لوحداتها ليست عموما , لان هذا الاستيعاب صفة واقعية للعشرة , فإن كل مركب يستوعب أجزاءه , و ليس مدلولا عليه بنفس لفظ العشرة , فحاله حال انقسام العشرة إلى متساويين , فكما أنه صفة واقعية , و ليس داخلا فى مدلول اللفظ كذلك الاستيعاب .


244
أدوات العموم و نحو دلالتها :

لا شك فى وجود أدوات تدل على العموم بالوضع , مثل كلمة ( كل ) و ( جميع ) و نحو هما من الالفاظ الخاصة بافادة الاستيعاب , غير أن النقطة الجديرة بالبحث فيها و فى كل ما ثبت أنه من أدوات العموم بالوضع هى : أن إسراء الحكم إلى تمام أفراد مدخول الاداة , أى ( عالم ) مثلا فى قولنا ( أكرم كل عالم ) هل يتوقف على إجراء الاطلاق و قرينة الحكمة فى المدخول , أو أن دخول أداة العموم على الكلمة يغنيها عن مقدمات الحكمة , و تتولى الاداة بنفسها دور تلك القرينة ؟

و قد ذكر صاحب الكفاية ( رحمه الله ) أن كلا الوجهين ممكن من الناحية النظرية , لان أداة العموم إذا كانت موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول تعين الوجه الاول , لان المراد بالمدخول لا يعرف حينئذ من ناحية الاداة , بل بقرينة الحكمة , وإذا كانت موضوعة لاستيعاب تمام ما يصلح المدخول للانطباق عليه تعين الوجه الثانى , لان المدخول مفاده الطبيعة , و هى صالحة للانطباق على تمام الافراد , فيتم تطبيقها كذلك بتوسط الاداة مباشرة .

و قد استظهر رحمه الله بحق الوجه الثانى .

و قد لا يكتفى بالاستظهار فى تعيين الوجه الثانى , بل يبرهن على إبطال الوجه الاول بلزوم اللغوية , إذا بعد فرض الاحتياج إلى قرينة الحكمة لاثبات الاطلاق فى المرتبة السابقة على دخول الاداة يكون دور الاداة لغوا صرفا , و لا يمكن افتراض كونها تأكيدا , لان فرض الطولية بين دلالة الاداة و ثبوت الاطلاق بقرينة الحكمة يمنع عن تعقل كون الاداة ذات أثر ولو تأكيدى .


245
دلالة الجمع المعرف باللام :

و مما ادعيت دلالته على العموم ( الجمع المعرف باللام ) بعد التسليم بأن الجمع الخالى من اللام لا يدل على العموم , و أن المفرد المعرف باللام لا يدل على ذلك أيضا , وإنما يجرى فيه الاطلاق و قرينة الحكمة .

و الكلام فى ذلك يقع فى مرحلتين :

الاولى : تصوير هذه الدلالة ثبوتا , و الصحيح فى تصويرها أن يقال : إن الجمع المعرف باللام مشتمل على دوال ثلاثة : أحدها : يدل على المعنى الذى يراد استيعاب أفراده , و هو المادة , و ثانيها : يدل على الجمع , و هو هيئة الجمع , و ثالثها : يدل على استيعاب الجمع لتمام أفراد مدلول المادة , و هو اللام .

و الثانية : فى حال هذه الدلالة إثباتا , و تفصيل ذلك أنه تارة يدعى وضع اللام الداخلة على الجمع للعموم , و اخرى يدعى وضعها لتعيين مدخولها , و حيث لا يوجد معين للافراد الملحوظين فى الجمع من عهد و نحوه تتعين المرتبة الاخيرة من الجمع , لانها المرتبة الوحيدة التى لا تردد فى انطباقها و حدود شمولها , فيكون العموم من لوازم المدلول الوضعى و ليس هو المدلول المباشر . و قد اعترض على كل من الدعويين .

أما على الاولى فبأن لازمها كون الاستعمال فى موارد العهد مجازيا , إذ لا عموم , أو البناء على الاشتراك اللفظى بين العهد و العموم و هو بعيد .

و أما الثانية فقد أورد عليها صاحب الكفاية ( رحمه الله ) بأن التعيين كما هو محفوظ فى المرتبة الاخيرة من الجمع كذلك هو محفوظ فى المراتب


246
الاخرى . و كأنه يريد بالتعيين المحفوظ فى كل تلك المراتب تعين العدد و ماهية المرتبة و عدد وحداتها , بينما المقصود بالتعيين الذى تتميز به المرتبة الاخيرة من الجمع تعين ما هو داخل من الافراد فى نطاق الجمع المعرف , و هذا النحو من التعين لا يوجدإلا لهذه المرتبة .
247
المفاهيم تعريف المفهوم :

الكلام له مدلول مطابقى و هو المنطوق , و قد يتفق أن يكون له مدلول التزامى , و المفهوم مدلول التزامى للكلام , و لكن لا كل مدلول التزامى , بل المدلول الالتزامى الذى يعبر عن انتفاء الحكم فى المنطوق إذا اختلت بعض القيود المأخوذة فى المدلول المطابقى , فقولك : ( صلاة الجمعة واجبة ) يدل بالدلالة الالتزامية على أن صلاة الظهر ليست واجبة , و لكن هذا ليس مفهوما , لانه لا يعبر عن انتفاء نفس وجوب صلاة الجمعة , أى انتفاء حكم المنطوق . و تحصل الدلالة الالتزامية على انتفاء الحكم المنطوق باختلال بعض القيود بسبب أن الربط الخاص المأخوذ فى المدلول المطابقى بين الحكم و قيوده قد أخذ على نحو يستدعى انتفاء الحكم المنطوق بانتفاء ما ربط به .

و لكن ليس كل انتفاء من هذا القبيل للحكم المنطوق مفهوما أيضا , بل إذا تضمن انتفاء طبيعى الحكم المنطوق , فزيد مثلا قد يجب إكرامه بملاك ( المجاملة ) , و قد يجب إكرامه بملاك ( مجازاة الاحسان ) , و قد يجب إكرامه بملاك ( الشفقة ) , و هكذا , فإذا قيل ( إذا جاءك زيد


248
فأكرمه ) فوجوب الاكرام المبرز بهذا الكلام لا بد أن يكون واحدا من هذه الافراد للوجوب . و لنفرض أنه الفرد الاول منها مثلا , و هذا الفرد من الوجوب ينتفى بانتفاء الشرط تطبيقا لقاعدة احترازية القيود , و لكن هذه القاعدة لا تنفى سائر أفراد الوجوب الاخرى , و لا يعتبر ذلك مفهوما , بل المفهوم أن يدل الربط الخاص المأخوذ فى المنطوق بين الحكم و قيده على انتفاء طبيعى الحكم بانتفاء القيد , فقولنا : ( إذا جاء زيد فأكرمه ) فى المثال المتقدم , إنما يعتبر له مفهوم إذا دل الربط فيه بين الشرط و الجزاء على أنه فى حالات انتفاء الشرط ينتفى طبيعى وجوب الاكرام بكل أفراده الانفة الذكر . و من هنا صح تعريف المفهوم بأنه : انتفاء طبيعى الحكم المنطوق على أن يكون هذا الانتفاء مدلولا التزاميا لربط الحكم فى المنطوق بطرفه .
ضابط المفهوم :

و على ضوء ما ذكرناه فى تعريف المفهوم نواجه السؤال التالى : ما هو هذا النحو من الربط الذى يستلزم انتفاء الحكم عند الانتفاء ؟ . لكى نبحث بعد ذلك عن الجمل التى يمكن القول بأنها تدل على ذلك النحو من الربط , و بالتالى يكون لها مفهوم .

و المعروف أن الربط الذى يحقق المفهوم يتوقف على ركنين أساسيين :

أحدهما : أن يكون الربط معبرا عن حالة لزوم على انحصارى , و بكلمة أخرى أن يكون من ارتباط المعلول بعلته المنحصرة , إذ لو كان الربط بين الجزاء و الشرط مثلا مجرد اتفاق بدون لزوم , أو لزوما بدون


249
علية أو علية بدون انحصار لتوفر علة اخرى , لما انتفى مدلول الجزاء بانتفاء ما ارتبط به فى الجملة من شرط , لامكان وجوده بعلة اخرى .

و الركن الاخر : أن يكون المرتبط بتلك العلة المنحصرة طبيعى الحكم و سنخه لا شخصه , لكى ينتفى الطبيعى بانتفاء تلك العلة لا الشخص فقط , لما عرفت سابقا من أن المفهوم لا يتحقق إلا إذا كان الربط مستلزما لانتفاء طبيعى الحكم المنطوق بانتفاء القيد .

و نلاحظ على الركن الاول من هذين الركنين .

أولا : أن كون المرتبط به الحكم علة تامة ليس أمرا ضروريا لاثبات المفهوم , بل يكفى أن يكون جزة العلة إذا افترضنا كونه جزء لعلة منحصرة , فالمهم من ناحية المفهوم الانحصار لا العلية .

و ثانيا : أن الجملة الشرطية مثلاإذا أفادت كون الجزء ملتصقا بالشرط و متوقفا عليه كفى ذلك فى إثبات الانتفاء عند الانتفاء , و لو لم يكن فيها ما يثبت علية الشرط للجزاء أو كونه جزء العلة , بل و حتى لو لم يكن فيها ما يدل على اللزوم , و لهذا لو قلنا : إن مجىء زيد متوقف صدفة على مجىء عمرو , لدل ذلك على عدم مجىء زيد فى حالة عدم مجىء عمرو , فليست دلالة الجملة على اللزوم العلى الانحصارى هى الاسلوب الوحيد لدلالتها على المفهوم , بل يكفى بدلا عن ذلك دلالتها على الالتصاق و التوقف , و لو صدفة من جانب الجزاء .

مفهوم الشرط :

من أهم الجمل التى وقع البحث عن مفهومها الجملة الشرطية . و لا شك فى دلالتها على ربط الجزاء بالشرط , وإن وقع الاختلاف فى


250
الدال على هذا الربط , فالرأى المعروف أن أداة الشرط هى الدالة على الربط وضعا , و خالف فى ذلك المحقق الاصفهانى , إذ ذهب إلى أن الاداة موضوعة لافادة أنمدخولها ( أى الشرط ) قد افترض , و قدر على نهج الموضوع فى القضية الحقيقية , و أما ربط الجزاء بالشرط و تعليقه عليه , فهو مستفاد من هيئة الجملة و ما فيها من ترتيب للجزاء على الشرط .

و على أى حال يتجه البحث حول ماإذا كان هذا الربط المستفاد من الجملة الشرطية بين الجزاء و الشرط يفى بإثبات المفهوم أولا . و فى هذا المجال نواجه سؤالين على ضوء ما تقدم من الضابط لاثبات المفهوم :

أولا : هل المعلق طبيعى الحكم أو شخصه ؟ .

ثانيا : هل يستفاد من الجملة أن الشرط علة منحصرة للمعلق ؟ .

و فيما يتصل بالسؤال الاول يقال عادة : بأن المعلق طبيعى الحكم لا الشخص , و ذلك باجراء الاطلاق و قرينة الحكمة فى مفاد هيئة جملة الجزاء , فان مفادها هو المحكوم عليه بالتعليق , و مقتضى الاطلاق أنه لوحظ بنحو الطبيعى لا بنحو الشخص , ففى جملة ( إذا جاء زيد فأكرمه ) نثبت بالاطلاق أن مفاد ( أكرم ) طبيعى الوجوب المفاد بنحو المعنى الحرفى و النسبة الارسالية .

و فيما يتصل بالسؤال الثانى قد يقال : إن أداة الشرط موضوعة لغة للربط العلى الانحصارى بين الشرط و الجزاء , و لكن يورد على ذلك عادة بأنها لو كانت موضوعة على هذا النحو لزم أن يكون استعمالها فى مورد كون الشرط علة غير منحصرة مجازا و هو خلاف الوجدان , و من هنا اتجه القائلون بالمفهوم إلى دعوى اخرى و هى : أن اللزوم مدلول وضعى للاداة , و العلية مستفادة من تفريع الجزاء على الشرط بالفاء الثابتة


251
حقيقة أو تقديرا , و أما الانحصار فيثبت بالاطلاق , إذ لو كان للشرط بديل يتحقق عوضا عنه فى بعض الاحيان , لكان لابد من تقييد الشرط المذكور فى الجملة بذلك البديل بحرف ( أو ) و نحوها , فيقال مثلا ( إن جاء زيد أو مرض فأكرمه ) فحيث لم يذكر ذلك و القى الشرط مطلقا , ثبت بذلك عدم وجود البديل و هو معنى الانحصار .
الشرط المسوق لتحقيق الموضوع :

يوجد فى الجملة الشرطية ( إن جاء زيد فأكرمه ) حكم و هو وجوب الاكرام , و شرط و هو المجىء , و موضوع ثابت فى حالتى وجود الشرط و عدمه , و هو زيد , و فى هذه الحالة يثبت مفهوم الشرط تبعا لما تقدم من بحوث . و لكننا أحيانا نجد أن الشرط يساوق وجود الموضوع و يعنى تحقيقه على نحو لا يكون فى الجملة الشرطية موضوع محفوظ فى حالتى وجود الشرط و عدمه , كما فى قولنا : ( إذا رزقت ولدا فاختنه ) , و فى مثل ذلك لا مجال للمفهوم إذ مع عدم الشرط لا موضوع لكى تدل الجملة على نفى الحكم عنه , و يسمى الشرط فى حالات من هذا القبيل بالشرط المسوق لتحقق الموضوع .

مفهوم الوصف :

إذا قيد متعلق الحكم أو موضوعه بوصف معين , كما فى ( أكرم الفقير العادل ) , فهل يدل التقييد بوصف العادل على المفهوم ؟ .

قد يقال بثبوت المفهوم لاحد الوجهين التاليين :

الاول : أنه لو كان يجب إكرام الفقير العادل و الفقير غير العادل معا , فهذا يعنى أن العدالة ليس لها دخل فى موضوع الحكم بالوجوب ,


252
مع أن أخذ قيد فى الخطاب ظاهر عرفا فى أنه دخيل فى الحكم .

و يرد على ذلك : أن دلالة الخطاب على دخل القيد لا شك فيها , و مردهاإلى ظهور حال المتكلم فى أن كل ما يبين بالكلام فى مرحلة المدلول التصورى فهو داخل فى نطاق المراد الجدى , و حيث أن الوصف قد بين فى مرحلة المدلول التصورى بوصفه قيدا , فيثبت بذلك أنه دخيل فى موضوع الحكم المراد جدا , و على أساس ذلك قامت قاعدة احترازية القيود كما تقدم , غير أن ذلك إنما يقتضى دخل الوصف فى شخص الحكم , و انتفاء هذا الشخص الذى سبق الكلام لابرازه بانتفاء الوصف لا انتفاء طبيعى الحكم , و ما نقصده بالمفهوم انتفاء الطبيعى .

الثانى : أنه لو كان يجب إكرام الفقير العادل و الفقير غير العادل و لو بفردين من الوجوب و بجعلين , لما كانت هناك فائدة فى ذكر المولى لقيد العدالة , لانه لو لم يذكره و جاء الخاطب مطلقا لما أضر بمقصوده , و إذا لم تكن هناك فائدة فى ذكر القيد كان لغوا , فيتعين لصيانة كلام المولى عن اللغوية أن يفترض لذكر القيد فائدة , و هى التنبيه على عدم شمول الحكم للفقير غير العادل فيثبت المفهوم .

و هذا البيان وإن كان متجها , و لكنه إنما يقتضى نفى الثبوت الكلى الشامل للحكم فى حالات انتفاء الوصف و لا ينفى ثبوته فى بعض الحالات مع انتفائه فى حالات اخرى , إذ يكون لذكر القيد عندئذ فائدة و هى التحرز عن هذه الحالات الاخرى , لانه لو لم يذكر لشمل الخطاب كل حالات الانتفاء . فالوصف إذن له مفهوم محدود , و يدل على انتفاء الحكم بانتفاء الوصف على نحو السالبة الجزئية لا على نحو السالبة الكلية .

و ينبغى ان نلاحظ فى هذا المجال , ان الوصف تارة يذكر مع


253
موصوفه فيقال مثلا : ( احترم العالم الفقيه ) و اخرى يذكر مستقلا فيقال : ( احترام الفقيه ) . والوجه الاول لاثبات المفهوم للوصف لو تم يجرى فى كلتا الحالتين , و أما الوجه الثانى فيختص بالحالة الاولى , لان ذكر الوصف فى الحالة الثانية لا يكون لغوا على أى حال مادام الموصوف غير مذكور
جمل الغاية و الاستثناء :

و هناك جمل اخرى يقال عادة بثبوت المفهوم لها كالجملة المتكفلة لحكم مغيى , كما فى ( صم إلى الليل ) أو المتكفلة لحكم مع الاستثناء منه . و لا شك فى أن الغاية و الاستثناء يدلان على أن شخص الحكم الذى اريدإبرازه بذلك الخاطب منفى بعد وقوع الغاية , و منفى عن المستثنى تطبيقا لقاعدة احترازية القيود , و لكن هذا لا يكفى لاثبات المفهوم , لان المطلوب فيه نفى طبيعى الحكم , كما فى الجملة الشرطية , و هذا يتوقف على إثبات كون الغاية أو الاستثناء غاية لطبيعى الحكم و استثناء منه , على وزان كون المعلق فى الجملة الشرطية طبيعى الحكم , فان أمكن إثبات ذلك كان للغاية و لاداة الاستثناء مفهوم كمفهوم الجملة الشرطية , فتدلان على أن طبيعى الحكم ينتفى عن جميع الحالات التى تشملها الغاية أو يشملها المستثنى , و إذا لم يمكن إثبات ذلك لم يكن للغاية و الاستثناء مفهوم بهذا المعنى . نعم يثبت لها مفهوم محدود بقدر ما ثبت للوصف بقرينة اللغوية إذ لو كان طبيعى الحكم ثابتا بعد الغاية أو للمستثنى أيضا و لو بجعل آخر , كان ذكر الغاية أو الاستثناء بلا مبرر عرفى , فلا بد من افتراض انتفاء الطبيعى فى حالات وقوع الغاية و حالات المستثنى و لو بنحو السالبة الجزئية صيانة للكلام عن اللغوية .


254
التطابق بين الدلالات

تقدم أن الكلام له ثلاث دلالات , و هى : الدلالة التصورية , و الدلالة التصديقية الاولى , و الدلالة التصديقية الثانية . و تقدم أن الظاهر من كل لفظ فى مرحلة الدلالة التصورية هو المعنى الموضوع له اللفظ . و نريد هنا الاشارة إلى ظهور كل لفظ فى مرحلة الدلالة التصديقية الاولى : فى أن المتكلم يقصد باللفظ تفهيم نفس المعنى الظاهر من الدلالة التصورية لا معنى آخر , فاذا قال المتكلم ( أسد ) , و شككنا فى أن المتكلم هل قصد أن يخطر فى ذهننا المعنى الحقيقى و هو الحيوان المفترس , أو المعنى المجازى و هو الرجل الشجاع , كان ظاهر حاله أنه يقصد إخطار المعنى الحقيقى , و مرد ذلك فى الحقيقة إلى ظهور حال المتكلم فى التطابق بين الدلالة التصورية , و الدلالة التصديقية الاولى , فما دام الظاهر من الاولى هو المعنى الحقيقى , فالمقصود فى الثانية هو أيضا , و هذا الظهور حجة على ما يأتى فى قاعدة حجية الظهور , و يطلق على حجيته اسم أصالة الحقيقية .

و لنأخذ الان الدلالة التصديقية الثانية بعد افتراض تعيين الدلالتين


255
السابقتين عليها لنجد فيها نفس الشىء , فان الظاهر من الكلام فى مرحلة الدلالة التصديقية الثانية , أن المراد الجدى متطابق مع ما قصد إخطاره فى الذهن فى مرحلة الدلالة التصديقية الاولى , فاذا قال المتكلم ( أكرم كل جيرانى ) و عرفنا أنه يريد أن يخطر فى ذهننا صورة العموم , و لكن شككنا فى أن مراده الجدى هل هو أن نكرم جيرانه جميعا , أو أن نكرم بعضهم , غير أنه أتى باللفظ عاما و قصدإخطار العموم مجاملة لجيرانه , ففى هذه الحالة نجد أن ظاهر حال المتكلم أنه جاد فى التعميم , و أن مراده الجدى ذلك , و مرد ذلك فى الحقيقة إلى ظهور حال المتكلم فى التطابق بين الدلالة التصديقية الاولى و الدلالة التصديقية الثانية , فما دام الظاهر من الاولى إخطار صورة العموم , فالظاهر من الثانية إرادة العموم جدا , و هذا الظهور حجة , و يطلق على حجيته فى هذا المثال أصالة العموم .

و قد يقول المتكلم : ( أكرم فلانا ) و يخطر فى ذهننا مدلول الكلام , ولكننا نشك فى أنه جاد فى ذلك , و نحتمل أنه متأثر بظروف خاصة من التقية و نحوها , و أنه ليس له مراد جدى إطلاقا , و الكلام فيه كالكلام فى المثال السابق , فان ظهور التطابق بين الدلالتين التصديقيتين يقتضى دلالة الكلام على أن ما أخطره فى ذهننا عند سماع هذا الكلام مراد له جدا , و أن الجهة التى دعته إلى الكلام هى كون مدلوله مرادا جديا له لا التقية , و هذا الظهور حجة و يسمى بأصالة الجهة .

و نلاحظ على ضوء ما تقدم أن فى الكلام ثلاثة ظواهر : أحدها تصورى , وإثنان تصديقيان , و يختلف التصورى عنهما فى أن ظهور اللفظ تصورا فى المعنى الحقيقى لا يتزعزع حتى مع قيام القرينة المتصلة على أن


256
المتكلم أراد معنى آخر , و أما ظهور الكلام تصديقا فى إرادة المتكلم للمعنى الحقيقى استعمالا وجدا فيزول بقيام القرينة المذكورة و يتحول من المعنى الحقيقى إلى المعنى الذى تدل عليه القرينة , و أما القرينة المنفصلة فلا تزعزع شيئا من هذه الظواهر , و إنما تشكل تعارضا بين ظهور الكلام الاول و بينها , و تقدم عليه وفقا لقواعد الجمع العرفى .
257
مناسبات الحكم و الموضوع

قد يذكر الحكم فى الدليل مرتبطا بلفظ له مدلول عام , و لكن العرف يفهم ثبوت الحكم لحصة من ذلك المدلول , كماإذا قيل ( اغسل ثوبك إذا أصابه البول ) , فان الغسل لغة قد يطلق على استعمال أى مائع , و لكن العرف يفهم من هذا الدليل أن المطهر هو الغسل بالماء .

و قد يذكر الحكم فى الدليل مرتبطا بحالة خاصة , و لكن العرف يفهم أن هذه الحالة مجرد مثال لعنوان عام , و أن الحكم مرتبط بذلك العنوان العام , كما إذا ورد فى قربة وقع فيها نجس أنه لا تتوضأ منها و لا تشرب , فان العرف يرى الحكم ثابتا لماء الكوز أيضا , و أن القربة مجرد مثال .

و هذه التعميمات و تلك التخصيصات تقوم فى الغالب على أساس ما يسمى بمناسبات الحكم و الموضوع , حيث إن الحكم له مناسبات و مناطات مرتكزة فى الذهن العرفى , بسببها ينسبق إلى ذهن الانسان عند سماع الدليل التخصيص تارة و التعميم أخرى , و هذه الانسباقات حجة , لانها تشكل ظهورا للدليل , و كل ظهور حجة وفقا لقاعدة حجية الظهور , كما يأتى إن شاءالله تعالى .


258
إثبات الملاك بالدليل

عرفنا سابقا أن كل حكم له ملاك , فالوجوب مثلا ملاكه المصلحة الاكيدة فى الفعل , و الدليل على الحكم بالمطابقة دليل بالالتزام على ملاكه , فله مدلولان : مطابقى , و التزامى . فاذا افترضنا فى حالة من الحالات أن الحكم تعذرإثباته بذلك الدليل , كما هو الحال فى صورة العجز , فان الحكم بوجوب الفعل على العاجز غير صحيح , فهذا يعنى أن المدلول المطابقى للدليل ساقط فى هذه الصورة , و السؤال بهذا الشأن هو : أنه هل يمكن إثبات وجود الملاك بالدليل فيماإذا كان هناك أثر يترتب على إثبات الملاك كوجوب القضاء مثلا ؟ .

و الجواب على هذا السؤال يتعلق بما يتخذ من مبنى فى ترابط الدلالة الالتزامية مع الدلالة المطابقية فى الحجية , فان قلنا باستقلال كل من هاتين الدلالتين فى الحجية أمكن إثبات الملاك فى المقام بالدلالة الالتزامية للدليل , لان سقوط دلالته المطابقية لا يؤثر على حجية الدلالة الالتزامية بحسب الفرض , و إن قلنا بتبعية الالتزامية للمطابقية فى الحجية كما هو الصحيح فلا يمكن ذلك . و عليه ففى كل حالة يتعذر


259
فيما إثبات نفس الحكم بالدليل لا يبقى فى الدليل ما يثبت وجود الملاك .

و مثل ذلك ماإذا كان الدليل على حكم دالا بالالتزام على حكم آخر , و سقط المدلول المطابقى , فان محاولة إثبات الحكم المدلول التزاما حينئذ بنفس الدليل كمحاولة إثبات الملاك بالدليل فى الحالة الانفة الذكر . و مثال ذلك : دليل الوجوب الدال بالالتزام على الحكم بالجواز و عدم الحرمة , فاذا نسخ الوجوب جرى البحث فى مدى إمكان إثبات الجواز و عدم الحرمة بنفس دليل الوجوب المنسوخ , و الكلام فيه كما تقدم فى الملاك .


260
2 الدليل الشرعى غير اللفظى

عرفنا فيما تقدم أن الدليل الشرعى تارة يكون لفظيا , و اخرى غير لفظى , و الدليل الشرعى غير اللفظى هو الموقف الذى يتخذه المعصوم و تكون له دلالة على الحكم الشرعى . و يتمثل هذا الموقف فى الفعل تارة , و فى التقرير و السكوت عن تصرف معين تارة أخرى , و نتكلم الان عن دلالات كل من الفعل و السكوت .

دلالة الفعل :

أما الفعل فتارة يقترن بمقال أو بظهور حال يقتضى كونه تعليميا فيكتسب مدلوله من ذلك , و أخرى يتجرد عن قرينة من هذا القبيل , و حينئذ فان لم يكن من المحتمل اختصاص المعصوم بحكم فى ذلك المورد دل صدور الفعل منه على عدم حرمته بحكم عصمته , كما يدل الترك على عدم الوجوب لذلك , و لا يدل بمجرده على استحباب الفعل و رجحانه إلا إذا كان عبادة فان عدم حرمتها مساوق لمشروعيتها و رجحانها أو أحرزنا فى مورد عدم وجود أى حافز غير شرعى , فيتعين


261
كون الحافز شرعيا فيثبت الرجحان , و يساعد على هذا الاحراز تكرار صدور العمل من المعصوم , أو مواظبته عليه مع كونه من الاعمال التى لا يقتضى الطبع تكرارها و المواظبة عليها .

و هل يدل الفعل على عدم كونه مرجوحا , إما مطلقا , وإما فى حالة تكرار صدوره من المعصوم , أو لا يدل على أكثر مما تقدم من نفى الحرمة فى ذلك ؟ وجوه مبنية على أن المعصوم هل يجوز فى حقه ترك الاولى و فعل المكروه , أو يجوز حتى التكرار و المواظبة على ذلك , أو لا يجوز شىء من هذا بالنسبة إليه ؟ و يلاحظ أنه على تقدير عدم تجويز ترك الاولى على المعصوم , إما مطلقا أو بنحو المواظبة على الترك , نستطيع أن نستفيد من الترك عدم استحباب المتروك , كما نستفيد من الفعل عدم كونه مكروها و عدم كون الترك مستحبا .

و تبقى هناك نقطة ينبغى أن تؤخذ بعين الاعتبار و هى : أن هذه الدلالات إنما تتحقق فى إثبات حكم للمكلف عند افتراض وحدة الظروف المحتمل دخلها فى الحكم الشرعى , فان الفعل لما كان دالا صامتا و ليس له إطلاق , فلا يعين ما هى الظروف التى لها دخل فى إثبات ذلك الحكم للمعصوم , فما لم نحرز وحدة الظروف المحتمل دخلها لا يمكن أن نثبت الحكم .

و من هنا قد يثار اعتراض عام فى المقام , و هو أن نفس النبوة و الامامة ظرف يميز المعصوم دائما عن غيره , فكيف يمكن أن نثبت الحكم على أساس فعل المعصوم .

و الجواب على ذلك : أن احتمال دخل هذا الظرف فى الحكم المكتشف ملغى بقوله تعالى : و لكم فى رسول الله أسوة حسنة ( 1 ) و ما يناظره من الادلة

( 1 ) سورة الاحزاب : 21 .


262
الشرعية الدالة على جعل النبى و الامام قدوة , فان فرض ذلك يقتضى إلغاء دخل النبوة و الامامة فى سلوكهما لكى يكون قدوة لغير النبى و الامام , فما لم يثبت بدليل أن الفعل المعين من مختصات النبى و الامام يبنى على عدم الاختصاص .
دلالة السكوت و التقرير :

و أما السكوت فقد يقال : إنه دليل الامضاء , و توضيح ذلك : أن المعصوم إذا واجه سلوكا معينا , فاما أن يبدى موقف الشرع منه , و هذا يعنى وجود الدليل الشرعى اللفظى . وإما أن يسكت , و هذا السكوت يمكن أن يعتبر دليل على الامضاء , و دلالته على الامضاء تارة تدعى على أساس عقلى , و اخرى على أساس الظهور الحالى .

أما الاساس العقلى فيمكن توضيحة : إما بملاحظة المعصوم مكلفا , فيقال : إن هذا السلوك لو لم يكن مرضيا لوجب النهى عنه على المعصوم لوجوب النهى عن المنكر , أو لوجوب تعليم الجاهل , فعدم نهيه و سكوته مع عصمته يكشف عقلا عن كون السلوك مرضيا , وإما بملاحظة المعصوم شارعا و هادفا , فيقال : إن السلوك الذى يواجهه المعصوم لو كان يفوت عليه غرضه بما هو شارع لتعين الوقوف فى وجهه , و لما صح السكوت , لانه نقض للغرض , و نقض الغرض من العاقل الملتفت مستحيل .

و كل من اللحاظين له شروطه , فاللحاظ الاول يتوقف على توفر شروط وجوب النهى عن المنكر , و اللحاظ الثانى يتوقف على أن يكون السلوك المسكوت عنه مما يهدد بتفويت غرض شرعى فعلى بأن يكون


263
مرتبطا بالمجال الشرعى مباشرة , كالسلوك القائم على العمل بأخبار الاحاد الثقات فى الشرعيات , أو ناشئا من نكتة تقتضى بطبعها الامتداد إلى المجال الشرعى على نحو يتعرض الغرض الشرعى للخطر و التفويت , كما لو كان العمل بأخبار الاحاد قائما فى المجالات العرفية , و لكن بنكتة تقتضى بطبعها تطبيق ذلك على الشرعيات أيضا عند الحاجة .

و أما الاساس الاستظهارى فيقوم على دعوى أن ظاهر حال المعصوم بوصفه المسؤول العام عن تبليغ الشريعة و تقويم الزيغ عند سكوته عن سلوك يواجهه ارتضاء ذلك السلوك , و هذا ظهور حالى , و تكون الدلالة حينئذ استظهارية و لا تخضع لجملة من الشروط التى يتوقف عليها الاساس العقلى .

السيرة :

و من الواضح أن لسكوت إنما يدل على الامضاء فى حالة مواجهة المعصوم لسلوك معين , و هذه المواجهة على نحوين :

أحدهما : مواجهة سلوك فرد خاص يتصرف أمام المعصوم , كأن يمسح أمام المعصوم فى وضوئه منكوسا و يسكت عنه .

و الاخر : مواجهة سلوك اجتماعى و هو ما يسمى بالسيرة العقلائية , كما إذا كان العقلاء بما هم عقلاء يسلكون سلوكا معينا فى عصر المعصوم , فانه بحكم تواجده بينهم يكون مواجها لسلوكهم العام , و يكون سكوته دليلا على الامضاء . و من هنا أمكن الاستدلال بالسيرة العقلائية عن طريق استكشاف الامضاء من سكوت المعصوم .


264

و الامضاء المستكشف بالسكوت ينصب على النكتة المركوزة عقلائيا لاعلى المقدار الممارس من السلوك خاصة . و هذا يعنى :

أولا : أن الممضى ليس هو العمل الصامت لكى لا يدل على أكثر من الجواز , بل هو النكتة , أى المفهوم العقلائى المرتكز عنه فقد يثبت به حكم تكليفى أو حكم وضعى .

و ثانيا : أن الامضاء لا يختص بالعمل المباشر فيه عقلائيا فى عصر المعصوم , ففيماإذا كانت النكتة أوسع من حدود السلوك الفعلى كان الظاهر من حال المعصوم إمضاءها كبرويا و على امتدادها .

و على ضوء ما ذكرناه نعرف أن ما يمكن الاستدلال به على إثبات حكم شرعى هو السيرة المعاصرة للمعصومين , لانها هى التى ينعقد لسكوت المعصوم عنها ظهور فى الامضاء دون السيرة المتأخرة .

و قد يتوهم أن السيرة المتأخرة معاصرة أيضا للمعصوم وإن كان غائبا , فيدل سكوته عنها على إمضائه , و ليست لدينا سيرة غير معاصرة للمعصوم .

و الجواب على هذا التوهم : أن سكوت المعصوم فى غيبته لا يدل على إمضائه لا على أساس العقل و لا على أساس استظهارى , أما الاول فلانه غير مكلف فى حال الغيبة بالنهى عن المنكر و تعليم الجاهل , و ليس الغرض بدرجة من الفعلية تستوجب الحفاظ عليه بغير الطريق الطبيعى الذى سبب الناس أنفسهم إلى سده بالتسبيب إلى غيبته . و أما الثانى فلان الاستظهار مناطه حال المعصوم , و من الواضح أن حال الغيبة لا يساعد على استظهار الامضاء من السكوت .

و على هذا يعرف أن كشف السيرة العقلائية عن إمضاء الشارع إنما


265
هو بملاك دلالة السكوت عنها على الامضاء , لا بملاك أن الشارع سيد العقلاء و طليعتهم فما يصدق عليهم يصدق عليه , كما يظهر من بعض الاصوليين , و ذلك لان كونه كذلك بنفسه يوجب احتمال تميزه احتمال تميزه عنهم فى بعض المواقف , و تخطئته لهم فى غير ما يرجع إلى المدركات السليمة الفطرية لعقولهم , كما هو واضح .
266

267
إثبات صغرى الدليل الشرعى

1 وسائل الاثبات الوجدانى .

2 وسائل الاثبات التعبدى .


268

269
تمهيد :

الدليل الشرعى شىء يصدر من الشارع و له دلالة على حكم شرعى , و قد تقدم فى البحث الاول عدد من الضوابط الكلية للدلالة . و هنا نتكلم عن كيفى إثبات كون الدليل صادرا من الشارع , و هذا ما نعبر عنه باثبات صغرى الدليل الشرعى .

و هذا الاثبات على نحوين : أحدهما : الاثبات الوجدانى و ذلك باحراز الصدور وجدانا , و الاخر : الاثبات التعبدى و ذلك بأن يتعبد الشارع بالصدور كأن يقول مثلا : اعملوا بما يرويه الثقاة , و هذا معنى جعل الحجية , فالكلام يقع فى قسمين :


270
1 وسائل الاثبات الوجدانى

وسائل الاثبات الوجدانى للدليل الشرعى بالنسبة إلى غير المعاصرين للشارع هى الطرق التى توجب العلم بصدور الدليل من الشارع , و لا يمكن حصر هذه الطرق , و لكن يمكن إبراز ثلاث طرق رئيسية و هى :

أولا : الاخبار الحسى المتعدد بدرجة توجب اليقين , و هو المسمى بالخبر المتواتر .

ثانيا : الاخبار الحدسى المتعدد بالدرجة نفسها , و هو المسمى بالاجماع .

ثالثا : آثار محسوسة تكشف على سبيل الان عن الدليل الشرعى .

و نتكلم الان عن كل واحد من هذه الطرق تباعا .

الخبر المتواتر :

كل خبر حسى يحتمل فى شأنه بما هو خبر الموافقة للواقع و المخالفة له , و احتمال المخالفة يقوم على أساس احتمال الخطأ فى المخبر , أو


271
احتمال تعمد الكذب لمصلحة معينة له تدعوه إلى إخفاء الحقيقة , فاذا تعدد الاخبار عن محور واحد , تضاءل احتمال المخالفة للواقع , لان احتمال الخطأ أو تعمد الكذب فى كل مخبر بصورة مستقلة إذا كان موجودا بدرجة ما , فاحتمال الخطأ أو تعمد الكذب فى مخبرين عن واقعة واحدة معا أقل درجة , لان درجة احتمال ذلك ناتج ضرب قيمة احتمال الكذب فى أحد المخبرين بقيمة احتماله فى المخبر الاخر , و كلما ضربنا قيمة احتمال بقيمة احتمال آخر , تضاءل احتمال , لان قيمة الاحتمال تمثل دائما كسرا محددا من رقم اليقين . فإذا رمزنا إلى رقم اليقين بواحد , فقيمة الاحتمال هى 2 1 أو 3 1 أو أى كسر آخر من هذا القبيل , و كلما ضربنا كسرا بكسر آخر خرجنا بكسر أشد ضالة كما هو واضح . و فى حالة وجود مخبرين كثيرين لابد من تكرار الضرب بعدد إخبارات المخبرين لكى نصل إلى قيمة احتمال كذبهم جميعا , و يصبح هذ الاحتمال ضئيلا جدا , و يزداد ضالة كلما ازداد المخبرون حتى يزول عمليا , بل واقعيا لضالته و عدم إمكان احتفاظ الذهن البشرى بالاحتمالات الضئيلة جدا . و يسمى حينئذ ذلك العدد من الاخبارات التى يزول معها هذا الاحتمال عمليا أو واقعيا بالتواتر , و يسمى الخبر بالخبر المتواتر .

و لا توجد هناك درجة معينة للعدد الذى يحصل به ذلك . لان هذا يتأثر إلى جانب الكم بنوعية المخبرين , و مدى وثاقتهم و نباهتهم و سائر العوامل الدخيلة فى تكوين الاحتمال .

و بهذا يظهر أن الاحراز فى الخبر المتواتر يقوم على أساس حساب الاحتمالات .


272

و التواتر تارة يكون لفظيا , و اخرى معنويا , و ثالثة إجماليا , و ذلك أن المحور المشترك لكل الاخبارات إن كان لفظا محددا , فهذا من الاول , و إن كان قضية معنوية محددة , فهذا من الثانى , وإن كان لازما منتزعا , فهذا من الثالث . و كلما كان المحور أكثر تحديدا كان حصول التواتر الموجب لليقين بحساب الاحتمالات أسرع , إذ يكون افتراض تطابق مصالح المخبرين جميعا بتلك الدرجة من الدقة رغم اختلاف أحوالهم و أوضاعهم أبعد فى منطق حساب الاحتمالات .

و كما تدخل خصائص المخبرين من الناحية الكمية و الكيفية فى تقييم الاحتمال , كذلك تدخل خصائص المخبر عنه أى مفاد الخبر و هى على نحوين : خصائص عامة و خصائص نسبية .

و المراد بالخصائص العامة كل خصوصية فى المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على كذب الخبر أو صدقه , بقطع النظر عن نوعية المخبر . و مثال ذلك : غرابة القضية المخبر عنها , فانها عامل مساعد على الكذب فى نفسه فيكون موجبا لتباطؤ حصول اليقين بالتواتر , و على عكس ذلك كون القضية اعتيادية و متوقعة و منسجمة مع سائر القضايا الاخرى المعلومة , فان ذلك عامل مساعد على الصدق و يكون حصول اليقين حينئذ أسرع .

و المراد بالخصائص النسبية كل خصوصية فى المعنى تشكل بحساب الاحتمال عاملا مساعدا على صدق الخبر أو كذبه فيماإذا لوحظ نوعية الشخص الذى جاء بالخبر , و مثال ذلك : غير الشيعى إذا نقل ما يدل على إمامة أهل البيت عليهم السلام , فان مفاد الخبر نفسه يعتبر بلحاظ خصوصية المخبر عاملا مساعدا لاثبات صدقه بحساب الاحتمال , لان


273
افتراض مصلحة خاصة تدعوه إلى الافتراء بعيد .

و قد تجتمع خصوصية عامة و خصوصية نسبية معا لصالح صدق الخبر كما فى المثال المذكور , إذا فرضنا صدور الخبر فى ظل حكم بنى أمية , و أمثالهم ممن كانوا يحاولون المنع من أمثال هذه الاخبار , ترهيبا و ترغيبا . فان خصوصية المضمون بقطع النظر عن مذهب المخبر شاهد قوى على الصدق , و خصوصية المضمون مع أخذ مذهب المخبر بعين الاعتبار أقوى شهادة على ذلك .

الاجماع :

الاجماع اتفاق عدد كبير من أهل النظر و الفتوى فى الحكم بدرجة توجب إحراز الحكم الشرعى , و ذلك أن فتوى الفقية فى مسألة شرعية بحتة تعتبرإخبارا حدسيا عن الدليل الشرعى , و الاخبار الحدسى هو الخبر المبنى على النظر و الاجتهاد فى مقابل الخبر الحسى القائم على أساس المدارك الحسية , و كما يكون الخبر الحسى ذا قيمة احتمالية فى إثبات مدلوله , كذلك فتوى الفقيه بوصفها خبرا حدسيا يحتمل فيه الاصابة والخطأ معا , و كما أن تعدد الاخبارات الحسية يؤدى بحساب الاحتمالات إلى نمو احتمال المطابقة و ضالة احتمال المخالفة , كذلك الحال فى الاخبارات الحدسية , حتى تصل إلى درجة توجب ضالة احتمال الخطأ فى الجميع جدا , و بالتالى زوال هذا الاحتمال عمليا أو واقعيا . و هذا ما يسمى بالاجماع . فالاجماع و الخبر المتواتر مشتركان فى طريقة الاثبات بحساب الاحتمالات , و يعتمد الكشف فى كل منهما على هذا الحساب , و لكنهما يتفاوتان فى درجة الكشف , فان نمو


274
الاحتمال الموافق و تضاؤل احتمال المخالفة أسرع حركة فى التواتر منه فى الاجماع , و ذلك لعدة امور يمكن إبراز أهمها فى النقاط التالية :

الاولى : أن القيمة الاحتمالية للمفردات فى الاجماع أصغر من القيمة الاحتمالية للمفردات فى التواتر , لان نسبة وقوع الخطأ فى الحدسيات أكبر من نسبة وقوعه فى الحسيات .

الثانية : أن الخطأ المحتمل فى مفردات الاجماع لا يتعين أن يكون ذا مركز واحد , بينما يكون الخطأ فى الاخبار الحسية منصبا على مركز واحد عادة . فحينما يفتى فقهاء عديدون بوجوب غسل الشعر فى غسل الجنابة , و يكونون على خطأ مثلا , قد يكون خطأ أحدهم ناشئا من اعتماده على رواية غير تامة السند , و خطأ الاخر ناشئا من اعتماده على رواية غير تامة الدلالة , و خطأ الثالث ناشئا من اعتماده على أصالة الاحتياط و هكذا . و كلما كان المركز المحتمل للاخطاء المتعددة واحدا أو متقاربا , كان احتمال تراكم الاخطاء عليه أضعف , و العكس صحيح .

الثالثة : أن احتمال تأثير الخبر الاول فى الخبر الثانى موجود فى مجال الاخبار الحدسية , و غير موجود عادة فى مجال الاخبار الحسية , و هذا يعنى أن احتمال الخطأ فى الخبر الاول يتضمن فى مجال الحدسيات احتمالا للخطا فى الخبر الثانى , بينما هو فى مجال الحسيات حيادى تجاه كون الثانى مخطئا أو مصيبا .

الرابعة : أن احتمال الخطأ فى قضية حسية يقترن عادة باحراز وجود المقتضى للاصابة , و هو سلامة الحواس و الفطرة , و ينشأ من احتمال وجود المانع عن تأثير المقتضى , و أما احتمال الخطأ فى قضية نظرية حدسية , فهو يتضمن أحيانا احتمال عدم وجود المقتضى للاصابة , أى


275
احتمال كون عدم الاصابة ناشئا من القصور لا لعارض من قبيل الذهول أو ارتباك البال .

الخامسة : أن الاخطاء المحتملة فى مجموعة الاخبار الحدسية يحتمل نشوؤها من نكتة مشتركة , و أما الاخطاء المحتملة فى مجموعة الاخبار الحسية فلا يحتمل فيها ذلك عادة , بل هى ترتبط فى كل مخبر بظروفه الخاصة , و كلما كان هناك احتمال النكتة المشتركة موجودا , كان احتمال المجموع أقرب من احتماله فى حالة عدم وجودها .

و يتأثر حساب الاحتمال فى الاجماع بعوامل عديدة : منها : نوعية العلماء المتفقين من الناحية العلمية , و من ناحية قربهم من عصر النصوص .

و منها : طبيعة المسألة المتفق على حكمها , و كونها من المسائل المترقب ورود النص بشأنها , أو من التفصيلات و التفريعات .

و منها : درجة ابتلاء الناس بتلك المسألة و ظروفها الاجتماعية , فقد يتفق أنها بنحو يقتضى توافر الدواعى و الظروف[ على] إشاعة الحكم المقابل لو لم يكن الحكم المجمع عليه ثابتا فى الشريعة حقا .

و منها : لحن كلام اولئك المجمعين فى مقام الاستدلال على الحكم , و مدى احتمال ارتباط موقفهم بمدارك نظرية موهونة . إلى غير ذلك من النكات و الخصوصيات .

و لما كان استكشاف الدليل الشرعى من الاجماع مرتبطا بحساب الاحتمال , لم يكن للاجماع بعنوانه موضوعية فى حصوله , فقد يتم الاستكشاف حتى مع وجود المخالف إذا كان الخلاف بنحو لا يؤثر على حساب الاحتمال المقابل , و هذا يرتبط إلى درجة كبيرة بتشخيص نوعية


276
المخالف و عصره , و مدى تغلغله فى الخط العلمى و موقعه فيه . كما أنه قد لا يكفى الاجماع بحساب الاحتمال للاستكشاف , فتضم إليه قرائن احتمالية اخرى على نحو يتشكل من المجموع ما يقتضى الكشف بحساب الاحتمال .
سيرة المتشرعة :

و يناظر الاجماع السيرة المعاصرة و القريبة من عصر المعصومين عليهم السلام للمتشرعة بما هم متشرعة . و توضيح ذلك أن العقلاء المعاصرين للمعصومين إذا اتجهوا إلى سلوك معين , فتارة يسلكونه بما هم عقلاء كسلوكهم القائم على التملك بالحيازة مثلا , و اخرى يسلكونه بما هم متشرعة كمسحهم القدم فى الوضوء ببعض الكف مثلا . و الاول هو السيرة العقلائية , و الثانى سيرة المتشرعة , و الفرق بين السيرتين أن الاولى لا تكون بنفسها كاشفة عن موقف الشارع , وإنما تكشف عن ذلك بضم السكوت الدال على الامضاء , كما تقدم , و أما سيرة المتشرعة , فبالامكان اعتبارها بنفسها كاشفة عن الدليل الشرعى على أساس أن المتشرعة حينما يسلكون سلوكا بوصفهم متشرعة , يجب أن يكونوا متلقين ذلك من الشارع , و هناك فى مقابل ذلك احتمال أن يكون السلوك المذكور مبنيا على الغفلة عن الاستعلام , أو الغفلة فى فهم الجواب على تقدير الاستعلام , غير أن هذا الاحتمال يضعف بحساب الاحتمال كلما لوحظ شمول السيرة و تطابق عدد كبير من المتشرعة عليها , و من هنا قلنا : إن سيرة المتشرعة تناظر الاجماع لانهما معا يقومان فى كشفهما على أساس حساب الاحتمال . غير أن الاجماع يمثل موقفا فتوائيا نظريا للفقهاء ,


277
والاخر يمثل سلوكا عمليا دينيا للمتشرعة .

و كثيرا ما تشكل سيرة المتشرعة بالمعنى المذكور الحلقة الوسيطة بين الاجماع و الدليل الشرعى , بمعنى أن تطابق أهل الفتوى على حكم مع عدم كونه منصوصا فيما بأيدينا من نصوص يكشف بظن غالب اطمئنانى عن تطابق سلوكى و ارتكازى من المتشرعة المعاصرين لعصر النصوص , و هذا بدوره يكشف عن الدليل الشرعى . و بكلمة اخرى : إن الاجماع المذكور يكشف عن رواية غير مكتوبة , ولكنها معاشة سلوكا و ارتكازا بين عموم المتشرعة .

الاحراز الوجدانى للدليل الشرعى غير اللفظى :

مر بنا أن دليل السيرة العقلائية يعتمد على ركنين : أحدهما : قيام السيرة المعاصرة للمعصومين من العقلاء على شىء . و الاخر : سكوت المعصوم الذى يدل كما تقدم على الامضاء . و السؤال الان كيف يمكن أن نحرز كل واحد من هذين الركنين ؟ فاننا بحكم عدم معاصرتنا لهما زمانا يجب أن نستدل عليهما بقضايا معاصرة ثابتة وجدانا لكى نحرز بذلك هذا النوع من الدليل الشرعى .

1 السيرة المعاصرة للمعصومين]

أما السيرة المعاصرة للمعصومين عليهم السلام , فهناك طرق يمكن أن يدعى الاستدلال بها عليها , و قد تستعمل نفس الطرق لاثبات السيرة المعاصرة للمعصومين من المتشرعة بوصفهم الشرعى .


278

الطريق الاول : أن نستدل على ماضى السيرة العقلائية بواقعها المعاصر لنا . و هذا الاستدلال يقوم على افتراض الصعوبة فى تحول السيرة من سلوك إلى سلوك مقابل , و كون السيرة العقلائية معبرة بوصفها عقلائية ـ عن نكات فطرية و سليقة نوعية و هى مشتركة بين العقلاء فى كل زمان .

و لكن الصحيح عدم صحة هذا الاستدلال , إذ لا صعوبة فى تصور تحول السيرة بصورة تدريجية و بطيئة إلى أن تتمثل فى السلوك المقابل بعد فترة طويلة من الزمن , و ما هو صعب الافتراض التحول الفجائى العفوى , كما أن السلوك العقلائى ليس منبثقا دائما عن نكات فطرية مشتركة , بل يتأثر بالظروف و البيئة و المرتكزات الثقافية إلى غير ذلك من العوامل المتغيرة , فلا يمكن أن يعتبر الواقع المعاصر للسيرة دليلا على ماضيها البعيد .

الطريق الثانى : النقل التاريخى , إما فى نطاق التاريخ العام , أو فى نطاق الروايات و الاحاديث الفقهية . و يتوقف اعتبار هذا النقل إما على كونه موجبا للوثوق و العلم , أو على تجمع شرائط الحجية التعبدية فيه , و فى هذا المجال يمكن الاستفادة من الروايات نفسها , لانها تعكس ضمنا جوانب من حياة الرواة و الناس وقتئذ , كما يمكن الاستفادة أيضا من فتاوى الجمهور فى نطاق المعاملات مثلا باعتبارها منتزعة أحيانا عن الوضع العام المرتكز عقلائياإلى جانب دلالات التاريخ العام .

الطريق الثالث : أن يكون لعدم قيام السيرة المعاصرة للمعصومين على الحكم المطلوب لازم يعتبر انتفاؤه وجدانيا , فيثبت بذلك قيام السيرة على ذلك النحو . و لنوضح ذلك فى مثال كما يأتى :


279

لنفرض أننا نريد أن نثبت أن السيرة المعاصرة للائمة عليهم السلام كانت قائمة على الاجتزاء بالمسح ببعض الكف فى الوضوء , فنقول : إن السيرة إذا كانت منعقدة على ذلك حقا , فهذا سوف يكون دليلا على عدم الوجوب لدى من يحاول الاستعلام عن حكم المسألة فيغنيه عن السؤال , و أماإذا لم تكن السيرة منعقدة على ذلك و كان افتراض المسح بتمام الكف واردا فى السلوك العملى لكثير من المتشرعة وقتئذ , فهذا يعنى أن استعلام حكم المسألة ينحصر بالسؤال من المعصومين , أو الرجوع إلى رواياتهم لان مسح المتشرعة بتمام الكف لا يكفى لاثبات الوجوب و حيث إن المسألة محل الابتلاء لعموم أفراد المكلفين , و وجوب المسح بتمام الكف يستبطن عناية فائقة تحفز على السؤال , فمن الطبيعى أن تكثر الاسئلة فى هذا المجال , و تكثر الاجوبة تبعا لذلك , و فى هذه الحالة يفترض عادة أن يصل إلينا مقدار من ذلك على أقل تقدير , لاستبعاد اختفاء جلها , مع توفر الدواعى على نقلها , و عدم وجود ما يبرر الاختفاء , فاذا لم يصل إلينا ذلك نعرف أنه لم تكن هناك أسئلة و أجوبة كثيرة , و بالتالى لم تكن هناك حاجة إلى استعلام حكم المسألة عن طريق السؤال و الجواب . و هذا يعين افتراض قيام السيرة على الاجتزاء بالمسح ببعض الكف .

و هذا الاستدلال يتوقف كما لا حظنا على :

أن المسألة محل الابتلاء للعموم .

و كون الحكم المقابل كوجوب المسح بتمام الكف فى المثال يتطلب سلوكا لا يقتضيه الطبع بنفسه .

و توفر الدواعى على نقل ما يرد فى حكم المسألة .


280

و عدم وجود مبررات للاخفاء .

و عدم وصول شىء معتد به فى هذا المجال لاثبات الحكم المقابل من الروايات و فتاوى المتقدمين .

الطريق الرابع : أن يكون للسلوك الذى يرادإثبات كونه , سلوكا عاما للمعاصرين للائمة سلوك بديل على نحو لو لم نفترض ذاك يتعين افتراض هذا البديل , و يكون هذا السلوك البديل معبرا عن ظاهرة اجتماعية غريبة لو كانت واقعة حقا لسجلت و انعكست علينا باعتبارها على خلاف المألوف , و حيث لم تسجل يعرف أن الواقع خارجا كان هو المبدل لا البدل . و مثال ذلك : أن نقول : إن السلوك العام المعاصر للمعصومين كان منعقدا على اعتبار الظواهر و العمل بها , إذ لو لا ذلك لكان لابد من سلوك بديل يمثل طريقة اخرى فى التفهيم , و لما كانت الطريقة البديلة تشكل ظاهرة غريبة عن المألوف كان من الطبيعى أن تنعكس و يشار إليها , و التالى غير واقع فكذلك المقدم , و بذلك يثبت إستقرار السيرة على العمل بالظواهر .

الطريق الخامس : الملاحظة التحليلية الوجدانية بمعنى : أن الانسان إذا عرض مسألة على وجدانه و مرتكزاته العقلائية , فرأى أنه منساق إلى اتخاذ موقف معين , و لا حظ أن هذا الموقف واضح فى وجدانه بدرجة كبيرة , و استطاع ان يتأكد من عدم ارتباطه بالخصوصيات المتغيرة من حال إلى حال و من عاقل إلى عاقل بملاحظة تحليلية وجدانية , أمكنه ان ينتهى إلى الوثوق بأن ما ينساق إليه من موقف حالة عامة فى كل العقلاء . و قد يدعم ذلك باستقراء حالة العقلاء فى مجتمعات عقلائية مختلفة للتأكد من هذه الحالة العامة . و هذا طريق قد يحصل للانسان


281
الوثوق بسببه , و لكنه ليس طريقا استدلاليا موضوعياإلا بقدر ما يتاح للملاحظ من استقراء للمجتمعات العقلائية المختلفة . [
2 سكوت المعصوم]

و أما سكوت المعصوم الدال على الامضاء فقد يقال : إن من الصعوبة بمكان الجزم به , إذ كيف نعرف أنه لم يصدر من المعصوم ما يدل على الردع عن السيرة المعاصرة له , و غاية ما نستطيع أن نتأكد منه هو عدم وجود هذا الردع فيما بأيدينا من نصوص , غير أن ذلك لا يعنى عدم صدوره , إذ لعله قد صدر و لم يصل .

غير أن الطريقة التى نتغلب بها على هذه الصعوبة تتم كما يأتى :

نطرح القضية الشرطية القائلة : لو كان قد ردع المعصوم عن السيرة لوصل إلينا , و التالى باطل لان المفروض عدم وصول الردع , فالمقدم مثله . و وجه الشرطية أن الردع عن سيرة عقلائية مستحكمة لا يتحقق بصورة جادة بمجرد نهى واحد أو نهيين , بل يجب أن يتناسب حجم الردع مع قوة السيرة و ترسخها , فالردع إذن يجب أن يتمثل فى نواه كثيرة , و هذه النواهى بنفسها تخلق ظروفا مناسبة لامثالها , لانها تلفت نظار الرواة إلى السؤال , و تكثر الاسئلة و الاجوبة , و الدواعى متوفرة لضبط هذه النواهى من قبل الرواة , فيكون من الطبيعى أن يصل إلينا شىء منها . و فى حالة عدم وصول شىء بالقدر الذى تفترضه الظروف المشارإليها نستكشف عدم صدور الردع , و بذلك يتم كلا الركنين لدليل السيرة :


282
درجة الوثوق فى وسائل الاحراز الوجدانى :

وسائل الاحراز الوجدانى التى يقوم كشفها على حساب الاحتمال , نؤدى تارة إلى القطع بالدليل الشرعى , و اخرى إلى قيمة احتمالية كبيرة , و لكن تناظرها فى الطرف المقابل قيمة احتمالية معتد بها , و ثالثة إلى قيمة احتمالية كبيرة تقابلها فى الطرف المقابل قيمة احتمالية ضئيلة جدا , و تسمى القيمة الاحتمالية الكبيرة فى هذه الحالة بالاطمئنان , و فى الحالة السابقة بالظن . و لا شك فى حجية الاحراز الواصل إلى درجة القطع تطبيقا لمبدأ حجية القطع , كما لا شك فى أن الاحراز الظنى غير كاف للمقصود ما لم يقم دليل شرعى على التعبد به فيدخل فى نطاق الاحراز التعبدى . و أما الاطمئنان فقد يقال بحجيته الذاتية عقلا تنجيزا و تعذيرا كالقطع , بمعنى أن حق الطاعة الثابت عقلا كما يشمل حالة القطع بالتكليف كذلك يشمل حالة الاطمئنان به , و كما لا يشمل حالة القطع بعدم التكليف كذلك لا يشمل حالة الاطمئنان بعدمه , فإن صحت هذه الدعوى لم نكن بحاجة إلى تعبد شرعى للعمل بالاطمئنان , مع فارق : و هو إمكان الردع عن العمل بالاطمئنان مع عدم إمكانه فى القطع كما تقدم , وإن لم تصح هذه الدعوى تعين طلب الدليل على التعبد الشرعى بالاطمئنان . و الدليل هو السيرة العقلائية الممضاة بدلالة السكوت . و فى مقام الاستدلال على حجية الاطمئنان شرعا بالسيرة العقلائية مع سكوت الشارع عنها , لابد من افتراض القطع بهذين الركنين , و لا يكفى الاطمئنان , وإلا كان من الاستدلال على حجية الاطمئنان بالاطمئنان .


283
2 وسائل الاحراز التعبدى

و أهم ما يبحث عنه فى علم الاصول كوسيلة تعبدية لاحراز صدور الدليل من الشارع : خبر الواحد , و يراد به الخبر الذى لم يحصل منه القطع بثبوت مؤداه .

و الكلام فيه فى ثلاث مراحل :

إحداها : استعراض الادلة المدعاة على حكم الشارع بحجيته .

و ثانيتها : استعراض الادلة المدعى كونها معارضة لذلك .

والمرحلة الثالثة : تحديد دائرة الحجية و شروطها بعد فرض ثبوتها . و سنبحث هذه المراحل تباعا .

أدلة حجية خبر الواحد :

و قد استدل على الحجية بالكتاب و السنة .

أما الكتاب الكريم : فبايات :

منها : آية النبأ , و هى قوله تعالى : [ ( يا أيها الذين آمنواإن جاءكم فاسق بنبا فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم


284
نادمين]( ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال : أن الجملة فى الاية الكريمة شرطية , و الحكم فيها هو ( الامر بالتبين ) , و موضوع الحكم ( النبأ ) و شرطه ( مجىء الفاسق به ) , فتدل بالمفهوم على إنتفاء وجوب التبين عن النبأإذا انتفى الشرط و لم يجىء به الفاسق , و هذا يعنى أنه لا يجب التبين فى حالة مجىء العادل بالنبأ , و ليس ذلك إلا لحجيته .

و قد نوقش فى الاستدلال المذكور بوجهين :

الاول , أن مجىء الفاسق بالنبأ شرط محقق للموضوع لانه هو الذى يحقق النبأ , و ليس للجملة الشرطية مفهوم إذا كان الشرط مسوقا لتحقق الموضوع , كما تقدم فى بحث مفهوم الشرط .

و حاول صاحب الكفاية أن يدفع هذه المناقشة بدعوى أنهاإنما تتم على الافتراض المتقدم فى تعيين الموضوع و الشرط , و أما إذا قيل بأن الموضوع هو ( الجائى بالنبأ ) , و الشرط هو ( الفسق ) , كانت الابة فى قوة قولنا : ( إذا كان الجائى بالنبأ فاسقا فتبينوا ) . و من الواضح حينئذ أن الشرط هنا ليس محققا للموضوع , فيتم المفهوم .

و لكن مجردإمكان هذه الفرضية لا يكفى لتصحيح الاستدلال ما لم يثبت كونها هى المستظهرة عرفا من الاية الكريمة .

الثانى : أن الحكم بوجوب التبين معلل فى الاية الكريمة بالتحرز من الاصابة بجهالة , و العلة مشتركة بين أخبار الاحاد , لان عدم العلم ثابت فيها جميعا , فتكون بمثابة القرينة المتصلة على إلغاء المفهوم .

( 1 ) سورة الحجرات : 6 .


285

و أجيب عن ذلك :

تارة بأن الجهالة ليست مجرد عدم العلم , بل تستبطن السفاهة , و ليس فى العمل بخبر العادل سفاهة , لان سيرة العقلاء عليه .

و أخرى بأن المفهوم أخص من عموم التعليل , لانه يقتضى حجية خبر العادل بينما التعليل يدل على عدم حجية كل ما هو غير علمى , و يشمل باطلاقه خبر العادل , فليكن المفهوم مقيدا لعموم التعليل .

و ثالثة : بأن المفهوم مفاده أن خبر العادل لا حاجة إلى التبين بشأنه لانه بين واضح , و هذا يعنى افتراضه بمثابة الدليل القطعى , و الامر بالتعامل معه على أساس أنه بين و معلوم , و بهذا يخرج عن موضوع عموم التعليل , لان العموم فى التعليل موضوعه عدم العلم . فإذا كان خبر العادل واضحا بينا بحكم الشارع فهو علم و لا يشمله التعليل .

و منها : آية النفر , و هى قوله تعالى : [ ( و ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون]( ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال بها أنها تدل على مطلوبية التحذر عند الانذار بقرينة وقوع الحذر موقع الترجى بدخول لعل عليه , و جعله غاية للانذار الواجب , و مقتضى الاطلاق كون التحذر واجبا عند الانذار و لو لم يحصل العلم من قول المنذر , و هذا يكشف عن حجية إخبار المنذر .

و الجواب على ذلك :

أولا : أن وجوب التحذر عند الانذار لا يكشف عن كون الحذر

( 1 ) سورة التوبة : 122 .


286
الواجب بملاك حجية خبر المنذر , و ذلك لان ( الانذار ) يفترض العقاب مسبقا , و كون الحكم منجزا بمنجز سابق , كالعلم الاجمالى أو الشك قبل الفحص , و لا يصدق عنوان ( الانذار ) على الاخبار عن حكم لا يستتبع عقاباإلا بسبب هذا الاخبار .

و ثانيا : لو سلمنا أن خبر المنذر بنفسه كان منجزا , فهذا لا يساوق الحجية بمعناها الكامل لما سبق من أن أى دليل احتمالى على التكليف فهو ينجزه بحكم العقل , فغاية ما تفيده الاية الكريمة أنها تنفى جعل أصالة البراءة شرعا فى موارد قيام الخبر على التكليف , و لا تثبت جعل الشارع الحجية للخبر . نعم بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان يكشف ما ذكر عن الجعل الشرعى , إذ لو لا الجعل الشرعى لجرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان .

و ثالثا : أن الاية الكريمة لو دلت على حجية قول المنذر شرعا , فانما تدل على حجيته بما هو رأى و نظر , لا بما هوإخبار و شهادة , لان الانذار يعنى مزج الاخبار بتشخيص المعنى و اقتناص النتيجة .

و منها : آية الكتمان , و هى قوله تعالى : [ ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب اؤلئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون]( ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال بها : أنها تدل بالاطلاق على حرمة الكتمان و لو فى حالة عدم ترتب العلم على الابداء , و هذا يكشف عن وجوب القبول فى هذه الحالة , لان تحريم الكتمان من دون إيجاب القبول لغو , و وجوب

( 1 ) سورة البقرة : 159 .


287
القبول مع عدم العلم يساوق حكم الشارع بالحجية .

والجواب على ذلك :

أولا : أن الكتمان إنما يصدق فى حالة الاخفاء مع توفر مقتضيات الوضوح و العلم , فلا يشمل الاطلاق المذكور عدم الاخبار فى مورد لا تتوفر فيه مقتضيات العلم .

و ثانيا : أن تعميم حرمة الكتمان لعله بدافع الاحتياط من قبل المولى لعدم إمكان إعطاء قاعدة للتمييز بين موارد ترتب العلم على الاخبار و غيرها , فان الحاكم قد يوسع موضوع حكمه الواقعى بدافع الاحتياط , و هذا غير الامر بالاحتياط .

و منها آية السؤال من أهل الذكر , و هى قوله تعالى : [ ( و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكرإن كنتم لا تعلمون]( ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال : أن الامر بالسؤال يدل باطلاقه على وجوب قبول الجواب و لو لم يفد العلم , لانه بدون ذلك يكون الامر بالسؤال فى حال عدم إفادة الجواب للعلم لغوا , وإذا وجب قبول الجواب و لو لم يفد العلم , ثبتت الحجية .

و قد اتضح الجواب مما سبق إضافة إلى أن الامر بالسؤال فى الاية ليس ظاهرا فى الامر المولوى لكى يستفاد منه ذلك , لانه وارد فى سياق الحديث مع المعاندين و المتشككين فى النبوة من الكفار , و من الواضح أن هذا السياق لا يناسب جعل الحجية التعبدية , وإنما يناسب الارشادإلى الطرق التى توجب زوال التشكك , و دفع الشبهة بالحجة القاطعة , لان

( 1 ) سورة النحل : 43 .


288
الطرف ليس ممن يتعبد بقرارات الشريعة .

و نلاحظ أيضا أن الامر بالسؤال مفرع على قوله : [ ( و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم]( و التفريع يمنع عن انعقادإطلاق فى متعلق السؤال لكى يثبت الامر بالسؤال فى غير مورد المفرع عليه و أمثاله . هذا على أن مورد الاية لا حجية فيه لاخبار الاحاد لانه يرتبط باصول الدين .

وإذا قطعنا النظر عن كل ذلك , فالاستدلال يتوقف على حمل أهل الذكر على العلماء و الرواة لا أهل النبوات السابقة , بحمل الذكر على العلم لا على الرسالة الالهية .

و أما السنة : فلا بد لكى يصح الاستدلال بها فى المقام أن تكون ثابتة بوسيلة من وسائل الاحراز الوجدانى , و لا يكفى ثبوتها بخبر الواحد لئلا يلزم الدور . و هنا وسيلتان للاحراز الوجدانى .

إحداهما : التواتر فى الروايات الدالة على حجية خبر الواحد .

و الاخرى : السيرة .

أما الوسيلة الاولى فتقريب الاستدلال بها : أن حجية خبر الواحد يمكن إقتناصها من ألسنة روايات كثيرة تشترك جميعا فى إفادة هذا المعنى وإن اختلفت مضامينها , و بذلك يحصل التواتر الاجمالى , و يثبت بالتواتر حجية خبر الواحد الواجد من المزايا لما يجعله مشمولا لمجموع تلك الروايات المكونة للتواتر , فاذاإتفق وجود خبر من هذا القبيل يدل على حجية خبر الواحد فى دائرة أوسع أخذ به .

و أما الوسيلة الثانية , فتقريب الاستدلال بها يشتمل على الامور التالية :


289

أولا : إثبات السيرة و أن المتشرعة و الرواة فى عصر الائمة كانوا يعملون بأخبار الثقات ولو لم تفدهم الاطمئنان الشخصى , و فى هذا المجال يمكن استعمال الطريق الثالث من طرق إثبات السيرة المتقدمة , و ذلك لتوفر شروطه , فانه لا شك فى وجود عدد كبير من هذه الروايات بأيدى المتشرعة المعاصرين للائمة و دخول حكمها فى محل ابتلائهم على أوسع نطاق , فاما أن يكونوا قد انعقدت سيرتهم على العمل بها من أجل تلقى ذلك من الشارع , أو جريا على سجيتهم , وإما أن يكونوا قد توقفوا عن العمل بها .

والاول هو المطلوب إذا تثبت بذلك السيرة الممتدة فى تطبيقهاإلى المجال الشرعى .

و أما الثانى فليس من المحتمل أن يؤدى توقفهم إلى طرح تلك الروايات جميعا بدون استعلام الحكم الشرعى تجاهها , لان ارتكاز الاعتماد على أخبار الثقات و كون طرح خبر الثقة على خلاف السجية العقلائية , يحول عادة دون التوافق على الطرحبلا استعلام , و الاستعلام يجب أن يكون بحجم أهمية المسألة , و هذا يقتضى افتراض أسئلة و أجوبة كثيرة , فلو لم يكن خبر الثقة حجة لكان هذا يعنى تضافر النصوص بذلك فى مقام الجواب على أسئلة الرواة , و مع توفر الدواعى على نقل ذلك لابد من وصول هذه النصوص إلينا , و لو فى الجملة , بينما لم يصل إلينا شىء من ذلك , بل وصل ما يعزز الحجية , و هذا يعين إما استقرار العمل بأخبار الثقات بدون استعلام , و إما استقراره على ذلك بسبب الاستعلام و صدور البيانات المثبتة للحجية .

ثانيا : أن السيرة الثابتة بالبيان السابق إذا كانت سيرة لاصحاب


290
الائمة بما هم متشرعة , فهى تكشف عن الدليل الشرعى بلا حاجة إلى ضم مقدمة , و إذاكانت سيرة لهم بما هم عقلاء , ضممناإليها مقدمة اخرى و هى : أن الشارع لم يردع عنها إذ لو كان قد ردع بالدرجة الكافية لاثر هذا الردع من ناحية فى هدم السيرة , و لو صل إلينا شىء من نصوص الردع .

ثالثا : أن الايات الناهية عن العمل بالظن قد يتوهم أنها تردع عن السيرة , لان خبر الواحد أمارة ظنية فيشمله إطلاق النهى عن العمل بالظن , و لكن الصحيح أنها لا تصلح أن تكون رادعة , و ذلك لاننا أثبتنا بالفعل انعقاد السيرة المعاصرة للائمة على العمل بأخبار الثقات فى الشرعيات , و هذا يعنى بعد استبعاد العصيان : إما وصول دليل إليهم على الحجية , أو غفلتهم عن اقتضاء تلك النواهى للردع , أو عدم كونها دالة على ذلك فى الواقع , و على كل من هذه التقادير لا يكون الردع تاما .

و مثل ذلك يقال فى مقابل التمسك بأدلة الاصول كدليل أصالة البراءة مثلا لاثبات الردع بإطلاقها لحالة قيام خبر الثقة على خلاف الاصل المقرر فيها .

رابعا : أن عدم الردع يكشف عن الامضاء , و هذا واضح بعدإثبات امتداد السيرة إلى الشرعيات و جريانها على إثبات الحكم الشرعى بخبر الثقة , الامر الذى يعرض الاغراض الشرعية للتفويت لو لم تكن مرضية , مضافاإلى أن ظاهر الحال فى أمثال المقام هو الامضاء , كما تقدم .

أدلة نفى الحجية :

و قد استدل على نفى الحجية بالكتاب و السنة :


291

أما الكتاب فبما ورد فيه من النهى عن اتباع الظن , كقوله تعالى : [ ( و لا تقف ما ليس لك به علم]( ( 1 ) .

و قد يجاب على ذلك بأن النهى المذكورإنما يدل على نفى الحجية عن خبر الواحد بالاطلاق , و هذا الاطلاق يقيد بدليل حجية خبر الواحد , سواء كان لفظيا أو سيرة .

أما على الاول فواضح , و أما على الثانى فلان إطلاق الايات لا يصلح أن يكون رادعا عن السيرة كما تقدم , و هذا يعنى استقرار حجية السيرة فتكون مقيدة للاطلاق .

و أما السنة ففيها ما دل على عدم جواز العمل بالخبر غير العلمى ( 2 ) , و فيها ما دل على عدم جواز العمل بخبر لا يكون عليه شاهد من الكتاب الكريم ( 3 ) .

أما الفريق الاول فيرد عليه :

أولا : أنه من أخبار الاحاد الضعيفة سندا و لا دليل على حجيته .

و ثانيا : أنه يشمل نفسه لانه خبر غير علمى بالنسبة إلينا , و لا نحتمل الفرق بينه و بين سائر الاخبار غير العلمية , و هذا يعنى إمتناع حجية هذا الخبر , لان حجيتة تؤدى إلى نفى حجيته و التعبد بعدمها .

و أما الفريق الثانى فيرد عليه : أنه لو تم فى نفسه لكان مطلقا شاملا للاخبار الواردة فى اصول الدين , و الاخبار الواردة فى الاحكام , فيعتبر

( 1 ) سورة الاسراء : 36 .

( 2 ) مثل ماورد عن الامام العسكرى ( ع ) : [ ( ما علمتم أنه قولنا فالزموه , و ما لم تعلموا فردوه إلينا]( . الوسائل ج 18 ب 9 من صفات القاضى ح 36 .

( 3 ) الوسائل ج 18 ب 9 من صفات القاضى .


292
ما دل على الحجية فى القسم الثانى بالخصوص صالحا لتقييد إطلاق تلك الروايات .
تحديد دائرة الحجية :

و بعد افتراض ثبوت الحجية يقع الكلام فى تحديد دائرتها , و تحديد الدائرة تارة بلحاظ صفات الراوى , و اخرى بلحاظ المروى .

أما باللحاظ الاول فصفوة القول فى ذلك : أن مدرك الحجية إذا كان مفهوم آية النبأ , فهو يقتضى حجية خبر العادل و لا يشمل خبر الفاسق الثقة , وإذا كان المدرك السنة على أساس الروايات و السيرة , فلا شك فى أن موضوعها خبر الثقة , و لو لم يكن عادلا من غير جهة الاخبار , إلا أن وثاقة الراوى تارة تؤخذ مناطا للحجية على وجه الموضوعية , و اخرى تؤخذ مناطا لها على وجه الطريقية و بما هى سبب للوثوق غالبا بصدق الراوى و صحة نقله , فان استظهر الاول لزم القول بحجية خبر الثقة ولو قامت أمارة عكسية مكافئة لوثاقة الراوى فى كشفها , وإن استظهر الثانى لزم سقوط خبر الثقة عن الحجية فى حالة قيام أمارة من هذا القبيل .

و عليه يترتب أن إعراض القدماء من علمائنا عن العمل بخبر ثقة , يوجب سقوطه عن الحجية إذا لم يحتمل فيه كونه قائما على أساس اجتهادى لانه يكون أمارة على وجود خلل فى النقل .

و أما خبر غير الثقة فان لم تكن هناك أمارات ظنية على صدقه , فلا إشكال فى عدم حجيته , و إن كانت هناك أمارات كذلك , فان أفادت الاطمئنان الشخصى كان حجة لحجية الاطمئنان , كما تقدم ,


293
وإلا ففى حجية الخبر و جهان مبنيان على أن وثاقة الراوى هل هى مأخوذة مناطا للحجية على وجه الموضوعية , أو بما هى سبب للوثوق الغالب بالمضمون على نحو يكون السبب و المسبب كلا هما دخيلين فى الحجية , أو بما هى معرف صرف للوثوق الغالب بالمضمون دون أن يكون لوثاقة الراوى دخل بعنوانها .

فعلى الاول و الثانى لا يكون الخبر المذكور حجة , و على الثالث يكون حجة . و على هذه التقادير تبتنى إثباتا و نفيا مسألة إنجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور من قدماء العلماء . فان عمل المشهور به يعتبر أمارة على صحة النقل , فقد يدخل فى نطاق الكلام السابق .

و أما باللحاظ الثانى فيعتبر فى الحجية أمران :

أحدهما : أن يكون الخبر حسيا لا حدسيا .

والاخر أن لا يكون مخالفا لدليل قطعى الصدور من الشارع , كالكتاب الكريم .

أما الاول فلعدم شمول أدلة الحجية للاخبار الحدسية .

و أما الثانى فلما دل من الروايات على عدم حجية الخبر المخالف للكتاب الكريم ( 1 ) , فانه يقيد أدلة حجية الخبر بغير صورة المخالفة للكتاب الكريم , أو ما كان بمثابته من الادلة الشرعية القطعية صدورا و سندا .

قاعدة التسامح فى أدلة السنن :
ذكرنا أن خبر غير الثقة إذا لم تكن هناك أمارات على صدقه فهو

( 1 ) الوسائل , ج 18 ب 9 من صفات القاضى .


294
ليس بحجة , و لكن قد يستثنى من ذلك الاخبار الدالة على المستحبات , أو على مطلق الاوامر و النواهى غير الالزامية , فيقال بأنها حجة فى إثبات الاستحباب أو الكراهة ما لم يعلم ببطلان مفادها . و يستند فى ذلك إلى روايات فيها الصحيحة و غيرها , دلت على أن من بلغه عن النبى ثواب على عمل فعمله كان له مثل ذلك الثواب , وإن كان النبى لم يقله , بدعوى أن هذه الروايات تجعل الحجية لمطلق البلوغ فى موارد المستحبات , و من أجل هذا يعبر عن ذلك بالتسامح فى أدلة السنن .

و التحقيق أن هذه الروايات فيها بدوا عدة احتمالات :

الاول : أن تكون فى مقام جعل الحجية لمطلق البلوغ .

الثانى : أن تكون فى مقام إنشاء استحباب واقعى نفسى على طبق البلوغ , فيكون بلوغ استحباب الفعل عنوانا ثانويا له يستدعى ثبوت استحباب واقعى بهذا العنوان .

الثالث : أن تكون إرشادا إلى حكم العقل بحسن الاحتياط و استحقاق المحتاط للثواب .

الرابع : أن تكون وعدا مولويا لمصلحة فى نفس الوعد , و لو كانت هذه المصلحة هى الترغيب فى الاحتياط باعتبار حسنه عقلا .

و الاستدلال بالروايات على ما ذكر مبنى على الاحتمال الاول , و هو غير متعين , بل ظاهر لسان الروايات ينفيه لانها تجعل للعامل الثواب , و لو مع مخالفة الخبر للواقع . فلو كان وضع نفس الثواب تعبيرا عن التعبد بثبوت المؤدى و حجية البلوغ , لما كان هناك معنى للتصريح بأن نفس الثواب محفوظ حتى مع مخالفة الخبر للواقع . كما أن الاحتمال الثانى لا موجب لاستفادته أيضا إلا دعوى أن الثواب على عمل فرع


295
كونه مطلوبا , و هى مدفوعة بأنه يكفى حسن الاحتياط عقلا ملاكا للثواب . فالمتعين هو الاحتمال الثالث , و لكن مع تطعيمه بالاحتمال الرابع , لان الاحتمال الثالث بمفرده لا يفسرإعطاء العامل نفس الثواب الذى بلغه , لان العقل إنما يحكم باستحقاق العامل للثواب لا لشخص ذلك الثواب , فلا بد من الالتزام بأن هذه الخصوصية مردها إلى وعد مولوى .
296

297
إثبات حجية الدلالة فى الدليل الشرعى

298

299
تمهيد :

الدليل الشرعى قد يدل على حكم دلالة واضحة توجب اليقين أو الاطمئنان بأن هذا الحكم هو المدلول المقصود . و فى هذه الحالة يعتبر حجة فى دلالته على إثبات ذلك الحكم , لان اليقين حجة و الاطمئنان حجة , من دون فرق بين أن يكون هذا الوضوح و اليقين بالدلالة قائما على أساس كونها دلالة عقلية إنية من قبيل دلالة فعل المعصوم على عدم الحرمة , أو على أساس كون الدليل لفظا لا يتحمل بحسب نظام اللغة و أساليب التعبير سوى إفادة ذلك المدلول و هو المسمى بالنص , أو على أساس إحتفاف الدليل اللفظى بقرائن حالية أو عقلية تنفى احتمال مدلول آخر , و إن كان ممكنا من وجهة نظر لغوية و عرفية عامة .

و قد يدل الدليل الشرعى على أحد أمرين أو امور على نحو تكون صلاحيته لافادة أى واحد منها مكافئة لصلاحيته لافادة غيره بحسب نظام اللغة و أساليب التعبير العرفى , و هذا هو المجمل , و يكون حجة فى إثبات الجامع على أساس العلم بأن المراد لا يخلو من أحد محتمليه أو محتملاته . هذا فيماإذا كان للجامع أثر قابل للتنجيز بالعلم المذكور , و أما


300
كل واحد من المحتملات بخصوصه فلا يثبت بالدليل المذكورإلا مع الاستعانة بدليل خارجى على نفى المحتمل الاخر , فيضم إلى إثبات الجامع فينتج التعين فى المحتمل البديل .

و قد يدل الدليل الشرعى على أحد أمرين مع أولوية دلالته على أحدهما بنحو ينسبق إلى الذهن تصورا على مستوى المدلول التصورى , و تصديقا على مستوى المدلول التصديقى , و إن كانت إفادة المعنى الاخر تصورا و تصديقا بالدليل المذكور ممكنة و محتملة أيضا بحسب نظام اللغة و أساليب التعبير , و هذا هو الدليل الظاهر فى معنى , و فى مثل ذلك يحمل على المعنى الظاهر, لان الظهور حجة فى تعيين مراد المتكلم . و هذه الحجية لا تقوم على أساس اعتبار العلم , لان الظهور لا يوجب العلم دائما , بل على أساس حكم الشارع بذلك .

و يعبر عن حجية الظهور بأصالة الظهور , و على وزان ذلك يقال : أصالة العموم , و أصالة الاطلاق , و أصالة الحقيقة , و أصالة الجد , و غير ذلك من مصاديق لكبرى حجية الظهور .

الاستدلال على حجية الظهور :

و حكم الشارع بحجية الظهور يمكن الاستدلال عليه بالسيرة بأحد النحوين التاليين :

النحو الاول : أن نتمسك بالسيرة العقلائية بمعنى استقرار بناء العقلاء على اتخاذ الظهور وسيلة كافية لمعرفة مقاصد المتكلم , و ترتيب ما يرى لها من آثار بحسب الاغراض التكوينية أو التشريعية , و هذه السيرة بحكم استحكامها تشكل دافعا عقلائيا عاما للعمل بالظهور فى


301
الشرعيات لو ترك المتشرعة إلى ميولهم العقلائية , و فى حالة من هذا القبيل يكون عدم الردع و السكوت كاشفا عن الامضاء .

و قد تقدم فى بحث دلالات الدليل الشرعى غير اللفظى استعراض عدد من الاوجه لتفسير دلالة السكوت على الامضاء , و يلاحظ هنا أن واحدا من تلك الاوجه لا يمكن تطبيقه فى المقام , و هو تفسير الدلالة على أساس الظهور الحالى , لان الكلام هنا فى حجية الظهور , فلا يكفى فى إثباتها ظهور حال المعصوم فى الامضاء .

النحو الثانى : أن نتمسك بسيرة المتشرعة من أصحاب الائمة , وفقائهم , فاننا لا نشك فى أن عملهم فى مقام الاستنباط كان يقوم فعلا على العمل بظواهر الكتاب و السنة , و يمكن إثبات ذلك باستعمال الطريق الرابع من طرق إثبات السيرة المتقدمة فلاحظ . و على هذا تكون السيرة المذكورة كاشفة كشفاإنيا مباشرا عن الامضاء , و لا حاجة حينئذإلى توسيط قاعدة[ ( أن السكوت كاشف عن الامضاء]( على ما تقدم من الفرق بين سيرة المتشرعة و السيرة العقلائية .

و يواجه الاستدلال بالسيرة هنا نفس ما واجهه الاستدلال بالسيرة فى بحث حجية الخبر , إذ يعترض بأن هذه السيرة مردوع عنها بالمطلقات الناهية عن العمل بالظن أو باطلاق أدلة الاصول .

والجواب على الاعتراض يعرف مما تقدم فى بحث حجية الخبر , مضافا إلى أن ما دل على النهى عن العمل بالظن يشمل إطلاق نفسه , لانه دلالة ظنية أيضا , و لا نحتمل الفرق بينها و بين غيرها من الدلالات و الظواهر الظنية , فيلزم من حجيته التعبد بعدم حجية نفسه , و ما ينفى نفسه كذلك لا يعقل الاكتفاء به فى مقام الردع .


302
موضوع الحجية :

عرفنا سابقا أن الدلالة تصورية و تصديقية . و عليه فهناك ظهور على مستوى الدلالة التصورية , و هناك ظهور على مستوى الدلالة التصديقية .

و معنى الظهور الاول أن يكون أحد المعنيين أسرع انسباقاإلى تصور الانسان و ذهنه من الاخر عند سماع اللفظ .

و معنى الظهور الثانى أن يكون كشف الكلام تصديقا عما فى نفس المتكلم يبرز هذا المعنى دون ذاك , فيقال حينئذ : إنه ظاهر فيه بحسب الدلالة التصديقية .

و قد تقدم أن الظاهر من كل كلام أن يتطابق مدلوله التصورى مع مدلولها التصديقى .

و على أى حال , فموضوع الحجية هو الظهور على مستوى الدلالة التصديقية , لان الحجية معناهاإثبات مراد المتكلم و حكمه بظهور الكلام , و الكاشف عن المراد و الحكم إنما هو الدلالة التصديقية و الظهور التصديقى . و أما الدلالة التصورية فلا تكشف عن شىء لكى تكون حجة فى إثباته , وإنما هى مجردإخطار و تصور , نعم الظهور على مستوى الدلالة التصورية هو الذى يعين لنا عادة الظهور التصديقى , لان ظاهر الكلام هو التطابق بين ما هو الظاهر تصورا و ما هو المراد تصديقا وجدا . فالظهور التصورى إذن يؤخذ كأداة لتعيين الظهور التصديقى الذى هو موضوع الحجية لا أنه موضوع لها مباشرة .

و قد يوضح المتكلم فى نفس كلامه , أن مراده الجدى يختلف عما هو الظاهر من الكلام فى مرحلة المدلول التصورى , و بهذا يصبح الظهور


303
التصديقى الذى هو موضوع الحجية مختلفا عن الظهور التصورى , كماإذا قال , جئنى بأسد و أعنى به الرجل الشجاع , و تسمى الجملة التى سببت هذا الاختلاف بالقرينة المتصلة . و هذه القرينة تارة يكون تواجدها فى الكلام مؤكدا , كما فى هذا المثال , و اخرى يكون محتملا , كما لو كنا نستمع إلى المتكلم ثم ذهلنا عن الاستماع و احتملنا أنه قال شيئا من ذلك القبيل .

و فى كل من الحالتين لا يمكن الاخذ بالظهور التصديقى للكلام فى إرادة الحيوان المفترس , إذ فى الحالة الاولى لا ظهور كذلك جزما , لاننا نعلم بأن الظهور التصديقى اختلف عن الظهور التصورى , و فى الحالة الثانية نشك فى وجود ظهور تصديقى على طبق الظهور التصورى , لان احتمال القرينة يوجب احتمال التخالف بين الظهورين , و مع الشك فى وجوده لا يمكن البناء على حجيته , و هذا يعنى أن احتمال القرينة المتصلة كالقطع بها , يوجب عدم جواز الاخذ بالظهور الذى كان من المترقب أن يثبت للكلام فى حالة تجرده عن القرينة .

ظواهر الكتاب الكريم :

ذهب جماعة من العلماءإلى استثناء ظواهر الكتاب الكريم من الحجية , و قالوا : بأنه لا يجوز العمل فيما يتعلق القرآن العزيزإلا بما كان نصا فى المعنى أو مفسرا تفسيرا محددا من قبل النبى ( ص ) أو المعصومين من آله عليهم الصلاة و السلام .

و قد يستدل على ذلك بما يلى :

الدليل الاول قوله تعالى : [ ( هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات


304
محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله] ( . . . الاية ( 1 ) .

فانه يدل على النهى عن اتباع المتشابه , و كل ما لا يكون نصا فهو متشابه لتشابه محتملاته فى علاقتها باللفظ , سواء كان اللفظ مع أحدها أقوى علاقة أولا .

و الجواب من وجوه :

الاول : أن اللفظ الظاهر ليس من المتشابه , إذ لا تشابه و لا تكافؤ بين معانيه فى درجة علاقتها باللفظ , بل المعنى الظاهر متميز فى درجة علاقته , و عليه فالمتشابه يختص بالمجمل .

الثانى : لو سلمنا أن الظاهر من المتشابه , فلا نسلم أن الاية الكريمة تنهى عن مجرد العمل بالمتشابه , و إنما هى فى سياق ذم من يلتقط المتشابهات فيركز عليها بصورة منفصلة عن المحكمات ابتغاء الفتنة , و هذا مما لاإشكال فى عدم جوازه حتى بالنسبة إلى ظواهر الكتاب , فمساق الاية مساق قول القائل : إن عدوى يحاول أن يبرز النقاط الموهمة من سلوكى , و يفصلها عن ملا بساتها التى توضح سلوكى العام .

الثالث : ما قد يقال : من أن الاية ليست نصا فى الشمول لظاهر الكتاب , و إنما هى ظاهرة على أكثر تقدير فى الشمول , و هذا الظهور يشمله النهى نفسه , فيلزم من حجية ظاهر الاية فى إثبات الردع عن العمل بظواهر الكتاب الكريم نفى هذه الحجية .

الدليل الثانى : الروايات الناهية عن الرجوع إلى ظواهر القرآن

( 1 ) سورة آل عمران : 7 .


305
الكريم ( 1 ) , و يمكن تصنيفهاإلى ثلاث طوائف :

الاولى : ما دل من الروايات على أن القرآن الكريم مبهم و غامض قد استهدف المولى إغماضه و إبهامه لاجل تأكيد حاجة الناس إلى الحجة , و أنه لا يعرفه إلا من خوطب به , و أن غير المعصوم لا يصل إلى مستوى فهمه .

و هذه الطائفة يرد عليها :

أولا : أن رواياتها جميعا ضعيفة السند , بل قد يحصل الاطمئنان بكذبها نتيجة لضعف رواتها , و كونهم فى الغالب من ذوى الاتجاهات الباطنية المنحرفة على ما يظهر من تراجمهم . مع الالتفات إلى أن إسقاط ظواهر الكتاب الكريم عن الحجية أمر فى غاية الاهمية , فلو كان الائمة بصدد بيانه لما أمكن عادة افتراض اختصاص هؤلاء الضعاف بالاطلاع على ذلك و الاخبار عنه دون فقهاء أصحاب الائمة الذين عليهم المعول وإليهم تفزع الشيعة فى الفتوى و الاستنباط بأمر الائمة و إرجاعهم .

و ثانيا : أن هذه الروايات معارضة للكتاب الكريم الدال على أنه نزل تبيانا لكل شىء و هدى و بلاغا , و المخالف للكتاب من أخبار الاحاد لا يشمله دليل حجية خبر الواحد كما أشرنا سابقا .

الطائفة الثانية : ما دل من الروايات على عدم جواز الاستقلال فى فهم القرآن عن الحجة . و هذه لا تدل على عدم جواز العمل بظاهر الكتاب بعد الفحص فى كلمات الائمة و عدم الظفر بقرينة على خلاف الظاهر , لان هذا النحو من العمل ليس استقلالا عن الحجة فى مقام

( 1 ) الوسائل , ج 18 ب 13 من ابواب صفات القاضى .


306
فهم القرآن الكريم .

الطائفة الثالثة : ما دل من الروايات على النهى عن تفسير القرآن بالرأى و أن من فسر القرآن برأيه فقد كفر .

و قد أجيب على الاستدلال بها بأن حمل اللفظ على معناه الظاهر ليس تفسيرا , لان التفسير كشف القناع , و لا قناع على المعنى الظاهر .

و قد يقال : إن هذا الجواب لا ينطبق على بعض الحالات , حينما يكون الدليل مشتملا على ظواهر اقتضائية عديدة متضاربة , على نحو يحتاج تقدير الظهور الفعلى المتحصل من مجموع تلك الظواهر بعد الموازنة و الكسر و الانكسار , إلى نظر و إمعان , فيكون لونا من كشف القناع .

و لهذا نرى أن الفقهاء قد يختلفون فى فهم دليل , فيفهم بشكل من فقيه , و يأتى فقيه آخر فيبرز نكتة من داخل الدليل تعين فهمه بشكل آخر على أساس ما تقتضيه تلك النكتة من ظهور .

فالاحسن الجواب :

أولا : بأن كلمة الرأى منصرفة على ضوء ما نعرفه من ملابسات عصر النص , و ظهور هذه الكلمة كمصطلح و شعار لا تجاه فقهى واسع إلى الحدس و الاستحسان , فلا تشمل الرأى المبنى على قريحة عرفية عامة .

و ثانيا : أن إطلاق الروايات المذكورة للظاهر لا يصلح أن يكون رادعا عن السيرة على العمل بالظواهر , سواء أريد بها السيرة العقلائية أو سيرة المتشرعة , نظير ما تقدم فى بحث حجية خبر الواحد .

أما الاولى فلان الردع يجب أن يتناسب حجما و وضوحا مع درجة استحكام السيرة .


307

و أما الثانية , فلانناإذا ادعينا أن سيرة المتشرعة من أصحاب الائمة كانت على العمل بظواهر الكتاب و إلا لعرف الخلاف عنهم فنفس هذه السيرة تثبت عدم صلاحية الاطلاق المذكور للردع , بل تكون مقيدة له .

و مما يدفع به الاستدلال بالروايات المذكورة عموما ما دل من الروايات على الامر بالتمسك بالقرآن الكريم الصادق عرفا على العمل بظواهره , و على إرجاع الشروطإليه و إبطال ما كان منها مخالفا له ( 1 ) , فان المخالفة إن كان المراد بها المخالفة للفظه , فتصدق على مخالفة ظاهره , و إن كان المراد بها المخالفة لواقع مضمونه , فمقتضى الاطلاق المقامى إمضاء ما عليه العرف من موازين فى استخراج المضمون , فيدل على حجية الظهور .

و أوضح من ذلك ما دل على طرح ما ورد عنهم عليهم السلام على الكتاب و الاحجام عن العمل بما كان مخالفا له ( 2 ) , فانه لا يحتمل فيه أن يراد منه المخالفة للمضمون القرآنى المكتشف بالخبر , لانه بصدد بيان جعل الضابط لما يقبل و ما لا يقبل من الخبر , كما أنه لا يحتمل اختصاص المخالفة فيه بالمخالفة للنص لندرة الخبر المخالف للنص , و كون روايات طرح المخالف ناظرة إلى ما هو الشائع من المخالفة .

فان قدمت هذه الروايات الدالة على حجية ظواهر الكتاب على الروايات التى استدل بها على نفى الحجية فهو , وإن تكافأ الفريقان فعلى

( 1 ) الوسائل , ج 12 باب 6 من ابواب الخيار .

( 2 ) الوسائل , ح 18 باب 9 من ابواب صفات القاضى .


308
الاقل يلتزم بالتساقط , و يقال بالحجية حينئذ , لان الردع غير ثابت فتثبت الحجية بالسيرة العقلائية بصورة مستقلة , أو بضم استصحاب مفادها الثابت فى صدر الشريعة .

الدليل الثالث : و مرده إلى إنكار الظهور بدعوى أن القرآن الكريم مجمل , إما لتعمد من الله تعالى فى جعله مجملا لتأكيد حاجة الناس إلى الامام , وإما لاقتضاء طبع المطلب ذلك , لان علو المعانى و شموخها يقتضى عدم تيسرها للفهم .

و الجواب على ذلك : أن التعمد المذكور على خلاف الحكمة من نزول القرآن , و ربط الناس بالامام فرع إقامة الحجة على أصل الدين المتوقفة على فهم القرآن و إدراك مضامينه , كما أن شموخ المعانى و علوها ينبغى أن لا يكون على حساب الهدف من بيانها , و لما كان الهدف هداية الانسان , فلا بد أن تبين المعانى على نحو يؤثر فى تحقق هذا الهدف , و ذلك موقوف على تيسير فهمه .

فالصحيح أن ظواهر الكتاب الكريم حجة كظواهر السنة .


309
2 الدليل العقلى

1 إثبات القضايا العقلية .

2 حجية الدليل العقلى .


310

311
تمهيد :

الدليل العقلى كل قضية يدركها العقل و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعى , و البحث عن هذه القضايا العقلية تارة يقع صغرويا فى صحة القضية العقلية و مدى إدراك العقل لها , و اخرى يقع كبرويا فى حجية الادراك العقلى لها .

و القضايا العقلية على قسمين :

أحدهما : قضايا تشكل عناصر مشتركة فى عملية الاستنباط , كالقضية العقلية القائلة : إن إيجاب شىء يستلزم إيجاب مقدمته .

و الاخر : قضايا مرتبطة بأحكام شرعية معينة , كحكم العقل بحرمة المخدر قياسا له على الخمر لوجود صفة مشتركة و هى : إذهاب الشعور , و حكم العقل بحرمة الكذب لانه قبيح .

و القسم الاول يدخل بحثه الصغروى و الكبروى معا فى علم الاصول , فقد يبحث عن أصل وجودإدراك عقلى , و هذا بحث صغروى , و قد يبحث عن حجيته , و هذا بحث كبروى , و كلاهما اصولى لانهما بحثان فى العناصر المشتركة فى عملية الاستنباط .


312

و القسم الثانى لا يدخل بحثه الصغروى فى علم الاصول , لانه بحث فى عنصر غير مشترك , وإنما يدخل بحثه الكبروى فى هذا العلم , لكونه بحثا فى عنصر مشترك , كالبحث عن حجية القياس , و هكذا يتضح أن البحث الصغروى لا يكون اصولياإلا فى القسم الاول , و أن البحث الكبروى اصولى فى كلا القسمين .

غير أن الادراك العقلى إذا كان قطعيا فلا موجب للبحث عن حجيته للفراغ عن حجيته بعد الفراغ عن حجية القطع , و إنما نحتاج إلى البحث عن حجيته , إذا لم يكن قطعيا كالقياس مثلا :

و سوف نصنف البحث فى القضايا العقلية إلى بحثين :

أحدهما : صغروى فى إثبات القضايا العقلية التى تشكل عناصر مشتركة .

و الاخر : كبروى فى حجية إدراك العقل غير القطعى .


313
1 إثبات القضايا العقلية تقسيمات للقضايا العقلية :

القضايا العقلية التى تشكل عناصر مشتركة فى عملية الاستنباط و أدلة عقلية على الحكم الشرعى يمكن أن تقسم كما يلى :

أولا : تنقسم إلى ما يكون دليلا عقليا مستقلا , و ما يكون عقليا غير مستقل .

و المراد بالاول ما يحتاج إلى إثبات قضية شرعية لاستنباط الحكم منه .

و المراد بالثانى ما يحتاج إلى إثبات قضية شرعية كذلك .

و مثال الاول : القضية القائلة : بأن كل ما حكم العقل بحسنه أو قبحه حكم الشارع بوجوبه أو حرمته , فان تطبيقها لاستنباط حرمة الظلم مثلا , لا يتوقف على إثبات قضية شرعية مسبقة .

و مثال الثانى : القضية القائلة : إن وجوب شىء يستلزم وجوب مقدمته , فان تطبيقها لاستنباط وجوب الوضوء يتوقف على إثبات قضية شرعية مسبقة , و هى وجوب الصلاة .

ثانيا : تنقسم القضية العقلية إلى قضية تحليلية , و قضية تركيبية ,


314
والمراد بالقضية التحليلية ما كان البحث فيها يدور حول تفسير ظاهرة معينة , كالبحث عن حقيقة الوجوب التخييرى , و المراد بالقضية التركيبية ما كان البحث فيها يدور حول استحالة شىء أو ضرورته بعد الفراغ عن معناه و حقيقته فى نفسه , كالبحث عن استحالة الامر بالضدين فى وقت واحد .

ثالثا : تنقسم الادلة العقلية المستقلة التركيبية فى دلالتهاإلى سالبة و موجبة . و المراد بالسالبة : الدليل العقلى المستقل فى استنباط نفى حكم شرعى . و المراد بالموجبة : الدليل العقلى المستقل فى استنباطإثبات حكم شرعى .

و مثال الاول : القضية القائلة باستحالة التكليف بغير المقدور .

و مثال الثانى : القضية المشارإليها آنفا القائلة : بأن كل ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته .

و القضايا العقلية متفاعلة فيما بينها . فقد يتفق أن تدخل قضية عقلية تحليلية فى البرهنة على قضية اخرى تحليلية أو تركيبية , كما قد تدخل قضية تركيبية فى البرهنة على قضايا تحليلية , و هذا ما سنراه فى البحوث الاتية إن شاء الله تعالى .


315
قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور

يستحيل التكليف بغير المقدور , و هذا له معنيان :

أحدهما : أن المولى يستحيل أن يدين المكلف بسبب فعل أو ترك غير صادر منه بالاختيار , و هذا واضح , لان العقل يحكم بقبح هذه الادانة , لان حق الطاعة لا يمتد إلى ما هو خارج عن الاختيار .

و المعنى الاخر : أن المولى يستحيل أن يصدر منه تكليف بغير المقدور فى عالم التشريع , ولو لم يرتب عليه إدانة و مؤاخذة للمكلف , فليست الادانة وحدها مشروطة بالقدرة بل التكليف ذاته مشروط بها أيضا .

و توضيح الحال فى ذلك أن مقام الثبوت للحكم يشتمل كما تقدم على ملاك و إرادة و اعتبار , و من الواضح أنه ليس من الضرورى أن يكون الملاك مشروطا بالقدرة , كما أن بالامكان تعلق إرادة المولى بأمر غير مقدور , لاننا لا نريد بالارادة إلا الحب الناشىء من ذلك الملاك , و هو مهما كان شديدا , يمكن افتراض تعلقة بالمستحيل ذاتا فضلا عن الممتنع بالغير , و الاعتبار إذا لوحظ بما هو اعتبار يعقل أيضا أن يتكفل جعل الوجوب على غير المقدور , لان الاعتبار سهل المؤونة , و ليس لغوا فى


316
هذه الحالة , إذ قد يراد به مجرد الكشف بالصياغة التشريعية التى اعتادها العقلاء عن الملاك و المبادىء , و لكن إذا لوحظ الجعل و الاعتبار بما هو ناشىء من داعى البعث و التحريك , فمن الواضح أن القدرة على مورده تعتبر شرطا فيه , لان داعى تحريك العاجز يستحيل أن ينقدح فى نفس العاقل الملتفت .

و حيث إن الاعتبار الذى يكشف عنه الخطاب الشرعى هو الاعتبار بهذا الداعى , كما يقتضيه الظهور التصديقى السياقى للخطاب , فلا بد من اختصاصه بحال القدرة , و يستحيل تعلقه بغير المقدور .

و من هنا كان كل تكليف مشروطا بالقدرة على متعلقه بدون فرق بين التكاليف الالزامية و غيرها . و كما يشترط فى التكليف الطلبى ( الوجوب و الاستحباب ) القدرة على الفعل , كذلك يشترط الشىء نفسه فى التكليف الزجرى ( الحرمة و الكراهة ) لان الزجر عما لا يقدر المكلف على إيجاده , أو عن الامتناع عنه , غير معقول أيضا .

و هكذا نعرف , أن القدرة شرط ضرورى فى التكليف , و لكنها ليست شرطا ضروريا فى الملاك و المبادىء . و لكن هذا لا يعنى أنها لا تكون شرطا , فان مبادىء الحكم يمكن أن تكون ثابتة و فعلية فى حال القدرة و العجز على السواء , و يمكن أن تكون مختصة بحالة القدرة , و يكون انتفاء التكليف عن العاجز لعدم المقتضى و عدم الملاك رأسا .

و فى كل حالة من هذا القبيل يقال . إن دخل القدرة فى التكليف شرعى . و قد تسمى القدرة حينئذ ب ( القدرة الشرعية ) بهذا الاعتبار تمييزا لذلك عن حالات عدم دخل القدرة فى الملاك , إذ يقال عندئذ : إن دخل القدرة فى التكليف عقلى , و قد تسمى القدرة حينئذ ب ( القدرة


317
العقلية ) .

و لا فرق فى استحالة التكليف بغير المقدور , بين أن يكون التكليف مطلقا من قبيل أن يقول الامر لمأموره ( طرفى السماء ) , أو مقيدا بقيد برتبط بارادة المكلف و اختياره من قبيل أن يقول : ( إن صعدت إلى السطح فطرإلى السماء ) , فان التكليف فى كلتا الحالتين مستحيل .

و الثمرة فى اشتراط القدرة فى صحة الادانة ( المعنى الاول ) واضحة , و أما الثمرة فى اشتراط القدرة فى التكليف ذاته ( المعنى الثانى ) فقد يقال : إنها نمير واضحة إذ ما دام العاجز غير مدان على أى حال , فلا يختلف الحال سواء افترضنا أن القدرة شرط فى التكليف أو نفينا ذلك و قلنا بأن التكليف يشمل العاجز , إذ لا أثر لذلك بعد افتراض عدم الادانة , و لكن الصحيح وجود ثمرة على الرغم من أن العاجز غير مدان على أى حال , و هى تتصل بملاك الحكم , إذ قد يكون من المفيد أن نعرف أن العاجز هل يكون ملاك الحكم فعليا فى حقه و قد فاته بسبب العجز لكى يجب القضاء مثلا , أو أن الملاك لا يشمله رأسا فلم يفته شىء ليجب القضاء , أى أن نعرف أن القدرة هل هى دخيلة فى الملاك أولا , فإذا جاء الخطاب الشرعى مطلقا و لم ينص فيه الشارع على قيد القدرة ظهرت الثمرة , لانناإن قلنا باشتراط القدرة فى التكليف ذاته كما تقدم , كان حكم العقل بذلك بنفسه قرينة على تقييد إطلاق الخطاب , فكأنه متوجه إلى القادر خاصة و غير شامل للعاجز , و فى هذه الحالة لا يمكن إثبات فعلية الملاك فى حق العاجز , و أنه قد فاته الملاك ليجب عليه القضاء مثلا , لانه لا دليل على ذلك نظرا إلى أن الخطاب إنما يدل على ثبوت الملاك بالدلالة الالتزامية , و بعد سقوط المدلول المطابقى


318
للخطاب , و تبعية الدلالة الالتزامية على الملاك للدلالة المطابقية على التكليف , لا يبقى دليل على ثبوت الملاك فى حق العاجز , و إن لم نقل باشتراط القدرة فى التكليف , أخذنا باطلاق الخطاب فى المدلول المطابقى و الالتزامى معا , و أثبتنا التكليف و الملاك على العاجز و بذلك يثبت أن العاجز قد فاته الملاك و إن كان معذورا فى ذلك , إذ لا يدان العاجز على أى حال .
319
قاعدة إمكان التكليف المشروط

مر بنا أن مقام الثبوت للحكم يشتمل على عنصر يسمى بالجعل و الاعتبار , و فى هذه المرحلة يجعل الحكم على نهج القضية الحقيقية , كما تقدم , فيفترض المولى كل الخصوصيات و القيود التى يريدإناطة الحكم بها , و يجعل الحكم منوطا بها فيقول مثلا : إذا استطاع الانسان و كان صحيح البدن مخلى السرب وجب عليه الحج .

و نحن إذا لا حظنا هذا الجعل نجد هناك شيئا قد تحقق بالفعل , و هو نفس الجعل الذى يعتبر فى قوة قضية شرطية , شرطها القيود المفترضة , و جزاؤها ثبوت الحكم , و لكن هناك شىء قد لا يكون متحققا فعلا , و إنما يتحقق إذا وجد فى الخارج مستطيع صحيح مخلى , و هو الوجوب على هذا أو ذلك الذى يمثل فعلية الجزاء فى تلك القضية الشرطية , فان فعلية الجزاء فى كل قضية شرطية تابعة لفعلية الشرط , فما لم تتحقق تلك القيود لا يكون الوجوب فعليا , و يسمى الوجوب الفعلى بالمجعول .

و من هنا أمكن التمييز بين الجعل و المجعول , لان الاول موجود منذ البداية , و الثانى لا يوجد إلا بعد تحقق القيود خارجا , و القيود بالنسبة إلى


320
المجعول بمثابة العلة , و ليست كذلك بالنسبة إلى الجعل , لان الجعل متحقق قبل وجودها خارجا , نعم الجعل يتقوم بافتراض القيود و تصورها , إذ لو لم يتصور المولى الاستطاعة و الصحة مثلا لما أمكنه أن يجعل تلك القضية الشرطية , و بذلك تعرف أن الجعل متقوم بلحاظ القيود و تصورها ذهنا , و المجعول متقوم بوجود القيود خارجا , و مترتب عليها من قبيل ترتب المعلول على علته .

و على هذا الاساس نعرف أن الحكم المشروط ممكن , و نعنى بالحكم المشروط : أن يكون تحقق الحكم منوطا بتحقق بعض القيود خارجا فلا وجود له قبلها , فقد عرفنا أن المجعول يمكن أن يكون مشروطا , سواء كان حكما تكليفيا كالوجوب و الحرمة , أو وضعيا كالملكية و الزوجية .

و بذلك يندفع ما قد يقال : من أن الحكم المشروط غير معقول , لان الحكم فعل للمولى , و هذا الفعل يصدر و يتحقق بمجردإعمال المولى لحاكميته , فأى معنى للحكم المشروط ؟ . و وجه الاندفاع أن ما يتحقق كذلك إنما هو الجعل لا المجعول , و الحكم المشروط هو المجعول دائما .


321
قاعدة تنوع القيود و أحكامها تنوع القيود :

حينما يقال : إذا زالت الشمس صل متطهرا , فالجعل يتحقق بنفس هذا الانشاء , و أما المجعول و هو وجوب الصلاة فعلا , فهو مشروط بالزوال , و مقيد به . فلا وجوب قبل الزوال .

و نلاحظ قيدا آخر و هو الطهارة , و هذا القيد ليس قيدا للوجوب المجعول لوضوح أن الشمس إذا زالت و كان الانسان محدثا وجبت عليه الصلاة أيضا , وإنما هو قيد لمتعلق الوجوب , أى للواجب و هو الصلاة . و معنى كون شىء قيدا للواجب أن المولى حينما أمر بالصلاة أمر بحصة خاصة منها لابها كيفما اتفقت , حيث إن الصلاة تارة تقع مع الطهارة , و اخرى بدونها , فاختار الحصة الاولى و أمر بها . و حينما نحلل الحصة الاولى نجد أنها تشتمل على صلاة , و على تقيد بالطهارة , فالامر بها أمر بالصلاة و بالتقيد . و من هنا نعرف أن معنى أخذ الشارع شيئا قيدا فى الواجب تحصيص الواجب به والامر به بما هو مقيد بذلك القيد .

و فى المثال السابق حينما نلاحظ الطهارة مع ذات الصلاة , لا نجد أن إحداهما علة للاخرى أو جزء العلة لها , و لكن حينما نلاحظ الطهارة مع


322
تقيد الصلاة بها , نجد أن الطهارة علة لهذا التقيد , إذ لولاها لما وجدت الصلاة مقيدة و مقترنة بالطهارة .

و من ذلك نستخلص , أن أخذ الشارع قيدا فى الواجب يعنى أولا : تخصيص الواجب به , و ثانيا : أن الامر يتعلق بذات الواجب و التقيد بذلك القيد , و ثالثا : أن نسبة القيد إلى القيد نسبة العلة إلى المعلول , و ليس كذلك نسبته إلى ذات الواجب .

و قد يؤخذ شىء قيدا للوجوب و للواجب معا , كشهر رمضان الذى هو قيد لوجوب الصيام , فلا وجوب للصيام بدون رمضان , و هو أيضا قيد للصيام الواجب , بمعنى أن الصوم المأمور به هو الحصة الواقعة فى ذلك الشهر خاصة , و بموجب كون الشهر قيدا للوجوب فالوجوب تابع لوجود هذا القيد , و بموجب كونه قيدا للواجب يكون الوجوب متعلقا بالمقيد به , أى أن الامر متعلق بذات الصوم و بتقيده بأن يكون فى شهر رمضان .

أحكام القيود المتنوعة :

لا شك فى أن الواجبات تشتمل على نوعين من القيود :

أحدهما : قيود يلزم على المكلف تحصيلها , بمعنى أنه لو لم يحصلها لاعتبر عاصيا للامر بذلك الواجب , كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة .

والاخر : القيود التى لا يلزم على المكلف تحصيلها , بمعنى أنه لو لم يأت بها المكلف و بالتالى لم يأت بالواجب لا يعتبر عاصيا , كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج .

و القضية التى نبحثها هى محاولة التعرف على الفرق بين هذين النوعين من القيود , و ما هو الضابط فى كون القيد مما يلزم تحصيله أولا ؟


323

والصحيح أن الضابط فى ذلك أن كل ما كان قيدا لنفس الوجوب , فلا يجب تحصيله , و لا يكون المكلف مسؤولا عن إيجاده من قبل ذلك الوجوب , لانه ما لم يوجد القيد لا وجود للوجوب , كما تقدم . و كلما كان القيد قيدا لمتعلق الوجوب أى للواجب فهذا يعنى أن الوجوب قد تعلق بالمقيد كما تقدم , أى بذات الواجب و بالتقيد بالقيد المذكور , و حينئذ يلاحظ هذا القيد فان كان قيدا فى نفس الوقت للوجوب أيضا , لم يكن المكلف مسؤولا عقلا من قبل ذلك الوجوب عن إيجاده , وإنما هو مسؤول متى ما وجد القيد عن إيجاد ذات الواجب و إيجاد تقيده بذلك القيد , و إن لم يكن القيد قيدا للوجوب , بل كان قيدا للواجب , فهذا يعنى أن الوجوب فعلى حتى لو لم يوجد هذا القيد , و إذا كان الوجوب فعليا فالمكلف مسؤول عن امتثاله و الاتيان بمتعلقه و هو المقيد و كان عليه حينئذ عقلا أن يوفر القيد لكى يوجد المقيد الواجب .

و نستخلص من ذلك :

أولا : أنه كلما كان القيد قيدا للوجوب فقط فلا يكون المكلف مسؤولا عن إيجاد القيد .

و ثانيا : أنه كلما كان القيد قيدا للواجب فقط , فالمكلف مسؤول عن إيجاد القيد .

و ثالثا : أنه كلما كان القيد قيدا للوجوب و للواجب معا , فالمكلف غير مسؤول عن إيجاد القيد , و لكنه مسؤول عن إيجاد التقيد حينما يكون القيد موجودا .

و إذا ضممنا إلى هذه النتائج ما تقدم من أنه لا إدانة بدون قدرة ,


324
و أن القدرة شرط فى التكليف , نستطيع أن نستنتج القاعدة القائلة : إن كل القيود التى تؤخذ فى الواجب دون الوجوب لابد أن تكون اختيارية و مقدورة للمكلف , لان المكلف مسؤول عن توفيرها , كما عرفنا آنفا , و لا مسؤولية و لا تكليف إلا بالمقدور , فلا بدإذن أن تكون مقدورة , و هذا خلافا لقيود الوجوب , فانها قد تكون مقدورة كالاستطاعة , و قد لا تكون كزوال الشمس , لان المكلف غير مسؤول عن إيجادها .
قيود الواجب على قسمين :

عرفنا حتى الان من قيود الواجب القيد الذى يأخذه الشارع قيدا , فيحصص به الواجب و يأمر بالحصة الخاصة كالطهارة , و تسمى هذه بالقيود أو المقدمات الشرعية . و هناك قيود و مقدمات تكوينية يفرضها الواقع بدون جعل من قبل المولى , و ذلك من قبيل إيجاد واسطة نقل , فانها مقدمة تكوينية للسفر بالنسبة إلى من لا يستطيع المشى على قدميه , فاذا وجب السفر كان توفير واسطة النقل مقدمة للواجب حتى بدون أن يشيرإليها المولى أو يحصص الواجب بها , و تسمى بالمقدمة العقلية .

و المقدمات العقلية للواجب من ناحية مسؤولية المكلف تجاهها كالقيود الشرعية , فان أخذت المقدمة العقلية للواجب قيدا للوجوب لم يكن المكلف مسؤولا عن توفيرها , و إلا كان مسؤولا عقلا عن ذلك , بسبب كونه ملزما بامتثال الامر الشرعى الذى لا يتم بدون إيجادها .

و المسؤولية تجاه قيود الواجب سواء كانت شرعية أو عقلية , إنما تبدأ بعد أن يوجد الوجوب المجعول و يصبح فعليا بفعلية كل القيود المأخوذة فيه , فالمسؤولية تجاد الطهارة و الوضوء مثلا , تبدأ من قبل وجوب صلاة


325
الظهر بعد أن يصبح هذا الوجوب فعليا بتحقق شرطه و هو الزوال , و أما قبل الزوال فلا مسؤولية تجاه قيود الواجب , إذ لا وجوب لكى يكون الانسان ملزما عقلا بامتثاله , و توفير كل ما له دخل فى ذلك .
المسؤولية قبل الوجوب :

إذا كان للواجب مقدمة عقلية أو شرعية , و كان وجوبه منوطا بزمان معين , و افترضنا أن تلك المقدمة من المتعذر على المكلف إيجادها فى ذلك الزمان , و لكن كان بامكانه إيجادها قبل ذلك , فهل يكون المكلف مسؤولا عقلا عن توفيرها أولا ؟ .

و مثال ذلك : أن يعلم المكلف بأنه لن يتمكن من الوضوء و التيمم عند الزوال لانعدام الماء و التراب , و لكنه يتمكن منه قبل الزوال , فهل يجب عليه أن يتوضأ قبل الزوال أولا ؟ .

والجواب : أن مقتضى القاعدة هو عدم كونه مسؤولا عن ذلك , إذ قبل الزوال لا وجوب للصلاة لكى يكون مسؤولا من ناحيته عن توفير المقدمات للصلاة , وإذا ترك المقدمة قبل الزوال فلن يحدث وجوب عند الزوال ليبتلى بمخالفته , لانه سوف يصبح عند الزوال عاجزا عن الاتيان بالواجب , و كل تكليف مشروط بالقدرة , فلا ضير عليه فى ترك إيجاد المقدمة قبل الزوال , و كل مقدمة يفوت الواجب بعدم المبادرة إلى الاتيان بها قبل زمان الوجوب , تسمى بالمقدمة المفوتة . و بهذا صح أن القاعدة تقتضى عدم كون المكلف مسؤولا عن المقدمات المفوتة .

و لكن قد يتفق أحيانا أن يكون للواجب دائما مقدمة مفوتة , على نحو لو لم يبادر المكلف إلى إيقاعها قبل الوقت لعجز عن الواجب فى حينه .


326
و مثال ذلك : الوقوف بعرفات الواجب على من يملك الزاد و الراحلة , فان الواجب منوط بظهر اليوم التاسع من ذى الحجة , و لكن لو لم يسافر المكلف قبل هذا الوقت , لما أدرك الواجب فى حينه , و فى مثل ذلك لا شك فقهيا فى أن المكلف مسؤول عن أيجاد المقدمة المفوتة قبل الوقت , و قد وقع البحث أصوليا فى تفسير ذلك و تكييفه , و أنه كيف يكون المكلف مسؤولا عن توفير المقدمات لامتثال وجوب غير موجود بعد , و ستأتى بعض المحاولات فى تفسير ذلك فى حلقة مقبلة .
327
القيود المتأخرة زمانا عن المقيد

القيد تارة يكون قيدا للحكم المجعول , و اخرى يكون قيدا للواجب الذى تعلق به الحكم كما تقدم . و الغالب فى القيود فى كلتا الحالتين أن يكون المقيد موجودا حال وجود القيد أو بعده , فاستقبال القبلة قيد يجب أن يوجد حال الصلاة , و الوضوء قيد يجب أن توجد الصلاة بعده , و يسمى الاول بالشرط المقارن , و الثانى بالشرط المتقدم , و لكن قد يدعى أحيانا شرط للحكم أو للواجب , و يكون متأخرا زمانا عن ذلك الحكم أو الواجب .

و مثاله : ما يقال من أن غسل المستحاضة فى ليلة الاحد شرط فى صحة صوم نهار السبت , فهذا شرط للواجب , و لكنه متأخر عنه زمانا .

و مثال آخر : ما يقال من أن عقد الفضولى ينفذ من حين صدوره إذا وقعت الاجازة بعده , فهذا شرط للحكم , و لكنه متأخر عنه زمانا .

و قد وقع البحث أصوليا فى إمكان ذلك و استحالته , إذ قد يقال بالاستحالة لان الشرط بالنسبة إلى المشروط بمثابة العلة بالنسبة إلى المعلول , و لا يعقل أن تكون العلة متأخرة زمانا عن معلولها . و قد يقال


328
بالامكان , و يرد على هذا البرهان , أما بالنسبة إلى الشرط المتأخر للواجب , فبأن القيود الشرعية للواجب لا يتوقف عليها وجود ذات الواجب , وإنما تنشأ قيديتها من تحصيص المولى للطبيعة بحصة عن طريق تقييدها بقيد , فكما يمكن أن يكون القيد المحصص مقارنا أو متقدما يمكن أن يكون متأخرا , و أما بالنسبة إلى الشرط المتأخر للوجوب , فبأن قيود الوجوب كلها قيود للحكم المجعول لا للجعل كما تقدم , لوضوح أن الجعل ثابت قبل وجودها , و المجعول وجوده مجرد إفتراض , و ليس وجودا حقيقيا خارجيا , فلا محذور فى إناطته بأمر متأخر .
329
زمان الوجوب و الواجب

لكل من الوجوب أى الحكم المجعول و الواجب زمان , و الزمانان متطابقان عادة , فوجوب صلاة الفجر مثلا زمانه الفترة الممتدة بين الطلوعين , و هذه الفترة هى بنفسها زمان الواجب , و يستحيل أن يكون زمان الوجوب بكامله متقدما على زمان الواجب , لان هذا معناه أنه فى هذا الظرف الذى يترقب فيه صدور الواجب لا وجوب , فلا محرك للمكلف إلى الاتيان بالواجب , و هذا واضح . و لكن وقع البحث فى أنه , هل بالامكان أن تتقدم بداية زمان الوجوب على زمان الواجب مع استمراره و امتداده و تعاصره بقاء مع الواجب ؟ .

و مثال ذلك : الوقوف بعرفات فانه واجب على المستطيع , و زمان الواجب هو يوم عرفة من الظهرإلى الغروب , و أما زمان الوجوب فيبدأ من حين حدوث الاستطاعة لدى المكلف التى قد تسبق يوم عرفة بفترة طويلة , و يستمر الوجوب من ذلك الحين إلى يوم عرفة الذى هو زمان الواجب .

و قد ذهب جماعة من الاصوليين إلى أن هذا معقول , وسموا كل


330
واجب تتقدم بداية زمان وجوبه على زمان الواجب بالواجب المعلق , و حاولوا عن هذا الطريق أن يفسروا ما سبق من مسؤولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة , و ذلك لان الاشكال فى هذه المسؤولية كان يبتنى على إفتراض أن الوجوب لا يحدث إلا فى ظرف إيقاع الواجب , فاذا افترضنا أن الوجوب غير مشروط بزمان الواجب , بل يحدث قبله و يصبح فعليا بالاستطاعة , فمن الطبيعى أن يكون المكلف مسؤولا عن المقدمات المفوتة قبل مجىء يوم عرفة , لان الوجوب فعلى , و هو يستدعى عقلا التهيؤ لامتثاله .

و الصحيح أن زمان الواجب يجب أن يكون قيدا للوجوب , و لا يمكن أن يكون قيدا للواجب فقط , لانه أمر غير اختيارى , و قد تقدم أن كل القيود التى تؤخذ فىالواجب فقط يلزم أن تكون اختيارية , فبهذا نبرهن على أنه قيد للوجوب و حينئذ فان قلنا باستحالة الشرط المتأخر للحكم , ثبت أن الوجوب مادام مشروطا بزمان الواجب , فلا بد أن يكون حادثا بحدوثه لا سابقا عليه , لئلا يلزم وقوع الشرط المتأخر , و بهذا يتبرهن أن الواجب المعلق مستحيل . وإن قلنا بامكان الشرط المتأخر جاز أن يكون زمان الواجب شرطا متأخرا للوجوب , فوجوب الوقوف بعرفات يكون له شرطان :

أحدهما : مقارن يحدث الوجوب بحدوثه , و هو الاستطاعة .

والاخر : متأخر يسبقه الوجوب و هو مجىء يوم عرفة على المكلف المستطيع و هو حى , فكل من استطاع فى شهر شعبان مثلا , و كان ممن سيجىء عليه يوم عرفة و هو حى فوجوب الحج يبدأ فى حقه من شعبان و بذلك يصبح مسؤولا عن توفير المقدمات المفوتة له من أجل فعلية الوجوب .


331
متى يجوز عقلا التعجيز ؟

تارة يترك المكلف الواجب و هو قادر على إيجاده , و هذا هو العصيان , و اخرى يتسبب إلى تعجيز نفسه عن الاتيان به , و هذا التسبيب له صورتان :

الاولى : أن يقع بعد فعلية الوجوب , كحال إنسان يحل عليه وقت الفريضة ولديه ماء فيريق الماء و يعجز نفسه عن الصلاة مع الوضوء , و هذا لا يجوز عقلا لانه معصية .

الثانية : أن يقع قبل فعلية الوجوب , كما لو أراق الماء فى المثال قبل دخول الوقت , و هذا يجوز , لانه باراقة الماء يجعل نفسه عاجزا عن الواجب عند تحقق ظرف الوجوب , و حيث أن الوجوب مشروط بالقدرة فلا يحدث الوجوب فى حقه , و لا محذور فى أن يسبب المكلف إلى أن لا يحدث الوجوب فى حقه , و إنما المحذور فى أن لا يمتثله بعد أن يحدث .

و لكن قد يقال هنا بالتفصيل بين ما إذا كان دخل القدرة فى هذا الوجوب عقليا أو شرعيا , فاذا كان الدخل شرعيا جاز التعجيز المذكور , لانه لا يفوت على المولى بذلك شيئا , إذ يصبح عاجزا ولا ملاك للواجب


332
فى حق العاجز , وإذا كان الدخل عقليا و كان ملاك الواجب ثابتا فى حق العاجز أيضا و إن اختص التكليف بالقادر بحكم العقل فلا يجوز التعجيز المذكور لان المكلف يعلم بأنه بهذا سوف يسبب إلى تفويت ملاك فعلى فى ظرفه المقبل , و هذا لا يجوز بحكم العقل .

و على هذا الاساس يمكن تخريج مسؤولية المكلف تجاه المقدمات المفوتة فى بعض الحالات , بأن يقال : إن هذه المسؤولية تثبت فى كل حالة يكون دخل القدرة فيها عقليا لا شرعيا .


333
اخذ العلم بالحكم فى موضوع الحكم استحالة اختصاص الحكم بالعالم به :

إذا جعل الحكم على نحو القضية الحقيقية و اخذ فى موضوعه العلم بذلك الحكم , إختص بالعالم به و لم يثبت للشاك أو القاطع بالعدم , لان العلم يصبح قيدا للحكم , غير أن أخذ العلم قيدا كذلك قد يقال : إنه مستحيل , و برهن على استحالته بالدور , و ذلك لان ثبوت الحكم المجعول متوقف على وجود قيوده , و العلم بالحكم متوقف على الحكم توقف كل علم على معلومه , فاذا كان العلم بالحكم من قيود نفس الحكم , لزم توقف كل منهما على الاخر , و هو محال . و قد اجيب على ذلك بمنع التوقف الثانى , لان العلم بشىء لا يتوقف على وجود ذلك الشىء وإلا لكان كل علم مصيبا , وإنما يتوقف على الصورة الذهنية له فى افق نفس العالم , أى أن العلم يتوقف على المعلوم بالذات لا على المعلوم بالعرض , فلا دور .

إلا أن هذا الجواب لا يزعزع الاستحالة العقلية , لان العقل قاض بأن العلم وظيفته تجاه معلومه مجرد الكشف و دوره دور المرآة , و لا يعقل للمرآة أن تخلق الشىء الذى تكشف عنه , فلا يمكن أن يكون العلم


334
بالحكم دخيلا فى تكوين شخص ذلك الحكم .

غير أن هذه الاستحالة إنما تعنى عدم إمكان أخذ العلم بالحكم المجعول قيدا له , و أما أخذ العلم بالجعل قيدا للحكم المجعول فلا محذور فيه بناء على ما تقدم منالتمييز بين الجعل و المجعول , فلا يلزم دور و لا إخراج للعلم عن دوره الكاشف البحت .

و الثمرة التى قد تفترض لهذا البحث هى أن التقييد بالعلم بالحكم إذا كان مستحيلا , فهذا يجعل الاطلاق ضروريا , و يثبت بذلك أن الاحكام الشرعية مشتركة بين العالم و غيره على مبنى من يقول : بأن التقابل بين التقييد و الاطلاق الثبوتيين تقابل السلب و الايجاب , و على العكس تكون استحالة التقييد موجبة لاستحالة الاطلاق على مبنى من يقول : إن التقابل بين التقييد و الاطلاق كالتقابل بين البصر و العمى , فكما لا يصدق الاعمى حيث لا يمكن البصر , كذلك لا يمكن الاطلاق حيث يتعذر التقييد , و من هنا تكون الاحكام على هذا القول مهملة لا هى بالمقيدة و لا هى بالمطلقة , و المهملة فى قوة الجزئية .

أخذ العلم لحكم فى موضوع حكم آخر :

قد يؤخذ العلم بحكم فى موضوع حكم آخر , و الحكمان إما أن يكونا متخالفين أو متضادين أو متماثلين فهذه ثلاث حالات :

أما الحالة الاولى فلا شك فى إمكانها , كماإذا قال الامر : إذا علمت بوجوب الحج عليك فاكتب وصيتك , و يكون العلم بوجوب الحج هنا قطعا موضوعيا بالنسبة إلى وجوب الوصية , و طريقيا بالنسبة إلى متعلقه .


335

و أما الحالة الثانية فلا ينبغى الشك فى استحالتها , و مثالها أن يقول الامر : إذا علمت بوجوب الحج عليك فهو حرام عليك , و الوجه فى الاستحالة ما تقدم من أن الاحكام التكليفية الواقعية متنافية متضادة , فلا يمكن للمكلف القاطع بالوجوب أن يتصور ثبوت الحرمة فى حقه .

و أما الحالة الثالثة فقد يقال باستحالتها , على أساس أن اجتماع حكمين متماثلين مستحيل , كاجتماع المتنافيين , فاذا قيل إن قطعت بوجوب الحج وجب عليك , بنحو يكون الوجوب المجعول فى هذه القضية غير الوجوب المقطوع به مسبقا , كان معنى ذلك فى نظر القاطع أن وجوبين متماثلين قد اجتمعا عليه .


336
أخذ قصد امتثال الامر فى متعلقه

قد يكون غرض المولى قائما باتيان المكلف للفعل كيفما اتفق , و يسمى بالواجب التوصلى , و قد يكون غرضه قائما بأن يأتى المكلف بالفعل بقصد امتثال الامر , و يسمى بالواجب التعبدى . و السؤال هو : أنه هل بامكان المولى عند جعل التكليف و الوجوب فى الحالة الثانية أن يدخل فى متعلق الوجوب قصد امتثال الامر أولا ؟ . قد يقال بأن ذلك مستحيل , لان قصد امتثال الامر إذا دخل فى الواجب كان نفس الامر قيدا من قيود الواجب , لان القصد المذكور مضاف إلى نفس الامر , و إذا لا حظنا الامر وجدنا أنه ليس اختياريا للمكلف كما هو واضح , و حينئذ نطبق القاعدة السابقة القائلة : إن القيود المأخوذة فى الواجب فقط يجب أن تكون اختيارية , لنستنتج أن هذا القيدإذن لا يمكن أن يكون قيدا للواجب فقط , بل لابد أن يكون أيضا قيدا للوجوب , و هذا يعنى أن الامر مقيد بنفسه و هو محال . و هكذا يتبرهن بأن أخذ قصد إمتثال الامر فى متعلق نفسه يؤدى إلى المحال .

و ثمرة هذا البحث أن هذه الاستحالة إذا ثبتت فسوف يختلف


337
الموقف تجاه قصدإمتثال الامر عن الموقف تجاه أى خصوصية اخرى بشك فى دخلها فى الواجب , و ذلك أنا إذا شككنا فى دخل خصوصية إيقاع الصلاة مع الثوب الابيض فى الواجب , أمكن التمسك باطلاق كلام المولى لنفى دخل هذه الخصوصية فى الواجب بحسب عالم الوجوب و الجعل , و إذا ثبت عدم دخلها فى الواجب بحسب عالم الجعل يثبت عدم دخلها فى الغرض , إذ لو كانت دخيلة فى الغرض لا خذت فى الواجب , و لو اخذت كذلك لذكرت فى الكلام . و هذا الاسلوب لا يمكن تطبيقه على قصدإمتثال الامر عند الشك فى دخله فى الغرض , لان إطلاق كلام المولى و أمره إنما يعنى عدم أخذ هذا القصد فى متعلق الوجوب , و نحن بحكم الاستحالة الانفة الذكر نعلم بذلك بدون حاحة للرجوع إلى كلام المولى , و لكن لا يمكن أن نستكشف من ذلك عدم كون القصد المذكور دخيلا فى الغرض المولوى , لان المولى مضطر على أى حال لعدم أخذه فى الواجب , سواء كان دخيلا فى غرضه أولا , فلا يدل عدم أخذه على عدم دخله , و هذا يعنى أن الاستحالة المذكورة تبطل إمكان التمسك باطلاق كلام المولى لنفى التعبدية و إثبات التوصلية .

و من هنا يمكن أن نصور الثمرة لاستحالة أخذ العلم بالحكم قيدا لنفسه على وجه آخر غير ما تقدم فى ذلك البحث فنقول : إن هذه الاستحالة تبطل إمكان التمسك باطلاق كلام المولى لنفى اختصاص أغراضه بالعالمين بالاحكام بنفس الطريقة المشار إليها فى قصد إمتثال الامر .


338
اشتراط التكليف بالقدرة بمعنى آخر

مربنا أن التكليف مشروط بالقدرة , وكنا نريد بها القدرة التكوينية , و هذا يعنى أن التكليف لا يشمل العاجز . و كذلك لا يشمل أيضا من كان قادرا على الامتثال , و لكنه مشغول فعلا بامتثال واجب آخر مضاد لا يقل عن الاول أهمية , فاذا وجب إنقاذ غريق يعذر المكلف فى ترك إنقاذه إذا كان عاجزا تكوينا , كما يعذر إذا كان قادرا , و لكنه اشتغل بانقاذ غريق آخر مماثل على نحو لم يبق بالامكان إنقاذ الغريق الاول معه . و هذا يعنى أن كل تكليف مشروط بعدم الاشتغال بامتثال مضاد لا يقل عنه أهمية , و هذا القيد دخيل فى التكليف بحكم العقل , و لو لم يصرح به المولى فى خطابه , كما هو الحال فى القدرة التكوينية . و لنطلق على القدرة التكوينية اسم القدرة بالمعنى الاخص , و على ما يشمل هذا القيد الجديد اسم القدرة بالمعنى الاعم .

و البرهان على هذا القيد الجديد : أن المولى إذا أمر بواجب , و جعل أمره مطلقا حتى لحالة الاشتغال بامتثال مضاد لا يقل عنه أهمية , فان أراد بذلك أن يجمع بين الامتثالين , فهو غير معقول لانه غير مقدور


339
للمكلف , وإن أراد بذلك أن يصرف المكلف عن ذلك الامتثال المضاد فهذا بلا موجب بعد افتراض أنهما متساويان فى الاهمية , فلا بد إذن من أخذ القيد المذكور .

و من هنا يعرف أن ثبوت أمرين بالضدين مستحيل إذا كان كل من الامرين مطلقا لحالة الاشتغال بامتثال الامر الاخر أيضا , و أماإذا كان كل منهما مقيدا بعدم الاشتغال بالاخر , أو كان أحدهما كذلك , فلا استحالة , و يقال عن الامرين بالضدين حينئذ : إنهما مجعولان على وجه الترتب , وإن هذا الترتب هو الذى صحح جعلهما على هذا الوجه , و هذا ما يحصل فى كل حالة يواجه فيها المكلف واجبين شرعيين , و يكون قادرا على امتثال كل منهما بمفرده , و لكنه غير قادر على الجمع بينهما , فإنهما إن كانا متكافئين فى الاهمية , كان وجوب كل منهما مشروطا بعدم امتثال الاخر , و إن كان أحدهما أهم من الاخر ملاكا , فوجوب الاهم غير مقيد بعدم الاتيان بالاقل أهمية ( المهم ) , و لكن وجوب المهم مقيد بعدم الاتيان بالاهم , و تسمى هذه الحالات بحالات التزاحم .

و قد تعترض و تقول : إن الامرين بالضدين على وجه الترتب مستحيل , لان المكلف فى حالة تركه لكلا الضدين يكون كل من الامرين فعليا و ثابتا فى حقه لان شرطه محقق , و هذا يعنى أن المكلف فى هذه الحالة يطلب منه كلا الضدين و هو محال .

والجواب على الاعتراض : أن الامرين و الوجوبين , و إن كانا فعليين معا فى الحالة المذكورة , و لكن لا محذور فى ذلك , إذ مادام امتثال أحدهما ينفى شرط الاخر و موضوعه , و بالتالى ينفى فعلية الوجوب الاخر ,


340
فلا يلزم من اجتماع الامرين أن يكون المطلوب من المكلف ما لا يطاق , و هو الجمع بين الضدين , و لهذا لو فرض المحال و صدر كلا الضدين من المكلف , لما وقعا على وجه المطلوبية معا . فليس المطلوب خارجا عن حدود القدرة . و بهذا يتضح أن إمكان وقوع الامرين بالضدين على وجه الترتب و اجتماعهما معا , نشأ من خصوصية الترتب بينهما أى من خصوصية كون أحدهما , أو كل منهما , بامتثاله نافيا لموضوع الاخر و معدما لشرطه .
341
التخيير و الكفائية فى الواجب

الخطاب الشرعى المتكفل للوجوب على نحوين :

أحدهما : أن يبين فيه وجوب عنوان كلى واحد , و تجرى قرينة الحكمة لاثبات الاطلاق فى الواجب , و أنه إطلاق بدلى , كماإذا قال : صل , فيكون الواجب طبيعى الصلاة , و يكون مخيرا بين أن يطبق هذا الطبيعى على الصلاة فى المسجد أو على الصلاة فى البيت , إلا أن هذا التخيير ليس شرعيا , بل هو عقلى بمعنى أن الخطاب الشرعى لم يتعرض إلى هذا التخيير , و لم يذكر هذه البدائل مباشرة , وإنما يحكم العقل و العرف بالتخيير المذكور .

و النحو الاخر : أن يتعرض الخطاب الشرعى مباشرة للتخيير بين شيئين , فيأمر بهما على سبيل البدل فيقول مثلا : صل أو أعتق رقبة , و يسمى التخيير حينئذ شرعيا , و الوجوب بالوجوب التخييرى .

التخيير الشرعى فى الواجب :

و لا شك فى أن الوجوب التخييرى ثابت فى الشريعة فى مواقع


342
عديدة , وله خصائص متفق عليها , منها :

( أن المكلف يعد ممتثلا بإتيان أحد الشيئين أو الاشياء ) , ( و يعد عاصياإذا ترك البدائل كلها , غير أنها معصية واحدة , و لها عقاب واحد ) , ( وإذا أتى بالشيئين معا فقد امتثل أيضا ) .

و قد وقع البحث فى تحليل حقيقة الوجوب التخييرى , فقيل : إن مرجعه إلى التخيير العقلى بمعنى أنه وجوب واحد متعلق بالجامع بين الشيئين تبعا لقيام الملاك به , سواء كان هذا الجامع عنوانا أصيلا , أو عنواناإنتزاعيا كعنوان ( أحدهما ) , و قيل : إن مرجعه إلى وجوبين مشروطين بمعنى : أن كلا من العدلين واجب وجوبا مشروطا بترك الاخبر , و مرد هذين الوجوبين إلى ملاكين و غرضين غير قابلين للاستيفاء معا , فمن أجل تعدد الملاك و قيام ملاك خاص بكل من العدلين تعدد الوجوب , و من أجل عدم إمكان استيفاء الملاكين معا جعل الوجوب فى كل منهما مشروطا بترك الاخر .

و قد لوحظ على التفسير الثانى بأن لازمه :

أولا : تعدد المعصية و العقاب فى حالة ترك العدلين معا , كما هو الحال فى حالات التزاحم بين واجبين لو تركهما المكلف معا .

و ثانيا : عدم تحقق الامتثال عند الاتيان بكلا الامرين , إذ لا يكون كل من الوجوبين حينئذ فعليا , و كلا اللازمين معلوم البطلان .

و توجد ثمرات تترتب على تفسير الوجوب التخييرى بهذا الوجه أو بذاك , و قد يذكر منها جواز التقرب بأحد العدلين بخصوصه على التفسير الثانى لانه متعلق للامر بعنوانه , و عدم جواز ذلك على التفسير الاول , لان الامر متعلق بالجامع , فالتقرب ينبغى أن يكون بالجامع المحفوظ فى


343
ضمنه كما هى الحالة فى سائر موارد التخيير العقلى .

ثم إن العدلين فى موارد الوجوب التخييرى يجب أن يكونا متباينين , و لا يمكن أن يكونا من الاقل و الاكثر , لان الزائد حينئذ مما يجوز تركه بدون بديل , و لا معنى لافتراضه واجبا , فالتخيير بين الاقل و الاكثر فى الايجاب غير معقول .

و يشابه ما تقدم الحديث عن الوجوب الكفائى , و هل هو وجوب موجه إلى جامع المكلف , أو وجوبات متعددة بعدد أفراد المكلفين , غير أن الوجوب على كل فرد مشروط بترك الاخرين .

التخيير العقلى فى الواجب :

حينما يأمر المولى بطبيعى فعل على نحو صرف الوجود و الاطلاق البدلى , فيقول : أكرم زيدا , و الاكرام له حصص , فالتخيير بين الحصص عقلى لا شرعى كما تقدم , و إذا اختار المكلف أن يكرمه باهداء كتاب له لا يكون اختيار المكلف لهذه الحصة من الاكرام موجبا للكشف عن تعلق الوجوب بها خاصة , بل الوجوب بمبادئه متعلق بالطبيعى الجامع , و لهذا لو أتى المكلف بحصة اخرى لكان ممتثلا أيضا , و بهذا صح أن يقال : إن تلك الحصة ليست متعلقا للامر , وإنما هى مصداق لمتعلق الامر , و إن متعلق الامر نسبته إلى سائر الحصص على نحو واحد , و الوجوب لا يسرى من الجامع إلى الحصة بمجرد تطبيق المكلف , لان استقرار الوجوب على متعلقه إنما هو بالجعل , و المفروض أنه قد جعل على الطبيعى الجامع الملحوظ بنحو صرف الوجود .

و خلافا لذلك ماإذا أمر المولى بالطبيعى على نحو الاطلاق الشمولى


344
أو العموم و مطلق الوجود , فقال : أكرم زيدا بكل أشكال الاكرام , فان كل شكل منها يعتبر متعلقا للوجوب و ليس مجرد مصداق للمتعلق , فالوجوب هنا يتعدد و تنال كل حصة وجوبا خاصا بها .

و كما رأينا سابقا وجود محاولة لارجاع الوجوب التخييرى إلى وجوب واحد للجامع , فان هناك محاولة معاكسة ممن يرى أن الوجوب التخييرى وجوبان مشروطان و هى : محاولة إرجاع الوجوب المتعلق بالطبيعى الجامع على نحو صرف الوجودإلى وجوبات متعددة للحصص , مشروط كل واحد منها بعدم الاتيان بسائر الحصص , و قد يعبر عن هذه المحاولة بأن الاوامر متعلقة بالافراد لا بالطبائع .


345
امتناع اجتماع الامر و النهى

لا شك فى التنافى و التضاد بين الاحكام التكليفية الواقعية كما تقدم , و هذا التنافى إنما يتحقق إذا كان المتعلق واحدا , فوجوب الصلاة ينافى حرمتها , و لا ينافى حرمة النظر إلى الاجنبية , لان الصلاة و النظر أمران متغايران , و إن كانا قد يوجدان فى وقت واحد و فى موقف واحد , فلا محذور فى أن يكون أحدهما حراما و الاخر واجبا .

و هناك حالتان يقع البحث فى أنهما هل تلحقان بفرض وحدة المتعلق أو تعدده .

الحالة الاولى : فيماإذا كان الوجوب متعلقا بالطبيعى على نحو صرف الوجود و الاطلاق البدلى , و الحرمة متعلقة بحصة من حصص ذلك الطبيعى , كما فى ( صل ) و ( لا تصل فى الحمام ) مثلا , فإن الحصة و الطبيعى باعتبار وحدتهما الذاتية قد يقال : إن المتعلق واحد فيستحيل أن يتعلق الوجوب بالطبيعى و الحرمة بالحصة , و باعتبار تغاير هما بالاطلاق و التقييد قد يقال : بأنه لا محذور فى وجوب الطبيعى و حرمة الحصة .


346

و التحقيق : أن وجوب الطبيعى يستدعى التخيير العقلى فى مقام الامتثال بين حصصه و أفراده .

فان قلنا : بأن هذا الوجوب مرده إلى وجوبات مشروطة للحصص , فالصلاة فى الحمام إذن باعتبارها حصة من الطبيعى متعلق لوجوب خاص مشروط , فلو تعلقت بها الحرمة أيضا لزم اجتماع الحكمين المتنافيين على متعلق واحد .

وإن أنكرناإرجاع وجوب الطبيعى إلى وجوبات مشروطة , و لكن قلنا : إن الحصة التى يختارها المكلف فى مقام امتثاله يسرى إليها الوجوب , أو على الاقل تسرى إليها مبادى الوجوب من الحب والارادة , و تقع على صفة المحبوبية الفعلية , فأيضا لا يمكن أن نفترض حينئذ تعلق الحرمة بالحصة , إذ فى حالة إيقاعها فى الخارج يلزم أن تكون محبوبة و مبغوضة فى وقت واحد و هو مستحيل .

و أما إذا قلنا بأن الوجوب وجوب واحد متعلق بالجامع و لا يسرى إلى الحصص , و أن الحصة التى تقع خارجا منه لا تكون متعلقا للوجوب و لا لمبادئه , و إنما هى مصداق للواجب و للمحبوب و ليست هى الواجب أو المحبوب , فلا محذور فى أن يتعلق الامر بالجامع على نحو صرف الوجود , و يتعلق النهى بحصة منه .

ثم إذا تجاوزنا هذا البحث و افترضنا الاستحالة , فبالامكان أن ندخل عنصرا جديدا , لنرى أن الاستحالة هل ترتفع بذلك أولا , فنحن حتى الان كنا نفترض أن الامر و النهى يتعلقان بعنوان واحد و هو الصلاة غير أن الامر متعلق بالطبيعى و النهى متعلق بالحصة , و الان نفترض الحالة الثانية .


347

الحالة الثانية : أن لا يكون النهى المتعلق بالحصة متعلقا بها بنفس العنوان الذى تعلق به الامر , و هو الصلاة فى المثال , بل بعنوان آخر , كما فى ( صل ) و ( لا تغصب ) . فاذا صلى فى مكان مغصوب كان ما وقع منه باعتباره صلاة مصداقا للواجب , و باعتباره غصبا حراما , أى أن له عنوانين , والامر متعلق بأحدهما و النهى بالاخر , فهل يكفى تغاير العنوانين فى إمكان التوفيق بين الامر بالصلاة و النهى عن الغصب و تصادقهما على الصلاة فى المغصوب أولا ؟ .

فقد يقال بأن ذلك يكفى لان الاحكام تتعلق بالعناوين لا بالاشياء الخارجية مباشرة , و بحسب العناوين يكون متعلق الامر مغايرا لمتعلق النهى , و أما الشىء الخارجى الذى تصادق عليه العنوانان , فهو و إن كان واحدا و لكن الاحكام لا تتعلق به مباشرة , فلا محذور فى إجتماع الامر و النهى عليه بتوسط عنوانين , بل هناك من يذهب إلى أن تعدد العنوان يكشف عن تعدد الشىء الخارجى أيضا , فكما أن الغصب غير الصلاة عنوانا , كذلك غيرها مصداقا , وإن كان المصداقان متشابكين و غير متميزين خارجا , فيكون الجواز لو صح هذا أوضح .

و قد يقال : بأن تعدد العنوان لا يكفى , لان العناوين إنما تتعلق بها الاحكام باعتبارها مرآة للخارج لا بما هى مفاهيم مستقلة فى الذهن , فلكى يرتفع التنافى بين الامر و النهى لابد أن يتعدد الخارج , و لا يمكن أن نبرهن على تعدده عن طريق تعدد العنوان , لان العناوين المتعددة قد تنتزع عن شىء واحد فى الخارج .

و ثمرة هذا البحث واضحة , فانه على القول بامتناع إجتماع الامر و النهى , يقع التعارض حتما بين دليل الامر و دليل النهى , لان الاخذ


348
باطلاق الدليلين معا معناه إجتماع الامر و النهى , و هو مستحيل بحسب الفرض , و يجب أن يعالج هذا التعارض بين الدليلين وفقا للقواعد العامة للتعارض , و خلافا لذلك إذا قلنا بالجواز , فانا نأخذ حينئذ باطلاق الدليلين معا بدون محذور .
349
الوجوب الغيرى لمقدمات الواجب

لا شك فى أن المكلف مسؤول عقلا عن توفير المقدمات العقلية والشرعية للواجب , إذ لا يمكنه الامتثال بدون ذلك , و لكن وقع البحث فى أن هذه المقدمات هل تتصف بالوجوب الشرعى تبعا لوجوب ذيها , بمعنى أنه هل يترشح عليها فى نفس المولى إرادة من إرادته للواجب الاصيل , و وجوب من إيجابه لذلك الواجب ؟ .

فهناك من ذهب إلى أن إرادة شىء و إيجابه يستلزمان إرادة مقدماته و إيجابها , و تسمى الارادة المترشحة بالارادة الغيرية , و الوجوب المترشح بالوجوب الغيرى ,فى مقابل الارادة النفسية و الوجوب النفسى , و هناك من أنكر ذلك .

و قد يقال بالتفصيل بين الارادة و الايجاب , فبالنسبة إلى الارادة و ما تعبر عنه من حب يقال بالملازمة و الترشح , فحب الشىء يكون علة لحب مقدمته , و بالنسبة إلى الايجاب و الجعل يقال بعدم الملازمة .

و القائلون بالملازمة يتفقون على أن الوجوب الغيرى معلول للوجوب النفسى , و على هذا الاساس لا يمكن أن يسبقه فى الحدوث , كما لا يمكن


350
أن يتعلق بقيود الوجوب , لان الوجوب النفسى لا يوجد إلا بعد افتراض وجودها , و الوجوب الغيرى لا يوجدإلا بعد افتراض الوجوب النفسى , و هذا يعنى أن الوجوب الغيرى مسبوق دائما بوجود قيود الوجوب , فكيف يعقل أن يتعلق بها و إنما يتعلق بقيود الواجب و مقدماته العقلية و الشرعية .

كما أنهم يتفقون على أن الوجوب الغيرى ليس له حساب مستقل فى عالم الادانة و استحقاق العقاب , لوضوح أنه لا يتعدد استحقاق العقاب بتعدد ما للواجب النفسى المتروك من مقدمات , كما أن الوجوب الغيرى لا يمكن أن يكون مقصودا للمكلف فى مقام الامتثال على وجه الاستقلال , بل يكون التحرك عنه دائما فى إطار التحرك عن الوجوب النفسى , فمن لا يتحرك عن الامر بذى المقدمة , لا يمكنه أن يتحرك من قبل الوجوب الغيرى , لان الانقياد إلى المولى إنما يكون بتطبيق المكلف إرادته التكوينية على إرادة المولى التشريعية , و لما كانت إرادة المولى للمقدمة تبعية , فكذلك لابد أن يكون حال المكلف .

واختلاف القائلون بالملازمة بعد ذلك فى أن الوجوب الغيرى , هل يتعلق بالحصة الموصلة من المقدمة إلى ذيها , أو بالجامع المنطبق على الموصل و غيره ؟ .

فلو أتى المكلف بالمقدمة و لم يأت بذيها يكون قد أتى بمصداق الواجب الغيرى على الوجه الثانى دونه على الوجه الاول .

و لا برهان على أصل الملازمة إثباتا أو نفيا فى عالم الارادة , وإنما المرجع الوجدان الشاهد بوجودها , و أما فى عالم الجعل و الايجاب فالملازمة لا معنى لها , لان الجعل فعل إختيارى للفاعل , و لا يمكن أن


351
يترشح من شىء آخر ترشحا ضروريا , كما هو معنى الملازمة .

و أما ثمرة هذا البحث : فقد يبدو على ضوء ما تقدم أنه لا ثمرة له مادام الوجوب الغيرى غير صالح للادانة و المحركية , و إنما هو تابع محض , و لا إدانة و لا محركية إلا للوجوب النفسى , والوجوب النفسى يكفى وحده لجعل المكلف مسؤولا عقلا عن توفير المقدمات , لان امتثاله لا يتم بدون ذلك , فأى فرق بين افتراض وجود الوجوب الغيرى و افتراض عدمه .

و لكن قد يمكن تصوير بعض الثمرات , و مثال ذلك :

أنه إذا وجب إنقاذ الغريق , و توقف على مقدمة محرمة أقل أهمية , و هى إتلاف زرع الغير , فيجوز للمكلف ارتكاب المقدمة المحرمة تمهيدا لانقاذ الغريق , فاذاافترضنا أن المكلف ارتكب المقدمة المحرمة و لم ينقذ الغريق , فعلى القول بالملازمة , و بأن الوجوب الغيرى يتعلق بالجامع بين الحصة الموصلة و غيرها , تقع المقدمة التى ارتكبها المكلف مصداقا للواجب و لا تكون محرمة فى تلك الحالة , لامتناع إجتماع الوجوب و الحرمة على شىء واحد , و على القول بانكار الملازمة أو باختصاص الوجوب الغيرى بالحصة الموصلة لا تقع المقدمة المذكورة مصداقا للواجب , و لا موجب حينئذ لسقوط حرمتها , بل تكون محرمة بالفعل , و إنما تسقط الحرمة عن الحصة الموصلة من المقدمة خاصة .


352
اقتضاء وجوب الشىء لحرمة ضده

قد يقال بأن إيجاب شىء يستلزم حرمة الضد . و الضد على قسمين :

أحدهما : الضد العام , و هو بمعنى النقيض .

والاخر : الضد الخاص , و هو الفعل الوجودى الذى لا يجتمع مع الفعل الواجب .

و المعروف بين الاصوليين أن إيجاب شىء يقتضى حرمة ضده العام . و لكنهم اختلفوا فى جوهر هذا الاقتضاء , فزعم البعض أن الامر بالشىء عين النهى عن ضده العام , و ذهب بعض آخرإلى أنه يتضمنه , بدعوى أن الامر بالشىء مركب من طلب ذلك الشىء و المنع عن تركه , و قال آخرون بالاستلزام .

و أما بالنسبة إلى الضد الخاص , فقد وقع الخلاف فيه , و ذهب جماعة إلى أن إيجاب شىء يقتضى تحريم ضده الخاص , فالصلاة وإزالة النجاسة عن المسجد إذا كان المكلف عاجزا عن الجمع بينهما فهما ضدان , وإيجاب أحدهما يقتضى تحريم الاخر .

و قد استدل البعض على ذلك بأن ترك أحد الضدين مقدمة لوقوع


353
الضد الاخر فيكون واجبا بالوجوب الغيرى , وإذا وجب أحد النقيضين حرم نقيضه , و بهذا يثبت حرمة الضد الخاص .

و لكن الصحيح أنه لا مقدمية لترك أحد الفعلين لا يقاع الفعل الاخر , فان المقدمة هى العلة أو جزء العلة , و نحن نلاحظ أن المكلف فى مثال الصلاة و الازالة يكون اختياره هو العلة الكفيلة بتحقق ما يختاره و نفى ما لا يختاره , فوجود أحد الفعلين و عدم الاخر كلاهما مرتبطان باختيار المكلف لا أن أحدهما معلول للاخر , و لو كان ترك الصلاة علة أو جزء العلة للازالة , و ترك الازالة علة أو جزء العلة للصلاة , لكان فعل الصلاة نقيضا لعلة الازالة , و نقيض العلة علة لنقيض المعلول , فينتج أن فعل الصلاة علة لترك الازالة . و هذا يؤدى إلى الدور إذ يكون كل من الضدين معلولا لترك الاخر و علة للترك نفسه .

فان قيل : إن عدم المانع من أجزاء العلة , و لا شك فى أن أحد الضدين مانع عن وجود ضده فعدمه عدم المانع , فيكون من أجزاء العلة , و بذلك تثبت مقدميته .

كان الجواب : أن المانع على قسمين :

أحدهما : مانع يجتمع مع مقتضى الممنوع كالرطوبة المانعة عن احتراق الورقة و التى تجتمع مع وجود النار وإصابتها للورقة بالفعل .

و الاخر : مانع لا يمكن أن يجتمع مع مقتضى الممنوع , كالازالة المضادة للصلاة التى لا تجتمع مع المقتضى للصلاة , و هو إرادتها , إذ من الواضح أنه كلما أراد الصلاة لم توجد الازالة , و ما يعتبر عدمه من أجزاء العلة هو القسم الاول دون الثانى , و الضد مانع من القسم الثانى دون الاول .


354

و ثمرة هذا البحث : أنه إذا وجبت الازالة فى المثال المذكور , فان قلنا : بأن وجوب شىء يقتضى حرمة ضده حرمت الصلاة , و مع حرمتها لا يعقل أن تكون مصداقا للواجب لاستحالة اجتماع الوجوب و الحرمة , فلو ترك المكلف الازالة و اختار الصلاة لوقعت باطلة , وإن قلنا : بأن وجوب شىء لا يقتضى حرمة ضده فلا محذور فى أن يتعلق الامر بالصلاة , و لكن على وجه الترتب و مشروطا بترك الازالة , لما تقدم من أن الامرين بالضدين على وجه الترتب معقول , فاذا ترك المكلف الازالة و صلى كانت صلاته مأمورا بها , و تقع صحيحة , وإن اعتبر عاصيا بتركه للازالة .


355
اقتضاء الحرمة للبطلان

الحرمة حكم تكليفى , و البطلان حكم وضعى قد توصف به العبادة , و قد توصف به المعاملة , و يراد ببطلان العبادة أنها غير مجزية , و لابد من إعادتها أو قضائها , و ببطلان المعاملة أنها غير مؤثرة و لا يترتب عليها مضمونها , و قد وقع الكلام فى أن التحريم هل يستلزم البطلان أولا ؟

أما تحريم العبادة فيستلزم بطلانها و ذلك :

أما أولا فلان تحريمها يعنى عدم شمول الامر لها , لامتناع إجتماع الامر و النهى , و مع عدم شموله لها لا تكون مجزية و لا يسقط بها الامر , و هو معنى البطلان .

فان قيل : إن الامر غير شامل , و لكن لعل ملاك الوجوب شامل لها , وإذا كانت واجدة للملاك و مستوفية له فيسقط الامر بها .

قلنا : إنه بعد عدم شمول الامر لها لا دليل على شمول الملاك , لان الملاك إنما يعرف من ناحية الامر .

و هذا البيان , كما يأتى فى العبادة المحرمة , يأتى أيضا فى كل مصداق لطبيعة مأمور بها , سواء كان الامر تعبديا أو توصليا .


356

و أما ثانيا : فلاننا نفترض مثلا أن الملاك موجود فى تلك العبادة المحرمة , و لكنها ما دامت محرمة و مبغوضة للمولى فلا يمكن التقرب بها نحوه , و معه لا تقع عبادة لتصح و تجزى عن الامر , و هذا البيان يختص بالعبادات و لا يجرى فى غيرها .

و أما تحريم المعاملة فتارة يراد به تحريم السبب المعاملى الذى يمارسه المتعاملان , و هو الايجاب و القبول مثلا , و اخرى يراد به تحريم المسبب , أى التمليك الحاصل نتيجة لذلك .

ففى الحالة الاولى لا يستلزم تحريم السبب بطلانه و عدم الحكم بنفوذه , كما لا يستلزم صحته و نفوذه , و لا يأبى العقل عن أن يكون صدور شىء من المكلف مبغوضا للمولى , و لكنه إذا صدر ترتب عليه بحكم الشارع أثره الخاص به كما فى الظهار , فانه محرم و لكنه نافذ و يترتب عليه الاثر .

و فى الحالة الثانية قد يقال : إن التحريم المذكور يستلزم الصحة . لانه لا يتعلق إلا بمقدور , و لا يكون المسبب مقدوراإلاإذا كان السبب نافذا , فتحريم المسبب يستلزم نفوذ السبب و صحة المعاملة .

و ينبغى التنبيه هنا على أن النهى فى موارد العبادات و المعاملات كثيرا ما يستعمل لا لافادة التحريم , بل لا فادة مانعية متعلق النهى , أو شرطية نقيضه , و فى مثل ذلك لا إشكال فى أنه يدل على البطلان , كما فى ( لا تصل فيما لا يؤكل لحمه ) الدال على مانعية لبس ما هو مأخوذ مما لا يؤكل لحمه أو ( لا تبع بدون كيل ) الدال على شرطية الكيل , و نحو ذلك , و دلالته على البطلان باعتباره إرشاداإلى المانعية أو الشرطية , و من الواضح أن المركب يختل بوجود المانع أو فقدان الشرط , و لا علاقة لذلك باستلزام الحرمة التكليفية للبطلان .


357
مسقطات الحكم

يسقط الحكم بالوجوب و غيره بعدة امور :

منها : الاتيان بمتعلقه .

و منها : عصيانه .

و هذان الامران ليسا قيدين فى حكم المجعول , وإنما تنتهى بهما فاعلية هذا الحكم و محركيته .

و منها : الاتيان بكل فعل جعله الشارع مسقطا للوجوب , بأن أحد عدمه قيدا فى بقاء الوجوب المجعول .

و منها : امتثال الامر الاضطرارى , فانه مجز عن الامر الواقعى الاولى فى بعض الحالات , و تفصيل ذلك : أنه إذا وجبت الصلاة مع القيام , و تعذر القيام على المكلف , فأمر الشارع أمراإضطراريا بالصلاة من جلوس , فلذلك صورتان :

الاولى : أن يفرض إختصاص الامر الاضطرارى بمن يستمر عجزه عن القيام طيلة الوقت .

الثانية : أن يفرض شموله لكل من كان عاجزا عن القيام عند


358
إرادة الصلاة , سواء تجددت له القدرة بعد ذلك أولا .

ففى الصورة الاولى لو صلى المكلف العاجز جالسا فى أول الوقت , و تجددت له القدرة على القيام قبل خروج الوقت وجبت عليه الاعادة , لان الامر الواقعى الاولى بالصلاة قائما يشمله بمقتضى إطلاق دليله , و ما أتى به لا موجب للاكتفاء به .

و أما فى الصورة الثانية فلا تجب الاعادة على من صلى جالسا فى أول الوقت ثم تجددت له القدرة قبل خروجه , و ذلك لان صلاة الجالس التى أداها قد تعلق بها الامر بحسب الفرض , و هذا الامر ليس تعيينيا , لانه لو لم يصل من جلوس فى أول الوقت و صلى من قيام فى آخر الوقت لكفاه ذلك بلاإشكال , فهوإذن أمر تخييرى بين الصلاة الاضطرارية فى حال العجز و الصلاة الاختيارية فى حال القدرة , و لو وجبت الاعادة لكان معنى هذا أن التخيير لا يكون بين هذه الصلاة و تلك , بل بين أن يجمع بين الصلاتين و بين أن ينتظر و يقتصر على الصلاة الاختيارية , و هذا تخيير بين الاقل و الاكثر فى الايجاب , و هو غير معقول , كما تقدم . و بهذا يثبت أن الامر الاضطرارى فى الصورة الثانية يقتضى كون إمتثاله مجزيا عن الامر الواقعى الاختيارى . و تعرف بذلك ثمرة البحث فى إمتناع التخيير بين الاقل و الاكثر .


359
امكان النسخ و تصويره

من الظواهر المألوفة فى الحياة الاعتيادية أن يشرع المشرع حكما مؤمنا بصحة تشريعه , ثم ينكشف له أن المصلحة على خلافه , فينسخه و يتراجع عن تقديره السابق للمصلحة و عن إرادته التى نشأت من ذلك التقدير الخاطى .

و هذا الافتراض مستحيل فى حق البارى سبحانه و تعالى , لان الجهل لا يجوز عليه عقلا , فأى تقدير للمصلحة و أى إرادة تنشأ من هذا التقدير لا يمكن أن يطرأ عليه تبدل و عدول مع حفظ مجموع الظروف التى لوحظت عند تحقق ذلك التقدير و تلك الارادة .

و من هنا صح القول بأن النسخ بمعناه الحقيقى المساوق للعدول غير معقول فى مبادىء الحكم الشرعى من تقدير المصلحة و المفسدة و تحقق الارادة و الكراهة .

و كل حالات النسخ الشرعى مردهاإلى أن المصلحة المقدرة مثلا كان لها أمد محدد من أول الامر و قد انتهى , و أن الارادة التى حصلت بسبب ذلك التقدير كانت محددة تبعا للمصلحة , و النسخ معناه انتهاء


360
حدها و وقتها الموقت لها من أول الامر , و هذا هو النسخ بالمعنى المجازى .

و لكن هناك مرحلة للحكم بعد تلك المبادىء , و هى مرحلة الجعل والاعتبار , و فى هذه المرحلة يمكن تصوير النسخ بمعناه الحقيقى , و معناه المجازى معا .

أما تصويره بالمعنى الحقيقى فبأن نفترض أن المولى جعل الحكم على طبيعى المكلف دون أن يقيده بزمان دون زمان , ثم بعد ذلك يلغى ذلك الجعل و يرفعه تبعا لما سبق فى علمه من أن الملاك مرتبط بزمان مخصوص , و لا يلزم من ذلك محذور , لان الاطلاق فى الجعل لم ينشأ من عدم علم المولى بدخل الزمان المخصوص فى الملاك , بل قد ينشأ لمصلحة اخرى كاشعار المكلف بهيبة الحكم و أبديته .

و أما تصويره بالمعنى المجازى فبأن نفترض أن المولى جعل الحكم على طبيعى المكلف المقيد بأن يكون فى السنة الاولى من الهجرة مثلا , فإذا انتهت تلك السنة انتهى زمان المجعول و لم يطرأ تغيير على نفس الجعل .

و الافتراض الاول أقرب إلى معنى النسخ , كما هو ظاهر .


361
الملازمة بين الحسن و القبح و الامر و النهى

الحسن و القبح أمران واقعيان يدركهما العقل .

و مرجع الاول إلى أن الفعل مما ينبغى صدوره .

و مرجع الثانى إلى أنه مما لا ينبغى صدوره .

و هذا الانبغاءإثباتا و سلبا أمر تكوينى واقعى و ليس مجعولا , و دور العقل بالنسبة إليه دور المدرك لا دور المنشىء و الحاكم , و يسمى هذا الادراك بالحكم العقلى توسعا .

و قدإدعى جماعة من الاصوليين الملازمة بين حسن الفعل عقلا , و الامر به شرعا , و بين قبح الفعل عقلا , و النهى عنه شرعا , و فصل بعض المدققين منهم بين نوعين من الحسن و القبح .

أحدهما : الحسن و القبح الواقعان فى مرحلة متأخرة عن حكم شرعى و المرتبطان بعالم امتثاله و عصيانه , من قبيل حسن الوضوء باعتباره طاعة لامر شرعى , و قبح أكل لحم الارنب بوصفه معصية لنهى شرعى .

والاخر : الحسن و القبح الواقعان بصورة منفصلة عن الحكم الشرعى , كحسن الصدق و الامانة , و قبح الكذب و الخيانة , ففى النوع


362
الاول يستحيل أن يكون الحسن و القبح مستلزما للحكم الشرعى , وإلا للزم التسلسل , لان حسن الطاعة و قبح المعصية إذا استتبعا أمرا و نهيا شرعيين , كانت طاعة ذلك الامر حسنة عقلا , و معصية هذا النهى قبيحة عقلا أيضا , و هذا الحسن و القبح يستلزم بدوره أمرا و نهيا , و هكذا حتى يتسلسل .

و أما فى النوع الثانى , فالاستلزام ثابت و ليس فيه محذور التسلسل .


363
الاستقراء و القياس

عرفنا سابقا أن الاحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد و الملاكات التى يقدرها المولى وفق حكمته و رعايته لعباده , و ليست جزافا أو تشهيا .

و عليه فاذا حرم الشارع شيئا , كالخمر مثلا , و لم ينص على الملاك و المناط فى تحريمه , فقد يستنتجه العقل و يحدس به , و فى حالة الحدس به يحدس حينئذ بثبوت الحكم فى كل الحالات التى يشملها ذلك الملاك , لان الملاك بمثابة العلة لحكم الشارع وإدراك العلة يستوجب إدراك المعلول .

و أما كيف يحدس العقل بملاك الحكم و يعينه فى صفة محددة , فهذا ما قد يكون عن طريق الاستقراء تارة و عن طريق القياس اخرى .

والمراد بالاستقراء أن يلاحظ الفقيه عددا كبيرا من الاحكام يجدها جميعا تشترك فى حالة واحدة , من قبيل أن يحصى عددا كبيرا من الحالات التى يعذر فيها الجاهل , فيجد أن الجهل هو الصفة المشتركة بين كل تلك المعذريات , فيستنتج أن المناط و الملاك فى المعذرية هو


364
الجهل , فيعمم الحكم إلى سائر حالات الجهل .

و المراد بالقياس أن نحصى الحالات و الصفات التى من المحتمل أن تكون مناطا للحكم , و بالتأمل و الحدس و الاستنادإلى ذوق الشريعة يغلب على الظن أن واحدا منها هو المناط , فيعمم الحكم إلى كل حالة يوجد فيها ذلك المناط .

و الاستنتاج القائم على أساس الاستقراء ظنى غالبا , لان الاستقراء ناقص عادة , و لا يصل عادة إلى درجة اليقين .

و القياس ظنى دائما , لانه مبنى على استنباط حدسى للمناط , و كلما كان الحكم العقلى ظنيا احتاج التعويل عليه إلى دليل على حجيته , كما هو واضح .


365
2 حجية الدليل العقلى

الدليل العقلى تارة يكون قطعيا و اخرى يكون ظنيا .

فاذا كان الدليل العقلى قطعيا و مؤدياإلى العلم بالحكم الشرعى , فهو حجة من أجل حجية القطع , و هى حجية ثابتة للقطع الطريقى مهما كان دليله و مستنده .

و لكن هناك من خالف فى ذلك , و بنى على أن القطع بالحكم الشرعى الناشىء من الدليل العقلى لا أثر له , و لا يجوز التعويل عليه , و ليس ذلك تجريدا للقطعالطريقى عن الحجية حتى يقال بأنه مستحيل , بل ادعى أن بالامكان تخريجه على أساس تحويل القطع من طريقى إلى موضوعى بأن يقال :

إن الاحكام الشرعية قد أخذ فى موضوعها قيد , و هو عدم العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلى , فمع العلم بجعلها من ناحية الدليل العقلى لا يكون الحكم الشرعى ثابتا لانتفاء قيده , فلا أثر للعلم المذكور , إذ لا حكم فى هذه الحالة .

و قد يقال : كيف يعقل أن يقال لمن علم بجعل الحكم الشرعى


366
بالدليل : إن الحكم غير ثابت , مع أنه عالم به ؟ .

و الجواب على ذلك : أن هذا عالم بجعل الحكم و ما نريد أن ننفيه عنه ليس هو الجعل , بل المجعول , فالعلم العقلى بالجعل الشرعى يؤخذ عدمه قيدا فى المجعول , فلا مجعول مع وجود هذا العلم العقلى , و إن كان الجعل الشرعى ثابتا , فلا محذور فى هذا التخريج , و لكنه بحاجة إلى دليل شرعى على تقييد الاحكام الواقعية بالوجه المذكور , و لا يوجد دليل من هذا القبيل .

و أماإذا كان الدليل العقلى ظنيا , كما فى الاستقراء الناقص و القياس , و فى كل قضية من القضايا العقلية المتقدمة , إذا لم يجزم بها العقل , و لكنه ظن بها , فهذا الدليل يحتاج إلى دليل على حجيته و جواز التعويل عليه , و لا دليل على ذلك , بل قام الدليل على عدم جواز التعويل على الحدس و الرأى و القياس .


367
الاصول العملية

1 القاعدة العملية فى حالة الشك .

2 ـ قاعدة منجزية العلم الاجمالى .

3 ـ الاستصحاب .


368

369
1 القاعدة العملية فى حالة الشك

قلنا سابقا : إن الفقيه تارة يحصل على دليل يحرز به الحكم الشرعى , و أخرى لا يتيسر له إحراز الحكم , و لكنه يحصل على دليل يحدد الموقف العملى تجاه التكليف المشكوك , و هو الذى يسمى بالاصل العملى . و هذا القسم من الادلة هو ماسنتحدث عنه هنا .


370
القاعدة العملية الاولية فى حالة الشك

كلما شك المكلف فى تكليف شرعى و لم يتيسر له إثباته أو نفيه , فلا بد له من تحديد موقفه العملى تجاه هذا الحكم المشكوك . و يوجد مسلكان فى تحديد هذا الموقف .

الاول : مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان , و هو المسلك المشهور القائل : بأن التكليف ما دام لم يتم عليه البيان , فيقبح من المولى أن يعاقب على مخالفته .

و هذا المسلك يعنى بحسب التحليل , كما عرفنا فى بحث سابق , أن حق الطاعة للمولى مختص بالتكاليف المعلومة و لا يشمل المشكوكة .

الثانى : مسلك حق الطاعة الذى تقدم شرحه , و هو مبنى على الايمان بأن حق الطاعة للمولى يشمل كل تكليف غير معلوم العدم ما لم يأذن المولى نفسه فى عدم التحفظ من ناحيته .

فبناء على المسلك الاول , تكون القاعدة العملية الاولية هى البراءة بحكم العقل , و بناء على المسلك الثانى تكون القاعدة المذكور هى أصالة شغل الذمة بحكم العقل ما لم يثبت إذن من الشارع فى عدم


371
التحفظ .

و يظهر من كلام المحقق النائينى ( رحمه الله ) أنه حاول الاستدلال على قاعدة قبح العقاب بلا بيان , و البرهنة عليها . و يمكن تلخيص استدلاله فى وجهين :

أحدهما : أن التكليف إنما يكون محركا للعبد بوجوده العلمى لا بوجوده الواقعى , كما هو الحال فى سائر الاغراض الاخرى , فالاسد مثلاإنما يحرك الانسان نحو الفرار بوجوده المعلوم لا بوجوده الواقعى , و عليه فلا مقتضى للتحرك مع عدم العلم . و من الواضح أن العقاب على عدم التحرك مع أنه لا مقتضى للتحرك قبيح .

والاخر : الاستشهاد بالاعراف العقلائية , و استقباح معاقبة الامر فى المجتمعات العقلائية مأموره على مخالفة تكليف غير واصل .

أما الوجه الاول فيرد عليه : أن المحرك للعبدإنما هو الخروج عن عهدة حق الطاعة للمولى , و غرضه الشخصى قائم بالخروج عن هذه العهدة لا بامتثال التكليف بعنوانه , فلا بد من تحديد حدود هذه العهدة , و أن حق الطاعة هل يشمل التكاليف المشكوكة أولا ؟ فان ادعى عدم الشمول كان مصادرة , و خروج البيان عن كونه برهانا , و إن لم يفرغ عن عدم الشمول , فلا يتم البرهان المذكور , إذ كيف يفترض أن التحرك مع عدم العلم بالتكليف بلا مقتض , مع ان المقتضى للتحرك هو حق الطاعة الذى ندعى شموله للتكاليف المشكوكة أيضا ؟ !

و أما الوجه الثانى فهو قياس لحق الطاعة الثابت للمولى ( سبحانه و تعالى ) على حق الطاعة الثابت للامر العقلائى , و هو قياس بلا موجب , لان حق الطاعة للامر العقلائى مجعول لا محالة من قبل


372
العقلاء , أو آمر أعلى , فيكون محددا سعة وضيقا تبعا لجعله , و هو عادة يجعل فى حدود التكاليف المقطوعة , و أما حق الطاعة للمولى سبحانه فهو حق ذاتى تكوينى غير مجعول , و لا يلزم من ضيق دائرة ذلك الحق المجعول ضيق دائرة هذا الحق الذاتى , كما هو واضح , فالمعول فى تحديد دائرة هذا الحق على وجدان العقل العملى , و هو يقتضى التعميم .

فالصحيح إذن أن القاعدة العملية الاولية هى أصالة الاشتغال بحكم العقل ما لم يثبت الترخيص فى ترك التحفظ .


373
القاعدة العملية الثانوية فى حالة الشك

و القاعدة العملية الثانوية فى حالة الشك التى ترفع موضوع القاعدة الاولى هى البراءة الشرعية .

و مفادها : الاذن من الشارع فى ترك التحفظ و الاحتياط تجاه التكليف المشكوك , و لما كانت القاعدة الاولى مقيدة بعدم ثبوت الترخيص فى ترك التحفظ , كانت البراءة الشرعية رافعة لقيدها , و نافية لموضوعها , و مبدلة للضيق بالسعة .

و يستدل لاثبات البراءة الشرعية بعدد من الايات الكريمة و الروايات . أما الايات فعديدة .

منها : قوله سبحانه و تعالى : [ ( لا يكلف الله نفساإلا ما آتاها]( ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال بالاية الكريمة : أن اسم الموصول فيها , إما أن يراد به المال , أو الفعل , أو التكليف , أو الجامع , و الاول هو المتيقن , لانه المناسب لمورد الايات حيث أمرت بالنفقة و عقبت ذلك بالكبرى

( 1 ) سورة الطلاق : 7 .


374
المذكورة , و لكن لا موجب للاقتصار على المتيقن , بل نتمسك بالاطلاق لاثبات الاحتمال الاخير , فيكون معنى الاية الكريمة , أن الله لا يكلف مالاإلا بقدر ما رزق و أعطى , و لا يكلف بفعل إلا فى حدود ما أقدر عليه من أفعال , و لا يكلف بتكليف إلا إذا كان قد آتاه و أوصله إلى المكلف , فالايتاء بالنسبة إلى كل من ( المال ) و ( الفعل ) و ( التكليف ) بالنحو المناسب له . فينتج أن الله تعالى لا يجعل المكلف مسؤولا تجاه تكليف غير واصل و هو المطلوب .

و قد اعترض الشيخ الانصارى على هذا الاستدلال , بأن إرادة الجامع من اسم الموصول غير ممكنة , لان اسم الموصول حينئذ بلحاظ شموله للتكليف يكون مفعولا مطلقا , و بلحاظ شموله للمال يكون مفعولا به , و النسبة بين الفعل و المفعول المطلق تغاير النسبة بين الفعل و المفعول به , فان الاولى هى نسبة الحدث إلى طور من أطواره , و الثانية هى نسبة المغاير إلى المغاير , فيلزم من استعمال الموصول فى الجامع إرادة كلتا النسبتين من هيئة ربط الفعل بمفعوله , و هو من استعمال اللفظ فى معنيين , مع أن كل لفظ لا يستعمل إلا فى معنى واحد .

و منها : قوله تعالى : ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال بالاية الكريمة , أنها تدل على أن الله تعالى لا يعذب حتى يبعث الرسول , و ليس الرسول إلا كمثال للبيان , فكأنه قال : لا عقاب بلا بيان .

و يمكن الاعتراض على هذا الاستدلال بأن غاية ما يقتضيه نفى

( 1 ) سورة الاسراء : 15 .


375
العقاب فى حالة عدم صدور البيان من الشارع لا فى حالة صدوره و عدم وصوله إلى المكلف , لان الرسول إنما يؤخذ كمثال لصدور البيان من الشارع لاللوصول الفعلى إلى المكلف . و ما نحن بصدده إنما هو التأمين من ناحية تكليف لم يصل إلينا بيانه حتى و لو كان هذا البيان قد صدر من الشارع .

و منها : قوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة , أو دما مسفوحا , أو لحم خنزير , فانه رجس , أو فسقا أهل لغير الله به , فمن اضطر غير باغ و لا عاد فان ربك غفور رحيم ) ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال بالاية الكريمة : أن الله تعالى لقن نبيه ( ص ) كيفية المحاجة مع اليهود , فيما يرونه محرما , بأن يتمسك بعدم الوجدان , و هذا ظاهر فى أن عدم الوجدان كاف للتأمين .

و يرد عليه أن عدم وجدان النبى فيما اوحى إليه يساوق عدم الوجود الفعلى للحكم , فكيف يقاس على ذلك عدم وجدان المكلف المحتمل أن يكون بسبب ضياع النصوص الشرعية .

و منها : قوله تعالى : ( و ما كان الله ليضل قوما بعدإذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شىء عليم ) ( 2 ) .

و تقريب الاستدلال بالاية الكريمة أن المراد بالاضلال فيها , إما تسجيلهم ضالين و منحرفين , وإما نوع من العقاب , كالخذلان و الطرد من أبواب الرحمة , و على أى حال فقد أنيط الاضلال ببيان ما يتقون

( 1 ) سورة الانعام : 145 .

( 2 ) سورة التوبة : 115 .


376
لهم , و حيث أضيف البيان لهم فهو ظاهر فى وصوله إليهم , فمع عدم وصول البيان لا عقاب و لا ضلال , و هو معنى البراءة .

و أما الروايات فعديدة أيضا .

منها : ما روى عن الصادق عليه السلام من قوله : ( كل شى مطلق حتى يردفيه نهى ) ( 1 ) . و الاطلاق يساوق السعة و التأمين , و الشاك يصدق بشأنه أنه لم يرده النهى فيكون مؤمنا عن التكليف المشكوك , و هو المطلوب .

و قد يعترض على هذا الاستدلال بأن الورود تارة يكون بمعنى الصدور , و أخرى بمعنى الوصول , فاذا كان مفاد الرواية جعل صدور النهى غاية فلا يتم الاستدلال , لان الشاك يحتمل صدور النهى و تحقق الغاية , وإذا كان مفادها جعل وصول النهى إلى المكلف غاية ثبت المطلوب , و لكن لا معين للثانى فلا يمكن الاستدلال بالرواية المذكورة .

و قد يجاب على ذلك بأن الورود دائما يستبطن حيثية الوفود على شىء فلا يطلق على حيثية الصدور البحتة .

و لكن مع هذا لا يتم الاستدلال إذ لم يعلم أن الملحوظ فيه وفود النهى على المكلف المساوق لوصوله إليه , بل لعل الملحوظ وفوده على الشىء نفسه , كما يناسبه قوله يرد فيه نهى , فكأن النهى يرد على المادة فهناك مورود عليه و مورود عنه بقطع النظر عن المكلف , و هذا يعنى أن الغاية صدور النهى من الشارع و وقوعه على المادة , سواء وصل إلى المكلف أولا , فلا يتم الاستدلال .

( 1 ) الوسائل , ج 18 , ب 12 من ابواب صفات القاضى , الحديث 60 .


377

و منها : حديث الرفع و هو الحديث المروى عن النبى ( ص ) , و مفاده : رفع عن أمتى تسعة : الخطأ , و النسيان , و ما اكرهوا عليه , و ما لا يعلمون , و ما لا يطيقون , و ما اضطروا إليه , و الحسد , و الطيرة , و التفكر فى الوسوسة فى الخلق ما لم ينطق بشفة ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال بفقرة ( رفع ما لا يعلمون ) يتم على مرحلتين :

الاولى : أن هذا الرفع يوجد فيه بدوا احتمالان :

أحدهما : أن يكون رفعا واقعيا للتكليف المشكوك , فيكون الحديث مقيدا و مخصصا لاطلاق أدلة الاحكام الواقعية الالزامية بفرض العلم بها .

والاخر : أن يكون رفعا ظاهريا , بمعنى تأمين الشاك و نفى وجوب الاحتياط عليه , فى مقابل وضع التكليف المشكوك وضعا ظاهريا بايجاب الاحتياط تجاهه . و كل من الاحتمالين ينفع لاثبات السعة , لان التكليف المشكوك منفى إما واقعا , و إما ظاهرا , و لكن الاحتمال الاول ساقط , لانه يؤدى إلى تقيد الاحكام الواقعية الالزامية بالعلم بها , و قد سبق أن أخذ العلم بالحكم قيدا لنفس الحكم مستحيل .

فان قيل : أو لستم قلتم بامكان أخذ العلم بالجعل فى موضوع المجعول ؟ .

قلنا : نعم . و لكن ظاهر الحديث أن المرفوع و المعلوم شىء واحد , بمعنى أن الرفع و العلم يتبادلان على مركز واحد , فاذا افترضنا أن العلم بالجعل مأخوذ فى موضوع المجعول , فهذا معناه أن العلم لوحظ متعلقا

( 1 ) الوسائل ج 11 ب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث 1 .


378
بالجعل , و أن الرفع إنما هو رفع للمجعول بتقييده بالعلم بالجعل , و هذا خلاف ظاهر الحديث , فلا بدإذن من افتراض أن الرفع يتعلق بالمجعول , و كذلك العلم فكأنه قال : الحكم المجعول مرفوع حتى يعلم به . و على هذا الاساس يتعين حمل الرفع على أنه ظاهرى لا واقعى , وإلا لزم أخذ العلم بالمجعول قيدا لنفس المجعول و هو محال .

الثانية : أن الشك فى التكليف تارة يكون على نحو الشبهة الموضوعية , كالشك فى حرمة المائع المردد بين الخل و الخمر , و أخرى يكون على نحو الشبهة الحكمية , كالشك فى حرمة لحم الارنب مثلا , و عليه فالرفع الظاهرى فى فقرة ( رفع ما لا يعلمون ) قد يقال باختصاصه بالشبهة الموضوعية , و قد يقال باختصاصه بالشبهة الحكمية , و قد يقال بعمومه لكلتا الشبهتين .

أما الاحتمال الاول فقد استدل عليه بوحدة السياق لاسم الموصول فى الفقرات المتعددة , إذ من الواضح أن المقصود منه , فيما اضطرواإليه و نحوه الموضوع الخارجى , أو الفعل الخارجى , لا نفس التكليف . فيحمل ما لا يعلمون على الموضوع الخارجى أيضا , فيكون مفاد الجملة حينئذ , أن الخمر غير المعلوم مرفوع الحرمة , كما أن الفعل المضطر إليه مرفوع الحرمة , فلا يشمل حالات الشك فى أصل جعل الحرمة على نحو الشبهة الحكمية .

و التحقيق أن وحدة السياق إنما تقتضى كون مدلول اللفظ المتكرر واحدا فى السياقالواحد , لا كون المصاديق من سنخ واحد , فاذا افترضنا أن اسم الموصول قد استعمل فى جميع تلك الفقرات فى معناه العام المبهم , غير أن مصداقه يختلف من جملة إلى اخرى باختلاف صفاته لم تنثلم بذلك وحدة السياق فى مرحلة المدلول الاستعمالى .


379

و أما الاحتمال الثانى فيستندإلى أن ظاهر ( ما لا يعلمون ) أن يكون نفس ما بازاء اسم الموصول غير معلوم , فان كان ما بازائه التكليف فهو بنفسه غير معلوم , وإن كان ما بازائه الموضوع الخارجى , فهو بنفسه ليس مشكوكا وإنما المشكوك كونه خمرا مثلا . فلا يكون عدم العلم مسندا إلى مدلول اسم الموصول حقيقة , و هذا خلاف ظاهر الحديث , فيتعين أن يراد باسم الموصول التكليف , و معه يختص بالشبهة الحكمية .

و يرد عليه أولا : أن بالامكان أن يكون ما بازاء اسم الموصول نفس عنوان الخمر لا المائع المشكوك كونه خمرا , فعدم العلم يكون مسنداإليه حقيقة .

و ثانيا : لو سلمنا أن ما بازاء اسم الموصول ينبغى أن يكون هو التكليف , فان هذا لا يوجب الاختصاص بالشبهة الحكمية , لان التكليف بمعنى الحكم المجعول مشكوك فى الشبهة الموضوعية أيضا .

و أما الاحتمال الثالث فهو يتوقف على تصوير جامع يمكن أن يراد باسم الموصول على نحو ينطبق على الشبهة الحكمية و الموضوعية , و هذا الجامع له فرضيتان :

الاولى : أن يراد باسم الموصول ( الشىء ) , سواء كان تكليفا أو موضوعا خارجيا . و اعترض على ذلك بأن إسناد الرفع إلى التكليف حقيقى لانه قابل للرفع بنفسه و إسناده إلى الموضوع مجازى و بلحاظ حكمه , و لا يمكن الجمع بين الاسناد الحقيقى و المجازى فى استعمال واحد .

و الجواب : أن إسناد الرفع إلى التكليف ليس حقيقيا أيضا , لما عرفت سابقا من أنه رفع ظاهرى لا واقعى , فالاسنادان كلاهما


380
عنائيان .

الثانية : أن يراد باسم الموصول التكليف المجعول و هو مشكوك فى الشبهة الحكمية و الموضوعية معا , و إنما يختلفان فى منشأ الشك , فان المنشأ فى الاولى عدم العلم بالجعل , و فى الثانية عدم العلم بالموضوع .

و المعين للاحتمال الثالث بعد تصوير الجامع هو الاطلاق , فتتم دلالة حديث الرفع على البراءة و نفى وجوب التحفظ و الاحتياط .

و منها : رواية زكريا بن يحيى عن أبى عبدالله عليه السلام انه قال : ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ) ( 1 ) . فان الوضع عن المكلف تعبير آخر عن الرفع عنه , فتكون دلالة هذه الرواية على وزان دلالة الحديث السابق , و يستفاد منها نفى وجوب التحفظ و الاحتياط .

و قد يلاحظ على الاستدلال أمران :

أحدهما : ان الحجب هنا اسندإلى الله تعالى فيختص بالاحكام المجهولة التى ينشأ عدم العلم بها من قبل الشارع لاخفائه لها , و لا يشمل ما تشك فيه عادة من الاحكام التى يحتمل عدم وصولها لعوارض اتفاقية .

و يرد عليه : أن الحجب لم يسند إلى المولى سبحانه بما هو شارع و حاكم لينصرف إلى ذلك النحو من الحجب , بل اسند إليه بما هو رب العالمين , و بيده الامر من قبل و من بعد , و بهذا يشمل كل حجب يقع فى العالم , و لا موجب لتقييده بالحجب الواقع منه بما هو حاكم .

و الاخر : أن موضوع القضية ما حجب عن العباد , فتختص بما كان

( 1 ) الوسائل ج 18 ب 16 من أبواب صفات القاضى الحديث 28 .


381
غير معلوم لهم جميعا , فلا يشمل التكاليف التى يشك فيها بعض العباد دون بعض .

و قد يجاب على ذلك باستظهار الانحلالية من الحديث , بمعنى أن كل ما حجب عن عبد فهو موضوع عنه , فالعباد لوحظوا بنحو العموم الاستغراقى لا العموم المجموعى .

و منها : رواية عبدالله بن سنان عن أبى عبدالله ( عليه السلام ) أنه قال : ( كل شىء فيه حلال و حرام فهو لك حلال[ أبدا] , حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ) ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال أنها تجعل الحلية مع افتراض وجود حرام و حلال واقعى , و تضع لهذه الحلية غاية , و هى تمييز الحرام , فهذه الحلية ظاهرية إذن , و هى تعبير آخر عن الترخيص فى ترك التحفظ والاحتياط .

و لكن ذهب جماعة من المحققين إلى أن هذه الرواية مختصة بالشبهات الموضوعية , و ذلك لقرينتين :

الاولى : أن ظاهر قوله ( كل شىء فيه حلال و حرام ) افتراض طبيعة منقسمة فعلاإلى أفراد محللة و أفراد محرمة , و أن هذا الانقسام هو السبب فى الشك فى حرمة هذا الفرد أو ذاك , و هذاإنما يصدق فى الشبهة الموضوعية , لا فى مثل الشك فى حرمة شرب التتن مثلا و أمثاله من الشبهات الحكمية , فان الشك فيها لا ينشأ من تنوع أفراد الطبيعة , بل من عدم وصول النص الشرعى على التحريم .

( 1 ) الوسائل ج 12 ب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 .


382

الثانية : أن مفاد الحديث إذا حمل على الشبهة الحكمية كانت كلمة ( بعينه ) تأكيدا صرفا , لان العلم بالحرام فيها مساوق للعلم بالحرام بعينه عادة . و أما إذا حمل على الشبهة الموضوعية كان للكلمة المذكورة فائدة ملحوظة لاجل حصر الغاية للحلية بالعلم التفصيلى دون العلم الاجمالى الذى يغلب تواجده فى الشبهات الموضوعية , إذ من الذى لا يعلم عادة بوجود جبن حرام , و بوجود لحم حرام , و بوجود شراب نجس ؟ و إنما الشك فى أن هذا الجبن أو اللحم أو الشراب المعين هل هو من الحرام النجس أولا ؟ و عليه فيكون الحمل على الشبهة الموضوعية متعينا عرفا , لان التأكيد الصرف خلاف الظاهر .

هذه هى أهم النصوص التى استدل بها على البراءة من الكتاب و السنة . و قد لا حظنا أن بعضها تام الدلالة .

و قد يضاف إلى ذلك التمسك بعموم دليل الاستصحاب , و ذلك بأحد لحاظين :

الاول : أن نلتفت إلى بداية الشريعة فنقول : إن هذا التكليف المشكوك لم يكن قد جعل فى تلك الفترة يقينا , لان تشريع الاحكام كان تدريجيا فيستصحب عدم جعل ذلك التكليف .

الثانى : أن يلتفت المكلف إلى حالة ما قبل تكليفه , كحالة صغره مثلا , فيقول : إن هذا التكليف لم يكن ثابتا على فى تلك الفترة يقينا , و يشك فى ثبوته بعد البلوغ فيستصحب عدمه .

و قد اعترض المحقق النائينى ( قدس سره ) على إجراء الاستصحاب بأحد هذين اللحاظين , بأن استصحاب عدم حدوث ما يشك فى حدوثه , إنما يجرى إذا كان الاثر المطلوب إثباته بالاستصحاب منوطا


383
بعدم الحدوث , فنتوصل إليه تعبدا بالاستصحاب . و مثاله : أن نشك فى حدوث النجاسة فى الماء , و الاثر المطلوب تصحيح الوضوء به , و هو منوط بعدم حدوث النجاسة , فنجرى استصحاب عدم حدوث النجاسة و نثبت بالتعبد الاستصحابى أن الوضوء به صحيح , و أماإذا كان الاثر المطلوب إثباته بالاستصحاب يكفى فى تحققه واقعا مجرد عدم العلم بحدوث ذلك الشىء , فيكون ذلك الاثر محققا وجدانا فى حالة الشك فى الحدوث , و لا نحتاج حينئذإلى إجراء استصحاب عدم الحدوث , و مثال ذلك : محل الكلام لان الاثر المطلوب هنا هو التأمين و نفى استحقاق العقاب , و هذا الاثر مترتب على مجرد عدم البيان و عدم العلم بحدوث التكليف وفقا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فهو حاصل وجدانا , و أى معنى حينئذ لمحاولة تحصيله تعبدا بالاستصحاب , و هل هو إلا نحو من تحصيل الحاصل .

و هذا الاعتراض غير صحيح لعدة اعتبارات .

منها : أننا ننكر قاعدة قبح العقاب بلا بيان , فالاثر المطلوب لا يكفى فيه إذن مجرد عدم العلم , كما هو واضح من مسلك حق الطاعة .

و منها : أنه حتى إذا آمنا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا شك فى أن قبح العقاب على مخالفة تكليف مشكوك لم يصل إذن الشارع فيه ثابت بدرجة أقل من قبحه على مخالفة تكليف مشكوك قد بين إذن الشارع فى مخالفته , و المطلوب بالاستصحاب تحقيق هذه الدرجة الاعلى من قبح العقاب و المعذرية , و ما هو ثابت بمجرد الشك الدرجة الادنى , فليس هناك تحصيل للحاصل .


384
الاعتراضات على أدلة البراءة :

و يوجد هناك اعتراضان رئيسيان على أدلة البراءة المتقدمة .

أحدهما : أن هذه الادلة , إنما تشمل حالة الشك البدوى و لا تشمل حالة الشك المقترن بعلم إجمالى , كما تقدم فى الحلقة السابقة , و الفقيه حينما يلحظ الشبهات الحكمية ككل , يوجد لديه علم إجمالى بوجود عدد كبير من التكاليف المنتشرة فى تلك الشبهات , فلا يمكنه إجراء أصل البراءة فى أى شبهة من تلك الشبهات .

و الجواب : أن العلم الاجمالى المذكور و إن كان ثابتا و لكنه منحل , لان الفقيه من خلال استنباطه و تتبعه يتواجد لديه علم تفصيلى بعدد محدد من التكاليف لا يقل عن العدد الذى كان يعلمه بالعلم الاجمالى فى البداية , و من هنا يتحول علمه الاجمالى إلى علم تفصيلى بالتكليف فى هذه المواقع , و شك بدوى فى التكليف فى سائر المواقع الاخرى . و قد تقدم فى حلقة سابقة أن العلم الاجمالى إذا انحل إلى علم تفصيلى و شك بدوى , بطلت منجزيته , و جرت الاصول المؤمنة خارج نطاق العلم التفصيلى .

و الاعتراض الاخر أن أدلة البراءة معارضة بأدلة شرعية و روايات تدل على وجوب الاحتياط , و هذه الروايات إما رافعة لموضوع أدلة البراءة , و إما مكافئة لها , و ذلك أن هذه الروايات بيان لوجوب الاحتياط لا للتكليف الواقعى المشكوك .

فدليل البراءة إن كانت البراءة فيه مجعولة فى حق من لم يتم عنده البيان لا على التكليف الواقعى , و لا على وجوب الاحتياط , كانت تلك


385
الروايات رافعة لموضوع البراءة المجعولة فيه باعتبارها بيانا لوجوب الاحتياط , وإن كانت البراءة فى دليلها مجعولة فى حق من لم يتم عنده البيان على التكليف الواقعى , فروايات الاحتياط لا ترفع موضوعها , و لكنها تعارضها , و مع التعارض لا يمكن أيضا الاعتماد على أدلة البراءة .

و مثال النحو الاول من أدلة البراءة :

البراءة المستفادة من قوله تعالى : [ ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا]( , فان الرسول اعتبر كمثال لمطلق البيان وإقامة الحجة , وإقامة الحجة كما تحصل بايصال الحكم الواقعى , كذلك بالايصال وجوب الاحتياط .

فروايات وجوب الاحتياط بمثابة بعث الرسول , و بذلك ترفع موضوع البراءة .

و مثال النحو الثانى من أدلة البراءة[ : البراءة] المستفادة من حديث الرفع أو الحجب , فان مفاده الرفع الظاهرى للتكليف الواقعى المشكوك , و معنى الرفع الظاهرى عدم وجوب الاحتياط , فالبراءة المستفادة من هذا الحديث و أمثاله تستبطن بنفسها نفى وجوب الاحتياط و ليست منوطة بعدم ثبوته .

و نستعرض فيما يلى جملة من الروايات التى تدعى دلالتها على وجوب الاحتياط , و سنرى أنها لا تنهض لاثبات ذلك :

فمنها : المرسل عن الصادق ( ع ) قال : [ ( من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه]( ( 1 ) , و نلاحظ أن الرواية غاية ما تدل عليه الترغيب فى الاتقاء , و ليس فيها ما يدل على الالزام .

( 1 ) جامع احاديث الشيعه ج 1 ب 8 من أبواب المقدمات الحديث 28 .


386

و منها : ما روى عن أميرالمؤمنين ( ع ) من أنه قال لكميل : يا كميل أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت ( 1 ) .

و نلاحظ أن الرواية و إن اشتملت على أمر بالاحتياط و لكنه قيد بالمشيئة , و هذا يصرفه عن الظهور فى الوجوب , و يجعله[ ظاهرا] فى إفادة أن الدين أمر مهم , فأى مرتبة من الاحتياط تلتزم بها تجاهه فهو حسن .

و منها : ما عن أبى عبدالله ( ع ) : أورع الناس من وقف عند الشبهة ( 2 ) .

و نلاحظ أن هذا البيان لا يكفى لاثبات الوجوب إذ لم يدل دليل على وجوب الاورعية .

و منها : خبر حمزة بن طيار ( 3 ) : انه عرض على أبى عبدالله ( ع ) بعض خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعا منها قال له : كف و اسكت .

ثم قال : لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه و التثبت والرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد , و يجلوا عنكم فيه العمى , و يعرفوكم فيه الحق . قال الله تعالى : [ ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون]( ( 4 ) .

و نلاحظ أن هذه الرواية تأمر بالكف و التريث من أجل مراجعة الامام و أخذ الحكم منه , لا بالكف و الاجتناب بعد المراجعة و عدم التمكن من تعيين الحكم , و ما نريده هو إجراء البراءة بعد المراجعة , و الفحص لما سيأتى من أن البراءة مشروطة بالفحص , و بذل الجهد فى

( 1 ) الوسائل ج 18 ب 16 من أبواب صفات القاضى الحديث 41 .

( 2 ) نفس المصدر الحديث 24 و 33 .

( 3 ) نفس المصدر الحديث 3 .

( 4 ) سورة النحل : 43 .


387
التوصل إلى الحكم الواقعى .

و منها : رواية أبى سعيد الزهرى عن أبى جعفر ( ع ) قال : الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام فى الهلكة ( 1 ) .

و تقريب الاستدلال أنها تدل على وجود هلكة فى إقتحام الشبهة , و هذا يعنى تنجز التكليف الواقعى المشكوك و عدم كونه مؤمنا عنه , و هو معنى وجوب الاحتياط .

و يرد على ذلك أن هذا يتوقف على حمل الشبهة على الاشتباه بمعنى الشك , مع أن الاصل فى مدلول الشبهة لغة المثل و المحاكى , و إنما يطلق على الشك عنوان الشبهة , لان المماثلة و المشابهة تؤدى إلى التحير و الشك , و عليه فلا موجب لحمل الشبهة على الشك , بل بامكان حملها على ما يشبه الحق شبها صوريا , و هو باطل فى حقيقته , كما هو الحال فى كثير من الدعوات الباطلة التى تبدو بالتدليس و كأنها واجدة لسمات الحق , و قد فسرت الشبهة بذلك فى جملة من الروايات , كما فى كلام للامام لابنه الحسن حيث روى عنه أنه قال :

( وإنما سميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق , فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين و دليلهم سمت الهدى , و أما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال و دليلهم العمى ) ( 2 ) .

و على هذا الاساس يكون مفاد الرواية التحذير من الانخراط فى الدعوات و الاتجاهات التى تحمل بعض شعارات الحق لمجرد حسن

( 1 ) الوسائل ج 18 ب 12 من أبواب صفات القاضى الحديث 2 .

( 2 ) نفس المصدر الحديث 20 .


388
الظن بوضعها الظاهرى بدون تمحيص و تدقيق فى واقعها , و لا ربط لها حينئذ بتعيين الوظيفة العملية فى موارد الشك فى التكليف .

و أما مشهور المعلقين على الرواية , فقد افترضوا أن الشبهة بمعنى الشك تأثرا بشيوع هذا الاطلاق فى عرفهم الاصولى , و حاولوا المناقشة فى الاستدلال بوجه آخر مبنى على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان , إذ على هذا المسلك تكون الشبهة البدوية مؤمنا عنها بالقاعدة المذكورة ما لم يجعل الشارع منجزا للتكليف المشكوك بايجاب الاحتياط و نحو ذلك , و هذا معناه أن التنجز و استحقاق العقاب من تبعات وجوب الاحتياط و ليس سابقا عليه , و نحن إذا لا حظنا الرواية المذكورة نجد أنها تفترض مسبقا أن الاقدام مظنة للهلكة , و تنصح بالوقوف حذرا من الهلكة , و مقتضى ذلك أنها تتحدث عن تكاليف قد تنجزت و خرجت عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان فى المرتبة السابقة , و ليست بصدد إيجاب الاحتياط و تنجيز الواقع المشكوك بنفسها , و نتيجة ذلك أن الرواية لا تدل على وجوب الاحتياط , و أنها تختص بالحالات التى يكون التكليف المشكوك فيها منجزا بمنجز سابق , كالعلم الاجمالى و نحوه .

و منها : رواية جميل عن أبى عبدالله ( ع ) عن آبائه قال : قال رسول الله ( ص ) : الامور ثلاثة : أمر بين لك رشده فاتبعه , و أمر بين لك غيه فاجتنبه , و أمر اختلف فيه فرده إلى الله ( 1 ) .

و كأنه يراد أن يدعى أن الشبهات الحكمية من القسم الثالث , و قد

( 1 ) جامع أحاديث الشيعة ب 8 من أبواب المقدمات الحديث 45 .


389
أمرنا فيه بالردإلى الله و عدم الترسل فى التصرف , و هو معنى الاحتياط .

و يرد عليه أولا : أن الردإلى الله ليس بمعنى الاحتياط , بل لعله بمعنى الرجوع إلى الكتاب و السنة فى استنباط الحكم فى مقابل ما يكون بينا متفقا على رشده أو غيه , فكأنه قيل : إن ما كان متفقا على غيه و رشده و بينا فى نفسه عومل على أساس ذلك , و ما كان مختلفا فيه فلا بد من الرجوع فيه إلى الكتاب و السنة , و لا يجوز التخرص فيه و الرجم بالغيب , و بهذا يكون مفاد الرواية أجنبيا عما هو المقصود فى المقام .

و ثانيا : لو سلم أن المراد بالامر بالردإلى الله الامر بالاحتياط , فنحن ننكر أن تكون الشبهة الحكمية بعد قيام الدليل الشرعى على البراءة من القسم الثالث , بل الاقدام فيها بين الرشد لقيام الدليل القطعى على إذن الشارع فى ذلك .

و على العموم فالظاهر عدم تمامية سائر الروايات التى يستدل بها على وجوب الاحتياط , و عليه فدليل البراءة سليم عن المعارض .

و لو سلمنا المعارضة كان الرجحان فى جانب البراءة لا وجوب الاحتياط , و ذلك لوجوه :

منها : أن دليل البراءة قرآنى , و دليل وجوب الاحتياط من أخبار الاحاد , و كلما تعارض هذان القسمان قدم الدليل القرآنى القطعى , و لم يكن خبر الواحد حجة فى مقابله .

و منها : أن دليل البراءة لا يشمل حالات العلم الاجمالى كما سيأتى , و دليل وجوب الاحتياط شامل لذلك , فيكون دليل البراءة أخص فيخصصه .

و منها : أن دليل وجوب الاحتياط أخص من دليل الاستصحاب


390
القاضى باستصحاب عدم التكليف , فان افترضنا أن دليل الاحتياط و دليل البراءة متكافئان و تساقطا رجعناإلى دليل الاستصحاب , إذ كلما وجد عدم ( كدليل الاستصحاب ) و مخصص ( كدليل الاحتياط ) و معارض للمخصص ( كدليل البراءة ) سقط المخصص مع معارضه و رجعناإلى العام .
391
تحديد مفاد البراءة

بعد أن ثبت أن الوظيفة العملية الثانوية هى أصالة البراءة , نتكلم عن تحديد مفاد هذا الاصل و حدوده , و ذلك فى عدة نقاط .

البراءة مشروطة بالفحص :

النقطة الاولى : فى أن هذا الاصل مشروط بالفحص و اليأس عن الظفر بدليل فلا يجوز إجراء البراءة لمجرد الشك فى التكليف , و بدون فحص فى مظان وجوده من الادلة .

و قد يتراءى فى بادىء الامر أن فى أدلة البراءة الشرعية إطلاقا حتى لحالة ما قبل الفحص , كما فى ( رفع ما لا يعلمون ) فان عدم العلم صادق قبل الفحص أيضا , و لكن هذا الاطلاق يجب رفع اليد عنه , و ذلك للامور التالية :

أولا : أن بعض أدلة البراءة تثبت المسؤولية و الادانة فى حالة وجود بيان على التكليف فى معرض الوصول على نحو لو فحص عنه المكلف لوصل إليه , فمثلا : الاية الثانية إذا تمت دلالتها على البراءة , فهى تدل


392
فى نفس الوقت على أن البراءة مغياة ببعث الرسول , و بعد حمل الرسول على المثال يثبت أن الغاية هى توفير البيان على نحو يتاح للمكلف الوصول إليه , كما هو شأن الناس مع الرسول , و عليه فيثبت بمفهوم الغاية أنه متى توفر البيان على هذا النحو فاستحقاق العذاب ثابت , و من الواضح أن الشاك قبل الفحص يحتمل تحقق الغاية و توفر البيان , فلا بد من الفحص , و كذلك أيضا الاية الرابعة , فان البيان لهم جعل غاية للبراءة , و هو يصدق مع توفير بيان فى معرض الوصول .

و ثانيا : أن للمكلف علماإجماليا بوجود تكاليف فى الشبهات الحكمية كما تقدم , و هذا العلم إنما ينحل بالفحص لكى يحرز عدد من التكاليف بصورة تفصيلية , و ما لم ينحل لا تجرى البراءة , فلا بد من الفحص إذن .

و ثالثا : أن الاخبار الدالة على وجوب التعلم ( 1 ) و أن المكلف يوم القيامة يقال له : لماذا لم تعمل ؟ فاذا قال : لم أعلم . يقال له : لماذا لم تتعلم ؟ تعتبر مقيدة لاطلاق دليل البراءة و مثبتة أن الشك بدون فحص و تعلم ليس عذرا شرعا .

التمييز بين الشك فى التكليف و الشك فى المكلف به :

النقطة الثانية : فى أن الضابط لجريان أصل البراءة هو الشك فى التكليف لا الشك فى المكلف به .

و توضيح ذلك : أن المكلف تارة يشك فى ثبوت الحكم الشرعى ,

( 1 ) جامع أحاديث الشيعة الباب الاول من أبواب المقدمات .


393
كماإذا شك فى حرمة شرب التتن أو فى وجوب صلاة الخسوف , و أخرى يعلم بالحكم الشرعى و يشك فى امتثاله , كما إذا علم بأن صلاة الظهر واجبة و شك فى أنها هل أتى بها أولا .

فالشك الاول هو مجرى البراءة العقلية و البراءة الشرعية عند المشهور , و هو مجرى البراءة الشرعية عندنا .

و الشك الثانى لا تجرى فيه البراءة العقلية و لا الشرعية , لان التكليف فيه معلوم , و إنما الشك فى امتثاله و الخروج عن عهدته , فيجرى هنا أصل يسمى بأصالة الاشتغال , و مفاده : كون التكليف فى العهدة حتى يحصل الجزم بامتثاله . و على الفقيه أن يميز بدقة كل حالة من حالات الشك التى يفترضها , و هل أنها من الشك فى التكليف لتجرى البراءة , أو من الشك فى المكلف به لتجرى أصالة الاشتغال ؟ .

و التمييز فى الشبهات الحكمية واضح عادة , لان الشك فى الشبهة الحكمية إنما يكون عادة فى التكليف , و أما الشبهات الموضوعية , ففيها من كلا القسمين , و لهذا لا بد من تمييز الشبهة الموضوعية بدقة و تحديد دخولها فى هذا القسم أو ذاك .

و قد يقال فى بادىء الامر أن الشبهة الموضوعية ليس الشك فيها شكا فى التكليف , بل التكليف فى الشبهات الموضوعية معلوم دائما فلا تجرى البراءة .

و الجواب : أن التكليف بمعنى الجعل معلوم فى حالات الشبهة الموضوعية , و أما التكليف بمعنى المجعول فهو مشكوك فى كثير من هذه الحالات , و متى كان مشكوكا جرت البراءة .

و توضيح ذلك : أن الحكم إذا جعل مقيدا بقيد كان وجود


394
التكليف المجعول و فعليته تابعا لوجود القيد خارجا و فعليته , و حينئذ فالشك يتصور على أنحاء :

النحو الاول : أن يشك فى أصل وجود القيد , و هذا يعنى الشك فى فعلية التكليف المجعول فتجرى البراءة .

و مثاله : أن يكون وجوب الصلاة مقيدا بالخسوف , فاذا شك فى الخسوف شك فى فعلية الوجوب , فتجرى البراءة .

النحو الثانى : أن يعلم بوجود القيد فى ضمن فرد و يشك فى وجوده ضمن فرد آخر .

و مثاله : أن يكون وجوب إكرام الانسان مقيدا بالعدالة , و يعلم بأن هذا عادل و يشك فى أن ذاك عادل .

و مثال آخر : أن يكون وجوب الغسل مقيدا بالماء , بمعنى أنه يجب الغسل بالماء و يعلم بأن هذا ماء و يشك فى أن ذاك ماء .

و هناك فرق بين المثالين و هو أن المشكوك فى المثال الاول لو كان فردا ثانيا حقا لحدث وجوب آخر للاكرام , لان وجوب الاكرام بالنسبة إلى أفراد العادل شمولى و انحلالى , بمعنى أن كل فرد له وجوب إكرام , و أما المشكوك فى المثال الثانى فهو لو كان فردا ثانيا حقا للماء لما حدث وجوب آخر للغسل , لان وجوب الغسل بالنسبة إلى أفراد الماء بدلى , فلا يجب الغسل بكل فرد من الماء بل بصرف الوجود , فكون المشكوك فردا من الماء لا يعنى تعددا فى الواجب , بل يعنى أنك لو غسلت به لكفاك و لا عتبرت ممتثلا , و على هذا تجرى البراءة فى المثال الاولى , لان الشك شك فى الوجوب الزائد فلا يجب أن تكرم من تشك فى عدالته , و تجرى أصالة الاشتغال فى المثال الثانى , لان الشك شك فى الامتثال


395
فلا يجوز أن تكتفى بالغسل بالمائع الذى تشك فى أنه ماء .

النحو الثالث : أن لا يكون هناك شك فى القيدإطلاقا , وإنما الشك فى وجود متعلق الامر , و هذا واضح فى أنه شك فى الامتثال مع العلم بالتكليف , فتجرى أصالة الاشتغال .

و هنا مورد الكلمة المعروفة القائلة : إن الشغل اليقينى يستدعى الفراغ اليقينى .

النحو الرابع : أن يشك فى وجود مسقط شرعى للتكليف , ذلك أن التكليف كما يسقط عقلا بالامتثال أو العصيان , كذلك قد يسقط بمسقط شرعى من قبيل الاضحية المسقطة شرعا للامر بالعقيقة , و عليه فقد يشك فى وقوع المسقط الشرعى , إما على نحو الشبهة الحكمية بأن يكون قد ضحى و يشك فى أن الشارع هل جعلها مسقطة ؟ . أو على نحو الشبهة الموضوعية بأن يكون عالما بأن الشارع جعل الاضحية مسقطة , و لكنه يشك فى أنه ضحى .

و المسقط الشرعى لا يكون مسقطا إلا إذا أخذ عدمه قيدا فى الطلب أو الوجوب , و حينئذ فان فرض أنه احتمل أخذ عدمه قيدا و شرطا فى الوجوب على نحو لا يحدث وجوب مع وجود المسقط , فالشك فى المسقط بهذا المعنى يكون شكا فى أصل التكليف , و يدخل فى النحو الاول المتقدم , وإن فرض أن مسقطيته كانت بمعنى أخذ عدمه قيدا فى بقاء الوجوب , فهو مسقط بمعنى كونه رافعا للوجوب لا أنه مانع عن حدوثه , فالوجوب معلوم و يشك فى سقوطه , و المعروف فى مثل ذلك أن الشك فى السقوط هنا كالشك فى السقوط الناشىء من احتمال الامتثال يكون مجرى لاصالة الاشتغال لا للبراءة , و لكن الاصح أنه فى نفسه مجرى


396
للبراءة , لان مرجعه إلى الشك فى الوجوب بقاء , و لكن استصحاب بقاء الوجوب مقدم على البراءة .
البراءة عن الاستحباب :

النقطة الثالثة : فى أن البراءة هل تجرى عند الشك فى التكاليف الالزامية فقط أو تشمل موارد الشك فى الاستحباب و الكراهية أيضا ؟

و لعل المشهور أنها لا تجرى فى موارد الشك فى حكم غيرإلزامى لقصور أدلتها . أما ما كان مفاده السعة و نفى الضيق و التأمين من ناحية العقاب فواضح , لان الحكم الاستحبابى المشكوك مثلا لا ضيق و لا عقاب من ناحيته جزما , فلا معنى للتأمين عنه بهذا اللسان . و أما ما كان بلسان ( رفع ما لا يعلمون ) فهو وإن لم يفترض كون المرفوع مما فيه مظنة للعقاب , و لكن لا محصل لا جرائه فى الاستحباب المشكوك , لانه إن اريد بذلك إثبات الترخيص فى الترك فهو متيقن فى نفسه , وإن اريد عدم رجحان الاحتياط فهو معلوم البطلان , لوضوح أن الاحتياط راجح على أى حال .


397
2 قاعدة منجزية العلم الاجمالى

كل ما تقدم كان فى تحديد الوظيفة العملية فى حالات الشك البدوى المجرد عن العلم الاجمالى .

و قد نفترض الشك فى إطار علم إجمالى , و العلم الاجمالى , كما عرفنا سابقا , علم بالجامع مع شكوك بعدد أطراف العلم , و كل شك يمثل احتمالا من احتمالات انطباق الجامع , و مورد كل واحد من هذه الاحتمالات يسمى بطرف من أطراف العلم الاجمالى , و الواقع المجمل المردد بينها هو المعلوم بالاجمال .

و الكلام فى تحديد الوظيفة العملية تجاه الشك المقرون بالعلم الاجمالى تارة يقع بلحاظ حكم العقل و بقطع النظر عن الاصول الشرعية المؤمنة كأصالة البراءة , و اخرى يقع بلحاظ تلك الاصول , فهنا مقامان :

منجزية العلم الاجمالى عقلا :

أما المقام الاول فلا شك فى أن العلم بالجامع الذى يتضمنه العلم


398
الاجمالى حجة و منجز .

و لكن السؤال أنه ما هو المنجز بهذا العلم ؟ .

فاذا علم بوجوب الظهر أو الجمعة , و كان الواجب فى الواقع الظهر , فلا شك فى أن الوجوب يتنجز بالعلم الاجمالى , وإنما البحث فى أن الوجوب بأى مقدار يتنجز بالعلم , فهل يتنجز وجوب صلاة الظهر خاصة بوصفه المصداق المحقق واقعا للجامع المعلوم ؟ أو كلا الوجوبين المعلوم تحقق الجامع بينهما ؟ أو الوجوب بمقدارإضافته إلى الجامع بين الظهر و الجمعة لاإلى الظهر بالخصوص و لا إلى الجمعة كذلك ؟ فعلى الاول يدخل فى العهدة بسبب العلم صلاة الظهر خاصة باعتبارها الواجب الواقعى الذى تنجز بالعلم الاجمالى , و لكن حيث أن المكلف لا يميز الواجب الواقعى عن غيره لزمه الاتيان بالطرفين ليضمن الاتيان بما تنجز واشتغلت به عهدته , و يسمى الاتيان بكلا الطرفين موافقة قطعية للتكليف المعلوم بالاجمال .

و على الثانى يدخل فى العهدة بسبب العلم كلتا الصلاتين معا , فتكون الموافقة القطعية واجبة عقلا بسبب العلم المذكور مباشرة .

و على الثالث يدخل فى العهدة بسبب العلم الجامع بين الصلاتين , لان الوجوب لم يتنجز بالعلم إلا بقدر إضافته إلى الجامع , فلا يسعه ترك الجامع بترك كلا الطرفين معا , و يسمى تركهما معا بالمخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال فيكفيه أن يأتى بأحدهما , لان ذلك يفى بالجامع و يسمى الاتيان بأحد الطرفين دون الاخر موافقة احتمالية .

و قد يقال بالافتراض الاول باعتبار أن المصداق الواقعى هو المطابق الخارجى للصورة العلمية , و حيث أن العلم ينجز بما هو مرآة للخارج ,


399
و لا خارج بازائه إلا ذلك المصداق , فيكون هو المنجز بالعلم .

و قد يقال بالافتراض الثانى باعتبار أن العلم بالجامع نسبته بما هو إلى كل من الطرفين على نحو واحد , و مجرد كون أحد الطرفين محققا دون الاخر لا يجعل الجامع بما هو معلوم منطبقا عليه دون الاخر .

و قد يقال بالافتراض الثالث باعتبار أن العلم حيث إنه لا يسرى من الجامع إلى أى من الطرفين بخصوصه , فالتنجز المعلوم له يقف على الجامع أيضا , و لا يسرى منه , و هذا هو الصحيح .

و عليه فان بنى على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان , فاللازم رفع اليد عن هذه القاعدة بقدر ما تنجز بالعلم , و هو الجامع , فكل من الطرفين لا يكون منجزا بخصوصيته بل بجامعه , و ينتج حينئذ أن العلم الاجمالى يستتبع عقلا حرمة المخالفة القطعية دون وجوب الموافقة القطعية .

وإن بنى على مسلك حق الطاعة , فالجامع منجز بالعلم , و كل من الخصوصيتين للطرفين منجزة بالاحتمال , و بذلك تحرم المخالفة القطعية , و تجب الموافقة القطعية عقلا , غير أن حرمة المخالفة القطعية عقلا تمثل منجزية العلم , و وجوب الموافقة القطعية يمثل منجزية مجموع الاحتمالين .

و على هذا فالمسلكان مشتركان فى التسليم بتنجز الجامع بالعلم , و يمتاز المسلك الثانى بتنجز الطرفين بالاحتمال .

هذا كله فى المقام الاول .

جريان الاصول فى أطراف العلم الاجمالى :

و أما المقام الثانى , و هو الكلام عن جريان الاصول الشرعية المؤمنة


400
فى أطراف العلم الاجمالى , فهو تارة بلحاظ عالم الامكان , و اخرى بلحاظ عالم الوقوع .

أما بلحاظ عالم الامكان فقد ذهب المشهورإلى استحالة جريان البراءة و أمثالها فى كل أطراف العلم الاجمالى لامرين :

الاول : أنها ترخيص فى المخالفة القطعية , و المخالفة القطعية معصية محرمة و قبيحة عقلا , فلا يعقل ورود الترخيص فيها من قبل الشارع .

و هذا الكلام ليس بشىء , لانه يرتبط بتشخيص نوعية حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال , فان كان حكما معلقا على عدم ورود الترخيص الظاهرى من المولى على الخلاف , فلا يكون الترخيص المولوى مصادما له بل رافعا لموضوعة , فمرد الاستحالة إلى دعوى أن حكم العقل ليس معلقا , بل هو منجز و مطلق , و هى دعوى غير مبرهنة و لا واضحة .

الثانى : أن الترخيص فى المخالفة القطعية ينافى الوجوب الواقعى المعلوم بالاجمال , فبدلا عن الاستدلال بالمنافاة بين الترخيص المذكور و حكم العقل كما فى الوجه السابق يستدل بالمنافاة بينه و بين الوجوب الواقعى المعلوم لما تقدم من أن الاحكام التكليفية متنافية و متضادة , فلا يمكن أن يوجب المولى شيئا , و يرخص فى تركه فى وقت واحد .

و هذا الكلام[ إنما يتم] إذا كان الترخيص المذكور واقعيا , أى لم يؤخذ فى موضوعه الشك , كما لو قيل بأنك مرخص فى ترك الواجب الواقعى المعلوم إجمالا , و لا يتم إذا كان الترخيص المذكور متمثلا فى ترخيصين ظاهريين كل منهما مجعول على طرف و مترتب على الشك فى ذلك الطرف , و ذلك لما تقدم من أن التنافى إنما هو بين الاحكام


401
الواقعية لا بين الحكم الواقعى و الظاهرى , فالوجوب الواقعى ينافيه الترخيص الواقعى فى مورده , لا الترخيص الظاهرى , و عليه فلا محذور ثبوتا فى جعل البراءة فى كل من الطرفين بوصفها حكما ظاهريا .

و أما بلحاظ عالم الوقوع فقد يقال : إن إطلاق دليل البراءة شامل لكل من طرفى العلم الاجمالى لانه مشكوك , و مما لا يعلم , فلو كنا قد بنينا على استحالة الترخيص فى المخالفة القطعية فيما تقدم لكانت هذه الاستحالة قرينة عقلية على رفع اليد عن إطلاق دليل البراءة بالنسبة إلى أحد الطرفين على الاقل , لئلا يلزم الترخيص فى المخالفة القطعية , و حيث لا معين للطرف الخارج عن دليل الاصل , فاطلاق دليل الاصل لكل طرف يعارض إطلاقه للطرف الاخر , و يسقط الاطلاقان معا , فلا تجرى البراءة الشرعية هنا و لا هناك للتعارض بين الاصلين , و يجرى كل فقيه حينئذ وفقا للمبنى الذى اختاره فى المقام الاول لتشخيص حكم العقل بالمنجزية , فعلى مسلك حق الطاعة القائل بمنجزية العلم و الاحتمال معا تجب الموافقة القطعية , لان الاحتمال فى كل من الطرفين منجز عقلا ما لم يردإذن فى مخالفته , و المفروض عدم ثبوت الاذن , و على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان القائل بمنجزية العلم دون الاحتمال , فيقتصر على مقدار ما تقتضيه منجزية العلم بالجامع على الافتراضات الثلاثة المتقدمة فيها .

و أما إذا لم نبن على استحالة الترخيص فى المخالفة القطعية عن طريق إجراء أصلين مؤمنين فى الطرفين , فقد يقال حينئذ : أنه لا يبقى مانع من التمسك باطلاق دليل البراءة لاثبات جريانها فى كل من الطرفين , و نتيجة ذلك جواز المخالفة القطعية .


402

و لكن الصحيح مع هذا عدم جواز التمسك بالاطلاق المذكور و ذلك .

أولا : لان الترخيص فى المخالفة القطعية , وإن لم يكن منافيا عقلا للتكليف الواقعى المعلوم بالاجمال , إذا كان ترخيصا منتزعا عن حكمين ظاهريين فى الطرفين , و لكنه مناف له عقلائيا و عرفا . و يكفى ذلك فى تعذر الاخذ باطلاق دليل البراءة .

و ثانيا : إن الجامع قد تم عليه البيان بالعلم الاجمالى , فيدخل فى مفهوم الغاية لقوله تعالى : ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ( 1 ) .

و مقتضى مفهوم الغاية أنه مع بعث الرسول و إقامة الحجة يستحق العقاب , و هذا ينافى إطلاق دليل الاصل المقتضى للترخيص فى المخالفة القطعية .

و بذلك نصل إلى نفس النتائج المشار إليها سابقا على تقدير استحالة الترخيص فى المخالفة القطعية , فلا تجرى البراءة فى كلا الطرفين , لان ذلك ينافىالتكليف المعلوم بالاجمال و لو عقلائيا , و لا تجرى فى أحدهما دون الاخر , إذ لا مبرر لترجيح أحدهما على الاخر مع أن نسبتهماإلى دليل الاصل واحدة .

و قد اتضح من مجموع ما تقدم , أن النتيجة النهائية بناء على مسلك حق الطاعة حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية معا , و بناء على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان حرمة المخالفة القطعية و عدم وجوب الموافقة القطعية .

و بما ذكرناه على المسلك المختار يعرف أن القاعدة العملية الثانوية ,

( 1 ) سورة الاسراء 15 .


403
و هى البراءة الشرعية تسقط فى موارد العلم الاجمالى , و توجد قاعدة عملية ثالثة تطابق مفاد القاعدة العملية الاولى , و نسمى هذه القاعدة الثالثة بأصالة الاشتغال فى موارد العلم الاجمالى , أو بقاعدة منجزية العلم الاجمالى .
تحديد أركان هذه القاعدة :

نستطيع أن نستخلص مما تقدم أن قاعدة منجزية العلم الاجمالى لها عدة أركان :

الاول : وجود العلم بالجامع , إذ لو لا العلم بالجامع لكانت الشبهة فى كل طرف بدوية و تجرى فيها البراءة الشرعية .

الثانى : وقوف العلم على الجامع , و عدم سرايته إلى الفرد , إذ لو كان الجامع معلوما فى ضمن فرد معين , لكان علما تفصيليا لاإجماليا , و لما كان منجزاإلا بالنسبة إلى ذلك الفرد بالخصوص .

الثالث : أن يكون كل من الطرفين مشمولا فى نفسه , و بقطع النظر عن التعارض الناشىء من العلم الاجمالى لدليل أصالة البراءة , إذ لو كان أحدهما مثلا غير مشمول لدليل البراءة لسبب آخر , لجرت البراءة فى الطرف الاخر بدون محذور , لان البراءة فى طرف واحد لا تعنى الترخيص فى المخالفة القطعية , وإنما لا تجرى لانها معارضة بالبراءة فى الطرف الاخر , فاذا افترضنا أن الطرف الاخر كان محروما من البراءة لسبب آخر فلا مانع من جريان البراءة فى الطرف المقابل له , و مع جريانها لا تجب الموافقة القطعية .

الرابع : أن يكون جريان البراءة فى كل من الطرفين مؤديا إلى


404
الترخيص فى المخالفة القطعية , و إمكان وقوعها خارجا على وجه مأذون فيه , إذ لو كانت المخالفة القطعية ممتنعة على المكلف حتى مع الاذن و الترخيص لقصور فى قدرته , فلا محذور فى إجراء البراءة فى كل من الطرفين , لان ذلك لن يؤدى إلى تمكين المكلف من إيقاع المخالفة القطعية ليكون منافيا للتكليف المعلوم بالاجمال عقلا أو عقلائيا .

و كل الحالات التى تسقط فيها قاعدة منجزية العلم الاجمالى , يرجع فيها هذا السقوط إلى اختلال أحد هذه الاركان الاربعة .

فيختل الركن الاول مثلا فيما إذا انكشف للعالم بالاجمال خطاهء , أو تشكك فى ذلك فيزول علمه بالجامع .

و كذلك فيما إذا كان فى أحد الطرفين ما يوجب سقوط التكليف لو كان موردا له , و مثاله أن يعلم إجمالا بأن أحد الحليبين من الحليب المحرم , و لكنه مضطر إلى الحليب البارد منهما اضطرارا يسقط الحرمة لو كان هو الحرام , هو ففى مثل ذلك لا يوجد علم بجامع الحرمة , إذ لو كان الحليب المحرم هو الحليب البارد , فلا حرمة فيه فعلا بسبب الاضطرار , و لا فى الاخر , و لو كان هو الحليب الاخر , فالحرمة ثابتة فعلا , و هذا يعنى أن الحرمة لا يعلم ثبوتها فعلا فى أحد الحليبين و من أجل ذلك يقال : إن الاضطرارإلى طرف معين للعلم الاجمالى يوجب سقوطه عن المنجزية .

و من حالات اختلال الركن الاول أن يأتى المكلف بفعل مترسلا , ثم يعلم إجمالا بأن الشارع أوجب أحد الامرين , إما ذلك الفعل , و إما فعل آخر . فعلى الاول يكون التكليف قد سقط بالاتيان بالمكلف به , و على الثانى يكون ثابتا , فالتكليف لا يعلم ثبوته فعلا .

و يختل الركن الثانى فيماإذا علم المكلف إجمالا بنجاسة أحد


405
المائعين , ثم علم تفصيلا بأن أحدهما المعين نجس , ففى مثل ذلك لا يبقى العلم واقفا على الجامع , بل يسرى إلى الفرد , و هو معنى ما يقال من انحلال العلم الاجمالى بالعلم التفصيلى و الشك البدوى .

و كما ينحل العلم الاجمالى بالعلم التفصيلى نتيجة لاختلال الركن الثانى , كذلك قد ينحل بعلم إجمالى أصغر منه لاختلال هذا الركن أيضا .

و توضيح ذلك : أنا قد نعلم إجمالا بنجاسة مائعين فى ضمن عشرة , فهذا العلم الاجمالى له عشرة أطراف و المعلوم نجاسته فيه إثنان منها , و قد نعلم بعد ذلك إجمالا بنجاسة مائعين فى ضمن هذه الخمسة بالذات من تلك العشرة , فينحل العلم الاجمالى الاول بالعلم الاجمالى الثانى , و يكون الشك فى الخمسة الاخرى شكا بدويا , لان العلم بجامع إثنين فى عشرة سرى إلى خصوصية جديدة , و هى كون الاثنين فى ضمن الخمسة , فلم يعد التردد فى نطاق العشرة , بل فى نطاق الخمسة .

و يسمى العلم الاجمالى المنحل بالعلم الاجمالى الكبير و العلم الاجمالى المسبب لا نحلاله بالعلم الاجمالى الصغير , لان أطرافه أقل عددا . و يعبر عن ذلك بقاعدة انحلال العلم الاجمالى الكبير بالعلم الاجمالى الصغير .

و يتوقف انحلال علم إجمالى بعلم إجمالى ثان :

أولا : على أن تكون أطراف الثانى بعض أطراف العلم الاول المنحل , كما رأينا فى المثال .

و ثانيا : على أن لا يزيد عدد المعلوم بالاجمال فى العلم الاول المنحل على المعلوم إجمالا بالعلم الثانى , فلو زاد لم ينحل , كما لو افترضنا فى المثال


406
أن العلم الثانى تعلق بنجاسة مائع فى ضمن الخمسة , فان العلم الاجمالى بنجاسة المائع الثانى فى ضمن العشرة يظل ثابتا .

و يختل الركن الثالث فيما إذا كان أحد الطرفين مجرى لاستصحاب منجز للتكليف لا للبراءة , و مثاله : أن يعلم إجمالا بنجاسة أحد الاناءين , غير ان احدهما كان نجسا فى السابق و يشك فى بقاء نجاسته , ففى هذه الحالة يكون الاناء المسبوق بالنجاسةمجرى فى نفسه لاستصحاب النجاسة لا لاصالة البراءة أو أصالة الطهارة , فتجرى الاصول المؤمنة فى الاناء الاخر بدون معارض , و تبطل بذلك منجزية العلم الاجمالى , و يسمى ذلك بالانحلال الحكمى تمييزا له عن الانحلال الحقيقى الذى تقدم فى حالة اختلال الركن الثانى .

وإنما يسمى بالانحلال الحكمى لان العلم الاجمالى موجود حقيقة , و لكنه لا حكم له عمليا , لان الاناء المسبوق بالنجاسة حكمه منجز بالاستصحاب , و الاناء الاخر لا منجزية لحكمه لجريان الاصل المؤمن فيه , فكأن العلم الاجمالى غير موجود , و هذا هو محصل ما يقال من أن العلم الاجمالى إذا كان أحد طرفيه مجرى لاصل مثبت للتكليف , و كان الطرف الاخر مجرى لاصل مؤمن انحل العلم الاجمالى .

و مثال آخر لا ختلال هذا الركن , و هو أن يكون أحد طرفى العلم الاجمالى خارجا عن محل الابتلاء , و معنى الخروج كذلك أن تكون المخالفة فى هذا الطرف مما لا تقع من المكلف عادة لان ظروفه لا تيسر له ذلك , و إن كانت لا تعجزه تعجيزا حقيقيا , فالمخالفة غير مقدورة عرفا و إن كانت مقدورة عقلا , كما لو علم بنجاسة و حرمة طعام مردد بين اللبن الموجود على مائدته , و لبن موجود فى بلد آخر لا يصل إليه عادة فى


407
حياته , وإن كان الوصول ممكنا من الناحية النظرية و العقلية , ففى هذه الحالة لا يكون هذا اللبن الخارج عن محل الابتلاء مجرى للبراءة فى نفسه , إذ لا محصل عرفا للتأمين من ناحية تكليف لا يتعرض المكلف إلى مخالفته عادة , فتجرى البراءة عن حرمة اللبن الاخر بدون معارض .

و هذا هو معنى ما يقال عادة من أن تنجيز العلم الاجمالى يشترط فيه دخول كلا طرفيه فى محل الابتلاء .

و يختل الركن الرابع فى حالات :

منها : حالة دوران الامربين المحذورين : و هى ماإذا علم إجمالا بأن هذا الفعل , إما واجب و إما حرام , فان هذا العلم الاجمالى لا تمكن مخالفته القطعية , كما لا تمكن موافقته القطعية , فاذا جرت البراءة عن الوجوب و جرت البراءة عن الحرمة معا , لم يلزم محذور الترخيص فى المخالفة القطعية , لانها غير معقولة على كل حال .

و منها : حالة كون الاطراف غير محصورة و تسمى بالشبهة غير المحصورة , و هى : أن يكون للعلم الاجمالى أطراف كثيرة جدا . على نحو لا يتيسر للمكلف ارتكاب المخالفة فيها جميعا لكثرتها , ففى مثل ذلك تجرى البراءة فى جميع الاطراف , إذ لا يلزم من ذلك تمكين المكلف من المخالفة القطعية .

و الان بعد أن اتضحت القاعدة العملية الثانوية , و هى البراءة الشرعية , و القاعدة العملية الثالثة , و هى منجزية العلم الاجمالى , نستعرض جملة من الحالات التى وقع البحث فى إدراجها ضمن القاعدة الاولى أو الثانية .


408
حالة تردد أجزاء الواجب بين الاقل و الاكثر :

و الحالة الرئيسية من حالات التردد هى ما إذا وجب مركب بوجوب واحد , و كان كل جزء فى المركب واجبا بوجوب ضمنى , و تردد أمر هذا المركب بين أن يكونمشتملا على تسعة أجزاء أو عشرة , فهل تدخل هذه الحالة فى حالات العلم الاجمالى أو حالات الشك البدوى ؟ .

و يجب أن نعرف قبل كل شىء أن العلم الاجمالى لا يمكن أن يوجد إلا إذا افترض جامع بين فردين متباينين , و كان ذلك الجامع معلوما و مرددا فى إنطباقه بين الفردين , و أماإذا كان الجامع معلوما فى ضمن أحد الفردين و يحتمل وجوده فى ضمن فرد آخر أيضا , فليس هذا من العلم الاجمالى , بل هو علم تفصيلى بالفرد الاول مع الشك البدوى فى الفرد الثانى . و هذا معناه أن طرفى العلم الاجمالى يجب أن يكونا متباينين , و يستحيل أن يكونا متداخلين تداخل الاقل و الاكثر .

و على هذا الاساس يبدو أن الحالة المطروحة للبحث ليست من حالات العلم الاجمالى , إذ ليس فيها علم بالجامع بين فردين متباينين , بل علم تفصيلى بوجوب التسعة و شك بدوى فى وجوب العاشر . و قول القائل : إنا نعلم بوجوب التسعة أو العشرة كلام صورى لان التسعة ليست مباينة للعشرة .

و قد حاول بعض المحققين إبراز أن الدوران فى الحقيقة بين متباينين لا بين متداخلين لكى يتشكل علم إجمالى , و تطبق القاعدة الثالثة , و حاصل المحاولة أن الوجوب المعلوم فى الحالة المذكورة إما متعلق بالتسعة


409
المطلقة , أو بالتسعة المقيدة بالجزء العاشر , وإطلاق التسعة و تقييدها حالتان متباينتان , و بذلك يتشكل علم إجمالى بوجوب التسعة أو العشرة .

فان قيل : إن العلم الاجمالى بوجوب التسعة أو العشرة منحل إلى العلم التفصيلى بأحد طرفيه , و الشك البدوى فى الطرف الاخر , لان التسعة معلومة الوجوب على أى حال , و الجزء العاشر مشكوك الوجوب , وإذا انحل العلم الاجمالى سقط عن المنجزية .

قلنا : إن طرفى العلم الاجمالى هما : وجوب التسعة المطلقة و وجوب التسعة المقيدة بالعاشر , و كل من هذين الطرفين ليس معلوما بالتفصيل , و إنما المعلوم وجوب التسعة على الاجمال , و هذا نفس العلم الاجمالى , فكيف ينحل به ؟ .

فالصحيح ان يتجه البحث إلى أنه هل يوجد علم إجمالى أولا ؟ بدلا عن البحث فى أنه هل ينحل بعدإفتراض وجوده ؟ .

و التحقيق هو عدم وجود علم إجمالى بالتكليف , و ذلك لان وجوب التسعة المطلقة لا يعنى وجوب التسعة و وجوب الاطلاق , فان الاطلاق كيفية فى لحاظ المولى تنتج عدم وجوب العاشر و ليس شيئا يوجبه على المكلف , و أما وجوب التسعة فى ضمن العشرة , فمعناه وجوب التسعة و وجوب العاشر , و هذا معناه أننا حينما نلحظ ما أوجبه المولى على المكلف , نجد أنه ليس مرددا بين متباينين , بل بين الاقل و الاكثر , فلا يمكن تصوير العلم الاجمالى بالوجوب , و إنما يمكن تصوير العلم الاجمالى بالنسبة إلى الخصوصيات اللحاظية التى تحدد كيفية لحاظ المولى للطبيعة عند أمره بها , لانه إما أن يكون قد لا حظها مطلقة أو


410
مقيدة , غير أن هذا ليس علماإجماليا بالتكليف ليكون منجزا .

و هكذا يتضح أنه لا يوجد علم إجمالى منجز , و أن البراءة تجرى عن الامر العاشر المشكوك كونه جزء للواجب , فيكفيه الاتيان بالاقل . [

حالة الشك فى إطلاق الجزئية]

و لا فرق فى جريان البراءة عن مشكوك الجزئية بين أن يكون الشك فى أصل الجزئية , كماإذا شك فى جزئية السورة , أو فى اطلاقها بعد العلم بأصل الجزئية , كما إذا علمنا بأن السورة جزء , و لكن شككنا فى أن جزئيتها هل تختص بالصحيح أو تشمل المريض أيضا , فانه تجرى البراءة حينئذ عن وجوب السورة بالنسبة إلى المريض خاصة .

و هناك صورة من الشك فى إطلاق الجزئية وقع البحث فيها و هى : ماإذا ثبت أن السورة مثلا جزء فى حال التذكر , و شك فى إطلاق هذه الجزئية للناسى , فهل تجرى البراءة عن السورة بالنسبة إلى الناسى لكى نثبت بذلك جواز الاكتفاء بما صدر منه فى حالة النسيان من الصلاة الناقصة التى لا سورة فيها ؟ . فقد يقال : إن هذه الصورة هى إحدى حالات دوران الواجب بين الاقل و الاكثر , فتجرى البراءة عن الزائد .

و لكن اعترض على ذلك , بأن حالات الدوران المذكورة تفترض وجود أمر موجه إلى المكلف على أى حال , و يتردد متعلق هذا الامر بين التسعة أو العشرة مثلا , و فى الصورة المفروضة فى المقام نحن نعلم بأن غير الناسى مأمور بالعشرة مثلا بما فى ذلك السورة لاننا نعلم بجزئيتها فى حال التذكر , و أما الناسى فلا يحتمل أن يكون مأمورا بالتسعة أى بالاقل لان الامر بالتسعة لو صدر من الشارع لكان متوجها نحو الناسى


411
خاصة , لان المتذكر مأمور بالعشرة لا بالتسعة , و لا يعقل توجيه الامر إلى الناسى لا يلتفت إلى كونه ناسيا لينبعث عن ذلك الامر , و عليه فالصلاة الناقصة التى أتى بها ليست مصداقا للواجب يقينا , و إنما يحتمل كونها مسقطة للواجب عن ذمته , فيكون من حالات الشك فى المسقط , و تجرى حينئذ أصالة الاشتغال , و تأتى تتمة الكلام عن ذلك فى حلقة مقبلة إن شاءالله تعالى .
حالة احتمال الشرطية :

عالجنا فيما سبق حالة احتمال الجزء الزائد , و الان نعالج حالة احتمال الشرط الزائد , كما لو احتمل أن الصلاة مشروطة بالايقاع فى المسجد على نحو يكون إيقاعها فى المسجد قيدا شرعيا فى الواجب . و تحقيق الحال فى ذلك أن مرجع القيد الشرعى كما تقدم عبارة عن تحصيص المولى للواجب بحصة خاصة على نحو يكون الامر متعلقا بذات الفعل و بالتقيد , فحالة الشك فى شرطية شىء مرجعها إلى العلم بوجوب ذات الفعل و الشك فى وجوب التقيد .

و هذا أيضا دوران بين الاقل و الاكثر بالنسبة إلى ما أوجبه المولى على المكلف , و ليس دورانا بين المتباينين فلا يتصور العلم الاجمالى المنجز , بل تجرى البراءة عن وجوب التقيد .

و قد يفصل بين أن يكون ما يحتمل شرطيته محتمل الشرطية فى نفس متعلق الامر ابتداء , أو فى متعلق المتعلق , أى الموضوع .

ففى خطاب ( أعتق رقبة ) المتعلق الامر هو ( العتق ) , و الموضوع هو ( الرقبة ) , فتارة يحتمل كون الدعاء عند العتق قيدا فى الواجب , و اخرى


412
يحتمل كون الايمان قيدا فى الرقبة .

ففى الحالة الاولى تجرى البراءة لان قيدية الدعاء للمتعلق معناها تقيده و الامر بهذا التقييد , فيكون الشك فى هذه القيدية راجعاإلى الشك فى وجوب التقييد , فتجرى البراءة عنه .

و فى الحالة الثانية لا تجرى البراءة , لان قيدية الايمان للرقبة لا تعنى الامر بهذا التقييد لوضوح أن جعل الرقبة مؤمنة ليس تحت الامر , و قد لا يكون تحت الاختيار أصلا , فلا يعود الشك فى هذه القيدية إلى الشك فى وجوب التقييد لتجرى البراءة .

و الجواب : أن تقييد الرقبة بالايمان وإن لم يكن تحت الامر على تقدير أخذه قيدا , و لكن تقيد العتق بايمان الرقبة المعتوقة تحت الامر على هذا التقدير , فالشك فى قيدية الايمان شك فى وجوب تقيد العتق بايمان الرقبة , و هو تقيد داخل فى اختيار المكلف , و يعقل تعلق الوجوب به , فاذا شك فى وجوبه جرت البراءة عنه .

حالات دوران الواجب بين التعيين و التخيير :

و قد يدور أمر الواجب الواحد بين التعيين و التخيير , سواء كان التخيير المحتمل عقليا أو شرعيا .

و مثال الاول : ماإذا علم بوجوب مردد بين أن يكون متعلقا باكرام زيد كيفما اتفق , أو باهداء كتاب له .

و مثال الثانى : ماإذا علم بوجوب مردد بين أن يكون متعلقا باحدى الخصال الثلاث ( العتق أو الاطعام أو الصيام ) , أو بالعتق خاصة . و فى هذه الحالات نلاحظ أن العنوان الذى يتعلق به الوجوب مردد


413
بين عنوانين متباينين , وإن كان بينهما من حيث الصدق الخارجى عموم و خصوص مطلق , و حيث أن الوجوب يتعلق بالعناوين صح أن يدعى وجود علم إجمالى بوقوع أحد العنوانين المتباينين فى عالم المفهوم متعلقا للوجوب , و مجرد أن أحدهما أوسع صدقا من الاخر لا يوجب كونهما من الاقل و الاكثر ما داما متباينين فى عالم العناوين و المفاهيم الذى هو عالم عروض الوجوب و تعلقه , فالعلم الاجمالى بالوجوب إذن موجود .

و لكن هذا العلم مع هذا غير منجز للاحتياط و رعاية الوجوب التعيينى المحتمل , بل يكفى المكلف أن يأتى با لجامع و لو فى ضمن غير ما يحتمل تعينه , و ذلك لاختلال الركن الثالث من أركان تنجيز العلم الاجمالى المتقدمة , و هو أن يكون كل من الطرفين مشمولا فى نفسه للبراءة بقطع النظر عن التعارض الحاصل بين الاصلين من ناحية العلم الاجمالى , فان هذا الركن لا يصدق فى المقام , و ذلك لان وجوب الجامع الاوسع صدقا ليس مجرى للبراءة بقطع النظر عن التعارض بين الاصلين لانه إن اريد بالبراءة عنه التوصل إلى ترك الجامع رأسا , فهذا توصل بالاصل المذكورإلى المخالفة القطعية التى تتحقق بترك الجامع رأسا , فاذا كان أصل واحد يؤدى إلى هذا المحذور تعذر جريانه , وإن اريد بالبراءة عنه التأمين من ناحية الوجوب التخييرى فقط , فهو لغو , لان المكلف فى حالة ترك الجامع رأسا يعلم أنه غير مأمون من أجل صدور المخالفة القطعية منه , فأى أثر لنفى استناد عدم الامن إلى جهة مخصوصة .

و بهذا يتبرهن أن أصل البراءة عن وجوب الجامع لا يجرى بقطع النظر عن التعارض , و فى هذه الحالة تجرى البراءة عن الوجوب التعيينى بلا معارض .


414
3 الاستصحاب تعريف الاستصحاب :

عرف الاستصحاب بأنه الحكم ببقاء ما كان , و هو قاعدة من قواعد الاستنباط لدى كثير من المحققين , و وظيفة هذه القاعدة على الاجمال : أن كل حالة كانت متيقنة فى زمان و مشكوكة بقاء , يمكن إثبات بقائها بهذه القاعدة التى تسمى بالاستصحاب .

و قد اختلف القائلون بالاستصحاب فى أن الاعتماد عليه هل هو على نحو الامارية أو على نحو الاصل العملى ؟ . كما اختلفوا فى طريقة الاستدلال عليه , فقد استدل بعضهم عليه بحكم العقل وإدراكه و لو ظنا بقاء الحالة السابقة , و بعضهم بالسيرة العقلائية , و بعضهم بالروايات .

و من هنا وقع الكلام فى كيفية تعريف الاستصحاب بنحو يكون محورا لكل هذه الاتجاهات و صالحا لدعوى الامارية تارة و دعوى الاصلية اخرى , و للاستدلال عليه بالادلة المتنوعة المذكورة .

و لذلك اعترض السيد الاستاذ على التعريف المتقدم بأنه إنما يناسب افتراض الاستصحاب أصلا , و أماإذا افترض أمارة فلا يصح تعريفه بذلك , بل يجب تعريفه بالحيثية الكاشفة عن البقاء , و ليست


415
هى إلا اليقين بالحدوث . فينبغى أن يقال حينئذ : إن الاستصحاب هو اليقين بالحدوث , فلا يوجد معنى جامع يلائم كل المسالك يسمى بالاستصحاب .

و يرد عليه أولا : أن حيثية الكاشفية عن البقاء ليست على فرض وجودها قائمة باليقين بالحدوث , فضلا عن الشك فى البقاء , بل بنفس الحدوث , بدعوى غلبة أن ما يحدث يبقى , و ليس اليقين إلا طريقا إلى تلك الامارة , كاليقين بوثاقة الراوى , فلو أريد تعريف الاستصحاب بنفس الامارة لتعين أن يعرف بالحدوث مباشرة .

و ثانيا : أنه سواء بنى على الامارية أو على الاصلية لا شك فى وجود حكم ظاهرى مجعول فى مورد الاستصحاب , وإنما الخلاف فى أنه هل هو بنكتة الكشف أولا ؟ فلا ضرورة على الامارية فى أن يعرف الاستصحاب بنفس الامارة , بل تعريفه بذلك الحكم الظاهرى المجعول يلائم كلا المسلكين أيضا .

و ثالثا : أن بالامكان تعريف الاستصحاب بأنه مرجعية الحالة السابقة بقاء , و يراد بالحالة السابقة اليقين بالحدوث , و هذه المرجعية أمر محفوظ على كل المسالك والاتجاهات , لانها عنوان ينتزع من الامارية و الاصلية معا , و يبقى المجال مفتوحا لافتراض أى لسان يجعل به الاستصحاب شرعا من لسان جعل الحالة السابقة منجزة , أو لسان جعلها كاشفة , أو جعل الحكم ببقاء المتيقن , لان المرجعية تنتزع من كل هذه الالسنة , كما هو واضح .

التمييز بين الاستصحاب و غيره :

هناك قواعد مزعومة تشابه الاستصحاب , و لكنها تختلف عنه فى


416
حقيقتها .

منها : قاعدة اليقين , و هى تشترك مع الاستصحاب فى افتراض اليقين و الشك , غير أن الشك فى موارد القاعدة يتعلق بنفس ما تعلق به اليقين و بلحاظ نفس الفترة الزمنية , و أما فى موارد الاستصحاب فالشك يتعلق ببقاء المتيقن , لا بنفس المرحلة الزمنية التى تعلق بها اليقين .

و إذا أردنا مزيدا من التدقيق أمكننا أن نلاحظ أن الاستصحاب لا يتقوم دائما بالشك فى البقاء , فقد يجرى بدون ذلك , كما إذا وقعت حادثة , و كان حدوثها مرددا بين الساعة الاولى و الساعة الثانية , و يشك فى ارتفاعها , فإننا بالاستصحاب نثبت وجودها فى الساعة الثانية , مع أن وجودها المشكوك فى الساعة الثانية ليس بقاء على أى حال , بل هو مردد بين الحدوث و البقاء , و مع هذا يثبت بالاستصحاب .

و لهذا كان الاولى أن يقال : إن الاستصحاب مبنى على الفراغ عن ثبوت الحالة المرادإثباتها , و قاعدة اليقين ليست كذلك .

و من نتائج الفرق المذكور بين الاستصحاب و قاعدة اليقين , أن الشك فى موارد قاعدة اليقين ناقض تكوينا لليقين السابق , و لهذا يستحيل أن يجتمع معه فى زمان واحد , و أما الشك فى موارد الاستصحاب فهو ليس ناقضا حقيقة .

و منها : قاعدة المقتضى و المانع , و هى القاعدة التى يبنى فيها عند إحراز المقتضى و الشك فى وجود المانع على إنتفاء المانع و ثبوت المقتضى بالفتح و هذه القاعدة تشترك مع الاستصحاب فى وجود اليقين و الشك , و لكنهما فيها متعلقان بأمرين متغايرين ذاتا , و هما المقتضى


417
و المانع , خلافا لوضعهما فى الاستصحاب حيث أن متعلقهما واحد ذاتا فيه .

و كما تختلف هذه القواعد فى أركانها المقومة لها , كذلك فى حيثيات الكشف النوعى المزعومة فيها , فان حيثية الكشف فى الاستصحاب تقوم على أساس ( غلبة أن الحادث يبقى ) , و حيثية الكشف فى قاعدة اليقين تقوم على أساس ( غلبة أن اليقين لا يخطىء ) , و حيثية الكشف فى قاعدة المقتضى و المانع تقوم على أساس ( غلبة أن المقتضيات نافذة و مؤثرة فى معلولاتها ) .

و البحث فى الاستصحاب يقع فى عدة مقامات .

الاول : فى أدلته .

و الثانى : فى أركانه التى يتقوم بها .

و الثالث : فى مقدار ما يثبت بالاستصحاب .

و الرابع : فى عموم جريانه .

و الخامس : فى بعض تطبيقاته .

و سنتكلم فى هذه المقامات تباعاإن شاءالله تعالى .


418
1 أدلة الاستصحاب

و قد استدل على الاستصحاب تارة بأنه مفيد للظن بالبقاء , و أخرى بجريان السيرة العقلائية عليه , و ثالثة بالروايات .

أما الاول : فهو ممنوع صغرى و كبرى , أما صغرويا فلان إفادة الحالة السابقة بمجردها للظن بالبقاء , ممنوعة . و إنما قد تفيد لخصوصية فى الحالة السابقة من حيث كونها مقتضية للبقاء و الاستمرار .

و قد يستشهد لافادة الحالة السابقة للظن بنحو كلى بجريان السيرة العقلائية على العمل بالاستصحاب , و العقلاء لا يعملون إلا بالطرق الظنية و الكاشفة .

و يرد على هذا الاستشهاد , أن السيرة العقلائية على افتراض وجودها , فالاقرب فى تفسيرها أنها قائمة بنكتة الالفة و العادة , لا بنكتة الكشف , و لهذا يقال بوجودها حتى فى الحيوانات التى تتأثر بالالفة .

و أما كبرويا فلعدم قيام دليل على حجية مثل هذا الظن .

و أما الثانى : ففيه أن الجرى و الانسياق العملى على طبق الحالة السابقة , و إن كان غالبا فى سلوك الناس , و لكنه بدافع من الالفة


419
و العادة التى توجب الغفلة عن احتمال الارتفاع , أو الاطمئنان بالبقاء فى كثير من الاحيان , و ليس بدافع من البناء على حجية الحالة السابقة فى إثبات البقاء تعبدا .

و أما الثالث : أى الاخبار فهو العمدة فى مقام الاستدلال : فمن الروايات المستدل بها صحيحة زرارة عن أبى عبدالله عليه السلام , حيث سأله عن المرتبة التى يتحقق بها النوم الناقض للوضوء , فأجابه . ثم سأله عن الحكم فى حالة الشك فى وقوع النوم , إذ قال له : فان حرك فى جنبه شىء و لم يعلم به فكأن عدم التفاته إلى ما حرك فى جنبه جعله يشك فى أنه نام فعلا أولا فاستفهم عن حكمهفقال له الامام ( ع ) : لا حتى يستيقن أنه قد نام , حتى يجىء من ذلك أمر بين , وإلا فانه على يقين من وضوئه , و لا ينقض اليقين أبدا بالشك , و لكن ينقضه بيقين آخر ( 1 ) .

و الكلام فى هذه الرواية يقع فى عدة جهات :

الجهة الاولى : فى فقه الرواية بتحليل مفاد قوله : [ ( و إلا فانه على يقين من وضوئه , و لا ينقض اليقين بالشك]( , و ذلك بالكلام فى نقطتين .

النقطة الاولى : إنه كيف اعتبر البناء على الشك نقضا لليقين مع أن اليقين بالطهارة حدوثا لا يتزعزع بالشك فى الحدث بقاء , فلو أن المكلف فى الحالة المفروضة فى السؤال بنى على أنه محدث لما كان ذلك منافيا ليقينه لان اليقين بالحدوث لا ينا فى الارتفاع , فكيف يسند

( 1 ) التهذيب ج 1 ب الاحداث الموجبة للطهارة ح 11 .


420
نقض اليقين إلى الشك ؟ .

و التحقيق أن الشك ينقض اليقين تكويناإذا تعلق بنفس ما تعلق به اليقين , و أماإذا تغاير المتعلقان فلا تنافى بين اليقين و الشك ليكون الشك ناقضا و هادما لليقين .

و على هذا الاساس نعرف أن الشك فى قاعدة اليقين ناقض تكوينى لليقين المفترض فيها لوحدة متعلقيهما ذاتا و زمانا , و أن الشك فى مورد الاستصحاب ليس ناقضا تكوينيا لليقين المفترض فيه , لان أحدهما متعلق بالحدوث , و الاخر متعلق بالبقاء , و لهذا يجتمعان فى وقت واحد .

و لكن مع هذا قد يسند النقض إلى هذا الشك , فيقال إنه ناقض لليقين باعمال عناية عرفية و هى أن تلغى ملاحظة الزمان , فلا نقطع الشىءإلى حدوث و بقاء , بل نلحظه بما هو أمر واحد , ففى هذه الملاحظة يرى الشك و اليقين واردين على مصب واحد , و متعلق فارد , فيصح بهذا الاعتبار إسناد النقض إلى الشك , فكأن الشك نقض اليقين , و بهذا الاعتبار يرى أيضا أن اليقين و الشك غير مجتمعين , كما هو الحال فى كل منقوض مع ناقضه , و على هذا الاساس جرى التعبير فى الرواية فأسند النقض إلى الشك و نهى عن جعله ناقضا .

النقطة الثانية : فى تحديد عناصر الجملة المذكورة الواردة فى كلام الامام ( ع ) فانها جملة شرطية , و الشرط فيها هو أن لا يستيقن أنه قد نام , و أما الجزاء ففيه ثلاثة احتمالات :

الاول : أن يكون محذوفا و مقدرا و تقديره ( فلا يجب الوضوء ) , و يكون قوله : ( فانه على يقين . . . إلخ ) تعليلا للجزاء المحذوف . و قد


421
يلاحظ على ذلك أنه التزام بالتقدير , و هو خلاف الاصل فى المحاورة , و التزام بالتكرار لان عدم وجوب الوضوء يكون قد بين مرة قبل الجملة الشرطية , و مرة فى جزائها المقدر .

و تندفع الملاحظة الاولى , بأن التقدير فى مثل المقام ليس على خلاف الاصل لوجود القرينة المتصلة على تعيينه و بيانه , حيث صرح بعدم وجوب الوضوء قبل الجملة الشرطية مباشرة . و تندفع الملاحظة الثانية بأن التكرار الملفق من التصريح و التقدير ليس على خلاف الطبع , و ليس هذا تكرارا حقيقيا , كما هو واضح , فهذا الاحتمال لاغبار عليه من هذه الناحية .

الثانى : أن يكون الجزاء قوله : ( فانه على يقين من وضوئه ) , فيتخلص بذلك من التقدير , و لكن يلاحظ حينئذ أنه لا ربط بين الشرط و الجزاء , لوضوح أن اليقين بالوضوء غير مترتب على عدم اليقين بالنوم , بل هو ثابت على أى حال , و من هنا يتعين حينئذ لاجل تصوير الترتب بين الشرط و الجزاء أن يحمل قوله : ( فانه على يقين من وضوئه ) على أنه جملة انشائية يراد بها الحكم بأنه متيقن تعبدا , لا خبرية تتحدث عن اليقين الواقعى له بوقوع الوضوء منه , فان اليقين التعبدى بالوضوء يمكن أن يكون مترتبا على عدم اليقين بالنوم لانه حكم شرعى , خلافا لليقين الواقعى بالوضوء فانه ثابت على أى حال , و لكن جمل الجملة المذكورة على الانشاء خلاف ظاهرها عرفا .

الثالث : أن يكون الجزاء قوله : ( و لا ينقض اليقين بالشك ) , و أما قوله : ( فانه على يقين من وضوئه ) فهو تمهيد للجزاء أو تتميم للشرط .

و هذا الاحتمال أضعف من سابقه , لان الجزاء لا يناسب الواو ,


422
و الشرط و تتميماته لا تناسب الفاء .

و هكذا يتبين أن الاحتمال الاول هو الاقوى , و لكن يبقى أن ظاهر قوله : ( فانه على يقين من وضوئه ) كونه على يقين فعلى بالوضوء , و هذا إنما ينسجم مع حمل اليقين على اليقين التعبدى الشرعى كما يفترضه الاحتمال الثانى , لان اليقين إذا حملناه على اليقين التعبدى الشرعى , فهو يقين فعلى بالوضوء , و لا ينسجم مع حمله على اليقين الواقعى , لان اليقين الواقعى بالوضوء ليس فعليا , بل المناسب حينئذ أن يقال فانه كان على يقين من وضوئه , فظهور الجملة المذكورة فى فعلية اليقين قد يتخذ قرينة على حملها على الانشائية .

فان قيل : أو ليس المكلف عند الشك فى النوم على يقين واقعى فعلا بأنه كان متطهرا , فلماذا تفترضون أن فعلية اليقين لا تنسجم مع حمله على اليقين الواقعى ؟ .

قلنا : إن إسناد النقض إلى الشك فى جملة ( و لا ينقض اليقين بالشك ) إنما يصح إذا الغيت خصوصية الزمان و جرد الشىء المتيقن و المشكوك عن وصف الحدوث و البقاء كما تقدم توضيحه , و بهذا اللحاظ يكون الشك ناقضا لليقين و لا يكون اليقين فعليا حينئذ .

و لكن الظاهر أن ظهور جملة ( فانه على يقين من وضوئه ) فى أنه جملة خبرية لا انشائية أقوى من ظهور اليقين فى الفعلية , و هكذا نعرف أن مفاد الرواية أنه إذا لم يستيقن بالنوم فلا يجب الوضوء , لانه كان على يقين من وضوئه ثم شك , و لا ينبغى أن ينقض اليقين بالشك .

الجهة الثانية : فى أن الرواية هل هى ناظرة إلى الاستصحاب أوإلى قاعدة المقتضى و المانع ؟ فقد يقال : إن الاستصحاب يتعلق فيه الشك


423
ببقاء المتيقن , و قد فرض فى الرواية اليقين بالوضوء , و الوضوء ليس له بقاء ليعقل الشك فى بقائه , وإنما الشك فى حدوث النوم و ينطبق ذلك على قاعدة المقتضى و المانع , لان الوضوء مقتض للطهارة و النوم رافع و مانع عنها , فالمقتضى فى مورد الرواية معلوم و المانع مشكوك فيبنى على أصالة عدم المانع و ثبوت المقتضى بالفتح .

و يرد على ذلك أن الوضوء قد فرض له فى الشريعة بقاء و استمرار , و لهذا عبر عن الحدث بأنه ناقض للوضوء , و قيل للمصلى انه على وضوء , و ليس ذلك إلا لافتراضه أمرا مستمرا فيتعلق الشك ببقائه و ينطبق على الاستصحاب .

و نظرا إلى ظهورا قوله : ( و لا ينقض اليقين بالشك ) فى وحدة متعلق اليقين و الشك يتعين تنزيل الرواية على الاستصحاب .

الجهة الثالثة : بعد افتراض تكفل الرواية للاستصحاب يقع الكلام فى أنه هل يستفاد منها جعل الاستصحاب على وجه كلى كقاعدة عامة , أو لا تدل على أكثر من جريان الاستصحاب فى باب الوضوء عند الشك فى الحدث ؟ .

قد يقال بعدم الدلالة على الاستصحاب كقاعدة عامة لان اللام فى قوله : ( و لا ينقض اليقين بالشك ) , كما يمكن أن يكون للجنس فتكون الجملة المذكورة مطلقة , كذلك يحتمل أن يكون للعهد و للاشارة إلى اليقين المذكور فى الجملة السابقة ( فانه على يقين من وضوئه ) و هو اليقين بالوضوء , فلا يكون للجملة إطلاق لغير مورد الشك فى انتقاض الوضوء , و إجمال اللام و تردده بين الجنس و العهد كاف فى منع الاطلاق .

و يرد على ذلك أولا : أن قوله : ( فانه على يقين من وضوئه ) مسوق


424
مساق التعليل للجزاء المحذوف , كما تقدم , و ظهور التعليل فى كونه تعليلا بأمر عرفى و تحكيم مناسبات الحكم و الموضوع المركوزة عليه , يقتضى حمل اليقين و الشك على طبيعى اليقين و الشك , لان التعليل بكبرى الاستصحاب عرفى و مطابق للمناسبات العرفية بخلاف التعليل باستصحاب مجعول فى خصوص باب الوضوء .

و ثانيا : أن اللام فى قوله : ( و لا ينقض اليقين بالشك ) لو سلم أنها للعهد و الاشارة إلى اليقين الوارد فى جملة ( فانه على يقين من وضوئه ) فلا يقتضى ذلك اختصاص القول المذكور بباب الوضوء , لان قيد ( من وضوئه ) ليس قيدا لليقين , حيث إن اليقين لا يتعدى عادة إلى متعلقه ب ( من ) , وإنما هو قيد للظرف و محصل العبارة أنه من ناحية الوضوء على يقين , و هذا يعنى أن كلمة اليقين استعملت فى معناها الكلى , فاذا اشير إليها لم يقتض ذلك الاختصاص بباب الوضوء . خلافا لما إذا كان القيد راجعا إلى نفس اليقين , و كان مفاد الجملة المذكورة أنه على يقين بالوضوء فان الاشارة إلى هذا اليقين توجب الاختصاص .

و على هذا فالاستدلال بالرواية تام , و هناك روايات عديدة اخرى يستدل بها على الاستصحاب , و لا شك فى دلالة جملة منها .


425
2 أركان الاستصحاب

و بعد الفراغ عن ثبوت الاستصحاب شرعا يقع الكلام فى تحديد أركانه على ضوء دليله .

و المستفاد من دليل الاستصحاب المتقدم تقومه بأربعة أركان :

الاول : اليقين بالحدوث .

و الثانى : الشك فى البقاء .

و الثالث : وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة .

و الرابع : كون الحالة السابقة فى مرحلة البقاء ذات أثر مصحح للتعبد ببقائها .

و لنأخذ هذه الاركان تباعا .

أما الركن الاول فهو مأخوذ فى لسان الدليل فى قوله : ( و لا ينقض اليقين بالشك ) و ظاهر ذلك كون اليقين بالحالة السابقة دخيلا فى موضوع الاستصحاب , فمجرد حدوث الشىء لا يكفى لجريان استصحابه ما لم يكن هذا الحدوث متيقنا , و مجرد الشك فى وجود شىء لا يكفى لاستصحابه ما لم يكن ثبوته فى السابق معلوما .


426

و على هذا ترتب بحث , و هو : أن الحالة السابقة قد تثبت بالامارة لا باليقين , فاذا كان الاستصحاب حكما مترتبا على اليقين فكيف يجرى إذا شك فى بقاء شىء لم يكن حدوثه متيقنا بل ثابتا بالامارة ؟ .

و قد حاول المحقق النائينى ( رحمه الله ) أن يخرج ذلك على أساس قيام الامارات مقام القطع الموضوعى , فاليقين هنا جزء الموضوع للاستصحاب فهو قطع موضوعى و تقوم مقامه الامارة .

و هناك من أنكر ركنية اليقين بالحدوث و استظهر أنه مأخوذ فى لسان الدليل بما هو معرف و مشير إلى الحدوث , فالاستصحاب مترتب على الحدوث لا على اليقين به , و الامارة تثبت الحدوث فتنقح بذلك موضوع الاستصحاب .

و أما الركن الثانى و هو الشك فمأخوذ أيضا فى لسان الدليل , و المراد به مطلق عدم العلم , فيشمل حالة الظن أيضا بقرينة قوله : ( و لكن انقضه بيقين آخر ) , فان ظاهره حصر ما يسمح بأن ينقض به اليقين باليقين .

و الشك تارة يكون موجودا وجودا فعليا , كما فى الشاك الملتفت إلى شكه , و اخرى يكون موجودا وجودا تقديريا , كما فى الغافل الذى لو التفت إلى الواقعة لشك فيها , و لكنه غير شاك فعلا لغفلته , و من هنا وقع البحث فى أن الشك المأخوذ فى موضوع دليل الاستصحاب هل يشمل القسمين معا أو يختص بالقسم الاول ؟ , فاذا كان المكلف على يقين من الحدث ثم شك فى بقائه و قام و صلى ملتفتا إلى شكه , فلا ريب فى أن استصحاب الحدث يجرى فى حقه و هو يصلى , و بذلك تكون الصلاة من حين وقوعها محكومة بالبطلان , و فى مثل هذه الحالة


427
لا يمكن للمكلف إذا فرغ من صلاته هذه أن يتمسك لصحتها بقاعدة الفراغ لانها إنما تجرى فى صلاة لم يثبت الحكم ببطلانها حين إيقاعها . و أما إذا كان المكلف على يقين من الحدث , ثم غفل و ذهل عن حاله و قام و صلى ذاهلا , و بعد الصلاة التفت و شك فى أنه هل كان لا يزال محدثا حين صلى أولا ؟ . فقد يقال : بأن استصحاب الحدث لم يكن جاريا حين الصلاة , لان الشك لم يكن فعليا , بل تقديريا , فالصلاة لم تقترن بقاعدة شرعية تحكم ببطلانها , فبامكان المكلف حينئذ أن يرجع عند التفاته بعد الفراغ من الصلاة إلى قاعدة الفراغ , فيحكم بصحة الصلاة .

فان قيل : هب أن الاستصحاب لم يكن جاريا حين الصلاة , و لكن لماذا لا يجرى الان مع أن الشك فعلى و باستصحاب الحدث فعلا يثبت أن صلاته التى فرغ منها باطلة .

قلنا : إن هذا الاستصحاب ظرف جريانه هو نفس ظرف جريان قاعدة الفراغ , و كلما اتحد ظرف جريان الاستصحاب و القاعدة تقدمت قاعدة الفراغ خلافا لماإذا كان ظرف جريان الاستصحاب أثناء الصلاة , فانه حينئذ لا يدع مجالا لرجوع المكلف بعد الفراغ من صلاته إلى قاعدة الفراغ , لان موضوعها صلاة لم يحكم ببطلانها فى ظرف الاتيان بها .

و لكن الصحيح أن قاعدة الفراغ لا تجرى بالنسبة إلى الصلاة المفروضة فى هذا المثال على أى حال حتى لو لم يجر استصحاب الحدث فى أثنائها , و ذلك لان قاعدة الفراغ لا تجرى عندإحراز وقوع الفعل المشكوك الصحة مع الغفلة , ففى المثال المذكور لا يمكن تصحيح الصلاة


428
بحال .

أما الركن الثالث و هو وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة , فيستفاد من ظهور الدليل فى أن الشك الذى يمثل الركن الثانى يتعلق بعين ما تعلق به اليقين الذى يمثل الركن الاول , إذ لو تغاير متعلق الشك مع متعلق اليقين فلن يكون العمل بالشك نقضا لليقين , وإنما يكون نقضا له فى حالة وحدة المتعلق لهما معا , و المقصود بالوحدة الوحدة الذاتية لا الزمانية , فلا ينافيها أن يكون اليقين متعلقا بحدوث الشىء و الشك ببقائه , فان النقض يصدق مع الوحدة الذاتية و تجريد كل من اليقين و الشك عن خصوصية الزمان كما تقدم , و قد ترتب على هذا الركن عدة امور :

نذكر منها : ما قد لوحظ من أن هذا الركن يمكن تواجده فى الشبهات الموضوعية بأن تشك فى بقاء نفس ما كنت على يقين منه , و لكن من الصعب الالتزام بوجوده فى الشبهات الحكمية , و ذلك لان الحكم المجعول تابع فى وجوده لوجود القيود المأخوذة فى موضوعه عند جعله , فاذا كانت هذه القيود كلها متوفرة و محرزة فلا يمكن الشك فى وجود الحكم المجعول , و ما دامت باقية و معلومة فلا يمكن الشك فى بقاء الحكم المجعول , و إنما يتصور الشك فى بقائه بعد اليقين بحدوثه إذا أحرز المكلف فى البداية أن القيود كلها موجودة , ثم اختلت خصوصية من الخصوصيات فى الاثناء , و احتمل المكلف أن تكون هذه الخصوصية من تلك القيود , فانه سوف يشك حينئذ فى بقاء الحكم المجعول , لاحتمال إنتفاء قيده .

و مثال ذلك : أن يكون الماء متغيرا بالنجاسة فيعلم بنجاسته , ثم


429
يزول التغير الفعلى فيشك فى بقاء النجاسة , لاحتمال أن فعلية التغير قيد فى النجاسة المجعولة شرعا , و فى هذه الحالة لو لا حظ المكلف بدقة قضيتة المتيقنة و قضيته المشكوكة لرآهما مختلفتين , لان القضية المتيقنة هى نجاسة الماء المتصف بالتغير الفعلى , و القضية المشكوكة هى نجاسة الماء الذى زال عنه التغير الفعلى , فكيف يجرى الاستصحاب ؟ .

و قد ذكر المحققون أن الوحدة المعتبرة بين المتيقن و المشكوك ليست وحدة حقيقية مبنية على الدقة و الاستيعاب , بل وحدة عرفية على نحو لو كان المشكوك ثابتا فى الواقع لا عتبر العرف هذا الثبوت بقاء لما سبق لا حدوثا لشىء جديد , إذ كلما صدق على المشكوك أنه بقاء عرفا للمتيقن انطبق على العمل بالشك أنه نقض لليقين بالشك فيشمله دليل الاستصحاب , و لا شك فى أن الماء المتغيرإذا كان نجسا بعد زوال التغير فليست هذه النجاسة عرفاإلا امتدادا للنجاسة المعلومة حدوثا , و إن كانت النجاستان مختلفتين فى بعض الخصوصيات و الظروف , فيجرى استصحاب النجاسة .

نعم بعض القيود تعتبر عرفا مقومة للحكم و منوعة له على نحو يرى العرف أن الحكم المرتبط بها مغاير للحكم الثابت بدونها , كما فى وجوب إكرام الضيف المرتبط بالضيافة فان الضيافة قيد منوع , فلو وجب عليك أن تكرم ضيفك بعد خروجه من ضيافتك أيضا بوصفه فقيرا فلا يعتبر هذا الوجوب استمرارا لوجوب إكرامه من أجل الضيافة , بل وجوبا آخر , لان الضيافة خصوصية مقومة و منوعة , فاذا كنت على يقين من وجوب إكرام الضيف و شككت فى وجوب إكرامه بعد خروجه من ضيافتك باعتبار فقره لم يجر استصحاب الوجوب , لان الوجوب


430
المشكوك هنا مغاير للوجوب المتيقن و ليس استمرارا له عرفا .

و هكذا نخرج بنتيجة و هى : أن القيود للحكم على قسمين عرفا : فقسم منها يعتبر مقوما و منوعا , و قسم ليس كذلك , و كلما نشأ الشك من القسم الاول لم يجر الاستصحاب , و كلما نشأ من القسم الثانى جرى . و قد يسمى القسم الاول بالحيثيات التقييدية , و القسم الثانى بالحيثيات التعليلية .

و أما الركن الرابع فقد يبين باحدى صيغتين :

الاولى : أن الاستصحاب يتوقف جريانه على أن يكون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا يترتب عليه الحكم الشرعى , لانه إذا لم يكن كذلك يعتبر أجنبيا عن الشارع , فلا معنى لصدور التعبد منه بذلك .

و هذه الصيغة تسبب عدة مشاكل :

منها : كيف يجرى استصحاب عدم التكليف مع أن عدم التكليف ليس حكما و لا موضوعا لحكم .

و منها : أنه كيف يجرى استصحاب شرط الواجب و قيده كالطهارة , كما هو مورد الرواية , فان قيد الواجب ليس حكما و لا موضوعا يترتب عليه الحكم , فان الحكم إنما يترتب على قيد الوجوب لا على قيد الواجب , و من هنا وضعت الصيغة الاخرى كما يلى .

الثانية : أن الاستصحاب يتوقف جريانه على أن يكون لاثبات الحالة السابقة فى مرحلة البقاء أثر عملى , أى صلاحية للتنجيز و التعذير , و هذا حاصل فى موارد استصحاب عدم التكليف , فان إثبات عدم التكليف بقاء معذر , و كذلك فى موارد استصحاب قيد الواجب , فان إثباته بقاء معذر فى مقام الامتثال .


431

و هذه الصيغة هى الصحيحة لان برهان هذا الركن لا يثبت أكثر مما تقرره هذه الصيغة , كما سنرى , و برهان توقف الاستصحاب على هذا الركن أمران :

أحدهما : أن إثبات الحالة السابقة فى مرحلة البقاء تعبداإذا لم يكن مؤثرا فى التنجيز و التعذير يعتبر لغوا .

و الاخر : أن دليل الاستصحاب ينهى عن نقض اليقين بالشك و لا يراد بذلك النهى عن النقض الحقيقى , لان اليقين ينتقض بالشك حقيقة , وإنما يراد النهى عن النقض العملى , و مرجع ذلك إلى الامر بالجرى على طبق ما يقتضيه اليقين من إقدام أو إحجام و تنجيز و تعذير , و من الواضح أن المستصحب إذا لم يكن له أثر عملى و صلاحية للتنجير و التعذير , فلا يقتضى اليقين به جريا عمليا محددا ليؤمر المكلف بايقاء هذا الجرى و ينهى عن النقض العملى .

و هذا الركن يتواجد فيما إذا كان المستصحب حكما قابلا للتنجيز و التعذير , أو عدم حكم قابل لذلك , أو موضوعا لحكم كذلك , أو متعلقا لحكم[ كذلك] .

و الظرف الذى يعتبر فيه تواجد هذا الركن هو ظرف البقاء لا ظرف الحدوث , فاذا كان للحالة السابقة أثر عملى و صلاحية للتنجيز و التعذير فى مرحلة البقاء جرى الاستصحاب فيها , و لو لم يكن لحدوثها أثر , فمثلا إذا لم يكن لكفر الابن فى حياة أبيه أثر عملى , و لكن كان لبقائه كافرا إلى حين موت الاب أثر عملى , و هو نفى الارث عنه , و شككنا فى بقائه كافرا كذلك , جرى استصحاب كفره .


432
3 مقدار ما يثبت بالاستصحاب

دليل الاستصحاب كما عرفنا مفاده النهى عن النقض العملى لليقين عند الشك .

و هذا النهى لا يراد به تحريم النقض العملى , بل يراد به بيان أن الشارع حكم ببقاء المتيقن عند الشك فى بقائه , و النهى ارشاد إلى هذا الحكم فكأنه قال : لا ينقض اليقين بالشك , لانى أحكم بأن المتيقن باق . و الحكم ببقاء المتيقن هنا لا يعنى بقاءه حقيقة وإلا لزال الشك مع أن الاستصحاب حكم الشك , بل يعنى بقاءه من الناحية العملية , أى تنزيله منزلة الباقى عمليا , و مرجع ذلك إلى القول بأن الشىء الذى كنت على يقين منه فشككت فى بقائه نزل منزلة الباقى , فاذا كان المستصحب حكما فتنزيله منزلة الباقى معناه التعبد ببقائه , وإذا كان موضوعا لحكم فتنزيله منزلة الباقى معناه التعبد بحكمه و أثره , و إذا كان للمستصحب حكم شرعى , و كان هذا الحكم بنفسه موضوعا لحكم شرعى آخر , فتنزيله منزلة الباقى معناه التعبد بحكمه , و التعبد بحكمه هو بدوره يعنى التعبد بما لهذا الحكم من حكم أيضا و هكذا .


433

و قد لا يكون المستصحب حكما و لا موضوعا لحكم , و لكنه سبب تكوينى أو ملازم خارجى لشىء آخر , و ذلك الشىء هو موضوع الحكم , كما لو فرضنا أن حياة زيد التى كنا على يقين منها ثم شككنا فى بقائها سبب على تقدير بقائهاإلى زمان الشك لنبات لحيته , و كان نبات اللحية موضوعا لحكم شرعى , ففى مثل ذلك هل يجرى استصحاب حياة زيد لاثبات ذلك الحكم الشرعى تعبدا أولا ؟ .

و المشهور بين المحققين عدم اقتضاء دليل الاستصحاب لذلك , و هذا هو الصحيح , لانه إن اريدإثبات ذلك الحكم الشرعى باستصحاب حياة زيد مباشرة بلا تعبد بنبات اللحية فهو غير ممكن , لان ذلك الحكم موضوعه نبات اللحية لا حياة زيد , فما لم يثبت بالتنزيل و التعبد نبات اللحية لا يترتب الحكم , و إن اريد إثبات نبات اللحية أولا باستصحاب الحياة , و بالتالى إثبات ذلك الحكم الشرعى فهو خلاف ظاهر دليل الاستصحاب , لان مفاده كما عرفنا تنزيل مشكوك البقاء منزلة الباقى , و التنزيل دائما ينصرف عرفاإلى توسعة دائرة الاثار المجعولة من قبل المنزل لا غيرها , و نبات اللحية أثر للحياة و لكنه أثر تكوينى و ليس بجعل من الشارع بما هو شارع , فهو كما لو قال الشارع : نزلت الفقاع منزلة الخمر , فكما يترتب على ذلك توسعة دائرة الحرمة لا توسعة الاثار التكوينية للخمر بالتنزيل , كذلك يترتب على استصحاب الحياة توسعة الاحكام الشرعية للحياة عمليا لا توسعة آثارها التكوينية التى منها نبات اللحية .

و من هنا صح القول بأن الاستصحاب يترتب عليه الاحكام الشرعية للمستصحب دون الاثار العقلية التكوينية و أحكامها الشرعية .


434

و يسمى الاستصحاب الذى يراد به إثبات حكم شرعى مترتب على أثر تكوينى للمستصحب بالاصل المثبت , و يقال عادة بعدم جريان الاصل المثبت , و يراد به أن مثل استصحاب الحياة لا يثبت الحكم الشرعى لنبات اللحية , و يسمى نبات اللحية بالواسطة العقلية .


435
4 عموم جريان الاستصحاب

بعد أن تمت دلالة النصوص على جريان الاستصحاب نتمسك باطلاقها لاثبات جريانه فى كل الحالات التى تتم فيها أركانه , و هذا معنى عموم جريانه , و لكن هناك أقوال تتجه إلى التفصيل فى جريانه بين بعض الموارد و بعض , بدعوى قصورإطلاق الدليل عن الشمول لجميع الموارد , و نقتصر على ذكر أهمها و هو : ما ذهب إليه الشيخ الانصارى و المحقق النائينى ( رحمهما الله ) من جريان الاستصحاب فى موارد الشك فى الرافع و عدم جريانه فى موارد الشك فى المقتضى .

و توضيح مدعاهما : أن المتيقن الذى يشك فى بقائه تارة يكون شيئا قابلا للبقاء و الاستمرار بطبعه , وإنما يرتفع برافع , و الشك فى بقائه ينشأ من احتمال طرو الرافع , ففى مثل ذلك يجرى استصحابه , و مثاله : الطهارة التى تستمر بطبعها متى ما حدثت ما لم ينقضها حدث .

و اخرى يكون المتيقن الذى يشك فى بقائه محدود القابلية للبقاء فى نفسه , كالشمعة التى تنتهى لا محالة بمرور زمن حتى لو لم يهب عليها الريح , فاذا شك فى بقاء نورها لاحتمال انتهاء قابليته لم يجر


436
الاستصحاب , و يسمى ذلك بمورد الشك فى المقتضى .

و بالنظرة الاولى يبدو أن هذا التفصيل على خلاف إطلاق دليل الاستصحاب , لشمول إطلاقه لموارد الشك فى المقتضى , فلا بد للقائلين بعدم الشمول من إبراز نكتة فى الدليل تمنع عن إطلاقه , و هذه النكتة قد أدعى أنها كلمة ( النقض ) و تقريب استفادة الاختصاص منها بوجهين :

الوجه الاول : أن النقض حل لما هو محكم و مبرم , و قد جعل الاستصحاب بلسان النهى عن النقض , فلا بد أن تكون الحالة السابقة التى ينهى عن نقضها محكمة و مبرمة و مستمرة بطبيعتها لكى يصدق النقض على رفع اليد عنها , و أماإذا كانت مشكوكة القابلية للبقاء فهى على فرض انتهاء قابليتها لا يصح إسناد النقض إليها , لا نحلالها بحسب طبعها , فأنت لا تقول عن الخيوط المتفككة : إنى نقضتها , إذا فصلت بعضها عنه بعض , و إنما تقول عن الحبل المحكم ذلك إذا حللته , فيختص الدليل إذن بمواردإحراز قابلية المستصحب للبقاء و الاستمرار .

و يرد على هذا الوجه أن النقض لم يسندإلى المتيقن و المستصحب لنفتش عن جهة إحكام فيه حتى نجدها فى افتراض قابليته للبقاء , بل اسندإلى نفس اليقين فى الرواية , و اليقين بنفسه حالة مستحكمة و فيها رسوخ مصحح لاسناد النقض إليها بقطع النظر عن حالة المستصحب و مدى قابليته للبقاء .

الوجه الثانى : أن دليل الاستصحاب يفترض كون العمل بالشك نقضا لليقين بالشك , و هذا لا يصدق حقيقة إلاإذا كان الشك متعلقا بعين ما تعلق به اليقين حقيقة أو عناية , و مثال الاول : الشك فى قاعدة


437
اليقين مع يقينها , و مثال الثانى : الشك فى بقاء الطهارة مع اليقين بحدوثها , فان الشك هنا وإن كان متعلقا بغير ما تعلق به اليقين حقيقة , لانه متعلق بالبقاء , و اليقين متعلق بالحدوث , و لكن حيث أن المتيقن له قابلية البقاء و الاستمرار فكأن اليقين بالعناية قد تعلق به بما هو باق و مستمر , فيكون الشك متعلقا بعين ما تعلق به اليقين , و بهذا يصدق النقض على العمل بالشك , و أما فى موارد الشك فى المقتضى , فاليقين غير متعلق بالبقاء لا حقيقة و لا عناية , أما الاول فواضح , و أما الثانى فلان المتيقن لم تحرز قابليته للبقاء , و عليه فلا يكون العمل بالشك نقضا لليقين ليشمله النهى المجعول فى دليل الاستصحاب .

و الجواب على ذلك بأن صدق النقض وإن كان يتوقف على وحدة متعلق اليقين و الشك , و لكن يكفى فى هذه الوحدة تجريد اليقين و الشك من خصوصية الزمان الحدوثى و البقائى و إضافتهما إلى ذات واحدة كما تقدم توضيحه فيما مضى , و هذه العناية التجريدية تطبق على موارد الشك فى المقتضى أيضا .

و عليه فالاستصحاب يجرى فى موارد الشك فى المقتضى أيضا .


438
5 تطبيقات
1 استصحاب الحكم المعلق :

فى موارد الشبهة الحكمية تارة يشك فى بقاء الجعل لاحتمال نسخه , فيجرى استصحاب بقاء الجعل , و اخرى يشك فى بقاء المجعول بعد إفتراض تحققه و فعليته , كماإذا حرم العصير العنبى بالغليان و شك فى بقاء الحرمة بعد ذهاب الثلثين بغير النار , فيجرى استصحاب المجعول , و ثالثة يكون الشك فى حالة وسطى بين الجعل و المجعول , و توضيح ذلك فى المثال الاتى :

إذا جعل الشارع حرمة العنب إذا غلى , و نفترض عنبا و لكنه بعد لم يغل , فهنا المجعول ليس فعليا , بل فعليته فرع تحقق الغليان , فلا علم لنا بفعلية المجعول الان , و لكنا نعلم بقضية شرطية و هى : أن هذا العنب لو غلى لحرم , فاذا تيبس العنب بعد ذلك و أصبح زبيبا نشك فى أن تلك القضية الشرطية هل لا تزال باقية بمعنى أن هذا الزبيب إذا غلى يحرم كالعنب أولا ؟ فالشك هنا ليس فى بقاء الجعل و نسخه إذ لا نحتمل النسخ , و ليس فى بقاء المجعول بعد العلم بفعليته إذ لم يوجد علم بفعلية المجعول بعد , وإنما الشك فى بقاء تلك القضية الشرطية .


439

فقد يقال : إنه يجرى استصحاب تلك القضية الشرطية لانها متيقنة حدوثا و مشكوكة بقاء , و يسمى باستصحاب الحكم المعلق أو بالاستصحاب التعليقى .

و لكن ذهب المحقق النائينى ( رحمه الله ) إلى عدم جريان الاستصحاب , إذ ليس فى الحكم الشرعى إلا الجعل و المجعول , و الجعل لا شك فى بقائه , فالركن الثانى مختل , و المجعول لا يقين بحدوثه , فالركن الاول مختل .

و أما القضية الشرطية فليس لها وجود فى عالم التشريع بما هى قضية شرطية وراء الجعل و المجعول ليجرى استصحابها .

2 استصحاب التدريجيات :

الاشياء , إما قارة توجد و تبقى , وإما تدريجية كالحركة توجد و تفنى باستمرار .

فبالنسبة إلى القسم الاول لاإشكال فى جريان الاستصحاب .

و أما بالنسبة إلى القسم الثانى , فقد يقال بعدم اجتماع الركن الاول و الثانى معا , لان الامر التدريجى سلسلة حدوثات , فاذا علم بأن شخصا يمشى و شك فى بقاء مشيه لم يكن بالامكان استصحاب المشى لترتيب ما له من الاثر , لان الحصة الاولى منه معلومة الحدوث , و لكنها لا شك فى تصرمها , و الحصة الثانية مشكوكة و لا يقين بها , فلم تتم أركان الاستصحاب فى شىء . و من هنا يستشكل فى إجراء الاستصحاب فى الزمان كاستصحاب النهار و نحو ذلك لانه من الامور التدريجية .

و الجواب على هذا الاشكال : أن الامر التدريجى على الرغم من


440
تدرجه فى الوجود و تصرمه قطعة بعد قطعة له وحدة و يعتبر شيئا واحدا مستمرا على نحو يصدق على القطعة الثانية عنوان البقاء , فتتم أركان الاستصحاب حينما نلحظ الامر التدريجى بوصفه شيئا واحدا مستمرا فنجد أنه متيقن بداية و مشكوك نهاية فيجرى استصحابه , و هذه الوحدة مناطها فى الامر التدريجى اتصال قطعاته بعضها ببعض اتصالا حقيقيا , كما فى حركة الماء من أعلى إلى أسفل . أو اتصالا عرفيا , كما فى حركة المشى عند الانسان , فان المشى يتخلله السكون و الوقوف و لكنه يعتبر عرفا متواصلا .
3 استصحاب الكلى :

إذا وجد زيد فى المسجد مثلا , فقد وجد الانسان فيه ضمنا , لان الطبيعى موجود فى ضمن فرده , فهناك وجود واحد يضاف إلى الفرد وإلى الطبيعى الكلى , و من حيث تعلق اليقين بالحدوث و الشك فى البقاء به تارة يتواجد كلا هذين الركنين فى الفرد و الطبيعى معا , و اخرى يتواجدان فى الطبيعى فقط , و ثالثة لا يتواجدان لا فى الفرد و لا فى الطبيعى , فهناك ثلاث حالات :

الحالة الاولى : أن يعلم بدخول زيدإلى المسجد و يشك فى خروجه , فهنا الوجود الحادث فى المسجد بما هو وجود لزيد , و بما هو وجود لطبيعى الانسان متيقن الحدوث و مشكوك البقاء , فان كان الاثر الشرعى مترتبا على وجود زيد بأن قيل : سبح ما دام زيد موجودا فى المسجد , جرى استصحاب الفرد , وإن كان الاثر مترتبا على وجود الكلى بأن قيل : سبح ما دام إنسان فى المسجد , جرى استصحاب الكلى , و يسمى


441
هذا بالقسم الاول من استصحاب الكلى .

الحالة الثانية : أن يعلم بدخول أحد شخصين إلى المسجد قبل ساعة , إما زيد , وإما خالد , غير أن زيدا فعلا نراه خارج المسجد , فاذا كان هو الداخل فقد خرج , و أما خالد فلعله إذا كان هو الداخل لا يزال باقيا , فهنا إذا لوحظ كل من الفردين فأركان الاستصحاب فيه غير متواجدة , لان زيدا لا شك فى عدم وجوده فعلا , و خالد لا يقين بوجوده سابقا ليستصحب , و لكن إذا لوحظ طبيعى الانسان أمكن القول بأن وجوده متيقن حدوثا و مشكوك بقاء , فيجرى استصحابة إذا كان له أثر , و يسمى هذا بالقسم الثانى من استصحاب الكلى .

الحالة الثالثة : أن يعلم بدخول زيد و بخروجه أيضا , و لكن يشك فى أن خالدا قد دخل فى نفس اللحظة التى خرج فيها زيد أو قبل ذلك على نحو لم يخل المسجد من إنسان , فهنا لا مجال لاستصحاب الفرد كما تقدم فى الحالة السابقة . و قد يقال بجريان استصحاب الكلى , لان جامع الانسان متيقن حدوثا مشكوك بقاء , و يسمى هذا بالقسم الثالث من استصحاب الكلى . و الصحيح عدم جريانه لاختلال الركن الثالث , فان وجود الجامع المعلوم حدوثا مغاير لوجوده المشكوك و المحتمل بقاء , فلم يتحد متعلق اليقين و متعلق الشك , و بكلمة اخرى : إن الجامع لو كان موجودا فعلا فهو موجود بوجود آخر غير ما كان حدوثا .

خلافا للحالة الثانية , فان الجامع لو كان موجودا فيها بقاء فهو موجود بعين الوجود الذى حدث ضمنه .


442
4 الاستصحاب فى حالات الشك فى التقدم و التأخر :

تارة يشك فى أن الواقعة الفلانية حدثت أو لا فيجرى استصحاب عدمها , أو يشك فى أنها ارتفعت أو لا فيجرى استصحاب بقائها , و اخرى نعلم بأنها حدثت أو ارتفعت و لكنا لا نعلم بالضبط تاريخ حدوثها أو ارتفاعها , مثلا نعلم أن زيدا الكافر قد أسلم , و لكن لا نعلم هل أسلم صباحا أو بعد الظهر ؟ فهذا يعنى أن فترة ما قبل الظهر هى فترة الشك , فاذا كان لبقاء زيد كافرا فى هذه الفترة و عدم إسلامه فيها أثر مصحح للتعبد جرى إستصحاب بقائه كافرا و عدم إسلامه إلى الظهر , و ثبت بهذا الاستصحاب كل أثر شرعى يترتب على بقائه كافرا و عدم إسلامه فى هذه الفترة , و لكن إذا كان هناك أثر شرعى مترتب على حدوث الاسلام بعد الظهر فلا يترتب هذا الاثر على الاستصحاب المذكور , لان الحدوث كذلك لازم تكوينى لعدم الاسلام قبل الظهر , فهو بمثابة نبات اللحية بالنسبة إلى حياة زيد .

و من ناحية اخرى نلاحظ أن موضوع الحكم الشرعى قد يكون بكامله مجرى للاستصحاب إثباتا أو نفيا , و قد يكون مركبا من جزءين أو أكثر , و يكون أحد الجزءين ثابتا وجدانا , و الاخر غير متيقن .

ففى هذه الحالة لا معنى لا جراء الاستصحاب بالنسبة إلى الجزء الثابت وجدانا كما هو واضح , و لكن قد تتواجد أركانه و شروطه لاثبات الجزء الاخر المشكوك فيثبت الحكم , أو لنفيه فينفى الحكم , و مثال ذلك : أن يكون إرث الحفيد من جده مترتبا على موضوع مركب من جزءين : أحدهما موت الجد , والاخر عدم إسلام الاب إلى حين موت .


443
الجد , وإلا كان مقدما على الحفيد , فاذا افترضنا أن الجد مات يوم الجمعة و أن الابن كان كافرا فى حياة أبيه و لا ندرى هل أسلم على عهده أولا ؟ فهنا الجزء الاول من موضوع إرث الحفيد محرز وجدانا , و الجزء الثانى و هو عدم إسلام الاب مشكوك , فيجرى استصحاب الجزء الثانى , و بضم الاستصحاب إلى الوجد ان نحرز موضوع الحكم الشرعى لارث الحفيد , و لكن على شرط أن يكون الاثر الشرعى مترتبا على ذات الجزءين , و أماإذا كان مترتبا على وصف الاقتران و الاجتماع بينهما فلا جدوى للاستصحاب المذكور , لان الاقتران و الاجتماع لازم عقلى و أثر تكوينى للمستصحب , و قد عرفنا أن الاثار الشرعية المترتبة على المستصحب بواسطة عقلية لا تثبت .

و قد يفترض أن الجزء الثانى معلوم الارتفاع فعلا بأن كنا نعلم فعلا أن الاب قد أسلم , و لكن نشك فى تاريخ ذلك و أنه هل أسلم قبل وفاة أبيه أو بعد ذلك , و فى مثل ذلك يجرى استصحاب كفر الاب إلى حين وفاة الجد , و لا يضر بذلك أننا نعلم بأن الاب لم يعد كافرا فعلا , لان المهم تواجد الشك فى الظرف الذى يراد إجراء الاستصحاب بلحاظه , و هو فترة حياة الجد إلى حين وفاته فيستصحب بقاء الجزء الثانى من الموضوع , و هو كفر الاب إلى حين حدوث الجزء الاول و هو موت ( الجد ) فيتم الموضوع .

و كما قد يجرى الاستصحاب على هذا الوجه لاحراز الموضوع بضم الاستصحاب إلى الوجدان , كذلك قد يجرى لنفى أحد الجزءين , ففى نفس المثال إذا كان الاب معلوم الاسلام فى حياة أبيه و شك فى كفره عند وفاته , جرى استصحاب إسلامه و عدم كفره إلى حين موت الاب ,


444
و نفينا بذلك إرث الحفيد من الجد سواء كنا نعلم بكفر الاب بعد وفاة أبيه أو لا . [
حالة مجهولى التاريخ]

و على هذا الاساس قد يفترض أن موضوع الحكم الشرعى مركب من جزءين[ من قبيل كفر الاب و موت الجد] و أحد الجزءين[ كفر الاب] معلوم الثبوت ابتداء و يعلم بارتفاعه , و لكن لا ندرى بالضبط متى ارتفع . و الجزء الاخر[ موت الجد ] معلوم العدم ابتداء و يعلم بحدوثه , و لكن لا ندرى بالضبط متى حدث . و هذا يعنى أن هذا الجزءإذا كان قد حدث قبل أن يرتفع ذلك الجزء فقد تحقق موضوع الحكم الشرعى لوجود الجزءين معا فى زمان واحد , و أما إذا كان قد حدث بعد ارتفاع الجزء الاخر فلا يجدى فى تكميل موضوع الحكم .

و فى هذه الحالة إذا نظرناإلى الجزء المعلوم الثبوت ابتداء[ كفر الاب] نجد أن المحتمل بقاءه إلى حين حدوث الثانى[ موت الجد] , فنستصحب بقاءه إلى ذلك الحين , لان أركان الاستصحاب متواجدة فيه , و يترتب على ذلك ثبوت الحكم , وإذا نظرنا إلى الجزء الثانى المعلوم عدمه ابتداء[ موت الجد] نجد أن من المحتمل بقاء عدمه إلى حين ارتفاع الجزء الاول[ كفر الاب] , فنستصحب عدمه إلى ذلك الحين , لان أركان الاستصحاب متواجدة فيه , و يترتب على ذلك نفى الحكم , و الاستصحابان متعارضان لعدم إمكان جريانهما معا و لا مرجح لاحدهما على الاخر فيسقطان معا , و تسمى هذه الحالة بحالة مجهولى التاريخ .

و حالة مجهولى التاريخ لها ثلاث صور :


445

إحداها : أن يكون كل من زمان ارتفاع الجزء الاول[ كفر الاب] و زمان حدوث الجزء الثانى[ موت الجد] مجهولا .

ثانيتها : ان يكون زمان ارتفاع الجزء الاول[ كفر الاب] معلوما و لنفرضه الظهر و لكن زمان حدوث الجزء الثانى[ موت الجد] مجهول و لا يعلم هل هو قبل الظهر أو بعده .

ثالثتها : أن يكون زمان حدوث الجزء الثانى[ موت الجد] معلوما و لنفرضه الظهر و لكن زمان ارتفاع الجزء الاول[ كفر الاب] مجهول و لا يعلم هل هو قبل الظهر أو بعده .

و فى الصورة الاولى لا شك فى جريان كل من الاستصحابين المشار إليهما بمعنى استحقاقه للجريان و وقوع التعارض بينهما .

و أما فى الصورة الثانية فقد يقال بأن استصحاب بقاء الجزء الاول[ كفر الاب ] لا يجرى , لان بقاءه ليس مشكوكا , بل هو معلوم قبل الظهر , و معلوم العدم عند الظهر , فكيف نستصحبه ؟ . وإنما يجرى استصحاب عدم حدوث الجزء الثانى[ موت الجد] فقط .

و ينعكس الامر فى الصورة الثالثة فيجرى استصحاب بقاء الجزء الاول دون عدم حدوث الجزء الثانى لنفس السبب , و هذا ما يعبر عنه بأن الاستصحاب يجرى فى مجهول التاريخ دون معلومه .

و قد اعترض على ذلك بأن معلوم التاريخ إنما يكون معلوما حين ننسبه إلى ساعات اليوم الاعتيادية , و أما حين ننسبه إلى الجزء الاخر المجهول التاريخ فلا ندرى هل هو موجود حينه أو لا ؟ فيمكن جريان استصحابه إلى حين وجود الجزء الاخر , و هذا ما يعبر عنه بأن الاستصحاب فى كل من مجهول التاريخ و معلوم التاريخ يجرى فى نفسه


446
و يسقط الاستصحابان بالمعارضة , لان ما هو معلوم التاريخ إنما يعلم تاريخه فى نفسه لا بتاريخه النسبى , أى مضافاإلى الاخر , فهما معا مجهولان بلحاظ التاريخ النسبى . [
توارد الحالتين]

و قد تفترض حالتان متضادتان كل منهما بمفردها موضوع لحكم شرعى , كالطهارة من الحدث و الحدث , أو الطهارة من الخبث و الخبث , فاذا علم المكلف باحدى الحالتين و شك فى طرو الاخرى استصحب الاولى , وإذا علم بطرو كلتا الحالتين و لم يعلم المتقدمة و المتأخرة منهما تعارض استصحاب الطهارة مع استصحاب الحدث أو الخبث , لان كلا من الحالتين متيقنة سابق و مشكوكة بقاء , و يسمى أمثال ذلك بتوارد الحالتين .

5 - الاستصحاب فى حالات الشك السببى و المسببى :

تقدم أن الاستصحاب إذا جرى و كان المستصحب موضوعا لحكم شرعى ترتب ذلك الحكم الشرعى تعبدا على الاستصحاب المذكور , و مثاله أن يشك فى بقاء طهارة الماء فنستصحب بقاء طهارته , و هذه الطهارة موضوع للحكم بجواز شربه فيترتب جواز الشرب على الاستصحاب المذكور , و يسمى بالنسبة إلى جواز الشرب بالاستصحاب الموضوعى , لانه ينقح موضوع هذا الاثر الشرعى . و أما إذا لا حظنا جواز الشرب نفسه فى المثال فهو أيضا متيقن الحدوث و مشكوك البقاء , لان الماء حينما كان طاهرا يقينا كان جائز الشرب يقينا أيضا , و حينما أصبح


447
مشكوك الطهارة فهو مشكوك فى جواز شربه أيضا . و لكن استصحاب جواز الشرب وحده لا يكفى لاثبات طهارة الماء , لان الطهارة ليست أثرا شرعيا لجواز الشرب بل العكس هو الصحيح , و تنزيل مشكوك البقاء منزلة الباقى ناظر إلى الاثار الشرعية كما تقدم . فمن هنا يعرف أن استصحاب الموضوع يحرز به الحكم تعبدا و عمليا , و أما استصحاب الحكم فلا يحرز به الموضوع كذلك , و كل استصحابين من هذا القبيل يطلق على الموضوعى منهما اسم ( الاصل السببى ) لانه يعالج المشكلة فى مرحلة الموضوع الذى هو بمثابة السبب الشرعى للحكم , و يطلق على الاخر منهم اسم ( الاصل المسببى ) لانه يعالج المشكلة فى مرحلة الحكم الذى هو بمثابة المسبب شرعا للموضوع .

و فى الحالة التى شرحنا فيها فكرة الاصل السببى و المسببى لا يوجد تعارض بين الاصلين فى النتيجة لان طهارة الماء و جواز الشرب متلائمان , و لكن هناك حالات لا يمكن أن تجتمع فيها نتيجة الاصل السببى و نتيجة الاصل المسببى معا فيتعارض الاصلان , و نجد مثال ذلك فى نفس الماء المذكور سابق إذا استصحبنا طهارته و غسلنا به ثوبا نجسا , فان من أحكام طهارة الماء أن يطهر الثوب بغسله به , و هذا معناه أن استصحاب طهارة الماء يحرز تعبدا و عمليا أن الثوب قد طهر لانه أثر شرعى للمستصحب , و لكن إذا لا حظنا الثوب نفسه نجد أنا على يقين من نجاسته و عدم طهارته سابقا , و نشك الان فى أنه طهر أو لا , لاننا لا نعلم ماإذا كان قد غسل بماء طاهر حقا , و بذلك تتواجد الاركان لجريان استصحاب النجاسة و عدم الطهارة فى الثوب , و نلاحظ بناء على هذا أن الاصل السببى الذى يعالج المشكلة فى مرحلة الموضوع


448
و السبب و يجرى فى حكم الماء نفسه يتعبدنا بطهارة الثوب , و أن الاصل المسببى الذى يعالج المشكلة فى مرحلة الحكم و المسبب و يجرى فى حكم الثوب نفسه يتعبدنا بعدم طهارة الثوب , و هذا معنى التنافى بين نتيجتى الاصلين و تعارضهما و توجد هنا قاعدة تقتضى تقديم الاصل السببى على الاصل المسببى , و هى : أنه كلما كان أحد الاصلين يعالج مورد الاصل الثانى دون العكس قدم الاصل الاول على الثانى .

و هذه القاعدة تنطبق على المقام , لان الاصل السببى يحرز لنا تعبدا طهارة الثوب لانها أثر شرعى لطهارة الماء , و لكن الاصل المسببى لا يحرز لنا نجاسة الماء و لا ينفى طهارته لان ثبوت الموضوع ليس أثرا شرعيا لحكمه , و على هذا الاساس يقدم الاصل السببى على الاصل المسببى .

و قد عبر الشيخ الانصارى و المشهور عن ذلك بأن الاستصحاب السببى حاكم على الاستصحاب المسببى , لان الركن الثانى فى المسببى هو الشك فى نجاسة الثوب و طهارته , و الركن الثانى فى السببى هو الشك فى طهارة الماء و نجاسته , و الاصل السببى باحرازه الاثر الشرعى و هو طهارة الثوب يهدم الركن الثانى للاصل المسببى , و لكن الاصل المسببى باعتبار عجزه عن إحراز نجاسة الماء كما تقدم لا يهدم الركن الثانى للاصل السببى , فالاصل السببى تام الاركان فيجرى , و الاصل المسببى قد انهدم ركنه الثانى فلا يجرى .

و قد عممت فكرة الحكومة للاصل السببى على الاصل المسببى لحالات التوافق بين الاصلين أيضا , فاعتبر الاصل المسببى طوليا دائما و مترتبا على عدم جريان الاصل السببى سواء كان موافقا له أو مخالفا , لان الاصل السببى إذا جرى ألغى موضوع الاصل المسببى على أى حال .


449
تعارض الادلة

1 التعارض بين الادلة المحرزة .

2 التعارض بين الاصول العملية .

3 التعارض بين الادلة المحرزة و الاصول العملية .


450

451

عرفنا فيما سبق أن الادلة على قسمين و هما :

الادلة المحرزة و الادلة العملية أو الاصول العملية , و من هنا يقع البحث تارة فى التعارض بين دليلين من الادلة المحرزة , و اخرى فى التعارض بين دليلين عمليين , و ثالثة فى التعارض بين دليل محرز و دليل عملى .

فالكلام فى ثلاثة فصول نذكرها فيما يلى تباعا إن شاء الله تعالى .


452
1 التعارض بين الادلة المحرزة

الدليل المحرز كما تقدم إما دليل شرعى لفظى , أو دليل شرعى غير لفظى , أو دليل عقلى , و الدليل العقلى لا يكون حجة إلاإذا كان قطعيا , و أما الدليل الشرعى بقسميه فقد يكون قطعيا و قد لا يكون قطعيا مع كونه حجة .

فاذا تعارض الدليل العقلى مع دليل ما فان كان الدليل العقلى قطعيا قدم على معارضه على أى حال , لانه يقتضى القطع بخطأ المعارض , و كل دليل يقطع بخطئه يسقط عن الحجية , وإن كان الدليل العقلى غير قطعى فهو ليس حجة فى نفسه لكى يعارض ما هو حجة من الادلة الاخرى .

و إذا تعارض دليلان شرعيان فتارة يكونان لفظيين معا , و اخرى يكون أحدهما لفظيا دون الاخر , و ثالثة يكونان معا من الادلة الشرعية غير اللفظية , و المهم فى المقام الحالة الاولى لانها الحالة التى يدخل ضمنها جل موارد التعارض التى يواجهها الفقيه فى الفقه , و سنقصر حديثنا عليها . فنقول : إن التعارض بين دليلين شرعيين لفظيين عبارة عن التنافى


453
بين مدلولى الدليلين على نحو يعلم بأن المدلولين لا يمكن أن يكونا ثابتين فى الواقع معا . و لاجل تحديد مركز هذا التنافى نقدم مقدمتين :

الاولى : يجب أن نستذكر فيها ما تقدم من أن الحكم ينحل إلى جعل و مجعول , و أن الجعل ثابت بتشريع المولى للحكم , و أن المجعول لا يثبت إلا عند تحقق موضوعه و قيوده خارجا , و من الواضح أن الدليل الشرعى اللفظى متكفل لبيان الجعل لا لبيان المجعول , لان المجعول يختلف من فردإلى آخر فهو موجود فى حق هذا و غير موجود فى حق ذاك تبعا لتواجد القيود , فقوله مثلا : [ ( لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا]( ( 1 ) , مدلوله جعل وجوب الحج على المستطيع , لا تحقق الوجوب المجعول , لان هذا تابع لوجود الاستطاعة , و لا نظر للمولى إلى ذلك , فمدلول الدليل دائما هو الجعل لا المجعول .

و الثانية : أن التنافى قد يكون بين جعلين و قد يكون بين مجعولين مع عدم التنافى بين الجعلين , و مثال الاول : جعل وجوب الحج على المستطيع و جعل حرمة الحج على المستطيع , فان التنافى هنا بين الجعلين , لان الاحكام التكليفية متضادة كما تقدم , و مثال الثانى : جعل وجوب الوضوء على الواجد للماء و جعل وجوب التيمم على الفاقد له , فان الجعلين هنا لا تنافى بينهماإذ يمكن صدور هما معا من الشارع , و لكن المجعولين لا يمكن فعليتهما معا , لان المكلف إن كان واجدا للماء ثبت المجعول الاول عليه و إلا ثبت المجعول الثانى , و لا يمكن ثبوت المجعولين معا على مكلف واحد فى حالة واحدة .

( 1 ) سورة آل عمران . آية 97 .


454

و قد لا يوجد تناف بين الجعلين و لا بين المجعولين , و لكن التنافى فى مرحلة امتثال الحكمين المجعولين بمعنى أنه لا يمكن امتثالهما معا , و ذلك كما فى حالات الامرين بالضدين على وجه الترتب بنحو يكون الامر بكل من الضدين مثلا مقيدا بترك الضد الاخر , فان بالامكان صدور جعلين لهذين الامرين معا , كما أن بالامكان أن يصبح مجعولا هما فعليين معا , و ذلك فيماإذا ترك المكلف كلا الضدين فيكون كل من المجعولين ثابتا لتحقق قيده , و لكن التنافى واقع بين امتثاليهما إذ لا يمكن للمكلف أن يمتثلهما معا , و يتلخص من ذلك أن التنافى و عدم إمكان الاجتماع تارة بين نفس الجعلين , و اخرى بين المجعولين , وثالثة بين الامتثالين .

وإذا اتضحت هاتان المقدمتان فنقول : إذا ورد دليلان على حكمين و حصل التنافى , فان كان التنافى بين الجعلين لهذين الحكمين فهو تناف بين مدلولى الدليلين , لما عرفت فى المقدمة الاولى من أن مدلول الدليل هو الجعل , و يتحقق التعارض بين الدليلين حينئذ لان كلا منهما ينفى مدلول الدليل الاخر , وإن لم يكن هناك تناف بين الجعلين بل كان بين المجعولين أو بين الامتثالين , فلا يرتبط هذا التنافى بمدلول الدليل لما عرفت من أن فعلية المجعول فضلا عن مقام امتثاله ليست مدلولة للدليل , فلا يحصل التعارض بين الدليلين لعدم التنافى بين مدلوليهما .

و تسمى حالات التنافى بين المجعولين مع عدم التنافى بين الجعلين بالورود , و يعبر عن الدليل الذى يكون المجعول فيه نافيا لموضوع المجعول فى الدليل الاخر بالدليل الوارد , و يعبر عن الدليل الاخر بالمورود .

و ينبغى أن يعلم أن مصطلح ( الورود ) لا يختص بماإذا كان أحد الدليلين نافيا لموضوع الحكم فى الاخر , بل ينطبق على ماإذا كان موجدا


455
لفرد من موضوع الحكم فى الدليل الاخر .

و مثاله : دليل حجية الامارة بالنسبة إلى دليل جواز الاقناء بحجة , فان الاول يحقق فردا من موضوع الدليل الثانى .

و تسمى حالات التنافى بين الامتثالين مع عدم التنافى بين الجعلين و المجعولين بالتزاحم , و من هنا نعرف أن حالات الورود و حالات التزاحم خارجة عن نطاق التعارض بين الادلة , و لا ينطبق عليها أحكام هذا التعارض , بل حالات الورود يتقدم فيها الوارد على المورود دائما , و حالات التزاحم يتقدم فيها الاهم على الاقل أهمية , كما تقدم فى مباحث الدليل العقلى .

و يتلخص من ذلك كله أن التعارض بين الدليلين هو التنافى بين مدلولى هذين الدليلين الحاصل من أجل التضاد بين الجعلين المفادين بهما .

و هذا التنافى على قسمين لانه تارة يكون ذاتيا , كما فى ( صل ) و ( لا تصل ) . و اخرى يكون عرضيا حصل بسبب العلم الاجمالى من الخارج بأن المدلولين غير ثابتين معا , كما فى ( صل الجمعة ) و ( صل الظهر ) حيث أننا نعلم بعدم وجوب الصلاتين معا , فانه لو لا هذا العلم لامكن ثبوت المفادين معا , و أما مع هذا العلم فلا يمكن ثبوتهما معا , بل يكون كل من الدليلين مكذبا للاخر و نافيا له بالدلالة الالتزامية , و لا فرق بين هذين القسمين فى الاحكام التالية .

الحكم الاول قاعدة الجمع العرفى :

و الحكم الاول من أحكام تعارض الادلة اللفظية ما تقرره قاعدة


456
الجمع العرفى , و حاصلها أن التعارض إذا لم يكن مستقرا فى نظر العرف بل كان أحد الدليلين قرينة على تفسير مقصود الشارع من الدليل الاخر , وجب الجمع بينهما بتأويل الدليل الاخر وفقا للقرينة .

و نقصد بالقرينة الكلام المعد من قبل المتكلم لاجل تفسير الكلام الاخر .

و الوجه فى هذه القاعدة واضح , فان المتكلم إذا صدر منه كلامان و كان الظاهر من أحدهما ينافى الظاهر من الاخر , و لكن أحد الكلامين كان قد اعد من قبل المتكلم لتفسير مقصوده من الكلام المقابل له , فلا بد أن يقدم ظاهر ما أعده المتكلم كذلك على الاخر , لاننا يجب أن نفهم مقصود المتكلم من مجموع كلاميه وفقا للطريقة التى يقررها .

وإعداد المتكلم أحد الكلامين لتفسير مقصوده من الكلام الاخر على نحوين :

النحو الاول : الاعداد الشخصى , أى الاعداد من قبل شخص المتكلم . و هذا الاعداد قد يفهم بعبارة صريحة , كماإذا قال فى أحد كلاميه أقصد بكلامى السابق كذا , و قد يفهم بظهور الكلام فى كونه ناظرا إلى مفاد الكلام الاخر و إن لم تكن العبارة صريحة فى ذلك .

و النظر تارة يكون بلسان التصرف فى موضوع القضية التى تكفلها الكلام الاخر , و اخرى بلسان التصرف فى محمولها .

و مثال الاول : أن يقول : ( الربا حرام ) , ثم يقول : ( لا ربا بين الوالد و ولده ) . فان الكلام الثانى ناظرإلى مدلول الكلام الاول بلسان التصرف فى موضوع الحرمة , إذ ينفى انطباقه على الربا بين الوالد و ولده , و ليس المقصود نفيه حقيقة و إنما هو مجرد لسان و ادعاء للتنبيه على أن


457
الكلام الثانى ناظرإلى مفاد الكلام الاول ليكون قرينة على تحديد مدلوله .

و مثال الثانى أن يقول : ( لا ضرر فى الاسلام ) , أى لا حكم يؤدى إلى الضرر , فان هذا ناظر إجمالا إلى الاحكام الثابتة فى التسريعة و ينفى وجودها فى حالة الضرر , فيكون قرينة على أن المراد بأدلة سائر الاحكام تشريعها فى غير حالة الضرر .

و كل دليل ثبت إعداده الشخصى للقرينية على مفاد الاخر بسوقه مساق التفسير صريحا أو بظهوره فى النظر إلى الموضوع أو المحمول يسمى بالدليل الحاكم , و يسمى الاخر بالدليل المحكوم , و يقدم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم بالقرينية . و نتيجة تقديم الحاكم فى الامثلة المذكورة تضييق دائرة الدليل المحكوم وإخراج بعض الحالات عن إطلاقه .

و لا يختص الحاكم بالتضييق , بل قد يكون موسعا , كما فى حالات التنزيل نظير قولهم[ : ( الطواف بالبيت صلاة]( , فانه حاكم على أدلة أحكام الصلاة من قبيل [ :( لا صلاة إلا بطهور]( لانه ناظرإلى تلك الاحكام و موصع لموضوعها بالتنزيل إذ ينزل الطواف منزلة الصلاة .

و يلاحظ من خلال ما ذكرناه التشابه بين الدليل الوارد النافى لموضوع الحكم فى الدليل المورود , و بين الدليل الحاكم الناظر إلى موضوع القضية فى الدليل المحكوم , و لكنهما يختلفان اختلافا أساسيا , لان الدليل الوارد ناف لموضوع الحكم فى الدليل المورود حقيقة , و أما الدليل الحاكم المذكور فهو يستعمل النفىكمجرد لسان لاجل التنبيه على أنه ناظر إلى الدليل المحكوم و قرينة عليه .

و يترتب على هذا الاختلاف الاساسى بين الدليل الوارد و الدليل


458
الحاكم المذكور , أن تقدم الدليل الوارد بالورود لا يتوقف على أن يكون فيه ما يشعر أو يدل على نظره إلى الدليل المورود و لحاظه له , لانه ينفى موضوع الدليل المورود , و مع نفيه لموضوعه ينتفى حكمه حتما سواء كان ناظراإليه أولا , و أما الدليل الحاكم فهو حتى لو كان لسانه لسان نفى الموضوع لا ينفى موضوع الدليل المحكوم حقيقة , وإنما يستعمل هذا اللسان لكى ينفى الحكم , فمفاد الدليل الحاكم لبا و حقيقة نفى الحكم و لكن بلسان نفى الموضوع , و هذا اللسان يؤتى به لكى يثبت نظر الدليل الحاكم إلى مفاد الدليل المحكوم و تقدمه عليه بالقرينية , و كلما انتفى ظهوره فى النظر انتفت قرينيته , و بالتالى زال السبب الموجب لتقديمه .

النحو الثانى : الاعداد العرفى النوعى بمعنى أن المتكلم العرفى استقر بناؤه عموما كلما تكلم بكلامين من هذا القبيل أن يجعل من أحدهما المعين قرينة على الاخر , و حيث ان الاصل فى كل متكلم أنه يجرى وفق المواصفات العرفية العامة للمحاورة فيكون ظاهر حاله هو ذلك .

و من حالات الاعداد العرفى النوعى إعداد الكلام الاخص موضوعا ليكون قرينة و محددا لمفاد الكلام الاعم موضوعا , و من هنا تعين تخصيص العام بالخاص , و تقييد المطلق بالمقيد , بل تقديم كل ظاهر على ما هو أقل منه ظهورا بدرجة ملحوظة و واضحة عرفا , لوجود بناءات عرفية عامة على أن المتكلم يعول على الاخص و الاظهر فى تفسير العام و الظاهر .

و تسمى جميع حالات القرينية بموارد الجمع العرفى , و يسمى التعارض فى موارده بالتعارض غير المستقر , لانه يحل بالجمع العرفى ,


459
تمييزا له عن التعارض المستقر , و هو التعارض الذى لا يتيسر فيه الجمع العرفى .
الحكم الثانى قاعدة تساقط المتعارضين :

و إذا لم يكن أحد الدليلين قرينة بالنسبة إلى الدليل الاخر فالتعارض مستقر فى نظر العرف , و حينئذ نتكلم عن القاعدة بلحاظ دليل الحجية , بمعنى أنناإذا لم يوجد أمامنا سوى دليل الحجية العام الذى ينتسب إليه المتعارضان فما هو مقتضى هذا الدليل بالنسبة إلى هذه الحالة ؟ .

و قبل أن نشخص ما هو مقتضى دليل الحجية نستعرض الممكنات ثبوتا , ثم نعرض دليل الحجية على هذه الممكنات لنرى وفاءه بأى واحد منها .

و لا ستعراض الممكنات ثبوتا نذكر عددا من الفروض لنميز بين ما هو ممكن منها و ما هو مستحيل ثبوتا و واقعا .

الافتراض الاول : أن يكون الشارع قد جعل الحجية لكل من الدليلين المتعارضين . و هذا مستحيل لان هذين الدليلين كل واحد منهما يكذب الاخر فكيف يطلب الشارع منا أن نصدق المكذب بالكسر و المكذب بالفتح معا .

فان قلت : إن الحجية لا تطلب منا تصديق الدليل بمعنى الاقتناع الوجدانى به , بل تصديقه بمعنى العمل على طبقه و جعله منجزا و معذرا .

قلت : نعم الامر كذلك , غير أن التصديق العملى بالمتكاذبين غير ممكن أيضا , فدليل الحرمة معنى حجيته الجرى على أساس أن هذا حرام


460
و تنجز الحرمة علينا , و الدليل المعارض يكذبه و ينفى الحرمة و معنى حجيته الجرى على أساس أن هذا ليس بحرام وإطلاق العنان و التأمين من ناحية الحرمة , و لا يمكن أن تجتمع هاتان الحجيتان .

الافتراض الثانى : أن يكون الشارع قد جعل الحجية لكل منهما , و لكنها حجية مشروطة بعدم الالتزام بالاخر , فهناك حجيتان مشروطتان , فاذا التزم المكلف بأحد الدليلين لم يكن الاخر حجة عليه , بل الحجة عليه ما التزم به خاصة .

و هذا غير معقول أيضا , إذ فى حالة عدم التزام المكلف بكل من الدليلين يكون كل منهما حجة عليه , فيعود محذور الافتراض الاول , و هو ثبوت الحجية للمكذب و المكذب بالفتح و بالكسر فى وقت واحد .

الافتراض الثالث : أن يكون الشارع قد جعل الحجية لاحدهما المعين , بأن اختار أحد المتعارضين لميزة فى نظره فجعله حجة دون الاخر , و هذا افتراض معقول .

الافتراض الرابع : أن يكون قد جعل حجية واحدة تخييرية بمعنى أنه أوجب العمل و الالتزام بمؤدى أحد الدليلين , فلا بد للمكلف إما أن يلتزم بمفاد دليل الحرمة مثلا , فيبنى على حرمة الفعل و تكون الحرمة منجزة عليه , وإما أن يلتزم بالدليل المعارض الدال على الاباحة مثلا , فيلتزم بالاباحة و تكون الحرمة مؤمنا عنها حينئذ , و هذا الافتراض معقول أيضا , و أثره أنه لا يسمح للمكلف باهمال الدليلين المتعارضين و الرجوع إلى أصل عملى أو دليل عام قد يثبت به حكم ثالث غير ما دل عليه كلا الدليلين المتعارضين .

الافتراض الخامس : أن يكون الشارع قد أسقط كلا الدليلين عن


461
الحجية و افترض وجودهما كعدمهما , و هذا أمر معقول أيضا .

و بهذا يتضح أن المعقول من الافتراضات الافتراضات الثلاثة الاخيرة , وإذا عرضنا هذه الافتراضات الثلاثة ( الثالث و الرابع و الخامس ) على دليل الحجية وجدنا أنه لا يصلح لاثبات الافتراض الثالث , لان نسبته إلى كل من الدليلين نسبته واحدة , فاثبات حجية أحدهما خاصة به دون الاخر جزاف لا مبرر له , كما لا يصلح دليل الحجية لاثبات الافتراض الرابع , لان مفاده الحجية التعيينية لا التخييرية , أى وجوب الاخذ بكل من الدليلين تعيينا , فاثبات الوجوب التخييرى و الحجية الواحدة التخييرية بحاجة إلى لسان آخر فى الدليل , و هذا يعنى أن دليل الحجية لا يصلح لاثبات حجية الدليلين المتعارضين بوجه من الوجوه , و ذلك يتطابق مع الافتراض الخامس , و من هنا كان الحكم الثانى فى باب التعارض قاعدة تساقط المتعارضين بلحاظ دليل الحجية .

و لكن هل يتساقط المتعارضان بحيث يفترض كأنهما غير موجودين , أو يتساقطان فى حدود تعارضهما فى المدلول المطابقى , فاذا كانا متفقين فى مدلول التزامى مشترك بينهما كانا حجة فى إثباته لعدم التعارض بالنسبة إليه ؟ . و جهان بل قولان مبنيان على أن الدلالة الالتزامية هل هى تابعة للدلالة المطابقية فى الحجية أولا ؟ فان قلنا بالتبعية تعيين الوجه الاول و إن أنكرناها أمكن المصيرإلى الوجه الثانى , و على أساسه تقوم قاعدة نفى الثالث فى باب التعارض , و يراد بنفى الثالث نفى حكم آخر غير ما دل عليه المتعارضان معا , لان هذا الحكم ينفيه كلا الدليلين التزاما و لا تعارض بينهما فى نفيه . و قد سبق الكلام عن تبعية الدلالة


462
الالتزامية للدلالة المطابقية فى الحجية .
الحكم الثالث قاعدة الترجيح للروايات الخاصة :

و قاعدة تساقط المتعارضين متبعة فى كل حالات التعارض بين الادلة , و لكن قد يستثنى من ذلك حالة[ من حالات] التعارض بين الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام , إذ يقال بوجود دليل خاص فى هذه الحالة على ثبوت الحجية لاحد الخبرين و هو ما كان واجدا لمزية معينة فيرجح على الاخر , و نخرج بهذا الدليل الخاص عن قاعدة التساقط . و هذا الدليل الخاص يتمثل فى روايات تسمى بأخبار الترجيح , و لعل أهمها رواية عبدالرحمن بن أبى عبدالله قال : قال الصادق عليه السلام : ( إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله , فما وافق كتاب الله فخذوه , و ما خالف كتاب الله فردوه , فان لم تجدو هما فى كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة , فما وافق أخبارهم فذروه و ما خالف أخبارهم فخذوه ) ( 1 ) .

و هذه الرواية تشتمل على مرجحين مترتبين , ففى المرتبة الاولى يرجح ما وافق الكتاب على ما خالفه , و فى المرتبة الثانية و فى حالة عدم تواجد المرجح الاول يرجح ما خالف العامة على ما وافقهم .

وإذا لا حظنا المرجح الاول وجدنا أنه مرتبط بصفتين : إحداهما : مخالفة الخبر المرجوح للكتاب الكريم , و الاخرى : موافقة الخبر الراجح له .

أما الصفة الاولى فمن الواضح أن المخالفة على قسمين : أحدهما :

( 1 ) الوسائل ج 18 ب 9 من أبواب صفات القاضى ح 29 .


463
المخالفة و المعارضة فى حالات التعارض غير المستقر , كمخالفة الحاكم للمحكوم , و الخاص للعام , و الاخر : المخالفة و المعارضة فى حالات التعارض المستقر , كالمخالفة بين عامين متساويين أو خاصين كذلك , و خبر الواحدإذا كان مخالفا للكتاب من القسم الثانى فهو ساقط عن الحجية فى نفسه حتى إذا لم يعارضه خبر آخر , لما تقدم فى مباحث الدليل اللفظى من أن حجية خبر الواحد مشروطة بعدم معارضته و مخالفته لدليل قطعى , و كنا نقصد بالمخالفة هناك المخالفة على نحو التعارض المستقر .

و أما إذا كان خبر الواحد مخالفا من القسم الاول فهو المقصود فى رواية عبدالرحمن .

و أما الصفة الثانية و هى موافقة الخبر الراجح للكتاب الكريم , فلا يبعد أن يراد بها مجرد عدم المخالفة لا أكثر من ذلك , بقرينة وضوح عدم مجىء جميع التفاصيل و جزئيات الاحكام الشرعية فى الكتاب الكريم .

و على هذا فالمرجح الاول هو أن يكون أحد الخبرين مخالفا للكتاب الكريم مخالفة القرينة لما يقابلها , فان الخبر المتصف بهذه المخالفة لو انفرد لكان قرينة على تفسير المقصود من الكتاب الكريم و حجة فى ذلك , و لكن حين يعارضه خبر مثله ليس متصفا بهذه المخالفة يقدم عليه ذلك الخبر .

وإذا لا حظنا المرجح الثانى وجدنا أنه يأتى بعد افتراض عدم إمكان علاج التعارض على أساس المرجح الاول , و قد نصت الرواية فى المرجح الثانى على الاخذ بما خالف أخبار العامة , و تقديمه على ما وافق أخبارهم , و من هنا قد يقال باختصاص هذا الترجيح بماإذا كانت


464
المخالفة و الموافقة لاخبارهم , و لا يكفى للترجيح المخالفة و الموافقة لما هو المعروف من فتاواهم و آرائهم إذا لم تكن مستندة إلى الاخبار . و لكن الصحيح التعدى إلى المخالفة و الموافقة مع الفتاوى و الاراء أيضا وإن كانت على أساس غير الاخبار من أدلة الاستنباط عندهم , لان الترجيح ليس حكما تعبديا صرفا , بل هو حكم له مناسبات عرفية مركوزة بلحاظ أن ما اكتنف الائمة من ظروف التقية أوجب تطرق احتمال التقية إلى الخبر الموافق دون المخالف , و هذا كما يجرى فى موارد الموافقة و المخالفة لاخبارهم , كذلك فى موارد الموافقة و المخالفة لارائهم المستندة إلى مدرك آخر .
الحكم الرابع قاعدة التخيير للروايات الخاصة :

و إذا لم يوجد مرجح فى مجال الخبرين المتعارضين , فقد يقال بوجود دليل خاص أيضا يقتضى الحجية التخييرية , فلا تصل النوبة إلى إعمال قاعدة التساقط , و هذا يعنى أن الافتراض الرابع من الافتراضات الخمسة الذى عجز دليل الحجية العام عن إثباته توفر لدينا دليل خاص عليه يسمى بأخبار التخيير .

و لعل من أهم أخبار التخيير رواية سماعة عن أبى عبدالله ( ع ) قال : سألته عن الرجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه فى أمر كلاهما يرويه , أحدهما يأمر بأخذهو الاخر ينهاه عنه , كيف يصنع ؟ . فقال : يرجئه حتى يلقى من يخبره , فهو فى سعة حتى يلقاه ( 1 ) .

( 1 ) الوسائل ج 18 ب 9 من أبواب صفات القاضى ح 5 .


465

و الاستدلال بالرواية يقوم على دعوى أن قوله : ( فهو فى سعة حتى يلقاه ) بمعنى أنه مخير فى العمل بأى من الخبرين حتى يلقى الامام , فيكون مفاده جعل الحجية التخييرية , مع أن بالامكان أن يراد بالسعة هنا عدم كونه ملزما بالفحص السريع و شد الرحال إلى الامام فورا , و أنه لا يطالب بتعيين الواقع حتى يلقى الامام حسب ما تقتضيه الظروف و المناسبات , و أما ماذا يعمل خلال هذه الفترة فلا تكون الرواية متعرضة له مباشرة , و لكن مقتضى إطلاقها المقامى أنه يعمل نفس ما كان يعمله قبل مجىء الحديثين المتعارضين , و على هذا الاحتمال لا تدل الرواية على الحجية التخييرية .


466
2 التعارض بين الاصول العملية

إذا لا حظنا الاصول العملية المتقدمة وجدنا أن بعضها وارد على بعض , مثلا دليل البراءة الشرعية وارد على أصالة الاشتغال الثابتة بحكم العقل على مسلك حق الطاعة , و لكن فى حالات اخرى لا يوجد ورود .

فمنها : حالة التعارض بين البراءة و الاستصحاب , كما إذا علم بحرمة مقاربة الحائض و شك فى بقاء الحرمة بعد النقاء , فان الاستصحاب يقتضى بقاء الحرمة , و البراءة تقتضى التأمين عنها , فيتعارض دليل الاستصحاب مع دليل البراءة . و المعروف تقديم دليل الاستصحاب على دليل البراءة لوجهين :

الاول : أن دليل الاستصحاب حاكم على دليل البراءة , لان دليل البراءة اخذ فى موضوعه عدم اليقين بالحرمة و دليل الاستصحاب لسانه لسان إبقاء اليقين و المنع عن انتقاضه , فيكون ناظرا إلى إلغاء موضوع البراءة و حاكما على دليلها , و هذا بخلاف العكس فان دليل البراءة ليس لسانه افتراض المكلف متيقنا بعدم الحرمة , بل مجرد التأمين عن


467
المشكوك .

الثانى : أن دليل الاستصحاب أظهر عرفا فى الشمول من دليل البراءة , باعتبار أن فى بعض رواياته ورد أنه لا ينقض اليقين بالشك أبدا , و التأبيد يجعله أقوى دلالة على الشمول و العموم من دليل البراءة .

و منها : حالة التعارض بين الاصل السببى و الاصل المسببى , و قد سبق الكلام عن ذلك فى الاستصحاب و تقدم أن الاصل السببى مقدم , و قد فسر الشيخ الانصارى ذلك على أساس حكومته على الاصل المسببى فلاحظ .


468
3 التعارض بين الادلة المحرزة و الاصول العملية

إذا قام دليل محرز على حكم فلا شك فى أنه لا تجرى الاصول العملية المخالفة له , و هذا واضح إذا كان الدليل المحرز قطعيا , إذ يكون حينئذ واردا , لان الاصول العملية أخذ فى موضوع دليلها الشك و هو ينتفى حقيقة بورود الدليل المحرز القطعى , و أماإذا كان الدليل المحرز أمارة ظنية كخبر الثقة فيتقدم أيضا بدون شك , وإنما البحث فى تكييف هذا التقديم و تفسيره , إذ قد يستشكل فيه بأن الامارة لما كانت ظنية فهى لا تنفى الشك حقيقة , و على هذا فموضوع دليل الاصل و هو الشك محقق , فما الموجب لطرح دليل الاصل و الاخذ بالامارة ؟ و لماذا لا نفترض التعارض بين دليل الاصل و دليل حجية تلك الامارة , فلا نعمل بأى واحد منهما ؟ .

و هناك محاولات لدفع هذا الاستشكال و تبرير تقديم الامارة على الاصل نذكر منها محاولتين :

إحداهما : أن دليل الاصل وإن اخذ فى موضوعه عدم العلم , لكن العلم هنا لوحظ كمثال و المقصود عدم الدليل الذى تقوم به الحجة فى


469
إثبات الحكم الواقعى سواء كان قطعا أو أمارة , و عليه فدليل حجية الامارة بجعله الحجية و الدليلية لها يكون نافيا لموضوع دليل الاصل حقيقة و واردا عليه , و الوارد يتقدم على المورود .

و المحاولة الاخرى : مبنية على التسليم بأن دليل الاصل ظاهر فى نفسه فى أخذ عدم العلم فى موضوعه بما هو عدم العلم لا بما هو عدم الحجة , و هذا يعنى أن دليلحجية الامارة ليس واردا على دليل الاصل , لانه لا ينفى الشك و لا يوجد العلم حقيقة , و لكن مع هذا تقدم الامارة على الاصل , و هذا التقديم من نتائج قيام الامارة مقام القطع الموضوعى , حيث أن أدلة الاصول اخذ فى موضوعها الشك و عدم القطع , فالقطع بالنسبة إليها قطع موضوعى بمعنى أن عدمه دخيل فى موضوعها , فاذا استفيد من دليل الحجية أن الامارة تقوم مقام القطع الموضوعى فهذا يعنى أنه كما ينتفى الاصل بالقطع ينتفى بالامارة أيضا , و قيام الامارة مقام القطع الموضوعى عبارة اخرى عن دعوى أن دليل حجية الامارة حاكم على دليل الاصل لان لسانه إلغاء الشك و تنزيل الامارة منزلة العلم , فهو بهذا يتصرف فى موضوع دليل الاصل و يحكم عليه , كما يحكم قولهم : ( لاربا بين الوالد و ولده ) على دليل حرمة الربا .

هذا آخر ما أردنا تحريره فى هذه الحلقة و قد بدأنا بكتابتها فى النجف الاشرف فى اليوم الرابع عشر من جمادى الاولى 1397 و فرغنا منها بحول الله و توفيقه فى اليوم السابع من جمادى الثانية فى نفس السنة , و الحمدلله بعدد علمه و هو ولى التوفيق .


470
محتويات الحلقة الاولى

نبذة من حياة الشهيد[ ( قدس سره]( 5

مقدمة المؤلف[ ( قدس سره]( 17

التمهيد

التعريف بعلم الاصول 41

كلمة تمهيدية 41

تعريف علم الاصول 42

موضوع علم الاصول 45

علم الاصول منطق الفقه 46

أهمية علم الاصول فى عملية الاستنباط 47

الاصول و الفقه يمثلان النظرية و التطبيق 48

التفاعل بين الفكر الاصولى و الفكر الفقهى 49

جواز عملية الاستنباط 53

الحكم الشرعى و تقسيمه 61

تقسيم الحكم الى تكليفى و وضعى 62

أقسام الحكم التكليفى 62

بحوث علم الاصول

تنويع البحث 67


471

العنصر المشترك بين النوعين 68

النوع الاول : الادلة المحرزة

مبادىء عامة 72

تقسيم البحث 73

أولا : الدليل الشرعى
ألف الدليل الشرعى اللفظى
75

1 الدلالة 75

تمهيد 75

ما هو الوضع و العلاقة اللغوية ؟ 75

ما هو الاستعمال ؟ 80

الحقيقة و المجاز 81

قد ينقلب المجاز حقيقة 83

تصنيف اللغة إلى معان اسمية و حرفية 83

هيئة الجملة 85

الجملة التامة و الجملة الناقصة 86

المدلول اللغوى و المدلول التصديقى 87

الجملة الخبرية و الجملة الانشائية 90

الدلالات التى يبحث عنها علم الاصول 91

1 صيغة الامر 93

2 صيغة النهى 95

3 الاطلاق 96

4 أدوات العموم 97

5 أداة الشرط 98

2 حجية الظهور 101


472

تطبيقات حجية الظهور على الادلة اللفظية 103

القرينة المتصلة و المنفصلة 105

3إثبات الصدور 107

باء الدليل الشرعى غير اللفظى 111

ثانيا : الدليل العقلى

دراسة العلاقات العقلية 113

تقسيم البحث 115

العلاقات القائمة بين نفس الاحكام 116

علاقة التضاد بين الوجوب و الحرمة 116

هل تستلزم الحرمة البطلان ؟ 118

العلاقات القائمة بين الحكم و موضوعه 119

الجعل و العقلية 119

موضوع الحكم 121

العلاقات القائمة بين الحكم و متعلقه 122

العلاقات القائمة بين الحكم و المقدمات 123

العلاقات القائمة فى داخل الحكم الواحد 126

النوع الثانى : الاصول العملية

تمهيد 129

1 القاعدة العملية الاساسية 130

2 القاعدة العملية الثانوية 133

3 قاعدة منجزية العلم الاجمالى 134

تمهيد 134

منجزية العلم الاجمالى 136

انحلال العلم الاجمالى 139


473

موارد التردد 139

4 الاستصحاب 141

الحالة السابقة المتيقنة 142

الشك فى البقاء 143

وحدة الموضوع فى الاستصحاب 144

تعارض الادلة

1 التعارض بين الادلة المحرزة 145

حالة التعارض بين دليلين لفظيين 145

حالات التعارض الاخرى 148

2 التعارض بين الاصول 149

3 التعارض بين النوعين 150


474
محتويات الحلقة الثانية التمهيد

تعريف علم الاصول 157

موضوع علم الاصول و فائدته 159

موضوع علم الاصول 159

فائدة علم الاصول 160

الحكم الشرعى و تقسيمه 162

مبادىء الحكم التكليفى 162

التضاد بين الاحكام التكليفية 164

شمول الحكم الشرعى لجميع وقائع الحياة 165

الحكم الواقعى و الظاهرى 165

الامارات و الاصول 166

اجتماع الحكم الواقعى والظاهرى 167

القضية الحقيقية و الخارجية للاحكام 167

تنويع البحث
حجية القطع
172

معذرية القطع 176

التجرى 177

العلم الاجمالى 177

القطع الطريقى و الموضوعى 179


475

جواز الاسنادإلى المولى 180

تلخيص و مقارنة 181

الادلة

تحديد المنهج فى الادلة و الاصول 185

المنهج على مسلك حق الطاعة 186

فائدة المنجزية و المعذرية الشرعية 187

المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان 188

الاول : الادلة المحرزة

تقسيم البحث فى الادلة المحرزة 193

الاصل عند الشك فى الحجية 194

مقدار ما يثبت بالادلة المحرزة 195

تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية 197

وفاء الدليل بدور القطع الموضوعى 199

إثبات الدليل لجواز الاسناد 200

ألف الدليل الشرعى
تحديد دلالات الدليل الشرعى
205

1 الدليل الشرعى اللفظى 207

تمهيد 207

الظهور التصورى و التصديقى 207

الوضع و علاقته بالدلالات المتقدمة 208

الوضع التعيينى و التعينى 211

توقف الوضع على تصور المعنى 212

توقف الوضع على تصور اللفظ 213


476

المجاز 213

علامات الحقيقة و المجاز 215

تحويل المجاز الى حقيقة 216

استعمال اللفظ وإرادة الخاص 217

الاشتراك و الترادف 218

تصنيف اللغة 219

المقارنة بين الحروف و الاسماء الموازية لها 221

تنوع المدلول التصديقى 221

المقارنة بين الجمل التامة و الناقصة 222

الدلالات الخاصة و المشتركة 223

الامر و النهى 224

الامر 224

دلالات اخرى للامر 227

النهى 229

الاحتراز فى القيود 230

الاطلاق 232

الاطلاق فى المعانى الحرفية 236

التقابل بين الاطلاق و التقييد 237

الحالات المختلفة لاسم الجنس 238

الانصراف 239

الاطلاق المقامى 240

بعض التطبيقات لقرينة الحكمة 241

العموم 243

تعريف العموم 243

أدوات العموم و نحو دلالتها 244

دلالة الجمع المعرف باللام 245


477

المفاهيم 247

تعريف المفهوم 247

ضابط المفهوم 248

مفهوم الشرط 249

الشرط المسوق لتحقيق الموضوع 251

مفهوم الوصف 251

جمل الغاية و الاستثناء 253

التطابق بين الدلالات 254

مناسبات الحكم و الموضوع 257

إثبات الملاك بالدليل 258

2 الدليل الشرعى غير اللفظى
260

دلالة الفعل 260

دلالة السكوت و التقرير 262

السيرة 263

إثبات صغرى الدليل الشرعى
267

تمهيد 269

1 وسائل الاثبات الوجدانى
270

الخبر المتواتر 270

الاجماع 273

سيرة المتشرعة 276

الاحراز الوجدانى للدليل الشرعى غير اللفظى 277

درجة الوثوق فى وسائل الاحراز الوجدانى 282

2 وسائل الاحراز التعبدى
283

أدلة حجية الخبر الواحد 283

أدلة نفى الحجية 290

تحديد دائرة الحجية 292


478

قاعدة التسامح فى أدلة السنن 293

3إثبات حجية الدلالة فى الدليل الشرعى

تمهيد 299

الاستدلال على حجية الظهور 300

موضوع الحجية 302

ظواهر الكتاب الكريم 303

ب الدليل العقلى

تمهيد 311

1 إثبات القضايا العقلية
313

تقسيمات للقضايا العقلية 313

قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور 315

قاعدة إمكان التكليف المشروط 319

قاعدة تنوع القيود و أحكامها 321

تنوع القيود 321

أحكام القيود المتنوعة 322

قيود الواجب على قسمين 324

المسؤولية قبل الوجوب 325

القيود المتأخرة زمانا عن المقيد 327

زمان الوجوب و الواجب 329

متى يجوز عقلا التعجيز ؟ 331

أخذ العلم بالحكم فى موضوع الحكم 333

استحالة اختصاص الحكم بالعالم به 333

أخذ العلم بالحكم فى موضوع حكم آخر 334

أخذ قصد امتثال الامر فى متعلقه 336

اشتراط التكليف بالقدرة بمعنى آخر 338


479

التخيير و الكفائية فى الواجب 341

التخيير الشرعى فى الواجب 341

التخيير العقلى فى الواجب 343

امتناع اجتماع الامر و النهى 345

الوجوب الغيرى لمقدمات الواجب 349

اقتضاء وجوب الشىء لحرمة ضده 352

اقتضاء الحرمة للبطلان 355

مسقطات الحكم 357

إمكان النسخ و تصويره 359

الملازمة بين الحسن و القبح و الامر و النهى 361

الاستقراء و القياس 363

2 حجية الدليل العقلى
365
الثانى : الاصول العملية
1 القاعدة العملية فى حالة الشك
369

القاعدة العملية الاولية فى حالة الشك 370

القاعدة العملية الثانوية فى حالة الشك 373

الاعتراضات على أدلة البراءة 384

تحديد مفاد البراءة 391

البراءة مشروطة بالفحص 391

التمييز بين الشك فى التكليف و الشك فى المكلف به 392

البراءة عن الاستصحاب 396

2 قاعدة منجزية العلم الاجمالى
397

منجزية العلم الاجمالى عقلا 397

جريان الاصول فى أطراف العلم الاجمالى 399

تحديد أركان هذه القاعدة 403


480

حالة تردد الواجب بين الاقل و الاكثر 408

حالة الشك فى إطلاق الجزئية 410

حالة احتمال الشرطية 411

حالات دوران الواجب بين التعيين و التخيير 412

3 الاستصحاب
414

تعريف الاستصحاب 414

التمييز بين الاستصحاب و غيره 415

1 أدلة الاستصحاب 418

2 أركان الاستصحاب 425

3 مقدار ما يثبت بالاستصحاب 432

4 عموم جريان الاستصحاب 435

5 تطبيقات 438

استصحاب الحكم المعلق 438

استصحاب التدريجيات 439

استصحاب الكلى 440

الاستصحاب فى حالات الشك فى التقدم و التأخر 442

الاستصحاب فى حالات الشك السببى و المسببى 446

تعارض الادلة
1 التعارض بين الادلة المحرزة
452

قاعدة الجمع العرفى 455

قاعدة تساقط المتعارضين 459

قاعدة الترجيح للروايات الخاصة 462

قاعدة التخيير للروايات الخاصة 464

فهرست آيات
( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا]( . . . 109
( ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا]( 120
( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) 133
( و اذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها]( 157
( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) 224
و لكم فى رسول الله أسوة حسنة 261
( يا أيها الذين آمنواإن جاءكم فاسق بنبا فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم 283
نادمين]( 284
( و ما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين و لينذروا ...285
( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب اؤلئك يلعنهم الله ...286
( و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم فاسألوا أهل الذكرإن كنتم لا تعلمون]( 287
( و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم]( 288
( و لا تقف ما ليس لك به علم]( 291
( هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات 303
محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ...304
( لا يكلف الله نفساإلا ما آتاها]( 373
( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) 374
( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة , أو دما مسفوحا , أو لحم خنزير , ...375
( و ما كان الله ليضل قوما بعدإذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شىء عليم ) 375
( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا]( 385
( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون]( 386
( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) 402
( لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا]( 453
فهرست روايات
لا يرتمس المحرم فى الماء و لا الصائم 43
[ ( القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصلاة]( 44
[ ( رفع عن أمتى ما لا يعلمون]( 133
( لو لا أن أشق على أمتى لامرتهم بالسواك ) 225
[ ( ما علمتم أنه قولنا فالزموه , و ما لم تعلموا فردوه إلينا]( 291
( كل شى مطلق حتى يردفيه نهى ) 376
رفع عن أمتى تسعة : الخطأ , و النسيان , و ما اكرهوا عليه , و ما لا يعلمون , و ما لا يطيقون , و ما ...377
( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ) 380
( كل شىء فيه حلال و حرام فهو لك حلال[ أبدا] , حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ) 381
( كل شىء فيه حلال و حرام ) 381
[ ( من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه]( 385
يا كميل أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت 386
أورع الناس من وقف عند الشبهة 386
لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه و التثبت والرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه ...386
الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام فى الهلكة 387
( وإنما سميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق , فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين و دليلهم سمت ...387
الامور ثلاثة : أمر بين لك رشده فاتبعه , و أمر بين لك غيه فاجتنبه , و أمر اختلف فيه فرده إلى ...388
لا حتى يستيقن أنه قد نام , حتى يجىء من ذلك أمر بين , وإلا فانه على يقين من وضوئه , و لا ينقض ...419
[ ( و إلا فانه على يقين من وضوئه , و لا ينقض اليقين بالشك]( 419
( فانه على يقين . . . إلخ ) 420
( فانه على يقين من وضوئه ) 421
( و لا ينقض اليقين بالشك ) 421
( فانه على يقين من وضوئه ) 422
( و لا ينقض اليقين بالشك ) 422
( فانه على يقين من وضوئه ) 422
( و لا ينقض اليقين بالشك ) 423
( فانه على يقين من وضوئه ) 423
( و لا ينقض اليقين بالشك ) 424
( فانه على يقين من وضوئه ) 424
( و لا ينقض اليقين بالشك ) 425
( إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله , فما وافق كتاب الله فخذوه , و ما خالف ...462
يرجئه حتى يلقى من يخبره , فهو فى سعة حتى يلقاه 464
( فهو فى سعة حتى يلقاه ) 465