فهرست عناوين فهرست آيات
زبدة البيان

المحقق الاردبيلي

فهرست عناوين
الثاني : في دلايل الصلوات الخمس وأوقاتها 55
الثالث : في القبلة 63
الرابع : في مقدمات اخر للصلاة 69
الخامس : في مقارنات الصلاة 80
السادس : في المندوبات 88
السابع : في أحكام متعددة تتعلق بالصلاة 101
الثامن : فيما عدا اليومية من الصلوات وأحكام تلحق اليومية أيضا 115
كتاب الصوم 146
كتاب الزكوة - البحث الاول في وجوبها ومحلها 175
الثاني : في قبض الزكاة واعطائها المستحق 182
الثالث : في امور تتبع الاخراج 193
كتاب الخمس 207
كتاب الحج - البحث الاول في وجوبه 216
الثاني : في أنواعه وافعاله وشئ من أحكامه 231
كتاب الجهاد - الاول في وجوبه 301
كتاب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر 320
الثاني : البحث عن أشياء يحرم التكسب بها 366
كتاب البيع427
كتاب الدين وتوابعه 440
توابع الدين - الاول الرهن 453
الثالث : الصلح 457
كتاب قيد وفيه جملة من العقود462
الاول : الاجارة 463
الخامس : الايداع 18
السادس : العارية 18
الثامن : الشفعة 466
الثانى عشر : الوصية468
الثالث عشر : العطايا المنجزة 492
الرابع عشر : النذر والعهد واليمين 493
كتاب النكاح - الاول : في شرعيته وأقسامه وغير ذلك 503
الثاني : في المحرمات 522
الثالث : في لوازم النكاح 530
الرابع : في أشياء من توابع النكاح 541
الخامس : في روافع النكاح القسم الاول - الطلاق 579
الثانى - الخلع والمبارات 605
الثالث - الظهار 609
الرابع – الايلاء611
السادس - من روافع النكاح الارتداد 615
الثاني : ما فيه اشارة إلى تحريم بعض الاشياء على التعيين 624
الثالث : في أشياء من المباحات 631
كتاب المواريث 643
كتاب الحدود - القسم الاول : حدالزنا 658
الثاني : حد القذف 660
الرابع : حد المحارب 664
[ 1 ] كتاب القضاء والشهادات682

1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله وآله اجمعين

أما بعد(1): اعلم أن هنا فائدة لابد قبل شروع في المقصود من الاشارة إليها وهي أن المشهور بين الطلبة أنه لا يجوز تفسير القرآن بغير نص وأثر حتى قال الشيخ أبوعلي الطبرسي قدس سره في تفسيره الكبير " واعلم أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة عليهم السلام أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالاثر الصحيح والنص الصريح ورى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من فسر القرآن برايه فأصاب الحق فقد أخطأ، قالوا وكره جماعة من التابعين القول في القرآن بالراي كسعيد بن المسيب [ وعبيدة السلماني ] وسالم بن عبدالله وغيرهم والقول في ذلك أن الله سبحانه ندب إلى الاستنباط وأوضح السبيل إليه ومدح أقواما عليه فقال " لعلمه الذين يستنبطونه منه(2) " وذم آخرين على ترك تدبره والاضراب عن التفكر فيه فقال " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها(3) " وذكر أن القرآن منزل بلسان العرب، " إنا جعلناه قرآنا عربيا(4) ".

(1) في نسخة مخطوطة هكذا: الحمد لولى الحمد، والصلاة على خير الخلق محمد وآله الامجاد وفي نسخة اخرى ابتدئ بقوله " اعلم " من دون التحميد والصلاة.

(2) النساء: 83.

(3) القتال: 24.

(4) الزخرف: 3.


2

إلى أن قال: " هذا وأمثاله يدل على أن الخبر متروك الظاهر، فيكون معناه إن صح أن من حمل القرآن على رأيه، ولم يعلم شواهد(1) ألفاظه فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال إن القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه ".


3

من فسر وبين الخ.

كتاب الطهارة

نبدأ بالفاتحة تيمنا وتبركا ثم نذكر آياتها.

بسم الله الرحمن الرحيم

يمكن الاستدلال بها على راجحية التسمية عند الطهارة بل عند كل فعل إلا ما أخرجه الدليل بأن الظاهر أن المراد بها تعليم العباد ابتداء فعلهم فان معناه على ما قاله الشيخ أبوعلي الطبرسي رحمه الله في كتاب تفسيره الكبير: استعينوا في الامور باسم الله تعالى بأن تبدؤا بها في أوائلها كما فعله الله تعالى في القرآن فتقديره استعينوا بأسمائه الحسنى، وكأن المراد في أول اموركم وابتدائها كما يظهر من المقام بان تقولوا " باسم الله " فينبغي قوله في ابتداء الاكل والشرب واللبس والذبح وغيرها كما قاله الفقهاء، ويؤيده الخبر المشهور: كل أمر ذي بال لم يبدء فيه باسم الله فهو أبتر، وغيره من الشواهد.

ثم إنه يمكن الاستدلال بها على وجوب ذلك [ في ابتداء الافعال والامور ] إلا ما وقع الاتفاق أو دليل آخر على عدمه مثل الذبح بالطريق المشهور من الاستدلال: بأن الآية بل الخبر أيضا دلتا على وجوب التسمية وضع عنه المتفق على عدمه بقي الباقي تحته فوجب في الذبح.

الحمد لله رب العالمين: والاسدلال بها على رجحان قولها عند كل فعل مثل الاستدلال الاول و يؤيده أيضا الخبر المشهور كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر و أجذم وغيره مثل ما نقل في الكافي عن الصادق عليه السلام أنه قال إن الرجل إذا أراد أن يطعم فأهوى بيده فقال بسم الله والحمد لله رب العالمين غفر الله له قبل أن تصير اللقمة إلى فيه(1) وهذا مؤيد للتسمية أيضا.

وليس ببعيد كون الفاتحة أول القرآن

(1) الكافى ج 6 ص 293.


5

مبتدء‌ا بالتسمية فالتحميد، يكون مؤيدا أيضا.

قال في الكشاف في بيان كون الباء للاستعانة: " إن المؤمن لما اعتقد أن الفعل لا يجيئ معتدا به في الشرع واقعا على السنة حتى يصدره باسم الله لقوله عليه السلام كل أمر ذي بال لم يبدء فيه باسم الله فهو أبتر و إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولا باسم الله كما يفعل الكتب بالقلم ".

وفي بيان كونها بمعنى المصاحبة: " هذا مقول على ألسنة العباد إلى قوله ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه " أي في أوائل فعلهم كما هو الظاهر من المقام والبيان.

قال البيضاوي في رب العالمين أي مربيها دلالة على أن الممكن في بقائه محتاج إلى العلة كحال حدوثه، وليس بواضح، نعم في الحمد لله رب العالمين دلالة على كونه تعالى قادرا مختارا من وجهين(1) فيفهم كون العالم حادثا أيضا فافهم.

وفي قوله " الرحمن الرحيم " دلالة على العفو والصفح وفي قوله " مالك يوم الدين " دلالة على الترغيب والترهيب وإثبات القيامة والمعاد لان المكلف إذا علم ذلك يرجو ويخاف كما قيل " إياك نعبد " العبادة غاية الخضوع والتذلل وكذا في الكشاف وتفسير البيضاوي وفي مجمع البيان: هي ضرب من الشكر وغاية فيه لانها الخضوع بأعلى مراتبه مع التعظيم وفي كون المراد هنا ما ذكروه تأمل فان الظاهر أن ليس ذلك واجبا ولا يدعيه العباد، ويدل على وجوب تخصيصه تعالى بالعبادة إذ حاصله قولوا نخصك بالعبادة، ولا نعبد غيرك، فيجب العبادة و الاخلاص فيها حتى يحسن الامر بالقول، ويكونوا هم صادقين في القول بل الظاهر أن المقصود من هذا القول هو التخصيص بالعبادة أي العبادة والاخلاص فيها، وهي النية فيفهم وجوبها فيحرم تركها، والرئاء بقصد غيره تعالى بالعبادة " وإياك نستعين " يدل على عدم جواز الاستعانة في العبادة بغيره تعالى بل في شئ من الامور إلا ما أخرجه

(1) أحدهما أنه دل على أن الله تعالى خالق كل ما سواه ومن جملته الحادث، فلا يكون موجبا فان أثره قديم وهو ظاهر بين، وثانيهما أن الحمد إنما يكون على الفعل الاختيارى فالمحمود لا يكون إلا مختارا، ويلزم منه حدوث جميع العالم فان أثر المختار لا يكون قديما وهو ظاهر. منه رحمه الله.


6

الدليل والاول أظهر والثاني أعم، فعلى الاول يدل على عدم جواز التولية في العبادات مثل الوضوء والغسل، بل على عدم جواز التوكيل في سائر العبادات وعلى عدم [ جواز ] الاستعانة في الصلاة بالاعتماد على الغير، مثل الآدمي والحائط قياما أو قعودا أو ركوعا أو سجودا وغير ذلك مما لا يحصى، وعلى الثاني يدل عليها وعلى عدم الاستعانة بغيره تعالى في شئ من الامور حتى السؤال وأيضا يدل عليه أنه مذموم في الاخبار حتى نقل عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لقوم قالوا له: اضمن لنا الجنة، قال: بشرط أن لا تسألوا احدا شيئا فصاروا بحيث لو وقع من يد أحدهم السوط وهو راكب ينزل ويأخذ، ولم يسأل أحدا أن يعطيه، وإذا عطشوا قاموا من محلهم وشربوا الماء و لم يطلبوه ممن قرب إليه [ المشربة ].

والحاصل أن ذم السؤال من غير الله معلوم عقلا ونقلا من غير هذه الآية أيضا فعلى هذا يمكن أن تحمل الآية على مرجوحية الاستعانة بغيره مطلقا إلا ما أخرجه الدليل والتفصيل بالكراهية والتحريم يفهم من غيرها أو تحمل على الكراهية إلا ما يعلم تحريمه أو على التحريم حتى تعلم الكراهية والجواز والله يعلم.

اهدنا الصراط المستقيم

الآية.

الآية تدل عل رجحان طلب الخير من الله تعالى سيما أصل الخير وأساسه، وهو الصراط المستقيم: أي دين الاسلام قاله المفسرون وقيل إنه النبي والائمة عليهم السلام القائمون مقامه، وهو المروي عن أئمتنا قال الشيخ أبوعلى الطبرسى رحمه الله ثم قال الاولى حمل الآية على العموم حتى يدخل جميع ذلك فيه لان الصراط المستقيم وهو الدين الذي أمر الله تعالى به من التوحيد والعدل وولاية من أوجب الله تعالى طاعته، ولا يخفى المسامحة في التفسير الثاني، أو عبادة الله فقط دون غيره كما يدل عليه بعض الآيات مثل قوله تعالى " وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم(1) " فيدل على مشروعية الدعاء، بل على استحبابه مطلقا حتى لثبات الامر الذي عليه مثل الدين وعدم تغيره وحصول دين المغضوب عليهم والذين هم الضالون فيكون تحريضا وترغيبا إلى الانقطاع إلى الله تعالى وطلب التوفيق

(1) يس، 61.


7

منه في الامور كلها، واعتقاد أنه لا يصير الانسان من عند نفسه وفعله من دون توفيق الله وهدايته إياه مقبولا عنده بل مسلما أيضا.

ثم اعلم أيضا أن في نظم السورة دلالة ما على طريق تعليم الدعاء وهو كونه بعد التسمية والتحميد والثناء والتوسل بالعبادة كما هو المتعارف وورد به الرواية(1).

وأيضا إني ما رأيت أحدا يتوجه إلى استنباط هذه الاحكام من الفاتحة نعم ذكروا في تفسيرها ما يمكن الاستنباط منه، وكأنهم تركوها للظهور أو لوجودها في غيرها والله يعلم.

ولما توقفت صحة العبادة على الايمان أشرت إلى بعض الآيات التي تتعلق به، منها " أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " وهي إشارة إلى المتقين " الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ومما رزقناهم ينفقون " أما إعرابها فظاهر فان " أولئك " مبتدأ و " على هدى " متعلق بمقدر خبره و " من ربهم " متعلق بمقدر صفة هدى وكذا أولئك الثاني مبتدأ، والمفلحون خبره، وهم ضمير فصل لا محل له من الاعراب عند البعض، ومبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر اولئك عند الآخرين، واختير اولئك وكرر للتأكيد والتصريح والمبالغة في كون الفلاح للمتقين والموصوفين بالصفات المذكورة كما أن الفصل يدل عليه مع إفادته الحصر، وكذا تعريف الخبر.

وأما لغتها فأيضا ظاهرة إذ الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب أو الدلالة الموصلة ولعل الثاني أولى، والفلاح النجاح والظفر على ما قيل والمعنى أن هؤلاء الموصوفين هم الذين اتصفوا بهداية من الله أو المنتفعون بها دون غيرهم، وأنهم الظافرون بالبغية والمطلوب وهو الخلاص من النار لا غيرهم.

وأما الدلالة على الاحكام فلا يخلو من خفاء، بيانها أنها تدل على وجوب ما هو سبب الفلاح من التقوى والايمان بالغيب، وإقامة الصلاة، أي فعلها والمحافظة عليها أفعالا، وكيفية، ووقنا، وإيتاء الزكاة مستحقها، والانفاق مما رزقهم الله مطلقا لا من المحرمات وذلك لانه يفهم منه حصر الفلاح في فعل هذه المذكورات، و

(1) راجع الكافى كتاب الدعاء باب الثناء قبل الدعاء ج 2، 484.


8

معلوم أن الفلاح الذي هو النجاة من العذاب والوصول إلى الجنة واجب فيكون ما هو موقوف عليه وسبب له واجبا وذلك هو المطلوب.

والتقوى على ما نقل من أهل البيت عليهم السلام هو أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، أي التقوى هو اجتناب جميع المنهيات وارتكاب جميع المأمورات.

والايمان بالغيب، قيل هو التصديق بالغائب الغير المحسوس: وقيل بما غاب عن العباد علمه، وقيل بما جاء من عند الله، وقيل بجميع ما أوجبه الله تعالى أو ندب إليه وأباحه، وقيل بالقيامة والجنة والنار، وقيل هو التصديق بالقلب فالغيب هو القلب حينئذ.

واعلم أنه ينبغي هنا تحقيق الايمان شرعا إذ يتوقف عليه امور كثيرة فنقول: لا شك أنه مطلق التصديق في اللغة، وأما في الشرع، فنقل في مجمع البيان أن المعتزلة قالوا بأجمعهم أن الايمان هو فعل الطاعات فمنهم من اعتبر الفرائض والنوافل ومنهم من اعتبر الفرائض حسب، واعتبروا اجتناب الكبائر كلها وكأنه يريد بفعل الطاعات مجموع الامور الثلاثة: اعتقاد الحق والاقرار به والعمل بمقتضاه، كما قال في الكشاف ونقل القاضي البيضاوي أنه مذهب المعتزلة وجمهور المحدثين و الخوارج فمن أخل بالاعتقاد فهو منافق ومن أخل بالاقرار فهو كافر ومن أخل بالعمل فهو فاسق عند الكل، وكافر عند الخوارج، وخارج عن الايمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة.

وأما دليلهم فليس مما يعتد به إلا أنه يفهم ذلك من كثير من الاخبار المذكورة في كتاب الايمان والكفر من الكافي وغيره من الكتب المعتبرة من الاصحاب حيث يدل على دخول الاعمال فيه، وأن المؤمن يخرج عن الايمان حين الفسق ثم إذا تاب يصير مؤمنا.

منها ما نقل في مجمع البيان قال: وروى العامة والخاصة عن على بن موسى الرضا عليه السلام أن الايمان هو التصديق بالقلب، والاقرار باللسان، والعمل بالاركان


9

وعنه عليه السلام أيضا الايمان قول مقول وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول صلى الله عليه وآله.

ويدل على ضعف مذهبهم عطف العبادات على الايمان في القرآن العزيز بل الاخبار أيضا.

وأيضا إسناد الايمان إلى القلب في مثل قوله تعالى " وقلبه مطمئن بالايمان " " اولئك كتب في قلوبهم الايمان " " ولما يدخل الايمان في قلوبكم "(1) وأيضا اقتران الايمان بالمعاصي في مثل قوله " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " و " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " و " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم "(2) وأيضا تكليف المؤمن بالعبادات واجتناب المنهيات مثل قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله "(3) وغير ذلك من الآيات.

ولو كان الاعمال داخلة فيه لما حسن جميع ذلك، ويحتاج إلى التأويل والتكلف، فلا يصار إليه إلا بدليل قطعي المتن وقوي الدلالة إذ الخروج عن ظاهر القطعي لا يجوز إلا بأقوى منه أو بالمثل، وأيظا الاصل والاستصحاب وعدم الخروج عن معناه اللغوى، فأنه فيها بمعنى التصديق اتفاقا على ما قالوه، ومعلوم أن الخروج عنه إلى التصديق والاقرار والاعمال يحتاج إلى دليل قوى بخلاف التصديق الخاص، فانه بعض أفراد معناه اللغوى، ولا يبعد ضم الاقرار أيضا إليه، باعتبار أن الكتمان للعناد وغيره إذا تمكن من الاظهار لا يجوز، وفيه أنه لا يستلزم الدخول حتى أنه لو لم يقل ذلك بالقول لا يكون مؤمنا بل لا يستلزم عدم العلم أيضا وأيضا باعتبار أنه إما مرادف للاسلام أو أخص، ومعلوم اعتبار الاقرار فيه، وفيه أيضا أن لمانع أن يمنع ذلك وهو ظاهر فالعمل غير داخل في الايمان، والاخبار الواردة بذلك محمولة على الايمان الكامل الذي يكون للمؤمنين المتقين المتورعين المخلصين المقبولين.

وأما الايمان المطلق عند الاصحاب فهو التصديق والاقرار بالله وبرسله و

(1) النحل: 106، المجادلة: 22 الحجرات: 14، على الترتيب.

(2) البقرة: 178، الانعام: 82، على الترتيب.

(3) النساء: 59، القتال: 33.


10

بما جاء‌ت به على الاجمال وبخصوص كل شئ علم كونه مما جاء‌ت به [ على الاجمال ] وبالولاية والامامة والوصايا لاهل البيت عليهم السلام بخصوص كل واحد واحد مع عدم صدور ما يقتضي خروجه عنه والارتداد، مثل سب النبي صلى الله عليه وآله وإلقاء المصحف في القاذورات.

فالنشر إلى ما يدل على كون أمير المؤمنين عليه السلام إماما وهو غير محصور، و نقتصر على نبذ منه.

منه قوله تعالى(1) " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين " عاطفين عليهم متذللين جمع ذليل ودخول " على " إما لتضمين معنى العطف أو للتنبيه على أنه مع ذلك حافظون للمؤمنين، و حاكمون عليهم وهم في حمايتهم أو لمقابلة " أعزة على الكافرين " شدائد عالبين عليهم من عزه إذا غلبه " يجاهدون في سبيل الله " صفة اخرى لهم أو حال من الضمير في أعزة " ولا يخافون لومة لائم " عطف على يجاهدون بمعنى أنهم جامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلب في دينه " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع " إشارة إلى أن الاوصاف المذكورة من عطية الله وفضله، وتهيئ أسبابه، لا يمكن كسبه بغير عون وفضل منه، وهو كثير الفضل، ولا ينقصه إعطاء شئ " عليم " بمواقع الاشياء يعرف استحقاق كل أحد لاي مقدار من الفضل والانعام.

وظاهر أنها في أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه والذين أرتدوا بعده من الخوارج ومحاربيه يوم الجمل وصفين وغيره إذ ما وقع ارتداد قبله، ولا بعده إلا أمثال ذلك معه، ولان هذه غير موجودة إلا فيه وأصحابه لان الحرب الذي فعله كان محل اللوم فإن الخوارج أهل القرآن والصلحاء وعائشة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله و معها أصحابه ومعاوية خال المؤمنين ومعه أصحابه، فكان محل اللوم.

ولكن ما كان هو وأصحابه يخافون من لومة أي لائم كان، لانهم كانوا على الحق فلا يحبون غير الله مع ذلتهم وصغر نفوسهم مع المؤمنين، وتواضعه عليه السلام معهم مشهور حتى نسب إلى

(1) المائدة: 54


11

الدعابة لكثرة تواضعه، وقالوا: إنه كان فينا كأحدنا في زمان خلافته ويمشي في سوق الكوفة وينادي خلوا سبيل المؤمن المجاهد في سبيل الله ولانه الذي ثبت محبة الله له أي إرادة الله له بالهدى والتوفيق في الدنيا لما يحب ويرضى، وحسن الثواب في الآخرة ومحبته لله أي إرادة طاعته جميعها والتحرز عن معاصيه كلها.

ويؤيده ما روي من محبة الله تعالى ورسوله له ومحبته لله وللرسول في خبر الرآية قال الامام نور الدين علي بن محمد المكي المالكي في كتابه فصول المهمة في معرفة الائمة هذه عبارته: فصل في محبة الله تعالى ورسوله له وذلك أنه صح النقل في كثير من الاحاديث الصحيحة والاخبار الصريحة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: لاعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله فبات الناس يخوضون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله كل منهم يرجو أن يعطاها فقال صلى الله عليه وآله: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل يا رسول الله ! هو أرمد فقال فأرسلوا إليه فاتي به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله اقاتل حتى يكونوا مثلنا؟ قال صلى الله عليه وآله: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الاسلام و أخبرهم بما يجب عليهم فيه، فو الله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم.

قال فمضى ففتح الله على يده.

وفي صحيح مسلم قال عمر بن الخطاب فما أحببت الامارة إلا يومئذ فتساوت له رجاء أن ادعى لها، قالت العلماء قوله " فتساوت لها " بالسين المهملة أي تطاولت لها و حرصت عليها حتى أبديت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني قالوا إنما كانت محبة عمر لها لما دلت عليه من محبة الله تعالى ورسوله ومحبتها له والفتح على يديه، قاله الشيخ عبدالله اليافعي(1) في كتابه المرهم انتهى كلامه.

(1) الشافعى خ واليافعى هو أبوالسعادات عفيف الدين عبدالله بن أسعد اليمنى نزيل الحرمين، له تأليفات كثيرة في التصوف واصول الدين والتفسير وغير ذلك توفى بمكة سنة 68؟ ودفن بباب المصلى إلى جانب الفضيل بن عياض


12

ورأيت أيضا مثل ما نقله في مواضع منها مصابيح الانوار بتغيير ما عد من الصحاح عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: لاعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم يرجون أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلو إليه فبصق رسول الله صلى الله عليه وآله في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال انفذ على رسلك أي رفقك ولينك والرسل السير اللين و [ ذكر ] نحو ذلك بحيث لا يتغير المعنى والمقصود، ونقله من الصحاح(1).

تأمل رحمك الله في هذا الخبر واختياره للمحبة من الجانبين واختصاصه بها مع عدم كونه حاضرا مع الصحابة وتعرض الصحابة لهذا مع غيبته وهذه القصة كالصريحة في عدم وجود هذا الوصف في ذلك الزمان إلا فيه.

وكذا يؤيده قصة الطير وهي مشهورة أيضا مروية في كتب العامة والخاصة قال أخطب خوارزم في كتاب المناقب في آخر الفصل التاسع في بيان أنه أفضل الاصحاب: وأخبرنا الشيخ وذكر الاسناد إلى قوله عن أنس بن مالك قال اهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله طير فقال اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فقلت: اللهم اجعله رجلا من الانصار فجاء علي بن أبي طالب فقلت: إن رسول الله على حاجة قال: فذهب ثم جاء فقلت: إن رسول الله على حاجة، قال: فذهب ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله افتح ففتحت ثم دخل فقال يا علي ما حدبثك؟ قال: هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس يزعم أنك على حاجة، قال صلى الله عليه وآله ما حملك على ما صنعت يا أنس؟ قال سمعت دعاء‌ك فأحببت أن يكون في رجل من قومي فقال النبي صلى الله عليه وآله إن الرجل قد يحب قومه إن الرجل قد يحب قومه ومثله في كتب اخر مثل فصول المهمة ثم نقل شعرا في بيان أن الرجل يحب قومه.

وبالجملة فمحبته لله وللرسول، ومحبة الله ومحبة رسوله له ظاهر، وفي

(1) راجع مشكاة المصابيح: 563.


13

الاخبار ما لا يحصى، من ذلك ما يعلم من كتاب أخطب خوارزم في الفصل السادس في بيان محبة الرسول صلى الله عليه وآله إياه والحث على محبته وموالاته، ونهيه عن بغضه.

ومن جملة ذلك ما روي بالاسناد في هذا الفصل عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في بيتي: ادعوا لي حبيبي فدعوت أبا بكر فنظر إليه رسول الله ثم وضع رأسه ثم قال: ادعوا لي حبيبي فقلت: ويلكم ادعوا له علي ابن أبي طالب فو الله ما يريد غيره، فلما رآه فرج الستور الذي عليه ثم أدخله فيه فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه، وغير ذلك.

وعدم خوفه من لومة لائم واضح ومتفق عليه وكذا كونه أذله على المؤمنين وأعزه على الكافرين، وكذا ارتداد قوم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ومقاتلته عليه السلام معهم وهو أيضا مذكور في الاخبار الكثيرة ومعلوم كالشمس عند الارتفاع.

ومن ذلك حكاية الخوارج والجمل وصفين وغير ذلك مما هو معلوم من التواريخ ومن كتب أهل العلم مثل كتاب كمال الدين بن طلحة الشافعي وفصول المهمة للمالكي.

والخوارزمي قال باسناده عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وآله في بعض طرق المدينة فأتينا على حديقة فقلت: يا رسول الله ما أحسن هذه الحديقة؟ فقال: لك في الجنة أحسن منها، ثم أتينا على حديقة اخرى فقلت: يا رسول الله ما أحسن هذه الحديقة؟ قال: لك في الجنة أحسن منها حتى أتينا على سبع حدائق أقول: يا رسول الله ما أحسن هذه الحديقة؟ فيقول: لك في الجنة أحسن منها، فلما خلا له الطريق اعتنقني وأجهش باكيا فقلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال الضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا بعدي، فقلت في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك.

وفي كتاب الخوارزمي باسناده عن علي عليه السلام قال: امرت بقتال ثلاثة: القاسطين والناكثين والمارقين فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم(1) وأما

(1) فذكرهم، أى ذكرهم على عليه السلام، ولم يذكره الراوي تعصبا أو تقية، وهم طلحة والزبير وعائشة ام المؤمنين مع أهل البصرة، ولعل الراوى للحديث كان من أهل البصرة الناكثين.


14

المارقون فأهل النهروان يعني الحرورية.

ونقل في الفصل الثامن في بيان أن الحق معه وأنه مع الحق جداله عليه السلام مع معوية وقتل عمار، وقوله صلى الله عليه واله له: ستقتلك الفئة الباغية، وأنت مع الحق و الحق معك، يا عمار إذا رأيت عليا سلك واديا وسلك الناس واديا غيره فاسلك مع علي ودع الناس فأنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك عن الهدى، يا عمار إنه من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه قلده الله تعالى يوم القيامة وشاحا من در، ومن تقلد سيفا أعان به عدو علي قلده الله تعالى يوم القيامة وشاحا من نار قال قلنا: حسبك.

ونقل في هذا الفصل عن علي باسناده قال: يا عجبي أعصى ويطاع معوية، ونقل أن ابن عباس قال له: لانه يطاع ولا يعصى، أي معوية وأنت عن قليل تعص ولا تطاع.

وبالجملة الاوصاف كلها موجودة فيه ويؤيد كونها فيه تعالى متصلا بالآية المذكورة " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " مع إجماع المفسرين على أنه في شأنه عليه السلام والادلة على إمامته ووصايته من المعقول والمنقول غير محصورة وليس هنا محل ذكرها و المقصود من ذكر نبذ منها تزيين هذا الكتاب به فنقول في الطهارة آيات: الاولى: يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين وان كنتم جنبا فاطهروا وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته


15

عليكم لعلكم تشكرون(1).

تخصيص المؤمن بالخطاب لان الكافر لم يقم إلى الصلاة، ولانه المنتفع به كما في أكثر التكاليف "إذا قمتم إلى الصلاة" أي إذا صليتم فإن المراد بالقيام قيامها، والتقدير إذا أردتم الصلاة مثلا "إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله"(2) فاقيم مسبب الارادة مقامها للاشعار بأن الفعل ينبغي أن لا يترك ولا يتهاون فيه، ويفعل سابقا على القصد الذي لا يمكن إلا بعده، فظاهر الامر الوجوب، فيجب الوضوء للصلاة بأن يعسل الوجه.

والغسل محمول على العرفي، وفسر باجراء الماء على العضو ولو كان بالآلة وأقله أن يحري ويتعدى من شعر إلى آخر، وظاهرها يدل على وجوبه كلما قام إليها لان ظاهر " إذا " العموم عرفا وإن لم يكن لغة، ولان الظاهر أن القيام إليها علة، ولكن قيد بالاجماع والاخبار بالمحدثين.

وقيل: كان ذلك في أول الامر ثم نسخ وقيل الامر فيه للندب ورد النسخ بما روي عنه صلى الله عليه وآله: المائدة آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ولي في النسخ تأمل إلا أن يقال المراد نسخ وجوب الوضوء على المتوضئين المفهوم من عموم فاغسلوا، فعمومه منسوخ، وليس ذلك بتخصيص حيث كان العموم مرادا معمولا به، وكذا في الندب إلا ان يقال الندب بالنسبة إلى المتوضئين فيكون المراد به الرجحان المطلق، فكان الندب بالنسبة إلى المتوضئين والوجوب بالنسبة إلى غيرهم هذا صحيح ولكن ليس هذا قولا(1) بان الامر للندب فقط كما قاله في الكشاف وأيضا قال فيه حمله على الوجوب والندب إلغاز وتعمية، فلا يجوز في القرآن لانه استعمال اللفظ في وقت لمعنييه الحقيقي والمجازي في إطلاق واحد، وفيه تأمل لانه مجاز والمجاز غير إلغاز، ولكن بعيد لعدم القرينة إلا أن يريد مع فهم التفصيل فهو إلغاز ولكن يجوز ذلك بالبيان النبوي " كما في سائر الاطلاقات والعمومات المخصوصات مثل آيات الصلاة والزكاة وغيرها.

(1) المائدة: 6.

(2) النحل: 98.

(3) في المطبوعة: ولكن هذا قول الخ، وهو سهو.


16

على أنه قال فيه بعده بأسطر: إن المراد بمسح الرجلين المفهوم من عطفهما على الرأس الغسل القليل، ولا شك أنه بالنسبة إلى الراس مسح حقيقي فهو لفظ واحد اطلق في إطلاق واحد على المعنى الحقيقي والمجازي معا، مع عدم القرينة بل مع الاشتباه، فهو إلغاز وتعمية، وهل هذا إلا تناقض؟ فظهر كون المراد المعنى الحقيقي في الرجلين أيضا كما فهمه بعض الصحابة وأهل البيت عليهم السلام فتأمل فيه.

والآية تدل على وجوب امور في الوضوء: الاول غسل الوجه وهو العضو المعلوم عرفا، وقد حد في بعض الاخبار المعتبرة بأنه الذي يدور عليه الابهام والوسطى عرضا، وطولا من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وهو أول فعل في الوضوء، فظاهر الآية لا يدل على اعتبار النية، ولا على تعيين الابتداء، لكن اعتبار النية معلوم إذ لا يمكن الفعل الاختياري بدونها وفعلهم عليهم السلام كان من الاعلى إلى الاسفل في أعضاء الغسل فهو أحوط، ولا على وجوب الترتيب بين أجزاء العضو، بل لا يمكن ذلك حقيقة، نعم ملاحظة العرفي حسن ولا على وجوب التخليل مطلقا ويدل على عدمه الروايات الصحيحة(1) ولا على وجوب المس والدلك باليد لصدق الغسل مع الكل، فكلما دل دليل من خبر أو إجماع يقال به، والباقي يبقى على حاله.

الثاني غسل اليدين والترتيب مستفاد من الاجماع والخبر ويمكن فهمه من الآية أيضا بتكلف بأن يقال يفهم تقديم الوجه لوجود الفاء التعقيبية ولا قائل بعدم الترتيب حينئذ فان الحنفية لا توجب الترتيب أصلا، بل تجوز تقديم غسل الرجلين على غسل الوجه(2).

(1) الوسائل أبواب الوضوء الباب 46.

(2) قال الشيخ في الخلاف: الترتيب واجب في الوضوء في الاعضاء كلها، ويجب تقديم اليمين على اليسار، وقال الشافعي بمثل ذلك إلا في تقديم اليمين على اليسار، وبه قال أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وبه قال قتادة وأبوعبيدة القاسم بن سلام وأحمد وإسحاق وقال أبوحنيفة الترتيب غير واجب وبه قال مالك وهو المروى عن ابن مسعود والاوزاعي.أقول ترى تفصيل ذلك في بداية المجتهد ج 1 ص 16، والمغنى لابن قدامة ج ص 136.


17

وأيضا عطف الباقي على الوجه الذي هو مدخول الفاء يفيد التعقيب في كل واحد فتأمل فيه فانها تدل على فعل المجموع بعد القيام إلى الصلاة فكأنه قال: إذا قمتم إلى الصلاة فتوضؤا ولا تدل على الموالاة أيضا وفهمها بأنه يفهم تعقيب الكل بلا فصل، وذلك غير ممكن فيراعي ما أمكن بعيد، فإن المراد مجرد التعقيب لا بلا مهلة، وعلى تقدير كونها مرادة فلا يفهم إلا كون غسل الوجه بلا مهلة.

نعم: يفهم وجوب الموالات وبطلان الوضوء بتركها، مع جفاف جميع الاعضاء السابقة من الروايات الصحيحة(1) بل الاجماع ويمكن فهم أن محل الوجوب في غسل اليدين إلى المرافق، وإن سلم أن ظاهرها كون الابتداء من الاصابع، ولكن انعقد إجماع الامة على عدم وجوب ذلك فيكون إلى هنا لانتهاء غاية المغسول ومحمولة على معناها اللغوي لا الغسل بمعنى كونه منتهاه بعد الابتداء من الاصابع، وأنه يكفي مسمى الغسل فيه أيضا كالوجه على أي وجه كان ولا يبعد وجوب غسل المرفق وإن كان غاية وخارجا من باب المقدمة لانه مفصل وحد مشترك، كما ثبت في الاصول فقول القاضي البيضاوي: وجب غسلها احتياطا غير مناسب.

الثالث مسح الرأس مطلقا، بما يصدق مقبلا ومدبرا قليلا أو كثيرا على أي وجه كان إلا أن إجماع الاصحاب، على ما نقل، وفعلهم عليهم السلام خصصه بمقدم الرأس ببقية البلل، لا بالماء الجديد اختيارا، وجوزه بعض نادر، ودليله ليس بناهض عليه، فإنه روايتان صحيحتان دالتان على عدم جواز المسح بفضلة الوضوء والندى بل بالماء الجديد، وحملتا، على التقية لذلك مع ما فيه، وعلى غير الاختيار والاحتياط لا يترك وقد منع بأكثر من ثلاث أصابع استحبابا، ووجوبا كأنه بالاجماع، و ذهب البعض إلى وجوب ثلاث أصابع، ولا دليل عليه، وعموم الآية والاخبار بل خصوصها ينفيه.

الرابع مسح الرجلين بالمسمى كالرأس وفي الرواية الصحيحة أنه بكل الكف ويفهم من الاخرى كل الظهر، وإلى أصل الساق ومفصل القدم(2) وهو

(1) الكافي ج 3 ص 35.

(2) الوسائل أبواب الوضوء، الباب 15.


18

المراد بالكعب، ويدل عليه اللغة، وهو مذهب العلامة وكأنه موافق لمذهب العامة فافهم، ودليل مسحها إجماع الامامية وأخبارهم، وظاهر الآية، فان قراء‌ة الجر صريحة في ذلك لانه عطف على رؤسكم لا يحتمل غيره، وهو ظاهر وجر الجوار ضعيف خصوصا مع الاشتباه، وحرف العطف، ولهذا ما قاله في الكشاف وقال: المراد بالمسح حينئذ الغسل القليل.

وقد عرفت ما فيه وقراء‌ة النصب أيضا كذلك، لانه عطف على محل رؤسكم وأمثاله في القرآن العزيز وغيره كثيرة جدا وعطفه على الوجه معلوم قبحه خصوصا في مثل القرآن العزيز، وليس وجود التحديد في المغسول دليلا عليه كما قاله البيضاوي بل هو دليل على ما ذهب إليه أصحابنا لحصول التعادل بأن يكون العضو الاول من المغسول والممسوح غير محدود والثاني منهما محدودا وللقاضي هنا مباحث ولنا كذلك، يطلب من الحاشية، وظاهر الآية عدم الترتيب بينهما، ولا دليل عليه أيضا من الاجماع والاخبار، بل أكثر الاصحاب على عدمه والاصل مؤيد، ولا شك في الصدق مع فعله غير مرتب فتامل.

والظاهر أنه لا يشترط في المسح عدم تحقق أقل الغسل إذ قد يكون المقابلة باعتبار النية أو باعتبار عدم جواز المسح في المغسول، أو باعتبار بعض أفراد الغسل مثل عدم الدلك لصدق الاسم المذكور في الكتاب والسنة والاجماع لغة وعرفا وللزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة لو كان مرادا، ولم يبين فتامل، وبالجملة لا شك في صدق المسح مع المس وقلة البلل الذي لا يقال انه غسل، وإن تحقق معه أقل الغسل المتعارف عنده، ولانه تكليف شاق منفي فان تحقق المسح بحيث يظهر البلل على العضو، ولم يوجد أقل الغسل كالدهن مشكل فقول الشيخ زين الدين في شرح الشرايع(1) بذلك بعيد نعم يمكن كونه أحوط.

وظاهر إذا قمتم كون الوضوء واجبا لغيره، وهي الصلاة مثلا و " إن كنتم جنبا فاطهروا " أي: فاغتسلوا كون الغسل واجبا لنفسه لان الظاهر أنه معطوف على قوله " إذا قمتم " فتقديره يا أيها الذين آمنوا إن كنتم جنبا فاطهروا ويدل عليه الاخبار أيضا مثل إذا التقى الختانان وجب الغسل(2) ويتفرع عليه صحة نية

(1) شرح اللمعة خ.

(2) الكافي ج 3 ص 46.


19

وجوب الغسل لمن لم يجب عليه مشروط به، وعلى تقدير وجوبه لغيره أيضا ليس بمضيق بل موسع وإنما يتضيق بتضيق المشروط به، وقد صرحوا بذلك.

إلا أن يقال إنه معطوف على إن كنتم محدثين محذوفا وكأنه قيل إذا قمتم إلى الصلاة إن كنتم محدثين توضؤوا وإن كنتم جنبا فاغتسلوا، ويؤيده كون باقي الطهارات كذلك، ويشعر به بعض الاخبار وقوله " إن " وإلا كان المناسب " إذا " فتخصص العمومات من الاخبار والآية أيضا على تقدير كونه معطوفا على إذا و يؤيده الكثرة وتتمة الآية أيضا.

وإن كنتم مرضى

كأنه عطف على محذوف هو كنتم صحاحا حاضرين قادرين، أي إذا قمتم إلى الصلاة وكنتم صحاحا حاضرين قادرين على استعمال الماء فان كنتم محدثين لغير الجنابة توضؤوا، وإن كنتم جنبا فاغتسلوا وإن كنتم مرضى مرضا يضركم استعمال الماء، أو مسافرين فلم تقدروا على استعمال الماء لعدمه أو للتضرر " به أو جاء أحد منكم من الغائط " لعله هنا كناية عن الحدث الخارج من أحد السبيلين فأو، بمعنى الواو " أو لامستم النساء " لعله كناية عن الجماع الموجب لغسل الجنابة وهو الدخول حتى تغيب الحشفة قبلا أو دبرا " فتيمموا صعيدا طيبا " أي اقصدوا أرضا طاهرة مباحة فامسحوا بأيديكم بعض وجوهكم وبعض أيديكم مبتدئا من الصعيد أو ببعض الصعيد، لان تضعوا أيديكم على بعضه، ثم تمسحوا الوجه واليد أو من بعد التيمم كما ورد في الرواية أي ما يتيمم به هو الصعيد فلا دلالة على تقدير كونها تبعيضية على وجوب لصق شئ من الصعيد، فيجب كونه ترابا يلصق كما توهم.

فالآية تدل على وجوب الغسل، وأن الجنابة موجبة له، وأن الغائط بل البول والريح أيضا أحدات موجبة للوضوء وأن المرض والسفر مع عدم القدرة على الماء موجب للتيمم بدلهما، ومشعرة بأنه يبيح به ما يبيح بهما وعلى اشتراط طاهرية ما يتيمم به، بل إباحته أيضا بل طهارة المآء وإباحته أيضا في الوضوء والغسل وأن كيفية التيمم أن المسح يكفي ببعض الوجه مطلقا وكذا ببعض اليد وأنه


20

لا يحتاج إلى الاستيعاب والتخليل وأن أول أفعال التيمم مسح الوجه.

والوضوء والغسل والتيمم مبينات في كتاب الفروع مع أحكامها وجميع واجباتها وموجباتها والفروعات الكثيرة ليس هذا محلها إذ المقصود هنا ما يمكن فهمه من الآيات الكريمة، ثم لا يخفى أن نظم هذه الآية مثل التي سيجئ لا يخلو عن إشكال على حسب فهمنا مثل ترك الحدث في أولها وذكر الجنابة فقط بعضه والاجمال الذي لم يفهم أن الغسل بعد القيام إلى الصلاة أم لا، وترك كنتم حاضرين صحاحا قادرين على استعمال الماء، ثم عطف إن كنتم عليه، وترك تقييد المرضى وتأخير فلم تجدوا عن قوله أو جاء وذكر جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم مع عدم الحاجة إليهما إذ يمكن الفهم عما سبق، والعطف بأو، والمناسب بالواو، وغير ذلك مثل الاختصار في بيان الحدث الاصغر على الغائط والتعبير عنه بجاء أحد منكم من الغائط والاكبر على لامستم والتعبير عن الجنابة به وكأنه لذلك قال في كشف الكشاف ونعم ما قال: والآية من معضلات القرآن ثم طول الكلام في توجيه " أو " في قوله: أو جاء أحد منكم ولعل السر في الترغيب على الاجتهاد، وتحصيل العلوم لتظفير السعادات الدائمة.

ثم في الآية احتمالات وأبحات اخر ستجئ في الثانية إنشاء الله تعالى وقد استدل بقوله " فلم تجدوا ماء " على طلب الماء غلوة سهم في الحزنة، وغلوتين في السهلة ولا دلالة عليه فيها، ولا في الخبر(1) والاصل ينفيه نعم ينبغي الطلب حتى يتحقق عدم الماء عنده عرفا مثل رحله وحواليه مع الاحتمال فتأمل.

ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج

قيل: أي ما يريد الله الامر بالوضوء للصلاة أو بالتيمم تضييقا عليكم ويحتمل أن يكون المراد ما يريد الله جعل الحرج عليكم بالتكاليف الشاقة مثل تحصيل الماء على كل وجه ممكن مع عدم كون الماء حاضرا وإن كان ممكنا في نفس الامر، ولا [ يكلف ] بالطلب الشاق كالحفر

(1) الوسائل أبواب التيمم الباب الاول الحديث 2.


21

وغيره بل بنى على الظاهر فقبل التيمم ولا كلف في التيمم أيضا بأن يوصل الارض إلى جميع البدن أو أعضاء الوضوء بل التيمم أيضا وأن يطلب ما يمكن إيصاله بل يكفي مجرد وجه الارض، وهو مقتضى الشريعة السمحة.

ولكن يريد ليطهركم

أي من الذنوب فان العبادة مثل الوضوء كفارة للذنوب أو لينظفكم عن الاحداث ويزيل المنع عن الدخول فيما شرط فيه الطهارة عليكم فيطهركم بالماء عند وجوده وعند الاعواز بالتراب، فالآية تدل على أن التيمم رافع في الجملة وطهارة فيباح به ما يباح بالماء، ويؤيده ما في الاخبار و يكفيك الصعيد عشر سنين والتراب أحد الطهورين ورب المآء ورب التراب واحد(1) فيبعد منع إباحة التيمم ما يبيحه الماء، وأنه يجب لما يجب له.

ثم أنه يزول التيمم بزوال المانع لانه لا يرفع الحدث بالكلية نعم يحتمل رفعه إلى أن يتحقق الماء أو توجد القدرة على استعماله إذ لا استبعاد في حكم الشارع بزوال الحدث إلى مدة فانه مجرد حكم الشارع فلعل البحث يرجع إلى اللفظي فتأمل.

واللام للعلة فمفعول يريد محذوف وهو الامر في الموضعين وقيل زائدة و ليجعل وليطهركم مفعول، والتقدير لان يجعل عليكم ولان يطهركم وليس فيه قصور وضعف: لان " أن " لا تقدر بعد اللام المزيدة كما قاله البيضاوي.

لان الشيخ المحقق الرضي قدس سره قال في شرح الكافية: وكذا اللام زائدة في لا أبا لك عند سيبويه، وكذا اللام المقدر بعدها أن بعد فعل الامر والارادة كقوله تعالى " و ما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " على أنه قال البيضاوي أيضا في تفسير قوله تعالى " يريد الله ليبين لكم " أن يبين مفعول يريد، واللام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للارادة، وهل هذه إلا تناقض.

وليتم نعمته

أي ليتم بشرعه ما هو مطهر لابدانكم ومكفر لذنوبكم في الدين، أو ليتم برخصه إنعامه " عليكم " بعزائمه " لعلكم تشكرون " نعمته ثم أمر

(1) الكافي ج 3 ص 63، التهذيب ج 1 ص 195.


22

الله تعالى بعد ذلك بذكر النعمة والميثاق والعهد الذي عاهدتم بقوله " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به " الآية وأمر المؤمنين بكونهم قوامين لله شهداء بالعدل فأوجب عليهم ذلك، ونهاهم عن أن يحملهم البغض على العدول والخروج عن الشرع بقوله " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " قال البيضاوي في " اعدلوا هو أقرب للتقوى " إذا كان هذا مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين؟ ثم أمر بالتقوى ووعدهم بالامتثال وأوعدهم على تركه بقوله " واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ".

ثم اعلم أن في حكاية ابني آدم نبينا وآله وعليه السلام إشارة إلى أن التقوى شرط لقبول العمل: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق " صفة مصدر محذوف أي اتل واقرأ تلاوة متلبسة بالحق أو حال من ضمير " اتل " أو من نبأ " إذ قربا قربانا " ظرف نباء، أو حال منه، والقربان اسم لم يتقرب به إلى الله من ذبيحة وغيرها كما أن الحلوان اسم لما يحلى أي يعطى وهو في الاصل مصدر ولهذا لم يثن مع أن المراد منه اثنان، وقيل تقديره إذ قرب كل واحد منهما قربانا فلا يحتاج إلى التثنية " فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال " قابيل " لاقتلنك " وعده بالقتل بعد عدم قبول قربانه وقبول قربان أخيه، لفرط الحسد على ذلك ولبقاء ما يريده له " قال " أخوه هابيل " إنما يتقبل الله من المتقين " أي إنما أصابك ما أصابك من عدم القبول عند الله من قبل نفسك، لا من قبلي، فلم تقتلني؟ فاقتل نفسك لا نفسي، وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره فيكون الذنب له لا للمحسود، فلابد أن يجتهد في تحصيل ما صار به المحسود محسودا و محفوظا لا في إزالة حظ المحسود فان ذلك يضره ولا ينفع الحاسد، بل يضره و هو ظاهر.

وفيه دلالة على أن القبول يشترط فيه التقوى كما قلناه.

قال البيضاوي: وفيه إشارة إلى أن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متق وفيه إشكال ولهذا ما شرطه الفقهاء فان الفسق لا يمنع من صحة عبادة إذا فعلت على


23

وجهها، ويمكن أن يقال المراد اشتراط التقوى في تلك العبادة أي لا يقبل الله العبادة إلا من المتقين فيها بأن يأتي به بحيث لا يكون عصيانا مثل أن يقصد بها الرئاء أو غيره من المبطلات أو المراد تقوى عن ذنب ينافي تلك العبادة فيكون إشارة إلى أن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده وهو موجب للفساد، وبالجملة يشترط في قبولها عدم كونها معصية ولا مستلزما لها، الله يعلم " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين " قال في الكشاف: كان هابيل أقوى من قابيل، ولكنه تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من الله تعالى لان الدفع لن يبح بعد أو تحريا لما هو الافضل، قال عليه الصلاة والسلام: كن عبدالله المقتول، ولا تكن عبدالله القاتل، ويمكن أن يقال التسليم غير ظاهر، وكذا كونه مباحا فان وجوب حفظ النفس عقلي ولا يمكن إباحة التسليم الذي هو ينافيه بل هو قتل النفس والآية لا تدل على التسليم، فانه قال " ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك " فانه يدل على عدم بسط اليد بقصد قتله لا للدفع أيضا وهو ظاهر ويمكن فهم وجوب الدفن من آخر الآية(1) فافهم.

الثانية: يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وايديكم ان الله كان عفوا غفورا(2).

أي لا تصلوا أيها المؤمنون، والمخاطبون هم الذين يعلمون ما يقولون من السكارى وليس كل سكران لا يعقل فيصح تكليفهم ونهيهم عن الصلاة حين علموا

(1) يعني قوله تعالى، فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يوارى سوء‌ة أخيه " والايات في سورة المائدة: 27 - 31.

(2) النساء: 42.


24

أن يشرعوا في الصلاة لا الذين لا يعلمون ما يقولون بزوال عقلهم فتأمل.

وأنتم سكارى

من الشراب ونحوه بحيث إذا دخلتم في الصلاة ما تعرفون ولا تعلمون ما تقولون " حتى تعلموا " لان الصلاة مع زوال العقل لا تصح وهو ظاهر، ولهذا أوجب الفقهاء القضاء على السكران، وجملة " وأنتم سكارى " حال عن فاعل " لا تقربوا "، " ولا جنبا " عطف عليها أي لا تقربوا الصلاة جنبا وهو من وجد منه الجنابة ولم يغتسل مذكرا أو مؤنثا واحدا أو أكثر " حتى تغتسلوا " إلا المسافرين منكم فانه تجوز صلاته جنبا لكن بالتيمم مع تعذر الغسل كما سيجيئ.

وقيد العبور لاغلبية الاحتياج إلى التيمم في السفر، وقيل المراد لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم سكارى ولا أنتم جنب إلا أن تكونوا عابرين فيها بأن تدخلوا من باب وتخرجوا من آخر، وقال في مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام(1) ويؤيده عدم الاحتياج إلى قيده بالتيمم وجعل في مجمع البيان ذكر كون الصلاة مع التيمم بعده مؤيدا وكانه يريد لزوم التكرار وهو غير لازم، والقول بتحريم دخول السكران المسجد غير معلوم إلا يكون للصلاة فيرجع إلى تحريمها حينئذ، وحذف المضاف تكلف وعموم المساجد غير جيد لعدم جواز العبور في المسجدين وأن تتمة الآية أحكام الصلاة، فلو لم يكن المراد الدخول فيها لن يفهم ذلك.

فالظاهر أن المراد بصدر الآية الدخول في الصلاة وإن أمكن جعل جنبا باعتبار المساجد بارتكاب تقدير، ويحتمل أن يكون المنهي القرب إلى الصلاة مطلقا ومجملا: بالنسبة إلى السكران فعلها، وبالنسبه إلى الجنب الدخول إلى مواضعها ويكون ذلك معلوما بالبيان ولا يخلو عن بعض والاول أبعد هذا كله على تقدير عدم صحة الرواية وأما على تقديرها فالقول بمضمونها متعين وفي الآية دلالة ما على عدم خروج المؤمن عن الايمان بشرب الخمر فتأمل فيه وعلى تحريم دخول شارب الخمر الذي يعقل إذا علم عدم عقله بعد الدخول في الصلاة أو في المساجد

(1) ومثله في تفسير العياشي ج 1 ص 243.


25

أو فيهما ويحتمل كون كل مزيل للعقل كذلك وفيها الاشارة إلى أن القلب لابد أن لا يكون غافلا حال الصلاة ولا مشغولا بغير ما يتعلق بها وكذا على تحريم دخول الجنب فيها أو في المسجد إلا المتيمم المسافر أو العابر فيه وعدم حصول رفع الحدث بالتيمم.

وإن كنتم مرضى أو على سفر

يعني ولا يقربها الجنب حتى يغتسل فلابد من الغسل للصلاة، إن تمكن منه، فان لم يتمكن منه لمرض يضر معه الغسل ضررا يعد ذلك ضررا عرفا فيتيمم لها ولعل القيد للاجماع والخبر وإلا ظاهر الآية تجويز التيمم للمرض مطلقا أو لسفر لا يكون فيه الماء بوجه.

فتقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا إن كنتم مرضى مرضا لا تقدرون على استعمال الماء أو مسافرين كذلك محتاجين إلى التطهير مطلقا محدثين بحدث أصغر أو أكبر فتيمموا ! وأشار إلى مطلق المحدث بالحدث الاصغر بقوله " أو جاء أحد منكم من الغائط " أي المواضع التي يغاط فيها فهو كناية عن الحدث الاصغر ولكن في إدخال الكل فيه فيه تأمل، فإن الظاهر أنه مخصوص بالغائط أو كناية عما يخرج عن السبيلين البول والغائط والريح أيضا كما أن " أو لامستم النساء " كناية عن الجماع الموجب للغسل وقد فسر به في الروايات(1) وهو مذهب الاصحاب وأبي حنيفة كالمباشره في الصوم والاعتكاف، ويحتمل كونه كناية عن مطلق موجب الغسل لكنه بعيد سيما المس(2) و " فلم تجدوا " عطف على " أو جاء " قيدا للمرض والسفر والفاء إشارة إلى أن عدم الوجدان ينبغي أن يكون بعد الحدث فالقبل لا يكفي، وعلى تقدير تخصيص الغائط واللمس(3) كما هو الظاهر يكون كون باقي الموجبات مثل الدماء الثلاثة وخروج المني بغير جماع ومس الميت وزوال العقل بالنوم والسكر ونحوه حدثا مفهوما من غير الكتاب من السنة والاجماع.

(1) الوسائل الباب التاسع من أبواب نواقض الوضوء الحديث الرابع، وهكذا تفسير العياشي ج 1: 243.

(2) يعني مس الميت

(3) الاول بما يخرج من أحد السبيلين والثاني بالجماع.


26

والمعنى: إن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم، فيكون أو بمعنى الواو كما مر " فلم تجدوا ماء " أي لم تقدروا على استعمال الماء بوجه إما لعدمه أو لعدم القدرة على استعماله للتضرر به أو لعدم تحصيله وحينئذ يكون حكم عدم القدرة على استعمال الماء بغير سفر ومرض مفهوما من غير الآية أو من سوقها للاشعار في قوله: فلم تجدوا ماء.

ثم الخلاف في كيفية التيمم كثير والمشهور عند أصحابنا النية مقارنة لضرب اليدين على الارض ضربة للوجه فيمسحه باليدين من قصاص شعر الرأس إلى طرف الانف الاعلى، وضربة لليدين فيمسح ببطن كل واحدة ظهر الاخرى من الزند إلى أطراف الاصابع إن كان بدلا عن الغسل.

وإن كان بدلا عن الوضوء فضرب واحد، ودليله غير ظاهر، وقيل ضربه واحدة فيهما والآية تدل عليه فافهم وكذا الاخبار الصحيحة(1) وقيل ضربتان فيهما لبعض الاخبار ولا يبعد كون الضرب فيهما واحدا والتخيير أو استحباب الثانية جمعا بين الادلة والظاهر أنهما أحوط وتفصيل باقي الاحكام معلوم من محله والمشهور كون الضرب أول الافعال ويمكن فهم كونه المسح من الآية فافهم والاحوط أن ينوي عند الضرب والمسح وكذا الموالات في الجملة ولابد من كون التيمم بالصعيد، وهو مطلق الارض ولا يشترط التراب فيصح بالحجر الاملس وهو الاظهر من مذهب الاصحاب ومذهب أبي حنيفة ويؤيده اللغة وقوله تعالى " صعيدا زلقا " ولا ينافيه ما في سورة المائدة من قوله " منه ": لانه يدل على كون المسح بالوجه واليد ببعض الارض فلابد أن يكون شيئا ملصوقا باليد ومن للتبعيض.

لانه يجوز كونها لابتداء الغاية لا للتبعيض هكذا قال في الكشاف وغيره، ويجوز كونها للتبعيض مع عدم لزوم لصوق شئ لما مر ويؤيده إهمالها هنا لانه لو كان المراد وجوب اللصوق ما كان ينبغي تركها، ولهذا لا يعتبر اللصوق في اليد لمسح اليد أيضا فتأمل.

(1) الوسائل أبواب التيمم الباب الثاني عشر.

(2) الكهف: 40.


27

وأيضا في الاخبار ما يدل على أن المراد بالصعيد مطلق الارض ويجوز التيمم بالحجر، والمراد بالطيب كأنه الطاهر، ويحتمل المباح أيضا، ففي الآية دلالة على كون الغائط ونحوه حدثا أصغر موجبا للطهارة أي الوضوء والتيمم، و عدم اشتراط حصول المنى في الجنابة فيكفي غيبوبة الحشفة لصدق الملامسة التي هي الجماع، وخرج ما دون غيبوبة الحشفة بالاجماع والخبر، وعلى كون الجماع حدثا أكبر موجبا للغسل والتيمم، وعدم احتياج الوضوء في غسل الجنابه، ودلالة الآية السابقة عليه أظهر، ووجوب التيمم بالصعيد للعذر ونفي غيره بالاصل، وعدم الدليل، وعلى كونه مبيحا واعتبار المسح باليدين والوجه عرفا ويشعر بأن المسح أول أفعال التيمم إلا أن يريد بالتيمم بالصعيد الضرب باليد عليه، وعلى كون التيمم البدل عن الوضوء والغسل واحدا فيكفي ضربة واحدة فيهما وعلى بطلان صلاة السكران للنهي فيجب القضاء لانها فائتة.

ولا يبعد فهم عموم بدلية التيمم عن الوضوء والغسل وعموم إباحة ما يبيح بهما به، ومنع فخر المحققين من جواز الطواف بالبيت للجنب المتيمم لانه جنب ولا يجوز دخوله في المسجد إلا عابرا لهذه الاية، وليس الدخول للطواف عبورا، بعيد لعدم الفرق بين العبادات وأيضا يلزم المحذور إما عدم وجوب الطواف عليه، أو عدم تحلله حتى يتمكن من الغسل وهو حرج منع بالعقل والنقل وللاخبار الكثيرة جدا بأنه أحد الطهورين وأنه يكفي عشر سنين إشارة إلى دوامه وأن رب الماء و رب التراب واحد(1) وغير ذلك والكل صريح في العموم وظاهر هذه الآية يشعر به ولا تدل على ما ذكره لبعد تقدير مواضع الصلاة لما مر، وأن الاولى كون المعنى ولا يقرب الجنب الصلاة إلا حال السفر كما تقدم وأن المراد على تقدير مواضع الصلاة بلا تيمم يعني لا يجوز دخول الجنب بغير طهور ولو بالتيمم المسجد إلا عابرا مع التيمم وهو ظاهر، وحينئذ ما يفهم كون المتيمم جنبا ولا

(1) التهذيب ج ص 1951، الكافي ج 3 ص 63.


28

عدم [ جواز ] دخوله المسجد فبقي ما ذكرناه من الادلة سالما عن المعارض فتأمل. " إن الله كان عفوا غفورا " أي كثير الصفح والتجاوز كثير المغفرة والستر على ذنوب عباده.

الثالثة: وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة(1).

لعل المامورين هم الاناس المكلفون أو الكفار فقط، وهو أظهر بحسب اللفظ والاول بحسب المعنى " مخلصين " حال عنهم " والدين " مفعوله " وحنفاء " حال آخر و " يقيموا ويؤتوا " عطف على " يعبدوا " أي امروا بأن يعبدوا الله مخلصين له ما يوجب الدين أي الجزاء والاجر وهي العبادة ولا يعبدوا غيره ولا يشركوه في عبادة الله، وفيها إشارة إلى أن الرئاء شرك فتأمل " حنفاء " أي مائلين عن الطريق الباطل إلى طريق الصواب والحق فهو تأكيد لحصر العبادة في الله المفهوم من قوله " إلا " بعد تأكيده بالاخلاص، وعطف يقيموا ويؤتوا يدل على زيادة الاهتمام بشأن الصلاة والزكاة.

واستدل بها على وجوب النية في العبادات كلها حتى الطهارات مائية و ترابية، وفي الدلالة تأمل ظاهر، خصوصا على ما فسر البيضاوي وما امروا أي الكفار في كتبهم، نعم يمكن الاستلال بها على إيقاع ما ثبت كونها عبادة شرعية على وجه الاخلاص لا غير، وأما النية على الوجه الذي ذكرها الاصحاب فلا، وهم أعرف ويدل أيضا على وجوب التعبد وهو واضح، والدليل عليه كثير، بل لا يحتاج إلى الدليل ويؤكده " وذلك دين القيمة " أي دين الملة المستقيمة الحقة ويحتمل كون المراد بالدين التعبد أي إيقاع العبادة مخلصا وإقامة الصلاة وإيتاه الزكاة هو التعبد بالملة المستقيمة وهي شريعة نبينا صلى الله عليه وآله وكون الاضافة بيانية.

وتقدير الملة الذي فعله المفسرون لاظهار موصوف القيمة فانها صفة، وأما ما قاله في مجمع

(1) البينة: 5.


29

البيان: تقديره دين الملة القيمة لانه إذا لم يقدر ذلك كان إضافة للشئ إلى صفته، و ذلك غير جائز لانه بمنزلة إضافة الشئ إلى نفسه، فغير واضح: لان الكوفيين يجوزونها والذين لم يجوزوها إنما لم يجوزوها مع إفادة معنى الصفتية لا مطلقا وهو مصرح، ولهذا يجوز الاضافة البيانية بالاتفاق وعلى تقدير العدم، فالفرق بين إضافته إلى الملة والقيمة غير واضح، خصوصا مع القول بكون الصفة والموصوف بمنزلة شئ واحد فافهم والقائل به أعرف.

وقريب منه قوله " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " أي أمر ربك أمرا مقطوعا به أي حكم وقال: لا تعبدوا إلا إياه، أي يجب أن تعبدوا الله وحده ولا تعبدوا غيره فتجب العبادة لله وتحرم لغيره، فتدل على الاخلاص فافهم، أو حكم بأن لا تعبدوا فعلى الاول أن مفسرة وعلى الثاني صلة، مع حذف الباء عنها، وهو قياس مطرد عندهم.

الرابعة " أنه " أي المنزل " لقرآن كريم "(2) صفة أي قرآن حسن مرضي أو كثير النفع " في كتاب مكنون " صفة بعد اخرى أو خبر بعد خبر أي مستور عن الخلق في لوحه المحفوظ " لا يمسه إلا المطهرون " صفة لقرآن أو كتاب أو خبر إن.

قيل: تدل على عدم جواز مس القرآن للمحدث مطلقا وهو موقوف على كونه خبرا بمعنى النهي وكونه صفة لقرآن أو خبر إن بتقدير مقول فيه لا يمسه إلا المطهرون ورجوع ضمير لا يمسه إلى القرآن أو إلى المنزل.

والرجوع إلى كتاب مكنون وكونه صفة له محتمل واضح مذكور في الكشاف ويكون المراد حينئذ بالمطهرون الملائكة المطهرون من الذنوب مع بقائه بمعناه الخبري وجواز كونه صفة لقرآن وخبر إن باعتبار ما كان، والاصل يؤيده وليس ههنا إجماع ولا خبر صريح صحيح والاحتياط واضح.

الخامسة " فيه " أي في مسجد قبا " رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين "(3) وفي سبب النزول دلالة على استحباب الجمع بين الاحجار والماء

(1) الاسراء: 23.

(2) الواقعة: 76.

(3) براء‌ة: 109.


30

في الاستنجاء والمبالغة في الاجتناب عن النجاسات وأن العلم لا يحتاج [ إليه ] ظ للعمل في مثل ذلك فتأمل.

قيل لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وآله: يا معشر الانصار ما الذي صنعتم فقد نزلت فيكم؟ فخافوا أن نزلت فيهم ما يسوؤهم بفعلهم ذلك، فقالوا: نتبع الاحجار الماء، فتلا النبي صلى الله عليه وآله " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " الخ [ وقال: ] فقد أثنى عليكم(1) فطابت نفوسهم على محبتهم وحرصهم على التطهير من النجاسات كحرص المحب على المحبوب ومحبة الله إياهم أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه، وهي تشعر بالمدح على فعل مقدمات العبادات.

وتدل على حصول الاجر، بالسعي في عمل الخير من المقدمات القريبة و البعيدة، حتى الخطوات في تحصيل الحج وغير ذلك مع بعض الاخبار قوله تعالى:" ﴿ ذلك بأنهم " أي المسلمين المجاهدين " ولا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون(2) " أي كتب لهم ذلك العمل من الانفاق وقطع الوادي، أو كتب لهم به عمل صالح فيدل على استحباب ما يتوقف عليه المستحب، بل على وجوب ما يتوقف عليه الواجب فتأمل(3).

السادسة: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام(4).

(1) راجع تفسير العياشي ج 2 ص 111 و 112، الوسائل أبواب أحكام الخلوة الحديث الاول من الباب 34، تفسير البيضاوي ص 180 ط ايران.

(2) براء‌ة: 120.

(3) قيل: لانه يمكن ان يقال الذي يفهم من ظاهر الاية المدح على ارتكاب الاولى و الاحسن وذلك لا يدل على الوجوب.

(4) الانفال: 1.


31

فيها دلالة على كون الماء طاهرا ومطهرا ويتطهر به ويرفع حدث الجنابة به وأن الاحتلام من الشيطان، ويحتمل أن يراد من رجز الشيطان المني، ويدل على نجاسته فتأمل فيه قال في الكشاف: رجز الشيطان ورجسه تخييله ووسوسته إليهم وتخويفه إياهم من العطش، وقيل الجنابة، وذلك أن إبليس تمثل لهم وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الاقدام على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد ! تزعمون أنكم على الحق، وإنكم تصلون على غير الوضوء وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على الحق ما سبق عليكم هؤلاء على الماء، وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش، فاذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة، فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا، فأنزل الله مطرا فمطروا ليلا حتى جرى الوادي، واتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه الحياض على عدوة الوادي، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الاقدام وزالت وسوسة الشيطان وطابت النفوس.

ويؤيد هذه الآية آيات اخر مثل قوله تعالى " وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا(1) " وهي تدل على إباحة الماء وجواز التصرف فيه أي تصرف كان، حتى يثبت المانع.

وقريب منه قوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض، وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين(2).

فيه دلالة على إباحة الماء والنخل والعنب والزيتون وفي قوله تعالى " وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون " دلالة على الانتفاع بالانعام مثل الابل والبقر: يحل

(1) الفرقان: 50.

(2) المؤمنون: 18 - 19 وما بعدها ذيلها.


32

أكلها وسائر الانتفاعات وكذا الجلوس في السفينة.

ويدل عليه أيضا " فاذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجينا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين(1) " وتدل على رجحان قول ذلك بعد الجلوس في الفلك.

وقوله " منزلا " إما اسم مكان محل النزول، أو مصدر ميميي أي إنزالا مباركا كثير الخير والبركة، والظاهر استحبابه في مطلق المنزل، كما ورد به الرواية(2).

ويستحب بعد ركوب الدابة تلاوة قوله تعالى " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون "(3) وقوله تعالى:" ﴿ والحمد لله رب العالمين ".

السابعة: ويسئلونك عن المحيض قل هو اذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فاذا تطهرن فاتوهن من حيث امركم الله ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين(4).

قيل: كانوا في الجاهلية يمتنعون عن مؤاكلة الحيض ومشاربتهن ومجالستهن فسألوا عن ذلك فنزلت، والمحيض مصدر كالمجئ والمبيت يعني يسألونك يا محمد عن الحيض وأحكامه قل يا محمد إنه أذى، أي قذر ونجس وموذ لمن يقربه، للنفرة منه " فاجتنبوا النساء في المحيض " أي مجامعتهن في الفرج زمان الحيض، وهو عن ابن عباس وعائشة والحسن وقتادة ومجاهد ومحمد رفيق أبي يوسف وهو مذهب أكثر أصحابنا، ويدل عليه أنه المتبادر من اعتزالهن، إذ المقصود من معاشرتهن

(1) المؤمنون: 28(2) فقيه من لا يحضره الفقيه الباب 101 راجع ج 2 ص 195.

(3) الزخرف: 13.

(4) البقرة: 222.


33

هو الجماع في الفرج، والاصل(1) والاستصحاب وبعض الروايات والشهرة و الكثرة، وسهولة الجمع بينها وبين ما ينافيها(2) بالحمل على الاستحباب، والامتناع عن مطلق الدخول، بل مطلق الانتفاع منهن حينئذ حسن، وعدم المقاربة بالتعانق والتقبيل أحوط.

وقيل: اجتنبوا عما تحت الازار فيحل ما فوقه وهو مذهب أبي حنيفة و أبي يوسف وكونه مذهبا للشافعي أيضا كما قاله في مجمع البيان غير ظاهر مع أنه نقل عن الشافعي أنه قال اجتنبوا مجامعتهن لقوله صلى الله عليه وآله إنما امرتم أن تجتنبوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم باخراجهن عن البيوت كفعل الاعاجم.

ولم يسنده أيضا في الكشاف إلا إلى أبي حنيفة وأبي يوسف ونقل عن عايشة أنها قالت تجتنب شعار الدم(3) وله ما سوى ذلك وأنت تعلم عدم فهم هذا المعنى من الآية فالحمل عليه بعيد موجب للاجمال الذي هو منفي عن القرآن العزيز إلا عند الضرورة، وليس له دليل إلا ما نقل محمد صاحب أبي يوسف عن عائشة أن عبدالله بن عمر سألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت تشد إزارها على سفلتها ثم ليباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها.

ثم قال محمد: وهذا قول أبي حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة أنها قالت تجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك.

وأنت تعلم بعد تسليم صحة الاسناد أن الاول منقول عن عايشة وقولها ليس بحجة وما أسندته إليه صلى الله عليه وآله ودلالته أيضا ليست بصريحة والثاني غير معلوم الصحة وليس بعام ولا صريح، ومع ذلك

(1) اي ويدل عليه سوى التبادر الاصل الخ.

(2) وذلك لان روايات الباب على طائفتين طائفة تحكم بالاجتناب مطلقا، فتحمل على الاستحباب وطائفة اخرى تقصر وجوب الاجتناب على المجامعة في الفرج فيؤخذ به.

(3) الشعار: الثوب الذي بلى الجسد، والمراد بشعار الدم، الثوب الذي يجعل على الفرج ليقي الدم.


34

يقبل الحمل على الاستحباب، للجمع بين الادلة، كما يفهم أنه فعله محمد حيث قال: وقد جاء أرخص.

ولا تقربوهن

تأكيد للاعتزال، وبيان لغايته، وهو مؤيد للمعنى الاول إذ الظاهر من مقاربة النساء هو ذلك.

وأما الغاية فقراء‌ة التخفيف يدل على أنه انقطاع الدم كما هو مذهب أكثر الاصحاب ويدل عليه بعض الروايات والجمع بين الروايات والقراء‌ات، إذ تحمل قراء‌ة التشديد وبعض الروايات الاخر على عدم الرجحان المطلق إلى حين الغسل: التحريم قبل الانقطاع والكراهية بعده إلى حين الغسل، وقراء‌ة التشديد يدل على أنها إما الغسل أو الوضوء أو غسل الفرج بعد الانقطاع.

والاول مذهب الشافعي ومنسوب إلى بعض الاصحاب وهو ابن بابويه والظاهر أنه ليس كذلك(1) ولابد له من حمل قراء‌ة التخفيف أيضا على الغسل للجمع بين القراء‌تين، حتى يصح هذا، وقال في الكشاف وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتطهر فيجمع بين الامرين وهو قول واضح، ويعضده " فاذا تطهرن ".

كأنه يريد ذلك وإلا فغير واضح إذ بين غاية التخفيف والتشديد منافاة ولا يمكن الجمع إلا على ما قلنا وأشار إليه القاضي وكأن في مجيئه كذلك مناقشة سهلة.

والثاني مختار صاحب مجمع البيان، حيث قال: واختلف فيه أي في غاية تحريم الوطي فمنهم من جعل الغاية انقطاع الدم، ومنهم من قال إذا توضأت أو غسلت فرجها حل وطيها عن عطا وطاوس، وهو مذهبنا(1) وما اختاره ما نعرف

(1) فانه قال في الفقيه ج 1 ص 53 (ط - النجف) ولا يجوز مجامعة المرء‌ة في حيضها لان الله عزوجل نهى عن ذلك فقال: " ولا تقربوهن حتى يطهرن " يعنى بذلك الغسل من الحيض، فان كان الرجل شبقا - مغرما - بالجماع وقد طهرت المرء‌ة وأراد أن يجامعها قبل الغسل أمرها أن تغسل فرجها ثم يجامعها.

(2) قال الشيخ في الخلاف: إذا انقطع دم الحيض جاز لزوجها وطيها إذا غسلت فرجها، سواء كان ذلك في أقل الحيض أو في أكثره، وإن لم تغتسل، وقال أبوحنيفة: إن أنقطع دمها لاكثر مدة الحيض وهو عشرة أيام حل وطيها، ولم يراع غسل الفرج وإن إنقطع دون العشرة أيام لم يحل ذلك إلا بعد أن توجد ما ينافي الحيض، وهي أن تغتسل أو تتيمم وتصلى، فان تيممت ولم تصل لم يجز وطيها فان خرج عنها الوقت ولم تصل جاز وطيها، وقال الشافعي لا يحل وطيها إلا بعد أن تستبيح فعل الصلاة إما بالغسل مع وجود الماء أو بالتيمم عند عدمه فأما قبل استباحة الصلاة فلا يجوز وطيها على حال.

ثم استدل الشيخ رحمه الله على جواز ذلك بالآية الشريفة ثم قال: وعليه إجماع الفرقة ثم نقل الاحاديث في ذلك فراجع، والعجب من المصنف قدس سره حيث قال قبل ذلك بأسطر: " وأما الغاية فقراء‌ة التخفيف يدل على أنه انقطاع الدم كما هو مذهب أكثر الاصحاب " إلى آخر كلامه، فاعترف بان تحريم الوطى غايته انقطاع الدم عند الاكثر، ثم يقول ههنا: " وما اختاره ما نعرف مذهبا لاصحابنا ".


35

مذهبا لاصحابنا وهو أعرف بما قال، ومعلوم زواله بالغسل ولنا في تحقيق هذه الآية مع الاحكام رسالة جامعة للاقوال والابحاث وتحقيق المقال فمن أرادها فعليه بمطالعتها، وأما مذهب أبي حنيفة على ما ذكره في الكشاف فبعيد عن الآية كثيرا ولا وجه له، وهو أنه إن كان لاكثر الدم فيحرم إلى إنقطاع الدم وفي أقله إلى بعد الغسل أو بعد مضي وقت صلاة كامل مع أنه بقي حكم الوسط إلا أن يريد بالاقل غير الاكثر أو العكس.

وأنت تعلم بعد إرادة الله تعالى مثل هذا المعنى عن هذة الآية، مع احتياج الخلق في أكثر الاوقات إلى حكمها، سيما مع عدم بيان واضح، ومعلوم عدم ذلك، وإلا لما اختلف الفقهاء وما يختفي عن مثل الشافعي وغيره، فالعقل يجزم بعدم إمكان إرادة هذا المعنى من هذه فتأمل ولا تقل على الله مالا تعلم فإن الذي تتخيل من استحسان العقل من عدم الاحتياج إلى الصبر إذا كان الدم كثيرا واحتياجه في القليل، باطل بطلانا واضحا، وزمان الغسل قليل جدا وإن وقت الصلوة حينئذ لا معنى له، ويمكن الاعتبارات التي أحسن منها، مثل كونها حارة المزاج أو الباردة وكونها في البلاد الحارة أو الباردة وكونها قريبة إلى سن


36

الصغر وسن اليأس وغيرها مما لا يتناهى فلا يمكن، الجرء‌ة في الاحكام الالهية بمثل هذه الاشياء.

فإذا تطهرن فآتوهن

أي، فجامعوهن فالامر بالجماع للاباحة بالمعنى الاخص أو بالمعنى الاعم فيمكن حينئذ الاحكام الاربعة فيه " من حيث أمركم الله " من قبل الطهر لا من قبل الحيض عن السدي والضحاك، وقيل من قبل النكاح دون الفجور عن ابن الحنفية، والاول أليق قال الزجاج معناه عن الجهات التي يحل فيها، ولا تقربوهن من حيث لا يجوز مثل كونهن صائمات أو محرمات أو معتكفات، وقال الفراء: ولو أراد الفرج لقال في حيث فلما قال " من حيث " علمنا أنه أراد من الجهة التي أمركم الله فيها كذا في مجمع البيان " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " أي بالماء، ويدل عليه سبب نزول قوله تعالى " فيه رجال(1) " الآية المشهورة، وقيل التوابين من الكباير، والمتطهرين من الصغاير كأنه بالتوبة أيضا، أو بأنهم لم يفعلوها، ولم يذكر المطهرات لدخولهن في المطهرين كما في كثير من الاحكام، أو يكون المراد بهما التائبين عن الدخول في الحيض والمتنزهين عنه(2).

(1) براء‌ة: 108.

(2) أقول، والذي يحصل بعد التدبر في الآية الشريفة - وهو الظاهر منها - أن الحائض لها ثلاثة أحوال - حالة الطمث التي تجرى من رحمها الدم، وقد حرم وطيها بصريح الاية الشريفة " فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن " وحالة اخرى بعدها قد نقيت الرحم من الدم، لكنها لم تغتسل عن قذارة الدم وتبعتها وهي العرق والارواح الخبيثة التي صاحبتها، والاية الشريفة ساكتة عن حكمها، وحالة اخرى بعد الاغتسال وهو غسل البدن كلها، والاية " فاذا تطهرن فآتوهن " تصرح بجواز إتيانها فان الامر عقيب الحظر لمطلق الاباحة والجواز - بل تدعو إلى اتيانها بقوله " من حيث أمركم الله " يعني بذلك قوله تعالى " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ". والكلام في الحالة الثانية فاما أن تسكت عما سكت الله، واما ان نتدبر في ذلك والتدبر يقتضي الكراهية، لان الحيض الذي كان بصريح الآية أذى موجبا للاعتزال قد ذهب وحصل النقاء، فلا حرمة، لكنه لم يطب بعد وطيها بحكم الاية الشريفة فان الاية انما استطاب وطيها وأمر به بعد التطهير المطلق وهو الاغتسال الشرعي (فان عدم تقييد التطهير بعضو دون عضو كما في غسل الجنابة يقتصى الاستيعاب) فاذا لم تتطهر ولم تغتسل بعد، حكمنا بعدم الاستطابة وهو معنى الكراهية، ودون ذلك في الكراهية ما إذا تطهرت لكن مقيدا بغسل الفرج من قذارة الدم، لا بالاطلاق كما هو مفاد الاية الشريفة.

ولذلك أفتى أهل البيت عليهم السلام بجواز وطيها خصوصا إذا غسلت فرجها مع شبق زوجها كما في حديث محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أو بدونه كما في حديث علي بن يقطين عن أبي عبدالله عليه السلام.


37

الثامنة: إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا(1).

النجس القذر، ظاهرها حصر أوصاف المشركين في النجاسة أي ليس لهم وصف إلا النجاسة، فالحصر إضافي بالنسبة إلى الطهارة أي لا طهارة لهم.

فقول الفخر الرازي: حصر الله تعالى في هذه الآية الشريفة النجاسة في المشركين أي لا نجس غيرهم، وعكس بعض الناس ذلك وقال لا نجس إلا المسلم، حيث ذهب إلى أن الماء الذي استعمله المسلم في رفع الحدث مثل الوضوء والغسل نجس فالمنفصل من أعضائه من ذلك الماء حينئذ نجس بخلاف الماء الذي استعمله المشرك فإنه طاهر لعدم إزالة حدثه(2) باطل أراد منه أبا حنيفة فإنه الذي ذهب إلى ذلك على ما هو المشهور وفيه تعريض عظيم على أبي حنيفة، حيث إنه عكس ما قال الله تعالى، مع أنه ليس في محله على ما عرفت.

(1) براء‌ة: 28.

(2) قال في تفسيره الكبير بعد كلام له في مدلول الاية الشريفة ودلالتها على نجاسة المشرك، واعلم أن قوله تعالى " إنما المشركون نجس " يدل على فساد هذا القول، لان كلمه " انما " للحصر، وهذا يقتضى أن لا نجس إلا المشرك، فالقول بأن أعضاء المحدث نجسة مخالف للنص، والعجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس وفي أن المؤمن ليس بنجس، ثم إن أقواما - يعني الحنفية - قلبوا القضية وقالوا: المشرك طاهر والمؤمن حالكونه محدثا أو جنبا نجس، وزعموا أن المياه التي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة، والمياه التي يستعملها أكابر الانبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة، وهذا من العجائب.


38

ومنه يعلم أن مذهبه نجاسة المشركين نجاسة عينية كما هو الظاهر المتبادر لغة وعرفا، فيجب الحمل عليه، وهو مذهب الامامية وابن عباس حيث نقل الكشاف والبيضاوي أنه قال أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن أنه قال: من صافح مشركا توضأ أي غسل يده فحمل الآية على أنهم ذو نجاسة لان معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، أو لانهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات كما فعله صاحب الكشاف والبيضاوي بعيد من جهة جعلهما [ النجس ] ظ بمعنى ذي النجاسة وجعل الشرك بمنزلته مع عدم ظهور ذلك أيضا وإخراج القرآن عن الظاهر بغير دليل وهو غير جائز عقلا ونقلا.

وزاد القاضي بعد قوله فهم ملابسون لها غالبا قوله: وفيه دليل على أن ما الغالب فيه النجاسة نجس(1) وأنت تعلم أن عدم التطهير والاجتناب غالبا لا يستلزم نجاستهم حقيقة، نعم يظن كونهم ذوي نجاسة، والاصل في الاشياء الطهارة ما لم يعلم أنه نجس، فالحكم بالنجاسة حقيقة لا معنى له حينئذ: فكأنه على وجه المجاز و حينئد لا دليل فيه إذ لا يلزم من تسميتهم بالنجاسة مبالغة للغلبة، كونهم [ ذوي ] نجاسة حقيقة فضلا عن نجاسة غيرهم مما الغالب فيه ذلك، بل لا يلزم صحة إطلاقها عليه مجازا لعدم اطراد المجاز نعم لو قيل بالنجاسة حقيقة وعلم أن لا دليل لها إلا الغلبة وقيل بصحة القياس قيل بنجاسة ما الغالب فيه أيضا للقياس، ولكن لا شك في أنها مرتبة خاصة من الغلبة، فمن غلبتها لنجاستهم لا يعلم كون كل غلبة كذلك إذ قد يكون مرتبة منها علة ولا يكون ما دونها كذلك، وأيضا يلزمه كون المسلم الغالب نجاسة بدنه نجسا فلا يعذر قائله(2) ويجب اجتنابه.

وليس كذلك.

ثم إن الظاهر من المشرك هو الذي أثبت للواجب شريكا، فهو غير الموحد فلا يدخل الموحد الكتابي ويحتمل أن يجعل الجميع مشركا لقوله تعالى " عزير ابن الله والمسيح ابن الله " إلى قوله " تعالى عما يشركون(3) " وقد استدل به

(1) تفسير البيضاوي ص 172.

(2) اى إذا قال له: أنت نجس.

(3) براء‌ة: 30 و 31، والاية هكذا: وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون * اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما امروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون.

فالظاهر من الاية أن المراد بالشرك شرك العبادة والطاعة وقلما تنجو منه أمة من الامم، وأما قولهم بأن عزيرا ابن الله أو المسيح ابن الله، فكقول اليهود عامة " نحن أبناء الله " ولم يعن علماؤهم من الاحبار والرهبان أنهما ابنا الله حقيقة، بل على التأويل، وقولهم هذا ليس بكفر بل يضاهى قول الذين كفروا وقد خرج عن أفواههم لا عن قلوبهم وإنما قالوا ذلك تخليطا وتطبيقا لمذاهب الوثنية وترغيبا في دخولهم في أديانهم واستجلابا لانظارهم وأفكارهم.


39

على شرك الكل أيضا صاحب الكشاف في غير هذا الموضع فتأمل فيه ويستفاد من الآية أحكام: منها كون المشرك نجسا، ويتفرع عليه نجاسة ما باشره من المايعات كما ينجس سائر الاشياء بملاقات النجاسة رطبا فقوله تعالى:" ﴿ طعامهم حل لكم "(1) يراد به الحبوب كما ورد به الرواية(2) ويحتمل كون المراد حلية طعامهم من حيث إنه طعامهم(3) أي أنه لا يصير الطعام بمجرد أنه طعامهم حراما بل، إنما يحرم

(1) المائدة: 5، والاية هكذا، اليوم احل لكم الطيبات، وطعام الذين اوتو الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ".

(2) راجع تفسير العياشي ج 1 ص 296، وقد قال جمع من أساطين اللغة بأن المراد بالطعام في عرف أهل الحجاز البر خاصة، وراجع مقاييس اللغة لابن فارس، النهاية لابن الاثير، وقال الجوهري الطعام، ما يؤكل، وربما خص بالطعام البر، وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه " كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله صاعا من طعام، أو صاعا من شعير ".

(3) يعني أن إطلاق الاية الشريفة إنما هو من جهة إضافة الطعام إليهم إضافة الملك، و لذلك قال: " وطعامكم حل لهم " يعني أنه لا بأس بأن تبيعوا طعامكم منهم كما أن لا بأس بأن تشتروا أنتم طعامهم، وليس لها إطلاق من حيث المباشرة وصنع الطعام أو من حيث جنس الطعام حتى يحل لحم الخنزير والخمر وغير ذلك.


40

منه ما نجس بملاقات النجس فتأمل.

ومنها كون الكفار مكلفين بالفروع ومنها عدم جواز دخولهم في المسجد الحرام صريحا فان المراد ذلك والنهي عن القرب للمبالغة كما في قوله " فلا تقربوا الزنا "(1) والحمل على الحج والعمرة كما فعله أبوحنيفة بعيد غير مفهوم، ولا ينافيه الخبر الدال على منعهم عن الحج والعمرة ولا يضر عدم دلالته على المنع عن دخول المسجد فاستدلال أبي حنيفة به عليه غير جيد، ويمكن فهم تحريم دخولهم المسجد مطلقا أي مسجد كان.

] ومنها عدم تمكين المسلمين لهم بمعنى منعهم عن دخوله، بل قيل هو المراد من النهي ](2).

ومنها عدم جواز إدخال مطلق النجاسة المسجد، وإن لم يتعد، كما هو مذهب العلامة.

للتعليل المفهوم فان عدم دخولهم المسجد متفرع على نجاستهم فكأنه قيل لا يدخلون المسجد لانهم أنجاس والانجاس لا يجوز دخولهم المسجد لاستلزام كون النجاسة في المسجد ويؤيده وجوب تعظيم شعائر الله، وما روي من قوله صلى الله عليه وآله جنبوا مساجدكم النجاسة(3) فيجب إزالة النجاسة عن المسجد بالطريق الاولى.

ولكن الآيه ليست بصريحة لاختصاص الحكم بنجاسة الشرك ولم يثبت وجوب تعظيم الشعائر إلى هذه المرتبة، والرواية ما تعرف سندها فضلا عن صحتها ولهذا ذهب الاكثر إلى عدم الجواز مع التعدي لا بدونه، ولعل دليلهم الاجماع مؤيدا بما تقدم من التعظيم، والخبر مع الحمل على التعدي.

التاسعة: يا أيها الذين آمنوا - وجه التخصيص قد تقدم - إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس(4).

(1) أسرى: 32.

(2) ما بين العلامتين لا توجد في نسخة عتس.

(3) الوسائل ابواب أحكام المساجد الباب 24. وقال الشهيد: لم أقف على اسناد الحديث.

(4) المائدة: 90.


41

قيل: قذر يعاف عند العقول وإفراده لانه جنس أو لانه خبر للخمر، وخبر المعطوفات محذوف من جنسه، ويدل هو عليه: أو المضاف محذوف، وكأنه قيل إنما تعاطي الخمر الآية ويحتمل أن يكون خبرا عن كل واحد واحد " من عمل الشيطان " صفة رجس أو خبر آخر، نسب إليه لانه من تزيينه.

فاجتنبوه

يحتمل كون الضمير راجعا إلى كل واحد من المذكورات أو المنهي عنه المفهوم، أو الرجس، أو عمل الشيطان، أو التعاطي، " لعلكم تفلحون " لكي تفلحوا بالاجتناب عما نهى عنه، وفي الآية مبالغة زائدة من وجوه شتى في تحريم الخمر والميسر من جهة المقارنة بالاصنام التي عبادتها كفر، و الحصر بأنه ليس إلا الرجس، ثم كونه من عمل الشيطان.

ثم الامر بالاجتناب بعد ذلك كله والتصدير بانما والاشعار بأن شاربها لا يفلح ثم التأكيد ببيان ضررها بقوله " إنما يريد الشيطان " و " فهل أنتم منتهون "(1) وبعده بالامر بطاعة الله ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه، والحذر.وغير ذلك فتأمل.

وفي الآية دلالة على تحريم تعاطي هذه الاشياء المذكورة في الخمر بالشرب قال في مجمع البيان الخمر عصير العنب المشتد وهو العصير الذي يسكر كثيره، ونقل عن ابن عباس أن المراد بالخمر جميع الاشربة التي تسكر " والميسر " أي القمار كله بلعبه " والانصاب " بالتعظيم والعبادة لها جمع نصب، وهو الصنم " والازلام " بالاستقسام وهي الاقداح والسهام كانوا يستقسمون به لحوم الجزور في الجاهلية ونهوا عنه وهو مشهور قال في مجمع البيان في الكلام حذف والمعنى شرب الخمر وتناوله أو التصرف فيه وعبادة الانصاب والاستقسام بالازلام " رجس " أي خبيث إلى قوله: والرجس واقع على الخمر وما ذكر بعدها.

وفي هذه الآية دلالة على تحريم سائر التصرفات في الخمر من الشرب والبيع

(1) والاية ذيل الاية السابقة هكذا: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا الاية.


42

والشراء والاستعمال على جميع الوجوه ولا دلالة فيها على نجاسة الخمر، ولهذا قال الصدوق: إن الله عزوجل حرم شربها لا الصلاة في ثوب إصابته فتأمل والاخبار مختلفة في ذلك، والاصل يؤيده، نعم إن ثبت كون الرجس بمعنى النجس الشرعي فقط لدلت عليها لكن قال في القاموس(1) إن الرجس بالكسر القذر وبحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم والمأثم وكل ما استقذر من العمل، والعمل المودي إلى العذاب و الشك والعقاب والغضب، ورجس كفرح وكرم رجاسة عمل عملا قبيحا.

قال في مجمع البيان قال الزجاج: الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل يقال رجس يرجس إذا عمل عملا قبيحا فالاجماع الذي على كون الرجس بمعنى النجس في التهذيب غير معلوم، بل كونه بمعنى النجس الشرعي، إذ ما يفهم ذلك إلا من القذر، وكونه بذلك المعنى غير ظاهر، والظاهر أنه بمعنى المأثم أو الفعل المودي إلى العقاب أو القبيح كما في آية التطهير ليصح كونه خبرا عن الميسر وغيره أيضا وإن سلم مجيئه بمعنى النجس وبالجملة لا دلالة فيها على نجاسة الخمر وهو ظاهر بل لا دلالة في الاخبار(2) أيضا لاختلافها والجمع بحمل ما يدل على وجوب الغسل على الاستحباب أولى من حمل ما يدل على عدمه على التقية(3).

العاشرة: وثيابك فطهر(4).

قيل في معناه امور كثيرة، والمتبادر هو الامر بتطهير الثياب عن النجاسات مؤيدا بأن الكفار ما كانوا يتطهرون من النجاسة بأن لا تنجسها وإن نجست

(1) يفهم منه كون القذر ليس بمعنى النجاسة الشرعية فافهم، منه رحمه الله.

(2) الوسائل الباب 38 من أبواب النجاسات.

(3) وممن قال بطهارة الخمر: الصدوق وأبوه والجعفي والعماني من المتقدمين و جماعة من المتأخرين كالمحقق الخوانساري وصاحب المدارك وقال به من أهل السنة ربيعة شيخ الامام مالك، وحكى عن حبل المتين أنه قال: أطبق علماؤنا الخاصة والعامة على نجاسة الخمر، إلا شرذمة منا ومنهم لم يعتد الفريقان بمخالفتهم.

(4) المدثر: 4.


43

تطهرها بالماء المطلق لانه المفهوم من التطهير إذ لا عرف في التطهير بغيره، فدلت على وجوب طهارة الثياب، وكونها بالماء المعروف لا غير، وأن صدقة يكفي للطهارة من غير عصر، ولا ورود ولا عدد، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو خبر والتفصيل معلوم من كتب الفروع، وإن اريد تقصير الثياب كما قيل ونقل عن الصادق عليه السلام أيضا فيمكن فهم الطهارة حينئذ أيضا لانها المقصود من التقصير كما علل القائل به، وفي الرواية تشمير الثياب طهور لها، قال الله تعالى " وثيابك فطهر " أي فشمر(1) ويحتمل أن يكون المراد التنظيف الذي هو الطهارة لغة، فان النظافة مطلوبة للشارع بازالة الوسخ ونحوه، ففهم وجوب الطهارة الشرعية محل تأمل ولكن ظاهر الامر الوجوب، ومعلوم عدم الوجوب غير الشرعية، ولهذا على تقدير حملها على الشرعية ما حملت على الاعم من أن يكون فيما يجب إزالة النجاسة فيه مثل الصلاة، أم لا.

بل خصت بالاول فتأمل " والرجز فاهجر " أي خص الرجز بوجوب الاجتناب، والحصر إضافي أو يكون التقديم لغيره، قيل الرجز بالضم والكسر هو الصنم، والمراد عدم عبادته وعدم تعظيمه والثبات على هجره، فانه صلى الله عليه وآله كان بريئا منه، لم يزل ولا يزال، ويحتمل أن يكون المراد أعم، فيدخل غيره صلى الله عليه وآله وترك من أهله(2) ورعيته أو كسره وإهانته بمهما أمكن له صلى الله عليه وآله أو أعم، وقيل الرجز هو العذاب والمراد وجوب اجتناب موجبه وهو الشرك وعبادة الاصنام وغيره من المعاصي مطلقا، وقيل بالضم الصنم وبالكسر العذاب قال في القاموس الرجز بالكسر والضم: القذر وعبادة الاوثان، والعذاب والشرك، فعلى الاول يكون تأكيدا لقوله " وثيابك فطهر " وتفسيرا له وهو هنا المناسب لتكبير الصلاة وطهارة الثياب وعلى هذا حمل في بعض استدلالات الاصحاب وقيل معناه أخرج حب الدنيا عن قلبك لانه رأس كل خطيئة.

(1) الكافي ج 6: 455.

(2) عطف على قوله المراد عبادته الخ.


44

الحالدية عشرة: واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال انى جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين(1).

الابتلاء هو الاختبار والامتحان والكلمات هي التكاليف الشاقة على بعض الاحتمالات مثل ذبح الولد وغيره من تكاليفه المذكورة في التفاسير، وقيل هي السنن الحنيفية العشر خمس في الرأس وخمس في البدن أما الرأس فالمضمضة، والاستنشاق والفرق، وقص الشارب، والسواك، وأما البدن فالختان، وحلق العلة، و تقليم الاظفار، ونتف الابطين والاستنجاء بالماء(2) ونسخ شريعة نبينا صلى الله عليه وآله شريعة من قبلنا لا ينافي إثبات بعض أحكامها لان المراد نسخ المجموع من حيث هو مجموع والاتمام هنا هو فعل التكاليف تاما، وعلى ما امر به، والامام: المقتدى به في أفعاله وأقواله، وهو أحد معنيي الامام في مجمع البيان وفي الكشاف هو اسم لمن يؤتم به كالازار لما يؤتزر به، يعني يأتمون بك في دينهم، والذرية هو النسل ومن يحصل من الشخص من الاولاد، والنيل هو الوصول والادراك، والعهد هو الامامة كما هو الظاهر وفي مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام.

والظلم كأنه الفسق الذي يصير به الانسان غير عدل كما يفهم من الكشاف حيث قال فيه: وأنما ينال عهدي من كان عادلا بريئا من الظلم، وإذ ظرف اذكر المحذوف في أمثاله، والمخاطب هو نبينا صلى الله عليه وآله.

وإبراهيم مفعول وابتلى " وربه " فاعله، والضمير المضاف إليه راجع إلى إبراهيم و " بكلمات " متعلفة بابتلى وفاء فأتمهن للتعقيب وهو فعل ومفعول وفاعله ضمير إبراهيم، وفاعل قال ضمير الرب والياء اسم إن، وجاعل خبره: مضاف إلى الكاف الذي هو مفعوله الاول والثاني إماما، وللناس إما متعلق به أو بمقدر حال عن إماما، وضمير قال لابراهيم والواو للاستيناف ومن ابتدائية أو زائدة، لوجود زيادتها في المثبت، أو للتبعيض مفعول

(1) البقرة: 124.

(2) راجع تفسير البرهان ذيل الاية الشريفة، الوسائل ب 1 من أبواب السواك الحديث 23.


45

فعل مقدر، والتقدير واجعل أو تجعل ذريتي أو بعض ذريتي إماما أيضا على طريق السؤال، ويحتمل [ كون ] العطف على محذوف والتقدير واجعلني إماما واجعل بعض ذريتي أيضا كذلك.

وأما عطفه على الكاف في " جاعلك " كما قاله صاحب الكشاف والقاضي البيضاوي فمما لا أعرف له وجه صحة لانه حينئذ يصير بعض الذرية مفعولا أو لا للجعل الذي أخبر الله تعالى بفعله، فيكون من تتمة قوله، فيلزم أن يكون ذلك البعض أيضا إماما مخبرا بجعله كذلك مع أنه من كلام إبراهيم وسؤاله الامامة فكأن مقصودهما أنه يسأل الله تعالى أن يجعل البعض أيضا مفعولا الجعل مثله، كما قلناه، والعبارة وقعت قاصرة عنه، ومفيدة لغيره كما ترى.

وقد قال صاحب الكشاف مثله في قوله تعالى بعد هذه الآية " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار " فانه قال " ومن كفر " عطف على " من آمن " كما عطف ومن ذريتي على الكاف في " جاعلك " فزادنا الحيرة و " لا ينال " فعل فاعله عهدي والظالمين مفعوله، ولا شك أنه أولى من العكس كما قرئ على ما نقل(1) إذ إسناد النيل إلى العهد أولى فانه النائل، لا أنهم يصلون إليه وينالونه، وأن صح ذلك أيضا لانه من الجانبين.

ثم اعلم أن صاحب الكشاف استدل بهذه الآية على اعتبار العدالة في الامام حيث قال: وقالوا في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للامامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة انتهى فيفهم منه المبالغة في ذلك الاشتراط، ونقل عن أبي حنيفة أيضا ما يدل عليه، حيث قال: كان يعني أبا حنيفة يقول في المنصور وأشياعه لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد أجره لما فعلت، وعن ابن عيينة لا يكون الظالم إماما قط وكيف يجوز نصب الظالم للامامة والامام إنما هو لكف الظلمة، فاذا نصبمن كان ظالما في نفسه فقد جاء المثل السائر " من استرعى الدئب ظلم " انتهى.

أيضا

(1) نقل عن ابن مسعود أنه قرأ: لا ينال عهدي الظالمون.


46

يفهم من كلامه اشتراط العدالة في القاضي والشاهد والراوي وإمام الجماعة مع أنه حنفي المذهب كما هو المشهور والظاهر من كلامه، وخلاف ذلك كله مشهور عنه، والمعمول عندهم.

وفي الاستدلال تأمل إذ الواسطة بين الظلم والعدل ثابتة، فلا يلزم من مانعية الاول(1) للامامة اشتراط الثاني لها، وهو ظاهر ولعله يريد به غيره أو يضم معه عدم القول بالواسطة أي كل من لم يجوزها للفاسق لم يجوزها لغير العدل و يمكن الاستدلال به على اشتراطها في إمام الجماعة، بمعنى عدم تجويز إمامة الفاسق لصدق الامام عليه بالتفسير الماضي، وإن كان المقصود بالسؤال هو الخلافة والامامة المطلقة إذ لا يبعد كون المراد بالعهد ما هو الاعم منها أي ما اجوز تفويض أمري إلى الظالم، فأنه غير معقول، بل ظلم كما يفهم في الكشاف، ولا شك في كون تجويز إمامة الفاسق للجماعة تفويض أمر عظيم إليه، وقد فسر عهد الله بأمره و وصيته في مجمع البيان، حيث قال في تفسير " والذين ينقضون عهد الله " وعهد الله وصيته وأمره يقال عهد الخليفة إلى فلان كذا أي أمره وأوصى به ولاشتراك(2) علية منع الفاسق من مطلق الامامة فيه، كما يظهر من كلام صاحب الكشاف و كذا في القاضي والشاهد والراوي فتأمل فان الغرض إظهار الاشعار في الآية بما ذكرناه، وإنما الاعتماد على غيرها من الآيات والروايات وإجماع الاصحاب و الاحتياط.

وقال القاضي: وفيه دليل على عصمة الانبياء من الكبائر قبل البعثة، وأن الفاسق لا يصلح للامامة(3) والاولى أن يقول: ولو فبل البعثة، ولعل وجه الدلالة أن فاعل الكبيرة وقتا ما يصدق عليه أنه ظالم في الجملة، وقد نفى الله العهد الذي هو الامامة مطلقا عمن صدق عليه أنه ظالم في الجملة، وهو ظاهر على تقدير كون

(1) فلا يلزم من نفى ما نفيه الاول خ.من نفى مانعية الاول خ.من نفيه الاول: ظ.

(2) عود إلى كلامه قبل ذلك " لصدق الامام عليه " الخ.

(3) تفسير البيضاوي: 41.


47

المشتق حقيقة لمن اتصف به وقتا ما، وكذا على تقدير كونه حقيقة حين اتصاف المشتق بالمبدء فقط، فان ذلك ليس بمراد ها هنا، فيتعين الاول.

] فقد نفى الله العهد الذي هو الامامة عمن صدق عليه أنه ظالم في الجملة ](1).

فحاصله أن الذي اتصف أو يتصف بالظلم بالفعل أي وقتا ما أو بالامكان على الخلاف بين المنطقيين لا تناله الامامة، وتخصيصه بوقت دون آخر يخرجه عن ظاهره ولا يجوز ذلك إلا بدليل يجوز تخصيص مثله بمثله وليس، وكذا الكلام في الامام والخليفة فلزم من كلامه عدم جواز كون من اتصف بفسق ما وقتا ما نبيا وإماما فلابد من كونهم معصومين من أول عمرهم إلى آخره من الكبائر على زعمه أيضا وهو خلاف مذهب الاشاعرة بل خلاف معتقده، فانه يعتقد وقوع الكبائر منهم مثل ما وقع من آدم على نبينا وآله وعليه السلام فانه سمي بالعصيان والظلم أيضا في قوله تعالى:" ﴿ وعصى آدم ربه - فتكونا من الظالمين(2) " بل بوقوع الكفر ممن يعتقد إمامته إلا أن يؤول ذلك بالصغاير وتختص الآية بالنبوة، وهو بعيد، إذ الظاهر أن العهد هو الامامة وهي أعم كما ذهب إليه صاحب الكشاف كما مر وفهم من كلام القاضي أيضا حيث قال: وإن الفاسق لا يصلح للامامة بعد إثبات العصمة للانبياء قبل البعثة، وأيضا للعلة الظاهرة من الآية وهي الظلم.

وكذا استدلال الاصحاب بها على وجوب العصمة عن الذنوب مطلقا للنبي صلى الله عليه وآله والامام، فكأنهم نظروا إلى أن الظلم في الاصل هو انتقاص الحق، وقيل وضع الشئ في غير موضعه من قولهم " ومن أشبه أباه فما ظلم(3) " أي فما وضع الشبه في غير موضعه كذا في مجمع البيان أو التعدي عن حدود الله كما يفهم من قوله تعالى:" ﴿ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه(4) " وغيره إذ لا شك أن فعل الصغيرة خروج عن الاستقامة والطاعة، وأنه نقص ووضع في غير المحل، وتعد عن

(1) تكرر هذه العبارة هنا في كل النسخ، والظاهر أنها سهو.

(2) طه: 121 والاية الثانية في البقرة، 35، الاعراف: 19.

(3) كقول الشاعر: وبأبه اقتدى عدى في الكرم * ومن يشابه أبه فما ظلم.

(4) الطلاق: 1.


48

الحدود، إذ حدود الله هي الاوامر والنواهي أيضا ترك حكم الله ورفضه لا يتفاوت فيه الحال بالكبر والصغر، فانه يكون عاصيا سيما بالنسبة إلى الانبياء والائمة [ المعصومين ] عليهم أفضل الصلوات والتسليمات على أن البعض لم يقل بالصغيرة، بل يقول: الذنوب كلها كبائر.

وبالجملة الذي نقلته عن القاضي ههنا مع عدم انطباقه على مذهبه، وبعض قوانين الاصول عندهم مثل مجازية صدق المشتق على من انقضى عنه المبدء، وإلا يلزم صدق الكافر حقيقة على أكابر الصحابة، وتعليق الحكم على المشتق يفيد علية المبدء له حين الاتصاف، وأن الحكم حين وجود العلة مثل أكرم العلماء، يدل على صدوره عنه بغير روية وإجرائه على لسانه ليكون حجة عليه، وفضيحة له عند الله وعند الناس، كما هو الموجود مثله في غير هذا المحل أيضا ومن غيره أيضا كثيرا كما سيظهر لك إذا تأملت كلامهم وسيجيئ بعضه إنشاء الله وقد أشرت إليها في مواضع [ شتى ] سأجمعها إنشاء الله.

كتاب الصلاة - النوع الاول في البحث عنها بقول مطلق

وفيه آيات

الاولى: ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا(1).

مفروضة أو موقتة فلا تضيعوها ولا تخلوا بشرائطها وأوقاتها، وسيأتي تتمة البحث فيها إنشاء الله تعالى.

الثانية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين(2).

كأن الامر بمحافظة الصلوات بالاداء لوقتها، والمداومة عليها، بعد بيان أحكام الازواج والاولاد لئلا يلهيهم الاشتغال بهم عنها و " الوسطى " تأنيث الاوسط من الوسط أي البين أو الفضل، وخصها بعد العموم للاهتمام بحفظها، لافضليتها قيل: هي الظهر، وهو المروي عن الباقر والصادق(3) عليهما السلام كذا في مجمع البيان وقيل: العصر يدل عليه الرواية عنه صلى الله عليه وآله: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر(4) وقيل: كل واحدة من الصلوات الخمس، ولكن وجه ظاهر، وقيل هي مخفية مثل ليلة القدر، وساعة الاجابة، واسم الله الاعظم، لان يهتموا بالكل غاية الاهتمام، ويدركوا الفضيلة في الكل، فهي تدل على جواز العمل المعين لوقت من غير جزم بوجوده، مثل عمل ليلة القدر، والعيد، وأول رجب وغيرها مع عدم ثبوت الهلال، وقد صرح بذلك في الاخبار فلا يشترط الجزم في النية، ولهذا جاز الترديد فيها ليلة الشك فافهم.

وقوموا لله

في الصلاة " قانتين " ذاكرين لله في قيامكم، والقنوت أن يذكر

(1) النساء: 102.

(2) البقرة: 238.

(3) وراجع الوسائل الباب 5 من أبواب أعداد الفرائض، تفسير العياشي ج 1 ص 127.

(4) سنن أبي داود ج 1 ص 97.


50

الله قائما، وقيل كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا عنه وقيل هو الركود وكف الايدي و البصر كذا في الكشاف.

قال في مجمع البيان: " وقوموا لله قانتين " قال ابن عباس معناه داعين والقنوت هو الدعاء في الصلاة حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام(1) وقيل طائعين وقيل خاشعين وقيل ساكتين والذكر أنسب من الدعاء فانه أعم و الاصحاب لا يشترطون الدعاء في القنوت فانهم يجعلون كلمات الفرج أفضله، وليس فيها دعاء، فدلت الآية على وجوب محافظة الصلوات خرج ما ليس بواجبة منها إجماعا بقي الباقي منها تحت العموم فلا يبعد الاستدلال بها على وجوب الجمعة والعيدين والآيات أيضا.

واستدل بها على وجوب القنوت فيها، وفيه تأمل، لاحتمال معان اخر كما مر، وعدم ثبوت كونه بالمعنى المتعارف عند الفقهاء واحتمال كونه مخصوصا بالوسطى كما قيل، ولانه أمر بالقيام فهو إما قيام حقيقي أو كناية عن الاشتغال بالعبادة لله تعالى في حال القنوت فالواجب حينئذ هو القيام حال القنوت لا القنوت، وإن احتمل حينئذ وجوب القنوت أيضا إذ على تقدير تركه ما وجد المأمور به، وهو القيام حال القنوت فوجوبه يستلزم وجوبه، لكن وجوبه غير معلوم القائل، وعلى تقديره يكون مشروطا أي إن قنتم فقوموا، والاصل عدم الوجوب وهو مذهب الاكثر، وأنه ليس في روايتي تعليم النبي صلى الله عليه وآله صلاة الاعرابي والصادق عليه السلام حماد بن عيسى وغيرها(2) من الروايات، فالاستحباب غير بعيد، ويمكن حمل الآية عليه فتأمل.

الثالثة: وامر اهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى(3).

أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله والصلاة، واستعينوا بها على حاجتكم

(1) الكافي ج 3 ص 340.

(2) الفقيه ج 1 ص 106، التهذيب ج 1 ص 157.

(3) طه: 132.


51

ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة، فان رزقك يأتيك من عندنا، ونحن رازقوك، ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، ففرغ بالك لامر الآخرة، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ " ولا تمدن الآية "(1) ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله، وعن بكر بن عبدالله المزني كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا وصلوا، بهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله ثم يتلو هذه الآية.

ثم ظاهر الآية وجوب أمر أهله بالصلاة فقط ولعل المراد وجوبها على الآمر بها أيضا وترك للظهور إذ هو مأمور بالصبر عليها، وعدم جعل طلب الرزق وكسبه مانعا عن ذلك، معللا بأنه يأتيه من عند الله ما يحتاج إليه هو وأهله من غير سبب وكسب، وتخصيص الاهل يحتمل لكثرة الاهتمام، وكونه معهم دائما وكون رزقهم مانعا.

فيحتمل المضمون ترك الكسب للرزق بالكلية، والتوجه إلى الامر بالمعروف والتصبر على مشاقة الصلاة والامر بها، وعدم تكليفه برزق نفسه، وعياله، و يكون ذلك من خصائصه، ويحتمل العموم إن توجه إليها غيره صلى الله عليه وآله مثل توجهه إليها كما في آيات اخر(2) ولهذا قيل من كان في عمل الله كان الله في عمله، وقال بعض الفقهاء: طالب العلم المتقي لا يحتاج إلى الكسب للرزق فانه يأتيه من عند الله بغير كسب من حيث لا يحتسب.

وفي مجمع البيان: واء‌مر يا محمد أهل بيتك وأهل دينك بالصلاة وروي أبوسعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي باب فاطمة وعلي عليهما السلام تسعة أشهر عند كل صلاة فيقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، ورواه ابن عقدة باسناده بطرق كثيرة عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وغيرهم، مثل أبي برذة وأبي رافع(3) وقال أبوجعفر عليه الصلاة والسلام أمره الله تعالى أن يخص أهله دون الناس ليعلم الناس أن لاهله

(1) طه: 131.

(2) قوله تعالى. " ويرزقه من حيث لا يحتسب ".

(3) وقد أخرج جميعها في البحار في تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام الباب الخامس.


52

عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس، ثم أمرهم خاصة(1) هذا يدل على أن المراد بأهلك من يختص به من أهله لا أهل دينه أيضا.

واصطبر عليها

أي على فعلها وعلى أمرهم بها، وعلى مشاق ذلك " لا نسألك رزقا " لا لخلقنا ولا لنفسك، بل كلفناك العبادة وأداء الرسالة وضمنا رزق الجميع " نحن نرزقك " الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به الجميع أي نرزق الخلق جميعهم، ولا نسترزقهم وننفعهم ولا ننتفع بهم، فيكون أبلغ الامتنان عليهم " و العاقبة للتقوى " أي العاقبة المحمودة لاهل التقوى.

واعلم أن هذا التفسير لا يناسب رواية أبي جعفر عليه الصلاة والسلام وهو الظاهر، وأنه خلاف الظاهر، وأن ظاهرها اختصاصه بعدم طلب الرزق وأنه يرزقه، وكذا أهل بيته لا كل خلقه، فانه لا يفهم كعدم فهم أهل دينك من أهلك وهي تدل على وجوب الامر بها والصبر عليها، ولا يبعد فهم الامر بكل المامور [ به ] والصبر على التكاليف الشاقة، وعدم جعل الرزق مانعا عنها، وعدم الاعتداد بالدنيا وجعلها محمودة، وكون التقوى هي العاقبة المحمودة.

الرابعة: قد افلح المؤمنون الذينهم في صلاتهم خاشعون(2).

في مجمع البيان أي خاضعون متواضعون متذللون لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم، ولا يلتفتون يمينا ولا شمالا، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، وفي هذا دلالة على أن الخشوع في الصلاة يكون بالقلب والجوارح.

أما بالقلب فهو أن يفرغ قلبه بجميع همه لها، والاعراض عما سواها، فلا يمكن فيه غير العبادة والمعبود وأما بالجوارح فبغض البصر والاقبال إليها، وترك الالتفات والعبث، وفيما ذكر من

(1) رواه في المجمع ج 7 ص 37 -

(2) المؤمنون 1 و 2 وما بعدها ذيلها.


53

غض البصر، مطلقا فتأمل(1) إذ المستحب النظر إلى موضع السجدة حال القيام إلى آخر ما هو المشهور.

نعم، ورد غض البصر حال الركوع، في رواية حماد(2) وفي رواية زرارة النظر إلى ما بين الرجلين(3) وحمل الشيخ الاولى على الثانية بأنه إذا لم ينظر إلا إلى ما بين رجليه كأنه غض بصره ويحتمل العمل بهما، فيكون كل واحد من الغض والنظر مستحبا تخييريا وأيضا كون الاقبال إليها من الجوارح غير ظاهر فتأمل.

وفي الكشاف: الخشوع في الصلاة خشية القلب، وإلزام البصر موضع السجود ولعل مراده حال القيام، وبالجملة الظاهر أنه حضور القلب وتأثره وخوفه و طمعه، ويظهر ذلك بالتوجه بالكلية إلى الصلاة وإلى الله، بحيث يظهر أثر البكاء في العين، والاضطراب في القلب، واستعمال الاعضاء الظاهرة على الوجه المندوب وترك المكروهات مثل العبث بجسده وثيابه، والالتفات يمينا وشمالا، بل النظر إلى غير المسجد حال القيام، والتمطي والتثاؤب والفرقعة وغير ذلك مما بين في الفروع وورد في الاصول(4) يعني لا يفعل المكروهات، ويفعل المندوبات في الصلاة.

والذين عن اللغو معرضون

واللغو لا يعنيك من قول أو فعل، كاللعب والهزل، وما يوجب المروة إلقاء‌ه وإطراحه، يعني أن لهم من الجد في العبادة ما يشغلهم عن الهزل وقال في الكشاف: ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة، أنبعه الوصف بالاعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الانفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف، وأنت تعلم أن الخشوع في الصلاة كان مشتملا على الفعل والترك، وترك اللغو أي ما لا يعني مطلقا فعلا كان أو تركا، فترك الذي

(1) أقول: لا منافاة فان الغض دون الغمض، فاذا غض الانسان بصره، وقع نظره في القيام على موضع السجدة، وفي الركوع بين رجليه، وفي الجلوس على ذيله.

(2) الكافي ج 3 ص 311.

(3) الكافي ج 3 ص 320.

(4) الكافي ج 3: 299.


54

هو ما لا ينفع(1) أيضا داخل في الاعراض عن اللغو فكأنه للتأكيد وبالجملة هو شامل لكل من الفعل والترك اللذين لا ينفعان، ولا يحصل الاعراض عن ذلك إلا بترك المباحات أيضا فعلا وتركا، فيوجب ذلك الاشتغال بالعبادة دائما فتأمل.

فدلت على الترغيب بالخشوع بالمعنى المتقدم [ فيها ] حتى كاد أن يكون له دخل عظيم في الايمان، أي في كماله فدلت على استحباب بعض الافعال في الصلاة وكراهية البعض على الاجمال، وتفصيله يعلم من الاخبار، ومذكور في الفروع وكذا دلت على الترغيب بالاعراض عن اللغو، بل يفهم وجوب ذلك حيث إن له دخلا في الايمان أي في كماله، وقارنه بفعل الزكاة، وترك الزنا ودلت أيضا على أن فعل الزكاة وترك الزنا كذلك حيث قال عاطفا على الذين " والذين هم للزكاة فاعلون والذينهم لفروجهم حافظون " الآية، المراد بالزكاة هنا المصدر فيكون مثل ما يقال " فاعل الضرب " باضافة الفاعل إلى الاحداث كما هو المتعارف مثل أن يقال " من فاعل هذا " يقال " زيد أو الله أو خلق الله.

قوله " والذين هم على صلواتهم يحافظون " في مجمع البيان أي يقيمونها في أوقاتها ولا يضيعونها، وإنما أعاد ذكر الصلاة تنبيها على عظم قدرها وعلو رتبتها عنده تعالى " اولئك هم الوارثون " معناه أن من كان بهذه الصفات واجتمعت فيه هذه الخلال، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال ما منكم من أحد إلا وله منزلان في الجنة ومنزل في النار فان مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، وقيل إن معنى الميراث هنا أنهم يصيرون إلى الجنة بعد الاحوال المتقدمة، وينتهي أمرهم إليها، كالميراث الذي يصير الوارث إليه، ثم وصف الوارثين فقال: " الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون " الفردوس اسم من أسماء الجنة، وقيل هو اسم لرياض الجنة، وقيل هي جنة مخصوصة، قال في الكشاف: ليس ذكر الصلاة هنا مكررا بل لانهما مختلفان إذ وصفوا أولا بالخشوع في صلاتهم وآخرا بالمحافظة عليها، وذلك بأن لا يسهو

(1) فترك الذي هو قوله مالا ينفع خ.


55

عنها، ويؤدوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها، و بما ينبغي أن يتم به أوصافها.

وأيضا قد وحدت أولا لتفاد الخشوع في جنس الصلاة أي صلاة كانت وجمعت آخرا لتفاد المحافظة على أعدادها، وهي الصلوات الخمس، والوتر والسنن المرتبة مع كل صلاة، وصلاة الجمعة، والعيدين والجنازة، والاستقساء، والكسوف، والخسوف، وصلاة الضحى، والتهجد، و صلاة التسبيح، وصلاة الحاجة وغيرها من النوافل أي اولئك الجامعون لهذه الاوصاف، هم الوارثون الاحقاء بأن يسموا وراثا دون من عداهم ثم ترجم الوارثين بقوله " الذين يرثون الفردوس " فجاء بفخامة وجزالة لارثهم لا يخفى على الناظر ومعنى الارث ما مر في سورة مريم(1).

أنث الفردوس على تأويل الجنة وهي البستان الواسع الجامع لانواع الثمر، وروي أن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وجعل خلالها المسك الاذفر وفي رواية لبنة من مسك مذري، و غرس فيها من جيد الفاكهة، وجيد الريحان.

ففيها دلالة على الترغيب بمحافظة الصلوات بالمعنى المتقدم، وأنه لابد من محافظة جميعها حتى يكون موجبة لحصر إرث الفردوس، والخلود في المتصف بها بخلاف الخشوع، فانه يكفي في الواحدة أيها كانت كما ذكره صاحب الكشاف وإن جميع ما ذكره من الصلوات مرغوبة إلا صلاة الضحى فانها بدعة عندنا.

الثاني : في دلايل الصلوات الخمس وأوقاتها

وفيه آيات

الاولى: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ان

(1) قال في سورة مريم في تفسير قوله تعالى:" ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا " استعارة أي نبقى عليه الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث، ولان الاتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة، فاذا أدخلهم الله الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفي.

منه رحمه الله.


56

قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا (1).

في الكشاف: دلكت الشمس غربت وقيل زالت وروي عن النبي صلى الله عليه وآله " أتاني جبرئيل لدلوك الشمس فصلى بي الظهر(2) " واشتقاقه من الدلك لان الانسان يدلك عينيه عند النظر إليها، فان كان الدلوك الزوال، فالآية جامعة لاوقات الصلوات الخمس والظاهر ذلك كما يدل عليه اللغة والرواية المتقدمة، و كذا روايات الخاصة، ولكن يتوقف مع ذلك على كون الغسق غير دخول أول الليل، بل الظلمة الشديدة، وهو نصف الليل كما يدل عليه بعض روايات الخاصة ففيها دلالة على سعة وقت جميع الصلوات الخمس على الاجمال، فيخصص ويتعين بضم الاخبار أو الاجماع على الوجه المقرر فيتم المطلوب فتأمل.

قال في الكشاف: والغسق الظلمة، هو وقت صلاة العشاء، وفيه إجمال من حيث عدم معلومية آخر الوقت بل أوله أيضا وقال فيه أيضا " وقرآن الفجر " صلاة الفجر، سميت قرآنا، وهو القراء‌ة لانها ركن كما سميت ركوعا وسجودا وقنوتا، لعل مراده بالركن هو الواجب الذي بتركه عمدا تبطل الصلاة لا سهوا أيضا كما هو اصطلاح الاصحاب " مشهودا " تشهده ملائكة الليل والنهار، هذا إن فعلت في أول وقتها، ففيه إشارة إلى المبالغة في فعلها أول الوقت، وعند بعض الفقهاء ليس الوقت إلا الآخر في جميع الصلوات الموسعة، ومن يفعلها في أول الوقت فهو مقدمها، ويجزئ، فهو خروج عن النص بالهوى فتامل.

قال في مجمع البيان في الدلوك: فقال قوم زوالها وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما الصلاة والسلام(3) ومعنى " لدلوك الشمس " عند دلوكها.

وقيل غسق الليل هو أول بدو الليل عن ابن عباس، وقيل هو انتصاف الليل

(1) أسرى.

78 و 79.

(2) سنن أبي داود ج 1 ص 93، ومثله في سيرة ابن هشام ج 1 ص 245.

(3) تفسير العياشي ج 2 ص 308


57

عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام(1) ثم قال واستدل قوم من أصحابنا بالآية على أن وقت الظهرين موسع إلى آخر النهار، لانه سبحانه أوجب إقامة الصلاة من وقت دلوكها إلى غسق الليل وذلك يقتضي أن بينهما وقتا، ولم يرتضه الشيخ أبوجعفر قدس الله روحه(2) قال إن الدلوك هو غروب الشفق(3) ومن قال إن الدلوك هو الزوال أمكنه أن يقول إن المراد بيان وجوب الصلوات الخمس، على ما ذكره الحسن لا لبيان وقت صلاة واحدة.

وأقول: إنه يمكن الاستدلال بالآية على ذلك أي على سعة الوقت على الوجه المشهور بأن يقال: إن الله سبحانه جعل دلوك الشمس الذي هو الزوال إلى غسق الليل وقتا للصلوات الاربع إلا أن الظهر والعصر اشتركا في الوقت من الزوال إلى الغروب، والمغرب والعشاء الآخرة اشتركا في الوقت مع المغرب إلى الغسق وافرد صلاة الفجر بالذكر في قوله تعالى " إن قرآن الفجر " ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس، وبيان أوقاتها، ويؤيد ذلك ما رواه العياشي بالاسناد عن عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " قال: إن الله افترض أربع صلوات أول وقتها من

(1) الوسائل الباب 21 من أبواب المواقيت الحديث 2.

(2) المصرح من كلامه في الخلاف أن الدلوك عندنا هو الزوال وبه قال ابن عباس و ابن عمر وأبوهريرة والشافعي وأصحابه، ورووا عن علي عليه السلام وابن مسعود أنهما قالا: الدلوك هو الغروب، فالاية عندنا محمولة على صلاة الظهر وعند من خالف على صلاة المغرب، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم.

وما نقله الطبرسي عن الشيخ ليس هكذا ولفظه: ولم يرتضه الشيخ أبوجعفر رحمه الله وقال: إن من قال: إن الدلوك هو الغروب فلا دلالة فيها عنده، بل يقول أوجب الله سبحانه إقامة المغرب من عند المغرب إلى وقت اختلاط الظلام الذي هو غروب الشفق ومن قال إن الدلوك الخ.

وهكذا لفظه في تفسير التبيان ج 6 ص 510 فالظاهر أن المصنف نقل كلام المجمع عن نسخة سقيمة.

(3) الشمس خ ل ظ.


58

زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروب الشمس إلا أن هذه قبل هذه، ومنها صلاتان أول وقتهما من عند غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه، وإلى ذلك ذهب المرتضى علم الهدى قدس الله روحه في أوقات الصلوات وهذه الرواية(1) موجودة في الاصول ويوجد غيرها أيضا ونقلها الشيخ أيضا في كتبه(2) وقال بها.

وقال الزجاج إن في قوله تعالى " أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر " فائدة عظيمة هي أنها تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراء‌ة لان قوله أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر قد امر فيه أن يقيم الصلاة بالقراء‌ة حتى سميت الصلاة قرآنا فلا تكون صلاة إلا بقرآن فيه تأمل كما في قول الكشاف خصوصا في قوله: " وقنوتا " فإنه ليس بمشروع إلا في بعض الصلوات عندهم الوتر والصبح، وجزء مستحب فتأمل.

قوله " ومن الليل فتهجد " الآية تدل على وجوب صلاة الليل واختصاصه به صلى الله عليه وآله يمنع من التأسي فيه.

الثانية: اقم الصلاة طرفي النهار(3).

قيل إن طرفي النهار وقت صلاة الفجر والمغرب، وقيل غدوة وعشية، و هي صلاتا الصبح والعصر وقيل والظهر أيضا لان بعد الزوال كلة عشية ومساء عند العرب، فتدل على سعة وقتهما في الجملة، وينبغي إدخال العشائين أيضا.

وزلفا من الليل.قيل العشائين وقيل أي ساعات من الليل وهي ساعاته القريبة من آخر النهار.

وقيل: زلفا من الليل أي قربا من الليل، وحقها على هذا التفسير أن يعطف على الصلاة أي أقم الصلوة وأقم زلفا من الليل على معنى وأقم صلوات يتقرب بها إلى الله عزوجل في بعض الليل فيمكن أن يكون إشارة إلى صلاة

(1) تفسير العياش ج 2 ص 310.

(2) التهذيب ج 2 ص 24 و 25، تحت الرقم 68 و 72.

(3) هود: 115.


59

الليل المشهورة.

إن الحسنات يذهبن السيئات

يحتمل وجهين تكفير الذنوب بالطاعات، في صريحة في وقوع التكفير وكذا غيرها من الآيات والاخبار واللطف يعني أن الطاعات موجب لترك المعصيات بالخاصية أو بسبب لطفه تعالى كقوله تعالى " إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر "(1) " ذلك ذكرى للذاكرين " أي ما ذكر من قوله " فاستقم "(2) إلى ههنا عظة للمتعظين، ثم رجع إلى ذلك للتذكير بالصبر بقوله " واصبر فأن الله لا يضيع أجر المحسنين " وهو دليل على الحث والتحريض والترغيب على الوعظ والاتعاظ، وعلى الصبر والاحسان وهو ظاهر.

الثالثة: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون(3).

سئل ابن عباس هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وقرأ هذه الآية فالتسبيح حين تمسون صلاة المغرب والعشاء وحين تصبحون صلاة الفجر وعشيا صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر، ويحتمل أن يراد بالاول المغرب وبعشيا العشاء وبتظهرون الظهرين وغير ذلك مثل أن يراد بعشيا المغرب والعشاء وبتمسون العصر وبتظهرون الظهر فقط.

وعشيا عطف على حين فيكون وله الحمد معترضة ويحتمل عطفه على السموات ولكن يبعد حينئذ فهم الصلاة و يحتمل أن يراد من الحمد الصلات إلا أنه حينئذ الصلوات في السموات غير ظاهرة وعطف " عشيا " " وحين تظهرون " أيضا على السموات غير مناسب، وحين تظهرون مشعر بعطفه على الاول وترك حين في عشيا كأنه لعدم مجئ الفعل منه فتأمل.

الرابعة: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها(4).

(1) العنكبوت: 35.

(2) أى فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون وأقم الصلاة طرفى النهار الاية.

(3) الروم: 27.

(4) طه: 130


60

معناه في الكشاف: فكأنه قال: صل لله قبل طلوع الشمس، يعني صلاة الفجر، وقبل غروبها يعني الظهر والعصر لانهما واقعتان في النصف الاخير من النهار فحينئذ فيها دلالة على وجوب الصلوات الثلاث وسعة وقتها، وعدم اختصاصها بأول الوقت، فالقول بأن وقت صلاة الفجر إلى الاسفار والتنوير كما هو قول بعض أصحابنا غير واضح وكذا اختصاص الظهر بأول الوقت وكذا العصر بأول وقتها.

وهو ظاهر بناء على تقسير التسبيح بالصلاة، وأما على الاحتمال بكون المراد هو التسبيح حقيقة فلا دلالة، بل المراد هو الترغيب والتحريض، على تسبيحه تعالى وتنزيهه في هذه الاوقات الشريفة.

ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى

قدم الظرف ههنا على الفعل عكس الاول، للاهتمام بفعلها ليلا لعدم شغل النفس حينئذ ولانها أشق ويحتمل كون " من " بمعنى " في " وابتدائية، وقال في الكشاف: وقد تناول التسبيح في آناء الليل صلاة العتمة، وفي أطراف النهار صلاة المغرب، وصلاة الفجر على التكرار إرادة الاختصاص كما اختصت في قوله " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى " عند بعض المفسرين.

ويحتمل " من آناء الليل " إرادة صلاة الليل المشهورة أيضا أو مطلق الصلاة ليلا فانها عبادة مطلوبة جدا وإرادة نافلة الفجر أيضا، وكذا من أطراف النهار أيضا بحمل الامر على الرجحان المطلق فتأمل.

الخامسة: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وادبار السجود(1) أي سبح حامدا ربك قبل الطلوع وقبل الغروب وسبحه أيضا في بعض الليل وفي أدبار السجود، والتسبيح، إما محمول على ظاهره، أو على الصلاة

(1) ق: 39 و 40.


61

فالصلوة قبل طلوع الشمس الفجر، وقبل الغروب الظهر والعصر، ومن الليل العشاء ان، فيها دلالة على سعة وقتها، وأدبار السجود التسبيح في آثار الصلوات والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، وقيل النوافل بعد المكتوبات، وعن علي عليه الصلوة والسلام الركعتان بعد المغرب وروي عن النبي صلى الله عليه وآله من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين ومثلها موجود من طرقنا أيضا(1).

والظاهر أن المراد قبل أن يتكلم بكلام أجنبي لا التعقيب، وهو مفسر في الرواية الصحيحة به والادبار جمع دبر وقرئ بكسر الهمزة مصدرا والكل من أدبرت الصلاة: إذا انقضت وتمت، ومعناه وقت قضاء السجود كقولهم أتيتك خفوق النجم، ويقرب من الآية ما في الطور " فسبح بحمد ربك حين تقوم(2) " أي سبح بحمد ربك حين تقوم من أي مكان، وقيل: من نومك، وقيل تقوم: إلى الصلاة المفروضة، فقل سبحانك اللهم وبحمدك وقيل: وصل بأمر ربك حين تقوم من مقامك، قيل: الركعتان قبل صلاة الفجر، وقيل حين تقوم من المجلس فقل سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت اغفر لي وتب علي وقد روي مرفوعا أنه كفارة المجلس(3) وروي عن علي عليه الصلاة والسلام من أحب أن يكتال بالمكيال الاوفى فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين(4).

وقيل اذكر الله بلسانك حين تقوم إلى الصلاة إلى أن تدخل في الصلاة " و من الليل فسبحه وإدبار النجوم " بالكسر قيل المراد الامر بقول: سبحان الله وبحمدك في هذه الاوقات وقيل يعني صلاة الليل، وروى زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن

(1) تفسير الكشاف ومجمع البيان ذيل الاية الشريفة.

(2) الطور: 49.

(3) رواه مرفوعا في المجمع، وكنز العرفان ج 1 ص 78، ورواه مسندا السجستاني في سننه ص 563 و 564 في حديثين فراجع.

(4) الوسائل الباب 24 من أبواب التعقيب الحديث 11.


62

أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام في هذه الآية قالا إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقوم من الليل ثلاث مرات فينظر في آفاق السماء فيقرأ خمس آيات من آل عمران: " إن في خلق السموات والارض - إلى قوله تعالى - إنك لا تخلف الميعاد " ثم يفتح صلوة الليل الخبر(1).

وقيل معناه صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وإدبار النجوم يعني الركعتين قبل صلاة الفجر وهو المروي عن أبي جعفر وأبى عبدالله عليهما السلام(2) وذلك حين تدبر النجوم أي حين تغيب بضوء الصبح، وقيل معناه صلاة الفجر المفروضة وقيل معناه لا تغفل عن ذكر ربك صباحا ومساء ونزهه في جميع أحوالك ليلا ونهارا فإنه لا يغفل عنك وعن حفظك، وفي هذه الآية دلالة على أنه سبحانه قد ضمن حفظه وكلايته حتى بلغ الرسالة، الله يعلم بحقيقة كلامه وغيره.

ويدل على رجحان القيام للصلاة عن المضاجع، والصلاة بالليل ودعاء الرب خوفا من العقاب، وطمعا في الثواب، والانفاق مما رزقه الله تعالى قوله تعالى:" ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون(3) " ترتفع جنوبهم عن مواضع اضطجاعهم لصلاة الليل وهم المتهجدون بالليل الذين يقومون عن فرشهم للصلاة، وهو المروى عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام، فهو القيام في الليل لصلوة الليل والتهجد المشهور، وظاهر الآية أنهم يقومون للدعاء خوفا من عدم الاجابة وطمعا لها، كأنه الدعاء في الوتر وغيره، وقيل هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة، قال أنس نزلت فينا معاشر الانصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله صلاة العشاء وقيل هم الذين يصلون ما بين المغرب والعشاء الاخرة وهي صلاة الاوابين، و قيل هم الذين يصلون العشآء والفجر في جماعة " يدعون ربهم خوفا " من عذاب الله

(1) الوسائل الباب 53 من أبواب المواقيت ح 1 - 4.

(2) ذكر في مجمع البيان مرسلا ورواه الكلينى في الكافي مسندا ج 3 ص 444.

(3) السجدة: 16:


63

وطمعا في رحمة الله ومما رزقهم الله ينفقون في سبيل الله وطاعته(1).

واعلم أن وجوب الصلوات ليس من الفقه فانه من ضروريات الدين، مع أن الآيات الدالة عليها في غاية الاجمال فكان تركها أليق، ولكن ذكرنا بعض الآيات في ذلك لبيان الوقت، وبعض الفوايد الاخر.

تذنيب " سابقوا إلى مغفرة من ربكم "(2) قيل تدل على أن المراد بالامر الفور، و ذلك غير ظاهر، فانه يحتمل أن يقال: المراد استحباب المسارعة فانه إنما يقال مثل هذا الكلام عرفا إذا لم يكن واجبا فتأمل ويؤيده دخول المستحبات أيضا فيه فتدل على استحباب فعل العبادات أول وقتها كما تقدم.

الثالث : في القبلة

وفية آيات

منها: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وان الذين اوتوا الكتاب ليعلمون انه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون(3).

الرؤية هنا بمعنى العلم، والتقلب التحول والتحرك في الجهات، والقبلة هي الكعبة للقادر على المشاهدة على سبيل العادة، وللبعيد الجهة على ما هو المشهور الرضا هو المحبة والتولية هو التصبير والتصريف والشطر هو الجانب والنحو والجهة والحرام هو المحرم كالكتاب بمعنى المكتوب، والحق هو وضع الشئ موضعه، و الغفلة هي السهو عن بعض الاشياء.

(1) راجع في ذلك مجمع البيان للطبرسي.

(2) الحديد: 21.

(3) البقرة: 142.


64

المقصود [ من الآية ] أن الله تعالى: يقول للنبي صلى الله عليه وآله إنا قد نعلم تردد وجهك في جهة السماء أي توجهك نحوها انتظارا لتحويل القبلة، النازل منها نحوك، إلى قبلة تحبها وتتشوق إليها لاغراضك الصحيحة التي في نفسك، ووافقت في ذلك مشية الله وحكمته، وهي قبلة أبيك إبراهيم عليه وآله السلام وأدعى إلى الايمان لانها مفخرتهم ومطافهم، فلنعطينك تلك القبلة المرضية.

ثم بينها بقوله: " فول " أي فاجعل تولية وجهك في جهة المسجد وسمته، و اصرفه نحو المسجد المحرم فيه القتال، وإخراج الملتجي والمصيد، وباقي ما يحرم على المحرم يعني اجعل قبلتك التي تتوجه إليها للصلاة وغيرها تلك الجهة ثم أشار إلى وجوب ذلك على كل مكلف في كل مكان بقوله تعالى:" ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " ولعل في التعبير بالنحو والمسجد دون البيت دلالة على وسعة أمر القبلة، وأنها الجهة الواسعة، لا البيت كما هو للقريب واختيار المسجد دون الحرم مع أنها أدل لئلا يتوهم كون الحرم قبلة للبعيد كما قيل، على أنه يحتمل إن يكون المراد الحرم ويكون التعبير عنه باسم أشرف أجزائه، فيكون تسمية للكل باسم الجزء، أو على أن حكمه حكم المسجد في وجوب التعظيم ويؤيده وصفه بالحرام ويحتمل أن يكون التعبير عن البيت بالمسجد الحرام، تسمية للجزء باسم الكل فيكون القبلة للقريب نفسه، وللبعيد جهته كما هو مذهب أكثر الاصحاب، وعلى التقادير لا تفاوت في القبلة المتعينة للبعيد فانها مبينة إما على العلامات الموضوعة لها شرعا على ما ذكره الفقهاء، مثل جعل الجدي خلف المنكب الايمن، وهو مجمع الكتف والعضد، وقال المحقق الثاني وهو الكتف، وذلك غير ظاهر بحسب اللغة و الشرع والدليل، وإما على المقدمات الهيوية كما بينها أهلها لكل إقليم إقليم، فالجهة حينئذ هي السمت والجانب المأخوذ للتوجه إلى القبلة المعتبرة في الامور المعينة على الوجه المقرر من العلامات المتعينة له إما من دليل شرعي أو عقلي كما اشير إليه وقد ذكر أصحابنا تعاريف كثيرة لها وكاد أن لا يكون واحد منها سالما مع أنه لا اعتداد بتحقيقها إذ الواجب استعمال العلامات فقط وليست الجهة واقعة في النص


65

بحيث ما لم تتحقق لم يجز لنا التوجه إلى القبلة، وهو أمر ظاهر.

ثم اعلم أنه قال في مجمع البيان ذكر أبوإسحق الثعلبي عن كنانة(1) عن ابن عباس أنه قال: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب، والبيت قبلة أهل المسجد، و المسجد قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الارض، وهذا موافق لما قاله أصحابنا أن الحرم قبلة من نأى عن الحرم من أهل الآفاق انتهى(2) لعله يريد بعض الاصحاب وهو الشيخ ومن تبعه وقد ضعفه المتأخرون إذ دليله بعض الروايات الغير الصحيحة، ويدل على كون القبلة هي البيت نفسه للقريب وجهته للبعيد أدلة صحيحة وإن كان في إفادتها تأمل إلا أنها تتم بضم امور اخر، مع أنه يلزمه خروج الصف عن القبلة إذا زاد عن الحرم إلا أن يؤول بجهة الحرم، فيبقى النزاع في القريب حيث يجوز الشيخ مع قدرة التوجه إلى البيت التوجه إلى الحرم مع العلم بأنه غير موافق للبيت وكذا المسجد على أنه ينبغي أن يقول من خرج بدل من نأى وأيضا كون الباب فقط قبلة البيت غير واضح، ولا مطابق لكلام أصحابنا بل للادلة أيضا، فكلام ابن عباس غير واضح، ولعل الاسناد إليه غير صحيح أو محمول على الافضلية.

وأيضا إن أمر القبلة على ما أفهم من قلة أدلته مع اهتمام الشارع ببيان أحكام الشرع حتى مستحبات الخلا واسع جدا، وليس أمر القبلة يضيق بل فيه وسعة وقناعة بأدنى التوجه المناسب إلى جهة البيت كما يفهم من كلام بعض الاصحاب مثل المحقق الثاني من أنه لابد من حصول زاويتين قائمتين من الخط الخارج من بين عيني المصلي الواصل إلى الخط الذي هو الجهة مع أنه ما بين الخط الجهتي وكلام الذكرى من أنه لا يجوز الانحراف ولو قليلا.

أما قلة الادلة فظاهرة إذ الآية الكريمة في غاية الاجمال، إذ من يعرف أن نحو المسجد أين؟ مع أنه ورد في المدينة المشرفة، فاذا علم ذلك هناك ببيان مثلا فمن أين يفهم حال جميع الآفاق مع الاحتياج إليه للكل للصلاة ليلا ونهارا بل

(1) في المصدر: في كتابه، وهو سهو.

(2) مجمع البيان ج 1 ص 228.


66

دائما لمن يصلي والذبح والاحتضار والدفن وللمستحبات من الجلوس والدعاء والانحراف في الخلا وغير ذلك، وليس من الاخبار الآن إلا خبر واحد في التهذيب(1) في نهاية ما يكون من ضعف السند فانه قال عن الطاطري بغير واسطة عن جعفر بن سماعة عن علاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما الصلاة و السلام قال سألته عن القبلة قال: ضع الجدي على قفاك وصل، وطريقه إليه غير واضح، وهو ضعيف جدا على ما ذكروه وفي الطريق جعفر بن سماعة، وهو أيضا من الضعفاء وآخر في الفقيه(2) بغير إسناد قال رجل للصادق عليه الصلاة والسلام: إني أكون في السفر ولا أهتدي للقبلة بالليل، فقال أتعرف الكوكب الذي يقال له الجدي؟ قلت: نعم، قال: اجعله على يمينك وإذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك، وهما مع ما في سندهما في غاية الاجمال كما ترى واستبعد من الحكيم العالم أن يكلف بمثل هذا التكليف الشاق بهذه الادلة فقط.

وأما ما يدل على عدم الضيق فهو بعض الاخبار الصحيحة أيضا مثل قولهم عليهم الصلاة والسلام: بين المشرق والمغرب قبلة(3) كما يظهر من قوله تعالى:﴿ أيضا " ولله المشرق والمغرب "(4) الآية على الظاهر.

وإن كان السبب ترك الادلة المفصلة تفويض أمر القبلة إلى علم الهيئة فعلى تقدير التسليم فذلك أيضا علم دقيق كثير المقدمات على ما يفهم من لسان أهله، ولا يمكن الوصول إلى التحقيق به إلا بمشقة كثيرة في زمان طويل، والتكليف به أيضا بعيد عن الشرع وقوانينه ولطفه، وكونه شريعة سهلة سمحة، والتفويض إلى تقليد أهل ذلك العلم أيضا بعيد، إذ تقليدهم مع عدم عدالتهم، ليس من قوانين الشرع، إذ الظاهر أنه لابد من الانتهاء إلى قول بعض الحكماء الذي لا نعلم إسلامه فضلا عن العدالة وإن أمكن وجود من يعلم عدالته مع علمه به من غير أخذ ممن تقدم من الحكماء فهو نادر جدا.

(1) التهذيب ج 1 ص 244.

(2) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 181.

(3) الفقيه ج 1 ص 179.

(4) البقرة: 116، وسيأتي الكلام فيه.


67

ومع ذلك كله لا يحصل العلم بالبيت، بل ولا مكة بل ولا الحرم أيضا، نعم يدعي بعضهم القدرة عليه، مع وجود آلات كثيرة بحيث لا يمكن استحصاله إلا لمثل السلطان، و مع ذلك كيف يمكن في البراري والقرى التي لا يعلم عرضها وما رصدوها بل في البلد المرصد أيضا فانهم يعينون عرض البلد من موضع معين من البلد، مثل وسط البلد فيبقى نهاية البلد غير مرصد، فيتفاوت الحال فلا يفيد إلا تخمينا مع أنه في الاصل تخميني إذ التحقيق على ما يظهر من كلامهم مما يعسر جدا، بل لا يمكن لعدم مساعدة الآلات.

على أنا نجد الاختلاف فيما بينهم أيضا في المسائل والتحقيقات، نعم يقرب ذلك للمهرة في الجملة، ولكن لا يسمن ولا يغني من جوع، وأيضا ما نعرف وجه ضم الاصحاب مشرق الاعتدال ومغربه، إلى علامة العراق، مع أن الظاهر أن قبلتهم ليست نقطة الجنوب كما يظهر من المشاهدة في مكة وتعيين الجدي خلف المنكب مع أنهم يقولون حين كونه علامة هو واقع على النقطة الشمالية التي يوافق خط نصف النهار والقطب، فيكون حينئذ بين الكتفين فكأنه بالنسبة إلى بعض البلدان.

وأيضا جعل النجم الصغير الذي بينه وبين الفرقدين قطبا لكونه عنده كما يظهر من كلام العلامة أيضا على ما رأيت في حاشيته على المحرر غير واضح، على ما سمعت من بعض أهل هذا العلم الذي هو خالي الذي لا نظير له اليوم في هذا العالم بل يقول إن القطب قريب من الجدي جدا وأيضا شاهدته كما قال فاني نظرت وعلمت علامة ورأيت هذا النجم الصغير يتحرك كثيرا ويقطع دائرة كثيرة، وحركة الجدي كانت قليلة جدا، ودائرته أقل من دائرة تلك النجم بكثير، إذ رأيته كأنه ما يتحرك من أول الليل إلى نصفه تخمينا ثم تبين له حركة قليلة وأيضا كلام أكثر الاصحاب خال عن تسميته قطبا وما رأيته إلا في شرح الارشاد للشيخ زين الدين رحمه الله.

ثم جعلهم قبلة خراسان مثلا مثل قبلة العراق كالكوفة بعيد أيضا لانه شرقي بالنسبة إلى الكوفة من مكة، مع أنهم يقولون إن قبلتها يقينية، إذ ثبت بالتواتر صلاة المعصوم فيه بتلك القبلة، والعجب أنا نرى الجدي في الكوفة خلف المنكب


68

لا خلف الكنف كما قاله المحقق الثاني وجعل قبلة خراسان وأكثر بلاد العجم على وضع الجدي خلف الكتف، وغير ما كان على غير ذلك إليه(1) والظاهر خلاف ذلك وأن ما فعله بعيد جدا خصوصا في الخراسان.

الله يعلم.

ومنها: ولله المشرق والمغرب فاينما تولوا فثم وجه الله ان الله واسع عليم(3).

المشرق

مبتدأ " لله " متعلق بمقدر خبره و " المغرب " عطف عليه والفاء للتفريع وأين للمكان و " ما " زائدة كما في حيثما وكيفما، متظمن لمعنى الشرط، و هو مفعول فيه لتولوا، وهو فعل شرط حذف نونه بالجزم وفاء " فثم " للجزاء و " وجه الله " مبتدأ و " ثم " ظرف لمقدر خبره، والجملة جزاؤه، والمقصود من الآية على ما يفهم من الكشاف أن البلاد والارض المنقسمة إلى المشرق أي النصف الذي فيه محل طلوعها، والمغرب أي النصف الذي فيه محل غروبها كلها ملك لله، ففي أي مكان فعلتم التولية بمعنى تولية وجوهكم شطر المسجد الحرام بدليل قوله تعالى:" ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " فثم وجه الله أي ثم جهته التي جعلها قبله لكم، وأمركم أن تجعلوا وجوهكم إليها حيث ما كنتم أو فثم ذاته تعالى يعني عالم فعلتم فيه، فيقبل منكم ويثيبكم مثل ما أثابكم في المسجد الحرام وبيت المقدس.

يعني أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس كما فهم من الآية السابقة، وهي " ومن أظلم " الآية(3) فانها قبلها بلا فصل فقد جعلت لكم الارض مسجدا فصلوا في أي بقعة وأي جزء منها أردتم فان الكل لله، وافعلوا التولية، أي ولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام فان ذلك ممكن في كل مكان، و

(1) اي غير ما كان لفظه على غير الكتف إلى الكتف.

(2) البقرة: 116.

(3) والاية هكذا: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها وسعى إلى خرابها الخ.


69

ليست بمخصوصة بمكان دون مكان، ويريد الله أن يدفع بذلك وهم من يتوهم عدم إمكان التوجه إلى جهة واحدة من جميع الامكنة.

إن الله واسع

الرحمة يريد التوسعة واليسر لعباده " عليم " بمصالحهم فان المصلحة الحاصلة للصلاة في المساجد حاصلة لهم في أي مكان كان مع التولية وحصول سائر الشرايط، وليست هذه بمنسوخة ولا مخصوصة بحال الضرورة ولا بالنوافل مطلقا أو حال السفر كما يفهم من سائر التفاسير.

أما سبب النزول فقيل كان اليهود أنكروا تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس، وقيل نزلت في [ صلاة ] التطوع على الراحلة، حيث توجهت حال السفر قاله في مجمع البيان ثم قال: هذا مروي عن أئمتنا عليهم السلام روي عن جابر أنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وآله سرية(1) كنت فيها وأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقال طائفة منا قد عرفنا القبلة هي هنا قبل الشمال فصلوا وخطوا خطوطا، قول بعضنا القبلة هي ههنا قبل الجنوب فخطوا خطوطا فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما رجعنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فسكت فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقيل كان للمسلمين التوجه حيث شاؤا في صلاتهم، وفيه نزلت الآية ثم نسخت بقوله تعالى " فول " الآية ويفهم من رواية جابر أنه لا تجب الصلاة حال الحيرة إلى أكثر من جانب واحد ويكفي الظن إلى جهته، وإن لم يكن عن علامات شرعية وأن العلم قبل الفعل ليس بشرط بل إذا حصل الظن وفعل وكان موافقا لغرضه كان مجزيا لا يحتاج إلى الاعادة، كما يفهم من عبارات الاصحاب.

وأما الحكم المستفاد من الآية بناء على الاول فهو إباحة الصلاة في أي مكان كان، وعموم التوجه إلى المسجد الحرام، وأما على ما يستفاد من ظاهرها قبل التأمل فهو عدم اشتراط القبلة مطلقا ويقيد بحال الضرورة، أو النافلة على الراحلة سفرا لما مر، وغير ذلك، ويحتمل عموم النافلة فتأمل.

(1) السرية العسكر الذي لم يكن فيها النبي صلى الله عليه وآله.

الرابع : في مقدمات اخر للصلاة

وفيه آيات

الاولى: يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا(1).

أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة منه، ونظيره قوله تعالى:" ﴿ وأنزل لكم من الانعام "(2) وقوله تعالى " ﴿وأنزلنا الحديد (3) " فأشار إلى أن للامور السماوية مثل المطر دخلا في حصول اللباس، وقد تكون إشارة إلى الرتبة فقط، فان حصول اللباس لما كان بأمر الله وحكمته، وكان عاليا، فصار نازلا من الاعلى إلى الاسفل " يواري سوء‌اتكم " صفة " لباسا " يستر عورتكم و روي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها " وريشا " عطف على لباسا، وهو لباس التجمل.

ففي الاول إشارة إلى وجوب ستر العورة باللباس مطلقا لقوله يواري سوء‌اتكم فانه يدل على قبح الكشف وأن الستر مراد الله تعالى، وفي الثاني إلى استحباب التجمل باللباس ويمكن فهم اشتراط كون اللباس مباحا لان الله تعالى لا يمن باعطاء الحرام " ولباس التقوى " أي خشية الله أو الايمان أو لباس يقصد به العبادة والخشية من الله تعالى والتواضع له كالصوف والشعر، أو مطلق اللباس الذي يتقى به من الضرر، كالحر والبرد والجرح، مبتدأ " وذلك خير " خبره بأن يكون " ذلك " مبتدأ ثان(4) وخبره " خير " والجملة خبر لباس، أو " ذلك " صفته وخير خبره أي لباس التقوى المشار إليه خير، وقرئ بالنصب(5) عطفا على لباسا كأنه يريد على الاخير لباس يتقى به عن الحر والبرد والجرح والقتل دون اللباس الذي


3

(1) الاعراف: 25.وما بعدها ذيلها.

(2) الزمر: 6.

(3) الحديد: 25.

(4) مبتدء‌ا ثانيا.

(5) قرأ ابن عامر والكسائي وهكذا أهل المدينة: " لباس التقوى " بنصب اللباس.


71

يستر عورته أو يتجمل به، فاللباس ثلاثة قد امتن الله على عباده بخلقه.

وحينئذ في " ذلك خير " تأمل ويمكن كونه خيرا لانه يحصل به الستر والحفظ عن الحر والبرد والجرح بخلافها، ويحتمل رجوعه إلى اللباس مطلقا ثم أشار بقوله " ذلك من آيات الله لعلهم يتذكرون يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوء‌اتهما إنه يريكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " إلى أن إنزال اللباس من آيات الله ليتذكر الانسان ويتعظ، وأوصى إلى بني آدم أن لا يمتحنه الشيطان ويبتليه ببلية، بأن يوقعه في ذنب يوجب دخوله النار وينزع لباسه ويبدو عورته، كما فعل بأبويه، وأنه يراهم وهم لا يرونه، فالحذر كل الحذر منه، ولابد من عدم الغفلة، وقال إن الشيطان(1) هو [ وقبيله ] ظ أولياء الذين لا يؤمنون فلا يجوز للمؤمن أن يأخذه وليا.

وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباء‌نا والله أمرنا بها

كأن المراد بالفاحشة الذنب الفاحش قال القاضي: فعلة متناهية في القبح والفحش، كعبادة الصنم وكشف العورة إذا فعلوها يعتذرون باتباع الآباء وأن الله أمرهم بها فرده الله تعالى بأن قال " قل إن الله لا يأمر بالفحشاء " أي الله لا يأمر بالفحش والقبح فانه قبيح ومنهي عنه، كأنه ترك الاول لظهور قبحة وعدم صلاحيته للعذر(2) ومثله في القرآن كثير، ففيه دلالة على عدم جواز التقليد، وأن الله لا يأمر بالقبح، وأنه قبيح، وأنه لا يفعل القبيح، وأن الفعل في نفسه قبيح، من غير أمر الشارع، وأمثالها كثيرة في القرآن العزيز مثل " إن الله يأمر بالعدل و الاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر(3) " فقول الاشعري إن الحسن محض قول الشارع افعل، والقبح قوله لا تفعل: باطل، وهو واضح.

وأكد نفي صدور القبح عن الله تعالى بقوله " أتقولون على الله مالا تعلمون

(1) لفظ الاية " إذا جعلنا الشياطين أولياء " الخ.

(2) الاول قولهم " انا وجدنا عليها آباء‌نا " والثاني: " والله أمرنا بها ".

(3) النحل: 90.


72

قل أمر ربي بالقسط " ومعلوم قبح الامر بالفحش، وأن الآمر به ليس بمقسط ففيها تأكيدات على نفي القبح عن الله تعالى، وكون الفعل قبيحا في نفسه فهو حجة على النافي من الاشعري.

الثانية: يا بني آدم خذوا زينتكم(1).

أي لباسكم، حيث إنه ساتر للعورة، فهو زينة " عند " دخول " كل مسجد " لطواف أو صلاة أو مطلق دخول المساجد، ويحتمل أن يريد أخد ثياب التجمل فيهما فان الزينة اخذت لله تعالى، فعلى الاول دليل وجوب ستر العورة في الصلاة والطواف.

وعلى الثاني استحباب الزينة فيهما، أو مطلق المسجد، وقد فسر بالمشط والسواك والخاتم والسجادة والسبحة، ثم عقب الامر بالستر بالامر بالاكل و الشرب وعدم التنزه عن ذلك، بقوله " وكلوا وأشربوا " ما طاب أو ابيح أو استلذ مما خلقه الله لكم كاللبس " و " لكن " لا تسرفوا " بتعدي حدود الله مطلقا بتحريم الحلال، وبالعكس، أو في المأكل والمشرب والملبس، فلا يجوز أكل وشرب ولبس مالا يجوز، ولا ينبغي ما لا يليق بحاله، وعدم لبس لباس التجمل وقت النوم والخدمة، ونحو ذلك كما بين في محل تفصيله.

أو في الاكل والشرب حتى يكون إشارة إلى كراهة وتحريم كثرة الاكل المؤدي إلى المرض ولهذا قيل(2) جمع الله الطب في نصف آية " كلوا واشربوا ولا تسرفوا " " إن الله لا يحب المسرفين " أي يبغضه، فينبغي حمل " ولا تسرفوا " على الاسراف الحرام، ثم أكد ما تقدم بقوله " قل من حرم زينة الله " أي قل يا محمد ما حرم الله زينته أي الامور التي خلقها الله تعالى لزينة عباده " التي أخرج " الله " لعباده " أي خلقها لعباده وأخرجها من النبات كالقطن والكتان ومن الحيوانات كالصوف والسفر آلات " والطيبات

(1) الاعراف: 30.

(2) القائل هو علي بن الحسين بن واقد للطبيب النصرانى بمحضر هارون الرشيد العباسى راجع الكشاف ج 2 ص 60 مجمع البيان ج 4 ص 413.


73

من الرزق " المستلذات من المأكل والمشرب أو المباحات، ففيها دلالة واضحة على أن الاشياء خلقت على الاباحة دون الحرمة، كما في غيرها، كما صرح به صاحب الكشاف في أول سورة البقرة في قوله تعالى " هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا(1) " أي لانتفاعكم بجميع ما خلق فيها بل هي وما فيها كما دل عليه العقل فاجتمع الآن العقل والنقل على أن الاصل في الامور هو الاباحة، وغيرها يحتاج إلى الدليل فتأمل.

قل هي للذين آمنوا

أي الطيبات ثابثة ومباحة للمؤمنين مع مشاركة الكفار لهم " في الحيوة الدنيا خالصة " للمؤمنين مختصة بهم " يوم القيمة " ففي الحياة الدنيا، متعلقة بمتعلق " للذين " ويحتمل بآمنوا، وخالصة حال عن ضمير الطيبات في متعلق " للذين " ويوم القيمة ظرف لخالصة.

ثم أشار مرة اخرى إلى حصر المحرمات الاضافية بقوله " قل إنما حرم ربي الفواحش " الفواحش ما زاد فحشه وقبحه، وقيل: المراد ما يتعلق بالفروج " ما ظهر منها وما بطن " جهرها وسرها " والاثم " أي ما يوجب الاثم تعميم بعد تخصيص وقيل: شرب الخمر " والبغي " الظلم والكبر " بغير الحق " متعلق بالبغي مؤكدا له " وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا " تهكم بالمشركين، و تنبيه على وجوب اتباع البرهان، حيث يفهم أنه لو كان على الشرك برهان لوجب إلا أن البرهان عليه محال، وعلى تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " بالالحاد في صفاته، والافتراء عليه، وإسناد الامور الغير الصادرة عنه إليه تعالى، منها أن الحكم في المسألة كذا مع أنه ليس كذلك وأن الله يعلم كذا ولم يكن كذلك، ويدخل فيه الفتوى والقضاء بغير الاستحقاق وهو ظاهر، ومعلوم وجود محرمات غير هذه المذكورات فهي متروكة الظاهر، و مخصوصة بها، والحصر إضافي فتأمل.

الثالثة: حرمت عليكم الميتة(2).

(1) البقرة: 29.

(2) المائدة: 4.


74

كأنه إشارة إلى بيان المستثنى الذي أشار إليه بقوله " إلا ما يتلى(1) " فمن المحرمات المتلوة الميتة والظاهر أنها كل حيوان فارقته الروح من غير تذكية شرعية، ولو باخراج المسلم السمك من الماء حيا وأخذ الجراد كذلك ويحتمل أن يكون المراد كل حيوان مأكول اللحم حين حياته، وفارقته الروح من غير تذكية شرعية فيكون التحريم من جهة الموت الخاصة كما هو ظاهر سوق الآية، وظاهر لفظ الميتة مشعر بأن ما لم تحل فيه الحياة منها لا يكون حراما ولهذا استثناه الاصحاب مؤيدا بالاجماع على الظاهر والاخبار ويمكن أن يقال: المتبادر من تحريم الميتة تحريم أكلها كما في الدم ولحم الخنزير، وإن ثبت تحريم جميع انتفاعاتها فيكون بغيرها ويحتمل فهمه أيضا ولهذا قالوا يحرم جميع الانتفاعات بالميتة لان العين ما تحرم، وتقدير الاعم أولى، لئلا يلزم الاجمال والترجيح بلا مرجح، إذ لا قرينة على الخصوص فافهم وحينئذ يدل على عدم جواز لبس جلد الميتة في الصلاة وغيرها، دبغت أم لا، كما يدل عليه الاخبار بل إجماع الاصحاب، ولا دلالة في الآية على نجاسة الميتة فتأمل، وسوف يأتي البحث في تتمة الآية في كتاب الاطعمة إنشاء الله تعالى.

الرابعة والخامسة: والانعام خلقها لكم فيها دف‌ء ومنافع ومنها تاكلون(3)، الاية.

عد الله تعالى نعما منها خلق الانعام للانسان، المشتملة على الدف‌ء و هو ما يدفأ به من الاكسية والملابس المأخوذة من شعرها وصوفها ووبرها، ومنافع اخرى لهم مثل الركوب واللبن والحرث، وأكل لحومها وغيرها ثم عد نعما اخر بقوله " والله جعل لكم من بيوتكم " أي جعل من البيوت المأخودة من الحجر والمدر وغيرهما " سكنا " أي ما تسكن النفس إليه، وتطمئن إليه من مسكن و

(1) في قوله تعالى:" ﴿ أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم " المائدة: 1.

(2) النحل: 79 و 80.


75

موضع تسكنون فيه " وجعل لكم من جلود الانعام " يعني الادم " بيوتا " قال القاضي ويجوز أن يتناول المتخذ من الوبر والصوف والشعر فانها من حيث إنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها مأخوذة من جلودها، فتأمل فيه " تستخفونها " قبابا وخياما يخف عليكم حملها في أسفاركم " يوم ظعنكم " أي وقت ارتحالكم من مكان إلى آخر " ويوم إقامتكم " أي الوقت الذي تنزلون موضعا تقيمون فيه، لا يثقل عليكم في الحالين " ومن أصوافها " وهي للضأن " وأوبارها " وهي للابل " و أشعارها " للمعز(1) " أثاثا " مالا، قيل أنواعا من متاع البيت من الفرش والاكسية " ومتاعا " أي سلعة تنتفعون بها وتتخذونها " إلى حين " إلى يوم القيمة عن الحسن وقيل إلى وقت الموت، يحتمل أن يراد به موت المالك أو موت الانعام، وقيل إلى وقت البلى والفنا، وفيه إشارة إلى أنها فانية فلا ينبغي للعاقل أن يختارها كذا في مجمع البيان والاول بعيد.

السادسة: والله جعل لكم مما خلق ظلالا(2).

أي وجعل لكم مما خلق من الاشجار والابنية ظلالا أشياء تستظلون بها في الحر والبرد " وجعل لكم من الجبال أكنانا " مواضع تسكنونها من كهف و ثقبة تأوون إليهما " وجعل لكم سرابيل " قمصا من القطن والكتان والصوف " تقيكم الحر " ترك البرد، لان ما يقيه يقيه، واختاره على البرد، لان المخاطبين أهل الحر وليس عندهم البرد إلا قليلا، فالحفظ عنه أهم عندهم، و قيل: إن الحر يقتل دون البرد، ويحتمل أن البرد يمكن دفعه بشئ مثل النار والدخول في البيت، بخلاف الحر " وسرابيل " الدروع والجواشن " تقيكم

(1) الشعر ما ينبت من مسام البدن مما ليس بصوف ولا وبر، وهو عام، وقول المصنف " للمعز " تمثيل، قال في الكليات: الشعر للانسان وغيره، والصوف للغنم، والمرعزاء للمعز، والوبر للابل والسباع، والعفاء للحمير، والهلب للخنزير، والزغب للفرخ، و الريش للطائر، والزف للنعام.

(2) النحل: 81.


76

بأسكم " شدة الطعن والضرب في الحروب، وتدفع عنكم سلاح أعدائكم وفيها دلالة على إباحة هذه الامور ونحوها وهو ظاهر فتأمل " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها(1) " في الكشاف قال: إنكارهم النعمة هو قولهم: لولا فلان ما أصبت كذا لبعض نعم الله، وإنما لا يجوز التكلم بنحو هذا القول إذا لم يعتقد أنها من الله وأنه أجراها على يد فلان وجعله سببا في نيلها، فتدل على تحريم هذا القول، بل هو قريب من الكفر، ويدل عليه بعض الاخبار أيضا، فلابد من الاجتناب و الاحتياط.

السابعة: ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها اولئك ما كان لهم ان يدخلوها الا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الاخرة عذاب عظيم(2).

المنع هو الصد والحيلولة، قال في مجمع البيان: الظلم اسم ذم لا يجوز إطلاقه على الانبياء والمعصومين كأنه التعدي وخلاف العدل، والخروج عن طاعة الله تعالى، والسعي هو الكسب، يقال فلان يسعى على عياله أي يكسب لهم وضده الوقف والترك، والخراب هو الهدم، ومن للاستفهام الانكاري مبتدأ و أظلم خبره، ومساجد المفعول الاول لمنع، وأن يذكر مفعوله الثاني، ويحتمل أن يكون محذوفة عن أن، لان حذف حرف الجر عن أن قياس ويجوز أن يكون مفعولا له بحذف المضاف، أي كراهة أن يذكر.

كذا في الكشاف، ومجمع البيان، ولا يرد عليه أنه يفيد تحريم المنع المعلل والمقيد لا المطلق، فيعلم الجواز في الجملة، لان نهاية ما يفهم منه أنه من منع لا لذلك، لا يكون أظلم، بل يوجد من هو أظلم وهو كذلك فلا يحتاج إلى أنها للمبالغة فيكون المبالغة أقل من المنع للكراهة، وزاد في

(1) النحل: 83.

(2) البقرة: 114.


77

مجمع البيان احتمال كون المذكور بدلا عن مساجد، بدل اشتمال، كأنه يقول ليس أحد أظلم ممن منع أن يذكر في مساجد الله اسمه، لعل علاقة الاشتمال مثل اشتمال الظرف على المظروف والتقدير: ومن أظلم ممن منع الناس من مساجد الله كراهية أن يذكر أو من ذكر الله، وفي جعل مساجد ممنوعا كما وقع في الاحتمال الاول مسامحة، فيحتمل القول بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأن الاصل " مترددي مساجد الله " فلا يرد ما قيل إن " منع " يقتضي مفعولين، ولا يمكن أن يقدر إلا الذكر فانه الممنوع.

على أن الذكر ممنوع منه، والناس هم الممنوعون.

والمقصود تحريم المنع من ذكر الله في المساجد أي مسجد كان، وبأي ذكر كان وإن كان سبب النزول خاصا بأنه كان النزول في الروم حيث غزوا في بيت المقدس وخربوه، أو في المشركين حيث منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية فتأمل.

ولا يبعد أن يراد به مطلق العبادة فيه، بل المنع عن مطلق العبادة، لظهور العلة وتدل الآية على تحريم السعي في خرابه، فيحرم الخراب بالطريق الاولى وفي ذكر السعي في الخراب بعد المنع إشعار ما بأن يكون المنع عن الذكر فيها تخريبا، والعبادة فيها تعميرا، فيدخل الذكر فيها في تعمير المساجد، وأما دلالة تتمة الآية على تحريم دخول المساجد على الكفار كما قيل، فليس بظاهر.

إذ ليس بظاهر في أن معناها النهي عن تمكن الكفار وتمكينهم من دخولها، إذ قد يكون معناها كما هو الظاهر ما كان ينبغي لهم الدخول في نفس الامر ولا يليق لهم ذلك إلا خائفين من أذى المسلمين، والاخراج لهم، وصار الامر الآن بالعكس، يعني في الواقع ما يستحقون الدخول إلا خائفين وذليلين وهو يتعدون ذلك ويمنعون المسلمين من الدخول، كما يدل عليه أيضا آخرها " لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم " ويمكن كون ذلك الدخول خائفا والخزي(1) هو الذل في الدنيا أو إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون ويكون العذاب العظيم في الاخرة إشارة إلى

(1) في نسخة سن بعد قوله خائفا: ولذا سئموا الخزي في الدنيا وإعطاء الجزية الخ.


78

عذاب يوم القيامة، وهو عظيم، وأي عظيم نعوذ بالله منه.

قيل(1) في الآية أحكام، ما عرفناها بل لم يظهر كون بعضها حكما في نفس الامر مثل وجوب اتخاذ المساجد كفاية، ووجوب عمارة ما استهدم منها، ووجوب شغلها بالذكر، واستحباب كل واجب كفائي عينا فتأمل وهو أعلم.

الثامنة: انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر واقام الصلوة وآتى الزكاة ولم يخش الا الله فعسى اولئك ان يكونوا من المهتدين(2).

فيها حث عظيم وترغيب جزيل على تعمير المساجد، وأن له شانا كبيرا عند الله حتى أنه لابد من اتصاف فاعله بهذه الاوصاف الجليلة، وإلا ففعله كعدمه فينبغي أن يكون التعمير ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ولم يخش إلا الله وإلا فتعميره ليس تعميرا مرضيا.

والمراد المبالغة، وإلا فالتعمير أمر مطلوب للشارع من كل مؤمن ويترتب عليه ثوابه الذي قرره [ الله ] ولكن قد يكون فيه الزيادة بالاخلاص، واتصاف فاعله بالافعال الحسنة، ولا بعد في ذلك، ولهذا قيل " حسنات الابرار سيئات المقربين " فكأنه إشارة إلى أن المؤمن الكامل لم يترك شيئا من العبادات، بل يجعل غير الله معدوما حتى لم يخف مما يهلكه من الانس والجن، ويجعل خوفه وطمعه منحصرا فيه تعالى، ومع ذلك يرجى أن يكون من المهتدين.

ثم إنه قيل يحتمل أن يكون المراد بالتعمير رم المساجد باصلاح ما يستهدم وتزيينها، وإزالة ما تكره النفس منه، مثل كنسها، فانه روي: من كنس مسجدا يوم الخميس وليلة الجمعة وأخرج من التراب مقدار ما يذر في العين غفر له(3) والاسراج فيها روي أنه من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش

(1) راجع كنز العرفان ج 1 ص 6 10.

(2) براء‌ة: 19.

(3) الوسائل أبواب أحكام المساجد الباب 8.


79

يستغفرون له ما دام ذلك المسجد ضوؤه، ويحتمل أن يكون المراد شغلها بالعبادة مثل الصلاة والزكاة وتلاوة القرآن، وتجنبها من أعمال الدنيا واللهو واللعب وعمل الصنايع بل الحديث فانه مروي: الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، قيل المراد اللهو من الحديث وأيضا قد ذكروا أن منع المساجد من العبادة فيها تخريب حتى إطفاء السراج، ويمكن أن يكون المراد كلاهما ولا بعد في ذلك لوجود الدليل عليهما، كما عرفت، مع أمكان الصدق عرفا وشرعا وإن يكن لغة وعرفا عاما والله يعلم بحقيقة الحال.

وهنا آيات اخر تتعلق بالمساجد ذكرنا آية منها: واقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين(1).

أي توجهوا إلى عبادة الله مستقيمين، غير عادلين إلى غيرها، وأقيموها نحو القبلة في كل وقت سجود أو في كل مكانه وهو الصلاة، أو في أي مسجد حضرت الصلاة وأنتم فيه، لا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم، فيحتمل استخراج صلاة التحية على ما قيل فتأمل ثم أمرهم بالدعاء عند كل مسجد مخلصين له ذلك وفيه دلالة على الحث على الدعاء في المساجد.

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين

(2) يعني الذين يتخذون دينكم لهوا ولعبا وهزؤا، ويتمسخرون بدينكم من أهل الكتاب والمشركين، لا يصح ولا يجوز لكم أيها المؤمنون أن تحبوهم وتولوهم ويكون بينكم وبينهم مودة ووداد، أو تكونوا أولياء لهم، وتجعلونهم أولياء لكم، بل بينكم وبينهم البغضاء والقتال، فإن محبة الله لا يجتمع مع محبة عدوه، واتقوا الله في موالاتكم أعداء الله إن كنتم مؤمنين حقا وأن الايمان يعاند موالاة أعداء

(1) الاعراف: 28.

(2) المائدة: 63، وذكرها كالمقدمة للاية التاسعة الاتية.


80

الدين، ففيه إشعار بعدم جواز موالاة الفساق، والمعاشرة معهم، بحيث يشعر بالصداقة فافهم.

التاسعة: واذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بانهم قوم لا يعقلون(1).

أي لا تتخذوا الذين إذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوا مناداة الصلاة أي الاذان هزوا ولعبا " أولياء " قيل: كان رجل من النصارى إذا سمع أشهد أن محمدا رسول الله في الاذان قال حرق الكاذب، يعني المؤذن فدخلت خادمته أي جاريته بنار ذات ليلة وهو نائم، فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت، واحترق هو وأهله لعنه الله، قيل فيه دليل على ثبوت الاذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده، وفيه تأمل إذ فيه دلالة على ثبوته في الشرع، ففي الكتاب دلالة على أنه كان في الشرع ذلك أما ثبوته بالكتاب فلا، ولما كان لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة قال: " لا يعقلون " كأنه لا عقل لهم.

الخامس : في مقارنات الصلاة

وفيه آيات

قد استدل على وجوب القيام والنية والقنوت بقوله تعالى:" ﴿ وقوموا لله قانتين " وفي إفادته لها تأمل لا يخفى، وكذا استدل على وجوب تكبيرة الاحرام المشهور على الوجه المنقول بقوله تعالى " وكبره تكبيرا " وبقوله " وربك فكبر "(2) وفي دلالتهما أيضا خفاء فافهم، واستدل على وجوب القراء‌ة حتى السورة أيضا بقوله تعالى وهي الرابعة: " فاقرؤا ما تيسر من القرآن(3) " وبقوله تعالى:﴿

(1) المائدة: 64.

(2) الاولى في البقرة، 238، والثانية في أسرى: 111، والثالثة في المدثر: 3.

(3) المزمل: 20.


81

فاقرؤا ما تيسر منه (1) " وفي إتمام الاستدلال به أيضا تأمل يعلم بالتأمل في تقريره مع التأمل في الآية وتفسيرها وقد فسرت القراء‌ة بصلاة الليل، وهو ظاهر سوق الكلام، أو تلاوة القرآن في الليل أو مطلقا استحبابا أو وجوبا، لحفظ المعجزة وغيرها، والمخاطب هو صلوات الله عليه مع طائفة معه، وأما القراء‌ة في الصلاة فلا يفهم فتأمل.

الخامسة: يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون(2).

ليس فيها دلالة على استحباب السجود عند قراء‌تها، بل وجوب الركوع و السجود، كأنه في الصلاة، وعبادة الرب من الصوم والصلاة والحج والغزو وغير ذلك ثم أمر بفعل الخيرات مطلقا مثل صلة الرحم، وفي الكشاف صلة الرحم و مكارم الاخلاق وافعلوا ذلك كله لعلكم تفلحون وأنتم راجون الفلاح، طامعون فيه، غير مستيقنين، ولا تتكلوا على أعمالكم، وعن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما(3).

السادسة: وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا(4).

قيل المراد بالمساجد الاعضاء السبعة التي يسجد عليها، وايد بقوله صلى الله عليه وآله: امرت أن أسجد على سبعة آراب أي أعضاء، وقد روي عن أبي جعفر عليه الصلاة والسلام(5) فالمعنى أنها لله أي خلقت لان يعبد بها الله، فلا تشركوا معه غيره في سجودكم عليها وظاهر أنها المساجد المعروفة كما قيل، فالمعنى أنها مختصة بالله تعالى، فلا يتعبد فيها مع الله غيره، وقيل: المراد بقاع الارض كلها

(1) المزمل: 20.

(2): 77(3) سنن أبي داود ج 1 ص 324.

(4) الجن: 18.

(5) نقله عن المجمع ج 10 ص 372 وروي الحديث في سنن أبي داود ج 1: 205.


82

لقوله صلى الله عليه وآله " جعلت لي الارض مسجدا " فلا يعبد فيها غيره، وقيل المسجد الحرام عبر [ عنه ] بالمساجد لانه قبلتها وهو بعيد، الله يعلم.

قيل السجدات(1) جمع مسجد بالفتح مصدرا، فالمراد يجب السجود لله، فلا يفعل لغيره.

السابعة: فسبح باسم ربك العظيم ومثلها: سبح اسم ربك الاعلى(2).

روي من طرق العامة أنه لما نزلت الاولى قال النبي صلى الله عليه وآله اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت الثانية قال: اجعلوها في سجودكم(3) ومن طرقنا(4) عن الصادق عليه الصلاة والسلام أنه يقول في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الاعلى الفريضة واحدة والسنة ثلاثة، فالروايتان تدلان على كون الذكر الخاص فيهما، ولكن بحذف " وبحمده " وتدل غيرهما على زيادته وهي مقبولة كما ثبت في الاصول، وكذا على إجزاء مطلق التسبيح، بل مطلق الذكر وذلك غير بعيد، والاحتياط قولهما ثلاثا مع زيادة وبحمده.

الثامنة: ولا تجهر بصلوتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا(5).

قال في مجمع البيان: في معناه أقوال أحدهما أن معناه لا تجهر باشاعة صلاتك عند من يؤذيك، ولا تخافت بها عند من يلتمسها منك عن الحسن، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صلى فجهر في صلاته تسمع له المشركون فشتموه، وآذوه فأمره سبحانه بترك الجهر، وكان ذلك بمكة في أول الامر وبه قال سعيد بن جبير وروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام ولا يخفى بعده، فانه حينئذ لا معنى لقوله

(1) يعني قيل: المراد بالمساجد السجدات الخ.

(2) الواقعة: 74 و 96، والحاقة: 52.

(3) سنن أبي داود ج 1 ص 201.

(4) الوسائل ب 4 من أبواب الركوع الحديث الاول.

(5) أسرى: 110.


83

ولا تخافت بها وابتغ

ولعل الرواية عنهما غلط، ويؤيده نقل خلاف ذلك عنه عليه الصلاة والسلام أو الاخفاف محمول على عدم حديث النفس، بحيث لا يظهر الحروف والابتغاء على وجه لا يسمع من يؤذي ويستمع فتأمل.

وثانيها: أن معناه لا تجهر بدعائك ولا تخافت به، ولكن اطلب بين ذلك سبيلا، فالمراد بالصلاة الدعاء، ولا يخفى بعده أيضا فان المتبادر منها الصلاة الشرعية، وأن الاخفات في الدعاء مطلوب قال الله تعالى " ادعوا ربكم تضرعا و خفية(1) " وفي موضع آخر " وخيفة ودون الجهر من القول(2) " وفي الاخبار ما يدل عليه كثير.

وثالثها أن معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافك بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلا: بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، ليمكن المتابعة و الجماعة في الفريضة والقيام للنافلة أيضا.

هذا أيضا بعيد، وغير مفهوم، مع أنه لابد من جعل صلاة الفجر من الليلية، وجعل ركعتي العشاء والاخيرة من المغرب من النهارية، وهو مما لا يفهم بوجه.

ورابعا لا تجهر جهرا يشغل به من يصلي قربك، ولا تخافت حتى لا تسمع نفسك عن الجبائي وقريب منه ما رواه أصحابنا عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال الجهر بها رفع الصوت شديدا والمخافتة مالم تسمع اذنك وابتغ بين ذلك سبيلا أي قراء‌ة وسط بين الجهر والمخافتة، وهذا هو المتبادر فالمنهي هو الجهر العالي جدا بحيث يخرج عن كونه قارئا في الصلاة، والاخفات الخفي بحيث يلحق بحديث النفس، ويخرج عن القراء‌ة، فلا يجوز الافراط ولا التفريط، بل يجب الوسط و الاقتصاد والعدل، وما بين الافراط والتفريط، ولكن علم من السنة الشريفة اختيار بعض أفراد هذا الوسط في بعض الصلوات: الجهر في الجملة للرجل في الصبح وأولتي المغرب والعشاء، وجميع النوافل الليلية، والاخفات في غيرها.

(1) الاعراف: 55.

(2) الاعراف: 205.


84

ولكن كون ذلك على سبيل الوجوب غير معلوم الدليل، إذ لا دليل على وجوب التفصيل المشهور، ويؤيد عدمه الاصل، والرواية الصحيحة(1) وظاهر الآية وخفاء معنى الجهر والاخفات، وبيانهم في الرجل بحيث يعد عرفا جهرا والاخفات بما لا يسمعه القريب [ أو ] بحيث لا يعد عرفا جهرا، بل يعد إخفاتا، وإن كان مما يسمعه القريب بل البعيد أيضا وفي المرء‌ة لا يسمعه الاجنبي، غير معلوم المأخذ، مع عدم الوضوح، والبيان، فان فيه خفاء، فيمكن حمل الرواية المجملة في الجهر و الاخفات على الاستحباب، للجمع كما هو مذهب علم الهدى في الانتصار والله يعلم بحقيقة الحال والصواب.

وقال في الكشاف: " بصلاتك " بقراء‌ة صلاتك على حذف المضاف، لانه لا يلتبس من قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال وأذكار، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرفع صوته بقراء‌ته، فاذا سمعه المشركون لغوا وسبوا، فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى ولا تجهر حتى تسمع المشركين ولا تخاف حتى لا تسمع من خلفك، وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلا وسطا انتهى، هذا مع عدم ظهوره لا يوافق المسألة، إذ ليس دائما مامورا باسماع من خلفه، بل مأمور في بعضها بذلك في الجملة وفي بعضها بعدمه، وذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله " ادعوا ربكم تضرعا وخفية(2) " وابتغاء السبيل مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراء‌ة وفيها ما تقدم، مع زيادة لزوم النسخ، على أنه غير لازم لامكان الجمع فتأمل.

التاسعة: ان الله وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما(3).

أي قولوا الصلاة والسلام على رسول الله أو اللهم صل وسلم عليه، في الكشاف:

(1) الوسائل أبواب القراء‌ة الباب 25 الحديث 6، عن على بن جعفر.

(2) الاعراف: 54.

(3) الاحزاب: 56.


85

معناه الدعاء بأن يترحم عليه ويسلم، وفي رواية كعب الاحبار(1) إنا قد عرفنا السلام عليك يا رسول الله فكيف الصلاة؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وظاهرها وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة، فيحتمل أن يكون الصلاة هي التي جزء التشهد، والسلام حال حياته، وقد يكون واجبا حينئذ، أو يكون مندوبا كما يسلم عليه في آخر الصلاة يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أو يقصد بالسلام المخرج عن الصلاة أو يكون بمعنى التسليم والانقياد كما قيل، ويحتمل وجوب الصلاة عليه كلما ذكر، كما دل عليه بعض الاخبار، وبالجملة لا يفهم وجوب غير ذلك.

قال في الكشاف: الصلاة عليه واجبة، وقد اختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره، وفي الحديث من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله، هذه مروية من طرقنا(2) أيضا مع غيرها، ويروى أنه قيل: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: " إن الله وملائكته يصلون على النبي " فقال عليه الصلاة والسلام: هذا من العلم المكنون، ولو لا أنكم سألتموني عنه، ما

(1) كذا في جميع النسخ، وهو سهو من طغيان قلمه الشريف، والصحيح كعب بن عجرة، راجع الوسائل الباب 35 من أبواب الذكر الحديث الثاني، مجمع البيان ج 8 ص 369، ورواه في مشكاة المصابيح ص 86، بلفظ آخر وقال: متفق عليه، وهكذا في المنتقى على ما في نيل الاوطار ج 2 ص 298، وقال رواه الجماعة، وقد روى مثل الحديث عن أبي حميد الساعدي كما في مشكاة المصابيح ص 86، وقال: متفق عليه، ونظيره عن أبي مسعود الانصاري رواه المنتقى على ما في نيل الاوطار ج 2 ص 294، قال رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه وأبوداود (انظر ج 1 ص 225) وابن خزيمة وابن حبان و الدار قطني وحسنه والحاكم وصححه.والبيهقي وصححه، وفي بعض هذه الروايات: " أمرنا الله أن نصلي عليك فاذا نحن صلينا عليك في صلاتنا نصلي عليك؟ " انظر السراج المنير في شرح الجامع الصغير ج 3 ص 68.

(2) الوسائل الباب 10 من أبواب التشهد ح 3.ومثله عن السيوطي في الجامع الصغير على ما في السراج المنير ج 3 ص 35.


86

أخبرتكم به، إن الله وكل بي ملكين، فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلي على إلا قال ذانك الملكان غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين، ولا اذكر عند عبد مسلم فلا يصلي على إلا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين(1) ومنهم من قال: يجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كما قيل في آية السجده، وتسميت العاطس وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره، ومنهم من أوجبها في العمر مرة وكذا قال في إظهار الشهادتين مرة، والذي يقتضيه الاحتياط الصلاة عليه عند كل ذكر، لما ورد من الاخبار انتهى.

والاخبار من طرقنا أيضا مثل الاول موجودة مع صحة بعضها، ولا شك أن احتياط الكشاف أحوط، واختار في كنز العرفان(2) الوجوب كلما ذكر وقال إنه اختيار الكشاف، ونقل عن ابن بابويه، وأنت تعلم أنه لم يفهم اختياره ويمكن اختيار الوجوب في كل مجلس مرة إن صلى آخرا، وإن صلى ثم ذكر يجب أيضا كما في تعدد الكفارة بتعدد الموجب، إذا تخللت، وإلا فلا، ولعل دليل عدم الوجوب الاصل والشهرة المستندان إلى عدم تعليمه صلى الله عليه وآله؟ للمؤذنين، و تركهم ذلك مع عدم وقوع نكير لهم، كما يفعلون الآن، ولو كان لنقل فتأمل.

ثم قال في الكشاف: فان قلت: فما تقول في الصلاة على غيره صلى الله عليه وآله قلت القياس يقتضي جواز الصلاة على كل مؤمن، لقوله تعالى:" ﴿ هو الذي يصلي عليكم و ملائكته(3) " وقوله " وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم(4) " وقوله صلى الله عليه وآله اللهم صل على آل أبي أوفى(5) ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك، وهو أنها إن كان على سبيل التبع كقولك صلى الله على النبي وآله، فلا كلام فيها، وأما إذا افرد

(1) كما في الدر المنثور ج 5 ص 218.من حديث الحسن بن علي عليهما السلام.

(2) كنز العرفان ج 1 ص 133.

(3) الاحزاب: 43.

(4) براء‌ة: 103.

(5) راجع سنن ابي داود ج 1 ص 368.


87

غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو، فمكروه لان ذلك صار شعارا لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله، ولانه يؤدي إلى الاتهام بالرفص(1).

ولا يخفى ما فيه فان ما ذكره برهان لا قياس، وإن البرهان من العقل والنقل كتابا وسنة كما نقله، ومثله قوله تعالى " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة(2) " فإنها تدل على إن صلوات الله على من يقول هذا بعد المصيبة، ولا شك في صدوره كذلك عن أهل البيت بل غيرهم أيضا، فاذا ثبت لهم الصلاة من الله فيجوز القول بذلك لهم، وهو ظاهر اقتضى جوازه مطلقا، بل الانفراد بخصوصه فلا مجال للتفصيل، ولا ينبغي جعله شعارا له أيضا صلى الله عليه وآله ولا ذلك مانعا، مع أنه لا معنى للحكم بكراهة ما ثبت بالبرهان العقلي والنقلي كتابا وسنة من الترغيب والتحريض بالامر به، وإنما صار ذلك شعارا له أيضا صلى الله عليه وآله بسبب جعلهم ذلك له صلى الله عليه وآله ومنعهم لغيره صلى الله عليه وآله.

ومع أن كون أهل بيته مثله في هذه الحال مما لا قصور فيه، كما هو عند الاجتماع، وإنما صار ذلك شعار الرفضة، لانهم فعلوا ذلك، وتركه غيرهم بغير وجه وإلا فهو مقتضى البرهان، ومع ذلك لا يستلزم كونه شعارا لهم، ومتداولا بينهم تركه وإلا يلزم ترك العبادات كذلك فانها شعارهم، وبالجملة لا ينبغي منع ما يقتضي العقل والنقل جوازه بل استحبابه وكونه عبادة، بسبب أن جماعة من المسلمين يفعلون هذه السنة والعبادة، فان ذلك تعصب وعناد محض، و [ ليس ] فيه تقرب إلى الله تعالى وطلب لمرضاته وعمل لله تعالى، وهو ظاهر، ولا يناسب من العلماء العمل إلا لله.

ولهم أمثال ذلك كثيرة، مثل ما ورد في تسنيم القبور أن المستحب هو التسطيح، ولكن هو شعار للرفضة فالتسنيم خير منه، وكذلك في التختم باليمين

(1) تفسير الكشاف ج 2 ص 549.

(2) البقرة: 157.


88

وغير ذلك، ومنه ذكر " على " بعد قوله صلى الله عليه وعلى آله وترك الآل معه صلى الله عليه وسلم مع أنه مرغوب بغير نزاع، وإنما النزاع كان في الافراد، فانهم يتركون الآل معه، و يقولون صلى الله عليه والعجب أنهم يتركون الآل وفي حديث كعب الاحبار(1) حيث يقولون سأله عن كيفية الصلاة عليه، فقال صلى الله عليه وآله قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم الخ فتامل.

ويدل على أن إيذاء الله ورسوله حرام موجب للعن أبدا قوله تعالى:" ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (2) " ويدل على تحريم إيذاء المؤمنين والمؤمنات، أي المسلمين والمسلمات بغير استحقاق وجناية يقتضي ذلك ويبيحه قوله تعالى " والذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا " أي بغير جناية واستحقاق تبيح ذلك " فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ".

ويدل على أن التقوى وهو الاتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المعاصي و القول السديد أي قولا حقا عدلا موجب لاصلاح الاعمال، وغفران الذنوب قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعماكم ويغفر لكم ذنوبكم(3) " والمراد حفظ اللسان في كل باب لان حفظه وسداد القول رأس الخير كله والمعنى راقبوا الله من حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم، فانكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة، من تقبل حسناتكم، والاثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها، وقيل: إصلاح الاعمال التوفيق في المجئ بها صالحة مرضية.

(1) مر أن الصحيح كعب بن عجزة.

(2) الاحزاب: 57، وما بعدها ذيلها(3) الاحزاب: 70.

السادس : في المندوبات

وفيه آيات

الاولى: فصل لربك وانحر(1).

قيل: المراد صلاة العيد، فيكون دليلا على وجوبها، ويكون الشرائط مستفادة من السنة الشريفة ويؤيده " وانحر " على تقدير أن المراد به نحر الابل كما قيل، ويمكن إرادة ذبح ما ذبح ليدخل الشاة وغيرها أيضا، أي صل صلاة العيد، واذبح اضحيتك، ويكون المراد الهدي الواجب، أو يكون وجوب الاضحية مخصوصا به صلى الله عليه وآله للاجماع المنقول على الظاهر على عدم وجوبها على امته، بل هي سنة مؤكدة للاخبار المذكورة في محلها، وإن نقل الوجوب عن ابن الجنيد في في الدروس قال: وروى الصدوق خبرين(2) بوجوبها على الواجد، وأخذ ابن الجنيد بهما، وقيل المراد صلاة الفجر بالمشعر، وذبح الهدي بمنى، وقيل المراد الصلاة مطلقا وجعل نحر المصلي إلى القبلة فيها، وهو كناية عن استقبال القبلة فيها فكأنه قيل: صل إلى القبلة ويحتمل كون المراد رجحان فعل الصلاة لله مطلقا والذبح له، ويكون التفصيل بالوجوب والندب من السنة والاجماع وقد نقل في مجمع البيان(3) أخبارا دالة على أن المراد رفع اليد بالتكبيرات في الصلاة إلى محاذات نحر الصدر وهو أعلاه كالمنحر، أو موضع القلادة قاله في القاموس وهي رواية عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول في قوله " فصل لربك وانحر " هو رفع يديك حذاء وجهك، ورواية عبدالله بن سنان عنه عليه الصلاة والسلام مثلها ورواية جميل قال: قلت لابي عبدالله عليه الصلاة والسلام " فصل لربك وانحر " فقال بيده


4

(1) الكوثر: 2.

(2) الفقيه ج 2 ص 292.

(3) مجمع البيان ج 10 ص 550، وأخرج بعضها الحر العاملي في الوسائل الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام، ومثلها في الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 403.


90

هكذا يعني استقبل بيديه حذاء وجه القبلة في افتتاح الصلاة(1) وفي رواية مقاتل ابن حبان عن الاصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام قال: لما نزلت هذه السورة قال النبي صلى الله عليه وآله لجبرئيل ما هذه النحيرة التي أمرني ربي بها؟ قال: ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا عزمت للصلاة أن ترفع يديك، إذا كبرت وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت فانه صلاتنا وصلاة الملائكة في السموات السبع فان لكل شئ زينة، وإن زينة الصلاة رفع الايدي على كل تكبيرة.

وقال النبي صلى الله عليه وآله: رفع الايدي من الاستكانة قلت وما الاستكانة؟ قال: ألا تقره هذه الآية " فما استكانوا لربهم وما يتضرعون(2) ".

وقال في مجمع البيان بعده: أورده الثعلبي والواحدي في تفسيريهما فيكون المراد مطلق الصلاة ورفع اليدين معا إلى حذاء الوجه والخد حال تكبيراتها، ويكون مستحبا كما هو رأي أكثر الاصحاب، ويؤيده الاصل والشهرة والاحتمالات في الآية.

وبعض الاخبار الدالة على الترك، مثل صحيحة(3) حماد المشهورة الطويلة فانه ترك فيها رفع اليد في تكبير السجود كجلوس الاستراحة يدل على عدم وجوبها لانه في مقام التعليم، وكما في صحيحه(4) علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: على الامام أن يرفع يده في الصلاة، ليس على غيره أن يرفع يده في الصلاة.

والظاهر أنه لا قائل بالفرق، قال في التهذيب وقال محمد بن الحسن: المعنى في

(1) وزاد في هامش المطبوعة كما في المجمع وهكذا كنز العرفان ج 1 ص 147: ورواية حماد بن عثمان قال سألت أبا عبدالله عليه السلام ما النحر فرفع يديه إلى صدره فقال هكذا ثم رفعهما فوق ذلك فقال هكذا يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة.

(2) المؤمنون: 177.

(3) الفقيه ج 1 ص 196.

(4) الوسائل الباب 9 من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث: 7


91

هذ أن فعل الامام أكثر فضلا وأشد تأكيدا من فعل المأموم، وإن كان فعل المأموم أيضا فيه فضل على ما بيناه، والاولى " الغير " بدل " المأموم " في الموضعين(1) والرواية الاخيرة فانها تدل على أنها من زينة الصلاة، وأنه من التضرع والخضوع فيها ومعلوم عدم وجوبهما، فانهما زائدتان على الاصل والاحتياط أن لا يترك، فانه نقل عن السيد قدس سره وجوبه، كأنه لما تقدم، مع صحة رواية عبدالله بن سنان فانها صحيحة في التهذيب ولرواية اخرى صحيحة في التهذيب(2).

ويحتمل إرادة السيد قدس سره أيضا بالوجوب والاستحباب فانه قد يطلق ذلك عليه، ويؤيده أنه ما نقل عنه وجوب التكبير صريحا ويبعد وجوب الرفع به مع عدم وجوبه، وجعل ذلك شرطا، ولهذا قال الشهيد رحمه الله: كأنه قائل بوجوب التكبير أيضا إذ لا معنى لوجوب الكيفية مع استحباب الاصل، وفيه تأمل معلوم، و يدل على عدمه أيضا بعض الاخبار.

ويمكن فهم استحباب التعوذ بالله، وأخذ العوذة بالله من الشيطان، والجن والانس، وسحرهم، ومن عينهم، من المعوذتين، وأيضا يمكن فهم استحباب الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى مع عدم العلم بحصول الذنب، فلا يبعد الغسل المستحب له حينئذ أيضا من سورة النصر، وغيرها استفهم الله يفهمك.

الثانية: فاذا قرات القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم(3).

لما ذكر العمل الصالح قبله بقوله: " من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن " الآية ذكر الاستعاذة من الشيطان اللعين عند تلاوة القرآن، إشارة إلى أن الاستعاذة من جملة العمل الصالح، أي إذا أردت قراء‌ة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم من أن يوسوسك ويغلطك وينسيك، بأن تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وعبر عن إرادة القراء‌ة بالقراء‌ة للظهور والتبادر كما يقال إذا أفطرت فقل هذا

(1) يعني والاولى أن يقول: وأشد تأكيدا من فعل الغير وإن كان فعل الغير أيضا فيه فضل(2) المصدر السابق.

(3) النحل: 98.


92

الدعاء وإذا أكلت فسم واغسل يديك، والمراد قبله كقوله تعالى:" ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " الآية روي عن عبدالله بن مسعود قال قرأت على رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبرئيل عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ(1) فظاهر هذه الآية الشريفة بانضمام أن الامر للوجوب، يفيد وجوب الاستعاذة عند ابتداء قراء‌ة القرآن مطلقا حتى أنه لو قطعها في الاثناء ثم أراد أن يقرأ فيستعيذ ثم يقرء ولو كانت كلمة، والحاصل أنه يستعيذ دائما فيقرأ إلا في الاستدامة، فيلزم وجوبه في كل ركعة يقرأ فيها، ولكن الظاهر أنه ما ذهب إليه أحد من العلماء، و يحتمل كون الوجوب من خصايصه صلى الله عليه وآله، نعم نقل وجوبها عن أبي علي الحسن بن الشيخ الطوسي رحمهما الله في أول الركعة قبل الحمد، فقط، محتجا بها، ولا دلالة فيها عليه بخصوصه، وكأنه نظر إلى أنه يعلم الوجوب دائما، وما ذهب إليه أحد من العلماء فيختص بأول الركعة، فلا يكون المراد إلا ذلك، وهو بعيد إذ القول لغيره في ذلك أيضا بعيد، وإرادة قراء‌ة الركعة الاولى من الصلاة الواجبة من ذلك أيضا بعيد، لا يفهم من غير قرينة دالة عليه، فلا يمكن إرادة الله تعالى ذلك فيحمل على الاستحباب دائما كما هو الظاهر، ويؤيده بعد التخصيص المذكور، وقرب كون الامر للندب، ولو كان مجازا مع كثرته، وكونه خيرا منه، فتبقى الآية على عمومها، وبعد وجوب الاستعاذة مع عدم القائل بمجرد إرادة الامر المندوب أي قراء‌ة القرآن، إذ له أن يرجع بعد، فما تجب القراء‌ة أصلا، فكيف الاستعاذة؟ ولهذا قالوا لا يجب الغسل مثلا إلا إذا كانت غايته من الصلاة ودخول المساجد و قراء‌ة العزائم واجبة، فلا يوجبونه بقصد الصلاة وغيرها، وهو ظاهر ومصرح به فتأمل.

(1) راجع تفسير البيضاوي: 232، المستدرك للنوري ج 1 ص 294، أخرجه عن غوالي اللئالي.


93

والاصل(1) وقول أكثر العلماء وعدمها في تعليم الصلاة كما مر، وخلو الاخبار عنها فتأمل.

قال في مجمع البيان(2) والاستعاذة استدفاع الادنى بالاعلى، على وجه الخضوع والتذلل، وتأويله: استعذ بالله من وسوسة الشيطان عند قراء‌تك لتسلم في التلاوة من الزلل وفي التأويل من الخطل، والاستعاذة عند التلاوة مستحبة غير واجبة بلا خلاف في الصلاة وخارج الصلاة.

فحملها على الاستحباب غير بعيد إلا أن الظاهر حينئذ كان استحبابا في أول كل ركعة، وما رأيت قائلا به منا فكأنه خص بالدليل مثل الاجماع، وأنه فعل واحد وقراء‌ة واحدة، مع أنها ليست بصريحة في العموم بحيث يشمل كل ركعة فتأمل فيه، والاخبار أيضا ظاهرة في الاستحباب في أول ركعة فقط، حيث ما ذكر غيرها فتأمل.

وبالجملة المسألة لا يخلو عن إشكال إن نظر إلى ظاهر الآية، فان ظاهرها الوجوب أو الاستحباب دائما، وما نجد قائلا فكأنهم حملوها على الاستحباب دائما وأخرجوا غير الركعة الاولى من سائر الركعات، للاجماع ونحوه.

وقال القاضي: والجمهور على أنه للاستحباب، وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لان الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره قياسا(3).

وهذا جيد إلا قوله " قياسا " لبطلانه، وعدم ظهور الاصل والعلة، فالتكرر والعموم ليس للقياس بل للعموم العرفي المفهوم من مثل هذه العبارة عرفا، كما في قوله تعالى " إذا قمتم إلى الصلاة ".

الثالثة آيات متعددة، الاولى: يا ايها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه او انقص منه قليلا او زد عليه ورتل القرآن ترتيلا(4)

(1) عطف على قوله ويؤيده بعد التخصيص المذكور.

(2) مجمع البيان ج 6: 385.

(3) تفسير البيضاوي: 232.

(4) المزمل: 1 - 6.


94

أصل المزمل المتزمل، من تزمل، ادغم التاء في الزاي كما هو المشهور، لقرب المخرج، أي قم الليل أيها المزمل بالثياب أو بأعباء النبوة للصلاة في جميع الليل أو أن القيام بالليل كناية عن الصلاة بالليل وقال في مجمع البيان: إنه عبارة عن الصلاة بالليل " إلا قليلا " منه وهو " نصفه " فنصفه بدل عن قليلا، كما هو الظاهر وقلنه بالنسبة إلى جميع الليل، " أو انقص أو زد " عطف على " قم " بتقدير فتأمل.

وضمير " منه وعليه " للنصف أو قليلا، فمعناه قم واشتغل بالصلاة نصف الليل، أو أقل منه أو أزيد منه، وإلى هذا أشار الصادق عليه السلام على ما نقل في مجمع البيان قال عليه السلام القليل النصف أو انقص من القليل، أو زد على القليل، ويبعد كون نصفه بدلا من الليل، لتوسط الاستثناء بين البدل والمبدل منه.

مع الالتباس بل الظاهر خلافه، ولزوم لغوية أو انقص منه، لانه بعينه معنى قوله قم نصف الليل، إلا قليلا، فيحتاج إلى العذر بأنه قيل أو انقص لمناسبة أو زد كما قال في مجمع البيان، أو أنه قد يحسن الترديد بين الشئ على البت وبينه وبين غيره على التخيير كما فعله صاحب الكشاف والقاضي وصاحب كنز العرفان(1) وكلاهما تكلف بعيد عن فصاحة كلام الله تعالى، خصوصا الثاني لان مرجعه إلى التخيير بينهما.

قال البيضاوي: أو " نصفه " بدل من الليل، والاستثناء منه، والضمير في منه وعليه للاقل من النصف كالثلث، فيكون التخيير بينه وبين الاقل منه كالربع والاكثر منه، كالنصف، ولا يخفى ما فيه من لزوم لغوية الاستثناء فانه ينبغي أن يقول حينئذ: قم نصف الليل أو انقص منه، ومن أن الاقل ليس مرتبة معينة حتى يقال أو انقص منه أو زد عليه ليصل إلى الربع والنصف وهو ظاهر.

وكذا كون المراد بإلا قليلا: قليلا من الليالي، وهو ليالي العذر والمرض لعدم ظهور كون الليل للاستغراق، وعدم الاحتياج إلى الاستثناء، وللاحتياج إلى التكلف في الاستثناء والبدل، وفي أو انقص أو زد ولما سيجئ في هذه السورة من

(1) كنز العرفان ج 1 ص 150، تفسير البيضاوي ص 345.


95

قوله " إن ربك يعلم أنك تقوم " الخ.

فيمكن أن تكون هذه الآية إشارة إلى وجوب صلاة الليل عليه صلى الله عليه وآله كقوله تعالى " ومن الليل فتهجد به نافلة لك "،(1) أي يجب عليك التهجد وهو الصلاة بالليل، زيادة على باقي الصلوات مخصوصة بك دون امتك، على ما قيل، ويكون المراد بالترخيص المفهوم من قوله تعالى في آخر هذه السورة: " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " وقوله " فاقرؤا ما تيسر منه " التخفيف في الوقت، لا إسقاط الصلاة بالكلية، على تقدير [ كون ] المراد من القراء‌ة الصلاة وأما على تقدير حملها على القراء‌ة فقط فيلزم السقوط بالكلية، فيمكن حملها على عدم القدرة فتأمل.

وعن ابن عباس تكون مندوبة على الامة لدليل الاختصاص من الاجماع، و ظاهر الآية والاخبار مع الاصل.

الثانية: إن ربك يعلم انك تقوم ادنى - اى اقرب - واقل من ثلثي الليل ونصفه وثلثه(2).

وهما عطف على " أدنى " أي أنك تقوم نصف الليل وثلثه، وعلى قراء‌ة الجر عطف على ثلث الليل أي أقل من نصفه وأقل من ثلثه " و " كذا تقوم " طائفة من الذين معك " نقل في مجمع البيان رواية: أنه كان علي بن أبي طالب عليه السلام وأبا ذر.

والله يقدر الليل والنهار

يعلم مقدارهما، فيعلم القدر الذي تقومون فيه، وهو القادر على التقدير والعلم بحيث يوافق ما أراد به النصف أو الناقص أو الزائد " علم أن لن تحصوه " علم أنكم لا تطيقون إحصاء الوقت المقدر على الحقيقة، والمداومة على ذلك بسهولة " فتاب عليكم " أي خفف عليكم، أو لا يلزمكم عقابا وإثما على التقصير في ذلك، كما لا يلزم التائب، بل رفع الذنب والتبعة في ترك ذلك عنكم، كما رفعها عن التائب، فأراد بالتوبة لازمها، فدلت على سقوط العقاب بها " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " أي اقرؤا في صلاة الليل مقدار

(1) أسرى: 79.

(2) المزمل: 20.


96

ما أردتم وأحببتم بالمعنى المتقدم، وعبر عن الصلاة بالقراء‌ة لانها جزء الصلاة وتبطل الصلاة بتركها عمدا كالتعبير بالركوع والسجود عنها.

قال في مجمع البيان هو قول أكثر المفسرين كما أن المراد بقم الليل صلاة الليل باجماع المفسرين إلا أبا مسلم فانه قال: المراد قراء‌ة القرآن في الليل فكأنه يريد الاشارة إلى أن من يقول بأن الليل هو الصلاة فيه، فينبغي أن يقول المراد بفاقرؤا هو صلاة الليل، وقال فيه أيضا: والظاهر أن معنى ما تيسر مقدار ما أردتم وأحببتم وهو ظاهر بقرينة إرادة التخفيف ولانه المتبادر من هذه العبارة ولهذا لو قيل: أعط السائل ما تيسر ونحوه لا يفهم المخاطب إلا ذلك، فقد ظهر أن لا يمكن الاستدلال بنحوه على وجوب السورة على ما هو المشهور كما أشرت إليه في محله فتذكر.

وأشار إلى أعذار اخر للتخفيف بقوله " علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله " كأن المراد بالضرب في الارض السفر للتجارة ونحوها مما يحصل به المال، أو لتحصيل العلم أو الحج أو الزيارات أو صلة الرحم، وكلما كان لله تعالى من المشي والسفر في الارض.

وقد وردت روايات كثيرة في الترغيب على التجارة من طريق العامة والخاصة مذكورة في محلها قال في مجمع البيان: قال عبدالله بن مسعود " أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه، كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ وآخرون يضربون في الارض " الآية(1).

وآخرون يقاتلون في سبيل الله

هذا عذر آخر فان المقاتلة تمنع من الصلاة بالليل، فالكل عذر للتخفيف، ولهذا رتب عليه التخفيف وقال تعالى " فاقرؤا ما تيسر منه " أي من القرآن تأكيدا للحكم المتقدم، وعلى كل تقدير لا ينبغي الترك بالكلية فيمكن الاستدلال بهذه الآيات على وجوب صلاة الليل على النبي صلى الله عليه وآله والاستحباب على امته في الجملة، سواء كان في كل الليل أو بعضه، ولا ينبغي الاقل

(1) مجمع البيان ج 10 ص 382.


97

من ثلاثة عشر ركعة مشهورة، ولا يشترط صحة البعض بالبعض، ولا يلزم فعل كلها بل يكون تخييرا بين الكل والبعض الذي يطلق عليه الصلاة، والكل أفضل، و يفهم عدم سقوطها سفرا ومرضا أيضا وذلك مفهوم من الاخبار بل الاجماع أيضا.

ويحتمل أن يكون صلاة الليل في المقدار المتقدم واجبة ثم نسخ الوجوب عن الامة بقوله " إن ربك " الآية بتخصيصه بهم دونه، لبقائه عليه صلى الله عليه وآله بالاجماع وبقوله تعالى " ومن الليل فتهجد " الاية، وأن يكون مستحبة ثم خفف ورخص بمعنى سقوط تأكيد ذلك المقدار مطلقا خصوصا عند الاعذار، ويحتمل أن يكون المراد بـ (فاقرؤا) قراء‌ة القرآن بالليل استحبابا لا وجوبا فان قراء‌ة القرآن مستحبة مطلقا خصوصا في الليل، ويدل عليه الاخبار من العامة والخاصة.

فان قيل قراء‌ة القرآن واجبة كفاية للحفظ في الصدر، لبقاء الاحكام والمعجزة وأدلة اصول الدين، فليحمل عليه، قيل: لان القيد حينئذ يصير لغوا فتأمل.

قال في مجمع البيان: ثم اختلفوا في القدر المستحب في الليل، المراد بهذه الآية، فقال سعيد بن جبير خمسون آية، وقال ابن عباس مائة آية، وعن الحسن من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن وقال من قرأ مائة آية في ليلة كتب من القانتين، وينبغي أن يكون المراد ما يصدق عليه وما تيسر لما مر، وكلما زاد فهو أحسن، فان زيادة الخير خير، ويحمل ما ورد من المقدار في الاخبار على التأكيد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من قرأ عشر آيات في ليله لم يكتب من الغافلين ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين ومن قرأ ثلاث مائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمس مائة آية كتب من المجتهدين، و من قرأ ألف آية كتب له قنطار من بر، والقنطار خمسة عشر مثقالا من الذهب والمثقال أربعة وعشرون قيراطا أصغرها مثل جبل احد وأكبرها ما بين السماء و الارض.

وقال الصادق عليه السلام من قرأ في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه ولو كانا كافرين.


98

ثم إنه ينبغي القراء‌ة في المصحف كما دل عليه الخبر، وإن كان حافظا.

وعنه عليه الصلاة والسلام يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله: ليس شئ أشد على الشيطان من القراء‌ة في المصحف نظرا، والمصحف في البيت يطرد الشيطان: وقال إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبدالله عليه الصلاة والسلام: جعلت فداك إني أحفظ القرآن على ظهر قلبي فأقرأ على ظهر قلبي أفضل أو أنظر في المصحف؟ قال اقرأه وانظر في المصحف، فهو أفضل، أما علمت أن النظر في المصحف عبادة، وكل ذلك عن عدة الداعي.

وقال في آداب المتعلمين للمحقق خواجه نصير الدين الطوسي قدس سره إن قراء‌ة القرآن نظرا أفضل لقول النبي صلى الله عليه وآله أفضل أعمال امتي قراء‌ة القرآن نظرا، وأيضا إنه قد يحصل الغلط بالاشتباه بين الحروف مثل الضاد والظاء، وغير ذلك، وينبغي أن يقرأها مستقبلا لعموم استحباب الاستقبال ومتطهرا وقاعدا إذا لم يكن في الصلاة وقائما فيها للتأدب، ولما قال في عدة الداعي وقال عليه الصلاة والسلام كأنه الصادق عليه الصلاة والسلام لانه تقدم لقارئ القرآن بكل حرف يقرء في الصلاة قائما مائة حسنة، وقاعدا خمسون حسنة ومتطهرا في غير الصلاة خمس وعشرون حسنة، وغير متطهر عشر حسنات، أما إني لا أقول " المرا " حرف بل له بالالف عشر، وباللام عشر، وبالميم عشر، وبالراء عشر، وأيضا عن الحسين ابن علي عليهما الصلاة والسلام قال: من قرأ آية من كتاب الله عزوجل في صلوته كتب الله له بكل حرف مائة حسنة، فان قرأها في غير صلاة كتب الله له بكل حرف عشرا.

وتدل على أن القراء‌ة قائما في الصلاة ضعفها فيها جالسا الرواية المتقدمة المذكورة في عدة الداعي فتدل على أن كون الصلاة قائما أفضل حتى الوتيرة، وقد بينته في محله وأدلة قراء‌ة القرآن كثيرة(1) وشرائطها مذكورة في محلها، والغرض هنا الاشارة إليها مجملا.

وينبغي أن يكون بالترتيل كما قال الله تعالى بعد قوله

(1) راجع الوسائل أبواب القراء‌ة في غير الصلاة.


99

أو زد عليه

: " ورتل القرآن ترتيلا " روي عن أمير المؤمنين عليه السلام(1) في معناه: بينه بيانا ولا تهذه هذ الشعر ولا تنثره نثر الرمل، ولكن اقرع به القلوب القاسية ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة.

أي اقرأ متفكرا على هنيئيك كما قيل إنه يكون بحيث لو أراد السامع عد حروف الكلمات لعده كما روي في قراء‌ة رسول الله صلى الله عليه وآله عن عائشة في الكشاف، وقيل: البيان لا يتم بالتعجيل وإنما يتم أن يبين جميع الحروف ويوفي حقها من إشباع الحركات، وكأنه إشارة إلى ما قيل في معناه إنه بيان الكلمات وأداء الحروف، وعن أبي عبدالله عليه الصلاة والسلام قال: إذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فاسئل الله الجنة، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار، فتعوذ بالله من النار(2) وقيل هو أن يقرأه على نظمه وتواليه، ولا يغير لفظا ولا يقدم مؤخرا وكأن المراد حينئذ الوجوب لا الاستحباب، وروي أبوبصير عن أبي عبدالله عليه السلام(3) في معناه قال هو أن تتمكث فيه، وتحسن به صوتك، وروي عن ام سلمة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقطع قراء‌ته آية آية، وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمد صوته مدا(4) وأكثر ما روي في معناه يدل على أنه مستحب فهو مؤيد لحمل قيام الليل على الاستحباب فتأمل.

ويؤيد استحباب القراء‌ة ليلا قوله " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " يعني سنوحي عليك القرآن، وجه الثقل كون الاحكام الشاقة فيه سيما على رسول الله صلى الله عليه وآله فانه يعمل به ويأمر به، ويبلغ ويتحمل الاذى فيه، ولما فيه من قيام الليل، ومجاهدة النفس، وترك الراحة، أو أنه يثقل في الآخرة في ميزان الاعمال العمل به وقراء‌ته، وأنه قول ربنا فثقيل عظيم " إن ناشئة الليل " أي النفس التي تقوم وتنشئ في الليل للصلاة أو القراء‌ة " هي أشد وطأ " أي كلفة ومشقة " وأقوم قيلا " أي أشد مقالا وقراء‌ة لحضور القلب.

(1) راجع الدر المنثور ج 6 ص 277، اصول الكافي ج 2: 614.

(2) الوسائل الباب 18 من أبواب القراء‌ة في الصلاة.

(3) مجمع البيان ج 10 ص 378.

(4) تيسير الوصول ج 1 ص 199، نيل الاوطار ج 2 ص 213.


100

ثم أشار في آخر السورة إلى وجوب إقامة الصلاة المفروضة المقررة، و الزكاة كذلك بقوله " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " وإلى القرض المعروف أو مطلق الانفاق في سبيل الله بل مطلق الاحسان فافهم بقوله " وأقرضوا الله قرضا حسنا " على وجه حسن معروف خال عن الاذى والمنة والرئاء " وما تقدموا لانفسكم من خير " من مال بل مطلق الاحسان " وتجدوا عند الله هو خيرا وأعظم أجرا " ما موصول متضمن لمعنى الشرط، مبتدأ مع صلته، وتجدوه خبر بمنزلة الجزاء وماء المفعول الاول لتجدوا و " عند " ظرفه وهو فصل بين مفعوله الاول ومفعوله الثاني و هو خيرا، وكأنه وجد شرط الفصل وهو كون ما بعده معرفة، لان خيرا يستعمل بمن لان معناه خيرا مما تؤخرونه إلى وقت الوصية، وإليه أشار فيما روي عن عنبسة العابد قال: قلت لابي عبدالله عليه الصلاة والسلام أوصني فقال أعد جهازك وقدم زادك، وكن وصي نفسك، ولا تقل لغيرك، يبعث إليك بما يصلحك(1) أو من مطلق ما تترك إنفاقه وفعله من التقربات، والطاعات والمستعمل بمن بمنزلة المعرفة، ولهذا لا يعرف باللام، مع أنه قد توجد مع كون ما بعده نكرة أيضا اطرادا للباب، و " أعظم " عطف على " خيرا " و " أجرا " تميز عن نسبة وجدان ما عنده خيرا وأعظم.

قال القاضي هو تأكيد وفصل، وقال في التركيب فصل أو بدل أو تأكيد، فيه أنه يلزم تأكيد المنصوب بالمرفوع وبدليته عنه، وقال في مجمع البيان أو صفة لها، فيه أن المشهور أن الضمير لا يوصف ولا يوصف به، ثم أشار إلى وجوب الاستغفار والتوبة بقوله " واستغفروا الله " في جميع الاحوال، فان الانسان لا يخلو عن تفريط وتقصير وذنب دائما " إن الله غفور رحيم " دليل على وجوب الاستغفار، يعني يجب عليكم ذلك، فانه يغفر لكم فانه ستار لذنوبكم و صفوح عنكم رحيم بكم [ عليكم ] فلا تتركوه، فدلت على وجوب الاستغفار ومشروعيته دائما وإن لم يشعر بالذنب فيمكن استحباب التوبة حينئذ دائما من غير شعور بصدور الذنب، ويدل على قبول التوبة أيضا فافهم.

(1) الكافي ج 7 ص 65.


101

السابع : في أحكام متعددة تتعلق بالصلاة

وفيه آيات

الاولى: واذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها او ردوها ان الله كان على كل شئ حسيبا(1).

قال مجمع البيان: اللغة، التحية السلام يقال حيى يحيي تحية إذا سلم قال في القاموس أيضا التحية هو السلام ثم قال في مجمع البيان المعنى " وإذا حييتم بتحية فحيو بأحسن منها " أمر الله تعالى المسلمين برد السلام على المسلم بأحسن مما سلم إن كان مؤمنا وإلا فليقل وعليكم، لا يزيد على ذلك، فقوله بأحسن منها للمسلمين خاصة، وقوله أو ردوها لاهل الكتاب عن ابن عباس، فاذا قال المسلم " السلام عليكم " فقلت وعليكم السلام ورحمة الله [ وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله فقلت وعليكم السلام ورحمة الله ] وبركاته فقد حييته بأحسن منها وهذا منتهى السلام، وقيل إن قوله " أو ردوها " للمسلمين أيضا إلى قوله: وهذا أقوى لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم.

وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين عليهما الصلاة والسلام أن المراد بالتحية في الآية السلام وغيره من البر، وذكر الحسن أن رجلا دخل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك ! فقال النبي: وعليك السلام ورحمة الله، فجاء‌ه آخر وسلم عليه فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال النبي: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فجاء‌ه آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال النبي صلى الله عليه وآله وعليك [ السلام ورحمة الله وبركاته ] فقيل يا رسول الله زدت للاول والثاني في التحية ولم تزد للثالث؟ فقال إنه لم يبقى لي من التحية شيأ فرددت عليه مثله(2) انتهى.

وقال القاضي: الجمهور على أنه في السلام، وتدل على وجوب الجواب إما

(1) النساء: 85.

(2) تفسير مجمع البيان ج 4 ص 85.


102

بأحسن منها، وهو أن يزيد عليه ورحمة الله، فان قاله المسلم زاد وبركاته وهي النهاية، وإما برد مثله لما روي - ونقل الرواية المتقدمة إلى قوله: ومنه قيل " أو " للترديد بين إن يحيي المسلم ببعض التحية، وبين أن يحيي بتمامها، وهو الوجوب على الكفاية، وحيث السلام مشروع فلا يرد في الخطبة وقراء‌ة القرآن وفي الحمام وعند قضاء الحاجة ونحوها والتحية في الاصل مصدر حياك الله على الاخبار من الحيوة ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك، ثم قبل لكل دعاء فغلب في السلام، و قيل المراد بالتحية العطية وأوجب الثواب(1) أو الرد على المتهب، وهو قول قديم للشافعي(2).

وقال في الكشاف: الاحسن منها أن يقول وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال السلام عليكم، وأن يزيد وبركاته، إذا قال ورحمة الله، ونقل الرواية المتقدمة.

فقد ظهر من اللغة وتفسيري مجمع البيان والقاضي، بل الكشاف أيضا أن المراد بالتحية هنا هي التحية الغالبة المتعارفة بين المسلمين، بعد رفع ما كان متعارفا في الجاهلية، وهي لسلام المتعارف بينهم فالحمل عليه أولى من الحمل على العطية فيجب عوضها أو ردها كما قاله الشافعي في القديم، لانه خلاف المتبادر، والاصل، عدم وجوب عوض العطية، ووجوب ردها، بل ردها مذموم شرعا جدا(3)، فلا يمكن الايجاب بمثل هذا الاحتمال وكذا حملها على السلام وعلى كل بر كما نقل عن تفسير علي بن إبراهيم، نعم لو ثبت صحة الرواية المنقولة في تفسيره يمكن حملها على الرجحان المطلق لا الوجوب إذ الظاهر لعدم القائل بوجوب تعويذ كل بر وإحسان، وهو معلوم من الروايات أيضا فتأمل وكذا حملها على كل تحية من السلام ونحوه مثل صباحكم ومسائكم ونحوها لعدم التبادر

(1) المراد بالثواب هو العوض، كما في نسخة سن، وهو اصطلاح في كتاب الهبة لقوله صلى الله عليه وآله: الواهب احق بهبته ما لم يثب منها.

(2) تفسير البيضاوي 102.

(3) لقوله صلى الله عليه وآله: العائد في هبته كالعائد في قيئه.


103

وبعد الفهم، وعدم ظهور الوجوب، والاصل عدمه، وليس بظاهر من الآيه فالاصل ينفيه، ولانه تحية الجاهلية، والاسلام نسخه.

وبالجملة الذي يتبادر من الآية السلام المتعارف بين المسلمين، ولهذا لا خلاف في وجوب رده فهو معنى بالآية، وغيره غير ظاهر كونه مرادا بها، فيترك بالاصل، والاحتياط ظاهر لا يترك.

وأيضا الظاهر أن كل صيغة صحيحة متعارفة في العرف بالقواعد المقررة توجب وجوب الرد مثل السلام فقط، كما هو متعارف بين الناس بحذف الخبر، فانه جائز، ولصدق التحية عليه أيضا على ما فسرت، ويحتمل العدم للاصل، وعدم كونه متعارفا شرعا وعرفا عاما، وعدم العلم بكونه مرادا في الآية لانها غير صريح في العموم، لانها مهملة، وإن كان ظاهرها عرفا عاما، ثم إن الظاهر وجوب الرد بالمثل، أو بالاحسن كليا لا خلاف فيه، ويدل عليه الاخبار أيضا فالاجماع والخبر مؤيدان للآية، والظاهر أيضا أنه فوري على ما يظهر من كلامهم ويدل عليه الفاء، فلو ترك يأثم ويبقى في ذمته، مثل سائر الحقوق، و هذا مؤيد لفورية حقوق الناس فتأمل، وليس ببعيد، لانه المتعارف والمطلوب من المسلم عليه.

وأيضا قالوا: يجب الاسماع وهو أيضا ليس بواضح الدليل، بل بعض الاخبار الصحيحة صريحة في عدم وجوب الاسماع(1) وأنه يكفي أن يجيب في نفسه بحيث لا يسمع المسلم إلا أن يكون إجماعيا فتؤول الاخبار وأيضا ظاهرهم أن الوجوب كفائي وظاهر الدليل خلافه بل الوجوب العيني، لانه المتبادر من الامر الذي للوجوب لانه إذا خوطب به كل واحد يفهم وجوبه عليهم، مع عدم دليل مسقط عن البعض بفعل البعض، لكن الظاهر إجماع الامة على ذلك، ولانه إنما سلم سلاما واحدا، فليس له إلا عوض واحد، ولكن الظاهر أنه إنما يسقط بفعل من كان داخلا في المسلم عليهم، ويكون ذلك مكلفا بالجواب، فلا يسقط برد من لم يكن كذلك فلو خصص البعض من جماعة، لم يجب الرد إلا على من خصص، ولا

(1) الفقيه ج 1 ص 240.


104

يسقط عنه برد غيره، وأيضا لو رد غير المكلف ولو كان داخلا فيهم لا يسقط عن الباقين، لانه قد وجب الرد عليهم، ولم يأت أحد به، إذ لا يجب على غير البالغ فهو بمنزلة العدم، ويمكن أن يقال فلو سلم عليهم وهو داخل ومقصود أيضا بالسلام فكأن المسلم ما أوجب الرد بل جاء بكلام يريد عوضه بواجب وغير واجب فكأنه ما أتى بالموجب أو أنه لما قصد السلام على غير المكلف فكأنه سلم على غير المكلف وحده فتأمل.

وأيضا لو سلم غير البالغ المميز الذي يقصد التحية فظاهر الآية وجوب رده كالبالغ، وقيل لا يجب لعدم كونه مكلفا وأفعاله شرعية، وشرطية المكلفية والشرعية غير ظاهرة، ولو قيل إن أفعال الصبي شرعي كما هو الظاهر فالاجزاء والوجوب قوي والاحتياط واضح.

ثم إنه معلوم أن وجوب الرد إنما يكون في السلام المشروع، ولكن الظاهر عموم المشروعية حتى يحصل المانع، فيجب الرد حال الخطبة والقراء‌ة والحمام والخلاء، فان الظاهر استحباب ذلك كله ومشروعيته إلا أن يكون ثوابه أقل من بعض الافراد الاخر، نعم إن ثبت كراهية السلام في هذه المواضع بمعنى كونه مرجوحا من عدمه ويكون الجواب مخصوصا بالمستحب والراجح لم يجب الرد ولكن ظاهر الآية العموم، ولهذا قيل بوجوب رد سلام الاجنبية مع القول بالتحريم فتأمل، والظاهر أن الكراهة بهذا المعنى لا بالمعنى الاقل ثوابا من فرد آخر، كما قال بعض الاصحاب أن لا كراهة في العبادات إلا بهذا المعنى، وظاهر الاصحاب الوجوب كليا فكأنه بالاجماع وبالعموم العرفي المفهوم من الآية والرواية، ويؤيدها ما ورد من الرد في الصلاة فيدل على المشروعية بل الوجوب إذ السلام منهي عنه فيها، فلو لم يكن واجبا لم يرد وهو مذكور في الرواية الصحيحة بقول السلام عليكم بمثل ما قال المسلم، فالظاهر الوجوب فتأمل واحفظ.

ثم إن الظاهر أن الرد بالمثل شامل لقوله السلام عليكم إذا قاله المسلم من غير إشكال ويؤيده الرواية المتقدمة وغيرها، وعمل الطائفة، والظاهر أنه كذلك


105

وعليكم السلام بتقديم الخبر، لعدم التفاوت بين التقديم والتأخير، ولما تقدم في الرواية المذكورة في مجمع البيان والكشاف والبيضاوي وكذا بالتنكير والتعريف وسلامي وسلام الله ونحو ذلك على الظاهر، وأن الافضلية تحصل بضم ورحمة الله وبركاته مع عدمها في الاول، وأن الانسان مخير في الرد بينهما بظاهر الآية وغيره، ولكن خصص الاحسن بالمسلم، فما قيل إن معنى الآية أن الاحسن للمسلم، والمثل للكافر الكتابي خلاف ظاهر الآية، والاصل عدم وجوب العوض بأحسن، فكلاهما في المسلم يجوز، والاحسن حسن، وفي الكتابي يمكن المثل لما تقدم من الروايتين مع احتمال تخصيص الامر بالمسلم، فلا يجب رد الكتابي أيضا كالحربي لعدم حسن التحية عليهم، بل يجب البغض وعدم المحبة لمن حارب الله ورسوله وينبغي تتبع ما في الرواية مثل وعليك، فتأمل.

ثم إنه ذكر البعض أن السلام على المصلي مستحب وليس بمكروه كأنه للعموم وأنه إذا سلم عليه يجب الرد، ولو ترك يمكن أن يبطل صلاته إن كان وقت السلام مشغولا بذكر من أذكار الصلاة كالقراء‌ة، فان ذلك حرام لفورية الجواب فيكون كلاما أجنبيا منهيا، والنهي في العبادة مبطل لها كما ثبت في الاصول وأنت تعلم عدم صراحة العموم، ولهذا قيل بالكراهة في الخلاء والحمام للعاري وعلى تقديره فالوجوب حينئذ مقدما على أفعال الصلاة ممنوع، لوجوب الموالات في القراء‌ة فلا فورية(1) وعلى تقدير وجوبه قد يكون مساويا مخيرا بينه وبين الموالات، وعلى تقدير الرجحان فتحريم الكلام فرع أن الامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده الخاص وقد حققناه في موضعه، ثم إنه على تقدير ذلك ينبغي أن يكون النهي شاملا للافعال أيضا كالاذكار إذا منعت من الرواح إلى أن يرد إذا سلم وذهب فيبطل الصلاة مطلقا إلا إذا علم إمكان رده، ولم يشتغل قبله بشئ ينافيه، إلا أن يقال لا يجب الذهاب إلى أن يرد وتبطل، فلو تعارضا سقط وجوب

(1) في النسخ: مثلا فورية، والظاهر أنه تصحيف.


106

الرد، ويتعين الاشتغال بها حينئذ فيحتاج إلى الدليل وأيضا ينبغي أن يقول بالبطلان بناء على تقديره إذا تكلم بذكر في وقت يمكن الرد وإن لم يكن ذاكرا حين سلم عليه، بل ذكر بعد أن ذهب وراح المسلم إلا أنه يمكن أن يرد السلام من غير إبطال للصلاة بأن يصيح حتى يصل إليه الرد فكأنه المراد.

ثم إن كون الكلام الاجنبي منهيا في الصلاة لا يستلزم بطلانها لانه نهي مبطل إذ النهي في العبادة معناه أن يكون المنهي نفس العبادة فيبطل حينئذ فلو تكلم الانسان في الصلاة بكلام أجنبي منهي عنه بالعرض كالتسليم لم يدل على البطلان، نعم لو تكلم بجزء واجب منهي عنه، واكتفى بذلك ولم يتداركه في وقته، بطل ذلك الجزء، وببطلانه يبطل الكل من جهة ترك الجزء، لا من جهة أن النهي في العبادة مبطل، ففي الصلاة المذكورة على تقدير تسليم النهي عن كلمة وكلام حين ترك الرد لو عاد بعده في وقت ما فات الموالات التي هي شرط وأعاد ذلك الكلام لم تبطل صلاته إلا أن نثبت أن كل كلام أجنبي حرام ومبطل، وإن كان قرآنا وذكرا وذلك غير ثابت، بل في النهي ما يدل على اختصاص ذلك بغير القرآن، وكذا لو أتى بالاذكار المستحبة فتأمل جدا هذا.

الثانية: قل ان صلوتي ونسكي محياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين(1).

قيل: المراد بنسكي سائر العبادات، فهو تعميم بعد تخصيص، وقيل أفعال الحج، والمراد بالمحيا والممات العبادات الواقعة حال الحياة والتي تقع بعد الموت بالوصية، مثل التدبير(2) أو كون نفس الحياة والموت لله أي العبادة خالصة له، و الحياة والممات خاصة به لا يقدر عليهما ولا يفعلهما غيره، " وبذلك امرت " أي بالقول المذكور أو بالاخلاص في الامور الذي فهم منها، وقد استفيد منها النية و وجوب كون العبادة لله لا لغيره، فيفهم بالمفهوم تحريم الشرك الظاهر مثل عبادة

(1) الانعام: 162.

(2) تدبير العبيد.


107

الاصنام والكواكب، والخفي وهو والرياء والسمعة، ويشكل إدخال قصد حصول الثواب وعدم العقاب بالعبادة فيه، فان فعلها لوجوبها حسن بل واجب عندهم و هو مستلزم لذلك وما نقل عن أمير المؤمين(1) عليه الصلاة والسلام فمن خصائص مثله، على أنه لا يدل عليه بل يدل على أن فعله عليه الصلاة والسلام ما كان لذلك بل لكون الله أهلا له وكذا لا يفهم أن الاخلاص المذكور من أحكام الاسلام فيكون كل مسلم مأمورا به، ولا يدل أيضا على كون العبادات شكرا لله وهو ظاهر.

وفي دلالتها على أن صحة الصلاة بل سائر العبادات متوقفة على معرفة الله ووحدانيته، وكونه مربيا وكونه منشئا للعالمين، وعالما وقادرا وحكيما فان العلم بكونه مربيا ومنشئا لهم يستلزم العلم بكونه عالما وقادرا وحكيما حفاء نعم يمكن الاستدلال به على وجوب المعرفة، وتوقف الصحة عليها للمأمور بذلك القول، فانه يفهم أنه يجب قول ذلك، ومعرفة القول وفهمه وصدقه مع التعلقات متوقفة عليها، وأبعد منه توقفها على معرفة تلك الامور بالدليل سيما مع القول بأنه بدون ذلك مسلم في الظاهر إذ لا يشترط في صحة الصلاة غير الاسلام والايمان ويمكن فهم عدم جواز إسناد خلق شئ من العالم إلى غيره مثل الكواكب والعقول والافلاك.

الثالثة: انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(2).

حصر ولاية الخلق في الله ورسوله والذين آمنوا: الذين يقيمون الصلاة و يتصدقون حال صلاتهم راكعين، الظاهر من الولي هو المتولي للامر كله، و الاولى بهم من أنفسهم، ومن بيده امورهم مثل الله ورسوله والامام، إذ لا معنى للحصر في المذكورين بغير هذا المعنى، مثل المولى والناصر والمحب، وكون

(1) وهو قوله المشهور: ما عبدتك خوفا من نارك، ولا شوقا إلى جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، راجع البحار ج 41 ص 14 من طبعته الحديثة.

(2) المائدة: 55.


108

الولي بغير هذا المعنى في الآية السابقة(1) مع بعدها على تقدير تسليمه لا يدل على كونه هنا أيضا كذلك، وكذا في الآية المتأخرة(2) وقال على القوشجي في شرحه للتجريد: اتفق المفسرون على أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام حين تصدق بخاتمه في الصلاة راكعا ويدل عليه الروايات من الخاصة و العامة(3) وسوق الآية، واختصاص الاوصاف المذكورة به عليه الصلاة والسلام بالاجماع، والجمع للتعظيم، وترغيب الناس في التصدق، ولانه نقل في أخبارنا أنه وقع مثل هذا الفعل من كل من الائمة الاحد عشر من ولده عليهم الصلاة والسلام والحصر إضافي بالنسبة إلى من يتوقع أنه ولي مثله في ذلك الزمان، و يكفي للحصر علمه تعالى بأنه يقع التردد، بل يجزم جماعة بخلافه ولا يحتاج إلى ثبوته حين النزول إن ثبت عدم ثبوته حينئذ له عليه الصلاة والسلام فان لله أن يخبر بأنه الامام حين الاحتياج وهو بعد فوته صلى الله عليه وآله بغير فصل وهو ظاهر، وأنه بعد وجود أدات الحصر وانحصار الاوصاف فيه عليه الصلاة والسلام واتفاق المفسرين على أنه في حقه عليه الصلاة والسلام يدل على اختصاصه به فلا معنى لجعل " وهم راكعون " عطفا أو جعله بمعنى خاضعون والاعتراض بأنه قد يكون بمعنى الناصر و غيره مما أشرنا إليه وبأنه ليس في حقه للجمع وللحصر وهم لا يقولون به(4) كما قال علي القوشجي، مع أنه لو صح لكان اعتراضه على الله تعالى فانه قال اتفق المفسرون على أنه في حق علي عليه الصلاة والسلام حين تصدق بخاتمه في الصلاة وهو راكع.

(1) يعني قوله تعالى:" ﴿ يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض " الاية.

(2) يعني قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء " الاية.

(3) راجع بحار الانوار ج 35 ص 183 206.

(4) أي: " الشيعة لا يقولون بانحصار الامامة والولاية فيه بل يقولون بامامة الائمة الاثني عشر " وقد علم جوابه أيضا مما مر في كلامه. منه رحمه الله.


109

ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون

كأنه قال فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون، وضع المظهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه، وتنويها بذكرهم، وتعظيما لشأنهم: وتشريفا لهم بهذا الاسم، و تعريضا يمن يوالي غير هؤلاء، فانهم حزب الشيطان، والحزب بمعنى القوم فالآية تدل على جواز النية في الزكاة قصدا فقط، والتصدق ونيته في الصلاة وتسمية التصدق زكاة لان الظاهر أن الذي فعله ما كان زكاة واجبة، وإن كانت واجبة فتدل على جواز التأخير في الجملة وإخراج القيمة، قال أخطب خوارزم في الفصل السابع عشر في بيان ما أنزل الله من الآيات في شأنه: أخبر الامام إلى قوله فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله إنما وليكم الله ورسوله إلى قوله وهم راكعون ثم إن النبي صلى الله عليه وآله خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل فقال له النبي صلى الله عليه وآله هل أعطاك أحد شيئا؟ فقال نعم خاتما من ذهب(1) فقال له النبي صلى الله عليه وآله من أعطاكه؟ قال ذلك القائم وأومأ بيده إلى علي عليه الصلاة والسلام فقال النبي صلى الله عليه وآله على أي حال أعطاك؟ فقال أعطاني وهو راكع، فكبر النبي صلى الله عليه وآله ثم قرأ " ومن يتول الله ورسوله " الآية فأنشد حسان بن ثابت في ذلك:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكل بطيئ في الهوى ومسارع

أيذهب مدحي في المحبر ضايعا(2) * وما المدح في جنب الاله بضايع

(1) لعل الذهب زيادة غلطا من الراوي أو من الناسخ أو من السائل ولهذا ما وجد في غيره بل الموجود الفضة في مجمع البيان في غير هذه الرواية، ويحتمل أن يكون عنده غير لابس له، أو صار ذهبا لما أعطاء السائل، منه رحمه الله.

أقول: روي الحديث في المجمع عن أبي القاسم الحسكاني وفيه " خاتم من فضة " راجع ج 3: 210، وأخرج القضيه في الدر المنثور ج 2 ص 293 عن جمع من أصحاب المجاميع وليس فيها ذكر الذهب ولا الفضة.

(2) في نسخة البحار، أيذهب مدحي والمحبر ضائع، وفي المجمع: أيذهب مدحيك المحبر ضائعا " وفي نسخة سن: للمحبين ضايعا " وما جعلناه في المتن أشبه بنسخة عش فان الظاهر من نسخته " بالمحبر " " في المبحر " خ ل، لكن الكاتب أراد تصحيحه فأصلحه " بالمحبين " لقصور فهمه لمعنى المحبر، والتحبير: التزيين والتحسين.


110

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا *** فدتك نفوس القوم يا خير راكع

فأنزل فيك الله خير ولاية *** فبينها في محكمات الشرايع

ثم روى عنه صلى الله عليه وآله باسناده " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية(1) " هم يا علي أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الامم للحساب تدعون غرا محجلين ونقل في هذا الكتاب مرارا أن المراد بخير البرية هو علي عليه الصلاة والسلام، ونقل أنه كان إذا أقبل قالت الصحابة هذا خير البرية، وكانوا يدعونه به.

الرابعة: انني انا الله لا اله الا انا فاعبدنى واقم الصلاة لذكري ان الساعة آتية اكاد اخفيها اي اظهرها فالهمزة للازالة لتجزى كل نفس بما تسعى(2).

قيل: معناه أقم الصلاة لذكرك إياها فان فاتتك ثم ذكرت فصلها أي وقت كان، فأراد بذكري ذكر الصلاة، لاستلزام ذكرها ذكره، أو بحذف المضاف، و فهم المعنى المذكور من غير ضم الخبر(3) مشكل، ومعه لا يحتاج إليه في ذلك نعم يؤكده.

الخامسة: وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر أو اراد شكورا(4).

أي جعل كل واحد منهما خليفة الآخر للذي أراد أن يذكر نعمة الله فيهما أو يشكره عليهما فيهما، وحاصله جعل ذلك إرادة [ أن يراد ] ذكره وشكر نعمه

(1) البينة: 8.

(2) طه: 14.

(3) قوله صلى الله عليه وآله: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فان الله تعالى قال: أقم الصلاة لذكري " راجع سنن أبي داود ج 1 ص 103، الدر المنثور ج 4 ص 293.

(4) الفرقان: 62.


111

فيهما استدل بها على مشروعية فعل فائت الليل نهارا والعكس، فان معناها الليل خليفة النهار فيما يصح أن يقع فيه، وبالعكس، وفهمه من مجردها مشكل كسابقتها فافهم(1).

السادسة: فاذا انسلخ الاشهر الحرم إلى قوله: فان تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم(2).

قيل: استدل بها على أن تارك الصلاة مستحلا مرتد يجب قتله، لانه تعالى علق المنع من قتلهم على التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولا شك أن تركهم الصلاة كان على وجه الاستدلال، لعدم تحقق اعتقاد وجوبها من المشرك و الحكم المعلق على مجموع لا يتحقق إلا مع تحقق المجموع، ويكفي في حصول نقيضه فوات واحد من المجموع، ولا يخفى ما فيه فافهم.

السابعة: يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون(3).

أما اللغة فالعبادة هي أقصى غاية الخضوع كما مر في " إياك نعبد " والخلق هو الفعل والايجاد على تقدير واستواء.والباقي ظاهر.

وأما الاعراب فلعلكم تتقون، جملة حالية عن الخالق، لكن على طريق التشبيه بالراجي لاستحالة حقيقة الرجاء منه، أو عن المخلوقين أو عن العابدين و أما كونها علة فتكون بمعنى كي فيكون موافقا لقوله تعالى " وما خلقت الجن و الانس إلا ليعبدون "(4) كما يظهر من مجمع البيان ففيه أنه نقل في الكشاف وتفسير القاضي أن لعل ما جاء بهذا المعنى فعلى تقدير التسليم يحتمل كون ما ذكر في مجمع البيان محصل المعنى، ومعناها المجازي، والمنع المذكور فيهما يكون باعتبار

(1) راجع مجمع البيان ج 7 ص 178، الدر المنثور ج 5 ص 75.

(2) براء‌ة: 5.

(3) البقرة: 21.

(4) الذاريات: 56.


112

الحقيقة " الذين " عطف على مفعول خلقكم، وغلب الخطاب على الغيبة في لعلكم أو حذف " وإياهم " للظهور.

وأما المعنى فهو الامر وإيجاب مطلق العبادة على كل الناس المخلوقين مسلما كان أو كافرا حرا أو عبدا إلا ما أخرجه الدليل من الصبيان والمجانين، و المتصف بالمانع من العبادة، وأما الاستنباط فهو أنها تدل على وجوب العبادة في الجملة، ومشروعيتها مطلقا فلا يحتاج إلى التوقيف، فتصلح النافلة دائما والصوم كذلك وإعادة العبادة والقضاء وغير ذلك من أنواع العبادات، وكون الكافر مكلفا والعبد كذلك حتى يثبت المنع، وأما دلالتها على أن العبد لا يستحق بعبادته ثوابا لانها تدل على أن الوجوب المذكور للشكر على النعم المعدودة عليهم، على ما ذكره القاضي ومثله قال في مجمع البيان فغير ظاهرة، لجواز كون ذكر النعم المعدودة للترغيب والتحريص على الفعل، والمنع من الترك، لان الآمر إذا كان ذا نعم كثيرة، وذكر نعمة عند الامر، يكون ذلك أتم وأعلى في حصول الامر فيزيد للمامورين رغبة في الفعل، وحثا في عدم الترك، نعم يمكن كون ذلك المعنى أيضا ولكن مع قيام هذا الاحتمال ما صارت الدلالة عليه واضحة، نعم لابد من دليل على إثبات استحقاق الثواب عليها، غير هذا الامر، لقيام ذلك الاحتمال وذلك موجود ولعله إجماع الخاصة والآيات والاخبار الكثيرة، والدليل المذكور في اصول الكلام(1) ويؤيده أن المنعم الغني المطلق يمن على العباد في مواضع كثيرة بهذه النعم، وإنما هو المناسب مع عدم إرادة العوض، فلا ينبغي كونها سببا وموجبا للعبادة فتأمل.

الثامنة: الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله اندادا وانتم تعلمون(2).

أما الاعراب، فالذي إما منصوب بأنه صفة بعد صفة للرب، أو بالمدح، و

(1) من وجوب شكر المنعم عقلا.

(2) البقرة: 22.


113

الارض والفراش مفعولا جعل، والسماء والبناء عطف عليهما، و " من " الاولى ابتدائية، والثانية تبعيضية، ويكون الرزق حينئذ حالا أو مفعولا له، أي حالكونه رزقا، أو ليكون رزقا ومرزوقا لكم، أو بيانية مقدمة على المبين، و هو الرزق كما يقال أنفقت من الدراهم ألفا وأنزل عطف على جعل، وماء مفعوله وأخرج عطف عليه، ورزقا مفعوله، وضمير به راجع إلى الماء، ولكم صفة رزقا والفاء في " فلا " للتفريع إما على اعبدوا، أو على لعل، أو على الذي خلقكم و " أندادا " مفعول فلا تجعلوا، وأنتم تعلمون جملة حالية من فاعل " فلا تجعلوا " ومفعوله إما محذوف، أو مقدر وهو أنه لا يقدر على مثل هذه الافعال غيره تعالى أو أنه لا ند له.

وأما اللغة فالفراش هو البساط، والبناء هو المبني وهو هنا قبة وفي الاصل أعم من أن يكون بيتا أو قبة كذا في الكشاف، والند المثل الذي يكون ضدا.

وأما المعنى فباعتبار ضمها إلى الاولى هو الامر بعبادة الله الموصوف بالصفات المذكورة، والنهي عن الاشراك به، والاشارة إلى قطع عذرهم بالجهل، لعدم القدرة، ولعدم ما يوصلهم إليه لوجود العلم والتمييز فيهم، ووجود ما يوصلهم من خلق هذه المذكورات الذي لا يقدر عليه غيره، سيما الضد الذي يجعلونه شريكا له، وقائما مقامه من الاصنام، فانها لا تقدر على شئ ولا تنفع ولا تضر.

وأما الاحكام المستنبطة منها، فهي إباحة السكون في أي جزء كان من الارض على أي وجه أراد، والصلاة فيه، وسائر العبادات كذلك، وطهارتها أيضا، و استعمال الماء في أي شئ كان على أي وجه اتفق، وطهارته، بل طهوريته أيضا لانها من جملة انتفاعاته المتعارفة المطلوبة منه ومقام الامتنان يعم جميع ذلك مع إباحة جميع الثمرات المخرجة به للرزق، وقيل: الثمرة أعم من المطعوم والملبوس والرزق أعم من المأكول والمشروب، وفيه تأمل إذ الثمرة المخرجة هي الرزق لا غير، فما ذكر أنها أعم من الملبوس غير ظاهر حقيقة، ولكنه لا يبعد شمولها


114

للكل فان القطن مثلا ثمرة شجرة، والابريسم يحصل من ورق الشجر ويكون المراد بالرزق ما يعيش به الانسان ويؤيده ما ذكره في مجمع البيان في تفسير الآية الثالثة بعد هذه، في بيان " كلما رزقوا " من أن الرزق عبارة عما يصح الانتفاع به ولا يكون لاحد المنع منه، فيدخل الجميع فيه.

وتحريم الشرك(1) وثبوت الوحدانية وأن الجاهل معذور على تقدير عدم القدرة على العلم أو عدم الدليل الموصل إليه، وذلك من تقييد النهي بالحال(2) بالعلم الذي مر تفسيره فيعلم منه عدم التكليف بما لا يطاق، فيبطل مذهب من يقول به وأما دلالتها على كون العبادات شكرا وعدم استحقاق الثواب لان الصفات المذكورة للآمر الذي هو الله تفيد عليتها للتكليف بها، على ما ذكره القاضي ههنا وفي الآية السالفة على وجه يفهم اعتقاده لذلك أنه الحق، فباطل لما مر في السالفة والظاهر أنه ما ذهب إليه من الطائفة المحقة، بل من مطلق المسلمين إلا قليل، وليس بمذهب مشهور من المتعبدين بالشريعة فإن الثواب والعقاب قريب أن يكونا من ضروريات دين محمد صلى الله عليه وآله بل كل الاديان، وبهما يثبتون الحشر والنشر، وعليه يدل كثير من الآيات والاخبار بل الاجماع، لان هذا المذهب منسوب إلى أبي القاسم البلخي فقط على ما ذكره في شرح التجريد الجديد وحاله أيضا ليس بظاهر الله يعلم.

ثم اعلم أن في الآية الثالثة بعد هذه التي ذكرناها، دلالة على إبطال قوله حيث قال تعالى: " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات " الآية حيث يعلم تعليل حصول هذه النعم العظام للانسان بالايمان والعمل الصالح فيكون مستحقا لها وهو ظاهر كدلالتها على خروج العمل الصالح عن الايمان، وكذا في غيرها أيضا من الآيات.

(1) أي ومن الاحكام المستنبطة تحريم الشرك.

(2) يعني قوله تعالى:" ﴿ وأنتم تعلمون ".


115

الثامن : فيما عدا اليومية من الصلوات وأحكام تلحق اليومية أيضا

وفيه آيات:

الاولى: يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون.

الثانية: فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون.

الثالثة: واذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين(1).

خص الخطاب بالمؤمنين أي المسلمين لانهم المنتفعون بايجاب الصلاة الخاصة وهي صلاة الجمعة عليهم بعد سماع الاذان، لقوله تعالى " اسعوا " أي اذهبوا وامضوا على ما روي، وعبر بالسعي، الذي يفيد المبالغة في الذهاب، للمبالغة في الفعل و عدم الترك، لانه قد روي أن المستحب هو الرواح إلى الصلاة بالسكينة والوقار لا بالسرعة، وذكر الله هو الصلاة فكأنه قال إليها إلا أنه عبر عنها بالذكر أشارة إلى أنها ذكر الله، وأنه ينبغي القصد بفعلها أنها ذكر الله، ويحتمل الخطبة.

وكأن تحريم البيع والشراء وقت وجوبها تعبد وإن لم يكن مانعا عنها إذ يجوز الجمع بين المضي إلى الصلاة الواجب، والبيع والشراء، وهو ظاهر، فلا ينبغي التعدي إلى ساير ما يشبهه، لانه قياس ممنوع، من غير ظهور العلة، مع مخالفته للاصل، وما يدل على إباحتها من العقل والنقل كتابا وسنة إجماعا، ولا


6

(1) سورة الجمعة الاية 9 و 10 و 11.


116

يبعد عدم الانعقاد، وإن لم يكن النهي مطلقا دالا على الفساد، ليتم المطلوب و الترغيب إلى الصلاة، ولان ما يدل على انعقاده هو إباحته، فمع رفعها لا ينعقد مؤيدا بأصل عدم انتقال المال إلا بديل، وليس بظاهر كون العقد الحرام الذي لا يرضى الله به دليلا موجبا لذلك فتأمل.

وبالجملة انتقال مال البايع إلى المشتري وبالعكس الذي الاصل عدمه يحتاج إلى الدليل، ومجرد البيع الذي هو حرام وخلاف ما يرضى الله به غير ظاهر في ذلك، مع أنه قد يدعى ظهور عدم الانعقاد من النهي، كما ادعى بعض الاصوليين فتأمل.

ذلكم خير لكم

أي السعي إليها وترك البيع خير لكم، إن كنتم من أهل العلم والعرفان، أو إن كنتم تعلمون الخير والشر، تعلمون أن ذلك خير بالنسبة إليكم من عدمها وما يتبعه.

ثم أباح الله بعد أداء الصلاة الانتشار وطلب الرزق به من فضل الله ورحمته و لطفه، إشارة إلى أن التاجر والكاسب للرزق، لا ينبغي أن يعتمد على كسبه وتجارته بل إنما يطلب من فضل الله عليه ورحمته، ويجعل الكسب والتجارة وسيلة وسببا لذلك وبسبب ترغبيه، فالامر هنا بعد التحريم للاباحة، وإن كان في الاصل للوجوب، للاجماع على عدم وجوب ذلك، ويحتمل الوجوب في بعض الاحيان مثل الكسب للنفقة الواجبة.

ثم أشار في الآية الثالثة إلى ذم المسلمين، وظاهر أنهم الذين كانوا معه صلى الله عليه وآله بأنهم إذا رأوا أو علموا تجارة أو لم يعلموا بل ظنوا بسبب سماع صوت دال عليهما في الجملة وهو المراد باللهو - قيل كان للتجار الذين يجيؤن بالتجارة إلى المدينة طبل يضربونه بعد الوصول، لاخبار الناس، - ذهبو إلى التجارة الموهومة القليلة الفائدة الفانية، وتركوا تجارة باقية عظيمة، وهي الصلاة معك، تركا مستلزما للعقاب بترك واجب عظيم، وقطعه المحرم، ولمفارقنه صلى الله عليه وآله في الدنيا، فإنه روي


117

أنهم لما سمعوا صوت الطبل تركوه قائما في الصلاة وذهبوا إليها، وقد علم سبب وحدة الضمير.

ثم امر صلى الله عليه وآله بالقول لهم أن ما عند الله من الخير الباقي وهو خير الآخرة والدنيا خير من التجارة المحققة والموهومة أو منها ومن اللهو إذ قيل ذهب بعضهم لمحض الطبل وبعضهم للتجارة وحينئذ يمكن أن يكون التقدير " وانفضوا إليه " وحذف لدلالة المذكور عليه، وأمثاله كثيرة، وأن الله تعالى خير الرازقين فيرزق من غير أن يسرع إلى التجارة، فلو ترك الذهاب لله ولعبادته لرزق خيرا مما تخيل حصوله بسبب المسارعة إليها وترك العبادة.

ثم اعلم أن الذي استفيد من الآية الشريفة، هو وجوب صلاة الجمعة على كل مؤمن بعد النداء يوم الجمعة مطلقا وتحريم البيع حينئذ ثم إباحته بعدها وقد ذكروا لها شروطا وفروعا كثيرة في كتب الفقه فليطلب هناك غير أنا نذكر أن أكثر الروايات الموجودة الآن في الكتب وأصحها وأصرحها أن العدد المشترط في وجوبها هو الخمسة، وهو قول أكثر الفقهاء المعروفين الآن، وقال في مجمع البيان: والعدد يتكامل عند أهل البيت عليهم السلام بسبعة، وهو في بعض الروايات وبعض الاقوال للشيخ مع أنه يقول بالوجوب التخييري بالخمسة والحتمي بالسبعة جمعا للاخبار وهو أعلم.

وقال أيضا في فضل السورة: منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام قال من الواجب على كل مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة وسبح اسم ربك الاعلى وفي صلاة الظهر بالجمعة والمنافقين، فإذا فعل ذلك فكأنما يعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ثوابه وجزاؤه على الله تعالى الجنة(1) وما رأيت هذه في الكتب المشهورة إلا في ثواب الاعمال(2) للصدوق فإنه نقلها في ثواب سور القرآن بإسناده وفيه محمد بن حسان وهو مجهول وإسماعيل بن مهران وفيه خلاف، وإن كان الظاهر أنه ثقة، والحسن وهو مشترك والذي يظهر من ثواب الاعمال أنه ابن

(1) مجمع البيان ج 10 ص 282.

(2) ثواب الاعمال ص 107.


118

علي كأنه ابن فضال الله يعلم، فالوجوب ما يثبت والاستحباب غير بعيد، لما ثبت بالنص وبإجماع الامة العمل بالروايات في السنن والوصول إلى ما نقل فيها من الثواب وإن لم يكن كما نقل، ولهذا أثبت الجمهور وأصحابنا الاستحباب والكراهة بالرواية الضعيفة فالجمهور وأصحابنا يتعبدون بها، وما ذكرها الصدوق القائل بوجوب قراء‌تها في ظهر يوم الجمعة(1) في الفقيه وما ذكرها القائل باستحباب الجمعة وسبح اسم في المغرب والعشاء ليلة الجمعة، وسندها غير واضح، وآخرها صريحة في أن المراد القراء‌ة في الصلاة وأولها ظاهر في ذك فيحتمل إرادة قراء‌تهما في اوليي المغرب أو العشاء أو هما، والظاهر الاخير، وعليه حمل في المختلف رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال اقرأ في ليلة الجمعة الجمعة وسبح اسم ربك(2) وتدل على العشاء الرواية عن الصادق عليه الصلاة والسلام فإذا كان العشاء الآخرة فاقرء سورة الجمعة وسبح اسم ربك، واستحباب ذلك في ليلة الجمعة خصوصا في الصلوات سيما الفرائض خصوصا العشاء غير بعيد، كاختيار الجمعتين في الظهرين، ولهذه الرواية وغيرها، وللخروج عن الخلاف المنقول، ولا شك أن ذلك أحوط، وكأن المراد الاستحباب، لعدم القائل بالوجوب على الظاهر فتأمل.

الرابعة: ولا تصل على احد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون(3).

ظاهرها يدل على عدم جواز الصلاة في وقت من الاوقات على أحد من الكفار الذين ماتوا على كفرهم، وكذا الوقوف على قبورهم للدعاء لهم، وأن علة ذلك هو الكفر، وفيها إشعار بجواز ذلك للمسلمين مطلقا فتأمل.

الخامسة: واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة(4).

(1) الفقيه ج 1 ص 201.

(2) راجع الكافي ج 3 ص 425.الخلاف ج 1 ص 224.

(3) براء‌ة: 85.

(4) النساء: 100.


119

أي إذا سافرتم فلا جناح عليكم أن تقصروا الصلاة الرباعية الفريضة بحذف ركعتي آخرها، ويمكن ونافلتها أيضا، والآية مجملة بيانها بالاخبار والاجماع فالسفر شرط لقصر الصلاة بالآية، ودلت عليه الاخبار أيضا والاجماع وأما الخوف فظاهر قوله " إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا " يعني إن خفتم فتنة الذين كفروا في أنفسكم أو دينكم، أنه أيضا شرط فلا قصر مع الامن، ولكنه بالمفهوم الشرطي وهو وإن كان حجة إلا أنه مشروط بعدم ظهور فائدة للتقييد سوى المفهوم كما بين في موضعه، وقد يكون وقوع الخوف وقت النزول أو كونه الاغلب والاعم كما قيل وأمثاله في القرآن والسنة كثيرة مثل " فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت "(1) " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا "(2) وأيضا هو معتبر ما لم يعارضه أقوى من ذلك وهنا معارض بأقوى وأصرح منه من الاجماع ومنطوق الاخبار.

قال القاضي: وقد تظافرت السنن على جوازه أيضا في حال الامن فترك المفهوم بالمنطوق وإن كان المفهوم حجة أيضا لانه أقوى.

ويدل عليه الخبر الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم(3) أنهما قالا قلنا لابي جعفر عليه الصلاة والسلام ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي؟ فقال: إن الله عزوجل يقول: " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا إنما قال الله تعالى " فليس عليكم جناح " ولم يقل افعلوا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أو ليس قد قال الله تعالى في الصفا والمروة " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما(4) " ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض لان الله عزوجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه صلى الله عليه وآله وكذلك التقصير في السفر شئ صنعه النبي صلى الله عليه وآله وذكره الله تعالى في كتابه، قالا: قلنا له: فمن صلى في السفر أربعا

(1) البقرة: 229.

(2) النور: 33.

(3) الفقيه ج 1 ص 278.

(4) البقرة: 185.


120

أيعيد أم لا؟ قال: إن كان قد قرئت عليه آية التقصير وفسرت له وصلى أربعا أعاد وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه، والصلوات كلها في السفر الفريضة ركعتان كل صلاة إلا المغرب فانها ثلاث ليس فيها تقصير تركها رسول الله صلى الله عليه وآله في السفر والحضر ثلاث ركعات، وقد سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذي خشب وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان أربعة وعشرون ميلا فقصر وأفطر فصارت سنة وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله قوما صاموا حين أفطر: العصاة.

قال فهم العصاة إلى يوم القيامة، وإنا لنعرف أبناء‌هم إلى يومنا.

هذا وفيها فوائد وأحكام كثيرة(1) لذلك نقلتفافهمها.

ثم إن ظاهر الآية يدل على القصر بمجرد صدق السفر، ولكن ثبت بالاجماع أن ذلك لم يكف فعند الشافعي مسيرة يومين ستة عشر فرسخا وعند أبي حنيفة مسيرة ثلاثة أيام بلياليهن مسير الابل ومشي الاقدام على القصد، ولا اعتبار بابطاء الضارب المسافر وإسراعه قال في الكشاف: كأنه أربعة وعشرون فرسخا ولكن لا يناسب إدخال الليل إذ يمكن قطع ثمانية فراسخ في يوم واحد معتدل يوم صوم، ولهذا ما اعتبره القاضي بل قال أربعة برد للشافعي وستة لابي حنيفة، والبرد جمع بريد وهو أربعة فراسخ، وعند أصحابنا بريدان وهو ثمانية فراسخ يوجب القصر ودلت عليه الروايات الكثيرة الصحيحة عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وهو أولى، لان ظاهر الآية أنه يكفي مطلق السفر وما يصدق عليه ولا شك أنه مما

(1) وهي كون القصر عزيمة وواجبا كالتمام، وكون الامر للوجوب، وكون نفي الجناح لا ينافي الوجوب العيني، وكون النأسي واجبا، وكون السعي واجبا، ووجوب إعادة الصلاة الباطلة بالزيادة مع العلم بعدمها أداء وقضاء، وكون الجاهل معذورا في الاتمام، ووجوب التقصير في جميع الصلوات بحذف الركعتين الاخيرتين إلا المغرب، وكونها ثلاثة فيه وفي الحضر وكون مسيرة يوم أربعة وعشرين ميلا، وهي ثماني فراسخ، فكل ميل ثلث فرسخ، وكون ذلك موجبا للتقصير، ووجوب الافطار، وتسمية الواجب بالسنة، وكون ترك ذلك عصيانا، وكونهم عليهم السلام عالمين بالغيب وهو باعلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله إياهم، منه رحمه الله.


121

يصدق عليه وأنه خرج أقل من ذلك بالاجماع وبقي ما فوقه تحت الآية ولكن يدل على أن الاقل أيضا مثل بريد يوجب ذلك بعض الروايات الصحيحة(1) ولكن الظاهر أنه ما قال به أحد، وحملها على التخيير حينئذ بعض، والبعض الآخر على عدم نية الاقامة، وعلى قصد الرجوع في يومه أو ليلته فيصير بريدان في يوم ولكن تدل رواية صحيحة(2) على وجوب القصر على أهل مكة بالخروج إلى عرفة بحيث يبعد كل مذكورات.

وأيضا ظاهر الآية أن مجرد الخروج إلى السفر وصدق الضرب سبب للقصر ولكن حدده أكثر الاصحاب بالوصول إلى موضع لا يسمع الاذان ولا يرى الجدران أو أحدهما وقال البعض بمجرد الخروج عن موضعه، ولكل شاهد من الروايات فتأمل في تحقيق الحق.

ثم إن ظاهر أيضا أن القصر رخصة لا عزيمة، ولكن مذهب أصحابنا وأبي حنيفة أنه عزيمة أي واجب معين لا يجزئ غيره، لا جائز مخير فيه ويدل عليه ما روي من طرق العامة والروايات الصحيحة عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وإجماع الطائفة، ونفي الجناح لا ينافي ذلك، مثل وجوب السعي بل يعم وإن كان في الجواز أكثر استعمالا إذ لا شك في أنه لا حرج في فعل الواجب.

فاذا دلت الاخبار من الخاصة والعامة عليه، مثل قول عمر صلاة السفر ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم(3) وقول عائشة أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في السفر، وزيدت في الحضر(4) فالآية تحمل عليه، ولا شك أن القصر أحوط وأولى، ومجمع عليه، فلا بد من المصير إليه.

قال في الكشاف: كأنهم ألغوا الاتمام، وكانوا مظة لان يخطر ببالهم أن

(1) راجع الكافى ج 3: 434.

(2) الوسائل أبواب صلاة المسافر الباب 3 الحديث 1.

(3) أخرجه الشيخ في الحلاف عن عمر ج 1 ص 202 وأخرجه في مشكاة المصابيح: 119 عن ابن عمر وقال: رواه ابن ماجة.

(4) مشكاة المصابيح: 119، الخلاف ج 1: 202، سنن ابى داود ج 1: 274.


122

عليهم نقصانا في القصر، فرفع عنهم الجناح بقوله " لا جناح " الآية لتطيب أنفسهم بالقصر، ويطمئنوا إليه.

ثم إن لصلاة القصر شرائط وأحكاما مذكورة في مظانها فليطلب هناك و أنه قال أصحابنا: الخوف موجب للقصر كالسفر، فالشرط أحد الامر المذكورين في الآية وإن لم يفهم من ظاهرها، بل ظاهرها أن كلاهما معا شرط ولكن دلت الاخبار مع الاجماع على أنهما ليسا بشرطين بل أحدها فقط، ولا استبعاد في ذلك فان أكثر الآيات المستنبطة منها الاحكام في غاية الاجمال، وإنما يفهم تفصيلها من الاجماع والاخبار، على أنه يمكن فهم القصر مع الخوف وحده من آية صلاة الخوف المذكورة بعد آية القصر بلا فصل، حيث دلت على كونها ركعتين ظاهرا و فسرت به فتأمل.

السادسة: واذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة.

الاية(1).

إشارة إلى الصلاة حال الخوف جماعة، وفيها كمال الاهتمام بها، حيث لا يترك في مثل الحال، مع ارتكاب بعض الامور في الصلاة، للتحفظ عليها، و بظاهرها تعلق من قال: إن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وآله من جهة الخطاب وسبب النزول، ولكن الظاهر أنه يثبت عمومها باجماع الطائفة ودليل التأسي وأن حكم الامام حكمه، فلا شك في الجواز معه، وأما بدونه فاذا وجد ما يخالف القواعد فمشكل ولكن ظاهر ما مر ذلك، مع أنه ليس فيها مخالفة واضحة كثيرة للقواعد.

وتركت ذكر تفصيلها لاحتمال الاختصاص به وبالائمة عليه وعليهم السلام مع ذكر أحكام صلاة الخوف وأقسامها في الفقه، وعدم ظهور المقصود منها، بل هي صلاة

(1) وهي: فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم اذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا اسلحتكم وخذوا حذركم ان الله أعد للكافرين عذابا مهينا، النساء: 101.


123

بطن النخل أو ذات الرقاع فتأمل(1) ويمكن أن يكون إشارة إلى صلاة شدة الخوف كما قيل.

السابعة: فاذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فاذا اطماننتم فاقيموا الصلاة الاية(2).

أي إذا أردتم الصلاة - مثل فاذا قرأت القرآن - فصلوا فالذكر بمعنى الصلاة أو بمعناه، ولكن بأن تصلوا له، وهو في القرآن كثير، فحال الخوف صلوا مهما أمكنكم على أى وجه يمكن قياما وقعودا ونحو ذلك، ويحتمل أن تكون إشارة إلى صلاة القادر والعاجز أي صلوا قياما إذا كنتم أصحاء، وقعودا إذا كنتم مرضى لا تقدرون على القيام وعلى جنوبكم إذا لم تقدروا على القعود، وقال في مجمع البيان(3) عن ابن مسعود وروي عن ابن عباس أنه قال عقيب تفسير الآية لم يعذر الله أحدا في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله، وقد روي في أخبارنا أيضا هذا المعنى للآية ويفهم الترتيب بين القيام والقعود والجنوب في الصلاة، ولم يعلم الترتيب بين الجنبين والاستلقاء ويحتمل إرادة الكل من الجنوب من غير ترتيب، أو مع الترتيب ولعل في الرواية إشارة إليه كما صرح به بعض الاصحاب، ولا شك أنه أحوط وكأنه يؤيد إرادة الصلاة، ولكن يشعر بحال الخوف، قوله " فاذا اطمأننتم " يعني في وقت عدم الاطمينان صلوا على قدر ما تتمكنون منه من القيام والقعود والجنوب، فاذا اطمأننتم وقدرتم على أن تقيموها بأركانها المعتبرة حال القدرة فأقيموا الصلاة أي صلوها بحدودها وحافظوا على أركانها وشرائطها كملا كما هي

(1) موضعان: الاول في طريق البصرة قريب من المدينة، والثاني قريب من النخيل بين السعد والشقرة وبئر أرما على ثلاثة أيام من المدينة، راجع شرح ذلك في كنز العرفان ج 1 ص 189.

(2) النساء: 103.

(3) مجمع البيان ج 3 ص 103، وفيه: وروى أنه قال، والظاهر من كلامه أن القائل هو ابن مسعود لا ابن عباس.


124

وقد مضى تفسير تتمتها أعني: " إن الصلاة كانت(1) " الآية.

فان خفتم فرجالا او ركبانا فاذا امنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون(2).

الرجال جمع راجل، مثل تجار وصيام وقيام والراجل هو الكائن على رجله واقفا كان أو ماشيا، والركبان جمع راكب كالفرسان جمع فارس، وكل شئ علا شيئا فقد ركبه، فرجالا حال، والتقدير فصلوا رجالا يعني إن خفتم من عدو أو سبع أو غرق ونحوها ولم يمكنكم الصلاة تامة الافعال والشروط كما هي المقررة حال الامن، فصلوا رجالا على أرجلكم وعلى أي هيئة يمكنكم ماشين أو واقفين إلى القبلة وغيرها بالقيام والركوع والسجود، إن أمكن وإلا فبالنية والتكبير والتشهد و التسليم، يعني تتعمدوا المقدور من الهيئة أو على ظهور دوابكم على أي جهة يتوجه ولو تمكن من القبلة فيها، وإلا فمهما أمكن، وبالجملة في الآية الشريفة إشارة إلى صلاة الخوف على طريق الاجمال، والتفصيل مذكور في الكتب الفقهية مع أدلتها.

وفي مجمع البيان(3) إن عليا عليه الصلاة والسلام صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالايماء، وقيل بالتكبير، وإن النبي صلى الله عليه وآله صلى يوم الاحزاب إيماء " فاذا أمنتم " من الخوف " فاذكروا الله " أي فصلوا صلاة الامن، وقيل اذكروا الله بالثناء عليه، والحمد له شكرا للخلاص من الخوف والعدو، فكأنه الاولى لظهور الذكر فيه ولفهم صلاة الامن من قبيله بقوله " فإذا اطمأننتم " الآية، فدلت على استحباب الذكر شكرا لله على دفع الالم أو الخوف " كما علمكم " أي الذكر مثل ما علمكم من الشرايع وكيفية صلاة الخوف والامن وغيرها، أو شكرا يوازي نعمه، فما موصولة أو مصدرية، و " ما لم تكونوا تعلمون " مفعول علمكم، وما موصولة أو

(1) راجع الصفحة 49 فيما سبق.

(2) البقرة: 239.

(3) مجمع البيان ج 2: 344.


125

موصوفة، ولم تكونوا صلة له أو صفة، وتعلمون خبر تكونوا.

الثامنه: فاذا فرغت فانصب والى ربك فارغب(1).

قيل: فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة يعطك، وهو مروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما الصلاة والسلام(2) وعن غيرهما أيضا و " انصب " من النصب، وهو التعب أي لا تشتغل بعد الصلاة بالراحة مثل النوم والاكل وعدم الاشتغال بشئ بل اشتغل بالعبادة مثل الدعاء بعدها فيكون المراد التعقيب، وهو الدعاء بعد الصلاة، ونقل عن الصادق عليه الصلاة والسلام أنها الدعاء في دبر الصلاة(3) فتكون إشارة إلى استحباب التعقيب كما هو المشهور والمجمع عليه، وهو الاشتغال بعد الفريضة بالدعاء والمسألة، كما يدل عليه الاخبار من الخاصة(4) والعامة، وينبغي إيقاعها بعد الفريضة قبل الاشتغال بشئ حتى قبل النافلة في صلاة المغرب أيضا ويدل عليه الاخبار بخصوصها، فما ورد من فعلها قبل الكلام وتعجيلها، فالمراد غير التعقيب، كما صرح به في الرواية في الفقيه(5) وينبغي أيضا أن يكون على هيئة الصلاة كما يشعر به الآية، ويدل عليه الاخبار وقاله بعض الاصحاب حتى بالغ في الذكرى أنه يضر بالتعقيب جميع ما يضر بالصلاة، و الظاهر أن المراد المبالغة ونقص الفضيلة، وإلا فالدعاء مستحب على كل هيئة وورد في الحديث بعد سؤال التعقيب بعد القيام: أنه معقب ما دام متطهرا(6) ويمكن استفادة استحباب الدوام على الطهارة من هذه الرواية.

وبالجملة الظاهر أنه يفهم من الآية استحباب الطاعة بعد الصلاة سيما الدعاء

(1) الانشراح: 7 و 8(2 و 3) مجمع البيان ج 10 ص 509 و 510.

(4) الكافي: ج 3 ص 341.

(5) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 143.

(6) راجع الفقيه ج 1 ص 216 حديث هشام تحت الرقم 963 من الباب 46.


126

فإنه ورد في الرواية حث عظيم، وترغيب كثير، وثواب جزيل في التعقيب(1) وهو مذكور مع ما ورد في محله فاطلبه، وعدم الفراغ أو النوم فإنهما يضران بالدين و الدنيا، كما ورد في الروايات الكثيرة خصوصا النوم بعد الغداة إلى أن تطلع الشمس فإنه مذموم جدا [ وكذا بعد صلاة الليل فإنه ورد أنه لم يمدح صاحبه بصلاة الليل التي صلاها ] وكذا ورد ذم الكسل والضجر فينبغي الاجتناب عنها.

الله الموفق.

وأيضا فيها إشارة إلى أن الطلب والرغبه إلى الله فقط لا غير حيث قدم الصلاة لافادة الحصر وقال: " وإلى ربك فارغب " أي لا غيره وهو ظاهر.

التاسعة: وأقيم الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين(2).

الصلاة معلومة لغة وشرعا وإقامتها أداؤها بأركانها وشروطها المعتبرة شرعا والركوع لغة هو الانحناء والانخفاض، وقيل هو الخضوع، وهما متقاربان، وشرعا انحناء خاص، وهو الانحناء بحيث يصل يد مستوي الخلقة ركبتيه، على ما ذكره الفقهاء وقد يطلق ويراد به الصلاة فالمعنى إيجاب الصلاة على الاطلاق والعموم، وايجاب الركوع فيها مع الراكعين أو الترغيب إلى الخضوع فيها أو مطلقا مع كل خاضع وخاشع، ومعنى " مع " على الاول لا يخلو عن مسامحة إلا أن يكون المراد الترغيب والتحريض على الجماعة، بعد إيجاب الصلاة، فالمعنى حينئذ صلوا مع المصلين أي صلوا جماعة إماما أو مأموما، فيحتمل أن يكون فيها حينئذ إشارة إلى أن الجماعة لابد لادراكها من الركوع، ويشعر بكون الركوع مع الامام(3) فلو كان الامام راكعا وأدركه حينئذ لم يكن مدركا لعدم صدق الركوع مع الراكع، بل بعده

(1) راجع التهذيب ج 1 ص 227، الكافي ج 3 ص 341.

(2) البقرة: 43.

(3) يعني ابتداء الركوع.


127

ويدل عليه الخبر الصحيح(1) وهو مذهب الشيخ والمشهور خلافه ويدل عليه بعض الاخبار مؤيدا بالكثرة، وبخبر انتظار الامام راكعا للداخل(2) وبالاجماع المنقول عليه والاحتياط يقتضي الاول بل الاصل أيضا.

أو يكون المراد إيجاب الصلاة التي يجب فيها الجماعة كصلاة الجمعة والعيدين أو يكون إشارة إلى وجوب الركوع في الصلاة حيث كان الخطاب لبني إسرائيل وما كان الركوع في صلاتهم كأنه قال: صلوا مثل صلاة المسلمين.

ثم اعلم أن ظاهرها أن الخطاب لبني إسرائيل لما سبق من قوله تعالى " يا بني إسرائيل " [ الآية ](3) ولكن لما علم عدم الفرق في الحكم، فلا يبعد الاستدلال بها على ثبوته على كل المكلفين، مع أن هذا الحكم موجود في آيات وأخبار اخر كما أن الخطاب فيما يتلوها مخصوص بعلماء اليهود كما قال في مجمع البيان، مع أن الظاهر أن الحكم مشترك للاجماع وغيره، وهو قوله تعالى " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أو لا تعقلون(4) " قيل: كان علماء بني إسرائيل يأمرون الناس باتباعه صلى الله عليه وآله ولم يؤمنوا به، ولم يتبعوه، فنزلت الآية الكريمة، ومضمونها النهي عن ترك النفس تاركة للخير والعمل الصالح، مثل الايمان به صلى الله عليه وآله واتباعه، وفاعلة للمعاصي والذنوب مع أمر الناس بضدهما، مع قراء‌ة الكتاب الدال على وصفه ووجوب الايمان به واتباعه، وهو التوراة مع العلم بقبح

(1) كصحيحة محمد بن مسلم: " إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة " وفي اخرى " لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الامام " راجع الوسائل أبواب صلاة الجماعة الباب43 تحت رقم 2و3.

(2) راجع التهذيب ج 1 ص 285، الكافي ج 3 ص 282، الاستبصار ج 1 ص 36.

(3) والاية: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي اوف بعهدكم وإياي فارهبون * وآمنوا بما انزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا واياي فاتقون * ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون * وأقيموا الصلاة الاية.

(4) البقرة 44.


128

ذلك من العقل، وبالجملة الآية تدل على أن الذي يريد لغيره الخير ولا يريده لنفسه لا يعقل، ففيها توبيخ عظيم لمن يفعل ذلك، فهي تدل على كون النفس مذمومة بذلك عقلا، ففيها دلالة على كون القبح عقليا ولا يدفعه " وأنتم تتلون الكتاب " كما قاله التفتازاني في حاشية الكشاف فافهم.

وليس المراد عدم جواز أمر الناس بالطاعات مع ارتكابه المعاصي كما يتوهم إذ العدالة لا يشترط في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما هو الاصل و المشهور ومقتضى الدليل، وعدم اشتراط كون الواعظ متعظا لان الامر بالمعروف واجب(1) وفعله واجب آخر، ولا يستلزم ترك الثاني سقوط الاول، وهو ظاهر، بل المراد إظهار قبحه وكونه أفحش وأظهر قبحا عند العقل لا زيادة عقابه، نعم يمكن كون وعظ المتعظ أدخل، فحينئذ يجوز لتارك الصلاة أمر غيره بها، ولهذه المناسبة أيضا ذكرناها هنا، وبالجملة تفهم من ظاهر الآية الحظر والتهديد العظيم، على من ترك نفسه مع أمر غيره كما يدل عليه قوله تعالى " لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون "(2) إن حمل على الاعم، لا على خلاف الوعد فقط فيدل على وجوب الوفاء بالوعد.

واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين

(3) الاستعانة طلب العون والمعاونة، والصبر منع النفس عن محابها وكفها عن هواها، والمعنى إيجاب الجمع بين الصلاة والصبر، وجعل ذلك معينا لقضاء الحوائج بأن تصلوا صابرين على تكليف الصلاة، متحملين لمشاقها، وما يجب فيها من إخلاص القلب وصدق النيات ودفع الوساوس، ومراعات الآداب، والاحتراس عن المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار أنه انتصاب بين يدي جبار الارض والسموات فإنه إذا فعل ذلك تقضي الحوائج فهي معينة لقضائها وقد وردت الصلاة للحاجة فيحتمل إياها ويحتمل أن يكون المراد بالصبر الصوم فإن الصائم يصبر نفسه على

(1) زاد في المطبوعة: والنهي عن المنكر، وهو سهو.

(2) الصف: 3.

(3) البقرة: 45.


129

الجوع والعطش، ولهذا سمي شهر رمضان شهر الصبر، والضمير راجع إلى الاستعانة أو الصلاة صابرين على مشاقها، وعلى الاخير حذف ضمير الصوم للظهور واكتفي باحداهما العمدة، ويحتمل كونه راجعا إلى جميع ما تقدم من تكاليف بني إسرائيل من قوله " اذكروا " الآية.

ويحتمل أن يكون المعنى واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر والصلاة والالتجاء إليهما، كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة ويحتمل كون الصلاة بمعنى الدعاء حينئذ فيكون الامر بالدعاء والصبر عند البلايا [ الخ ] " وإنها لكبيرة " أي لشاقة على كل مكلف إلا على المتذللين و المستكينين، وثقيلة من قوله " كبر " على ما في الكشاف وسبب عدم ثقلها عليهم توقعهم ما وعده للمصلين والصابرين، بقوله " وبشر الصابرين(1) " الآية، و إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب(2) " كما يفهم من وصفهم بعده بقوله " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون " أي الذين يتوقعون لقاء ثوابه ويطمعون به كذا في الكشاف وفي مجمع البيان الظن هنا بمعنى العلم و اليقين.

العاشرة: واذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والاصال ولا تكن من الغافلين ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون(3).

الانصات هو الاستماع ويحتمل أن يكون مع السكوت، قيل: كانوا يتكلمون في الصلاة فأمروا باستماع قراء‌ة الامام، بل مطلق القراء‌ة المسموعة، والانصات

(1) البقرة: 105.

(2) الزمر: 10.

(3) الاعراف: 204 - 206.


130

إليها، لكن الظاهر عدم وجوبهما بالاجماع إلا في الصلاة للمأموم، فيجب عليه استماع قراء‌ة إمامه، والانصات إليها، ويكون المراد وجوب ترك قراء‌ة المأموم في الجملة أي في الجهرية، وما يسمع ولو همهمة في الاخفاتية، وبها استدل عليه بعض الاصحاب، والحنفية وذلك لا يخلو عن بعد، من جهة إطلاق عام كثير الافراد وإرادة فرد خاص قليل، وأيضا من جهة إيجاب الانصات والاستماع ظاهرا بل صريحا وإرادة عدم وجوبها بل وجوب أمر آخر، وهو ترك القراء‌ة، لاستلزامهما ذلك على أن في الاستلزام تأملا، إذ يمكن القراء‌ة مع الاستماع والانصات إلا أن يريد به السكوت، فيمكن حملها على عموم رجحان الاستماع والانصات، بترك الكلام والتوجه إلى سماعه، وفهم معناه والتدبر فيه، ويكون التفصيل بالوجوب في بعض أوقات الصلاة، وبالاستحباب في الباقي معلوما من غيرها، وعلى استحبابهما للاجماع على عدم وجوبهما إلا ما أخرجه الدليل، ويعلم وجوب ترك قراء‌ة المأموم في موضعه بدليل آخر، وهو الاخبار كما تبين في محله وهي مختلفة، والجمع بينهما لا يخلو عن تكلف، ولهذا اختلف الاصحاب في الحكم وتمام تحقيقه في محله فتأمل.

قوله " واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة " الآية تدل على وجوب الاخفات في القراء‌ة والدعاء والذكر مطلقا، والظاهر عدم القائل به، ويمكن حمله على موضع وجوب ذلك مثل القراء‌ة في الاخفاتية واريد بالذكر في النفس عدم الجهر العرفى الفقهي مع إسماع النفس، وذلك لا يخلو عن بعد، لما مر من بعد حمل لفظ عام على فرد قليل منه، بأن يخصص بألقراء‌ة في بعض الصلاة، مع جعل المراد بالذكر في النفس الاخفات المصطلح عليه في الفقه، ويمكن حمله على الحث والترغيب على إخفاء الذكر والدعاء والقراء‌ة مطلقا بحيث لا يسمع أو بمعنى عدم اطلاع الغير عليه، ليبعد عن الرياء، وعدم الجهر العالي الممنوع منه شرعا، و يؤيده " ودون الجهر من القول " أي الجهر العالي، قال القاضي: أي متكلما من الكلام فوق السر ودون الجهر، فانه أدخل في الخشوع والاخلاص، وذلك قد يكون


131

واجبا إذا كان موجبا لترك الرياء أو يكون قراء‌ة واجبة فيجب إسماع النفس، بحيث يخرج عن حديث النفس، ولا يكون عاليا بحيث يخرج عن الحد، وقد قالوا ذلك في قراء‌ة الصلاة الفريضة، بل يمكن ذلك في مطلق القراء‌ة الواجبة بل مطلق القراء‌ة والدعاء، وفي بعض الاخبار إشارة إلى ذلك، وإن كان في بعضها ما يدل على جواز حديث النفس فتأمل وأول.

ويحتمل أن يكون المراد استحباب إخفات الذكر والدعاء والقراء‌ة، دون المقدار الواجب ليبعد عن الرياء كما قيل في استحباب السر في التصدق المندوبة واستحباب فعل النافلة في المنزل دون المسجد، وإن كان ذلك غير ظاهر، وكذا سائر العبادات، فان الاخلاص فيها هي العمدة، فكلما بعدت عن شبهة الرياء كانت أولى، فيكون المستحب في مطلق الذكر أوصاف التضرع والخوف والخفات و الذكر بالقلب واللسان، لا بمجرد اللسان والتلفظ به، فيكون " في نفسك " إشارة إلى اعتبار القصد لا إلى السر، ويؤيده قوله " ودون الجهر " حتى لا يلزم التكرار، فالمعنى اذكروا الله متكلما قاصدا ومتضرعا ومخافة وخائفا من عدم الاجابة، وطامعا لها، كما يدل عليه قوله تعالى " خوفا وطمعا(1) ".

وهذا آداب القراء‌ة في نفسها، وأما من حيث الوقت فينبغي أن يكون بالغدو والآصال، أي أوقات الغدوات والعشيات أول النهار وأخره وقت العصر كأنهما اختصا لفضلهما، ولبعد العبادات فيهما عن الرئاء، لعدم اطلاع الناس لان أكثر الناس فيهما في منزلهم مشغولون بحالهم فتأمل.

ثم رغب في الذكر وعدم تركه ونسيانه والغفلة عنه بقوله تعالى " ولا تكن من الغافلين " ويحتمل التحريم كما هو ثابت في بعض الاوقات، وعموم الترغيب على عدم الغفلة، والتذكر للعبادة والاشتغال بذكر الله كما مر أو استعمال أوامره ونواهيه بأن يذكر الله وثوابه الموعود وعقابه عند أوامره فيفعل ولا يترك وعند النواهي فيترك ولا يرتكب.

(1) السجدة: 16.


132

ثم إنهم ذكروا استحباب السجدة في آخر هذه السورة، ولعل في قوله " إن الذين " الآية إشارة بعيدة إلى ذلك، وكذا في غيرها والمجموع أحد عشر: آخر الاعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج في موضعين والفرقان، والنمل، وص وإذا السماء انشقت وفي أربع مواضع واجب الم السجدة عند قوله " إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون(1) " وكذا في سورة حم عند قراء‌ة " لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن "(2) الآية ويحتمل عند قوله " لا يسئمون(3) " ولعل الاخير أولى، والاحوط السجدة فيهما، وفي آخر والنجم [ فاسجدوا لله ] " واعبدوا(4) " وآخر اقرأ " واسجد واقترب(5) ".

ولعل دليل الاصحاب على الوجوب في السور الاربع والاستحباب في الباقي هو الاجماع، وبعض الاخبار، مثل ما نقل عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام عزائم السجود أربع(6) وقول الصادق عليه الصلاة والسلام: إذا قرئ شئ من العزائم الاربع فسمعتها فاسجد، وإن كنت على غير وضوء وإن كنت جنبا، وإن كانت المرء‌ة لا تصلي، وسائر القرآن أنت فيها بالخيار(7) ولا يستدل على الوجوب بأنها واردة بصيغة الامر الدالة على الوجوب لانه منقوص(8) وممنوع إذ لا دلالة

(1) الم السجدة: 15.

(2و3) فصلت: 37 و 38.

(4) النجم: 62.

(5) العلق: 19.

(6) رواه الطبراني في الاوسط كما في مجمع الزوائد ج 2 ص 285 وأخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة كما في الدر المنثور ج 5 ص 171.

(7) راجع الكافي ج 3: 318(8) لانه لو كان وجوبها بصيغة الامر فينبغي أن يكون واجبا في المواضع التي ورد الامر فيها وأنتم لا تقولون به، فعلى هذا لا يرد النقض على الشافعي لوجوب السجدة عنده في المواضع كلها، منه رحمه الله في هامش نسخة عش.

أقول: من المواضع التي ورد الامر فيها ولم يقولوا به ما في سورة الحج: 77 " يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا وافعلوا الخير لعلكم تفلحون " وقد حملت على الركوع والسجود في الصلاة، وكذا منقوض طردا بما في سجده الم السجدة، لانها انما تعير المشركين على عدم السجدة وتمدح المؤمنين على فعلها من دون أمر.


133

فيها على وجوب لسجدة عند [ سماع قراء‌ة السجدة وكذا ] قراء‌ة الآية التي هي فيها، وهو ظاهر، فلابد من انضمام مثل: إنه يدل على الوجوب ولا وجوب في غير قراء‌ة هذه الآية والصلاة بالاجماع، وليست سجدة الصلاة بالاجماع وفيه أنه ينبغي أن يدعى الاجماع في المدعى، وعند الشافعى كلها مستحبة وأسقط سجدة ص و عند أبي حنيفة كلها واجبة، وأسقط السجدة الثانية عن الحج(1) قال في الكشاف لان المراد بالسجدة فيه، هو سجدة الصلاة بقرينة مقارنتها بالركوع، وفيه أنه ما استدل الشافعي على استحبابها عندها بهذه الاية، بل بالحديث كما نقل في الكشاف أيضا وغيره وبالجملة لابد من الدليل وذلك خارج عن نفس آية السجدة، وهو ظاهر ثم إن الظاهر من السجود هنا هو وضع الجبهة فقط، فلا يجب وضع الباقي مع احتماله، وكذا الطهارة والذكر، وغير ذلك مما يجب في سجدة الصلاة، و التشهد والتسليم، ويستحب التكبير بعد الرفع والذكر لما روي في الكافي(2) في الصحيح عن أبي عبدالله عليه السلام قال إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك، ولكن تكبر حين ترفع رأسك وفي الصحيح عنه عليه السلام أيضا قال: إذا قرأ أحدكم السجدة من العزائم فليقل في سجوده سجدت لك تعبدا ورقا لا مستكبرا عن عبادتك ولا مستنكفا، ولا مستعظما، بل أنا عبد ذليل، خائف مستجير(3).

ولنتبع الكتاب بذكر آيات: الاولى: فمن كان يرجو لقاء ربه(4).

في مجمع البيان: أي فمن يطمع في لقاء ثواب ربه ويأمله، ويقر بالبعث إليه والوقوف بين يديه، وقيل: معناه فمن كان يخشى لقاء عذاب ربه وقيل إن الرجاء يشتمل على المعنيين: الخوف والامل، وأنشد في ذلك قول الشاعر:

(1) الحج: 77.

(2) راجع الكافي ج 3 ص 317.

(3) المصدر ج 3 ص 328.

(4) وصدرها: قل إنما أنا بشر منكم يوحى إلى أنما إلهكم وإله واحد فمن كان، الاية 110 من سورة الكهف وهي آخر آية منها.


134

فلا كل ما ترجو من الخير كائن * ولا كل ما يرجو من الشر واقع.

فليعمل عملا صالحا

أي خالصا لله يتقرب إليه " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر عن الحسن، وقيل: معناه لا يرائي في عبادته أحدا عن سعيد بن جبير ومجاهد، وقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب منه، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقل شيئا فنزلت الآية قال عطا عن ابن عباس إن الله تعالى قال " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " ولم يقل ولا يشرك به لانه أراد العمل الذي [ يعمل ] لله ويحب أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصله بها، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: قال الله عزوجل: أنا أغنى الشركاء عن الشركة فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا منه برئ فهو للذي أشرك أورده مسلم في الصحيح وروي عن عبادة ابن الصامت وشداد بن أوس قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوما يرائي به فقد أشرك، وقرأ هذه الآية، وروي أن أبا الحسن الرضا عليه السلام دخل يوما على المأمون فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " فصرف المأمون الغلام وتولى إتمام وضوئه بنفسه، وقيل إن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن روي الشيخ أبوجعفر بن بابويه رضي الله عنه باسناده عن عيسى بن عبدالله عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال ما من عبد يقرء " قل إنما أنا بشر مثلكم " الخ إلا كان له نورا في مضجعه إلى بيت الله الحرام، وإن كان من أهل البيت الحرام كان له نورا إلى بيت المقدس وقال أبوعبدالله عليه السلام ما من أحد يقرء آخر الكهف عند النوم إلا تيقظ في الساعة التي يريدها(1).

ثم اعلم أن هذه الآية الشريفة بالتفسير المتقدم يدل على وجوب الاخلاص واشتراطه في العبادة بحيث لا يلحقه بعد ذلك أيضا عجب وسرور بعمله، ويدل عليه

(1) انتهى مجمع البيان ج 6 ص 499.


135

أيضا قوله تعالى " يحبون أن يحمدوا " الآية(1) وهو في غاية من الاشكال والصعوبة الله يعين ويعفو، ويفهم التأويل مما سيجيئ من الكشاف وأيضا يدل على اشتراط الاستقلال بالعبادة فلا يصح التولية والاستعانة فيها، ويدل عليه أيضا ما روي عن الرضا عليه السلام حين(2) سئل أن يصب الماء عليه ومنعه، فقال السائل ما تحب أن اوجر؟ فقال: توجر أنت واعاقب أنا، ولكن هذه مع ما تقدم من حكاية المأمون يدلان على صحة ذلك الفعل، وحصول الثواب للمعين والعقاب للمعان، وهو مشكل فانه ينبغي بطلان العبادة، فكان يجب على المأمون إعادة الوضوء، وعلى الامام الامر بها لا الاتمام، والعقاب على المعين أيضا، فإنه يصير معينا على الحرام إلا أن يحمل على الكراهة مع الطلب، ويكون مقصوده عليه السلام بقراء‌ة الآية إشارة إلى المبالغة في المنع لا الحقيقة، أو يكون ما فعله المأمون من مندوبات الصلاة(3) أو ما تمكن عليه السلام من أكثر من ذلك، ويكون المعين جاهلا وقصد القربة فيثاب، فيكون هذا دليلا لكون الجاهل معذورا.

واعلم أنا قد جربنا الانتباه في وقت أردناه بقراء‌ة الآية المتقدمة، وقد وجدناه كما روي غير مرة وأخبرنا بعض من يوثق به من الاصحاب أيضا بذلك، فالخبر صحيح فيكون وجود النور من المضجع إلى البيت الحرام كذلك صحيصا فانهما مروية في رواية واحدة، ولا معنى لصدقبعضه وكذب البعض، ولكن مع حشو ذلك النور من الملائكة ويدعون للقارئ إلى أن يستيقظ كما رأيته في غير مجمع البيان مثل التهذيب(4) وسيجيئ في الكشاف كذلك فلعل في مجمع البيان غلطا ونقصا و يؤيده ما رواه أبوجعفر بن بابويه في الفقيه(5) في باب ما يقول الرجل إذا أوى

(1) وهي: لا تحسبن الذين يفرحون بما اتوا ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب اليم، آل عمران 188.

(2) الكافي ج 3 ص 69، والسائل هو الحسن بن علي الوشاء.

(3) أي كان الوضوء للصلوات المندوبة، وفي بعض النسخ: من مندوبات الوضوء خ ل.

(4) التهذيب ج 1 ص 185.

(5) الفقيه ج 1 ص 297.


136

إلى فراشه قال النبي صلى الله عليه وآله من قرأ هذه الآية عند منامه " قل إنما أنا بشر " الآية سطع له نور إلى المسجد الحرام حشو ذلك النور ملائكة يستغفرون له حتى يصبح.

أو يكون في غير هذا المحل وأيضا يكفي للعمل وحصول ذلك الثواب الاجماع و الاخبار من العامة والخاصة المنقولين في حصول الثواب لعامل عمل بما روي عنه عليه السلام وإن لم يكن كما روي، وهو ينفع هنا وفي غيره من الاعمال الكثيرة وفقنا الله وإياكم للعلم والعمل الخالصين.

وفي الكشاف: فمن كان يأمل حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضى وقبول - وقد فسر اللقاء - أو فمن كان يخاف سوء لقاء ربه، والمراد بالنهي عن الاشراك بالعبادة أن لا يرائي بعلمه، وأن لا ينبغي به إلا وجه ربه خالصا، لا يخلط به غيره، وقيل نزلت في جندب بن زهير قال لرسول الله صلى الله عليه وآله إني أعمل العمل لله فاذا اطلع عليه سرني، فقال إن الله لا يقبل ما شورك فيه، وروي أنه قال له: لك أجران أجر السر وأجر العلانية، وذلك إذا قصد أن يقتدى به وعنه عليه السلام اتقوا الشرك الاصغر قالوا: وما الشرك الاصغر قال الرياء.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الارض إلى السماء وعنه عليه السلام من قرأ عند مضجعه " قل إنما أنا بشر مثلكم " كان له في مضجعه نورا يتلالا إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلالا من مضجعه إلى البيت المعمور و حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ، فالخبر في ثواب قراء‌ة هذه و تفسيرها ما وافق عليه العامة والخاصة(1).

الثانية: واصبر نفسك اي احبس نفسك يا محمد مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى(2).

(1) وفي الدر المنثور ج 4 ص 256 - 258 روايات في ذلك.

(2) الكهف: 28.


137

يتداومون على الصلاة والدعاء عند الصباح والمساء لا شغل لهم غيره، فيفتتحون يومهم بالدعاء، ويختمونه به، ويحتمل عموم العبادة وما يتقرب به " يريدون وجهه " رضوانه أو يريدون تعظيمه والقربة إليه، دون الرياء والسمعة " ولا تعد عيناك " لا تتجاوز عيناك " عنهم " بالنظر إلى غيرهم من أبناء الدنيا " تريد زينة الحياة الدنيا " أي تريد مجالسة أهل الشرف والغنى وكان النبي صلى الله عليه وآله حريصا على إيمان العظماء طمعا في إيمان أتباعهم، أو لا تمل إلى الدنيا وزينتها قط، ولا إلى أهلها، ولما كان بعض الاحيان يميل إلى إيمان الرؤساء عوتب بهذه الآية، وامر بالاقبال على فقراء المؤمنين، وأن لا يرجع بصره عنهم إرادة مجالسة الاشراف " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا " أي من جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا بتعريضه للغفلة هكذا في مجمع البيان(1) ويفهم منه الترغيب والتحريض بمجالسة الفقراء والصلحاء والعباد دون أهل الدنيا والاغنياء، وهو ظاهر.

قيل نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وخباب وذويهم من فقراء أصحابه وذلك أن المؤلفة قلوبهم جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عيينة بن حصين والاقرع بن حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله إن جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وروايح صنانهم وكانت عليهم جباب الصوف جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك، فلا يمنعنا عن الدخول عليك إلا هؤلاء فلما نزلت الآية قام النبي صلى الله عليه وآله يلتمسهم فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله عزوجل فقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من امتي، معكم الحياة والممات، كذا في مجمع البيان(2) أيضا.

الثالثة: ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولى الالباب(3).

الآيات منصوب بأنه اسم إن وخبره الظرف المقدم عليه، أي في إيجاد الله تعالى السموات والارض وجعله الليل والنهار مختلفين باعتبار الخواص والاحوال

(1 و 2) المصدر: ج 6 ص 465.

(3) آل عمران: 190.


138

بل اختلاف كل واحد منها: تارة بارد، وتارة حار وتارة قصير وتارة طويل لدلالات وأدلة على وجود الله وتوحيده، صفات الله العليا من الوجودية والسلبية لذوي البصائر والعقول، واللب هو الخالص وسمي العقل به، لانه أشرف و أخص ما في الانسان فدلت على الترغيب بعلم الكلام بل الهيئة أيضا " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " في محل الجر بأنه صفة أو عطف بيان أو تأكيد لاولي، ويحتمل أن يكون مرفوعا أو منصوبا على المدح، وهو إشارة إلى أن ذوي العقول، هم الذين يذكرون الله دائما وعلى كل حال، ولهذا ورد التحريص و الترغيب بذكر الله كثيرا مثل ما روي عنه عليه السلام من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله، يا موسى ذكري حسن على كل حال(1) فدلت على الترغيب بذكر الله دائما وعلى كل حال، صحيحا أو مريضا قائما او قاعدا أو مضطجعا، و على أي حال كان من غير مانع بوجه من الوجوه عن ذلك، ويحتمل أن يكون معناه يصلون على هذه الهيئة على حسب طاقتهم كما روي عن الخاصة والعامة روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لعمران بن الحصين صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنب تومئ إيماء، وهذه حجة الشافعي على أن المريض يصلي مضطجعا مستقبلا بمقاديم بدنه، وعلى بطلان مذهب أبي حنيفة أنه يستلقي ومذهب الشافعي موافق لمذهب أصحابنا، ولكن في بعض الروايات الترتيب بين الجنبين اليمين ثم اليسار فيكون المراد حينئذ بذكر الصلاة قاله البيضاوي(1) ورواه علي بن إبراهيم في تفسيره ولا تنافي بين التفسيرين فانه غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه الاحوال، وهم في الصلاة، وهي تدل على هيئة الصلاة في المرض كما ذكره أصحابنا ودلت عليه الروايات.

ويتفكرون في خلق السموات والارض

عطف على " يتذكرون " فتدل على أن من كمال العقل والبصيرة التفكر في خلقهما للاستدلال به، من جهة

(1) الوسائل أبواب الذكر.

(2) أنوار التنزيل: 88.


139

اختراع هذه الاجرام وإبداع أوضاعها، وما دبر فيها مما يتحير فيه العقول عن إدراك بعض عجائبها كما يظهر بالتأمل خصوصا مع ملاحظة علم الهيئة على عظم شأن الصانع، وكبرياء سلطانه، وصفاته الثبوتية والسلبية، وكمال قدرته التي تعجز عن تخيله العقل فيتحقق أن ليس لها صانعا إلا الله الذي لا إله إلا هو، ولا يشبه شيئا ولا يقدر القادرون قدره.

وعن سفيان الثوري أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته.

وفي الآية دلالة على عظم شأن علم اصول الدين وفضله والتفكر في خلق الله مستدلا به على وجود الله وصفاته، حيث جعل كذكر الله ومن لوازم العقل و شرطه على الظاهر، ولهذا روي في أخبار الخاصة والعامة(1) ما يفيد ذلك مثل ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه لا عبادة كالتفكر، وأن ذلك مفيد للعلم ومعلوم شرف العلم بذات الله على غيره من العلوم والاعمال، فانه شرط للكل، وعنه صلى الله عليه وآله بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له، وعن ابن عمر قال قلت لعايشة أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجيب أتاني في ليلتي ودخل لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عايشة هل لك أن تأذن لي الليلة في عبادة ربي؟ فقلت يا رسول الله إني لاحب قربك و احب هواك، قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه وجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الارض فأتاه بلال يؤذنه لصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا؟ ثم قال: ومالي لا أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة " إن في

(1) الدر المنثور ج 2 ص 110 - 111.


140

خلق السموات والارض " الآية ثم قال: ويل لم قرأها ولم يتفكر فيها، وروي ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها.

وفي هذه دلالة على أن العبد الشكور هو الذي يبكي كثيرا وأنه ينبغي الاذن من الزوجة إن أراد القيام للعبادة في ليلتها، فكأنه تجب المضاجعة طولها وأنه لا يضر البكاء والدعاء بحضور الزوجة والاصحاب، ولا ينافي الخفية التي هي مطلوبة في الدعاء، وعلى الوعيد في عدم التأمل في معنى الآية، وعدم التفكر فيما يدل على صفاته، وكأنه يشعر بوجوب المعرفة بالدليل ولا يضر عدم العلم بسند الرواية فتأمل.

ربنا ما خلقت هذا باطلا

كأنه حال عن فاعل " يتفكرون " أي يتفكرون قائلين ربنا و " هذا " إشارة إلى المخلوق المذكور من السموات والارض أو الخلق بمعناه(1) أو إليهما يعني ليس ما خلقت عبثا لا حكمة ولا فائدة ولا غرض فيه، بل فيه حكمة عظيمة، ومصالح كثيرة، من جملتها كونها دليلا على التوحيد والعلم والقدرة والارادة وغير ذلك من الصفات، وكون الارض مبدء‌ا لوجود الانسان وسببا لاستقراره، وترتب الفوائد التي يراها يترتب على خلق الارض والسماء واختلاف الليل والنهار، التي لا يحصيها إلا الله، فيمكن أن يستدل بها على أن أفعال الله تعالى معللة بالاعراض الحاصلة للعباد، فلا يجب عود الغرص من الفعل إلى فاعله، وهو ظاهر، وفيها حكم ومصالح، وأن الباطل والعبث محال عليه وأنه مذموم وقبيح، وأنه منزه عنه كما أشار إليه بقوله " سبحانك " أي ننزهك تنزيها من العبث والباطل.

فقنا عذاب النار

إشارة إلى أن مجرد العلم بفائدة الخلق، يدل على استحقاق العبادة وحسن التكليف والعقاب بتركها، والتقصير في التفكر وغيره مما يستحق وأن له المغفرة والعفو، وأنه قادر على ذلك ولا قبح فيها، وأنه لابد لطلبها من العلم بما تقدم، فلابد من الايمان والعلم بأنه لم يفعل عبثا وباطلا و

(1) اي بمعنى المخلوق كما في أنوار التنزيل: 88.


141

أن مجرد ذلك كاف للطلب وأنه بذلك أهل لها فتأمل.

ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته

بمنزلة العليل للطلب المتقدم كأنهم قالوا إن لم تغفر لنا فتدخلنا النار، فهو الخزي العظيم الذي لا خزي فوقه فهو تأكيد للطلب، وإلحاح فيه، وإظهار الاحتياج إليه تعالى سواء قلنا المراد هو دوام الخلود أم لا؟ ويؤيده الاخبار، فان الاستعاذة من عذاب النار فيها أكثر من أن تحصى، بل في بعضها ما يدل على أن لا عذاب إلا عذاب النار " وما للظالمين من أنصار " أراد بهم مدخلين النار، وضع المظهر موضع المضمر، للاشارة إلى أن سبب الدخول هو الظلم على أنفسهم لا غير، وأنهم يستحقون ذلك، فالعفو والمغفرة إحسان ولطف وتفضل غير لازم، فيدل على أنه بغير التوبة يجوز ويحتمل كما مر، وهو لتأكيد الطلب حيث لا ناصر لهم، وكأن المراد بالناصر: الذي يخلص الداخل منه بنصرة وغلبة على من أراد إدخالهم، فانه الظاهر من الناصر فلا ينافي وجود الشفيع فافهم، ويحتمل أن يراد بالظالمين الكفار، فلا يحتاج إلى التأويل.

ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم

أي آمنوا أو بأن آمنوا(1) " فآمنا " قيل المنادي هو النبي صلى الله عليه وآله وقيل القرآن، والاول أظهر، و

(1) قيل عليه: فيه إشكال فان الاخيرة إشارة إلى أن كون أن مصدرية، وذلك غير جد فانه يصير التقدير ينادي للايمان بالايمان فأجيب بأنها مخففة من المثقلة، واعترض عليه بأنه لا يدفع الاشكال عن صاحب الكشاف مع أنه لابد للمخففة من أحد حروف أربعة حرف النفي وحرف التحقيق، وحرف الاستقبال إلا أن يدخل على الجملة الاسمية أو على فعل غير متصرف لان أن المصدرية لا تدخل هاهنا ثم قال المعترض ويمكن دفع الاشكال عن القرآن بجعلها زائدة كما جوزه بعضهم وأيضا لا استحالة في كون التقدير ينادي للايمان بالايمان بربكم، لان الاول مطلق والثاني مقيد، فلا تكرار، وأيضا النداء للايمان أعم من أن يكون بلفظ الايمان أو بلفظ آخر متناول له، ومستلزم له، فقال بالايمان ليفيد أن النداء إلى الايمان إنما كان بلفظه.

أقول: في دفع الاشكال على تقدير أن المصدرية لا يلزم أن يكون المأول بالمصدر مصدرا صريحا وقد صرح به السيد الشريف في بعض تحقيقاته وأيضا [ لا قصور في ذلك التقدير فانه لا قصور إذا قيل ينادي للايمان بالايمان بالرب أي ينادي له بقول بكونه مضمونه طلب الايمان


142

في ذكره أو لا مجملا ومنكرا ثم مفصلا تأكيد كما في تكرار " ربنا " للطلب.

ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا

يمكن أن تكون الكبائر، كما قالوا: وسيئاتنا إشارة إلى الصغاير فانها تكون مكفرة باجتناب الكبائر عند البعض " وتوفنا مع الابرار " أمتنا موتتهم، واجعلنا بعده معهم، والابرار جمع بر أو بار كأصحاب وأرباب في جمع رب وصاحب " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " ما وعدتنا على تصديق رسلك من الاجر والثواب أو ما وعدتنا بلسانهم ونقلهم عنك وهذا السؤال ليس لان يعمل بوعده وعدم الاخلال به، لاحتمال أن لا يفعل ذلك لان ذلك محال عليه تعالى الله عنه، بل طلب لبقائه على استحقاق ذلك بالموت على الايمان، والعمل الصالح الكامل الذي يستحق بهما ذلك الوعد، مخافة أن لا يكون من الموعودين لسوء العاقبة، أو لقصور في الامتثال للاخلال بشرائطها من

من المخاطبين بالنداء، سواء كان بقوله آمنوا أو صدقوا، أو أسلموا أو قولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ونحو ذلك، ولا قصور في ذلك: ويؤيده ما قيل أن أن المصدرية إذا دخلت أمرا يكون للطلب.

ويجوز كونها مخففة أيضا وما ذكره المعترض من الشرط غير ظاهر، وما ذكره بعض النحاة فكأنه يريد به الاغلبية، ولهذا قال في الكشاف وتفسير البيضاوي في تفسير قوله تعالى " أن إذا سمعتم " أن المخففة من المثقلة وأيضا كلام الكشاف ليس بصريح في كون أن مصدرية أو يكون مقصودة دفع الاشكال بوجه آخر.

وأيضا في قول المعترض في دفع الاشكال بزيادة " أن " لانه جاز عند البعض تأمل فان مجرد ذلك لا ينفع وهو ظاهر، وأيضا ليس الاشكال بالتكرار حتى يدفع بما ذكره: بل عدم ظهور المعنى بقول النداء بالايمان، وقد عرفت له معنى صحيحا فاندفع الاشكال، وأيضا النداء بالايمان أعم كما بيناه، وبالجملة لا إشكال في القرآن ولا في كلام صاحب الكشاف ولا في كلام صاحب القيل: وإنما ذلك في كلام المعترض وهو السيد اليمني والله اعلم، منه ره.

أقول: هذه الحاشية قد طبعت في الطبعة الاولى الحجرية في المتن ونسخة سن خالية عنها متنا وهامشا، وأما نسخة عش فقد جعلتها في المتن والهامش معا، وقال بعد تمامها في الهامش " منه رحمه الله " وإنما جعلناه في الهامش لظاهر نسخة عش وأصالة نسخة سن، ولان مسلك المؤلف رحمه الله في متن الكتاب لم يكن على المناقشات الادبية.


143

الاخلاص وغيره، أو تعبد واستكانه كما يقول الانبياء والاولياء عليهم السلام " اللهم اغفر لي " من غير ذنب، بل يظهرون البكاء والخوف العظيم من العقاب والتقصيرات المفرطة والاقرار بالذنوب العظيمة جدا مع عدم شئ منها " ولا تخزنا يوم القيامة " بالعذاب وإدخال النار بأن تعصمنا عما يقتضيه وتوفقنا لما يبعدنا عنه ولا تفعل ذلك بنا " إنك لا تخلف الميعاد " باثابة المؤمن وإجابة الداعي، بمنزلة دليل على أنه لم يفعل، أي لم تخزنا لانك وعدت بذلك، وأنت لا تخلف الميعاد، أو أنه خبر بمعنى الدعاء فيكون تأكيدا للعصمة، وقال في مجمع البيان: دعاء بمعنى الخبر فافهم " فاستجاب لهم ربهم أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض " يحتمل أن يكون المراد فأجاب دعاء‌هم وطلبهم بأن الله لا يضيع عمل مؤمن فإنه يثيبه على ذلك، فتدل على أنه لابد من العمل ومن الايمان معه، وقالوا أي استجاب طلبتهم وأعطاهم مرادهم ومقصودهم، فدلت الآية على أن الدعاء مع تقديم العجز والانقطاع مستجاب قال في الكشاف روي عن جعفر الصادق عليه الصلاة و السلام من حزنه [ أي أصابه ] أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما أخاف و أعطاه ما أراد وقرأ هذه الآية، وكأنه يريد ذكر المطلب بعد قول ربنا خمسا قال في مجمع البيان وهذا يتضمن الحث على مواظبة الادعية التي في الآية المتقدمة والاشارة إلى أنه مما يتعبد الله بها وندب إليها، وذلك يتضمن الاجابة لمن دعا بها انتهى.

ثم إن في تتمة هذه الآيات دلالة على الاستحباب والترغيب العظيم على المهاجرة في سبيل الله وطاعته، والصبر على الاذى في الله وعلى الاخراج عن الديار والاهل، كالصبر على القتل والقتال، فإن ذلك ليس بمخصوص بالمهاجرين معه صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة لعموم اللظ قال الله " فالذين هاجروا و اخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب "(1)

(1) آل عمران: 195.


144

لانها تدل على أن هذه الامور مطلقا موجبة لمحو الذنوب، والثواب الجزيل ففيها دلالة على أن العمل فيها لا يقع شكرا بل له أجر وعوض، وأن الذنوب يكفر بالعمل الصالح ومثلها كثيرة فتأمل، كقوله تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره "(1) الآية.

يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون(2)

يمكن أن يستدل بها على استحباب المرابطة المصطلحة مع عدم الضرورة، لعدم القائل، وعلى الوجوب معها فهي محمولة على المرابطة المصطلحة و هي ربط النفس وحبسها في ثغور الكفار لدفع من أراد منهم السوء بالمسلمين إن قدروا، ولاخبار المسلمين حتى يدفعوهم فبأمنوا من مجومهم كما يدل عليه بعض الروايات وقال في مجمع البيان: وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال معناه اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، وقيل معنى رابطوا أي رابطوا الصلاة أي انتظروها واحدة بعد واحدة لان المرابطة لم تكن حينئذ روي ذلك عن علي(3) عليه السلام ويؤيده ما روي في انتظار الصلاة بعد الصلاة من الاجر العظيم مثل من جلس في مصلاه بعد الصلاة إلى وقت صلاة اخرى أنه ضيف الله فيكرمه ويعطيه ما سأل(4) قال في مجمع البيان روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن أفضل الاعمال فقال: إسباغ الوضوء في السبرات(5) ونقل الاقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط ثم قال وهذه الآية تتضمن جميع ما يتناوله التكليف لان قوله " اصبروا " يتناول لزوم العبادات وتجنب المحرمات " وصابروا " يتناول ما يتصل بالغير كمجاهدة الجن والانس وما هو أعظم منها من جهاد النفس " ورابطوا " يدخل فيه الدفاع عن المسلمين والذب عن الدين " واتقوا الله " يتناول الانتهاء عن جميع المناهي والزواجر والايتمار بجميع الاوامر، ثم يتبع جميع ذلك الفلاح والنجاح، وبالله التوفيق.

(1) الزلزال: 7.

(2) آل عمران: 200.

(3) مجمع البيان ج 2 ص 562.

(4) راجع مستدرك الوسائل ج 2 ص 246.

(5) السبرات جمع السبرة الغداة الباردة.


145

كأنه يريد بلزوم العبادات المتعلقة بنفسه من غير نظر إلى غيره، وكذا بتجنب المحرمات وإن فهم ذلك المعنى من " صابروا " باعتبار كونه من باب المفاعلة بين الاثنين كما أشار إليه قبله، وكذا رابطوا فكأنه حمله على المعنى الاعم المستفاد من معناه اللغوي وهو مشتق من الرباط والمرابطة وقيل معناه اصبروا على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد، وصابروا أي غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب وأعدا عدوكم في الصبر على مخالفة الهوى، وتخصيصه بعد الامر بالصبر مطلقا لشدته، ورابطوا أبدانكم وخيولكم في الثغور مترصدين للغزو، و أنفسكم على الطاعة كما قال النبي صلى الله عليه وآله الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة، وعنه عليه السلام: من رابط يوما وليلة كان كعدل صيام شهر وقيامه، ولا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة(1).

وإذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا(2)

تدل على الترغيب على السجدة، والبكاء عند سماع آيات الله، قالوا يستحب السجدة عند سماع هذه الآية، وليست بمفهومة بخصوصها منها، كأنه من الاجماع والاخبار فتأمل " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ": شرا، فيها دلالة على تحريم إضاعة الصلاة واتباع الشهوات قيل المراد بالاضاعة تركها، وقيل تأخيرها عن أوقاتها، وفي آخرها ما يدل على قبول التوبة من التارك والتابع للشهوة مع العمل الصالح حيث قال " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا "(3).

(1) الدر المنثور ج 2 ص 113، أنوار التنزيل: 89.

(2) مريم: 58، وما بعدها ذيلها.

(3) نقل في النسخة المطبوعة بعد ذلك شطرا مما تقدم من كلامه في مبحث سجدة العزائم ص 133 أوله، " ونقل في الكشاف وغيره " إلى قوله: " خائف مستجير ": وهو سهو.


146

كتاب الصوم

وفيه آيات

الاولى والثانية: يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * اياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر إلى قوله ان كنتم تعلمون(1).

يعني أوجب الله وكتب أيها المؤمنون الصوم عليكم كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم - فما مصدرية ولعل التشبيه في أصل الصوم، أو العدد والوقت أيضا لكن غير كما نقل في التفاسير - رجاء لتقواكم أي حال كونكم مرجوا منكم التقوى أو راجين أن تكونو من المتقين، أو لرجاء تقواكم بالصوم، فإنه أصل ومن العبادات المعتبرة في التقوى، أو لانه شعارهم ولحصول التقوى لكم به عن ساير المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة كما في الحديث: من لم يطق الباه، فعليه بالصوم، فان الصوم له وجاء.

أي الصوم للعزب بمنزلة الخصاء وفي آخر خصاء امتي الصوم هذا في مجمع البيان(2) والاول في الكشاف والبيضاوي(3) بل القوة الغضبية وما يتبعها من الشرور ويحصل للنفس انكسار، وعدم الميل والقوة إلى ما يضره كما نجد في أنفسنا إذا كنا مفطرين.

(1) البقرة: 183 و 184، وتمام الاية: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون.

(2) راجع ج 2 ص 272.

(3) أنوار التنزيل: 49، وتراه في الكافي ج 4 ص 180 ولفظه، يا معشر الشباب عليكم بالباه فان لم تستطيعوه فعليكم بالصيام فانه وجاؤه، ورواه في البخاري ج 1 ص 326 كتاب الصوم ج 3 ص 238 كتاب النكاح.

الدر المنثور ج 1 ص 176.


147

والصوم قيل لغة الامساك وشرعا إمساك شخص مخصوص عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص، ولا يضر الاجمال لان المقصود هو الاشارة إليه في الجملة، لا بين حقيقته إذ لا يعلم ذلك إلا بعد الاحاطة بشرائط صحته ومفسداته، وهو موكول إلى محله، ووجه ذكر الوجوب على الامم السابقة تسلية المؤمنين بهذا التكليف فيفهم أنه شاق على النفس لانه مناف لمشتهاها كما مر، ويفهم أيضا الاهتمام بتوطين النفس على فعله، وحسن قبوله " أياما معدودات " أي المفروض عليكم الصوم في أيام معلومات موقتات كما ستعلمونه أو قلائل، فعامله الصيام المصدر، وإن وجد الفصل، لان الظرف يكفيه رائحة العامل، فليس ذلك موجبا للذهاب إلى التقدير أي صوموا أياما كما قاله البيضاوي مع أنه موجب للتكرار والثقل على الطبيعة، وكذا قله عمل المصدر المعرف كما قيل، ولم يثبت قول من قال بعدم وجوده في القرآن، على أنه قد يكون المراد العمل في غير الظرف فافهم.

ولعل تلك الايام شهر رمضان كما سنبين عن قريب إن شاء الله تعالى قال في مجمع البيان وعليه أكثر المفسرين، لا ما وجب ونسخ به وهو عاشورا، وثلاثة أيام من كل شهر كما جوزه البيضاوي إذ جعل مثل هذه الآية منسوخة خلاف الظاهر كثيرا بل لا يجوز النسخ ما لم يتعين، سيما مع بقاء حكم ما بعدها المتفرع عليه وأيضا وجوب ثلاثة أيام على غير النبي صلى الله عليه وآله من المؤمنين غير معلوم وإنما نقل في الكشاف وجوبها عليه فقط وإن نقل في غيره صلى الله عليه وآله وأيضا لا ينافي وجوب رمضان وجوب غيره فلا يصلح نسخا له فتأمل.

ففهم منها وجوب صوم شهر رمضان بانضمام ما، والاهتمام بشأنه، وكونه سببا للتقوى، وعلم أيضا كونه واجبا على غير المريض والمسافر من قوله " فمن كان " أي كل من كان " منكم مريضا " ظاهره مطلق المرض أي مرض كان، وما يصدق عليه المرض عاما كما نقل عن البعض في الكشاف لكن خصه الاصحاب بمرض يضره الصوم إما لعسر برئه وطوله أو زيادته بالاخبار ولعله بالاجماع أيضا والاحتياط، و بالمناسبة العقلية، وبما يفهم من قوله " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ".


148

قال في الكشاف: وقيل هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه لقوله تعالى " يريد الله بكم اليسر " وما رده، ولعله رضي به، ونقل عن الشافعي أنه لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل، وما استدل عليه ودليل غير واضح، والآية و الاخبار تدفعه كما عرفت وأيضا أكثر أهل الاسلام خصص المرض بما مر كما خصصوا السفر بسفر التقصير، ولكن ما قيد بحصول المشقة بالصوم فيه إما دائما أو أكثريا بحيث يضمحل عدمها لعدم ضبطها ولظهور الآية والاخبار الكثيرة في عدم القيد مع عدم الموجب من الاجماع والاخبار، بل عدم الخلاف على عدمه كما يفهم.

وقوله " أو على سفر " أي من كان منكم على سفر، فيكون معطوفا على " مريضا " أي من كان منكم في هذه الايام راكب السفر وفي البيضاوي: فيه إيماء بأن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر كأنه أخذه من لفظة " على " و " الايام " وليس بواضح إذ ظاهره كونه في هذه الايام على السفر، وذلك يتحقق بوجوده أكثره في السفر، كما هو المتعارف باجراء حكم الشئ على أكثره، وتدل عليه أخبار صريحة صحيحة وهو المذهب المنصور من المذاهب في هذه المسألة كما هو المحقق في محله فعليه عدة أيام المرض والسفر بعده بمعنى معدودة، وقرئ بالنصب أي فيلصم عدة كذا في الكشاف وتفسير القاضي ولا شك أن " عليه " و " فليصم " مفيدان للوجوب كما هو المقرر في الاصول، فقولهما وجزمهما أنه على سبيل الرخصة لا على سبيل الوجوب - وقيل على الوجوب وزاد القاضي: وذهب إليه الظاهرية وبه قال أبوهريرة - لا يناسب(1) فإنه خروج عن ظاهر الآية بل عما قال في بيان التركيب.

وقال في مجمع البيان(2) وقد ذهب إلى وجوب الافطار في السفر جماعة من الصحابة كعمر بن الخطاب وعبدالله بن العباس وعبدالله بن عمر و عبدالرحمن بن

(1) خبر قوله: فقولهما وجزمهما الخ.

(2) راجع ج 2 ص 273.


149

عوف وأبي هريرة وعروة الزبير وهو المروي عن أئمتنا فقد روي أن عمر بن الخطاب أمر رجلا صام سفرا أن يعيد صومه، وروي عنهم عليهم الصلاة والسلام ذلك فقد علم عدم الاجماع أيضا عندهم على الرخصة، بل عدم الخبر الصحيح، بل مطلق الدليل الصحيح لبعد خفائه عنهم، وزيادة البيضاوي قوله " إن أفطر " خلاف الظاهر وارتكاب مثل هذا الحذف في القرآن العزيز من غير ضرورة لا يجوز، إذ العمل بظاهر القرآن بل مطلق الادلة متعين كما هو المبين في الاصول والعقول.

ففهم من ذلك وجوب القضاء على المريض والمسافر سواء صاما أو أفطر الايجابه بقوله " فعدة " على ما مر، فلا يكون ذلك الصوم مجزيا لانه ما يسقط به القضاء عند الفقهاء، فلا يكون جائزا، إذ لو كان جائزا لاجزأ، وأيضا أحد لم يقل بجوازه من غير أن يكون أحد الواجبين وقد أبطلناهما، وأيضا ظاهر قوله " فليصم غير هذه الايام " أنه لا يصم هذه، فيكون الصوم فيها حراما كما ذهب إليه أصحابنا ولعله إجماعي وعليه أخبار كثيرة صحيحة(1) بل يفهم تحريم مطلق الصوم في السفر إلا أنا نجد في الكتب أنهم استثنوا مثل صوم النذر المقيد به، وعليه رواية صحيحة(2) و يجعل بعضهم بل أكثرهم الصوم الغير الواجب في السفر مكروها، وبين ذلك بعضهم بأنه أقل ثوابا إذ لا تكون العبادات إلا راجحة أو حراما فلو كانت جايزة مكروهة لكان بالمعنى الذي مر، وذلك غير واضح، إذ العبادة كما لا يجوز كونها محرمة يجوز كونها مكروهة بالمعنى الحقيقي أيضا إلا أن يقال باعتبار النية، فيحرم لانه تشريع فتأمل فالظاهر في الصوم سفرا إما التحريم مطلقا إلا ما ثبت استثناؤه، أو الكراهة بمعناه المتعارف في الاصول بمعنى أنه لم يصم لكان أحسن من الصوم أي عدمه خير من وجوده، ولا يعاقب عليه، ولا مانع في العقل أن يقول الشارع ذلك للمكلف وقد ثبت في الاخبار كثيرا النهي عنه سفرا، ولم يثبت ما يدل على الرجحان بخصوصه إلا ما روي في خبرين ضعيفين جدا(3) من فعل أحد الائمة عليهم الصلاة والسلام في

(1) الكافى ج 4 ص 126، الفقيه ج 2 ص 90.

(2) راجع صحيحة علي بن مهزيار في التهذيب ج 1 ص 433.

(3) الكافي ج 4 ص 130 باب صوم التطوع تحت الرقم 1 و 5.


150

صوم شعبان سفرا، وليس بصريح أيضا في المندوب، لاحتمال النذر، ويحتمل اختصاصه به أيضا ويبعد الجمع بحمل الاكثر الاصح لاجل واحد أو اثنين ضعيفين غير صريحين على الكراهة بالمعنى المذكور، إذ يبعد أن يمنع الامام بقوله " لا تصم أو ليس من البر "(1) عن صوم مثل يوم الغدير، وأول رجب وسائر الايام المتبركة من يريد صومه ويسأله عن فعله أو لا، بمعنى أن الثواب أقل من ثواب الصائم في الحضر أو بمعنى أن الثواب في الافطار سفرا أكثر من الصوم فيه، إذ ليس الفطر عبادة في السفر على ما هو المشهور في غير الواجب مثل شهر رمضان ويبعد أن يكون الانسان مثابا في السفر بالافطار بثواب أكثر من الثواب الذي يحصل له بالصوم فيه، وأيضا لا معنى لصومه عليه الصلاة والسلام في السفر مع مرجوحيته من الافطار على ما دل عليه الخبران اللذان هما وجه حمل الاخبار الدالة على نهي الصوم في السفر ندبا على الكراهة فتأمل الله يعلم.

وأما التتابع في القضاء فلا يبعد كونه مستحبا لما في بعض الروايات، وقراء‌ة " متتابعات(2) " وإن كان الحق عدم حجية ما لم يثبت كونه قرآنا كما بين في الاصول، لكنه مؤيد - وأيضا " سارعوا "(3) وغيره مما يدل على التعجيل في فعل الخير وأيضا ربما يحصل مانع فتفوت تلك العبادة العظيمة وأيضا يتمكن به من الصوم المندوب بالاتفاق، حيث ذهب أكثر الاصحاب إلى عدم جوازه لمن عليه الفرض، وعليه دل الخبر الصحيح والحسن أيضا كلاهما في الكافي(4) وأيضا أظن أن بعض الاصحاب ذهب إلى وجوب التعجيل في القضاء فيخلص بذلك عن الخلاف وما ورد في بعض الروايات من التفصيل من الامر بالتتابع في الستة والتفريق في

(1) لفظ الحديث ليس من البر الصيام في السفر، والحديث مروي بطرق كثيرة عن العامة والخاصة، راجع الوسائل الباب 1 من أبواب من يصح منه الصوم تيسير الوصول ج 2 ص 312، مشكاة المصابيح: 177 وقال: متفق عليه.سنن ابن ماجة تحت رقم 1664 و 1665.

(2) نقله في كنز العرفان ج 1 ص 207 ونسب القراء‌ة إلى أبي بن كعب.وقيل: إنه في مصحف ابن مسعود أيضا.

(3) آل عمران: 133.

(4) راجع ج 4 ص 123.


151

الباقي فليس بثابت، بل الظاهر استحباب التتابع مطلقا للروايات، والجمع بينها وبين ما يدل على التفريق لو وجد لا يفيد ترجيح التفريق، ولو في البعض بل ولا التساوي.

وأما معنى " وعلى الذين يطيقونه " ففيه اختلاف كثير والمنقول عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام الذين هم العارفون بالقرآن أن المراد بهم الشيوخ والعجايز الذين كانوا يطيقون أولا الصوم، ثم صاروا بحيث لا يطيقونه إلا على وجه المشقة التي لا يتحمل مثلها عادة أو يطيقونه بجهد وطاقة ومشقة لا يتحمل مثلها في العادة، وكذا الحوامل المقربات، والمرضعات القليلات اللبن كما قاله الاصحاب، فعلى الاول في الآية حذف أي كانوا يطيقونه من قبل والآن ليسوا كذلك وعلى الثاني يكون مؤولا بمعنى يطيقونه الصوم بالجهد والطاقة أي المشقة، والذي يدل عليه ما رواه محمد بن يعقوب في كتابه عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن صفوان بن يحيى عن علا بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه الصلاة والسلام في قول الله عزوجل " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " قال الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش [ وعن ] قوله " فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا " قال من مرض أو عطاش(1) والظاهر أن هذا الخبر صحيح وما رواه في كتابه صحيحا عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه الصلاة والسلام يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في رمضان ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام ولا قضاء عليهما، فان لم يقدرا فلا شي عليهما(2) وروي أيضا فيه مرسل ابن بكير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " قال الذين كانوا يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مد، وروي أيضا فيه صحيحا(3) عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر عليه الصلاة والسلام: يقول الحامل والمقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج

(1 و 2) الكافي ج 4 ص 116.

(3) الكافي ج 4 ص 117.


152

عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، لانهما لا يطيقان الصوم: وعليهما أن يتصدق كل واحد منهما في كل يوم يفطر فيه بمد من طعام، وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد، وفي صحيح آخر فيه عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال مثله فكأن ترك التاء في " واحد " باعتبار التعبير بالحامل المقرب و لفظه مذكر ويفهم من الخبر الثاني إطلاق رمضان فيمكن حمل المنع الوارد في بعض الروايات على تقدير الصحة على الكراهة وأيضا فهم حكم العطاش ونحوه ودخولهم في الآية.

وقال في مجمع البيان(1) وروي عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله عليه الصلاة والسلام قال معناه: وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم، ثم أصابهم كبر أو عطش أو شبه ذلك، فعليهم لكل يوم مد، وكأنه إشارة إلى مرسل ابن بكير فكأنه لصراحته وكونه عاما في المقصود اختاره فكأن الارسال لا يضر حيث أسنده غيره مع عمل الاصحاب بل الظاهر عدم الخلاف قال فيه أيضا وروي عن علي بن إبراهيم باسناده عن الصادق عليه الصلاة والسلام قال: " وعلى الذين يطيقونه فدية " من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح ولم يقض ما فات حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه أن يقضي ويصدق لكل يوم مدا من طعام، وهذا رأيته في تفسيره من غير أن يسنده ولم يرو عنه في الكافي مع نقله عنه في هذه المسألة روايتين وسيجيئان.

ومن تطوع خيرا

أي تطوع في البر في جميع الامور، سواء كان زيادة في الفدية بأن يطعم أكثر من ستين مسكينا كما قال بعض، أو زيادة على المد لمسكين واحد، أو الادام كما قال به الآخر، أو الزيادة في الاطعام المذكور مطلقا جامعا بين القولين كما نقل عن ابن عباس كل ذلك في مجمع البيان " فهو " أي التطوع " خير له " وأحسن " وأن تصوموا خير لكم " يعني صومكم خير لكم من الافطار لما فيه من المصالح الخفية والظاهرة، " وأن تصوموا " بمعنى الصوم مبتدأ و " خير " خبره و " لكم " متعلق به.

أو أن ثواب من صام أكثر من ثواب فدية من أفطر، و

(1) راجع ج 2 ص 274.


153

إن كانا واجبين، والظاهر منها أن الصوم خير من اختيار الفدية قال في الكشاف وتفسير القاضي: " وأن تصوموا خير لكم " أيها المطيقون أو المطوقون(1) وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم " خير لكم " من الفدية وتطوع الخير، فتدل على التخيير بين الفدية والصوم لهؤلاء الذين ذكرناهم، فيمكن القول به، لكن بشرط عدم حصول العلم بالضرر الذي يؤول إلى وجوب الافطار، والظاهر من عبارات الاصحاب هو جواز الافطار لا الوجوب " إن كنتم تعلمون " أي إن كنتم تعلمون ما في الصوم من الفضيلة والمصالح تعرفون أنه خير لكم من الفدية والافطار، ويحتمل أن يكون معناه إن كنتم من أهل العلم والعقل السليم، والتميز بين الحسن والاحسن والقبيح والاقبح(2) تعرفون أنه خير لكم، فالجزاء محذوف، وليس ببعيد كونه إشارة إلى إظهار فضيلة الصوم كما مرت إليها الاشارة في الاخبار مطلقا من غير قيد بما نحن فيه كما هو الظاهر من المعنى الاخير الذي هو أولى وأعم فكأن معناه إن كنتم من أهل العلم والتميز تعرفون خيرية الصوم لكم من الافطار، وبالجملة لا يدل على خيرية الصوم في السفر والمرض عن الافطار كما هو المشهور في ألسنة الطلبة والعوام على طريق التخيير.

والآية دلت على وجوب الافطار للمريض والمسافر وكذا الاخبار بل إجماعهم أيضا على الظاهر، وعلى وجوب القضاء عليهما أيضا، ولكن إذا اتصل المرض إلى رمضان آخر، فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ فعموم الآية يفيد ذلك، وذهب إليه بعض الاصحاب والمشهور عدمه لظهور الروايات الصحيحة مع عدم وجوب الفدية لتلك الروايات ويجب القضاء معها - وذهب إليه الصدوقان وقواه في الدروس وأيضا الشيخ زين الدين في شرح الشرايع - إذا لم يتصل المرض إلى رمضان آخر وصح فيما بينهما بحيث يقدر على القضاء وترك سواء كان متهاونا أم غيره، وهو من كان عازما وأخر باعتقاد وسعة الوقت، ثم حصل له مانع، مثل حيض أو مرض أو سفر ضروري، و

(1) إشارة إلى قراء‌ة ابن عباس " وعلى الذين يطيقونه " بمعنى يكلفونه منه رحمه الله.

(2) بين الحسن واللاحسن: والقبيح واللاقبيح، عش.


154

المتهاون من لم يخطر بباله أو خطر وعزم على الترك.

وذهب الشيخ وأكثر المتأخرين إلى وجوب الفدية على المتهاون دون غيره وأما القضاء فالظاهر أنه إجماعي عندهم، والروايات تدل على الاول، فليس ببعيد القول به، مثل ما رواه محمد بن يعقوب في كتابه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير بن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر، فقالا: إن كان برأ ثم توانى قبل أن يدركه رمضان آخر، صام الذي أدركه، وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين، وعليه قضاؤه، إن كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وتصدق عن الاول لكل يوم مدا على مسكين، وليس عليه قضاء، وما رواه أيضا فيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن إسمعيل عن فضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة عن أبي جعفر عليه الصلاة والسلام في الرجل يمرض ويدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ولا يصح حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال: يتصدق عن الاول ويصوم الثاني، وإن كان صح في ما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا ويتصدق عن الاول(1).

وهذه مذكورة في الفقيه أيضا عن جميل عن زرارة إلى آخر ما نقلناه، و زيادة(2) وجميل هذا الظاهر ابن دراج الثقة لانه هو الذي نقل وأخذ عن زرارة وروى عنه أيضا ابن أبي عمير كما قال في كتاب النجاشي(3) وطريق الفقيه إليه صحيح كما هو مذكور في كتاب الرجال، فالخبر صحيح في الفقيه وغيره كما سمي في كتب الفقه به مثل المختلف وشرح الشرايع وأما الاول فالظاهر أنه حسن لوجود علي بن إبراهيم بن هاشم وكذا سماه في المختلف والمنتهى وقال الشيخ زين الدين

(1) الكافي ج 4 ص 119 تحت الرقم 1 و 2.

(2) والزيادة: ومن فاته شهر رمضان حتى يدخل الشهر الثالث من مرض فعليه أن يصوم هذا الذي دخله وتصدق عن الاول لكل يوم بمد من طعام ويقضى الثاني، راجع الفقيه ج 2 ص 96.

(3) رجال النجاشي: 98.


155

في شرح الشرايع " لصحيحة محمد بن مسلم وزرارة " وما وجدت في كتب الاخبار غير ما ذكرته عن محمد بن مسلم فالظاهر [ أنه ] إنما عنى ذلك فاشتبه عليه الامر أو تعمد و ثبت توثيقه عنده، والظاهر أنه يفهم توثيقه من بعض الضوابط والذي رأيته من الاخبار المعتمدة في هذه المسألة في الكتب الخبرين المذكورين والصحيحة المذكورة في التهذيب عن(1) الحسين بن سعيد عن فضالة كأنه هو ابن أيوب الثقة، وطريق الشيخ فيه إلى الحسين صحيح [ عن عبدالله بن سنان ] عن أبي عبدالله عليه الصلاة و السلام قال: من أفطر في شهر رمضان في عذر ثم أدركه رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم فأما أنا فاني صمت وتصدقت.

وأما التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ في التهذيب، والمتأخرون من الاصحاب فدليله غير واضح إذ نقل له رواية غير ظاهرة الصحة، دلالتها أيضا ضعيفة، فالمصير إليها بعيد، وهي(2) رواية الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي عن أبي بصير كلهم مشتركون بل ضعفاء غير الحسين عن أبي عبدالله عليه الصلاة والسلام قال إذا مرض الرجل بين رمضان إلى رمضان ثم صح فانما عليه لكل يوم أفطر مدا فدية طعام، وهو مد لكل مسكين، قال وكذلك أيضا في كفارة الظهار مدا مدا، و إن صح فيما بين الرمضانين، فانما عليه أن يقضي الصيام، فان تهاون به وقد صح فعليه الصدقة والصيام، لكل يوم مد إذا فرغ من ذلك الرمضان.

والسند علم و أما الدلالة فليست فيها، إذ ما فيها تفصيل، وليس التهاون أيضا بصريح فيما قاله يعني أخر من غير قصد وعزم على القضاء، بل هو مطلق الترك ولهذا ما ذكر خلافه ولو كان كذلك كان المناسب ذكر ما يقابله أي العازم، وإنما قابله بمن لم يفعل ولم يقض، قال في الصحاح: الهون هو السكينة والوقار، وتهاون به أي استحقره، و الظاهر أن معناه هنا كان عليه القضاء، فان ترك القضاء ولم يفعله مطلقا كما هو

(1) التهذيب ج1 ص 423.

(2) الاستبصار ج 2 ص 111 التهذيب ج 1 ص 423 ومثله في تفسير العياشي ج 1 ص 79.


156

موافق لغيره من الاخبار المعتمدة التي ذكرناها، وغيرها مما لم نذكر، وقول الشيخ زين الدين قدس سره في شرح الشرايع: ودلت عليه - مشيرا إلى ما ذكرناه - الاخبار الصحيحة كصحيحة محمد بن مسلم وزرارة وغيرهما يدل على وجود الصحيح أكثر مما نقلناه، وما عرفناه ذلك، وقد عرفت من هذه الاخبار أن الواجب هو المد أيضا كما هو مذهب الاكثر، ولو كان للاقل(1) دليل على المدين، فحمله على الاستحباب غير بعيد وكذا استحباب القضاء، لمن اتصل مرضه إلى رمضان آخر وكذا التتابع في القضاء لما مر ولصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه الصلاة و السلام قال إذا كان على الرجل شئ من رمضان فليقض في أي شهر شاء أياما متتابعة فان لم يستطع فليقضه كيف شاء، وليحص الايام، فان فرق فحسن وإن تابع فحسن، المذكورة في الفقيه وهي في الكافي حسنة(2) وحسنة عبدالله أي عبدالله سنان أيضا وسماها في شرح الارشاد صحيحة، وليس بواضح لان إبراهيم بن هاشم في الطريق على ما في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير(3) عن حماد أظنه ابن عيسى عن الحلبي عن عبدالله بن المغيرة عن عبدالله سنان عن أبي عبدالله عليه الصلاة والسلام قال من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فان قضاه متتابعا فهو أفضل، وإن قضاه متفرقا فحسن لاباس به، فعلى تقدير وجود خبر دال على التفرق كلا أو بعضا يحمل على التخيير، وكذا الاختصار للمسافر على القدر القليل من الاكل والشرب وترك الجماع للاخبار، والجمع والخروج عن

(1) يعني الاقل من الاصحاب.

(2) الفقيه ج 2 ص 95، الكافي ج 4 ص 121.

(3) الكافي ج 4 ص 120، ولكن نقل عن المنتقى أنه قال، أتفق في الطريق غلط واضح في جميع ما عندي من نسخ الكافي، والذي يقوى في خاطري أن ما بين قوله [ عن أبيه ] وقوله [ عن عبدالله بن المغيرة ] مزيد سهوا من الطريق الاخر، ولم يتيسر له أن يصحح ويحتمل أن يكون الغلط باسقاط واو العطف من قوله " وعن عبدالله بن المغيرة " فيكون الاسناد مشتملا على طريقين للخبر يرويه بهما إبراهيم بن هاشم ولا يخلو من بعد بالنظر إلى المعهود في مثله، راجع مرآت العقول شرح الكافي للعلامة المجلسي رحمة الله عليه.


157

الخلاف، وكذا للمريض ترك الزيادة على ما يستضر بتركه للعلة المفهومة من الآية، والاخبار، سيما الخبر الذي يدل على اجتناب الجماع للمسافر، وترك زيادة الاكل والشرب، وأيضا لا يبعد إلحاق المسافر في بعض الاحكام المذكورة بالمريض.

ثم إن الله تعالى أردف وجوب الصوم وأكده وبين تلك الايام بقوله تعالى أعني الآية الثالثة شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون(1).

الشهر معروف وهو ما بين الهلالين أو ثلاثين يوما ورمضان مصدر رمض بمعنى الحر والشدة فنقل إلى الشهر، وجعل الشهر مضافا إليه، فصار المجموع علما وهو غير منصرف للالف والنون مع التعريف كذا في الكشاف وتفسير القاضي و فيه تأمل، إذ المجموع هو المعرفة والعلم لا المضاف إليه فقط وقيل هو أيضا علم فكانا له علمين مركب ومفرد، فلا يحتاج إلى الجواب بحذف المضاف من العلم فانه خلاف الاصل، وبعيد عن الطبع والاستعمال في مثل ما روي عنه صلى الله عليه وآله: من صام رمضان إيمانا واحتسابا الحديث(2) ومن أدرك رمضان ولم يغفر له الخبر(3)

(1) البقرة: 185.

(2) تمامه: غفر الله له ما تقدم من ذنبه، والحديث أخرجه في المستدرك ج 1 ص 570 عن دعائم الاسلام والسيوطى في الجامع الصغير على ما في السراج المنير ج 3 ص 366.

(3) تمامه: ففي أي شهر يغفر له، راجع الوسائل الباب 1 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 14.


158

ولا يبعد أن يحمل مثل هذه على الجواز والبيان عنه صلى الله عليه وآله والذي ورد في البعض من المنع عنه بأنكم لا تقولوا رمضان فانكم ما تدرون ما هو؟ بل قولوا شهر رمضان بحملها على الكراهة لو ثبت الصحة إذا لم يكن غرض صحيح أو لمن لم يعرف مطلقا وقيل في وجه التسمية إنه إنما سمي الشهر بذلك لارتماض الناس واحتراقهم في حر الجوع وعطش بصومه، أو لارتماض الذنوب فيه به، وهما مبنيان على وجود الصوم في هذا الشهر حين التسمية، وهو غير معلوم.

في الكشاف إن الصوم عبادة قديمة وكأنهم سموه لارتماضهم الخ أو لوقوع التسمية لهذا الشهر في رمض الهواء بالشمس أي حرارته.

والارادة ظاهرة أي طلب المراد، واليسر والعسر متضادان معلومان أي اللين والصلابة والتكميل والاكمال الاتمام، و " شهر " رفعه إما بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي يعني الايام المعدودة التي فرض صومها شهر رمضان، وكونه بدلا عن الصيام كما قيل في تفسير البيضاوي بعيد لحذف المضاف ووجود الفصل الكثير، ولزوم كونه مكتوبا على الذين من قبلنا أيضا وهو غير معلوم أو مبتدا خبره الذي انزل أو هو صفة و " فمن شهد " خبره، و لوصفه بما تضمن معنى الشرط صح الفاء في خبره " وهدى وبينات " حالان عن القرآن و " من " بيانية و " الفرقان " عطف على الهدى أي هو آيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل، وإعراب " فمن " الخ ظاهر.

و " لتكملوا " يحتمل عطفه على ما يستفاد مما سبقه أي أسقط الصوم عن المريض والمسافر، وأوجب في أيام اخر لارادة التيسير، وعدم إرادة التعسير، وللتكميل.

أو يكون التقدير: وشرع ذلك للتكميل.

وحذف للظهور، ويحتمل أيضا أن يكون معطوفة على اليسر أي يريد أن تكملوا، قالهما في تفسير القاضي والكشاف وفي الثاني الاول أوجه، ولعل حاصل التفسير: فرض وأوجب عليكم الصيام الشهر الشريف الذي أنزل الله فيه القرآن العزيز الذي هو هاد للناس من الضلال إلى الهدى، ومبين ، الحلال والحرام، والفارق لهم بين الحق والباطل، بمعنى كون ابتداء النزول وقع فيه أو إنزله إلى السماء الدنيا كله كان فيه، ثم ينزل بالتدريج على مقدار


159

المصلحة أو أنه نزل في شأنه بعض القرآن، أي وصفه وبيان رتبته بأن فيه ليلة [ هي ] خير من ألف شهر.

ثم بين كيفية وجوب هذا الصوم بأنه على من يجب وفي أي وقت؟ كما سنذكره في الآية اللاحقة، فقال " فمن شهد " أي حضر في موضع في هذا الشهر غير مسافر بل ولا مريض أيضا، فالشهر مفعول فيه كما صرح به في تفسير القاضي و الكشاف ومجمع البيان، فالشهود هو الحضور في البلد وكأن المراد مع القدرة على الصوم في الصحة التي يفهم من إيجاب الصوم وفهم من الاولى أيضا، فلا يكون " ومن كان مريضا " بمنزلة الاستثناء والتخصيص فانه خلاف الظاهر من العبارة و سوقها، ولهذا ما ذكر فيها، وكان المراد أعم من الحضور في بعض أو كله " فليصمه " أي يجب عليكم الصيام في الذي كنتم حاضرين وقادرين فيه على الصوم من الشهر - فنصب ضمير " فليصمه " وإن كان الظاهر على أنه مفعول به، إلا أنه في الحقيقة على الظرفية وحذف الخافض واوصل الفعل - وذلك لان الله تعالى يريد ويحب لكم أمرا هينا غير شاق وصلب وحرج وضيق في جميع اموركم، ولا يريد ضد ذلك، بل يريد عدمه، فإن إرادة الشئ مستلزما لعدم إرادة ضده بل ادعي العينية وأكده مع ذلك بقوله " ولا يريد بكم العسر " المنفي بالاول فيفهم منه كمال المبالغة لارادة اليسر وعدم العسر.

فأشار مرة إلى عدم مرغوبية صوم المسافر لتقييد وجوبه بالحضر، ثم التصريح بصوم عوضه بعد زواله، ثم ببيان العله له مع نفي ضدها اللازم لارادة اليسر، ثم التصريح بعدم إرادة العسر، ثم بالعلل الاخر مثل التكبير والشكر على تشريع اليسر دون العسر كما هو منقول عن الامم السابقة، فيحتمل أن يكون قوله " و لتكملوا " علة الامر بمراعاة العدة أي إنما أمرتكم بقضاء الشهر لتكملوا عدته " ولتكبروا الله " علة لتعليم كيفية القضاء للمسافر بعد السفر وللمريض بعد المرض " ولعلكم تشكرون " علة اليسر وإسقاط الصوم ففيها لف ونشر، ويحتمل أن يكون كل واحد علة لكل واحد، بل الظاهر أن " لتكملوا " علة القضاء، ولتكبروا


160

بمعنى لتعظموا الله وتحمدوه على هدايتكم أو على الذي هداكم إليه من العبادات والعلم بكيفية العمل، فما إما مصدرية أو موصولة، وقيل المراد به التكبير في عيد الفطر أو التكبير عند رؤية الهلال وكلاهما بعيد، سيما الاخير لعدم الفهم و بعد العلية.

فالحكم الذي يستفاد منها وجوب صوم شهر رمضان بعد حصوله من الآية الاولى إجمالا وكذا وجوب الافطار على المسافر والمريض لما مر تحريره، وفهم أيضا من بيان اهتمام الواجب تعالى بذلك حيث أكده بتأكيدات شتى كما عرفت ووجوب القضاء عليهما، ونفي المشقة والحرج والضيق عن العباد في كل الامور إلا مشقة علم وجوب تحملها لمصلحة يعلمها الله، وعدم مشروعية عبادة شاقة من عند نفسه كما يدل عليه غيرها من الآيات والاخبار، فتكون الشريعة سمحة سهلة فكأنما ذكرت هذه الآية لتأكيد وجوب الافطار على المسافر والمريض، ليندفع وهم عدم جواز ذلك، بل عدم وجوبه أيضا ولبيان أن الواجب في الآية الاولى هو صوم أيام شهر رمضان أو أن اليسر مطلوب والعسر منفى وإلا فعلم وجوب الصوم من الاولى وعدمه عليهما.

ولا يبعد أيضا الاستدلال على جواز السفر في شهر رمضان من غير ضرورة بهذه الآية وما قبلها، حيث فهم أن المسافر مطلقا يجب عليه الافطار والقضاء كما مر ولو كان السفر غير جائز لما كان كذلك بل كان الواجب عليه الصوم، ويحرم الافطار، ولا يجب القضاء، بل يجزئ ما صامه في السفر، ولان هذه الآية تدل على نفي العسر وطلب اليسر، ولا شك أن منعه من السفر لما ينتفع به لدينه أو دنياه عسر، وليس بيسر.

ويدل عليه بعض الاخبار الصحيحة الصريحة مثل ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح(1) عن أبي عبدالله عليه الصلاة والسلام قال إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار عليه صيام ذلك اليوم ويعتد به [ من شهر رمضان ].

وكذا

(1) الكافى ج 4 ص 131، الفقيه ج 2 ص 92، التهذيب ج 1 ص 417.


161

صحيحة الحلبي عن الصادق عليه الصلاة والسلام أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم قال إن خرج قبل أن ينتف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعض الزوال فليتم صومه.

وهو حسن على رواية الشيخ و صحيح على ما رواه في الفقيه(1) وهذه صريحة في الجواز قبل الزوال ويفهم بعده أيضا في الجملة لعدم المنع في الخبرين وعدم القول بالواسطة على ما أظن.

ولصحيحة رفاعة(2) قال سألت أبا عبدالله عليه الصلاة والسلام عن الرجل يريد السفر في شهر رمضان قال: إذا أصبح في بلده ثم خرج فان شاء صام، وإن شاء أفطر، ولصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه الصلاة والسلام أنه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان وهو مقيم وقد مضى منه أيام فقال: لا بأس أن يسافر ويفطر ولا يصوم، ولصحيحة حماد بن عثمان، قال قلت لابي عبدالله عليه السلام رجل من أصحابنا جاء خبره من الاعراض(3) وذلك في شهر رمضان أتلقاه وأفطر؟ قال نعم قلت أتلقاه وأفطر أو أقيم وأصوم؟ قال تلقاه وأفطر، ولما في الفقيه في الصحيح عن أبان بن عثمان(4) وسئل الصادق عليه الصلاة والسلام عن الرجل يخرج يشيع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة فقال: إن كان في شهر رمضان فليفطر، قيل: فأيهما أفضل يصوم أو يشيع؟ قال يشيع إن الله تعالى وضع الصوم عنه إذ اشيع.

ويفهم منه استحباب التشييع على وجه آكد، فافهم وغيرها من الاخبار على ما في المختلف لكن تركتها لعدم الصحة.

والذي يدل على مذهب أبي الصلاح وهو تحريم السفر في شهر رمضان أخبار غير صحيحة إلا خبر أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قال سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الخروج إذا دخل شهر رمضان فقال لا، إلا فيما اخبرك به: خروج فيه إلى مكة أو غزو في سبيل الله، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف هلاكه، وإنه ليس بأخ

(1) التهذيب ج 1 ص 416، الفقيه ج 2 ص 92، الكافى ج 4 ص 131.

(2) ترى هذه الروايات في المصادر الثلاثة بتقديم وتأخير في الصفحات.

(3) أعراض الحجاز رساتيقه، وفي الفقيه والكافي: الاعوص وهو عين قرب المدينة.

(4) في نسبة هذا الحديث إلى أبان بن عثمان سهو راجع الفقيه ج 2 ص 90.


162

من الاب والام(1) ويمكن الجواب عن استدلاله بضعف الاخبار، وبأن أبا بصير مشترك وأيضا أرسل عن أبي حمزة عنه في الفقيه، فان كان الثمالي كما هو الظاهر فالطريق على ما قيل قوي على تقدير توثيق أبي بصير وإن كان البطائني فليس بقوي أيضا لانه مجهول والظاهر أن أبا بصير هو يحيى بن القاسم على ما نقل في الكافي عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير وعلي هو قائد أبي بصير يحيى فيحتمل سقوطه على ما في الفقيه.

وأيضا في الكافي " تريد وداعه " بدل تخاف هلاكه، فلا دلالة فيه حينئذ و بأنه ليس بصريح في التحريم، فان كلمة " لا " تحتمل التحريم والكراهة وإن قلنا إن الاول أظهر، ولكنه ليس بمثابة يعارض هذه الاخبار، ويخصص عموم القرآن به إذ لابد لتخصيص القرآن بالخبر من كون الخبر نصا في الدلالة على ما يخرج به القرآن عن ظاهره، وبالجملة ينبغي في تخصيص قطعي المتن بظني المتن من كون دلالة المخصص الظني قطعية لينجبر به قطعية العام، فلابد أن يكون دلالة الخاص على الفرد المخرج بالمخصص عن العام القطعي أقوى وأتم من دلالة العام عليه، وهو ظاهر ومبين في الاصول، فلا تغفل عن هذه اللطيفة وبأنه قد يكون بترك ما أخبر به أيضا مثل ما فهم من الاخبار، بل ذلك متعين لعدم إمكان ترك هذه الاخبار كلها، أو أن هذا عام فيخصص بتلك الاخبار يعني نزيد عليه ما وجد في الاخبار الاخر، ولا يمكن حمل تلك على هذا، إذ فيه حصر في امور مذكورة محصورة ولو حمل على كل ضروري كما هو مذهب أبي الصلاح فهو خلاف الظاهر من الرواية فمذهبه أيضا لا يناسب دليله، ومع ذلك لا يمكن حمل بعض الروايات عليه، كما يعلم إذا تأملتها.

وبعد هذا كله حمله على الكراهية للجمع ويدل عليه ما ذكره الشيخ في التهذيب عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام قلت جعلت فداك يدخل علي شهر

(1) التهذيب ج 1 ص 444، الفقيه ج 2 ص 89، الكافي ج 4 ص 126.وفيه أو أخ تريد وداعه.


163

رمضان فأصوم بعضا فيحضرني زيارة قبر أبي عبدالله عليه السلام فأزوره وأفطر ذاهبا وجائيا أو اقيم حتى أفطر وأزوره بعدما أفطر بيوم أو يومين؟ فقال: أقم حتى تفطر قلت جعلت فداك فهو أفضل؟ قال: نعم أما قرأت كتاب الله " فمن شهد منكم الشهر فليصمه ".

ففيه دلالة على الافضلية وكذا يدل عليها ما رواه في الفقيه(1) في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه الصلاة والسلام قال: سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعدما يدخل، فسكت فسألته غير مرة فقال يقيم أفضل إلا أن يكون له حاجة لابد من الخروج فيها أو يتخوف على ماله، وإن كان الحلبي محتملا ولكن الظاهر أنه ثقة كما يفهم من كلامهم و المشهور أنه مكروها إلى أن يمضي ثلاثة وعشرون يوما، فتزول الكراهة للخبر بذلك التفصيل، حيث قال في الرواية: فاذا مضت ليلة ثلاث وعشرين فليخرج حيث شاء.

ثم اعلم أن في الاخبار المتقدمة دلالة على الافطار لو سافر قبل الزوال، و على الصوم والاجزاء لو سافر بعده، ويدل عليها مع ذلك الاجماع المنقول في المختلف عن الشيخ والاخبار الصحيحة الدالة على أن من قصر الصلاة قصرالصوم، ومن لم يقصرها لم يقصره(2) فالعجب أن في المختلف بعدما اختار ما قلناه هنا ورد مذهب الشيخ قال: قوله إذا خرج بعد الزوال مع تبييت النية للسفر أمسك وعليه الاعادة ليس ببعيد من الصواب، إذ لم يتحقق منه شرط الصوم، وهو النية.

فانه في غاية البعد، إذ لا معنى بالاعتداد بالصوم والامر به، ووجوب القضاء والاعادة مع أن الامر مفيد للاجزاء والصحة كما بين في محله إلا أن يؤول بالامساك وهو بعيد أيضا، وليس له دليل إلا ما تخيل من قوله هنا، إذ لم يتحقق إلى آخره يعني النية شرط فاذا بيت بنية السفر لم يتحقق نية الصوم فلا يصح الصوم، و هو ليس بدليل بعدما نقلنا لك ما رأيت من أن النية قد لا تشترط في الليل وقد

(1) الفقيه ج 2 ص 90 الكافي ج 4 ص 126.

(2) الفقيه ج 1 ص 280 وج 2 ص 91 و 92.


164

يتحقق على طريق الشرط، ولهذا يوجبون النية على من بيت نية السفر، و يوجبون عليه الصوم لا الامساك فقط حتى يخرج وأيضا قد تحصل النية بالنهار بعد أن عرف أنه إنما يسافر بعد الزوال وحينئذ يصح فيجزي صومه أو يكون تبييت النية في الليل على هذه المثابة أي بأنه إنما يسافر بعد الزوال.

ثم قال بالتخيير بين الافطار والصوم لصحيحة رفاعة المتقدمة، بعد أن قال أصح ما بلغنا في هذا الباب هي مع روايتي الحلبي ومحمد الصحيحتين المتقدمتين و قال إنما قيدنا ذلك بالخروج بعد الزوال، جمعا بين الاخبار، ولك أن تقول: الجمع بين الاخبار إن اقتضى ذلك يقتضيه قبل الزوال أيضا فانه نقل في المختلف أخبارا تدل على وجوب الصوم إذا سافر قبل الزوال أيضا مع أن حمل صحيحة رفاعة على النصف الاول أقرب، لقوله أصبح، ويأبى حمله على تفصيل صحيحة الحلبي المتقدمة فيمكن الحمل على عمومه وهو ظاهر، وحمل المتقدمة على الاستحباب، ويمكن حملها على قبل الزوال على معنى مخير بين أن يبطل سفره فيصوم، وبين أن يلتزمه فيفطر، أو يحمل على أن معناها إن خرج قبل الزوال فيفطر، وإن خرج بعده فيصوم، فهو مخير بين الصوم والافطار بهذا التفصيل، بل يجب حملها عليه لوجوب حمل المطلق والمجمل على المقيد والمفصل، وقد مضى المفصل والمقيد.

واعلم أنه قد طولنا في هذه المسألة، والعذر ما ذكره في المختلف للتطويل وهو كونه من المسائل الجليلة، وأنه أفتى فيه أولا بما ذكرناه أولا ثم استصوب مذهب الشيخ، بعد رده، واستدل عليه، ثم استوصب التخيير واستدل عليه، وهذا لا يخلو عن اضطراب، على أنه اعترض في هذه المسألة على ابن إدريس بالاضطراب الله تعالى يعلم الصواب.

ثم اعلم أنه لما كانت في الآية المذكورة بعدها دلالة ما على بعض الاحكام مع اشتمالها على التحريض، في الطلب والدعاء والسؤال من الله تعالى، مع ورود أن دعاء الصائم لا يرد ذكرناها هنا.


165

واذا سالك عبادي عني فانى قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون(1).

روي أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت(2).

النداء للبعيد المحتاج إلى رفع الصوت والمناجاة للقريب الذي لا يحتاج إلى ذلك والخطاب له صلى الله عليه وآله والتقدير فقل لهم إني قريب - وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد واطلاعه على أحوالهم - بحال من قرب مكانه منهم، يعني إذا سألك عبادي - وفي هذه الاضافة تشريف لهم - عن كيفية أحوالي من جهة القرب والبعد فقل إني عليم أعلم دعاء‌كم، ولو كان في غاية الخفاء كما يسمع القريب إذا قرب فمه إلى اذنه يناجيه، بل أقرب من حبل الوريد، فأقبل دعاء الداعي إذا دعاني، و لعل " ذكر إذا دعان " للتحريص في الدعاء والترغيب في التكرار، وتعريف الداعي إشارة إلى داع خاص وهو الذي يدعو متيقنا للاجابة، ويطلب ماله فيه المصلحة، لا المحرم، ولا مالا يليق بحاله وليس فيه المصلحة، أو يكون إلى الجنس، وبالجملة إن الله يعلم المصلحة ويستجيب معها، ولا يستجيب بدونها، ويعجل ويؤخر لذلك ولو لم يستجب يعوض ويثيب في الدنيا والآخرة فعلى تقدير عدم الاجابة لا ينبغي الترك واليأس، فإن ذلك للمصلحة.

فاندفع بما قررناه السؤال المشهور كما ذكره المفسرون أيضا.

وبعد أن وعد بالاجابة والقبول قال: " فليستجيبوا لي " أي اقبلوا أنتم أيضا دعوتي إذا دعوتكم وأمرتكم بالطاعات والدعاء، فاطلبوا واسألوا تضرعا وخفية لا بقلب ساه وغير متوجه، ومتعقل لمعنى ما تقولون، لا جهرا ورياء فإن الله لا يحب المعتدين واطلبوا ولا تستكبروا ولا تتركوا الدعاء استكبارا وتجبرا، وعدم اعتقاد

(1) البقرة: 185.

(2) راجع الدر المنثور ج 1 ص 194، مجمع البيان ج 2 ص 278.


166

الاجابة وعدم علمه بالسماع وقدرته على الاجابة، فإن من فعل ذلك يدخل النار مقيما فيها.

وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنتخير الوارثين

إلى قوله(1) " وكانوا لنا خاشعين " في الكشاف سأل زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ولدا يرثه، ولا يدعه وحيدا بلا وارث ثم رد أمره إلى الله مستسلما فقال وأنت خير الوارثين، إن لم ترزقني من ترثني، فلا ابالي فإنك خير وارث، وإصلاح زوجه أن جعلها صالحة للولادة، بعد عقرها، وقيل تحسين خلقها، وكانت سيئة الخلق، فيمكن أن يستدل بها على تحقق الارث من الانبياء عليهم السلام فتذكر ! وعلى استحباب هذا الدعاء لطلب الولد، ولا يبعد أن يستجاب له كما لزكريا عليه السلام مثل الآيتين المتقدمتين(2) و يدل عليه الرواية عن أبي عبدالله عليه السلام(3).

إنهم كانوا

بمنزلة التعليل لاستجابة دعاء الانبياء السابقين عليهم السلام، يريد أن الانبياء المتقدمين استحقوا إجابة دعوتهم وقبول دعائهم بمبادرتهم إلى أبواب الخير، ومسارعتهم في تحصيل العبادات كما يفعل الراغبون في الامور الجادون وقرئ " رغبا ورهبا " بالاسكان، وأنهم يدعون الله رغبا راغبين في الدعاء، وراجين للاجابة، وخائفين من الرد، وعدم الاجابة، وعقاب ربهم، مثل قوله " ويحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه "(4) وأنهم كانوا خاشعين متضرعين، فالمسارعة إلى العبادات مطلقا مطلوبة لله كما في " وسارعوا "(5) فيدل على أن فعلها في أول الوقت أفضل، الصلاة وغيرها، إلا لدليل وعلى الدعاء.

(1) والاية هكذا: فاستجبناه له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين - الانبياء: 89 و 90.

(2) هما قوله " وأيوب اذ نادى ربه انى مسنى الضر وانت أرحم الراحمين فاستجبنا له وكشفنا ما به من ضر " الاية وقوله بعدها " وذا النون اذ ذهب مغاضبا إلى قوله تعالى فاستجبنا له " الاية.

(3) يعنى الرواية الاتية.

(4) الزمر: 9.

(5) آل عمران: 133.


167

فهذه الآية تدل على استحباب كون الداعي مسارعا في الخيرات، وراغبا و راهبا وخاشعا ليستجاب دعاؤه، فيمكن أن يقيد به عموم ما يدل على استجابة الدعاء مطلقا، مثل قوله تعالى " ادعوني أستجب لكم " وهذا أحد الاجوبة لما يقال: كثيرا ما ندعو ولا نرى الاجابة فتأمل.

قال في مجمع البيان: روى الحارث بن المغيرة قال قلت لابي عبدالله عليه السلام إني من أهل بيت قد انقرضوا، وليس لي ولد، فقال لي: ادع وأنت ساجد رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين "(1) فقد أشرنا فيما قلناه إلى معنى قوله تعالى في التحريص على الدعاء في الآيتين الاخيرتين بقوله " ادعوا ربكم تضرعا وخفية إن الله لا يحب المعتدين " و " ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين "(2).

وليؤمنوا بي

أمر بتحصيل الايمان أي التصديق بجميع ما جاء به الانبياء لمن لا إيمان له، وبالثبات والاستمرار للمتصف به أو التصديق بأنه قادر على الاجابة " لعلهم يرشدون " راجين في ذلك كله الرشد، يعني إصابة الحق والخير.

واعلم أنه لما أمر بعبادات شاقة وهي الصوم بتكميل العدة على وجه أمر به والقيام بوظائف التحميد والتكبير والشكر على ما يليق به، فإن الاتيان بالمأمور به على وجهه ومع شرائطه عسر ومشقة كما يفهم من الرواية المشهورة، وهي على ما سمعتها من بعض الفضلاء أنه روي أنه قال صلى الله عليه وآله شيبتني سورة هود إذ فيها " فاستقم كما امرت " في الكشاف عن ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال شيبتني سورة هود والواقعة وأخواتهما، وروي أن أصحابه قالوا له لقد أسرع فيك الشيب، فقال شيبتني سورة هود(3)، وعن بعض رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقلت له: روي عنك أنك قلت

(1) راجع مجمع البيان ج 7 ص 61.

(2) الاعراف: 5، غافر: 50. راجع ص 82 و 84 مما سبق.

(3) ورواه الثعلبي باسناده عن أبي اسحاق عن أبي جحيفة كما في المجمع ج 5 ص 140 وهكذا في الدر المنثور ج 3 ص 319.


168

شيبتني سورة هود؟ فقال نعم، فقلت: ما الذي شيبتك منها أقصص الانبياء؟ و هلاك الامم؟ فقال: لا، ولكن قوله " فاستقم كما امرت "(1) وعن جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام " فاستقم كما امرت " قال: افتقر إلى الله بصحة العزم، وغيره من الاخبار عن أهل البيت عليهم السلام وأيضا قال في الفقيه قال أبوجعفر عليه السلام يا جابر من دخل عليه شهر رمضان فصام نهاره، وقام وردا من ليلة، وحفظ فرجه ولسانه، وغض بصره وكف أذاه خرج من الذنوب كيوم ولدته امه، قال جابر قلت له: جعلت فداك ما أحسن هذا من حديث؟ قال: ما أشد هذا من شرط(2) أتى(3) بهذه الآية الشريفة الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لاقوالهم مجيب لدعائهم، مجاز لهم بأعمالهم حتى يهون ذلك عليهم، ويكون حريصا عليها ففهم من الآية وجوب الايمان وقبوله، ووجوب قبول سائر الطاعات واعتقاد إجابة الدعاء، واعتقاد أنه سميع عليم، وأنه ليس في جهة ولا مكان إذ لو كان كذلك لما قرب إلى كل داع، ثم بين أحكام الصوم وكيفية فعله بعد أن بين الفاعل فقال: احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وانتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم فالان باشروهن و ابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم اتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون(4).

(1) أخرجه البيهقي في شعب الايمان عن أبي على السرى كما في الدر المنثور ج 3 ص 320.

(2) الفقيه ج 2 ص 60.

(3) جواب قوله في الصفحة الماضية، لما أمر.

(4) البقرة: 187.


169

قيل: سبب نزولها أن الله تعالى لما أوجب الصوم على الناس، كان وجوبه بحيث لو صلوا العشاء الآخرة أو رقدوا، ما يحل لهم الاكل والشرب والجماع إلى الليلة القابلة، ثم إن عمر باشر بعد العشاء فندم وأتى النبي صلى الله عليه وآله واعتذر إليه فقام إليه رجال واعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزلت كذا في تفسير القاضي والكشاف وقاله في مجمع البيان، أيضا، وأنت تعلم أن هذا أيضا لا يناسب ما نقلنا عنهما في تفسير قوله تعالى في أوائل السورة " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات(1) " الآية أنها تدل على أن الفاسق لا يصلح للامامة، وأن النبي معصوم قبل النبوة أيضا وهذا دليل على أنه(2).

وأما تفسيرها فهو أن الله تعالى أباح الجماع في الليلة التي يصبح فيها صائما إذ الرفث هو الجماع هنا كما قاله المفسرون، ودل عليه سبب النزول، وكأن لتضمنه معنى الافضاء عدي بالي " هن لباس " استيناف لبيان سبب الاباحة، بمعنى أن الصبر عنهن صعب لانهن مثل الثياب لكم وأنتم كذلك، فشبه شدة المخالطة والملامسة والانضمام بمخالطة الثياب وملامستها وانضمامها بصاحبها، وقيل هن فروش لكم وأنتم لحاف لهن ه أو شبه حفظ كل واحد حال صاحبه عن كشفه عند غيره بفعل الساتر وصيانته عن كشف عورته عند الغير.

علم الله

بيان لزيادة سبب الاباحة ولطفه ورحمته لعباده، بأنه يعلم أنهم ما يفعلون الصبر، بل يختانون الاوامر والنواهي بالمخالفة والمعصية فما يؤدون الاوامر الشرعية التي هي أمانات، ويظلمون أنفسهم بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها عن الثواب لشهوتهم وقلة تدبرهم في العواقب ويسعون ويبالغون في الظلم والاختيان والخيانة لكثرة الميل والشهوة، ولهذا قال " تختانون " وما قال

(1) البقرة: 124.راجع ص 44 - 48 فيما سبق.

(2) عجز شعر أوله: يحب الغلام إذا ما التحى * وهذا دليل على أنه يقال: التحى الغلام: إذا نبت شعر لحيته وقوله على أنه اى على أنه كذا وكذا، كناية،


170

تخونون

إذ الاختيان أبلغ في الخيانة كالاكتساب والكسب، فان زيادة المباني تدل على زيادة المعاني، كما هو المشهور عندهم، فيحتمل أن يكون الزيادة في الاكتساب هنا(1) إشارة إلى أن المعصية لا تكتب عليها، ولا تصير سببا للعقاب إلا بعد كثرتها: فعلا أو إصرارا والسعي والجد في تحصيلها وتعمدها وعمدها(2) والكسب في الطاعة، إلى أن الطاعة تكتب ويثاب عليها، بمجرد وقوعها، على أي وجه كانت وأدنى شئ منها، فيكون إشارة إلى كمال كرم الله ولطفه ورحمته وشفقته قال صاحب الكشاف وذكر في المطول أيضا أنه إشارة إلى أن النفس إنما تعمل المعاصي بالميل والشهوة والسعي، فهي أعمل وأجد في المعصية، بخلاف الطاعة.

فتاب عليكم

أي قبل توبتكم إن تبتم عما فعلتم، ومحا عنكم ذنوب ما فعلتم من المحرم الذي ذكرناه من قبل أو مطلقا لعموم اللفظ، فدل على الوجوب قبول التوبة سمعا، لان الله تعالى أخبر بذلك " فالآن باشروهن " يعني لما جوزنا ورفعنا التحريم، فافعلوا ما نهيناكم عنه وابتغوا واطلبوا ما كتبنا لكم وقدرنا وأثبتناه في اللوح المحفوظ من الولد، إشارة إلى أنه لا ينبغي حصر الغرض من هذا الفعل في الشهوة وإعطاء النفس ما تريد، بل ينبغي جعل ما هو مطلوب لله منه غرضا ومطلوبا، أو اجعلوا جميع ما تطلبون في مطالبكم وأفعالكم من أرزاقكم و أزواجكم وأولادكم ما كتب الله لكم، أي اقصدوا الذي قدره ورضيه لكم، لا غيره، فانكم تتعبون في التحصيل، ولم يحصل وما يليق بكم أيضا، لعموم اللفظ.

وكلوا

أي باشروهن وأطعموا " واشربوا " من حين الافطار إلى أن يعلم لكم الفجر المعترض في الافق ممتازا عن الظلمة التي معه، فشبه الاول بالخيط الابيض، والثاني بالاسود، وبين المراد بأن الاول هو الفجر، واكتفى ببيانه عن بيان الثاني لانه علم من ذلك، ثم بين آخر الصوم بقوله: " ثم أتموا الصيام

(1) في قوله تعالى:" ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " البقرة 286.

(2) في النسخ: وعدمها، وهو تصحيف: وقد فسره بعضهم بقوله: أي يحتمل أن عدم زيادة الحروف والمعاني والكسب إشارة إلى أن الطاعة تكتب، وهو كلام بارد.


171

إلى الليل " بأنه أول الليل، وهو دخول الظلمة في الجملة، وقالوا يعلم بغروب الشمس المعلوم بذهاب الحمرة المشرقية، بحيث لا يبقى منها شئ وإن بقيت صفرة أو بياض، هذا عند أكثر الاصحاب وعند الشيخ باستتار القرص كما عند العامة والروايات مختلفة، ولعل الاحوط ما قاله الاكثر للاكثرية، واحتمال دليل غيره التقييد به، للخبر الدال على أن غيبوبة القرص المذكور في بعض الروايات يعلم بالذهاب المذكور.

ثم إنه نهى عن المباشرة في حال كونهم عاكفين في المساجد، وكأنه لمناسبة اشتراط الصوم في الاعتكاف ذكر متصلا بأحكام الصوم والاعتكاف هو اللزوم لغة، و شرعا هو اللبث المخصوص في مكان مخصوص للقربة، ولا يحسن تعريفه بأنه لبث في جامع صائما للعبادة كما هو في كلام بعض الاصحاب، فانه مشعر بكون الغرض من اللبث فيه عبادة اخرى غيره من صلاة أو تسبيح أو قراء‌ة أو غير ذلك وليس كذلك وتفصيل أحكامه وأحكام الصوم يطلب من كتب الفقه.

ثم أكد الاحكام المذكورة بقوله " تلك حدود الله " يعني أن ما نهيتم عنه من المنهيات صريحا أو في ضمن الامر، من حدود الله " فلا تقربوها " فنهى عن قرب المنهيات وترك المأمورات للمبالغة مثل " لا تقربوا الزنا ".

.

(1) أو المراد بالقرب المخالفة، وبحدود الله أحكامه أمرا كان أو نهيا أي لا تتعدوها لقوله تعالى " تلك حدود الله فلا تعتدوها "(2) " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه "(3).

كذلك يبين الله

الخ أي مثل هذا البيان المذكور يبين الله لكم آياته مثل الترخص، رجاء تقواكم عن المعاصي والمحارم.

وأما الاحكام المستفادة منها فهي إباحة الوطئ في ليلة كل يوم يراد صومه أول الليل وآخره أي ليلة كانت، وأي صوم كان، وتحريم ذلك في النهار من المفهوم، ومن مفهوم المفهوم إباحة التقبيل وغيره من الافعال المتعلقة بالنساء

(1) اسرى: 32.

(2) البقرة: 229.

(3) الطلاق: 1.


172

غير الجماع، إذ مفهوم الاباحة المذكورة تحريم الرفث في النهار، ومفهومه ما قلناه، وذلك كله معلوم بالاصل والاخبار بل الاجماع أيضا فخلافه من التحريم والكراهة يحتاج إلى الدليل، ووجوب التوبة، لانه قد علم سقوط الذنب بها وفعل مسقطه الذي هو مخلص من ضرر عظيم واجب عقلا وسمعا أيضا على ما هو المقرر.

ورجحان المباشرة المستفادة من الامر أي باشروهن ويحتمل الاستحباب مطلقا إلا أن يدل على غيره دليل، كالكراهة مثل أول ليلة كل شهر غير شهر رمضان، ونصفه وغيرهما مما هو المذكور في الفقه مع دليله، إذ لا قائل بالوجوب أو يكون للاباحة مجملا، والتفصيل مستفاد من الشرع مثل وجوبها لو خاف الوقوع في الزنا، أو بعد مضي أربعة أشهر، واستحبابها في أول ليلة شهر رمضان للرواية وانكسار الشهوة في النهار، ورفع حدث يحتمل وقوعه من غير شعور، وعند كثرة الميل مع عدم الوصول إلى الوجوب، ورجاء حصول ولد يعبد الله، والكراهة مثل ما مر، والاباحة إذا لم يكن دليل على غيرها.

واستحباب النكاح ووجوبه أو التسري(1) لان المباشرة المستحبة أو الواجبة موقوفة عليه إذ الاصل عدم التقدير، واستحباب طلب الولد بالنكاح ليعبد الله لا المال والجمال، كما وقع النهي عنهما في الاخبار، ولا قصد التلذذ والشهوة كالبهائم واستحباب القناعة والرضا بما كتب الله، واستحباب اختيار الولود أي من هي في سن من تلد أو من البيت الغالب عليهن الولادة أو الخالية من علامات العقم، مثل عدم الحيض على ما قيل أو التي تزوجت وما ولدت، ولا يبعد فهم كراهة الوطئ في غير القبل الذي ليس هو من مظنة حصول الولد، وكراهة العزل عن الامة و المتعة، والتحريم في غيرهما يكون مستفادا من غيرها من الاخبار أو الاجماع إن كان.

وإباحة الاكل والشرب بل رجحانهما، لبقاء الامر في معناه الاصلي في

(1) التسرى: أخذ السرية.

والسرية كذرية الامة التي أنزلتها بيتا وتزوجتها سرا لئلا تعلم زوجتك بها، أو هو مطلق التزوج بالاماء.


173

الجملة وإن كان بعد النهي وقلنا إنه للاباحة بمعنى رفع الحظر أم لا، وهذا يجري في المباشرة أيضا، وتحريم الاكل والشرب بعد الفجر للغاية لان مفهوم الغاية حجة كما هو الحق المبين في الاصول وهذا على تقدير حمل الامر على الاباحة بالمعنى الاعم واضح، وبالمعنى الاخص كذلك بضم أمر آخر إليه لا على حمله على الاستحباب.

وليس ببعيد إخراج جزء ما قبل الفجر أيضا من باب المقدمة، فيحرمان في ذلك أيضا كما يحرمان في جزء من أول الليل كذلك كما هو المصرح في الاصول والمدلل فحينئذ يمكن أن لا يصح النية مقارنة للفجر، فكيف في النهار، لوجوب تقديمها على المنوى بحيث لا يقع جزء منه خاليا عنها يقينا، وذلك لم يتحقق إلا بوقوعها قبله، ففهم أيضا وجوب النية ليلا لان الصوم المنوي الذي هو الامساك في تمام النهار مع جزء من الليل من باب المقدمة لابد أن لا يخلو عن النية يقينا ولو لم تكن في الليل لم يتحقق ذلك، نعم لو فرض تحقق الصوم بدون جزء من الليل يمكن القول بالمقارنة، فيسقط المقدمة كما في سائر ما يجعلونه مقدمة للواجب فبناء على ما تقرر عندهم يلزم مقارنة النية لذلك الجزء، فجوازها من أول الليل وكذا النهار فيما يجوزونه يحتاج إلى الدليل.

فقد ظهر لك من ذلك أنه على تقدير جعل " حتى " غاية للمباشرة أيضا لا يدل على جواز الوطئ إلى الفجر، فيدل على جواز وقوع الغسل نهارا وصحة صوم المصبح جنبا، وما ذكره في الكشاف بقوله: قالوا فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم شهر رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، كما قاله القاضي أيضا غير ظاهر، ثم إن الظاهر أن حتى غاية للشرب لان المذهب الحق الثابت في الاصول أن القيد المذكور بعد الجمل المتعددة للاخيرة فكأنه أشار إليه صاحب الكشاف باسناد ما مر إلى الغير كيف لا، وهو خلاف مذهب الحنفي؟ وأما هنا فيمكن تعلقه بكلوا أيضا لانه مع الشرب كشئ واحد فكأنهما جملة واحدة، أو نقول ليس بمتعلق إلا بالشرب وكون الاكل مثله لدليل آخر من السنة والاجماع


174

أو إجماع مركب، وكذا غاية الجماع، واشتراط الصوم بالغسل في الليل وعدمه يفهم من موضع آخر، وأكثر الاصحاب على اشتراطه، وابن بابويه على عدمه، والاخبار مختلفة، والظاهر مذهب ابن بابويه للاصل والرواية الصحيحة الصريحة(1) بل ظاهر الآية حيث دلت على جواز الرفث والمباشرة في جميع أجزاء الليل والشريعة السهلة وأولوية الجمع بين الادلة بحمل ما يدل على الغسل ليلا على الاستحباب ولكن الاحتياط مع الجماعة، وتركنا ذكر الاخبار والبحث عنها خوفا من التطويل مع أنها مبينة في موضعها.

وأيضا وجوب الافطار بمعنى تحصيل مبطل للصوم ولو كان بقصد إبطاله في الليل، ويحتمل كون الاتمام إشارة إلى وجوب استمراره إلى الليل حسب فلا يجب غيره.

وتحريم الوصال، وأيضا مشروعية الاعتكاف في المسجد، وتحريم مباشرة النساء فيه، ولو ليلا، ولا يفهم منه الشرطية ولا فساد الاعتكاف بالوطئ لان النهي ليس بمتعلق بالعبادة حتى يلزم تعلق الامر والنهي معا بشئ واحد شخصي فيكون محالا فيفسد، نعم ذلك ثابت بالاخبار بل الاجماع أيضا على الظاهر، فقد علمت فساد قول القاضي: " وفيه دليل على أن الاعتكاف يكون في المسجد، ولا يختص بمسجد دون مسجد، وأن الوطئ يحرم فيه ويفسده لان النهي في العبادات يوجب الفساد ".

لانك قد علمت أن النهي إنما يدل على الفساد في العبادة إذا تعلق بها أو بجزئها أو بشرطها الشرعي المأمور به.

وبالجملة التحقيق ما أشرت إليه، ففي كل صورة يلزم اجتماع الطلب و النهي يفسد، وهنا ليس كذلك إلا أن يقال: يفهم التنافي هنا فتأمل، بل يمكن كون التحريم لكونه في المسجد لا للاعتكاف فتأمل، وأيضا خفاء في دلالة الآية بمجردها من غير انضمام تعريف الاعتكاف وثبوت الحقيقة الشرعية على أن الاعتكاف لا يكون في غير المسجد، كما هو ظاهر كلامه، وكذا في دلالتها على عدم الاختصاص بمسجد دون مسجد كما هو صريح نقل الكشاف، حيث قال: " وقالوا: فيه دليل على أن

(1) راجع الفقيه ج 2 ص 75، التهذيب ج 1 ص 411 و 412.


175

الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد " فان مضمونها تحريم المباشرة حين الاعتكاف في المساجد - بعد أن سلمنا إرادة عموم المساجد أي أي مسجد كان - ولكن ما يفهم جواز الاعتكاف في أي مسجد كان، بل تحريم المباشرة في أي مسجد يجوز الاعتكاف [ ويتحقق الاعتكاف فيه ] وقد يكون ذلك مخصوصا ببعض دون بعض، كما قيل إن مالكا يقول باختصاصه بالجامع، وكذا بعض أصحابنا وبعض يقول باشتراطه في مسجد جمع فيه معصوم جمعة، وقيل جماعة، فخصص البعض بالاربعة المسجدين ومسجد الكوفة ومسجد البصرة، وبعضهم بالثلاثة الاول، و بدل البعض البصرة بالمداين وهو بعيد، وقال في الكشاف: وقيل: لا يجوز إلا في مسجد نبي وهو أحد المساجد الثلاثة، وقيل في مسجد جامع والعامة على أنه في مسجد جماعة وقرأ مجاهد " في المسجد " انتهى، لعل المراد بالثلاثة مسجد الحرمين ومسجد الاقصى، والجامع المسجد الاعظم، وهذا يدل على عدم فهم العموم و فهم الاختصاص إلا أن يقال: إنهم فهموا العموم وخصصوا بدليل، وإن كان يلزمهم خلاف ظاهر الآية، ولكنه غير بعيد ولا عزيز.

كتاب الزكوة - البحث الاول في وجوبها ومحلها

كتاب الزكوة - البحث الاول في وجوبها ومحلها

وفيه آيات: الاولى: ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم آلاخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة وآتى الزكوة والموفون بعدهم اذا عاهدوا والصابرين في الباساء والضراء وحين الباس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون(1).

أي ليس الخير والفعل المرضي كله صرف الوجه في الصلاة إلى القبلة حتى يضاف إليه سائر الطاعات، فيكون الخطاب للمسلمين أيضا أو يكون الخطاب لاهل الكتاب، فإنهم لما أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت وادعى كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته فاليهود يدعي أن البر هو التوجه قبل المغرب أي إلى بيت المقدس، والنصارى قبل المشرق قال الله تعالى ليس البر ذلك بل البر المعتمد عليه هو بر من آمن بالله الآية، فهنا المضاف محذوف، وهو أولى من جعل البر بمعنى البار لموافقة ليس البر، أي من صدق بالله وبجميع صفاته من العلم والارادة والكراهة والوحدة والقدرة والسمع والبصر والعدل والحكمة وجميع الصفات الثبوتية والسلبية، كأن ذلك كله مراد بالايمان بالله قال في مجمع البيان

(1) البقرة: 177.


177

يدخل فيه جميع ما لا يتم معرفة الله تعالى إلا به كمعرفة حدوث العالم الخ.

وصدق بيوم القيامة بأنه حق وفيه الحساب والعقاب، والحشر والنشر و الميزان وتطاير الكتب وجميع الامور الواقعة فيه وصدق بوجود الملائكة وأنهم عباد الله يعبدون حيث يؤمرون وبالكتب المنزلة بأنه حق وثابت ومنزل من الله تعالى إلى عباد الله وأن ما فيه حق وصدق، وكذا التصديق بالانبياء بأنهم مبعوثون إلى الناس لتعليمهم، وأنهم معصومون من الذنوب وما يفعلون إلا الحق.

وأتى المال

عطف على " آمن " أي من أعطى المال مع حب المال أي مع احتياجه كما روي عنه صلى الله عليه وآله لما سئل أي الصدقة أفضل قال: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر(1) أو على حب الله تعالى أي لوجهه، والتقرب به إلى الله، وهذا نقله في مجمع البيان عن السيد المرتضى قدس الله روحه قال: ما سبقه إليه أحد و هو مذكور في الكشاف وتفسير القاضي أيضا، أو على حب الاعطاء، والجار و المجرور حال " وذوي القربى " أي قرابة المعطي أو قرابة النبي صلى الله عليه وآله فإنه ورد الثواب العظيم لاعطاء القرابة، لانه تصدق وصلة الرحم، وكذا صلة قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله فإنها تصدق وصلة رسول الله صلى الله عليه وآله.

واليتيم من الانس من لا أب له ممن لم يبلغ، ومن باقي الحيوانات ما ليس له ام كذا قيل في مجمع البيان وغيره وفيه أيضا فيحتمل أن يكون معطوفا على القربى فيعطي المال من يكفلهم لانه لا يصح إيصال المال إلى من لا يعقل، أو يكون معطوفا على ذوي القربى فيعطي المال أنفسهم، نقلا عن الغير في كلا الوجهين، ومنع إعطاء المال للاطفال سيما المميز غير ظاهر إلا أن يكون من الحقوق الواجبة وكذا يشكل إعطاؤه لكل من يكلفهم حيث لا يكون وليا، فينبغي الاعطاء للولي ولا يبعد الاعطاء على تقدير عدمه إلى ثقة ليخرجه عليهم، وصرف المعطي بنفسه عليهم على تقدير عدم الغير فتأمل.

(1) تمامه: ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا.

راجع مجمع البيان ج 1 ص 263، الدر المنثور ج 1: 171 من حديث أبي هريرة.


178

والمسكين من ليس له نفقة السنة، على ما قالوا، وابن سبيل من انقطع بسفره عن أهله ويكون غير قادر على الرواح إلى أهله وإن كان غنيا في أهله، و لعله يشترط عدم قدرته على التصرف في ماله الذي في بلده ببيع ونحوه، والسائل الفقير الذي يسأل فهو أخص من المسكين، والظاهر أن الفقر شرط في الجميع على التقدير الاعطاء من الزكاة الواجبة وترك لعدم الالتباس كما قال في الكشاف و تفسير القاضي " وفي الرقاب " أي أعطى المال في الرقاب بأن يشتري العبيد والاماء ويعتق مطلقا أو الذين تحت الشدة، أو المكاتبين فقط، والاول هو الظاهر من الآية.

وكذا البر بر من أقام الصلاة بحدودها في أوقاتها مع الشرائط المعتبرة فيها، وبر من آتى الزكاة مع الشرايط أيضا، فهما أيضا عطف على " آمن " كما قبلهما " والموفون " أي هم الموفون بعهدهم فهو خبر مبتدأ محذوف، أي الذين ذكروا من أصحاب البر هم الذين يوفون بما عاهدوا الله، ويمكن أن يعم العهد واليمين والنذر أيضا، بل لا يبعد شموله لما عاهدوا الناس أيضا، وهم الصابرون أيضا أي الحابسون أنفسهم على ما تكرهه لله " في البأساء والضراء " البؤس الفقر والوجع والعلة " وحين البأس " وقت القتال وجهاد العدو أو الشدة والرخاء، والصحة و والمرض و " الصابرين " قيل منصوب على المدح، أي أعني بمن ذكرناه الصابرين كما أن الموفون مرفوع بالمدح، ولكن وجود الواو غير مناسب في المنصوب بالمدح والمرفوع به أيضا لانهما صفتان في الاصل، ولعدم ما عطفا عليه ظاهرا وكأنه استيناف، ويحتمل أن يكون الموفون عطفا على " من آمن " والصابرين بتقدير وبر الصابرين عطفا عليه أيضا، ولكن في الاول حذف المضاف واعرب المضاف إليه بإعرابه.

وفي الثاني اقيم على حاله كما في " والله يريد الآخرة(1) " بقراء‌ة الجر بتقدير عرض الآخرة، قال في الكشاف " الموفون " عطف على " من آمن " وأخرج " الصابرين " منصوبا على الاختصاص والمدح، إظهارا لفضل الصبر في

(1) " تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة " الانفال: 67.


179

الشدائد، وقرئ " والصابرون " وقرئ: والموفين والصابرين.

اولئك الذين صدقوا

أي الموصوفون بالصفات المتقدمة هم الذين صدقوا الله فيما قبلوا وعاهدوا وقت القتال، أو هم الذين صدق أفعالهم نياتهم، وهو المتقون بفعلهم عن نار جهنم وسائر العذاب، أو عن الكفر وسائر المعاصي المهلكة، ويحتمل أن يكون " وآتى المال " إشارة إلى غير الزكاة الواجبة من المندوبات والصلات و آتى الزكاة إشارة إليها أو يكون كلاهما في الواجبة: الاولى لبيان المصرف، و الثانية لبيان الفعل فقط، ويكون الذكر على هذا الوجه والتكرار للاهتمام فما قال في مجمع البيان: في الآية دلالة على وجوب إعطاء مال الزكاة المفروضة غير ظاهر عندي إلا باعتبار حصر البر أو حصر الصدق والتقوى في فاعل المذكورات، و ذلك أيضا غير واضح فافهم.

واعلم أنه ليس في الآية دلالة على وجوب الزكاة بل ولا على وجوب شئ من المذكورات، نعم فيها ترغيب وتحريص على الامور المذكورة فيعلم الوجوب من موضع آخر، فما كان فيها أحكام يعتد بها مع أن هذه الاحكام يفهم من غيرها مفصلة، ولكن ذكرتها لمتابعة من تقدمنا كغيرها، واشتمالها على فوائد حتى قال القاضي: والآية جامعة للكمالات الانسانية بأسرها دالة عليها صريحا أو ضمنا فانها بكثرتها وشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة وتهذيب النفس، وقد اشير إلى الاول بقوله " من آمن - إلى - والنبين " وإلى الثاني بقوله " وآتى المال على حبه - إلى قوله تعالى - وفي الرقاب " وإلى الثالث بقوله " وأقام الصلاة " إلى آخرها، ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه واعتقاده، بالتقوى باعتبار معاشرته للخلق، وتهذيب أفعاله ونفسه أيضا، وكأنه إليه أشار بقوله صلى الله عليه وآله: من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان(1) وفيها وفيه دلالة على عدم اعتبار الاعمال في الايمان بل في كماله.

(1) تفسير البيضاوي: 47.


180

الثانية: وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهو بالاخرة هم كافرون(1).

فيها دلالة على وجوب الزكاة على الكفار لانه يفهم منها أن للوصف بعدم إيتاء الزكاة دخلا في ثبوت الويل لهم، ولكن علم من الاجماع وغيره عدم الصحة منهم إلا بعد الاسلام وكذا علم بالاجماع سقوطها عنهم بالاسلام، ويدل عليه الخبر المشهور " الاسلام يجب ما قبله(2) " وأما دلالتها على كون مستحل تركها كافرا ففيها خفاء، نعم إشعار به من قوله " وهم بالآخرة هم كافرون " فانه يدل على كفر الموصوفين بعدم الايتاء، وذلك لم يكن إلا مع الاستحلال بالنص والاجماع ولكنهما يكفيان فتلغو الآية أو يقال: لانهم ما كانوا يتركونها إلا استحلالا فتأمل فيه.

الثالثة: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم و جنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون(3).

الكنز هو المال المذخور تحت الارض، ولعل المراد هنا حفظه وعدم إنفاقه في سبيل الله، فيكون " ولا ينفقونها " بيانا للمقصود، ولعل الضمائر للكنوز أو الاموال أو لكل واحد من الذهب والفضة، والتأنيث باعتبار الفضة أو باعتبار التعدد والكثرة، وقيل للفضة والاختصار لقربها، وفهم حكم الذهب بالطريق الاولى و " الذين " مبتدأ تضمن معنى الشرط و " فبشرهم " خبره مع التأويل، و " يوم " يحتمل أن يكون ظرفا لقوله " فبشر " وأن يكون صفة " عذاب " أو " أليم "

(1) حم السجدة: 7.

(2) تراه في الجامع الصغير على ما في السراج المنير ج 2 ص 131 الدر المنثور ج 3 ص 184.

(3) براء‌ة: 36:


181

أي كائن يوم يحمى، أو ظرف لهما، واختار هذه الاعضاء لان الجبهة كناية عن الاعضاء المقاديم المواجهة، والجنوب عن الايمان والشمائل والظهور عن المتأخرة فاستوعب الكى البدن كله، وقيل غير ذلك فتأمل.

هذا ما كنزتم

الآية بتقدير: تقول لهم خزنة جهنم هذا ما كنزتم، والآية ظاهرة في تحريم الكنز، وعدم الانفاق، فقيل نسخت بالزكاة ولا منافاة، مع أن الاصل عدم النسخ، فيحتمل أن يكون الكنز وعدم الانفاق كناية عن عدم الزكاة فيكون في الآية إشارة مجملة إلى وجوب الزكاة، وبيانها من النصاب والقدر المخرج وما يخرج منه علم بالاجماع والاخبار، ويدل عليه الخبر من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام والتفصيل مذكور في الكتب الفقهية فليطلب هنا.

ويدل ما بعده هذه الآية على أن عدد الشهور اثنى عشر، ثم في الآيات بعدها أحكام الجهاد، ويدل علىعدم قبول الانفاق والزكاة من الكفار بعدها قوله تعالى:" ﴿ قل أنفقوا طوعا أو كرها لن ينقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين * وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله(1) " خطاب للكفار بأن إنفاقهم طوعا وكرها سواء في عدم القبول، والمراد بالفسق هو الكفر، قاله في الكشاف و يؤيده " وما منعهم " الآية وقال أيضا المراد بالامر بالانفاق هو الخبر، لا الانشاء والطلب، ففيها دلالة على عدم قبول ما يعتبر فيه القربة منهم، فتأمل [ في صحة وقفهم(2) ].

ويدل على مذمة الكسل وعدم قبول العبادة كسلا وكرها قوله: " ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " ففي صحة العبادة من المكره عليها مثل الصلاة جبرا والزكاة التي يأخذها الامام قهرا تأمل إلا أن يقال: إنه يؤخذ بحسب الظاهر ويكلف، ولو لم يرض لم ينتفع به في الآخرة بل يمكن عدم السقوط في الدنيا أيضا، ولكن ظاهر كلامهم خلاف ذلك فتأمل، وذلك في مثل

(1) براء‌ة: 55، وما بعدها ذيلها.

(2) فان وقفهم سواء كان على أهل نحلتهم أو لمصالح العامة جائز.


182

الزكاة من الحقوق المالية بعيد حيث إنه حق الناس، ويمكن أخذه منه، فيجب وتبرء ذمته وسقطت النية منه فيما يشترط، وينوي وليه وهو الامام عليه الصلاة والسلام، ومن يقوم مقامه، وأما في العبادة المحضة المحتاجة إلى الاخلاص فالظاهر عدم السقوط إلا مع وجوده، فان حصل بعد الاكراه فيقبل منه [ وسقط عنه التكليف في نفس الامر ] وإلا يسقط عنه التكليف بحسب الظاهر بمعنى عدم جواز تكليفه مرة اخرى لا بحسب نفس الامر فتأمل.

الرابعة: وفي اموالهم حق للسائل والمحروم(1).

من جملة صفة المتقين أنهم يقدرون في أموالهم نصيبا وحظا للمستجدي الذي يطلب وللمتعفف الذي يظن لذلك غنيا فيحرم عن الصدقة والاعطاء، فيمكن أن يستدل بها على الترغيب في نذر الاموال ونحوه، وتعيين شئ منها للمذكورين ولو بالوصية وغيرها، خصوصا إذا يدوم، وأن يكون إشارة إلى ما تقرر شرعا وجوبه مثل الزكاة والخمس فيكون المدح حينئذ باعتبار الكسب والاخراج.

الثاني : في قبض الزكاة واعطائها المستحق

وفيه آيات: الاولى: خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلوتك سكن لهم والله سميع عليم الم يعلموا ان الله يقبل التوبة عن عباده وياخذ الصدقات وان الله هو التواب الرحيم(3).

تدل على جواز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وآله منفردا وكذا يدل عليه قوله

(1) الذاريات: 19، ومثلها في المعارج: 24.

(2) براء‌ة: 104 و 150.


183

صلى الله عليه وآله: اللهم صل على آل أبي أوفى(1) وغير ذلك وقال في الكشاف(2) في تفسير قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله: " هو الذي يصلي عليكم " وقوله " وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم " وقوله عليه السلام " اللهم صل على آل أبي أوفى " ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك وهو أنها إن كان على سبيل التبع كقولك صلى الله على النبي وآله، فلا كلام فيها، وأما إذا افرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه، لان ذلك صار شعارا لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ولانه يؤدي إلى الاتهام بالرفض(3).

وقبح هذا الكلام واضح بحيث لا يحتاج إلى التصريح إذ لا معنى لجعل الآيات والاخبار دليل القياس وجعل المدلول قياسا، ومنع ما صرح الله ورسوله بجوازه وندبه بل وجوبه لانه شعار النبي صلى الله عليه وآله ولانه شعار جماعة، لان الله ورسوله كانا عالمين بذلك، ومع ذلك ندبا إليها فكأنه منع علمهما به وكان خفيا عليهما مفسدة ذلك، نعوذ بالله من ذلك، وكونه شعارا لرسول الله صلى الله عليه وآله لا ينافي جوازه لغيره على أنها إنما صارت شعارا له لمنعهم ذلك وإنها ليست شعارا له وحده، بل يذكر معه آله حتى في الصلاة، فلا وجه للمنع لآله صلوات الله عليه وعلى آله، وقد مر زيادة بحث فيه فتذكر.

وهي تدل على وجوب أخذ الزكاة على النبي صلى الله عليه وآله إن جاء أهلها بها إليه: و أن الزكاة تطهير للمال وتنمية، ووجوب الدعاء عليه لاهله، وأن دعاء‌ه مما يسكن إليه قلوبهم وتطمئن به، ولا تدل على وجوب الدفع إليه ولا إلى النائب، ولا على وجوب الدعاء على مطلق الآخذ، أي الساعي والنائب، لان الامر مخصوص به صلى الله عليه وآله بل لا يدل على وجوب الاخذ والدعاء عليه أيضا مطلقا لانها واردة في جماعة مخصوصة مثل أبي لبابة وأصحابه وقصتهم مشهورة(4) والضمير راجع إليهم فتأمل.

(1) سنن أبي داود ج 1 ص 368، الدر المنثور ج 3: 275.

(2) راجع في ذلك ص 86 فيما تقدم، والبحث هناك مستوفى.

(3) تفسير الكشاف ج 2 ص 549.

(4) كما رواه في الاستيعاب في ترجمة أبي لبابة، وقد قيل في نزول الاية غير ذلك راجع مجمع البيان ج 5 ص 79، الدر المنثور ج 3 ص 286. سيرة ابن هشام ج 2 ص 531 راجع شرح ذلك فيما علقناه على كنز العرفان ج 1 ص 227.


184

وعلى قبول التوبة، وقبول الزكاة على الله بل سائر العبادات، بل وجوب العلم بذلك، وكذا كونه رحيما، وهي أن جماعة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله حين ذهب إلى الجهاد قيل هم ثلاثة، وقيل عشرة، سبعة منهم أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، فأيقنوا بالهلاك، فقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل المسجد فصلى ركعتين وكان عادته ذلك كلما قدم من سفر، وكأنه لذلك يستحب لكل قادم ذلك كما ورد به الرواية وذكر في الدروس، فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم رسول الله صلى الله عليه وآله قال أنا اقسم أن لا احلهم حتى اؤمر فيهم، فنزلت الآية المتقدمة على هذه، وهي " وآخرون اعترفوا بذنوبهم(1) " فأطلقهم وأعذرهم فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله هذه أموالنا الذي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال: ما امرت أن آخذ من أموالكم، فنزلت " خذ من أموالهم " الآية فأخذ منهم الزكاة المقررة شرعا.

الثانية: يا ايها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما اخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه الا ان تغمضوا فيه والله غني حميد(2).

هذا بيان لصفة الصدقة: امر المؤمنون بالانفاق - لانهم المنتفعون به كما مر - من بعض طيب مكسوباتكهم، سواء كانت من تبعيضية أم ابتدائية، أي حلاله أو جيده المحبوب عندهم كما أشار إليه في قوله " مما تحبون "(3) وبالانفاق من طيب ما أخرجته الارض، فخذف المضاف بقرينة ما سبق، أو اريد مما هو الطيب من الغلات والثمار والمعادن والكنوز، ونهاهم عن قصد إنفاق الخبيث أي الردى أو الحرام من المال مطلقا " وتنفقون " كأنه حال عن فاعل " تيمموا " أي لا تقصدوا

(1) تمامه: خلطوا عملا صالحا واخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم خذ من اموالهم الاية:(2) البقرة: 267.

(3) آل عمران: 192.


185

الخبيث من المال حالكونكم منفقين منه أو بأن تنفقوا منه، فيكون بيانا لتيمموا ويحتمل أن يكون " منه " متعلقا بتنفقون ويكون حالا عن الخبيث وضمير منه راجعا إليه، وفيه تكلف.

ولستم

أي حالكم وشأنكم أنكم لا تأخذون الخبيث في عوض حقوقكم إذا كانت لبعضكم على بعض، لرداء‌ته " إلا أن تغمضوا فيه " و تسامحوا في اخذ الخبيث بالمعنيين، فالاغماض مجاز في المسامحة من أغمض بصره إذا غمضه فكما أنه إذا كانت العين مغمضة يؤخذ الردي والمعيب لعدم العلم فكذلك إذا سامح فكأنه لا يرى عيبه ورداء‌ته، وكذا في الحرام أيضا لكن في الاول أظهر وعن ابن عباس أنهم كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه.

واعلموا أن الله غني

عن إنفاقكم بالجيد والردي وإنما يأمركم لمصلحتكم وانتفاعكم و " حميد " باثابته إياكم على الانفاق وقبوله، فهو حقيق بالحمد.

ترغيب وبيان لانتفاعهم ولهذا عقبه بقوله تعالى " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم " أي الشيطان يعدكم الفقر في الانفاق يعني يقول لا تنفقوا فانكم إذا أنفقتم تصيرون فقراء محتاجين ويأمركم بالفحشاء أي المحرمات من عدم الانفاق وإنفاق الردي أو الحرام وغيره أو البخل وغير ذلك من سائر المعاصي، والله يعدكم مغفرة منه لذنوبكم وفضلا أي خلفا أفضل مما أنفقتم في الدنيا من البركة وتزكية المال من الحرام، والنفس من البخل، وفي الآخرة من الاجر العظيم، والثناء الجميل والله واسع الفضل لمن أنفق عليم بما تعملون، من إنفاق الردي والحرام والجيد والحلال، فيجازي كلا بعمله.

فظاهرها وجوب إنفاق الطيب بالمعنى المتقدم، فيحتمل أن يكون إشارة إلى وجوب إخراج ما يجب في الزكاة من الحلال والجيد المكتسب، وتكون المكتسب عبارة عن المال الذي يجب فيه الزكاة من النقدين والمواشي من الغنم والبقر والابل فإنها تحصل بالكسب والعمل، والخمس من جميع ما يكتسب، فلا يجوز إخراج الحرام ولا الردى من المرضى والمعيبات من غيرها، ولا يكون مجزيا أيضا لانه المقصود من النهي، ولعدم العلم بحصول براء‌ة الذمة مع العلم بالاشتغال، وأكد


186

ذلك بقوله " ولا تيمموا " الخ وإلى وجوب الزكاة في الغلات وبعض الثمار وجميع ما يخرج من الارض والخمس فيه أيضا حتى المعادن والكنوز إلا ما أخرج بالدليل من الاجماع والاخبار كجواز إخراج الردي على تقدير كون ما يخرج منه كله رديا أو بالقيمة السوقية على ما يقولون من جواز إخراج القيمة.

فالآية دلت على وجوب إنفاق بعض ما يكتسب، وما يخرج من الارض، و كون المخرج من الطيب، ويحتمل أن يكون المقصود منها وجوب الزكاة والخمس على الاجمال: فيشعر بوجوب زكاة التجارة أيضا لكنها غير ظاهرة، والاصل وخبر أبي ذر - وهو ما رواه زرارة في الصحيح قال كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه السلام وليس عنده غير ابنه جعفر فقال: يا زرارة إن أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله قال عثمان كل مال من ذهب أو فضة يدار ويعمل به ليتجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول فقال أبوذر: أما ما يتجر به أو دير وعمل به فليس فيه زكاة إنما الزكاة فيه إذا كان ركازا أو كنزا موضوعا، فاذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، فاختصما في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال فقال [ رسول الله صلى الله عليه وآله ] القول ما قاله أبوذر الخبر -(1) ينفيان وكون المراد هو الرجحان المطلق فيشمل الواجب والمندوب وكون المخرج من الكسب استحبابا كذا قيل وفيه بعد.

الثالثة: فآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل(2).

أي أعط حق هؤلاء، حق ذي القربى صلة الرحم بالنفس والمال على الوجه الذي يمكن ويليق، ويحتمل وجوب نفقة الاقارب، وتخصيصها بالابوين والاولاد لاجماع الاصحاب وأخبارهم وحق المسكين وابن السبيل يحتمل أن يكون الزكاة وما يليق أن يراعى المسكين وابن السبيل، وقيل معناها فأعط يا محمد حقوق ذوي قرابتك التي جعلها الله لهم من الاخماس عن مجاهد والسدى، وروى أبوسعيد

(1) الوسائل الباب 14 من أبواب ما نجب فيه الزكاة ح 1.

(2) الروم: 38، وما بعدها ذيلها.


187

وغيره أنها لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله أعطى فاطمة عليها السلام فدكا وسلمه إليها وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام وقيل إنه خطاب له ولغيره، والمراد بالقربى قرابة الرجل وهو أمر بصلة الرحم بالمال والنفس وآت المساكين والمسافر المحتاج ما فرض الله لهم من مالك، كما ذكرناه أولا فيحتمل أن يكون الامر للوجوب ويكون المراد إعطاء النفقة الواجبة على الابوين والاولاد، والزكاة على المسكين وابن السبيل، ونحو ذلك مما يجب بإجماع ونحوه، وللرجحان المطلق فيشمل الصلة الواجبة والمندوبة للاقارب وغيرهم فيكون التفصيل والبيان من غيرها " ذلك خير للذين يريدون وجه الله واولئك هم المفلحون " أي إعطاء الحقوق مستحقها خير لمن يريد رضى الله دون الرئاء والسمعة، فإنه شر لمن يريدهما واولئك الذين يريدون وجه الله هو الفائزون بثواب الله والقرب لديه.

وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فاولئك هم المضعفون

في هذه الربا قولان أحدهما أنه ربا حلال وهو أن يعطي الرجل العطية أو يهدي الهدية ليثاب أكثر منها، فليس له أجر ولا وزر عليه عن ابن عباس وطاوس، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام والقول الآخر أنه الربا المحرم، فعلى هذا يكون كقوله " يمحق الله الربا ويربي الصدقات(1) " وفي قوله " يريدون وجه الله " دلالة على اشتراط الاخلاص في الانفاق فكأنه النية فافهم.

الرابعة: انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم(2).

فيها دلالة ما على وجوب الزكاة، وحصر من يزكى عليه، واللام للاختصاص

(1) البقرة: 276.

(2) براء‌ة: 61.


188

في الجملة بمعنى الربط المطلق والتعلق، لا الملكية، لاصل عدم الملك، وكون اللام للاعم ويؤيده " وفي الرقاب وفي سبيل الله " فان " في " ليس للملكية، ولهذا حملها الاصحاب على بيان المصرف والاستحقاق، لا الملك، وإلا يلزم البسط على جميع الاصناف، والشركة بينهم وبين الملاك، فلا يجوز تصرفهم بغير إذنهم، بل الاعطاء لبعضهم بغير إذن الباقين وأيضا يلزم إعطاء العين لا العوض، ونحو ذلك من لوازم الملك والشركة، والكل خلاف الاجماع على الظاهر.

والمراد من الفقراء والمساكين هنا واحد، والذكر للتأكيد ولا فائدة هنا للبحث عن الاسوء، والمراد من لا يقدر على قوت السنة له ولعياله الواجب نفقتهم ولو بالصنعة والكسب، والعامل هو الذي يجمع الزكاة ولا يشترط فيه إلا العمل بظاهر الآية، والمؤلفة هي الطائفة من الكفار التي يعطون حتى يعينوا المسلمين على الكفار ولا يشترط فيهم أيضا إلا ذلك، وفي الرقاب المراد به المماليك تشتري من الزكاة وتعتق واشترط البعض كونهم تحت الشدة وبعض الكتابة، والظاهر الآية خلاف ذلك، وينبغي أن يعتقه الامام أو المالك أو الوكيل بعد الشراء، و يحتمل العتق بمحض الشراء، والغارم هو الذي عليه دين وليس له عوضه وظاهر الآية عدم اشتراط صرفه في المباح، ولكن قيد به للخبر، ويمكن للاجماع، وفي سبيل الله قيل الجهاد والظاهر أنه مطلق القربات غير المذكورات، وابن السبيل هو الذي انقطع عن بلده وليس عنده ما يوصله إليه، وإن كان له في بلده شئ، و يمكن اشتراط عدم القدرة على التدين وغيره للوصول إلى البلد، فان المتبادر من ابن السبيل هو العاجز عن الوصول إلى بلده فتامل ويحتمل العدم لظاهر اللفظ وعدم ظهور التبادر.

وهنا أحكام تطلب من كتب الفروع، مثل اشتراط الايمان أو حكمه مثل أطفال المؤمنين في غير المؤلفة، وعدم كونه هاشميا إذا كان المعطي غيرهم للخبر و الاجماع على الظاهر، إلا مع العجز، فيعطوا ما يسد الرمق، مثل ما يؤكل حال الضرورة ما لا يجوز أكله للعقل والنقل، ويحتمل مقدار دفع الضرر العرفي الذي


189

لا يتحمل مثله، ويجوز من الهاشمي لهم فتأمل، وعدم اشتراط العدالة في الفقراء للاصل، وعموم الآيات والروايات، وعدم دليل صالح له، نعم الظاهر اعتبارها في العامل ليحصل الوثوق به، ولدعوى الاجماع عليه في الدروس، والاحوط اعتبارها فيهم، واشتراط عدم كونه ممن يجب نفقته(1) على المزكي في الفقراء والمساكين بل لا يحتاج إلى الذكر لان ذلك قادر على القوت.

ويدل على أن إيذاء الرسول صلى الله عليه وآله حرام ويحتمل أن يدل على وجوب القتل والارتداد قوله تعالى:" ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو اذن قل اذن خير لكم(2) " الاذن هو الرجل الذي يصدق كل ما سمع، ويقبل قول كل أحد - إلى قوله - " والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم " يحتمل العذاب الاليم القتل والخلود في النار، ويدل أيضا على أن كون الشخص بحيث يقبل قول كل أحد ويعمل بمقتضاه ولا يحمله على الكذب ولا يظن ذلك ممدوح كما هو المقرر حتى قبول الايمان من المخالف والمنافق، و العمل بمقتضى ظاهرهما، ولا يكلف ببواطنهم، وأذاه صلوات الله عليه وعلى آله يمكن أن يشمل حال حياته وموته من الاستهزاء والسخرية، وكذا ذريته كما روي أنه قال: فاطمة بضعة منى من آذاها فقد آذاني(3) وغير ذلك من الاخبار الدالة على ذلك.

الخامسة: ان تبدوا الصدقات فنعما هي وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير(4).

أي إن تظهروا الصدقات وإنفاقها فنعم الشئ تلك الصدقة المبداة، يعني

(1) كذا في عش، وفي سن، واشتراط كونه ممن لا يجب نفقته.

(2) براء‌ة: 61، وهي ذيل آية الزكاة.

(3) حديث متواتر مشهور، رواه الفريقان، راجع مشكاة المصابيح ص 568.

(4) البقرة: 271 وقراء‌ة عاصم وابن عامر كما في المصحف المطبوع " يكفر ".


190

أن إبداء‌ها نعم شئ لا قبح فيه، بل فيه ثواب وحسن، وإن تخفوا الصدقات وتؤتوها الفقراء خفية، فذلك الانفاق خير لكم من إظهاره، والله يسقط بسبب الانفاق مطلقا أو الانفاق المخفي بعض الذنوب عنكم، فمن تبعيضية، قيل: تلك الذنوب صغائر و قيل: أعم فان العبادات اللاحقة تسقط الذنوب المتقدمة وجوبا، وهو مذهب الاحباط والتكفير وعلى مذهب الاصحاب من بطلان الاحباط والتكفير عندهم على ما هو المشهور(1) بل ادعي عليه الاجماع يكون ذلك الاسقاط تفضلا من الله تعالى بعد ذلك الانفاق فما يصير واجبا إلا بوعده وقوله، لا قبله بسبب الانفاق، وكذا جميع ما ورد مثله في الاحباط والتكفير من الآيات والروايات، أو يقال: المجمع على بطلانهما هو إحباط المتأخر - ولو كان قليلا - جميع ما تقدم من الطاعة والمعصية، لا إسقاط ما يساويه، الله يعلم.

قال الفخر الرازي: القول بالاحباط باطل، لان من أتى بالايمان والعمل الصالح استحق الثواب الدائم، فاذا كفر بعده استحق العقاب الدائم، ولا يجوز وجودهما جميعا، ولا اندفاع أحدهما بالآخرة، إذ ليس زوال الباقي بطريان الطاري أولى من اندفاع الطاري لقيام الباقي، والمخلص أن لا يجب عقلا ثواب المطيع ولا عقاب العاصي.

وفيه نظر: أولا أنه لا دخل لقوله " ولا يجوز " الخ في بطلان الاحباط، بل مؤيد له، وثانيا عدم ذكر بطلان ارتفاعهما وثالثا النقض بايجاد المعدوم، وبالعكس وبطريان الضد كما قيل، ورابعا الحل بأنه لا يجوز رجحان علة الثاني والطاري على الباقي الاول، وخامسا لا شك في إحباط الكفر بالايمان، وبالعكس، وهو صريح القرآن والاخبار، ونقل عليه الاجماع، بل يوجد الاحباط مطلقا فيهما وسادسا أن هذا بالحقيقة بطلان استحقاق الثواب والعقاب، لا الاحباط فتأمل، و سابعا أن المخلص ليس بمخلص، فانه ليس بابطال الاحباط، لانه إنما هو على

(1) الاحباط بطلان ثواب الحسنات، والتكفير بطلان عقاب السيئات.


191

تقدير الاستحقاق، وأيضا إن الاحباط ممكن على تقدير الاستحقاق الشرعي وما أبطله حينئذ فما بطل الاحباط وقد كان المطلوب ذلك، وثامنا ينبغي أن يقول ولا اندفاع الباقي بالطاري كما يقتضيه مدعاه، ودليله، وإلا يصير الدليل أخص من المدعى وهو ظاهر فتامل، وتاسعا أن لا معنى لنفي الاستحقاق العقلي أصلا مع أن دليله ينفي الشرعي أيضا فان القائل لم يدع الاستحقاق عقلا من غير شرع.

بل يدعي أن العقل يحكم به بعد ورود الشرع، لوجود الآيات الكثيرة الدالة على ذلك، والقرآن مشحون بذلك مثل " جزاء بما كنتم تعملون(1) " و " بما كسبتم(2) " وأمثال ذلك كثيرة جدا والاشاعرة يدعون أن ليس ذلك بالاستحقاق لا عقلا ولا شرعا وقال العلامة الدواني في إثبات الواجب: الثواب والعقاب ليسا لسابقة استحقاق من غير قيد بالعقل ودليلهم يدل على ذلك وهو أن فعل العبد ليس باختياره، و أنت تعلم فساد هذا الكلام، فان الآيات والاخبار مشحونة باستحقاق العبد إياهما مثل ما مر، وهب أن لا استحقاق للثواب، لاحتمال التفضيل، فلا معنى للعقاب بغير استحقاق وهو ظاهر، والمخلص أن لا معنى لنفي الحسن والقبح العقليين ولا لعدم استحقاق الثواب فالعقاب بالعمل، وجواز إدخال الشيطان وسائر العصاة الجنة، والانبياء النار، كما جوزه الاشعري، وأن ما يدل على الاحباط كثير جدا والتأويل ما تقدم فتامل.

والله عليم - بجميع - ما تعملون

من الانفاق أو مطلق العمل سرا وجهرا ليلا ونهارا حسنا وقبيحا ويجازي على ذلك العمل على قدر الاستحقاق، ويتفضل على قدر ما يريد بفضله.

ثم إن ظاهر الآية، يدل على أفضلية إخفاء الصدقة مطلقا، ويدل عليه بعض الروايات أيضا مثل صدقة السر تطفئ غضب الرب وتطفئ الخطيئة

(1) في القرآن العزيز آيات كثيرة بهذا المعنى، مثل قوله تعالى " جزاء بما كانوا يعملون " الواقعة 24، واما ما ذكره في المتن فلا يوجد في القرآن الكريم.

(2) راجع البقرة: 134 و 141، ولفظه " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم " وقوله تعالى:﴿ فأصابهم سيئات ما كسبوا، الزمر: 51.


192

كما يطفئ الماء النار، ويدفع سبعين بابا من البلاء(1) وقوله صلى الله عليه وآله: سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ضله: الامام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه متعلق بالمسجد حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله: اجتمعا عليه، وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله عزوجل ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم يعلم يمينه ما ينفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا أي وحده في الخلوة ففاضت عيناه(2).

والمشهور بين الاصحاب أن الاظهار في الفريضة أولى، سيما في المال الظاهر، و لمن هو محل التهمة لدفع تهمة عدم الدفع، وبعده عن الرئاء، ولان يتبعه الناس في ذلك، والاخفاء في غيرها ليسلم من الرئاء، والمروي عن ابن عباس أن صدقة التطوع إخفاؤها أفضل، وأما المفروضة فلا يدخلها الرئاء ويلحقها تهمة المنع فاظهارها أفضل وما رواه في مجمع البيان عن علي بن إبراهيم باسناده إلى الصادق عليه السلام قال الزكاة المفروضة تخرج علانية وتدفع علانية، وغير الزكاة إن دفعها سرا فهو أفضل(3) فان ثبت صحته أو صحة مثله فيخصص هذه الآية ويفصل به، وإلا فهي على عمومها، ومعلوم ذخول الرياء في الزكاة المفروضة، كما في سائر العبادات المفروضة، ولهذا اشترط في النية عدمه، ولو تمت التهمة لكانت مختصة بمن يتهم.

(1) أخرجه الطبرسي في المجمع ج 2 ص 385، والظاهر أنه متلقط من أحاديث راجع الوسائل ب 13 من أبواب الصدقة، ومستدركه ص ج 5341.

(2) أخرجه في الجامع الصغير كما في السراج المنير ج 2 ص 337.

(3) مجمع البيان ج 2 ص 384.


193

الثالث : في امور تتبع الاخراج

وفيه آيات

الاولى: وما تنفقوا من خير فلانفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف اليكم وانتم لا تظلمون(1).

فيها تحريض على الانفاق بالخير كأنه المال بأن ذلك أنفع للمنفق لا للمنفق عليه، وبأنه موجب لتوفية الاجر، واشتراط القربة والاخلاص لان الظاهر أن المراد بالنفي في قوله " وما تنفقون " النهي فيفهم النية، فافهم.

الثانية: للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسالون الناس الحافا وما تنفقوا من خير فان الله به عليم(2).

قيل تقديره اعمدوا للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، أو يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي صدقاتكم للفقراء، ولما بين الانفاق الذي هو خير، أراد أن يشير إلى المنفق عليه الذي الانفاق عليه خير، فقال " للفقراء " فيحتمل أن يكون التقدير هو للفقراء أي إعطاؤه للفقراء خير، أو ينبغي كون ذلك الفقراء كاخفائه، أي للذين ليس لهم نفقة السنة فعلا [ أ ] وقوة، وأحصروا أنفسهم في سبيل الله، يعني منعوا أنفسهم عن الكسب بالتجارة وغيرها للتهيؤ للجهاد أو لمطلق العبادة ولا يقدرون على الرواح في التجارة والكسب لاشتعالهم بالجهاد أو العبادة مطلقا " يحسبهم الجاهل " بحالهم " أغنياء " من جهة عفتهم وعدم سؤالهم، وكأن جملة:


8

(1) البقرة: 272.

(2) البقرة: 273.


194

لا يستطيعون بيان لجملة احصروا أو صلة اخرى للذين أو حال، وكذا " يحسبهم " و " تعرفهم " بعلاماتهم من الضعف وصفرة الوجه كأن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله أو لكل من يتأمل في شأنهم " ولا يسألون الناس إلحافا " أي إلحاحا إما مصدر فان الالحاف سؤال خاص أي السؤال بحيث يلازم المسؤل حتى يعطيه ولا يفارقه إلا باعطاء، أو حال بمعنى ملحفين، والمعنى لا يسألون الناس وإن سألوا لضرورة فلا يسألون سؤال ملحف وملح، وقيل: المراد نفي السؤال والالحاف جميعا، ونقل من كلام العرب مثله(1) وهذا هو المناسب لو فهم، والمراد ليسوا كغيرهم يسألون الناس إلحافا لا أنهم يسألون ولا يلحفون، وبالجملة ذكر الالحاف ليس للاعراض(2) بل هو للوقوع، ووقوعه من غيرهم وكثرة قبحه، وفي الحديث: إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذي السائل الملحف(3).

وما تنفقوا من مال، لهم ولغيرهم، سرا وعلانية في سبيل الله، فانه يعلمه ويجازي عليه على قدر الاستحقاق والمشقة، وحسن المال وحسن الانفاق، والمنفق عليه، والمكان والزمان، وحذفت النون لتضمن " ما " معنى الشرط، ولهذا دخل الفاء في الخبر، قيل الفقراء هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربع مائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، وكانوا في صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل ويلتقطون النوى بالنهار وكانوا يخرجون مع كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى(4) وعن ابن عباس وقف رسول الله صلى الله عليه وآله يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من امتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه، فانهم من رفقائي(5).

(1) راجع تفسير الكشاف ذيل الاية الشريفة.

(2) للاحتراز خ صح، كذا في هامش عش.

(3) أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 359، مجمع البيان ج 2 ص 387.

(4) مجمع البيان ج 2 ص 387.

(5) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 85.


195

فالحديث إشارة إلى حسن حال أصحاب الصفة وأنهم على أمر عظيم، وكذا من هو مثلهم، ومضمون الآية الشريفة حث الاغنياء على الانفاق على أمثالهم، و استحبابه، وحث الفقراء على الاتصاف بصفة هؤلاء الموصوفين من الاشتغال بالعبادات وبذل النفس وحبسها في سبيل الله، والصبر على الفقر، والرضا به، وعدم السؤال فان الظاهر أن الحكم غير مختص بهؤلاء المذكورين كما يفهم من سوق الآية و ذكر العلماء إياها في باب الزكاة، والخبر المنقول آنفا، وأيضا لعدم وجود الفارق للاتصاف بالصفات الحسنة حينئذ لا كراهة في أخذ الزكاة، وترك الكسب واشتغالا بالعبادة، سيما طلب العلوم الدينية فانه كالجهاد، بل أعظم ما قالوا وورد به بعض الروايات، بل يكون مستحبا إلا أن يكون صاحب عيلة فيسعى في الكسب لهم دون الاشتغال بالعبادة لاحتمال حصول الزكاة، الله يعلم.

ثم حث على الانفاق أيضا بل على الانفاق دائما وبكل ما له بقوله " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قال في الكشاف وتفسير القاضي ومجمع البيان إنه قال ابن عباس إنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام حيث كانت معه أربعة دراهم فتصدق بواحد نهارا وبواحد ليلا وبواحد سرا وبواحد علانية، قال في مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام(1) وقيل غيرذلك أيضا مثل أنها نزلت في خيل المرابطة، وقيل في كل منفق كذلك، والظاهر أنها نزلت فيه عليه السلام للاخبار و الشهرة ولكنها عامة فكل من يفعل ذلك فله هذا، ولكن السابق هو عليه السلام فله أجر كل من يفعل من غير أن ينقص من أجر الفاعل شئ للخبر المشهور.

(2) وهذه تدل على حسن الانفاق واستحبابه ولو بكل المال، وفي كل وقت وعدم الخوف والحزن لعدم حصول النفقة له على احتمال: إذ حاصلها وصف الذين يعمون الاوقات والاحوال، وأموالهم بالصدقة، لحرصهم على

(1) مجمع البيان ج 2 ص 388.

(2) من سن سنة حسنة الخ.


196

الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاء‌ها ولم يؤخروها ولم يتعللوا بوقت ولا حال، ولا مال دون آخر، خوفا من الفوت وعدم الوصول إلى مرضات الله به، والظاهر من " أموالهم " جميع الاموال، ويدل عليه سبب النزول أيضا، وكأن معنى الآية الانفاق في النهار سرا وعلانية، وكذا في الليل، ولعل محصل سبب النزول ذلك والاشارة إلى الانفاق مطلقا والمبالغة في ذلك، وعدم تركه وعدم جعل شئ مانعا له، وإلا فالسر إما ليلا أو نهارا، وكذا العلانية وبالعكس فتأمل.

ويفهم من قوله تعالى " فلهم أجرهم عند ربهم " أن ذلك بالاستحقاق وفي القرآن العزيز والاثر الشريف أمثالها كثيرة فقول المجبرة بأن العبد لا يستحق شيئا بعمله باطل، وتفخيم الاجر، وأنه أجر عظيم(1) وأن ذلك أجر الانفاق وأنه لا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون فيه، مع عظم هول ذلك اليوم وحزن الناس فيه كما هو المعلوم والآيات والاخبار مشحونة به وبالجملة عذاب هذا اليوم وشدته معلوم من الدين ضرورة، بحيث لا يحتاج إلى الاشارة، و مع ذلك المنفق المذكور آمن من ذلك كله بالانفاق المذكور، فكان الانفاق أمرا عظيما عند الله، وأن لله اهتماما بحال الفقراء، وفي الاخبار أيضا ما يدل عليه.

الثالثة: يسئلونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين و الاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم(2).

السؤال طلب الجواب، وأما كونه بصيغة مخصوصة كما قيد به في مجمع البيان فغير واضح، والنفقة، الظاهر أنها صرف المال، وقال فيه: إنها إخراج الشئ عن ملكه ببيع وهبة وصلة وغير ذلك، وقد غلب في العرف على إخراج ما كان من

(1) بأنه أمر عظيم. سن.

(2) البقرة: 215.


197

المال من عين أو رزق ولعل المراد بالوالدين أعم ممن كان بواسطة أو بلا واسطة حقيقة أو تغليبا، والاقربين: أقارب المنفق غيرهما، واليتيم: طفل لا أب له، و المسكين من ليس له نفقة السنة، وابن السبيل المسافر المنقطع به " ماذا ينفقون " " ما " مبتدأ و " ذا " خبره، وهما بمنزلة لظ واحد مفعول " ينفقون "، و " ما " موصولة متضمنة لمعنى الشرط، وأنفقتم صلتها و " من " بيان " ما " وحال عن العائد المحذوف " فللوالدين " خبر مبتدأ محذوف والمجموع خبر " ما " وصح دخول الفاء لتضمنها معنى الشرط.

قال في مجمع البيان: إنها نزلت في عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا وكان ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله بماذا أتصدق؟ وعلى من أتصدق؟ فأنزل الله هذه الآية(1) والمعنى يسألونك يا محمد أي شئ ينفقون؟ وكأن المراد ما ينفقون على وجه كامل، فيدخل المنفق عليه أيضا والقرينة أنه كان في سؤال عمرو وأنه المقصود الحقيقي وأنه مذكور في الجواب فبين في الجواب كلا مما سئل من المنفق والمنفق عليه، لانه بين أن كل ما أنفق فهو حسن إذ بين أن المنفق لابد أن يكون خيرا أي مالا فهو مقدر في طرف القلة بما يسمى خيرا وأما في طرف الكثرة فلا حد له فلا يحتاج إلى أن يقال: إنه ترك المنفق وبين المصرف مع أن السؤال عن المنفق للاشارة إلى أن الاهم هو بيان المنفق عليه فينبغي السؤال عنه لا عن المنفق، فانه أي شي كان فهو حسن.

هم إنه قال في الكشاف عن السدي: هي منسوخة بفرض الزكاة واعترض عليه القاضي أنه لا ينافي الزكاة حتى ينسخ بها، والظاهر أن المراد أنها كانت نازلة في الزكاة ثم نسخت ببيان مصرفها بآية الزكاة، ولهذا ليست في فرض الزكاة فقط بل في بيان المصرف ويؤيده ما قاله في مجمع البيان وقال السدي: الآية واردة في الزكاة ثم نسخت ببيان مصارف الزكاة، فالمنافاة حاصلة باعتبار الانفاق على الوالدين مع عدم جواز إعطائها لهما اتفاقا على ما قالوه، وكذا بعض الاقارب

(1) مجمع البيان ج 2 ص 309.


198

وهم الاولاد، فما يمكن حملها على الزكاة الواجبة المتعارفة الآن، فيمكن حملها على الانفاق الواجب أعم من الزكاة والنفقة الواجبة للوالدين، أو يكون المراد مطلق الراجح أعم من المندوب والواجب، والمندوب يكون أعم، والواجب يكون مخصوصا بغيرهم، أو يكون المراد الانفاق المندوب لا غير، الله يعلم بما أراده.

الرابعة: يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تتفكرون * في الدنيا والاخرة(1).

السائل هنا أيضا عمرو بن الجموح سأل النبي صلى الله عليه وآله عن النفقة في الجهاد أو الصدقات، ويحتمل الاعم: أي أي شئ ينفق " قل العفو " أي أنفقوا العفو فهو منصوب على أنه مفعول فعل محذوف، وقرئ بالرفع أي المنفق العفو، وهو ما فضل عن الاهل والعيال، أو الفضل عن الغنى، أو الوسط من غير إسراف ولا تقتير، وهو المروى عن أبي عبدالله عليه السلام أو الفاضل عن قوت السنة عن الباقر عليه السلام قال ونسخ بآية الزكاة، وبه قال السدى، أو أطيب المال وأفضله كذا في مجمع البيان(2) ولا شك في بعد النسخ لانه خلاف الاصل، والمنافاة كذا في غير ظاهرة إلا بالتأويل.

قال في الكشاف: العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق مالا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع يقال للارض السهلة العفو، عن النبي صلى الله عليه وآله أن رجلا أتاه ببيضه من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال خذها مني صدقة فأعرض عنه رسول الله فأتاه من الجانب الايمن فقال مثله فأعرض عنه ثم أتاه من الجانب الايسر فأعرض عنه، فقال هاتها مغضبا فأخذها، فحذفه بها حذفا لو أصابه لشجته أو عقرته ثم قال: يجيئ أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس ويتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى(3) ولا يخفى بعد هذا الخبر فانه بعيد عن خلقه من غير ذنب

(1) البقرة: 219.

(2) مجمع البيان ج 2 ص 316، وهكذا تفسير العياشي ج 1 ص 106.

(3) أخرجه في المستدرك ج 1 ص 544 عن غوالي اللئالي، وتراه في سنن أبي داود ج 1 ص 389.


199

وبعيد من الفاعل أيضا ذلك وأيضا في الاخبار ما يدل على مدح الصدقة عن جهد واحتياج، والاخبار التي تدل على مواساه الاخوان أو التسوية قد تنافي ذلك، و يكفي في ذلك فعل أمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام حتى نزلت هل أتى، وقوله تعالى " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة(1) " أي حاجة ولكن يوافق الاول " ولا تبسطها كل البسط "(2) ومثله " خير الصدقة ما أبقت غنى "(3) ولعل وجه الجمع باعتبار الاشخاص فكل من يقدر على الصبر، ولا تجره الصدقة إلى السؤال، و ارتكاب المحذورات، تكون تصدقه بجهده أفضل، ومن لم يكن كذلك فلا، أو بالنسبة إلى العيال والاهل وعدمهم، الله يعلم.

كذلك يبين الله لكم الآيات

والحجج في أمر النفقة والخمر والميسر المذكورين في صدر الآية(4) أو مطلق أحكام الشرع بيانا مثل هذا البيان أو يبين لكم الآيات والدلائل في امور الدين والدنيا، فكذلك، صفة لمفعول مطلق محذوف.

لكي تتفكروا في امور دينكم ودنياكم، وتفهمونها وتختارون ما هو الاصلح وأنفع لكم مثل العفو على الجهد أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما نفعا ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله " إثمهما أكبر من نفعهما " أي لتتفكروا في عقاب الاثم في الآخرة، والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا النفع القليل العاجل على العقاب العظيم.

الخامسة: يا ايها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون(5).

أي أنفقوا أيها الذين آمنتم بمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء به، فكأن تخصيصهم لانهم المنتفعون، فان الكفار أيضا مكلفون بالفروع على المذهب الصحيح، فكأنه

(1) الحشر: 9.

(2) أسرى: 29.

(3) الكافي ج 4: 46.

(4) صدرها: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون الاية.

(5) البقرة: 254.


200

أمر وإيجاب باخراج النفقة: مثل الزكاة ونفقة العيال الواجبة أو صرف المال في الحج وفي سد جوعة المسلم، وبالجملة جميع الواجبات المالية، فدلت على وجوب الانفاق في الجملة، وخص وبين بالاجماع في المواضع المعينة " من قبل أن يأتي " يوم القيامة الذي لا يكون فيه بيع أصلا حتى تستدركوا ما فاتكم بالانفاق في الدنيا من الثواب العظيم، وإسقاط العقاب الاليم، ولا خلة أي ولا محبة حتى يعينكم أحلاؤكم وأحباؤكم ويساعدوكم على ذلك إذ لا خلة يومئذ إلا بين المتقين كما قال الله تعالى " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين(1) " ولا شفاعة هناك إلا لمن ارتضى أو لمن أذن له الرحمن ليشفعوا لكم لحط ما في ذمتكم إذ قد لا يأذن الرحمن لكم بالشفاعة ولم تكونوا من أهلها، أو لم يشفع لكم أحد.

وتاركو الانفاق هم الظالمون، فعبر عن تارك الزكاة بالكافر للمبالغة، كما عبر عن تارك الحج به في قوله تعالى " ومن كفر فان الله غني عن العالمين(2) " و أيضا حصر الظالمين فيهم للمبالغة والاشارة إلى كمال الاهتمام بحال الانفاق، و يحتمل أن يكون هذه جملة مستقلة ويكون الغرض الاخبار بأن الكفر ظلم عظيم كما قال الله تعالى " إن الشرك لظلم عظيم(3) " لانه ظلم على نفس الكافر بالحرمان عن السعادة والوقوع في الشقاوة الابديتين بالكلية وأن يوم القيامة هم الذين ظلموا أنفسهم لا أن الله ظلمهم، ويحتمل أن يفهم أن ترك الانفاق ظلم لكن الكفر ظلم عظيم وهذا بالنسبة إليه ليس بظلم وحينئذ يحتمل أن يكون الانفاق شاملا للواجب والمندوب كما قيل، وليس بذلك البعد، والله يعلم.

السادسة: مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم(4).

أي مثل صدقة الذين ينفقون كمثل حبة أو مثل الذين ينفقون كمثل زارع

(1) الزخرف: 67.

(2) آل عمران: 97.

(3) لقمان: 13.

(4) البقرة: 261.


201

حبة أخرجت سنابل في كل سنبلة مائة حبة يعني أن النفقة في سبيل الله أي الجهاد أو مطلق القرب بسبع مائة ضعف " والله يضاعف لمن يشاء " أي يفعل هذه الزيادة لمن يشاء أو أنه يزيد على هذه لمن يشاء " والله واسع عليم " أي يوسع ولا يضيع عليه ما يتفضل من الزيادة عليهم بسبب إخلاص المنفق وقدر إنفاقه وتعبه في تحصيله فيثيبه على ما يعلم من حاله، ويمكن أن يكون هذه باعتبار التفضل والمشيئة، و باعتبار التفاوت في حال المنفق [ مثل ] حال الاخلاص والاحتياج، وحال المنفق عليه مثل اضطراره وصلاحه، وقرابته وشرافته، وطريق الانفاق من كونه سرا حتى لا يعرف صاحبه فلا ينافيه " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها(1) ".

واعلم أن هذه وما قبلها وما بعدها من الآيات الكثيرة تدل على الترغيب و التحريص في الانفاق، وأنه لابد من كونه خالصا لله، وخاليا من الرياء والمن و الاذى وأنها تبطله.

السابعة: الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما انفقوا منا ولا اذى لهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(2).

المن أن يعتد باحسانه على من أحسن إليه، مثل أن يقول أحسنت إليك أو إلى فلان، والاذى أن يتطاول عليه ويترفع بسبب ما أنعم عليه، وبالجملة هما معلومان وما ذكرناه بعض أفرادهما وهي تدل على عدم الاجر مع المن والاذى، كما هو صريح في اخرى سيجيئ وفيه تأمل سيجيئ، ولا يبعد أنهما كما يبطلان الانفاق يبطلان غيره أيضا من الاحسان بأي طريق كان، مثل قضاء حاجة شخص وتعليمه وتخليصه من محنة وتعظيمه ورد الغيبة عنه، وتعريفه واستعمال الخلق الحسن معه بأن يسامحه فيما فعل بالنسبة إليه ولم يكاف مع قدرته عليه، وبالجملة جميع ما يمكن أن يعد إحسانا و موجبا للاجر.

والحاصل أن مضيعات الامور الحسنة الموجبة للتقرب الالهي كثيرة حتى أن

(1) الانعام: 160.

(2) البقرة: 262.


202

السرور بذكر غير إحسانه ومدحه مضيع ومهلك على ما فهم من بعض الروايات بل يمكن فهمه من عموم بعض الآيات مثل قوله تعالى " ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم(1) " والعاقل كل العاقل، والحاذق كل الحاذق ينبغي أن لا يفعل ما يضيع سعيه وماله، ولا يصرفهما بحيث لا أجر له، بل يكون وبالا عليه، ويصير سفيها فإنه ادعى في التذكرة الاجماع على أن صرف المال في الحرام موجب للسفه المانع من سائر تصرفاته المالية، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، والخلوص من هذه الامور سيما الرياء والسمعة التي هي الشرك في غاية الصعوبة كا هو المبين في محله، والله الموفق.

ومثلها قوله تعالى " قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم "(2) أي رد جميل بكلام حسن لا قبح فيه والتجاوز عن إلحاح السائل ونيل مغفرة له من الله، والعفو عن السائل بأن يعذره ويغفر مساويه، خير من الصدقة التي يتبعها أذى، والظاهر أن الخير بمعنى أصل الفعل إذ لا خير في الصدقة التي يتبعها أذى كما علم مما سبق، وسيأتي أن المن والاذى يبطلانها، بل بهما يحصل العقاب أيضا إلا أن يقال: إن في ذلك مسامحة وأن الصدقة تحصل بها أجر، ولكن بالاذى يحصل العقاب " والله غني " عن إنفاقكم وليس نفعه إلا لكم " حليم " عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة فيؤخر العقاب لحلمه، ونعوذ بالله من غضب الحليم، ويحتمل أن يكون المراد الوصية بالحلم فإن الله مع غناه يحلم عن عقوبة العصاة، فكيف المحتاج لا يحلم عن الذي لا يعصي، وهو في غاية الاحتياج إلى تحصيل الثواب وسقوط العقاب فافهم، وأشار إلى إبطالهما ب‍.

الثامنة: يا ايها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الاخر فمثله كمثل صفوان عليه

(1) آل عمران: 188.

(2) البقرة: 263.


203

تراب فاصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين(1).

أي لا تحبطوا أجر الصدقة بكل واحد من المن والاذى كابطال المرائي إنفاقه الذي لا يريد به رضى الله ولا ثواب الآخرة، فالكاف في محل النصب بالمصدر، أي لا تبطلوا إبطالا مثل إبطال الذي، ويحتمل الحال فيكون المعنى لا تكونوا مبطليها بهما حال كونكم مثل الذي يبطل بالرياء، والرياء منصوب بأنه مفعول له أو على الحال بمعنى مرائيا، أو المصدر أي إنفاقا رئاء، يعني صفة المصدر أو المضاف إليه له وحذف ووضع مقامه " ولا يؤمن " عطف على " ينفق ماله رئاء الناس " أي وكالذي لا يؤمن بمعنى كابطاله أعماله أو صدقته فقط إذ الكلام فيها أو يكون المعنى كما مر بأن يكون من تتمة التشبيه الاول وتفسيرا للمرائي يعني لا يؤمن المرائي بالله ولا باليوم الآخر فلا يؤمن بحصول الثواب بالانفاق أو الاعم أي لا يريد رضى الله وثواب الله يوم الآخرة ولا يصدق حصولهما بالانفاق والعمل الصالح، ويحتمل عطفه على رئاء بجعله حالا بتأويل المفرد.

فمثله

مثل المرائي أو مثل المبطل إنفاقه بالمن والاذى والرياء في إنفاقه وعدم الايمان مثل حجر أملس يكون عليه تراب خالص فوقع عليه مطر عظيم القطر فجعل ذلك المطر ذلك الحجر الاملس نقيا من التراب فليس لهم أجر ولا هم ينتفعون بشئ مما كسبوا بطريق الرياء بل وجدوا نقيضه لحرمة الرياء بل كونه شركا كما يشعر به " والله لا يهدي القوم الكافرين " فإنه تعريض وإشارة بأن ذلك كفر فكأنه عبر عنهم بالكافرين كما في ترك الزكاة والحج، ففيها تحريم المن والاذى والرئاء ووجوب الاخلاص في الانفاق بل سائر الاعمال.

التاسعة: ومثل الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من انفسهم(2).

(1) البقرة: 264.

(2) البقرة: 265، وما بعدها ذيلها.


204

أي تثبيتا بعض أنفسهم على الايمان، فإن المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه الله ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه ثبتها كلها، أو تصديقا للاسلام وتحقيقا للجزاء مبتدئا من أصل أنفسهم، وفيه تنبيه على أن حكمة الانفاق للمنفق بتزكية نفسه عن البخل والمن وحب المال " كمثل جنة بربوة " أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة كمثل بستان في موضع مرتفع فإن الشجرة حينئذ يكون أحسن منظرا وأزكى ثمرة، والربوة مثلث الراء " أصابها وابل " أي مطر عظيم القطر كما مر " فآتت اكلها " أي جاء‌ت بثمرتها " ضعفين " أي مثلي ما كانت تثمر بسبب المطر العظيم، فالمراد بالضعف المثل كما اريد بالزوج الواحد في قوله تعالى " من كل زوجين اثنين " وقيل أربعة أمثاله ونصبه على الحال أي مضاعفا " فإن لم يصبها وابل فطل " أي فيصيبها طل أو فالذي يصيبها طل أو فطل يكفيها لحسن منبتها وبرودة هوائها وارتفاع مكانها، والطل هو المطر الصغير القطر، والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضم إليها من الاحوال ويجوز أن يكون التمثيل لحالهم عند الله تعالى بالجنة على الربوة، ونفقاتهم الكثيرة والقليلة الزائدتين في قرباتهم بالوابل والطل " والله بما تعملون بصير " تحذير عن الرياء والمن والاذى وترغيب في الاخلاص.

أيود أحدكم

الهمزة فيه للانكار " أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الانهار وله فيها من كل الثمرات " جعل الجنة من النخيل والاعناب مع أن فيها من سائر الاشجار أيضا تغليبا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أن فيها من كل الثمرات ليدل على احتوائها على سائر أنواع الاشجار، ويجوز أن يكون المراد بالثمرات المنافع " وأصابه الكبر " أي كبر السن فان الفاقة و الفقر في الشيخوخة أصعب والواو للحال " وله ذرية ضعفاء " صغار لا قدرة لهم على الكسب " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت " عطف على أصابها، والاعصار ريح عاصفة منعكس من الارض إلى السماء مستديرة كعمود، والمعنى تمثيل حال من يفعل الافعال الحسنة، ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء ومن، في الحسرة والندامة


205

والاسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها، ووجدها محبطة، بحال من هذا شأنه وأشبه بهم من جال بسيره في عالم الملكوت وترقى بفكره إلى جناب الجبروت ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور، والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا " كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون " أي تتفكرون فيها فتعتبرون بها.

ولنتبع الكتاب بآية " ولا تحسبن الذين يبخلون(1) " فاعل " تحسن " النبي صلى الله عليه وآله، أو كل من يصلح للتخاطب و " الذين " مفعوله الاول بحذف المضاف ليربط به المفعول الثاني، وهو خيرا، و " هو " فصل أي لا نظنن بخل الذين يبخلون خيرا لهم، وعلى قراء‌ة " يحسبن " بالغيبة يحتمل كون الفاعل محسب وعاقل ونحو ذلك، وهو ظاهر من السوق أو " الذين " ومفعوله الاول حينئذ محذوف أي لا يظنن الذين يبخلون بخلهم خيرا لهم، هكذا قالوا، وهذا خلاف ما في الكافية من عدم جواز حذف أحد مفعولي باب حسبت، فكأنه محمول على الغالب.

أو على الحذف الذي يكون نسيا منسيا.

قيل في معنى " سيطوقون " يجعل ما يبخل به من المال طوقا في عنقه، والآية نزلت في مانع الزكاة، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل في عنقه شجاع يوم القيامة ثم تلا عليه السلام هذه الآية، وقيل: ومعناه ويجعل في عنقه طوق من نار، وغير ذلك، و قيل: يؤتى بما بخل من المال فيجعل ذلك طوقا ويعذب به مثل " يوم يحمى(2) " وقيل: معناه: يعود وباله إلى عنقه، وقد يعبر عن الانسان بالرقة كقوله: " فك رقبة(3) ".

قال في مجمع البيان: قد تضمنت الآية الحث على الانفاق، والمنع عن

(1) تمام الاية: بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والارض والله بما تعملون خبير، الاية 180 من آل عمران.

(2) براء‌ة: 35.

(3) البلد: 13.


206

الامساك، من جهة أن الاموال إذا كانت تعرض للزوال إما بالموت أو بغيره من الآفات، فأجدر بالعاقل أن لا يبخل بانفاقه، ولا يحرص على إمساكه، فيكون عليه وزره، ولغيره نفعه، ومعنى " ولله ميراث السموات " الاية أنه يموت من في السموات و الارض، ويبقى هو جل جلاله لم يزل ولا يزال، فيبطل ملك كل مالك إلا ملكه.

وقوله: " والله بما تعملون خبير " تأكيد للوعد والوعيد في الانفاق والبخل وغيرهما ولا يبعد جعلها دليلا على وجوب بذل نحو العلم إلى كل من يستحقه ويطلبه و يحتاج إليه، مع عدم المانع من تقية ونحوها، لعمومها وعدم منافاة ما روي في تفسيرها، وكذا ورودها في زكاة المال لو سلم، لعدم كون خصوص السبب مخصصا لان المدار على ظاهر اللفظ ومقتضاه على حسب القوانين، كما ثبت في الاصول ولا ينافيه سيطوفون خصوصا بالمعنى الاخير، ويؤيده ما ورد في الاخبار من عدم المنع [ والكتمان وعدم القبول ] عن تعليم العلوم مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه آله من كتم علما عن أهله الجم بلجام من نار، وما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا(1) ولا يخفى ما فيها من التأكيد.

ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم

(2) الخطاب والغيبة كما تقدم في نظيره و " فلا تحسبنهم " تأكيد للاولى، قال في مجمع البيان: ويجوز أن يجعل بدلا والفاء زائدة(3) ومفعولا الاولى مخذوفان لدلالة مفعولي الثانية عليهما، أي هم، و بمفازة: أي لا تظنن الذين يفرحون بما فعلوا ويريدون أن يحمدوا على ذلك، و كذا بما لم يفعلوا وهو أشد، أنهم بمنجاة من النار ومن تعذيبها، بل هم قريبون بل واقعون فيها، ولهم عذاب مولم.

قال أيضا في مجمع البيان: ثم بين سبحانه خصلة اخرى ذميمة من خصال اليهود

(1) الكافي ج 1 ص 41.

(2) آل عمران: 188.

(3) مجمع البيان ج 2 ص 553.


207

نزلت فيهم حيث كانوا يفرحون باجلال الناس ونسبهتم لهم إلى العلم، عن ابن عباس وقيل: نزلت في أهل النفاق لانهم كانوا يجتمعون على التحلف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله فاذا رجعوا اعتذروا وأحبوا أن يقبل منهم العذر، ويحمدوا بما ليسوا عليه من الايمان، عن أبي سعيد الخدري وزيد بن ثابت، وقال أبوالقاسم البلخي: إن اليهود قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه وليسوا كذلك وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، ثم قال: والاقوى أن يكون المعني بالآية من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم أن يبينوا أمر محمد ولا يكتمونه وعليه أكثر أهل التأويل، وهو مؤيد لما قلناه وكذا في باقي التفاسير.

ولا يبعد الاستدلال بها على تحريم إرادة المحمدة من الغير بما فعل وبما لم يفعل، بل الفرح بهما أيضا، ولكن بمعنى الاعجاب بما فعل لعموم الآية، وعدم التخصيص بالسبب، وخروج غيره بدليله، ويؤيده النهي الموجود في الاخبار عن الفرح المعجب مثل احثوا على وجه المداحين التراب، قال في العدة العجب من المهلكات قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، وهو محبط للعمل، والعجب إنما هو الابتهاج بالعمل الصالح واستعظامه وأن يرى نفسه خارجا عن حد التقصير، وهذا مهلك، وأما السرور بفعل الحسن مع التواضع لاجل جلاله والشكر على التوفيق لذلك وطلب الاستزادة، فحسن محمود، قال أمير المؤمنين عليه السلام من سرته حسنته وساء‌ته سيئته فهو مؤمن الخ قال في إحياء العلوم: نقل خبر لو صح لهلكنا، روي أنه ذكر أحد في حضرة النبي بمدح فقال: لو رضي بما قلتم فيه لدخل النار، قلت: يكفي هذه الآية فافهم.

كتاب الخمس

وفيه آيات

الاولى: واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير(1).

قال في مجمع البيان: اللغة: الغنيمة ما اخذ من أموال أهل الحرب من الكفار [ بقتال(2) ] وقال القاضي(3): الذي أخذتموها من الكفار قهرا(4) وفيهما قصور و المقصود أن المراد بها هنا غنائم دار الحرب التي هي أحد الامور السبعة التي يجب فيها الخمس عند أكثر أصحابنا وهي غنيمة دار الحرب وأرباح التجارات و الزراعات والصناعات بعد مؤنة السنة لاهله على الوجه المتعارف اللائق من غير إسراف وتقتير، والمعادن والكنوز وما يخرج بالغوص والحلال المختلط بالحرام مع جهل القدر والمالك، وأرض الذمي إذا اشتراها من مسلم.

وضم الحلبي(5) إليها الميراث والهبة والهدية والصدقة، وأضاف الشيخ العسل الجبلي والمن وأضاف الفاضلان(6) الصمغ وشبهه.

(1) الانفال: 41.

(2) مجمع البيان ج 4 ص 543.

(3) في النسخ: أي الذي أخذتموها، واستظهرنا أن الصحيح: " وى: الذي أخذتموها " أي وقال ى الذي أخذتموها كما أثتبناه.

(4) تفسير البيضاوي: 164.

(5) هو أبوالصلاح الشيخ تقي بن النجم الحلبي، الشيخ الاقدم من كبار علمائنا الامامية كان معاصرا للشيخ أبي جعفر الطوسي، وقرأ عليه وعلى السيد المرتضى.

(6) هما آية الله العلامة الحلي، مع المحقق الحلي.


209

ومستحقه على المشهور أيضا المذكورون فيقسم ستة أقسام: سهم الله، وسهم رسوله صلى الله عليه وآله وكذا سهم ذي القربى يضعه حيث يشاء من المصالح، وحال عدمه عليه السلام للامام القائم مقامه، والنصف الآخر للمذكورين من بني هاشم وذلك للروايات عن أهل البيت عليهم السلام وذكر في الكشاف وتفسير البيضاوي أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: المراد أيتامنا ومساكيننا وأبناء سبيلنا، وتفسيرهم مضى في الزكاة وللخمس أحكام يعلم من الكتب الفرعية والذي ينبغي أن يذكر هنا مضمون الآية فهي تدل على وجوبه في غنائم دار الحرب مما يصدق عليه شئ، وأي شئ كان منقولا وغير منقول، قال في الكشاف: حتى الخيط والمخيط، فان المتبادر من الغنيمة هنا هي ذلك ويؤيده تفسير المفسيرين به، وهو كون ما قبل الآية وما بعدها في الحرب مثل " يوم الفرقان " أي يوم حصل الفرق بين الحق والباطل فيه، بأن غلب الحق عليه، و " يوم التقى الجمعان " المسلمون والكفار، والدلالة على الوجوب يفهم من وجوده التآكيد المذكورة فيها: التصدير بالعلم، وليس المراد العلم فقط بل العلم المقارن للعمل، فان مجرد العلم لا ينفع بل يصير وبالا عليه، و معلوم أن ليس المطلوب في مثل هذه الامور العلم بها، وهو ظاهر.

وتقييده بالايمان أي إن كنتم آمنتم بالله واليوم الآخر، وبما انزل من الفتح والنصرة يوم الفرقان فاعلموا أنما غنمتم، فجزاؤه محذوف من جنس ما قبله بقرينته، ولكن لا مجرد العلم بل المقارن للعمل كما مر فتأمل.

وذكر الجملة الخبرية وتكرار أن الموكدة، وحذف الخبر لافادة العموم ذكره في الكشاف حيث قال: فان لله خمسه مبتدأ خبره محذوف تقديره فحق أو فواجب أن لله خمسه، وروى الجعفي عن أبي عمرو: فان لله بالكسر إلى قوله: والمشهورة أي قراء‌ة فتح أن آكد، من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك ثابت، واجب، حق، لازم، وما أشبه ذلك كان أقوى لايجابه من النص على واحد، وفيه تأمل فانه لا يفيد التأكيد أكثر من واجب و هو ظاهر فتأمل.


210

ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره فالحكم أن لله الخ على ما قيل، بل هذا أولى، والمجموع خير أن الاولى ! وصح دخول الفاء في الخبر لكون الاسم موصولا، وأيضا ما عرفت وجه احتياج تقدير الخبر، لم لا يجوز كون " فأن " من غير تقدير خبر أن الاولى، ويكون حاصله اعلموا أن الذي غنمتم فواجب فيه الخمس، وقال في مجمع البيان: قيل في فتح أن قولان: أحدهما أن التقدير: فعلى أن لله خمسه، ثم حذف حرف الجر، والآخر أنه عطف على أن الاولى وحذف خبر الاولى لدلالة الكلام عليه، وتقديره اعلموا أنما غنمتم من شئ فاعلموا أن لله خمسه، والاحتياج إلى هذا أيضا غير ظاهر مع عدم ظهور معنى فاء العطف على التقدير الثاني.

ثم إنه يفهم من ظاهر الآية وجوب الخمس في كل الغنيمة، وهي في اللغة بل العرف أيضا الفائدة، ويشعر به بعض الاخبار مثل ما روى في التهذيب بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام قال قلت له: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه و للرسول " قال هي والله الفائدة يوما فيوما إلى أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكو(1).

إلى أن الظاهر أن لا قائل به، فان بعض العلماء يجعلونه مخصوصا بغنائم دار الحرب كما عرفت، وبعضهم ضموا إليه المعادن والكنوز وأكثر أصحابنا يحصره في السبعة المذكورة، وقليل منهم أضاف إليها بعض الامور الاخر كما أشرنا إليه وأيضا الاجمال في القرآن العزيز كثير ألا ترى كيف ذكر الزكاة بقوله " والذين يكنزون الذهب " الخ والمراد بعض الكنوز مع النصاب وساير الشرائط التي ذكرها الفقهاء وكذا آيات الصلاة والصوم والحج.

وأنه تكليف شاق، وإلزام شخص باخراج خمس جميع ما يملكه بمثله مشكل، و الاصل والشريعة السهلة السمحة ينفيانه، والرواية غير صحيحة وفي صراحتها أيضا

(1) التهذيب ج 1 ص 388، وتراه في الكافي ج 1 ض 544.


211

تأمل إذ قد يكون المراد الفائدة يوم فيوما في مثل الصناعات التي هي محل الخمس فالقول بأنها تدل على وجوب الخمس في كل فائدة ويخرج ما لا يجب فيه بالاجماع ويبقى الباقي، فيكون الخمس واجبا في كل فائدة إلا ما علم من الدليل عدمه فيه فتخصص الآية به، لا يخلو عن بعد، وإن كان صحيحا على قوانين الاستدلال، لعدم ظهور الآية ووجود الاجمال والعموم، وإرادة الخاص في القرآن كثير كما عرفت ولعدم تفسير أحد إياها بها، وعدم ظهور القائل، والاصل الدال على العدم، مع ظواهر بعض الآيات والاخبار، وعدم مثل هذا التكليف الشاق وكأنه لذلك ما ذهب إليه هذا الحمل والاستدلال أحد على الظاهر، نعم قال في مجمع البيان بعدما نقلنا عنه في الغنيمة موافقا لجمهور المفسرين أن معناه في اللغة ذلك: قال أصحابنا: إن الخمس واجب في كل فائدة تحصل للانسان من المكاسب وأرباح التجارات، وفي الكنوز والمعادن والغوص، وغير ذلك مما هو مذكور في الكتب ويمكن أن يستدل على ذلك بهذه الآية فان في عرف اللغة يطلق على جميع ذلك اسم الغنم والغنيمة، والظاهر أن مراده ما ذهب إليه أكثر الاصحاب من الامور السبعة، فانه نسبه إلى أصحابنا، والظاهر منه الجميع أو الاكثر، وليس وجوبه في كل فائدة قولا لاحد منهم على الظاهر، وأيضا قال: مذكور في الكتب، وليس ذلك مذكورا في الكتب فكأنه أشار إلى إمكان الاستدلال لمذهب الاصحاب بالآية الشريفة، إلزاما للعامة فانهم يخصونه بغنائم دار الحرب، وذلك غير جيد، الله يعلم.

الثانية: يا ايها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم(1).

وقد أشرنا إليه في الزكاة وكذا قوله تعالى " وآت ذا القربى " الآية(2).

الثالثة: يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول(3).

(1) البقرة: 267.

(2) أسرى: 26: الروم: 38.

(3) الانفال: 1.


212

قيل: المراد بالانفال الغنائم، فالسؤال عن أحكام الغنيمة وكيفية قسمتها و إنها نزلت حين اختلف الناس في قسمتها وأن القاسم يكون [ من ] الانصار أو المهاجر أي قل إن أمره إلى الله والرسول بأمر الله فيفعل ما يريد مما أمره الله تعالى به، و هو الاحكام المذكورة مفصلا في قسمة الغنائم في كتب الفروع، ويحتمل أن تكون ما هو المتعارف عند الفقهاء، وهو الامر الزائد الذي هو خاصة النبي صلى الله عليه وآله والامام بعده كما ورد به الرواية عن الباقر والصادق عليهما السلام(1) أو الذي يعينه عليه السلام للناس يقول: من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، ثم أمر الله تعالى بالتقوى بقوله " فاتقوا الله " أي اتقوا الله في الاختلاف والتشاجر والمنازعة في قسمة الغنيمة بل مطلقا في جميع أوامر الله ونواهيه " وأصلحوا ذات بينكم " أي أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة، ومساعدة بعضكم بعضا فيما رزقكم، وبترك الخصومة والمنازعة بالصلح والمحبة والسداد وتسليم أمركم إلى الله والرسول " وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين " ولا تخرجوا عما امرتم به فان الايمان يقتضي ذلك.

وفيه مبالغة حيث يشعر بأن الخارج عن طاعة الله ورسوله ليس بمؤمن، بل تارك التقوى وإصلاح ذات البين أيضا كذلك ولا شك في ذلك مع الانكار والاستحلال بعد ثبوته، فدلت على قسمة الغنيمة التي منها الخمس على الاول، وتخصيص الانفال به صلى الله عليه وآله على الثاني كما يقول به الاصحاب، وتعيين الاجر إليه صلى الله عليه وآله لمن يساعده في الحرب على الثالث، وعلى وجوب التقوى وإصلاح ذات البين مطلقا، وهذا قد يكون واجبا من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، اذا كان في خلافه ترك واجب، بأن ارتكب أحد الخصمين ذلك، وقد يكون مستحبا وهو مع عدم ذلك و خوف حصوله، ففيه ترغيب عظيم وحث بليغ في إصلاح الخلق، والمواساة والمساعدة كما دل عليه غير هذه الآية، والاخبار مشحونة بذلك بحيث لا يمكن الخروج عن عهدة ذلك إلا لمن وفقه الله تعالى من أوليائه وأحبائه.

ثم بالغ في التضرع والخشوع والخوف حتى أنه يفهم منه أن الايمان لم

(1) راجع الكافي ج 1 ص 541.


213

يتحقق بدون الوجل عند ذكر الله بقوله تعالى " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " أي فزعت قلوبهم لذكر الله ويحتمل أن يكون المعنى الخوف والطمع عند ذكر أمر الله وثوابه، ونهيه وعقابه، والائتمار والانتهاء والانزجار، فيحتمل أن يكون ذلك شرطا لكمال الايمان، فيكون المراد إنما المؤمنون الكاملون في الايمان قال في الكشاف والدليل عليه " اولئك هم المؤمنون حقا " وفي الدليل تأمل فإن حقا يجوز أن يكون مفعولا مطلقا لمحذوف تأكيدا لمضمون الجملة كما ذكره أيضا فتأمل.

ويحتمل كونه شرطا لمطلق الايمان فإن شرطه قبول الامر والنهي، بمعنى عدم الانكار، والطمع في الثواب، والخوف من العقاب، وتحقق ذلك عنده.

وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا

يعني إذا قرئت عندهم آية من آيات الله الدالة على الله وصفاته زادتهم الايمان وفي هذا دليل على قبول الايمان الزيادة والنقصان، ويدل على أنه لابد من التوكل في الايمان قوله تعالى " وعلى ربهم يتوكلون " عطف على " إذا ذكر الله " كما قبله، وعلى ربهم متعلق بيتوكلون أي لا يفوضون أمرهم إلا إلى الله تعالى، ولا يخشون ولا يرجون إلا الله.

ولنختم هذا البحث بآية " وما أفاء الله على رسوله منهم "(1) أي المال الذي أفاء الله أعاده وأرجعه وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله من الكفار، وجعله فيئا له خاصة " فما أوجفتم عليه " أي فما أجريتم على تحصيله ومغنمه، وهو من الوجيف هو سرعة السير " من خيل ولا ركاب " ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم على أرجلكم و المعنى أن ما خول الله ورسوله من أموال بني النضير شئ لم تحصلوه بالقتال والغلبة " ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير " ولكن سلط الله رسوله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائه، فالامر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء، يعني أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها، واخذت عنوة و قهرا، وذلك أنهم طلبوا القسمة فنزلت كذا في الكشاف ولكن فيه تأمل إذ سيجئ

(1) الحشر: 6 و 7.


214

قسمته فليس الامر مفوضا إليه مع أن القصة واحدة كما سيجئ إلا أن يكون ذلك تفضلا منه صلى الله عليه وآله أو يكون المراد نفي قسمة ما اخذت عنوة فتأمل.

ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى

في الكشاف لم يدخل العاطف على هذه الجملة لانها بيان للاولى فهي منها غير أجنبية بين لرسول الله صلى الله عليه وآله ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوما على الاقسام الخمسة، جعل الخمس خمسة أقسام بجعله لله للتبرك، وجعله البعض ستة: سهم الله، وسهم رسوله، وذي القربى، لرسول الله، ثم للامام القائم مقامه، وبعض يجعل سهم الله في المساجد وعمارة الكعبة، وبالجملة المشهور بين الفقهاء أن الفئ له صلى الله عليه وآله وبعده للقائم مقامه، يفعل به ما يشاء كما هو ظاهر الآية الاولى والآية الثانية تدل على أنه يقسم كالخمس، فإما أن يجعل هذا غير مطلق الفئ بل فيئا خاصا كان حكمه هكذا، أو منسوخا أو يكون تفضلا منه صلى الله عليه وآله وكلام المفسرين أيضا هنا لا يخلو عن شئ كما فهمت عبارة الكشاف فإنها متناقضة " فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " هذه الاقسام الخمسة أو الستة " كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم " لكيلا يكون الفئ الذي حقه أن يعطى الفقراء [ ليكون لهم ] بلغة يعيشون بها، ما يتداوله الاغنياء ويدور بينهم، كما كان في الجاهلية، ومعنى الدولة الجاهلية أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة لانهم أهل الرياسة والدولة والغلبة والمعنى لئلا يكون أخذه غلبة وأثرة جاهلية.

للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله

للفقراء بدل من قوله: لذي القربى والمعطوف عليه، والذي منع الابدال من: لله وللرسول والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله أن الله عزوجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله " وينصرون الله ولرسوله " و أنه يترفع برسوله عن التسمية بالفقير، وأن الابدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عزوجل " اولئك هم الصادقون " في إيمانهم وجهادهم


215

والذين تبوؤا الدار والايمان

عطف على المهاجرين، والمراد بهؤلاء الانصار الذين تبوؤا دار الهجرة ودار الايمان بحذف المضاف إليه من الاول والمضاف من الثاني أو المراد أخلصوا الايمان كقوله " علفته تبنا وماء باردا(1) " أو سمى المدينة إيمانا لانه مستقره.

إلى قوله " ومن يوق شح نفسه " أي ومن غلب ما أمرته به نفسه وخالف هواه عن استعمال البخل بمعونة الله وتوفيقه " فاولئك هم المفلحون " الظافرون بما أرادوا.

(1) كذا في النسخ، وهكذا تفسير البيضاوي ص 427 والصحيح من البيت هكذا: علفتها تبنا وماء‌ا باردا * حتى شتت همالة عيناها


216

كتاب الحج - البحث الاول في وجوبه

وفيه آيتان: الاولى: ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام ابراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين(1).

الواو في " ومن دخله " للعطف و " من " مبتدأ و " كان " خبره وحج البيت مبتدأ " ولله " خبره، والواو كأنه للاستيناف، و " من " عطف بيان للناس أو خبر مبتدأ محذوف أي هو من، وكأن المراد بالحج الطواف مع باقي الافعال، أو قصد البيت للافعال المخصوصة عنده كما هو اصطلاح بعض الفقهاء، أو الافعال المخصوصة عنده كما هو عند البعض، والاستطاعة عند أكثر الاصحاب مفسرة بالقدرة على الزاد والراحلة ذاهبا وآئبا، زائدا على نفقة عياله الواجب نفقتهم عليه حتى يرجع، مع عدم المانع في نفسه من مرض وعدم القدرة على السفر و تخلية السرب من الموانع، وكل ذلك مأخوذ من الادلة العقلية والنقلية.

وأما الرجوع إلى كفاية على ما هو مذهب البعض لرواية أبي الربيع الشامي(2)


9

(1) آل عمران: 96.

(2) الوسائل ب 9 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.


217

فالاصل وظاهر الآية ينفيانه فان الاصل عدم اشتراط الزيادة، وأن معنى الآية على الظاهر: لله على من وجد طريقا إلى حج البيت حجه، ومجهولية أبي الربيع ترد العمل بروايته مع الاختلاف في المتن، بحيث لا دلالة فيها على ما في بعض النسخ، مع معارضتها ظاهر الآية والاخبار الكثيرة المعتبرة مثل صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام قوله تعالى " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " قال يكون له ما يحج به قلت: فان عرض عليه الحج فاستحيى، قال: هو ممن يستطيع، ولم يستحيي؟ ولو على حمار أجذع أبتر، ومثله في حسنة الحلبي، وما في الصحيح عن محمد بن يحيى الخثعمي - إلا أنه قال في رجال ابن داود ورجال الشيخ مهمل، وقال في الاستبصار في باب من يفوته المشعر أنه عامي - عن أبي عبدالله عليه السلام: فقال له حفص الكناسي: وإذا كان صحيحا في بدنه مخلا سربه، له زاد وراحلة، فهو ممن يستطيع الحج؟ قال: نعم(1).

وهذه الاخبار كظاهر الآية دالة على وجوبه ببذل الزاد والراحلة مطلقا سواء كان الباذل نذره أم لا، وسواء كان عدلا أم لا، وسواء كان المبذول له مديونا أم لا، نعم يمكن إخراج من لم يكن لعياله الواجبة نفقتهم عليه قوت، ولم يبذل ذلك، بدليل آخر من عقل أو نقل، وسواء كان المبذول نفس الزاد والراحلة، أو ثمنهما، أو ما يمكن تحصيلهما به، فالتخصيصات التي ذكرها بعض الاصحاب غير واضح، نعم لابد أن يكون ممن يوثق به(2) لو لم يعطه ذلك بالفعل، بل يقبله و يشاركه معه في الزاد ونحوه، ويؤيد الوجوب عموم بعض الاخبار الاخر التي تدل على أن وجوبه معلقة بالامكان كما هو مذهب بعض العامة، والمبالغة المستفادة منها ومن تتمة الآية حتى عبر عن الترك بالكفر، والاعراض عن التارك بالغناء عن عبادته وعبادة غيره المشعر باحتياج غيره إليه يوم الحاجة بقوله " ومن كفر

(1) الوسائل الباب 10 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

(2) اي يظن انه يفي به ولا يرجع، بمعنى أن لا يكون هناك ما يفهم منه عدم الاعتماد وعدم الوفاء: منه رحمه الله.


218

فان الله غني عن العالمين " وهي محمولة على المبالغة كالاخبار، مثل ما روي في المجمع عن أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من لم تحبسه حاجة ظاهرة من مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ونحوه نقل عن ابن عباس والحسن، وفيه:(1) معناه من جحد فرض الحج ولم يره واجبا.

وأما سائر أفعال الحج وأحكامه فلتطلب من محالها، ويمكن كون قوله تعالى " ومن دخله " إشارة إلى وجوب عدم التعرض لمن جنى في غير الحرم فالتجأ إليه كما قيل إنه كان في الجاهلية كذلك وذكره الاصحاب أيضا مع إيجاب عدم معاملته ومواكلته، حتى يضطر إلى الخروج فيفعل به ما اقتضى جنايته من الحد وغيره، للاخبار مثل حسنة الحلبي لابراهيم عن أبي عبدالله عليه السلام قال سألته عن قول الله عزوجل " ومن دخله كان آمنا " قال إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فر إلى الحرم لم يسغ لاحد أن يأخذه في الحرم، ولكن يمنع من السوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم فانه إذا فعل ذلك يوشك أن يخرج فيؤخذ، وإذا جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم لانه لم يرع للحرم حرمة ورواية علي ابن أبي حمزة عن أبي عبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل " ومن دخله كان آمنا " قال إن سرق سارق بغير مكة أو جنى جناية على نفسه، ففر إلى مكة، لم يؤخذ ما دام بالحرم، حتى يخرج عنه، ولكن يمنع من السوق فلا يبايع ولا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ، وإن أحدث في الحرم ذلك الحدث اخذ فيه(2).

والظاهر من الحرم هو الحرم المقرر الذي هو اثنا عشر ميلا في مثله ولكن ظاهر الآية هو كون المأمن البيت أو بكة، لرجوع الضمير إلى أحدهما مع تأويل في الثاني بالبلد، للتذكير إدلا مرجع غيرهما في قوله " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله " وكذا

(1) أي قال في مجمع البيان ج 2 ص 479 في قوله " ومن كفر " معناه: ومن جحد فرض الحج ولم يره واجبا، عن ابن عباس والحسن، فتأمل.

(2) راجع الكافي ج 4 ص 226 و 227.


219

يحتاج إلى التأويل في ضمير " فيه " إذ الظاهر إرجاعه إلى بكة لان المقام ليس في البيت، والظاهر أنه بيان للآيات الواقعة في بكة كما قيل، فالظاهر رجوعهما إليهما وإرادة معناهما وإرادة الحرم منهما بعيدة لا يفهم، والمعدة هي الاخبار في هذه المسألة مع فتوى الاصحاب، وإلا فالآية ليست بصريحة بل ولا ظاهرة فان ظاهرها أنها خبر بكونه مأمنا، وجعله بمعنى الامر يعني وليكن مأمونا من دخله أي لا تتعرضوا له بعيد، مع أنه قيل معناها أن من دخله عارفا بجميع ما أوجبه الله تعالى عليه كان آمنا يوم القيامة من العقاب الدائم، ويؤيده ما روي في الكافي في الحسن لابراهيم عن عبدالله بن سنان [ عن أبي عبدالله عليه السلام ] قال سألته عن قول الله عزوجل " ومن دخله كان آمنا " البيت عنى أو الحرم؟ قال: من دخل الحرم من الناس مستجيرا فهو آمن من سخط الله تعالى، ومن دخله من الوحش والطير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى، حتى يخرج من الحرم(1) وهذه تشعر بكون الحكم في الحرم، وفيها إيماء إلى عدم رجوعه إليه، بل إلى البيت حيثما صرح بالمعنى في الآية بل ذكرالحكم، فتأمل.

وقيل أيضا إنه إشارة إلى استجابة دعاء إبراهيم عليه السلام " رب اجعل هذا بلدا آمنا "(2) ويحتمل أن يكون المراد أمنه من التخريب وغيره من الآفات، ونقل في مجمع البيان أنه روي عن ابن عباس أن الحرم كله مقام إبراهيم ومن دخل مقام إبراهيم يعني الحرم كان آمنا، فالضمير حينئذ راجع إلى مقام إبراهيم، وذلك قريب، ولكن إرادة الحرم هنا من مقام إبراهيم بعيد.

أو راجع إلى بكة، واريد منه الحرم.

والارادة لا يخلو عن بعد بأن يراد من بكة الحرم باطلاق اسم الجزء على الكل، أو لوجود معنى البك في الحرم أيضا في الجملة فتأمل.

واعلم أن في هذا الحكم ودليله دلالة ما على وجوب الاجتناب عن الفاسق فافهم وأن الظاهر عدم تعديته إلى من استدان خارج الحرم مع الوجدان والقدرة

(1) المصدر ج 4 ص 226.

(2) البقرة: 126.


220

على الاداء فالتجأ إلى الحرم وكذا من غصب أموال الناس، لادلة وجوب الرد ولكون حقوق الناس أشد والمساهلة في حدود الله، ولهذا تسقط بأي شبهة كانت وعدم شمول هذه الادلة له للاحتمال في الآية بأن لا يكون في هذا الحكم أصلا، و الاخبار غير صحيحة ولا صريحة في الكل، بل ظاهرة في الجناية الموجبة للحد والتعزير، إذ لا يقال للاستدانة ونحوها أنها جناية، نعم السرقة موجودة في الاخيرة الضعيفة، ومع ذلك يمكن حملها على عدم القطع لا أخذ المال فتأمل، وأن الظاهر أنه ينبغي للحاكم إعلام الناس بحاله حتى لا يعطوه شيئا ليخرج، وأن الحكم بعدم الاعطاء بالكلية، فالتضيق الذي لا يفهم منه عدمه بالكلية، وتصريح البعض بأنه يعطى ولكن مالا يموت ولا يصبر على مثله بعيد، وإن أمكن حمل التضييق على ما مر فتأمل.

الثانية: ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام.

(1) في مجمع البيان: يصدون بمعنى صدوا، ويؤيده قوله " والذين كفروا و صدوا " ويجوز أن يكون المعنى: إن الذين كفروا ويصدون الآن وفي الكشاف بمعنى الاستمرار والثبوت، ونقل عليه شعرا، أي منعوا الناس عن طاعة الله مطلقا وعن هذه الطاعة الخاصة وهي دخول المسجد الحرام مطلقا أو للطواف والعبادة فيه، و خبر إن محذوف لدلالة ما سيأتي عليه، أي نذيقهم من عذاب أليم.

الذي جعلناه للناس سواء العاكف

المقيم الملازم للمكان " فيه " أي في المسجد الحرام " والباد " الطاري الوارد على المكان دون المقيم فيه و " الذي " اسم موصول وما بعده صلته، وهو صفة المسجد الحرام، وفي الكشاف: " سواء " بالنصب مفعول ثان لجعلنا، أي جعلناه مستويا العاكف فيه والبادي، وبالرفع الجملة مفعول ثان له وفيه إجمال إذ ما بين للناس ولا إعراب العاكف على الاول، وأيضا يلزم كون المبتدأ نكرة صرفة، والخبر معرفة على الثاني، إن كان سواء مبتدأ وكأنه جعل

(1) الحج: 25.


221

للناس متعلقا بجعلناه صلة له لا مفعولا، ويحتمل أن يكون مفعولا ثانيا متعلقا بمقدر، أي جعلناه مستقرا(1) أو معبدا للناس، وسواء بالنصب يكون حالا بمعنى مستويا العاكف فيه والبادي، وهما فاعلاه وفي سورة الرفع الجملة حال بالضمير، وضعفه غير مسلم كما بين في محله، ويكون العاكف مبتدأ مؤخرا للاهتمام بتقديم السواء والاستواء فان المطلوب هنا هو التساوي والمساواة، وهو ظاهر فافهم.

ويحتمل أن يكون الجملة بدلا أو عطف بيان عن جملة " جعلناه للناس " و معناه - بناء على كون المراد بالمسجد الحرام الحرم تسمية للشي باسم أشرف أجزائه ولهذا قيل في " أسرى بعبده [ ليلا ] من المسجد الحرام " أنه اسري من مكة من شعب أبي طالب لا المسجد الحرام: جعلنا الحرم مستقرا(2) ومعبدا ومنسكا لهم أو خلقناه لهم كلهم نخص بعضا به دون بعض، فيكون المقيم فيه والطارئ مستويين في سكناه بل سائر التصرفات ولا يتملكه أحد، ولم يكن أولى به من آخر، غير أنه لا يخرج عن منزله الذي سكن وسبق كما في المساجد والاوقاف العامة، مثل الخانات والاراضي التي للمسلمين كافة، وفتحت عنوة، وهذا يكون سبب التسوية التي أشار إليها بقوله " سواء العاكف فيه والباد " فانه لا شك في أن مكة وحواليها فتحت عنوة، والمفتوحة عنوة مستو فيها الناس: العاكف والبادي، بمعنى أنه لا يتملك ولا يصح بيعها نعم المتصرف فيها أولى بها مادام قائما بعمارتها، ونازلا فيها وله التصرف فيما يخصه من العمارة والخشب والعمل على أي وجه أراد، وما نقل عن بعض الصحابة من أن كراء دور مكة حرام، فلما قلناه، لا لان الله قال: " سواء " ولا لان مكة كلها أو الحرم مسجد، كما نقل عن بعض الاصحاب، فانه بعيد بل لا يفهم له معنى للزوم تجويز الجنابة والنجاسة المتعدية في المسجد وغير ذلك من المفاسد، وبهذا يجمع بين ما تقدم وبين فعل المسلمين الآن من البيع والاجارة ونحوهما، إذ يحمل على أنه باعتبار ما يخصه مثل العمل وحينئذ لا خصوصية للحكم بمكة ولا بالحرم.

ويحتمل أن يكون المعنى جعلناه قبلة لصلاتهم وغيرها، مثل دفن الاموات والذبح ومنسكا لحجهم والطواف فيه، وصلوتهم فيه، فالعاكف والبادي فيه

(1 و 2) مشعرا خ ل.


222

سواء وهو ظاهر، ويؤيده ما نقل أن المشركين كانوا يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام، والطواف بالبيت، ويدعون أنهم أربابه وولاته، فنزلت ففي الآية دلالة على التسوية، وكون المسجد الحرام معبدا، وعلى تحريم المنع عن العبادات وعن المسجد الحرام كما في قوله " ومن أظلم ممن منع مساجد الله "(1).

ومن يرد فيه

أي في المسجد الحرام وكأن المراد الحرم " بالحاد بظلم " في الكشاف الالحاد العدول عن القصد، هما حالان مترادفان أي كل منهما حال عن فاعل يرد، ومفعوله متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال ومن يرد فيه مرادا ما عادلا فيه عن القصد ظالما، يعني أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده، وقيل الالحاد في الحرم منع الناس عن عمارته، وقيل: الاحتكار وقيل قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله.

وفيه إجمال حيث ما ظهر كون الباء فيهما بأي معنى؟ والاحتياج إلى ضم الظلم إلى الالحاد، فانه على ما فهم من قوله يعني الخ أن المقصود من قوله " ومن يرد فيه بالحاد بظلم " فعل الذنب مطلقا فيكون مطلق الذنب فيه كبيرة وموعودا به العقاب، والباء يحتمل أن تكون للملابسة أي حال كونه ملابسا بالحاد، وملابسا بظلم أيضا فان العدول عن القصد يحتمل أن يكون بوجه معقول مشروع غير عدوان في بادي الرأي، وبحسب أصل المعنى، فقيد بالظلم، ونص به لزيادة قبحه وظهوره ليترتب عليه " نذقه " فتأمل.

وقال في مجمع البيان: الباء في بالحاد زائدة تقديره: ومن يرد فيه إلحادا والباء في بظلم للتعدية، ونقل أبياتا لكون الباء زائدة(2) وهو محل التأمل إذ بعد صحة كون الباء زائدة لم يظهر كونها للتعدية في بظلم، بل جعلها للملابسة والحال كما قلناه أولى، أي من يرد عدولا عن القصد حال كونه متلبسا بالظلم، ثم قال فيه: الالحاد العدول عن القصد لغة واختلف في معناه ههنا، فقيل: هو الشرك وعبادة غير الله تعالى عن قتادة، فكأنه قال: ومن يرد فيه ميلا عن الحق بأن يبعد غير

(1) البقرة: 114.

(2) راجع مجمع البيان ج 7 ص 79.


223

الله ظلما وعدوانا، وهذا يشعر بكونها للملابسة والحالية، وقيل: هو الاستحلال للحرم والركوب للآثام، عن ابن عباس والضحاك ومجاهد وابن زيد.

كأن المراد باستحلال الحرم اعتقاد جواز تخريبه وعدم كونه حرما ذا حرمة يجب تعظيمه وترتب أحكامه الحرمية عليه من تحريم الصيد وغيره، وقيل هو كل شئ نهي عنه حتى شتم الخادم فيه، لان الذنوب هناك أعظم، وقيل هو دخول مكة بغير إحرام عن عطاء.

نذقة من عذاب أليم

جواب " من " الشرطية وخبرها، أي متى فعل ذلك نعذبه عذابا وجيعا، والتفاسير مضطربة والمحصل معلوم إنشاء الله تعالى وكذا استفادة بعض الاحكام مثل كون كل ذنب فيه موجبا للعذاب الاليم، فيكون كبيرة بل إرادة ذلك، فهي تدل على أن إرادة القبيح والحرام فيه قبيح وحرام بل كبيرة ويشعر أيضا بكون محل الالحاد مكة أو المسجد الحرم، إذ غير ظاهر كون كل الحرم بهذه المثابة مع احتمال كونه كذلك لما علم مما سبق قال في الكشاف(1) وخبر أن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك وينبغي أن يقول عن سبيل الله وعن المسجد الخ.

وقيل في قوله " وطهر " أي يا إبراهيم " بيتي " أي البيت الذي هو القبلة على الظاهر " للطائفين والقائمين والركع السجود " دلالة على وجوب إزالة النجاسة عن المسجد وتحريم إدخالها مطلقا وفيه تأمل من وجوه، ويؤيده ما قال في مجمع البيان وطهر بيتي من الشرك وعبادة الاوثان عن قتادة(2) والمراد بالقائمين المقيمين، وقيل القائمين في الصلاة عن عطا.

وأذن في الناس

أي ناد يا إبراهيم بينهم بالحج بأن تقول حجوا أيها الناس أو عليكم بالحج، وروي أنه صعد أبا قبيس فقال أيها الناس حجوا بيت

(1) في المطبوعة ن: رمز مجمع البيان، وهو مذكور فيه راجع ج 7 ص 79، ولكن النص مذكور في الكشاف.

(2) مجمع البيان ج 7 ص 80.


224

ربكم، وعن الحسن أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع يعني أعلمهم بوجوب الحج فحينئذ دلالتها على الاحكام واضحة وعلى الاول لابد عن انضمام أن ليس هذا منسوخا وأنه من اجتماع الشريعتين مع أنه صلى الله عليه وآله على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام " يأتوك " أي يجيؤن إليك " رجالا " أي مشاة جمع راجل كقائم وقيام " وعلى كل ضامر " وركبانا على كل إبل، مهزول حال معطوفة على الحال السابقة كأنه قيل رجالا وركبانا، والضامر الابل الضعيف، عن ابن عباس أنه ما يدخل مكة إبل ولا غيره إلا هزال " يأتين " صفة لكل ضامر لانه بمعنى الجمع ويحتمل أن يكون صفة له ولرجالا أيضا " من كل فج عميق " أي طريق بعيد " ليشهدوا منافع لهم " أي ليحضروا ما ندبهم إليه مما فيه نفعهم، في الكشاف نكر المنافع لانه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وفي مجمع البيان المنافع التجارات وقيل التجارة في الدنيا والاجر والثواب في الآخرة، وقيل: هي [ هنا ] منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة عن سعيد ابن المسيب، وهو المروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام.

ثم اعلم أن فيها دلالة على وجوب الحج مطلقا بل تشعر بعدم شرط استطاعة الركوب ولكن يقيد بقوله تعالى " من استطاع إليه سبيلا " وقد فسرت بالزاد والراحلة لاجماع الاصحاب على ما نقل، وللاخبار، فيحمل رجالا على الحج ماشيا مع استطاعة الركوب أو يحمل الحج على الحج المطلق الواجب أو المندوب ولعل في تقديم رجالا إشعارا بأفضلية المشي على الركوب، والروايات مختلفة مذكورة في محلها مع التوفيق بينها قال في مجمع البيان: وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لبنيه يا بني حجوا من مكة مشاة حتى ترجعوا إليها مشاة فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول للحاج الراكب بكل خطوة يخطوها راحلته سبعون حسنة، وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبع مائة حسنة من حسنات الحرم قيل ما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف(1) وفيها دلالة على تفضيل حسنات

(1) المصدر ج 7 ص 81.


225

الحرم على غيرها كما مر أن الذنوب فيه يضاعف.

ويذكروا اسم الله في أيام معلومات

في الكشاف: كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله لان أهل الاسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا فذكر اسمه تعالى لازمهما شرعا، هذا على مذهب الموجب أوضح دون غيره كأبي حنيفة فانه لا يقول باللزوم والوجوب، ثم قال: وفيه تنبيه على أن الغرض الاصلي فيما يتقرب به إلى الله أن يذكر اسمه، وقد حسن الكلام تحسينا بينا أن جمع بين قوله: " ليذكروا اسم الله " وقوله " على ما رزقهم من بهيمة الانعام " ولو قيل لينحروا في أيام معلومات بهيمة الانعام، لم تر شيئا من ذلك الحسن والروعة، والايام المعلومات أيام العشر عند أبي حنيفة، وهو قول الحسن وقتادة وعند صاحبيه هي أيام النحر العيد وثلاثة بعده، والذبح والنحر مختصة بهذه الايام الاربعة، فلا معنى لقوله أبي حنيفة لان المراد ذكر اسم الله على الذبيحة والمنحورة كما فسره في الكشاف، ولقوله " على ما رزقهم " وورد في بعض رواياتنا، وقول بعض العلماء أن المراد به الذكر المشهور يوم العيد، وأيام التشريق.

وفي مجمع البيان: اختلف في هذه الايام وفي الذكر فيها، فقيل هي أيام العشر، وقيل لها معلومات للحرص على علمها من أجل وقت الحج في آخرها و المعدودات أيام التشريق عن الحسن ومجاهد، وقيل هي أيام التشريق يوم النحر وثلاثة بعده، والمعدودات أيام العشر عن ابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، واختاره الزجاج، قال: لان الذكر ههنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله " على ما رزقهم من بهيمة الانعام " أي على ذبح ونحر ما رزقهم من الابل والبقر والغنم، وهذه الايام تختص بذلك، ولا شك أن الاخير هو الحق للرواية ولقوله تعالى " على ما رزقهم " ولكن ينبغي أن يقول يوم النحر وأيام التشريق لا أيام التشريق ثم يفسرها به وبثلاثة بعده، فان العيد ليس بداخل في


226

أيام التشريق على المشهور، ولكن وقع في الرواية كذلك ولعله تغليب أو اصطلاح آخر غير المشهور.

ثم قال: وقال أبوعبدالله عليه السلام التعقيب(1) بمنى عقيب خمس عشر صلوة أولها صلاة الظهر من يوم النحر، يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام.

قال في الكشاف.

البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالانعام وهو الابل والبقر والضأن والمعز ثم أمر بالاكل منها والاطعام على وجه أعم نيا ومطبوخا مرقا وغيره لقوله " فكلوا منها " أي من الانعام " وأطعموا " أي أعطوا وتصدقوا بشئ منها، ويحتمل ما بقي من الاكل بل هو الظاهر، حيث حذف المفعول وتبادر الذهن إلى ما تقدم وهو النعم المذبوح المأكول منها " البائس " أي الذي أصابه بؤس أي شدة من الجوع والعري، وقيل هو الذي يسأل بكفه " الفقير " هو الذي أضعفه الاعسار وعدم المعونة كأنه انكسر فقر ظهره من عدم ما يعيش به من الجوع والعري.

ففي الآية دلالة على وجوب الذبح والنحر في مطلق الحج فخصت بالتمتع والقران الواجب الذبح فيه كأنه للاجماع والخبر، والظاهر ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فتأمل، وعلى وجوب التسمية على الذبح لقوله " و يذكروا اسم الله " إذ التقدير وليذكروا، والامر للوجوب، فقول أبي حنيفة وغيره بالاستحباب بعيد، وعلى كون ذلك في أيام معلومات، مفسرات بالعيد وثلاثة بعده موسعا، وعلى وجوب الاكل، ووجوب التصدق على الفقراء من الانعام المذبوحة للامر الظاهر في الوجوب كما ثبت، ولوجوب ما تقدم و ما تأخر بقوله " ثم ليقضوا تفثهم " فيمكن إتمام الاستدلال على المشهور من وجوب تقسيم هدي التمتع أثلاثا: الاكل من الثلث، والتصدق بالثلث على

(1) في المصدر: التكبير بمنى، راجع ج 7 ص 81.


227

الفقير المؤمن، والاهداء بالآخر إلى المؤمن، وينبغي أن يكون فقيرا، لانه علم وجوب الاكل والتصدق، وكأن كل من قال بهما قال بالتقسيم المذكور، وما نعرف وجها لقول العلامة بالاستحباب سوى الاصل.

وقال في مجمع البيان: وهذا أي الاكل إباحة وندب، وليس بواجب وكلامه يشعر بوجوب التصدق حيث قال بعد الحكم بأن الاكل ندب، وأطعموا البائس الفقير فتأمل، وكلام الكشاف قريب منه: الامر بالاكل منها أمر إباحة لان أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبا لما فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم، ومن استعمال التواضع، ومن ثم استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من اضحيته مقدار الثلث، وقد عرفت دفعه مما سبق، ومعلوم عدم دلالة ما ذكره على تعيين كونه للاباحة أو الندب وهو ظاهر نعم يتوجه إمكان ذلك بالاحتمال، ويندفع بما يقتضي الوجوب فتأمل، على أن في قوله مناقشات الاولى الحكم بأن الامر للاباحة ثم تجويز الندب وتعليله بقول الفقهاء بالندبية المذكورة لجواز كون الامر للندب، مع أن كونه للندب أقرب من كونه للاباحة غير جيد الثانية عدم الاستحباب عند الكل وهو ظاهر في ذلك(1) الثالثة استحباب أكل مقدار الثلث فانه ظاهر في كله والمراد الاكل منه وهو ظاهر ومبين.

وبالجملة الحكم بالاستحباب كما فعله العلامة وغيره مشكل لان ظاهر الآية وجوب الاكل، والاعطاء إلى الفقراء، وكذا قوله تعالى " فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر "(2) وهذه أيضا ما تدل على التقسيم المشهور إلا أن يكون المراد باطعام القانع التصدق على الفقير، وباطعام المعتر الاهداء إلى المؤمن، ولكن فهم ذلك مشكل، ولو كان قائل بوجوب الاكل منه و إعطاء الباقي إلى الفقير البائس والقانع والمعتر لكان القول به جيدا، والحاصل أن هذا هو مقتضى الآية وما أحفظ الآن الاخبار، والظاهر أن لا دلالة فيها أيضا على المشهور.

(1) اي في أن الاستحباب عند الكل للجمع المحلي باللام.

(2) الحج: 36.


228

ثم ليقضوا تفثهم

في الكشاف قضاء التفث قص الشارب والاظفار ونتف الابط وفي مجمع البيان: ليزيلوا قشف الاحرام(1) من تقليم ظفر وأخذ شعر و غسل واستعمال طيب وقيل معناه ليقضوا مناسك الحج كلها عن ابن عباس وابن عمر، قال الزجاج قضاء التفث كناية عن الخروج من الاحرام إلى الاحلال والمراد به قص الشعر ونتف الابط وغيره من إزالة الشعر بأي وجه كان " وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " ويجب أن يفعلوا ما وجب عليهم في الحج بالنذر وأخويه كأنه كان متعارفا أن ينذروا أعمال البر في حجهم ولا خصوصية له بالحج فانه يجب إيفاء النذر مطلقا ويمكن أن يكون لكونه مكانا شريفا وزمانا كذلك يضاعف فيه الاعمال الحسنة فامروا بالوفاء هناك في تلك الازمنة لذلك فتدل على سعة وقت النذر وأفضلية المكان والزمان، قال في مجمع البيان: قال ابن عباس هو نحر ما نذروا من البدن وقيل: ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج وما نذروا إن رزقهم الله الحج أن يتصدقوا، وإن كان على الرجل نذور مطلقة فالافضل أن يفي بها هناك.

ويجب طواف البيت الذي في المسجد الحرام وهو القبلة سمي بالعتيق لانه أول بيت وضع للناس، وقيل غير ذلك أيضا، وقيل المراد طواف الزيارة وقيل طواف النساء ويحتملها معا وقيل طواف الوداع ويحتمل الكل مجازا والظاهر الاول حيث كان الكلام في الحج، وأنه ذكره بعد التحليل والذبح، ويمكن فهم وجوب الترتيب في الجملة بين مناسك منى فافهم " ذلك " خبر مبتدأ محذوف أي الامر والشأن ذلك، وفي مجمع البيان: أي هكذا أمر الحج والمناسك " ومن يعظم حرمات الله فهو " أي التعظيم " خير له عند ربه " في الآخرة، والحرمة مالا يحل هتكه، وجميع ما كلفه الله عزوجل بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل

(1) القشف محركة قذر الجلد ورثاثة الهيئة، وفي المصدر المطبوع ج 7 ص 81: شعث الاحرام.


229

أن يكون عاما في جميع التكاليف، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج، و عن زيد بن أسلم: الحرمات خمس الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل، فينبغي تعظيم المحرم أيضا بل جميع من هو مشتغل بالعبادة، ومعنى التعظيم العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ، والقيام بمراعاتها.

واحلت لكم الانعام

يعني جميع الانعام حلال " إلا ما يتلى عليكم " آية تحريمه مثل قوله تعالى في سورة المائدة " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب(1) الآية ونحوها، وحاصله أن الله قد أحل لكم الانعام كلها إلا ما استثناه في كتابه، ويحتمل أن يجعل أعم أي إلا ما يعلمكم أنه حرام بأي وجه كان بالهام وقرآن وكلام آخر، ونحو ذلك، فحافظوا على حدوده وإياكم أن تحرموا مما أحل الله شيئا كتحريم عبدة الاوثان البحيرة و السائبة(2) وغير ذلك وأن تحلوا مما حرم الله شيئا كاحلالهم أكل الموقوذة و الميتة وغير ذلك، هكذا في الكشاف فدلت على الحكم المذكور فيها " واجتنبوا الرجس من الاوثان " في مجمع البيان: أي اجتنبوا الرجس الذي هو الاوثان فمن بيانية، وروى أصحابنا أن اللعب بالشطرنج والنرد وسائر أنواع القمار من ذلك، وهو غير واضح، وكأن للوثن معنى آخر يصدق عليها حقيقة أو مجازا، و قيل إنهم كانوا يلطخون الاوثان بدماء قرابينهم فسمي ذلك رجسا " واجتنبوا قول الزور " وهو الكذب وروي أصحابنا أنه يدخل فيه الغنا(3) وسائر الاقوال الملهية وروى أيمن بن حزيم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قام خطيبا فقال: يا أيها

(1) المائدة: 3.

(2) في معناهما اختلاف بين اللغويين والمفسرين وسيجئ شرح ذلك في كتاب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فراجع.

(3) وذلك من معانيه اللغوية كما في القاموس.


230

الناس عدلت شهادة الزور الشرك بالله - وزاد في الكشاف مرتين - ثم قرأ: " واجتنبوا الرجس " الآية يريد أنه قد جمع في النهي بين عبادة الوثن وشهادة الزور، فقول الزور شهادة الزور، وقيل هو الكذب والبهتان، وقيل: قولهم هذا حلال وهذا حرام وغير ذلك من افترائهم وفي الكشاف لما حث على تعظيم حرماته، وأحمد من يعظمها أتبعه الامر باجتناب الاوثان وقول الزور، لان توحيد الله ونفي الشركاء عنه و صدق القول أعظم الحرمات وأسبقها خطرا، وجمع الشرك وقول الزور في قرآن واحد، وذلك أن الشرك من باب الزور، لان المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الاوثان التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة، وما ظنك بشئ من قبيل عبادة الاوثان، وسمى الاوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر والازلام على طريق التشبيه، يعني إنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا عن هذه الاشياء، مثل تلك النفرة، ونبه على هذا المعنى بقوله " رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " جعل العلة في اجتنابه أنه رجس والرجس مجتنب، و فهم هذا كله لا يخلو عن بعد فافهم، ومعلوم دلالتها على ما فيها من الاحكام على كل الاقوال، فلا يحتاج إلى التصريح بها.

ولكل امة جعلنا(1)

أي شرع الله لكل امة " منسكا " هديا ينسكونه لوجه الله وعلى وجه القربة، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه بقوله " ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام " ففيها أيضا دلالة على ذبح الهدي، وذكر الاسم عليه وكذا في غيرها أيضا.

والبدن(2)

جمع بدنة وهي الابل " جعلناها لكم من شعائر الله " من أعلام الشريعة التي شرعها الله، وإضافتها إلى اسم الله تعظيم لها " لكم فيها خير " أي منافع الدنيا والآخرة لان من احتاج إلى لبنها شربها، وإلى ظهرها ركبها " فاذكروا

(1) الحج: 34.

(2) الحج: 36.


231

اسم الله عليها " وذكر اسم الله عبارة ذكر التسمية عند النحر كما مر غير مرة " صواف " قائمات ولهذا قالوا يستحب نحرها قائمة قد صففن أيديهن وأرجلهن " فإذا وجبت جنوبها " أي إذا وقعت جنوبها على الارض أي ماتت بالنحر " فكلوا منها وأطعموا " منها " القانع " الذي يقنع بما يعطى " والمعتر " الذي يعتريك ويسألك أن تعطيه، وقد مر البحث فيه.

الثاني : في أنواعه وافعاله وشئ من أحكامه

وفيه آيات

الاولى: وأتموا الحج والعمرة لله فان احصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فاذا امنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلثة ايام في الحج وسبعة اذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا ان الله شديد العقاب(1).

المراد بالحج والعمرة معناهما الشرعي المتعارف عند الفقهاء، ولهما أفعال مخصوصة معلومة من كتب الفروع، وأتموهما يعني ائتوا بهما تامين مستجمين للشرائط مع جميع المناسك وتأدية كل ما فيهما، كذا في الكشاف وتفسير القاضي ومجمع البيان، أي المراد الاتيان بهما لا الاتمام بعد الشروع فيهما، ويؤيده قراء‌ة أقيموا الحج والعمرة، قال القاضي: وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من

(1) البقرة 196.


232

دويرة أهلك أو تفرد لكل منهما سفرا، أو أن تجرده لهما، ولا تشوبه بغرض دنيوي أو أن يكون النفقة حلالا، وفي الخبر الصحيح أن الاحرام من الميقات من تمام الحج وفي حسنة عمر بن اذينة قال كتبت إلى أبي عبدالله عليه السلام بمسائل بعضها مع ابن بكير وبعضها مع أبي العباس وجاء الجواب باملائه عليه السلام سألت عن قول الله عز وجل " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " يعني به الحج والعمرة جميعا لانهما مفروضان وسألت عن قول الله عزوجل: " وأتموا الحج والعمرة لله " قال يعني بتمامهما أداء‌هما واتقاء ما يتقي المحرم فيهما، وسألت عن قوله تعالى " الحج الاكبر " ما يعني بالحج الاكبر فقال: الحج الاكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار والحج الاصغر العمرة(1) وقال في مجمع البيان: وقيل معناه أقيموهما إلى آخر ما فيهما، وهو المروي عن أمير المؤمنين وعلي بن الحسين وعن سعيد بن جبير ومسروق والسدي " لله " أي لوجه الله يعني اقصدوا الحج والعمرة لله، وافعلوهما له خاصة، أي لامتثال أمره ولموافقة إرادته وثوابه كما قيل في النية.

فعلى هذه التفاسير كلها تدل الآية على وجوب الحج والعمرة ابتداء‌ا وإن لم يكن شرع فيهما، والظاهر أنه لا خلاف عندنا فيه، ويدل عليه الاخبار أيضا وعلى وجوب القربة في فعلهما، فيفهم وجوب النية فيهما وفي سائر العبادات لعدم القائل بالفصل كما هو مذهبنا، فاندفع بها قول الحنفي بعدم وجوب النية، و عدم وجوب العمرة، وأما دلالتها حينئذ على إتمام الحج المندوب، وإتمام الحج الواجب الفاسد والعمرة كذلك كما قيل فليست بواضحة إلا بتكلف، نعم لا يبعد وجوب إتمامهما في الفاسد بدليل وجوب أصلهما، وأصل عدم سقوط الباقي بالافساد والاصل بقاؤه.

ولكن ظاهر الآية مع قطع النظر عن التفاسير التي تقدمت وجوب إتمامهما بعد الشروع، فتفيد وجوب إتمام كل منهما بعد الشروع فيهما ندبا أو مع الافساد

(1) الكافي ج 4 ص 264.


233

وحينئذ لا تدل على وجوبهما أصالة وقبل الشروع.

والعجب من صاحب الكشاف(1) أنه فسر أتموا الحج والعمرة لله بائتوا بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توان ولا نقصان، وسلم أن الامر باتمامهما أمر بأدائهما بدليل قراء‌ة من قرأ " وأقيموا " مع أنها غير ظاهرة في ذلك والقراء‌ة غير ثابتة، وسلم أيضا أن الامر للوجوب، وقال أيضا في آية الوضوء تفسير لفظ واحد بمعنى الوجوب والندب مثل فاغسلوا إلغاز وتعمية، فلا يجوز وقال: فان قلت: فهل فيه دليل على وجوب العمرة؟ قلت: ما هو إلا أمر باتمامهما ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوعين فقد يؤمر باتمام الواجب والتطوع جميعا إلا أن نقول الامر باتمامهما أمر بأدائهما، بدليل قراء‌ة من قرأ " وأقيموا الحج والعمرة " والامر للوجوب في أصله إلا أن يدل دليل على خلاف الوجوب كما دل في قوله تعالى " فاصطادوا " " فانتشروا " ونحو ذلك فيقال لك: فقد دل الدليل على نفي الوجوب وهو ما روي أنه قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: لا، ولكن أن تعتمر خير لك، وعنه صلى الله عليه وآله الحج جهاد والعمرة تطوع وقال والدليل الذي ذكرنا أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقي الحج وحده فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوال فانك تأمره بفرض وتطوع.

وأجاب عن معارضتهما بقول ابن عباس إن العمرة لقرينة الحج بأن معناه إن القارن يقرن بينهما، أو أنهما تقترنان في الذكر فيقال حج فلان واعتمر، وعن المعارضة بقول عمر لرجل قال: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي أهللت بهما جميعا: " هديت لسنة نبيك " بأن الرجل فسر كونهما مكتوبين بقوله أهللت لانه ارتكب تفسير الآية أولا بغير الظاهر، مع كونه خلاف الخبر الذي نقله.

ومنع حمل اللفظ على الوجوب والندب، معا، وقال إنه إلغاز وتعمية، و ارتكبه هنا مع إمكان حملها على مالا ينافي بل هو الظاهر كما مر، فان ظاهرها الامر بالاتمام بعد الشروع وأشار إليه بقوله: " ما هو إلا أمر باتمامهما " ولا شك

(1) راجع ج 1 ص 261.


234

أنه مناف للمعنى الذي ذكره أولا وهو ظاهر، على أنه يبعد بل لا يجوز إخراج الآية التي هي قطعية عن معناها بعد القول بذلك المعنى إلى معنى آخر، وحملها على المجاز بمثل هذين الخبرين اللذين هما غير معلومي الصحة، ولا ظاهري الدلالة، بحيث يقتضي ترك القاطع بسببهما، إذ نفي وجوب مثل وجوب الحج لا يدل على نفي مطلق الوجوب دلالة يقتضي ذلك وكذا كون الاتيان بالعمرة خيرا لا ينفي وجوبها مطلقا وكذا كون الحج جهادا، والعمرة تطوعا لاحتمال التطوع وجوبا لا يكون مثل وجوب الجهاد، مع أنه لا عموم لهما، لاحتمال أن يكون المراد عمرة بعد فعل الحج مع عمرته مفردا أو قارنا أو متمتعا، يعني لا تجب عمرة اخرى غير التي لابد منها مع الحج مقدمة أو مؤخرة، مع أنه سلم معارضتهما بقول ابن عباس وعمر.

وبالجملة ترك القرآن القاطع لا يمكن إلا بقاطع إما من حيث المتن أو الدلالة وأما الجواب عن المعارضة بقول ابن عباس وعمر مع أنها غير موجهة إذ قد يكون ذلك رأيه، والهداية لسنة النبي صلى الله عليه وآله لا يستلزم الوجوب وكذا تسليم عمر مكتوبيته مع أنها مبينة بالسنة ويجوز كونها باعتقاده وفهمة سنة، ولانه ليس مما يصلح للمعارضة بخبر النبي صلى الله عليه وآله وهو ظاهر لانه يطرح قول عمر عند قوله، ولانه ليس معنى خبر ابن عباس أنهما مقارنان في الذكر أو القارن يقرن بينهما بل أنهما مقارنان في أحكام الشرع، وهو ظاهر، وأيضا ليس أهللت تفسيرا للمكتوب وهو أيضا ظاهر، فانه مرتب عليه، ولهذا نقل في بعض النسخ فأهللت.

والعجب من القاضي أيضا أنه سلم المعارضة حيث قال بوجوب العمرة للآية وأجاب عن الخبر بأنه معارض حيث قال وما روى جابر عنه صلى الله عليه وآله قيل: يا رسول الله إلى آخر ما نقلناه معارض بما روي أن رجلا إلى آخر خبر عمر، وأجاب عن كون أهللت تفسيرا بما قلناه من أنه رتب الاهلال على الوجدان، وهو ظاهر.

الحصر والاحصار هو المنع كالصد والاصداد، قال في الصحاح(1) حصر

(1) الصحاح ج 2: 632 وفيه: الحصر بالضم اعتقال البطن تقول منه: حصر الرجل الخ.


235

الرجل واحصر على ما لم يسم فاعله، قال ابن السكيت أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها، قال الله تعالى " فان احصرتم " ثم قال: وقد حصره العدو يحصرونه إذا ضيقوا عليه وأحاطوا به، وحاصروه محاصرة، وحصرت الرجل فهو محصور أي حبسته قال وأحصرني بولي وأحصرني مرضي: أي جعلني أحصر نفسي قال أبوعمرو الشيباني حصرني الشئ وأحصرني أي حبسني فقد علم أنه في الاصل المنع عن الشئ مطلقا سواء كان المانع المرض أو العدو، ولكن الظاهر مما قيل في سبب نزوله من أنه نزل في الصد في الحديبية وقوله تعالى " فاذا أمنتم " أن المراد به هنا هو الصمد بالعدو، وقوله " حتى يبلغ الهدي محله " يدل على أنه بالمرض إذ البعث إنما هو في المرض عند أصحابنا وأما حكم الصد بالعدو، عند أصحابنا والشافعي فهو الذبح موضع الصد، كما بين في الفقه، ونقل من فعله صلى الله عليه وآله ذلك في الحديبية، وهي من الحل على ما قالوا، وحمل الآية على بلوغ الهدي موضعا يحل ويبيح ذبحه فيه، حلا كان أو حرما، كما هو مذهب مالك والشافعي بعيد جدا لانه تصير لفظة حتى والبلوغ لغوا وكذا المحل لحصول الاجمال مع الزيادة، إذ المناسب حينئذ الاختصار على " فما استيسر من الهدي " أو يضم إليه " فيه " يعني فعليكم ذبح هدي ميسر في ذلك المكان حينئذ وأما عند أبي حنيفة فلا فرق بينهما، ومحل الهدي هو الحرم وزمانه متى شاء فالبعث متحقق عنده فيهما في بعض الاوقات، بأن يكونا في الحل لا في الحرم، فيرد عليه أيضا الاشكال الذي ورد على الشافعي في الجملة على أنه ينافيه فعله صلى الله عليه وآله في الحديبية بناء على أنه من الحل على ما قالوه.

وأما أصحابنا فكأنهم يجعلونه مخصوصا بالمرض، وما يسلمون سبب النزول و يجعلون " أمنتم " بمعنى أمنتم من المرض فقط أو العدو أيضا وإن لم يكن منع العدو مذكورا بخصوصه ويجعلون مكان الهدي في العدو موضعه وزمانه زمان إرادة التحليل قبل أن يفوت الحج ويخصون ذلك باسم الصد سواء كان في الحج أو العمرة، وفي المرض: منى، يوم النحر إن كان حاجا ومكة، الساعة التي وعدهم فيها إن كان


236

معتمرا، فلابد فيه من البعث لانه ممنوع عن الوصول إلى محل الذبح المذكور فرضا، فعندهم فرق بينهما بذلك وبغيره أيضا مثل حصول التحلل في المصدود، من كل ما حرمه الاحرام حتى النساء كما حصل للنبي صلى الله عليه وآله ولاصحابه في الحديبية بخلاف المحصور فانه لا يحل له النساء حتى يطوف طوافهن بنفسه إلا أن لا يحصل له المضي إلى مكة فيستنيب.

ودليلهم على ذلك وباقي الاحكام من المشتركة والمختصة - مثل وجوب نية التحلل بالذبح، وأوجب بعضهم الحلق أو التقصير أيضا معه للتحلل كالشيخ زين الدين في شرح الشرايع استدلالا بالآية المذكورة، ولا دلالة فيها بل على عدمه كما سيظهر - أخبار عن أهل البيت عليهم السلام مثل صحيحة معوية بن عمار وحسنته عن أبي عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول المحصور غير المصدود، المحصور المريض، والمصدود الذي يصده المشركون كما ردوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه ليس من مرض، و المصدود يحل له النساء، والمحصور لا يحل له النساء.

قال: وسألته عن رجل احصر فبعث بالهدي قال: يواعد أصحابه ميعادا، إن كان في الحج فمحل الهدي منى يوم النحر، فاذا كان يوم النحر فليقصر من رأسه ولا يجب عليه الحلق حتى يقضي المناسك، وإن كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكة، والساعة التي يعدهم فيها، فاذا كان تلك الساعة، قصر وأحل و إن كان مرض في الطريق بعدما أحرم فأراد الرجوع إلى أهله رجع ونحر بدنة أو أقام مكانه حتى يبرء إذا كان في عمرة، وإذا برئ فعليه العمرة واجبة، وإن كان عليه الحج رجع أو أقام ففاته الحج فان عليه الحج من قابل، فان الحسين ابن علي خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليا عليه السلام ذلك وهو في المدينة فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا(1) وهو مريض بها فقال يا بني ما تشتكي؟ فقال أشتكي رأسي فدعا علي عليه السلام ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة فلما برأ من

(1) السقيا بالضم موضع بين المدينة ووادي الصفراء.


237

وجعه اعتمر قلت أرأيت حين برأ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة حل له النساء؟ قال لا يحل له النساء حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة.

قلت فما بال رسول الله صلى الله عليه وآله حين رجع من الحديبية حلت له النساء، ولم يطف بالبيت؟ قال ليسا سواء كان النبي صلى الله عليه وآله مصدودا والحسين محصورا(1).

ومثله صحيحته أيضا قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول المحصور غير المصدود وقال: المحصور هو المريض، والمصدود هو الذي يرده المشركون كما ردوا رسول الله صلى الله عليه وآله ليس من مرض، والمصدود تحل له النساء، والمحصور لا يحل له النساء(2) وغير ذلك من الاخبار.

ولا شك في دلالة الاخبار على المطلوب كما ترى، ولكن في الرواية الاولى دلالة على جواز النحر بل وجوبه موضع الحصر، ولا يجب البعث وهو خلاف ما ذهب إليه الاصحاب وأيضا في متنها أشياء حتى أنه فعل يتوهم المنافاة بين أولها وآخرها مما نقل عن فعله عليه السلام بالحسين عليه السلام وأيضا فيها تغيرات ففي التهذيب غير الذي في الكافي وفي الفقيه غيرهما(3) فان فيه أنه فعل الحسين ذلك بنفسه لا أمير المؤمنين عليه السلام وفي التهذيب فيها زيادة بعد قوله " فان عليه الحج من قابل ": " فان ردوا الدراهم عليه، ولم يجدوا هديا ينحرونه وقد أحل، لم يكن عليه شئ ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضا ".

والاصحاب حملوها على أنه محل ولا يبطل إحلاله، ولكن يبعث الهدي في قابل ويمسك عما يمسك عنه المحرم من حين البعث، ومثلها ما في رواية غير صحيحة في الكافي قلت له - أي لابي جعفر عليه السلام أرأيت إن ردوا عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه، وقد أحل فأتى النساء؟ قال: فليعد أي ثمن الهدي وليمسك الآن عن النساء إذا بعث(4).

(1) الكافي ج 4 ص 369.

(2) الفقيه ج 2 ص 304 وهو صدر الحديث الاول.

(3) راجع الفقيه ج 2 ص 305، التهذيب ج 1 ص 567.

(4) الكافي ج 4 ص 371.


238

فقال بعض لا يعقل وجوب الامساك بعد تحقق التحلل فحمل على الاستحباب وقال بعض إنه لا استبعاد بعد وقوعه في النص وأنت تعلم أن قوله عليه السلام فان ردوا الدراهم عليه لا يدل على أنه محل حتى يرد الاستبعاد، ويحتاج إلى التكلف في دفعه، بل الظاهر أن معناه ما عليه إثم ولا كفارة، ولكن يبعث ويكون محرما ممسكا عما يمسك عنه المحرم، كما كان قبل البعث، إذ قد يراد بقوله " وقد أحل " أنه فعل أفعال المحل واعتقد أنه محل ويؤيده " فأتى النساء " في الثانية.

على أن هذه الزيادة ليست بموجودة في غير التهذيب، والثانية ضعيفة، فلو لم يكن لهم دليل على ذلك من إجماع ونحوه لم يبعد القول بما ذكرناه فيندفع الاشكال.

وأيضا يمكن القول بالتخيير في المحصور بالمرض وحمل فعله عليه السلام بالحسين على الجواز وكذا البعث بمعنى أحد الفردين الواجبين على التخيير حتى يندفع التنافي بين الروايات، بل بين أول هذه الرواية وآخرها كما وقع في التهذيب و الكافي فان فيها فعل أمير المؤمنين عليه السلام هو الذبح مكان الحصر مع التصريح قبله بالبعث.

فالمعنى على ما يفهم من رأي الاصحاب فان منعتم بالمرض من الحج أو العمرة بعد كونكم محرمين بأحدهما، وأردتم الاحلال أو مطلقا كما هو الظاهر من اللفظ فعلى الثاني يكون الاحلال بالهدي واجبا أراد التحلل أم لا، وعلى الاول على تقدير الارادة، والثاني هو المفهوم من ظاهر الآية والاول هو المفهوم من كلام الاصحاب فعليكم أو فالواجب عليكم أو فاذبحوا أو اهدوا أو ابعثوا للتحلل ما استيسر من أي نوع كان من الهدي إبلا أو بقرة أو شاة أي فتحللوا إذا ظننتم ذبح الهدي فما إما خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، أو مفعول فعل محذوف والجملة جزاء " إن احصرتم ".

ويحتمل كون الحصر بمعنى المنع المطلق كما في اللغة لا بالمعنى المصطلح عندهم، فيكون التقدير " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله " إن بعثتم كما في المريض وحتى يذبح في محله إن كان المنع بالعدو كما وقع في الحديبية فتركه


239

في الآية لوقوعه في الحديبية وظهوره وبيانه بالاخبار كما في سائر الآيات، أو يجعل بلوغ الهدي محله كناية عن حصول ذبحه في محله في العدو، محل الصد، وفي المرض ما مر ويكون ذلك البيان مستفادا من الاخبار، ومع أنه غير بعيد من الفهم لدلالة العقل على عدم البعث حين الصد بالعدو غالبا، ولعل معنى " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله " لا تحلوا مما أحرمتم ولا تخرجوا من الاحرام حتى يبلغ هديكم الواجب عليكم للتحليل في المحل الذي يحل ويجوز ويباح ذبحه أو نحره فيه، بمعنى عدم التحريم فلا ينافي الوجوب في ذلك المحل وهو مكة إن كان محرما بالعمرة، ومنى يوم النحر إن كان محرما بالحج، فالحلق الذي هو أقوى ما يحصل به الاحلال اطلق واريد منه ذلك أو يكون بمعناه يعني لا تحلقوا إلى ذلك الوقت، ويفهم غيره أيضا بالمقايسة أو يقدر: ولا تفعلوا شيئا من محرمات الاحرام، ولعل الاول أولى.

ثم اعلم أن هنا أبحاثا: الاول: هل الهدي واجب على الممنوع مطلقا أو مقيدا بارادة التحلل الظاهر من الآية الاول فيجب الذبح والتحلل أيضا وتقييد القاضي وغيره الآية بقوله: إن أردتم التحلل كما أشرنا إليه غير ظاهر الوجه.

الثاني: هل هو مخصوص بصورة عدم الشرط وقت الاحرام بقوله حلني حيث حبستني أو مطلق، الظاهر هو الثاني لعدم القيد في الآية، وعدم ثبوت المخصص ومجرد الاشتراط لا يدل عليه إذ قد يكون فائدته مجرد حصول الثواب أو غيره، والاول مذهب السيد المرتضى وهو بعيد عنه، لعدم خروجه عن الآية إلا بيقين ولا يقين وهو يفهم من الفقيه أيضا وفي صحيحة حمزة بن حمران الذي ما وثق بل قيل له كتاب في باب الحصر من الفقيه سئل أبوعبدالله عليه السلام عن الذي يقول حلني حيث حبستني فقال: هو حل حيث حبسه الله عزوجل، قال أو لم يقل، ولا يسقط الاشتراط عنه الحج من قابل(1) وكذا في حسنة زرارة في التهذيب في باب الاحرام هو حل إذا

(1) الفقيه ج 2 ص 306.


240

حبسه اشترط أو لم يشترط(1) دلالة ما على سقوط الهدي مع الشرط وبدونه، ولكن يقيدان بالآية، ويؤيده عدم السقوط بدون الشرط بالاجماع على الظاهر، ولصحيحة محمد بن مسلم ورفاعة عن أبي عبدالله عليه السلام أنهما قالا: القارن يحصر، وقد قال و اشترط " فحلني حيث حبستني " قال يبعث بهديه، قلنا هل يتمتع من قابل؟ قال: لا، ولكن يدخل في مثل ما خرج منه(2) فان فيهما دلالة على عدم السقوط وفيهما دلالة أيضا على عدم إجزاء التمتع عن القران، فلا يصح العدول مطلقا أيضا، و ذلك مذهب البعض وليس بجيد.

الثالث: هل يتحقق الاحلال بمجرد حضور وقت المواعدة لنائبه في الذبح أو لابد من تقصير أو حلق مع نية التحلل بهما؟ أكثر الروايات خالية عنه والاصل أيضا مؤيد، ولكن الاستصحاب يقتضي البقاء على الاحرام حتى يتحقق المحلل(3) وصحيحة معوية المتقدمة حيث قال فيها فليقصر صريحة في وجوب التقصير وكذا قوله فيها قصر وأحل يدل على وجوب التقصير فتأمل وكأنه لا قائل بتعينه فيكون واجبا مخيرا بينه وبين الحلق، ويمكن استفادته من الآية حيث قال فيها " ولا تحلقوا " أي لا تحلوا بمعنى لا تفعلوا شيئا يحللكم حتى يبلغ، فيفهم من الغاية حينئذ وجوب فعل المحلل وليس إلا الحلق أو التقصير أو أنه نفى وجوب الحلق إلى حين بلوغ الهدي، فيكون التقدير فاحلقوا بعد البلوغ فتأمل أو يقال يكفي انتهاء التحريم فيفهم جواز الحلق بعده، ويحتمل أن يكون المراد كما هو الظاهر لا تفعلوا من محرمات الاحرام حتى يبلغ ثم يحل ذلك لكم بمعنى رفع الحظر والمنع والتحريم فيفهم جواز الحلق بعد البلوغ، فلا يكون التقصير متعينا وقد علم كونه واجبا فيكون الحلق مثله فتأمل.

الرابع: هل النية واجبة لهذا الحلق أو التقصير وشرط بحيث إذا انتفت

(1) التهذيب ج 1 ص 469.

(2) راجع التهذيب ج 1 ص 568 الفقيه ج 2 ص 305، الكافي ج 4 ص 371.

(3) وتحققه بمجرد حصول الوقت غير ظاهر، منه رحمه الله.


241

انتفى التحلل.

الظاهر من كلام الاصحاب ذلك، ولعل دليلهم الاجماع أو الاحتياط أو كونه عبادة فلابد لها من نية، وبالجملة استفادة التحليل على الوجه الذي يفهم من فتوى الاصحاب لا يخلو من مناقشة وإن كان الاحتياط يقتضيه.

الخامس: هل يحل له كل ما حرمه الاحرام أم لا؟ ظاهر الآية هو العموم حيث قيد بقاء التحريم إلى بلوغ الهدي، فيرتفع المنع المتقدم وهو الظاهر وإن لم يكن نصا إلا أنه في بعض الروايات الصحيحة مثل صحيحة معوية ما يدل على بقاء تحريم النساء حتى يطوف بالبيت ويسعى بنفسه، وإن تعذر فبنائبه، وإن أمكن مع إمكانه أيضا إذا لم يتفق وصوله إلى مكة وهو ظاهر من كلام الدروس والاصل خلافه، حتى يثبت بالدليل، فان ظاهر الرواية الدالة على وجوب الطواف للتحليل هو طوافه بنفسه، وغيره لا يجزئ إلا بالدليل، وأيضا الظاهر أنه طواف الزيارة، ولهذا قال حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة أي يسعى فالحمل على طواف النساء وتجويز النيابة مع القدرة كما فعله فيه محل التامل.

السادس: أن هذا الطواف هل هو شرط إذا كان الحصر في العمرة المتمتع بها أم لا؟ قال: في الدروس بالثاني للاصل، وعدم وجوبه فيها، فانه يحصل تحلل النساء بمجرد التقصير، وهو محل التامل إذ ظاهر الروايات عامة وما علم أن المراد طواف النساء لما مر، على أن عدمه فيها إذا حصل جميع أفعالها لا يدل على عدمه فيها، إذا لم يحصل ذلك، ولهذا ما كان التحلل محتاجا إلى الهدي هناك، وهنا يحتاج إليه، وأيضا ما كان الحلق هناك جائزا وهنا يجب، ويصير محللا، وبالجملة بعد ثبوت الدليل لا يبقى للاجتهاد والاستبعاد محل.

السابع: الظاهر جواز الذبح للمحصور أيضا في مكانه، وليس بعيدا من الآية ويدل عليه فعل أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام كما مر فيكون مخيرا بين البعث والذبح مكانه كما هو مذهب ابن الجنيد المنقول في الدروس وإن احتمل الجمع بالقارن وغيره بأن يكون البعث واجبا في الاول والذبح في الثاني، ولكن الظاهر أنه بعيد، لان الآية تصير مختصة بحكم بعض الحاج والمعتمر، أي القارن


242

منهما، وأيضا يدفعه فعل الحسين عليه السلام كما نقله في الفقيه في باب الحصر(1) أنه عليه السلام كان ساق الهدي بدنة ونحرها في مكانه، وكذا الحمل على التطوع والواجب.

الثامن: هل يكفي هدي القارن عن هذا أم لا؟ ظلهر الآية ذلك وكذا بعض الاخبار كما مر في صحيحتي محمد ورفاعة وغيرهما وبعض الاصحاب أوجب الاثنين وورد به رواية مثل صحيحة معوية في الفقيه فتحمل على الندب أو على وجوب السوق بنذر وشبهه وإلا فالظاهر أن الواحد يكفي كما مر.

التاسع: هل يجب تقسيم هذا الهدي مثل هدي التمتع أو صرف كله على الفقراء، أم لا يجب شئ؟ الظاهر العدم، بل يكون ملكا له للاصل، وإنما وجب الذبح وهو لا يدل على صرفه إلا أن يدعى أن الغرض من ذبحه حصول النفع للفقراء لا مجرد الذبح، ولا كونه بدل هدي المتمتع بالحج، ولهذا يجب في غيره، ولعل الاحتياط في صرفه، لكن مع نية الاهداء في ثلثه، ونية التصدق أيضا والتصدق بالباقي.

العاشر: لو ظهر خلاف المواعدة بأن لم يكن نائبه ذبح الهدي أصلا، أو ذبحه بعد تحلله، فالظاهر عدم شئ إذ الظاهر أنه مأمور بالاحلال بحصول ظن البلوغ فما يضر ظهور عدمه بعده، وهو ظاهر الآية والاخبار مثل صحيحة زرعة(2) في باب الزيادات من التهذيب وأخبار الحصر حيث قال فيها: وإن اختلفوا في الميعاد لم يضره إنشاء الله لكنها مضمرة وزرعة واقفى وإن كان ثقة إلا أنه بعينه موجود في صحيحة معوية بن عمار في الفقيه في باب الحصر(3) ويمكن أن يحمل على عدم حصول ضرر بتحلله، بل يبقى محلا، ولكن يجب عليه بعث هدي آخر إن لم يكن ذبح أصلا ويمسك حينئذ عن محرمات الاحرام إما وجوبا تعبدا أو مندوبا ويحتمل الوجوب

(1) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 305.

(2) التهذيب ج 1 ص 568.

(3) المصدر ج 2 ص 305.


243

من حين البعث والامساك حينئذ عن النساء فقط كما هو ظاهر الاصحاب ويؤيده وجود الامساك بعد البعث فقط(1) في الرواية الصحيحة(2) ولفظه " الآن إذا بعث " في غير الصحيحة(3) أو يحمل على عدم وجوب كفارة بمعنى أنه ما صار محلا بل محرما لا شئ عليه لجهله، مع العمل بالمأمور به، ولكن لا يفعل بعده شيئا ينافي الاحرام حتى يبلغ مثل ما كان [ في الكافي ]، وليس ببعيد من الآية والاخبار إذ يمكن كون معنى الآية حتى يبلغ الهدي محله في نفس الامر، ولكن يكتفي بالظن ما لم يعلم خلافه فتأمل.

الحادى عشر: هل لهذا الهدي بدل أم لا فيبقى محرما حتى يوجد؟ نقل في الدروس عن شيخ ذلك، وعن ابن الجنيد خلافه وظاهر الآية مع الشيخ، و لكن لزوم الحرج والضيق المنفي والشريعة السهلة تدل على مذهب ابن الجنيد وكذا حسنة معوية بن عمار، بل لا يبعد أن يقال: صحيحته لان وجه الحسن هو إبراهيم بن هاشم أبوعلي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال في المحصور ولم يسق الهدي قال ينسك ويرجع، فان لم يجد ثمن هدي صام(4) أي يذبح الهدي فيرجع وإن لم يجد هديا ولا ثمنا صام بدله وتحلل، فحينئذ يكون الصوم بدله ويدل أيضا عليه صحيحة معوية بن عمار في الفقيه قيل: فإن لم يجد هديا قال أي أبوعبدالله عليه السلام: يصوم،(5) لكن كانت في القارن لعل لا قائل بالفرق.

وأما مقدار الصوم فيحتمل عشرة لانه بدل الهدي، ويكون الصوم إشارة إليه أو ثلاثة أو ما يصدق، وهو الظاهر للصدق، وأصل عدم الزيادة، والاول أحوط وأحوط منه البقاء حتى يتحقق أو يأتي بأفعال ما أحرم له ويحتمل الانتقال إلى العمرة

(1) ههنا وقع سقط في النسخة المطبوعة نحو سطر.

(2) هي رواية معوية ابن عمار كما مر عن الفقيه والتهذيب والكافي.

(3) هي خبر زرارة كما في الكافي ج 4 ص 371، وقد مر أيضا.

(4) الكافي: ج 4 ص 370، تحت الرقم 5 من باب المحصور والمصدور.

(5) الفقيه الباب 210 تحت الرقم 3.


244

المفردة كما يقوله الاصحاب فيمن فاته الحج، وهذه الحسنة تدل على جواز الذبح في مكان للمحصور، وإجزاء هدي السياق عن هدي التحلل.

الثاني عشر: هل هذا الحكم مخصوص بالمريض أو جار في كل من يعجز بغير العدو مثل مكسور الرجل، وفائت النفقة، والضال عن الطريق؟ الظاهر ذلك لعموم الآية وبعض الاخبار، وإن كان في البعض تصريح بأن المحصور هو المريض، ولكن في صحيحة البزنطي المذكورة في زيادات الحج من التهذيب بعد أخبار الحصر بأوراق وهي مذكورة في الكافي أيضا في باب الحصر عن أبي الحسن عليه السلام عن محرم انكسرت ساقه أي شئ حل له، وأي شئ [ حرم ] عليه؟ قال: هو حلال من كل شئ فقلت من النساء والثياب والطيب؟ فقال نعم من جميع ما يحرم على المحرم، وقال: أما بلغك قول أبي عبدالله عليه السلام " وحلني حيث حسبتني لقدرك الذي قدرت علي "؟ قلت أصلحك الله ما تقول في الحج؟ قال: لابد أن يحج من قابل، قال: قلت: فأخبرني عن المحصور والمصدود، هما سواء؟ قال: لا، قلت: فأخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وآله حين رده المشركون قضى عمرته؟ فقال: لا ولكنه اعتمر بعد ذلك(1).

فيمكن تقييدها ببعد ذبح الهدي أو البعث للجمع، ومع ذلك يبقى الحكم بحل النساء من غير طوافهن مخالفا لحكم المحصور إلا أن يحمل ما يدل عليه على الاستحباب وهو غير بعيد، سيما للآية، لكن الظاهر أنه ما ذهب إليه أحد من الاصحاب في المحصور، أو يحمل تلك على غير المشترط وهذه عليه، كما هي ظاهرة فيه، ولا يبعد إخراج منكسر الساق بخصوصه عن حكم المحصور للخبر، وجعل الباقي تحت المحصور كما هو الظاهر من اللغة، وحصر المحصور في المريض كما في بعض الروايات وظاهر عبارات الاصحاب إما للتغليب، أو إرادة غير المنع بالعدو، حيث قوبل بذلك، وبالجملة هو أحسن لان الاحرام ثابت والخروج عنه [ بغير محل ] مشكل وبقاؤه كذلك موجب للعسر والضيق المنفي عقلا وشرعا

(1) الكافي ج 4 ص 369.

التهذيب ج 1 ص 580.


245

مع شمول الحصر له لغة بل عرفا فتأمل.

ولا يخفى أنه يفهم من هذا الخبر أيضا الفرق بين المحصور والمصدود وأنه لا قضاء للعمرة، إذ لا وقت له، وكذا في الحج، وأن الاشتراط موجب للتحلل في الجملة من غير محلل، وأن الاشتراط مما لا ينبغي تركه فتأمل.

الثالث عشر: قال بعض الاصحاب إن التحلل المذكور في الحج مقيد بعدم فواته فاذا صبر حتى فات الحج فعليه العمرة للتحلل بأن ينتقل بنيته من الحج إلى العمرة، أو أنه ينتقل من غير نية واختيار، على الخلاف عندهم، وإذا حصر عنها أيضا فيتحلل عن العمرة بالهدي وظاهر الآية وأخبار الحصر عام غير مقيد بذلك، والروايات الدالة على وجوب العمرة على من فاته الحج على تقدير صحتها وتسليم دلالتها غير دالة على محل النزاع بحيث تخصص الآية والاخبار الصحيحة كما فهمت من شرط(1) تخصيص الكتاب فتذكر.

الرابع عشر: أنه لو لم يحل والتحق فأدرك الحج بالوقوف المجزئ يجب الحج وإن ذبح هديه، إن كان الحصر عنه وإن كان عن العمرة فكذلك وأما إذا فات الحج في الاول ينبغي جواز التحلل بالهدي بناء على ما قلنا من العمل بعموم الآية والاخبار، وعلى ما يفهم من قول الاصحاب يجب التحلل بالعمرة المفردة كما قاله في الدروس لما رواه معوية بن عمار في الصحيح في الفقيه في باب من فاته الحج عن أبي عبدالله عليه السلام قال من أدرك جمعا فقد أدرك الحج، وقال: وأيما قارن أو مفرد أو متمتع قدم وقد فاته الحج فليحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل(2) ويمكن تخصيص هذه الرواية بغير المحصور للآية وأخبار الحصر، ويمكن العكس أيضا وفيه الاحتياط مع كثرت الاصحاب، لكم في الاحتياط تأمل.

على أن فيه أيضا عن داود الرقي صحيحا قال كنت مع أبي عبدالله عليه السلام بمنى إذ جاء رجل فقال إن قوما

(1) يعني ترك القرآن القاطع لا يمكن إلا بقاطع اما من حيث المتن أو الدلالة.

(2) الفقيه: ج 2 ص 284، وتراه في الكافي ج 4 ص 475 و 476، التهذيب: ج 1 ص 431.


246

قدموا وقد فاتهم الحج؟ فقال نسأل الله العافية أرى أن يهريق كل واحد منهم دم شاة ويحلق وعليهم الحج من قابل إن انصرفوا إلى بلادهم، وإن أقاموا حتى يمضي أيام التشريق بمكة ثم خرجوا إلى وقت أهل مكة فأحرموا منه واعتمروا، فليس عليهم الحج من قابل(1) فهذه تدل على عدم عموم وجوب العمرة على التعين فيمكن حملها على المحصور وفيها امور اخر فتأمل.

الخامس عشر: أنه لو لم يتحلل ولحق، وفاته الحج وقد ذبح هديه، قال في الدروس ففي الاجتزاء به أو بالعمرة وجهان قلت الظاهر هو الاول ولكن ينبغي مع التقصير ونية التحلل به، على ما تقرر للآية، وبعض الروايات المتقدمة وصحيحة زرارة في باب زيادات الحج من التهذيب في أخبار الحصر، عن أبي جعفر عليه السلام إن قدم مكة وقد نحر هديه فان عليه الحج من قابل أو العمرة(2) أي إن قدمها بعد الذبح وفوت محل الحج فليس عليه إلا الحج مع عمرته في القابل على الظاهر.

السادس عشر: بما يتحقق الحصر؟ معلوم تحققه بالمنع عن الموقفين معا في الحج والظاهر عدم التحقق بالمنع عن أحدهما فقط، مثل أن حصر عن عرفة فحصل له وقوف المشعر، أو وقف بها ثم حصر عنه، ويدل عليه ما ورد في الصد في صحيحة فضل بن يونس الثقة في النجاسي المذكورة في باب زيادات الحج من التهذيب بعد أخبار الحصر بأوراق، وهي مذكورة في الكافي أيضا في باب الحصر قال: سألت أبا الحسن الاول عليه السلام عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالما له يوم عرفة قبل أن يعرف، فبعث به إلى مكة فحبسه فلما كان يوم النحر خلى سبيله كيف يصنع؟ قال يلحق فيقف بجمع، ثم ينصرف إلى منى، فيرمي ويحلق ويذبح، ولا شئ عليه، قلت: فان خلى عنه يوم الثاني(3) كيف يصنع؟ قال هذا مصدود

(1) المصادر الثلاثة المذكورة.

(2) التهذيب: ج 1 ص 567، وتراه في الكافي: ج 4 ص 370.

(3) في الكافي يوم النفر، راجع ج 4 ص 371.


247

عن الحج فان كان دخل مكة متمتعا بالعمرة إلى الحج فليطف بالبيت اسبوعا و يسعى اسبوعا ويحلق رأسه ويذبح شاة، وإن كان دخل مكة مفردا فليس عليه ذبح ولا حلق، وفي الكافي ولا شئ عليه.

وهذه وإن كانت في الصد ولكن الظاهر عدم الفرق بينهما في ذلك وصدق " فان احصرتم " لان المراد الحصر عن الحج والعمرة، فما لم يكن المنع عما يحصل به الحج والعمرة لم يتحقق الحصر عنهما.

وفي هذا الخبر فوائد: الاولى عدم تحقق الصد إذا كان محبوسا بالحق وذلك يفهم من قوله ظالما له بالمفهوم، وذكره الاصحاب أيضا ويدل عليه العقل والنقل أيضا وهو ظاهر.

الثانية إدراك الحج بادراك المشعر اضطراريا كان أو اختياريا، لظاهر يوم النحر فانه يصدق على قبل طلوع الشمس وبعده، مع أنه سكت عن التفصيل، بل الظاهر الاضطراري لان الغالب أن المطلق من الحبس يوم النحر ما يصل إلى المشعر قبل طلوعها، الثالثة عدم تحقق الصد بالمنع عن عرفة فقط، مع تيسر المشعر الرابعة تحققه إذا اخرج من الحبس بعد فوت المشعر، الخامسة أنه لو كان بعد التعريف أيضا لم يكن مصدودا لقوله: قبل أن يعرف.

بل يكون حجه مجزيا بادراك عرفة وحدها أيضا مطلقا السادسة وجوب الذبح والحلق مع العمرة.

السابعة: عدم وجوب كفارة بفوت منسك بغير الاختيار، الثامنة: أن الواجب على المصدود بعد العمرة المتمتع بها عن حج التمتع على الظاهر هو العمرة المفردة، لكن وجوب الذبح أيضا وتعين الحلق، وذلك غير ظاهر من كلام الاصحاب ويمكن حمل الذبح على الاستحباب، وعلى كونه هدي التمتع الواجب، وحمل الحلق على الاستحباب أو على كون الحاج ضرورة لوجود ما ينافيه من جواز التقصير أيضا على ما ذكره الاصحاب، التاسعة يمكن استفادة وجوب التحلل بالعمرة إذا لم يتحلل بالهدي وفات الحج في المحصور أيضا كما يقوله الاصحاب قياسا على المصدود، العاشرة أن الواجب هو العمرة فقط من دون الذبح والحلق إذا كان مصدودا عن


248

الحج المفرد أو عدم وجوب شئ أصلا إذا كان مفردا كما يدل عليه ظاهر الكافي بل قوله في التهذيب " ولا حلق " إذ لو كان عليه عمرة لكان عليه الحلق، ولو تخييرا بينه و بين التقصير إلا أن يقال: المراد نفي التعيين، فيفهم حينئذ القول بالتعيين في الاحلال عن حج التمتع ولا يقول به أحد على الظاهر فتأمل الحادية عشر انتقال إحرام الحج إلى إحرام العمرة من غير قصد واحتياج إلى النقل، كما هو مذهب البعض الثانية عشر أنه يفهم عدم وجوب طواف النساء في هذه العمرة فتامل.

ثم الظاهر أن الحصر لا يتحقق في ما لو ترك عمدا لم يضر في الحج مثل مناسك منى، وطواف النساء، وأما في طواف الزيارة والسعي فلا يبعد التحقق لصدق الحصر، لان الظاهر من الآية الحصر عن تحقق الحج بالتمام، بمعنى أنه إذا منع منه لم يأتي بالحج ناما، فينبغي حصول الحصر عنهما فيثبت أحكامه إلا أن الظاهر من قوله " حتى يبلغ " أنه من البعيد كما يفهم من التفاسير وبعض الروايات أيضا فلا يتحقق الحصر عنهما، ويدل عليه قول الاصحاب إنه إذا مرض بعد الموقفين طيف به إن أمكن وإلا استناب، وأيضا إبطال هذا الحج مع تحقق الموقفين اللذين هما العمدة، وبهما يتحقق الحج، وبفواتهما معا يبطل، وإيجاب هدي آخر والحج في القابل، والطواف لاباحة النساء خلاف الاصل، وبعيد عن الشريعة السمحة على ما يظهر، فلا يبعد حمل الآية على المنع عن شئ من الحج والعمرة الذي به يتحقق وبفواته يبطل عمدا وسهوا لا عمدا فقط، وليس ذلك ببعيد، بل هو الظاهر المتبادر.

فلا يتحقق الحصر في الحج إلا عن الموقفين أو عن أحدهما مع فوات الآخر به، وعن العمرة لا يتحقق إلا عن الطواف، وأما الصد فلا شك في تحققه أيضا عما يتحقق عنه الحصر، وكذا في عدم التحقق عن مناسك منى فقط، بل عن الطواف أيضا سواء كان قبل التحلل أو بعده، لما مر في الحصر، والاصل، وعدم العلم بتحقق موجبه، وعدم الفرق بحسب الظاهر فتامل فان الظاهر عدم الفرق في هذه الاحكام بينهما.


249

وأما حكم المصدود فان قلنا باندراجه في الآية كما أشرنا إليه - وقاله في مجمع البيان حيث قال وقوله " فان احصرتم " فيه قولان أحدهما معناه إن منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطا، و هو المروي عن أئمتنا(1) وفيه بحث تقدم(2) وما رأيت رواية أصلا(3) لعله فقد الاصل - فلا بحث في وجوب ذبح الهدي على الظاهر، وإن لم نقل باندراجه فيها فكذلك أيضا لثبوت الاحرام وعدم العلم بالتحلل إلا بالذبح فيبقي بدونه على المنع ومعه يتحقق كما هو الظاهر من مذهب الاصحاب، وللتأسي به صلى الله عليه وآله فيما فعل في الحديبية كما دل عليه صحيحة معوية بن عمار.

وأيضا قال بعد صحيحة معوية بن عمار في الفقيه: وقال الصادق عليه السلام المحصور والمصدود ينحران بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه(4) وهذا كما يدل على وجوب الهدي على المصدود يدل على جواز النحر في المحصور أيضا مكانه كما أشرنا إليه، ولا يبعد إدخاله في الآية حينئذ، وأيضا يدل على وجوب ذبح الهدي على المصدود في كمانه رواية زرارة في الكافي في باب الحصر عن أبي جعفر عليه السلام قال: المصدود يذبح حيث صد ويرجع صاحبه فيأتي النساء، والمحصور يبعث الخبر(5) وكذا رواية حمران فيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين صد بالحديبية قصر وأحل ونحر(6) لكنهما غير صحيحتين إلا أنه عمل بهما أكثر الاصحاب ومؤيدان بغيرهما، وإن كان في دلالة الاخيرة تأمل.

وأيضا فيها دلالة على عدم الترتيب بين النحر والتقصير، والترتيب أولى

(1) مجمع البيان: ج 2: ص 290.

(2) من أن قوله تعالى:" ﴿ حتى يبلغ الهدى محله " لا يناسب المصدود.

(3) يعنى رواية دالة على كون الحصر بمعنى مطلق المنع الشامل للمرض والعدو.

(4) ينظران فيه خ، فقيه من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 305.

(5) الكافي ج 4 ص 371.

(6) المصدر: ص 368.


250

لغيرها، وللاحتياط، وأما وجوب الحلق أو التقصير كما اختاره بعض الاصحاب مثل الشهيد في الدروس فدليله غير ظاهر والقياس باطل سيما مع الفارق وظاهر الآية - مع عدم ورود ما يدل على وجوبهما حتى يؤول إليه الآية التي تدل على العدم - مع الاصل، ولا استصحاب هنا، وأيضا ظاهر بعض الروايات حيث ما ذكر فيه الحلق أو التقصير مع ذكر ذبح الهدي يدل عليه وأيضا يدل عليه ما ورد في صحيحة معوية بن عمار في بيان فعله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية " نحر وأحل " إذ ظاهره وجوب الاحلال بالنحر فقط نعم في رواية حمران المتقدمة ما يدل على فعله صلى الله عليه وآله ذلك، لكنها غير صحيحة، ولا صريحة في أنه فعل على سبيل الوجوب حتى يثبت بدليل التأسي، نعم الاحتياط يقتضيه، والاستحباب غير بعيد، وهكذا في وجوب ذبح الهدي في المكان الذي صد فيه تأمل، وإن كان ظاهر صحيحة معوية بن عمار ورواية زرارة وجوبه فيه ولكن خلو غيرهما عنه وجواز الذبح بعد رجوعه إلى منزله في المحصور كما فهم من صحيحة معوية، مع عدم تعقل ظهور وجه الوجوب، قرينة عدم الوجوب فيه، و إن قلنا إن الاحلال بالهدي واجب لا يجوز تركه، إلا أنه ما ثبت فوريته، فلا يبعد جواز فعله في منزله أيضا بعد أن يرجع إليه كما اختاره في الدروس، ويفهم من كلام الشيخ زين الدين في شرح الشرايع وجوبه في المكان الذي صد.

ثم الظاهر اتفاقهما في أكثر الفروعات التي أشرنا إليها في المحصور مثل عدم الفرق بين الشرط وعدمه وعدم وجوب تعدد الهدي لو ساق مطلقا، ولو كان واجبا بنذر وشبهه، وإن اختار البعض عدم التداخل مطلقا والبعض مع الوجوب المذكور مثل الشيخ زين الدين لعدم الدليل إذ لا تعدد للموجب إذ الموجب أنه يذبح هديا وهو عام، بل الظاهر ذبح الهدي الموجود كما مر، ووجوب الحج في القابل مع الاستقرار، وعدمه مع عدمه، وكذا العمرة وغير ذلك من الاحكام التي يظهر بالتأمل.

وأما الحكم فيما لو اجتمعا فعلى الاجمال أنه لو حصل أحدهما بعد حصول التحلل بالاول فلا بحث، وإن احتمل ضعيفا وجوب الحلق أو التقصير على تقدير عدمهما


251

لو كان الاول الصد، وأما لو حصلا معا فعلى ما ذكرناه من النحر في مكان المنع فيهما لا يبعد وجوب اختيار حكم الحصر إن لم يوجب الحلق أو التقصير على المصدود لوجوده في الآية محققا على ما مر، ودخول أفعال الصد فيه، والاحتياط.

ويحتمل وجوب أحكامهما معا للموجب لكنه بعيد، إذ الظاهر أن الغرض التحلل، ولهذا قال المفسرون: المراد إن إردتم التحلل فما استيسر، وليس بذلك البعد، لو كان البعث متعيبا في الاحصار والذبح في المكان، والتصدق به في الصد ولا شك أنه أحوط والتخيير أيضا بعيد، لوجوب موجب القصر أو الحلق، والبعث على الاحتمال، وعدم تحلل النساء حتى يطوف، ويحتمل كون الامر كذلك لو شرع في بعض أفعال أحدهما فحصل الآخر قبل إتمامه أو لم يشرع أصلا، والظاهر أنه يجب العمل بالاول لوجود أولا واستقراره، وعدم تحقق الآخر لانه ممنوع بالاول، فلا يتحقق المنع من الثاني، وهو ظاهر إذ المريض الذي لا يقدر على الذهاب إلى الحج مثلا إذا حصل له عدو فيمنعه على تقدير برئه لا يقال له: إنه منعه العدو.

وقد تحققت من هنا ما في قول الدروس: لو اجتمع الاحصار والصد فالاشبه تغليب الصد لزيادة التحلل به(1) ويمكن التخيير وتظهر الفائدة في الخصوصيات والاشبه جواز الاخذ بالاخف من أحكامها، لا فرق بين عروضهما معا أو متعاقبين نعم لو عرض الصد بعد بعث المحصور أو الاحصار بعد ذبح المصدود ولما يقصرا، فترجيح جانب السابق قوي.

فتأمل فيما ذكرته وفيما ذكره يظهر لك ما فيهما.

ثم إن الاحكام المشتركة بينهما كثيرة مذكورة في الكتب الفقهية وكذا

(1) اى النساء فانهن يحللن بذبح الهدى في الصد دون الحصر وقد مر، وفي كونه سببا للترجيح تامل بل يمكن جعله سببا للمرجوحية كما ذكرناه للاحتياط ووجود المنع منه والموجب فتامل وايضا في قوله والاشبه جواز الاخذ بالاخف تامل فانه ان كان الصد فهو تكرار لا يحتاج إليه وان احتمل غيره فهو غير مناسب بعد اختيار الصد على ان الظاهر ان لفظ جواز لغو بل مضر مناف لقوله يمكن التخيير ان اعتبر مفهومه فتامل.


252

المختصة، والفرق بينهما، فلا يهم ذكرها فانه يطول، ولكن نذكر هنا مسألة مهمة مما يعم به البلوى، متداولة بين طلبة العلم، منقولة عن شيخهم الشهيد الثاني رحمه الله، وهي أنه إذا فعل الحاج ما يبطل حجه مثل ترك الطواف عمدا أو فعله لا على الوجه المجزئ، ومثل ترك الوقوف عمدا أو جهلا أو وقف بعرفة من غير ثبوت الهلال، وغيرها مما يفوت الحج ويبقى به على الاحرام، ورجع إلى حيث يمنعه قطاع الطريق عن الذهاب إلى مكة أو عدم حصول الرفقة، والدليل ونحو ذلك، فهو مصدود فيحل بذبح الهدي، ويتصدق به، لانه يصدق عليه بعد رجوعه إلى حيث يمنع: أنه ما يقدر على الذهاب إلى الحج للمنع عن الطريق، ولي في هذا تأمل، فان الاحلال بذبح الهدي حكم المصدود بالعدو بعد الاحرام، من غير صد ومنع في موضعه عن مكة فقط أو الموقفين، قبل دخول مكة وترك شئ من المناسك وخروجه منها مع لزوم عمرة عليه، وهذا ليس كذلك وهو ظاهر مع أن قطاع الطريق لا يمنعه عن المنسك ومكة، بل يأخذ ماله، وكذا غيره من الموانع وأيضا إنه ترك الحج والعمرة بعد أن كان متيسرا له إما عمدا أو جهلا حتى آل أمره إلى هذا، وأيضا ما نجد له عزما وصدا بمنع العدو، بل قد لا يكون له الميل إليه أصلا إما لعدم قدرته أو عدم تقيده وأيضا هو جالس في بيته والمفروض أنه هو في الطريق وصد، وبالجملة الجرء‌ة بمجرد هذا في مثل هذه المسألة مشكل ولعل له دليلا.

ثم ينبغي إيجاب التقصير أو الحلق مع النية بعد الذبح أيضا على مذهبه وأيضا إيجاب تصدقه غير ظاهر، إلا أن يقول بذلك في الاصل.

والظاهر أنه أخذه من كلام الدروس حيث قال: " ولو ظن انكشاف العدو تربص ندبا فان استمر تحلل بالهدي إن لم يتحقق الفوات وإلا فبالعمرة ولو عدل إلى العمرة مع الفوات فصد عن إتمامها تحلل أيضا، وكذا لو قلنا ينقلب إحرامه إليها بالفوات، وعلى هذا لو صار إلى بلده ولما يتحلل وتعذر العود في عامه لخوف الطريق، فهو مصدود، فله التحلل بالذبح، والتقصير في بلده " وأنت تعلم أن


253

كلام الدروس لا يدل عليه، لان كلامه فيمن صد، ثم عرض له وجوب العمرة بالفوات، نقل أو انتقل إليها، وأراد إتمامها فصد عنه، ولم يتحلل ورجع إلى بلده، فدخل تحت المصدود من العمرة وأنه على تقدير إلحاقه بالمصدود إنما يلحق بالمصدود عن العمرة، لو قلنا بأن حكم كل من فاته الحج مطلقا مصدودا كان أو غيره أن يعتمر، بأن ينتقل بنيته إليها أو ينتقل من غير اختياره ويتم أفعالها للتحليل فاذا حصل له صد أو حصر عن باقي أفعالها يأتي بأحكامهما، لكن بشرط أن يقصد ذلك بحيث لو لا المانع لذهب، بل لا يبعد إيجاب السفر إلى جانب مكة، وعدم التحلل حتى يتحقق المنع إلا أن يكون محققا علما لا ظنا فتأمل وأنه لو ارتفع العدو بالمال لا يبعد وجوب بذله هنا، وإن قلنا بعدم وجوبه في أصل إيجاب الحج والعمرة.

ودفع الصد لفعله العمد هنا، وتقصيره ولو جهلا، لعدم العلم بأنه معذور فتأمل سيما في الجاهل وقليل المال، فانه قد يعذر.

وأما دليل الالحاق فعموم وجوب العمرة على من فاته الحج مثل صحيحة معوية بن عمار المتقدمة المنقولة عن الفقيه عن أبي عبدالله عليه السلام قال من أدرك جمعا فقد أدرك الحج وأيما قارن أو مفرد أو متمتع قدم وقد فاته الحج فليحل بعمرة الحديث، وفيها دلالة على إدراك الحج بالمشعر، ولو كان اضطرارا كما مر، وعليه خبر آخر صحيح على الظاهر ويدل على الانتقال من غير احتياج إلى النقل فتأمل وينضم إليه عموم أدلة الصد على العمرة، فانه يصدق عليه حينئذ فتأمل فيه، فان الظاهر من الاخبار أنه على الذي قدم مكة بعد مضي زمان الحج العمرة، وهو غير شامل لما نحن فيه فتأمل وأن صدق الصد عليه غير ظاهر لما مر، وإن كان ممكنا ومناسبا للشريعة السهلة وعدم الحرج والضيق، وإجراؤه فيمن أفسد الحج و رجع إلى أهله من غير أن يفعل عمرة التحلل، وإتمام الحج الفاسد أبعد، هذا منتهى نظري، وقد يكون له أدلة وشواهد وما أعلمها، بل هو الظاهر لاني القاصر والمقصر.

وأما تفسير " فمن كان " الخ فهو ما يعلم من سبب نزوله على ما هو الموجود


254

في خبر صحيح في التهذيب والفقيه وفي الكافي أيضا لكنه غير صحيح، رواه حريز عن أبي عبدالله عليه السلام قال مر رسول الله صلى الله عليه وآله على كعب بن عجرة الانصاري والقمل يتناثر من رأسه فقال أيؤذيك هوامك؟ فقال: نعم، فأنزل الله هذه الآية " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بحلق رأسه، وجعل عليه صيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدان، والنسك شاة، وقال أبوعبدالله عليه السلام وكل شئ في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار يختار ما يشاء وكل شئ في القرآن " فمن لم يجد " فعليه كذا، فالاولى بالخيار(1).

فدلت على أنه على تقدير حصول مرض يضر أو أذى في الرأس من هوامه و إن لم يكن مرضا يجوز له الحلق، وفعل مالا يجوز للمحرم فعله، إذا كان بسبب الاحرام، وسببيته للمرض إما حصولا أو زيادة كيفما أو كما وبالجملة أن يكون بحيث يفهم منه أن مثل هذا الضرر إنما هو منه، ولا يتحمل مثله عادة فالتقدير فلكم أن تفعلوا ما به يندفع عنكم الضرر والاذى في الاحرام من الامور التي يحرم عليكم فعلها فيه، لو لم تكونوا مرضى ولم يكن بكم أذى من رأسكم، وإن فعلتم فعليكم فدية، فلا تدل حينئذ على وجوب الفعل بل على جوازه أو يكون التقدير فالواجب عليكم فدية، من غير تقدير شئ آخر، فيستفاد وجوب ذلك الفعل المنهى حال الصحة إذ إيجابها من غير تقييده بشرط الفعل مستلزم لايجاب الفعل، وهو ظاهر، وقد مر مثله في " فعدة من أيام اخر " فالمراد بالفداء البدل أي فعليه بدل يقوم مقامه، فهي مبتدأ خبره محذوف، ويحتمل العكس، والتقدير فالواجب فدية، وهذا أولى ليكون المبتدأ معرفة والجملة جزاء الشرط، أي فمن كان و " من صيام " مع ما عطف عليه بيان ذلك البدل والفدية.

(1) التهذيب ج 1 ص 542، الكافي ج 4 ص 358، الفقيه ج 2 ص 228.وقد رواه أصحاب الصحاح والتفاسير كما في صحيح البخاري ج 1 ص 310، الدر المنثور ج 1 ص 213 مجمع البيان ج 2 ص 291.


255

ودل الخبر على أن النسك شاة، وأن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين مدان، وهو مذهب الحسن وابن الجنيد على ما ذكره في الدروس وأن الصوم صوم ثلاثة أيام، وهذا التفصيل مذكور في تفسير القاضي والكشاف وفي مجمع البيان أيضا مع الاشارة فيه إلى أنه أشهر وأولى، حيث قال المروى عن أئمتنا عليهم السلام أن الصدقة على ستة مساكين، وروي عشرة مساكين، هذا والمشهور عند الاصحاب هو إطعام عشرة مساكين لكل واحد مد وقال في الدروس التخيير قوي وكذا قال الشيخ زين الدين في شرح الشرائع للشهرة والخبر الصحيح كأنه أشار إلى ما ذكرناه، والذي يدل على عشرة مساكين ما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبدالله عليه السلام قال قال الله في كتابه " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى مالا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم، وإنما عليه واحد من ذلك(1) وقال الشيخ وليس بين هذه الرواية والتي تقدمها تضاد في كمية الاطعام إلى قوله هو مخير بأي الخبرين أخذ جاز له ذلك، إشارة إلى التخيير كما ذكره الشهيدان وفي خبر آخر عن زرارة عن أبي عبدالله عليه السلام قال إذا احصر الرجل فبعث بهديه فأذاه رأسه قبل أن ينحر هديه، فانه يذبح شاه مكانه الذي احصر فيه، أو يصوم أو يتصدق على ستة مساكين، والصوم ثلاثة أيام، والصدقة نصف صاع لكل مسكين(2) وهذا أيضا يدل على الاول إلا أنه في المحصور، وكذا خبر آخر وهو الظاهر من الآية أيضا إلا أنها حملت على الاعم كما مر لعموم اللفظ، وسبب النزول، و الظاهر عدم القائل بالفرق.

ثم إن الظاهر هو الاول لكثرة الاخبار وصحة الخبر مع شهرته رواية فإنها منقولة في الكتب الاربعة، مع عدم شهرة رواية الثاني لاني ما رأيته

(1) التهذيب ج 1 ص 542

(2) الكافي ج 4 ص 370 و 371.


256

إلا في التهذيب(1) فساوى الشهرتان على تقدير كونها شيئا يعتد به في الجملة، و بقي الصحة مع الكثرة سالمة، على أنها(2) مشتملة على جواز الاكل من الكفارة للمكفر، وهو خلاف الظاهر والمقرر، وعلى لفظة " ينبغي " وهو لا ينبغي، وأيضا ليس فيها لكل واحد مد كما هو المطلوب وأيضا في الاول زيادة فائدة، وهو التخيير إذا كان " أو " والترتيب إذا كان " فمن لم يجد " وأن الاولى هو المختار والاولى حينئذ، فيفهم منه بطلان مذهب من يذهب إلى خلاف ذلك، كما قيل في كفارة شهر رمضان، وخصال كفارة بدل صيد النعامة، وهي بدنة، ومع العجز يقوم البدنة، ويفض ثمنها على البر ويتصدق به لكل مسكين مدان، فلو عجز صام عن كل مدين يوما، وإن عجز صام ثمانية عشر يوما، فان البعض يقول بالترتيب والبعض بالتخيير، وكذا في غيرهما من المسائل.

وأيضا يمكن الجمع بين الخبرين مع القول بالاول بأن يقال: قدر شبع عشرة قد يكون اثني عشر مدا فيكون التخيير بين عدد المنفقين لا عدد الامداد، كما ذكروه وأيضا الاصل والاحتياط مع الاول.

بقي هنا شئ وهو أن ظاهر الآية ثبوت هذا الحكم في كل مرض يرتفع بفعل ما نهي عنه المحرم حال صحته، بناء على ما تقدم من معنى الآية، وخصه في مجمع البيان والكشاف وتفسير القاضي بمرض محوج إلى الحلق، وقوله تعالى " فاذا أمنتم " أي فاذا أمنتم الموانع من العدو والمرض وكل مانع كذا في مجمع البيان وفي تفسير القاضي والكشاف أمنتم الاحصار وكنتم في حال أمن وسعة، وقد فسر في الكشاف الاحصار بالحبس والمنع المطلق من المرض والعدو والخوف، كما هو مذهب الحنفي وفي القاضي بالمنع من العدو كما هو مذهب مالك والشافعي على ما مر وظاهر أن الاول أولى إلا أن ظاهر البلوغ وأمنتم يأبى عنه، في الجملة كما أشرنا فيما سبق، وغير بعيد حملها على وجه يوافق إما البلوغ فقد مر، وإما

(1) بل وكذا في الاستبصار ج 2 ص 196.

(2) على أن رواية الثاني خ ل.


257

الامن فكما فهم من الكشاف ومجمع البيان، فان الخلو من المرض أمن، وكذا عدم الخوف وأيضا المرض ضيق وحرج والصحة أمن وسعة، كما أشار إليه القاضي بقوله في حال أمن وسعة، والعجب منه أنه مع تخصيصه الاحصار بالعدو، وجعله " أمنتم " مؤيدا لذلك، قال ذلك، وكأنه فهم من الكشاف وأخذه تقليدا من غير تدبر، إلا أن يريد غير المعنى الذي ذكره في الكشاف فتدبر.

والحاصل أنه إذا لم تحصروا وتمنعوا، وكنتم في حال أمن قادرين على الحج " فمن تمتع " أي استمتع وانتفع " بالعمرة " منتهيا " إلى الحج " واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله، قبل الانتفاع بتقربه إليه بالحج وقيل(1) إذا حل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرما عليه، إلى أن يحرم بالحج.

فوجب عليه ما تيسر وتهيأ من أصناف الهدي، وهي هدي المتعة ودم التمتع الذي هو الواجب على المتمتع يذبحها أو ينحرها بمنى يوم النحر بعد الرمي قبل الحلق أو التقصير، وفي تقسيمه أثلاثا: ثلث يتصدق به على المؤمن الفقير وآخر يهدي إلى المومن ويؤكل من الآخر إما واجبا أو ندبا خلاف، وقد مر و سيجئ تحقيقه انشاء الله تعالى.

ومن لم يجد

هديا فالواجب عليه صيام عشرة أيام ثلاثة(2) في الحج وسبعة مطلقا بعد الرجوع.

فمن شرط فعليه جزاؤه ولابد في العجز عن الهدي عدم وجدانه أصلا أو فقدان ثمنه، بمعنى عدم وجدان شئ زائد على ضرورياته عادة حتى ثياب تجمله على ما ذكروه، ولكن لو تكلف فاشترى بثمن ثيابه أجزأ قاله في الدروس، وفيه تأمل فانه لو صدق عليه الوجدان لوجب وإلا تعين الصوم ولعل نظر الدروس إلى أن الصوم حينئذ رخصة لا عزيمة، أو يجب الهدي بعد بيع ثياب التجمل فتأمل، والظاهر المصير إلى العرف فما لم يضر بيعه بحاله، ولو

(1) اي وقيل تمتعه إلى وقت الحج هو أنه إذا حل الخ

(2) أعنى متواليات للاجماع ظاهرا والخبر، ويؤيده القراء‌ة وإن كانت شاذة منه رحمه الله في هامش بعض النسخ وقد جعله في نص في المتن.


258

كان ثياب تجمله أو غيره لا يبعد وجوب بيعه وشرائه لظاهر " ما تيسر " فتأمل.

فان لم يجد الهدي ولكن وجد الثمن، يخلفه عند ثقة يشتري به هديا يذبحه أو ينحره طول ذي الحجة إن أمكن، وإلا في القابل، ذكره أكثر الاصحاب، و إن كان ظاهر الآية يقتضي العمل بالصوم، على تقدير العجز بالفعل عن الهدي وشرائه بنفسه كما هو مذهب الحسن(1) ظاهرا، حيث نقل عنه الاطلاق في وجوب الصوم بعد العجز عن الهدي، ومذهب ابن إدريس أيضا، وهو الظاهر من الآية فلو لم يكن دليل يصلح لخلافه لا يخرج عنه، ولا يقال بالتخيير أيضا كما هو مذهب البعض والدليل حسنة حريز(2) ولا ينبغي الخروج عنه بمجردها وأيضا ظاهرها إجزاء ما صدق عليه الهدي فاشتراط كونها ثنيا من البقر، وهو ما دخل في الثانية ومن الابل ما دخل في السادسة ومن الضان ما كمل له سبعة أشهر، وقيل ستة وكذا اشتراط كونه تاما فلا يجزي الاعور ولا المريض والاعرج البين عرجه ولا الاجرب، ولا مكسور القرن الداخل، ولا مقطوع الاذن ولو قليلا، ولا الخصي ولا المجبوب وكذا اشتراط كونه سمينا بمعنى وجود الشحم على كليتيه(3) ولو كان بالظن مع ظهور خلافه فلا يضر الخطاء المعلوم بعد الذبح بالاخبار ولعل الاجماع في البعض أيضا فتأمل، لان ظاهر الآية خلاف ذلك كله، فما لم يوجد ما يصلح للاخراج والتخصيص على ما علمت لا يفعل(4) فانه لا يجوز الخروج عن الآية، وتخصيصها إلا بماله صلاحية لذلك، وكذا إجزاء هدي واحد عن أكثر من واحد مثل سبعة أو سبعين سواء كانوا من أهل بيت واحد أو لا، في حال الاختيار أو الاضطرار، كما اختاره البعض، خلاف ظاهر الآية، فان وجد ما يصلح لاخراجه عن الآية يرتكب وإلا فلا.

ولا يبعد جواز الاستنابة في الذبح للاصل ولان الظاهر أن المقصود هو

(1) يعنى ابن ابى عقيل.

(2) راجع الكافي ج 4 ص 508.

(3) الفقيه ج 2 ص 292 - 297، الكافي ج 4 ص 489 - 492.

(4) لا تغفل خ.


259

الذبح من أي فاعل كان، وللايماء في بعض الاخبار مثل إجزاء ذبح الضالة عن صاحبه مع قصده، ووجوب النية لانه نسك وعبادة، كما ذكره الاصحاب ولكن حينئذ ينبغي وجود الدليل على الاستنابة إذ لا نيابة في العبادة إلا أنه لا صراحة في الآية على فعل الذبح بنفسه، بل على الذبح أيضا، فلا يبعد الاستنابة سيما مع تصريح الاصحاب ووجود الدليل في الجملة، وكذا تعيين زمانه ومكانه، ومراعات شروط الذبيحة والنحيرة.

وأما زمان الانتقال إلى الصوم، فهو زمان فوت محل الذبح على ما يخطر بالبال قبل التأمل، ولكن جوزوا في سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه، وذلك أيضا غير بعيد من الفهم، بشرط اعتقاد عدم الوجدان في محله، والظاهر عدم خلاف فيه، ودلت عليه الاخبار أيضا وأما قبله فبعيد، والمجوز قليل، والبناء على وجوب الهدي باحرام العمرة غير ظاهر على ما نقله في الدروس وهو ينافي ما نقله أيضا فيه عن الخلاف أنه لا يجب الهدي قبل إحرام الحج بلا خلاف، ويجوز الصوم قبل إحرام الحج وهو بعيد إذ الظاهر وجوبه على المتمتع بالعمرة إلى الحج وهو صادق بالشروع إلا أنه ينتظر زمانه.

وأيضا الظاهر أن وجوب الصوم إنما يتحقق بعد تحقق العجز عن الهدي فكيف يجوز الصوم قبل وجود موجبه، فالظاهر عدم الصوم حتى يأتي زمان الهدي أو قريب منه كما فهم من كلامهم من جوازه يوم السابع بشرط اعتقاد العدم في المحل وأيضا قول الاصحاب بسقوط الصوم وتعيين الهدي بفوات ذي الحجة ولما يصم بعيد، إذ هو خلاف ظاهر الآية على ما يفهم، إذ المفهوم صوم الثلاثة في الحج يعني في مكة، وكأنهم حملوا على أيام الحج وهو طول ذي الحجة، وذلك غير بعيد وفي الاخبار ما يدل عليه، وسقوطه غير بعيد، ولكن الانتقال إلى الهدي يحتاج إلى دليل فلعله إجماع أو أخبار ما نعلمها.

وأما السبعة فلابد أن يكون بعد الرجوع إلا أنهم قالوا إن أقام في مكة فلينتظر إما وصول أصحابه أو مضي الشهر، ثم يصوم للاخبار، ولابد من كونها


260

واقعة في الحضر، على ما هو شأن الصوم، سيما الواجب، ولو وجد الهدي بعد الصوم فالظاهر الاجزاء للآية والخبر، وخلافه يحمل على الندب.

قوله " تلك عشرة كاملة " قيل معنى كمالها أن الصوم قام في البدلية بحيث لا ينقص ثوابه عن ثواب مبدله وهو الهدي، وهو مروي عن أبي جعفر عليه السلام في التهذيب(1) وقيل ذكر العشرة للتأكيد كما يحفظ الحساب، وقيل: لدفع توهم كون الواو بمعنى " أو " في قوله " وسبعة " كما جاء في غير هذا المحل فتأمل، و قيل: ليحصل علمان إجمالي وتفصيلي وذلك إشارة إلى التمتع عندنا وعند أبي حنيفة وأصحابه لان الكلام في التمتع، وهو المبحوث عنه لا الهدي أو الصوم إذا عجز عنه، كما هو رأي الشافعي، فكان عنده يجوز التمتع لاهل مكة أيضا ولكن لا يلزمهم الهدي ويكون التمتع بلا هدي وإلا يلزم عدم الفرق بين إرجاعه إلى التمتع أو الهدي أو الصوم، وهو مناف لظاهر أول الآية " فما استيسر " وتخصيصه بغير أهل مكة بعيد من سوق كلام الله تعالى.

ثم إنه في تفسير القاضي والكشاف إرجاع ذلك إلى التمتع عند أبي حنيفة لانه لا متعة ولا قران عنده لاهل مكة وهو غير واضح إذ ظاهر الآية عدم التمتع فقط لا القران، وأيضا التعليل غير مناسب إذ المناسب إخراج الحكم عن الآية لا العكس، وأيضا فهما وجوب هدي على من تمتع أو قرن من أهل مكة للجناية عند أبي حنيفة، وما جوز الاكل منها بخلاف المتمتع من الآفاق وذلك كله خلاف ظاهر الآية، وغير واضح الدليل والصحة، والاصل عدم وجوب جبر إلى أن يثبت بدليل فتأمل.

فالتمتع فرض من نأى عن المسجد الحرام، أي غير حاضريه وهو من بعد عن مكة مقدار ثمانية وأربعين ميلا عند أكثر الاصحاب وعند الشافعي أيضا ودليلهم أخبار منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت لابي جعفر عليه السلام قول الله

(1) التهذيب ج 1 ص 457، الكافي ج 4 ص 510 ولفظه: قال كمالها كمال الاضحية وترى مثله مرسلا في الفقيه ج 2 ص 302 ولفظه " تلك عشرة كاملة لجزاء الهدى ".


261

عزوجل في كتابه " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " قال يعني أهل مكة ليس عليهم متعة كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلا ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة، فهو ممن يدخل في هذه الآية وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة(1) وهي كما تدل على بيان الحاضر يدل على أن ذلك إشارة إلى التمتع، وعند بعض الاصحاب اثنا عشر ميلا(2) واختاره في مجمع البيان ودليله غير واضح، فانا ما وجدنا عليه خبرا ضعيفا أيضا، وذكر في المختلف له وجها بعيد جدا.

واتقوا الله

في المحافظة على حدود الله تعالى وأوامره، ونواهيه سيما في الحج حج التمتع " واعلموا أن الله شديد العقاب " لمن خالف أوامره ونواهيه ولم يتقه، وإنما أمر بالعلم لان العالم بذلك يتقيه ولا يخالفه لان علمه يمنعه ويصده عن ذلك، فان ذلك شأن العلم الحقيقي إذ العاقل إذا تحقق ذلك لم يتعد ولم يخالف علمه.

الثانية: الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فان خير الزاد التقوى واتقون يا اولى الالباب(3).

(1) التهذيب ج 1 ص 455، الاستبصار ج 2 ص 157، تفسير العياشي ج 1 ص 93.

(2) استدلوا بلفظ الاية الشريفة ونصها حيث قال: " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " وانما يصدق على أهله أنهم حاضرون المسجد الحرام إذا كان مسكنه وموطنه ما دون أربعة فراسخ وهو اثنا عشر ميلا، ولهم أن يجيبوا عن الروايات الواردة في أن المراد من كان منزله دون ثمانية وأربعين ميلا، اى من أربعة جوانب فيكون كل جانب اثنا عشر ميلا ولكن يبعده تمثيل ذلك في الاحاديث بما دون عسفان وذات عرق وهما على مرحلتين: ثماني وأربعين ميلا من مكة.

(3) البقرة: 197.


262

أي وقت الحج وزمانه الذي يصح فعله بالاحرام له والاتيان بمناسكه فيه في الجملة ثلاثة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة فانه يصح الاحرام في الاولين وفي أوايل الاخير، وفيما بعد العشر في الجملة يصح بعض أفعاله مثل الرمي والذبح والطوافين، وهما يصحان مع الاضطرار والاختيار على الظاهر و إن قلنا بتحريم التأخير، والدليل على كون الاشهر ثلاثة ظاهر الجمع، وصحة الافعال في الكل في الجملة، وعدم صحة وقوع جميعها في العشر الاول والرواية الصحيحة والحسنة المذكورة في الكافي عن معوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل: " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج ": الفرض بالتلبية والاشعار والتقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج ولا يفرض الحج إلا في هذه الشهور التي قال الله عزوجل: " أشهر معلومات "، وهي شوال و ذو القعدة وذو الحجة(1) ومثلها في إفادة كون زمان الحج شوالا وذا القعدة وذا الحجة رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام(2) وقيل إنه وتسع من ذي الحجة مع ليلة العاشر إلى طلوع الفجر، وقيل إلى طلوع الشمس، وقيل وعشر، قيل وهذا الخلاف لا ثمرة له في باب الحج فان بعض الافعال يقع بعد العشر بالاتفاق وإذا وقع الاحرام في زمان لم يدرك عرفة والمشعر لم يصح الحج إجماعا، نعم يظهر ثمرته في نحو النذر وفيه تأمل إذ الذي يقول إن ذا الحجة كله زمان الحج قد يقول بجواز تأخير مثل طواف الزيارة وطواف النساء والذبح طول ذي الحجة دون غيره إلا أن يقال إنه قد علم عدمه منه وذلك غير ظاهر.

وقال في الكشاف وتفسير القاضي: إن ما ذكرناه مذهب مالك، ومذهب الشافعي: وتسع من ذي الحجة مع ليلة النحر، ومذهب الحنفي: وعشر ذي الحجة، فاطلاق الاشهر إما باعتبار إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، أو باعتبار تنزيل البعض منزلة الكل، فجعل بعض شهر ذي الحجة شهره ثم قال في الكشاف وهو كما يقال رأيتك سنة كذا وإنما رآه في ساعة منها، ومثله في مجمع البيان

(1 و 2) الكافي ج 4 ص 281.


263

ومثل بقولك صليت يوم الجمعة ويوم العيد وإنما صليت في جزء منهما، وفيه تأمل واضح إذ الفرق بينهما ظاهر لانه جعل في المثال السنة ظرفا للرؤية، ويوم الجمعة للصلوة، وظرفية الزمان لفعل لا يستلزم وقوعه في كل ذلك الزمان عرفا كما في المكان مثل قولك جلست في بلد كذا، وفي محلة كذا، وسوق كذا، مما لا يتناهى وفيما نحن فيه جعل شهر ذي الحجة خبرا عن وقت الحج كأنه قال: زمان الحج شهر ذي الحجة وهو في هذا المقام ظاهر في غير ذلك المعنى، ففي الاول لا مسامحة بخلاف الثاني، نعم لو مثل بقوله يقال: وقت رؤيتي سنة كذا لكان مثله في المسامحة، على أنه قد يتسامح فيه لظهور المراد دونه، فان المتبادر منه لا أقل صحة بعض أفعال الحج في أي زمان كان.

وقال القاضي: وهي شوال وذو القعدة وتسع ذي الحجة بليلة النحر عندنا والعشر عند أبي حنيفة وذو الحجة كله عند مالك، وبناء الخلاف أن المراد بوقته وقت إحرامه أو وقت أعماله ومناسكه، أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك فان مالكا كره العمرة في بقية ذي الحجة وأبوحنيفة وأن صحح الاحرام به قبل شوال، فقد استكرهه، وفيه تأمل إذ الظاهر أنه لا يصح تأخير الاحرام إلى وقت يتيقن فوت عرفة، فان الوقوف بها ركن إلا أن لا يكون عندهم كذلك وأيضا يصح بعض المناسك بعد يوم النحر، وأيضا يلزم كراهة العمرة بل جميع المناسك سوى الحج في هذه الشهور كلها بناء على قول مالك وأيضا كراهة الاحرام بالعمرة عند مالك لا يستلزم القول بأن طول ذي الحجة كله شهر الحج بمعنى أن لا يحسن غيره فيه.

ولا يكون وجها لقول مالك كما قاله في الكشاف: قالوا وجهه أن العمرة غير مستحبة فيها عند عمر وابن عمر فكأنها مخلصة للحج لا مجال فيها للعمرة، وعن عمر أنه كان يخفق الناس بالدرة وينهاهم عن الاعتمار فيها، فان الظاهر من شهر الحج وقوعه فيه لا كراهة وقوع غيره فيه، نعم لو كان حراما عنده لكان مناسبا في الجملة مع أن قول عمر ليس بحجة فان قول الصحابي ليس بحجة وأيضا لا وجه


264

لقوله، وأيضا ضرب الناس لفعل مكروه لا يجوز فلعل كان عنده حراما لكنه لا يصير وجها لقول مالك فكأن في قول صاحب الكشاف " قالوا وجهه " إشارة إلى هذه الامور حيث ما أسند إليه وأيضا قد وجه كلام مالك بما أشار إليه فيه بقوله وقالوا لعل من مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر، وهذا مؤيد لما قلناه من جواز ثمرة الخلاف كما هو الظاهر، وإن لم يظهر كونه وجها له، إلا بقوله يقول عروة، وأيضا تجويز أبي حنيفة الاحرام بالحج قبل شوال مخالف للآية وقوله بالكراهة لا ينفعه ولا يخرجه عن المخالفة إذ ظاهرها عدم جواز إنشاء الحج في غيرها، فالبناء الذي ذكره البيضاوي وبعض ما ذكره في الكشاف ليس له أساس.

فمن فرض

أي أوجب على نفسه الحج مطلقا حج التمتع وغيره، بحيث صار واجبا فعله وشغله وإتمامه بالفعل، وحرم عليه محرمات الاحرام بالتلبية مطلقا أو بالاشعار أو بالتقليد أيضا إذا كان سائقا كما دلت عليه صحيحة وحسنة معوية المتقدمة فدلت على ركنية التلبية في الجملة وأن الاحرام لا ينعقد إلا بها فخلاف البعض في انعقاده بدونها وأنها ليس بركن كما نقلناه عن الدروس وقاله في مجمع البيان لا يعتد به، ودلت أيضا على إجزاء التلبية مطلقا وإجزاء أحدهما للقارن، وضعف خلاف بعض الاصحاب من تعيين أحدهما للقارن وتعيين التلبية للغير وهو ظاهر ودلت أيضا على وجوب إتمام الحج بعد انعقاده بالاحرام كما هو مذهب الاصحاب والشافعي أيضا على ما ذكره القاضي في تفسيره ولا يبعد دلالتها على وجوب إتمام الحج التمتع بالشروع في عمرته لانه قد ذكر الله تعالى في الآية حج التمتع ثم قال " فمن فرض " أي من فرضه مطلقا بالاحرام فوجب عليه الاتمام، ولا يبعد صدق فرضه بفرض عمرته لانهما بمنزلة شئ واحد كما يفهم من الخبر المشهور " دخلت العمرة في الحج هكذا وشبك أصابعه صلى الله عليه وآله(1) " لانه لابد من وقوع إحرامه في هذه الشهور، ومن وقوعها في عام واحد، بخلاف غيره

(1) الكافي ج 4 ص 246، ومثله في سنن ابى داود ج 1 ص 439 و 443.


265

ووجوب العمرة في غيره لابد له من دليل آخر، ودلت أيضا على عدم صحة إحرام الحج إلا في هذه الشهور بل عمرة التمتع أيضا.

فلا رفث

أي لا جماع " ولا فسوق " أي لا كذب " ولا جدال " أي قول لا والله بلى والله مجتمعا ومنفردا على الظاهر كاذبا وصادقا، هذا هو المشهور بين الاصحاب وعليه الروايات " في الحج " أي في زمان انعقاد الحج وفرضه، على الوجه المذكور، ويحتمل أن يكون المراد فلا فحش أيضا من الكلام كما هو معنى الرفث في اللغة كما قال القاضي فلا جماع أو فلا فحش من الكلام وصاحب الكشاف أيضا ولكنه بعيد لدخوله تحت قوله " ولا فسوق " بالمعنى الذي ذكراه، ولا يبعد حمله على الجماع وما يتبعه مما يحرم من النساء في الاحرام، مثل التقبيل وغيره حتى العقد والشهادة عليه كما هو المذكور في الكتب بمعاونة الاخبار وقال القاضي أيضا ولا خروج عن حدود الشرع بالسباب وارتكاب المحظورات في تفسير " ولا فسوق " والاولى ترك السباب لدخوله في ارتكاب المحظورات بل في فلا رفث أيضا بالمعنى الاخير، بل وارتكاب المحظورات أيضا لئلا يلزم التخصيص بفعل المحرمات ويدخل ترك الواجبات أيضا وقال في الكشاف في تفسير " ولا فسوق " ولا خروج عن حدود الشريعة وقيل هو السباب والتنابز بالالقاب، وكأنه أشار إلى أن التخصيص ليس بسديد، والتعميم أولى، وهو كذلك وأنه موافق للغة فانه في اللغة الخروج عن الطاعة كما قاله في مجمع البيان، وكأن القاضي جمع بين قوله ونقله وترك التنابز أيضا فليس بجيد.

وعلى كل التقادير تحريم ما كان منها حراما مطلقا في حال الحج للتأكيد والمبالغة في تحريمه كما قاله في الكشاف وتفسير القاضي وما كانت مستقبحة في أنفسها ففي الحج أقبح، كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب بقراء‌ة القرآن ولتطريب مد الصوت وتحسينه، لعل المراد الغناء المحرم إلا أن يكون ذلك مطل‍؟ ا حراما عند القاضي وصاحب الكشاف، وقال القاضي في تفسير " ولا جدال " لامراء مع الخدم والرفقة، كأن المراد لا خصومة ولا سباب ولا إغضاب على جهة اللجاج كما


266

ذكره في مجمع البيان ونسبه إلى ابن عباس وابن مسعود والحسن وقيل أيضا في تفسير " ولا جدال ": أو أنه لا خلاف ولا شك في الحج وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا ينسؤن الشهور فيقدمون الحج سنة ويؤخرونه اخرى ولكن هذا المعنى يناسب قراء‌ة الاولين بالنصب بمعنى النهي والثالث بالرفع بمعنى الخبر كما فعله في الكشاف وقال القاضي أيضا نفي الثلاث على قصد النهي للمبالغة والدلالة على أنها حقيقة بأن لا يكون، يعني أراد النهي عن هذه الاشياء في أيام الحج وذكرها بطريق النفي الدال على نفي الجنس والحقيقة المفيد للعموم والمبالغة للتأكيد والاهتمام بعدم وقوعها، فلا لنفي الجنس، ومدخوله مبني على الفتح و " في الحج " متعلق بمقدر مثل موجود أو جائز خبرا، والجملة جزاء الشرط أي " فمن " الخ والعائد محذوف مثل " له " أو برفث يعني لا يرفث وهو جزاء أيضا، والباقي عطف عليه مع تكرير لا للتأكيد.

وقرئ الكل بالرفع والمعنى واحد والتركيب أيضا إلا أن لا حينئذ بمعنى ليس، وليس لنفي الجنس لعدم جواز الرفع حينئذ لكونه نكرة مفردة والعموم أيضا بحاله لان النكرة في سياق النفي يفيد العموم لانه من أداة العموم كما هو المبين في محله، فقول صاحب مجمع البيان بأن دلالة الرفع على العموم لانه يعلم من الفحوى أنه ليس لنفي رفث واحد ولكنه لجميع ضروبه غير واضح، إلا أن يريد أنه ليس لنفي بمثابة النصب فانه أصرح وآكد " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " أي وما تفعلوا من أي نوع من الخير سواء كان الحج وغيره، وسواء كان فعل حسن أو ترك قبيح - ولا يبعد إطلاق الفعل عليه باعتبار الكف وغيره، ويدل عليه ذكره بعد النهي عن الرفث وغيره، وتنكير " خير " - يجازيكم به الله(1) المتصف بجميع صفات الكمال من العلم والقدرة والعدل ففي وضع علمه بالعمل المستحق للجزاء مكان الجزاء مبالغة زائدة في عدم فوته وتوفيره، وحث على فعل الخير بعد النهي

(1) خبر " ما " في قوله قدس سره، أي وما تفعلوا من أي نوع الخ.


267

كما أن في تنكير " خير " وذكر " ما " الموضوعة للعموم والابهام ثم البيان، و ذكر لفظ الله المستجمع لجميع الصفات دلالة على ذلك.

وقال في الكشاف: حث الله على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن منه، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق والاخلاق الجميلة، أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه وينصره قوله " وتزودوا فان خير الزاد التقوى " أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فان خير الزاد اتقاؤها، و التعميم أولى، أي تزودوا لمعادكم التقوى، وهو كما مر فعل الطاعات و ترك المعاصي، فانه خير الزاد، أي خير من كل زاد، ولا يبعد جعل الخطاب لعموم المكلفين وكأنه ذكر هنا لان الحاج لابد أن يأخذ زادا لسفر قصير، فأخذ الراد للامر البعيد أحق وأولى، وبين وجوب أخذه بأنه التقى أو أنه بما يأخذ الزاد فيتكل عليه، فأمره بأخذ خير الزاد، فانه لو أخذ ذلك الزاد ولم يأخذ التقوى يهلك بالجوع إما ظاهرا في الدنيا بأن يفوت منه في الطريق سريعا فيبقى بلا زاد أو حقيقة في الآخرة فانه إذا فعل المعاصي يهلك جوعا يوم القيامة بمعنى عدم انتفاعه بزاد الحج في الآخرة.

فلا يبعد أن يكون أشارة إلى صرف الزاد إلى المحاويج، من المأكل والمشرب والمركب مما يحتاج إليه المحاويج، بحيث لا يصير إهلاكا لنفسه وإلقاء‌ها إلى التهلكة، والاعتماد على زاد الله التي هي الزاد الحقيقي دون غيرها من المطعم الفاني الذي في معرض التلف مع وجوده، لاحتماله العدم بالمرة في الحال، وقيل: نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون فيكونون كلا وعيالا وثقلا على الناس فامروا أن يتزودوا ويتقوا السؤال، والثتقيل عليهم(1).

(1) ذكره أصحاب التفاسير، راجع البيضاوي: 52، مجمع البيان ج 2: 294، الدر المنثور ج 1 ص 221 وتراه في صحيح البخاري ج 1 ص 265.


268

واتقون

أي اتقوني وخافوني - بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة، و هو كثير - من أن اعاقبكم واتقوا معاصي التي هي سبب العقاب أو اتقوني فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه، والمرجع واحد " يا اولي الالباب " أي يا ذوي العقول، سمي العقل باللب لان لب كل شئ خالصه ولب الانسان عقله، وبه يفوز بالسعادات كلها، وخصهم بالخطاب لانهم الاهل لذلك فان قضية العقل خشية الله وتقواه فكأن من لم يتق الله لا عقل له، وهو مبرهن بالعقل والنقل، وفيه تأكيد آخر وتحريص وحث على التقوى، وأنه لابد أن يكون المقصود منه هو الله حيث قال " واتقون " فان التقوى إذا لم تكن لله لم تكن تقوى بل عين الفسق وأفحشه وجعله مقصودا والتبري عن كل شئ سواه، هو مقتضى العقل المجرد السليم عن شوائب الهوى فلذلك خص الخطاب بذويه.

الثالثة: ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هديكم وان كنتم من قبله لمن الظالين(1).

أي ليس عليكم ذنب وحرج وإثم في أن تطلبوا، فحذف حرف الجر عن " أن " قياسا فهو مع ما بعده منصوب بنزع الخافض و " فضلا " مفعول " تبتغوا " أي عطاء ورزقا بالتجارة، قيل كان المسلمون يتأثمون التجارة في الحج في أول الاسلام لزعمهم أن التجارة تنافي الحج، وهي فعل الجاهلية، فرفع الله سبحانه بهذه الآية الاثم عنهم بالتجارة، وقيل: كانوا يتأثمون الاجرة في الحج فرفع ذلك، وعلى التقديرين الآية صريحة في عدم المنافات بين الحج والتجارة وأخذ الاجرة معه، فلا يتخيل أنه مناف للاخلاص، ولا منافاة، فانه يقصد بفعل الحج القربة وبما هو خارج عنه تحصيل المال، فان العمل الذي يستحق به الاجره مثل

(1) البقرة: 198.


269

الخدمة ليس بداخل في الحج، وليس بعبادة بل قد يحصل الثواب والاجرة أيضا كما يقصد تحصيل المعاش الواجب أو الندب أو يؤجر نفسه للحج وغيره بمال فيحصل المال والثواب ويدل عليه الروايات فكأن الثواب فاعتقاده وفعله على أنه مشروع وأنه لو لم يشرع لم يفعل.

ولكن حصول القربة المعتبرة في النية مشكل هنا فتأمل فانه لا محذور بعد ثبوته بالنص، فمعنى القربة يكون غير الذي اعتبره بعض الاصحاب في غير هذه الصورة، مع أنها غير بعيدة الحصول، فان فعلها بعد الاجارة قد يكون للتقرب فقط إذ لا يحصل شئ حيث وجب فعلها بعد عقد الاجارة فتأمل، فعلى هذا الحكم المستفاد من الآية هو جواز التجارة والاجرة والكرى مع الحج، وقيل معناه لا جناح عليكم في طلب المغفرة، وقال في مجمع البيان: الاول مروي عن أئمتنا عليهم السلام والثاني عن أبي جعفر عليه السلام فلا يبعد الحمل على الاعم.

فاذا أفضتم من عرفات

أي دفعتم عنها بعد الاجتماع فيها من أفضت الماء إذا صببته بكثرة وأصله أفضتم أنفسكم فحذف المفعول كما حذف في دفعت من البصرة أي دفعت نفسي منها " وعرفات " جمع عرفة وسمي بها الارض المخصوصة كمفردها وإنما نون مع منعها الصرف للعلمية والتأنيث، لان تنوينها تنوين المقابلة، و العوض عن نون الجمع في مسلمون(1) أي بازائه فكما لا يحذف ذلك لا يحذف هذا التنوين وهذا التنوين غير ممنوع من غير المنصرف، بل الممنوع عنه هو تنوين التمكن، وإنما لم يمنع من الكسرة لان منعها تابع لمنع التنوين، ولما لم يمنع المتبوع لم يمنع التابع أيضا بالطريق الاولى، هكذا في مجمع البيان بتغير ما وفي تفسير القاضي(2).

وقال في الكشاف والقاضي أيضا: إن تاء‌ها ليست للتأنيث بل هي مع الالف علامة الجمع وليست هنا تاء مقدرة لان المذكورة تمنع من ذلك

(1) يعنى إذا سمى به امرأة.

(2) مجمع البيان ج 2: 295، أنوار التنزيل: 52.


270

كما في البنت وغيرها، والظاهر أن حكم التأنيث جار عليها ولهذا يرجع إليها الضمير المؤنث ويوصف به، ولو باعتبار معناها وهي الارض المخصوصة، أو أنها تاء مفردها وزيد عليه الالف فقط فتأمل.

وأما تسمية ذلك الموضع بعرفة أو عرفات فقيل لانه وصف لابراهيم عليه السلام ولما رآه قال: عرفت، وقيل: كان جبرئيل يعلمه المناسك وفي هذا الموضع قال: عرفت، وقيل: لان آدم وحوا تعارفا هنا بعد أن تفرقا، وقيل لان الناس يتعارفون هنا وقيل: لانه رأى إبراهيم عليه السلام في المنام ذبح ولده وتفكر أنه أمر من الله أم لا ورآه ثانية فسمي اليوم الاول بيوم التروية والثاني بعرفة، وهذا يفيد وجه تسمية اليوم، ويفهم وجه المكان أيضا فافهم.

وأما وجه تسمية الموضع الآخر بالمشعر فظاهر لانه علامة للنسك والعبادة ومعلم للحج والدعاء والصلاة والمبيت عنده، وتسميته بجمع لانه يجمع فيه بين المغرب والعشاء [ بأذان واحد وإقامتين ] أو لجمع الناس فيه، والمزدلفة، لان جبرئيل قال له عليه السلام ازدلف إلى المشعر أي ذهب إليه واقرب منه، قيل: المشعر الحرام جبل في ذلك الموضع سمي قزح، وقيل: هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ووادي محسر منه، وإنما وصف بالحرام لحرمته، وبالجملة المراد هنا الوقوف والذكر في موضع خاص يقف فيه الناس وهو موضع محدود مثل عرفة ومنى، وإنما سمي ذلك الموضع بمنى لان إبراهيم عليه السلام تمنى هناك أن يعطيه الله فداء يذبحه مكان ابنه.

فاذكروا الله

جزاء " فاذا أفضتم " أي اذكروا الله بالتهليل والتكبير والثناء عليه والدعوات، أو بصلاة المغرب والعشاء " واذكروه كما هديكم " أي اذكروا الله بالثناء والشكر حسب هدايته إياكم، فالشكر يكون في مقابلة نعمة الهداية أو " اذكروه " ذكرا حسنا " كما هديكم " هداية حسنة أو اذكروه كما علمكم المناسك وغيره، فما مصدرية أو كافة " وإن كنتم من قبله " أي قبل الهداية أو قبل بعث محمد صلى الله عليه وآله وهو بعيد لفظا ومعنى " لمن الضالين " أي الجاهلين بالايمان


271

والطاعة والمناسك، و " إن " هي مخففة من المثقلة، واللام هي التأكيدية الفارقة بين النافية والمخففة أو بينها وبين الشرطية.

فدلت بظاهرها على وقوف عرفة أي الكون بها في الجملة حيث كانت الافاضة منها والافاضة منها فرع الكون فيها فتأمل، وهو الوقوف وهو مبين في الاخبار ومحدود زمانه ومكانه في الكتب، وعلى وقوف المشعر ليلا أيضا إذ المراد الافاضة من عرفة إلى مشعر الحرام، وذكر الله فيه، ولا يمكن ذلك بدون الكون فيه، وهو المراد بالوقوف هنا، وهو أيضا مذكور في الاخبار ومعلوم الزمان والمكان، ودلت أيضا على وجوب الذكر فيه، ولكن أكثر الاصحاب على استحباب الذكر، وعدم وجوب شئ غير الكون مع النية، فيحتمل أن يكون كناية عنه فان فعل عبادة مع النية ذكر الله، أو صلاة المغرب والعشاء فلا يدل على وجوب أمر زائد، وأيضا قد يحمل قوله " فاذكروا " على استحباب الذكر بالادعية المأثورة في ذلك المحل، والاحتياط يقتضي ذكر الله تعالى فيه بالتهليل والتكبير والثناء الجميل بالمأثور، على ما هو المذكور في محل ذكر هذا النسك في كتاب العبادات.

ويلزم من كون المراد بالذكر المغرب والعشاء وجوب فعلهما فيه، وليس بجيد إذ يدل على عدمه ما في صحيحة محمد بن مسلم: فنزل أي الباقر عليه السلام فصلى المغرب في الطريق قبل المزدلفة، وصلى العشاء بالمزدلفة وكذا صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله عليه السلام لا بأس أن يصلي الرجل المغرب إذا أمسى بعرفة و كذا خبر سماعه(1) إلا أن يراد العشاء فقط فكأن الاخبار الدالة على وجوب الجمع بأذان واحد وإقامتين فيه، وجواز تأخير النافلة عنهما(2) محمولة على الندب ويمكن القول بوجوب الذكر والثناء والشكر كما هو الظاهر من كثير من الاخبار أيضا ومذهب ابن البراج وظاهر كلام أبي الصلاح في المشعر وعرفة أيضا وظاهر كلام السيد حيث أجاب عن الاعتراض على الاستدلال بالآية المذكورة

(1) التهذيب ج 1 ص 500.

(2) الكافي ج 4 ص 468 و 469.


272

على وجوب وقوف المشعر بأن الامر(1) بالذكر أيضا يدل على وجوب الكون فيه، فإن الذكر بدونه غير ممكن " بأن الآية(2) تدل على وجوب الذكر وأنتم لا تقولون به " " بأنه(3) لا يمتنع أن نقول بوجوب الذكر بظاهر الآية واجيب بجواب آخر وهو أن الامر بالذكر يقتضي وجوب الكون في المكان المخصوص والذكر جميعا، فاذا دل الدليل على أن الذكر مستحب غير واجب أخرجناه من الظاهر وبقي الباقي، وفيه تأمل واضح، إذ وجوب الكون أنما كان مفهوما من وجوب الذكر وأمره، وإذا حمل على الاستحباب لدليل لم يبق لوجوب الكون أمر دال على الوجوب، وهو ظاهر، نعم يمكن ذلك لو قدر شئ، ويكون وجوب الكون مفهوما من ذلك الشئ أو جعل الذكر: الكون مع النية أو العشاء الآخرة.

ثم الاستدلال على وجوب الكون في المشعر بوجوب الشكر المفهوم من قوله تعالى " واذكروه كما هديكم " مثل الذكر على أن كونه شكرا غير واضح، و كذا وجوبه في المشعر الحرام حتى يلزم منه وجوب الكون بها، وبالجملة القول بوجوب وقوف المشعر مما لا ينبغي إنكاره لما ذكرناه بل للاجماع على الظاهر، و ينبغي أيضا القول بوجوب الذكر لظاهر الآية والاخبار، مع عدم دليل صالح للمنع مثل الاصل الذي استدل به - على عدم وجوب الذكر مطلقا والصلاة على النبي وآله عليهم السلام في الموقفين كما هو مذهب ابن البراج - في المختلف فانه يضمحل بالآية والاخبار، والخبران(4) اللذان استدل بهما في المختلف عليه غير صحيحين بل لا دلالة فيهما على عدم الوجوب، بل ظاهرهما الوجوب في عرفات حيث يفهم من أحدهما أنه إذا صلى فيها وقنت يكفي وهو الذكر والدعاء مع أنه دهشته الناس ومن الآخر أنه اشتغل بالحزن لموت أقاربه عن الدعاء قال عليه السلام لا أرى عليه شيئا مع أنه قال وقد أساء فليستغفر الله على أن إجزاء الوقوف بغير الدعاء لا يدل على

(1) وجه الاستدلال.

(2) وجه الاعتراض.

(3) وجه الجواب من كلام السيد.

(4) التهذيب ج 1 ص 499.


273

عدم وجوب الذكر، وكذا عدم شئ عليه لا يستلزم عدمه، والخبر الاول رواه عامر بن عبدالله عن أبي عبدالله عليه السلام قال قلت لابي عبدالله عليه السلام رجل وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس فبقي ينظر إلى الناس ولا يدعو حتى أفاض الناس قال يجزيه وقوفه، ثم قال أليس قد صلى بعرفات الظهر والعصر وقنت ودعا؟ قلت بلى، قال فعرفات كلها موقف وما قرب من الجبل فهو أفضل، والآخرة رواه زكريا الموصلي قال سألت العبد الصالح عليه السلام عن رجل وقف بالموقف فأتاه نعي أبيه أو نعي بعض ولده أي خبر موته، قبل أن يذكر الله عزوجل بشئ أو يدعو فاشتغل بالجزع والبكاء عن الدعاء ثم أفاض الناس، فقال لا أرى عليه شيئا، وقد أساء فليستغفر الله أما لو صبر واحتسب لافاض من الموقف بحسنات أهل الموقف جميعا، من غير أن ينقص من حسناتهم شئ، وفيه دلالة على عدم حسن الجزع وحسن الاستغفار والثواب العظيم للصبر أما الاخبار الدالة على الوجوب فصحيحة وصريحة.

الرابعة: ثم افيضوا من حيث افاض الناس واستغفروا الله ان الله غفور رحيم(1).

قيل: ارجعوا من عرفات إلى المزدلفة فهو أمر لقريش بوقوف عرفة ثم بالمزدلفة كما هو الواجب على سائرهم، فانهم ما كانوا يقفون بعرفات مع الناس ترفعا عليهم ويقولون نحن أهل حرم الله ولا نخرج منه مثل الناس بل نقف بالمشعر فقط فامروا بترك ذلك وفعل ما يفعله الناس وقال في مجمع البيان وهو المروي عن أهل البيت عليهم السلام ويكون " ثم " حينئذ للتفاوت بين المرتبتين، يعني إذا أفضتم من عرفات ثم ليكن إفاضتكم يا قريش أيضا من عرفات كسائر الناس لا من المزدلفة فقط فان تلك حرام وهذه واجبة، فبينهما بعد كثير، كما يقولون: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، للاشارة إلى تفاوت ما بين الاحسان إلى الكريم و الاحسان إلى غيره.

(1) البقرة: 199.


274

هكذا قيل في الكشاف وغيره، ولا يخفى أن الامر بالافاضة من عرفات بثم بعد ذكرها أولا، مما لا يناسب، فان المعطوف ليس بحرام بل ما يفعلون فليس التفاوت بين المعطوف والمعطوف عليه بل بين فعلهم وما امروا به، وليس ذلك مفاد ثم، وإنه ليس مثل أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، وهو ظاهر.

وقيل أي ثم أفيضوا من المزدلفة إلى منى ويكون الامر لكل الناس، ويكون المراد بالناس آدم وإبراهيم وإسمعيل وغيرهم من الانبياء السابقة، والامم المتقدمة يعني أن وقوف المشعر والافاضة منه إلى منى شرع قديم لا تغيروه، وهذا هو المناسب لمعنى " ثم " وسوق الآية، حيث قال: فاذا أفضتم من عرفات إلى المشعر فكونوا بالمشعر ثم أفيضوا منه إلى منى، ففهم الوقوفان ونزول منى، ونقله في مجمع البيان عن أبي عبدالله عليه السلام(2).

واستغفروا الله

واطلبوا المغفرة وستر الذنوب التي فعلتم من تغيير الشرع وفعل المحرمات، وترك الواجبات، بالندم على ما سلف، والعزم على العدم من بعد إن الله كثير المغفرة والرحمة، ويغفر ذنب المستغفر، وينعم عليه، ويدل على الاول صحيحة معوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام قال إذا غربت الشمس في عرفة فأفض مع الناس، وعليك السكينة والوقار وأفض بالاستغفار فان الله تعالى يقول " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله(2) " والظاهر أن الاستغفار يكون بالمشعر أو في طريقه على الاول ويحتمل في عرفة كما يشعر به الرواية المتقدمة وعلى الثاني بمنى وطريقها وكونه بالمشعر حينئذ بعيد، وهو ظاهر إلا أن الظاهر

(1) هكذا ذكره المقداد في كنز العرفان، آخذا من كلام صاحب المجمع من دون أن ينسب ذلك إليه، لكن ما ذكره في المجمع لا يناسب ما نقلاه عنه، فانه نسب القول الثاني إلى الجبائي، ثم قال في المراد بالناس: وقيل: إن الناس إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ومن بعدهم من الانبياء عن أبي عبدالله عليه السلام راجع مجمع البيان ج 2 ص 296 مع أنا تفحصنا ولم نجد حديثا يذكر فيه أبا عبدالله أو غيره عليهم السلام صرح بأن المراد من الاية إفاضة المشعر وإن كان هو الحق الظاهر من الاية الشريفة.

(2) التهذيب ج 1 ص 500، الكافي ج 4 ص 467.


275

أنه ما ذهب أحد إلى وجوب الاستغفار والذكر بمنى، فيحمل على الاستحباب أو على الدعاء والذكر الواجب المفهوم من قوله " واذكروا الله عند المشعر الحرام " أو على وجوب التوبة مطلقا كما أشرنا إليه من قبل، ويفهم وجوب قبولها على الله.

الخامسة: فاذا اقضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباء‌كم او اشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق(1).

وآية اخرى: ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار(2).

واخرى: اولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب(3).

أي إذا فرغتم من عباداتكم الحجية، ويحتمل الاعم، والمناسك جمع منسك وهو يطلق على العبادة إطلاق المصدر على المفعول أو يكون بمعناه المصدري أي إذا فعلتم أفعالكم التي كانت عبادة، أو يكون اسم مكان اطلق عليها، أو يكون المضاف محذوفا أي عبادات مناسككم " فاذكروا الله كذكركم آباء‌كم " أي ذكرا مثل ذكركم آباء‌كم، فذكركم في محل النصب صفة لمفعول مطلق محذوف سواء كانت الكاف بمعنى مثل اسما مضافا أو حرفا متعلقا بمقدر، وآباء‌كم مفعول الذكر وأشد منصوب عطف على " كذكركم " أي يكون ذكركم الله إما مساويا لذكر آبائكم أو أشد وأكثر وأعلى ذكرا من ذكر الآباء، فذكرا تميز أي أشديته يكون من حيث كونه ذكرا لا من جهة اخرى، فهو لرفع التوهم والاحتمال، وإن كان بعيدا كما في قولهم طاب زيد نفسا فافهم، ويحتمل جعل الذكر بمعنى الذاكر حينئذ كما سيأتي.

فكونه مجرورا معطوفا على الذكر على تقدير جعل الذكر بمعنى الذاكر مجازا للمبالغة أو على ما اضيف إليه بمعنى أو كذكر قوم أشد منكم ذكرا، أو

(1 - 3) البقرة: 200 - 202.


276

منصوبا عطفا على آبائكم أو على أنه مفعول فعل محذوف مثل واذكروا أو كونوا كما ذكره البيضاوي والكشاف ومجمع البيان ضعيف، فان الكل تكلف غير محتاج إليه بل بعضه غير جيد مثل عطفه على آبائكم.

والمراد بالذكر هو التكبير في منى واكد بما بعده أو يكون الاشارة إلى استحباب الدعاء مطلقا في تلك الاماكن الشريفة، وسبب النزول على ما ذكره في مجمع البيان ما روي عن أبي جعفر عليه السلام أنهم أي القريش كانوا إذا فرغوا من الحج يجتمعون هناك ويعدون مفاخر آبائهم [ ومآثرهم ] ويذكرون أيامهم القديمة وأياديهم الجسيمة، فأمرهم الله سبحانه أن يذكروه في مكان ذكرهم في هذا الموضع " أو أشد ذكرا " ويزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم الله ويعدوا آلاء‌ه ويشكروا نعماء‌ه وآلاء‌ه، لا آباء‌هم وإن كانت لهم عليهم أياد ونعم لان الله سبحانه أعظم وأياديه عندهم أفخم لان الله سبحانه هو المنعم بتلك المآثر والمفاخر عليهم وعلى آبائهم(3) وقيل: معناه فاستعينوا بالله وافزعوا إليه كما ينزع الصبي إلى أبيه في جميع اموره، ويشتغل بذكره فيقول يا أبه.

فمن الناس من يقول

قال في تفسير القاضي(1) والكشاف: هذا تفصيل للذاكرين، فان الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا متاع الدنيا، ومكثر يطلب به خير الدارين، والمراد به الحث على الاكثار والارشاد إليه [ ربنا آتنا في الدنيا(2) ] أي اجعل إعطاء‌نا في الدنيا وما لهؤلاء في الآخرة من نصيب، لان هممهم مقصور على الدنيا، أو مالهم من طلب خلاق، والاول أولى.

ولما ذكر سبحانه دعاء من سأله من امور الدنيا.

فقط في تلك المواقف الشريفة مما لا يرتضيه، عقبه بما يسأله المؤمنون فيها من الدعاء الذي رغب فيها فقال " ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة " يعني أعطنا الصحة والكفاف وتوفيق الخير في الدنيا " وفي الآخرة " الثواب والرحمة، وقيل: نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وعن أبي عبدالله عليه السلام أنها

(1) مجمع البيان ج 2: 297.

(2) أنوار التنزيل: 63.

(3) زيادة من المصدر تحتاج إليها السياق.


277

السعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا ورضوان الله والجنة، وقيل المال في الدنيا، وفي الآخرة الجنة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من اوتي قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه وآخرته، فقد اوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار(1).

وقنا عذاب النار

بالعفو والمغفرة.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام الحسنه في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء، وعذاب النار امرأة السوء، وعن الحسن: في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة، وقنا عذاب النار: معناه: احفظنا من الشهوات " اولئك " إشارة إلى الفريق الثاني وقيل إليهما " لهم نصيب " أي حظ من جنس ما كسبوا وهو جزاؤه أو من أجله أو مما دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه فسمى الدعاء كسبا لانه من الاعمال " والله سريع الحساب " يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة، أو معناه يوشك أن يقيم القيامة و يحاسب الناس، فبادروا إلى الطاعة واكتساب الحسنات والله سريع المجازات للعباد على أعمالهم وإن وقت الحساب والجزاء قريب.

ففيها تحريص وترغيب على ذكر الله وطلب الحوائج من الله للدنيا والدين في المواطن المشرفة، والمنع عن ذكر التفاخر والتعاظم بالآباء وقصر السؤال على الدنيا بمعنى جعل همه مقصورا عليها وقطع نظره عن الآخرة، وترغيب أيضا في العبادات، وترهيب عن فعل المعاصي بأن الله يحاسب العباد على أعمالهم حسنة وقبيحة في لمحة واحدة، ويجازي الكل بما كسب.

ففيها دلالة أيضا صريحة على استحقاق الثواب والعقاب بالاعمال وقال في مجمع البيان: فيها دلالة صريحة على أن الله ليس بجسم فانه يحاسب كل الخلق في لمحة ولا يحتاج إلى زمان للحساب ولا يشغله شخص حساب عن حساب آخر، ولو كان كذلك لما جاز أن يخاطب في وقت واحد مخاطبين مختلفين وهو ظاهر.

(1) مجمع البيان ج 2: 298.


278

السادسة: واذكروا الله في ايام معدودات فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه لم اتقى واتقوا الله واعلموا انكم اليه تحشرون(1).

أمر للمكلفين بذكر الله في أيام قلائل، لان القليل يعد، والذكر المأمور به هو التكبير عقيب خمس عشر صلوات في منى، وعقيب عشر صلوات في غيره، وأوله عقيب الظهر يوم النحر مطلقا، فآخر الاول فجر يوم الثالث، و آخر الثاني [ صلاة ] فجر يوم الثاني بعد العيد، كذا في التفاسير، ودلت عليه الروايات مثل حسنة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل " واذكروا الله في أيام معدودات " قال التكبير في أيام التشريق: صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من يوم الثالث وفي الامصار عشر صلوات(2) وكذا في صحيحة زرارة وغيرهما، ولا يخفى أن في هذه الروايات إطلاق أيام التشريق على يوم النحر وثلاثة بعده، وكذا في غيرها أيضا وهو خلاف المشهور ولعله تغليب.

وذلك التكبير مبين في كثير من الاخبار مثل صحيحتي زرارة ومنصور بن حازم وصحيحة معوية بن عمار حيث قال عليه السلام: التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام(3) وزاد في الصحيحة الاخيرة والحمد لله على ما أبلانا، وفيها أيضا إن أنت خرجت من منى فليس عليك تكبير، فكأنه محمول على عدم خمسة عشر أو الزيادة على الامصار، وفي خبر آخر أن التكبير واجب في دبر كل صلاة فريضة ونافلة أيام التشريق، وفي صحيحة داود بن فرقد قال: قال

(1) البقرة: 203.

(2) التهذيب ج 1 ص 292، الكافي ج 4 ص 516.

(3) الكافي ج 4 ص 516 باب التكبير أيام التشريق تحت الرقم: 2 و 3 و 4.


279

أبوعبدالله عليه السلام التكبير في كل فريضة، وليس في النافلة تكبير أيام التشريق(1) وحمل الشيخ الاول على الجواز وهو بعيد فان حمل الواجب على الجواز سيما إذا حمل على السنة المؤكدة بالنسبة إلى الفريضة كما فعله في التهذيب غير مفهوم وكذا حمله على مطلق التكبير معللا بأنه غير ممنوع منه، فكيف بعد النافلة، كما أشار إليه فيه أيضا، والخبر غير صحيح وما عمل بمضمونه، فليس ببعيد حذفه وحمله على غير هذا التكبير المشهور، مع حمله على الاستحباب لصحيح ابن فرقد المتقدم الدال على عدمه في النافلة أيام التشريق بعيد، وحمل الشيخ وغيره أيضا هذه الآية والاخبار على الندب لخبر عمار بن موسى عن أبي عبدالله عليه السلام قال سألته عن الرجل ينسى أن يكبر في أيام التشريق قال: إن نسي حتى قام عن موضعه فليس عليه شئ(2) وذلك لا يدل على عدم الوجوب، بل يدل عليه حيث قيد عدم الشئ بالنسيان إذ عدم وجوب الشئ إذا نسي لا يستلزم عدم الوجوب وهو ظاهر وسنده أيضا ضعيف فالقول بالوجوب، غير بعيد، وإن كان القائل به قليلا مثل السيد السند وابن الجنيد.

ولكن روي في زيادات الحج من التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه عليهما السلام قال سألته عن التكبير أيام التشريق أواجب هو أم لا، قال: يستحب وإن نسي فلا شئ عليه(3) فهي دليل القول بالاستحباب كما هو المشهور، وحمل الاخبار الاول على الاستحباب فتأمل.

ثم الظاهر من الروايات المتقدمة تعيين التكبير المذكور فيها وما ذكر ذلك أكثر الاصحاب بل ذكروا غير ذلك كما في القواعد والدروس والشرايع والارشاد وغيرها ودليله غير واضح نعم في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال وسألته عن التكبير بعدكم صلاة؟ فقال: كم شئت، إنه ليس شئ موقت يعني

(1) التهذيب ج 1 ص 524.

(2) التهذيب ج 1 ص 523.

(3) الوسائل ب 23 من أبواب صلاة العيدين الحديث: 1.


280

في الكلام(1) والظاهر أن قوله يعني في الكلام من محمد بن يعقوب الكليني فالعبارة مجملة، يحتمل عقيب كم صلاة شئت أو كم مرة شئت كرر التكبير المعلوم أو لفظ الله أكبر، وغير ذلك فلا يمكن بها التأويل فيما هو المحقق فتأمل، وأيضا ورد في بعض الروايات في تكبير عيد الفطر مثل رواية سعيد النقاش(2) عنه عليه السلام مثل ما تقدم إلا بحذف " الله أكبر على ما رزقنا " الخ وحسنة معوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام: يكبر ليلة الفطر وصبيحة الفطر كما يكبر في العشر(3) فلا يبعد أن يكون المراد بهذا الخبر الاشارة إلى قول تكبير عيد الاضحى على ما نقلناه في الفطر ويكون ليلة الفطر وصبيحته إشارة إلى بعد المغرب والعشاء ليلة العيد وعقيب الصبح وصلاة العيد، كما هو المشهور، ويكون المراد بالعشر يوم العاشر وما بعده فتأمل.

فمن تعجل

الخ معناه الرخصة في جواز النفر الاول في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو الثاني عشر، والافضل أن يقيم إلى النفر الاخير في اليوم الثالث عشر، وهو آخر أيام التشريق، وإذا نفر في الاول لابد أن ينفر بعد زوال الشمس وقبل الغروب، وبعد رمي جمار ذلك اليوم، فلا يجوز النفر قبل الزوال وإن جاز الرمي قبل الزوال للاخبار الدالة على أن زمان الرمي من طلوع الشمس إلى غروبها، كما هو في رواية منصور بن حازم ورواية زرارة(4) وما في صحيحة جميل بن دراج(5) عنه كأنه الصادق عليه السلام لتقدم ذكره في الفقيه(6) قال " وكان أبي عليه السلام يقول من شاء رمى الجمار ارتفاع النهار ثم ينفر، قال: فقلت له إلى متى يكون رمي الجمار؟ فقال من ارتفاع النهار إلى غروب الشمس " وغيرها وإن قال بعض الاصحاب بوجوب التأخير عن الزوال لظاهر بعض الروايات

(1) الكافي ج 4 ص 517.

(2) الكافي ج 4 ص 166.

(3) الكافى ج 4 ص 167.

(4) الكافي ج 4 ص 481.

(5) الكافي ج 4 ص 521، عن أبي عبدالله عليه السلام.

(6) الفقيه ج 2 ص 289.


281

المحمولة على الاستحباب للجمع بين الاخبار، فيستحب التأخير عن الزوال للاحتياط ولظاهر بعض الاخبار، والاولى تأخير النفر إلى الثاني.

وأما الدليل على ما قلناه من عدم جواز النفر الاول إلا بعد الزوال وقبل الغروب فان أقام إلى الغروب لا يجوز الخروج فهو أيضا أخبار صحيحة صريحة في ذلك مثل صحيحة معوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام قال إذا نفرت في النفر الاول فان شئت أن تقيم بمكة وتبيت بها فلا بأس بذلك، قال: وقال إذا جاء الليل بعد النفر الاول فبت بمنى وليس لك أن تخرج منها حتى تصبح(1) وأيضا صحيحة معوية وحسنته عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس وإن تأخرت إلى آخر أيام التشريق وهو يوم النفر الاخير فلا عليك أي ساعة نفرت، ورميت قبل الزوال أو بعده(2) الخ وغير ذلك من الاخبار، مثل ما في خبر أبي أيوب عن أبي عبدالله عليه السلام: فقال لي: أما اليوم الثاني فلا تنفر حتى تزول الشمس الخ(3) ومثل حسنة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال من تعجل في يومين فلا ينفر حتى تزول الشمس فان أدركه المساء بات ولم ينفر(4).

وأما ما في بعض الاخبار مما يدل على جواز النفر قبل الزوال في النفر الاول أيضا مثل رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا بأس أن ينفر الرجل في النفر الاول قبل الزوال، ورواية أبي بصير قال سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل ينفر في النفر الاول قال له أن ينفر ما بينه وبين أن تصفر الشمس(5) فليس يصلح للمعارضة لما مر للصحة وعدمهما، وقد حملهما الشيخ على المضطر للجمع.

وأما كون الافضل التأخير فلما ذكره الاصحاب مع حصول عبادة كاملة في

(1) الكافي: ج 4 ص 521.

(2) الفقيه ج 2 ص 288 التهذيب ج 1 ص 524.

(3) الكافي ج 4 ص 518.

(4) الكافي ج 4 ص 224.

(5) التهذيب ج 1 ص 524، الفقيه ج 1 ص 288.


282

منى تمام الايام، ولان الظاهر أن النفر الاول رخصة، وقال المفسرون إنه مخير بينه وبين الافضل كما يقال: إن أعلنت الصدقة فحسن، وإن أسررت فحسن وإن كان الاسرار أحسن وأفضل، والظاهر من الآية هو جواز النفر في الاول أي وقت أراد، وقد عرفت التخصيص والبيان في الاخبار الصحيحة بل في إجماع الاصحاب أيضا على الظاهر والظاهر أن مذهب الشافعي أيضا جواز النفر بعد الزوال إذ لا يجوز الرمي إلا بعد الزوال، ومعلوم عدم جواز النفر في الاول أيضا إلا بعد الرمي ونقل القاضي جواز النفر في الاول قبل طلوع الفجر عن أبي حنيفة، ونقل عنه أيضا جواز الرمي قبل الزوال وبعده مثل مذهب الاصحاب، وظاهر الآية أن الخروج قبل إكمال اليومين بعد الشروع فيهما لا قبله، فقول أبي حنيفة بعيد ويلزمه أيضا ترك الرمي في اليوم الثاني إلا أن يجوز حينئذ الرمي في الليل، وبالجملة الآية مجملة قابلة للكل بشرط ما يصلح أن يكون دليلا كالروايات الصحيحة عن الذين قولهم حجة.

لمن اتقى

أي الذين ذكر من التخيير أو الاحكام لمن اتقى معاصي الله لانه الحاج على الحقيقة المنتفع به، يعني أن الحج يقع مبرورا مكفرا للسيئات إذا اتقى ما نهي عنه، هذا أحد المعنيين في التفاسير الثلاث وفيها حينئذ إشعار بعدم قبول العبادات مع العصيان مثل قوله تعالى " إنما يتقبل الله من المتقين(1) " فتأمل.

والآخر ان التخيير لمن اتقى الصيد والنساء بمعنى أن الذي لا إثم عليه في التعجيل هو الذي اتقى الصيد والنساء يعني وطيهن لا سائر ما يحرم منهن في الاحرام للاصل، و الظاهر من دليله الذي سيأتي من قوله عليه السلام " أتى النساء "، فانه ظاهر في المواقعة والظاهر أن المراد الاتقاء منهما مطلقا عمدا وسهوا وجهلا لظاهر عدم الاتقاء حينئذ، والظاهر أن وقت الاتقاء هو وقت تحريمهما عليه من زمان إحرام الحج من غير إشكال، وزمان إحرام عمرة التمتع أيضا على الخلاف بناء على أن عمرة التمتع هي عمرة الحج لدخولها فيه فتأمل فيه، فان الاصل عدم التقييد والشرط في الآية، فكلما نقص فهو أولى، ونسب هذا في مجمع البيان إلى أصحابنا وابن

(1) المائدة: 27.


283

عباس(1) وهو المشهور بين الاصحاب بل ما رأينا فيه خلافا في كتب الفروع وظاهر الآية خلاف ذلك لعموم " من " واحتمال " لمن اتقى " غير المعنى المخصص لذلك المعنى المحقق عمومه، مع أن الاصل عدم التخصيص وعدم وجوب الوقوف إلى النفر الثاني، ولذلك نقل هذا المعنى في بعض الروايات(2) ونسب إلى العامة.

ونقل أيضا عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله تعالى " فمن تعجل " أي من مات في هذين اليومين فقد كفر عنه كل ذنب " ومن تأخر " أى من انسئ أجله " فلا إثم عليه " بعدها إذا اتقى الكبائر(3) ويحتمل غير ذلك أيضا.

وبالجملة الآية عامة، وتخصيص الاصحاب غير ظاهر الوجه، والذي رأيناه يصلح لذلك رواية محمد بن المستنير عن أبي عبدالله عليه السلام قال من أتى النساء في إحرامه لم يكن له أن ينفر في النفر الاول، وفي الكافي وفي رواية اخرى الصيد أيضا(4) و رواية حماد بن عثمان عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى " الصيد يعني في إحرامه فان أصابه لم يكن له أن ينفر في النفر الاول كذا في التهذيب(5) وفي الفقيه أيضا بعض الاخبار، ولكنها لا تصلح لتخصيص القرآن العزيز القطعي لعدم صحة سندها فان محمد بن المستنير غير معلوم الحال، وفي الرواية الثانية محمد بن الحسين المشترك مع عدم العلم بطريق الشيخ إليه ويحيى بن المبارك المجهول وعبدالله بن جبلة الواقفي ووجود محمد بن يحيى الصيرفي قال في الاستبصار إنه كان عاميا مع قصور في الدلالة أيضا، إذ لا دلالة في كل واحدة عليهما معا، ولكن بعد ثبوتها ذلك هين.

والحاصل أنه لو لم يكن المسألة على قررناها إجماعية وليس عليها دليلا سوى هاتين ينبغي أن لا يقال بها بل يقال بظاهر الآية من ثبوت التخيير مطلقا، والعجب

(1) راجع مجمع البيان ج 2 ص 299.

(2) راجع الكافي ج 4 ص 521.

(3) رواه في مجمع البيان مرسلا.

(4) الكافي ج 4 ص 522.

(5) التهذيب ج 1 ص 524.


284

من ابن إدريس أنه قال بالتخيير لمن اتقى النساء مطلقا والصيد كذلك أي جميع محرماته مع أنه ما يعمل إلا بالمتواتر، وما يخرج القرآن المتواتر من عمومه إلا بدليل مثله، وكذا عن صاحب مجمع البيان حيث قال فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد إلى انقضاء النفر الاخير وما بقي من إحرامه، ومن لم يتقه فلا يجوز له النفر الاول(1) فان الظاهر أن الشرط إنما هو الاتقاء المتقدم على النفر الاول إلى حصوله لا بعده، وهو ظاهر ولا يدل عليه ما في صحيحة معوية بن عمار(2) قال: ينبغي لمن تعجل في يومين أن يمسك عن الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ويمكن حملها على الاستحباب ويكون ذلك هو مراد مجمع البيان الله يعلم.

و " اتقوا الله " أي اجتنبوا معاصي الله " واعلموا أنكم إليه تحشرون " أي تحققوا أنكم بعد موتكم تجمعون إلى الموضع الذي يحكم الله بينكم، ويجازيكم على أعمالكم، ففيه تحريص وترغيب وترهيب وتخويف.

السابعة: واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا إلى ابراهيم واسمعيل ان طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود(3).

البيت في اللغة هو المأوى والمنزل، والمراد هنا البيت الحرام أعني الكعبة والمثابة هنا الموضع الذي يثاب إليه من ثاب يثوب مثابة ومثابا إذا رجع أو موضع الثواب أي يثابون لحجه واعتماره كذا قال القاضي وهو صريح في نفي ما ذكره أولا من عدم الاستحقاق للثواب بالعبادة، وما يدل عليه من الآيات كثيرة، فان القرآن العزيز مملو به مثل " جزاء بما كنتم تعملون " وقلما توجد صفحة في المصحف لم يكن فيها ما يدل عليه، وكذا الاخبار النبوية والامامية المتواترة، بل العقل أيضا يدل عليه فتأمل.

(1) راجع ج 2 ص 287 - 289.

(2) الفقيه: ج 2 ص 289.

(3) البقرة: 125.


285

والطائف: الدائر حول الشئ، والعاكف المقيم على الشئ اللازم له، و الركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد والبيت ومثابة مفعولا " جعلنا " " وأمنا " عطف على " مثابة " وللناس متعلق بمثابة أو بمقدر صفة لها " واتخذوا " بتقدير وقلنا اتخذوا.

عطف على جعلنا ومصلى مفعول اتخذوا و " من " يحتمل التبعيض متعلقا به، بمعنى اجعلوا بعض المكان القريب من المقام أو نفسه مصلى أو للابتداء أو للتبيين، وكونها زائدة أحسن لو جاز، والعهد هنا الامر كما صرح به قال القاضي: أمرناهما.

ولعل المقصود كون البيت معبدا، فيمكن فهم وجوب عبادة عنده، و لعلها تكون الطواف وصلاته وباقي المناسك أيضا إذ لا قائل بغيرها، وكونه موضع أمن، فيمكن فهم وجوب جعله كذلك فلا يتعرض لمن التجأ إليه من الجناة خارجا عنه، كما قال الاصحاب وأبوحنيفة على ما نقل عنه القاضي، ولكن فيهما تأمل إذ يمكن كون " المثابة " بمعنى المرجع و " أمنا " بمعنى ذا أمن من العذاب في الآخرة، فان الحج يجب ما قبله على ما نقل، وبمعنى أن لا يتعرض له بالخراب ولا لاهله بالاذى فحمله بحيث يفهم ذلك يحتاج إلى شئ آخر، فان إسقاط حق مطالبة المال والدم بمثل هذا بعيد مع أنهم يقولون بذلك إذا التجأ إلى الحرم ولا يفهم من الآية إلا الملتجي إلى البيت إلا أن يقال الملتجي إلى الحرم ملتج إلى البيت أو يقال: إن المراد بالبيت هو الحرم، لانه المنزل والمثابة والمرجع لكنه بعيد إلا أن للاصحاب ما يدل عليه من الاخبار بحيث يدل على أنه المقصود من الآية، وكأنه لا خلاف عندهم فيه ويدل عليه أيضا " ومن دخله كان آمنا "(1) كما سيجي(2) وكذا قوله تعالى:" ﴿ رب اجعل هذا بلدا آمنا(3) " ولكن في الدلالة تأمل فتأمل. إلا أن لهم روايات مبينة، وكون الصلاة المخصوصة في المقام المخصوص

(1) آل عمران: 97.

(2) بل قد مر ص 216.

(3) إبراهيم: 35.


286

كأن المراد به ما هو المتعارف والمعد للصلاة الآن، إذ الحقيقي لا يصلى فيه، و يدل عليه بعض الاخبار أيضا، أو جملة الحرم، فيكون " من " للتبعيض ويكون المراد البعض المخصوص، وهو المقام الآن، فيفهم وجوب صلاة وكونها في المقام وهي ركعتا الطواف فيه، إذ لا وجوب لغيرهما، ويدل عليه الاجماع والاخبار أيضا.

وإيجاب تطهير البيت على إبراهيم واسمعيل للطائفين حوله، أو المترددين وللعاكفين المقيمين أو المعتكفين بالمعنى المتعارف للاعتكاف، وللمصلين، من الاصنام والانجاس كما قالوا، وفهم بعض الاصحاب منه وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كلها متعدية وغيرها، وكذا من قوله تعالى:" ﴿ إنما المشركون(1) " الآية ومن وجوب تعظيم شعائر الله، ومن قوله عليه السلام: " جنبوا مساجدكم النجاسة(2) " وفهمه مشكل، لان وجوب الازالة عليهما من البيت على تقدير تسليم شمول التطهير للنجاسة فان احتمال تطهيره من الاصنام بكسرها وإلقائها احتمال راجح ومذكور في التفاسير، لا يستلزم الوجوب على غيرهما من المساجد كلها، والاصل يؤيده وقد مر البحث في " إنما المشركون " ووجوب تعظيم شعائر الله بحيث يشمل وجوب الازالة مطلقا غير مفهوم، وصحة الخبر بل سنده غير معلوم، وكأن وجوب تطهيرها من النجاسة المتعدية لا خلاف فيه ولا دليل على غيرها.

الثامنة: ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم(3).

هما كانا جبلين بمكة قريبين من المسجد الحرام وهما الآن دكتان معروفتان هناك، والحج هو القصد لغة، وشرعا قصد البيت على الوجه المخصوص المبين

(1) براء‌ه: 28.

(2) الوسائل الباب 24، من أحكام المساجد الحديث المرقم 2، مرسلا من كتب أصحابنا الفقهية.

(3) البقرة: 158.


287

في الفقه، والعمرة لغة الزيارة، وشرعا زيارته كذلك أيضا، والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة، أي هما من أعلام مناسك الله ومتعبداته، والجناح هو الميل من الحق [ إلى الباطل ] والطواف هو الدوران حول الشئ، وليس هو المقصود هنا بل السعي بينهما، وقيل: التطوع هو التبرع بالنافلة من الطوع بمعنى الانقياد والمراد بالشاكر هنا الذي يجزي بالشكر فسمي من يجازيه شاكرا(1) مجازا كالتواب لقابلها، فان ثناء الله وإثابته عبده على الطاعة يشبه الشكر، ويعمل معاملة الشاكر، فكأنه شاكر.

وأصل يطوف يتطوف، قلبت التاء طاء وادغمت ونصب خيرا إما لانه صفة مصدر محذوف أي تطوعا خيرا أو لانه قائم مقام المصدر المضاف إليه أي تطوع خير فحذف المضاف واقيم هو مقامه واعرب باعرابه أو مفعول تطوع، فانه يتضمن معنى الفعل، وإعراب الباقي ظاهر.

والمعنى أنهما من معالم عباداتكم فالذي يحج أو يعتمر فلا حرج ولا ميل من الحق إلى الباطل لو سعى بينهما على الطريقة المنقولة من الشارع، ومن أتى بخير زائد على ما وجب عليه من الحج والعمرة أو الاعم فان الله يجازيه ولا يضيع سعيه، فانه مجاز محسن، وعليم بالنيات ويفعل الخيرات، فيجازي بهما، وأنه لا يليق بحاله عدم إثابة من فعل خيرا طمعا لذلك لانه كريم.

فيمكن الاستدلال بها على جواز الزيادة في الطواف والسعي على الواجب والموظف، بل جميع الخيرات والعبادات حتى تكرار الصلاة والصيام والحج كما هو العادة في الحياة وبعد الممات فتأمل، وعلى كون السعي بينهما عبادة لانه قال: " من شعائر الله " أي محل العبادة، والذي يظهر من السوق أن تلك العبادة هي الطواف والسعي بينهما، ونفي الحرج والاثم لا ينافي الوجوب، إلا أنه لا يثبته أيضا ولكنه ثابت بغيره.

واختيار هذا اللفظ المشعر بالاباحة لعد المسلمين ذلك كذلك، على ما روي أنه كان عليهما أصنام في الجاهلية، وأهلها كانوا يطوفون بهما، ويمسحون تلك

(1) الذي يجزى فسمى جازيه شاكرا خ.


288

الاصنام، وكان ذلك إثما وميلا من الحق إلى الباطل، والمسلمون كانوا يعدونه كذلك، ولما انكسرت الاصنام زال ذلك، ولكن ما كان للمسلمين علم بذلك فيتحرجون منه كما كانوا.

فنزلت ليدفع عنهم ذلك وأشار بقوله: " شاكر وعليم " إلى أنه يعلم أن نيتكم الخير، وأنتم الشاكرون المتعبدون، فيعاملكم معاملة الشاكرين بخلاف أهل الجاهلية، فيمكن معنى كون من تطوع: من فعل السعي الذي هو الطاعة، يعني إن فعلتم ذلك فعلتم خيرا وإحسانا، والله لا يضيع أجركم، لعلمه وقدرته على ذلك، فيكون حينئذ التطوع بمعنى الطاعة مطلقا واجبة أو مندوبة لا النافلة خاصة فانه في الاصل من الطوع، وهو الانقياد كما مر، وهو متحقق في النفل والواجب.

وأما وجوبه وركنيته وكيفيته كما يقول به أصحابنا في الحج والعمرة مطلقا فبانضمام البيان بالسنة الشريفة من النبي والائمة عليهم السلام ولعله باجماع الطايفة أيضا، واحتج مالك والشافعية على الركنية بقوله صلى الله عليه وآله اسعوا ! فان الله كتب عليكم السعي.

أي فرض عليكم السعي بينهما كذا في تفسير القاضي والكشاف وأنتتعلم أنه لم يدل على سوى الوجوب، وأما كونه ركنا بحيث لو ترك عمدا يبطل الحج والعمرة، فلا دلالة فيه عليه، نعم يدل على أنه واجب لا بدل له، فقول أبي حنيفة أنه واجب له بدل باطل، لانه يقال علم الوجوب من الخبر والاصل بقاؤه، وعدم إجزاء غيره، عنه فيدل عليه الخبر والآية أيضا للخبر.

ثم إن الظاهر من الخبر أنه فرض بالقرآن فيكون المراد بأنهما من شعائر الله أنهما من علامات العبادة الواجبة وهي السعي بينهما، وبأنه لا جناح: أنه صدقة واجب عليكم قبولها كما روي في آية القصر أن القصر صدقة عليكم فاقبلوها، و هل يحب أحدكم أن يرد عليه صدقته؟ أي لا يحب بل يغتاظ فيحرم عدم القبول فيجب بالآية، وإن لم نقل بوجوبه بالآية فلا يضر، لما أشرنا إليه من أدله الوجوب وهي كثيرة ومن جهة عدم الخلاف عندنا لم ننقلها.

ونقل في مجمع البيان عن ابن عباس وأنس وأبي حنيفة أنه تطوع و


289

الطاعة بمعنى السنة، لكن يفهم من الكشاف وتفسير القاضي أنه واجب عند أبي حنيفة أيضا وسنة عندهما، حيث نقل فيهما عن أحمد أنه سنة وكذا عن أنس وابن عباس محتجا بقوله " فلا جناح " فانه يفهم منه التخيير، هذا كلامهما وأنت تعلم عدم دلالة التخيير على السنة ولعل وجهه أن الظاهر من نفي الحرج هو التخيير عرفا، بمعنى جواز الفعل والترك، وعلم الرجحان من كونه شعائر الله، وغير ذلك، فيكون سنة أو أنه علم عدم التحريم من نفي الحرج والاصل عدم الوجوب والكراهة، وقد علم كونه عبادة، فيثبت الاستحباب، وهو المراد بالسنة المستدل عليها، أو أراد من أنه سنة: أنه ليس بواجب، وأنه ما يرد على الاحتجاج ما أورده القاضي بقوله وهو ضعيف لان نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب فلا يدفعه وهو ظاهر وقد فهم مما ذكرناه أيضا فافهم.

التاسعة: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام انشاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين [ لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا(1) ].

مضمونها تصديق النبي صلى الله عليه وآله في رؤياه التي حكاها لاصحابه دفعا لتوهم من توهم خلافه حيث تأخرت بالحق أي الثابت الكائن لا محالة، وهو نقيض الباطل " لقد صدق الله " جواب قسم محذوف والحق متعلق الرؤيا أي رؤيا متلبسا بالحق أو صفة لمصدر صدق أي صدقا متلبسا بالحق.

ويحتمل أن يكون قسما إما اسم الله تعالى أو نقيض الباطل " لتدخلن " جواب قسم محذوف على الاولين وعلى الاخير جواب بالحق " إنشاء الله " معترض تعليما للعباد، وليعلقوا مواعيدهم بالمشية، حتى لا يحصل الخلاف، والخطاب له صلوات الله عليه وآله ولاصحابه " آمنين " حال عنهم أي غير خائفين " محلقين " حال اخرى " رؤسكم " مفعوله " ومقصرين " عطف عليه، وظاهرها تدخلون بعضكم محلق و

(1) الفتح: 27.


290

بعضكم مقصر فتأمل، وهي تدل على جواز الحلق والتقصير في الجملة، حين دخول المسجد الحرام، لعل المراد الاحلال بأحدهما في منى في الحج مطلقا ثم دخوله للطواف، ولا يفهم الاحلال عن العمرة مطلقا بهما، ولا وجوب أحدهما على سبيل التخيير مطلقا كما هو المشهور، ومذهب الاكثر، لعموم الروايات والاصل ولا التفصيل كما هو مذهب البعض، وهو تعيين الحلق للملبد والضرورة والتخيير لغيرهما احتجاجا ببعض الروايات وحمل غيرهما من العمومات على التفصيل، وحمل الاكثر ما يدل على التعيين على الاستحاب وتحقيقه في الفقه فارجع إلى كتب الاستدلال فيه.

الثالث : في أشياء من أحكام الحج وتوابعه

وفيه آيات

الاولى: يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة او كفارة طعام مساكين او عدل ذلك صياما ليذوق وبال امره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام(1).

حرم

جمع محرم فنهى المؤمن المحرم، إذ ليس غير المؤمن بمحرم لعدم انعقاد إحرامه، والمراد بالصيد هنا كل حيوان بري ممتنع بالاصل، فيخرج منه البحرى لما سيجئ وغير الممتنع فانه لا يقال صيد عرفا بل لغة أيضا وما يجوز قتله من البري الممتنع بدليل مثل " خمسة يقتلن في الحل والحرم، كان

(1) المائدة: 95.


291

المقصود جواز قتلها مطلقا للمحل والمحرم: الحداة والغراب، والفارة، و العقرب، والكلب العقور(1) وفي رواية الحية بدل العقرب، وقيل برى محلل ممتنع لانه الاكثر والمتبادر إلى الذهن وفيه تأمل لتحريم بعض غير المحلل مثل الاسد والثعلب والارنب والضب واليربوع والقنفذ بالاخبار(2) بل الاجماع ويشعر به قيد الخمسة في الرواية السابقة وتمام تحقيقه في الفقه، ثم إنه يحتمل أن يراد بالقتل ما هو المزيل للروح أو الاعم منه ومن الضرب، وقد ثبت تحريم الصيد مطلقا قتلا واصطيادا، وإغلاقا وإشارة ودلالة بالاجماع والاخبار ويمكن إدخالها في الآية بتكلف بعيد.

ومن قتله منكم متعمدا

ذاكرا أنه محرم ويحرم عليه قتل الصيد " فجزاء مثل ما قتل من النعم " أي فعليه أو فالواجب عليه أو فوجب عليه جزاء.

فجزاء مرفوع بالابتدائية أو الخبرية أو الفاعليه مضاف إلى مثل، ومثل إلى " ما " وقتل صلته، والعائد مفعوله المحذوف وفاعله ضمير من، و " من النعم " بيان مثل أي كفارة قتله ما يماثل ما قتله من الصيد من النعم، وقرئ مثل بالرفع وجزاء بالتنوين، فهو صفة جزاء لابهامه ولم يكتسب التعريف بالاضافة إلى ما كغير و " يكم به " صفة مثل، وظاهر أن المراد بالمثلية في الهيئة والجثة في الجملة، لبيان المثل بالنعم لا في القيمة، كما هو مذهب أبي حنيفة ولا يدل " يحكم به ذوا عدل منكم " على كون المراد القيمة لان المماثلة الخلقية ظاهرة للحس فلا يحتاج إلى حكم العدول، لان الانواع قد يشتبه ويماثل بعضها بعضا، فيحتاج التميز إلى حكم العدول وأيضا قد يراد " يحكم ذوا عدل " على تقدير الاشتباه مثل أن قتل صيدا وما علم مثله لعدم العلم به، فيعلم بحكم العدول، وبالجملة دلالة المثلية والبيان بالنعم وتتمة الآية على كون المراد المثلية في الخلقة والهيئة أقوى من دلالة

(1) الخصال ج 1 ص 142، الجامع الصغير على ما في السراج المنير ج 2 ص 256 صحيح البخاري ج 1 ص 314.

(2) الكافي ج 4 ص 385.


292

يحكم به

على كونه في المقدار والقيمة، ولانه يلزم التخيير بين الامرين الاخيرين فقط على تقدير عدم بلوغ قيمة ما قتل قيمة هدي كما هو مذهبه، فيلزم إسقاط قوله " فجزاء " حينئذ وهو ظاهر.

ولهذا ذهب إليه أكثر الفقهاء، ويؤيده " هديا " إذ غالب إطلاقه على الحيوان و " أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " فانه كالصريح في أن اعتبار الاول هو نفس الجزاء والمثل في الخلقة، لانهما قيمة، ولانها صريحة في التخيير مطلقا، وليس على مذهبه كذلك إذ قد لا يوجد نعم يكون قيمته قيمة الصيد المقتول بل الوجود نادر، وفيه تنبيه على اعتبار العدالة في الشهود والراوي وأنه لابد من أن يكونا من المسلمين، ولا يكفي العدل في مذهبه، فافهم، ولفظ الحكم يدل على أن المراد الحاكم، ولكن اعتبار التعدد يأباه، والظاهر أنه يكفي الشهود بدون الحاكم، وإطلاق الحكم على الشهادة غير بعيد، ففيه تنبيه على عدم اعتبار حكم الحاكم مع الشهادة، بل يكفي مجرد الشهادة، فاعتباره في مواضع مع الشهود يحتاج إلى دليل، كاعتبار اليمين معها في مثل الدعوى على الميت فافهم " هديا " حال من جزاء أو ضمير به " وبالغ الكعبة " صفة هديا لان إضافته لفظية، ومعنى بلوغه ذبحه بمكة بالحزورة بفناء الكعبة للرواية إن كان في كفارة العمرة، و يشعر به آية العمرة، وبمنى إن كان في كفارة الحج للرواية بل للاجماع والظاهر أن مجرد الذبح لا يكفي بل لابد من التصدق به لانه عوض ما قتل، فلا يحصل العوض بمجرد القتل والذبح، ولان المتبادر ذلك، ولوجوب الاطعام، وللخبر وكأنه لا خلاف عندنا وعند الاكثر، وعند أبي حنيفة يكفي مجرد الذبح أخذا بظاهر الآية المتيقن مع البراء‌ة الاصلية.

أو كفارة طعام مساكين

عطف على " جزاء " على تقدير الاضافة البيانية و عدمها، وكون طعام بدلها أو خبر مبتدأ محذوف، وبين ذلك بأن يقوم الجزاء الذي هو المثل، ويفض ثمنها على الاوسط مما يطعمون وهو البر مثلا، ويعطى لكل مسكين مد، ولو نقص من ستين لا يكمل، ولو زاد لا يعطي، هكذا قاله


293

الاصحاب والاول ظاهر، والثاني كأنه للاجماع والاخبار.

أو عدل ذلك صياما

مصدر أي ما ساوى طعام مساكين من صيام يوم لكل مد بعد التقويم والفض على البر، فيصوم عن إطعام كل مسكين يوما " ليذوق وبال أمره " كأنه متعلق بمحذوف أي ذلك الحكم من الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق من فعل ذلك ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه حرمة الاحرام " عفا الله عما سلف " من قتل الصيد محرما عالما عامدا مع الكفارة أو مع التوبة فقط مع العجز في المرة الاولى وقيل أي عما سلف في الجاهلية أو قبل التحريم، فيه أنه لا يحتاج إلى العفو لعدم المنع.

ومن عاد فينتقم الله منه

أي من عاد إلى قتل الصيد عمدا بعد أن قتل كذلك ينتقم الله منه يعني ليس شئ معفوا عنه بكفارة وغيرها بل لابد له من الانتقام فهو مقابل لقوله " عفا الله عما سلف " فالظاهر عدم سقوط الكفارة حينئذ لعموم قوله " ومن قتله منكم متعمدا " إذ لا شك في دخوله تحته، وليس ما يصلح أن يخرجه عنه إلا قوله " فينتقم الله منه " وهو لا ينافيه، إذ يمكن الجمع بين الانتقام ووجوب الكفارة لعظم الذنب.

وبالجملة ظاهرها العموم حتى يعلم المخصص وليس " فينتقم الله منه " لعدم المنافاة، ولكن قد يتبادر من الآية كون الانتقام مقابلا للكفارة، وأيضا صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه، ويتصدق بالصيد على مسكين، فان عاد فقتل صيدا آخر، لم يكن عليه جزاؤه، وينتقم الله منه، والنقمة في الآخرة ويحمل على العمد بقرينة الآية.

والرواية رواية ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله عليه السلام قال إذا أصاب المحرم الصيد خطاء فعليه كفارة، فان أصابه ثانية خطاء فعليه الكفارة أبدا إذا كان خطأ فان أصابه متعمدا كان عليه الكفارة، فان أصابه ثانيه متعمدا فهو ممن ينتقم الله منه، ولم يكن عليه الكفارة(1) تدلان على السقوط حينئذ وكذا

(1) الكافي ج 4 ص 394.


294

رواية حفص الاعور عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا أصاب المحرم الصيد فقولوا له هل أصبت صيدا قبل هذا وأنت محرم؟ فان قال نعم، فقولوا له إن الله منتقم منك فاحذر النقمة، فان قال لا، فاحكموا عليه بجزاء ذلك الصيد(1) ولا يضر الجهل بحال حفص، فتأمل.

وقد أشار إلى تخصيص الصيد بصيد البر بقوله " احل لكم صيد البحر(2) " أي احل ما صيد من البحر أو الاصطياد منه لكم، وأنتم حرم أو الاعم وصيد البحر هو الذي لا يعيش إلا فيه، وهو حلال كله إلا ما خرج بدليل، مثل ما ليس له فلس من السمك بالاجماع والنص في الحل والحرم للمحل والمحرم " وطعامه " أي طعام البحر يحتمل أن يكون المراد بالصيد الاصطياد وهنا أكل ما صيد بالاصطياد والانتفاع به، أو بالاول الجديد، وبالثاني اليابس القديد ويؤيده " متاعا لكم " تمتعا لحاضريكم فنصبه لانه مفعول له " وللسيارة " عطف على " لكم " أي ولمسافريكم يتزودون قديده كما يأكلون جديده " وحرم عليكم صيد البر " أي ما صيد أو الاصطياد، قال القاضي فعلى الاول يحرم على المحرم أيضا ما صاده الحلال وإن لم يكن فيه مدخل، والجمهور على حله لقوله عليه السلام لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادوه أو يصد لكم، وأصحابنا على التحريم مطلقا لاجماعهم وأخبارهم، وكذا ما قتله المحرم حرام على الكل لانه بمنزلة الميت عند الاكثر فتأمل " ما دمتم حرما " أي محرمين وقد علم أن الصيد هو صيد البر لا مطلقا فكانت الاولى مجملة بينت بقوله " واحل لكم صيد البحر " وبمفهوم قوله " صيد البر " للتقييد.

وللصيد أحكام وتفاصيل في غير هذا المحل.

ثم أشار إلى التقوى والخوف من الله الذي إليه المرجع والحشر، وإلى تعظيم البيت بأنه البيت الحرام، وأنه قيام للناس انتعاشا لهم، وسببا لمعاشهم و معادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويرجح فيه التجار، ويتوجه

(1) الوسائل الباب 48 الحديث 3 من أبواب كفارات الصيد.

(2) المائدة: 96.


295

إليه الحاج، وكذا الشهر الحرام والهدي والقلائد بقوله تعالى " واتقوا الله الذي إليه تحشرون * جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام و الهدي والقلائد [ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض وأن الله بكل شئ عليم ] وتفسيرها سيأتي.

الثانية: يا ايها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا واذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم ان صدوكم عن المسجد الحرام ان تعتدوا(1).

أي لا تجعلوا محرمات الله حلالا ومباحا ولا العكس يعني لا تتعدوا حدود الله، فعلى هذا يحمل الشعائر على المعالم، أي حدود الله وأوامره ونواهيه وقيل هي فرايضه وقيل هي جمع شعيرة، وهي أعلام الحج ومواقفه، يعني لا تجعلوا ترك مناسك الله حلالا فتتركوها وقيل المراد دين الله لقوله " ومن يعظم شعائر الله " أي دينه " ولا الشهر الحرام " أي لا تحلوا الشهر الحرام بالقتل فيه أو بالسبي كأنه يريد جميع الاشهر الحرام " ولا الهدي " أي لا تحلوا ما اهدي إلى الكعبة أو مطلقا جمع هدية كجدي في جمع جدية السرج " ولا القلائد " أي لا تحلوا ذوات القلائد من الهدي جمع قلادة،وهي ما يعلق على عنق الهدي علامة لكونه هديا من النعل وغيره، وذكر الهدي ذي القلائد بعد ذكر الهدي لانها أشرف الهدي فنهى عن القلائد أولا في ضمن الشعائر ثم في ضمن الهدي ثم صرح بالنهي عنها بخصوصها تأكيدا، ويحتمل أن يكون المراد نفس القلائد وجعلها غير حلال، بمعنى عدم اعتقاد مشروعيتها واستحبابها، أو عدم أخذها والتصرف فيها إن كان مما يتملك وله قيمة

(1) المائدة: 2.


296

أو يكون النهي عنها للمبالغة عن النهي عن ذي القلائد من الهدي، ونظيره " ولا يبدين زينتهن(1) ".

ولا آمين البيت الحرام

ولا يحل التعرض لقاصدي البيت والحال أنهم " يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " يطلبون من الله الثواب والفضل ورضاه عنهم في الآخرة، ويحتمل أن يكون المراد بالفضل الرزق بالتجارة في الدنيا، وبالرضوان رضاه في الآخرة، أو كلاهما في الدنيا، وعلى الاولين فائدة الحال الاشارة إلى علة المنع، والمبالغة فيه، فمع عدمها يحتمل جواز التعرض لهم فتامل فيه، وعلى الثالث كونها تلك غير ظاهر.

ويحتمل أن يكون للاشارة إلى أنه وإن كان قصدهم مجرد الدنيا لا الآخرة لا يحل التعرض لهم حرمة للبيت، فكيف إذا كان مقصودهم الآخرة فهو أبلغ.

ويؤيده أنه قيل: نزلت في المشركين وحجاج اليمامة الذين يحجون مع المسلمين لما هم المسلمون أن يتعرضوا لهم بسبب أنه كان فيهم الحطم شريح ابن ضبيعة وكان قد استاق سرح المدينة، وكان قصدهم مجرد الدنيا.

هكذا فهم من تفسير القاضي والكشاف، ولكن قالا: " فالآية منسوخة بقوله واقتلوهم " أي " المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم(2) " أي احبسوهم وحيلوا بينهم وبين المسجد الحرام، مما يدل على منع الكفار عن دخول المسجد الحرام، مثل " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله(3) " و " إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد(4) " الآية.

وفيه أنه يحتمل أن يكون المراد عدم التعرض من جهة أن قصدهم بيت الله الحرام إلى أن يصلوا البيت، والحرم: الموضع الذي لا يجوز دخول الكفار فيه فيكون نحو " اقتلوا " مخصصة لا ناسخة، أو يكون المراد المسلمين فتكون هذه الآية مخصوصة لا منسوخة، ويؤيده ما هو المشهور بين العامة والخاصة من

(1) النور: 31.

(2) براء‌ة: 5.

(3) براء‌ة: 17.

(4) براء‌ة: 28.


297

المفسرين أن المائدة آخر ما نزلت، فليس شئ منها منسوخا فتامل.

وبالجملة الظاهر تحريم التعرض لقاصدي البيت الحرام مطلقا إلا ما خرج بالدليل، مثل ما تقدم، فالحال المذكورة إما لكون الواقع ذلك أو أنه كذلك في الاكثر، لا أنه يجوز التعرض إذا لم يكن ذلك، وكذلك إذا كانت جملة " يبتغون " صفة فتأمل.

نعم إذا وصل الكفار إلى موضع لا يجوز لهم الدخول، يتعرض لهم بمنعهم عن الدخول فقط فيكون المنع حينئذ خارجا لدليله، فتخصص هذه الآية.

وإذا حللتم فاصطادوا

إذن وإباحة للاصطياد بعد زوال الاحرام المانع منه، الدال على التحريم بقوله: " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " وهذا لا يدل على كون الامر بعد الحظر مطلقا للاباحة والجواز، لا الوجوب، لان هذه قد يكون لخصوص المادة أو للاجماع ونحوه فتأمل " ولا يجرمنكم شنآن قوم " أي لا يحملنكم أو لا يكسبنكم شدة بغض قوم وعداوته، شنآن بفتح النون وسكونها مصدر اضيف إلى المفعول أو الفاعل، والاخير أوضح لقوله: " أن صدوكم عن المسجد الحرام " أي لان صدوكم عام الحديبية، وحذف حرف الجر قياسا، وهو علة للشنآن وبيان له، وقرئ بكسر الهمزة على أنه شرط واغني عن جوابه قوله: " ولا يجرمنكم ".

وليس المراد الماضي في الجواب أي إن فعلوا بكم في الزمان الماضي كذا، فأنتم لا تفعلوا في المستقبل بهم كذا: " أن تعتدوا " للانتقام منهم لما فعلوا بكم، فهو ثاني مفعول يجر منكم فانه يتعدى إلى واحد، وإلى اثنين ككسب.

وتعاونوا على البر والتقوى

أي اعملوا بالعفو ومتابعة الامر بالاحسان ومخالفة الهوى، فليعاون بعضكم بعضا على الاحسان، واجتناب المعاصي وامتثال الاوامر، ويحتمل أن يكون أمرا بالتعاون مطلقا من غير أن يكون تتمة ليجرمنكم " ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " للتشفي والانتقام، والظاهر أن المراد الاعانة على المعاصي مع القصد أو على الوجه الذي يقال عرفا أنه كذلك مثل أن


298

يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم، فيعطيه إياها، أو يطلب منه القلم لكتابة ظلم فيعطيه إياه، ونحو ذلك مما يعد ذلك معاونة عرفا، فلا يصدق على التاجر الذي يتجر لتحصيل غرضه أنه معاون للظالم العاشر في أخذ العشور ولا على الحاج الذي يؤخذ منه بعض المال في طريقه ظلما وغير ذلك مما لا يحصى، فلا يعلم صدقها على شراء من لم يحرم عليه شراء السلعة من الذي يحرم عليه البيع ولا على بيع العنب ممن يعمل خمرا، والخشب ممن يعمل صنما، ولهذا ورد في الروايات الكثيرة الصحيحة جوازه وعليه الاكثر ونحو ذلك مما لا يحصى فتأمل.

والآية دلت على أن المعاون على الشئ كالفاعل في الخير والشر كما هو المشهور في الخبر أن الدال على الخير كفاعله، وفيه أيضا أن التصدق لو تعاقبت عليه كثرة الايدي ثم وقع بيد المتصدق يكتب للكل ثواب التصدق من غير نقصان شئ عن صاحبه فتأمل.

واتقوا الله إن الله شديد العقاب

فيجب الخوف عنه باجتناب جميع مناهيه من المعاونة على الاثم وغيره، وبترك الانتقام بغير ما استحق.

الثالثة: واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق اهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الاخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير(1).

فيها دلالة على جواز الدعاء بل كونه مرغوبا فيه ومندوبا إليه، إذ الظاهر أن إبراهيم عليه السلام لا يفعل الدعاء بكون البلد آمنا وبالرزق للمؤمن بالله واليوم الآخر - حيث جعل من آمن بدل أهله مطلقا فاسقا كان أو غيره - إلا إذا كان كذلك، بل لا يبعد الفهم كافرا أيضا مطلقا كما يشعر به قوله بعده " ومن كفر فامتعه قليلا " أي زمانا قليلا، وهو مدة بقائهم في الدنيا أو متاعا قليلا، وهو متاع الدنيا، وكل ذلك قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة فكيف ما وصل منها إلى

(1) البقرة: 126،


299

الكفار، ويفهم منه سقوط اعتبارها عند الله، وفيه إشعار بعدم حسن التخصيص فيجوز طلبه مطلقا فيمكن إعطاؤهم سوى ما ثبت منعه من الزكاة الواجبة، ويدل عليه الاخبار وما ذكر في باب الوقف والوصايا، وليس هنا محل ذكره، فان أردت فارجع إليه، وتأمل، فمنع ابن الجنيد إعطاء غير أهل الحق المستفاد من الدروس بعيد.

واعلم أيضا أن في الآية التي بعدها أعني " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " أي يقولان ربنا وقد قرئ به جملة حالية أي قائلين وإنما قدرنا الفعل لا الصفة تبعا لما قرئ به أي ربنا أثبنا على هذا البناء إنك أنت السميع لدعائنا العليم بمصالحنا، ونياتنا أن هذا البناء ما كان إلا لك، دلالة على كونه مندوبا ومرعوبا عند الفراغ من العبادة كما قاله في مجمع البيان، فيمكن فهم استحباب التعقيب وغيره من الادعية عند الفراغ من جميع العبادات.

وأيضا في الآية التي بعدها أي " ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم " تنبيه ودلالة على جواز التوبة وطلب قبولها من غير ذنب، لانهما معصومان، وقد طلبا الاستجابة ودلالة على جواز الدعاء للمسلم بأن يجعله مسلما أو باعتبار الزيادة كما قاله في الكشاف والمعنى زدنا إخلاصا وإذعانا لك أو باعتبار الاستمرار والاستقبال أي قالا ربنا واجعلنا مسلمين مستقبل عمرنا كما جعلتنا فيما مضى بأن توفقنا وتفعل بنا الالطاف التي تدعونا إلى الثبات على الاسلام كما قال في مجمع البيان.

ثم قال فيه أيضا(1) هو أي الاسلام الانقياد لامر الله تعالى بالخضوع والاقرار بجميع ما أوجب الله، وهو أي الاسلام والايمان واحد عندنا، وعند المعتزلة.

واستدل بقوله " إن الدين عند الله الاسلام "(2) " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن

(1) مجمع البيان ج 1 ص 207.

(2) آل عمران: 19.


300

يقبل منه(1) وفيه تأمل إذ يلزم دخول العبادات في الاسلام والايمان عند أصحابنا أيضا مع أنه ليس كذلك كما ذكر صاحب مجمع البيان في تفسير " يؤمنون بالغيب " لان عند المعتزلة الاعمال داخلة في الايمان، وقد قال هما واحد عندهم وعند أصحابنا وقد ذكر ذلك أيضا في تفسير " يؤمنون بالغيب " فتأمل.

وكذا على جواز الدعاء للذرية.

وقال القاضي(2) ووخصا بعضهم أي بعض الذرية على تقدير جعل من في قوله " ومن ذريتنا امة مسلمة لك " للتبعيض لما اعلما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن الحكمة الالهية لا يقتضي الاتفاق على الاخلاص، والاقبال الكلي على الله، فانه مما يشوش أمر المعاش، ولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا انتهى وفيه تأمل إذ يفهم من قوله ظلمة أنه أخذ الاسلام خلاف الظلم، وهو الكفر أو الفسق فيقابلهما الايمان أو العدالة، ومن قوله وعلما أن الحكمة الخ أنه الاخلاص وغايته الاقبال الكلي، بحيث لا يمكن مع الاتفاق عليه المعيشة، فليست بمطلوبة لله تعالى من الكل مع بعد هذا المعنى من الفهم، ويمكن أن يكون مطلوبا من الكل في كل أحد شئ.

مثلا ممن يزرع، التوجه الكلي على وجه يجتمع مع شغله، وقصد التقرب بذلك الشغل بأن يقصد معيشته ومعيشة عياله وبقاء النوع، وكذا من الحمامي وغيره فيقصدون بقاء النوع ومعاونة بعضهم بعضا ليفرغ بعضهم لعبادة غير هذه الاعمال مثل طلب العلم وغيره، فيكون الاخلاص والاقبال الكلي من الكل مطلوبا على سبيل التخيير والتبعيض، إذ يبعد عدم طلب الاقبال الكلي عن الكل بل لا وجه له، وأيضا الظاهر أن يقول يقتضي عدم الاتفاق ولعل النزاع معه لفظي وليس في هذه الآيات من الاحكام ما يعتد به وإنما ذكرت تبعا.

(1) آل عمران: 85.

(2) أنوار التنزيل: ص 41.


301

كتاب الجهاد - الاول في وجوبه

وفيه آيات

الاولى: كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون(1).

أي فرض الله تعالى وأوجب عليكم الجهاد مع الكفار والحال أن ذلك شاق عليكم، فأطلق المصدر على المفعول للمبالغة، بمعنى أنه مخالف لطباعكم وصعب عليكم من جهة أن البشر خلق على أن يحب السهولة والحياة والمستلذات، والجهاد ينافي ذلك كله.

أو يكون بمعنى أنه كان كرها لكم قبل التكليف والامر به، أو يكون بمعنى الاكراه مجازا كأنهم اكرهوا عليه لشدة مشقته مثل " حملته امه كرها ووضعته كرها(2) ".

وعسى أن تكرهوا

معناه تكرهوا " شيئا " في الحال بالنظر إلى الطبع " وهو خير لكم " في المآل كما تكرهون الجهاد لما فيه من المخاطرة بالروح، وهو خير لكم لان لكم في الجهاد إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة مع ثواب المجاهدين وإما الشهادة والجنة في الحال، من غير انتظار للقيامة، كما هو المشهور في الشهداء " وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم " مثل أن تحبوا ترك الجهاد لمحبة الحياة

(1) البقرة: 216.

(2) الاحقاف: 16.


302

والمستلدات المتوهمة، وهو في الحقيقة شر لكم لانه يمنعكم من السعادات الدنيوية والاخروية، وكذا جميع التكاليف ولعبادات المقربة والمناهي المبعدة المهلكة، والله يعلم مصالحكم ومنافعكم، وما يضركم وما ينفعكم، فيمنعكم عن المضرات، ويرغبكم في المنافع والفوائد، وهي مخيفة عليكم بظاهر نظركم، و ما تعلمونها لقلة تدبركم، وكثرة الشهوات التي تسترها، والكسل الذي يزين عدمها، ولوازم البشرية التي تعكسها، فهي صريحة في وجوب الجهاد على الاجمال والتفصيل مبين في الكتب الفقهية.

الثانية: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج اهله منه اكبر عند الله والفتنة اكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فاولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرة واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون(3).

أي يسئلونك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، هل هو جايز أم لا؟ - والسائلون أهل الشرك على جهة التعيير على المسلمين باستحلالهم القتال في شهر رجب بناء على زعمهم لا حقيقة، كما يفهم من سبب النزول، وقيل السائلون المسلمون ليعلموا الحكم، فقتال بدل عن الشهر بدل الاشتمال إذ الزمان مشتمل على ما فيه - قل: إن القتال في شهر الحرام ذنب كبير وإثم عظيم لكن الصد عن سبيل الله أي المنع من الحج وغيره من العبادات كما تفعلون، والكفر بالله وصد المسجد الحرام وإخراج أهل المسجد وهو المسلمون من المسجد الحرام كاخراجكم المسلمين من مكة حتى هاجروا إلى المدينة أكبر وأعظم ذنبا ووزرا عند الله، فصد نكرة موصوفة

(1) البقرة: 217.


303

مبتدأ وكفر كذلك عطف عليه والمسجد الحرام كذلك بتقدير صد، ويحتمل عطفه على سبيل الله، وفيها قصور لان حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورا مع كون المقدر، المعطوف عليه، قليل، بل غير معلوم الوقوع، والفصل بين المجرور وما يتعلق به بالمعطوف عليه بعيد، وقيل عطف على المجرور في " به " أي وكفر بالمسجد الحرام فعطف على المجرور من غير إعادة الجار وهو جائز بل واقع في القرآن العزيز مثل قوله تعالى " تساء‌لون به والارحام(1) " بجر الارحام وقول الكشاف والقاضي إنه ضعيف، باطل، فانه من السبعة المتواترة وفي أشعار الفصحاء أيضا واقع فينبغي القول به إذ لا دليل على نفيه لا عقلا ولا نقلا، وما ذكراه من أنه يلزم عطف على ما هو كبعض الكلمة، لا يصلح دليلا عليه، بحيث يلزم تأويل الآيات والاشعار.

والكفر بالمسجد عدم اعتقاد كونه معبدا " والفتنة " أي الكفر فانه فتنة في الدين " أكبر من القتل " الذي وقع في الشهر الحرام من المسلمين " ولا يزالون يقاتلونكم " يعني أن الكفار يقاتلونكم أيها المسلمون دائما حتى يرجعوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك " ومن يرتدد " من المسلمين " عن دينه " ولم يتب حتى مات على الارتداد فأولئك صارت أعمالهم باطلة كأن لم يكن، ولم ينتفعوا بها في الدنيا والآخرة.

وسمى الهلاك حبطا لانه في الاصل كلا إذا أكله الماشية يلحقها الفساد في بطنها، ويقال: حبطت الابل يحبط حيطا إذا أصابها ذلك، قاله في مجمع البيان(2) وقال فيه إيضا معناه أنها صارت بمنزلة ما لم تكن لايقاعهم إياها على خلاف الوجه المأمور به، لان إحباط العمل وإبطاله عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب، وليس المراد أنهم استحقوا على أعمالهم الثواب ثم حبطت لانه قد دل الدليل على أن الاحباط على هذا الوجه لا يجوز.

أقول: المشهور بين الاصحاب أن مذهب الاحباط والتكفير باطل، وقد ادعي

(1) النساء: 1.

(2) مجمع البيان: ج 2 ص 311.


304

عليه الاجماع وقد استدل عليه في التجريد سلطان المحققين بدليل عقلي ونقلي أما العقلي فهو أنه لا معنى لكون ذنب قليل محبطا لعبادة عظيمة، وبالعكس، حتى لو فعل الانسان دائما جميع العبادات إلى قرب موته ثم إذا فعل أدنى صغيرة تبطل تلك بالكلية، ويستحق به العقاب الدائم، وبالعكس، وهو ظاهر البطلان، ومذهب بعض المعتزلة وأما إسقاط المساوي بالمساوي وإبقاء الزيادة كما هو مذهب البعض الآخر منهم فلا يدل دليله العقلي عليه.

وأما النقلى فهو مثل " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ".

وفي دلالته أيضا تأمل إذ من فعل خيرا واسقط له به عقاب يصدق أنه رآه وبالعكس، وبالجملة الاخبار والآيات متظافرة متكاثرة في وقوع الاحباط فانكاره لا يمكن، فلابد من التأويل لو صح عدم جوازه، والتأويل الذي في مجمع البيان غير واضح، إذ لا معنى لوقوع الفعل على وجه يستحق فاعله الثواب والمدح إلا الاتيان على الوجه المأمور به شرعا، يعني الاتيان به من جميع الشرائط المعتبرة في صحته حين الفعل، وقد فرض الاتيان على هذا الوجه ثم ارتد، ومنع هذا الاتيان في جميع الصور التي اطلق عليه الاحباط بعيد، ومعلوم أن عدم الارتداد فيما بعد ليس من شرائط صحة الفعل حين إيقاعه كما ذكره القاضي بل مطلقا عند الاصحاب إلا ما نقل عن الشيخ الطوسي رحمه الله أنه يبطل الحج بالردة وضعفه الاصحاب وتدل الآية أيضا على ضعفه وعلى تقديره أيضا لا ينبغي توقفه على التوبة كما يظهر من مجمع البيان.

والظاهر أن هذا التأويل إنما يصح على أن المسلم ما يرتد ولكن ذلك غير واضح وأيضا إنه ما يجري فيما إذا كان إحباط بعض الاعمال البدنية بالبعض، مثل أن شرب الخمر يحبط كذا وكذا، والزنا كذا وكذا، وأن الصلاة تكفر ذنب كذا وكذا، والحج كذا وكذا، وغير ذلك مما لا يحصى، فلا يبعد حمل قول الاصحاب ببطلان الاحباط والتكفير على اللذين ذكرناهما في الاول وادعينا


305

ظهور بطلانهما، وإن أرادوا غير ذلك فغير واضح الدليل كما عرفت.

نعم يمكن أن يقال لا استبعاد فيما نحن فيه أن يستحق الانسان ثوابا ويكون وصوله إليه موقوفا على عدم صدور منافيه منه من الردة أو يكون البقاء على الايمان شرطا لاستمراره وانتفاعه به، ويكون الاحباط عبارة عن عدم ذلك.

فدلت الآية على تحريم القتال والجهاد في الشهر الحرام، وتحريم الصد عن سبيل الله، وما عطف عليه، وعلى التحريض والترغيب على القتال وعدم جواز الارتداد، وعلى أن الاحباط بالردة موقوف على الموت عليها كما هو مذهب الشافعي فمذهب الحنفي وهو أنه الاحباط بالردة مطلقا وإن رجع ذكره في الكشاف خلاف ظاهر الآية سيما مع القول بالمفهوم كما هو مذهبه.

وعلى قبول توبة المرتد، حيث قيد الخلود في النار بالموت على الارتداد والكفر، وهو أعم من الفطري وغيره، فلا يبعد القول بقبول توبة الفطري أيضا بمعنى صحة عباداته واستحقاقه الجنة، دون خلود النار، كما هو مقتضى العقل، لانه مكلف بالعبادات والايمان، وهو بدونها محال على الله تعالى، ولا ينافيه عدم سقوط بعض الاحكام مثل القتل بدليل الشرعي وأما النجاسة فبعيدة إلا أن يقال بالنسبة إلى غيره، وأما بالنسبة إلى نفسه فيكون طاهرا إذ لا معنى لنجاسته مع صحة عباداته المشروطة بها، كما رجحناه، إلا أن يقال أن الاية نزلت في أوائل الاسلام وما كان هناك مسلم فطري.

وقيل في سبب نزولها أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سرية من المسلمين وأمر عليهم عبدالله بن جحش الاسدي وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وآله، وذلك قبل قتال بدر بشهرين، ليرصد عير قريش، فوجدوها وفيهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير، وكان فيها تجارة الطايف، وكان ذلك في غرة شهر رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام فشق ذلك على أصحاب السرية، وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا، فنزلت، ورد رسول الله صلى الله عليه وآله العير والاسارى


306

وعن ابن عباس لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الغنيمة وهي أول غنيمة في الاسلام، والسائلون هم المشركون كتبوا إليه تعييرا وتشنيعا وقيل: إن تحريم القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام منسوخ بقوله تعالى " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم(1) " و " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة(2) " وفي صلاحية الاخيرة للناسخية تأمل، إذ ليست صريحة في كل مكان، ولا في كل زمان، وفي الاولى بالنسبة إلى الثاني كذلك، وبعد التسليم، التخصيص خير من النسخ وأيضا بعض أحكامها باقية، فلا يكون منسوخة قال في مجمع البيان وعندنا أنه على التحريم فيمن يرى لهذه حرمة ولا يبتدؤننا فيها بالقتال فيكون التحريم مخصوصا بهذين بدليل من إجماع أو خبر، وتركنا تفصيل أحكام القتال لوضوحها في الكتب الفقهية مع عدم الاحتياج إليه، ولهذا تركنا أكثر الآيات المشتملة على بعض أحكام الجهاد ولكن ذكرنا البعض تبعا للاصحاب ولبعض الفوائد.

الثالثة: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج(3).

تدل على وجوب الجهاد، وعلى نفي الضرر والحرج كما يدل عليه الخبر والعقل أيضا ولكن فيه إجمال.

الرابعة: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين(4).

أي قاتلوا الكفار في دين الله وطريقه الذي بينه لكم ليعبدوا الله عليه، أي قاتلوهم لاعلاء كلمته وإعزاز دينه حتى يسلكوه ويرجعوا إليه، قيل: امروا بقتال الرجال الذين يقدرون على القتال عادة دون النساء والصبيان والشيوخ

(1) براء‌ة: 5.

(2) البقرة: 190.

(3) الحج: 77.

(4) البقرة: 187.


307

وقيل المراد قتال أهل مكة الذين حاربوا المسلمين من قبل وذلك موافق لما قيل من سبب نزول الآية، حيث قيل: إنها نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة، و كانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية، فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية، ثم صالحهم المشركون على أن يرجع في العام المقبل ويخلو له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فرجع إلى المدينة فلما كان العام المقبل تجهز النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا يفي لهم المشركون وأن يصدوهم عن البيت الحرام ويقاتلوهم، وكره رسول الله صلى الله عليه وآله قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله الآية أي قاتلوا الذين يقاتلونكم دون الذين لم يقاتلوكم، وقيل معناه الكفرة كلهم وإن لم يقاتلوا المسلمين، فانهم بصدد قتال المسلمين وعلى قصده، ولا تعتدوا بابتداء القتال، أو بقتال المعاهد أو المفاجاة، من غير دعوة إلى الاسلام، أو القتل الذي لا يجوز مثل المثلة أو قتل النساء والصبيان وغيرها، وبالجملة لا تفعلوا ما لا يجوز " إن الله لا يحب المعتدين " ولا يريد لهم الخير بل يريد إيصال الشر إليهم فتدل الآية على وجوب القتال مع في الجملة، وعدم جواز التعدي والظلم، ولا يبعد تعميمها بحيث يشمل وجوب القتال مع المحارب الذي يقاتل الانسان على ماله ونفسه، و تحريم التعدي في أخذ المال والنفس، وعدم جواز مقاتلة من لا يريد ذلك وترك وهرب، وساير ما ذكر في الكتب الفقهية.

الخامسة: واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث اخرجوكم والفتنة اشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين(1).

(1) البقرة: 188.


308

قيل: نزلت في رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعيروا المؤمنين بذلك، فبين سبحانه أن الفتنة وهو الشرك أشد وأعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان غير جائز، ثم أمر الله وأوجب قتال الكفار حيث وجدوا وادركوا في الحل والحرم والشهر الحرام وغيره إلا ما يخرج بالتخصيص وأصل الثقف الحذق في أدراك الشئ علما أو عملا وهو متضمن لمعنى الغلبة وإخراجهم من مكة في مقابلة إخراجهم المسلمين عنها.

وأخبر أن الفتنة أي المحنة التي يفتتن بها الانسان، من الاخراج عن الاهل والوطن أشد من القتل أو أن شركهم في الحرم أشد كما دل عليه سبب النزول، أو أن صدهم المسلمين في الحرم أشد من قتلكم إياهم، ولا تبتدؤهم بالقتل في الحرم حتى لا يلزمكم هتك حرمة الحرم، فان ابتدؤكم بالقتال فجازوهم به، فان الوبال عليهم، حيث ابتدؤا به، وأنتم تجازون وتعدلون، فليس عليكم به بأس، ولا يلزمكم هتك الحرم، ومثل هذا الجزاء هو جزاء الكفار بالقتل في الحرم وإخراجهم عن الوطن والاهل والمال.

فدلت على وجوب قتال الكفار، وعلى وجوب إخراجهم عن مكة، كما قاله الفقهاء أيضا، بل أعم من ذلك حيث قالوا لا يجوز إسكانهم في جزيرة العرب لقوله عليه السلام لا يجتمع في جزيرة العرب دينان، وكأن لهم غيره من الاخبار وتفصيل المسألة في الفقه.

فان انتهوا فان الله غفور رحيم

(1) أي إن امتنعوا عن الكفر والقتل والاخراج وتابوا فان الله يغفر لهم ما أسلفوا ويرحمهم، فدلت على قبول التوبة من قتل العمد أيضا لان الشرك الذي هو أعظم منه تقبل التوبة عنه، فالقتل بالطريق الاولى كذا في مجمع البيان، وفيه تأمل فانه على بعض التفاسير والاحتمال، ومع ذلك يشكل بأن قتل العمد حق الناس وأنه ورد فيه الخلود في النار، وهو يشمل التائب أيضا فلا يلزم من سقوطه سقوطه، لان الله قد يسقط حقه بالتوبة، ولا يسقط حق

(1) البقرة: 189.


309

غير، إلا أن يكون المراد بعد الخروج عن الحق الذي للمقتول، وتقبل توبته من جهة فعله الحرام العظيم، وخص ما يدل على خلوده النار بغير التائب.

ثم بين الوجوب في آية اخرى بعدها " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين(1) " فبين الله تعالى غاية وجوب القتال بأنها عدم الفتنة أي الشرك وكون الطاعة والانقياد لله تعالى فقط، فان امتنعوا عن الكفر وأذعنوا بالاسلام وقبلوه " فلا عدوان " أي لا عقوبة " إلا على الظالمين " أي ليس عقوبة القتل والاخراج في الدنيا وعقوبة الآخرة بالنار وغيرها على الدوام إلا على الظالمين أي الكافرين المقيمين على الظلم والكفر، وفيها أيضا دلالة على عدم جواز القتل بل السبي وغيره بعد الاسلام، فلا يجوز استرقاقهم أيضا بعد الاسلام، ولا أخذ مالهم بل شئ من العقوبات من الاسترقاق وأخذ المال وغيرهما.

السادسة: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين(2).

الشهر الحرام هو الذي فيه تحرم القتال ونحوه والحرمات جمع حرمة، و هي ما يجب حفظه، ولعل المراد به هنا ذو القعدة، وهو شهر الصد عام الحديبية والاشهر الحرم أربعة: ثلاثة سرد وواحد فرد، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، قيل التقدير قتال شهر الحرام بقتاله، فحذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه وقيل لا تقدير بل معناه هذا الشهر الحرام بالشهر الحرام الذي منعتم رسول الله عن الطاعة والطواف أي حصل ما أردتم في ذلك فيه(3) وقريب منه مضمون " الحرمات قصاص "

(1) البقرة: 190.

(2) البقرة: 191.

(3) أي ما أردتم من القتال في ذلك الشهر العام الماضي، حصل في ذاك الشهر بعينه في هذا العام.


310

يعني لما صدوا رسول الله ومنعوا المسلمين عن عباداتهم في مكة حصل لهم مكافاته في ذلك الشهر بعينه، في العام المقبل، وكأن قوله " والحرمات قصاص " احتجاج عليه أي كل ذي حرمة يجري فيه القصاص والمكافاة، فمن هتك حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله، وادخلوا عليهم عنوة، واقتلوهم إن قاتلوكم أو أن معناه أن القتل في الشهر الحرام حرام، والحرام للمسلمين لا يجوز إلا قصاصا.

فمن اعتدى عليكم

أي ظلمكم فاعتدوا عليه بمثله أي جازوه بظلمه، و افعلوا به مثل ما فعل، والثاني ليس باعتداء وظلم، بل عدل إلا أنه سمي به للمشاكلة لوقوعه في صحبته مثل " اطبخوا لي جبة وقميصا "(1) في جواب من قال أي شئ نطبخ لك " واتقوا الله " باجتناب المعاصي، فلا تظلموا ولا تمنعوا عن المجازات ولا تتعدوا في المجازات عن المثل والعدل وحقكم.

ففيها دلالة على تسليم النفس، وعدم المنع عن المجازاة والقصاص، وعلى وجوب الرد على الغاصب المثل أو القيمة، وتحريم المنع والامتناع عن ذلك، و جواز الاخذ بل وجوبه، إذا كان تركه إسرافا [ فلا يترك ] إلا أن يكون حسنا وتحريم التعدي والتجاوز عن حقه بالزيادة صفة أو عينا، بل في الاخذ بطريق يكون تعديا، ولا يبعد أيضا جواز الاخذ خفية أو جهرة من غير رضاه على تقديرا متناعه من الاعطاء كما قاله الفقهاء من طريق المقاصة، ولا يبعد عدم اشتراط تعذر إثباته عند الحاكم، بل على تقدير الامكان أيضا، ولا إذنه بل يستقل وكذا في غير المال من الاذى، فيجوز الاذى بمثله من غير إذن الحاكم، وإثباته عنده، وكذا القصاص إلا أن يكون جرحا لا يجزي فيه القصاص، أو ضربا لا يمكن حفظ المثل، أو فحشا لا يجوز القول والتلفظ به مما يقولون بعدم جوازه مطلقا مثل الرمي بالزنا وغيره وحيث إن الجهاد لم يقع إلا مع الامام وحينئذ لا يحتاج إلى معرفة أحكامه فتركنا باقي الآيات المتعلقة به، مثل " ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من

(1) كما قال الشاعر:

قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه

قلت اطبخوا لي جبة وقميصا


311

الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا "(1) وكذلك قوله " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم " الآية(2) وقوله تعالى " فليقاتل في سبيل الله - إلى قوله أجرا عظيما(3) " وقوله " ما كان لاهل المدينة " الآية(4) وقوله " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون " الآية(5) و " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين " الآية(6) و " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا(7) " الآية و " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا(8) " الآية وكذلك " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال(9) " والآية " يا أيها النبي جاهد الكفار(10) ".

ولكن نتمه بآيات لها فوائد كثيرة، ومناسبة ما به.

الاولى: يا ايها الذين آمنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا(11).

أي سافرتم للغزو والجهاد فميزوا بين الكافر والمؤمن، والمراد لا تعجلوا في القتل لمن أظهر لكم إسلامه ظنا منكم بأنه لا حقيقة لذلك " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام " أي حياكم بتحية الاسلام، وقرئ السلم أي استسلم لكم وانقاد فلم يقاتلكم مظهرا لكم أنه من أهل ملتكم " لست مؤمنا " أي ليس لايمانكم حقيقة وإنما أسلمت خوفا من القتل " تبتغون عرض الحيوة الدنيا " أي المال والمتاع الذي لا بقاء له، لان جميع متاع الدنيا عرض زائل ويقال لان الدنيا عرض حاضر ومنه العرض المقابل للجوهر " فعند الله مغانم كثيرة " أي في مقدور الله تعالى نعم ورزق إن أطعتموه فيما أمركم، وقيل معناه: ثواب كثير لمن ترك قتل المؤمن

(1) النساء: 75.(2) النساء: 70.(3) النساء: 73.(4) براء‌ة: 121.(5) براء‌ة: 92.(6) براء‌ة: 124.

(7) براء‌ة: 30.(8) الانفال: 16.(9) الانفال: 65.(10) براء‌ة: 73، التحريم:9.(11) النساء: 94.


312

كذلك كنتم من قبل

أي كفارا فهداكم الله، وقلتم لا إله إلا الله محمد رسول الله فخليتم " فمن الله عليكم " باظهار دينه فأظهرتموه بعد الكتمان من أهل الشرك " فتاب عليكم " قبل توبتكم " فتبينوا " أعادها للتأكيد بعد ذكره أولا كالنتيجة بعد ذكرها " إن الله كان " لم يزل " بما تعملون خبيرا " عليما قبل أن تعلموا، ولا يخفى عليه أن قصدكم ليس إلا ابتغاء عرض الحياة الدنيا.

والمشهور أنها نزلت في اسامة بن زيد وأصحابه بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله سرية فلقوا رجلا قد ألجأ بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فبرز إليه اسامة فقتله واستاقوا غنمه، وفيها دلالة على قبول الايمان ممن قال بلفظه من غير تعرض له أنه مكره أو قاصد لذلك، وهل هو الحقيقة أم لا؟ وعدم التجسس بل سائر الامور بالطريق الاولى، ويدل عليه تحريم التجسس بالكتاب والسنة والاجماع، وعلى عدم الجرء‌ة في الامور مما يحصل عنده والسرعة في الحكم والعلم والعمل، بل لابد من التثبت والتوقف حتى يظهر حقيقة الامر، وعدم العمل بالظن في الحال، كما في خبر الفاسق الذي دل عليه الكتاب والسنة والاجماع.

وأيضا تدل على عدم اعتبار الدليل في الايمان وعلى عدم اعتبار العمل فيه، وعلى أنه يكفي لصدقه مجرد الشهادتين، بل القول له بأنه ليس بمؤمن منهي فافهل ولعلها تدل على عدم المواخذة في الدنيا بمثل هذا القتل، ولكن القواعد الفقهية تقتضي الدية والكفارة، على ما تقدم في الآية المتقدمة أن الخطاء يقتضي ذلك ولا شك أن ذلك خطاء فكأنه عفي عنه في أول الاسلام، لعدم جرء‌ة الكفار، و عدم امتناع المسلمين عن القتل والقتال، أو أن الدية سقطت لعدم وارث مسلم، أو كان عاجزا عن الكفارة، أو أداها، أو ما كانت واجبة بعد.

قال القاضي: وقيل نزلت في المقداد مر برجل في غنمه وأراد قتله فقال لا إله إلا الله فقتله فقال ود لو فر بأهله وماله، وفيها دلالة على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد يخطئ وأن خطاء‌ه مغتفر انتهى وليس بواضح فانه لم يظهر كونه


313

مجتهدا، ومعلوم أن كل من فعل شيئا خصوصا مثل هذه الامور ليس بمجتهد ولم يعلم صحة الايمان عند الله إلا أن يريد بها كونه مانعا وحاقنا لدمه وأيضا لم يعلم كونه مكرها إلا أن سوق الكلام يدل على أنه يعلم على أنه لو لم يؤمن لقتل وهو ظاهر فان الكفار يقاتلون ويخوفون بالقتل والضرب والنهب، ليسلموا، وإنهم لو أسلموا لقبل ظاهرا، بل في نفس الامر أيضا، إذا صار اعتقادا وعلما ويقينا و هو ظاهر.

الثانية: ان الذين توفيهم الملائكة(1).

يحتمل الماضي والمضارع فيكون تتوفاهم بحذف إحدى التاء‌ين، ويؤيد الاول قراء‌ة " توفتهم الملائكة " " ظالمي أنفسهم " حال عن المفعول، أي أن الذين أماتتهم الملائكة حال كونهم ظالمين على أنفسهم بالعصيان بترك الهجرة الواجبة، و موافقة الكفار باظهار عدم الايمان، فانها نزلت في جماعة من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة " قالوا " الضمير للملائكة حال عنهم بتقدير قد وخبر " إن الذين " " اولئك " ويكون دخول الفاء لتضمنه معنى الشرط، و يحتمل كونه خبرا بتقدير " لهم " و " فاولئك " عطف عليه، أي قالت الملائكة لهم حين توفتهم " فيم كنتم " أي في أي شئ كنتم من أمر دينكم توبيخا وتبكيتا بأنهم لم يكونوا في شئ من الدين، حيث تركوا الهجرة الواجبة مع القدرة، و تركوا إظهار الاسلام لعدم مبالاتهم بالشريعة " قالوا " مجيبين معتذرين " كنا مستضعفين في الارض " أي غير قادرين على الهجرة، لعدم المؤنة على السفر أو غير قادرين على إظهار الايمان لضعفهم " قالوا " أي الملائكة تكذيبا لهم على الاول " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " يعني كنتم قادرين على الهجرة، وعلى الثاني بأنكم كنتم قادرين على الاظهار فلم لم تهاجروا عن مكة " فاولئك " أي الذين توفتهم الملائكة وقالوا كنا الخ " مأويهم " ومسكنهم " جهنم " لتركهم الهجرة وإظهار إعلام الدين

(1) النساء: 97.


314

ومساعدة الكفار " وساء‌ت مصيرا " أي بئس المصير مصيرهم ومأويهم.

إلا المستضعفين

الذين لا يقدرون على المهاجرة وإظهار الدين من الرجال " العاجزين " والنساء " كذلك " والولدان " الارقاء منهما لانهم عاجزون عنها أو الصغار فانهم عاجزون عن السفر لصغر سنهم، أو غير البلغ من الذكور، فيكونون غير مكلفين، ويكون إظهار ذلك إشارة إلى أن أولادهم غير مكلفين بالمهاجرة مع عجزهم، والاسثتناء منقطع، لعدم دخول المستضعفين بالمعنى المتقدم في " الذين توفيهم الملائكة ظالمين " ولا " في اولئك " لعدم كونهم مكلفين بالمهاجرة، لكونهم معذورين وعدم قدرتهم كما بين بقوله عزوجل " لا يستطيعون حيلة " صفة للمستضعفين لعدم كونهم معينين، وإن كانت في صورة التعريف.

قال في الكشاف: لان الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف، فليس شئ بعينه كقوله " ولقد أمر على اللئيم يسبني(1) " أو حال عنهم، واستطاعة الحيلة وجدان أسباب الهجرة، مثل الغنى والقدرة على السفر، وما يتوقف عليه " ولا يهتدون سبيلا " عطف على ما قبله، واستهداء السبيل معرفة الطريق والمسلك بنفسه أو بدليل " فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم " فهم معذورون ولكن جاء بلفظ عسى كلمة الاطماع، ولفظ العفو الدال على أن لهم أيضا ذنبا وأكده بقوله " وكان الله عفوا غفورا " للمبالغة في عدم جواز ترك المهاجرة، وترك إظهار شعائر الايمان والموافقة مع الكفار، حتى أن ذلك موجب للعقاب لمن فعل ذلك عجزا أو خوفا وعدم القدرة على المهاجرة، وعدم التكليف، ولكن لهم طمع وتوقع عفو قطعا لاطماع غيرهم.

فالآية دلت على أن ترك المهاجرة مع القدرة، كبيرة وأي كبيرة، حين فرض المهاجرة، واسثتنى العاجزين، ويمكن أن تكون منسوخة بمثل قوله صلى الله عليه وآله لا هجرة بعد الفتح، إن كان متواترا، والاولى جعله مخصصا لها ومقيدا ولو قيدت بفرض الهجرة لا يحتاج إلى شئ، ولكن تكون مجملة غير مبينة إلا بمنفصل.

(1) بعده: فمضيت ثمة قلت لا يعنيني.


315

وقال القاضي: في الآية دليل على وجوب المهاجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة أمر دينه، وفي الكشاف: هذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الاسباب، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه المهاجرة وعن النبي صلى الله عليه وآله من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الارض استوجبت له الجنة و كان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلوات الله عليهما، وفي الدلالة خفاء فانها مقيدة بكون الهجرة فريضة كما تقدم، قال في الكشاف: " الذين " هم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة.

وقوله تعالى " ظالمي أنفسهم " يعني يموتون حين كونهم ظالمين أنفسهم فالوعيد متعلق بمن يموت وهو ظالم بترك الهجرة الواجبة، بحيث صار سببا لموافقة الكفار ومساعدتهم، وترك إظهار الاسلام بل إظهار الكفر كما يفهم من سوقها ومن الكشاف والقاضي ويمكن أن يكون مع عدم اعتقاد جوازها وحليتها، حيث صار الحكم ، مأويهم جهنم وساء‌ت مصيرا " وذلك ليس إلا فيما يكون كفرا.

وبالجملة غاية ما يفهم منها وجوب المهاجرة في مادة خاصة بسبب خاص، و لم يعلم منه أن كل هجرة واجبة وكل تارك لها ظالم، إلا أن يقاس باستخراج العلة وإثباتها في الفرع وأنى له ذلك، ولهذا إن ترك هذه الهجرة كبيرة، وفيه ما تقدم من المبالغات التي كادت أن لا توجد في غيرها فكيف يكون غيرها كذلك مع أنه نقل أن لا هجرة بعد الفتح، فما بقي ذلك الحكم حينئذ وعلى تقدير الدلالة على الاول في الجملة كيف يدعى دلالتها على الثاني أي قوله " أو علم الخ وكأنه لذلك قال " وحقت " وما صرح بالوجوب والفرض، لان لفظة حقت بمعنى الاولى والاحسن هو الشايع والكثير، وهو حقيقة فيه.

ولكن البيضاوي صرح بالوجوب، وكأنه نظرإلى القياس، فالدلالة على تقدير إمكان استخراج القياس وصحته لا يتم عند أصحابنا، حيث لا يقولون به، و كأنه لذلك ما ذكره في مجمع البيان ويؤيده جواز التقية بل وجوبها فيعمل بها


316

ويقيم في بلادها من غير إظهار شعائر الاسلام، ويظهر خلافها على وجهها، ولهذا ما شرط البعض عدم المندوحة فيما ورد فيه النص بخصوصه للتقية، كالكتف وغسل الرجلين نعم لو آل الامر إلى عدم إظهار الاسلام، ولزوم إظهار الكفر، والموافقة معهم في ذم الشرع، ومساعدتهم، يجب الفرار منهم، وإن لم يفهم من الآية للعقل والنقل ويمكن فهمه منها أيضا بالقياس.

والحاصل أنه إذا علم أن الكون في بلد حرام لعدم إمكان فعل وقول ما يجب عليه مطلقا، وليس بمعذور فيه، وليس مما فيه التقية، وليس له بدل بحيث لا يعاقب بالكون، فيجب الفرار والهجرة إلى محل يتمكن من ذلك، ولكن إثبات ذلك مشكل لان كل واجب مشروط بالامكان، وعدم المانع والضرر، فمع عدم الامكان و وجودهما لا يجب ذلك الامر، بل يكون حراما، فلا يعلم عدم جواز الكون حينئذ ولهذا يجوز السفر إلى محل التيمم وإلى محل يأخذون الاموال بغير اختيار إلا أنه معلوم في بعض الامور مثل الكون في محل لا يتمكن فيه من فعل الصلاة مع إمكانها في غير ذلك المحل مع القدرة إليه.

وقد يعلم من كلام بعض الاصحاب في تحريم السفر يوم الجمعة بعد الزوال مع وجوبها، أن كل ما يوجب لسقوط الواجب فهو حرام، ويفهم من بعض الاخبار أيضا مثل الرواية المشتملة على أنه وقع شخص في أرض لم يوجد فيها إلا الثلج قال عليه السلام: يتيمم به ولا يعود إلى مثل هذه الارض التي توبق أهلها ولكن ما قالوه ممنوع بل منقوض والرواية محل التأمل إذ يجوز التيمم والذهاب إلى موضع لا يكون فيه الماء للوضوء إلا أن يقال التيمم بما يباح أولا وبالذات مثل التراب يجوز، وكذا الذهاب إلى تلك الارض وإيجاد أساببه عمدا، دون ما لا يجوز التيمم به إلا اضطرارا مثل الثلج أو تحمل على الاستحباب ولا شك أن الفرار إن لم يكن له مانع(1) وسبب، راجح من البلد الذي لم يتمكن من إظهار جميع أحكام الايمان والاسلام فيه، إلى بلد يمكنه ذلك، بل لو علم أنه فيه أولى كما قاله في الكشاف

(1) مال خ.


317

أولى وكأنه إلى ذلك أشار ما نقل عن الشهيد قدس الله سره أنه يجب الفرار من بلد التقية إن صح بحمل الوجوب على الاستحباب أو على الوجوه المتقدمة لسبب الوجوب فتذكر وتأمل.

ثم أشار إلى ثواب المهاجرة في سبيل الله بقوله: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله(1) " ومثل قوله " والذين هاجروا في الله من بعدما ظلموا لنبوء‌نهم في الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون "(2) وكذلك " والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين(3) " والظاهر أن كل من سافر في طلب أمر لمرضات الله فهو مهاجر في سبيله، كما يدل عليه بعض الاخبار، وظاهر الاضافة فليس بمخصوص بالجهاد وبالمهاجرين من بلاد الشرك، فالسفر لطلب العلم داخل بل أفضل، وكذا زيارة الائمة عليهم السلام بل الذهاب إلى صلة الرحم وزيارة الاخوان في الله هو سبيل الله، و نحو ذلك وهو ظاهر.

قال في الكشاف: وقالوا كل هجرة لغرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يراد فيه طاعة أو قناعة أو زهد في الدنيا أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه فأجره على الله.

والظاهر أن هذا حق وليس بمخصوص بالهجرة في آية " ومن يخرج " بل في جميع الآيات الواقعة في ثواب الهجرة كما أشرنا إليه.

الثالثة: يا عبادي الذين آمنوا ان ارضي واسعة فاياى فاعبدون(4).

في الكشاف معنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش له أمر دينه كما يجب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الارض، استوجبت له الجنة، وكان رفيق إبراهيم عليه السلام

(1) النساء: 100.(2) النحل: 41.(3) الحج: 51.(4) العنكبوت: 56.


318

ومحمد صلى الله عليه وآله، وقيل هي في المستضعفين بمكة الذين نزل فيهم " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " وإنما كان ذلك لان أمر دينهم ما كان يستتب بين ظهراني الكفرة، في مجمع البيان: بين تعالى أنه لا عذر في ترك طاعته فقال: يا عبادي - الآية - فاهربوا من أرض يمنعكم أهلها من الايمان والاخلاص في عبادتي، وقال أبوعبدالله عليه السلام معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها، فاخرج منها إلى غيرها، فيمكن أن يستدل بها على الهجرة من دار الكفر التي لا يقدر على إظهار شعائر الاسلام، و كذا على الهجرة من الدار التي تكون كذلك فتأمل.

الرابعة: " والذين هاجروا في الله(1) " أي تركوا منازلهم ومواضعهم في حق الله ولوجهه " من بعدما ظلموا " أي من بعد ما ظلمهم أعداؤهم مثل المشركين وغيرهم " لنبوء‌نهم في الدنيا حسنة " أي لنسكننهم في الدنيا بلدة حسنة أحسن مما اخرجوا وهاجروا عنه " ولاجر الآخرة أكبر " أعظم وأحسن مما أعطيتم في الدنيا " لو كانوا يعلمون " أي الكفار أن الله يجمع للمهاجرين أجر الدنيا والآخرة، لرغبوا في دين الاسلام، وتركوا أذى المؤمنين وإخراجهم، إذ لو علم المؤمنون ذلك الجمع وما اعد لهم في الجنة، لازدادوا سرورا وحرصا على التمسك بالدين " الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون " هم الذين صبروا على المهاجرة والمجاهدة، وبذل النفس في سبيل الله، وأذى المخالفين، وهم الذين يتوكلون على ربهم لا على الغير.

فهي دالة على استحباب المهاجرة ووجوبها عن دار الكفر والخلاف لو ظلموا أو اذوا ولم يتمكنوا من إقامة لوازم الدين، وعلى كثرة الاجر في ذلك، وعلى الصبر والتوكل، وهو ظاهر وإن كانت نازلة في حق جماعة متخلفين بعد مهاجرة رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة، مثل بلال وصهيب وروي أن صهيبا قال للمشركين أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن

(1) النحل: 41.


319

كنت عليكم لم أضركم فخذوا مالي ودعوني، فأعطاهم ماله وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأن المراد بحسنة هي المدينة، والمهاجر عنها هي مكة، حرم الله الذي هو محبوب كل القلوب، فكيف بقلوب من كان مسقط رأسه لعموم اللفظ، وعدم التخصيص بالسبب كما بين في الاصول، فقول الكشاف وغيره " والذين هاجروا " هم رسول الله وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله، إلى قوله: وقيل هم الذين كانوا محبوسين معذبين بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وكلما خرجوا تبعوهم فردوهم، منهم بلال وصهيب وخباب وعمار يحتمل أن يكون بيانا لسبب النزول لا حصر المراد فيهم.

الخامسة: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا(1) " الجمع والتذكير باعتبار المعنى " فأصلحوا بينهما " بالنصح والطلب إلى حكم الله " فان بغت " " تعدت " إحداهما على الاخرى " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " حتى ترجع إلى حكم الله " فان فاء‌ت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا " اعدلوا في كل الامور " إن الله يحب المقسطين " العادلين، تدل على وجوب الاصلاح بين المؤمنين وأنه إذا لم يصطلحوا يجب قتال الظالمة منهما حتى يرجع عن الظلم إلى أمر الله العدل، ويدل عليه أيضا قوله: " إنما المؤمنون إخوة " من حيث إنهم انتسبوا إلى أصل واحد هو الايمان الموجب للحياة الابدية، وهو تعليل وتقرير للامر بالاصلاح، ولذلك كرره فقال: " فأصلحوا بين أخويكم " وضع الظاهر موضع المضمر مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير، والتخصيص، وخص الاثنين لانهما أقل من يقع بينهما ما يوجب الصلح من الشقاق " واتقوا الله " في مخالفة أمره وحكمه " لعلكم ترحمون " على تقواكم.

السادسة: يا أيها الذين آمنوا اذا جاء‌كم المومنات مهاجرات(2) الاية.

(1) الحجرات: 9.

(2) الممتحنة: 10.


320

فيها أحكام منها إذا جاء‌ت امرء‌ة من الكفار إلى المسلمين وادعت الاسلام يجب أن تختبر، فان علم أنها مسلمة لا يجوز إرجاعها إلى الكفار، ومنها أن الكافرة التي أسلمت ليس بحلال للكفار وبالعكس، ومنها أنه تحصل الفرقة بمجرد الهجرة ولا يحتاج إلى الطلاق، ومنها وجوب رد المهر الذي اعطيها، و منها أنه يجوز نكاحهن للمسلمين مع إيتاء المهر، وليس ذلك شرطا بل ولا ذكره وإنما ذكر إشارة إلى أنه لا يكفي المهر الذي رد على زوجها من بيت المال، و أن مجرد الهجرة كافية، ولا يمنع التزويج السبق ولا الكفر، ومنها عدم الجواز نكاح الكافرة للمسلم مطلقا منقطعا ودائما حربية وكتابية، وفيه تفصيل مذكور في الفقه، ومنها طلب المهر الذي أعطيتم إن ذهبت منكم امرأة إلى الكفار كما كانوا يطلبون منكم إذا جاء‌تكم امرء‌ة منهم.

كتاب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر

وفيه آيات

منها: ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف و ينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون(1).

أي ولتكن جماعة هي بعضكم، فمن تبعيضية كما هو الظاهر " يدعون " ذكر باعتبار حمل امة على جماعة من الذكور، وإن دخلت النساء فيه تغليبا " إلى الخير " أي الدين أن مطلق الامور الحسنة شرعا وعقلا، من المعروف وترك المنكر فيكون مجملا تفصيله " ويأمرون بالمعروف " أي بالطاعة والامر يكون للرجحان مطلقا أعم من الندب والوجوب " وينهون عن المنكر " أي خلاف الطاعة من كونه مكروها وحراما، ويكون الوجوب الذي يستفاد من الامر أي " ولتكن " ومن حصر الفلاح في " الآمرون والناهون " المفهوم من قوله: " واولئك هم المفلحون " باعتبار المجموع وبعض الافراد، ويحتمل تخصيص الامر بالواجبات والنهي بالمحرمات فيكون صريحا في الوجوب.

وأما تفصيل الوجوب وشرائطه المعتبرة فموجودة في الكتب الفقهية ولا ثمرة كثيرة في البحث عن الوجوب عينيا أو كفائيا والاولى منه في ذلك كون البحث عن كونه عقليا أو نقليا والظاهر أنه كفائي كما هو ظاهر هذه الآية، وكون الغرض هو الرد عن القبيح والبعث على الطاعة ليرتفع القبيح، ويقع المأمور به والحسن، ولا دليل في العقل يدل على الوجوب مطلقا.

نعم يمكن كونه واجبا عقليا في الجملة، وعلى من ظهر عنده قبحه بمعنى ترتب

(1) آل عمران: 104.


322

الذنب على الترك وهو أيضا ظاهر فيمكن القول بأنه عقلي والآيات دالة على ذلك كثيرة، مثل قوله تعالى في هذه السورة " كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر(1) " الآية أي وجدتم خير جماعة مخلوقة أو اخرجتم من العدم إلى الوجود لتأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، فمشعرة بأن الخيرية باعتبار الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والايمان بالله.

فتأمل.

ومنها " إن الله يأمر بالعدل(2) " وهو الانصاف والتوسط في جميع الاعتقادات والافعال والاقوال، وعدم التفريط والافراط والميل إلى أحد الجانبين فلا يكون اعتقاده في حق الله ناقصا ولا فوق ما لا يجوز، بأن يعتقد الشركة والافراط والاتصاف بالصفات الناقصة واتصاف النبي بالالوهية، وكذا في الامامة، وكذا في العبادات لا يجعلها ناقصة عن الوظيفة ولا يخترع فيها فوق ما عينه الشارع، وبالجملة لا يخرج عن الشرع الشريف " والاحسان " إلى الغير وهو التفضل ولفظ إحسان جامع لكل خير، والاغلب استعماله في التبرع ويحتمل في العبادات كما قيل إنه إحسان في الطاعات وهو إما بحسب الكمية فبفعل النوافل، والكيفية كما قال صلى الله عليه وآله الاحسان أن تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك(3).

وإيتاء ذي القربى

أي أن الله يأمر بايتاء الاقارب ما يحتاجون إليه وصلة الرحم وهو تخصيص بعد تعميم، للاهتمام، بل الاحسان أيضا كذلك قال في مجمع البيان: وهذا عام وقيل إن المراد بذي القربى قرابة الرسول صلى الله عليه وآله المشار إليهم في قوله " إلا المودة في القربى " و " لذي القربى "(4) في قسمة الخمس والمروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال نحن هم كأنه إشارة إلى ذلك " وينهى عن الفحشاء " الافراط في متابعة القوة الشهوانية كالزنا فانه قبيح بل أقبح أحوال الانسان وأشنعها " والمنكر " ما ينكر على فاعله من جميع المعاصي تعميم بعض تخصيص " والبغي " الاستعلاء والاستيلاء على الناس، والتجبر والتكبر المحرم بل بمنزلة الكفر، قيل الفحش ما يفعله الانسان

(1) آل عمران: 110.

(2) النحل: 90.

(3) الدر المنثور ج 1 ص 93.

(4) الشورى: 23، الانفال: 41.


323

في نفسه من القبيح مما لا يظهره لغيره، والمنكر ما يظهره للناس مما يجب إنكاره عليهم والبغي ما يتطاول من الظلم لغيره، وقيل العدل استواء السريرة والعلانية، والاحسان كون السريرة أحسن من العلانية، والمنكر أن يكون العلانية أحسن من السريرة " يعظكم لعلكم تذكرون " معناه يعظكم الله بما في هذه الآية الشريفة من مكارم الاخلاق أو من الامر والنهي المميزين بين الخير والشر، لكي تتعظوا وتتذكروا وتتفكروا وترجعوا إلى الحق وتعملوا به وعن ابن مسعود: هذه الآية أجمع آية في كتاب الله.

قال في الكشاف: العدل هو الواجب والاحسان وهو الندب والفاحشة ما جاوز حدود الله، والمنكر ما ينكره العقول، والبغي طلب التطاول بالظلم، وحين اسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين عليه السلام اقيمت هذه الآية مقامها ولعمري إنها كانت فاحشة ومنكرا وبغيا، ضاعف الله لمن سنها غضبا ونكالا وخزيا إجابة لدعوة نبيه " وعاد من عاداه ".

قال المحشي يريد بلعنة الملاعين من لعن عليا عليه السلام من بني امية وبني مروان والذي أسقط اللعنة عمر بن عبدالعزيز والذي سن ذلك معوية انتهى وأشار بدعوة النبي صلى الله عليه وآله إلى ما وقع في يوم الغدير من دعائه له بذلك وهو مشهور وفي الكتب مسطور غني عن البيان وهذا الكلام صريح في لعن معوية وفي مواضع من الكشاف يظهر بغض المصنف له، وأنه ما كان على الحق، وما كان جهاده مع علي عليه السلام باجتهاد ولا معذورا فيه، بل متعمدا وظالما، وحاكم جور عالما منها(1) ما ذكره في آخر سورة يونس " واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين(2) " روي أن أبا قتادة رضي الله عنه تخلف عن تلقي معوية حين قدم المدينة وقد تلقته الانصار ثم دخل عليه فقال له: مالك لم تتلقنا؟ قال لم يكن عندنا دواب، قال فأين النواضح؟ قال قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا معشر الانصار إنكم ستلقون بعدي أثره قال معوية فماذا؟ قال: قال: فاصبروا حتى تلقوني، قال: فاصبر ! قال: إذا نصبر، فقال عبدالرحمن بن حسان:

(1) أي من المواضع التي يظهر بغض صاحب الكشاف لمعويه.

(2) يونس 109.


324

ألا أبلغ معوية بن حرب ***** أمير الظالمين نثا كلامي

بأنا صابرون فمنظروكم *** إلى يوم التغابن والخصام

ومنها(1) " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم "(2) أي إلى العبادات التي هي موجبة لمغفرة عظيمة من ربكم، وموجبة لدخول دار المتقين والمنفقين والمحسنين أخلاقهم " وجنة عرضها السموات والارض اعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " يفهم أفضلية الصلاة وسائر العبادات في أول أوقاتها والمسارعة إليها من غير تهاون وكسل، إلا ما استثني لدليل مثل تأخير العشائين إلى المزدلفة كما هو المسطور في محاله.

ويستفاد منها أن الغرض الاصلي من بناء الجنة دخول المتقين أي المطيعين لله ولرسوله بترك المعاصي وفعل الطاعات، كما أن الغرض من خلق النار دخول الكفار فيها، كما قال تعالى قبلها " واتقوا النار التي اعدت للكافرين " فلا ينافي دخول غيرهم في النار تبعا، مثل الفساق، ودخول الاطفال والمجانين والفساق الجنة كذلك فتدل على عظم الاعتداد بشأن التقوى، والموصوف به، بخلاف الضد فلا اعتبار للفاسق عند الله، وإن دخل الجنة، وأيضا إن لوصف الانفاق في العسر واليسر والغنى والفقر دخلا عظيما في ذلك.

ولهذا ورد في الاخبار الكثيرة مدح السخا وذم البخل قال في مجمع البيان أول ما عدد الله سبحانه من أخلاق أهل الجنة السخا ومما يؤيد ذلك من الاخبار ما رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: السخا شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، فمن تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار، وقال علي عليه السلام: الجنة دار الاسخياء، وقال: السخي قريب من الله وقريب من الجنة وقريب من الناس بعيد من

(1) أي من الآيات الدالة على وجوب الامر بالمعروف، عطف على قوله فيما سبق و منها إن الله يأمر بالعدل الخ.

(2) آل عمران: 133.


325

النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار(1) ومثلها في الكافي عن أبي عبدالله عليه السلام(2).

وورد أخبار كثيرة في ذلك في الكافي مثل أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: السخي محبب في السموات محبب في الارض خلق من طينة عذبة، وخلق ماء عينيه من ماء الكوثر والبخيل مبغض في السموات مبغض في الارض خلق من طينة سبخة وخلق ماء عينيه من ماء العوسج(3).

وعن أبي الحسن موسى عليه السلام السخي الحسن الخلق في كنف الله لا يتخلى منه حتى يدخله الجنة، وما بعث الله عزوجل نبيا ولا وصيا إلا سخيا، وما كان أحد من الصالحين إلا سخيا، وما زال أبي يوصيني بالسخا حتى مضى، وقال عليه السلام: من أخرج من ماله الزكاة تامة، فوضعها في موضعه، لم يسأل من أين اكتسبت مالك.

وفيما روي عن أبي عبدالله عليه السلام في ضيافة إبراهيم عليه السلام قال له جبرئيل أرسلني ربك إلى عبد من عبيده يتخذه خليلا قال إبراهيم: فأعلمني من هو أخدمه حتى أموت قال فأنت هو، قال: ومم ذلك قال: إنك لم تسأل أحدا شيئا قط ولم تسأل شيئا قط فقلت لا.

وعنه عليه السلام قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أي الناس أفضلهم إيمانا فقال أبسطهم كفا.

وعنه عليه السلام قال لبعض جلسائه ألا اخبرك بشئ يقرب من الله ويقرب من الجنة ويباعد من النار؟ فقال: بلى، فقال: عليك بالسخا فان الله خلق خلقا برحمته لرحمته فجعلهم للمعروف أهلا، وللخير موضعا وللناس وجها يسعى إليهم، لكي يحيوهم كما يحيي المطر الارض المجدبة اولئك هم المؤمنين الآمنون يوم القيمة.

وعن علي بن إبراهيم رفعه قال أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام لا تقتل السامري فانه سخي.

(1) مجمع البيان ج 2: ص 505.

(2) الكافي ج 4 ص 40.

(3) الكافي ج 4 ص 39، والسبخة الارض المالحة، والعوسج شجر له شوك.


326

وعن أبي عبدالله عليه السلام قال شاب سخي مرهق في الذنوب أحب إلى الله من شيخ عابد بخيل.

وعن جميل ابن دراج عنه عليه السلام خياركم سمحاؤكم وشراركم بخلاؤكم، و من خالص الايمان البر بالاخوان والسعي في حوائجهم، وإن البار بالاخوان ليحبه الرحمن، وفي ذلك مرغمة للشيطان، وتزحزح عن النيران ودخول الجنان، يا جميل أخبر بهذا غرر أصحابك قلت جعلت فداك من غرر أصحابي؟ قال: البارون بالاخوان في العسر واليسر، ثم قال: يا جميل أما إن صاحب كثير يهون عليه ذلك، وقد مدح الله عزوجل في ذلك صاحب القليل، فقال في كتابه " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ".

وهذه الاخبار كلها مسندة(1) وحذفت السند اقتصارا وكذا تركت الاخبار في الانفاق وذم البخل و ما ورد في غير هذا الكتاب مثل الفقيه(2) وغيره.

إن كظم الغيظ بمنزلة التقوى والانفاق في ذلك المذكور، لان الظاهر أنه عطف على " المتقين الذين " الخ وإن جاز عطفه على " الذين " ولعل الاول أولى، وإلا كان المناسب ويكظمون الغيظ عطفا على ينفقون قال في مجمع البيان: أصل الكظم شد رأس القربة عن ملئها تقول كظمت القربة أي ملاتها ماء ثم شددت رأسها وفلان كظيم مكظوم إذا كان ممتليا حزنا وكذا إذا كان ممتليا غضبا لم ينتقم والكظامة القناة التي تجري تحت الارض سميت بذلك لامتلائها تحت الارض وفي غريب الحديث لابي عبيدة عن أوس أنه رأى النبي أتى كظامة القوم فتوضأ ومسح على قدميه والفرق بين الغيظ والغضب أن الغضب ضد الرضا، وهو إرادة العقاب المستحق بالمعاصي ولعنه وليس كذلك الغيظ لانه هيجان الطبع بتكره ما يكون من المعاصي ولهذا يقال: غضب الله على الكفار، ولا يقال: اغتاظ منهم(3) وكأن في التعبير عن عدم

(1) راجع الكافي كتاب الزكاة باب معرفة الجود والسخاء ج 4 من طبعة دار الكتب.

(2) " الفقيه " " فضل السخاء والجود، ج 2 ص 33.

(3) مجمع البيان ج 2 ص 503.


327

إنفاذ الغيظ وترك العمل بمقتضاه بالكظم بالمعنى المذكور إشارة إلى عدم خروج شئ منه أصلا ولو قليلا فان المطلوب شد رأس القربة بحيث لا يترشح منه شئ أصلا وإلا لم يحصل الغرض، بل ينزل الماء ويبل ما تحته ويخرب فتأمل.

وكذا العفو عن الناس، وهو عدم عقابهم مما يستحقونه بفعلهم، ولكن ينبغي أن يكون بالنسبة إلى نفسه وبحيث لا يؤل إلى إبطال الحدود والتعزيرات الشرعية والتهاون فيها قال في مجمع البيان: روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال هؤلاء في امتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا في الامم التي مضت، وفيه دليل واضح على أن العفو عن العاصي مرغب فيه، مندوب إليه، وإن لم يكن واجبا وقال النبي صلى الله عليه وآله: ما عفا رجل عن مظلمة قط إلا زاده الله بها عزا " والله يحب المحسنين " والمحسن هو المنعم على غيره، على وجه عار عن وجوه القبح، ويكون المحسن أيضا هو الفاعل للافعال الحسنة من وجوه الطاعات والقربات(1) ولا يبعد كونه إشارة إلى الموصوفين المذكورين كأنه قال: والله يحبهم فعبر عنهم به، ليدل على كون ذلك حسنا أيضا وعدم الاختصاص بذلك الاوصاف فدل على محبة الله لهم وهو فوق إعداد الجنة لهم.

فدلت الآية على كون التقوى والانفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس و الاحسان الذي يجده العقل وبينه الشرع عبادات وقربات، وكذا المسارعة إليها بمنزلة عظيمة عند الله، وهو ظاهر، ويدل عليه الاخبار ويجده العقل أيضا فيرجى من الله كظم غيظه عن غير الكفار، والعفو عن الناس سواهم، والاحسان إليهم بل الانفاق عليهم، لانه إنفاق وكظم وعفو خال عن وجه قبح، فلا يترك مع أمر الناس الضعفاء به وكونها محبوبة عنده.

ثم قال في مجمع البيان مما جاء فيه من الاخبار ما رواه أبوأمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كظم غيظه وهو يقدر على إنفاذه ملا الله قلبه يوم القيمة رضا، وفي خبر آخر ملا الله قلبه يوم القيمة أمنا وإيمانا، ثم قال: روي أن جارية لعلي

(1) راجع مجمع البيان ج 2: 505.


328

ابن الحسين عليه السلام جعلت: تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة، فسقط الابريق من يدها فشجعه فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية إن الله عزوجل يقول: " والكاظمين الغيظ " فقال لها قد كظمت غيظي، قالت " والعافين عن الناس " قال قد عفا الله الله عنك " قال: " والله يحب المحسنين " قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله(1).

وفي هذه الرواية دلالة على عدم البأس بالاستعانة للوضوء، فقد روي مثلها عن الحسين بن علي عليهما السلام أنه جاء عبده وبيده طبيخ للضيف، وهو معهم عليهم السلام فوقع الظرف من يده على رأسه عليه السلام فنظر إليه فقال العبد الخ الله أعلم حيث يجعل رسالته.

قيل في معنى " عرضها السموات والارض ": كعرضهما وكني بالعرض عن مطلق المقدار وهو متعارف، ونقل على ذلك الاشعار في مجمع البيان أو أنه لما علم عرضه الذي هو أقل من الطول عرفا في غير المساوي علم أن طوله أيضا يكون إما أكثر أو مثله، أما كونها مع ذلك في السماء فالظاهر أن المراد يكون بعضها فيه بأن يكون البعض الآخر فوقه أو يكون أبوابها فيها أو فوق الكل وما ذكره الحكماء غير مسموع شرعا وهو ظاهر، كما قيل إن النار تحت الارض فتكون الآية دليل على بطلان ما قالوه، وظاهر الآية أنها مخلوقة وكذا النار كما يدل عليه بعض الاخبار وقال به الاصحاب وصرح به الشيخ المفيد في بعض مسائله، وقال: إن الجنة مخلوقة ومسكونة سكنتها الملائكة.

فتدل الآية على رجحان المسارعة إلى الطاعات والانفاق في السراء والضراء وحسن الخلق بكضم الغيظ، والعفو عن الناس والاحسان مطلقا كما وردت بها روايات كثيرة مثل: اصنع المعروف إلى كل أحد فان كان أهله وإلا فأنت أهله.


329

والذين " إما عطف على المتقين كما قالوه(1) أو على ما عطف عليه مثل الكاظمين فمعناه أن الجنة اعدت للمتقين وللذين الخ فتكون معدة للمتقين و التائبين وهم يكونون الغرض الاصلي من خلق الجنة، فلا ينافي كونها لغيرهما أيضا بالتبع كما أن النار معدة للكفار ويدخلها الفساق أيضا.

فقول الكشاف " وفي هذه الآية بيان قاطع أن الذين آمنوا على ثلاث طبقات متقون وتائبون ومصرون، وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين فمن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه " باطل، لما قلناه، ولغيره مما يدل على دخول غيرهما فيها من الآيات، مثل ما يدل على العفو والتفضل والاحسان و المغفرة لمن يشاء، ومن عمل صالحا يجز به وسائر ما يدل على وجوب اتصال ثواب العمل إلى صاحبه، وأن الايمان موجب لدخول الجنة، وللاخبار العامة والخاصة ولانه يلزم خلود النار من فعل ذنبا واحدا آخر عمره، ولم يتب، وهو بعيد جدا وان ما ذكره مبني على أن كل ذنب كفر ومحبط لما قبله، وهما باطلان ولان ظاهر قوله تعالى " اولئك جزاؤهم " كالصريح في أن ذلك جزاء عملهم.

فدلت على أن الجزاء وأجر العمل الموجب لدخولها مخصوصة بهما، فلا تدل على عدم دخول غيرهما تفضلا وإحسانا وعفوا وكظما للغيظ التي هي محبوبة لله تعالى ويحرض عليها عباده، فيبعد أن يمنع نفسه هذه الصفات الكاملة مع ترغيبه العبد الضعيف الذي الانتقام كالخلق والطبع له، على أن ليس الدلالة إلا بمفهوم ضعيف كما بين في الاصول، ولهذا قال سبحانه تعالى في سورة الحديد " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله(2) ".

فعلم أن ذكر المتقي للاهتمام أو غير لا للحصر، وأنه يبقى قسم آخر، و

(1) يعنى الطبرسي في مجمع البيان، القاضي في أنوار التنزيل، الزمخشري في الكشاف.

(2) الحديد: 21.


330

هو الذي لم يتب ولم يصر، إما عالما أو جاهلا، إلا أن يسمى تارك التوبة مطلقا مصرا، والظاهر خلافه ويحتمل كونه عطفا على " الذين " أي اعدت للمتقين الذين كذا وكذ وللمتقين الذين كذا وكذا، ولا ينافي صدور الذنب مع التوبة، و عدم الاصرار الوصف بالتقوى قبله، وبعده أيضا، وإما مبتدأ وخبره " اولئك " بأن يكون مبتدء‌ا ثانيا " وجزاؤهم " ثالثا " ومغفرة " خبره، والجملة خبر الثاني والمجموع خبر الاول ويحتمل كون ترك الفاء وثم في قوله " ذكروا الله " إشارة إلى أن مطلق ما يصدق عليه ذكر الله والتوبة كاف سواء كان بعده بلا فصل أو مع فصل كثير.

قالوا: المراد بالفاحشة الزنا، وبالظلم مقدماته وغيرها، أو الفاحشة الكبيرة والظلم الصغيرة أو الفاحشة الفعلي والظلم القولي ويحتمل كون الفاحشة الظلم على الغير بتضييع حقوقه، وبالظلم الظلم على نفسه بتضييع حقوق الله، ومعنى " ذكروا الله " ذكروا عقاب الله ووعيده " فاستغفروا الله " أي ندموا وعزموا على عدم العود فيكون كناية عن التوبة " ولم يصروا " زيادة تأكيد وبيان له، أو يكون الاستغفار طلب المغفرة من الله بالقلب واللسان، مثل اللهم اغفر لنا، وعدم الاصرار يكون كناية عن التوبة.

ومن يغفر الذنوب

أي لا يغفر الذنوب " إلا الله " لان الاستفهام إنكاري فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه، اللذين هما بحكم شئ واحد، للاشعار بأن الله يغفر وأن لا غافر غيره، وإذا كان لا ملجأ إلا هو لا يغفر الذنب إلا هو، إذ الذنب الذي هو عصيانه لا يمكن أن يغفره غيره، وكرمه واستغناؤه اقتضى أن يغفر له، ولا يعاقبه بسوء ما فعله، تفضلا وإحسانا وإيفاء للوعد الذي في الآيات والاخبار على ذلك، فقبول التوبة إسقاط العقاب بها عقبها محض التفضل، ووجوبه سمعي لانه وعده تفضلا وكرما، فلا ينافي كونه تفضلا كما قاله في مجمع البيان هنا إنه تفضل أو أجر وجزاء، ونقل الاجماع قبله على أنه واجب لا أنه واجب عقلا لان قبول العذر واجب عقلا كما قاله المعتزلة، ومنهم صاحب الكشاف إذ العقل


331

لا يقبح الانتقام والانتصاف بل هو محض العدل كما أشار إليه سلطان المحققين في التجريد، فقول الكشاف: لان عدله يوجب المغفرة للتائب لان العبد إذا جاء في الاعتذار، وجب العفو والتجاوز باطل.

فقد عرفت مما قررناه عدم التدافع بين نقل إجماع مجمع البيان على وجوب قبول التوبة ونفي التجريد فافهم قال في مجمع البيان، الاصرار أصله الشد من الصر، وهو شده البرد، وقال أيضا: لم يقيموا على المعصية ولم يواظبوا عليها ولم يلزموها، وفي الكشاف وتفسير القاضي: ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستعفرين، فالذي فهم منها أن الاصرار هو المداومة والمواظبة والاقامة على الفعل، فلو فعل مرة أو مرارا في أوقات لم يكن مصرا، وإن كان في عزمه العود إلى ذلك وهو بعيد، فان الظاهر أن ذلك فسق ومناف للعدالة، وبعيد عن المعنى اللغوي أيضا فأنه أعم من ذلك، ويمكن الفهم منهما أيضا أنه ترك التوبة حيث قالا: غير مستغفرين.

فأرادا بالاستغفار التوبة تفسيرا للاصرار، فما لم يتب يكون مصرا وهو أيضا بعيد إذ يلزم عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة في أنه لا يغفر إلا مع التوبة، ويكون بدونها فاسقا غير عدل، والحال أن المشهور بين الفقهاء أن الصغيرة لا تضر، وبعيد من المعنى اللغوي أيضا لانه أخص، ولا يبعد أن يكون المراد هو المواظبة على القبيح، أو العزم عليه ثانيا مع التذكر، فهو مناسب للمعنى اللغوي وقواعد الفقهاء، والمعنى المتعارف.

وهم يعلمون

قال في مجمع البيان: معناه وهم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها غير ساهين، أو أنهم يعلمون الحجة في انها خطيئة، وهي جملة حالية وقيد للمنفي لا النفي، وهو ظاهر.

فالآية دلت على تحريم الفاحشة والظلم، ولو على نفسه، بأن يجرح بدنه ويضربه، بل يشتم نفسه، وتحريم الاصرار، وتحريم طلب مغفرة الذنوب إلا من الله، والترغيب على طلبه منه، بل على وجوبه ووجوب التوبة، ووجوب قبولها على الله بالمعنى المتقدم، وكون الجاهل معذورا بل الساهي أيضا، وأن التائب


332

من الذنب كمن لا ذنب له كما ورد به الاخبار فيكون عدلا بمجرد التوبة، فتقبل شهادته بعدها بلا فصل، لانه قرين المتقين وعطف عليه، بل يحتمل كونه نفسه كما قلناه، ولانه يبعد رد شهادة من شهد له تعالى بالمغفرة وما بعدها فتأمل ولا يحتاج إلى ضم العمل الصالح، الذي هو مذكور في بعض الآيات بعد التوبة، و مذكور في بعض الكتب أيضا مع عدم ظهور معناه، فقول الشيخ قدس سره " تب أقبل شهادتك " غير بعيد، إلا أن تعريف العدالة بالملكة لا يساعده فان تحقق ذلك بمجرد التوبة مشكل، بعد العلم بعدمها، فيحتمل كون العمل الصالح إشارة إلى تحققها فتأمل، ويحتمل الدوام على التوبة، وعدم الاصرار على الذنب وإرادة عمل مطلق أي عمل كان، مثل تصدق فلس أو صلاة على النبي صلى الله عليه وآله.

واعلم أن الظاهر أنه لو فعل أحد صغيرة ثم انتهى عنها لم يخرج عن العدالة ولا يحتاج معاشرته والخروج عن نهي المنكر إلى العلم بتوبته ولا يكلف بذلك على ما ذكرناه من معنى الاصرار والمعنى الاول الذي نقلناه عنهم، بخلاف الثاني فان العزم والعود مرة اخرى شرط في وجوب التوبة وصيرورتها كبيرة، والاصل عدمه بخلاف عدم التوبة فان الاصل تحققه ويؤيده أنه لم ينقل تكليف فاعل المعصية بها بعد نهيه أو انتهائه عنها، لا فعلا ولا قولا من العلماء والفقهاء، بل ظاهر كلامهم أنه لا يجوز نهيه، بل ذكر أنه فعل ذنبا بعد الانتهاء وهو كذلك لانه ذكر فاحشة وتشنيعها غيبة له نعم يمكن المنع، وإظهار عدم العود على مثله لو علم منه العزم على ذلك إما لجهله بأنه معصية، أو علمه مع عدم المبالاة بفعل أمثاله، وأن الترك ليس لكونه منتهيا عنه، بل عدم الباعث ونحوه.

والظاهر أنه يحتاج إلى التوبة فعل الكبيرة فمجرد نهيه وانتهائه عن القبيح لا يكفي حتى يعلم التوبة والندامة، ولو لم يعلم لم يسقط وجوب الامر والنهي بدونها، ولكن ينبغي الملاحظة التامة في نهيه، بحيث لا يحصل له الاذى من غير استحقاق، وقصد التقرب والاخلاص، لا تشهي النفس والعمل بهواها كما هو معتبر في سائر العبادات والاعمال.


333

فبما رحمة من الله لنت لهم(1)

قالوا الباء متعلقة بلنت وما زائدة فيفيد الحصر، أي ما كان لينه لهم إلا برحمة من الله أي ربط الله على قلبه وتوفيقه للرفق حتى كان يغتم صلى الله عليه وآله لهم بعد أن خالفوه لانه سبب لعقابهم، وتكرار الحجج و البراهين وتقريرها عليهم على وجه الشفقة واللطف مرة بعد اخرى، وتواضعه لهم وتجاوزه عنهم وعدم مؤاخذته لهم إنما هو برحمة الله سبحانه، حيث جعله لينا حسن الخلق، فهي تدل على أن حسن الخلق إنما هو من عطاء الله وفضله ولا يحصل إلا بتوفيقه، وليس العبد مستقلا، وليس مقتضى مزاجه كسائر الامور المرغوبة وهو ظاهر.

ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك

قيل: أي لو كنت جافي اللسان سيئ الكلام، قاسي القلب، صعبا غير لين تفرقوا عنك، وخلوك وحدك فما آمنوا بك، ولا يجادلوا معك عدوا فلا يتم لك الامر، ففيه إشارة عظيمة إلى فائدة حسن الخلق ظاهرا وباطنا " فاعف عنهم واستغفر لهم " ويحتمل أن يكون المراد منه ومن ذلك اللين أن تعفو عنهم ما بينك وبينهم من حقوقك، فلا تؤاخذهم به وأن تستغفر لهم الله فيما بينهم وبين الله، ليغفر لهم باستغفارك، ولا تعرض عنهم بمجرد ذنب وإصرار، بل أصلح حالهم بحسن الخلق " وشاورهم في الامر " قيل أمر الدنيا والحرب ولقاء العدو، وفي مثل ذلك يجوز أن تستعين برأيهم كما تستعين بيدهم وقتالهم مع العدو، ويحتمل أن يكون بمجرد إظهار اللين والتلطف لا العمل بقولهم ورأيهم، بل إن رأى صلى الله عليه وآله صوابا عمل به لانه رأيه وأنه صواب، و إلا بين خطأه وأظهر رأيا صوابا عندهم أيضا، فالمشاورة لا يستلزم العمل برأيهم و الاستعانة بذلك، ولهذا ورد في مشاورة النساء: شاوروهن وخالفوهن بل فيها فوائد الامن من اعتراضهم إذا وقع أمر يسوء‌هم وتطييب لقلوبهم واستمالة لهم باظهار اعتبارهم وحسن المداراة والخلق معهم كما مر، وترغيب للناس في المشاورة كما في الاخبار أيضا.

(1) آل عمران: 159.


334

فاذا عزمت فتوكل على الله

قالوا إذا وطنت نفسك على شئ، بعد التأمل والشورى، فتوكل عليه في إمضاء أمرك على ما هو الاصلح والاليق بحالك فان ما هو صلاح لك لا يعلمه إلا الله، لا أنت ولا مشاورك، يعني لا تعتمد على رأيك ولا رأيهم وفعلك وفعلهم، وإن أصبت الحق بذلك، بل إن فعلت ذلك اعتقد أن الذي هو صلاح لك وتفعله ويحصل لك إنما هو بتسهيله تعالى إياه لك، وإلهامك عليه وإعلامه بأنه الاصلح، حيث لقيت ما هو الرشاد، سواء كان الذي اقتضاه رأيك أم غيره، فان الاصلح لا يعلمه إلا هو، وإنما أنت آلة ومكلف بظاهر الامر الذي تجده نافعا، وأما ما في نفس الامر لا يعلمه إلا الله فالذي يجب من التوكل عليه صلى الله عليه وآله وعلى غيره - كما يدل عليه ما بعدها وغيرها حتى أن في بعض الآيات إشارة إلى أن من لا توكل له لا إيمان له كقوله " فعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين(1) " - هو التوكل بهذا المعنى يعني تفويض الامر إلى الله، واعتقاد أن الذي تفعله قولا وفعلا وتجده صوابا لست بمستقل فيه، بل إنما هو بعناية الله وتوفيقه له إياك وإنما أنت تفعل ما يظهر كونه مشروعا ونافعا لك مع اعتقاد أن إصابة الحق و الصواب إنما هو توفيقه تعالى وتسهيله، فليس للمكلف فيه دخل إلا بطريق الآلية والمحلية والفاعلية.

وكأن هذا معنى التوكل الواجب الذي فسر في مجمع البيان بأنه إظهار العجز والاعتماد على الغير والتوكل على الله هو تفويض الامر إليه والثقة بحسن تدبيره وأصله الاتكال في فعل ما يحتاج إليه بمن يستند إليه، ومنه الوكالة لانها عقد على الكفاية بالنيابة، والوكيل هو المتوكل عليه بتفويض الامر إليه، يعني جعل نفسه كالمعزول والمعدوم فيما يفعله، مثلا إن من اتجر للرزق أو زرع فوض الامر إلى الله بمعنى أنه يعتقد أنه يرزقه الرزق والمال والزرع، فهما ليسا بفعله، بل يفعله الله، فهو الفاعل، والمتكل عليه، والحافظ للكل، إذ العبد والمال تحت قدرته، فلو لم يوفق له لم يحصل له شئ من الزرع والتجارة إلا التعب، وبالجملة النفع بالحقيقة

(1) المائدة: 23.


335

منه تعالى والاثر المترتب على فعل العبد والاصلح من الله، فيتكل على الله لا على فعله، ويعتقد ذلك.

فليس معناه الواجب أن لا يفعل شيئا أصلا ويتكل عليه بأن يريد الزرع و الربح من غير عمل ويقول أنا متكل على الله لانه واجب أو يريد الرزق بغير طلب كذلك أو يريد هلاك العدو والغلبة عليه بغير قتال والتدبير، أو يريد الخفاء عن العدو ولا يختفي عنه بما يقدر مع علمه بطلبه له، أو يقدر على الهزيمة ولا يفعل بل يقول: الله يحفظ وأنا متوكل عليه لان الفعل والسعي أيضا مطلوب ومرغوب بل واجب في بعض الاوقات كالتوكل، وإلقاء النفس في التهلكة حرام وإن الله تعالى لا يفعل أمثال ذلك غالبا إلا بالاسباب التي تكلف العباد بها.

نعم قد يفعل ذلك بلا سبب بالنسبة إلى الانبياء والاولياء إن أراد، فاذا علموا ذلك فلهم أن يفوضوا إليه بالكلية كما ورد في الاخبار بالنسبة إلى بعض الائمة عليهم السلام من عدم هربهم عن الاسد، وقولهم إنه لو لم يعص الله الشخص لقدر على حمل الاسد مثل الدابة، فلا يقاس فعلهم بفعل غيرهم، ولا يجعل قولهم كليا.

فما ورد أن التوكل على الله هو أن لا يخاف أحدا غير الله، ويعلم أن غيره لا يضر ولا ينفع، ولا يسأل أحدا شيئا ويقطع الطمع عمن سواه تعالى، كأنه مؤول بما قلناه من أنه النافع، والقادر على دفع الضرر، وإن أراد النفع ينفع من غير مانع وكذا الضرر، وكذا قادر على دفع العدو وضرره، أو أنه لا يخاف غيره خوفا يوقعه في المحرمات وترك الواجبات، وكذا يعتقد أن غيره يضر وينفع، فيقع فيهما لذلك وكذا السؤال، كما قيل مثل ذلك في التأسف والحزن على ما فات والفرح بما هو آت اللذين هما منهيان بالآية الشريفة(1) والسنة الكريمة وغيرها من الآيات والاخبار التي هي مؤولة مثل ما ورد في صفة المؤمن.

ومما يؤيد ذلك أن الانسان مخلوق ضعيفا وبالطبع يخاف مما يؤذيه ويضره ويريد ويميل إلى ما ينفعه ويشتهيه، ولهذا كلف واثيب بالطاعات وترك المعصيات

(1) يعني قوله: لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، الحديد: 23.


336

ولهذا كان بعض الانبياء يخافون من الاعداء وهاجر نبينا صلى الله عليه وآله من مكة المعظمة إلى المدينة المشرفة، وخاف موسى على نبينا وعليه السلام من عصاه حتى قيل له " لا تخف(1) " ونقل أنه بعد ذلك أخذه بكمه وغير ذلك، ولهذا وجبت التقية.

وبالجملة عدم وجوب التوكل بهذا المعنى الذي فسر بحسب الظاهر واضح بل معلوم كونه حراما إذا كان جهلا وإيقاعا في المهلكة، فلابد من التأويل إما بما مر ونحوه، أو تخصيصه بالبعض على بعض الوجوه والاحوال والازمان، كما أشرنا إليه.

إن الله يحب المتوكلين

في مجمع البيان: يعني الواثقين والمعتمدين عليه والمنقطعين إليه، والواكلين امورهم إلى لطفه وتدبيره، ثم قال فيه: في هذه الآية دلالة على اختصاص نبينا صلى الله عليه وآله بمكارم الاخلاق ومحاسن الافعال، ومن عجيب أمره صلوات الله عليه وآله أنه كان صلى الله عليه وآله أجمع الناس لدواعي الترفع ثم كان أدناهم إلى التواضع وذلك أنه عليه السلام كان [ أوسط الناس نسبا وأوفرهم حسبا وأسخاهم و أشجعهم وأزكاهم وأفصحهم وهذه كلها من دواعي الترفع، ثم كان ] يرقع الثوب ويخصف النعل، ويركب الحمار، ويعلف الناضح، ويجيب دعوة المملوك، ويجلس على الارض، ويأكل على الارض(1) ثم في الآية أحكام نقلناها لاجلها.

قال في مجمع البيان: وفي الآية ترغيب للمؤمنين في العفو عن المسئ و حثهم على الاستغفار لمن يذنب منهم، وعلى مشاورة بعضهم بعضا فيما يعرض لهم من الامور ونهيهم عن الفظاظة في القول، والغلظة والجفاء في الفعل، ودعاهم إلى التوكل عليه، وتفويض الامور إليه وفيها أيضا دلالة على القول باللطف لانه سبحانه نبه على أنه لو لا رحمته لم يقع اللين والتواضع، ولو لم يكن كذلك لما أجابوه فبين أن الامور المنفرة منفية عنه، وعن سائر الانبياء ومن يجري مجراهم في أنه حجة على الخلق وهذا يوجب تنزيههم أيضا عن الكباير لان التنفير في ذلك أكثر انتهى كلامه رحمه الله، وهو كلام حسن وكأنه يريد بالترغيب الاستحباب

(1) مجمع البيان ج 1 ص 207.


337

للمؤمنين لعدم القول بالوجوب على الظاهر لانه ما كان واجبا عليه أيضا ويحتمل الوجوب، وكذا البحث عن الاستغفار والمشاورة، ولهذا عفى يعقوب ويوسف على نبينا وآله وعليهما السلام عن إخوته واستغفروا لهم، وكأنه يريد بنهيهم عن الفظاظة التحريم، فانه على من لا يستحقه حرام لحصول الاذى المحرم، وعدم حصول الغرض المطلوب إذا كان معلما أو آمرا أو ناهيا، وبدعاهم إلى التوكل: الوجوب بالمعنى المتقدم أو الاستحباب بالنسبة إلى بعض الافراد فتأمل، فان من تأمل هذه الآية مع ما تقدم من آية كظم الغيظ، يفهم أن حسن الخلق والمداراة مع خلق الله خصوصا عن الرؤساء والعمداء، الذين يريدون إرشاد الناس في مرتبة عظيمة، لا يصل إليها إلا من وفقه الله.

وأشار في مجمع البيان إلى المعنى الاول في تفسير الآية التي بعد هذه وهي " إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون " لما أمر الله سبحانه نبيه عليه وآله السلام بالتوكل، بين معنى وجوب التوكل عليه فقال " إن ينصركم الله " على من ناواكم فلا يقدر على غلبتكم، وإن كثر من ناواكم، وقل عددكم " وإن يخذلكم " أي يمنعكم معونته ويخلي بينكم وبين أعدائكم لمعصيتكم إياه فلا يقدر أحد على نصركم، والهاء عائدة إلى اسم الله على الظاهر والمعنى على حذف المضاف أي من بعد خذلان الله والظاهر أنه لا يحتاج إلى حذفه، كما قال في الكشاف " من بعده " أي من بعد خذلانه أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان، تريد إذا جاوزته ويحتمل أن يكون المراد بالتوكل على الله الاتكال عليه، وتفويض الامر إليه بمعنى ترك العمل والاستعانة بغيره في الامور، ولكن لا كله بل بعد فعل ما ورد الشرع به مثل الهرب من العدو مهما أمكن إذا ظن أو علم هلاكه أو ضرره، ثم الاتكال عليه في الباقي بمعنى عدم استعمال شئ فاذا خاف عدوا لا ينقطع إلى غير الله ولا يسأل أحدا شيئا من الرزق إذا لم يجب، ولا يتضرع للاغنياء والسلاطين طمعا من دفع الضرر الموهوم، والنفع الغير الواجب، ولكن وجوبه شرعا بهذا المعنى


338

ما لم ينته تركه إلى فعل محرم أو ترك واجب غير ظاهر فيمكن حمل الآيات والاخبار على الرجحان المطلق فتأمل.

قال في مجمع البيان: قد تضمنت هذه الآية التنبيه على أن كل من دهمه أمر فينبغي أن يفزع إلى هذه الكلمة " حسبنا الله ونعم الوكيل(1) " وقد صحت الرواية عن الصادق عليه السلام أنه قال عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله سبحانه " حسبنا الله ونعم الوكيل " فاني سمعت الله سبحانه يقول بعقبها " فانقلبوا بنعمة من الله " الآية وروي عن ابن عباس أنه قال كان آخر كلام إبراهيم عليه السلام حين القي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل، وقال نبيكم مثلها وتلا هذه(2) يريد بالآية قوله تعالى " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء(3) الآية.

والتنبيه غير بعيد، حيث رتب الانقلاب بنعمة وفضل، وعدم المس بقول حسبنا الله، والرواية صريحة في بيانه فعلم عدم اختصاصه بالجماعة السابقة، وعدم مدخلية الزيادة، والرواية موجودة في الاصول(4) ولكن ما عرفت صحتها وهو أعرف، ولا دلالة في نحو قوله سبحانه " ولا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين "(5) على عدم الخوف من غير الله والخوف عنه فقط مطلقا لان المراد على ما في التفاسير عدم الخوف في الجهاد من الكفار بعد وعد الله بالنصر والغلبة عليهم، والخوف من الله بترك الجهاد وغيره، فتأمل.

ومنها " وقد نزل عليكم في الكتاب "(6) أي القرآن " أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها " أي ينكرونها " ويستهزئ بها " إن هي المخففة، وإذا للشرط، ويكفر ويستهزئ حالان عن المفعول والجملة شرطية وقوله " فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " جزاؤها، و " غيره " صفة حديث، وليس بمعرفة لتوغله في الابهام

(1 و 2) آل عمران: 137.

(3) مجمع البيان ج 2 ص 541.

(4) الفقيه باب النوادر والحديث صحيح.

(5) آل عمران: 175.

(6) النساء: 140.


339

والجملة قائمة مقام فاعل نزل ومضمونه نهي المؤمنين عن مجالسة المعاندين والمستهزئين وقت إظهار العناد والكفر والاستهزاء بالآيات من الكفار، فضمير " لا تقعدوا " للمسلمين، و " معهم " و " يخوضوا " للكفار والمستهزئين " إنكم إذا مثلهم " أي إن تقعدوا حينئذ معهم فأنتم مثل الكفار والمستهزئين بآيات الله، في الاثم، إن قدرتم على المفارقة وعدم المجالسة معهم أو في الكفر والاستهزاء إن رضيتم بفعلهم فإن الجالس معهم الراضي بذلك الفعل، مثل الفاعل، فيقيد بقوله إن كنتم راضين بذلك.

فهي صريحة في تحريم المجالسة معهم حين الكفر والاستهزاء ولا يبعد فهم تحريم تلك المجالسة مع كل فاسق حين فسقه، مع القدرة على عدمها، وعدم الضرر، قال في مجمع البيان: ومتى كانوا راضين بالكفر كانوا كفارا لان الرضا بالكفر كفر ففيها دلالة على وجوب إنكار المنكر مع القدرة على ذلك وزوال العذر وأن من ترك مع القدرة عليه فهو مخطئ آثم وفيها أيضا دلالة على تحريم مجالسة الفساق والمبتدعين من أي جنس كانوا، قال جماعة من المفسرين ومن ذلك إذا تكلم الرجل بكذب فيضحك منه جلساؤه فيسخط الله عليهم، وروى العياشي باسناده عن علي بن موسى الرضا عليه السلام في تفسير هذه الآية أنه قال: إذا سمعت الرجل يجحد الحق ويكذب به ويقع في أهله، فقم عنه ولا تقاعده(1).

واعلم أن ظاهر الآية جواز مجالستهم بعد ذلك وعدم اتصافهم به وإن كانوا كفارا ومستهزئين لقوله " حتى يخوضوا " أي حتى يشرعوا في حديث غير الاستهزاء لانه غاية للتحريم قال في الكشاف فلا بأس أن تجالسهم حينئذ، فلا يحرم مجالسة الفساق في غير وقت الفسق بالطريق الاولى وهو خلاف المشهور بين الفقهاء فانهم يقولون بتحريم الاختلاط مع الفساق، ووجوب الاعراض عنهم، لتحريم الميل إليهم ومودتهم ومحبتهم، ولان ينتهوا عنه، ولكن يمكن أن يقال: " حتى يخوضوا " علة للنهي، يعني لا تقعدوا معهم، حتى يتركوا ذلك، فان الجلوس

(1) تفسير العياشي ج 1 ص 281.


340

عندهم قد يكون سببا لذلك فانهم قد يريدون أن يغيظوا المسلمين، فاذا لم يكونوا معهم لم يفعلوا، وقد يكون الجلوس عندهم موجبا لذكر آلهتهم فيريدون انتقام ذلك فيكفرون ويستهزؤن بآيات الله، وإليه اشير في قوله تعالى:" ﴿ ولا تسبوا الذين كفروا " أي آلهتهم " فيسبوا الله عدوا بغير العلم "(1) وهذه صريحة في عدم جواز فعل مباح بل واجب لو كان موجبا لسب الاله ونحوه، فلا يفعل شئ يلزم منه ذلك من سب آلهتهم وغيره مثل سبهم وسب أصحابهم، إذا كان موجبا لسب النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام والمؤمنين وهو ظاهر عقلا أيضا.

والمراد بما نزل ما هو المذكور في الانعام بقوله: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين(2) " أي وإن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم فلا تقعد معهم بعد أن ذكرته، قيل: الانساء، فعل الله اضيف إلى الشيطان لجري عادته تعالى بفعل النسيان عند الاعراض عن الفكر، ووسوسة الشيطان ظاهره أن الخطاب له صلى الله عليه وآله ويحتمل أن يكون من قبيل " فاسمعي يا جارة " وسمي عدم الاحضار وتوجهه إليه بالفعل أن إنساء، فلا يدل على إنساء الشيطان الانبياء.

قال في مجمع البيان قال الجبائي: وفي هذه الآية دلالة على بطلان القول الامامية في جواز التقية على الانبياء والائمة وأن النسيان لا يجوز على الانبياء، وأنت تعلم أن الآية لا تدل على عدم جواز التقية فانها مطلقة يجوز تقييدها بعدم الخوف والضرر، وعدم المفسدة مع أنهم لا يجوزون التقية على الانبياء وقد عرفت حكاية النسيان مع أنه قد جوزه بعضهم في غير الاحكام وقد فصل ذلك الصدوق وذكره مفصلا أيضا في مجمع البيان حيث قال في جواب الجبائي وهذا القول غير صحيح ولا يستقيم، لان الامامية إنما يجوزون التقية على الامام - إلى قوله: وأما السهو

(1) لفظ الاية هكذا: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " الانعام: 208.

(2) الانعام: 68.


341

والنسيان فلا يجوزونهما عليهم فيما يؤدونه عن الله تعالى وأما ما سواه فقد جوزوا عليهم أن ينسوه ويسهو عنه، ما لم يؤد ذلك إلى إخلال بالعقل، وكيف لا يكون كذلك وقد جوزوا عليهم النوم والاغماء، وهما من قبيل السهو، وهذا يدل على عدم الخلاف في ذلك عند الامامية فتأمل فيه و " حتى " ههنا أيضا يحتمل ما قلناه فتأمل.

فالمراد بالخوض في الآيات الكفر بها والاستهزاء بها كما بين، فهاتان الآيتان تدلان على اجتناب الكفار حال كفرهم بل الفساق حال فسقهم، لانهم ما صرحوا بأن [ المراد من ] " الذين " هم الكفار بل الذين يخوضون في الآيات بما لا يجوز، فهو قد يكون فسقا فقط، وإن كان ظاهر الآية الاولى يدل على أنه الكفر فتأمل.

إن تبدوا

(1) أي تظهروا " خيرا " أي حسنا جميلا من القول والفعل بالنسبة إلى من أحسن إليكم بل أعم " أو تخفوه " أي تفعلوا ذلك سرا وخفية " أو تعفوا عن سوء " أي تصفحوا عمن أساء إليكم مع القدرة على الانتقام، ولا تجهروا له بالقول بالسوء، ولا بأدنى من ذلك وأقوى " فان الله كان عفوا قديرا " صفوحا مع القدرة على المكافاة، فانه يعفو مع ذلك ذنوبا كثيرة، فأنتم محتاجون إلى العفو فينبغي أن تفعلوا ذلك بالطريق الاولى لانكم إن عفوتم عفيتم وإن رحمتم رحمتم وهو ظاهر عقلا وشرعا، وحذف جزاء " إن تبدوا " واقيم مقامه ما يفهم منه ذلك مع وضوحه والتعليل، ففيها حث للمظلوم على العفو بعدما رخص له في الانتقام حملا على مكارم الاخلاق كما أشرنا إليه.

يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسوء‌كم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم(2)

الشرطيتان صفتان لاشياء، قيل: أي لا تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وآله عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها يغمكم كما سيجئ في حكاية سراقة، وإن تسألوا عنها في زمان الوحي وما دام الرسول بين أظهركم تبدلكم تلك التكاليف الشاقة، فتؤمرون بها فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط

(1) النساء: 149.

(2) المائدة: 101.


342

فيها " عفى الله عنها " يمكن كونها صفة اخرى لاشياء أي لا تسألوا عن الاشياء التي عفا الله عنها، ولا تعاقبون عليها، ولم تكلفوا بها.

روي أنه لما نزل " ولله على الناس حج البيت "(1) قال سراقة بن مالك أكل عام؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أعاد ثلاثا فقال صلى الله عليه وآله: لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتم، فنزلت فالالحاح في السؤال غير ممدوح، بل ينبغي البناء على الظاهر، وترك التدقيق المضر وقد يفهم ذلك من حكاية البقرة كما هي مذكورة في محلها ويحتمل أن يكون ضمير " عنها " للمسألة المفهومة من السؤال أي لا تسألوا وقد عفى عما فعلتم منها، ولكن لا تعودوا فظاهرها أن السؤال المتقدم بل السؤال مطلقا عن الاشياء التي يظن إن ظهر أن ظهورها يسوء للعموم حرام، لانه ظاهر النهي، ويحتمل أن يكون للكراهة كما يفهم من الشرطيتين، ولا شك أن الاجتناب أحوط " والله غفور حليم " لا يعاجلكم بعقوبة ما تفرطون، ويعفو عن كثير " قد سألها قوم من قبلكم(2) " الضمير للمسألة المفهومة قيل: " من قبلكم " متعلق بسألها، وليس بصفة لقوم، ولا حال عنه، لان ظرف الزمان لا يكون صفة جثة ولا حالا عنها ولا خبرا عنها، وفيه تأمل إذ ليس المعنى إلا على كونها وصفا للقوم، فلا يتعلق بالسؤال، فعلى تقدير تسليم ما ذكره، يمكن تأويل القوم بحيث يوجد فيهم معنى، ولا يكون جثة محضة مثل الموجودين في ذلك الزمان " ثم أصبحوا بها كافرين " بسببها حيث لم يأتمروا بما سألوا جحودا ومنكرا " بها " متعلق بكافرين.

وفي هذه الآية وأمثالها إشارة إلى أن الجاهل معذور، وأن عقاب العالم أعظم فافهم.

ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام(3)

رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية وهو أنهم كانوا إذا أنتجت الناقة عندهم خمسة أبطن آخرها ذكر

(1) آل عمران: 97.

(2) المائدة: 102.

(3) المائدة: 103.


343

بحروا اذنها أي شقوها فخلوا سبيلها، فلا تركب ولا تحلب، وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ولدت شاة انثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وإن ولدتهما وصلت الانثى أخاها فلا يذبح لآلهتهم الذكر، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره ولا يمنعوها من ماء ولا مرعى، وقالوا قد حمي ظهره، ومعنى " ما جعل " ما شرع ووضع، ولهذا تعدى إلى مفعول واحد وهو البحيرة وما عطف عليه، و " من " زائدة.

ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون

أي الكفار يفترون على الله الكذب بجعل الحلال حراما وبالعكس، ويقولون الله جعله كذلك ولا يعرفون الحلال من الحرام، والمبيح من المحرم، والامر من غيره، ولكن يقلدون آباء‌هم ولا يسمعون المعقول كما يفهم من قوله: " إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباء‌نا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " الواو للحال والهمزة دخلت عليها إنكارا للفعل على هذه الحالة، أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباء‌هم ولو كانوا جهلة ضالين، والمعنى: الاقتداء إنما يصح بمن علم أنه مهتد عالم، وذلك لا يعرف إلا بالحجة فلا يكفي غيرها من التقليد.

واعلم أن في هذه الآيات دلالة على أن تحريم شئ وتحليله بغير دليل شرعي حرام فالبدعة حرام فان كل ما يجعل الانسان على نفسه من إخراج مال عن الانتفاع بقوله وفعله لا يخرج بذلك عما كان وإن جعل في مقابلة نعمة مثل شفاء عن مرض مالم يكن عليه دليل شرعي بنذر ونحوه، وأن جعل ذلك من عند النفس بغير دليل افتراء على الله بالكذب، وأن التقليد غير جائز في مقابلة الدعوة إلى الله وإلى الرسول، بل مطلقا ما لم يكن المقلد مهتديا فيدل على جوازه مع العلم بأنه مهتد.

ففيه جواز التقليد في الجملة، وذلك غير بعيد، ولكن ليس بتقليد حقيقة لانه لم يعلم أنه مهتد وأن من اتبعه كذلك إلا مع دليل يدل على أن المتبوع والمقلد هاد ومهتد، وفي اتباعه هداية ورشد، وحينئذ هو خارج عن التقليد المذموم، بل عن التقليد،


344

فانه حقيقة تابع للدليل، إذ لا فرق في اتباع الدليل بين أن يكون المتبع شخصا أو غيره ولهذا قالوا التقليد هو قبول قول الغير بغير دليل على القبول وأن تقليد الانبياء بل تقليد المجتهدين ليس بتقليد، بل استدلال كما في المجتهد لتحقيق مسألة بدليل وإنما يقال له التقليد بمعنى آخر غير المعنى الذي هو مذموم وغير مجوز.

فتقليد المجتهد حسن وجائز، بل واجب بعد وجود دليل على ذلك كاجتهاد المجتهد، وهو ظاهر ومبين في الاصول، وهو المراد بالتقليد المفهوم " من أو لو كان " الآية وأمثاله والذي لا يجوز ومذموم كما يدل عليه قوله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم(1) " وأمثاله أي لا تقل ولا تفعل إلا ما تعلم جوازه، فالمراد به التقليد بغير دليل معلوم، فانه التقليد، وبه يجمع بين جواز التقليد وعدم جوازه، وجواز العمل بالظن وعدم جواز العمل والتكليف بالعلم، أي العمل بالظن بمحض الاشتهاء والتقليد، ويراد بالتكليف بالعلم أعم من الظن الحاصل من دليل كما للمجتهد، لا بحمل ما يفيد الظن، وجواز التقليد على الفروع، والتكليف بالعلم وعدم جواز الظن والتقليد على الاصول الكلامي كما هو المشهور إذ لا دليل عليه، ولعدم الفرق، نعم لو ثبت أنه لابد في الاصول من العلم اليقيني في جميع مسائله وفي الفروع يكفي مطلق الظن، لتم ذلك، وهو مشكل، وتخصيص بعض الظنون دون بعض يحتاج إلى تأويل وتصرف مؤول إلى ما قلناه، على أنا قد ادعينا حصول العلم بالتقليد للمقلد في الفروع وغيره، إذا كان عن دليل كتقليد المعصوم كما قالوه للمجتهد بأنه يقول: هذا ما أفتى به المفتي، وكل ما أفتى به المفتي حق و واجب العمل، والمقدمة الاولى مفروضة، والثانية ثابتة بالدليل، وبالفرض أيضا فالنتيجة علمية فتامل.

وقوله " إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون "(2) يدل على عدم جواز

(1) أسرى: 36.

(2) الانعام: 116.


345

العمل بالظن في الاصول، لا الفروع الذي مبناه على الظن، لان معناه على ما في الكشاف إن يتبعون إلا ظنهم أنهم شركاء لله، وإن هم إلا يخرصون ويقدرون أن يكونوا شركاء تقديرا باطلا.

لان صدر الآية دل على نفي صلاحية شئ للربوبية فان قوله " ألا إن لله من في السموات ومن في الارض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإنهم إلا يخرصون " صريح في ذلك.

ويدل على عدم جواز تقليد الجاهل والمفضول ومتبوعيتهما وثبوتها للمهتدي قوله " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى(1) " يعني أم الذي يهدي إلى الحق حقيق بالاتباع والمتبوعية، فأحق بمعنى أصل الفعل أم الذي لا يهتدي بنفسه أولا يهدي غيره إلا أن يهديه غيره، فالاول على قراء‌ة " يهدي " بتشديد الدال وفتح الهاء أو كسرها، كان أصلها يهتدي قلبت التاء دالا وادغمت فيها، وحركت الهاء بالفتحة بنقل فتحة التاء إليها للخفة أو بالكسر، لالتقاء الساكنين.

وعلى قراء‌ة التخفيف أيضا فان " يهدي " بمعنى يهتدي كثير والثاني على قراء‌ة التخفيف فقط، فانه من يهدي المتعدي بنفسه وهو كثير كتعديته باللام، و الاستفهام على سبيل الانكار يعني معلوم أن الهادي بنفسه حقيق لا غير " فما لكم كيف تحكمون " يعني ما تحكمون أنتم إلا بالحق، لو أنصفتم، أي معلوم أن الهادي بنفسه أحق.

فيمكن أن يستدل بها على وجوب اتباع الله تعالى الخالق دون مخلوقه، و كذا على وجوب اتباع العالم دون الجاهل، وكذا على اتباع الافضل فيما هو أفضل به، دون المفضول، خصوصا إذا كان تعلمه من هذا الاعلم والافضل، و إن كان المفضول والجاهل متمكنان من العلم بما علمه العالم والافضل بالتعلم فيستخرج منه عدم جواز تقليدالجهال والمفضول، مع تقدير وجود الافضل وإن كان أورع، ولهذا قال به بعض العلماء وكذا تقديم الافضل في الصلاة وكذا الرواية، ويمكن الشهادة وإن سلم أن الآية في منع الكفار عن اتباع

(1) يونس: 35.


346

الاوثان دون الله كما قال في الكشاف وتفسير القاضي فان سبب الورود ليس بمخصص بل المدار والاعتماد على ظاهر اللفظ كما هو الحق المثبت في الاصول ولا شك في عموم اللفظ وأن العالم والافضل يهدي بنفسه، بل ظاهر " أن يهدى " أنها في غير الاوثان لعدم قابليتها للهداية، وهو ظاهر، فيمكن أن يستخرج عدم جواز الاجتهاد للنبي والامام، حيث يقدران على تحصيل العلم من الله، وكذا عدم الاجتهاد لمن يقدر على الاخذ بالعلم منهما، بل عدم جواز الاخذ بالظن مطلقا مع القدرة على العلم.

ويدل عليه " وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا "(1) قال في الكشاف: المراد بالاكثر جميع الكفار المذكورين سابقا قاله في تفسير القاضي أيضا وقال فيه أيضا: أو المراد من ينتمي منهم إلى تميز ونظر ولم يكتف بالتقليد الصرف، وفيهما تأمل إذ إطلاق الاكثر على الجميع بعيد، و لابد للكل ظن بل الذي يقنع بمحض التقليد يجزم بذلك فكان المراد غير القليل الذي هو نادر جدا ولا اعتداد به أصلا، ووجوده وعدمه سواء، أو أن للبعض جزما إلا أن ذلك أقبح إذ الجزم بمعلوم البطلان ومن غير دليل باطل، إلا أنه يمكن أن يراد أن الاكثر يظهرون العلم والاعتقاد مع أن ليس لهم إلا الظن، أو أن المراد بطريق الاجتهاد والاقيسة الباطلة، فان الكل وإن كان لهم ظن لكنه ليس من اجتهاد وقياس، وتأمل ونظر، بل مجرد تقليد الآباء، وكأنه مراد القاضي.

وقد يتوهم من ظاهر الآية أنها تدل على المنع من العمل بالظن واتباعه مطلقا لظاهر قوله " إن الظن لا يغني " فان المتبادر منه عمومه وإن كان مفردا محلى باللام، وليس للعموم على الظاهر، وإن كان الكلام مع الكفار بالنسبة إلى المعتقدات، بل اصول الدين، ودفع الظن في مثل ذلك، فلا يجوز العمل والتعويل عليه إلا مع دليل أقوى أو مساو دلالة على الجواز من دلالتها على المنع، كما ثبت

(1) يونس: 36.


347

ذلك في المسائل الفروعية اجتهادا وتقليدا بالعقل من لزوم الحرج والضرر المنفيين بالعقل والنقل، والتكليف بما لا يطاق وببعض الآيات والاخبار، بل الاجماع، إذ قد انقرض القائل بمنع التقليد وإيجاب الاجتهاد عينا إلا أن يقال الاجتهاد علمي فإن دليل العمل به قطعي، ولكن في القول بمثله في التقليد أيضا تأمل فتأمل فيهما.

ويمكن أن يقال: المراد بالظن ظنهم المتقدم، فيكون الالف واللام عوضا عن المضاف إليه فتدبر، أو يقال: إن الظن لا يغني من العلم شيئا يعني إذا كان المطلوب علما لا يقوم الظن مقامه، وهو ظاهر فتأمل.

وقوله تعالى " إنه لا يحب المستكبرين(1) " كأن المعنى يبغضهم، يدل على تحريم الاستكبار والتكبر وما يدل عليه كثير مثل " بئس مثوى المتكبرين(2) " أي بئس مأوى ومنزل من تكبر في الدنيا على الناس يوم القيمة.

ادع إلى سبيل ربك

(3) أي ادع يا محمد الناس إلى الاسلام " بالحكمة " بالمقالة المحكمة الصحيحة وهي البرهان الموضح للحق، والمزيل للشبهة، وقال في مجمع البيان: إلى دين الله ومرضاته.

أو بالقرآن، وقيل بالمعرفة بمراتب الافعال والاحوال " والموعظة الحسنة " هو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والترهيب في فعله، وفي ذلك تليين القلب بما يوجب الخشوع " وجادلهم بالتي هي أحسن " أي ناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من الحجج، وتقديره بالكلمة التي هي أحسن والموعظة الحسنة أي ادعهم إليه بالمقدمة الظنية التي تفيد وتعرب أنها تنفعهم.

وفي الكشاف: يجوز أن يراد بها القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، ويحتمل إرادة مطلق الدليل الاقناعى كما مر وأن يراد منها خرق العادات والمعجزات، فيكون الاول مقدمات عقلية والثاني محسوسة " و جادلهم بالتي هي أحسن " أي ادعهم بالقياس الجدلي الذي هو إيراد مقدمات مسلمة للخصم

(1) النحل: 23.

(2) النحل: 29، الزمر: 27، غافر: 76.

(3) النحل: 125.


348

وإن لم يكن حقه أي أحسن طرق المجادلة والمباحثة والمماراة بحيث لا يكون فيها مكابرة ولا صياح بحيث لا يفهم المخاطبة ولا إعراض ولا شتمية ولا يقول لا نفهم كما هو العادة بين الجهلة المتسمين بالعلماء والطلبة، ورد ما هو غير حق من مقدمات بطريق حق حتى يزول شبهتهم لا بالسكوت والمكابرة والرد بالصياح وأنه ظاهر لا يحتاج إلى الجواب وغير ذلك، وبالجملة يكون في غاية الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف " إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " أي الله يعلم الخير السالك للطريق الحق المطيع له، والقابل للحق، والمنكر له الضال الذي لا يؤثر فيه شئ فيجازي كلا بعلمه، وليس عليك إلا ما تقدم، و ليس عليك الهداية إليه.

في الكشاف: ربك أعلم بهم، فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل، والنصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، فكأنك تضرب منه في حديد بارد.

وفي هذه الآية إشارة إلى جواز المماراة الحسنة، والبحث، وبيان الحق بطريق الحجة والبيان، وإشارة إلى قانون الميزان الثلاثة الاقسام المقبولة من البرهان والخطاب والقياس الجدلي، ولما كان القياس الشعري غير مقبول ومنهيا عنه ما ذكره ها هنا، بل نهى عنه في قوله " وما علمناه الشعر وما ينبغي له(1) " على ما قيل، وكذا السفسطي، والاحتياج في البحث عن المعرف هنا والقول الشارح ظاهر، فانه مما يتوقف عليه القياسات، فصارت الميزان مقبولا بالكتاب كذا قيل، ففيها دلالة على جواز الممارات الحسنة، دون الباطلة، وكذا في سورة الكهف " فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا(2) " كما دل عليه الاخبار الكثيرة مثل لا تمار فان المؤمن لا يماري، أعاذنا الله وإياكم عن أمثالها.

وقالوا في قوله تعالى " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا(3) " دلالة على عدم كون الحسن والقبح عقليين ولا دلالة فيه بينته في الاصول من عشرة أوجه، و قلت بل فيها دلالة على كونها عقليين إذ سوقها لبيان أن ليس لله العقاب والذم

(1) يس: 69.

(2) الكهف: 22.

(3) أسرى: 15.


349

لاحد على فعل قبل بعثة الرسول، وبيان قبح ذلك القبيح له، وأن ذلك العقاب غير جائز عند العقلاء، بل ذلك مذموم وقبيح، إذ للمعاقب اعتراض معقول لا دفع له، بأن يقول لو لا أرسلت إلينا رسولا، وهو عين الحسن والقبح العقليين، وأن ليس لله ما يفعل، وإن كان قبيحا، وأن لا قبيح إلا ما قبحه بل لا يقبح إلا قوله لا تفعل ولا يحسن إلا قوله افعل، وهو ظاهر وإلا فلا معنى حينئذ لقوله لو لا أرسلت وكان عقابهم معقولا، بل لا معنى للحساب والميزان فتأمل.

قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم

(1) قال في الكشاف: وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبا وإن جاز أن يكون خطا و فيه تأمل فتأمل.

إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا

في الكشاف أو يدخلوكم في ملتهم بالاكراه العنيف، ويصيروكم إليها، والعود في معنى الصيرورة أكثر شئ في كلامهم، يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل " ولن تفلحوا إذا أبدا " إن دخلتم في دينهم في مجمع البيان: قيل من اكره على الكفر فأظهره فانه مفلح، فكيف يصح الآية، والجواب يجوز أن يكون أراد يعيدوكم إلى دينهم بالاستدعاء دون الاكراه، ويجوز أن يكون في ذلك الوقت كان لا يجوز التقية في إظهار الكفر بمعنى لو أظهر باللسان وإن لم يكن من القلب يكون مأثوما وكافرا لا ينفعه الايمان بعده، وفيه بعد عقلا ونقلا فالاول متعين وظاهر الآية كما قال في الكشاف إن صرتم إلى ملتهم لن تفلحوا أبدا يعني باختياركم بعد تكليف هؤلاء لكم، ففيه دليل على عدم قبول توبة المرتد فتأمل، ويحتمل التقييد بما دام كنتم في دينهم غير راجع إلى دين الحق وهو ظاهر فتأمل.

فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا

أي فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب، ولا تزيد، من غير تجهيل لهم، ولا تعنيف بهم في الرد عليهم، كما قال:

(1) الكهف: 19.


350

وجادلهم بالتي هي أحسن

هذه تدل على جواز البحث والجدل في العلم بطريق ظاهر حسن، وتحريمه وعدم جوازه لا على ذلك الوجه المرضي الحسن، فهي مخصصة لما دل على النهي عن ذلك وتحريمه، مثل لا تمار فان المؤمن لا يماري، و هو ظاهر.

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه(1)

في الكشاف كان من الجن كلام مستأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقال كان من الجن ففسق عن أمر ربه، والفاء للتسبيب أيضا: جعل كونه من الجن سببا في فسقه يعني أنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم، لم يفسق عن أمر الله [ كسائر الملائكة ] لان الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والانس، كما قال: " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون(2) " ومعنى فسق عن أمر ربه خرج عما أمره به من السجود وقال أو صار كافرا بسبب أمر ربه الذي هو قوله سبحانه " اسجدوا لآدم " هذا مبني على مذهب المعتزلة أن كل ذنب كفر فالظاهر أن معنى الآية ففسق بسبب ترك أمر ربه فترك أمر ربه ففسق وهو ذنب وخروج عن الطاعة، موجب للعقاب.

ففيها دلالة على كون الامر للوجوب كما في قوله تعالى في الاعراف: " ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك(3) " الآية، حيث وبخ على ترك السجود والمأمور به بمجرد ترك الامر، وهو أحسن مما استدلوا به وهو ظاهر.

بقي هنا سؤال هو أن ظاهر الآية كون إبليس غير ملك، وقد صرح في تفسيره به، ولم يكن داخلا في المأمورين بالسجود فلا يحسن الاستثناء ولا معنى للذنب و التوبيخ فيمكن أن يقال إنه ما كان داخلا فيهم، وإنما عبر بالملائكة تغليبا أو كان ملكا ولكن لما كان شأن الملك أن لا يعصي ربه وقد عصى ربه فكأنه ليس بملك

(1) الكهف: 50.

(2) الانبياء: 27.

(3) الاعراف: 11 و 12.


351

بل جن، ولم يثبت كون كل ملك معصوما الله يعلم.

فقولا له قولا لينا

(1) خطاب لموسى وهرون بأن يكلما فرعون ويكلفاه بالايمان بالله، ولكن بقول لين ملائم أي ارفقا به في الدعاء والقول، ولا تغلظا له في ذلك، وقيل معناه كنياه وكنيته أبوالوليد وقيل أبوالعباس وقيل أبوالمرة، قال في مجمع البيان وفي هذا القول دلالة على وجوب الرفق في الدعاء إلى الله، وفي الامر بالمعروف، ليكون أسرع إلى القبول، وأبعد من النفور، فلا بعد في دخول التعليم والمباحث العلمية وغيرهما من تعليم الخير فيه، وهو ظاهر وفقنا الله وإياكم لذلك، قال في الكشاف والقول اللين نحو قوله تعالى " هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى " لان ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه الفوز العظيم، وقيل معناه: عداه شبابا لا هرم من بعده، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، و أن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وزاد في مجمع البيان: وإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمرا دون هامان وكان غائبا فلما قدم هامان أخبره بالذي دعاه إليه وأنه يريد أن يقبل منه، فقال هامان قد كنت أرى أن لك عقلا وأن لك رأيا ! بينا أنت رب وتريد أن تكون مربوبا؟ وبينا أنت تعبد وتريد أن تعبد؟ فقلبه عن رأيه، وفي الواقع صدق هامان لو كان له عقل ما شاوره في هذا الامر فان هامان أيضا ليس له عقل.

وقال أيضا في الكشاف وقيل لا تجبهاه بما يكره والطفاله في القول، لما له من حق تربية موسى، ولما ثبت له من مثل حق الابوة.

والاول أحسن فان لطفه وكرمه وتأديبه عبادة يقتضي الامر بالتلطف، ولين الكلام، ولانه أقرب إلى التأثير لا حق له يقضى فتأمل، ثم قال في " لعله " الترجي لهما، أي اذهبا على رجائكما وطمعكما، وباشرا الامر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله، ولا يخيب سعيه، فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه.

يعلم من هذا الاسلوب من التأديب في دعوته إلى الايمان نهاية شفقته تعالى بعباده وكمال اهتمامه بايمانهم باختيارهم، وخلاصهم من عقابه، وتعبدهم له

(1) طه: 44،


352

لينتفعوا به من الامر بالقول اللين، مع التصريح بالرجاء حتى لا يقصرا في الدعوة كما بين، ثم علله بقوله " يتذكر ": ويتأمل فيبذل النصفة من نفسه، والاذعان للحق " أو يخشى " أن يكون الامر كما تصفان فينجر إنكاره إلى التهلكة، ولهذا قال في مجمع البيان وكان يحيى بن معاذ يقول هذا رفقك بمن يدعي الربوبية فكيف رفقك بمن يدعي العبودية وقال في الكشاف وجدوى إرسالهما مع العلم بأنه لن يؤمن إلرام الحجة، وقطع المعذرة " ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فتبع آياتك(1) " ففيه المبالغة كما ظهرت وإظهار الشفقة واللطف وإبطال دعوى أنه لا يريد من الكافر إلا الكفر، وأن ليس الحسن والقبح إلا شرعا بل قول افعل ولا تفعل، وهو ظاهر [ البطلان ] فافهم.

واعلم أيضا أن في قبول موسى معارضة فرعون بسحر السحرة معجزة دلالة واضحة على كون الحسن والقبح عقليين، وبطلان إفحام الانبياء عليهم السلام، وعدم صحة الجواب بأنه نحن نقول يجب عليك النظر سواء تنظر أو لا تنظر، وأن شرط التكليف هو العقل، وإمكان المعرفة، لا حصول العلم بمكلف به، لكل مكلف مكلف، وإلا دار وهو ظاهر، وهو في آيات شتى مثل " ولقد رأيناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا " الآية(2).

وذا النون إذ ذهب مغاضبا(3) أي اذكر يا محمد يونس بن متى وقت ذهابه عن قومه، حين ضاق خلقه من وعظهم ودعوتهم، وعدم اتعاظهم وقبولهم، حالكونه مغضبا أي أغضبهم بمفارقته لهم، ولخوفهم نزول العقاب عليهم عند مفارقته لهم، و قرئ

مغضبا " ويحتمل أن يكون المعنى باغضا لهم أيضا مع أنه ظن أن ذلك يجوز له، حيث ما فعل إلا لله فهو بغض لله، ولعل كان الاولى له الصبر، وانتظار الاذن والفرج من الله، فما صبر " فظن أن لن نقدر " أي ظن أن الله تعالى ما قدر عليه وما فرض له المعاتبة والتعنيف عليه أو ظن أنه لم يفعل الله معه فعل القادر

(1) طه: 134:

(2) طه: 56.

(3) الانبياء: 87.


353

ولم يستعمل قدرته في عتابه لحسن ظنه بالله أو مثل عدم فعله تعالى - بسبب أنه كان جائرا له - بمن لا يقدر عليه، فهو تمثيل واستعارة قاله في الكشاف.

وقال في مجمع البيان ظن أن لن يضيق عليه، فتأمل، وهذا مروى عن الائمة عليهم السلام قال الجبائي ضيق الله عليه الطريق حتى ألجأه إلى ركوب البحر ثم قذف فيه فابتلعته السمكة وقيل استفهام وتقديره أفطن أن لن نقدر عليه؟ " فنادى " أي ذو النون " في الظلمات " ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر، أو أن الحوت الذي بلعه بلعه حوت آخر فصارت ظلمات بطنين وظلمة الليل أو شدة الظلمة فكأنهما ظلمات كثيرة " أن لا " أي بأن لا " إله إلا أنت " أو أي لا إله فأن بمعنى أي وفي الاول با مقدرة " سبحانك إني كنت من الظالمين " أي من الذين وجد منهم الظلم، قاله على سبيل الخشوع والخضوع، لان جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم، ولم يكن في بطن الحوت على جهة العقوبة لانها عداوة والنبي ليس بعدو لله، بل على جهة التأديب فأنه يجوز للمكلف وغيره كالصبي ولغير العدو كذا في مجمع البيان.

فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين

أي ليست النجاة بمخصوصة به بل ننجي كل مؤمن مبتلى دعا به، عن النبي صلى الله عليه وآله ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له، وهو صريح في قوله تعالى " وكذلك ننجي المؤمنين " وفي الكشاف: عن الحسن ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم.

ففي هذه الآية الشريفة دلالة على الترغيب والتحريص على الصبر والتحمل وعدم ترك الذكر والوعظ وعدم ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، و المبالغة في ذلك جدا وكثيرا، لعدم الاثر، وعدم ترك ما أمر الله به إلا باذنه، لا بظن عدم التأثير، فينبغي عدم ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمجرد ظن عدم التأثير كما هو المشهور فانه يحتمل إصابة عذاب وعقاب عظيم بذلك، كما فعل بذي النون عليه السلام.

فتدل على أنه لابد أن يكون الانسان على خوف عظيم، إذ فعل به عليه


354

السلام ما فعل، مع كون فعله ترك الاولى، مع ظن أن فعله كان لله، فكيف الظن بنا.

إلا أن يكون من جهة عدم الاعتداد والاعتبار بنا، فيخلينا وأنفسنا فنعوذ بالله من ذلك أيضا، وعلى الترغيب على الاقرار بالذنوب والظلم، وأن له دخلا في استجابة الدعاء، وعلى تكرار هذه الآية الشريفة عند الكرب، ودفع الهموم و الغموم، كما ورد به الروايات عن أهل البيت عليهم السلام.

فايدة نقول أن حيا(1) من الانبياء لهم اسمان ذو النون ويونس، وإسرائيل ويعقوب وعيسى ومسيح، ومحمد وأحمد، وذو الكفل وإلياس، وقيل ذو الكفل هو زكريا، و قيل يوشع بن نون وكأنه سمي بذلك لانه ذو الحظ من الله والمجدود على الحقيقة وقيل كان له ضعف عمل الانبياء في زمانه وضعف ثوابهم.

وأيضا يدل على استجابة الدعاء والترحم لو قال الانسان في دعائه ما نقل عن أيوب عليه السلام " وأيوب "(2) أي اذكره " إذ نادى " أي وقت ندائه " ربه أني " بأني " مسني الضر " بالفتح الضرر في كل شئ، وبالضم الضرر في النفس، من مرض وهزال " وأنت أرحم الراحمين " ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب فاستجاب له بقوله: " فاستجبنا له وكشفنا ما به من ضر و آتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين " فرجع أيوب إلى الصحة وأعطاه الاموال والاولاد كما كانت بل أكثر، وهو مسطور في التفاسير، ويدل على تحريم الافتراء على الله بأن له شريكا مثلا أو ولدا أو زوجة ونحو ذلك، وكذا على تحريم إنكار الحق بعد العلم به، وظهوره عنده، فتدل على تحريم المجادلة في البحث، وإنكار الحق إذا كان في يد الخصم، وتزييفه والجدال والمراء حتى يحصل بيده ما يمكن أن يوجه كلامه، ويوزيف كلام خصمه كما هو المتعارف في زماننا هذا. قوله تعالى:" ﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاء‌ه

(1) خمسا خ ل.

(2) الانبياء: 83.


355

أليس في جهنم مثوى للكافرين (1) " استفهام إنكار فكأنه جعل المجادل الذي يرى الحق في يد خصمه وينكر ولا يصدقه والمفتري على الله كافرا فتأمل.

في مجمع البيان أي لا ظالم أظلم ممن أضاف إلى الله ما لم يقله من عبادة الاصنام وغيرها، " أو كذب بالحق " أي بالقرآن، وقيل بمحمد صلى الله عليه وآله ويحتمل العموم فيهما كما هو الظاهر " والذين جاهدوا فينا " أي جاهدوا الكفار ابتغاء مرضاتنا وطاعتنا، أو جاهدوا أنفسهم في هواها خوفا، وقيل معناه: اجتهدوا في عبادتنا رغبة في ثوابنا ورهبة من عقابنا " لنهدينهم سبلنا " الموصلة إلى ثوابنا عن ابن عباس، وقيل: لنوفقنهم لازدياد الطاعة ليزداد ثوابهم، وقيل معناه: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة، وقيل معناه والذين يعملون بما يعلمون لنهدينهم إلى ما لا يعلمون " و إن الله لمع المحسنين " بالنصر والمعاونة في دنياهم، والثواب والمغفرة في عقابهم وبالله التوفيق للعمل والعلم.

ومن وصية لقمان لابنه أنه " لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم(2) " و " أقم الصلوة " في أوقاتها بشرائطها " وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك "(3) فيهما أو في الدنيا مطلقا، ومعلوم راجحية هذه الامور، بل وجوبها.

والصبر أيضا بمعنى تحريم عدم الرضا، وإظهار ما يوجب لسخط الله، ووصى الله تعالى بين وصايا لقمان، ولعله تركها(4) لكونه أبا إشارة إلى أنه لابد من ذلك أيضا وأن وصيته مثل وصية الله في وجوب الاتباع وقد بالغ في ذلك حيث عم الوصية بهما، وما خصه بشئ دون آخر.

ويحتمل أن يكون المراد " حسنا " كما في موضع آخر، وحيث فسر الوصية بهما بالشكر لله بالحمد، والطاعة بامتثال الاوامر وترك المناهي، وشكرهما بالبر والصلة بل الطاعة، فكأنهما شقيق الله في وجوب الطاعة والشكر، وأداء الحقوق

(1) العنكبوت: 68 و 69.

(2) لقمان: 13.

(3) لقمان 17.

(4) يعنى ترك متن الوصية حيث قال تعالى " ووصينا الانسان بوالديه " ولم يقل حسنا كما في العنكبوت: 7.

فتأمل.


356

فالتقدير: ووصينا الانسان بنا وبالولدين ثم فسره بقوله " أن اشكر لي ولوالديك " فأن مفسرة فان المعنى وأمرنا الانسان بي وبوالديه أي قلنا له: اشكر لي ولوالديك ففيه مبالغة زائدة وبالوالدين لا يمكن فوق ذلك بأن جعل الوصية إليهما وصية إليه وشكر شكرهما، وغير ذلك، وأكد ذلك خصوصا جانب الام لكثرة حقوقها و مشقتها، بقوله " حملته امه وهنا على وهن " وهي جملة حالية مقدرة، وعطف عليه " وفصاله في عامين " أي ضعفا على ضعف أو ثقلا على ثقل، فان الحمل كلما يزداد زيادة يزداد ثقل وضعفا، وكذا رضاعه طول الحولين فانه موجب لمشقة زائدة مع حضانته في تلك المدة.

ومعنى " فصاله في عامين " أي فطامه في انقضاء الحولين وبعد مضيهما، فيدل على أن الحولين غاية الرضاع ولا يكون رضاع فوقهما، فلا يكون محرما أيضا، و لكن جوز الاصحاب رضاع شهر أو شهرين بعدهما للاخبار أو الاجماع والاحتياط في الاول، ويمكن حمل ذلك الضرورة، نعم يحتمل الاقل لقوله " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة "(1) ثم أكد المبالغة في ذلك بالوعيد بقوله " وإلي المصير " أي مرجع المطيع والشاكر لي ولهما، والعاصي وكافر النعمة والعاق لهما، إلي، فأجازي كلا بعمله، وبما يستحقه.

ثم بالغ مرة اخرى بما هو بمنزلة الاستثناء أي تطعهما إلا في الكفر حيث قال " فان جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " أي إن بذلا جهدك في أن تعبد غيري وتشارك معي معبودا غيري فلا تطعهما في ذلك، فان ذلك طاعة فيما ليس لك به علم، فان العلم به محال، فأنه محال، فأشار إلى نفيه بنفي العلم، وفيه إشارة إلى وجوب متابعة العلم، وعدم متابعة غيره، يعني لو كان له علم في ثبوت الشريك لكان جائزا ويجب عليكم تبعية الوالدين في ذلك، فكيف غيره، ولكن ذلك محال، وأكده مرة اخرى بعده بقوله " وصاحبهما في الدنيا معروفا " يعني مع كونهما كافرين وجاهدا في كفرك، لا تترك الاحسان معهما، بل

(1): 233.


357

استعمل معهما معروفا حسنا جميلا بخلق جميل واحتمال ما يصل إليك منهما وبر وصلة وما هو مقتضى العرف، والحسن الجميل في الدنيا مع قطع النظر عن آخرتهما أو افعل بهما ما يقتضيه الكرم والمروة والاحسان " واتبع " في ذلك وغيره " سبيل من أناب " يعلم أن له رجوعا ومصيرا " إلي " ويعتقد أن العاقبة إلى وهو سبيل المؤمنين لا سبيل الكفار، وزاد ذلك بقوله " فانبئكم بما كنتم تعملون " وبالجملة فيها المبالغة أكثر من أن يبين كما مر في تفسير قوله تعالى " ولا تقل لهما اف " فتذكر(1).

ثم في الآية من الفروع وجوب الرضاع في عامين لا أكثر إلا أن يثبت بدليل وعدم كون ما زاد رضاعا محرما لعدم كونه شرعا، والمحرم إنما هو الشرعي فتأمل، فقول أبي حنيفة إن مدة الرضاع ثلاثون شهرا باطل، فانه مخالف لظاهر الآيتين فافهم، ولهذا رجع من قوله صاحباه وقالا بقول الشافعي والاصحاب أنه حولان وكون أقل مدة الحمل ستة أشهر بضم قوله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا "(2) فانك إذا أخرجت الحولين الكاملين من ثلاثين شهرا للرضاع، يبقى ستة أشهر للحمل فتأمل، ووجوب شكر نعمة المنعم، منه طاعة الوالدين، وبرهما، وتحريم العقوق، وثبوت ذلك بالنسبة إلى الكافرين، وعدم متابعته في أي شئ كان فافهم.

ومن وصيته " ولا تصعر خدك للناس "(3) أي ولا تمل وجهك من الناس تكبرا ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا، في الكشاف أي أقبل على الناس بوجهك تواضعا ولا تولهم شق وجهك وصفحته كما يفعل المتكبرون، في مجمع البيان قيل: هو أن يكون بينك وبين الانسان شيئا، فاذا لقيته أعرضت عنه " ولا تمش في الارض مرحا " بطرا وخيلاء أي لا تمرح مرحا أو يكون مرحا حالا، فالمصدر بمعنى الفاعل ويجوز أن يكون مفعولا له أي لاجل المرح والاشر، كما يمشي كثير من الناس كذلك لا الكفاية مهم ديني أو دنيوي، ونحو قوله تعالى " ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس "(4) " إن الله لا يحب كل مختال فخور " أي

(1) بل سيجيئ في كتاب المكاسب.

(2) الاحقاف: 15.

(3) لقمان 18.

(4) الانفال: 47.


358

متكبر فخور على الناس، والمختال مقابل للماشي مرحا وكذلك الفخور والمصعر خده كبرا كذا في الكشاف.

ومن وصيته " واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير "(1) في الكشاف أي اعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين لا تدب دبيبا المتماوتين أي الميتين الذين لا حركة لهم أو الضعيفين لكثره العبادة، ولا تثب وثب الشطار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " واغضض من صوتك " وانقص منه وأقصر، فان أنكر الاصوات أي أوحشها وما استوحشت النفوس منه أكثر من غيره من الاصوات هو صوت الحمار، وقيل أقبح الاصوات صوت الحمار.

وهذه الامور وإن كانت من وصية لقمان إلا أن الله أعطاه الحكمة، ونقل وصيته بحيث يدل على استحسانه والرضا به، فكل ما يدل على التحريم منها يكون حراما، وكذا غيره إلا أن يخرج بدليل ككلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وهو ظاهر، في مجمع البيان: أمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والنطق، وروي عن زيد بن علي عليه السلام أنه قال أراد صوت الحمير من الناس، وهو الجهال، شبههم بالحمير كما شبههم بالانعام في قوله " اولئك كالانعام " وروي عن أبي عبدالله عليه السلام هي العطسة المرتفعة القبيحة، والرجل يرفع صوته بالحديث رفعا قبيحا إلا أن يكون داعيا أو يقرأ القرآن، فيدل على عدم قبح رفع الصوت بالدعاء، و القرآن مطلقا مع قوله " ادعوا ربكم تضرعا وخفية "(2) وقوله " واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال "(3) فتأمل.

وتدل على أن التقوى وهو الاتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المعاصي، و القول السديد أي قولا حقا عدلا موجب لاصلاح الاعمال وغفران الذنوب: قوله تعالى " واتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم

(1) لقمان: 19.

(2) الاعراف: 55.

(3) الاعراف: 205.


359

ذنوبكم "(1) والمراد حفظ اللسان في كل باب لان حفظه وسداد القول رأس الخير كله، والمعنى واتقوا الله وراقبوه في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم، فانكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم، والاثابة عليها، و من مغفرة سيئاتكم وتكفيرها.

وقيل إصلاح الاعمال التوفيق في المجيئ بها صالحة مرضية.

وفي قوله " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون "(2) مقتا تمييز للدلالة على أن هذا القول مقت عظيم كأنه حقير دونه كله عظيم، وهو أشد البغض مبالغة، وتوبيخ كثير على القول بشئ دون العمل به، فتدل على [ لزوم ] كون الواعظ متعظا، والظاهر خلافه كما هو المشهور، فيمكن أن لا يكون المنع من القول، بل من عدم العمل بعد تحريض الناس عليه وترك نفسه(3) وهو قبيح عقلا أيضا كما يظهر من هذه الآية، وعن بعض السلف أنه قيل له حدثنا فسكت ثم قيل له: حدثنا فقال تأمرونني أن أقول مالا أفعل؟ فأستعجل مقت الله؟ وأن يكون المراد النهي عن قول لعمل لا يعمله يعني بعد بشئ وفي نفسه عدمه فيدل على تحريم خلف الوعد حينئذ لا مطلقا، مع احتمال الاطلاق فتأمل، أعاذنا الله وإياكم عنه، ووفقنا للعلم والقول والعمل.

(1) الاحزاب 70 و 71.

(2) الصف: 3.

(3) لكنه خلاف نص الاية الشريفة: فان " مقتا " هو تميز " كبر " وفاعله " أن تقولوا " بتقدير المصدر، فمعنى الاية الشريفة أن قولكم بما لا تعملونه ممقوت عند الله تعالى من كبائر المقت، وهذا المعنى مؤيد بالعقل والنقل: أما النقل فروايات في ذلك، وأما العقل فنكير العقلاء على من كان واعظا غير متعظ.


360

361

كتاب المكاسب - الاول : في البحث عن الاكتساب بقول مطلق

وفيه آيات: الاولى: والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شئ موزون * وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين * وان من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم(1) ".

أي دحيناها وبسطناها ووضعنا فيها ما يرسيها ويسكنها من الجبال، لئلا تميد وتتحرك بكم، وتستقروا عليها وتسكنوا فيها " وجعلنا لكم فيها " في الارض ما تعيشون به من الزرع والنبات والثمار والمطاعم والمشارب والملابس بل سائر ما يوجد في العالم مما تقوم به معيشتكم حتى الطيور والوحوش وما في الهواء و الماء وما يدب على الارض، وقيل التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة فعلى الاول الظاهر أنها جمع معيشة يعني ما يعاش به، وعلى الثاني بمعنى المصدر وهو بعيد، لعدم الجمع فيه، ولبعد هذا الوزن " ومن لستم له برازقين " قيل معطوف على محل " لكم " وهو النصب على أنه مفعول به لجعلنا أي جعلنا معايش في الارض لكم ولمن لستم له برازقين من الاهل والاولاد، والعبيد والاماء، بل والدواب أيضا الذين تحسبون أنكم ترزقونهم وتخطؤون في ذلك، فان الرازق هو الله فانه يرزق هؤلاء مثل ما يرزقكم، فظنكم أنكم ترزقونهم باطل وفاسد.

(1) الحجر، 19 - 21.


362

وجرى ذلك بناء على ظاهر حال بعض الجهال أنهم يظنون أنهم الرازقون بل يظهرون ذلك ويمنون على هؤلاء ويقولون لو لم نكن لما قدرتم على المعيشة ففيه تقريع لهم، ودليل على بطلان ذلك وعدم المنة في ذلك كله إلا لله، وإشارة إلى أنه لا معنى للمنة ولا لتوقع المكافاة والاحسان في مقابل ذلك فان كل ذلك رزق الله، وإليه أشار في بعض الاخبار عن بعضهم عليهم السلام قال لبعض أصحابه لما ذكر أنه يدخل عليه الضيفان والاخوان ويطعمهم: أن المنة لهم عليك قال كيف ذلك؟ وأنا اطعمهم من مالي، ولهم المنة علي؟ قال عليه السلام: نعم لانهم يأكلون رزق الله الذي رزقهم، ويحصلون لك الثواب والاجر(1) ويحتمل أن يكون ردا على المرزوقين أيضا فانهم قد يظنون أنهم يرزقونهم.

ثم اعلم أن في جعل " لكم " مفعولا به لجعلنا تأملا وأيضا " من لستم " داخل في " لكم " إلا أن يخصص بغير من يظن أنه يرزقه أحد، أو يظن أحد أنه يرزقه، أو يعمم فيكون الذكر بالخصوص للاشارة إلى رد الوهم المتقدم ولادخال الدواب فتأمل، فيحتمل أن يكون معطوفا على معايش، وفيه أيضا التأمل الثاني من غير جريان النكتة، إلا أن يكون بالنسبة إلى بعض من فيهم مثل الاولاد، ولا ينظر إلى حيثية الاستعانة بهم في المعيشة فتامل، وفيه تغليب ذوي العقول على غيرهم على تقدير اختصاص " من " بهم كما هو المشهور، فقول الزجاج: أجود الاقوال العطف على معايش، محل التأمل.

ويحتمل العطف على الضمير المجرور في " لكم " ولم يثبت امتناع العطف على من غير إعادة الجار وقد جوزه الفراء وأنشد شعرا في ذلك نقله في مجمع البيان وجوزه الكوفيون في حال السعة للاشعار المنقولة في الكشاف والرضى وقيل بذلك في قوله تعالى " وكفر به والمسجد الحرام "(2) " وتساء‌لون به والارحام "(3) بالجر في قراء‌ة حمزة، ولا دليل على عدمه عقلا ولا نقلا حتى يضعف قراء‌ة حمزة

(1) راجع الكافي كتاب الايمان والكفر باب إطعام المؤمن ج 2 ص 200.

(2) البقرة: 217.

(3) النساء: 2.


363

بالجر، مع كونها متواترة كما فعله في الكشاف والقاضي ويرتكب التمحلات البعيدة، مثل ضرورة الشعر، وتقدير حرف الجر إذ لا تعمل مقدرة كما صرح به الرضي على أنه يصير النزاع لفظيا، وهو ظاهر، والتقدير لغوا بحسب المعنى ولم يثبت المنع اللفظي وقول صلى الله عليه وآله مشهور مستفيض بحيث لا يمكن إنكاره في الاخبار وكلام الاصحاب.

وفي الآية دلالة على إباحة السكنى في الارض مطلقا بل التصرف فيها مطلقا حتى يمنع بدليل وعلى أن خلق الامور والاشياء الموزونة أي المقدرة بقدر تقتضيه المصلحة للانسان، وإباحة كل ما خلق لهم كما دل عليه العقل أيضا، نعم قد يحرم بعضه لدليل عقلي بأن يكون ضارا مثل السموم المخلوق لغرض آخر للانسان أو نقلي آية أو خبر أو إجماع دال على تحريم بعض الاشياء كالميتة والدم ولحم الخنزير، وعلى إباحة أكل ما نبت، وشرب وركوب ما يصلح لهما وسائر الانتفاعات إلا أن يخرج بدليل فتأمل.

وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم

(1) قيل: المعنى وما من شئ ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه، و الانعام به، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم نعلم أنه مصلحة، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور، ففيها دلالة على أن المخلوقات مباحة للانسان، فالاشياء مباحة في الاصل عقلا ونقلا وهو ظاهر.

الثانية: يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين(2).

قال في مجمع البيان: الاكل هو البلع عن مضغ، وبلغ الذهب والفضة واللؤلؤ وما أشبهه ليس بأكل، والحلال هو الجائز من أفعال العباد " وطيبا " يعني طاهرا من كل شبهة، وفي الكشاف تستطيبه الشهوة المستقيمة، وفي القاضي: هو

(1) الحجر: 21.

(2) البقرة: 168.


364

المستلذ وفي مجمع البيان أن الخطوة بعدما بين قدمي الماشي، وخطوات الشيطان آثاره، والعدو هو المباعد عن الخير إلى الشر و " حلالا " إما صفة مصدر محذوف أي أكلا حلالا وإما مفعول " كلوا " وإما حال عن " ما " في " مما " و " طيبا " صفة حلالا ومثله في الاعراب و " من " إما تبعيضية إذ لا يؤكل جميع ما في الارض كما قيل في الكشاف والقاضي أو بيانية للحلال أو ابتدائية متعلقة بكلوا، ولا يلزم أكل الجميع، إذ المراد الاكل مبتدء‌ا من جميع ما يمكن أكله وهو ظاهر.

ومعناها على الظاهر هو الترغيب والتحريص على الاكل أو إباحته بمعنى عدم التحريم الاعم الشامل للاقسام الاربعة من جميع ما تخرجه الارض من الارزاق التي يمكن أكلها حال كونه خلق لهم مباحا وطاهرا، أو لذيذا أو بعيدا عن الشبهة أو لانه حلال طيب بالمعنى المذكور فلاي شئ يمنعون أنفسهم عنه كما قال في مجمع البيان عن ابن عباس في سبب نزولها أنها نزلت في ثقيف وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج فانهم حرموا على أنفسهم من الحرث والانعام والبحيرة و السائبة والوصيلة فنهاهم الله عن ذلك، فحينئذ يكون " كلوا " للوجوب بمعنى أنه لابد من الاكل أو رفع اعتقاد حسن الاجتناب، وتحريم اتباع الشيطان في أقواله وأفعاله لانه مبعد للانسان عن الخير، ومقرب له إلى الشر، وكونه كذلك ظاهر بين عند ذوي البصائر منهم، لانه بين عداوته له بدعوته إلى المعاصي وترك الطاعات وهو ظاهر فأي عداوة يكون أظهر وأشد منها.

وقال في مجمع البيان في بيان خطوات الشيطان بعد نقل الاقول: وروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام أن من خطوات الشيطان الحلف بالطلاق، والنذر في المعاصي، وكل يمين بغير الله، وهذا يدل على تحريم الامور المذكورة حتى لا يكون الحلف بالنبي وغيره جايزا، إلا أن يقال هو مما أخرجه الدليل، ولكن ليس بظاهر، نعم صحة الخبر غير ظاهرة، فلا يثبت التحريم، لكن الاحوط الاجتناب.

هذا فيمكن الاستدلال بها على إباحة أكل كل ما في الارض لكل أحد حتى


365

الكفار والعصاة إلا ما أخرجه الدليل من العقل والنقل، فتدل على كون الاشياء الغير المضرة على الاباحة، وجواز إعطاء المذكور(1) لغير معتقدي الحق حتى الكفار لعدم القول بالواسطة، فضعف منع البعض كما مر، لكن هذا على بعض التراكيب وهو جعل حلالا مفعولا له أو حالا بيانا وكشفا وجعل " من " ابتدائية أو بيانية أو جعلها متعلقة بمقدر حالا عن حلالا، لا على تقدير جعلها حالا مقيدة، ومن تبعيضية كما قاله في الكشاف والقاضي.

ويمكن الاستدلال أيضا بها على تحريم الاشياء المذكورة في الرواية لو صحت وأما دلالتها على تحريم متابعة الشيطان فصريحة، وكذا متابعة كل عدو في الله والدين، كما يظهر من العلة وهي قوله " إنه لكم عدو " وذلك معلوم واضح إذا كان المتبع معلوم التحريم، ولا يحتاج إلى الذكر، ولعل الآية أعم بل مخصوصة بغير المعلوم، لعدم الفائدة في المعلوم، فلا يبعد الاستدلال حينئذ بها على عدم جواز متابعة أعداء الدين، فيما لو يعلم جوازه، فلا تجوز الصلاة خلفهم، و سماع حكمهم، ونقل الرواية عنهم، وغير ذلك فتأمل.

الثالثة: كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى(2).

الرابعة وأنزلنا من السماء ماء مباركا الآية(3) وغيرهما من الآيات التي تدل على إباحة الاشياء، وبالحقيقة لا دخل لها في الكسب فتركناها، وإنما ذكرنا البعض للتبعية، وبعض الفوائد وإن لم يكن كسبا.

(1) الماكول، خ.

(2) طه: 81.

(3) ق: 11.


366

الثاني : البحث عن أشياء يحرم التكسب بها

وفيه آيات

قيل(1) الاولى: قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم(2).

دلالتها على ما يحرم التكسب به غير ظاهرة.

الثانية: سماعون للكذب اكالون للسحت(3).

في ذم جماعة، السحت هو الرشوة وعن علي عليه السلام هو الرشوة في الحكم ومهر البغي وكسب الحجام وعسيب الفحل، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة وحلوان الكاهن، والاستعمال في المعصية(4) والخبر غير ظاهر الصحة والسند، و بعض ما فيه معدود من المكروهات.

الثالثة: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فان الله من بعد اكراههن غفور رحيم(5).

(1) القائل الفاضل المقداد في كنز العرفان قال: استدل الفقهاء بهذه الاية على جواز الولاية من قبل الظالم، إذا عرف المتولي من حال نفسه وحال المنوب عنه أنه يتمكن من العدل ولا يخالفه المنوب عنه كحال يوسف على نبينا وآله وعليه السلام مع ملك مصر، والذي يظهر لي أن نبي الله أجل قدرا من أن ينسب إليه طلب الولاية من الظالم، وانما قصد إيصال الحق إلى مستحقه، لانه وظيفته راجع ج 2 ص 11 من طبعة هذه المكتبة.

(2) يوسف: 55.

(3) المائدة: 45.

(4) مجمع البيان ج 3 ص 196.الكافي ج 5 ص 126.

(5) النور: 33.


367

ولا تكرهوا فتياتكم

أي إماء‌كم على الزنا " إن أردن تحصنا " تعففا وتزويجا " لتبتغوا " أي لا تكرهوا لطلب متاع الدنيا، أي ما يحصل من كسبهن وهو اجرة الزنا وثمن بيع أولادهن " ومن يكرههن " ومن يجبرهن على الزنا " فان الله من بعد إكراههن غفور ( للمكرهات ) رحيم " بهن، ويحتمل للمكرهين بعد التوبة فان المكرهات لا ذنب لهن إذ لا ذنب مع الاكراه عقلا ونقلا، فلا يحتاج إلى كون الله تعالى غفورا رحيما لهن فتأمل أو مطلقا.

ثم إن فيها دلالة على تحريم الاكراه على الزنا بل على تحريمه وتحريم أجره فهو حرام مطلقا، وإن كان " إن أردن تحصنا " قيدا للنهي كما هو الظاهر لا قيدا للاكراه كما قاله البيضاوي ولا اعتبار بمفهوم إرادة التحصن ولا بمفهوم طلب عرض الدنيا، فلا تدل على إباحة الاكراه بدون إرادة التحصن ولا عليها مع عدم طلب عرض الحياة الدنيا، لان المفهوم على تقدير اعتباره إنما يعتبر إذا لم يكن للتقييد وجه آخر سوى عدم الحكم في المسكوت، وهو ظاهر ومبين في محله، وقد مر أيضا، وهنا سبب النزول والواقع سبب التقييد، بل نقول بالمفهوم هنا فان تحريم الاكراه منتف على تقدير عدم إرادة التحصن لان الاكراه منتف مع عدم إرادة التحصن، ولا يلزم جوازه، فإنه على تقدير إمكان الاكراه إنما يعتبر المفهوم مع عدم المعارض الاقوى، ولا شك أن الاجماع ومنطوق الكتاب والسنة يدل على تحريمه مطلقا فهو مردود بها.

وفي الكشاف كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن وكان لعبد الله ابن ابي رأس النفاق ست جوار، وسماهن، يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنزلت.

ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والامة وفي الحديث ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي، فان قلت لم اقحم إن أردن تحصنا؟ قلت لان الاكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن وآمر الطيعة المؤاتية للبغاء لا يسمى مكرها ولا أمره إكراها.


368

كان ينبغي أن يقول آمر غير المكرهة لا يسمى مكرها ولا أمره إكراها ليعم فتأمل.

ثم قال " غفور رحيم " لهم أو لهن، أو لهم ولهن " إن تابوا وأصلحوا " والاولى لهن، أو لهن ولهم، أو لهم إن تابوا، قال لعل الاكراه كان دون ما اعتبر به الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخاف منه التلف، أو ذهاب العضو من ضرب عنيف، أو غيره حتى يسلم من الاثم وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه.

فتكون آثمة، وهذا جواب عن إشكال عدم الذنب مع الاكراه فلا معنى لكون " غفور رحيم " بالنسبة إلى المكرهات، ولا بأس به، وإن كان خلاف الظاهر، فان المتبادر نفي الاكراه مطلقا والغفران عنه على تقدير.

قال القاضي: " غفور رحيم " لهن أو له إن تاب، والاول أوفق للظاهر، و لقراء‌ة ابن مسعود " من بعد إكراهن لهن غفور رحيم " ولا يرد أن المكرهة غير آثمة، فلا حاجة إلى المغفرة لان الاكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات، ولهذا حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص.

فيه أنه يكفي أن المكرهة غير آثمة لعدم حسن إرجاع المغفرة إليها، فانه لا معنى للمغفرة مع عدم الذنب، ولا شك أنها ليست آثمة بالنص والاجماع، بل العقل وقد سلمه أيضا ولا يندفع بعدم المنافاة له بالذات لوجود الذنب في القاتل، و يمكن أن يقال غفور لهن باعتبار أن حصل لهن ميل في الاثناء بعد الاكراه فانهن لما كن كارهات يغفر الله الذنب الناشي بعده، ويشعر به " من بعد إكراههن " أو " غفور لهن " من سائر الذنوب بسبب إكراههن الزنا، أو يكون للانقطاع كما يقول المعصوم اللهم اغفر لي فتأمل، وأنه غفور رحيم حيث تجاوز عن عقاب المكره وجوز له المكره عليه كالمضطر في قوله تعالى:﴿"فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم"(1).

(1) النحل: 115.


369

الرابعة: يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب الاية(1).وقد مرت(2) فتذكر.

الخامسة: ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على انفسكم ان تأكلوا من بيوتكم - إلى قوله - لعلكم تعقلون(3).

أي ليس على هؤلاء حرج وضيق في الامور فانهم معذورون، ولا عليكم أيها المؤمنون حرج وضيق وإثم ومنع من الشارع من الاكل من بيوتكم: بيوت عيالكم وزوجاتكم وبيت المرأة كبيت الزوج، وبيوت أولادكم لان بيت الاولاد كبيت الآباء وأموالهم كأموالهم، ويدل عليه ما روي من قوله صلى الله عليه وآله أنت ومالك لابيك عند خصومة ولد مع والده، وقوله صلى الله عليه وآله أيضا إن أطيب ما يأكله المرء من كسبه وإن ولده من كسبه(4) وكأنه لذلك ما ذكر بيوت الاولاد، وذكر بيوت الاقارب، ويحتمل أن يكون الترك للفهم بالطريق الاولى من ذكر بيوت غيرهم بقوله: " أو بيوت آبائكم أو بيوت امهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه ".

قيل معناه: أو بيوت مماليككم، والمفاتح جمع مفتح، وهو ما يفتح به لان مال العبد للسيد فهو مالك له، فيكون ما ملكتم بمعنى بيت المماليك فكأنه لذلك حذف البيت فيمكن جواز الاكل من بيت المملوك ولو قيل بأنه يملك فتأمل، و قيل أموال الرجل إذا كان له عليها قيم ووكيل يحفظها، له أن يأكل من ثمر حائطه ويشرب من لبن ماشيته، فملك المفتاح كونها في يده وحفظه، فالمراد بما ملكتم

(1) المائدة: 94.

(2) راجع كتاب الطهارة ص 40.

(3) النور: 61 - 62.

(4) راجع سنن ابي داود ج 2 ص 259 وسيأتي.


370

كالحائط أو الماشية اللتين هما تحت يد الوكيل والحافظ والراعي، ولهذا حذف البيت فيجوز الاكل لهم، وقيل إذا ملك الانسان المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشئ اليسير.

أو صديقكم

أي أصدقائكم والصديق يكون واحدا وجمعا [ وكذلك الخليط والعدو ] والصديق هو الذي صدق في مودته، وقيل هو الذي يوافق باطنه باطنك كما وافق ظاهر ظاهرك، وقال أبوعبدالله عليه السلام: هو والله الرجل في بيت صديقه فيأكل طعامه بغير إذنه، وروي أن صديقا للربيع بن خثيم دخل منزله وأكل من طعامه فلما عاد الربيع إلى المنزل أخبرته جاريته بذلك فقال إن كنت صادقة فأنت حرة وفي الكشاف عن الحسن وجدنا كبراء الصحابة ومن لقيتهم من البدريين، و كان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء فاذا حضر مولاه فأخبرته أعتقها سرورا بذلك، وعن جعفر بن محمد كرم الله وجههما: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الانس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والاب والاخ والابن ولعل ذكر الابن إشارة إلى دخوله في الآية إما في " بيوتكم " أو بمفهوم الموافقة.

ثم قال: وقالوا إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الاذن الصريح، وربما سمج(1) الاستيذان وثقل، كمن قدم إليه طعام فأستأذن صاحبه في الاكل منه.

فيه إشارة إلى سبب جواز الاكل مع عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذنه عقلا ونقلا، وهو حصول الرضا بقرينة الابوة وغيرها، وهذا المقدار قد يفيد علما بالرضا وذلك كاف، مع أنه قد يقال يكفي الظن بل لا يحتاج إليه، فان الله قد جوزه وهو السبب فتأمل وقال في مجمع البيان: هذه الرخصة في أكل مال القرابات، وهم لا يعلمون ذلك كالرخصة لمن دخل حائطا وهو جايع، أن يصيب من ثمره، أو مر في سفره بغنم وهو عطشان أن يشرب من لبنه توسعة منه على عباده، ولطفا لهم ورغبة لهم عن دناء‌ة الاخلاص وضيق العطش وقال الجبائي: إن الآية منسوخة بقوله تعالى

(1) قبح خ ل، وهما بمعنى واحد


371

لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه

(1) وبقوله صلى الله عليه وآله لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه(2).

والمروي عن أئمة الهدى عليهم السلام أنهم قالوا: لا بأس بالاكل لهؤلآء من بيوت من ذكره الله تعالى بغير إذنهم قدر حاجتهم من غير إسراف، وأنت تعلم أن حصول الرخصة لمن دخل حائطا أيضا محل التأمل، وما جوزه بعض الاصحاب و من جوزه ما قيده بالجائع ولا بالحائط بل قال للمار على الغلة وغيرها أن يأكل منها، وإني ما رأيت جواز شرب اللبن، وأنه لا منافاة بين الآيتين حتى يكون ما هنا منسوخة وهو ظاهر، وعدم صلاحية الخبر للناسخية أظهر، وأن المروي عنهم عليهم السلام متبع وإن كان قدر الحاجة الذي في ما روي عنهم غير ظاهر من الآية بل ظاهرها دال على عدمه، نعم لابد من عدم الاسراف والتضييع كما في غيرها و يمكن حمل قدر الحاجة عليه أو تخصيص الآية إن صح الخبر به، وأيضا ظاهرها عدم اشتراط الاذن، بل عدم البيت في الاخيرين.

ثم اعلم أنه يمكن فهم جواز ما يكون أدنى من الاكل بالموافقة كالصلاة في بيوتهم ودخولها بغير إذنهم إذا لم يكن فيه أحد، بل جعله سكنى، والصلاة على فرشهم وفي لباسهم والغسل والوضوء بمائهم وفي بيوتهم وهو ظاهر فافهم، والظاهر من الآية أنه يكفي عدم العلم بعدم الرضا، بل ظاهرها شامل لجواز الاكل مع ظهوره أيضا إلا أنه لا يبعد التقييد بذلك لقبح ذلك عقلا ونقلا، وأن المراد من الاطلاق ذلك، حيث إن ما ذكر مظنة الرضا والاذن والله يعلم.

فقول القاضي هذا كله إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت باذن أو قرينة، ولذلك خصص هؤلاء فانه يعتاد التبسط بينهم، أو كان في أول الاسلام فنسخ فلا احتجاج للحنفية به على أن لا قطع بسرقة مال المحرم، باطل.

فانه إذا علم رضا صاحب المال يجوز الاكل من بيوت من تضمنه الآية وغيرها، فالتقييد بعيد، والنسخ أبعد من ذلك، بل لا معنى له، لعدم الموجب.

(1) الاحزاب: 53.

(2) راجع مجمع البيان ج 7 ص 156.


372

على أن القرينة لا تقابل بالاذن وغالبا لا تفيد العلم، ولا استعباد في الشرع من إذن الشارع مع عدم العلم برضا الصاحب، لاحتمال كون القرابة والصداقة موجبة لذلك، وأبعد من ذلك احتجاج الحنفية فانه لا دلالة في هذه الآية على ذلك أصلا ولو كانت فيها دلالة فتكون فيمن تضمنته الآية لا في المحرم فتأمل.

جميعا أو أشتاتا

أي لا بأس في الاكل مجتمعين ومتفرقين، قيل: نزلت في بني ليث بن عمرو بن كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد منتظرا نهاره إلى الليل، فان لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة، وقيل في قوم من الانصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم، وقيل تحرجوا عن الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في الاكل، وزيادة بعضهم على بعض، وفي مجمع البيان: معناه لا بأس بأن يأكل الغني من الفقير في بيته، فان الغنى كان يدخل على الفقير من ذوي قرابته أو صداقته فيدعوه إلى طعامه فيتحرج.

ويعلم من هذه الوجوه أن ليس المقصود الاكل من بيوت المذكورين جميعا أو أشتاتا كما هو ظاهر الآية فدلت على جواز الاكل وحده، بل عدم شئ فيه، فما نقل في الاخبار أن من الملعونين من يأكل زاده وحده، يمكن أن يكون معناه لا يعطي منه المحتاجين ما يسد رمقهم أو يكون عدم الاعطاء من جميع الزاد مكروها أو الاكل وحده مكروها، وذكر اللعن للمبالغة كالنائم وحده، والآية يكون للجواز فقط.

ثم اعلم أنه قد قال في مجمع البيان: اختلفوا في تأويل " ليس على الاعمى حرج " على معان أحدها أن المعنى ليس عليكم في مؤاكلتهم حرج، لانهم كانوا يتحرجون من ذلك، ويقولون الاعمى لا يبصر فيأكل جيد الطعام، والاعرج لا يتمكن من الجلوس وأكل ما يريد، وكذا المريض الضعيف وثانيها أن المسلمين اذا غزو اخلفوا هؤلاء في بيوتهم ويعطوهم المفاتيح ويحلون لهم الاكل وهم يتحرجون منه، وثالثها أن المؤمنين كانوا يذهبون بهؤلاء إلى بيوت أزواجهم وأقاربهم المذكورين فيطعمونهم، وكانوا يتحرجون عن ذلك، وقد يتخيل المؤمنون أيضا الحرج في


373

ذلك فنفي ذلك عنهم، وعلى هذه الوجوه يكون " أن يأكلوا " مقدرا قبل قوله " ولا على أنفسكم " و " حرج " بعده، ورابعها أن المعنى ليس على هؤلاء حرج في ترك الجهاد والتخلف عنه، لانهم معذورون، وحينئذ يكون المحذوف أن يتركوا الجهاد ويكون الحال قرينة على المحذوف فيكون أول الكلام قرينة في ترك الجهاد و الثاني في الاكل.

وفي الكشاف: لا قصور فيه لاشتراكهما في نفي الحرج، ومثال ذلك أن يستفتيك مسافر عن الافطار في رمضان، وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر، ولا على الحاج أن يقدم الحلق على النحر ولو كان " على ترك الجهاد " مذكورا لكان مثله فكأنه للظهور بمنزلة الذكر، ويحتمل أن يكون المعنى ليس على هؤلاء حرج مطلقا فيما عجزوا عنه، مثل قوله ذلك في إنا فتحنا.

فإذا دخلتم بيوتا

في الكشاف: من هذه البيوت للاكل فابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة، وظاهرها أعم أي بيت كان من أي شخص كان، وهو الاولى كما يدل عليه تنكيرها، فالخروج عنه بلا سبب غير معقول " فسلموا على أنفسكم " أي ليسلم بعضكم على بعض كقوله " اقتلوا أنفسكم " وقيل معناه فسلموا على أهليكم، في مجمع البيان: وعيالكم، وقال إبراهيم: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقال أبوعبدالله عليه السلام هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل، ثم يردون عليه فهو سلامكم على أنفسكم " تحية من عند الله " أي هذه تحية حياكم الله بها عن ابن عباس، وقيل: معناه علمها الله وشرعها لكم، فانهم كانوا يقولون عم صباحا، ثم وصف التحية فقال " مباركة طيبة " أي إذا لزمتموها كثر خيركم، وطاب أجركم، وقيل: مؤيدة حسنة جميلة عن ابن عباس وقيل: إنما قال " مباركة " لان معنى " السلام عليكم ": حفظكم الله وسلمكم الله من الآفات، فهو دعاء بالسلامة من آفات الدنيا والآخرة، وقال " طيبة " لما فيها من طيب العيش بالتواصل، وقيل: لما


374

فيها من الاجر الجزيل والثواب [ لجميل ] العظيم.

كذلك

كما بين لكم هذه الاحكام والآداب " يبين الله لكم الآيات " الدالة على جميع ما يتعبدكم به " لعلكم تعقلون " أي تعقلون معالم دينكم.

في الكشاف " تحية من عند الله " أي ثابتة بأمره مشروعة من لديه أو لان التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه، والمحيى من عند الله، ووصفها بالبركة والطيب لانهما دعوة مؤمن لمؤمن، يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق إلى قوله: وقالوا إن لم يكن في البيت أحد فليقل السلام علينا من ربنا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام على أهل البيت ورحمة الله، وعن ابن عباس: إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين تحية من عند الله وانتصب تحية بسلموا لانها في معنى تسليما كقولك قعدت جلوسا، والظاهر أن مراده إذا لم يكن في المسجد أحد هكذا يسلم، وإلا فكالمتعارف، ويحتمل العموم كما هو الظاهر، ففيها وجوب السلام حين دخول بيت ما حملت على الاستحباب للاجماع على عدمه.

ولنردف الكتاب بآيات لها مناسبة به " ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة "(1) خطاب له صلى الله عليه وآله أي يا محمد " إن ربك " الذي خلقك " للذين عملوا " المعصية والسيئات " بجهالة " في موضع الحال أي عملوها جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم، وفي مجمع البيان: بداعي الجهل، فانه يدعو إلى القبيح كما أن داعي العلم يدعو إلى الحسن، وقيل: بجهالة هو أن يعجل بالاقدام عليها، ويعد نفسه للتوبة منها أو جعل العالم منزله الجاهل حيث لم يعمل بعلمه فان العالم بالسيئات والقبايح مع فعلها هو والجاهل سواء بل أسوء " ثم تابوا " من تلك المعصية " من بعد ذلك وأصلحوا " نياتهم وأفعالهم " إن ربك من بعدها " أي بعد التوبة، هذه تأكيد لما قبلها، وفي ذكر " من بعدها " مع الضمير الراجع إلى التوبة إشارة إلى أن الاصلاح عبارة عن إتمام التوبة بالاخلاص وعدم

(1) النحل: 119.


375

العود بوجه، أو إظهارها بالعمل الصالح ليعلم، لا أنه يحتاج بعد التوبة للغفران وغيره إلى إصلاح العمل كما هو الظاهر منها ومن غيرها، فقيل الاصلاح له هو الدوام وعدم الرجوع ويحتمل غير ذلك فتأمل " لغفور " خبر " إن ربك " و " للذين " عملوا السوء بجهالة " متعلق به، و " أصلحوا " عطف على " تابوا " بمنزلة البيان والتتمة " إن ربك " تأكيد " من بعدها " متعلق بغفور، والضمير إشارة إلى التوبة وقيل راجع إلى الجهالة أو المعصية، ففيها قبول التوبة، وكون الجاهل معذورا، فيحتمل في الفروع وغيره أيضا إلا المعلوم فيقبل شهادة التائب بعدها فتأمل فيها.

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه

(1) قد مر تفسيره في كتاب الطهارة في بيان الاخلاص والنية(2) و " قضى " وأمر أيضا وقال: أحسنوا " بالوالدين إحسانا " أو بأن تحسنوا بهما إحسانا و " بالوالدين " متعلق بالفعل المقدر أحسنوا أو تحسنوا لا بالمصدر، فان عامله لا يتقدم عليه، وقال في مجمع البيان: وهو متعلق بقضى والتقدير وقضى بالوالدين إحسانا، ويجوز أن يكون على تقدير وأوصى بالوالدين إحسانا، وحذف لدلالة الكلام عليه، و " إما " أصله " إن ما " فهي شرطية وما زائدة للتأكيد كزيادة النون في " يبلغن " قيل: ولو لم يكن ما جاز دخول النون، فلا يقال إن تكرمن زيدا يكرمك، بل يقال إما تكرمنه يكرمنك " أحدهما " فاعل يبلغن " الكبر " مفعوله، ومعنى بلوغ الكبر عندك أن يكبرا ويعجزا وكانا كلا على ولدهما، لا كافل لهما غيره، فهما عنده وفي بيته وفي كنفه، وذلك أشق عليه وأشد احتمالا وصبرا، وربما تولى منهما ما يتوليان عنه في حال الطفولية فأمر الولد حينئذ بالصبر واحتمال ما شق عليه، وبأن يستعمل معهما وطأة الخلق، و لين الجانب، بحيث إذا أضجره وأتعبه وضيق خلقه ذلك الاحتمال والمشقة و ما يستقذره طبعه منهما من سوء الخلق وغسل جوانبهما وبولهما وغائطهما وغير ذلك لا يقول لهما اف فضلا عما يزيده عليه.

(1) أسرى: 23.

(2) ص 29 فراجع.


376

ولقد بالغ الله سبحانه وتعالى في التوصية لهما، حيث افتتحها بأن وشفع الاحسان إليهما بتوحيده ونظمهما في سلك القضاء بهما معا، ثم ضيق الامر في مراعاتهما، حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجرة ومقتضياته ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الانسان معها في الاستطاعة، ثم زاد و نهى عن منافيهما أيضا مرة اخرى وقال: " ولا تنهرهما " أي لا تزجر عما يتعاطيانه مما لا يعجبك ثم قال: " وقل لهما " بدل النهر والتأفيف " قولا كريما " جميلا يقتضيه حسن الادب والنزول على المروة، وقيل هو أن يقول يا أبتاه ويا اماه كما قال إبراهيم على نبينا وآله وعليه السلام لابيه " يا أبت " مع كفره ولا يدعوهما بأسمائهما فانه من الجفاء وسوء الادب وعادة الدعاء كله من الكشاف.

ثم أمر بالخضوع والتذلل بقوله " واخفض لهما جناح الذل " وهو كناية عن غاية الملاء‌مة وانحطاط النفس، فاضيف الجناح إلى الذل كما اضيف حاتم إلى الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذليل، أو الذلول، ويحتمل أن يجعل لذله جناحا خفيضا كما جعل للشمال يدا وللقرة زماما، مبالغة في التذلل والتواضع لهما، قال في مجمع البيان: وإذا وصف العربإنسانا بالسهولة وترك الاباء قالوا هو خافض الجناح، وقال أبوعبدالله عليه السلام: معناه لا تمل عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورأفة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدم قدامهما " من الرحمة " من فرط رحمتك لهما، وعطفك عليهما لكبرهما و افتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالامس ثم قال: ولا يكتف بالخضوع والرحمة لهما إذ لا بقاء لهما، وليس لها زيادة نفع، بل ادع لهما واطلب من الله رحمته لهما، بأن يرحمهما برحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك.

ربكم أعلم بما في نفوسكم

في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين و اعتقاد ما يجب لهما من التوقير " إن تكونوا صالحين " قاصدين الصلاح والبر، ثم " فرطت منكم في حال الغضب وضيق الصدر وغير ذلك مما لا يخلو منه البشر خصلة


377

قبيحة، تؤدي إلى أذى الوالدين ثم تبتم إلى الله واستغفرتم منها " فانه كان للاوابين غفورا " فان الله غفور للتوابين، فيه تهديد على أن يضمر الولد لهما كراهة واستثقالا عند ضيق الصدر من خدمتهما، وفيه تشديد عظيم، وبالجملة فيه مبالغة كثيرة و سيجئ في سورة لقمان زيادة تأكيد ومبالغة في الاحسان بهما، وفي الاخبار أيضا موجودة.

منها ما روي عنه صلى الله عليه وآله في الكشاف: رضى الله في رضى الوالدين، وسخطه في سخطهما، وفي رواية اخرى قال صلى الله عليه وآله مخاطبا لابن شيخ: أنت ومالك لابيك، ومثله موجود في الاخبار الصحيحة عن أهل البيت عليهم السلام(1) وفيه عنه صلى الله عليه وآله: إياكم وعقوق الوالدين فان الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء إن الكبرياء لله رب العالمين.

و روي أيضا فيه وفي مجمع البيان يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار و يفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة، والرواية في ذلك فيهما وفي غيرهما كثيرة(2).

قال في الكشاف: قال الفقهاء لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه منها ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ منه الاناء إذا شربها، وعن أبي يوسف إذا أمره أن يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير أوقد، وسئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين فقال أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل، وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شزرا إليهما، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن وأن ترحم عليهما، وتدعو لهما إذا ماتا، وأن تقوم بخدمة أودائهما من بعدهما فعن النبي صلى الله عليه وآله إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه.

ومنها رواية الحسن بن محبوب عن أبي ولاد الحناط قال: سألت أبا عبدالله جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله عزوجل " وبالوالدين إحسانا " ما هذا الاحسان؟

(1) الفقيه ج 3 ص 109، الكافي ج 5 ص 135.

(2) مجمع البيان ج 6 ص 409.


378

فقال: الاحسان أن تحسن صحبتهما، وأن لا تكلفهما أن يسئلاك مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين إن الله عزوجل يقول " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " ثم قال عليه السلام " إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما اف " إن أضجراك " ولا تنهرهما " إن ضرباك " وقل لهما قولا كريما " والقول الكريم أن تقول لهما: غفر الله لكما، فذاك منك قول كريم " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " وهو أن لا تملا عينيك من النظر إليهما وتنظر إليهما برحمة ورأفة، وأن لا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يدك فوق أيديهما، ولا تتقدم قدامهما، وهذه صحيحة في الفقيه في نوادر الكتاب(1) وذكر في الفقيه أيضا فيها: من أحزن والديه فقد عقهما وذكر في الكافي أخبارا كثيرة مثل صحيحة أبي ولاد المتقدمة ورواية محمد بن مروان: قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أوصني فقال: لا تشرك بالله شيئا، وإن حرقت بالنار وعذبت، إلا وقلبك مطمئن، ووالديك فاطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، إن ذلك من الايمان(2).

وعن منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام قال قلت: أي الاعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله، وعن درست بن أبي منصور عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله ما حق الوالد على ولده؟ قال: أن لا يسميه باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله ولا يستسب له، وصحيحة معمر بن خلاد قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: أدعوا لوالدي إذا كانا لا يعرفان الحق؟ قال: ادع لهما وتصدق عنهما، وإن كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق، و رواية جابر عن أبي عبدالله عليه السلام قال أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني راغب في الجهاد نشيط، قال: فقال له النبي صلى الله عليه وآله: فجاهد في سبيل الله فانك

(1) الفقيه ج 4 ص 292.

(2) الكافي ج 2 ص 157 و 158.


379

إن تقتل تكن حيا عند الله ترزق، وإن تمت فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت رجعت من الذنوب كما ولدت قال: يا رسول الله إن لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فقر مع والديك، فوالذي نفسي بيده لانسهما بك يوما وليلة خير من جهاد سنة.

ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال إن العبد ليكون بارا بوالديه ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عاقا، وإنه ليكون عاقا لهما غير بار بهما، فاذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما، فيكتبه الله عزوجل بارا(1).

والاخبار في ذلك كثيرة جدا ثم لا شك في أن العقوق كبيرة عدت منها في الاخبار التي تعد فيها الكبائر من طرق العامة والخاصة، ذكر في الكافي له بابا في ذكر العقوق عليحدة بعد أن عده في الكبائر في أخبار كثيرة منها رواية حديد بن حكيم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: أدنى العقوق اف، ولو علم الله عزوجل شيئا أهون منه لنهى عنه وحسنة عبدالله ابن المغيرة عن أبي الحسن عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كن بارا واقتصر على الجنة، وإن كنت عاقا فاقتصر على النار ورواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة كشف الله غطاء من أغطية الجنة، فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام، إلا صنف واحد، قال: قلت: من هم؟ قال: العاق لوالديه، ورواية سيف بن عميرة عن أبي عبدالله عليه السلام قال: من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة، وفي رواية عن أبي عبدالله عليه السلام: ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما، وفي رواية عبدالله بن سليمان عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: إن أبي نظر إلى رجل معه ابنه يمشي، والابن متك على ذراع الاب، قال:

(1) راجع في ذلك ج 74 من كتاب بحار الانوار (كتاب العشرة الباب الثاني) ص 22 - 86، ترى هذه الاحاديث مع غيرها مشروحا مستوفى وان شئت راجع الكافي ج 2 ص 157 - 163 باب بر الوالدين.


380

فما كلمه أبي مقتا له حتى فارق الدنيا(1).

ويدل على تحريم العقوق ما يدل على تحريم قطع الرحم، وهو ظاهر، بل يدل العقل أيضا عليه، وبالجملة العقل والنقل يدلان على تحريم العقوق، ويفهم وجوب متابعة الوالدين وطاعتهما من الآيات والاخبار المتقدمة وصرح به بعض العلماء أيضا، قال في مجمع البيان " وبالوالدين إحسانا " أي قضى بالوالدين إحسانا أو أوصى بالوالدين إحسانا، ومعناهما واحد، وخص الحال الكبر، وإن كان الواجب طاعة الوالدين على كل حال، لان الحاجة أكثر في تلك الحال.

وقال الفقهاء في كتبهم: وللابوين منع الولد عن الغزو والجهاد، ما لم يتعين عليه بتعيين الامام، أو لهجوم الكفار على المسلمين مع ضعفهم، وبعضهم ألحقوا الجدين بهما، قال في شرح الشرايع: وكما يعتبر إذنهما في الجهاد يعتبر في سائر الاسفار المباحة والمندوبة والواجبة الكفائية، مع قيام من فيه الكفاية، فالسفر لطلب العلم إن كان لمعرفة العلم العيني كاثبات الواجب تعالى وما يجب له ويمتنع، و النبوة والامامة.

والمعاد، لم يفتقر إلى إذنهما، وإن كان لتحصيل الزائد منه على الفرض العيني كدفع الشبهات، وإقامة البراهين المروجة للدين، زيادة على الواجب كان فرضا كفاية فحكمه وحكم السفر إلى أمثاله من العلوم الكفائية كطلب التفقه أنه إن كان هناك قائم بفرض الكفاية، أشترط إذنهما، وهذا في زماننا فرض بعيد فان فرض الكفاية في التفقه لا يكاد يسقط مع وجود مائة فقيه مجتهد في العالم، و إن كان السفر إلى غيره من العلوم المادية مع عدم وجوبها توقف على إذنهما، و إن كان هذا كله إذا لم يجد في بلده من يعلمه ما يحتاج إليه بحيث لا يجد في السفر زيادة يعتد بها لفراغ باله أو جودة استاد بحيث يسبق إلى بلوغ الدرجة التي يجب تحصيلها سبقا معتدا به، وإلا اعتبر إذنهما أيضا.

ومنه يعلم وجوب متابعتهما حتى يجب عليه ترك الواجب الكفائي، ولكن هذا مخصوص بالسفر، فيحتمل أن يكون غيره كذلك، إذا اشتمل على مشقة.

(1) الكافي ج 2 ص 348 باب العقوق.


381

والحاصل أن الذي يظهر أن إحزانهما على وجه لم يعلم جواز ذلك شرعا - مثل الشهادة عليهما، مع أنه قد منع قبول ذلك أيضا بعض مع صراحة الآية في وجوب الشهادة عليهما، مع أن فائدته القبول لان قبول شهادته عليهما تكذيب لهما - عقوق وحرام كما مر في الخبر ويظهر من الآية، وطاعتهما تجب ولا يجوز مخالفتهما في أمر يكون أنفع له، ويضر بحاله دينا أو دنيا، أو يخرج عن زي أمثاله، وما يتعارف منه، ولا يليق بحاله، بحيث يذمه العقلاء، ويعترفون أن الحق أن لا يكون كذلك، ولا حاجة له في ذلك، ولا ضرر عليه بتركه ويحتمل العموم للعموم إلا ما أخرجه الدليل بحيث يعلم الجواز شرعا لاجماع ونحوه، مثل ترك الواجبات العينية والمندوبات غير المستثنى.

وليس وجوب طاعتهما مقصورا على فعل الواجبات وترك المعصيات للفرق بين الولد وغيره، فان ذلك واجب والظاهر عموم ذلك في الولد والوالدين.

قال الشهيد قدس سره في قواعده: قاعدة تتعلق بحقوق الوالدين: لا ريب أن كل ما يحرم أو يجب للاجانب يحرم أو يجب للابوين، وينفردان بامور: الاول: تحريم السفر المباح بغير إذنهما، وكذا السفر المندوب، وقيل بجواز سفر التجارة وطلب العلم إذا لم يمكن استيفاء التجارة والعلم في بلدهما، كما ذكرناه، فيما مر.

الثاني: قال بعضهم: يجب عليه طاعتهما في كل فعل، وإن كان شبهة، فلو أمراه بالاكل معهما من مال يعتقده شبهة أكل، لان طاعتهما واجبة، وترك الشبهة مستحب.

الثالث: لو دعواه إلى فعل وقد حضرت الصلاة فليؤخر الصلاة وليطعهما لما قلناه.

الرابع: هل لهما منعه من الصلاة جماعة؟ الاقرب أنه ليس لهما منعه من الصلاة مطلقا بل في بعض الاحيان، لما يشق عليهما مخالفته: كالسعي في ظلمة الليل إلى العشاء والصبح.


382

الخامس: لهما منعه من الجهاد مع عدم التعيين لما صح أن رجلا قال يا رسول الله ابايعك على الهجرة والجهاد، فقال: هل من والديك أحد؟ قال نعم كلاهما، قال: أتبغي الاجر من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما.

السادس: الاقرب أن لهما منعه من فروض الكفاية، إذا علم قيام الغير أو ظن لانه حينئذ يكون كالجهاد الممنوع منه.

السابع: قال بعض العلماء: لو دعواه في صلاة النافلة قطعها، لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن امرأة نادت ابنها وهو في صلوته قالت يا جريح قال اللهم امي وصلوتي قالت: يا جريح فقال: اللهم امي وصلاتي.

فقال لا يموت حتى ينظر في وجوه المومسات الحديث وفي بعض الروايات أنه صلى الله عليه وآله قال لو كان جريح فقيها لعلم أن إجابة امه أفضل من صلوته، وهذا الحديث يدل على جواز قطع النافلة لاجلها، و يدل بطريق أولى على تحريم السفر، لان غيبة الوجه فيه أكثر وأعظم، وهي كانت تريد منه النظر إليها والاقبال عليها.

الثامن: كف الاذى عنهما، وإن كان قليلا، بحيث لا يوصله الولد إليهما ويمنع غيره من إيصاله بحسب طاقته.

التاسع: ترك الصوم ندبا إلا باذن الاب ولم أقف على نص في الام.

العاشر: ترك اليمين والعهد إلا باذنه أيضا ما لم يكن في فعل واجب أو ترك محرم ولم نقف في النذر على نص خاص إلا أن يقال: هو يمين يدخل في النهي عن اليمين إلا باذنه.

تنبيه بر الوالدين لا يتوقف على الاسلام لقوله تعالى " ووصينا الانسان بوالديه حسنا " " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا "(1) وهو نص وفيه دلالة على مخالفتهما في الامر بالمعصية وهو كقوله

(1) العنكبوت: 8، لقمان: 14.


383

عليه السلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فان قلت: ما تصنع بقوله تعالى " ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن "(1) وهو يشمل الاب، وهذا منع من النكاح فلا تكون طاعته واجبة فيه، أو منع من المستحب فلا تجب طاعته في ترك المستحب قلت الآية في الازواج، ولو سلم الشمول أو التمسك في ذلك بتحريم العضل فالوجه فيه أن للمرأة حقا في الاعفاف والتصون، ودفع ضرر مدافعة الشهوة، والخوف من الوقوع في الحرام، وقطع وسيلة الشيطان عنهم بالنكاح، وأداء الحقوق واجب على الآباء للابناء كما وجب العكس، وفي الجملة النكاح مستحب وفي تركه تعرض لضرر ديني أو دنيوي، ومثل هذا لا تجب طاعة الابوين فيه.

ويمكن اختصاص الدعاء بالرحمة بغير الكافرين، إلا أن يراد من الدعاء بالرحمة في حياتهما، بأن يوفق لهما الله ما يوجب ذلك من الايمان فتأمل، والظاهر أن ليس الاذى الحاصل لهما بحق شرعي من العقوق مثل الشهادة عليهما لقوله تعالى " أو الوالدين " فتقبل شهادته عليهما، وفي القول بوجوبها عليهما مع عدم القبول لان في القبول تكذيب لهما بعد واضح، وإن قال به بعض.

وأما السفر المباح بل المستحب فلا يجوز بدون إذنهما لصدق العقوق، ولهذا قاله الفقهاء وأما فعل المندوب فالظاهر عدم الاشتراط إلا في الصوم والنذر، على ما ذكروه وتحقيقه في الفقه.

وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا

سيجئ تفسيره " وإما تعرضن عنهم "(2) أي تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك بأداء حقوقهم عند مساء‌لتهم إياك لانك لا تجد شيئا تعطيهم حياء من ردهم بغير شئ " ابتغاء رحمة من ربك ترجوها " لطلب الفضل والسعة التي يقدر معها الاعطاء، ويحتمل أن يكون متعلقا بجواب الشرط أي وإن تعرض عنهم " فقل لهم قولا ميسورا " لابتغاء رحمة من ربك أي لطلب وجه الله ترجوها برحمتك عليهم أو متعلق بالشرط أي وإن تعرض عنهم لفقد رزق من

(1) البقرة: 232.

(2) أسرى: 28.


384

ربك ترجوا أن يفتح لك، فسمي الرزق الرحمة، فردهم ردا جميلا، وعدم عدة حسنة، وقل لهم قولا سهلا لينا، وفيها مبالغة في ملاحظة رد السؤال حيث ينبغي أن لا يكون إلا لعدم الوجدان مع طلبه، ثم مع ذلك لابد من القول الجميل.

قيل: لما نزلت هذه كان صلى الله عليه وآله إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال: يرزقنا الله وإياكم من فضله " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، أي ولا تكن ممن لا يعطي شيئا أصلا ولا يهب، فتكون بمنزلة من تكون يده مغلولة إلى عنقه لا يقدر على الاعطاء والبذل، وهذا مبالغة في النهي عن الشح في الامساك " ولا تبسطها كل البسط " أي ولا تعط أيضا جميع ما عندك، فتكون بمنزلة من بسط يده حتى لا يستقر فيها شئ، وهذا كناية عن الاسراف " فتقعد ملوما " تلوم نفسك ويلومك غيرك أيضا " محسورا " منقطعا بك ليس عندك شئ، وقيل: عاجزا نادما، وقيل محسورا من الثياب أي عريانا وقيل معناه إن أمسكت قعدت ملوما مذموما، وإن أسرفت بقيت متحيرا مغموما، وقال الكلبي لا تعط ما عندك جميعا فيجئ الآخرون ويسألونك فلا تجد ما تعطيهم فيلومونك.

وروي أن امرأة بعثت ابنها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالت: قل له إن امي تستكسيك درعا، فان قال: حتى يأتينا شئ فقل له: إنها تستكسيك قميصك فأتاه فقال ما قالت له فنزع قميصه فدفعه إليه فنزلت ويقال إنه عليه السلام بقي في البيت إذ لم يجد شيئا يلبسه، ولم يمكنه الخروج إلى الصلاة فلامه الكفار، فقالوا إن محمدا اشتغل بالنوم واللهو عن الصلاة.

وما أجد حسن هذه النقول الله أعلم بل أجد أن الاحسان والبذل حسن وكذا الايثار على نفسه بل عياله أيضا مع رضاهم كما دلت عليه سورة هل أتى، وقوله: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة "(1) وكفى بذلك دليلا وفي العقل ما يؤيده نعم إن علم الحاجة بحيث يفوت معه الواجب أو الاولى لا ينبغي الاعطاء والظاهر أن مثله لا يقع عن أدنى عاقل فكيف عنه صلى الله عليه وآله فالاية كما قيل دليل المنع

(1) الحشر: 10.


385

عن الشح وتحريمه، وتحريم الاسراف والتبذير لا غير فافهم.

قال في الكشاف: هذا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد الذي بين الاسراف والتقتير، ونعم ما قال، ويؤيده ما قبلها وما بعدها " إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " يوسع لمن يشاء ويرى المصلحة له في ذلك، فان الله هو العالم الحكيم لا يفعل إلا لغرض ومصلحة عائدة إلى عبيده، فالبسط والضيق إنما يكون في محله ومصلحته وتدبيره لهم ذلك لا غير، و هو ظاهر بناء على اصولنا.

ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله

(1) في الكشاف أي لا تقولن لاجل شئ تعزم عليه إني فاعل ذلك الشئ فيما يستقبل من الزمان، ولم يرد الغد خاصة " إلا أن يشاء الله " متعلق بالنهي على وجهين أحدهما ولا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه، والثاني ولا تقولنه إلا بمشيئة الله، و هو في موضع الحال يعني إلا متلبسا بمشيئة الله تعالى قائلا إنشاء الله، وفيه وجه ثالث وهو أن يكون إنشاء الله في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبدا، ونحوه قوله " وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله " لان عودهم في ملتهم مما لن يشاء الله وقد ذكرنا مثله في قوله " هم فيها خالدون إلا ما شاء ربك ".

ثم قال: وهذا نهي تأديب من الله لنبيه، حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذوي القرنين، فسألوه فقال: ائتوني غدا اخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، فظاهر هذه تحريم الاخبار بفعله في المستقبل إلا أن يقارنه بقوله إن شاء الله على أحد الوجوه والقائل به غير معلوم، فيحتمل أن يكون من خصائصه عليه وعلى آله السلام أو منسوخا أو يكون النهي للكراهة والتأديب كما قال في الكشاف وهذا نهي تأديب فتأمل.

(1) جواب عن قوله " أخرقتها لتغرق أهلها " حاصله أنه قال الخضر على نبينا وعليه السلام إنما خرقت السفينة بأن أخذت لوحين من تحتها لان بين يديهم كان ملكا يأخذ كل سفينة غصبا فلو رآها الملك منخرقة تركها ويصلحها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها، قالوا " وراء " هنا بمعنى القدام، وهو لغة جاء‌ت في الاشعار والامثال، إذ لو كان بمعنى الخلف فكانت السفينة تقدمت الملك فما كان يأخذها، وقيل يحتمل كون الملك في طريقهم عند الرجعة، وعلم الخضر ولم يعلم غيره وهو بعيد، ويحتمل أن يكون الملك يجيئ من خلفهم في البحر أيضا فيأخذ.

واعلم أنه يستفاد من هذا ومن إقامة الجدار وجوابه جواز التصرف في مال الغير، إذا علم أنه أولى من عدمه، ومنه إجارة دار الغائب إذا كانت أولى، وكذا إجارة بعض مماليكه، وبيع بعض أسبابه المشرف على التلف، ونحو ذلك وينبغي أن يباشره الحاكم، ومع تعذره لا يبعد لآحاد المؤمنين الموثقين ذلك، لهذه لآية ولانه إحسان مأمور به، والفاعل محسن: و " ما على المحسنين من سبيل " وكذا مال الاطفال والمجانين والسفهاء وفي الاطفال أخبار صحيحة بخصوصها، ويدل عليه أيضا " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " وقد مر فتأمل، وتذكر.

واعلم أنذلك ليس بمخصوص بشرع موسى وخضر عليهما السلام وإن كان شرع من قبلنا ليس بحجة لنا، لان سوق الآية يدل على كون الحكم معقولا، وأن العقل يقتضي موافقا للشرع، فلا خصوصية له بمذهب دون مذهب فتأمل.

ثم إن في حكايتهما عن آخره دلالة على امور اخر من الاصول والفروع مثل جواز قتل شخص لدفع مفسدة ومصلحة آخر وقال في مجمع البيان وهو يدل على وجوب اللطف كما هو مذهبنا، وفيه تأمل.

ثم قال إنه يجوز لكل أحد ولكن هذا مع العلم، والعلم إنما يحصل للانبياء، فلا يجوز لغيرهم، وإن كان مخيرا بين إماتته بغير ألم القتل وبين أمره بالقتل، ولكن مع عوض ألمه فلا جور، وأنه يحتمل

(1) الكهف: 79.


387

أن يكون المصلحة ودفع المفسدة في القتل لا بالموت بوجه آخر، وغير ذلك مثل نسبة النسيان إلى النبي وجواز إسناد شئ غير حسن بحسب الظاهر إلى الغير مثل خرق السفينة لغرق الناس، وقتل النفس الزكية القبيح، وخلف الوعد، والكل مجاب ليس هذا محل ذكره فتأمل، وأيضا قال: فيها بيان طرق استعمال الادب من المعلم والمتعلم، وقد بين وجوها حسنة في آداب التعليم فليرجع إليه المربد.

قال سلام عليك سأستغفر لك ربي

الآية(1) أي قال إبراهيم ذلك ودعا لابيه وسلم عليه، فيدل على جواز السلام على الاب والدعاء والاستغفار له، وإن لم يكن مسلما، وإن طرد الولد، وقيل: ما كان معلوم القبح عقلا وما منع شرعا فجاز أن يكون الدعاء بتوفيق الاسلام فيغفر له بعد ذلك، ويدل على الاول " و ما كان دعاء إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين " الآية(2) فكأنه يقول وعده أباه وقال " سأستغفر لك " ولم يتبين له أنه من أصحاب النار فلما تبين ترك، لكن قاعدة الاصحاب تقتضي عدم كون آزر أباه فقيل: كان عمه، وقد يسمى العم به، ويؤيده ما ذكره في القاموس آزر اسم عم إبراهيم وأما أبوه فكان اسمه تارح وقال فيه في باب الحاء وفصل التاء تارح كآدم أبوإبراهيم الخليل عليه السلام.

إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة

(3) في القاموس الفاحشة الزنا وما يشتد قبحه من الذنوب وكلما نهى الله عزوجل عنه وفي الكشاف: الفحشاء والفاحشة ما أفرط قبحه يعني الذين يريدون شيوع الفاحشة وظهورها، ويقصدون إشاعتها ونسبتها إلى المؤمنين تفضيحا لهم، و في مجمع البيان يفشون ويظهرون الزنا والقبائح " في الذين آمنوا " بأن ينسبوها إليهم ويقذفوم بها " لهم عذاب أليم في الدنيا " باقامة الحد عليهم كما ينبغي أو التعزير إلا أن يراد بالحد أعم، وفي الآخرة " هو عذاب النار.

(1) مريم: 49.

(2) براء‌ة: 116.

(3) النور: 20.


388

فيها دلالة على تحريم القصد إلى المحرم إلا أن يراد المبالغة كما في نحو " ولا تقربوا " أو أراد إشاعة الفاحشة [ المحبوبة ] ونسبة القبايح والمحرمات إلى المؤمنين وإشاعة الذنوب فتأمل " والله يعلم " ما في الضمائر " وأنتم لا تعلمون " قال القاضي: فعاقبوا في الدنيا على ما دل عليه الظاهر، والله سبحانه يعاقب على ما في القلوب من حب الاشاعة.

ولا يأتل اولوا الفضل منكم والسعة

(1) أي لا يخلف ذو مال وغنى وسعة و قدرة منكم أيها المؤمنون " أن يؤتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله " أي على أن لا يعطي هؤلاء المذكورين، بل يعطيهم وإن حلف، فيكون التقدير أن لا يؤتوا، وحذف " لا " وهو قليل، أو لا يأتل يعني لا يقصر في الاحسان إليهم وإن كان بينهم شحناء لجناية اقترفوها، فليعودوا عليهم بالعفو والصفح، وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل الله بهم، مع كثرة خطاياهم وذنوبهم وهو معنى قوله " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم " إشارة إلى ما صدر عنه في إفك عائشة أي الافتراء عليها بالفاحشة مع جماعة من المنافقين.

وقد ذكروا في تفسير " إن الذين جاؤا بالافك ".

الآية قيل: هذه الآية نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة أبي بكر وكان فقيرا من فقراء المهاجرين، و كان أبوبكر ينفق عليه فلما فرط منه ما فرط آلى أبوبكر أن لا ينفق عليه، ولما نزلت فقال أبوبكر: بلى احب أن يغفر الله لي، عاد أبوبكر إلى ما كان فأنفق على مسطح ما كان ينفقه عليه وقال والله ما أنزعها أبدا وفي مجمع البيان قيل نزلت في أبي بكر ونقل ما في الكشاف على ما تقدم، وقيل: نزلت في يتيم كان في حجر ابي وحلف لا ينفق عليه، وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة أقسموا أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشئ من الافك.

وفي الآية دلالة على عدم جواز الحلف على ترك الاعطاء، ولو كان المعطى

(1) النور: 22.


389

عليه فاسقا فاجرا بل منافقا موعودا في القرآن الكريم بجزاء ما اكتسب، كما يفهم من آية الافك، وعدم انعقاده على تقدير وقوعه، واعتقاد الحالف أنه حسن وعبادة فالنظر إلى ما في نفس الامر لا إلى اعتقاد الحالف، وعلى عدم ترك الاحسان إلى المسئ وأن ذلك موجب لاحسان الله إليه وتركه موجب لتركه ولا يبعد استفادة عدم الحلف وأخويه، وعدم انعقاده في كل ما ثبت أنه حسن وإحسان، وعلى حسن جميع الاحسان، وفيه ترغيب جميل على حسن الخلق، وعدم ترك الاحسان للاساء‌ة وهو ظاهر.

قال في الكشاف ونعم ما قال: وكفى به داعيا إلى المجاملة، وترك الاشتغال بالمكافاة للمسئ.

وعلى جواز الانفاق على الفاسق بل الكافر، وأنه لا خصوصية بالقريب ولا بالمسكين، ولا بالمهاجرين في سبيل الله، بل كل واحدة كافية للاحسان كما يظهر من الآية قال في مجمع البيان: مسطح بن أثاثة كان من المهاجرين ومن جملة البدريين ثم قال: في قصة مسطح دلالة على أنه يجوز أن تقع المعاصي ممن شهد بدرا وصرح به الفخر الرازي أيضا في تفسيره، فدلت على عدم كون الصحابة كلهم عدولا، و كذا دلت على عدم مقبولية كل المهاجرين، فان مسطحا كان منهم، مع أنه حد ولعن وله عذاب عظيم في الدنيا والآخرة وغير ذلك مما ورد في هذه الآيات الشريفة لقذفه على ما بين، فما ورد في مدحهم مخصوص أو مشروط بسلامة العاقبة، أو قبول التوبة، وهو ظاهر، وعدم قبول كل المهاجرين والانصار.

وعلى أن الرمي بالزنا كبيرة، وفيها مبالغة زائدة في حسن العفو والصفح وعدم ترك الاحسان والانفاق ولو على المسئ، حيث منع الله أبا بكر من عدم إنفاق ماله على مسطح الذي قذف ابنته زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وقذفها مما وعد الله عليه النار، وأن القاذف ملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم.

قال في الكشاف والقاضي: ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة، وبين في الكشاف المبالغة من وجوه كثيرة، وأنه ما وقع في


390

حق عبدة الاوثان مثله، وفيهما أن ذلك لعظم شأن رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيها رجاء عظيم بمغفرة الله وعفوه وصفحه فافهم.

ثم إنه لا يخفى أن مضمون الآية نهي من اتصف بفضل ما وسعة عن الحلف واليمين على ترك الاحسان إلى ذوي قرابته والمساكين والمهاجرين في سبيل الله بسبب ذنب وقع منهم وإساء‌ة بالنسبة إليه، ولا تدل على أفضلية أبي بكر من أربعة عشر وجها على ما توهمه الفخر الرازي في تفسيره الكبير، وقد بينا ذلك في رسالة عليحدة ونشير هنا إلى نبذ منه، ومن بعض كلامه: أجمع المفسرون على أن المراد باولي الفضل أبوبكر، علم ذلك بالتواتر وأنها تدل على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لان الفضل المذكور في هذه الآية إما في الدنيا، وإما في الآخرة، لانه تعالى ذكره في معرض المدح من الله تعالى والمدح من الله تعالى في الدنيا غير جايز لانه لو كان كذلك لكان قوله والسعة تكريرا فيتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين، فلو كان غيره مساويا له في الدرجات لم يكن هو صاحب الفضل لان المساوي لا يكون فاضلا فلما أثبت الله تعالى له الفضل مطلقا غير مقيد بشخص دون شخص، وجب أن يكون أفضل الخلق، ترك العمل في حق الرسول صلى الله عليه وآله فيبقى معمولا في حق الغير.

وهذا غلط فاحش، فان مضمون الآية ما ذكرناه وهو غير مخفي على من له معرفة بأساليب الكلام، وليس فيها دلالة على ما ذكره، وما ذكره في ذلك ظاهر البطلان، فانه ليس في مقام المدح، وعلى تقديره لا بعد في ذلك في هذا المقام، و على تقدير كون الفضل مخصوصا بالدين لا يلزم كونه أفضل، ويجوز للمساوي أن يكون فاضلا، وعدم تقييد الفضل بالنسبة إلى شخص لا يلزم أفضليته على كل خلق وهو ظاهر، وأنه لو تم لدل على أفضليته من نبينا صلى الله عليه وآله وسائر الانبياء وهو باطل ومناف لاول كلامه وأيضا يلزم إذا قيل " زيدا ولو الفضل " أن يكون كفرا بحسب منطوقه فتأمل وأنه غير مجمع عليه كون المراد به أبا بكر فانه نقل في مجمع البيان أنه نزل في جماعة من الصحابة حلفوا أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشئ من


391

الافك عن ابن عباس وغيره، وأن لا تواتر وأن ذلك ليس دليلا للاجماع وإثبات الاجماع والتواتر دونه خرط القتاد، وعلى تقدير التسليم أين الدلالة على الافضلية في الجملة، فضلا عن جميع الخلق، فكيف ولا شك في عدم اختصاصها بأبي بكر لقرائن لفظية ومعنوية.

وإن سلم نزولها في حق أبي بكر ومسطح فان المدار على [ عدم ] عموم اللفظ فحينئذ يلزم كل من له فضل وسعة [ أن ] يكون أفضل من جميع الخلق، فيكون أكثر الخلايق أفضل من الكل ويكون الاكثر مفضولا وفاضلا، وفساده أوضح من أن يبين نعم غاية ما يمكن أن يقال يدل على أن له فضيلة ما إن حمل الفضل على أمر الدين والسعة في الدنيا، كما قاله البيضاوي مع أن الظاهر والمتبادر في هذا المقام هو الفضل في المال والسعة عطف بيان له، وذلك في القرآن العزيز غير عزيز فالتكرار ليس بسبب لذلك الحمل كما قاله، كيف يخصص به مثل هذه الآية الشريفة التي أراد الله تعالى حث المؤمنين على الاحسان بالنسبة إلى المسئ ودفع السيئة بالحسنة، وترك المكافاة والانتقام طمعا في المغفرة والعفو عنهم، كما أشار إليه بقوله " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم " مع جمع اولي الفضل وجمع اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليس ذلك إلا تفويت غرض الحكيم تعالى.

بل يمكن أن يستفاد منها مذمة أبي بكر حيث حلف، ونهي عن ذلك و عوتب وامر بالعفو والصفح ثم عوتب أن من يفعل ذلك لا يحب أن يغفر له، ومن العجب أيضا أنه ذكر أن أبا بكر أفضل من علي لان إطعامه لم يكن لوجه الله بل طمعا للثواب وخوفا من العقاب، بخلاف إنفاق أبي بكر، فانه من أين يقول هذا فان إنفاق أبى بكر لو صح ما يعلم وجهه، والظاهر كونه لقرابته وأنه لو سلم آية " وما لاحد عنده من نعمة تجزى " لا يدل عليه أيضا، نعم يدل عليه أنه ما كان عليه من أحد نعمة تجزى إلا أنه فعل لله ولوجهه بخلاف ما فعله علي عليه السلام فان الله أخبر بذلك بقوله تعالى " إنما نطعمكم لوجه الله " ولعمري ليس مثل هذا الكلام


392

إلا التعصب، والنزول عن الحق، وما نجد له باعثا الله يعلم.

فان أردت تفصيل ما ذكره وما ذكرناه فارجع إلى تفسيره، وإلى ما ذكرناه في الرسالة، الله الموفق للحق والصواب وإليه المصير والمآب.

تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين

(1) في الكشاف: تلك تعظيم لها - أي دارالآخرة والجنة - وتفخيم لشأنها يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها، ولم يعلق الموعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما، كما قال " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا " فعلق الوعيد بالركون، وعن علي رضي الله عنه أن الرجل ليعجبه أن يكون شراك فعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها، وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال ذهبت الاماني ههنا، وعن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يرددها حتى قبض.

في مجمع البيان " علوا " أي تجبرا على عباد الله، واستكبارا عن عبادته " ولا فسادا " أي عملا بالمعاصي، قيل هو الدعاء إلى عبادة غير الله، وقال عكرمة هو أخذ المال بغير حق، ويفهم منه عرفا غير ذلك فافهم، والاول بعيد ولا بعد في عمومه كما يفهم من كلامه صلوات الله عليه وعلى آله، لانه لو لم يكن في نفسه خساسة وحسد وتسلط على المسلم ما كان يريد أن يكون شراك نعله أحسن من شراك نعل صاحبه، فهو خسة في حقه [ تعالى ] وماله وحسد وبغض وغير ذلك لا أنه يريد لنفسه شيئا حسنا فقط لانه لو كان كذلك كان لا يريد الاخس لغيره، والاحسن لنفسه وهو ظاهر فافهم.

ووصينا الانسان بوالديه حسنا

(2) أي أمرنا الانسان أن يفعل بوالديه فعلا ذا حسن فيحسن إليهما ولو كانا كافرين أيضا، لعمومه ومثله قوله " وصاحبهما في الدنيا معروفا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " ونبه به على عدم إطاعتهما في المعاصي لو أرادا، لان كل حق وإن عظم ساقط إذا جآء

(1) القصص: 84.

(2) العنكبوت: 8.


393

حق الله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم قال " إلي مرجعكم جميعا " من آمن ومن كفر، ومن أطاع ومن عصى ومن عمل بالوصية ومن لم يعمل، و من أطاعهما في الشرك وغيره، فاجازي كلا باستحقاقه.

في الكشاف: فيه شيئان أحدهما أن الجزاء إلي، فلا تحدث نفسك بجفوة والديك وعقوقهما لشركهما، ولا تحرمهما برك ومعروفك في الدنيا، كما أني لا أمنعهما رزقي والثاني التحذير من متابعتهما على الشرك والحث على الثبات والاستقامة في الدين، بذكر المرجع والوعيد.

وفي قوله " أن المسلمين والمسلمات " إلى قوله " أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما "(1) دلالة واضحة على حسن الاسلام والايمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم وحفظ الفرج من الحرام وذكر الله كثيرا، وأنها موجبة للمغفرة والاجر العظيم، وفي قوله " زوجناكها " الآية دلالة على أن فعله صلى الله عليه وآله يدل على الجواز، وأن نفي الحرج عنه يستلزم نفي الحرج عن الامة والتأسي فتأمل، وبحث التأسي طويل مذكور في محله يرجع إليه، ويدل على تحريم إيذاء المؤمنين أي المسلمين بغير استحقاق وجناية يقتضي ذلك ويبيح قوله تعالى:" ﴿ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " أي بغير جناية واستحقاق يبيح ذلك " فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا "(2).

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا

(3) قيل أن مفسرة يعني أن المحرمات ما يفهم من قوله " لا تشركوا " وما عطف عليه، ويصح عطف الاوامر المفهومة من مثل قوله " وبالوالدين إحسانا " أي أحسنوا بهما على النواهي لان [ من ] المحرمات ما يفهم منها، وهو ضد المأمورات، مثل الاساء‌ة في أحسنوا، و يحتمل كونها مصدرية أي عليكم أن لا تشركوا، فيكون ألا تشركوا مفعول عليكم أو مرفوعا بالابتدائية أو يكون خبرا عن نحو هو أو المتلو.

(1) الاحزاب: 36.

(2) الاحزاب: 58.

(3) الانعام: 153.


394

وضع الامر بالاحسان موضع النهي عن الاساء‌ه إليهما للمبالغة والدلالة على أن ترك الاساء‌ة هنا لا يكفي، بل لابد من الاحسان، فيفهم أن ترك الاحسان بمنزلة الشرك في النهي والقبح.

ولا تقتلوا أولادكم من إملاق

أي من جهة الفقر وخشيته كقوله " خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم "(1) منع لموجب القتل، وإبطال لحجتهم في القتل.

ولا تقربوا الفواحش

(2) قيل كبائر الذنوب أو الزنا مطلقا " ما ظهر منها وما بطن " أي الظاهر والخفي، قيل هو مثل " ظاهر الاثم وباطنه "(3).

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق

(4) مثل القصاص والحد والرجم والارتداد وقتل الاولاد داخل فيه، إلا أنه خص بالذكر للاهتمام به، ولانهم كانوا يفعلون ذلك، فذكر للمنع بخصوصه ورد حجتهم والاحتجاج عليه " ذلكم " أي الامور المذكورة في الامر والنهي ما " وصيكم به " أي بحفظه " لعلكم تعقلون " ترشدون بسبب العمل به، والتعبير عن الرشد بالعقل لان الرشد كمال العقل.

ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن

(5) أي لا تقربوا من مال اليتيم بأن تتصرفوا وتفعلوا فيه فعلا، فلا تدنوا إليه بفعلة أصلا إلا بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله، بحسب ما يقتضيه عقل العقلاء كحفظه، وتعمير ما هو خراب منه وتنميته وتثميره أو أحسن من تركه وبالجملة هو الذي يجده العقل السليم حسنا وأولى من تركه، وهو مقتضى أكثر عقول العقلا.

فالآية تدل على تحريم الامور المذكورة، خصوصا التصرف في مال اليتيم، حيث عبر عن النهي عنه بعدم القرب منه، ولهذا عد بخصوصه من الكبائر، واليتيم غير البالغ الذي لا أب له ويمكن إدخال غير الرشيد فيه إلى أن يرشد لاحتمال أن يكون معنى " حتى يبلغ أشده "

(1) أسرى: 34.

(2) الانعام: 153.

(3) الانعام: 120.

(4) الانعام: 153: أسرى: 36.

(5) أسرى: 37، الانعام: 154.


395

يبلغ رشده أي يبلغ ويرشد، وقيل حتى يبلغ ويصير بالغا، وهو جمع شدة كنعمة وأنعم، والاول أولى، لان الظاهر أنه غاية النهي للتصرف، ولو كان باذنه، إلا أن يكون باذن الولى ومعلوم أنه بعد مجرد البلوغ لم ينته المنع عن التصرف و إن كان باذنه أيضا لعدم الرشد فالتصرف في ماله مطلقا باذنه وبدونه حرام إلى أن يرشد ويبلغ.

وتدل أيضا على جواز التصرف في ماله إن كان أحسن، فلو كان عند الانسان ما يتلف من ماله يجوز حفظه بأي نوع كان، وإذا خيف تلفه يجوز بيعه وإقراضه من ملي أمين مع الشهود والرهن إن لم يوجد أحسن منه، وأن يوجر عقاره، وأن يعمر ويحفظ عن الخراب ونحو ذلك، ويدل عليه الاخبار أيضا، ولهذا قال الفقهاء بذلك، وجوزوا كون بعض العدول بمنزلة الوصي على تقدير عدمه، بأن يجعله الحاكم وصيا له في ذلك، وإذا لم يكن الحاكم، له أن يفعل ذلك، وبالجملة الولي مقدم، فان لم يكن فالوصي فالحاكم فالعدل، فيمكن جواز الشراء منه وتسليم الثمن إليه ونحو ذلك، وجعله بمنزلة الوصي قتأمل.

وأما من كان في يده ماله فبالنسبة إليه يمكن كفاية كونه أمينا موثوقا بنفسه بل مطلقا في حفظه وما هو يقينا أحسن من عدمه لعموم الآية، ويؤيده تكرار هذه الآية في القرآن العزيز، وموافقته للعقل، ووجدانه حسنه والاحتياط لا يترك.

ويدل عليه أيضا الآيات التي في بيان حكاية الخضر وموسى عليهما السلام حيث دلت على التصرف بغير الاذن، مثل خرق السفينة، وإقامة الجدار، ونحو ذلك وسوق الجواب يدل على عدم اختصاص ذلك بدين دون آخر وهو ظاهر، ويؤيده العقل وحينئذ لا يبعد جواز التصرف في ماله غير اليتيم أيضا إذا كان أحسن بأن كان مجنونا أو غائبا ويتلف ماله ويخرب عقاره إن لم تؤجر، فيوجرها بعض العدول، وكذا دوابه وبعض آلاته التي تتلف يقينا أو ينقص، بحيث يجزم كل عاقل أن بيعه أو إجارته أحسن ويرضى به مالكه العاقل، كما أن الله تعالى يوصل ضررا بالعبد لمرض ونحوه مع تعيين عوض يرضى به كل عاقل، ويؤيده كونه


396

متداولا بين المسلمين وينقلون جواز ذلك عن المشايخ رحمهم الله، ولكن يجب فيه الاحتياط التام بل اشتراط خيار للمالك إن أمكن، وتسليم ما له إلى يد أمين ملي وجعله في ذمته مع رهن.

وبالجملة لابد من مراعات الاحسن.

ويؤيده أيضا بعض الآيات مثل " ما على المحسنين من سبيل " " ولا على أنفسكم أن تأكلوا " الآية، إذا كان المتصرف ممن تضمنت الآية جواز الاكل له من بيوتهم، فانه إذا جاز له الاكل جاز له مثل هذه التصرفات بالطريق الاولى ويؤيده أيضا ما في الاخبار أن المؤمن أخ المؤمن، وأن يجعل نفسه كنفسه، و ماله وعرضه كماله وعرضه، في حفظه، فتأمل.

وأوفوا الكيل والميزان بالقسط

(1) صحة عطفه مثل ما تقدم، أي يجب إيفاء الكيل والوزن بالعدل والسوية، ولما كان مشكلا أردفه بقوله " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " أي إلا ما يسعها ويقدر عليه من غير حرج وضيق فعليكم الجهد في تحصيل الحق، وما وراء ذلك معفو عنكم، وأما صاحب المال فيستحب له أن يعطي زايدا ويأخذ ناقصا، ومع التشاح يمكن ترجيح من بيده الكيل والوزن ومع عدمه أو مطلقا القرعة، وترجيح جانب صاحب المكيل والموزون لان الزيادة من طرفه أسهل، حيث ما يعطي الثمن غالبا وأنه العادة في الاكثر.

وإذا قلتم

في حكومة وشهادة بل مطلقا " فاعدلوا " فيه أي استعملوا العدل والحق في ذلك القول " ولو كان " المقول فيه " ذا قربى " أي قرابة القائل، بل لو كان نفسه فيقر بما يضره في الدنيا فان ذلك نفع له بحسب الحقيقة، وإن كان بحسب الظاهر يرى أنه مضر، ففيه دلالة على وجوب الشهادة على الاقارب مطلقا حتى الآباء والامهات وقبولها " وبعهد الله " متعلق بما بعده أي " أوفوا " للتأكيد و المبالغة للحصر المستفاد أي يجب إيفاء ما عهد الله إلى المكلف لا غير أي لا تصر إلى غيره وتجعله معارضا له وتتركه به، ففيها دلالة على وجوب الايفاء بالشروط والعهود والنذور

(1) أسرى: 154.


397

والعقود، والاتيان بجميع ما أمر به من العمل بالعدالة في القول والفعل، وإيفاء الكيل والوزن وغير ذلك وتحريم ضدها، وبسببه عطف على المناهي كما مر " ذلكم " أي جميع ما تقدم أو حصر الايفاء بعهد الله، فانه مشتمل على ما تقدم و زيادة " وصاكم " الله " به " بحفظه والعمل بمقتضاه " لعلكم تذكرون " رجاء تذكركم الله وعقابه وثوابه فتتعظون به، وفيه تأكيد بالغ.

وأن هذا صراطي مستقيما

(1) يحتمل ما تقدم، وقيل إشارة إلى ما ذكره في هذه السورة فانها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة ويؤيده " فاتبعوه ولا تتبعوا السبل " الاديان المختلفة التابعة للهوى فان مقتضى الحجة واحد، و مقتضى الاهواء مختلف لاختلاف الطبايع " فتفرق بكم " فتفرقكم " عن سبيله " الذي هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان " ذلكم " أي الاتباع أو الصراط المستقيم " وصاكم به لعلكم تتقون " الصلال والتفرق عن الحق.

ولا تركنوا إلى الذين ظلموا

(2) أي لا تميلوا إلى من وجد منه الظلم وقتا ما أدنى ميل، فان الركون هو الميل القليل كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم واستدامته، فان فعلتم " فتمسكم النار " بركونكم إليهم، فاذا كان الميل اليسير إلى من صدر منه وقتا ما ما يسمى ظلما موجبا لمس النار، فما ظنكم بالميل الكثير إليهم، وبالظالم نفسه، وبالظلم.

قال القاضي: ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه وخطاب الرسول، ومن معه من المؤمنين بها، للتثبت على الاستقامة التي هي العدل فان الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط، فانه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه، وهذا الكلام مشعر بأنه فسر الظلم بمطلق الذنب كما في قوله " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه "(2) ولكن يمكن تقييده بالكبيرة فتأمل قال في الكشاف: النهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم

(1) أسرى: 155.

(2) هود: 115.


398

ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله " ولا تركنوا " فان الركون هو الميل اليسير وقوله " إلى الذين ظلموا " أي الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين.

ثم نقل غشيان الموفق في الصلاة لما قرأ الامام هذه الآية فيها، وسئل عن سبب الغشيان فقال: إذا كان هذا حال المايل إلى الظالم فكيف به، ونقل أيضا كتابة صديق للزهري إليه لما خالطه السلطان، وبالغ في ذلك من ذمه اختلاط الظالم وذكر امورا كثيرة منها: عافانا الله وإياك من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، ومنها وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، ومنها واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يرد حقا ولم يترك باطلا، ومنها فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، ومنها فداو دينك دخله السقم، و هيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وآخرها " وما يخفى على الله من شئ في الارض ولا في السماء ".

ثم نقل الاخبار في ذم الاختلاف إلى أبواب الظلمة، قال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك، وعن الاوزاعي: ما من شئ أبغض إلى الله في أرضه من عالم يزور ظالما، وعن محمد بن سلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه، ويوكد ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وآله بطريق العامة والخاصة: كفارة اختلاف أبواب السلطان قضاء حوائج الاخوان.

وكلام الكشاف ظاهر في أن المراد بالظالم هو حاكم الجور، وذلك غير بعيد لانه المتبادر، ولان ظلمه أقبح، فلا يبعد كون قباحته واصلا إلى هذه المرتبة، ولما روي من أخبارنا مثل ما ذكر في الفقيه في باب جمل من مناهي النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من مدح سلطانا جايرا أو تخفف وتضعضع له طمعا فيه، كان قرينه في النار، وقال صلى الله عليه وآله قال الله عزوجل " ولا تركنوا إلى


399

الذين ظلموا فتمسكم النار " وقال عليه السلام من ولى جائرا على جور كان قرين هامان في جهنم، ويحتمل الظلم على الغير مطلقا ومطلق الظلم الموجب لسخطه كما مر، وقال في مجمع البيان أي لا تميلوا إلى المشركين في شئ من دينكم عن ابن عباس، وقيل: لا تداهنوا الظلمة عن السدى، وابن زيد، وقيل إن الركون إلى الظالمين المنهي عنه، هو الدخول معهم في ظلمهم أو إظهار موالاتهم، وأما الدخول عليهم ومخالطتهم ومعاشرتهم دفعا لشرهم فجايز عن القاضي، وقريب منه ما روي عنهم عليهم السلام أن الركون هو المودة والنصيحة والطاعة لهم، والاول بعيد، والثاني قريب مما قلنا إن المراد هو حكام الجور، ومعلوم أن مخالطتهم لدفع شرهم جائز عقلا ونقلا.

ويحتمل أن يكون المراد الميل إلى مطلق الظالم من حيث الظلم كما مر إليه الاشارة، ولهذا قالوا: يجوز مدح من يستحق الذم من وجه آخر بوجه لا يستلزم مدحه على القبيح ويدل عليه العقل، وبالجملة المراد المبالغة في المنع عن الميل إلى الظالم والظلم خصوصا على ما ذكره في الكشاف والقاضي وإلا يلزم كون الميل إلى بعض أكابر الصحابة موجبا لمس النار لانه قد وجد منهم الظالم والكفر قبل الاسلام، والاستدلال بهذه الآية على اشتراط العدالة في الوصي ومستحق الزكاة والخمس وعدم جواز إعطاء شئ إلى غير العدل ليس بصحيح وهو ظاهر، نعم يمكن الاستدلال بها على تحريم اختلاط الظلمة ومعاشرتهم، ووجوب التنفر عنهم واجتنابهم مطلقا، وخصوصا حكام الجور، وسيما من حيث الظلم والذنب وهو ظاهر عقلا من غير حاجة إلى هذه الآية الشريفة، وفقنا الله وإياكم للاستقامة وعدم الخروج عن الطاعة.

أرسله معنا غدا نرتع ونلعب وإنا له لحافظون

(1) استجازوا أباهم في اللعب وقد أجاز لهم، فيدل على عدم تحريم اللعب مطلقا إلا ما ثبت تحريمه بخصوصه إلا أن يقال إنه مخصوص بشريعتهم إذ لم يثبت حجية شرع من قبلنا أو يقال إن المراد اللعب الخاص

(1) يوسف: 13 على قراء‌ة.


400

وهو الاستباق والانتضال حتى يتعودوا أنفسهم لقتال العدو بدليل " إنا ذهبنا نستبق " كما قال في الكشاف ولكن لا يحتاج إليه لما تقدم من احتمال اختصاص الاباحة بدينه ولا إلى قوله حتى يتعودوا على أن في إباحة الاستباق تأملا إلا أن يريد الاستباق بالفرس ونحوه ولكن الظاهر أن المراد هو الاستباق بالاقدام، فيحتاج إلى جعله من خصائص دين يعقوب عليه السلام قال في مجمع البيان: أراد به اللعب المباح مثل الرمي والاستباق بالاقدام، وقد روي أن كل لعب حرام إلا ثلاثة: لعب الرجل بقوسه وفرسه وأهله، والسند غير ظاهر، وفي المستثنى والمستثنى منه تأمل.

وفي قص الرؤيا، ومنع يعقوب اقتصاصه على إخوته معللا بأنهم يكيدوا له كيدا دلالة على جواز قص الرؤيا، وأنها قد تكون صادقة، وجواز النصيحة ولو كانت مشتملة على ما يشعر بذم شخص فتأمل.

قيل في قوله تعالى " اجعلني على خزائن الارض "(1) أي ولني خزائن أرضك أي اجعلني وكيلا وحاكما على ملكك " إني حفيظ عليم " أمين أحفظ ما تستحفظني، عالم بوجوه التصرف، دلالة على جواز مدح النفس وتزكيتها ليتوصل به إلى غرض صحيح، مثل التولية لامضاء الاحكام الشرعية، وإقامة الحدود وبسط العدل، ودفع الظلم، وبالجملة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى جواز طلب التولية والقضاء من حكام الجور إذا علم أنه قادر على إجراء الاحكام والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر على ما هي عليه كما ذكره الفقهاء رحمهم الله، بل قد يجب حيث علم عدم حصول ذلك إلا بطلبها لنفسه والعقل يدل عليه ولا يحتاج إلى هذه الآية مع أنه فرع حجية شرع من قبلنا، وقياس غير النبي عليه، وعلمه بعلمه مع أنه كان مستقلا، لا عاملا ولا نايبا وفرض العلم في غيره بحيث يكون عالما بخلو توليته عن جميع المفاسد في نفسه وغيره لا يخلو عن بعد، إذ نجد أن مخالطة الحكام والتسلط على الناس يخرب الدين، وبالجملة كل ذلك إذا كان معلوما عنده أنه يفعله ابتغاء وجه الله كما فعله يوسف عليه السلام بأمر الله ولا شك في جوازه بل وجوبه، وفي جعل السقاية في رحل

(1) مر في أول الكتاب.


401

أخيه ليأخذه، ثم الندا بالسرقة، وتفتيش وعائهم ونحو ذلك، دلالة واضحة على جواز أمثال مع استعمال التورية إذ ذكر في التفسير أنه عليه السلام ورى، ولكن يشكل لما تقدم، ولعدم الضرورة، ولان ذلك كان بحكم الله تعالى كما قال " كذلك كدنا ليوسف "(1) فتجويز ذلك لغيره قياس مع الفارق فلا يجوز مع أنه يحتمل أن يكون المنادي غيره عليه السلام ثم في عدم منع يوسف ويعقوب أبناء‌ه وترك استتابهم ومخالطتهم حتى خاف عليهم الدخول من باب واحد فقال " ادخلوا من أبواب متفرقة "(2) دلالة واضحة على جواز ذلك، فتأمل، وفي عفوهما عنهم، ودعائهما لهم دلالة واضحة على أن العفو حسن، وصاحبه ممدوح وهو ظاهر عقلا ونقلا كتابا وسنة متظافرة، ثم في ترك يوسف إعلام أبيه وسائر أهله إلى ذلك الزمان مع قدرته عليه، دلالة واضحة على ترك صلة الرحم بمثل ذلك، وكان ذلك بأمره تعالى لمصلحة يعلمها الله فلا يقاس، ولهذا نقل في الكشاف أنه لما أدخل أباه خزانة القراطيس، قال يا بني ما أعقك؟ عندك هذه القراطيس، وما كتبت إلي على ثماني مراحل؟ قال: أمرني جبرئيل قال أو ما تسأله قال أنت أبسط إليه مني، فسأله قال جبرئيل: الله أمرني بذلك لقولك: وأخاف أن يأكله الذئب، قال: فهلا خفتني فيه، دلالة على التوكل، وعدم الخوف إلا من الله خصوصا الانبياء والاولياء ونقل في الكشاف أيضا أن سبب محنته أنه ذبح شاة فقام ببابه مسكين ما أطعموه، أو أنه اشترى جارية فباع ولدها فبكت حتى عميت.

وفي بكاء يعقوب ويوسف عليهما السلام دلالة واضحة على جواز البكاء على مفارقة الاحباب، ولهذا بكى نبينا صلى الله عليه وآله على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وقال إنما نهيت من الصياح والنياحة ولطم الوجه والصدر وتمزيق الثياب كما يفعله الجهال،، ونهى عن الصوت عند الفرح وعند الحزن لا البكاء، ففي كون البكاء على الميت من امور الدنيا بحيث يبطل الصلاة به كما قاله الفقهاء تأمل ثم في سجود أبويه دلالة على جواز السجدة لغير الله لكن

(1) يوسف 77.

(2) يوسف: 67.


402

للتعظيم لا للعبادة، فيه ما تقدم على أنه قد يكون لله شكرا لا له، كما قاله في الكشاف أيضا فتأمل " إنما يتذكر اولوا الالباب " أي إنما يتعظ ويعرف ما تقدم الذين عملوا على قضيات عقولهم، فنظروا واستبصروا، والمبرؤن عن مشابهة الالف و معارضة الوهم.

الذين يوفون بعهد الله

(1) قيل عهد الله ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى "(2) ويحتمل العموم " ولا ينقضون الميثاق " كل ما وثقوه على أنفسهم من المواثيق بينهم وبين الله، من العهود والنذور والايمان وغير ذلك، وبين خلقه من الاقارير والعقود والشروط وسائر ما قرر معهم، فهذا تعميم بعد تخصيص، ويحتمل أن يكون معناهما واحدا ويكون الثاني تأكيدا للاول، قال في مجمع البيان إنما كرر الميثاق، وإن دخل جميع الاوامر والنواهي في لفظ العهد لئلا يظن أن ذلك خاص فيما بين العبد وربه، وأخبر أن ما بينه وبين العباد من المواثيق كذلك في الوجوب واللزوم، فيمكن جعل هذه دليل وجوب الوفاء بالنذور والعهود والشرائط والوعد.

والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل

من الارحام والقرابات روي في التهذيب عن سلمى مولاة(3) أبي عبدالله عليه السلام قال: كنت عند أبي عبدالله حين حضره الوفاة قال أعطوا الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين وهو الافطس(4) سبعين دينارا قلت له: أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن؟ قلت:

(1) الرعد: 20.

(2) الاعراف: 171.

(3) روي القصة الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة ص 128، أيضا، وفيه سالمة مولاة أبي عبدالله عليه السلام وهكذا في الكافي ج 7 ص 55 كتاب الوصايا وكتاب أبي الغنائم الحسنى النسابة على ما في عمدة الطالب ص 340 وقد كان سالمة هذه أم ولد كما في مجمع البيان ج 7 ص 289.

(4) كذا في النسخ، وهكذا في المجمع والصحيح كما في نسخة الكافي وغيبة الشيخ وهكذا معاجم التراجم والانساب: الحسن بن علي الاصغر بن الامام زين العابدين علي بن الحسين بن علي أبي طالب، كان صاحب راية محمد بن عبدالله بن الحسن النفس الزكية.


403

بلى قال: سمعت قول الله تعالى " الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب " فيها دلالة على صحة نسب الافطس، وجواز إعطاء الفاسق والاحسان إلى من أساء، والظاهر أنه يدخل فيه وصل قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وقرابة المؤمنين الثابتة بالقرآن مثل قوله تعالى " إلا المودة في القربى " و " إنما المؤمنون إخوة " وبالاخبار المتظافرة والاجماع بالاحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم والذب عنهم، والشفقة عليهم، والنصيحة لهم وطرح التفرقة بينهم وبين أنفسهم، وإفشاء السلام عليهم وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم، ومنه مراعات حق الاصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر، و كل ما تعلق بالانسان بسبب ما حتى الهرة والدجاجة، وعن الفضيل بن عياض أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال من أين أنتم؟ قالوا: من أهل خراسان، قال اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم ! واعلموا أن العبد لو أحسن الاحسان كله، وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين، كله من الكشاف وفيه مبالغة وهذه دليل على ملاحظة صلة الرحم والاخوان والجيران وفي الاخبار الحث على ذلك مع مبالغة زائدة جدا كثيرا " ويخشون ربهم " أي وعيده وما يترتب على عصيانه من العقاب " ويخافون " وعيدا بالخصوص " سوء الحساب " فيجب على المؤمن أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب كما في الاخبار، مثل ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: وحاسبوا قبل أن تحاسبوا، والاخبار في الوعيد والترغيب غير منحصرة، مثل قول الصادق عليه السلام قال له الراوي: أوصني فقال أعد جهازك، وقدم زادك، وكن وصي نفسك ولا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك(1) روي في الكافي عن حماد بن عثمان عن أبي عبدالله عليه السلام لما استقصى رجل عن رجل حقه وحسابه شكى إلى أبي عبدالله عليه السلام فقال له: ما لك ولاخيك؟ قال: جعلت فداك لي عليه شئ فاستقصيت منه حقي قال أبوعبدالله عليه السلام أخبرني عن قول الله عزوجل: " ويخافون سوء الحساب " ألربهم أن يجور عليهم أو يظلمهم؟ لا والله، ولكن خافوا الاستقصاء والمداقة(2).

(1) الكافي ج 7 ص 65.

(2) الكافي ج 5 ص 100.


404

والذين صبروا

على الطاعات واجتناب المعاصي مما تكرهه النفس ويخالفه الهواء " ابتغاء وجه ربهم " قيل طلبا لثواب الله وطلبا لمرضاته، وامتثالا لامره مخلصا لذلك لا لغرض آخر، مثل رياء وسمعة أن يقال ما أصبر فلانا على البلاء وما أحمله، ولئلا يشمت به الاعداء كقول معوية لحسن بن علي عليه السلام لما عاده في مرضه وقام إليه:

بتجلدي للشامِتين اريهم *** أني لغيض الدهر لا أتضعضع(1)

وأنشد الحسن بن علي عليه السلام بيتا آخر من هذه القصيدة:

وإذا المنية أنشبت أظفارها *** رائيت كل تميمة لا تنفع(2)

وأشار إليه في المطول.

والعجب أن معاوية ما عرف أن الشماتة فيما فعل أكثر لانه أظهر أنه ضعيف، وإنما تجلد لعدم الشماتة، وفيه عين الشماتة، مع عدم حياء، وأذى حصل له من البيت الثاني.

قال في الكشاف: صبروا مطلق فيما يصبر عليه من المصايب في النفوس والاموال ومشاق التكاليف، ابتغاء وجه ربهم لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع، ولئلا يشمت به الاعداء كقوله بتجلدي للشامتين اريهم، ولا لانه لا طائل تحت الهلع أي الجزع ولا مرد فيه للفائت، ونقل شعرا: ثم قال: وكل عمل له وجوه يعمل عليها فعلى المؤمن أن ينوي منها ما به كان حسنا عند الله وإلا لم يستحق به الثواب وكان فعله كلا فعله انتهى.

بل قد يكون معاقبا بالفعل بل قد يكون شركا كما قيل في الريا، فالفعل ليس كلا فعله، ففيها دلالة على الترغيب بجميع العبادات والصبر على جميع المصائب، في الافعال والتروك والاقوال وغيرها، وعلى وجوب النية والاخلاص رزقنا الله وإياكم.

وأقاموا الصلاة

فعلوها على الوجه المأمور به، وقيل داوموا على فعلها " وأنفقوا في سبيل الله " وجوبا أو ندبا " مما رزقناهم " أي من الحلال الذي يجوز الارزاق والانفاق منه إذ الحرام ليس كذلك، بل ليس برزق منسوب إلى الله تعالى

(1) لريب الدهر.

(2) ألفيت كل تميمة لا تنفع.


405

ومن

تبعيضية إشارة إلى عدم السرف، فيدخل فيه الانفاق الواجب على النفس والزوجة والابوين والاولاد، والزكوات، والنذورات، والاخماس، و المندوبات من صلة الاقارب والاخوان، ومطلق صرف المال لله " سرا وعلانية " أي لا يلاحظ أن هذا عند الناس، وينبغي أن يكون في الخلوة والسر بل يفعله لله سرا وعلانية، واجبة كانت أو مندوبة، ولا يؤخر لان في التأخير آفة إذ قد عرفت أن المدار على النية والاخلاص، وهو أمر قلبي لا يخص بجهر وإخفاء، وقد تقع الرياء في الاخفاء أكثر من الجهر.

ويحتمل أن يكون المراد التعميم لادراك الفضيلة كما في قوله تعالى " والذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " مع قول أمير المؤمين عليه السلام حين سأله صلى الله عليه وآله عن وجه التقسيم في الليل والنهار والسر والعلانية، ويحتمل التقسيم للواجب والندب، كما في الكشاف أو يكون للواجب فقط، والتقسيم بالنسبة إلى من يعرف بأن له مالا، وإلى من لم يعرف به، كما قال القاضي وليسا بجيدين.

ويدرؤن بالحسنة السيئة

أي يدفعون بفعل الطاعة المعصية، عن ابن عباس يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم، وعن الحسن إذا حرموا اعطوا وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا، وإلى مثل هذا أشار في الاخبار عنهم عليهم السلام: صل من قطعك ونحو ذلك، وقيل إذا أذنبوا تابوا، وقيل: إذا رأوا منكرا أمروا بتغييره ويحتمل أن يكون إشارة إلى التكفير أو اللطف مثل قوله تعالى " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر "(1) وأن يكون عامة لدفع جميع القبائح على الوجه الحسن، ومقابلته ودفعه بالحسن الجميل " اولئك لهم عقبى الدار " عاقبة دار الدنيا، وما ينبغي أن تكون عاقبة لاهلها، فان الآخرة هي عقبى الدار ومنتهاها وهي الجنة التي وعد المتقون، والجملة خبر الموصولات، إن رفعت بالابتداء وإن جعلت صفات لاولي الالباب فاستيناف لما استوجبوا بتلك الصفات.

(1) العنكبوت: 45.


406

جنات عدن

بدل من عقبى الدار أو مبتدأ خبره " يدخلونها " والعدن الاقامة أي جنات لن يموتوا فيها، وقيل هو طبقات الجنة " ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " من صلح للدخول منهم عطف على المرفوع في يدخلون، و يحتمل كونه مفعولا معه، والمعنى أنه يلحق بهؤلاء، كأن المراد به المؤمن ليخرج به الكافر، والتقييد إشارة إلى أن مجرد الانساب لا ينفع بل لابد من صلاح في الجملة، وهو الايمان، وليس المراد الصلاح الكلي وإلا فلا يحتاج للدخول إلى لحوق الاول بل هو أيضا يدخلون مثلهم، وظاهر الآية أن سبب دخولهم اتصاف هؤلاء الاول بهذه الصفات، ففيها دلالة على أن الطاعة تنفع المطيع وهؤلاء الآباء الخ بغير أن يشفع لهم، فكيف مع الشفاعة، والظاهر هو الاول لعدم القيد، و لان بالشفاعة يدخل غير هؤلاء أيضا " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب " أي من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوح والتحف قائلين " سلام عليكم " مبشرين بالدوام " بما صبرتم فنعم عقبى الدار " " بما " يتعلق بعليكم أو بالسلام أو بمحذوف أي هذا بما صبرتم، وما مصدرية أو موصول لصبرتم.

ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم

(1) أي لا ترفعن عينيك إلى ما متعنا الكفار وأنعمنا عليهم به أمثالا في النعم من الاولاد والاموال وغير ذلك من زهرات الدنيا، فانها في معرض الزوال والفناء، مع ما يتبعها من الحساب و الجزاء، وعلى هذا يكون أزواجا منصوبا على الحال، والمراد به الاشباه والامثال وقيل أن معناه لا تنظرن إلى ما في أيديهم من النعم التي هي أشياء يشبه بعضها بعضا فان ما أنعمنا عليك وعلى من اتبعك من أنواع النعم وهي النبوة والقرآن و الاسلام والفتوح وغير ذلك أكثر وأوفر مما آتيناهم وقيل: معناه لا يعظمن في عينيك ولا تمدهما إلى ما متعنا به أصنافا من المشركين والازواج والاصناف و يكون أزواجا على هذا مفعولا به.

نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرغبة في الدنيا، فحرم عليه أن يمد عينيه إليها و

(1) الحجر: 88، طه: 131.


407

كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينظر إلى ما يستحسن من الدنيا هكذا في مجمع البيان و على هذا على تقدير وجوب التأسي يحرم على امته أيضا ذلك، إلا أن يكون من خصائصه صلى الله عليه وآله وليس بمعلوم ولا منقول في خصائصه، والمراد بالنظر المنهي النظر الراغب الطامع فيه كما صرح به في الكشاف، ويحتمل أن يكون على وجه الحسد والسلب عن غيره، أو حصوله له من غير وجه شرعي فيحرم عليه وعلى امته بغير نزاع فتأمل " ولا تحزن عليهم " أي على كفار قريش بأنهم ما آمنوا، أو نزل بهم العذاب، أو لا تحزن عليهم بما يصيرون إليه من عذاب جهنم ودلالة هذه أيضا على تحريم ذلك على امته مثل ما تقدم وقريب منها قوله " ولا تأخذكهم بهما رأفة في دين الله " وقوله " واخفض جناحك للمؤمنين "(1) أي ألن لهم جانبك وارفق بهم، يدل على وجوب ذلك على الكل كما تقدم.

وأما قوله " فاصدع بما تؤمر "(2) أي أظهره ولا تخفه خوفا وتقية لان الله يعصمك عن الناس، فالظاهر أنه من خصائصه إذ يجب على غيره التقية في محلها، أو يحمل على غير محلها، وأما الترغيب بالتسبيح بقول سبحان الله والحمد لله [ ومؤيده واستعينوا بالصبر والصلاة ](3) عند ضيق القلب وهجوم الغم، والكون من الذين يسجدون لله وحده ويتوجهون إلى الله بالسجود له، والكون على العبادة إلى أن يأتي الموت على ما يدل عليه قوله تعالى بعد ذلك " ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " أي الموت، فالظاهر أنه ليس بمخصوص به صلى الله عليه وآله.

وعباد الرحمن

(4) مبتدأ خبره ما يجئ في آخر السورة " اولئك يجزون الغرفة " الخ " الذين يمشون على الارض هونا " صفة لعباد الرحمن، أو خبره و " اولئك " مبتدأ إشارة إلى عباد الرحمن، ويجزون الخ خبره، في مجمع البيان وغيره هذه الاضافة للتخصيص والتشريف يريد أفاضل عباد الله كما يقال ابني الذي يطيعني

(1) النور: 2، الحجر: 88.

(2) الحجر: 94.

(3) البقرة: 45 و 153.

(4) الفرقان: 63.


408

وأنا راض عنه فلان، ويكون توبيخا بأن غيرهم ليسوا كذلك، فعباد الله الذين هم عباده وهو عنهم راض هم المذكورون والموصوفون بالصفات المذكورة، منها المشي على الارض هونا: هينين، فيكون حالا أو مشيا هينا، فصفة مفعول مطلق محذوف وهو السكينة والوقار والتواضع، قال أبوعبدالله عليه السلام هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر، وقيل معناه علماء حلماء لا يجهلون وإن جهل عليهم عن الحسن وقيل أعفاء أتقياء عن الضحاك، والهون الرفق و اللين، ومنه الحديث أحبب حبيبك هونا ما وقوله صلى الله عليه وآله المؤمنون هينون لينون، و المثل إذا عز أخوك فهم ومعناه إذا عاسر فياسره، والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع ولا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا، ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الاسواق ولقوله " ويمشون في الاسواق "(1) كذا في الكشاف، فيدل على مرجوحية التبختر وغيره مما ينافي الهون بالمفهوم، بل هو حرام على بعض الوجوه لما تقدم " ولا تمش في الارض مرحا "(2).

ومنها " وإذا خاطبهم الجاهلون " بما يكرهونه أو يثقل عليهم " قالوا " في جوابهم " سلاما " سدادا من القول لا يقابلونهم بمثل قولهم من الفحش، وقيل: قولا يسلمون فيه عن الاثم والايذاء أو تسلما منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر ولا نجاهلكم ونتسلم منكم تسلما فاقيم ذلك السلام مقام التسليم ولا ينافيه آية القتال لتنسخه فان المراد هو الاغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام، والمراد بالجهل هنا السفه وقلة الادب، وسوء الرعة، فيدل على مرجوحية مقابلة الجاهل بالجهل.

ومنها " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما " في الكشاف البيتوتة خلاف الظلول، وهو أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وقالوا من قرأ شيئا من القرآن في صلوته وإن قل فقد بات ساجدا وقائما، وفيه إبهام وبعد، والقائلون غير ظاهرين ثم قال: وقيل هما الركعتان بعد المغرب، والركعتان بعد العشاء، و الظاهر أنه وصف لهم باحياء الليل كله أو أكثره، يقال فلان يظل صائما ويبيت

(1) الفرقان: 20.

(2) أسرى: 37.


409

قائما، والظاهر هو الظاهر ولا يبعد تحققه بالاكثر في الليالي والليلة إذ الكل بعيد، والخروج عن العهدة مشكل وللعيون والزوجات مثلا حق كما يدل عليه بعض الاخبار، ويدل عليه قوله " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ".

وفي الذكرى أن الاحياء يحصل بمضي أكثر الليل، وأيضا في العرف إذا فعل في أكثره ذلك يقال له فعل ذلك، والمراد أنهم يصلون في الليل ويسجدون فيه، في وقت ينبغي أن يسجد ويقام فيه يقومون ويسجدون فيه، وهما جمع ساجد وقائم، ويحتمل المصدر للمبالغة، قيل: وتأخير القيام للروي وتخصيص البيتوتة لان العبادة بالليل أحمز، وأبعد من الريا، فيدل على رجحان هذا الوصف ومرجوحية خلافه.

في مجمع البيان: قال الزجاج كل من أدركه الليل فقد بات، نام أو لم ينم والمعنى يبيتون لربهم بالليل في الصلاة ساجدين وقائمين، طالبين لثواب ربهم فيكونون سجدا في مواضع السجود وقياما في مواضع القيام.

ومنها " والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما " أي يدعون بهذا القول " إنها ساء‌ت مستقرا ومقاما " أي إن جهنم بئس موضع قرار وإقامة هي، في الكشاف " غراما " هلاكا وخسرانا ملحا لازما ومنه الغريم لالحاحه ولزامه، وصفهم باحيآء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانا بأنهم مع اجتهادهم في العبادة خائفون متبتلون إلى الله في صرف العقاب عنهم كقوله " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ".

ساء‌ت

في حكم بئست وفيها ضمير مبهم يفسره مستقرا، والمخصوص بالذم محذوف، معناه ساء‌ت مستقرا ومقاما هي، فتدل على أن قول هذا والدعاء به حسن، وتركه ليس من دأب المؤمنين.

ومنها " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا " قيل: الاسراف هو النفقة في المعاصي والاقتار الامساك عن حق الله عن ابن عباس، وقتادة، وقيل السرف


410

مجاوزة الحد في النفقة، والاقتار التقصير عما لابد منه عن إبراهيم النخعي، و روي عن معاذ أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال من أعطى في غير حق فقد أسرف، ومن منع من غير حق فقد قتر، وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: ليس في المأكول والمشروب سرف وإن كثر، " وكان بين ذلك قواما " أي وكان إنفاقهم بين الاسراف والاقتار لا إسرافا فيدخلون في المبذر، ولا تضييقا فيصيرون به في المانع لما يجب، وهذا هو المحدود، والقوام من العيش ما أقامك وأغناك وقيل القوام بالفتح العدل، وبالكسر ما يقوم به الامر ويستقر عن ثعلب، وقال أبوعبدالله عليه السلام: القوام هو الوسط، وقال عليه السلام: أربعة لا يستجاب لهم دعوة إلى قوله " ورجل كان له مال فأفسده فيقول يا رب ارزقني، فيقول ألم آمرك بالاقتصاد؟(1) في الكشاف القتر والاقتار التضييق الذي هو نقيض الاسراف، والاسراف مجاوزة الحد في النفقة، وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقتير، وبمثله أمر رسوله صلى الله عليه وآله " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط "(2) وقيل: الاسراف إنما هو الانفاق في المعاصي، فأما في القرب فلا إسراف، وسمع رجل رجلا يقول: لا خير في الاسراف فقال لا إسراف في الخير ويؤيده ما في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: وأما الصدقة فجهدك حتى تقول قد أسرفت ولم تسرف.

ثم قال القوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء وقرئ قواما بالكسر وهو ما يقام به الشئ، يقال أنت قوامنا يعني ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص، والمنصوبان أعني " بين ذلك قواما " جايز أن يكونا خبرين معا، وأن يجعل " بين ذلك " ظرفا لغوا و " قواما " مستقرا وأن يكون الظرف خبرا وقواما حالا مؤكدة.

والذين لا يدعون

الآيات، أي اولئك كما هم موصوفون بتلك الصفات الوجودية مبرؤن عن هذه الصفات المقبحة التي اتصف أعداؤهم أي المشركون بها

(1) راجع الكافي ج 6 ص 279، ج 2 ص 510.

(2) أسرى: 29.


411

من الشرك وقتل النفس بغير حق والزنا " ومن يفعل ذلك يلق أثاما " [ يضاعف إثمه ] أي يأثم بالشرك وغيره، وهم مخلدون في النار إلا التائب المؤمن الذي يعمل عملا فانه يبدل الله سيئاته حسنات أي يمحوا سيئاته بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات والطاعة والتقوى، وكذا " لا يشهدون الزور " لا يجلسون ولا يحضرون مجالس الخطائين ولا يقربونها تنزها وصيانة لدينهم، لان مشاهدة الباطل على وجه الرضا به شرك فيه، ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة: هم شركاء فاعلية في الاثم، لان حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب وجوده، لان الذي سلطه على فعله هو استحسان النظارة في النظر، ورغبتهم إليه، ويحتمل أن يكون لا يشهدون شهادة الزور أي لا يكذبون في الشهادة، فحذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه.

وإذا مروا باللغو مروا كراما

اللغو كل ما ينبغي أن يلغي ويطرح، و المعنى وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به، مروا معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم كقوله " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه "(1) وإذا ذكروا بآيات الله، أي إذا سمعوا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها وأقبلوا سامعين والعاملين بها والمتعظين، لا كالاصم والاعمى، ويدعون ويقولون في دعائهم " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " أي ارزقنا من الازواج والاولاد أزواجا وأعقابا يكونون قرة عين لنا نسر بهم، فيكون عملهم الطاعة و التقوى وما كان الله راض به " واجعلنا للمتقين إماما " وأن يكونوا للمتقين التابعين لله مخالطا وإماما لهم يقتدون بهم في دينهم للعلم والعمل، وذلك موجب للجزاء العظيم المذكور بقوله " اولئك يجزون " الآية، وبالجملة الآيات الشريفة دالة على راجحية وحسن هذه الاوصاف الوجودية، وأن لها دخلا في كمال الايمان مثل المرور باللغو كراما ومرجوحية الصفات القبيحة مثل الشرك والريا(2) فلابد من الاتصاف بالاول وترك الثواني، الله الموفق.

(1) القصص: 55.

(2) الزنا خ.


412

وفي قوله " والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون "(1) دلالة على كون الشعر صفة ذم وكذا متابعة الشعراء ويدل عليه الاخبار أيضا حتى ورد إعادة الوضوء بقراء‌ة ما زاد على ثلاثة أبيات إلا أن يراد ما هو الباطل منه.

في الكشاف: " الشعراء " مبتدأ " ويتبعهم الغاون " خبره، ومعناه أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء والتمزيق بالاعراض والقدح في الانساب، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون والسفهاء ويؤيد التخصيص وجود الاشعار عن العلماء والصلحاء، بل عن الائمة عليهم السلام والظاهر أنه إذا كان مشتملا على النصيحة والحكمة والمباحات و الحق والمراثي والمدح لاهل البيت عليهم السلام لا يذم، ويدل عليه قوله تعالى " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا ".

في الكشاف استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، أو إذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والآداب الحسنة، ومدح رسول الله صلى الله عليه وآله والصحابة وصلحاء الامة، و مالا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب، ولا يتلبسون بشائبة، ولا منقصة الخ، وتدل أيضا على مذمة الخوض في الامور من غير علم، وكذا القول بما لم يفعل، وهو مذموم جدا ودلت عليه الآيات والاخبار.

ويدل على مرجوحية الفرح في الدنيا قوله " لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين " وكذا " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا "(2) في الكشاف وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها فأما من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيها عن قريب لم تحدثه نفسه بالفرح، ويدل على تحريم التكبر والعلو والفساد بل إرادتها أيضا فيدل على تحريم قصد المحرم بمجرده من غير فعله فافهم.


413

(1) في الكشاف إضافة اللهو إلى الحديث معناها التبيين وهي الاضافة بمعنى من - إلى قولة: ويجوز أن تكون الاضافة بمعنى من التبعيضية كأنه قيل ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه، واللهو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعنى، ولهو الحديث هحو السمر بالاساطير والاحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والمضاحيك، وفضول الكلام ومالا ينبغي من كان وكان، ونحو الغنا وتعلم الموسيقار وما أشبه ذلك وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن ولا أثمانهن وعنه عليه الصلاة والسلام ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت وقيل الغنا منفذة للمال مسخطة للرب مفسدة للقلب(2).

الغناء مشهور فكل ما يسمى في العرف بها فهو محرم إذ لا معنى له شرعا قيل هو ترجيح الصوت المطرب وما اعتبر المطرب بعض، والاصل أن تحريمه ثابت فكل ما يقال إنه غناء فهو حرام إلا ما استثني مثل الحداء فان ثبت اعتبار الترجيع والطرب في الغنا فهو المحرم فقط، وما نعرفه، وإلا فيحرم الكل، والاحتياط في ترك الكل.

في الكشاف: والمراد بالحديث هنا الحديث المنكر كما جاء في الحديث الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش.

في مجمع البيان: وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغنا، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام وأبي الحسن الرضا عليه السلام قال منه الغنا وروي أيضا عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال هو الطعن في الحق والاستهزاء به إلى قوله: فعلى هذا فانه يدخل فيه كل شئ يلهي عن سبيل الله وعن طاعته من الاباطيل والمزامير والملاهي والمعازف، ويدخل فيه السخرية

(1) لقمان: 6.

(2) راجع تفسير الكشاف ذيل الاية الشريفة.


414

بالقرآن واللغو فيه وكل لهو ولعب والاحاديث الكاذبة والاساطير الملهية عن القرآن، والظاهر حينئذ أنه يدخل فيه القصص والحكايات السالفة التي لا فايدة تحتها، بل جميع الاشياء التي ليس بعبادة فتأمل، ولكن قد يخص بالمعاصي فتأمل.

ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقيها إلا الذين صبروا وما يلقيها إلا ذو حظ عظيم

(1) في الكشاف يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من اختها، إذا اعترضتك حسنتان، فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك، ومثال ذلك رجل أساء إليك إساء‌ة فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساء‌ته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، ويقتل ولدك فتفدي ولده من يد عدوه، فأنك إذا فعلت ذلك، انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم، مصافة لك.

ثم قال: وما يلقى هذه الخليقة والسجية التي هي مقابلة الاساء‌ة بالاحسان إلا أهل الصبر وإلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير ويحتمل كون لا رائدة والمعنى ليستا بمتساويين وعدم الفاء يؤيده والاحسن يؤيد الاول.

وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله

أي منه " إنه هو السميع العليم " فأكد العمل بتلك السجية بأنه إن منعك وصرفك الشيطان عن هذا العمل الحسن الموجب للاجر العظيم، فانه عدو يمنع عنه، فاستعذ منه فانه يندفع عنك ومثلها " جزاء سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله "(2) والمعنى أنه تجب إذا قوبلت الاساء‌ة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، فاذا قال له أخزاك الله يقول أخزاك الله، وعن النبي صلى الله عليه وآله إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم، قال فيقوم خلق، فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ يقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال له ادخلوا الجنة باذن الله.

يجب السجود عند قراء‌ة هذه الآية " ومن آياته الليل والنهار والشمس

(1) فصلت: 35 - 37.

(2) الشورى: 40.


415

والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون "(1) بالنص والاجماع، قيل موضعه " تعبدون " لقربه من الامر بالسجود وفيه تأمل، فان هذا الامر لا يدل على وجوبه عند قراء‌تها، وهو ظاهر، وقيل لا يسأمون وهو مذهب الاكثر لتمام المعنى ولان الاصل عدم الوجوب وقد تحقق حينئذ بالاجماع ولعل الفعل حينئذ أحوط، إذ وجوبها فوريا بحيث يضر هذا المقدار من التأخير للاحتياط غير ظاهر ويمكن كون الاحوط السجدة مرتين " وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون "(2) أي تركبونها وتركبونه حذف الضمير الاول لدلالة الثاني عليه " لتستووا على ظهوره " وظاهره مختص بالانعام، ويحتمل العموم قال في الكشاف على ظهور ما تركبون، وهو الفلك والانعام " ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه " تكرار للمبالغة " وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " وروي في أخبار أهل البيت عليهم السلام قراء‌ة هذه الآية وبعدها " الحمد لله رب العالمين " عند الركوب(3) وكذا آية " بسم الله مجريها " في السفينة.

في الكشاف: ومعنى ذكر نعمة الله عليهم أن يذكروها في قلوبهم معترفين بها مستعظمين لها، ثم يحمدوا عليها بألسنتهم، وهو ما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال " بسم الله " فاذا استوى على الدابة قال الحمد لله على كل حال سبحان الذي إلى قوله لمنقلبون، وكبر ثلاثا وهلل ثلاثا.

وقالوا إذا ركب السفينة قال " بسم الله مجريها ومرسيها، إن ربي لغفور رحيم ".

وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما أنه رأى رجلا ركب دابة فقال سبحان الذي سخر لنا هذا فقال أبهذا امرتم فقال وبم امرنا؟ قال أن تذكروا نعمة ربكم كان قد أغفل التحميد، فنبهه عليه، وهذا من حسن مراعاتهم لآداب الله، ومحافظتهم على دقيقها وجليلها، جعلنا الله من المقتدين بهم، وسايرين بسيرتهم.

مقرنين مطيعين

(1) فصلت: 38 و 39.وقد مر البحث عنها في آيات العزائم.

(2) الزخرف: 12.

(3) الفقيه ج 2 ص 178.


416

لمنقلبون

أي راجعون إلى الله تعالى، ولما كان ركوبهما قد يؤل إلى الهلاك فقد امروا أن يذكروا، ويجعلوا أنفسهم كالهالكة الراجعة إلى الله، والغرض عدم الغفلة عن الله في كل حال والسلام.

فيها دلالة على جواز ركوب البحر بالفلك، وركوب الانعام، وأنهما نعمة من الله على عباده، واستحباب ذكر نعم الله بعد الوصول إليها والشكر عليها، و استحباب قول " سبحان الذي " إلى آخره بعد الركوب وإضافة الحمد.

ويدل على استحباب وسم موضع السجود، بأن يظهر أثره فيه لكثرته قوله " سيماهم " علامتهم " في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم " الخ(1).

وفي قوله " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله "(2) في القاضي: مستعار مما بين الجبهتين المتسامتتين، والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكم الله ورسوله فيه، فلا تحكموا بأمر من امور الدين، قبل علمكم بأنه بينه الله ورسوله فلا تقولوا ولا تفعلوا شيئا على أنه أمر من امور الدين إلا أن تعلموا أنه مما قاله الله تعالى ورسوله دلالة على تحريم الفعل والقول من غير علم، لعله يريد بالعلم أعم من الظن المعمول به في الفقه، أو يؤل ذلك إلى العلم كما مر مرارا.

ويدل على عدم جواز التسخر والاستهزاء بالمؤمنين وتحريمه قوله " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن "(3).

أي لا يسخر بعض المسلمين والمسلمات بعضهم، وإنما اقتصر في الاول على المسلمين وفي الثانية على المسلمات للوقوع والكثرة إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر، وظاهره أن القوم مخصوص بالرجال كالنساء بالمرأة، ويحتمل العموم وخص هنا للمقابلة " ولا تلمزوا أنفسكم " أي ولا يعيب بعضكم بعضا فان المؤمنين كنفس واحدة، واللمز الطعن باللسان " ولا تنابزوا بالالقاب " أي ولا يدعوا بعضكم

(1) الفتح: 29.

(2) الحجرات: 1.

(3) الحجرات: 11.


417

بعضا باللقب السوء الذي لا يرضى به صاحبه، النبز مختص باللقب السوء عرفا " بئس الاسم الفسوق بعد الايمان " أي بئس الجمع بين الايمان والفسق، فلا يطلق الفاسق على المؤمن، وفيه إشعار بعدم الاجتماع بينهما فتأمل " ومن لم يتب " عما نهي عنه " فاولئك هم الظالمون " بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس للعذاب.

يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن

(1): أي كونوا على جانب منه وإنما ذكر الكثير ليحتاط في كل ظن، ويتأمل حتى يعلم أنه من أي قبيل من الظن، فان منه ما يجب اتباعه كالظن، حيث لا قاطع فيه من العمليات، و حسن الظن بالله، وما يحرم كالظن في الالهيات والنبوات والامامات وحيث يخالفه قاطع، وظن السوء بالله وبالمؤمنين، ومباح كالظن في امور المعاش " إن بعض الظن إثم " تعليل للامر، والاثم الذنب الذي يستحق به العقاب " ولا تجسسوا ": ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، والنهي عن تتبع عورات المسلمين في الاخبار كثير مثل لا تتبعوا عورات المسلمين فان من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته(2).

ولا يغتب بعضكم بعضا

أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء قولا أو فعلا إشارة وكناية، وصريحا، وبالجملة هي ما يفهم من قوله صلى الله عليه وآله حين سئل عن الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، فان كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته، لعل المراد بالذكر إظهار ما يكره باللسان وغيره، كما ذكره العلماء وصرح به في الروايات " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " تمثيلا لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه، مع مبالغات: الاستفهام المقرر، والاسناد إلى أحد، فانه للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الانسان، و جعل المأكول لحم الاخ الميت، وتعقيب ذلك بقوله " فكرهتموه " تقريرا وتحقيقا لذلك، والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار

(1) الحجرات: 12.

(2) الكافي ج 2 ص 354.


418

كراهته، وانتصاب " ميتا " على الحال من اللحم، أو الاخ.

واتقوا الله إن الله تواب رحيم

لمن اتقى ما نهي عنه، وتاب عما فرط منه، وكان في قوله " ولا يغتب بعضكم بعضا " إشارة إلى جواز غيبة الكافر، والمعنى خصوا أيها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء عن غيبتها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس، فيه تأمل إلا أن يقصد حذر الناس عنه فيذكر ما فيه لذلك مع الحاجة فتأمل.

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقيكم

(1) في الكشاف المعنى أن الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل، هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزي إلى غير آبائه لا أن تتفاخروا بالآباء والاجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الانساب، ثم بين الخصلة التي بها يفضل الانسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله، فقال: " إن أكرمكم عند الله أتقيكم " لا أنسبكم، عن النبي صلى الله عليه وآله يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، ثم قرأ الآية وعنه صلى الله عليه وآله أنه لما مات غلام أسود يحضر الجماعة فتولى عنه غسله ودفنه، فدخل على المهاجرين والانصار أمر عظيم فنزلت " إن أكرمكم " الآية.

أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى

(2) أي تمم وأكمل ما امر به " ألا تزر وازرة وزر اخرى * وأن ليس للانسان إلا ما سعى " أي سعيه " إن " هي المخففة من المثقلة وهي مع ما بعده في محل الجر بيان لما في صحف موسى و إبراهيم، أو في محل الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي " هو ألا " كأنه قيل: ما كان في صحف موسى وإبراهيم فأجاب به " وأن ليس " عطف عليه، والمعنى لا يؤاخذ أحد بذنب آخر ولا يثاب بفعل غيره، ولا ينافي الاولى " ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا "(3) وقوله عليه السلام من سن سنة سيئة فله

(1) الحجرات: 13.

(2) النجم: 36.

(3) المائدة: 32.


419

وزر من عمل بها إلى يوم القيمة، وهو ظاهر.

نعم ينافيه مؤاخذة العاقلة في الخطا فخرج بالنص والاجماع، وقيل لا ينافي الاخيرة ما هو المقرر في الشرع من انتفاع الناس بعمل ولده وأخيه من الصدقة والحج، بل الصلاة والصوم وغيرهما مما يفعل له بعده، لان سعي غيره كأنه سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنا صالحا لذلك فهو مبني على سعيه ونتيجته، و لهذا لو لم يكن مؤمنا لم ينفعه سعي غيره أصلا، ولان سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه له، فهو بحكم الشرع، كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه فيهما تأمل، إذ لا شك أن الثواب الواصل إليه مثلا من الصدقة هو ثواب الصدقة وهي ليست فعله، وفعل النائب أيضا على تقدير التسليم ليس فعل المنوب، فليس الثواب مترتبا على فعله، وهو ظاهر.

ويمكن أن يقال إنه من دين موسى وإبراهيم عليهما السلام وأن يقال: لما ثبت بالنص والاجماع وصول ثواب إلى شخص بفعل غيره مثل ما تقدم، لابد من تخصيص هذه الآية بهما وليس ذلك بعزيز، وأن يقال معناه أن ليس له ابتداء إلا جزاء سعيه، وهذا ليس له إبتداء بل لغيره ثم أعطاه إياه، كالتفضل الذي يتفضل الله تعالى به، وأن يقال ليس له حق واجب يستحق طلبه إلا جزاء عمله وسعيه فتأمل أو يقال معناه ليس للانسان مطلقا جزاء إلا جزاء عمل إنسان، وليس فيه تصريح بأن ليس لاحد إلا جزاء عمله فتأمل.

ولا تمنن تستكثر

(1) قيل: مرفوع لفظا منصوب محلا على الحالية عن فاعل " تمنن " أي ولا تعط مستكثرا ورائيا عادا لما تعطيه كثيرا عظيما معتبرا في نظرك بل عده حقيرا كاللاشئ، ويحتمل كون المن بمعنى مطلق الاحسان، قال في القاموس من عليه منا أنعم واصطنع عنده صنيعة ومنه امتن.

كما ورد في الروايات أن المحسن ينبغي أن يعد إحسانه إلى الغير حقيرا بل كالعدم وينساه، بخلاف الاحسان إليه فانه ينبغي أن يعده عظيما ولا ينساه، وإن كان قليلا وحقيرا

(1) المدثر: 6.


420

فالاستكثار قد يكون حراما إذا لم يكن على الوجه المأمور به، خصوصا إذا استلزم أذى المعطى، فيضيع ماله ويحصل العقاب به من جهة الاذى والاسراف والتبذير وإليه اشير في قوله تعالى " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " و " ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى "(1) فيكون النهي للتحريم وراجعا إلى القيد.

قال في الكشاف: أو طلبا لعوض كثير من الموهوب له، فيكون نهيا عن الاستعزار، وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب، والظاهر أن هذا جايز في نفسه، إلا أن يضم إليه ما يحرمه، فيكون النهي للتنزيه والكراهة، أو يكون حراما ومخصوصا به صلى الله عليه واله كسائر خصائصه قاله في الكشاف والقاضي ولكنه غير معلوم الكراهة، إذا كان برضى فان الهبة على طريق المعاوضة برضا الطرفين لم يظهر وجه كراهتها، وما قالها الفقهاء أيضا وما عد من خصايصه أيضا إلا أن يكون عندهم كذلك لهذه الآية.

وقال فيهما أيضا إنه قرئ منصوبا بتقدير " أن " وقد قرئ بها، ويحتمل حذفها على تقدير الرفع أيضا مع إبطال عملها كما روي القرائتان في أحضر في قول الشاعر: ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى، أي من أن أحضر الحرب والمعركة وقرئ أيضا بالجزم بدلا عن تمنن فيجزم بلا مثله ويكون حينئذ من مقولة قوله تعالى " ثم لا يتبعون " الآية وعلى الاول من العطية كما يظهر من الكشاف وفيه تأمل، إذ قد عرفت أن الاولى في الاول كونه بمعنى مطلق الاحسان واصطناع المعروف وفي غيره أيضا يصح العطية وأن قراة النصب من الشواذ مع إظهار أن وعدمه، وإن حذف " أن " خصوصا مع العمل إذا لم تكن ظاهرة، ويكون الامر ملتبسا غير مستحسن، سيما في كلام الله تعالى وظاهر حذفه في الشعر فانه من دون تقديره لا معنى له، وأن البدل إذا كان جملة عن جملة اخرى لا يعمل في لفظ البدل ما يعمل في لفظ مبدله، فان البدل الذي يعرب باعراب مبدله من التوابع المعربة

(1) البقرة: 264 و 266.


421

باعراب مبدلها وهي في المفرد بل الاسم كما هو مذكور في كتب العربية المشهورة.

والظاهر أن حكم التوابع غير مخصوص بالاسم وإن خصه في الكافية به لانه يجري في الفعل أيضا وهو كثير في القرآن وغيره في العطف، نعم لا يكون ذلك في الجمل إلا مع وقوعها في محل الاعراب وهو ظاهر فيحتمل أن يكون الجزم آخرا لحكم الوقف في الوصل أيضا قاله في الكشاف والقاضي أيضا أو لمناسبة " ولا تمنن " وهو بعيد.

ولربك فاصبر

أي لوجه الله والتقرب به، وامتثال إرادته لا غير، اصبر على جميع المشاق من التكاليف بفعل الطاعات وترك المعاصي خصوصا على ما يحصل لك من الاذى في التبليغ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بحيث لا يظهر منك شكاية، وشئ يوجب الحرمان من الثواب، فان أجر الصبر كثير " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب "(1) فيدل على وجوب الصبر على المحن على امته كذلك، فيمكن عدم سقوط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لحصول أذى قليل فتأمل.

ثم ذكر الله في آخر هذه السورة ما يدل على وجوب الصلاة، ووجوب إطعام المسكين، وتحريم الخوض في الباطل على الكفار أيضا وأن خلافها موجب لدخول النار بقوله تعالى " في جنات يتسائلون "(2) أي يسأل أهل الجنة الذين هم أصحاب اليمين الذين تعطى كتبهم بأيمانهم يوم القيمة، روى في مجمع البيان أنه قال الباقر عليه السلام: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين " عن المجرمين " عن ذنوبهم التي استحقوا بها السلوك والوقوع في النار بقولهم لهم: " ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين " تركناها " ولم نك نطعم المسكين " تركنا إطعامهم " وكنا نخوض مع الخائضين " قالوا المراد ترك الصلاة الواجبة وترك الزكاة والخوض والشروع في الباطل، مع من يفعل ذلك، ويحتمل التعميم إلا أن العقاب إنما يترتب على ترك الواجب وفعل المحرم، ويمكن في الاطعام كونه شاملا للكفارات والاطعام حال الضرورة.

(1) الزمر: 1.

(2) المدثر: 40 - 45.


422

وبالجملة ينبغي العمل بالعمومات غير ما استثني ويؤيده التأكيد في حال الاطعام في قوله تعالى:" ﴿ ولا يحض على طعام المسكين "(1) فان ترك الترغيب والتحريص والحض على إطعامهم جعل قرين عدم الايمان بالله، والموجب لدخول الجحيم، والكون في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا، وعدم صديق وحميم له، وعدم طعام إلا من غسلين، الذي لا يأكله إلا الخاطئون المذنبون، فكيف تارك فعله فلا ينبغي ترك إطعام مسكين إن قدر خصوصا إذا سأل والله الموفق.

ومن أعظم المرغبات في الاطعام ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام ونزل بذلك سورة هل أتى قال في الكشاف وروي عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه واله في ناس معه فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي و فاطمة وفضة جارية لهما إن برء‌ا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شئ فاستقرض علي عليه السلام من شمعون اليهودي الخيبري ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا وأخبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين رضي الله عنهما فأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها فساء‌ه ذلك فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة: وهذه صريحة مع الشهرة العظيمة بين الخاصة والعامة في كونها مدنية، و مع ذلك كتب مكية في بعض المواضع، حتى عنوان السورة في الكشاف والقاضي ونقل الشيخ أبوعلي الطبرسي قدس الله روحه الشريفة الروايات عن ابن عباس

(1) الحاقة: 34،


423

باسناده في الطريقين وعن الحسن تفصيل كون السور بالترتيب مكية ومدنية و ذكر هل أتى في المدنية، ونقل عن ابن عباس عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال أخبرني رسول الله ثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء وذكر أيضا تفصيل السور بترتيب النزول في مكة والمدينة وذكر السورة في المدنية وتفصيل عددها وآيها وحروفها، وقال: جميع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفا الحديث.

فيجب أن يغير مكية بمدنية، وترك العناد والعصبية والبغض لاهل بيت النبوة عليهم من الله أفضل الصلاة والتحية، وعلى من يبغضهم ألف ألف لعنة.

ثم اعلم أن فيها دلالة على كون النذر موجبا لرفع المحن خصوصا المرض فيستحب النذر لدفع البلية والمشقة خصوصا المرض، ويجب الوفاء، بها وبغيرها من الآيات والاخبار والاجماع، وأنها صريحة في كونهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأن لهم عند الله شأنا عظيما ومقاما كريما وأن مجرد حصول أذى لهم ولو بجوع في سبيل الله يسوء رسول الله أشد سوء ويؤذيه وذلك يدل على حصول كمال الاذى له بأذاهم بأخذ حقوقهم، ومنعهم عنها، و تكذيبهم وخذلانهم، فكيف ببغضهم وقتلهم، فلا شك أن ذلك موجب لغضب الله و الكفر به، كما ذكره صاحب الكشاف في تفسير " لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى "(1).

ثم اعلم أنها أيضا تدل على حسن الاطعام واستحبابه والايثار، ولو كان ما يطعم به قرضا، وإن بقي بلا طعام مع أهله وأولاده ومملوكه مع كونهم صائمين بل مع عدم احتياج المطعم إلى أكل جميع ما اطعم به مثل احتياجهم، إذ قد يندفع جوعه ويحصل حاجته ببعض الاقراص فلا سرف ولا تبذير في القربات كما هو مشهور ويدل عليه الآيات والاخبار مثل صحيحة معوية بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام

(1) الشورى: 23.


424

في وصية رسول الله صلى الله عليه واله أمير المؤمنين عليه السلام يا علي اوصيك بوصية فاحفظها، وقال اللهم أعنه، ومنها وأما الصدقة فجهدك حتى تقول قد أسرفت ولم تسرف، فلعل قوله تعالى " ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " محمول على ما ذكرناه فتأمل.

والظاهر أنه غير مختص بهم عليهم السلام، بل كل من فعل ذلك لله فقط لا غير له مثل ذلك الاجر للتأسي، قال في مجمع البيان: وهي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عزوجل، فما قال في التذكرة من أن التاجر لو صرف جميع ماله في القربات فهو تبذير بالنسبة إليه للآية محل التأمل، وهو أعرف قدس سره وأيضا يدل على حسن الصبر بل على وجوب الايفاء بالنذر، حيث يفهم من سوق الاية أن تركه موجب للعقاب.

إن الابرار

جمع بر أو بار، قيل هم الذين لا يؤذون الذر، وقد ظهر مما سبق أنهم أهل البيت عليهم السلام " يشربون من كأس " الزجاجة إذا كانت فيها خمر وتسمى الخمر أيضا به " كان مزاجها كافورا " يمزج به ماء كافور، وهو اسم عين في الجنة ماؤها مثل الكافور في البياض والريح والبرد " عينا " بدل من " كافورا " " يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا " يجرونها حيث شاؤا من منازلهم [ وقد ظهر أنهم أهل البيت عليهم السلام ] " يوفون بالنذر " قال في الكشاف والقاضي: جواب من عسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟ والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات، لان من وفي بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى " ويخافون يوما كان شره مستطيرا " منتشرا " ويطعمون الطعام على حبه " قال فيهما: الضمير للطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه ونحوه " وآتى المال على حبه " " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "(1) ويحتمل الاطعام والله: أي على حب الله أي خالصا، ويدل على المبالغة " إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " قال في الكشاف: على إرادة القول أي حالكونهم قائلين، ويجوز

(1) البقرة: 172، آل عمران: 87.


425

أن يكون قولا باللسان منعا لهم على المجازات بمثله أو بالشكر، وقال القاضي: على إرادة القول بلسان الحال والمقال، إزاحة لتوهم المن وتوقع المكافاة المنقصة للاجر.

قيل: لما علم الله كونه خالصا لوجهه لا يشوبه شئ من الاغراض، وما ينقص الثواب، قال " إنما نطعمكم " بيانا لحالهم، وهو المراد بارادة القول ولسان الحال للاشارة إلى أنه هكذا ينبغي أن يفعل الطاعات بأن لا يفعل إلا لله، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام " ما عبدت طمعا للجنة ولا خوفا من النار، بل وجدتك أهلا لها فعبدتك.

إنا نخاف من ربنا

أي نخاف بقصد غير ربنا من العذاب " يوما عبوسا " أي يعبس فيه وجوه من يريد بطاعة الله غير الله، وغيرهم من الظالمين، ويحتمل أن سبب الاطعام هو الخوف ورجاء الخلاص منه " فوقيهم الله " فحفظهم الله بسبب خوفهم عن ذلك اليوم ويحفظهم عنه بالطاعات وترك المعاصي عن " شر ذلك اليوم " والعقاب فيه " ولقاهم نضرة وسرورا " أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة أي بشاشة وبياضا وحمرة في الوجوه، وسرورا في القلوب " وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا " قال في الكشاف: جزاهم بصبرهم على الايثار وما يؤدى إليه من الجوع والعرى " جنة " بستانا فيه مآكل هني " وحريرا " فيه ملبس بهي، وقال القاضي: بصبرهم على أداء الواجبات واجتناب المحرمات، وإيثار الاموال " جنة " بستانا يأكلون منه " وحريرا " يلبسونه، ثم نقل إيثارهم عليهم السلام باختصار ما في الكشاف [ في الجملة ] وباقي الآيات إلى قوله " شكورا " وصف لجزاء عملهم عليهم السلام، والظاهر أن ذلك مخصوص بهم عليهم السلام، وما وقع إلى الآن من غيرهم، بل لم يقع إلا عن مثلهم كما في التصدق بالخاتم في الصلاة والتصدق للنجوى، وغيرها، فان ذلك لا يستحقه إلا هم.

ثم أشار في آخر السورة إلى وجوب الصبر للنبي صلى الله عليه واله في أذى المشركين له

(1) آل عمران 87.


426

أو لمطلق الناس في ترك المعاصي وفعل الطاعات وفي البليات بقوله " فاصبر لحكم ربك " ونهى عن متابعة الكفار والفجار بقوله " ولا تطع منهم آثما أو كفورا " ثم أمر بذكر اسم الله تعالى بقوله: " واذكر اسم ربك بكرة " أي أول النهار " وأصيلا " أي العشي ويحتمل وقت العصر، ويحتمل كونها إشارة إلى صلاة الصبح والعصر قاله في الكشاف أو العشاء مع المغرب أو مطلق الذكر كما هو الظاهر في هذين الوقتين لشرفهما ثم إلى السجود في مطلق الليل بقوله " ومن الليل " أي في بعضه " فاسجد له وسبحه ليلا طويلا " لعل المراد بالطويل في الجملة، أي ليس زمان قليل إشارة إلى أنه لا ينبغي صرف هذا كله في النوم والفراغ، ويحتمل أن يكون مطلق السجود والتسبيح في الليل، لانه محل راحة النفس، وجمع الخاطر والتسبيح فيه والسجود آكد، وإلى القبول أقرب، وأن يكون المراد صلاة المغرب والعشاء قاله في الكشاف، والصلاة النافلة في الليل، قال في مجمع البيان: يريد التطوع بعد المكتوبة، وروي عن الرضا عليه السلام أنه سأله أحمد بن محمد عن هذه الآية وقال: ما ذلك التسبيح؟ قال: صلاة الليل(1) فتدل على ترغيب الصلاة في الليل و شرعيتها مطلقا من غير اختصاص بوقت وصلاة خاصة، ويحتمل التهجد المخصوص قاله في الكشاف فتأمل.

(1) مجمع البيان ج 10 ص 413.


427
كتاب البيع

وفيه آيات

الاولى: يا ايها الذين آمنوا لا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما(1).

أي لا يتصرف بعضكم في أموال البعض بغير وجه شرعي مثل الربا والغصب والقمار، ولكن تصرفوا فيها بطريق شرعي، وهو التجارة عن تراض من الطرفين ونحو ذلك، أي التصرف بالباطل منهي عنه، ولكن التصرف بالتجارة عن تراض غير منهى عنه، فالاستثناء منقطع لعدم الدخول، وأيضا لو كان الاستثناء متصلا لزم التأويل لعدم حصر التصرف المباح في التجارة عن تراض، وهي إما منصوبة على أنه خبر تكون واسمه ضمير التجارة أو الاكل والتصرف وشبهه، وإما مرفوعة على أن تكون تامة والظاهر أن المراد بالتجارة هي المعاملة على وجه التعويض مطلقا أو البيع والشراء من غير قصد الربا وبالتراضي الذي هو صفة التجارة صدور التجارة والمعاملة عند العقد عن تراض وإذن ورضا من صاحبي المال لا إكراها ومن غير رضاهما، قال في الكشاف: والتراضي رضا المتعاقدين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الايجاب والقبول، وهو مذهب أبي حنيفة، لعل مراده صاحبا المال أو وكيلاهما، وقال في مجمع البيان: ثم وصف التجارة وقال " عن تراض منكم " أي يرضى كل واحد منكما بذلك الخ، فالآية تدل على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير إذن صاحبه ما لم يرد من الشرع إذن، ففي الآية إجمال، وعلى تقدير إرادة القمار والربا والنجش والظلم من الباطل فالآية واضحة وأيضا تدل على إباحة التجارة وأكل المال الحاصل بها، وأنه لا بد في التجارة من إذن صاحب المال حين العقد


16

(1) النساء: 34.


428

فالبيع الفضولي لا يكفي على تقدير كون الاذن سببا لا كاشفا بل كاشفا أيضا وهو ظاهر على أنه لا معنى للكشف وهو ظاهر، وقد بينته في تعليقات القواعد والارشاد، و أيضا تدل على حصول الملك وجواز التصرف بمحض العقد قبل التفرق ومضي زمان الخيار، إذ الظاهر من التراضي ما ذكرناه، وقال في مجمع البيان: قيل: للتراضي معنيان أحدهما أنه إمضاء البيع بالتفرق أو التخاير إلى قوله ومذهب الشافعية والامامية بعد العقد، والثاني أنه البيع بالعقد فقط، والعبارة لا تخلو عن مسامحة، ولعل مراده بالاول بقاء الرضا إلى أن يلزم البيع من خيار المجلس بالفرقة، ومع غيره باختيار العقد والتزامه، وبالثاني العقد بالرضا حال العقد فقط كما قلناه ونقلناه عن الكشاف ومجمع البيان أيضا وهو الظاهر المتبادر من الآية ولا ينافيه عدم اللزوم بدليل في زمان الخيار، فلا يقتضي مذهب الشافعية والامامية المعنى الاول.

ولا تقتلوا أنفسكم

يدل على تحريم قتل الانسان نفسه، وقيل المراد إيقاعها في التهلكة أو في العذاب بأكل مال الناس ظلما، أو قتل البعض بعضا، ويحتمل إرادة الجرح والضرب، فان القتل بمعنى الجرح والضرب غير بعيد، وقالوا بتحريم جرح الانسان نفسه " ومن يفعل ذلك " أي قتل النفس أو ما سبق من المحرمات " عدوانا وظلما " أي إفراطا في التجاوز عن الحق وأتيانا بما لا يستحق، وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم على نفسه.

فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا

فتدل على كون القتل كبيرة، ولو كان راجعا إلى أكل المال بالباطل أيضا يكون هو أيضا كذلك.

الثانية: الذين يأكلون الربوا لا يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ذلك بانهم قالوا انما البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا فمن جاء‌ه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وامره إلى الله ومن عاد فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربى


429

الصدقات والله لا يحب كل كفار اثيم(1).

الذين

مع صلته مبتدأ خبره " لا يقومون "، و " إلا " للاستثناء، وما بعده مستثنى، والمستثنى منه محذوف والتقدير لا يقومون قياما إلا قياما كائنا نحو قيام المصروع، فالجار والمجرور متعلق بمقدر صفة للمستثنى المحذوف، واقيم مقامه و " ما " مصدرية و " من المس " متعلق إما بلا يقومون، أو يقوم أو يتخبطه، و " ذلك " مبتدأ و " بأنهم قالوا " خبره و " إنما البيع مثل الربا " جملة من مبتدأ و خبر مقول قالوا " وأحل " الخ جملة مستأنفة لانكار قولهم، وفاء " فمن " للتعقيب و " من " مع صلته مبتدأ وهي " جاء " مع مفعوله وفاعله، وهو " موعظة " وتذكيره للفصل وكون تأنيثها غير حقيقي وكونها بمعنى الوعظ، ولهذا قال في موضع آخر: " جاء‌ته موعظة " و " من ربه " متعلق بمقدر صفة الموعظة أي كائنة من ربه و " فانتهى " عطف على جاء‌ه " فله " خبر " ما سلف " والجملة خبر " من " ولتضمنها معنى الشرط صح دخول دخول الفاء في خبره و " أمره إلى الله " عطف على " له ما سلف " و " فيها خالدون " جملة حالية، و " فيها " يتعلق بخالدون.

ومعناها: الذين يأخذون الربا ويتصرفون فيه - فعبر بالاكل مجازا لانه الغرض غالبا من الاخذ، كما يقال في العرف للظلمة كالسلطان الجائر وآخذ العشور والقضاة بالباطل آكلوا الحرام أو اكتفى به لانه العمدة ويمكن لكون عقابه أكثر ويكون تحريم غيره بالعلة المشار إليها، وبالاجماع وبالاخبار وبقوله " وحرم الله الربا " -.

لا يوقومون إذا بعثوا من القبور يوم القيامة إلا قياما مثل قيام الشخص الذي يتخبطه الشيطان أي جعله مصروعا من الجنون، وهذا بناء على زعم العرب أن الشيطان يخبط الانسان فيصرع، والخبط ذهاب في الارض على غير اتساق مثل العشوى لا تبصر ليلا، والمس: الجنون وهذا أيضا بناء على زعمهم أن الجن

(1) البقرة: 275.


430

إذا مس الانسان يختلط عقله فيصرع، والحاصل أنهم لا يقومون من قبورهم إلى المحشر بسبب الربا ووزره وثقله عليهم قياما مثل قيام صحيح العقل، بل مثل قيام المجانين فيسقطون تارة ويمشون على غير الاستقامة اخرى ولا يقدرون على القيام اخرى، فكان ما أكلوا من الربا أربى في بطونهم، وصار شيئا ثقيلا على ظهورهم فلا يقدرون على ما كانوا قادرين عليه من القيام والمشي على الاستقامة.

وقيل: يكون ذلك علامة لهم يوم القيامة يعرفون بها، كما أن لبعض المعاصي علامة يعرف صاحبه بها، وكذا الطاعات، وذلك بسبب أنهم جعلوا الربا حلالا مثل البيع، وقالوا إنه مثل الربا، يعني كما أن في البيع الذي لا ربا فيه يحصل الربح وهو حلال وليس له سبب للتحليل إلا ذلك، كذلك في البيع الذي فيه الربا يحصل ذلك أيضا، قيل كان ينبغي العكس ولكنهم اختاروا هذا للمبالغة، فكأنهم جعلوا الربا أصلا في الحل وقاسوا عليه البيع، ورد الله قياسهم وأنكره بقوله " وأحل الله البيع وحرم الربا " أي وإن كانا متماثلين، ولكن أحدهما حلال والآخر حرام، لحكمة يعلمها الله، لجواز اختلاف الحكم مع التساوي في بعض الامور، إذا لم يثبت كونه علة له، ففيها دلالة على عدم صحة مطلق القياس، وأن القائل به مذموم عند الله حيث ذمهم.

فمن بلغه وعظ من الله بأمر أو نهي وقبض وتصرف فاتعظ وقبل النهي أو ارتكب المأمور به " فله ما سلف " أي فملك ما أخذه سالفا وقبض وتصرف، وجاز له التصرف فيما فعل من المنهي الآن، وكذا فيما يترتب على ترك ما هو المأمور به الآن، ولا مؤاخذة على ما سبق الامر والنهي " وأمره " بعدهما " إلى الله " فيجازيه بعمله، فان اتعظ لله، وقيل الامر والنهي، لانهما من الله فيثيبه، وإلا فيعاقبه بقدر العمل، أو أن الله يحكم في شأنه وليس عليكم الاعتراض، وقيل: معناه بعد الموعظة والتحريم فأمره إلى الله تعالى فان شاء عصمه عن أكله، وإن شاء خذله، وقيل أمره في حكم الآخرة، إن لم يتب إلى الله فإن شاء عذب وإن شاء غفر له.


431

والحاصل: ليس جواز ما سبق له مشروطا بالانتهاء ولا برجوع أمره إلى الله بل عدم العقاب فيما يأتي مشروط به، فكأنه قال: الذي اتعظ فما عليه فيما سبق شئ، وأمره فيما سيأتي إلى الله، فان اتعظ فما عليه شئ، وإلا فعليه وزر الترك ولعله لدفع توهم من يتوهم أنه إذا حرم الربا لا يكون للعامل أخذه، سيما إذا كان العين باقية بل يرده إلى أهله، وتوهم أن المتعظ ليس أمره بعد الانعاظ إليه، أو يكون المراد: فله ما سلف من غير عقاب، فيكون للتقييد، إذ لو لم ينته ليس له ما سلف سالما، بل هو مع العقاب، فكانه ليس له ذلك لانه لا خير مع كون الانسان معاقبا، وبالجملة إن ثبت عدم هذا المفهوم بالاجماع ونحوه ونحوه، فليس بمعتبر لانه إنما يعتبر مع عدم ما هو أقوى منه، وإلا فنقول به.

ومن عاد

أي إلى أكل الربا إذ الكلام فيه، والظاهر أنه ليس في مقابل قوله " فانتهى " إذ حاصله حينئذ أن الذي جاء‌ه النهي فانتهى أي قبل النهي واعتقد تحريمه، فله كذا وإن لم يقبل فكذا، ولا يناسب لفظ العود حينئذ بل هو جملة عطفت على الجملة فمن جاء‌ه الخ، فكأنه قال: الذين يأكلون الربا ويقولون إنه حلال ثم يعودون الخ ويمكن أن يكون المراد بالعود الرجوع إلى أكل الربا، و عدم قبول تحريمه، وحينئذ لا مسامحة في الحصر الاضافي وخلودهم، لان الذي يعتقد تحليل ما حرم الله بعد علمه بأنه [ حرام ] من الله كافر ومخلد، فلا دلالة فيه على أن الفساق مخلدون كما ذهب إليه المعتزلة، وقال صاحب الكشاف: هذا دليل بين عليه، نعم إن كان المراد العود إلى فعل الربا بعد الترك، فحينئذ تكون ظاهرة فيما قاله الكشاف في الجملة، ويمكن التأويل بالحمل على المبالغة والمكث الطويل كما قالوا في " من قتل مؤمنا متعمدا " وغيره، لما ثبت من عدم خلود المؤمن في النار بالعقل والنقل.

ثم اعلم أنها تدل على تحريم فعل الربا، وتحريم أكل ما اخذ به بل مطلق التصرف فيه، وكون العود إلى الربا كبيرة أو إلى الربا مع قوله بالتحليل، كما كان قبل، فانه كان يقول " إنما البيع مثل الربا " وعلى تحليل


432

جميع البيوع إذ المتبادر منه العموم عرفا كما قالوا.

والبيع ظاهر معروف في الكتب الفقهية وغيرها وأما الربا فنقل أنه في اللغة بمعنى الزيادة، ومعلوم أنه ليس بمراد هنا، فقيل المراد به الزيادة في البيع، بل البيع المشتمل عليها، ولهذا قيل في التفاسير أن معنى قوله " إنما البيع مثل الربا " أن البيع الحالي من الربا مثل المشتمل عليه، فعلى هذا يكون تحريم الربا مخصوصا بالبيع، ولا يكون في سائر المعاملات، مثل الصلح على تقدير كونه عقدا برأسه كما هو مذهب بعض الاصحاب ويدل عليه أيضا الاصل وعموم الايفاء بالعقود، مع عدم ثبوت دليل عليه في سائر المعاملات ووجود الاجماع في البيع دون غيره.

وقيل هي الزيادة في مطلق المعاملات، وهو مذهب الاكثر، فالظاهر عدم جواز الزيادة حينئذ في الهبة المعوضة أيضا فتأمل، ودليله أنه الزيادة مطلقا، و خرج منها ما يجوز إجماعا وبقي غيره تحتها، والظاهر أنه لا شك أنه ليس في الآية بالمعنى اللغوي، والشرعي غير ثابت، ولكن الاحتياط واحتمال الآية كون المراد به الزيادة في المعاملة مطلقا بل المعاملة المشتملة عليها، يقتضي مذهب الاكثر، و تخصيصها بالبيع خلاف مذهب الاكثر وأيضا علة تحريم المومى إليها في الاخبار وهي عدم تفويت اصطناع المعروف بالقرض الحسن ورفد المؤمنين يشمل جميع المعاملات فلا يؤخذ الربا لتحريمه في كلها، بخلاف ما إذا خصص بالبيع، ويؤخذ بوجه آخر، مثل الصلح، وإن كان باب الحيلة على ذلك التقدير أيضا مفتوحا، على ما ذكروه، ولكنه حيلة لا تخلو عن شبهة.

ثم عمموا الزيادة من العيني والحكمي مثل الزيادة في الاجل وعمل صنعة وغيرها، وأيضا حصروه في أشياء مخصوصة باجماع ونحوه حتى قالوا: إن الذي يجري فيه الربا إجماعا هو ستة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والملح، و الذهب، والفضة، والاصحاب قالوا يشترط أن يكونا متجانسين مما يكال أو يوزن وفي المعدود خلاف، وكذا في غير المكيل والموزون إذا بيع نسيئة خلاف، وكذا في غير المتجانسين نسيئة.


433

وبالجملة المسألة وتحقيقها وشرائطها وتفصيلها يحتاج إلى تطويل كثير وهو يخل بمقصودنا هنا، مع وجودها في غير هذا المحل إلا أنه ينبغي أن يعلم أن ظاهر الآية خالية من الشرائط فبعد ثبوت معنى الربا فكل دليل يصلح لتقييدها يقيد به، وما لا فلا، على ما مر مرارا، وتحريم القياس وأنه ليس بحجة شرعية إذ لو كان كذلك لما ساغ الذم عليه، وإن أخطأ المستعمل كما هو الثابت في الاصول، إلا أن تحمل الآية على أنهم قالوا ذلك مع ثبوت تحريمه، وهو خلاف الظاهر، وخلاف ما قيل في سبب النزول، وهو أنهم كانوا يفعلون الربا ولا يمتنعون منه، ويقولون بالقياس المذكور، فنزلت وخطاهم الله تعالى في ذلك وقال " أحل الله " كما في التفاسير، وخلاف الظاهر من قوله " فمن جاء‌ه " الخ فحينئذ يبطل قول الكشاف والقاضي أن قوله " وأحل الله " رد لقولهم، وإنكار لقياسهم وأن قياسهم باطل لمعارضة النص وأن القياس يهدمه النص لان الله جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه، إلا أن يقال: يريدان ما قلناه، وهو بعيد لما مر.

وتدل على تحليل الربا في بعض الاوقات في الجملة، وأنه كان يملك ذلك بعد الاخذ والقبض، بل الظاهر بعد العقد إلا أنه سيجيئ في الثالثة ما يدل على نفيه حينئذ ويفهم منها ومما سبق أيضا أن الربا لا يملك مع كون فعله حراما، وأما كون البيع المشتمل عليه باطلا كما يقوله الاصحاب والشافعية وغيرهم - إلا ما نقل عن أبي حنيفة من صحة البيع في أصله، وبطلانه في الزيادة، ووجوب ردها إلى صاحبها - فلعل دليل الاصحاب إجماعهم وأخبارهم، وأن الذي وقع عليه التراضي ما انعقد، إجماعا منا ومن أبي حنيفة، وما وقع التراضي على غيره وهو شرط في التجارة، وأيضا إن الذي علم جوازه وكونه مملكا وصحيحا هو البيع الخالي من الربا، وغيره غير ظاهر، والاصل عدم حصول الملك إلا بدليل، إذ الظاهر أنه ما أراد الله من الامر بالعقود والايفاء بها إلا ما أجازها ورضي بها منها لا غير، ومنه علم ما تخيله دليلا.


434

فاعلم أن في الآية التي بعدها تأكيدا لامر تحريم الربا بأنه يمحقه الله أي ينقصه ويذهب بركته في العاجل، ويعاقب عليه في الآجل، وأنه يكثر الصدقة و يعطيها البركة وينميها ويزيدها، بأن يثمر المال في العاجل، روي أنه ما نقصت الزكاة عن مال قط أي ما نقص شئ من مال اخرجت عنه قط إلا أعطاء الله البركة فيه ويثيب فاعلها في الآجل حتى أنه عبر عن فاعل الربا بالكفار الاثيم أي المصر على تحريم ما حرمه الله والمهمك في ارتكابه، وفي التي بعدها دلالة على كون الصلاة والزكاة وسائر الاعمال الصالحة موجبة للاجر العظيم وعدم الخوف والحزن على فاعلمها.

وبالجملة تحريم الربا معلوم من الدين ضرورة، وقد يعلم من بعض الآيات الاخر.

الثالثة: يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم رؤس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون(1).

أي اتركوا البقايا التي شرطتم على الناس وهي الربا - فمن بيانية أو متعلق ببقي، فتكون ابتدائية أو تبعيضية، والاول أولى - إن صدقتم تحريمه فإن العلم يمنع من العمل المحرم إذا كان يقينا كما هو مقتضى العقل فإن من يفعل المحرم فكأنه جاهل غير مصدق، إذ العلم الذي لا يعمل بمقتضاه هو والجهل سواء وهذه مبالغة مشهورة في إفادة منع العالم عن خلاف ما يقتضي علمه، فتقييد الترك بالايمان يكون لذلك، أو يكون على ظاهره، أي يجب عليكم ترك ما بقي من الربا بعد علمكم بالتحريم فالذي فعلتم وأخذتم قبل العلم لا يجب رده إلى صاحبه كما فهم من قوله " وله ما سلف ".

قيل: روي أنه كان لثقيف مال على بعض قريش فطالبوه عند المحل بالمال

(1) البقرة: 278 و 279.


435

والربا، فنزلت " فإن لم تفعلوا " أي إن لم تتركوا ذلك " فأذنوا " أي فاعلموا " بحرب من الله ورسوله " من أذن بالشئ إذا علم به وقرئ " فآذنوا " أي فأعلموا بها غيركم من الاذن وهو الاستماع فإنه من طرق العلم، قيل التنوين للتعظيم، كأنه أبلغ من حرب الله ورسوله لان المعنى بنوع عظيم من الحرب من عند الله ورسوله ويحتمل أن يكون حربهما واحدا، وهو قتال المسلمين معهم حتى يرجعوا، وكون حرب الله في الآخرة بادخالهم في النار وحرب الرسول في الدنيا بالسيف والاول أظهر.

فدلت على جواز قتال المسلم على ترك الربا حتى يرجع مثل قتال مانع الزكاة وغيره، وعلى تحريم أخذ ما بقي من الربا الذي شرطه قبل التحريم، ولا يدل على كفر الآخذ، روي أنه لما نزلت قال ثقيف لا يدي لنا بحرب الله ورسوله، أي لا طاقة لنا.

وإن تبتم

أي رجعتم عن اعتقاد حل الربا كما يفهم من البيضاوي، أو عمل الربا كما هو ظاهر الكشاف وظاهر الآية أيضا " فلكم رؤس أموالكم " فقط لا الزيادة، التي شرطتم " لا تظلمون " معامليكم بأخذ الزيادة والربا " ولا تظلمون " أنتم بأخذ الناقص عن رأس مالكم، ولا يخفى أن مفهوم الشرط المعتبر عند أكثر الاصوليين يفيد عدم جواز أخذ رأس مالهم، مع عدم الرجوع، وهو محل التأمل وقال القاضي، وهو سديد على ما قلناه، إذ المصر على التحليل مرتد وماله فئ، وقال في الكشاف: قالوا يكون مالهم فيئا للمسلمين.

قال في كنز العرفان: قال الزمخشري والقاضي، وإن لم يتب يكون مصرا على التحليل، فيكون مرتدا وماله فئ، وليس بشئ لانا نمنع أنه إذا لم يتب يكون مرتدا، لجواز أن يفعله ويعتقد تحريمه(1) وفيه تأمل لان الزمخشري ما قاله بل نقله عن قوم، وقد يكون ذلك قائل يقول ذلك بناء على أن معنى قوله " إن تبتم " رجعتم عن تحليل الربا، كما يقوله القاضي، فلا يرد عليه ما أورده، مع

(1) كنز العرفان ج 2 ص 39.


436

أنه ما صرح بارتداده، بل قد يكون له وجه في ذلك، وأما القاضي فإنه صرح بأن معنى " تبتم " رجعتم عن تحليل الربا فيكون تاركه مرتدا من غير شك، فلا معنى لان يقال عليه، إنه يفعل مع اعتقاده التحريم.

نعم يمكن أن يقال: ما قالوه ليس بشئ، لان دليل أن مال المرتد فئ للمسلمين غير واضح لانه إن كان مليا فماله باق على ملكه إلا أنه محجور عليه وإن كان فطريا فماله ينتقل إلى وارثه، فإنه بمنزلة الموت كذا قاله الاصحاب، و لعل أدلتهم إجماعهم، والروايات، فإن كان مذهبهم أيضا كذلك، يرد عليهم ذلك وإلا يقال الاصل عدم خروج ملك شخص عنه، ويستبعد خروج ملك شخص عن ملكه، ولا يتملكه وارثه بمجرد الردة خصوصا مع احتمال الرجعة، وقبول التوبة إلا بدليل ظاهر، وهو غير ظاهر، وأيضا المفهوم معتبر مع عدم ظهوره وجه التخصيص، وما هو أقوى منه، فاذا عارضه أقوى منه أوله وجه تخصيص فلا يعتبر وهنا قد يكون كذلك فتأمل أو يقال إن المنطوق حصول رأس المال فقط ومفهومه عدمه، وهو كذلك لحصول العقاب معه، وهو ظاهر.

ويمكن أن يقال أيضا أن منطوق الآية أن التائبين عن فعل الربا أو تحليله لهم تمام رأس مالهم حال كونهم غير ظالمين لانفسهم بترك التوبة وارتكاب المحرم ولا لغيرهم بطلب ما لا يستحقونه عليه، ولا مظلومين بنقص مالهم، ولا بحصول عقاب من عند أنفسهم، فجملة " لا تظلمون " حال ومفهومها أن غير التائبين ليسوا بهذه الحالة، للزوم عدم المشروط عند عدم الشرط، وهو كذلك لانه ليس لهم رأس مالهم مع الحال المذكورة، بل مع نقيضها، فإنه لو كان لهم رأس مالهم يكون حال كونهم ظالمين لانفسهم بل لغيرهم أيضا ومظلومين أيضا لظلمهم أنفسهم، وهذا المقدار يكفي لاعتبار المفهوم، ولا يلزم رفع جميع ما ذكر للمذكور، وهو ظاهر بين، فعلم أن ما قالاه ليس بشئ لوجوه قلناها لا لما قيل فافهم.

الرابعة: يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة(1).

(1) آل عمران: 130.


437

قد مر مضمونها وهو تحريم الربا ولعل التكرار للتأكيد، والمبالغة في التحريم، وأيضا لتصريح النهي فإن الذي مضى كان بحسب الظاهر خبرا أو لعظم ذنب هذا الفرد، وهو الاكل أضعافا مضاعفة وكان الواقع كان كذلك، ولكثرة ضرره على الناس، وكأن الاكل كناية عن أخذ الربا وهو متعارف يقال فلان يأكل الربا يعنون به أنه يستعمله ويأخذه ولا يجتنبه، لا أنه يأكله حقيقة فيحتاج إلى قياس غيره عليه، ومعنى " أضعافا مضاعفة " قيل أن يضاعف بتأخير أجل بعد أجل كلما حل أجل أجل إلى غيره، وزيد زيادة على المال، أو تضاعفوا أموالكم فيدخل فيه كل زيادة محرمة في المعاملة، ويمكن أن يكون المراد يضاعف الزيادة أضعاف الاصل أو أضعاف ما يتعارف في ربح مثله.

وقال في المجمع: في تحريم الربا مصالح منها أنه يدعو إلى مكارم الاخلاق بالاقراض، وإنظار المعسر من غير زيادة، وهو المروي عن أبي عبدالله عليه السلام في الكافي في الحسن عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله عليه السلام قال إنما حرم الله عزوجل الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف، وعن سماعة قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام إني رأيت الله قد ذكر الربا في غير آية وكرره فقال أو تدري لم ذلك قلت لا، قال لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف(3) وأنت تعلم أنها تنعدم بفتح باب الحيلة، كما هو المتعارف، فإنهم يأخذون بها ما يؤخذ بالربا.

الخامسة: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون(2).

الويل قيل: اسم واد في جهنم أو كناية عن عذاب وسخط من الله، على من يطففون الميزان والكيل، ويباشرونهما، الذين إذا اكتالوا من الناس حقهم أو اتزنوه منهم يأخذونه وافيا تاما كاملا، حذف واكتفي بالاول وفي الكشاف للاشعار

(1) الكافي ج 5 ص 146.

(2) المطففين: 1 - 3.


438

بأنهم ما يأخذون لانفسهم من الناس إلا بالكيل لانه أكمل وأمكن وأتم للاستيفاء والسرقة فتأمل، وإذا كالوا أو وزنوا هم من أنفسهم للناس يخسرون ينقضون ذلك ولا يستوفون فتدل على أن إعطاء الناقص حرام، ويدل عليه العقل والنقل، وغيرها أيضا من عدم جواز أخذ أموال الناس إلا برضاهم.

ويدل أيضا على المنع من نقص الكيل والوزن بخصوصه بعض الآيات و الاخبار أيضا مثل " أن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان "(1) وتحريم ذلك ظاهر لا يحتاج إلى الدليل " ويل " مبتدأ و " للمطففين " خبره و " إذا " ظرف يتضمن معنى الشرط وما بعده شرطه، و " يستوفون " جراؤه والجملة صلة الذين وهو صفة للمطففين، وذكر الاستيفاء هنا لزيادة قبح النقص حينئذ يعني يأخذ لنفسه تاما ويعطي الغير ناقصا لا أنه أيضا حرام، وإن كان مرجوحا فان عدم الاستقصاء والاستيفاء وإعطاء الرايد وأخذ الناقص مطلوب شرعا لانه إحسان عقلا ونقلا ومرغوب ومستحب ذكر ذلك مع دليله في محله، ويحتمل أن يكون المراد الاستيفاء مع أخذ الزائد كما يشعر به كلمة " على " الدالة على الضرر، فيكون هو أيضا حراما بخصوصه.

وإذا كالوا

الخ عطف على " اكتالوا " عطف جملة على جملة، قيل اكتالوا وكالوا بمعنى واحد، وكان زيادة الحرف في الاول تدل على زيادة الحرص والسعي فيه، و " هم " في الموضعين منصوب إما لانه يقال كالهم، كما يقال كال لهم، كما يفهم ذلك من مجمع البيان أو على الحذف والايصال، أو على حذف مضاف أي مكيلهم، وقال في الكشاف: لا يحسن كونه تأكيدا لضمير كالوا لفوات المقابلة لما قبله ولا كونه فصلا لانه إنما يكون بين المبتدأ والخبر ونحوه، مثل مفعولي فعل.

قال في مجمع البيان: قيل ذلك والصحيح أنه منصوب كأنه إشارة إلى ما ذكر من ضعف التأكيد والفصل، ووجه صحة النصب وهو ظاهر لا يحتاج إلى البيان.

(1) الرحمن: 8 و 9.


439

السادسة: خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين(1).

قال في الكشاف: العفو ضد الجهد كأنه هو المشقة، فالعفو هو السهولة أي خذ يا محمد ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم، وتسهل من غير كلفة ولا تداقهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم، حتى لا ينفروا كقوله عليه السلام يسروا ولا تعسروا، والعرف المعروف والجميل من الافعال وأعرض عن الجاهلين.

ولا تكافئ السفهاء مثل سفههم، ولا تمارهم واحلم عنهم، واغض عما يسوؤك منهم، و قيل لما نزلت الآية سأل جبرئيل عليه السلام فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك.

وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: أمر الله نبيه بمكارم الاخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الاخلاق منها.

فهذه دالة على رجحان حسن الخلق من العفو مما يستحقه الانسان في ذمة الغير من الحقوق وغيره، واستعمال اللين والملاء‌مة في المعاملات، والامر بالمعروف والاعراض عن الجهال، وعدم مؤاخذتهم بما فعلوا بالنسبة إلى الانسان ويؤيده " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما "(2) وعلى عدم المماكسة وإعطاء الزائد وأخذ الناقص، وعدم الربح على الموعود بالاحسان بل مطلق المؤمن ونحو ذلك من الاحسان.

السابعة: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا(3).

قال في مجمع البيان قيل: فيه أقوال: المراد لن يجعل الله لليهود على المؤمنين نصرا ولا ظهورا، قيل: بالحجة، وإن جاز أن يغلبهم بالقوة، ولو حملناه على الغلبة لكان صحيحا لان غلبة الكفار على المؤمنين ليس من الله تعالى، وقال القاضي: حينئذ أي في الآخرة أو في الدنيا والمراد بالسبيل الحجة، واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلم والحنفية على حصول البينونة(4) بنفس الارتداد، وهو

(1) الاعراف: 198.

(2) الفرقان: 63.

(3) النساء: 140.

(4) أي بين الزوج والزوجة، منه.


440

ضعيف لانه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الايمان قبل مضى العدة.

وفي الاستدلال على عدم جواز الشراء بعد قوله والمراد بالسبيل الحجة تأمل، نعم إن حملت على العموم كما هو الظاهر، فالاستدلال صحيح.

وقد استدل بعض أصحابنا أيضا بها على عدم التملك، وقال البعض بجواز التملك مثل أن أسلم عنده ولكن لا يتمكن من التصرف للآية بل يباع عليه، ويمكن الاستدلال بها على عدم تسلط الكافر على المسلم بوجه تملك وإجارة ورهن وغيرها لانه نكرة في سياق النفي يفيد العموم فلا شئ من السبيل له على المسلم، ويصح استدلال الحنفية أيضا لان الزوجية تسلط وسبيل واضح، والفرض كونه منفيا بالآية، والعجب من القاضي أنه ضعفه بعد القول باستدلال أصحابه به، بأنه لا ينفي أن يكون إذا عاد لانه إذا انتفى السبيل فما بقي نكاح فكيف تعود الزوجية بغير عقد، ولانه قد سلم زواله لانه سبيل المنفي فعوده يحتاج إلى دليل، ومجرد رفع المزيل والمانع لم يكف بل يحتاج إلى المقتضي.

نعم يرد عليه أن ليس للزوجة سلطنة على الزوج عرفا بل شرعا أيضا، فلا تدل على بطلان العقد بارتدادها وإلا يلزم انفكاك الرق وخروج الملك عن ملك المولى بردته لو قيل إن مثل وجوب النفقة سلطنه، وأيضا قد يقال يكفي في رفع السلطنة عدم ثبوت أحكام النكاح من الدخول وغيره حتى يرجع إلى الاسلام فيكون الردة مانعة، فيرجع بعد زوالها كما يقوله أصحابنا على التفصيل الذي ذكروه فتأمل.

كتاب الدين وتوابعه

وفيه آيات

الاولى: يا ايها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا ياب كاتب ان يكتب كما علمه الله فليكتب إلى قوله - والله بكل شئ عليم(1).

خاطب الله المؤمنين بالشفقة لهم والاهتمام بحالهم، وعدم انتفاع غيرهم، بانه " إذا تداينتم " أي إذا داين بعضكم بعضا كذا في التفسيرين بدين " أي دين كان وبأي معاملة وقعت بينكم، فشرط كونه مقيدا بوقت معلوم مضبوط بالتسمية لا بمثل قدوم الحاج وبحيث يكون العوضان أو أحدهما دينا أي مالا في الذمة مؤجلا بمدة، لكن الدليل دل على بطلان الاول عندهم وبقي الثاني، وهذا بيان للمقصود وتفصيل لتداينتم، لابيان معناه اللغوي حتى يرد عليه أنه فرق بين التفاعل والمفاعلة، فان الاول لازم والثاني متعد فلا يصح تفسير أحدهما بالآخر كما أورده في كنز العرفان على صاحب الكشاف، على أنه قد يمنع حصر الاول في اللازم والثاني في المتعدي، ولعل فهم هذا التفصيل صريح أوجب ذكر " دين " مع أنه معلوم من قوله " تداينتم ".

وفيهما ذكر: ليكون مرجعا لضمير فاكتبوه، ولعل مقصودهم أن ذكر الدين غير مستحسن، وإرجاع الضمير إلى المصدر تكلف إنما يرتكب للضرورة مع أن المقصود قد يكون التصريح بكتابة الدين الذي تقع عليه المعاملة، وذلك يفوت بتركه، فلا يرد عليه ما أورده أيضا بقوله فيه نظر، لانا نمنع وجوب ذكر

(1) البقرة: 282.


442

الدين لاحتمال عوده إلى المصدر، وقيل ليرتفع احتمال التداين بمعنى المجازاة كقولهم كما تدين تدان، فيزول الاشتباه، ولعل مراده من أول الامر وإلا يزول بملاحظة تتمة الآية، وقيل: لمجرد التأكيد كما في " طائر يطير بجناحيه "(1) " فاكتبوه " أي اكتبوا الدين لانه أوثق بالنسبة إلى صاحب الحق والمديون، و الشاهد أيضا، وفيه مصلحة الدين والدنيا لهم، فدلت على أحكام: الاول إباحة المعاملة بدين مؤجل أخذا وإعطاء بأي نوع كانت المعاملة نسئية وسلفا صلحا وإجارة وقرضا وغير ذلك، والثاني اشتراط التعيين في الاجل بأن يسمى أجلا أي أياما وشهورا وسنوات بأن يسمى أجلا لا يقبل الزيادة و النقصان، لا ما يقبل مثل حضور الحصاد وقدوم الحاج فيشترط اللفظ، ولا يكفي كون ذلك مقصودا لهم فتأمل، والثالث عدم جواز التجاوز عن ذلك بأن يطالب قبله أو يؤخر بعده، وعدم لزوم الاخذ قبله إذ الظاهر أن فائدة الاجل وتعيينه ذلك إلا ما أخرجه دليل [ شرعي ]، مثل وجوب الاخذ قبله وعدم لزومه في القرض على ما قالوه.

والرابع استحباب الكتابة أو كونه للارشاد لاجماعهم على عدم الوجوب، و لان الظاهر أن الغرض حفظ مالهم وصلاح حالهم، فاذا رضوا بتركه يجوز لانه يجوز لهم أن لا يأخذوا أصلا فتأمل، ويحتمل وجود ما يدل عليه أيضا في الروايات قال في مجمع البيان: واختلف في هذا الامر فقيل هو مندوب إليه وهو الاصح و يدل على قوله تعالى " فان أمن بعضكم بعضا " الخ فيه تأمل إذ يدل على عدم الوجوب على تقدير الايتمان لا مطلقا، بل يدل على تقدير عدم وجود الكاتب والشهود أنه يجوز ترك الرهن والاكتفاء بالايتمان وهو ظاهر.

ويمكن جعل اشتراط ذكر الاجل لفظا خامسا فيمكن جعل اشتراط الصيغة في المعاملات سادسا، إذ يفهم من اشتراط ذكر الاجل لفظا اشتراط الصيغة في المعاملة فتأمل، وأما إباحة الدين الغير المؤجل كما يفهم من الكنز فمشكل، إذ الظاهر

(1) الانعام: 38.


443

عدم دلالة هذه الآية عليه ظاهرا، نعم هو مفهوم من غيرها، وقد يقال يفهم ذلك بالطريق الاولى من إباحة المؤجل فتأمل وقد يقال أيضا: يستفاد من مفهومها عدم استحباب الكتابة لغير المؤجل فيكون سابعا فافهم.

وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب

أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص، فبالعدل متعلق بمقدر صفة لكاتب أو حال عنه أو متعلق به أو متعلق بوليكتب، ولا يمتنع أحد من الكتاب من الكتابة مثل ما علمه الله من كتبة الوثايق، فيكون " كما " متعلقا بمقدر صفة لمصدر أي كتابا مثل كتاب علمه الله إياه، أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته نفعا مثل النفع الذي نفعه الله بتعليمها كقوله " أحسن كما أحسن الله إليك "(1) فليكتب الكاتب هذه الكتابة المعلمة ويحتمل أن يكون كما علمه الله تتمة ما بعده، أي فليكتب الكاتب والاول أولى.

فدلت على أحكام: وجوب الكتابة بالعدل، يعني على تقدير كتابته، وإن لم تكن عليه واجبة، يجب أن يكتب بالعدل ولا يغير، وتحريم الامتناع عن الكتابة مطلقا على الثاني، فتكون الكتابة واجبة على من يقدر عليها، والظاهر أنه كفائي إذ الوجوب أعم وأن الفرض هو الكتابة من أي شخص تتأنى كالشهادة، وعلى الاول على تحريم الامتناع عن الكتابة المقيدة فيكون معناه لازما لمعنى وليكتب ويكون تأكيدا مثل فليكتب، ويحتمل أن يكون وليكتب أمرا للمعاملين بالدين باختيار كاتب بالعدل، فعلى تقدير استحباب الكتابة واختيارها يكون اختيار الكاتب بالعدل واجبا كما في صورة وجوب الكتابة، واشتراط تدين الكاتب في الكتابة و اشتراط فقهه بها على الوجه المأمور بها الموافق للشرع.

وليملل الذي عليه الحق

أي وليكن المملل من عليه الدين والحق لانه المقر والمشهود عليه، والاملال قيل هو الاملاء فيقر بلسانه بما عليه ليكتبه الكاتب " وليتق الله ربه " أي المملل قيل أو الكاتب وهو بعيد " ولا يبخس " أي لا ينقص

(1) القصص: 77.


444

منه شيئا

أي من الحق أو مما أملل أي يملل على وجه لا نقص فيه بل بالعدل كما قيل في الكاتب " فان كان الذي عليه الحق سفيها " أي ناقصا مبذرا يصرف ماله في غير الاغراض الصحيحة " أو ضعيفا " أي صبيا أو مجنونا أو شيخا مختلا، أو لا يستطيع أن يمل هو " أي الذي لا ضعف في حاله وعقله ولا في تصرفه لكنه لا يقدر على الاملال كما هو، بحيث يفهمه الكاتب، بأن يكون أخرس أو جاهلا باللغة " فليملل وليه بالعدل " والولي هو الذي يلي أمره مثل الاب والجد منه والاوصياء في الصبي والمجنون والمبذر إن كان لهم الولاية عليهم، وإلا فالحاكم وأمينه، و ولي الشيخ المختل المترجم والذي يقدر على الاملال ولي جاهل اللغة والاخرس بشرط علمهما بالدين عليهما سواء كانا حاضرين على المعاملة أو فهما ممن عليه الحق.

ولكن يشكل اكتفاء الكاتب حينئذ على مترجم واحد وقادر واحد، فانهما في الحقيقة شاهدان على ما في ذمته أو على إقراره فحينئذ لا بد من كون كل واحد اثنين عدلين على ما اعتبروه في غير هذا المحل إلا أن يكونا ممن يتعاطى المعاملة أو يكون الكاتب عالما بالحال، وهو مشكل أيضا إذ حينئذ لا يحتاج إلى المملل وعلى تقدير تعاطيهما أيضا ما يقدر الكاتب أن يكتب كونه في ذمة المديون بقولهما وهذا الاشكال وارد في الكل، إذ بمجرد إقرار الولي كيف يكتفي بثبوت المال في ذمة المولى عليه، بل مع شهود أيضا، لانهم يعتبرون لاثبات المال في الذمة بالشهود انضمام حكم الحاكم إليه.

وقيل: الضمير في " فليملل وليه بالعدل " راجع إلى الحق أي صاحب الدين وهو بعيد، والاشكال فيه أقوى إلا أن يكتب الكاتب تذكرة له من لسانه، لا أنه ينفعه ويكون حجة له، وحينئذ يجوز كتابة مثله من لسان هؤلآء الذين مضوا أيضا ولا إشكال فتأمل.

فدلت هذه على وجوب إقرار من عليه الحق، لان يكتب ويشهد عليه، و وجوب كونه على ما هو عليه، وكذا على الاولياء، وعلى أن هؤلاء المذكورين من السفيه والضعيف ومن لم يقدر لا يمضى إقرارهم، ولا يعتبر قولهم، فلا يجوز


445

معاملتهم وأن لغيرهم عليهم ولاية جبرا عليهم، ومقبول قولهم فيهم وتصرفهم في أموالهم، فتجوز المعاملة معهم وهم المذكورون، فانه علم أن لهم أولياء وليسوا غير هؤلاة المذكورين إجماعا فلا يكونون إلا هم.

ثم اعلم أن هذه التأكيدات في أمر الكتابة تدل ظاهرا على أنها معتبرة و حجة شرعية مع أنهم يقولون بعدم اعتبارها، فكأنه للاجماع والاخبار، فتكون للتذكرة وهو بعيد، ويمكن أن تكون حجة مع ثبوت أنه إملاء من عليه الدين وأنه مكتوب بالعدل وما دخل عليه التغيير والتزوير باقراره أو بالشهود، ولهذا شرط الاملاء منه، فدلت على اعتبار الكتابة في الجملة ومثلها معتبرة عندهم فيخصص عدم اعتبار الكتابة ودليله إن كان بغير ذلك، فاذا قال شخص هذه وصيتي وأعلم بجميع ما فيها مشيرا إلى صكه، ينبغي قبوله والشهادة عليه، والعمل به، والذي يظهر من القواعد خلافه، وهكذا ينبغي قبول قول أمثاله فافهم.

واستشهدوا شهيدين

أي اطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان متصفان بأن يكونا " من رجالكم " المؤمنين " فان لم يكونا " أي إن لم يكن الشاهدان رجلين من رجالكم " فرجل وامرأتان " أي فليشهدوا، فالشهود رجل وامرأتان، فرجل فاعل فعل مخذوف، أو خبر مبتدأ محذوف، وامرأتان عطف عليه " ممن ترضون من الشهداء " بشهادتهم بأن ترضوا دينهم وأمانتهم كما يفهم من الرواية أيضا أي يكون الشاهد مطلقا سواء كان الرجلين أو رجلا وامرأتين، من الذين تعرفون عدالتهم، ويظهر ذلك عندكم، لا أن يكونوا في نفس الامر عدولا.

فيدل على اعتبار العدالة ظاهرا وأن كل من يكون كذلك عند المستشهد فهو ممن يصح استشهاده، لان الظاهر أنه المخاطب، لكن الظاهر أنه ما يكفي للحكم والالزام، بل للخروج عن عهدة أمر الاستشهاد وأما للحكم فلا بد أن يكون كونه كذلك عند الحاكم أو عند المديون فتأمل.

فدلت على عدم كفاية الايمان والاسلام في الشاهد، بل اعتبار العدالة فيه في الجملة، وعلى وجوب الاشهاد على الدين على الظاهر، ويحتمل الاعم أي في


446

كل ما يحتاج إلى الشهود من المعاملات وغيرها، ولكن ظاهر الاصحاب عدمه فهو للارشاد أو الاستحباب، وعلى وجوب كون الشاهد من رجال المسلمين، وهو مذهب الاصحاب وأكثر الفقهاء خلافا لابي حنيفة، فانه قال: يجوز سماع شهادة بعض الكفار على بعض كذا في القاضي وعلى جواز شهادة رجل وامرأتين في الديون وقيل يجوز في مطلق الاموال فقط، وهو مذهب الاصحاب والشافعي، ويمكن حمل الآية عليه ومذهب الحنفية أنها تجوز في كل شئ إلا الحدود والقصاص، وظاهر الآية الاول فكأن الغير ثبت بالاجماع أو الاخبار أو القياس أو حمل الآية على الاعم.

وعلى وجوب سماع شهادة رجلين عدلين أو رجل وأمرأتين كذلك، والحكم بها لان الظاهر أن الغرض من الاشهاد هو سماع الشهادة والحكم بها، لانهما نفعه وعلى حصر الشاهد فيهما ظاهرا وكأن غيرهما ثابت بدليل آخر فيخرج هذه عن ظاهرها به فافهم.

أن تضل إحديهما فتذكر إحديهما الاخرى

قيل إنه علة لاعتبار تعدد المرأه في الشهادة أي التعدد لاجل أن إحداهما إن ضلت بأن نسيتها ذكرتها الاخرى والعلة في الحقيقة هي التذكير ولكن لما كان الضلال سببا له نزل منزلته كقولهم أعددت السلاح أن يجيئ عدو فأدفعه، فكأنه قيل إرادة أن يذكر إحداهما الاخرى إن ضلت، وفيه إشعار بنقص ضبطهن.

ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا

وهو خبر بمعنى النهي للمبالغة، فظاهره تحريم امتناع الشاهد عن أداء الشهادة إذا طلبت منه، ويحتمل تحريم رد التحمل أيضا إذا نودي، وتسميتهم بالشهداء لمجاز المشارفة " ولا تسأموا أن تكتبوه " أي لا تملوا من كثرة مداينتكم أو غيرها أن تكتبوا الدين أو الحق أو الكتاب، قيل: كني بالسأمة عن الكسل، لانه صفة المنافق، ولذلك روي عنه صلى الله عليه واله: لا يقول المؤمن كسلت.

صغيرا

كان الدين " أو كبيرا " أو الكتاب مختصرا كان أو مطولا " إلى أجله " أي إلى وقت حلوله الذي سمي في الدين أو أقر به المديون.

ذلكم

أي الكتابة المفهومة من أن تكتبوا " أقسط " أي أكبر قسطا وعدلا


447

عند الله وأقوم للشهادة " أثبت وأعون على إقامتها، قال القاضي: وهما مبنيان من أقسط وأقام على غير قياس، أو من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم، فيدل على حجيتها في الجملة على ما مر فتأمل.

إنما قال بمعنى " ذي قسط " أي صار ذا عدالة مثل تامر ولابن، بمعنى ذا تمر وذا لبن لان قاسطا قد يكون بمعنى جائر " وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا "(1) ولهذا جعله أولا من أقسط، فكأنه بمعنى أعدل ولعل الهمزة للازالة كشكى وأشكى، وعلى هذا القياس أقوم، وكونه من أقام لا من قام، ويحتمل كونه من قويم بمعنى ثابت، فيكون بمعنى أثبت فتأمل في عبارته ولعل وجه كونه على غير قياس عدم مجئ أفعل من المزيد فيه، فيقال أشد إقساطا وإقامة.

وفيه أن ذلك ليس بمتفق عليه، فان سيبويه يجوز ذلك من باب الافعال خاصة، صرح به المحقق الرضي في شرح الكافية، حيث قال: وعند سيبويه هو قياس عن أفعل، مع كونه ذا زيادة، ويؤيده كثرة السماع كقولهم هو أعطاهم للدينار، وأولاهم بالمعروف، وأنت أكرم لي من فلان، وقلة التغير لانك تحذف منه الهمزة وترده إلى الثلاثي ثم تبني منه أفعل الخ وأشار إليه في الكشاف أيضا حيث قال: فان قلت مم بني فعلا التفضيل أعني أقسط وأقوم؟ قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط وأقوم من قويم.

فان صح عدم صحة مجيئها من قسط وقام ويحتاج إلى التكلف الذي ذكراه بقولهما بمعنى الخ تكون الآية دليلا على مذهب سيبويه، وهو ظاهر، وأيضا وجود غير القياس في القرآن العزيز غير معقول.

وأدنى أن لا ترتابوا

أو وأقرب في أن لا تشكوا أنتم والشهود في جنس الدين وقدره، وحلول أجله، وهذه كلها تأكيدا للكتابة، وبيان فائدتها " إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها " والتجارة

(1) الجن: 15.


448

الحاضرة تعم المبايعة بعين أو دين لكن غير مؤجل بل كل معاملة بعين أو دين بيعا وغيره، فالحاضرة أي الحالة وإدارتها بينهم تعاطيها إياها وتداولها وتعارفها بينهم، ونصب تجارة على أنها خبر تكون والاسم مضمر فيه أي تكون المعاملة أو التجارة المفهومة من سوق الكلام، وحاضرة صفة لها، وتديرونها كذلك أو حال.

ورفعها على أن تكون تامة أو هي اسمه والخبر وتديرونها والاستثناء من التداين والتعامل أو الدين، وفي القاضي أنه اسثتناء عن الامر بالكتابة وليس بجيد وهو ظاهر.

فدلت على عدم كون الكتابة في التجارة الحاضرة مامورا بها بالمثابة التي كانت في الدين المؤجل، وعلى إباحة المعامله بالدين الحال والعين " وأشهدوا إذا تبايعتم " هذا هو التبايع المذكور سابقا أي التجارة الحاضرة، أو مطلق التبايع وهو الاظهر بل مطلق المعاملة،، فدلت على وجوب الاشهاد عليها أو على التبايع مطلقا أو المعاملة مطلقا، بأن يطلق البيع ويراد مطلق المعاملة، ولكن الاكثر على الاستحباب كما هو ظاهر الاصحاب، قال القاضي: والاوامر التي في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الائمة وقيل أنها للوجوب، ثم اختلف في إحكامها ونسخها وفيه تأمل إذ الظاهر وجوب أداء الشهادة بل تحملها أيضا كفاية عندهم أيضا وكذا الكتابه بالعدل والاملال من صاحب الحق والولي وكذا بعض آخر فتأمل.

ولا يضار كاتب ولا شهيد

أي الشاهد ويحتمل " لا يضار " البناء للفاعل والمفعول كما في آية الرضاع، وهو نهيهما عن إضرار المتداينين بترك الاجابه والتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة أو نهى عن الضرر بهما مثل استعجالهم عن مهم ضروري وعن تحصيل المعاش وتكليف السفر إلى بلد القاضي والمدعى عليه وتكليف الكاتب قلما أو مدادا أو قرطاسا وعدم الجعل له على القول به، كما هو الظاهر من عدم الضرر والاضرار، فيكون من بيت المال على تقديره وإلا فمن مال صاحب الدين كما قيل، " فان تفعلوا " الضرار وما نهيتم عنه " فانه فسوق بكم " خروج عن الطاعة لاحق بكم ضرره " واتقوا الله " في مخالفه أمره ونهيه " ويعلمكم الله "


449

أحكامه المتضمنة للحكم والمصالح " والله بكل شئ عليم " كرر لفظة الله في الجمل الثلاثة لاستقلالها، فان الاولى حث على التقوى، والثانية وعد بانعامه والثالثة لتعظيم شأنه، ولانه أدخل في التعظيم من الضمير، فدلت على تحريم مطلق الاضرار بالمعنى الذي مر وأكده بأن فعله فسق وليس ببعيد فهم كون صاحبه فاسقا فلا يكون عادلا وعلى وجوب التقوى والوعد والوعيد.

الثانية: وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة(1).

أي إن وقع وثبت غريم ذو عسرة فكان تامة، وحاصله إن كان غريم من غرمائكم أي الذي عليه حق ومال ذا عسرة أي فقر وعديم المال، والجملة شرطية والجزاء " فنظرة إلى ميسرة " أي فالواجب أو فعليكم أو فلتكن نظرة، والنظرة التأخير وهو اسم قائم مقام المصدر أي الانظار، ومثله كثير، والميسرة والميسور بمعنى اليسار، والغنى والسعة، كذا في مجمع البيان، واختلف في حد الاعسار فروي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: هو إذا لم يقدر على ما يفضل عن قوته وقوت عياله على الاقتصاد، والظاهر أنه يريد قوت يومه والعيال الذي يجب عليه نفقته من الزوجة والمملوك والآباء والاولاد على ما ذكره الاصحاب وأيضا استثني له ثياب تجمله ومهنته وخادمه إن كان من أهله، وداره وما عرفته ولعله بالاعتبارات والروايات كما في ثوب المهنة والدار، وبالاجماع عندهم فبعدم ذلك تتحقق الميسرة واليسار.

واختلف أيضا في الدين الذي يجب إنظار صاحبه إذا كان معسرا فقيل مطلق الدين كذلك، وهو ظاهر كلام الاصحاب بل ظاهر الآية، والمروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام وقيل: الحكم مخصوص بدين الربا كما هو ظاهر الآية، وقيل الامر مخصوص به والباقي كذلك بالقياس كذا في مجمع البيان " وأن تصدقوا " أي تصدقكم بما لكم على الغريم بالابراء أو بصيغة التصدق، والاول ألصق معنى

(1) البقرة: 280.


450

والثاني لفظا إذ يقال التصدق في عرف الفقهاء لما في الذمة بل الابراء " خير لكم " أي أكثر ثوابا من إنظاره أو مما تأخذونه بمضاعفة ثوابه ودوامه، فأن مصدرية وما بعده مبتدأ بتأويل المصدر، وخير خبره " إن كنتم تعلمون " حقيقة الخير و الشر، أو حقيقة التصدق وثوابه، وما فيه من الاجر الجزيل والذكر الجميل والانظار وما فيه، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز، تعلمون أن التصدق خير لكم.

فبالحقيقة علمهم بأن التصدق خير متعلق على علمهم بالمعاني المذكورة لا خيرية التصدق في نفس الامر، كما هو الظاهر وهو ظاهر، ففي الآية دلالة على أن التصدق يطلق على الابراء فيصح الابراء بالتصدق مطلقا إلا أن يظهر دليل غير قولهم وأنه خير من الانظار، ولا استبعاد في أفضلية المندوب على الواجب والظاهر أن أمثاله كثيرة، ولا يمكن أن يقال إن التصدق مشتمل على الانظار أيضا ففي الحقيقة الجمع بين الواجب والندب خير من الواجب كما قيل، إذ لا معنى للجمع بينهما، إذ لا إنظار مع الابراء، وهو ظاهر، ولعل المراد أن ترك المطالبة والتضييق على الغريم الذي هو الغرض من وجوب الانظار يتحقق مع إبرائه فهو موجب لكثرة الثواب، يعني أنه ما ترك واجبا وأتى بما هو الغرض منه، ومع ذلك فعل فعلا مستحبا فثوابه أكثر، ولا قصور فيه بوجه، وعلى أنه إذا علم إعسار صاحبه لا يجوز الطلب والحبس بل يجب الانظار، وعلى أن الابراء حسن وخير وأن الانظار واجب، وإن كان بالنسبة إلى فاسق بل كافر وغاصب مع غنائه وإعساره أيضا.

وبالجملة يدل على أن الاحسان حسن، وإن لم يكن المحسن إليه من أهله، ويدل عليه ما روي عنه صلى الله عليه واله: اصنع المعروف إلى كل أحد فان لم يكن أهلا له، فأنت أهل لذلك(1) وعموم قوله عليه السلام أيضا من أنظر معسرا ووضع عنه أظله الله في عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وعنه أيضا عليه السلام من أنظر معسرا كان له بكل

(1) صحيفة الرضا عليه السلام ص 10.


451

يوم صدقة(1) ومن هذا الحديث ذهب بعضهم إلى أن المراد بالصدقة في الآية هو الانظار وهو بعيد، ولا استبعاد أيضا في أفضلية الابراء من الانظار مع بقاء المال في الذمة وحصول كل يوم بل كل ساعة صدقة فيه، مع أن القرض أيضا أفضل من الصدقة لاحتمال خيرية هذه الصدقة بخصوصها بالنص من الآية الشريفة والاخبار.

ثم أكد سبحانه الترغيب إلى الطاعات سيما الصدقة والانظار والترهيب عن فعل المعاصي بقوله " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " أي يوم القيمة أو يوم الموت فتأهبوا لمصيركم إليه " ثم توفى كل نفس ما كسبت " أي تستوفي فيه اجرة كسبه خيرا أو شرا " وهم لا يظلمون " بنقص ثواب الاعمال وزيادة عقاب المعاصي وعن ابن عباس أنها آخر آية نزل بها جبرئيل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش رسول الله صلى الله عليه واله بعدها أحدا وعشرين يوما، وقيل أحدا وثمانين وقيل سبعة أيام وقيل ثلاثة ساعات كذا في القاضي والكشاف و الظاهر أن المراد هذه الآية أي " واتقوا " إلى قوله " لا تظلمون ".

وفي مجمع البيان: وروي عن ابن عباس وابن عمر أن آخر ما نزل من القرآن آي الربوا، والظاهر أن الاول لبعد عدم هذا التحريم فيه إلى محل الفوت، وأيضا هي المناسب لان تكون آخر ما نزل، ولهذا يفهم من كلامه أيضا في جامع الجوامع ذلك، لان كلامه مثل كلام الكشاف فتأمل.

الثالثة: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له اضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط واليه ترجعون(2).

من

استفهامية مرفوعة بالابتداء، و " ذا " خبره " و " الذي " صفة " ذا " أو بدله، " وقرضا " مفعول مطلق بمعنى إقراضا " وحسنا " صفته، أو بمعنى مقرضا محسنا فيكون حالا عن فاعل يقرض، وكأن المعنى تحريص وترغيب على إقراض الله ولعل المراد باقراضه الاعمال لوجه الله، سواء كانت ببذل النفس كما في الجهاد

(1) مجمع البيان ج 2 ص 393.

(2) البقرة: 245.


452

أو السعي في تحصيل العلوم والواجبات، أو السعي في قضاء الحاجات، وسائر مرضات الله أو صرف المال في مثل الزكاة ونفقة العيال وصرفه الله على أي وجه كان قرضا كان أو غيره، وكأنه شبه تقديم العمل الذي يتعقبه العوض والجزاء والثواب بالقرض الذي هو قطع المال ودفعه ليعوض به، أو يكون المراد قرض المحتاجين لله قرضا حقيقيا ولعل المراد بحسن القرض فعله مخلصا خاليا عن غير وجه الله مفهوما من قوله " يقرض الله " وبطيب النفس من غير كدورة وكسل، وبغير من ولا أذى، فيضاعفه بتجارته ضعفا كثيرا أي أمثالا كثيرة لا يقدره إلا الله قيل الواحد بسبعمائة، وأضعافا جمع ضعف، ونصبه على الحال من الضمير المنصوب أو المفعول الثاني لتضمن المضاعفة معنى التصيير، أو على المصدر على أن الضعف اسم المصدر وجمع للتنويع ويقيمون اسم المصدر مقامه، ويجعلونه بحكمه، وكأن تأنيث الكثيرة لكونها صفة للجمع وقرئ يضاعف بالنصب لكونه جواب الاستفهام لان " من ذا " بمنزلة أيقرض الله أحد؟ فالتقدير فأن يضاعفه، والله يقتر على بعض ويوسع على بعض على حسب ما اقتضاه مصلحتهما، فلا تبخلوا عليه تعالى بما وسع عليكم، ولا تهينوا من قتر عليه فلا ينبغي لمن قتر عليه أن يخرج عن الرضا، ولا لمن وسع عليه أن يتكبر، أو أنه يقبض القرض ويوسع في العوض أو أنه يقبض على البعض بأن يميته ويبسط على الوارث " وإليه ترجعون " فالمرجع هو الله، فيجازيكم على حسب أعمالكم، وتجدون ما فعلتم له ولغيره.

ونحوها: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله اجر كريم(1) وان المصدقين والمصدقات واقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم اجر كريم(2) وقوله تعالى ان تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم(3).

(1) الحديد: 11.

(2) الحديد: 18.

(3) التغابن: 17.


453

أي إن تصرفوا المال حسبما أمر الله به صرفا حسنا مقرونا بالاخلاص، وطيب النفس، من غير أن يتبعه منة وأذى يضاعفه لكم بالاجر العظيم والثواب الجزيل حتى روي بالواحد عشرا إلى سبعمائة، والاختلاف بسبب النية واستحقاق المنفق عليه وصلاحه وعلمه وقرابته وغير ذلك، فيحتمل كون المراد قرضا عرفيا فيكون دليل استحبابه بخصوصه والعموم فيكون دليلا عليه، وعلى جميع الاحسان مثل كشف الكرب عن المسلم، وقضاء حاجته، وإدخال السرور عليه، وما يدل عليه في الكتاب والسنة كثير جدا ويدل عليه العقل أيضا.

توابع الدين - الاول الرهن

وفيه آية واحدة وهي: وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان امن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن امانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه والله بما تعملون عليم(1).

يعني إن كنتم أيها المتعاملون بالدين المؤجل - بقرينة ولم تجدوا كاتبا فان الكتابة إنما كانت فيه ويحتمل في مطلق المتعاملين بالدين، وقال في مجمع البيان أيها المتداينون المتبايعون والتخصيص غير سديد ويكون " ولم تجدوا " الخ إشارة إلى شرط جريان الرهن في جميع أنواع الدين فانه لو وجد لم يحتج في المؤجل إليه أو يكون إشارة إلى جريان الكتابة في مطلق الدين.

على سفر

أي ثابتين في السفر فهو خبر " كنتم " أي إن كنتم مسافرين ولم يكن معكم من يكتب لكم ولا يشهد أيضا، ذكره في مجمع البيان كأنه يريد أن الله أشار بقوله " ولم تجدوا كاتبا " إلى فقد ما يوثق به الذي مر فيما سبق، وهو الكتابة والشهادة، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، وهذا تكلف ما يحتاج إليه مع أنه يزيد شرط آخر للرهن مع أنه ليس كذلك بالاتفاق على الظاهر " فرهان مقبوضة " أي فالوثاق بينكم برهان مقبوضة، أو فالذي يوثق به رهان، أو فليؤخذ رهان، أو فعليكم رهان أو فرهان مقبوضة يقوم مقامه، ويصح كونه مبتدأ لكونه موصوفا، والرهان جمع رهن بمعنى المرهون وكذا الرهن بالضم وهو ما يوثق به

(1) البقرة: 283.


455

والظاهر أن اشتراط السفر وعدم وجدان كاتب لمشروعية الرهن خارج مخرج الغالب، وذكر لما هو الاحوج إليه، إذ الظاهر عدم الخلاف في مشروعيته بدونهما، وما ذكره القاضي بقوله ليس هذا التعليق لاشتراط السفر في الارتهان إلى قوله بل لاقامة التوثيق بالارتهان مقام التوثيق بالكتب في السفر الذي هو مظنة إعوازها مقتصرا للكشاف غير ظاهر، ولعل عدم الكاتب شرط عندهما، وهو بعيد على أن كلامه يدل على مدخلية السفر فتأمل، ويحتمل أن يكون مستحبا حينئذ فقط وإن كان جايزا بالاجماع والخبر.

ثم إن ظاهرها الوجوب، ولكن الظاهر أنه ما ذهب إليه أحد فيحمل على الاستحباب أو الارشاد مثل الكتابة والاشهاد ولا يبعد كون المخاطب بفعله والمرغب فيه المريد من الذي له الحق والذي عليه كما في الكتابة والشهادة إذ نفعه يعمهما ومعنى الرهن والقبض معلوم من كتب الفقه، وكذا سائر الشروط.

فدلت على إباحة الرهن بل كونه مرغوبا أخذا وإعطاء، قيل: وعلى كون القبض شرطا لصحة عقد الرهن وترتب فائدته عليه، قال القاضي: والجمهور على الاشتراط غير مالك، وهو مذهب أكثر الاصحاب، وقال في مجمع البيان: إن لم يقبض لم ينعقد بالاجماع، وكأنه يريد الاكثر أو لم يعتبر المخالف وهو بعيد، إذ الشيخ في الخلاف وموضع من المبسوط والعلامة وابن إدريس وذهبوا إلى عدم الاشتراط، وقال في كنز العرفان: المحققون من الاصحاب عليه(1) وهو أيضا غير واضح.

واعلم أن دلالة الآية بمفهوم الوصف على مذهب الاكثر كما قيل غير ظاهر بل يمكن أن يكون دليل مذهب الاقل إلا أن يكون الوصف للبيان كما يدل عليه رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال لا يرهن إلا مقبوضا(2) وإن كان فيه محمد بن قيس المشترك بين العدل وغيره ولكن الظاهر من فتوى الاكثر به مع عدم جواز الفتوى بخبر غير العدل أنه هو العدل فتأمل فيه.

(1) كنز العرفان ج 2 ص 60.

(2) التهذيب ج 2 ص 166.


456

نعم يدل عليه أنه روى عنه عاصم بن حميد وهو تلميذ الثقة فليس سبب الضعف اشتراكه كما قيل، بل وجود حسن بن محمد بن سماعة، وعدم صحة الطريق إليه، والعمدة أن الوثيقة الشرعية المترتب عليها الاحكام الشرعية الخاصة مثل سقوط سلطنة المالك عن ملكه ودخوله تحت سلطنة غيره، الاصل عدمهما لا يمكن استفادتها إلا من الشرع لانه أمر شرعي يحتاج إلى دليل شرعي وإلى تلق منه ولا يكفي فيه الاصل والعقل والذي علم أنه كذلك بالاجماع والآية و الخبر هو الرهن المقبوض، وغيره بقي تحت العدم، ولا يكفي أيضا فيه عموم مثل " وأوفوا بالعقود " إذ كون الرهن بدون القبض عقدا شرعيا متلقى منه داخلا تحته غير معلوم ولا مظنون، مع ما ذكرناه من الوجه.

وأيضا إن كان المراد بالعقود الصحيحة فلا نسلم صحة العقد الواقع بدون القبض إذ لا نسلم أن كل ما صدق عليه العقد في الجملة أنه عقد صحيح أو الاصل فيه أنه صحيح إذ لا شك في اعتبار الشرائط الزائدة عليه، وليس حصولها معلوما ولا مظنونا وبالجملة إثبات الصغرى مشكل في هذه الصورة بمثل هذه وإن كان الاعم أو الفاسد، فمعلوم عدم دلالته على عدم اشتراط القبض في العقد الصحيح، على أنه قد قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بها الاعم كما هو الظاهر، فيجب الايفاء بمقتضى مطلق العقد صحيحا كان أو فاسدا، فالصحيح بمقتضى الصحة، والفاسد بمقتضى الفساد، إذ للفاسد أيضا أحكام شرعا فتأمل.

فان أمن بعضكم بعضا

أي إن وثق واعتمد صاحب الحق صاحبه الذي عليه الحق بأن لا يجحده ولا ينقص ولا يماطل لم يستوثق برهن هذا هو الظاهر إذ الكلام على تقدير عدم وجدان الكاتب لان الامر بالرهن كان على التقدير، وهذا مرتب عليه، قال الكشاف والقاضي: واستغنى لامانته عن الارتهان، وزاد في مجمع البيان نفي الكتابة ولا يبعد زيادة نفي الشهادة أيضا أي استغني لامانته عن أخذ الرهن والكتابة والشهود " فليؤد الذي اؤتمن " أي الذي عليه الحق " امانته " أي دينه الذي ائتمنه عليه سماه أمانة لذلك، والظاهر أنه غير مشروط بالعدالة


457

عقلا ونقلا، وأداؤه إعطاؤه وإيصاله إلى صاحبه، بغير جحود يحتاج إلى الاثبات ولا ينقص منه شيئا، ويعطيه في محله من غير مطل وتسويف، وأراد بالامانة ما اؤتمن عليه فهو مصدر بمعنى المفعول " وليتق الله ربه " في الخيانة وخلاف أداء الامانه أو مطلقا في مخالفة الله وفيه مبالغة زائدة.

ولا تكتموا الشهادة

أيها الشهود عند الاداء وهو إذا ما دعوا، فالمراد هم أو مع من عليه الحق فتكون شهادته على نفسه، ففيه مسامحة ما، أو هو فقط فمسامحته اقل وألصق بما سبق " ومن يكتمها فانه آثم قلبه " فان مع اسمه أي الضمير و خبره أي " آثم " و " قلبه " فاعله أو أن قلبه مبتدأ وآثم خبره مقدم والجملة خبر إن خبر فانه موصول مع صلته مبتدا ولتضمنه معنى الشرط صح دخول الفاء في خبره، وهو للمبالغة في النهي عن ترك الشهادة، فانه ما أكتفى بالنهي بل أعاده مرة اخرى بأن من يفعل ذلك يأثم قلبه، وإسناد الاثم إلى القلب لان الكتمان فعله لان العزم على الكتمان إنما يقع بالقلب، لان إضافة الاثم إلى القلب أبلغ في الذم كما أن إضافة الايمان إلى القلب أبلغ في المدح كذا في مجمع البيان " والله بما تعملون " من السر والكتمان وإظهار الحق " عليم " فيجازي الكل بحسب علم يعلمه، ففيه ترغيب وترهيب.

فدلت على وجوب أداء الدين بغير نقص على ما مر، على الذي اؤتمن وترك أخذ الوثيقة منه، ولعل الغرض من ذكره بخصوصه، وشرط الامانة في ذلك زيادة المبالغة والاولوية وإلا فهو واجب على كل من عليه حق الغير عند الطلب و القدرة إجماعا، ومعلوم هنا أيضا أنه مقيد بهما لذلك ولانه كان محل الجحود والانكار، فأراد نفيه بخصوصه تأكيد ومبالغة، ويمكن استفادة أن مجازات المحسن بالاحسان حسن، ويمكن كونه سبب التخصيص فافهم، ويمكن كونه إشارة إلى وجوب أداء كل أمانة إلى صاحبها لا خصوصية له بدين ولا رهن، ولا بالراهن و المرتهن، فيشمل الرهن في الراهن والمرتهن وغيرهما والدين مطللقا، ويحتمل أن يكون المراد إن كان الرهن بيد الراهن اعتمادا من المرتهن عليه وعلى أمانته أو بالعكس، وعلى وجوب التقوى وعلى تحريم كتمان الشهادة.

الثاني : الضمان

ونقل فيه آيتان: الاولى: ولمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم(1).

الثانية: سلهم ايهم بذلك زعيم(2).

وأنت تعلم عدم دلالتهما على الضمان المشروع عند الفقهاء سيما الاخيرة فدليلهم الاجماع والاخبار، نعم في الاولى إشارة ما إلى مشروعية الجعل وضمانه قبل الشروع في العمل في شرع من قبلنا، قال البيضاوي: فيه دليل على جواز الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل وفيه تأمل.

الثالث : الصلح

ونقل فيه ست آيات: الاولى: " لا خير في كثير من نجويهم(3) " أي إسرارهم وهو لا يتم إلا بين اثنين كالدعوى " إلا من أمر بصدقة " فان في نجواه خيرا " أو معروف " يعني به أبواب البر لاعتراف العقول بها، ولان أهل الخير يعرفونها " أو إصلاح بين الناس " أي تأليف بينهم بالمودة ورفع النزاع، بل إيصال النفع إلى الناس مطلقا إصلاح بينهم في الجملة وظاهره إصلاح ذات البين، ويحتمل العموم ولعل يؤيده ما ذكره في مجمع البيان وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن الله فرض التمحل، قال: فقلت: وما التمحل جعلت فداك قال: أن يكون وجهك أعرض من وجه أخيك فتمحل له وهو قوله " لا خير في كثير

(1) يوسف: 72.

(2) القلم: 40.

(3) النساء: 113.


459

من نجويهم " الآية قال: وحدثني أبي رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن الله فرض عليكم زكاة جاهكم كما فرض عليكم زكاة ما ملكت أيديكم(1).

الثانية: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم "(2) وقد مر تفسيرها في باب الخمس.

الثالثة: قوله تعالى " إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما "(3) أي إن يريد الحكمان إصلاحا أو صلاحا بين الزوج والزوجة يوفق الله بينهما للصلاح والسداد، ورفع الشقاق والنفاق، أو يوفق الله بين الحكمين ليتفق كلامهما، ولا يقع بينهما خلف حتى يجتمعا على صلاحهما، فيحصل ذلك بين الزوجين أو إن يريد الزوج والزوجة إصلاحا يوفق الله بينهما أو بين حكميهما ليتفقا على صلاح وسداد، ولعل يوفق الله بينهما خيرا.

فتدل على أنه ينبغي الصلح بل أن مريد شئ مطلقا ينبغي أن لا يريد إلا خيرا وأنه إذا كان كذلك ويوافق ظاهره باطنه يحصل مطلوبه، ولهذا قيل: وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه " إن الله كان عليما خبيرا " بظواهر الامور وبواطنها فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق على وجه الحكمة والمصلحة فلا بد من خلوص النية فانه لا يمكن إخفاء شئ عليه، فلا ينفع إظهار الصلاح وإرادة النفاق، وفيه وعظ للحكمين، بأن لا يريدا في الظاهر والباطن إلا الاصلاح، بل لكل أحد بموافقة علانيته سره.

الرابعة: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما "(4) أي فلا حرج ولا إثم على كل واحد من الزوج والزوجة " أن يصلحا بينهما صلحا " بأن تترك المرأة له يومها أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة أو كسوة أو غير ذلك مستعطفة له بذلك فتستديم المقام في حباله، هكذا فسر، وفيه تأمل لانه يلزم إباحة أخذ شئ للاتيان بما يجب عليه، وترك ما يحرم عليه، وإلجاء صاحب الحق بأن

(1) مجمع البيان ج 3 ص 109 تفسير القمي 141.

(2) الانفال: 1.

(3) النساء: 34.

(4) النساء: 127.


460

يعطي شيئا حتى يستوفي الحق، وعدم الاثم وعدم الحرج حينئذ محل التأمل.

ولا شك في تحريم الاعراض والنشوز إذا كان عما يجب عليه، فيمكن أن يحمل على ترك بعض الامور المتعارفة المتداولة بين الزوج والزوجة من التلطف وحسن المعاشرة زائدة على الواجبات، بأن يتركه وعمل بمحض الشرع المر إعراضا عنها وتوجها إلى غيرها مما يجد فيها من المنفرات فلا جناح حينئذ أن يستعطف المرأة فتبذل له ما يريد حتى يتوجه إليها بالمتعارف وحسن المعاشرة والمحبة والمودة الزائدة على الواجب وترك المحرم، أو أن المراد بأن يصلحا صلحا: لا يستلزم قبيحا.

ثم قال: " والصلح خير " معناه والصلح بترك [ بعض ] الحق خير من طلب الفرقة بعد الالفة أو من النشوز والاعراض وسوء العشرة، أو هو خير من الخصومة في كل شئ، والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور، فليس أفعل التفضيل بمعناه بل استعمله في معنى أصل الفعل، وهو كثير، هذا إذا كان بطيب من نفسها، فان لم يكن كذلك، فلا يجوز له إلا ما يسوغ في الشرع من القيام بالكسوة والنفقة والقسمة وإلا طلاقها.

فدلت على الترغيب في حسن المعاشرة، بحيث لا يتوقع منهما النشوز والاعراض وعلى تقدير الوقوع ينبغي رفعهما، وطلب إدامة النكاح دون الطلاق والمفارقة وأنه ينبغي تركه، وأنه يجوز أخذ عوض ترك النشوز مع طيب النفس وأن الحق للزوجة مثلا، وليس بحق من الله فباسقاطها مثل القسمة والنفقة يسقط، ويفهم من ظاهر التفاسير أنه يسقط باسقاطها قبل وقته أيضا فدلت على جواز إسقاط ما لم يجب فاذا أسقطت ليلتها أو وهبتها لغيرها قبل وقتها يسقط كما نقل فعل سؤدة بنت زمعة بالنسبة إلى عائشه فتأمل.

الخامسة: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم(1).

السادسة: فان فاء‌ت فأصلحوا بينهما بالعدل(2) مضمونهما الترغيب في المواساة

(1) الحجرات: 10.

(2) الحجرات: 9.


461

والصلح كغيرهما.

واعلم أن في دلالة الكل على الصلح الشرعي الذي ذكره الفقهاء في كتاب الصلح تأملا واضحا.

الرابع : الوكالة

واستدل على مشروعيتها بثلاث آيات.

الاولى: " إلا أن يعفون أو يفعو الذي بيده عقدة النكاح "(1) فانه شامل للوصي والوكيل وسيأتي في الطلاق.

الثانية: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها " الآية.

(2) الثالثة: " فلما جازوا قال لفتاه آتنا غدائنا "(3) ظاهر الثانية لا يخلو عن دلالة ما وفي الاولى والاخيرة لا دلالة على ما نفهم فافهم.

(1) البقرة: 237.

(2) الكهف: 19.

(3) الكهف: 63.


462
كتاب قيد وفيه جملة من العقود

وفيه مقدمة وأبحاث أما المقدمة ففيها آية واحدة مشتملة على أحكام كلية.

يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود(1).

الوفاء والايفاء القيام بمقتضى العقد والعهد، والعقد العهد الموثق المشدد بين اثنين، فكل عقد عهد دون العكس، لعدم لزوم الشدة والاثنينية، وفي الكشاف العقد العهد الموثق، وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف الخ، ويحتمل كون المراد العقود الشرعية الفقهية ولعل المراد أعم من التكاليف والعقود التي بين الناس وغيرها كالايمان، والايفاء بالكل واجب فالآية دليل على وجوب الكل فمنها يفهم أن الاصل في العقود اللزوم.

احلت لكم بهيمة الانعام

يحتمل أن تكون إشارة إلى بعض تفصيل العقود، قاله في الكشاف، فالايفاء بمثل الواجب هو اعتقاد حل أكلها، ووجوبه مع الحاجة، ويحتمل أن يكون المراد إباحة أكل لحمها أو مطلق الانتفاع بها قيل البهيمة كل حي لا تميز له، وقيل كل ذات أربع، وإضافتها إلى الانعام للبيان: أي البهيمة من الانعام، وهي الازواج الثمانية، والحق بها الظبا وبقر الوحش وحماره، وقيل هي المراد بالبهيمة وهذا تخصيص غير واضح، فإن الظاهر شمولها لجميع ذوات الاربع أو كل حي لا تميز له، ولا يبعد إرادة ذلك من الانعام أيضا ويكون ذكرها للتأكيد كما يفهم من مجمع البيان.

فتدل على إباحة كل ذلك، مثل الحمار والفرس والبغل وغيرها، ويخرج ما علم تحريمه بدليله، مثل " حرمت عليكم الميتة " ويؤيده العموم قوله " إلا ما يتلى عليكم " أي إلا الذي يتلى عليكم آية تحريمه أو محرم ما يتلى عليكم، كقوله

(1) المائدة: 1.


463

حرمت عليكم الميتة

الآية.

غير محلي الصيد

قيل: حال من كم في لكم، وقيل من ضمير أوفوا وفي تقييد الايفاء وحل البهيمة به تأمل وقيل استثناء وكأنه عن بهيمة الانعام وفيه تعسف لظفا لعدم إمكان استثناء " محلي " عن بهيمة " وأنتم حرم " حال عن ضمير " محلي " و الحرم جمع حرام أي المحرم " إن الله يحكم ما يريد " من تحليل وتحريم إشارة إلى عدم السؤال عن اللم والعلة لايجاب الوفاء، وإباحة ما أباح، واستثناء ما يحرم لعدم النفع الحاصل بذلك، ففيه إشاره إلى بطلان القياس باستخراج العلة.

فهذه تدل اجماع على الايفاء بجميع العقود، فلنذكر ما يدل نصا أو ظاهرا على ذلك وهو أنواع.

الاول : الاجارة

وفيها آيتان: قوله: يا ابت استاجره، قوله: انى اريد ان انكحك احدى ابنتى هاتين على ان تاجرنى ثمانى حجج(1).

فيهما دلالة على مشروعية الاجارة في الجملة في شرع من قبلنا، وحجيتهما عندنا موقوفة على كونه حجة عندنا، وليس بثابت، وتحقيقه في الاصول ولا يكفي " الاصل عدم النسخ " في دلالتهما عليها عندنا وكون ذلك العقد مما يتوقف عليه حفظ النوع إن تم فليس بدليل على دلالتهما عليها بل هو دليل عليها، وفي الاخيرة دلالة على جواز جعل المهر عمل الزوج بل جعل نفسه أجيرا وعدم تعيين الزوجة و انعقاده بقوله " أريد أن انكحك " الآية وفيه تأمل في شرعنا، دلالة الثانية أخفى.

(1) القصص: 26 و 27.

الثانى : الشركة

وفيها ثلاث آيات: الاولى " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا "(1) فانها تدل على اشتراك الغانمين في الغنيمة.

والثانية: " فهم شركاء في الثلث "(2) وكذا غيرها في المواريث لاقتضائها الشركة التزاما.

والثالثة: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين "(3) على القول بالبسط.

في دلالة الاولى مناقشة، والاخيرة لا دلالة لها، بل لا قائل بها في الزكاة عندنا، لانتفاء لوازم الشركة مثل اختيار المالك في تعيين المخرج، وجواز تصرفه بغير إذن الفقراء، وعدم حصول النماء لهم وغير ذلك، ولا يدل على القول بوجوب البسط أيضا على الشركة، وهو ظاهر، وليس ذلك مبنيا عليها أيضا، بل لا معنى للقول بأنها تدل عليها على القول بوجوب البسط، نعم الثانية ظاهرة في ذلك ولا يحتاج حصولها إلى دليل بل أحكامها فتأمل.

الثالث : المضاربة

وفيها أيضا ثلاث آيات: الاولى: " فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله " والثانية: " وإذا ضربتم " الآية.

والثالثة: " وآخرون يضربون في الارض يبتغون "(4) الآية.

لا دلالة فيها إلا بعموم بعيد، وآية البيع والتجارة أقرب منها والمضاربة في اصطلاحهم دفع أحد النقدين إلى شخص ليعمل به فتكون له حصة من الربح.


18

(1) الانفال: 69.

(2) النساء: 11.

(3) براء‌ة: 61.

(4) الجمعة: 10: النساء: 100: المزمل: 20.

الرابع : الابضاع

وفي مشروعيته أيضا ثلاث آيات: الاولى: " وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم " الآية، والثانية: " وجئنا ببضاعة مزجاة " والثالثة: " ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم "(1) عدم دلالتها على المطلوب واضح، فانه دفع مال إلى أحد ليتجر له مجانا، ومعلوم أن المراد في الآيات مال إخوة يوسف الذي اشتروا به طعاما وأن هذا لا يحتاج إلى الآيات، وأظن أن آيات التجارة والوكالة أدل.

الخامس : الايداع

وفيه أيضا ثلاث آيات: الاولى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها "، الثانية " فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته "، الثالثة: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه " الآية(2).

فمضمون قوله: " أن تؤدوا الامانات " و " من أهل الكتاب " مما يدل عليه العقل أيضا فان وجوب أداء الامانات كلها إلى أهلها ضروري والظاهر أنه فوري مع الطلب بغير خلاف، ويمكن تعميمه لاداء جميع الواجبات كما نقل في مجمع البيان وقد مر تفسير " فليؤد الذي اؤتمن، وأنه في الرهن لا في الايداع.

السادس : العارية

وذكر لمشروعيتها آيتان: الاولى: " وتعاونوا على البر والتقوى "(3) أي فليعاون بعضكم بعضا على الاحسان، واجتناب المعاصي وامتثال الاوامر، والثانية: " ويمنعون الماعون "(4)

(1) يوسف: 62، 88، 65.

(2) النساء: 57، البقرة: 283، آل عمران: 75.

(3) آل عمران: 3.

(4) الماعون: 7.


466

في الاولى دلالة ما لعمومها، وفي الثانية: تأكيد عظيم في منع الماعون عن الطالب بحيث لا يمكن حملها على ظاهرها، فانه يفهم أنه شقيق الريا وصاحب الويل، قيل: المراد بالماعون ما ينتفع به.

السابع : السبق والرماية

وفيه آيات: الاولى: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " قيل هي الرمي الثانية: " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا "، والثالثة: " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب "(1) وفي دلالتها على معناهما الشرعيين تأمل ظاهر، سيما الاخيرة.

الثامن : الشفعة

يمكن أن يستدل بها عليها آيات لانه قد يحصل بالشركة ضرر، فيستدل بما يدل على رفعه كقوله تعالى:" ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج " وقوله: " ولو شاء الله لاعنتكم " وقوله: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر "(2) وقد مر معناها، وليست في الآيات دلالة عليها على ما يفهم فتأمل.

التاسع : اللقطة

ولم يرد ما يدل بخصوصه عليها بل عموم " وتعاونوا على البر والتقوى " " واستبقوا الخيرات "(3) يدل عليه، لكن حكي عن القرون الماضية كقوله تعالى:" ﴿ فالتقطه آل فرعون " وقوله: " يلتقطه بعض السيارة "(4) دلالتها على اللقطة بعيدة

(1) الانفال: 61، يوسف: 17، الحشر: 60.

(2) الحج: 78: البقرة، 220، 185.

(3) آل عمران: 3، البقرة: 148، والمائدة: 51.

(4) القصص: 8، يوسف: 10.


467

جدا فانهم ذكروا أنها في محل جوازها مكروهة، فكيف تدخل في الامر بالتعاون على البر ونحوه.

العاشر : الغصب

ويدل عليه عموم قوله تعالى:" ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل "(1) وقوله " وإن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل "(2) ويدل عليه بخصوصه وعلى جواز المقاصة قوله تعالى:" ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم "(3) وقوله: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " وقوله تعالى:" ﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل "(4) المطلوب من فعل الغصب وما يدل عليه غير ظاهر، فتأمل.

الحادى عشر : الاقرار

وفيه آيات: الاولى: " فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير " الثانية: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم "، والثالثة: " ء‌أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري " والرابعة: " قالوا أقررنا "، الخامسة: قوله " كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على أنفسكم "(5) دلالة غير الاخيرة على الاقرار المطلوب غير ظاهرة، نعم الاخيرة ظاهرة فيه، وما كان ينبغي نقل هذه العقود بهذه الادلة، ولكن نقلتها اتباعا، و لاظهار عدم فهم الدلالة على ما فهمت.

(1) البقرة: 188، والنساء: 28.

(2) براء‌ة: 35.

(3) البقرة: 194،(4) الشورى: 40 و 41.

(5) الملك: 11، براء‌ة: 105، آل عمران: 81، النساء: 134.


468
الثانى عشر : الوصية

وفيها ثلاث آيات: الاولى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين(1).

الحضور وجود الشئ بحيث يمكن أن يدرك، والخير هو المال لغة، واختلف في تقديره هنا فنقل في مجمع البيان عن بعض أنه المال قليلا كان أو كثيرا ثم نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه دخل على مولى له وله سبعمائة درهم أو ستمائة، فقال: ألا اوصي؟ فقال: لا، إنما قال الله سبحانه، إن ترك خيرا " وليس لك كثير مال وهذا هو المأخوذ به عندنا، لان قوله حجة، وأنت تعلم أنه إذا قيل المراد بالآية وجوب الوصية كما قيل إنها كانت واجبة ونسخت أو المراد الاستحباب الخاص فالاخذ به جيد إن ثبت وأما إذا لم يكن كذلك فالعمل به مشكل فان الوصية ليست مقيده بمقدار من المال، ولهذا ما نجد تقييدها به في الفقه.

نعم بحثوا عن استحبابها، هل هو بالثلث أو الخمس أو السدس، وقالوا: الربع أولى من الثلث والخمس أولى منه، وتدل عليه روايات ليس هذا محلها والتفصيل بوجود الدين وعدمه، وبوجود الوارث المحتاج وعدمه غير بعيد، فيثبت في البعض، ويبقى في الآخرة على ما يقتضيه العقل والدليل الشرعي، والمعروف هو العدل الذي لا يجوز أن ينكر، ولا حيف فيه ولا جور، والمعنى على الظاهر فرض عليكم يا أيها الذين آمنوا أو كل من يصلح للخطاب، إذا ظهر عندكم أسباب الموت وأمارته بالمرض والهوام والوبا وغير ذلك مما يظن الموت عنده، إن كان لكم مال أن توصوا للوالدين وسائر الاقارب بشئ منه حق ذلك حقا بوجه


19

(1) البقرة: 180.


469

لا تخرجون عن الشرع كالوصية لهم قبل إخراج جميع الواجبات، وحرمان الصغار فإذا ظرف " حضر " و " الوصية " مرفوعة بكتب، والتذكير لانه بتأويل أن توصوا أو الايصاء أو أنه مصدر.

ولهذا ذكر الضمير في قوله " فمن بد له " و " يبدلونه " أو لكون التأنيث غير حقيقي وأما ما قاله القاضي من أن سبب تذكير الفعل يعني " كتب " وقوع الفصل بينه وبين الوصية، فقد علمت أنه مما لا يحتاج إليه، على أنه يوهم أنه لو لم يكن الفصل لم يصح التذكير مع أنه يصح لما مر.

وقيل: معناه فرض عليكم الوصية في حال الصحة أن تقولوا إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا وكذا وهو بعيد، و " حقا " مفعول مطلق للمفهوم من مضمون الجملة للتأكيد يعني ثبت ذلك ووجب وحق حقا وواجبا وثابتا على الذين يتقون من عذاب الله، ويتقون معاصيه، فكأنهم خصوا بعد فهم التعميم من " عليكم " لشرفهم وكثرة انتفاعهم وصلاحيتهم لمخاطبة الله تعالى، وبالمعروف إما متعلق بالوصية أو بمقدر حال عنها.

ثم اعلم أنه قال في الكشاف: إن الوصية كانت في بدو الاسلام واجبة، فنسخت بآية المواريث، وبقوله عليه السلام إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصيه لوارث وتلقاه الامة بالقبول، حتى لحق بالمتواتر، وإن كان من الآحاد، وفيه نظر إذ لا منافاة بى الارث والوصية كما أنه لا منافاة بينه وبين الدين فيخرج أولا الدين ثم الوصية، ثم يعطى الارث، وأيضا قد يكون من الاقارب غير وارث، فكيف ينسخ بالخبر، وأيضا قد ينسخ الوجوب ويبقى الجواز الاصلي أو الشرعي على ما قيل، فلا يحرم الوصية لهم كما يقولون، وأيضا كون الخبر صحيحا أو متواترا غير ظاهر، ويفهم من كلامه أيضا وتلقى جميع الامة له بالقبول غير ظاهر، بل الاكثر بل الظاهر عدمه أيضا مع أنه ليس بحجة ينسخ بها القرآن القطعي فيمكن حينئذ حمله على تقدير ثبوته على الوصية الغير الجائزة كما إذا زاد على الثلث كما قيل، فحملها على الاستحباب غير بعيد، فيكون الحكم باقيا وسبب التخصيص بالآباء والاقارب، تأكيد الحكم فيهم، و " كتب " بمعنى ندب، بدليل الاجماع


470

على عدم الوجوب، وأصل عدم النسخ والروايات، فيفهم حينئذ منها الاستحباب المؤكد للمذكورين.

فيفهم من الآية التي بعدها وهي " فمن بدله بعد ما سمعه فأنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم " تحريم تبديل تلك الوصية كما هو الظاهر لا تحريم جميع الوصايا ويحتمل التعميم للعلة الظاهرة وعدم القائل بالفصل ولكن الاول قد يمنع، وإذا كان الاجماع ثابتا فلا يحتاج إلى ضم هذه الآية بل يستدل به أولا فاستدلال الاصحاب بهما سيما المحقق الثاني على تحريم التبديل الوصايا مطلقا والحبس والوقف وغير ذلك محل التأمل، بعد بقاء حكمها وعدم نسخها أيضا.

ثم الفاء للتعقيب و " من " مبتدأ موصولة متضمنة لمعنى الشرط، و " بعد " ظرف التبديل مضافة إلى ما المصدرية ويحتمل الموصولة، وتكون عبارة عن الوصية المسموعة، وهو تغيير الحق عن موضعه والفاء جزائية و " ما " كافة مانعة عن العمل كما في حيثما ومهما، و " على الذين " متعلقة بمقدر خبر " إثمه " وهو مبتدأ، و الضمائر البارزة كلها للوصية إلا ضمير إثمه فإنه راجع إلى " من " لان الجملة خبر له، ولا بد فيه من عائد، وليس غيره، أو راجع إلى تبديله أي إلى تبديل من فبهذا الاعتبار يصح، أو أنه راجع أيضا إلى الوصية أي الايصاء المغير، ويكون " على الذين " عائدا لانه ذكر في الرضي أن العائد قد يكون وضع المظهر موضع المضمر وهنا الذين هي بعينها " من " فكأنه قال فأنما إثمه عليهم أي المغيرين، ولعله أتى بالذين للتصريح ووصف التغيير والتبديل وجمعه لان المبدل كثير إذ قد يكون وارثا ووصيا وشاهدا وغيرهم " إن الله سميع عليم " وعدو وعيد للعامل بالوصية بل سائر العبادات وتاركها، فأنه يعلم السر وأخفى وما يستحقانه فيجازي بما عملاه، ولعل في قوله " بعد ما سمعه " تنبيه على عدم جواز التكليف والاثم، قبل العلم، كما يدل عليه العقل أيضا.

ثم أعلم أنه قال في مجمع البيان: في هذه الآية دلالة على أن الوصى أو الوارث إذا أفرط في الوصية أو غيرها لا يأثم الموصي بذلك، ولم ينقص من أجره


471

شئ، وأنه لا يجازى أحد على عمل غيره، وفيها أيضا دلالة على بطلان قول من يقول إن الوارث إذا لم يقض دين الميت فإنه يؤاخذ به في قبره وفى الآخرة، لما قلناه من أنه يدل على أن العبد لا يؤاخذ بجرم غيره، إذ لا إثم عليه بتبديل غيره، و كذلك لو قضى عنه الوارث من غير أن يوصي لم يزل بذلك عقابه إلا أن يتفضل الله عليه بأسقاط عقابه.

وأنت تعلم أن دلالة غير واضحة، فان مضمونها - الله يعلم - انحصار إثم التبديل على المبدل، وذلك لا يدل على أن إثم الموصى به من الاموال للزكاة أو الدين أو الحج أو الصلاة أو الصوم وغير ذلك من الوصايا الواجبة بالاصل وغيره من النذور والعهود وغير ذلك، مثل التحمل عن الغير من العبادات بالاجارة ونحوها ومات الاجير قبل الفعل وأوصى وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى على المبدل، لا على الموصي.

وأيضا يبعد أن لو قصر شخص في إخراج الاموال من الحقوق الواجبة كالزكاة والخمس وأكل أموال الناس، غصبا وظلما بقطع الطريق والسرقة وغير ذلك ثم أوصى، يخرج من تلك الحقوق بالكلية ولا يبقى عليه شئ وكذا من قصر في إعطاء النفقة لمن وجب له القضاء مثل الزوجة ومن أكل الربا ومن قصر وأخذ الزكاة والخمس بغير استحقاق وغير ذلك ثم أوصى، لا يكون عليه إثم ذلك كله فانه بعيد جدا.

وأيضا قد يتعمد ويقول: أنا أفعل هذه المذكورات كلها، ثم اخلف مالا وأوصي به، فمن لم يخرج يكون الاثم عليه لا علي، وهكذا يفعل الآخر فلا يصل الحق إلى أهله ويبطل حقوق الناس من الاموال بل العبادات الموصى بها، أيضا فانه على ذلك التقدير أيضا إنما الايفاء واجب على الوارث، فهو المغير والمبدل ولا يجازى أحد بفعل غيره، إلا أن يريد عدم العقاب على التبديل لا غير، وهو ظاهر فحينئذ يصح، ولكنه بعيد من كلامه.

وكذا يريد(1) بقوله: وفيها أيضا دلالة الخ أنه يسقط عنه عقاب التقصير بعدم

(1) يعنى الطبرسى صاحب مجمع البيان.


472

إعطاء الدين لا أصل الدين فتأمل، بل ظاهر كلامه يدل على عدم الاحتياج إلى الايصاء وهو أبعد.

ثم الظاهر أنه يعاقب بالتأخير، ويؤخذ منه ما يقابل المال لاصحابه الاول لو بقي على ملكهم، ويؤخذ عوض الحيلولة بينهم وبين أموالهم، على تقدير الانتقال إلى الوارث، وكذا للوارث إلى أن ينتهي، نعم قد يكون المبدل أيضا معاقبا ومؤاخذا على مقدار تقصيره، سواء كان شاهدا أو وارثا أو وصيا أو مانعا من إخراج الوصايا على أي وجه كان، ولو كان باعتبار النظارة أو عدم تعيين الوصي لمن لا وصي له، أو على عدم بيان الحكم للفاعل، بل كل من يقدر على وجه ولم من باب الحسبة، وكان موقوفا عليه، فالظاهر أنه مؤاخذ في قبره وفى الآخرة، نعوذ بالله من عذاب الآخرة.

ثم الظاهر أيضا أنه لو أدى عنه الوارث بل الاجنبي أيضا ما عليه من الحقوق التي يصح أداؤها عنه أو أخرج وصاياه التي يصح الاخراج عنه تبرأ ذمته من تلك الحقوق والوصايا من غير شك، ولا عقاب عليه، ويرث الاموال المتروكة وارثه إذ ما بقي لاهل الحق عنده شئ، فلم يعاقب ولم يؤاخذ؟ نعم لو قصر في الاداء الوصية الواجبة يعاقب حينئذ وإلا فلا، وبالجملة ما ذكره قدس الله سره روحه غير واضح إلا قوله أحد لا يجزى بفعل غيره، وذلك صحيح وهو مما دل عليه العقل والنقل مثل " ولا تزر وازرة وزرة اخرى " وهو واضح، و أما دلالة هذه الآية عليه أيضا فغير واضح، فان دلالتها أن ليس إثم التغيير لهذه الوصية الخاصة إلا على مبدلها فلا يدل على الكلية إلا بضم مقدمة اخرى، و أما دلالة هذه الآية على إبراء ذمة المديون وغيره بالوصية، وكذا على عقاب كل مبدل ومغير فغير واضح كما مر، إذ مرجع ضمير " بدله " الوصية الخاصة وهي الوصية المندوبة للاقارب فانه هنا ما كان على الموصي إثم وذنب، فلا جرم أن لا يكون هنا إثم إلا على مبدلها وهو ظاهر، مع ما مر من الاستبعادات وغيرها من الامور الواضحة.


473

ثم إنه ينبغي التحقيق والتفصيل أيضا بأن الموصي هل كان مقصرا أو لا وكذا المبدل، وظاهره أنه لو لم يقصر المبدل لم يكن عليه إثم وضمان، كما يعلم من التقييد في الآية، وفي كلامه أيضا، ومعلوم عدم الاثم على الموصي أيضا على تقدير عدم التقصير والتفريط، ولكن يحتمل الضمان بحيث يعطي العوض كما أنه يقع في الدنيا كثيرا الضمان مع عدم الاثم، وهذا في الموصي أيضا متصور بعد التصرف ولكن تضمينها بعيد، فانهيبعد تضمين شئ في الآخرة مع عدم التكليف فيها، ولا يقاس امور الآخرة بالدنيا لنصوص بخصوصها من غير تعقل علة بل لمحض نص وتعبد لمصالح يعلمها الله فقط، فينبغي حينئذ ألا يضيع حق صاحب الحق أيضا بأن يعطيه الله العوض الله يعلم.

ومن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم

الجنف الجور وهو الميل عن الحق قاله في مجمع البيان وقال أيضا إن من متعلق بمقدر حال عن جنفا أي جنفا حال كونه كائنا من موص، وكأنه ليس بصفة للتقديم، ويحتمل أيضا تعلفه بخاف، والمعنى على الظاهر أن من علم - لان خاف جاء بمعنى علم كما قيل في التفاسير - من موص أن يفعل جورا وغير مشروع في الوصية خطأ أو إثما يعني يفعل ذلك عمدا فأصلح بين الموصى لهم، وهم الولدان والاقرباء في الوصية المذكورة، ويحتمل أن يكون المراد من يتوقع ويظن حين وصية الموصي أنه يجور في الوصية فأصلح، لكنه قال في مجمع البيان: الاول عليه أكثر المفسرين ونقله عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام - فلا إثم عليه ولا ذنب ولا عصيان على المصلح المبدل من الباطل إلى الحق فان الله غفور للمذنب، فكيف لم لا ذنب له، فكأنه لما كان مبدلا والتبديل حراما وإثما، دفع هذا الوهم، و ذكر أن الاثم على التبديل الباطل لا الحق، فذكر عدمه والمغفرة والرحمة لذلك لا لمقابلة الذنب، لمشاكلته، وإلا، المصلح له أجر وثواب على ذلك، بل لو لم يفعله كان عليه إثم، ثم قال في مجمع البيان: وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: من حضره الموت فوضع وصيته على كتاب الله كان كفارة لما صنع من ذنوبه في


474

حياته، ولعل المراد حقوق الله وأما سقوط حقوق الناس بالكلية بمجرد ذلك فمحل التأمل، ولعل هذاالخبر وأمثاله مؤيد لما تقدم من سقوط العقاب عن الموصي بمجرد الوصية فتأمل.

الثانية: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " أي الاشهاد الذي شرع بينكم وامرتم به فهي مبتدأ " إذا حضر أحدكم الموت " أي وقت حضور الموت وإشرافه عليكم قبل أن تموتوا وتفارقكم الروح والقدرة على التكلم والوصية " حين الوصية " يمكن كونه بدلا من إذا حضر، قيل أو ظرف حضر، فيه شئ، والاول أولى، ويمكن كونه ظرفا آخر للاشهاد، " اثنان " خبر الشهادة أو فاعل ساد مسد الخبر، على حذف المضاف، على التقديرين، أي شهادة اثنين فحذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه واعرب باعرابه " ذوا عدل منكم " أي صاحبا عدالة حال كونهما بعضكم أيها المؤمنون، فهو صفة إثنان، ويحتمل أن يكون " منكم " صفة " ذوا عدل " وهذا كالصريح في اعتبار التعدد والعدالة في الشهود، فلا يكفي المجهول ولا حسن الظن إذ لم يصدق حينئذ إشهاد ذوي عدل الذي هو شرط في سماع الشهادة وواجب.

أو آخران من غيركم

ولعل المراد أو آخران كذلك أي ذوا عدل من غيركم فهو عطف على اثنان مع التزام حذف للعلم به، ولكن مع كون العدل المعتبر في مذهب الآخر، ولعدم حسن التصريح بتلك العدالة ويحتمل جعله عطفا على منكم وهو أنسب بحسب المعنى، ولكن يصير الآخران كالزائد ويحتمل كونه للتصريح والمبالغة في عدم ترك التعدد، وإن ترك العدالة الحقيقية، ويحتمل الاكتفاء بغير العدل من الغير، بأن لا يقيد آخران بكذلك، وهو بعيد، وإن كان للضرورة، لان المسلم الغير العدل لا يكفي معها، فغيره بالطريق الاولى، وخص الآخران بأهل الذمة كما قيل في سبب النزول، للاجماع على عدم سماع شهادة الحربى على المسلم، بل مطلق الكافر إلا في هذه المسألة عند أصحابنا، وأما عند غيرهم فمنهم من يقول: إن المراد من " غيركم " هو البعيد أي الاجنبي " ومنكم " الاقارب، وهو بعيد لسبب النزول وغيره.


475

أو أنه منسوخ لدعواهم الاجماع على عدم سماع شهادة الكفار مطلقا على المسلم، قاله القاضي، والاصل والاستصحاب يقتضي العدم، والاجماع ممنوع لقول علماء الامامية ورواياتهم، ولكن مشروط بعدم إمكان المسلم العدل كما يشعر به " إن أنتم ضربتم في الارض " أي سافرتم فيها " فأصابتكم مصيبة الموت " أي قاربكم الاجل فليس بشرط لمطلق هذه الشهادة، بل إشارة إلى اشتراط الانتقال من شهادة العدلين من المسلمين إلى شهادة غيرهما بعدمهما، ولما كان السفر مع حضور الموت غالبا سببا لذلك اكتفى به، وذلك يعلم من قول الاصحاب كأن لهم دليلا على ذلك، والفاء للعطف والخبر محذوف من جنس قوله " أو آخران من غيركم " أو هو جزاء مقدم واعتراض الشرط بين الموصوف والصفة أي " تحبسونهما " فانه صفة لآخران أي تقفونها وتصبرونهما للاشارة إلى ما قلناه: إن سماع شهادة الغير مشروط بالتعذر قاله القاضي أيضا، فهو صريح في عدم كون معنى منكم القريب، ومن غيركم البعيد وفي عدم نسخ الآية فتأمل، إذ السبب المجوز هو الضرورة.

فيعمل به ما دام وجد فهو إشارة إلى كيفية استشهاد الغير.

من بعد الصلاة

قيل: صلاة العصر لانه وقت اجتماع الناس وقيل مطلق الصلاة وهو الظاهر من الآية " فيقسمان بالله " أي الآخران " إن ارتبتم " أي إن ارتاب وشك الوراث في صدقهم أو الحكام، فهو اعتراض، بناء على قاعدتهم، بين القسم والمقسم عليه أي " لا نشتري به ثمنا " أي قليلا، يعني لا نستبدل بالقسم أو بالله عوضا من الدنيا، وهو المراد بالثمن القليل، فان كل ما في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى الآخرة وعقابها، حاصله لا نحلف بالله كاذبين لطمع في الدنيا، للاشارة إلى أن القسم إنما هو مع الارتياب والشك فتأمل.

ولو كان ذا قربى

يعني يقسمان ويقولان لا نحلف بالله كاذبا ولو كان المحلوف له قريبا منا، وقال القاضي جوابه أيضا محذوف أي لا نشتري، وفيه أنه وصلي فلا يحتاج إلى تقدير الجزاء، ولعله بناء على عادته أنه دائما يجعل الجزاء محذوفا لا مقدما، وهنا تقديره سواء كان المحلوف له بعيدا منا أو قريبا فتأمل " ولا تكتم


476

شهادة الله " أي لا نكتم الشهادة التي أمر الله باقامتها، يحتمل عطفه على المحلوف عليه أي لا نشتري ويحتمل الاستيناف، والاول أظهر " إنا إذا لمن الآثمين " إن كتمنا الشهادة أو اشترينا بها ثمنا كأنهم يقولون هذا أيضا في قسمهم.

فان عثر

أي اطلع وحصل العلم " على أنهما استحقا إثما " أي الآخران استحقا إثما بسبب تحريف في الشهادة، فيعزلان ولا يسمع شهادتهما " فاخران " يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان " أي يقوم اثنان من الورثة التي جني عليهم، فعليهم يقوم المقام فاعل استحق، " الاوليان " أي الاحقان بالشهادة للقرابة والمعرفة والاسلام، هو خبر مبتدأ محذوف أي هما الاوليان أو بدل من ضمير يقومان " فيقسمان " الاوليان " بالله لشهادتنا أحق " بالقبول " من شهادتهما " أي من شهادة الآخران من الغير " و " إنا " ما اعتدينا " وما تجاوزنا الحق في الشهادة " إنا إذا لمن الظالمين " إن اعتدينا، فنحن الظالمون بوضع الباطل موضع الحق أو ظالمين لانفسنا، قال القاضي: معنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي ان يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته، أو يوصي إليهما احتياطا، فان لم يجدهما بأن كان في السفر فآخرون من غيرهم -.

ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ، في الوقت فان اطلع على أنهما كذبا بأمارة ومظنة حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فانه لا يحلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث وثابت إن كان وصيين، ورد اليمين إلى الوراثة إما لظهور خيانة الوصيين، فان تصديق الوصي باليمين لامانته، أو لتغيير الدعوى [ اه ] وفيه أن الظاهر من الآية الاشهاد على الوجه المذكور لا أنه إن أراد الوصية يفعل ذلك احتياطا، ويقول الاصحاب إن الوصية واجبة، ويدل عليه الرواية عليهم السلام ولانه قد يكون عليه شئ أوله شئ فبترك الوصية يضيع ويتلف وذلك غير جائز.

فأما النسخ الذي ذكره فقد ذكر أولا أنها منسوخة على تقدير كون المراد بآخرون الكفار، وهنا ذكر أنه منسوخ على تقدير كونهما شاهدين مطلقا، لعدم


477

الحلف على الشاهد، وأيضا ظاهر الآية أنهما شاهدان كما هو أيضا فسرها به لا أن يوصي إليهما احتياطا، وحلف الشاهد لنص خاص في صورة كونه كافرا ليس ببعيد، كما كان ثم نسخ على قوله، وليس بمعارض لحلف الوارث إذ مع حلف الشهود لا حلف للورثة وثبوت الحكم [ وهو الحلف ] في الوصيين أيضا غير ظاهر إذ الوصي أيضا لا حلف عليه، لانه ليس ممن لو لم يحلف يلزمه شئ، وهو ضابط اليمين إلا ما خرج بدليل، ولا يعارض به يمين الوارث، فانه جوز ذلك لدليل وهو الآية فيمكن جوازه في الشاهد أيضا للآية، بل هو أولى لظهورها في الشاهد، ثم قال بعد قوله أو لتغيير الدعوى: إذ روي أن تميما الداري وعدى بن بدى خرجا إلى الشام للتجارة، وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بدليل مولى عمرو ابن العاص، وكان مسلما، فلما قدم الشام مرض بدليل فدون ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه، ولم يخبرهما به، وأوصى إليهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب فغيباه، فأصاب أهله الصحيفة وطالبوهما بالاناء فجحدا، فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله فنزلت فحلفهما رسول الله صلى الله عليه واله بعد صلاة العصر عند المنبر وخلى سبيلهما، ثم وجد الاناء في أيديهما فأتاهم بنو سهم في ذلك فقالا قد اشترينا منه، ولكن لم يكن لنا عليه بينة فكرهنا أن نقربه، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه واله فنزلت " فان عثر " فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان وحلفا(1) ولعل تخصيص العدد لخصوص الواقعة، وفيه مخالفة بعض القواعد الفقهية مثل تجديد الدعوى بعد الاحلاف، و أخذ المال.

فتأمل فيه، فانه يمكن انطباقه عليها، وحلف المدعي، ويمكن جعله منكرا، للشراء، ولكن كيف يمكن الحلف عليه مع غيبتهم عن الميت، فكأنهم اكتفوا بالخط والقرائن أو على نفي العلم.

ذلك

قال القاضي أي المحكم الذي تقدم أو تحليف الشاهدين " أدنى "

(1) راجع الكافى ج 7 ص 5، مجمع البيان ج 3 ص 256 و 259، الاصابة ج 2 ص 460 وج 1 ص 186، سنن أبى داود ج 2 ص 276.


478

أي أقرب إلى " أن يأتوا بالشهادة على وجهها " على نحو ما حملوها من غير تحريف وخيانهفيها " أو يخافوا " أقرب إلى أن يخافوا " أن يرد أيمانهم " أن يردوا اليمين على المدعيين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة وإنما جمع الضمير لانه حكم يعم الشهود كلهم، وهذا تصريح منه بأن المراد الشهود لا الاوصياء.

واتقوا الله، في معاصيه بارتكاب أوامره وترك نواهيه، واقبلوا ما توصون به واسمعوه بسمع إجابة

والله لا يهدي القوم الفاسقين " أي فان لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قوما فاسقين، والله لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة، بمعنى أنه يتركهم وأنفسهم حتى لا يختارون تلك الهداية بل الضلالة.

ولتبع به النظر في حال أولاده وحفظ أموالهم، وهو البحث عن اليتامى وفيه آيات: الاولى: وآتوا اليتامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا اموالهم إلى اموالكم انه كان حوبا كبيرا(1).

أمر الله تعالى أولا المكلفين الذين بأيديهم أموال من لا أب له من الاطفال بأن يعطوهم إما بأن يسلموا إلى أوليائهم إن لم يكونوا أولياء، وبأن يطعموهم إن كانوا أولياء، أو إليهم ولكن بعد البلوغ والرشد بدليل العقلى والنقلى، وهو ظاهر، فيكون اليتيم حينئذ مجازا لانه في اللغة من مات أبوه مع عدم بلوغه، باعتبار ما كان قبل البلوغ، وعبر بل للاشارة إلى المبالغة في عدم التأخير بعد تحققهما ثم نهى عن استبدال أموالهم التي هو خبيث أو ردئ بالنسبة إلى الآخرة يعني به الحرام، وإن كان جيدا صورة ونفعا في الدنيا، بأموال أنفسهم الحلال الطيب أي لا تتصرفوا في أموالهم بدل تصرفكم في أموالكم.

فهي نهي لتحريم التصرف في أموالهم، وإشارة إلى أن ذلك خبيث، والتصرف

(1) النساء: 2.


479

في أموالهم أنفسهم طيب، لان الخبيث والطيب إنما يكون باعتبار العاقبة، و يحتمل أن يكون معناه لا تبدلوا الخبيث بالطيب، أي لا تعطوا الخبيث من أموالكم بالطيب من أموالهم، قيل: كانوا يأخذون الطيب مثل السمين من أموال الايتام، و يخلون بدله الخبيث المهزول من أموالهم، فنهوا عن ذلك، ثم أكد التحريم بعدم جواز أكل أموالهم، ولو كان قليلا أو التصرف مطلقا، ويكون الاكل كناية عنه بانضمام شئ منها إلى أموالكم فيفهم الانفراد بالطريق الاولى، ويحتمل أنه كان الواقع ذلك فنهي عنه، فأكد بأن ذلك الاكل كان ذنبا عظيما، وهذه مخصصة فان أكل مقدار اجرة المثل أو ما يحتاج إليه الوصي لما دل عليه قوله: " فليأكل بالمعروف " جايز، وكذا أكل أموالهم بالانضمام مع التخمين، بحيث يعلم عدم أكل زيادة على أموالهم، لما روي أنه لما نزلت هذه الآية كرهوا مخالطة اليتامى فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه واله فأنزل الله سبحانه " ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير " الآية قال في مجمع البيان وهو المروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام فتأمل.

الثانية: وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فاذا دفعتم اليهم اموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا(1).

الابتلاء هو الاختيار والامتحان وهو هنا تتبع أحوال اليتامى حتى يتبين حالهم من الرشد، فان ثبت يعطوا أموالهم وإلا فيترك حتى يتبين، وقد بينا في شرح الارشاد كون الابتلاء قبل البلوغ أو بعده وظاهر قوله " فإن آنستم " الخ كونه بعد البلوغ لانه أوجب الله تعالى دفع الاموال إليهم بعد إيناس الرشد، فلو كان

(1) النساء: 5.


480

الامتحان قبله لما جاز ذلك فكيف الوجوب، ولا يدل " اليتامى " على كونه قبل البلوغ فان إطلاقه على البالغ خصوصا القريب إلى حال البلوغ الممنوع من التصرف في ماله باعتبار ما كان شايع ذايع كما مر، ولكن يدل على كونه قبل البلوغ دلالة واضحة فيقيد الدفع بما بعده أيضا.

قوله تعالى:" ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح " أي حد البلوغ بأن يقدروا على الوطي الذي يحصل معه المني بحصول المني أو السن، وهو عند الاصحاب بلوغ خمسة عشر سنة في الذكر وتسعة في الانثى على المشهور للاستصحاب، ودلالة الآية على عدم البلوغ حتى يبلغ النكاح أو الحلم، وهو ظاهر في عدم الحصول إلا بالمني وخرج خمسة عشر والتسعة بالاجماع كما في حصول المني وبقي الباقي ولكن يدل على الاقل بعض الاخبار ويمكن الجمع بالحمل على الشروع في الخمسة عشر ولكن ظاهر خبر حصوله بأربعة عشر وثلاثة عشر(1)، وكأنه صحيح على تقدير توثيق الحسن بن علي الوشاء، وهو لا بأس به، ولكن الخروج عما تقدم بمجرد خبر مع عدم توثيق راويه صريحا، ونقل الشيخ في التهذيب أنه كان واقفيا ثم رجع، مشكل.

إلا أنه يظهر من كلامهم عدم التوقف في توثيقه فانهم يسمون الخبر الذي هو فيه بالصحة، ولا يذكرون ذكر الشيخ أنه كان واقفيا ثم رجع، وكأنه للرجوع تركوه فتأمل، ويمكن حملها على الشروع في الخمسة عشر، ولا بأس، وعلى ظهور علامة اخرى فتأمل أو الحيض في الانثى ولا يلتفت إلى الدور الموهوم لظهور دفعه، ولا إلى أنه علامة لسبق البلوغ ولا يحصل به البلوغ لان المراد ما يعلم به بلا فصل وهو حاصل، أو الانبات فيهما على ما ذكروه ويمكن أن يكون المعنى فان آنستم بعد البلوغ بل هو الظاهر منه وإن كان الامتحان قبله والدفع بعد إيناس الرشد ولا يستلزم كون الامتحان بعده لاحتمال أن يكون قبله حتى علم الرشد بعده، ويؤيده أنه لا يلزم حينئذ منع المستحق عن حقه فتأمل.

(1) الكافى ج 7 ص 69، الفقيه ج 4 ص 164 والحديث صحيح على اصطلاحهم.


481

والخطاب هنا أيضا قبل للاولياء ولا يبعد كونه لمن بيده مال اليتيم، ويمكن إطلاق الولي عليه مسامحة فيكون مراد القائل إن الخطاب للاولياء ذلك في الموضعين فبلوغ النكاح كناية عن البلوغ وهو يحصل بما تقدم، والمراد بايناس الرشد إبصاره والعلم به، وسيجيئ أن الظاهر أن المراد به إصلاح المال بل حفظه وعدم صرفه فيما لا يليق بحاله، وإن لم يكن عالما بصرفه بالفعل فيما ينبغي بمعنى عدم معرفته بالسعر، وعدم قدرته على المعاملات، وتحصيل الاموال، وأنه لا يعتبر فيه العدالة وقيل باعتبارها في حصول الرشد، ونقل الاجماع على عدم اعتبارها في بقاء الرشد في التذكرة، وقد ادعى عليه الاجماع أيضا في مجمع البيان وقال المراد به العقل وإصلاح المال وهو المروي عن الباقر عليه السلام فمراده ما قلناه، وقد حذف العقل من تعريف الرشد في عبارات الفقهاء لان الغرض حصول العقل بل البلوغ أيضا وبيان ما يعتبر بعد ذلك وهو إصلاح المال، وأنت تعلم أنه لا يحتاج في الرشد إلى القدرة على الكسب ولا يضر عدم الكسب بل تركه وعدم تحصيل المال به على تقدير القدرة أيضا ولا القدرة على تحصيل المال بالمال، بل ولا القدرة على المعاملات بنفسه، بل يكفي الحفظ فقط، بحيث لا يعد مضيعا له وإن تصرف لا يتصرف تصرفا غير لايق بحاله ولا يحتاج إلى كون ذلك ملكة أيضا.

كل ذلك للاصل، وثبوت تسلط المالك على ملكه بالعقل والنقل، وخرج المضيع بالدليل، وبقي الباقي، ولحصول المقصود، ولان كل أحد ليس ممن له كسب أو قدرة على تحصيل المال والمعاملة، فما ذكر في كتب الفقه مثل شرح الشرايع محل التأمل، وقد حققنا الامر فيه في شرح الارشاد.

فالآية تدل على وجوب الامتحان حتى يعلم البلوغ والرشد على من بيده المال ووجوب الدفع بعد ذلك ولا يحتاج إلى الحاكم والولي، ولا إلى الطلب كسائر الحقوق مثل الدين، كأنه بمنزلة الامانة الشرعية ولا يبعد ذلك إلا أن يرضى بالبقاء عند من كان ولا يبعد الفورية أيضا حينئذ بل مطلقا لتعقيب الايجاب بالفاء بعد البلوغ وإيناس الرشد.

وينبغي الاشهاد عند الدفع لما قال في آخر الآية وظاهرها الوجوب، ولكن


482

حملت على الارشاد، ويحتمل الاستحباب للمبالغة في حفظ ماله بل الوجوب لو قال به قائل لانهم يقولون بوجوب حفظ المال وتحريم التضييع، وترك الاشهاد قد يؤول إليه، فالظاهر أنه لا نزاع فيه مع تحقق ذلك وتدل هذه بالمفهوم الذي هو حجة وهو مفهوم الشرط بل مفهوم الغاية أيضا لانه قيل: معنى قوله: " حتى يبلغ النكاح " كمل عقله ورشده، وهو المناسب إذ مجرد البلوغ والعقل ليس بغاية المنع وينبغي إرادة كمال العقل وإصلاح المال بالرشد كما قال في مجمع البيان، وقوله " ولا تؤتوا السفهاء " بالمنطوق صريحا على تحريم إعطاء المال إلى السفهاء حتى يبلغوا ويرشدوا، فيحرم بدونهما وإن كبر سنه وصار شيخا كبيرا.

وقول أبي حنيفة باعطاء المال بعد خمسة وعشرين سنة اونس منه الرشد أو لا لان البلوغ يحصل بثمانية عشر، ويحصل بعد سبع سنين تغيير في أحوال الناس لقوله صلى الله عليه واله مروهم بالصلاة لسبع على ما نقله عنه في الكشاف بل القاضي أيضا مخالف للقرآن العزيز، والعقل السليم من غير دليل، والدليل المذكور باطل، فان كون البلوغ ذلك ممنوع وبعد التسليم حصول التغيير ممنوع وعلى تقدير التسليم حصول تغيير موجب للدفع وترك القرآن ممنوع، والخبر بعد تسليمه لا يدل على ذلك وهو ظاهر، كيف يدل الخبر المعمول على خلاف القرآن، وإن دل يجب التأويل بحيث يمكن الجمع وعلى تقدير دلالته على تغيير فإن كان هو إيناس الرشد فلا معنى لقوله اونس منه الرشد أو لا، وأيضا خلاف المشاهد لانه يوجد من هو في ذلك السن مع عدم الرشد، وأنه إن سلم وصح فلا يحتاج إلى الاستدلال الضعيف المذكور، إذ يكفيه الآية فان لم يكن ذلك التغيير إيناس الرشد فلا معنى لاعتباره لاعطاء المال مع بقاء السفه الموجب لعدم الاعطاء بالنص والاجماع والعقل بل يمكن أن يقال يلزمه البلوغ في أربعة عشر، بل جواز الاعطاء أيضا فانه يحصل التغيير للخبر، بل للسبع أيضا.

وبالجملة هذا القول مع هذا الدليل من الغرائب والعجائب.

ثم نهى عن أكل مال اليتامى مسرفا في ذلك فاسرافا بمعنى مسرفين حال عن الآكلين


483

ويحتمل غيرها، يحتمل أن يكون المراد زيادة على المعروف الذي يجوز أكله بالآية أو مع الغنى، فان أكل مال اليتيم مطلقا وإن كان وصيا مع غناه إسراف غير مباح لقوله: " فليستعفف " ولغيره، فأراد بالاسراف لازمه وهو غير المباح، وإن كان المراد معناه العرفي فلا خصوصية له بمال الاطفال،والظاهر أن المراد بالاكل الاخذ والتصرف و " بدارا " أي مبادرين فهو أيضا حال، أو غيرها مثل إسرافا أو لمبادرتكم كبرهم، فأن يكبروا في تأويل المصدر مفعول بدارا أي يقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبروا ويأخذوا المال من أيدينا، ويحتمل كونه مفعولا له بتقدير خوفا أن يكبروا ويأخذوا المال من أيدينا، وهذا القيد لكون الاكل حينئذ أقبح ولاحتمال كونه في خاطر الآكلين كذلك، وإلا فليس التحريم مقيدا به ثم أوجب الاستعفاف على القيم والمتصرف في مال الايتام وهو الامتناع عن أكل مال الايتام، وأخذه إذا كان غنيا غير محتاج وفقير، يحتمل إرادة الغنى العرفي والشرعي وهو من يقدر على قوت سنة له ولعياله الذي هو ضد الفقر الشرعي فلا يجوز الاخذ للقيم بمال الايتام وإن كان فعله مما يحتاج إلى الاجرة فلا يأخذها أيضا.

هذا فيمن صار المال بيده باختياره، أو صار وصيا كذلك ظاهر، وأما غيره بأن يجعله الحاكم قيما فيمكن له جواز أخذ اجرة المثل، وجواز تعيين الحاكم ذلك له إذا لم يوجد الباذل بغير عوض، فيقيد بالوصي والمتبرع دون من استأجره الحاكم وأما الفقير فله الاخذ والاكل منها بالمعروف، يحتمل أن يكون المراد به ما هو معروف في الشرع والعرف اجرة لعمله الذي هو حفظ الاولاد والاموال فلا يجوز إلا ذلك المقدار، وله أخذ ذلك كله، وإن كان زائدا عما يحتاج إليه من سد الخلة.

ويحتمل إرادة ما يحتاج إليه ولكن يبعد جواز أخذه مع عدم الاجرة أو زيادته عليها ويحتمل أقل الامرين والاول أظهر إلا أن يكون متبرعا فلا يسلم إليه الايتام والاموال، بل يسلم إلى المتبرع، نعم إن جعله الموصي وصيا لا يبعد ذلك والظاهر


484

أن الآكل هو الوصي والذي جعله الحاكم وصيا وقيما، ويحتمل الذي كان المال بيده بعد موت صاحبه أيضا مع عدم الوصي وتعذر الحاكم للعموم، وأيضا الظاهر جواز الاكل مع وجود الاولاد بقرينة " أن يكبروا " ويحتمل جواز التصرف والاخذ مطلقا بجعل الاكل كناية عنه، ويحتمل الاختصاص به كما في آية تضمنت الاكل من بيوت الآباء وغيرهم ويحتمل جوازه مع عدم الاولاد أيضا لعموم من كان مع قطع النظر عن قرينة أن يكبروا فتأمل، ولا شك أن الاجتناب أحوط، و الظاهر أن هذا الامر للاباحة كما أن الامر بالاشهاد للارشاد، ويحتمل الاستحباب.

ثم عقبه بأن الله يكفي حسيبا أي محاسبا وعالما أي كافيا في الشهادة عليهم بأخذ أموالهم وبراء‌ة ذمتكم وهو إشارة إلى عدم وجوب الاشهاد فان الله كاف وشاهد، فتدل على جواز الامتناع عن الاعطاء مرة اخرى بالانهزام عن الحكام، وباليمين وغيرهما وحسيبا حال ويحتمل التمييز والباء زائدة.

الثالثة: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا(1).

الذين

فاعل " وليخش " و " تركوا " فعل شرط فاعله ضمير " الذين " و " ذرية " مفعوله و " ضعافا " أي صغارا صفتها و " خافوا عليهم " جزاء الشرط والجملة صلة الذين على معنى حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا على أن يتركوا خلفهم أولادا صغارا خافوا عليهم، ويحتمل كون المخاطبين هم أولياء اليتامى، والمقصود تخويفهم من التصرف فيهم وفي أموالهم على غير الحق، ويؤيده ما روي في مجمع البيان عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: إن الله أوعد في مال اليتيم عقوبتين، أما أحدهما فعقوبة الدنيا قوله " وليخش " الآية قال يعني بذلك ليخش إن يخلف ذرية يصنع بهم كما صنع بهؤلآء الايتام، والظاهر أن الثانية " إن الذين " ورواية

(1) النساء: 8.


485

الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: إن في كتاب علي بن أبي طالب عليه السلام أن آكل مال اليتيم ظلما سيدركه وبال ذلك في عقبه من بعده: يلحقه وبال ذلك أما في الدنيا فان الله يقول: " وليخش الذين " الآية، وأما في الآخرة فان الله تعالى يقول: " إن الذين " الآية(1) ويحتمل كون الخطاب للحاضرين عند إيصاء الموصي فلا يتركوه أن يوصي بحيث يضر بأولاده، ويشفقون عليهم كما يشفقون على أولادهم، ويحتمل غير ذلك.

وحاصله أنه ينبغي أن يكون الانسان نفسه وأولاده ونفس غيره وأولاده عنده سوء كما يخاف على الاول ويدبرهم ويفهل ما يصلح لهم ويخاف عليهم مما يلحقهم من الاذى فكذا ينبغي أن يخاف على الثاني، ويخاف من أنه إن قصر في حق الثاني يقصر في حق الاول وفي الاخبار ما يدل عليه كثير، والعقل يساعده حتى ورد أنه من زنى زني بأهله فيدل على تحريم الاشارة إلى فعل ما يضر بالغير بل تحريم ترك نهي فعل يؤل إلى ضرر، من أولاد الموصي وغيرهم، وذلك غير بعيد من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثم أكد ذلك بقوله " فليتقوا الله " رعاية للمبتدأ والمنتهى إذ لا ينفع الاول بدون الثاني بل الاصل هو العاقبة.

ثم أمرهم بأن يقولوا قولا سديدا للايتام كما يقولون لاولادهم بالشفقة وحسن الادب، فتدل الآية حينئذ على جواز تأديب اليتامى بالقول والفعل السديد اللايق بحالهم كما صرح به في محله ويحتمل أن يكون المراد أن يقولوا قولا مصيبا وصوابا وموافقا للشرع والعقل للموصي في إيصائه بمنعه عن الزايد عن الثلث، بل يقول ما في الروايات إن الثلث كثير، و الربع والخمس أولى، وأن الترك لاولادكم حتى لا يتكففوا أولى، ويأمره بايصاء ما عليه وما له، وبالتوبة وغيرها فتأمل.

بل القول السديد المذكور لكل أحد وعلى كل حال: " إن الذين يأكلون "

(1) تفسير العياشى ج 1 ص 223.


486

الآية(1) " فظلما " يحتمل أن يكون حالا أي ظالمين في الاكل، وتميزا أي من جهة الظلم، ويحتمل أن يكون المراد بالاكل التصرف مطلقا كما في قوله تعالى " ولا تأكلوا الربا " " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " وغيرهما فان التعبير عن مطلق التصرف بالاكل كثير، ولعل ذكر البطن للتأكيد مثل " يطير بجناحيه " ويحتمل أن يكون ظلما للبيان والكشف، فان أكل مال اليتيم إنما يكون ظلما كما في " يقتلون النبيين بغير الحق " أو لانه قد يجوز أكل مالهم بالحق مثل الاكل بالمعروف اجرة أو عوضا عن مال الموصي الذي أقرضه إياه أو استقرض من مالهم وإن أمكن تأويله بأن ذلك ماله لا مالهم، لانه يكفي ذلك المقدار لدفع التوهم.

والمراد بأن أكل مال اليتيم أكل النار، يحتمل أن يكون أكلا يوجبها أي آكل مال اليتيم إنما يأكل ما يوجب دخوله النار، أو أن المراد به كناية عن دخول النار، فاذا دخل النار بالكلية فكأن في بطنه نارا، أو أنه يأكل يوم القيامة النار، ويشعر به ما روي عن الباقر عليه السلام أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا، فقيل: يا رسول الله من هؤلآء؟ فقرأ هذه الآية(2).

وسيصلون سعيرا

أي يلزمون النار المشتعلة، ويقاسون حرها يقال: صلى بالامر: قاسى حره، والسعير بمعنى المسعور والسعير اشتعال النار.

ولنتبع هذا البحث بآيتين: الاولى: ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التى جعل الله لكم قياسا وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا(3).

(1) النساء: 9.

(2) تفسير العياشى ج 1 ص 225.

(3) النساء: 5.


487

قد اختلف في تفسير السفيه، والظاهر المتبادر منه غير الرشيد أعني المبذر أمواله ومن يصرفها فيما لا ينبغي ولا يهتم باصلاحها وبتميزها والتصرف فيها، و لهذا فسره في الكشاف وغيره به، وقد فسر في الكتب الفقهية أيضا به بحيث صار حقيقة في ذلك عندهم، وهو قريب من معناه اللغوي فيتعين حمله عليه لرجحانه على سائر ما قيل فيه، إذ لا دليل لغيره، ثم إن الظاهر من أكثر المفسرين رجحان أن المراد بأموالكم أموال السفهاء والخطاب لاوليائهم والعموم أظهر، والذي يدل على أن المراد أموالهم قوله تعالى:" ﴿ وارزقوهم فيها " فان الضمير راجع إلى السفهاء، فلو لم يكن المراد أموالهم يلزم [ إيجاب ] إرزاق السفهاء على غيرهم مطلقا، أو على الاولياء من غير أموال السفهاء ولا قائل به، والتقدير " إن كانوا ممن يجب نفقهم " تكلف.

وأيضا يدل عليه قوله: " وقولوا لهم قولا معروفا " فان الظاهر أن الخطاب للاولياء، أو لمن بيده مال السفهاء، لانه فسر بأن يقولوا لهم قولا جميلا معروفا شرعا وعقلا، بأن يعدهم وعدا حسنا، مثل إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم أو إذا ربحتم اعطيتم أو أن يتلطفوا بهم ويقال لهم كلام مشعر بالرشد وينبهوهم على ذلك ويرشدوهم إليه بطريق حسن ونحو ذلك، فيكون إضافة الاموال إليهم للملابسة، مثل كونهم قوامين عليها، ومتصرفين فيها كالملاك وللاشارة إلى أنه لا بد من المبالغة في حفظها كحفظهم أموالهم، ولانه من جنس أموالهم التي بها قيام الكل كما في قوله تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم " " مما ملكت أيمانكم من فتياتكم "(1) فان المراد عدم قتل البعض بعضا، وجنس ما ملكت الايمان، وجنس الفتيات، لا نفس المخاطب، وما ملكت يمينه وفتياته فقط ولعل ارتكاب هذا المقدار في الاضافة التي يكفيها أدنى ملابسة أولى من جعل الاموال للمخاطبين لما عرفت فتأمل، ويدل عليه أيضا ما بعد الآية فانه في بيان أحكام الايتام والرشد، ومن بيده المال وهو مؤيد للعموم الذي قلناه، وقال القاضي: نهي للاولياء عن أن يؤتوا

(1) النساء: 29 و 25.


488

الذين لا رشد لهم أموالهم - إلى قوله: وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة كأنه يريد بالمتقدمة قوله: " وآتوا اليتامى أموالهم " وهو بعيد.

فالآية تدل على عدم جواز تسليم أموال السفهاء إليهم لمن بيده مالهم، فيضمن المعطي مطلقا على الظاهر، ووجوب إنفاقهم وكسوتهم في أموالهم ويمكن إدخال سائر الضروريات مثل السكنى في الانفاق، وهو في الولى ظاهر، وفي غيره إذا كان لهم ولى مطلقا، فهو بمنزلتهم فالاعطاء إليه إعطاء إليهم، وإذا لم يكن ولي أصلا لا يبعد وجوبه على المتصرف كالولي مع عدم الضمان، وينبغي الاشهاد، ويفهم منه أنه يجوز لمن عنده المال من غير شرط العدالة ولا إذن الولي والحاكم، ويمكن استخراج الاذن مع الامكان من خارج وتدل أيضا على وجوب القول المعروف لهم وعدم جواز قول يؤذيهم بما يحرم، ويحتمل كون الامر للندب.

ثم اعلم أن ظاهر هذه وقوله تعالى:" ﴿ وابتلوا اليتامى " إلى قوله: " فإن آنستم منهم رشدا " والتي تقدمت في آخر البقرة و " من كان سفيها أو ضعيفا فليملل وليه " أن السفيه بمجرد ظهور سفهه محجور عليه في ماله مطلقا فلا يجوز تصرفاته المالية ولا تسليم ماله إليه، ولا أخذه منه، فيحرم ويضمن سواء كان بالمعاوضة أو لا مثل الهبة والزكاة والخمس وغيرها، وقد مر تفسير السفيه، فلو صرف ماله فيما لا ينبغي عقلا أو شرعا، وإن كان له فائدة بدنية ودنيوية فانه مضيع لذلك المال شرعا ومبذر وسفيه، وقد ادعى الاجماع في التذكرة على أن صرف المال في محرم مثل الخمر سفه وإسراف، وظاهره إجماع الامة.

في الكشاف في تفسير قوله تعالى:" ﴿ ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا "(1) التبذير تفريق المال في ما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه الاسراف، وكانت الجاهلية تنحر إبلها ويتياسر عليها، وتبذر أموالها في الفخر والسمعة وتذكر ذلك في أشعارها، فأمرها الله بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف، وعن عبدالله بن عباس هو إنفاق المال في غير حقه وعن مجاهد لو أنفق مدا

(1) أسرى: 27.


489

في باطل كان تبذيرا، وقد أنفق بعضهم في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير، وعن عبدالله بن عمر: مر رسول الله صلى الله عليه واله بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار، ومثله مروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضا.

قال في مجمع البيان: التبذير تفريق المال في ما لا ينبغي وأصله أن يفرق كما يفرق البذر، إلا أنه مختص بما يكون على سبيل الافساد، والمراد باخوان الشياطين أمثالهم في الشرارة، وهي غاية المذمة لانه لا أشر من الشيطان أو هم أصدقاؤهم لانهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الاسراف، أو هم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد " وكان الشيطان لربه كفورا " كان الشيطان كافرا بربه فلا يجوز أن يطاع فانه لا يدعو إلا إلى مثل فعله، وهي صريحة في تحريم التبذير والاسراف، و فيه مبالغة في ذلك حيث إن المبذر كالشيطان في الشر واستحقاق النار فافهم.

ثم إنه قد جعل الشيخ والشافعى كل فاسق سفيها ومبذرا، واشترطا العدالة في الرشد وزوال الحجر، ورأيت رواية حسنة في الكافي تدل على أن شارب الخمر سفيه(1) إلا أنه نقل عن الشيخ أن ذلك في ابتداء الرشد وزوال السفه، وأما إذا رشد فلا يشترط في بقاء رشده، فبعد ذلك يجوز أن يكون رشيدا وفاسقا، بل قد ادعي على ذلك الاجماع في التذكرة، وأنه قد صرح بعض الاصحاب مثل العلامة في بعض تصانيفه بأنه يشترط في الحجر وعدم جواز تصرفات السفيه المالية أن يحكم الحاكم على حجره بقوله " جعلتك محجورا عليه " ونحوه ولا يكفي في ذلك مجرد السفه كما أن المفلس كذلك، فان مجرد زيادة الدين على المال ليس بحجر وموجب له، بل إنما يصير محجورا بعد حكم الحاكم.

ودليله أن العقل والنقل دلا على جواز تصرف العقلاء في أموالهم إلا ما خرج بالدليل، ولا دليل ههنا، وقد خرج ما انضم إليه حكم الحاكم بالاجماع، وبقي غيره تحت الجواز، وأنه يلزم الحرج والضيق فان أكثر الناس ليسوا بخال عنه فتأمل

(1) الكافى ج 6 ص 398.


490

وكأنه يقول إن الآيات لا صراحة فيها في حصول الحجر مطلقا لكل سفيه أما آية البقرة فلان إملال الولي أي إملاء‌ه في أمر ما لسفيه ما كما يدل عليه تنكير سفيها لا يدل على الحجر مطلقا وبدون الحكم أيضا لاحتمال اختصاص الولاية له في أمر واحد وهو الاملاء لنقص له عنه بخصوصه أو يكون النقص في سفيه خاص أو يكون المراد السفيه الذي هو غير مسبوق برشد متصل بالبلوغ، ولا نزاع في عدم اشتراط حصول الحجر في هذا السفيه بحكم الحاكم وحصوله بمجرد السفه، ولا في زواله عنه بدونه، وقد يفهم الاجماع على ذلك وعدم النزاع فيه من بعض كتب الفقه.

على أنه قد فسر كثير من المفسرين السفيه هناك بغير هذا المعنى، فاثبات مثل هذا الحكم بمثله بأن يقال الظاهر منه العموم العرفى، وأن العلة هو السفه مطلقا وأن لا قائل بالفرق ولا فرق بين الابتداء والبقاء، وعدم فرق معقول بين حكم الحاكم وعدمه مشكل إذ المنع والحجر بمجرد السفه خلاف ما ثبت بالدليل العقلي والنقلي من الكتاب والسنة والاجماع، ومستلزم لحرج ما فتأمل.

وكذا يجري بعض البحوث في الآيتين الباقيتين، فان عدم إعطاء الولي مال السفيه إليه حتى يرشد لا يدل على عدم جواز تصرفه في أمواله مطلقا لاحتمال أن المراد قبل البلوغ والمتصل بالبلوغ، ويؤيده ما قيل من كون الخطاب في أكثر التفاسير للاولياء، إذ تنقطع الولاية عنهم بعد البلوغ والرشد، وإن حدث السفه.

وإن جعلنا الخطاب لمن بيده ماله فلا يدل على حجره مطلقا، لاحتمال عدم جواز إعطاء ماله إليه، وجواز تصرفاته المالية في الجملة إذا وقعت على وجه لا قبح فيه بأن يهدي ويزكي ويخمس، ويعامل معاملة لا غبن فيها أصلا، غاية الامر إن سلم عموم ذلك بحسب الاشخاص والاوضاع والاحوال أنه لا يجوز لمعامليه أيضا إعطاء ماله إياه، بل يسلموه إلى الولي ويمكن جواز الاخذ له خفية أو جهرا، وتصرفه فيما هو بيده، ولو كان بعد التسليم الغير المجوز، والآية الثالثة أظهر في اختصاص السفيه بالسفيه المتصل سفهه إلى البلوغ، ولهذا قال الشيخ الشهيد رحمه الله في شرح الارشاد أنه مخصوص به.


491

وبالجملة المسألة من مشكلات الفن وقوانين استدلالات الاصحاب تقتضي عدم الاشتراط بحكم الحاكم، وأما دقة النظر في الادلة على ما هو المتعارف في غير الفقه، وقطع النظر عن قوانينهم، واكتفاؤهم ببعض المقدمات مثل أن لا قائل بالفرق، وأنه ظاهر في العموم وأن الظاهر عدم الفرق، وأن السفه إذا كان موجبا فحكم الحاكم لا أثر له، فيقتضي الاشتراط، والاحتياط لا يترك إن أمكن.

الثانية: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون(1).

قد استدل بها على كون المملوك محجورا عليه في جميع تصرفاته، وعدم صحة شئ منها إلا باذن سيده، لكن هذا العموم مخصوص بصحة بعض تصرفاته، مثل طلاق زوجته، ونفوذ إقراره بالمال، ويتبع به بعد عتقه، ويقبل قول المأذون في ضروريات تجارته المأذون فيها.

وكذا على أنه لا يملك شيئا أصلا، سواء كان ملكه مولاه أم لا، لانه نفيت عنه القدرة مطلقا، وليس حقيقة فيكون المراد نفي التملك لانه أقرب المجازات، وفي الاستدلال نظر فان غاية دلالتها على وجود عبد مملوك لا قدرة له على شئ ووجود عبد مملوك قادر على شئ في الجملة، فأين الدلالة على عدم التملك لمملوك أصلا، ولو بغير الاختيار وبتمليك المولى وغيره، فانه يحتمل ذلك أن يكون عاجزا ولا يمكله المولى أو بغير إذن المولى أو الذي لا يضرب له ضريبة وغير ذلك، أو يكون المراد الحجر وعدم صحة التصرف لا عدم الملك فقد يكون مالكا ومحجورا عليه كالصبي فانه يقال للطفل أنه لا يقدر على شئ مع تملكه، بل بين كونه محجورا عليه وغير مالك، تناف في الجملة، فان المتبادر من الاول الملكية إلا أنه ممنوع من التصرف كالصغير والمفلس والسفيه فتأمل.

ثم إنه يدل على التملك قوله تعالى " وأنكحوا الايامى منكم والصالحين

(1) النحل: 75.


492

من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " فافهم(1) وبعض الاخبار الصحيحة، وإن دل على عدمه أيضا بعضها ويمكن الجمع بينهما في الجملة بالحمل على التملك والحجر، وقد فصلنا المسألة في شرح الارشاد.

الثالث عشر : العطايا المنجزة

كالوقف والسكنى والصدقة والهبة وغيرها وليس ما يدل عليها بالخصوص بل يدل عليها عموم ما يدل على فعل الخيرات، وقد ذكر الراوندي وغيره آيات: الاولى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون(2).

الثانية: وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا واعظم اجرا(3).

الثالثة: ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب - إلى قوله واتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل و السائلين وفي الرقاب(4).

وقد مر تفسيرها، والآيات والاخبار على ذلك لا تعد ولا تحصى، ومعلوم أنه لا يحتاج إلى ذكرها.

(1) النور: 32.

(2) آل عمران: 92.

(3) المزمل: 20.

(4) البقرة: 177.


493

الرابع عشر : النذر والعهد واليمين

وفيه أبحاث:

الاول النذر وفيه آيتان

الاولى: وما انفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر(1).

أي كل ما فعلتم من نفقة حسنة أو قبيحة وكل ما أوجبتم على أنفسكم بالنذر، ويحتمل شبهه أيضا الله يعلم " فان الله يعلمه وما للظالمين من أنصار " فيعلم استحقاق صاحبه [ للاجر ] ونية فاعله فيجازيه على ذلك إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا فلا يبعد دلالتها على استحباب فعل النذر إن كان المنذور طاعة، وتحريمه إن كان معصية، حيث قرنه بالانفاق المرغوب والمرهوب، ووعد فاعله بالاجر إذا فعله على الوجه المرضي، وأوعد بالعقاب على عدمه بأنه يعلمه، وكذا وجوب الوفاء به لتسمية من يخالفه ظالما على ما هو الظاهر وسيجئ ما يدل على الوفاء به.

وقال في مجمع البيان: النذر هو عقد المرء على نفسه فعل شئ من البر بشرط ولا ينعقد ذلك إلا بقوله " لله علي كذا " ولا يثبت بغير هذا اللفظ، وأصل النذر الخوف، لانه يعقد على نفسه خوف التقصير في الامر، ومنه نذر الدم وهو العقد على سفك الدم للخوف من مضرة صاحبه، ومنه الانذار، وفي هذا الكلام تأمل إذ يفهم تخصيصه بالفعل وبالرجل، إلا أن يقول بالتأويل، ويريد بالمرء الشخص او يعلم المرأة والترك بالمقايسة أو المراد مثلا، وأيضا التقييد بالبر يدل على عدم انعقاده في المباح كما هو مذهب بعض الاصحاب، وهو محل التأمل أيضا لعموم أدلة النذر، مع عدم اشتماله على قبح، ويحتمل أن يريد به المباح.

(1) البقرة: 0 27.


494

وأيضا من التقييد بالشرط يعلم عدم انعقاد النذر إذا لم يكن مقيدا به كما هو مذهب السيد، وهو أيضا محل التأمل لعموم الادلة وعدم العلم باعتباره في معناه، وكون أصله الخوف ظاهر في العموم وكذا أصل عدم الزيادة ولهذا ذهب أكثر الاصحاب إلى عدمه على الظاهر، ولكن يشعر باعتباره صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبدالله عليه السلام قال إذا قال الرجل علي المشي إلى بيت الله وهو محرم بحجه، أو على هدي كذا وكذا فليس بشئ حتى يقول: لله على المشي إلى بيته أو يقول لله علي هدي كذا وكذا إن لم أفعل كذا وكذا، وأما اشتراطه بهذه الصيغة فيدل على عدم انعقاده إذا أتى بلفظ آخر مرادف له، وهو المشهور، والمفهوم من بعض الروايات كالصحيحة المتقدمة.

ويدل أيضا على عدم انعقاده من غير لفظ كما هو مذهب الاكثر خلافا للشيخ، فانه يكتفي بعقده قلبا وإن لم يتلفظ به ودليل مذهب الاكثر عدم العلم باطلاق النذر عليه، والاصل والشهرة وبعض الروايات مثل الصحيحة المتقدمة.

وفي الاستدلال على مذهب الشيخ بمثل " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله "(1) تأمل لا يخفى، وكذا بمثل قوله تعالى " واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه "(2) نعم هما يدلان على العقاب بأفعال القلب، ولو بقصد المعصية، وذلك غير بعيد، فان قصد القبيح عقلا وشرعا أيضا إلا أنه لا يعاقب عليه العقاب الذي يعاقب عليه بفعله في الخارج وبه يجمع بين الادلة بل بين الاقوال.

الثانية: يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا(3).

قال في الكشاف: " يوفون " جواب من عسى أن يقول: ما لهم يرزقون ذلك؟ والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات، لان من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى وكذلك ورد الايفاء في مواضع

(1) البرة: 285.

(2) البقرة: 237.

(3) الدهر: 7.


495

فيدل على وجوب الوفاء فتأمل وفي قوله تعالى " إني نذرت للرحمان صوما فلن اكلم اليوم إنسيا "(1) دلالة على جواز نذر عدم التكلم، وكأنه مخصوص بتلك الشريعة ولهذا قال الاصحاب إن صوم الصمت حرام.

الثانى العهد

وفيه آيات: الاولى: واوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا(2).

الثانية: وبعهد الله اوفوا(3).

الجار متعلق بعده أي " أوفوا " للتأكيد والمبالغة للحصر المستفاد أي يجب إيفاء ما عهد الله إلى المكلف لا غير، أي لا يصار إلى غيره ولا يجعل معارضا له ويترك به، ففيها دلالة على وجوب الايفاء بالشروط والعهود والنذور والعقود والاتيان بجميع ما أمر به من العمل بالعدالة في القول والفعل وإيفاء الكيل والوزن وغير ذلك " ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " أي جميع ما تقدم أو حصر الايفاء بعهد الله فانه مشتمل على ما تقدم وزيادة، وصاكم الله بحفظه والعمل بمقتضاه، رجاء تذكركم الله وعقابه وثوابه، فتتعظون به، وفيه تأكيد بالغ.

وكذلك " الذين يوفون بعهد الله "(4) قيل عهد الله ما عقده الله على أنفسهم من الشهادة بربوبيته " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى "(5) " ولا ينقضون الميثاق ": كل ما وثقوه على أنفسهم من المواثيق بينهم وبين الله، من العهود والنذور والايمان وغير ذلك، وبين خلقه من العقود والشروط وسائر ما قرر معهم، فهذا تعميم بعد تخصيص، ويحتمل أن يكون معناهما واحدا فيكون الثاني تأكيدا للاول فيمكن جعل هذه دليلا على وجوب الوفاء بالنذور والعقود والشرائط والوعد.

(1) مريم: 27.

(2) أسرى: 34.

(3) الانعام: 152.

(4) الرعد: 20.

(5) الاعراف: 171


496

وكذلك قوله تعالى " والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون "(1) في الكشاف سمى الشئ المؤتمن عليه أمانة وعهدا ومنه " أن تؤدوا الامانات " " ولا تخونوا أماناتكم "(2) وإنما تؤدوا العيون لا المعاني، ويخان المؤتمن لا الامانة، والراعي الحافظ، يحتمل العموم في كل ما اؤتمنوا عليه من جهته تعالى والخلق والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهدهم، وفي مجمع البيان: راعون أي حافظون وافون، والامانات ضربان: أمانات الله، وأمانات العباد، فأماناته تعالى هي العبادات كالصيام والصلاة ونحوها، وأمانات العباد هي مثل الودايع والشهادات وغيرها، وأما العهد فعلى ثلاثة أضرب: أوامر الله، ونذور الانسان، والعقود الجارية بين الناس، فيجب على الانسان الوفاء بجميع ضروب الامانات والعهود، والقيام بما يتولاه منها.

* (الثالثة اليمين) * وفيه آيات: الاولى: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم(3).

ظاهرها نهي عن كثرة الايمان والحلف على كل شئ أي لا تجعلوا الله معرضا لايمانكم ولا تكثروا الحلف حتى في المحقرات وغير المهمات الضرورية، ويؤيد النهي عن كثرة الحلف " ولا تطع كل حلاف "(4) و " أن تبروا " علة للنهي بحذف مضاف أي إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فان الحلاف مجترئ على الله فيكذب، ولا يصلح أن يكون بارا ولا متقيا ولا مصلحا بين الناس، وقد قيل غير هذا المعنى أيضا وهو أنه لا تجعلوا الله حاجزا ومانعا لما حلفتم عليه من البر والتقوى

(1) المعارج: 33.

(2) الانفال: 28.

(3) البقرة: 224.

(4) القلم: 11.


497

وإصلاح ذات البين، فيكون الايمان بمعنى المحلوف عليه، و " أن تبروا " بيانا له ويكون إشارة إلى ما هو المشهور أن المحلوف إذا كان مرجوحا لا ينعقد، وكذا إذا كان راجحا ثم صار مرجوحا كما تدل عليه الاخبار من العامة والخاصة، مثل قوله صلى الله عليه واله لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير(1) فتأمل.

الثانية: لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور رحيم(1).

قيل: أصل اللغو الكلام الذي لا فائدة فيه، يقال ألغى الكلمة إذا طرحها لانه لا فائدة فيها، واللاغية الكلمة القبيحة الفاحشة، ومنه اشتقاق اللغو لانه كلام لا فائدة فيه عند غير أهلها، وأصل الحلم الاناة وهو في صفته تعالى الامهال بتأخير العقاب على الذنب، قال في الكشاف والقاضي: اللغو من اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الايمان وهو الذي لا عقد معه بقرينة " عقدتم الايمان " وهو الذي يجري على اللسان عادة مثل قول العرب لا والله وبلى والله، من غير عقد على يمين، بل لمجرد التأكيد لقولها، أو جاهلا بمعناها أو سبق لسانه إليها، أو في حال الغضب المسقط للقصد.

فمعناه: أن الله لا يؤاخذكم بما لا قصد معه لكم من الايمان بعقوبة، لا في الدنيا بكفارة ولا في الآخرة بعذابها، بل يؤاخذكم باليمين الملفوظة إذا عزمتم وقصدتم بقلوبكم، وخالفتم، أو إذا كذبتم عمدا بأن يحلف على الماضي كاذبا فانه يسمى الغموس وهو حرام، ولا كفارة فيه عند الاصحاب، بل إنما هي على فعل متوقع راجح أو ترك كذلك أو مباح، وتحقيق ما يوجب الكفارة سيجئ في تفسير آية الكفارة إن شاء الله، وكل ذلك إذا قصدتم الايمان وعقدتم عليها القلوب أي إذا واطأت قلوبكم ألسنتكم، أو أنه يؤاخذكم بما تعمدتم وقصدتم من الايمان على

(1) مشكاة المصابيح 296.

(2) البقرة: 225.


498

خلاف الحق أي الايمان الكاذبة فلا كفارة حينئذ فلا حذف في الكلام " والله غفور " يغفر الذنوب لعله مع التوبة وجوبا أو تفضلا من غير توبة أيضا " حليم " يؤخر العقوبة ولا يعجل بها لانه إنما يعجل من يخاف الفوت.

الثالثة: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم "(1) يحتمل أن يكون المراد من اللغو ما يصدر من الانسان بغير قصد، كقول الرجل لا والله وبلى والله، حين الغفلة والغضب وغير ذلك، ولهذا شرط في انعقاده القصد، ويشعر به ما بعده كما مر ويحتمل الحلف على ما ظن أنه كذلك ولم يكن، ويمكن شموله للكل، والظاهر أن " في أيمانكم " صلة اللغو لانه مصدر أو حال عنه أو صفته، بأن يقدر معرفا باللام مثل الحاصل، والمراد نفي المؤاخذة مطلقا في الدنيا بعدم الكفارة وعدم التعزير وفي الآخرة بعدم العقاب " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان " بالقصد وجئتم بها على الوجه الشرعي إن كان مستقبلا قابلا للحنث بالكفارة والتعزير بل العقاب أيضا ويحتمل السقوط بالكفارة، وإن كان ماضيا بالعقاب والتعزير، إن كان كذبا عن عمد من غير داع شرعا مع عدم التوبة " فكفارته " بيان للمؤاخذة أي كفارة نكث الحلف والمؤاخذة به، قال القاضي المراد بالكفارة الفعلة التي تذهب الاثم، وتستر الذنب، واستدل بظاهره على جواز التكفير بالمال قبل الحنث، وهو عندنا خلافا للحنفية لقوله عليه السلام من حلف على يمينورأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير(2) ولعل " لقوله عليه السلام " دليل لمذهبه لا لمذهب الحنفية.

وظهور الآية ممنوع لان الكفارة إنما يكون بعد الذنب كما فهم من كلامه عليه السلام أيضا، مثل كفارة إفطار شهر رمضان وغيره فلا معنى لتقديمها، وعلى تقدير ظهور الآية في ذلك فالتخصيص بالمال لا وجه له، وكذا الخبر مع أن جعله دليل ظاهر الآية غير سديد، على أنه مقيد برؤية غيرها خيرا، والمراد أعم وأنه غير معلوم الصحة، والذي ثبت عند الاصحاب أنه إذا حلف على شئ ثم رأى غيره أولى تنحل

(1) المائدة: 89.

(2) أنوار التنزيل ص 124، والحديث تراه في سنن أبي داود ج 2 ص 240.


499

اليمين بغير كفارة، مثل أن حلف ليضرب عبده، أو لم يأكل الطعام الفلاني ولم يفعل الفعل الفلاني، وصار المصلحة في عدمه ويكون هو أولى بالنسبة إليه تنحل اليمين من غير كفارة، فكأنه يدخل حينئذ في اليمين اللغو الذي لا يؤاخذ عليه، ولهم عليه الروايات، وكأنه مجمع عليه أيضا عندهم والحنفية موافقة لهم في عدم الكفارة قبل الفعل مطلقا، والشافعية بغير المال.

و " إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم " خبر كفارته، والمراد بالمسكين هو الفقير الذي يستحق الزكاة أي لا قدرة له على قوت سنته، ولو بالكسب على ما قالوا " من أوسط " أي من أقصده ووسطه باعتبار النوع، ويمكن القدر أيضا ولكن القدر مقدر في الاخبار بالمد لكل مسكين عند الاكثر، وقيل مدان، و الجنس هو الحنطة مثلا، إن كان هو الاوسط أو الاعلى، والظاهر أن الاوسط للرخصة، وأن دونه لا يجوز، لا أن الاعلى لا يجزئ، وقال القاضي: محل " من أوسط " نصب لانه صفة مفعول محذوف تقديره أن تطعموا عشرة مساكين طعاما من أوسط، أو الرفع على البدل من إطعام وأظن جواز تعلقه باطعام، و معنى البدلية غير ظاهر، والتقدير موجب للتكرار، وأيضا إن سلم مانع عن تعلقه بالاطعام المذكور، فلا مانع من كونه صفة له فلا يحتاج إلى تقديره، بل لا مانع من الحالية أيضا و " أهليكم " منصوب بأنه مفعول ثان حذف نونه بالاضافة والمفعول الاول محذوف، أي ما تطعمونه أهليكم، وصريح الآية اعتبار العدد في المساكين فلا يجزئ مقدار العشرة لواحد لا أن المقصود من العدد مقدار الطعام كما قاله أبوحنيفة، لان كون ذلك مقصودا بل مساويا له ممنوع إذ في تعدد الاشخاص مصالح لا توجد في واحد من استجابة الدعاء والقبول عند الله.

وبالجملة رعاية خواطر أعظم من رعاية خاطر واحد، وهو واضح وصريح الآية لا يخرج عنه " أو كسوتهم " عطف على إطعام إما لكونه مصدرا أو لتقدير إلباس كسوتهم، وقال القاضي: أو من أوسط إذا كان بدلا، وما عرفت معنى البدل هنا، ويمكن تقدير: أو كسوتهم من أوسط ما تكسون أهليكم، والظاهر ما يصدق


500

عليه الكسوة لغة أو عرفا مثل ثوب يكون مغطيا للعورة كالقميص ويحتمل الوزرة والسراويل، والازار أولى والجبة أولى أما مجرد الرداء فمشكل لانه لا يقال له كسوة إن كان صغيرا يحصل به مجرد الاراتداء، ويحتمل أن يكون المراد من الكسوة الثياب التي يحتاج إليها الانسان عرفا كالاطعام، فانه لا بد من كونه مقدار ما يكفيه يوما، ولهذا يقال يجب للزوجة والمملوك ومن يجب نفقته من الاقارب كسوتهم على الزوج والسيد والقريب، ويراد جميع ما يحتاج إليه عرفا، ويؤيده مقابلته للاطعام وتحرير الرقبة، فيجب حينئذ ما يستر جميع بدنه مثل قميص أو جبة مع عمامة أو قلنسوة على الوجه المتعارف في زماننا، ولكن القائل به غير ظاهر قال القاضي: قيل ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار، وفيه تأمل خصوصا في الرداء.

أو تحرير رقبة

أي أو إعتاق إنسان فظاهر الآية أنه يجزئ كل إنسان كما يدعيه الاصحاب، وشرط الشافعي كونه مؤمنا قياسا على كفارة القتل وهو باطل نعم لو كان نص مقيد بذلك يجب وإلا فلا، فلا يجزئ الطفل أيضا إلا أن يلحق بآبائه في الايمان، والظاهر أنه يكتفى بالاسلام وعند الاصحاب يمكن كونه مؤمنا بالمعنى الاخص عندهم، فالمكفر مخير بين اختيار أي الثلاث شاء إن وجدت الثلاثة وإلا يختار ما وجد، وإن لم يجد شيئا أصلا كما هو ظاهر قوله " فمن لم يجد " أي شيئا منها " فصيام ثلاثة أيام " أي فكفارة حلفه صيام ثلاثة أيام وظاهرها إجزاء أي ثلاثة على أي وجه جايز، إلا أنه قيده الاصحاب كالشافعي بالتتابع للاجماع والسنة ويؤيده قراء‌ة " متتابعات " في الشواذ، وإن لم تكن الشاذة حجة إذ لم يثبت كتابا ولم يرو سنة، وهذا لم يرد علينا لما مر، نعم يرد على أبي حنيفة حيث قيد بالتتابع عليه بالقراء‌ة الشاذة، قال القاضي ليست بحجة.

ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم

كأنه يريد وحنثتم أيضا لما مر، ويريد به التأكيد والايضاح، وإلا فما كان يحتاج إلى ذكره خصوصا " إذا حلفتم "


501

واحفظوا أيمانكم

ظاهرها أنه لا تخالفوها ولا تنكثوها فيدل على أن خلف الحلف والحنث حرام كفر أم لا، فتجب الكفارة بعد الحنث وأنه لا يجوز نكثه بوجه وعلى تقدير الجواز لا وجه للكفارة، فمذهب الشافعي بتجويزه بعد الكفارة محل التأمل، وكذا صحة الخبر المتقدم، فانه على تقدير انعقاده يجب حفظه لهذه الآية ونحوها فكيف يجوز رفعه بالكفارة، إلا أن يقال بالحل كما قال أصحابنا للنص والاجماع ولان الانعقاد مشروط بكون ما يحلف عليه راجحا أو مساويا بالاجماع على الظاهر والاخبار، وعلى تقدير القلب بالمرجوحية لا يبقى شرط الانعقاد ودوامه فتأمل فيه، وللايمان شروط وأحكام مذكورة في محلها.

كذلك

مثل ذلك البيان " يبين لكم آياته " أعلام شرايعه " لعلكم تشكرون " الله تعالى على التعليم أو سائر نعمه الواجب شكرها، فان مثل هذا البيان يسهل لكم المخرج، ويحصل الخلاص بالكفارة في الدنيا عن العقاب، فيجب شكر نعمة شرع الكفارة وبيانها على وجه واضح كساير النعم.

* (الخامس عشر العتق) * وفيه آيات مثل قوله تعالى:﴿ واذ تقول للذى انعم الله عليه وأنعمت عليه(1).

الخطاب لرسول الله صلى الله عليه واله " الذي " زيد بن الحارثة وإنعام الله عليه توفيقه للاسلام، وإنعامه صلى الله عليه واله إعتاقه بعد أن ملكه بالاسر(2) فدلت الآية على مشروعية تملك الانسان وعتقه بل رجحانه وكون المعتق منعما، والآيات الدالة عليه كثيرة لا يحتاج إلى الذكر، ولنذكر آية الكتابة وهي قوله:

(1) الاحزاب: 37.

(2) بل ملكه صلى الله عليه وآله بالهبة وهبته له خديجة زوجته عليها السلام نعم أسره بنو القين في الجاهلية وشروه في سوق عكاظ أو سوق حباشة من حكيم بن حزام وقد اشتراه هو لعمته خديجة بنت خويلد.

راجع اسد الغابة ج 2 ص 225، الاصابة ج 1 ص 545، والاستيعاب بذيله ج 1 ص 525.


502

والذين يبتغون الكتاب من ما ملكت ايمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا(1).

في الكشاف: " الذين " مرفوع على الابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره فكاتبوهم ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط، والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، وهو أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم، فان أداها عتق، ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك، أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق.

أي الذين يطلبون المكاتبة منكم أيها الموالي من العبيد والاماء فكاتبوهم وهي أن تقرر معه أن يعطيك مالا معينا في نجم أو نجوم معينة فينعتق بذلك فهي دالة على جوازها مطلقا حالا ومؤجلا منجما بنجم واحد أو متعدد، ومشروطة ومطلقة، وعلى مال قليل وكثير، عين ومنفعة وأحكامها مذكورة في الفقه.

إن علمتم فيهم خيرا

الامر بها متعلق بعلم الخير في المملوك فقيل هو المال وقيل هو الصلاح، وقيل هو القدرة على الاكتساب وتحصيل مال الكتابة والامانة والمتبادر الوسط، ويحتمل الاخير والاول بعيد خصوصا على المذهب المشهور من عدم تملكهم شيئا.

في الكشاف: الامر الندب عند عامة العلماء وجميع الفقهاء، ونقل عن ابن سيرين أنه أمر حتم وايجاب فهو مسبوق بالاجماع وبالعكس، ففيها دلالة على استحباب الكتابة بشرط طلبه وخيريته.

وآتوهم من مال الله الذي آتاكم

أمر الموالي باعطاء المكاتبين بعض المال الذي أعطاهم الله إياه فهو يدل على وجوب إعطاء المكاتب للمكاتب من المال الذي أعطاه الله إياه وقال بعض الاصحاب بوجوب إعطاء المكاتب شيئا من الزكاة، وهو من سهم الرقاب إن وجبت وإلا استحب فيجوز أن يعطيه من الزكاة ثم يأخذها منه، و أن يحسب عليه من الزكاة ويسقط من مال الكتابة، ورجوع زكاته إليه بوجه آخر

(1) النور: 33.


503

غير ضائر كما إذا اشترى من الفقير زكاته، ولكن قالوا يكره أن يتملك ما يتصدق به باختياره، ولا يبعد إخراج هذه عنه للآية فتأمل، وكأنهم حملوا الآية عليه وهو بعيد لا يفهم إلا أن يكون لهم دليل عليه، فتأمل.

وفي مجمع البيان: معناه حطوا عنهم من نجوم الكتابة شيئا، وقيل ردوا عليهم معشر السادة من المال الذي أخذتم منهم شيئا، وهو استحباب، وقيل إيجاب وقال قوم من المفسرين إنه خطاب للمؤمنين بمعونتهم على تخليص رقابهم من الرق ومن قال إنه خطاب للسادة اختلفوا في قدر ما يجب، والاولى قدر ما يعطي فقيل: مقدر بربع المال عن الثوري، وروي ذلك عن علي عليه السلام وقيل ليس فيه تقدير بل يحط عنه شئ، وهو الصحيح للصدق فإنه يصدق الامتثال ويكفي، ويخرج عن العهدة.

ثم إن ظاهر الآية وجوب إعطاء ما يصدق أنه من المال الذي أعطاهم الله ولكن ينبغي أن يكون مما يسمى إعطاء عرفا وينتفع به غالبا، لا مثل فلس واحد فتأمل، وأن المخاطب به هم الموالي والسادة، لا المسلمون كما نقل في الكشاف عن أبي حنيفة أنه على المسلمين، فانه يحصل بالحط، فلا يحتاج إلى الدفع ثم الاخذ، وإن كان رعاية ظاهراللفظ أولى فتأمل.

كتاب النكاح - الاول : في شرعيته وأقسامه وغير ذلك

وفيه آيات

الاولى: وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم(1).

في الكشاف: الايامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا، والايم للرجل والمرأة إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين، والاولى أن يقول من لا زوج لها بكرا أو ثيبا ومن لا امرأة له كما قاله في القاموس.

في مجمع البيان: أحد مفعولي أنكحوا محذوف، والتقدير أنكحوا الايامى الرجال منكم من نسائكم والنساء من رجالكم في الكشاف المراد أن زوجوا من تأيم منكم من الاحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم، وخص الصالحين لشدة الاهتمام بشأنهم، وللارشاد والترغيب إلى الصلاح، فانهم إن رؤوا مزوجين لصلاحهم رغبوا فيه، ولان ثوابه أكثر، ولانهم في التعب إذ يلاحظون، وأما غيرهم فيعالجون أنفسهم نعوذ بالله بغير التزويج وإن أثموا ويجازوا في الآخرة، في الكشاف: لان الصالحين من الارقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم، وينزلونهم منزلة الاولاد في الاثرة والمودة، فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم، والاهتمام بهم، وتقبل الوصيه فيهم وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك.

وهذا الامر للندب لما علم أن النكاح أمر مندوب إليه، وقد يكون للوجوب في حق الاولياء عند

(1) النور: 32.


505

طلب المرأة ذلك، ومما يدل على كونه مندوبا إليه قوله صلى الله عليه واله من أحب فطرتي فليستن بسنتي وهي النكاح، وعنه عليه السلام من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منا وهذا يدل على الوجوب فتأمل، وعنه عليه السلام إذا تزوج أحدكم عج به شيطانه يا ويله عصم ابن آدم مني ثلثي دينه، وعنه عليه السلام يا عياض لا تزوجن عجوزا ولا عاقرا فاني مكاثر(1) والاحاديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه واله كثيرة وربما كان واجب الترك كما إذا أدى إلى معصية أو مفسدة، وعن النبي صلى الله عليه واله إذا أتى على امتي مائة وثمانون سنة من هجرتي فقد حلت لهم العزوبة والعزلة، والترهب على رؤس الجبال، وفي الحديث: يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية فاذا كان ذك الزمان حلت العزوبة، وهذه أيضا تدل على وجوب التزويج في الجملة ويفهم من كلامه أن الامر إذا آل إلى المعصية يصير ذلك حراما فيكون ما يتوقف ويحصل به الحرام حراما ككون ما يتوقف عليه الواجب واجبا، ولبعض العلماء فيه نزاع وليس هذا محله.

وتدل الآية على وجوب قبول الولي الخطبة وتزويجه المولى عليها حرا كان أو مملوكا، وذلك غير بعيد، إذا كان فيه مصلحته، بأن كان الزوج قادرا على النفقة وكفوا كما يدل عليه بعض الاخبار، وفي كلام الاصحاب أنه يجب إجابة الكفو القادر، فيفهم الوجوب على الزوجة أيضا وفيه تأمل ذكرناه في محله، وظاهر الآية عدم اشتراط القدرة والكفو، وكأنه مفهوم من الخبر والاجماع، فالآية دليل ترغيب الاولياء والوكلاء وإن لم يكونوا أولياء شرعا بتزويج من يسمع كلامهم ويتبعهم، وعدم جعل فقر الزوج والزوجة مانعا، معللا بأن الله هو المغني، بل في الاحاديث ما يدل على أن التزويج موجب للغناء وأن تركه خوفا من الفقر سوء ظن بالله.

ولكن جعل في الكشاف ذلك مشروطا بمشيئة الله تعالى، حيث قال ينبغي أن يكون شريطة الله غير منسية في هذا الموعد ونظائره، وهي مشيته، ولا يشاء الحكيم

(1) راجع مجمع البيان ج 7 ص 140، الكافى ج 5 ص 329.


506

إلا ما اقتضته الحكمة، وما كان مصلحة.

ونحوه " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب "(1) وقد جاء‌ت الشريطة منصوصة في قوله تعالى " وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم "(2) ومن لم ينس هذه لم ينتصب، معترضا بعزب كان غنيا فأفقره النكاح، وكأن هذه الشريطة محذوفة مثل إجابة الدعاء في قوله " ادعوني استجب لكم "(3) فلا يرد الشبهة.

ففيها دلالة على مرغوبية النكاح مطلقا وأفضليته وعلى استقلال الآباء والاولياء وإن كان المولى عليها بلاغا تأمل، وعلى استقلال الموالي أيضا في نكاح المماليك و أيضا فيها دلالة على تملك المماليك لقوله " إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله " إذ الظاهر أنه راجع إلى الكل لا الاحرار خاصة، فانه خلاف الظاهر، نعم يمكن أن يقال غناهم وفقرهم باعتبار مواليهم وإذنهم في التصرف في مالهم، وهو بعيد فتأمل.

الثانية: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله(4).

في الكشاف وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف، وحاملها عليه " لا يجدون نكاحا " أي استطاعة تزوج، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال " حتى يغنيهم الله " ترجئة للمستعففين، وتقدمة وعد بالتفضل عليهم بالغنى ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفا لهم في استعفافهم وربطا على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فضله أولى بالاعفاء وأدنى من الصلحاء، وفيها دلالة على الصبر وطلب العفة إذا لم يجد ما ينكح به، حتى يعطيه الله تعالى من فضله ما يتمكن معه من ذلك وإن كان قليلا، فالصبر والعفة إنما يرغب فيهما بعد عدم وجدان ما يتمكن به من التزويج أصلا لا من يجد شيئا في الجملة، فلا ينبغي طلب الصبر

(1) الطلاق: 3.

(2) براء‌ة: 28.

(3) غافر: 60.

(4) النور: 33.


507

والعفة ليجد مالا كثيرا أو يصير غنيا، ولهذا لا يجدون، ويحتمل أن يكون معنى " حتى " غاية للاستعفاف، ويكون المراد بالنكاح الزوجة المناسبة بحاله.

وبالجملة على التقادير لا منافاة بين ما تقدم وهذه، إذ الاولى أمر للاولياء بالانكاح وعدم جعل الخوف مانعا، وهذه ترغيب للازواج بطلب العفة حتى يغنيهم الله وأن يزوجوه ولكن له الاولى عدم ذلك، أو يكون المراد بالثانية مجرد الاباحة والرخصة دون الرجحان والاولى أن يكون المراد هو عدم الزوجة ونحو ذلك فتأمل ويحتمل أيضا أن يكون معناها وجوب الصبر والاستعفاف بمعنى عدم التعدى والميل إلى السفاح، فكأنه قال: لا يسفح الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله فتأمل.

الثالثة: وان حفتم الا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ان لا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم(1).

أي إن خشيتم أن لا تعدلوا بل تجوروا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن فتزوجوا غيرهن ممن طاب لكم من النساء اللاتي لا تقدرون على عدم العدل لعشيرتهن ونحوها، فتعدلوا بينهن ولا تقصروا في حقهن من المهر والنفقة، وروي أنهم كانوا إذا وجدوا يتيمة ذا مال وجمال تزوجوها فربما يجتمع عند أحدهم عدة منهن فيقصرون فيما هو واجب عليهم، فنزلت.

وروي أيضا أنهم لما كانوا يتحرجون عن اليتامى والتصرف في أموالهم خوفا من العقاب بعد أن عرفوا عظم أمر اليتامى والتصرف في أموالهم ولا يتحرزون عن الجور في امور النساء من عدم التعديل والتقصير في المهر والنفقة، نزلت هذه الآية، أي إن خفتم من العقاب وتحرجتم من اليتامى لذلك فينبغي أن تتحرزوا في امور النساء أيضا عن ترك ما هو واجب

(1) النساء: 3.


508

عليكم لهن من الحقوق، فتزوجوا ما هو حلال طيب وتقدرون على العدل بينهن من ثنتين أو ثلاثا أو أربعا أي عدد كانت من هذا العدد الجايز، وترك الواحدة لعدم الاحتياج إلى القسط والعدل وإن احتاج إلى ملاحظة المهر والنفقة وهي معلومة وقيل: كانوا يتحرجون من اليتامى ولا يتحرجون من الزنا فنزلت.

ثم اعلم أن التعبير عنهن بما للاشارة إلى قلة عقولهن وأن معنى " مثنى وثلاث ورباع " أنكحوا الطيبات حال كونهن معدودات بهذا العدد ثنتين ثنتين، و ثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا، وهي معدولات منها فهي غير منصرفة بالعدل التحقيقي والصفة فانها بنيت للوصف فان معنى مثنى مثلا الذي يكون ثنتين أي تزوجوا أيها الرجال ثنتين ثنتين ثلاثا ثلاثا أربعا أربعا والخطاب للجميع أي خذوا كل واحد منكم ثنتين أو ثلاثا أو أربعا أو مختلفا كما يقول اقسموا هذا المال اثنين اثنين ثلاثة ثلاثه أربعة أربعة، ويراد قسمة المال على الوجه المذكور، سواء كانت القسمة متفقة أو مختلفة وهي منصوبات على الحال عن مفعول " فانكحوا " أو عن فاعله فيحتاج إلى التأويل ليحمل، ويحتمل غيرها ولو اختير المفرد بأن يقول ثنتين وثلاثا وأربعا لدل على جواز الجمع دون التوزيع، ولو قيل " أو " لدل على أحدها فقط دون الجمع فلا تجوز القسمة إلا على وجه واحد، ولا يفهم جواز الجمع بين المذكورات، فيلزم تجويز أكثر من أربعة مثل ثمانية عشر لشخص واحد، لما مر أن المتبادر من هذا الكلام عرفا هو القسمة بين الجميع على الوجه المذكور على سبيل الاتفاق أو الاختلاف فلا يحتاج لذلك إلى جعل الواو بمعنى أو، بل لا يصح لما مر، ولانه يلزم تجويز الستة بل ثمانية لشخص واحد، فان الثلاث بمعنى ثلاثة ثلاثة، وكذا رباع.

فان خفتم

من العقاب في التعدد بعدم العدل " فواحدة " أي فانكحوا واحدة لا غير، فانها لا تحتاج إلى التعديل وكثرة المؤنة " أو ما ملكت أيمانكم " واحدة أو متعددة فانها لا تحتاج إلى التعديل مع الكثرة، ولا إلى المهر والمؤنة مثل مؤنة الاحرار " ذلك أدنى ألا تعولوا " أي الواحدة من الحرائر أو اختيار الاماء أقرب إلى أن لا تميلوا، من عال الميزان إذا مال، أو أن لا تجوروا، من عال الحاكم في


509

حكمه إذا جار، ومنه عول الفريضة، وفسر بأن لا يكثر عيالكم من عاله، فعبر عن كثرة العيال بكثرة المؤنة على الكناية ويؤيده قراء‌ة تعيلوا من أعال الرجل إذا كثر عياله، فالمراد بالعيال الازواج والاولاد، فهو بالنسبة إلى الواحدة ظاهر، وأما بالنسبة إلى الاماء فانه باعتبار عدم كثرة مؤنتهن، فهن بمنزلة القليلة وإن كثرن وأنهن مظنة قلة الولد بالعزل وغيره.

ثم إنه لا يخفى ما يفهم من الآية الكريمة من وجوب التحرز عن المحرمات بمجرد خوف الوقوع فيها، حيث قال " وإن خفتم ألا تقسطوا فانكحوا " وقال " فان خفتم " الآية، فتدل على كمال المبالغة في وجوب الاجتناب عن المحرمات، و في ملاحظة العدل والقسط بين النساء بل مطلقا، فيكون المعنى إن خفتم من عدم القسط في يتامى النساء بالمعنى الذي تقدم، فلا يباح لكم ذلك غير مضطرين، فان لكم أن تنكحوا فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، عادلين بينهن منفقين على العيال، وإن خفتم من عدم العدل وكثرة العيولة فانكحوا ما لا يحتاج إليهما، فمقصود الآية تحريم عدم القسط، وما يؤل إليه، وإباحة النكاح معه إلى أربع لا وجوبه على الظاهر، ويحتمل حمل الامر بالتزويج على الندب، للاجماع على عدم وجوب مثنى، بل الواحدة إلا في بعض الصور وحمله بعيد، بل لا يمكن فتأمل بل استحباب الثنتين وما فوقهما أيضا غير ظاهر وكأني رأيت عن الشيخ كراهة ذلك وسببها ظاهر، وفي الآية أيضا إشارة إليها فكأنه للاباحة وعدم التحريم فتأمل.

قال في مجمع البيان: استدل بعض الناس على وجوب التزويج بقوله: " فانكحوا " وهو خطاء لانه يجوز العدول عن الظاهر بدليل، وقد قام الدليل على عدم الوجوب، وأنت قد عرفت عدم الدلالة وإلا يلزم وجوب مثنى، وأن وجود الدليل على عدم الوجوب، مثل الاجماع والخبر لا ينافي دلالته على الوجوب ظاهرا إلاأن يقال: أنه قال به لذلك، فحينئذ يمكن أن لا يسلم وجود الدليل.

ويفهم أيضا أنه يجب الاجتناب عن جميع المحرمات فهو مؤيد لما ذكره سلطان


510

المحققين من عدم قبول التوبة عن بعض الذنوب دون البعض، ويفهم أيضا جواز النكاح إلى أربع وتحريم الخامسة، وعدم حسن ترك النكاح بالكلية فانه العزوبة وأنها ترتفع بملك اليمين، ولا تحتاج إلى النكاح بالعقد، والكل موجود في الاخبار وأنه لا يجب التعديل بين السراري، بل المنام عندهن وجواز العزل عنهن وقلة مؤنة ما يحتاج إليه منهن.

ثم أوجب إعطاء مهور النساء فقال " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "(1) أي عطية من الله تعالى لهن، وسمي بها مع كونه عوض البضع لاشتراك فوائد التزويج فنحلة حال عن الصدقات، ويحتمل عن فاعل " آتوا " بمعنى ناحلين فكأنه عطية منهم، وهو أظهر، ويحتمل كون نصبها على المصدر، فكأنه قال انحلوهن نحلة فظاهرها يدل على وجوب المهر بمجرد العقد مطلقا، لانه بالعقد تصير الزوجة داخله في النساء، فيدل على أن الموجب للمهر هو العقد فقط، ولا دخل للدخول ثم قد ينتصف بالطلاق وهو مذهب بعض الاصحاب بل على وجوب إعطائه حينئذ فكأنه مقيد بطلب صاحبه كسائر الحقوق فيمكن أن يكون لها الامتناع حتى تأخذه فتأمل فيه ويدل على أنه يجب الاعطاء من طيب النفس " فان طبن " خطاب للازواج أي فان طابت نفوسهن بهبة " لكم عن شئ منه " من صدقاتهن فتذكير الضمير باعتبار المهر أو باعتبار الفرد المذكور فيها " نفسا " هو تمييز، وتنكير شئ يدل على عمومه والظاهر أن هبة الكل أيضا كذلك إلا أنه ذكر للاشارة إلى أنه ينبغي إعطاء البعض كما دل بعض الروايات على تقدم شئ من المهر " فكلوه " أي فكلوا الموهوب لكم، ويحتمل أن يكون المراد التصرف والقبول مطلقا " هنيئا مريئا " فالهنئ الطيب المساغ الذي لا ينغصه شئ، والمرئ المحمود العاقبة الذي لا يضر ولا يؤذي، وقال في مجمع البيان: الصداق المهر، والنحلة العطية، وسمي النحل نحلا لان الله تعالى نحل منها العسل للناس، والهنئ شفاء من المرض، ويقال: [ هامش(1) النساء: 4.[


511

هنأني الطعام ومرأني أي صار لي دواء عاجلا شافيا، وفي كتاب العياشي مرفوعا إلى أمير المؤمنين عليه السلام: جاء رجل فقال يا أمير المؤمنين إني يجوعني بطني، فقال الك زوجة؟ قال: نعم قال: مستوهب منها شيئا طابت به نفسها من مالها، ثم اشتر به عسلا ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فاني سمعت الله يقول في كتابه: " وأنزلنامن السماء ماء مباركا " وقال " يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس " وقال " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " فاذا اجتمعت البركة والشفاء والهنئ والمرئ شفيت إن شاء الله تعالى، قال ففعل ذلك فشفي(1): فدلت الآية على جواز أكل مهورهن بطيب أنفسهن، ولا يحتاج إلى الايجاب والقبول بل مطلق التصرف في أموالهن بل أموال الناس أيضا بطيب النفس، فلا يبعد سقوطها بالهبة كما وردت بل الرواية، فالهبة غير مخصوصة بالاعيان كالصدقه على ما دل عليه قوله تعالى:" ﴿ وأن تصدقوا خير لكم " والظاهر أنه يجوز الابراء أيضا ولكن ينبغي قبول أيضا، وأن(2) في المهر شفاء، وفي الخبر المذكور دلالة على عدم كراهة الاستياب من مال الزوجة مطلقا وإن كان الظاهر أنه المهر فقط، وحصول الشفاء بل وبالعسل وبماء السماء.

الرابعة: " والذين هم لفروجهم حافظون " في جميع الحالات " إلا على أزواجهم او ملكت إيمانهم "(3) إلا حال تزوجهم أو تسريهم، أي يحفظونها عن جميع ما أمر بالحفظ عنه ولا يحفظونها عن شئ ابيح بدليل، لعدم حسن الحفظ إما وجوبا أو استحبابا أو إباحة فكما أن الحفظ عنه صفة حسن، فكذا عدم الحفظ عن الزوجة والسرية، فلا ينبغي ترك التزويج خوفا من المعاش بل غيره، ولا ترك التسري خصوصا باعتقاد أنه ليس بحسن لعدم حصول ولد مناسب، وكونه عارا كما يفعله بعض الجهلة، وهو ظاهر. ويدل عليه غير هذه الآية أيضا من الآيات والاخبار فافهم .

_

(1) راجع تفسير العياشي ج 1 ص 218.

(2) فان خ.

(3) المؤمنون 5 و 6.


512

ولهذا أكده ردا لهم بقوله " فانهم غير ملومين " فيكون اللوم عليه حراما و " على أزواجهم " في موضع الحال أي والين على أزواجهم أو قوامين عليهن، نظيره فلان على البصرة أي وال عليها، أو متعلق بمحذوف يدل عليه غير ملومين، كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين عليهن فدلت على عدم حسن مباشرة جميع النساء إلا زوجته وأمته، بل كشف الفروج عند غيرهما، والاستمتاع بغيرهما، حتى الاستمناء باليد وسائر البدن وبالحيوانات وغيرها، وأكد ذلك بقوله " فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون " حتى فهم تحريمه.

وفي مجمع البيان: أي الظالمون المتجاوزون إلى ما لا يحل لهم أي من أراد واحدة غير الازواج المحللة والاماء على الوجه الشرعي فاولئك هم الكاملون في العدول عن الحد الذي حده الشارع، سواء كانت الزوجة فوق الحد أم لا، ولا تدل على تحريم المتعة لانها زوجة وانتفاء بعض أحكامها مثل الارث عند البعض والقسمة لا تقتضي خروجها عن مسمى الزوجة، لانها زوجة لغة بل شرعا أيضا كما في بعض الدائمات أيضا مثل الناشزه والقاتلة.

قال في الكشاف فان قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة؟ قلت: لا لان المنكوحة نكاح المتعة من جملة الازواج إذا صح النكاح، وفيه إشعار إلى جواز المتعة عنده وان الآية دالة على جوازها، فانه قال إنها زوجة.

فتدخل تحت المستثنيات فليزمه القول به إلا أن لا يقول بعمومها، بل يخصصها بالخبر، ولكن لابد حينئذ من الاتيان بخبر يمكن تخصيص القرآن المتواتر به.

وتدل على تحريم جميع المباشرة بجميع النساء غيرهما، فلا يصح بالهبة والاجارة وغيرهما فيفهم من الآية عدم جواز التحليل أيضا لكن أكثر الاصحاب بل نقل الاجماع قبل المخالف وبعده على جوازه لاخبار الصحيحة عن أئمتهم عليهم السلام على ذلك، فسلموا الحصر في الآية وأدخلوا التحليل في أحدهما، فبعض أدخله في التزويج، فان المحللة متعة والتحليل تزويج وبعضهم أدخله في الملك وجعل الملك


513

أعم من المنفعة والعين، والتحليل تمليك منفعة والاول بعيد إذ ليس فيه خواص المتعة من وجوب تعيين المدة والمبلغ والصيغة الخاصة، والثاني أيضا لا يخلو عن بعد إذ الظاهر من الآية هو ملك اليمين لا الاعم ولهذا لا يحل تملك المنفعة بغير وجه التحليل، على أن كون تمليك البعض مثل القبلة المحضة أو اللمس أو النظر فقط غير واضح مع أنها تباح بالتحليل للنصوص الصحيحة، وإدخاله في الملك أشكل وإدخال المستأجرة لجميع منافعها أولى منها، وهو ظاهر فلا بد من التخصيص، و لكن لما ثبت التحليل فلابد من التأويل وإن كان بعيدا فيمكن جعله قسما آخر بنفسه، وتخصيص هذه الآية، فانه غير عزيز على ما اشتهر أنه ما من عام إلا وقد خص، حتى هذا.فتأمل.

الخامسة: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ايمانكم كتاب الله عليكم واحل لكم ما وراء ذلكم(1).

عطف على المحرمات مؤبدا أي حرم عليكم المحصنات أي المزوجات إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا فإنه يجوز وطيهن مع كونهن مزوجات لبطلان عقدهن بالسبي والتملك، كما ورد في رواية أبي سعيد الخدري: أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وآله فنزلت الآية(2) أو ما ملكت الايمان من الاماء المزوجات فإنه للمالك إبطال نكاحهن بمنع أزواجهن وطيها بعد العدة إذا كان زوجها أيضا لمالكها بغير خلاف، ويدل عليه الروايات مثل صحيحة محمد بن مسلم قال سألت الباقر عليه السلام عن قول الله عزوجل " والمحصنات من النساء إلا ماملكت أيمانكم " قال هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول اعتزل امرأتك ولا تقربها، ثم يحبسها حتى تحيض ثم يمسها(3).

(1) النساء: 24.

(2) سنن أبي داود ج 1 ص 497، مجمع البيان ج 3 ص 30.

(3) الكافي ج 5 ص 481.


514

والآية تدل على جواز نكاح الاماء المزوجات لمالكها مطلقا والخبر خصصها وبينها بل الاجماع أيضا، " وكتاب " مصدر لفعل محذوف أي كتب الله كتابا وفرض فريضة عليكم وأحل الله ما وراء ذلك الذي تقدم من المحرمات، وهو عام مخصوص بالمنفصل من الاخبار والاجماع كتحريم بنت الاخ وبنت الاخت على العمة والخالة بغير رضاها وغير ذلك " أن تبتغوا " مفعول له بتقدير إرادة أي أحل الله ذلك لارادة أن تبتغوا " بأموالكم " إشارة إلى المهر بالرضا وعدم الغصب، ويشعر بالمبالغة في المهر بأن يعطى، ويمكن إدخال شراء السراري أيضا فيه " محصنين " معففين " غير مسافحين " السفاح الزنا " فما استمتعتم " فمن تمتعتم " به منهن " من النساء المحللات المتقدمات " فآتوهن اجورهن " فيجب عليكم أن تؤتوهن اجورهن التي وقع العقد عليها كسائر الاجراء " فريضة " أي مفروضة، حال من الاجور أو مصدر فعل محذوف، أو صفة مصدر محذوف: أي إيتاء مفروضا.

قال في مجمع البيان قيل المراد به نكاح المتعة وهو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم، عن ابن عباس والسدي وسعيد بن جبير وجماعة من التابعين، و هو مذهب أصحابنا الاماميه وهو الواضح لان لفظ الاستمتاع والتمتع وإن كان في الاصل واقعا على الانتفاع والالتذاذ فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعين إذا اضيف لالى النساء، فعلى هذا يكون معناه فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمى المتعة، فآتهون اجورهن ويدل على ذلك أن الله سبحانه علق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع، وذلك يقتضي أن يكون هذا العقد المخصوص من دون الجماع و الاستلذاذ، لان المهر لا يجب إلابه.

هذا وقد روي عن جماعة منهم أبي بن كعب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم أنهم قرؤا " فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن " اجورهن " وفي ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة، وقد أورد الثعلبي في تفسيره عن حبيب ابن أبي ثابت قال أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراء‌ة ابي فرأيت في المصحف " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " وبإسناده عن أبي نصر


515

قال سألت ابن عباس عن المتعة فقال أما قرأت سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال أما تقرأ " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " قلت لا أقرأها هكذا قال ابن عباس والله هكذا أنزله الله عزوجل ثلاث مرات، وبإسناده عن شعبة عن الحكم بن عيينه قال سألته عن هذه الآية " فما استمتعتم به منهن " منسوخة هي؟ قال: لا، قال الحكم قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لولا أن عمر نهى عن المتعة مازنى إلا شقي، و بإسناده عن عمران بن حصين قال نزلت آية المتعة في كتاب الله عزوجل ولم تنزل بعدها آية تنسخها فإنا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله فتمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمات عليه السلام ولم ينهنا عنها، فقال رجل بعد برأيه ما شاء.

ومما أورده مسلم ابن حجاج في الصحيح حدثنا الحسن الحلواني قال: حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا ابن جريح قال عطاء: قدم جابر بن عبدالله معتمرا فجئنا منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة، فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر(1).

ومما يدل أيضا على أن لفظ الاستمتاع في الآية لا يجوز أن يكون المراد به الانتفاع والجماع أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم شي ء من المهر من لا ينتفع من المرأة بشئ، وقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول، لزمه نصف المهر، ولو كان المراد به نكاح الدائم للمرأة يلزم بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد، لانه قال " فآتوهن اجورهن " أي مهورهن ولا خلاف في أن ذلك غير واجب، وإنما يجب الاجر بكامله بنفس العقد في نكاح المتعة، وأنت تعلم أنه قد قيل بوجوب المهر بمجرد العقد من أصحابنا أيضا بل هو المشهور كما مر إلا أنه ينتصف بالطلاق، و لعل مراده وجوبه بحيث لا يسقطه شئ فحينئذ يرد عقد المنقطع أيضا لانه ينتصف إذا وهبت المدة قبل الدخول على المشهور وينبغي أن يقول يلزم ثبوت المهر ووجوده دائما في عقد الدائم، وليس كذلك فإنه يجوز خلوه عن مهر، ثم يلزم بالدخول

_

(1) راجع في ذلك تفسير الرازي ج 10 ص 51، تفسير الطبري ج 5 ص 12 و 13 سنن البيهقي ج 7 ص 206، الوسائل الباب الاول من أبواب المتعة.


516

مهر المثل، ويمكن كونه مقصود مجمع البيان فتأمل.

ومما يمكن التعلق به في هذه المسألة الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب أنه قال: متعتان كانا على عهد رسول الله حلالا أنا أنهي عنهما واعاقب عليهما(1) فأخبر بأن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأضاف النهي عنها إلى نفسه لضرب من الرأي، فلو كان النبي نسخها أو نهى عنها أو أباحها في وقت مخصوص دون غيره لاضاف التحريم إليه صلى الله عليه وآله دون نفسه، وأيضا فإما ما فرق بين متعة الحج ومتعة النساء في النهي، ولا خلاف في أن متعة الحج غير منسوخة ولا محرمة فوجب أن يكون حكم متعة النساء حكمها.

ولاجناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة

من قال: إن المراد بالاستمتاع الانتفاع والجماع، قال: المراد به لا حرج ولا إثم عليكم فيما تراضيتم به من زيادة مهر أو نقصانه أو حطه أو إبرائه، وقال السدي: معناه لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استيناف عقد آخر بعد انقضاء المدة المضروبة في عقد المتعة، يزيد الرجل في الاجر وتزيده في المدة، وهذا قول الامامية، وتظافرت به الروايات عن أئمتهم عليهم السلام(2).

قال القاضي: نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم نسخت كما روي أنه عليه السلام أباحها ثم أصبح يقول: يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيمة، وهي النكاح الموقت بوقت معلوم سمي به المتعة إذ الغرض منه مجرد الاستمتاع بالمرأة وتمتيعها بما يعطي، وجوزها ابن عباس رضي الله عنه ثم رجع عنه.

قال في الكشاف قيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله، ثم نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة أو ليلتين أو

(1) راجع أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 342، شرح النهج لابن أبي الحديد في شرح الخطبة الشقشقية والخطبة الرقم 223، تفسير الرازي ج 10 ص 50: وغير ذلك.

(2) الكافي ج 5 ص 458.


517

اسبوعا بثبوت أو غير ذلك، ويقضي منها وطره ثم يسرحها، سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها، وعن عمر أنه لا اوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمتها بالحجارة، وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه أباحها ثم أصبح يقول إني أمرتكم بالاستمتاع من هذ النساء ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة، وقيل ابيح مرتين، وحرم مرتين وعن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ، وكان يقرأ " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " ويروي أنه رجع عن ذلك عند موته، وقال " اللهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة وقولي بالصرف ".

وبالجملة الذي يظهر أن الآية ظاهرة في المتعة والقراء‌ة والمنقولة صريحة في ذلك والاجماع واقع على أنها كانت جايزة، والروايات كذلك، فالكتاب والسنة و إجماع الامة متفقة على جوازها وقد اختلفت الامة في بقائها والاصل والاستصحاب وعدم دليل واضح على النسخ، وكونه على خلاف الاصل مع الخلاف في جواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وعدم الاجماع مع عدم العلم بالتواتر منا، وعدم جوازه بالخبر الواحد بالعقل والنقل من الاجماع وغيره، دليل العدم.

ويؤيده عدم ورود خبر منقول صريح، والخلاف من كبار الصحابة مثل ابن عباس وابي ونقل بقائه إلى زمان عمر وإسناده التحريم إلى نفسه كما مر والروايات من طرق أهل البيت عليهم السلام متواترة وأن رجوع ابن عباس عنه وتوبته بعيد لانه ما كان جراما بل كان قوله به واجبا حيث كان مسندا إلى دليل فكيف يصح الرجوع عند الموت مع عدم ظهور دليل خلافة في حياته، ويبعد ظهور دليلة عند الموت وكونه مخفيا عليه وعلى غيره حتى يمنعوه عنه إلى حين الموت، ومع ذلك لا معنى للتوبة حيث كان قائلا بقول واجب، ولهذا ما نقل في غير الكشاف والقاضي الرجوع(1).

وما تقدم من تفسيري مجمع البيان والثعلبي صريح في بقاء الجواز فقولهما بالنسخ باطل لما عرفت من عدم ما يصلح له من عقل ونقل، كتابا وسنة، وإجماعا لوجود الخلاف من الخاصة والعامة مثل السدي وسعيد بن جبير وجماعة من التابعين

(1) راجع في ذلك ذيل كنز العرفان ج 2 ص 156.


518

وابن عباس وكذا نقل رجوعه باطل، ومما يدل على بطلانه كونه عند الموت والتوبة عنه، لما عرفت على أن في كلامهما اضطرابا فانه يفهم تارة أنه أباحها مرة ثم حرمها وتارة أنه كان مرتين وأنه أباحها ثم أصبح وقال إن الله حرمها أبدا، فانه يفهم منه أنه كانت يوما واحدا بل ليلة واحدة ويفهم أنه كانت ثلاثة أيام مع أنه قال كان الرجل منهم يتمتع اسبوعا، وهل هذا إلا تناقض واضطراب لرد ما أحل الله لقول عمر به، فتامل ولا تقلد.

والحاصل أن الجواز كان يقينا بالكتاب والسنة وإجماع الامة، ولا يزول إلا بيقين مثله عقلا ونقلا من العامة والخاصة، وليس، فانه لا يحصل إلا من الدليل العقلي والكتاب والسنة والاجماع اليقينيات، ومعلوم عدمها " إن الله كان عليما " بمصالح " حكيما " فيما شرع من الاحكام.

السادسة " ومن لم يستطع منكم طولا " أي من لم يجد قدرة وغنى، وأصله الفضل والزيادة ومنه الطول " أن ينكح المحصنات المؤمنات " أي يتزوجها، وهو في موضع النصب بطولا أو بفعل مقدر صفة له، أي ومن لم يستطع منكم قدرة يرتكب بها نكاح المحصنات أو لم يستطع غنى يبلغ به نكاح المحصنات يعني الحرائر المسلمات وظاهره العقد ويحتمل الوطي " فمما ملكت أيمانكم " أي فليتزوج منهن أي من جنس ما ملكتم، فيريد إماء الغير، فان التزويج لا يمكن إلا بها، ويحتمل أن يكون المعنى فان لم تقدروا على نكاح المسلمة الحرة فخذوا الاماء سراري والنكاح حينئذ أيضا يحتمل المعنيين فتأمل " من فتياتكم المؤمنات " يعني الاماء المسلمات.

وظاهر الآية يدل على جواز نكاح المسلمة الحرة للحر والعبد لعموم " من " إلا أن يكون الخطاب للاحرار، وعلى عدم جواز وطي الكافر مطلقا كتابية وغير كتابية حرة أو أمة للعبد والحر لقيد المؤمنات في الموضعين، ولكن بمفهوم الوصف وماثبت حجيته، فلا يعارض عموم الادلة الحل ولا شك أنه أحوط وسيجيئ تحقيقه وعلى جواز عقد الامة مع عدم قدرة الحرة على الاحتمال الاول حرا كان الناكح أو عبدا لعموم " من ".


519

وقيل: على عدم جواز أخذ الحر الامة بالعقد مع القدرة على الحرة، كأنه بمفهوم الشرط الذي ثبت حجيته وفيه تأمل، لاحتمال أن يكون المراد المعنى الثاني ولعدم صراحته في الشرط لانه متضمن له، والمفهوم قد يكون معتبرا إذا كان صريحا ولهذا قيد في بعض عبارة الاصوليين بمفهوم " إن " ولان المفهوم إنما هو حجة إذا لم يظهر للقيد فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت، كما بين في موضعه من الاصول وهنا وجه ظاهر، وهو الترغيب والتحريص على النكاح وعدم الترك بوجه ولو كان بأمة، وإفادة أن الحرة أولى، فلا يترك إلى غيرها مهما أمكن وهو ظاهر.

فالمعنى إن أمكن الفرد الاعلى والافضل وهو نكاح المسلمة الحرة فهو مقدم عقلا وشرعا على تقدير القدرة وإلا فالفرد الضعيف الغير الاولى وهو نكاح الاماء وهو جار في مفهوم الصفة المذكورة أيضا وأيضا سوق الآية مشعر بأن ليس المقصود ذلك فان الظاهر أن المقصود من الآية هو الارشاد، لا الترتيب في الحكم والامر والنهي، ولهذا ما حملت على تعين النكاح الحرة المسلمة مع القدرة، وتعين الامة على تقدير العدم وأيضا لا شكل في عموم " من " للحر والعبد، وأنه يجوز نكاح الامة للعبد مع القدرة على الحرة بغير خلاف على الظاهر، ولو كان المفهوم هنا حجة لزم عدم الجواز له أيضا فتأمل.

وبالجملة هذا المفهوم لا يعارض عموم أدلة الجواز مثل " احل لكم ما وراء ذلكم " فلا يخرج عنه إلا بدليل أقوى أو مثله، ويؤيده " والله أعلم بايمانكم " يعني ما أنتم مكلفون إلا بظاهر الحال، فكل من يظهر الايمان فهو مؤمن ومؤمنة عندكم واحكموا به فنكاحهما جائز، ولستم مؤاخذين بما في نفس الامر فان ذلك لا يعلمه إلا الله، فلا يمكن تكليفكم به، " بعضكم من بعض " أي كل منكم من ولد آدم فلا تأبوا نكاح الاماء فان المدار على الجنسية والايمان، وأنتم لا تفاضل بينكم إلا بالايمان وهو أمر غير معلوم إلا لله.

ويؤيد الجواز أيضا بقوله " فانكحوهن باذن أهلهن " أي تزوجوا من الفتيات المؤمنات باذن أهلهن وأمر ساداتهن، وفيها دلالة على عدم جواز العقد على الامة


520

بغير إذن مولاها مطلقا، عقدا منقطعا ودواما سيدا وسيدة فينبغي تأويل ماورد في بعض الاخبار من جواز العقد المنقطع على أمة السيدة بغير إذنها، مع عدم الصحة والصراحة وتمام تحقيقها في الفروع فراجعها، ويؤيده أيضا " وأنكحوا الايامى " الآية ويمكن فهم دلالتها على عدم اعتبار إذن الامة حيث شرط إذن الاهل فقط.

وآتوهن اجورهن

أي أعطوهن مهورهن، ولعل المراد أهلهن فانها مملوكة لهم " بالمعروف " بطريق يقتضيه عرف الشرع، وهو ما وقع عليه التراضي والعقد، أو مهر المثل إن لم يقع في العقد، وعلى وجه حسن دون مماطلة وقبح " ومحصنات " أي تزوجوهن عفائف " غير مسافحات " زانيات " ولا متخذات أخدان " أي أخلاء في السر، لان الرجل كان يتخذها صديقة يزني بها، والمرأة كانت تتخذ صديقا فيزني بها، وروي ابن عباس أنه كان قوم في الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي منه فنهى الله سبحانه عن الزنا سرا وجهرا، فعلى هذا يكون المراد بقوله: " ولا متخذات أخدان " غير زانيات جهرا وسرا كلها حالات ولعل الفائدة الترغيب في المتصفة بهن لا عدم جواز غيرهن.

فاذا احصن

قرئ بضم الهمزة وكسر الصاد مبنيا للمفعول أي فاذا تزوجن واحصن وحفظن من الزنا بأزواجهن، وبالفتح للفاعل يحتمل أن يكون معناه أحصن أنفسهن من الزنا بالتزويج كما يحتمل أن يقال ذلك في قراء‌ة محصنات، و قيل: أحصن أزواجهن من الزنا، وقيل أسلمن فأحصنهن الاسلام كما يحصنهن الازواج " فان أتين بفاحشة " أي فان زنين المحصنات من الاماء " فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " أي نصف ما على الحرائر من الحد في الزنا وهو مائة جلدة ونصفها خمسون، لا الرجم إذ لا ينتصف فلا رجم على الاماء مطلقا بل العبيد أيضا لعدمه.

فدلت على أن حد الزنا في المملوكة المحصنة هو خمسون ولكن لم يظهر حينئذ للقيد بالاحصان والمملوكة وجه، فانه بدونهما أيضا ذلك، على ما تقرر فالمعنى الاول غير مناسب، فيحتمل الثاني إذ قد يقال لا زنا للكافرة للشبهة، ويحتمل


521

في الاول أيضا لانها قد تقول تجوز الزنا مع عدم الزوج للاحتياج، وليس بواضح إذ الشبهة مطلقا تتأتى ويسقط الحد إلا أنه قد يكون ورودها حينئذ أظهر فتأمل، و يمكن أن يقال لما كان الكلام في الاماء وتوهم الرجم مع الاحصان صرح بعدمه وتنصيف الجلد ويفهم الباقي من عدم القائل بالفصل والاجماع والاخبار فتأمل.

ذلك

إشارة إلى جواز نكاح الامة " لمن خشي العنت منكم " أي الاثم الذي يحصل بسبب الزنا لغلبة الشهوة وهو في الاصل انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة ولا مشقة أعظم من الاثم، وعليه أكثر المفسرين، وقيل: معناه لمن خاف الحد بأن يهويها ويزني بها فيحد، وقيل الضرر الشديد في الدنيا والدين لغلبة الشهوة والاول أصح قاله في مجمع البيان، قيل: وهذه أيضا تدل على تحريم نكاح الاماء مع إمكان العقد على الحرة، ولكن زيد له شرط آخر، فهن يحرمن بدونهما، والجواز مشروط بهما: عدم الامكان وخوف العنت، وهو قول بعض أصحابنا أيضا وقد عرفت عدم الدلالة على التحريم بالشرط الاول، وما ذكرناه هناك مما يدل على الجواز.

ويؤيده قوله " وأن تصبروا خير لكم " أي صبركم عن نكاح الاماء واحتمال الشدة بالصبر على العزوبة خير لكم من تزويجكم بها، والصبر على ما يحصل لكم من معاشرتهن والعار وتحصيل الاولاد، وما يلحقهم من العار بسببكم ومن جهة عدم إصلاحهن البيت كما دل عليه ما روي عنه صلى الله عليه وآله الحرائر إصلاح البيت، و الاماء خراب البيت، فان الظاهر أن المراد أن ترك التزويج بالاماء بدون الشرطين خير فيجوز حينئذ فعله وتركه إذ لو كان المراد بعد الشرطين، لاينبغي الترك ولا يكون راجحا بل يجب التزويج حينئذ كما قال الفقهاء إنه يجب النكاح إذا خاف الوقوع في الزنا، أو يحصل به ضرر لايتحمل مثله، ويستحب لو دعته نفسه.

بل قال الاكثر إنه مستحب مطلقا فلا يكون ترك التزويج بالاماء مع عدم القدرة على الحرة وحصول الضرر، أو خوف الوقوع في الزنا خيرا، بل هو خير مع عدمها بأن يتزوج بالحرة لما تقدم، وللترغيب على النكاح في الاخبار و


522

الآيات والاجماع، ويبعد تخصيصها بالحرة مع عدم إمكانها أيضا، والضرر أيضا وهو ظاهر، ولهذا قال أكثر الفقهاء بالجواز مع الكراهة إلا مع الشرطين، وبها يجمع بين الادلة ويؤيدها رواية محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يتزوج المملوكة قال إذا اضطر إليها فلا بأس، ومرسلة ابن بكير عن الصادق عليه السلام لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة الحديث(1).

والله غفور رحيم

يغفر ذنوب عباده تفضلا وكرما أو بالتوبة ولعله إشارة إلى عدم يأس من تعدى عن الحدود المتقدمة من رحمة الله وأمر بالتوبة والرجاء والطمع.

الثاني : في المحرمات

وفيه آيات

الاولى: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم "(2) يحتمل تحريم العقد على امرأة عقد عليها الاب وهو الظاهر من النكاح، فانه حقيقة فيه على ما قيل، ويحتمل الوطي مجازا أو بالاشتراك، ويحتمل حمله على الاعم عموم مجاز أو عموم اشتراك فيحرم الوطي والعقد على الابن لمن عقد عليها الاب أو وطئها بالملك فيشمل الزوجة والسرية ولكن الفهم مشكل لانه لايخلو عن إجمال، فالعمدة هو الاجماع والاخبار فالظاهر عدم الخلاف في جواز نظر الابن إلى امرأة أبيه وسريته و " من النساء " بيان " ما ".

وإلا ما قد سلف

يحتمل كونه منقطعا أي لا يجوز لكم نكاح ما نكح آباؤكم ولكن ما نكحتم قبل الاسلام فهو جائز، ومتصلا باعتبار اللازم أي تعاقبون على نكاح ما نكح آباؤكم إلا النكاح الذي سلف قبل نزول هذه الآية فانه لا عقاب على ذلك

(1) راجع الكافي كتاب النكاح باب الحر يتزوج الامة ج 5 ص 359.

(2) النساء: 22.


523

فانه فعل في زمن الجاهلية فلا ينافي ما نقل في القاضي أنه ما كان جايزا في امة أصلا كما يدل عليه قوله: " إنه كان فاحشة ومقتا " علة للنهي أي نكاحهن كان فاحشة عند الله وموجبا للمقت والبغض وما رخص فيه امة من الامم، وساء سبيلا " أي بئس طريق من يقول به أو يفعله.

وقد ذكر في سبب النزول وجود ذلك فعلم تحريمه بالآية، ويحتمل أيضا أن يكون من قبيل " ولا يذوقون فيه إلا الموتة الاولى "(1).

ولا عيب غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ولا عيب فيه إلا أنه من قريش، للمبالغة والتأكيد.

الثانية: " حرمت عليكم امهاتكم "(2) الظاهر أن المراد تحريم نكاحهن لما تقدم وتأخر وللتبادر من مثله كتبادر الاكل في " حرمت عليكم الميتة " ولعدم تحريم الذات والنكاح أولى ما يمكن تقديره، والام امرأة رجع نسبك إليها بالولادة بغير واسطة أو بواسطة الاب أو الام " وبناتكم " البيت امرأة رجع نسبها إليك بالولادة بواسطة أو بلا واسطة " وأخواتكم الاخت امرأة ولدها وولدك شخص بغير واسطة " وعماتكم " والعمة امرأة ولدها وولد أباك أو أبا أبيك أو أبا امك بالغا ما بلغ شخص " وخالاتكم " والخالة مثل العمة إلا أن النسبة هنا إلى الام بمنزلة الاب هناك " وبنات الاخ وبنات الاخت " يعلمان مما سبق إذ بعد العلم بالاخ والاخت والبنت يعلم بناتهما وهو ظاهر.

وفي الآية دلالة على ان إطلاق البنت والام والعمة والخالة وبنت الاخ وبنت الاخت على هؤلاء إذا كانت بواسطة او بلا واسطة حقيقه وهو خلاف ما اشتهر من ان الاطلاق على الاول حقيقه وعلى غيره مجاز.

والظاهر أن المراد تحريم العقد لانه حقيقة فيه، ويعلم الوطي بالطريق الاولى، ويحتمل إرادتهما، هذا هو التحريم النسبي والظاهر ان لا خلاف بين الامه فيها، وفى كونها لشبهة او عقد صحيح في نفس الامر أو عند الفاعل وأما الحاصلة

(1) الدخان: 57.

(2) النساء: 23.


524

بالزنا فالظاهر عدم الخلاف عند الاصحاب في ذلك أيضا، وأنه لا خلاف حينئذ في جواز النظر واللمس والتقبيل بغير شهوة إلا على العورة وكلام الاصحاب في ذلك غير مفصل ويحتمل أن يكون كذلك بالنسبه إلى المحرمات الغير النسبيه أيضا كالمصاهرة، ويحتمل الاقتصار على جواز النظر إلى الوجه وما يتعسر التحرز عنه مثل اليد والرجل وأما النظر إلى أطفال الاجانب وعورتهم ومباشرة من يباشر ذلك فكلام الاصحاب في ذلك أيضا مجمل غير مفصل، فيمكن جواز ذلك إلا محل الشهوة والريبة، واللذة المطلوبة ومباشرة العورة مع الحاجة والاجتناب احوط مهما أمكن.

وامهاتكم اللاتي أرضعنكم واخواتكم من الرضاعة

إشارة إلى المحرمات بالسبب والرضاع أقوى سبب لانها لحمة كلحمة النسب، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب(1) قال في الكشاف إلا في مسئلتين: إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج اخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوجها من الرضاع [ لان المانع في النسب وطي امها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع ] والثانية أنه لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب، ويجوز من الرضاع، لان المانع وطي الاب إياها وهو غير موجود في الرضاع.

ولا يحتاج إلى هذا الاستثناء بالحقيقة، لان معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أن كل من يحرم ويكون سبب تحريمه النسب وأحد أسبابه السبعه المذكورة يحرم ذلك بالرضاع إذا وجد ذلك السبب بعينه فيه، مثل الام الرضاعية والاخت كذلك ومعلوم انتفاء ذلك في المسئلتين لان اخت الابن إن كانت من الرجل فهي بنته وإلا فهي ربيبته فتحريمها بالمصاهرة لا بالنسب، وكذا أم الاخ فانها أم أو زوجة الاب، ومعلوم انتفاؤهما من الرضاع وعدم تحريم ما يحرم بالمصاهرة بالرضاع، وكأنه أشار إليه بقوله " لان المانع الخ فالاستثناء ظاهري فالتي تحرم بالرضاع بالكتاب هي الام والاخت، وكأن الباقي يحرم

(1) راجع المستدرك ج 2 ص 572، سنن أبي داود ج 1 ص 474.


525

بالاجماع والاخبار، والاعتبار.

ولكن للتحريم شروط: كون الرضاع في مدة الحولين لرضاع المرتضع، و كون الشرب بالمص من الثدي والمقدار المعين، وفي أكثر الاخبار أنه ما أنبت اللحم وشد العظم، ولكن العلم به مشكل، وفي بعض الروايات ما يدل على أنه يحصل باليوم والليلة وفي بعض بخمسة عشر رضعة وفي بعضها بعشر رضعات بشرط عدم الفصل بلبن غيرها، وفي بعضها مرة وتمام التفصيل في الكتب الفقهية.

والاصل وبعض الآيات والاخبار دليل الجواز، فلا يعدل عنها إلا بدليل وهذه الآية لم تدل على أن مجرد صدق الرضاع يكفي لانه قيد بكونها اما من الرضاع واختا، ولم تعلم التسمية بمجرد صدق أنه أرضعت وارتضعت، فالاستدلال الحنفية ونحوها بها على أن مجرد صدق الرضعة لغة كاف مدخول، ولو كان كذلك لكان الاكتفاء بقوله " واللاتي أرضعنكم " أولى، نعم يحرم ما كمل له يوم وليلة وخمسة عشر بالاجماع وبعض الاخبار، وبقي الباقي تحت الجواز، وهو المذهب المشهور، وأكثر الاصحاب عليه، ويحمل غيرها على تقدير الصحة على العلم بالانبات أو استحباب الاجتناب جمعا بين الادلة فتأمل فيه.

وامهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن

إشارة إلى المحرمات بالمصاهرة، وهي ام الزوجة وبنتها التي يربيها الزوج والمراد بها بنت الزوجة مطلقا، سميت بها وقيدت بالحجر لتربيته إياها غالبا، و للاشارة إلى أنه ينبغي له تربيتها وحفظها في حجره حتى لا تضيع، وهما عطف على " امهاتكم " أو على ما عطف عليها، قوله " من نسائكم " قيد للربائب على الظاهر أي الربيبة المحرمة هي التى كانت من الزوجة التي دخلتم بها فمن للابتداء، فلا تحرم حينئذ بنت الزوجة إلا إذا كانت امها مدخولا بها لقوله " التي دخلتم بهن " و لقوله " فان لم تكونوا دخلتم بهن الخ " وحينئذ تحرم جمعا لدليل آخر، فاذا فارق الام يجوز النكاح للبنت بخلاف العكس فانه تحرم الام أبدا لانه غير مقيد بالدخول فبمجرد العقد على البنت تحرم الام لعموم تحريم الام من دون القيد.


526

والدليل على أن " من نسائكم " قيد للربائب لا لنسائكم ما ثبت في الاصول أن ما يعقب الجمل من الصفة والاستثناء وغيرهما قيد للاخيرة، وظهور كونه قيدا لها وعدم ظهور كونه قيدا للاولى، مع وجود التحريم، وتقييده بلا دليل غير جايز، و مجرد صلاحيته واحتماله له ليس بموجب ذلك وهو ظاهر، وعدم إمكان كونه قيدا لهما إذ يلزم تعليقه بالموضعين، وجعله بالمعنيين البيانية والابتدائية، وهو غير ممكن وإن أمكن استعمال لفظ مشترك بمعنيين مجازا، أو حقيقة لعدم إمكان تعليقه بالموضعين وجعله قيدا لهما في التركيب إلا بالحذف وهو خلاف الاصل والظاهر، والحاصل أنه لا شك في أن تقييد الاولى خلاف الاصل والظاهر، فلا بد له من دليل موجب و ليس في الآية، نعم في بعض الروايات الصحيحة دلالة صريحة على ذلك فلا بد إما تأويله أورده، حيث إنه معارض بمثله وظاهر الآية، أو تقييد الآية وتخصيصها بتلك الاخبار لعدم صحة معارضها من الاخبار وجواز تخصيص القرآن بالخبر الصحيح [ الصريح ] فالمسألة مشكلة، وتمام التفصيل في الكتب الفقهية.

وفي قوله تعالى " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم "(1) أي البلغ من غير أهل البيت فلا يرد أبوته لهم، دلالة على أن ما ثبت بين الاب والولد من تحريم المصاهرة وغيره ليس بمتحقق بينه صلى الله عليه واله وبين امته، بل له حق الابوة وأعظم، نعم ثبت بين زوجاته فقط والمسلمين التحريم بقوله " وأزواجه أمهاتكم " وغيره من الاجماع والاخبار حتى لا يحرم بناتهن على المسلمين فليست الامومة أيضا حقيقية بل المراد مجرد التحريم وهو ظاهر، وإلا يلزم التعدي في جميع الافراد وفي قوله " فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم " دلالة ما على عدم اعتبار مفهوم القيود فافهم.

والظاهر أن المراد بالنساء هو المعقود عليهن مطلقا، فلا يشمل السرية فكأن تحريم امها وبنتها بغير الآية من الاجماع والرواية والقياس، والظاهر أن المراد بالام والربيبة أعم من أن يكون بواسطة أو بغير واسطة فيشمل الجدة وبنت

(1) الاحزاب: 41.


527

البنت بل بنت الابن أيضا لانها بنت للمرأة كبنت البنت كما تقدم، وكما يدل عليه أيضا قوله " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم " فان الظاهر أن لا خلاف في أن المراد بالابن هنا أعم منه ومن ابن الابن، ومن ابن البنت أيضا، والحلائل جمع حليلة وهي التي حل وطئها فيشمل المعقود عليها مطلقا والسرية أيضا ولكن الظاهر أنها مقيدة بوطئها، ويحتمل بالنظر إلى العورة أو فعل ما يحرم على غير المالك من القبلة ولمس الجلد بشهوة كما في الابن ولا يكفي مجرد جواز الوطي فان للاب وطئ مملوكة الابن كالعكس، ويحتمل العدم إذا كانت متخذة للتسري دون الخدمة، ولعل ظاهر الآية يشملها فتأمل.

فدلت هذه على أن الابن بواسطة هو ابن الصلب، فالاحتراز بقيد الصلب عن الولد المتبني الذي يأخذه الانسان ابنا ويسميه به للشفقة والمحبة، ولكونه ابن زوجته، ونحو ذلك، فانه لم يصر بذلك ابنا حقيقة.

وأن تجمعوا بين الاختين

أيضا عطف على المحرمات وفائدة زيادة الجمع أن التحريم هو الجمع لا الافراد، فمع مفارقة إحداهما يجوز أخذ الاخرى ووجه " إلا ما قد سلف " سلف " إن الله كان غفورا رحيما " إشارة إلى عدم يأس من تعدى عن حدود الله من رحمة الله، فان الله كان غفورا رحيما من قبل وبعد ودائما، فيتجاوز عنه بالتوبة والعفو والكرم.

الثالثة: " ولا تنكحوا المشركات "(1) النكاح لغة الوطي والعقد أيضا فقيل بالاشتراك اللفظى، وقيل حقيقة في الثاني ومجاز في الاول، وقيل بالعكس والاكثر على أنه بمعنى العقد، وقال في الكشاف إنه ما جاء في القرآن إلا بمعنى العقد، وأول ما يدل عليه، أي لا تتزوجوا وقرئ بضم التاء، أي لا تزوجوا يا معشر المسلمين المشركات أي الكافرات مطلقا كتابية وغيرها، فان الكتابي يقال له أيضا مشرك بدليل قوله تعالى " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح بن الله " إلى قوله " سبحانه عما يشركون "(2) كذا في الكشاف والقاضي وغيرهما، وفي

(1) البقرة: 221.

(2) براء‌ة: 31.


528

الدليل نظر تقدم وسيجيئ، ويمكن أن يستدل كما قيل بقوله تعالى:" ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "(1) فافهم.

وقال في الاول: هي منسوخة بقوله " والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب " وسورة المائدة ثابتة لم ينسخ منها شئ قط وهو إشارة إلى ما روي عنه صلى الله عليه واله أنها آخر ما نزلت فحللوا حلالها وحرموا حرامها، وفيه نظر فان التخصيص خير من النسخ على تقدير التنافي والامكان وهو ظاهر ولانها ليست بمرفوعة بالكلية حتى تكون منسوخة ولهذا قال القاضي: ولكنها خصت بقوله " والمحصنات الخ " وأما أصحابنا فبعضهم موافق للقاضي وبعضهم لا يجوز نكاح الكتابيات مطلقا، ويؤول آية المائدة كما في مجمع البيان، وأسند ذلك إلى الاصحاب، وقال هو مذهبنا وسيجئ في محله وبعضهم يخص جواز نكاح الكتابيات بالمنقطع دون الدوام، وسيجئ البحث عن ذلك في تفسير آية المائدة.

حتى يؤمن

أي يصدقن بالله ورسوله ويسلمن " ولامة مؤمنة " أي لامرأة مسلمة حرة كانت أو مملوكة " خير من مشركة " وكذا " ولعبد مؤمن خير من مشرك " فان الناس كلهم عبيد الله وإماؤه، كذا في تفسير الكشاف والقاضي، وهو خلاف الظاهر إذ الظاهر المعنى العرفي من الامة والعبد، وأيضا لا مبالغة فيه حينئذ والظاهر أنها المقصود والاولى " ولو أعجبتكم " وإن كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها لمالها أو لجمالها وخلقها وحسنها ونسبها، فلو بمعنى إن كما قاله القاضي والجملة حالية، والغرض الحث على المنع من المخالطة وإنكاح المشركات، وكذا الكلام في الجملة الثانية وهي قوله تعالى " ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم " ولهذا علله بقوله " اولئك " فانه بمنزلة التعليل بأن المشركين والمشركات " يدعون إلى النار " فلا ينبغي مخالطتهم، فلا يجوز مناكحتهم فانه قد يأخذ أحد من دين صاحبه، فانه دايما يدعوه إلى سبب دخول النار وهو الكفر والمعاصي، والشيطان يعينه على ذلك ويروجه، وأولياء الله وهم المؤمنون

(1) النساء: 51.


529

يدعونه إلى سبب دخول الجنة والمغفرة، وهو الايمان والطاعة، فهم الذين تجب مودتهم ومواصلتهم ومصاهرتهم، فالمضاف محذوف كما قالا فيهما.

والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة

يعني بين دعوتهم ودعوة الله منافاة فلا ينبغي أن يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا القتال والعداوة لا المحبة اللازمة بين الزوجين، فلا يحتاج إلى حذف كما فعله في مجمع البيان.

باذنه

أي بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة " ويبين الله آياته " أي حججه وقيل أوامره ونواهيه، وما أباحه وما حرمه " للناس لعلهم يتذكرون " لكي يتعلموا ويتذكروا ويتعظوا، وليكونوا بحيث يرجى منهم التذكير لما تقرر في العقول من الميل إلى الخير، ومخالفة الهوى، قاله القاضي وهو مناسب للحسن العقلي لا الشرعي.

ثم اعلم أن الكلام في استنباط الاحكام أن يقال: ظاهرها دال على تحريم التناكح بين المسلم والكافر الذي هو المشرك الحقيقي وشمول المشرك للكتابي الذي يقول بوحدانية الواجب غير ظاهر لغة وعرفا، لكون القول بأن لله ابنا لا يستلزم الشرك الحقيقي، وإطلاقه عليهم في الآية السابقة لا يستلزم كونه حقيقة فيهم أيضا حتى يرادوا منه مطلقا، وأيضا لا تشمل جميع غير المشرك الحقيقي من أصناف من يحكم بكفره، والاصل وعموم أدلة النكاح يدل على الجواز ولا يمنعه عدم جواز تزويج المسلمة بالكافر مطلقا إجماعا ولا يستلزم ذلك كونه مستفادا من هذه الآية وعلى تقدير التسليم لا يستلزم عموم المشركات، وآية المائدة ظاهرة في الجواز فانتظر زيادة التحقيق هناك.

وأن يقال: إنها تدل على عدم جواز نكاح المشركة لو صارت كتابية لقوله " حتى يؤمن " حيث جعل غاية التحريم الايمان، فلو كان تلك أيضا غاية فلا تصير الغاية غاية، ولا يبعد دلالتها على عدم تقدير الوثنية على دين الكتابية، وإلا لكان ينبغي جواز نكاحها على تقدير جواز نكاح الكتابية، وأنها تدل على جواز نكاح المخالفة من أنواع المسلمين لكون الايمان بمعنى الاسلام على ما يظهر من التفاسير


530

وهو الظاهر، ولعدم التكليف بأكثر من الاسلام في أوائل الاسلام، وكذا تزويج المؤمنة بالمخالف لما مر، ويدل عليه أيضا بعض الروايات ومنعه أكثر الاصحاب ويدل عليه بعض الروايات ويمكن الجمع بحمل أخبار المنع على تقدير المنافاة على الكراهة أو على الناصب الكافر، وأنها تدل على جواز تزويج الامة مطلقا كما تدل على عدم جواز وطي الكافر بالملك أيضا إذا حمل النكاح على الوطي ولكن ذلك بعيد، وخلاف الظاهر، فالاقتصار عليه بعيد، وإن أمكن وحصل منع وطي الكافرة مطلقا لكن ما يحصل منع العقد وإطلاقه عليه وعلى العقد أيضا بعيد مع عدم ظهور معنى مشترك بينهما يصلح للارادة هنا، وأنها تدل على تحريم التزويج لنفس الزوج والزوجة ولوليهما.

الثالث : في لوازم النكاح

وفيه آيات

الاولى: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج "(1) أي إن أردتم مفارقة زوجة وتزويج اخرى " وآتيتم إحداهن " التي تريدون مفارقتها، الضمير للزوج، وهو الزوجة أي الجنس فيصح إرجاع ضمير الجمع إلى الجنس باعتبار المعنى " قنطارا " مالا كثيرا قيل: إنه مسك ثور ذهبا أو دية إنسان " فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا " استفهام إنكار أي لا تأخذوه باهتين وآثمين أو للبهت والاثم فان أخذه ظلم وباطل، وإثم واضح، والبهتان هو الكذب المواجه به صاحبه على وجه المكابرة له، وأصله التحير من قوله " فبهت الذي كفر " أي تحير لانقطاع حجته فالبهتان كذب يحير صاحبه لعظمه " وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض " إنكار وتعجب وتعظيم لما فعلوا، والافضاء الوصول إلى شئ بالملامسة، قيل هنا كناية عن الوطئ وقيل المراد به الخلوة الصحيحة، وقال في مجمع البيان: كلاهما

(1) النساء: 20.


531

مرويان عندنا، والمراد تقدير المهر ولزومه بحيث لا يرجع إليه شئ، وذلك لم يكن إلا بعد الوطي على المشهور " وأخذن منكم ميثاقا غليظا " أي أخذت الزوجات منكم عهدا وثيقا بالعقد وأحكم لوازمها بالوصية مرارا، مثل قوله " فأمسكوهن بمعروف " و " إمساك بمعروف أو تسريح باحسان "(1) وعدم التجاوز عن مطلق حدود الله وارتكاب المأمورات واجتناب المعاصي.

فالآية دلت على لزوم المهر بالوطئ دون غيره بمعنى أنه لا يرجع إلى الزوج منه شئ أصلا بالطلاق والفسخ، وعلى الرواية الاخرى الخلوة مثل الوطئ، و الاول أشهر، فلا ينافي ما تقدم من أن المهر لازم بمجرد العقد، وفيها دلالة ما على رجوع الشئ إلى الزوج بالطلاق قبل الوطي والافضاء، ويحتمل دلالتها على عدم جواز الرجوع في الهبة وغيرها للزوج لعموم الآية وتدل على جواز الغلافي المهر مهما وقع عليه التراضي كما دل عليه السنة، وكأنه على غير المهر حملها السيد حيث ذهب إلى عدم جواز الزيادة عن مهر السنة، وهو بعيد عنه، لانه خلاف ظاهر الاية، والسنة الشريفة، والعقل، أو أنه يقول لا يجوز ولكن يلزم بالعقد والوطئ وهو أيضا بعيد، ويمكن حمل كلامه على الاستحباب.

فمنع عمر من غلاه وجعل الزائد في بيت المال لا وجه له، وإن كان للاول وجه كما قلنا للسيد، ولكن لا وجه للثاني وكأنه لذلك جعل من مطاعنه، أو لكونه خليفة وإماما ففرق بينه وبين السيد ولقبوله اعتراض المرأة ولقوله كل الناس أفقه من عمر قال في الكشاف: وعن عمر أنه قام خطيبا فقال أيها الناس لا تغالوا بصدق النساء إذ لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه واله فانه ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشر أوقية فقامت إليه امرأة فقالت له لم تمنعنا حقا جعله الله لنا، والله يقول " وآتيتم إحداهن قنطارا " الآية فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر، ثم قال لاصحابه تسمعونني أقول مثل هذا فلا تنكرونه علي حتى ترد

(2) البقرة: 231 و 229.


532

على امرأة ليست من أعلم النساء(1).

ثم إنه لا شك في عدم جواز أخذ ما أعطى من المهر بعد الدخول بوجه، سواء أراد الزوج الاستبدال أم لا، فذكر الاستبدال يحتمل لكون العمل ذلك وقت نزولها ولكونه محل الاخذ حيث آتاها مهرا وقد طلقها، وأراد بدلها اخرى، وهي تحتاج إلى مهر، والمهر إنما يكون لدوام الاستمتاع، وما استمتع إلا في بعض الزمان، ولكونه يلزم منه عدم الجواز مع عدم الاخراج والاستبدال بالطريق الاولى وبالجملة هنا لا يتوهم اعتبار المفهوم لعدم شرط حجيته والعمل به، وهو ظاهر فتأمل.

الثانية: لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن او تفرضوا لهن فريضة(2).

أي لا تعبة عليكم في مهر وما وجب عليكم - بقرينة وجوبه فيما يقابله وهو قوله " وإن طلقتموهن " حيث أوجب نصف المهر فدل على أن المنفي أولا هو المثبت ثانيا - إن طلقتم النساء قبل المس والوطي وقبل فرض المهر فيكون " أو " بمعنى الواو، وقد يدل عليه " وقد فرضتم " أو يكون " أو " بمعنى " إلا أن " أو " حتى " كذا في التفسيرين، وفيه تأمل إذ على الاول المناسب فرضتم وعلى الثاني يلزم تجويز الفرض ولزوم شئ به بعد الطلاق قبل المس وهو باطل، ويحتمل أن يكون المراد نفي الاثم كما في قوله تعالى " فلا جناح عليه أن يطوف بهما " مع تأويلات، أو تفرضوا وبدونها ويحتمل حينئذ أن يكون عديل " أو " محذوفا، فالتقدير إن لم تفرضوا لهن فريضة أو تفرضوا وهو أيضا خلاف الظاهر مع عدم ظهور فائدة التقييد بقبل المس فانه بعده أيضا لا إثم إلا أن يقال إنه لا إثم حينئذ مطلقا بخلاف ما بعد المس أو يقال إنه لدفع تخيل أنه لما لم يحصل فائدة النكاح لم يجز الطلاق

(1) راجع الدر المنثور ج 2 ص 133.

(2) البقرة: 236.


533

ويمكن الحمل على الاعم وارتكاب خلاف الظاهر في القرآن لدليل غير عزيز.

والمراد بالفرض تعيين المهر قبل الدخول والطلاق " ومتعوهن " كأنه عطف على محذوف أي فطلقوهن ومتعوهن " على الموسع قدره " بفتح الدال وسكونها المقدار الذي يليق بحاله والموسع الغني الذي وسعت معيشته عليه وحاله " وعلى المقتر قدره " أي الفقير الذي تضيق معيشته أي الواجب عليهما ما يناسب حالهما " متاعا بالمعروف " يعني تمتيعا بالوجه المعروف شرعا وعرفا بحسب المروة " حقا " يعني تمتيعا حقا واجبا ثابتا أو حق ذلك حقا " على المحسنين " أي الذين يريدون أن يحسنوا إلى أنفسهم باخراجها عن المعاصي بفعل الواجبات، وترك المحرمات أو إلى المطلقات باعطائهن حقوقهن، سمى الازواج المطلقون محسنين ترغيبا وتحريضا على المأمور به والمسارعة إليه فجزاء الشرط محذوف من جنس ما سبق وهو رفع الجناح، و " ما " بمعنى المدة أي زمان ترك المس و " متاعا " مفعول مطلق و " حقا " صفة أو مفعول مطلق.

وأما قدر المتاع فظاهر الآية ما يقتضيه العرف ويسمى تمتيعا بحسب حال الغني وغيره، وقد عين بخادم أو ثوب أو ورق في مجمع البيان، وقال: إنه مروي عن الباقر والصادق عليهما السلام وغيرهما، وهو مذهب الشافعية أيضا وظاهر مذهب الاصحاب خلافه، فانهم قالوا إن الغني يمتع بالدابة أو الثوب المرتفع أو عشرة دنانير والمتوسط بخمسة أو الثوب المتوسط والفقير بالدينار أو الخاتم وما شاكله وما رواه الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه إذا كان موسعا عليه متع امرأته بالعبد والامة، والمعسر يمتع بالحنطة والزبيب(1) والثوب والدراهم، لا ينافي انقسامه إلى ثلاثة أقسام، ولا ما ذكر في كل قسم منها، لان مرجعها إليهما والعرف اقتضى تعيين كل مرتبة، وقريب من الدابة التي هي الفرس العبد والامة وقريب منها البغل والبعير المقارب لها في القيمة لان المحكم في ذلك العرف لا التحديد فتأمل وعلى مذهب أبي حنيفة درع وخمار وملحفة على حسب الحال، إلا أن يكون مهر

(1) والزيت خ.


534

مثلها أقل من ذلك فلها حينئذ الاقل من يصف مهر المثل والمتعه، ولا ينقص من خمسة دراهم لان أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها، وذلك خلاف ظاهر الآية، وكذا تعيين أقل المهر خلاف الظاهر(1).

فدلت الآية على جواز الطلاق، وعدم وجوب المهر للمرء‌ة المطلقة قبل الدخول وقبل تسمية المهر لها، ووجوب المتعة لها بالمنطوق وعلى عدمها لغيرها بالمفهوم، و هو مذهب الاصحاب والحنيفة وألحق الشافعي بها في أحد قوليه الممسوسة المفوضة و غيرها قياسا، لانه مقدم على المفهوم كذا في تفسير القاضي وهو خلاف الظاهر والاصل وإيجاب الشئ بمثل هذا القياس الذي لا علم بعلته مع مخالفته ظاهر القرآن اليقيني بعيد، إذ قد يكون العلة الطلاق مع عدم الفرض وعدم المس كما هو الظاهر، و أيضا يلزم اللغو وهو دليل القائل بالمفهوم وأن إلحاق المسوسه لغير المفوضة أبعد ولعله لذلك ما قال به في قوله الآخر، وبالجملة من سوقهما يفهم تخصيص المتعة بالمذكور في الآية كما هو مذهب الاصحاب فافهم.

الثالثه: وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضه(1).

بين في السابقة حال المطلقه المفوضه قبل المس والفرض، وبين في هذه حالها بعد الفرض وقبل المس وترك المطلقة بعدهما، فان حكمها لزوم المسمى وكذا المطلقة بعد المس وقبل الفرض فحكمه عند الاصحاب مهر المثل " وقد فرضتم " جملة حالية عن فاعل فعل الشرط أي طلقتموهن " فنصف ما فرضتم " جوابه مرفوع إما بأنه مبتدأ خبره محذوف أو عكسه والتقدير: فالواجب أو فالذي عليكم نصف ما فرضتم، أو فلهن نصف، أو عليكم نصف، أو نصف ما فرضتم واجب عليكم " إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " فالاستثناء كأنه من مقدر أي الواجب نصف على جميع التقادير والحالات، إلا على تقدير حصول العفو من

(1) خلاف الاصل خ.


535

المطلقات عن الكل أو عن شئ من المهر، فليس هنا حينئذ في هذه الحال النصف واجب، بل إما لا واجب أصلا أو الواجب أقل من النصف " ويعفو " عطف على محل " يعفون " فإنه مبني على النصب بأن " والذي بيده عقدة النكاح " قيل هو ولي المطلقة المذكورة ففي الاول العفو منهن بشرط البلوغ والرشد وفي الثاني من أوليائهن على تقدير عدمهما وللولي أيضا العفو وهو مذهب الشافعي والاصحاب، ولكن يكون منوطا بالمصلحة، وبشرط عدم العفو عن الجميع، فانهم ما يجوزون للولي العفو عن الكل، ويبعد ذلك عن الآية، وأيضا يبعد وجود المصلحه للعفو بعد حصول الطلاق إلا أن يكون دفع ضرر، وحينئذ ليس بعفو ولعل دليلهم أخبار أو إجماع، قال في مجمع البيان: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام ويحتمل أن يكون " الذي " عبارة عن الزوج، يعني المأخوذ هو النصف " إلا أن يعفون " فيقل أو يعدم أو يعفو الزوج عن الباقي فيصير أكثر من النصف، إما الكل أو لا، وهو مذهب أبي حنيفة وقال في مجمع البيان: رواه بعض أصحابنا وهو بعيد أيضا إذ مقابلة الذي بيده عقدة النكاح للمرأة لا يناسب فان العفو حينئذ ليس بمناسب فكانه سمي للمشاكلة إلا أن أداه إلى الزوجة، فيعفوا عن النصف ولم يأخذه، فيصح كونه عفوا حقيقية وأيضا إنه كان المعنى " الواجب نصف" ومع استثناء العفو منه لا يصير الواجب غيره، والاول أظهر بحسب اللفظ والثاني بحسب المعنى، ولا استبعاد في جواز العفو للولي بالنص، ولكن لا بد لعدم تجويز الكل من دليل، ولعل لهم دليلا عليه، وعلى الحمل على المعنى الاول أيضا، وهو الروايات كما اشير إليه أو الاجماع.

وأن تعفوا أقرب للتقوى

كأنه خطاب للزوج والمرأة، وغلب المذكر أو يكون للزوج، والجمعية باعتبار الافراد، وهو مؤيد لكونه العافي من جهة إسناد العفو إليه، وكون العفو من الولي أقرب غير معلوم، ولكن المناسب لحصر العافي فيها وفي الولي كون الخطاب لهما، وقد يقال مع المصلحة يكون أقرب من الولي أيضا، ويحتمل أن يكون المخاطب الناس والغرض أن العفو أقرب من أي


536

أحد كان، ولا يكون الغرض كونه من شخص بل مجرد حسن العفو.

ولا تنسوا الفضل بينكم

أي لا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض، وقد نقل أن جبير ابن مطعم تزوج وطلق قبل المس وأعطي جميع المهر، فقيل له في ذلك فقال: أنا أحق بالعفو وعدم النسيان الفضل " إن الله بما تعملون بصير " أي عليم بأعمالكم من العفو فيعوضكم عليه، وهو ترغيب عليه، ويحتمل الترهيب أيضا لزيادة طلب الحق ظلما ويحتمل أن يكون الخطاب هنا أيضا عاما.

فدلت على وجوب نصف المهر المسمى بعد الطلاق قبل المس وبعد الفرض وظاهرها التشطير بالطلاق، لا أنه يجب النصف حينئذ لقوله " فنصف ما فرضتم " فعلم أن الجميع فرض ووجب بالعقد، وشطر بالطلاق، وعلى استحباب العفو مطلق من غير شرط الاستغناء، وعلى استحباب التفضل والاحسان، وعلى استحباب العفو للولي، وعلى استقلال المرأة في العفو، فيلزم في العقد أيضا، بل على استقلال الولي حيث أسند العقد إليه إلا أنه مجمل غير مبين من " الذي بيده عقدة النكاح ".

الرابعة: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض(1): يقومون بامورهن ويسلطون عليهن كقيام الولاة على رعيتهم بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن بكمال العقل وغيره وبسبب ما ينفقون عليهن من أموالهم " واللاتي تخافون نشوزهن " أي الزوجات التي تخافون أيها الازواج عصيانهن وترفعهن عنكم وعن مطاوعتكم فيما يجب عليهن بظهور أمارات العصيان والنشوز والاولى حمل الخوف على العلم كما نقل في مجمع البيان عن الفراء، قال: معناه تعلمون نشوزهن قال: وقد يكون الخوف بمعنى العلم كما قالوا في قوله تعالى:" ﴿ فمن خاف من موص جنفا " الآية لان خوف النشوز لا يوجب الهجر والضرب " فعظوهن و اهجروهن في المضاجع واضربوهن " أي فعظوهن بالقول والنصيحة فان لم ينفع الوعظ

(1) النساء: 34.


537

والنصيحة ولم يتركن النشوز به، فاهجروهن في المراقد والمبايت، فلا تدخلوهن تحت اللحف بأن تعزلوا فراشها أو حولوا إليهن ظهوركم في الفراش كما يدل عليه ما روي عن أبي جعفر عليه السلام يحول ظهره إليها، أو لا تجامعوهن فكنى بالمضاجعة عن الجماع كما في المباشره أي لا تجامعوهن حتى يتركن النشوز، وإن لم يتركن فاضربوهن قيل: فعظوهن بكتاب الله أولا وذلك أن يقول الزوج اتقي الله وارجعي إلى طاعتي فان رجعت وإلا غلظ عليها القول، فان رجعت وإلا ضربها ضربا غير مبرح، قيل: معناه أن لا يقطع لحما ولا يكسر عظما، وقيل أن يكون شديدا وروي عن أبي جعفر عليه السلام الضرب بالسواك.

فان أطعنكم

أي رجعن إلى طاعتكم بالايتمار بأمركم " فلا تبغوا عليهن سبيلا " أي لا تطلبوا عليهن تسلطا وعلوا بالباطل، وسبيلا للضرب والهجران والوعظ، مما ابيح لكم فعله عند النشوز، بل ينبغي أن تجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فان التائب عن الذنب كمن لا ذنب له على ما روي ودل عليه القرآن العزيز فينبغي الاخذ به، فينبغي الكون معهن مثل ما كانوا معهن قبل النشوز، بل ينبغي ذلك مع كل تارك ذنب، فالآيه تدل على عدم جواز الهجران والضرب بالمفهوم بدون النشوز والجواز معه بالمنطوق، فالامر هنا للاباحة لا الوجوب والاستحباب بل يمكن أن يكون مرجوحا فان العفو حسن إلا أن يعلم الفساد في الترك فيمكن الاستحباب بل قد يجب فيجري فيه الاحكام الخمسة.

الخامسة: " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء "(1) أي لا تقدروا على العدل والتسوية بينهن بحيث لا يقع منكم أصلا ميل قلبي إلى إحداهن أكثر من غيرها ويكون الميل والمعاشرة متساوية بينهن من غير زيادة لاحداهن على الاخرى ولهذا نقل عنه صلى الله عله واله أنه كان يقسم بين النساء فيعدل ويقول: هذه قسمتي فيما أملك، فلا تأخذني فيما تملك ولا أملك.

ولو حرصتم

على ذلك وبذلتم جهدكم الذي هو مقتضى الحرص والميل فرفع الله ذلك عنكم ولم يكلفكم به لقبحه، ولكم

(1) المساء: 129.


538

ينبغي الملاحظة بحسب المقدور والتساوي مهما أمكن " فلا تميلوا كل الميل " أي لا تجوروا على المرغوب عنها التي لا ميل لكم إليها كل الجور، فتمنعوها عن قسمتها من غير رضاها، يعني لا بد من اجتناب كل الميل فانه مقدور والتكليف به واقع، فلا تفرطوا فيه، وإن وقع منكم تفريط في العدل كله حيث ما كان مقدورا فلا يقع في الميل كله.

ولعل فيه توبيخا على وقوع التفريط في العدل مع إمكان عدمه، وإن لم يكن واجبا، ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه واله من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقية مائل " فتذروها كالمعلقة " وهي التي لم تكن بذات بعل ولا بغير بعل ولا يميل إليها، ولا يعاشرها معاشرة الازواج، ولا يطلقها بل يجعلها كالمعلقة بين الامرين: لا إلى هذه ولا إلى ذلك، وبالجملة يجب " إمساك بمعروف أو تسريح باحسان " ففيها دلالة على النهي من جعلها كالمعلقة، وتعطيلها، ووجوب الامساك بالمعروف أو الطلاق، وتحريم الميل [ إلى إحداهن ] كل الميل وعدم التكليف بالتسوية واستحباب المساواة في الامور كلها مهما أمكن.

السادسة: " وإن امرأة خافت "(1) أي علمت وقيل ظنت " من بعلها نشوزا " أي استعلاء وارتفاعا عنها إلى غيرها إما لبغضه لها أو لكراهته منها شيئا كعلو سنها وغيره " أو إعراضا " يعني انصرافا بوجه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه " فلا جناح عليهما " أي لا حرج ولا إثم على كل من الزوج والزوجة " أن يصلحا بينهما صلحا " بأن تترك المرأة له يومها أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة أو كسوة أو غير ذلك تستعطفه بذلك فتستديم المقام في حباله كذا فسر، وفيه تأمل لانه يلزم إباحة أخذ شئ للاتيان بما يجب عليه وبترك ما يحرم عليه، وقد مر في الصلح فتذكر وتأمل.

(1) النساء: 128.


539

السابعة: اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن(1).

إشارة إلى بيان سكنى الزوجة التي تستحق ذلك يعني يجب إسكان الزوجة حال الزوجية أو بعد الطلاق الرجعي في العدة ودل إجماع علماء أهل البيت وأخبارهم مع الاصل على تخصيص السكنى والنفقة بهما إلا الحامل وسيجئ.

أسكنوهن من الامكنة التي تسكنونها مما تطيقونه وتقدرون على تحصيله بسهولة لا بمشقة وهو معنى قوله " من وجدكم " أي وسعكم، قيل: هو عطف بيان لقوله: " من حيث سكنتم " فان معناهما واحد، وهو المكان الذي يليق لهم السكنى ولا تسكنوهن فيما لا يسعهن ولا مع غيرهن مما لا يليق بهن فيتعبن، وقد يلجأن إلى الخروج مع تحريمه عليهن أو طلب الطلاق بالفداء.

وإن كن اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن.

إشارة إلى وجوب النفقة المقررة للزوجة الحامل بعد الطلاق البائن أيضا إذ الزوجة والرجعية يجب نفقتهما حاملا كانتا أم لا، وللمسألة فروع كثيرة مثل كونها للحمل أو الحامل مع ظهور الفائدة مذكورة في محلها، ولي فيها بحث، و ينبغي السكوت عما سكت الله منه، وقطع النظر عن كونها للحمل أو الحامل والاقتصار على ظاهر القرآن وهو وجوب النفقة للحامل المطلقة، ويمكن فهم عدم وجوب الانفاق على غير الحامل بالمفهوم، فالقول بوجوبها للمطلقة حاملا كانت أم لا، كما ذكره في الكشاف غير جيد، ويؤيده الاصل والاخبار والاجماع.

والظاهر أن الآية إن كانت عامة في الرجعية والباينة تخصص الاولى بالادلة الدالة على أن حكمها حكم الزوجة، وبالآية السابقة الدالة على إيجاب سكناها والنفقة تابعة وبالطريق الاولى لانها أكثر احتياجا إليها، ولهذا لا سكنى للحامل المتوفى عنها زوجها، وإن قلنا بالنفقة لعدم النص، وصحة القياس وفي

(1) الطلاق: 6.


540

ثبوتها لها تأمل، والظاهر العدم لاصل مع عدم الدليل.

فان أرضعن لكم فآتوهن اجورهن

إشارة إلى عدم وجوب الارضاع على الام كما هو مذهب الاصحاب والشافعي ومنع الحنفي عن الاجارة حال الزوجية نقله في الكشاف بل يجب الاجرة لها على الاب، وظاهرها كونها بعد انقطاع عقدة النكاح بالطلاق ويحتمل العموم أيضا ولعل وجوب الاجرة على الاب من جهة وجوب نفقة الولد عليه وحينئذ يكون مشروطا بفقر الولد وغنى الاب، فان كان للولد مال يعطى للام الاجرة منه، ويؤيده أن الآية ليست بصريحة في كون الاجرة من مال الاب، فانه لو كان من الولد أيضا يجب الاعطاء على الاب، وإن لم يكن له مال مع فقر الاب يمكن الايجاب على الام بلا اجرة مطلقا لانه يجب نفقته عليها مع قدرتها، ويحتمل اشتراط غناها عن اجرة الارضاع فانها بمنزلة مالها فتقدم نفسها على من يجب نفقته عليها فيكون من بيت المال كما إذا لم يمكن إرضاع الام.

وائتمروا

اصنعوا واعملوا " بينكم " في الارضاع والانفاق والاسكان وإعطاء الاجرة وغيرها " بمعروف " الامر الشرعي واقبلوه فتكونون مؤتمرين حاملين للامر بوجه حسن جميل من غير تعاسر وتضايق، وفي القاضي: وليأمر بعضكم بعضا بجميل في الارضاع والاجر، وفيه تأمل وفي الكشاف الايتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور، يقال ائتمر القوم وتوامروا إذا أمر بعضهم بعضا إن صح فهو نادر و " إن تعاسرتم " أي تضايقتم وما رضي بعضكم بما قاله الآخر " فسترضع له " امرأة " اخرى " غير الام وكأن فيه إشارة ما إلى معاتبة الام على المعاسرة فان المساهلة من جانبها أنسب لانها أشفق ولانه ولدها، فلو نقص من اجرتها المتعارفه لا يضيع ولانه ما ينقص عنها بالحقيقة شئ بخلاف الاب، فانه يخرج الاجرة من ماله، وإن كان من مال الولد فعدم المعاسرة أولى، ويمكن فهم عدم جواز الارضاع لغيرها مع عدم معاسرتها ورضاها كما قاله الفقهاء كعدم وجوبه عليها وجواز إرضاع غيرها على تقدير المعاسرة، ويدل عليها الاخبار، ولعله لا خلاف فيها.


541

لينفق

إشارة إلى كيفية الانفاق على الزوجة بل مطلقا بأن ينفق " ذو سعة " على ما يليق بحال مثله " من سعته " في المعيشة مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ولا يخرج عن ذلك إلى الطرفين إسرافا وتقتيرا اللذين هما منهيان، والفقير كذلك وإليه أشار بقوله " ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " فلا يتكلف تكلف الاغنياء بل يعطي وينفق مما قدر الله له، ولا تكلف بالزائد، ولا ينقص عن اللائق بحاله، فانه منهي عنه، وبالجملة يعمل ما يتعارف في أمثاله مع القدرة فان الله تعالى لم يكلفه بأزيد من ذلك لانه ما أعطاه فكيف يكلفه به، وإليه أشار بقوله " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " إشاره مدللة حسنة فأفهم، فهو يدل على القبح العقلي وأن التكليف بما لا يطاق بل بما يشق لا يقع من الله، بل محال، وفيه وفيما بعده " سيجعل الله بعد عسر يسرا " تطييب لقلب الفقراء، بل من يجب نفقتهم عليهم ووعدهم بحصول العوض وتبديل العسر باليسر، إما في الدنيا أو في الآخرة على سبيل منع الخلو كذا في الكشاف.

وفي القاضي: تطييب لقلب المعسر والاول أولى.

الرابع : في أشياء من توابع النكاح

وفيه آيات

الاولى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم(1).

الخطاب له صلى الله عليه واله والمقول لهم هم المسلمون ولعل اللام مقدر، والتقدير ليغضوا فتأمل، ويبعد أن يكون بتقدير غضوا يغضوا إذ المناسب الفاء مع أن حذف المقصود وذكر غير المقصود غير موجه، وأيضا الخبر غير مناسب إذ مضمونه قد لا يقع وفي الكشاف من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل وجوز الاخفش أن تكون مزيدة وأبا سيبويه وأنت تعلم أن التبعيض هنا يفيد

(1) النور: 31.


542

تحريم غض بعض البصر دون البعض، لا بعض المبصر، وهو المطلوب والمعقول كما يفهم من قوله " والمراد الخ " فتأمل فالزيادة أولى بحسب المعنى.

وقال أيضا: في ترك " من " في الفروج فقط دلالة على أن أمر النظر أوسع من أمر الفرج ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وأسوقهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات للبيع والاجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق وكفاك فرقا أن [ كان ] ابيح النظر إلا ما استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه وقد عرفت ما فيه مما تقدم من أن هذا ليس مفاد التبعيض هنا وأيضا ليس في منطوق القرآن إباحة الاول وتحريم الثاني إلا ما استثني فافهم، ثم قال: ويجوز أن يراد مع حفظها عن الافظاء إلى ما لا يحل حفظها عن الابداء وفهم هذا المعنى لا يخلو عن بعد، نعم يمكن بعد العلم بالمسألة من غير هذه، ثم قال: وعن أبي زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا هذا فانه أراد به الاستنار قال في مجمع البيان: وهو المروي عن أبي عبدالله عليه السلام قال فلا يحل للرجل أن ينظر إلى فرج أخيه ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى فرج اختها، وقال أيضا معناه قل يا محمد للمؤمنين يغضوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه.

ويحفظوا فروجهم عمن لا يحل لهم وعن الفواحش، وقيل إن " من " زائدة وتقديره يغضوا أبصارهم عن عورات النساء، وقيل إنها للتبعيض لان غض البصر إنما يجب في بعض المواضع عن أبي مسلم، والمعنى يغضوا من نظرهم، فلا يبصروا ولا ينظروا إلى ما حرم، و قيل إنها لابتداء الغاية وفي التبعيض ما تقدم فأمل.

وأيضا لا يخفى أن في الآية إجمالا فانه ما نعلم ما لا يحل وما لا يحل، فلم نعلم حينئذ غض البصر في أي موضع يحرم وفي أي موضع يحل وينبغي أن يقال المفهوم تحريم النظر وعدم حفظ الفرج مطلقا، وقد علم الجواز في المحارم والحلائل بالآية والاجماع وغيرهما، وبقي الباقي تحته " ويحفظوا فروجهم " عطف على يغضوا " ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون " أي أنفع لدينهم ودنياهم وأطهر وأنقى من التهمة


543

وأقرب إلى التقوى عليم بما يعملونه على أي وجه يعملونه.

واعلم أن في الامر للمؤمنين بحفظ الفروج فقط مع أمر المؤمنات في الآية الثانية به، وبعدم إبداء الزينة مع الاصل وحصر المحرمات دلالة ظاهرة على عدم وجوب الستر من المحرمات على الرجال، سوى فروجهم، فبدنهم ليس بعورة وإن كان رؤيته عليهن حراما، فلا يجب عليهم الستر من باب المعاونة على الاثم والعدوان وإن علموا بذلك لما تقدم، ويمكن تحريم ذلك لو قصدوا ذلك فتأمل ودلالة أيضا على أن عورتهم ليس إلا الفرج، والفرج يطلق على المخرجين.

الثانية: وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن(1).

هذا ظاهر في نهي النساء عن النظر إلى الاجانب أصلا ورأسا، ويؤيده خبر ابن ام مكتوم المشهور(2) " ولا يبدين زينتهن " أي مواضعها " إلا ما ظهر منها " فبعد الاستثناء يبقى ما بطن وسيجئ الاستثناء منه أيضا بقوله " إلا لبعولتهن " الآية في الكشاف الزينة ما تزينت به المرأة من حلى أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرا

(1) النور: 32.

(2) روي عن أم سلمة أنها قالت: كنت أنا وميمونة عند رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل علينا ابن أم مكتوم بعد آية الحجاب، فقال النبي صلى الله عليه وآله لنا: احتجبا ! فقلنا: يا رسول الله إنه أعمى، فقال: أفعميا وان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ أخرجه أبوداود والترمذى وصححه والنسائى والبيهقى في سننه عن أم سلمة كما في الدر المنثور ج 5 ص 42.

اقول: قد اشتبه المراد من آية الحجاب على بعض كالمؤلف رضوان الله عليه، فتوهم أن المراد بآية الحجاب في هذا الحديث آية النور المبحوث منها وليس كذلك، بل المراد آيه الاحزاب: 54 " وإذا سألتموهن فاسألوهن من وراء حجاب.

ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن " ففرض أن لا يتكلموا إلا وبينهم وبينهن حجاب من ستر، وهذا الحكم من مختصات أمهات المؤمنين.

وقوله صلى الله عليه وآله " احتجبا " يعني ادخلا وراء الستر، فقالا إنه أعمى يعنون أن عماه كالغشاء والستر بينه وبينهن، فقال صلى الله عليه وآله، هذا ستر يستركن عن عينه ولا يستره عن عيونكن، وقد كان الواجب حجاب يستر على الجانبين.


544

منها كالخاتم والفتخة وهي حلقة من فضة لا فص لها، والكحل والخضاب فلا بأس بابدائه للاجانب، ثم قال: إن المراد من الزينة موقعها والصحيح أنه العضو كله لا المقدار الذي يلامسه الزينة منه كما فسرت مواقع الزينة الخفية وكذلك مواقع الزينة الظاهرة الوجه موقع الكحل في عينيه والخضاب بالوسمة في حاجبيه وشاربيه والغمرة في خديه، والكف والقدم موقعا الخاتم والفتخة والخضاب بالحنا وإنما تسومح في هذه المواقع، لان سترها فيه حرج، فان المرأة لا تجد بدا من مزاولة الاشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات، وظهور قدميها وخصوصا الفقيرات منهن وهذا معنى قوله " إلا ما ظهر منها " يعني إلا ما جرت العادة على ظهوره، والاصل فيه الظهور.

ولا شك في بعد كون الوجه موقع الكحل والوسمة وكونها في شاربيه، مع أن المناسب تأنيث الضمير في الكل كحذف المرأة، وأيضا لا شك أن مع الضرورة والحاجة يجوز إبداء موقع الزينة الظاهرة والباطنة كالعلاج للطبيب وللشهادة والمحاكمة، وأيضا إن نظر إلى العادة والظاهر خصوصا الفقيرات فالعادة ظهور الرقبة بل الصدر والعضدين والساقين وغير ذلك، وبالجملة الحكم محل الاشكال وقد أوضحته في الجملة في محله من الفروع في شرح الارشاد فتأمل.

وليضربن بخمرهن على جيوبهن.

أي يضعن خمارهن على صدورهن ليسترنه وما فوقه من الرقبة، ففيها دلالة على عدم وجوب ستر الوجه فافهم، وكانت جيوبهن واسعة يبدوا منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فامرن أن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها ويجوز أن يراد بالجيوب الصدور تسمية بما يليها ويلابسها، ومنه قولهم ناصح الجيب، وقولك ضربت بخمارها على جيبها كقولك ضربت بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه.


545

ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أزواجهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ابنائهن أو ابناء بعولتهن او اخوانهن او بنى اخوانهن أو بنى اخواتهن.

والمراد بالآباء الاب وإن علا، وبالابناء الابن وإن سفل، والاخ أعم من أن يكون من الطرفين أو أحدهما وبني الاخوة والاخوات وإن سفلوا، فهؤلاء مستثنون، والظاهر من النسب والرضاع للصدق، فيحرم نكاح بعضهم على بعض فهؤلاء محارم.

والمراد بالزينه المحرم إبداؤها هو موضع الزينة لا نفسها إذ نفسها يجوز النظر إليها لكل أحد وليس بحرام فلا يصح الحكم المستثنى منه إلا أن يكون هناك ريبة أو شهوة أو فتنة، فالظاهر جواز نظرهم إلى سائر البدن إلا العورة لغير البعولة للاصل ولما تقدم، ولظاهر هذه الآية، حيث إن الظاهر أن المراد موقع الزينة الخفية، ويحتمل اختصاص محلها فقط، فلا يتعدى إلى غيرها، خصوصا المواضع الخفية في أكثر الحالات والقريبة من العورة فتأمل.

وقال في الكشاف: إن المراد جميع العضو كما تقدم في الزينة الظاهرة فهذا يدل على أن المراد بإلا ما ظهر هو الموضع، كما مر إليه الاشارة فتأمل، والزينة الخفية مثل السوار للزند، والخلخال للساق، والدملج للعضد، والقلادة للعنق والوشاح للرأس، والقرط للاذن، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة كما في " ولا تقربوا الزنا " لان هذه الزينة واقعة على مواضع يحرم النظر إليها لغير المذكورين، قال في الكشاف إنما سومح في الزينة الخفية اولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطره إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة موقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، ويحتاج المرأة إلى صحبتهم في الاسفار للنزول والركوب وغير ذلك.

أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن

في الكشاف قيل: هن المؤمنات لان ليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية عن ابن عباس، فيكون ذكر استثناء


546

الكشف للمسلمات وعدمه للكافرات، فانه إذا كانت النساء كلها داخلة تحت حكم الستر واستثني منها المسلمات(1) بقيت الكافرات وهو ظاهر، ثم قال والظاهر أنه عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن: من في صحبتهن وخدمتهن من الحرائر والاماء والنساء كلهن سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض، وقيل " أو ما ملكت أيمانهن " هم الذكور والاناث جميعا، وعن عائشة أنها أباحت النظر إليها لعبدها.

ثم قال: المراد بها الاماء وهذا هو الصحيح، لان عبد المرأة بمنزلة الاجنبي منها خصيا كان أو فحلا، هذا هو المشهور والصحيح عندنا أيضا، ولكن في بعض الاخبار ما يدل على خلاف ذلك فينبغي الرجوع والتأمل فيها.

او التابعين غير اولى الاربة من الرجال او الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ايه المؤمنون لعلكم تفلحون(2).

في الكشاف: الاربة الحاجة، قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم إلى النساء لانهم بله لا يعرفون شيئا من أمرهن أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم أو بهم عنانة، وقرئ " غير " بالنصب على الاستثناء أو الحال، والجر على الوصفية، وضع الواحد موضع الجمع لانه يفيد الجنس ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع ونحوه " نخرجكم طفلا ".

ولم يظهروا

إما من ظهر على الشئ إذا اطلع عليه أي لا يعرفون ما العورة ولا يميزونبينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان إذا قوي عليه، وظهر على القرآن أخذه وأطاقه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطئ.

ولا يخفى أن الشيوخ الصلحاء الذين يغضون أبصارهم إذا كانوا معهن لا يحتاجون إلى الاستثناء بل لا يصح فان الظاهر من الاستثناء جواز الكشف لهم، و جواز النظر لهم، فافهم، وأن وجود العنة لا يوجب النظر إلى مواضع الزينة

(1) المؤمنات خ.

(2) النور: 32.


547

الباطنة وأن في استثناء " غير " تأملا فالظاهر الجر أو الحال، وأنه ينبغي أن يقول يراد منه الجمع ويبينه ما بعده أي " الذين " والطفل عطف على بعولتهن، ويحتمل أن يكون عطفا على الرجال و " الذين " يكون صفتهما.

فالظاهر منها تحريم نظر الخنثى إلى الزينة الباطنة، وتحريم كشف ذلك عليهن، وقد مر الخلاف والقول في الظاهرة والباطنة، ولا يبعد حملها على العرف ولا يبعد حمل الظاهر على ما في الكشاف، فلا يحرم النظر إلى الوجه وغيره إلا مع اللذة أو الفتنة والريبة، فيحتمل أن يراد النظر الاول لا التكرار كما قال به بعض الاصحاب ويحتمل التكرار أيضا للعموم لو لا خلاف الاجماع للصدق عرفا فتأمل، ووجوب ضرب الخمر على الجيوب، وحاصله تحريم كشف الصدور وغيره للاجانب، و وجوب شترها عنهم، وتحريم كشف الباطنة والنظر إليها، وقد استثني من تقدم وقد مر معناه، وأن المراد بنسائهن المؤمنات، فلا يجوز الكشف عند نساء الكفار وقيل: إذا علم خبرهن للرجال وفيه تأمل، ويمكن أن يقال التقييد ليس بحجة إلا أن الاستثناء بعد مطلق الحكم يقتضي بقاء نساء الكفار تحت التحريم فتأمل.

وأن المراد بما ملكت هي الاماء والظاهر العموم وهو المروي عن أبي عبدالله عليه السلام، فالظاهر جواز رؤية الزينة الباطنة أيضا لعبيدهن، وأن المراد بالتابعين: الذين لا يعرفون ولا يطمعون في النساء وهم البله، وبالطفل: الذي لا حظ له من عورة النساء، فيفهم التحريم على غيره من غير البلغ أيضا بمعنى تحريم الكشف عليهن عندهم، ووجوب منعهم على الاولياء.

وفي مجمع البيان: المراد بالطفل الجماعة من الاطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء ويريد به الصبيان الذين لم يعرفوا عورات النساء لعدم شهوتهم، و قيل لم يطيقوا مجامعة النساء، فإذا بلغوا مبلغ الشهوة، كان حكمهم حكم الرجال والظاهر أن " قيل " ليس بجيد وإليه أشار بقوله فاذا الخ.

ولا يضربن بأرجلهن

قيل كانت المرأة تضرب برجلها لتسمع صوت الخلخال منها فنهاهن الله عن ذلك، وقيل معناه ولا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليتبين


548

خلخالها أو يسمع صوته، عن ابن عباس، فيكون ذلك لقصد أن يتوجه إليهن ويرينهم موضع زينتهن الباطنة حراما حيث يؤل إلى الحرام، ويحتمل التحريم مطلقا عمدا وإن لم يؤل إلى ذلك كما هو ظاهر الآية، وفي الكشاف كانت المرأة تضرب الارض برجلها لينقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال، وقيل: كانت تضرب باحدى رجليها الاخرى ليعلم أنها ذات خلخالين، وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعد ما نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ، أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلوا من تقصير يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار، وبتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا، وعن ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهليه لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة.

فان قلت: قد صحت التوبة بالاسلام والاسلام يجب ما قبله، فما معنى هذه التوبة؟ قلت أراد بها ما يقوله العلماء إن من أذنب ذنبا ثم تاب عنه، يلزمه كلما تذكره أن يجدد عنه التوبة لانه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه، إلى أن يلقى ربه، ووجوب الندامة والتوبة كلما ذكر لا دليل عليه وهو مشكل، نعم لو خطر بباله وتردد في خاطره يجب عليه ذلك فتأمل.

وقال: فان قلت: لم لم يذكر الله تعالى الاعمام والاخوال؟ قلت: سئل الشعبي عن ذلك فقال لئلا يصفها العم عند ابنه والخال كذلك، ومعناه أن سائر القرابات تشرك الاب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناؤهما، فاذا رآها العم فربما وصفها لابنه، وليس بمحرم فيداني تصوره لها بالوصف نظره إليها، و هذا أيضا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في الستر.

ولا يخفى أنه يجوز للعم والخال النظر، فعدم ذكرهما في الآية لا ينفع مع أن عدم ذكره لهذا بعيد جدا، إذ يفهم عدم جواز النظر لهما وتحريم التكشف لهما، نعم لو فهم أن عدم ذكرهما مع جواز التكشف عندهما لان لا يقولا ولا يصفا لكان جيدا، ولكن لا يفهم، وهذا من العام المخصوص بغيره ويمكن أن يكون ذلك نكتة الترك فتأمل


549

والامر في ذلك وأمثاله بعد العلم بالمسألة هين.

الثالثة: يا ايها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت ايمانكم(1).

في مجمع البيان: مروا عبيدكم وإماء‌كم أن يستأذنوا عليكم إذا أرادوا الدخول إلى مواضع خلواتكم عن ابن عباس، وقيل: أراد العبيد خاصة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام " والذين لم يبلغوا الحلم منكم " أي الاطفال الذين لم يبلغوا من الاحرار " ثلاث مرات " ثم فسرها فقال " من قبل صلاة الفجر " لانه وقت القيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة " وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة " لانها وقت وضع الثياب للقائلة " ومن بعد صلاة العشاء " لانه وقت التجرد من ثياب اليقظة والاستلحاف بثياب النوم.

ثلاث عورات لكم

في مجمع البيان هو خبر مبتدأ محذوف على تقدير رفعه والتقدير هذه ثلاث عورات لكم، وبدل من ثلاث مرات على تقدير نصبه بتقدير أوقات ثلاث عورات، حذف المضاف واعرب المضاف إليه باعرابه، وفي الكشاف سمى كل واحدة من هذه الاحوال عورة لان الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها، والعورة الخلل ومنها الاعور المختل العين وفي مجمع البيان: لان الانسان يضع هذه الاوقات ثيابه فتبدو عورته وعن السدي أن اناسا من الصحابة كانوا يواقعون في هذه الاوقات فأمرالله سبحانه بأن يأمروا الغلمان والمملوكين أن يستأذنوا في هذه الساعات، والظاهر أن " الذين ملكت " أعم من العبيد والاماء و الاجانب والمحارم لان " الذين " عام ولا مخصص له، وأن المراد بالذين لم يبلغوا الحلم أيضا أعم من الذكور والاناث والمحارم والاجانب ولكن يحتمل أن يكون بشرط التمييز الذي أشار إليه في الآية المتقدمة " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " وفي مجمع البيان أراد به الصبي الذي يميز بين العورة وغيرها. وأن حكم غير الاوقات الثلاثة حكمها إذا كانت مشتملة على ما يشتمل تلك

(1) النور: 58.


550

فإن المقصود هو التستر وأن المراد من بعد صلاة العشاء وقت النوم تمام الليل و بالجملة الظاهر أن المقصود النهي عن الدخول وقت مظنة كون المدخول عليه على حالة يستقبح الدخول عليه وأن الاستيذان يحصل بكل ما يرفع ذلك وأن ظاهر هذا الامر الوجوب والظاهر أن لا نزاع فيه بالنسبة إلى البلغ وأما بالنسبة إلى الاطفال فيحتمل أن يكون ذلك متوجها إلى الاولياء ولكن هو خلاف الظاهر فيحتمل أن يكون على حقيقته.

قال في مجمع البيان قال الجبائي الاستيذان واجب على كل بالغ في كل حال، وعلى الاطفال في هذه الاوقات الثلاثة بظاهر الآية، ويكون هذا الوجوب مستثنى من عدم تكليف غير البالغ للتأديب وتعليم الاحرار أو يكون للندب بأن يكون للرجحان المطلق أو يكون للارشاد وتعليم المعاشرة، وعلى كل تقدير لا شك أن فيها دلالة على كون الطفل الغير البالغ مأمورا بأمر الله ومخاطبا بخطابه، لا أن الامر إنما هو للاولياء وهم مأمورون بأوامرهم لا بأمر الله فان الامر بالامر لهم ليس أمرا منه لهم كما حقق في الاصول، وفيها دلالة ما على أن ذلك أمر منه لهم وتحقيقه في الاصول.

وأيضا فيها مع ما بعدها دلالة على أن البلوغ بالاحتلام وخروج المنى مطلقا لا قبله إلا أن يثبت بدليل من إجماع ونحوه مثل إكمال خمسة عشر سنة إلا أن يراد بلوغ الحلم بلوغ زمان يمكن فيه الاحتلام ولكن العلم بذلك مشكل، وهو يعلم في الذكر ببلوغ كمال خمسة عشر سنة باتفاق أصحابنا، وبدونه مثل الشروع فيها عند بعض وفي أربعة عشر وثلاثة عشر رواية ولكن العمل بها مشكل من دون ظهور القائل، و إن كان سندها صحيحا لانه خلاف ظاهر القرآن والاصل، ولكن الاحتياط يقتضي العمل بها وتمام ذلك مذكور في محله، وفي الانثى يتحقق البلوغ بخروج المنى والحيض وإكمال تسع وإنبات الشعر فيهما، والدليل عليه غير واضح، وكأنه لا خلاف في ذلك عندهم والله أعلم.

ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض


551
]كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ] أي لا إثم ولا حرج من الله عليكم أيها المؤمنون ولا عليهم في ترك الاستيذان، وفي عدم منعكم إياهم من الدخول وإن رأوكم مكشوفين في غير هذه الاوقات اتفاقا من غير قصد وعلم منكم ومنهم. في الكشاف ثم عذرهم في ترك الاستيذان وراء هذه المرات وبين وجه العذر في قوله

طوافون عليكم " يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة يطوفون عليكم في الخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام فلو جزم الامر بالاستيذان في كل وقت لادى إلى الحرج، ولا يخفى أن فيها نقصا وزيادة من جهة عدم بيان الجناح المنفي عنهم، وبيان كونهم طوافين عليهم للاستخدام وإن كان فيه بيان لبعضكم على بعض، وهو الظاهر لان الظاهر أن الطواف العبيد والاطفال لاهم، ولهذا قال في مجمع البيان ثم بين المعنى وقال " طوافون عليكم " أي هم خدمكم فلا يجدون بدا من دخولهم عليكم في غير هذه الاوقات ويتعذر عليهم الاستيذان في كل وقت، قال سبحانه " ويطوف عليهم ولدان مخلدون ".

ثم قال في الكشاف: إذا رفعت " ثلاث عورات " كان " ليس عليكم " في محل الرفع على الوصف، والمعنى: هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستيذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاما مقررا للامر بالاستيذان في تلك الاحوال خاصة، " وبعضكم " مرفوع بالابتداء وخبره " على بعض " على معنى طائف على بعض، وحذف لان طوافون يدل عليه، ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمرا لتلك الدلالة.

الرابعة: واذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم(1).

في مجمع البيان: " منكم " أي من الاحرار فليستأذنوا في جميع الاوقات كما استأذن الذين من قبلهم من الاحرار الكبار الذين امروا بالاستيذان على كل

(1) النور: 59.


552

حال في الدخول عليكم، فالبالغ يستأذن في كل الاوقات، والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث " كذلك يبين الله لكم آياته " أي كما بين لكم ما تتعبدون به في هذه يبين لكم الآيات الدالة على الاحكام " والله عليم " بما يصلحكم " حكيم " فيما يفعله، فهذه الاطفال الاحرار الذين بلغوا بأحد العلامات يجب عليهم أن يستأذنوا للدخول على البيوت والناس مطلقا أبا وابنا استيذانا كاستيذان الذين بلغوا من قبلهم، وهم الرجال البلغ العقلاء أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا " الآية.

والمعنى أن الاطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في العورات الثلاث فاذا اعتاد الاطفال ذلك ثم خرجوا من حد الطفولية بأن يحتلموا ويبلغوا السن الذي يحكم فيها عليهم بالبلوغ وجب أن يفطموا عن تلك العادة، ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الاوقات، كما يحمل الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا باذن، وهذا مما يغفل عنه الناس، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، وعن ابن عباس آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الاذن، وإني لآمر جارتي أن يستأذن علي، وسأله عطا: استأذن على اختي؟ قال: نعم، وإن كانت في حجرك تمونها وتلا هذه الآية، وعنه ثلاث آيات جحدهن الناس: الاذن كله، وقوله " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " فقال ناس أعظمكم بيتا، وقوله تعالى:" ﴿ وإذا حضر القسمة ".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وامهاتكم وأخواتكم.

هذا كله من الكشاف: ولا يخفى ما في هذه من المبالغة في الاستيذان حتى أن ظاهر الآية وجوب ذلك على الاطفال والمماليك في ثلاث مرات وعلى غيرهم دائما الاقارب والاباعد، والمحرم وغيره، فلا يناسب الترك بوجه فتأمل ولكن يفهم عدم الاستيذان للمماليك البلغ فيشعر بعدم وجوب التستر عنهم كما مر.

إليه الاشارة فافهم.


553

الخامسة: والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح ان يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وان يستعففن خير لهن والله سميع عليم(1).

في الكشاف: القاعد التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها " لا يرجون نكاحا " لا يطمعن فيه، والمراد بالثياب الثياب الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار " غير متبرجات بزينة " غير مظهرات بزينة يريد الزينة الخفية التي أرادها في قوله: " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن " أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه والاستعفاف من الوضع خير لهن.

لما ذكر الجايز عقبه بالمستحب بعثا منه على اختيار أفضل الاعمال وأحسنها كقوله " وأن تعفوا أقرب للتقوى.

وأن تصدقوا خير لكم " وفيه تأمل إذ قد تقدم جواز إظهار الزينة الظاهرة فليس على غير القاعد من النساء أيضا جناح في وضع الثياب الظاهرة، والظاهر من سوق هذه الآية أن القاعدات من النساء مستثنيات من الحكم السابق الذي هو وجوب التستر، وتحريم كشف الزينة الباطنة ومواضعها المتقدمة، فلا يحرم عليها كشف مواضع الزينة الباطنة المحرم على غيرها، ولكن بشرط أن لا تتبرج بزينة أي لا يقصد إظهارها.

قال في مجمع البيان: التبرج إظهار المرأة من محاسنها ما يجب عليها ستره انتهى، فاذا تبرجت بها يحرم عليها أيضا ذلك، كما يحرم على غيرها، لا بقصد التكشف والاظهار وهي التي بلغت سنا أيست عن الجماع، وأيس الناس أيضا عنها بمعنى أن لا يكون مطعما ولا يكون لها طمعا عادة وعرفا، ولكن العلم بذلك مشكل فان الرجال والنساء يتفاوتون في ذلك تفاوتا كثيرا جدا، فان بعض الناس يفعلون بأيديهم بل بالارض والخشب وأية ثقبة كانت، فليست القاعد أقل من

(1) النور: 60.


554

ذلك، وعلى كل حال لا شك أن الستر والعفاف لها خير لاحتمال ذلك وهو ظاهر غير مخفي.

وفي مجمع البيان: هن المستثنيات من النساء اللاتي قعدن عن التزويج لانه لا يرغب في تزويجهن، وقيل هن اللاتي ارتفع حيضهن ولا يطمع نكاحهن " فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن " يعني الجلباب فوق الخمار عن ابن مسعود وسعيد بن جبير، وقيل: يعني الخمار والرداء عن جابر بن يزيد، وقيل: ما فوق الخمار من المقانع وغيرها، ابيح لهن القعود بين يدي الاجانب في ثياب أبدانهن مكشوفة الوجه واليد، فالمراد بالثياب ما ذكرناه لا كل الثياب " غير متبرجات بزينة " أي غير قاصدات بوضع ثيابهن إظهار زينتهن، بل يقصدن به التخفيف عن أنفسهن فاظهار الزينة في القواعد وغيرهن محظور، وأما الشابات فانهن يمنعن من وضع الجلباب أو الخمار، ويؤمرن بلبس أكثف الجلابيب لئلا تصفهن ثيابهن وقد روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: للزوج ما تحت الدرع، وللابن والاخ ما فوق الدرع، ولغير ذي محرم أربعة أثواب: درع، وخمار، وجلباب، وإزار ولا يخفى أن فيه ما هو غير ظاهر الوجه فتأمل.

السادسة: نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انى شئتم وقدموا لانفسكم واتقوا الله واعلموا انكم ملاقوه وبشر المؤمنين(1).

أنى

في محل النصب لانها ظرف مكان إذا كان بمعنى حيث أو أين، وظرف زمان إذا كان بمعنى متى، والعامل فيه " فأتوا " و " شئتم " جملة فعلية في موضع الجر باضافة " أنى " إليها، وإذا كان بمعنى كيف في محل النصب على المصدر، ولا محل لشئتم حينئذ، وتقديره فأتوا حرثكم أي نوع شئتم قيل: نزلت ردا على اليهود قالوا إن الرجل إذا أتى المرأة من خلفها في قبلها خرج الولد أحول، فكذبهم الله

(1) البقرة: 223.


555

تعالى عن ابن عباس وجابر، وقيل: أنكرت اليهود إتيان المرأة قائمة وباركة فرد عليهم.

وفي مجمع البيان معنى " نساؤكم حرث لكم " أنهن مزرع لكم ومحرث لكم عن ابن عباس والسدي، أو أنهن موضع حرثكم وذوات حرث لكم فيهن تحرثون الولد، فحذف المضاف، أو يكون بحذف كاف التشبيه أي كحرث لكم فأتوا حرثكم أي أدخلوا في أي موضع تريدون من موضع حرثكم " أنى شئتم " أي من أين شئتم كما يدل عليه اللغة عن قتادة، وقيل كيف شئتم عن مجاهد وقيل متى شئتم عن الضحاك وهذا خطاء عند أهل اللغة إذ " أنى " ما جاء إلا بمعنى من أين كذا في مجمع البيان.

ثم قال استدل مالك بهذه الآية على إباحة وطي الدبر، وذلك غير بعيد، و أما الاستدلال بها على عدم الجواز، كما هو المشهور فذلك بعيد، إذ على تقدير تسليم أن المعنى، فأتوا حرثكم كيف شئتم، بناء على سبب النزول الذي مضى ومناسبة الحرث للاتيان في محل الحرث وهو القبل، لحصول الولد منه، وتشبيها لهن بالمزرع لقرار النطفة في أرحامهن كالبذر في الزرع، لا يدل على ذلك، إذ ليس فيه المنع عن غير محل الزرع وغير الزراعة، ولانه يجوز الاتيان في المزرع في جميع أجزائه وأي مكان منه أراد، ولهذا يجوز الاتيان في النساء في غير القبل والدبر والانتفاع منها، ولا شكل أنه لو صرح الاتيان بالقبل لما دل على منع غيره إلا بمفهوم بعيد ليس حجة هو ظاهر بغير نزاع.

وقدموا لانفسكم

الاعمال الصالحة التي امرتم بها ورغبتم فيها، ليكون ذخرا لكم عند الله، وزادا ليوم فاقتكم، وقيل: هو طلب الولد، لما روي في مجمع البيان أنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح، وصدقة جارية وعلم ينتفع به بعد موته، وقيل هو تقديم الافراط جمع فرط وهو الولد الذي يقدمه الانسان قبل بلوغه لما ورد في الحديث من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم


556

تمسه النار إلا تحلة القسم(1) فقيل يا رسول الله صلى الله عليه واله واثنان؟ فقال: واثنان وهو بعيد، لانه ليس باختياري فيحتاج إلى التأويل وقيل التسمية عند الجماع، وقيل الدعاء وهما مرويان، وقيل التزويج ليحصل منهما الولد الصالح، ولهذا استحب اختيار كريمة الاصل والعفيفة الولود.

واتقوا الله

معاصيه " واعلموا أنكم ملاقوه " أي ملاقو جزائه يعني ثوابه إن أطعتموه، وعقابه إن عصيتموه، وإنما أضاف إليه تعالى على ضرب من المجاز أي تزودوا ما لا تفتضحون به عنده، وهو التقوى، فان خير الزاد التقوى " وبشر " يا محمد " المؤمنين " الكاملين في الايمان أو العاملين المستوجبين للمدح والتعظيم بفعل الطاعات والحسنات، وترك المعاصي والقبايح، وكأن " نسائكم حرث لكم " بيان لقوله: " من حيث أمركم الله " أي المأمور بالاتيان موضع حرثكم فأتوه من أين أردتم كما في الحرث إلا أنكم تجتنبون في زمان الحيض مكانه، والله أعلم.

السابعة: والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين(2).

في الكشاف: إنشاء عبر عنه بالخبر كقوله " يتربصن " للمبالغة، معناه لترضع الامهات أولادهن على طريق الاستحباب والندب إذ لا يجب عليهن إرضاع أولادهن عندهم إلا في الصور المخصوصة، فيه أنه خلاف الظاهر مع التعبير بالخبر للمبالغة، وأيضا الظاهر أن الارضاع في الحولين واجب فلا يفهم حينئذ من الآية لحملها على الندب، مع أن الاكثر يستدل بها على حده، أو الوجوب فيلزم تخصيصها بالصور الخاصة مثل أن لا يعيش إلا بلبن امه بأن لا يشرب إلا لبنها أو لا يوجد غيرها أو الوالد يكون عاجزا عن تحصيل غيرها لعدم قدرته على الاجرة فيكون الولد ممن تجب نفقته على الام إن كانت قادرة ويحتمل أيضا أن يكون المعنى أن الارضاع في هذه المدة للام، بمعنى أنه حقها يجب على الاب تمكينها منه ولا يجوز له الاخذ

(1) وفي الحديث لا يموت للمؤمن ثلاثة اولاد فتمسه النار الا تحلة القسم اى قدر ما بين الله تعالى قسمه فيه بقوله تعالى وان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا (الصحاح).

(2) البقرة: 233.


557

منها وإرضاع غيرها، فيكون حينئذ إخبارا عن حق الام الواجب على الاب فلا يحتاج إلى إرتكاب الخروج عن الظاهر، ولكن شرط الاصحاب عدم رضاع غيرها بأقل مما ترضى، وعدم وجود متبرعة إذا لم تتبرع هي بالارضاع، وهو بالحقيقة شرط وقيد لقوله " وعلى المولود رزقهن " على بعض الوجوه.

والظاهر حمل الوالدات على عمومها كما هو الظاهر، لا تخصيصها بالمطلقات لان الكلام فيهن لعموم اللفظ، وأيضا الظاهر أن تقييد الحولين بالكاملين لدفع احتمال المسامحة المشهورة في مثله يقال أقمت عند فلان سنة وفي البلد الفلاني سنة، مع عدم استكمالها " لمن أراد أن يتم الرضاعة " أي هذا الحكم هو الرضاع في الحولين لمن أراد إتمام الرضاعة من الآباء أو أنه متعلقة بيرضعن فان الوالد هو الذي يرضع الولد له وينسب إليه لا الام في الاغلب والاكثر، وأكد هذا المضمون بقوله " و على المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " حسب ما يكون معروفا في العرف والشرع مثله لمثلها، فيكلف بما يحصل له بسهولة ويليق بأمثالها، ولعله نبه عليه بقوله " لا تكلف نفس إلا وسعها " أي لا يكلف الله تعالى نفسا ما أمرا شاقا بحيث يكون حرجا وضيقا، فانه لا يناسب الشريعة السهلة، بل العقل أيضا، لا أنه لا يكلف بما لا يطاق أصلا كما قيل، إذ لا يحتاج ذلك إلى النقل فان العقل يحكم به بديهة.

فبظاهرها دلت على أن الارضاع حق لهن فلا يمنعن أو على استحبابه أو وجوبه في الجملة على ما مر، وأن ذلك عام لكل ام فان خرجت واحدة لدليل وإلا بقيت على العموم، ودلت أيضا على أن الحولين حق لكل ولد سواء ولد لستة أشهر أو أكثر إن أراد الولي إتمام الرضاعة، وبعضهم خصصه بالاول ويفهم كونه مقبولا للاصحاب من مجمع البيان لقوله " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " والظاهر خلافه، وعلى أن ليس أكثر من ذلك وقت الرضاع، فلو علق أمرا بالرضاع لا يتعدى عن الحولين فافهم.

فدلت بالقيد على جواز النقص مطلقا إن لم يرد إتمام الرضاعة، ولكن قال


558

الاصحاب لا يجوز النقص إلا شهرا وشهرين وفي بعض العبارات ثلاثة أيضا ولعل هذا التحديد بالاجماع أو الروايات، فقول صاحب مجمع البيان: وأما حد القلة فمنوط بحال الصبي فبأي شئ يعيش يجوز الاقتصار عليه، والكثرة محدودة بالحولين.

محل التأمل، نعم ظاهر الآية تحديد جانب الكثرة كما قلنا لكن الاصحاب جوزوا الزيادة عليه أيضا بمقدار ما جوزوا النقيصة، فكأنه لما مر أو للضرورة، فلا ينافي الآية لان جميع الاحكام مخصوصة ظاهرا بحال الاختيار عقلا ونقلا أو بقوله تعالى " فإن أرادا فصالا " لما سيجئ.

ودلت أيضا على وجوب النفقة والكسوة على والد الولد، فايجاب اجرة زيادة على نفقة الزوجية بها بعيد ويمكن حملها عليه حيث قوبلت بالرضاع فتكون محمولة على اجرة المثل، وكونها في وقت نزولها ذلك غير بعيد، وفي غير ذلك يكون اجرة المثل يساوي ذلك أو زاد أو نقص، وهذا يكون مخصوصا بما إذا كانت الولد ممن تجب نفقته على الوالد، بأن يكون فقيرا وأبوه غنيا إذا الظاهر أن ليس شئ واجب على الوالد إلا النفقة وهي مخصوصة لما قلناه على ما صرحوا به، وإلا يكون من مال الولد وإن لم يكن له مال فعلى الام وإلا فمن بيت المال.

لا تضار

وكأنه تفصيل وبيان للاتكلف أي يكلف كل منهما ما ليس في وسعه وقرأ ابن كثير وأبوعمرو ويعقوب لا تضار بالرفع بدلا عن قوله " لا تكلف " كذا قيل والظاهر أن معناه يغاير معنى لا تكلف ولو ببعض الاحتمالات، وقرأ أكثر القراء بفتح الراء، وعلى التقديرين يحتمل البناء للفاعل فأصله " يضارر " بكسر الاول والمفعول فأصله يضارر بفتحه، والمعنى المقصود على التقادير النهي، أي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنفه به وتطلب منه ما ليس بمعروف وعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه في شأن الولد وأن تقول بعد ما ألفها الولد اطلب له ظئرا وما أشبهه ذلك، مثل أن تترك إرضاع الولد فيحصل للولد مرض أو موت في يد الاجنبية أو لم تفعل ما وجب عليها بعد الاجارة بحيث يحصل الضرر للولد فيضر الوالد ولا يضار المولود له أيضا امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئا مما


559

وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذه منها وهي تريد الارضاع فتتضرر بمفارقة الولد ونحوه، ولا يكرهها عليه إذا لم ترده فتتضرر بالاكراه.

وقال في مجمع البيان: وروي عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام لا تضار والدة بأن يترك جماعها خوف الحمل، لاجل ولدها المرتضع، ولا مولود له بولده أي لا تمنع نفسها من الاب خوف الحمل، فيضر ذلك بالاب، لعل المراد في الاولى بعد مضي أربعة أشهر، فانه حينئذ لا يجوز له الترك، وأما قبله فيجوز فلا يكون منهيا إلا أن يحمل على الكراهة، وقيل مطلق الجماع حال الرضاع يضر المرتضع تحمل الام أم لا، رأيت ذلك في قانون الشيخ في الطب ولا يتفاوت الحال بالبناء للفاعل والمفعول، فانه يكون نهيا عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وأن يلحق به الضرر من جهة الزوجة بسبب الولد.

ويجوز أن يكون " تضار " بمعنى تضر، وأن يكون الباء من صلته أي لا تضر والدة بولدها فلا تسيئ غذاء‌ه وتعهده ولا تفرط فيما ينبغي له، ولا تدفعه إلى الاب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها مع الالف والضرر، أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد، وإسناد الولد إليها تارة بقوله ولدها وإليه اخرى بقوله لولده إشارة إلى الاستعطاف وعدم التقصير في حقه واستعمال الشفقة.

وعلى الوارث مثل ذلك

قيل إنه عطف على المولود له الخ وما بينهما اعتراض لبيان تفسير المعروف، فكأن المعنى وعلى وارث المولود له مثل ما وجب عليه، أي يجب عليه مثل ما وجب على المورث، فعلى الوارث خبر مقدم متعلق بمقدر، ومثل ذلك مبتدأ، يعني إن مات المولود له لزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالمعروف وعدم الضرر، وهذا مشكل لعدم وجوب نفقة الولد على غير الابوين، فلا تجب اجرة الرضاع على غيرهما، وهو مذهب الاصحاب والشافعي فقيل المراد من الوارث هو الولد المرتضع فتجب الاجرة في ماله بأن يعطيه الولي أو الوصي أو الحاكم أو من ينوبه فيسترضع وهو بعيد عن ظاهر الآية.


560

ويحتمل بعيدا أيضا أن يكون المراد ام المرتضع أي المرضعة يجب على نفسها حينئذ نفقتها وكسوتها ويحتمل إرادة الجد والجدة أيضا على المذهب أو كانت الام المرضعة محتاجة لا تعيش بدون اجرة رضاعها ويحتمل أيضا كونها واجبة على الورثة في مال الميت بأن كان أوقع الاجارة، ومات من غير أن يسلم تمام الاجرة فتكون الآية حينئذ دليلا على عدم بطلان الاجرة بموت الموجر، وقيل المراد وارث الصبي وهو خلاف الظاهر إذ الظاهر أن المراد من الوارث وارث الميت المشار إليه وأيضا إن الوارث إنما يقال حقيقة إذا ورث وإطلاقه على من يكون وارثا على تقدير موت الصبي وتخلفه مالا بعيد، وأيضا ليس بمنطبق على المذهب المتقدم إلا بالتأويل المذكور في الجملة فلا يحتاج حمله على خلاف الظاهر، إذ يصح حمله على وارث الوالد.

فان أرادا

الوالد والوالدة " فصالا " أي قطع الولد من الرضاع قبل الحولين أو بعده، على الاحتمال كما قاله في الكشاف، فان الفصال أعم فالحمل عليه دون ما قبله كما في باقي التفاسير أولى، صادرا " عن تراض منهما وتشاور " مشتملا على مصلحة الصبي وعدم ضرر به " فلا جناح " ولا إثم " عليهما " فيما فعلا وحذف للظهور واشتراط رضى الاب مما لا كلام فيه، لانه ولي اتفاقا وأما الام فلانها أحق بالتربية وهي أعرف بحال الصبي مع كثرة حقها عليه وزيادة شفقتها له، فناسب اعتبار رضاها، إذا لم يكن قصدها إلا الاصلاح، ولا يبعد حينئذ الرضا والمشورة من العارفين بحال الصبي فكيف الام العارفة فكأن في إطلاق التشاور من غير الاضافة إليهما إشارة إلى ما قلناه فافهم، [ و ] التشاور والمشاورة والمشورة استخراج الرأي من شرت العسل إذا أخرجته.

فدلت الآية على جواز النقص والزيادة على الحولين، لكن مع التراضي والمصلحة، وهو ظاهر، وقاله الاصحاب أيضا، لكن ما ذكروا التراضي وحددوا بشهر واثنين وثلاثة كأنه للاجماع أو الرواية كما مر.

وإن أردتم

خطاب للازواج " أن تسترضعوا " المراضع " أولادكم " أي لاولادكم فالاسترضاع يتعدى إلى مفعولين حذف أحدهما للاستعناء عنه.وكذا


561

حكم كل مفعولين إذا لم يكن أحدهما هو الآخر " فلا جناح " ولا إثم " عليكم " في ذلك الاسترضاع " إذا سلمتم " إلى تلك المراضع " ما آتيتم " ما أردتم إعطاء‌ه إياهن وشرطتم لهن " بالمعروف " متعلق بسلمتم أي بالوجه المتعارف الحسن شرعا وعقلا فكأنه " إذا " شرط والجزاء محذوف، والتقييد للحث والترغيب على إعطاء الاجرة، وغاية الاهتمام باعطاء حقوق الناس أو الاهتمام بتربية الصبي، فانها مع الاخذ تصير راضية بالرضاع لحصول النفع فتعمل غاية الجهد كما في المهر، لا لعدم الجواز والصحة بدونه على ما قالوه، كأنه للاجماع ويحتمل حذف الجزاء من غير جنس ما تقدم مثل فقد خرجتم عن عهدة الواجب أو برأت ذمتكم ونحوه، فلا يحتاج إلى هذا التكلف.

واتقوا الله

مبالغة في المحافظة على ما شرع من أمر الاطفال والمراضع بل في مطلق الواجبات والمحرمات " واعلموا أن الله بما تعملون بصير " حث وتهديد وخوف ووعد، فقد ظهر من هذه الآية تأكيدات في أمر الاطفال والمراضع بل مطلق الاحكام.

الثامنة: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء او اكننتم في انفسكم علم الله انكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا الا ان تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب اجله واعلموا ان الله غفور حليم(1).

التعريض هو التلويح والايهام على القصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازا كقول السائل للغني جئتك لاسلم عليك، يريد به الاشارة إلى طلب شئ، والكناية هي الدلالة على الشئ بغير لفظه الموضوع له، بل بلوازمه كطويل النجاد لطويل القامة، وكثير الرماد للمضياف، والخطبة بالكسر طلب المرأة للتزويج، فمضمونها

(1) البقرة: 235.


562

نفي الحرج والاثم عن التعريض بطلب المرأة في العدة بالتزويج بعدها، مثل أن يقول لها أنت جميلة ونافقة وصالحة للتزويج، ونحوها من أوصافها، أو يذكر بعض أوصافه مثل أنا محتاج إلى التزويج وأنا من قريش ونحوه، فالظاهر إباحة الخطبة تعريضا لكل من في العدة عدة الوفاة والطلاق فتخصيص القاضي بالمتوفى عنها زوجها مع كونه قائلا بالجواز في عدة الطلاق أيضا غير سديد لظهور العموم مع انطباقه على المذهب، وعدم المخصص، وكون الكلام قبله في المتوفى لا يستلزم ذلك مع أن الترتيب النزولي غير معلوم، نعم ينبغي تخصيصها بغير ذات العدة الرجعية، فانه لا يجوز التعريض لها لغير الزوج، فانها كالزوجة للاجماع.

وكذا لا إثم فيما أكننتم: أي أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا تصريحا ولا تعريضا أو تذكرونه بقوله سرا من غير جهر فأكننتم عطف على عرضتم وهي صلة " ما " في " ما عرضتم " و " من خطبة النساء " بيان له " علم الله أنكم " ما تصبرون على الكتمان بل " ستذكرونهن " لكثرة رغبتكم فاذكروهن " ولكن لا تواعدوهن " جماعا فعبر عنه بالسر لانه مما يسر فالمراد المواعدة بما يستهجن مثل عندي جماع يرضيك أو اجامعك كل ليلة ونحوه " إلا أن تقولوا قولا معروفا " كأن المستثنى منه، محذوف أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة أو إلا مواعدة بقول معروف، فسرا حينئذ غير داخل في المستثنى منه، إذ المراد به مطلق المواعدة منكرة كانت أو معروفة.

وقال القاضي: قيل إنه استثناء منقطع عن " سرا " وهو ضعيف، لادائه إلى قولك لا تواعدوهن إلا التعريض وهو غير موعود، يعني أن المراد بالقول المعروف هو الخطبة تعريضا وليس ذلك موعودا بل مقول في الحال، ويلزم حينئذ كونه موعودا وهو في الكشاف أيضا وفيه أنه: يحتمل أن يراد بالقول غير الخطبة تعريضا مثل الوعد بحسن المعاشرة وغيره، بل ينبغي ذلك لفهم حسن الخطبة من قبل وأيضا لما كان المقصود الحاصل من التعريض هو النكاح بعد العدة وكان ذلك موعودا فيصح إطلاق الموعود عليه في الجملة على أنه قد يمنع الاداء فان الحاصل


563

أنه لا تواعدوهن مواعدة سر ولكن تعرضوهن بالقول المعروف بالخطبة، ولا يلزم كونه موعودا فتأمل " ولا تعزموا عقدة النكاح " ذكر العزم مبالغة في النهي عن العقد في العدة مثل النهي عن القرب من الزنا وغيره، أي لا تقصدوا عقدة النكاح كأن المراد بالعقدة الحالة الثانية بسبب العقد في النكاح بين الزوج والزوجة، وقيل: معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح لان العزم بمعنى القطع، وجعل في الكشاف سند هذا قوله في الحديث لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل، وليس بواضح إذ يحتمل العقد والنية كما قيل، قال: ويروي لا صيام لمن لم يبت الصيام " حتى يبلغ الكتاب " ما في القرآن " أجله " أي ينقضي العدة الواجبة فيه، أو المراد بالكتاب المكتوب وهو المفروض.

واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم

ما تعزمون وما في قلوبكم من العزم على ما لا يجوز " فاحذروه " أي فابعدوه ولا تفعلوه خوفا أن تعاقبوا، فهو تخويف وترهيب وإشارة إلى المبالغة في عدم قرب المعاصي كأنه يعاقب بمجرد العزم لا أنه يعاقب به كما هو الظاهر، لان المشهور عند الاصحاب أنه لا يعاقب بعزم الحرام ويثاب بعزم الطاعة وهو من جملة ألطافه تعالى، وإن كان ذلك أيضا محتملا وذهب إليه السيد السند، ويحتمل أن يكون معنى القول المشهور أنه لا يعاقب بعقاب الحرام المنوي وإن يعاقب بعقاب العزم بخلاف النية على الطاعة، فانه يثاب الناوي بثواب تلك الطاعة، ويؤيده ما روي عنه عليه السلام نية المؤمن خير من عمله، و في معناه بحث ليس هذا محله، فافهم.

وأيضا يؤيد الاول قوله تعالى " واعلموا أن الله غفور حليم " لعله يدل على أنه لا يعاقب على العزم لحمله في تأخير العقاب حتى يقع المنهي، أو لكثرة فعل المغفرة بل في جميع المعاصي فانه لا يعاقب ولا يكتب، بل ينتظر المسقط والتوبة كما في الاخبار.

ففيها دلالة على جواز التعريض للخطبة مطلقا وعلى تحريم التصريح في الجملة


564

وعدم حسن ذكر الخطبة في الجملة بقوله " علم الله أنكم ستذكرونهن " وتحريم عقد النكاح في العدة مطلقا، وأن الله عالم بما في الضمائر، وأنه كثير المغفرة، ولا يعجل بالعقاب لكثرة الحلم، وعدم خوف الفوت والعجز.

الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات(1).

في مجمع البيان: قيل في معناه أقوال: أحدها أن الخبيثات من الكلم أي القول والعبارة والكلام للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيبات من الكلم للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من الكلم، ألا ترى أنك تسمع الخبيث من الرجل الصالح فتقول غفر الله لفلان ما هذا من خلقه وكلامه، والثاني الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء عن أبي مسلم والجبائى وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما الصلاة والسلام قالا: هي مثل قوله " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة "(2) الآية لان اناسا يتزوجون منهن فنهاهم الله عن ذلك.

اولئك مبرؤن

أي الطيبون والطيبات منزهون " مما يقولون " من الكلام الخبيث، هذا يؤيد الاول ويمكن أن يقدر، ومن أن يميلوا إلى الخبيثات " لهم " أي للرجال والنساء من الطيبين " مغفرة ورزق كريم " عطية من الله كريمة حسنة في الجنة، بل يمكن في الدنيا أيضا، ففي الآية دلالة على عدم جواز الكلام الخبيث، وعدم جواز نكاح الزانية لغير الزاني كما تقدم فتأمل.

(1) النور: 26.

(2) النور: 3.


565

يا ايها النبى لم تحرم ما احل الله لك تبتغى مرضات ازواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم والله موليكم وهو العليم الحكيم(1).

المشهور في سبب نزولها أنه صلى الله عليه واله خلا بمارية جاريته في يوم حفصة أو عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها صلى الله عليه واله اكتمي علي فقد حرمت مارية على نفسي، و ما كتمتها بل قالت لعائشة فطلقها رسول الله صلى الله عليه واله واعتزل نساء‌ه تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية.

وروي أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خيرا لما طلقك رسول الله صلى الله عليه واله.

وروي أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش فتوطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان يكره رسول الله ويشق عليه ان يجئ منه الرائحة الكريهة فحرم العسل كذا في الكشاف وقيل إنه شرب في بيت حفصة وعلمت عائشة وغارت فأرسلت إلى صواحبها فأخبرتهن وقالت: إذا دخل عليكن رسول الله صلى الله عليه واله فقلن إنا نجد منك ريح المغافير، فقالت له عائشة وصواحبها ذلك فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه واله فحرم على نفسه العسل، فأنزلت الآية.

وفي هذا السبب شئ عظيم لحفصة ولعائشة أعظم حيث كذبت وغدرت وفتنت وأمرت بهذه المناكير، وحصل الاذى للنبي صلى الله عليه واله بذلك حتى حرم على نفسه ذلك واعتزل من النساء ونزلت هذه الآية التي تشعر بتوبيخه صلوات الله عليه مع معلومية إثم أذاه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله من قوله تعالى:" ﴿ والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم " ومن قوله تعالى " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة " ومن قوله " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا "(2) وفي الاخبار ما يدل على أن

(1) التحريم 1 و 2.

(2) براء‌ة: 61.الاحزاب: 57 و 58.


566

أذاه أذى الله تعالى.

ويمكن أن يكون معنى الآية الله يعلم أنه صلوات الله عليه وآله لما حصل له الاذى والندامة وضيق الخلق بسبب الفتنة التي فعلن كما هو عادة النساء على ما نراها الآن أيضا فاراد منع نفسه عن هذا الامر الذي هو سبب ذلك وإن كان محبوبا عنده ومستلذا به إرادة مرضاتهن حتى لا تصير فتنة فقال منعت نفسي عن هذا ولا أرتكبه أبدا، فقال الله تعالى لم تمنع نفسك عن مشتهياتك بسب مرضات زوجاتك فان رضاك وهواك مقدم على رضاهن فافعل ما تريد وإن فعلن هن ما أردن والاثم لهن لا لك فيكون التحريم بالمعنى اللغوى كما في قوله تعالى " وحرمنا عليه المراضع " أي منعنا موسى عن ارتضاع امرأة مطلقا إلا امه حتى رجع إليها.

ونقل في الكشاف عن الشعبي: لم تمتنع منه؟ إلى قوله ونحوه قوله تعالى:" ﴿ وحرمنا عليه المراضع " أي منعناه منها، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى الشرعى ويكون صلى الله عليه وآله يعرف حلية ذلك إما بالعقل أو بالوحي، وقد كان مكروها فالله تعالى ذكر أنك لم تترك هذا المباح وتفعل المكروه لمرضات زوجاتك وهن لا يستحقن أن تترك لهن ما تحب، وتفعل ما تكره وأكره أنا أيضا ذلك لك، فلا زلة للنبي صلى الله عليه وآله في هذه الآية بتحريم ما حلل الله كما قال في القاضي حاشاه فان مثل ذلك لا يجوزون لادنى متفقه بل عامي فكيف لاكرم خلق الله وأعزه عند الله وأعلمهم، بل تحريم ما حلله الله كفر مع العلم، والظاهر أن مع الجهل لا شئ عليه لكنه منتف هنا، فلا دلالة.

والعجب من الكشاف أنه قال: وكان هذا زلة منه لانه ليس لاحد أن يحرم ما أحل الله لان الله عزوجل إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله فاذا حرم كان ذلك قلب المصلحه مفسدة، لان عدم جواز تحريم ما أحله الله ظاهر ولا يحتاج إلى الدليل ومعلوم انتفاؤه عنه صلى الله عليه واله.

والله غفور

لكل مؤمن فيغفر لمن يريد بالعفو أو بالتوبه بأن يوفقه له و " رحيم " قد يرحم لمن يشاء، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا الذي فعلت


567

لا تؤاخذ به، ولا تنقص بذلك مرتبة من مراتبك التي عند الله، فانه يغفر الذنوب ويرحم المذنبين، فكيف يفعل ذلك بك ويؤاخذك بفعل أمر مباح لمرضات أزواجك ومصلحة رأيتها ودفع الفتنة، فعقب ما يشعر بعتاب ما بهذا، لدفع وهم المتوهم وتسليته صلوات الله عليه وعلى آله ويحتمل أيضا أنه خطر بباله صلوات الله عليه أن هذا الفعل يصير سببا لصدور الذنب عنهما فتعاقبان، فاحب أن يترك حظ نفسه من وقوع الذنب والمعاصي وخلاف مرضات الله لهما فقال الله افعل أنت ما تريد والله غفور يغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء مع المصالح، ويعاقب من يستحق، فافعل ما هو مباح لك وتشتهيه، وخل المذنب ومن يعصي الله إلي، فانه عبدي إن أشاء اعاقب، وإن أشاء أعفو.

قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم

قد شرع وجوز وبين وقدر لكم حل ما عقدتم على أنفسكم في تحريم ما هو حلال لكم في الاصل من وطي الجوار وأكل العسل ونحو ذلك مما لكم فيه نفع، ولا ضرر عليكم فيه، سواء وقع عليه الحلف الشرعي واليمين المقررة لفظا أو مجرد التقرر على نفسه وقصد ذلك، فان الحلف في مثله لا ينعقد ولا يحرم خلفه، ولا كفارة بذلك إذ لا حنث حيث لا عقد ولا يترتب عليه أثره، فوجوده كعدمه، فدل على عدم انعقاد اليمين على مثله فإنه مرجوح مع اشتراط الرجحان في الدين أو الدنيا أو التساوي في المحلوف عليه وأنه يجوز خلف اليمين من غير كفارة لو حلف على مثله، مثل وطي الامة أو الزوجة كما ذكره الفقهاء وقالوا لو شرط أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى وحلف عليهما لم يلزم ولم يحنث بالخلف.

وقال في القاضي والكشاف معناه تحلة الايمان بتجويز الاستثناء يعني يجوز أن يقيد اليمين بعد الوقوع بأن يقول عقيبها إن شاء الله، حتى لا يحنث من قولك حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها أو قد شرع ذلك بالكفارة وهما بعيدان أما الاول فلان تجويز حل اليمين بمثله بحيث يجوز خلف اليمين المنعقد ولو بزمان كثير بعيد، على أنه لم يعلم عدم مشية الله تعالى قبل نزول الآية، ولانه لا معنى


568

لانعقاد مثل هذا اليمين بعد أن قال " لم تحرم " فانه يدل على عدم أولوية ذلك بل مرجوحيته وعدم ترتب الاثر خصوصا على قولهما إنه حرام، وأما الثاني فللثاني، ولان ظاهر الآية عدم الكفاره حيث اطلق ولم يقيد بالكفاره، ولانه غير معلوم وقوع الكفارة عنه صلى الله عليه واله ولهذا نقل الخلاف في الكشاف في أنه كفر أم لا.

وقولهما بأن معنى تحلة اليمين الاستثناء يدل على عدم اليمين فلا كفارة، فلم يعلم وقوع اليمين أيضا على ذلك، ولهذا نقل الخلاف بين الصحابة والفقهاء هل قول حرمت الامر الفلاني، إذا كان حلالا، يحرم ذلك أم لا؟ وإذا كان وطئ امرأة هل هو ظهار أو إيلاء أو طلاق رجعي أم لا شئ، لان ذلك هو الذي قال صلى الله عليه واله بقوله حرمت.

وأصحابنا على أنه ليس بشئ للآية المذكورة، فانها ظاهرة في أنه ليس بشئ ولا يترتب عليه شئ، ولهذا منع عن ذلك أو لا ثم أكد عدم لزوم شئ بقوله " والله غفور رحيم " ثم بقوله " قد فرض الله " أي شرع، فان ضم هذا إلى الاول يصير المجموع كالصريح في كون وجوده كعدمه في عدم ترتب الاثر وللآيات الاخر والاخبار والعقل الدالة على عدم حسن ذلك وترتب الاثر وهو ظاهر، فإن ما حلله الله لم يخرج عنه إلا بتحريمه نعم يحتمل الاثم بل الكفر لو فعل معتقدا أو عالما وهو مذهب مسروق كما نقل عنه في الكشاف وقال كان مسروق لا يراه شيئا ويقول ما ابالي أحرمتها أو قصعة من تريد، وكذلك الشعبي قال ليس بشئ محتجا بقوله تعالى " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام " وقوله " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم "(1) وما لم يحرمه الله فليس لاحد أن يحرمه ولا أن يصير بتحريمه حراما، ولم يثبت من رسول الله أنه قال لما أحله الله هو حرام علي الخ هذا كلام جيد جدا لانه نقل بعد ذلك كلاما غير جيد، إذ قد ذكر مع ذلك الكفارة لليمين بظهوره من قوله تحلة أيمانكم مع أنه شبه أول الكلام بقوله " وحرمنا عليه المراضع " وفسره بمنعناه منها، وعملنا بخذ ما صفي، ودع ما كدر.

(1) النحل: 116، المائدة: 87.


569

والله موليكم

متولي أمركم، " وهو العليم " بما يصلحكم فيشرعه لكم " الحكيم " المتقن في أحكامه وأفعاله، فما حلل إلا لمصلحة، وما حرم إلا لذلك ولا يفعله إلا لغرض صحيح، ولا يحل إلا ما هو أصلح لكم، فنصحته لكم أولى من نصحتكم، وما حلل لكم أولى مما تحرمون على أنفسكم، فلو كان التحريم مصلحة لحرم.

واعلم أن في تتمة السورة عتابا كثيرا وتعريضا جزيلا بالنسبة إلى من يؤذي النبي صلى الله عليه واله وأن ذلك موجب للتوبة والعقاب بدونها، ولا ينتفع بعد ذلك القرب من النبي صلى الله عليه واله ولصوق جلده بجلده، حيث قال " إن تتوبا إلى الله " قال في الكشاف والقاضي خطاب لحفصة وعائشة على طريق الالتفات للمبالغة في المعاتبة " فقد صغت قلوبكما " فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة الرسول صلى الله عليه واله من حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه.

ونقل في الكشاف عن ابن عباس أنه قال: لم أرل حريصا على أن أسأل عمر عنهما إلى قوله ثم قال أي عمر: هما حفصة وعائشة وفي حرص ابن عباس للسؤال عن عمر عنهما نكتة فافهمها.

و " إن تظاهرا عليه " في القاضي والكشاف وإن تعاونا عليه بما يسوؤه " فان الله هو مولاه " وليه وناصره " وجبريل " من الملائكة مع كونه رأسهم، ولهذا افرد " و " من الناس " صالح المؤمنين " قيل: صالح المؤمنين هو جنس من كان مؤمنا وصالحا، وبرئ من النفاق، قيل: هم الانبياء وقيل الخلفاء.

قال في القاضي المراد الجنس ولهذا عم بالاضافة قلت هذه الاضافة لا تفيد العموم في المضاف، وهو ظاهر، نعم لو كان المضاف جمعا أمكن ذلك كما في المعرف باللام لما قيل إن للاضافة معاني التعريف فتأمل والمتبادر منه أن المراد صالحهم أي الذي أصلح من كلهم، لان الاضافة تفيد العموم كما يقال صالح آل فلان وعالمهم، فلا يبعد كون المراد واحدا منهم يكون أصلحهم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام كما ورد في الاخبار أنه الاقضى والاعلم والاصلح.


570

قال في مجمع البيان: وردت الرواية من طرق العامة والخاصة أن المراد بصالح المؤمنين أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو قول مجاهد، وفي كتاب شواهد التنزيل بالاسناد عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر عليه السلام قال لقد عرف رسول الله صلى الله عليه واله عليا أصحابه مرتين أما مرة فحيث قال من كنت مولاه فعلي مولاه، وأما الثانية فحيث نزلت هذه الآية " فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " أخذ رسول الله صلى الله عليه واله بيد على عليه السلام وقال: أيها الناس هذا صالح المؤمنين، وقالت أسما بنت عميس سمعت النبي صلى الله عليه واله يقول " وصالح المؤمنين " علي بن أبي طالب.

ولا شك في أنه أصلح المؤمنين، ومن أراد معرفة ذلك فعليه بكتب السير والاخبار من العامة والخاصة بشرط ترك العناد ونظر المعرفة وترك ما انفردت به طائفة من نقل ما يدل على ما يقول به فأنا والله ضامن لحصول العلم بذلك، وبأنه الامام بعد الرسول صلى الله عليه واله والاحق كما اعترف به ابن أبي الحديد في شرح الخطبة الشقشقية بعد تصحيح كونه عن أمير المؤمنين عليه السلام من غير شك من أنها تدل على أنه كان أولى، ووقع ترك الاولى من الصحابة التي أخذوا ذلك منه، وترك الاولى جايز، وإنما شكا فيها عليه السلام من ترك الاولى لا من المحرم الذي فعله الصحابة وأنت تعلم ما في هذا الكلام بعد الاعتراف بكونها منه، والعلم بتلك الشكاية المذكورة فيها، فان مثل ذلك لا يصدر عن مثله في ترك الاولى الذي وقع من كبار الصحابة وإسناد بعض الامور إليهم مثل قوله عليه السلام يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع، وفعل الاول كذا، والثاني كذا، ثم قام ثالث القوم كذا بطريق الكناية والتصريح، وذلك ظاهر مع أنه ليس محل ذكر مثله إلا أن النفس ممتلئ من المتقدمين يترشح من غير اختيار.

ثم أعظم مما ذكر من المعاتبة وعدم رضى الله تعالى من بعض نسائه وما يفعلن ما يفهم من قوله تعالى " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن " على تغليب المخاطب وهما عائشة وحفصة أو تعميم الخطاب، ويحتمل التخصيص بهما فقط، حيث قال في الكشاف والقاضي: إن الكلام كان معهما وهما مخطئة وإطلاق


571

ضمير الجمع على الاثنين كثير " مسلمات مؤمنات " مقرات مخلصات أو منقادات مصدقات " قانتات " مصليات أو مواظبات على الطاعة، أو مطيعات لله والرسول، أو خاضعات متذللات لامر الله ورسوله في العبادات، أو في الصلاة القنوت المتعارف في الفقه، وقيل ساكتات عن الفضول " تائبات " عن الذنوب " عابدات " متعبدات ومتذللات لامر الرسول صلى الله عليه واله " سائحات " صائمات سمي الصائم سائحا لانه يسيح في النهار بلا زاد " ثيبات وأبكارا " وسط العاطف لتنافيهما وعدم اجتماعهما، بخلاف سائر الصفات، يعني يجتمع في المبدلات هذه الصفات مع ما يوجد فيهن من البكارة والثيوبة.

وبالجملة هذه تدل على عدم اتصافهما بهذه الصفات واتصاف غيرهما بها وإن كان معلقا بطلاق الكل مع عدم وقوعه، مع أنه وقع طلاق حفصة لانه ليس المراد تعليق الوجود بل تعليق الانكاح بهن، يعني لو طلقكن يحصل له خير منكن من الموصوفات بهذه الصفات التي ليست فيكن، وهو المفهوم عرفا ولغة، يعني لا يتخيل هو ولا يتخيلن أنتن أنه لو طلقكن لم يحصل له مثلكن، بل يحصل له كذا وكذا، قال في مجمع البيان: وعسى في فعل الله تعالى للوجوب، وقيل في غيره أيضا وهو ظاهر.

ثم أشار إلى أنه كما يجب عليه أن يؤدب نساء‌ه يجب عليكم كذلك بقوله: " قوا أنفسكم " بترك المعاصي وفعل الطاعات " و " كذا " أهليكم " بأن تفعلوا ذلك بالنصح والتأديب بالطريق المذكور في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، و قرئ " أهلوكم " عطفا على فاعل " قوا " و " أنفسكم " يراد به نفس القبيلتين على تغليب المخاطبين على الغياب، وهم الاهل وفيه تأمل، ويحتمل حذف وليق أهلوكم " نارا وقودها الناس والحجارة " أي نارا حطبها هما، وتتوقد بهما كتوقد سائر النار بالحطب، قيل المراد بالحجر حجر الكبريت " عليها ملائكة " تلي أمر تلك النار الزبانية " غلاظ " الاقوال " شداد " الافعال أو غلاظ الخلق شداد الخلق، وبالجملة لا رحم فيهم " لا يعصون الله ما أمرهم " أي يقبلون ذلك ويعتقدون " ويفعلون ما يؤمرون "


572

كأنه لقطع الطمع في أنهم يرحمون ولا يعذبون أهل العذاب، وقتاما، أو أنهم وصفهم بأنهم ما عصوا ربهم فيما مضى وما استقبل، وفي هذه الآية توبيخ عظيم وزجر كثير لمن يترك طاعة الله ويعصيه، ولو بترك أهله.

فدلت على وجوب أمر الاهل ونهيه لسائر العبادات وعن المعاصي كما يدل عليه وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقا، فكأن بالنسبة إلى الاهل زيادة اعتناء، فدلت على وجوب تعليمهم الواجب والمحرم، وأمرهم بالفعل ونهيهم عن الترك.

ثم أشار بعدم قبول العذر في القيامة بقوله " لا تعتذروا اليوم " وهو ظاهر، و أشار إلى وجوب التوبة والعذر في الدنيا بقوله " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم " الآية(1) توبة نصوحا بالغا في النصح، وهو صفة للتائب، فانه ينصح نفسه، وصف به التوبة للمبالغة، و تذكيره لكونه فعولا بمعنى الفاعل عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل: قلت يا رسول الله ما التوبة النصوح؟ قال أن يتوب التائب ثم لا يرجع كما لا يعود اللبن إلى الضرع، قال ابن مسعود: التوبة النصوح هي التي تكفر كل سيئة وهو في القرآن ثم تلا هذه الآية، وقيل إن التوبة النصوح هي التي يناصح الانسان فيها نفسه باخلاص الندم، مع العزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح، وقيل: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود فيه، وقيل، هي الصادقة وقيل هى أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن، وقيل: هي: المقبولة ولم تقبل ما لم يكن فيها ثلاث: خوف أن لا يقبل ورجاء أن يقبل وإدمان الطاعة وقيل هي أن يكون الذنب نصب عينيه، ولا يزال كأنه ينظر إليه، وقيل هي من النصح بمعنى الخياطة لان العصيان يمزق الدين والتوبة ترقعه، وقيل: لانها جمعت بينه وبين أولياء الله كما جمع الخياط الثوب وألصق بعضه ببعض، وقيل: لانها أحكمت طاعته وأوثقها كما أحكم الخياط الثوب وأوثقه.

(1) التحريم: 8.


573

وعن أمير المؤمنين عليه السلام كأنه في نهج البلاغة: أنه لما قال قائل بحضرته أستغفر الله قال ثكلتك امك أتدري ما الاستغفار إن للاستغفار درجة العليين وهو اسم على ستة معان أي يشترط في صحته أشياء أولها الندم على ما مضى والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله وليس عليك تبعة، الرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالاحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد السادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله(1).

ومثل هذا المضمون عنه عليه السلام في الكشاف والقاضي وسئل علي رضي الله عنه عن التوبة، فقال تجمعها ستة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الاعادة، ورد الظالم واستحلال الخصوم، وأن يعزم على أن لا يعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي، ومنه يفهم الشرائط المذكورة لقبول التوبة في الكتب على ما نقل من العامة والخاصة، وهو أنه إن كان عن حق الله يكفي ثلاثة أشياء: القلع عن فعل المعصية، والندم، والعزم على عدم العود، وإن كان عن حقوق الناس يزيد عليها رابعا هو رد الظلامة على صاحبها وطلب عفوه والابراء منها، والظاهر أنه لا بد من هذه الاربعة، وأما غيرها التي يفهم من كلامه صلوات الله عليه، فكأنه شروط للكاملين.

ثم إن ظاهر هذه الآية وسائر الآيات وجوب قبول التوبة على الله بمعنى سقوط العقاب عن الذنب الذي تاب العبد عنه لانه وعد القبول " إن الله يقبل التوبة " " إن الله يحب التوابين "(2) وهذا المضمون أي قبول التوبة وأنه يكفر السيئات في القرآن كثير، وفي الاخبار أكثر، ومنها ما اشتهر بين العامة والخاصة التائب

(1) راجع نهج البلاغة الرقم 417 من الحكم.

(2) الشورى: 25، (وهو الذى قبل التوبة عن عباده) البقرة: 222.


574

من الذنب كمن لا ذنب له، ويدل على أنها مقبولة إلى أن يعاين الموت أنه وضع يده صلى الله عليه واله على حلقه وقال: وإلى هنا، وغير ذلك ويدل حكاية فرعون في القرآن على ذلك، وقد نقل في مجمع البيان: الاجماع على ذلك في موضعين فما هو في التجريد من أنه لا يجب القبول على الله كما هو مذهب المعتزلة، ومذكور في مجمع البيان أيضا في موضع، معناه عدم الوجوب العقلي أي مع قطع النظر عن دليل الشرع لا شئ في العقل يدل على وجوب القبول على الله، لان من أساء إلى أحد فللمساء إليه أن يعفو، وأن يعاقب، كلاهما حسن، إلا أن العفو أحسن.

وقد يقوم الدعاء مقام الاستبراء إذا كان صاحب الحق ميتا أو غائبا عنه، و تعذر الوصول إليه، وكان الحق هتك عرض بالغيبة مثلا فقد وجد في كتب العامة والخاصة وزاد في العامة أنه يدعو له كثيرا ويستغفر له، وقد قيل أيضا إذا لم يصل إليه الغيبة يكفي الدعاء ولا يحتاج إلى الاستبراء بل يكفي الدعاء والتوبة، وقيل إذا استبرأ فالابراء أولى للآية " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين "(1) وغير ذلك من الآيات والاخبار.

ثم أشار إلى التمثيل بامرأة نوح وامرأة لوط، بأنه لا ينفع أحدا صلاح أحد حتى حفصة وعائشة وغيرهما صلاح النبي صلى الله عليه واله كما في امرأتي هذين النبيين العظيمين، فان امرأتيهما خانتاهما قال في الكشاف والقاضي: بالنفاق، وقيل بأن كانت امرأة نوح كافرة تقول للناس إنه مجنون، وإذا آمن به أحد أخبرت به الجبابرة من قوم نوح، وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه فكان ذلك خيانتهما فما بغت امرأة نبي فكذا نبينا بالطريق الاولى ولهذا قالوا قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية رجاء أن ينفعه صلاح غيره.

وقال في الشكاف: وفي طي هذين التمثيلين تعريض بامي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر، ونحوه في التغليظ قوله " ومن كفر

(1) آل عمران: 97.


575

فان الله غني عن العالمين "(1) وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الاخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين وأن لا تتكلا على أنهما زوجتا رسول الله صلى الله عليه واله فان ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح لان امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله صلى الله عليه واله.

وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء جدا تدق عن تفطن العالم، وتزل عن تبصره، ونعم ما قال: ولعل فيه تسلية للنبي وغيره من المؤمنين، بأنه لا يستبعد حصول امرأة غير صالحة للنبي وغيره ودخلوها النار مع كون جسدها مباشرة لجسده ووجود الزوجية وهي صريحة في ذلك، والمقصود واضح فافهم وكذا رجاء من يتقرب بتزويجه وزوجيته صلوات الله عليه وآله ولهذا كانت ام حبيبة بنت أبي سفيان اخت معاوية أيضا عنده صلوات الله عليه وآله وهي إحدى زوجاته، وأبوه كان أكبر رؤس الكفار، وصاحب حروبه صلى الله عليه واله واخرى صفية بنت حبي بن أخطب بعد أن أعتقها وقد قتل أبوها على الكفر، واخرى سودة بنت زمعة وكان أبوها مشركا ومات عليه، قيل: وقد زوج رسول الله صلى الله عليه واله ابنتيه(2) قبل البعثة بكافرين يعبدان الاصنام أحدهما عتبة بن أبي لهب والآخر أبوالعاص ومات عتبة على الكفر وأسلم أبوالعاص، فرد إليه زوجته بالنكاح الاول مع أنه صلى الله عليه وآله ما كان في حال من الاحوال مواليا للكفار.

وبالجملة لا ينفع صلاح أحد أحدا من حيث هو، نعم يمكن الشفاعة باذن الله تعالى ولطفه كما أن معصية احد لا يضر أحدا كما مثل له بامرأة فرعون " وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة "

(1) آل عمران: 134.

(2) قيل هما رقية وزينب كانتا بنتي هالة اخت خديجة ولما مات أبوهما ربيتا في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله فنسبتا إليه كما كانت عادة العرب في نسبة المربى إلى المربى، وهما اللتان تزوجهما عثمان بعد موت زوجيهما، وكان لهما أخ اسمه هند، قتل مع الحسين عليه السلام ويقال له ابن خالة الحسين عليه السلام وما كان ابن خالته وكان ابن خالة أمه عليه السلام، هكذا في كتاب الاستغاثة لابن ميثم، منه رحمه الله، أقول: وفيه كلام.


576

فرفعها الله في الجنة فهي فيها تأكل وتشرب، وقيل إنها أبصرت بيتها في الجنة في درة " ونجني من فرعون " وعذابها، قيل كان أمر بأن يلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله وانتزع الله روحها فالقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، فلم تجد ألما من عذاب فرعون، وقيل إنها كانت تربط وتستقبل بالشمس وإذا انصرفوا عنها أطلقها الملائكة وجعلت ترى بيتها في الجنة " وعمله " أي دينه وقيل جماعة " ونجني من القوم الظالمين " من أهل مصر أتباع فرعون.

وقد خرجنا في هذا المقام عما نحن فيه في الجملة لانه باعث على فعل الطاعات وترك المعصيات وهو المقصود الحقيقي من كل فعل الانسان الذي ينتفع، بل المقصود من فعل الله تعالى وخلقه.

فقلت استغفروا ربكم

(1) اطلبوا من الله المغفرة بالتوبة والاستغفار عن الكفر والعصيان " إنه كان غفارا " كثير المغفرة للمستغفرين التائبين، ولكل من طلب المغفرة، فيغفر جميع من طلب المغفرة وتاب تفضلا منه وكرما " يرسل السماء عليكم مدرارا " أي إن استغفرتم يسيل السماء بحسب الرؤية وظاهر الحال أو السحاب أو المطر إذ قد يطلق عليهما السماء فيحصل عليكم بالمطر سيلا ويكثر ذلك فهو كناية عن كثرة المطر والغيث فيحصل لذلك خير كثير " ويمددكم بأموال وبنين " أي يكثر أموالكم وأولادكم الذكور أيضا " ويجعل لكم جنات " أي بساتين أيضا في الدنيا " ويجعل لكم أنهارا " تسقون بها بساتينكم.

قيل إن قوم نوح عليه السلام كانوا قد قحطوا وهلكت أموالهم لانه منع منهم الغيث أربعين سنة، وهلكت أولادهم وصارت نساؤهم لا يلدن، فأراد نوح عليه السلام حصول ما منعوا منه مما يشتهون، فأمرهم بالاستغفار الموجب لذلك، كأنه علم ذلك نوح عليه السلام بالهام الله تعالى إياه.

ففيه دلالة على وجوب الاستغفار والتوبة، وحصول فوائد له، وهي كثرة

(1) نوح: 10.


577

المال والولد، ولهذا روي عن الحسن أنه جاء إليه من شكى قلة المال ومن شكى قلة المطر ومن شكى قلة الولد فأمرهم بالاستغفار، وسئل عن ذلك فقال ما أمرتهم من نفسي بل من القرآن العزيز، قاله في الكشاف ومجمع البيان، وقال فيه أيضا: روى علي بن مهزيار عن حماد بن عيسى عن محمد بن يوسف عن أبيه قال سأل رجل أبا جعفر عليه السلام وأنا عنده فقال له: جعلت فداك إني لكثير المال وليس يولد لي ولد، فهل من حيلة؟ قال نعم استغفر ربك سنة في آخر الليل مائة مرة.

(1) وقال في الفقيه في باب النكاح في باب الدعاء في طلب الولد قال علي بن الحسين عليه السلام لبعض أصحابه قل لطلب الولد " رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين واجعل لي من لدنك وليا يرثني في حياتي ويستغفر لي بعد موتي ولا تجعل للشيطان فيه نصيبا اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك إنك أنت الغفور الرحيم " سبعين مرة فانه من أكثر من هذا القول رزقه الله ما تمنى من مال وولد، ومن خير الدنيا والآخرة فان الله تعالى يقول " استغفروا " وذكر الآية(2).

وأيضا قال فيه في الصحيح عن عمر بن يزيد الثقة عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر الله وأتوب إليه سبعين مرة، وواظب على ذلك حتى تمضي سنة كتبه الله عنده من المستغفرين بالاسحار، ووجبت له المغفرة من الله عزوجل، ولعل المراد(3) أستغفر الله وأتوب إليه كما فهم من الروايات(4).

وأيضا نقل عن صحيح البخاري عن شداد بن أنس عن النبي صلى الله عليه واله قال سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء على ذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في النهار موقتا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها في الليل وهو موقن بها

(1) مجمع البيان ج 9 ص 361.

(2) الفقيه ج 3 ص 304.

(3) يعنى في الاية.

(4) الفقيه ج 1 ص 309.


578

فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة عن كتاب النووي.

ثم قال: قلت أبوء بباء بعد الواو وهمزة ممدودة معناه أقر وأعترف، وقال فيه أيضا ورويناه في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول وإني لاستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، وفي حديث آخر مائة مرة.

وبالجملة الآيات والاخبار في وجوب الاستغفار وفوائده كثيرة جدا مثل " واستغفر لذنبك وسبح " " واستغفر لذنبك وللمؤمنين " " للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله " إلى قوله " والمستغفرين بالاسحار " " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله واستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين " " ومن يعمل سوء‌ا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما "(1) وغيرها من الآيات والاخبار من طرق العامة والخاصة مما يدل على وجوب الاستغفار، ووجوب التوبة ووجوب قبولها على الله بمعنى سقوط الذنب عندها بل بها، وأن لها فوائد شتى دينا ودنيا فلا يترك وإن لم تكن فيها الفروعات الفقهية المذكورة في الفقه، ولكن ذكرتها لكثرة فوائدها.

(1) غافر: 55، القتال: 19، آل عمران: 17، الانفال: 33، آل عمران: 135 النساء: 110، على الترتيب


579

الخامس : في روافع النكاح القسم الاول - الطلاق

وفيه آيات:

الاولى: يا ايها النبى اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا ندرى لعل الله يحدث بعد ذلك امرا * فاذا بلغن اجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف واشهدوا ذوى عدل منكم واقيموا الشهادة لله(1).

خص النبي صلى الله عليه واله بالنداء وعم الخطاب لامته لانه الرأس، بأنه إذا أراد هو صلوات الله عليه وأرادوا هم طلاق نسائهم، مثل " إذا قمتم إلى الصلاة "، و " إذا قرأت "(2) أو من قتل قتيلا فله سلبه، قال في الكشاف منه: كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي وفيه تأمل فافهم.

فطلقوهن لعدتهن

أي وقت عدتهن بأن يكون ذلك في وقت الطلاق وهو الطهر الذي لم يواقعها فيه بالاجماع، والاخبار، قال البيضاوي: لان اللام الداخل على الزمان ونحوه للتوقيت، وقال في مجمع البيان: ليتعددن بعد ذلك وفيه تأمل.

فدلت الآية على أن للطلاق وقتا وهو وقت العدة أي الطهر، فالاقراء التي

(1) الطلاق: 1.

(2) المائدة: 6، النحل: 98.


580

هي لبيان العدة في الآية الاخرى هي الاطهار كما هو مذهب الاصحاب والشافعي لا الحيض كما هو مذهب أبي حنيفة، وقد تكلف له بأن يكون " قبل " محذوفا، أي قبل عدتهن وأيده في الكشاف بأنه قرئ في الشواذ قبل عدتهن وأن اللام متعلقة بمحذوف أي مستقبلات لعدتهن كما يقال توضأ للصلاة والبس السلاح للقاء العدو وأنت تعلم عدم صحة الاحتجاج بالشواذ وعدم جواز التكلف، والحذف مع عدم الاحتياج.

ثم إن الظاهر أن النساء عام مخصص بالاجماع والنص بذوات الاقراء المدخو